Advertisement

دولة الإسلام في الأندلس 003



الكتاب: دولة الإسلام في الأندلس
المؤلف: محمد عبد الله عنان المؤرخ المصري (المتوفى: 1406هـ)
الناشر: مكتبة الخانجي، القاهرة
الطبعة:
جـ 1، 2، 5/ الرابعة، 1417 هـ - 1997 م
جـ3، 4/ الثانية، 1411 هـ - 1990 م
عدد المجلدات: 5 مجلدات
أعده للشاملة/ مهاجي جمال
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] الدراسات الفلسفية والرياضية في القرن الحادي عشر الميلادي. وكان المقتدر بن هود وولده المؤتمن، من العلماء المبرزين في الفلسفة والرياضيات والفلك. وكتب المؤتمن رسالته " الإستكمال " في الرياضية. وأثارت بحوث هذين الأميرين العالمين إعجاب الدوائر العلمية في العصور الوسطى (1).
كانت هذه الجمهرة الحاشدة من الأدباء والشعراء والعلماء، التي حفل بها عصر الطوائف تملأ قصور الطوائف، وتعيش في كنف أمرائها، سواء بطريق الخدمة في الوزارة أو الكتابة أو القضاء أو غيرها. أو في ظل الصحبة والرعاية المجردة لأولئك الأمراء. وكان أولئك العلماء والأدباء، ينتقل معظمهم من دولة إلى أخرى، ومن قصر إلى قصر، وفقاً للأحوال والظروف، إذ كانت هذه القصور جميعاً تتنافس في اجتذاب أعلام الكتاب والأدباء إليها، وفي رعايتهم والإغداق عليهم، وكان بعضهم ينقطع إلى أمير بذاته، ويعيش في كنفه وتحت رعايته، وكان بعضهم يستحوذ على سياسة الدولة، ويسيرها وفق رأيه، أو يخوض غمار الدسائس والفتن فيذهب ضحية تدخله. وقد كان ابن عباس وزير زهير العامري، وأبو عبد الله البزلياني وزير المعتضد بن عباد، وابن عمار وزير ولده المعتمد، أسطع أمثلة لأولئك الوزراء المغامرين، وقد دفع كل منهم حياته ثمناً لمغامراته.
وكان من آثار ازدهار الحركة الفكرية في عصر الطوائف، ذيوع المكتبات العامة والخاصة ذيوعاً يلفت النظر. ذلك أن كل مدينة أندلسية غدت عاصمة لمملكة كبيرة أو صغيرة. وكان أمراء الطوائف يتنافسون في اقتناء الكتب النفيسة والنادرة، وقد كانت تنهال على شبه الجزيرة من سائر أنحاء العالم الإسلامي. وقد لبثت قرطبة بالرغم مما أصابها من آثار الفتن والحروب الأهلية، مركز العلوم والدراسات الممتازة، وبقيت بالرغم مما أصاب المكتبة الأموية الكبرى من التبديد المؤلم، مثوى لكثير من المجموعات النفيسة الخاصة. وكانت إشبيلية، حاضرة بني عباد، هي الثانية بعد قرطبة، في تقدم العلوم والثقافة، وكانت تحتوي، فضلا عن مكتبة بني عباد الملوكية العظيمة، على عدد كبير من المكتبات الخاصة. وكانت ألمرية أيضاً من الحواضر التي اشتهرت بمكتباتها القيمة. وكان
_______
(1) يراجع في تفاصيل النهضة الفكرية في عصر الطوائف رسالة ابن حزم عن الحركة العلمية بالأندلس، وقد نشرت في نفح الطيب ج 2 ص 126 وما بعدها، ورسالة الشقندي وقد نشرت أيضاً في نفح الطيب ج 2 ص 138 وما بعدها. ويراجع أيضاً. R.M.Pidal: ibid ; p. 79-84
(2/436)

الوزير أحمد بن عباس وزير زهير العامري، فضلا عن علمه الغزير، من أعظم هواة الكتب، ويقال إن مكتبته العظيمة كانت تضم أربعمائة ألف مجلد. واشتهرت بطليوس في ظل بني الأفطس بتقدمها العلمي والثقافي. وكذا كانت طليطلة في ظل بني ذى النون مركزاً عظيماً للبحوث العلمية. واشتهر بنو ذى النون كذلك بجمع الكتب، وكانت لديهم مكتبة عظيمة. وكانت توجد غير المكتبات الملكية، مكتبات كثيرة أخرى خاصة وعامة، في سائر القواعد الأندلسية. وكان لهذه الثروات المكتبية، تأثيرها بلا ريب، في تقدم الحركة الفكرية والثقافية، في عهد الطوائف (1).
وقد امتدت هذة النهضة الفكرية والأدبية التي ازدهرت في عصر الطوائف إلى عهد المرابطين. وقد كان أولئك المرابطون يتسمون بالخشونة والبداوة، ويضطرمون بالأفكار الرجعية العتيقة، ويمقتون مظاهر الحضارة الأندلسية الرفيعة، فركدت في ظلهم دولة التفكير والأدب، وانفرط عقد الحلقات الأدبية الزاهرة، التي كانت تحفل بها قصور الطوائف، ومع ذلك فقد بزغت في عهدهم بعض أضواء مستمدة من تراث عصر الطوائف، وظهرت فيه عدة من الشخصيات اللامعة، مثل أبي القاسم خلف بن عباس القرطبي الطبيب الأشهر المتوفى سنة 516 هـ (1122 م)، وابن باجّة الطبيب الفيلسوف المتوفى سنة 533 هـ (1139 م).
وأبو بكر الطرطوشي المتوفى سنة 520 هـ (1126 م)، والفتح بن خاقان المتوفى سنة 535 هـ (1140 م)، وابن بسام الشنتريني المتوفى سنة 542 هـ (1147 م).
بيد أن ظهور هؤلاء العلماء والأدباء الأعلام في هذه الفترة لم يكن إلا أثراً من آثار النهضة الفكرية في عصر الطوائف.
* * *
وقد حظى عصر الطوائف، بعدة من أكابر العلماء والأدباء والمؤرخين الذين عنوا بتاريخه وتدوين حوادثه وخواصه، وتاريخ أعلامه. وفي مقدمة هؤلاء الفيلسوف ابن حزم. وبالرغم من أن ابن حزم لم يكن مؤرخا ًبالمعنى الصحيح لعصر
_______
(1) راجع في ذلك فصلا للأستاذ خوليان ربيرا عنوانه: Bibliofilos y Bibliotecas في كتابه Disertaciones y Opusculos en la Espana Musulmana. وراجع الإحاطة لابن الخطيب (القاهرة 1956)، ج 1 ص 267.
(2/437)

الطوائف، إلا أنه يقدم لنا في رسالته المسماة " نقط العروس "، وفي بعض رسائله الأخرى، طائفة من الوقائع والملاحظات الصادقة عن عصر الطوائف وشخصياته، أشرنا إليها واقتبسنا منها فيما تقدم. ثم المؤرخ الكبير أبو مروان حيان بن خلف ابن حيان، وقد ولد بقرطبة سنة 377 هـ (987 م) وتوفي بها سنة 469 هـ (1076 م)، وكان أبوه خلف بن حيان من وزراء المنصور بن أبي عامر. وبرع ابن حيان في الأدب والرواية حتى غدا من أعلامها وخاصة محققيها، وكانت نشأته الأرستقراطية، وعلائق أسرته بالأوساط العليا، تتيح له حسن الاطلاع والوقوف على شئون الدولة، ودراسة مختلف التيارات السياسية. وشهد ابن حيان في شبابه سقوط الدولة العامرية، وما تلاه من ترنح الخلافة الأموية ثم سقوطها، وقيام دول الطوائف في بداية القرن الخامس الهجري، وتولى هو الوزارة لبني جهور، وشهد سقوط دولتهم، وخصص لها كتاباً من كتبه. ولا ريب أن هذه الأحداث المثيرة، التي مزقت وحدة الوطن الأندلسي، قد أذكت مخيلة ابن حيان، وصقلت قلمه، وأمدته بكثير من التعليقات الصائبة، والملاحظات النقدية القوية، التي نراها ماثلة في معظم ما كتبه عن حوادث عصره. وأعظم آثار ابن حيان كتابه " المقتبس في تاريخ رجال الأندلس " أو " المقتبس في أخبار أهل الأندلس ". وهو تاريخ ضخم للأندلس حتى عصره أى عصر الطوائف. وقد انتهت إلينا منه عدة قطع مخطوطة (1). وقد ضمنه ابن حيان، عن عصر الطوائف وأحداثه التي شهد الكثير منها بنفسه، أقيم الروايات وأنفسها، وأحفلها بالتعليقات النقدية. وكتب ابن حيان غير المقتبس، كتابه " المتين " وهو أيضاً تاريخ للأندلس تبالغ الرواية في ضخامته، ولكن لم يصل إلينا شىء منه, وكتاب المآثر العامرية، وهو أيضاً كتاب ضخم يقص فيه ابن حيان سيرة المنصور ابن أبي عامر وغزواته، ولكنه لم يصل كذلك إلينا.
وأسلوبه التاريخي يتسم بروح علمي ونقدي بارز. ويشيد ابن بسام بمجهوده التاريخي، وينقل عنه شذوراً ضافية، ولكنه يحمل عليه لمواقفه المتناقضة أحياناً
_______
(1) يوجد منه جزء كبير مخطوط عن عهد عبد الرحمن الناصر بالخزانة الملكية بالرباط، وقطعتان مخطوطتان أخريان بخزانة القرويين الكبرى بفاس، وقطعة صغيرة مخطوطة بمكتبة أكاديمية التاريخ بمدريد. وهذا عدا الجزء الذي نشره المستشرق الإسباني الأب ملشيور انتونيا (باريس سنة 1937). (راجع في ذلك كتابي دولة الإسلام في الأندلس - الطبعة الرابعة ص 7 - 9).
(2/438)

بين المديح والذم، والتقدير والانتقاص، وذلك حسبما أشرنا إليه في موضعه في أخبار دولة بني جهور (1). وجاء بعد ابن حيان تلميذه أبو عبد الله الحميدي المتوفى سنة 488 هـ (1095 م). وقد عنى في معجم تراجمه (2)، بترجمة كثير من العلماء والأدباء، والفقهاء والمحدثين، في عصر الطوائف. وكتب المؤرخ والأديب الكبير أبو الحسن على بن بسام الشنترينى معجمه التاريخي والأدبي الضخم بقرطبة، عقب انتهاء عهد الطوائف بقليل، في سنتي 502 و 503 هـ.
وقد عاصر ابن بسام، قبل أن يغادر موطنه مدينة شنترين البرتغالية نحو سنة 480 هـ، قبيل استيلاء النصارى عليها بأعوام قلائل (3)، أواخر عهد الطوائف، وأوائل عهد المرابطين، وعاش وقتاً في إشبيلية، ثم غادرها إلى قرطبة، حيث كتب مؤلفه. ويعتبر كتاب " الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة "، وهو مؤلف ضخم يحتوي على أربعة مجلدات أو أقسام كبيرة، من أهم وأنفس مصادرنا عن الطوائف سواء من النواحي التاريخية أو الأدبية أو الاجتماعية. وبالرغم من أن الصفة الأدبية تغلب عليه، بما يورده من تراجم أكابر الأدباء والكتاب والشعراء، ومن منثورهم ومنظومهم، فإنه مع ذلك يتضمن طائفة كبيرة من الفصول والشذور التاريخية، المنقولة عن ابن حيان وغيره من المؤرخين المعاصرين، أو المكتوبة بقلم ابن بسام ذاته. ويصارحنا ابن بسام في مقدمته بالدافع النفسي الذي دفعه إلى تصنيف " الذخيرة "، وهو أنه رأى انصراف أهل عصره وقطره إلى أدب المشرق والتزود منه والإعجاب به، وإهمال أدب بلدهم، فأراد بوضع الذخيرة، وجميع ما تضمنه، من رائق المنثور والمنظوم، أن يبصر أهل الأندلس ْبتفوق أدبائهم، وروعة إنتاجهم، وأن الإحسان ليس مقصوراً على أهل المشرق.
ومن الواضح أيضاً أن ابن بسام أراد أن يعارض بكتابه محاسن أهل الجزيرة أى جزيرة الأندلس، أديب المشرق الكبير أبي منصور الثعالبي صاحب
_______
(1) راجع الذخيرة القسم الأول المجلد الثاني ص 84 و 85 و 113.
(2) وهو المسمى " جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس ". وقد صدرت منه طبعة جديدة بالقاهرة في سنة 1372 هـ.
(3) راجع الذخيرة القسم الأول المجلد الأول ص 8. وقد سقطت شنترين في يد ألفونسو السادس ملك قشتالة في سنة 486 هـ (1093 م).
(2/439)

" يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر "، فالذخيرة واليتيمة بذلك صنوان يدعو كل منهما إلى تذوق محاسن قطره.
ونجد إلى جانب ابن بسام كاتباً أديباً ومؤرخاً آخر، هو الفتح بن خاقان المتوفى سنة 529 هـ (1134 م) صاحب كتابي " القلائد " و " المطمح ". وقد أورد لنا في " القلائد " (1) تاريخ طائفة كبيرة من أمراء الطوائف ووزرائهم من الكتاب والشعراء والقضاة، يقدمهم إلينا في أسلوب مسجع، يغلب عليه التكلف، ويتضمن مع ذلك نبذاً وحقائق تاريخية هامة، وكذا في المطمح أو " مطمح الأنفس ومسرح التأنس " فقد تحدث عن طائفة من الأعيان الذين تناولهم في القلائد، وتحدث عن غيرهم بنفس الأسلوب المسجع. ونجد أخيراً شاعراً وكاتباً كبيراً، هو أبو محمد عبد المجيد بن عبدون، وزير بني الأفطس والراثي لدولتهم، المتوفى سنة 520 هـ (1126 م) وهو الذي سبق ذكره، يقدم لنا في رسالته عن " القضاء والحسبة " صوراً هامة عن شئون القضاء والحسبة، وما يتعلق بها من أحوال الناس والمجتمع في عهد الطوائف، تبدو فيها روح النقد والتشاؤم، وهو ينوه في رسالته بما كان يجرى في إشبيلية، حيث كان يقيم، من ضروب الفساد، ويدعو إلى الكف عن أمور كانت تجرى في عهده، منها ألا يدخل النساء المسلمات الكنائس المشفوعة تحوطاً من فسق القساوسة، وألا تقرع النواقيس في بلاد المسلمين، إذ هي لا تضرب إلا ببلاد النصارى، وألا يبيع النصارى واليهود كتب العلوم الإسلامية لأنهم يترجمونها وينسبونها إلى أعيانهم، وألا يتولى الأطباء اليهود والنصارى علاج المسلمين. إلى غير ذلك مما سبق أن أشرنا إليه. ومما جاء في ختام رسالته قوله: " وبالجملة فإن الناس قد فسدت أديانهم وإنما ... الدنيا الفانية والزمان على آخره. وخلاف هذه الأشياء، هو ابتداء الهرج، وداعية الفساد، وانقضاء العالم. ولا يصلح ذلك إلا نبي بإذن الله. فإن لم يكن زمن نبي، فالقاضي مسؤول عن ذلك كله، ومن كان في عون المسلمين، كان الله في عونه، فعليه أن يصرح بالحق، ويجري إلى الإصلاح والعدل
_______
(1) هو كتاب " قلائد العقيان " وقد طبع بالقاهرة سنة 1283 هـ.
(2/440)

والتخلص، وينظر لنفسه، فعسى يتخلص، والله بعزته يسدده، ويوفقه للخير ... " (1).
- 3 -
الخواص الفنية
وكما ازدهرت العلوم والآداب في عصر الطوائف، فكذلك ازدهرت الفنون والصناعات، وكانت قصور الطوائف مثوى للفنون الجميلة، ومظهراً حياً لكل ما تمخض عنه ذلك العصر من زخرف وترف وإناقة، وكانت بالأخص منتديات زاهرة للموسيقى، وما يتبعها من الغناء. وكان معظم أمراء الطوائف من عشاق الموسيقى يتنافسون في اقتناء القينات الحسان البارعات في العزف والغناء، ويبذلون في ذلك الأموال الطائلة، حتى لقد بذل أحدهم، وهو هذيل بن رزين صاحب شنتمرية الشرق ثلاثة آلاف دينار ثمناً لإحدى هؤلاء القينات، وكان في قصورهم منهن أسراب وأسراب، ولاسيما في قصور بني عباد بإشبيلية، وبني ذى النون بطليطلة، وكان المعتضد بن عباد يعشق الموسيقى، ويصحب الموسيقيين معه أثناء حملاته الحربية.
وكذلك ازدهرت الزراعة بالأندلس في عصر الطوائف. ونحن نعرف ما امتاز به أهل الأندلس من البراعة في الفنون الزراعية، وكيف حولوا وديان الأندلس إلى مهاد ورياض نضرة، وكيف اتخذت فنون الزراعة على أيديهم طابعاً علمياً واضحاً. وقد كان أهل الأندلس في الواقع من أنبغ الشعوب في فلاحة الأرض وتربية الماشية، وغرس الحدائق. وتنظيم طرق الري والصرف، ومعرفة أحوال الجو، وكل ما يتعلق بفنون الزراعة وخواص النبات، وكانت مزارعهم وحدائقهم، مضرب الأمثال في الجودة والتنسيق والنماء. ويرجع ازدهار الزراعة في عصر الطوائف إلى شغف ملوك الطوائف بإنشاء الحدائق والبساتين اليانعة، وتربية الغراس والزهور النادرة. وقد ظهر في عصر الطوائف، عدد من علماء النبات
_______
(1) نشرت رسالة ابن عبدون في القضاء والحسبة ضمن مجموعة تتضمن ثلاث رسائل في الحسبة، نشرت بعناية الأستاذ ليفي بروفنسال، وصدرت ضمن مطبوعات المعهد الفرنسي للآثار بالقاهرة.
(2/441)

والزراعة، ولاسيما في طليطلة وإشبيلية، حيث كانت حدائق بني ذى النون في الأولى، وحدائق بني عباد في الثانية، تشغل مساحات واسعة، وتتطلب عناية الخبراء الممتازين. وكان من علماء النبات والفلاحة البارعين في طليطلة ابن وافد الطبيب المشهور، وكان يشرف على حدائق بني ذى النون.
وأبو عبد الله بن بصّال العالم الزراعي، الذي عاش في أواخر القرن الحادي عشر الميلادي. وقد اشتهر ابن بصّال بتجاربه العلمية الناجحة في توليد الغراس، ومكافحة الآفات الزراعية، وكتابه " الفلاحة " الذي انتهى إلينا، وهو المشتق من دراساته وتجاربه العملية، يشهد ببراعته وتفوقه في هذا الميدان.
ولما سقطت طليطلة في أيدى النصارى، غادر ابن بصّال طليطلة إلى إشبيلية، وعهد إليه هنالك بالإشراف على بساتين بني عباد. وكان من هؤلاء العلماء أيضاً أبو عمر أحمد بن محمد بن حجاج، وقد عاش في إشبيلية، وألف كتاباً في الزراعة اسمه " المقنع " لم يصل إلينا. وأبو عبد الله محمد ابن مالك الطغنري، وهو غرناطي عاش في أواخر القرن الحادي عشر، وتتلمذ على ابن بصّال، ووضع كتاباً في الفلاحة سماه " زهر البستان ونزهة الأذهان ". وكان منهم بقرطبة ابن لونكو الذي عاش في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري، وكان أيضاً من تلاميذ تلك المدرسة الزراعية الزاهرة. وقد توفي في سنة 498 هـ (1104) (1).
وأما عن الصناعات، فقد كانت كذلك في عصر الطوائف رائجة زاهرة، وكانت تشمل كثيراً من الصناعات الهامة مثل صناعات الحديد والنحاس والزجاج والنسيج. وكانت صناعة النسيج بالأخص، من أهم وأشهر الصناعات أيام الطوائف، وكان بمدينة ألمرية وحدها، خمسة آلاف منسج، تنتج أفخم وأجمل أنواع الأقمشة. وكانت السفن من مختلف ثغور المشرق، ومن الثغور الإيطالية، تقصد إلى ألمرية وغيرها من الثغور الأندلسية محملة بالسلع من كل ضرب، ثم تعود محملة بالسلع الأندلسية. وكانت دول الطوائف ذات الثغور، مثل إشبيلية وألمرية، وبلنسية ودانية وسرقسطة، تجني من التجارة الخارجية أرباحاً طائلة.
_______
(1) راجع مقدمة كتاب الفلاحة لابن بصّال المنشور بعناية المستشرق الإسباني Millas Vallicross الأستاذ محمد عزيمان (تطوان 1955).
(2/442)

والخلاصة أن دول الطوائف تقدم إلينا ذلك المزيج المدهش من الضعف والقوة، ضعف البناء السياسي والعسكري، وقوة التراث المادي والحضاري، ومن الانحلال الاجتماعي الشامل، والتقدم الفكري اللامع. وقد كان أبرز ما في ذلك المزيج المتناقض، ضعف الروح الدينية والوطنية، بصورة لم تعرفها الأمة الأندلسية في تاريخها من قبل قط، بل ولم تعرفها فيما بعد، حتى في أسوأ عصور الفتنة، والتفكك السياسي والعسكري، التي كان يقابلها من الناحية الأخرى فترات قوة وتفوق من جانب الممالك الإسبانية النصرانية. ولكن الأندلس لم تبد قط في أية فترة من هذه الفترات تجاه اسبانيا النصرانية، مثل ما أبدته أيام الطوائف من التخاذل والاستسلام، ومن ضعف العقيدة الدينية والوطنية، ومن إهدار لمقتضيات الكرامة القومية، فعصر الطوائف وحده هو الذي يقدم إلينا تلك الخواص المؤلمة، التي تتناقض في مجموعها وفي تفاصيلها، مع طبيعة الأمة الأندلسية، ومع ما اتصفت به طوال تاريخها، من الشجاعة والشهامة والإباء، والتفاني في الذود عن الدين والوطن.
وفي وسعنا أن نلمح في تاريخ الإمارات والجمهوريات الإيطالية في عصر الإحياء، في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، كثيراً من آثار تلك الخواص التي غلبت على عصر الطوائف بالأندلس. فهنالك الأمراء الطغاة، والحروب الأهلية الطاحنة، تمزق وحدتها وتفرق كلمتها. وهنالك استعداء العدو الخارجي كل منها على الأخرى، ثم التخاذل في الدفاع عن الوطن. وهنالك الانحلال الديني والأخلاقي والاجتماعي الشامل. ونجد إلى جانب ذلك كله نهضة علمية وأدبية. وفنية زاهرة، من أروع ما عرفته إيطاليا في تاريخها، يرعاها الأمراء الطغاة، ويمدونها بالبذل الوفير. وهنالك أخيراً تجارة وصناعات رائجة. ورخاء شامل، وحياة كلها متعة واستهتار. ولا ريب أن هذا التماثل في الخواص بين العصرين، يرجع إلى حد كبير، إلى التماثل بين ما كان يجوزه كل منهما من الظروف السياسية والاجتماعية.
(2/443)

االوثائق والملحقات
(2/445)

- 1 -
رسالة كتب بها الأمير أبو يعقوب يوسف بن تاشفين إلى الناصر بدين الله تميم بن المعز بن باديس بالمهدية. يصف فيها بلاد الغرب، وجوازه للأندلس للجهاد بها، وهزيمته للأذفونش أمير النصارى في رجب سنة تسع وسبعين وأربعمائة.
(منقولة عن المخطوط رقم 448 الغزيري بمكتبة الإسكوريال ( Fol. 49R.-53V) وهو مخطوط ناقص من أوله ولا عنوان له).
" الحمد لله الذي من علينا بالإسلام، وفضلنا بمحمد عليه السلام، أحمده حمداً يوجب المزيد من آلايه، والسبوغ من سر الله ونعمائه. كان من قضايه جل شأوه، وتقدمت أسماؤه، لما أراد قمع المردة الطغاة من زناتة وغيرهم في بلاد المغرب، سبّب لنا إليهم المطلب، فقفونا آثارهم، وأخلينا منهم ديارهم، وكذلك نفعل بالقوم الظالمين، فقومنا الدّين، ومهدنا بها المسلمين، فصفت لنا ضمائرهم، وخلصت إلى ألله تعالى نياتهم، وسرايرهم، حتى وصلنا طنجة الركاب، وأذقنا برغواطة سوم العذاب، ففتح الله لنا وبها، وهو خير الفاتحين، وأسرع الحاسبين، لا إله غيره وهو أرحم الراحمين. ولما بلغنا من استحواذ النصارى، دمرهم الله، على بلاد الأندلس ومعاقلها، وإلزام الجزية لرؤسائهم، واستيصال أقالمها، وإيطايهم البلاد داراً داراً، لا يتخوفون عسكراً يخرج إليهم، فيبدد جمعهم، ويفل حدهم، وهم مع ذلك كله يقتلون الشيب والشبان، ويأسرون النساء والصبيان. فخوطبا عن الجواز إلى الأندلس من جميع الأحواز، المرة بعد المرة، وألوتنا الأعذار إلى وقت الأقدار، ولم نجد للجواز باباً، ولا لدخول البحر أسباباً، فانضم لنا منهم الريس الأجل المعتمد على الله، المولاّ بنصر الله، أحسن الله في كل الأمور عونه، وأقر بكل صالحة عينه، فعزمنا على الغزو، وجوزنا للعدو أسوداً ضارية، وسباعاً عادية، شيباً وشباناً، بسواعد قوية، وقلوب في سبيل الله نقية، قد عرفوا الحرب وجربوها، فهي المهم وهم بنوها، يتلمظون تلمظ الفهود، ويزءرون إليها زءر الأسود، فشحنا بهم القوارب،
(2/446)

وأوسعناهم على ظهور المراكب، فخرجنا في مرسى الجزيرة الخضراء من دياره، وفقه الله، ففزع الناس من كل أفق إليهم، ووفدوا من كل قطر إليهم، متعجبين من هيأتهم، محتقرين لزيهم ونغماتهم، لا يروعهم منهم حاشى الخيل والدرق، وهم مع ذلك لا ينالون إلا بعد جف الريق ومسح العرق، وقدروا أنهم طعم للسيوف، وغرض للحتوف، وسعد للأرماح، ونهب للسلاح، فكل استصغرهم، والجميع منهم احتقرهم، وتبلغ إلينا أخبارهم وأقوالهم، وتنتهي إلينا أفعالهم، ثم اتبعناهم جيشاً بعد جيش، بخيول كالفحول، عليها الكهول، وعدد من كل أمرد، على أجرد، يتسابقون إلى اللقاء في الفضاء، تسابق الحين والقضاء. ومع هذا كله إن أهل الأندلس مستبشرون بنصرهم على أيدينا، وإزاحة غمتهم بسببنا، وعساكرنا تتزيد، وجوازنا يتأكد، وكان آخر من جاز منا ومعنا، قطعة من صنهاجة بني عمي، فعسر البحر حينئذ للجواز، واضطربت في الأمواج، فاستصرخنا الباري تعالى جده، وعظم اسمه، إن، كان في جوازنا خيرة للمسلمين أن يسهل علينا، فما استكملت من كلامي، حتى سهل الله المركب، وقرب المطلب. فخرجنا من الحين في مرسى الجزيرة الخضراء المذكورة، والتأم شعبتنا مع من جاز من عسكرنا، فعملنا على السير، وكان قد تقدم إلينا بالعدوة من قبل الأدفونش أمير النصارى رسالة يخاطبنا فيها بالجواز إلينا إذا عجزنا عنه، وفرقنا منه، نعطوه المراكب، ونسلموا إليه الشواني والقوارب، ليرد علينا ويقاتلنا في مأمننا، فلم نلتفت إليه، ولاعرجنا عليه. ووصلنا أيدينا بالريس الأجل المعتمد على الله المؤيد بنصر الله، واستوثقنا منه غاية الاستيثاق، وبنينا معه على اللحاق بهم، والورود عليهم، ونحن في ذلك كله لما نقل إلينا، وورد علينا من رؤساء الأندلس، مستبطئين سريرة المخبتِين، لابسين قسوة الصالحين، وقلوبنا شتى، حتى لحقنا إشبيلية حضرته، عمرت ببقايه، وقد تجمع له من جنوده أعداد، ومن حشمه وعبيده وخيله ورجله أجناد، فصرنا إلى مدينة بطليوس، وأقمنا بها أياماً منتظرين لوفد الرؤساء من جميع أقطار الأندلس، فأخبرنا وصح عندنا أن كل واحد منهم مشتغل مع قطعة كثيرة من النصارى، قد تغلبوهم على حصونهم، وأذلوهم في بلادهم، وأضعفوهم، وشجعوهم على مر ادهم، فحمدنا الله تعالى، ودعونا بتيسير المراد، واستنقاذ
(2/447)

العباد. فجمعنا عساكرنا وسرنا إليه، وصرنا إلى قفل قورية من بلاد المسلمين صرفها الله، فسمع بنا، وقصدنا قصدنا، وورد ورودنا، واحتل بفنائها منتظراً لنا، فبعثنا إليه نحضه على الإسلام، ودخوله في ملة محمد عليه السلام، أو ضرب الجزية عليه وإسلام ما كان من المال والبيوت لديه، كما أمرنا الله تعالى، وبين لنا في كتابه، من إعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون، فأبا وتمرد، وكفر ونخر، وعمل على الإقبال علينا، وحث في الورود علينا، فلحقنا وبيننا وبينه فراسخ، فلما كان بعد ذلك، برزنا عليه أياماً، فلم يجبنا، فبقينا وبقوا، ونحن نخرج الطلايع إليه، ونتابع الوثوب عليه، وبنينا على لقايه يوم الخميس لإحدى عشر ليلة خلت لرجب سنة تسع وسبعين وأربعمائة. فلما كان يوم الجمعة ثانية، ورد علينا بكتايب قد ملأت الآفاق، وتقلبت تقلب الحتوف للأحداق، قد استلموا الدروع للكفاح، وربطوا في سوقهم الألواح، وبطونهم ملأ من الخمور، يقدرون أن الدائرة علينا تدور، ونحن في أخبيتنا صبيحة اليوم المذكور، كل منا ساه وجميعنا لاه، فقصد أشدهم شوكة، وأصلبهم عوداً، وأنجدهم عديداً، محلة المعتمد على الله المؤيد بنصر الله، وفقه الله، عماد رؤساء الأندلس وقطبهم، لا يقدرون عسكراً إلا عسكره، ولا رجال إلا رجاله، ولا عديداً إلا عديده، وداود من أصحابنا منا إلى إزايه، فهبطوا إليه لفيفاً واحداً، كهبوط السيل، بسوابق الخيل، فلما كان معه من جنده ومن جميع الطبقات، الذين كانوا يدخرون من قبله الأموال والضياع، استكت آذانهم، واضطربت أضلاعهم، ودهشت أيديهم، وزلزلت أقدامهم، وطارت قلوبهم، وصاروا كركب الحمير، فرّوا يطلبون معقلا يعصمهم، ولا عاصم إلا الله، ولا هارباً منه إلا إليه، فلحقوا من بطليوس بالكرامات، لما عاينوا من الأمور المعضلات، وأسلموه أيده الله، وحده في طرف الأخبية، مع عدد كثير من الرجالة والرماة، قد استسلموا للقضاء، فوثبوا عليه وثب الأسد على الفرايس، يعظمون الكنايس، فحبسهم حيناً وحده مع من إليه ممن ذكرناه، وبسطوا منهم الأرض، ولم يبق من الكل إلا البعض، ولجأ في الأخبية، بعد أن عاين المنة، وتخلصه الله بنيته في المسلمين وبلغه أمنيته، بعد أن وقف وقفة بطل مثله، لا أحد يرد عليه، ولا فارس من فرسانه وعبيده يرجع إليه، لايروعه أحد منهم فيهزم، ولا يهابهم فيسأم،
(2/448)

ثم قصدت كتيبته سوداً كالجبل العظيم أو الليل البهيم، عسكر داود وأخبيته، فجالوا فيها جولاناً، وقتلوا من الخلق ألواناً، واستشهد الكل بحمد الله وصاروا إلى رضوان الله، ونحن في ذلك كله غافلون، حتى ورد علينا وارد، وقصد إلينا قاصد، فخرجنا من وراء الشعب، كقطع اللهب، بجميع من معنا، على الخيل المسومة العراب، يتسابقن الطعن والضراب، فلما رأونا، ووقعت أعينهم علينا، ظنوا أن الدائرة فينا ولدينا، وأنا طعم أسيافهم ولقاء رماحهم، فكبرنا وكبر الكل معنا، مبتهلين لله وحده لا شريك له، ونهضنا للمنون الذي لا بد منه ولا محيص لأحد عنه، وقلنا هذا آخر يومنا من الدنيا، فلنموتوا شهداء، فحملوا علينا كالسهام، فثبت الله أقدامنا، وقوي أفئدتنا، والملائكة معنا، والله تعالى ولى النصر لنا، فولوا هاربين، وفروا ذاهبين، وتساقط أكثرهم بقدر الله تعالى دون طعنة تلحقه ولا ضربة تثخنه، وأضعف الرعب أيديهم، فطعناهم بالسمهرية دون الوخز بالإبر، وضاقت بهم الأرض بما رحبت، حتى أن هاربهم لا يرى غير شىء إلا ظنه رجلا، فتكت فيهم السيوف، على رغم الأنوف، فو الله لقد كانت تقع على الدروع فتفريها، وعلى البيضات فتبريها، وزرقوا الرجالة منا على خيلهم الرماح، فشكوهم بها فرمحت بهم، فما كنت ترى منهم فارساً إلا وفرسه واقف على رأسه لا يستطيع الفرار، الكل يجر عنانه، كأنه معقل بعقاله، ونحن راكبون على الجواد الميمون، العربي المصون، السابق اللاحق، المعد للحقائق، وما منا إلا من له جرناز فيه سيفان، وبيدنا الثالث، عسى أن يحدث من حادث، فصاروا في الأرض مجدلين، موتى معفرين، وقد تراجع ْالناس بعد الفرار، وأمنوا من العثار، وتضافروا مع عسكرنا وغيرهم، يقطعون رؤوسهم، وينقلون بإزاء المحلات، حتى علت كالجبال الراسيات، عدد لا يقدر، ومدد لا يحزر، والتجريد فيهم، والأيدي متعاودة لبطونهم، واشتأصلنا أكابرهم، وحللنا دون أماطيهم وأمانيهم، وما ربك بغافل عما يعمل الظالمون.
ْوانقطع من عسكرهم نحو ألفي رجل أو أقل، والأذفونش فيهم على ما أخبرنا، قد أثخنوا جراحاً بإزاء محلاتهم، يرتادون الظلام للهروب في المقام، والله لقد كان الفرسان والرجالة يدخلون محلتهم، ويعثرون في أخبيتهم، وينتهبون أزودتهم وهم ينظرون شزراً نظر التيوس إلى شفار الجازرين، إلى أن جن الليل وأرخى
(2/449)

سدوله، ولوا هاربين، وأسلموا رحايلهم صاغرين، فكم من دِلاص على البقاع ساقطة، وخيول على البقاع رابضة، ولقد ارتبط كل فارس منا الخمسة الأفراس أو أزيد. وأما البغال والحمير فأكثر من ذلك. وأما الثياب والمتاع فناهيك، والأسرة بأوطية الحرير، والثياب والأوبار عدد ليلهم، ولا يكلون في الانتقال، ولا يسئمون من شريط الأموال، ولحقوا قورية ومنها حيث ألقت رحلها أم قشعم، فصححنا ضمائرنا، وأخلصنا للمعتمد على الله نياتنا وسرايرنا، ورجعنا بحمد الله غانمين منصورين، لم يستشهد منا إلا الفرقة التي قدر الله عليها بذلك، وقدرنا أن الكل منهم هلك لقلة معرفتهم وجهالتهم بقتال النصارى، وتراميهم للشهادة، قدس الله أرواحهم، وكرم مثواهم وضريحهم، وجعل الجنة ميعاداً بيننا وبينهم، وفقدنا من أكابرنا نحو عشرين رجلا ممن شهدت نجدته في المغرب، وانقلبت خير منقلب. ولحقنا إشبيلية حضرته عمرت ببقايه، وأقمنا عنده أياماً، ورفعنا عنه مودعين لا تودع قاطع، ولا يمنعنا منه متى أحب مانع، ولحقنا الجزيرة الخضراء، ونحن نريد أشياء أسأل الله تمامها وإنجازها، وأن يسهل المراد ويوفقنا للسداد، ومتى تنفس منهم متنفس، وأرجح إلى أحدهم نفس، يذكرون ما لقوا، ويتذاكرون ما بقوا، وسنستدرجهم من حيث لا يعلمون، ولا وأملي لهم إن كيدي متين، حتى لا يبقى على أديم الأرض منهم حي، ولا يحس منهم أنسي. والحمد لله رب العالمين على ما قضى وخول وأعطى، وهذا كله منّاً منه علينا لا منّاً عليه، وصلى الله على محمد خاتم النبيين، وقائد الغر المحجلين إلى جنات الله النعيم، وآله الطيبين، وسلم تسليما، والسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته ".
(2/450)

- 2 -
بعض " فصول " الكتاب الذي بعث به أمير المسلمين يوسف بن تاشفين إلى بلاد العدوة عقب موقعة الزلاّقة.
(منقولة عن كتاب الأنيس المطرب بروض القرطاس - طبعة بسالة ص 96 - 98).
" أما بعد حمد الله، المتكفل بنصر أهل دينه الذي ارتضاه، والصلاة على سيدنا محمد أفضل رسله، وأكرم خلقه وأسره، فإن العدو الطاغية، لعنه الله، لما قربنا من حماه، وتوافقنا بإزائه، بلغناه الدعوة، وخيرناه بين الإسلام والجزية والحرب، فاختار الحرب، فوقع الاتفاق بيننا وبينه، على الملاقات في يوم الاثنين الخامس عشر لرجب، وقال الجمعة عيد المسلمين، والسبت عيد اليهود، وفي عسكرنا منهم خلق كثير، والأحد عيدنا نحن، فافترقنا على ذلك وأضمر اللعين خلاف ما شرطناه، وعلمنا أنهم أهل خدع، ونقض عهود، فأخذنا أهبة الحرب لهم، وجعلنا عليهم العيون، ليرفعوا إلينا أحوالهم، فأتتنا الأنباء في سحر يوم الجمعة الثاني عشر من رجب المذكور أن العدو قد قصد بجيوشه نحو المسلمين، يرا أنه قد اغتنم فرصته في ذلك الحين، فنبذت إليه أبطال المسلمين، وفرسان المجاهدين، فتغشته قبل أن يتغشاها، وتعدته قبل أن يتعداها، وانقضت جيوش المسلمين في جيوشهم انقضاض العقاب على عقيرته، ووثبت عليهم وثوب الأسد على فريسته، وقصدنا برايتنا السعيدة المنصورة في سائر المشهدة المنتشرة، ونظروا إلى جيوش لمتونة نحو ألفنش، فلما أبصر النصارى رايتنا المشتهدة المنتشرة، ونظروا إلى مواكبنا المنتظمة المظفرة، وأغشتهم بروق الصفاح، وأضلتهم سحائب الرماح، ونزلت بحوافر خيولهم رعود الطبول بذلك الفياح، فالتحم النصارى بطاغيتهم ألفنش، وحملوا على المسلمين حملة منكرة، فتلقاهم المرابطون بنيات خالصة، وهمم عالية، فعصفت ريح الحرب وركبت دائم السيوف والرماح بالطعن والضرب. وطاحت المهج، وأقبل سيل الدماء في هرج، ونزل من سماء الله على أوليائه النصر العزيز والفرج، وولى ألفنش مطعوناً في إحدى ركبتيه طعنة أفقدته إحدى ساقيه في خمس مائة فارس من ثمانين
(2/451)

ألف فارس ومائتي ألف راجل، قادهم الله إلى المصارع والحتف العاجل، وتخلص لعنه الله إلى جبل هنالك، ونظروا النهب والنيران في محلته من كل جانب، وهو من أعلى الجبل ينظرها شزراً، ويحيد عنها صبراً، ولايستطيع عنها دفعاً، ولا لها نصراً، فأخذ يدعو بالثبور والويل، ويرجو النجاة في ظلام الليل، وأمير المسلمين بحمد الله قد ثبت في وسط مواكبه المظفرة، تحت ظلال بنوده المنتشرة، منصور الجهاد، مرفوع الأعداد، ويشكر الله تعالى على ما منحه من نيل السؤال والمراد، فقد سرح الغارات في محلاتهم تهدم بناءها، وتصطلم ذخائرها وأسبابها، وتريه رأي العين دمارها ونهبها، وألفنش ينظر إليها نظر ْالمغشى عليه، ويعض غيظاً وأسفاً على أنامل كفيه، فتتابعت البهرجة الفرار رؤساء الأندلس المنهزمين نحو بطليوس والغار، فتراجعوا حذاراً من العار، ولم يثبت منهم غير زعيم الرؤساء والقواد، أبو القاسم المعتمد بن عباد، فأتى إلى أمير المؤمنين، وهو مهيض الجناح، مريض عنة وجراح، فهنأه بالفتح الجليل، والصنع الجميل، وتسلل ألفنش تحت الظلام فاراً لا يهدى ولا ينام، ومات من الخمسمائة فارس الذين كانوا معه بالطريق أربع مائة فلم يدخل طليطلة إلا في مائة فارس، والحمد لله على ذلك كثيراً. وكانت هذه النعمة العظيمة، والمنة الجسيمة، يوم الجمعة الثاني عشر لرجب سنة تسع وسبعين وأربع مائة، موافق الثالث والعشرين لشهر أكتوبر العجمي ".
(2/452)

- 3 -
رسالة لابن (إسحق) عن المقتدر بالله إلى ابن عباد يعرفه بأمر أخيه صاحب لاردة.
(منقولة عن المخطوط رقم 488 الغزيري بمكتبة الإسكوريال Fot.118V - 119R)
" سيدي، وأعلى عددي، وأقوى عمدي، وأزكى ذخري لأبدي، ونعمة الله المستطيلة بيدي، المناهضة بعضدي، ومن أطال الله بقاه في عز رفيع المراتب، وحرز منيع الجوانب، إذ أحكام الفتن، وحوادث الزمن، لا تزال تحل على كل ما لا يقع بإيثار، ولا يجري على حكم واختيار، فرب كريهة لا يلقى المرء عن اقتحامها معدلا، ومساءة لا يزال عن التزامها مرحلا، وقديماً جَدّ الجفاء العقوق، وأبطل التجني الحقوق، وقد يخرج الحليم، ويتغيس الحميم، وتقطع الرحم، وتنبذ الذمم، لاسيما عن مجاذبة ما يمنع الحسد، باتراً أواصر الإخاء والإجمال، وتحاسد القرابة داء قديم، وخلق في الناس معلوم، وإني أيدك الله، بليت من المظفر أخي بظالم لا يؤمل منه إنصاف، ومتحمل لا تستنزله ألطاف، وحاسد لا يرجى استرضاؤه، وموجب لنفسه حقاً لا يوجب مضاؤه، إذا سألته نصفة أبدا منه أنفه، وإن سمته عدلا مال إلى الجور ميلا، وإن خفضت له جناح الذل، أوطأني جهر الجفا، وإن أقبلت عليه بناظر الود، أول من صفحة الإبداء، وإن استدنيته شحط، وإن استرضيته سخط، وإن حكمته تشطط، وإن أغضيت له تسلط، وأنا في أثناء ذلك كله أحاوله على أخلاقه، وألبسه على أخلاقه، وأستمع منه بغير مستمع، وأرفع منه بغير مرفع، وعقارب مضرته تدب، وعواصف معرته تهب، وأذاه قاصد إلى في خاصتي، ومفسد على بطانتي، لا يألو في مساءتي سعياه اجتهاداً، ولا آلو إلى مسرته تأنياً وانقياداً، آخذاً بالحجة عليه، وتقدماً بالجميل إليه، وطمعت أن تكون نظرة تريه مواقع ظلمه، وتعرفه جور حكمه، ولا يزداد إلا اغتراراً، ولا يبدى إلا استكباراً إلى أن سولت له نفسه أموراً كان فيها اضطلاع الإسلام، وحاول أحوالا تمامها هادية ... ورام معاجلتي بالتي ليحس فيها استبقاء، ولا بعدها بقاء، وسألني مع هذا الاجتماع بي ليسوسني ... الإذعان إلى مطالبه، والموافقة في مذاهبه، فأجبته
(2/453)

رجاء أن تكون المشافهة تستلبه، والملاطفة تلينه وتغريه فأبى إلا ..... وانبساطاً. فلما رأيته عن سوء معتقده غير ..... وعن فساد رأيه غير راجع، وغرني جماحه، وأعوزني استصلاحه، ونقلني عن سجيتي بكره، وكدر صفوي من كل وجه، راجحت في أمره بين أن أرضى الله عز وجل في قطيعته بالنظر لعباده، والحماية لبلاده، فما أطمع ........ وطأ نواحيها، وأمنع ممن رامه، وأدفع عنه من أراد اهتضامه، وأن أبتهل .... برحم عن نفسي، فرفع الله عن ذلك منزلتها، وبسط عليه مقدرتها، فرأيت النظر في قطع مضرته أولى، والسعي في حسم علته ومعرته أحمى، فأنفذت ذلك بعد استخارة الله تعالى فيه، وألزمته البقاء بقصبة منتشون، وللنفس يعلم الله مما حملني عليه ارتماض وشفاق، ولما يؤثره الرحم من ذلك إزعاج وإقلاق، إلا أنه لم يوجد إلى غير ذلك سبيلا، ولا جعلني إلى سواه مخيلا، وكان فيما يأتيه أعق، وبما جره القدر إليه بحكم اعتقاده أحق، وقد يستسهل المرء المكاره ما لم يجد عنها مذهباً، ويركب حد السيف إذا لم يجد سواه مركباً، والله يشهد لقد طوى جوانحي مما ساقني إليه على لواعج مزعجة، وخرق منضجة، وكتابي هذا من لاردة، وقد استقرت بحمد الله على الدعة أسباب قريرها، واتصل بجميل عونه تدبيرها، وتقضي أبقاك الله وكيد ما بيننا مقاسمتك الحال، وتعرفك المبدي منها والمآل، فإنك الشريك في الحلو والمر، والقيم في النفع والضر، وفي خلال هذا أعزك الله ما وردني ابن فلان خاصتك سلمه الله بكتابك الكريم، المشتمل على أحفل البر، والمقتضي لأجزل الشكر، ووقف به من حقائق الأحوال لديك على كل ما بسط أملي، وأكد جدلي، وعظمت نعم الله ...... وقد صدر أبقاه الله متحملا من صحة ودي، وثبات عهدي، وارتباط عقدي، .... الأحوال عندي ما يطلعك من ذلك كله على الجملة الكافية والجلية الشافية ".
(2/454)

- 4 -
رسالة خاطب بها أبو عامر بن غرسية
أبا عبد الله بن الحداد يعاتبه فيها ويفضل العجم على العرب وكتب بها من لاره
(منقولة عن مخطوط الإسكوريال رقم 538 الغزيري لوحة 26 - 29)
سلام عليك ذا االروى المروي الموقوف قريضه على حللة بجانة، أرش اليمن، بزهيد الثمن، كأن ما في الأرض إنسان الا من غسّان، أو من آل ذي حسان. وإن كان القوم أقنوك، وعن العالم أغنوك، على حسب المذكور، فلما هذا الإعمال للكور، وترك الوكور. وقل ما تأخذ الشعرة في الرحيل إلا عن الربع المحيل، ولو أن القوم خلطوك بالآل، لما أحوجك إلى الخبط في الآل. مه مه، من أحوجك إلى ركوب المهمة وثقف، وودك لا نقف، على من اضطرك إلى الايغال، وباعك بيع المسامح بك لا المغال، وعوضك من الأندية، يجوب الأودية، ومن المآلف بقطع المتالف، وحملك على مخالفة الحَصان، ومحالفة الحِصان، ووكلك بمسح الأرض، ذات الطول والعرض، فإذا يممت تبالة، تتباله، وصرت ضغثاً على إبالة، تتعلل باليمين، ضنا بالعلق الثمين. أأحسبك أزريت، وبهذا الجيل البجيل ازدريت، وما دريت، أنهم الصهب الشهب، ليسوا بعرب، ذوي أينق جرب، أساورة أكاسرة، مُجد نُجد بُهم، لا رعاة شويهات ولا بهم، شغلوا بالماذي والمرّان عن رعي البعران، وبجلب العز، عن حلب المعز، جبابرة قياصرة، ذوو المغافر والدروع، للتنفيس عن روع المروع، حماة السروح، نماة الصروح، صقورة، غلبت عليهم شقورة، وشقورة الخرصان، لكنهم خَطَبة بالخرصان.
ما ضرهم أن شهدوا مجادا ... أو كافحوا يوم الوغى الأنداد
أن لا يكون لونهم سوادا
(2/455)

أرومة رومية، وجرثومة أصفرية.
نمتهم ذوو الأحساب والمجد والعلى ... من الصهب لا راعو غضاً وأفان
من القوم الملس الأدم، لم تُعرق فيهم الأقباط، ولا الأنباط، حسب حريّ، ونسب سريّ، أمكم لأمنا كانت أمة، إن تنكروا ذلك تلفوا ظلمة، ولا تهايل، في التكايل، فما سسنا قط قرودا، ولا حكنا برودا، ولا لكنا عرودا، فلا تَهاجر، بني هاجَر، أنتم أرقاؤنا وعبدتنا، وعتقاؤنا وحفدتنا، منَنَّا عليكم بالعتق، وأخرجناكم من ربق الرق، وألحقناكم بالأحرار، فغمطتم النعمة، فصفعناكم صفعا، يشارك سفعا، اضطركم إلى سكنى الحجاز، وألجأكم إلى ذات المجاز، رُزُن، رُصُن.
جمال ذي الأرض كانوا في الحياة وهم ... بعد الممات جَمال الكُتْب والسير
ْإذا قامت الحرب على ساق، وأخذت في اتساق، وقرعت الظنابيب، وأشرعت الأنابيب، وقلصت الشفاه، وفغر الهدان فاه، وولى قفاه، ألفيتهم ذمرة الناس، عند احمرار الباس، الطعن بالأسل، أحلى عندهم من العسل.
مستسلمين إلى الحتوف كأنما ... بين الحتوف وبينهم أرحام
من أمنياتهم، حلول منياتهم، لهم على القدمة اليدان، على التنائي والتدان.
من الألى غير زجر الخيل ما عرفوا ... إذ تعرف العُرب زجر الشَّاء والعكر
بُصُرٌ صُبر، تزدان بهم المحافل والجحافل، قيول على خيول، كأنها فيول، كواكب المواكب، نجوم الرجوم، من العجم، ضراغمة الأجم، بنو غاب، منتفون من كل عاب، لم تلدهم صواحب الرايات، بل تبجحت عليهم سارة الجمال، ربة الآيات، شُمخ، بُذخ، بررة أقيال، جررة أذيال. بخ بخ، أحلتهم سيوفهم سِطة الأرضين، فما قنعوا بذلك ولا رضين، حتى دوخوا المشارق والمغارب، واستوطنوا من المجد الذروة والغارب.
بضرب يزيل الهام عن سكناته ... وطعن كتشهاق العفا هَمَّ بالنهق
شرهوا برنات السيوف، لا بربات الشنوف، وبركوب السروج، عن
(2/456)

الكلب والفرُّوج، وبالنفير عن النقير، وبالجنائب عن الحبائب، وبالخب عن الحب، وبالسليل عن الشليل، وبالأمر والذمر، عن معاقرة الخمر والزمر، وباللقيان عن العقيان، وعن قنيان القيان، طِياتهم خطياتهم، وغلاتهم، آلاتهم وحصونهم، حصنهم أقيال، آباؤهم من بين الأنام أقتال.
أولئك قومي إن بنوا شيّدوا البنى ... وإن حاربوا جدّوا وان عقدوا سدّوا
وُضُحٌ رُجح، لا حفزة عكر، ولا قفزة أكر، ملوك جلة، لا محرِقوا جلة، ندس، غنوا بالإستبرق والسندس. عن البيت المقيظ المشتى، المجموع من النعيجات الست. بسل لا حراس مسل، ولا غراس فسل، مُلَّك لقاح، ليس منهم في ورد ولا صدر شرّاب دَرِّ اللقاح، بل شرابهم النبيذ، وطعامهم الحنيذ، لا زهيد الهبيد في البيد، ولا مكون الوكون، ولا منهم من احتشا، بمذموم الكُشا، ولا في سائر الاحفاش، من وليد وناش، من اغتذى بالأحناش. فلا يقعقع لهم بالشِّنان، ولا يوعوع لهم بالشنآن، فكف أيها الشان، فلهم عظيم الشان. واليد الطولى إذ تخلصوكم من أكف الحبشان، صنيع منيع. ومنة لايشوبها منة، فيالها منحة، لكنها أعقبت محنة، إذ صادفت كفرة، لاشكرة، إيهاً إذ تأبطتم تيهاً، معشر البداة العداة. اعتقدتم غِلاَّ، فاستثرتم صلا. أما علمتم ان الدولة النوشروانية، والمملكة الأزدشيرية، بقروا أجوافكم، وخلعوا أكتافكم، ثم عطفوا ورأفوا، وملكوكم الحيرة بعد عظيم الحيرة، قللا ذللا. تتخيرون البنات عند البيات مبهورات لا ممهورات. فبرم من ذلك غسّانكم ونُعمانكم، وكان برمه سببا لدرء أمانكم، فأصبح بعد جر الذيول، مدوساً بأخفاف الفيول؛ والكرام بنو الأصفر، الأطهر الأظهر, عطفتهم عليكم الرحم الإبراهيمية، والعمومة الإسماعيلية. فسمحوا لكم من الشام بأقصى مكان، بعد ما كان، من سيل العرم ما كان، يؤدي نعمانكم وغسانكم لقروم الأعاجم، الإتاوة على الجماجم.
هذي المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا به بعد أبوالا
F.28A مهلا بني الأماء، عن الغمز والإيماء، فنحن عُرق غُرق، في الأنساب الصميمة، والأحساب العميمة، فمن يهولنا أو يروعنا،
(2/457)

وقد رسخت في المجد أصولنا وفروعنا، ومن يطولنا، وكل الورى قد شمله فضلنا وطولنا:
شرفٌ ينطح النجوم بروقيه ... وعزٌّ يقلقل الأجيالا
حُلُم، عُلُم، ذوو الآراء الفلسفية الأرضية، والعلوم المنطقية الرياضية، كحملة الاسترلوميقي. والموسيقي، والعَلَمة، بالارتماطيقي، والجومطريقي، والقومة بالألوطيقي والبوطيقي، ما شئت من تدقيق، وتحقيق، حبسوا أنفسهم على العلوم البدنية والدينية، لا على وصف الناقة الفدنيّة، فعلهم ليس بالسفساف، كفعل نائله وإساف. أصغر بشأنكم، إذ بزق خمر، باع الكعبة أبو غبشانكم، وإذ أبو رغالكم قاد فيل الحبشة إلى حرم الله لاستيصالكم.
أزيدك أم كفاك وذاك أني ... رأيتك في انتحالك كنتَ أحمق
فلا فخر معشر العربان الغربان، بالفديم، المفرِّي للأديم، لاكن الفخر يابن عمنا، الذي بالبركة عمّنا، الإبراهيمي النسب، الإسماعيلي الحسب، الذي انتشلنا الله تعالى به وإياكم من العماية والغواية، أما نحن فمن أهل التثليث وعبادة الصلبان، وأنتم من أهل الدين المليث وعبادة الأوثان، ولاغرو أن كان منكم حبره وسبره، ففي الرغام يلقى تبره، والمسك بعض دم الغزال.
لله مما قد برا صفوة ... وصفوة الخلق بنو هاشم
وصفوة الصفوة من بينهم ... محمد النور أبو القاسم
بهذا النبي الأمي أفاخر من تفخّر، وأكابر من تقدم وتأخر، الشريف السلفين، والكريم الطرفين، الملتقي بالرسالة، والمنتقي للأداء والدلاّلة، أصلي عليه عدد الرمل، ومدد النمل، وكذلك أصلي على واصلي جناحه، سيوفه ورماحه، أصحابه الكرام، عليهم من الله أفضل السلام.
يابن الأعارب ما علينا باس ... لم أحك إلا ما حكاه الناس
هذا:
ولم أشتم لكم عرضا ولاكن ... حَدوَت بحيث يُستمع الحداء
(2/458)

ثم أجح بشاعر غسّان، لا ساسان في هذا العيد بالوعيد، وأحر في في هذا الفصل بعدم الوصل. لقد غَم آخرك، لكن بالرغم أخرك إذ أضربت عن مديح، علقنا الربيح، معز الدولة، شهمنا الرئيس وسهمنا النفيس قَيل الأمم، وسيل الأمم، معنى المعاني، ومغنى المغاني، ذي الرياسة الساسانية، والنفاسة النفسانية، فاذهب يا غثّ المذهب، وابتغ في الأرض نفقا، أو في السماء مرتقى، فهده أليّة، جلبت عليك بليّة، أو حُك من البسيط المديد، ما تستجير به من بطشنا الشديد، إذ نحن معشر الموالي، لا نوالي، إلا من هو لعظيمتنا موالي، وحذار حذار ان تقرع سن الندم، ولات حين مندم، قبل أن تجمع ذنوبك على ذنوبك، وكُربك في كَرَبك، فمن أبصر أقصر، وما حرّف، من صديقه خرّف.
فلا تتبشع ممضَّ العتا ... ب يلقاك يوما بلقياه لاق
فإن الدواء حميد الفعال ... وإن كان مُرَّا كريه المذاق
يا معتقل علم الشعر، والمستقل بقلم النظم والنثر:
قد استحييت منك فلا تكلني ... إلى شىء سوى عذر جميل
وقد أنفذت ما حقي عليه ... قبيح الهجو أو شتم الرسول
وذاك على انفرادك قوت يوم ... إذا أنفقت إنفاق البخيل
وكيف وأنت علويّ السجايا ... وليس إلى اقتصادك من سبيل
وقد يقوى الفصيح فلا تقابل ... ضعيف البر إلا بالقبول
وإن الوزن وهو أصح وزن ... يقام صَغَاه بالحرف العليل
فإن يك ما بعثت به قليلا ... فلي حال أقل من القليل
نجزته من كلام المعري
والسلام عليك ما سبح الفَلَك وسبّح المَلَك، ورحمة الله وبركاته.
(2/459)

دول الطوائف
جدول تاريخي مفصل دولة بني جهور في قرطبة
أبو الحزم جهور بن محمد بن جهور 422 - 435 هـ: 1031 - 1044 م
أبو الوليد محمد جهور 435 - 457 هـ: 1044 - 1064 م
عبد الملك بن محمد بن جهور 457 - 463 هـ: 1064 - 1070 م.
المعتمد بن عباد يستولي على قرطبة سنة 463 هـ دولة بني عباد في إشبيلية
القاضي محمد بن إسماعيل بن عباد 414 - 433 هـ: 1023 - 1042 م
عباد بن محمد المعتضد 433 - 461 هـ: 1042 - 1069 م
محمد بن عباد المعتمد 461 - 484 هـ: 1069 - 1091 م.
إشبيلية تسقط في أيدي المرابطين دولة بني الأفطس في بطليوس
عبد الله بن محمد بن مسلمة المنصور 413 - 437 هـ: 1022 - 1045 م
محمد بن عبد الله المظفر 437 - 461 هـ: 1045 - 1068 م
يحيى بن محمد المنصور 461 - 464 هـ: 1068 - 1072 م
عمر بن محمد المتوكل 464 - 488 هـ: 1072 - 1094 م.
بطليوس تسقط في أيدي المرابطين دولة بني يحيى في لبلة
أبو العباس أحمد بن يحيى 414 - 434 هـ: 1023 - 1042 م
محمد بن يحيى عز الدولة 434 - 443 هـ: 1042 - 1051 م
فتح بن خلف ناصر الدولة 443 - 445 هـ: 1051 - 1053 م.
لبة تسقط في يد المعتضد بن عباد دولة بني مُزين في باجة وشلب
الحاجب عيسى محمد ... - 432 هـ: ... - 1041 م
محمد بن عيسى عميد الدولة 432 - 440 هـ: 1041 - 1048 م
(2/460)

عيسى بن مُزين المظفر 440 - 445 هـ: 1048 - 1053 م
محمد بن عيسى الناصر 445 - 450 هـ: 1053 - 1058 م
عيسى بن محمد المظفر 450 - 455 هـ: 1058 - 1063 م.
شلب تسقط في يد المعتضد بن عباد دولة بني البكري في ولبه وجزيرة شلطيش
عبد العزيز البكري عز الدولة 403 - 443 هـ: 1012 - 1051 م.
ولبة وشلطيش تسقطان في يد المعتضد دولة بني هارون في شنتمرية الغرب
سعيد بن هارون 417 - 433 هـ: 1026 - 1041 م
محمد بن سعيد المعتصم 433 - 443 هـ: 1041 - 1051 م.
شنتمرية الغرب تسقط في يد المعتضد دولة بني ذى النون في طليطلة
إسماعيل بن ذى النون الظافر 427 - 435 هـ: 1036 - 1043 م
يحيى بن إسماعيل المأمون 435 - 467 هـ: 1043 - 1075 م
يحيى بن إسماعيل بن يحيى القادر 467 - 478 هـ: 1075 - 1085 م.
طليطلة تسقط في يد ألفونسو السادس دولة بني مناد في غرناطة
زاوي بن زيري 403 - 410 هـ: 1013 - 1019 م
حبوس بن ماكسن 411 - 428 هـ: 1020 - 1037 م
باديس بن حبوس المظفر 428 - 465 هـ: 1037 - 1073 م
عبد الله بن بلقين 465 - 483 هـ: 1073 - 1090 م.
المرابطون يستولون على غرناطة دولة بني برزال في قرمونة
محمد بن عبد الله بن برزال 404 - 434 هـ: 1013 - 1042 م
عزيز بن محمد المستظهر 434 - 459 هـ: 1042 - 1067 م.
قومونة تسقط في يد ابن عباد دولة بني دمّر في مورور
نوح بن أبي تزيري الدمري 403 - 433 هـ: 1013 - 1041 م
(2/461)

محمد بن نوح عز الدولة 433 - 445 هـ: 1041 - 1053 م
مناد بن محمد عماد الدولة 445 - 458 هـ: 1053 - 1066 م.
مورور تسقط في يد ابن عباد دولة بني خزرون في أركش
محمد بن خزرون عماد الدولة 402 - 420 هـ: 1011 - 1029 م
عبدون بن محمد بن خزرون 420 - 445 هـ: 1029 - 1053
محمد بن محمد بن خزرون القائم 445 - 461 هـ: 1053 - 1068 م.
أركش تسقط في يد ابن عباد دولة بني يفرن في رندة
هلال بن أبي قرة اليفرنى 406 - 445 هـ: 1015 - 1053 م
باديس بن هلال 445 - 449 هـ: 1053 - 1057 م
أبو نصر فتوح بن هلال 449 - 457 هـ: 1057 - 1065 م.
رندة تسقط في يد ابن عباد مملكة ألمرية
1 - خيران العامري 405 - 419 هـ: 1014 - 1028 م
زهير العامري 419 - 429 هـ: 1028 - 1038 م
عبد العزيز المنصور 429 - 433 هـ: 1038 - 1041 م
2 - معن بن صمادح 433 - 443 هـ: 1041 - 1051 م
محمد بن معن المعتصم 443 - 484 هـ: 1051 - 1091 م
أحمد بن محمد معز الدولة 484 هـ - 1091 م.
المرابطون يستولون على ألمرية مملكة مرسية
1 - خيران العامري 403 - 419 هـ: 1012 - 1028 م
زهير العامري 419 - 429 هـ: 1028 - 1038 م
أبو بكر بن طاهر 429 - 455 هـ: 1038 - 1063 م
أبو عبد الرحمن بن طاهر 455 - 471 هـ: 1063 - 1078 م
(حكم بنو طاهر باسم عبد العزيز المنصور صاحب بلنسية وولده عبد الملك).
المعتمد بن عباد يستولي على مرسية
(2/462)

2 - ابن عمار 471 - 473 هـ: 1078 - 1081 م
ابن رشيق 473 - 484 هـ: 1081 - 1091 م.
المرابطون يستولون على مرسية مملكة دانية والجزائر
1 - مجاهد العامري الموفق 400 - 436 هـ: 1009 - 1044 م
على بن مجاهد إقبال الدولة 436 - 468 هـ: 1044 - 1076 م
2 - المقتدر بن هود صاحب سرقسطة 468 - 474 هـ: 1076 - 1081 م
المنذر بن هود 474 - 483 هـ: 1081 - 1091 م.
المرابطون يستولون على دانية مملكة بلنسية
الفتيان مظفر ومبارك 400 - 408 هـ: 1009 - 1017 م
لبيب العامري 408 - 411 هـ: 1017 - 1021 م
عبد العزيز المنصور 411 - 452 هـ: 1021 - 1061 م
عبد الملك بن عبد العزيز 452 - 457 هـ: 1061 - 1065 م.
المأمون بن ذى النون يستولي على بلنسية
نائبه أبو بكر بن عبد العزيز 457 - 478 هـ: 1065 - 1085 م
عثمان بن أبى بكر 478 - ... هـ: 1085 - ... م
القادر بن ذى النون 478 - 485 هـ: 1085 - 1092 م
القاضي ابن جحّاف 485 - 487 هـ: 1092 - 1094 م
السيد إلكمبيادور والقشتاليون 487 - 495 هـ: 1093 - 1102 م.
المرابطون يستولون عل بلنسية إمارة شنتمرية الشرق
هذيل بن عبد الملك بن رَزين 403 - 436 هـ: 1012 - 1045 م
عبد الملك بن هذيل 436 - 496 هـ: 1046 - 1103 م
يحيى حسام الدولة 496 - 497 هـ: 1103 - 1104 م.
المرابطون يستولون عل شنتمرية الشرق إمارة ألبونت
عبد الله بن قاسم 400 - 431 هـ: 1009 - 1039 م
(2/463)

محمد بن عبد الله يمن الدولة 431 - 434 هـ: 1039 - 1042 م
أحمد بن محمد عز الدولة 434 - 440 هـ: 1042 - 1048 م
عبد الله بن محمد جناح الدولة 440 - 495 هـ: 1048 - 1102 م.
المرابطون يستولون على ألبونت مملكة سرقسطة
1 - المنذر بن يحيى التجيبي 408 - 414 هـ: 1017 - 1023 م
يحيى بن المنذر المظفر 414 - 420 هـ: 1023 - 1029 م
المنذر بن يحيى معز الدولة 420 - 430 هـ: 1029 - 1039 م
2 - سليمان بن هود المستعين 431 - 438 هـ: 1039 - 1046 م
أحمد بن سليمان المقتدر 438 - 474 هـ: 1046 - 1081 م
يوسف بن أحمد المؤتمن 474 - 478 هـ: 1081 - 1085 م
أحمد بن يوسف المستعين 478 - 503 هـ: 1085 - 1110 م
عبد الملك بن أحمد عماد الدولة 503 - ... هـ: 1110 - ... م.
المرابطون يستولون على سرقسطة
(2/464)

ثبت المراجع
- 1 -
تاريخ ابن خلدون المسمى بكتاب العبر (بولاق).
تاريخ ابن الأثير (الطبعه الأهلية 1303 هـ).
وفيات الأعيان لابن خلكان (بولاق).
نهاية الأرب للنويري.
(القسم التاريخي، ومعظمه لا يزال مخطوطا).
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب للمقري (الطبعة الأهلية 1302 هـ).
البيان المغرب في أخبار ملوك الأندلس والمغرب لابن عذارى المراكشي (الجزء الثاني المنشور بعناية العلامة دوزي (1849) والثالث المنشور بعناية الأستاذ ليفي بروفنسال (باريس 1930).
الإستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى للسلاوي (القاهرة 1306 هـ).
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة لابن بسام الشنتريني (المجلدات الثلاثة المنشورة بعناية كلية الآداب بجامعة القاهرة وما نشر منه في موسوعة دوزي عن بني عباد Hist. Abbad، والقسم المخطوط المنوه عنه فيما بعد.
كتاب الصلة لابن بشكوال (ضمن المكتبة الأندلسية، والقاهرة سنة 1955 م)
التكملة لكتاب الصلة لابن الأبار القضاعي (ضمن المكتبة الأندلسية).
بغية الملتمس في تاريخ رجال الأندلس للضبي (ضمن المكتبة الأندلسية والقاهرة 1955 م).
الحلة السيراء لابن الأبار القضاعي (القسم المنشور بعناية العلامة دوزي ليدن 1847 م). والأصل الكامل المخطوط المنوه عنه فيما بعد.
(وطبعة القاهرة الصادرة بتحقيق الدكتور حسين مؤنس (1964 م) في مجلدين).
جذوة المقتبس لأبى عبد الله الحميدي (القاهرة).
المعجب في تلخيص أخبار المغرب لعبد الواحد المراكشي (القاهرة 1332 هـ).
الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس لابن أبي زرع الفاسي المنشور بعناية المستشرق كارل تورنبرج (أبسالة 1843 م).
الحلل الموشية في ذكر الأخبار المراكشية (طبع تونس).
(2/465)

دولة الإسلام في الأندلس
تأليف
محمَّد عبد الله عِنَانْ

العصر الثالث
عصرُ المرابطين والمُوَحّدينْ في المغرب والأندلس
القسْم الأول
عصْر المُرابطين وبدَاية الدّولة الموحّدية
__________
الناشر: مكتبة الخانجي بالقاهرة
الطبعة: الثانية، 1411 هـ - 1990 م
(3/1)

الطبعة الثانية
1411 هـ = 1990 م
مطبعة المدني المؤسسة السعودية بمصر 68 شارع العباسية. القاهرة. ت: 827851
(3/2)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مقدمة
حينما عولت على كتابة تلك السيرة المشجية، الحافلة بالعبر - تاريخ الأندلس - لم يكن يجول بخاطري، أن المهمة تقتضي حياة بأسرها، وأن الأعوام سوف تمر تباعاً، دون أن تصل إلى غايتها. وقد مضى الآن مذ أصدرت القسم الأول من " دولة الإسلام في الأندلس " في سنة 1942، عشرون عاماً، كرست خلالها، معظم أوقاتي وجهودي، لإتمام هذه المهمة. ومنذ اثنتي عشر عاماً، وأنا دائب التردد على اسبانيا والمغرب، أنقب باستمرار في مكتباتهما، ودور محفوظاتهما، عن كل ما يتعلق بهذه السيرة من مصادر، ووثائق مخطوطة، وغير مخطوطة. عربية أو قشتالية، حتى أضحت هذه المهمة، مهمة حياتي، لا أدخر في تحقيقها وسيلة ولا جهداً.
وقد استطعت خلال هذه الحقبة الطويلة، أن أكتب تاريخ الأندلس منذ الفتح إلى نهاية دول الطوائف، في ثلاثة مجلدات، وأن أكتب في نفس الوقت تاريخ المرحلة الأخيرة من دولة الإسلام في الأندلس، أعني تاريخ مملكة غرناطة حتى سقوطها، ثم تاريخ الأمة الأندلسية المغلوبة واستشهادها المؤسي، ومحنتها الأخيرة، بإخراج بقاياها المتنصرة من أوطانها القديمة، وذلك في مجلد كبير، هو " نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصرين ".
وكانت الثغرة التي بقيت بين نهاية عهد الطوائف، وقيام مملكة غرناطة، وهي عصر المرابطين والموحدين، وهي ثغرة تستغرق من الزمن نحو مائة وخمسين عاماً - كانت تروعني دائماً بطول مداها، وتشعب آفاقها، وخصوصاً بالمغرب.
ولكن، كان لابد لإتمام المهمة التي كرست لها بقية حياتي، وهي تسطير تاريخ الأندلس منذ الفتح إلى النهاية، أن أقتحم هذا الميدان الوعر، وأن أعكف على كتابة تاريخ هذا العصر، بالرغم من كل ما يكتنفه من صعاب وغموض، حتى تجبر
(3/3)

الثغرة، وتتصل المراحل، ويغدو تاريخ الأندلس، والأمة الأندلسية، كله، وقد استكملت حلقاته، منذ بدايته إلى نهايته.
وانه ليملأ نفسي اليوم غبطة، أنني قد استطعت بعون الله، أن أتمم هذه المهمة، وأن أكتب تاريخ عصر المرابطين والموحدين، في المغرب والأندلس، بعد أعوام من العمل الشاق، والجهد المتواصل، والتنقيب المستمر، في مكاتب مدريد، والإسكوريال، والرباط، وفاس، والقاهرة، ولندن، وأكسفورد، والفاتيكان. وقد حرصت فضلا عن تقصي المصادر والوثائق، على دراسة المواطن الجغرافية والاستراتيجية دراسة عملية، فزرت بالمغرب سائر عواصمه التاريخية، وزرت منطقة جبال الأطلس ومدينة تينملّل، مكة المهدي ابن تومرت، ودرست طريق مسير الجيوش المرابطية والموحدية، إلى شبه الجزيرة الإسبانية، وزرت مواقع العبور إليها من جانبي المضيق. وأما بالأندلس فإني لم أترك قاعدة أو مدينة أندلسية قديمة حتى زرتها، ودرست معالمها القديمة، وآثارها الأندلسية الباقية.
وقد حرصت بنوع خاص على أن أدرس مواقع المعارك العظيمة، التي نشبت يين الموحدين وبين اسبانيا النصرانية، في شنترين، وفي شلب، ثم الأرك، وفي العقاب. وقد قضيت عدة أيام في دراسة مواقع هاتين المعركتين العظيمتين الحاسمتين - الأرك والعقاب - وقمت لذلك برحلة خاصة، طفت فيها بسهل الأرك، ومواقع قلعة رباح القديمة. ثم قصدت إلى جبال سييرّا مورينا التي تفصل بين الأندلس وبين قشتالة، وصعدت إلى آكامها، وتجولت في هضابها، وطفت بسائر الأماكن التي وقعت فيها معركة العقاب، من وعر ومن سهل، وهي المعركة التي سحقت فيها الجيوش الموحِّدية، وانتهت بانحلال سلطان الموحدين، وانحلال الأندلس، ثم سقوط سائر قواعدها العظيمة، فيما لا يزيد عن ثلاثين عاماً. وكانت هذه الدراسات الجغرافية، والطبوغرافية، تمدني بكثير من أسباب الإيضاح والإدراك لظروف هذه االمواقع، والنتائج التي انتهت إليها، وتعاون على الدقة في وصف مراحلها وتطوراتها.
وثمة مسألة أخرى جديرة بالتنويه، وهي أن كتابة تاريخ عصر المرابطين والموحدين، تعتبر قبل كل شىء تسطيراً لتاريخ المغرب، ولا يشغل فيه تاريخ الأندلس سوى حيز يسير، فقد كانت الأندلس أو شبه الجزيرة الأندلسية، في هذا العصر الذي استطال زهاء قرن ونصف، ولاية مغربية، داخل الإمبراطورية
(3/4)

المغربية الكبرى، المرابطية، ثم الموحدية. بيد أن حكم المرابطين، ثم الموحدين لولاية الأندلس، والظروف العسكرية، والإدارية، والاجتماعية، التي أحاطت بحكم كل من هاتين الدولتين العظيمتين للأمة الأندلسية، لا يمكن أن تفهم إلا على ضوء التفاصيل الكاملة لحكم كل منهما للامبراطورية المغربية الكبرى. ومن ثم فقد كان لزاماً عليّ أن أكتب تاريخ عصر المرابطين والموحدين بالمغرب كاملا، بالرغم مما يحيق بهذه المهمة من صعاب لا نهاية لها، سواء من الناحية الجغرافية أو القبلية، أو ناحية الاستيعاب التاريخي. وإني لأرجو أن أكون قد وفقت إلى بعض ما طمحت إليه، من عرض تاريخ هذه الفترة الهامة من تاريخ الإمبراطورية المغربية الكبرى، في صورته الحقيقية الكاملة.
هذا مع العلم بأني قد استعرضت في كتابي " دول الطوائف "، وهو الذي يتناول العصر الثاني من كتاب " دولة الإسلام في الأندلس " نشأة المرابطين، وفتوحهم في المغرب، وقيام الدولة المرابطية الكبرى، على يد عاهلها العظيم يوسف بن تاشفين، ثم عبور المرابطين إلى الأندلس، لإنجاد أمراء الطوائف في موقعة الزلاّقة، وما تلا ذلك من فتح المرابطين لدول الطوائف، واستيلائهم على شبه الجزيرة الأندلسية، ومن ثم فإني لم أجد موضعاً لتكرار ما سبق أن كتبت في هذا الشأن. ولهذا فقد بدأت كتابي هذا، بالتحدث عن خاتمة عهد يوسف بن تاشفين.
وقد رأيت أن أستعرض في فصل خاص، أهم المصادر المخطوطة وغير المخطوطة، التي كانت قبل غيرها، عمادي في البحث والدرس. ومن المحقق أن هذه المصادر، بالرغم مما تقدمه إلينا أحياناً من مواد أصيلة ومعاصرة، لا شك في أهميتها ونفاستها، لا تقدم إلينا سوى القليل، ولا تعالج إلا بعض نواحي المسائل الكبرى، التي يعرضها لنا تاريخ الدولتين المرابطية والموحدية، بيد أنها من جهة أخرى تلقى أضواء كثيرة على النواحي السياسية والإدارية لحكم المرابطين والموحدين، ولاسيما لشبه جزيرة الأندلس، فقد كانت لكل من الدولتين في حكم الأندلس، أوضاع ومبادىء خاصة.
وأود أن أشير هنا إلى أني قد جريت في كتابة تاريخ عصر المرابطين،
والموحدين، وهو العصر الثالث من كتاب " دولة الإسلام في الأندلس " - على نفس الأسلوب الذي جريت عليه في كتابة العصرين الأول والثاني، ثم الرابع
(3/5)

(نهاية الأندلس)، وحرصت على أن أستعرض نظم الحكم والأوضاع السياسية والدينية، لكل من الدولتين، المرابطية والموحدية، وسير الحركة الفكرية الأندلسية، والأحوال الاجتماعية في ظل كل منهما، وذلك بقدر ما تمدنا به المصادر والوثائق التي بين أيدينا. كما خصصت لتاريخ اسبانيا النصرانية مكانها المعتاد، وفقاً لما جريت عليه في العصور الأخرى.
وكذلك عنيت عناية خاصة بتزويد الكتاب بالخرائط التاريخية، والرسوم الطبوغرافية، التي تبين مواقع المعارك الكبرى، وقد زرتها بنفسي كما تقدم، وأرجو أن يكون في ذلك ما يسهل مهمة القارىء والباحث، في فهم أوضاع هذه المعارك وظروفها وتطوراتها.
وقد ألحقت بنهاية الكتاب طائفة من الوثائق الهامة المرابطية والموحدية، والوثائق الأخرى التي رجعت إليها، ومنها ما لا يزال مخطوطاً لم ينشر بعد، وذلك تسهيلا لمهمة الباحثين في هذا الميدان، في التزود بمعلومات أوفى عن الموضوعات التي تتناولها.
وإنه لا يسعني في الختام، إلا أن أقدم جزيل الشكر والعرفان لسائر الهيئات العلمية والمكتبية، التي ساهمت في تسهيل مهمتي، في البحث والمراجعة، والتصوير والنقل، وفي مقدمتها معهد الدراسات الإسلامية بمدريد، ومكتبة الإسكوريال، ومكتبة مدريد الوطنية، وخزانة الرباط، وخزانة جامع القرويين بفاس، وقسم المخطوطات بالمتحف البريطاني، والمكتبة البودلية بأكسفورد، ودار الكتب المصرية، فقد كان لي من ذخائر هذه الهيئات، والمكتبات الجليلة، خير منهل، وخير معين لي، في تأليف هذا الكتاب.
القاهرة في رجب سنة 1383
الموافق مارس سنة 1963
محمد عبد الله عنان
(3/6)

بيان عن المصادر
كان عصر المرابطين والموحدين، من حيث المصادر والوثائق، من أشق مراحل هذه السلسلة من تاريخ المغرب والأندلس، التي نضطلع بكتابتها منذ أعوام طويلة، وذلك نظراً لاستطالة مداه، وتشعب نواحيه، وكثرة ثغراته الغامضة. وقد بذلنا خلال الأعوام التي قضيناها في كتابة تاريخ هذا العصر، جهوداً مضنية، في استيعاب مصادره، وتقصي الوثائق التي تكشف عن أحداثه وخواصه، وقمنا في هذا السبيل بعدة رحلات إلى اسبانيا والمغرب وانجلترا.
وقد رأينا أن نستعرض في هذا البيان الموجز، أهم المصادر والوثائق المخطوطة والمنشورة، التي كانت عمادنا في كتابة هذا التاريخ، وسوف نعود في نهاية الكتاب، فنخص المصادر بثبت عام شامل، يضمها جميعاً من مخطوط ومنشور، ومن عربية، ولاتينية وقشتالية، وغيرها.
كتاب " المن بالإمامة "
نستطيع أن نقول إن هذا الكتاب، أو بالحري القسم الذي وصلنا منه، هو أهم مصادرنا المخطوطة عن المرحلة الأولى من تاريخ الدولة الموحدية. واسمه الكامل هو حسبما جاء في الصفحة الأولى، من المخطوط الوحيد الذي انتهى إلينا، " كتاب تاريخ المن بالإمامة على المستضعفين، بأن جعلهم الله أئمة، وجعلهم الوارثين، وظهور الإمام أمير الموحدين على الملثمين، وفي مساق ذلك خلافة الإمام الخليفة أمير المؤمنين [وأحد] الخلفاء الراشدين ". وأما مؤلفه، فقد ورد اسمه في صفحة العنوان على النحو الآتي: " أنهى تأليفه، وأبدع تحبيره وتصنيفه، عبد الملك ابن محمد بن صاحب الصلاة الباجي رحمه الله ". ويحفظ هذا المخطوط بمكتبة جامعة أكسفورد المسماة " بالمكتبة البودلية " Bodleian Library ، وهو مسجل في فهرس المخطوطات الشرقية بها، المنشور باللاتينية في سنة 1787 في صفحة 167، برقم DCCLVIII (1758)، فهو بذلك من أقدم مخطوطاتها الشرقية.
وهذا المخطوط عبارة عن مجلد ضخم، يقع في 194 لوحة مزدوجة، أعني
(3/7)

في 388 صفحة كبيرة الحجم (نحو 30 في 20 سم) في كل منها 19 سطراً، وفي كل سطر نحو تسع كلمات، ومكتوب بخط أندلسي كبير واضح، وهو سليم جيد الحفظ، ما عدا ورقته الأولى فهي قديمة باهتة، ومجلد بجلد متين. وليس في بداية المخطوط أو نهايته ما يدل على تاريخ كتابته، ولكن يبدو من كتابته وحالته، أنه ربما يرجع إلى القرن الثامن أو التاسع الهجري (الرابع عشر أو الخامس عشر).
ولا يضم هذا المخطوط من كتاب " المن بالإمامة " سوى " السفر الثاني " وذلك حسبما سجل في صفحة العنوان، وحسبما ورد في ختام المخطوط على النحو الآتي: " كمل السفر الثاني من كتاب تاريخ المن بالإمامة على المستضعفين بأن جعلهم الله أئمة وجعلهم الوارثين وصلى الله على محمد وآله، يتلوه الثالث بحول الله سنة تسع وستين وخمسماية، خبر وصول العلج الطاغية ".
ويبدو من عنوان الكتاب الذي تقدم ذكره، أن السفر الأول منه، يتضمن تاريخ قيام الموحدين، وظفرهم بالتغلب على المرابطين، وتاريخ أول خلفاء الموحدين عبد المؤمن بن علي، وهذا السفر الأول من الكتاب لم يصل إلينا، كما لم يصل إلينا سفره الثالث الذي أشير إليه في ختام المخطوط. وأما السفر الثاني وهو الوحيد الذي انتهى إلينا، فيبدأ بحوادث سنة 554 هـ، وينتهي بحوادث سنة 568 هـ، وهي فترة قصيرة من الناحية الزمنية، ولكنها حافلة بالحوادث الهامة، التي يعرضها لنا ابن صاحب الصلاة، وقد كان شاهد عيان لكثير منها، في تفصيل شاف؛ على أن الأحداث التاريخية ليست أهم ما يتضمنه كتاب " المن بالإمامة ". ذلك أن أهم وأنفس ما يتضمنه الكتاب، هو تلك المجموعة من الرسائل والوثائق الموحدية الصادرة عن الخلفاء والأمراء الموحدين، التي ينقلها إلينا ابن صاحب الصلاة، وتلك التفاصيل الدقيقة التي يقدمها إلينا عن نظم الحكم الموحدية، وعن الشئون الإدارية والمالية، وهذه الوثائق والتفاصيل تلقي أكبر ضوء على خواص الحكم الموحدي، والدولة الموحدية.
وبالرغم من أن السفر الثاني الذي انتهى إلينا من كتاب " المن بالإمامة " ينتهي كما تقدم بحوادث سنة 568 هـ، وبالرغم من أن البحث لم يظفر حتى يومنا، بالحصول على نص السفر الثالث من الكتاب، فإنا نستطيع مع ذلك أن نعثر بكثير من النبذ والشذور التي يتضمنها هذا السفر المفقود من الكتاب، وقد نقلها إلينا مؤرخ متأخر هو ابن عذارى المراكشي في كتابه الجامع " البيان المغرب "
(3/8)

الذي سوف نتحدث عنه فيما بعد، وهذه الشذور تمتد حتى معركة الأرك في سنة 591 هـ، وحتى وفاة الخليفة يعقوب المنصور في سنة 595 هـ.
ولابن صاحب الصلاة في عرض الحوادث والشئون أسلوب خاص، جزل نوعاً، وإن كان يلجأ أحياناً إلى السجع الركيك، والتنميق المتكلف، وهو يبدو سواء بأسلوبه، أو طريقة عرضه للحوادث، وتقديمه الأشخاص، مؤرخ بلاط أثير، يحرص كل الحرص على الإشادة بسادته وبأعمالهم، يغمرهم خلال حديثه بالألقاب الفخمة، والدعوات الرنانة، ولا يفوته كلما ذكر اسم الموحدين أن يقرنه بقوله " أعزهم الله "، ثم هو يلجأ أحياناً في وصف الخلفاء والأمراء إلى عبارات من المديح المسجع والملق المغرق. بيد أنه مع ذلك لا يحجم في بعض الأحيان، عن النقد، والتنديد بأعمال وتصرفات يراها جديرة بذلك (1).
وقد كان مؤلف كتاب " المن بالإمامة " من أدباء عصره وكتابه. وهو عبد الملك بن محمد بن أحمد بن محمد بن ابراهيم الباجي، ويكنى أبا مروان وأبا محمد، ويعرف بابن صاحب الصلاة وبصاحب التاريخ (2). وهو كما يبدو من اسمه أندلسي من أهل باجة. وفد على إشبيلية مذ نزل بها الموحدون، واتخذوها عاصمة لولاية الأندلس، واتصل بالبلاط الموحدي منذ البداية، وخدم فيه كاتباً وشاعراً، وكان ضمن الوفود التي لقيت الخليفة عبد المؤمن حين زيارته لجبل طارق في سنة 555 هـ (1160 م). وقد عنى، وهو من أهل باجة، وهي المنطقة التي قامت بها ثورة ابن قسيّ وأنصاره المريدين، بأن يؤلف كتاباً عن " ثورة المريدين "، وهوكتاب يشير إليه في غير موضع من " المن بالإمامة " ولكنه لم يصل إلينا. وقد وصفه ابن عبد الملك في " الذيل والتكملة " بقوله: " وكان أديباً محسناً، عنى بحفظ التواريخ وتقييدها، وصنف " تاريخ ثورة المريدين بالأندلس " و" دولة بني عبد المؤمن، ومن أدرك بحياته من بنيه " (3)، ومن الواضح أنه يعني بذلك كتاب " المن بالإمامة ". ولم يقدم لنا أحد ممن تعرض
_______
(1) مثال ذلك ما ورد في حديثه عن غزوة وبذة التي قام بها الخليفة أبو يعقوب يوسف، ثم عن غزوة شنترين التي انتهت بمصرع الخليفة المذكور (ص 97 و 134 و 135 من القسم الثالث من البيان المغرب).
(2) كتاب التكملة لابن الأبار (المكتبة الأندلسية) رقم 1726.
(3) كتاب " الذيل والتكملة " لابن عبد الملك المراكشي، الجزء الرابع من مخطوط المكتبة الوطنية بباريس.
(3/9)

لترجمة ابن صاحب الصلاة، تاريخ مولده أو وفاته. وقد ذكر المستشرق الإسباني بونس بويجس في معجمه نقلا عن المستشرق أماري أنه توفي سنة 578 هـ (1182 م) (1)، وتابعه في ذلك الأستاذ بروكلمان في تاريخ الأدب العربي (2)، وهو تاريخ خاطىء، لا يتفق مع سياق كتاب " المن بالإمامة " ذلك أن ابن صاحب الصلاة، يذكر لنا في مؤلفه حوادث شهدها ترجع إلى سنة 594 هـ، مثل الاحتفال بإتمام بناء صومعة جامع إشبيلية الأعظم، ورقع التفافيح الذهبية إلى قمتها، بحضرة الخليفة يعقوب المنصور، وذلك في شهر ربيع الآخر سنة 594 هـ، عقب عوده ظافراً من معركة الأرك الشهيرة ( Fol. 171. v.) ، بل يبدو مما ينقله ابن عذارى في " البيان المغرب " من شذور عن وفاة المنصور في سنة 595 هـ، ثم عن حوادث الأعوام الأولى من خلافة ابنه الناصر. وهي شذور يبدو فيها أسلوب ابن صاحب الصلاة واضحاً، أن مؤلف كتاب " المن بالإمامة " قد عاش في أواخر القرن السادس، بل وإلى أوائل القرن السابع، وأنه قد توفي على الأرجح حوالى سنة 605 هـ (1208 م) (3). وأما مولده فيمكن أن نضعه بين سنتي 520 و 530 هـ (1126 - 1135 م).
كتاب نظم الجمان
ومن أهم مصادرنا المخطوطة عن أواخر عهد المرابطين، وأوائل عهد الموحدين قطعة كبيرة مخطوطة من كتاب نظم الجمان لابن القطان، تتضمن السفر الثالث عشر من هذا الكتاب. وعنوانه على النحو الآتي: " السفر الثالث عشر من كتاب نظم الجمان لترتيب ما سلف من أخبار الزمان ". وفي داخل المخطوط، توصف القطعة بأنها " الجزء السادس، من هذا الكتاب. في ذكر ما انتهى إلينا من أخبار القرن السادس، وهو المائة السادسة من الهجرة الكريمة ". ويحتوي هذا المخطوط على ثمانية وستين لوحة مزدوجة كبيرة الحجم (136 صفحة) في كل صفحة منها
_______
(1) Pons Boigues: Ensayo Bio - Bibliografico sobre los Historiadores y Geograficos Arabigo - Espanoles, p. 246.
(2) C. Brockelmann: Geschichte der Arabischen Litteratur, Supp. 1. p 554.
(3) راجع بعض هذه الشذور التي ينقلها ابن عذارى في البيان المغرب: القسم الثالث الذي يجرى نشره الآن بعناية الأستاذة: هويثي ميرانده ومحمد بن تاويت ومحمد ابراهيم الكتاني عن معهد مولاي الحسن بتطوان: ص 207 - 211 و 213، و 219 و 220 و 223 و 225.
(3/10)

تسعة عشر سطراً بخط مغربي كبير، والنص كله مشكول بالمداد الأحمر، وأحياناً بخط مذهب، والمخطوط قديم مبتور الآخر، وليس هناك ما يدل على تاريخ كتابته. بيد أنه يمكن أن نرجعه إلى القرن الثامن الهجري. ويبدو من خطه المنمق وعناوينه المذهبة، أنه ربما كتب برسم أحد الأمراء أو الكبراء.
وأما عن مؤلف الكتاب، ابن القطان، فليس لدينا عنه تفاصيل شافية، وقد ذكر اسم المؤلف في صفحة العنوان بأنه " الإمام العالم أبو النجوم الباجي " وذكر في رأس الصفحة الأولى أنه " ابن القطان " (1). وقد ورد في لوحة 67 أمن المخطوط ما يدل على أن المؤلف كان حياً، في عهد الخليفة الموحدي المرتضي (646 - 665 هـ) وهو الذي حكم قبل آخر الخلفاء الموحدين.
ويتناول المخطوط أخبار المرحلة الأخيرة من حكم المرابطين منذ سنة 508 هـ (1114 م)، وأخبار بداية ظهور المهدي ابن تومَرت، وتقدم دعوته، وتصنيف أصحابه، ومرحلة الصراع الأولى بين الموحدين والمرابطين، وأخبار الأندلس خلال هذه الفترة، وذلك حتى أخبار سنة 533 هـ (1138 م). وأهم ما يتميز به هذا القسم من مؤلف ابن القطان أنه ينفرد بإيراد رسالتين هامتين لم تذكرا في غيره وهما، رسالة " الكافية في براهين الإمام المهدي "، وهي رسالة خاطب بها أبو عبد الرحمن بن طاهر عميد مرسية، الخليفة عبد المؤمن بن علي، ورسالة وجهها عبد المؤمن إلى الطلبة والمشيخة والأعيان بالأندلس (سنة 543 هـ)، يشرح فيها
_______
(1) وردت في التكملة لابن الأبار (المكتبة الأندلسية) رقم 1920، ترجمة " لعلي بن محمد ابن عبد الملك بن يحيى بن ابراهيم الكتامي الحميري الفاسي، أبى الحسن بن القطان " جاء فيها أنه " كان من أبصر الناس بصناعة الحديث، وأحفظهم لأسماء رجاله، وأشدهم عناية بالرواية، ورأس طلبة العلم بمراكش. ونال بخدمة السلطان دنيا عريضة. وله تواليف، ودرس وحدث. وتوفي على قضاء سجلماسة في ربيع الأول سنة ثمان وعشرين (أي وستمائة) ".
وعثرنا أيضاً في " الذيل والتكملة " لابن عبد الملك المراكشي على ترجمة طويلة للمذكور، جاء فيها انه " فاسي سكن مراكش، وكان ذاكراً للحديث، مبحراً في علومه، وكان معظماً عند الخاصة والعامة من آل عبد المؤمن، حظى كثيراً عند المنصور منهم، فابنه الناصر، فالمستنصر بن الناصر، فأبى محمد عبد الواحد أخى المنصور، ثم أبى زكريا المعتصم بن الناصر، وكان المنصور يؤثره على غيره من أهل طبقته. وكان مرجوعاً إليه في الفتاوى " (الجزء الخامس من مخطوط المتحف البريطاني لوحة 13).
على أن ما ورد في المخطوط، مما يدل على أن ابن القطان كان حياً في عهد الخليفة المرتضي؛ يجعلنا نتردد في الاعتقاد بأنه هو صاحب الترجمة التي أوردها ابن الأبار، ثم ابن عبد الملك، لما هنالك من الفارق الزمني الملحوظ. وربما كان المترجم هو أبو المؤرخ.
(3/11)

قواعد السياسة الشرعية الموحدية، ولاسيما في مطاردة المنكر، وفي شئون المكوس والمغارم.
ويبدي ابن القطان فيما يورده من أخبار الموحدين، حماسة ظاهرة في تأييد المذهب الموحدي، والدولة الموحدية، ويذكر الإمام المهدي، وخلفاءه الموحدين بمنتهى الخشوع والإجلال (1).
القسم الثالث
من كتاب البيان المغرب
كان كتاب " البيان المغرب " لابن عذارى المراكشي، منذ البداية من أهم مصادرنا في كتابة تاريخ الأندلس. ولقد انتفعنا خلال كتابة العصرين الأول والثاني من هذا التاريخ، في كتابينا " دولة الإسلام في الأندلس " و " دول الطوائف " بجزئيه الأول والثاني، اللذين نشرا منذ أكثر من قرن بعناية العلامة دوزي، ثم بجزئه الثالث الذي نشر بعناية الأستاذ ليفي بروفنسال. وقد كان من المفروض أن ننتفع بجزئه الرابع الذي صدر بعد ذلك بمدينة تطوان في سنة 1956، وهو الذي يتناول بقية عهد المرابطين، وعهد الموحدين. ولكن اكتشافاً جديداً في منتهى الأهمية غير هذا الاتجاه، وهو العثور في الخزانة الناصرية بثامجروت على مقربة من زاكوره بالمغرب، على مخطوط جديد موسوم " بالجزء الثالث " من " البيان المغرب "، وهو عبارة عن مجلد كبير يحتوي على 463 صفحة كبيرة. في كل منها واحد وعشرون سطراً. ويبدأ بحوادث سنة 533 هـ في أواخر عهد الدولة المرابطية، بحملة تاشفين بن علي بن يوسف لمقاتلة الموحدين بقيادة عبد المؤمن بن علي. وينتهي بحوادث سنة 665 هـ، بخلافة إدريس أبى دبوس الواثق بالله آخر الخلفاء الموحدين، وحملته إلى السوس، ويزيد في البداية ستين صفحة، وفي النهاية ست وستين صفحة عن الجزء الرابع المطبوع، هذا فضلا عما يمتاز به في مواطن كثيرة، من زيادات في النص، وفي الشعر، ومن تصحيحات كثيرة أخرى.
ولقد اغتبطنا أيما غبطة باكتشاف هذا المرجع النفيس من مراجع عصر الدولة
_______
(1) إن هذا الجزء المخطوط من كتاب " نظم الجمان " يوجد اليوم في حوزة معهدنا المصري للدراسات الإسلامية بمدريد، وهو الذي سهل لي مشكوراً سبيل مراجعته ودراسته. وقد علمت أن هذا المخطوط قد أعد للنشر محققاً بعناية صديقي الدكتور محمود علي مكي وكيل المعهد المذكور.
(3/12)

الموحدية. ويجري فيه ابن عذارى على طريقته أحياناً من تصنيف روايته إلى فصول، وأحياناً إلى حوليات سنوية. ثم هو يجري أيضاً في أسلوبه على طريقته من إلتزام الحيدة في إيراد الحوادث وتقديم الأشخاص، وعدم التورط في المديح أو الذم، ويترك هذه المهمة في الإشادة أو الانتقاص، لمن ينقل عنهم من مؤرخي الدولة الموحدية. ومن أهم مميزات هذا القسم من " البيان المغرب " ما ينقله إلينا ابن عذارى خلال روايته، من شذور عديدة من المعاصرين من مؤرخي الدولة الموحدية، ولاسيما ابن صاحب الصلاة، حيث ينقل إلينا الكثير من " السفر الثالث " من كتاب " المن بالإمامة ". وهو الجزء المفقود من هذا المؤلف حسبما أشرنا إلى ذلك من قبل (1).
هذا، وفضلا عن ذلك، فقد انتفعنا من تراث ابن عذارى بقطعة مخطوطة من أربع وخمسين لوحة، عن أصل دولة المرابطين، وولاية يوسف بن تاشفين وفتوحه في المغرب، ودخول المرابطين بلنسية، وأخبار علي بن يوسف، وقصة إحراق كتاب الإحياء، وولاية تاشفين بن علي، وغزوة ألفونسو المحارب، وغير ذلك. وكان المرحوم الأستاذ ليفي بروفنسال قد عثر بهذه القطعة بين أضابير مكتبة جامع القرويين بفاس، ونشر منها بعض شذور، عن بعض الوقائع الهامة التي وردت فيها، ثم نشرها أخيراً بنصها الكامل الأستاذ هويثي ميرانده في مجلة هسبيرس تمودا في عدد سنة 1961م.
وكان من حسن الحظ أننا عثرنا خلال بحثنا في " خروم " (دشت) مكتبة جامع القرويين بفاس، بأربع صفحات كبيرة من كتاب " البيان المغرب " تتناول حوادث سني 511 هـ إلى 514 هـ، وفيها تفاصيل هامة عن سقوط سرقسطة في يد ألفونسو الأرجوني (512 هـ)، وعن موقعة كتندة، وعن ثورة قرطبة ضد المرابطين (514 هـ)، وتفاصيل أخرى. وكان اختفاء هذه الصفحات يكون ثغرة في مجموعة الأوراق المخطوطة المتقدمة، التي عثر بها الأستاذ بروفنسال، فجاء عثورنا عليها متمماً لهذه المجموعة المتناثرة من كتاب البيان المغرب.
_______
(1) سبق أن أشرنا إلى أنه يجري الآن نشر هذا القسم الثالث من البيان المغرب برعاية معهد مولاي الحسن بتطوان، وتحقيق الأساتذة أمبروسيو هويثي ميرانده، ومحمد بن تاويت، ومحمد ابراهيم الكتاني، وقد أنجز منه حتى اليوم معظمه.
(3/13)

وانتفعنا كذلك ببضعة أوراق مخطوطة من كتاب " صلة الصلة " لابن الزبير، وهي أيضاً من محتويات " خروم " مكتبة القرويين.
أما عن حياة ابن عذارى، وأصله ونشأته، فلسنا نعرف الكثير، وكل ما نعرفه أنه يسمى أبو عبد الله محمد المراكشي، وأنه قد عاش في أواخر القرن السابع الهجري، في بداية دولة بني مرين، وفي بداية القرن الثامن، وقد كان لهذا الظرف الزمني بلا ريب تأثير كبير، فيما يلتزمه في روايته عن تاريخ الموحدين، من الحيدة، وضبط النفس، وعدم التورط في عبارات الملق، التي يكثر منها مؤرخون مثل ابن صاحب الصلاة، وابن القطان.
الرسائل المرابطية
إن مصادر العصر المرابطي التي بين أيدينا، وفي مقدمتها البيان المغرب، وروض القرطاس، والحلل الموشية، ينقصها الكثير مما يلقي ضياء حقيقياً على أحوال الدولة المرابطية ونظمها وخواصها، وعلى اتجاهات السياسة المرابطية الدينية والسياسية، سواء بالمغرب، أو الأندلس. بيد أنه كان من حسن الطالع، أننا وقفنا خلال بحوثنا بمكتبة الإسكوريال على طائفة عديدة من الرسائل والوثائق المرابطية، التي تسد فراغاً كبيراً في هذا الميدان، وتلقي أضواء كثيرة على خواص الدولة المرابطية ونظمها وسياستها، هذا فضلا عما تلقيه من أضواء على طائفة كبيرة من الأحداث العسكرية الأندلسية الهامة التي وقعت خلال العصر المرابطي.
وتجتمع هذه الرسائل أولا في المخطوطين رقم 488 ورقم 538، من فهرس الغزيري، وثانياً في المخطوط رقم 519 الغزيري، وثالثاً في مجموعة أخرى يضمها مخطوط معهد الدراسات الإسلامية بمدريد.
وأهم هذه الرسائل فيما يختص بالعصر المرابطي، هو المجموعة التي يضمها المخطوط الأول، وهو رقم 488، وهو مخطوط قديم مبتور الآخر وليس له عنوان كل معين، ولكن جاء في الورقة الأولى منه ما يأتي: " جمع هذا الكتاب قصائد كثيرة لعلماء يطول تفسير أسمائهم، للفتح بن خاقان، ولابن عبد الصمد، وللبستي، ولابن عمار، وابن اللبانة، وابن زيدون، وابن حبيب .. ورسائل شتى ورحلة ابن جبير، ونسخة بيعة والسلام ". على أن أهم ما يحتويه المخطوط هو خمس رسائل، كتبت عن أهم الأحداث العسكرية التي وقعت بالأندلس أيام
(3/14)

المرابطين، الأولى رسالة يوسف بن تاشفين عن موقعة الزلاّقة، والثانية رسالة ابن شرف عن فتح أقليش، والثالثة رسالة أهل سرقسطة حينما حاصرها النصارى إلى الأمير أبى الطاهر تميم بن يوسف، والرابعة رسالة لعلي بن يوسف عن هزيمة القلعة. والخامسة رسالة أهل بلنسية إلى علي بن يوسف عند نزول ألفونسو المحارب عليها، وهذا عدا وثيقة موحدية هامة هي بيعة أهل قرطبة بولاية العهد، لمحمد الناصر ولد الخليفة الموحدي يعقوب المنصور.
ويضم المخطوط الثاني، وهو رقم 538، عدة رسائل مرابطية، أخرى، عن أواخر العهد المرابطي بالأندلس، أهمها رسالة وجهها تاشفين بن علي بن يوسف إلى الفقهاء والوزراء والكافة ببلنسية يحثهم على التزام الجهاد والسنن الرفيعة، وأداء الصلاة، ومجانبة الخمر، والرفق بالرعية، والتزام مذهب مالك في الأحكام، ومطاردة كتب الغزالي. وتعتبر هذه الرسالة من أهم الوثائق المرابطية الدستورية، هذا إلى عدة رسائل ثانوية أخرى تلقي أضواء مختلفة على جوانب من أواخر العصر المرابطي بالأندلس (1).
ويضم المخطوط الثالث، وهو رقم 519، وهو خاص " بترسيل الفقيه الكاتب أبى عبد الله بن أبي الخصال ومقاماته ومعارضته "، عدة رسائل مرابطية وجهت إلى علي ابن يوسف، ورسائل أخرى أدبية، متبادلة بين أكابر كتاب ذلك العصر، وبين ابن أبي الخصال. تلقي ضوءاً على بعض جوانب أدبية واجتماعية من ذلك العصر.
أما المجموعة الثالثة، فيضمها مخطوط حصل عليه معهد الدراسات الإسلامية من تركة المرحوم الأستاذ ليفي بروفنسال، وهو نفس المخطوط الذي يضم مجموعة الرسائل الموحدية التي نشرها (سنة 1941) تحت عنوان " مجموع رسائل موحدية من إنشاء كتاب الدولة المؤمنية ". وقد نشرت هذه الرسائل أخيراً، وعددها إحدى وعشرون رسالة بمجلة معهد الدراسات الإسلامية بمدريد (2)، وهي تلقي أضواء كثيرة على نواح مختلفة من العصر المرابطي، سياسية وعسكرية وإدارية.
_______
(1) نشرت معظم الرسائل المشار إليها في المخطوطين السابقين بعناية صديقي الدكتور حسين مؤنس مدير معهد الدراسات الإسلامية بمدريد خلال الأعوام الأخيرة في فترات مختلفة، وذلك بمجلة معهد الدراسات الإسلامية (سنة 1954 و 1955).
(2) قام على نشر هذه الرسائل وتحقيقها والتمهيد لها صديقي الدكتور محمود علي مكي وكيل معهد الدراسات الإسلامية، ونشرت بالمجلدين السابع والثامن من مجلة المعهد (سنة 1959 - 1961).
(3/15)

ويمكننا أن نشير في هذا الموطن أيضاً، إلى وثيقة مرابطية هامة. أوردها لنا ابن الخطيب في الإحاطة، وهي كتاب تولية العهد الصادر من يوسف بن تاشفين لولده علي.
الرسائل الموحدية
حسبنا أن نشير في هذا الموطن، أولا إلى مجموعة الرسائل الموحدية التي نشرت بعناية الأستاذ بروفنسال والتي سبقت الإشارة إليها، وهي من أهم الوثائق التي تلقي كثيراً من الضوء، على معظم الأحداث الهامة، التي وقعت في عهد الخليفة عبد المؤمن بن علي، وولده الخليفة أبى يعقوب يوسف، فولده الخليفة يعقوب المنصور، فولده الخليفة محمد الناصر.
وقد وقفنا إلى جانب ذلك على مجموعة من الرسائل المخطوطة، وردت في مخطوط الإسكوريال رقم 518 الغزيري (ديرنبور 520) وهو كتاب " زواهر الفكر وجواهر الفكر " لمحمد بن علي بن عبد الرحمن المرادي المكني بابن المرابط، وهو حسبما ورد في آخره مكتوب في سنة 721 هـ. وهو عبارة عن مجموعة كبيرة من الرسائل الأندلسية، ومنها عدة رسائل بقلم القاضي الكاتب أبى المطرف بن عميرة عن حوادث بلنسية أيام الفتنة الأخيرة، التي انتهت بسقوطها في أيدي النصارى، ورسالة كتب بها عن أهل شاطبة إلى ابن هود، وظهير موحدي صادر عن الخليفة الرشيد إلى المتوطنين من أهل شرقي الأندلس برباط الفتح، ورسائل وقصائد لابن الأبار، وغيرها. وهذه الرسائل تكشف عن كثير من الظروف والأحداث التي وقعت في شرقي الأندلس، في أواخر عهد الموحدين. وأواخر عهد الإسلام به.
التراجم المخطوطة
كان من أهم مصادرنا المخطوطة طائفة كبيرة من التراجم وردت في موسوعتين هامتين، الأولى، " كتاب الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة " لقاضي الجماعة أبى عبد الله محمد بن عبد الملك بن محمد بن سعيد الأنصاري الأوسي المراكشي المتوفى فيما يرجح في أواخر القرن السابع الهجري، والثانية كتاب " الإحاطة في أخبار غرناطة " للوزير لسان الدين ابن الخطيب المتوفى سنة 776 هـ (1375 م).
وكتاب التكملة موسوعة جليلة من التراجم، وبها عدد كبير من تراجم أعلام إلعصرين المرابطي والموحدي، من فقهاء وكتاب وأدباء وشعراء. وقد رجعنا
(3/16)

إلى أجزائها المخطوطة الموجودة في دار الكتب المصرية (الجزء المخطوط الموسوم بالسفر الخامس، والأجزاء المصورة، وبها تراجم حرف الميم حتى الياء)، وفي المتحف البريطاني (الرابع والخامس رقم 7940) وخزانة الرباط (الأول مصور مخطوط باريس)، والإسكوريال (قطعة فقط رقم 1682 الغزيري وبها تراجم حرف السين حتى أوائل حرف ع)، ونقلنا منها عدداً كبيراً من التراجم. وقد كان من أهم ما انتفعنا به من هذه التراجم، هو الشذور والنبذ التاريخية العديدة، التي وردت خلالها عن أحداث العصرين المرابطي والموحدي، ومنها أحياناً روايات هامة وحيدة لم ترد في أية مصادر أخرى، هذا فضلا عن التعريف بكثير من الأعلام الذين تنفرد هذه الموسوعة النفيسة بإيراد تراجمهم.
وكذلك الشأن في كتاب الإحاطة لابن الخطيب، فقد وردت به تراجم عديدة لأمراء وزعماء من المرابطين والموحدين، وكذلك لكثير من أعلام هذا العصر من فقهاء وكتاب وشعراء، وكان انتفاعنا عظيماً بهذه التراجم، ولاسيما التي وردت منها بالقسم المخطوط من الإحاطة (الإسكوريال رقم 1673 و 1674 الغزيري)، وقد ورد خلالها كثير من الشذور التاريخية الهامة، منقولة عن مصادر ضاعت مثل كتاب " الأنوار الجلية في أخبار الدولة المرابطية " وغيره.
أما عن كتب التراجم المطبوعة، فحسبنا أن نشير إلى وفيات الأعيان لابن خلكان، والصلة لإبن بشكوال، وصلة الصلة لابن الزبير، وبغية الملتمس للضبي، والتكملة والحلة السيراء لابن الأبار، والأخيران يضمان كثيراً من التراجم والنبذ التاريخية الهامة المتعلقة بعصري المرابطين والموحدين.
وثائق ومصادر أخرى
وليس في نيتنا أن نتحدث في هذا البيان الموجز عن المصادر المخطوطة، عن المصادر المطبوعة، وهي كثيرة يتعذر حصرها. بيد أنه يجدر بنا أن نشير فقط إلى طائفة من هذه المصادر التي تعتبر إلى جانب المصادر المخطوطة، من أهم المراجع الرئيسية عن عصر المرابطين والموحدين.
فمنها كتاب "المعجب " لعبد الواحد المراكشي، و " الحلل الموشية " لمؤلف مجهول، و" روض القرطاس " لابن أبى زرع الفاسي، وهذه المراجع الثلاثة تتناول عصر المرابطين والموحدين معاً، وهي لمؤلفين عاشوا في عصر الموحدين أو قريباً منه.
(3/17)

ومنها ما يختص بالموحدين وعصرهم، وفي مقدمتها مؤلفا المهدي محمد بن تومَرت، وهما " أعز ما يطلب " و" الموطأ "، وأولهما يضم خلاصة مذهبه وتعاليمه، والثاني يضم شروحه لأحكام مذهب مالك. ويليهما كتاب " أخبار المهدي ابن تومَرت وابتداء دولة الموحدين " وهو من تصنيف أبى بكر الصنهاجي المكنى بالبيذق أحد أصحاب المهدي، وهو أهم وأقيم مصادرنا عن نشأة المهدي ونسبه وأصحابه، وحركاته الأولى، ثم غزوات خليفته عبد المؤمن.
وهناك مصدر هام آخر جدير بالذكر، وهو " رحلة التجّاني " وهي رحلة قصيرة قام بها أبو محمد عبد الله بن محمد التجّاني بين سنتي 706 و 708 هـ، في أنحاء تونس وطرابلس، وهي تتضمن طائفة كبيرة من النبذ والشذور التاريخية القيمة عن الأحداث والمعارك التي وقعت في أنحاء إفريقية وبلاد الجريد، بين بني غانية والموحدين، وهي من أدق وأوفى الروايات التي انتهت إلينا عن هذه الفترة.
وكذلك رحلة ابن جُبير الأندلسي، ففيها إشارات ونبذ هامة، تتعلق
بالموحدين؛ أما عن المصادر الجغرافية المتعلقة بالمغرب والأندلس، فلدينا ثلاثة من أهمها وأقيمها، هي كتاب " المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب "، المستخرج من كتاب " المسالك والممالك " (لأبي عبيد البكري)، و " وصف المغرب وأرض السودان ومصر والأندلس " المستخرج من كتاب " نزهة المشتاق " للإدريسي وكتاب " الإستبصار" (لمؤلف مجهول) وهو أحدثها من الناحية التاريخية.
وهذا كله إلى المصادر النصرانية من لاتينية وقشتالية وغيرها، معاصرة أو محدثة، وقد ذكرت تباعاً في مواطنها، ولا داعي للتحدث عنها هنا.
(3/18)

صفحة من الأوراق المخطوطة التي عثرنا عليها من كتاب " البيان المغرب " لابن عذراى بخزانة جامع القرويين بفاس، وهي من أوراق الجزء الخاص بعصر المرابطين.
(3/19)

صفحتان من المخطوط رقم 538 الغزيري المحفوظ بمكتبة الإسكوريال، وهما من رسالة الأمير تاشفين بن علي إلى الفقهاء والوزراء والصلحاء والكافة ببلنسية، المؤرخة في أوائل جمادى الأولى سنة 538 هـ.
(3/21)

صفحتان من مخطوط كتاب " نظم الجمان " لابن القطان المحفوظ بمعهد الدراسات الإسلامية بمدريد.
(3/23)

تمهيد
الأوضاع العامة لشبه الجزيرة الأندلسية في عصر المرابطين والموحدين
كانت موقعة الزلاّقة (479 هـ - 1086 م)، موقعة الحسم، في مصاير اسبانيا المسلمة، سواء إزاء اسبانيا النصرانية، أو إزاء المرابطين. فقد انقشع الخطر الداهم الذي كان يهددها بالفناء العاجل، مذ سقطت طليطلة حصن الأندلس من الشمال في أيدى النصارى، وقد كتبت لها حياة جديدة. ولكن الزلاّقة، كانت من جهة أخرى نذيراً بأعظم تحول وقع في مصايرها منذ الفتح، ذلك أن المرابطين الذين قدموا إليها إخواناً في الدين، وأصدقاء مجاهدين منجدين، انقلبوا عقب الزلاّقة إلى أعداء فاتحين. وما كاد الموقف يتضح لعاهل المرابطين يوسف ابن تاشفين عقب النصر، وتبدو له دول الطوائف الأندلسية على حقيقتها، دويلات متخاذلة متنابذة، يسودها الإنحلال، ويقضم أسسها الترف والخور، حتى قرر أمره تجاه أمراء الطوائف. وسواء أكان هذا القرار قد أملته شهوة الفتح، ورغبة الاستيلاء على هذه البلاد الخضراء الغنية الساحرة، أم كان بقصد حمايتها من النصارى، والتحوط بذلك لسلامة المغرب، بصون جناحه الدفاعي من الشمال - الأندلس - فقد نفذ عاهل المرابطين قراره، واستولت جيوشه تباعاً على دول الطوائف، في فترة لا تتجاوز عشرين عاماً، فيما بين سنتي 483 و502 هـ (1090 - 1109 م)، وذلك حسبما فصلناه من قبل في كتابنا " دول الطوائف ".
وأضحت الأندلس من ذلك الحين ولاية مغربية، تخضع لحكومة مرّاكش، وتحكمها القبائل البربرية المغربية، بعد أن كان المغرب قبل ذلك بنحو قرن فقط، ولاية أندلسية تخضع لخلافة قرطبة الأموية. ونحن نعرف أن البربر قد اضطلعوا في فتح الأندلس بأعظم قسط، ولكنهم لم ينالوا نصيبهم الحق، في حكم هذه البلاد الجديدة، وغلب سلطان العرب سادة البربر عند الفتح. وعلى الرغم من أن البربر كانت لهم ما بين آونة وأخرى، في ظل الدولة الأموية، بعض
(3/25)

الحظوة، وكان لهم في ظل الدولة العامرية قسط بارز من النفوذ والسلطان، وعلى الرغم من أنهم نالوا قسطهم من أسلاب الخلافة، وقامت لهم في عهد الطوائف عدة من الدول القوية، بلغت في ظل بني حمّود مرتبة الخلافة، فإنهم في ظل المرابطين، يبسطون لأول مرة سلطانهم كاملا على الأندلس، ويستأثرون فيها بالحكم والسيادة، وتختفي خلال ذلك رياسة الأسر والزعامات الأندلسية. أجل إن عهد المرابطين بالأندلس لم يكن طويل الأمد. ذلك أنه لم يدم أكثر من زهاء نصف قرن. ولكن سلطان البربر على الأندلس يمتد بعد انتهاء الدولة المرابطية، على يد وريثتها الدولة الموحدية، أكثر من قرن آخر. وفي وسع المؤرخ أن يلاحظ ما بين هذين العهدين، من أوجه التماثل التي تجمع بينهما، وأن يلاحظ في نفس الوقت أوجه الخلاف والتناقض التي تباعد بينهما، وتسبغ على كل منهما خواصه ومميزاته.
إن المرابطين والموحدين، ينتمي كلاهما إلى طائفة من تلك القبائل البربرية، التي أخذت على كر العصور في حكم المغرب وسيادته بأوفر نصيب، فالمرابطون ينتمون بالأخص إلى لمتونة وكدالة ومسّوفة، وينتمي الموحدون بالأخص إلى هرغة ومصمودة وهنتانة وكومية. وقد نشأت كلتا الدولتين، المرابطية والموحدية، في ظروف متشابهة، كأنما رسمت لكل منهما على نسق واحد، فكلتاهما قامت على أسس دينية، وعلى يد فقيه وداعية متعصب؛ فكان داعية الدولة المرابطية، الفقيه عبد الله بن ياسين، وكان داعية الدولة الموحدية، المهدي محمد بن تومرت، وتحولت كلتاهما إلى ملك سياسي على يد زعيم موهوب وقائد بارع، فكان زعيم الدولة المرابطية الذي وطد دعائمها، وشاد ملكها السياسي، يوسف بن تاشفين، وكان قرينه عبد المؤمن بن علي، هو الذي وضع أسس الدولة الموحدية، ووطد دعائمها. واستطاعت الدولة الموحدية، بعد أن قضت على الدولة المرابطية، أن تسيطر على نفس الرقعة الإقليمية الشاسعة، التي كانت تحتلها، سواء في المغرب أو الأندلس، وإن كانت الأندلس لم تخلص للموحدين إلا بعد فترة من الصراع المحلي، ولاسيما ضد الثورة في شرقي الأندلس.
وفضلا عن ذلك، فقد كانت تجمع بين الدولتين، بالنسبة للأندلس، إذا أغضينا عن العوامل الإقليمية والسياسية، التي كانت تحرك هاتين الدولتين، إلى بسط سيادتهما على هذا الإقليم الغني الساحر - كانت تجمع بينهما فكرة الجهاد،
(3/26)

وحماية الأندلس، من عدوان الممالك الإسبانية النصرانية. وهنا تبدو وجوه الخلاف بين الدولتين. ذلك أنه بالرغم من وحدة الغاية، فقد كان المرابطون يضطرمون بروح جهاد قوية خالصة، وقد استطاعوا في ظل هذا الروح الدافع أن يصدوا عن الأندلس عدوان اسبانيا النصرانية، وأن يحرزوا بعد الزلاّقة، النصر في عدة مواقع مماثلة، حاسمة في صدع قوى اسبانيا النصرانية. وإذا استثنينا موقف المرابطين من سقوط سرقسطة، وهو السقطة العسكرية المرابطية البارزة خلال هذا الكفاح، فإن الصراع الذي اضطلع به المرابطون ضد الممالك الإسبانية النصرانية، كان صراعاً قوياً وناجحاً، وقد أحرز المرابطون خلاله ضد النصارى عدة من الانتصارات الباهرة، ولاسيما في أقليش (سنة 501 هـ - 1108 م)، وفي إفراغة (528 هـ - 1134 م). وقد استطاع المرابطون على وجه العموم حتى أواخر عهدهم، الذي استطال بالأندلس زهاء خمسين عاماً، أن يحافظوا على رقعة الوطن الأندلسي، ولم يصدع من كفاحهم ضد النصارى، سوى قيام الثورة عليهم في مختلف القواعد، عند ظهور الموحدين وعبورهم إلى الأندلس.
أما الموحدون فبالرغم من أنه كانت تحدوهم مثل الروح، التي كانت تحدو المرابطين، في محاربة اسبانيا النصرانية، والذود عن الأندلس، فإنهم لم يحرزوا مثلما أحرز المرابطون من التوفيق في هذا الكفاح. وقد بذل الموحدون بالفعل جهوداً فادحة في سبيل الاضطلاع بحركة الجهاد بالأندلس، وصد عدوان اسبانيا النصرانية عنها، وقد عبرت جيوشهم الجرارة مراراً إلى شبه الجزيرة، مزودة بكميات هائلة من العتاد والسلاح، ولكنهم وهم في إبان قوتهم، لم يحوزوا توفيقاً في حملاتهم الغازية ضد النصارى، فتحطمت حملة الخليفة أبى يعقوب يوسف بن عبد المؤمن ضد القشتاليين، تحت أسوار وبذة (567 هـ -1172 م)، وتحطمت حملته الثانية ضد البرتغاليين تحت أسوار شَنترين (580 هـ - 1184 م)، ومنيت الجيوش الموحدية بهزيمة فادحة، وهلك الخليفة نفسه في الموقعة. ويرجع هذا الفشل إلى عدة أسباب، منها اختلال نظام الجيوش الموحدية، وضعف قيادتها، واختلال وسائل تموينها، كما يرجع إلى اشتداد ساعد مملكة البرتغال، واستغراقها معظم جهود الموحدين، في ولاية الغرب الأندلسية؛ ولم تبرز الجيوش الموحدية في جهادها ضد النصارى إلا في معركة الأرك العظيمة، التي أحرز فيها الخليفة يعقوب المنصور، انتصاره الباهر على القشتاليين، في شهر رجب سنة 591 هـ
(3/27)

(يوليه سنة 1195 م). على أن هذا النصر العظيم، لم يلبث أن محت آثاره موقعة العقاب المشئومة، التي أحرز فيها القشتاليون نصرهم الساحق على الجيوش الموحدية بقيادة الخليفة محمد الناصر ولد المنصور، وذلك في صفر سنة 609 هـ (يونيه سنة 1212 م)، والتي كانت ضربة قاضية، لقوى الموحدين بالأندلس والمغرب، ولم يمض على وقوعها سوى أعوام قلائل حتى انهار سلطان الموحدين بالأندلس، وأخذت قواعد الأندلس الكبرى تسقط تباعاً في أيدي النصارى في وابل من المحن المؤلمة.
كانت قصة الجهاد في سبيل الله، وقصة حماية الأندلس من عدوان النصارى، تجثم وراء هذه المعركة الطويلة المستمرة بين المرابطين والموحدين من ناحية، وبين اسبانيا النصرانية من ناحية أخرى، وكان المرابطون والموحدون، تحملهم في هذا الصراع المستمر ضد اسبانيا النصرانية، فضلا عن غريزة الاحتفاظ بالنفس، نزعة لا شك فيها من الجهاد الإسلامي، والذود عن معاقل الإسلام وتراثه في " جزيرة الأندلس ". وهم قد عبروا البحر أول ما عبروا إلى الأندلس، تدفعهم تلك النزعة النبيلة، ولم تخمد نزعة الجهاد في صدورهم طوال الوقت الذي كانت تضطرم فيه المعارك باستمرار، بينهم وبين اسبانيا النصرانية، وكثيراً ما غزت الجيوش المرابطية والموحدية، أراضي اسبانيا النصرانية من تلقاء نفسها، طلباً للجهاد ليس غير، وقد عبر الخلفاء الموحدون إلى الأندلس في جيوشهم الجرارة مراراً، لمتابعة هذا الجهاد، الذي كان شعارهم دائماً في محاربة النصارى في شبه الجزيرة الإسبانية.
* * *
ولقد كان من الطبيعي أن تنشب بين المرابطين والموحدين، وهم سادة الأندلس الجدد، وبين زعماء الأندلس المحليين معركة السلطان والملك. ولقد كانت هذه المعركة التي تغذيها عوامل مختلفة، هي محنة الأندلس الحقيقية، وكانت تتجدد من خلالها صور المعارك الانتحارية، التي أثخنت الأندلس أيام الطوائف بجراحها الدامية. على أنه مهما كانت بواعث الأسف والأسى، التي تقترن بمثل هذه المعارك، ومهما كان لنا أن نستنكرها وأن نحكم عليها، فإنه يصعب على المؤرخ، أولا أن يحدد المسئولية في شأنها أو أن يلقي تبعتها على فريق بعينه، وثانياً أن يتجاهل العوامل القومية والوطنية، التي كانت من ورائها. وهي في ذلك تفترق عن معارك
(3/28)

الطوائف، التي لم تكن تحدوها سوى الأطماع والأهواء الشخصية الوضيعة.
ومما يلاحظ أن الثورة على سلطان المرابطين في الأندلس، لم تضطرم إلا في آواخر عهدهم في شبه الجزيرة، في نفس الوقت الذي اضطرم فيه المغرب بثورة الموحدين الجارفة، وتضعضع سلطان المرابطين في عقر دولتهم، وتعذر عليهم إرسال الإمداد إلى ما وراء البحر. على أن هذه الثورة كانت في الواقع أقدم عهداً وأعمق جذوراً، إذ هي ترجع إلى عهد الفتح المرابطي ذاته. وكانت الأندلس، حينما اشتدت عليها وطأة اسبانيا النصرانية، وعجزت دول الطوائف الضعيفة المتنابذة، عن رد عدوانها، وجاء سقوط طليطلة نذيراً بالخطر الداهم، قد استقبلت المرابطين إخواناً في الدين منجدين منقذين، وأكد نصر الزلاّقة الباهر ومن بعده جواز يوسف بن تاشفين الثاني لنصرة الطوائف في حصار حصن لييط (أليدو) (481 هـ -1088 م) هذا الاعتبار وهذا المعنى. على أن فكرة الاستنصار بالمرابطين لم تكن دون توجس، ودون تخوف من العواقب. وقد ذكرنا فيما تقدم من كتابنا " دول الطوائف " كيف عارض المعتمد بن عباد ولده الرشيد، في فكرة الاستنصار بالمرابطين، وحذره من مقدمهم وقوله: " يا أبت أتدخل علينا في أندلسنا من يسلبنا ملكنا، ويبدد شملنا " وكيف أنه كان ثمة بين أمراء الطوائف، ورجالات الأندلس، من لم ترقه هذه الفكرة، توجساً من عواقبها (1).
وقد تحققت هذه المخاوف، وانهار ذلك المعنى النبيل الذي بثه نصر الزلاّقة لأمد قصير، وانقلب المنقذون إلى فاتحين، واستولى المرابطون على دول الطوائف واحدة بعد أخرى، واقترن هذا الفتح في بعض الأحيان بكثير من العنف، والقسوة، وسقط عدد من أمراء الطوائف مدافعين عن أنفسهم وملكهم. وكان لهذا التحول بلا ريب أعظم صدى في جنبات الأندلس، وأعمق أثر في نفوس الأمة الأندلسية. ومن جهة أخرى فإن أساليب الحكام والقادة المرابطين، في حكم هذا القطر الجديد، لم تكن لينة ولا رفيقة، وذلك بالرغم مما كان يحدوها ويوجهها في معظم الأحيان من جانب أمير المسلمين، من النيات الطيبة والنصائح المثالية لعماله وقادته، باتباع العدل، والرفق بالرعية، وكانت أساليب هؤلاء
_______
(1) راجع كتاب دول الطوائف، ص 78، والحلل الموشية ص 27 و 28، وأعمال الأعلام لابن الخطيب (طبع بيروت) ص 245 وكتاب التبيان للأمير عبد الله بن بلقين ص 103 و 104.
(3/29)

الحكام والقادة، ومعظمهم من أقارب أمير المسلمين وأصهاره، تجافي بعنفها وخشونتها ما جبلت عليه الأمة الأندلسية المتحضرة المترفة، من الأساليب المهذبة الرقيقة. ومن ثم فإنه لا يدهشنا أنه لم يمض سوى خمسة عشر عاماً فقط، على وفاة عاهل المرابطين يوسف بن تاشفين، حتى اضطرمت الثورة في قرطبة حاضرة الأندلس يومئذ، ضد المرابطين في سنة 515 هـ (1121 م)، في أوائل عهد علي بن يوسف، وذلك وفقاً لقول الثوار " ذباً عن الحُرَم والدماء والأموال " (1).
ولم تكن هذه الفورات وأمثالها، في البداية سوى محاولات للتنفس من حكم المرابطين المتزمت المرهق. ولم تقو الفكرة الوطنية الأندلسية وتتبلور إلا فيما بعد، في أواخر عهد المرابطين، حينما اضطرمت الأندلس كلها، من شرقها إلى غربها، بالثورة ضدهم، وقام أحمد بن قسيّ في غرب الأندلس، في ميرتلة وشلب وباجة سنة 539 هـ (1144 م)، وقام في نفس العام أبو جعفر ابن حمدين في قرطبة، وأبو الحسن على ابن أضحى في غرناطة. وفي نفس الوقت انهار سلطان المرابطين تباعاً في شرقي الأندلس، وقام القاضي ابن عبد العزيز أولا في بلنسية، ومرسية.
ثم نهض ابن عياض فغلب عليهما بعد طائفة من الأحداث والانقلابات المتوالية، ودعا بالرياسة لسيف الدولة ابن هود. وتقلد ابن هود الرياسة الإسمية، وهو في تقلده إياها، يمثل الفكرة القومية الأندلسية، ولما قتل ابن هود في موقعة البسيط، التي نشبت بين قوات بلنسية وابن هود، وبين القشتاليين وذلك في سنة 540 هـ (1146 م) دعا ابن عياض لنفسه، وغلب على شرقي الأندلس كله، إلى أن لقي مصرعه في معركة نشبت بينه وبين القشتاليين في سنة 542 هـ (1147 م). وعندئذ خلفه في الرياسة نائبه وصهره محمد بن سعد بن مردنيش، وسرعان ما اشتد ساعده، وبسط سلطانه القوي على سائر القواعد الشرقية من بلنسية حتى قرطاجنة. وكان ابن مردنيش يمثل الفكرة القومية الأندلسية في أعمق صورها، وقد شهر علم النضال ضد الموحدين أعواماً طويلة، حتى تبددت قواه، ثم خبت فورته بوفاته، وذلك كله حسبما نفصل بعد في مواضعه. وكان سلطان المرابطين قد انهار نهائياً في شرقي الأندلس، قبل ثورة ابن مردنيش بعدة أعوام، وإن كان بفضل الجهود العنيفة التي بذلها قائد المرابطين القوي ابن غانية، قد لبث في بعض القواعد الوسطى والغربية لفترة قصيرة أخرى.
_______
(1) الحلل الموشية ص 63.
(3/30)

كانت هذه الفورات المتعاقبة التي اضطرمت ضد المرابطين في مختلف القواعد الأندلسية، في تلك الفترة العصيبة من أيامهم، تتسم بالرغم من اتخاذها في بعض نواحيها صورة الحرب الأهلية، بالطابع الوطني، وتمثل بوضوح فكرة تحرير الأندلس من النير المرابطي. ولم يكن أولئك الزعماء الخوارج، يحجمون في سبيل تحقيق غايتهم، أو في سبيل التطاحن فيما بينهم، عن الإستعانة بالنصارى، وهي وسيلة شائنة، خطرة في نفس الوقت، تتحطم لديها سائر الاعتبارات الوطنية والدينية. بيد أنه يجب أن نذكر أنها نفس الوسيلة اليائسة التي لجأ إليها أمراء الطوائف، حينما استشفوا نية عاهل المرابطين في القضاء عليهم، فلم يحجموا عن الالتجاء إلى ملك قشتالة، ألفونسو السادس، أخطر أعدائهم، والمنتزع لقواعدهم وأراضيهم، والتحالف معه على رد الجيوش المرابطية. وكان الملوك النصارى يسارعون بتلبية أمثال هذه الدعوات، ليس فقط انتهازاً لما تقدمه إليهم من فرص الضرب والتفريق بين الأمراء المسلمين، واستنزاف قواهم، وانتزاع ما يمكن انتزاعه منهم من الأموال والأراضي، ولكن كذلك شعوراً منهم بالخطر المشترك، الذي يهدد الوطن المشترك - شبه الجزيرة الإسبانية - من جراء تغلب القبائل البربرية المرابطية عليه، واستقرارها فيه، وقد تمثلت هذه الظاهرة فيما بعد أيام الموحدين، أصدق تمثيل، في ثورة محمد بن سعد بن مردنيش، وفي تحالفه المستمر الوثيق مع الملوك النصارى، ضد الموحدين.
* * *
ونستطيع أن نقول إنه منذ انهارت ثورة ابن مردنيش في شرقي الأندلس بوفاته سنة 567 هـ (1072 م)، واستولى الموحدون على مملكة مرسية، خلُصت الأندلس كلها لطاعة الموحدين، وغاضت النزعة القومية الأندلسية، واستسلمت الأندلس لحكم سادتها من وراء البحر، واستطاع الموحدون أن يوطدوا سلطانهم في الجزيرة مدى نصف قرن آخر، وسطع البلاط الموحدي في إشبيلية، التي جعل الموحدون منها حاضرة الأندلس، وخصوها بمنتهى الرعاية، وعملوا على تحصينها، وتجميلها بطائفة من الصروح الفخمة، وقامت منشآتهم العمرانية العظيمة بإشبيلية، وغيرها من قواعد الأندلس، من قصور ومساجد وحصون وقناطر وأسوار، تشيد بهمتهم وقوة سلطانهم، وفخامة دولتهم.
والتف حول البلاط الموحدي سواء بإشبيلية أو المغرب، أعلام الأندلس من كل
(3/31)

ضرب، من فقهاء وعلماء وكتاب وشعراء، وحشد الخلفاء الموحدون إلى جانبهم أقطاب البيان والتفكير الأندلسيين، واتخذوا منهم وزراء وكتاباً وأطباء، وخدم علماء وفلاسفة عظام، مثل ابن طُفيل، وابن زهر، وابن رشد، في بلاط الخليفة الموحدي.
وهكذا استقام الأمر بالأندلس في ظل الحكم الموحدي مدى نصف قرن
آخر، وشغل الموحدون داخل إمبراطوريتهم العظمية بالمغرب، بتوطيد سلطانهم،
وقمع نزعات العصيان المحلية، وشغلوا بالأخص بمكافحة بني غانية، والقضاء
على ثورتهم وحركاتهم المخربة بإفريقية، وهي ثورة اقتضت منهم أفدح الجهود،
وكادت في بعض الأحيان أن تقضى على سلطانهم في إفريقية. ثم كان عهد الخليفة الناصر ابن المنصور، وكانت حملته المشئومة إلى الأندلس، وكانت نكبة العقاب الساحقة (609 هـ)، وما ترتب عليها من انهيار سلطان الموحدين في شبه الجزيرة؛ عندئذ تغيرت الأمور، وتجهمت الحوادث، ولم يقتصر الأمر عندئذ على استطالة الممالك النصرانية، وضغطها على مختلف نواحي الأندلس، وتحفزها لافتتاح قواعدها الكبرى، ولكن حدث في نفس الوقت أن أخذت بوادر الثورة تتحرك داخل الأندلس، تغذيها العوامل القومية القديمة، ضد حكم وهنت دعائمه.
وكان موطن هذه الثورة الجديدة، شرقي الأندلس، وكان على رأسها زعيمان ينتمي كلاهما إلى بيت من البيوت الثائرة القديمة، أولهما زيان بن مردنيش، والثاني أبو عبد الله محمد بن يوسف بن هود؛ وبينما انحصرت حركة زيان ببلنسية، إذا بدعوة ابن هود تجتاح مرسية وألمرية وغرناطة ومالقة، وكانت حركة ابن هود تمثل فكرة الأندلس القومية أصدق تمثيل، وترى إلى تحرير الأندلس من نير الموحدين، والنصارى معاً، ولكن موارده وقواته، لم تكن تسمح له بأن يضطلع بمثل تلك المهمة الفادحة. ومن جهة أخرى، فقد نهض النصارى لانتهاز الفرصة السانحة، وانتزاع قواعد الأندلس الكبرى، خلال تلك الغمار المضطرمة، فقام ألفونسو التاسع ملك ليون بانتزاع قواعدها الغربية، ماردة وبطليوس وغيرها (627 هـ) ثم قام فرناندو الثالث بانتزاع قرطبة عاصمة الخلافة القديمة (شوال سنة 633 هـ - يونيه 1236 م) - وذلك في الوقت الذي تخلى فيه ابن هود عن إنجادها، وشغل بالعمل لتوطيد سلطانه في جنوبي الأندلس. وكان لسقوط قرطبة أعمق وقع في تلك الأندلس المفككة المنهوكة القوى، ولكنه كان أمراً محتوماً لا سبيل إلى اتقائه.
(3/32)

ولم يمض قليل على ذلك، حتى توفي ابن هود في أوائل سنة 635 هـ، وهو في إبان قوته وطموحه، وانهارت بوفاته أماني ومشاريع كثيرة، وفي العام التالي استطاع خايمي الأول أو الفاتح ملك أراجون، أن يستولي على بلنسية عاصمة الشرق (صفر سنة 636 هـ - سبتمبر 1238 م) وكان قد استولى قبل ذلك في سنة 628 هـ على الجزائر الشرقية. وفي الوقت الذي أخذ يتوالى فيه سقوط القواعد الشرقية والوسطى، في أيدي النصارى، كان محمد بن الأحمر من جانبه، يعمل بكل ما وسع لبسط سلطانه على القواعد الجنوبية. وهكذا أضحت الأندلس مرة أخرى مسرحاً لغمار متوالية من الحوادث والفتن التي تمزق أوصالها، وتجعلها فريسة هينة لعدوها الخالد - إسبانيا النصرانية - ينتزع قواعدها وأراضيها تباعاً، ولا تجد وسيلة ناجعة لدفع هذا العدوان الجارف، بعد أن انهار سلطان الموحدين وقواهم بالأندلس، وبعد أن فقدت الأندلس منعتها ومواردها العسكرية القديمة، في ظل حكم الدولة الغالبة.
ولم تفق الأندلس من تلك المحنة الطاحنة، إلا وقد فقدت قواعدها الكبرى شرقاً وغرباً - قرطبة، وبلنسية، ومرسية، وشاطبة، ودانيه، وجيان، وإشبيلية وبطليوس، وماردة، وشلب، وغيرها وغيرها - وأضحت أنقاضاً متناثرة، تجتمع أشلاؤها الدامية في الجنوب، فيما وراء نهر الوادي الكبير، ولاح من خلال ذلك كله، أن ساعة الأندلس الأخيرة قد دنت، وأنه لم يبق على اسبانيا النصرانية إلا أن تجتني بقية تراثها الممزق، وأن تختتم هذه السلسلة من معارك " الإسترداد " " La Reconquista " العظيمة بضربة أخيرة، تكون هي القاضية على حياة اسبانيا المسلمة، لولا أن شاء القدر أن تلتئم هذه الأنقاض المتناثرة من تراث الأندلس الكبرى، وأن تبعث من بينها قوة فتية جديدة، تتمثل في قيام مملكة غرناطة، آخر دول الإسلام في الأندلس.
تلك هي الخطوط العريضة لصورة العصر، الذي نحاول أن نضطلع باستعراض أحداثه، وشرح ظروفه وخواصه، - عصر المرابطين والموحدين.
(3/33)

الكِتاب الأول
الدولة المُرابطية في أوج سُلطانها
(3/35)

الفصْل الأوّل
يوسف بن تاشفين خواص إمارته ولامع خلاله
يوسف بن تاشفين وبداية زعامته. أبو بكر بن عمر اللمتوني. المرابطون ينشرون الإسلام في غانة ومالي. يوسف يتسمى بأمير المسلمين. ظروف تسميته بهذا اللقب. اعترافه بطاعة الخليفة العباسي. رواية ابن خلدون. ما يؤيد هذه الرواية. رواية ابن العربي عن رحلته. فتوى الإمام الغزالي عن موقف أمراء الطوائف وعن حق يوسف في استصدار المرسوم الخلافي. كتاب الإمام الغزالي ليوسف. كتاب أبى بكر الطرطوشي. اخيار يوسف لولده على لولاية العهد. المرسوم الصادر بذلك. كتاب البيعة والتولية. خلال يوسف ومناقبه. بساطته المؤثرة. براعته العسكرية. عدله وإيثاره للفقهاء. موقفه من الضرائب والمكوس. سيادة الأمن والرخاء في عهده. وزيره عبد الرحمن بن أسباط. كاتبه ابن القصيرة. مرض يوسف ووفاته. تحقيقه لوحدة المغرب والأندلس. الدولة المرابطية الكبرى.
- 1 -
كان مما اقتضاه سياق الكلام عن تاريخ دول الطوائف، أن نتحدث عن نشأة الدولة المرابطية وقيامها في المغرب، والتجاء أمراء الطوائف، حينما لاح خطر اسبانيا النصرانية قوياً على الأراضي والقواعد الإسلامية في شبه الجزيرة، وحينما جاء سقوط طليطلة في شهر صفر سنة 478 هـ (مايو سنة 1085 م) نذيراً بتفاقم هذا الخطر، - التجائهم إلى إخوانهم فيما وراء البحر، إلى المرابطين، يطلبون منهم الإنجاد والغوث، ثم عن عبور بطل المرابطين يوسف بن تاشفين في جيوشه الجرارة المتوثبة إلى الأندلس، وخوض الجيوش الإسلامية المتحدة - المرابطية والأندلسية - لمعركة الزلاّقة ضد الجيوش النصرانية المتحدة، في رجب سنة 479 هـ (أكتوبر سنة 1086 م)، وإحرازها لانتصارها الباهر الذي قمع عدوان اسبانيا النصرانية إلى حين، وأخيراً عن انقلاب المرابطين من منقذين إلى فاتحين، واستيلائهم على إمارات الطوائف تباعاً، وضم الأندلس إلى الدولة المرابطية الكبرى.
وقد تتبعنا خلال ذلك كله حياة زعيم المرابطين يوسف بن تاشفين، منذ
(3/36)

نشأته، حتى فوزه بإنشاء الدولة المرابطية في المغرب، وما تلا ذلك من عبوره إلى شبه الجزيرة غير مرة، وفوزه بملك الأندلس، ثم وفاته في مستهل شهر المحرم سنة 500 هـ (2 سبتمبر سنة 1106 م) بعد حياة حافلة بعظائم الحوادث، وجلائل الأعمال.
ولسنا نجد بعد أن استعرضنا ذلك كله، بتفاصيله الشاملة في كتابنا " دول الطوائف "، مجالا لتكرار الكلام في هذه الموضوعات. بيد أنه لا يسعنا، ونحن نزمع الكلام هنا عن عصر المرابطين في المغرب والأندلس، إلا أن نرتد بأبصارنا إلى بعض ما تقدم من المواطن، وأن نستزيدها فيما أوجزنا فيه منها، حتى ينتظم السياق، وتكمل وحدة الموضوع.
وأول ما يعرض لنا في ذلك، هو العود إلى بعض مواطن، في حياة البطل المغربي العظيم، يوسف بن تاشفين زعيم المرابطين، ونبدأ في ذلك بصفته وألقابه الملوكية، وهو ما تناولناه فيما تقدم بطريقة عابرة.
كانت رياسة المرابطين الزمنية، حينما أنشأ الفقيه عبد الله بن يايسن الجزولي، طائفة المرابطين في أول أمرها، لزميله وصديقه يحيى بن إبراهيم الكدالي، ولما توفي هذا الرئيس ندب عبد الله بن ياسين مكانه للرياسة الأمير يحيى بن عمر بن تلاكاكين اللمتوني ليتولى شئون الحرب والجهاد. وكانت هذه أول مرحلة في رياسة لمتونة الزمنية لطائفة المرابطين. ولما توفي الأمير يحيى في سنة 447 هـ، عين مكانه للقيادة أخوه أبو بكر بن عمر. ولما وضع المرابطون خططهم لافتتاح بلاد السوس في سنة 448 هـ، ندب الأمير أبو بكر ابن عمه يوسف بن تاشفين ليكون قائداً لمقدمة الجيش المرابطي. وهذه هي أول مناسبة تاريخية، يذكر فيها اسم البطل المرابطي، ولم يكن له يومئذ من الرياسة، سوى صفة القيادة لجناح من أجنحة الجيش المرابطي. وهنا ظهرت براعته العسكرية، فيما اضطلع به المرابطون يومئذ من الفتوحات المتوالية في أنحاء المغرب، وهي التي فصلنا أطوارها فيما تقدم. ولما توفي عبد الله بن ياسين قتيلا في بعض المعارك التي نشبت في أراضي برغواطة في سنة 451 هـ (1059 م)، استأثر الأمير أبو بكر اللمتوني بزعامة المرابطين الروحية والزمنية معاً، وتحققت بذلك رياسة لمتونة، وبدأت الدولة المرابطية اللمتونية، وقوام سلطانها، ما تم يومئذ من فتوح المغرب.
(3/37)

ولما وقع الخلاف بين لمتونة ومسّوفة وغيرها من القبائل المرابطية، في بلاد القبلة قاعدتهم بالصحراء، واعتزم أبو بكر أن يسير بنفسه لتلافي الأمر، عهد بشئون المغرب إلى ابن عمه يوسف بن تاشفين (453 هـ)، وقسمت الجيوش المرابطية عندئذ إلى قسمين، تولى يوسف إمرة أحدهما ليتم به إخضاع المغرب، وسار أبو بكر إلى الصحراء في القسم الآخر. وقد أشرنا من قبل إلى خاتمة أبى بكر، وكيف أنه حينما عاد بعد إتمام مهمته في الصحراء إلى المغرب ولقي يوسف (سنة 465 هـ)، ورأى من عظمة سلطانه وقوته، ما أدرك معه أن كل أمل قد غاض في استرداد إمارته على المغرب، قد ارتد ثانية إلى الصحراء، وهنالك اخترق مشارف الصحراء الكبرى، ودخل منطقة النيجر الوسطى، ولبث حيناً يقوم بغزوات متوالية في قلب مملكة السودان، وعاصمتها يومئذ مدينة غانة، وفي مملكة مالي، وهو يعمل على نشر الإسلام بين تلك القبائل السود، التي كانت يومئذ تدين بالنصرانية، والتي تضع الرواية تاريخ إسلامها في سنة 469 هـ (1076 م) (1). واستمر يتابع الجهاد والغزو حتى توفي قتيلا في بعض المعارك في سنة 480 هـ (1087 م). أما يوسف فقد عني من جانبه بإتمام فتوح المغرب واستطاع أن يخضع معظم نواحيه، وأنشأ مدينة مرّاكُش (462 هـ - 1069 م) لتكون قاعدة لملكه، وعاصمة للأقطار المغربية المترامية التي تم له افتتاحها (2).
وهنا يتشح يوسف بن تاشفين بثوب الملك السياسي والإمارة الفعلية. وقد كان مذ ندب لقيادة الجيش المرابطي، وتوالت على يديه فتوح المغرب، يتشح بثوب الرياسة والإمارة القَبَلي. وهنا تختلف الرواية في أصل ألقابه الملوكية، وأوضاعها. والتاريخ يعرف يوسف بن تاشفين " بأمير المسلمين، وناصرالدين ".
فمتى كان اتخاذه لهذا اللقب؟ وفي أي ظروف وقع ذلك؟
_______
(1) الحلل الموشية (طبع تونس) ص 7.
(2) هذا هو التاريخ الذي يضعه ابن عذارى لإنشاء مراكش في البيان المغرب (من أوراق مخطوطة وجدت بمكتبة جامع القرويين بفاس، ونشرت أخيراً بعناية الأستاذ هويثي ميرانده في مجلة Hespéris عدد سنة 1961 ص 55). ويتابعه صاحب الحلل الموشية فيضع تأسيسها في نفس التاريخ (الحلل الموشية ص 6). ويضع الشريف الإدريسي تاريخ إنشاء مراكش في سنة 470 هـ (راجع المغرب وأرض السودان ومصر والأندلس المنشور بعناية دوزي ص 67). ويضع صاحب كتاب " الاستبصار " تاريخ إنشائها في سنة 459 هـ (ص 208). ويضع صاحب روض القرطاس تاريخ إنشائها في سنة 454 هـ، (طبعة تورنبرج ص 89)، ويتابعه في ذلك ابن خلدون (كتاب العبر ج 6 ص 184).
(3/38)

هنالك روايتان في ذلك. الأولى خلاصتها أن يوسف بن تاشفين لما كثرت فتوحه، وترامت أطراف مملكته، وكان يقتصر عندئذ على التسمى " بالأمير " اجتمعت إليه أشياخ لمتونة، وأعيان دولته، وقالوا له أنت خليفة الله في أرضه، وأن حقه يسمو على لقب الإمارة، واقترحوا عليه أن يتسمى " بأمير المؤمنين " فأبى واعتذر بأن هذا اللقب إنما يتسمى به خلفاء بني العباس، سلالة النبي، وأصحاب الحرمين، وأنه يعتبر في المغرب رجلهم والقائم بدعوتهم، ولكنه استجاب إليهم في التسمي " بأمير المسلمين " و " ناصر الدين " وكان ذلك في سنة 466 هـ، وخُطب له بذلك في المنابر، وخوطب في العُدوتين، وخرج بذلك كتابه إلى النواحي، وهذا نصه بعد الديباجة:
" أما بعد حمد الله، أهل الحمد والشكر، ميسر اليسر، وواهب النصر، والصلاة على محمد المبعوث بنور الفرقان والذكر، وإنا كتبنا إليكم من حضرتنا بمراكش حرسها الله في نصف محرم سنة ستة وستين وأربعمائة، وأنه لما منّ الله علينا بالفتح الجسيم، وأسبغ علينا من أنعمه الظاهرة والباطنة، وهدانا وهداكم إلى شريعة نبينا محمد المصطفي الكريم، صلى الله عليه أفضل السلام، وأتم التسليم، رأينا أن نخصص أنفسنا بهذا الاسم، لنمتاز به على سائر أمراء القبائل، وهو أمير المسلمين وناصر الدين، فمن خطب الخطبة العلية السامية، فليخطبها بهذا الاسم إن شاء الله تعالى، والله ولي العدل، بمنه وكرمه، والسلام " (1).
ولكن هذه الرواية تعارضها رواية أخرى ربما كانت أكثر قبولا. ذلك أنه يوجد لدينا أكثر من نص يؤيد القول، بأن تلقب يوسف بن تاشفين بهذا اللقب، وقع عقب انتصاره في موقعة الزلاّقة، وهذا ما يوضحه لنا صاحب " روض القرطاس " إذ يقول، إن يوسف كان يُدعى أولا بالأمير، فلما فتح الأندلس وصنع غزاة الزلاّقة، وأذل الله تعالى بها ملك الروم، بايعه في ذلك اليوم أي عقب النصر، ملوك الأندلس وأمراؤها الذين شهدوا معه تلك الغزاة، وكانوا ثلاثة عشر ملكاً، وسلموا عليه " بأمير المسلمين ". وخرجت كتبه مصدرة عنه بذلك إلى
_______
(1) هذه هي رواية صاحب الحلل الموشية ص 16 و 17، وكذلك ابن عذارى في البيان المغرب (الأوراق المخطوطة المشار إليها - هسبيرس ص 60). وفي بعض الروايات المتأخرة أن يوسف بن تاشفين تسمى بالفعل بأمير المؤمنين وخطب له بهذا الاسم ولبنيه من بعده (المؤنس في أخبار إفريقية وتونس) لابن دينار ص 99، وهي رواية ضعيفة.
(3/39)

العُدوة وبلاد الأندلس، فقرئت على المنابر، وفيها يخبرهم بما فتح الله عليه من النصر والظفر والفتح العظيم. ثم يزيد على ذلك بأن يوسف هو أول من تسمى بأمير المسلمين من ملوك المغرب (1). وهذه الرواية يؤيدها ابن الخطيب في الإحاطة إذ يقول لنا بإيجاز في ترجمة يوسف: " تسمى بأمير المسلمين لما احتل الأندلس، وأوقع بالروم وكان قبل يدعى الأمير يوسف " (2). ونحن نرجح هذه الرواية الأخيرة لأنها أكثر اتفاقاً مع منطق الحوادث ودلالتها.
أما اعتراف يوسف بن تاشفين بطاعة الخليفة العباسي، فمسألة تتفق عليها معظم الروايات. ويقول ابن الأثير، وهو من أقدم مصادرنا في ذلك، إن يوسف بعد أن تم له افتتاح ممالك الطوائف، والاستيلاء على الأندلس، وعاد إلى حضرة ملكه مراكش، جمع الفقهاء وأحسن إليهم، فذكروا له أنه ينبغي أن تكون ولايته صادرة من الخليفة لتجب طاعته على الكافة، وأنه يجب أن يأتيه منه تقليد بحكمه للبلاد، ويُرجع ابن الأثير هذا النصح إلى علماء الأندلس خاصة، ويقول لنا إن يوسف أرسل على أثر ذلك إلى الخليفة المقتدي بأمر الله، فوافته الخلع والأعلام والتقليد، ولُقب بأمير المسلمين وناصر الدين. ومعنى ذلك أن يوسف تسمى بهذه الألقاب الملوكية، أو أنها خلعت عليه فقط حينما أتاه المرسوم أو التقليد العباسي بذلك. وفي ذلك تختلف رواية ابن الأثير عن باقي الروايات (3).
ومن جهة أخرى فإن ذلك لابد أن يكون قد وقع قبل سنة 487 هـ (1094 م) وهي السنة التي توفي فيها الخليفة المقتدي بأمر الله. ويبدو من كلام صاحب " روض القرطاس " وابن الخطيب ما يؤيد ذلك، وأن صدور هذا التقليد العباسي ليوسف قد وقع عقب انتصار الزلاّقة (479 هـ)، وأن يوسف قد ضرب السّكة عقب ذلك، وأصدر الدينار المرابطي الجديد وفي أحد وجهيه " لا إله إلا الله، محمد رسول الله " وتحت ذلك " أمير المسلمين يوسف بن تاشفين "، ونقش في مداره: " ومن يتبع غير الإسلام ديناً، فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين " وكتب في الوجه الآخر " الإمام عبد الله أمير المؤمنين العباسي " (4).
_______
(1) روض القرطاس ص 88، وراجع وفيات الأعيان لابن خلكان (بولاق) ج 2 ص 488.
(2) الإحاطة في أخبار غرناطة، مخطوط الإسكوريال (رقم 1673 الغزيري) لوحة 393.
(3) تاريخ ابن الاثير ج 10 ص 52 و 145.
(4) روض القرطاس ص 88، وابن الخطيب في مخطوط الإحاطة السالف الذكر لوحة 393.
(3/40)

على أن ابن خلدون يقول لنا بالعكس إن يوسف قد كتب في شأن تقليده إلى الخليفة المستظهر بالله، ولد المقتدي بالله وخلفه، وأنه بعث إليه في ذلك الغرض سفارة على رأسها عبد الله بن محمد بن العربي المعافري الإشبيلي وولده القاضي أبو بكر وهو الحافظ الشهير فيما بعد " فتلطفا في القول، وأحسنا في الإبلاغ، وطلبا إلى الخليفة أن يعقد ليوسف على المغرب والأندلس " فصدر له عهده بذلك، وعاد السفيران يحملان التقليد بولاية يوسف على ما تحت نظره من الأقطار والأقاليم، وأذيعت محتويات هذا التقليد بين الناس. وكذلك كتب الإمام الغزالي، والقاضي الطرطوشي إلى يوسف يحضانه على العدل والتمسك بالخير، ويفتيانه في شأن ملوك الطوائف (1).
ولقد وقفنا نحن على ما يؤيد هذه الرواية الأخيرة - رواية ابن خلدون - تأييداً قاطعاً، وحصلنا على نص الرواية التي سجلها ابن العربي عن مهمته، وعن لقائه بالإمام الغزالي في بغداد، وما استصدره من الفتوى الخاصة بموقف يوسف من أمراء الطوائف، ومن الخلافة، كما حصلنا على النص الكامل للخطاب الذي كتبه الإمام الغزالي عن هذا الموضوع، إلى يوسف بن تاشفين، وحمله الفقيه ابن العربي معه عند عوده إلى الأندلس.
ونحن نعرف أولا أن الفقيه ابن العربي وولده أبا بكر، قد رحلا إلى المشرق في مهمتهما المذكورة في مستهل ربيع الأول سنة 485 هـ، وإن كانت رحلتهما قد اتخذت يومئذ طابع السفر لطلب العلم (2). وكان يوسف قد اشترك بعد الزلاّقة، مع أمراء الطوائف في حصار حصن لييط Alédo في سنة 481 هـ (1088 م) وشهد عندئذ من تمردهم، ونفاقهم، وجنوحهم إلى ممالأة النصارى، ما أحفظه عليهم. ثم جاز جوازه الثالث إلى الأندلس في سنة 483 هـ (1090م)، وكان عندئذ قد اعتزم أمره في افتتاح ممالك الطوائف، وأخذ يستولي عليها تباعاً، وكان يهمه إلى جانب الحصول على المرسوم الخلافي، أن يحصل على سند شرعي يبرر تصرفه نحو أولئك الأمراء. فلما وصل الفقيه أبو محمد العربي وولده أبو بكر إلى بغداد، لقى الإمام أبا حامد الغزالي، قطب فقهاء المشرق يومئذ، وشرح له
_______
(1) ابن خلدون - كتاب العبر - ج 6 ص 188. وقد ورد في هذا النص أن يوسف خاطب " المستنصر العباسي ". ونحن نعتقد أن ذلك تحريف من الناسخ، وأن المقصود هو الخليفة المستظهر.
(2) ابن بشكوال في " الصلة " في ترجمة ابن العربي رقم 1297.
(3/41)

أحوال الأندلس، وخلال أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، وما اضطلع به من أعمال الجهاد وإعزاز الدين، وما كان عليه ملوك الطوائف من تفرق وتخاذل، واستعداء للنصارى، وكيف تخلف بعضهم عن مشاركته في الجهاد مجاملة للمشركين.
فلما قام بحصار النصارى، عقب جوازه الثاني، في حصن لييط، تخلف بعض رؤساء الشرق عن معاونته، وقالوا إن طاعته ليست بواجبة لأنه ليس إماماً شرعياً من قريش. ووقف يوسف على رسالة وجهت من بعضهم إلى العدو، يشجعه على المقاومة والصمود، وكان جواب يوسف لأولئك الزعماء المتمردين، أنه خادم أمير المؤمنين المستظهر، وأن الخطبة تجري باسمه على أكثر من ألفي منبر، وتضرب السكة باسمه. وطلب الفقيه ابن العربي إلى الإمام الغزالي أن يزوده فيما تقدم بفتوى تبين حكم الشرع فيه، وأن يزوده بكتاب إلى أمير المسلمين. فأما الفتوى فقد جاء فيها " أن يوسف كان على حق في إظهار شعار الإمامة للخليفة المستظهر (1)، وأن هذا هو الواجب على كل ملك، استولى على قطر من أقطار المسلمين، وإذا نادى الملك المشمول بشعار الخلافة العباسية، وجبت طاعته على كل الرعايا والرؤساء، ومخالفته مخالفة للإمام، وكل من تمرد واستعصى، فحكمه حكم الباغي، ومن حق الأمير أن يرده بالسيف، وأن يقاتل الفئة المتمردة على طاعته، لاسيما وقد استنجدوا بالنصارى، وهم أعداء الله، في مقاتلة المسلمين، وهم أولياء الله، وأن يستمر في قتالهم حتى يعودوا إلى طاعة الأمير العادل، المتمسك بطاعة الخلافة العباسية، ومتى تركوا المخالفة، وجب الكف عنهم، وذلك عن المسلمين منهم دون النصارى. وأما ما يظفر به من أموالهم فمردود عليهم وعلى ورثتهم، وما يؤخذ من نسائهم وذراريهم في القتال مهدورة لا ضمان فيها، وحكمهم بالجملة في البغي على الأمير المتمسك بطاعة الخلافة، المستولى على المنابر والبلاد بقوة الشوكة، وحكم الباغي على نايب الإمام، فإنه وإن تأخر عنه صريح التقليد لاعتراض العوايق المانعة، من وصول المنشور بالتقليد، فهو نايب بحكم قرينة الحال، إذ يجب على إمام المصر أن يأذن لكل مسلم عادل، استولى
_______
(1) عثرنا على نص رواية ابن العربي، وعلى نص فتوى الإمام الغزالي في المخطوط رقم 1275 ك (المكتبة الكتانية) المحفوظ بخزانة الرباط وعنوانه " مجموع أوله كتاب الأنساب " (لوحة 128 و 129)، كما عثرنا فيه على نص كتاب الإمام الغزالي إلى يوسف بن تاشفين. ويبدو من ذكر الخليفة المستظهر في رواية ابن العربي وفي فتوى الغزالي أنهما يرجعان إلى سنة 487 هـ، وقد تولى المستظهر الخلافة بعد وفاة أبيه المقتدي في 16 المحرم سنة 487 هـ.
(3/42)

على قطر من أقطار الأرض، أن يخطب له، وينادي بشعاره، ويحمل الخلق على العدل والنصفة، ولا ينبغي أن يظن بالإمام توقف في الرضا بذلك والإذن فيه، وأن توقف في كتبه المنشور، فالكتب قد يعوق عن انشايها، وإيصالها المعاذير. وأما الإذن والرضى بعدما ظهر حال الأمر في العدل والسياسة، وابتغاء المصلحة للتفويض والتعيين، فلا رخصة في تركه، وقد ظهر حال هذا الأمير بالاستفاضة ظهوراً لا يشك فيه. وإن لم يكن عن إيصال الكتب وانشايه عايق، وكانت هذه الفتنة لا تنطفي، إلا بأن يصل إليهم صريح الإذن والتقليد بمنشور، مقرون بما جرت العادة بمثله في تقليد الأمراء، فيجب على حضرة الخلافة بذل ذلك، فإن الإمام الحق عاقلة الإسلام، ولا يحل له أن يترك في أقطار الأرض فتنة ثايرة، إلا ويسعى في إطفائها بكل ممكن ".
هذا هو نص فتوى الإمام الغزالي لابن العربي عن حكم الشرع في موقف ملوك الطوائف، حسبما شرحه ابن العربي للإمام، وعن حق يوسف في الحصول على المرسوم الخلافي بولايته على ما فتحه من الأقطار بسيفه. وقد عاد الإمام الغزالي بعد ذلك، فكتب إلى يوسف كتاباً يعرض فيه بالتفصيل إلى قصة ملوك الطوائف، حسبما رواها له ابن العربي، وإلى ما كانت عليه الأندلس في ظل حكمهم من التخاذل والذل، والصغار والهوان، وإلى استطالة النصارى عليها، لما كان يسودها من تفرق الكلمة واختلاف الرأي، حتى انتهى النصارى بأن رتبوا الجزية على المسلمين. ثم يشير إلى صريخ الطوائف إلى يوسف، وإلى جوازه البحر للجهاد، وإلى ما وفقه الله من دحض شوكة النصارى، وأنه حينما طلب يوسف إلى ملوك الطوائف أن يرفعوا المظالم عن المسلمين، عادوا فجنحوا إلى ممالأة النصارى، فسأله المسلمون عندئذ إنزالهم عن البلاد، فاستجاب لرغبتهم، ورفع المظالم وقطع الفساد، وينوه بما أبداه يوسف من العمل بأحكام الله، ومن إيثار العلماء والاستماع لرأيهم فيما يفتون إليه من الأحكام، ثم يشير بعد ذلك إلى ما أصدره من فتوى في شأن ملوك الطوائف، وإلى ما كان ابن العربي بصدده من السعى إلى استصدار المرسوم الخلافي بولاية يوسف على جميع بلاد المغرب، وتمكين طاعته، وإلى ما كان يبثه ابن العربي من دعاية واسعة للإشادة بحكم يوسف وخلاله، سواء في العراق أو في المشاهد الكريمة بأرض الحجاز. ولم يثبت الغزالي بخطابه تاريخاً معيناً، ولكن يبدو من نصه أنه كتبه قبل " مسيره إلى سفر
(3/43)

الحجاز ". ونحن نعرف من حياة الغزالي أن ذلك كان في سنة 488 هـ (1).
وكذلك حصل ابن العربي من العلامة أبى بكر الطرطوشي، حين مروره على ثغر الإسكندرية، وهو في طريق العودة، على خطاب آخر برسم أمير المسلمين يوسف. ويسدي الطرطوشي في كتابه النصح إلى يوسف بأن يحكم بالحق وفقاً لكتاب الله، وأن يكون شفيقاً على رعيته شفقة الرجل على أهله، وأن يعمل لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويجري الطرطوشي في إسداء نصحه على طريقته في إيراد الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وأقاصيص الخلفاء والصحابة (2).
وتوفي الفقيه ابن العربي في ثغر الإسكندرية في فاتحة سنة 493 هـ (3)، وعاد ابنه أبو بكر دونه إلى الأندلس في نفس العام، وهو يحمل الرسالتين - رسالة الغزالي ورسالة الطرطوشي - وكذلك مرسوم الخليفة المستظهر إلى عاهل المرابطين.
وهكذا يبدو أنه مما لا مراء فيه، أن مؤسس الدولة المرابطية الكبرى، كان ينضوي من الناحية السياسية تحت لواء الخلافة العباسية وأنه كان يُدعى حتى قبل صدور هذا التقليد في الخطبة ليوسف بعد الدعاء للخليفة العباسي، في سائر نواحي المغرب والأندلس. وسنرى فيما بعد كيف أن هذه الرعاية الأدبية العباسية للدولة المرابطية، تمتد إلى ما بعد عهد يوسف، وأن الخليفة العباسي يسبغ في مراسلاته على عاهل المرابطين بعض الألقاب الخاصة.
- 2 -
عرفنا فيما سبق كيف آلت إمارة المغرب إلى يوسف بن تاشفين، مذ عهد إليه بشئونه ابن عمه الأمير أبو بكر اللمتوني في سنة 453 هـ (1061 م)، وكيف ارتد هذا الأمير إلى الصحراء وهنالك توفي، وخلصت إمارة المغرب نهائياً ليوسف، وقامت الدولة المرابطية الكبرى، بالمغرب والأندلس، في ظل عاهلها الكبير.
_______
(1) ورد نص خطاب الغزالي في مخطوط المكتبة الكتانية المشار إليه (لوحات 130 - 133) وقد نشرناه كاملا في باب الوثائق.
(2) ورد نص خطاب الطرطوشي في المخطوط المشار إليه (لوحة 133 و 134).
(3) نفح الطيب ج 1 ص 337.
(3/44)

وأراد يوسف في أواخر حياته، وبعد أن تم له افتتاح الأندلس، أن يؤثل ملكه، وأن يطمئن لمصاير دولته العظيمة، وذلك باختيار ولي عهده. وكان ليوسف من البنين خمسة هم، أبو بكر سير، وعلي، وتميم، والمعز، وإبراهيم، ومن البنات ثلاث هن كوتة ورقية وتميمة (1). وكان أبو بكر أكبر بنيه وولي عهده فيما يظهر، وقد استخلفه أبوه على المغرب حينما عبر البحر لأول مرة إلى الأندلس، في شهر ربيع الأول سنة 479 هـ، استجابة لصريخ الطوائف. ولما انتهت معركة الزلاّقة بظفر المسلمين الباهر، وارتدت الجيوش المرابطية إلى إشبيلية في طريقها إلى العودة، تلقي يوسف نبأ وفاة ولده أبى بكر، وكان قد تركه مريضاً في سبتة، ويقول لنا صاحب القرطاس، إن هذا النبأ المحزن. وصل إلى يوسف في يوم النصر ذاته (2). وكان هذا الحادث سبباً في تعجيل يوسف بالعودة، بل يقال لنا أيضاً إنه كان سبباً في إحباط خطط يوسف، وتركه كل فكرة في مطاردة الجيوش النصرانية المنهزمة (3).
وفي سنة 495 هـ (1101 م)، قرر يوسف أمره في ولاية عهده، ووقع اختياره في ذلك على ولده أبى الحسن علي، ولم يكن علي أكبر أولاده، إذ كان أكبرهم عندئذ، أبو الطاهر تميم، ولكنه آثر علياً لما آنسه فيه من الورع والنباهة والحزم، وأصدر مرسومه بولايته لعهده في نفس العام، وإليك نص هذا المرسوم بعد الديباجة، وهو من إنشاء الوزير الفقيه أبى محمد بن عبد الغفور، وقد كان من أعلام البلاغة في هذا العصر:
" أما بعد فإن أمير المسلمين، وناصر الدين، أبا يعقوب يوسف بن تاشفين، لما استرعاه الله على كثير من عباده المؤمنين، خاف أن يسأله الله غدا عما استرعاه، كيف تركه هملا لم يستنب فيه سواه. وقد أمر الله بالوصية فيما دون هذه العظيمة، وجعلها من أوكد الأشياء الكريمة، كيف في هذه الأمور العائدة بمصلحة الخاصة والجمهور. وأن أمير المسلمين بما لزمه من هذه الوظيفة، وخصه الله بها من
_______
(1) كانت الأميرة تميمة بنت يوسف بن تاشفين تشتهر بجمالها، ورجاحة عقلها، وأدبها، وكانت تنظم الشعر الجيد. سكنت فاس مدة (ابن الأبار في التكملة، وجذوة الاقتباس فيمن حل من الأعلام بمدينة فاس، ص 105 و 106).
(2) روض القرطاس ص 98.
(3) F. Codera: Decadencia y Disparicion de los Almoravides en Espana (Zaragoza 1899) p. 2
(3/45)

النظر في هذه الأمور الدينية الشريفة، قد أعز الله رماحه وأحدّ سلاحه، فوجد ابنه الأمير الأجل، أبا الحسن أكثرها ارتياحاً إلى المعالي واهتزازاً، وأكرمها سجية وأنفسها اعتزازاً، فاستنابه فيما استرعى، ودعاه لما كان إليه دعى، بعد استشارة أهل الرأي على القرب والنأي، فرضوه لما رضيه، واصطفوه لما اصطفاه، ورأوه أهلا أن يسترعي فيما استرعاه، فأحضره مشترطاً عليه الشروط الجامعة بينها وبين المشروط، فقبل ورضى، وأجاب حين دعى، بعد استخارة الله الذي بيده الخيرة، والاستعانة بحول الله الذي من آمن به شكره. وبعد ذلك مواعظ ووصية، بلغت من النصيحة مرامي قصية، يقول في خاتمة شروطها، وتوثيق ربوطها، كتب شهادته على النائب والمستنيب، من رضى إمامتهما على البعيد والقريب، وعلم علماً يقيناً بما وصاه في هذا الترتيب، وذلك في عام خمسة وتسعين وأربعمائة " (1).
وكان من الشروط التي اشترطها يوسف على ولده وولي عهده علي، فيما يختص بالدفاع عن الأندلس، هو ألاّ يعين في مناصب الحكام والقضاة في الولايات والحصون والمدن إلا المرابطين من قبيلة لمتونة، وأن ينشىء بها جيشاً مرابطياً ثابتاً، قوامه سبعة عشر ألف فارس، توزع على مختلف القواعد، فيرابط منها بإشبيلية سبعة آلاف، وبقرطبة ألف، وبغرناطة ألف، وفي شرقي الأندلس أربعة آلاف، وتوزع الأربعة آلاف الباقية على الثغور والحصون المتاخمة لأراضي العدو.
هذا ويحسن أن يعهد إلى الأندلسيين بحراسة الحدود النصرانية، فهم أكثر خبرة بأحوال النصارى، وأكثر دربة على قتالهم من المرابطين. وفي سنة 496 هـ، (1102 م) (2) جاز يوسف بن تاشفين إلى الأندلس جوازه الرابع والأخير، ومعه ولداه أبو الحسن على وأبو الطاهر تميم (3). وكان يوسف يقصد بهذا الجواز النظر في شئون الأندلس ومصالحها، وكان يقصد بالأخص أن ينظم البيعة لولده على الذي اختاره لولاية عهده. ويقول لنا صاحب روض القرطاس، إن علياً لم يكن مع والده في هذا الجواز، وإنه بالعكس كان يقيم عندئذ في سبتة التي ولد بها
_______
(1) أورد نص هذا المرسوم صاحب الحلل الموشية (ص 56 و 57).
(2) وفي رواية أخرى أن هذا الجواز قد وقع في سنة 497 هـ (ابن خلدون - كتاب العبر ج 6 ص 188). ولكن التاريخ الذي يحمله كتاب التولية وهو ذو الحجة سنة 496 هـ، يؤكد صحة الرواية الأولى.
(3) الحلل الموشية ص 55.
(3/46)

ونشأ (1). ونحن نرجح الرواية الأولى بحضور على مع والده إذ كان هو المقصود بتنظيم البيعة، ومن المعقول أن يكون حاضراً في حفل تنظيمها. وفي أواخر سنة 496 هـ، كان يوسف بقرطبة، عاصمة الخلافة، وكانت يومئذ قاعدة للحكم المرابطي في الأندلس، وجمع يوسف أعيان قبيلة لمتونة، وأشياخ المرابطين والفقهاء، وأخذ البيعة عليهم جميعاً لولده علي، وصدر كتاب التولية والبيعة عن يوسف لولده، مدبّجاً بقلم وزيره وكاتبه أبى بكر بن القصيرة علم البلاغة، وإمام النثر والترسل يومئذ، وإليك نص الكتاب المذكور:
" هذا كتاب تولية عظيم جسيم، وتوصية حميم كريم، صدرت على الرضا قواعده، وأكدت بيد التقوى معاقده، وسددت إلى الحسنى مقاصده، وأبعدت عن الهوادة والهوى مصادره وموارده، أنفذه أمير المسلمين، وناصر الدين، أبو يعقوب يوسف بن تاشفين أدام الله أمره، وأعز نصره، وأطال فيما يرضيه منه، ويرضى به عنه عمره، غير محاب ولا تارك في النصيحة لله ولرسوله والمسلمين، موضع ارتياب لمرتاب، للأمير الأجل أبى الحسن عليّ ابنه، المتقبل هممه وشيمه، المتأثل حلمه وتحلمه، الناشىء في حجر تقويمه وتأديبه، المتصرف بين يدي تخريجه وتدريبه، أدام الله عزه وتوفيقه، ونهج إلى كل صالح من الأعمال طريقه، وقد تهمم، بمن تحت عصاه من المسلمين، وهدى في انتقاء من يخلفه هدو المتقين، ولم ير أن يتركهم بعد سدى غير مدينين، واعتام في النصاب الرفيع، واختار واستنصح أولي الرأي والدين، واستشار فلم يوقع بعد طول تأمل وتراخي مدة، وتمثل اختياره في اختيار من فاوضه في ذلك من أولي التقوى والحنكة، واستشارة [الأعلية] ولا صار بدونهم الارتياد والاجتهاد إلا إليه، ولا التقى رواد الرأي والتشاور إلا لديه، فولاه عن استحكام بصيرة، وبعد طول مشورة، عهده، وأفضى إليه الأمر والنهي والقبض والبسط بعده، وجعله خليفته الساد في رعاية مسده، وأوطأ عقبه جماهير الرجال، وناط به مهمات الأمور والأعمال، وعهد إليه أن يتقي الله ما استطاع، ولا يعدل عن سمت العدل وحكم الكتاب والسنة، في أحد عصا أو أطاع، ولا ينام عن حماة الحدب والخوف بالإضطجاع، ولا يتلين دون معلن بشكوى، ولا يتصام عن مستصرخ لدى بلوى، وأن ينتظم أقصى البلاد وأدناها في سلك تدبيره، ولا يكون بين
_______
(1) روض القرطاس ص 101.
(3/47)

القريب والبعيد في إحصائه وتقديره. ثم دعا أدام الله تأييده لمبايعته، أدام الله عزه، من حضر و .. من المسلمين، فلبوا مسرعين وأتوا مهطعين، وأعطوا صفقة إيمانهم متبرعين متطوعين، وبايعوه على السمع والطاعة، والتزام سنن الجماعة, وبذل النصيحة جهد الاستطاعة، ومناصفة من ناصفه، ومحاربة من حاربه, ومكايدة من كايده، ومعاندة من عانده، لا يدخرون في ذلك على حال المنشط مقدرة، ولا يحجون في حالتي الرضا والسخط إلى معذرة، ثم أمر بمخاطبة ساير أهل البلاد لتبايعه، كل طائفة منهم في بلدها، وتعطيه كما أعطاه من حضر, صفقة يدها، حتى ينتظم في التزام طاعته القريب والبعيد، ويجتمع على الاعتصام بحبل دعوته الغايب والشهيد، وتطمين من أعلام الناس وخيارهم نفوس قلقة، وتنام عيون لم تزل مخافة أقذائها مورقة، ويشمل الناس كافة السرور والاستبشار، وتتمكن لديهم الدعة، ويمهد القرار، وتنشأ لهم في الصلاح آمال، ويستقبلهم جد صالح وإقبال، والله يبارك بيعة رضوان، وصفقة رجحان، ودعوة يمن وإيمان، إنه على ما يشاء قدير، لا إله إلا هو نعم المولى ونعم النصير. شهد على إشهاد أمير المسلمين بكل ما ذكر عنهم فوق هذا من بيعته .. حمله عنه ممن التزم البيعة المنصوصة قبل، وأعطى صفقته طائفاً متبرعاً، وبالله التوفيق، وكتب بحضرة قرطبة في ذي الحجة سنة ست وتسعين وأربعمائة " (1).
- 3 -
وقد سبق أن عرضنا من قبل في كتاب " دول الطوائف " إلى لمحة من خلال يوسف وصفاته (2)، ونود هنا أن نبسط القول في ذلك.
إن شخصية البطل المرابطي العظيم تنطوي على كثير من الصفات اللامعة، التي جعلت من حياته المديدة الحافلة، نموذجاً مثالياً لهذا النوع من البطولة الساذجة الرائعة معاً. والواقع أن أروع ما في صفاته، تلك الهالة الوضاءة من البساطة المؤثرة، التي لبثت شعار حياته كلها، والتي لم تتأثر بتطورات الأحداث السياسية التي
_______
(1) أورد لنا ابن الخطيب نص هذه الوثيقة في " الإحاطة " في ترجمته لأبى بكر بن القصيرة (مخطوط الإسكوريال السالف الذكر لوحة 71 و 72). وفي بعض الروايات أن البيعة عقدت لعلي في غرناطة (كتاب الاكتفاء في أخبار الخلفاء، لأبن الكردبوس، مخطوط أكاديمة التاريخ بمدريد لوحة 164 أ) وهذا ما ينقضه ختام الوثيقة.
(2) كتاب دول الطوائف ص 302 و 303.
(3/48)

خاضها، والفتوح العظيمة التي حققها، والتي جعلت من الدولة المرابطية الكبرى، في ظله، أعظم دولة قامت في المغرب الإسلامي، من حيث المدى الإقليمي، ومن حيث القوى والموارد الزاخرة، إذ كانت تمتد من تونس شرقاً إلى المحيط الأطلنطي غرباً، ومن ضفاف نهر الإيبرو والتاجُه في شبه الجزيرة الإسبانية شمالا، إلى قلب الصحراء الإفريقية الكبرى جنوباً. فقد لبث البطل المرابطي، عاهل هذه الدولة الشامخة، على حالته الأولى، مذ كان زعيماً محلياً من زعماء الصحراء، بدوياً متقشفاً يرتدي الصوف الخشن، ولا يلبس غيره قط، ويقتصر في طعامه على الشعير ولحوم الإبل وألبانها، لا يأكل سواها قط (1)، ولم يتأثر طول حياته، بأية نزعة من ترف القصور، ولا عيشها الناعم ولا مغرياتها المفسدة، بالرغم من هذا الملك الباذخ، وهذه الدنيا العريضة التي كانت تحت أقدامه. ويكفي أن نتأمل مدى لحظة عابرة، ما كانت عليه قصور الطوائف الأندلسية من الفخامة والبذخ الطائل، وما كان يغرق فيه أمراؤها الأصاغر من العيش الرخو الوثير المترف، تتألق ثيابهم الفخمة بالذهب والجوهر، وتحيط بهم أكواب الشراب وأسراب الغلمان والجواري والفتيات - يكفي أن نتأمل ذلك، لنرتفع بحياة البطل المرابطي، إلى ذرى الإكبار والإجلال والإعجاب.
وقد كانت هذه البساطة المؤثرة التي طبعت حياة يوسف بن تاشفين، تقترن في نفس الوقت بطائفة من الصفات المعنوية النبيلة، التي تجعل من صاحبها عماداً حقيقياً للملك، وتتوطد بها أسس الدولة العظيمة. فقد كان يوسف يتمتع بكثير من الذكاء والفطنة، والعزم والشجاعة والحزم، والكرم والجود، وكان فضلا عن ذلك كثير التقى والورع. وإلى ذلك يشير ابن الصيرفي مؤرخ الدولة المرابطية بقوله: " كان رحمه الله خائفاً لربه، كتوماً لسره، كثير الدعاء والاستخارة، مقبلا على الصلاة، مديماً للاستغفار " (2). ويلحق بذلك شغف يوسف بالجهاد، فقد كان بطلا مجاهداً حقاً، وقد أنفق من عمره أعواماً طويلة في الجهاد في سبيل الله، مذ ندبه ابن عمه الأمير أبو بكر اللمتوني لقيادة المرابطين. وقد تجلت هذه النزعة للجهاد فيما بعد بصورة رائعة، في استجابته لصريخ الطوائف، وفي موقعة الزلاّقة العظيمة، وفيما خاضته الجيوش المرابطية، في مختلف
_______
(1) روض القرطاس ص 87.
(2) ابن الخطيب عن ابن الصيرفي في الإحاطة (مخطوط الإسكوريال السالف الذكر لوحة 393).
(3/49)

أنحاء الأندلس، ولاسيما في الولايات الشرقية في بلنسية وسرقسطة من معارك عديدة، ضد الجيوش النصرانية، ولم يكن غريباً في مثل الظروف التي كانت تجوزها اسبانيا المسلمة يومئذ، من تخاذل أمراء الطوائف وتنابذهم، وتراميهم على أعتاب الملوك النصارى، وإشفاق البطل المرابطي، أن ينتهي الأمر باستيلاء النصارى على الأندلس، أن ينفذ يوسف مشروعه في القضاء على ممالك الطوائف، ووضع الأندلس تحت حماية جيوشه القوية المظفرة، ولم يكن في ذلك ما يصدع من نزعة الجهاد، التي كانت من أبرز صفات يوسف، والتي لبثت الجيوش المرابطية تضطرم بها من بعده عصراً.
وكان يوسف بن تاشفين جندياً عظيماً، وقائداً من أعظم قواد العصور الوسطى، وقد أبدى في سائر فتوحه المتوالية لأقطار المغرب، كفاية عسكرية واضحة، ولم يكن ظفره المستمر راجعاً إلى كثرة جيوشه ومقدرتها، بقدر رجوعه إلى براعته في تنسيق الخطط، وتنظيم القيادة، وانتهاز الفرص السانحة. وأشد ما تبدو هذه البراعة في حوادث موقعة الزلاّقة وتطوراتها، فإن النصر الباهر الذي أحرزته الجيوش المرابطية والأندلسية، في هذه الموقعة، يرجع بالأخص إلى شجاعة يوسف وثباته، وبراعة خططه، وقد كان من حسن طالع يوسف، أنه استطاع أن يعتمد في حروبه ومشاريعه العسكرية، على معاونة طائفة من أقدر القواد وأشجعهم، مثل سير بن أبى بكر، وداود بن عائشة، والأمير مزدلي، ومحمد بن الحاج وغيرهم ممن سبق ذكرهم في مختلف المواطن والحوادث.
وإلى جانب براعته العسكرية، كان يوسف يمتاز بمقدرة إدارية فائقة، وكان هذا الزعيم الصحراوي الموهوب، يحكم الإمبراطورية المرابطية الضخمة، بحزم وكفاية تدعو إلى الإعجاب، وكان إلى جانب ورعه وتقواه، صارماً شديد الوطأة، حريصاً على استتاب النظام والأمن، دائباً على تفقد بلاده وشئون رعيته. ويلخص لنا ابن الصيرفي طريقة يوسف وصرامته في قمع المعارضين والخوارج على القانون في قوله: " أكثر عقابه لمن تجرأ أو تعرض لانتقامه الاعتقال الطويل، والقيد الثقيل، والضرب المبرح، إلا من انتزى أو شق العصا، فالسيف أحسم لانتشار الداء " (1). ويبدو من ذلك أن يوسف لم يكن يلجأ إلى تطبيق عقوبة
_______
(1) ابن الخطيب نقلا عن ابن الصيرفي في الإحاطة (مخطوط الإسكوريال السالف الذكر لوحة 393). وكذلك الحلل الموشية ص 59، وابن عذارى في البيان المغرب (الأوراق المخطوطة السالفة الذكر، هسبيرس ص 65).
(3/50)

الإعدام إلا في حالة العصيان أو الثورة، وأنه فيما عدا ذلك فإن أقصى عقوبة تطبق في الجرائم العادية، هي " الاعتقال الطويل، والقيد الثقيل "، وهو ما تعبر عنه القوانين الجنائية الحديثة، بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة.
وقد نوهت معظم الروايات بحب يوسف للعدل وإيثاره، والعمل على توطيده، كما نوهت باحترامه لأحكام الشرع، والحرص على تطبيقها، وتعظيمه للعلماء والفقهاء، والرجوع إليهم والأخذ بآرائهم وفتاويهم. وهو ما يجمله ابن الصيرفي في قوله: " يواصل الفقهاء، ويعظم العلماء، ويصرف الأمور إليهم، ويأخذ فيها بآرائهم، ويقضي على نفسه، وغيره بفتياهم، ويحض على العدل، ويصدع بالحق، ويعضد الشرع " (1). وقد رأينا فيما تقدم في غير موطن، كيف كان يوسف يلجأ إلى رأى الفقهاء في أخطر الأمور، ومن ذلك استشارته إياهم، أولا في مسألة العبور إلى الأندلس، واستجابة صريخ الطوائف، وثانياً في خلع ملوك الطوائف، وانتزاع ممالكهم، ولم يكتف يوسف في ذلك بفتاوى فقهاء المغرب والأندلس، بل لجأ في نفس الوقت الى فقهاء المشرق، وحصل على آراء أعلام مثل أبى حامد الغزالي، وأبى بكر الطرطوشي (2). ومما يروى في ذلك أن الإمام الغزالي كان يعجب بورع يوسف وجميل صفاته، وميله إلى أهل العلم، حتى أنه اعتزم الرحلة إلى المغرب وزيارة هذا الأمير الأمثل. ولكنه لما وصل إلى الإسكندرية وأخذ في التأهب للسير إلى المغرب، ورد إليه الخبر بوفاة أمير المسلمين، فارتد عن عزمه وعاد من حيث أتى (3). وكان من أبرز مظاهر تمسك يوسف بأحكام الشرع، وآراء الفقهاء، موقفه من الضرائب والمغارم التي يسوغ للأمير فرضها على رعيته، فهو قد ألغى الضرائب والمكوس، التي لم يجز الدين فرضها، واكتفى بفرض ما يجيزه الشرع من ذلك، مثل الزكاة والأعشار وأخماس الغنائم، وجزية أهل الذمة. وقد كان لهذه السياسة الضريبية الرفيقة، بالأخص في الأندلس، أطيب الأثر، إذ كان ملوك الطوائف يرهقون رعيتهم بالفروض،
_______
(1) ابن الخطيب نقلا عن ابن الصيرفي في الإحاطة (مخطوط الإسكوريال). وراجع الحلل الموشية ص 59.
(2) ابن خلدون ج 6 ص 187 و 188. ويلاحظ أن الطرطوشي كان في الأصل من فقهاء الأندلس ولكنه نزح إلى المشرق (راجع كتاب دول الطوائف ص 284).
(3) ابن خلكان في وفيات الأعيان ج 2 ص 488، وكتاب المؤنس في أخبار إفريقية وتونس لابن دينار ص 106.
(3/51)

والمغارم الفادحة، تغذية لقصورهم الفخمة، وبذخهم الطائل، وقد كان تماديهم في ذلك، من الأسباب التي التُمست لخلعهم والقضاء على سلطانهم. بيد أن يوسف كان يلجأ في بعض الأحيان إلى فرض الإتاوات على رعاياه، مساهمة منهم في نفقات الجهاد المستمر، الذي كان يضطلع به، وقد كان يلجأ في جواز ذلك أيضاً إلى فتاوى الفقهاء. ومن ذلك ما وقع له مع قاضي ألرية، أبى عبد الله محمد بن يحيى المعروف بابن الفراء، فإنه قرر بعد موافقة الفقهاء، أن يطالب أهل المغرب والأندلس بمعونة مالية للمساهمة في أعمال الجهاد. وكتب إلى قاضي ألمرية المذكور يأمره بتحصيل هذه الإتاوة وإرسالها، فأبى القاضي، وكتب إلى يوسف يطعن في شرعية هذه الإتاوة، وفي رأي الفقهاء الذين أجازوها، ويطالب يوسف، إن كانت خزائنه ناضبة حقاً، بأن يمثل في المسجد الجامع بحضرة أهل العلم، وأن يحلف علناً بأنه ليس لديه في بيت مال المسلمين درهم ينفقه عليهم، أسوة بما فعل عمر بن الخطاب، حين أراد فرض مثل هذه الإتاوة، وعندئذ يجوز له تحصيلها (1).
ومن جهة أخرى فإن يوسف لم يكن يحجم في بعض الأحيان، عن تحصيل الأموال بطرق استثنائية كفرض المغارم على اليهود والنصارى من آن لآخر، لظروف وأسباب خاصة. وقد ذكر لنا صاحب الحلل الموشية طرفاً من ذلك (2).
وكان المغرب يتمتع في ظل يوسف بكثير من الإستقرار والأمن والرخاء، بعد الفتن والحروب المضطرمة، التي لبثت قبل الفتح المرابطي، زهاء نصف قرن، تمزق أوصاله، وتودى بأمنه وسلامه. ولما تم استيلاء المرابطين على الأندلس، وشعرت الأمة الأندلسية أنها أصبحت في مأمن من عدوان اسبانيا النصرانية، أتيح لها أيضاً أن تتمتع بشىء من الاستقرار والسكينة، وذلك بالرغم مما كانت تشعر به من شدة وطأة الحكم المرابطي، وجفاء أساليبه، وخشونة حكامها الجدد من زعماء البربر، وبعدهم عن تلك الكياسة التي كان يمتاز بها الأمراء والحكام من مواطنيهم. وعلى أي حال فقد عرفت الأندلس في الأعوام الأخيرة من حياة يوسف، وقبل أن يشتد عليها ضغط النير المرابطي، وتستيقظ مشاعرها الوطنية الدفينة، فترة طيبة من الهدوء والاستقرار، يصفها لنا المؤرخ فيما يلي: " أقامت بلاد الأندلس في مدته (أي مدة يوسف) سعيدة حميدة في رفاهة عيش،
_______
(1) وفيات الأعيان ج 2 ص 485، والإستقصاء للسلاوي (طبعة القاهرة) ج 1 ص 122، 123.
(2) الحلل الموشية ص 13 و 59.
(3/52)

وعلى أحسن حال، لم تزل موفورة محفوظة، إلى حين وفاته " (1).
وكان يوسف فضلا عن حسن اختياره لقادته، يحسن اختيار معاونيه من الكتاب والوزراء. وكان كاتبه قبل أن يجوز جوازه الأول إلى الأندلس، أديباً أندلسياً من أهل ألمرية هو عبد الرحمن بن أسباط، أو أسبط. وكان قد نشأ أديباً مغموراً يشتغل في باب الديوان بألمرية أيام بني صمادح. وفي سنة 472 هـ عبر البحر إلى العدوة، ولحق بمراكش يبحث وراء طالعه، واتصل بحاشية الأميرة الحرة زينب زوجة يوسف، فأسند إليه منصب الكتابة. ولما توفيت الأميرة أقره يوسف لكتابته، فظهر في هذا المنصب، ونال حظوة وجاهاً عريضاً، " وكان رجلا حصيفاً سكوناً عاقلا " وكان يوسف يثق في مقدرته وحصافته، وحسن معرفته بشئون الأندلس. وقد لعب عبد الرحمن بن أسباط دوراً هاماً في تدخل يوسف في أحوال الأندلس، واستجابته لصريخ الطوائف، وهو الذي أشار عليه، حينما قرر الجواز إلى شبه الجزيرة، بأن يطالب ابن عباد بثغر الجزيرة ليكون مركزاً أميناً لجواز جيوشه وعودتها إلى العدوة (2). ومما هو جدير بالذكر أن يوسف بن تاشفين كان لا يعرف العربية، وكان ابن أسباط يجيد اللغة البربرية التي يتحدث بها يوسف (3) وكان هذا من أسباب حظوته. ولما توفي ابن أسباط في سنة 487 هـ، تولى الكتابة ليوسف من بعده، كاتب من أعظم كتاب الأندلس يومئذ، هو محمد بن سليمان بن القصيرة العروف بأبى بكر بن القصيرة، وهو الذي يصفه ابن الصيرفي بقوله: " الوزير الكاتب الناظم الناثر القائم بعمود الكتابة، والحامل للواء البلاغة، الذي لا يشق غباره، ولا تخمد أنواره، اجتمع له براعة النثر، وجزالة النظم " (4)، وهو الذي كتب عن يوسف حين مثوله بقرطبة في سنة 496 هـ، كتابه بتولية ولده علي ولاية عهده حسبما تقدم. ولما توفي يوسف استمر أبو بكر في الكتابة لولده علي حتى وفاته في سنة 508 هـ (1114 م)، وفي استخدام يوسف لهذين الكاتبين الأندلسيين البليغين، بالرغم من عدم معرفته بالعربية، ما يدل، على حصافته، وبعد نظره، وإدراكه لأهمية الأساليب العالية في الترسل، وقد
_______
(1) الحلل الموشية ص 59.
(2) الحلل الموشية ص 32.
(3) ابن خلكان ج 2 ص 482.
(4) ابن الخطيب عن ابن الصيرفي في الإحاطة (مخطوطة الإسكوريال السالفة الذكر).
(3/53)

كان ثمة بين يوسف وبين الخلافة العباسية، وبينه وبين أكابر فقهاء المشرق مراسلات كثيرة. ومن جهة أخرى فقد كانت المراسيم المرابطية، تصدر في أحيان كثيرة باللغتين البربرية والعربية، لتقف عليها الكثرة الغالبة من الرعايا، وهي المتكلمة بالعربية، ومما زاد في أهمية منصب الكتابة في الدولة المرابطية، وشغله بأعلام الكتاب البلغاء، فتح الأندلس، وخضوعها للحكم المرابطي، ووجوب مخاطبتها بنفس الأساليب العربية العالية التي كانت سائدة فيها.
وأما عن شخص يوسف، فإن الرواية تصفه بأنه كان معتدل القامة، أسمر اللون، نحيف الجسم، خفيف العارضين، رقيق الصوت (1).
- 4 -
في سنة 498 هـ، مرض أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، واستمر يعاني من مرضه حتى اشتدت به العلة في العام التالي، ومازالت حالته تسوء شيئاً فشيئاً، حتى حم القضاء، وتوفي في يوم الإثنين مستهل شهر المحرم سنة 500 هـ (2 سبتمبر سنة 1106 م)، بقصره بمراكش، عن مائة عام كاملة، وبعد أن وصلت الدولة المرابطية الكبرى على يديه إلى ذروة عظمتها وقوتها.
فكان لوفاته وقع عظيم في المغرب والأندلس، ورثاه جماعة من شعراء العصر، منهم أبو بكر بن سوار، وقد أنشد على قبره مرثية مؤثرة جاء فيها:
ملك الملوك وما تركت لعامل ... عملا من التقوى يشارك فيه
يا يوسف ما أنت إلا يوسف ... والكل يعقوب بما تطويه
اسمع أمير المؤمنين وناصر الـ ... ـدين الذي بنفوسنا نفديه
جوزيت خيراً عن رعيتك التي ... لم ترض فيها غير ما يرضيه
وصل الجهاد إلى الجهاد موفقاً ... حتم القضاء بكل ما تقضيه
ويجىء ما دبرته كمجيئه ... فكأن كل مغيّب تدريه
متواضعاً لله مظهر دينه ... في كل ما يبديه ويخفيه (2)
وقد ترك أمير المسلمين يوسف بن تاشفين عند وفاته إمبراطورية من أعظم الإمبراطوريات التي حكمها الإسلام، تشتمل على قطرين من أعظم وأهم الأقطار
_______
(1) وفيات الأعيان ج 2 ص 488.
(2) ابن عذارى في البيان المغرب (الأوراق المخطوطة المشار إليها، هسبيرس ص 64 و 65 و 66).
(3/54)

الإسلامية في العصور الوسطى، هما المغرب والأندلس، وتمتد فيما بين تونس شرقاً، والمحيط الأطلنطي غرباً، وفيما بين نهر التاجُه في قلب اسبانيا شمالا، وبلاد السودان ونهر النيجر جنوباً. ويكفي لكي نقدر روعة المعجزة العسكرية والسياسية، التي حققتها عبقرية يوسف، أن نرتد نصف قرن فقط إلى ما قبل وفاته، وأن نلقي نظرة عابرة على ما كان عليه المغرب والأندلس يومئذ. فقد كان المغرب عندئذ فريسة لأشنع ضروب التفرق والفوضى، تتقاسم أقطاره وقواعده التالدة، عدة كبيرة من الزعامات القَبَلية، وتقوم فيه إمارات عديدة، متخاصمة متنابذة، وتجتاح الحروب الأهلية الصغيرة مروجه وبواديه، ويسود الفقر والاختلال والفوضى سائر نواحيه. وقد كان قيام المرابطين في جنوبي المغرب، وانتظامهم إلى قوة مصلحة غازية، في هذه الآونة، وسيرهم لافتتاح أقطار المغرب وقواعده، وظفرهم بالتغلب على إماراته وقواعده المتفرقة، وضمها تحت لوائهم في وحدة متماسكة ودولة موحدة، كان ذلك في الواقع عمل إنقاذ قومي من أعظم ما وقع في تاريخ المغرب. وقد اضطلع يوسف بن تاشفين في ذلك كله حسبما رأينا بأوفر نصيب. وكان له في تحقيقه أعظم الفضل. ولما قامت الدولة المرابطية الكبرى، تتوسطها عاصمتها العظيمة مراكش، وتوطدت دعائم الحكم المرابطي، ساد في المغرب نوع من النظام والأمن، لم يكن له به عهد منذ بعيد، وعم الرخاء، واستطاع الناس أن ينعموا بكثير من الاستقرار والهدوء.
ووقعت نفس المعجزة في الأندلس، فبعد أن لبثت زهاء نصف قرن، تعاني في ظل أمراء الطوائف، وفي ظل دولهم الضعيفة المتنابذة، مصائب التفرق، والحروب الأهلية المتوالية، وبعد أن استطال عليها النصارى ومالوا على دول الطوائف، فأذلوها واستباحوا حماها، واستصفوا أموالها، وبدأوا بانتزاع قواعدها، وبعد أن لاح لأهل الأندلس أن الآخرة قد دنت، وأنه لن يمضي سوى القليل، حتى تقضي اسبانيا النصرانية على دول الطوائف كلها، وتنتزع سائر قواعدها وأراضيها، وتسقط الأندلس كلها في يد العدو الخالد، وينطفيء نور الإسلام من تلك الديار العزيزة، بعد ذلك كله جاء جواز يوسف بن تاشفين وجيوشه المرابطية إلى الأندلس، نذير الإنقاذ، وانقشاع الخطر الداهم، وكُتبت لإسبانيا المسلمة حياة جديدة. ثم كان افتتاح المرابطين لدول الطوائف، وبسط سيادتهم على الأندلس، فرُدت إليها وحدتها الإقليمية القديمة، وبالرغم مما اقترن
(3/55)

بهذا الفتح المرابطي من مظاهر العنف والقسوة، وبالرغم مما كان ينطوي عليه بالنسبة للأمة الأندلسية من معاني الافتئات والاغتصاب، وسيطرة القبائل البربرية على حريات الأندلس ومصايرها، فإنه كان أيضاً عمل إنقاذ لاشك فيه، وكانت سيطرة المرابطين على اسبانيا المسلمة في تلك الفترة العصيبة من حياتها، هي أوكد ضمان بصونها، والذود عنها، وحمايتها من عدوان اسبانيا النصرانية.
وهكذا استطاع يوسف في مدى نصف قرن أن يحقق وحدة المغرب، وأن يحقق وحدة الأندلس معاً، وأخيراً أن يحقق الوحدة بين الدولتين الإسلاميتين العظيمتين في ظل الدولة المرابطية الكبرى.
ولما توفي يوسف كانت هذه الدولة المرابطية الكبرى تمثل بشطريها - المغرب والأندلس - وفقاً لقول المؤرخ " مُلكاً مؤسساً، وجنداً مجنداً، وسلطاناً قاهراً ومالا وافراً " (1).
بيد أن هذه الدولة العظيمة بالرغم مما كان يبدو من توطدها وقوتها ورخائها، كانت تحمل في ثنيتها بعض عوامل الوهن الخفية، التي تسترها المظاهر الخادعة، وهي كانت تدين بوحدتها وقوتها قبل كل شىء إلى عبقرية مؤسسها العظيم. فلما اختفى يوسف من الميدان، فقدت الدولة المرابطية أعظم قادتها وحماتها: فقدت تلك اليد الموجهة المرشدة، التي كانت تقودها دائماً نحو التوطد والظفر، وتلك العقلية الراجحة، التي كانت تستشف الحوادث البعيدة من خلال الحجب، وتعمل على تداركها، وتوجيهها إلى الغاية المرغوبة.
_______
(1) ابن الخطيب عن ابن عذارى في الإحاطة في ترجمة علي بن يوسف (مخطوط الإسكوريال السالف الذكر لوحة 292).
(3/56)

الفصْل الثاني
أمير المسلمين علي بن يوسف وأحداث عصره
علي بن يوسف يخلف أباه. الثورة في فاس وإخفاقها. على يعبر إلى الأندلس. أعماله وعوده. أمره إلى أخيه تميم باستئناف الغزو. خروج تميم في قواته إلى قشتالة. مسيره إلى حصن أقليش واقتحامه إياه. أهبة ألفونسو السادس لرد الغزاة. مسير القشتاليين إلى أقليش. موقف الجيش المرابطي. عدد الجيشين المتحاربين. التحامهما في معركة عنيفة. مصرع الإنفانت سانشو وهزيمة القشتاليين. خسائر النصارى والمسلمين. إتمام الاستيلاء على أقليش. الروايات النصرانية عن الموقعة. عبور على إلى الأندلس. غزوه لأراضي قشتالة، استيلاؤه على طلبيرة. محاصرته لطليطلة. رفع الحصار وعوده إلى قرطبة ثم إلى مراكش. غزو الأمير سير اللمتوني لأراضي البرتغال. استيلاؤه على يابرة وأشبونة وشنترين. غزو مزدلي والى قرطبة لأراضي قشتالة. استيلاؤه على حصن أرجنة ومحاصرته لطليطلة. القتال بين القشتاليين والمرابطين. رفع الحصار وعود المرابطين. وفاة مزدلي وولاية ولده محمد لقرطبة. غزو القشتاليين لولاية قرطبة. خروج المرابطين لردهم. هزيمة المرابطين ومصرع محمد بن مزدلي وأكابر لمتونة. هزيمة مرابطية أخرى. وفاة الأمير سير والى إشبيلية. التعريف بسير ومزدلي. من أسباب نشاط الغزو المرابطي. أحوال سرقسطة. استيلاء المرابطين عليها. إنتهاء ملك بني هود. ابن الحاج والي سرقسطة. الحرب بين المرابطين وبين عماد الدولة بن هود. غزو ابن الحاج وابن عائشة لإمارة برشلونة. هزيمة المرابطين ومصرع ابن الحاج. أحوال الجزائر الشرقية. افتتاح النصارى لها. أهبة علي لإنقاذها. مسير الأسطول المرابطي إلى الجزائر. استيلاء المرابطين عليها. إحراق كتاب الإحياء في قرطبة. نفوذ الفقهاء وأثرهم في هذا الحادث. عبور على إلى الأندلس للمرة الثالثة. غزوه لأراضي البرتغال واقتحامه لمدينة قلمرية. عوده إلى المغرب. عبوره إلى الأندلس للمرة الرابعة. الثورة في قرطبة. مختلف الروايات في شأنها. مغزى هذه الثورة وأسبابها. موقف علي منها. النقاش بينه وبين ابن رشد. تسوية الحادث وعودة علي.
لما توفي أمير المسلمين، يوسف بن تاشفين، في يوم الاثنين مستهل شهر المحرم سنة خمسمائة (2 سبتمبر سنة 1106 م)، بقصره بمراكش، خلفه في نفس يوم وفاته ولده أبو الحسن علي، وكان قد اختاره كما تقدم لولاية عهده، منذ سنة 495 هـ، وأصدر له عهد التولية بقرطبة في شهر ذي الحجة سنة 496 هـ، مؤثراً إياه بذلك على ولده الأكبر أبى الطاهر تميم. وعقدت البيعة لعلي في نفس اليوم، قبل أن يُواري جثمان العاهل الراحل، وكان أول من بايعه بمحضر من أشياخ لمتونة وباقي قبائل صنهاجة، والأكابر والقادة، أخوه تميم معلناً بذلك طاعته
(3/57)

لأخيه، واحترامه لإرادة أبيه، ثم بايعه من بعده سائر من حضر من الأشياخ والأكابر، وكتب علي في نفس الوقت إلى سائر قواعد المغرب والأندلس وبلاد القبلة بالصحراء، يعلمهم بموت أبيه، واستخلافه إياه من بعده، ويأمرهم بأخذ البيعة له (1). وكان علي وقت تبوئه الملك، فتى في نحو الثالثة والعشرين من عمره، وكان مولده بثغر سبتة سنة 477 هـ (1084 م)، عقب سقوطه في أيدي المرابطين بأشهر قلائل، وأمه أم ولد رومية اسمها قمر، وتسمى أيضاً " فاض الحسن ". وقد أنفق على فيما يبدو حداثته في سبتة (2). ولما توفي الأمير أبو بكر أكبر أولاد يوسف وولي عهده بسبتة في سنة 479 هـ عقب نصر الزلاّقة، وأخذ يوسف يبحث عن خلفه بين أولاده، اتجهت نيته لاختيار ولده علي، لما آنسه فيه منذ صغره من ذكاء ونجابة، وكان يصطحبه في كثير من المهام، ولاسيما عند جوازه الأخير إلى الأندلس، حينما عبر إليها ليتفقد أحوالها، وليعقد بها بيعة العهد لعلي.
وكان يوسف قبيل وفاته بقليل، قد أوصى ولده علياً بثلاثة أمور، أولها ألاّ يفعل شيئاً لإثارة أهل جبل دَرَن، ومن وراءه من المصامدة وأهل القبلة، والثاني أن يهادن بني هود أمراء سرقسطة، وأن يتركهم حائلا بينه وبين النصارى، والثالث أن يعطف على من أحسن من أهل قرطبة، وأن يتجاوز عمن أساء منهم (3)، هذا فضلا عما اشترطه عليه حين خصه بولاية عهده، من الأمور المتعلقة بشئون الأندلس الدفاعية، وهو ما سبق أن أشرنا إليه فيما تقدم.
وكان علي بن يوسف أميراً وافر الهمة والذكاء والعزم، وكانت تحدوه رغبة صادقة، في أن يسير على نهج أبيه في الحكم، وفي متابعة الجهاد، وهو قد سار بالفعل وفق هذا المنهج، وحقق في ظله طائفة من جلائل الأعمال، وهو ما يجمله المؤرخ في قوله: " فاقتفى أثر أبيه، وسلك سبيله في عضد الحق، وإنصاف المظلوم، وأمن الخايف، وقمع المظالم، وسد الثغور، ونكاية العدو، فلم يعدم التوفيق في أعماله، والتسديد في حسن أفعاله " (4).
_______
(1) روض القرطاس ص 102.
(2) روض القرطاس ص 101.
(3) الحلل الموشية ص 60.
(4) ابن عذارى البيان المغرب (الأوراق المخطوطة - هسبيرس ص 67)، ونقله ابن الخطيب في الإحاطة في ترجمة علي بن يوسف (مخطوط الإسكوريال السالف الذكر لوحة 292).
(3/58)

ولأول ولايته وقعت ثورة محلية لم تكن على شىء من الخطورة، ولكنها كانت أول بادرة في الانتقاض والخروج. وذلك أنه حينما كتب إلى القواعد والثغور بأخذ البيعة له، أتته البيعة من سائر البلاد إلا من مدينة فاس، عاصمة المغرب القديمة، وقد كان واليها عند وفاة يوسف، حفيده يحيى بن الأمير أبى بكر أخى علي المتوفى، فرفض أداء البيعة لعمه علي، وأعلن الخلاف، ووافقه على ذلك جماعة من قواد لمتونة، فبادر علي بالسير في بعض قواته إلى فاس، فخشى يحيى البادرة على نفسه، خصوصاً بعد أن تخلى عنه أنصاره، وفر من المدينة، ودخلها علي بن يوسف، وذلك في الثاني من ربيع الآخر سنة 501 هـ، وأخمدت هذه الثورة الصغيرة في مهدها. وسار يحيى صوب تلمسان ملتجئاً إلى واليها الأمير مزدلي، فلقيه بالطريق، وكان قادماً ليقدم بيعته إلى علي، فاستجار به ووعده مزدلي، بأن يسعى لدى علي في العفو عنه، واختفى يحيى في أحواز فاس حتى لقى مزدلي الأمير وقدم إليه بيعته، وشفع لديه في ابن أخيه، فعفى عنه علي، وخيره بين الإقامة في ميورقة أو في الصحراء، فاختار يحيى الصحراء، ثم سار منها إلى الحجاز فقضى فريضة الحج، وعاد إلى المغرب، واستأذن عمه علياً في سكنى مراكش، فأذن له. ولكن بدت منه عندئذ بعض بوادر مريبة، فخشى علي من نياته، وأمر بالقبض عليه ونفيه إلى الجزيرة الخضراء، فاعتقل بها حتى توفي (1).
ولم يكد على يفرغ من قمع الثورة في فاس، حتى أزمع الجواز إلى الأندلس لتفقد أحوالها، وتنظيم شئونها، فخرج من مراكش في جيش من المرابطين ومصمودة، وعبر البحر من سبتة إلى الجزيرة الخضراء في منتصف سنة 500 هـ (أوائل سنة 1107 م)، وهناك بادر إليه زعماء الأندلس ورؤساؤها، وقضاتها، وفقهاؤها وأدباؤها وشعراؤها، فقدموا إليه بيعتهم وطاعتهم، وأنشده الشعراء قصائدهم، فعنى بالنظر في مطالبهم، وغمر الجميع بعطفه وصلاته (2).
وعمد علي في الوقت نفسه إلى إجراء طائفة من التغييرات الإدارية الهامة، فعزل أخاه أبا الطاهر تميما عن ولاية المغرب، وعينه لولاية غرناطة بالأندلس، وجعله قائداً أعلى للجيوش المرابطية فيما وراء البحر. وعين لولاية قرطبة أبا عبد الله
_______
(1) روض القرطاس ص 103.
(2) الحلل الموشية ص 62، وابن عذارى في البيان المغرب (الأوراق المخطوطة - هسبيرس ص 67).
(3/59)

محمداً بن أبى بكر اللمتوني، وعين لولاية المغرب أبا عبد الله محمداً بن الحاج، فلبث والياً على فاس وسائر أنحاء المغرب زهاء ستة أشهر. ثم عينه علي لولاية بلنسية وشرقي الأندلس، ومن بلنسية، سار ابن الحاج في القوات المرابطية إلى سرقسطة ودخلها في سنة 502 هـ (1109 م) حسبما نفصل بعد (1).
ولما عاد علي إلى المغرب، كتب في أوائل سنة 501 هـ إلى أخيه تميم والي غرناطة، وقائد الجيوش المرابطية بالأندلس، أن يستأنف الجهاد، وأن يغزو أرض النصارى. وقد كانت غرناطة يومئذ قاعدة الحكم المرابطي في الأندلس بعد قرطبة.
والظاهر أن هذا الاختيار كان يرجع لأسباب استراتيجية تتعلق بموقع غرناطة، وإنما كتب علي لأخيه ولم يعبر إلى الأندلس، حسبما يبدو من أقوال صاحبي الحلل الموشية وروض القرطاس. فإنه يبدو من الرواية الأولى (2)، أن علياً لم يعبر عبوره الثاني إلى الأندلس إلا في سنة 503 هـ (1110 م). وتمر الرواية الثانية على مسألة جواز على بالصمت. ويؤيد ذلك بنوع خاص رسالة كتب بها الأمير تميم إلى أخيه علي عقب الموقعة التي نشبت بينه وبين النصارى، وهي رسالة سوف نتحدث عنها فيما بعد.
ولم يصدر علي أمره باستئناف الغزو والجهاد عفواً، فقد كان ثمة ما يبرره ويستدعيه. ذلك أنه لما مرض أمير المسلمين يوسف بن تاشفين في سنة 498 هـ، وذاع أمر مرضه في الأندلس، ونقلت عن الأحوال في المغرب والأندلس إلى قشتالة أقوال وصور زائفة، اعتقد ألفونسو السادس ملك قشتالة الشيخ أن الفرصة قد سنحت ليستأنف غزواته في أراضي المسلمين، فبعث حملة من نحو ثلاثة آلاف وخمسمائة مقاتل، سارت نحو أحواز إشبيلية، وعاثت فيها، واستولت على كثير من الغنائم والسبي، فخرج الأمير سير بن أبى بكر والي إشبيلية في قواته لرد الغزاة، ولحقت به عساكر غرناطة بقيادة أبى عبد الله بن الحاج واليها يومئذ، وطارد المسلمون القشتاليين، وردوهم على أعقابهم، وقتلوا منهم نحو ألف وخمسمائة (3)، ولما تولى علي بن يوسف الملك بعد ذلك بقليل، لم ينس أمر هذا
_______
(1) روض القرطاس ص 103، والبيان المغرب (الأوراق المخطوطة هسبيرس ص 67، و 68).
(2) الحلل الموشية ص 63.
(3) البيان المغرب (الأوراق المخطوطة المشار إليها - هسبيرس ص 64 و 65).
(3/60)

العدوان وما يدل عليه من تحفز النصارى، فرأى أن يبادرهم بالغزو، وأن يهاجمهم في قلب أراضيهم.
وصدع تميم بأمر أخيه، وجهز جيشاً حسن الأهبة، وخرج من غرناطة في العشر الأخيرة من شهر رمضان سنة 501 هـ (أوائل مايو سنة 1108 م) وسار في قواته شمالا صوب جيّان، وكانت الجنود والإمداد تهرع إليه في طريقه.
ولبث في جيان أياماً قلائل، حتى وافته حشود قرطبة بقيادة واليها أبى عبد الله محمد بن أبى رنق، ثم سار إلى بيّاسة شمال شرقي جيان. واتجه منها شمالا صوب أراضي قشتالة، وانضمت إليه في الطريق حشود مرسية بقيادة واليها أبى عبد الله محمد بن عائشة، وحشود بلنسية بقيادة واليها محمد بن فاطمة. واخترقت القوات المرابطية أراضي قشتالة وعاثت فيها. ثم اتجهت صوب بلدة أقليش الحصينة، وهي التي وقع الاختيار على مهاجمتها، فوصلت إلى ظاهرها في يوم الأربعاء الرابع عشر من شوال (27 مايو).
وقد كانت أقليش في ذلك العصر من أمنع معاقل كورة شنتبرية، وهل محلة حصينة، تقع في شمال جبال طليطلة، وجنوب غربي وبذة، أنشأها الفتح بن موسى بن ذى النون في أواخر القرن الثالث الهجري أيام الأمير عبد الله (1) واتخذها مستقراً ومعقلا، وغدت دار بني ذى النون، حتى ظهروا أيام المنصور ابن أبى عامر، وحكموها أيام اضطراب الخلافة، ثم انتقلوا منها إلى حكم طليطلة على يد إسماعيل بن ذى النون في أوائل المائة الخامسة. ولما سقطت طليطلة في أيدي القشتاليين في صفر سنة 478 هـ (1085 م) وانتهى سلطان بني ذى النون في تلك المنطقة، كانت أقليش ضمن القواعد والحصون العديدة، التي استولى عليها القشتاليون نتيجة لافتتاح مملكة طليطلة.
وما كادت القوات المرابطية تصل إلى أقليش حتى طوقتها، وهاجمتها بعنف، ولم يستطع النصارى المدافعون عنها، أن يثبتوا طويلا أمام شدة المهاجمين، فسقطت في أيديهم في اليوم التالي وهو يوم الخميس 15 شوال (28 مايو)، وفي الحال
_______
(1) جاء في الروض المعطار (صفة جزيرة الأندلس) ص 28، أن أقليش بناها الفتح بن موسى ذى النون وفيها كانت ثورته وظهوره في سنة 160 هـ، وفي ذلك تحريف واضح، لأن ثورة الفتح ابن موسى ذى النون كانت في مستهل عهد الناصر بعد سنة 300 هـ، وإذاً فإن الصحيح والمعول عليه هو أن إنشاء أقليش قد وقع في أواخر القرن الثالث.
(3/61)

دخلتها القوات المرابطية، وقوضت صروحها، وهدمت كنائسها، ودكت هياكلها، وهرع المسلمون الذين كانوا بها - وكان ما يزال منهم بقية كبيرة فضلت التدجّن والبقاء تحت حكم النصارى - والتجأوا إلى معسكر الجيش المرابطي، لائذين بحمايته، وشرحوا لإخوانهم في الدين أحوال المدينة، وظروف المدافعين عنها (1).
والتجأ المدافعون من النصارى إلى قصبة أقليش الحصينة، وامتنعوا بها في انتظار الغوث والإنجاد من مواطنيهم. والواقع أنه مذ تحركت الجيوش المرابطية، ونفذت إلى أراضي قشتالة، كان الملك الشيخ ألفونسو السادس ملك قشتالة وقادته، يبذلون أقصى جهودهم في إعداد العدة لرد الغزاة. وكان ألفونسو السادس قد هدمه الإعياء والمرض، ولم يستطع لضعفه أن يسير بنفسه لملاقاة الغزاة وإنقاذ القلعة، فجهز حملة قوية بقيادة كبير قواده ألبر هانس - وهو أشهر قواد قشتالة في ذلك العصر، وقد خاض من قبل وقائع كثيرة ضد المسلمين، ولاسيما في منطقة بلنسية - وزميله غرسيه أردونيث مؤدب ولي العهد سانشو، وهو أيضاً من أكابر القادة، ومعهما عدة أخرى من قادة منطقة طليطلة من قلعة النسور، وقلعة النهر أو قلعة عبد السلام ( Alcala de Henares) وغيرهما. بيد أن أهم شخصية مثلت في تلك الحملة كانت شخصية الأمير الصبي (الإنفانت) سانشو ولد ألفونسو السادس وولي عهده، وهو الذي رزق به من " زائدة " حظيته أو زوجته المسلمة المتنصرة، التي كانت زوجة للفتح بن المعتمد بن عباد، والتي فصلنا قصتها في موضعها من كتاب " دول الطوائف " (2)، وكان يومئذ صبياً في الحادية عشرة من عمره. وكان مستشارو الملك - أو زوجته زائدة - قد نصحوا بإرساله على رأس الجيش لكي يثير منظره الفتى حماسة الجند، فنزل عند رأيهم، وبعثه مع مؤدبه غرسيه أردونيث كونت دي قبره. ويشير صاحب روض القرطاس إلى تلك الواقعة، ويفسرها بتفسير طريف يقول فيه " فأشارت عليه زوجته (أي ألفونسو) أن يوجه ولده عوضاً عنه فيكون مقابلا لتميم، لأن تميم ابن ملك المسلمين، وشانجُه
_______
(1) استقينا هذه المعلومات من رسالة الأمير تميم التي سبقت الإشارة إليها والتي سوف ننشر نصها في باب الوثائق.
(2) كتاب دول الطوائف ص 333 - 337.
(3/62)

(سانشو) ابن ملك الروم، فسمع منها، فبعث ولده شانجه في جيوش كثيرة من زعماء الروم وأنجادهم " (1).
وزحف الجيش القشتالي بسرعة لإنجاد قلعة أقليش. وفي تلك الأثناء، في عصر يوم الخميس 15 شوال (28 مايو) كانت الأنباء قد ترامت عن قرب مقدمه إلى العسكر المرابطي. وهنا تختلف الرواية في تصوير موقف الجيش المرابطي، وموقف قائده الأعلى الأمير أبى الطاهر تميم. ذلك أن صاحب روض القرطاس يقول لنا إن تميماً حين علم باقتراب القشتاليين، أراد الارتداد والإحجام عن لقائهم، فنصحه محمد بن عائشة ومحمد بن فاطمة وغيرهما من قواد لمتونة بالبقاء وملاقاة العدو، وهونوا عليه الأمر، خصوصاً وأن القادمين لا يزيد عددهم عن ثلاثة آلاف فارس. فنزل تميم عند النصح، فلما وافى القشتاليون عند مغيب الشمس، ورأى تميم وفرة حشودهم، أراد الفرار والإحجام عن لقائهم، ولكنه لم يجد سبيلا إلى ذلك، وصمم قواد لمتونة على لقاء العدو ومناجزته (2). بيد أن تميماً يصور لنا الموقف في رسالته التي يصف فيها الموقعة والتي سبقت الإشارة إليها تصويراً آخر. فيقول لنا إنه حين مقدم القشتاليين، استدنى إليه" القائدين المجربين، ذوي النصيحة والآراء الصحيحة، أبا عبد الله محمد بن عائشة، وأبا عبد الله محمد بن فاطمة وأنهم بعد المشاورة، اجتمعوا على كلمة الله متعاقدين، وخضعوا إلى حكمه مستسلمين " ثم يقول: " ونهضنا بجملتنا، من محلتنا والصبر يفرغ علينا لامه، والنصر يبلغ إلينا سلامه، وتوجهنا إلى الله نقتفي سبيله، ونبتغي دليله " فكان اللقاء، وكانت الموقعة.
ولم تقدم إلينا الروايات بيانات كافية عن عدد الجيشين المتحاربين. بيد أنه يستفاد من أقوالها عن الجيش المرابطي، الذي كان يتكون من حشود غرناطة وقرطبة وشرقي الأندلس ومن انضم إليه من المتطوعة المجاهدين خلال مسيره، أنه كان يضم عدة آلاف من الفرسان، إذ كانت حامية غرناطة تتكون من ألف فارس، ومثلها حامية قرطبة، وكانت الحامية المرابطية بشرقي الأندلس تتكون من أربعة آلاف فارس. أما الجيش القشتالي القادم للنجدة، فمن المرجح أنه كان متفوقاً على المرابطين في الكثرة، يدل على ذلك إحجام تميم في البداية عن لقائه، وتوجسه
_______
(1) روض القرطاس ص 104.
(2) روض القرطاس ص 104.
(3/63)

من تفوقه العددي. هذا عدا من كان من القشتاليين بالقصبة وهم حسبما تصفهم الرواية " جمع عظيم من الروم " (1). ومن جهة أخرى، فإنه لدينا عن عدد الجيش القشتالي روايتان إسلاميتان، الأولى تقدره بعشرة آلاف فارس، وهذه هي رواية ابن القطان وقد كتب بعد الموقعة بقرن ونصف، في أواخر عهد الموحدين (2)، والثانية تقدره بسبعة آلاف فارس، وهي رواية ابن عذارى، وهو يقول لنا مشيراً إلى مقدم القشتاليين لإنجاد قلعة أقليش، " وفي خلال ذلك وصل إليه (حصن إقليش)، ولد ألفونسو شانجُه من زوج المأمون بن (عباد) التي كانت تنصرت بنحو سبعة آلاف فارس " (3).
وفي فجر يوم الجمعة 16 شوال سنة 501 هـ، الموافق 29 مايو سنة 1108 م، بدت طلائع المعركة، وتقدم المرابطون قليلا في اتجاه أقليش للقاء القشتاليين.
وأقبل القشتاليون يقودهم ألبر هانس وغرسيه أردونيث كونت دي قبره وكونتات طليطلة، وبينهم الأمير الفتى الإنفانت سانشو فوق فرسه، وقد ارتدى حلة الفرسان. وبدأ الهجوم ووقعت الصدمة الأولى حسبما ينبئنا تميم في رسالته ضد قوات قرطبة، وقائدها ابن أبى رنق، فارتد إلى الوراء. وعندئذ تقدمت قوات مرسية وبلنسية، وتقدم تميم في قواته إلى قلب المعركة، ونشب بين الفريقين قتال بالغ العنف، يصفه لنا تميم في رسالته عن الموقعة في عبارات حماسية مضطرمة.
ومما جاء فيها: " فعند ذلك اختلطت الخيل، بل سال السيل، وأظلم الليل، واعتنقت الفرسان، واندقت الخرصان، ودجا ليل القتام، وضاق مجال الجيش اللهام، واختلط الحسام بالأجسام، والأرماح بالأشباح، ودارت رحى الحرب تغر بنكالها. وثارت ثائرة الطعن والضرب تفتك بأبطالها ". وتجمع الروايات الإسلامية والنصرانية معاً، على أن الموقعة كانت مضطرمة رائعة، وأن الفريقين المتحاربين، قاتل كلاهما بمنتهى العنف والشدة. وبينما القتال على أشده إذ وقع
_______
(1) روض القرطاس ص 103.
(2) أوردها في كتابه " نظم الجمان لترتيب ما سلف من أخبار الزمان ". وتوجد منه قطعة مخطوطة هي " السفر الثالث عشر " ضمن نسخة محفوظة بالمعهد المصري للدراسات الإسلامية بمدريد (وقد وصفناها في بيان المصادر) لوحة 7 أ. وقد نقل إلينا رواية ابن القطان هذه عن الموقعة الأستاذ هويثي في كتابه: Las Grandes Batallas de la Reconquista, p. 118 & 119
(3) البيان المغرب (الأوراق المخطوطة السالفة الذكر- هسبيرس ص 68). وراجع كتابي " دول الطوائف " ص 336.
(3/64)

حادث كان حاسماً في مصير المعركة. ذلك أن الأمير الصبي سانشو ابن ملك قشتالة، ازدلف إلى قلب المعمعة إلى جانب مؤدبه غرسية أردونيث أو الكونت دي قبره، فلم يلبث أن أحاطت بهما ثلة من الفرسان المسلمين، وتوالت عليهما الطعان، فسقط الفتى من فوق جواده، وقد أصابته طعنة قاتلة، وسقط فوقه الكونت دي قبره مدافعاً عنه (1)، فدب الهرج إلى صفوف القشتاليين وكثر القتل بينهم، ولجأ الكثيرون منهم إلى الفرار، وسقط معظم القادة والكونتات قتلى، وارتد ألبا رهانيس في فلول القشتاليين صوب طليطلة، وحاول الكونتات السبعة الذين كانوا يؤلفون حاشية الأمير القتيل، الفرار إلى حصن بلنشون القريب، فلحقت بهم جماعة من المسلمين المدجنين وقتلتهم عن آخرهم، وعرف مكان مصرعهم فيما بعد " بالكونتات السبعة ". وهكذا تمت الهزيمة الساحقة على الجيش القشتالي، وأحرز المسلمون نصرهم الباهر، في ذلك اليوم المشهود.
هكذا كانت أدوار موقعة أقليش الشهيرة، التي أعادت بروعتها، وانتصار المرابطين الساحق فيها، ذكريات موقعة الزلاّقة. وتعرف الموقعة في الرواية النصرانية " بموقعة الكونتات السبعة " نسبة إلى الكونتات السبعة الذين كانوا حاشية لولي عهد قشتالة. وتقدر بعض الروايات الإسلامية خسائر القشتاليين فيها بنيف وثلاثة وعشرين ألفاً (2). وتجاريها في ذلك بعض الروايات النصرانية، فتقدر خسائر القشتاليين بعشرين ألفاً (3). بيد أنه يبدو مما سبق أن ذكرناه عن عدد الجيشين المتحاربين، ومما ذكره الأمير تميم في رسالته عن الموقعة، أن خسائر النصارى لم تكن بهذه النسبة المغرقة، وإن كان مما لا ريب فيه أنها كانت فادحة. ويقول لنا الأمير تميم في رسالته إنه أمر عقب الموقعة بجمع رؤوس القتلى من النصارى، فجمعت الدانية منها، وتركت النائية، فبلغ ما جمع منها أكثر من ثلاثة آلاف رأس، ميزت منها رؤوس غرسية أردونيث (أردونش) أو الكونت دي قبره، وقواد طليطلة، وكدست، وأذن من فوقها المؤذنون وفقاً للتقليد المأثور. واستولى
_______
(1) ويقدم إلينا ابن القطان رواية أخرى عن مصرع " الإنفانت " سانشو، فيقول إنه أفلت من قلب المعركة في ثمانية من النصارى ولجأ معهم إلى حصن بلشون (بلنشون)، وكان فيه رعية لهم من المسلمين، فاختبأ عندهم رجاء أن يسلموا من القتل، فلحق بهم المسلمون وقتلوهم وقتل معهم ولد أذفونش (المخطوط السالف الذكر لوحة 7 ب).
(2) روض القرطاس ص 104.
(3) M. Lafuente: Historia General de Espana (Barcelona 1899) V. III. p. 202
(3/65)

المرابطون في نفس الوقت على مقادير هائلة من الأسلاب والغنائم، من المال والخيل والبغال والسلاح والدروع وغيرهما.
وأما عن خسائر المسلمين في الموقعة، فإنه يبدو أنها كانت أيضاً ذات شأن، وإن لم يكن لدينا من أقوال الرواية الإسلامية أرقام معينة. وكل ما ذكر عن ذلك عبارة أوردها صاحب روض القرطاس في ختام كلامه عن المعركة يقول فيها: " واستشهد جماعة من المسلمين رحمهم الله " وقول ابن القطان: " واستشهد في هذه الوقيعة الإمام الجزولي وكان رجل صدق، وجماعة من الأعيان والعربان " (1). على أننا نستنتج ذلك من إحجام المرابطين، عن مطاردة فلول الجيش القشتالي مطاردة شاملة والتوغل في أرض النصارى.
وغادر الأمير تميم في قواته ميدان المعركة عائداً إلى غرناطة، مكللا بغار الظفر، وكتب إلى أخيه أمير المسلمين على بالفتح، رسالته التي سبق ذكرها.
وترك قوات مرسية وبلنسية تحت إمرة قائديها لحصار قلعة أقليش، فلبثا على حصارها فترة، ولما رأيا مناعتها تظاهرا بالانسحاب، وارتدا في قواتهما قليلا ورتبا الكمائن، فخرج النصارى من القلعة، فانقض عليهم المسلمون، وأمعنوا فيهم قتلا وأسراً، واحتلوا القصبة، وبذلك تم استيلاؤهم على أقليش، وترتب على ظفر المسلمين باحتلال هذه القلعة المنيعة، أن سقطت في أيديهم عدة من البلاد والحصون المجاورة، مثل وبذة وقونقة وأقونية وكونسويجرا، وغيرها (2).
وتعنى الروايات النصرانية بذكر معركة أقليش عناية خاصة، وهي لا تخرج في مجملها عما تقدمه إلينا الروايات الإسلامية من التفاصيل، ولاسيما ما أورده الأمير تميم في خطابه الرسمي عن الموقعة. بيد أن الروايات النصرانية تفيض بنوع
_______
(1) روض القرطاس ص 104. وابن القطان في المخطوط السالف الذكر (لوحة 7 ب).
(2) راجع في حوادث موقعة أقليش، روض القرطاس ص 103 و 104، وابن عذارى في البيان المغرب (الأوراق المخطوطة - هسبيرس ص 68)، وابن القطان في نظم الجمان (المخطوط المشار إليه، لوحه 6 و 7)، ورسالة الأمير تميم الرسمية عن المعركة وهي التي أنشأها الكاتب ابن شرف، وقد نشرناها في باب الوثائق منقولة عن مخطوط الإسكوريال رقم 488 الغزيري لوحات 54 - 58، ونشرها الأستاذ هويثي في كتابه Las Grandes Batallas de la Reconquista ص 120 - 126. ويشير ابن خلدون إلى المعركة إشارة عابرة (ج 6 ص 188). وأورد عنها ابن الكردبوس خلاصة موجزة (كتاب الإكتفا - مخطوط أكاديمية التاريخ السالف الذكر)، ولم يذكرها صاحب الحلل الموشية. ومن المراجع القشتالية F. Codera: Decadencia y Disparicion de los Almoravides, p. 8-10 ; Lafuente: Hist. General de Espana, Vol II. p. 201 & 202
(3/66)

خاص في تفاصيل مصرع الإنفانت سانشو، ومصرع مؤدبه غرسية أردونيث، فتذكر لنا كيف سقط الأمير عن جواده الجريح، وكيف حجبه الكونت غرسية بدرعه وجسمه، وأخذ يدافع عنه وهو مسجى، حتى قتل بدوره، وتشيد بفروسية الكونت، ورائع صفاته. ثم تصف لنا كيف وقع النبأ المحزن على الملك الشيخ ألفونسو السادس وقع الصاعقة، وكيف استسلم إلى التأوه والنواح بمحضر من سادته. والواقع أن الملك الشيخ لم يستطع احتمال تلك الصدمة الأليمة طويلا، إذ توفي بعد ذلك بنحو عام في 30 يونيه سنة 1109 م.
ثم تنحرف الرواية النصرانية بعد ذلك إلى منحدر الأسطورة، فتزعم أن الملك ألفونسو أراد أن ينتقم لمصرع ولده، فسار إلى قرطبة وحاصرها، وفيها علي بن يوسف " أمير المؤمنين "، وأن النصارى أسروا ذات ليلة جماعة من المسلمين حاولوا مهاجمتهم، وتبين أن رئيسهم عبد الله، وهو من أشراف قرطبة، هو الذي قتل ابن عبّاد حمو الملك ألفونسو، ووالد زوجته ماريا، التي كانت تسمى زائدة، وأنه أمر بتقطيع أشلاء عبد الله هذا وحرقها، وأحرق معه عدداً من الأشراف المسلمين، وأنه أخيراً استطاع أن يرغم علياً أمير المؤمنين على طلب الصلح، وأداء ضريبة فادحة لقشتالة (1).
وكانت موقعة أقليش، بعد الزلاّقة (479 هـ)، واستيلاء المرابطين على بلنسية، (495 هـ)، أعظم نصر أحرزه المرابطون على قوات قشتالة، وهو نصر كان من أثره توطيد سلطان المرابطين في المناطق الوسطى والشرقية في شبه الجزيرة، وفي إعلاء سمعتهم العسكرية والدفاعية.
- 2 -
ونستطيع أن نقول أيضاً إن حملة أقليش كانت فاتحة لبرنامج منظم من الغزوات المرابطية لأراضي النصارى. ذلك أنه لم يمض سوى عام وشهرين على موقعة أقليش، حتى عبر أمير المسلمين علي بن يوسف البحر إلى الأندلس للمرة الثانية في جيوشه الجرارة، وكان عبوره من سبتة، في الخامس عشر من محرم سنة 503 هـ (أغسطس 1109 م). وكان عبوره في تلك المرة بقصد الجهاد خاصة، أو حسبما يقول لنا صاحب الحلل الموشية " برسم الجهاد، ونصر الملة، وإعزاز الكلمة ".
_______
(1) يراجع في ذلك بالأخص: Primera Cronica General de Espana (Ed. M. Pidal) , Parte II. p. 554. 556
(3/67)

وسار إلى غرناطة، وأقام بها مدى حين " ريثما تلاحقت حشوده وتأهبت متطوعته وجنوده ". وتقدر الرواية الجيوش المرابطية الغازية هذه المرة، بنيف ومائة ألف فارس وثلاثمائة ألف راجل. وهو تقدير يحمل طابع المبالغة. ولما تكاملت الحشود، سار علي في قوات ضخمة، صوب قرطبة، فأقام بها شهراً يضع خططه، ويستكمل أهباته. ثم غادر قرطبة على رأس قواته، وعبر جبال الشارات (سييرّا مورينا) ثم جبل طليطلة، وانقض المرابطون كالسيل على أراضي ولاية طليطلة، فعاثوا فيها وانتسفوا زروعها، وخربوا ديارها، وسبوا كثيراً من ْالسكان، واستولوا على كثير من القلاع والحصون، وهبت ريح من الرعب والروع على النصارى في تلك الأنحاء. وتقول لنا الرواية الإسلامية إن المرابطين ساروا أولا إلى مدينة طلبيرة الواقعة على نهر التاجُه غربي طليطلة، واقتحموها عنوة، وقتلوا معظم سكانها النصارى. واستنقذوا من كان بها من أسرى المسلمين، ولجأت جماعة من النصارى الذين بها إلى القصبة، ثم تسربوا منها ليلا إلى النهر ناجين بأنفسهم، فاستولى المرابطون على القصبة، وانتهبوا سائر ما في المدينة من السلاح والمتاع، وردوا كنيستها كما كانت جامعاً، وندب لها أمير المسلمين والياً من قبله، ورتب بها حامية قوية. ويضع ابن القطان تاريخ اقتحام المرابطين لطلبيرة في منتصف شهر المحرم سنة 503 هـ، ولكن المرجح أنه وقع بعد ذلك بنحو شهر أو شهرين، إذ كان عبور أمير المسلمين إلى شبه الجزيرة حسبما تقدم في منتصف المحرم (1). وافتتح المرابطون من حصون أحواز طليطلة سبعة وعشرين، ثم استولوا على مجريط ووادي الحجارة، وقصدوا بعد ذلك إلى طليطلة فضربوا حولها الحصار. ولكن الرواية النصرانية تقدم إلينا تفصيلا آخر للغزوة المرابطية، فتقول لنا إن المرابطين بعد أن عاثوا في أراضي قشتالة الجنوبية، ساروا أولا إلى طليطلة، واقتحموا منيتها (ضاحيتها) الخضراء الواقعة على نهر التاجُه، وهي التي كانت من قبل جنة لبني ذى النون، ثم ضربوا الحصار حول عاصمة قشتالة، وكان يدافع عنها قائد قشتالة الأول ألبار هانيس في حامية قوية، ولم يلبث المرابطون على حصار طليطلة وفقاً للرواية الإسلامية سوى ثلاثة أيام. ثم غادروها بعد أن
_______
(1) ابن عذارى في البيان المغرب (الأوراق المخطوطة المشار إليها - هسبيرس ص 70).
وابن القطان في " نظم الجمان " (المخطوط السالف الذكر لوحة 3 أو 5 أ).
(3/68)

قطعوا ثمارها، وانتسفوا زروعها (1)، ولكن الرواية القشتالية تقول لنا بالعكس إن الحصار قد دام سبعة أيام، بذل المرابطون فيها جهوداً فادحة، وضربوا أسوارها بالمجانيق ضرباً شديداً، وحاولوا حرق بعض أبراجها، ولكن جهودهم ذهبت كلها سدى، واستطاع القشتاليون، اعتماداً على حصانة مدينتهم، وأسوارها المنيعة العالية، أن يردوا كل محاولات المرابطين، وفي اليوم السابع، خرج ألبار هانيس في قواته، واشتبك مع المرابطين في معركة شديدة، واضطر المرابطون على أثرها إلى رفع الحصار، ومغادرة المدينة بعد أن أحرقوا آلات الحصار (سنة 1110 م). ثم تقول الرواية القشتالية إن المرابطين ساروا بعد ذلك إلى طلبيرة، فاقتحموها وقتلوا حاميتها، ثم ساروا من بعدها شمالا، واستولوا على مجريط ووادي الحجارة وقناليش وغيرها من قواعد هذه المنطقة. وهنا دب الوباء في الجيش المرابطي، فاضطر علي بن يوسف أن يغادر أراضي العدو، وأن يعود أدراجه إلى قرطبة. وعلى أي حال فإن الروايات المختلفة العربية والقشتالية تتفق على أن هذه الغزوة المرابطية لأراضي قشتالة، كانت من حيث ضخامة حشودها وأهباتها، واتساع نطاقها، بالغة الأثر في ردع القشتاليين ونذيرهم (2).
وعاد علي بن يوسف على أثر ذلك إلى مراكش، ولكن الغزوات المرابطية استمرت على نشاطها وشدتها، في أنحاء شبه الجزيرة. ففي نفس الوقت الذي كانت فيه الجيوش المرابطية تحت أسوار طليطلة سار جيش مرابطي زاخر بقيادة الأمير سير بن أبى بكر والى إشبيلية صوب الغرب إلى أراضي البرتغال.
وكانت هذه المملكة النصرانية الجديدة الناشئة في كنف قشتالة، قد بدأت في ظل أميرها هنري البرجوني، صهر ملك قشتالة ألفونسو السادس وزوج ابنته غير الشرعية، تريسا، تنمو ويشتد ساعدها بسرعة، وكانت قاعدتها يومئذ
_______
(1) هذه رواية ابن عذارى في البيان المغرب، في الأوراق المخطوطة السالفة الذكر. ولكن صاحب روض القرطاس يقول لنا إن المرابطين لبثوا على حصار طليطلة مدة شهر (روض القرطاس ص 105).
(2) تراجع تفاصيل هذه الغزوة في البيان المغرب (الأوراق المخطوطة المشار إليها - هسبيرس ص 70) وروض القرطاس ص 105، والحلل الموشية ص 62، وابن خلدون ج 6 ص 188. وكتاب الاكتفاء لابن الكردبوس (مخطوط أكاديمية التاريخ السالف الذكر لوحة 164). وراجع أيضاً: F. Codera: Dec. y Dis. de los Almoravides, p. 232 & 234 وكذلك M. Lafuente Hist. General de Espana VoL. III. p. 229
(3/69)

قُلُمرية، ومن ثم فإن الرواية الإسلامية تعرف أميرها " بصاحب قُلُمرية ".
وكانت يومئذ تضم عدة من القواعد الإسلامية القديمة من قواعد ولاية الغرب.
فسار الأمير سير في قواته صوب بطليوس، ثم زحف على يابُرة وافتتحها على الفور، ثم قصد إلى أشبونة فاستولى عليها هي وضاحيتها شنترة، وسار بعد ذلك شمالا، واستولى على مدينة شنترين، الواقعة على نهر التاجُه، ويستفاد من الرسالة التي وجهها سير بفتح هذه المدينة إلى أمير المسلمين، وهو من إنشاء كاتبه الوزير أبى محمد عبد المجيد بن عبدون، أن المرابطين هاجموها أولا فاستعصت عليهم، فضربوا حولها الحصار حتى سلمت، وكان قد قتل من حاميتها عدد كبير، فسلم الباقون، وأسروا سائر من بها. وقد كانت شنترين، حسبما ورد في هذه الرسالة من أعظم قلاع الغرب وأكثرها موارد لوقوعها في بسيط وافر الخصب (1)، ووصل سير في زحفه نحو الشمال إلى مقربة من مدينة قلمرية عاصمة الإمارة. ولم تستطع القوات البرتغالية بقيادة الكونت هنري، دفعاً للقوات المرابطية الغازية. وكان افتتاح المرابطين لهذه القواعد الغربية في سنة 504 هـ (1111 م) وتقول الرواية الإسلامية إن الأمير سير، افتتح في هذه الغزوة أيضاً مدينة بطليوس وبرتقال (2). ولكن بطليوس كانت في أيدي المرابطين منذ انتزعوها من بني الأفطس في سنة 488 هـ (1094 م). وأما برتقال، وهي تعني في الجغرافية الأندلسية ثغر بورتو، فهي تقع في أقصى شمالي البرتغال، وفي شمال قُلُمرية، ومن ثم فإن المرابطين لم يصلوا في زحفهم إليها ولم يفتتحوها.
ومما هو جدير بالذكر أنه على أثر هذه الغزوة، وفد على مدينة إشبيلية المنصور بن عمر المتوكل بن الأفطس قادماً من أراضي قشتالة، وكان قد سار إليها في أمواله وذخائره، والتجأ إلى ملك قشتالة ألفونسو السادس، حينما غزا المرابطون مملكة بطليوس سنة 488 هـ، وقتلوا أباه عمر المتوكل وأخويه. وقيل إنه اعتنق النصرانية يومئذ. ولما وصل إلى إشبيلية، أخذ إلى حضرة أمير المسلمين بمراكش فكانت له لديه منزلة ملحوظة.
ولم يمض قليل على ذلك حتى سارت حملة مرابطية جديدة صوب قشتالة،
_______
(1) راجع الرسالة المذكورة في المعجب للمراكشي ص 90 - 93.
(2) روض القرطاس ص 105.
(3/70)

بقيادة الأمير أبى محمد مزدلي والي قرطبة (1)، وكان أمير المسلمين علي بن يوسف قد أسند إليه ولاية قرطبة وغرناطة منذ سنة 505 هـ. وولى أخاه أبا الطاهر تميما والي غرناطة ولاية تلمسان بالمغرب. وعاث المرابطون في أراضي قشتالة، وخربوا ربوعها بالنار والسيف، واستولوا على حصن أرجنة أو أرلبة Oreja وقتلوا حاميته، وسبوا كثيراً من النساء والأطفال، ثم قصدوا إلى مدينة طليطلة عاصمة قشتالة، وضربوا حولها الحصار مرة أخرى (507 هـ - 1114 م). وكان ألبار هانيس قائد قشتالة الأكبر، عندئذ في منطقة قونقة، وكان قد استطاع انتزاع قونقة، من المرابطين (1111 م)، ولكنها لم تلبث في يد القشتاليين سوى فترة يسيرة. فلما ترامت إليه أنباء الغزوة المرابطية، وحصار المرابطين لطليطلة، هرع لمدافعتهم في جيش قوامه عشرة آلاف فارس. ونشبت بين القشتاليين والمرابطين تحت أسوار المدينة المحصورة، معارك عديدة، منى فيها كل من الفريقين بخسائر، وفقد القشتاليون وفقاً لأقوال الروايتين العربية والنصرانية سبعمائة قتيل، ولكنهم استطاعوا أن يحملوا المرابطين على رفع الحصار، بعد أن نجحوا في إحراق آلاتهم الثقيلة (2). وتقول الرواية العربية إن ألبار هانيس حينما أقبل لنصرة مواطنيه، وسار مزدلي للقائه، فر أمامه ليلا ولم يجرأ على مقاتلته، وعاد مزدلي على أثر ذلك إلى قرطبة ظافراً، ثم تقص علينا خبر غزوة أخرى قام بها مزدلي في منطقة وادي الحجارة، وأن صاحبها " الزند غرسيس " حينما سار مزدلي لقتاله، لجأ إلى الفرار واحتوى مزدلي على محلته وسائر أثقاله وأمتعته (3) وهي غزوة لم تشر إليها الرواية النصرانية. وتزيد الرواية العربية على ذلك أن الأمير مزدلي توفي في شوال سنة 508 هـ (1115 م) أعني في العام التالي لحصار طليطلة، وذلك أثناء غزوة قام ضد القشتاليين على مقربة من حصن مسطانية (4) الواقع في طريق قرطبة. وكتب بنبأ وفاته إلى أمير المسلمين على بن تاشفين، فأمر بتولية ولده محمد بن مزدلي مكانه على قرطبة، وبتولية ولده عبد الله على غرناطة. ولم يمكث محمد في ولاية
_______
(1) ويقول ابن الكرديوس في كتاب " الاكتفاء " إن الحملة كانت بقيادة الأميرين مزدلي، وسير ابن أبى بكر (مخطوط أكاديمية التاريخ السالف الذكر لوحة 165 أ).
(2) M. Lafuente: ibid ; Vol. III. p. 230
(3) روض القرطاس ص 105.
(4) ابن الخطيب عن ابن الصيرفي في الإحاطة (مخطوط الإسكوريال السالف الذكر لوحة 180)؛ والبيان المغرب (الأوراق المخطوطة هسبيرس ص 77).
(3/71)

قرطبة سوى أشهر قلائل، ثم خرج في عسكره ليرد القوات القشتالية التي اقتربت من أراضي ولاية قرطبة، ونشب بين الفريقين قتال عنيف سقط فيه محمد بن مزدلي وعدد كبير من زعماء لمتونة منهم الأمير محمد بن الحاج، والأمير أبو إسحق ابن دانية، والأمير أبو بكر بن واسينو، وجملة وافرة من الحشم وأهل الأندلس، وذلك في مستهل صفر سنة 509 هـ (27 يونيه 1115 م). ولما وصل خبر هذه النكبة إلى أمير المسلمين علي بن يوسف، بادر فندب لولاية قرطبة ابن عمه الأمير أبا بكر يحيى بن تاشفين، فقدم إليها على عجل، وما كاد يستقر بها حتى حشد قواته، وسار في أثر القشتاليين صوب بياسة، ولحق به عبد الله بن مزدلي صاحب غرناطة في قواته ونشبت بين المرابطين والنصارى معركة جديدة، هزم فيها المرابطون مرة أخرى، وقتل منهم عدد جم، وذلك في اليوم الثامن والعشرين من جمادى الثانية سنة 509 هـ (أواخر أكتوبر 1115 م) (1).
وكان الأمير سير بن أبى بكر اللمتوني والي إشبيلية، والقائد العام للجيوش المرابطية في إسبانيا قد توفي قبيل وفاة الأمير مزدلي بقليل في جمادى الأول في سنة 507 هـ (1114 م)، فعين مكانه لولاية إشبيلية محمد بن فاطمة فلبث على ولايتها حتى توفي سنة 515 هـ (1121 م). وهكذا فقد المرابطون في شبه الجزيرة بوفاة مزدلي، وسير بن أبى بكر، قائدين من أعظم قواد لمتونة وألمعهم.
وقد كان مزدلي، وهو مزدلي بن تيولتكان بن الحسن بن محمد بن ترقوت (تُرجوت)، من أركان الدولة اللمتونية والعصبة الصنهاجية، وكان من أقارب يوسف بن تاشفين لالتقائهما في ترقوت. ويصفه ابن الخطيب بأنه كان "بطلا ثبتاً، بهمة من البهم، بعيد الصيت، عظيم الجلد، أصيل الرأي، مستحكم الحنكة، طال عمره، وحمدت مواقفه، وبعدت غاراته، وعظمت في العدو وقائعه " (2) وقد كان من أعظم أعمال مزدلي استرجاعه لمدينة بلنسية من أيدي جنود السيد الكمبيادور بعد وفاته وجنود قشتالة، وذلك في سنة 495 هـ (1102 م). وكان
_______
(1) البيان المغرب (الأوراق المخطوطة السالفة الذكر- هسبيرس ص 77). وروض القرطاس ص 105. ومما يلفت النظر أن صاحب البيان يذكر هنا الأمير محمد بن الحاج، وهو والي سرقسطة بين قتلى موقعة قرطبة. بيد أننا سنرى، فيما بعد أن هناك رواية أخرى تضع مقتله في العام السابق وفي غزوة أخرى بالثغر الأعلى.
(2) ابن الخطيب في الإحاطة (مخطوط الإسكوريال السالف الذكر لوحة 180).
(3/72)

قد وُلّي بلنسية ثم قرطبة، وغرناطة أيام يوسف، ثم وُلّي قرطبة قبيل وفاته ببضعة أعوام من قبل علي بن يوسف.
وأما سير بن أبى بكر، فقد كان أيضاً من أعظم زعماء لمتونة وقادتها، وقد ظهر بنوع خاص بشجاعته وبراعته العسكرية الفائقة في موقعة الزلاّقة (479 هـ).
ولما جاز أمير المسلمين يوسف بن تاشفين جوازه الثالث إلى شبه الجزيرة في سنة 483 هـ، وبدأ افتتاح دول الطوائف بالاستيلاء على غرناطة، فوض عند عودته إلى المغرب بشئون الأندلس إلى الأمير سير، وعهد إليه بافتتاح ممالك الغرب الأندلسية، فافتتح سير مملكة إشبيلية من أيدي بني عباد (484 هـ)، ثم افتتح مملكة بطليوس من أيدي بني الأفطس (488 هـ)، في الظروف والمناظر العنيفة المروعة، التي فصلناها في كتابنا " دول الطوائف ". وكانت آخر الغزوات العظيمة التي قام بها سير، هي افتتاحه لقواعد الغرب من يابرة حتى أشبونة سنة 504 هـ هـ (1111 م) حسبما تقدم من قبل.
ويجب أن نلاحظ أنه كان من أسباب نشاط الغزوات المرابطية في تلك الفترة، وإقدامها على مهاجمة طليطلة عاصمة قشتالة ومحاصرتها غير مرة، ما وقع في اسبانيا النصرانية عقب وفاة ألفونسو السادس دون وارث (1109 م)، وقيام ابنته أورّاكا في العرش، من حروب أهلية حول السلطان بين أوراكا وزوجها ألفونسو الأول ملك أراجون من جهة، وبينها وبين أشراف جلِّيقية أنصار ولدها ألفونسو ريمونديس من جهة أخرى، وضعف الجبهة الدفاعية النصرانية بذلك، وعجزها عن القيام بغزوات كبيرة في أراضي المسلمين، وخصوصاً بعد مصرع ألبار هانس قائد قشتالة الكبير في إحدى هذه المعارك الأهلية، وقد كان هذا القائد الشهير زميل السيد الكمبيادور ومعاونه، من أعظم قادة اسبانيا النصرانية في هذا العصر.
- 3 -
وشملت موجة الغزو المرابطي شرقي الأندلس كذلك. ونحن نعرف أن المرابطين بقيادة أبى عبد الله محمد بن الحاج والي بلنسية، قد استولوا على سرقسطة من أيدي بني هود في أواخر سنة 503 هـ (1110 م) حسبما سبق أن فصلناه من قبل في تاريخ مملكة سرقسطة. وكان يوسف بن تاشفين قد أوصى ولده علياً
(3/73)

فيما أوصاه، بأن يهادن بني هود ملوك سرقسطة، وأن يتركهم في ملكهم حائلا بينه وبين النصارى. وكانت هذه سياسة فطنة، تتفق مع ظروف سرقسطة وموقعها في الثغر الأعلى بين الممالك النصرانية. ولكن الحوادث سارت في طريق آخر، واختلف أهل سرقسطة مع ملكهم عبد الملك بن المستعين بن هود الملقب بعماد الدولة، لارتمائه في أحضان النصارى، وتغليبهم في مصالح الدولة. وكتبوا إلى أمير المسلمين علي بن يوسف يدعونه لامتلاك بلادهم. وكان على بعد أن تلقي فتوى الفقهاء بوجوب خلع عماد الدولة، وفقاً لرغبات أهل سرقسطة، بعد أن زحفت الجنود المرابطية بالفعل من بلنسية نحو الشمال - قد أراد أن يبقى على رياسة بني هود استجابة لضراعة عماد الدولة، ولكن الحوادث سبقته، وانتهى المرابطون بالاستيلاء على سرقسطة، وذلك في اليوم العاشر من ذي القعدة سنة 503 هـ (يونيه 1110 م) ودخل ابن الحاج قصر " الجعفرية " الشهير واستقر فيه. وكان عماد الدولة حينما شعر بمقدم المرابطين، قد غادر سرقسطة في أهله وأمواله إلى حصن روطة المنيع، الواقع على نهر خالون (شلون). وهكذا انتهت مملكة سرقسطة، وانتهى ملك بني هود، وامتد سلطان المرابطين بذلك، إلى قلب الثغر الأعلى.
ولبث ابن الحاج والياً على سرقسطة بضعة أعوام، وهو يحوطها بحمايته ويرد عنها أطماع النصارى، المحيطين بها من الشرق والغرب والشمال، ويقوم بغزو أراضيهم والعيث فيها من آن لآخر. وفي سنة 504 هـ (1111 م) زحف ألفونسو الأول ملك أراجون (المحارب) (1)، نحو سرقسطة ومعه عماد الدولة عبد الملك ابن المستعين حتى أصبح قريباً منها، وخرج محمد بن الحاج في قواته لمدافعته، وقدمت الجند المرابطية من مرسية على عجل يقودها واليها محمد بن عائشة، فلما رأى ألفونسو تفوق المرابطين، ارتد أدراجه، وطاردته العساكر المرابطية حيناً، واستمر المرابطون على غزواتهم المخربة في أراضيه. وسارت قوة منهم بقيادة علي ابن كنفاط اللمتوني صوب قلعة أيوب، وحاصرت بعض حصون عبد الملك بن هود، فاستغاث عبد الملك بحليفه وحاميه ألفونسو، وقدمت لمعاونته نجدة من النصارى، فانهزم المرابطون وأسر قائدهم ابن كنفاط، وبقي في أسر عبد الملك مدة ثم أخلي سبيله (2).
_______
(1) تسمى الرواية الإسلامية ألفونسو المحارب " ابن رذمير " نسبة إلى اسم أبيه " سانشو راميرز ".
(2) البيان المغرب (الأوراق المخطوطة السالفة الذكر- هسبيرس ص 73).
(3/74)

ولما اشتدت موجة الغزو المرابطي لأراضي قشتالة، خرج ابن الحاج في قواته من سرقسطة في شهر صفر سنة 508 هـ (يوليه 1114 م)، وانضم إليه في لاردة محمد بن عائشة في قواته. وسارت القوات المرابطية المتحدة شرقاً، واخترقت أراضي إمارة برشلونة، وهي تثخن فيها، وتستولي على مقادير عظيمة من السبي والغنائم، واستمرت كذلك حتى وصلت إلى ظاهر مدينة برشلونة العظيمة.
وعندئذ بعث ابن الحاج الغنائم والسبي مع بعض قواته لتعود من الطريق الكبير، واتجه هو بباقي قواته غرباً ليسير من طريق البرية، وهو أقصر وأقرب إلى سرقسطة، ولكنه فوجىء خلال الطريق بقوات كثيفة من النصارى متأهبة في كمائنها، فنشب القتال بين الفريقين، وقاتل ابن الحاج وقواته قتالا عنيفاً، حتى سقط معظمهم، وفي مقدمتهم - وفقاً لهذه الرواية - قائدهم الباسل، ونجا ابن عائشة وقليل من صحبه، بيد أن ابن الحاج، وفقاً لرواية ابن عذارى المتقدمة لم يقتل في هذه الموقعة، وإنما قتل في العام التالي في موقعة قرطبة التي سبق ذكرها.
ولما علم أمير المسلمين على بهذه النكبة، وما أصاب محمداً بن عائشة على أثرها من الذهول، عين صهره زوج أخته الأمير أبا بكر بن ابراهيم بن تافلوت والي مرسية، أيضاً والياً على بلنسية وطرطوشة وسرقسطة، وأمره بالسير لغزو النصارى. فجمع ابن تافلوت سائر قواته، وسار شمالا إلى برشلونة، وهو يثخن في أراضيها بالنار والسيف ثم حاصرها. وأقام على حصارها عشرين يوماً، حتى خرج إلى لقائه أميرها رامون برنجير في قوات برشلونة وأربونة، ونشبت بين الفريقين معارك عنيفة قتل فيها كثير من النصارى، وخسر المسلمون نحو سبعمائة قتيل، وارتد المرابطون بعد ذلك صوب أراضيهم (1).
وكان أبو عبد الله محمد بن الحاج من أكابر زعماء لمتونة وقوادها، وكان يتصل بصلة القرابة المتينة ليوسف بن تاشفين، إذ يرجع نسبه إلى ترقوت أو ترجوت جد العاهل المرابطي، وعرف بابن الحاج، إذ قام أبوه بأداء الفريضة وقد ظهر منذ البداية، مذ عبر إلى شبه الجزيرة مع يوسف بن تاشفين في سنة 484 هـ، بمقدرته وأعماله العسكرية البارزة، أولا حين افتتاحه لقرطبة من يد
_______
(1) روض القرطاس ص 104 و 105، وراجع أيضاً: F. Codera: ibid ; p. 20-22 هذا وقد سبق أن أتينا على رواية ابن عذارى التي تقول بمقتل ابن الحاج ضمن من قتلوا من أمراء لمتونة في موقعة قرطبة في سنة 509 هـ.
(3/75)

ابن عباد، ثم في محاربته للقشتاليين، في غير موقعة. ولما تولى علي بن يوسف، عينه أولا والياً للمغرب، ولكنه لم يمكث في هذا المنصب سوى أشهر قلائل، ثم ندبه لولاية بلنسية وشرقي الأندلس، في سنة 501 هـ. ومن بلنسية سار ابن الحاج إلى سرقسطة، استجابة لدعوة أهلها، وانتزعها من يد بني هود، واستقر والياً لها حسبما تقدم.
وكان من أعظم الأعمال التي حققها أمير المسلمين علي بن يوسف يومئذ، استرداده للجزائر الشرقية واستنقاذها من أيدي الغزاة النصارى. وقد سبق أن تحدثنا، عند كلامنا عن مملكة دانية، عن أخبار الجزائر الشرقية وأحوالها، وكيف أنه حينما سقطت مملكة دانية في يد المقتدر بن هود في سنة 468 هـ، (1076 م)، وانتهت بذلك رياسة علي بن مجاهد موفق الدولة، كان على حكمها، (أي الجزائر)، عبد الله المرتضي، وكيف أن المرتضي أعلن استقلاله عندئذ، واستبد بحكمها. ولما توفي المرتضي في سنة 486 هـ، خلفه في حكم الجزائر فتى من أخص فتيانه هو مبشر بن سليمان، فضبط شئونها بحزم وكفاية، وتلقب بناصر الدولة، واستمر على حكمها فترة طويلة، وهو بمعزل عن حوادث شبه الجزيرة. وكانت الجيوش المرابطية خلال ذلك، تستولى تباعاً على قواعد الأندلس الشرقية، فاستولت على بلنسية في سنة 495 هـ، ثم استولت بعد ذلك على سرقسطة وقواعد الثغر الأعلى (502 هـ). بيد أن مبشراً لم يفكر بالرغم من وجود الجيوش المرابطية على مقربة منه في ثغور اسبانيا الشرقية، أن ينضوي تحت لواء المرابطين، أو يعقد الحلف معهم، واستمر على استقلاله بحكم الجزائر، حتى دهمتها الغزوة النصرانية الكبرى.
وقد سبق أن فصلنا في أخبار مملكة دانية، من كتابنا " دول الطوائف " قصة الغزو النصراني للجزائر الشرقية، وكيف أنه لما كثرت غارات البحارة المسلمين على الشواطىء الإيطالية الشمالية والغربية، وشواطىء قطلونية الإسبانية، عقدت جمهوريتا بيزة (بيشه) وجنوة، وإمارة برشلونة حلفاً لافتتاح الجزائر، وفي أوائل سنة 508 هـ (1114 م) خرج من مياه جنوة أسطول الغزو، وقوامه نحو ثلاثمائة سفينة، ومعه وحدات بحرية أخرى من برشلونة وفرنسا، وفرض الغزاة على مدينة ميورقة عاصمة الجزائر حصاراً محكماً صارماً، وقاسى المسلمون أهوالا من الحصار الذي استمر زهاء عام، وفي أواخر سنة 508 (أوائل
(3/76)

سنة 1115 م) اقتحم الغزاة أسوار ميورقة ودخلوها، واحتلوا قصر المُدَينة، وعاثوا في أنحائها، قتلا ونهباً وسبياً، وقتلوا من سكانها جملة عظيمة، وكانت محنة مروعة.
وفي خلال ذلك، كان المرابطون يرقبون تطور الحوادث في الجزائر. ولم يكن أمير المسلمين بغافل عن أهمية الجزائر، وأهمية موقعها بالنسبة لحماية شواطىء الأندلس الشرقية. ولما حاصر النصارى ميورقة، بعث مبشرٌ بصريخه إلى أمير المسلمين، ولكنه توفي خلال الحصار، وحاول خلفه القائد أبو الربيع سليمان, أن يغادر الجزيرة ليسعى في طلب النجدة، فأسره النصارى. ولكن صريخ مبشر وصل إلى أمير المسلمين على يد بحار جرىء هو القائد أبو عبد الله بن ميمون، استطاع أن يخترق الحصار بسفينته تحت جنح الظلام، ولم يستطع النصارى لحاقاً به.
وكان أمير المسلمين، قد أتم عندئذ أهباته البحرية الضخمة، فبعث لإنجاد الجزائر واستنقاذها أسطولا ضخماً قوامه نحو ثلاثمائة سفينة، وأقلعت السفن المرابطية بسرعة صوب الجزائر، بقيادة أمير البحر المرابطي ابن تفرتاش أو (تافرطاش). ولما علم البيزيون وحلفاؤهم بمقدم هذا الأسطول الإسلامي الضخم، وأدركوا أن لا أمل لهم في مدافعته، غادروا ميورقة مثقلين بالغنائم والسبي، بعد أن استصفوا ثرواتها وخربوا ربوعها، وأحرقوها وقتلوا معظم أهلها، ووصلت السفن المرابطية في أثرهم إلى الجزيرة في أواخر سنة 509 هـ (1116 م) واحتلها المرابطون وشرعوا في تعميرها، وعاد إليها الفارون من سكانها.
وتزيد الرواية الإسلامية على ذلك أنه لما انصرفت السفن النصرانية ناجية إلى أوطانها، دهمتها العواصف والأمواج العالية، فحملت منها أربع سفن صوب ثغر دانية، فطاردها القائد أبو السداد، حتى غرقت منها واحدة، وتمكن من أسر الثلاث الأخرى (1).
وعين أمير المسلمين والياً للجزائر هو وانور بن أبى بكر اللمتوني، وبذلك أضحت الجزائر الشرقية جزءاً من الإمبراطوربة المرابطية الكبرى. ودخلت في عهد جديد من تاريخها. وسنرى فيما بعد، أى دور خطير تلعبه الجزائر الشرقية، كمركز للثورة " المرابطية " المريرة، التي حمل لواءها بنو غانية حكام
_______
(1) ابن الكردبوس في كتاب الاكتفاء (مخطوط أكاديمية التاريخ السالف الذكر لوحة 165 ب).
(3/77)

الجزائر، ضد الدولة الموحدية قاهرة الدولة المرابطية، ووريثة ملكها في المغرب والأندلس (1).
- 4 -
في بداية سنة 503 هـ (1109 م) وقع في قرطبة حادث كبير الدلالة، عميق الأثر، بالرغم من عدم أهميته الظاهرة، هو إحراق كتاب " إحياء علوم الدين " للإمام أبى حامد الغزالي، ويقول ابن القطان إن هذا الحادث وقع " في أول عام ثلاثة وخمسمائة "، ومعنى ذلك أنه وقع قبيل عبور علي بن يوسف إلى شبه الجزيرة بأسابيع قلال. وكان أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، في أواخر عهده على صلة طيبة بالإمام الغزالي، وكان يستفتيه باعتباره عميد فقهاء المشرق، في عظائم الأمور، ومن ذلك أنه استفتاه في مسألة خلع ملوك الطوائف (2)، وكان الغزالي من جانبه يقدر يوسف ونصرته للإسلام، حتى قيل إنه اعتزم أن يسير إلى المغرب لرؤياه، ولكنه حينما وصل إلى الإسكندرية، علم بوفاة يوسف (سنة 500 هـ)، فعدل عن رحلته (3). ولكن الأمور تغيرت في عهد ولده علي. وكان علي يتسم بنوع من الورع والزهد، ويميل إلى إيثار الفقهاء ومشاورتهم، فاشتد نفوذ الفقهاء بالمغرب والأندلس في عهده، حتى أصبح لا يقطع في أمر من الأمور، صغيراً كان أو كبيراً إلا برأيهم، وهكذا علت مكانتهم، واشتد نفوذهم، حتى سيطروا فيما بعد على الدولة. وكان من أشدهم نفوذاً لدى أمير المسلمين، قاضي قرطبة أبو عبد الله محمد بن حَمْدين. وكان الفقهاء عندئذ يؤثرون علم الفروع بعنايتهم، وهو علم العبادات، والمعاملات، ويهملون علم الأصول، أو أصول الدين. وكان لا يحظى لدى أمير المسلمين إلا من برع في علم الفروع (4). فلما وصلت كتب
_______
(1) يراجع في أخبار غزو النصارى للجزائر الشرقية واستنقاذها على يد المرابطين، ابن خلدون ج 4 ص 165، وروض القرطاس ص 105، والروض المعطار (صفة جزيرة الأندلس) ص 188، وراجع كتابي " دول الطوائف " ص 201 - 204 ومن المراجع القشتالية: A. Campaner y Fuertes: Bosquejo Historico de la Dominacion Islamita en las Islas Baleares (Palma 1888) p. 105-135
ركذلك: P. y Vives: Los Reyes Taifas, p. 41
(2) ابن خلدون في العبر ج 6 ص 187 و 188، وأعمال الأعلام لابن الخطيب ص 247.
وراجع كتابي دول الطوائف ص 327.
(3) ابن خلكان ج 2 ص 488، والمؤنس في أخبار إفريقية وتونس لابن دينار ص 106.
(4) المراكشي في المعجب ص 95 و 96.
(3/78)

الإمام الغزالي إلى المغرب والأندلس، وفي مقدمتها كتاب " الإحياء "، وقرئت وذاع ما فيها، سخط الفقهاء المرابطون، وأنكروا كثيراً من المسائل التي وردت في كتاب " الإحياء " " وزعموا أنها مخالفة للدين، وكان أبو القاسم ابن حَمْدين (1) من أشد الفقهاء مبالغة في ذلك حتى أنه قال " بتكفير " من قرأ كتاب " الإحياء ". ورفع ابن حمدين ومعه فقهاء قرطبة، الأمر إلى علي بن يوسف، وأجمعوا على وجوب مطاردة كتاب " الإحياء " وإحراقه؛ فأخذ على برأيهم، وجمعت نسخ الكتاب واحتفل بإحراقها في رحبة المسجد الجامع بقرطبة أمام الباب الغربي بعد أن أشبعت جلودها بالزيت، ونفذت كتب أمير المسلمين، إلى سائر أنحاء الأندلس والمغرب بإحراقه حيثما وجد، وانتزعت نسخه من أصحابها، وتوالى إحراق الكتاب في سائر أنحاء المغرب، وشدد أمير المسلمين في ذلك حتى إنه أنذر بعقوبة الإعدام ومصادرة المال لكل من وجد عنده (2)، واستمرت هذه المطاردة لكتاب الإحياء وباقي كتب الغزالي طوال أيام المرابطين، وجدد المرسوم بذلك في أواخر عهد تاشفين بن علي بن يوسف (سنة 538 هـ) حسبما نذكر بعد.
والحقيقة أن حملة الفقهاء المرابطين على كتاب الإحياء، لم تكن راجعة لأمور تتعلق بالعقيدة أو لأنه يخالف الدين في شىء، بل كانت ترجع قبل كل شىء إلى ما ورد فيه من حملة لاذعة على علماء الفروع، والتنويه بجهلهم، وسخف مجادلاتهم السطحية، ووصف الغزالي لهم بأنهم " مجانين " " وكونهم يجهلون علم الأصول، الذي ينوه الغزالي بأهميته وعظيم قدره (3).
ويحمل ابن القطان على هؤلاء الجهلة الذين قاموا بإحراق هذا "الكتاب العظيم "، ويقول لنا إن إحراقه كان سبباً لزوال ملكهم، واستئصال شأفتهم، ثم ينقل إلينا قصة وجود المهدي ابن تومرت في حلقة الإمام الغزالي بالمشرق، ووقوف الغزالي
_______
(1) هو أخو القاضي أبو جعفر أحمد بن حمدين الثائر فيما بعد بمدينة قرطبة.
(2) ابن القطان في " نظم الجمان " (المخطوط السالف الذكر لوحة 6 أ)، ونقله ابن عذارى في البيان المغرب (الأوراق المخطوطة - هسبيرس ص 76)، والحلل الموشية ص 76، والمعجب ص 96.
(3) المؤنس في أخبار إفريقية وتونس ص 106 و 107، وراجع مقدمة العلامة جولدسيهر الفرنسية لكتاب " محمد بن تومرت ": Mohamed ibn Toumert et la Théologie de l'Islam dans le Maghreb au XI eme Siècle p. 35 & 36
(3/79)

منه على ما تم من إحراق كتابه بقرطبة، ودعائه " أن يمزق الله ملكهم كما مزقوه، وأن يذهب دعوتهم كما أحرقوه ". بيد أننا سوف نرى فيما بعد، عند الكلام على نشأة ابن تومرت وظهوره، بطلان هذه القصة، وما يحيط بها من المتناقضات المنطقية والزمنية.
- 5 -
ولم يمض قليل على استرداد المرابطين للجزائر الشرقية حتى عبر أمير المسلمين علي بن يوسف البحر إلى الأندلس للمرة الثالثة منذ جلوسه، وذلك في أواخر المحرم سنة 511 هـ الموافق لشهر مايو سنة 1117 م (1)، أعني في بداية الصيف، وهو الفصل المفضل للعبور والجهاد، على نحو ما وقع في الجواز الثاني. وفي روض القرطاس أن هذا العبور قد وقع سنة 513 هـ، بعد سقوط سرقسطة وقواعد الثغر الأعلى، وأنه هو الجواز الثاني لأمير المسلمين، وهو تحريف واضح في التاريخ والوصف. ولا تقدم إلينا الرواية الإسلامية عن هذا الجواز، وما اقترن به من الحوادث تفاصيل شافية، ويكتفي صاحب الحلل الموشية وابن الخطيب كلاهما، بالإشارة إليه في كلمات عابرة. ولكن صاحب روض القرطاس وابن عذارى يقدمان لنا عنه بعض التفاصيل. وفي الرواية الأولى، أن علياً جاز إلى الأندلس برسم الجهاد وإصلاح شئونها، وجازت معه جموع غفيرة من المرابطين والمتطوعة من العرب وزناتة والمصامدة وسائر قبائل البربر، وأنه سار في قواته صوب قرطبة وعسكر خارجها، فأتته الوفود للسلام عليه، ووقف منها على أحوال البلاد، وكان من تصرفاته عندئذ، أن عزل القاضي أبا الوليد بن رشد (الجد) عن قضاء قرطبة، وولى مكانه أبا القاسم ابن حمدين (2). ولكن سوف نرى أن هذا التصرف قد وقع في مناسبة لاحقة. أما ابن عذارى فإنه يقول لنا، إن علياً قصد عند عبوره إلى مدينة إشبيلية، وهناك لحقت به العساكر العدوية والأندلسية، وقصدت إليه وفود العلماء والفقهاء والمجاهدين من قرطبة، وكذلك جموع المتطوعة من غرناطة. وأما ما يتعلق بغزوات على في هذا الجواز، فتتخلص في أنه سار في قواته نحو أراضي البرتغال، وغزا قُلُمرية (ويسميها صاحب روض القرطاس سنبرية،
_______
(1) الحلل الموشية ص 62، وابن الخطيب في أعمال الأعلام ص 147، والبيان المغرب (الأوراق المخطوطة السالفة الذكر- هسبيرس ص 79).
(2) روض القرطاس ص 106.
(3/80)

وابن عذارى قلمورية)، وأثخن في تلك الأنحاء تخريباً وقتلا وسبياً، ولم تستطع قوات الملكة تيريسا ملكة البرتغال يومئذ، أن تقوم بأية أعمال دفاعية ذات شأن، وفر أمامه النصارى في كل مكان، واعتصموا بالمعاقل المنيعة، وأنه على العموم " دوخ بلاد الشرك بجيوش لا تحصى " (1). ويستفاد من أقوال الرواية النصرانية أن علياً وصل بقواته إلى أحواز قلمرية، وبعد أن حاصرها، دخلها عنوة، وذلك في يوم 22 يونيه سنة 1117 م، وهو يوافق يوم 18 صفر سنة 511 هـ (2). ويقول لنا ابن عذارى إن حصار قلمرية استمر عشرين يوماً، ومعنى ذلك أنه بدأ في 2 يونيه الموافق 28 من المحرم، فإذا ذكرنا أن علياً قد عبر إلى الأندلس في أواخر المحرم، وفقاً لرواية ابن عذارى، فإنه تبدو ثمة في التواريخ ثغرة واضحة. وإذن فلا بد أن يكون عبور علي قد وقع في أوائل المحرم، أو أن تكون قلمرية قد سقطت في أيدي المرابطين، بعد التاريخ الذي تحدده الرواية النصرانية، بشهر أو نحوه، وهو ما يفسح لمسير على وغزوته بضعة أسابيع، وهي أقل ما يمكن أن تستغرقه مثل هذه الغزوة.
والظاهر أن علياً لم يحتفظ بقُلُمرية لأية مدة، فقد انصرف عنها عقب افتتاحها إلى إشبيلية حسبما يقول ابن عذارى. ويفسر ذلك موقع قلمرية النائي، وصعوبة الاحتفاظ بها في منطقة يحيط بها النصارى من كل صوب.
وتذكر لنا الرواية الإسلامية نبأ غزوة قام بها في نفس الوقت القائد عبد الله ابن فاطمة، ومنصور بن الأفطس - وهو الذي سبق أن ذكرنا خبر عوده من أراضي النصارى إلى إشبيلية والتجائه إلى حماية أمير المسلمين - في أرض النصارى، وهي غزوة عادا منها إلى إشبيلية مثقلين بالسبي والغنائم الكثيرة (3).
- 6 -
وقضى أمير المسلمين علي بن يوسف، عقب عوده من الأندلس، بحاضرته مراكش، زهاء أربعة أعوام، وفي أوائل سنة 515 هـ (ربيع سنة 1121 م)، عبر إلى شبه الجزيرة مرة أخرى في جيش عظيم من صنهاجة وزناتة ومصمودة وغيرها من قبائل البربر، وقيل أن حشوده لم تبلغ في أية عبور سابق ما بلغته هذه
_______
(1) الحلل الموشية ص 63.
(2) F. Codera: Dec. y Dis. de los Almoravides, p. 236
(3) البيان المغرب (الأوراق المخطوطة هسبيرس ص 79).
(3/81)

المرة من الضخامة والأهبة. وكان هذا هو الجواز الرابع لأمير المسلمين. وقد اختلفت الرواية في بواعثه، وقيل إن علياً اهتز لما بلغه من توالي المحن على جيوشه في شبه الجزيرة، وبخاصة لما أصابها في كتندة من هزيمة ساحقة، فعبر إلى الأندلس، لتدارك الموقف، وإصلاح الأمور، والعمل على توطيد سمعة الجيوش المرابطية (1)، بيد أنه كان ثمة باعث أهم وأخطر، وهو الذي تردده أكثر من رواية، وهو قيام الثورة ضد المرابطين في قرطبة. ويلخص لنا صاحب الحلل الموشية الحادث في أن أمير المسلمين كان قد ولّى على قرطبة الأمير أبا يحيى بن روادة، فحدث بينه وبين أهلها نفور وسوء تفاهم فثاروا عليه، وحدثت بينهم وبين من كان بها من المرابطين فتنة كبيرة، ونهب العامة قصر الوالي، ودور المرابطين، واشتدت الحال (2). ولكن ابن عذارى يقدم إلينا رواية أخرى يقول فيها: إنه في سنة 514 هـ، " نفذ أمر أمير المسلمين إلى البلاد الأندلسية، بإحياء المجانيق والآلات الحربية، فلما كمل منه المختص بغرناطة، خرج لمشاهدة التجربة لها والرمي بها أجداي بن سير اللمتوني صاحب الأعنة. فتزاحم هناك الجم الغفير، فرام الفسحة، وأشار برسيخ كان في يده فأصاب صبياً في مقتله فقضى لوقته، وانفض اللفيف، وتهرجت البلدة. فاسترضى ولي الدم بدفع الدية، فسكنت الثورة، وأمهل الله القاتل ثم أخذه. ولما كمل ما أنشىء منها بقرطبة، وقد جاء عيد النحر، فخرج ثانية عامل البلدة لمشاهدة التجربة، وقد أقبل السواد الأعظم الذي لا يطاق، بمجمع حضور العيد، وحضور كل ذاعر وناعق، من كل حدب وشاهق، فكثر التدافع والتزاحم، ودهم الحشم، فكثر بينهم التزاحم، وأقبل لفيف الربض الغربي، فالتقى بأسهم على القصر، ورام صاحبه المدافعة بحشمه وخدمه فغلبوا، واقتحم القصر عليه و [انتهب] جميع ما فيه، وخرج هو فاراً بنفسه، وركب القاضي أبو الوليد بن رشد في أعلام الفقهاء، فردع العامة، وقمع السفلة " (3).
وأخيراً يقدم إلينا ابن الأثير عن هذه الثورة تفاصيل أوفى، ومن نوع خاص، فيقول إنه لما كان يوم الأضحى (من سنة 514 هـ)، خرج الناس متفرجين، فمد عبد من عبيد أبى بكر يده إلى امرأة وأمسكها. فاستغاثت فأغاثها الناس،
_______
(1) روض القرطاس ص 106.
(2) الحلل الموشية ص 63.
(3) ابن عذارى في البيان المغرب (الأوراق المخطوطة التي عثر بها المؤلف في مكتبة القرويين).
(3/82)

فوقع بين العبيد وأهل قرطبة فتنة عظيمة، ونشب القتال بينهم حتى دخل الليل، ووصل الخبر إلى الوالي الأمير أبى بكر، واجتمع إليه الفقهاء والأعيان، واقترحوا عليه تهدئة للحال أن يقتل واحداً من العبيد الذين أثاروا الفتنة، فأنكر ذلك وغضب، وفي اليوم التالي استعد للقتال وأظهر السلاح، والعدد، فاجتمع لقتاله أهل قرطبة بزعامة الأعيان والفقهاء وهزموه، فتحصن بالقصر فحاصروه، وفر منهم بعد مشقة، فنهبوا القصر وأحرقوا دور المرابطين، ونهبوا أموالهم، وأخرجوهم من قرطبة على أقبح صورة (1).
تلك هي تفاصيل الفتنة القرطبية التي أهمت أمير المسلمين، وحملته على المبادرة إلى العبور إلى الأندلس. بين أن هذه الحوادث الظاهرة، كانت تحمل في ثنيتها، عوامل أخطر وأبعد مدى، فلم يكن الأمر في الواقع متعلقاً بحادث شغب عابر، ولكنه كان أعمق جذوراً، وكان أول فورة علنية ضد الحكم المرابطي. وقد سبق أن أشرنا إلى أن أساليب المرابطين في الحكم لم تكن تتسم بكثير من الرفق والكياسة، وأنها كانت بالعكس تتسم بالضغط والخشونة. ولم ينجح المرابطون مذ غلبوا على الأندلس، منذ نحو ربع قرن، أن ينشئوا في البلاد المفتوحة نظاماً مدنياً للحكم، فبقيت الأندلس في أيامهم، تعاني ضغط الحكم العسكري المرهق، وكانت تزمت المرابطين الديني، وحجرهم على الأفكار والعقائد، سبباً آخر من أسباب التذمر لدى العقلاء والمفكرين. وكانت الحاميات المرابطية المكونة من أخلاط البربر، تعامل جموع الشعب بصلف وتعال وجفاء، وكانت جموع الشعب من جانبها تحقد عليها، وتنظر إليها بعين المقت والحفيظة، وهذا إلى ما كان يشعر به الشعب الأندلسي بصفة عامة من ألم نفسي عميق لفقد استقلاله وحرياته، في ظل أولئك السادة الجدد، الذين عبروا الى الأندلس باسم إنقاذها، ثم انتهوا بأن فرضوا عليها نيرهم الحديدي.
ولم تك ثورة قرطبة سوى أولي البوادر المادية لهذه الثورة النفسية. ومن ثم فقد قدر أمير المسلمين خطورتها، وبادر بالقدوم إلى الأندلس لمعالجة الموقف، وكان في استعداداته العسكرية الضخمة ما ينم عن توجسه من عواقب هذه الفورة التي ربما وجدت صداها في بعض القواعد الأخرى.
_______
(1) ابن الأثير ج 10 ص 197.
(3/83)

ووصل علي بن يوسف بحشوده إلى ظاهر قرطبة في شهر ربيع الآخر سنة 515 هـ (يوليه سنة 1121 م)، وهو ينوي أن يخمد الهياج بشدة، فأغلقت قرطبة دونه أبوابها، واستعد أهلها للدفاع عن أنفسهم، واستفتوا فقهائهم، فأفتوا بأنه متى عرضت الحقائق فيما حدث على أمير المسلمين، وتبين منها أن الأمر لم يكن عدواناً من أهل قرطبة، وإنما كان بالعكس دفاعاً عن الحرم والدماء والأموال، فإن أصر أمير المسلمين على موقفه، واستمع لنصح المفسدين، وجب القتال دفاعاً عن النفس والحرم (1). ويقول لنا ابن الأثير من جهة أخرى، إن أمير المسلمين، بادر عند مقدمه بحصار قرطبة، فقاتله أهلها قتال من يريد أن يحمي دمه وحريمه وماله، وأنه لما رأى شدة قتالهم، دخل السفراء بينه وبينهم، وسعوا في الصلح (2). على أنه يبدو أنه لم يكن ثمة قتال، وإنما تذرع أمير المسلمين بالهدوء والصبر، وأقام أمام المدينة فترة، حتى تردد إليه وجوه قرطبة وأعيانها.
ويقول لنا ابن عذارى إن أمير المسلمين استدعى القاضي أبا الوليد بن رشد (الجد) قاضي قرطبة وفقهاء المدينة، وجرت بينهم أحاديث طويلة في أمر الثورة والانتزاء على الرياسة، واقتحام قصر الوالي وانتهابه، وذكّر أعيان قرطبة أمير المسلمين بوصية أبيه، في أن يقبل من أحسن من أهل قرطبة، وأن يتجاوز عمن أساء منهم.
وكان محمد بن داود قاضي إشبيلية في ركاب أمير المسلمين، فجعل يعظم الأمر، ويبالغ في تصوير شناعته، ويقول إنه اجتراء وعصيان وضلال. ودافع القاضي ابن رشد من جهة أخرى عن موقف أهل المدينة، وبين أنهم لم يشقوا عصا ولا نبذوا طاعة، وأنه كان من واجب الوالي أن يعاقب المذنب من عبيده، فقال أمير المسلمين فتمكنوا منهم، فقال ابن رشد ليس لنا قدرة على حصرهم، وإنما يحصرهم صاحب الأمر، ثم بعد ذلك يأمر الصفح عنهم. وانتهت المفاوضات بالاتفاق على أن يقوم أهل قرطبة بالتعويض عما نهب من المرابطين، وارتضى أمير المسلمين هذا الاتفاق، ولكنه غضب لموقف ابن رشد وإيضاحاته، فصرفه عن القضاء، وولى مكانه أبا القاسم بن حَمْدين، وأمر كذلك بصرف الأمير عبد الله ابن تينغمر عن غرناطة، وأسند نظر غرناطة إلى أخيه الأمير أبى الطاهر تميم، وكان يومئذ بفاس، فاستحثه إلى الحضور، ولبث تميم والياً على غرناطة مدى
_______
(1) الحلل الموشية ص 63.
(2) ابن الأثير ج 10 ص 197.
(3/84)

عامين، ثم عين بعد ذلك والياً لإشبيلية مكان الأمير أبى بكر بن علي بن يوسف، فلبث واليها حتى وفاته في سنة 520 هـ (1).
ولم يمكث علي بن يوسف هذه المرة طويلا بالأندلس، إذ وافته أنباء مزعجة من مراكش، عن قيام محمد بن تومَرت المهدي ببلاد السوس الأقصى، واستفحال أمره (2).
_______
(1) ابن عذارى في البيان المغرب (من الأوراق المخطوطة، التي عثر بها المؤلف والتي سبقت الإشارة إليها)، وروض القرطاس ص 106 وكذلك: F. Codera: ibid ; p. 237 & 238
(2) الحلل الموشية ص 64، 74.
(3/85)

الفصل الثالِث
سقوط سرقسطة
سرقسطة وخواص موقعها. موقف أمرائها من الملوك النصارى. إستيلاء المرابطين عليها. أطماع قشتالة وأراجون نحوها. تربض ألفونسو ملك أراجون بها. ولاية الأمير أبى بكر بن ابراهيم لسرقسطة. حكمه اللامع ووفاته. ندب عبد الله بن مزدلي لولاية سرقسطة. أهبة أراجون وحلفائها من النصارى الصليبيين لافتتاحها. محاصرة النصارى لسرقسطة. اختلاف الروايات الإسلامية حول حوادث الحصار. رواية ابن عذارى عن القتال بين أهل سرقسطة والنصارى. عبد الله بن مزدلي ومدافعته للنصارى. صمود المدينة واستمرار الحصار. نضوب الموارد ووفاة ابن مزدلي. مقدم المرابطين بقيادة الأمير تميم. استغاثة أهل سرقسطة بالأمير وإحجامه. الرسالة التي وجهها قاضي سرقسطة إلى الأمير بالاستغاثة واللوم. ما تدلة به هذه الرسالة. بواعث إحجام المرابطين وعوم الاعتداد بها. اضطرار أهل سرقسطة إلى طلب الهدنة. الإتفاق على تسليم المدينة، وشروط هذا التسليم. تسليم سرقسطة، وتحويلها إلى مدينة نصرانية. هجرة أهلها المسلمين. الآثار المترتبة على سقوط سرقسطة. استيلاء ألفونسو المحارب على طرسونة وقلعة أيوب. اهتمام علي بن يوسف بهذه الحوادث. سير الجيوش المرابطية لمقاتلة الأراجونيين. موقعة كتندة وهزيمة المسلمين. سقوط قلعة دروقة.
- 1 -
مضت ثلاثة وثلاثون عاماً، مذ سقطت طليطلة في يد ألفونسو السادس ملك قشتالة، وجاشت الأندلس بهزتها العنيفة، التي تمخضت عن مقدم المرابطين إلى شبه الجزيرة نصرة لإخوانهم في الدين، وإحرازهم لنصرهم الباهر في الزلاّقة (479 هـ)، ثم استقرارهم بعد ذلك سادة في الأندلس. ثم شاء القدر، بعد أن لمعت الجيوش المرابطية في غير موقعة وغزوة في أراضي اسبانيا النصرانية، أن تفجع الأمة الأندلسية مرة أخرى، بفقد قاعدة جديدة من قواعدها العظيمة، هي سرقسطة قاعدة الثغر الأعلى.
كانت سرقسطة - وقد اشتق اسمها العربي من اسمها الروماني Caesar Augusta - تمثل منذ عهد الإمارة، زعامة الأسر العربية، والرياسة المحلية، في الثغر الأعلى، واستمرت هذه الزعامة قائمة خلال القرن الخامس الهجري، أولا في بني هاشم التجيببيين، ثم في خلفائهم بني هود، حتى وضع مقدم المرابطين حداً
(3/86)

لحياة دول الطوائف، وكانت سرقسطة حسبما تقدم من قبل، آخر القواعد التي سقطت في أيديهم، وذلك في أواخر سنة 503 هـ (1110 م).
وقد أشرنا من قبل إلى ما يمتاز به موقع سرقسطة الخاص من الناحيتين الإستراتيحية والقومية. فأما من الناحية الإستراتيجية، فقد كان بُعد سرقسطة عن موسّطة الأندلس، ومركز الحكومة الرئيسية، وموقعها الحصين على الضفة اليسرى لنهر إيبرو (إبرة)، ومناعة أسوارها العالية، تعاون المنتزين بها على تحدي الحكومة المركزية، وتوطيد استقلالهم المحلي، وكانت من جهة أخرى تجعلها حاجزاً طبيعياً بين أراضي المسلمين، وأراضي النصارى. وأما من الناحية القومية، فإن وقوع مملكة سرقسطة المسلمة بين المالك النصرانية - بين إمارة برشلونة من الشرق ومملكتي أراجون ونافار (نبرّة) من الشمال، ومملكة قشتالة من الغرب - كان يحتم عليها أن تتبع نحو جيرانها النصارى، سياسة خاصة، يغلب عليها طابع السلم والتهادن، والملق والخضوع أحياناً في صورة أداء للجزية، وذلك ْحتى تأمن شر أولئك الجيران الطامعين الأقوياء، وكان ملوك سرقسطة فوق ذلك يستخدمون في جيوشهم كثيراً من النصارى المرتزقة، ومن هؤلاء أحياناً قادة مبرزون مثل السيِّد الكمبيادور، وأحياناً كانوا يعتمدون على التحالف مع الملوك النصارى. وهكذا كانت مملكة سرقسطة تُحمل بموقعها وظروفها الخاصة، على اتباع سياسة، تجعلها في شبه عزلة عن باقي الإمارات المسلمة.
وقد كان هذا شأنها، حينما قدم المرابطون إلى شبه الجزيرة الإسبانية، وحينما بدأت جيوشهم تستولي تباعاً على قواعد الأندلس الوسطى، ثم الشرقية.
ودخل المرابطون مدينة سرقسطة حسبما قدمنا، في أواخر سنة 503 هـ، (1110 م)، استجابة لصريخ أهلها، وكانت آخر القواعد الأندلسية التي استولوا عليها.
وشعر المرابطون منذ الساعة الأولى بهذا المركز الدقيق، الذي تحتله سرقسطة في قلب هذا المعترك من الإمارات النصرانية المتوثبة، وشعروا بفداحة مهمتهم في حمايتها والاحتفاظ بها. وكانت مملكة أراجون القوية جارة مملكة سرقسطة من الشمال قد استطاعت أن تنتزع منها بعض قواعدها الشمالية الهامة مثل مونتشون، والمنارة، ووشقة، وبربشتر، ولم يبق لسرقسطة من قواعدها، سوى تطيلة ولاردة وإفراغة، وثغرها على البحر المتوسط طرطوشة.
(3/87)

وكانت مدينة سرقسطة هدفاً لأطماع قشتالة وأراجون معاً. ففي صيف سنة 1085 م (478 هـ) حاصرها ألفونسو السادس ملك قشتالة على أثر استيلائه على طليطلة، محاولا الاستيلاء عليها، ولم يرفع الحصار عنها إلا حينما وافته الأنباء بمقدم المرابطين إلى شبه الجزيرة. فغادرها على عجل ليجمع سائر قواته، وليقي هزيمته في الزلاّقة في شهر رجب 479 هـ (أكتوبر 1086 م). ولما رأى المستعين ابن هود ملك سرقسطة يومئذ، اشتداد ضغظ النصارى على مملكته، ورأى جهة أخرى انسياب الجيوش المرابطية إلى شرقي الأندلس، واقترابها من الثغر الأعلى، اعتزم أن يتقرب من المرابطين، وأن ينضوي تحت لوائهم، فبعث إلى أمير المسلمين يوسف بن تاشفين سفارتين متواليتين، وكان يوسف يرى أن تترك سرقسطة، حاجزاً بين المرابطين والنصارى، وبهذا أوصى ولده علياً قبيل وفاته، ولكن الحوادث تطورت فيما بعد، وانتهت باستيلاء المرابطين على سرقسطة وباقي قواعد الثغر الأعلى.
- 2 -
لما استقر المرابطون في سرقسطة تحت إمرة قائدهم محمد بن الحاج أول ولاتها من اللمتونيين، كانت حوادث الثغر الأعلى، تنذر باقتراب الخطر الداهم، وكان النصارى قد أنشأوا منذ سنة 1091 م (484 هـ) على ضفة نهر إيبرو اليسرى شمالي سرقسطة حصناً قوياً، يقع على قيد أربعة فراسخ فقط منها، واتخذوه قاعدة للضغط عليها، وإرهاقها من آن لآخر، وكان ألفونسو الأول ملك أراجون الملقب بالمحارب El Batallator ، والمسمى " ابن رذمير " في الرواية العربية، يترقب الفرص لمهاجمة سرقسطة، وسبر غور المدافعين عنها، وكانت قواته قد وصلت شرقاً حتى ظاهر لاردة، وأحتلت قلعة تاماريت القريبة منها وذلك في سنة 1107 م.
ولما احتل المرابطون سرقسطة، سار إليها ألفونسو في العام التالي (504 هـ - 1111 م) وحاول مهاجمتها، فردته عنها القوات المرابطية بقيادة ابن الحاج ومحمد ابن عائشة والي مرسية. ثم شغل ألفونسو بعد ذلك حيناً بالحرب التي نشبت بينه وبين زوجته أورّاكا ملكة قشتالة، وانتهز المرابطون، من جهة أخرى، تلك الفرصة، فقاموا ببعض الغزوات المخربة في أراضي إمارة برشلونة، وحاصروا الثغر العظيم ذاته حسبما فصلنا ذلك من قبل. ولما قتل ابن الحاج حين عودته من
(3/88)

تلك الغزوة (508 - 1114 م)، خلفه في ولاية سرقسطة الأمير أبو بكر بن ْابراهيم بن تافلوت المسّوفي والي مرسية، وهو ابن عم أمير المسلمين علي بن يوسف وصهره - زوج أخته - فلبث في ولايتها زهاء عامين. وقد كان هذا الأمير من خيرة أمراء الدولة المرابطية، كرماً وجوداً وشجاعة، وظهوراً في ميدان الفضائل، وقد أقام خلال عهده القصير بسرقسطة بلاطاً فخماً كبلاط الملوك، واستوزر الفيلسوف الشهير أبا بكر بن الصائغ المعروف بابن باجّة، وخاض حياة باذخة فخمة، ومن حوله الأدباء والندماء، وانهمك في اللذات والشراب، وذلك كله بالرغم مما كانت تجوزه سرقسطة يومئذ من ظروف حرجة واحتمالات خطرة.
بيد أنه يبدو من إشارة لابن عذارى، أنه سار في سنة 510 هـ، إلى حصن روطة وغزاه، وأنه غزا كذلك برجة وبها عماد الدولة بن هود؛ ويبدو من إشارة أخرى لابن الخطيب، أنه قد خاض خلال تلك الفترة مع النصارى، بعض معارك دفاعية، كان لهم فيها التفوق على القوات المرابطية. ويبدو من جهة أخرى أن ألفونسو ملك أراجون، هو الذي كان يضطلع بهذه الغزوات المرهقة (1). ثم توفي الأمير أبو بكر سنة 510 هـ أو في سنة 511 هـ، على قول آخر (2). ولما اتصل نبأ وفاته بالأمير أبى إسحاق إبراهيم بن يوسف، أخى أمير المسلمين علي بن يوسف، وهو يومئذ والى مرسية، بادر بالسير إلى سرقسطة فنظر في شئونها، وضبط أحوالها، ولما اطمأن إلى توطيد أمورها عاد إلى مرسية مقر ولايته (3).
وإنه لما يلفت النظر أنه لم يعين في تلك الآونة العصيبة، التي لاح فيها الخطر داهماً على سرقسطة، والٍ جديد يخلف على الفور واليها المتوفى، خصوصاً وقد كان أمير المسلمين علي بن يوسف موجوداً في تلك الفترة بالذات (511 هـ - 1117 م) في شبه الجزيرة، عقب جوازه الثالث إليها. وأعجب من ذلك هو أن علي بن يوسف، بدلا من أن يتجه بجيوشه الجرارة العابرة معه، إلى مواطن الخطر في الثغر الأعلى، يؤثر أن يضطلع بغزوات عقيمة في أراضي البرتغال، يستولي
_______
(1) البيان المغرب (الأوراق المخطوطة، هسبيرس ص 78)، والإحاطة لابن الخطيب (القاهرة 1956) ج 1 ص 416، حيث يقول في ترجمة الأمير أبى بكر " توفي بسرقسطة في سنة عشر وخمسمائة، بعد أن ضاق ذرعاً بطاغية الروم، الذي أناخ عليه بكلكله ".
(2) يقول بالرواية الأولى ابن الخطيب (الهامش السابق). ويقول بالثانية ابن عذارى في البيان المغرب (الأوراق المخطوطة التي عثر بها المؤلف في مكتبة جامع القرويين بفاس).
(3) البيان المغرب (الأوراق المخطوطة السالفة الذكر).
(3/89)

خلالها على مدينة قُلُمرية، ثم يتركها عقب افتتاحها. وعلى أي حال، فإنه بعد أن لبثت سرقسطة حيناً دون والٍ، نُدب عبد الله بن مزدلي والى غرناطة ليكون والياً لبلنسية وسرقسطة، وذلك فيما يبدو في أواخر سنة 511 هـ (أواخر 1117 م) (1).
وهنا يحيق الغموض بحركات النصارى وحركات والي سرقسطة الجديد.
ذلك أنه من المسلم به، ومن المتفق عليه في الروايتين العربية والإفرنجية، أن حصار النصارى لسرقسطة بدأ في شهر صفر سنة 512 هـ، الموافق لشهر مايو سنة 1118 م.
ونقول هنا حصار النصارى بصفة عامة، لأن الجيش المحاصر لم يكن مكوناً فقط من الأرجونيين، أعداء سرقسطة الأصليين، بل كان يضم طوائف عديدة أخرى من الفرنج. والواقع أننا نجد أنفسنا في هذا الموطن أمام حملة صليبية حقيقية. ذلك أنه في الوقت الذي كان فيه ملك أراجون ألفونسو المحارب، يوالي الضغط على سرقسطة، ويجد في انتزاع حصونها الأمامية حتى أنه استولى على تطيلة في سنة 1117 م، ووصل في أوائل سنة 1118 م إلى موريلا القريبة منها، كان صدى دعواته وحركاته ضد المسلمين يعمل عمله في الناحية الأخرى من جبال البرنيه، وكانت الحرب الصليبية الأولى، قد انتهت قبل ذلك بعشرين عاماً في الشرق باستيلاء الصليبيين على بيت المقدس (1099 م) وازدادت الروح الصليبية اضطراماً، في فرنسا وفي اسبانيا. ففي سنة 1117 م، عبرت حملة قوية من الفرنج أهل بيارن بقيادة جاستون دي بيارن وأخيه سانتولو - وكانا قد اشتركا بالمشرق في الحرب الصليبية الأولى -، إلى اسبانيا، لتشترك مع الأرجونيين في افتتاح سرقسطة.
وفي العام التالي (1118 م) عقد بمدينة تولوز (تولوشة) مؤتمر من أساقفة آرل، وأوش، ولاسكار، وبنبلونة، وببشتر، وتقرر فيه أن ترسل حملة صليبية أخرى إلى اسبانيا يقودها الكونت دي تولوز، وحشدت فوق ذلك قوات كبيرة من البشكنس، ومن قطلونية، ومن أورقلة تحت إمرة سادة هذه المناطق، وكان بين المقاتلين كثير من الأساقفة ورجال الدين (2). وتنوه الرواية الإسلامية بضخامة هذه الحملات الفرنجية التي اشتركت في حصار سرقسطة وافتتاحها، وتصفها إحدى الروايات بأنها كانت أمماً كالنمل والجراد، أو أنها أقبلت في عدد لا يحصى أكثره من
_______
(1) روض القرطاس ص 105.
(2) يراجع في ذلك مقال عن افتتاح سرقسطة بقلم الأستاذ Mar'a Lacarra J. نشر بمجلة الأندلس Al-Andalus (1947) Fas. I. p. 78-80
(3/90)

خريطة:
الثغر الأعلى وما يليه مواقع حروب المرابطين والنصارى حتى موقعة إفراغة سنة 528 هـ.
(3/91)

من الجند والرماة (1)، وفي روية أخرى أن الفرنج بلغوا خمسين ألف فارس (2).
- 2 -
وهكذا اجتمعت الجيوش النصرانية المتحدة من الأرجونيين والفرنج، وسارت لافتتاح سرقسطة، وفي بعض الروايات أن الذي بدأ بالحصار هو الجيش الفرنجي الذي يقوده جاستون دي بيارن، وأن ألفونسو المحارب قدم بعد ذلك في قواته من قشتالة (3). وبدأ حصار سرقسطة وفقاً للرواية الإسلامية في مستهل شهر صفر سنة 512 هـ (4)، ويوافق ذلك يوم 22 مايو سنة 1118، وهو التاريخ الذي تضعه الرواية الفرنجية. وهنا يبدأ الغموض في تعقب حوادث الحصار، ونجد أنفسنا أمام طائفة من الروايات المتناقضة، فهناك أولا القول بأن سرقسطة انتهت بعد حصار دام أشهراً، أو دام بالتحديد تسعة أشهر، بالتسليم صلحاً.
وهذه رواية ابن الكردبوس في " الإكتفا " وابن عبد المنعم الحميري في الروض المعطار (5). بيد أن هذه رواية ضعيفة أو بعبارة أخرى رواية ناقصة. وأما الروايات الأخرى وهي عديدة، عربية وإفرنجية، فإنها تتفق في أنه وقعت خلال الحصار معارك عديدة بين المسلمين والنصارى، وأن سرقسطة لم تسلم صلحاً، وإنما أرغمت على التسليم إرغاماً، بعد أن برّحت بأهلها أهوال الحصار، وبعد أن هزم أهلها في غير معركة، وهزم المرابطون الذين تصدوا للدفاع عنها.
وتقدم إلينا الرواية الإسلامية تفاصيل مختلفة عن حوادث الحصار، والمعارك التي سبقته أو اقترنت به، فيقول لنا صاحب روض القرطاس، إن عبد الله بن مزدلي لما ولي سرقسطة في سنة 511 هـ، سار إليها من غرناطة، فوجد ابن رذمير قد أذاق أهلها شراً، فاشتبك معه عبد الله في عدة معارك شديدة حتى هزمه، وأخرجه من البلدة، ولبث عبد الله بعد ذلك عاماً آخر في سرقسطة ثم توفي، فبقيت دون أمير " فأتاها ابن رذمير فنزلها، وأتى ألفنش أيضاً في أمم لا تحصى من قبائل الروم، فنزل لاردة من بلاد الجوف، فاتصل الخبر بأمير المسلمين علي
_______
(1) روض القرطاس ص 106، والبيان المغرب (من الأوراق المخطوطة السالفة الذكر).
(2) الروض المعطار (صفة جزيرة الأندلس) ص 98.
(3) مقال الأستاذ لاكارا السالف الذكر ص 80.
(4) ابن عذارى في البيان المغرب (الأوراق المخطوطة السالفة الذكر).
(5) ابن الكردبوس (مخطوط أكاديمية التاريخ السالف الذكر لوحة 164 ب) والروض المعطار ص 97 و 98.
(3/92)

ابن يوسف، فكتب إلى أمراء الأندلس بالمسير إلى أخيه تميم، وكان والياً على شرق الأندلس، ليسيروا معه لاستنقاذ سرقسطة ولاردة، فقدِم على تميم، عبد الله بن مزدلي، وأبو يحيى بن تاشفين صاحب قرطبة، بعساكرهما، فخرج تميم بن يوسف من بلنسية مع أمراء لمتونة، فقصد نحو لاردة، وكان بينه وبين ألفنش قتال عظيم، أقلعه عن لاردة خاسئاً خاسراً بعد أن بذل جهده في قتالها، وفقد عليها من جيوشه ما يزيد على العشرة آلاف رجل، ورجع تميم إلى بلنسية " (1).
وربما كانت رواية ابن عذارى أكثر وضوحاً واتساقاً. فهو يقول لنا إنه في سنة اثنتي عشرة وخمسمائة ولّى أمير المسلمين علي بن يوسف أخاه الأمير أبا الطاهر تميماً إمرة بلاد شرقي الأندلس لما ضيق العدو عليها، وأعمل عزمه وحزمه إليها، وذلك أنه لما رأى " أذفونش " ضعف سرقسطة، وتفرق الجيش عنها، بعد موت الأمير أبى بكر بن إبراهيم، جد في الحشد إليها واستجاش للإفرنجة، فأقبلت في عدد لا تحصى، أكثرهم جند ورماة، فاحتل سرقسطة مستهل صفر من هذه السنة (512 هـ) فخرج المسلمون إليهم، ونشبت الحرب بينهم، فحمل الروم عليهم، فانهزم الناس، وهم في أثرهم إلى ربض الدباغين، إلى القنطرة، فازدحموا بها، وقد حصل الروم معهم فيها. فبادر المسلمون بإلقاء النار عليها، فاحترقت القنطرة إلى أقصاها، ولولا المناجزة بين الربض والمدينة لكانت الحالقة، وبات الناس على الأسلحة، وخمسوا أبواب المدينة، واتصل الحصار وتواترت الحرب، وكان أذفونش قد تخلف عن .. فلحق بعد نصف شهر، فتعاضد العدو، وقد أمد، وزاد كلبه واشتد، ولنحو الشهر تغلبوا على قصر ... بالجعفرية، وهو قبيل ميل من سرقسطة، وكان عبد الله بن مزدلي أوان نزول الروم على سرقسطة بالعسكر، على جيان لحماية ذلك الثغر عن عدو طليطلة ".
ويزيد ابن عذارى على ذلك، أنه لما توالى تضييق العدو على سرقسطة وحصارها وهزيمة أهلها، وتحريق قنطرتها، ونزول العدو على قصرها المعروف بالجعفرية، اتصل الخبر بعبد الله بن مزدلي، فسار الجيش إليها ولحق به مدد من جيش قرطبة، فقويت نفوس أهل سرقسطة، ولحق الجيش بطرسونة،
_______
(1) روض القرطاس ص 105 و 106، ويلاحظ ما في هذه الرواية من تناقض أولا في القول بموت عبد الله بن مزدلي ثم مثوله ثانية للقتال مع الأمير تميم، وثانياً في التفرقة بين ابن رذمير وألفنش وابن رذمير هو ألفونسو المحارب، وهما شخص واحد.
(3/93)

وقد شد العدو غارته عليها، فجد في اتباعه وأدركه غير بعيد، فهزم الله العدو، وأظهر على يد عبد الله بن مزدلي عجائب في هذه الغزوة لم يعهد مثلها، منذ مدة بعيدة قبلها. ثم احتل بتطيلة، وتلوم بها، وأقلع الفرنج عن سرقسطة، فرأى الأمير عبد الله بعد تلومه أن ينهض إليها، فترك الحمولة ومدد قرطبة، وانتخب أنجاد العسكر، وصمم إلى سرقسطة، فدخلها في أوائل جمادى الآخرة، وقد استنشق أهلها ريح الحرب. وفي خلال ذلك اعتل الأمير عبد الله المذكور، فتوفي في رجب، فكتم وفاته أياماً، ثم انبث الخبر وعلم به رذمير، ففغر على البلد فمه، وألقى عليه زوره. وقد نفدت الأقوات، وبلغ الميقات، فدخله بالمعاهدة والأمنة في يوم الأربعاء الثالث من شهر رمضان المعظم من السنة المؤرخة (أعني 512 هـ) " (1).
وعلى أي حال، فإنه بالرغم مما يوجد بين الروايتين من اختلاف في الوقائع والتفاصيل، يمكننا أن نستخلص منهما حقيقتين هامتين: الأولى أنه وقعت قبل حصار سرقسطة، أو خلال الحصار، معارك شديدة بين المسلمين والنصارى، والثانية هو أن عبد الله بن مزدلي، آخر ولاة سرقسطة المسلمين، قد اشترك بقواته في هذه المعارك وأبلى فيها. وثمة مسألة أخرى، ينفرد بها صاحب روض القرطاس، وهي أن القوات المرابطية المشتركة، سارت لاستنقاذ سرقسطة بقيادة الأمير أبى الطاهر تميم، واشتبكت عند لاردة في موقعة شديدة مع ألفونسو المحارب، وأنزلت به هزيمة ساحقة، وأن تميماً عاد على أثر ذلك إلى مقر ولايته بلنسية، وهذه مسألة سوف نعود إلى مناقشتها.
- 3 -
بدأ حصار سرقسطة حسبما قدمنا، في مستهل شهر صفر سنة 512 هـ (22 مايو سنة 1118 م)، وطوقتها قوات كثيفة من الفرنج والأرجونيين، والبشكنس والقطلان وغيرهم. وكانت سرقسطة، فضلا عن حصانتها الطبيعية بموقعها جنوبي نهر إيبرو على ضفته اليسرى، تعتمد في الدفاع على أسوارها العالية القوية، وهي ترجع إلى أصل روماني، وعلى قلعتها المنيعة، وكان قصرها الشهير المسمى بالجعفرية، نسبة إلى مؤسسه أبى جعفر المقتدر بن هود، يقع خارج الأسوار، غربي سرقسطة على قيد نحو ميل منها، وعلى مقربة من النهر، ومن ثم فقد احتله
_______
(1) البيان المغرب من الأوراق المخطوطة التي عثر بها المؤلف في مكتبة جامع القرويين بفاس.
(3/94)

النصارى لأول مقدمهم. وجاء المحاصرون معهم بأبراج خشبية عالية تجري على بكرات لكي يستطيع المهاجمون بها محاذاة الأسوار العالية، لينصبوا فوقها الرعدات، وجاءوا كذلك بعشرين منجنيقاً ضخمة لدك الأسوار (1)، وكان الذي يشرف على آلات الحصار واستعمالها، طائفة من أهل بيارن ممن اشتركوا في حصار بيت المقدس. وتمرسوا في استعمال هذه الآلات.
واستمر حصار سرقسطة سبعة أشهر. والظاهر أنه استطال أكثر مما قدر ألفونسو المحارب وحلفاؤه. ذلك أنه في الوقت الذي كان فيه أهل سرقسطة، يعانون ويلات الحصار داخل الأسوار، كان المعسكر النصراني منذ مقدم الخريف، يعاني من نقص المؤن، ويهدده الجوع بشبحه المروع، حتى لقد فكر قادة الجيش النصراني في رفع الحصار، لولا أن شجعهم أسقف وشقة وزملاؤه، ووضعوا تحت تصرفهم ذخائر عدة من الكنائس يجلبون بثمنها الأقوات (2). أما في داخل سرقسطة، فقد كانت الأقوات تنضب يوماً بعد يوم، خصوصاً وأن أهل المدينة المحصورة لم يتمكنوا من جني محاصيلهم لتبكير النصارى في فرض الحصار، وكان من العسير عليهم أن يتلقوا أية مؤن من الخارج، لإحكام الحصار حول المدينة، من ناحية النهر وناحية البر. ومضت الأشهر تباعاً والحال تشتد شيئاً فشيئاً، حتى " فنيت الأقوات، وفنى أكثر الناس جوعاً " (3). ووقع خلال ذلك حادث زاد في وجوم أهل المدينة، وارتباك تدابير الدفاع، هو وفاة واليها عبد الله بن مزدلي، في أوائل جمادى الآخرة (سبتمبر 1118 م). والظاهر أنه لم يخلفه في الرياسة أحد من أهل المدينة، فترك الأمر فوضى وأخذت الخاتمة المروعة تدنو شيئاً فشيئاً.
وهنا وقبل أن نتحدث عن خاتمة سرقسطة الإسلامية، يحق لنا أن نتساءل أولا، ما الذي حدث خلال الحصار من الحوادث والوقائع؟ وهل نشبت بين المسلمين والنصارى عندئذ بعض المعارك؟ ثم ماذا كان موقف المرابطين، وهل حاولوا إنقاذ المدينة المحصورة؟ وفي أي الظروف؟
فأما ما وقع خلال هذه المرحلة الأخيرة من الحصار من الحوادث والوقائع، فإن معظم الروايات الإسلامية تلتزم الصمت إزاء ذلك. بيد أنها في موطن واحد
_______
(1) روض القرطاس ص 106.
(2) الأستاذ Lacarra في مقاله السالف الذكر بمجلة الأندلس والمراجع.
(3) روض القرطاس ص 106.
(3/95)

تذكر لنا ما يؤيد هذه الحقيقة الهامة، وهي أن جيشاً مرابطياً بقيادة الأمير أبى الطاهر تميم - وقد كان عندئذ حسبما تقدم والياً لشرقي الأندلس - وصل في أواخر أيام الحصار (نحو منتصف شهر شعبان الموافق شهر ديسمبر) إلى مقربة من سرقسطة، وذلك فيما يرجح بقصد محاولة إنقاذها، فخرج إلى الأمير تميم زعيمان من زعماء المدينة، هما الفقيه علي بن مسعود بن إسحق بن إبراهيم بن عصام الخولاني وهو من أكابر علماء سرقسطة وحفاظها وأدبائها، وكان متولياً قضاء ميورقة، والخطيب أبو زيد بن منتيال، وحدثاه باسم أهلها بمحضر أبى الغمر الشايب بن غرون، عن أهبات النصارى، ووجوب مناجزة العدو، ولكن الأمير تميماً " جبن عن ذلك " وكان انتقاله بالجيوش عن سرقسطة، حسبما يقول ابن الأبار صاحب هذه الرواية، سبباً في نجاح النصارى في الاستيلاء على المدينة (1).
بيد أن إحدى الروايات النصرانية، تقول لنا بالعكس إنه قد وقعت في يوم 6 ديسمبر سنة 1118 معركة عنيفة بين قوات ألفونسو المحارب، وجيش قوي من المرابطين انتهت بظفر النصارى، ولم تمض على ذلك أيام قلائل حتى سلمت المدينة، وذلك بعد أن انتهت المهلة الممنوحة للمحصورين (2).
على أنه توجد وثيقة مخطوطة هامة تؤيد ما جاء في الرواية الأولى وتؤكده، وهذه الوثيقة هي عبارة عن رسالة مؤثرة، بل مبكية، كتبها قاضي سرقسطة ثابت ابن عبد الله، وجماعة من أهلها إلى الأمير تميم يتضرعون إليه، في عبارات مؤثرة، ولكن أبيه حازمة باسم الدين والوطن، أن يتقدم لإنجاد سرقسطة وإنقاذ أهلها، وألاّ ينكص على عقبيه أمام النصارى، وقد استهلت هذه الرسالة بالتاريخ الذي كتبت فيه، وهو يوم الثلاثاء السابع عشر من شعبان (512 هـ)، أعني لستة أشهر ونصف من بدء الحصار، وقبل تسليم المدينة بثمانية عشر يوماً فقط، وفيها يصف الكاتب ما عاناه أهل سرقسطة من أهوال الحصار والجوع، ثم يشير إلى مقدم الأمير، تميم بعساكره، ويلومه على إحجامه عن لقاء النصارى في قوله:
_______
(1) وردت هذه الرواية خلال ترجمة ابن الأبار للفقيه علي بن مسعود الخولاني، وقد نشرت مع تراجم أخرى ملحقاً لتراجم " التكملة " وذلك في كتاب المستشرقين الإسبانيين G.Palencia و M. Alarcon, تحت عنوان Miscalanea de Estudios y Textos Arabes (Madrid 1916) p. 205 وعثرنا على نفس هذه الترجمة أيضاً في كتاب الذيل والتكملة لابن عبد الملك المراكشي (المخطوط المصور المحفوظ بالخزانة العامة بالرباط) الجزء الأول.
(2) أوردها الأستاذ Lacarra في مقاله السالف الذكر.
(3/96)

" وما كان إلا أن وصلت وصل الله برك بتقواه، على مقربة من هذه الحضرة، ونحن نأمل منك بحول الله أسباب النصرة، بتلك العساكر التي أقر العيون بهاؤها، وسر النفوس زهاؤها، فسرعان ما انثنيت وما انتهيت، وارعويت، وما أدنيت، خايباً عن اللقاء، ناكصاً على عقبيك عن الأعداء، فما أوليتنا غَنَاء، بل زدتنا بلاء وعلى الداء داء، بل أدواء، وتناهت بنا الحال جهداً والتواءً، بل أذللت الإسلام والمسلمين، واجترأت فضيحة الدنيا والدين. فيالله وياللإسلام، لقد اهتضم حرمه وحماه أشد الاهتضام، إذ أحجمت أنصاره عن إعزازه أقبح الإحجام، ونكصت عن لقاء عدوه وهو في فئة قليلة، ولمة رذيلة، وطايفة قليلة ".
ثم يشير الكاتب بعد ذلك إلى أهمية سرقسطة الدفاعية وعواقب سقوطها الوخيمة على مركز المرابطين في شبه الجزيرة في قوله:
" فما هذا الجبن والفزع، وما هذا الهلع والجزع، بل ما هذا العار. والضيع، أتحسبون يا معشر المرابطين، وإخواننا في ذات الله المؤمنين، إن سبق على سرقسطة القدر، بما يتوقع منه المكروه والحذر، أنكم تبلغون بعدها ريقاً، وتجدون في ساير بلاد الأندلس عصمها الله، مسلكاً من النجاة أو طريقاً - كلا والله ليسومنّكم الكفار عنها جلاء وفراراً، وليخرجنّكم منها داراً فداراً، فسرقسطة حرسها الله هي السد الذي إن فتق، فتقت بعده أسداد، والبلد الذي إن استبيح لأعداء الله، استبيحت له أقطار وبلاد، فالآن أيها الأمير الأجل، هذه أبواب الجنة قد فتحت، وأعلام الفتح قد طلعت، فالمنية ولا الدنية، والنار ولا العار، فأين النفوس الأبية، وأين الأنفة والحمية، وأين الهمم المرابطية، فلتقدح عن زنادها، بانتضاء حدها، وامتضاء جدها، واجتهادها، وملاقاة أعداء الله وجهادها، فإن حزب الله هم الغالبون ".
ويتوجه الكاتب في ختام رسالته، بالضراعة إلى الأمير أن يقبل على سرقسطة، وألا يتأخر قبل وقوع الكارثة فيقول:
" ولن يسعك عند الله، ولا عند مؤمن، عذر في التأخر والارعواء من مناجزة الكفار والأعداء. وكتابنا هذا أيها الأمير الأجل، اعتذار تقوم لنا به الحجة في جميع البلاد، وعند ساير العباد، في إسلامكم إيانا إلى أهل الكفر والإلحاد، ونحن مؤمنون، بل موقنون إجابتك إلى نصرتنا، وإعدادك إلى الدفاع عن
(3/97)

حضرتنا، وأنك لا تتأخر عن تلبية نداينا، ودعاينا إلى استنقاذنا من أيدي أعداينا. . فأقبل بعسكرك على مقربة من سرقسطة، عصمها الله، ليخرج الجميع عنها، ويبرأ إلى العدو وقمه الله منها، ولا تتأخر كيفما كان طرفة عين، فالأمر أضيق، والحال أزهق، فعدِّ بنا عن المطل والتسويف، قبل وقوع المكروه والمخوف، وإلا فأنتم المطالبون عند الله بدماينا وأموالنا، والمسئولون عن صبيتنا وأطفالنا، لإحجامكم عن أعداينا، وتثبطكم عن إجابة نداينا، وهذه حال نعيذك أيها الأمير الأجل عنها، فإنها تحملك من العار ما لم تحمله أحداً، وتورثك وجميع المرابطين الخزى أبدا. . ومهمى تأخرتم عن نصرتنا، فالله ولي الثار لنا منكم، ورب الانتقام، وقد بريتم بإسلامنا للأعداء، من نصر الإسلام، وعند الله لنا لطف خفي، ومن رحمته ينزل الصنع الخفي، ويغنينا الله عنكم، وهو الحميد المغني " (1).
كتبت هذه الرسالة المؤثرة قبيل سقوط سرقسطة بفترة يسيرة، وإنه لتبدو من تلك الفقرات التي نقلناها منها، حقيقة لا شك فيها، وهي أن جيشاً مرابطياً بقيادة الأمير أبى الطاهر تميم، قدم إلى سرقسطة قبيل سقوطها لاستنقاذها من أيدي النصارى، وعسكر على مقربة منها، وتقول إحدى الروايات النصرانية، إن هذا الجيش قد وصل إلى حصن سانتا ماريا الواقع على بعد ثمانية عشر كيلومتراً من سرقسطة (2) ولكن ما الذي فعل هذا الجيش بالضبط؟ وهل بذل أية محاولة جدية لاستنقاذ سرقسطة والدخول مع النصارى في معركة حاسمة؟ إنه مع استثناء الرواية النصرانية التي أشرنا إليها من قبل، والتي تقول بأن معركة عنيفة وقعت بين
_______
(1) نشرنا هذه الرسالة بأكملها في باب الوثائق. وقد نقلناها عن مخطوط الإسكوريال رقم 488 الغزيري، لوحة 59 أإلى 61 ب. هذا وقد نشر هذه الرسالة وانتفع بها من قبل صديقي الدكتور حسين مؤنس في بحث عنوانه " الثغر الأعلى الأندلسي في عصر المرابطين " (مجلة كلية الآداب بجامعة القاهرة - المجلد الحادي عشر الجزء الثاني ديسمبر سنة 1949). بيد أنه ذهب في التمهيد إليها (ص 133) إلى نتيجة نحسب أنها لا يمكن أن تدلي بها، فذكر أنها بالمقارنة بالوثيقتين الأخريين المنشورتين بعدها، قد كتبت في سنة 523 هـ أعني بعد سقوط سرقسطة بإحدى عشر عاماً. هذا في حين أن نص الرسالة وفقراتها المتوالبة تدلي قطعاً بأنها كتبت وقت حصار سرقسطة وقبيل سقوطها بقليل، في شهر شعبان سنة 512 هـ، ومن الواضح أنها دعوة يائسة موجهة إلى قائد المرابطين يومئذ الأمير أبى الطاهر تميم، بأن يتقدم بجنده، وقد كان على مقربة من سرقسطة، لإنجاد المدينة المحصورة وإنقاذها قبل فوات الوقت. وأقطع دليل على صحة هذا الرأي فضلا عن نص الرسالة ذاته، هو أن الأمير أبا الطاهر تميم قد توفي بقرطبة في سنة 520 هـ (روض القرطاس ص 106).
(2) مقال الأستاذ Lacarra السالف الذكر، نقلا عن المؤرخ Zurita
(3/98)

المرابطين والنصارى، هزم فيها المرابطون، ثم سلمت المدينة على أثر ذلك، يبدو مما جاء في هذه الرسالة، أن الجيش المرابطي التزم الجمود والإحجام، ولم يبذل أية محاولة لإنقاذ المدينة، ثم ارتد بعد ذلك على أعقابه، وهذا ما يؤيده رواية ابن الأبار التي سبقت الإشارة إليها. ثم يؤيده أيضاً مع اختلاف في تصوير الوقائع، ما ورد في روض القرطاس، من أنه بعد سقوط سرقسطة، وصل من العدوة جيش من عشرة آلاف فارس، بعثه أمير المسلمين على لاستنقاذها، فوجدها قد فرغ منها وملكها العدو، ونفذ حكم الله فيها (1).
- 4 -
وإنه ليحق لنا أن نتساءل بعد ذلك عن البواعث التي حملت قائد الجيش المرابطي الأمير أبا الطاهر تميم، على اتخاذ هذا الموقف السلبي، في مثل هذه الآونة العصيبة من حياة المدينة المسلمة العظيمة، وحملت الجيش المرابطي على الإحجام عن لقاء العدو في محاولة يائسة لإنقاذها. فأما من الناحية العسكرية، فإنه يمكن أن يقال إن ذلك قد يرجع إلى تفوق النصارى في الكثرة على الجيش المرابطي، تفوقاً خشي معه الأمير تميم أن يدخل في معركة غير مأمونة العواقب. وتميمٌ لم يكن من أكابر القادة المرابطين، وإنما كان يقود الجيش بصفته الأميرية، ولم يكن انتصاره، في موقعة أقليش راجعاً إلى مقدرته وصفاته الخاصة، وإنما كان راجعاً بالأخص إلى شجاعة قائديه المجربين محمد بن عائشة، ومحمد بن فاطمة، ولولاهما لما اشتبك في المعركة ولآثر الارتداد. وكان الجيش المرابطي قد فقد إلى ذلك الحين معظم قادته العظام، أمثال سير بن أبي بكر، ومزدلي، وعبد الله بن فاطمة، ومحمد بن الحاج، ويمكن أن يقال أيضاً إن موقع سرقسطة بعيداً عن مراكز تموين الجيش المرابطي وإمداده في بلنسية ومرسية وقرطبة، لم يكن مما يشجع على القيام بأية محاولة عسكرية خطيرة.
على أن هذه الأعذار العسكرية وأمثالها، لم تكن تكفي لتبرير موقف الجيش المرابطي، وإحجامه عن القيام بعمل إنقاذ مشرف، واتقائه بذلك صدع هيبته في أنحاء شبه الجزيرة، ولوم التاريخ والأجيال. وإنما قد ترجع البواعث الحقيقة لتقاعس المرابطين عن المغامرة بإنقاذ سرقسطة، إلى أنهم كانوا يشعرون بأن الاحتفاظ بهذه المنطقة النائية من شبه الجزيرة - منطقة الثغر الأعلى - كان يلقي
_______
(1) روض القرطاس ص 106.
(3/99)

عليهم مسئوليات عظيمة، لوقوعها بين أعداء أقوياء يتربصون بها باستمرار، وأن سرقسطة لم تكن بظروفها وروح شعبها كثيرة الولاء لحكمهم، ومن ثم فإن المرابطين لم يعنوا فيما يبدو، بأن يتجشموا في سبيل إنقاذها تضحيات عسكرية عظيمة.
وهكذا تركت سرقسطة لمصيرها، واضطرت بعد أن عانت من أهوال الحصار، وعصف الجوع والحرمان والمرض، أشنع الخطوب والمحن، وبعد أن يئس أهلها من إجابة صريخهم، وتلقي الإنجاد من أي مكان، أن يخاطبوا ألفونسو (ابن رذمير) أن يمنح أهلها هدنة مؤقتة (لم تعين لنا الرواية مدتها)، فإذا لم يأتهم الإنجاد المنشود، سلمت إليه المدينة، وتعاهد الفريقان على ذلك، ثم مضى هذا الأجل دون أن يتلقى المحصورون أية معونة، فاضطرت المدينة إلى التسليم (1).
وتلخص الرواية العربية الوحيدة - وهي رواية ابن الكردبوس - شروط هذا التسليم فيما يلي:
أن تسلم سرقسطة إلى ملك أراجون (ابن رذمير)، ومن أحب المقام بها من أهلها فله ذلك، على أن يؤدي جزية خاصة، ومن أحب أن يرحل إلى حيث شاء من بلاد المسلمين، رحل وله الأمان التام، وعلى أن يسكن الروم (الأرجونيون والفرنج) المدينة، والمسلمون ربض الدباغين، وعلى أن كل أسير يفلت للروم من المدينة ويحصل عند الإسلام، فلا سبيل لمالكه إليه ولا اعتراض له عليه.
وقد كان ربض الدباغين من أحياء سرقسطة المتطرفة، ويقع على ضفة النهر اليمني، حسبما يبدو ذلك من أقوال ابن عذارى التي تقدم ذكرها. وكانت سياسة الملوك النصارى، فيما يتعلق بمن يبقى من السكان المسلمين في المدن المفتوحة، هو أن يسمح لهم بالبقاء في منازلهم داخل المدينة لمدة سنة أو نحوها، ثم يلزمون بعد ذلك بالانتقال إلى الأرباض، وهي الأحياء المتطرفة أو الضواحي، وقد منح سكان سرقسطة وفقاً للرواية النصرانية هذا الامتياز بالبقاء في أحيائهم داخل المدينة مدى عام، ينتقلون بعده إلى ربض الدباغين، وغيره من الأرباض الخارجية، وهذا هو ما اتبع فيما بعد في عهود تطيلة وطرطوشة وغيرهما من قواعد الثغر المفتوحة.
ويضيف ابن الكردبوس إلى ما تقدم، أنه ما كاد ملك النصارى يستقر بالمدينة، حتى غادرتها كثرة أهلها المسلمين، وأنه لما شهد جموعهم الزاخرة ركب بنفسه إليهم، وأمرهم أن يبرزوا جميع ما لديهم، فأبرز الفارون أموالا لا تحصى، ولكنه
_______
(1) روض القرطاس ص 106.
(3/100)

بعد أن رآها سمح لهم بالاحتفاظ بها، وتركهم يسيرون إلى حيث شاءوا في أمان، ووجه معهم من رجاله من يشيعهم إلى داخل أعماله، ولم يأخذ منهم سوى مثقال واحد عن كل أحد من الرجال والنساء والأطفال (1).
وتضح الرواية الإسلامية تاريخ تسليم سرقسطة في يوم الأربعاء الثالث من شهر رمضان سنة 512 هـ، وهو يوافق 18 ديسمبر سنة 1118 م (2)، وتضع الرواية النصرانية هذا التاريخ في يوم 11 ديسمبر، أو في 18 ديسمبر (3). ودخل ألفونسو الأرجوني وحلفاؤه المدينة، بعد أن قطع لأهلها المسلمين العهود المذكورة، وسمح لهم مدى فترة قصيرة باستبقاء قاضيهم ابن حفصيل، وبالإحتكام إلى شريعتهم. ولكن مسجد سرقسطة الجامع، حول منذ السادس من يناير سنة 1119 م إلى كنيسة سلمها ألفونسو المحارب إلى الرهبان البرنارديين، وسميت كنيسة لاسيو La Seo أي الكنيسة العظمى. وفي رواية أخرى أن مسجد سرقسطة الجامع لم يحول إلى كنيسة إلا بعد ذلك بثلاثة أعوام في أكتوبر سنة 1121 م، وأنه حول عندئذ إلى كنيسة سميت باسم " سان سالبادور " San Salvador (4) ، وجعلت سرقسطة عاصمة مملكة أراجون، وجعل منها مركز لأسقفية، ومنح سكانها النصارى امتيازات الأشراف، وعن الكونت جاستون دي بيارن " سيدا " للمدينة المفتوحة في ظل ألفونسو، وأقطع الحي الذي كان يقطنه النصارى المعاهدون، وعهد إليه بالإشراف على توزيع الغنائم على الجند الفاتحين، وكوفيء سائر الفرسان الذين عاونوا في الفتح (5).
وهكذا سقطت سرقسطة، بعد أن حكمها المسلمون منذ الفتح أكثر من أربعة قرون، وبعد أن لعبت في تاريخ الثغر الأعلى الأندلسي، أعظم دور، سواء من الناحية العسكرية أو السياسية أو الحضارية.
ولما سقطت الحاضرة الإسلامية، ودخلها النصارى، غادرها معظم أعيانها
_______
(1) ابن الكردبوس في كتاب " الاكتفاء " (مخطوط أكاديمية التاريخ لوحة 164 أ).
(2) ابن الأبار في الحلة السيراء ص 225، والبيان المغرب (الأوراق المخطوطة السابقة الذكر). وذكر المقري أنه كان في يوم الأربعاء الرابع من رمضان (نفح الطيب ج 2 ص 585).
(3) راجع مقال الأستاذ Lacarra السالف الذكر حيث يشير إلى الروايات النصرانية.
(4) مقال الأستاذ Lacarra السالف الذكر.
(5) M. Lafuente: ibid ; V. III. p. 238. وكذلك " تاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحدين " ترجمة محمد عبد الله عنان، الطبعة الثانية، ص 145.
(3/101)

وأكابرها المسلمين، من الحكام والعلماء والقضاة وغيرهم، على نحو ما وقع عند سقوط طليطلة. ويقول لنا ابن الكردبوس، إن من غادرها من أهلها عند دخول النصارى بلغ خمسين ألفاً، بيد أنه يبدو هذا العدد مبالغ فيه. ولما رأى ملك أراجون كثرة المهاجرين من المسلمين فيما بعد، وخشى أن ينهار عمران المدينة، أصدر أمره بمنع هجرة المسلمين إلا بإذن خاص، وكان المهاجرون يقصدون بالأخص بلنسية، وقواعد شرقي الأندلس.
وكان سقوط سرقسطة، بعد سقوط طليطلة، ضربة جديدة قاصمة للأندلس، وكان نذيراً بسقوط باقي قواعد الثغر الأعلى في يد مملكة أرجوان، التي لم تكن منذ ربع قرن تشغل سوى رقعة صغيرة في شمالي مملكة سرقسطة، ثم أخذت تنمو بسرعة على حساب المملكة الإسلامية، ثم كان نذيراً في نفس الوقت بتصدع الجبهة الدفاعية في شمالي شرقي الأندلس، وهي التي كانت سرقسطة معقدها المنيع، ومن ذلك الحين تواجه منطقة بلنسية، خطر العدوان النصراني المباشر من الشمال، كما كانت تواجهه من الغرب. وأخطر من ذلك كله ما أصاب هيبة المرابطين العسكرية بسبب هذه الضربة من تصدع وانهيار، وقد كانت هذه الهيبة، منذ الزلاّقة ثم أقليش في أوج قوتها، ثم أخذت منذ أقليش تخبو شيئاً فشيئاً، حتى جاء سقوط سرقسطة فأصابها بأول ضربة حقيقية، هزت من أركانها في أنحاء شبه الجزيرة، ومن ذلك الحين تضطرم اسبانيا النصرانية ضد المرابطين بروح مضاعف من التحدي والعدوان والثقة بالنفس.
- 5 -
وما كاد ألفونسو المحارب يستقر في سرقسطة وينظم شئونها، حتى اعتزم أن يتابع ظفره بافتتاح ما بقي من قواعد الثغر الأعلى ومعاقله، وكانت تطيلة قد سقطت في يده قبيل سقوط سرقسطة بنحو عامين في سنة 1117 م (511 هـ)، فسار في قواته نحو طرسونة الواقعة جنوب غربي تطيلة واستولى عليها، وأعاد بها مركز الأسقفية القديمة، ثم سار منها إلى برجه (1) الواقعة في جنوب تطيلة، واستولى عليها، وافتتح عدة أخرى من الحصون والبلاد الواقعة في تلك المنطقة، ومنها ألاجون، ومالن، ومجايون وأبيلا وغيرها، وتمت هذه الفتوح كلها في سنة 1120 م
_______
(1) طرسونة هي بالاسبانية Tarazona وبرجه هي Borja
(3/102)

(513 هـ) (1). ثم عبر ألفونسو جبال سييرا مولينا التي تفصل بين أراجون وقشتالة، وزحف على قلعة أيوب وكانت من أمنع ما بقي من معاقل الثغر الأعلى، فاستولى عليها كذلك. وكانت أنباء هذه المحن المتوالية، التي نزلت بمسلمي الثغر الأعلى، وتوالى سقوط قواعده في أيدي النصارى، قد وصلت إلى أمير المسلمين علي بن يوسف، فاهتم لها، وكتب إلى أخيه الأمير أبى إسحق ابراهيم بن يوسف، والي إشبيلية منذ وفاة واليها السابق القائد محمد بن فاطمة في سنة 511 هـ، بتجهيز الجيوش، والمبادرة إلى السير لقتال ملك أراجون (ابن رذمير)، ووضع حد لعدوانه، وكتب في نفس الوقت إلى القادة والرؤساء بالأندلس أن ينهضوا بقواتهم مع أخيه، وأن يكونوا تحت إمرته. فحشد إبراهيم قواته، ووافته قوات قرطبة بقيادة واليها ابن زيادة، وقوات غرناطة بقيادة واليها الأمير محمد بن تينغمر اللمتوني، وقوات مرسية بقيادة أبى يعقوب ينتان بن علي، وجماعة أخر من الرؤساء والقادة، وعدد كبير من المتطوعة. وسار الأمير إبراهيم في هذه القوات الجرارة صوب الشمال. وكان ألفونسو قد انتهى وفقاً لبعض الروايات من افتتاح قلعة أيوب، وسار منها لافتتاح دروقة قرينتها في المنعة والأهمية، والواقعة في جنوبها. وفي رواية أخرى أنه لم يكن قد انتهى بعد من افتتاح قلعة أيوب، حينما اقتربت منه الجيوش المرابطية. وكان ألفونسو حينما علم بتحرك المرابطين وسيرهم إلى قشتالة قد استقدم سائر قواته، واجتمع له وفقاً لأقوال الرواية الإسلامية زهاء اثنى عشر ألف فارس، غير المشاه والرماة وهم جموع غفيرة لا تحصى. ووقع اللقاء بين المسلمين والنصارى في ظاهر بلدة صغيرة تسمى كَتُندة أو قَتُندة على مقربة من دورقة، وذلك في الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول - وعلى قول آخر ربيع الثاني - سنة 514 هـ (يونيه أو يوليه سنة 1120 م). ونشبت بين الفريقين معركة عنيفة، كانت الدائرة فيها على المسلمين، فهزموا هزيمة شديدة، أو " هزيمة منكرة " على قول ابن الأثير وكثر القتل فيهم، وسقط منهم في ميدان القتال، وفقاً لأقوال الرواية الإسلامية نحو عشرين ألفاً من المتطوعة، وتنوه الرواية الإسلامية بنوع خاص بمن استشهد في الموقعة من العلماء والفقهاء، وفي
_______
(1) روض القرطاس ص 106، وكذلك M. Lafuente: ibid ; V. III. p. 238. ونقل ْالمقري عن ابن اليسع أن تطيله وطرسونة قد سقطتا في أيدي النصارى في سنة 524 هـ (1130 م) وهذا مناقض لما يذكره روض القرطاس وتؤيده الرواية النصرانية من أن سقوط طرسونة وغيرها من معاقل الثغر الأعلى كان في سنة 513 هـ (1120 م).
(3/103)

مقدمتهم العلامة أبو علي الصدفي، وأبو عبد الله بن الفراء قاضي ألمرية، وارتد الأمير إبراهيم بن يوسف في فلول الجيش المرابطي إلى بلنسية (1). وكانت نكبة جديدة ساحقة لاسبانيا المسلمة، ولهيبة المرابطين العسكرية. ومما هو جدير بالذكر أن الأمير إبراهيم هذا الذي قاد المرابطين في تلك الموقعة، هو الذي ألّف الفتح بن خاقان باسمه كتابه " قلائد العقيان " وأهداه إليه في مقدمته، في عبارات فخمة رنانة (2).
وعلى أثر الموقعة استولى ألفونسو على قلعة دروقة، وأنشأ على مقربة منها، عند منابع نهر " خلوكا " محلّة جديدة محصنة، سميت قلعة " مونريال "، لتكون حاجزاً لصد الجيوش الإسلامية، التي تنساب من طرق مرسية وبلنسية، ولتكون في نفس الوقت منزلا لجمعية دينية جديدة من الفرسان، أسست لحماية الدين.
_______
(1) تراجع في حوادث موقعة كتندة، ابن الأثير ج 10 ص 208، وابن عذارى في البيان المغرب (الأوراق المخطوطة السالفة الذكر) والمقري في نفح الطيب ج 2 ص 580. وكذلك ابن الأبار في كتابه " المعجم في أصحاب الإمام القاضي أبى علي الصدفي " (المكتبة الأندلسية - المجلد الرابع ص 7). ومن المراجع القشتالية: F. Codera: ibid ; p. 262-267, M. Lafuente: ibid ; Vol. III. p. 239
(2) كتاب قلائد العقيان - المقدمة - ص 3 و 4.
(3/104)

الفصل الرابع
الصراع بين ألفونسو المحارب وبين المرابطين
النصارى المعاهدون. موقفهم من الحكومة الإسلامية. تحفزهم للإيقاع بالمسلمين. نصارى غرناطة. هدم كنيستهم في قولجر. اتصالهم بألفونسو المحارب وتحريضه على غزو الأندلس. خروج أفونسو إلى الغزو. اختراقه أراضي الثغر إلى بلنسية. مسيره إلى جزيرة شقر فدانية فشاطبة. اختراقه لأراضي مرسية حتى بسطة ثم وادي آش. تأهب المرابطين لرد النصارى وإحاطتهم بغرناطة. وصف ابن الصيرفي لأحوال المدينة. انضمام المعاهدين للجيش الأرجوني. مسير ألفونسو نحو الشمال. ملاحقة الجيوش المرابطية له. نشوب المعركة في فحص الرنيسول بين المسلمين والنصارى. مسير ألفونسو إلى الجنوب حتى شلوبانية. عوده صوب غرناطة فوادي آش. المناوشات المستمرة بينه وبين المرابطين. اتجاهه نحو مرسية فبلنسية. انحلال قواته وعوده إلى بلاده. ما تدل عليه غزوة ألفونسو المحارب. ضعف الدفاع عن الأندلس. خطر النصارى المعاهدين. معاقبتهم بالتغريب وفقاً لفتوى ابن رشد. التعتيب والأسوار بالأندلس. نشاط الغزو النصراني بالثغر الأعلى. عودة ألفونسو المحارب إلى غزو أراضي بلنسية. موقعة القلاعة. رواية ابن القطان. الوثاثق الرسمية المرابطية عن الموقعة. كتاب أمير المسلمين لأهل بلنسية. ألفونسو يشغل بالحرب في قشتالة وفرنسا. نشاط المرابطين في غزو أراضي الثغر. تحفز ألفونسو لافتتاح قواعد الثغر الباقية. زحفه عل مكناسة واستيلاؤه عليها. زحفه على مدينة إفراغة. مبادرة المرابطين إلى مدافعته. محاصرته لإفراغه وتصميمه على أخذها. وصول الجيوش المرابطية بقيادة ابن غانية. نشوب المعركة الحاسمة بين الفريقين تحت أسوار إفراغة. الهزيمة الساحقة على النصارى. موت ألفونسو المحارب وما يقال حوله. أهمية النصر المرابطي وآثاره. ألفونسو المحارب وخلاله. تأملات حول موقف المرابطين بعد نصر إفراغة. بنو هود يستقرون في روطة. عماد الدولة بن هود. ولده سيف الدولة. انضواؤه تحت حماية ملك قشتالة. نزوله له عن قاعدة روطة. بعض الروايات الخاصة بذلك. نهاية رياسة بني هود.
1 - غزوة ألفونسو الكبرى للأندلس
لم تمض بضعة أعوام على سقوط سرقسطة، حتى وقعت بالأندلس حادثة عدوان لم يسبق لها مثيل في تاريخ الغزوات النصرانية، من حيث اتساع نطاقها، وخطورة العوامل الموجهة لها، ونعني بذلك الغزوة الكبرى التي قام بها ألفونسو المحارب ملك أراجون في قلب الأندلس، بناء على تحريض النصارى المعاهدين. ولقد تحدثنا من قبل، في كتابنا " دول الطوائف " عن أحوال النصارى المعاهدين، وظروف حياتهم في ظل الحكومات الإسلامية المتعاقبة، منذ عصر الإمارة والخلافة، ثم في ظل دول الطوائف، وأشرنا إلى ما كانت تتمتع به
(3/105)

طوائف المعاهدين، في ظل هذه الحكومات الإسلامية، من ضروب الرعاية والتسامح، والتمتع بمزاولة شعائرهم، وتقاليدهم، والاحتكام إلى قوانينهم وقضاتهم، والتحدث بلغتهم الخاصة، دون حيف أو ضغط متعمد يلحق بهم، ودون مطاردات دينية من أي نوع تعصف بأمنهم وسلامهم، وأنهم كانوا يؤلفون في مختلف القواعد الإسلامية، في مجتمعات متقدمة مزدهرة، ويشغلون في أحيان كثيرة في القصر وفي الحكومة، مناصب النفوذ والثقة، وإن كانت التواريخ النصرانية تؤثر مع ذلك كله أن تقدم إلينا مجتمع المعاهدين في صور قاتمة، وتزعم بأنهم كانوا ضحية الجور والإرهاق، يعانون من ضغط الحكومة الإسلامية المادي والأدبي، في صور وأوضاع شتى.
وقد أشرنا في نفس الوقت إلى ما كان يتسم به أولئك النصارى المعاهدون من نكران الصنيعة، وعدم الولاء للحكومات الإسلامية، بالرغم مما كانت تحيطهم به من ضروب الرعاية والتسامح، وكيف أنهم لم يدخروا دائماً وسعاً في الكيد لها، والتآمر على سلامتها، ومداخلة أعدائها النصارى الإسبان، وتحريضهم عليها، ومعاونتهم على الإيقاع بها في كل فرصة سانحة، وضربنا لذلك عديد الأمثلة التاريخية، التي تسجل على النصارى المعاهدين أعمال الخيانة والغدر، والتآمر مع أعداء الأندلس المسلمة على القضاء عليها (1).
ولما سقطت سرقسطة في أيدي النصارى، وتوالت انتصارات ألفونسو المحارب، وتوالت محن المسلمين في الثغر الأعلى، وظهر التخاذل على الجيوش المرابطية، أخذت طوائف المعاهدين في التحفز، ولاح لها أنها تستطيع أن تعمل عملا مثمراً لضرب الأندلس، بالتفاهم مع عاهل الثغر الأعلى، وإمداده بما وسعوا من ضروب الإمداد والعون.
وكان أشد طوائف المعاهدين نشاطاً في تدبير هذه المؤامرة الكبرى، نصارى ولاية غرناطة، وكانوا من أكبر طوائف المعاهدين عدداً، وأغناهم مالا، وأكثرهم ازدهاراً ومقدرة ونفوذاً، وكانت لهم خارج غرناطة، تجاه باب إلبيرة، في طريق قرية قولجر، كنيسة عظيمة شامخة، فريدة في العمارة والطراز، فما استولى أمير المسلمين يوسف بن تاشفين على غرناطة، خاطبه الفقهاء في
_______
(1) يراجع الفصل الخاص بذلك من كتاب " دول الطوائف " ص 395 - 401.
(3/106)

هدمها لما يدلي به صرحها الشامخ من تطاول المعاهدين، فأمر بتحقيق رغبتهم، وخرج أهل غرناطة لهدم الكنيسة المذكورة، في آخر جمادى الآخرة سنة 492 هـ، فصيرت في الحال ركاماً، وغدت قاعاً صفصفاً (1).
ويحاول دوزي أن يصور هذا الحادث - هدم الكنيسة - في صورة اضطهاد عام أنزله المرابطون بالنصارى المعاهدين، ويقول لنا إن هذا الاضطهاد شمل هدم الكنائس بصفة عامة، وشمل أيضاً أشياء أخرى لا يستطيع أن يتكهن بها، لأن الرواية الإسلامية تلتزم الصمت إزاء ذلك، ومن ثم فإنه يحاول أن يصور لنا استدعاء النصارى المعاهدين لألفونسو المحارب في صورة الإستغاثة والانتقام لما نزل بهم من صنوف الاضطهاد المضني (2). ويتابعه في هذا المعنى المستشرق الإسباني سيمونيت، فيقول لنا إن نصارى مملكة غرناطة، كان قد وقع عليهم اضطهاد شديد من جراء تعصب المرابطين، فهدمت كنائسهم، وطورد قساوستم وانتهكت رسومهم، وبعد أن صبروا على هذا الاضطهاد أعواماً، اعتزموا أن يطلبوا عون الملك ألفونسو المحارب، وكان قد اشتهر في أنحاء شبه الجزيرة بقوته وفتوحاته وانتصاراته ضد الكافرين (يريد المسلمين) (3). ولكن سنرى أن هذا الاستدعاء لملك أراجون، وما اقترن به من صنوف الاستعداد والتحفز الخطر، لم يكن كما قدمنا، سوى مؤامرة كبرى دبرها النصارى المعاهدون لضرب الأندلس المسلمة في الصميم.
ذلك أنه لما ترددت أصداء انتصارات ألفونسو المحارب، في جنبات الأندلس، وشعر المعاهدون بأن فرصة العمل قد سنحت، بعثوا إليه بكتبهم ورسلهم المتوالية، يلحون عليه في غزو الأندلس وافتتاح غرناطة. وقد كانت غرناطة حسبما تقدم قاعدة الحكم المرابطي في الأندلس، وكان لهذه الصفة فيما يبدو أثرها في قيام المعاهدين بها، بالدور الرئيسي في هذه المؤامرة. وبعث أولئك المعاهدون إلى ألفونسو زماماً يشتمل على أسماء اثنى عشر ألفاً من أنجاد مقاتليهم، على أهبة لمعاونته، وأنه يوجد غيرهم جموع غفيرة مستترة على قدم الأهبة، وبعثوا إليه في نفس الوقت بأوصاف غرناطة، وما تشتمل عليه من الثروات والمحاصيل الجمة،
_______
(1) الإحاطة في أخبار غرناطة لابن الخطيب (القاهرة 1956) ج 1 ص 114.
(2) Dozy: Recherches. V. I. p. 348 & 349
(3) F. J. Simonet: Historia de los Mozarabes de Espana, p. 745
(3/107)

والعيون والأنهار الغزيرة، وما تمتاز به من حسن الموقع، وروعة العمارة، وازدهار العمران، وكونها عاصمة الأندلس. وكان لهذه الدعوة المقرونة بالعون والإنجاد، وهذا الإغراء بصفات الحاضرة الإسلامية التالدة، أثرها في نفس ألفونسو المحارب، وفي شحذ همته، وإذكاء أطماعه، وكان يشعر عندئذ أن الظروف ممهدة، وأن تضعضع قوى المرابطين منذ موقعة كتُندة، مما يسهل له السبيل إلى اختراق الأندلس، وتحقيق الغاية المنشودة.
فخرج من سرقسطة في أول شعبان سنة 519 هـ (سبتمبر سنة 1125 م) في قوة مختارة من أربعة آلاف، وقيل في خمسة آلاف فارس مع أتباعهم من من الرجّالة والرماة، وقد بلغوا خمسة عشر ألفاً، وكان معه الكونت جاستون دي بيارن الذي اشترك في حملة سرقسطة، وفي ركبه عدد من رجال الدين في مقدمتهم أسقفا سرقسطة ووشقة، وقد تعاهدوا جميعاً وتحالفوا بالإنجيل على ألا يفر أحد منهم (1)، وهكذا كان للحملة طابعها الصليبي، الذي طبع سائر الغزوات والحملات النصرانية، منذ حصار سرقسطة. وسار ألفونسو بحملته شرقاً، واخترق أراضي لاردة وإفراغه الإسلامية، وهو يعيث فيها، ثم انحرف جنوباً ودخل أراضي مملكة بلنسية، وهو ينسف الزروع ويحرق القرى، وقاومته في بلنسية قوة مرابطية، بقيادة أبى محمد يدّر بن ورقاء (أواخر شهر رمضان)، وكان من الصعب أن تجتمع القوات المرابطية للوقوف في وجهه، لأنه حرص على إخفاء وجهته الحقيقية، ولبث طول الوقت متحركاً في قواته. وفي أثناء ذلك كانت جموع المعاهدين تهرع إلى الانضمام إليه حيثما وجد، حتى اجتمعت له أعداد وفيرة، وكانوا يدلونه على الطرق والمسالك، ويكشفون له مواطن الضعف لدى المسلمين، في المدن والحصون التي يمر بها. ولما غادر بلنسية سار منها إلى جزيرة شُقْر فقاتلها أياماً، ثم رحل منها إلى دانية، فعاث في واديها، وقاتلها ليلة عيد الفطر من هذه السنة، واستمر في مسيره مخترقاً شرقي الأندلس مرحلة مرحلة، ومنازلا سائر قواعده وحصونه، ماراً بشاطبة، وألش وأوريولة، حتى وصل إلى مرسية، ثم اجتاز منها إلى بيرة، فالمنصورة، فبرشانة، حيث توقف أياماً.
ثم سار إلى مدينة بسطة، وحاول منازلتها وافتتاحها، لسهولة موقعها، وضعف
_______
(1) الحلل الموشية ص 67. وهو الذي يأخذ بالتقدير الأول. ويأخذ ابن عذارى في البيان المغرب بالتقدير الثاني (الأوراق المخطوطة السالفة الذكر - هسبيرس ص 83).
(3/108)

خريطة:
خط سير الذهاب والعودة لغزوة ألفونسو المحارب للأندلس سنة 519 - 520 هـ.
(3/109)

تحصيناتها، ولكنه لم ينجح، فغادرها إلى وادي آش، ونزل بقرية القصر القريبة منها، وأخذ ينازل منها وادي آش، ويقاتلها أياماً، وذلك في أوائل شهر ذي القعدة من السنة المذكورة، واستمر في محاولته زهاء شهر، ولكنه لم ينل منها مأرباً.
وهنا نجد وصفاً دقيقاً لبقية هذه الغزوة الجريئة في أقوال مؤرخ غرناطي معاصر تقريباً، هو أبو بكر ابن الصيرفي في كتاب الدولة المرابطية ومؤرخها في كتابه " الأنوار الجلية في أخبار الدولة المرابطية "، وهو مؤلف لم يصل مع الأسف إليا، ولم نتلق منه سوى شذور يسيرة، على يد بعض المؤرخين اللاحقين، مثل ابن عذارى، وابن الخطيب، وصاحب الحلل الموشية (1).
يقول لنا ابن الصيرفي، إنه لما اقترب ألفونسو المحارب بقواته من غرناطة، تناجي النصارى المعاهدون بغرناطة باستدعائه، فافتضح تدبيرهم، وهمّ أميرها باعتقالهم، فأعياه ذلك، وتسلل المعاهدون من كل صوب إلى محلة الغزاة، وكان المشرف على شئون الأندلس يومئذ الأمير أبو الطاهر تميم، وقاعدته كما هو معروف بغرناطة، فحشد سائر قواته، وأمده أخوه أمير المسلمين على بجيش وفير، وكان حينما سمع بعدوان ابن رذمير، قد أمر بإعداده في العدوة، وعبوره إلى الأندلس على وجه السرعة، وانضمت إليه قوات مرسية وإشبيلية، وأحاطت الجيوش المرابطية الجرارة بغرناطة، حتى صارت كالدائرة، وصارت المدينة في وسطها كالنقطة. وتحرك ألفونسو من وادي آش، ونزل قرية دجمة غربي وادي آش، في منتصف المسافة بينها وبين غرناطة، فاشتد القلق بغرناطة، وصلى الناس صلاة الخوف يوم عيد النحر، واستعدوا بالسلاح. ويصف ابن عذارى حال غرناطة في قوله: " وجاءت الطلائع منبئة .. وانقطعت السابلة والواردة،
_______
(1) ترجم لنا ابن الخطيب لابن الصيرفي في الإحاطة، فقال هو " يحيى بن محمد بن يوسف الأنصاري يكنى أبا بكر ويعرف بابن الصيرفي، من أهل غرناطة، كان نسيج وحده في البلاغة والجزالة والتبريز في أسلوب التاريخ والتملي من الأدب والمعرفة باللغة والخبر. قال أبو القاسم (الملاحي)، من أهل المعرفة بالأدب والعربية واللغة والتاريخ، ومن الكتاب المجيدين والشعراء المطبوعين المكثرين. كتب بغرناطة عن الأمير أبى محمد تاشفين، وله فيه نظم حسن. وألف في تاريخ الأندلس كتاباً سماه " الأنوار الجلية في أخبار الدولة المرابطية "ضمنه العجائب إلى سنة ثلاثين وخمسمائة، ثم وصله إلى قرب وفاته. وكتاباً آخر في ذلك سماه " قصص الأنبياء، وسياسة الرؤساء ". توفي بغرناطة في حدود السبعين وخمسمائة (مخطوط الإحاطة بمكتبة الإسكوريال رقم 1673 الغزيري لوحة 415).
(3/110)

وقلت المرافق، وتزاحم الناس في المدينة [وسكنت] المساجد والمصاطب، والرحاب، وكثر الجزع والإرجاف والموجان .. والأسوار معمورة بأهل البلدة، وليس في الدور غير الصبية والنسوة " (1). وفي ظهر اليوم التالي وصل النصارى إلى مقربة من شرق المدينة، وكان عددهم قد بلغ عندئذ زهاء خمسين ألفاً، ونشب القتال بينهم وبين المسلمين. قال ابن الصيرفي: " وتوالى الحرب على فرسخين منها، وقد أجلى السواد، وتزاحم الناس بالمدينة، وتوالى الجليد، وأظلت الأمطار ". ولبث ألفونسو بحملته بضع عشرة ليلة، وهو ملتزم السكون بسبب الجليد والأمطار، والمعاهدون يمدونه بالأقوات والمؤن. ثم أقلع عن غرناطة، وقد ارتفع طمعه عنها، لما لمسه من وفرة الجيوش المدافعة عنها، وذلك في يوم 26 ذي الحجة سنة 520 هـ (21 يناير سنة 1127 م)، وأنحى ألفونسو باللائمة على المعاهدين، وزعيمهم ابن القلاّس، لتقاعسهم، وعدم وفائهم بما التزموه، فردوا اللوم إليه، واحتجوا ببطئه وتلومه حتى تلاحقت الجيوش، وأنهم قد أضحوا بذلك عرضة للهلاك على يد المسلمين. وسار ألفونسو إلى قرية مرسانة، ثم إلى بيش (2) ثم اتجه شمالا إلى قلعة يحصب، ثم انحدر غرباً نحو قبرة واللسانة (3) والجيوش الإسلامية تلاحقه، وتناوشه في معارك صغيرة، وكانت قوات إشبيلية قد تحركت عندئذ بقيادة واليها الأمير أبى بكر ابن أمير المسلمين، وانضمت إلى باقي الجيوش المرابطية في مطاردة العدو. ثم أقام ألفونسو بقبرة أياماً، وسار منها إلى بلاي (4) فاللسانة ثم انحدر جنوباً، والمسلمون في أثره حتى قرية شيجة (5) القريبة من غرناطة، وهنالك في فحص الرينسول (6) وقعت بينه وبين المسلمين معركة، كان فيها الظهور في البداية للمسلمين. ولما جن الليل وقع في المعسكر الإسلامي حادث أثار فيه الاضطراب. وذلك أن الأمير تميماً أمر بنقل خبائه، من وهدة
_______
(1) البيان المغرب (الأوراق المخطوطة السالفة الذكر - هسبيرس ص 84).
(2) مرسانة وبالإسبانية Maracena وبيبش وبلإسبانية Beas قريتان من أعمال غرناطة تقع الأولى في شمالها الشرقي والأخرى في شمالها الغربي.
(3) قلعة يحصب هي اليوم بالإسبانية Alcala la Real، وقبرة هي Cabra، واللسانة هي Lucena.
(4) هي قرية Poley القديمة، وتسمى اليوم Aguilar
(5) شيجة هي قرية Espejo الإسبانية.
(6) فحص الرينسول أو أرنسول يقع جنوبي غرناطة وبالإسبانية Arinsol.
(3/111)

كان فيها إلى نجدة، فظن الناس أنه ينوي الانسحاب، فاختل الأمر، وكثر الفرار، وفي الغد هجم النصارى على محلة المسلمين، واستولوا عليها، ووقعت الهزيمة على المسلمين (مارس سنة 1127 م).
وسار ألفونسو بعد ذلك في قواته نحو الجنوب الشرقي، واخترق جبال سييرّا نفادا (جبل الثلج)، وانحدر إلى الشاطىء نحو وادي شلوبانية العميق المتحصن المجاز، ويروى أنه قال عند رؤيته: " أي قبر هذا لو ألفينا من يرد علينا التراب ".
ثم سار غرباً نحو مدينة بلِّش مالقة، وأنشأ بها مركباً صغيراً يصيد له حوتاً، أكل منه " كأنه نذر كان عليه وفي به، أو حديث أراد أن يخلد عنه ". ثم عبر جبال سييرّا نفادا مرة أخرى، عائداً إلى غرناطة، وعسكر بقرية دلر على مقربة منها، ثم انتقل منها إلى قرية هَمْدان الواقعة في جنوبها، وهنالك وقعت بينه وبين المسلمين معركة شديدة ثم انتقل بعد يومين إلى " المرج " La Vega، وفرسان المسلمين في أثره تضيق عليه، ثم نزل بعين أطسة، وهي على أتم الأهبة والحذر، وسار بعد ذلك إلى وادي آش، وقد أصيب كثير من عسكره، خلال المناوشات العديدة التي وقعت بينه وبين المسلمين، ولما رأى أنه لم يحقق بغزوته الطويلة المدى، أي هدف يذكر، عول على العود إلى بلاده، فاتجه شرقاً نحو مرسية، فشاطبة فبلنسية، وقد لحق بعسكره خلال السير نحو عشرة آلاف من النصارى المعاهدين، الذين فروا من مواطنهم خيفة الانتقام والهلكة، هذا والعساكر الإسلامية تلاحقه في كل موطن، والوباء يعصف بعسكره، حتى وصل إلى بلاده مفلولا، قد حطمه وجنده الإعياء والوهن، وذلك بعد أن أنفق في غزوته خمسة عشر شهراً، وهو مع ذلك، " يفخر بما ناله في سفره من هزيمة المسلمين، وفتكه في بلادهم وكثرة ما أسر وغنم " (1).
تلك تفاصيل غزوة ألفونسو المحارب الشاملة، لأقطار الأندلس الشرقية والجنوبية، وهي قد انتهت بعد المعارك والمناوشات العديدة, التي خاضها مع المسلمين، إلى فشل مطبق، ولم يحقق ملك أراجون من ورائها أية نتيجة عملية.
_______
(1) راجع في تفاصيل غزوة ألفونشو المحارب للأندلس، الحلل الموشية ص 66 - 70، وابن الخطيب في الإحاطة (القاهرة 1956) ج 1 ص 116 - 119، وكلاهما ينقل رواية ابن الصيرفي مفصلة. وابن عذارى في البيان المغرب، وهو يقدم لنا نفس الرواية. ولكن مزيدة بمعلومات وتفاصيل أخرى (الأوراق المخطوطة السالفة الذكر - هسبيرس ص 84 و 85). وراجع ابن الأثير ج 10 ص 224.
(3/112)

ولكنها مع ذلك قد كشفت عن حقيقة هامة، وهي أن نظم الدفاع عن الأندلس، لم تكن يومئذ وفق ما يجب من المتانة والإحكام، وأن خطط القيادة المرابطية، منذ نكبة سرقسطة لم تكن كفيلة، بردع عدوان الممالك النصرانية. ولم يكن أدل على هذه الحقيقة من أن ملكاً من ملوك اسبانيا النصرانية، استطاع أن يخترق الأندلس من الثغر الأعلى، حتى شاطى البحر المتوسط، دون أن تستطيع قوة إسلامية، مرابطية أو غيرها، أن تقف في سبيله.
وثمة حقيقة أخرى كانت جديرة بالاعتبار، وهي أن النصارى المعاهدين الذين يعيشون في ظل الحكومة الإسلامية، ويتمتعون برعايتها، لم يكونوا يشعرون نحوها بذرة من الولاء، بل كانوا يمثلون خطراً داخلياً على الأندلس، ولا يدخرون وسعاً في الكيد لها، وممالأة أعدائها، وتحريضهم على التنكيل بها، وقد سبق أن أشرنا من قبل في كتابنا " دول الطوائف " إلى هذه الحقيقة، وبينا كيف كانت الأحقاد والشكوك، تحيط بمجتمع المعاهدين، وبالأخص منذ سقوط طليطلة، وكيف أن بعيدي النظر من الوزراء والفقهاء، كانوا ينصحون بالحذر منهم، ويدعون إلى ردعهم والتضييق عليهم، كما فعل الوزير الكاتب عبد المجيد بن عبدون في رسالته عن الحسبة (1). ولقد كانت دعوة المعاهدين لألفونسو المحارب، ومعاونتهم له في غزو الأندلس، على هذه الصورة البعيدة المدى، تمثل بالنسبة لهم ذروة الجحود والاجتراء والخيانة، ومن ثم فقد كان لابد من أن يحدث موقفهم أسوأ الأثر في الأمة الأندلسية والحكومة الإسلامية، وكان لابد أن تتخذ في حقهم إجراءات رادعة، تكفل قمع دسائسهم وعدوانهم بصورة حاسمة. وهذا ما حدث بالفعل عقب انتهاء غزوة ألفونسو المحارب، فإن ما حدث على أثرها من بوادر السخط على المعاهدين، والتوجس من مكائدهم، حمل كبير الجماعة في قرطبة القاضي أبا الوليد بن رشد، على أن يعبر البحر إلى المغرب، ثم قصد إلى أمير المسلمين علي بن يوسف بمراكش، وشرح له أحوال الأندلس، وما منيت به على يد المعاهدين، وما جنوه عليها من استدعاء النصارى، وما يترتب على ذلك من " نقض العهد والخروج على الذمة "، وأفتى بتغريبهم ووجوب إجلائهم عن أوطانهم، وهو أخف ما يؤخذ به في عقابهم. فأخذ أمير المسلمين بهذه الفتوى، وصدر عهده إلى جميع بلاد الأندلس، بتغريب المعاهدين إلى العُدوة
_______
(1) كتاب " دول الطوائف " ص 399 و 400.
(3/113)

(المغرب)، فنفيت منهم جموع غفيرة، وسيق الكثير منهم إلى مكناسة، وسلا وغيرهما من بلاد العدوة، " وهلك منهم خلال العبور والسفر عدد جم، وتفرقوا شذر مذر، وضم أمير المسلمين منهم عدداً إلى حرسه الخاص، امتازوا فيما بعد بالإخلاص والبراعة. على أن هذا التغريب لم يكن شاملا، فقد بقيت في غرناطة وفي قرطبة وفي غيرهما من القواعد، جماعات من النصارى المعاهدين، لأسباب مختلفة، لتنمو وتزدهر مرة أخرى. وقد وقع تغريب المعاهدين في شهر رمضان سنة 521 هـ (أواخر سنة 1127 م) وكانت نكبة بالغة لم يصب المعاهدين مثلها منذ بعيد (1).
وينوه المستشرق سيمونيت بما أصاب المعاهدين من جراء هذا النفي من الآلام والمحن، ويقول أن العناية الإلهية شاءت أن ترد هذه القسوة، بما أنزل بعد ذلك بقرون بالموريسكيين أو العرب المتنصرين عند نفيهم من اسبانيا من قسوة مماثلة.
وهذه مقارنة غير موفقة، لأن ما أنزلته اسبانيا بالموريسكيين قبل النفي وخلاله، من ضروب القسوة المروعة، يندر أن نجد له مثيلا في صحف الاستشهاد القومي.
2 - التعتيب والأسوار
وقد كانت سنة 520 هـ، هذه وهي التي وقعت فيها غزوة ألفونسو المحارب والنصارى المعاهدين للأندلس، واشتدت في نفس الوقت حركة محمد بن تومرت المهدي بالمغرب، سنة التحصينات، والمنشآت الدفاعية، سواء في المغرب أو الأندلس. فأما في المغرب، فقد شرع أمير المسلمين علي بن يوسف في تسوير حاضرته مراكش، وكانت حين إنشائها في سنة 462 هـ، قد أقيم السور فقط حول المسجد والقصبة اللتين ابتناهما يوسف بن تاشفين. وبقيت المدينة ذاتها دون أسوار تحميها. وكان الذي أشار على أمير المسلمين بتسويرها، القاضي أبا الوليد ابن رشد، حينما اشتدت حركة المهدي، واستفتى أمير المسلمين فقهاء المغرب، والأندلس في أمره، فأفتى ابن رشد بوجوب إنشاء أسوار للمدينة، تقوم بحمايته وحماية الساكنين معه. وشرع أمير المسلمين في بناء أسوار مراكش في جمادى الأولى
_______
(1) يراجع في ذلك الحلل الموشية ص 66 و 70، وابن الخطيب في الإحاطة ج 1 ص 119 و 120، والبيان المغرب (الأوراق المخطوطة - هسبيرس ص 86). وأشباخ في " تاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحدين " (الطبعة الثانية) ص 147 - 150. وراجع: F. J. Simonet Historia de los Mozarabes (Madrid 1896) p. 746-751
(3/114)

سنة 520 هـ (1126 م) وهذه هي رواية صاحب الحلل الموشية وابن عذارى (1).
ويضع ابن القطان رحلة ابن رشد إلى مراكش وبناء سورها وفقاً لنصحه في سنة 522 هـ. ويقول لنا صاحب روض القرطاس، ويتابعه ابن خلدون إن بناء أسوار مراكش كان في سنة 526 هـ (2). والرواية الأولى أرجح فيما يبدو، لأن القاضي ابن رشد توفي في أواخر سنة 520 هـ (أواخر سنة 1126 م). وحشد أمير المسلمين جموعاً غفيرة من الفعلة والصناع فتم بناء السور في نحو ثمانية أشهر. كما تم بناء الجامع ومناره. وبلغت النفقة على السور وحده سبعين ألف دينار من الذهب العين، ثم أصلح هذا السور، وأنشئت به أبراج جديدة وزيد فيه حتى شمل مقابر المدينة، وذلك في سنة 530 هـ. وبعث أمير المسلمين علي بن يوسف في الوقت نفسه، كتابه إلى الأندلس، بوجوب إنشاء الأسوار، فأرجىء النظر في ذلك حتى صرف الأمير تميم عن ولاية الأندلس وجاز إلى مراكش وهنالك توفي، وقُدِّم أبو عمر ينالة اللمتوني على غرناطة، وقدم أبو حفص عمر بن أمير المسلمين على قرطبة. وعمد ينالة إلى تعتيب غرناطة وفرض " المعتب " (إتاوة الدار) على سائر أهلها، واشتد في تحصيل المال، وأصلحت الأسوار وأكملت في أقرب وقت. ثم جاء سيل شديد فصدم الأسوار، وسقطت منها أجزاء كبيرة مما يلي باب الرملة وباب إلبيرة، وهلك كثير من الناس. وتولى أهل قرطبة إصلاح أسوارهم ورمِّها على سالف عادتهم، دون تعتيب ودون ضغط. وكذلك فعل أهل إشبيلية نحو أسوارهم، فجمعت النفقة بأيسر أمر، ودون أجحاف، وأقيمت الأسوار وأصلحت.
وتولى النظر في إصلاح أسوار ألمرية رجل من أهلها يعرف بابن العجمي، فاستعمل الحزم والرفق معاً، وأبدى الناس إقبالا على أداء الإتاوة المطلوبة، وأصلحت الأسوار وأكملت دون ضغط ولا إرهاق.
واستمر ينالة اللمتوني، والياً على غرناطة، حتى عزل عنها في جمادى الأولى سنة 522 هـ، أي بعد سنة وتسعة أشهر. وكان ظلوماً جائراً، وكان من أعمال ظلمه أن استدعى فقهاء جيّان وعلماءها إلى غرناطة، ثم قبض عليهم، وأودعهم السجن دون جريرة، وسار إلى الغزو في شرقي الأندلس، وتركهم في المطبق،
_______
(1) الحلل الموشية عن 70 و 71، وابن عذارى في البيان المغرب (الأوراق المخطوطة السالفة الذكر هسبيرس ص 86)، ونظم الجمان (المخطوط لوحة 33 ب).
(2) روض القرطاس ص 89، وابن خلدون ج 6 ص 184، وفي كتاب " الإستبصار في عجائب الأمصار " أن سور مراكش قد أنشىء في سنة 514 هـ وهي رواية ضعيفة (ص 209).
(3/115)

فلما نمى ذلك إلى أمير المسلمين علي بن يوسف، أمر بعزله، وعين ولده أبا حفص عمر والي قرطبة والياً لغرناطة. فلما وصل إلى غرناطة بادر بالإفراج عن الفقهاء والعلماء المعتقلين، وردهم إلى بلدهم مكرمين، واستراح الناس من ظلم ينالة وجوره (1).
3 - موقعة القلاعة
لما عاد ألفونسو المحارب من حملته الأندلسية الفاشلة، عاد إلى استئناف ْنشاطه في أراضي الثغر ضد المرابطين. وكان المسلمون ما يزالون يحتلون من الثغر الأعلى، المنطقة الواقعة شرقي سرقسطة، فيما بين نهري سنكا وسجرى فرعي إبرة، وأهم قواعدها لاردة وإفراغة ومكناسة الواقعة عند ملتقى إبرة وسجرى، وكذلك المنطقة الممتدة بعد ذلك على طول نهر إبرة، حتى مصبه عبر ثغر طرطوشة، وكان ألفونسو يرمي إلى إجلاء المسلمين عن هذه المنطقة، حتى يكفل اتصال مملكته بالبحر المتوسط عن طريق ثغر طرطوشة الهام. وكان ثغر طرّكونة الواقع شمال طرطوشة، قد سقط في أيدي النصارى قبل ذلك بنحو أربعين عاماً.
ونحن نذكر أن هذا الثغر كان من أعمال مملكة سرقسطة أيام بني هود، وأنه لما توفي المقتدر بن هود في سنة 474 هـ (1081 م) قسمت مملكته بين ولديه يوسف المؤتمن وأخيه المنذر، وأن المنذر بن هود اختص بالجانب الشرقي من مملكة سرقسطة وفيه ثغر طرّكونة وطرطوشة. تم توفي المنذر بن هود في سنة 483 هـ (1090 م) وخلفه ولده الطفل سليمان الملقب بسعد الدولة، وكان الكونت رامون برنجير الثاني أمير برشلونة، ومن ورائه أحبار قطلونية، يتوقون إلى انتزاع ثغر طرّكونة من المسلمين وإعادته كما كان مركزاً رئيسياً للكنيسة القطلونية، فكتبوا بذلك إلى البابا أوربان الثاني، وهو محرك الحرب الصليبية الأولى في المشرق، فشجع مشروعهم وباركه، وأسبغ عليه الصفة الصليبية، وأصدر طائفة من المنح والمزايا الدينية لمن يشتركون في هذه الحملة. وكتب إلى سائر الأمراء والبارونات والفرسان ورجال الدين، في البلاد المجاورة، يحثهم على الاشتراك في هذه الحرب المقدسة، وهكذا جهزت حملة صليبية قوية لافتتاح طرّكونة، على رأسها رامون برنجير، وجاءت وفاة المنذر بن هود في تلك الآونة بالذات مشجعة للغزاة.
وسارت الحملة إلى طرّكونة واستطاعت انتزاعها من المسلمين بسهولة (1090 م) لضعف وسائلها الدفاعية، وتخلي المستعين بن هود صاحب سرقسطة عن إنجادها،
_______
(1) البيان المغرب (الأوراق المخطوطة السالفة الذكر - هسبيرس ص 86 و 87).
(3/116)

ولأن الجيوش المرابطية، لم تكن قد وصلت يومئذ في زحفها نحو الشمال، إلى الثغر الأعلى.
وبسقوط طرّكونه في يد أمير برشلونة، وضمها إلى مملكة قطلونية، لم يبق من ثغور مملكة سرقسطة القديمة سوى طرطوشة، وكان ألفونسو المحارب يتوق إلى انتزاع هذا الثغر، ولكنه كان مضطراً إلى أن يخوض قبل ذلك معارك عديدة مع المرابطين، الذين يسيطرون على منطقتي لاردة وإفراغة، وما وراءهما من الأراضي حتى مصب نهر إبرة. ومن ثم فإنه ما كاد يعود من حملته الأندلسية، حتى أخذ يعد العدة لتنفيذ مشروعه. ولم يمض سوى عامين حتى خرج في قواته من سرقسطة، وزحف شرقاً نحو نهر سِنكا في اتجاه إفراغة ولاردة. وكانت هذه المنطقة قد غدت منذ سقوط سرقسطة، مسرحاً للصراع المستمر بين المسلمين والنصارى، وكانت للمرابطين فيما يبدو حاميات قوية في تلك القواعد، وكانت لهم فوق ذلك قوات متحركة، تنساب بسرعة من شرقي الأندلس، من منطقة بلنسية، كلما هم النصارى بالعدوان.
على أنه يبدو أن ألفونسو المحارب، لم يرد أن يشتبك في هذه المنطقة من الثغر الأعلى مع المرابطين في صراع حاسم، قبل أن يقضي على قواتهم في جنوبي الثغر، وقد كانت تلاحقه نحو الشمال باستمرار. ومن ثم فقد سار في قواته جنوباً نحو أراضي بلنسية، وكان علي بن يوسف قد علم من عماله في بلنسية وما والاها أن ألفونسو المحارب يتأهب لغزو أراضي المسلمين، فخشي عليّ أن تكون حركة شاملة كالتي قام بها المحارب في قلب الأندلس، وأمر بحشد قوات من السود تتكفل بنفقاتها مختلف المدن، كل وفق طاقتها، ثم أرسلت هذه الحشود إلى مرسية - وواليها يدِّر بن ورقا - تعزيزاً للجيوش المرابطية في شرقي الأندلس. وهنا يحيق شىء من الغموض حول تفاصيل الموقعة التي نشبت على أثر ذلك بين الأرجونيين والمرابطين، وحول موقعها. وتذكر لنا الرواية الإسلامية الوحيدة التي لدينا عن الموقعة - وهي رواية ابن القطان - أن الموقعة نشبت في مكان يعرف بالقليعة أو القلاعة، وأن القليعة هذه تقع على مقربة من جزيرة شقر جنوبي بلنسية، وكان ابن رذمير (ألفونسو الأرجوني) يرابط بقواته بها. وهكذا نشبت في القليعة معركة عنيفة بين المرابطين والأرجونيين، ويضع ابن القطان تاريخها في سنة 523 هـ (1129 م)، ويقول لنا إن قوات المسلمين كلها كانت بقيادة
(3/117)

ابن مجور، وأن المسلمين أصيبوا فيها بهزيمة فادحة، وفنى معظمهم قتلا وأسراً، واحتوى العدو على سائر أسلابهم ومتاعهم ودوابهم، وبلغت خسارتهم نحو اثنى عشر ألفاً بين قتيل وأسير (1).
أما الغموض الذي يحيق بأمر هذه الموقعة، فيأتي مما تذكره لنا الرواية النصرانية وهو أن القلعة أو القلاعة هذه Alcolea، إنما هي بلدة صغيرة محصنة تقع على الضفة اليسرى لنهر سِنكا أحد أفرع نهر إبرة، على مقربة من إفراغة، ولها قصبة منيعة؛ ومعنى ذلك أن الموقعة نشبت بين المرابطين والأرجونيين في الثغر الأعلى، لا في أراضي بلنسية. وتضيف الرواية النصرانية إلى ذلك أن ألفونسو المحارب استولى على أثر الموقعة على بلدة القلاعة، وحصنها ثم أقطعها لأحد أكابر رجاله ممن أبلوا في خدمته (2).
ثم إنه يوجد من جهة أخرى في الرواية النصرانية ما يفيد أن ألفونسو المحارب قد حاصر بلنسية في أوائل سنة 1129 م، وهو مما يعزز قول الرواية الإسلامية في أن المعركة قد نشبت بين الأرجونيين والمسلمين في أراضي بلنسية.
هذا، وإلى جانب رواية ابن القطان المتقدمة عن الموقعة، توجد لدينا عنها وثيقتان مرابطيتان، تلقيان عليها، وعلى تاريخ وقوعها، مزيداً من الضياء، ويستخلص منهما ما يأتي:
أولا - أن الموقعة وقعت في " القلعة " أو" القلاعة ". ونحن نرجح قول الرواية الإسلامية في تحديد موقع القلاعة، بأنه على مقربة من جزيرة شقر.
وثانياً - أن وقوعها كان في النصف الأول من سنة 523 هـ (النصف الأول من سنة 1129 م).
وثالثاً - أن المرابطين، أصيبوا في تلك الموقعة بهزيمة شديدة، وقد كانوا بقيادة الأمير أبى محمد بن أبى بكر بن سير اللمتوني، وهو ابن أخت علي بن يوسف، المعروف بابن قنونه، باسم أمه أخت الأمير.
والوثيقة الأولى هي عبارة عن رسالة كتب بها أمير المسلمين علي بن يوسف إلى الأمير أبى محمد بن أبى بكر من حضرة مراكش، ومؤرخة في السابع من شهر شعبان سنة 523 هـ، وذلك رداً على كتابه الذي أرسله إلى أمير المسلمين ينبئه
_______
(1) ابن القطان في " نظم الجمان " (المخطوط السابق ذكره لوحة 34 ب).
(2) M. Lafuente: ibid ; Vol. III. p. 240
(3/118)

فيه بخبر الموقعة. والرسالة من إنشاء كاتب الأندلس وإمام النثر بها يومئذ، أبى مروان بن أبى الخِصَال، وقد كان يتولى الكتابة في بلاط مراكش، وفيها ينحى أمير المسلمين باللوم القارص على قائده أبى محمد بن أبى بكر، وينوه بتقصيره وخذلانه في عبارات لاذعة يقول فيها:
وإن لبيان العذر لتلك الحال لقصير، وإن الله على ذلك المشهد المضيع لمطلع بصير، توافقتم مع عدوكم، وأنتم أوفر منه عدة وأكثر جمعاً، وأحرى أن تكونوا أشد عن حريمكم منعاً، وأقوى دونه دفعاً، فثبت وزللتم، وجدّ ونكلتم، وشد عقد عزيمته وحللتم، وكنتم في تلك الوقعة قرة عين الحاسد، وشماتة العدو الراصد، وقد كانت نصبة توليكم بين يديه بشيعة هائلة، ودعامتكم لولا إنثناؤه عنكم ماثلة، فشغله عنكم من غررتموه من الرّجل الذي أسلمتوه للقتل، وفررتم، ونصبتموهم دريئة للرماح ثم طرتم، ولولا مكان من أوردتموه من المسلمين ولم تصدروه، وخذلتموه من المجاهدين ولم تنصروه، لانكشف دون ذلك الرماح جنتكم ووقاؤكم، وأصيبت بها ظهوركم وأقفاؤكم، عاقبكم الله بما أنتم أهله " (1).
والوثيقة الثانية عبارة عن رسالة كتب بها أيضا أمير المسلمين علي بن يوسف إلى قادة الجيش المرابطي الذين هزموا في موقعة " القِلاعة "، مؤرخة في الحادي عشر من شعبان سفة 523 هـ من حضرة مراكش، رداً على كتابهم في وصف المعركة، وفيها يقول إنه لا محيص عن القدر، وإنه لم يأل جهداً في العمل لإعلاء كلمة الإسلام، وبذل الأموال وحشد الرجال، وإنه لو استطاع أن يكون حاضراً بنفسه لديهم لفعل، ثم يطمئنهم ويؤكد لهم أنه لا هم له إلا الذياد والدفاع عنهم والتوفر عليه بأقصى جهد (2).
وإنه ليبدو لنا من رسالة ثالثة كتبها أمير المسلمين علي بن يوسف إلى قاضي بلنسية وساير الفقهاء والوزراء والأعيان والعامة، عند نزول ابن رذمير عليها، أن ألفونسو الأرجوني، بعد أن أحرز نصره في موقعة القلاعة المتقدمة الذكر، قد سار بقواته شمالا مخترقاً أراضي ولاية بلنسية، وأنه اقترب من ثغر
_______
(1) يراجع نص هذه الوثيقة بأكمله في باب الوثائق. وقد نقلناها عن مخطوط الإسكوريال رقم 488 الغزيري (لوحة 71 ب - 72 أ) وسبق أن نشر هذه الوثيقة وعلق عليها الدكتور حسين مؤنس في بحثه الذي سبقت الإشارة إليه (مجلة كلية الآداب بجامعة القاهرة سنة 1949).
(2) يراجع نص هذه الرسالة في باب الوثائق. وقد نقلناها عن نفس المخطوط (لوحة 72 ب و 73 أ) وسبق أن نشر هذه الوثيقة أيضاً الدكتور حسبن مؤنس في بحثه السالف الذكر.
(3/119)

بلنسية، ورابط أمامه حيناً. والواقع أن ابن القطان يذكر لنا بعد حديثه عن موقعة القلاعة، أن قوة من النصارى أغارت على غليرة Cullera الواقعة على البحر على مقربة من جنوبي بلنسية، واكتسحت ما وجدت (1)، وعندئذ وجه قاضي بلنسية الخطيب أبو الحسن إلى أمير المسلمين رسالة استغاثة، هي التي يرد عليها في رسالته. وقد صدرت رسالة أمير المسلمين من حضرة مراكش مؤرخة في السابع من شعبان سنة 523 هـ، في نفس اليوم الذي أرخت فيه الرسالة الأولى، الموجهة إلى الأمير محمد بن أبى بكر بلومه، وتقريعه على تخاذله في " القلاعة ". وفي هذه الرسالة يشير أمير المسلمين برفق إلى هزيمة جنده في القلاعة، وأن ذلك لم يكن إلا بسبب تخاذلهم، وعدم اعتبارهم بمواعظه، ثم يطمئن أهل بلنسية، ويؤكد لهم أنه لن يتركهم إلى الضياع، ولن يألو جهداً للذب عنهم، وأنه قد كتب إلى سائر ولاته، بإرسال الأقوات، والتعجيل بإنفاذها في أقرب وقت، وأنه يضعهم من باله في أعز مكان، ويختتمها بالدعاء لأهل بلنسية " بأن يشد الله أزرهم، ويصح أمرهم، ويسد ثغرهم، ويحفظ الألفة عليهم " (2). والظاهر أن ألفونسو المحارب، قد اكتفى في زحفه بأعمال العيث والتخريب، ولم يحاول مهاجمة بلنسية ذاتها (3).
4 - موقعة إفراغة
شغل ألفونسو المحارب، عقب غزوته الكبرى خلال الأندلس، بضعة أعوام، بالحرب مع منافسه ملك قشتالة الفتى ألفونسو ريمونديس ولد زوجه أورّاكا، ولما انتهت هذه الحرب بعقد الهدنة بين قشتالة وأراجون في سنة 1130 م، حوّل ألفونسو المحارب نشاطه إلى وجهة أخرى، غير العدوان على الأندلس.
فعبر جبال البرنيه في بعض قواته إلى فرنسا، وحاصر مدينة بيونة الواقعة شمال نافار، ولم توضح لنا الرواية النصرانية بواعث هذه الحركة، من جانب ملك أراجون، ولكن الظاهر، أنه قام بها إنجاداً لبعض أتباعه من السادة الفرنج، الذين تجاور أراضيهم نافار، وانتهى الحصار باستيلاء ألفونسو على بيونة (سنة 1131 م)، ثم عاد إلى أراجون، ليستأنف تدبير مشاريعه ضد الأندلس.
_______
(1) نظم الجمان (المخطوط السابق ذكره لوحة 34 ب).
(2) نشرنا هذه الوثيقة في باب الوثائق، منقولة عن مخطوط الإسكوريال السالف الذكر (لوحة 72 ب - 73 أ).
(3) M. Lafuente: ibid ; Vol. III. p. 240
(3/120)

وكانت الجيوش المرابطية في الثغر الأعلى وشرقي الأندلس، خلال هذه الفترة، التي شغل فيها ألفونسو المحارب بحروبه في قشتالة وجنوبي فرنسا، تقوم بالإغارة على الأراضي النصرانية المجاورة والعيث فيها، وكانت تخرج بالأخص من طرطوشة ولاردة، وهما أهم القواعد التي بقيت بأيدي المسلمين في الثغر الأعلى، لتجتاح أراضي النصارى المجاورة في أراجون وإمارة برشلونة. ووقعت بين المسلمين والنصارى في تلك الفترة، عدة معارك، وشغل الكونت رامون برنجير الثالث أمير برشلونة، بمعاونة حلفائه الأرجونيين لرد غارات المسلمين.
فلما عاد ألفونسو المحارب إلى استئناف نشاطه ضد المسلمين، كان أهم ما يشغله هو الاستيلاء على ما بقي من قواعد الثغر الأعلى، وإجلاء المسلمين عنها. وكانت هذه القواعد، تنحصر أولا في لاردة وإفراغة ومكناسة الواقعة، في المثلث الواقع بين نهري سنكا وسجرى فرعي نهر إبرة (الإيبرو)، وثانياً في ثغر طرطوشة الواقع على البحر المتوسط عند مصب إبرة. وكان ثغر طرطوشة كما قدمنا بالأخص هدف ملك أراجون، إذ كان الاستيلاء عليه، يحقق له الاستيلاء على ما بقي من مجرى نهر إبرة، ويضمن له سلامة الملاحة في هذا النهر العظيم، ويصل ما بين مملكته وبين البحر. ومن ثم فقد وضع ألفونسو مشروعه الكبير من شقين، يتضمن الأول الاستيلاء على القواعد الإسلامية، الواقعة في مثلث نهري سنكا وسجرى، ثم يتبعها بالشق الثاني وهو الاستيلاء على طرطوشة. وأعد ألفونسو حملة جديدة قوية للبدء في تنفيذ مشروعه، واشترك في هذه الحملة كثير من الأشراف والفرسان الفرنسيين، على غرار ما حدث في حملة سرقسطة، وبدأ ألفونسو بالزحف على مدينة (مكننسة) مكناسة الواقعة عند ملتقى نهري سجرى وإبرة، وهي قاعدة حصينة، ولكن الدفاع عنها لم يكن ميسوراً لوقوعها في السهل المكشوف، فهاجمها النصارى بشدة، واضطرت إلى التسليم بعد مقاومة عنيفة، وذلك في يونيه سنة 1133 م (أواخر سنة 527 هـ).
واتجه ألفونسو بعد ذلك إلى الاستيلاء على مدينتي إفراغة ولاردة، وبدأ الزحف على إفراغة وهي تقع على الضفة اليمنى لنهر سنكا على مسافة قريبة من شمال مكناسة. ولم يكن الاستيلاء على إفراغة بالأمر الهين، لموقعها الحصين فوق الربى العالية في نهاية منحدر وعر ضيق، تصعب مهاجمته، ويسهل الدفاع عنه. ومن جهة أخرى، فقد شعر المرابطون، من أهبة ألفونسو وعنف تحركاته، أن
(3/121)

المعركة الحاسمة بينهم وبين النصارى في الثغر الأعلى، أضحت على وشك الوقوع.
وكانوا مذ وقفوا على حركات ألفونسو وأهباته، لافتتاح قواعد الثغر الباقية، قد رأوا من باب التحوط والاستعداد، أن يعقدوا التفاهم والسلم مع أمير برشلونة رامون برنجير الثالث، وذلك خشية أن ينتهز الفرصة فيهاجمهم من جانبه، ويضطر المرابطون إلى القتال في جبهتين، فاتفقوا على أن يؤدوا له جزية سنوية قدرها اثنا عشر ألف دينار، وذلك عن أمر علي بن يوسف وتوجيهه، فغضب لذلك ألفونسو، وأقسم بأنه سوف ينتزع تلك البلاد التي تؤدي عنها الجزية، ويقطع بذلك منفعتها عن الطرفين الخصيمين (1).
ومن ثم فإنه ما كادت مكناسة تسقط في يد العدو، حتى بادر المرابطون في الثغر، وفي وسط شرقي الأندلس، إلى التأهب للدفاع عن إفراغة ولاردة، وهرع الزبير بن عمرو اللمتوني من قرطبة إلى الثغر الأعلى، في ألفي فارس، ومعه مقادير وفيرة من المؤن. وهرع إليه الأمير أبو زكريا يحيى بن غانية والي بلنسية ومرسية، في قوة تقدرها الرواية بخمسمائة فارس، وكان من أعظم وأشجع القادة المرابطين. وكذلك حشد عبد الله بن عِياض والي لاردة قواته. وكان أهل إفراغة حينما ضيق عليهم ألفونسو الحصار، وأخذت مواردهم في النضوب، قد كتبوا إلى يحيى بن غانية باعتباره عميد القادة المرابطين، بطلب الإنجاد والأقوات، وأنذروه في كتابهم، بأنه إن لم يفعل خضعوا لألفونسو، وسلموه المدينة. ولكن ابن غانية لم يكن في حاجة إلى مثل هذا النذير، وكانت مهمة إنجاد إفراغة وإنقاذها تلقي لديه، ولدى سائر القادة المرابطين منذ البداية منتهى الغيرة والاهتمام (2).
وفي تلك الأثناء كان ألفونسو قد وصل بقواته إلى إفراغة، وضرب حولها الحصار، فقاومته حاميتها وأهلها بقيادة واليها سعد بن محمد بن مردنيش أشد مقاومة، واضطر أن يرفع الحصار غير مرة، ثم يعود إليه، وحملته هذه المقاومة ذاتها، على مضاعفة جهوده في التضييق على المدينة المحصورة، والتصميم على أخذها. وأقسم ألفونسو تحت أسوار إفراغة، كما أقسم أبوه سانشو راميرز قبل ذلك بأربعين عاماً، تحت أسوار وشقة. أن يفتتح إفراغة أو يموت دونها، وأقسم معه عشرون من سادته، وأمر ألفونسو كذلك أن يؤتى برفات القديسين إلى المعسكر
_______
(1) ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السالف الذكر).
(2) ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السالف الذكر).
(3/122)

إذكاء لحماسة الجند، وأن يتولى الأساقفة والرهبان قيادة الصفوف أسوة بالقوامس (الكونتات). وهنا تختلف الروايتان الإسلامية والنصرانية في تصوير الوقائع، وبينما تقول الرواية الإسلامية إنه ما كادت الجيوش المرابطية تصل إلى إفراغة، حتى نشبت الموقعة الحاسمة بين المسلمين والنصارى، إذا بالرواية النصرانية تقدم إلينا تفصيلا آخر، وهو أنه ما كادت القوات المرابطية تصل إلى ظاهر إفراغة، وتتقدم إلى إنجادها، حتى وقعت بينها وبين النصارى معركتين متواليتين، وهزم المرابطون في الموقعتين، ولجأوا إلى الفرار، وعندئذ دب اليأس إلى أهل المدينة وعرضوا التسليم ببعض الشروط، فرفض ألفونسو كل عرض للتسليم، وصمم على اقتحام المدينة بالسيف، فانقلب المحصورون إلى مقاومة اليأس، ونظم المرابطون قواتهم، وعادوا إلى محاولة إنقاذ المدينة، ودبروا كميناً جذبوا إليه الأرجونيين، على يد قافلة من المؤن. وهنا نشب القتال واضطرمت الموقعة.
وعلى أي حال، فقد نشبت بين المرابطين وبين النصارى تحت أسوار إفراغة، موقعة من أشد وأعنف، مما عرف في تاريخ المعارك الحاسمة في الثغر الأعلى.
وتقدر الرواية الإسلامية قوات المرابطين بنحو ثلاثة آلاف فارس (1)، وهو تقدير لا يتفق في نظرنا مع ضخامة المعركة ونتائجها، وتقدرهم الرواية النصرانية بعشرة آلاف فارس (2). وأما الجيش النصراني، فتقدره الرواية الإسلامية بإثنى عشر ألف فارس (3). ومن المرجح على أي حال، أن القوات النصرانية كانت تتفوق في الكثرة على المسلمين. ووقع بين الفريقين قتال شديد مروع، وأبدى المسلمون يقيادة ابن غانية ضروباً رائعة من البراعة والبسالة، وقاتل الأرجونيون كذلك بفيض من الشجاعة، وكان ملكهم يقود المعركة بنفسه، وخرج أهل إفراغة، فانقضوا على النصارى من الخلف، فاشتد الأمر على النصارى، وكثر القتل فيهم، وهلكت منهم عدة كبيرة من القادة والأكابر، ومزقت صفوفهم تمزيقاً، وأصيبوا بهزيمة ساحقة، لم يصبهم مثلها منذ موقعتي الزلاّقة وأقليش (4)، واستولى
_______
(1) ابن الأثير ج 11 ص 13، وهو يحدد القوات المرابطية على النحو الآتي: قوات قرطبة ألف فارس، وقوات مرسية وبلنسية خمسمائة فارس، وقوات لاردة مائتا فارس.
(2) M. Lafuente: ibid ; Vol. III. p. 248. وكذلك أشباخ في تاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحدين (الترجمة العربية) ص 164.
(3) ابن الأثير ج 11 ص 13.
(4) راجع في تحديد معالم الموقعة خريطة الثغر الأعلى (ص 91 من هذا الكتاب).
(3/123)

المسلمون على محلتهم وعتادهم وسلاحهم، وكان ذلك في اليوم السابع عشر من يوليه سنة 1134 م (23 رمضان سنة 528 هـ) (1).
وتختلف الرواية اختلافاً بيناً في مصير ألفونسو المحارب. ومعظم الروايات النصرانية على أنه سقط خلال الموقعة. ويؤيد هذه الرواية صاحب " الأخبار الطليطلية "، وردريك الطليطلي، وثوريتا، وغيرهم. ولكن الذي يثير ريباً حولها، هو أن جثة ألفونسو المحارب لم توجد قط بين ضحايا الموقعة (2). وأما الرواية الأخرى، فهي أن ألفونسو توفي بعد الموقعة بأيام قلائل، ويروى مؤرخ قطلوني معاصر في وصفه للمعركة، أنه حين تمت الهزيمة الساحقة على النصارى، عمد ألفونسو إلى الفرار بصحبة فارسين فقط، ولجأ إلى دير القديس " خوان دي لابنيا " في سرقسطة، وهنالك توفي غماً ويأساً، لثمانية أيام فقط من الموقعة، وذلك في 25 يوليه سنة 1134 م.
وهذا ما تؤيده الرواية الإسلامية مع خلاف يسير. فإن ابن الأثير يقول لنا في حديثه عن الموقعة، أن ابن رذمير (ألفونسو) لحق عقب هزيمته بمدينة سرقسطة، " فلما رأى من قتل من أصحابه، مات مفجوعاً بعد عشرين يوماً من الهزيمة " (3) ويقول ابن القطان أن ابن رذمير فر في شرذمة قليلة جداً، ولحق بمدينة سرقسطة، واله العقل، مخبول الذهن، ثم خرج منها إلى وشقة فأقام بها مختلا أشهراً قليلة ثم حان أجله (4). ويقول لنا صاحب الروض المعطار، إن ألفونسو فر عقب هزيمته، وأوى إلى حصن خرب في رأس جبل شاهق، مع الفل الذي بقي معه، ثم غادره متسللا بالليل حينما أحدق به المسلمون (5).
_______
(1) تختلف الرواية العربية في تاريخ الموقعة فيضعه ابن عذارى في سنة 528 هـ (الأوراق المخطوطة السالفة الذكر - هسبيرس ص 100). ويقول لنا ابن القطان إنها وقعت في سنة 529 هـ ويقول في موضع آخر إنها وقعت سنة 528 هـ (المخطوط السابق ذكره) ويضعها ابن الأثير في سنة 529 هـ (ج 11 ص 13). ويقول لنا صاحب الروض المعطار إنها وقعت في رمضان سنة 525 هـ (صفة جزيرة الأندلس ص 24). ولكن الرواية لنصرانية تحدد لنا تاريخها تحديداً دقيقاً واضحاً، وهو يوليه سنة 1134، الموافق لرمضان سنة 528 هـ.
(2) يراجع في ذلك M. Lafuente: ibid ; Vol. III. p. 243، والهامش حيث يعدد الروايات النصرانية المؤيدة لسقوط ألفونسو في الموقعة. وراجع أيضاً: F. Codera: Decadencia y Disparicion de los Almoravides, p. 269-272
(3) ابن الأثير ج 11 ص 13.
(4) في نظم الجمان (المخطوط السابق ذكره).
(5) الروض المعطار ص 25.
(3/124)

وقد كان لنصر المرابطن في إفراغة، صدى عميق في سائر أرجاء الأندلس، وفي اسبانيا النصرانية بنوع خاص، وعادت سمعة المرابطين العسكرية، إلى سابق مكانتها في شبه الجزيرة، وذاع صيت يحيى بن غانية، قائد المرابطين في ذلك اليوم المشهود، وسنرى فيما بعد كيف يضطلع ابن غانية في قيادة المرابطين في شبه الجزيرة بأعظم دور. وقد نظم الشاعر أبو جعفر بن وضاح المرسى، في واقعة إفراغة، ومديح ابن غانية قصيدة يقول فيها:
شمرت برديك لما أسبل الواني ... وشب منك الأعادي نار غيان
دلفت في غاية الخَطِّىّ نحوهم ... كالعين يهفو عليها وطف أجفان
عقرتهم بسيوف الهند مصلتة ... كأنما شربوا منها بغدوان
هون عليك سوى نفس قتلتهم ... من يكسر النبع لم يعجز عن البان
وقفت والجيش عقدٌ منك منتثرا ... إلا فرائد أشياخ وشبان
والخيل تنحط من وقر الرماح بها ... كأن نصالها ترجيع ألحان
وكان من أثر مؤوقعة إفراغة، وهلاك ألفونسو المحارب، أن انقشع الخطر مدى حين، عما بقي بأيدي المسلمين من أراضي الثغر الأعلى، وعن شرقي الأندلس، واختفت من ميدان الصراع بين المسلمين والنصارى، شخصية خطرة كانت تهدد بمشاريعها البعيدة المدى وتصميمها المستميت، سلام المسلمين، وسلامة الوطن الأندلسي. وقد كان ألفونسو المحارب في الواقع، مثل فرناندو الأول، وألفونسو السادس، من أعظم ملوك اسبانيا النصرانية، في العصور الوسطى.
وكان افتتاحه لسرقسطة، فاتحة عصر جديد لمملكة أراجون، كما كان افتتاح ألفونسو السادس لطليطلة فاتحة عصر جديد لمملكة قشتالة، وقد غدت مملكة أراجون في ظله، باتحاد مملكة نافار معها، منذ عهد أبيه سانشو، قرينة مملكة قشتالة من حيث ترامى الرقعة، وضخامة الموارد، وقوة المراس في مناجزة الأندلس، وقد استطاع هو أن يوطد حدود مملكته، وأن يوسع رقعتها، بافتتاحه سرقسطة وتطيلة وطرسونة وقلعة أيوب ودورقة وغيرها، من القواعد الإسلامية، وكانت أمامه، بزواجه من أورّاكا ملكة قشتالة، فرصة لأن يغدو قيصراً لإسبانيا الكبرى، ولكن ما نشب بين الزوجين من خلاف حول السلطان، وما أبداه أشراف قشتالة من بغض لنير أراجون - كان كفيلا بتحطيم مثل هذا المشروع، وكانت الحرب
(3/125)

الأهلية التي نشبت من جراء ذلك بين قشتالة وأراجون، تتيح للمسلمين أوقاتاً للتهادن، كما تتيح لهم فرص الغزو في الأراضي النصرانية. والرواية الإسلامية نفسها تشيد بعظمة ألفونسو المحارب. ويصفه ابن الأثير في قوله " وكان من أشد ملوك الفرنج بأساً، وأكثرهم تجرداً لحرب المسلمين وأعظمهم صبرا " (1).
هذا وسوف نعني عند الكلام عن تاريخ اسبانيا النصرانية في عهد المرابطين، بالتحدث عن أحوال أراجون وقشتالة في عهد ألفونسو المحارب.
ومما هو جدير بالملاحظة، أن المرابطين، بالرغم من نصرهم الساحق في موقعة إفراغة، وتمزيقهم للجيش الأرجوني شر ممزق، لم يفكروا في الاستفادة من نصرهم بالزحف تواً على سرقسطة، ومحاولة استردادها، وقد كانت على مقربة من ساحة نصرهم، وكان سحق الجيش الأرجوني، وهلاك عاهله، مما يشجع على الاضطلاع بمثل هذه المحاولة، ولكن المرابطين قنعوا في ذلك الموطن بالنصر، وانصرفوا إلى قواعدهم، على غرار ما حدث عقب نصر الزلاّقة، حيث أحجم عاهل المرابطين يوسف بن تاشفين عن مطاردة القشتاليين، وانتهاز فرصة انهيار الجيش القشتالي لمحاولة استرداد طليطلة؛ ومن الغريب أن المرابطين كانوا في نفس الوقت الذي اضطرمت فيه معركة إفراغة سنة 528 هـ يقومون بغزوات مخربة عقيمة في أراضي قشتالة، بقيادة الأمير تاشفين، ولد أمير المسلمين علي بن يوسف، ولو أنهم حشدوا مزيداً من قواتهم في الثغر الأعلى، على أثر انتصارهم في إفراغة بقيادة قائدهم البطل يحيى بن غانية، لكانت لديهم بلا ريب فرصة مرجحة، لاسترداد الثغر الإسلامي العظيم - سرقسطة - وفي رأينا أن المرابطين، بإحجامهم عن استغلال ظفرهم في الزلاّقة وإفراغة، وإحجامهم في الحالة الأولى عن محاولة استرداد طليطلة، وفي الثانية عن محاولة استرداد سرقسطة، قد ارتكبوا في الحالتين خطأ عسكرياً لاشك في خطورته، وكانت له في الحالتين نتائج بعيدة المدى.
5 - خاتمة ملك بني هود بالثغر الأعلى
لما دخل المرابطون سرقسطة بدعوة أهلها، في أواخر سنة 503 هـ (1110 م) كان قد غادرها آخر ملوكها من بني هود، عبد الملك بن أحمد المستعين بن هود الملقب بعماد الدولة. ولم يكن عبد الملك قد حكم سوى فترة يسيرة، دب الخلاف
_______
(1) ابن الأثير ج 11 ص 13.
(3/126)

خلالها بينه وبين أهل سرقسطة لمحالفته النصارى وانضوائه تحت لوائهم، حسبما فصلناه من قبل في كتاب " دول الطوائف ". وسار عبد الملك في أهله وأمواله إلى قاعدة روطة المنيعة، الواقعة على الضفة اليسرى لنهر خالون أحد أفرع نهر إبرة الجنوبية، على قيد خمسة وثلاثين كيلومتراً من سرقسطة. وكان بنو هود قد أنشأوا هذه القاعدة، وحصنوها وزودوها بالأبنية الضخمة، وأعدوها لتكون لهم عند الضرورة ملجأ ومثوى. وفي بعض الروايات أن الذي أنشأ حصن روطة، وأسبغ عليه مناعته الفائقة، هو المستعين والد عبد الملك، وأنه حفر فيه إلى الوادي سرباً أتقن أدراجه، تنيف على أربعمائة درج فلا ينقطع فيه الماء (1).
واستمر عبد الملك في هذه القاعدة، وأنشأ بها إمارة صغيرة. والظاهر أن إمارة روطة كانت تشمل يومئذ، رقعة من الأراضي، تمتد شمالا حتى برجة الواقعة شمال غربي سرقسطة، على مقربة من تطيلة، يدل على ذلك ما يذكره صاحب البيان المغرب في أخبار سنة عشر وخمسمائة من أن الأمير أبا بكر صاحب سرقسطة، خرج إلى الغزو، وهاجم حصن روطة، وأثخن في أنحائه، ثم تحرك إلى برجة، وبها عماد الدولة بن المستعين بن هود، فضيق عليها، وبالغ في إرهاقها، حتى صالحه أهلها، فرجع عنها إلى سرقسطة (2). وعلى أي حال فإنه يبدو أن العداء كان مستحكماً، بين عماد الدولة وبين المرابطين، ومن ثم فقد وضع عماد الدولة نفسه تحت حماية ملك أراجون القوي، ألفونسو المحارب، خشية من نقمة المرابطين سادة سرقسطة، واستمر عبد الملك عماد الدولة، في حكم إمارته الصغيرة نحو عشرين عاماً، حتى توفي بحصن روطة في شعبان سنة 524 هـ (1130 م). وكانت سرقسطة قد سقطت في تلك الأثناء في أيدي النصارى، وأصبح ألفونسو المحارب سيد هذه الأنحاء بلا منازع. وتوجد ثمة رواية مفادها أن عماد الدولة بن هود، لبث أميراً بسرقسطة، تحت حماية المرابطين، حتى سقطت المدينة في أيدي النصارى، وعندئذ فر منها إلى روطة (3). بيد أن هذه الرواية ضعيفة لا تؤيدها أية رواية أخرى. وينقضها بالعكس، ما سبق أن ذكرناه من توالي الولاة المرابطين على سرقسطة، مذ دخلها ابن الحاج حتى سقوطها في أيدي النصارى في سنة 512 هـ (1118 م).
_______
(1) ابن الكردبوس في كتاب " الإكتفاء " (مخطوط الأكاديمية السالف الذكر لوحة 165 ب).
(2) ابن عذارى في البيان المغرب (الأوراق المخطوطة - هسبيرس ص 78).
(3) ابن الكردبوس في كتابه السالف الذكر (المخطوط لوحة 165 ب).
(3/127)

ولما توفي عماد الدولة خلفه في إمارة روطة وأعمالها، ولده أبو جعفر أحمد ابن عبد الملك، وتلقب بسيف الدولة المستنصر بالله، وكذلك المستعين بالله، واستمر في حكم روطة وما حولها من الحصون والأراضي، وحذا حذو أبيه في محالفة النصارى، والانضواء تحت حماية ألفونسو المحارب ملك أراجون. بيد أنه ما لبث أن شعر بوطأة هذا النير، ورأى أن يتجه إلى الناحية الأخرى من اسبانيا النصرانية، إلى ناحية قشتالة. وكان ملك قشتالة الفتى ألفونسو ريمونديس، الذي تسميه الرواية العربية أدفنش بن رمند باسم أبيه ريموند الأرجوني، وبالسُّليطين أي الملك الصغير - لأنه تولى الملك وهو حدث، وأضحى بعد وفاة أمه أورّاكا في سنة 1126 م، ملكاً على ليون وقشتالة ولمّا يجاوز الحادية والعشرين.
وكان ألفونسو ريمونديس، بعد أن انتهى النضال بينه وبين خصمه ومنافسه ألفونسو المحارب، زوج أمه القديم بظفره، وأضحى سيد قشتالة القوي، يبدو لسيف الدولة حليفاً أفضل. وتعرف الرواية اللاتينية " سيف الدولة " معرفة جيدة، وتسمية " سفادولا " Zafadola، وتقول لنا إن سيف الدولة عرض على أولاده ووزرائه، فكرة التحالف مع ملك قشتالة والانضواء تحت لوائه، فوافقوا عليها، وأنه بعث إلى ملك قشتالة برغبته في زيارته، وبأن يرسل إليه بعض فرسانه لحمايته، خوفاً من المرابطين، فبعث إليه الملك ببعض أكابر فرسانه، وصحبوه إلى بلاط طليطلة، فاستقبله الملك بترحاب وعطف، وعامله معاملة ملك، وقدم إليه طائفة من الهدايا النفيسة، وتأثر سيف الدولة بما رآه من فخامة بلاط قشتالة، وكريم معاملته، فأعلن أنه ينضوي تحت لوائه وحمايته، ويضع نفسه هو وأولاده تحت تصرفه، ثم نزل له عن حصن روطة، مقابل حصون وبلاد في منطقة طليطلة وإسترامادورة، أعطاه إياها ملك قشتالة، فانتقل إليها ووضع نفسه في خدمته (1).
وتقدم إلينا لي بعض الروايات النصرانية الأخرى، قصة سيف الدولة في صيغة أخرى، فتقول إن سيف الدولة لما برم بحماية ملك أراجون المرهقة، وخشي من انقلاب رعيته عليه لمحالفته للملوك النصارى، قرر أن يعترف بحماية ملك قشتالة، ونزل له عن روطة اليهود، وغيرها من المواقع المنيعة، الباقية من مملكته الصغيرة،
_______
(1) تراجع هذه الرواية في A. P. Ibars: Valencia Arabe (Valencia 1901) T. I. p. 466-467 وكذلك في F. Codera: Dec. y Dis. de los Almoravides, p. 24-26
(3/128)

فاستقبله ملك قشتالة بترحاب، وأعطاه في مقابل ذلك، عدة أمكنة في قشتالة وليون (سنة 1132 م) (1).
وتحدثنا الرواية العربية عن سيف الدولة المستنصر بن هود، وعن تنازله عن حصن روطة لملك النصارى، ولكنها تختلف في تفاصيل ذلك. ويضع ابن الاثير هذا التنازل في حوادث سنة 529 هـ (1134 م)، ويقول لنا إن المستنصر ابن هود، عقد في هذه السنة الصلح مع " السليطين " (ألفونسو ريمونديس).
وكان " السليطين " قد أكثر من غزو بلاد المستنصر وقتالها حتى ضعف عن مقاومته، فرأى أن يريح نفسه وجنده مدة، فاستقر بينهما الصلح لمدة عشر سنين، على أن يسلم المستنصر حصن روطة، وهو من أمنع الحصون وأحصنها، وتسلم النصارى الحصن " وفعل المستنصر فعلة لم يفعلها قبله أحد " (2).
ويقدم إلينا ابن الكردبوس عن هذه الواقعة رواية ضافية، ينفرد فيها بتفاصيل خاصة، خلاصتها أن طاغية الروم الإنبرطر الملقب بالسُّليطين، هو الذي راسل المستنصر، وعرض عليه أن يتخلى له عن روطة ويعوضه عنها بقشتالة ما هو أحسن وأفيد، بحيث يغدو أقرب إلى بلاد غربي الأندلس، وأنه سوف يخرج معه بنفسه إلى طائفة من البلاد المتاخمة لقشتالة يدعو أهلها لطاعته، وأنه على يقين من أن أهل هذه البلاد سوف يستجيبون إلى دعوته، لأن المرابطين قد أذاقوهم العذاب، وهم يكرهونهم، ويتمنون زوال دولتهم، وأخيراً أنه لم يبق من أبناء الملوك المسلمين سواه، أى المستنصر، وهكذا تخلى المستنصر لملك قشتالة عن روطة وهي " معقل ما أبصر مثله من يعقل ". وعوضه عنها ملك قشتالة بقرى ومزارع مغلة في بلاده. ثم خرج معه إلى غربي الأندلس، في قوات كثيفة، فما قصد موضعاً إلا ألفاه ممتنعاً، ولم تستجب إلى دعوته أية قرية، أو أي موضع، وخشي أهل هذه البلاد جميعاً، إن أطاعوه وانضموا تحت لوائه، فإن العدو يغلبهم ويملكهم، وهذا رجع المستنصر من مشروعه بأخسر صفقة (3). ويستفاد من رواية ابن الكردبوس هذه، أن ملك قشتالة، كان يرمي إلى استخدام المستنصر
_______
(1) M. Lafuente: ibid ; Vol. III. p. 247
(2) ابن الأثير ج 11 ص 13.
(3) وردت رواية ابن الكردبوس في كتاب " الإكتفاء " (مخطوط أكاديمية التاريخ السابق الذكر لوحة 165 ب).
(3/129)

في إنشاء إمارة متاخمة لقشتالة من ناحية الجنوب الغربي، تتكون من بعض البلاد والقرى الإسلامية النائية المجاورة لحدود قشتالة، وذلك لكي يجعل منها قاعدة أمامية لعدوانه على أراضي الأندلس، ووسيلة للضرب والتفريق بين المسلمين في تلك المنطقة، بيد أنه فشل في مشروعه واقتصر سيف الدولة المستنصر، في مقامه بقشتالة، على الأماكن والأراضي التي منحت له ليعيش فيها. ويقول لنا ابن الأبار إن ملك قشتالة عوضه عن روطة بنصف مدينة طليطلة (1). وهذه الرواية تدعو إلى التأمل، لأن طليطلة كانت في ذلك الوقت عاصمة مملكة قشتالة، وتقول لنا الرواية اللاتينية السالفة الذكر إن ملك قشتالة منح المستنصر حصوناً وبلاداً في منطقة طليطلة وإسترامادورة، وهو أقرب إلى المعقول، وربما شملت هذه الأماكن حيًّا أو دوراً في طليطلة ذاتها. ويضع ابن الأبار تاريخ تنازل المستنصر عن روطة في شهر ذي القعدة سنة 534 هـ (1139 م).
وهناك رواية أخرى يقدمها إلينا ابن الخطيب، وهي تختلف في مضمونها عما تقدم، وخلاصتها أن المستنصر بن هود لجأ إلى حماية ابن رذمير، أعني ألفونسو المحارب ملك أراجون، وليس إلى حماية ملك قشتالة، وأن ابن رذمير عوضه عن روطة بأماكن من أعمال مدينة تُطيلة في شمالي الثغر فانتقل إليها بأهله وأمواله (2).
وهكذا انتهت بتخلي المستنصر عن قاعدة روطة وأعمالها، رياسة بني هود فيما تبقى من أنقاض مملكة سرقسطة القديمة. وأقام المستنصر في مقره الجديد في كنف ملك قشتالة بضعة أعوام أخرى، إلى أن سنحت له فرصة للتدخل في حوادث الأندلس، وشق طريقه إلى الرياسة من جديد، وهو ما سنعنى به في موضعه المناسب.
_______
(1) ابن الأبار في الحلة السيراء ص 225.
(2) ابن الخطيب في أعمال الأعلام ص 176.
(3/130)

الفصل الخامِسُ
الأمير تاشفين بن علي وغزواته وأعماله في شبه الجزيرة
قاعدة التولية لدى المرابطين. علي بن يوسف يولي ولده تاشفين شئون الأندلس. الخلاف حول تاريخ هذه التولية. خروج تاشفين إلى غزو قشتالة. غزوة لوالي إشبيلية. القشتاليون يغزون أراضي قرطبة. غزوة ينتان بن علي لأراضي أراجون. تاشفين يفتتح حصن السكة. عود القشتاليين إلى غزو أراضي قرطبة. مسير تاشفين إلى لقائهم وهزيمتهم. غزو القشتاليين لأراضي إشبيلية وردهم. عودهم إلى الغزو بقيادة ملكهم ألفونسو ريموندس. التقاء تاشفين وقواته بالنصارى قرب بطليوس. هزيمة القشتاليين وفرارهم. خروج تاشفين إلى الغزو. اللقاء في موقعة البكار. هزيمة المرابطين في البداية ثم ثباتهم وانتصارهم. قصيدة أبى بكر الصيرفي في مديح تاشفين ونصحه. إيضاح عن مكان الموقعة. حوادث أندلسية مختلفة. غزوة قشتالية لأراضي الأندلس. توغل القشتاليين وعيثهم حتى أراضي شريش. غزوات جديدة لتاشفين في أراضي قشتالة. غزوة قشتالية أخرى لأراضي قرطبة. نقل قاعدة الحكم المرابطي من غرناطة إلى قرطبة. التنويه بتاشفين وحسن إدارته. عود تاشفين إلى المغرب. اختياره لولاية العهد مكان أخيه سير. ظروف هذه التولية وبواعثها.
- 1 -
وضح مما تقدم، مما ذكرناه في أخبار ولاة الأندلس وأقاليمها، أن الدولة المرابطية، كانت تعتمد في حكم الأندلس على عصبية القبيل والأسرة، فيتولى الحكم بها الأمراء من أبناء أمير المسلمين وقرابته وأصهاره، ويتولى هؤلاء كذلك قيادة الجيوش المرابطية، ويضطلع بالقيادة العامة ولد الأمير. وقد طبقت هذه القاعدة منذ البداية، فكان الأمير سير ابن أبى بكر اللمتوني قائد الجيوش المرابطية، ومتولي شئون الأندلس في عهد يوسف بن تاشفين، ثم كان أبو الطاهر تميم ولد يوسف متولي القيادة العامة، منذ وفاة والده، وولاية أخيه علي بن يوسف، وكذلك متولي لشئون الأندلس، وقاعدته الإدارية غرناطة. ولبث تميم في منصبه عدة أعوام، قاد فيها الجيوش المرابطية منذ موقعة أقليش في سنة 501 هـ (1108 م)، حتى سقوط سرقسطة في سنة 512 هـ (1118 م)، وموقعة كتُندة في سنة 514 هـ (1120 م). وفي سنة 516 هـ (1122 م)، ولّي الأمير تميم ولاية إشبيلية إلى جانب ولاية غرناطة ثم صرف عن إشبيلية في العام التالي، ووُلي
(3/131)

إشبيلية الأمير أبو بكر بن علي بن يوسف. واستمر الأمير تميم بعد ذلك والياً على غرناطة، ومتولياً لسائر شئون الأندلس، حتى توفي سنة 520 هـ (1126 م).
ومما هو جدير بالذكر أن القاضي أبا الوليد بن رشد، حينما عبر إلى العدوة في هذا العام نفسه، على أثر غزوة ألفونسو المحارب، بممالأة النصارى المعاهدين، كان يقصد - إلى جانب سعيه لدى أمير المسلمين علي بن يوسف في تغريب المعاهدين - أن يسعى كذلك في عزل أخيه تميم عن ولاية الأندلس، وتعيين غيره (1). ولكن القدر عجل بوفاة تميم. فعندئذ عهد أمير المسلمين علي بن يوسف بئشون الأندلس، إلى ولده تاشفين بن علي، فعبر إليها في جيش مرابطي جديد من خمسة آلاف فارس، ولم يلبث أن بدأ سلسلة جديدة من الغزوات في أراضي قشتالة.
وتختلف الرواية في تاريخ تولية تاشفين لشئون الأندلس. فهناك قول بأن توليته كانت في سنة 520 هـ عقب عزل عمه تميم (2)، وهناك قول آخر بأن هذا التعيين كان في سنة 522 أو 523 هـ (3)، تم هناك قول ثالث بأنه كان في سنة 526 هـ (4). بيد أنه يبدو من أقوال صاحب البيان المغرب عن غزوات تاشفين بالأندلس، وهي أقوال تؤيدها الرواية النصرانية، أن تاشفين كان موجوداً بالأندلس منذ سنة 522 هـ، وأنه قد التقى في هذا العام ذاته بالقشتاليين على مقربة من قلعة رباح (5). وهذه الرواية يؤيدها أيضاً ما يذكره لنا ابن القطان في حوادث سنة 522 هـ، وهو أن علياً بن يوسف، عزل ولده الأمير أبا بكر عن ولاية إشبيلية، وغربه مكبولا إلى الصحراء، لأنه لم يرض عن بيعة أخيه، وتوليه شئون الأندلس، وعين مكانه لولاية إشبيلية أجداي والي قرطبة (6). ويؤيد ابن عذارى واقعة عزل الأمير أبى بكر ولكنه لا يذكر شيئاً عن تغريبه، ويقول لنا إن الذي خلفه في ولاية إشبيلية هو عمر بن سير، وذلك في شعبان سنة 522 هـ (7).
وفضلا عن ذلك، فإن صاحب البيان المغرب، ينقل إلينا عن ابن الوراق رواية
_______
(1) الحلل الموشية ص 107.
(2) روض القرطاس ص 106.
(3) ابن الخطيب في الإحاطة (القاهرة 1956) ج 1 ص 454 و 457.
(4) ابن خلدون ج 6 ص 186.
(5) البيان المغرب (الأوراق المخطوطة - هسبيرس ص 90).
(6) ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السالف ذكره).
(7) البيان المغرب (الأوراق المخطوطة- هسبيرس ص 110).
(3/132)

أخرى مفادها أن ولاية تاشفين للأندلس كانت في سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة، وأنه قدم إلى غرناطة في السابع والعشرين لذي حجة من هذا العام (1).
وعلى أي حال فإن حديث غزوات تاشفين في شبه الجزيرة يبدأ بالفعل قبل هذا التاريخ. ويستفاد من رواية صاحب روض القرطاس أن تاشفين قد عبر إلى شبه الجزيرة منذ سنة 520 هـ، وأنه خرج في أواخر هذا العام أو أوائل العام التالي في جيشه، وفي أجناد الولايات، غازياً إلى أراضي طليطلة، فعاث في أحوازها، واقتحم اثنين من حصونها، ثم سار نحو الغرب، والتقى بالنصارى في موضع يعرف " بفحص الضباب " فهزمهم هزيمة شديدة، وافتتح ثلاثين حصناً من حصون هذه المنطقة وكتب إلى أبيه بالفتح (2).
وقام الأمير تاشفين بعد ذلك بعدة غزوات في أراضي قشتالة، وخاض مع القشتاليين معارك عديدة. وبالرغم من أن الرواية العربية تحدثنا عن غزوات تاشفين ووقائعه في عبارات حماسية، فإنها لا تقدم إلينا تفاصيل شافية عن هذه الوقائع.
وكذلك فإن الرواية النصرانية ليست دقيقة ولا واضحة في هذا الموطن.
وفي وسعنا أن نتتبع غزوات الأمير تاشفين وحروبه مع النصارى منذ سنة 522 هـ (1128 م)، ففي تلك السنة غزا القشتاليون أراضي الأندلس بجيش ضخم، ووصلوا في زحفهم إلى جبال الكرس، على مقربة من قلعة رباح، فخرج الأمير تاشفين إلى لقائهم، فارتدوا عائدين إلى بلادهم.
وفي العام التالي، أعني في سنة 523 هـ (1129 م)، سير الأمير تاشفين جيش إشبيلية بقيادة واليها عمر بن سير اللمتوني، فأغار على أطراف قشتالة، فخرج إليه زهاء ثلاثمائة فارس للعدو وقاتلوه بشدة، فانهزم المرابطون، وقتل وأسر الكثير منهم. وكانت هذه الهزيمة ترجع بالأخص إلى تهاون عمر بن سير وعدم تحوطه، فرفع أمره إلى أمير المسلمين علي بن يوسف، فألزمه بدية من أسر، وعزله عن ولاية إشبيلية، وولى مكانه الأمير أبا زكريا يحيى بن علي الحاج.
وفي سنة 524 هـ (1130 م) انحدرت القوات القشتالية جنوباً حتى أصبحت على مقربة من قرطبة، فاستغاث واليها عبد الله بن تينغمر بالأمير تاشفين، فبادر إليها في قواته، فارتد القشتاليون أدراجهم، ولم يشاءوا الاشتباك مع المرابطين،
_______
(1) البيان المغرب (الأوراق المخطوطة - هسبيرس ص 91).
(2) روض القرطاس ص 107.
(3/133)

وتحول الأمير تاشفين بقواته إلى جيان، فلبث بها قليلا يرقب الحوادث، ثم سار منها إلى غرناطة (1).
وتوفي في أوائل هذا العام محمد بن يوسف بن يدّر والي بلنسية، فعين مكانه ينتان بن علي وهو الابن الأصغر لعلي بن يوسف. وخرج ينتان بقواته غازياً في أراضي أراجون، فلقيه النصارى بقيادة الكونت جاستون دي بيارن (وتسميه الرواية العربية غشتون) فهزم النصارى، وقتل الكونت وسيق رأسه إلى غرناطة وطيف بها على رمح؛ ثم حملت إلى أمير المسلمين بمراكش، فطيف بها هنالك أيضاً.
وفي رمضان من نفس هذا العام، خرج الأمير تاشفين بجيش غرناطة ومتطوعتها، واتصل به جيش قرطبة إلى حصن السكة Aceea من عمل طليطلة، وكان ملك قشتالة، قد شحنه بالمقاتلة للإغارة على أراضي المسلمين، فحاصره تاشفين، وافتتحه عنوة، وقتل من كان به، وأسر قائده تليو فرنانديث - وكان من مشاهير فرسان قشتالة - وكذلك ضباطه، وتزيد الرواية النصرانية على ذلك، أن القتلى من حامية الحصن بلغوا مائة وثمانين، وأن تاشفين سار بعد ذلك إلى حصن بارجاس فقتل من رجاله خمسين. واستمر في تقدمه حتى وصل إلى " سان سرفاندو " من ضواحي طليطلة، ثم ارتد بعد ذلك بقواته جنوباً وعاد إلى غرناطة، فاستقبله الناس أفخم استقبال (2).
وفي صفر سنة 525 هـ (يناير 1131 م)، هزم المرابطون قوة من القشتاليين كانت تغير على الحدود وتضيق على المسلمين.
وفي هذا العام أسندت ولاية قرطبة إلى ابن أخت علي بن يوسف، عبد الله ابن أبى بكر المعروف بابن قنونة. وفيه شبت النار بسوق الكتانين بقرطبة، واتصلت بسوق البز، فأتت عليه وأسفرت عن خسائر فادحة، ورجم الناس ابن المناصف صاحب السوق لتقصيره في المعونة (3).
وفي ربيع الأول سنة 526 هـ (يناير 1132 م)، نمى إلى الأمير تاشفين أن
_______
(1) نقلنا أخبار هاتين الغزوتين، عن البيان المغرب (الأوراق المخطوطة السالفة الذكر - هسبيرس ص 91).
(2) البيان المغرب (الأوراق المخطوطة - هسبيرس ص 91). وابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السالف الذكر لوحة 67 أ).
(3) نظم الجمان (المخطوط السالف الذكر لوحة 68 ب).
(3/134)

القشتاليين خرجوا من طليطلة متجهين صوب قرطبة، فبادر بالسير إلى قرطبة، تم اتجه إلى لقاء العدو في قواته الخفيفة، وترك الثقل بحصن أرجونة، وفي تلك الأثناء كان القشتاليون قد وصلوا إلى حصن شنت إشتيبن على مقربة من جيان، واستولوا عليه، ثم ساروا إلى قرية براشة. وهناك التقى الفريقان، ووقعت بينهما معركة عنيفة، هزم فيها القشتاليون وقتل منهم عدد جم، وأسر قائد القشتاليين وعدة من أكابر ضباطه، واستولى المرابطون على مقادير وافرة من الأسلحة والدواب والثياب، وسار الأمير تاشفين بالأسرى والغنائم إلى قلعة رباح القريبة من ميدان المعركة، فأصلح أحوالها وحصن أسوارها، وترك الأسرى لدى أهلها، ليفتدوا بهم من يستطيعون من أسراهم، ثم عاد في قواته ظافراً إلى غرناطة (1).
وقد سجل لنا ابن القطان من أحداث هذا العام بعض صور أخرى غير أخبار الحرب والغزوات، فذكر لنا أن المجاعة اشتدت فيه بقرطبة، وانتشر الوباء بين الناس، وكثر الموت، وبلغ سعر المد من القمح خمسة عشر ديناراً، وذاعت الفوضى وكثر أهل الشر، فجد الوالي ابن قنونة في مطاردة أهله، وقتل الكثير منهم.
وفي أواخر هذا العام، أعني 526 هـ، خرج جيش من القشتاليين بقيادة الكونت ردريجو كونثالث إلى ناحية إشبيلية وأغاروا على أراضيها من جهة حصن القليعة، وعاثوا فيها قتلا وسبياً، ثم انحدروا فجأة إلى الشَّرْف (2) على مقربة من المدينة وقتلوا من أهله جموعاً غفيرة، وأخذ والى المدينة عمر بن الحاج اللمتوني على غرة، فبادر في قواته إلى لقاء القشتاليين بالوادي على ضفة النهر، وبعث سرية من فرسانه إلى الضفة الأخرى، فأسرت بعض القشتاليين وجاءت بهم فأمر الوالي بضرب أعناقهم أمام أعين إخوانهم في الضفة الأخرى، فاضطرم القشتاليون سخطاً وحماسة، واقتحموا النهر كالسيل المنهمر، وأطبقوا على المرابطين، ووقعت بينهما معركة عنيفة، قتل فيها عمر بن الحاج ومعظم جنده، فأغلقت المدينة
_______
(1) ابن الخطيب في الإحاطة ج 1 ص 459. والبيان المغرب (الأوراق المخطوطة المشار إليها هسبيرس ص 94 و 95).
(2) إقليم " الشرف " في الجغرافية الأندلسية، هو السهل الممتد غرباً من إشبيلية حتى لبلة، وجنوباً حتى شاطىء المحيط، ويشمل حصن القصر، ولبلة، وولبة، وجزيرة شلطيش، وجبل العيون. وقد سمي بهذا الاسم لأنه " مشرف من ناحية اشبيلية " (الإدريسي في نزهة المشتاق. الجزء الخاص بوصف المغرب وأرض السودان ومصر والأندلس طبعة دوزي ص 174 و 178).
(3/135)

أبوابها دون الغزاة، واشتد الخوف بالناس، وكان ذلك في منتصف رجب من السنة المذكورة (1).
وزحف القشتاليون على إشبيلية حتى صاروا على قيد فرسخين منها، وهم يثخنون في إحوازها قتلا وسبياً وتخريباً، وكان الأمير تاشفين، حينما نمى إليه عدوان القشتاليين قد نهض في قواته إلى إشبيلية، فطارد العدو وطهر منه الوادي، وارتد النصارى إلى بلادهم مثقلين بالغنائم والسبي.
وتزيد الرواية الإسلامية على ما تقدم، أن الأمير تاشفين سار في قواته نحو الغرب ومعه ابن قنونة والي قرطبة، والتقى بقوة من النصارى، كانت قد أغارت على أحواز يابرة، فهزمها المرابطون، وقتلوا معظم رجالها، وأنقذوا منها الغنائم والأسرى (2).
بيد أنه لم يمض قليل عن ذلك، حتى بدت نيات القشتاليين واضحة في استئناف العدوان على نطاق واسع، ففي أوائل سنة 528 هـ (1134 م) حشد ألفونسو ريمونديس (ألفونسو السابع) أو ألفنش بن رمند كما تسميه الرواية العربية، جيشاً ضخماً من آلاف عدة، وبه كثير من أبطال قشتالة وأنجادها المشهورين، وقصد إلى ناحية بطليوس، وعاث في أحوازها، وخرب أراضيها، فنهض إليه الأمير تاشفين من إشبيلية في قوات ضخمة، ووقف من أدلائه وطلائعه على خط سير العدو، ورابط للقائه في مكان يقع شرقي بطليوس على مقربة من سهل الزلاّقة، الذي اشتهر بانتصار جده العظيم يوسف بن تاشفين فيه، على ألفونسو السادس (479 هـ)، وما كادت طلائع العدو تبدو، وقد ملأت جموعه وغنائمه السهل، حتى تأهب المرابطون للقائه بحماسة وتوثب. ونظم الجيش الإسلامي مثلما نظم يوم الزلاّقة في وحدات متناسقة، فاحتل المرابطون، وعلى رأسهم الأمير تاشفين القلب، تتقدمهم البنود البيض مكتوبة بالآيات، اصطفت إلى جانبيه القوات الأندلسية تتقدمها الرايات الحمراء بالصور الهائلة، واحتل الجناحين أهل الثغور وذوو الجلاد، وعليهم الرايات المرقعات، واحتل المقدمة أنجاد زنانة، ولفيف الحشم ذوو العمائم، وأمامهم الأعلام المصبغات، ونشبت بين الفريقين
_______
(1) البيان المغرب (الأوراق المخطوطة - هسبيرس ص 97) ونظم الجمان (المخطوط السالف الذكر لوحة 71 ب)، وابن الخطيب في الإحاطة ج 1 ص 460.
(2) ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السابق ذكره لوحة 72 أ).
(3/136)

خريطة:
مواقع غزوات المرابطين التي قام بها علي وتاشفين في أراضي قشتالة والبرتغال.
(3/137)

معركة عنيفة، دارت فيها الدائرة على القشتاليين، فهزموا شر هزيمة، ولجأوا إلى الفرار، وقد قتلت وأسرت منهم جموع غفيرة، واستنقذ المسلمون الأسرى والغنائم من أيدي القشتاليين، وكان ذلك في جمادى الأولى من سنة 528 هـ (مارس سنة 1134) وقفل الأمير تاشفين في قواته ظافراً إلى قرطبة. ثم سار منها إلى غرناطة فاستقبل استقبالا فخماً، وأنشده الشعراء مهنئين، فمن ذلك قصيدة طويلة جاء فيها:
أما وبيض الهند عنك خصوم ... فالروم تبذل ما ظباك تروم
تمضي سيوفك في العدا ويردها ... عن نفسه حيث الكلام وخيم
دار هجمت بيوتها بظباك فأبدأ ... على قمم الملوك هجوم (1)
وفي شهر ذي الحجة من نفس العام (528 هـ) خرج الأمير تاشفين أثر عيد النحر، بقوات غرناطة وقرطبة وقوات المجاهدين من الخيل والرجل، إلى الغزو، فسار نحو الغرب، وقد انضم إليه جيش إشبيلية " بفحص الريحانة " ثم سار إلى موضع تسميه الرواية " بالبكار " وهو طريق للعدو لا محيص منها. ولما رأى القشتاليون القوات المرابطية، وضعوا خطة لاجتذابها إلى هذا الموضع، وأقبل المرابطون بالفعل إليه، وندب القشتاليون نخبة من أنجادهم تبلغ نحو ألفين، فانقضت على المرابطين فجأة عند دخول الظلام، في هذا الموضع الحرج، واستطاعت أن تخترق صفوفهم في عدة مواضع، فدب الخلل بالجيش المرابطي، ونفرت الخيل وشردت واقتحمت الأخبية، وعلا الصياح بين المسلمين، وفروا من كل جانب، ووصلت سرية من النصارى إلى خيمة الأمير تاشفين، فأشار إليه بعض خاصته بأن يبادر بالفرار، فأبى، فأحدق به فرسان الأندلس وأنجاد المرابطين، وحالوا بينه وبين العدو، ووقعت بين الفريقين معركة عنيفة، والأمير تاشفين ثابت فوق فرسه، متشح بسيفه ودرعه، يشدد الضرب والطعان، قال المؤرخ " فلم ير أربط منه جأشاً ولا أشهم نفساً، في مطلع ذلك الهول "، واستطاع أحد الجند العبيد أن يقضي على قائد القشتاليين المهاجمين بطعنة نافذة، ثم انجلت الظلمة عن هزيمة النصارى، وقد اجتمعت من القتلى من الجانبين أكداس ضخمة. وفي صباح الغد سار الأمير تاشفين في قواته إلى حصن قشرش، وهو من
_______
(1) البيان المغرب (الأوراق المخطوطة هسبيرس - ص 97)، وابن الخطيب في الإحاطة ج 1 ص 460 و 461. ولم يذكر لنا ناظم هذه القصيدة.
(3/138)

حصون المسلمين ثم غادره عائداً إلى قرطبة (1). وقد وجه إليه كاتبه أبو بكر يحيى ابن الصيرفي بهذه المناسبة قصيدة ضافية، يهنئه فيها بالسلامة، ويحذره من خدع الحرب، ويسدي إليه بعض النصائح فيما يجب أن يكون عليه القتال. وهي طويلة في نحو ستين بيتاً، نقتطف منها الأبيات الآتية:
يا أيها الملأ الذي يتقنع ... من منكم البطل الهمام الأورع
ومن الذي غدر العدو به دجى ... فانفض كل وهو لا يتزعزع
تمضي الفوارس والطعان يصدها ... عنه ويدمرها الوفاء فترجع
والليل مرضج الترايك بينهم ... صبح على هام الكماة ملمع
عن أربعين ثنت أعنتها دجى ... ألفان ألف حاسر ومقنع
لولا رجال كالجبال تعرضت ... ما كان هذا السيل مما يودع
فثبتّ والأقدام تزلق والردى ... حول السرادق في الأسنة تقرع
لا يعظمن على الأمير فإنها ... خدع الحروب وكل حرب يخدع
ولكل يوم حنكة وتمرس ... وتجارب في مثل نفسك تنجع
يا شجع الأبطال ليلة أمسه ... اليوم أنت مع التجارب أشجع
ومنها في نصائح الحرب:
واحذر كمين الروم عند لقائها ... واخفض كمينك خلفها إذ تدفع
لا تبقين النهر خلفك عندما ... تلقي العدو فنشره متوقع
اجعل مناجزة العدو عشية ... ووراءك الصدف الذي هو أمنع
وصدمه أول وهلة لا ترتدع ... بعد التقدم فالنكوص يضعضع
وجاء في ختامها في مخاطبة تاشفين وتهنئته:
يا تاشفين أقم لجيشك عذره ... بالليل والقدر الذي لا ينفع
هجم العدو دجى فروّع مقبلا ... ومضى يهيم وهو منك مروع
كم وقعة لك في ديارهم انثنت ... عنها أعزتها تذل وتخضع
النعمة العظمى سلامتك التي ... فيها من الظفر الرضى والمَقْنع
كادت تكون ولو إذاً لتزلزلت ... عنها البسيطة والجبال الخُشَّع
وهوت بأندلس عقاب لم تدع ... فيها لذكر الله صوت يرفع
_______
(1) نظم الجمان (المخطوط السابق ذكره لوحة 75). والبيان المغرب (الأوراق المخطوطة السالفة الذكر - هسبيرس ص 98 و 99).
(3/139)

لا ضَيّع الرحمن سعيك إنه ... سعي به الإسلام ليس يُضيّع
نستودع الرحمن منك وديعة ... فهو الحفيظ لكل ما يستودع (1)
وتشير الرواية القشتالية إلى هذه الموقعة (2)، ولكنها كالرواية العربية لا توضح لنا مكان وقوعها توضيحاً كافياً، والظاهر مما تشير إليه أقوال صاحب البيان المغرب، من أن الأمير تاشفين، سار غداة المعركة في قواته إلى حصن " قشرش " أنها وقعت على مقربة من هذا المكان. وتقع قشرش أو قاصرش Caceres، جنوبي نهر التاجه وشمال شرقي بطليوس وغربي ترجالُه. أما تاريخ الموقعة، فتضعه الرواية العربية حسبما تقدم، في أواخر شهر ذي الحجة من سنة 528 هـ (أوائل أكتوبر سنة 1134 م). ومما تجدر ملاحظته أن وقوعها جاء لنحو ثلاثة أشهر فقط من موقعة إفراغة، التي هزم فيها ألفونسو المحارب وفقد حياته، هذا في حين أنه يبدو من أقوال الرواية النصرانية، أنها وقعت قبل موقعة إفراغة.
ومما يلفت النظر، ما يذكره لنا ابن القطان غير مرة من هجوم أسراب الجراد على بسائط الأندلس وإتلافها في هذين العامين الأخيرين. وقد ذكر لنا أنه في العام الذي وقعت فيه الغزوة السابقة - وهو يضع تاريخها في سنة 229 هـ - " محت الجراد ما على الأرض من زرع وكلأ، وأمر الناس بالخروج إليها فساقوا منها خمسة آلاف عدل، وثلاثمائة وثلاثين عدلا، وما غاب عن العيون أكثر تركت في الموضع الذي قتلت فيه ولم تحمل ".
ومما يذكر من أحداث هذه الفترة أيضاً، أنه في سنة 529 هـ، وقع بقرطبة هياج شديد، وثارت العامة ضد اليهود على أثر ظهور قتيل مسلم في بعض أحيائهم، واقتحموا منازل اليهود، ونهبوها، وقتل خلال ذلك عدد منهم. ووقعت في نفس الوقت بعض اضطرابات بمدينة إشبيلية، من جراء ثورة العامة ضد قاضيها أبى بكر بن العربي، وكان يشتد في زجرهم، ومعاقبتهم بمختلف العقوبات الأليمة المبتكرة (3).
_______
(1) راجع الحلل الموشية حيث يشير إلى هذه الموقعة بإيجاز (ص 92)، ثم يورد قصيدة ابن الصيرفي كلها (ص 93 - 96).
(2) M. Lafuente: ibid ; Vol. III. p. 248
(3) البيان المغرب (في الأوراق المخطوطة السالفة الذكر- هسبيرس ص 101).
(3/140)

وفي نفس هذا العام، وقع حادث مروع بجامع قرطبة، هو مصرع قاضي قرطبة أحمد بن خلف التجيبي (أو أبو عبد الله بن الحاج وفقاً لابن القطان).
وثب به أحدهم فطعنه بخنجره، وهو راكع حين صلاة الجمعة، فسقط مضرجاً بدمه، ووقع بالجامع هرج عظيم، وأخرج المرابطون منه أميرهم تاشفين في حراسة قوية، وقبض على القاتل وقتل لحينه في صحن الجامع، وتوفي القاضي في مساء نفس اليوم، وهو الخامس والعشرون من صفر سنة 529 هـ (1).
وتقص علينا الرواية النصرانية غزوة قام بها القشتاليون في سنة 1133 م ومعهم سيف الدولة المستنصر بن هود، في أراضي الأندلس، على غرار غزوة ألفونسو المحارب، وتقول لنا إن ألفونسو ريمونديس ملك قشتالة قسم جيشه لهذا الغرض إلى قسمين، بقصد تسهيل التموين والحركة، سار هو على رأس أحدهما، وقاد الآخر سيف الدولة، والدون ردريجو كونثالث دي لارا زعيم ليون. وعبر الجيشان جبال سييرَّا مورينا، (جبل الشارات)، واجتمعا على مقربة من قرطبة، وكان الفصل فصل الحصاد فأمر ملك قشتالة بانتساف حقول القمح والكروم والزيتون وغيرها، فساد الرعب بين المسلمين وهجروا السهول والقرى، إلى الحصون ومغائر الجبال، ووصل الجيش النصراني في زحفه إلى أحواز إشبيلية، وهو يحرق المزارع والقرى والقلاع المهجورة، ويدمر المساجد ويحرق المصاحف، ويقبض على الفقهاء ويعذبهم. وشمل هذا العيث المروع الذي كانت تقوم به سريات خفيفة من الفرسان النصارى، سائر المنطقة الواقعة ما بين قرطبة وإشبيلية، وامتلأت صفوف القشتاليين من الغنائم والأسرى والأقوات، ومن ثم سار ملك قشتالة إلى شريش، فخربها وهدمها، ثم سار إلى قادس. ولما رأى ذلك أمراء الأندلس، بعثوا إلى سيف الدولة يطلبون إليه أن يعمل ملك النصارى، على تحريرهم من نير المرابطين، فبعث إليهم بعد التفاهم مع ملك قشتالة يحثهم على انتزاع الحصون ومقاتلة المرابطين، وعندئذ يأتي هو وملك قشتالة لإنجادهم. بين أن الملك اعتزم أن يعود أدراجه على الأثر، وألا يغامر بالبقاء في أرض لا يأمن مغبتها، وارتد إلى منطقة طليطلة (2).
_______
(1) البيان المغرب (الأوراق المخطوطة - هسبيرس ص 10 و 101)؛ وابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السابق ذكره).
(2) M. Lafuente: ibid ; (cit. Cronica Alionso VII) ; Vol. III. p. 249
(3/141)

وتقدم إلينا الروايات الإسلامية أنباء هذه الغزوة في عبارات موجزة. ويضع ابن القطان حدوثها في سنة 526 هـ (1132 م)، ويقول لنا إنه في هذه السنة خرج السليطين (ألفونسو ريمونديس) وابن هود إلى بلد المسلمين، فهبطوا إلى إشبيلية، وانبسطت خيلهم، واقتحمت ما وجدت، ثم هبطوا إلى شريش، فدخلوها وقتلوا كل من فيها، وبالغوا في النكاية بالمسلمين، ثم رجعوا إلى بلادهم.
ويقول لنا ابن عذارى نقلا عن ابن حمادة، إن العدو وصل إلى حومة شريش والبحيرة، ولم يلقه أحد من المسلمين. ويضع تاريخ هذه الغزوة في سنة 527 هـ، (1133 م) متفقاً بذلك مع الرواية النصرانية (1).
ولكن الرواية العربية من جهة أخرى تشير إلى غزوات ثلاث أخيرة قام بها الأمير تاشفين. وبالرغم من أنها تذكر لنا التاريخ والمكان في كل غزوة، فإنها لا تقدم لنا عنها تفاصيل شافية. وقد وقعت الأولى في سنة 530 هـ (1135 م)، وفيها التقى الأمير تاشفين بالقشتاليين في مكان يعرف " بفحص عطية " فهزمهم، وقتل منهم جموعاً غفيرة. وفي العام التالي أعني سنة 531 هـ (1136 م)، غزا الأمير تاشفين أرض قشتالة، واقتحم مدينة كَرَكى على مقربة من قلعة رباح فلم يجد بها أحداً.
وقد أورد لنا ابن الخطيب بهذه المناسبة أبياتاً نظمها الكاتب الكبير أبو عبد الله ابن أبى الخصال يمتدح فيها الأمير تاشفين، ويشير إلى موقعة كركى، وفيها يقول:
الله أعطاك فتحاً غير مشترك ... ورد عزمك عن فوت إلى درك
أرسل عنان جواد أنت راكبه ... واضمم يديك ودعه في يد الملك
قد كان بعدك للأعداء مملكة ... حتى استدرت عليهم كورة الفلك
فما تركت كميا غير منفغر ... ولا تركت نجيعاً غير منسفك
فصحبتهم جنود الله باطشة ... والصبح من عبرات الفجر في مُسُك (2)
ووقعت الغزوة الثالثة في سنة 532 هـ (1137 م)، وكانت لمدينة
" أشكونية " (أو أشكلونة Escalona وفقاً لصاحب نظم الجمان) وقد كانت حسبما يقول لنا صاحب الروض المعطار من أعمال كورة تدمير أي مرسية (3). وهذا
_______
(1) نظم الجمان (المخطوط السابق الذكر لوحة 72 أ)، والبيان المغرب (الأوراق المخطوطة هسبيرس ص 96).
(2) ابن الخطيب في الإحاطة - مخطوط الإسكوريال السالف الذكر (لوحة 29).
(3) الروض المعطار (صفة جزيرة الأندلس) ص 22 و 172.
(3/142)

ما لا يمكن قبوله لأن ولاية تدمير كانت كلها من الأراضي الإسلامية. بيد أن الرواية النصرانية تلقي بعض الضوء على أخبار هذه الغزوة ومكانها، فتقول لنا إن الأمير تاشفين، قام قبيل عبوره إلى العدوة باجتياح أراضي بلدتي وبذة، وألاركون، وهما من أعمال مقاطعة قونقة الواقعة على الحدود، ثم دخل قونقة وأخضعها. وكان أهلها قد أعلنوا الخروج والثورة وذلك في سنة 1137 م (1)، وتقول الرواية الإسلامية إن تاشفين دخل أشكلونة (ألاركون؟) عنوة، وقتل كل من كان بها وسبى نساءها، واحتوى على أسلابها. ومنها عدة من النواقيس العظيمة، ودخل قرطبة وبين يديه الأسلاب والغنائم، فكان يوماً مشهوداً. ثم تضيف الرواية إلى ذلك قولها إن الأمير تاشفين حمل من سبى هذه الغزوة عند عبوره إلى العدوة في نفس العام ستة آلاف سبية (2).
وأخيراً، فإن تاشفين قبيل مغادرته للأندلس، وحين خروجه من قرطبة قاصداً إلى العدوة، بلغه قيام النصارى بغزو منطقة جيان، فاستعد للسير إلى لقائهم.
وكان القشتاليون قد خرجوا في حشود عظيمة، وساروا نحو الوادي الكبير،
واقتربوا من بيّاسة وأبَّدة، وعاثوا في تلك المنطقة، واستعدوا لعبور النهر، ولكن الأمطار هطلت بشدة، واستمرت على هطلها عشرين يوماً حتى فاض النهر، وعجزت الخيل المغيرة عن عبوره، ووضع القشتاليون بعض المعادي فوق الماء، وحاولوا عبور النهر، فانكسر بعضها وغرق من كان فيها، وتبعهم قائد جيان فأوقع بجماعة منهم، وانصرف النصارى بعد أن هاجموا حصن شبيوطة من عمل أبدة وعجزوا عن اقتحامه. أما تاشفين فإنه لبث يترقب السير إلى الشمال، مدى أسابيع، والأمطار تهطل والسيول تغمر الطرق والبسائط وتعوقه عن السير.
فلما بلغه انصراف النصارى، ارتد من فوره صوب طريق العودة، وجاز البحر عائداً إلى حضرة مراكش، وكان ذلك في سنة 532 هـ (3).
- 2 -
ومما هو جدير بالذكر أن الأمير تاشفين، كان حينما ولاه أبوه شئون الأندلس عقب وفاة عمه أبى الطاهر تميم، قد اتخذ مقره في غرناطة، التي جعلتها الدولة
_______
(1) A. P. Ibars: Valencia Arabe ; p. 478
(2) نظم الجمان (المخطوط السابق ذكره لوحة 79). وروض القرطاس ص 107.
(3) ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السابق الذكر).
(3/143)

المرابطية مركز الإدارة العامة لشئون الأندلس، وكان الحاكم العام المرابطي يعتبر أحياناً في نفس الوقت والياً لغرناطة، وكان من بين معاونيه يومئذ الكاتب والشاعر والمؤرخ البارع، أبو بكر يحيى بن محمد بن يوسف الأنصاري، المشهور بابن الصيرفي صاحب كتاب " الأنوار الجلية في تاريخ الدولة المرابطية ". تولى له منصب الكتابة، فحظى لديه وكانت له فيه مدائح جمة (1). بيد أنه لم تمض بضعة أعوام على تولي تاشفين لمنصبه، حتى صدر إليه مرسوم أبيه أمير المسلمين من مراكش في العشرين من رجب سنة 526 هـ (2)، بتعيينه والياً لقرطبة وبأن يجعل قرطبة " دار سكناه ومقر مثواه "، وأن يستخلف على غرناطة عند مغادرتها، أبا محمد الزبير بن عمر، ليقوم بالولاية على شئونها. وقد كان الزبير هذا من زعماء لمتونة المرموقين، ويشيد ابن الخطيب بذكره ويصفه " بندرة الزمان كرماً وبسالة، وحزماً وأصالة " (3). ويوصي أمير المسلمين ولده في هذا المرسوم الذي دبجه قلم الوزير الكاتب أبى عبد الله بن أبى الخصال بقوله: " وعلى مقرر ما درك من العمل، فازدد من التيقظ باتساع ذرعك، وامتداد مسعاك، واستعن بالله في إعلانك وإسرارك، وخذ من أوقات ليلك الأوقات المباركة، واجعل لنظرك حظاً من سهرك، ولفكرك مستمنحاً من يديك، على مستظهر عين المشورة في مواطن الاشتباه، فإن الله سبحانه يقول لرسوله: " وشاورهم في الأمر " (4). ويستفاد مما تقدم أن علي بن يوسف قرر أن ينقل مركز حكم الأندلس، من غرناطة إلى قرطبة لأسباب رآها، وهي أسباب ربما كانت سياسية وعسكرية في نفس الوقت.
ودخل تاشفين قرطبة والياً في شعبان من هذه السنة (526 هـ)، وعزل واليها السابق عبد الله بن قنونة، وسير إلى إشبيلية فاعتقل بها لأسباب لم توضحها الرواية، وذلك بالرغم من قرابته لأمير المسلمين (5).
_______
(1) ابن الخطيب في الإحاطة (مخطوط الإسكوريال 1673 الغزيري لوحة 415).
(2) والظاهر أن ابن خلدون قد اعتبر أن هذا المرسوم، هو مرسوم تولية تاشفين ولاية الأندلس، ولذلك فإنه يضع تاريخ توليته لهذا المنصب في سنة 526 هـ (كتاب العبر ج 6 ص 186).
(3) ابن الخطيب في الإحاطة ج 1 ص 458.
(4) نقل إلينا صاحب البيان المغرب بعض محتويات هذا المرسوم (وقد وردت في الأوراق المخطوطة السابقة الذكر - هسبيرس ص 95 و 96). وقد نشرنا في باب الوثائق بعض فقراته.
(5) ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السابق ذكره لوحة 72 أ).
(3/144)

وقد استوفينا فيما تقدم، ما وقفنا عليه من تفاصيل الغزوات والحروب التي قام بها الأمير تاشفين خلال وجوده في شبه الجزيرة. أما عن أعماله الإدارية وأسلوبه في الحكم، فلم نتلق الكثير. وقد لخص لنا ابن الصيرفي مؤرخ الدولة المرابطية، سيرته في ذلك في عبارات موجزة خلاصتها، أن الأمير تاشفين عنى منذ ولايته لشئون الأندلس بإصلاح الحصون، وسد الثغور، وإذكاء العيون على العدو، وتنظيم الجيش، واقتناء الخيل والسلاح، وتكوين فرق الرماة، وتوسيع الأرزاق على الجند، واستنهاض هممهم، كما عني بالغزو ومباشرة الحرب، فقام بعدة غزوات توجت بالظفر على العدو، وافتتح فيها عديد الحصون. وأما عن أسلوبه في الحكم، فإنه سار في حكم الأندلس وتمهيد أحوالها بالحزم، والتزم العدل في معاملة الرعية، وكذلك في معاملة الجند، فملك قلوب الجميع بعدله ورفقه، " ولم يكن منه إلا الجد، ولم تُنل عنده الحظوة إلا بالغناء والنجدة " (1).
وهذه أقوال يؤيدها صاحب البيان المغرب، ويجملها في قوله: " وساس (أي تاشفين) أهل الأندلس سياسة طار بها ذكره، من الاستقامة، واتباع ناموس الشريعة " (2).
وتنوه الرواية في نفس الوقت بصفات تاشفين الشخصية، فتقول لنا إنه " كان بطلا شجاعاً حسن الركبة والهيئة لولا بخل أخل به، وأنه كان يسلك طريق ناموس الشريعة، ويميل إلى طريقة المستقيمين، وقراءة كتب المريدين. وقيل إنه لم يشرب قط مسكراً، ولا استمع إلى قينة، ولا اشتغل بلذة صيد، ولا غير ْذلك مما يلهو به الملوك من ساير اللهو " (3). وينوه ابن الصيرفي بورعه وتقواه، وصيامه وقيامه (4).
- 3 -
لبث الأمير تاشفين والياً على الأندلس، وقائداً عاماً للجيوش المرابطية بها
_______
(1) ابن الخطيب عن ابن الصيرفي، في الإحاطة ج 1 ص 456، وراجع أيضاً الحلل الموشية ص 90.
(2) البيان المغرب في الأوراق المخطوطة المتقدمة الذكر.
(3) البيان المغرب (الأوراق المخطوطة السالفة الذكر - هسبيرس ص 90)، والإحاطة ج 1 ص 456.
(4) الإحاطة ج 1 ص 457.
(3/145)

حتى سنة 532 هـ (1137 م) وقيل بل حتى سنة 531 هـ (1). وهو إلى جانب مهامه الإدارية يضطلع بالغزوات المستمرة في أراضي النصارى حسبما فصلناه من قبل.
ثم وصلته أوامر أبيه أمير المسلمين بالعودة إلى المغرب، فعبر البحر إلى العدوة في أوائل جمادى الأولى من هذا العام (532 هـ)، ودخل مراكش في أول رجب، وفي ركبه عدد كبير من سبى غزوة أشكونية حسبما تقدم، فاستقبله أبوه أعظم استقبال، وسعد بلقائه أو " فرح به " على قول المؤرخ. وكان مما يتصل بذلك ما يرويه لنا ابن عذارى، من أن أمير المسلمين علياً، كان قد مرض في العام السابق (530 هـ)، واشتد به المرض، حتى كثرت الإشاعات، وساءت الظنون، وسرى القلق إلى بلاد الأندلس، فلما تلقى تاشفين خطاب والده بالعود، أسرع بالاستجابة والقفول (2). وفي العام التالي، أعني في سنة 533 هـ (1138 م) أصدر أمير المسلمين علي بن يوسف مرسوم ولاية عهده لولده الأمير تاشفين، عقب وفاة ولده الأكبر وولي عهده سير. وأخذ له البيعة بذلك وفقاً للقاعدة التي وضعها مؤسس الدولة المرابطية يوسف بن تاشفين، باختيار أمير المسلمين لولي عهده في حياته من بين أبنائه، وعقد البيعة له.
ولاختيار تاشفين لولاية العهد قصة فصلتها الرواية، وهي أنه في سنة 522 هـ اختار أمير المسلمين علي بن يوسف ولده الأمير سيراً لولاية عهده من بعده (3)، وجعل له الأمر في بقية حياته، واختار في نفس الوقت ولده الأمير تاشفين لولاية الأندلس، وولاه مدينة غرناطة وألمرية، ثم قرطبة بالإضافة إلى ما في يده.
وأبدى تاشفين في أداء مهام منصبه مقدرة وهمة مشكورة، وظهر بالأخص في ميدان الجهاد ضد النصارى، وذاع صيته في شبه الجزيرة وفي العدوة، فكبر ذلك على أخيه سير ولي العهد، وخاطب سير أباه في ذلك، وأعرب عن قلقه وامتعاضه لما ناله أخوه من بعد الصيت وحسن الذكر، وأنه قد غطى بذلك على اسمه، ونال إعجاب أهل المملكة، وأنه لم يبق له معه اسم ولا ذكر، فحاول أمير المسلمين أن يرضي ولده وولي عهده سير، باستدعاء أخيه تاشفين من الأندلس، ولما وصل تاشفين إلى مراكش، نظمه أبوه في حاشية أخيه " وصار من جملة من يتصرف بأمر أخيه، ويقف ببابه كأحد حجابه ". وكان علي بن يوسف متأثراً
_______
(1) " روض القرطاس " ص 107. والإحاطة ج 1 ص 454 و 461.
(2) البيان المغرب (الأوراق المخطوطة - هسبيرس ص 103).
(3) ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السابق ذكره لوحة 34 أ).
(3/146)

في هذا التصرف بنفوذ حظيته قمر أم ولده سير، وكان عظيم الإيثار والإرضاء لها، وهي التي حملته على عزل تاشفين وإخماله إرضاء لأخيه.
ولكن شاء القدر أن يتوفى سير فجأة وفي حادث مروع مشين معاً وذلك في أوائل سنة 533 هـ. وتلتزم الرواية الإيجاز والتحفظ في شأن هذا الحادث، ويقول لنا ابن عذارى، إن سيراً كان يركن إلى الراحة والبطالة، ويصطحب أهل الفكاهة والمجون، وأنه اقتحم ليلا على أخيه تاشفين في داره، فضربه حتى مات، وقيل غير ذلك. والظاهر، وهو ما تصرح به بعض الروايات، أن الأمر يتعلق بمحاولة مشينة، فإن ابن القطان يقول لنا، إن علي بن يوسف كان قد فتن بولده سير، وقدمه ولي عهده، ولم يكن أهلا لشىء، فعكف على البطالة، ودخل متسوراً على أخيه عمر يريد زوجته، فجرح جراحة عجلت منيته، فجزع عليه أبواه.
وكان مصرع سير على هذا النحو في آخر صفر سنة 533 هـ (1). وعندئذ تدخلت قمر مرة أخرى لتحمل عليّ بن يوسف على تقديم ولده الأصغر إسحاق لولاية العهد، وكانت قد تبنته وعنيت بتربيته عند موت أمه. ولكن علياً اعتذر بصغر سنه وبأنه لم يبلغ الحلم، وأنه سوف يستدعي الناس إلى الجامع لأخذ رأيهم في ذلك.
واستدعى علي الناس وأكابر المرابطين، وعرض عليهم الأمر، فهتفوا جميعاً باسم تاشفين، فنزل علي عند هذه الرغبة، وعقد البيعة بولاية العهد لولده تاشفين وذلك في الثامن من شهر ربيع الآخر، ونقش اسمه في السكة، وقلده النظر في الأمور السلطانية، وكتب إلى سائر بلاد العدوة والأندلس ببيعته، فوصلت البيعات من كل جهة مؤيدة للبيعة، ومؤرخة بشهر رجب سنة 533 هـ (1138 م) (2).
على أن استدعاء الأمير تاشفين من الأندلس إلى العدوة، ثم أخذ البيعة له على هذا النحو، لم يكن يرجع فقط إلى ما تقدم من العوامل والظروف، وإنما كان راجعاً بالأخص إلى ما وقع في تلك الأثناء بالمغرب، من تطورات وأحداث عظيمة، ترتبت على ظهور المهدي محمد بن تومرت، ودعوته الدينية الجديدة، وما تلاها من قيام دولة الموحدين في تينملّل، واضطرام الصراع المرير بينها وبين المرابطين. وهو ما سنعني بذكره وتفصيله في موضع آخر.
_______
(1) البيان المغرب (الأوراق المخطوطة - هسبيرس ص 104)، وابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السالف الذكر لوحة 82 ب).
(2) البيان المغرب (الأوراق المخطوطة - هسبيرس ص 104). وابن الخطيب عن ابن الوراق في الإحاطة ج 1 ص 454، 455.
(3/147)

الفصل السادِس
شرق الأندلس
ولاية بلنسية ومرسية. يحيى بن غانية. ندبه لحماية الشرق. أصله ونشأته. ولايته لشرقي الأندلس. مسيره في القوات المرابطية لإنجاد حصن أرنية. تقدمه نحو طليطلة. ما تقوله الرواية النصرانية عن انصراف المرابطين. الغزوات في غربي الأندلس. أخبار الجزائر الشرقية، ولاتها بعد الفتح المرابطي. وانور بن أبي بكر. محمد بن علي بن غانية. استقلاله بحكم الجزائر، وقيام دولة بني غانية بها.
- 1 -
كان شرقي الأندلس في عهد المرابطين، يشتمل بعد سقوط سرقسطة، على ولايتي بلنسية ومرسية، وكان يتبع بلنسية سائر الأراضي والقواعد الممتدة شمالا من شاطبة حتى الثغر الأعلى، ومن البحر غرباً حتى قونقة، ويتبع مرسية سائر الأراضي والقواعد الواقعة على ضفتي نهر شقورة، والممتدد جنوباً حتى ولاية ألمرية.
وقد سبق أن أتينا على ذكر ولاة بلنسية ومرسية، منذ الفتح المرابطي حتى سقوط سرقسطة. وكان والي مرسية قبيل سقوط سرقسطة، الأمير أبو إسحق إبراهيم ابن يوسف بن تاشفين، أخو أمير المسلمين علي بن يوسف، وكان والي بلنسية أخوه الآخر الأمير أبو الطاهر تميم. وقد فصلنا في حديثنا عن سقوط سرقسطة، الدور الذي قام به الأمير تميم في حوادث الحصار، والدور الذي قام به أخوه إبراهيم في موقعة كتُندة المشئومة (514 هـ) وهو يومئذ والي إشبيلية.
وخلف الأمير إبراهيم في ولاية مرسية، أبو محمد يدّر بن ورقا، أو حسبما يسميه صاحب البيان المغرب محمد ين يوسف يدِّر، والظاهر أنه تولى في نفس الوقت ولاية بلنسية. ولما شعر يدِّر باشتداد وطأة الغزوات النصرانية، في شرقي الأندلس، طلب إلى أمير المسلمين علي بن يوسف، أن يوجه إليه يحيى بن غانية لمعاونته، فاستجاب أمير المسلمين إلى طلبه، وبعث إليه بابن غانية، وكان ذلك في سنة 515 هـ (1121 م). ويقول لنا صاحب البيان المغرب إن ابن غانية،
(3/148)

وفد عندئذ إلى شرقي الأندلس والياً لمرسية (1). ولكن الظاهر أنه قدم إليه بصفة قائد للجيوش المرابطية، وأنه لم يتشح بثوب الولاية إلا فيما بعد، حينما توفي يدِّر في سنة 534 هـ (2).
وهو الأمير أبو زكريا يحيى بن علي بن غانية الصحراوي، الذي لعب فيما بعد في حوادث الأندلس في أواخر العهد المرابطي، أعظم دور، واضطلعت أسرته - بنو غانية - فيما بعد، في الجزائر الشرقية، وفي إفريقية، ضد الموحدين، بأخطر صراع. وقد سُمِّي بنو غانية، باسم أمهم غانية، وهي لمتونية من قرابة يوسف بن تاشفين، وربما كانت تسميتها بهذا الإسم دلالة على أصلها الإقليمي، أو بعبارة أخرى نسبة إلى بلاد غانة، وهي التي افتتحها المرابطون عند مطلع نهضتهم في مشارف الصحراء الكبرى. وتلقيب الولد باسم الأم دون الأب، من الأمور الذائعة في أسر لمتونة، خصوصاً متى كانت الأم تمتاز بصفاتها وخلالها العالية. ولدينا من ذلك أمثلة أخرى، مثل الأمير محمد بن عائشة، ولد يوسف ابن تاشفين، والقائد محمد بن فاطمة. وكان والد يحيى، علي بن يوسف، من زعماء قبيلة مسُّوفة أحد بطون صنهاجة. وربى يحيى وأخوه محمد، الذي ولي حكم الجزائر الشرقية فيما بعد، في بلاط مراكش، في عهد يوسف وولده علي، ثم عبر إلى الأندلس وهو فتى، وعاش في كنف الأمير أبى عبد الله محمد بن الحاج اللمتوني، والي قرطبة في أواخر عهد يوسف، وتزوج أمه غانية بعد وفاة أبيه على، فندبه لحكم مدينة إستجّة، فكانت أول ولاية أسندت إليه. ولما تولى علي بن يوسف الأمر بعد أبيه، عزل ابن الحاج عن ولاية قرطبة، لانضمامه إلى الخوارج عليه، المناصرين لابن أخيه يحيى بن أبى بكر والي فاس، وقد ذكرنا خبر خروجه في بداية حكم علي وفشل ثورته، فانفصل عندئذ يحيى بن غانية عن ابن الحاج وجماعته. ثم عفا عليٌّ عن ابن الحاج وغيره من القادة الموالين ليحيى، وعيّن ابن الحاج لولاية المغرب مكان أخيه أبى الطاهر تميم بن يوسف، الذي وُلِّي حكم الأندلس، ثم نُدب ابن الحاج بعد ذلك لولاية بلنسية، ومنها سار إلى سرقسطة، وقد فصلنا أخباره وغزواته فيما تقدم.
ولسنا نجد في الأعوام التالية، أثراً لأخبار يحيى بن غانية، بين مختلف
_______
(1) ابن عذارى في البيان المغرب (الأوراق المخطوطة هسبيرس ص 81).
(2) ابن الخطيب في الإحاطة (مخطوط الإسكوريال رقم 1673 الغزيري) لوحة 391.
(3/149)

الولاة، والظاهر أنه كان عندئذ ينتظم في قيادة الجيش، لما ظهر من فائق شجاعته وبراعته. ثم كان ندبه لولاية مرسية، أو لمعاونة واليها يدِّر في سنة 515 هـ (1121 م) حسبما تقدم. ومن ذلك الحين يلمع اسم يحيى في حوادث شبه الجزيرة لمعاناً شديداً، فهو يقوم بقيادة الجيوش المرابطية في شرقي الأندلس بكفاية وبراعة، وهو يكرر الغزو لأراضي النصارى في أراجون وقطلونية، وقد كان له فيما يبدو دور ملحوظ في مقاومة قوات ألفونسو المحارب حينما اخترق شرقي الأندلس، في غزوته التي قام بها استجابة للنصارى المعاهدين (سنة 519 هـ) ومر فيها بأراضي بلنسية، واجتاز إلى جزيرة شُقْر، وقاتل أهلها أياماً، ثم تحول إلى دانية، واتجه بعد ذلك صوب شاطبة ومرسية. وقاومه المسلمون أينما حل.
ولما توفي يدّر والي بلنسية ومرسية في سنة 524 هـ، كما تقدم، ولّى يحيى علي شرقي الأندلس (1)، بيد أنه كان أكثر انشغالا بشئون الحرب والقيادة، وكان ينيب عنه في حكم بلنسية ومرسية أخاه لأمه، المنصور بن محمد بن الحاج. ولما حاصر ألفونسو المحارب إفراغة، هرع يحيى في قواته لإنجادها، مع من هرع إليها من ولاة الأندلس الآخرين. وقاد يحيى قوات الإنجاد في المعركة التي نشبت تحت أسوار إفراغة بشجاعته، براعته المأثورتين، فكانت الهزيمة الساحقة على النصارى في رمضان سنة 528 هـ (يوليه سنة 1134 م) حسبما فصلنا ذلك في موضعه (2).
ولبث يحيى بن غانية، بعد موقعة إفراغة، والياً على شرقي الأندلس بضعة أعوام أخرى. وتقص علينا الرواية الإسلامية قصة غزوة أخرى، في الأراضي النصرانية، اشترك فيها ابن غانية. وخلاصتها أن القشتاليين ضربوا الحصار بقوات كثيفة، حول حصن " أرنبة " أو أرلبة (3) الواقع شرقي طليطلة، على الحدود بين ولاية قونقة وقشتالة، وكان من أمنع الحصون الإسلامية في تلك المنطقة، وضيق النصارى على حامية الحصن، وقطعوا عنها الأقوات، فنهض والي قرطبة الأمير عبد الله بن أبى بكر، واستمد الأمير تاشفين، واستمد في نفس الوقت يحيى بن غانية والي مرسية وبلنسية، وهرعت القوات المرابطية، من قرطبة ومرسية ومن
_______
(1) ولكن ابن عذارى يقول لنا إن الذي ولي على شرق الأندلس بعد وفاة يدر، هو ينتان بن علي اللمتوني (الأوراق المخطوطة السالفة الذكر - هسبيرس ص 91).
(2) ابن الخطيب في الإحاطة (مخطوط الإسكوريال السالف الذكر لوحة 391).وراجع Gaspar Remiro: Murcia Musulmana (Zaragoza 1905) p. 152-154.
(3) وهو الحصن الذي يسمى بالإسبانية حصن Oreja، أو حصن أورليا Aurelia.
(3/150)

إشبيلية، واجتمعت تحت قيادة ابن غانية، وسارت مسرعة لإنجاد الحصن وإمداده بالمؤن. واستعد القشتاليون للقاء المسلمين بقوات جديدة. ويضع صاحب البيان المغرب تاريخ هذا الحصار في سنة 525 هـ (1130 م) (1). ولكن الرواية النصرانية، تضعه بعد ذلك بعدة أعوام في سنة 1137 م. وليس هنالك في الرواية الإسلامية، ما يدل على أن موقعة حدثت في هذا الموطن بين المسلمين والنصارى. وكذلك فإن الرواية النصرانية، تقول لنا إن هذا اللقاء بين المسلمين والنصارى في أراضي طليطلة، انتهى إلى خاتمة تتسم بالفروسة. وذلك أن الجيش المرابطي، وقد كان وفقاً لأقوال هذه الرواية، يتكون من ثلاثين ألف فارس، سار من طريق طليطلة. وكان ملك قشتالة ألفونسو السابع (ألفونسو ريمونديس) قد عهد بحماية طليطلة إلى حامية قوية تشرف عليها زوجه الملكة برنجيلا، فلما وصل الجيش المرابطي إلى ظاهر أسوار طليطلة، خرجت الملكة برنجيلا إلى شرفة " القصر " العالي المطل على نهر التاجُه، وبدت للقادة المسلمين مع وصائفها، وقد ازدانت بأفخر الثياب والحلي، وبعثت إلى ابن غانية رسولها، يؤنبه بلسانها لأنه قدم لمهاجمة بلد تدافع عنه امرأة، في حين أن الإمبراطور ينتظرهم في جيشه عند حصن أرنبة (أوريخا)، فدهش ابن غانية وزملاؤه القواد المسلمون، واخذوا بذلك المنظر، ولم يسعهم إلا أن ينحنوا قبالة الملكة المطلة عليهم، تكريماً لها وتعظيماً، ثم استأنفوا سيرهم، دون أن يقوموا بأية محاولة. أما حامية حصن " أرنبة " فقد اضطرت في النهاية إلى التسليم (أكتوبر سنة 1137 م) ولكن سمح لها أن تخرج بالأمان وأن تسير إلى قلعة رباح (2).
وهكذا يبدو مما تقدم، أنه لم تقع في شرقي الأندلس، في الفترة التي تلت سقوط سرقسطة، وموقعة كتُندة، حوادث خاصة بهذه المنطقة، سوى الغزوات المحلية العارضة، والتي لم تقدم إلينا الرواية عنها تفاصيل شافية، وقد كان شرقي الأندلس، يردد صدى الحوادث العامة في شبه الجزيرة ويشترك فيها، كما تشترك باقي الولايات الأندلسية، وقد كانت الجيوش المرابطية كلها، سواء في شرقي الأندلس أو غربه، تعمل دائماً في حركات موحدة شاملة.
أما عن أخبار الغزوات في الناحية الأخرى من الأندلس، فإن الرواية
_______
(1) البيان المغرب الأوراق المخطوطة المشار إليها - هسبيرس ص 94).
(2) راجع: A. P. Ibars: Valencia Arabe (cit. Cronica Adefonsi Imperatoris) p. 481
(3/151)

الإسلامية تقدم إلينا بعض التفاصيل الموجزة، عن بعض الأحداث التي وقعت عقب مغادرة تاشفين بن علي لشبه الجزيرة. ومن ذلك أن الزبير بن عمر والي قرطبة، خرج في قواته غازياً لأرض النصارى، وافتتح حصن مورة (سنة 533 هـ). وفي نفس العام ردت قوات شنترين ويابرة عسكراً من النصارى (البرتغاليين) حاول غزو الأراضي الإسلامية، وقتلت وأسرت منه جملة وافرة، واحتوت على أسلابه. وفي أواخر هذا العام غزا ألفونسو ريمونديس ملك قشتالة أرض الأندلس، وحاصر حصن إربلية، فسارت قوات الأندلس من مختلف الأنحاء لرده وإنجاد الحصن، ولكنها تخلفت في الطريق، ثم عادت من حيث أتت، واضطر الحصن، بعد أن أرهق الحصار أهله إلى التسليم (1).
- 2 -
تحدثنا فيما تقدم من أخبار أمير المسلمين علي بن يوسف، عما وقع في أوائل عهده من استرداده للجزائر الشرقية (جزائر البليار) من البيزيين والجنويين في أواخر سنة 509 (1116 م). ولما كانت الجزائر الشرقية، تلحق دائماً بشرقي الأندلس، فإنه يجدر بنا أن نتناول هنا، طرفاً من أخبارها في تلك الفترة.
وقد ذكرنا عندئذ، أن أمير المسلمين عين لولاية الجزائر عقب استردادها، وانور بن أبي بكر اللمتوني (2) بيد أنه يبدو من بعض الرسائل السلطانية المرابطية التي بين أيدينا، أنه قد سبقت ولاية وانور ولاية قصيرة الأمد للقائد أبى السداد والي دانية. ففي رسالة صادرة عن علي بن يوسف من حضرة مراكش، في الحادي والعشرين من ربيع الأول سنة 510 هـ، أعني عقب استرداد الجزائر ببضعة أشهر، يشير أمير المسلمين إلى موت القائد أبى السداد والي ميورقة، ويسند ما كان تحت نظره إلى واليها الجديد، ويسدي إليه النصح بأن يحسن السيرة في أهل الجزيرة، وأن يسلك طريق الرفق والعدل والحق، وأن يستعمل الحزم في ضبط أحوالها، وأن يسعى في استرجاع من خرج من أهلها، وأن يستنيب من يرضاه في النظر على الأسطول والتخلص بثغر دانية، وأن يبذل جهده في
_______
(1) ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السالف الذكر لوحة 82 ب).
(2) هذه رواية ابن خلدون في كتاب العبر ج 4 ص 165.
(3/152)

استمالة الناس، وتهدئة روعهم ولاسيما بعد الذي " أحدثه السفيه المعتوه ابن أبي السداد من إيحاشهم وترويعهم " (1).
ويستفاد من هذه الرسالة أن القائد ابن أبي السداد، وقد كان والياً لثغر دانية، حسبما تقدم ذكره، قد وُلي على ميورقة عقب استردادها في أواخر سنة 509 هـ، وأنه توفي بعد قليل من ولايته، وأنه لم يحسن السيرة مع أهل الجزائر خلال ولايته القصيرة. وعلى أثر وفاته، قام أمير المسلمين علي بن يوسف باختيار خلف له. وبالرغم من أن اسم الوالي الجديد لم يرد في الرسالة، ولا في ديباجتها، فإنه يبدو من المرجح أنه لم يكن سوى وانور بن أبى بكر، وهو أول وال حقيقي، وليها عقب الاسترداد. أما إغفال أبى السداد في رواية ابن خلدون وغيره، فالظاهر أنه يرجع إلى قصر ولايته، التي لم تتجاوز بضعة أشهر.
ولبث وانور بن أبى بكر والياً على الجزائر زهاء عشرة أعوام. وكان ظلوماً صارماً، فعصف بأهل الجزائر واشتد في إرهاقهم. وكان من أهم أسباب سخطهم عليه " أنه أراد أن يرغمهم على ترك ثغر ميورقة، وإنشاء مدينة أخرى داخل الجزيرة "، تكون بعيدة عن البحر. وأخيراً اضطرمت الجزيرة بالثورة وغلب الثوار على وانور. وقضبوا عليه ووضعوه في الأصفاد، وبعثوا إلى أمير المسلمين يشرحون أحوالهم وظلاماتهم، فاستجاب على إلى صريخهم، وعين والياً جديداً للجزائر، هو محمد بن علي بن غانية المسّوفي، أخى يحيى بن غانية الأصغر، وكان عندئذ يتولى النظر على بعض أعمال قرطبة، فقدم إلى الجزائر في سنة 520 هـ (1126 م)، وأقر أهلها على ما فعلوه بواليهم السابق وانور، وبعثه مصفداً إلى مراكش لينظر هنالك في أمره (2).
وقد شاء القدر أن يكون تعيين محمد بن غانية لولاية الجزائر الشرقية، ممهداً لتطور أحوالها، ودخولها في عهد جديد من تاريخها، وقيام دولة جديدة مستقلة بها هي دولة بني غانية. ذلك أن محمد بن غانية ضبط الجزائر، وحكمها بقوة وحزم، وطالت أيامه بها، حتى توفي أمير المسلمين علي بن يوسف
_______
(1) وردت هذه الرسالة ضمن مجموعة من الرسائل المرابطية نشرت بمجلة معهد الدراسات الإسلامية بمدريد بعناية الدكتور محمود مكي (العدد السادس) سنة 1961، ص 185 - 186.
(2) ابن خلدون ج 4 ص 165، والمعجب للمراكشي ص 151، 152. وراجع أيضاً: A. Campaner y Fuertes: Bosquejo Hist. de la Dominacion Islamita en las Islas Baleares ; p. 137 وكذلك: Alfred Bel: Les Benou Ghania (Paris 1903) p. 5 & 18
(3/153)

(537 هـ)، واضطربت أحوال الدولة المرابطية في المغرب، وقامت الثورة في أنحاء الأندلس على المرابطين، وولى أخوه يحيى بن غانية قرطبة وما إليها من قبل تاشفين بن علي بن يوسف في سنة 538 هـ، وأخذ يخوض من ذلك التاريخ مع الثوار ومع النصارى، حروب ووقائع مستمرة، إلى أن توفي بغرناطة في سنة 543 هـ. وفي خلال ذلك كان محمد بن غانية، يعمل في مركزه النائي على توطيد سلطانه بالجزائر والاستقلال بها لنفسه ولعقبه. ومع ذلك فقد لبث على ولائه للدولة المرابطية وزعامة لمتونة، واستمر يدعو في الخطبة لأمير المسلمين، ولبني العباس. وكان خلال اضطرام الفتنة بالأندلس يستقبل اللاجئين من فلول المرابطين بالجزائر، ويشملهم بحمايته ورعايته.
وليست لدينا تفاصيل شافية عن حوادث الجزائر في تلك الفترة. ويبدو أنها كانت تجوز عندئذ فترة استقرار وسلام، بعيدة عما تجيش به شبه الجزيرة من الحوادث والخطوب. وكان محمد بن غانية حينما شعر بتوطيد سلطانه، وتمكن استقلاله بحكم الجزائر، قد اختار لولاية عهده ولده الأكبر عبد الله. وهنا تختلف الرواية، فقيل إن عبد الله خلف أباه بعد وفاته على حكم الجزائر، ثم خلفه بعد وفاته أخوه الأصغر إسحاق. وقيل إن إسحاق حقد على أخيه عبد الله حينما عين لولاية العهد، ودبر مؤامرة قتل فيها أخوه وأبوه، وتولى هو على أثرها حكم الجزائر، وذلك في سنة 550 هـ (1155 م) (1).
ونحن نقف في تتبع أحداث الجزائر الشرقية عند هذا الحد، لنستأنفه في فرصة أخرى في موضعه المناسب.
_______
(1) المراكشي في المعجب ص 152، وابن خلدون ج 6 ص 190، وكذلك: A. Bel Les Benou Ghania, p. 19
(3/154)

الكتابُ الثاني
المهْدي محمّد بن تومَرت والصِّراع بين المرابطين والموحّدين وقيام الدّولة الموحّدية بالمغرِب
(3/155)

الفصل الأوّل
محمد بن تومرت نشأته وظهوره
حركة ابن تومرت وخصائصها المحلية. أول ظهور لابن تومرت في مراكش. أصله ومولده. معنى كلمة " تومرت ". نسبته البربرية. انتسابه إلى آل البيت. ما يحيط بهذه النسبة من الريب. نشأته. رحلته في طلب العلم إلى الأندلس، ثم المشرق. قصة لقائه بالإمام الغزالي. سقم هذه القصة وبطلانها. ما ينقضها من الناحية الزمنية. ما يطبعها من ألوان الأسطورة. نفي البحث الحديث لصحتها. تأثر ابن تومرت بتعاليم الأشعرية وبآراء الغزالي. عوده بعد إتمام دراسته إلى المغرب. دعوته إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. نزوله بالمهدية. سفره إلى بجاية. ما وقع بها من هرج من جراء دعايته لإزالة المنكر. المناظرة بينه وبين طلبتها. مغادرته لبجاية، ونزوله بملالة. لقاؤه بعبد المؤمن بن علي وما يقال في ذلك من روايات وأساطير. مسيره إلى وانشريش ثم إلى فاس ومكناسة. نظرية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. تفسيرها وفقاً لابن حزم. تعليق العلامة جولدسيهر على النظرية. نزول ابن تومرت بمراكش. استمراره في حملته دون هوادة. مظاهر الخلل والفساد في العاصمة المرابطية. تعرضه لأخت الأمير وما وقع بسبب ذلك من الهرج. أمير المسلمين يأمر بمناظرته. قبول ابن تومرت. ما وقع في هذه المناظرة. الأصول والفروع. تحريض الفقهاء للأمير على قتل ابن تومرت. اقتصاره على اعتقاله ثم نفيه من مراكش. مسيره إلى أغمات ثم إلى السوس. تجوله في بلاد المصامدة. نزوله بجبل إيجليز في هرغة. عكوفه على ربث دعوته والتبشير بنظرية المهدي. إعلانه لإمامته وأنه هو المهدي. مبايعة أصحابه له بهذه الصفة. أصحاب المهدي ومراتبهم. تلقيبه بالمهدي والإمام المعصوم. ملخص شريعته. وضعه لكتب الدعوة لأصحابه. ما يدل على أن ابن تومرت كان يضمر مشروعه ويعمل له.
ننتقل الآن إلى ناحية أخرى من تاريخ الدولة المرابطية، وهي ناحية طارئة عليها، وقد شاء القدر بأن تحول وجهة سيرها من التقدم والتوطد، إلى الإدبار والانحلال المفاجىء، فبينما هي في أوج قوتها ورسوخها، إذا بها تجد نفسها فجأة أمام فورة دينية صغيرة، يضطلع بها فقيه متواضع، وتضطرم بسرعة مدهشة، حتى تغمر كل شىء فيها، وتستغرق كل قواها ومواردها، ثم تنتهي بعد صراع قصير الأمد، بالقضاء عليها: تلك هي ثورة المهدي ابن تومرت.
إن التاريخ الإسلامي، قلما يقدم إلينا حركة أكثر تواضعاً في بدايتها، وأبعد مدى في نتائجها، من تلك الحركة التي قام بها محمد بن تومرت السوسي، المتشح بثوب المهدي، والتي أسفرت عن قيام دولة من أعظم الدول الإسلامية،
(3/156)

وأضخمها رقعة، وأعظمها قوة وسلطاناً، هي الدولة الموحدية الكبرى.
ولقد كانت حركة ابن تومَرت هي الثانية من نوعها في المغرب الإسلامي، وكانت الأولى هي حركة الشيعة، التي أسفرت عن قيام الدولة الفاطمية في إفريقية (تونس)، والتي كان زعيمها الروحي وأول خلفائها عبيد الله يتشح كذلك بثوب المهدي المنتظر. وبالرغم من أن الدولة الفاطمية قد انتقلت بعد ذلك إلى مصر، فإن نشاطها وفتوحاتها، وسلطانها الروحي والسياسي، قد استمرت بالمغرب ردحاً من الزمن، على يد ولاتها من القبائل البربرية، التي كانت هي المادة الآدمية التي استندت إليها في قيامها وتوطدها بالمغرب.
بيد أن حركة المهدي ابن تومرت هي حركة مغربية مستقلة، لم تنبعث كما هو الشأن في قيام الدولة الفاطمية، من الدعوة الشيعية المشرقية، وإن كانت مع ذلك تستند إلى نظرية المهدي المنتظر، وهي بذلك تمتاز بتخصصها القوي وصبغتها المحلية البربرية العميقة، كما تمتاز بأساسها الديني الواضح، الذي انبعثت منه، قبل أن تتطور بسرعة إلى حركة سياسية، يتزعمها الإمام المعصوم والمهدي المنتظر، وهي تتجه في خصومتها المذهبية إلى الصراع المحلي المحض، وتستمد لمقوماتها العوامل الدينية المحلية، التي اختص بها المغرب منذ عصور.
ثم هي فوق ذلك تمثل معركة قومية داخلية، تضطرم بين فريقين من القبائل البربرية، تستظل كل منهما بشعارها الديني الخاص. فقد رأينا كيف قام المرابطون في البداية للجهاد في سبيل الله، وإحياء السنة ومحاربة البدع والضلالات، والانحراف عن أحكام الإسلام، وقد كان يومئذ يسود كثيراً من القبائل البربرية، ثم رأينا كيف استقرت رياسة الدولة المرابطية في قبيلة لمتونة، وحليفاتها كدالة ومسُّوفه وغيرها من بطون صنهاجة. وكذلك فإن حركة ابن تومرت، قامت في البداية على شعار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبدأت رياسته السياسية في وطنه بالسوس الأقصى، وفي قبيلته هَرْغة، وغيرها من بطون مَصْمودة، وإذن فقد كانت المعركة بين المرابطين والموحدين، تصطبغ في نفس الوقت بالصبغتين الدينية والقومية.
- 1 -
في أواخر سنة 514 هـ (1120 م) وقعت بمدينة مراكش أول بادرة مؤذنة ببداية الثورة الدينية التي اضطلع بها محمد بن تومرت ضد الدولة المرابطية.
(3/157)

ففي ذات يوم جمعة، من هذه السنة، دخل إلى المسجد الجامع رجل صغير القد، متواضع الهيئة، وجلس على مقربة من المحراب بإزاء الموضع المخصص لجلوس أمير المسلمين، فلما اعترض على ذلك بعض سدنة الجامع، تلا الآية " إن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ". ولما حضر أمير المسلمين علي بن يوسف، نهض سائر الحضور، إلا ذلك الرجل، فلما انتهت الصلاة بادر الرجل بالسلام على عليّ، وقال له فيما قال " غير المنكر في بلدك، فأنت المسئول عن رعيتك " وبكى. فلم يجبه أمير المسلمين بشىء. ولما عاد إلى القصر سأل عنه، فقيل له إنه قريب العهد بالوصول، وهو يؤلف الناس ويقول لهم إن السنة قد ذهبت، فأمر علي بن يوسف، وزيره عمر بن ينتان أن يكشف عن أمره ومقصده، فإن كانت له حاجة ينظر في قضائها، فقال الرجل ليس لي حاجة، وما قصدي إلا تغيير المنكر (1).
كان هذا الرجل هو محمد بن تومرت، وكان قد آب من رحلته إلى المشرق، ونزل بمراكش، بعد أن طاف ببعض مدن المغرب الشمالية، وهو يدعو للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأصل هذا الرجل من قبيلة هَرْغة إحدى بطون مصمودة الكبرى، من قوم بها يعرفون " بايسرغينن " وهم الشرفاء في لغة المصامدة. وقد ولد بضيعة، تقع في جنوبي السوس الأقصى، تسمى " بإيجلي ان وارغن " (2). وقد اختلف في تاريخ مولده. وتضعه الرواية فيما بين سنتي 471، و 491 هـ، ويقول لنا ابن الأثير إنه توفي في سنة 524 هـ عن إحدى وخمسين عاماً أو خمسة وخمسين عاماً، مما يجعل تاريخ مولده في سنة 469 هـ، أو 473 هـ، ويضع ابن خلكان تاريخ مولده في العاشر من محرم سنة 485 هـ، وابن الخطيب في سنة 486 هـ، وابن سعيد في سنة 491 هـ، ويضعه الغرناطي في سنة 471، وهو أقدم تاريخ ينسب إليه مولد ابن تومرت (3). وأما عن نسبته فإن الرواية أشد تبايناً واختلافاً. ومن المتفق عليه أنه أبو عبد الله محمد بن عبد الله، ووالداه من أهل السوس، وكان أبوه رجلا فقيراً، وأمه من قوم يعرفون ببني يوسف من مسكالة من عمل السوس، وبنو يوسف هم أخواله، ومولده
_______
(1) البيان المغرب (في الأوراق المخطوطة التي عثرنا بها).
(2) المعجب ص 99، وابن خلدون ج 6 ص 224 و 225.
(3) يراجع في مولد ابن تومرت، الزركشي في تاريخ الدولتين الموحدية والحفصية (تونس 1289 هـ) ص 1، وابن الأثير ج 10 ص 205، وابن خلكان ج 2 ص 52.
(3/158)

بموضع يسمى " نومكران "، وهو موضع لا ماء فيه، وإنما يشرب أهله من ماء المطر. وهنالك كانت دار أسرته (1). وكان يقال لوالده تومَرت وأمغار، ومعناه في لغة المصامدة، الضياء الذي يوقد في المسجد، ومن ثم فقد عرفه التاريخ باسمه الذائع، وهو محمد بن تومرت، كما عرفه بلقبه الديني وهو المهدي، ويفسر لنا مؤرخه " البيذق " معنى كلمة " تومرت " التي لصقت بأبيه، فيقول لنا، إن اسم أبيه عبد الله، شهر في صغره إلى كبره " بتومرت بن وجلّيد ". وذلك أنه لما ولد فرحت به أمه وسرت، فقالت باللسان المغربي " آتومَرت آينُو أيَّسك آييوي "، ومعناه: يا فرحتى بك يا بني. وكانت إذا سئلت عن ابنها وهو صغير، تقول باللسان المغربي " يك تومرت "، ومعناه صار فرحاً وسروراً، فغلب عليه اسم تومرت، وترك دعاؤه باسم عبد الله الذي سمي به أولا (2).
ومن المحقق الذي لا يقبل ذرة من الجدل، أن ابن تومرت بربري الجنس ينتسب إلى هَرْغة ومصمودة، ومع ذلك فإنه نظراً لانتحاله صفة المهدي والإمام المعصوم، لم يعدم رواية تنسبه لآل البيت، إذ لابد، وفقاً لأسطورة المهدي المنتظر، أن يكون المهدي منهم. ومن ثم فإننا نجد إلى جانب نسبة ابن تومرت البربرية المحضة، نسبة أخرى ترجعه إلى آل البيت. أما نسبته البربرية فهي أنه محمد بن تومرت بن نيطاوس بن ساولا بن سفيون بن أنكليدس بن خالد. أو أنه محمد بن عبد الله بن وجلّيد بن يامصال بن حمزة بن عيسى. وهذه النسبة الثانية تمد بعد ذلك على يد بعض الرواة إلى آل البيت على النحو الآتي: ابن عبيد الله ابن إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن فاطمة بنت رسول الله (3).
وأما نسبته العربية العلوية فهي أنه محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن هود بن خالد ابن تمام بن عدنان بن صفوان بن سفيان بن جابر بن يحيى بن عطاء بن رباح بن ياسر ابن العباس بن محمد بن الحسن بن علي بن أبي طالب. ويؤيد هذه النسبة ابن رشيق في شجرة أنساب الخلفاء والأمراء، وابن القطان، وابن صاحب الصلاة، مؤرخا
_______
(1) ابن القطان في " نظم الجمان " (المخطوط السابق ذكره لوحة 14 ب).
(2) كتاب " أخبار المهدي ابن تومرت وابتداء دولة الموحدين " لأبى بكر الصنهاجي المكنى بالبيذق، المنشور بعناية الأستاذ ليفي بروفنسال (باريس سنة 1928) ص 30، وقد قرنت به ترجمة فرنسية.
(3) أخبار المهدي بن تومرت ص 21.
(3/159)

الدولة الموحدية (1)، ويقول لنا المراكشي، إنه رأى بخط المهدي نسبته المتصلة بالحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (2).
بيد أنه يوجد إلى جانب ذلك من المؤرخين، من ينكر هذه النسبة على
ابن تومرت ويعتبره دعيًّا فيها. ومن هؤلاء ابن مطروح القيسي، وهو يصف ابن تومرت بأنه " رجل من هرغة من قبائل المصامدة يعرف بمحمد بن تومرت الهرغي ". وقال بعضهم إنه من قبيلة جنفيسة (3).
ونحن لا نرى في هذه النسبة العربية النبوية التي يدعيها ابن تومرت لنفسه، والتي يؤيدها بعض المؤرخين من أولياء الموحدين وكتاب دولتهم، إلا نحلة باطلة، وثوباً مستعاراً، أراد به ابن تومرت أن يدعم به صفة المهدي التي انتحلها شعاراً ْلإمامته ورياسته الدينية والسياسية، ومما يلفت النظر أن كثيراً من القبائل والأسر البربرية التي تشق طريقها إلى السلطان، تحاول دائماً أن تنتحل الأنساب العربية، كما هو الشأن في بني حمّود الذين يرجعون نسبتهم إلى آل البيت، وفي قبيلة صَنهاجة ْوهي الأم الكبرى للمتونة، صاحبة الرياسة في الدولة المرابطية، فإنها تزعم أنها تنتمي في الأصل إلى العرب اليمانية (4).
وليست لدينا أية تفاصيل شافية عن نشأة ابن تومَرت وحداثته. وكل ما يقال لنا من ذلك أنه نشأ في بيت نسك وعبادة، وشب قارئاً محباً للعلم، وكان يسمى في حداثته " أسافور"، ومعناه الضياء لكثرة ما كان يسرج القناديل بالمساجد التي يلازمها (5). ولكن الرواية تتبع سيرة حياته منذ سنة 500 هـ (1106 م)، ففي تلك السنة، أو السنة التالية (501 هـ) حسبما ينقل إلينا ابن القطان، عن الشيخ يحيى ابن وسنا من أهل خمسين أصحاب المهدي - غادر ابن تومرت وطنه بالسوس في ْطلب العلم، وعبر البحر إلى الأندلس، ودرس في قرطبة حيناً، ثم جاز من ثغر ألمرية إلى المشرق (6)، ومر في طريقه على المهدية، وأخذ بها على الإمام المازري، ثم قصد إلى الإسكندرية ودرس بها على الإمام أبى بكر الطرطوشي، وقضى
_______
(1) الحلل الموشية ص 75، وابن خلدون ج 6 ص 225 و 226، والزركشي ص 1.
(2) المعجب ص 99.
(3) روض القرطاس ص 110.
(4) روض القرطاس ص 75.
(5) ابن خلدون ج 6 ص 226.
(6) ابن القطان في " نظم الجمان " (المخطوط السابق ذكره لوحة 2 أ).
(3/160)

بعد ذلك فريضة الحج، ثم سافر إلى بغداد، وهنالك درس الفقه والأصول على أبى بكر الشاشي الملقب بفخر الإسلام، ودرس الحديث على المبارك بن عبد الجبار وغيره (1). وفي بعض الروايات أن ابن تومرت لقي الإمام أبا حامد الغزالي ودرس عليه في بغداد، وقيل بل لقيه بالشام أيام تزهده (2). ونحن نقف قليلا عند هذه الرواية، التي يرددها كثير من مؤرخي المشرق والمغرب، إذ متى وأين كان هذا اللقاء، وفي أي الظروف؟ لقد خرج ابن تومرت من وطنه في طلب العلم في سنة 500 أو 501 هـ، وقضى فترة في الأندلس، وفي المهدية، وفي الإسكندرية، ثم سافر لقضاء فريضة الحج، وقصد على أثر ذلك إلى بغداد، وإذن فيكون من المرجح أنه لم يصل إليها قبل سنة 504 و 505 هـ. وقد كان الإمام الغزالي ببغداد يضطلع بالتدريس في المدرسة النظامية بين سنتي 484 و 488 هـ (1091 - 1095 م). وفي سنة 488 هـ غادر العاصمة العباسية، في رحلته التأملية الشهيرة التي استطالت حتى سنة 499 هـ، والتي زار فيها دمشق وبيت المقدس والإسكندرية ومكة والمدينة. وإذن فيكون من المستحيل مادياً، أن يكون ابن تومرت الذي غادر وطنه لأول مرة في سنة 500 هـ، قد استطاع أن يلتقى بالغزالي في بغداد أو غيرها من المدن التي زارها في خلال رحلته، ثم إنه ليس من المحتمل أن يكون هذا اللقاء قد وقع عند عودة الغزالي إلى بغداد. ذلك أنه لم يمكث بها سوى فترة يسيرة، ثم رحل منها إلى نيسابور حيث قام بالتدريس فيها استجابة لدعوة السلطان ملك شاه، ثم غادرها بعد قليل إلى مسقط رأسه طوس، وانقطع بها للعبادة والتأليف حتى توفي في جمادى الثانية سنة 505 هـ (ديسمبر سنة 1112 م).
ويتضح من ذلك جلياً بطلان قصة اللقاء بين ابن تومرت والإمام الغزالي من الناحية التاريخية. وفضلا عن ذلك فإنه يوجد دليل مادي آخر على بطلان هذه القصة أو الأسطورة. ذلك أنها تقرن بواقعة أخرى خلاصتها أن ابن تومرت حينما لقي الإمام الغزالي، وأخبره بما وقع من إحراق المرابطين لكتابه " إحياء علوم الدين " بالمغرب والأندلس، تغير وجهه، ورفع يده إلى الدعاء، والطلبة يؤمنون، فقال " اللهم مزق ملكهم كما مزقوه، وأذهب دولتهم كما أحرقوه "،
_______
(1) ابن خلدون ج 1 ص 226، والحلل الموشية ص 75، والزركشي ص 1، والمعجب ص 99.
(2) الحلل الموشية عن ابن القطان ص 75، والمعجب ص 99، وروض القرطاس ص 110 وابن خلكان ج 2 ص 48، والزركشي ص 1.
(3/161)

وأن ابن تومرت، رجا الإمام عندئذ أن يدعو الله أن يكون ذلك على يده، فاستجاب الإمام، ودعا الله بذلك (1).
وينقض هذه الواقعة من أساسها، أن قرار المرابطين بحرق كتاب " الإحياء " قد صدر لأول مرة في سنة 503 هـ في أوائل عهد علي بن يوسف، وذلك حسبما يخبرنا ابن القطان، أعني بعد أن غادر الغزالي بغداد إلى نيسابور لآخر مرة، وقبيل وفاته بنحو عام. فأين إذن ومتى كان لقاء ابن تومرت به؟ وكيف نستطيع إزاء هذه المفارقات الزمنية، أن نصدق تلك القصة التي نسجت حول حرق كتاب الإحياء؟
هي أسطورة إذن، نسجت كما نسجت نسبة ابن تومرت إلى آل البيت، لتغدو هالة تحيط بشخصه وسيرته، وتذكي عناصر الخفاء القدسية، حول شخصه وإمامته. وقد اختير الإمام الغزالي لبطولتها بالذات لتبوئه يومئذ أسمى مكانة من العلم والدين والورع في العالم الإسلامي، ولشهرته الذائعة في المغرب، وصلاته المعروفة بعاهل المرابطين يوسف بن تاشفين، وتأثيره الشرعي لديه، وتأييده لدولته. ويبدو لون الأسطورة في هذه القصة التاريخية بنوع خاص، فيما تزعمه الرواية من أن الإمام الغزالي، حين رؤيته لابن تومرت، شهد من صفاته وشمائله، وتبين فيه من العلامات والآثار، ما يدل على أمره ومستقبله، وأنه كان يقول لجلسائه " لابد لهذا البربري من دولة، أما إنه يثور بالمغرب الأقصى، ويظهر أمره، ويعلو سلطانه، ويتسع ملكه، فإن ذلك ظاهر عليه في صفاته، وباين عنه في شمائله ". ثم تزيد الرواية على ذلك، أن بعض الصحب نقل ذلك إلى ابن تومرت، وأخبره أن ذلك عند الشيخ في كتاب، فلم يزل ابن تومرت يجتهد في خدمة الشيخ ويتقرب إليه، حتى اطلع على الأخبار التي كانت فيه، فلما تحقق من ذلك اعتزم الرحيل إلى المغرب ليتابع قدره، ويبحث عن مصيره (2).
ولم يقف أمر هذه الأسطورة التي تجمع بين الغزالي وابن تومرت عند هذا الحد، بل لقد كان من آثارها أنه يوجد كتاب منسوب للغزالي عنوانه " سر العالمين، وكشف ما في الدارين " أو بعنوان أقصر " السر المكنون " وقد جاء في
_______
(1) الحلل الموشية ص 76 و 377 والبيان المغرب (الأوراق المخطوطة السابق ذكرها - هسبيرس ص 76).
(2) روض القرطاس ص 110 و 111.
(3/162)

أوله ما يأتي: " أول من استنسخه، وقرأه عليّ بالمدرسة النظامية سراً من الناس في النوبة الثانية بعد رجوعي من السفر، رجل من أرض المغرب يقال له محمد ابن تومرت من أهل سلمية، توسمت فيه الملك " (1).
وليس أشد إمعاناً من ذلك كله في عالم الأسطورة. ومن ثم فإنا نجد كثيراً من المؤرخين والمفكرين يرفضون هذه الأسطورة والأخذ بها، فابن الأثير ينفيها بصراحة ويقول لنا " والصحيح أن ابن تومرت لم يجتمع به (أي الغزالي) " (2).
ويبدي ابن خلدون ريبه فيها، ويحملها على محمل الزعم، وكذلك يعاملها ابن الخطيب (3). وكذلك فإن البحث الحديث ينكرها وينفيها. ومن أصحاب هذا الرأي المستشرق الألماني ميللر (4)، والعلامة المستشرق إجناس جولدسيهر.
ويستعرض جولدسيهر بنوع خاص ما في هذه القصة من مفارقات ومتناقضات تاريخية ثم يقول: " ويبدو من ذلك كله أنه يحق لنا أن نلغي من ترجمة ابن تومرت قصة الغزالي، فهي غير مقبولة إطلاقاً، سواء من حيث ترتيب الحوادث الزمنية، أو من حيث منطق الحوادث نفسها. وكل ما هنالك أننا نرى فيها تحقيقاً لحاجة الناس، بأن يجدوا سبباً موجباً، غير الصفات الشخصية، لارتفاع رجل، وصل في لمعة نور خارقة إلى السلطان، وإلى سحق الدولة القائمة " (5).
على أن ذلك كله لا يعني أن ابن تومرت لم يتأثر في تعاليمه الدينية بآراء الغزالي ونظرياته. ومن المسلم به أن ابن تومرت، قد تأثر خلال درسته بالمشرق بالنظريات المشرقية في علوم الكلام والأصول والسنة. ويقول لنا ابن خلدون، إنه تأثر بتعاليم الأشعرية، وأخذ عنهم، واستحسن طريقتهم في الانتصار للعقائد السلفية والدفاع عنها، وفي تأويل المتشابه من القرآن والحديث (6)، وهي
_______
(1) هذا ما ورد في مقدمة العلامة جولدسيهر الفرنسية لكتاب " أعز ما يطلب " الآتي ذكره (ص 19) ولكنا نجد هذه العبارة في مخطوطي دار الكتب المصرية من هذا الكتاب (رقم 180 و 204 مجاميع).
(2) ابن الأثير ج 10 ص 101.
(3) ابن خلدون ج 6 ص 226، وابن الخطيب في الإحاطة في (القاهرة 1956) في ترجمة إدريس بن يعقوب بن عبد المؤمن ج 1 ص 417 و 418.
(4) A. Muller: Der Islam in Morgen und Abendland (Berlin 1885) B. II. p. 641
(5) مقدمة العلامة جولدسيهر ( I. Goldziher) لكتاب محمد بن تومرت (أعز ما يطلب) Le Livre de Mohamad Ibn Toumert (Alger 1903) Introduction, p. 12
(6) ابن خلدون ج 6 ص 226.
(3/163)

مسائل سوف نعود إليها حينما نتحدث عن تعاليم المهدي الدينية. وأما فيما يتعلق بتأثير الغزالي، فإن هذا التأثير يظهر في آراء ابن تومرت ومشاريعه الدينية، وخصوصاً فيما أبداه ابن تومرت من المعارضة للتقاليد الدينية الكائنة بالمغرب، وإن هذه المعارضة كانت تعكس في صور كثيرة، ما كان قائماً من نظرية الغزالي الكلامية، وبعض النظريات الأخرى في المشرق. على أن هذا التأثر بتعاليم الغزالي، لم يصل في رأي جولدسيهر إلى الأعماق، ولم يكن كبيراً، ويلاحظ جولدسيهر بالأخص أن المهدي، بالرغم مما يوصف به في تراجمه من الورع والزهد، لم يبد قط ميلا إلى المعارف الصوفية، وإلى ذلك الجهد النفسي الذي يسمح للإنسان بالحياة في ضمير الحقائق الدينية، وهو الغرض الأساسي في بحوث الغزالي الدينية.
هذا إلى ما كان بينهما من خلاف في المناهج، وفي علم الشريعة، وفي بعض النقط الكلامية الأخرى (1).
- 2 -
ولما أتم محمد بن تومرت بغيته من الدراسة بالمشرق، اعتزم العودة إلى المغرب، وكان قد قطع في دراسته وبحوثه مرحلة بعيدة المدى، حتى غدا على قول ابن خلدون: " بحراً متفجراً من العلم، وشهاباً وارياً من الدين ". وركب ابن تومرت البحر من الإسكندرية في أواخر سنة 511 هـ (1117 م) , ويقال إنه أخرج منفياً من الإسكندرية، لما ترتب من شغب على نشاطه في مطاردة المنكر. بيد أنه استمر في دعوته إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو على ظهر السفينة التي أقلته، فألزم ركابها بإقامة الصلاة وقراءة القرآن، واشتد في ذلك حتى قيل إن ركاب السفينة ألقوه إلى البحر، فلبث أكثر من نصف يوم يسبح إلى جانبها دون أن يصيبه شىء، فلما رأوا ذلك أنزلوا إليه من رفعه من الماء، وقد عظم في نفوسهم، وبالغوا في إكرامه (2). ولما وصل إلى المهدية، نزل بمسجد من مساجدها، وليس معه سوى ركوة ماء وعصا، فتسامع به الناس، وأقبل الطلاب يقرأون عليه مختلف العلوم، وكان إذا شاهد منكراً من آلات الملاهي، أو أواني الخمر، بادر إلى إزالته وكسرها، وأصابه
_______
(1) مقدمة جولدسيهر الفرنسية لكتاب محمد بن تومرت السابقة الذكر ص 20.
(2) ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السابق ذكره لوحة 15 ب)، والمعجب ص 99 و 100.
(3/164)

بسبب ذلك بعض الأذى. ووصل خبره إلى الأمير يحيى بن تميم بن المعز بن باديس ملك إفريقية، فاستدعاه مع جماعة من الفقهاء، فلما رأى سمته، واستمع إلى مناقشاته أعجب به وأكرمه سأله الدعاء (1). ثم غادر المهدية إلى بجاية، وجرى فيها على نفس أسلوبه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان يقوم بدعوته بلا كلل، حتى وقعت ذات يوم بسبب تشدده في إزالة المنكر، ضجة وشعب، وكان والي البلدة العزيز بن المنصور بن حماد الصنهاجي، رجلا فظاً قاسياً، فسخط عليه هو وخاصته، وأراد البطش به. ويفصل لنا ابن القطان بعض ما فعله ابن تومرت لإزالة المنكر ببجاية، وبعض ما كان بها من المناكر والبدع، فيقول إن ابن تومرت لما دخل بجاية لقى بها الصبيان في زي النساء بالضفائر والأخراس والزينة، وشواشي الخز، وألفى الأرذال قد فتنوا بذلك، وانهمكوا فيه، فشدد في مطاردته، وفي إزالة هذا الزي المنكر. ثم إنه حضر عيداً فرأى فيه من اختلاط الرجال بالنساء والصبيان المتزينين المتكحلين صوراً مثيرة، فزجرهم، ونغص عليهم اجتماعهم، فوقع الهرج، وسرى الشر، وسُلب النساء حليهن.
وسأل العزيز عن ذلك، فعرف بأنه لا سبب لهذا الهرج سوى الفقيه السوسي، وذلك حسبما كان يعرف ابن تومرت مذ كان بالمشرق. فأمر بجمع الطلبة لمناظرته، فاجتمعوا في دار أحدهم على طعام وشراب، واستدعى ابن تومرت للحضور، فأبى، فقصد إليه الكاتب عمر بن فلفول، فلاطفه وتضرع إليه حتى قبل المناظرة، واجتمع بالطلبة، وسألوه فأجابهم عن كل ما سألوا؛ وسألهم فما استطاعوا الإجابة عن شىء. وتضرع إليه ابن فلفول عندئذ بأن يترك ما هو بسبيله من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (2). وخشى ابن تومرت العاقبة، فغادر بجاية إلى ناحية قريبة منها تسمى ملالة، ونزل في كنف أصحابها وهم من أعيان صنهاجة، فآووه وأكرموه، وطلب إليهم والى بجاية تسليمه إليه، فأبوا، ولبث بينهم حيناً يدرس العلم، وكان إذا فرغ يجلس على صخرة بقارعة الطريق قريباً من ملالة. وفي ذات يوم وفد إليه كهل وفتى حسن التكوين، رائع الجمال، ولم يكن هذا الفتى الوسيم سوى عبد المؤمن بن علي بن عَلْوي، الذي شاء القدر أن يغدو فيما بعد أعظم أصحاب المهدي، وأعظم قادته، وخليفة
_______
(1) ابن الأثير ج 10 ص 202، وابن خلكان ج 2 ص 49.
(2) ابن القطان في " نظم الجمان " (المخطوط السابق ذكره لوحة 16 ب و 17 أ).
(3/165)

تراثه ودولته. وكان قد قدم مع عمه من بلده القريب من تلمسان، في طريقه إلى المشرق، ليطلب العلم، ويقضي فريضة الحج، فسأله ابن تومرت عن شخصه وعن أحواله، ولما وقف على مقصده، قال له إن العلم والشرف والذكر التي يطلبها موجودة، وإنها تنال بصحبته، ودعاه إلى معاونته فيما هو قائم به، من إماتة المنكر، وإحياء العلم، وإخماد البدع. ويقدم إلينا ابن القطان عن لقاء عبد المؤمن بابن تومرت رواية أخرى، خلاصتها أن ابن تومرت حينما خرج من بجاية، واتخذ مقره في رابطة ملالة، وأقبل عليه طلبة العلم، كان ممن وفد عليه منهم الفقيه عبد الواحد بن عمر التونسي، وتعلق به ولازمه حيناً، وكان التونسي من فقهاء رباط تلمسان، فلما توفي، اتفق أصحابه وتلاميذه على استدعاء ابن تومرت ليقوم بالتدريس مكانه، فوجهوا إليه عبد المؤمن، وكان من تلاميذ التونسي المذكور (1). وأعجب عبد المؤمن كذلك بشخصية ابن تومرت وغزير علمه، وعول على البقاء إلى جانبه. وهنا تدخل الأسطورة مرة أخرى، فيقال إن ابن تومرت قد اطلع على كتاب في الجفر من علوم آل البيت، ورأى فيه صفة رجل يظهر بالمغرب الأقصى، من ذرية الرسول، وان إستقامة أمره، وتوطد مركزه، يكون على يد رجل من أصحابه، هجاء اسمه كاسم عبد المؤمن، ويجاوز وقته المائة الخامسة، وأنه، أي ابن تومرت، كان يبحث عن هذا الرجل أينما حل، فلما رأى عبد المؤمن وسمع اسمه " أدرك أنه هو الشخص المبتغى " (2). وقيل إن ابن تومرت التقى بعبد المؤمن بموضع يعرف بفنزارة من بلاد متيجة، وأن عبد المؤمن كان عندئذ يشتغل بتعليم صبيان القرية المذكورة (3). وبقى عبد المؤمن إلى جانب ابن تومرت، وانقطع إليه واختص به، ودرس عليه حيناً بملالة، تم غادرا ملالة معاً، وذهبا إلى وانشريش، وهنالك انضم إليهما رجل من قبيلة هرغة، أي قبيلة ابن تومرت، هو أبو محمد البشير. وقصد ابن تومرت وصحبه بعد ذلك إلى تلمسان، وقد تسامع الناس بخبره، وذاع صيته، فاستدعاه قاضيها، وهو ابن صاحب الصلاة، وأنبه على مسلكه، ومخالفته لعقائد أهل قطره، وطلب إليه العدول عن دعوته، فأعرض
_______
(1) ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السالف الذكر لوحة 3 ب).
(2) ابن خلكان ج 2 ص 49، والمعجب ص 100.
(3) المعجب عن 100.
(3/166)

عنه ابن تومرت، وسار مع صحبه إلى فاس، ثم إلى مكناسة. وهنالك اشتد في مطاردة المنكر، فاعتدى عليه الغوغاء بالضرب والأذى، فغادرها إلى مراكش (1).
ونظرية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي اتخذها ابن تومرت شعاراً له، هي فكرة يختص بها الإسلام، وهي مشتقة مما ورد في القرآن من قوله: " ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر "، وقوله: " كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر "، ومما ورد في الحديث مما شُهد بصحته قوله: " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده إن استطاع، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان "، وقوله: " لا طاعة في معصية، إنما الطاعة في المعروف، وعلى أحدكم السمع والطاعة ما لم يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة ".
وأساس هذه الفكرة الإسلامية، هو التضامن الاجتماعي، والمسئولية العامة عن حماية المجتمع من المنكر والرذائل التي ينهي عنها الدين. وقد تناول الإمام الفيلسوف ابن حزم القرطبي هذه النظرية في كتابه الجامع " الفِصَلْ " وشرح لنا أصولها ومغزاها، وذكر لنا فيما يتعلق بتطبيق هذا الشعار في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بأنه قد ذهبت طوائف من أهل السنة والمعتزلة والخوارج والزيدية، إلى أن سل السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب، إذا لم يمكن دفع المنكر إلا بذلك. فإذا كان أهل الحق في عصابة يمكنهم الدفع، ولاييئسون من الظفر، ففرض عليهم ذلك، وإن كانوا في عدد لا يرجون لقلتهم وضعفهم بظفر، كانوا في سعة من ترك التغيير باليد. ويزيد ابن حزم على ذلك، أنه يجب إن وقع شىء من الجور وإن قل، أن يكلم الإمام في ذلك ويمنع منه، فإن امتنع وراجع الحق وأذعن للقود من البشرة أو من الأعضاء، ولإقامة حد الزنا والقذف والخمر، فلا سبيل إلى خلعه، وهو إمام كما كان لا يحل خلعه، فإن امتنع من إنفاذ شىء من هذه الواجبات عليه ولم يراجع، وجب خلعه وإقامة غيره ممن يقوم بالحق لقوله تعالى: " وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان " (2).
ويعلق الإمام الغزالي أهمية كبيرة على تلك الفكرة، ويصف الأمر بالمعروف
_______
(1) راجع الحلل الموشية ص 77 و 78، وابن خلدون ج 6 ص 227.
(2) ابن حزم في " الفصل في الملل والأهواء والنحل " (القاهرة 1321 هـ) ج 4 ص 171 و173، و 176.
(3/167)

بأنه " هو القطب الأعظم في الدين ". ومن الطبيعي أن يكون الحاكم أو رئيس الدولة (الإمام)، هو المسئول الأول عن تنفيذ هذا المبدأ الأخلاقي، وأن يبذل ما في وسعه في قمع ما يخالف الشرع من الأعمال والذنوب، بيده، أي بواسطة مأموريه، ثم بلسانه أي بالوعظ والحث على التزام أحكام الشرع. وقد كان منصب الحسبة في مختلف الدول الإسلامية في العصور الوسطى، مظهراً من مظاهر العمل على محاربة بعض أنواع المنكر، بيد أن هذه المطاردة للمنكر لم تكن وقفاً على الدولة، أو ممثليها الرسميين، وإنما كان حق الحسبة يمتد إلى كل مسلم، فلكل مسلم أن يعمل أو أن ينبه على الأقل لإزالة كل منكر يراه، أو مخافة لأحكام الشرع.
وهذا المبدأ ما يزال مسلماً به في عصرنا في سائر المجتمعات الإسلامية، وإن كان الشرع يقصر استعماله على التنبيه أو تبليغ السلطات المختصة.
يقول العلامة جولدسيهر معلقاً على هذا المبدأ: " كان أولئك الذين يحاولون تغيير المنكر، وتغيير وجه الأمور، رجال متحمسون مخلصون، ولكنه كان أيضاً ذريعة لمغامرين أذكياء يحاولون الوصول إلى السلطان بطريقة سهلة فيسبغون الصبغة الدينية على حركة ثورية، وقد كان مبدأ الأمر بالمعروف، شعار الحركات لقلب أسر حاكمة، ورفع آخرين إلى مكانها، وهو يبدأ بنقد الأسرة الحاكمة، ثم يتلو ذلك شهر السيف، وإثارة الجموع. فإذا نجح ذلك، تم الوصول إلى الغاية المنشودة ".
" وقد كان هذا الشعار كلمة تجمُّع لثورات أسر في المشرق، وكذلك في إفريقية الشمالية، التي كانت دائماً مهاداً خصبة لأولئك الذين يريدون إقامة صرح سياسي فوق أسس دينية. ولم تكن بين هذه ثمة حركة، لا في أوائلها، ولا في تقدمها، تضارع في اتساع نطاقها، تلك الثورة التي أدت في أعوام قلائل، إلى طرد المرابطين، وتأسيس الإمبراطورية الموحدية القوية في اسبانيا وشمال إفريقية ".
وبالرغم من أن جولدسيهر يرى بصفة عامة أن ابن تومرت لم يتأثر بتعاليم الغزالي، فإنه في هذا الموطن يقول لنا إن ابن تومرت ربما تأثر في نظرية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بنفوذ الغزالي، لأنه يعلق على هذه النظرية أهمية قصوى، ويصفها كما تقدم " بالقطب الأعظم للدين " (1).
_______
(1) مقدمة جولدسيهر الفرنسية لكتاب " محمد ابن تومرت " أو أعز ما يطلب: Mohamed Ibn Toumert et la Théologie de l'Islam dans le Magreb au XI Siècle, p. 96-95 & 87-85
(3/168)

ونزل ابن تومرت بالحاضرة المرابطية، وكان ذلك في سنة 514 هـ (1120 م) وعكف على طريقته في مطاردة المنكر وإزالته، كلما استطاع إلى ذلك سبيلا، والتقى في المسجد الجامع بأمير المسلمين علي بن يوسف، وجرى بينهما ما سبقت الإشارة إليه من الأحاديث. واستمر ابن تومرت في حملته الدينية الأخلاقية دون هوادة. وقد كانت مراكش وغيرها من المدن المغربية، تبدي أيام المرابطين كثيراً من مظاهر التسامح الديني، أو بعبارة أخرى كثيراً من مظاهر الاستهتار والفساد، فقد كانت الخمر تباع علناً وفي الأسواق، وكان النبيذ يشرب دون تحفظ، وكانت الخنازير تمرح في أحياء المسلمين، وكان القصف ذائعاً بسائر صنوفه، ومظاهر التدين ضعيفة باهتة، هذا إلى ما كان يسود الإدارة من تفكك، والقضاء من انحلال واغتصاب لأموال اليتامى، وغير ذلك من ضروب الفساد (1)، وهو ما يلخصه المراكشي في قوله مشيراً إلى عهد علي بن يوسف بن تاشفين " واختلت حال أمير المسلمين بعد الخمسمائة، اختلالا شديداً، فظهرت في بلاده مناكر كثيرة، وذلك لاستيلاء أكابر المرابطين على البلاد، ودعواهم الاستبداد .. واستولى النساء على الأحوال، وأسندت إليهن الأمور، وصارت كل امرأة من لمتونة ومسّوفة، مشتملة على كل مفسد وشرير وقاطع سبيل، وصاحب خمر وماخور، وأمير المسلمين في ذلك كله يتزايد تغافله، ويقوي ضعفه " (2).
ووقع ذات يوم حادث زاد في لفت الأنظار لابن تومرت ولدعوته. وذلك أن الصورة أخت أمير المسلمين خرجت في موكبها، ومعها عدد من الجواري الحسان، وهن جميعاً سافرات على عادة المرابطين، من سفور النساء، واتخاذ الرجال اللثام. ورأى ابن تومرت هذا الموكب، وأنكر على النساء سفورهن، وأمرهن بستر وجوههن، وضرب هو وأصحابه دوابهن، فسقطت الأميرة عن دابتها، ووقع الاضطراب والهرج، ورفع الأمر إلى أمير المسلمين علي بن يوسف، ففاوض الفقهاء في شأن هذا الداعية المضطرم. وكانت المعلومات التي جمعت عنه منذ حادثة المسجد، هو أنه حديث العهد بالوصول إلى مراكش، وأنه يؤلف الناس، ويقول لهم إن السنة قد ذهبت. وكان علي بن يوسف قد أمر وزيره ينتان بن عمر أن يكشف عن مذهبه، وعن أحواله ومطلبه، فإن كانت له
_______
(1) مقدمة جولدسيهر الفرنسية لكتاب محمد بن تومرت السالفة الذكر ص 97.
(2) المعجب ص 99.
(3/169)

حاجة ينظر في قضائها، وكان جواب ابن تومرت حسبما أشرنا من قبل، أن لا حاجة له إلا تغيير المنكر (1).
ورأى أمير المسلمين أن يناظر الفقهاء هذا الرجل. وكان الفقهاء المرابطون يحقدون على ابن تومرت لاعتناقه مذهب الأشعرية، وما يملي به من تأويل المتشابه، ولحملته عليهم، وإنكاره لجمودهم إزاء مذهب السلف، وإقراره كما جاء، وذهابه إلى حد تكفيرهم، فأغروا الأمير باستدعائه للمناظرة معهم (2)، وقبل ابن تومرت هذا التحدي، وأبدى في مناظرته للفقهاء المرابطين تفوقاً ظاهراً. وقد ورد ذكر هذه المناظرة في كتاب " أعز ما يطلب "، الذي دونه الخليفة عبد المؤمن بن علي عن إملاء ابن تومرت، وملخص ذلك أن المهدي، أو " الإمام المعصوم، المهدي المعلوم " كما يوصف، طلب إلى مناظريه أن يختاروا من ينوب عنهم لمناظرته، فقدموا من اختاروه، وكان مما سألهم المهدي، أن قال لهم طرق العلم هل هي منحصرة أم لا، فأجاب مقدمهم المذكور، نعم هي منحصرة في الكتاب والسنة والمعاني التي نبهت عليها، فقال المهدي، إنما السؤال عن طرق العلم هل هي منحصرة أم لا، فلم تذكر إلا واحداً منها، ومن شرط الجواب أن يكون مطابقاً للسؤال، فلم يفهم مناظره قوله، وعجز عن الجواب. ثم سألهم المهدي عن أصول الحق والباطل ما هي، فعاد مناظره إلى جوابه الأول، فلما رأى المهدي عجزهم عن فهم السؤال، وعجزهم عن الجواب، شرع يبين لهم أصول الحق والباطل، فقال إنها أربعة وهي " العلم والجهل، والشك والظن "، ثم أخذ يشرح ماهية كل منها في كلام طويل، ثم يستعرض الكتاب بعد ذلك آراء المهدي مفصلة عن " الجهل " و " الشك "، و" الظن "، ثم عن " الأصل والحقيقة " ويقسمها إلى أقسام عديدة، وكل قسم منها إلى فصول مختلفة (3). وكان جل من حضر ذلك المجلس من الفقهاء المرابطين، من علماء الفروع، وليست لهم معرفة بعلم الأصول. ونقول بهذه المناسبة إن علم الأصول أو أصول الدين، يقوم على دراسة الشريعة واشتقاقها من الكتاب والسنة، ودراسة النصوص الشرعية، والأدلة العقلية، وتفاصيل العقائد، وأصول الفقه
_______
(1) البيان المغرب في الأوراق المخطوطة السالفة الذكر.
(2) ابن خلدون ج 6 ص 227.
(3) كتاب محمد بن تومرت أو أعز ما يطلب (الجزائر سنة 1903) ص 1 - 5 و 11 - 18.
(3/170)

أى مصادر الشريعة، ومعرفة النبوة والرسالة، وكل ما يتعلق بذلك. وأما علم الفروع، فإنه يقتصر على دراسة فرائض العبادات والمعاملات وأحكامها، والحدود والأقضية، أو بعبارة أخرى، على دراسة الجانب العملي والدنيوي من الشريعة. وقد كانت الدراسات المفضلة في ظل المرابطين هي علم الفروع. ويقول لنا المراكشي، خلال حديثه عن نفوذ الفقهاء أيام علي بن يوسف، إنه لم يكن يحظى عنده إلا من أتقن علم الفروع أعني فروع مذهب مالك، ثم يستطرد قائلا: " فنفقت في ذلك الزمان كتب المذهب، وعمل بمقتضاها، ونبذ ما سواها، وكثر ذلك حتى نُسي النظر في كتاب الله، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكن أحد من مشاهير ذلك الزمان يعتني بهما كل الاعتناء " (1). وقد كان أخص ما تمتاز به هذه المناظرة الدينية، هو أن ابن تومرت أبدى في مناقشته تمسكه بأصول الشريعة، إزاء الفقهاء المرابطين، وهم أقطاب علم الفروع، وأراد أن يبين جهلهم بمناهج الشريعة الحقيقية، فجعل المناقشة تجري على الأصول لا الفروع، وأبدى في عرضه لأصول الشريعة، أنه يرجع خاصة إلى القرآن والحديث، ولا يرجع قط قول مستخرج، ولا يعتبر الإجتهاد مرجعاً من مراجع الشريعة (2).
ولم يكن بين الفقهاء المرابطين من استطاع أن يقدر براعة ابن تومرت، وتبحره في علوم الدين، سوى فقيه أندلسي هو مالك بن وهيب قاضي مراكش، وقد كان من أكابر العلماء والأدباء، وكان متمكناً من علوم الدين والفلسفة، ولكنه كان لا يظهر من علمه إلا ما يروج في ذلك الزمان (3). فبين لأمير المسلمين خطورة هذا الرجل، وخطورة دعوته وتعاليمه، وقال له إن هذا رجل، لا يبغي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكنه يبغي تضليل العامة، وإثارة الفتنة، والوصول إلى السلطان، وأشار عليه بقتله، وأشار البعض الآخر على أمير المسلمين، باعتقال الرجل وسجنه، وعبر عن ذلك أحدهم بقوله للأمير: " ألقه في الكبول لئلا يسمعك الطبول ". وخالفهم في ذلك الوزير ينتان بن عمر، وقال
_______
(1) المعجب ص 95 و 96.
(2) جولدسيهر في مقدمته الفرنسية السالفة الذكر لكتاب محمد بن تومرت ص 39 و 40.
(3) المعجب ص 102، ويقول لنا المراكشي إن مالك بن وهيب هذا، قد وضع كتاباً فريداً في بابه اسمه " قراضة الذهب في ذكر لئام العرب " ضمنه لئام العرب في الجاهلية والإسلام، وأنه رأى هذا الكتاب في خزانة بني عبد المؤمن.
(3/171)

لعلي بن يوسف إن هذا وهن في حق الملك، ونوه بضعف الرجل وضآلة شأنه.
فأمر علي بن يوسف وزيره أن يعتقله لديه أياماً حتى يرى فيه رأيه. ولم تمض أيام على ذلك، حتى جاءت الأنباء بوقوع الفتنة في قرطبة، وأخذ علي بن يوسف في التأهب للعبور إلى الأندلس. فطلب إلى وزيره أن يأتيه بابن تومرت، وحضر بين يديه، وقال له علي بلغني عنك ما صنعت ببجاية وغيرها فتورع الناس عن قتلك، فعرفني بحقيقة غرضك، فقال ابن تومرت غرضي تغيير المنكر، ورفع المغارم، وألا تولي من قبيلتك أحد، وان تتركوا اللثام لأنه من شأن النساء، ولا تجوز به صلاة، فزجره أمير المسلمين، وأمر بإخراجه من مراكش.
وكان ذلك في أوائل سنة 515 هـ (1).
- 3 -
غادر محمد بن تومرت وصحبه مدينة مراكش إلى أغمات، وفي بعض الروايات أنه بالعكس استمر حيناً يقيم في خيمة بين مقابر المدينة، وينهال عليه الناس والطلاب، وهو يبث فيهم الدعوة ضد المرابطين، ويرميهم بالتجسيم والكفر، ثم انتهى بأن أعلن بطلان بيعة علي بن يوسف وخلع طاعته عن أعناق أصحابه وتابعيه (2)، ولكنه اضطر أن يغادر مكانه حينما بلغه أن القوم يضمرون اعتقاله وقتله (3). ولما حل ابن تومرت بأغمات استمر فيها على طريقته من مطاردة المنكر والحملة على المرابطين، واتخذ لصلاته ودعايته مسجداً خارج أغمات، فأمر صاحب المدينة بإخراجه وإبعاده (4). فعندئذ قصد ابن تومرت وصحبه إلى بلاد السوس، ولحق بجبال المصامدة، وذهب أولا إلى مسفيوة، ثم إلى هنتانة، ثم إلى إيكلين، ومر في خلال ذلك بكثير من المحلات البربرية، وهو يتوقف أوقاتاً في بعضها، ويبني المساجد، وينضم إليه الصحب والأتباع. وقد فصل لنا أبو بكر الصنهاجي صاحب ابن تومرت، برنامج رحلته منذ خروجه من أغمات، ومسيره
_______
(1) البيان المغرب (الأوراق المخطوطة السالفة الذكر)، وروض القرطاس ص 112، والحلل الموشية ص 73 و 74، وابن الأثير ج 10 ص 202، والمعجب ص 102 و 103، وراجع كتاب أخبار المهدي ابن تومرت ص 68 و 69.
(2) ابن القطان نقلا عن ابن الراعي (نظم الجمان المخطوط لوحة 10 ب).
(3) هذه هي رواية أبى بكر الصنهاجي أحد أصحاب المهدي في كتابه " أخبار المهدي ابن تومرت " (ص 69) ونقلها صاحب روض القرطاس (ص 113).
(4) البيان المغرب في الأوراق المخطوطة المشار إليها، وابن خلدون ج 1 ص 227.
(3/172)

خلال جبال المصامدة، ومن لقيه خلال رحلته من الصحب والأتباع. ورحل ابن تومرت وصحبه بعد ذلك إلى قرية إيجليز أوجبل إيجليز من بلاد هرغة، بلده وموطن قومه وعشيرته، ونزل في مكان منيع لا يصل إليه أحد إلا من طريق لا يسلكها إلا الراكب بعد الراكب، وتدافع عنها أقل عصبة من الناس (1)، وهنالك انهال إليه المصامدة من كل فج، وكثر صحبه وأتباعه، وهو يدعوهم إلى التوحيد، وإلى قتال المجسمين المرابطين، وعكف على تدريس العلم. وكان يعني بالأخص بأن يشرح لأنصاره وتلاميذه نظرية المهدي المنتظر والإمام المعصوم، وما ورد فيها من الأحاديث والأقوال المأثورة، ويبث الخاصة من دعاته بين رؤساء القبائل يمهدون لتلك الدعوة ويبشرون بها. ولما شعر ابن تومرت بأن دعايته قد أتت ثمرتها، وأضحى الميدان ممهداً للعمل، اعتزم أن يعلن إمامته (2). وفي اليوم الخامس عشر من رمضان سنة 515 هـ (ديسمبر سنة 1121 م) قام ابن تومرت خطيباً في أصحابه وأعلن إليهم أنه المهدي المنتظر (3) في خطبة قصيرة ينقل إلينا نصها ابن القطان في " نظم الجمان " فيما يلي:
" الحمد لله الفعال لما يريد، القاضي بما يشاء، لا راد لأمره، ولا معقب لحكمه، وصلى الله على سيدنا رسول الله، المبشر بالإمام المهدي، الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلا، كما ملئت جوراً وظلماً، يبعثه الله إذا نُسخ الحق بالباطل وأزيل العدل بالجور. مكانه المغرب الأقصى منبته وزمانه آخر الزمان، واسمه اسم النبي عليه الصلاة والسلام، ونسبه نسب النبي صلى الله تعالى وملائكته الكرام المقربون عليه وسلم، وقد ظهر جور الأمراء، وامتلأت الأرض بالفساد، وهذا آخر الزمان، والإسم الاسم والنسب النسب، والفعل الفعل ". (4)
وعلى أثر ذلك، وفي ظل شجرة خروب وارفة، هرع إلى المهدي عشرة من
أصحابه الملازمين له، وبايعوه على أنه المهدي المنتظر والإمام المعصوم، وهؤلاء العشرة الأوائل من أصحاب المهدي هم: تلميذه وألصق الناس به عبد المؤمن بن علي،
_______
(1) ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السابق ذكره لوحة 33 أ).
(2) المراكشي في المعجب ص 103.
(3) هذه رواية روض القرطاس (ص 113)، ويؤيدها ابن خلدون، (ج 6 ص 228)، والحلل الموشية ص 78، والزركشي ص 4، ويقول ابن عذارى إنها كانت في سنة 518 هـ (الأوراق المخطوطة السالفة الذكر - هسبيرس ص 82).
(4) نظم الجمان (المخطوط السابق ذكره لوحة 23 أ). الحلل الموشية ص 78.
(3/173)

وكان أول من بايعه، وأبو محمد عبد الله بن محسن الوانشريشي المسمى بالبشير، وعبد الله بن ملويات، وأبو حفص عمر بن يحيى الهنتاني، وأبو حفص عمر بن على أزناج (أصناك)، وسليمان بن مخلوف، وإبراهيم بن إسماعيل الخزرجي وأبو محمد عبد الواحد الحضرمي، وأبو عمران موسى بن تمارى، وأبو يحيى أبو بكر بن يكيت. وسمي هؤلاء العشرة بالمهاجرين الأولين وبالجماعة (1)، ثم بايعه من بعدهم خمسون رجلا، فسموا أهل خمسين، وهم الطبقة الثانية من أصحاب المهدي (2). تم بايعه من بعدهم سبعون آخرون فسموا أهل سبعين، وهم الطبقة الثالثة. وكانت هذه الطبقات الثلاث تضم أخلص أنصار المهدي، وأقدرهم.
وقسم ابن تومرت بعد ذلك بقية أصحابه وأنصاره، إلى طبقات تلي هذه، فالطبقة الرابعة تتكون من طلبة العلم، والطبقة الخامسة تتكون من الحفاظ، وهم صغار الطلبة، والطبقة السادسة تتكون من أهل الدار وهم أقارب المهدي وعشيرته وخاصة خدمه. وقد ذكر لنا ابن القطان نقلا عن ابن صاحب الصلاة أسماء هؤلاء الخدم الذين كانوا يلازمونه ليل نهار. والطبقة السابعة تتكون من أهل هرغة بلد المهدي وموطن قبيلته، والطبقة الثامنة تتكون من أهل تينملّل، والطبقة التاسعة من أهل جدميوه، والطبقة العاشرة من أهل جنفيسة، والطبقة الحادية عشرة من أهل هنتانة، والثانية عشر تتكون من الجند، والثالثة عشرة من الغزاة والرماة. ويقول ابن القطان إن الطبقة الثانية عشر كانت تتكون من أهل القبائل، والثالثة عشرة من الجند. ويضيف إلى ذلك طبقة أخرى، هي الرابعة عشرة، وهي طبقة " الفرات "، وهم الأحداث الصغار الأميون، ووضع المهدي فيما بعد نظاماً خاصاً لمهام هذه الطبقات ورُتَبها، وجعل لكل منها مهمة تختص بها، ورتبة لا تتعداها، سواء في السفر أو الحضر، وشرع القتل جزاء لمن خالف الأوامر؛ ومن تخلف عن الحضور أدب، فإن تمادى قتل،
_______
(1) الحلل الموشية ص 79، وروض القرطاس ص 113. ويذكر لنا ابن القطان اسمين آخرين هما أبو الربيع سليمان بن الحضرمي، وأبو عبد الله محمد بن سليمان مكان أبي محمد عبد الواحد الحضرمي، وسليمان بن مخلوف (نظم الجمان لوحة 33 ب). ويورد أبو بكر الصنهاجي في كتابه أخبار المهدي بن تومرت أسماء أخرى، ويذكر نفسه ضمن العشرة الأوائل (ص 73). وكذلك يذكر ابن خلدون بعض أسماء أخرى (ج 6 ص 228).
(2) ذكر لنا أبو بكر الصنهاجي صاحب كتاب أخبار المهدي ابن تومرت أسماء " أهل خمسين " ص 33 و 34.
(3/174)

ومن لم يحفظ حزبه عزر بالسياط، وكل من لم يتأدب بما أدب به، ضرب بالسوط مرة أو مرتين، فإن تمادى في تصرفه وترك امتثال الأوامر قتل، ومن داهن على أخيه أو أبيه أو ابنه أو من يكرم عليه قتل. وشدد المهدي في تنفيذ شريعته وضبط الأمور بحزم، وكان هذا النظام هو أساس الدولة الموحدية المستقبلة (1).
ولما كملت بيعة ابن تومرت على هذا النحو، لقبه أنصاره بالمهدي والإمام المعصوم، وكانوا من قبل يقتصرون على تلقيبه بالإمام. وسمي المهدي وأصحابه وأهل دعوته بالموحدين. ويقول لنا ابن خلدون، إنه اختار لهم هذه التسمية تعريضاً بلمتونة في أخذهم بالعدول عن التأويل وميلهم إلى التجسيم (2). ووضع لهم في التوحيد كتاباً باللغة البربرية سماه " المرشدة " يحتوي على معرفة الله تعالى، والعلم بحقيقة القضاء والقدر، والإيمان بما يجب لله تعالى، وما يجب على المسلم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويتضمن الأعشار والأحزاب والسور، وقال لهم إن من لا يحفظ هذا التوحيد، فليس بموحد، وإنما هو كافر لا تجوز إمامته، ولا تؤكل ذبيحته. قال صاحب روض القرطاس " فصار هذا التوحيد عند قبائل المصامدة كالقرآن العزيز، لأنه وجدهم قوماً جهلة لا يعرفون شيئاً من أمر الدين ولا من أمر الدنيا " (3). ووضع لهم بالبربرية كتباً أخرى في العقيدة منها كتاب سمي " بالقواعد " وآخر سمي " بالأمانة "، ودونها كذلك بالعربية، وكان ابن تومرت أبرع أهل عصره في إتقان اللغتين العربية والبربرية. ثم وضع بالعربية فيما بعد، كتابه في العقيدة والعلم والإمامة الذي رواه عنه تلميذه وخليفته عبد المؤمن بن علي والذي يفتتحه بقوله " أعز ما يطلب " وهي عبارة أصبحت تعتبر عنواناً للكتاب ذاته (4). وسوف نتحدث في فصل خاص عن محتويات هذا الكتاب، وعن عقائد المهدي وآرائه الدينية والسياسية بصفة عامة.
ولبث المهدي بن تومرت يبث دعوته، ويعمل على توطيدها في نفوس أنصاره، بفصاحته وذلاقته، ورقيق وعظه، وأعوانه من المخلصين القادرين يجوبون جبال المصامدة، ويدعون إلى إمامته ومهديته، والناس يفدون عليه من كل صوب جموعاً غفيرة، يبايعونه بالإمامة، ويتبركون برؤيته، حتى
_______
(1) ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السالف الذكر لوحة 10 أوب).
(2) ابن خلدون ج 6 ص 229.
(3) ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط لوحة 34 أ). وروض القرطاس ص 114.
(4) روض القرطاس ص 80، وابن خلدون ج 6 ص 226.
(3/175)

استفحل أمره، وعلا صيته، وكثر جمعه، وأضحى يمثل بما تنطوي عليه حركته من القوى الأدبية والمادية الضخمة، خطراً داهماً على سلطان المرابطين.
وإنه ليحق لنا أن نتساءل هنا، هل كان محمد بن تومرت يضمر منذ الساعة الأولى مشروعه في انتحال صفة المهدي توسلا إلى نيل السلطان، وأنه مذ عاد عقب دراسته بالمشرق إلى المغرب، كان يضطرم بهذه الأمنية الكبيرة، أم أنه حمل على مشروعه، بما رآه من نجاح دعوته، وتكاثر أتباعه، وشعوره بقوة ملأه؟
يلوح لنا أن ابن تومرت كان يضطرم بأطماعه منذ الساعة الأولى، وأنه كان في بداية أمره يتخذ الدعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ستاراً يتحسس به طريقه، حتى تسنح له فرصة العمل المثمر. يؤيد ذلك ما سبق أن نقلناه عن المراكشي من أن ابن تومرت، كان خلال محادثاته لتلاميذه وأنصاره، يعني بأن يشرح لهم بالأخص نظرية المهدي المنتظر، والإمام المعصوم، ويبعث رسله ودعاته لإذاعتها بين القبائل. وتؤيده كذلك رسالة أشار إليها ابن القطان، قال إنها وجهت من المهدي في آخر شهر رمضان سنة 511 هـ إلى الفقيه القاضي علي بن أبي الحسن الجذامي وفيها يقول بعد البسملة: " أقول، وأنا محمد بن عبد الله بن تومرت، وأنا مهدي آخر الزمان " (1). وقد يؤيده أيضاً ما تردده تراجمه المختلفة من قصة لقائه بالإمام الغزالي، وما ينسب إلى الغزالي، حينما وقف منه على ما فعل المرابطون بكتبه، من دعائه بتمزيق دولتهم، وزوال ملكهم، وأن يكون ذلك على يده، أي على يد ابن تومرت، وما تردده هذه التراجم أيضاً من أن ابن تومرت، قد اطلع في بعض كتب الجفر والملاحم السرية على ما رود فيها بشأن قدره ومصيره، وأنه وقف منها على العلامات والشواهد الخاصة التي يتميز بها المهدي المنتظر، وهي علامات كانت كلها متوفرة فيه (2).
_______
(1) ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السالف ذكره لوحة 14 أ).
(2) المراكشي في المعجب ص 103. وراجع أيضاً جولدسيهر في مقدمته الفرنسية لكتاب محمد بن تومرت التي سبقت الإشارة إليها ص 99.
(3/176)

الفصل الثاني
الصراع بين المرابطين والموحدين المرحلة الأولى
علي بن يوسف يرسل جيشاً لمحاربة المهدي. تحصن المهدي بجبل إيجليز. نزول الموحدين للقاء المرابطين. هزيمة المرابطين وفرارهم. أمير المسلمين يرسل جيشاً آخر لمحاربة الموحدين. هزيمة المرابطين للمرة الثانية، ثم للمرة الثالثة. أثر هذا الظفر في توطيد أمر المهدي وتقوية شيعته. المهدي يوجه رسالة إلى المرابطين. غزوات المهدي للمرابطين ثم للقبائل الخارجة. افتتاحه لجبال ْدرن. انتقاله من جبل إيجليز إلى تينملل. رواية عن استيطان المهدي لتينملل، وفتكه بقبيلة هزميرة. استعداد المهدي لمرحلة جديدة من الصراع ضد المرابطين. تمييزه لأصحابه عن يد محمد البشير. قصة البشير ومعجزاته المزعومة. بعث المهدي قواته لغزو المرابطين. غزوها لكيك وأغمات. هزيمة المرابطين في الموقعتين. حشد المهدي لسائر قواته. يعهد بقيادتها إلى محمد البشير وعبد المؤمن بن علي. زحف الموحدين على مراكش. تفاصيل عن المعارك التمهيدية بين الموحدين والمرابطين. استعداد علي ابن يوسف للدفاع. اللقاء الأول بين المرابطين والموحدين تحت أسوار مراكش. هزيمة المرابطين والتجاؤهم إلى داخل المدينة. حصار الموحدين لمراكش. اجتماع الحشود المرابطية من سائر الأنحاء. نشوب معركة جديدة بين الفريقين في بقعة البحيرة. هزيمة الموحدين وتمزيق قواتهم. مصرع قائدهم البشير ومعظم زملائه. انسحاب عبد المؤمن في فلوله، وفتك القوات المرابطية بها. ارتداد الموحدين إلى تينملل. فداحة النكبة التي أصابت الجيش الموحدي. الخلاف حول تاريخ معركة البحيرة. مرض المهدي ووفاته. صفاته وخلاله وأحكامه. سفكه للدماء. خداعه واستغلاله لسذاجة الجماهير. تصدي ابن خلدون للدفاع عن صفته ونسبه وعن صحة دعوته. بواعث هذا الدفاع، وما يتسم به من سقم وتناقض. مثل الداعية المخاتل الساعي إلى انتزاع السلطان. حكومة المهدي التيوقراطية. الإتفاق على خلافة عبد المؤمن. قبر المهدي في تينملل.
- 1 -
كان واضحاً، أن محمد بن تومرت أو المهدي حسبما نسميه منذ الآن، كان مذ شعر بتوطيد أمره، وتضخم أنصاره وجموعه، يتأهب لمحاربة المرابطين.
وهو قد أعلن ذلك لأنصاره " الموحدين " بالفعل مذ تمت بيعته وتسمى بالمهدي، وأخذ الموحدون في التأهب للحرب، بعد أن رتبهم المهدي، وجعل لكل عشرة منهم نقيباً. وسنرى فيما بعد كيف تنتظم الجيوش الموحدية وفق منهاج جديد، وتتخذ لها في الحروب خططاً مبتكرة، كانت من أهم أسباب ظفرها.
وقد رأينا فيما تقدم، كيف اضطر أمير المسلمين علي بن يوسف أن يعبر
(3/177)

البحر إلى الأندلس في أوائل سنة 515 هـ، حينما سمع بأمر الفتنة التي حدثت بقرطبة، وكيف أنه لم يمكث عندئذ طويلا بالأندلس، ولم يضطلع بأية أعمال أو غزوات جديدة، لما بلغه من تفاقم حركة ابن تومرت في بلاد السوس، وكان قبل ذلك بأشهر قلائل فقط قد سرحه، عقب المناظرة التي وقعت بينه وبين الفقهاء، واكتفى بإبعاده عن حاضرته مراكش، فسار ابن تومرت إلى بلاد السوس، وهنالك كشف عن حقيقة نياته ومشاريعه البعيدة المدى.
ولما عاد أمير المسلمين إلى مراكش حاول أن يستدرك ما فاته، وأن يدبر أمر القبض على ابن تومرت، ولكن الأمر كان أخطر من ذلك وأعظم، ولم يكن أمامه سوى محاربة الرجل، الذي تحول في فترة قصيرة من فقيه متواضع يدعو إلى تغيير المنكر، إلى داعية سياسي خطر، يتشح بثوب الإمامة المهدية، ويجمع تحت لوائه قوى جرارة.
فبعث لقتاله والي السوس أبا بكر بن محمد اللمتوني، وقيل إبراهيم بن تيعشت في جيش من الأجناد والحشم، فقصد إلى السوس الأقصى، وكان المهدي قد صعد عندئذ إلى جبل إيجليز من شعب جبال المصامدة، وتحصن فيه مع أنصاره، وكان لهذا الجبل طريق واحد ضيق وعر لا يستطيع أن يسلكه سوى فارس واحد، وتصعب مهاجمته على أية قوة محاربة، فلما قدم المرابطون نزلوا في شرقي الجبل بمكان وعر، فخرج المهدي من معقله، وعقد مجلساً لأصحابه ووعظهم، وقال لهم: أنظروا إلى أعدائكم، واعلموا أن كل ما جاءوا به من خيل وعدة، إنما هو هدية من الله تعالى لكم، على غربتكم وفقركم، فأعطاكم وأغناكم. ثم جهز لقتالهم جيشاً من أنصاره من أهل هرغة وهنتانة وتينملل، وزوده بالأعلام البيض، وندب لقيادته محمداً البشير الوانشريشي أحد أصحابه العشرة، فنزل الموحدون من الجبل، وما كاد اللقاء يقع بين الجيشين حتى هزم المرابطون وركنوا إلى الفرار، واستولى الموحدون على أسلابهم من الخيل والسلاح، وطاردوهم حتى مدينة مراكش، ووقع هذا النصر الأول لجيوش المهدي، في شهر شعبان سنة 516 هـ (أغسطس سنة 1123 م) (1).
وكان لهذا النصر أثر بالغ في ذيوع أمر المهدي، وتضاعف صيته، وتضخم
_______
(1) ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السالف ذكره لوحة 37 أ)، والحلل الموشية ص 80، وروض القرطاس ص 114، وابن خلدون ج 6 ص 228.
(3/178)

شيعته، وكان له بالأخص أثره في تقوية الروح المعنوية لدى جموع الموحدين.
وبادر علي بن يوسف فجهز جيشاً آخر، أضخم عدة وعدداً، وسيره تحت إمرة الأمير أبى إبراهيم إسحاق، وكان الموحدون قد كثر جمعهم، وقويت نفوسهم، وتزودوا بما غنموه من المرابطين من الخيل والسلاح. فلما التقى الجمعان للمرة الثانية سرى إلى الحشم والجند المرابطين رعب مفاجىء، وانهزموا أمام الموحدين دون قتال، وقتل منهم عدد وافر، واستولى الموحدون على محلتهم، وسائر عُددهم، وكان لهذه الهزيمة الثانية أسوأ وقع في نفس علي بن يوسف، فجهز على الأثر جيشاً عظيماً ثالثاً، وعهد بقيادته إلى الأمير سير بن مزدلي اللمتوني، فلم يكن في قتال الموحدين أسعد حظاً من سابقيه، فأصيب كذلك بهزيمة شديدة وقتلت من جنده جملة وافرة، وكانت نكبة جديدة للمرابطين.
وبدا عندئذ، لعليّ بن يوسف على ضوء هذه الهزائم المتوالية لجيوشه، أن المسألة ليست فتنة محلية، وأن المهدي لم يكن ثائراً عادياً، بل إن الأمر أجل من من ذلك وأخطر، وأن محاربة الموحدين أضحت بالنسبة للدولة المرابطية، معركة حياة أو موت. وشعر المهدي من جهة أخرى أنه أضحى من حيث توطد أمره، ووفرة حشوده، وروح شيعته المعنوية، التي أذكاها الظفر، ندًّا قوياً للمرابطين، وأنه يسير قدماً في هزيمتهم وتحطيم دولتهم، وأنه لن يمضي سوى القليل، حتى ينزعهم سلطانهم، ويقيم دولته الموحدية الجديدة على أنقاض دولتهم، وكان من أثر هذه الثقة بالظفر النهائي، أن وجه المهدي إلى المرابطين، رسالة يدعوهم فيها إلى طاعته، وينذرهم فيها بسحقهم إذا لم يستجيبوا. وإليك نص هذه الرسالة التي يوردها لنا صاحب الحلل الموشية: " إلى القوم الذين استزلهم الشيطان، وغضب عليهم الرحمن، الفئة الباغية، والشرذمة الطاغية، لمتونة، أما بعد، قد أمرناكم بما نأمر به أنفسنا من تقوى الله العظيم ولزوم طاعته، وأن الدنيا مخلوقة للفناء، والجنة لمن اتقى، والعذاب لمن عصى، وقد وجبت لنا عليكم حقوق بوجوب السنة، فإن أديتموها كنتم في عافية، وإلا فنستعين بالله على قتالكم حتى نمحو آثاركم، ونكدر دياركم، ويرجع العامر خالياً، والجديد بالياً، وكتابنا هذا إليكم إعذار وإنذار، وقد أعذر من أنذر، والسلام عليكم، سلام السنة، لا سلام الرضى " (1).
_______
(1) الحلل الموشية ص 81.
(3/179)

وقعت هذه المرحلة الأولى من الصراع بين الموحدين والمرابطين في سنة 516 هـ (1122 م) وربما كذلك في سنة 517 هـ. وقد ذكر لنا أبو بكر الصنهاجي المكنى بالبيذق، وقد كان حسبما يقرر لنا من حشم المهدي وخاصته، في روايته في باب غزوات المهدي، أو المعصوم كما يسميه، أن هذه الغزوات الأولى بلغت تسع غزوات متوالية كانت كلها ضد المرابطين، إلا واحدة منها، وهي الغزوة السابعة، فقد كانت لقبيلة هسكورة، وكان من أبرز الوقائع في مقاتلة المرابطين واقعتان، الأولى نشبت بين المرابطين أو الحشم حسبما ينعتهم ابن القطان، وبين الموحدين في بلدة تادرارت، وكانت معركة عنيفة هزم فيها الموحدون، وفني معظمهم أو قتلوا جميعاً حسبما يروى ابن القطان. ونشبت الموقعة الثانية في آنسا، وكانت الدائرة في هذه المعركة على الموحدين، فقتلت منهم جملة كبيرة. أما غزوة هَسْكورة، فلأنها كانت من القبائل المتخلفة عن بيعة المهدي، والاعتراف بطاعته، وفي هذه الغزوة اشترك المهدي بنفسه في القتال، وأصيب بجراح، وأسرع أنصاره بحمله وإنقاذه (1). والواقع أن المهدي لم يقتصر في بداية أمره على مقارعة المرابطين أو لمتونة، ولكنه شغل في نفس الوقت بمحاربة القبائل المجاورة المتخلفة عن بيعته وطاعته، مثل هسكورة، ورَجراجة، وهزرجة، وغجرامة، وكثير من بطون المصامدة، وكان بعض هذه القبائل مثل هزرجة وهسكورة من حلفاء لمتونة، فكان المهدي يشتد في قتالهم ويرغمهم على الطاعة قبيلة بعد أخرى، حتى دانت له سائر القبائل الخارجة، من المصامدة ومن غيرهم (2)، وجاز المهدي بعد ذلك إلى جبال دَرَن، فاحتوى على سائر بلادها ومحلاتها من بلدة تامبوت إلى ماغوصة إلى جنفيسة، تم جاز إلى تادرارت حيث وقعت هزيمة الموحدين الأولى، فأغار عليها الموحدون وقتلوا أهلها قتلا ذريعاً. وأنفق المهدي في تلك الحروب والغزوات المحلية زهاء ثلاثة أعوام، من سنة 516 إلى سنة 518 هـ (1122 - 1124 م)، وبذلك استطاع أن يبسط سلطانه المطلق على منطقة السوس كلها.
وفي سنة 518 هـ، غادر المهدي جبل إيجليز بعد أن أقام فيه ثلاثة أعوام،
_______
(1) كتاب أخبار المهدي ابن تومرت ص 74 - 78، وابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السابق ذكره لوحة 46 أ).
(2) ابن خلدون ج 6 ص 228، وروض القرطاس ص 115، والزركشي ص 4.
(3/180)

خريطة:
المغرب البلاد ومنازل القبائل عند بداية الدولة الموحدية.
(3/181)

وسار في صحبه إلى تينملّل، وهي محلة صغيرة من عمل هرغة تقع فوق ربوة عالية في سفح جبل دَرَن من شعب جبال الأطلس على قيد نحو مائة كيلومتر من جنوب غربي مراكش، فقسم أرضها وديارها على أصحابه، وابتنى بها حصناً في قمة الجبل يشرف عليها من عل، وابتنى كذلك داراً ومسجداً، وأدار حول وهداتها سوراً. وكان اختيار المهدي لهذه البلدة يرجع بالأخص إلى حصانة موقعها الفائق، وكان الوصول إليها من الغرب من طريق ضيق لا يتسع إلا لفارس واحد، ومن الشرق كذلك من طريق في بطن الجبل تحت راكبها حافات وفوقه حافات، والسير فيها خطر شاق. وهكذا استقر المهدي في تينملّل، وجعلها مقر رياسته، ومركز جهاده، وبذلك أضحى على مسافة قليلة من العاصمة المرابطية الكبرى (1).
ويقدم إلينا اليسع بن أبى اليسع عن استيطان المهدي لتينملل رواية، خلاصتها أن أهلها بعثوا إليه بطاعة قبيلتهم هزميرة الجبل، وأن سكناه لديهم أصلح له، وأقرب إلى بث دعوته، فسار إليهم، ونزل بتينملل، فأكرمه أهلها أيما إكرام، وأكدوا له خضوعهم وطاعتهم، وبايعوه، فرأى المهدي من كثرتهم وحصانة بلدهم ما راق لديه، وكان يخرج إلى الشريعة في خارجها، ويجلس على حجر مربع أمام المحراب، ويعظ الناس، فلاحظ أن قبيلة هزميرة يحضرون دائماً متقلدين سلاحهم. فسألهم يوماً لم تمسكون سلاحكم، وإخوانكم الموحدون لا يمسكونه؟ فتركوا حمل السلاح مدة. وكان المهدي قد توجس من كثرتهم وقوتهم، ونظر في أمرهم. فجاءوا ذات يوم إلى سماع الوعظ دون سلاح.
وكان الموحدون بالعكس قد تقلدوا سلاحهم، فانقضوا عليهم، وأوسعوهم قتلا، فقتلوا منهم في ذلك اليوم وفقاً لرواية اليسع نحو خمسة عشر ألف، وسبيت نساؤهم، ونهبت أموالهم، وقسمت أراضيهم بين الموحدين. ثم ابتنى المهدي سوراً حول تينملل، وأقام في قمة الجبل حصناً يكشف ما وراءه. وأخذ يبعث بقواته إلى الأماكن المجاورة من أراضي قبيلة تينملل أو هزميرة فيغيرون عليها، ويقتلون أهلها، ويسبون ويغنمون.
ووقعت هذه الحوادث كلها، حسبما يخبرنا ابن القطان في سنة 518 هـ (2) (1124 م)
_______
(1) أتيح لي خلال إحدى زياراتي للمغرب أن أزور بلدة تينملل، وأن أتأمل موقعها الحصين في سفح جبال الأطلس، وهي اليوم بلدة صغيرة تحتوي على مساكن قليلة وأمامها مسجد المهدي وهو في حالة خربة، وعلى مقربة منه موضع تظلله الأشجار، قيل لنا إنه قبر المهدي.
(2) ابن القطان عن اليسع، في نظم الجمان (المخطوط السابق ذكره لوحة 46 ب و 47 أوب).
(3/182)

وأخذ المهدي بعد ذلك يتأهب للمرحلة التالية، وربما الحاسمة، في صراعه مع المرابطين. وكان قد اعتاد أن يسميهم " بالمجسمين ". وترجع هذه التسمية إلى حديث نقله إلينا أبو بكر الصنهاجي في كلامه عن الغزوة التاسعة، وذلك أن المهدي سأل أنصاره الموحدين في هذه الغزوة، وكان مشاركاً فيها، عما يقوله المرابطون عنهم، فقالوا إنهم لقبونا بالخوارج، فقال المهدي " سبقونا بالقبيح " لو كان خيراً أحجموا عنه، لقبوهم أنتم، فإن الله ذكر في كتابه: " فمن اعتدى عليكم، فاعتدوا عليه "
قولوا لهم أنتم أيضاً " المجسمون ". ومن ذلك الحين يطلق الموحدون على خصومهم المرابطين لقب المجسمين، ويشير إليهم المهدي في سائر كتاباته بهذا اللقب (1).
ورأى المهدي، استعداداً لهذا الصراع، أن يستوثق من ولاء أنصاره، فأمر أن ينادي في الجيش بدعوة الناس كافة، وندب أبا محمد البشير لتمييز الناس، فكان يخرج قوماً عن يمينه ويسميهم أهل الجنة، ويخرج آخرين عن يساره ويسميهم أهل النار، وهم الذين يشك في ولائهم، وفي اعتقادهم أن ابن تومرت هو المهدي المعلوم. ويقول لنا ابن القطان، إن البشير كان يطلق أهل اليسار، وهم يعلمون أن ليس لهم إلا القتل فلا يفر منهم أحد، وكان إذا اجتمع منهم كثير قتلهم قراباتهم، وقتل الأب ابنه، والابن أباه والأخ أخاه، ولم تقل لنا الرواية، ماذا كان مقياس الولاء أو المروق في هذا التمييز، ولكن المفروض أنه انتهى بسحق المنافقين والمثبطين من صفوف الموحدين (2).
ولمحمد البشير هذا، وهو كما نذكر من أصحاب المهدي العشرة، قصة ذكرها لنا ابن القطان نقلا عن اليسع في أخبار سنة 519 هـ، وهي التي وقع فيها التمييز. وذلك أن البشير كان منذ البداية يتظاهر بالبله، ويلتزم الصمت والعزلة، وتأخذه سنات من النوم، ففي ذات يوم خرج المهدي إلى الناس، وقال لهم، أتعرفون البشير، فقالوا ومن هو؟ فقال لهم هو الونشريشي، وأنتم تعلمون أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، وتعرفون أنه لايثبت على آية، ولكن الله قد جعله مبشراً لكم، مطلعاً على أسراركم، وهو من آيات الله تعالى في هذا الأمر. وكان المهدي
_______
(1) كتاب أخبار المهدي ابن تومرت ص 77، وراجع كتاب ابن تومرت مهدي الموحدين أو كتاب أعز ما يطلب ص 258.
(2) ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط لوحة 50 أ)، ونقل هذه الرواية ابن عذارى (في الأوراق المخطوطة السالفة الذكر هسبيرس ص 82)، وابن خلدون ج 6 ص 228.
(3/183)

قد عنى سراً بتحفيظ القرآن للبشير، فاستعرضه أمامهم، وقرأه عليهم في أربعة أيام، وركب أمامهم حصاناً فأتقن ركوبه، ثم قال لهم المهدي، إن البشير هذا مطلع على الأنفس محدث، وأنه يوجد إلى جانب الموحدين، أقوام منافقون، وقف البشير على دخيلتهم، وأنه لابد من النظر في أمورهم حتى يتم العدل (1).
وفي العامين التاليين، وقعت بين الموحدين والمرابطين بضعة معارك، يصعب استجلاء تفاصيلها. وكان علي بن يوسف قد بعث جيشاً ليحاول اقتحام تينملل معقل المهدي ففشل وهزم. وكانت خطة المهدي، أن يلتزم الدفاع في معاقله الجبلية الوعرة، وألا يهبط إلى السهل، ليحمل أعداءه المهاجمين أن يصعدوا إليه إذا شاءوا قتاله (2)، وكانت هذه الخطة تكبد المرابطين مشقات جمة، وكان الفشل مصيرهم دائماً كلما حاولوا القيام بدور الهجوم.
وفي سنة 520 هـ بدأ المهدي في تنفيذ خطته من الاضطلاع بالهجوم، وغزو لمتونة على نطاق واسع، فبعث جيشاً ضخماً من الموحدين بقيادة أبى محمد البشير، فغزا بهم أراضي كيك شمالي تينملل وغربي أغمات، فبعث علي بن يوسف لردهم جيشاً كبيراً حسن الأهبة، بقيادة أخيه الأمير أبى الطاهر تميم، فالتقى الجمعان على مقربة من جبل كيك، فوقعت الهزيمة على المرابطين، وجد الموحدون في مطاردتهم حتى جبل وريكة قبلي أغمات، فلقيتهم هناك قوات مرابطية جديدة بقيادة أبى بكر بن علي بن يوسف، وقيل بقيادة يطي اللمتوني، وجموع غفيرة من أهل أغمات وغيرهم، فانهزم المرابطون مرة أخرى، ووصل الموحدون في زحفهم إلى أسوار مراكش، ثم ارتد قائدهم البشير بقواته عائداً إلى الجبل، وأمر علي بن يوسف أن تسد جميع الطرق الصاعدة التي ينزل منها الموحدون من الجبال إلى السهل، حتى يعرقل بذلك نزولهم، ويتقي حرب المفاجأة التي درجوا عليها (3). وكان خلال الأعوام الثلاثة التي قضاها المهدي بجبل إيجليز قد عهد بحراسة طرق الجبل إلى الفلاكي الأندلسي، وهو مغامر وقاطع طريق من أهل إشبيلية، كان قد ذاع صيته، وتاب ودخل خدمة الأمير، فقام بمهمته خير قيام، وأقام
_______
(1) ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السالف الذكر لوحة 49 أوب).
(2) أخبار المهدي ابن تومرت ص 75.
(3) ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السالف الذكر) وابن عذارى في البيان المغرب (الأوراق المخطوطة - هسبيرس ص 87)، وابن خلدون ج 6 ص 228.
(3/184)

سلسلة من الحصون سد بها ثغرات الجبل، ثم كان له بعد ذلك شأن سوف نعود إليه.
وكانت الحركة التالية أعظم المعارك التي اضطرمت بين الموحدين والمرابطين، وفيها وضع المهدي خطته لافتتاح مراكش والقضاء على الدولة المرابطية في عقر دارها. وكان المهدي قد بلغ عندئذ ذروة سلطانه ونفوذه بين قبائل المصامدة.
ونفذت طاعته إلى أعماق تلك الهضاب، وبلغت جموعه أعظم حد من الكثرة والتوثب والظمأ إلى القتال، وكانت الانتصارات المتوالية التي أحرزتها جموع المهدي على المرابطين، تذكي من عزمه وثقته في بلوغ النصر النهائي. وعندئذ وجه المهدي رسالة بخطه قرئت على الموحدين في سائر النواحي، ووجهت بالأخص إلى جزولة ولمطة وهنكيسة ودرعة وصنهاجة القبلة وهسكورة القبلة. وسائر القبائل المجاورة، وفيها يستدعيهم ويأمرهم بالقدوم عليه، وكان المهدي إلى جانب تسميته للمرابطين بالملثمين والمجسمين، والحشم، قد أسبغ عليهم عندئذ اسماً جديداً هو " الزراجنة " وذلك تشبيهاً لهم بطائر يقال له الزرجان، وهو طائر أسود البطن أبيض الريش، لأنهم أي المرابطين " بيض الثياب وسود القلوب " (1).
وهرعت الجموع إلى المهدي من كل صوب، وهي في غاية الاستعداد والأهبة، واجتمع منها جيش عظيم قوامه نحو أربعين ألف مقاتل، منهم أربعمائة فارس فقط، والباقي من الرجالة، وقدم المهدي على هذا الجيش أبا محمد البشير أعظم قواده، وعبد المؤمن بن علي. وجعل عبد المؤمن إمام الصلاة، ولم يصحب المهدي جيشه الجرار في هذه الغزوة لمرضه، ونزل الموحدون من سفوح الجبال إلى السهول يقصدون إلى مدينة مراكش.
وهنا تضطرب الرواية أولا في تحديد تاريخ هذا الزحف الموحدي على العاصمة المرابطية، وثانياً في ترتيب الوقائع. فأما من حيث التاريخ فإن اليسع يضع تاريخ هذا الزحف في سنة 521 هـ (1127 م)، ولكن ابن القطان يعارضه، ويقول إنه في سنة 524 هـ وهي السنة التي توفي فيها المهدي، وأن هذا هو قول سائر المؤرخين.
ويقدم إلينا ابن القطان تفاصيل بعض المعارك الأولى التي وقعت قبيل نشوب المعركة العامة تحت أسوار مراكش، فيقول إن معركة وقعت بين الموحدين وبين المرابطين بقيادة أبي بكر بن يندوج بكيك هزم فيها المرابطون، واستولى الموحدون على سائر سلاحهم ومتاعهم. ثم تلتها معركة ثانية، وكان المرابطون في جيش ضخم
_______
(1) ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السالف ذكره).
(3/185)

بقيادة بكو بن علي بن يوسف، ومعه يطي بن اسماعيل، وكان الموحدون بقيادة محمد البشير، ووقعت المعركة في الجروبة، فانهزم المرابطون، وسقطت محلاتهم ومتاعهم ودوابهم وسائر أسلابهم في أيدي الموحدين؛ ثم وقعت معركة ثالثة أمام أغمات، وكان المرابطون قد جمعوا أشتات قواتهم واستعدوا للقاء الموحدين من جديد، وانضمت إليهم حشود عظيمة من أهل أغمات. وكانت القوات الموحدية عندئذ بقيادة عبد المؤمن بن علي وأبى حفص عمر بن أصناج، وأبى عمران موسى بن تماري. فنشبت بين الفريقين معركة هائلة، هزم فيها المرابطون، وقتل منهم ومن أهل أغمات جموع غفيرة، واستولى الموحدون على سائر محلاتهم وعتادهم وسلاحهم (1). ثم زحف الموحدون على مراكش، ورابطوا تجاه باب الشريعة، وكان علي بن يوسف قد حشد في تلك الأثناء قواته، واستعد للقاء الموحدين أعظم استعداد، وبلغ الجيش المرابطي يومئذ زهاء مائة ألف مقاتل ما بين فارس وراجل، وكان تحت إمرة الزبير بن علي بن يوسف. والتقى الجمعان في ظاهر مراكش، فكتب عبد المؤمن تنفيذاً لتوصية المهدي، إلى علي بن يوسف يدعوه إلى ما يدعوا إليه المهدي، من قمع البدع، وإحياء السنة، والمبادرة إلى بيعة المهدي، فرد عليه أمير المسلمين يحذره عاقبة مفارقة الجماعة، ويذكره الله في سفك الدماء وإثارة الفتنة (2)، فلم يلتفت عبد المؤمن لتحذيره، ونشبت بين الفريقين معركة هائلة، هزم فيها المرابطون، وقتلت منهم جموع غفيرة، وهرعت فلولهم مرتدة إلى المدينة، فازدحموا على الأبواب في الدخول، ومات منها في الزحام خلق كثير، وفر علي بن يوسف إلى داخل المدينة من باب المخزن، وأغلقت المدينة أبوابها فاحتاط بها الموحدون وضربوا حولها الحصار.
واستمر حصار الموحدين لمراكش زهاء أربعين يوماً. وكان ما يزال بداخل المدينة جموع ضخمة من القوات المرابطية ومنها زهاء أربعين ألف فارس، وأعداد لا تحصى من الرجالة، وكان المرابطون يخرجون من وقت لآخر لقتال الموحدين، وتنشب بين الفريقين تحت الأسوار معارك طاحنة، يفنى فيها الكثير من الجانبين، وكان من أعنف ما وقع من هذه المعارك، معركة هزم فيها المرابطون قبالة باب دُكّالة، وهلك منهم عدد جم خلال الزحام الهائل، الذي وقع عند دخولهم من هذا
_______
(1) ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السابق ذكره).
(2) المراكشي في المعجب ص 106 و 107.
(3/186)

خريطة:
أسوار مراكش وأبوابها في عهْد المرابطين.
(3/187)

الباب، وفرت منهم جموع لم يستطيعوا الدخول، حتى وصلوا إلى وادي أم الربيع، فلما عادوا بعد ذلك إلى المدينة أمر علي بن يوسف بحلق لحاهم، ومثل بهم ليكونوا عبرة لغيرهم (1).
وفي تلك الأثناء كان علي بن يوسف قد استنفر سائر أمراء لمتونة وولاتها وقادتها، لموافاته بحشودهم، فقدمت إليه الأمداد من سائر النواحي، ووافاه بالأخص جيش ضخم حسن الأهبة، قام بحشده والى سجلماسة وانودين بن سير. وخرج علي ابن يوسف في قواته من المدينة، وانضمت إليه الأمداد الزاخرة، وتولى قيادة الجيوش المرابطية الشيخ أبو محمد وانودين بن سير. وكان الموحدون منذ بدء الحصار، قد ضربوا محلتهم خارج المدينة تجاه باب الدباغين وباب إيلان أمام بستان كبير، والبستان في اللغة المحلية يسمى بالبحيرة، ومن ثم فقد سميت المعركة التي تلت بموقعة البحيرة (2). ففي ظاهر تلك البقعة وقعت بين المرابطين والموحدين أعظم معركة نشبت في ذلك الصراع المروع، وكان المرابطون يتفوقون على الموحدين بكثرتهم تفوقاً ظاهراً، وكان الموحدون من جهة أخرى، قد أرهقتهم المعارك المتوالية التي اضطروا إلى خوضها خلال الحصار. وبدأ القتال بمعركة محلية نشبت بين جيش سجلماسة وحرس الأمير النصراني، وبين قوة من الموحدين، فهزم الموحدون في هذه الجولة الأولى، وكان لهذا النصر أثره في إذكاء روح المرابطين المعنوية، والتدليل على أن الموحدين ليسوا من المنعة كما بدوا في المعارك الأولى. ثم نشبت بين الفريقين معركة عامة، قاتل فيها الموحدون بشجاعة فائقة، ولكن المرابطين فضلا عن كثرتهم، كانت تحدوهم عندئذ، روح مضطرمة من التوثب والظمأ إلى الانتقام، فقاتلوا بشدة رائعة، حتى رجحت كفتهم وأصيب الموحدون بهزيمة شنيعة، وقتلت منهم جموع غفيرة يقدرها ابن القطان بأربعين ألفاً، ويقول إنه لم يسلم من الموحدين إلا أربعمائة بين فارس وراجل (3)، بل قيل بأن الجيش الموحدي، قد فني عن آخره ولم تبق منه سوى فلول يسيرة (4)، وسقط
_______
(1) ابن عذارى عن ابن القطان في (الأوراق المخطوطة السالفة الذكر هسبيرس ص 88).
(2) ابن الأثير ج 10 ص 205.
(3) ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السالف الذكر لوحة 50 أ). وراجع ابن عذارى (في الأوراق المخطوطة - هسبيرس ص 93).
(4) الحلل الموشية ص 85، وهو أيضاً قول عبد الملك بن صاحب الصلاة مؤرخ الموحدين (أورده صاحب الحلل ص 86).
(3/188)

في الميدان أبو محمد البشير أعظم قادة الموحدين، وسقط معه معظم الرؤساء والقادة ومن هؤلاء غير البشير، أربعة من أصحاب المهدي العشرة، سليمان بن مخلوف الحضرمي، وأبو عمران موسى بن تمارى الكدميوي، وأبو يحيى بن يكيت، وأبو عبد الله محمد بن سليمان. ومما هو جدير بالذكر أن البشير لم يعثر له بأثر، ولم توجد جثته، فذاع بين المتعصبين من المصامدة أنه رفع إلى السماء (1). ولكن الحقيقة هي أن عبد المؤمن بادر بدفنه في مكان سقوطه. ولم ينقذ البقية اليسيرة الباقية من الموحدين سوى دخول الليل وهطل الأمطار، فارتد قائدهم عبد المؤمن، وهو جريح قد أصيب في فخذه، في فلوله تحت جنح الظلام، متجهاً صوب أغمات، فطارده المرابطون، حتى أرض هيلانة، وهناك وقعت بينهما معركة أخرى، قاتل فيها الموحدون بشجاعة اليأس، ولكنهم هزموا مرة أخرى، وقتل منهم عدد جم يقدره ابن القطان بنحو اثني عشر ألفاً، وكان الموحدون قد عادوا فجمعوا أشتات قواتهم، وأوعبوا في الحشد. وارتد المرابطون بعد ذلك إلى مراكش، وسارت فلول الموحدين إلى تينملل. ويضع ابن القطان تاريخ هذه الهزيمة الساحقة للموحدين في يوم السبت الثاني من جمادى الأولى سنة 524 هـ (11 أبريل سنة 1130 م.
وكان المهدي ابن تومرت عندئذ مريضاً، فلما وقف على أخبار النكبة التي أصابت جيشه، سأل هل " عبد المؤمن في الحياة "، ولما أجيب بالإيجاب، قال " الحمد لله قد بقي أمركم ". ويقول لنا أبو بكر الصنهاجي إنه هو الذي تولى إبلاغ المهدي نبأ نجاة عبد المؤمن، وينقل لنا عبارات المهدي بألفاظها (2).
وهكذا أحرز المرابطون نصرهم الساحق على الموحدين، بعد أن منوا قبل ذلك بسلسلة من الهزائم المتوالية، ويذكر لنا ابن صاحب الصلاة أن هزائم المرابطين بلغت قبل موقعة البحيرة نحو أربعين هزيمة، وأن المهدي اشترك في أربع من هذه الغزوات الظافرة، كما يذكر لنا أن الموحدين في موقعة البحيرة " قتلوا أجمعين، ولم ينج منهم إلا نفر يسير ". وعذا القول من مؤرخ الموحدين، يدلنا على فداحة النكبة التي نزلت بجيوش المهدي، في تلك الموقعة الهائلة. ولكن سوف نرى أن إحراز المرابطين لهذا النصر لم ينجهم من قدرهم المحتوم، وأن ما وضعه المهدي
_______
(1) كتاب أخبار المهدي ابن تومرت ص 28.
(2) كتاب أخبار المهدي ابن تومرت ص 79.
(3/189)

من الأمل والثقة في طالع تلميذه وزعيم أصحابه، عبد المؤمن بن علي، كان ينم عن تنبؤ صادق وفراسة دقيقة (1).
وقد سبق أن أشرنا إلى ما هنالك من خلاف حول تاريخ موقعة البحيرة، فإن اليسع يضع تاريخها في سنة 521 هـ، ويضعه ابن القطان في سنة 524، ويضع ابن خلدون تاريخها في سنة 522، ويقول لنا ان وقوعها كان لأربعة أشهر قبل وفاة المهدي، وهو يتفق بعد ذلك مع نفسه فيقول لنا إن المهدي توفي في نفس العام أي في سنة 522 هـ (2). ولكنه لما كان من المتفق عليه أن هزيمة الموحدين وقعت قبيل وفاة المهدي بأشهر قلائل، فإن هذه الرواية لا يمكن الأخذ بها، إذ أن المعول عليه أيضاً، هو أن المهدي توفي في سنة 524 هـ.
ولدينا إلى جانب رواية ابن القطان رواية موحدية قاطعة، تضع تاريخ المعركة في سنة 524 هـ، هي رواية أبى بكر الصنهاجي أحد أصحاب المهدي الذين شهدوا الموقعة (3). ويأخذ بهذه الرواية ابن الأثير (4) وصاحب روض القرطاس (5)، والزركشي (6). وأما عن وفاة المهدي، فإن المتفق عليه، أنه كان مريضاً وقت موقعة البحيرة، وأن مرضه اشتد بعد وقوع الهزيمة، ولم يعش طويلا أو لم يعش بعد ذلك سوى أيام قلائل. وليس أدل على ذلك من أن الموحدين يسمون العام الذي توفي فيه المهدي وهو عام 524 هـ بعام البحيرة (7). ويصف لنا أبو بكر الصنهاجي، وقد كان شاهد عيان، تصرفات المهدي الأخيرة، فيقول لنا إنه استدعى الموحدين، فحشروا كلهم، ثم وعظ الناس حتى أضحى النهار، ثم دخل الدار فغاب ساعة، ثم خرج حاسر الرأس، وقال للناس إنني مسافر عنكم سفراً بعيداً، فضج الناس بالبكاء وودعوه، ثم دخل داره، ولم يره أحد بعد ذلك.
_______
(1) تراجع تفاصيل موقعة البحيرة في نظم الجمان لابن القطان (المخطوط السابق ذكره لوحة 40 أوما بعدها)، وابن الأثيرج 10 ص 205، والحلل الموشية ص 84 - 86، وابن خلدون ج 6 ص 228 و 229، وأخبار المهدي ابن تومرت ص 78 و 79، والمعجب ص 107.
(2) ابن خلدون ج 6 ص 229.
(3) كتاب أخبار المهدي ابن تومرت ص 28.
(4) ابن الأثير ج 10 ص 204.
(5) روض القرطاس ص 116.
(6) الزركشي في تاريخ الدولتين ص 4.
(7) ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السالف الذكر لوحة 42 أ) وابن خلكان ج 2 ص 52.
(3/190)

والمعول عليه أن المهدي توفي في شهر رمضان سنة 524 هـ (أغسطس سنة 1130 م)، ويقول لنا أبو بكر الصنهاجي إنه توفي يوم الأربعاء أو يوم الخميس الخامس والعشرين من رمضان سنة 524 هـ (1)، وتؤيد هذه الرواية رواية موحدية أخرى، هي رواية عبد الملك بن صاحب الصلاة مؤرخ الدولة الموحدية، مع خلاف يسير في يوم الوفاة، وهي أن المهدي توفي يوم الأربعاء الثالث عشر من رمضان سنة 524 هـ (2)، وقال ابن القطان، ويتابعه صاحب الحلل الموشية إنه توفي يوم الاثنين الرابع عشر من رمضان سنة 524 هـ (3). وكان عمر المهدي عند وفاته، على قول ابن القطان، نحواً من خمسين سنة (4)، وعلى قول ابن الأثير إحدى وخمسين سنة أو خمساً وخمسين سنة (5) مما يرد تاريخ مولده في الحالة الأولى إلى سنة 474 هـ، وفي الثانية إلى سنة 473 هـ، وفي الثالثة إلى سنة 469 هـ، وقد سبق أن أشرنا إلى هذا الخلاف في تاريخ مولد المهدي.
وكان المهدي ابن تومرت من أعظم الدعاة الدينيين، وأغزرهم علماً، وأشدهم دهاء، وأقواهم نفساً، وأشدهم تأثيراً في النفوس. وكان إلى جانب ذكائه ودهائه، يتمتع بمنطق قوي، ومحاجة قاطعة، وذلاقة مؤثرة. وكان خطيباً مفوهاً، فصيحاً في العربية والبربرية معاً، يستميل الجموع برائع بيانه ووعظه. وكان متمكناً من علوم القرآن والسنة ومن الأصولين، أصول الفقه وأصول الدين، شديد التقشف والزهد والورع، لم يلبس قط سوى ثياب الصوف من قميص وسراويل وجبة، وقد يرتدي الثياب المرقعة، ولا يقبل على شىء من متاع الدنيا، حتى قيل إنه كان يقتات من غزل أخت له في كل يوم، رغيفاً بقليل من سمن أو زيت، ولم يتحول عن ذلك حينما سما شأنه وأقبلت عليه الدنيا (6). وكان
_______
(1) أخبار المهدي ابن تومرت ص 83، وابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السالف ذكره لوحة 42 أ).
(2) أورده روض القرطاس ص 117.
(3) ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السابق ذكره لوحة 42 أ)، والحلل الموشية ص 86.
(4) ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط لوحة 33 أ). ونقله ابن عذارى في البيان المغرب (الأوراق المخطوطة سالفة الذكر - هسبيرس ص 94).
(5) ابن الأثير ج 10 ص 205.
(6) ابن القطان عن ابن صاحب الصلاة (في نظم الجمان المخطوط السابق ذكره لوحة 45 أ)، وابن خلكان (عن المغرب) ج 2 ص 52.
(3/191)

ظهوره في ذلك المجتمع البربري الساذج، الذي اختاره مسرحاً لدعوته، والذي كان يخيم عليه الجهل المطبق، وتعصف به الخرافات والأساطير، يتسم بصفات الزعامة الخارقة أو النبوة، ومن ثم فقد ألفى ابن تومرت الطريق ممهداً ليعلن دعوته، وليتشح بثوب المهدي المنتظر، وينتحل صفة الإمام المعصوم، وقد كان ابن تومرت من بين دعاة المهدية، أوفرهم عزماً وبراعة، وأشدهم تأثيراً وسحراً.
وكان يدعو الناس إلى عبادة الله تعالى، ويخبرهم بأنه تعالى قد فرض عليهم الصلوات الخمس في يومهم وليلتهم، وفرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم، ويأمرهم بقراءة القرآن وحفظه، ولزوم الأحزاب التي ألفها لهم بعد صلاة الصبح، وبعد المغرب، وأمر المؤذنين، إذا طلع الفجر، أن ينادوا " أصبح ولله الحمد " إشعاراً بلزوم الطاعة وحضور الجماعة، وللغدو لكل ما يؤمرون به، وفرض عقوبة المخالفين.
ولكن ابن تومرت إلى جانب هذه الصفات الخلابة، كان يتسم بطائفة من الصفات المثيرة، فقد كان شديد التعصب، صارم النفس، سفاكاً للدماء، غير متورع فيها ولا متحوط، يهون عليه سفك دم عالم من الناس في سبيل رأيه وبلوغ مقصده، لا تأخذه شفقة ولا رحمة في دماء خصومه، ويستحل سبي نسائهم وأولادهم ونهب أموالهم (1)، ويسبغ على هذا السفك المروع، صفة الشرعية، لما يزعمه من مخالفة خصومه لأحكام الكتاب والسنة، أو لمبدأ التوحيد الذي اتخذه شعاره. وقد رأينا فيما تقدم من مراحل صراعه مع خصومه أمثلة عديدة من هذا الإسراف المغرق في سفك الدماء، وربما كان فيما ذكر عن المهدي من أنه " كان حصوراً لا يأتي النساء " (2) ما يفسر بعض عوامل هذه القسوة المروعة، وهذا الظمأ إلى سفك الدماء.
ويلاحظ العلامة جولدسيهر بهذه المناسبة أن ابن تومرت كان يبث في أذهان أنصاره بتدرج غير محسوس، فكرة محاربة المرابطين، وأنه حينما كان في بداية أمره، يقتصر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويتبع ما يقضي به الدين من العمل على حقن الدماء، ولكنه منذ اتشح بصفة المهدي، أخذ يشهر الحرب،
_______
(1) روض القرطاس ص 117.
(2) ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط لوحة 14 ب و 33 أ)، ونقله ابن خلدون ج 6 ص 229.
(3/192)

ويدعو إلى سفك الدماء، ويقول إن المحاربين الذين يسقطون في هذه المعارك، إنما هم شهداء في سبيل الله (1).
كذلك تنوه الرواية بما جبل عليه ابن تومرت من الخداع والكيد والمكر، وكيف أنه لجأ إلى هذه الصفات في استهواء الجماهير وخداعها، واستغلال جهلها، وسذاجتها، حتى ذاعت دعوته، وتمكن أمره (2).
ومن الغريب الذي يلفت النظر في هذا الشأن موقف العلامة الفيلسوف ابن خلدون من ابن تومرت ودعوته، فهو يدافع عن المهدي، وعن صحة دعوته وصدق إمامته، في نبذة طويلة يقول فيها:
" ويلحق بهذه المقالات الفاسدة، والمذاهب الفائلة، ما يتناوله ضعفة الرأي من فقهاء المغرب من القدح في الإمام المهدي صاحب دولة الموحدين، ونسبته إلى الشعوذة، والتلبيس فيما أتاه من القيام بالتوحيد الحق، والنعي على أهل البغي قبله، وتكذيبهم لجميع مدعياته في ذلك، حتى فيما يزعم الموحدون أتباعه من انتسابه في أهل البيت، وإنما حمل الفقهاء على تكذيبه، ما كمن في نفوسهم من حسده على شأنه، فإنهم لما رأوا من أنفسهم مناهضته في العلم والفتيا وفي الدين بزعمهم، ثم امتاز عنهم بأنه متبوع الرأي، مسموع القول، موطأ العقب، نفسوا عليه ذلك، وغضوا منه بالقدح في مذاهبه، والتكذيب لمدعياته، وأيضاً فكانوا يؤنسون من ملوك لمتونة، أعدائه تجلة وكرامة لم تكن لهم من غيرهم، لما كانوا عليه من السذاجة، وانتحال الديانة، فكان لحملة العلم بدولتهم مكان من الوجاهة، والانتصاب للشورى كل في بلده، وعلى قدره في قومه، فأصبحوا بذلك شيعة لهم، وحرباً لعدوهم، ونقموا على المهدي، ما جاء به من خلافهم، والتثريب عليم، والمناصبة لهم، تشيعاً للمتونة، وتعصباً لدولتهم ". ثم يقول دفاعاً عن المهدي: " وما ظنك برجل نقم على أهل الدولة ما نقم من أحوالهم، وخالف اجتهاده فقهاءهم، فنادى في قومه ودعا إلى جهادهم بنفسه، فاقتلع الدولة من أصولها، وجعل عاليها سافلها، أعظم ما كانت قوة، وأشد شوكة، وأعز أنصاراً وحامية، وتساقطت في ذلك من أتباعه نفوس لا يحصيها إلا خالقها، قد بايعوه على الموت، ووقوه بأنفسهم من الهلكة، فتقربوا إلى الله تعالى بإتلاف مهجهم في إظهار تلك الدعوة،
_______
(1) جولدسيهر في مقدمته الفرنسية السالفة الذكر لكتاب " أعز ما يطلب " ص 100.
(2) روض القرطاس ص 114 و 117.
(3/193)

والتعصب لتلك الكلمة حتى علت على الكلم، ودالت بالعدوتين من الدول، وهو بحالة من التقشف والحصر، والصبر على المكاره، والتقلل من الدنيا، حتى قبضه الله، وليس على شىء من الحظ والمتاع في دنياه .. فليت شعري، ما الذي قصد بذلك إن لم يكن وجه الله، وهو لم يحصل له حظ من الدنيا في عاجله. ومع هذا فلو كان قصده غير صالح لما تم أمره، وانفسحت دعوته، سنة الله التي قد خلت في عباده " (1).
وابن خلدون يقدم إلينا هذا الدفاع عن المهدي في معرض كلامه عن أخطاء المؤرخين وأوهامهم ودعاويهم المغرضة. وهو يقدم إلينا منها نماذج، يصاحبه التوفيق في بعضها ويخطئه في البعض الآخر. ونحن نرى أن التوفيق قد أخطأه في هذا الدفاع عن المهدي ابن تومرت، وعن صدق دعوته. وقد استعرضنا فيما تقدم من حديثنا عن حياة المهدي، ما يحملنا على الشك أولا، في صدق انتسابه إلى آل البيت، وثانياً في انتحاله دعوة المهدية، وهي دعوة نشك أيضاً في صدقها من الناحية الدينية والتاريخية. ونحن نعتقد أن مفكراً عظيماً، ومؤرخاً فيلسوفاً، وضعي
العقلية، كابن خلدون، لا يمكن أن يؤمن بصدق هذه الدعوة، وإنما حمل ابن خلدون على الدفاع عن المهدي ودعوته، بواعث خاصة، أولها أن بني خلدون - أسرة المؤرخ - كانت مذ غادرت الأندلس في أوائل القرن السابع الهجري - قد نزلت بتونس، وعاشت في رعاية بني حفص ملوك الدولة الحفصية الموحدية التي أسسها الأمير أبو يحيى زكريا بن عبد الواحد بن أبى حفص عمر الموحدي، وتولى أجداد المؤرخ في ظلهم مناصب النفوذ والثقة، وبدأ هو حياته العامة في ظلهم، وعاش في كنفهم ردحاً من الزمن، وأهدى أول نسخة من مقدمته وتاريخه للسلطان أبى العباس الحفصي (سنة 784 هـ)، فلم يكن من المعقول أن يجاهر المؤرخ في مقدمته، بالطعن في إمامة المهدي ودعوته، وهي التي كانت أساساً لقيام الدولة الموحدية. وثانياً أنه ليس من المنطق السليم، أن يكون نجاح دعوة المهدي ابن تومرت، وما ترتب عليه من قيام الدولة الموحدية، دليلا على صدق هذه الدعوة، لأن النجاح السياسي والعسكري لداعية أو متغلب لم يكن قط في ذاته دليلا على صدق إمامة أو دعوة دينية، وثالثاً أن إنكار صدق دعوة المهدي ابن تومرت لم يكن قاصراً على الفقهاء المرابطين، الذين يعلل ابن خلدون طعنهم في هذه الدعوة بما كان يجيش في صدورهم من حقد على رجل يتفوق عليهم
_______
(1) ابن خلدون - المقدمة (بولاق) ص 22.
(3/194)

بعلمه، ويغض بهذا التفوق من مكانتهم ونفوذهم القديم لدى الدولة اللمتونية، بل شمل هذا الإنكار كثيراً من المؤرخين.
ولا يكتفي ابن خلدون بالدفاع عن صحة دعوة المهدي، بل يقرن ذلك بالدفاع عن نسبه في آل البيت، وهو هنا في تدليله أضعف منطقاً، حينما يقول أنه لا دليل يعضد إنكار هذه النسبة، والناس مصدقون في أنسابهم. وهو إذ يشعر هنا بضعف منطقه، يقول لنا إن ظهور المهدي لم يكن يتوقف على نسبته، وإنما قام أمره بعصبيته القبلية في هرغة ومصمودة، وأن هذا النسب الفاطمي، كان أمراً خفياً عنده وعند عشيرته يتناقلونه بينهم (1).
ويذكرنا موقف ابن خلدون في الدفاع عن دعوة المهدي ابن تومرت ونسبه، بموقفه عن نسب بني عبيد الخلفاء الفاطميين، فهو يتصدى لتأييده وإثباته، ويعتبر الطعن فيه من " الأخبار الواهية " التي عنى بتفنيدها في مقدمته، وأن هذا الطعن يرجع بالأخص إلى الأحاديث التي لفقت لبني العباس خصوم الفاطميين تزلفاً إليهم، ويعتمد هنا على نفس النظرية التي لجأ إليها في الدفاع عن دعوة المهدي، وهو أن ظهور الفاطميين، وقيام الدولة الفاطمية المترامية الأطراف، واتصال أمرها نحواً من مائتين وسبعين عاماً، كل ذلك لا يمكن أن يتم لدعيّ (2).
وهي طريقة معكوسة في التدليل، ونظرية واضحة الضعف والسقم، إذ كان على بن خلدون أن يقدم لنا الأدلة المباشرة، على صحة نسب الفاطميين لآل البيت، كما قدم خصومهم الأدلة على بطلان هذه النسبة.
وقد تناول كاتب مشرقي من كتاب النصف الأول من القرن الثامن الهجري هو الحسن بن عبد الله العباسي في كتابه " آثار الأول وترتيب الدول " مَثَل ابن تومرت وقصة ظهوره، في معرض الكلام عن الزهاد، والمغالطين باسم الزهد، والدعاة الذين يعمدون إلى الطعن في أحوال الملك، وإثارة الجماهير، وخطر تركهم، وأنه " ينبغي للملك أن ينظر في حالة هذه الطائفة، ويميز محقهم من مبطلهم، ويفرق بين الزاهد والمتزهد، وفيهم أصناف من أهل الغلط في طريق الزهد والمغالطة لأغراض أخر، منهم صنف يغلب عليهم محبة الرياسة والإمرة، ويتفق إعراض الملك عنهم وانقباضه لمخالفة طبعه لطباعهم "، وأن ذلك مما يحملهم على الطعن
_______
(1) ابن خلدون في المقدمة ص 23.
(2) ابن خلدون في المقدمة ص 17 و 18.
(3/195)

على أحوال المَلِك، وإهماله لضوابط الشريعة، ثم يجمعون حولهم الجموع، ويقصون عليهم من الأمور، " ما يحركون به عزائمهم لتغيير المنكر، ونصرة الحق، فإن أهمل الملك أمرهم عظم وتفاقم، وكان منهم خطر عظيم ".
ويعتبر هذا الكاتب مَثَل ابن تومرت، هو أقرب ما جرى في هذا المعنى، معنى الداعية المتزهد المخادع الذي يبطن انتزاع الرياسة، وأنه تذرع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومعه طائفة يسيرة، حتى اشتهر أمره، ولم يعن الملك بشأنه، ولم يدر بخلده أنه قد يغدو خطراً على ملكه، حتى كثرت جموعه واشتدت شوكته، وانتهى بالاستيلاء على البلاد وقيادة الجيوش (1).
وقد نجح المهدي في إقامة نوع من الحكومة الثيوقراطية (الدينية)، وكان الجماعة أو أصحابه العشرة الأوائل هم أعضاء وزارته، يبحث معهم جلائل الأمور، وعندئذ يخلو بهم ولا يحضر معه أحد سواهم. فإذا جرى البحث في أمور أقل أهمية، حضر الخمسون من الصحب في هيئة جمعية استشارية، وإذا جرى البحث في الشئون العادية حضر معهم السبعون. ومن جهة أخرى فقد ذكر لنا اليسع أسماء سبعة رجال، قال إنهم كانوا للمهدي رجال مشورته، وهم أبو سليمان من هرغة، وأبو الحسن، وأبو وزغيغ بن ياموهل بن ياوجان، وأبو دايور يغور ميوركن، من أهل تينملل؛ وقطران بن ماغليفة، وأبو محمد سكانة، وأبو عمران موسى بن واحمدين من أهل هنتانة (2).
واتخذ المهدي شعاراً لجيوشه علماً أبيض كتب على أحد وجهيه، " الواحد الله. محمد رسول الله. المهدي خليفة الله "، وكتب على الوجه الثاني " وما من إله إلا الله. وما توفيقي إلا بالله. وأفوض أمري إلى الله " (3).
وأما عن شخصه، فقد كان المهدي، حسبما تصفه الرواية، رجلا ربعة حسن التكوين، مفلج الثنايا، عظيم الهامة، أسمر مشوب بحمرة، غائر العينين، حديد البصر، أقنى، خفيف العارضين، له شامة سوداء في كفه الأيمن (4).
_______
(1) كتاب " آثار الأول وترتيب الدول " المنشور على هامش تاريخ الخلفاء للسيوطي (القاهرة سنة 1305 هـ) ص 61 و 62.
(2) هذا ما نقله إلينا ابن القطان عن اليسع في نظم الجمان (المخطوط السالف ذكره لوحة 10 ب و 33 ب).
(3) ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط في لوحة 43 ب).
(4) ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط لوحة 14 ب)، وكذلك ابن خلكان ج 2 ص 52، وروض القرطاس ص 117.
(3/196)

صورة:
تينملل: محراب جامع المهدي ابن تومرت.
صورة:
تينملل: إحدى واجهات جامع المهدي وأمامها لفيف من قبيلة جندافة.
(3/197)

ولما توفي المهدي، كتم أصحابه الأقربون موته حيناً تختلف الرواية في مداه.
ويذهب ابن القطان، ويتابعه صاحب روض القرطاس، إلى أن هذا الكتمان استمر زهاء ثلاثة أعوام حتى سنة 527 هـ (1)، وهي رواية تحمل طابع المبالغة. وعلى أي حال، فقد كتمت وفاة المهدي حتى اتفق أصحابه على اختيار من يخلفه منهم، وقد كان هذا الخليفة الأول لدولة الموحدين هو عبد المؤمن بن علي، تلميذ المهدي وأحب أصحابه إليه، وكان أول ما عمله أن قام بمواراة المهدي في مثواه الأخير. ويقول لنا ابن القطان، وهو من أوثق مؤرخي الموحدين، إن المهدي دفن بتينملل دون تخصيص للمكان، ويقول لنا ابن خلدون إن عبد المؤمن قام بدفن المهدي في مسجده الملاصق لداره (2)، الكائن بتينملل. وقد أتيح لنا أن نزور تينملل، وأن نشهد مسجد المهدي. وتينملل اليوم محلة صغيرة (مدشر) تقع على سفح التل المنحدر إلى الوادي، وتظللها من الوراء البعيد آكام الأطلس العالية، ومن بينها قمة " طبوتقال " الشهيرة التي يزيد ارتفاعها على أربعة آلاف متر، وبها مساكن قليلة، ولا يعدو سكانها مائة من الأنفس، ولكنها مازالت تشتهر بكونها بلد المهدي ابن تومرت، وأما المسجد فهو قائم في سفح الجبل، وهو اليوم طلل دارس لا تقام فيه الشعائر، ولكن جدرانه وعقوده مازالت قائمة، وله محراب جميل.
ولم نجد به ضريح المهدي حسبما تشير إلى ذلك الرواية التاريخية.
بيد أنه توجد على قيد نحو ستين متراً من المسجد، بقعة صغيرة تظللها الأشجار، وتقع فوق ربوة منحدرة، فهذه البقعة تعينها الرواية المتواترة، وهي رواية قبيلة جندافة، التي تقطن هذه الناحية منذ أجيال، بأنها تضم رفات المهدي وبها قبره، وإن لم يك ثمة ما يدل على وجود قبر بها، ولا تميزها سوى بضعة أحجار زرقاء ظاهرة الرؤوس، يقال إنها شواهد القبر. وربما كانت هذه الرواية المتواترة في تعيين قبر المهدي، تتفق مع ما يقوله لنا ابن خلكان، من أن المهدي " قد دفن بالجبل، وان قبره هناك مشهور يزار " (3). وعلى أي حال فإن المتفق عليه هو أن المهدي يثوى ثواءه الأخير بتينملل مبعث دعوته، ومهد دولته، وذلك سواء داخل مسجده أو في بقعة قريبة منه.
_______
(1) ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السابق ذكره)، وروض القرطاس ص 119، وابن خلدون ج 6 ص 229.
(2) ابن خلدون ج 6 ص 229.
(3) ابن خلكان ج 2 ص 52.
(3/198)

الفصل الثالث
عقيدة المهدي ابن تومرت وتعاليمه الدينية والسياسية
تراث المهدي الفكري والديني. كتاب أعز ما يطلب ومحتوياته. فاتحته. طريق العلم. تحصيل الفقه. التواتر. رأي ابن تومرت في أصول الشريعة. حملته على الاجتهاد. تمسكه بالتفسير الظاهري. نظرية الإمام المعصوم هي السبب. معارضة الغزالي لهذه النظرية. ابن تومرت لم يتأثر بتعاليم الغزالي. تعليق العلامة جولدسيهر على ذلك. فكرة التوحيد عند ابن تومرت. نظريته في الإمامة. كيف يعرض لنا وجوب الإيمان بها. نظرية المهدي المنتظر. اعتمادها على الأحاديث الموضوعة. كيف يعرضها لنا ابن تومرت. وجوب طاعة المهدي باعتبارها طاعة الله ورسوله. قواعد علوم الدين والدنيا. تكفير من يشك في أمر المهدي. حملة ابن تومرت على المرابطين. العلامات التي ينسبها لهم. ما أحدثوه من المناكر. تحريم طاعتهم ووجوب جهادهم. نعته لهم بالمجسمين. حملته على اللثام. مظاهر الفساد أيام المرابطين. الطائفة التي تقوم آخر الزمان وتقاتل على الحق. استعارة فكرة التوحيد من المعتزلة. مناقضة فكرة التجسيم للتوحيد. حديث الصلاة والطهارة والغلول. تحريم الخمر. كتاب الجهاد تصنيف الخليفة أبي يعقوب يوسف. كتاب موطأ المهدي ومحتوياته. انتشار كتب المهدي بين البربر لكتابتها بالبربرية.
نقف الآن قليلا في تتبع ذلك الصراع المرير، الذي اضطرم بين المرابطين والموحدين، لنستعرض طرفاً من عقائد المهدي وآرائه ومبادئه الدينية والسياسية.
لقد انتهى إلينا لحسن الطالع من تراث المهدي، الفكري والديني، ما يلقي الضياء على تلك المبادىء والآراء، التي اتخذها سنداً لدعوته الدينية، والتي جعل منها عقيدة جديدة، يمكن أن توصف بالعقيدة الموحدية.
ويجتمع تراث المهدي الفكري والديني في كتابين، أولهما يضم مبادئه، ونظرياته في الأصول، وفي الإمامة، وفي التوحيد والعلم، وهو أهم الكتابين، وقد عرف بكتاب (أعز ما يطلب) لاستهلاله بتلك العبارة، والثاني كتاب " الموطأ " أو " موطأ الإمام المهدي "، وقد وضعه المهدي في العبادات والمعاملات والحدود، أو بعبارة أخرى في علم الفروع، على مثل موطأ الإمام مالك.
وقد وُصف الكتاب الأول في أصل نسخته المخطوطة بأنه " سفر فيه جميع
(3/199)

تعاليق الإمام المعصوم، المهدي المعلوم، رضي الله عنه، مما أملاه سيدنا الإمام الخليفة أمير المؤمنين أبو محمد عبد المؤمن بن علي أدام الله تأييدهم، وأعز نصرهم ومكن سعودهم ". ومعنى ذلك أن الكتاب لم يصل إلينا من المهدي مباشرة، وأن الذي نقل إلينا تعاليم المهدي وآراءه ودونها، هو تلميذه عبد المؤمن بن علي أول خلفاء الموحدين.
ويضم هذا الكتاب فصولا وأبواباً عديدة، ويشتمل على الكلام عن الجهل والشك والظن، والأصل والفرع والتواتر، وعن الصلاة، وكون الشريعة لا تثبت بالعقل، وعن العموم والخصوص، وعن العلم، وعن العقيدة ووجود الباري سبحانه، وعن التنزيهات والتسبيحات، ثم الكلام عن الإمامة وعلامات المهدي، وعن طوائف المبطلين من الملثمين والمجسمين وعلاماتهم، وعن الطائفة التي تقاتل عن الحق وتقوم بأمر الله، وعن علاماتها وخواصها، وعن التوحيد وثبوته، وما يتعلق بذلك من الإيمان بالله ورسوله، وعن تحريم الخمر وما ورد في ذلك، ويختتم الكتاب بفصل عن الجهاد، وهو منسوب للخليفة أبى يعقوب يوسف ولد الخليفة عبد المؤمن.
- 1 -
يفتتح المهدي كتابه بهذه الفقرة الرنانة التي أضحى مستهلها عنواناً لكتابه وهي: " أعز ما يطلب، وأفضل ما يكتسب، وأنفس ما يدخر، وأحسن ما يعمل، العلم الذي جعله الله سبب الهداية إلى كل خير، هو أعز المطالب، وأفضل المكاسب، وأنفس الذخائر، وأحسن الأعمال ".
وأول ما يلفت النظر في أسلوب الكتاب جزالته، فالمهدي رغم أصوله ونشأته البربرية، يقدم الينا آراءه في أسلوب قوي، وبيان عربي متين، ولكنه إلى جانب ذلك مولع بالتصنيف والتقسيم، يكثر من ذلك في كل باب وفصل، وهذه النبذة التي يبدأ بها المهدي كتابه، والتي يحدثنا فيها عن فضل العلم وطرقه، تعتبر نموذجاً لما يتبعه في سائر الفصول من التصنيف والتقسيم المستمر لعناصر موضوعاته وآرائه:
" والذي يستعين به طالب العلم على فتح ما انغلق، وكشف ما التبس، إخلاص النية، واغتنام الفوائد، والحرص على الزيادة، والرغبة إلى الله في
(3/200)

الهداية والتوفيق. والعلم نور في القلب تتميز به الحقائق والخصائص، والجهل ظلام في القلب تلتبس به الحقائق والخصائص. وطرق العلم منحصرة في ثلاثة: الحس، والعقل، والسمع. فالحس على ثلاثة أقسام: متصل ومنفصل، وما يجده الإنسان في نفسه. والعقل على ثلاثة أقسام: واجب وجائز ومستحيل. والسمع على ثلاثة أقسام: الكتاب والسنة والإجماع. والكلام الآن في الطريق الذي هو السمع فيما علق عن الإمام المعصوم، المهدي المعلوم، رضى [الله عنه] في ذلك، أول هذا الأمر برباط هرغة ببلد السوس سنة خمس عشرة وخمسمائة، أن تحصيل الفقه في السُّنة بخمسة أوجه: "أحدها كيفية الأخذ والنقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم. والثاني معرفة السند. والثالث معرفة ما يتعلق بالمتن. والرابع معرفة الصحيح والسقيم.
والخامس معرفة الإستنباط والتأويل". ثم يتحدث عن الأخذ عن الرسول، وعن النقل، وتسمية التواتر والآحاد، ويقسم ذلك إلى أقسام وفروع عديدة (1).
ويحدثنا خلال ذلك عن مناظرته للفقهاء المرابطين بأغمات، وما تلاه عليهم من إيضاح ما عجزوا عن الإجابة عنه، من تبيان أصول الحق والباطل، وفي رأيه أن هذه الأصول تنحصر في أربعة: هي العلم والجهل والشك والظن، وهو يفيض في شرح نظريته، وبيان الأدلة عليها، ثم يتحدث عن كل أصل من الأصول الأربعة، ويقول لنا إن الجهل والشك والظن هي من أصول الضلال، ويدلل على أقواله بالآيات القرآنية. ثم يفيض بعد ذلك في التحدث عن التواتر والأخبار المتواترة وأصولها وفروعها، ويقسمها إلى أقسام عديدة متفرعة، ويشرح دور الأصل والفرع في الإثبات في حديث طويل متعدد الأقسام والفروع. وهو يعتبر " التواتر " علماً ويفيض في بيان أقسامه وخصائصه، والدور الذي يؤديه كمصدر من مصادر العلم، وطريقة التمييز بين ما يثبت بالتواتر، وما يثبت بالآحاد. وهو يرى أن أفضل التواتر ما كان صادراً عن أهل المدينة، لأن " الإسلام والشرائع والرسول والصحابة، إنما كانوا في المدينة " ولهذا " صار عمل أهل المدينة حجة على غيرهم " (2)، ويحاول أن يدعم شروحه بما أثر عن الرسول والصحابة، من أقول وأعمال.
ويحدثنا المهدي بعد ذلك عن " الصلاة " وعن معناها، وبيان فضلها، وحكمتها وتفاصيلها، وبيان أحكامها، وذلك في حديث طويل جداً، يتخلله
_______
(1) كتاب " أعز ما يطلب " للمهدي محمد بن تومرت (الجزائر سنة 1903) ص 2، 3.
(2) كتاب محمد بن تومرت أو أعز ما يطلب ص 49.
(3/201)

كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية يحاول بها أن يدعم أقواله وآراءه (1).
على أن هذه الشروح الجدلية، مهما دلت عليه من مقدرة في العرض، والسفسطائية، ليست هي أهم ما يعرض لنا ابن تومرت من نظرياته الدينية، وإنما تبدو أهمية تعاليمه ونظرياته في عدة مسائل خاصة، هي التي تعتبر قوام مذهبه الديني.
وأول هذه المسائل هو رأى ابن تومرت في أصول الشريعة، وهو يرى قبل كل شىء " أن الشريعة لا تثبت بالعقل من وجوه، منها أن العقل ليس فيه إلا الإمكان والتجويز وهما شك، والشك ضد اليقين، ومحال أخذ الشىء من ضده "، و " منها ان الله سبحانه وتعالى مالك الأشياء يفعل في ملكه ما يريد، ويحكم في خلقه ما يشاء، فليس للعقول تحكم ولا مدخل فيما حكم به المولى ". وهو يقصد بإشارته هذه الرد على بعض من لا خلاق لهم " فيما ذهبوا إليه من أن الشريعة لا حكمة فيها، وأنها ليست على سنن العقل جارية، طعناً منهم في الدين، وجهلا بحكمة الله تعالى ". وهو يحمل في نفس الوقت على من " ذهبوا إلى الاستنباط من عقولهم، وتحسين الأشياء على مادتهم، وجعلوا أقيسة في الشرع عدولا منهم عن الحق، وذلك كله فاسد " (2)، وعنده أن أصول الشريعة تنحصر في عشرة وهي: أمر الله ونهيه، وخبره بمعنى الأمر، وخبره بمعنى النهي، وأمر الرسول ونهيه، وخبره بمعنى الأمر، وخبره بمعنى النهي، وفعله، وإقراره ". وتنحصر الفروع في خمسة: " وهي الواجب والمندوب والمحظور والمكروه والمباح ". وهو لا يخص الإجماع والقياس بالذكر، باعتبارهما من أصول الشريعة، ولكنه يقول إنهما داخلان فيما تقدم، ماثلين فيه، ثم يفيض في شرح ذلك على طريقته من تصنيف القياس إلى أقسام وفروع لا نهاية لها. ومما هو جدير بالذكر أنه يعتبر " قياس الوجود "، إنما هو" قياس المجسمة " وهم في نظره المرابطون، ويعتبره من ضروب القياس الفاسد (3)، ثم يعود إلى القياس في موضع آخر، فيقول إنه " لا فرق بين القياس العقلي والشرعي في الإضطراد إذا حقق كل معناه، فإن القياس العقلي هو المساواة فيما يجب ويجوز ويستحيل. والقياس الشرعي هو المساواة في الوجوب أو التحليل
_______
(1) كتاب محمد بن تومرت أو أعز ما يطلب ص 63 - 163.
(2) كتاب محمد بن تومرت أو عز ما يطلب ص 163.
(3) كتاب محمد بن تومرت ص 165.
(3/202)

أو التحريم، فهذه الثلاث هي المعتبرة في القياس الشرعي، وهي مضطردة في جميع الشرع، فمتى خرج عن هذه الثلاث أو واحدة منها لم يصح قياس ولا يقاس بعضها على بعض لأنها متناقضة. ولا يصح القياس في المتناقضات، خلافاً لما ذهب إليه من لا معرفة عنده بالقياس، فقاسوا المتناقضات كالمحرمات على المباحات، ومزقوا الشرع كل ممزق (1).
أما عن الاجتهاد كأصل من أصول الشريعة، فإن ابن تومرت يحمل عليه، ويقول مشيراً إلى إثبات النفي، إنه قلب للحقائق، وقلب الحقائق محال، ثم يقول " إن هذه القاعدة كثيرة الإلتباس، وعنها زل كثير من الناس، وبالجهل بها، وعدم التحقيق لها، قالوا كل مجتهد مصيب، فجعلوا هذه المقالة سلماً إلى هدم الشريعة، وإسناد الأحكام إلى غير مستندها، وعكس الحقائق عن موضوعها، وصيروا الحلال حراماً، والحرام حلالا، وجعلوا الشرع متناقضاً، واتبعوا قولة كل قائل، وإن تناقضت، واعتقدوا الحق في المجتهدات وإن تعارضت " (2).
ومعنى ذلك بقول آخر أن ابن تومرت كان يأخذ في تفسير الشريعة بالمذهب الظاهري، فيما يقول به من وجوب الاعتماد في استقاء الأحكام على القرآن والسنة دون غيرهما، وقد كان الإمام الفيلسوف ابن حزم القرطبي، يرى فوق ذلك أن يطبق المذهب الظاهري على العقائد، ويرى أنه يجب أن يؤخذ بمعنى الكلمة المكتوبة والحديث الثابت، ويعتبرهما حاسمين. ومن الغريب أن الظاهرية لم تنتظم في ظل الموحدين إلى مدرسة مذهبية إلا بعد المهدي بنحو ستين عاماً في عصر الخليفة يعقوب المنصور، ففي هذا الوقت فقط، اعترف بأن الظاهرية هي المدرسة الفقهية الرسمية.
بيد أنها لم تكن مدرسة ناجحة، وقد أخفقت في حل كثير من المسائل (3).
وإنكار ابن تومرت لقيمة الاجتهاد كمصدر من مصادر الشريعة، ومعارضته لجهود المجتهدين. في تجديد الشريعة، والاستنباط في مجال الاجتهاد، من الأمور المنطقية، لأن ابن تومرت يتشح بثوب " الإمام المعصوم " الذي لا تبحث آراؤه، ولا ترد أحكامه. ويلاحظ العلامة جولدسيهر أن ابن تومرت يخالف بهذه النظرية سائر الآراء السنية التي تسلم بقيمة آراء المجتهدين في الإمامة وغيرها، ويفرض
_______
(1) كتاب محمد بن تومرت ص 173، 174.
(2) كتاب محمد بن تومرت ص 25.
(3) الأستاذ شتروتمان في دائرة المعارف الإسلامية (مقال الظاهرية، وابن حزم).
(3/203)

على أتباعه وجوب الاعتقاد في الإمام المعصوم، والإمام المعلوم، وذلك وفقاً لرأي الشيعة. فهم يعتبرون، حسبما يصوغ لنا رأيهم الشهرستاني " بأن الإمامة ليست قضية مصلحية، تناط باختيار العامة، وينتصب الإمام بنصبهم، بل هي قضية أصولية، وهي ركن من أركان الدين، لا يجوز للرسول إغفاله وإهماله، ولا تفويضه إلى العامة وإرساله. ويجمعهم أي الشيعة القول بوجوب التعيين والتنصيص، وثبوت عصمة الأئمة وجوباً عن الكبائر والصغائر " (1). وكذلك يلاحظ جولدسيهر بهذه المناسبة أن ابن تومرت بموقفه من الاجتهاد، يعارض الإمام الغزالي، الذي يعلق أهمية كبيرة على مبادىء الاجتهاد. ومن جهة أخرى، فإن الغزالي يعارض نظرية الإمام المعصوم في غير كتاب من كتبه. وقد أشار إلى ذلك في إحدى رسائله، وهي " المنقذ من الضلال ". وفيها يحيل إلى ما سبق أن كتبه في ذلك من مختلف الفصول، ثم يحمل على فكرة " المعصوم " ويسخر منها في عبارة موجزة (2).
ثم إن الخلاف بين ابن تومرت والغزالي لا يقف عند هذا الحد. والواقع أنه ليس من الحقيقة في شىء، أن يقال إن ابن تومرت قد تأثر بتعاليم الغزالي سواء من تتلمذه المزعوم عليه بالمشرق، أو بدراسة كتبه ونظرياته. وإليك ما يقوله لنا العلامة جولدسيهر في ذلك: " إن المستخلص من قراءة كتب الغزالي أن ابن تومرت لم يسترشد سواء في تعاليمه أو أعماله بتعاليم الغزالي، بل هناك ما هو أكثر، وهو أن التعصب الذي أبداه ابن تومرت نحو مسائل العقيدة، يدل على أنه لم يتأثر بنفوذ الغزالي الشخصي. ذلك أن طريقة " الأستاذ " الرفيقة الموفقة، وميوله المشبعة بالتوقير للإيمان التقليدي، هي أبعد مما نجده في تصرفات الثوري " المصمودي ". ولو أن الغزالي عاش مدة أطول ليتتبع حياة ابن تومرت، وطُلب إليه أن يصدر في شأنه فتوى، لأصدر فتواه بنقض عمل تلميذه المزعوم، وأنه لا يوجد أجدر بلوم الغزالي، من ذلك التقديم المغصوب " للتأويل " بين الطبقات الدنيا لشعب يتسم بالبداوة " (3).
_______
(1) كتاب الملل والنحل للشهرستاني المنشور على هامش الفصل والنحل لابن حزم " القاهرة " ج 1 ص 195.
(2) المنقذ من الضلال (طبعة القاهرة سنة 1309 ص 19). وراجع مقدمة العلامة جولدسيهر الفرنسية لكتاب (محمد بن تومرت) Mohamed ibn Toumert et la Théologie de l'Islam dans le Maghreb au XI eme Siècle, p. 21,22 & 40
(3) جولدسيهر في مقدمته الفرنسية السالفة الذكر ص 83.
(3/204)

ثم يحدثنا ابن تومرت بعد ذلك عن " العموم والخصوص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمفسر، والناسخ والمنسوخ، والحقيقة والمجاز، والكناية والتعريض والتصريح، والأسماء اللغوية التي غلب عليها العرف وخصصها، والأسماء المنقولة من اللغة إلى عرف الشرع "، وهو يتناول هذه الأشياء على ضوء الدين، ويمثل لها بمختلف الآيات القرآنية. ثم يعود فيحدثنا من جديد عن العلم وفضله وتقاسيمه في فصل خاص، ينحو فيه منحاه المأثور في التصنيف والتقسيم.
- 2 -
بعد ذلك ينتقل بنا ابن تومرت إلى مسألة العقيدة، ويحدثنا عن التوحيد، وعن دلائل وجود الباري سبحانه، وتنزيهه عن التشبيه. وإذا كان التوحيد في الأصل ركناً من أركان الإسلام الأساسية، فإنه يعتبر هنا وبنوع خاص أساساً لمذهب ابن تومرت الديني والسياسي معاً، وهو يتحول على يد المهدي من صفته الدينية إلى فكرة سياسية، هي التي أضحت أساس الدولة الموحدية، ودعامة سلطانها الأولى. ويلاحظ العلامة جولدسيهر بهذه المناسبة، أن فكرة التوحيد لم يبق معناها فيما بعد، هو الاعتراف بوحدانية الله، ولكن غدا معناها الخضوع لحكومة الموحدين (1)، ويستشهد على ذلك بما ذكره ابن صاحب الصلاة في تاريخه من خضوع الزعيم الأندلسي إبراهيم بن همشك لحكومة الموحدين في سنة 564 هـ ووصفه ذلك الخضوع في قوله: " توحيد ابن همشك "، والتعبير عن رغبته في الاستسلام برغبته في " التوحيد والتوبة " (2) ويقدم إلينا ابن تومرت بعد ذلك صيغة التوحيد وصيغ التسبيح التي وضعها لأتباعه، وهي صيغ تردد مضمون عبارات التوحيد والتقديس التي عرفت منذ الأجيال (3).
على أن أهم ما يتضمنه كتاب ابن تومرت، هو كلامه عن الإمامة وعن الإمام المعصوم، وعن المهدي وعلاماته، وعن قيام الطائفة التي تقوم في آخر الزمان لتقاتل في سبيل الحق. ويمكننا أن نعتبر هذا الفصل لب الكتاب، ولب مذهب
_______
(1) I. Goldziher: Materialien zur Kentniss der Almohaden Bewegung. (Z. der Mog. Gesellsch. 1887) , p. 70
(2) في كتاب " المن بالإمامة على المستضعفين " (مخطوط أكسفورد السالف الذكر، لوحة 126 ب).
(3) كتاب المهدي ابن تومرت ص 240 - 244، وقد نقلنا بعضها في باب الوثائق في نهاية الكتاب.
(3/205)

ابن تومرت كله، ولب دعوته السياسية كلها، فإن الإمامة الدينية، هي الشعار السياسي الذي انتحله ابن تومرت، دعامة لزعامته وسلطانه. ونظرية المهدي المنتظر، هي الثوب الروحي الذي اتشح به، لتأييد شرعية إمامته وقدسيتها.
ونحن نعرف أن الإمامة هي شعار الدعوة الشيعية، الديني والسياسي، وأنها تخص بها آل البيت دون سواهم، وعلى كر العصور. ولكن ابن تومرت، في تمسكه بنظرية الإمامة، يبدو مستقلا، بعيداً عن الدعوة الشيعية، وممثلا لدعوة خاصة، وإن كان في نفس الوقت يحرص على أن ينتسب إلى آل البيت، حتى تتوفر فيه شرعية الإمامة، وإليك كيف يعرض لنا ابن تومرت نظرية الإمامة وخصائصها حين يقول:
" هذا باب في العلم، وهو وجوب اعتقاد الإمامة على الكافة، وهي ركن من أركان الدين، وعمدة من عمد الشريعة، ولا يصح قيام الحق في الدنيا إلا بوجوب اعتقاد الإمامة في كل زمان من الأزمان إلى أن تقوم الساعة. ما من زمان إلا وفيه إمام لله قائم بالحق في أرضه من عاد إلى نوح، ومن بعده إلى ابراهيم .. ولا يكون الإمام إلا معصوماً من الباطل ليهدم الباطل، لأن الباطل لا يهدم الباطل، وأن يكون معصوماً من الضلال، لأن الضلال لا يهدم الضلال .. وأن يكون معصوماً من الجور لأن الجائر لا يهدم الجور بل يثبته، وأن يكون معصوماً من البدع، لأن المبتدع لا يهدم الكذب بل يثبته، وأن يكون معصوماً من العمل بالجهل، لأن الجاهل لا يهدم الجهل، وأن يكون معصوماً من الباطل لأن المبطل، لا يهدم الباطل، كما لا تدفع النجاسة بالنجاسة، وكما لا تدفع الظلمة بالظلمة، كذلك لا يدفع الفساد بالفساد، ولا يدفع الباطل بالباطل، وإنما يدفع بضده الذي هو الحق، لا يدفع الشىء إلا بضده، ولا تدفع الظلمة إلا بالنور، ولا يدفع الضلال إلا بالهدى، ولا يدفع الجور إلا بالعدل، ولا تدفع المعصية إلا بالطاعة، ولا يدفع الاختلاف إلا بالاتفاق، ولا يصح الاتفاق إلا باستناد الأمور إلى أولي الأمر، وهو الإمام المعصوم من الباطل والظلم " (1). ثم يعود ابن تومرت فيؤكد أهمية الإمامة كركن جوهري من أركان الدين، ووجوب اعتقادها والخضوع لها في قوله:
" والإمامة هي عمدة الدين وعموده على الإطلاق في سائر الأزمان، وهو دين السلف الصالح، والأمم السالفة إلى إبراهيم وما قبله، فاعتقادها دين، والعمل بها
_______
(1) كتاب محمد بن تومرت ص 245 و 246.
(3/206)

دين، والتزامها دين، ومعناها الإتباع والاقتداء، والسمع والطاعة، والتسليم، وامتثال الأمر، واجتناب النهي، والأخذ بسنة الإمام في القليل والكثير " (1).
وإنه لا يمكن أن تكون ثمة تأكيدات أخطر من هذه وأشد فعلا، وأبعد أثراً في النفوس، لتأكيد الزعامة الدينية والسياسية، والانضواء تحت لوائها، والإذعان لسلطانها. وقد كان المهدي يخاطب بأسلوبه القوي المنذر، مجتمعاً يسوده الجهل، وتسيطر عليه الخرافة، فكانت أقواله وتعاليمه تنساب إلى هذا المجتمع الساذج، كقرآن جديد. كيف لا وهو يؤكد بأنه " لا يكذب بهذا، إلا كافر أو جاحد أو منافق أو زائغ أو مبتدع أو مارق أو فاجر أو فاسق، أو رذل أو نذل، لا يؤمن بالله واليوم الآخر " (2).
- 3 -
ثم إن هذه الإمامة المطلقة الواجبة الطاعة في كل زمان ومكان، لابد أن تتوج بصفة خاصة تؤكد من شرعيتها وتزيد في قدسيتها، وتجعلها أقرب إلى مراتب النبوة، وتلك هي صفة المهدي المنتظر. وهي أسطورة من أقدم الأساطير الدينية في الإسلام. ويرجعها البعض إلى عصر النبي ذاته. وهنالك طائفة من " الأحاديث " تشير إلى هذه الأسطورة. وهنالك أيضاً طائفة من الأقوال المأثورة تنسب لجماعة من أكابر الصحابة. ولكن هذه الأحاديث والأقوال، موضع كثير من الجدل والريب، وهي على الأغلب من خلق الشيعة الذين استغلوا هذه الأسطورة على كر العصور، واتخذوها سبيلا إلى تحقيق السلطان السياسي. وخلاصة هذه الأحاديث والأقوال، " إنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من آل البيت، يؤيد الدين ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون، ويعيد مجد الإسلام ودولته، ويسمى بالمهدي " أو على حد عبارتهم المأثورة، وهي أن المهدي يخرج في آخر الزمان " فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جوراً ". وقد كان قيام الدولة الفاطمية الشيعية بإفريقية ثم بمصر، في أوائل القرن الرابع الهجري، أعظم وأروع استغلال لهذه الأسطورة. وهذا الثوب القدسي - ثوب المهدي المنتظر - هو الذي اعتزم محمد بن تومرت أن يتشح به، وأن يتوج به إمامته وسلطانه السياسي. ومن ثم فإنا نراه، بعد أن يحدثنا عن أهمية الإمامة. وكونها ركن الدين الركين، يعرض
_______
(1) كتاب محمد بن تومرت ص 253 و 254.
(2) كتاب محمد بن تومرت ص 254.
(3/207)

لنا نظرية المهدي بقوة وحماسة. وهو يستهل كلامه بوصف مثير لأحوال العصر الذي تلا عصر النبوة والخلفاء الأربعة، وما ساد فيه من ضروب التفرق والهوى والفتن، وهو العصر الذي " يذهب فيه العلماء، ويظهر الجهال، ويذهب الصالحون، وتبقى الحثالة، ويذهب الأمناء وتبقى الخونة، وتذهب الأئمة، وتظهر المبتدعة، ويذهب الصادقون، ويظهر الدجالون، ويذهب أهل الحقائق، ويظهر أهل التبديل والتغيير والتلبيس والتدليس، حتى انعكست الأمور، وانقلبت الحقائق وعطلت الأحكام، وفسدت العلوم، وأهملت الأعمال، وماتت السنن، وذهب الحق، وارتفع العدل، وأظلمت الدنيا بالجهل والباطل، واسودت بالكفر والفسوق والعصيان، وتغيرت بالبدع والأهواء، وامتلأت بالجور والظلم والهرج والفتن ". ثم جاء المهدي في زمان الغربة، في الوقت الذي عكست فيه الأمور، وقلبت الحقائق، وبدّلت الأحكام " وخصصه الله بما أودع فيه من معاني الهداية، ووعده قلب الأمور عن عاداتها، وهدمها بهدم قواعدها، ونقلها إلى الحق بإذن الله، حتى تنتظم الأمور على سنن الهدى، وتستقيم على منهاج التقوى، وينهدم الباطل من قواعده، وتنهدم بانهدامه فروعه، ويثبت الحق من أصله، وتثبت بثبوته فروعه، ويظهر العلم من معادنه، ويشرق نوره في الدنيا بظهوره، حتى يملأها عدلا، كما ملئت قبله جوراً، بوعد ربه كما وعد، وبفضله كما سبق، هذا ما وعد الله للمهدي، وعد الحق الذي لا يخلفه " (1).
وهذا المهدي، الذي تستحيل على يده شئون العالم، من الفساد الشامل، والظلم المطبق، إلى الصلاح والعدل الشامل، " لا ند له في الورى " ولن يجد " من يعانده، ولا من ينازعه، ولا من يخالفه، ولا من يضاده "، ومن ثم فإن ابن تومرت يؤكد لأتباعه وأنصاره وجوب طاعة المهدي، والإيمان برسالته، والإذعان لمشيئته، والاستسلام لحكمه، وذلك بصورة مطلقة يعرضها لنا على النحو الآتي:
" فالعلم به واجب، والسمع والطاعة له واجب، واتباعه والاقتداء بأفعاله واجب، والإيمان به والتصديق به واجب على الكافة، والتسليم له واجب، والرضى بحكمه واجب، والانقياد لكل ما قضى واجب، والرجوع إلى علمه واجب، واتباع سبيله واجب، والاستمساك بأمره حتم، ورفع الأمور إليه بالكلية لازم ".
_______
(1) كتاب محمد بن تومرت ص 249 - 251.
(3/208)

وليس ذلك فقط، فإن طاعة المهدي، والاستسلام إليه، إن هي إلا طاعة الله ورسوله ذاتها، " فإن سنة المهدي هي سنة الله ورسوله، وأمره أمر الله ورسوله، وطاعته طاعة الله ورسوله، والانقياد له الانقياد إلى الله ورسوله، وموافقته موافقة الله ورسوله، وتعظيم حرماته تعظيم حرمات الله ورسوله. هو أعلمهم بالله، وأقربهم إلى الله، به قامت السموات والأرض، وبه كشفت الظلمات، وبه تدفع الأباطيل، وبه تظهر المعارف، وبموافقته تُنال السعادة، وبطاعته تنال البركات " (1).
ْأما أولئك الذين تسول لهم أنفسهم مخالفة المهدي، ومعارضته أو الشك في أمره، فويل لهم. ولم ينس ابن تومرت أن يتوعد هؤلاء بشر النكال. ذلك أن من ناوأ المهدي " فقد تقمع في الردى، وليس له التطرق إلى النجاة ". ثم إن " أمر المهدي حتم، ومن خالفه يقتل، لا دفع له في هذا لدافع، ولا حيلة فيه لزائغ، ثبت بثبوت نصوص الكتاب، وقواطع الشرع، وبيان العلم، ودام ما دامت السموات والأرض بإذن الله الواحد القهار " (2).
ويتحدث ابن تومرت بعد ذلك في فصل قصير عن " القواعد التي بني عليها علوم الدين والدنيا " يتناول فيه أموراً شتى، ومما جاء فيه: " أن القيام بأمر الله واجب، وأن الفساد يجب دفعه على الكافة، ولا يجوز التمادي فيه، وإن من منع فريضة واحدة كمن منع الفرائض كلها، وان التمادي على ذرة من الباطل، كالتمادي على الباطل كله، وأن الهوى لا يجوز إيثاره عن الحق، وان الدنيا لا يجوز إيثارها على الآخرة، وان الحق لا يجوز تلبيسه بالباطل، وأن العلم ارتفع، وأن الجهل عم، وأن الحق ارتفع، وأن الباطل عم، وأن الهدى ارتفع، وأن ْالضلال عم، وأن العدل ارتفع، وأن الجور عم، وأن الرؤساء الجهال استولوا على الدنيا، وأن الملوك الصم البكم استولوا على الدنيا، وأن الدجالين استولوا على الدنيا " ويختتم ابن تومرت هذا الفصل، بالعود إلى الكلام عن المهدي في فقرة يلخص فيها كل ما تقدم، ويؤكده بقوة، وذلك على النحو الآتي:
" إن الباطل لا يرفعه إلا المهدي، وان الحق لا يقوم به إلا المهدي، وان المهدي معلوم في العرب والعجم، والبدو والحضر، وان العلم به ثابت في كل
_______
(1) كتاب محمد بن تومرت ص 252.
(2) كتاب محمد بن تومرت ص 251 و 254.
(3/209)

مكان، وفي كل ديوان، وأن ما علم بضرورة الإستفاضة قبل ظهوره، يعلم بضرورة المشاهدة بعد ظهوره، وأن الإيمان بالمهدي واجب، وأن من شك فيه كافر، وأنه معصوم فيما دعا إليه من الحق، لا يجوز عليه الخطأ فيه، وأنه لا يكابر، ولا يضاد، ولا يدافع، ولا يعاند، ولا يخالف ولا ينازع، وأنه فرد في زمانه، صادق في قوله، وأنه يقطع الجبابرة والدجاجلة، وأنه يفتح الدنيا شرقها وغربها، وأنه يملؤها بالعدل، كما ملئت بالجور وأن أمره قائم إلى أن تقوم الساعة " (1).
- 4 -
لم ينس ابن تومرت في الوقت الذي يعرض فيه دعوته، ويشيد بنظريته الإمام المعصوم والمهدي المنتظر، وهي التي اتخذها دعامة لزعامته الدينية، وسلطانه السياسي، أن ينظم حملته ضد أصحاب الأمر القائم، ضد أولئك المرابطين، الذين كان يرمي إلى تحطيم دولتهم، والاستيلاء على تراثهم. ومن ثم فإنه يخصهم في كتابه بفصل، يشهر فيه عليهم الخصومة والبغض، ويحاول أن يسبغ على حملته لون القداسة، وأن يردها إلى أصول دينية، وهو ينعتهم " بالمبطلين، والملثمين، والمجسمين ". ويقول لنا إن لهم علامات خاصة يعرضها لنا في قوله:
" جميع علاماتهم ظاهرة، منها ما ظهر قبل مجيئهم من كادم، ومنها ما ظهر بعد أخذهم البلاد، ومنها ما ظهر من أحوالهم وأفعالهم. فالذي ظهر منها قبل مجيئهم خمس، إحداهن أنهم الحفاة، والثانية أنهم العراة، والثالثة أنهم العالة، والرابعة أنهم رعاء الشاء والبهم، والخامسة أنهم جاهلون بأمر الله. والذي ظهر منها بعد أخذهم البلاد سبع، إحداهن أنهم في آخر الزمان، والثانية أنهم ملوك، والثالثة أنهم يتطاولون في البنيان، والرابعة أنهم يلدون مع الإماء ويستكثرون من الجواري، والخامسة أنهم صم، والسادسة أنهم بكم، يعني أنهم صم عن ْالحق لا يستمعون إليه، بكم عن الحق لا يقولون به، ولا يأمرون به، وكل ذلك راجع إلى الجهل والعدول عن الحق، والسابعة أنهم ما هم أهلا للأمانة في القيام بأمر الله.
والذي ظهر من أحوالهم وأفعالهم ثمان، إحداهن أنهم في أيديهم سياط كأذناب البقر، والثانية أنهم يعذبون الناس ويضربونهم بها، والثالثة أن نساءهم رؤوسهن كأسنمة النجب، يعني أنهن يجمعن شعورهن فوق رؤوسهن حتى تكون شعورهن على تلك الصفة، والرابعة أنهم كاسيات عاريات، والخامسة أنهن مائلات يعني
_______
(1) كتاب محمد بن تومرت ص 257.
(3/210)

عن الحق والرشاد والسادسة أنهن مميلات يعني لغيرهن، والسابعة أنهم يغدون في سخط، والثامنة أنهم يروحون في لعنة. هذه علاماتهم، وجملة علاماتهم عشرون أخبر الرسول بجميعها قبل وجودهم، فظهرت كلها على وفق ما أخبر به " (1).
ويحاول ابن تومرت أن يثبت صحة هذه العلامات بإيراد " أحاديث " تنسب روايتها إلى عمر بن الخطاب وإلى أبي هريرة، وفيها ذكر للعلامات المتقدمة، وأنها من علامات الساعة، و" أحاديث " أخرى يدمغ فيها الرسول أصحاب هذه العلامات، بالنار والسخط والغضب واللعنة، ويذكر فيها صفة نسائهن على النحو الذي تقدم ذكره (2).
ويتناول ابن تومرت بعد ذلك مثالب المرابطين، وتحريم طاعتهم، والحض على جهادهم، في عدة أبواب رتبت كما يأتي:
(1) باب فيما أحدثوه من المناكير والمغارم، وتقلبهم في السحت والحرام يأكلون فيه ويشربون، وفيه يغدون وفيه يروحون، وتجسيمهم وكفرهم أكبر.
(2) باب في تحريم معونتهم على ظلمهم، وتصديقهم على كذبهم.
(3) باب في معرفة أتباعهم الذين أعانوهم على ظلمهم، وصدقوهم على كذبهم، وبيان أفعالهم.
(4) باب في وجوب مخالفتهم وتحريم الاقتداء بهم، والتشبه بهم، وتكثير سوادهم وحبهم.
(5) باب في وجوب بغضهم ومعاداتهم على باطلهم وظلمهم.
(6) باب في تحريم طاعتهم واتباع أفعالهم.
(7) باب في وجوب جهادهم على الكفر والتجسيم وإنكار الحق، واستحلال دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم.
(8) باب في وجوب جهاد من ضيّع السنة ومنع الفرائض.
(9) باب في وجوب جهادهم على ارتكاب المناكر والفجور وتماديهم على ما لا يؤمرون به.
(10) باب في وجوب جهادهم على العناد والفساد في الأرض (3).
وهو خلال ذلك يحاول أن يؤيد أقواله وأحكامه بمختلف الأحاديث والآيات القرآنية. وهو ينعي على المرابطين بنوع خاص - وهو ينعتهم هنا بالمجسمين الكفار - مسألة اللثام، وتشبههم في ذلك بالنساء، في تغطية الوجوه بالتلثيم والتنقيب، وتشبه نسائهم بالرجال في السفور، وعدم التلثيم والتنقيب، وتحريم ذلك، ولعن
_______
(1) كتاب محمد بن تومرت ص 258 و 259.
(2) كتاب محمد بن تومرت ص 260 و 261.
(3) كتاب محمد بن تومرت ص 261 - 266.
(3/211)

من يرتكبه، وفقاً لحديث تنسب روايته لابن عباس، ونصه: " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهات من النساء بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء، شملتهم اللعنة جميعاً " (1). على أنه من الإجحاف البيّن أن تُنعى هذه المسألة بالذات - مسألة اللثام - على المرابطين، وتعتبر في حقهم جرماً يستوجب اللعن. ذلك أنها ليست سوى مسألة تقليد قومي وقَبَلي لا شأن له بالدين. وقد قيلت في أصل اللثام وسببه أشياء كثيرة، منها ما سبق أن أشرنا إليه من قبل، وهو أن أهل لمتونة - وهي قبيلة المرابطين - كانوا يتخذون في أعراسهم نوعاً خاصاً من الحجاب، ومنها أنه حدث ذات مرة في بعض حروبهم أن نساءهم كن يقاتلن معهم محجبات، حتى يحسبن بذلك في عداد الرجال، ومنها أنهم كانوا يلجأون إلى اللثام تخفياً من طلبة ثأر الدم، وأخيراً أن اللثام كان من ضرورات الحماية من لفح العواصف والرمال والحر والبرد. وما تزال عادة اللثام قائمة حتى اليوم بين بعض قبائل موريتانيا والسودان وغيرها، ويقال إن الحكمة في ذلك هو أن الرجال الأشراف لا يكشفون عن أنفسهم. وأما عن سفور النساء، فقد قيل إنه لكي يظهر انحطاطهن عن الرجال (2).
وأما حملة ابن تومرت على المرابطين بسبب ما أحدثوه من " المناكر والمغارم " فإن لها ما يبررها. وقد سبق أن أشرنا إلى ما كان يسود العاصمة المرابطية، (مراكش) وقواعد المغرب الأخرى، أيام المرابطين، من مظاهر الاستهتار والفساد، ومن ذلك ذيوع الخمر والقصف علناً في الأسواق، وغير ذلك من مظاهر الخروج على الدين. وهذا ما يردده المراكشي في قوله مشيراً إلى على بن يوسف: " وكان رجلا صالحاً، إلا أنه كان ضعيفاً مستضعفاً، ظهرت في آخر زمانه مناكر كثيرة، وفواحش شنيعة، من استيلاء النساء على الأحوال واستبدادهن بالأمور، وكان كل شرير أو قاطع طريق، ينتسب إلى امرأة قد جعلها ملجأ له، وزراً على ما تقدم " (3). ومما هو جدير بالذكر أن أمثال هذه المناكر، لم تلبث أن ظهرت في دولة الموحدين، بعد ذهاب المهدي بفترة قصيرة. ومن ذلك أن
_______
(1) كتاب محمد بن تومرت ص 264.
(2) الإستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى للسلاوي ج 1 ص 98 و 99، وكذلك العلامة جولدسيهر في مقاله: Materialien zur Kentniss der Almohaden Bewegung (Z. der Morg. Gesellsch. 1887 p. 101)
(3) المعجب ص 103.
(3/212)

عبد المؤمن أول الخلفاء الموحدين، أبى علي ولده الأكبر محمد إتمام بيعته لولاية العهد، لأنه كان مدمناً لشرب الخمر، ولنقائص أخرى كانت تنسب إليه (1).
على أنه إذا كان المرابطون، أو كما ينعتهم ابن تومرت، طائفة المبطلين من الملثمين والمجسمين، كانوا يتصفون بما يرميهم به من العيوب والمثالب التي يستحقون من أجلها اللعنات، والتي تستوجب بغضهم ومعاداتهم ومجاهدتهم، فإن هناك طائفة أخرى بشر الرسول بظهورها، وهي التي تقاتل على الحق وتقاتل عنه، وتقوم به إلى آخر الزمان، وأن هذه الطائفة تقوم بأمر الله، لا يضرها من خذلها أو خالفها، وأنها ظاهرة على من عاداها إلى يوم القيامة، وأنها تقاتل على أمر الله وتقهر عدوها إلى قيام الساعة، وأنها تقاتل على الحق حتى تجتمع مع عيسى بن مريم، وحتى يقاتل آخرهم الدجال، وأن الله يفتح الدنيا كلها لأهل الغرب، وأخيراً أن هذه الطائفة ينصرها الله حتى تقوم الساعة. وبالرغم من أن ابن تومرت لا يقول لنا من هي هذه الطائفة بصريح العبارة، فإنه من الواضح أنه يعني بها طائفة الإمام المعصوم، والمهدي المعلوم، أو بالحري طائفته الخاصة، طائفة الموحدين، وهو يحاول هنا كعادته، أن يؤيد كل أقواله ونبوءاته بطائفة من الأحاديث (2).
وقد سبق أن أشرنا إلى ما ذكره ابن تومرت، عند الحديث عن العقيدة، عن التوحيد ودلائل وجود الباري سبحانه. ويلاحظ العلامة جولدسيهر، أن ابن تومرت قد استعار عبارة " التوحيد "، ومعناها التعلق بفكرة الله وصفاته، من " المعتزلة "، فهم الذين يعطون إسم " التوحيد " في تعريفهم لفكرة الله، وهذا ما يوضحه لنا الشهرستاني في قوله عن المعتزلة: " واتفقوا على نفي رؤية الله تعالى بالأبصار في دار القرار، ونفي التشبيه عنه من كل وجه، جهة ومكاناً وصورة وجسماً وتحيزاً وانتقالا وزوالا وتغيراً وتأثراً، وأوجبوا تأويل الآيات المتشابهة فيها، وسموا هذا النمط " توحيداً " (3).
ومن ثم فإن ابن تومرت، كان يُشَهِّر في ظل هذا التفسير لمعنى التوحيد،
_______
(1) المعجب ص 131.
(2) كتاب محمد بن تومرت ص 267 - 270.
(3) الشهرستاني في كتاب " الملل والنحل "، المنشور على هامش كتاب " الفصل " (القاهرة 1317 هـ) ص 55.
(3/213)

بالفكرة المادية التي كانت ذائعة في المغرب في ظل المرابطين، والتي تناقض فكرة التوحيد الحقيقية، ويعتبر المرابطين مسئولين عن فكرة " التجسيم "، و" التشبيه " الذائعة بين رعاياهم، وينادى من أجل ذلك بقتالهم، لأنهم هم السبب في نشر ذلك الإلحاد الذي يسود العقيدة، وأنهم يقيمون نظاماً دينياً، لا تتوّجه فكرة الله. ومتى كان المرابطون على هذا النحو من أهل الشرك، فيجب أن يشهر عليهم الجهاد في سبيل الله (1).
ويعود ابن تومرت فيتناول التوحيد هنا من ناحية أخرى، وذلك كعادته في أبواب متعاقبة. أولها أن التوحيد، هو أساس الدين الذي بني عليه، ثم يحدثنا عن معنى التوحيد، وتفسير لفظه، وعن فضله، وعن شروط الشهادة، وكون التوحيد يهدم ما كان قبله من الفكر والآثام، وعن وجوب العلم بالتوحيد وتقديمه على العبادة، وعن كون التوحيد هو دين الأولين والآخرين من النبيين المرسلين، وكون دين الأنبياء واحد، وعن معرفة طريق إثبات العلم بالتوحيد. ثم يتلو ذلك التحدث عن الإيمان وفضله، والإيمان بالرسول، وعن معنى الإيمان والعلم، واتباع الكتاب والسنة، يتخلل ذلك كله طائفة من الآيات والأحاديث للشرح والتدليل (2).
- 5 -
يتناول ابن تومرت بعد ذلك طائفة من المسائل الدينية الأخرى التي لا تتصل أصلا بدعوته الدينية أو السياسية، ولكنها تتضمن مع ذلك، بعض وقائع وأقوال تتصل بهذه الدعوة. وهو قد تحدث من قبل في فصل خاص، عن الصلاة وفضلها وتفاصيلها. وهو يتحدث هنا عن الطهارة، وعن رفع العلم، ورفع الدين والموالاة. وفي هذا الفصل يكرر ما سبق ذكره، من الأحاديث المتعلقة بالناس، الذين يحملون سياطاً كأذناب البقر، والنساء الكاسيات العاريات، والمائلات رؤوسهن كأسنمة البخت، وهي التي يعدها بين علامات الملثمين المجسمين. ثم يحدثنا بعد ذلك عن " التبديل والتغيير بعد رسول الله ". وفي هذا الفضل يعود إلى ذكر المهدي، وما روي بشأنه من أحاديث، تدلى بأنه يكون من آل البيت، وأن اسمه يطابق اسم النبي، وأنه يملأ الأرض عدلا
_______
(1) جولدسيهر في مقدمته الفرنسية لكتاب " أعز ما يطلب " التي سبق ذكرها ص 56 و 61.
(2) كتاب محمد بن تومرت ص 271 - 280.
(3/214)

كما ملئت جوراً، وأنه يكون من عترة الرسول من ولد فاطمة (1)، وما ورد في شأن خروج الدّجال وهزيمته (2). ثم يلي ذلك كلام طويل في بابين لا عنوان لهما، وكلاهما يفيض بالأحاديث والأقوال المأثورة المتعلقة بالجنة والنار (3).
وبعد أن يحدثنا ابن تومرت عن " الغلول والتحذير منه " وهو الخيانة، ويقدم إلينا في ذلك طائفة من القصص النبوية، يختتم كتابه بفصل طويل في " تحريم الخمر ". وقد رأينا فيما تقدم من حياة ابن تومرت، كيف كانت الحملة على الخمر ومطاردتها، وإراقتها وكسر أوانيها، من أخص ما شغله في دعوته إلى إزالة المنكر، وكيف أنه كان يتعرض لصنوف من السخط والأذى، كلما نشط إلى ذلك، وهو يقرر أن الخمر محرمة " بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة " ويستعرض ما ورد في ذلك من الآيات والأحاديث، ويبين لنا أنواع الخمر المجمع على تحريمها في عصر الإسلام، وهي التي كانت تصنع من العنب والتمر والعسل والشعير، وهي كلها محرمة في رأيه قليلها وكثيرها، ومن الواجب إراقتها وكسر أوانيها، وهو يؤيد أقواله هنا بمختلف الأحاديث وأقوال الصحابة (4).
أما الفصل الأخير من الكتاب، وهو الذي يلي " كتاب تحريم الخمر " وعنوانه " كتاب الجهاد " فهو ليس من تأليف ابن تومرت، وإنما هو من تأليف الخليفة أبى يعقوب يوسف، ولد الخليفة عبد المؤمن بن علي وذلك حسبما يبدو من النبذة التي اختتم بها الكتاب، وأشير فيها إلى تمام " كتاب الجهاد " وجميع تعاليق " الإمام المعصوم، المهدي المعلوم، وذلك مما أملاه سيدنا الإمام الخليفة أمير المؤمنين .. وذلك في العشر الأواخر من شعبان سنة تسع وسبعين وخمسمائة " (5).
وكتاب الجهاد، والترغيب فيه، يضم طائفة كبيرة من الأحاديث التي وردت في فضل الجهاد، والحث عليه. وتبيان محاسنه، وفضل الشهادة في سبيل الله.
ويلحق بذلك الكلام على الجهاد بالمال وما ورد فيه أيضاً من الأحاديث (6). وهذا
_______
(1) كتاب محمد بن تومرت ص 305 و 306.
(2) كتاب محمد بن تومرت ص 309.
(3) كتاب محمد بن تومرت ص 313 - 346.
(4) كتاب محمد بن تومرت ص 313 - 376.
(5) كتاب محمد بن تومرت ص 401.
(6) راجع كتاب الجهاد (من كتاب محمد بن تومرت) ص 377 - 400.
(3/215)

الفصل وما ورد فيه من الأحاديث العديدة، يتفق تمام الإتفاق مع ما أثر عن مقدرة الخليفة أبي يعقوب يوسف العلمية، وبراعته في علم الحديث، والعلوم الشرعية، وتقدمه " في علم الإمام المهدي " (1).
- 6 -
إن كتاب " أعز ما يطلب " حسبما تبين من استعراض فصوله ومحتوياته، يمكن أن يعتبر وصية ابن تومرت العقدية والسياسية، ويمكننا أن نعتبر ما ورد فيه من تعاليم ومبادىء، خاصة بالإمامة والزعامة السياسية والدينية، أساس الدولة الموحدية الروحي والسياسي. على أن ابن تومرت قد ترك لنا بالعربية مؤلفاً آخر، هو كتاب "الموطأ " المسمى " موطأ الإمام المهدي " وهو كتاب ضخم يتناول فيه، على نسق " موطأ الإمام مالك "، أبواب العبادات والمعاملات والحدود.
ونحن نعرف أن مذهب الإمام مالك (2) كان منذ أواخر القرن الثاني للهجرة، هو المذهب المفضل في المغرب والأندلس. وبالرغم من أن ابن تومرت قد درس بالمشرق، على عدد من أقطاب عصره، فإنه لبث على تقاليد علماء المغرب الراسخة، من اتباع المذهب المالكي، ومن ثم فإنه يقدم لنا ثمرة شروحه للعبادات والمعاملات والحدود، أو بعبارة أخرى لعلم الفروع، متسمة باسم موسوعة الإمام مالك، جارية على مذهبه وآرائه، بل إنه ليبدو، حسبما جاء في مقدمة ْ " موطأ " ابن تومرت، أن مصنفه ليس إلا مختصراً من مصنف الإمام مالك.
فقد جاء في مقدمة طبعته التي نشرت بالجزائر في سنة 1323 هـ (1905 م)، ما يأتي: " قابلنا موطأ المهدي بموطأ الإمام مالك، من رواية يحيى بن يحيى، فوجدناه مختصراً منه بحذف الأسانيد مع تقديم وتأخير وزيادة تراجم وتفاصيل على أسلوب مفيد وترتيب سديد ".
ويحتوي موطأ المهدي على سفرين: يتناول السفر الأول الكتب الآتية: الطهارة والصلاة، والجنائز والصيام، والاعتكاف والزكاة، والحج والجهاد، والإيمان والنذور.
ويتناول السفر الثاني الكتب الآتية: الضحايا والعقيقة، والذبائح والصيد، والأشربة، والحدود، والنكاح، والطلاق، والرضاع، والبيوع، والشفعة،
_______
(1) ابن صاحب الصلاة في كتاب " المن بالإمامة " المخطوط السالف الذكر لوحة 46 أ.
(2) الإمام مالك بن أنس (95 - 179 هـ) أحد أقطاب المذاهب الأربعة.
(3/216)

والرهن، والإجارة، والمساقاة، والفرائض، والعتق، والمكاتب، والتدبير، والعقول، والقسامة، والتعدي والغصب، والأقضية والجامع.
ومن الواضح أنه ليس في كتاب " موطأ المهدي " ما يهمنا من الناحية التاريخية.
بيد أننا نستطيع أن نتخذه دلالة على ما كان يتصف به ابن تومرت من النشاط العلمي، والمقدرة الفقهية، واجتهاده في أن يبصر قومه بأحكام الدين الصحيحة، ولا ريب أن كتب ابن تومرت كانت تنتشر بين قومه بالبربرية لغتهم القومية، فيزداد بذلك نفوذها وتأثيرها، وقد كان من أعظم مزايا ابن تومرت العلمية، مقدرته البارزة في إتقان اللغتين العربية والبربرية، وكان وعظه ومخاطبته لقومه بالبربرية، تنفذ إلى سويداء قلوبهم، وتزيدهم فتنة وبه وتعلقاً، وتعمل على توطيد مكانته الدينية والسياسية. وكانت كتب ابن تومرت، بعد القرآن والسنة، هي أشد الكتب الدينية احتراماً بين أقوام الموحدين على اختلاف قبائلهم، لأنها نظراً لكتابتها بالبربرية، كانت ذائعة، وكانت في متناول كل إنسان.
(3/217)

الفصل الرابع
الصراع بين المرابطين والموحدين المرحلة الثانية
خلافة عبد المؤمن. مختلف الروايات حول تاريخها وكيفية وقوعها. أهل عبد المؤمن ونسبته العربية. أساطير حول قدره وتخصيصه بالخلافة. مولده ونشأته. اتصاله بابن تومرت. قيادته للجيوش الموحدية. عزمه على اسئناف الجهاد. خروجه من تينملل في القوات الموحدية. استيلاؤه عل تازاجورت وقصبة تادلة وعلى درعة وحصن تاسغيموت. عودته إلى تينملل. محاولة ابن ملوية وإخمادها. إنسلاخ الفلاكي الأندلسي عن المرابطين وانضمامه للموحدين. اتخاذ عبد المؤمن ألقاب الخلافة. غزواته في الأعوام التالية. استيلاؤه على تارودانت عاصمة بلاد السوس. هزيمة المرابطين وفرارهم. غزوه لأحياء بني ييغز. دفاع بني ييغز ثم جنوحهم إلى الطاعة. خروج عبد المؤمن إلى الغزو ثانية. تحركه إلى أرض حاحة ونزوله في أحياء بني ملول. إغارته عليها وقتله لأهلها. مسيره إلى أجر فرجان. لقاؤه بالمرابطين بقيادة تاشفين بن علي والربرتير. هزيمة المرابطين. مبادرة جزولة لإنجاد المرابطين. هزيمتها ومقتل معظمها. ارتداد تاشفين إلى مراكش. رواية ابن عذارى عن هذه الموقعة. خروج تاشفين والربرتير ثانية لمحاربة الموحدين. اللقاء في تيزغور. هزيمة المرابطين وجرح الربرتير. الربرتير وأصله وظروف التحاقه بخدمة المرابطين. قيادته للمرابطين في معارك أراضي كدميوه والسوس. غزو عبد المؤمن لأرض السوس. تبادل النساء الأسرى بين الفريقين. حملة عبد المؤمن الكبرى. مسيره إلى الشمال الشرقي. غزوه لعدد من القواعد والقلاع المرابطية. اختراقه لأرض فازاز واحتلاله لأزرو. مسيره شمالا نحو فاس. وصول القوات المرابطية بقيادة تاشفين والربرتير. مقاساتها لأهوال البرد. انحدار الموحدين إلى منطقة الأطلس الوسطى. احتلالهم لوادي ملوية. مسيرهم نحو أرض غياثة ونزولهم في جبل عفرا. نزول المرابطين قبالهم في السهل. عصف الرياح والأمطار بالمحلتين. رواية أخرى لابن القطان عن الحملة الموحدية إلى غياثة. مسير الموحدين إلى أرض لكاي. مسير المرابطين بقيادة تاشفين والربرتير في أثرهم. التحام الربرتير في بعض قواته مع الموحدين في تازغدرا. مسير الموحدين نحو القصر الكبير. مسير المرابطين في أثرهم. وصول الموحدين إلى المزمة. قصة مقتل ابراهيم أخى عبد المؤمن. اقتحام الموحدين لثغر مليلة وسبي نسائه. مسيرهم إلى تاجرا. الحملات الموحدية تقتحم وهران وبني واثون وجبل مديونة. ارتداد المرابطين إلى فاس وبقاء الموحدين قرب تلمسان. وفاة أمير المسلمين علي بن يوسف. بلوغ الدولة المرابطية ذروتها في عهده. استخدامه للمرتزقة النصارى. إنشاؤه للفرقة الأجنبية بقيادة الربرتير. عزمه على إقالة ولده تاشفين. بعض الأحداث التي وقعت في أواخر عهده. صفاته وخلاله. حشده لأعلام الكتابة في بلاطه. أولاده. اختلال الدولة المرابطية، وانشقاقها في أواخر عهده. خروج بني ومانو على تاشفين بن علي. مسير الربرتير لعقابهم. إنجاد الموحدين لهم. اقتحام الموحدين لبني عبد الواد وبني بيلومي. هزيمتهم ومصرع معظم أصحابهم على يد المرابطين. مسير عبد المؤمن من تلمسان إلى أرض
(3/218)

بيلومي. مسير تاشفين إلى تلمسان. إرساله حملة قوية ومعها الربرتير إلى منداس. طريقة عبد المؤمن المبتكرة في لقاء خصومه. معركة منداس الكبرى. هزيمة المرابطين الساحقة وغنائم الموحدين الوفيرة. غزو النورمانيين لسبتة ورد الأسطول المرابطي لها. مصرع الربرتير في معركة بينه وبين الموحدين. رواية ابن عذارى عن ذلك. مغادرة النصارى للمعسكر المرابطي. استنفار تاشفين لسائر الحشود المرابطية. مقدم ولده تاشفين إليه وتوليته عهده. سير الموحدين ونزولهم بالصخرتين قرب تلمسان. نزول المرابطين قبالهم في سطفسيف. وصول الحشود المرابطية. اشتباك الفريقين وهزيمة المرابطين في معركة بظاهر الصخرتين. مسير تاشفين في قواته إلى وهران. إرساله ولده ابراهيم إلى مراكش. مقدم بعض سفن الأسطول المرابطي إلى مياه وهران. مسير عبد المؤمن في أثر تاشفين. فتك الموحدين بأحياء لمتونة في تلك الجهة. نزول الموحدين فوق جبل وهران. مغادرة معظم القادة المرابطين لتاشفين. اقتحام الموحدين للمحلة المرابطية. فرار تاشفين وخاصته إلى الحصن المطل على البحر. إضرام الموحدين النار حول الحصن. فرار تاشفين في الليل وسقوطه ومصرعه. روايات أخرى عن مصرع تاشفين. فتك الموحدين بالمرابطين. فرار الفلول المرابطية من تلمسان. دخول عبد المؤمن تاجررت وقتله لأهلها. دخوله تلمسان وقتله لأهلها. روايات أخرى عن دخوله تاجررت وتلمسان. نزوله بتلمسان وتنظيمه لشئون المنطقة. مسيره إلى فاس.
كانت خلافة عبد المؤمن بن علي، للمهدى ابن تومرت، في رياسة الموحدين، حدثاً ذا شأن، وكانت فاتحة عهد جديد في تاريخ الدولة الموحدية، هو عهد التوطد والنماء.
وتختلف الرواية أيما اختلاف في ظروف تولية عبد المؤمن. فهناك القول ْبأن بيعة عبد المؤمن، قد تمت على أثر وفاة، المهدي أو بعدها بأيام قلائل، وأن المهدي هو الذي رشحه لخلافته قبيل وفاته وهذه هي رواية ابن القطان، إذ يقول لنا إنه لما توفي المهدي، كتم أصحابه وأهل الدار، وهم خدمته، وأخته شقيقته، موته، وبايعوا الإمام أمير المؤمنين (يريد عبد المؤمن) في الحين " بيعة سر"، ثم يقول في موضع آخر، إن عبد المؤمن بويع على أثر موت الإمام المهدي عام أربعة وعشرين وخمسمائة " بيعة خاصة ". وهناك قول آخر، بأنه لما توفي المهدي كتم أصحابه موته بعض الوقت، حتى يتفقوا على من يتولى الخلافة من بعده.
ويقول لنا ابن صاحب الصلاة مؤرخ الدولة الموحدية وكذلك ابن القطان، إن هذه المدة استطالت الى عام سبعة وعشرين وخمسمائة، أعني مدى ثلاثة أعوام، بويع من بعدها عبد المؤمن بيعته العامة، وذلك حين أعلن موت الإمام المهدي.
ثم يقص علينا ابن صاحب الصلاة بعد ذلك قصة الحيلة، التي دبرها عبد المؤمن ليقنع الموحدين ببيعته، وهي تتلخص في قصة الطائر والشبل، اللذين دربهما خفية، خلال هذه المدة، الطائر على أن يدعو له بالخلافة، والشبل على أن
(3/219)

يجلس بين يديه وادعاً هادئاً. ثم دعوته بعد ذلك الأشياخ الموحدين إلى مجلسه، واستشارتهم في أمر من يتولى الخلافة، ودعاء الطائر له بنطقه " العز والتمكين للخليفة عبد المؤمن أمير المؤمنين " ومثول الشبل بين يديه، رابضاً مطيعاً لإشارته، وتأثر الحاضرين بذلك ومبايعتهم له (1).
بيد أنه بغض النظر عما يطبع هذه الرواية من مبالغة، وجنوح إلى الأسطورة، فإنه توجد لدينا أكثر من رواية وثيقة تؤيد القول، بأن بيعة عبد المؤمن، قد تمت عقب وفاة المهدي، ووفقاً لسابق إشارته. من ذلك ما ذكره أبو بكر الصنهاجي المكنى بالبيذق، وهو كما تقدم من أصحاب المهدي الأوائل، من أنه عقب وفاة المهدي في يوم الأربعاء أو يوم الخميس الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة 524 هـ، بويع الخليفة أعني عبد المؤمن في يوم السبت الأقرب من هذا التاريخ (2). وما ذكره في موضع آخر من أنه عقب وفاة المهدي، قام عبد المؤمن بإعلان ذلك النبأ للناس، وعندئذ تقدم إليه أربعة من الصحب، اثنان من الجماعة، وهما عمر بن عبد الله الصنهاجي المعروف بعمر أصناك، وأبو إبراهيم إسماعيل، واثنان من أهل خمسين هما عبد الرحمن بن زكو، ومحمد ابن محمد، وبايعوه على ما بايعوا عليه المهدي، ثم تبعهم سائر الناس حتى دخل الليل، واستمرت البيعة ثلاثة أيام متواليات (3).
ويأخذ صاحب " الحلل الموشية " بمجمل هذه الراوية، فيقول لنا إنه " لما توفي المهدي، تفاوض بقية أصحابه وهم أربعة، بمن يكون إمامهم بعده، فوقع اتفاقهم على عبد المؤمن، لما كانوا يشهدونه من تعظيم المهدي له، بمحضر أصحابه وجميع الموحدين، ويقبل عليه، ويستبشر بكلامه، فاتفقوا عليه وقدموه " (4).
وكذلك يذكر لنا صاحب روض القرطاس أن المهدي بويع يوم الخميس الربع عشر من رمضان سنة 524 هـ، ويصف هذه البيعة، بالبيعة الخاصة التي بايعه فيها عشرة من أصحاب المهدي. وأما البيعة العامة فقد وقعت وفقاً لقوله في
_______
(1) ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السابق ذكره لوحة 45 أو 66 أ). وراجع رواية ابن صاحب الصلاة في روض القرطاس ص 119 و 120.
(2) كتاب أخبار المهدي ابن تومرت ص 83.
(3) كتاب أخبار المهدي بن تومرت ص 85، والمعجب ص 108، ويورد المراكشي اسمين آخرين مع عمر أصناك، هما عمر بن مرزاك، وعبد الله بن سليمان.
(4) الحلل الموشية ص 107.
(3/220)

20 من ربيع أول سنة 526 هـ، بعد وفاة المهدي بنحو عامين بجامع تينملّل (1).
وفضلا عن ذلك، فإن لدينا رواية المراكشي، وهو أيضاً من مؤرخي الموحدين، وهي رواية مفصلة واضحة، خلاصتها أن ابن تومرت استدعى قبل موته بأيام يسيرة، أصحابه من الجماعة وأهل خمسين، وهم من قبائل متفرقة لا يجمعهم إلا اسم المصامدة، فلما حضروا بين يديه، نهض متكئاً، وخطب فيهم فذكرهم بما كان عليه السلف الصالح، من الثبات في الدين، والعزيمة في الأمر، وما حدث من بعدهم من ظهور الفتنة، التي أضحى فيها العالم متجاهلا مداهناً، يقصد بعلمه الملوك، ويجتلب الدنيا، وكيف أن الله سبحانه قد خصهم بتأييده، وحقيقة توحيده، وهداهم بعد الضلالة؛ ثم حذرهم من الفرقة واختلاف الكلمة، وأن يكونوا على عدوهم يداً واحدة، ثم أعلن لهم اختياره، عبد المؤمن لخلافته قائلا في تزكيته " وهذا بعد أن بلوناه في جميع أحواله، من ليله ونهاره، ومدخله ومخرجه، واختبرنا سريرته وعلانيته، فرأيناه في ذلك كله، ثبتاً في دينه، متبصراً في أمره ". وأنه على أثر ذلك قام القوم بمبايعة عبد المؤمن. ودعا لهم ابن تومرت، ومسح وجوههم وصدورهم. ثم توفي ابن تومرت بعد عهده بيسير، واجتمع أمر المصامدة على عبد المؤمن (2).
وهكذا يبدو أن عبد المؤمن، تلقى بيعته عقب وفاة المهدي، وربما قبيل وفاته، وفقاً لرواية المراكشي، وليس من المستبعد أن يكون عبد المؤمن وأصحابه قد كتموا موت المهدي حيناً، حتى يجتنب الخلاف، ويستوثق الأمر؛ ذلك أنه لما توفي المهدي، أخذ كل زعيم، وكل قبيلة، تتطلع إلى اجتناء تراث المهدي، برياسة الموحدين، واشتد التنافس بينهم في ذلك، فخشي الجماعة والخمسون، أن يفسد الأمر، وأن تضطرم الفتنة، فاجتمعوا وتفاوضوا، ووقع اختيارهم على عبد المؤمن. وكان عبد المؤمن في الواقع، منذ البداية أرجح القوم مكانة، إذ كان أوثقهم صلة بالمهدي، وأشدهم اختصاصاً به، واستئثاراً بحبه وثقته، وكان يُنسب للمهدي قوله فيه وإنشاده كلما رآه:
تكاملت فيك أوصاف خصصت بها ... فكلنا بك مسرور ومغتبط
السنُّ ضاحكة والكف مانحة ... والصدر متسع والوجه منبسط (3).
_______
(1) روض القرطاس ص 121.
(2) المعجب ص 108 و 109.
(3) المعجب ص 110، ويقول ابن خلكان إن هذين البيتين ينسبان إلى أبى الشيص الخزاعي الشاعر المشهور (وفيات الأعيان ج 2 ص 391).
(3/221)

وفضلا عن ذلك كله فقد كان عبد المؤمن، غريباً بأصله وقبيلته عن المصامدة، ولم يكن له بينهم قبيل ولا طائفة، فكان ذلك مما شجع القوم على اختياره، اجتناباً لكل منافسة وخلاف (1).
أما عن أصل عبد المؤمن ونسبه، فإن الرواية تختلف أيضاً، فهو وفقاً لرواية أبى بكر الصنهاجي، عبد المؤمن بن علي بن عَلْوي بن يعلي بن علي بن حسن ابن نصر بن الأمير بن نصر بن مقاتل بن كومي بن عون الله بن ورجايغ بن ينفر ابن مراو بن مطماط بن صطفور بن نفور بن رجيك بن يحيى بن هزرح بن قيس ابن عيلان. ثم يقول لنا أبو بكر معلقاً على هذا النسب، إنه صحيح حتى مقاتل ابن كومي بن عون الله، وأما ما ورد بعد ذلك من الأسماء إلى قيس بن عيلان ففيها اختلاف وتصحيف وتقديم وتأخير (2).
وينتمي عبد المؤمن إلى قبيلة كومية، وهي بطن من بطون زناتة، وذلك سواء من أبيه أو أمه، إذ هي كومية أيضاً، فهو بذلك بربري الأصل، وحسبما تدلى بذلك أيضاً نسبته. ولكن عبد المؤمن هو خليفة المهدي، وهو أمير المؤمنين، وإذاً فلا بد أن يكون له - حسبما حدث في شأن المهدي - نسبة عربية أولا، ثم لابد أن تكون هذه النسبة متصلة بآل البيت. ومن ثم فإن الرواية تقول لنا إنه من ولد سليم بن منصور بن قيس بن عيلان بن مضر. وأما كيف تحولت نسبته العربية إلى النسبة البربرية، فهو أن جَدًّا من أجداده العرب، نزل بساحل تلمسان، فارًّا من بعض الفتن بالأندلس، وجاور بعض أحياء مطماطة، إخوة زناتة، فنسب بذلك إليهم بالجوار والحلف. وفي رواية أخرى أن نسبته ترجع مباشرة إلى آل البيت بانتسابه إلى جدته كنونة بنت إدريس بن إدريس بن عبد الله بن القاسم بن محمد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وإلى كنونة هذه أيضاً يرجع نسبة أمه تعلو بنت عطية، فهو إذن، وفقاً لهذه النسبة سليل آل البيت عن طريق أبيه وأمه (3). وقد كان عبد المؤمن نفسه، حسبما يروى لنا المراكشي، ينكر نسبته البربرية، ويقول إذا ذُكرت كمية (كومية) " لست منهم وإنما نحن لقيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. ولكُمية علينا حق الولادة بينهم،
_______
(1) روض القرطاس ص 119، وابن خلدون ج 6 ص 229.
(2) كتاب أخبار المهدي ابن تومرت ص 21 و 22.
(3) المعجب ص 109، وروض القرطاس ص 119.
(3/222)

والمنشأ فيهم، وهم الأخوال ". ويزيد المراكشي على ذلك، أنه أدرك من أولاد عبد المؤمن وأحفاده، من ينتسبون لقيس عيلان بن مضر (1).
وكما نُسجت حول ابن تومرت ودعوته، واختيار القدر له ليكون مهدي آخر الزمان، هالة من الأساطير، لتؤكد قدسيته وصدق رسالته، فكذلك نسجت مثل هذه الهالة حول عبد المؤمن وخلافته للمهدي، لتؤكد أن القدر قد اختاره، كما اختار المهدي منذ الأزل، ليقوم بهذه الرسالة. وقد أورد لنا ابن القطان بعض ما ذكره أبو القاسم المؤمن في كتابه المسمى " فضائل الإمام المهدي "، من أقوال وأمارات للتدليل على صدق رسالته. ومن ذلك أنه جاء في كتاب أبى عبد الله الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين، الحض على الإيمان بالمهدي وطائفته، وذكر عبد المؤمن بن علي القيسي، وأنه هو الذي وعد بالنصر والتأييد والفتح.
ويقول أبو القاسم، ان ذلك قد ورد أيضاً في كتاب يحيى بن زيد، وفي كتاب القاسم الأكبر، وفيه جميع ما ذكر من فضائل الإمام المهدي، وعلاماته ومواضعه ورجاله، والخليفة الآخذ عنه. وقد شرح ذلك كله صاحب كتاب " النصر" إدريس بن إدريس، وأورد لتأييده أحاديث عديدة.
ثم ينقل إلينا ابن القطان بعد ذلك قول ابن عبد ربه صاحب العقد الفريد في أرجوزة نظمها بعد ذكر " المهدي " ووفاته (2)، حيث يقول:
ويرجع الأمر إلى عدنان ... لماجد قد خص من عيلان
رب الفتوح صاحب الملاحم ... وقامع الأعراب والأعاجم
وقول عبد الملك بن حبيب:
صاحب المهدي يأتي بعده ... خيرة الأعراب طرا والعجم
أقبل الملك به من نعته ... أشيب اللحية ليس بالهرم
وأنه قد ورد ذلك أيضاً في بعض الأراجيز القديمة، وفيها شرح صفاته وأفعاله وفتوحه. ويزيد أبو القاسم المؤمن على ذلك كله أنه رأى بالقدس في رباط للنصارى اسم المهدي منقوشاً على رخامة بيضاء، كما رأى اسم عبد المؤمن خليفته، وأنه أي
_______
(1) المراكشي في المعجب ص 109.
(2) المقصود هنا " المهدي " بصفة عامة، وليس المهدي بن تومرت، لأن ابن عبد ربه قد عاش قبل المهدي ابن تومرت بنحو قرنين.
(3/223)

أبو القاسم ذكر ذلك للإمام المهدي، فأمر بكتمانه حتى يحين الوقت الذي يكون فيه ظهوره (1).
وهكذا نرى كُتاب الدولة الموحدية ومؤرخيها يجدون في تقصي الأساطير، ونسجها حول إمامة المهدي ابن تومرت، وحول خلافة عبد المؤمن، حتى تتخذ الدعوة الموحدية، ومن بعدها الخلافة الموحدية، مكانتها من الرسوخ والقدسية.
وكان مولد عبد المؤمن في آخر سنة 487 هـ (أول سنة 1095 م) بموضع يعرف بتاجرا على مقربة من مرسى هنين شمالي تلمسان، وقيل إنه ولد سنة 490 هـ، أو سنة 500 هـ (2). ويبدو سقم هذه الرواية الأخيرة، إذا ذكرنا أن عبد المؤمن قد لقي المهدي ابن تومرت عقب عوده من المشرق إلى المغرب في سنة 512 هـ، وكان يومئذ شاباً، ولم يكن غلاماً حدثاً. وكان والد عبد المؤمن فخّاراً يصنع الآنية من الطين، وهي المعروفة بالنوابيخ، وكان بالرغم من ضعته رجلا عاقلا محترماً من قومه (3). ويذكر لنا البيذق أن والد عبد المؤمن كان بالعكس قاضياً في زمانه وفي قومه (4). ونشأ عبد المؤمن منذ البداية محباً للقراءة والدرس، يلازم المساجد لتلاوة القرآن، ولما بلغ نحو العشرين من عمره، اعتزم الرحلة إلى المشرق ليتابع الدرس، وقد رأينا فيما تقدم كيف التقى هو وعمه بملالة على مقربة من بجاية بمحمد بن تومرت، وكان يومئذ يقود حملته المعروفة ضد المنكر، وكيف آنس فيه ابن تومرت نجابة وذكاء، وشعر أنه سوف يغدو أعظم معاونيه، وكيف استطاع أن يقنعه بالبقاء إلى جانبه يطلب العلم على يديه، ويعاونه فيما هو قائم به " من إماتة المنكر، وإحياء العلم، وإخماد البدع ". كان ذلك في أوائل سنة 512 هـ. وقد بقي عبد المؤمن من ذلك التاريخ إلى جانب ابن تومرت، ولازمه واختص به، يؤازره في دعوته، ويشاطره مصيره أينما حل، حتى كان من أمر ابن تومرت ما سبق ذكره من اشتداد دعوته الدينية ضد المرابطين، ثم التجاؤه وصحبه إلى تينملّل، وإعلانه أنه هو المهدي المنتظر، ومبايعة أصحابه وفي مقدمتهم عبد المؤمن له على ذلك.
_______
(1) ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السالف الذكر لوحة 53 ب و 54 أ).
(2) الأولى هي رواية المراكشي (ص 109)، والثانية والثالثة أوردهما ابن خلكان في الوفيات (ج 2 ص 391).
(3) ابن خلكان ج 2 ص 391، وروض القرطاس ص 119.
(4) كتاب أخبار المهدي ابن تومرت ص 27.
(3/224)

وقد رأينا فيما تقدم. كيف كان عبد المؤمن، إلى جانب أبى محمد البشير، أعظم قادة الموحدين. وكيف أنه عقب هزيمة البحيرة الساحقة (أوائل سنة 524 هـ) ومقتل البشير، استطاع أن يجمع فلول الموحدين وأن ينقذها من الفناء المحقق، وأن يقودها بالرغم من مطاردة المرابطين إلى تينملل، وكيف أن المهدي، وقد كان في مرض موته، حينما أبلغ أمر الهزيمة، سأل عن عبد المؤمن، ولما علم بأنه سالم، قال لأصحابه " الحمد لله قد بقي أمركم ".
- 1 -
لم تخب فراسة المهدي في تلميذه وصاحبه الأثير، وخليفته من بعده، فقد شاءت العناية الإلهية أن يغدو عبد المؤمن مؤسس دولة الموحدين الحقيقي، وأن يقود الموحدين إلى ميادين النصر الباهر، وأن يحقق لهم سلطان الإمبراطورية الموحدية الكبرى في المغرب والأندلس.
قضى عبد المؤمن بعد توليه الخلافة زهاء عام ونصف، ينظم شئون الموحدين ويؤلف قلوبهم، ويحشد جموعهم، ويستنفرهم إلى الجهاد. ولما كملت أهباته، اعتزم أن يستأنف الجهاد لمقاتلة أعداء الدولة الموحدية - المرابطين - وافتتاح البلاد من أيديهم، وإرغامهم على الطاعة، واستقر رأى الموحدين بعد البحث والتشاور على أن تكون أولى غزاتهم لقصبة تادلة في وادي درعة (1). فخرج عبد المؤمن من تينملّل في شهر ربيع الأول (وقيل في شوال) سنة 526 هـ (يناير سنة 1132 م) في جيش ضخم من الموحدين، قوامه ثلاثون ألف مقاتل، وسار أولا إلى قلعة تازاجورت، وكانت تدافع عنها حامية مرابطية بقيادة يدِّر بن ولجوط، فاقتحمها واستولى عليها، وسبى أهلها (2). وفي رواية أخرى أن قائد تازاجورت المرابطي كان يدعى يحيى بن مريم، وأن عبد المؤمن قتله وقتل معه نحو عشرين ألفاً من المجسمين، وأسر زوجته ميمونة بنت ينتان بن عمر، وصحبها معه إلى الجبل، حتى افتديت فيما بعد بمن كان من أسرى الموحدين في تلمسان (3) وسار عبد المؤمن
_______
(1) إن تادلة التي يذكرها بهذه المناسبة صاحب الحلل الموشية (ص 107)، وروض القرطاس (ص 121)، وابن خلدون (ج 6 ص 229) ليست هي بلدة تادلا الواقعة شمال شرقي مراكش، ولكنها هي المحلة الحصينة الواقعة شرقي وادي درعة، وذلك حسبما يستدل من سير الحملة الموحدية والمواقع التي استولت عليها، ومنها مدينة درعة.
(2) كتاب أخبار المهدي ابن تومرت ص 85.
(3) هذه رواية ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السابق ذكره لوحة 70 أ).
(3/225)

بعد ذلك إلى درعة، واستولى عليها وعلى أحوازها، ثم غزا سائر محلات تلك المنطقة وعاد إلى تينملّل.
وافتتح الموحدون في هذا العام حصن تاسغيموت، وهو حصن منيع يقع فوق الجبل، وبه حامية من هزرجة، فتواطأ معهم الموحدون على فتحه، واستطاعوا أن يدخلوه ليلا، وقتلوا واليه المرابطي أبا بكر بن وارصول ومن معه من المرابطين، وحملوا بابه الحديدي الضخم، وركب فيما بعد على سور تينملل.
وكذلك افتتح الموحدون في نفس العام حصن جلاوة، افتتحه الشيخ أبو حفص عمر وجماعة من وجوه الموحدين، ودخلوه عنوة وقتلوا كل من فيه. وكان أهل جلاوة هم الذين جرحوا المهدي في إحدى غزواته، وقام الخليفة من ناحيته بافتتاح حصن هزرجة وأحرقه، وقتل معظم أهله. ثم دخل بلدة جشجال، وأحرقها أيضاً، وسار منها إلى أرض غجدامة، وافتتح بلدة أجلاحال.
ودخل في هذا العام في طاعة الموحدين، بعض بطون من هزرجة وهسكورة، ثم ارتدوا وعادوا إلى الخروج والعصيان (1).
ولما عاد عبد المؤمن إلى تينملل، كانت قد وقعت خلال غيبته في تلك الغزوة حادثة خطيرة، كادت تحدث صدعاً في صفوف الموحدين لو لم تخمد في المهد، وذلك أن أبا عبد الله بن يَعْلي الزناتي، الشهير بابن مَلْوية، وهو أحد أصحاب المهدي العشرة، وكان من أشد المعارضين لبيعة عبد المؤمن، انتهز فرصة ابتعاد عبد المؤمن بالجيش، وسار إلى مراكش، وتفاهم مع أمير المسلمين علي بن يوسف على مهاجمة تينملّل، وسحق حكومة الموحدين، فعهد إليه علي بن يوسف بقوة من المرابطين، فسار بها إلى تاماذاجوست مجمع قبيلة كنفيسة على مقربة من تينملّل، لكي يضمها إليه، ويسير بقواته المجتمعة لتدمير العاصمة الموحدية، وكان بتينملل عبد الله بن وسيدّرن أحد زعماء كنفيسة، فجمعهم فأعلنوا تمسكهم بالعهد الذي قطعوه للمهدي، ونعوا على ابن ملوية تلك الخيانة، وفي الحال قام واحد من أهل خمسين هو أبو سعيد يخلف بن الحسن آتيكي ومعه غلامه، وسار إلى محلة ابن ملوية في أسفل الجبل، وقتلاه، وحملا جثته إلى تينملل وصلبت بها، وأخمدت المحاولة في المهد. ولما عاد عبد المؤمن شكر لكنفيسة إخلاصها، وقسم الغنائم. ثم هبط
_______
(1) ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السالف الذكر لوحة 71 أ).
(3/226)

ثانية إلى الوادي، واستولى على أراضي صنهاجة القريبة (أصناجان) وولى عليها علي بن ناصر، وهو أحد زعمائها ومن أهل خمسين (1).
ويضع ابن القطان في أخبار هذا العام - سنة 526 هـ - حادثاً من نوع خاص، هو انضمام الفلاّكي الأندلسي، وهو من قادة المرابطين، إلى الموحدين. وكان الفلاّكي حسبما تقدم أندلسي من أهل إشبيلية، وكان في بداية أمره شقياً وقاطع طريق، يتسم بالجرأة والشجاعة، ثم تاب وسلك سبيل الاستقامة، فعفا عنه والي إشبيلية، وقدمه على الرماة والرجّالة. ونمى خبره إلى علي بن يوسف، فاستقدمه إلى مراكش، وقدّمه على فرقة من الجند المرابطين، وعهد إليه بحراسة مخارج جبل دَرَن التي يهبط منها الموحدون إلى السهل لكي يعيق سبيلهم. ثم وجهه إلى السوس لمكافحة الموحدين، ووالي السوس حينئذ وانودين بن سير، فجد الفلاّكي في محاربة الموحدين ومكافحتهم. ثم فسد ما بينه وبين علي بن يوسف، فانضم إلى الموحدين مع طائفة من جنده، وأخذ يغير على حصون لمتونة، ويفعل بها مثلما كان يفعل من قبل بقواعد الموحدين، وأخذ يغير على جهات السوس وأغمات. واستمر في خدمة الموحدين مدى أعوام، ثم ارتد بعد ذلك، وفقاً لقول ابن القطان (2). بيد أنه لا يذكر لنا ماذا كان مصيره بعد هذا الارتداد. ومن جهة أخرى، فإن بعض الروايات تضع انضمام الفلاكي إلى الموحدين في تاريخ لاحق - في سنة 535 هـ - أي بعد التاريخ الذي يقدمه لنا ابن القطان بنحو تسعة أعوام (3).
وفي العام التالي، أعني في سنة 527 هـ أعلنت بيعة عبد المؤمن الخاصة، وعقدت بيعته العامة، وذلك إذا أخذنا برواية كتمان وفاة المهدي مدلا ثلاثة أعوام، وهي حسبما تقدم رواية ابن صاحب الصلاة وابن القطان. ويضع ابن القطان هذا الحادث سهواً في أخبار سنة تسع وعشرين وخمسمائة، ومن الواجب لكي يكون متفقاً مع سابق روايته أن تكون سنة سبع وعشرين. ويقول لنا إنه في هذه السنة،
_______
(1) كتاب أخبار المهدي ابن تومرت ص 85، هذا ويروي لنا ابن القطان أن ابن ملوية قتل في سنة 518 هـ في مناسبة سابقة، خلاصتها أنه حينما قام المهدي بتدبير اغتيال قبيلة هزميرة وسبي نسائهم، ونهب أراضيهم، اعترض ابن ملوية، ونعى عليه هذا التصرف الدموي، وأنه لا يتفق مع ما يدعيه من العصمة، فأمر المهدي بقتله فقتل وصلب على الفور (نظم الجمان المخطوط لوحة 47 ب).
(2) ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السابق ذكره لوحة 39 ب و 75 أ).
(3) هذه رواية صاحب الحلل الموشية (ص 83)، وربما كان هذا الانضمام المتأخر من جانب الفلاكي إلى الموحدين، هو انضمامه الثاني لا الأول.
(3/227)

كان الإعلان بموت المهدي والإعلان ببيعة الخليفة أمير المؤمنين، ثم يعلق على ذلك بعبارات رنانة يقول فيها: " فرفع الغطاء، وسطع الضياء، وبهرت الشمس ما دونها من السحاب، وتبلج الحق واضحاً بغير حجاب "، وبايعه الصحب على ما بايعوا عليه " الإمام المهدي"، واتصلت البيعة ثلاثة أيام " فأشرقت الأرض بنور إمامته، ونال أهلها عظيم حظوته وكرامته ". وعلى أثر ذلك اتخذ عبد المؤمن لقب " أمير المؤمنين "، والظاهر أنه لم يكن يلقب به قبل ذلك (1).
ويوجد شىء من التناقض والغموض حول أعمال عبد المؤمن وحركاته في بضعة الأعوام التالية، من سنة 528 إلى سنة 532 هـ. ويقدم إلينا ابن القطان بعض التفاصيل عن حوادث هذه الفترة، فيقول لنا في أخبار سنة 528 هـ، إن الموحدين اشتبكوا مع المرابطين بقيادة ابراهيم بن يوسف المعروف بابن تاعياشت في معركة هزم فيها المرابطون وقتل قائدهم. ثم ينقل إلينا عن ابن الراعي، خبر فتح الموحدين لمدينة تارودانت. فيقول إنه لما استولى الموحدون على سائر بلاد السوس، ارتد المرابطون منهزمين إلى تيونوين، وعندئذ سار " العلج الأعرج " (والغالب أنه الربرتير الذي سوف يأتي ذكره) من أجرفرجان، فاقتحم طريق ايغيران في غفلة من الموحدين، وسبقهم بمن معه، فأتبعهم الموحدون حتى وصلوا إلى بلاد السوس. وكان العلج في نحو أربعمائة فارس، فلما وصل تيونوين، وعلم بمقدمه من كان قد فر إلى الأطراف من أهل السوس، هرعوا إلى الالتفاف حوله.
ونقتبس هنا وصف ما تلا من أدوار المعركة من رسالة كتب بها الخليفة عبد المؤمن ونقلها إلينا ابن الراعي. وفيها يقول الخليفة: " فميزنا عسكراً مباركاً من خيل ورجل، فخرجوا إلى ناحية تارودانت، وبعثنا تلك الليلة سرية إلى أسفل السوس، فقتلوا وغنموا بقراً وغنماً وعبيداً، وسبو ذراريهم، ثم بعثنا سرية أخرى في الليلة التالية إلى بقية تلك الناحية، أعني أسفل السوس فقتلوا مقتلة أكثر من الأولى، وغنموا أكثر مما غنم أصحابهم.
"وأما العسكر فقصدوا إلى تارودانت ودخلوها، وفر من كان بها من المرابطين، وقتل الموحدون من وجدوا بها، واستقر الموحدون بالمدينة، وأطلقوا النار في القصب، فارتفعت النار في الهواء. كل ذلك والمرابطون في تيونوين يشهدون
_______
(1) نظم الجمان (المخطوط السابق لوحة 74 ب و 75 أ) وراجع روض القرطاس عن ابن صاحب الصلاة ص 122.
(3/228)

النيران تحرق أوطانهم. ولما أيقن البربر وغيرهم بعجز العلج، انكسرت قلوبهم، وحقت الهزيمة عليهم ".
وفي العام التالي سنة 529 هـ، سار عبد المؤمن لغزو بني ييغز، وذلك لأنهم كانوا قد قتلوا أبا محمد عبد العزيز الغيغائي من أصحاب الإمام المهدي، فلما نزل الخليفة على أحيائهم، وضعوا الأحطاب على ظهور الجمال، وأضرموا فيها النار، ودفعوها نحو محلة الموحدين، فوقع الهرج في المحلة الموحدية، وسار بنو ييغز في أثر جمالهم وهاجموا الموحدين، ونشبت بين الفريقين معركة عنيفة. وحاول رجلان من بني ييغز أن ينفذا إلى خيمة عبد المؤمن وأن يقتلاه، ولكن عبد المؤمن كان قد غادر خباءه تحوطاً وحذراً، فأخذ الرجلان وقتلا. وقضى عبد المؤمن في تلك الغزوة أربعين يوماً ثم قفل عائداً إلى تينملل. ويضيف ابن القطان إلى ما تقدم نقلا عن ابن صاحب الصلاة، أن عبد المؤمن كان قد وجه إلى بني ييغز بعض اخوانهم المجاورين لهم، لينصحوهم وينذروهم، وأن مساعيه في ذلك السبيل قد كللت بالنجاح، إذ انقاد بنو ييغيز وأذعنوا، ودخلوا في طاعة الموحدين. وهذا يفسر لنا النتيجة السلبية التي انتهت إليها معركة بني ييغز ضد الموحدين (1).
ويحدثنا اليسع عن موقعة نشبت بين المرابطين والموحدين في سنة 530 هـ، فيقول إن عبد المؤمن سار في قواته إلى أجرفرجان ومصكروطن، فخرج إليه سير بن علي بن يوسف، ولي العهد يومئذ، في القوات المرابطية. ولبث عبد المؤمن حيناً معتصماً بالجبال يطاول العدو، ثم التقى الفريقان في مصكروطن. فهزم المرابطون، واستولى الموحدون على مقادير عظيمة من أسلابهم، من المال والسلاح (2).
ومن جهة أخرى فإن البيذق أبا بكر الصنهاجي، مؤرخ الموحدين المعاصر، فيما يسطره لنا من غزوات عبد المؤمن يؤكد لنا عقب كلامه عن غزوة صنهاجة، أن الخليفة التقى مع الإبرتير وتاشفين، وفتح الله عليه في محاربتهم في البداية.
وهذه أول مرة يلتقي فيها عبد المؤمن بجيش مرابطي يقوده الأمير تاشفين بن علي.
وقد ذكرنا فيما تقدم من أخبار تاشفين، أنه لبث والياً على الأندلس، وقائداً للجيوش المرابطية بها حتى سنة 531 هـ (أو سنة 532 هـ)، وأنه عبر في أواخر
_______
(1) ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السابق ذكره).
(2) ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط لوحة 78 ب).
(3/229)

سنة 532 هـ إلى المغرب استجابة لدعوة أبيه، وذلك حينما تفاقمت هجمات الموحدين، وكثرت هزائم المرابطين. وإذن فلابد أن يكون هذا اللقاء الأول بين الموحدين، وبين الجيوش المرابطية بقيادة تاشفين قد وقع على الأقل في أوائل سنة 533 هـ. والواقع أن ابن القطان يقص علينا خبر موقعة حدثت في سنة 533 هـ بين المرابطين بقيادة الأمير تاشفين بن علي والربرتير وبين الموحدين، فيقول إن الخليفة عبد المؤمن تحرك في هذا العام من تينملل، ونزل في بلد بني ملول من منانة في أراضي حاحة، ونزل تاشفين بقواته في تاحكوط من حاحة، وكان علي بن يوسف قد قتل أعيان قبيلة منانة، فدخلت في طاعة الموحدين، ثم ارتدت غير مرة، فأقام عبد المؤمن في بني ملول شهراً وثلاثة أيام، وهو يغير على تلك الأحياء، ويقتلهم قتلا ذريعاً. ثم استولى على سائر أسلابهم من الحلي والثياب والأقوات وغيرها؛ وسار بعد ذلك إلى أحياء بني واجدزان، ثم إلى أحياء بني سوار من منانة الجبل، وقصد بعد ذلك إلى أجرفرجان، فتبعه تاشفين في قواته، وهنالك نشبت بين الفريقين معركة شديدة، هزم فيها المرابطون وقتل منهم عدد جم. ثم تجدد القتال بعد ذلك، فانهزم تاشفين مرة أخرى، وارتد إلى جهة الميزتابوت، واستولى الموحدون على أسلابه من السلاح والثياب والدواب والعبيد.
وهرعت قوات جزولة من مراكش إلى مكان الموقعة لنجدة المرابطين، وطمعت في أن تنتزع الغنائم من الموحدين، فرتب لها عبد المؤمن الكمائن في مضايق الجبل، وقدم الغنائم بين يديه اجتذاباً لها، وخرجت جزولة، وهاجمت ساقة الغنيمة وقتلت بعض حراسها، فخرجت إليها الكمائن الموحدية وأمعنت فيها قتلا حتى أفنتها، واستولت على سائر أسلحتها ودوابها، وكانت جزولة تضم آلافاً من الفرسان والرجالة، وارتد عبد المؤمن صوب بلاد جنفيسة ظافراً.
وجاء في رواية أخرى أن عبد المؤمن أراد أن يبني حائطاً في أضيق موضع من الجبل ليحول دون انصراف المرابطين حتى يهلكوا في تلك الهضاب، فأحس تاشفين بمشروعه، وارتد بقواته صوب مراكش، وتركته جزولة عند أحياء رَجراجة، فتصدت لها قوة من الموحدين، بقيادة الشيخ أبى حفص أصناج، ففتكت بها، واستاقت من خيلها إلى تينملل ثلاثة آلاف قسمت على الموحدين، ثم عادت جزولة بعد ذلك، فمالت إلى التوحيد، ودخلت في طاعة الموحدين (1).
_______
(1) ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السالف الذكر لوحة 81 ب إلى 82 ب).
(3/230)

ويتفق ابن عذارى مع ابن القطان في حدوث الموقعة في سنة 533 هـ، ولكنه يقدمها إلينا في صورة أخرى، فيقول إن القوات المرابطية كانت بقيادة الأمير تاشفين، ومنهم جملة وافرة من قبائل جزولة، وإن اللقاء وقع بين المرابطين وبين عبد المؤمن في موضع ببني ملول، وان موقعة عظيمة نشبت بين الفريقين، في مفاوز وجبال ضيقة، استمرت شهراً وثلاثة أيام، ثم انجلت عن هزيمة تاشفين.
فطارده عبد المؤمن حتى موضع يسمى إيمران تانورت. ويزيد ابن عذارى على ذلك، بأن أبناء جزولة رغبوا في الرجوع إلى بلادهم، فأذن لهم تاشفين، ونصحهم ألا يسلكوا طريق الجبال الوعرة، حتى لا يتعرضوا لمهاجمة الموحدين، ولكن جزولة لم يصغوا إلى نصحه. وكان عبد المؤمن قد رتب كمائنه في هذا الطريق الجبلي، فما كادت جزولة تسلك هذا الطريق، حتى انقض عليها الموحدون وفتكوا بهم فتكاً ذريعاً، واستولوا على نسائهم وخيلهم وسلاحهم، واستاقوهم إلى تينملل. ثم رغب أشياخ جزولة بعد ذلك في مسالمة الموحدين، والدخول في طاعتهم، فأصدر لهم عبد المؤمن أماناً وظهيراً بذلك (1).
وفي سنة 534 هـ خرج تاشفين بجيش ضخم من لمتونة والحشم وزناتة، لقتال الموحدين ومعه فرقة من النصارى المرتزقة بقيادة " الإبرتير "، واستمرت المعارك بينه وبين الموحدين زهاء شهرين. ووقعت المعركة الأخيرة بينهما في شوال من هذا العام، وقتل فيها كثير من الفريقين. وعلى أثر ذلك ارتد تاشفين إلى مراكش وعاد الموحدون إلى تينملل (2).
ويبدو من أقوال البيذق أنه قد وقعت في ذلك الوقت معارك أخرى، بين المرابطين والموحدين، بأرض " حاحة " غربي تينملل، وشمالي السوس الأدنى بموضع يسميه البيذق " تيزغور "، وأن الموحدين انتصروا أولا وأحرزوا بعض الغنائم، ولكن المرابطين استطاعوا أن يحاصروا الموحدين بعد ذلك بهذا الموضع زهاء ستين يوماً، حتى استنفد الموحدون غنائمهم. ثم نشبت بعد ذلك بين الفريقين موقعة جديدة، هزم فيها الموحدون أولا، ثم انقلبت الآية ووقعت الهزيمة على المرابطين. وعلى أثر ذلك ارتد تاشفين في قواته إلى مراكش، ومعه
_______
(1) ابن عذارى في البيان المغرب (الأوراق المخطوطة التي سبق ذكرها - هسبيرس ص 103)، وكذلك في القسم الثالث من البيان المغرب (نسخة تامجروت التي نشرت في تطوان ص 11).
(2) ابن عذارى في الأوراق المخطوطة السالفة الذكر (هسبيرس ص 104 و 105).
(3/231)

زميله قائد الروم المسمى " الإبرتير " جريحاً، وارتد عبد المؤمن في قوات الموحدين إلى تينملل (1).
ويجدر بنا قبل الكلام عن المعارك التي اضطرمت بين الفريقين في تلك الفترة، والتي كان يشترك فيها " الإبرتير " قائد الروم باستمرار، أن نذكر كلمة عن هذا القائد النصراني.
إن الإبرتير أو الربرتير (2) حسبما تسميه الرواية العربية، هو بالإفرنجية El Reverter أو Roberto، هو في الأصل سيد (فيكونت) من أشراف برشلونة، حدث بينه وبين أميرها برنجار رامون نزاع، فنزعه ألقابه وأمواله، فغادر برشلونة، وعبر البحر إلى المغرب، والتحق بخدمة الأمير علي بن يوسف.
ونحن نعرف أن علي بن يوسف، كان يضم إلى حرسه الخاص، فرقة كبيرة من المرتزقة النصارى، وقد كانت هذه الفرقة الأجنبية تشترك إلى جانب الحشم، أو جند الحرس الخاص، في كثير من المعارك، وتبدي في القتال براعة وبسالة، وتعرف الرواية العربية هذه الفرقة " بالجند الروم "، وتذكر أعمالها في مواطن كثيرة. فلما وفد الربرتير، أو الكونت روبرتو، على بلاط مراكش، عهد إليه علي بن يوسف بقيادة حرسه من النصارى، لما آنسه من براعته وشجاعته. ويقول ابن صاحب الصلاة في وصف الربرتير " أنه كان من أكبر الطغاة بالأندلس نجدة وظهوراً متصلة " (3). وظهر الربرتير في الواقع في معظم المعارك التي اضطرمت بين المرابطين والموحدين. وترك الربرتير عند مقتله ولدين، اعتنق أحدهما الإسلام، وتسمى باسم على الربرتير، واشتهر فيما بعد بمشاركته في حوادث ميورقة والجزائر الشرقية حسبما نذكر في موضعه.
ويبدو مما يذكره لنا البيذق، وابن عذارى أيضاً، أن الربرتير، هو الذي كان يقود الجيوش المرابطية في المعارك التي وقعت بين المرابطين والموحدين في أراضي كَدْميوَه والسوس، في ذلك العام أو في العام التالي، وتفصيل ذلك، هو أن الربرتير، التقى بقواته مع الموحدين بقيادة عبد المؤمن أولا في مكان يسمى
_______
(1) أخبار المهدي ابن تومرت ص 86. والبيان المغرب في الأوراق المخطوطة (هسبيرس ص 105).
(2) ويسميه ابن الأبار " الربرتير "، ويقول إنه كان علماً لبني تاشفين من كبار قوادهم، وأبطال رجالهم كانت له في الحروب مقاوم شهيرة (الحلة السيراء ص 197 و 198).
(3) ابن عذارى في القسم الثالث البيان المغرب (نسخة تامجروت) ص 16.
(3/232)

أمسيميصي، وهو يقع في أراضي كدميوه، شمال تينملّل، ولم تقع بين الفريقين موقعة حاسمة، فارتد كل منهما إلى أراضيه. ثم عاد الربرتير فخرج في قوات لمتونة، وخرج عبد المؤمن للقائه، فالتقيا بموضع يسمى آجظرورر، فهُزم المرابطون، وقتل منهم عدد جم، وارتد الربرتير في فلوله جريحاً إلى مراكش، وعاد الموحدون إلى تينملل. ويضع البيذق وكذلك ابن عذارى تاريخ هذه الموقعة في سنة 535 هـ (1).
وخرج عبد المؤمن بعد ذلك في قواته إلى أرض السوس، وهاجم حصن تنلين، وكان يدافع عنه حاكمه المرابطي يرجين بن ويدّرن، فبدأ الموحدون بحصاره، ولكن قدمت القوات المرابطية عندئذ بقيادة الربرتير، فغادر الموحدون الحصن، ودخلوا أرض السوس، واستولوا تباعاً على إيرمناد ميمون، وتاسلولت ثم على تارودَنت قاعدة السوس الأدنى، ثم على حصن تيونوين. وهزم اللمتونيين في كل المواقع التي نشبت، واستولى الموحدون خلال ذلك على كثير من الغنائم، وسبوا النساء، وعادوا بالغنائم والأسرى إلى تينملّل. وكان من الحوادث التي وقعت في تلك الغزوة، وفقاً لرواية صاحب الحلل الموشية أن الفلاّكي الأندلسي انضم بمن معه إلى الموحدين (2)، وقد سبق أن ذكرنا أن هذا الانضمام قد وقع في تاريخ سابق، قبل ذلك بعد أعوام. وفي نفس الوقت هاجم الربرتير محلة تيغيغايين الموحدية، وسبى نسائها، وفي جملتهن زوجة يعزّي بن مخلوف, وأخذهن معه إلى مراكش، ولما عاد عبد المؤمن بالسبايا إلى تينملل، خاطبته تماجونت ابنة الوزير ينتان بن عمر، وكانت بين الأسرى، وذكرته بما قام به والدها ينتان من الشفاعة في المهدي، وقت أن كان بمراكش، وحرض الفقهاء عليّ بن يوسف على التنكيل به، وناشدته أن يسرحها هي وسائر النساء اللائي معها، فاستجاب عبد المؤمن إلى ضراعتها، وأطلق النساء، وبعثهن إلى مراكش معززات مكرمات، فبادر علي بن يوسف من جانبه، بإطلاق سراح نساء تيغيغايين، وفي مقدمتهن زوجة يعزّي بن مخلوف، وأرسلهن كذلك في أمن وكرامة إلى تينملل. وكان هذا عمل فروسية مشكورة من الجانبين (3).
_______
(1) كتاب أخبار المهدي ابن تومرت ص 87، وابن عذارى في الأوراق المخطوطة (هسبيرس ص 105).
(2) الحلل الموشية ص 83.
(3) راجع كتاب المهدي ابن تومرت ص 87 و 88.
(3/233)

- 2 -
لبثت المعارك التي تضطرم بين المرابطين والموحدين، منذ وفاة المهدي ابن تومرت زهاء عشرة أعوام، منحصرة في مناطق الأطلس، جنوبي مراكش، في وادي درعة وبلاد السوس، وفي بلاد حاحة من أحواز تينملل، وقد كان النصر حليف الموحدين في معظم هذه المعارك. بيد أن انحصار الصراع في هذا النطاق المحدود من الإمبراطورية المرابطية، لم تترتب عليه أية نتائج حاسمة، ومن ثم فقد كان لزاماً على الموحدين أن ينقلوا مسرح الصراع إلى قلب الإمبراطورية المرابطية، حتى يتاح لهم أن يضربوها في الصميم. وأن يقضوا عليها القضاء الأخير.
وهذا ما اعتزمه عبد المؤمن في الواقع، واستدعى من أجله سائر حشود الموحدين، من كل صوب وقبيل. وفي سنة 535 هـ (1140) خرج من تينملل بعد أن استخلف عليها صهره أبا عمران موسى بن سليمان، في جيش ضخم، يضم مجموعة كبيرة من الفرسان والرجّالة، وسار في طرقات الجبل نحو الشمال الشرقي. ويفصل لنا البيذق، وقد كان من شهود هذه الحملة الكبيرة، خط سير الجيش الموحدي، فيقول لنا إن عبد المؤمن سار أولا إلى موضع يسمى وانزال، ثم إلى موضع يسمى وفاد، وسار من وفاد إلى أشبار، وهي محلة تقع على مقربة من جنوب شرقي مراكش. وفي تلك الأثناء خرج جيش المرابطين بقيادة تاشفين من مراكش، فغادر الموحدون أشبار إلى مكان قريب يقع في الشمال الشرقي، ويسمى تاساوت، ولحق المرابطون بأشبار. ثم غادر الموحدون تاساوت إلى دمنات الواقعة شرقي مراكش، على قيد نحو سبعين كيلومتراً منها، وسار المرابطون في نفس الوقت إلى يمللُّو الواقعة شمال شرقي دمنات. ولم تقع خلال ذلك معارك ذات شأن بين الفريقين، ولكن القبائل والعشائر الواقعة في طريق الموحدين، كانت تدخل في طاعتهم تباعاً، واستمر الموحدون في مسيرهم شمالا بشرق حتى واويزغت، ثم إلى داي الواقعة جنوب تادلا. ووقعت خلال ذلك بين الفريقين معركة محلية في موضع يقال له تيزي، انتهت حسبما يقول البيذق بهزيمة " الفئة الباغية " أي المرابطين. ولما وصل الموحدون إلى داي، فر حاكمها المرابطي على بن ساقطرا، واستولى عليها الموحدون دون مقاومة. وأعلن من كان بها من
(3/234)

صنهاجة بيعتهم للموحدين، وطالبوا عبد المؤمن بالافراج عمن كان معه من أسرى صنهاجة، فأجاب مطلبهم.
وسار الموحدون بعد ذلك حتى تازاجارت، وكان يدافع عنها حاكمها المرابطي يحيى بن ساقطرا، فاقتحموها، واستولوا على خيلها وغنائمها، واقتحموا من بعدها قلعة واوْما، وكان يدافع عنها يحيى بن سير، واستولوا عليها، ثم استمروا في سيرهم حتى آزروا، التي تقع في قلب منطقة فازاز على قيد نحو مائة كيلومتر من شمالي شرقي تادلا، فدخلوها ونزلوا بها. وبعث عبد المؤمن، بضعة فرق من جيشه لتخضع الأنحاء المجاورة فقامت بمهمتها، وعادت إلى آزور، وأرسل في نفس الوقت بعض الأشياخ إلى تينملل يحملون إليها أخبار الحملة، وليطمئنوا على أحوالها. ودخل أهل فازاز جميعاً في طاعة الموحدين (1).
وغادر عبد المؤمن والموحدون آزور شمالا نحو فاس التي تبعد عنها زهاء ستين كيلومتراً. وكان تاشفين قد وصل في تلك الأثناء في القوات المرابطية ومعه الربرتير إلى فاس. ويصف لنا صاحب البيان المغرب سير الجيشين على هذا النحو في قوله: " كان الموحدون يمشون في الجبال المانعة حيث الأرزاق الواسعة، وكان تاشفين ينزل البسائط بعساكره، فما يجد من البرابر من يداخله ولا من يستعين به، فيواصله، وذلك بسبب إدباره إلى أن استقر عبد المؤمن بالجبال المجاورة لجهة فاس المعروفة بكراندة، ونزل تاشفين بحصن بالموضع المذكور " (2).
وهكذا عسكرت الجيوش المرابطية والموحدية، كل منها على مقربة من
فاس عاصمة المغرب القديمة، وكان ذلك حسبما يستخلص من أقوال البيذق، وابن عذارى، في أواخر سنة 535 هـ (1141 م). وكان الوقت شتاء، والشتاء قاسياً، والمطر ينهمر بشدة. والظاهر أن المرابطين لم يحتاطوا لقسوة الطقس فعصف بهم البرد، وأقاموا شهوراً دون حطب ولا فحم، حتى أنهم اضطروا لحرق أوتاد أخبيتهم، وخشب أبنيتهم، ومات كثير منهم من البرد. وفي أثناء ذلك خرجت القوات المرابطية من فاس ومكناسة، ومعها المؤن والميرة، تقصد إلى محلة المرابطين، ولكنها اختلفت أثناء الطريق واقتتلت، ففر البعض منها، وسار
_______
(1) كتاب أخبار المهدي ابن تومرت ص 89 و 90.
(2) القسم الثالث من البيان المغرب (نسخة تامجروت) ص 12. وراجع أيضاً الحلل الموشية ص 96 و 97.
(3/235)

أحد قادتها. وهو يحيى بن علي، هو ومن معه إلى محلة الموحدين، وسلموا، واعترض الموحدون قوة أخرى منها يقودها ابن ولجوط على طريق مكناسة، وفتكوا بها، وقتلوا معظمها واستولوا على ما معها من المؤن والعتاد.
وعبر الموحدون بعد ذلك إلى جبال الأطلس الوسطى، وهاجموا القواعد المرابطية في غريس الواقعة جنوب آزروا، وتودجا الواقعة شمال سجلماسة، وسيطروا على وادي مَلْوية الواقع في شرق آزروا، ودخل القادة المرابطون في تلك الأنحاء في طاعتهم. ولما شعر والي سجلماسة المرابطي أبو بكر بن صارة، باقتراب الموحدين من قاعدته، خرج إليهم، وقصد عبد المؤمن، وأعلن خضوعه، فتقبل منه ذلك عبد المؤمن، وصرف النظر عن مهاجمة سجلماسة، وعاد إليها واليها (1).
وفي أواخر سنة 535 هـ، وأوائل سنة 536 هـ (صيف سنة 1141 م) نرى عبد المؤمن وجيوشه الموحدية تندفع نحو الشمال في غزوات مستمرة، تستغرق بضعة أعوام، وتشتبك مع الجيوش المرابطية المختلفة، في معارك متعاقبة، في أواسط المغرب وشماله، وقد بدأت هذه المعارك منذ المحرم من العام المذكور، حيث خرجت قوة موحدية بقيادة عبد الرحمن بن زجّو أحد أهل خمسين، وهاجمت صفرو واقتحمتها، واستولت على غنائمها. ثم لحقت ببقية الجيش الموحدي في جهة الفلاج، الواقعة شمال شرقي صفرو. وكان تاشفين قد غادر عندئذ أحواز فاس، وعسكر في جبل العرض الواقع في شرقها. وبعث الربرتير قائد الجند النصارى في قوة إلى الفلاج. فخرج إليه الموحدون بقيادة يحيى آغوال، ونشبت بين الفريقين معركة، هزم فيها الموحدون وقتل قائدهم، واحتز رأسه وأرسل إلى فاس.
وعلى أثر ذلك سار الموحدون نحو أرض غيّاثة الواقعة شرقي فاس، وجنوبي رباط تازة، وهي من أرض زنانة، وضربوا محلتهم بها فوق جبل عفرا، وسار المرابطون في نفس الوقت إلى موضع في السهل يسمى النواظر، يقع على مقربة من جبل عفرا من ناحية تازا. وهنا دخل الشتاء بقره. وكان شتاء قاسياً توالت فيه الرياح العاصفة، والأمطار الغزيرة، بضعة أسابيع، فأغرقت السهول واكتسحت الوديان والقرى، وقاسى منها العسكران أيما عناء وشدة، وكان وقعها على
_______
(1) كتاب المهدي ابن تومرت ص 90.
(3/236)

المرابطين في السهل أشد وأنكى، حيث تساقطت الخيام، وعامت أوتادها لرخاوة الأرض، وغرقت الدور، ومات كثير من المرابطين برداً وجوعاً، وعزت الأقوات والوقود في المعسكرين، وبلغ سعر الشعير وفقاً لقول البيذق في معسكر الموحدين " ثلاثة دنانير للسطل، وبلغ الحطب عند تاشفين ديناراً للرطل "، ولم ترفع هذه الغمة إلا حينما دخلت طوالع الربيع، وكان ذلك حسبما يحدثنا البيذق سنة ست وثلاثين وخمسمائة (أوائل سنة 1142 م) (1).
هذا ما يقوله لنا البيذق عن حملة الموحدين إلى غياثة، فهو أولا يضع تاريخها في سنة 539 هـ، وهو ثانياً لا يذكر لنا أنه قد وقعت هنالك أية معارك بين الموحدين والمرابطين، وإنما وقعت بعد ذلك في أماكن أخرى. ولكن ابن القطان يقدم إلينا رواية أخرى تختلف عن رواية البيذق اختلافاً بيناً، وهو أولا يضع تاريخها في سنة 532 هـ، ثم يقول لنا إنه لما نزل الموحدون بجبل غياثة خرج إليهم سير بن علي بن يوسف في القوات المرابطية، ونزل بجراندة عند وادي أبى جلوا، وهنالك وافته حشود المغرب بقيادة عبد الله بن يحيى بن تيفلويت، واجتمعت من حشود زناتة قوة أخرى من نيف وخمسة آلاف فارس بقيادة يحيى ابن فانّو، وفي أثناء ذلك وحّد زيري بن ماخوخ من أشياخ زناتة، ولحق بعبد المؤمن، وطلب عسكراً يقوده ضد المرابطين، فأسعفه الخليفة بما طلب، وقدم إليه عسكراً تحت إمرة أحد أشياخ الموحدين، فأخذ يهاجم الحشود المرابطية، ويقتل العدد الجم من رجالها، وينتهب سلاحها ومتاعها. ثم توفي قائد عسكر زناتة يحيى بن فانو، فخفله في القيادة ولده محمد. وأرسل زيري إلى إخوانه من مشايخ زناتة يحرضهم على النكث، وأن يعملوا لهزيمة المرابطين. ثم وجه الخليفة قوة موحدية مختارة مع زيري، فقصدت إلى محلة زناتة، وهاجمتها، ونشبت بين الفريقين معركة هزمت فيها زناتة، وانتصر الموحدون.
وكان سير بن علي، قد علم أن عبد المؤمن يزمع السير إلى أرض غُمارة، فرتب له في الطريق ألفي فارس، تقيم وتستبدل باستمرار لتعيق سيره، واستمر ذلك مدى شهرين (2).
_______
(1) كتاب أخبار المهدي ابن تومرت ص 91، وابن الأثير ج 10 ص 305. وكذلك ابن عذارى في البيان المغرب (الأوراق المخطوطة السالفة الذكر).
(2) ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السالف ذكره لوحة 79 ب و 80 أ).
(3/237)

وهذا ما يقوله ابن القطان عن حملة غياثة. وربما اختلط عليه القول هنا بأخبار حملة موحدية أخرى. ونحن على أي حال نفضل الأخذ برواية البيذق، وهو معاصر وشاهد عيان.
يقول البيذق إنه لما هدأت الرياح، وبدأ الربيع، استأنف الموحدون زحفهم. ويمضي البيذق، وقد كان من شهود هذه الحملة الشهيرة، فيصف لنا سير عبد المؤمن نحو الشمال تفصيلا. وكان أول موضع قصده الموحدون عندئذ، أرض لُكاي الواقعة شمالي شرقي فاس، في منتصف المسافة بينها وبين البحر المتوسط. وهنالك استولوا على قلعة الولجة من حصونها. وسار المرابطون بقيادة تاشفين والربرتير في أثر الموحدين، وحاولوا تطويقهم في أرض بني سلمان، ولكن الموحدين أحبطوا هذه الحركة بالسير إلى أرض بني غُمارة، من بطون صَنهاجة، الذين انضموا إليهم، ودخلوا في طاعتهم، ثم جازوا منها إلى أرض لُجاية. وعندئذ سار تاشفين والربرتير إلى أرض بني تاودا ونزلوا بها، فكان بينهم وبين الموحدين نهر ورغة وواديه .. وهنا خرج الربرتير في قوة مختارة من المرابطين والجند النصارى، واشتبك مع الموحدين في موضع يقال له تازغدرا، في معركة عنيفة، قتل فيها كثير من الفريقين، ثم ارتد الربرتير إلى بني تاودا، وسار الموحدون إلى تاغزوت، ثم إلى بني مزكلدة، ثم إلى إيلانة ثم إلى أيجن على مقربة من القصر الكبير. وسار تاشفين والربرتير في أثر الموحدين حتى موضع قريب من المعسكر الموحدي يسمى " نهليط ". وفي أيجن مرض عمر أزناج (أصناك) أحد الجماعة العشرة، ولما شعر بدنو أجله، قام فوعظ الموحدين وعظاً طويلا، وحثهم على طاعة الخليفة عبد المؤمن، ثم توفي مساء ذلك اليوم.
وسار الموحدون بعدئد إلى تامقريت، ثم إلى وادي لو، أرض بني سعيد، وسار الربرتير في أثرهم حتى وصل إلى تيطاوين (تطوان)، فارتد الموحدون نحو الشمال حتى قلعة باديس الواقعة على شاطىء البحر المتوسط، ودخل في طاعتهم أهل تلك الأنحاء، ثم ساروا بعد ذلك إلى ثغر المزمّة (1)، في شرقي باديس ونزلوا به أياماً، هبت عليهم فيها رياح شديدة، كادت أن تهلك دوابهم، فسماها عبد المؤمن تاغزوت، ثم أقلع عنها إلى جبل تمسامان (2).
_______
(1) المزمة هي التي تسمى في الجغرافية الحديثة محرفة " الحُسيمة " Alhucemas.
(2) أخبار المهدي ابن تومرت ص 92 و 93، والبيان المغرب في الأوراق المخطوطة السالفة الذكر.
(3/238)

خريطة:
المغرب مواقع غزوة عبد المؤمن الكبرى سنة 535 هـ - 540 هـ.
(3/239)

وهنا يقص علينا البيذق قصة غريبة، خلاصتها أنه قد وفد عندئذ على الخليفة عبد المؤمن أخوه إبراهيم، فغمره الخليفة بإكرامه، وأعطاه الخيل والعبيد والخباء، وأنزله في موضع محمد بن أبى بكر بن يكيت، وقد كان أبوه ابن يكيت من أصحاب المهدي العشرة، فاستاء لذلك محمد ووثب بإبراهيم فقتله، فغضب الخليفة لمقتل أخيه أيما غضب، وطالب بقتل ابن يكيت، فاعترض عليه أبو حفص عمر اينتي، وابن واجاج، وقالا له، ألم يقل المهدي، " بأن أهل الجماعة وصبيانهم، عبيدهم كل من في الدنيا "، فصمت الخليفة عندئذ، وعدل عن قراره، ولكنه أمر أن يقسم المعسكر الموحدي إلى فرق أو بنود. وأن يكون لكل قبيلة بندها الخاص (1). وهنا يلاحظ الأستاذ هويثي بحق " أنه ليس أقطع دليلا من ذلك على التعصب الأعمى، الذي كان يضطرم به الموحدون الأوائل، ويدافعون به عن مزايا وامتيازات نظامهم الديني " (2).
وفي أثناء ذلك خرج عبد الرحمن بن زجّو في قوة من الموحدين، وزحف على ثغر مليلة، واقتحمه، وحصل على غنائم كثيرة، كان من بينها مائة بكر، قسمها عبد المؤمن على أعيان الموحدين، فتزوجوهن، وبقيت منهن أميرتان، هما فاطمة بنت يوسف الزناتية، وابنة ماكسن بن المعز صاحب مليلة، فأخذ الشيخ اسماعيل أبو ابراهيم أحد العشرة فاطمة، وأخذ الخليفة بنت ماكسن.
ثم رحل الموحدون بعد ذلك إلى ندرومة وبلاد كومية، قبيلة عبد المؤمن، فدخلت جميعاً في طاعة الموحدين. وسار الموحدون بعد ذلك إلى تاجرا الواقعة على البحر شرقي مليلة، فنزلوا بها (3).
وكان الجيش الموحدي قد تضخم عندئذ، ودخل في طاعة الموحدين، عدد كبير من القبائل والبطون الشمالية. ومن تاجرا خرجت ثلاث قوات موحدية، الأولى بقيادة عبد الرحمن بن زجّو، وقد سارت شمالا بشرق، وهاجمت ثغر وهران، واقتحمته واستولت على غنائمه، والثانية بقيادة الشيخ أبي إبراهيم، وقد سارت إلى أرض بني وانوان واستاقت غنائمها، وخرجت الحملة الثالثة بقيادة
_______
(1) كتاب أخبار المهدي ابن تومرت ص 93 و 94.
(2) راجع: A. Huici Miranda: Historia Politica del Imperio Almohade (Tetuan 1956) V. I. p. 126
(3) البيان المغرب (في الأوراق المخطوطة - هسبيرس ص 106).
(3/240)

يوسف بن وانودين، وسارت إلى جبل مديونة من أحواز تلمسان، فخرج إليها المرابطون من نلمسان بقيادة أبى بكر بن الجوهر، ومحمد بن يحيى بن فانّو، ونشبت بين الفريقين معركة عنيفة في وادي الزيتون، هزم فيها المرابطون، وقتل قائداهما. ووفد على الخليفة عندئذ، عدد من زعماء القبائل المجاورة، وأعلنوا خضوعهم.
ثم رحل الخليفة من تاجرا إلى تيفسرت من أرض مديونة، وخرجت عندئذ قوة موحدية بقيادة الشيخ أبى حفص عمر اينتي ويصلاصن بن المعز إلى العيون من أراضي قبيلة صاء غربي وجدة، وغلبت على قبائل تلك الناحية، وهم أربعة، واستولت على غنائمهم.
وكانت الجيوش المرابطية بقيادة تاشفين والربرتير، قد ارتدت عند دخول الشتاء إلى مراكزها في فاس، وبقي الموحدون في مراكزهم في أحواز تلمسان.
- 3 -
وفي تلك الأثناء تطورت الحوادث بمراكش تطوراً خطيراً، فقد توفي أمير المسلمين علي بن يوسف، في السابع من شهر رجب سنة 537 هـ (يناير سنة 1143 م)، وكانت حوادث الأعوام الأخيرة من حكمه، وما توالى فيها من محن وخطوب، ترتبت على قيام المهدي ابن تومرت، وتوالى ظفر الموحدين، وهزائم الجيوش المرابطية، قد فتت في عضده، وحطمت قواه، وأذكت آلامه المعنوية، فتوفي غماً وألماً، وهو يشهد نذر النهاية المروعة جاثمة في الأفق. فكتم نبأ وفاته ثلاثة أشهر حتى السابع من شوال، ثم أعلنت بعد ذلك ولاية ولده أبى محمد تاشفين، وكان أبوه قد قلده ولاية عهده، وبويع بها منذ سنة 533 هـ (1138 م) حسبما أشرنا إلى ذلك من قبل في موضعه (1).
وكان علي بن يوسف خير أمراء الدولة المرابطية، بعد أبيه العظيم يوسف.
ونستطيع أن نعتبر حكمه، الذي امتد سبعة وثلاثين عاماً مذ ولي الملك بعد وفاة أبيه في المحرم سنة 500 هـ، هو عصر الدولة المرابطية الحقيقي، بعد أن توطدت
_______
(1) راجع البيان المغرب (الأوراق المخطوطة هسبيرس ص 107) والحلل الموشية (ص 90)، والزركشي في تاريخ الدولتين (ص 5). ولكن ابن الخطيب يذكر لنا في الإحاطة أن علي بن يوسف توفي في السابع من ربيع (؟) (سنة 537 هـ) ولم يشهر موته إلا في الخامس من شوال (الإحاطة، مخطوط الإسكوريال لوحة 292).
(3/241)

دعائمها في المغرب والأندلس، وفي أوائل عهده، وصلت الدولة المرابطية إلى ذروة قوتها وضخامتها، بيد أنه سرعان ما ظهرت حركة المهدي ابن تومرت حتى انقلبت الآية، وأخذ الانحلال يسري إلى ذلك الصرح الشامخ، وأخذت الدولة المرابطية، تسير سراعاً إلى قدرها المحتوم.
ومما يؤثر عن علي بن يوسف، أنه كان أول من استخدم النصارى في الجيش المرابطي. وقد بدأ في ذلك حينما وقع تغريب النصارى المعاهدين بالأندلس في سنة 521 هـ (1127 م)، حيث استخدم جماعة من الذين قضى بتغريبهم في حرسه الخاص، وكان ما أبداه أولئك الجند النصارى من الغيرة والإخلاص، مشجعاً له على التوسع في استخدامهم، واستقدامهم من شبه الجزيرة، ودعوة أنجادهم من الفرسان، وهكذا انتظمت في الجيش المرابطي فرقة أو فرق خاصة من المرتزقة النصارى. وفي أواخر عهد علي، عهد بقيادة هذه الفرق الأجنبية إلى الفارس القسطلاني الإبرتير أو الربرتير كما تقدم، وأخذت تقوم بدور هام في المعارك التي كانت تضطرم يومئذ بين المرابطين والموحدين. ويقول لنا صاحب البيان المغرب أن علياً كان يؤثر أولئك الجند النصارى، ويمكن لهم، وكانوا في ظل هذه الرعاية الخاصة يتعالون على المسلمين، ويفرضون عليهم المغارم. ولما اضطربت الأمور في أواخر عهد علي، أهمل الجند المسلمين، وعجز الأمير عن الإنفاق عليهم، حتى كان أكثرهم يكرون دوابهم (1).
ومما يذكره لنا ابن عذارى في هذا الصدد أيضاً، أن أمير المسلمين علياً، حينما رأى توالي فشل ولده تاشفين في محاربة الموحدين، ساءه ذلك، وعزم على إقالته، وأن يقدم مكانه ولده إسحاق، وكتب بالفعل إلى عامله على إشبيلية عمر، بالقدوم، ليجعله مدبر ولده، وكان ذلك في سنة 536 هـ. بيد أنه يبدو أنه لم يجد متسعاً من الوقت لتحقيق هذا العزم، إذ توفي بعد ذلك بأشهر قلائل (2).
وكان من الأحداث البارزة في أواخر عهد علي، السيل العظيم الذي وقع بطنجة، في سنة 532 هـ، وقد اكتسح معظم دورها وصروحها، وهلك فيه عدد عظيم من الناس، والدواب (3). ثم الحريق الكبير الذي وقع في العام التالي بسوق
_______
(1) البيان المغرب، في الأوراق المخطوطة التي سبقت الإشارة إليها.
(2) البيان المغرب (في الأوراق المخطوطة المشار إليها - هسبيرس ص 105).
(3) البيان المغرب (الأوراق المخطوطة - هسبيرس ص 103).
(3/242)

مدينة فاس (533 هـ)، وتلفت من جرائه طائفة كبيرة من الدروب التجارية، وهلكت فيه أموال جليلة، وافتقر كثير من الناس (1).
وكان منها أيضاً، أنه في سنة 535 هـ، هاجرت جموع عظيمة من أهل المغرب، من مختلف نواحيه، إلى الأندلس. وهذا ما يذكره لنا ابن عذارى نقلا عن ابن حمادة. والظاهر أن ذلك كان راجعاً إلى توالي ظفر الموحدين على المرابطين، وتوجس أنصار المرابطين وأوليائهم مما قد يؤول إليه الأمر من انهيار سلطان المرابطين بالمغرب (2).
وعلي بن يوسف هو الذي وسع مدينة مراكش، وعمرها، ونظم خططها، حتى غدت أضعاف ما كانت عليه عند إنشائها، وأنشأ بها الجامع، والقصر المرابطي، ونظم سقايتها، وأدار أسوارها، حتى غدت في عصره حاضرة عظيمة (3).
وتنوه الرواية بخلال علي بن يوسف، وتصفه بأنه كان ملكاً عظيماً، عالي الهمة، رفيع القدر، فسيح المعرفة عظيم السياسة (4)، وكان فوق ذلك ورعاً متعبداً، يحب العلماء ويؤثر مجالسهم (5). بيد أنه لم يكن في ذلك صنو أبيه العظيم في الاقتصار على الاسترشاد بآرائهم دون خنوع واستسلام، بل كان يخضع لأهوائهم، ويترك لهم الكلمة العليا. وقد رأينا ما كان في استسلامه لهم، من الحجر على حرية الفكر، ومطاردة كتب الغزالي وإحراقها، لما كانت تتسم به من إيثار لعلم الأصول، وقد كان هذا من أكابر أخطائه، ومن دلائل استسلامه لأهوائهم وتعصبهم.
وكان البلاط المرابطي في عهد علي بن يوسف، يزدان سواء في المغرب أو الأندلس بعدة من أكابر الكتاب، وأعلام البلاغة في ذلك العصر. وكان في مقدمة هؤلاء أبو بكر بن القصيرة المتوفى سنة 508 هـ، وقد كتب عن يوسف ابن تاشفين، ثم عن ابنه علي، وأبو القاسم ابن الجد المعروف بالأحدب، وأبو بكر بن عبد العزيز البطليوسي، المعروف بابن القبطُرنة، وأخواه أبو الحسن
_______
(1) ابن القطان في نظم الجمان (المخطوط السابق ذكره).
(2) البيان المغرب (في الأوراق المخطوطة - هسبيرس ص 105).
(3) الزركشي في تاريخ الدولتين ص 5.
(4) ابن الخطيب في ترجمة علي بن يوسف في الإحاطة (مخطوط الإسكوريال السالف الذكر لوحة 292).
(5) المعجب للمراكشي ص 99، والحلل الموشية ص 61.
(3/243)

وأبو محمد، وأبو عبد الله بن أبى الخصال وأخوه أبو مروان، وأبو محمد عبد المجيد بن عبدون وزير بني الأفطس السابق (1). وأبو جعفر أحمد بن محمد ابن عطية القضاعي، وقد خدم تاشفين بن علي من بعد أبيه، ثم انتقل فيما بعد إلى خدمة عبد المؤمن حسبما يجىء (2).
وكان أنبههم وآثرهم لدى علي بن يوسف، أبو عبد الله بن أبى الخصال المتوفى سنة 540 هـ. وقد كان من أعظم علماء العصر وكتابه وبلغائه. وكان اجتماع هذه الجمهرة من أعلام البلاغة في البلاط المرابطي، أثر من آثار قصور الطوائف، التي امتازت بحشد أقطاب الكتاب والأدباء من وزرائها، وأغدقت عليهم حمايتها ورعايتها.
وكان على قد استوزر في أواخر عهده، إسحق بن ينتان بن عمر بن ينتان، وكان فتى حدثاً لم يجاوز الثامنة عشرة من عمره، ولكنه كان يتوقد ذكاء وفطنة وعزماً، فأعجب به علي، وولاه خطة المظالم والشكايات، فأبدى في منصبه براعة وكياسة، فانتفع به الناس وأحبوه، وكان حسبما تصفه الرواية " مثل كاهن يأتي بعجائب الأخبار " (3).
هذا، وأما عن شخصه، فإن الرواية تصف علي بن يوسف، بأنه كان أبيض اللون، مشرباً بحمرة، حسن القد، صبوح الوجه، أفلج، أقنى، أكحل العينين، سبط الشعر (4).
وكان لعلي من الولد الذكور، أحد عشر، ولكنه لم يترك من أولاده الأحياء بعده سوى ولي عهده وخلفه تاشفين. أما ولده الأكبر سير، فكان قد توفي قبل وفاته بمدة طويلة، وكذلك توفي أولاده الآخرون قبل وفاته، ومنهم ولده أبو بكر، وقد كان والياً بالأندلس. وفي رواية أنه قد غُرِّب بأمر أبيه إلى الصحراء حينما اعترض على تعيين أخيه تاشفين لولاية الأندلس، وفي أخرى أنه أصيب إصابة أقعدته، فحُمل على أعناق الرجال حتى الجزيرة، ولكنه سجن هناك حتى توفي، واشتد ألم أبيه على فقده.
_______
(1) المعجب ص 96، والإحاطة (1956) ج 1 ص 529.
(2) الإحاطة (1956) ج 1 ص 270.
(3) البيان المغرب (في الأوراق المخطوطة السالفة الذكر - هسبيرس ص 107)، والحلل الموشية ص 61.
(4) روض القرطاس ص 102.
(3/244)

- 4 -
وكانت دولة المرابطين في تلك الأعوام الأخيرة من حكم علي بن يوسف، قد اضطربت أحوالها واهتزت أسسها، وفقدت كثيراً من قواعدها وأراضيها، وسادت الفوضى في كل ناحية، وساءت الأحوال الاقتصادية من توالي الحرب، وعزت الأقوات والموارد، وارتفعت كلفة العيش، وعانى الناس مشقات وشدائد.
وما كاد علي بن يوسف يختفي من الميدان، حتى وقع ما هو أخطر، من تصدع الجبهة المرابطية وتفرق كلمتها. وذلك أن الخصومة قد اضطرمت بين قبيلتي لمتونة ومسّوفة وهما دعامتا العصبة المرابطية، وخرج عدة من زعماء مسّوفة على حكومة مراكش، ورأوا، أن يلوذوا بحماية الموحدين، فسار منهم يحيى ابن تاكفت، وبرّاز بن محمد، ويحيى بن إسحاق المعروف بأنجمار. حاكم تلمسان السابق، في صحبهم وأتباعهم، إلى محلة الموحدين، وقدموا طاعتهم إلى عبد المؤمن، وكانت هذه ضربة جديدة لتاشفين بن علي، فاشتد الاضطراب في الجبهة المرابطية، ووغرت صدور اللمتونيين على مسوفة، وأخذ يتربص بعضهم ببعض، ويقتل بعضهم بعضاً.
وكان ممن انشق على تاشفين في تلك الفترة، بني ومانّو من بطون زناتة، وقدّم أشياخهم طاعتهم إلى عبد المؤمن، فبعثهم مع بعض قواته إلى بلادهم، فأعلنوا طاعتهم جميعاً للموحدين. ولما علم تاشفين بخروج بني ومانّو، وجه إليهم عسكراً على رأسه الرّبرتير، فسارع الموحدون إلى إنجادهم، وتحصن بني ومانّو ببعض التلال، فصعد إليهم المرابطون، يحاولون اقتحام مراكزهم، ولكنهم ردوا المرابطين على أعقابهم. وعلى أثر ذلك سار جيش موحدي بقيادة ابن وانودين، وابن زجّو، وابن يومور، إلى بلاد بني عبد الواد وبني يلومي وهم من أنصار المرابطين، وعاث في تلك المنطقة، واستاق كثيراً من الغنائم، ولكن فاجأته حين العودة قوة من المرابطين من زناتة واستولت على معسكر الغنائم، وقتلت كل حراسه وهم من بني ومانّو وعددهم ستمائة رجل، وتحصن الموحدون بجبل هنالك، وسار عسكر المرابطين إلى موضع يسمى منداس بلد بني يلومي من بطون زناتة، فاجتمع إليه بني يلومي، وعدة أخرى من البطون. ولما علم عبد المؤمن بما حدث، سار بقواته من أحواز تلمسان إلى أرض يلومي، وكان الأمير تاشفين قد قدم في نفس الوقت إلى تلمسان، وحشد فيها
(3/245)

عسكراً، وأرسله على عجل إلى محلة المرابطين في منداس، وكذلك انضم إليهم الرّبرتير في قواته، واجتمعت بذلك للمرابطين حشود ضخمة. فلما شعر عبد المؤمن بتفوق خصومه، لجأ إلى خطة حربية جديدة مبتكرة، هي خطة المربع الموحدي الذي اشتهر فيما بعد، وأضحى عماد خطط الدفاع الموحدية في الميدان المكشوف، وقد وصف لنا ابن اليسع خلاصة هذه الخطة، نقلا عن بعض الموحدين فيما يلي:
" أن تُصنع دارة مربعة في البسيط يجعل فيها من جهاتها الأربع صف من الرجال بأيديهم القنا الطوال، والطوارق المانعة، ومن ورائهم أصحاب الدروق والحراب صفاً ثانياً، ومن ورائهم أصحاب المخالي فيها الحجارة صفاً ثالثاً، ومن وراء هؤلاء الرماة صفاً رابعاً. وفي وسط المربعة، ترابط قوى الفرسان ". يقول ابن اليسع " فكانت خيل المرابطين إذا دفعت إليهم، إلى الموحدين، لا تجد إلا الرماح الطوال الشارعة، والحراب والحجارة والسهام ياسرة. فحين ماتوا من الدفع وتدبر، وأخرج خيل الموحدين من طرق تركوها، وفرج أعدوها، فتصيب من أصابت، فإذا كرت عليهم دخلوا في غاب القنا " (1).
وهكذا فإنه حينما نشب القتال بين المرابطين والموحدين في منداس، ظهرت آثار الخطة الدفاعية الموحدية واضحة في عجز المرابطين على تفوقهم في العدد والعدة، عن النيل من خصومهم. وبالعكس فقد أثخن الموحدون في خصومهم، وردوهم الكرة بعد الكرة بخسائر فادحة، واستمر القتال على أشده ثلاثة أيام.
وفي اليوم الرابع أحرز الموحدون على خصومهم. نصراً باهراَّ، واحتووا على محلتهم، ومحلات حلفائهم من بني يلومي وغيرهم، واستولوا على غنائم فادحة، تقدرها الرواية بثلاثين ألفاً من الغنم، واثني عشر ألفاً من البقر. بيد أنه حينما ارتد عبد المؤمن بغنائمه صوب الصخرتين من أحواز تلمسان، اعترضه الربرتير في قواته، وهاجمه بشدة واسترد معظم الغنائم، وقتل من كومية قبيلة عبد المؤمن نحو أربعمائة رجل. ثم سار في قواته وغنائمه إلى تلمسان، فانضم هناك إلى قوات الأمير تاشفين (2).
وفي خلال ذلك الصراع المرير الذي استغرق قوى المرابطين، وصل إلى
_______
(1) الحلل الموشية ص 98.
(2) البيان المغرب (القسم الثالث نسخة تامجروت) (تطوان 1963) ص 15.
(3/246)

مياه سبتة أسطول نورماني ضخم قوامه مائة وخمسون سفينة، وأغار أولئك النورمان (المجوس) على سبتة، محاولين اقتحامها، فخرجت إليهم سفن المرابطين بقيادة أمير البحر ابن ميمون، ووقعت بين الفريقين معركة بحرية عنيفة، غرقت فيها من الجانبين سفن عديدة، وقتل من الفريقين خلق كثير.
وكان ذلك في سنة 538 هـ (1). ودل ذلك الحادث على أن القوات البحرية المرابطية، كانت ما تزال، بالرغم مما حدث في داخل المغرب، يقظة ساهرة، على حراسة الشواطىء والثغور المغربية المرابطية.
ووقع بعد ذلك بقليل حادث كان له في مركز المرابطين أسوأ الأثر هو مصرع الرّبرتير قائد " الروم ". وتختلف الرواية في شرح هذا الحادث وفي تفاصيله.
ويقدم إلينا البيذق رواية خلاصتها، أن عبد المؤمن وجه حشود جزولة لقتال الربرتير، وكانوا بموضع يسمى " بكيرس "، فسار الربرتير في قواته للقائهم، وكانت جزولة تحتمي وراء خندق، فاستطاعوا أن يردوا الربرتير، فولى عنهم مهزوماً، وكتب إلى عبد المؤمن كتاباً يسدي فيه النصح، ويقول إن جزولة، قد غدروا بإخوانهم، وهم بلا ريب سوف يغدرون بك، وعندئذ عمد عبد المؤمن إلى تجريدهم من خيلهم وسلاحهم، ثم قتلهم جميعاً إلا الصبيان الصغار، واستولى على غنائمهم. فلما علم الربرتير بذلك قرر أن يسير لمهاجمة الموحدين، واستخلاص الغنائم منهم، فلم يعترض تاشفين على رغبته، ولكنه لم يسر معه، والتقى الربرتير بالموحدين في موضع يسمى " تاكوط آن تيفسرت " ونشبت بينه وبين الموحدين معركة عنيفة هلك فيها هو ومعظم جنده، ولم يسلم من عسكره حسبما يحدثنا البيذق سوى ستة، ثلاثة من الروم، وثلاثة من المرابطين، يذكر لنا البيذق أسماءهم.
وكان ذلك في سنة 539 هـ (1144 م) (2).
ويذكر لنا ابن عذارى من جهة أخرى مصرع الربرتير في جملة موجزة يقول فيها " في سنة تسع وثلاثين خرج قائد الروم بعسكره، ومعه عسكر لمتونة والحشم، فهزمهم الموحدون، وقتل القائد المذكور". وهذا ما ورد في الأوراق المخطوطة التي بين أيدينا من البيان المغرب. ولكن ابن عذارى يحاول فيما بعد، أن ينقل تفاصيل مصرع الربرتير عن ابن صاحب الصلاة، وذلك في القسم
_______
(1) البيان المغرب (الأوراق المخطوطة - هسبيرس ص 108).
(2) كتاب أخبار المهدي ابن تومرت ص 96.
(3/247)

الثالث من كتابه، بيد أن ما نقله في ذلك قد سقط من نسخة " تامجروت " وهي التي تغدو مرجعنا منذ الآن فصاعداً (1).
ويقدم إلينا ابن خلدون عن مصرع الربرتير رواية ثالثة يقول فيها، إن تاشفين بعث الربرتير في عسكر ضخم فأغار على بني سندم وزناتة الذين كانوا في بسيطهم، وعاد بالغنائم، فاعترضه الموحدون، ونشبت بين الفريقين معركة قتل فيها الربرتير وجنده (2).
ولما رأى الجند النصارى مصرع عميدهم، ورأوا أنهم لا يستطيعون بعد
أن يعملوا لتدعيم إمبراطورية أصبحت وشيكة الانهيار، تفرقوا تباعاً، وغادر الكثير منهم المغرب إلى اسبانيا ومعهم أسرهم وقساوستهم، وساروا إلى طليطلة ملتجئين إلى حماية القيصر ألفونسو ريمونديس (ألفونسو السابع) ملك قشتالة، فأحسن استقبالهم، وأنزلهم بدياره، وحمد لهم تمسكهم خلال الحوادث والخطوب بدينهم وولائهم لمذهبهم (3).
وعلى أي حال فقد كان مصرع الربرتير وتبدد جنده، ضربة جديدة أصابت الجيش المرابطي، وكان تاشفين في تلك الأثناء قد كتب إلى الأقطار يستدعي الحشود من كل ناحية، فقدم إليه عسكر سجلماسة، وعسكر بجاية بقيادة طاهر ابن كباب الصنهاجي من بني حماد أصحاب إفريقية، ووصل من الأندلس عسكر آخر بقيادة الأمير إبراهيم بن تاشفين، وكان قد قدم إلى أبيه قبل ذلك على أثر موت جده على وزاره بجهة كراندة، فبعثه والده إلى قرطبة لإتمام دراسته بها، ثم استدعاه بعد ذلك فوصل في عسكره إلى تلمسان في أواخر سنة 538 هـ، فولاه أبوه في الحال عهده، واجتمعت الجيوش المذكورة في ظاهر تلمسان، وميزوا، وبرزوا في نظام متقن وهيئة كاملة، وعجب الناس من كثرتهم، وحسن نظامهم، وجمال هيئتهم، بيد أنها كانت آخر حشود يحتفل بها المرابطون (4).
- 5 -
ولما قتل الربرتير وبدد جيشه، غادر الموحدون " تيفسرت " وساروا إلى
_______
(1) راجع القسم الثالث من البيان المغرب (نسخة تامجروت) ص 16.
(2) كتاب العبر ج 6 ص 231.
(3) Simonet: Hist. de los Mozarabes, p. 760 & 761
(4) القسم الثالث من البيان المغرب (نسخة تامجروت) ص 15، والحلل الموشية ص 97 و 98.
(3/248)

شمال غربي تلمسان ونزلوا " بالصخرتين " القريبة منها، وكان تاشفين قد أقام محلته في " سطفسيف " القريبة، وكانت المعارك والمناوشات تنشب كل يوم تقريباً بين الفريقين، واستمر ذلك مدة شهرين. ولما وصلت حشود الأقطار إلى تاشفين، خرجت منها حشود بجاية، واشتبكت مع الموحدين في معركة عنيفة في ظاهر " الصخرتين "، فهزمت وقتل منها عدد جم، وبعث قائدها سراً إلى عبد المؤمن، يعده بالتوحيد، وأنه متى افتتح المغرب، فإنه إذا ورد المشرق وجده مفتوحاً كذلك.
وعندئذ أدرك تاشفين دقة مركزه، فقرر أن يترك محلته في تلمسان، وغادرها في قواته إلى وهران الواقعة على البحر في شمالها الشرقي. وبعث ابنه وولي عهده إبراهيم إلى مراكش في جماعة من أشياخ لمتونة ومعه كاتبه أحمد بن عطية.
وكان تاشفين قد ابتنى في وهران حصناً منيعاً على البحر كي يحتمي به عند الحاجة، ودبر مع قائد أسطوله محمد بن ميمون، أن يوافيه إلى وهران بجناح من الأسطول فقدم ابن ميمون من ألمرية في عدة من السفن، وأرسى قريباً من المعسكر المرابطي ينتظر تطور الحوادث. وكان ذلك في شهر شعبان سنة 539 هـ (يناير 1145 م).
وكان المرابطون قبل أن يغادروا محلتهم في سطفسيف إلى وهران قد دبروا كميناً لجيش موحدي يقوده ابن زجّو، ففتكوا به وقتلوا ابن زجّو. فكان ذلك عاملا جديداً في إذكاء سخط الموحدين. وما كاد المرابطون يتحركون نحو الشمال، حتى سار في أثرهم عبد المؤمن في قواته، وبعث في مقدمته الشيخ أبا حفص عمر ابن يحيى الهنتاني (عمر اينتي)، وحشود بني ومانّو من زناتة، فنفذوا إلى بلاد بني يلومي، وبني عبد الواد، وبني ورسيفين، وبني توجين، وكلهم من أنصار لمتونة، وأثخنوا فيهم حتى أذعنوا إلى الطاعة، وسار زعماؤهم إلى عبد المؤمن، وقدموا طاعتهم إليه، فتلقاهم بالقبول، وضمهم إلى قواته (1). وأشرف الموحدون على وهران، وعسكروا فوق الجبل المطل عليها.
وكان كل شىء ينذر حينئذ بوقوع المعركة الحاسمة. وكان المرابطون يرقبون تحركات الموحدين في وجوم وتوجس وقد غادر عدة من قوادهم المعسكر المرابطي وتركوا تاشفين لمصيره. وشعر الموحدون من جانبهم أن الفرصة المنشودة قد حلت، ففي ذات صباح أطلقوا من فوق الجبال صيحتهم الحربية بصوت واحد
_______
(1) البيان المغرب القسم الثالث (نسخة تامجروت) ص 16، وكتاب العبر ج 6 ص 231.
(3/249)

ارتجت له المحلة المرابطية، وأمر تاشفين جنده بأن يلزموا أماكنهم خيفة الكمين.
وعند الظهر سار الموحدون إلى عين الماء التي يشرب منها أهل وهران، فسقوا دوابهم دفعة واحدة، ثم قاد الشيخ أبو حفص قواته، واقتحم المحلة المرابطية، حتى أشرف على مكان خباء تاشفين، وكان موقعه بإزاء الحصن المطل على البحر، فوقع الاضطراب في المعسكر المرابطي، وبارد تاشفين وخاصته ومنهم ابن مزدلي، وبشير الرومي، وصندل الفتى، إلى الالتجاء إلى الحصن، ووقع القتل بين المرابطين، وجمع الموحدون الخشب، وأضرموا النار حول الحصن، وما كاد الظلام يرخي سدوله، حتى كانت ألسنة اللهب قد تعالت، فخشي تاشفين الهلاك، وخرج من الحصن فوق فرسه " ريحانة " يطلب النجاة ويرجو أن تصل إليه بعض قطع أسطوله لتحمله إلى الأندلس، وكان معه صحبه الثلاثة، فسقط صندل في النار واحترق، واستطاع ابن مزدلي أن يجوز إلى أسوار المدينة، ولكنه فقد رشده ومات بعد ثلاثة أيام. وسار تاشفين وبشير إلى مرتفعات الجبل، فقيض لبشير النجاة، ولكن تاشفين، تردت به فرسه تحت جنح الظلام، فسقطت في هوة سحيقة فهلكت الفرس، وهلك تاشفين. وفي الصباح عثر الموحدون على جثة تاشفين في تلك الحافة فصلبوا الجثة، واحتزوا رأسه، وبعث بها عبد المؤمن إلى تينملل، فعلقت في الشجرة التي بإزاء مسجد المهدي.
وكان مصرع تاشفين في ليلة السابع والعشرين من رمضان سنة 539 هـ (22 فبراير 1145 م) (1)، وذلك بعد أن قضى في مدافعة الموحدين زهاء خمسة أعوام متوالية، لم يأو فيها إلى مكان. ولم ينعم بهدنة، ولم يتصل بأهل ولا ولد (2).
وقد أورد لنا ابن الأبار عن مصرع تاشفين رواية أخرى عن أبى علي بن الأشيرى، وقد كان داخل تلمسان حين نزل الموحدون على مقربة منها في سنة 539 هـ، وكان تاشفين عندئذ في ظاهرها في محلاته وجموعه. وخلاصة هذه الرواية، أن تاشفين بعد أن وجه ابنه إبراهيم ولي عهده إلى مراكش خوفاً عليه في شعبان من تلك السنة، وسير معه كاتبه أبو جعفر بن عطية، سار إلى وهران، ولجأ إلى حصن شرع في بنيانه، فقصده الموحدون، وأضرموا النار حوله،
_______
(1) البيان المغرب، القسم الثالث ص 16 و 17، وأخبار المهدي ابن تومرت ص 98، والحلل الموشية ص 100، وابن خلدون ج 6 ص 231، وابن الخطيب في الإحاطة (القاهرة 1956) ج 1 ص 462.
(2) ابن الأبار في الحلة السيراء ص 198.
(3/250)

فلما رأى ذلك ودع أصحابه ليلا، واقتحم والنار محتدمة بباب الحصن، فوُجد من الغد ميتاً لا أثر فيه لضربة ولا طعنة، ويقال إن فرسه صرعه. وتتفق هذه الرواية مع الروايات الأخرى في أن مصرع تاشفين وقع في ليلة سبع وعشرين من شهر رمضان سنة 539 هـ (1).
وأورد لنا المراكشي رواية ثالثة خلاصتها أن تاشفين لما ذهب إلى تلمسان لم يرضه موقف أهلها، فغادرها إلى وهران، فحاصره الموحدون بها، فلما اشتد عليه الحصار، خرج راكباً فرساً شهباء وعليه سلاحه، فاقتحم البحر حتى هلك، ويقال إنهم أخرجوه من البحر وصلبوه ثم أحرقوه (2).
هذا ويصف لنا ابن الخطيب مصرع تاشفين بن علي في تلك العبارات الشعرية: " واستقبل تاشفين مدافعة جيش أمير الموحدين، أبى محمد عبد المؤمن بن علي خليفة مهديهم، ومقاومة أمر قضى الله ظهوره، والدفاع عن ملك بلغ مداه وتمت أيامه، كتاب الله عليه، فالتأث سعده، وفل جده ولم تقم له قائمة، إلى أن هزم، وتبدد عسكره، ولجأ إلى وهران، فأحاط به الجيش، وأخذه الحصار، قالوا فكان في تدبيره أن يلحق ببعض السواحل، وقد تقدم به وصول ابن ميمون قائد أسطوله لرفعه إلى الأندلس، فخرج ليلا في نفر من خاصته فرقهم الليل، وأضلهم الروع، وبددتهم الأوعار، فمنهم من قتل، ومنهم من لحق بالقطائع البحرية، وتردى بتاشفين فرسه من بعض الحافات، ووجد ميتاً في الغد، وذلك ليلة سبع وعشرين لرمضان سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، وصلبه الموحدون، واستولوا على الأمر بعده، والبقاء لله تعالى " (3).
وعلى أثر مصرع تاشفين، اقتحم الشيخ أبو حفص بقواته وهران، وأثخن في المرابطين حتى فنى معظهم، والتجأت منهم جماعة إلى الحصن، فحاصرهم الموحدون وقطعوا عنهم الماء حتى أذعنوا إلى التسليم بعد ثلاثة أيام. ومع ذلك فقد قتلهم الموحدون جميعاً كباراً وصغاراً، وكان ذلك في يوم عيد الفطر من سنة 539 هـ. وكانت مذابح وهران هذه، من أفظع المظاهر التي تميزت بها سياسة الموحدين الدموية.
_______
(1) ابن الأبار في الحلة السيراء ص 197 و 198.
(2) المعجب ص 112 و 113.
(3) الإحاطة في أخبار غرناطة (القاهرة 1956) ج 1 ص 461 و 462.
(3/251)

ولما وصل خبر مصرع تاشفين إلى تلمسان، مع فلّ لمتونة، أسرع من كان بها وبضاحيتها القريبة تاجررت من لمتونة، فغادروها هائمين على وجوههم يقصدون إلى فاس وغيرها من الأماكن التي مازالت تحت حكم المرابطين. وكان في مقدمة من غادرها الأمير يحيى بن أبى بكر بن علي المعروف بالصحراوي وهو ابن أخى تاشفين، وكان قد وفد إليها قبل ذلك بقليل في بعض قواته لإنجاد تاشفين. فلما وقعت الكارثة أسرع في فلوله إلى فاس، وامتنع بها، وأخذ ينظم الدفاع عنها. ولم يبق بتلمسان سوى العامة وأهل الحضر، وبادر جماعة من أعيانها في نحو ستين رجلا إلى لقاء عبد المؤمن يلتمسون منه الأمان، فلقيهم يصلاتن (يصلاصن) الزناتي في قوة من الموحدين في وادي تافنا القريب، فقتلهم عن آخرهم، وطار نبأ مصرعهم إلى تلمسان. فسرى إلى أهلها الرعب والروع، وسادت بها الفوضى.
ودخل عبد المؤمن وجنده الموحدون تاجررت في غداة عيد الفطر، فقتلوا أهلها، واقتسموا دورها. ثم غادروها إلى تلمسان. وكان يسودها الوجوم والفزع. فلما اقترب الموحدون منها خرج الأعيان والطلبة، يسعون إلى لقاء عبد المؤمن والتماس العفو منه، فأقبل يصلاتن وجنده وجردوهم من ثيابهم، وقتلوا جماعة منهم، تحت نظر الخليفة، والشيخ أبى إبراهيم أحد الصحب العشرة، ثم دخل عبد المؤمن المدينة، وقتل الموحدون كثيراً من أهلها (1). ويؤيد هذه الرواية ويعززها صاحب الحلل الموشية. فيقول لنا إن عبد المؤمن دخل تلمسان عنوة وقتل أهلها وسبى حريمها، ودخل كل واحد من الموحدين من الموضع الذي يليه، فأخذوا منها من الأموال ما لا يحصى، وقد بلغ فيها عدد القتلى، وفقاً لابن اليسع مائة ألف أو تزيد.
وفي رواية أخرى أن عبد المؤمن استباح أهل تاجررت وقتلهم لما كان معظمهم من حشم اللمتونيين، وعفا عن أهل تلمسان. وفي رواية ثالثة أن عبد المؤمن لم يدخل تلمسان فوراً، ولكنها امتنعت عليه، واضطر إلى محاصرتها، وأنه لبث وقتاً على حصارها، وأخبار الفتوح والبيعات ترد عليه، وأنه ترك على حصارها إبراهيم بن جامع وغادرها إلى فاس (2). بيد أنه يبدو أن الرواية
_______
(1) البيان المغرب، القسم الثالث ص 18، والحلل الموشية ص 101.
(2) ابن خلدون ج 6 ص 231.
(3/252)

الأولى هي الرواية الراجحة، وأنه ليس من المعقول أن تصمد تلمسان في مثل هذه الظروف، أمام جيش مظفر مثل جيش عبد المؤمن، يندفع في فتوحه كالسيل يحمل من يصادره. هذا، وربما كان فيما يقول ابن صاحب الصلاة، مؤرخ الموحدين، ما يرفع هذا التناقض بين الروايتين، فهو يقول لنا إنه لما استقر عبد المؤمن بتلمسان بعد استشهاد من استشهد، امتنعت عليه قصبتها بمن فيها، فوضع عليها الحصار، ولما رحل إلى فاس ترك عسكراً ليتابع حصارها (1).
ومن ثم فقد لبث عبد المؤمن، وفقاً للرواية الأولى في تلمسان سبعة أشهر، ليستريح وليرقب شئون الفتوح في تلك المنطقة. ومن المعروف مما تقدم أن عبد المؤمن كان من أهل تاجرا (تاجررت) وبها كان مسقط رأسه، وأن أمه تنتمى إلى قبيلة كومية، وموطنها يقع في نفس المنطقة جنوب تاجرا. وإذاً فقد كان من الطبيعي أن يتمهل عبد المؤمن قليلا في تلك الربوع، التي نشأ فيها وترعرع، ولما تم تنظيم الشئون، ندب عبد المؤمن للولاية على تلمسان، سليمان بن محمد بن وانودين الهنتاني، ثم غادرها في قواته في ربيع الثاني سنة 540 هـ (أكتوبر 1145 م)، قاصداً إلى مدينة فاس.
_______
(1) أورده البيان المغرب، القسم الثالث - ص 19.
(3/253)

الفصل الخامِسُ
نهاية الدولة المرابطية في المغرب
الدولة المرابطية في طور الاحتضار. ولاية الأمير أبى إسحاق إبراهيم والخلاف حولها. مسير عبد المؤمن إلى وجدة ودخولها في الطاعة. مسيره إلى أجرسيف واقتحامها. زحفه على فاس ونزوله بالمقرمدة. خروج المرابطين بقيادة الصحراوي، واشتباكهم مع الموحدين. مسير عبد المؤمن إلى وادي سبو ونزوله في عقبة البقر. احتلاله لجبل العرض. إرساله حملة لمحاصرة مكناسة. خروج المرابطين منها وفتكهم بالموحدين. مسير عبد المؤمن بنفسه إلى مكناسة. محاصرة الموحدين لفاس. قطعهم للنهر وإغراق مياهه للوادي. اتصال الجياني المشرف على المدينة بالموحدين. غدره بالصحراوي وفتحه باب المدينة. دخول الموحدين فاس وفرار الصحراوي. قدوم عبد المؤمن من مكناسة ودخوله فاس. قتله لأشياخ المرابطين وهدمه لأسوار المدينة. مسيره إلى مكناسة ثم إلى سلا. سقوط مكناسة في أيدي الموحدين. مسير عبد المؤمن إلى وادي أم الربيع وخضوع صنهاجة ودكالة. وفود ابن ميمون قائد الأسطول المرابطي ودخوله في الطاعة. وفود رسل أهل سبتة. مسير عبد المؤمن في قواته إلى مراكش. نزوله فوق جبل إيجليز. محاصرة الموحدين لمراكش. حالة المرابطين داخل المدينة. خروجهم لقتال الموحدين. هزيمة المرابطين وارتدادهم إلى الداخل. وفود أشياخ القبائل على عبد المؤمن. وفود الأندلس إليه. توحيد إسحاق بن ينتان. امتداد الحصار وصمود المدينة. استعمال الموحدين للسلالم واقتحامهم الأسوار. دخول الموحدين مراكش ومقاومة أهلها اليائسة. اقتحام القصبة والقبض على الأمير إبراهيم وآله وخاصته. استباحة الموحدين لمراكش، وقتلهم الذريع لأهلها. مقتل إبراهيم بن تاشفين وأمراء وأشياخ لمتونة. دخول عبد المؤمن المدينة ثم عوده إلى محلته. منع الدخول والخروج من المدينة. اعتبارها مدينة رجسة وتطهيرها وهدم جوامعها. جمع السبي والأسلاب، وصف مراكش في هذا العهد. دخول الموحدين قصبة تلمسان. وفود وفد إشبيلية على عبد المؤمن.
- 1 -
لم يكن ثمة شك، بعد أن انهار سلطان المرابطين، في المغرب الأوسط، وفي المغرب الشمالي، على هذا النحو الجارف، وبسط الموحدون الظافرون سلطانهم، على سائر القواعد الجنوبية، فيما خلا مراكش، وسائر الثغور الشمالية، فيما خلا الركن الشمالي الغربي - لم يكن ثمة شك في أن الدولة المرابطية، كانت تسير إلى نهايتها المحتومة بسرعة مذهلة.
وكان تبدد قوى الدولة المرابطية، واستنفاد مواردها، خلال هذه المعركة
(3/254)

الطويلة التي استمرت منذ قيام محمد بن تومرت المهدي، زهاء عشرين عاماً،
وتوالى الهزائم على الجيوش المرابطية، معركة بعد أخرى، وتمزق صفوفها، وفناء عديدها، وهبوط روحها المعنوي، من جراء هذا الإدبار المستمر - كان ذلك كله مما يؤذن بأنه مهما كانت المقاومة المريرة اليائسة، التي يمكن أن تبذل في المرحلة الأخيرة، من ذلك الصراع الرهيب، فإنها لن تغني شيئاً، ولن تحول دون وقوع الكارثة المرتقبة، التي أخذت طوالعها تبدو قوية في الأفق، ولاسيما بعد مصرع الأمير تاشفين بن علي، وتبدد جيوشه الضخمة على هذا النحو الشامل.
والواقع أن الدولة المرابطية لم تعد بعد هذه الضربة القاضية، سوى شبح هزيل. ففي مراكش، كان يمثل الفصل الأخير من مأساة الدولة المحتضرة، وذلك حينما بويع في مراكش، على أثر مصرع تاشفين، لولده الأمير أبى إسحاق إبراهيم، وكان أبوه قد ولاه ولاية عهده، منذ وفوده عليه في تلمسان في أواخر سنة 538 هـ حسبما تقدم، ثم وجهه إلى مراكش، وذلك قبيل وفاته بنحو شهر.
على أن هذه البيعة التي تمت في أدق الظروف التي كانت تواجهها الدولة المرابطية، لم تقع دون خلاف. فإن إسحاق بن علي عم الأمير إبراهيم، خرج عليه ودعا لنفسه بالإمارة، ووقع الجدل والتطاحن بين الفريقين داخل العاصمة المرابطية، وكان الموحدون في ذلك الوقت نفسه يقتربون من فاس، والوفود والحشود، تترى من كل صوب على عاهلهم عبد المؤمن، فتزيد جموعه، وتعزز قواه، ويصف لنا البيذق، مؤرخ الحملة ومرافقها، مسير عبد المؤمن، فيقول لنا إنه نزل على وجدات (وجدة) فأخذها، ووحد أهلها (1). هذا في حين أن صاحب البيان المغرب يذكر لنا أن الموحدين استولوا على وجدة قبل ذلك بعامين (538 هـ) (2). وسار عبد المؤمن بعد ذلك إلى أجرسيف، وهي تقع في منتصف المسافة بين تلمسان وفاس، فنزل عليها، ولقي الموحدون بعض المقاومة من بعض زعماء تلك الناحية، فجرد عليهم عبد المؤمن بعض قواته، فمزقت جموعهم وقتلتهم، ودخل أجرسيف، ثم غادرها إلى فاس، ونزل بالمقرمدة التي تقع على مقربة من جنوب شرقي فاس، وكان يحيى بن أبي بكر الصحراوي، قد قدم
_______
(1) أخبار المهدي ابن تومرت ص 98.
(2) البيان المغرب في الأوراق المخطوطة السالفة الذكر (هسبيرس ص 108).
(3/255)

إليها في جموعه من تلمسان كما تقدم، وأخذ ينظم خطط الدفاع عنها. وكان عبد المؤمن يتوق إلى الوقوف على مدى استعداد المدينة للدفاع، ومبلغ القوى المدافعة عنها. ذلك أنه بالرغم من وفرة جموعه التي تتألف حسبما تقول الرواية، من ثمانين ساقة على عدد القبائل والوفود، كان يريد التحوط للمفاجآت، ويرمي إلى الاستيلاء على فاس، بأقل التضحيات الممكنة. فبعث ألفاً من المشاة نصفهم من صنهاجة، والنصف الآخر من هسكورة، بقيادة أبي بكر بن الجبر، فعبر بهم نهر سَبو، وصعد إلى جبل زالاغ الذي يشرف على فاس من الشمال، وأوقد الموحدون النيران ليلا فوق الجبل، فلما رأى أهل فاس نيران الموحدين على مقربة من مدينتهم، اضطربوا وماجوا، وخرج الصحراوي في قواته لقتال الموحدين، وفي صباح الغد نشب القتال بين الفريقين، وقدر الموحدون قوة أعدائهم بنحو ألف وخمسمائة، ما بين لمتونة وأهل فاس، وفي العصر ارتد الصحراوي بقواته إلى داخل المدينة.
وفي الليلة التالية، عاد الموحدون إلى إيقاد النيران، ولكن الصحراوي لم يخرج إلى القتال في تلك المرة. وفي صباح اليوم التالي، سار عبد المؤمن في قواته إلى وادي نهر سبو، ونزل في موضع يسمى " عقبة البقر " فملأت حشوده السهل الوعر، هذا والصحراوي وأهل فاس، يشهدون هذه الجموع الجرارة من فوق الأسوار، فيملأهم منظرها رهبة وروعاً. وفي اليوم التالي، تحرك عبد المؤمن في قسم منتخب من جيشه، إلى موضع يعرف " بمنزل الحاج " وخرج الصحراوي في خيله إلى جبل العرض، الواقع في شمال غربي المدينة، يفصله عن الموحدين واد يسمى " بسد رواغ ". ولم يقع في ذلك اليوم قتال بين الفريقين. وارتد الموحدون إلى السهل الشاسع، وبقي عبد المؤمن في " منزل الحاج " على قدم الأهبة، في ثلاثة آلاف وخمسمائة من رجاله. وارتد الصحراوي بخيله ثانية إلى المدينة.
وفي صباح اليوم التالي، غادر عبد المؤمن في قواته السهل، واحتل جبل العرض، مشرفاً منه على المدينة. وقطع الموحدون الأشجار، وعملوا منها حول محلتهم حاجزاً من الخشب، ثم بنوا حائطاً من وراء الحاجز حماية لأنفسهم، ولدوابهم، واستعدوا لحصار طويل. وبعث عبد المؤمن قسماً من جيشه لمحاصرة مكناسة، الواقعة على قيد ستين كيلومتراً غربي فاس، وكان في مكناسة نحو
(3/256)

ثلاثة آلاف فارس من قوى لمتونة من الحشم والروم وغيرهم، هذا عدا من انضم إليهم من رجال القبائل القريبة الموالية. فخرجت هذه القوة من مكناسة بقيادة يدِّر بن ولجوط اللمتوني واستطاعت أن ترد الموحدين، وأن تثخن فيهم، وتفنى معظمهم، فعول عبد المؤمن عندئذ أن يسير بنفسه إلى مكناسة، وخرج ليلا في قسم منتخب من جيشه، وعهد بحصار فاس إلى أبى بكر بن الجبر، وأبى إبراهيم، وأبى حفص عمر بن يحيى الهنتاني. ولما وصل إلى مكناسة، ضرب حولها الحصار المرهق، ولبث ينتظر الحوادث.
واستمر حصار الموحدين لفاس زهاء سبعة أشهر أو تسعة حسبما يروي البيذق (1)، وفي داخلها يحيى بن أبى بكر بن علي الصحراوي في قواته، ومعه أهل فاس صامدون وراء الأسوار، يخرجون إلى قتال الموحدين من آن لآخر، ثم يعتصمون بمدينتهم. وأخيراً لجأ الموحدون إلى عملية استراتيجية بارعة. ذلك أنهم قطعوا مجرى النهر الذي يدخل إلى المدينة، وأقاموا عليه سداً منيعاً من الحطب والخشب والتراب، فسالت مياه النهر في الوادي، وتعالت حتى صارت بحراً تتلاطم أمواجه، وانهارت بعض أقسام السور من ضغط الماء المتزايد، وسقط معها باب السلسلة (2). فبادر الصحراوي وجموعه إلى إصلاح ما تهدم من السور، واجتمع المدافعون فوق الأسوار، ونشبت بينهم وبين الموحدين معارك عديدة.
وقد كان حرياً أن يطول حصار فاس، لولا أن عجل بنهايته ما حدث داخل المدينة ذاتها. ذلك أنه حدث بين يحيى بن علي، وبين أبى محمد عبد الله بن خيّار الجياني المشرف على المدينة، خلاف من جراء اشتداد يحيى في مطالبة الجياني بالأموال، بطريقة أرهقته، وحملته على أن يتصل سراً بقائد الموحدين أبى بكر ابن الجبر، وأن يعده بفتح أبواب المدينة، وكانت لديه مفاتيحها. وساعدت الظروف الجياني على تحقيق مشروعه. ذلك أن يحيى الصحراوي، أعرس بامرأة من قومه. فبعث إليه الجياني بهدايا جليلة من الطعام والشراب، وشغل الصحراوي في تلك الليلة بعرسه وطعامه وشرابه (3). وفي صباح اليوم التالي، أوفى الجياني
_______
(1) أخبار المهدي ابن تومرت سنة 102.
(2) روض القرطاس ص 123.
(3) الحلة السيراء في القسم الذي نشره المستشرق ميللر، ضمن مجموعة بعنوان: ( Beitrage zur Geschichte des Westlichen Araber) ص 315 - 318.
(3/257)

بوعده، وفتح " باب الفتوح "، فتدفق منه الموحدون إلى داخل المدينة، وخرج الجياني فانضم إليهم. ولما شعر الصحراوي بوقوع الكارثة، بادر بالفرار مع نفر من صحبه، واخترق الوادي دون أن يلوى على شىء، حتى وصل إلى طنجة. وكان دخول الموحدين مدينة فاس، حسبما يروى ابن صاحب الصلاة، في صباح اليوم الثاني عشر من شهر ذي القعدة سنة 540 هـ (26 أبريل سنة 1146 م) (1).
وظاهر مما يرويه البيذق وابن عذارى، أن عبد المؤمن لم يكن حاضراً، وقت دخول الموحدين فاس، وأنه كان عندئذ على حصار مكناسة (2)، وهذا ما يقرره ابن صاحب الصلاة وابن خلدون بطريقة واضحة (3). ولكن صاحب الحلل الموشية من جهة أخرى، يذكر أن الجياني اتصل بعبد المؤمن ذاته، وأدخله المدينة من باب الفتوح (4). بيد أنه من الواضح أن الرواية الأولى، وهي التي يؤيدها البيذق مرافق الحملة، وابن صاحب الصلاة مؤرخ الموحدين، هي الرواية الراجحة. ولما علم عبد المؤمن، وهو بمكناسة، بسقوط فاس، قدم إليها بسرعة ودخلها، وولي عليها أبا إسحاق بن جامع (5) ومشرفها الجياني، وأمر بقتل كل من قبض عليهم من أشياخ المرابطين، إلا عمر بن ينتان وزير علي
ابن يوسف السابق، وهو الذي تعرض لحماية المهدي ابن تومرت، وصرف علي ابن يوسف عن إيذائه، حسبما تقدم في موضعه، وكان المهدي نفسه قد نهي عن قتله وقتل ذريته، فاكتفى عبد المؤمن باعتقاله (6).
وأمر عبد المؤمن بهدم أسوار فاس، فهدم معظمها، وصرح عبد المؤمن بأن الموحدين لا يحتاجون إلى أسوار، وإنما الأسوار هي سيوفهم، وبقيت فاس بلا أسوار عصراً، حتى قام بتشييدها من جديد، حفيده الخليفة
_______
(1) البيان المغرب، القسم الثالث، ص 20.
(2) أخبار المهدي ابن تومرت ص 101، والبيان المغرب (القسم الثالث) ص 19.
(3) البيان المغرب عن ابن صاحب الصلاة، القسم الثالث، ص 20، وابن خلدون ج 6 ص 232.
(4) الحلل الموشية ص 101.
(5) هذا ما ورد في البيان (القسم الثالث ص 20)، وابن خلدون ج 6 ص 232. ولكن البيذق يذكر لنا أن الذي ولي على فاس، هو أبو عبد الله محمد بن يحيى الكدميوي (أخبار المهدي ابن تومرت ص 102).
(6) أخبار المهدي ابن تومرت ص 102.
(3/258)

يعقوب المنصور، ثم ولده الناصر، وذلك في سنة 600 هـ (1203 م) (1).
ولم يمكث عبد المؤمن في فاس سوى أربعة أيام قام فيها بتنظيم شئون المدينة المفتوحة، ثم غادرها في جموع الموحدين إلى مكناسة، وهنالك عهد بمتابعة حصارها لقائده أبى زكريا بن يومور. ثم غادرها إلى سلا. وضيق الموحدون على مكناسة، وبنوا حولها سوراً، وحفروا أمامه خندقاً، وتركوا فيهما ثغرات لمهاجمة المدينة، ومقاتلة المدافعين عنها، فلم تلبث أن سقطت في أيديهم. وعين عبد المؤمن ابن يومور والياً لها. ويبدو من رواية البيذق أن عبد المؤمن حضر سقوط مكناسة. ثم يقول لنا إنه غادرها إلى تادلا، وهنالك ميز جنوده، وانضمت إليه هسكورة وصنهاجة، ثم سار في قواته إلى وادي أم الربيع، واخترقه شرقاً حتى ثغر أزمّور، وهنالك حملت إليه صنهاجة المؤن، واستدعى أشياخ دُكّالة جيرانهم في الجنوب، فوفدوا عليهم وأعلنوا خضوعهم الأول. ثم هبط بعد ذلك إلى مراكش (2).
هكذا يصف لنا البيذق مسير عبد المؤمن إلى مراكش. ولكن سائر الروايات الأخرى تجمع على أن عبد المؤمن، حينما غادر مكناسة، سار منها أولا إلى سلا، وافتتحها بعد مقاومة قصيرة، وذلك في اليوم السابع من شهر ذي الحجة سنة 540 هـ.
واستولى كذلك على قصبة الرِّباط التي كان قد بناها الأمير تاشفين، وعين والياً لسلا عبد الواحد الشرقي، وبعد أن مكث بها أربعة أيام غادرها إلى مراكش (3).
وكان عبد المؤمن حين وجوده تحت أسوار فاس (سنة 540 هـ)، قد وفد عليه قائد الأسطول الأندلسي المرابطي على بن عيسى بن ميمون، وقدم طاعته، ثم عاد إلى الأندلس، وأقام الخطبة للموحدين بجامع قادس، وهي مركز قيادة الأسطول في تلك المنطقة. ثم وفدت على عبد المؤمن خلال مسيره إلى سلا، رسل أهل سبتة يحملون إليه بيعتهم. فتقبلها منهم، وندب للولاية على سبتة يوسف بن مخلوف التينمللي من مشيخة هنتانه (4).
_______
(1) روض القرطاس ص 133.
(2) أخبار المهدي ابن تومرت ص 102.
(3) الحلل الموشية ص 102، والبيان المغرب القسم الثالث ص 20، وابن خلدون ج 2 ص 23.
(4) البيان المغرب القسم الثالث ص 21، وابن خلدون ج 6 ص 232.
(3/259)

وكان عبد المؤمن قد بعث في نفس الوقت قبل مسيره إلى مراكش حملة بقيادة أبى حفص عمر بن يحيى الهنتاني لغزو قبائل برغواطة، النازلة على الشاطىء شمالي أزمّور وجنوبها، فاقتحم ديارهم، واستاق غنائمهم، ثم ارتد أدراجه، فالتقى بعبد المؤمن، وهو في طريقه إلى مراكش، فقسم الغنائم على الموحدين، ثم تابع سيره إلى العاصمة المرابطية.
ولما وصل جيش الموحدين إلى ظاهر مراكش، خرج إليه جمع كبير من طلائع لمتونة، فلما رأوا كثرة الموحدين، سرى إليهم الرعب وبادروا إلى الفرار نحو أسوار المدينة، فأدركهم الموحدون وقتلوا عدداً كبيراً منهم. وعلم عبد المؤمن كذلك أن قوات كبيرة من قبيلة لمطة، قد وفدت على المدينة نصرة للمدافعين عنها، فطاردهم الموحدون، وأثخنوا فيهم، وانتزعوا منهم آلافاً من الدواب وغيرها من الغنائم (1).
- 2 -
وكان نزول الموحدين على مراكش في فاتحة شهر المحرم سنة 541 هـ (13 يونيه سنة 1146 م). وفي الحال احتل عبد المؤمن بقواته جبل إيجليز الواقع غربها، وضرب فوقه قبته الحمراء، وبني الموحدون حولها محلة أو مدينة كبيرة يتوسطها مسجد وصومعة عالية، تشرف على مراكش، ونزلت فيها القبائل، كل قبيلة في الموضع الذي حدد لها (2). وكان إقامة هذه المدينة دليلا على ما كان يتوقعه الموحدون من طول المدافعة والحصار.
وضرب الموحدون الحصار حول العاصمة المرابطية. وكانت مراكش تموج بجموع المدافعين عنها، من بقايا الجيوش المرابطية الكبرى، من مختلف الحشود والقبائل. وكان منهم قوة من النصارى المرتزقة، هي بقية الحرس الملكي القديم.
بيد أن هذه الجموع الحاشدة، كانت تنقصها القيادة الحازمة، وكانت تعاني من هبوط قواها المعنوية، وكان على عرش مراكش في تلك الآونة الدقيقة، صبي حَدَث لم يجاوز السادسة عشرة من عمره، هو أبو إسحاق إبراهيم بن تاشفين بن علي.
وكان يقود هذه المعركة الأخيرة نفر من أشياخ لمتونة، مثل سير بن الحاج،
_______
(1) البيان المغرب القسم الثالث ص 21 و 22، وابن خلدون ج 6 ص 232.
(2) الحلل الموشية ص 102.
(3/260)

وإسحاق بن ينتان، ومحمد بن حواء، ومحمد بن يانجالا وغيرهم، وكان الشعور عاماً بأن مصير الدولة المرابطية أضحى أمراً مقضياً، وأنها لم تكن سوى معركة يأس، تمليها غريزة الاحتفاظ بالنفس، والتعلق بأوهى الاحتمالات والآمال.
وهكذا فإن الموحدين، ما كادت تستقر حشودهم حول العاصمة المرابطية، حتى اعتزم المرابطون أن يخرجوا لقتالهم. وخرجت قوة مرابطية قوامها نحو خمسة آلاف وخمسمائة فارس، وحشود لا تحصى من المشاة، يقودها إسحاق ابن ينتان، ومحمد بن حواء، ومحمد بن يانجالا، وسارت إلى محلة الموحدين.
ويقول لنا البيذق إن القتال الذي نشب بين الفريقين، استمر أربعة أيام. وفي اليوم الخامس، رتب عبد المؤمن من جنده عدداً من الكمائن المستورة، وخرج المرابطون إلى القتال كالعادة، فلقيهم الموحدون في حشود قليلة، واغتر المرابطون بتفوقهم، بيد أنه ما كاد يتعالى النهار، حتى خرجت الكمائن الموحدية من أماكنها، وحملت على المرابطين بشدة، فانهزموا في الحال، وارتدوا على أعقابهم نحو الأسوار، والقتل مثخن فيهم، حتى وصلوا إلى باب دُكّالة، أو باب الشريعة على قول البيذق، فقتل منهم عدد جم، واستولى الموحدون على نحو ثلاثة آلاف من خيلهم وامتنعت فلولهم بداخل المدينة (1).
وفي خلال ذلك كانت الوفود والحشود، تترى على جيش عبد المؤمن، ويفد عليه أشياخ القبائل وزعماؤها موحدين معلنين لطاعتهم. وكان ممن وفد عليه في تلك الفترة بعض زعماء الأندلس الثائرين على سلطان المرابطين، مثل أبى الغمر بن غرون الثائر بشريش، وابن حَمْدين الثائر بقرطبة. وأرسل عدد آخر من زعماء الأندلس الذين شعروا بانهيار سلطان المرابطين، كذلك رسلهم إلى عبد المؤمن (2). ولم تقع بعد هزيمة المرابطين الكبيرة في ظاهر باب دُكّالة، بين الفريقين معارك ذات شأن، اللهم إلا ما يقصه علينا البيذق، من خروج ابن ينتان لقتال الموحدين من آن لآخر. ثم ما وقع بعد ذلك من إرسال الموحدين زعيم بني ينتان الذي كان قد " وحّد " إليه أعني إلى إسحاق بن ينتان، وتقدم إسحاق بطاعته وتوحيده، وخروجه من المدينة مع أنصاره، وانضمامه إلى الموحدين (3).
_______
(1) أخبار المهدي ابن تومرت ص 102 و 103، والبيان المغرب (عن ابن صاحب الصلاة) القسم الثالث ص 22، والحلل الموشية ص 103.
(2) البيان المغرب القسم الثالث ص 22.
(3) أخبار المهدي ابن تومرت ص 103.
(3/261)

واستطال حصار مراكش أكثر من تسعة أشهر، وشدد الموحدون في تطويق المدينة، وقطع علائقها مع الخارج، حتى أضحى من المتعذر، أن يدخلها داخل أو يخرج منها خارج. كل ذلك والمدينة صامدة في وجوه المحاصرين. والظاهر أن الموحدين لم يقوموا خلال تلك الفترة بهجمات شديدة على المدينة، وأنهم كانوا يكتفون بالمحاولات الجزئية. والظاهر أيضاً أنه لم تنجح كذلك، أية محاولة من هذه المحاولات، في اقتحام أية ناحية من المدينة، أو ثلم أية ناحية من الأسوار.
وفي خلال ذلك كان أهل المدينة يعانون ويلات الحصار، وتنضب الموارد والمؤن تباعاً، حتى نفدت الحبوب والمواد الغذائية، وفنيت الدواب، وخلت المخازن السلطانية من مخزونها، وتساقطت الألوف العديدة من الجوع. وتقدر الرواية عدد من هلك جوعاً من أهل مراكش في تلك المحنة بنيف ومائة وعشرين ألفاً، وعجز الجند عن الحركة والدفاع، وأضحت النهاية المحتومة على الأبواب. ولما شعر عبد المؤمن بأن الضيق بلغ ذروته بالمحصورين، وأن المدينة أصبحت عاجزة عن كل دفاع، اعتزم أن يضرب الضربة الأخيرة. وكان قد مضى على الحصار عندئذ تسعة أشهر وثمانية عشر يوماً. وتختلف الرواية فيما اقترن بتلك الخطوة الأخيرة. ويقول لنا البيذق وهو من شهود الحصار، إن الخليفة أمر باستعمال السلالم لصعود الأسوار، وقسمها على القبائل، وأن الموحدين دخلوا المدينة على أثر ذلك. بيد أن صاحب الحلل الموشية يقدم لنا عن ابن اليسع الذي عاش قريباً من العصر، رواية أخرى مفادها أن جيش الروم أو النصارى المرتزقة الذين كانوا داخل المدينة، اتصلوا بعبد المؤمن واستأمنوه، فمنحهم الأمان، واتفقوا معه على أن يُدخلوه المدينة من " باب أغمات " الواقع في جنوبها الشرقي، وعندئذ أمر عبد المؤمن بعمل السلالم. وفي يوم السبت الثامن عشر من شوال سنة 541 هـ (24 مارس 1147 م) دفع الموحدون السلالم إلى الأسوار، وخُصت القبائل كل قبيلة بباب معين، وأقبل أهل مراكش يبذلون آخر محاولة للدفاع. وكانت بالطبع محاولة يائسة. فاقتحم الموحدون المدينة، ودخلوها من كل صوب، فدخلت هنتانة، وأهل تينملل من باب دُكّالة، في شمالها الغربي، ودخلت صنهاجة وعبيد المخزن من باب الدباغين في شرقها، ودخلت هسكورة مع القبائل الأخرى من باب يينتان. ولم يأت الظهر حتى استولى الموحدون على مراكش. ولجأ الأمير إبراهيم ابن تاشفين وجماعة من الخاصة والأعيان، إلى القصبة الداخلية المعروفة " بقصر
(3/262)

الحجر " وهي قلعة منيعة، فاستمر القتال حتى الزوال، وكثر القتل في المدافعين وأهل المدينة، واقتحم الموحدون القصبة، وقبضوا على الأمير إبراهيم ومن معه من الأمراء والكبراء، والأهل والولد، وأخذوهم إلى محلة عبد المؤمن، فوق تل إيجليز، لتقرير مصيرهم (1).
وهكذا اقتحم الموحدون مراكش، ودخلوها بالسيف على النحو الذي تصفه لنا الرواية المعاصرة، ويضيف مؤرخ معاصر آخر هو ابن الأشيري إلى ذلك قوله، إن أهل مراكش بعد هزيمة باب دكالة، أيقنوا بالهلاك، وأن المحلة الموحدية انتقلت إلى دار الفتح وسط البحيرة (أي البستان)، في صدر شوال سنة 541 هـ، فلم تزل هناك، وأمر المدينة في كل يوم يزداد ضعفاً، وأحوالها ترق، إلى أن كان يوم السبت السابع عشر من شوال، ففتحت مراكش ودخلها الموحدون (2).
بيد أن ابن خلدون يقدم إلينا رواية أخرى خلاصتها، أنه لما أجهد الحصار أهل مراكش، وفتك بهم الجوع، برزوا إلى قتال الموحدين، فوقعت عليهم الهزيمة، وتتبعهم الموحدون بالقتل، واقتحموا عليهم المدينة. ومعنى ذلك أن مراكش سقطت على أثر معركة، نشبت خارج الأسوار، بين المرابطين والموحدين (3).
ويبدو من مختلف التفاصيل، أن مراكش لم تسقط في أيدي الموحدين إلا بعد دفاع مرير، بذل فيه المرابطون وأهل المدينة جهوداً رائعة، بالرغم مما كان يحيط بهم من الظروف الأليمة، وقتل فيه من المرابطين والمدنيين، حسبما يقول لنا ابن اليسع نيف وسبعون ألف رجل (4). ومن المواقف الرائعة الجديرة بالإعجاب، ما قصه علينا البيذق من أن فانّو بنت عمر بن يينتان، وهي فتاة بارعة الحسن، وافرة الجرأة، كانت تقاتل الموحدين أمام القصر (القصبة) في ثياب فارس.
وكان الموحدون، حسبما يقص علينا البيذق يتعجبون من قتالها، ومن شدة ما أعطاها الله من الشجاعة، ولم يعرفها الموحدون حتى قتلت وتبين أنها امرأة في ثياب رجل (5).
_______
(1) كتاب أخبار المهدي ابن تومرت ص 103، والبيان المغرب القسم الثالث ص 33، والحلل الموشية ص 103 و 104. وراجع خريطة مراكش السابق نشرها في ص 187.
(2) البيان المغرب القسم الثالث ص 23 و 24.
(3) ابن خلدون ج 6 ص 232.
(4) الحلل الموشية ص 104.
(5) أخبار المهدي ابن تومرت ص 103.
(3/263)

ولم يكتف الموحدون، بما أوقعوا من الفتك الذريع بالمرابطين وأهل المدينة، ولكنهم أعلنوا استباحة مراكش فيما يصفه ابن الخطيب " بالمحنة العظمى ". وذلك أنهم قرروا استباحة دماء كل من اشتملت عليه من الذكور البالغين. واستمر ْبها القتل الذريع ثلاثة أيام أخرى، ولم ينج من أهلها إلا من استطاع الاختفاء في سرب أو غيره. وطورد اللمتونيون بالأخص أشد مطاردة، واستئصلوا أينما وجدوا. ثم أعلن عبد المؤمن بعد ذلك عفوه عن أهل المدينة المفتوحة. قال ابن الخطيب " فظهر من جميع الخلق بها، ما يناهز السبعين رجلا، وبيعوا بيع أسارى المشركين، هم وذراريهم، وعفي عنهم " (1). وقال صاحب البيان المغرب، إن مراكش أبيحت لقتل من وجد فيها من اللمتونيين مدى ثلاثة أيام، ثم عفا عنهم عبد المؤمن، واشتراهم من الموحدين، وأعتقهم وأطلقهم.
واستولى عبد المؤمن على ذخائر تاشفين وجميع أمراء لمتونة، مما لا يحيط به حصر ولا وصف ولا بيان.
ولم يكن مصير الأمير الصبي إبراهيم آخر ملوك الدولة المرابطية، وزملائه من أشياخ لمتونة، بأقل روعة. ذلك أنهم اقتيدوا حسبما قدمنا، إلى قبة عبد المؤمن فوق تل إيجليز. وكان إبراهيم قد قبض عليه مع الآخرين في القصبة. وقيل إنه وجد مختفياً في إحدى غرف القصر في كومة من الفحم (2). فلما أخذ إلى عبد المؤمن، أشفق عليه ورثا لمحنته وصغر سنه، ومال إلى العفو عنه والإبقاء عليه. ويقص علينا البيذق وهو شاهد عيان، أن الأمير الفتى كان يتضرع إلى عبد المؤمن، ويقول له يا أمير المؤمنين ما لي في الرأي شىء، فيقول له وصيفه طلحة " أصمت عنا، هل رأيت ملكاً يتضرع لملك مثله ". وفي رواية أخرى أن سير بن الحاج أحد أشياخ المرابطين، لما رأى تضرع إبراهيم لعبد المؤمن، تفل في وجهه وقال له " أترغب إلى أبيك ومشفق عليك، اصبر صبر الرجال ". وعلى أي حال فقد تأثر عبد المؤمن لضراعة الأمير الفتى، وقال لأبى الحسن بن واجّاج (وهو من أهل خمسين)، وكان قد قتل بيده عدة من أمراء وأشياخ لمتونة عقب إحضارهم إلى تل إيجليز " أترك هؤلاء الصبيان، ما الذي تعمل بهم "، فصاح به أبو الحسن " ارتد علينا عبد المؤمن، يريد أن يربي علينا فراخ السبوعة "، فغضب الخليفة، وغادر
_______
(1) الإحاطة في أخبار غرناطة (1956) ج 1 ص 192.
(2) البيان المغرب القسم الثالث ص 23.
(3/264)

مكانه وتبعه الموحدون إلا أبا الحسن، والشيخ أبا حفص، فاقتاد أبو الحسن الأمير إبراهيم وقتله، ثم جذبوا طلحة، وصيفه ليقتلوه، فلما اقترب من أبى الحسن، استل خنجراً كان يحتفظ به، وطعن أبا الحسن فقتله، وقتله الموحدون على الأثر، ويضيف البيذق إلى ذلك أن أبا الحسن كان قد أوثق زهاء ألف رجل من أبناء دُكّالة ليقتلهم، فلما قُتل أطلق سراحهم، وعفى عنهم (1).
وهكذا زهق أبو إسحاق إبراهيم بن تاشفين بن علي بن يوسف بن تاشفين، صبياً في السادسة عشر من عمره، بعد أن حكم حكمه الإسمي المنكود مدى عامين، وزهق ضحية بريئة للحوادث، دون أن يضطلع منها بشىء، أو يعقد أو يحل منها أمراً ذا خطر، وقد كان حرياً برجل عظيم مثل عبد المؤمن أن يحقن دم هذا الأمير الصغير، لو أنه استعمل الصرامة والحزم مع أولئك الأتباع الظمئين إلى الدماء. وبموت إبراهيم اختتم ثبت ملوك لمتونة، وانهار عرش بني يوسف ابن تاشفين، بعد أن لبث منذ تأسيس مراكش في سنة 462 هـ، ثمانين عاماً، ترفرف أعلامه الظافرة على أنحاء المغرب، وخمسين عاماً ترفرف فوق جنبات الدولة المرابطية الكبرى بالمغرب والأندلس.
ويصف لنا البيذق بعد ذلك مصير أبى بكر بن تيزميت خادم علي بن يوسف، وكيف أمر الخليفة بقتله، لأنه هو الذي قبض على المهدي أيام وجوده بمراكش وحمله إلى السجن، وكيف غرر أبو بكر بالموحدين، وزعم أن لديه بمنزله آنية ملأى بالذهب، يريد أن يسلمها للموحدين، فبعث معه الخليفة باثني عشر رجلا ليتسلموا الذهب فأغلق الدار عليهم وقتلهم، وهم يشتغلون بالحفر بحثاً عن الآنية المزعومة، فأخذ إلى الخليفة وأمر به فقتل (2).
وكان عبد المؤمن قد دخل مراكش على أثر افتتاحها، ثم عاد منها في الحال إلى محلته، ورتب الأمناء على أبوابها. وبقيت مراكش بعد ذلك ثلاثة أيام لا يدخلها ولا يخرج منها أحد. ذلك أن الموحدين، كانوا يرون، في غلوائهم الدينية، أن مراكش هي مدينة المجسمين وأهل اللثام، الذين لعنهم المهدي، وأفتى بشركهم وتكفيرهم، فهي إذن مدينة نجسة، لا تصلح لنزول الموحدين الأطهار. وقال أشياخ الموحدين فوق ذلك إن المهدي امتنع عن سكنى مراكش،
_______
(1) أخبار المهدي ابن تومرت سنة 104، والبيان المغرب القسم الثالث ص 24.
(2) أخبار المهدي ابن تومرت ص 105.
(3/265)

لتشريق مساجدها عن القبلة المستقيمة، والتشريق والتحريف، لغير المسلمين من اليهود وغيرهم. فأشار الفقهاء الموحدون عندئذ بتطهير المدينة، تمهيداً لسكناها، ونصحوا بهدم جوامعها القائمة، بسبب تشريقها وتحريفها عن القبلة. وهكذا هُدم جامع علي بن يوسف هدماً جزئياً، وهدمت الجوامع الأخرى. وتولى الأمناء جمع السبي والأسلاب من الحلي والسلاح والمتاع وغيرها، وحملت كلها إلى المخازن، وبيع النساء في اليوم الرابع، بعد أن تم تطهير المدينة وجمعت أسلابها على هذا النحو، ودخل عبد المؤمن مراكش، وقسم أرزاقها ودورها على الموحدين، فسكنوها بضع أسابيع (1).
ومما له مغزى بارز، ما يقصه علينا المراكشي، من أن عبد المؤمن حين دخوله مراكش، بحث عن قبر أمير المسلمين يوسف بن تاشفين أشد البحث، فأخفاه الله عنه وستره، وكان ذلك حسبما يروي المؤرخ، دليلا على رعاية الله وعادته الحسنى مع الصالحين المصلحين (2).
ويقدم إلينا الإدريسي الذي تجول في أنحاء المغرب وقواعده في أواخر عهد المرابطين (حوالي سنة 530 هـ) وصفاً لمدينة مراكش عقب سقوطها في أيدي الموحدين، يقول فيه، إنها أي مراكش كانت دار إمارة لمتونة ومدار ملكهم، وكان بها قصور لكثير من الأمراء والقواد وخدام الدولة، وأزقتها واسعة، ورحابها فسيحة، ومبانيها سامية، وأسواقها مختلفة، وسلعها نافقة، وكان بها جامع بناه أميرها يوسف بن تاشفين، فلما كان في هذا الوقت، وتغلب عليها المصامدة، وصار الملك لهم، تركوا ذلك الجامع معطّلا مغلق الأبواب، ولا يرون الصلاة فيه، وبنوا لأنفسهم مسجداً جامعاً يصلون فيه، برهد أن نهبوا الأموال وسفكوا الدماء، وأباحوا الحُرم، كل ذلك بمذهب لهم يرون ذلك فيه حلالا. وشُرب أهل مراكش من الآبار، ومياهها كلها عذبة، وآبارهم قريبة معينة. وكان علي بن يوسف قد جلب إلى مراكش ماء من عين بينها وبين المدينة أميال، ولم يستتم ذلك،
_______
(1) أخبار المهدي ابن تومرت ص 105 و 106. والبيان المغرب القسم الثالث ص 25.
(2) المعجب ص 113. ولو صحت رواية المراكشي، فإن المرجح هو أن يكون المرابطون، قد اصطلحوا على إخفاء قبر يوسف وتجهيله، حتى لا يخربه الموحدون، ويعتدوا على رفات البطل المرابطي. ولقد أرشدت في بعض زياراتي لمراكش إلى زاوية صغيرة، بها صبيان يقرأون، وقيل لي إن بها قبر يوسف بن تاشفين. ولكني لم أجد أي شاهد أو نقش أو دليل يحمل على الاعتقاد في صحة هذا القول.
(3/266)

فلما تغلب المصامدة على الملك، تمموا جلب ذلك الماء إلى داخل المدينة، وصنعوا به سقايات بقرب دار الحجر، وهي الحظيرة التي فيها القصر منفرداً متحيزاً بذاته، والمدينة بخارج هذا القصر، وطولها أشف من ميل، وعرضها قرب ذلك، وعلى ثلاثة أميال من مراكش نهر لها يسمى تانسيفت، وليس بالكبير لكنه دائم الجري (1).
وفي نفس الوقت الذي افتتحت فيه مراكش، دخل الموحدون قصبة تِلِمسان، وذلك في الخامس عشر من شوال سنة 541 هـ، أعني قبل سقوط مراكش بثلاثة أيام. ووفد على عبد المؤمن عندئذ من أشياخ الموحدين، يحيى بن إسحاق المسّوفي المعروف بأنجمار أمير تلمسان السابق، وكان قد دخل في طاعة الموحدين، فشمله عبد المؤمن برعايته، واحتُرمت داره وزوجته زينب بنت علي بن يوسف، وسائر أصحابه وأسرهم (2).
وحدث خلال وجود عبد المؤمن بمراكش أن قدم عليه من الأندلس وفد إشبيلية وعلى رأسه القاضي أبو بكر بن العربي المعافري، بعد مقتل ولده عبد الله في حوادث إشبيلية، والخطيب أبو عمر بن الحجاج، وأبو بكر بن الجد الكاتب، وأبو الحسن الزهري، وأبو الحسن ابن صاحب الصلاة، وغيرهم من زعماء إشبيلية ووجوهها، فاستقبلهم عبد المؤمن، وألقى القاضي أبو بكر وبعض زملائه بين يديه خطباً بليغة، ورفعوا إليه بيعة أهل إشبيلية مكتوبة بخطوطهم، فاستحسن عبد المؤمن موقفهم، وقبل طاعتهم، وأغدق عليهم الجوائز والصلات، وكان ذلك في أوائل سنة 542 هـ. ولما عاد الوفد إلى الأندلس، توفي القاضي ابن العربي، خلال الطريق، ودفن بفاس في جمادى الآخرة من نفس السنة. وكان مقدم هذا الوفد البارز، وهو يمثل أعظم حواضر الأندلس، من الدلالات الواضحة، على تحول ولاء الأندلس بسرعة، إلى جانب الموحدين. وكان له أثره فيما بعد، في إيثار الموحدين لإشبيلية، واتخاذها حاضرة الأندلس في عهدهم (3).
_______
(1) وصف المغرب وأرض السودان ومصر والأندلس (المأخوذ من كتاب نزهة المشتاق) للإدريسي (طبعة دوزي) ص 68، 69.
(2) البيان المغرب - القسم الثالث - ص 25.
(3) الحلل الموشية ص 111 و 112، والزركشي في تاريخ الدولتين ص 6.
(3/267)

الفصل السادِس
الدولة الموحدية في سبيل التوطد
اختتام الغزوة الموحدية الكبرى. اضطرام الثورة في بلاد السوس. زعيمها الهادي أو الماسي. اتساع نطاقها وخلع القبائل لطاعة الموحدين. مسير الموحدين لقمع الثورة بقيادة الشيخ أبى حفص عمر. لقاء الموحدين وقوات الماسي في وادي ماسة. هزيمة الماسي ومصرعه وتمزيق جموعه. الجندي الكاتب أبو جعفر بن عطية ورسالته عن الموقعة. إعجاب أبى حفص بها. إعجاب الخليفة واستدعاؤه لابن عطية، وتقليده خطة الكتابة. مطاردة أبى حفص للقبائل الخارجة وتمزيقها. غزوه لأراضي برغواطة. نزول يحيى الصحراوي في سبتة. غدره بابن ميمون وقتله. دور القاضي عياض في حوادث سبتة. انتقاض أهل سبتة ومقتل واليها الموحدي. مسير الصحرأوى من سبتة إلى سلا ثم إلى أراضي برغواطة. اجتماع برغواطة ودكالة ورجراجة وحاحة حوله. عبد المؤمن يرسل إلى برغواطة حملة جديدة بقيادة يصلاسن. مسير يصلاسن إلى سلا واقتحامها وخضوعها. ثم إلى بني وراغل وإخضاعهم. مسيره إلى طنجة واقتحامها، ثم إلى سبتة. مبادرة أهل سبتة إلى الخضوع والعفو عنها. عبد المؤمن يجهز الحشود لمقاتلة برغواطة والصحراوي. خروجه في قواته من مراكش ومسيره صوب دكالة، ثم أزمور. مهاجمته لحشود الثوار وتمزيقهم. فرارهم نحو البحر وغرق الكثير منهم. فرار يحيى الصحراوي وصحبه إلى السوس ثم إلى الصحراء. استيلاء عبد المؤمن على أسلاب برغواطة ودكالة. إذعان برغواطة إلى التوحيد. عودة عبد المؤمن إلى مراكش. نزعة الموحدين إلى القمع الدموي. حادث الاعتراف وقتل المارقين والمعاندين. الجرائد الدموية لمختلف القبائل وعدد القتلى من كل منها. تأملات حول موقف عبد المؤمن من هذا السفك المروع. إخماد ثورة أخرى في برغواطة. مسير عبد المؤمن في قواته إلى سلا. إنشاؤه لقصبة رباط الفتح. استقباله لوفود الأندلس. اعتزامه فتح بجاية وبواعث هذا القرار. مسيره صوب بجاية من طريق ملتوية. استيلاؤه على جزائر بني مزغنة. بنو حماد أصحاب بجاية والقلعة. قلعة بني حماد وموقعها. انتقالهم إلى بجاية. استيلاء عبد المؤمن على بجاية وما يقال في ذلك. استيلاء عبد الله بن عبد المؤمن على القلعة. سقوط بونة وقسنطينة في أيدي الموحدين. مسير يحيى بن عبد العزيز صاحب بجاية صحبة عبد المؤمن إلى مراكش. وصف بجاية في هذا العهد. الصدام بين الموحدين والعرب في هذه المنطقة. هزيمة العرب وتمزيق حشودهم. ثورة صنهاجة قرب بجاية وإخمادها. مسير عبد المؤمن إلى تلمسان ثم إلى فاس ومكناسة وسلا فمراكش. مؤامرة أخوى المهدي بمراكش. إخمادها وإعدام المتآمرين. قيام عبد المؤمن بحركة تطهير جديدة. عبد المؤمن يدبر مصرع القائد يصلاسن. ثورة جديدة في السوس. مسير أبى حفص لإخمادها. سحق القبائل الثائرة وأخذ غنائمها وتوحيد بعضها. مسير عبد المؤمن من مراكش إلى تينملل.
- 1 -
وهكذا اختتمت تلك الغزوة الكبرى، التي اضطلع بها عبد المؤمن بن علي، مذ خرج في حشوده الموحدية الجرارة، من تينملل في سنة 535 هـ (1140 م)،
(3/268)

واستمر زهاء سبعة أعوام يثخن في أنحاء المغرب، من الجنوب إلى الشمال، ثم إلى الشرق ثم إلى الجنوب، ويوقع بالجيوش المرابطية مرة بعد أخرى، ويستولي تباعاً على قواعد المغرب - اختتمت تلك الغزوة الكبرى باستيلاء الموحدين على حضرة مراكش، والقضاء على الدولة المرابطية في المغرب.
على أن تحقيق هذه الغاية الجوهرية، لم يكن نهاية الصراع الذي كان على الموحدين أن يضطلعوا به، لتوطيد دولتهم، والقضاء بصورة نهائية، على كل مقاومة لدعوتهم الدينية، وسلطانهم السياسي، وذلك أولا في المغرب، حيث قامت دعوتهم، وانتظمت دولتهم.
ثم كان عليهم بعد ذلك، أن يتابعوا فتوحهم، فيما وراء البحر، في الأندلس حيث كانت الدولة المرابطية، مازالت تحتفظ ببقية سلطانها، في شبه الجزيرة، وفي بعض قواعد الأندلس، وتحتفظ في نفس الوقت ببقية من قواتها العسكرية، ونفر من أكابر قادتها وزعمائها.
وفي الوقت الذي لاح فيه أن الموحدين، بفتح مراكش، قد وصلوا إلى ذروة سلطانهم، اضطرمت أول ثورة خطيرة ضد دعوتهم الدينية وسلطانهم السياسي، وكان ذلك في بلاد جزولة، غربي بلاد السوس، حيث قام ثائر يدعى محمد بن عبد الله بن هود وتسمى بالهادي. وأصل هذا الرجل من سلا، وكان قصّاراً، فلما ذاعت الدعوة الموحدية، واستولى الموحدون على سلا، ادعى الهداية، وسمى نفسه بالهادي، ثم سار جنوباً إلى أرض جزولة ونزل برباط ماسة، وذلك في شوال سنة 541 هـ، ومن ثم اشتهر كذلك باسم الماسي (1)، فتبعه كثير من الناس من مختلف القبائل، وذاعت دعوته بسرعة مدهشة، وسرعان ما استولى على بلاد تامسنا، وبلاد المصامدة، وانضمت إليه عدة من القبائل التي كانت تدين بالتوحيد مثل حاحة، ورجراجة، وهزميرة وهسكورة ودكالة، وخلعت معظم القواعد التي توحدت الطاعة، حتى لم يبق تحت سلطان عبد المؤمن وطاعته، في وسط المغرب وجنوبه، سوى فاس ومراكش. وكان استفحال الثورة، واتساع نطاقها على هذا النحو، دليلا على أن الدعوة الموحدية، لم تكن قد تمكنت بعد في نفوس معتنقيها، وأنهم لم يدينوا بها إلا تحت سلطان الضغط
_______
(1) الحلل الموشية ص 110، والبيان المغرب القسم الثالث ص 26. ويقول لنا صاحب روض القرطاس، إن الماسي حضر فتح مراكش مع عبد المؤمن وبايعه ثم خرج عليه (ص 123).
(3/269)

والإرهاب المادي. والواقع أن وسائل الموحدين في نشر دعوتهم لم تكن حسبما رأينا مما فصلناه من قبل، رفيقة ولا إنسانية، بل كانت قائمة على الخضوع الأعمى للدعوة والإرهاب المطلق، وسفك الدم السريع. ومن ثم كان ارتداد القبائل الموالية، بمثل السرعة التي توحدت بها، وانضمامها إلى راية الدعيّ الجديد.
وشعر عبد المؤمن وأشياخ الموحدين، أن الأمر سوف يخرج من أيديهم، إذا لم تسحق ثورة الماسي بسرعة. فبعث عبد المؤمن لقتاله حملة بقيادة ابن يكيت ويحيى المسّوفي المعروف بأنجمار، فلقيهم الماسي في قواته وهزمهم وأثخن فيهم فعندئذ جهز عبد المؤمن لقتاله حملة ضخمة مختارة، تضم طائفة من الروم، أي النصارى المرتزقة، والرماة وغيرهم، من المقاتلة المدربين، وعلى رأسها الشيخ أبو حفص عمر الهنتاني وعدة من أشياخ الموحدين. وكان بين الجند الرماة فتى يمتُّ إلى الأدب بصلة، هو أبو جعفر أحمد بن عطية القضاعي، وهو من أهل مراكش، ولكنه يرجع إلى أهل الأندلس، وأصله القديم من طرطوشة ثم من دانية (1)، وقد كان ضمن كتاب علي بن يوسف، ثم كتب عن ابنه تاشفين ثم عن حفيده إبراهيم، وكان على حداثة سنه من أحظى كتاب الدولة اللمتونية. فلما سقطت مراكش أخفى نفسه، ودخل في غمر الناس، وانضم إلى كتائب الموحدين، لا يعلم بحقيقته أحد. وكانت الحملة الموحدية تضم نحو ستة آلاف فارس ومثلهم من الرجالة. وكان جيش الماسي يضم نحو الستين ألفاً، ليس فيهم من الفرسان سوى سبعمائة. وسار الموحدون صوب تامسنا بوادي ماسه، والتقوا بقوات الماسي، وذلك في السادس عشر من شهر ذي الحجة سنة 542 هـ (7 مايو 1148 م)، ونشبت بين الفريقين معركة شديدة، قاتل فيها جند الماسي بشجاعة، ولكنهم هزموا في النهاية، وقتل الماسي، قتله الشيخ أبو حفص بيده، ومُزق جنده شر ممزق، وحمل الموحدون جثته فوق بغل، حيث صلبت على باب الشريعة بمراكش. وكان نصراً باهراً، انهارت على أثره ثورة الماسي وانفضت جموعه (2).
وحدث على أثر انتهاء المعركة بظفر الموحدين، أن بحث الشيخ أبو حفص
_______
(1) ابن الخطيب في الإحاطة (1956) ج 1 ص 271.
(2) أخبار المهدي ابن تومرت ص 106، والبيان المغرب القسم الثالث ص 26، والحلل الموشية ص 110، وروض القرطاس ص 134.
(3/270)

عن كاتب بارع يقوم بإعلام الخليفة بما أتاه الله من نصره، في رسالة قوية بليغة، فأرشد إلى فتى من الجند الرماة، يجيد الشعر والترسل، فاستحضره، وكان هو أبو جعفر بن عطية، فعهد إليه بأن يكتب عنه إلى الخلافة رسالة يصف فيها المعركة، فنزل أبو جعفر عند رغبته مرغماً، وكتب رسالته الشهيرة، في نصر الموحدين في ذلك اليوم، فجاءت قطعة من البلاغة المتدفقة، والبيان الرائع، وهي الرسالة التي رفعت إسمه وقدره، لدى الخليفة، وبين سائر الموحدين، وكانت سبيله إلى الوزارة، وإلى النفوذ والسلطان. وقد أورد لنا ابن الخطيب نص هذه الرسالة. وإنه ليكفي أن ننقل منها هاتين الفقرتين.
جاء في الديباجة ما يأتي:
" كتبنا هذا من وادي ماسة، بعدما تزحزح من أمر الله الكريم، ونصر الله المعلوم، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم، فتح بمسرى الأنوار إشارقاً، وأحدق بنفوس المؤمنين إحداقاً، ونبه للأماني القائمة جفوناً وأحداقاً، واستغرق غاية الشكر استغراقاً، فلا تطيق الألسنة كنه وصفه إدراكاً ولا لحاقاً، جمع أشتات الطب والأدب، وتقلب في النعم أكرم منقلب، وملأ دلاء الأمل إلى عقد الكرب.
فتح تفتّح أبواب السماء له ... وتبرز الأرض في أثوابها القشب
وتقدمت بشارتنا به جملة، حين لم تعط الحال بشرحه مهلة. كان أولئك الضالون المرتدون، قد بطروا عدواناً وظلماً، واقتطعوا الكفر معنى وإسماً، وأملى الله لهم ليزدادوا إثماً ".
ومنها في وصف مصرع أنصار الماسي: " فامتلأت تلك الجهات بأجسادهم، وأذنت الآجال بانقراض آمالهم، وأخذهم الله بكفرهم وفسادهم، فلم يُعاين منهم إلا من خر صريعاً، وسقى الأرض نجيعاً، ولقى من وقع الهنديات أمراً فظيعاً، ودعت الضرورة باقيهم إلى الترامي في الوادي، فمن كان يؤمل الفرار ويرتجيه، ويسبح طامعاً في الخروج إلى ما ينجيه، اختطفته الأسنة اختطافاً، وأذاقته موتاً زعافاً، ومن لج في الترامي على لججه، ورام البقاء في ثجه، قضى عليه شرقه، وألوى فرقته غرقه " (1).
_______
(1) ابن الخطيب في الإحاطة في ترجمة أبى جعفر بن عطية ج 1 ص 277.
(3/271)

يقول لنا ابن الخطيب، إن الشيخ أبا حفص حين قرئت عليه رسالة هذا الجندي الأديب، اشتد إعجابه بها، وأحسن إلى كاتبها، واعتقد أنه ذخر يتحف به عبد المؤمن، وأنها لما قرئت بعد ذلك على الخليفة بمحضر من أكابر الدولة عظُم مقدارها، ومقدار منشيها، وبعث في طلبه معززاً مكرماً.
ولما وفد ابن عطية على عبد المؤمن، بالغ في إكرامه، وقلده خطة الكتابة، وأسند إليه وزارته، ثم فوض إليه فيما بعد النظر في أموره كلها، فنهض بأعباء منصبه خير نهوض. ولكن القدر كان يتربص به، وكان يدخر له تلك الخاتمة المؤسية، التي سنقص سيرتها فيما بعد.
وعلى أثر هزيمة الماسي ومصرعه، وانهيار حركته، خرج الشيخ أبو حفص في قواته لمطاردة القبائل الخارجة، فسار أولا إلى هسكورة، وأثخن فيها، ومزق شملها، وسبى أهلها، واستاق غنائمها. ثم سار إلى أرض نفيس، ثم أرض هيلانة، فمزق جموعهم، وفرض عليهم الخضوع والطاعة. وسار بعد ذلك إلى سجلماسة فاستولى عليها، وأمّن أهلها. وعاد إلى مراكش فاستراح بها قليلا، ثم خرج غازياً إلى أرض برغواطة، وكانوا مازالوا على دعوة الماسي، فنشب بينهم وبينه قتال مرير، ومعارك متوالية، استمرت حيناً، وهزم الموحدون في نهايتها. واستمرت برغواطة ومن يجاورها من القبائل في ثورتهم وخروجهم فترة أخرى.
وكان يحيى بن أبى بكر بن علي الصحراوي، أو ابن الصحراوية، حينما فر من فاس، عند سقوطها في أيدي الموحدين، قد غادرها إلى سبتة ليحاول أن يجعل منها قاعدة للمقاومة، وجمع أشتات الفلول المرابطية. وهنا تختلف الرواية في شأن ما تلا من الحوادث التي وقعت في سبتة. ذلك أن البيذق قدم إلينا رواية خلاصتها أن الصحراوي حينما نزل بسبتة، حاصره بها على بن عيسى بن ميمون قائد الأسطول الأندلسي في منطقة قادس، وهو الذي انحاز إلى الموحدين حسبما تقدم، فتودد إليه الصحراوي، وأوهمه أنه يريد أن يبايع الموحدين، وأن يكون توحيده على يديه، وفي اليوم التالي نزل ابن ميمون من سفينته إلى البر، فاستقبله الصحراوي ثم هاجمه فجأة وطعنه برمحه فأرداه، وصلب جثته في برج المدينة، ثم غادر الصحراوي على أثر ذلك سبتة إلى طنجة (1).
_______
(1) أخبار المهدي ابن تومرت ص 107.
(3/272)

بيد أن هنالك رواية أوضح تفصيلا، هي رواية صاحب روض القرطاس، وابن خلدون، وهي رواية تدور حول الدور الخطير الذي قام به القاضي عِياض ابن موسى اليحصبي قاضي سبتة، في حوادث سبتة عندئذ. وكان القاضي عِياض من أعظم فقهاء العصر وعلمائه، وكان قد وُلّي قضاء سبتة شاباً، فاشتهر بنزاهته وغزارة علمه، فنقل إلى قضاء غرناطة (سنة 531 هـ)، ثم أعيد بعد ذلك إلى قضاء سبتة (539 هـ). فلما ظهر أمر الموحدين، بادر إلى الدخول في طاعتهم، وسار إلى لقاء الخليفة عبد المؤمن، وهو بسلا في أواخر سنة 540 هـ، فأكرمه عبد المؤمن وأجزل صلته، فعاد إلى سبتة واستمر في منصبه (1). بيد أنه لأسباب غير واضحة، تغير ضد الموحدين فجأة، ولم يلبث وفقاً للرواية المتقدمة، أن حرض أهل المدينة على الانتقاض والثورة، فثاروا بواليها الموحدي يوسف بن مخلوف التينمللي، وقتلوه ومن معه من الموحدين. ثم عبر القاضي عياض البحر إلى الأندلس، ولقى يحيى بن غانية المسّوفي، والى الأندلس المرابطي، وطلب منه والياً لسبتة، فبعث معه يحيى بن أبى بكر الصحراوي، وكان وفقاً لنفس الرواية قد عبر البحر إلى الأندلس، وانضم إلى ابن غانية. فقام الصحراوي بأمر سبتة، ثم كتبت إليه برغواطة تستنصر به على قتال عبد المؤمن، فغادر سبتة، وسار في صحبه إليهم، فبايعوه واجتمعوا تحت رايته (2). بيد أن البيذق، بعد ذكر ما تقدم من اغتيال الصحراوي لابن ميمون، يقدم إلينا عن خطط الصحراوي ومسيره إلى الجنوب، تفاصيل أخرى، خلاصتها أن الصحراوي لما غادر سبتة، سار منها إلى طنجة، وهنالك ألفي واليها يحيى بن تايشا المرابطي، ممتنعاً بأسوارها القوية، وعلى أهبة حسنة للدفاع، فغادرها إلى سلا، وكان بها الخياط والد الثائر الماسي، وكانت قد خرجت فيمن خرج على طاعة الموحدين.
ولكن الخياط لم يكن من أنصار لمتونة، فساء التفاهم بينه وبين الصحراوي، ولم يلبث أن وثب به الصحراوي وقتله، ووقعت هذه الحوادث كلها في أوائل سنة 543 هـ (1148 م) (3).
وكان يحيى الصحراوي جندياً عظيماً، وفارساً وافر الجرأة (4). وكان يعتزم
_______
(1) ابن الخطيب في الإحاطة - مخطوط الإسكوريال في ترجمة القاضي عياض لوحة 350.
(2) روض القرطاس ص 124، وابن خلدون ج 6 ص 233.
(3) أخبار المهدي ابن تومرت ص 107.
(4) المراكشي في المعجب ص 111.
(3/273)

أن ينزل إلى ميدان تضطرم فيه ثورة ضد الموحدين. وكانت المنطقة الساحلية الممتدة من سلا جنوباً، حتى أراضي برغواطة، ودُكالة، قد غدت كلها بعد هزيمة الموحدين أمام برغواطة، منطقة لمقاومة الدعوة الموحدية، ومحاولة تحطيمها، فإلى هذا الميدان نزل الصحراوي في صحبه القلائل، واجتمعت برغواطة ودكالة حول رايته، ثم قدمت إليه حشود رَجراجة وحاحة، وانضمت إليه، واجتمع من هؤلاء وهؤلاء، قوة يخشى بأسها.
فلما علم عبد المؤمن باجتماع هذه الحشود الضحمة الخصيمة وتأهبها لمقارعته، بعث لقتال الثوار حملة بقيادة يصلاسن، أحد خاصته. فسار يصلاسن أولا إلى تادلا، ومنها إلى سلا لمعاقبة أهلها على نكثهم، فاقتحمها، وغلب على قصبتها بالسيف، فعاد أهلها إلى الخضوع والطاعة، وعهد بولايتها إلى موسى بن زيري الهنتاني. ثم سار إلى أرض بني ورياغل، فيما بين سلا ومكناسة، وكانوا من الناكثين، فأخضعهم واستاق غنائمهم إلى مكناسة، فقسمت بين الموحدين، ثم اتجه شمالا صوب طنجة، وكانت ما تزال من معاقل لمتونة، فاقتحمها، وقتل واليها المرابطي يحيى بن تايشا. وسار منها بعد ذلك شرقاً إلى سبتة وحاصرها، ولكنه لم يدخلها، وعاد بقواته إلى مكناسة (1). وهنا لابد لنا أن نتساءل عن سر هذا الإغضاء عن معاقبة المدينة الثائرة أعني سبتة. والجواب على ذلك هو أن القاضي عِياض، حسبما يروي لنا البيذق، بادر فبعث إلى القائد الموحدي ببيعته وبيعة أهل سبتة للموحدين، وبذلك أنقذت المدينة (2). وفي رواية أخرى، أنه لما قدم الموحدون إلى سبتة، وشددوا في حصارها، سعى إليهم القاضي عياض، وتلطف في الاعتذار إليهم عما حدث، وفي استدرار عطفهم وصفحهم، فعفوا عنه، وملكوا البلدة، ولقى القاضي من القائد الموحدي يصلاسن بن المعز، كل عطف وإكرام، وأن القاضي عياض، سار بعد ذلك إلى مراكش (سنة 543 هـ)، ليستعطف الخليفة ويلتمس صفحه، فعفا عنه عبد المؤمن، وأمره بلزوم مجلسه، وأغدق عليه عطفه. ثم مرض القاضي غير بعيد، وتوفي بمراكش في ليلة التاسع من جمادى الآخرة سنة 544 هـ ودفن بها (1149 م) (3). وأخيراً يقول لنا
_______
(1) أخبار المهدي ص 107 و 108.
(2) أخبار المهدي ابن تومرت ص 108.
(3) وردت هذه الرواية خلال ترجمة للقاضي عياض يتضمنها مخطوط بالمكتبة الكتانية بخزانة الرباط عنوانه: " كتاب في التعريف بعياض "، ويحتفظ بها برقم 553 (لوحات 7 - 14).
(3/274)

صاحب القرطاس " إن أهل سبتة حينما رأوا ما نزل بالناكثين من صنوف الويل، بادروا بإعلان بيعتهم وطاعتهم، وحمل البيعة إلى عبد المؤمن أشياخ المدينة وطلبتها فتقبلها منهم، وعفا عنهم، وعن القاضي عياض، ولكنه أمره بمغادرة سبتة والإقامة بمراكش، فصدع بالأمر وسار إلى مراكش، وهنالك توفي بعد قليل في جمادى الأخرى سنة 544 هـ، وأمر عبد المؤمن كذلك بهدم أسوار سبتة فهدمت (1)، وأسندت ولايتها إلى حاكم موحدي هو عبد الله بن سليمان مع طائفة من الحفاظ، وعاد إليها الهدوء والسكينة.
واعتزم عبد المؤمن أن يخرج بنفسه ليقضي على الخارجين عليه في منطقة برغواطة ودُكالة، التي غدت بعد حلول الصحراوي بها مركزاً للمقاومة المرابطية.
فأرسل الكتب إلى سائر الأنحاء، وجاءت إليه حشود تترى من كل مكان، وكان في مقدمتهم يوسف بن وانودين، وقد وافاه بعساكر النواحي الشرقية، ولكنه توفي خلال الطريق بفاس، فخلفه في القيادة تاشفين بن ماخوخ وآخرون من الزعماء، ووفدت حشود المناطق الغربية وعلى رأسها عبد الله بن خيّار الجيّاني، الذي عرفناه من قبل مشرفاً على فاس، وقد لعب دوره في تسليمها إلى الموحدين، ثم حشود زناتة، بقيادة عبد الله بن شريف وثلاثة آخرين من الزعماء، وحشود غُمارة بقيادة عبد الله بن سليمان، وحشود صنهاجة بقيادة أبى بكر ابن الجبر وأبى يدِّر بن ومصال، وحشود جَراوة بقيادة عبد الله بن داود، واجتمعت هذه الحشود كلها تحت راية عبد المؤمن، فخرج من مراكش في عسكر جرار، وسار شمالا نحو أراضي دُكالة. وكانت حشود برغواطة ودكالة ويحيى الصحراوي قد اجتمعت عندئذ على مقربة من ساحل المحيط جنوبي ثغر أزمّور، وفي بعض الروايات أن هذه الجيوش التي اجتمعت لقتال عبد المؤمن بلغت زهاء عشرين ألف فارس ومائتي ألف راجل، وهو تقدير يحمل طابع المبالغة. ويقدم إلينا ابن خلدون تقديراً أكثر اعتدالا، فيقول إنهم كانوا في نحو ستين ألفاً من الرجالة وسبعمائة من الفرسان (2). بيد أنها كانت خالية من فرق الرماة، التي امتازت بها الجيوش الموحدية. والظاهر أيضاً مما تذكره الرواية المذكورة أن عبد المؤمن لجأ إلى خطة لم يحسب حسابها خصومه، وفاجأهم بالهجوم، فاختل
_______
(1) روض القرطاس ص 124.
(2) ابن خلدون ج 6 ص 232.
(3/275)

نظامهم، وتبدد شملهم، واضطروا إلى مغادرة مراكزهم الحصينة نحو البحر، فغرقت منهم جموع غفيرة، وتمت عليهم الهزيمة الساحقة (1)، ومزقت بالأخص حشود دكالة، وفر زعماؤها ومعهم يحيى الصحراوي إلى السوس، فسار في أثرهم يصلاسن حتى أراضي رجراجة، ومزق جموعها حتى أذعنت إلى التوحيد، وفر يحيى إلى الصحراء. وفي رواية أخرى أنه بعث إلى عبد المؤمن يستأمنه فأمنه وبايعه وحسنت طاعته (2). واستولى عبد المؤمن على أسلاب برغواطة ودكالة، وسبى نساءهم وأولادهم وبيعوا رقيقاً. وأذعنت برغواطة إلى التوحيد، واسترد الموحدون منها ما سبق أن غنموه من أبى حفص حين هزيمته من السلاح والعتاد، وكذلك رُد إليه ولده وجاريته، وانتشر الموحدون في تلك المنطقة، وأخمدوا عدة ثورات محلية صغيرة. ووقعت هذه الحوادث حسبما يقص علينا البيذق في سنة 543 هـ (1148 م) (3)، وعاد عبد المؤمن إلى مراكش ظافراً بعد أن قضى في تلك الغزوة ستة أشهر.
- 2 -
وهكذا هدأت الثورة ضد الموحدين في مختلف النواحي، وأرغمت معظم القبائل والقواعد الثائرة، بقوة السيف، والسيف وحده، على العودة إلى الخضوع والطاعة. ولكن ما بثته هذه الثورات المضطرمة، من أقوام كان معظمهم قد آمن بدعوة المهدي، وانضوى تحت لوائها، في نفوس الموحدين من المرارة والسخط، كان نذيراً بفورة دموية جديدة. ولقد رأينا فيما تقدم، من مراحل الصراع بين الموحدين والمرابطين، كيف كان هذا الصراع يتميز في كثير من المواطن، بألوانه الدموية المثيرة، وكيف كان الموحدون يتبعون نحو المهزومين والعزّل من خصومهم، خطة التقتيل الشامل، وسفك الدماء دون تحفظ، وهي خطة كانت حسبما رأينا شعار المهدي ابن تومرت في محاربة خصومه. والظاهر أن هذه النزعة الدموية استمرت في الموحدين أجيالا، حتى بعد أن توطدت دولتهم بمدة طويلة، فإن المراكشي مثلا، وهو من مؤرخي الموحدين،
_______
(1) الحلل الموشية ص 111.
(2) روض القرطاس ص 124.
(3) أخبار المهدي ابن تومرت ص 109. وفي ابن خلدون أنها وقعت في سنة 542 هـ.
كتاب العبر ج 6 ص 233.
(3/276)

ينوه في كتابه بما جبل عليه المصامدة، وهم عماد الجيوش الموحدية، من ميل إلى سفك الدماء، وكيف أنه وهو في بلاد السوس (في أوائل القرن السابع) مهد المصامدة، قد شهد من ذلك العجب (1).
والآن نقف أمام صفحة دموية جديدة كتبها الخليفة عبد المؤمن وصحبه الموحدون، عقب انتصارهم على القبائل الثائرة، وهي صفحة يقدم إلينا البيذق تفاصيلها الرهيبة فيما يسميه " الاعتراف " أعني الاعتراف بطاعة التوحيد.
وذلك أن الخليفة عبد المؤمن، عقب عوده ظافراً إلى مراكش، عقد للموحدين مجلساً، ووعظهم وكتب لهم الجرائد بالوعظ والاعتراف، ووزعها على أشياخ الموحدين، وأمرهم باستعمال السيف في تنفيذها. ومؤدي ذلك أنه عهد إلى أشياخ مختلف القبائل وزعمائها، كل بجريدة أو قائمة، تحتوي على مئات من أسماء المارقين، والمشكوك في ولائهم، أو من يصفهم البيذق " بأهل التخليط والمعاندين " ووجوب قتلهم، وتطهير القبائل والبطون منهم، ونحن نكتفي بأن ننقل مما يورده لنا البيذق من الأسماء والتفاصيل الكثيرة، أسماء القبائل، وعدد من أعدم منها، على الوجه الآتي:
أعدم من قبيلة هزميرة خمسمائة، وأعدم من رجراجة ثمانمائة، وأعدم من حاحة ثمانمائة، وأعدم من أهل السوس ستمائة من أهل إيجلي، وستمائة من أهل إينجيست، وأعدم من أهل جزولة مائتان في تاعجيزت وثلاثمائة في هشتوكة، وأعدم من هسكورة ثمانمائة، وهوجمت بقية بطونهم حتى بلغ عدد القتلى ألفين وخمسمائة، وأعدم من أهل تادلا خمسمائة في محلة نظير، ثم هوجم منهم أهل تيفسيرت وقتلوا، وأخذت غنائمهم ونساؤهم، وقتل من صنهاجة وجراوة ألف في موضع يسمى بالعمري، وقتل من زناتة ستة آلاف بأرض فازاز، وقتل من صاربوه وبني ماكود اثنا عشر ألفاً، وقتل من غمارة في تطاوين ثمانمائة، وقتل في مكناسة مائتان، وفي فاس ثمانين، وقتل في تامسنا ستمائة من أهل برغواطة، وقتل من دكالة ستمائة، ومن هيلانة ثمانمائة، ومن وريكة وهزرجة مائتان وخمسون، ومن لجاعة مائة وخمسون، ومن درعة ستمائة. ونجا أهل سجلماسة بدعاء عابد فيهم استجاب الله دعاءه (2).
_______
(1) المعجب للمراكشي ص 106.
(2) أخبار المهدي ابن تومرت ص 109 - 112.
(3/277)

يقول البيذق بعد إيراد ما تقدم " تم الاعتراف بحمد الله وعونه .. فهدّأ الله البلاد للموحدين، وأعانهم على الحق ونصرهم، وأقاموا الدين، ولم يتفرقوا فيه. وتمهدت الدنيا، وأزال الله ما كان فيها من التخليط. وهذا كان سبب الاعتراف "، ثم يضع تاريخ هذه الحوادث الدموية في سنة 544 هـ (1149 م) (1).
وإنه لمما يلفت النظر في هذا الحادث الدموي، أولا وقبل كل شىء، أنه وفقاً لأقوال البيذق، من عمل عبد المؤمن وتدبيره، وأنه يدمغ جهود عبد المؤمن وسياسته في توطيد الدولة الموحدية، بطابع بغيض. بيد أننا نشعر من جهة أخرى، أن هذا العمل وما تقدمه من تصرفات دموية عديدة، خلال هذا الصراع الديني والسياسي العظيم، لا يمكن أن تنسب إلى عبد المؤمن دون تحفظ.
ذلك أن عبد المؤمن إذا كان باعتباره خليفة الموحدين وقائدهم الأعلى، مسئولا عن هذه الأعمال المثيرة أمام التاريخ، فإنه يجب أن نذكر أيضاً أن عبد المؤمن، لم يكن بالرغم من رفيع مركزه، وسلطانه الظاهر، مطلق التصرف في كل ما يقوله أو يفعله، وأنه كان بالعكس مرغماً على أن يخضع في كثير من المواطن لضغط الأشياخ والقادة. فقد رأينا مثلا، كيف أنه حينما قُتل أخوه إبراهيم بيد بعض أكابر الموحدين، غلب على أمره، ومنع بتدخل أصحاب المهدي، من أن يقتص لمقتله من قاتله، ثم رأيناه بعد ذلك يُغلب على أمره مرة أخرى، حينما دخل الموحدون مراكش، وقُبض على إبراهيم بن تاشفين، وأتى به إلى عبد المؤمن فرقّ لحداثة سنه، وأراد أن يعفو عنه وأن يفره من القتل، فاعترض عليه بعض الأشياخ، وأخذ إبراهيم وقتل رغماً عن إرادته. ففي هذه الحوادث وأمثالها ما يدلى بوضوح بأن عبد المؤمن، لم يكن مطلق الحرية في سائر تصرفاته. وإنّا لنرتاب في أن يكون أمثال مذبحة الإعتراف، معبرة عن خلق عبد المؤمن وميوله الحقيقية، ونعتقد أنه لابد أن يكون وراءها، ووراء أمثالها من التصرفات الدموية المثيرة، ضغط الأشياخ والصحب، وقد كانوا في تلك المرحلة، هم أصحاب التوجيه الحقيقي، يزاولونه أحياناً بصورة ظاهرة، وغالباً من وراء حجاب.
- 3 -
بعد أن تم لعبد المؤمن سحق الثورة الكبرى، في أراضي برغواطة ودكالة، وبعد أن تم له تمييز القبائل، وقتل المارقين على النحو المتقدم، اعتزم أن يقوم
_______
(1) أخبار المهدي بن تومرت ص 112.
(3/278)

بجولته الثانية لسحق ما تبقى من مواطن الثورة والمقاومة، وليتم افتتاح المغرب بافتتاح إفريقية. وكان قد قام في تلك الأثناء بتامسنا، عقب حرب برغواطة بقليل، ثائر جديد يدعى بابن تمركيد، فبايعه كثير من أهل برغواطة، وغيرها من القبائل، ولبث حيناً يتحدى الموحدين، ويشتبك معهم في معارك متوالية، إلى أن يهزم أخيراً، وقتل، وقتل معه كثير من أنصاره، وحمل رأسه إلى مراكش (سنة 544 هـ).
وخرج عبد المؤمن في قواته من مراكش سنة 545 هـ، مستخلفاً عليها أبا حفص عمر بن يحيى الهنتاني، وسار إلى مدينة سلا، وأمر بأن تنشأ قصبة وقصر فوق اللسان الممتد في البحر أمام سلا، وبأن ينشأ سرب يستمد الماء من عين غبولة القريبة لإمداد المحلة الموحدية، فتم ذلك، وجرى الماء، وغرست الحدائق والرياض، وأذن الخليفة للناس في التعمير والسكنى، فكان ذلك منشأ مدينة رِباط الفتح، التي غدت من ذلك الحين مركزاً لتجمع الجيوش الموحدية الغازية.
ولبث الخليفة بسلا خمسة أشهر. وفي خلال ذلك، وفدت عليه وفود عديدة من الأندلس بلغت زهاء خمسمائة من الفقهاء والقضاة والزعماء والقادة، فاستقبلهم الوزير أبو إبراهيم والوزير أبو حفص، والكاتب الوزير أبو جعفر بن عطية، وأشياخ الموحدين. فأكرمت وفادتهم وأنزلوا خير منزل. ثم أخذوا لمقابلة الخليفة، وكان دخولهم عليه في غرة شهر المحرم سنة 546 هـ، وكان أول من تقدم بين يديه وفد قرطبة، فشرح قاضيها أبو القاسم ابن الحاج للخليفة، ما تعانيه قرطبة، من تهديد النصارى وضغطهم، وتلاه الكاتب أبو بكر بن الجد بخطبة بليغة، ثم تعاقبت الوفود في السلام والتهنئة، فشمل الخليفة الجميع بعطفه، وأجزل لهم الصلات كل على قدر مكانته، ثم أمرهم بالانصراف إلى بلادهم (1). ولا ريب أن تعاقب الوفود الأندلسية على المغرب على هذا النحو، كان له أثره في خطط عبد المؤمن المستقبلة، نحو افتتاح الأندلس، وتنظيم شئونها.
وغادر عبد المؤمن سلا في أوائل سنة 546 هـ، وسار إلى المعمورة، وهو يعتزم افتتاح بجاية وإفريقية. وكانت ثمة بواعث عديدة لها خطرها، قد حملته على
_______
(1) هذه هي رواية صاحب روض القرطاس (ص 122)، ويمر البيذق على هذا الحادث بالصمت. ويشير إليه الزركشي في تاريخ الدولتين (ص 7)، ولكنه يضع تاريخه سنة 553 هـ، ويقول لنا إنه كان ضمن الوفد الأندلسي، الشاعرة الأندلسية الشهيرة حفصة بنت الحاج الركوني، وإنها أنشدت الخليفة شعراً، أعجب به، وأنه منحها إقطاع قرية ركانة.
(3/279)

اتخاذ هذا القرار، منها اضطراب الأمور في إفريقية واختلاف أمرائها، واستطالة العرب عليها؛ وعيثهم في أراضيها، حتى أنهم حاصروا مدينة القيروان. وأهم من ذلك كله ما حدث من اعتداء الفرنج الصقليين على الثغور الإفريقية، وافتتاحهم لمدينة المهدية (سنة 543 هـ)، وسيطرتهم على الشاطىء الإفريقي من طرابلس حتى مياه تونس. كل ذلك حمل عبد المؤمن على أن يضع خطته لافتتاح إفريقية (1).
بيد أنه لم يسر في ذلك الاتجاه تواً، بل سار إلى سبتة متظاهراً بقصد الجواز إلى الأندلس برسم الجهاد. وهنالك استدعى وجوه الأندلس وفقهاءها وقوادها، فوفدوا إليه، فحدثهم في مسائلهم، وألقى عليهم توصياته ثم صرفهم، وغادر سبتة متجهاً في الظاهر إلى طريق مراكش، ولكنه سلك طريقاً أخرى غير مطروقة، وأمر في نفس الوقت بمنع السفر في الطرق المسلوكة، في المغرب الأوسط، من سلا إلى مكناسة، ومن مكناسة إلى فاس ومن تلمسان إلى فاس. ثم اتجه نحو الشرق، مبالغاً في إخفاء وجهته، وسار مسرعاً صوب بجاية، واستولى في طريقه على جزائر بني مزغنة (وهي التي صارت مدينة الجزائر فيما بعد)، ففر منها عاملها القائم بن يحيى إلى بجاية، ونبأ أباه يحيى بن العزيز بالله الصنهاجي، سليل بني حماد، بمقدم الموحدين. وكان بالجزائر في نفس الوقت، الحسن بن علي الصنهاجي صاحب المهدية، وابن عم صاحب بجاية، وكان الفرنج الصقليون قد استولوا على المهدية في أوائل سنة 543 هـ (1148 م) حسبما تقدم، فخرج منها ملتجئاً إلى ابن عمه يحيى، فأنزله بالجزائر منزلا سيئاً، فلما دخلها الموحدون، بادر إلى عبد المؤمن فبايعه، وصحبه مستظلا برعايته.
ويجدر بنا أن نذكر هنا كلمة عن مدينة بجاية هذه، وهي التي سوف يتردد ذكرها منذ الآن فصاعداً، في مواطن ومناسبات تاريخية كثيرة. وكان إنشاؤها نتيجة لما حدث من الشقاق، بين بني زيري أمراء إفريقية. وذلك أنه قام خلاف بين تميم بن المعز بن باديس أمير إفريقية، وبين ابن عمه الناصر ابن علناس، ففارقه الناصر، وخرج في أصحابه، ودله بعضهم على موضع بجاية، وقد كان به منازل قليلة للبربر، وبين له مزاياه من المنعة، والمرسى الذي يمكن أن يغدو مركزاً هاماً لرسو السفن، وترويج التجارة، فأمر باختطاط مدينة بهذا الموقع، وهو في حماية جبل شاهق، وكان ذلك في حدود سنة
_______
(1) ابن خلدون ج 6 ص 235.
(3/280)

457 هـ (1065 م) (1). وفي رواية أخرى أن بناء بجاية جاء نتيجة لتوغل العرب في إفريقية وعيثهم فيها، وأنهم لما قاموا بتخريب القيروان، ومعظم مدن إفريقية، فر منهم صاحب القيروان، وخرج لنصرته ابن عمه المنصور بن حماد، فهزمه العرب هزيمة شديدة، ففر إلى قاعدته بالقلعة، ولكن العرب جدوا في أثره، وطاردوه، فبحث عن موضع يختط فيه لنفسه محلة جديدة لا يلحقه فيها شر العرب، فدله بعض أصحابه على موقع بجاية، وكان مرسى قديماً، فاختطها فيه، ونقل إليها مركز حكمه، واتخذها دار ملكه (2). ومن ذلك الحين سارت بجاية في طريق التقدم، وغدت من أغنى وأزهر الثغور الإفريقية.
وكان بنو حماد هؤلاء أصحاب بجاية والقلعة، وما يليها من ثغور المغرب الأوسط، بونة وقسنطينة والجزائر، هم فرع من بني زيري بن مناد ملوك إفريقية الصنهاجيين، الذين بسطوا عليها سيادتهم مذ غادرها بنو عبيد الفاطميون إلى مصر، في أواخر القرن الرابع الهجري، وكانوا يستظلون في البداية بسلطان الخلافة الفاطمية، ثم أعلنوا استقلالهم، وضخم ملكهم بإفريقية. وفي أوائل القرن الخامس خرج حماد بن يوسف بن زيري على ابن أخيه باديس بن المنصور ابن يوسف، واستقل بالمناطق الغربية، أعني الزاب والمغرب الأوسط، وكان والياً عليها من قبل ابن أخيه، وأسس بها إمارة جديدة عرفت بمملكة بني حماد.
ولما توفي حماد في سنة 419 هـ، تعاقب بنوه من بعده في الملك، وكان مركزهم في البداية بالقلعة، وهي محلة في غاية المناعة والحصانة، اختطها منشىء دولتهم حماد في بقعة حصينة، تقع جنوبي بجاية على مقربة من بلدة أشير، وقد كانت وفقاً لقول الإدريسي من أكبر البلاد في تلك المنطقة وأكثرها خلقاً، وأغزرها خيراً، وأوسعها أموالا، وأحسنها قصوراً ومساكن، وأعمها فواكه وخصباً، وهي في سند جبل سامي العلو، صعب الارتقاء، وقد استدار سورها بجميع الجبل، ويسمى تاقربست. ويقول لنا ياقوت في وصفها، من جهة أخرى، " وليس لهذه القلعة منظر ولا رواء حسن، إنما اختطها حماد للتحصن والامتناع " (3).
_______
(1) ياقوت في معجم البلدان تحت كلمة بجاية.
(2) الاستبصار في عجائب الأمصار المنشور بعناية الدكتور سعد زغلول (الإسكندرية 1958) ص 128 و 129.
(3) الإدريسي في وصف المغرب وأرض السودان ومصر والأندلس ص 86، وراجع ياقوت في معجم البلدان تحت كلمة " قلعة حماد ".
(3/281)

ثم انتقل بنو حماد، بعد ذلك إلى بجاية منذ اختطها وأنشأها الناصر بن علناس بن حماد وذلك في سنة 457 هـ، وجعلوها قاعدة ملكهم. وكانت مملكة بني حماد، حينما زحف الموحدون على بجاية في حالة اضطراب وتفكك، وكان ملكها يحيى ابن العزيز بالله أميراً ضعيفاً يعشق اللهو والصيد. وكان وزيره القائد أبو محمد ميمون بن علي بن حمدون هو حاكمها الحقيقي، فلما وصل الموحدون إلى بجاية ضربوا حولها الحصار. واتصل ابن حمدون سراً بعبد المؤمن، وفتح له أبواب المدينة، فدخلها الموحدون (1). وفي الوثائق الموحدية ما يؤيد هذه الرواية. ففي الرسالة، التي وجهها عبد المؤمن بعد فتح بجاية إلى أهالي قسنطينة يدعوهم إلى التوحيد، ما يفيد بأن القائد ابن حمدون كان ضالعاً في السر مع الموحدين، وأنه عقب فتح بجاية انضم إليهم، وخدمهم هو وأخوه الفقيه أبو عبد الله محمد بن علي بن حمدون (2). بيد أن هناك رواية أخرى تقول إن ابن حمدون بالعكس خرج في قوات بجاية، وهي تزيد على العشرين ألف فارس، واشتبك في ظاهرها مع الموحدين في معركة هزم فيها، ودخل الموحدون المدينة على أثرها (3). وزحفت في نفس الوقت قوة موحدية بقيادة عبد الله ولد الخليفة عبد المؤمن، على القلعة - قلعة بني حماد الشهيرة - وقد كانت من أعظم وأمنع قلاع المغرب، وكانت معقل بني حماد الأعظم، ومهد ملكهم الأول، فاستولت عليها، وقتلت بها عدة ألوف من الصنهاجيين. ولما دخل الموحدون بجاية فر عنها صاحبها يحيى بن العزيز بالله إلى بونة، وفر أخواه الحارث وعبد الله إلى صقلية حيث استظلا بحماية الفرنج.
ثم سار يحيى من بونة إلى قسنطينة، فامتنع بها مع أهله وقرابته، وهنالك حاصره الموحدون، فلما ضاق بالحصار ذرعاً، أرسل أخاه وشيوخ صنهاجة وقسنطينة، إلى عبد المؤمن يعلنون خضوعه، وإذعانه إلى التسليم ويطلبون الأمان فأجابهم عبد المؤمن إلى ما طلبوه. ولما غادر عبد المؤمن بجاية سار معه يحيى في أهله وولده إلى مراكش، وهنالك عاش في كنف الخليفة في عزة وسعة من الرزق، ولبثوا بمراكش حتى انقرض بيتهم. وكان استيلاء
_______
(1) روض القرطاس ص 126.
(2) راجع رسائل موحدية، المنشور بعناية الأستاذ ليفي بروفنسال (الرباط سنة 1941) الرسالة السابعة ص 20.
(3) ابن الأثير ج 11 ص 59.
(3/282)

خريطة:
إفريقية مواقع غزوات الخليفة عبد المؤمن لافتتاح بجاية سنة 547 هـ وافتتاح المهدية سنة 555 هـ.
(3/283)

الموحدين على بجاية في شهر ذي القعدة سنة 547 هـ (يناير سنة 1153 م) (1).
وكانت بجاية في ذلك الوقت، حسبما يصفها لنا الإدريسي، الذي زارها قبل ذلك بنحو عشرين عاماً، قاعدة المغرب الأوسط، وميناؤها عامرة بالسفن الواردة والصادرة، والبضائع تتدفق إليها براً وبحراً، وأهلها تجار مياسير، وبها من الصناعات والصناع ما ليس بكثير من البلاد، ولأهلها معاملات مع تجار المغرب الأقصى، وتجار الصحراء، وتجار المشرق، وبها تحل الشدود وتباع البضائع بالأموال الوفيرة، ولها بواد ومزارع، والحنطة والشعير يوجدان بها بكثرة، وكذلك سائر الفواكه، وبها دار صناعة لإنشاء الأساطيل والمراكب والسفن الحربية، يمدها الخشب الكثير الموجود في جبالها وأوديتها، والزفت البالغ الجودة والقطران الموجود في أقاليمها، وبها أيضاً معدن الحديد الطيب، وهي مركز هام للمواصلات إلى بلاد إفريقية. وهذا كله فضلا عن حصانتها الطبيعية، سواء من ناحية البر أو البحر (2).
وكانت جموع من العرب من بطون أثبج وزغبة ورياح وغيرها، تحتل المنطقة الشاسعة، الواقعة جنوبي بجاية، وتعيش في ظل بني حماد، وتحت حمايتهم.
فلما استولى الموحدون على مملكة بني حماد، شعر أولئك العرب بما يهددهم من فقد أوطانهم وأرزاقهم، فاحتشدوا لمقاومة الموحدين، وأخذوا يغيرون على مؤخراتهم، ويزعجون محلاتهم، فاعتزم عبد المؤمن أن يطهر هذه المناطق من عيثهم، وسار في قواته إلى سطيف، وجهز لقتالهم حملتين، الأولى بقيادة صهره وزوج ابنته عبد الله بن وانودين، والثانية بقيادة يصلاسن بن المعز، ولكن ثار بين القائدين خلاف، تعدى فيه يصلاسن على زميله صهر الخليفة وأهانه. ثم تركه وحده في مواجهة العرب. فانتهز العرب هذه الفرصة وهاجموا قوات عبد الله بن وانودين وهزموه وأسروه ثم قتلوه. فاستشاط عبد المؤمن لذلك غضباً، وحشد كافة الموحدين لمقاتلة العرب. فلما شعر العرب بشدة وطأة الموحدين، افترقت كلمتهم، وأذعن بعض زعمائهم إلى التوحيد، وشدد عبد المؤمن
_______
(1) أخبار المهدي ابن تومرت ص 113 و 114، والحلل الموشية ص 112 و 113، وروض القرطاس ص 128 و 129، والمعجب ص 113 و 114. وراجع الرسالة الثامنة من رسائل موحدية ص 24 و 25، وكذلك المؤنس في أخبار إفريقية وتونس ص 111.
(2) الإدريسي في وصف المغرب وأرض السوادن ومصر والأندلس ص 90 و 91.
(3/284)

في قتال من تبقى منهم، ونشبت بين الفريقين معركة شديدة، دامت يوماً وليلة، وهزم العرب في نهايتها شر هزيمة، ومزقت جموعهم، وقتل وأسر منهم عدد جم.
وكان في مقدمة القتلى ألمع زعمائهم هلال بن عامر. واستولى الموحدون على غنائمهم من العتاد والدواب، وكانت وفيرة هائلة. ثم طاردوهم مدى ثلاثة أيام أو أربعة في مختلف الأنحاء، حتى قضوا على معظم فلولهم. وحدثت هذه الموقعة الحاسمة في شهر ربيع الأول سنة 548 هـ (يونيه 1153 م) (1).
وبينما كان عبد المؤمن في بجاية، إذ اجتمعت حشود غفيرة من صنهاجة يقودها زعيم يدعى أبو قصبة من بني زالدوي، وانضمت إليها كذلك جموع كثيرة من كتامة ولواتة وغيرهما، وسارت هذه الجموع لقتال الموحدين، فبعث عبد المؤمن لردهم حملة قوية بقيادة أبى سعيد يخلف، وهو من أصحاب خمسين، فالتقوا في عرض الجبل شرقي بجاية، فانهزمت صنهاجة وحلفاؤها، وقتل معظمهم، وأخذت أسلابهم ونساؤهم (2). ويقول لنا البيذق إن الذي قام بمدافعة صنهاجة هو عبد المؤمن نفسه، وقد كان في قلة من جنده وحشمه، ولكنه خرج ليردهم بنفسه، واشترك في قتالهم، مع أنه لم يمتشق السيف منذ موقعة البحيرة عام 524 هـ (3).
وغادر عبد المؤمن بجاية، بعد أن نظم شئونها، وندب لولايتها ولده أبا محمد عبد الله، وسار في جيشه الظافر، أولا إلى تلمسان، ثم سار إلى فاس، ومكناسة، ثم إلى سلا، ووزع الغنائم والسبي على هذه البلاد. ثم غادر سلا إلى مراكش، وفي ركبه عدة من زعماء العرب - أو سلاطينهم حسبما يصفهم البيذق - الذين خضعوا في تلك الحركة. ولما وصلوا إلى مراكش، زودهم بالأموال ورد إليهم نساءهم وأولادهم، وصرفهم إلى بلادهم.
- 4 -
وصل عبد المؤمن إلى مراكش ليواجه آثار مؤامرة دبرت في غيبته، وكادت أن تصدع صرح حكومته، لو لم تخمد في مهدها.
_______
(1) أخبار المهدي ابن تومرت ص 114 و 115، ورسائل موحدية، في الرسالة التاسعة ص 32 - 35.
(2) ابن الأثير ج 11 ص 60.
(3) أخبار المهدي ابن تومرت ص 115.
(3/285)

وكان بطلا هذه المؤامرة أخوا المهدي ابن تومرت، أبو موسى عيسى، وأبو محمد عبد العزيز، وكانا مذ ظفر عبد المؤمن بخلافة المهدي واجتناء تراثه، يرقبان الفرص لبث الاضطراب والشغب، ويظاهرهما كثير من أهل هرغة، قبيلة المهدي، وكان عبد المؤمن بالرغم من وقوفه على ما يضمره الأخوان له من البغض والكيد، وما جنحا إليه من الانحراف، ومخالطة أهل السوء، يغضي عن سلوكهما، ويجزل لهما الصلات والنفقة، براً بذكرى المهدي وقرابتهما الوثيقة له، ويكتفي بإسداء النصح إليهما. فلما سار المهدي إلى غزاته لافتتاح إفريقية، شعر الأخوان بأن الفرصة قد سنحت لتدبير الإنقلاب المنشود، وكانا يقيمان بفاس، ويلتف حولهما نفر من الناقمين. فسارا في صحبهما من فاس إلى مراكش، وهنالك استطاعا تحريك بعض الجموع، واضطرمت بالمدينة فتنة، قتل خلالها والى المدينة عمر بن تَفْراجين حين خروجه في الفجر إلى الجامع، وكاد يستطير شررها. وعلم عبد المؤمن بما حدث وهو في سلا (أواخر سنة 545 هـ)، فبعث الوزير ابن عطية على عجل ليستدرك الأمر، فوصل إلى مراكش بعد يومين، واستطاع في الحال أن يخمد الفتنة، وأن يقبض على زعيميها عيسى وعبد العزيز.
ويقول لنا البيذق إن الخليفة، أمر بقتل المخالفين من هرغة وأهل تينملّل، ولكنه أبقى على حياة أخوي المهدي وبعثهما إلى فاس حيث اعتقلا هناك تحت إشراف واليها الجيّاني (1). ولكن صاحب البيان المغرب يقول لنا إنهما قتلا وصلبا ضمن من قتلوا وصلبوا من الخوارج، فقتل عيسى قرب باب الدباغين، وقتل عبد العزيز بباب أغمات (2). ويؤيد هذه الرواية ما ورد في خطاب الخليفة الرسمي عن الحادث من الإشارة غير مرة إلى مصرع المخالفين، وفتك العامة بهم وصلبهم خارج المدينة (3).
وما كاد عبد المؤمن يصل إلى مراكش حتى قام بحركة تطهير شاملة، قُبض خلالها على كثير من الخوارج وأهل التخليط، حسبما تصفهم الرواية، من سائر القبائل، وألقوا إلى ظلام السجن. ثم أصدر الخليفة أمره بأن يتولى الموحدون المخلصون، من كل قبيلة، قتل المارقين من قبيلتهم بأنفسهم. فامتثل الموحدون
_______
(1) أخبار المهدي ابن تومرت ص 116.
(2) البيان المغرب، القسم الثالث ص 38.
(3) الرسالة الحادية عشرة من رسائل موحدية (ص 32 و 45 و 46).
(3/286)

لما أمروا به، وتولوا الإجهاز بأيديهم، كل جماعة على أبناء قبيلتها، وكان الخليفة أثناء هذه المذبحة الجديدة، يجلس في البرج القائم في أعلى قصره، قصر الحجر، ليشهد التنفيذ بنفسه. ويقول المؤرخ معلقاً على ذلك " فطرقت للموحدين في هذا الوقت وحشة من الخجل والوجل، ودهشة من قبيح ما ظهر من الغادرين المذكورين، من نكوث العهد، في السهل والجبل، فتراموا على خليفتهم راغبين في العفو وإزالة الكدر، وجلب ما تعودوه من الخلوص والظفر، فقبل منهم ما أملوا، وتعطف عليهم على عادته بما سألوا ". وبعث الخليفة بهذه المناسبة، إلى مختلف البلدان، رسالة من إنشاء الوزير ابن عطية، تفيض بلاغة وبياناً، يفصل فيها ما حدث، ويوضح موقفه ويلتمس الأعذار لتبريره (1).
وكان من الحوادث البارزة في هذه الحركة الدموية مصرع القائد يصلاسن، ابن المعز الهرغي. وكان يصلاسن أو يصليتن حسبما يسمى في رواية أخرى من زعماء قبيلة هرغة، ومن أهل الدار، أعني من أقرباء المهدي (2). وقد رأينا فيما تقدم كيف اختلف مع زميله القائد عبد الله بن وانودين صهر الخليفة، وتركه في قواته ليواجه وحده العرب، وكيف كان ذلك سبباً في هزيمته ومصرعه. وكان عبد المؤمن يتوق إلى معاقبة يصلاسن على سوء تصرفه. ومن جهة أخرى، فإنه يبدو أن يصلاسن كان ضالعاً مع خصوم عبد المؤمن، ومؤيداً لحركة أخوي المهدي. فلما عاد عبد المؤمن إلى مراكش، كان يصلاسن في سبتة، فأرسل الخليفة إلى واليها عبد الله بن سليمان بأن يدبر حيلة للقبض على يصلاسن وإرساله، فدعا عبد الله يصلاسن إلى نزهة بحرية في إحدى السفن، في مياه سبتة، فلما توسط البحر، انقض عليه وكبله بالحديد، ونبأ عبد المؤمن بما تم، فأمره بإعدام يصلاسن وصلبه بعد الإشهاد عليه بالذنب، فقام عبد الله بما أمر به (3). وفي رواية روض القرطاس، أن عبد الله أرسل يصلاسن مكبولا إلى مراكش، وأنه أعدم بها وصلب على بابها تنفيذاً لأمر الخليفة (4).
واضطرمت الثورة في نفس الوقت بأرض السوس، وارتدت قبيلة جزولة
_______
(1) البيان المغرب - القسم الثالث ص 28 و 29.
(2) أخبار المهدي ابن تومرت ص 29.
(3) أخبار المهدي ابن تومرت ص 115 و 116.
(4) روض القرطاس ص 126.
(3/287)

عن الطاعة، وبعثوا إلى يحيى بن أبى بكر الصحراوي، فوفد عليهم مع زعيم آخر من خصوم الموحدين يدعى الحاج بن مركونة، وارتدت كذلك قبيلة لمطة وتزعم ثورتها محمد بن آمرجال، ثم ارتدت قبيلة إيت ييغز، وساروا إلى تازاجورت واقتحموها، وقتلوا حاكمها الموحدي، وامازير بن حواء الهنتاني، فاهتم عبد المؤمن لهذه الحوادث، وسير الشيخ أبا حفص في حملة قوية لإخماد الثورة، فخرج إلى السوس، وقاتل بني ييغز، ففروا إلى حيث كان الصحراوي، ثم سار إلى سيروان، حيث هزم بني واوزجيت، وقسمهم إلى قسمين: قسم ضمه إلى أهل تينملل وقسم ضمه إلى هنتانة، ثم عاد إلى مراكش حيث أمر الخليفة بحشد قوات جديدة، وخرجت هذه القوات بقيادة أبى حفص، وأربعة آخرين من أكابر القادة الموحدين، هم وسنار، وعبد الله بن أبى بكر بن ونكي، وعبد الله بن فاطمة، وعمر بن ميمون، وسارت كل قوة منها إلى منطقة من المناطق الثائرة، وهوجمت قبائل لمطة، وهشتوكة، وتاسريرت وآهوكار وغيرها من القبائل الثائرة، وهزمت جميعاً، وأذعن بعضها إلى التوحيد، وأخذت غنائمها وسبيها إلى مراكش، وبلغ نصيب الخليفة من تلك الغنائم، ثمانمائة ناقة (1)، ووقعت هذه الحوادث، فيما يرجح في أوائل سنة 549 هـ (سنة 1154 م).
ولما تم إخضاع القبائل الثائرة والمرتدة على هذا النحو، غادر عبد المؤمن مراكش إلى تينملّل، وهناك زار قبر المهدي، وفرق في أهلها أموالا كثيرة وأمر ببناء مسجدها، وتوسيع خططها (2).
_______
(1) أخبار المهدي ابن تومرت ص 117.
(2) روض القرطاس ص 126.
(3/288)

الفصْل السّابع
فتح المهدية وإجلاء الفرنج عن إفريقية
غزوات الفرنج النورمانيين لثغور إفريقية. استيلاؤهم على طرابلس والمهدية. فرار الحسن الصنهاجي أمير المهدية وآله. انتهاء مملكة بني زيري. استيلاء الفرنج على سوسة وصفاقس. التجاء الحسن إلى عبد المؤمن. إحجام عبد المؤمن حين غزوه لبجاية عن مهاجمة الفرنج. استيلاء الفرنج على بونة. وفاة الملك رجار النورماني. بداية الثورة في إفريقية ضد الفرنج. الثورة في جزيرة جربة وصفاقس وطرابلس وقابس. انتزاع الموحدين لبونة. فشل الثورة في المهدية وزويلة. استغاثة أهل إفريقية بعبد المؤمن. تأهبه للجهاد ضد الفرنج. مسير عبد المؤمن في قواته إلى رباط الفتح. تكامل الحشود وتضخمها. مسير عبد المؤمن إلى إفريقية ومعه الحسن الصنهاجي. مسير الأسطول في البحر إلى شاطىء إفريقية. استيلاء عبد المؤمن على تونس. شروط الأمان الممنوح لها. عبد المؤمن يهاجم المهدية ثم يحاصرها. دخول صفاقس وطرابلس وجبال نفوسة في الطاعة. افتتاح الموحدين لقابس. معركة بحرية بين الموحدين والفرنج. تسليم المهدية بالأمان. إتمام تحرير إفريقية من نير الفرنج. المناوشات بين عبد المؤمن وبين العرب. أصل أولئك العرب الأفارقة. نزوحهم إلى مصر. قصة نزوحهم إلى إفريقية. عبورهم إلى الغرب ونزولهم به. محاولة استمالة المعز بن باديس لهم وعيثهم بأراضيه. الحرب بينهم وبين البربر. هزيمة المعز وفراره إلى القيروان. حصار العرب للقيروان. دخولهم إياها وتخريبهم لها. تخريبهم لتونس ونهبها. نزولهم في المهدية. قطعهم السبل وبسطهم لحكم الإرهاب في إفريقية. سيطرتهم على طرابلس وقابس وبلاد الزاب. تحولهم إلى عنصر خطر بغيض. اعتداؤهم على قابس، واستنقاذ عبد المؤمن لها. تفكير عبد المؤمن في حشد طوائفهم في عسكره. تظاهرهم بالقبول وغدرهم. محاصرة الموحدين لهم وفتكهم بهم. عبد المؤمن يرد حريمهم ويستميلهم بصلاته. عبور عبد المؤمن إلى الأندلس.
لما افتتح الموحدون بجاية معقل إفريقية (1) من الغرب، في أواخر سنة 547 هـ، وقضى عبد المؤمن على سائر الثورات والمؤامرات التي دبرت ضده سنة 549 هـ، وقصد على أثر ذلك إلى تينملّل، وزار قبر المهدي، كانت الظروف تتهيأ لمرحلة جديدة من الفتح الإفريقي. وكانت الحوادث في إفريقية، قد تطورت خلال هذه الأعوام الأخيرة تطوراً سيئاً، واستفحل عدوان الفرنج النورمانيين أصحاب صقلية، على الثغور التونسية، والشواطىء المجاورة. وكان الفرنج
_______
(1) يقصد بإفريقية هنا " منطقة تونس ".
(3/289)

النورمان قد استولوا على جزيرة جِربة الواقعة في مدخل خليج قابس منذ سنة 529 هـ (1135 م)، بعد أن قاومهم أهلها مقاومة عنيفة، ثم حاولوا الاستيلاء على ثغر طرابلس في سنة 537 هـ (1142 م)، فهاجموه بأسطول قوي، ولكنهم فشلوا وردهم أهله المسلمون بخسارة فادحة، وكانت طرابلس وقتئذ تابعة لمملكة إفريقية (تونس)، ولكنها لم تكن تدين بالطاعة لملكها الأمير الحسن بن على بن يحيى الصنهاجي. ثم عاد رُجّار (روجر) ملك صقلية، فجهز إلى طرابلس أسطولا ضخماً، واستطاع الفرنج هذه المرة الاستيلاء عليها (541 هـ - 1146 م) وولوا عليها رجلا من بني مطروح. وفي العام التالي (542 هـ) أعلن يوسف صاحب قابس المتغلب عليها طاعته للفرنج، فبعث الأمير الحسن جيشاً لقتاله، فنازل قابس وحاصرها، وثار أهل البلد بيوسف، فأسر وعذب وقتل، وفر إخوته وأولاده إلى صقلية، واستغاثوا بملكها رجار الثاني. وكانت الهدنة معقودة بين رجار وبين الحسن لمدة سنتين، ولكن رجار علم ما تعانيه إفريقية والمغرب في هذه الفترة، من شدة الغلاء والقحط، ولم يرد أن تفوته هذه الفرصة السانحة لمهاجمة إفريقية، وانتزاع ما يمكن انتزاعه منها. فسير إلى مياه إفريقية أسطولا ضخماً قوامه مائتي وخمسين سفينة مشحونة بالرجال والسلاح والأقوات، بقيادة أمير البحر جرجي الأنطاكي، وكان قبل التحاقه بخدمة ملك صقلية، أميراً لأسطول إفريقية الإسلامي، ومن ثم كان علمه بأسرار هذه الشواطىء، واستولى الأسطول في طريقه على جزيرة قوصرة (بنتلاريا) الواقعة بين صقلية، وبين الشاطىء التونسي، ثم سار نحو الجنوب الغربي، وقصد إلى ثغر المهدية، وهي قاعدة مملكة بني زيري الصنهاجيين. وكان ذلك في اليوم الثاني من صفر سنة 543 هـ (يونيه 1148 م). وكان أمير البحر جرجي يرجو مفاجأة المدينة، بالوصول إليها في وقت السحر، ولكن الرياح عاكسته، ولم يصل إلا في الضحى، فرآه أهل المدينة، وازعج الأمير الحسن الصنهاجي من قدوم الفرنج، وبعث إليه جرجي يخاطبه باللين، ويقول إنه مازال يحترم الهدنة المعقودة بينه وبين الملك رجار، ولكنه يطالب بثأر صاحب قابس وردها إلى ولده، ويطلب أن تنضم إليه قوة من جند الحسن، فجمع الحسن فقهاء المدينة وأعيانها، وشاورهم في الأمر، وبين لهم حرج الموقف، وتخوفه من قيام الفرنج بحصار المدينة، وقطع الأقوات عنها، ثم اقتحامها عنوة، والفتك بأهلها، ونصح بمغادرة الناس
(3/290)

للمدينة، قبل أن يفوت الوقت، ثم بادر هو بالخروج منها ومعه الأهل والولد، ومن صحبه من الفقهاء والأعيان، وقد حمل معه كل ما يستطاع من المال والذخائر، وتبعه معظم الناس، فخرجوا بأهلهم وأولادهم، ومعهم ما خف حمله من أموالهم ومتاعهم. ولم يكد يأتي العصر حتى كان معظم أهل المهدية قد غادروها، وأقبل الفرنج وعلى رأسهم جرجي ودخلوا المدينة دون ممانعة، ودخل جرجي القصر، وكان ما يزال غاصاً بنفيس المتاع والرياش والذخائر، وبه عدة من جواري الحسن، فاحتاط الفرنج على ما فيه، ونُهبت المدينة مدى ساعتين، ثم نودي بالأمان، فظهر من استخفى من أهل المدينة، واستدعى جرجي العرب القريبين فأحسن إليهم، وفرق فيهم أموالا جزيلة، وبعث طائفة من جند المهدية، في أثر من خرج من أهلها، ومعهم الأمان لهم، ومعهم كذلك دواب يعودون عليها، فعاد معظمهم. أما الحسن، فسار في أهله وولده، وكانوا إثنا عشر ولداً غير الإناث، والخاصة، وقصد إلى أمير من أمراء العرب يدعى محرز، وكان أبو الحسن قد آثره وأحسن إليه، فأكرم محرز وفادته، فأقام لديه شهوراً. ثم بعث إلى ابن عمه يحيى بن العزيز بالله صاحب بجاية، يستأذنه في الوفود عليه والانضواء تحت لوائه، والسفر من لديه إلى الخليفة عبد المؤمن، فأذن له يحيى، ولكنه ما كاد يصل إلى بلاده، حتى سيره إلى جزائر بني مزغنة، أو بني مزغنان (وهي الجزائر الحالية) وأنزله بها هو وأولاده في حالة اعتقال، وضيق عليه.
وهكذا انتهت باستيلاء الفرنج على المهدية، وعزل الحسن، مملكة بني زيري ابن مناد الصنهاجيين، بعد أن لبثت في إفريقية مذ رحل المعز لدين الله عنها إلى مصر، في سنة 361 هـ، وتولى زيري بن مناد حكمها، حتى سقوط المهدية في سنة 543 هـ، مائة وثمانين سنة، ولم تمض أيام قلائل على استيلاء الفرنج على المهدية حتى سير أمير البحر جرجي حملة بحرية إلى سوسة، وكان واليها الأمير علي بن الحسن، فغادرها، وخرج عنها أهلها، ودخلها الفرنج دون قتال في الثاني عشر من شهر صفر. وسير جرجي بعد ذلك حملة أخرى إلى صفاقس، فاستولت عليها بعد مقاومة عنيفة من أهلها ومن حلفائهم العرب، وذلك في الثالث والعشرين من صفر. ثم نودي بالأمان، فعاد الناس إلى سوسة وصفاقس، وافتدوا حريمهم وأولادهم، وأحسن الفرنج معاملتهم. ثم وصلت بعد ذلك كتب الملك رُجّار بمنح الأمان لسائر أهل إفريقية. وهكذا استولى الفرنج النورمانيون على شاطىء
(3/291)

إفريقية من ثغر طرابلس حتى خليج تونس (1).
ولما سار الخليفة عبد المؤمن في جيوشه من سلا في أوائل سنة 546 هـ، متجهاً إلى بجاية بغية فتحها، واستولى في طريقه على جزائر بني مزغنة، خرج إليه منها الحسن بن علي الصنهاجي، وكان معتقلا بها كما تقدم، وبايع عبد المؤمن بالطاعة، ملتجئاً إليه ومستظلا برعايته، فأكرم عبد المؤمن مثواه، وصاهره بأن تزوج ابنة من بناته، واصطحبه معه إلى مراكش. وبالرغم من تقدم الفرنج والنورمانيين على هذا النحو، في امتلاك ثغور إفريقية، فإن الظروف التي كانت تحيط بالموحدين يومئذ، لم تكن تسمح لعبد المؤمن، بأن يدخل في صراع مع الفرنج، وهو مازال يعمل على توطيد أركان الدولة الجديدة، ومطاردة أعدائها في الداخل، ومن ثم فإنه بعد أن افتتح بجاية، وقضى على شغب العرب المحالفين لبني حماد، عاد إلى سلا ثم إلى مراكش، ليواجه أحداثاً جديدة في الداخل.
ولكن الفرنج الصقليين لم يقفوا عند حد. ذلك أنه لم تمض بضعة أعوام على افتتاحهم للمهدية، وباقي ثغور إفريقية (تونس) الشرقية، حتى سار من صقلية أسطول فرنجي جديد بقيادة أمير البحر فيليب المهدوي، وقصد إلى مدينة بونة، الواقعة شرقي بجاية، في منتصف المسافة بينها وبين تونس، فحاصرها واستعان على أخذها بالعرب، وذلك في شهر رجب سنة 548 هـ (أكتوبر 1153 م). وبالرغم من أن فيليب قد سبى أهل بونة، واستصفى أموالها، فإنه أغضى عن جماعة الفقهاء والعلماء، فتركهم يخرجون بأهلهم وأموالهم، فترتب على ذلك أن اتهمه بعض خصومه بأنه نصراني مارق، وأنه يبطن الإسلام هو وفتيانه، فقبض عليه الملك رُجّار، وحكم عليه بالموت حرقاً. وتوفي رُجّار بعد ذلك بقليل (فبراير 1154 م) وخلفه في الملك ولده، وليم، وهو المسمى في الرواية العربية غليالم. ولم يكن وليم يتمتع بكثير من مقدرة أبيه وحزمه فلم تلبث أن اضطربت شئون المملكة، وثارت عليه بعض النواحي، وكان لذلك أثره في تطور الحوادث في إفريقية.
ذلك أن أهل الثغور الإسلامية المفتوحة ما كادوا يشعرون باضطراب الأحوال في صقلية، حتى بادروا بإعلان الخلاف، ونبذ طاعة الفرنج، وكان أول من ثار منهم أهل جزيرة جربة، ثم تلتها مدينة صفاقس، وكان واليها عمر بن
_______
(1) ابن الأثير ج 11 ص 47 - 49.
(3/292)

أبى الحسن الفرياني، قد وُلي عليها من قبل رُجار، وأخذ أبوه الشيخ أبو الحسن إلى صقلية رهينة بحسن طاعته، ولكن أبا الحسن أوعز إلى ولده بأن ينتهز أول فرصة لتحطيم نير الفرنج، ولا يبالي في ذلك بمصيره. فأعلن عمر الخلاف، ودعا أهل المدينة إلى قتل الفرنج وسائر النصارى، ففتكوا بهم، وقتلوهم عن آخرهم، وكان ذلك في أوائل سنة 551 هـ (أوائل 1156 م). واضطرمت الثورة ضد الفرنج في نفس الوقت في طرابلس بقيادة شيخها أبى يحيى بن مطروح، وكان زعيماً شهماً حازماً، وأسرت الحامية النصرانية (أوائل سنة 553 هـ)، وكذلك اضطرمت الثورة ضد الفرنج، في قابس، وسارت قوة موحدية من بجاية إلى مدينة بونة، وانتزعتها من الفرنج، ولم يبق بيد الفرنج من ثغور إفريقية سوى سوسة والمهدية. وحرض عمر بن أبى الحسن والي صفاقس، أهل بلدة زويلة الواقعة على مقربة من المهدية، أن يقتلوا النصارى ففعلوا، وعاونهم العرب على قطع المؤن والأقوات عن المهدية. ولما علم الملك وليم بذلك، حاول أن يدفع الفقيه أبى الحسن إلى نصح ولده، وبعث يتهدد عمراً بالويل، إذا لم يعدل عن سلوكه، فلم تنجح المحاولة، وأمر وليم بأبى الحسن فصلب أو شنق وهو يتلو القرآن (1). واجتمع أهل زويلة وصفاقس ومن معهم من الأعراب، وحاصروا المهدية، وضيقوا عليها، فبعث وليم إلى المهدية عدداً من السفن المشحونة بالرجال والأقوات، واستمال الفرنج الأعراب بالمال والأعطية، فانسحبوا من المعركة وانحصر القتال بين الفرنج وأهل صفاقس وزويلة، واستطاع أهل صفاقس الانسحاب بطريق البحر، ووقع عبء القتال كله على أهل زويلة، فارتدوا إلى بلدهم، وقاتلوا تحت أسوارها حتى فنى معظمهم، ولم ينج منهم إلا القليل، ودخل الفرنج زويلة فقتلوا من وجدوا بها من النساء والأطفال، ونهبوا الأموال، واستقر الفرنج بالمهدية، على أهبة للصراع المرتقب (2).
ووفد على عبد المؤمن، وهو يومئذ بمراكش، وفود من زويلة، وغيرها من الثغور المنكوبة يستغيثون به، ويستصرخونه لرد عادية الفرنج عنهم وعن أرض الإسلام، فأكرم وفادتهم ووعدهم خيراً. وكان الحسن بن علي الصنهاجي أمير المهدية السابق، ما فتىء منذ نزوله في كنف عبد المؤمن، يحرضه
_______
(1) رحلة التجاني (تونس 1958) ص 75 و 242.
(2) ابن الأثير ج 11 ص 76 و 77.
(3/293)

على استنقاذ إفريقية، وتحريرها من نير الفرنج، وكان عبد المؤمن نفسه، يرقب تقدم الفرنج في هذا الركن من شمال إفريقية، بكثير من التوجس، ويخشى أن يتفاقم عدوانهم بالتوغل في أرجاء أخرى من شمالي المغرب. ومن ثم فإنه ما كاد ينتهي من تنظيم الشئون الداخلية، حتى أمر باتخاذ الأهبة للجهاد، وأن تجمع الأقوات، وتحفر الآبار في الطرق، وبعث كاتبه عبد الملك بن عيّاش، بالكتب إلى سائر قبائل الموحدين، يستنفرهم للجهاد، وادخار المؤن، وكتب إلى أهل الثغور البحرية بإنشاء السفن والأجفان. وكان عبد المؤمن، بعد أن نكب وزيره وكاتبه أبا جعفر بن عطية، وأمر بقتله (صفر سنة 553 هـ) حسبما نفصل في موضعه، قد استوزر مكانه عبد السلام بن محمد الكومي، وعين لكتابته عبد الملك بن عيّاش القرطبي. وفي فاتحة شوال سنة 553 هـ (نوفمبر 1158 م)، غادر عبد المؤمن حضرة مراكش، وسار إلى رباط الفتح، قبالة ثغر سلا، مستخلفاً على مراكش الشيخ أبا حفص عمر بن يحيى الهنتاني ومعه ولده أبو الحسن علي، وعلى فاس أبا يعقوب يوسف بن سليمان. وتوافدت عليه العساكر من كل صوب. فلما تكامل ورود الجيوش الموحدية، تحرك عبد المؤمن من سلا في العاشر من شهر صفر سنة 554 هـ (فبراير 1159 م) ومعه الحسن بن علي الصنهاجي أمير إفريقية السابق (1). وتقدر الرواية هذا الجيش الموحدي الكبير بمائة ألف مقاتل ومعهم مثل هذا العدد من الأتباع والسوقة (2). وفي رواية أخرى أنه كان يضم خمسة وسبعين ألف فارس، وخمسمائة ألف من الرجالة، وكان يضم عدا طوائف الموحدين ومختلف القبائل من زناتة والأغزاز والرماة وغيرها، جموعاً كبيرة من قبائل العرب. وكان ينقسم إلى أربعة جيوش، لكل عسكر يوم يختص به، مسيره في كل مرحلة من السحر إلى وقت الغداة. وتنزل الجيوش مريحة إلى يوم آخر (3). واخترق هذا الجيش الجرار هضاب المغرب، متجهاً نحو إفريقية، واخترق بلاد الزاب من جنوبها، وهو يفتتح المعاقل الممتنعة، ويؤمن من استأمن.
ثم اتجه نحو الشمال فوصل إلى أحواز مدينة تونس في الرابع والعشرين من جمادى الثانية، ومعنى ذلك أنه قطع هذه المسافة الشاسعة، وهي تبلغ نحو ألف
_______
(1) البيان المغرب، القسم الثالث ص 38، وابن الأثير ج 11 ص 91.
(2) ابن الأثير ج 11 ص 91.
(3) الحلل الموشية ص 115.
(3/294)

وثلاثمائة ميل في نحو أربعة أشهر ونصف، وقد كانت يومئذ " مسيرة سبعين يوماً للفارس المجد ". وسار الأسطول الموحدي في نفس الوقت قبالة شاطىء البحر المتوسط بقيادة أبى عبد الله بن ميمون، وكان مكوناً من سبعين سفينة حربية، من الشواني والطرائد والشلندرات. ولما وصل الموحدون إلى المدينة، بعث عبد المؤمن إلى أهلها يطلب الطاعة، فرفض أهل المدينة، وعلى رأسهم حاكمها أحمد بن خراسان، فبدأ الموحدون مهاجمة المدينة، وعاقت الرياح الأسطول عن دخولها من ناحية البحر، فلما دخل الليل، أقبل سبعة عشر رجلا من أعيانها يطلبون الأمان لأهلها، فمنحهم عبد المؤمن الأمان المطلوب لأنفسهم، وارتضى الأمان لأهل المدينة في أنفسهم وأهلهم فقط، على أن يقاسمهم الموحدون أملاكهم وأموالهم بحق النصف، وأن يخرج حاكم البلد وأهله منها، فاستقر الرأي على ذلك، ودخل الموحدون المدينة، ورصدت الأملاك والأموال، وأقيم عليها الأمناء لتحصيل ما يستحق منها للموحدين، وأقام بها عبد المؤمن ثلاثة أيام، وعرض الإسلام على من بها من النصارى واليهود، وأمر بقتل كل ممتنع عن اعتناقه، ثم غادر عبد المؤمن تونس في قواته، وسار جنوباً إلى المهدية، والأسطول يلاحقه في البحر، فوصل إليها في الثامن عشر من شهر رجب سنة 554 هـ (5 أغسطس 1159 م).
وكان الفرنج بالمهدية على أهبة للدفاع، وكانت حاميتها تتكون من ثلاثة آلاف مقاتل، وكانت المدينة فوق ذلك تموج بطوائف الأشراف والفرسان الفرنج (1)، وقد أخلى الفرنج ضاحيتها الشمالية زويلة، فدخلها عبد المؤمن، واحتلها الجند الموحدون والسوقة، وانضمت إليهم جموع غفيرة من العرب وصنهاجة. وأخذ الموحدون في منازلة المدينة، ولكنهم لم يستطيغوا خلال ثلاثة أيام من الهجوم المستمر، أن ينالوا منها شيئاً، وكانت بمناعة موقعها الطبيعي، والبحر يكاد يحيط بها إلا من لسان متصل بالبر، وبأسوارها الحصينة العالية، ترد كل محاولة، وكان الفرنج يخرجون منها بين آن وآخر لمقاتلة الموحدين، فينالون منهم، ثم يعودون بسرعة إلى الاعتصام بالمدينة. وعندئذ أدرك عبد المؤمن أنه لا سبيل إلى اقتحام المدينة، وأنه لابد من أخذها بالحصار والمطاولة، وأمر بجمع الغلال والأقوات، فجمعت حتى صارت بين العسكر كالجبال. واستمر
_______
(1) ابن الأثير ج 11 ص 99، والحلل الموشية ص 117.
(3/295)

الحصار زهاء ستة أشهر. وفي أثناء ذلك أعلنت مدينة صفاقس، ومدينة طرابلس، وجبال نفوسة، وقصور إفريقية، كلها الطاعة لعبد المؤمن، وجاء والي صفاقس عمر بن الحسين مع جماعة من الأشياخ فقدموا طاعتهم، وعين لهم عبد المؤمن حافظاً من الموحدين، وترك الشئون المخزنية لعمر، وكذلك جاء وفد من أعيان طرابلس وعلى رأسه واليها أبو يحيى بن مطروح، وبايعوا عبد المؤمن بالطاعة فأقر عبد المؤمن أبا يحيى على ولايته، واستمر في رياسته عصراً وسار جيش موحدي بقيادة السيد عبد الله بن عبد المؤمن، وقيل بقيادة الوزير محمد بن عبد السلام الكومي إلى مدينة قابس، فافتتحها بالرغم من خروج قاضيها وأعيانها لطلب الأمان، ونهبت أموالها، وأبيد من كان حولها من طوائف العرب. وفر واليها مدافع بن رشيد بن مدافع في أهله وصحبه. ثم عاد بعد فترة من التشريد، فاستجار بعبد المؤمن فعفا عنه، وأسكنه بقابس حتى توفي وكان مدافع عالماً حافظاً وأديباً شاعراً (1).
وجاء وفد من أعيان قفصة، وعلى رأسهم واليها يحيى بن تميم بن المعز، ليقدموا طاعتهم إلى عبد المؤمن، فتقبلها منهم، ومدح عبد المؤمن شاعرهم الفقيه أبو عبد الله محمد بن أبى العباس التيفاشي، بقصيدة مطلعها:
ما هَزّ عطفيه بين البيض والأسل ... مثلُ الخليفة عبد المؤمن بن علي
ويقال إن عبد المؤمن لما سمع هذا البيت، أشار على الشاعر بأن يقتصر عليه، وأمر له بصلة قدرها ألف دينار (2).
ولم تمض بضعة أسابيع على بدء الحصار، حتى قدم أسطول فرنجي كبير، مكون من مائة وخمسين سفينة، مشحونة بالأقوات والمقاتلة لإمداد الفرنج.
وكان هذا الأسطول قد عاد من جزيرة يابسة، إحدى الجزائر الشرقية بعدما أثخن فيها، وسبى أهلها، فلما قرب من صقلية، بعثه الملك وليم لإنجاد حامية المهدية، فلما اقتربوا من الخليج، خرج إليهم الأسطول المغربي بقيادة أبى عبد الله ابن ميمون، ونشبت بين الأسطولين معركة بحرية عظيمة انتهت بهزيمة الفرنج، واستيلاء المسلمين على عدة من سفنهم. ويقال إن عبد المؤمن كان خلال المعركة
_______
(1) رحلة التجاني ص 76 و 101 و 243.
(2) ابن خلكان ج 1 ص 391، وابن الأثير ج 11 ص 92.
(3/296)

يمرغ وجهه في الأرض باكياً، وهو يدعو للمسلمين بالنصر فحقق الله دعاءه (1) واستمر الحصار على أشده بضعة أشهر أخرى، حتى آخر شهر ذي الحجة من سنة 554 هـ وقد نضبت الأقوات، وأخذ الضيق يرهق المحصورين، فلما رأى الفرنج ما رأوا من ضخامة جيوش عبد المؤمن وأساطيله، وأنه لا أمل لهم في النجاة من مصيرهم المحتوم، خرج منهم عشرة فرسان، وقابلوا عبد المؤمن وسألوه الأمان لمن فيها من الفرنج على أنفسهم وأموالهم، وأن يتركهم أحراراً يخرجون من المدينة، ويذهبون إلى ديارهم، فأجابهم عبد المؤمن إلى ما طلبوه، وجهز لهم السفن ليعبروا البحر فيها. وكان تصرفاً مقروناً بالحكمة، لأن صاحب صقلية الملك وليم، كان قد أنذر بقتل المسلمين في بلاده وانتزاع أموالهم، وسبى حريمهم، إذا أقدم الموحدون على قتل الفرنج في المهدية. ومع ذلك فقد غرق كثير من السفن التي كانت تحمل الفرنج إلى صقلية من جراء العواصف وثورة الموج.
ودخل عبد المؤمن ثغر المهدية في صبيحة يوم عاشوراء من نفس المحرم سنة 555 هـ (21 يناير سنة 1160 م) وقد سماها عبد المؤمن سنة الأخماس. وأقام بالمهدية عشرين يوماً يرتب شئونها، ويصلح أسوارها، ويشحنها بالذخائر والأقوات.
ثم ندب لولايتها أبا عبد الله محمد بن فرج الكومي، وجعل معه صاحبها القديم الحسن بن علي الصنهاجي، وأقطعه بها إقطاعاً حسناً. وهكذا استطاع عبد المؤمن، أن يقضي على عدوان الفرنج الصقليين على ثغور إفريقية، بعد أن كاد يستقر ويتأثل، وأن يحررها من نير النصرانية، وأن يردها إلى صولة الإسلام، بعد أن خرجت عنها اثني عشر عاماً، مذ سقطت في أيدي الفرنج في سنة 543 هـ (1148 م) (2).
وفي فاتحة صفر سنة 555 هـ، غادر عبد المؤمن ثغر المهدية، وسار في قواته عائداً إلى المغرب. بيد أنه قبل أن يغادر أراضي إفريقية، وقعت بينه وبين العرب بعض مناوشات ومعارك.
وكان أولئك العرب ومعظمهم من بطون هلال وسليم من مضر، قد نزحوا إلى إفريقية منذ أوائل القرن الخامس الهجري. وكانت أحياء بني سليم بالحجاز على مقربة من المدينة، وأحياء بني هلال في جبل غزوان عند الطائف، ومنهم جشم
_______
(1) ابن الأثير ج 11 ص 92. وراجع مواقع غزوات المهدية في الخريطة المنشورة في ص 283.
(2) ابن الأثير ج 11 ص 92، والحلل الموشية ص 117 و 118، والبيان المغرب القسم الثالث ص 39، وروض القرطاس ص 139، والاستقصاء ج 1 ص 155 و 156.
(3/297)

والأثبج وزغبة ورياح وربيعة وعدي. وكانوا يزحفون أحياناً إلى أطراف العراق والشام، ويقطعون الطرق، ويفسدون السابلة، وأحياناً كان بنو سليم يعتدون على الحاج أيام موسمهم بمكة، وأيام الزيارة بالمدينة. واستمرت البعوث والكتائب تجهز لمعاقبتهم، وحماية الحاج من شرهم، ولكن دون جدوى. ولما ظهر القرامطة بالبحرين في أوائل القرن الرابع الهجري لحق بهم بنو سليم، وبنو هلال، وكثير من بطون ربيعة بن عامر. ولما تغلب القرامطة على الشام، وأخذوا يهددون مصر، وظفر الخليفة العزيز بالله بهزيمتهم وردهم، استبقى أشياعهم من العرب من بني هلال وسليم بمصر، وأنزلهم بالصعيد وفي الصحراء الشرقية، فأقاموا هنالك، ولكنهم لم ينقطعوا عن عيثهم وفسادهم.
وهنا تأتي قصة نزوحهم إلى إفريقية. وكان المعز لدين الله الفاطمي، حينما انتقل من إفريقية إلى مصر في سنة 361 هـ، قد استخلف على إفريقية يوسف بن زيري بن مناد الصنهاجي ليحكم باسم الخلافة الفاطمية وتحت سيادتها. ثم تطورت الظروف وعمل آل زيري على تدعيم استقلالهم، حتى فسد الأمر بينهم وبين الخلافة الفاطمية، فخلعوا طاعتها الإسمية، وأعلن المعز بن باديس الصنهاجي انضواءه تحت لواء الخلافة العباسية (سنة 437 هـ)، فعز ذلك على الخلافة الفاطمية، وغضب الخليفة المستنصر بالله، وأخذ البلاط الفاطمي يبحث عما يمكن فعله لمقابلة هذا الإجراء، الذي اعتبر خروجاً على الخلافة الفاطمية، واعتداء على حقوقها الشرعية.
وكان العرب من بني سليم وهلال الذين أنزلوا بالصعيد قد تكاثروا، وتفاقم عيثهم وشرهم، فأشار الوزير أبو محمد الحسن بن علي اليازوري، على الخليفة المستنصر باستمالة أشياخهم، وتقليدهم أعمال إفريقية وشئونها، ليكونوا هنالك أولياء للدعوة الشيعية، وليعملوا على نصرتها إزاء آل زيري المنتزين عليها، فإن نجحت الفكرة وبقى أولئك على ولائهم، كان ذلك كسباً للخلافة الفاطمية وتقوية لجانبها، هذا فضلا عن انقطاع عيثهم بنواحي مصر، وإن كان الأمر بالعكس فهم وشأنهم. فوافق المستنصر على ذلك الرأي، وبعث وزيره إلى العرب في سنة 541 هـ، فسار إلى أحيائهم، وبذل العطاء الوفير لأشياخهم، وفرق في عامتهم بعيراً وديناراً لكل منهم، وأباح لهم عبور النيل، وقال لهم قد أعطيناكم مُلك المغرب، ومُلك المعز بن باديس.
(3/298)

فثارت أطماع أولئك العرب، وأغراهم ما سوف ينالونه في إفريقية من أسباب الثراء والسلطان، وجازت النيل من بطون سليم وهلال جموع غفيرة وساروا إلى برقة، ونزلوا بها، واقتحموا أمصارها، واستباحوها، واستولوا على أسلابها، وبعثوا إلى إخوانهم في شرقي النيل يرغبونهم في اللحاق بهم، فجازت منهم جموع أخرى بعد أن أعطوا دينارين لكل رأس، واقتسموا الأراضي المفتوحة، فحصل لبني سليم الشرق، ولهلال الغرب، وأقامت طوائف من سليم وأحلافها برواحة وناصرة وعمرة من أرض برقة. وسارت قبائل دياب وزغبة وجميع بطون هلال إلى إفريقية، وهم " كالجراد المنتشر لا يمرون على شىء إلا أتوا عليه " حتى وصلوا إلى إفريقية وذلك في سنة 443 هـ.
وكان أول من وصل إليها من أشياخهم أمير رياح موسى بن يحيى الصنبري، وكان المعز بن باديس حينما رأى تقاطر العرب نحو أراضيه، قد فكر في استمالتهم ومحالفتهم، فاستدعى موسى إليه وقربه وأصهر إليه، وحثه على استدعاء العرب، وذلك لكي يقوي جانبه بمؤازرتهم، فاستنصرهم وجلبهم. ولكنهم عاثوا في البلاد أيما عيث، ونادوا بشعار الخلافة الفاطمية، واشتدوا على أحياء صنهاجة، فغضب المعز، وقبض على أخى موسى، وخرج بقواته إلى ظاهر القيروان، واستعان بابن عمه حماد بن بلُكّين صاحب القلعة، فبعث إليه بالأمداد، والتفت حوله زناتة والبربر، وصمد في حشوده الجرارة للعرب، وكانوا وفقاً لأقوال الرواية في ثلاثين ألفاً، وفي مقدمتهم رياح وزغبة وعدى. فلما التقى الفريقان انخذل العرب من أنصار المعز، وخانته زناتة، فكانت عليه الهزيمة ففر في فلوله الباقية إلى القيروان، ونهب العرب جميع محلته، وقتلوا من حشوده أكثر من ثلاثة آلاف. ثم حاصر العرب مدينة القيروان، وطال حصارها، وخرب العرب أحوازها، وعاثوا فيها أيما عيث، وطوقت زغبة ورياح المدينة، ففر منها الأعيان والقرابة من آل زيري، وفر كثير من أهلها إلى تونس. وملك العرب في نفس الوقت قسنطينة وسائر أعمالها، واقتسموا بلاد إفريقية، وذلك في سنة 446 هـ، فكان لزغبة طرابلس وأحوازها، ولمرداس من رياح باجة وما إليها، ثم اقتسموها مرة أخرى، فكان لهلال من تونس إلى الغرب، وبطونهم رياح وزغبة وجشم وقرة والأثبج وسفيان.
وغلب عائد بن أبى الغيث من شيوخهم على تونس، ونهبها، وملك أبو مسعود
(3/299)

سوسة صلحاً. ورأى المعز بن باديس ملكه يتصرم، فحاول التقرب من العرب، وصاهر ببناته الثلاث ثلاثة من أمرائهم، هم فارس بن أبى الغيث وأخوه عائد، والفضل بن أبى علي المرادي، ولكن ذلك لم يحقق له ما أمل، فسار إلى القيروان وسار العرب في أثره، فخشى أمرهم، وانحرف نحو الشاطىء ودخل العرب مدينة القيروان وخربوها ونهبوها، وعاثوا فيها أيما عيث واستباحوا سائر حريمها، واستصفوا سائر أموال المعز وآله، وفر عنها أهلها في سائر الأنحاء. وسار العرب بعد ذلك إلى المهدية، فنزلوها، وضيقوا على أهلها، وكثر فسادهم وعيثهم وتصدت زناتة بعد صنهاجة لمقاومتهم، فغلبوا عليها، واستولوا على سائر الضواحى والأعمال في تلك المنطقة. واضطرب أمر إفريقية. وساد بها الذعر والفزع، وانهارت أركان الأمن، وفسدت السابلة، وبسط العرب عليها حكم عصابات مروع، وغلبوا على صنهاجة وزناتة ومغرواة وغيرها، وسيطروا على نواحي طرابلس، وقابس والزاب، ومعظم أعمال إفريقية (1).
ثم وقع التهادن والصلح بينهم وبين صنهاجة وبقية القبائل البربرية، وتفرقوا في الضواحى والبوادي، فتكاثروا في تلك الجهات، وتأثل نفوذهم وسلطانهم بمضي الزمن، وأضحوا عاملا يحسب حسابه في ميزان القوى، في إفريقية، وفي بلاد الزاب، والمغرب الأوسط. بيد أنهم لبثوا دائماً عنصراً من عناصر الاضطراب والفوضى، يتنقلون بين مختلف الأحزاب والمعسكرات، ويتدخلون في مختلف الحروب التي تنشب على مقربة من ديارهم، لا تحدوهم في ذلك أية مثل سياسية أو دينية، ولا هم لهم إلا اجتناء الكسب والمغانم، من أي جانب وبأي الوسائل، وقد رأينا ما وقع بينهم وبين الموحدين من معارك، على أثر افتتاح عبد المؤمن لبجاية. وقد كانوا أولياء لأمرائها من بني حماد، يعيشون في كنفهم وتحت حمايتهم.
تلك هي قصة نزوح العرب إلى إفريقية وقصة تخريبهم لها. وقد نوه سائر الكتاب والمؤرخين المعاصرين والمتأخرين بتلك الروح العدوانية المخربة، وتلك الخواص الذميمة التي سادت طوائف العرب النازحين، وجعلت منهم عنصراً خطراً، تتوق سائر السلطات وسائر العناصر الأخرى من السكان إلى سحقه
_______
(1) ابن خلدون في كتاب العبر ج 6 ص 13 وما بعدها.
(3/300)

وإبادته، وإنقاذ العباد من شره وعدوانه (1). وسوف نرى فيما بعد أي دور خطير يلعبه أولئك العرب في حوادث إفريقية أيام نزول بني غانية بها.
وكان عبد المؤمن حينما تم له فتح المهدية، وإجلاء الفرنج من إفريقية، يتجه بكل جوارحه نحو شئون الأندلس. وكان يعتقد أنه يستطيع أن يستعين بطوائف المرتزقة من أولئك الأعراب، في حملات الجهاد التي يزمع تسييرها إلى شبه الجزيرة، وكانت طائفة من بني سليم قد اعتدت على مدينة قابس، على أثر افتتاح الموحدين لها، فبعث إليهم عبد المؤمن يعاتبهم ويستدنيهم، ووجه إليهم في ذلك شعراً من نظم القاضي ابن عمران. بيد أنهم تمادوا في عدوانهم، وتغلبوا على قابس، فبعث عبد المؤمن عسكراً لقتالهم، وهو بالمهدية، فهزمهم، واستنقذ قابس من أيديهم (2).
وفكر عبد المؤمن قبل عودته إلى المغرب، أن يدعو العرب إلى الانتظام في عسكره، فجمع زعماء العرب من بني رياح وغيرهم، وحثهم على نصرة الإسلام بالأندلس، وطلب إليهم أن يجهزوا لهذه الغاية عشرة آلاف فارس، من أهل النجدة والشجاعة، ليجاهدوا في سبيل الله، إلى جانب الجيوش الموحدية، فتظاهروا بالموافقة والطاعة، وأقسموا على ذلك، وساروا معه حتى جبل زغوان. وكان من بين زعمائهم، زعيم يدعى يوسف بن مالك، فاتصل بعبد المؤمن بالليل، وأخبره بأن العرب لا يريدون المسير إلى الأندلس، وأنهم يعتقدون أنه يريد بذلك أن يخرجهم من بلادهم، وقد تحقق صدق ذلك في الليلة التالية، إذ هرب العرب تحت جنح الظلام إلى عشائرهم، ولم يبق سوى يوسف هذا، فسماه عبد المؤمن يوسف الصادق، وسار عبد المؤمن في قواته حتى وصل إلى مقربة من قسنطينة، ونزل هناك في وادي مخصب يقال له وادي النساء، بعيداً عن أطراف العمران، واستمر هنالك عشرين يوماً، والسكينة ترفرف على جيوشه، وقد انصرف العرب إلى أحيائهم التي يحتلونها. فلما علم عبد المؤمن باجتماعهم ثانية في أحيائهم بعث إليهم جيشاً من ثلاثين ألف مقاتل، بقيادة ولديه أبى محمد وأبى عبد الله،
_______
(1) يشير ابن خلدون في مواضع كثيرة إلى عيث أولئك العرب وتخريبهم لمدن إفريقية (راجع كتاب العبر ج 6 ص 14 و 15 و 16). ويشير الإدريسي إلى ذلك غير مرة (وصف المغرب وأرض السودان ومصر، الأندلس ص 93 و 105 و 109 و 122)، وكذلك صاحب الاستبصار في عجائب الأمصار (ص 128 و 161)، وغيرهم.
(2) البيان المغرب - القسم الثالث ص 39.
(3/301)

فسار الموحدون في هدوء، وانعطفوا إلى الصحراء، وراء أحياء العرب، حتى لا يفلتوا بالتوغل فيها، وكان العرب قد احتشدوا جنوبي القيروان عند جبل القرن، تحت إمرة بعض المشاهير من مقدميهم، مثل أبى محفوظ محرز بن زياد، ومسعود بن زمام، وجبارة بن كامل بن سرحان وغيرهم، فلما دهمهم الموحدون اضطربوا واختل نظامهم، وفر مسعود وجبارة ومن معهما من العشائر، وثبت محرز بن زياد ومن معه، واشتبكوا مع الموحدين في معركة عنيفة، وذلك في منتصف شهر ربيع الآخر من سنة 555 هـ، فقتل محرز، وانهزمت جموع العرب، وسقط متاعهم وحريمهم وولدهم في أيدي الموحدين، فأمر عبد المؤمن بالتحفظ عليهم ورعايتهم، حتى أقبلت وفود رياح والأثبج، في طلب حريمهم، فردهن إليهم، وفرق فيهم الصلات، واستمالهم بحسن صنيعه، وانتهى بأن جهز منهم قوة لتشترك في الجهاد في الأندلس (1). وسوف نرى فيما بعد أي دور هام يلعبه أولئك العرب، في حوادث المغرب والأندلس، وكيف تعمد السياسة الموحدية إلى استمالتهم والاستعانة بهم، ولاسيما في عهد الخليفة أبى يعقوب يوسف ولد عبد المؤمن وخليفته.
وفي شهر ذي القعدة سنة 555 هـ (نوفمبر سنة 1160 م) عبر الخليفة عبد المؤمن البحر إلى الأندلس، وكان عبوره إليها حادثاً هاماً من أشهر حوادث العصر، وكانت له نتائج بعيدة المدى.
بيد أنه يجب قبل أن نتحدث عن عبور الخليفة الموحدي إلى شبه الجزيرة، أن نستعرض ما تقدمه من الحوادث المتعلقة بموقف الموحدين من شئون الأندلس.
_______
(1) ابن الأثير ج 11 ص 92 و 93.
(3/302)

الكِتابُ الثالِث
ثورة القوى الوطنيّة بالأندلسْ وتغلّب الموحّدين على شبه الجزيرة.
(3/303)

الفصل الأوّل
الثورة في الأندلس وانهيار سلطان المرابطين
صدى حوادث المغرب في الأندلس. اضطرام الفكرة القومية الأندلسية. قام الثورة في غربي الأندلس. ابن قسي وأتباعه المريدون. دعوته ومزاعمه. ظهور أمره وفراره إلى ميرتلة. معاونة ابن القابلة. تحرج مركز المرابطين في الغرب. ابن قسي يدير خطة الاستيلاء على ميرتلة. مداهمة ابن القابلة لحصن ميرتلة وانتزاعه. نزول ابن قسي فيه. قيام الثورة في يابرة وشلب. ابن المنذر المتغلب على شلب. تسليم المرابطين بباجة، ومغادرتهم لها. استيلاء ابن المنذر عليها. مبايعة ابن وزير صاحب يابرة، وابن المنذر لابن قسي. ابن قسي يرسل سفارة إلى عبد المؤمن. خروج ابن المنذر في قوات المريدين واستيلاؤه على ولبة ولبلة. مسيره إلى إشبيلية وانتزاعه بعض ضواحيها. لقاؤه بالمرابطين. هزيمته وفراره. مسير ابن غانية أمير المرابطين إلى لبلة. وقوع الثورة بقرطبة وعود ابن غانية إلى إشبيلية. محاولة المريدين الزحف على قرطبة وفشلها. الخلاف بين ابن قسي وابن وزير. استيلاء ابن وزير على شلب وميرتلة. فرار ابن قسي إلى المغرب والتجاؤه إلى عبد المؤمن. إقناعه للخليفة بالتدخل في حوادث الأندلس. ابن غانية أمير المرابطين بالأندلس وموقفه. قيام الثورة في قرطبة. زعيمها القاضي ابن حمدين. مبايعته بالإمارة وتسميه بأمير المسلمين. استدعاء فريق من أهل قرطبة لسيف الدولة ابن هود. مقدمه إلى قرطبة ودخوله إياها. فرار ابن حمدين. الثورة ضد ابن هود وفراره. عودة ابن حمدين إلى حكم قرطبة. زحف ابن غانية على قرطبة، اللقاء بينه وبين ابن حمدين. هزيمة ابن حمدين وفراره. دخول ابن غانية قرطبة. تغلب ابن حمدين على حصن أندوجر وأحوازه. مسير ابن غانية لقتاله. التجاء ابن حمدين إلى ملك قشتالة. مسير ابن حمدين وحلفاؤه النصارى إلى قرطبة. دخولهم المدينة وعيثهم فيها. امتناع ابن غانية بقصبتها. ذيوع الأخبار بمقدم الموحدين إلى شبه الجزيرة. التهادن بين قشتالة وابن غانية. ولاية ابن غانية لقرطبة. ما يروى في ذلك عن قيصر قشتالة. خروج ابن حمدين من قرطبة. عبوره إلى المغرب ومقابلته لعبد المؤمن. عوده إلى الأندلس والتجاؤه إلى صاحب مالقة. الثورة في غرناطة. زعيمها القاضي ابن أضحى. استغاثته بابن حمدين. دعوة أهل غرناطة لسيف الدولة بن هود. تحالف ابن أضحى وابن هود ضد المرابطين. لقاء ابن هود والمرابطين خارج غرناطة. تحصن المرابطين بالقصبة. وفاة ابن أضحى وقيام ولده محمد. تعاونه مع ابن هود ضد المرابطين. مقدم عسكر مرسية لقتال المرابطين، هزيمتهم ومقتل زعيمهم. مغادرة ابن هود لغرناطة والتجاؤه إلى جيان. رواية ابن الأبار عن مراحل الصراع في غرناطة بين المرابطين وخصومهم. الثورة في مالقة. ظاهرة تزعم القضاة للثورة ضد المرابطين وتعليلها. أبو الحكم بن حسون زعيم الثورة في مالقة. تغلبه على المرابطين. انتزاعه للرياسة. استعانته بالمرتزقة النصارى. تدبير مؤامرة لإسقاطه. نجاح المؤامرة وانتحار ابن حسون. ثورة ابن ملحان في
(3/304)

وادي آش. ثورة ابن جزى في جيان. ثورة أخيل بن إدريس في رندة. ثورة ابن عزون في شريش. عبوره إلى المغرب ولقاؤه لعبد المؤمن. إنضمامه إلى الموحدين عند عبورهم. رواية أخرى عن ابن عزون وبيعته لعبد المؤمن. قيام ابن ميمون في قادس. عبوره إلى المغرب وانضمامه إلى عبد المؤمن. ثورة ابن الحجام في بطليوس. دخوله في طاعة الموحدين.
كان من الطبيعي أن تحدث حوادث المغرب صداها القوي فيما وراء البحر، ْفي شبه الجزيرة الإسبانية، حيث كانت الدولة المرابطية تبسط سلطانها على مختلف القواعد الأندلسية. وقد اتخذ هذا الصدى منذ البداية، صورة ثورة عامة ضد المرابطين، اجتاحت الأندلس بسرعة من غربها إلى شرقها. بيد أنه يجب أن أن نلاحظ بادىء ذي بدء، أن هذه الثورة الجارفة ضد سلطان المرابطين لم تكن فقط نتيجة لحوادث المغرب، وظهور أمر الموحدين، وتضعضع قوى الدولة المرابطية، وعجز المرابطين عن حماية الأندلس من غزوات النصارى المخربة، وإن كانت هذه الحوادث، قد بثت إليها قوة واضطراماً جديدين. وإنما كانت عوامل الثورة الأندلسية، ضد الحكم المرابطي، تكمن منذ بعيد، بل هي ترجع حسبما أشرنا في مقدمة هذا الكتاب، إلى أعقاب الفتح المرابطي ذاته، حيث كانت الفكرة القومية تجيش بأذهان فريق كبير من أبناء الأمة الأندلسية، وكان هذا الفريق، يرى في المرابطين، بعد أن تبددت آثار المديح والإعجاب الأولى، التي تلت نصر الزلاقة، وبعد أن انقلب الإخوة المنقذون إلى فاتحين متغلبين، أجانب غاصبين، يستظلون بفكرة الجهاد، ليبسطوا سلطانهم على الأمة الأندلسية. وبالرغم من أن فكرة الجهاد الأولى، التي اضطلع بها المرابطون في الأندلس، في أوائل عهد علي بن يوسف، والتي أسفرت عند ظفرهم ضد الجيوش النصرانية، في عدة وقائع، مثل موقعة أقليش (501 هـ)، وما تلاها من الغزوات المظفرة، حتى موقعة إفراغة (528 هـ)، كانت تغالب هذه الفكرة القومية، وتضفي على حكم المرابطين رونقاً ومجداً، فإن الأمة الأندلسية لم تنس الحقائق الواقعة، ولم تنس أنها قد فقدت استقلالها وحرياتها، في ظل الحكم المرابطي، خصوصاً بعد أن أخذت وطأة هذا الحكم تشتد شيئاً فشيئاً. وكانت ثورة قرطبة على حكومتها المرابطية في سنة 515 هـ (1121 م)، أول تعبير مادي لهذا الشعور ال