Advertisement

دولة الإسلام في الأندلس 006



الكتاب: دولة الإسلام في الأندلس
المؤلف: محمد عبد الله عنان المؤرخ المصري (المتوفى: 1406هـ)
الناشر: مكتبة الخانجي، القاهرة
الطبعة:
جـ 1، 2، 5/ الرابعة، 1417 هـ - 1997 م
جـ3، 4/ الثانية، 1411 هـ - 1990 م
عدد المجلدات: 5 مجلدات
أعده للشاملة/ مهاجي جمال
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] سنة 1480، قبيل انهيار مملكة غرناطة بقليل، وأقيمت محارقه الأولى فى إشبيلية عاصمة المملكة. فلما سقطت غرناطة، وطويت بسقوطها صفحة الدولة الإسلامية فى الأندلس، ووقع ملايين المسلمين فى قبضة اسبانيا النصرانية، ولما أكره المسلمون على التنصير، واستحالت بقايا الأمة الأندلسية إلى طوائف الموريسكيين، ألفى ديوان التحقيق فى هذا المجتمع النصرانى المحدث أخصب ميدان لنشاطه، وغدت محاكم التحقيق يد الكنيسة القوية فى تحقيق غايتها البعيدة. ذلك أن هذه المحاكم الشهيرة كانت تضطلع بمهمة مزدوجة دينية وسياسية معاً، فكانت تعمل باسم الدين لتحقيق أغراض السياسة، وكان للسياسة الإسبانية بعد ظفرها النهائى بإخضاع الأمة الأندلسية أمنية أخطر وأبعد مدى، هى القضاء على بقايا هذه الأمة المسلمة، وسحق دينها وكل خواصها الجنسية والاجتماعية، وإدماجها فى المجتمع النصرانى. ولم تشأ السياسة الإسبانية، أن تترك تحقيق هذه الغاية لفعل الزمن والتطور التاريخى، بل رأت نزولا على وحى الكنيسة وتوجيهها المباشر، أن تعجل بإجراءات التنصير والقمع، وأن تذهب فى ذلك إلى حدود من الإسراف والغلو، هى التى أسبغت على مأساة الموريسكيين أو العرب المتنصرين صبغتها المفجعة، كما أسبغت على السياسة الإسبانية المعاصرة وصمة عار، لم يمحها إلى اليوم كر الأجيال والعصور.
وقد اضطلع ديوان التحقيق الإسبانى بأعظم قسط من هذه الإجراءات الهمجية التى أريد بها تنفيذ حكم الإعدام فى أمة بأسرها، وأخضعت غرناطة لقضاء ديوان التحقيق منذ سنة 1499، أعنى مذ أكره المسلمون على التنصير، ولكنها جُعلت من اختصاص محكمة التحقيق فى قرطبة، وهكذا بدأ الديوان المقدس أعماله فى غرناطة، بحماسة يذكيها احتشاد الضحايا من حوله. ولم تغفل الرواية الإسلامية أن تشير إلى محارق ديوان التحقيق، أو إحراق المسلمين بتهمة المروق أو الزيغ، ولم يجد المسلمون الذين آثروا البقاء فى الوطن القديم، وأكرهوا على التنصير واعتناق الدين الجديد، ملاذاً أو عاصماً من الإضطهاد والمطاردة. ذلك أن الموريسكيين أو العرب المتنصرين لبثوا دائماً موضع البغض والريب، وأبت اسبانيا النصرانية بعد أن أرغمتهم على اعتناق دينها، أن تضمهم إلى حظيرتها، وأبت الكنيسة الإسبانية أن تؤمن بإخلاصهم لدينهم الجديد، ولبثت تتوجس من رجعتهم وحنانهم لدينهم القديم، وترى فيهم دائماً منافقين مارقين. وهكذا كانت السياسة الإسبانية، كما كانت الكنيسة الإسبانية، أبعد من أن تقنع بتنصير المسلمين الظاهرى، وإنما كانت
(5/341)

ترمى إلى إبادتهم، ومحو آثارهم ودينهم وحضارتهم، وكل ذكرياتهم.
والواقع أن الموريسكيين لبثوا بالرغم من تنصرهم، نزولا على حكم القوة والإرهاب، مخلصين فى سرائرهم لدينهم القديم، ولم تستطع الكنيسة بالرغم من جهودها الفادحة أن تحملهم على الولاء لدين قاسوا فى سبيل اعتناقه ضروباً مروعة من الآلام النفسية والاضطهاد المضنى، وإليك ما يقوله فى ذلك مؤرخ إسبانى كتب قريباً من ذلك العصر، وأدرك الموريسكيين وعاش بينهم حيناً فى غرناطة: " كانوا يشعرون دائماً بالحرج من الدين الجديد، فإذا ذهبوا إلى القداس أيام الآحاد، فذلك فقط من باب مراعاة العرف والنظام، وهم لم يقولوا الحقائق قط خلال الاعتراف. وفى يوم الجمعة يحتجبون ويغتسلون ويقيمون الصلاة فى منازلهم المغلقة، وفى أيام الآحاد يحتجبون ويعملون. وإذا عُمد أطفالهم، عادوا فغسلوهم سراً بالماء الحار، ويسمون أولادهم بأسماء عربية، وفى حفلات الزواج متى عادت العروس من الكنيسة بعد تلقى البركة، تنزع ثيابها النصرانية وترتدى الثياب العربية، ويقيمون حفلاتهم وفقاً للتقاليد العربية" (1).
وقد انتهت إلينا وثيقة عربية هامة تلقى ضوءاً كبيراً على أحوال الموريسكيين فى ظل التنصير، وتعلقهم بدينهم القديم، وكيف كانوا يتحايلون لمزاولة شعائرهم الإسلامية خفية، ويلتمسون من جهة أخرى سائر الوسائل والأعذار الشرعية التى يمكن أن تبرر مسلكهم، وتشفع لهم لدى ربهم، مما يرغمون على اتباعه من الشعائر النصرانية.
وهذه الوثيقة هى عبارة عن رسالة وجهت من أحد فقهاء المغرب إلى جماعة العرب المتنصرين ممن يسميهم "الغرباء" يقدم إليهم بعض النصائح التى يعاون اتباعها على تنفيذ أحكام الإسلام خفية، وبطريق التورية والتستر. وتاريخ هذه الرسالة هو غرة رجب سنة 910 هـ، (28 نوفمبر سنة 1504). وإليك نص هذه الوثيقة:
"الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما. إخواننا القابضين على دينهم، كالقابض على الجمر، من أجزل الله ثوابهم، فيما لقوا فى ذاته، وصبروا النفوس والأولاد فى مرضاته، الغرباء القرباء إن شاء الله، من مجاورة نبيه فى الفردوس الأعلى من جناته، وارثو سبيل السلف الصالح،
_______
(1) Marmol: ibid ; II. Cap. 1
(5/342)

فى تحمل المشاق، وإن بلغت النفوس إلى التراق، نسأل الله أن يلطف بنا، وأن يعيننا وإياكم على مراعات حقه، بحسن إيمان وصدق، وأن يجعل لنا ولكم من الأمور فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً. بعد السلام عليكم، من كاتبه إليكم، من عبيد الله أصغر عبيده، وأحوجهم إلى عفوه ومزيده، عبيد الله تعالى أحمد ابن بوجمعة المغراوى ثم الوهرانى، كان الله للجميع بلطفه وستره، سائلاً من إخلاصكم وغربتكم حسن الدعاء، بحسن الخاتمة والنجاة من أهوال هذه الدار، والحشر مع الذين أنعم الله عليهم ( F. 2) من الأبرار، ومؤكدًا عليكم في ملازمة دين الإسلام آمرين به من بلغ من أولادكم. إن لم تخافوا دخول شر عليكم من إعلام عدوكم بطويتكم، فطوبى للغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس، وإن ذاكر الله بين الغافلين كالحىّ بين الموتى؛ فاعلموا أن الأصنام خشب منجور، وحجر جلمود لا يضر ولا ينفع، وأن المُلك الله ما اتخذ الله من ولد، وما كان معه من إله. فاعبدوه، واصطبروا لعبادته، فالصلاة ولو بالإيماء، والزكاة ولو كأنها هدية لفقيركم أو رياء؛ لأن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن إلى قلوبكم، والغسل من الجنابة ولو عومًا في البحور، وإن منعتم فالصلاة قضاء بالليل لحق النهار، وتسقط في الحكم طهارة الماء؛ وعليكم بالتيمم ولو مسحًا بالأيدى للحيطان، فإن لم يمكن فالمشهور سقوط الصلاة وقضاؤها لعدم الماء ( F. 3-1) والصعيد إلا أن يمكنكم الإشارة إليه بالأيدى والوجه إلى تراب طاهر أو حجر أو شجر مما يتيمم به، فاقصدوا بالإيماء، نقله ابن ناجى في شرح الرسالة لقوله عليه السلام: فأتوا منه ما استطعتم. وإن أكرهوكم فى وقت صلاة إلى السجود للأصنام أو حضور صلاتهم فأحرموا بالنية، وانووا صلاتكم المشروعة، وأشيروا لما يشيرون إليه من صنم، ومقصودكم الله، وإن كان لغير القبلة تسقط في حقكم كصلاة الخوف عند الالتحام؛ وإن أجبروكم على شرب خمر، فاشربوه لا بنية استعماله، وإن كلفوا عليكم خنزيرًا فكلوه ناكرين إياه بقلوبكم، ومعتقدين تحريمه، وكذا إن أكرهوكم على محرّم، وإن زوجوكم بناتهم، فجائز لكونهم أهل الكتاب، وإن أكرهوكم ( F. 3-2) على إنكاح بناتكم منهم، فاعتقدوا تحريمه لولا الإكراه، وأنكم ناكرون لذلك بقلوبكم، ولو وجدتم قوة لغيرتموه. وكذا إن أكرهوكم على رباً أو حرام فافعلوا منكرين بقلوبكم، ثم ليس عليكم إلا رؤوس أموالكم، وتتصدقون بالباقى، إن تبتم لله تعالى. وإن أكرهوكم على كلمة الكفر، فإن أمكنكم التورية والإلغاز
(5/343)

فافعلوا، وإلا فكونوا مطمئنى القلوب بالإيمان إن نطقتم بها ناكرين لذلك، وإن قالوا اشتموا محمدًا فإنهم يقولون له مُمَد، فاشتموا مُمَدًا، ناوين أنه الشيطان أو ممد اليهود فكثير بهم اسمه. وإن قالوا عيسى ابن الله، فقولوها إن أكرهوكم، وانووا إسقاط مضاف أى عبد اللاه مريم معبود بحق. وإن قالوا قولوا المسيح ابن الله فقولوها إكراهًا، وانووا بالإضافة للملك كبيت الله لا يلزم أن يسكنه أو يحل به؛ وإن قالوا قولوا مريم زوجة له فانووا بالضمير ابن عمها الذي تزوجها في بنى إسرائيل ثم فارقها قبل البناء. قاله السهيلى في تفسير المبهم من الرجال في القرآن. أو زوجها الله منه بقضائه وقدره. وإن قالوا عيسى توفى بالصلب، فانووا من التوفية والكمال والتشريف من هذه، وإماتته وصلبه وإنشاد ذكره، وإظهار الثناء عليه بين الناس، وأنه استوفاه الله برفعه إلى العلو، وما يعسر عليكم فابعثوا ( F. 4. I) فيه إلينا نرشدكم إن شاء الله على حسب ما تكتبون به، وأنا أسأل الله أن يديل الكره للإسلام حتى تعبدوا الله ظاهرًا بحول الله من غير محنة ولا وجلة، بل بصدمة الترك الكرام. ونحن نشهد لكم بين يدى الله أنكم صدقتم الله ورضيتم به. ولابد من جوابكم. والسلام عليكم جميعًا. بتاريخ غرة رجب عام عشرة وتسع مائة، عرف الله خيره".
"يصل إلى الغرباء إن شاء الله تعالى" (1).
ومن ثم فقد لبث الموريسكيون، شغلا شاغلا للكنيسة وللسياسة الإسبانية، فهم عنصر بغيض فى المجتمع الإسبانى، وهم خطر على الدولة وعلى الوطن، وهم بالرغم من ردتهم مازالوا خونة مارقين، ومازالوا أعداء للدين فى سريرتهم. وكان يذكى هذا البغض والتحامل ضد الموريسكيين كل تذمر من جانبهم. فلما دفعهم اليأس إلى الثورة فى مفاوز البشرّات، ولما آنست السياسة الإسبانية أن هذه البقية الممزقة من الأمة الأندلسية القديمة، مازالت تجيش برمق من الحياة والكرامة،
_______
(1) عثرت على هذه الوثيقة خلال بحوثى فى مكتبة الفاتيكان الرسولية برومة. وهى تقع ضمن مجموعة خطية من المخطوطات البورجوانية ( Borgiani) . وقد وصف هذا المخطوط فى فهرس مكتبة الفاتيكان (فهرس دللافيدا) بأنه "المقدمة القرطبية". وفى صفحة عنوانه بأنه "كتاب نزهة المستمعين". وتشغل هذه الوثيقة فى المخطوط المشار إليه أربع صفحات (136 - 139) ومن جهة أخرى فقد عثرت بنص هذه الوثيقة مثبتا فى إحدى مخطوطات الألخميادو المحفوظة بمكتبة أكاديمية التاريخ بمدريد (مجموعة سافدرا). وتوجد ترجمتها القشتالية فى كتاب:
P. Longas: La Vida Religiosa de los Moriscos (p. 305-307)
(5/344)

رأت أن تضاعف إجراءات القمع والمطاردة، ضد هذا الشعب المهيض الأعزل، حتى لا ينبض بالحياة مرة أخرى.
وكانت ثورة البشرات نذير فورة جديدة، من هجرة الموريسكيين إلى ما وراء البحر، فجازت منهم إلى إفريقية جموع عظيمة كما قدمنا، ولكن الكثرة الغالبة منهم بقيت فى الوطن القديم، هدفاً للاضطهاد المنظم، والقمع الذريع المدنى والدينى، فإلى جانب الأوامر الملكية بمنع الهجرة، وحظر التصرف فى الأملاك أو حمل السلاح وغيرها من القوانين المقيدة للحقوق والحريات، كان ديوان التحقيق من جانبه، يشدد الوطأة على الموريسكيين، ويرقب كل حركاتهم وسكناتهم، ويغمرهم بشكوكه وريبه، ويتخذ من أقل الأمور والمصادفات ذرائع لاتهامهم بالكفر والزيغ، ومعاقبتهم بأشد العقوبات وأبلغها. وقد نقل إلينا الدون لورنتى مؤرخ ديوان التحقيق الإسبانى، وثيقة من أغرب الوثائق القضائية، تضمنت طائفة من القواعد والأصول التى رأى الديوان المقدس أن يأخذ بها العرب المتنصرين، فى تهمة الكفر والمروق، وإليك ما ورد فى تلك الوثيقة الغربية:
"يعتبر الموريسكى أو العربى المتنصر قد عاد إلى الإسلام، إذا امتدح دين محمد، أو قال إن يسوع المسيح ليس إلهاً، وليس إلا رسولا، أو أن صفات العذراء أو اسمها لا تناسب أنه، ويجب على كل نصرانى أن يبلغ عن ذلك، ويجب عليه أيضاً أن يبلغ عما إذا كان قد رأى أو سمع، بأن أحداً من الموريسكيين يباشر بعض العادات الإسلامية، ومنها أن يأكل اللحم فى يوم الجمعة، وهو يعتقد أن ذلك مباح، وأن يحتفل يوم الجمعة بأن يرتدى ثياباً أنظف من ثيابه العادية، أو يستقبل المشرق قائلا بسم الله، أو يوثق أرجل الماشية قبل ذبحها، أو يرفض أكل تلك التى لم تذبح، أو ذبحتها امرأة، أو يختن أولاده أو يسميهم بأسماء عربية، أو يعرب عن رغبته فى اتباع هذه العادة، أو يقول إنه يجب ألا يعتقد إلا فى الله وفى رسوله محمد، أو يقسم بأيمان القرآن، أو يصوم رمضان ويتصدق خلاله، ولا يأكل ولا يشرب إلا عند الغروب، أو يتناول الطعام قبل الفجر (السحور)، أو يمتنع عن أكل لحم الخنزير وشرب الخمر، أو يقوم بالوضوء والصلاة، بأن يوجه وجهه نحو الشرق ويركع ويسجد ويتلو سوراً من القرآن، أو أن يتزوج طبقاً لرسوم الشريعة الإسلامية، أو ينشد الأغانى العربية، أو يقيم حفلات الرقص والموسيقى العربية، أو أن يستعمل النساء الخضاب فى أيديهن أو شعورهن، أو يتبع
(5/345)

قواعد محمد الخمس، أو يملس بيديه على رؤوس أولاده أو غيرهم تنفيذاً لهذه القواعد، أو يغسل الموتى ويكفنهم فى أثواب جديدة، أو يدفنهم فى أرض بكر، أو يغطى قبورهم بالأغصان الخضراء، أو أن يستغيث بمحمد وقت الحاجة منعتاً إياه بالنبى ورسول الله، أو يقول إن الكعبة أول معابد الله، أو يقول إنه لم ينصر إيماناً بالدين المقدس، أو إن آباءه وأجداده قد غنموا رحمة الله لأنهم ماتوا مسلمين ... الخ" (1).
كانت هذه الشبه وأمثالها، تتخذ ذريعة للتنكيل بالموريسكيين، بالرغم من تنصرهم وانتمائهم إلى دين سادتهم الجدد. ومن الطبيعى أن يكون موقف المسلمين الذين آثروا الاحتفاظ بدينهم أدق وأخطر، وكانت قد بقيت منهم جماعات كبيرة فى غرناطة وبلنسية وغيرها، يعيشون فى غمرة من الجزع الدائم، وكانت محارق ديوان التحقيق تلتهم الكثير من هؤلاء وهؤلاء، لأقل الشبه والوشايات. ولقد كان الإسراف فى مطاردة المسلمين والموريسكيين، نذير السخط فالثورة، ولكن الثورة أخمدت، ولم تعدل السياسة الإسبانية عن مسلكها، وضاعفت محاكم التحقيق إجراءات القمع والتنكيل. وقد انتهت إلينا عن تلك الفترة الدقيقة من تاريخ الموريسكيين وثيقة عربية ذات أهمية خاصة، كتبها فيما يظهر أندلسى متنصر (موريسكى) إلى بايزيد الثانى سلطان الترك العثمانيين، يستغيث به ويستصرخه، لنصرة إخوانه العرب المتنصرين، ويصف له فى شعر ركيك ولكن قوى التعبير، ما تنزله اسبانيا النصرانية برعاياها الجدد، وما يصيب المتنصرين من عسف ديوان التحقيق، ورائع مطاردته وعقوباته. وإليك بعض ما ورد فى تلك القصيدة المؤثرة، فى وصف أنواع الاضطهاد والعسف، التى نزلت بالعرب المتنصرين، وذلك بعد ديباجة نثرية، وديباجة شعرية طويلة فى تحية السلطان بايزيد:
فلما دخلنا تحت عقد ذمامهم ... بدا غدرهم فينا بنقض العزيمة
وخان عهوداً كان قد غرّنا بها ... ونصرنا كرهاً بعنف وسطوة
وكل كتاب كان فى أمر ديننا ... ففى النار ألقوه بهزء وحقرة
ولم يتركوا فيها كتاباً لمسلم ... ولا مصحفاً يخلى به للقراءة
ومن صام أو صلى ويعلم حاله ... ففى النار يلقوه على كل حالة
_______
(1) Don Antonio Liorente: Historia Critica de la Inquisicion de Espana
وأيضاً Dr. Lea: The Moriscos ; p. 130-131
(5/346)

ومن لم يجىء منا لموضع كفرهم ... يعاقبه اللباط شر العقوبة
ويلطم خديه ويأخذ ماله ... ويجعله فى السجن فى سوء حالة
وفى رمضان يفسدون صيامنا ... بأكل وشرب مرة بعد مرة
وقد أمرونا أن نسب نبينا ... ولا نذكرنه فى رخاء وشدة
وقد سمعوا قوماً يغنون باسمه ... فأدركتهم منهم أليم المضرة
وعاقبهم حكامهم وولاتهم ... بضرب وتغريم وسجن وذلة
وقد بدلت أسماؤنا وتحولت ... بغير رضا منا وغير إرادة
فآها على تبديل دين محمد ... بدين كلاب الروم شر البرية
وآهاً على تلك الصوامع علقت ... نواقيسهم بها نظير الشهادة
وآها على تلك البلاد وحسنها ... لقد أظلمت بالكفر أعظم ظلمة
وصارت لعبادة الصليب معاقلا ... وقد أمنوا فيها وقوع الإغارة
وصرنا عبيداً لا أسارى نفتدى ... ولا مسلمين نُطقهم بالشهادة
فلو أبصرت عيناك ما صار حالنا ... إليه لجادت بالدموع الغزيرة
فياولنا يا بؤس ما قد أصابنا ... من الضر والبلوى وثوب المذلة (1).
وهذه الأبيات تنم بالرغم من ركاكتها عن دقة مدهشة، فى تتبع أعمال السياسة الإسبانية، لمطاردة العرب المتنصرين، وفى وصف إجراءات محاكم التحقيق وعقوباتها.
والظاهر أن صاحبها كان من الكبراء المتصلين بالشئون العامة. والمرجح أن هذه الرسالة وجهت إلى السلطان بايزيد الثانى، عقب ثورة البشرات وما تلاها من إجراءات القمع المشددة ضد العرب المتنصرين، وذلك حوالى سنة 1505، وقد توفى السلطان بايزيد الثانى سنة 1512، فلابد أن تكون الرسالة قد وجهت إليه قبل ذلك. ونحن نعرف أنها لم تكن أول رسالة من نوعها، وجهها مسلمو الأندلس والعرب المتنصرون إلى قصور قسطنطينية ومصر والمغرب، فقد أشرنا فيما تقدم إلى سفارة السلطان أبى عبد الله الأيسر إلى سلطان مصر الملك الظاهر جقمق يستمد عونه، ثم إلى سفارة مولاى الزغل سلطان غرناطة إلى بلاط مصر وبلاط قسطنطينية، يستغيث بهما ويستصرخهما لإنجاده، وإلى ما قام به بلاط مصر من توجيه سفارته إلى فرناندو الخامس، يحذره من المضى فى إرهاق المسلمين، وينذره باضطهاد النصارى الذين
_______
(1) أورد لنا المقرى فى أزهار الرياض تلك القصيدة بأكملها، وهى طويلة فى نحو مائة بيت (ج 1 ص 109 - 115)
(5/347)

يعيشون فى المملكة المصرية، وما كان من تكرار نذيره إلى ملك اسبانيا، حينما اشتدت وطأة التنصير على مسلمى الأندلس؛ ولكن تدخل مصر وقسطنطينية على هذا النحو لم يغن شيئا، وهذا ما يشير إليه صاحب القصيدة المذكورة فى قوله مخاطباً السلطان بايزيد:
وقد بلغ المكتوب منكم إليهم ... فلم يعملوا منه جميعاً بكلمة
وما زادهم إلا اعتداء وجرأة ... علينا وإقداماً بكل مساءة
وقد بلغت إرسال مصر إليهم ... وما نالهم غدر وهتك حرمة
وقالوا لتلك الرسل عنا بأننا ... رضينا بدين الكفر من غير قهرة
لقد كذبوا فى قولهم وكلامهم ... علينا بهذا القول أكبر فرية
ولكن خوف القتل والحرق ردنا ... نقول كما قالوه من غير نية
وقد كانت السياسة الإسبانية تتخذ من هذه الرسائل، التى يوجهها العرب المتنصرون إلى إخوانهم المسلمين فيما وراء البحر، كلما تفاقمت آلامهم ومحنتهم، ذريعة للاشتداد فى مطاردتهم، واعتبارهم خطراً على سلامة الدولة، لأنهم يأتمرون بها مع ملوك الدول الإسلامية أعداء اسبانيا النصرانية
(5/348)

الفصل الثالث
ذروة الاضطهاد وثورة الموريسكيين
نظرة اسبانيا إلى الموريسكيين. وفاة فرناندو الكاثوليكى وخلاله. سياسة الرفق فى عهد شارل الخامس. عود الاضطهاد. قرار المحكمة الملكية فى ظلامة المسلمين. تعليق المؤرخ كوندى. ثورة المسلمين فى سرقسطة وبلنسية. تنصير المسلمين فى أراجون. القوانين والقرارات المرهقة. مساعى الموريسكيين فى بلنسية وغرناطة. مراسيم جديدة ضد الموريسكيين. تحريم الهجرة إلى الثغور. قرار بالعفو عن الموريسكيين فى مدينة دلكامبو. التردد بين الشدة والرفق فى عهد شارل الخامس. ولده فيليب الثانى. التنصير يعم الموريسكيين. تحريض الكنيسة لفيليب الثانى. تحريم السلاح على الموريسكيين. تحريم استعمال اللغة العربية والثياب والتقاليد العربية. إعلان القانون فى غرناطة. سخط الموريسكيين. فشل السعى إلى التخفيف. اضطراب الخواطر فى غرناطة. العزم على الثورة. خطة ابن فرج لإضرامها. قصيدة عربية فى وصف آلام الموريسكيين. استغاثتهم بأمراء المغرب. نذير الانفجار. محاولة ابن فرج لإثارة غرناطة. ارتداده إلى الهضاب الجنوبية. انتشار الثورة. فتك الموريسكيين بالنصارى. فرناندو دى فالور أو محمد بن أمية سلطان الموريسكيين. الفتك بالنصارى فى منطقة البشرات. أهبة الإسبان لقمع الثورة. مسير المركيز منديخار لمقاتلة الموريسكيين. اتساع نطاق الثورة. هزيمة الموريسكيين وفرار محمد بن أمية. معركة دامية أخرى. الفتك بالموريسكيين فى غرناطة. عود محمد بن أمية. استغاثته بأمراء المغرب وسلطان الترك. تشريد الموريسكيين فى البيازين. مصرع محمد بن أمية. ابن عبو أو مولا عبد الله يخلفه فى الرياسة. غارات الموريسكيين على أحواز غرناطة. تعيين دون خوان قائداً عاماً لغرناطة. مسيره إلى مقاتلة الثوار. المعارك الطاحنة بين الفريقين. الحكومة الإسبانية تجنح إلى اللين. محاولات الإسبان لعقد الصلح. المفاوضات بين الفريقين. خطاب لابن عبو. تصميم مولاى عبد الله على القتال. اجتياح الإسبان للمناطق الثائرة. مرسوم بنفى الموريسكيين إلى الداخل. الحوادث الدموية. قوانين جديدة مرهقة. مصرع مولاى عبد الله. انهيار الثورة الموريسكية.

لبث الموريسكيون فى عهد فرناندو الخامس (الكاثوليكى) زهاء عشرين عاماً، يتراوحون بين الرجاء واليأس، ويرزحون تحت غمر المطاردة المنظمة. وكان هذا الشعب المهيض الذى أدخل قسراً فى حظيرة النصرانية، والذى أنكرته مع ذلك اسبانيا سيدته الجديدة، وأنكرته الكنيسة التى عملت على تنصيره، يحاول أن يروض نفسه على حياته الجديدة، وأن يتقبل مصيره المنكود بإباء وجلد. ولكن اسبانيا النصرانية، لبثت ترى فى هذه البقية الباقية من الأمة الأندلسية، عدوها القديم الخالد، وتتصور أن هذا المجتمع المهيض الأعزل، الذى أحكمت أغلالها فى عنقه،
(5/349)

ما يزال مصدر خطر دائم على سلامتها وطمأنينتها، ومن ثم كان هذا الإمعان فى مطاردته وإرهاقه، بمختلف الفروض والقيود والمغارم، وفى انتهاك عواطفه وحرماته، وفى تعذيبه وتشريده، وكان يلوح أن ليس لهذا الإستشهاد الطويل المؤثر من آخر سوى الفناء ذاته.
توفى فرناندو الكاثوليكى فى 23 يناير سنة 1516، بعد أن عانت بقية الأمة الأندلسية من غدره وعسفه ما عانت؛ وكانت زوجه الملكة إيسابيلا قد سبقته إلى القبر، قبل ذلك بأحد عشر عاماً، فى 26 نوفمبر سنة 1504، ودفنت تحقيقاً لرغبتها فى غرناطة، فى دير سان فرنسيسكو القائم فوق هضبة الحمراء، ودفن فرناندو إلى جانب زوجه بالحمراء، تحقيقاً لوصيته، ثم نقل رفاتهما فيما بعد إلى كنيسة غرناطة العظمى، التى أقيمت فوق موقع مسجد غرناطة الجامع، فى عهد حفيدهما الإمبراطور شارلكان، وأقيم لهما فيها ضريح رخامى فخم، ما يزال حتى اليوم فى مقدمة مزارات غرناطة النصرانية. وفى دفن فاتحى غرناطة الإسلامية فى حرم جامع غرناطة القديم، مغزى خاص ينطوى على تنويه ظاهر بظفر اسبانيا، وظفر النصرانية على الإسلام.
وقد كان الغدر والرياء، أبرز صفات هذا الملك العظيم المظفر، الذى أتيح له القضاء على دولة الإسلام بالأندلس. وقد نوه بهذه الصفة الذميمة أكابر المؤرخين المعاصرين واللاحقين، ومنهم المؤرخون القشتاليون أنفسهم (1). ويقول معاصره الفيلسوف السياسى مكيافيللى فى حقه: "إن فرناندو الأرجونى غزا غرناطة فى بداية حكمه، وكان هذا المشروع دعامة سلطانه. وقد استطاع بمال الكنيسة والشعب أن يمد جيوشه، وأن يضع بهذه الحرب أسس البراعة العسكرية التى امتاز بها بعد ذلك، وقد كان دائماً يستعمل الدين ذريعة ليقوم بمشاريع أعظم، وقد كرس نفسه بقسوة تسترها التقوى لإخراج المسلمين من مملكته وتطهيرها منهم، وبمثل هذه الذريعة غزا إفريقية، ثم هبط إلى إيطاليا، ثم هاجم فرنسا ... " (2).
_______
(1) فمثلا يقول المؤرخ ثوريتا Zurita، وهو من أكابر المؤرخين الإسبان فى القرن السادس عشر فى وصفة: "وكان مشهوراً لا بين الأجانب فقط، ولكن بين مواطنيه أيضاً، بأنه لا يحافظ على الصدق، ولا يرعى عهداً قطعه، وأنه كان يفضل دائماً تحقيق صالحه الخاص، على كل ما هو عدل وحق". راجع: Prescott, cit. Zurita (Anales) ; ibid ; p. 697 (note)
(2) Machiavelli: The Prince (Everyman) , p. 177 & 178
(5/350)

وكانت سياسة فرناندو الكاثوليكى مثال الغدر المثير فى جميع ما تخذه نحو معاملة المسلمين عقب تسليم غرناطة، وما تلاه من حوادث تنصيرهم قسراً، ثم اضطهادهم، ومطاردتهم بأقسى الوسائل، وأشدها إيلاماً لمشاعرهم وأرواحهم.
فلما توفى فرناندو، وخلفه حفيده شارل أو كارلوس الخامس (الإمبراطور شارلكان) بعد فترة قصيرة من وصاية الكردينال خمنيس على العرش، تنفس الموريسكيون الصعداء، وهبت عليهم ريح جديدة من الأمل، ورجوا أن يكون العهد الجديد خيراً من سابقه. وأبدى الملك الجديد فى الواقع شيئاً من اللين والتسامح،

...
صورة: ضريح فرناندو وإيسابيلا بكنيسة غرناطة العظمى.
...

نحو المسلمين والموريسكيين، وجنحت محاكم التحقيق إلى نوع من الاعتدال فى مطاردتهم، وكفت عن التعرض لهم فى أراجون بسعى النبلاء والسادة، الذين يعمل المسلمون فى ضياعهم. ولكن هذه السياسة المعتدلة لم تدم سوى بضعة أعوام، وعادت العناصر الرجعية فى البلاط وفى الكنيسة، فغلبت كلمتها، وصدر مرسوم جديد فى 12 مارس سنة 1524 م يحتم تنصير كل مسلم بقى على دينه، وإخراج كل من أبى النصرانية من اسبانيا، وأن يعاقب كل مسلم أبى التنصير أو الخروج فى المهلة الممنوحة بالرق مدى الحياة، وأن تحوّل جميع المساجد الباقية إلى كنائس.
عندئذ استغاث المسلمون بالإمبراطور، والتمسوا عدله وحمايته، على يد وفد
(5/351)

منهم يعثوه إلى مدريد، ليشرح للمليك ظلامتهم وآلامهم (سنة 1526). فندب الإمبراطور محكمة كبرى من النواب والأحبار والقادة وقضاة التحقيق، برياسة المحقق العام لتنظر فى ظلامة المسلمين، ولتقرر بالأخص ما إذا كان التنصير الذى وقع على المسلمين بالإكراه، يعتبر صحيحاً ملزماً، بمعنى أنه يحتم عقاب المخالف بالموت، أم يطبق القرار الجديد عليهم كمسلمين. وقد أصدرت المحكمة قرارها بعد مناقشات طويلة، بأن التنصير الذى وقع على المسلمين صحيح لا تشوبه شائبة، لأنهم سارعوا بقبوله اتقاء لما هو شر منه، فكانوا بذلك أحراراً فى قبوله. ويعلق المؤرخ الغربى النصرانى على ذلك القرار بقوله: "وهكذا اعتبر التنصير الذى فرضه القوى على الضعيف، والظافر على المغلوب، والسيد على العبد، منشئاً لصفة لا يمكن لإرادة معارضة أن تزيلها" (1). وعلى أثر ذلك صدر أمر ملكى بأن يرغم سائر المسلمين الذين نصروا كرهاً، على البقاء فى اسبانيا، باعتبارهم نصارى، وأن ينصر كل أولادهم، فإذا ارتدوا عن النصرانية، قضى عليهم بالموت والمصادرة، وقضى الأمر فى الوقت نفسه، بأن تحول جميع المساجد الباقية فى الحال إلى كنائس.
فكان لهذه القرارات لدى المسلمين أسوأ وقع، وما لبثت الثورة أن نشبت فى معظم الأنحاء التى يقطنها المسلمون، فى أحواز سرقسطة وفى منطقة بلنسية وغيرها، وأخمدت هذه الثورات المحلية الضئيلة تباعاً. ولكن بلنسية كان لها شأن آخر ذلك أنها كانت تضم حشداً كبيراً من المسلمين، يبلغ زهاء سبعة وعشرين ألف أسرة (2)، وكان وقوعها على البحر يمهد للمسلمين سبل الإتصال بإخوانهم فى المغرب، ومن ثم فقد كانت دائماً فى طليعة المناطق الثائرة، وكانت الحكومة الإسبانية تنظر إليها باهتمام خاص، فلما فرض التنصير العام أبدى المسلمون فى بلنسية مقاومة عنيفة، ولجأت جموع كبيرة منهم إلى ضاحية (بنى وزير) Benaguacil، واضطرت الحكومة أن تجرد عليهم قوة كبيرة مزودة بالمدافع، وأرغم المسلمون فى النهاية على التسليم والخضوع، وأرسل إليهم الإمبراطور إعلان الأمان على أن ينصروا، وعدلت عقوبة الرق إلى الغرامة (3).
_______
(1) راجع تاريخ De Marlés الذى وضعه بالاقتباس من تاريخ كوندى: Hist. de la Domination des Arabes

(2) Espagne ; V. III. p. 389
Liorente ; ibid.
(3) Dr. Lea: The Moriscos ; p. 91 & 92
(5/352)

وفى باقى ولايات أراجون، أشفق السادة والنبلاء على مصالحهم وضياعهم من الخراب، إذا اضطهد المسلمون ومزقوا كما حدث فى بلنسية، فأوضحوا للإمبراطور خطأ هذه السياسة، وأكدوا له أن المسلمين فى أراجون جماعة هادئة عاملة ذلولة، لم ترتكب جرماً قط، ولم تبدر منهم خطيئة دينية أو سياسية، ومعظمهم زراع فى أراضى الملك والسادة، ومنهم صناع مهرة، فإخراجهم من أراجون خسارة

...

صورة: شارل الخامس (الإمبراطور شارلكان)
...

فادحة، ولا داعى لإرغامهم على التنصير، لأن ذلك لا يعنى إخلاصهم للدين الجديد، ومن الخير أن يتركوا فى سلام، ولكن مساعى السادة فى هذا السبيل ذهبت عبثاً، وأصر الإمبراطور على أن يطبق التشريع الجديد على جميع مسلمى أراجون، وأصدر أوامره إلى ديوان التحقيق أن يقوم بتلك المهمة، فأذعن المسلمون إلى التنصير راغمين، وتم بذلك تنصيرهم جميعاً (سنة 1526).
وتوالت الأوامر والقوانين المرهقة، فصدر قانون يحظر على الموريسكيين بيع الحرير والذهب والفضة والحلى والأحجار الكريمة، وحتم على كل مسلم بقى على
(5/353)

دينه أن يحمل شارة زرقاء فى قبعته، وحظر عليهم حمل السلاح إطلاقاً، وإلا عوقب المخالفون بالجلد، وأمروا بأن يسجدوا فى الشوارع متى مر كبير الأحبار. وفى بلنسية صدر قرار بأن يغادر المسلمون الأراضى الإسبانية من طريق الشمال، وحظر على السادة أن يبقوهم فى ضياعهم، وإلا عوقبوا بالغرامة الفادحة. فعاد المسلمون فى بلنسية إلى الثورة، وقاوموا جند الحكومة حيناً، ولكن الثورة ما لبثت أن أخمدت، وتقدم المسلمون خاضعين على يد وفد منهم مثل فى البلاط، يعرضون الدخول فى النصرانية، على أن تحقق لهم بعض المطالب والظروف المخففة، فلا يمتد إليهم قضاء ديوان التحقيق مدى أربعين عاماً، لا فى أنفسهم ولا فى أموالهم، وأن يحتفظوا خلال هذه المدة بلغتهم وملابسهم القومية، وبعض حقوقهم فى الزواج والميراث طبقاً لتقاليدهم، وأن ينفق على من كان منهم من الفقهاء من دخل الأراضى التى وقفها المسلمون لأغراض البر، ويرصد الباقى لإنشاء الكنائس الجديدة، وأن يسمح لهم بحمل السلاح وتخفيض الضرائب (1). ولكن مجلس الدولة رأى أن يطبق عليهم سائر الأوامر، التى طبقت على الموريسكيين فى غرناطة وغيرها، وأن يسمح لهم بالاحتفاظ بلغتهم وأزيائهم مدى عشرة أعوام فقط، وأن يمنحوا بعض الإمتيازات فيما يتعلق بالزواج ودفع الضرائب. وكانت هذه المنح أفضل ما يمكن نيله فى هذه الظروف، فأقبل المسلمون فى منطقة بلنسية على التنصير أفواجاً، عدا أقلية صغيرة آثرت المضى فى المقاومة، ومزقتها جند الإمبراطور بعد قليل، وألفت محاكم التحقيق غير بعيد، فى مجتمع الموريسكيين فى بلنسية، ميداناً خصباً لنشاطها.
وحذا الموريسكيون فى غرناطة حذو إخوانهم فى بلنسية، فسعوا لدى البلاط فى تخفيف الأوامر والقوانين المرهقة التى فرضت عليهم، وانتهزوا فرصة زيارة الإمبراطور لغرناطة (سنة 1526) فقدموا إليه على يد ثلاثة من أكابرهم، هم الدون فرناندو بنجاس والدون ميشيل داراجون وديجو لويز بنشارا، وهم من سلالة أمراء غرناطة الذين نصروا منذ الفتح، مذكرة يشرحون فيها ظلامتهم، وما يعانونه من آلام المطاردة والإرهاق المستمر، ولاسيما من أعمال القسس والقضاء الدينى؛ فندب الإمبراطور لجنة محلية للتحقيق فى أمر الموريسكيين فى سائر أنحاء غرناطة، ثم عرضت نتائج بحثها على مجلس دينى قرر ما يأتى: أن يترك الموريسكيون استعمال لغتهم العربية وثيابهم القومية، وأن يتركوا استعمال الحمامات،
_______
(1) P. Longas: Vida Religiosa de los Moriscos, p. XLII
(5/354)

وأن تفتح أبواب منازلهم أيام الحفلات وأيام الجمع والسبت، وألا يقيموا رسوم المسلمين أيام الحفلات، وألا يتسمّوا بأسماء عربية. ولكن تنفيذ هذه القرارات أرجىء بأمر الإمبراطور؛ ثم أعيد إصدارها، ثم أرجىء تنفيذها مرة أخرى.
وصدرت عدة أوامر ملكية بالعفو عن الموريسكيين فيما تقدم من الذنوب، فإذا عادوا طبقت عليهم أشد القوانين والفروض، فأذعن الموريسيكيون لكل ما فرض عليهم، ولكنهم افتدوا من الإمبراطور بمبلغ طائل من المال، حق ارتداء ملابسهم القومية، وحق الإعفاء من المطاردة إذا اتهموا بالردة (1).
وكان الإمبراطور شارلكان حينما أصدر قراره بتنصير المسلمين، قد وعد بتحقيق المساواة بينهم وبين النصارى فى الحقوق والواجبات، ولكن هذه المساواة لم تحقق قط، وشعر العرب المتنصرون منذ الساعة الأولى، أنهم مازالوا موضع الريب والإضطهاد، وفرضت عليهم فروض وضرائب كثيرة لا يخضع لها النصارى، وكانت وطأة الحياة تثقل عليهم شيئاً فشيئاً، وتترى ضدهم السعايات والإتهامات، وقد غدوا فى الواقع أشبه بالرقيق منهم بالرعايا الأحرار. ولما شعرت السلطات بميل الموريسكيين إلى الهجرة، وفشت فيهم هذه الرغبة، صدر قرار فى سنة 1541، يحرم عليهم تغيير مساكنهم، كما حرم عليهم النزوح إلى بلنسية، التى كانت دائماً طريقهم المفضل إلى ركوب البحر، ثم صدر قرار بتحريم الهجرة من أى الثغور إلا بترخيص ملكى نظير رسم فادح. وكانت السياسة الإسبانية تخشى دائماً اتصال الموريسكيين بمسلمى المغرب، وكان ديوان التحقيق يسهر على حركة الهجرة ويعمل على قمعها بمنتهى الشدة، ومع ذلك فقد كانت الأنباء تأتى من سفراء اسبانيا فى البندقية وغيرها من الثغور الإيطالية، بأن كثيراً من الموريسكيين الفارين، يمرون بها فى طريقهم إلى إفريقية والشرق الإسلامى (2).
وخلال هذا الاضطهاد الغامر، كانت السياسة الإسبانية فى بعض الأحيان، تجنح إلى شىء من الرفق، فنرى الإمبراطور فى سنة 1543 يبلغ "المحققين العامين" بأنه تحقيقاً لرغبة مطران طليطلة والمحقق العام، قد أصدر أمره بالعفو عن المسلمين المتنصرين من أهل "مدينة دلكامبو" و "أريفالو" فيما ارتكبوه من ذنوب الكفر والمروق، وأنه يكتفى بأن يطلب إليهم الإعتراف بذنوبهم أمام الديوان
_______
(1) P. Longas: ibid ; p. XLIII و Dr. Lea: The Moriscos ; p. 214 & 215
(2) Dr. Lea: ibid ; p. 187 & 189
(5/355)

(ديوان التحقيق)، ثم ترد إليهم أملاكهم الثابتة والمنقولة التى أخذت منهم إلى الأحياء منهم، ويسمح لهم بتزويج أبنائهم وبناتهم من النصارى الخلص، ولا تصادر المهور التى دفعوها للخزينة بسبب الذنوب التى ارتكبوها، بل تبقى هذه المهور للأولاد الذين يولدون من هذا الزواج، وأن يتمتع بهذا الإمتياز النصرانيات الخلص اللاتى يتزوجن من الموريسكيين، بالنسبة للأملاك التى يقدمها الأزواج الموريسكيون برسم الزواج أو الميراث (1).
وهكذا لبثت السياسة الإسبانية أيام الإمبراطور شارلكان (1516 - 1555) إزاء الموريسكيين، تتردد بين الإقدام والإحجام، واللين والشدة. بيد أنها كانت على وجه العموم أقل عسفاً وأكثر اعتدالا، منها أيام فرناندو وإيسابيلا. وفى عهده نال الموريسكيون كثيراً من ضروب الإعفاء والتسامح الرفيقة نوعاً، ولكنهم لبثوا فى جميع الأحوال موضع القطيعة والريب، عرضة للإرهاق والمطاردة، ولبثت محاكم التحقيق تجد فيهم دائماً ميدان نشاطها المفضل.

- 2 -
على أن هذه السياسة المعتدلة نوعاً، لم يتح لها الاستمرار فى عهد ولده وخلفه فيليب الثانى (1555 - 1598). وكان التنصر قد عم الموريسكيين يومئذ، وغاضت منهم كل مظاهر الإسلام والعروبة، ولكن قبساً دفيناً من دين الآباء والأجداد، كان لا يزال يجثم فى قراره هذه النفوس الأبية الكليمة، ولم تنجح اسبانيا النصرانية بسياستها البربرية فى اكتساب شيىء من ولائها المغصوب. وكان الموريسكيون يحتشدون جماعات كبيرة وصغيرة فى غرناطة وفى بسائطها، وفى منطقة البشرّات الجبلية، تتوسطها الحاميات الإسبانية والكنائس، لتسهر الأولى ْعلى حركاتهم، وتسهر الثانية على إيمانهم وضمائرهم، وكانوا يشتغلون بالأخص بالزراعة والتجارة، ولهم صلات تجارية واجتماعية وثيقة بثغور المغرب، وهو ما كانت ترقبه السلطات الإسبانية دائماً بكثير من الحذر والريب.
وكانت بقية من التقاليد والمظاهر القديمة، مازالت تربط هذا الشعب الذى زادته المحن والخطوب اتحاداً، وتعلقاً بتراثه القومى والروحى؛ وكانت الكنيسة تحيط هذا الشعب العاق، الذى لم تنجح تعاليمها فى النفاذ إلى أعماق نفسه، بكثير من البغضاء والحقد. فلما تولى فيليب الثانى ألفت فرصتها فى إذكاء عوامل الاضطهاد
_______
(1) Arch. gen. de Simancas ; P. R. Leg. 28, Fol. 49
(5/356)

والتعصب، التى خبت نوعاً فى عهد أبيه شارل الخامس. وكان هذا الملك المتعصب حبراً فى قرارة نفسه، يخضع لوحى الأحبار والكنيسة، ويرى فى الموريسكيين ما تصوره الكنيسة والسياسة الرجعية، عنصراً بغيضاً خطراً دخيلا على المجتمع الإسبانى، فلم تمض أعوام قلائل على تبوئه الملك، حتى ظهرت بوادر التعصب والتحريض ضد الموريسكيين، فى طائفة من القوانين والفروض المرهقة.
وكانت مسألة السلاح فى مقدمة المسائل، التى كانت موضع الاهتمام والتشدد، وقد عنيت السياسة الإسبانية منذ البداية بتجريد الموريسكيين من السلاح، واتخذت أيام فرناندو إجراءات لينة نوعاً، فكان يسمح بحمل أنواع معينة من السلاح المنزلى كالسكين وغيرها، وذلك بترخيص ورسوم معينة. ولكن الحكومة خشيت بعد ذلك عواقب هذا التسامح، فأخذت تشدد فى الترخيص، وجرد المسلمون فى بلنسية من سلاحهم جملة، وقيل لهم حينما أذعنوا للتنصير، أنهم سيعاملون كالنصارى فى سائر الحقوق والواجبات ويرد لهم سلاحهم، ولكن الحكومة لم تف بعهدها. وفى سنة 1545 صدر قرار بمنع حمل السلاح كافة، ولكنه نفذ بشىء من اللين. وفى سنة 1563، فى عهد فيليب الثانى، صدر قانون جديد يحرم حمل السلاح على الموريسكيين، إلا بترخيص من الحاكم العام، وأحيط تنفيذه بمنتهى الشدة، فأثار صدوره سخط الموريسكيين، وكان السلاح ضرورياً للدفاع عن أنفسهم فى محلاتهم المنعزلة النائية، بيد أن قانون تحريم السلاح، لم يكن سوى مقدمة لقانون أقسى وأشد إيلاماً، هو القانون الخاص بتحريم استعمال اللغة العربية، وارتداء الثياب العربية، على الموريسكيين.
وقد لبثت اللغة والتقاليد العربية فى الواقع للموريسكيين، أوثق الروابط بماضيهم وتراثهم، وكانت عماد قوتهم المعنوية، ومن ثم كانت عناية السياسة الإسبانية، بالعمل على محوها بطريق التشريع الصارم، والقضاء بذلك على آخر الروابط التى تربط الموريسكيين، بماضيهم وتراثهم القومى. وقد فكر بعض أحبار الكنيسة أن يتعلم القسس الذين يقومون بحركة التنصير اللغة العربية، لكى يستطيعوا إقناع الموريسكيين بلغتهم، والنفاذ إلى أعماق نفوسهم، ولكن فيليب الثانى لم يوافق على هذا الرأى، وآثر أن تعلّم القشتالية لأبناء الموريسكيين منذ طفولتهم؛ وكانت السياسة الإسبانية قد حاولت تنفيذ مشروعها منذ عهد الإمبراطور شارلكان، فصدر فى سنة 1526 قانون يحرم على الموريسكيين التخاطب باللغة العربية وارتداء الثياب العربية، واستعمال الحمامات، وإقامة الحفلات على الطريقة الإسلامية، ولكنه لم ينفذ بشدة،
(5/357)

والتمس الموريسكيون فى بلنسية وغرناطة وقف تنفيذه أربعين عاماً، يحتفظون خلالها بلغتهم وثيابهم القومية، وقرنوا ملتمسهم بمطالب أخرى تتعلق بتطبيق شريعتهم وتقاليدهم، وتخفيف الضرائب عن كاهلهم، وبالرغم من أن مطالبهم لم تجب يومئذ كلها، فإن قانون تحريم اللغة والثياب القومية، أرجىء تنفيذه مرة بعد أخرى، وأجيز للموريسكيين استعمال اللغة والثياب القومية، نظير ضريبة معينة، واستمر هذا المنح سارياً حتى عهد فيليب الثانى، وكان يجمع من هذه الضريبة مبلغ طائل. ولكن فيليب الثانى كان ملكاً شديد التعصب، كثير التأثر بنفوذ الأحبار، وكانت الكنيسة ترى أن بقاء اللغة العربية من أشد العوامل لمنع تغلغل النصرانية فى نفوس الموريسكيين، وأنه لابد من القضاء على ذلك الحاجز الصخرى الذى تتحطم عليه جهود الكنيسة؛ وكانت قد مضت فوق ذلك أربعون عاماً مذ صدر قانون التحريم فى عهد الإمبراطور شارلكان، ولم يبق للموريسكيين بذلك حجة ولا ملتمس، وانتهت الكنيسة كالعادة بإقناع الملك بصواب رأيها، فلم يلبث أن استجاب لتحريضها، وأمر فى مايو سنة 1566 بأن يجدد القانون القديم بتحريم اللغة والثياب العربية، وهكذا حاول بطريق التشريع أن يسدد الضربة الأخيرة للغة الموريسكيين وتقاليدهم العربية، فأصدر هذا القانون الهمجى الذى لم يسمع بصدور مثله فى تاريخ المجتمعات المتمدنة.
ويقضى هذا القانون بأن يمنح الموريسكيون ثلاثة أعوام لتعلم اللغة القشتالية، ثم لا يسمح بعد ذلك لأحد أن يتكلم أو يكتب أو يقرأ العربية أو يتخاطب بها، سواء بصفة عامة أو بصفة خاصة، وكل معاملات أو عقود تجرى بالعربية تكون باطلة ولا يعتد بها لدى القضاء أو غيره. ويجب أن تسلم الكتب العربية، من أية مادة فى ظرف ثلاثين يوماً إلى رئيس المجلس الملكى فى غرناطة، لتفحص وتقرأ، ثم يرد غير الممنوع منها إلى أصحابها لتحفظ لديهم مدى الأعوام الثلاثة فقط.
وأما الثياب فيمنع أن يصنع منها أى جديد مما كان يستعمل أيام المسلمين، ولا يصنع منها إلا ما كان مطابقاً لأزياء النصارى، وحتى لا يتلف منها ما كان من زى المسلمين فإنه يسمح بارتداء الثياب الحريرية منها لمدة عام، والصوفية لمدة عامين، ثم لا يسمح باستعمالها بعد ذلك. ويحظر التحجب على النساء الموريسكيات وعليهن أن يكشفن وجوههن، وأن يرتدين عند الخروج المعاطف والقبعات على نحو ما تفعل النساء الموريسكيات فى أراجون. ويحظر فى الحفلات إجراء أية رسوم
(5/358)

صورة: الملك فيليب الثانى عن صورة "سانشيث كويليو" المحفوظة بمتحف "البرادو" بمدريد
(5/359)

إسلامية، ويجب أن يجرى كل ما فيها طبقاً لعرف الكنيسة وعرف النصارى، ويجب أن تفتح المنازل أثناء الاحتفال، وكذلك أيام الجمعة وأيام الأعياد، ليستطيع القسس ورجال السلطة أن يروا ما يقع بداخلها من المظاهر والرسوم المحرمة. ويحرم إنشاد الأغانى القومية، ولا يشهر الزمر (الرقص العربى) أو ليالى الطرب بالآلات، أو غيرها من العوائد الموريسكية، ويحرم الخضاب بالحناء. ولا يسمح بالاستحمام فى الحمامات، ويجب أن تهدم سائر الحمامات العامة والخاصة.
ويحرم استعمال الأسماء والألقاب العربية، ومن يحملها يجب عليه أن يبادر بتركها. ويجب أخيراً على الموريسكيين الذين يستخدمون العبيد السود أن يقدموا رخصهم باستخدامهم للنظر فيما إذا كان حرياً بأن يسمح لهم باستبقائهم (1).
هذه هى نصوص ذلك القانون الهمجى الذى أريد به تسديد الضربة القاتلة لبقايا الأمة الأندلسية، وذلك بتجريدها من مقوماتها القومية الأخيرة. وقد فرضت على المخالف عقوبات فادحة، تختلف من السجن إلى النفى والإعدام، وكان إحراز الكتب والأوراق العربية ولاسيما القرآن، يعتبر فى نظر السلطات من أقوى الأدلة على الردة، ويعرض المتهم لأقسى أنواع العذاب والعقاب.
أعلن هذا القانون المروع فى غرناطة فى يوم أول يناير سنة 1567، وهو اليوم الذى سقطت فيه غرناطة، واتخذته اسبانيا عيداً قومياً تحتفل به فى كل عام، وأمر ديسا رئيس المجلس الملكى بإذاعته فى غرناطة، وسائر أنحاء مملكتها القديمة، وتولى إذاعته موكب من القضاة شق المدينة، ومن حوله الطبل والزمر، وعلق فى ميدان باب البنود أعظم ميادينها القديمة، وفى سائر ميادينها الأخرى، وفى ربض البيازين، فوقع لدى الموريسكيين وقع الصاعقة، وفاضت قلوبهم الكسيرة سخطاً وأسى ويأساً، وأحيط تنفيذه بمنتهى الشدة، فحطمت الحمامات تباعاً.
واجتمع زعماء الموريسكيين وتباحثوا فيما يجب عمله إزاء هذه المحنة الجديدة، وحاولوا أن يسعوا بالضراعة والحسنى لإلغاء هذا القانون أو على الأقل لتخفيف وطأته، ورفعوا احتجاجهم أولا إلى الرئيس ديسا، عن يد رئيس جماعتهم مولاى فرنسيسكو نونيز، فخاطب الرئيس ديسا، وبين له ما فى القانون من شدة وتناقض وخرق للعهود، وطلب إرجاء تنفيذه. ثم قرروا التظلم للعرش. وحمل رسالتهم
_______
(1) نقلنا نصوص هذا القانون عن مارمول، وقد عاصر صدوره. انظر: Marmol: ibid ;
Lib. II. Cap. VI. . وراجع أيضا: P. Longas: ibid ; p. XLV.XLVI
(5/360)

إلى فيليب الثانى، وإلى وزيره الطاغية الكردينال اسبينوسا، سيد اسبانى نبيل من أعيان غرناطة يدعى الدون خوان هنريكس، وكان يعطف على هذا الشعب المنكود، ويرى خطر السياسة التى اتبعت لإبادته، وسار معه إلى مدريد اثنان من أكابرهم هما خوان هرناندث من أعيان غرناطة، وهرناندو الحبقى من أعيان وادى آش، والتمس الوفد إلى الملك إرجاء تنفيذ القانون كما حدث أيام أبيه، وبعث الدون هنريكس بمذكرة إلى جميع أعضاء مجلس الملك يبين فيها ما يترتب على تنفيذ القانون من حرج واضطراب، ولكن مساعيه كلها ذهبت عبثاً، وأجاب الكردينال اسبينوسا، بأن جلالته مصمم على تنفيذ القانون، وأنه أصبح أمراً واقعاً. وكذا عرض المركيز دى مونديخار حاكم غرناطة على الملك اعتراض الموريسكيين، وأوضح له خطورة الموقف، وأن اليأس قد يدفعهم إلى الثورة، وأن الترك، أصبحوا فى شواطىء المغرب على مقربة من اسبانيا، وأن الموريسكيين شعب عدو لا يدين بالولاء، فلم تفد هذه الاعتراضات شيئاً، وقيل إن الموريسكيين شعب جبان، ولا سلاح لديه ولا حصون. وهكذا حملت سياسة العنف والتعصب فى طريقها كل شىء، ونفذت الأحكام الجديدة فى المواعيد التى حددت لها، ولم تبد السلطات فى تنفيذها أى رفق أو مهادنة (1).
ولم يحظ بلمحة من الرفق سوى الموريسكيون فى بلنسية، وكان زعيمهم وكبير أشرافهم كوزمى بن عامر من المقربين إلى البلاط، فسعى للتخفيف عنهم، وكللت مساعيه بالنجاح فى بعض النواحى، وهو أن يعامل الموريسكيون بالرفق فى حالة الإتهام بالردة، ولا تنزع أملاكهم بتهمة المروق، وذلك على أن يدفعوا إتاوة سنوية قدرها ألفان وخمسمائة مثقال لديوان التحقيق (2).
وأما فى غرناطة فقد بلغ اليأس بالموريسكيين ذروته، فتهامسوا على المقاومة والثورة، والذود عن أنفسهم إزاء هذا العسف المضنى، أو الموت قبل أن تنطفىء فى قلوبهم وضمائرهم، آخر جذوة من الكرامة والعزة، وقبل أن تقطع آخر صلاتهم بالماضى المجيد والتراث العزيز، وكانت نفوسهم ماتزال تضطرم ببقية من شغف النضال والدفاع عن النفس، وكانوا يرون فى المناطق الجبلية القريبة ملاذاً للثورة،
_______
(1) Prescott: Philip II of Spain ; V. III. p. 12-29 ; Marmol: ibid ; II. Cap.
IX & XIII وكذلك Dr. Lea: The Moriscos p. 150, 151 & 230-240
(2) Dr. Lea: ibid ; p. 126
(5/361)

ويؤملون أن يصلوا بالمقاومة إلى إلغاء هذا القانون الهمجى أو تخفيفه.
وهنا يبدأ الصراع الأخير بين الموريسكيين واسبانيا النصرانية. ومن الأسف أننا لم نتلق عن هذه المرحلة المؤسية والأخيرة من تاريخ الأمة الأندلسية، شيئاً من الروايات العربية، وهى تقف كما رأينا عند محنة التنصير الأولى عقب سقوط غرناطة، فلابد لنا هنا من أن نرجع إلى الرواية النصرانية دون سواها.
سرى إلى الموريسكيين يأس بالغ يذكيه السخط العميق فعولوا على الثورة، مؤثرين الموت على ذلك الإستشهاد المعنوى الهائل. ونبتت فكرة الثورة أولا فى غرناطة حيث يقيم أعيان الموريسكيين، وحيث كانت جمهرة كبيرة منهم تحتشد فى ضاحية "البيازين". وكان زعيم الفكرة ومثير ضرامها موريسكى يدعى فرج بن فرج؛ وكان فرج صباغاً بمهنته، ولكنه حسبما تصفه الرواية القشتالية، كان رجلا جريئاً وافر العزم والحماسة، يضطرم بغضاً للنصارى، ويتوق إلى الانتقام الذريع منهم؛ ولاغرو فقد كان ينتسب إلى بنى سراج، وهم كما رأينا من أشراف غرناطة وفرسانها الأنجاد أيام الدولة الإسلامية. وكان ابن فرج كثير التردد على أنحاء البشرّات، وثيق الصلة بمواطنيه، فاتفق الزعماء على أن يتولى حشد قوة كبيرة منهم، تزحف سراً إلى غرناطة، وتجوز إليها من ضاحية البيازين، ثم تفاجىء حامية الحمراء وتسحقها، وتستولى على المدينة، وحددوا للتنفيذ "يوم الخميس المقدس" من شهر ابريل سنة 1568، إذ يشغل النصارى يومئذ باحتفالاتهم وصلواتهم. ولكن أنباء هذا المشروع الخطير تسربت إلى السلطات منذ البداية، فاتخذت التحوطات لدرئه، وعززت حامية غرناطة وحاميات الثغور، واضطر الموريسكيون إزاء هذه الأهبة، أن يرجئوا مشروعهم إلى فرصة أخرى.
ووضع أديب من زعماء الثورة يدعى باسمه المسلم محمد بن محمد بن داود، قصيدة ملتهبة يصف فيها آلام بنى وطنه، ويستمد فيها الغوث والعون من الله ونبيه، فضبطت معه فى ثغر أدرة، وأرسلت إلى البلاط مع ترجمتها القشتالية، وإليك ملخص ما ورد فى هذه القصيدة التى تعتبر كأنها صرخة ألم أخيرة لشعب شهيد:
تفتتح القصيدة بحمد الله والثناء عليه والتنويه بقدرته، وخضوع جميع الناس والأشياء لحكمه، ثم يقول أن استمعوا إلى قصة الأندلس المحزنة، وهى تلك الأمة العظيمة، التى غدت اليوم ضعيفة مهيضة، يحيط بها الكفرة من كل صوب، وأضحى أبناؤها كالأغنام الذين لا راعى لهم
(5/362)

وفى كل يوم نسام سوء العذاب، ولا حيلة لنا سوى المصانعة، حتى ينقذنا الموت مما هو شر وأدهى.
وقد حكّموا فينا اليهود الذين لا عهد لهم ولا ذمام، وفى كل يوم يبحثون عن ضلالات وأكاذيب وخدع وانتقامات جديدة.
ونرغم على مزاولة الشعائر النصرانية وعبادة الصور، وهى مسخ للواحد القهار، ولا يجرؤ أحد على التذمر أو الكلام. وإذا ما قرع الناقوس ألقى القس عظته بصوت أجش، وفيها يشيد بالنبيذ ولحم الخنزير، ثم تنحنى الجماعة أمام الأوثان دون حياء ولا خجل ...
ومن عَبَد الله بلغته قضى عليه بالهلاك، ومن ضبط ألقى إلى السجن وعذب ليل نهار حتى يرضخ لباطلهم.
ثم يصف وسائل إرهاقهم والتضييق عليهم، من التسجيل والتفتيش وغيرها، وما يفرض عليهم من الضرائب الفادحة، وكيف تؤدى عن الحىّ والميت، والكبير والصغير والغنى والفقير، وكيف يرهقهم القضاة الظلمة، ولا يفلت من ظلمهم كائن، وكيف يلقى بهم فى السجن، ويرغمون على التنصير بالاعتقال والتعذيب، وكيف تهشم أوصال الفرائس، ثم تحمل إلى الميدان لتحرق أمام الجمع الحاشد.
وكيف تكدس المظالم على رؤوسهم تكديساً، ويسومهم الخسف أصاغر النصارى، وكل منهم يفتن فى ضروب الإضطهاد.
ثم يقول: ولقد علقوا يوم العيد (عيد سقوط غرناطة)، فى ميدان باب البنود، قانوناً جديداً، وأخذوا يدهمون الناس فى نومهم، ويفتحون كل باب، يزمعون تجريدنا من ثيابنا وقديم عاداتنا، ويمزقون الثياب ويحطمون الحمامات.
ونحن إذ نيأس من عدل الإنسان نستغيث بالنبى، معتمدين على ثواب الآخرة، وقد حثنا شيوخنا على الصلاة والصوم، وأن نقصد وجه الله، فهو الذى يرحمنا فى نهاية الأمر" (1).
وضبط فى نفس الوقت مع ابن داود خطاب موجه من أحد زعماء البيازين إلى رؤساء المغرب وإخوانهم فى الدين. وكان هذا الكتاب واحداً من كتب عديدة وجهت خفية، إلى أمراء الثغور فى المغرب، يطلبون إليهم الغوث والعون، فحمل
_______
(1) أورد مارمول ترجمة قشتالية كاملة لهذه القصيدة ومنها لخصنا ما تقدم. راجع:
Marmol: ibid ; III. Cap. IX
(5/363)

الكتاب إلى حاكم غرناطة، وفيه يناشد كاتبه إخوانه بالمغرب، ويستحلفهم الغوث بحق روابط الدين والدم، ويصف ما قرره النصارى "من إرغامهم على ترك اللغة، وتركها فقد للشريعة، وكشف الوجوه الحيية المحتشمة، وفتح الأبواب، وما أنزل بهم من محن السجن والأسر ونهب الأملاك" ويطلب إليهم أن يبلغوا استغاثتهم إلى سلطان المشرق، قاهر أعدائه، ثم يقول: "لقد غمرتنا الهموم وأعداؤنا يحيطون بنا إحاطة النار المهلكة. إن مصائبنا لأعظم من أن تحتمل، ولقد كتبنا إليكم فى ليال تفيض بالعذاب والدمع، وفى قلوبنا قبس من الأمل، إذا كانت ثمة بقية من الأمل فى أعماق الروح المعذب" (1)؛ ولكن الحكومات المغربية كانت مشغولة بمشاكلها الداخلية، فلم يلب داعى الغوث سوى جماعة من المتطوعين، الذين نفذوا سراً إلى إخوانهم فى البشرّات، ومنهم كثيرون من البحارة المجاهدين، الذين كانوا حرباً عواناً على الثغور والسفن الإسبانية فى ذلك العصر.
واستمر الموريسكيون على عزمهم وأهبتهم، وأرسلت خطابات عديدة من ابن فرج وزملائه إلى مختلف الأنحاء يدعون فيها إخوانهم إلى التأهب وإخطار سائر إخوانهم. وفى شهر ديسمبر سنة 1568 وقع حادث كان نذير الانفجار، إذ اعتدى الموريسكيون على بعض المأمورين والقضاة الإسبانيين فى طريقهم إلى غرناطة، ووثبت جماعة منهم فى نفس الوقت بشرذمة من الجند، كانت تحمل كمية كبيرة من البنادق، ومثّلت بهم جميعاً. وفى الحال سار ابن فرج على رأس مائتين من أتباعه، ونفذ إلى المدينة ليلا، وحاول تحريض مواطنيه فى "البيازين" على نصرته، ولكنهم أبوا أن يشتركوا فى مثل هذه المغامرة الجنونية. ولقد كان موقفهم حرجاً فى الواقع، لأنهم يعيشون إلى جانب النصارى على مقربة من الحامية، وهم أعيان الطائفة ولهم فى غرناطة مصالح عظيمة، يخشون عليها من انتقام الإسبان. بيد أنهم كانوا يؤيدون الثورة: يؤيدونها برعايتهم ونصحهم ومالهم؛ فارتد ابن فرج على أعقابه واجتاز شعب جبل شلير (سيرّا نفادا) إلى الهضاب الجنوبية، فيما بين بلّش وألمرية.
فلم تمض بضعة أيام، حتى عم ضرام الثورة جميع الدساكر والقرى الموريسكية فى أنحاء البشرات، وهرعت الجموع المسلحة إلى ابن فرج، ووثب الموررسكيون بالنصارى القاطنين فيما بينهم، ففتكوا بهم ومزقوهم شر تمزيق.
_______
(1) أورد مارمول أيضاً ترجمة قشتالية كاملة لهذا الخطاب. راجع Marmol: ibid ;
III. Cap. IX
(5/364)

- 3 -
اندلع لهيب الثورة فى أنحاء الأندلس، ودوت بصيحة الحرب القديمة، وأعلن الموريسكيون استقلالهم، واستعدوا لخوض معركة الحياة أو الموت. وبدأ الزعماء باختيار أمير يلتفون حوله، ويكون رمز مُلْكهم القديم، فوقع اختيارهم على فتى من أهل البيازين يدعى الدون فرناندو دى كردوبا وفالور (1). وكان هذا الإسم النصرانى القشتالى، يحجب نسبة عربية إسلامية رفيعة. ذلك أن فرناندو دى فالور كان ينتمى فى الواقع إلى بنى أمية، وكان سليل الملوك والخلفاء، الذى سطعت فى ظلهم الدولة الإسلامية فى الأندلس، زهاء ثلاثة قرون. وكان فتى فى العشرين تنوه الرواية القشتالية المعاصرة بوسامته ونبل طلعته، وكان قبل انتظامه فى سلك الثوار مستشاراً ببلدية غرناطة، ذا مال ووجاهة. وكان الأمير الجديد يعرف خطر المهمة التى انتدب لها، وكان يضطرم حماسة وجرأة وإقداماً. ففى الحال غادر غرناطة سراً إلى الجبال، ولجأ إلى شيعته آل فالور فى قرية برذنار Beznar، فهرعت إليه الوفود، والجموع من كل ناحية، واحتفل الموريسكيون بتتويجه فى التاسع والعشرين من ديسمبر (سنة 1568) فى احتفال بسيط مؤثر، فرشت فيه على الأرض أعلام إسلامية ذات أهلة، فصلى عليها الأمير متجهاً صوب مكة، وقبل أحد أتباعه الأرض رمزاً بالخضوع والطاعة، وأقسم الأمير أن يموت فى سبيل دينه وأمته، وتسمى باسم ملوكى عربى هو محمد بن أمية صاحب الأندلس وغرناطة، واختار عمه المسمى فرناندو الزغوير (الصغير)، واسمه المسلم ابن جوهر قائداً عاماً لجيشه، وقد كان صاحب الفضل الأكبر فى اختياره للرياسة، وانتخب ابن فرج كبيراً للوزراء، ثم بعثه على رأس بعض قواته إلى هضاب البشرّات، ليجمع ما استطاع من أموال الكنائس؛ واتخذ مقامه فى أعماق الجبال فى مواقع منيعة، وبعث رسله فى جميع الأنحاء، يدعون الموريسكيين إلى خلع طاعة النصارى والعود إلى دينهم القديم (2).
ووقعت نقمة الموريسكيين بادىء ذى بدء، على النصارى المقيمين بين ظهرانيهم فى أنحاء البشرات، ولاسيما القسس وعمال الحكومة، وكان هؤلاء يقيمون فى محلات متفرقة سادة قساة، يعاملون الموريسكيين بمنتهى الصرامة والزراية، وكان
_______
(1) كردوبا أى قرطبة، وفالور قرية غرناطية تقع على مقربة من أجيجر.
(2) Marmol: ibid ; IV, Cap. VII
(5/365)

القسس بالأخص سبب بلائهم ومصائبهم، ومن ثم فقد كانوا ضحايا الثورة الأولى.
وانقض ابن فرج ورجاله على النصارى فى تلك الأنحاء ومزقوهم تمزيقاً، وقتلوا القسس وعمال الحكومة، ومثلوا بهم أشنع تمثيل؛ وكانت حسبما تقول الروايات القشتالية مذبحة عامة، لم ينج منها حتى النساء والأطفال والشيوخ. وذاعت أنباء المذبحة الهائلة فى غرناطة، فوجم لها الموريسكيون والنصارى معاً، وكل يخشى عواقبها الوخيمة؛ وكان الموريسكيون يخشون أن يبطش النصارى بهم انتقاماً لمواطنيهم، وكان النصارى يخشون أن يزحف جيش الموريسكيين على غرناطة، فتسقط المدينة فى أيديهم، وعندئذ يحل بهم النكال الرائع. بيد أن الرواية القشتالية تنصف هنا محمد بن أمية، فتقول إنه لم يحرض على هذه المذابح، ولم يوافق عليها، بل لقد ثار لها وحاول أن يحول دون وقوعها، وعزل نائبه ابن فرج عن القيادة، فنزل راضياً واندمج فى صفوف المجاهدين. وهنا يختفى ذكره ولا يبدو على مسرح الحوادث بعد (1).

- 4
-
وكانت غرناطة فى أثناء ذلك ترتجف سخطاً وروعاً، وكان حاكمها المركيز دى منديخار يتخذ الأهبة لقمع الثورة منذ الساعة الأولى. بيد أنه لم يكن يقدر مدى الإنفجار الحقيقى، فغصت غرناطة بالجند، ووضع الموريسكيون أهل البيازين تحت الرقابة، رغم احتجاجاتهم وتوكيدهم بأن لا علاقة لهم بالثائرين من مواطنيهم؛ وخرج منديخار من غرناطة بقواته فى 2 يناير سنة 1569، تاركاً حكم المدينة لابنه الكونت تندليا، وعبر جبل شلير (سيرّا نفادا)، وسار توًّا إلى أعماق البشرات حيث يحتشد جيش الثوار. وكانت الثورة الموريسكية فى تلك الأثناء قد عمت أنحاء البشرات الشرقية والجنوبية، واضطرمت فى أجيجر وبرجة وأدرة وأندرش ودلاية ولوشار ومرشانة وشلوبانية وغيرها من البلاد والقرى.
واستطاع الموريسكيون أن يتغلبوا بسهولة على معظم الحاميات الإسبانية المتفرقة فى تلك الأنحاء، بل لقد سرت الثورة إلى أطراف مملكة غرناطة القديمة، حيث اندلع لهيبها فى وادى المنصورة فى قراه ودساكره، ولم يتخلف عن الاشتراك فى الثورة سوى رندة ومربلة ومالقة، وكانت بها حاميات اسبانية قوية، ونشبت الثورة
_______
(1) Prescott: Philip II; V. III. Ch. II. وكذلك؛ Dr. Lea: The Moriscos p. 237
(5/366)

فى معظم أنحاء ألمرية، وهكذا عمت الثورة الموريسكية معظم أنحاء الأندلس، واشتد الأمر بنوع خاص فى بسطة ووادى آش وألمرية (1).
وكان محمد بن أمية متحصناً بقواته فى آكام بوكيرا الوعرة، وكان الموريسكيون رغم نقص مواردهم وسلاحهم، قد حذقوا حرب الجبال ومفاجآتها، فما كاد الإسبان يقتربون حتى انقضوا عليهم، ونشبت بين الفريقين معركة عنيفة، ارتد الموريسكيون على أثرها إلى سهول بطرنة، وتخلف كثيرون منهم ولاسيما النساء، ففتك الإسبان بهم فتكاً ذريعاً، وحاول منديخار أن يتفاهم مع الثائرين على العفو، وأن يخلدوا إلى السكينة، وبعث إليهم بعض المسالمين من مواطنيهم. وكتب الدون ألونسو فنيجاس (بنيغش) سليل الأسرة الغرناطية القديمة إلى ابن أمية يعاتبه، وأنه قد جانب العقل والحزم فى القيام بهذه الحركة التى تعرضه وتعرض أمته للهلاك، ونصحه بالتوبة والتماس العفو. وكان محمد بن أمية يميل إلى الصلح والتفاهم، وتبودلت بالفعل المكاتبة بينه وبين المركيز دى منديخار فى أمر التسليم، ولكن المتطرفين من أنصاره ولاسيما المتطوعين المغاربة، رفضوا الصلح، فاستؤنفت المعارك، ورجحت كفة الإسبان، وهزم الموريسكيون مرة أخرى، وأعلن المركيز دى منديخار أن الأسرى الموريسكيين يعتبرون رقيقاً، وفرّ محمد بن أمية، وأسرت أمه وزوجه وأخواته. وأصيب الإسبان بهزيمة شديدة فى آكام "جواخاريس" وقتل منهم مائة وخمسون جندياً مع ضباطهم، ولكن الموريسكيين آثروا الارتداد، وقتل الإسبان من تخلف منهم أشنع قتل، وكان ممن تخلف منهم زعيم باسل يدعى " الزمار " أسره الإسبان مع ابنته الصغيرة، وأرسلوه إلى غرناطة حيث عذبوه عذاباً وحشياً إذ نزع لحمه من عظامه حياً، ثم مزقت أشلاؤه. وهكذا كانت أساليب الإسبان ومحاكم التحقيق إزاء العرب المتنصرين.
واختفى محمد بن أمية مدى حين فى منزل قريبه "ابن عبو"، وكان من أنجاد الزعماء أيضاً، وطارده الإسبان دون أن يظفروا به. على أن هذه الهزائم لم تنل من عزم الموريسكيين، فقد احتشدوا فى شرقى البشرات فى جموع عظيمة، وأخذوا يهددون ألمرية، فسار إليهم المركيز "لوس فيليس" على رأس جيش آخر، ووقعت بين الفريقين عدة معارك شديدة، قتل فيها كثير من الفريقين، ومزق الموريسكيون، وفتك الإسبان كعادتهم بالأسرى، وقتلوا النساء والأطفال قتلا ذريعاً.
_______
(1) Marmol: ibid ; IV ; Cap. XXXVI
(5/367)

ووقعت فى نفس الوقت فى غرناطة مذبحة مروعة أخرى، فقد كان فى سجنها العام نحو مائة وخمسين من أعيان الموريسكيين، اعتقلوا رهينة وكفالة بالطاعة، فأذاع الإسبان أن الموريسكيين سيهاجمون غرناطة لإنقاذ السجناء، بمؤازرة مواطنيهم فى البيازين، وعلى ذلك صدر الأمر بإعدام السجناء، فانقض الجند عليهم وذبحوهم فى مناظر مروعة من السفك الأثيم.
وكان لهذه الحوادث الأخيرة أثر فى إذكاء الثورة، وكان نذيراً جديداً للموريسكيين بأن الموت فى ساحة الحرب خير مصير يلقون، فسرى إليهم لهب الثورة بأشد من قبل، وطافت بهم صيحة الإنتقام، فانقضوا على الحاميات الإسبانية المبعثرة فى أنحاء البشرّات ومزقوها تمزيقاً، وهزموا قوة إسبانية تصدت لقتالهم، واحتشدت جموعهم مرة أخرى تملأ الهضاب والسهل، وعاد محمد بن أمية ثانية إلى تبوىء عرشه الخطر، والتف حوله الموريسكيون أضعاف ما كانوا، وبعث أخاه عبد الله إلى قسطنطينية بطلب العون من سلطانها، وأرسل فى نفس الوقت إلى أمير الجزائر وإلى سلطان مراكش الشريفى يطلب الإنجاد والغوث، ولكن سلاطين قسطنطينية لم يلبوا ضراعة الموريسكيين بالرغم من تكرارها منذ سقوط غرناطة، وأرسل أمير الجزائر مشجعاً ومعتذراً عن عدم إمكان إرسال السفن، ووعد سلطان مراكش بالمساعدة والغوث، ولكن هذا الصريخ المتكرر من جانب الموريسكيين لم ينتج أثره المنشود، ولم يلبه غير إخوانهم المجاهدين فى إفريقية، فقد استطاعت جموع جريئة مخاطرة، أن تجوز إلى الشواطىء الإسبانية، ومنهم فرقة من الترك المرتزقة، وأن تهرع إلى نصرة المنكوبين.
وهكذا عاد النضال إلى أشده، وخشى الإسبان من احتشاد الموريسكيين فى البيازين ضاحية غرناطة، فصدر قرار بتشريدهم فى بعض الأنحاء الشمالية. وكانت مأساة جديدة مزقت فيها هذه الأسر التعسة، وفرق فيها بين الآباء والأبناء والأزواج والزوجات، فى مناظر مؤثرة تذيب القلب، وسار المركيز لوس فيليس فى نفس الوقت إلى مقاتلة الموريسكيين، فى سهول المنصورة على مقربة من أراضى مرسية، ونشبت بينه وبينهم وقائع غير حاسمة، ولم يستطع متابعة القتال لنقص فى الأهبة والمؤن، وكان بينه وبين زميله منديخار خصومة ومنافسة، كانتا سبباً فى اضطراب الخطط المشتركة. واتهم منديخار بالعطف على الموريسكيين فاستدعى إلى مدريد، وأقيل من القيادة، واتخذت مدريد خطوتها الجديدة الحاسمة فى هذا الصراع الذى لا رحمة فيه ولا هوادة
(5/368)

بينما كانت هذه الحوادث والمعارك الدموية تضطرم فى هضاب الأندلس وسهولها وتحمل إليها أعلام الخراب والموت، إذ وقع فى المعسكر الموريسكى حادث خطر، هو مصرع محمد بن أمية. وكان مصرعه نتيجة المؤامرة والخيانة، وكانت عوامل الخلاف والحسد، تحيط هذا العرش بسياج من الأهواء الخطرة. وكان محمد بن أمية يثير بين مواطنيه بظرفه ورقيق شمائله كثيراً من العطف، ولكنه كان يثير بصرامته وبطشه، الحقد فى نفوس نفر من ضباطه. وتقص علينا الرواية القشتالية سيرة مقتله فتقول، إنه كان ثمة ضابط من هؤلاء يدعى ديجو الجوازيل (الوزير) له عشيقة حسناء تسمى زهرة، فانتزعها محمد منه قسراً، فحقد عليه وسعى لإهلاكه بمعاونة خليلته، فزوّر على لسانه خطاباً إلى القائد العام "ابن عبو" يحرضه على التخلص من المرتزقة الترك، وكان ثمة منهم فرقة فى المعسكر الموريسكى، فعلم الترك بأمر الخطاب، واقتحموا المعسكر إلى مقر ابن أمية وقتلوه، بالرغم من احتجاجه وتوكيد براءته، واستقبل الجند الحادث بالسكون. وفى الحال اختار الزعماء ملكاً جديداً هو ابن عبو، واسمه الموريسكى ديجو لوبيث، وهو ابن عم الملك القتيل، فتسمى بمولاى عبد الله محمد، وأعلن ملكاً على الأندلس بنفس الاحتفال المؤثر الذى وصفناه. وكان مولاى عبد الله أكثر فطنة وروية وتدبراً، فحمل الجميع على احترامه، واشتغل مدى حين بتنظيم الجيش، واستقدم السلاح والذخيرة من ثغور المغرب، واستطاع أن يجمع حوله جيشاً مدرباً قوامه زهاء عشرة آلاف، بين مجاهد ومرتزق ومغامر.
وفى أواخر أكتوبر سنة 1569 سار مولاى عبد الله بجيشه صوب "أرجبة" وهى مفتاح غرناطة، واستولى عليها بعد حصار قصير، فذاعت شهرته وهرع الموريسكيون فى شرق البشرات إلى إعلان طاعته، وامتدت سلطته جنوباً حتى بسائط رندة ومالقة، وكثرت غارات الموريسكيين على فحص غرناطة La Vega، وقد كان قبل سقوطها ميدان المعارك الفاصلة بين المسلمين والنصارى، وكان فيليب الثانى حينما رأى استفحال الثورة الموريسكية، وعجز القادة المحليين عن قمعها، قد عين أخاه الدون خوان قائداً عاماً لولاية غرناطة؛ ولما رأى الدون خوان اشتداد ساعد الموريسكيين اعتزم أن يسير لمحاربتهم بنفسه، فخرج فى أواخر ديسمبر على رأس جيشه، وسار صوب وادى آش، وحاصر بلدة "جليرا" وهى من أمنع مواقع الموريسكيين، وكان يدافع عنها زهاء ثلاثة آلاف موريسكى، منهم فرقة
(5/369)

تركية، فهاجمها الإسبان عدة مرات وصوبوا إليها نار المدافع بشدة، فسقطت فى أيديهم بعد مواقع هائلة، أبدى فيها الموريسكيون والنساء الموريسكيات أعظم ضروب البسالة، وقتل عدد من الأكابر الإسبان وضباطهم، ودخلها الإسبان دخول الضوارى المفترسة، وقتلوا كل من فيها ولم يفروا من النساء والأطفال، وكانت مذبحة رائعة (فبراير سنة 1570)، وتوغل الدون خوان بعد ذلك فى شعب الجبال حتى سيرون الواقعة على مقربة من بسطة، وكانت هنالك قوة أخرى من الموريسكيين بقيادة زعيم يدعى"الحبقى" تبلغ بضعة آلاف، ففاجأت الإسبان فى سيرون ومزقت بعض سراياهم، وأوقعت الرعب والخلل فى صفوفهم، وقتل منهم عدد كبير، ولم يستطع الدون خوان أن يعيد النظام إلا بصعوبة؛ فجمع شتات جيشه، وطارد الموريسكيين، واستمر فى سيره جنوباً حتى وصل إلى أندرش فى مايو سنة 1570، وهنا رأت الحكومة الإسبانية أن تجنح إلى شىء من اللين، خشية عواقب هذا النضال الرائع، فبعث الدون خوان رسله إلى الزعيم "الحبقى" يفاتحه فى أمر الصلح، وصدر أمر ملكى بالوعد بالعفو عن جميع الموريسكيين الذين يقدمون خضوعهم فى ظرف عشرين يوماً من إعلانه، ولهم أن يقدموا ظلاماتهم، فتبحث بعناية، وكل من رفض الخضوع، ما عدا النساء والأطفال دون الرابعة عشرة، قضى عليه بالموت. فلم يصغ إلى النداء أحد. ذلك أن الموريسكيين أيقنوا نهائياً أن اسبانيا النصرانية لا عهد لها ولا ذمام، وأنها غير أهل للوفاء، فعاد الدون خوان إلى استئناف المطاردة والقتال، وانقض الإسبان على الموريسكيين محاربين ومسالمين، يمعنون فيهم قتلا وأسراً، وسارت قوة بقيادة دون سيزا إلى شمال البشرّات، واشتبكت مع قوات مولاى عبد الله فى معارك غير حاسمة، وسارت مفاوضات الصلح فى نفس الوقت عن طريق الحبقى، وكان مولاى عبد الله قد رأى تجهم الموقف، ورأى أتباعه ومواطنيه يسقطون من حوله تباعاً، والقوة الغاشمة تجتاح فى طريقها كل شىء، فمال إلى الصلح والمسالمة، واستخلاص ما يمكن استخلاصه من برائن القوة القاهرة.
وتقدم للوساطة بين الثوار وبين الدون خوان كبير من أهل وادى آش يدعى الدون فرناندو دى براداس، وكانت له صلات طيبة مع زعماء الموريسكيين قبل الثورة.
وقد انتهت إلينا فى ذلك وثيقة مؤثرة هى عبارة عن خطاب كتبه مولاى عبد الله إلى دون هرناندو هذا يعرض استعداده للصلح والمفاوضة، وفيه تبدو لغة الموريسكيين العربية فى دور احتضارها، ويبدو أسلوب اللهجة الغرناطية التى انتهى الموريسكيون
(5/370)

صورة: دون خوان
(5/371)

إلى التحدث والكتابة بها بعد نحو ثمانين عاماً من الكبت والمطاردة. وإليك ما ورد فى هذا الخطاب الذى ربما كان آخر وثيقة عربية عثر بها البحث الحديث:
1 - الحمد لله وحدهو قبل الكلم
2 - اسلم الكرمو على من اكرمهو الكرمو سيديا وحبيبى وعز اسر عنديا دن هرنندو ونى نعلم حرمتكم ين
3 - اكن انت تقول يجى عنديا يجى عند أخكم وحببك وتجى مطمن وكل ميجكم فمليا
4 - وذيمتى وكن انت تريد تترطل فذى المبرك مين سُلح كل متعمل تعملو معى ونى
5 - نعمل معك كل مَترِيد بحق وبل غدر وذَهَرلى مين الحبقى بن اشمكِن يعمل
6 - معلمن وتطلعنى على حق وذهر لى ين اشم طلب طلب يرحو وينسو ويسحبو وبعد رعى
7 - ودين انى نعرف حرمتك بهذا شى وحرمتك اعمل الذى يذهر لكم وعمل مَيسُلح بنترر
8 - وبين وعسى يقذيا الله خير بينين وتكن حرمتكم اسَبَبْ فدا شى وعملن فعدلكم يل اش
9 - كن معى من يكتب لى يل كينكن كتبت لكم أكثر وسلموا عليكم ورحمتو الله وبركتو الله
10 - كتِيب الكتب يوم الثليث فشهر وليو فعم ..
... ملاى عبد الله (1).
وكتب الدون ألونسو دى فنيجاس (بنيغش) أيضاً إلى مولاى عبده الله يحثه على المسالمة، والتنكب عن هذا الطريق الخطر، ورد عليه عبد الله يلقى المسئولية على أولى الأمر، وعلى ما أحدثوه من بدع جعلت الحياة مستحيلة على الشعب الموريسكى (2). وجرت المفاوضات بين الزعيم الحبقى قائد قوات الثورة، وبين
_______
(1) نشر هذا الخطاب وصورته الفتوغرافية التى ننقلها هنا العلامة المستشرق M. Alarcon فى مجموعة بالإسبانية عنوانها: Miscelanco de Estudios y Textos Arabes (Madrid 1915) ; p. 691 وقد وجد هذا الخطاب فى مجموعة المخطوطات الشرقية للمركيز بنيافلور Pena Flor، وتحفظ نسخته العربية فيها برقم 246، وتحفظ ترجمته القشتالية برقم 245. وقد أورد مارمول ترجمته القشتالية فى الكتاب التاسع الفصل التاسع.
(2) Marmol: ibid ; VIII. Cap. XXVII
(5/372)

صورة خطاب مولاى عبد الله إلى دون هرناندو دى براداس مكتوب بخطه ومذيل بتوقيعه
(5/373)

الدون هرناندو دى براداس، واتفق فى النهاية على أن يتقدم الحبقى إلى الدون خوان بإعلان خضوعه، وطلب العفو لمواطنيه، فيصدر العفو العام عن الموريسكيين، وتكفل الحكومة الإسبانية حمايتها لهم أينما ارتأت مقامهم. وفى ذات مساء سار الحبقى فى سرية من فرسانه إلى معسكر الدون خوان فى أندرش، وقدم له الخضوع وحصل على العفو المنشود.
ولكن هذا الصلح لم يرض بالأخص مولاى عبد الله وباقى الزعماء، لأنهم لمحوا فيه نية اسبانيا النصرانية فى نفيهم ونزعهم عن أوطانهم، ففيم كانت الثورة إذاً وفيم كان النضال؟ لقد ثار الموريسكيون لأن اسبانيا أرادت أن تنزعهم لغتهم وتقاليدهم، فكيف بها إذ تعتزم أن تنزعهم ذلك الوطن العزيز، الذى نشأوا فى ظلاله الفيحاء، والذى يضم تاريخهم وكل مجدهم وذكرياتهم؟ أنكر الموريسكيون ذلك الصلح المجحف، وارتاب مولاى عبد الله فى موقف الحبقى، إذ رآه يروج لهذا الصلح بكل قواه، ويدعو إلى الخضوع والطاعة للعدو، فاستقدمه لمعسكره بالحيلة وهنالك أعدم سراً.
ووقف الدون خوان على ذلك بعد أسابيع من الانتظار والتريث، وبعث رسوله إلى مولاى عبد الله، فأعلن إليه أنه يترك الموريسكيين أحراراً فى تصرفاتهم. بيد أنه يأبى الخضوع ما بقى فيه رمق ينبض، وأنه يؤثر أن يموت مسلماً مخلصاً لدينه ووطنه، على أن يحصل على مُلْك اسبانيا بأسره. والظاهر أن مولاى عبد الله كانت قد وصلته أمداد من المغرب شدت أزره وقوّت أمله، وعادت الثورة إلى اضطرامها حول رندة، وأرسل مولاى عبد الله أخاه الغالب ليقود الثوار فى تلك الأنحاء، وثارت الحكومة الإسبانية لهذا التحدى، واعتزمت سحق الثوار بما ملكت، فسار الدون خوان فى قواته إلى وادى آش، وسار جيش آخر من غرناطة بقيادة دون ركيصانص إلى شمال البشرّات، وسار جيش ثالث إلى بسائط رندة، واجتاح الإسبان فى طريقهم كل شىء، وأمعنوا فى التقتيل والتخريب، وعبثاً حاولت السرايا الموريسكية أن تقف فى وجه هذا السيل فمزقت تباعاً، وهدم الإسبان الضياع والقرى والمعاقل، وأتلفت الأحراش والحقول، حتى لا يبقى للثائرين مثوى أو مصدر للقوت، وأخذت الثورة تنهار بسرعة، وفر كثير من الموريسكيين إلى إخوانهم فى إفريقية، ولم يبق أمام الإسبان سوى مولاى عبد الله وجيشه الصغير. بيد أن مولاى عبد الله لبث معتصما بأعماق الجبال، يحاذر الظهور أمام هذا السيل الجارف
(5/374)

وفى 28 أكتوبر سنة 1570، أصدر فيليب الثانى قراراً بنفى الموريسكيين من مملكة غرناطة إلى داخل البلاد، ومصادرة أملاكهم العقارية، وترك أملاكهم المنقولة يتصرفون فيها. ويقضى هذا القرار بأن الموريسكيين فى غرناطة والفحص ووادى لكرين (الإقليم) وجبال بونتوفير حتى مالقة، وجبال رندة ومربلة، يؤخذون إلى ولاية قرطبة، ومن هنالك يفرقون فى أراضى ولايتى إسترامادورة وجليقية.
والموريكسيون فى وادى آش وبسطة ووادى المنصورة يؤخذون إلى جنجالة والبسيط ثم يفرقون فى أراضى قلعة رباح ومونتيل. والموريسكيون، فى ألمرية يؤخذون إلى ولاية إشبيلية. ونفذ القرار الجديد بمنتهى الصرامة والتحوط، وجمع الموريسكيون المسالمون من غرناطة وبسطة ووادى آش وغيرها، وسيقوا إلى الكنائس أكداساً، يحيط بهم الجند فى كل مكان، ونزعوا من أوطانهم وربوعهم العزيزة، وشتتوا على النحو المتقدم فى مختلف أنحاء قشتالة وليون (1).
ووقعت أثناء تنفيذ هذا القرار مناظر دموية، حيث جنح رجال الحكومة فى بعض الأنحاء ولاسيما فى رندة، إلى نهب المنفيين والفتك بالنساء والأطفال. ولما سمع الموريسكيون المعتصمون بالجبال هذه الأنباء انحدروا إلى السهل، وقتلوا كثيراً من الجند المثقلين بالغنائم. وكان مصير المنفيين مؤلماً، إذ هلك الكثير منهم من المشاق والمرض، وعانى الذين سلموا منهم مرارة غربة جديدة مؤلمة، ونص على وجوب وضعهم تحت الرقابة الدائمة، وتسجيلهم وتسجيل مساكنهم فى سجلات خاصة، وعين لهم حيث وجدوا مشرفاً خاصاً يتولى شئونهم، وحرم عليهم أن يغيروا مساكنهم إلا بتصريح ملكى، وحرم عليهم بتاتاً أن يسافروا إلى غرناطة، وفرضت على المخالفين عقوبات شديدة تصل إلى الموت، وهكذا شرد الموريسكيون فى مملكة غرناطة أفظع تشريد، وانهار بذلك مجتمعهم القوى المتماسك فى الوطن القديم (2).
ولم يبق إلا أن يسحق مولاى عبد الله وجيشه الصغير، وكان هذا الأمير المنكود يرى قواه وموارده تذوب بسرعة، وقد انهار كل أمل فى النصر أو السلم الشريف، بيد أنه لبث مختفياً فى أعماق جبال البشرات بين آكام برشول وترفليس مع شرذمة من جنده المخلصين. وفى مارس سنة 1571 كشف بعض الأسرى سر مخبئه للإسبان، فأوفدوا رسلهم إلى معسكره فى بعض المغائر، وهنالك استطاعوا
_______
(1) Marmol: ibid ; X. Cap. VI.
(2) Dr. Lea: The Moriscos p. 256, 258 & 265
(5/375)

إغراء ضابط مغربى من خاصته يدعى جونثالفو"الشنيش". وكان الشنيش يحقد عليه لأنه منعه من الفرار إلى المغرب، وأغدق الإسبان له المنح والوعود، وقطعوا له عهداً بالعفو الشامل، وضمان النفس والمال، وأن ترد إليه زوجته وابنته الأسيرتان، إذا استطاع أن يسلمهم مولاى عبد الله حياً أو ميتاً. وكان الإغراء قوياً مثيراً، فدبر الضابط الخائن خطته لاغتيال سيده، وفى ذات يوم فاجأه مع شرذمة من أصحابه، فقاوم مولاى عبد الله ما استطاع، ولكنه سقط أخيراً مثخناً بجراحه، فألقى الخونة جثته من فوق الصخور لكى يراها الجميع، ثم حملها الإسبان إلى غرناطة، وهناك استقبلوها فى حفل ضخم، ورتبوا موكباً أركبت فيه الجثة مسندة إلى بغل، وعليها ثياب كاملة كأنما هى إنسان حى، ومن ورائها أفواج كثيرة من الموريسكيين الذين سلموا عقب مصرع زعيمهم، ثم حملت إلى النطع وأجرى فيها حكم الإعدام، فقطع رأسها ثم جرت فى شوارع غرناطة مبالغة فى التمثيل والنكال، ومزقت أربعاً، وأحرقت بعد ذلك فى الميدان الكبير، ووضع الرأس فى قرص من الحديد، وفع فوق سارية فى ضاحية المدينة تجاه جبال البشرات (1).

...
وهكذا انهارت الثورة الموريسكية وسحقت، وخبت آخر جذوة من العزم والنضال، فى صدور هذا المجتمع الأبى المجاهد، وقضت المشانق والمحارق والمحن المروعة، على كل نزعة إلى الخروج والنضال، وهبت روح من الرهبة والاستكانة المطلقة، على ذلك المجتمع المهيض المعذب، وعاش الموريسكيون لا يسمع لهم صوت، ولا تقوم لهم قائمة، فى ظل العبودية الشاملة والإرهاق المطلق، حقبة أخرى.
_______
(1) Marmol: ibid ; X. Cap. VIII
(5/376)

الكتاب الرابع
نهاية النّهاية
(5/377)

الفصل الأول
توجس السياسة الإسبانية وعصر الغارات البحرية الإسلامية
الموريسكيون قوة أدبية واجتماعية. بعض ما قيل فى وصفهم. تعلقهم بتراثهم الروحى. يكتبون كتبهم بالألخميادو. نشاط ديوان التحقيق فى مطاردتهم. قضية موريسكية شهيرة. عدد الموريسكيين. ما يقوله عنهم سفير البندقية. أقوال ثرفانتس. براعتهم الاقتصادية. تخوف السياسة الإسبانية من وجودهم. صلات الموريسكيين بمسلمى إفريقية والترك. دسائس ومؤامرات مزعومة. غارات البحارة المجاهدين على الشواطىء الإسبانية. البحر المتوسط مسرح القراصنة منذ العصور الوسطى. ظهور المغامرين المسلمين فى هذه المياه. ظهور البحارة الترك والموريسكيين. النزعة الانتقامية فى هذه الغارات. تحوط اسبانيا ضد الغارات. غارات المجاهدين المغاربة. معاونة الموريسكيين للبحارة المغيرين. ظهور أوروج وخير الدين. استيلاء خير الدين على الجزائر والثغور المغربية. غاراته المتوالية على الشواطىء الإسبانية. توالى صريخ الموريسكيين. تحطيم سلطان البحارة الترك لمشاريع اسبانيا فى المغرب. استنصار أمراء المغرب بإسبانيا. غارات طرغود خلف خير الدين. غارات البحارة التونسيين. انزعاج اسبانيا ولوم الموريسكيين. اتساع نطاق الغارات فى البحر المتوسط. انتشار تجارة الرقيق. حوادث المغرب الأقصى. فرار الأمير الشيخ إلى اسبانيا واستغاثته بفيليب الثانى. الموريسكيون يحرضون مولاى زيدان على غزو اسبانيا. استيلاء الإسبان على ثغر العرائش. مقتل الشيخ وانتهاء مغامراته. الكفاح بين مولاى زيدان واسبانيا.

كان انهيار الثورة الموريسكية وسحق الموريسكيين، خاتمة عهد من الكفاح المرير بين شعب مهيض أعزل، يحاول أن يحتفظ بشخصيته وكرامته وحقه فى الحياة، وبين القوة الغاشمة، التى تريد أن تسحق فى بقية الأمة المغلوبة، كل أثر للحياة الحرة الكريمة، ولكن الثورة الموريسكية كانت من جهة أخرى، نذيراً عميق الأثر للسياسة الإسبانية. ذلك أن الموريسكيين لبثوا بالرغم من تجريدهم من كل مظاهر القوة المادية، قوة أدبية واجتماعية يخشى بأسها. وكان هذا الشعب المستكين الأعزل ما يزال رغم ضعفه وذلته، يملأ جنبات الجزيرة بفنونه ونشاطه المنتج، ويحتل مكانة بارزة فى الشئون الاقتصادية. وكانت الكنيسة ماتزال تنفث إلى الدولة تحريضها البغيض، على مجتمع لم تطمئن لولائه وصدق إيمانه. وقد وصف المطران جريرو الموريكسيين فى سنة 1565 بقوله: "إنهم خضعوا للتنصير،
(5/378)

ولكنهم لبثوا كفرة فى سرائرهم، وهم يذهبون إلى القداس تفادياً للعقاب، ويعملون خفية فى أيام الأعياد، ويحتفلون يوم الجمعة أفضل من احتفالهم بيوم الأحد، ويستحمون حتى فى ديسمبر، ويقيمون الصلاة خفية، ويقدمون أولادهم للتنصير خضوعاً للقانون، ثم يغسلونهم لمحو آثار التنصير، ويجرون ختان أولادهم، ويطلقون عليهم أسماء عربية، وتذهب عرائسهم إلى الكنيسة فى ثياب أوربية، فإذا عُدن إلى المنزل استبدلنها بثياب عربية، واحتفل بالزواج طبقاً للرسوم العربية" (1).
والظاهر أن هذه الأقوال تنطوى على كثير من الصدق. ذلك أن الأمة الموريسكية المهيضة، بقيت بالرغم مما يصيبها من شنيع العسف والإرهاق، متعلقة بتراثها الروحى القديم. وبالرغم مما فرض على الموريسكيين من نبذ دينهم ولغتهم، فقد لبث الكثير منهم مسلمين فى سرائرهم، يزاولون شعائرهم القديمة خفية، ويكتبون أحكام الإسلام والأدعية والمدائح النبوية بالقشتالية الأصلية، أو بالقشتالية المكتوبة بأحرف عربية، وهى التى تعرف بالألخميادو Aljamiado أى "الأعجمية" وهو ما نعود إلى التحدث عنه بعد. وقد انتهى إلينا الكثير من الكتب الدينية والأدعية والمدائح الإسلامية الموريسكية مكتوبة "بالألخميادو" وكثير منها يدور حول سيرة النبى العربى، وشرح تعاليم القرآن والسنة، يتخللها كثير من الخرافات والأساطير المقدسة (2). بيد أنها تدلى بما كانت تجيش به هذه النفوس المعذبة من إخلاص راسخ لدينها القديم، وإن التبست عليهم أصوله وشعائره بمضى الزمن.
وقد لبث ديوان التحقيق على نشاطه ضد الموريسكيين طوال القرن السادس عشر، ولم يفتر هذا النشاط حتى أواخر هذا القرن، مما يدل على أن آثار الإسلام الراسخة بقيت بالرغم من كر الأعوام وتوالى المحن، دفينة فى قلب الشعب المضطهد، تنضح آثارها من آن لآخر. يدل على ذلك ما تسجله محفوظات الديوان، من أن قضايا الموريسكيين أمام محاكم التحقيق، بلغت فى سنة 1591، 291 قضية، وبلغت فى العام التالى 117 قضية، وظهر فى حفلة " الأوتو دافى " Auto da-fé التى أقيمت فى 5 سبتمبر سنة 1604 ثمانية وستون موريسكياً، نفذت فيهم الأحكام،
_______
(1) Marmol: ibid , II. Cap. I وكذلك: Dr. Lea: The Moriscos; p. 213 & 214
(2) وضع القس الإسبانى Pedro Longas عن حياة الموريسكيين الدينية كتابه الذى سبقت الاشارة إليه غير مرة Vida Religiosa de los Moriscos (Madrid 1914) ، وفيه يورد كثيراً من رسومهم وعوائدهم الدينية، وكثيراً من الآيات والمدائح النبوية بالقشتالية
(5/379)

وظفر فى حفلة 7 يناير سنة 1607 ثلاثة وثلاثون موريسكياً، واستعمل التعذيب فى محاكمتهم خمس عشرة مرة، وكان الإتهام يوجه أحياناً إلى الموريسكيين جملة، على أثر بعض الحملات الفجائية على المحلات المورريسكية، فقد حدث مثلا فى سنتى 1589 و 1590، أن سجلت فى قرية مسلاته الموريسكية بالقرب من بلنسية مائة قضية، وسجلت فى قرية كارليت مائتان، واتهم أربعون أسرة بصوم شهر رمضان.
والواقع أنه كان من الصعب، على من بقيت فى نفوسهم جذوة أخيرة من دين الآباء، ولم يخمدها تعاقب جيلين أو ثلاثة من النصرانية المفروضة، أن يكونوا دائماً بمنجاة من الإتهام، ولهذا كان الشعب الموريسكى بأسره أينما وجد، عرضة للاتهام بالحق وبالباطل. وإذا كانت ثمة فترات يهدأ فيها نشاط محاكم التحقيق، فذلك يرجع بالأخص إلى استعمال الرشوة مع المأمورين، أو الحصول على براءات الحصانة بالمال. وتوضح لنا قضية بنى عامر زعماء الموريسكيين فى بلنسية هذه الحقيقة أتم وضوح.
كانت أسرة بنى عامر من أعرق الأسر المسلمة القديمة، التى أكرهت على التنصير، وكان زعماؤها إخوة ثلاثة، هم: دون كوزمى ودون خوان ودون هرناندو بنى عامر، ومنزل الأسرة فى بنجوازيل (بنى وزير) ضاحية بلنسية. وكان الثلاثة من ذوى المكانة والنفوذ، يسمح لهم بحمل السلاح وامتيازات أخرى، محرمة على الموريسكيين. ففى مايو سنة 1567 صدر قرار محكمة التحقيق باتهامهم، وتقرر القبض عليهم، ولكن بعد أن وافقت المحكمة العليا (سوبريما) نظراً لخطر مكانتهم، فاختفى الإخوة الثلاثة حيناً؛ ولكن الدون كوزمى قدم نفسه للسلطات فى يناير سنة 1568، وقرر فى التحقيق أنه يعتقد أنه نصّر طفلا، ومع ذلك فإنه لا يعتبر نفسه نصرانياً بل مسلماً، وأنه جرى خلال حياته على مراعاة الشعائر الإسلامية، ولم يذهب إلى المعترف إلا خضوعاً للأوامر، على أنه يبغى أن يكون فى المستقبل نصرانياً، وأن يؤدى ما يطلبه المحققون إليه، ولم يقدم دون كوزمى خلال محاكمته أى دفاع، ولكنه أفرج عنه فى 15 يوليه بضمان قدره ألفى دوقة، على أن يبقى فى بلنسية ولا يبرحها، ومع ذلك فقد سافر دون كوزمى إلى مدريد، وحصل على عفو عنه وعن أخويه من الملك والمحكمة العليا، نظير فداء قدره سبعة آلاف دوقة، واستطاع فوق ذلك بنفوذه القوى، أن يحصل للموريسكيين فى بلنسية على قرار التوفيق الصادر فى سنة 1571 حسبما قدمنا
(5/380)

وفى سنة 1577 جددت التهم القديمة ضد بنى عامر، وقبض على كوزمى وأخيه خوان، وحوكم كوزمى وشرح للمحكمة عقيدته الدينية، وهى مزيج من الإسلام والنصرانية، وعقدت الجلسات الأولى، ولكن القضية أوقفت قبل أن يصل التحقيق إلى مرحلة التعذيب، مما يدل على أن بنى عامر استطاعوا بالرغم من سوء حالتهم المالية يومئذ، أن يحصلوا على براءتهم وإطلاق سراحهم بدفع مبلغ من المال (1).
ْوهكذا نرى أن الموريسكيين استطاعوا بالرغم من العسف المنظم، الذى فرضته الدولة والكنيسة عليهم زهاء قرن، أن يحتفظوا فى قرارة نفوسهم الكليمة، ببقية راسخة من تراثهم الروحى القديم.
هذا من ناحية الدين والعقيدة؛ وأما من الناحية الاجتماعية، فقد كان الموريسكيون يكونون مجتمعاً متماسكاً متضامناً، قوياً بنشاكه ودأبه وذكائه، وقد بلغ عددهم فى أواخر القرن السادس عشر وفقاً لتقدير سفير البندقية زهاء ستمائة ألف نفس، وقدر البعض الآخر عددهم يومئذ بأربعمائة ألف نفس، وهو عدد ضخم بالنسبة لمجموع سكان اسبانيا فى ذلك الحين، وهو لم يتعد الثمانية ملايين.
ووصفهم سفير البندقية فى سنة 1595، أى بعد قرن من سقوط غرناطة، بأنهم شعب ينمو باضطراد فى العدد والثروة، وأنهم لا يذهبون إلى الحرب، ولكن يكرسون نشاطهم للتجارة واجتناء الربح. وذكر الكاتب الإسبانى الكبير ثرفانتيس (2) فى بعض رسائله أن الموريسكيين يتكاثرون وكلهم يتزوج، ولا يدخلون أولادهم قط فى سلك الكهنوت أو الجيش، ويقتصدون فى الإنفاق ويكتنزون المال، فهم الآن أغنى الطوائف فى اسبانيا. وأما عن الناحية الاقتصادية فقد قيل إن الموريسكيين كانوا يحتكرون تجارة الأغذية، ويضعون يدهم على المحاصيل عند نضجها، ومنهم تجار البقالة والماشية، ومنهم القصابون والخبازون وأصحاب الفنادق وغيرهم، وهم لا يشترون العقارات احتفاظاً بحرية استعمال أموالهم، وقد كان ذلك من أسباب غناهم وقوتهم الإقتصادية (3).
_______
(1) Dr. Lea: History of the Inquisition ; V. III. p. 362 - 365
(2) مجيل ثرفانتس دى سافدرا (1547 - 1616) من أعظم كتاب اسبانيا وشعرائها، وهو مؤلف قصة الفروسية الشهيرة "دون كيخوتى دى لامانشا".
(3) Dr. Lea: The Moriscos p. 204 & 210
(5/381)

كانت اسبانيا النصرانية إذاً، أبعد من أن تطمئن إلى مجتمع العرب المتنصرين، فقد كانوا فى نظر الكنيسة أبدا كفرة مارقين، وكانت الدولة من جانبها تلتمس المعاذير لاضطهاد هذا المجتمع الدخيل ومطاردته، فهى تخشى أن يعود إلى الثورة، وهى تخشى من صلاته المستمرة مع مسلمى إفريقية ومع سلطان الترك، وهى مازالت تحلم بتطهير اسبانيا من الآثار الأخيرة للشعب الفاتح، والقضاء إلى الأبد على تلك الصفحة من تاريخ اسبانيا.

...
والواقع أن صلات الموريسكيين مع أعداء اسبانيا، لبثت شغلا شاغلا للسياسة الإسبانية. وقد كانت الممالك والإمارات المغربية فى الضفة الأخرى من البحر، على استعداد دائماً لأن تصغى إلى هذا الشعب المنكود، سليل إخوانهم الأمجاد فى الدين، وأن تعاونه كلما سنحت الفرص. وكان سلاطين الترك يتلقون من الموريسكيين صريخ الغوث من آن لآخر، وكانت المنافسة بين الترك واسبانيا يومئذ على أشدها، فى مياه البحر المتوسط، وكانت طوائف الموريسكيين تعيش على مقربة من الثغور الشرقية والجنوبية. وأكثر من ذلك أن السياسة الإسبانية كانت تخشى دسائس فرنسا خصيمتها القوية يومئذ، وتخشى تفاهمها المحتمل مع الموريسكيين. وكانت هذه الظروف كلها تحمل اسبانيا النصرانية، على أن تعتبر الموريسكيين خطراً قومياً يجب التحوط منه، والعمل على درئه بكل الوسائل.
وتسوق الرواية الإسبانية إلينا دلائل هذا الخطر فى حوادث كثيرة. ففى سنة 1573 وقفت السلطات الإسبانية على أنباء مفادها أن أمراء تلمسان والجزائر يدبرون حملة بحرية لمهاجمة "المرسى الكبير" فى مياه بلنسية، يعاونهم الموريسكيون فيها بالثورة، ولذا بادرت السلطات بنزع السلاح من الموريسكيين فى بلنسية، وقيل بعد ذلك إن هذه الحملة المغربية كانت ستقترن بغزوة فرنسية لأراجون، ينظمها حاكم بيارن الفرنسى، وأن سلطان الترك وسلطان الجزائر كلاهما يؤيد المشروع، وأن أساطيل الغزو كانت تزمع النزول فى مياه برشلونة وفى دانية، وفيما بين مرسية وبلنسية، وأن الفضل فى فشل هذا المشروع كله يرجع إلى حزم الدون خوان ونزع سلاح الموريسكيين. ومما يدل على أن اسبانيا لبثت حيناً على توجسها من فرنسا ودسائسها لدى الموريسكيين، ما تسوقه الرواية الإسبانية من أن هنرى الرابع ملك فرنسا، كانت له فى ذلك مشاريع خطرة، ترمى إلى غزو اسبانيا من
(5/382)

ناحية بلنسية، حيث يوجد حشد كبير من الموريسكيين، وأن زعماء الموريسكيين وعدوا بإضرام نار الثورة، وتقديم عدد كبير من الجند، ولم يطلبوا سوى السلاح، وكان من المنتظر أن تقوم الثورة الموريسكية فى سنة 1605، ولكن المؤامرة اكتشفت فى الوقت المناسب، وانهار مشروع الغزو. وهذه الروايات العديدة التى جمعها "ديوان التحقيق" الإسبانى على يد أعوانه وجواسيسه، تنقصها الأدلة التاريخية الحقة (1).
على أن الخطر الحقيقى، كان يتمثل فى غارات المجاهدين من خوارج البحر المسلمين، على الثغور والشواطىء الإسبانية. وتملأ سير هذه الغارات فراغاً كبيراً فى الرواية الإسبانية، وتسبغ عليها الرواية صفة الإنتقام للأندلس الشهيدة. وقد لبثت هذه الغارات طوال القرن السادس عشر، واستمرت دهراً بعد إخراج العرب المتنصرين من اسبانيا. ويشير المقرى مؤرخ الأندلس إلى مغزى هذه الغارات البحرية بعد إخراج الموريسكيين، فيقول إنهم انتظموا فى جيش سلطان المغرب، وسكنوا سلا وكان منهم من الجهاد فى البحر ما هو مشهور الآن (2).
ويجب أن نذكر أن مياه البحر المتوسط شرقه وغربه، كانت خلال العصور الوسطى، دائماً مسرحاً سهلا للأساطيل الإسلامية. فمنذ أيام الأغالبة والفاطميين، ومنذ خلافة قرطبة ثم المرابطين والموحدين، كانت الأساطيل الإسلامية تجوس أواسط هذا البحر وغربيه، وكانت الدول الإسلامية الأندلسية والمغربية، ترتبط مع الدول النصرانية الواقعة فى شمال هذا البحر، مثل البندقية وجنوة وبيزة، بمعاهدات ومبادلات تجارية هامة، وكان التسامح يسود يومئذ علائق المسلمين والنصارى، وتغلب المصالح التجارية والمعاملات المنظمة، على النزعات الدينية والمذهبية.
وقد كانت المغامرات البحرية الحرة وأعمال "القرصنة"، توجد فى هذه العصور دائماً، إلى جانب نشاط الأساطيل الرسمية. وكان البحر المتوسط منذ أقدم العصور مسرحاً لهذه المغامرات، وكان معظم خوارج البحر (القراصنة) يومئذ من النصارى، من الأمم التى غزت البحر فى عصور متقدمة، مثل اليونان وأهل سردانية وجنوة ومالطة. وفى أيام الصليبيين ازدهرت المغامرات فى البحر المتوسط،
_______
(1) Dr. Lea: The Moriscos ; p. 281 - 284 & 286 - 288
(2) نفح الطيب ج 2 ص 617. وقد أنجز المقرى كتابه سنة 1630
(5/383)

واستمر النصارى عصوراً زعماء هذه المهنة. ولم تكن ثمة بحريات منظمة تقوم بمطاردة أولئك الخوارج. وكانت المغانم الوفيرة من الإتجار فى الرقيق، والبضائع المهربة، وافتداء الرقيق، تذكى عزمهم، وتدفع إليهم بسيل من المغامرين من سائر الأمم، ولما ظهرت الأساطيل الكبرى منذ القرن الرابع عشر، ضعف أمر أولئك المغامرين.
ولم تكن هذه المياه خلوا من نشاط المغامرين المسلمين، ولكنهم لم يظهروا فى هذا الميدان إلا منذ القرن الخامس عشر، حينما ضعف أمر الأندلس والدول المغربية وسادتها الفوضى، واضطربت العلائق البحرية والتجارية المنظمة بين دول المغرب والدول النصرانية. وكانت الشواطىء المغربية تقدم إليهم المراسى الصالحة. ولما اشتد ساعد البحرية التركية بعد استيلاء الترك على قسطنطينية، زاد نشاط المغامرين المسلمين فى البحر. وكان سقوط غرناطة واضطهاد الإسبان للمسلمين، إيذاناً بتطور هذه المغامرات البحرية، ونزول الأندلسيين والموريسكيين المنفيين إلى ميدانها واتخاذها مدى حين صورة الجهاد والإنتقام القومى والدينى، لما نزل بالأمة الأندلسية الشهيدة من ضروب العسف والإرهاق (1).
وقد بدأت هذه الغارات البحرية على الشواطىء الإسبانية، عقب استيلاء الإسبان على غرناطة، وإكراههم المسلمين على التنصير. فى ذلك الحين غادر الأندلس آلاف من الأندلسيين المجاهدين، أنفوا العيش فى الوطن القديم، فى مهاد الذلة والاضطهاد، تحت نير الإسبان، وعبروا البحر إلى عدوة المغرب، وقلوبهم تفيض حقداً ويأساً، واستقروا فى بعض القواعد الساحلية، مثل وهران والجزائر وبجاية، ووهب الكثيرون منهم حياتهم للجهاد فى سبيل الله، والانتقام من أولئك الذين قضوا على وطنهم، وظلموا أمتهم، وانتهكوا حرمة دينهم. وكان البحر يهيىء لهم هذه الفرصة، التى لم تهيئها لهم الحرب البرية، وكانت شواطىء المغرب بطبيعتها الوعرة، وثغورها ومراسيها وخلجانها الكثيرة، التى تحميها وتحجبها الصخور العالية، أصلح ملاذ لمشاريع أولئك البحارة المجاهدين والقراصنة المغيرين. وكانت الجزائر وبجاية وتونس أفضل قواعدهم للرسو والإقلاع، وكانت هذه الغارات البحرية ْتعتمد بالأخص على عنصر المفاجأة، وتنجح فى معظم الأحيان فى تحقيق غاياتها. ويصف بيترو مارتيرى هذه الغارات بإسهاب ويقول إن فرناندو الخامس أمر فى سنة 1507، للتحوط ضد هذه الغارات بإخلاء الشاطىء الجنوبى، من جبل طارق
_______
(1) Lane - Poole: The Barbary Corsairs p. 26 & 27
(5/384)

إلى ألمرية، لمدى فرسخين إلى الداخل. ثم صدرت مراسم متعددة تحظر على الموريسكيين السفر على أبعاد معينة من الشواطىء، ولكن هذا التحوط لم يغن شيئاً واستمرت الغارات على حالها. وكان اللوم يلقى فى ذلك منذ البداية على الموريسكيين ولاسيما أهل بلنسية. وكان الموريسكيون كلما اشتدت عليهم وطأة الاضطهاد والمطاردة، اتجهوا إلى إخوانهم فى المغرب، يستصرخونهم للتدخل والانتقام. وكان المجاهدون المغاربة، يغيرون فى سفنهم على الشواطىء الإسبانية، ويخطفون النصارى الإسبان، ويجعلونهم رقيقاً يباع فى أسواق المغرب، وكان الموريسكيون يزودون الحملات المغيرة بالمعلومات الوثيقة، عن أحوال الشواطىء ومواضع الضعف فيها ويمدونها بالأقوات والمؤن. وكانت هذه الحملات تجهز فى أحيان كثيرة لنقل الموريسكيين الراغبين فى الهجرة، وقد استطاعت خلال القرن السادس عشر، أن تنقل منهم إلى الشواطىء الإفريقية جماعات كبيرة.
وقد ظهر منذ أوائل القرن السادس عشر فى الميدان، عنصر جديد أذكى موجة الغارات البحرية فى هذه المياه. ذلك أن البحارة الترك، وعلى رأسهم الأخوان الشهيران أوروج (عروج) وخير الدين (1)، اندفعوا من شرقى البحر المتوسط إلى غربيه، فى طلب المغامرة والكسب. وفى سنة 1517 سار أوروج فى قوة برية وبعض السفن إلى الجزائر واستولى عليها. ولما قتل فى العام التالى فى معركة نشبت بينه وبين الإسبان، استولى أخوه خير الدرين على الجزائر، ثم استولى على معظم الثغور المغربية الساحلية، وعينه السلطان سليم حاكماً على هذه الأنحاء، وأمده بالسفن والجند. وتألق نجم خير الدين من ذلك الحين، وأضحى اسمه يقرن بذكر أعظم أمراء البحر فى هذا العصر. وكان من معاونيه نخبة من أمهر الربابنة الترك، مثل طرغود الذى خلفه فى الرياسة فيما بعد، وصالح ريس، وسنان اليهودى، وإيدين ريس وغيرهم من المغامرين، الذين اشتهروا بالجرأة والبراعة. وبسط أولئك البحارة الترك سلطانهم على معظم جنبات البحر المتوسط، واشتهروا بغاراتهم على الشواطىء الإيطالية والإسبانية، والتف حولهم معظم المجاهدين والمغامرين من
_______
(1) ويعرف كلاهما فى الرواية الأوربية "بارباروسا" أو ذو اللحية الحمراء وقد انتهى إلينا عن مغامرات هذين الأخوين الشهيرين وغاراتهما البحرية كتاب بالعربية منقول عن أصل تركى، نشر فى الجزائر سنة 1934 بعنوان "غزوات عروج وخير الدين". والظاهر أنه من تأليف راوية معاصر أو قريب من العصر
(5/385)

المغاربة والموريسكيين. وبدأ خير الدين غاراته فى المياه الإسبانية بمهاجمة الشواطىء الشرقية، وقطع خلال هذه الغارة ثلاثة أشهر عاث فيها فى البقاع الساحلية، وجمع فى سفنه كثيراً من الموريسكيين الراغبين فى الهجرة، وأسر كثيراً من الإسبان. وعرج أثناء عوده على جزيرة منورقة. وكان من أهم الغارات التى نظمها خير الدين على الشواطىء الإسبانية غارة وقعت فى سنة 1529، وذلك أن جماعة من الموريسكيين فى بلنسية فاوضوه لكى ينقلهم خلسة إلى عدوة المغرب، فأرسل عدة سفن بقيادة نائبيه إيدين ريس، وصالح ريس، إلى المياه الإسبانية، ورست السفن المغيرة ليلا عند أوليفا الواقعة شمال غربى دانية أمام مصب نهر "ألتيا"، ونزلت منها إلى البر قوة استطاعت أن تجمع من الأنحاء المجاورة نحو ستمائة من الموريسكيين الراغبين فة الهجرة، وهنا فاجأت السفن المغيرة عدة من السفن الإسبانية الكبيرة، وطاردتها حتى مياه الجزائر الشرقية (البليار). ولكن سفن " القراصنة " انقلبت فجأة من الدفاع إلى الهجوم، وانقضت على السفن الإسبانية وأغرقت بعضها، وأسرت البعض الآخر، وسارت سالمة إلى الجزائر تحمل الموريسكيين الفارين، وعدداً من أكابر الإسبان أخذوا أسرى، ومعها عدة من السفن الإسبانية الفخمة. وكان صريخ الموريسكيين يتوالى إلى خير الدين وحلفائه من أمراء المغرب ولاسيما أيام الثورات المحلية التى تشتد فيها وطأة الإسبان على الأمة المغلوبة، ومن ثم فقد توالت بعوث خير الدين وغاراته على الشواطىء الإسبانية، وتتابعت الفرص لدى الموريسكيين، للفرار والهجرة رفق السفن المغيرة، حتى بلغ ما نقلته سفن خير الدين منهم إلى شواطىء المغرب نحو سبعين ألفا (1).
وكان سلطان خير الدين وزملائه البحارة الترك فى المياه المغربية عاملا فى تحطيم كثير من مشاريع اسبانيا البحرية فى المغرب. وكان الإسبان قد استولوا على ثغر وهران منذ سنة 1505، واحتلوا مياه تونس سنة 1535، بانضواء أميرها الحفصى المعزول تحت لوائهم، وكان كثير من أمراء الثغور والقواعد المغربية الذين يهدد الترك سلطانهم يتجهون بأبصارهم إلى الإسبان للاحتفاظ برياستهم. ولدينا
_______
(1) راجع كتاب الأستاذ لاين بول The Barbary Corsairs فى الفصول الأول والثانى والثالث، حيثما يورد كثيراً من التفاصيل الشائقة، عن هذه الغارات البحرية، وعن مغامرات أوروج وخير الدين. وراجع كتاب " غزوات عروج وخير الدين " الذى سبقت الإشارة إليه ص 19 و 48 و 81 و 82
(5/386)

صورة: أمير البحر خير الدين
عن صورة بلاثكيث المحفوظة بمتحف البرادو بمدريد، وهى صورة رائعة بالحجم الطبيعى، وفيها يبدو خير الدين مرتدياً ثوباً طويلا أحمر، وعباءة بيضاء، وقلنسوة صغيرة حمراء، وله شارب طويل أشهب
(5/387)

صور من عدة وثائق موجهة من هؤلاء الأمراء إلى الإمبراطور شرلكان، يستنصرون به، ويقطعون العهد على أنفسهم بطاعته، والانضواء تحت حمايته، وهى تدلى بموضوعها وأسلوبها بما انتهت إليه الجبهة الإسلامية فى المغرب فى هذا العهد من التخاذل والتفرق المؤلم (1).
وفى سنة 1559 قام أمير البحر التركى طرغود، الذى خلف خير الدين فى الرياسة، بغارة كبيرة على الشواطىء الإسبانية، واستطاع أن يحمل معه ألفى وخمسمائة موريسكى؛ وفى سنة 1570، استطاعت السفن المغيرة أن تحمل معها جميع الموريسكيين فى بالميرا. وفى سنة 1584 سار أسطول من الجزائر إلى ثغر بلنسية وحمل ألفين وثلاثمائة. وفى العام التالى استطاعت السفن المغيرة أن تحمل جميع سكان مدينة كالوسا. وبلغت الغارات البحرية التى وقعت على الشواطىء الإسبانية بين سنتى 1528 و 1584 ثلاثاً وثلاثين. هذا عدا الغارات المحلية التى كانت تقوم بها سفن صغيرة لحمل جماعات من الموريسكيين المهاجرين. وقد وصف لنا الكاتب الإسبانى الكبير ثرفانتيس هذه الغارات البحرية المروعة فى صور مثيرة شائقة، ولا غرو فقد كان هو أيضاً من ضحاياها، إذ أسر فى الغارات التى وقعت سنة 1575، وحمل أسيراً إلى الجزائر، ولبث يوسف فى سنة بضعة أعوام حتى تم افتداؤه فى سنة 1580 (2).
وكان ممن عملوا فى الجهاد فى البحر فى ذلك الحين ضد الإسبان بعض أكابر الزعماء الموريسكيين المنفيين الذين غدوا من أثر الاضطهاد من ألد أعداء اسبانيا مثل الريس بلانكيو Blanquillo، والريس أحمد أبو على من أشونية، ومراد الكبير جواديانو من مدينة ثيوداد ريال (المدينة الملكية) وغيرهم. وقد أبلى هؤلاء
_______
(1) حصلنا على مجموعة من هذه الوثائق من دار المحفوظات الإسبانية العامة Arch. gen. de Simancas ومنها وثيقة هى عبارة عن اتفاق معقود بين أبى عبد الله محمد الحسن سلطان تونس والإمبراطور شرلكان بتاريخ 12 صفر سنة 942 هـ (13 أغسطس سنة 1535) يتعهد فيه السلطان بتسليم مدينة بونه للإمبراطور شرلكان بشروط معينة ويحمل توقيعهما. وخطاب كتبه السلطان المذكور إلى الإمبراطور بتاريخ ذى الحجة سنة 942 (1535) يحدثه فيه عن شئون قصبة بونة. وخطاب من أبى عبد الله المتوكل أمير تلمسان إلى السلطانة الإنبرطريس (الإمبراطورة) دونيا إيزابيل (زوجة الإمبراطور شرلكان) مؤرخ فى سنة 939 هـ (1532)، وخطاب من أبى عبد الله محمد بن القاضى صاحب حصن كوكو بالمغرب الأوسط إلى الإمبراطور مؤرخ سنة 949 هـ (1542 م) يستحثه فيه لقتال الترك وإراحة الناس منهم ... الخ.
(2) Dr. Lea: History of the Inquisition in Spain ; V. III. p. 363
(5/388)

الزعماء الموريسكيون فى البحر خير بلاء، وكانوا خير مرشد لإحكام الغارات البحرية على الشواطىء الإسبانية، ومضاعفة عصفها وعيثها.
ووقعت فى سنة 1602 غارة كبيرة، قام بها بحار مغامر يدعى مراد الريس على مدينة لورقة الواقعة غرب قرطاجنة على مقربة من الشاطىء، وحمل عدداً من الأسرى؛ وكثرت الغارات فى الأعوام التالية على الشاطىء الجنوبى، وظهر فيما بعد أن منظمها بحار إنجليزى مغامر، يحشد فى سفنه نواتية من المغاربة، وكان يعيث فى الشواطىء ألأندلسية ويقتنص الأسرى النصارى، ويبيعهم عبيداً فى أسواق المغرب.
وكانت ثغور تونس فى ذلك الوقت نفسه، فى أيام حاكمها عثمان داى (سنة 1007 - 1019 هـ 1598 - 1610 م)، ملاذاً لطائفة قوية من البحارة المغامرين، كانت تتكرر غاراتهم على الشواطىء الإسبانية بلا انقطاع. وكان من أشهر أولئك البحارة المغامرين يومئذ، عمر محمد باى الذى اشتهر بجرأته وبراعته، وقد قام بعدة غارات جريئة على شواطىء اسبانيا الجنوبية، وكان فى كل مرة يعود مثقلا بالغنائم والسبى (1).
وهكذا لبثت الغارات البحرية عصراً، تزعج الحكومة الإسبانية، وقد زاد عددها واشتد عيثها، بالأخص منذ منتصف القرن السادس عشر؛ وكان هذا غريباً فى الواقع، إذ كانت اسبانيا يومئذ سيدة البحار، وكانت أساطيلها الضخمة، تجوب مياه الأطلنطيق حتى بحر الشمال وجزائر الهند الغربية، وتسيطر على مياه البحر المتوسط الغربية. بيد أنها لم تستطع أن تقمع هذه الغارات الصغيرة المفاجئة، التى كانت تقوم بها على الأغلب جماعات مجاهدة، من القراصنة المغاربة، فى سفن صغيرة، تدفعهم روح من المغامرة والاستبسال، وكان اللوم يلقى فى ذلك دائماً على الموريسكيين، ولاسيما سكان الثغور منهم، فهم الذين يمدون هذه الحملات المغيرة بالمعلومات، ويزودونها بالمؤن والعون، ويعينون لها موضع الرسو والإقلاع، وقد كانت تأتى على الأغلب لمعاونتهم على الفرار إلى ثغور المغرب، وقد كان الموريكسيون بالرغم من اضطهادهم، والتشدد فى مراقبتهم، على اتصال دائم بمسلمى إفريقية وأمراء المغرب جميعاً. لبثت هذه الغارات البحرية عصراً شغلا شاغلا للحكومة الإسبانية لا تجد سبيلا إلى قمعها أو التخلص من آثارها. وكان اقترانها خلال القرن السادس عشر بنضال
__________
(1) كتاب المؤنس فى أخبار إفريقية وتونس ص 192
(5/389)

الموريسكيين، عنصراً بارزاً فى تنظيمها وتوجيهها، وكانت فكرة الانتقام للأمة الشهيدة، تجثم فى معظم الأحيان وراء هذه الغارات المخربة. ولما تم نفى الموريسكيين من الأراضى الإسبانية حسبما نفصل بعد، زادت هذه الفكرة وضوحاً واشتدت وطأة الغارات، بما انتظم فى صفوف المجاهدين من المنفيين، وغدت سلا بالأخص بمرفئها البديع، الذى تحميه الخلجان المحجوبة مركزاً لأولئك المجاهدين، ومنها توجه أقوى الحملات المغيرة على الشواطىء الإسبانية (1).
ولبث البحارة الترك عصراً، يتزعمون هذه الغارات البحرية، وجل اعتمادهم على النواتية المغامرين من المغاربة والموريسكيين؛ ثم أخذت هذه الغارات تفقد مغزاها القديم بمضى الزمن، وتنقلب إلى حملات ناهبة، تنظم على الشواطىء الإيطالية كما تنظم على الشواطىء الإسبانية، وترمى قبل كل شىء إلى تغذية أسواق المغرب والشرق الأدنى، بأسراب الرقيق. وكان يشترك مع البحارة الترك والمغاربة مغامرون من الإفرنج من سائر الأمم. وألفى الباشوات أو الدايات الترك، الذين بسطوا حكمهم منذ أواخر القرن السادس عشر على طرابلس وتونس والجزائر، فى هذه الحملات الناهبة، فرصة سانحة للغنم، فكانوا يمدون الرؤساء والزعماء بصنوف العون، عند الحط والإقلاع فى ثغورهم، وكان الرؤساء من جانبهم، يقدمون إلى خزينة الباشا أو الداى عشر الغنائم. واسترق بهذه الطريقة عشرات الألوف من النصارى، واستمرت هذه الغارات بعد ذلك زمناً طويلا (2).
وحدثت فى تلك الآونة التى اشتدت فيها الغارات البحرية على الشواطىء الإسبانية، فى أوائل عهد فيليب الثالث، فى عدوة المغرب أحداث أخرى، زادت فى توجس السياسة الإسبانية، من مساعى الموريسكيين فى استعداء مسلمى إفريقية. وذلك أنه على أثر وفاة السلطان أحمد المنصور ملك المغرب فى سنة 1012 هـ (1603 م) اضطرمت الحرب الأهلية بين أبنائه الثلاثة، أبى عبد الله المأمون المعروف بالشيخ، وكان ولى عهده الذى اختاره للملك من بعده،
_______
(1) راجع نفح الطيب ج 2 ص 617.
(2) استمرت غارات القراصنة فى البحر المتوسط طوال القرنين السابع عشر والثامن عشر، وكانت بعض الدول الأوربية تعمل على تشجيعها لمضايقة البعض الآخر، والإضرار بتجارتها. ومنذ القرن السابع عشر تعمل انجلترا وهولندة وفرنسا على مقاومة هذه الحملات البحرية الجريئة والقضاء عليها، وذلك بمهاجمة الشواطىء المغربية وتدمير ثغورها، ولاسيما تونس والجزائر. على أنها لم تنقطع نهائياً إلا بعد أن غزت فرنسا الجزائر واستولت عليها فى سنة 1830
(5/390)

وأبى فارس الملقب بالواثق بالله، ومولاى زيدان. وكان أعيان فاس وعلماؤها، قد بايعوا عقب وفاة المنصور، لولده زيدان، وبايع أهل مراكش لولده أبى فارس ولكن معركة نشبت بين زيدان وأخيه الشيخ، انتهت بهزيمة زيدان، واستيلاء الشيخ على فاس. ثم نشبت بعد ذلك بين الأبناء الثلاثة سلسلة من المعارك الأهلية المتوالية، كانت سجالا بينهم، وهزم خلالها مولاى زيدان غير مرة، ودخل العاصمة مراكش غير مرة. واستمرت هذه الحرب الأهلية، بضع سنوات (1012 - 1016 هـ)، وانتهت آخر الأمر، بانتصار مولاى زيدان واستيلائه على الملك، ومقتل أخيه أبى فارس، وفرار الشيخ فى أهله وولده. ولكن الشيخ لم يستكن للهزيمة، بل فكر فى الاستنصار بالإسبان، فعبر البحر مع أسرته وأمه الخيزران إلى اسبانيا، واستغاث بملكها فيليب الثالث، وتعهد بأن يقدم ثغر العرائش إلى اسبانيا نظير معاونته على استرداد عرشه. وكان ذلك فى أوائل سنة 1608 (1017 هـ) (1). وهنا أرسل الموريسكيون فى بلنسية، رسلهم إلى مولاى زيدان، يوضحون له سهولة غزو اسبانيا ومحاربتها، وأنهم على استعداد لأن يقدموا له مائتى ألف مقاتل، متى أقدم على الغزو واحتلال أحد الثغور الإسبانية الهامة؛ ولكن السلطان زيدان لم يحفل بهذا العرض، وأجاب الرسل بأنه لن يحارب خارج بلاده (2). واستجاب فيليب الثالث لدعوة الشيخ، وأرسل معه بعض قواته وسفنه إلى شاطىء المغرب، فنزل الشيخ وحلفاؤه الإسبان أولا فى حجر باديس، غربى مليلة وذلك فى رمضان سنة 1019 هـ (أوائل سنة 1610 م)، ثم انتقل فى صحبه إلى قصر عبد الكريم (القصر الكبير)، وبعث سرية من رجاله، فقامت بإخلاء العرائش من أهلها المسلمين قسرا، وبعد مقاومة عنيفة، وسلمتها إلى الإسبان، تحقيقاً لتعهد الشيخ. وحاول الشيخ أن يعتذر عن تصرفه بأن الإسبان، احتجزوا أهله وولده، وأنه فعل ذلك فى سبيل افتدائهم، واستصدر فتوى بشرعية تصرفه من بعض العلماء، ولكن ذلك لم يغنه شيئاً، واشتد السخط عليه، وانفض عنه كثير من أنصاره. ثم سار الشيخ فى قواته إلى تطاون (تيطوان)، وأخذ يعيث فسادا فى تلك المنطقة، ومازال فى
_______
(1) كتاب نزهة الحادى بأخبار ملوك القرن الحادى لأبى عبد الله اليفرنى (طبع فاس) ص 162 - 167، وراجع الإستقصاء ج 3 ص 102.
(2) Dr. Lea: The Moriscos ; p. 289-290
(5/391)

مغامراته حتى تصدى له بعض زعماء غمارة وقتلوه على مقربة من تطاون، وذلك فى رجب سنة 1022 هـ (1613 م)، وانتهى بذلك أمره، وتوطد بذلك مركز مولاى زيدان، وتمكن عرشه، وإن كان قد لبث بعد ذلك حيناً فى مقارعة الخوارج عليه من أبناء الشيخ وغيرهم (1). واستمر السلطان زيدان حتى وفاته فى سنة 1037 هـ (1627 م) أعنى بعد نفى الموريسكيين بنحو تسعة عشر عاماً، فى كفاح دائم مع اسبانيا. وحدث خلال هذا الكفاح ذات مرة فى سنة 1612 م، أن غنمت السفن الإسبانية فى مياه المغرب على شاطىء الأطلنطى فيما بين آسفى وأغادير، مركباً لمولاى زيدان شحنت بالتحف، وبها ثلاث آلاف سفر من كتب الدين والأدب والفلسفة (2)، وكان مولاى زيدان قد غادر مراكش تحت ضغط الحوادث، وركب البحر ملتجئاً إلى الجنوب وحمل معه مكتبته الثمينة وتحفه، فانتهبها الإسبان على هذا النحو، وحملت هذه الكتب إلى اسبانيا، وضمت فيما بعد إلى مجموعة الكتب الأندلسية بقصر الإسكوريال.
_______
(1) نزهة الحادى بأخبار ملوك القرن الحادى ص 168 و 169. وراجع الاستقصاء ج 3 ص 106.
(2) الإستقصاء ج 3 ص 130
(5/392)

الفصل الثانى
مأساة النفى
قضية الموريسكيين مشكلة قومية لإسبانيا. استحالة العرب المتنصرين إلى شعب جديد. تشعب الآراء حول التخلص منهم. ولاية فيليب الثالث. مشروع دوق دى ليرما للقضاء على الموريسكيين. تقرير المطران ربيرا ومقترحاته. مجلس الدولة يبحث مشروع نفى الموريسكيين. مقترحات اللجنة الملكية. قرار مجلس الدولة. الإستعداد للتنفيذ. صدور مرسوم النفى النهائى. ما يحتويه المرسوم من الأحكام. موقف الموريسكيين. تظلم المدجنين. بدء التنفيذ فى بلنسية. الرحيل إلى وهران وتلمسان. المنفيون من لقنت. مقاومة الموريسكيين فى بعض الأنحاء. إعلان قرار النفى فى قشتالة. إحصاءات عن المنفيين. إعلان قرار النفى غرناطة. إعلانه فى باقى الجهات. تفرق المنفيين فى مختلف الثغور. الإعتداء على المنفيين. عدد الموريسكيين الذين أخرجوا من اسبانيا. رواية موريسكية عن أحوال الموريسكيين وظروف النفى. رواية المقرى عن مأساة النفى. روايات عربية أخرى. آثار الموريسكيين الأخيرة فى اسبانيا.

تلك هى البواعث والظروف التى حملت اسبانيا النصرانية، على التوجس من العرب المتنصرين، واعتبارهم خطراً قومياً يجب العمل على درئه والتخلص منه. وكان هذا التوجس يزيد على كر الأعوام، وتذكيه الحوادث المتوالية: ثورات الموريسكيين ولاسيما ثورة غرناطة الكبرى، وغارات القراصنة على الشواطىء الإسبانية، وصلات الموريسكيين الدائمة بمسلمى إفريقية وبلاط قسطنطينية؛ وسواء أكان هذا الخطر حقيقياً يهدد سلامة اسبانيا، أم كان للتحامل والبغض أثر فى تصويره، فقد غدت قضية العرب المتنصرين، غير بعيد فى نظر السياسة الإسبانية، مشكلة قومية خطيرة يجب التذرع لمعالجتها بأشد الوسائل وأنجعها.
وكانت السياسة الإسبانية، تعتزم منذ أواخر عهد فيليب الثانى، أن تتخذ خطوتها الحاسمة، فى شأن الموريسكيين. وكان هذا الملك المتعصب يعتزم نفى الموريسكيين بعد الذى عانته اسبانيا فى قمع ثورتهم، ووضع بالفعل فى سنة 1582 مشروعاً لنفيهم، ولكن مشاغل السياسة الخارجية حالت دون تحقيق مشروعه. وكان قد مضى يومئذ زهاء قرن على سقوط غرناطة، واستحالت بقية الأمة الأندلسية إلى شعب جديد، لا تكاد تربطه بالماضى المجيد سوى ذكريات
(5/393)

غامضة. وكان التنصر قد عم الموريسكيين يومئذ، وغدا أبناء قريش ومضر بحكم القوة والإرهاق، نصارى يشهدون القداس فى الكنائس، ويتكلمون ويكتبون القشتالية، غير أنهم لبثوا مع ذلك فى معزل، وأبت اسبانيا النصرانية، بعد أن فرضت عليهم دينها ولغتها ومدنيتها، أن تضمهم إلى حظيرتها القومية. وكانت ما تزال ثمة منهم جموع كبيرة فى بلنسية ومرسية وغرناطة، وغيرها من القواعد الأندلسية القديمة، وكانوا ما يزالون رغم العسف والإرهاق، والاضطهاد والتشريد والذلة، قوة أدبية واجتماعية خطيرة، وعنصراً بارزاً فى إنتاج اسبانيا القومى، ولاسيما فى الصناعات والفنون. ولكن السياسة الإسبانية كانت تخشاهم بالرغم من ضعفهم وخضوعهم، بعد أن فشلت بوسائلها الهمجية البغيضة فى كسب محبتهم وولائهم. وكان ديوان التحقيق من جهة أخرى، ومن ورائه الأحبار والكنيسة، يعتبرهم بالرغم من تنصرهم، أبدا وصمة فى نقاء النصرانية، ويتصور الإسلام دائماً يجرى كالدم فى عروقهم.
وقد تضاربت آراء الساسة والأحبار الإسبان، فى شأن الخطوة الحاسمة التى يجب اتخاذها، للقضاء على خطر الموريسكيين. ورأى بعض أكابر الأحبار أن خطر الموريسكيين لا يزول إلا بالقضاء على الموريسكيين أنفسهم. وكان مما اقترحه المطران ربيرا أن يقضى عليهم بالرق، وأن يؤخذ منهم كل عام بضعة آلاف للعمل فى السفن ومناجم الهند، حتى يتم إفناؤهم بهذه الطريقة، وذهب البعض الآخر إلى وجوب قتل الموريسكيين دفعة واحدة، أو قتل البالغين منهم، واسترقاق الباقين وبيعهم عبيداً، وكان مما اقترحه بعض وزراء فيليب الثانى أن يجمع الموريكسيون، ويحملوا على السفن ثم يغرقوا فى عرض البحر (1). واستمرت السياسة الإسبانية حينا تتلمس المخرج وسط هذه الحلول الهمجية، حتى توفى فيليب الثانى (سنة 1598) وخلفه ولده فيليب الثالث. وكان هذا الملك الفتى، ضعيف الرأى والإرادة، يتأثر كأبيه بنفوذ الأحبار، ويخضع لوحى وزيره وصفيه الدوق دى ليرما. وكان الدوق من أشد أنصار فكرة القضاء على الموريسكيين، وقد أشار بها منذ سنة 1599، ووضع لتنفيذها مشروعاً، خلاصته أن الموريسكيين إنما هم عرب، ويجب أن يعدم الشبان والكهول منهم، ما بين الخامسة عشرة والستين، أو أن يسترقوا ويرسلوا للعمل فى السفن، وتنزع أملاكهم. أما الرجال والنساء الذين جاوزوا الستين،
_______
(1) Dr. Lea: The Moriscos, p. 296-299
(5/394)

فينفوا إلى المغرب، وأما الأطفال فيؤخذوا ويربوا فى المعاهد الدينية، وهو مشروع أقره مجلس الدولة، وأخذ يعمل سراً لحشد القوى اللازمة لحصر عدد الموريسكيين فى اسبانيا.
وفى سنة 1601 قدم المطران ربيرا إلى الملك، تقريراً يقول فيه إن الدين هو دعامة المملكة الإسبانية، "وإن الموريسكيين لا يعترفون، ولا يتقبلون البركة ولا الواجبات الدينية الأخيرة، ولا يأكلون لحم الخنزير، ولا يشربون النبيذ، ولا يعملون شيئاً من الأمور التى يعملها النصارى " ثم يوضح الأسباب التى تدعو إلى عدم الثقة فى ولائهم بقوله: "إن هذا المروق العام لا يرجع إلى مسألة العقيدة، ولكنه يرجع إلى العزم الراسخ فى أن يبقوا مسلمين، كما كان آباؤهم وأجدادهم، ويعرف المحققون العامون أن الموريسكيين بعد أن يعتقلوا عامين وثلاثة وتشرح لهم العقيدة فى كل مناسبة، يخرجون دون أن يعرفوا كلمة منها. والخلاصة أنهم لا يعرفون العقيدة، لأنهم لا يريدون معرفتها، ولأنهم لا يريدون أن يعملوا شيئاً يجعلهم يبدون نصارى" (1)، ثم يقول المطران فى تقرير آخر، إن الموريسكيين كفرة متعنتون يستحقون القتل، وإن كل وسيلة للرفق بهم قد فشلت، وإن اسبانيا تتعرض من جراء وجودهم فيها، إلى أخطار كثيرة، وتتكبد فى رقابتهم، والسهر على حركاتهم، وإخماد ثوراتهم، كثيراً من الرجال والمال. ثم يقترح أن تؤلف محكمة سرية من الأحبار، تقضى بردة الموريسكيين وخيانتهم، ثم تحكم علناً بوجوب نفيهم ومصادرة أملاكهم، وأنه لا ضير على الملك فى ذلك ولا حرج، ولكن مشروع المطران لم ينفذ، لأن مجلس الدولة كان يرى أن يسير فى تحقيق غاياته سراً، وألا تصطبغ إجراءاته فى ذلك بالصبغة الدينية.
ومضت بضعة أعوام أخرى، والفكرة تبحث وتختمر وتتوطد، حتى كانت حوادث المغرب فى أواخر سنة 1607، وما نسب للموريسكيين من صلة بمولاى زيدان ومشاريعه لغزو اسبانيا، وعزمهم على الثورة. عندئذ بادر مجلس الدولة بالاجتماع فى أواخر يناير سنة 1608، واستعرضت جميع الآراء والمشاريع السابقة، وبحثت جميع الاقتراحات؛ وكرر المطران ربيرا اقتراحه بوجوب نفى الموريسكيين إلى المغرب، وقال بأن النفى أرفق ما يمكن عمله، وأيد رأيه معظم الأعضاء الآخرين وذكروا أن نفى الموريسكيين أصبح ضرورة لا مفر منها، لأنهم يتكاثرون بسرعة،
_______
(1) P. Longas: Vida Religiosa de los Moriscos ; p. LXVIII
(5/395)

بينما يتناقص عدد النصارى القدماء. وبحثت تفاصيل المشروع ووسائله، وما يجب اتخاذه من التحوطات لضمان تنفيذه، خصوصاً وقد بدأت أنباء المشروع تتسرب إلى الموريسكيين، وظهرت بينهم أعراض الهياج فى سرقسطة وبلنسية. وكانت الخطوة التالية أن عُهد بدرس المشكل كله، إلى لجنة خاصة على رأسها الدوق دى ليرما، ووضعت هذه اللجنة أسس المشروع التمهيدية بعد كبير جدل، وخلاصتها أن يمنح الموريسكيون شهراً لبيع أملاكهم ومغادرة اسبانيا إلى حيث شاءوا، فمن جاز منهم إلى إفريقية منح السفر الأمين، ومن جاز إلى أرض نصرانية أوصى به خيراً، ومن تخلف عن الرحيل بعد انقضاء هذه المدة، عوقت بالموت والمصادرة؛ ولم يعترض أحد على هذه الأسس فى ذاتها، على أن هذه الأسس الرفيقة نوعاً لم يؤخذ بها.
وفى يناير سنة 1609 بحث مجلس الدولة المسألة لآخر مرة، وقدم تقريراً ينصح فيه بوجوب نفى الموريسكيين، لأسباب دينية وسياسية فصّلها، وأهمها تعرض اسبانيا يومئذ خطر الغزو من مراكش وغيرها، وقيام الأدلة على أن الموريسكيين جميعاً خونة مارقون، يستحقون الموت والرق، ولكن اسبانيا تؤثر الرفق بهم، وتكتفى بنفيهم من أراضيها. وتقرر أن ينفذ المشروع كله فى خريف هذا العام، وأرسلت الأوامر إلى حكام صقلية ونابولى وميلان، بإعداد جميع السفن الممكنة لنقل الموريسكيين، وجميع القوات اللازمة لحراستهم، واجتمعت منذ أوائل الصيف فى مياه ميورقة، عشرات من السفن المطلوبة، وسارت أهبة التنفيذ بسرعة ونشاط.
وهكذا انتهت السياسة الإسبانية بعد فترة من التردد، إلى اتخاذ خطوتها الحاسمة فى القضاء على البقية الباقية من الموريسكيين، وتحقيق أمنيتها القديمة، فى "تطهير" اسبانيا نهائيا من آثار الإسلام وآثار العرب، ومحو تلك الصفحة الأخيرة لشعب عظيم تالد.

- 2 -
وفى 22 سبتمبر سسنة 1609 أعلن قرار (مرسوم) النفى النهائى للموريسكيين أو العرب المتنصرين، فساد بينهم الروع والاضطراب، وإليك نصوص هذا القرار الشهير فى صحف المآسى والاستشهاد:
يبدأ القرار بالتنويه بخيانة الموريسكيين، واتصالهم بأعداء اسبانيا، وإخفاق كل الجهود التى بذلت لتنصيرهم، وضمان ولائهم، وما استقر عليه رأى الملك من نفيهم جميعاً إلى بلاد البربر (المغرب). وبناء على ذلك فإنه يجب على جميع
(5/396)

الموريسكيين من الجنسين، أن يرحلوا مع أولادهم، فى ظرف ثلاثة أيام من نشر هذا القرار، من المدن والقرى إلى الثغور التى يعينها لهم مأمورو الحكومة، والموت عقوبة المخالفين؛ وأن لهم أن يأخذوا من متاعهم ما يستطاع حمله على ظهورهم، وأن السفن قد أعدت لنقلهم إلى بلاد المغرب، وسوف تتكفل الحكومة بإطعامهم أثناء السفر، ولكن عليهم أن يأخذوا ما استطاعوا من المؤن، وأنه يجب عليهم أن يبقوا خلال مهلة الأيام الثلاثة فى أماكنهم رهن إشارة المأمورين، ومن وجد متجولا بعد ذلك يكون عرضة للنهب والمحاكمة، أو الإعدام فى حالة المقاومة. وقد منح الملك السادة كل الأملاك العقارية والأمتعة الشخصية التى لم تحمل، فإذا عمد أحد إلى إخفاء الأمتعة أو دفنها، أو أضرم النار فى المنازل أو المحاصيل، عوقب جميع سكان الناحية بالموت. ونص القرار على استبقاء ستة فى المائة فقط من الموريسكيين للانتفاع بهم فى صون المنازل، والعناية بمعامل السكر، ومحصول الأرز، وتنظيم الرى، وإرشاد السكان الجدد، وهؤلاء يختارهم السادة، من بين الأسر الأكثر خبرة وأشد ولاء للنصرانية. أما الأطفال فإذا كانوا دون الرابعة، فإنه يسمح لهم بالبقاء إذا شاءوا (كذا) ورضى آباؤهم أو أولياؤهم، وإذا كانوا دون السادسة، سمح لهم بالبقاء إذا كانوا من أبناء النصارى القدماء، (أعنى من غير العرب المتنصرين)، وسمح كذلك بالبقاء لأمهم الموريسكية؛ فإذا كان الأب موريسكياً والأم نصرانية أصيلة، نفى الأب وبقى الأولاد الذين دون السادسة مع أمهم.
كذلك يسمح بالبقاء للموريسكيين الذين أقاموا بين النصارى مدى عامين، ولم يختلطوا "بالجماعة" إذا زكاهم القسس. وحظر القرار إخفاء الهاربين أو حمايتهم.
ويعاقب المخالف بالأشغال الشاقة لمدة ستة أعوام. كذلك حظر على الجنود والنصارى القدماء، أن يتعرضوا للموريسكيين أو يهينوهم بالقول أو الفعل، وهدد المخالفون بالعقاب الصارم. وأخيراً نص على السماح لعشرة من الموريسكيين بالعودة عقب كل نقلة، لكى يشرحوا لإخوانهم كيف تم النقل إلى المغرب على أحسن حال.
وقع قرار النفى على الموريسكيين وقع الصاعقة، وسادهم الوجوم والذهول.
وكان عصر الثورة والمقاومة قد ولى، ونهكت قواهم، ونضبت مواردهم. وكانت الحكومة الإسبانية قد اتخذت عدتها للطوارىء، وحشدت قواتها فى جميع الأنحاء الموريسكية، واجتمع زعماء الموريسكيين وفقهاؤهم فى بلنسية، وقرروا أنه لا أمل فى المقاومة وأنه لا مناص من الخضوع، واستقر الرأى على أن يرحلوا جميعاً، وألا
(5/397)

يبقى منهم أحد، حتى ولا نسبة الستة فى المائة التى سمح ببقائها، وأن من بقى منهم اعتبر مرتداً مارقاً. ومع ذلك فقد وقعت ثورات محلية، وتأهبت بعض الجماعات المحتشدة فى المناطق الجبلية للمقاومة، وعاثت فى الأنحاء المجاورة، ولكنها كانت فورة المحتضر، فأخمدت حركاتهم بسرعة وقتل منهم عدد جم.
وتظلم كثير من المدجنين من قرار النفى، وقالوا إنهم اعتنقوا النصرانية طوعاً قبل التنصير الإجبارى، وغدوا نصارى واسبانيين قبل كل شىء، فصدر الأمر إلى الأساقفة ببحث ظلامتهم، وأن يسمح بالبقاء لمن توفرت فيه منهم شروط الولاء والإخلاص (1).
أما الكثرة الساحقة من الموريسكيين فقد هرعت إلى اتخاذ أهبة الرحيل، وأخذوا فى بيع ما تيسر بيعه من المتاع، وتدفقت السلع على الأسواق، من الماشية والحبوب والسكر والعسل والملابس والأثاث وغيرها، لتباع بأبخس الأثمان.
وبدىء بتنفيذ قرار النفى فى الجهات التى نشر فيها أولا، وهى أعمال بلنسية منذ أوائل أكتوبر (سنة 1609). وخرجت أول شحنة من هذه الكتلة البشرية المعذبة على سفن الحكومة من ثغر دانية وبعض الثغور القريبة، وقدرت بثمانية وعشرين ألف نفس، حملوا إلى ثغر وهران فى الضفة الأخرى من البحر، وقد كان يومئذ بيد الإسبان، ثم نقلوا إلى تلمسان بحماية فرقة من الجند المرتزقة، وهناك استظلوا بحماية السلطان؛ وعاد البعض منهم إلى اسبانيا ليروى عن رحيل الراحلين، وكيف وصلوا فى أمن وسلام. ومع ذلك فقد آثر معظم المهاجرين السفر بأجر، على سفن غير التى عينتها الحكومة، لنقل المهاجرين وإطعامهم دون أجر، واضطرت الحكومة تلقاء ذلك، أن تستدعى عدداً كبيراً من السفن الحرة، إلى مياه بلنسية، ورحل بهذه الطريقة من ثغر بلنسية زهاء خمسة عشر ألفا، معظمهم من الموسرين والمتوسطين؛ ورحل المنفيون من ثغر لقنت على عزف الموسيقى ونشيد الأغانى، وهم يشكرون الله على العود إلى أرض الآباء والأجداد، ولما سئل فقيه من زعمائهم عن سبب اغتباطهم، أجاب بأنهم كثيراً ما سعوا إلى شراء قارب أو سرقته، للفرار إلى المغرب، مستهدفين لكثير من المخاطر، فكيف إذا عرضت لنا فرصة السفر الأمين مجاناً، لا ننتهزها للعود إلى أرض الأجداد، حيث نستظل بحماية سلطاننا، سلطان الترك، وهنالك نعيش أحراراً مسلمين لا عبيداً كما كنا؟
_______
(1) Dr. Lea: History of the Inquisition in Spain ; Vol. III. p. 399
(5/398)

صورة: الملك فيليب الثالث عن صورة بلاثكيث المحفوظة بمتحف البرادو بمدريد، وفيها يبدو أحمر الشعر واللحية والشارب، فوق جواد أشهب
(5/399)

وكانت الجنود تحرس المنفيين فى معظم الأحوال، حماية لهم من جشع النصارى الإسبان الذين انتظموا فى عصابات لمهاجمة المنفيين ونهبهم وقتلهم أحياناً. وفضلا عن ذلك فإن تنفيذ قرار النفى لم يجر دائماً فى يسر وسهولة، فقد رأينا أن كثيراً من الموريسكيين فى المناطق الجبلية أبوا الخضوع للأوامر لعدم ثقتهم فى ولاء الحكومة، وفضلوا المقاومة حتى الموت، واحتشدوا بالأخص فى "وادى أجوار" حيث اجتمع منهم زهاء خمسة عشر ألفاً، وفى مويلا دى كورتيس حيث اجتمع نحو تسعة آلاف فبادرت قوات الحكومة بمحاصرة وادى أجوار وفتكت بالموريسكيين العزل، وقتلت منهم بضعة آلاف، ومات كثير منهم من الجوع والبرد. وأخيراً سلم من بقى منهم وحملوا قسراً إلى ميناء السفر، وسبى الجند منهم كثيراً من النساء والأطفال، باعوهم رقيقاً، ولم يصل منهم إلى شواطىء المغرب سوى القليل، وفى مويلا دى كورتيس لم يبق منهم عند الإبحار سوى ثلاثة آلاف، ولبثت فلولهم تقاوم مستميتة، وتبث الاضطراب نحو عام حتى قضى عليها (1).
وصدر قرار النفى فى قشتالة فى 15 سبتمبر سنة 1609. ولكن أجل تنفيذه حتى ينفذ أولا فى بلنسية، ولم ينفذ بالفعل إلا فى أواخر ديسمبر، ومنح الموريسكيون فيه شهراً للسفر بنفس الشروط التى تضمنها قرار النفى فى الأندلس؛ وسافر منهم فى اتجاه الشمال إلى حدود فرنسا نحو أربعة آلاف عائلة، وسافر إلى قرطاجنة نحو عشرة آلاف بحجة السفر إلى الأراضى النصرانية، وذلك لكى يحتفظوا بأولادهم الصغار، ولكن تسرب الكثير منهم إلى الثغور المغربية.
وبلغ عدد المنفيين فى الثلاثة أشهر الأولى زهاء مائة وخمسين ألفاً، وسافر منهم ألوف كثيرة من الأغنياء والموسرين على نفقتهم الخاصة، وقصدت جموع كثيرة من الموريسكيين فى أراجون قدرت بنحو خمسة وعشرين ألفاً، إلى ولاية نافار الفرنسية، ودخل فرنسا من قشتالة نحو سبعة عشر ألفاً، وسمح لهم هنرى الرابع ملك فرنسا بالتوطن فيما وراء نهر الجارون، بشرط بقائهم على دين الكثلكة، وأن تهيىء السفن لمن أراد السفر منهم إلى شواطىء المغرب.
أما فى غرناطة وأنحاء الأندلس، فقد أعلن قرار النفى فى 12 يناير سنة 1610 بعد أن عدلت بعض أحكامه، وفيه يمنح الموريسكيون للرحيل ثلاثين يوماً، ويباح لهم أن يبيعوا سائر أملاكهم المنقولة وأخذ ثمنها، على أن يقتنى به عروض أو بضائع
_______
(1) Dr. Lea: History of the Inquisition ; Vol. III. p. 397 & 398
(5/400)

اسبانية، ولا يسمح لهم بأن يحملوا معهم من النقد أو الذهب أو الحلى، إلا ما يكفى ئفقات الرحلة بالبر والبحر. وأما الأملاك العقارية فتصادر لجهة العرش. وقد استقبل الموريسكيون فى الأندلس قرار النفى بالاستبشار والرضى، ويقدر من نزح منهم إلى المغرب، سواء على سفن الحكومة أو السفن الحرة، بنحو مائة ألف نفس، وقد نزح معظمهم إلى مراكش.
ثم توالى إعلان قرار النفى، فى جميع الجهات التى تضم مجتمعات موريسكية، فى سائر أنحاء المملكة الإسبانية. فى قطلونية وأراجون فى مايو سنة 1610، ثم فى إشبيلية وإسترمادوره، ثم فى مرسية وغيرها. وتأخر تنفيذه فى مرسية نحو أربعة أعوام حتى يناير سنة 1614، وخرج من مرسية زهاء خمسة عشر ألفاً، واتجهت جموع كثيرة من الشمال إلى الثغور الجنوبية.
واتجهت بعض الجماعات منهم إلى الثغور الإيطالية مباشرة، أو عن طريق فرنسا، ومنها أبحرت إلى مصر والشام وقسطنطينية (1). وبلغ السلطان أحمد سلطان الترك، ما أصاب الكثير منهم فى أرض فرنسا من الاعتداء والنهب، فأرسل إلى ملكتها (وهى يومئذ مارى دى مديتشى الوصية على ولدها لويس الثالث عشر) يحتج على هذا الإيذاء، ويطلب حماية المنفيين (2). وكان بين هؤلاء الذين اتجهوا نحو المشرق، بعض طوائف اليهود الأندلسيين، ولاسيما طائفة "الحسديم" التى مازالت تقيم حتى اليوم فى قسطنطينية، ويقيم بعضها فى مصر.
ونفذ قرار النفى فى كل مكان بصرامة ووحشية، واستمرت السفن شهوراً بل أعواماً تحمل أكداساً من تلك الكتلة البشرية المعذبة، فتلقى بها هنا، وهنالك، فى مختلف الثغور الإفريقية، فى غمر من المناظر المروعة المفجعة.
وقد رويت روايات كثيرة محزنة عن مصير بعض جماعات المنفيين، فإن للذين نزلوا منهم فى وهران ليسيروا منها إلى داخل البلاد المغربية، اعتدت عليهم بعض العصابات الناهبة، لما كان معروفاً من أنهم يحملون أموالا وحلياً نفيسة، وسبى كثير من نسائهم. وقد كان منهم فى الواقع كثير من الأغنياء والأشراف القدماء، ولاسيما من أهل إشبيلية، وكتب الكونت أجيلار حاكم وهران، أن كثيرين منهم بقوا فى وهران، خوفاً من اعتداء الأعراب، وقيل إن ثلثى القادمين إلى وهران
_______
(1) المقرى فى نفح الطيب ج 2 ص 617.
(2) Dr. Lea: The Moriscos ; p. 364
(5/401)

أو أكثر من ذلك، هلكوا من المرض أو نتيجة الاعتداء، ومن ثم فإن كثيرين منهم عادوا إلى اسبانيا، والتمسوا إلى السلطات أن يبقوا نصارى وأن يكونوا عبيداً. وقد ألفى هؤلاء بعض الأسر التى قبلت استرقاقهم، واعترض على ذلك رجال الدين، وصدرت الأوامر برفض نزولهم إلى الشواطىء الإسبانية، ولكن كثيرين تسربوا إلى أنحاء بلنسية وغيرها، وبقوا فى اسبانيا رغم جميع الجهود التى بذلت لإخراجهم (1).
وقد اختلف المؤرخون أيما اختلاف، فى تقدير عدد الموريسكيين الذين أخرجوا من اسبانيا تطبيقاً لقرار النفى، ويقول ناباريتى وهو من أعظم مؤرخى اسبانيا، إنه قد نفى من اسبانيا فى مختلف العصور، نحو مليونين من اليهود، وثلاثة ملايين من الموريسكيين. ويقدر آخرون المنفيين من الموريسكيين بأربعمائة ألف أو تسعمائة ألف، ويقدرهم دون لورنتى مؤرخ "ديوان التحقيق" بمليون، ويقدرهم المستشرق فون هامار بثلاثمائة ألف وعشرة آلاف. وفى الرواية العربية الموريسكية التى نثبتها فيما بعد، يقدر عدد المنفيين الموريسكيين بستمائة ألف، ونحن نميل إلى الاعتقاد بأن عدد من نفى من الموريسكيين لا يمكن أن يتجاوز هذا القدر، وقد كان مجموعهم فى أواخر القرن السادس عشر لا يتجاوز ستمائة ألف حسبما قدمنا. ويقدر من هلك من الموريسكيين أو استرق منهم أثناء مأساة النفى بنحو مائة ألف نفس (2).
وقد عاد معظم الموريسكيين، الذين نفوا إلى إفريقية والمشرق، إلى الإسلام دين الآباء والأجداد، ولم تخمد مائة عام من التنصير المغصوب، والإرهاق المستمر جذوة الإسلام فى نفوسهم، وقد لبث على كر العصور متغلغلا فى أعماق سرائرهم.
وبذلك ينتهى الفصل الأخير من مأساة الموريسكيين أو العرب المتنصرين، وتطوى إلى الأبد صفحة شعب، من أنبل وأمجد شعوب التاريخ، وحضارة من أزهر الحضارات.

- 3 -
وتقدم إلينا الرواية الغربية، تفاصيل ضافية عن مأساة الموريسكيين، منذ بدايتها إلى نهايتها، وتخصها بكثير من التعليق والنقد. ولكن الرواية الإسلامية مقلة فى هذا الموطن، شأنها فى تاريخ الأندلس منذ سقوط غرناطة، فهى لا تعنى بتتبع
_______
(1) Lea: The Moriscos: p. 363 & 364. وراجع نفح الطيب ج 2 ص 617.
(2) راجع: Lea: The Moriscos ; p. 259
(5/402)

مصير العرب المتنصرين، كما تعنى الرواية الغربية، ولا تقدم إلينا عن مأساة النفى سوى بعض الشذور والإشارات الموجزة.
وأهم وأوفى ما وقفنا عليه من ذلك، رواية معاصرة عن أحوال الموريسكيين، ومساعيهم السرية للمحافظة على دينهم، وظروف نفيهم، كتبها موريسكى عاش فى جيان وغيرها من قواعد الأندلس الجنوبية فى أواخر عهد الموريسكيين، ثم هاجر إلى تونس قبيل النفى بقليل، وكتب فيما بعد بالعربية كتابا عنوانه: "الأنوار النبوية فى آباء خير البرية"، ويتحدث فى نهايته فى فصل خاص عن الموريسكيين المهاجرين، وشرف نسبهم، وينوه بحسن إيمانهم وتمسكهم بالإسلام دين آبائهم وأجدادهم، ووردت خلال هذا الفصل حقائق تاريخية هامة، عن النفى وأسبابه وملابساته. وقد رأينا أن ننقله فيما يلى: (1)
"قد كثر الإنكار علينا معشر أشراف الأندلس من كثير من إخواننا فى الله بهذه الديار الإفريقية من التونسيين وغيرهم، حفظهم الله تعالى، بقولهم من أين لهم هذا الشرف، وقد كانوا ببلاد الكفار، دمرهم الله، ولهم مئون من السنين كذا وكذا، ولم يبق فيهم من يعرف ذلك من مدة الإسلام وقد اختلطوا مع النصارى، أبعدهم الله تعالى، إلى غير ذلك من الكلام الذى لا نطيل به ولا أذكره هنا صونا لعرضهم وحبى فيهم.
"مع أنى صغير السن حين دخولنا هذه الديار عمرها الله تعالى بالإسلام وأهله بجاه النبى المختار فقد أطلعنى الله تعالى على دين الإسلام بواسطة والدى رحمة الله عليه وأنا ابن ستة أعوام وأقل، مع أنى كنت إذ ذاك أروح إلى مكتب النصارى لأقرأ دينهم، ثم أرجع إلى بيتى فيعلمنى والدى دين الإسلام، فكنت أتعلم فيهما معاً، وسنى حين حملت إلى مكتبهم آربعة أعوام. فأخذ والدى لوحاً من عود الجوز كأنى أنظر الآن إليها مملسا، فكتب لى فيه حروف الهجاء وهو يسألنى حرفاً حرفاً
_______
(1) مؤلف هذا الكتاب هو حسبما ورد فى نسخته المخطوطة، محمد بن عبد الرفيع بن محمد الشريف الحسينى الجعفرى الأندلسى، المتوفى سنة 1052 هـ (1652 م)، أعنى بعد نفى الموريسكيين باثنتين وأربعين عاما. وتوجد هذه النسخة الوحيدة بخزانة الرباط بالمكتبة الكتانية رقم 1238، ومذكور فى نهاية الكتاب، أنه قد تم تحريره بحضرة تونس سادس شعبان سنة 1044 هـ (1644 م).
ويشغل الفصل الخاص بأحوال الموريسكيين فيه من ص 319 إلى ص 336. وقد نقل هذا الفصل الشاعر المغربى محمد بوجندار مع بعض التصرف فى كتابه المسمى "مقدمة الفتح من تاريخ رباط الفتح" (الرباط 1345 هـ) ص 200 - 214
(5/403)

عن حروف النصارى تدريباً وتقريباً، فإذا سميت له حرفاً أعجمياً كتب لى حرفاً عربياً، فيقول حينئذ هكذا حروفنا، حتى استوفى لى جميع حروف الهجاء فى كرتين؛ فلما فرغ من الكرة الأولى، أوصانى أن أكتم ذلك حتى عن والدتى وعمى وأخى، وجميع قرابتنا، وأمرنى أن لا أخبر أحداً من الخلق. وشدد على الوصية، وصار يرسل والدتى التى تسئلنى ما الذى يعلمك والدك فأقول لها لا شىء.
وكذا كان يفعل عمى وأنا أنكر أشد الإنكار. ثم أروح إلى مكتب النصارى وآتى إلى الدار فيعلمنى والدى إلى أن مضت مدة.
"وقد كان والدى رحمه الله، يلقننى حينئذ ما كنت أقوله حين رؤيتى للأصنام ... فلما تحقق والدى أنى أكتم أمور دين الإسلام عن الأقارب فضلا عن الأجانب، أمرنى أن أتكلم بإفشائه لوالدتى وعمى، وبعض أصحابه الأصدقاء فقط، وكانوا يأتون إلى بيتنا فيتحدثون فى أمر الدين، وأنا أسمع. فلما رأى حزمى مع صغر سنى، فرح كثيراً غاية، وعرفنى بأصدقائه وأحبائه وإخوانه فى دين الإسلام، فاجتمعت بهم واحدا واحدا، وسافرت الأسفار لأجتمع بالمسلمين الأخيار، من جيان، مدينة ابن مالك، إلى غرناطة، وإلى قرطبة وإشبيلية، وطليطلة، وغيرها من مدن الجزيرة الخضراء، أعادها الله تعالى للإسلام، فتلخص لى من معرفتهم أنى ميزت سبعة رجال كانوا كلهم يحدثونى بأمور غرناطة وما كان بها فى الإسلام حينئذ، فباجتماعى بهم حصل لى خير كثير، وقد قرأوا كلهم على شيخ من مشايخ غرناطة، أعادها الله للإسلام، يقال له الفقيه اللوطورى رحمه الله تعالى ونفعنا به، فإنه كان رجلا صالحاً، ولياً لله، فاضلا زاهداً، ورعاً، عارفاً سالكاً، ذا مناقب ظاهرة مشهورة، وكرامات طاهرة مأثورة، قد قرأ القرآن الكريم فى مكتب الإسلام بغرناطة، قبل استيلاء أعداء الدين عليها، وهو ابن ثمانية أعوام وقرأ الفقه وغيره على مشايخ أجلا حسب الإمكان. ثم بعد مدة يسيرة، انتزعت غرناطة من أيدى المسلمين أجدادنا، وقد أذن العدو فى ركوب البحر والخروج منها لمن أراده، وبيع ما عنده، وإتيانه لهذه الديار الإسلامية وذلك فى مدة ثلاثة أعوام، ومن أراد أن يقيم على دينه وماله فليفعل، بعد شروط اشترطوها، وإلزامات كتبها عدو الدين على أهل الإسلام. فلما تحركوا لذلك أجدادنا، وعزموا على ترك ديارهم وأموالهم، ومفارقة أوطانهم للخروج من بينهم، وجاز إلى هذه الديار التونسية، والحضرة الخضراء بغتة من جاز إليها حينئذ، ودخلوا فى زقاق
(5/404)

الأندلس المعروف الآن بهذا الاسم، وذلك سنة اثنين وتسعمائة، وكذا للجزائر وتطاون وفاس ومراكش وغيرها، ورأى العدو العزم فيهم لذلك، نقض العهد، فردهم رغم أنوفهم من سواحل البحر إلى ديارهم، ومنعهم قهراً عن الخروج واللحوق بإخوانهم، وقرابتهم بديار الإسلام، وقد كان العدو يظهر شيئاً، ويفعل بهم شيئاً آخر، مع أن المسلمين أجدادنا استنجدوا مراراً ملوك الإسلام، كملك فاس ومصر حينئذ، فلم يقع من أحدهما إلا بعض مراسلات، ليقضى الله أمراً كان مفعولا.
"ثم بقى العدو يحتال بالكفر عليهم غصباً، فابتدأ يزيل لهم اللباس الإسلامى، والجماعات، والحمامات، والمعاملات الإسلامية، شيئاً فشيئاً، مع شدة امتناعهم والقيام عليه مرار، وقتالهم إياه، إلى أن قضى الله سبحانه ما قد سبق من علمه، فبقينا بين أظهرهم، وعدو الدين يحرق بالنار من لاحت عليه إمارة الإسلام، ويعذبه بأنواع العذاب، فكم أحرقوا، وكم عذبوا، وكم نفوا من بلادهم، وضيعوا من مسلم، فإنا لله وإنا إليه راجعون، حتى جاء النصر والفرج من عند الله سبحانه، وحرك القلوب للهروب، وكان ذلك سنة ثلاثة عشرة وألف، فخرج منا بعض للمغرب، وبعض للمشرق خفية، مظهراً دين الكفار أبعدهم الله، فخرج بعض أحبارنا وإخواننا وهو الفقيه الأجل محمد أبو العباس أحمد الحنفى، المعروف بعبد العزيز القرشى، ومعه أحد أخواله، إلى مدينة بلغراد من عمالة القسطنطينية، فالتقيا بالوزير مراد باشا وزير السلطان المعظم المرحوم السلطان أحمد بن السلطان محمد نجل آل عثمان نصرهم الله تعالى وأيدهم، فأخبراه بما حل بإخواننا بالأندلس من الشدة بفرانسة وغيرها، فكتب أمراً لصاحب فرانسة دمرها الله، بإعلام السلطان نصره الله، يأمره بأن يخرج من كان عنده من المسلمين بالأندلس وخدام آل عثمان، ويوجههم إليه فى سفن من عنده مع ما يحتاجون إليه. فلما قرىء الأمر السلطانى فى ديوان الفرنسيس، فسمعه من كان عنده مرسلا من قبل صاحب الجزيرة الخضراء، وهو اللعين فيليبو الثالث، فأرسل لسيده، يخبره بالواقع، وأن السلطان أحمد آل عثمان، أرسل أمره إلى فرانسة، وأمر صاحبها أن يخرج من كان عنده من الأندلس، فقبل كلامه، وأمر بإخراج المسلمين، وأذن لمن جاء من الأندلس بأن لا بأس عليهم، وأن يركبوا عنده فى سواحله مراكبه، ويبلغهم إلى حيث شاءوا من بلاد المسلمين. فلما أحس بهذا الأمر عدو الله فيليبو صاحب إسبانية، دخله الرعب والخوف الشديد، وأمر حينئذ فجمع أكابر
(5/405)

القسيسين والرهبان والبطارقة، وطلب منهم الرأى، وما يكون عليه العمل فى شأن المسلمين الذين هم ببلاده كافة، فبدا الشأن فى أهل بلنسية، فأخذوا الرأى، وأجمعوا كلهم على إخراج المسلمين كافة من مملكته، وأعطاهم السفن، وكتب أوامر وشروطاً فى شأنهم، وفى كيفية إخراجهم، وشدد على عماله بالوصية، والاستحفاظ على كافة المسلمين من الأندلس. نعم أريد أن أذكر لك نبذة يسيرة اختصرتها، وترجمتها، من جملة أسباب ذكرها الملك الكافر أبعده الله، فى أوامره، التى كتبها فى شأن إخواننا الأندلس حين إخراجهم من الجزيرة الخضراء، لتكون على بصيرة من أمرهم، وتعلم بعض الأسباب التى أخرجوا لأجلها على التحقيق، لا كما يزعم بعض الحاسدين، وليؤيد ما قدمناه آنفاً من أمر السلطان أحمد آل عثمان، وتكمل الفايدة، ولئلا يساء الظن بنا معشر الأندلس.
" قال الملك الكافر، أبعده الله تعالى وزلزله آمين: لما كانت السياسة السلطانية الحسنة الجيدة موجبة لإخراج من يكدر المعاش على كافة الرعية النصرانية، فى مملكتها التى تعيش عيشهاً رغداً صالحاً، والتجربة أظهرت لنا عياناً، أن الأندلس الذين هم متولدون من الذين كدروا مملكتنا فيما مضى، بقيامهم علينا، وقتلهم أكابر مملكتنا، والقسيسين والرهبان الذين كانوا بين أظهرهم، وقطعهم لحومهم، وتمزيقهم أعضاءهم، وتعذيبهم إياهم بأنواع العذاب، الذى لم يسمع فيما تقدم مثله، مع عدم توبتهم فيما فعلوه، وعدم رجوعهم رجوعاً صالحاً من قلوبهم، لدين النصرانية، وأنه لم ينفع فيهم وصايانا، ورأينا عيانا أن كثيراً منهم قد أحرقوا بالنار، لاستمرارهم على دين المسلمين، وظهر منهم العناد بعيشهم فيه خفية، واستنجادهم كذلك عون السلطان العثمانى، لينصرهم علينا، وظهر لى أن بينهم وبينه مراسلات إسلامية، ومعاملات دينية، وقد تيقنت ذلك من إخبارات صادقة وصلت إلىّ. ومع هذا أن أحداً منهم لم يأت إلينا ليخبرنا بما هم يدبرونه فى هذه المدة بينهم، وفيما سبق من السنين، بل كتموه بينهم؛ علمت بذلك أن كلهم قد اتفقوا على رأى واحد، ودين واحد، ونيتهم واحدة، وظهر لى أيضاً، ولأرباب العقول والمتدينين من القسيسين والرهبان والبطارقة الذين جمعتهم لهذا الأمر واستشرت، ومع أن من ابقائهم بيننا ينشأ عنه فساد كبير، وهول شديد بسلطنتنا، وأن بإخراجهم من بيننا يصلح الفساد الناشىء من إبقائهم بمملكتى، أردت إخراجهم من سلطنتنا جملة، ليزول بذلك الكدر الواقع، والمتوقع للنصارى
(5/406)

الذين هم رعيتنا، طائعين لأوامرنا وديننا، ورميتهم إلى بلاد المسلمين أمثالهم، لكونهم مسلمين. انتهى المراد بأكثر لفظه ولم أتعرض لذكر شروط كتبها ودققها.
' فانظر رحمك الله، كيف شهد عدو الدين، الملك الكافر، بأنهم مسلمون، واعترف أنه لم يقدر على إزالة دينهم من قلوبهم، وأنهم متمسكون كلهم به.
مع أنه كان يحرق منهم من ظهر عليه الدين، ثم وصفهم بالعناد لرؤيته فيهم لوائح المسلمين وإماراتهم، فأى علامة أكبر من صبرهم على النار لدين الحق، ومن استنجادهم ملك دين الإسلام المؤيد لحماية الدين، أمير المسلمين السلطان أحمد آل عثمان نصرهم الله تعالى، فهذا غاية الخير والعز والبركة لهذه الطائفة الطاهرة الأندلسية التى قال فيها شيخنا الأستاذ القطب الغوث سيدى أبو الغيث القشاش نفعنا الله به دنيا وأخرى فى بعض مكاتبه التى كان يكاتبهم بها، فقال لى وسلم على هؤلاء الأنصار الأطهار الأخيار فإنه لا يحبكم إلا مؤمن ولا يبغضكم إلا منافق.
" فخرجوا كلهم سنة تسعة عشر وألف. ووجد فى دفاتر السلطان الكافر، أبعده الله تعالى، أن جملة من أخرج من أهل الأندلس كافة، نيف وستمائة ألف نسمة، كبيراً وصغيراً. فكانت هذه الواقعة، منقبة عظيمة، وفضيلة عجيبة، لجماعتنا الأندلس زادهم الله شرفاً بمنه. وأمر أيضاً بإخراج من كان مسجوناً فى كافة مملكته، وكل من كان أمر بإحراقه فأخرجه، وعفا عنه، وزوده وأرسله إلى بلاد الإسلام سالماً. ولا يخفى أن هذا أمر عظيم، ومحال عادة، فسبحان رب السموات ورب الأرض الذى إذا أراد أمراً قال له كن فيكون. فيالها من أعجوبة ما أعظمها، ومن فضيلة ما أشرفها، ومن كرامة ما أجملها، ومن نعمة ما أكبرها، فما سمع من أول الدنيا إلى آخرها مثل هذه الواقعة".

...
وقد صدر قرار النفى كما قدمنا فى 22 سبتمبر سنة 1609، وهو يوافق جمادى الثانية سنة 1018 هـ. ولكن الرواية الإسلامية تضع تاريخ القرار أحياناً فى سنة 1016 هـ أو 1017 هـ، وهو تحريف واضح. وأقرب إلى الصحة، ما ذكره ابن عبد الرفيع فى روايته المتقدمة وهو سنة 1019 هـ (1610 م).
قال المقرى مؤرخ الأندلس، وقد كان معاصراً للمأساة: "إلى أن كان إخراج النصارى إياهم (أى العرب المتنصرين) بهذا العصر القريب أعوام سبعة عشرة وألف فخرجت ألوف بفاس، وألوف أخر بتلمسان من وهران، وجمهورهم خرج بتونس
(5/407)

فتسلط عليهم الأعراب ومن لا يخشى الله تعالى فى الطرقات، ونهبوا أموالهم، وهذا ببلاد تلمسان وفاس، ونجا القليل من هذه المضرة. وأما الذين خرجوا بنواحى تونس، فسلم أكثرهم، وهم لهذا العهد عمروا قراها الخالية وبلادها، وكذلك بتطاون وسلا وفيجة الجزائر. ولما استخدم سلطان المغرب الأقصى منهم عسكرا جراراً وسكنوا سلا، كان منهم من الجهاد فى البحر، ماهو مشهور الآن.
وحصنوا قلعة سلا وبنوا بها القصور والحمامات والدور، وهم الآن بهذه الحال.
ووصل جماعة إلى القسطنطينية العظمى، وإلى مصر والشام وغيرها من بلاد الإسلام، وهم لهذا العهد على ما وصفت" (1).
وقال ابن دينار التونسى، وقد كتب بعد المأساة بنحو سبعين عاماً، فى أخبار سنة 1017 هـ: "وفى هذه السنة والتى تلتها، جاءت الأندلس من بلاد النصارى، نفاهم صاحب إسبانية، وكانوا خلقاً كثيراً، فأوسع لهم عثمان داى فى البلاد، وفرق ضعفاءهم على الناس، وأذن لهم أن يعمروا حيث شاءوا، فاشتروا الهناشير وبنوا فيها، واتسعوا فى البلاد، فعمرت بهم، واستوطنوا فى عدة أماكن، وعمروا نحو عشرين بلداً، وصارت لهم مدن عظيمة، وغرسوا الكروم والزيتون والبساتين، ومهدوا الطرقات، وصاروا يعتبرون من أهل البلاد" (2).
وقال صاحب " الخلاصة النقية"، وهو من الكتاب المتأخرين: "وفى سنة ست عشرة وألف، قدمت الأمم الجالية من جزيرة الأندلس، فأوسع لهم صاحب تونس عثمان داى كنفه، وأباح لهم بناء القرى فى مملكته، فبنوا نحو العشرين قرية، واغتبط بهم أهل الحضرة، وتعلموا حرفهم وقلدوا ترفهم" (3).
وهذه النصوص الموجزة، هى كل ما تقدم إلينا الرواية الإسلامية عن نفى العرب المتنصرين، وقد لبثت رواية المقرى عن المأساة، مصدراً لكل ما كتبه الكتاب المتأخرون (4). وربما كان هذا النقص راجعاً إلى أنه لم يعن أحد من كتاب المغرب المعاصرين، باستيفاء التفاصيل الضافية المؤثرة عن المأساة، أو لعله قد ضاع ما كتبه المعاصرون عنها فيما ضاع، مما كتب عن المراحل الأخيرة لتاريخ الأندلس
_______
(1) نفح الطيب ج 2 ص 617.
(2) المؤنس فى أخبار إفريقية وتونس (تونس) ص 193.
(3) الخلاصة النقية (تونس) ص 91.
(4) راجع الإستقصاء ج 3 ص 101، حيث تنقل هذه النصوص
(5/408)

والعرب المتنصرين، ولم تصلنا منه على يد المقرى سوى لمحات يسيرة.
وهكذا بذلت اسبانيا كل ما وسعت لإخراج البقية الباقية، من فلول الأمة الأندلسية، ولم تدخر وسيلة بشرية للقضاء على آثار الموريسكيين إلا اتخذتها.
ومع ذلك فإن آثار الموريسكيين لم تنقطع بعد النفى بصورة نهائية. فقد رأينا أن كثيرين من المنفيين قد عادوا إلى اسبانيا، فراراً مما لقوا فى رحيلهم من ضروب الإعتداء المفزع، وأسلموا أنفسهم رقيقاً يقتنى. كذلك كانت ثمة جماعات من الأسرى المسلمين، من مغاربة وغيرهم، ممن يؤخذون فى المعارك البحرية مع المغيرين، يباعون رقيقاً فى اسبانيا، ويفرض عليهم التنصير. ومع أنه صدر قرار يحظر وجودهم فى العاصمة الإسبانية، فإنه كان من الصعب إخراجهم من المملكة، نظراً لما ترتب لأصحابهم عليهم من الحقوق، وكان البعض منهم يفلح فى ابتياع حريته، ويعيد حياة الموريسكيين سراً، وأخيراً توجست الحكومة الإسبانية من وجودهم، فصدر قبله سنة 1712 قرار بنفيهم، خلال المدد التى يحددها القضاة المحليون، وسمح لهم بأن يأخذوا معهم أسرهم وأموالهم إلى إفريقية.
وقد كان من المستحيل بعد ذلك كله، أن يبقى فى البلاد أحد من الموريسكيين أو سلالتهم، وقد كانت ذكراهم أو أشباحهم، تثير حولها أيما توجس وتعصب. وكان من المتعذر أن يفلت أحد منهم من بطش ديوان التحقيق، وكان الديوان المقدس أبدا على أهبته لضبط أية قضية ضد موريسكى مختف أو عبد متنصر، لكن هذه القضايا كانت نادرة مما يدل على انقراض هذا العنصر بمضى الزمن. بيد أن أسرى المعارك البحرية الذين كانوا يكرهون على التنصير، كان بعضهم ينبذ النصرانية خفية، وكان معظم هؤلاء من الموريسكيين الذين عادوا إلى الإسلام، وخرجوا إلى الجهاد فى البحر، وكان ديوان التحقيق طوال القرن السابع عشر يجد بينهم فرائس من آن لآخر. وعلى الجملة فإن آثار الموريسكيين والإسلام لم تعف نهائياً من اسبانيا، وقد لبث كثير من الأسر والأفراد الموريسكيين، الذين اندمجوا فى المجتمع الإسبانى، على صلاتهم الخفية بالماضى البعيد، وقد ضبطت خلال القرن الثامن عشر أمام محاكم التحقيق بعض قضايا الموريسكيين، كانوا يجرون شعائر الإسلام خفية، وضبط فى سنة 1769 مسجد صغير فى قرطاجنة، أنشأه المتنصرون المحدثون، مما يدل على أنه كانت ما تزال ثمة آثار ضئيلة للموريسكيين والإسلام
(5/409)

ولا تقدم إلينا محفوظات ديوان التحقيق منذ أواخر القرن الثامن عشر، أى ذكر للموريسكيين، أو الإسلام والمسلمين، مما يدل على أن الآثار الأخيرة لمأساة الموريسكيين قد غاضت، وأسبل عليها الزمن عفاءه إلى الأبد (1).
على أن يقال أخيراً إنه ما زالت ثمة إلى اليوم، فى بلنسية وفى غرناطة ومقاطعة لامنشا، جماعات من الإسبان تغلب عليها تقاليد الموريسكيين فى اللباس والعادات، ويجهلون الطقوس النصرانية الخالصة (2).
والحقيقة أنه يصعب على الباحث أن يعتقد أن اسبانيا النصرانية، قد استطاعت حقاً بكل ما لجأت إليه من الوسائل المغرقة، أن تقضى نهائياً على آثار الأمة العربية فإن تاريخ الحضارة يدلنا على أنه من المستحيل، أن تجتث آثار السلالات البشرية، خصوصاً متى لبثت آماداً متخلفة متداخلة، وعلى أن حضارة أمة من الأمم إنما هى خلاصة لتفاعل الأجيال المتعاقبة، وفى وسع مؤرخ الحضارة أن يلمس فى تكوين المجتمع الإسبانى الحاضر، ولاسيما فى الجنوب فى ولايات الأندلس القديمة، وفى خصائصه وتقاليده، وفى حياته الاجتماعية، وفى حضارته على العموم، كثيراً من الخلال والظواهر، التى ترجع فى روحها إلى تراث العرب والحضارة الإسلامية (3).
_______
(1) Lea: The Moriscos p. 391 & 392
(2) Lea: ibid ; p. 365
(3) استطعت خلال رحلاتى الأندلسية المتوالية أن أتبين هذه الظاهرة، وأن أشعر بها شعوراً قوياً، ولاسيما فى غرناطة، وقد تناولت مظاهرها المادية والأدبية فى فصل خاص فى كتابى " الآثار الأندلسية الباقية " الطبعة الثانية ص 436 - 444
(5/410)

الفصل الثالث
تأملات وتعليقات عن آثار المأساة
مأساة الموريسكيين وعلاقتها بانحطاط اسبانيا. آثار نفى الموريسكيين المخربة. ركود الزراعة وخراب الضياع الكبيرة. تأثر محاكم التحقيق. ذيوع العملة الزائفة. تقرير مجلس الدولة عن الاضطراب الاقتصادى. تعليقات الدكتور لى. خطأ السياسة الإسبانية. آراء التفكير الإسبانى. تأييد الأحبار لسياسة الإبادة. حملة دون لورنتى عليها. رأى الكردينال ريشليو. آراء المؤرخين الإسبان. مأساة النفى بين التأييد والإنكار. آراء لافونتى وخانير وبكاتوستى ومننديث إى بلايو. تعليقات النقد الحديث. أقوال الدكتور لى. أقوال العلامة سكوت. أقوال مننديث بيدال. أقوال المستشرق كوندى.
تعليق المستشرق لاين بول.

تلك هى قصة الموريسكيين أو العرب المتنصرين: قصة مؤسية تفيض بألوان الإستشهاد المحزن، ولكن تفيض فى نفس الوقت بصحف من الإباء والبسالة والجلد، تخلق بأعظم وأنبل الشعوب. وقد لبثت السياسة البربرية التى اتبعتها اسبانيا النصرانية، واتبعها ديوان التحقيق الإسبانى، إزاء العرب المتنصرين على كر العصور، مثار الإنكار والسخط، يدمغها المفكرون الغربيون، والإسبان أنفسهم، حتى يومنا بأقسى النعوت والأحكام.
ويرى النقد الحديث، أن العمل على إبادة الموريسكيين، كان ضربة شديدة لعظمة اسبانيا ورخائها؛ ولم تنهض اسبانيا قط من عواقب هذه السياسة الغاشمة، بل انحدرت منذ نفى الموريسكيين، من أوج عظمتها التى سطعت فى عصر شارلكان وفيليب الثانى، إلى غمرة التدهور والإنحلال التى مازالت تلازمها حتى عصرنا.
بل ترجع عوامل هذا الانحلال، إلى ما قبل مأساة الموريسكيين ببعيد، أو بعبارة أخرى إلى السياسة التى اتبعتها اسبانيا النصرانية، نحو الأمة الأندلسية، منذ بداية عصر الغلبة والفتح، فى أوائل القرن الثالث عشر. فقد كانت القواعد والولايات الإسلامية الزاهرة، تسقط تباعاً فى يد اسبانيا النصرانية، ولكنها كانت تفقد فى نفس الوقت أهميتها العمرانية والاقتصادية، إذ كانت العناصر الإسلامية الذكية النشيطة من السكان، تغادرها إلى القواعد الإسلامية الباقية، فراراً من عسف
(5/411)

النصارى، وتغادرها حاملة أموالها وفنونها وصنائعها، تاركة وراءها الخراب والفقر والضيق الاقتصادى. واستمر سيل لهذه الهجرة المخربة زهاء قرنين، حتى سقطت غرناطة، واحتشدت البقية الباقية من الأمة الأندلسية فى المنطقة الجنوبية، فى بعض القواعد الأندلسية القديمة، مثل بلنسية ومرسية، وهاجرت قبل سقوط غرناطة وبعده، جموع غفيرة من المسلمين إلى إفريقية، واستحالت الأمة الأندلسية غير بعيد، إلى شعب مهيض ممزق هو شعب الموريسكيين أو العرب المتنصرين. ومع ذلك فقد لبثت هذه الأقلية الأندلسية المضطهدة، عاملا خطيراً فى اقتصاد اسبانيا القومى، وفى ازدهار زراعتها وتجارتها وفنونها وصناعاتها. وكان الموريسكيون يحملون الكثير من تراث الأمة المغلوبة، وإلى نشاطهم ودأبهم، يرجع ازدهار الضياع الكبيرة التى يملكها السادة الإقطاعيون. فلما اشتد بهم الإضطهاد والعسف، وأخذت يد الإبادة تعمل لتمزيق طوائفهم، وسحق نشاطهم وقتل مواهبهم، ولما اتخذت اسبانيا النصرانية أخيراً خطوتها الحاسمة بإخراجهم، كانت الضربة القاضية لرخاء اسبانيا ومواردها، فانحط الإنتاج الزراعى الذى برع الموريسكيون فيه، وخربت الضياع الكبيرة بفقد الأيدى الماهرة، وكسدت التجارة التى كان الموريسكيون من أنشط عناصرها، وركدت ريح الصناعة، وعفت كثير من الصناعات التالدة التى كانوا أساتذتها، وغاضت الفنون الرفيعة التى استأثروا بها منذ أيام الدولة الإسلامية. وأحدثت هذه العوامل بمضى الزمن نتائجها المخربة، فتناقص عدد السكان، وانكمشت المدن الكبيرة، وذوى عمرانها، وتضاءلت موارد الخزينة العامة، وشلت جهود الإصلاح والتقدم، ولم يمض على إخراج الموريسكيين زهاء قرن، حتى أصبح سكان المملكة الإسبانية كلها ستة ملايين، وكان سكان قشتالة وحدها أيام سقوط غرناطة سبعة ملايين، وفقدت معظم المدن الكبرى مثل قرطبة وإشبيلية وطليطلة وغرناطة أربعة أخماس سكانها، وعم الفقر والخراب مئات المناطق والمدن، وخيم على اسبانيا كلها جو من الفاقة والركود والانحلال.
وإذا كان النقد الحديث، ينوه بخطورة السياسة التى اتبعتها اسبانيا، فى إبادة الأمة الأندلسية ونفى الموريسكيين، كعامل قوى الأثر فيما أصاب اسبانيا من أسباب الدمار والبؤس والانحطاط، التى لم تبرأ منها حتى عصرنا، فإنه يعتمد فى هذا الرأى على طائفة من النتائج المادية والأدبية، التى ترتبت على "النفى"، وحرمان اسبانيا من الثروات العقلية والفنية والصناعية، التى كانت تتمتع بها الأمة الأندلسية
(5/412)

وقد ظهرت هذه الآثار المخربة، بالأخص فى محيط الزراعة والصناعة، وكان تدهور إيراد الضياع الكبيرة، وإيراد الكنائس والأديار، دليلا على ما أصاب قوة اسبانيا المنتجة، الزراعية والصناعية، بسبب نفى طائفة كبيرة، من أنشط طوائف السكان وأغزرهم إنتاجاً. وكان من الحقائق المعروفة أن السكان الإسبان، كانوا يبغضون الأعمال الزراعية والفنية، ويعتبرونها أمراً شائناً، وأن الإسبانى لا يربى أولاده لمزاولة العمل الشريف، وأن أولئك الذين لا يجدون عملا فى الجيش أو الحكومة، يلتحقون بالكنيسة. ويبدى المؤرخ الإسبانى الكبير ناباريتى أسفه لوجود أربعة آلاف مدرسة فى عصره (أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر)، يتعلم فيها أبناء الفلاحين، بينما تهجر الحقول، ولأن أولئك الذين لا يجدون منهم عملا فى الكنيسة لنقص تعليمهم، يحترفون التسول أو التشرد أو السرقة. وقد كتب سفراء البندقية منذ القرن السادس عشر إلى حكومتهم ينوهون بهذه الحقائق، ويصفون الإسبان بأنهم زراع وعمال كسالى، يحتقرون العمل اليدوى، حتى أن ما يمكن عمله فى البلاد الأخرى فى شهر، يعمله الإسبان فى أربعة أشهر (1).
ويردد الوزير محمد بن عبد الوهاب الغسانى سفير سلطان المغرب مولاى اسماعيل إلى اسبانيا، وقد زارها فى سنة 1691، أعنى بعد النفى بثمانين عاماً، عن الإسبان مثل هذا الرأى إذ يقول فى رحلته:
" وبحصول هذه البلاد الهندية (يقصد أمريكا) ومنفعتها وكثرة الأموال التى تجلب منها، صار هذا الجنس الإسبنيولى اليوم أكثر النصارى مالا، وأقواهم مدخولا، إلا أن الترف والحضارة غلبت عليهم، فقلما تجد أحداً من هذا الجنس يتاجر أو يسافر للبلدان بقصد التجارة كعادة غيرهم من أجناس النصارى مثل الفلامنك والإنجليز والفرنسيس والجنويين وأمثالهم، وكذلك الحرفة التى يتداولها السقطة والرعاع وأراذل القوم يتأبى عنها هذا الجنس، ويرى لنفسه فضيلة على غيره من الأجناس المسيحيين" (2).
وقد كان النبلاء والأحبار، وأصحاب الضياع الكبيرة بوجه عام، يعتمدون فى تعهد أراضيهم وفلاحتها، على نشاط الموريسكيين وبراعتهم، فلما وقع النفى
_______
(1) Lea: The Moriscos ; p. 379 - 381
(2) رحلة الوزير الغسانى المسماة "رحلة الوزير فى افتكاك الأسير" (العرائش 1940) ص 44 و 45
(5/413)

جمد النشاط الزراعى، وخلت معظم الضياع من الزراع، وأقفر كثير من القرى، وهدمت ضياع كثيرة لخلوها من السكان، ولاسيما فى منطقة بلنسية، واضطر النبلاء إلى استقدام العمال الزراعيين من الجزائر الشرقية (البليار) وأنحاء البرنيه وقطلونية، ومع ذلك فقد حدث نقص ملحوظ فى غلات الضياع الكبيرة، ولم ينتفع النبلاء بما أصابوه من الاستيلاء على الأراضى التى نزعت، وتعذر عليهم تعميرها وفلاحتها، وحاق بهم الضيق حتى اضطر العرش إلى منح كثيرين منهم نفقات سنوية من خاصة أمواله، هذا فضلا عما أصاب طوائف السكان الأخرى، التى كانت تتصل بالموريسكيين فى المعاملات والتبادل، من العسر والضيق.
وكما انحط دخل الكنائس والأديار، فكذلك خسر ديوان التحقيق شطراً كبيراً من دخله، مما كان يصيبه من مصادرة أموال الموريسكيين والحكم عليهم بالغرامات الفادحة، واضطرت الحكومة أن تعول كثيراً من محاكم التحقيق، التى أوشكت على الإفلاس، من جراء اختفاء الجماعة التى كانت تزدهر بمطاردتها واستصفاء أموالها. وقد بيعت أملاك الموريسكيين وأراضيهم بمبالغ كبيرة، ولكن العرش استولى عليها، ووزع معظمها على أصفيائه من الوزراء والنبلاء والأحبار، ولم ينل ديوان التحقيق سوى جزء يسير منها.
ويقدمون مثلا لما أصاب اسبانيا من الخراب من جراء "النفى"، هو مثل مدينة ثيوداد ريال (المدينة الملكية) (1) عاصمة لامنشا، فقد أسس هذه المدينة ألفونسو العالم فى القرن الثالث عشر، ومنح سكانها شروطاً حرة مغرية، شجعت كثيراً من اليهود والمسلمين على النزوح إليها. وفى سنة 1290 م كان دافعوا الضرائب فيها من اليهود (8828)، فلما أخرج اليهود منها فى سنة 1492، حل محلهم الموريسكيون من غرناطة، ولما أخرج منها هؤلاء مع المدجنين القدماء، خربت المدينة وعفا رخاؤها وانحطت زراعتها، وخربت صناعة النسيج التى أنشأها الموريسكيون فيها، وهبط عدد سكانها فى سنة 1621 إلى 5060 نفساً ونحو ألف أسرة فقط، فى حين أنها كانت تضم من السكان قبل " النفى "اثنتى عشرة ألف أسرة (2).
وكان مما ترتب على نفى الموريسكيين أيضاً، ذيوع العملة الفضية الزائفة، وقد تركوا وراءهم منها مقادير عظيمة، وكانت لهم بصنعها براعة خاصة. وأحدث
_______
(1) Ciudad Real
(2) Lea: The Moriscos ; p. 372 - 384
(5/414)

ذيوع النقد الزائف اضطراباً شديداً فى المعاملات، وحاولت الحكومة جمعه، والمعاقبة على ترويجه بعقوبات رادعة بلغت حد الإعدام، ولكنها لم تفلح فى استئصال الشر، واستمرت هذه الحركة أعواماً طويلة، وعمد الإسبان بدورهم إلى التزييف، وعوقب كثير منهم أمام محاكم التحقيق والمحاكم المدنية، وعانى التجار والمتعاملون كثيراً من الضرر والإرهاق.
ولم تمض أعوام قلائل على نفى الموريسكيين، حتى ظهرت هذه الآثار المخربة كلها فى حياة المجتمع الإسبانى بصورة مزعجة، وهال العرش والحكومة ما أصاب الأمة من ضروب البؤس والخراب، وطلب رئيس الحكومة الدوق دى ليرما فى سنة 1618، إلى مجلس الدولة، أن ينظر فى هذا الأمر، ويعمل على تحقيقه ومعالجته، وقدم مجلس الدولة تقريره بعد عام، وأشير فيه إلى خراب المدن والقرى، ولكنه لم يشر إلى نفى الموريسكيين، وإلى تكاثر عدد رجال الدين وتزييف العملة، وبغض الشعب للعمل الشريف، بل حاول أن يرجع الشر إلى فداحة الضرائب، وإلى الترف الذى تعيش فيه الطبقات الممتازة، وإسراف الملك فى الإغداق على أصفيائه؛ وكذلك اهتم مجلس النواب (الكورتيس) بالأمر وقدم عنه تقريراً إلى الملك. ومع أن التقارير الحكومية التى وضعت عن هذه المحنة، لم تشر إلى نفى الموريسكيين كعامل أساسى فيما أصاب اسبانيا من الخراب والفقر، فقد كان فى القرارات الملكية ما ينطق بهذه الحقيقة. ففى سنة 1622 أصدر الملك فيليب الرابع، قراراً بخفض الضرائب فى بلنسية يشير فيه إلى هجرة السكان، وإلى ما خسرته المدينة من ضروب الدخل، التى كانت تجبى على ما يستهلكه الموريسكيون، وما خسره التجار من انقطاع التعامل معهم.
على أن جهود العرش والحكومة، لم تجد شيئاً فى تخفيف هذه الضائقة، التى طافت بالمجتمع الإسبانى، وشملت سائر الطبقات سواء فى الإنتاج أو الاستهلاك.
ومضى وقت طويل قبل أن تستقر الأحوال نوعاً، وتفيق الزراعة والصناعة والتجارة من الضربة التى أصابتها.
يقول الدكتور لى: "إنه لا يمكن لفريق من السكان، كان يعتمد عليه مدى القرون، فى القيام بقسط عظيم من الإنتاج والتنظيمات المالية فى البلاد، أن يمزق فجأة وينبذ، دون أن يبث ذلك الخراب الواسع، ويثير معتركا من المشاكل يمتد أثرها إلى أجيال مرهقة"
(5/415)

ثم ينعى على السياسة الإسبانية تخبطها وقصر نظرها فيقول: "وإنه لمن خواص السياسة الإسبانية فى ذلك العصر، أنه لم يفكر أحد فى هذه الشئون، ولم يحتط لها أحد فى المباحثات الطويلة، التى جرت فى قضية الموريسكيين. وقد حدثت ثمة مناقشات لا نهاية لها حول مختلف المشاريع ومزاياها، والوسائل التى ينفذ بها النفى، وماذا يسمح به للمنفيين، وماذا يكون مصير الأطفال. ولكن النتائج المحتملة تركت للمصادفة، واحتقرت التفاصيل العملية، واحتقر رخاء الفرد، وهو ما يوضح فشل السياسة الإسبانية" (1).
تلك هى النتائج المادية الواضحة، الإقتصادية والاجتماعية، التى جنتها اسبانيا النصرانية من جراء سياستها المبيتة لإبادة الأمة الأندلسية. فقد لبثت اسبانيا زهاء قرن، تعمل بأقسى وسائل الإرهاق والمطاردة، على استصفاء ما بقى من فلول الأمة الأندلسية، فى الأرض التى بسطت عليها زهاء ثمانية قرون، ظلال الرخاء والأمن، وضوء العلم والعرفان، ولم تطق حتى بعد أن استحالت هذه الفلول، إلى شراذم معذبة مهيضة، وأكرهت على نبذ دينها ولغتها وتقاليدها، أن تبقى عليها، وعلى ما تبقى لها من مواهب وقوى منتجة، ورأت فى سبيل أسطورة من التعصب والجهالة، أن تقضى عليها بالتشريد والنفى النهائى، وأن تخرج من بين سكانها زهاء نصف مليون من أفضل العناصر العاملة. وكان من سوء طالع اسبانيا أن جاء نفى الموريسكيين، فى وقت أخذت فيه عظمة اسبانيا ورخاؤها، ينحدران سراعاً إلى الحضيض، وجنح المجتمع الإسبانى إلى حياة الدعة والخمول، وأخذ سكانها فى التدهور، فجاء نفى الموريسكيين ضربة جديدة لحيوية اسبانيا، التى أخذت فى التفكك والذبول، وتركت وراءها جرحاً عميقاً لم يقو الزمن على محو آثاره بصورة حاسمة. ومن ثم فإنه من الواضح أن يعلق النقد الحديث أهمية بالغة على نفى الموريكسيين، ويعتبره عاملا بعيد المدى فيما أصاب اسبانيا الحديثة، من ضروب التفكك والإنحلال.
على أن التفكير الإسبانى يختلف فى قبول هذا الرأى وتقدير مداه؛ ويهاجمه وينكره بالأخص رجال الدين، وقد كانوا منذ البداية روح هذه السياسة المخربة، وأكبر العاملين على تنفيذها. وقد استقبل رجال الدين نفى الموريسكيين بأعظم مظاهر الغبطة والرضى، واعتبروه ذروة النصر الدينى؛ ويقول أحدهم وهو القس بليدا وهو من مؤرخى القرن الماضى، فى كتابه الذى نشره دفاعاً عن هذا الإجراء:
_______
(1) Lea: The Moriscos ; p. 387
(5/416)

"بأن عصر اسبانيا الذهبى بدأ بذهاب الموريسكيين، وأن اسبانيا قد حققت به وحدتها الدينية، وأنقذت من مشاغلها الداخلية، وأن النفى كان أعظم حادث بعد بعث المسيح، واعتناق اسبانيا للنصرانية" (1). ويقول حبر آخر: "لقد زعم الموريسكيون أن رخاء اسبانيا قد ذهب مذ أكرهوا على التنصير، ولكن الرخاء قد عم بنفيهم، وازدهرت التجارة، وساد الأمن فى الداخل والخارج" (2). ويقول الحبر بثنتى دى لافونتى فى تاريخه الدينى، إنه من السخرية أن يقال إن نفى الموريسكيين كان سبباً فى انحطاط اسبانيا، فإن أمة قد تفقد مائة وخمسين ألفاً فى وباء أو حرب أهلية. ثم يتساءل فى تهكم لماذا ينحى على فيليب الثالث بمثل هذا اللوم؟ على أنه يعترف مع ذلك بأن النفى كان سبباً فى تدهور دخل الأشراف والكنائس (3).
ويرى آخرون من الأحبار أن اسبانيا قد دفعت بالنفى ثمناً باهظاً، ولكن تحملهم نزعة فلسفية فيقولون إن وفرة الرخاء تذهب بالفضائل، وإنه لا بأس من التقشف مع الإيمان، وإن الفقراء استطاعوا بعد إجلاء الموريسكيين أن يجدوا أعمالا (4).
ولكن حبراً ومؤرخاً إسبانياً كبيراً، هو دون لورنتى مؤرخ ديوان التحقيق، يحدثنا عن وسائل الديوان ونفى الموريسكيين فى قوله: "كانت هذه الوسائل بقسوتها الشائنة، تذكى روع الموريسكيين من تلك المحكمة الدموية، وكانوا بدلا من التعلق بالنصرانية، وهو ما كانت تؤدى إليه معاملتهم بشىء من الإنسانية، يزدادون مقتاً لدين لم تحملهم على اعتناقه سوى القوة، وكان هذا سبب الإضطرابات التى أدت فى سنة 1609 إلى نفى هذا الشعب، وعدده يبلغ المليون يومئذ، وهى خسارة فادحة لإسبانيا تضاف إلى خسائرها الفادحة، ففى مائة وتسع وثلاثين سنة انتزع ديوان التحقيق من اسبانيا ثلاثة ملايين، ما بين يهود ومسلمين وموريسكيين" (5).
ويقول الكردينال ريشليو الفرنسى، وهو من أعظم أحبار الكنيسة فى مذكراته وكان معاصراً للمأساة: "إنها أشد ما سجلت صحف الإنسانية جرأة ووحشية".

...
_______
(1) Bleda: Defensio fidel in Causa Neophglorum aive Morischorum in
Hispania
(2) Lea: The Moriscos ; p. 366
(3) Lea: ibid , p. 394 & 396
(4) Lea: ibid, p. 367
(5) Liorente: Historia Critica de la Inquisicion de Espana (1815-1817)
(5/417)

هذا عن الأحبار. وأما عن آراء البحث الإسبانى الحديث، فإنها تختلف فى تقدير آثار نفى الموريسكيين اختلافاً بيناً، بيد أنها تميل على الأغلب إلى الاعتراف بفداحة الآثار المخربة التى أصابت اسبانيا من جرائه، وإلى اعتباره عاملا قوياً فى تدهور اسبانيا وانحلالها. بيد أنها مع ذلك تحاول الاعتذار عن النفى، ويرى البعض أنه كان إجراء طبيعياً، وضرورة لا محيص منها، وينكر البعض الآخر أنه كان كارثة أو أنه ترتبت عليه آثار مخربة. وقد رأينا أن نورد هنا طائفة من آراء عدة من أكابر المؤرخين والمفكرين الإسبان المحدثين، وأن نوردها بدقة وإفاضة تسمحان بفهم الروح الإسبانية، إزاء هذا الحدث التاريخى الخطير، وتقديرها على حقيقتها.
يقول دانفيلا إى كوليادو:
"وهكذا تحقق نفى الموريسكيين الإسبان، بغض النظر عن كونهم شبانا أو شيوخاً، صالحين، أو عقماء، مذنبين أو أبرياء. وكانت مسألة الوحدة السياسية تحمل فى ثنيتها ضرورة الوحدة الدينية، وضع خطتها الملكان الكاثوليكيان، وحاول تحقيقها الإمبراطور كارلوس الخامس (شارلكان) وفيليب الثانى، ولكنهما ارتدا خشية من عواقبها. أما فيليب الثالث، فكان يزاول سلطانه عن يد أصفيائه، ولذا ألفى سلطة العرش الدينية والسياسية، أيسر وأهون. وكانت الحرب الدينية تضطرم ضد الجنس الأندلسى، وقد ألفت عواطف الروح الرقيقة نفسها، وجهاً لوجه أمام المسألة السياسية. ودخلت الإنسانية والدين فى صراع وخرج الدين ظافراً وفقدت اسبانيا أنشط أبنائها، وانتزع الأبناء من حجور أمهاتهم وحنان آبائهم، ولم يلق الموريسكى أية رأفة أو رحمة. ولكن الوحدة الدينية بدت ساطعة رائعة فى سماء اسبانيا، واغتبطت الأمة إذ أضحت واحدة فى جميع مشاعرها العظيمة.
" كان الموريسكيون شديدى المراس. وكان الوطن ينشد وحدة معنوية، تغدو متممة للوحدة السياسية، التى تحققت باندماج سائر العروش فى شبه الجزيرة، وكان عنصر تناقض قوى، كالذى تمثله طائفة الموريسكيين، لا يكون فقط عقبة شديدة يصعب تذليلها، ولكنه كان استحالة مطلقة، تحول دون تحقيق الغاية، التى تتجه إليها الحركة العامة للفكر القومى. وكانت الصعوبة كلها تجثم فى الدين.
ولم تكن اللغة التى تبدو خاصة قومية أخرى، تكون يومئذ أو فى أى وقت عقبة بمثل هذه الخطورة، ففى شمال اسبانيا، وفى شرقها، توجد اللهجات المختلفة، من الجليقية والقطلونية والميورقية والبلنسية وغيرها. وكذلك يوجد مثل هذا
(5/418)

التباين فى النظم القضائية، والثياب والعادات الخاصة بكل منطقة، ولكن ذلك لم يكن عقبة كأداء فى سبيل وحدة الدين، والروح القومى، ولم يخلق مثل المعضلة الدائمة، التى خلقها الدين بالنسبة للموريسكيين، والتى جعلتهم فى حالة دائمة من التربص والتوجس. إن ما بذله كارلوس الخامس وفيليب الثانى، لإخضاع الموريسكيين للنصرانية، مما لا يمكن وصفه، ولكن جهودهم كلها ذهبت عبثاً. ذلك أنه بعد ثلاثة قرون من الخضوع، لبث الموريسكيون فى عصر فيليب الثالث، يضطرمون بنفس الروح المتمردة، التى كانت لأسلافهم الذين أخضعوا بالسيف، وقد ارتضوا حالتهم كمحنة مؤقتة عابرة، ولم ينبذوا الأمل قط، ولم يتركوا قط الوسائل التى يعتقدون أنها تمكنهم ذات يوم من الأخذ بالثأر، واسترداد استقلالهم وسيادتهم".
ثم يقول: "وإنها لخرافة أن يقال إن الموريسكيين كانوا عنصراً مفيداً فى إنتاج اسبانيا، ولو أنهم كذلك لحملوا الرخاء إلى بلاد المغرب حيث ذهبوا" (1).
ويقول المؤرخ الكبير مودستو لافونتى، وسنرى أنه يذهب فى الصراحة وتقدير الحقائق المنزهة إلى أبعد حد:
"وعلى أى حال فإن مراسيم فيليب الثالث الشهيرة ضد الموريسكيين، قد جردت اسبانيا -وقد كانت يومئذ جد مقفرة من السكان بسبب الإدارة السيئة والحروب المستمرة- من طائفة كبيرة من السكان، أو بعبارة أخرى من السكان الزراعيين والتجاريين والصناعيين، من السكان المنتجين، أولئك الذين يساهمون بأكبر قسط فى الضرائب. وكان أقل ما فى ذلك تسرب الملايين من الدوقيات، التى حملتها الطائفة المنفية معها، فى الوقت التى كانت فيه المملكة تعانى من قلة النقد، فكان نقص الذهب الفجائى على هذا النحو أشد وطأة عليها. وكذلك وقع ضرر أفدح بذيوع النقد الزائف أو المنقوص، الذى روجه المنفيون بسوء قصد قبل رحيلهم. وأسوأ ما فى ذلك كله، هو أنه فقد برحيلهم العنصر العامل الذكى المتمرس فى الفنون النافعة. وهم قد بدأوا بالزراعة، وزراعة السكر والقطن والحبوب، التى كان لهم فى إنتاجها التفوق الجم، وذلك لنظامهم المدهش فى الرى بواسطة السواقى والقنوات، وتوزيع المياه بواسطة هذه الشرايين توزيعاً مناسباً،
_______
(1) M. Danvilla y Collado: La Expulsion de los Moriscos Espanoles.
(Madrid 1889) p. 320-22
(5/419)

كان له أثره فى الإنتاج العظيم الذى امتازت به مروج بلنسية وغرناطة؛ ثم تابعوا بنسج الأصواف والحرائر، وصنع الورق والجلود المدبوكة، وهى صناعات برع الموريسكيون فيها أيما براعة، وانتهوا بمزاولة الحرف الميكانيكية، وهى حرف كان الإسبان لكسلهم وتكبرهم يحتقرونها، ومن ثم فقد احتكرها الموريسكيون واختصوا بها. وقد عانى كل شىء من نقص فى السواعد وفى البراعة، وهو نقص جعلت المفاجأة من المستحيل تداركه، ثم غدا بعد ذلك مَلؤه مبهظاً بطيئاً صعباً.
"ويقول نفس المؤرخ البلنسى الذى شهد النفى، وكتب عقب إتمامه، إنه ترتب على ذلك أن بلنسية، وهى حديقة اسبانيا الغناء، استحالت إلى قفر جاف موحش. وحدث هنالك كما حدث فى قشتالة، وفى باقى البلاد، أن بدا شبح الجوع الداهم؛ وبالرغم من أنه قد جىء بسكان جدد إلى الأماكن التى هجرها الموريسكيون، لكى يتدربوا على العمل فى الحقول والمصانع والمعامل، إلى جانب أولئك القلائل الذين ارتضوا البقاء (وهو اعتراف مخجل بلا ريب). على أن مثل هذا التمرن لم يؤت نتائجه السريعة، والتدرب والدأب ليسا من الفضائل التى ترتجل، ولم يكن من السهل أن يعوض مثل هذا الجنس من البشر، وهو الذى استطاع بعبقريته، ومركزه الخاص فى البلاد، ووفرة براعته، وجلده، أن يحقق ما يشبه قهر الطبيعة، واستغلالها لسائر مبتكراته. وهكذا حل مكان ضجيج القرى، الصمت الموحش فى الأماكن المهجورة، وبدلا من السيل المستمر من العمال والصناع فى الطرق، حل خطر لقاء الأشرار الذين يذرعونها، ويجثمون فى أطلال القرى المهجورة. وإذا كان ثمة بعض السادة الإقطاعيين قد غنموا من تراث المنفيين، فقد كان عدد الذين خسروا أعظم بكثير، وبلغ الأمر بالبعض أن طلبوا نفقات للطعام. أما الذين غنموا، فقد كانوا بلاشك هم الدوق دى ليرما وأسرته وقد استولوا على نصيب مما تحصل من بيع منازل الموريسكيين.
"ومن ثم فقد اعتبر نفى الموريسكيين من الناحية الاقتصادية، بالنسبة إلى اسبانيا أفدح إجراء مخرب يمكن تصوره. وإنه ليمكن أن نغض الطرف عن المبالغة التى دفعت بأحد الساسة الأجانب، وهو الكردينال ريشليو، أن يسميه "أعرق إجراء فى الجرأة والبربرية مما عرفه التاريخ فى أى عصر سابق" والحق أن الصدع الذى أصاب ثروة اسبانيا العامة من جرائه، كان من الفداحة بحيث أنه ليس من المبالغة أن نقول إنه لم يبرأ حتى عصرنا
(5/420)

"فأما من الناحية الدينية، فقد كان هذا الإجراء، ثمرة الأفكار التى سادت فى اسبانيا قبل ذلك بقرون، وثمرة البغض التقليدى المتأصل، الذى يكنه الشعب لغالبيه وأعدائه الألداء القدماء. وليس مما يمكن إنكاره، أنه كان مؤيداً لفكرة الوحدة الدينية، التى دأب على العمل لتحقيقها وإكمالها الملوك الإسبان والشعب الإسبانى. بيد أنا لا نعتقد أنه كان من البراعة (ما عدا اعتباره صراعاً مقرراً هو من خصائص العصور الوسطى) أن نصل إلى الوحدة الدينية بطريق إفناء أولئك الذين يعتنقون عقائد أخرى. وقد كانت البراعة أن نعمل على اجتذاب المخالفين المعاندين، بالتعاليم والإقناع، والحزم، والرفق، وتفوق الحضارة.
وأما كونه إجراء سياسياً، قصد به إلى تحقيق سلامة الدولة وسلامها، فقد كان ممكناً أن نبرر اتخاذه لو كانت المؤامرات حقيقية وخطيرة، وكانت الخطط شنيعة، وكانت الوسائل قوية، والخطر داهماً، وذلك كما افترض الوزير المقرب، والأسقف ربيرا والنصحاء الآخرون. أجل لم يك ثمة شك فى أنه كانت هنالك مكاتبات وعلائق ومشاريع معادية لإسبانيا، بين بعض الموريسكيين البلنسيين وببن المغاربة والترك، بل بينهم وبين بعض الفرنسيين. بيد أننا لم نقتنع بأن هذه الخطط كانت من الجسامة والخطر بمثل ما كان يصورها أنصار النفى، ولم نقتنع بأن النصارى المحدثين فى بلنسية كان لهم من القوة ما يمكن أن يثير مخاوف ذات شأن، كما أنه لم يكن ثمة ما يثير المخاوف من جانب الموريسكيين فى أراجون وفى مرسية، مثلما زعمت الوفود التى أتت من هذين الإقليمين، وكذلك لم يكن الموريسكيون فى قشتالة يعرفون التآمر أو يقدرون عليه. وعلى أى حال فإنه متى ذكرنا، أننا بعد مضى أكثر من قرن على قهر الموريسكيين وإخضاعهم لقوانين المملكة، وتفريقهم ومزجهم بالإسبان والنصارى، لم نوفق إلى تأليفهم فى العادات والعقائد، أو أن ندمج بقية الأمة المغلوبة فى الكتلة الكبرى للأمة الغالبة، ولم نوفق إلى جعلهم نصارى واسبانيين، ثم لجأنا بلا ضرورة إلى وسيلة إفناء جيل برمته، متى ذكرنا ذلك فإنا لا نستطيع أن ننظر بعطف إلى مهارة فيليب الثالث والملوك الذين سبقوه، ولا إلى حزمهم أو سياستهم" (1).
ويقول فلورثيو خانير، وهو يحذو حذو لافونتى فى تقديره وتعليله، وينقل بعض أقواله:
_______
(1) Modesto Lafuente: Historia General de Espana (Madrid 1862)
T. VIII, p. 211-214
(5/421)

"ومع ذلك، فإنه لمصلحة الدين، والسلام الداخلى، وسلامة الدولة، قد وقع الإغضاء عن المزايا التى كان يسبغها الموريكسيون على الصناعة والتجارة والزراعة، بل وعلى ثروة الأمة الإسبانية كلها، وذلك حينما أخرج بواسطة مراسيم فيليب الثالث، آلاف من الصناع الموريسكيين، يحملون معهم بذور الحضارة والحرث. وقد قال كامبومانس الشهير: "إن بدء تدهور صناعاتنا يرجع إلى سنة 1609، حينما بدئ بنفى الموريسكيين. فمن ذلك الحين، تبدأ مع خراب المصانع صيحات الأمة المتوالية؛ وعبثاً يحاول ساستنا أن ينسبوا بؤس القرن السابع عشر، إلى أسباب أخرى، فهى وإن كانت جزئية، لا يمكن أن تضارع ضربة بهذه المفاجأة، وهى ضربة لم تستطع الأمة حتى اليوم أن تنهض من عثارها".
ولقد أحدثت مزاولة العرب للمهن الفنية فى الإسبان أثرين سيئين، الأول أنهم اعتبروا هذه المهن من الأمور الشائنة، والثانى أنهم لم يتعلموا شيئاً منها حتى لا يتشبهوا بأولئك الذين يزاولونها. وهم قد بدأوا بالزراعة وزراعة السكرو القطن والحبوب، التى كان للموريسكيين فى إنتاجها التفوق الجم، وذلك لنظامهم المدهش فى الرى بواسطة السواقى والقنوات، وتوزيع المياه بواسطة هذه الشرايين توزيعاً مناسباً، كان له أثره فى الإنتاج العظيم الذى امتازت به مروج بلنسية وغرناطة الخصبة، ثم تابعوا بنسج الأصواف والحرائر، وصنع الورق والجلود المدبوغة، وهى صناعات برع فيها الموريكسيون أيما براعة، وانتهوا بمزاولة الحرف الميكانيكية وهى حرف كان الإسبان لكسلهم وتكبرهم يحتقرون مزاولتها، ومن ثم فقد كان الموريسكيون يحتكرونها، وقد وقع من جراء ذلك نقص فى الأيدى وفى المهارة كان من المستحيل مَلؤه فى الحال، ثم غدا بعد ذلك مَلؤه مبهظاً بطيئاً صعباً. وقد بلغ النقص فى الأنفس، وفقاً للدراسات التى قمنا بها لنتائج الحادث، على الأقل نحو مليون. ثم يأتى بعد ذلك نقص العملة الذهبية، بسبب الكميات الكبيرة التى حملوها معهم من الدوقيات، وأخيراً يأتى ذيوع النقد الزائف أو ناقص الوزن، وهو الذى ملئوا به المملكة قبل نزوحهم منها، على أن الضرر الفادح الذى لم يعوض لسنين بعيدة، هو بلا ريب ما أصاب الزراعة والصناعة والتجارة.
"ومن ثم ففى وسعنا أن نقول عن بلادنا بحق، إن بلاد العرب السعيدة، قد استحالت إلى بلاد العرب القفراء، وعن بلنسية بوجه خاص، إن حديقة اسبانيا الغناء قد استحالت إلى صحراء جافة مشوهة. وقد حل شبح الجوع بالاختصار
(5/422)

فى كل مكان، وحل مكان المرح الصاخب للقرى العامرة، الصمت الموحش فى الأمكنة المهجورة، وبدلا من أن ترى أمامك العمال والصناع، فإنك تغامر بأن تقابل قطاع الطرق يملؤونها ويجثمون فى أطلال القرى المهجورة. ولئن كان ثمة فريق من السادة الملاك الذين أفادوا من تراث المنفيين، فقد كان ثمة عدد أكبر بكثير ممن خسروا، وانتهى بعضهم إلى الموقف المؤلم، بأن يلتمسوا من الحكومة نفقة لإطعامهم، ولم يك بينهم أحد قط ممن غنم كما غنم الدوق دى ليرما وأسرته، وقد استولوا على جزء من أثمان بيع منازل الموريسكيين، وبلغ نحو خمسة ملايين ونصف ريال.
"وإذاً فقد كان نفى الموريسكيين من الناحية الإقتصادية، يعتبر بالنسبة إلى اسبانيا، أفدح إجراء مخرب يمكن تصوره. وإنه ليمكن أن نتسامح فى المبالغة التى يصفه بها سياسى أجنبى هو الكردينال ريشليو، حيث يصفه بأنه " أعرق إجراء فى الجرأة والبربرية مما عرفه التاريخ فى أى عصر سابق". والحق أن الصدع الذى منيت به ثروة اسبانيا العامة من جرائه، كان من الفداحة بحيث أنه ليس من المبالغة أن نقول إنه لم يبرأ حتى يومنا" (1). بيد أن خانير مع ذلك يقول إن النفى كان ضرورة دينية وسياسية، وإن الوحدة الدينية، تغدو اليوم أسطع جوهرة للأمة الإسبانية.
ويعلق المؤرخ الإجتماعى وبكاتوستى، فى الفصل الذى عقده عن "بؤس اسبانيا العام" فى كتابه عن "عظمة اسبانيا وانحلالها" على نفى الموريسكيين بما يأتى: "كان نفى الموريسكيين من أفدح المصائب التى نزلت باسبانيا. أجل لقد وجد أيام الملكين الكاثوليكيين بعض المتعصبين الذين كانوا يقترحون هذا النفى ويعملون له. ولكنهم وجدوا عقبة كأداء فى معارضة الملكة إيسابيلا. وفى سنة 1529، بذل أسقف إشبيلية، جهوداً مضاعفة فى هذا السبيل، وكذا طوال حكم فيليب الثانى، كان هذا الموضوع يثار من وقت إلى آخر. ولكن أمكن فقط فى عصر فيليب الثالث المحزن، أن يرتكب هذا الخطأ الفادح.
"والمسئولية الكبرى التى تقع على عاتق هذا الملك، وعلى نصحائه وأسلافه، تتلخص فى أنهم لم يحموا مصالح الموريسكيين المادية، فيمهدوا لتلك الطائفة العاملة، سبل الحياة المستقرة الهادئة؛ ولم يكن لهم من القوة أو الكياسة أو الحزم ما يمكنهم
_______
(1) D. Florecio Janer: Condicion Social de los Moriscos de Espana
(Madrid 1875) p. 100 & 101
(5/423)

من إخضاع هذه الطائفة المتمردة، التى عاشت فى اسبانيا فى أوقات، كانت فيها الأحقاد فى أوج اضطرامها بين الغالبين والمغلوبين.
"ولقد أثار الإسراف فى فرض الضرائب وبخس الأعمال، والاضطهاد الدينى، ومساوىء ديوان التحقيق، هذه الأرواح التى قابلت حكومة ضعيفة التدبير، حتى أنه أضحى من المحتوم أن يتخذ هذا الإجراء الشاذ المتطرف.
"إن المؤرخين والساسة الذين دافعوا عن نفى الموريسكيين، بعضهم للدفاع عن أخطاء هذه المدرسة، وبعضهم لكى يشيد بالعمل الرائع، إنما يدافعون عن أمور سيئة، أو يرغبون فى أن يضعوا السياسة والسلطة فوق رأس الأمة، وهم فى تبرير مثل هذا الإجراء، لم يراعوا إلا ضرورة الساعة. وإذا فرضنا جدلا ضرورته السياسية باسم السلام والسكينة العامة، وهى التى اتخذت لتبرير كثير من الأخطاء، بل وكثير من الجرائم، فإننا لا نستطيع أن ننسى أن هذا الموقف المحزن، قد خلقته أخطاء السلطة التى واجهت تلك المشكلة القاسية، ورأت أن تقصى الموريسكيين عن اسبانيا، لأنها شعرت أنها عاجزة عن إخماد ثوراتهم المستمرة.
إن فَقْدَ هذه السواعد فى الأعمال الزراعية، وفى كثير من الفنون والأعمال، والازدراء الذى كان الإسبان يضمرونه لهذه الطائفة ولنشاطها، والسرعة التى وقعت بها هذه الخسارة، وعدم تحوط الحكومة، التى لم تحاول بأية وسيلة أن تعوض عن نشاطها، وزيادة الضرائب وغيرها من المغارم، التى أضحى عبؤها يقع فقط على عاتق الشعب الإسبانى، لكى يعوض ذلك ما خسرته الدولة مما كان يؤديه الموريكسيون: هذه ربما كانت الأسباب السريعة للبؤس العام.
ولقد قام بعض المؤرخين ببحوث مدهشة لتقدير عدد المنفيين، ونحن لا نجاريهم فى ذلك، إذ يبدو لنا العدد أمراً لا أهمية له. وسواء أكان المنفيون كثرة أو قلة، فقد كانوا هم الوحيدون الذين يعملون، وقد أحدث خروجهم من المملكة اضطراباً خطيراً.
بمثل هذه العوامل، وصل البؤس الداخلى فى المملكة إلى حد لا يمكن تصوره، ولا تمكن مقارنته، هذا بينما كان البلاط يغرق فى الحفلات الشائقة، وينسب لفيليب الثالث ما كان يمكن صدوره من فيليب الثانى أو كارلوس الخامس" (1).
_______
(1) D. Felipe Picatosti: Estudios sobre la Grandeza y Decadencia de
Espana. (Madrid 1887) . p. 101 & 102
(5/424)

ويرى العلامة مننديث إى بلايو، وهو من أعظم المفكرين، والنقدة الإسبان المحدثين، أن نفى الموريسكيين كان نتيجة محتومة لسير التاريخ، ويشرح رأيه فى كتابه عن "الخوارج الإسبان" على النحو الآتى:
"ولنقل الآن رأينا فى مسألة النفى بكل وضوح وإخلاص، وذلك بالرغم من أنه يستطيع أن يتكهن به من تتبع القصة السابقة، بروية وبلا تحيز، ولن أتردد فى الجهر به، وإن كان من المؤسف أن يكون ثمة ما أخر إبداءه. فهل كان من الممكن أن يقوم الدين الإسلامى بيننا فى القرن السادس عشر؟ من الواضح أن لا، بل ولا يمكن أن يكون ذلك الآن فى أى جزء من أوربا. فكيف يستسيغ وجوده فى تركيا أولئك الإنسانيون الأجانب الذين يصفوننا بالبربرية لأننا قمنا بإجراء النفى؟ وإنهم لأسوأ مائة مرة من المسلمين الخلص، مهما كان دينهم عائق لكل تمدن، أولئك النصارى المنافقون، والمرتدون والمارقون، الذين لم يحسن إخضاعهم وأولئك الإسبان الأوغاد، الأعداء الداخليون، خميرة كل غزو أجنبى، الجنس الذى لا يقبل الاندماج، كما أثبتت ذلك التجارب المحزنة مدى قرن ونصف. فهل يعتبر ذلك تبريراً لأولئك الذين مزقوا عهود غرناطة، أو لأولئك الثوار الذين أضرموا الهياج فى بلنسية ونصروا الموريسكيين بصورة منافية للدين؟ كلا على الإطلاق.
بيد أنه وقد سارت الأمور منذ البداية على هذا النحو، فإنه لم يكن من الممكن أن تكون ثمة نتيجة أخرى، فقد كانت الأحقاد والشكوك المتبادلة، تضطرم باستمرار بين النصارى القدامى والمحدثين، وقد لطخت بقاع البشرات بالدماء غير مرة، وفقد الأمل فى تحقيق التنصير بالوسائل السلمية، وذلك بالرغم من تسامح ديوان التحقيق، والغيرة الطيبة التى أبداها رجال مثل تلافيرا، وفيلانيفا، وربيرا، وإذاً فلم يك ثمة محيص من النفى. وأكرر أن فيليب الثانى قد أخطأ فى كونه لم ينفذه فى الوقت المناسب. وإنه لمن الحق أن نعتقد أن الصراع من أجل البقاء والمعارك، والمذابح بين الأجناس، تنتهى بصورة أخرى غير النفى أو الفناء. ذلك أن الجنس الأدنى ينهار دائماً، ويفوز بالنصر مبدأ القومية الأقوى.
وأما إن النفى كان حدثاً مقوضاً، فهذا ما لا ننكره، فإنه من المقرر أنه فى العالم يمتزج الخير والشر دائماً. وخسارة مليون بأسره من الناس، لم تكن هى السبب الأساسى فى إقفار بلادنا من السكان، وإن كان لها أثر فى ذلك. وبعد فإن ذلك يجب ألا يعد إلا كإحدى قطرات الماء فى جانب نفى اليهود، واستعمار أمريكا،
(5/425)

والحروب الخارجية فى مائة مكان معاً، وعدد الجند النظاميين الضخم، وهى أسباب نوه بها كلها بإيجاز اقتصاديونا القدامى، ومنهم من لم يتردد كالحبر فرناندث ناباريتى فى نقد نفى الموريسكيين بعد وقوعه بأعوام قليلة. وما كانت يل وليست الأجزاء المقفرة من السكان فى اسبانيا، هى التى تركها العرب، كما أنها ليست أسوأها زراعة، وهو ما يدل على أن الخسارة التى لحقت بالزراعة، من جراء نفى كبار الزراع المسلمين، لم تكن عميقة أو باقية الأثر، كما قد يتبادر إلى الذهن، لو أننا وقفنا فقط عند عويل أولئك الذين تأملوا الحقول المجدبة غداة تنفيذ أوامر النفى. ونحن أبعد من أن نعتقد مع الشاعر الساذج الشيوعى نوعاً جسبار دى أجيلار، أنه لم يخسر بالنفى سوى السادة الذين فقدوا أتباعهم المسلمين، وأن الكثرة من الناس قد غنمت، وغدا:
الأغنياء فقراء، والفقراء أغنياء
والصغار كباراً، والكبار صغاراً
ذلك أن مثل هذه النظريات، وإن أملاها الإخلاص والحماسة الشعبية، اللذان يضطرم بهما الشاعر، ليست إلا من أسخف وأضل ضروب الاقتصاد السياسى. ذنك أن مملكة بلنسية كلها كان لزاماً أن تخسر، وقد خسرت برحيل مثل هذا العدد الجم من عمال مهرة هادئين مثابرين، وقد كانوا حسبما يصفهم السكرتير فرنسيسكو إدياكيث "يكفون وحدهم لإحداث الخصب والرخاء فى سائر الأرض، لبراعتهم فى الزراعة، وقناعتهم فى الطعام". هذا بينما يصف هذا السكرتير النصارى القدماء بقوله "إنهم قليلو الخبرة فى الزراعة". على أنه من المحقق أنهم تعلموا، وأن بلنسية قد عمرت فيما بعد، وأن سائر الطرق الزراعية ونظم الرى البديعة، التى ربما كان من الخطأ أن تنسب إلى العرب وحدهم، قد أحييت فى هذه المناطق حتى أيامنا.
وإذا كان تدهور الزراعة مما لا ينكر، ولعله مبالغ فيه، فإن تأثر الصناعة كان أقل. ذلك لأن الصناعة كانت قبل ذلك بنصف قرن قد أصيبت باضمحلال واضح، وكذلك لأن الصناعات الرئيسية، إذا استثنينا الورق والحرير، لم تكن فى أيدى الموريسكيين، وقد كانوا دائماً عمالا أكثر منهم صناعاً. فإذا قيل مثلا إن المناسج التى بلغ عددها من قبل فى إشبيلية ستة عشر ألفاً، لم يبق منها فى عهد فيليب الخامس سوى ثلاثمائة، ونسب ذلك كله إلى واقعة النفى، فإن أصحاب هذا
(5/426)

القول ينسون أنه لم يكن فى إشبيلية أحد من الموريسكيين، وأن هذه المصانع كانت قد تركت قبل النفى بخمسين عاماً، كأنما آثر أجدادنا أن يحققوا الثراء بالحرب فى إيطاليا وبلاد الفلاندر، وبغزو أمريكا، وكأنهم كانوا ينظرون باحتقار سخيف مؤسف للفنون والأعمال الصناعية. إن اكتشاف العالم الجديد، والثروات التى كانت تتدفق من هنالك، فتثير الجشع، وتذكى أطماعاً يسهل تحقيقها: ذلك هو السبب الحقيقى الذى أسكت مناسجنا وأمحل زراعتنا، وجعل منا أول طائفة من المغامرين المحظوظين، ثم بعد ذلك شعباً من الأشراف المتسولين، وإنه لمن المضحك أن ننسب إلى سبب واحد، ربما كان أقل الأسباب، ما كان نتيجة لأخطاء اقتصادية يعسر علينا أن نتبين علاقتها بالتعصب الدينى.
والخلاصة أنه متى تدبرنا المزايا والمضار، فإننا ننظر إلى إجراء النفى العظيم، بنفس الحماسة التى امتدحه بها لوبى دى فيجا وثرفانتس، وكل اسبانيا فى القرن السابع عشر، باعتباره ظفراً لوحدة الجنس ووحدة الدين واللغة، والتقاليد.
أما الأضرار المادية فقد شفاها الزمن، وقد استحال ما كان صحراء بلقع قاتمة، إلى مهاد خصبة وحدائق غناء. وأما الذى لا يشفى، وأما الذى يترك دائماً الأحقاد الدموية الأبدية، فهى جرائم تشبه جرائم الوندال. ولما هدأت آثار النفى، أضحى النفى ليس فقط إجراء محموداً، بل كذلك إجراء ضرورياً. لم يكن ميسوراً أن تحل العقدة، فكان لابد من قطعها، ومثل هذه النتائج تقترن دائماً بالانقلابات المفروضة" (1).
ويعلق العلامة الدكتور لى، وهو من أحدث الباحثين فى هذا الموضوع على آراء المفكرين والمؤرخين الإسبان بقوله: "إذا كان نفى الموريسكيين كما يقول مننديث إى بلايو، نتيجة محتومة لقانون تاريخى، وإذا كان قد غدا ضرورة فى عهد فيليب الثالث، فقد كانت ضرورة مصطنعة، خلقها تعصب القرن السادس عشر، وإذا كان وجود المدجنين، منذ أيام ملوك ليون وقشتالة وأراجون فى الأراضى الإسبانية، من الأمور المأمونة، وذلك فى الوقت الذى كان فيه زعماء اسبانيا النصرانية يشغلون بحروب أهلية مضطرمة، ويواجهون دول العرب والمرابطين والموحدين القوية، وإذا كان فى وسع الملوك النصارى فى هذه العصور
_______
(1) M. Menendez y Pelayo: Historia de los Heterodoxes Espanoles
p. 339 - 343
(5/427)

المضطربة، أن يركنوا إلى ولاء رعاياهم المسلمين أثناء الحرب، وأن يفيدوا من نشاطهم أثناء السلم، فإن الضرورة السياسية للوحدة الدينية، بعد أن غدت اسبانيا دولة قوية موحدة، وغدا المسلمون طوائف ممزقة، لم تكن بلا ريب سوى ضرب من الخيال المغرق الذى يخلقه التعصب. وقد كان هذا التعصب، نتيجة لتعاليم الكنيسة المستمرة، وهى التعاليم التى اعتنقتها اسبانيا مذ غدت قوة عالمية. وما أن انحدرت اسبانيا إلى طريق التعصب، حتى دفعه توقد المزاج الإسبانى إلى نهايته المحتومة باكتمال لا نظير له. ولما قضت غطرسة الكردينال خمنيس العنيفة، على ثقة المسلمين فى عدالة اسبانيا وشرفها، اتخذت الخطوة المحتومة فى طريق لم تكن له سوى نهاية واحدة ... ولقد كان الموريسكيون بالضرورة أعداء فى الداخل، حملوا بكل وسيلة على بغض دين فرض عليهم بالقوة، وتبلورت مثله فى الظلم والاضطهاد وفظائع ديوان التحقيق، وكان من المستحيل فى ظل المؤثرات الدينية، التى غلبت على السياسة الإسبانية، أن يعامل الموريسكيون بالرفق والتسامح، وبهما فقط يمكن العمل على إرضائهم، وتحقيق رخائهم، وبث محبة النصرانية فى قلوبهم. وقد كانت كل محاولة لتلطيف الموقف، تزيده سوءاً حتى غدوا إغراء دائماً لاتصال كل عدو من الخارج، ومثاراً دائماً لجزع السياسة الإسبانية. فلما اضمحلت قوة اسبانيا، وفقد حكامها الثقة بالنفس، لم يكن ثمة بد من أن يتوج قرن من الغدر والظلم، بالنفى والإبعاد. وقلما يقدم لنا التاريخ مثلا، كوفئت فيه السيئة وأمثالها، وطمت كوارثه، كذلك الذى ترتب على جهود الكردينال خمنيس بما يطبعها من تعصب مضطرم".
ثم يقول: "على أنه مهما كان من فداحة الضربة، فقد كان الميسور تداركها بسرعة لو أن اسبانيا كانت تملك الحيوية القوية، التى مكنت أمماً أخرى من أن تنهض من كوارث أشد. إن انحلال اسبانيا لا يرجع فقط إلى خسارتها لجزء من السكان، بنفى اليهود والعرب المتنصرين، فقد كان من المستطاع أن تعوض هذه الخسارة؛ ولكن الخطب يرجع إلى أن اليهود والعرب المتنصرين كانوا من الناحية الإقتصادية أقيم عنصر بين سكانها، وكان نشاطهم معيناً لحياة الآخرين، وبينما كانت أمم أوربا الأخرى تنهض وتسير إلى الأمام فى مضمار التقدم، كانت اسبانيا، وشعارها أن تضحى كل شىء فى سبيل الوحدة الدينية، تنحدر سراعاً إلى غمر البؤس والشقاء، وتغدو جنة للأحبار والقساوسة، وعمال ديوان التحقيق، تخمد
(5/428)

فيها كل نزعة إلى الرقى العقلى، وتقطع فيها كل صلة مع العالم الخارجى، ويشل فيها كل جهد يبذل فى سبيل التقدم المادى. وقد كان من العبث أن تنهمر ثروات العالم الجديد، إلى أيدى شعب لا تقل مواهبه الطبيعية عن أى شعب آخر، وإلى أرض كانت مواردها عظيمة، مثلما كانت حينما جعلتها براعة العرب ونشاطهم فى طليعة الأمم الأوربية ازدهاراً. ومهما كانت قيمة الخدمات التى أدتها إيسابيلا الكاثوليكية والكردينال خمنيس، فإن السيئ فى عملهما يفوق الحسن، لأنهما علما الأمة أن الوحدة الدينية هى أول غاية يجب تحقيقها، وقد ضحت فى سبيل هذه الغاية برخائها المادى ورقيها العقلى" (1).
وأخيراً يجمل الدكتور لى خلاصة بحثه المستفيض فى مأساة المويسكيين فى هذه العبارة الموجزة القوية؛ "إن تاريخ الموريسكيين لا يتضمن فقط مأساة تثير أبلغ عطف، ولكنه أيضاً خلاصة لجميع الأخطاء والأهواء، التى اتحدت لتنحدر باسبانيا فى زهاء قرن، من عظمتها أيام شارل الخامس إلى ذلتها فى عصر كارلوس الثانى" (2).
ويقول العلامة سكوت: "لقد كانت نتائج هذه الجريمة التى ارتكبت ضد الحضارة، سواء البعيد منها والمباشر، ضربة لاسبانيا. فقد عصفت بموارد عيشها، ودفع بها القحط إلى الخراب، وأضحى من الضرورة أن تمد الحكومة يد الغوث إلى كثير من الأسر النبيلة، التى أودى بثرواتها تصرف العرش الانتحارى، وخيم الصمت والوجوم على مناطق شاسعة، كان يغمرها الخصب الأخضر، وظهر اللصوص والخوارج على القانون مكان الزراع والصناع، وحل الجزاء المروع عقب مأساة لم تقدم على مثلها لحسن الطالع أية أمة أخرى، مأساة أنزلت منذ وقوعها بالأمة التى ارتكبت فظائعها، كل صنوف الدمار والويل حتى الجبل الأخضر" (3).
ويمكن أن نلخص رأى النقد الإسبانى المعاصر فيما سمعته من العلامة الأستاذ مننديث بيدال، أعظم المؤرخين والنقدة الإسبان فى عصرنا، فقد حدثته وأنا بمدريد عن قضية الموريسكيين ونفيهم، فأدلى إلىّ بالآراء الآتية:
"لا ريب أن اسبانيا قد منيت من جراء نفى الموريسكيين بخسارة مادية لأنها
_______
(1) Dr. Lea: The Moriscos ; p. 395 -397 & 399 - 401
(2) Lea: The Moriscos, p. V.
(3) Scott: The Moorish Empire in Europe ; V. III. p. 328
(5/429)

خسرت بإخراجهم شعباً مجدًّا عاملا بارعاً فى الزراعة والصناعة، ولكن الواقع أن حركة الإنقلاب البروتستانتى حملت اسبانيا على أن تتبع من جانبها سياسة كاثوليكية شديدة، وكان من جراء ذلك أن اشتدت فى معاملة الموريسكيين، ويمكن أن نصف هذه السياسة بأنها كانت عنيفة مغرقة.
ولم يكن نفى الموريسكيين خطوة موفقة، وكان أيضاً من آثار الحركة الرجعية الكاثوليكية. وما كان ملك قوى مثل فيليب الثانى ليقدم على اتخاذ مثل هذه الخطوة، ولكن ولده فيليب الثالث كان ملكاً ضعيفاً يعوزه الذكاء والحصافة. وقد غلبت السياسة الدينية والكنسية فى هذه المسألة. ويبدو خطأ هذه السياسة بالأخص من الناحية العنصرية، فإن العلامة ربيرا يعتقد أن الموريسكيين كان نصفهم على الأقل من الإسبان الخلص الذين اعتنقوا الإسلام فى عهود مختلفة، ثم أرغموا على التنصير بعد سقوط غرناطة وصاروا موريسكيين.
ويسلم الأستاذ بيدال بأن نفى الموريسكيين كان من عوامل انحلال اسبانيا، ولكنه يرى من البالغة أن يقال إنه السبب الرئيسى لهذا الانحلال. ثم يقول: "الواقع أن هذه مسألة معقدة، وأعتقد أن من أهم أسباب انحلال اسبانيا، عنف السياسة الكنسية المناهضة لحركة الإصلاح الدينى - البروتستانتية - وهو عنف لم يقع مثله فى أى بلد أوربى آخر بل انفردت به اسبانيا والكنيسة الإسبانية".
ويبدى دى مارليس الذى اتخذ مؤلف كوندى أساساً لكتابه عن "تاريخ دولة المسلمين فى اسبانيا والبرتغال" حماسة فى تقدير تراث الأمة الأندلسية وما أصاب اسبانيا من جراء القضاء عليها، ويعلق فى خاتمة تاريخه على مأساة الموريسكيين فى تلك العبارات الشعرية المؤثرة:
"وهكذا اختفى من الأرض الإسبانية إلى الأبد ذلك الشعب الباسل اليقظ الذكى المستنير، الذى أحيى بهمته وجِدّه تلك الأراضى، التى أسلمتها كبرياء القوط الخاملة إلى الجدب، فدر عليها الرخاء والفيض، واحتفر لها عديد القنوات، ذلك الشعب الذى أحاطت شجاعته الفياضة فى السعود والشدائد معاً، عرش الخلفاء بسياج من البأس، والذى أقامت عبقريته بالمران والتقدم والدرس، فى مدنه صرحاً خالداً من الأنوار، التى كان ضوؤها المنبعث ينير أوربا، ويبث فيها شغف العلم والعرفان، والذى كان روحه الشهم يطبع كل أعماله بطابع لا نظير له من العظمة والنبل، ويسبغ عليه فى نظر الخلف، لوناً غامضاً من العظمة الخارقة، ودهاناً سحرياً
(5/430)

من البطولة، يذكرنا بعصور هومير السحرية، ويقدم لنا فيهم أنصاف آلهة اليونان، ولكن شيئاً لا يدوم فى هذا العالم. فإن هذا الشعب قاهر القوط، الذى كان يبدو أنه صائر خلال القرون، إلى أقصى الأجيال، قد ذهب ذهاب الأشباح، وعبثاً يسائل اليوم السائح الفريد، قفار الأندلس المحزنة، التى كان يعمرها من قبل شعب غنى منعم. ظهر العرب فجأة فى اسبانيا، كالقبس الذى يشق عباب الهواء بضوئه، وينشر لهبه فى جنبات الأفق، ثم يغيض سريعاً فى عالم العدم، ظهروا فى اسبانيا فملأوها فجأة بنشاطهم وثمار براعتهم، وأظلها كوكب من المجد شملها من البرنيه إلى صخرة طارق، ومن المحيط إلى شواطىء برشلونة. ولكن هوى يضطرم إلى الحرية والاستقلال، وخلقاً متقلباً يميل إلى الخفة والمرح، ونسيان الفضائل القديمة، وميل نكد إلى التمرد والثورة، يثيره دائماً خيال ملتهب، وشهوات وأطماع عنيفة، ونزعة إلى التغلب وغيرها، من عوامل الاضمحلال، قد عملت شيئاً فشيئاً، على هدم ذلك الصرح العتيد، الذى شاده رجال كطارق وعبد الرحمن الناصر ومحمد بن الأحمر، وأفضت بالعرب إلى خلافات داخلية، فلّت من بأسهم وحملتهم إلى هاوية الفناء.
خرج ملايين العرب من اسبانيا، حاملين أموالهم وفنونهم، ثروات الدولة، فماذا أنشأ الإسبان مكانهم؟ لا نستطيع أن نجيب، بشىء، إلا أن حزناً خالداً يغمر هذه الأرض، التى كانت من قبل تتنفس فيها أبهج الطبائع. أن ثمة بعض الآثار المشوهة ما زالت تقوم فى هذه البقاع الموحشة، ولكن صرخة حقيقية تدوى من أعماق هذه الأطلال الدارسة: الشرف والمجد العربى المغلوب، والانحلال والبؤس للإسبانى الظافر" (1).
ويقول الأستاذ لاين بول فى مقدمة كتابه عن "العرب فى اسبانيا"؛ "لبثت اسبانيا فى يد المسلمين ثمانية قرون، وضوء حضارتها الزاهرة يبهر أوربا، وازدهرت بقاعها الخصبة بمجهود الفاتحين، وأنشئت المدائن العظيمة فى سهول الوادى الكبير، فلم يبق ثمة ما يذكرنا بماضيها المجيد، سوى الأسماء والأسماء فقط - وتقدمت بها الآداب والعلوم والفنون، دون سائر الأمم الأوربية، ولم تثمر وتكتمل زهرة العلوم
_______
(1) De Marlès: Histoire de la Domination des Arabes et des Maures en
Espagne et Portugal (redigé sur l'Histoire de M. Joseph Condé ; V. III.
p. 404 - 406
(5/431)

الرياضية والفلكية والنباتية، والتاريخ والفلسفة والتشريع، إلا فى اسبانيا المسلمة، فكل ما يدعو إلى عظمة أمة وسعادتها، وكل ما يؤدى إلى رقى باهر وحضارة سامية، فاز به مسلمو اسبانيا.
ثم ذوت عظمة اسبانيا بسقوط غرناطة. وقد سطعت لمدى قصير أشعة من ضوء الحضارة العربية، فوق الأرض التى كان ينعشها بحرارته. ثم تضاءلت عظمة عصور فرناندو وإيسابيلا، وشارل الخامس، وفيليب الثانى، وكلومبوس وكورتيس وبيثارو، لتموت بموتها دولة عظيمة. ثم خفقت أعلام الخراب بسيادة ديوان التحقيق وسادت اسبانيا بعد ذلك ظلمة حالكة؛ فأصبح لا يعرف الأطباء بأرض كانت علومها منيرة إلا بالجهل والقصور ... وقضى على فنون إشبيلية وطليطلة وألمرية وعفت صناعاتها؛ وسحقت المعاهد العامة حتى تزول بزوالها آثار الإسلام، وخربت المدائن الكبيرة، وذوت نضرة الوديان الخصبة، فحل البؤساء والدهماء واللصوص مكان الطلاب والتجار والفرسان: ذلك مبلغ انحطاط اسبانيا يعد إقصائها للعرب، وهكذا يبدو البون شاسعاً بين أدوار تاريخها" (1).
_______
(1) Lane - Poole: The Moors in Spain
(5/432)

الكتابُ الخامس
نظم الحكم والحياة الاجتماعية والفكريّة فى مملكة غرناطة
(5/433)

الفصل الأوّل
نظم الحكم فى مملكة غرناطة وخواصها الإجتماعية
مكانة الحضارة الأندلسية. ذويها عقب انهيار الخلافة. انتعاشها أيام الطوائف. ركودها أيام المرابطين وانتعاشها أيام الموحدين. بنو زهر. ابن ميمون وابن رشد. الإضطهاد الفكرى أيام الموحدين. الآداب والفنون فى هذا العهد. مملكة غرناطة وخواصها الطبيعية. دولة بنى الأحمر أو الدولة النصرية. شعارها الحكم المطلق. الوزراء الطغاة. أخطار هذا النظام. حمية الشعب الغرناطى. مناصب الحكم الرئيسية. الوزارة. خواصها ومهامها. قيادة الجيوش. الجيش والأسطول. قاضى الجماعة أو قاضى القضاة. الحسبة. صاحب الشرطة. إقليم غرناطة ومواردها. تقدم الرى والزراعة. غرس الحدائق. بسائط غرناطة. الصناعات الأندلسية. التجارة الخارجية. الموارد السلطانية. الضرائب. تكوين الأمة الأندلسية. أحوال المجتمع الأندلسى. الفروسة الأندلسية.

تعرض لنا الحضارة الأندلسية، صفحة من أجمل وأروع صحف الحضارة الإسلامية، والحضارة الإنسانية، بصفة عامة. وقد نشأت حضارة الإسلام فى الأندلس فى بيئة وظروف خاصة، واكتسبت بفعل المؤثرات التاريخية والإقليمية والاجتماعية، لونها الخاص ومميزاتها الخاصة.
وتحتل قصة الحضارة الأندلسية، فى تاريخ الحضارات الأوربية مكانة رفيعة، وتملأ فراغا كبيراً. ولكنها لم تنل مع الأسف مكانها من الرعاية والدرس فى المصادر الإسلامية، ولم تكتب حتى اليوم كتابة شافية. وأغلب ما كتب عنها فى مصادرنا، شذور ونبذ متفرقة غير متناسقة، وتراجم لأعلام التفكير والأدب لم يعن فيها بدراسة الجوانب الهامة. وإنه لمن الإسراف أن نقول، إننا نستطيع أن نستعرض هذه القصة الباهرة المتعددة النواحى، فى فصل أو فصول، من سفر يخصص لكتابة تاريخ المراحل الأخيرة، من حياة الأمة الأندلسية. على أننا سوف نحاول مع ذلك أن نستعرض صور الحضارة الأندلسية فى ظل مملكة غرناطة، استكمالا لموضوعنا، وأن نلقى بذلك شيئاً من الضياء على النظم والأحوال، التى عاشت فى ظلها الأمة الأندلسية فى مراحلها الأخيرة، وما انتهت إليه فى ميدان التفكير والآداب والفنون
(5/434)

وكما أن مصادرنا الإسلامية فى هذا القسم من تاريخ الأندلس قليلة ضنينة، فهى كذلك بالنسبة لصور الحضارة الأندلسية، وقد هلكت معظم الآثار والوثائق الأندلسية المتعلقة بهذا العصر، كما رأينا على يد الإسبان، ولم يسعفنا فى ذلك سوى بعض الآثار القليلة الباقية، التى نجت من المحنة، ولاسيما آثار ابن الخطيب، وما نقله إلينا المقرى عن آثار ووثائق ضاعت، وكان له فضل إيصالها إلينا.

...
وإذا كان تاريخ الأندلس السياسى، يقدم إلينا صوره المتباينة، من الإضطرام والركود، والقوة والضعف، فكذا شأن الحضارة الأندلسية. فقد وصلت فى ظل الخلافة الأموية فى عهد عبد الرحمن الناصر وولده الحكم المستنصر، حينما وصلت الدولة الإسلامية إلى أوج سلطانها السياسى، إلى ذروة القوة والبهاء، وإن لم تصل يومئذ إلى ذروة نضجها الفكرى. ولما انهارت الخلافة الأموية، واضمحلت النظم السياسية والاجتماعية، وسادت الثورة والفوضى أرجاء الأندلس، وهلكت معظم الآثار العمرانية والفكرية فى غمر الفتنة، ذوت الحضارة الأندلسية مدى حين، حتى قامت دول الطوائف فوق أنقاض الدولة الأموية، واستطاعت بالرغم من صغرها، وتنافسها وتطاحنها فى ميدان الحرب، أن تعيد لمحة من بهاء الدولة الإسلامية، وسطعت آيات الحضارة الأندلسية فى قصورها ومنشآتها، وفى مجتمعاتها، وأينعت فى ظلها دولة التفكير والأدب، وعرفت الأندلس فى هذه الحقبة المضطربة من تاريخها، طائفة من أعظم مفكريها وأدبائها وشعرائها، مثل الفيلسوف ابن حزم المتوفى سنة 456 هـ (1064 م) وابن حيان أعظم مؤرخى الأندلس، وقد توفى سنة 469 هـ (1076 م)، وتلميذه الحميدى المتوفى سنة 488 هـ (1095 م). ومن الأدباء والشعراء، ابن زيدون المتوفى سنة 462 هـ (1069 م)، وابن عبدون المتوفى سنة 520 هـ (1126 م) وعشرات آخرين من الكتاب والشعراء، يقدمهم إلينا الفتح بن خاقان فى مؤلفه "قلائد العقيان". بل لقد كان ملوك الطوائف أنفسهم فى طليعة العلماء والأدباء والشعراء، مثل الأمير العالم عمر بن الأفطس صاحب بطليوس، والشاعرين الكبيرين، المعتمد بن عباد صاحب إشبيلية، والمعتصم بن صمادح صاحب ألمرية (1). ولكن
_______
(1) توفى ابن الأفطس قتيلا بيد المرابطين سنة 488 هـ، وتوفى ابن عباد فى الأسر بالمغرب فى شوال سنة 488 هـ؛ وتوفى المعتصم بن صمادح فى سنة 484 هـ
(5/435)

سرعان ما انكمشت هذه النهضة الفكرية والأدبية الزاهرة، عقب مصرع دول الطوائف، واستيلاء المرابطين على الأندلس فى سنة 484 هـ (1901 م). وكان أولئك البربر الصحراويون قوماً غلاظاً، يؤثرون مهاد الجندية والخشونة، وتغلب عليهم الأفكار الرجعية العتيقة، لم تأخذهم مظاهر الحضارة الأندلسية المصقولة، ولم تكن -إذا اسثنينا العلوم الدينية- تهزهم أصداء الشعر والآداب الرفيعة، اللهم إلا ما كان من حشدهم لبعض أكابر الكتاب الأندلسيين فى البلاط المرابطى، ليكونوا ترجمانا للدولة. وحتى العلوم الدينية كانت تدرس فى ظلهم فى إطار خاص يغلب فيه علم الفروع على الأصول، ومن ثم فقد طوردت فى ظلهم -فضلا عن الكتب الفلسفية والعلمية- كتب الأصول المشرقية، وفى مقدمتها كتب الغزالى. وترتب على ذلك أن ركدت فى ظلهم دولة التفكير والأدب وذَوَى بهاء الحضارة الأندلسية. أجل، سطعت فى ظل دولتهم القصيرة الأمد، فى ميدان التفكير الأندلسى، جمهرة من الشخصيات اللامعة من حفاظ وكتاب وشعراء، وعلماء، مثل الحافظ ابن الجد الفهرى المتوفى سنة 515 هـ (1121 م)، وأبو عبد الله بن أبى الخصال المتوفى سنة 540 هـ (1145 م)، وأبو بكر الصيرفى المتوفى سنة 570 هـ (1174 م). وأبو بكر الطرطوشى الفيلسوف السياسى المتوفى سنة 520 هـ (1126 م)، صاحب كتاب "سراج الملوك"، والفتح ابن خاقان المتوفى سنة 535 هـ (1140 م)، وابن بسام الشنترينى صاحب "الذخيرة" المتوفى سنة 542 هـ (1147 م)، وابن قزمان أمير الزجل الأندلسى المتوفى سنة 555 هـ (1160 م)، ومن العلماء أبو القاسم خلف بن عباس القرطبى الطبيب الأشهر المتوفى سنة 519 هـ (1122 م)، وابن باجة الطبيب الفيلسوف المتوفى سنة 533 هـ (1138 م) - وهو المعروف باللاتينية باسم Avempace.
ولكن ظهور هؤلاء وأضرابهم فى هذه الفترة، لم يكن إلا أثراً من آثار النهضة الفكرية والأدبية فى ظل دول الطوائف (1).
وفى ظل دولة الموحدين، التى خلفت دولة المرابطين فى حكم الأندلس، انتعشت الحضارة الأندلسية والتفكير الأندلسى. وقد نشأ الموحدون كالمرابطين فى مهاد الخشونة والتقشف، ولكنهم كانوا أوسع أفقاً، وأكثر قبولا لثمار التمدن.
_______
(1) تناولنا سير الحركة الفكرية الأندلسية خلال العهد المرابطى بتفصيل واف فى كتابنا "عصر المرابطين والموحدين فى المغرب والأندلس" (القسم الأول) ص 438 - 474
(5/436)

وكان لدولتهم بالأخص صبغة علمية دينية، إذ كان مؤسسها المهدى ابن تومرت، من أئمة التفكير الدينى. وأبدى خلفاؤه عبد المؤمن وبنوه اهتماماً بالعلوم والفنون، وأطلقت حرية التفكير والبحث، وكانت قد صفدت فى عهد المرابطين، وأفرج عن كتب الغزالى وغيره من مفكرى المشرق، وكانت قد طوردت ومنعت فى أيامهم بالمغرب والأندلس. وفى تلك الفترة بالذات أعنى فى أواخر القرن السادس وأوائل القرن السابع الهجرى، بلغ التفكير الأندلسى ذروة النضج، وتفجرت ينابيع النبوغ، وظهرت طائفة من أعظم أقطاب العلم والأدب. وكان فى طليعة أقطاب العلم فى هذا العصر، بنو زهر الإشبيليون، وعميدهم الوزير والطبيب الأشهر أبو العلاء زهر ابن عبد الملك بن زهر، ثم ولده أبو مروان عبد الملك بن زهر المتوفى سنة 557 هـ (1161 م)، وهو المعروف باللاتينية باسم Avenzoar. ويعتبر ابن زهر أعظم طبيب ومشخص فى العصور الوسطى بعد أبى بكر الرازى، ويعتبره ابن رشد أعظم طبيب بعد جالينوس، ويعتبر كتابه "التيسير" من أعظم مراجع الطب فى العصور الوسطى، وكان لمؤلفاته التى ترجمت كغيرها إلى اللاتينية فى عصر مبكر، أثر عظيم فى سير البحوث الطبية فى أوربا، وخلفه فى مهنته ولده الطبيب الأشهر أبو بكر بن زهر، وحظى لدى حكومة الموحدين، وتوفى سنة 595 هـ (1198 م). وظهر إلى جانب هؤلاء عدة من أقطاب الفلاسفة، مثل أبى بكر ابن طفيل الوادى آشى، المتوفى سنة 581 هـ (1185 م)، وهو صاحب رسالة حى بن يقظان الشهيرة، والإمام الفيلسوف أبى الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبى، المتوفى سنة 594 هـ (1198 م). والرئيس موسى بن ميمون اليهودى القرطبى، المتوفى سنة 602 هـ (1205 م).
وفى حياة ابن ميمون وابن رشد بالأخص، ما يمثل لنا طرفاً من سياسة الموحدين تجاه التفكير، وترددها بين التسامح والإضطهاد. فقد كان ابن ميمون من أعظم الأطباء والفلاسفة فى عصره، ولكنه اضطهد ليهوديته خلال الإضطهاد العام، الذى لقيه اليهود فى ظل عبد المؤمن خليفة الموحدين، فغادر الأندلس إلى المشرق، ونزل بمصر وخدم بلاطها، وعين طبيباً خاصاً للسلطان صلاح الدين، وندب للتدريس بالقاهرة. وقد كان ابن رشد بلا ريب أعظم فلاسفة الإسلام ومفكريه فى ذلك العصر، ولد بقرطبة سنة 520 هـ (1126 م) واتصل منذ فتوته بأبى يوسف يعقوب ابن عبد المؤمن، المشرف على شئون الأندلس، وكان الأمير مثل أبيه يجمع حوله
(5/437)

أعلام المفكرين والعلماء؛ وبرع ابن رشد فى الفقه والطب والفلسفة، وتولى قضاء إشبيلية فى سنة 565 هـ، ثم ولى قضاء قرطبة، واستمر زهاء خمسة وعشرين عاماً، يتقلب فى مناصب القضاء والإدارة، فى ظل حكومة الموحدين بالأندلس والمغرب، وتولى أثناء ذلك منصب الطبيب الخاص للخليفة أبى يعقوب يوسف، ثم لولده الخليفة يعقوب المنصور بعد وفاته. واتهمه بعض خصومه بالزندقة والخروج على شريعة الإسلام، فأمر الخليفة المنصور بنفيه إلى بلدة اليسّانة على مقربة من غرناطة، وفرضت عليه رقابة شديدة، ثم عفا عنه واسترد مكانته فى أواخر حياته، واستدعى ثانية إلى مراكش، وهنالك توفى بعد قليل فى سنة 595 هـ (1198 م). وأعظم آثار ابن رشد هو شروحه لفلسفة أرسطو، فى المنطق وما وراء الطبيعة، وقد ترجمت إلى اللاتينية منذ القرن الثالث عشر، وكانت مفتاح الدراسات الأرسطوطالية فى العصور الوسطى. وقد كان يغمرها الغموض والحلك، قبل أن يتصدى ابن رشد لشرحها. وغدت شروح ابن رشد فى الوقت نفسه أساساً لكثير من المباحث الفلسفية، التى ازدهرت أيام حركة الإحياء الأوربى. بل يرى مؤرخو الفلسفة، أن الفلسفة الجدلية الأوربية استمدت من العرب والفلسفة العربية، أكثر مما استمدت من قسطنطينية التى كانت مستودعاً لتراث الفلسفة اليونانية. وكتب ابن رشد فى الطب مؤلفه "الكليات" وهو من أهم الآثار الطبية فى العصور الوسطى، وقد ترجم إلى اللاتينية وغيرها من اللغات الأوربية منذ القرن الثالث عشر ولابن رشد طائفة كثيرة أخرى من الرسائل والبحوث الفلسفية والكلامية.
وكانت الفلسفة على الأغلب علماً خطراً فى ظل حكومة الموحدين، وقد رأيت ما كان من اضطهاد ابن رشد ونفيه وسبب آرائه الفلسفية، وقد كان من ضحايا هذا الإضطهاد، فى هذا العصر، مفكر أندلسى آخر هو ابن حبيب الإشبيلى، الذى اتهم بالزندقة بسبب آرائه الفلسفية، أيام المأمون بن المنصور، وقتل لهذا السبب (1).
وهكذا كانت الفلسفة أيام الموحدين قرينة الإلحاد والزندقة، وكانت خطراً يجتنبه كثير من مفكرى العصر.
وظهرت فى تلك الفترة، إلى جانب هؤلاء العلماء، جمهرة من أقطاب الرواية والأدب، مثل أبى القاسم خلف بن بشكوال القرطبى المتوفى سنة 578 هـ، (1183 م)، وهو مؤلف كتاب الصلة الذى ذيل به على كتاب علماء الأندلس
_______
(1) نفح الطيب ج 2 ص 138
(5/438)

لابن الفرضى (1) وابن بدرون الإشبيلى المتوفى فى فاتحة القرن السابع، وهو شارح قصيدة ابن عبدون الشهيرة فى رثاء بنى الأفطس، وابن الصابونى الصدفى الإشبيلى الشاعر، المتوفى فى سنة 604 هـ (1207 م)، وقد قال ابن الأبار فى حقه "ذهبت الآداب بذهابه، وختمت الأندلس شعراءها".
وازدهرت المعاهد العلمية أيام الموحدين بالمغرب والأندلس، وكانت المعاهد الأندلسية فى إشبيلية وقرطبة وغرناطة وبلنسية ومرسية، يومئذ مجمع العلوم والمعارف الرفيعة فى تلك العصور، وكانت مقصد الطلاب من كل فج، وكانت مزودة بالمكتبات التى تضم أنفس الكتب والمصنفات، فى مختلف العلوم والفنون (2).
وعنى الموحدون أيضاً برعاية الفنون، وأقيمت فى عهدهم فى معظم قواعد الأندلس، طائفة من المساجد والصروح العظيمة، التى تمتاز بجمالها الفنى. وكان يعقوب المنصور حفيد عبد المؤمن، من أشدهم شغفاً بالمنشآت الفخمة، ومن آثاره الشهيرة بالأندلس مسجد إشبيلية الجامع ومنارته العظيمة التى بقيت إلى اليوم وحوّلها الإسبان إلى برج الأجراس لكنيسة إشبيلية العظمى التى بنيت مكان الجامع، وهى من أروع الآثار الأندلسية الباقية، ويطلق عليها الإسبان اسم "لاخيرالدا" La Giralda
وكذلك تقدمت الزراعة والصناعة والتجارة فى عهد الموحدين، وازدهرت الزراعة بنوع خاص، وارتقت أساليبها الفنية، وتنوعت المحاصيل وانتشرت زراعة الفاكهة، فى أحواز بلنسية وإشبيلية، وتقدمت الصناعات الحربية والمدنية، ولاسيما صناعة الأقمشة الممتازة، والصناعات الجلدية، وصناعة الورق وغيرها.
وازدهرت التجارة وعم الرخاء. وكانت ثغور الأندلس مثل بلنسية ودانية وإشبيلية وألمرية ومالقة، من أعظم مراكز التجارة الخارجية فى هذا العصر.
ولما اضمحل شأن الموحدين، وضعف أمرهم بالمغرب والأندلس، فى أوائل القرن السابع الهجرى، واجتاحت الثورة معظم القواعد والثغور الأندلسية، ونهض المتغلبون يتنافسون فى اجتناب أسلاب الدولة الذاهبة، شعرت اسبانيا النصرانية بدنو الفرصة السانحة، لاقتطاع ما يمكن اقتطاعه من أطراف الأندلس الممزقة.
_______
(1) وقد نشر ضمن المكتبة الأندلسية فى مجلدين طبع مدريد فى سنة 1883.
(2) تناولنا سير الحركة الفكرية الأندلسية فى عصر الموحدين بتفصيل واف فى كتابنا "عصر إلمرابطين والموحدين" (القسم الثانى) ص 644 - 726
(5/439)

وبدأت قواعد الأندلس التالدة، تسقط تباعاً فى يد النصارى. وشغلت الأندلس يمحنتها الغامرة، وانصرفت إلى متابعة الجهاد، ومدافعة المغيرين عليها بكل ما وسعت، فانكمشت فنون السلم، وتضاءلت دولة التفكير والأدب، وإن كانت المحنة قد أذكت لوعة الشعر، وبعثت إلينا بطائفة جمة من أروع المراثى، التى ما زالت تحتفظ إلى يومنا بكثير من قوتها وروعتها.

- 2 -
وانجلت الفتن الداخلية، وانجلى الصراع بين اسبانيا المسلمة واسبانيا النصرانية بعد نحو ثلث قرن، عن سقوط معظم القواعد الأندلسية التالدة، مثل قرطبة وإشبيلية وبلنسية ومرسية وجيان وغيرها، فى أيدى النصارى، وانكمشت رقعة الأندلس تباعاً، وانحصرت فى الركن الجنوبى الغربى للمملكة الإسلامية القديمة، فى مملكة غرناطة الصغيرة، التى برزت من غمر الفوضى، واستقرت فى رقعتها المتواضعة، بين نهر الوادى الكبير والبحر، وهرعت إليها معظم الأسر الأندلسية القديمة، التى أبت التدجن والبقاء فى ظل حكم النصارى، ولم يمض سوى قليل، حتى غدت مستودع تراث الأئدلس القومى والسياسى، ومستودع الحضارة الأندلسية والتفكير الأندلسى.
وكانت مملكة غرناطة، بالرغم من صغرها وانكماش رقعتها، تضم ثروات عظيمة من الموارد الطبيعية، فإلى جانب وديانها الخصبة النضرة التى تغص بالبسائط الخضراء والجنات الفيحاء، والتى تجود بها الحبوب والكروم والزيتون والفواكه وغيرها، توجد الجبال الوعرة تخترقها من كل صوب، وبها الكثير من الثروات المعدنية، ومن بينها الذهب والفضة والرصاص والحديد (1). وتفيض الأنهار والنهيرات العديدة على بسائطها الماء الغزير. وكانت ثغورها وهى ثغور الأندلس الجنوبية، ولاسيما مالقة وألمرية، من أغنى الثغور الإسبانية وأزخرها بالحركة التجارية، وكانت ولاية غرناطة وحدها تضم من البلاد والقرى العامرة نيفاً ومائة بلدة وقرية ذكرها لنا ابن الخطيب، وقد دثر الكثير منها اليوم (2). أما غرناطة عاصمة المملكة، فقد غدت عقب سقوط القواعد الأندلسية الأخرى فى يد النصارى، أعظم القواعد الأندلسية الباقية، وأغناها وأكثرها ازدحاماً بالسكان. وكانت بحمرائها المطلة عليها من ربوتها المنيعة، وشوارعها الزاخرة، وميادينها الفسيحة، وقصورها
_______
(1) الإحاطة فى أخبار غرناطة (القاهرة 1956) ج 1 ص 104.
(2) الإحاطة، ج 1 ص 133 - 138
(5/440)

البديعة، وحدائقها ومتنزهاتها اليانعة، من أجمل مدن العصور الوسطى. وكانت غاية فى الحصانة، سواء بموقعها الطبيعى، أو بأسوارها الكثيفة، التى يتخللها ألف وثلاثمائة برج منيع، وكانت تضم فى أيامها الزاهرة من السكان مع أرباضها وضواحيها زهاء نصف مليون من الأنفس، وذلك بما تقاطر عليها من سيل المهاجرين من المدن الأندلسية الأخرى. وكان بوسع العاصمة وقت الحرب، أن تعبىء وحدها زهاء خمسين ألف مقاتل، وكانت أبهاء قصر الحمراء تتسع وحدها لأربعين ألف رجل (1).
وقد رأينا كيف نشأت مملكة غرناطة، على يد رجل ذى عبقرية هادئة، ولكن واسعة الأفق، هو محمد بن الأحمر، زعيم بنى نصر، وكيف استمر أعقابه يتوارثون عرش غرناطة أكثر من قرنين، حتى سقطت فى أيدى النصارى. وتسمى دولتهم بالدولة النصرية أو دولة بنى الأحمر، وقد تسمى زعيمهم ومؤسس دولتهم بأمير المسلمين، وهو اللقب الذى كان يتسم به ملوك العدوة (المغرب) فى تلك العصور، وغلب هذا اللقب على سلاطين غرناطة حتى نهاية دولتهم، وكان يقرن فى أحيان كثيرة بلقب "الغالب بالله".
وكان ملوك بنى نصر، كسائر ملوك العصور الوسطى، يدينون بمبدأ الحكم المطلق، ولا يرون له بديلا. على أنه فى وقت الخطر العام والأحداث الخطيرة، كان السلطان يستعين برأى الزعماء والقادة ذوى العصبية والتوجيه. وكان السلطان يستأثر بكل سلطة حقيقية، ويباشر مهام الأمور بنفسه، إلا فى فترات قليلة يستأثر بالسلطة فيها وزير قوى، كما حدث فى عهد السلطان أبى عبد الله محمد الملقب بالمخلوع (701 - 708 هـ)، حيث استأثر بالحكم وزيره أبو عبد الله ابن الحكيم اللخمى. وعهد السلطان أبى عبد الله محمد بن اسماعيل (725 - 733 هـ)، حيث استبد بالحكم دونه وزيره ابن المحروق، وعهد أخيه السلطان أبى الحجاج يوسف (733 - 755 هـ) حيث استبد بالحكم الحاجب أبو النعيم رضوان، ثم فى عهد السلطان الغنى بالله (755 - 793 هـ) حيث استبد بالحكم حيناً وزيره ابن الخطيب.
وكان نظام الطغيان الذى يفرضه الوزير المتغلب، ينتهى فى كل مرة بانقلاب عنيف، ويستعيد السلطان سلطته الحقيقية، فى غمرة من الحوادث الدموية.
وكان هذا النظام المطلق الذى يسود حكومة غرناطة، يؤدى إلى نشوب الثورة
_______
(1) Prescott: (Cit, Zurita) : Ferdinand and Isabella ; p. 189
(5/441)

فى أحيان كثيرة، ويذكى من عواملها فى الوقت نفسه، تطاحن الأحزاب فى البلاط والجيش. وكان هذا النظام يتطور أحياناً فى ظل الملوك الضعاف إلى نوع من الإقطاع، ويستأثر بعض الزعماء الأقوياء والأسر ذات العصبية، بحكم المدن والثغور وكان الشعب الغرناطى سريع التقلب والغضب، يأخذ فى الثورات والإنقلابات السياسية بأعظم قسط.
وكانت مناصب الحكم الرئيسية فى حكومة غرناطة، تنحصر فى الوزارة وقيادة الجيوش والقضاء. فأما الوزارة فكانت تسند غالباً إلى أحد الأعلام من رجال القلم، وبين وزراء الدولة النصرية ثبت حافل من هؤلاء، مئل ابن الحكيم اللخمى، وابن الجياب، وابن الخطيب، وتلميذه ابن زمرك، وكلهم من أقطاب الكتابة والشعر. وكانت مهام الوزارة تتلخص فى أن يتلقى الوزير أوامر السلطان، ويعمل على تنفيذها، ويقوم بتوزيع مختلف الأعمال على أرباب المناصب، ويعنى بتحرير المكاتبات السلطانية، وصياغة المراسيم، وكان أكابر الكتاب من الوزراء يجدون فى هذه المهمة بالذات مجالا لعرض براعتهم النثرية والتحريرية. ولدينا فى مختلف الرسائل التى تركها لنا ابن الخطيب أروع نماذج للرسائل السلطانية التى تمتاز بأسلوبها العالى، وبيانها القوى (1)، وكان الوزير فى بعض الأحيان يقوم بقيادة الجيش، ويسير على رأسه للغزو، كما حدث أيام الحاجب رضوان، وأحياناً يتولى الوزير مهام السلطنة فى غياب السلطان، كما حدث أيام ابن الخطب، حيث كان ينوب عن السلطان حين تغيبه فى الغزو. وقد أسبغ على ابن الخطيب أيام وزارته لقب "ذى الوزارتين"، وهو لقب لم يحمله فى ظل الدولة النصرية سواه وابن الحكيم الرندى وزير السلطان محمد المخلوع، ويترتب عليه أن يتمتع الوزير بمقام الرياسة العليا ويغدو فى مرتبة "الحاجب"، ويتناول ضعف مخصصاته. ولم يحمل من وزراء الدولة النصرية لقب الحاجب سوى الحاجب رضوان، وزير السلطان يوسف أبى الحجاج. وكان الوزير يستعين بطائفة من "الكتاب" لتنفيذ مختلف المهام. والسلطان كاتب سر أو أمين خاص. وكثيراً ما يرتقى "الكاتب" إلى منصب الوزير.
والخلاصة أن الوزير كان رأس السلطة التنفيذية الحقيقية، وهو الذى يشرف سواء
_______
(1) وقد أورد ابن الخطيب عدداً كبيراً منها فى كتابه، "ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب" وهو ما يزال مخطوطاً
(5/442)

بطريقة مباشرة أو بتوجيه سلطانه القوى، على تصريف شئون المملكة، وتوجيه سياستها الداخلية والخارجية.
وأما قيادة الجيوش، فكانت أهم المناصب فى دولة تواجه إغارة العدو على أراضيها باستمرار. وكان يختص بهذا المنصب الخطير، منذ أواخر القرن السابع الهجرى أسرة بنى العلاء، أحد بطون بنى مرين ملوك العدوة، وكان توليهم لقيادة الجيوش الأندلسية، نتيجة للتحالف التى توثقت أواصره بين بنى الأحمر وبنى مرين عصراً (1). وقد اشتهر أولئك القواد المغاربة بالبراعة والشجاعة، وكانت لهم فى ميادين الحرب والجهاد مواقف مشهورة. وكان المتولى لمنصب القيادة العامة يلقب بشيخ الغزاة، وكانت الجنود المغربية عنصراً بارزاً فى الجيش الأندلسى، وقد تخلفت بالأندلس منذ أيام المرابطين والموحدين جموع كثيرة من البربر (2). وكانوا لبداوتهم وخشونتهم يؤثرون الحياة العسكرية على الحياة المدنية، وقد زاد عددهم بالأخص أيام عبور الجيوش المرينية إلى الأندلس. وبالرغم مما أداه القواد والجند المغاربة لمملكة غرناطة، من الخدمات الجليلة فى ميدان الحرب، فقد كانوا أحياناً خطراً على النظام والعرش، وكان لبنى العلاء شيوخ الغزاة أطماع سياسية، ظهرت خطورتها فى بعض الثورات والإنقلابات العنيفة.
وقد كانت قوة غرناطة العسكرية، فى الواقع عماد حياتها، التى استطالت أكثر من قرنين، وذلك بالرغم من القوى الجرارة المعادية، التى لبثت باستمرار ترهقها، وتستنفد مواردها.:كان الجيش الأندلسى، فضلا عما كان يزخر به من العناصر المجاهدة الباسلة، من البربر وجند البشرّات وغيرها، من المناطق الجبلية، يتمتع بكثير من المزايا البارزة، فكان يضم فرقاً من أبرع الرماة، وكان بالأخص يتفوق بفرق الفرسان، التى اشتهرت فى تلك العصور ببراعتها التى لا تبارى.
وإلى جانب ذلك كانت الطبيعة تحبو غرناطة برعايتها، وتساعدها التلال المرتفعة والمفاوز الوعرة، التى تتخللها فى كل ناحية، على شدة المقاومة، وإتقان حرب العصابات التى ترهق الجيوش المنظمة. وكانت القواعد الأندلسية، من جراء الحروب المتواصلة، قد حولت جميعها إلى قلاع منيعة، وشيدت الحصون القوية فى كل مكان يصلح للمقاومة. وكان للحاجب رضوان النصرى وزير السلطان يوسف أبى الحجاج ثم ولده الغنى بالله، فى ذلك مجهود بارز، حيث أنشأ سور غرناطة الكبير المحيط
_______
(1) راجع نفح الطيب ج 2 ص 538.
(2) راجع ص 73 من هذا الكتاب
(5/443)

بربض البيازين، وشيد سلسلة من الأبراج المنيعة أربت على أربعين، تمتد من شرق المملكة إلى غربها (1). وأهم من ذلك كله أن مسلمى الأندلس، كانوا قد وقفوا فيما يبدو على سر البارود (2)، واستعملوه منذ منتصف القرن الرابع عشر، حسبما فصلنا فى موضع سابق (3). وكان لذلك كله أثر واضح فى تمكين مملكة غرناطة الصغيرة، من الوقوف فى وجه عدوها القوي بنجاح، طيلة هذه العصور.
وكان للقوى البحرية أيضاً شأنها، فى كفاح الأندلس من أجل حياتها، وكانت مملكة غرناطة تسيطر من ثغورها الشهيرة: جبل طارق والجزيرة وطريف ومالقة، على مدخل البحر الأبيض المتوسط، وكانت أهم مهام الأسطول، بعد حماية الشواطىء والثغور، تأمين الصلة المباشرة بين مملكة غرناطة، وبين إخوانها المسلمين فيما وراء البحر فى المغرب الأقصى، وقد استطاعت الأساطيل الأندلسية والمغربية، أن تحتفظ بسيادتها فى هذه المياه عصوراً، وكان انهيار قوة غرناطة البحرية، وسقوط ثغورها فى يد النصارى، نذير السقوط النهائى.
وكان أرفع المناصب القضائية، منصب قاضى الجماعة، وهو ما يقابل فى الأندلس، منصب قاضى القضاة فى مصر الإسلامية. وقاضى الجماعة هو أيضاً قاضى الحضرة أو قاضى غرناطة، والغالب أن يجمع فى نفس الوقت بين منصبه ومنصب خطيب الحمراء، أو خطيب الجامع الأعظم (4)، وهو أيضاً من المناصب الدينية الرفيعة. وكان القضاء يجرى فى مملكة غرناطة، على مذهب الإمام مالك، وهو مذهب الأندلس المفضل منذ أواخر القرن الثانى الهجرى. وكان يجرى تعيين قاضى الجماعة "بظهير" أى مرسوم ملكى. وكانت كلمة "الظهير" هى الغالبة فى مملكة غرناطة للتعبير عن المراسيم والقوانين السلطانية، وهى ما زالت تستعمل حتى اليوم فى المغرب الأقصى، حيث يوصف الرسوم بأنه "ظهير ملكى". وكان لكل مدينة قاضيها وخطيبها، ولا يشغل مناصب القضاء سوى أكابر العلماء والفقهاء.
ويتبع القضاء وظيفة الحسبة وهى أيضاً وظيفة دينية، تقوم على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ويختص صاحبها بمطاردة المنكرات، والتعزير والتأديب على
_______
(1) الإحاطة فى أخبار غرناطة ج 1 ص 517.
(2) Prescott: Ferdinand and Isabella p. 193-194
(3) راجع ص 212 من هذا الكتاب.
(4) راجع نفح الطيب ج 3 ص 70 و 74 و 197
(5/444)

قدرها، والعمل على احترام الأحكام الشرعية، وقمع الغش والاختلاس فى المعاملات، وأمور المعيشة والمكاييل والموازين، وله أيضاً أن يحمل الناس على أداء المصالح العامة، مثل تمهيد الطرقات والإضاءة بالليل وغير ذلك.
وكان يعهد بحفظ النظام والأمن إلى متولى الشرطة، وكان يسمى أيام الدولة الأموية صاحب الشرطة، ويعتبر منصبه من أعظم المناصب القضائية والإدارية، وكان ينتخب عادة من كبار القواد أو الخاصة، ويتمتع بسلطات قضائية وإدارية واسعة. ثم سمى بعد ذلك بصاحب المدينة وصاحب الليل. وكان يعتبر فى منصبه تابعاً للوزارة، مسئولا أمامها، وكان جل اختصاصه أن يتولى حفظ النظام والأمن، ومطاردة المجرمين وأهل الفساد، وتنفيذ العقوبات الجنائية، من الحد والتعزير وغيرهما فيمن وجب عليه ذلك، وهو الذى يتولى الإتهام والتحقيق وتوقيع العقوبة، دون تدخل القاضى، ويعاونه فى مهمته جماعات من الحراس، تجوب أنحاء المدينة ليلا، وتشرف على حراسة الطرق والأمكنة وتعقب الجناة (1).

- 3 -
وقد أشرنا فيما تقدم، إلى ما كانت تتمتع به مملكة غرناطة، بالرغم من انكماش رقعتها من الموارد والثروات الطبيعية الوفيرة. وكانت الزراعة منذ أيام الدولة الأندلسية الكبرى، من أعظم موارد الأندلس، وكانت وديان اسبانيا الخصبة، التى تتخللها عدة من الأنهار العظيمة، وتربتها البديعة، وأقليمها المتقلب بين الحرارة والبرودة، تفسح أعظم مجال لشعب عامل ذكى. وكان مسلمو الأندلس من أنبغ الشعوب، فى فلاحة الأرض وتربية الماشية وغرس الحدائق، وتنظيم طرق الرى، ومعرفة أحوال الجو، وكل ما يتعلق بفنون الزراعة وخواص النبات، وكانت مزارعهم وحدائقهم مضرب الأمثال فى الجودة والنماء؛ وقد نقل العرب من المشرق وشمال إفريقية إلى اسبانيا كثيراً من الأشجار والمحاصيل، كالقطن والأرز وقصب السكر والزعفران والنخيل، وكانت بسائط شبه الجزيرة الإسبانية فى أيامهم رياضاً نضرة، وكانت غياض القمح وغابات الزيتون، وحدائق البرتقال والتوت والكروم، من أبدع ما ترى العين فى وديان الأندلس ومروجها النضرة. وأما نبوغ مسلمى الأندلس فى تنظيم وسائل الرى والصرف، واستجلاب الماء وتوزيعه بالطرق الفنية، فما زالت تشهد به آثارهم الباقية إلى الآن، فى وديان الأندلس، من القناطر والجداول الدارسة.
_______
(1) ابن خلدون: المقدمة ج 1 ص 209 و 210؛ ونفح الطيب ج 1 ص 101
(5/445)

وقد أقيمت أيام الدولة الأموية عدة من القناطر الشهيرة، وحفرت ترع ومصارف لا حصر لها، فى مختلف أنحاء اسبانيا، وكلها مما يشهد لصانعها بالمهارة والتفوق. وقد شاهدت أثناء تجوالى فى اسبانيا بعض المناطق التى ما زالت تقوم فى زراعتها على مشاريع الرى الأندلسية القديمة مثل منطقة لاردة وأحوازها ومنطقة بلنسية وأحوازها ومرسية وأحوازها. وكان لأهل الأندلس شهرة خاصة فى غرس الحدائق وتنسيقها، وقد كانت حدائق الرصافة والزهراء والزاهرة، بدائع تشهد لهم بوفرة البراعة وحسن الذوق، وكانت روعتها مستقى خصباً لخيال الشعراء والكتاب، وما زالت هذه البراعة حتى اليوم علماً على جمال الحدائق الأندلسية. وقد اتخذت فنون الزراعة على يد الأندلسيين طابعاً علمياً، وألفت فيها الكتب القيمة. وقد انتهى إلينا من آثارهم فى ذلك كتاب "الفلاحة" لابن بصال الطليطلى (القرن الحادى عشر الميلادى)، وكتاب "الفلاحة" أيضاً لتلميذه أبى زكريا ابن العوام الإشبيلى (أواخر القرن الثانى عشر)، ومؤلف ثالث فى "الفلاحة" أيضاً للطغنرى الغرناطى (1). وفى هذه الكتب كلها ما يدل على مبلغ ما وصل إليه مسلمو الأندلس من معرفة بخواص التربة، واستخراج كنوز الأرض، وطرق الرى والصرف، وأحوال الطقس وغيرها.
وكانت مملكة غرناطة بالرغم مما يتخللها من الجبال والهضاب الوعرة، تضم كثيراً من الوديان والبسائط الخصبة، وكانت ضفاف شَنيل سلسلة من البسائط الخضراء، تتخللها مئات الترع والقنوات؛ وكان المرج الشهير، الواقع غربى غرناطة La Vega، وهو الذى لبث أكثر من قرنين مسرحاً للمعارك المستمرة بين المسلمين والنصارى، بحقوله وحدائقه النضرة، كأنه قطعة من الجنان، أودعها المسلمون كل براعتهم. وكانت المحاصيل المختلفة تتعاقب طول العام، وتنتج البلاد كل ما يكفيها من الأطعمة والمؤن. وكانت مزارع الكروم الأندلسية الشهيرة، تغطى مساحات واسعة فى غرناطة ومالقة وشريش.
وكذلك ضرب مسلمو الأندلس فى الصناعة بأوفر سهم. وكانت اسبانيا المسلمة أيام قوتها، أعظم الأمم الصناعية فى أوربا؛ وكانت ثرواتها المعدنية، من الحديد والرصاص والزئبق والذهب والفضة وغيرها، تمدها بأسباب التفوق فى هذا الميدان.
_______
(1) نشركتاب "الفلاحة" لابن بصال بعناية معهد مولاى الحسن بتطوان سنة 1955، وتوجد نسخة مخطوطة من كتاب "الفلاحة" لابن العوام بمكتبة دير الإسكوريال. وكذلك توجد نسخة من كتاب الطغنرى
(5/446)

وقد اشتهرت بالأندلس بنوع خاص، بصناعة الأسلحة الجيدة، تنتجها بوفرة وتصدرها إلى أمم أوربا وإفريقية. وكذا اشتهرت بصناعة الصوف والحرير، والأقمشة الملونة الممتازة، وصناعة الجلود الدقيقة التى برع فيها أهل قرطبة بنوع خاص. وطبق مسلمو الأندلس تفوقهم فى الكمياء فى ميدان الصناعة، فبرعوا فى صنع الأدوية والعقاقير، واستخراج العطور من الأزهار، وتركيب الأصباغ المختلفة، ولاسيما اللون الذهبى، وغيره من الألوان الزاهية. وقد استطاعت مملكة غرناطة، أن تستبقى كثيراً من الصناعات الأندلسية القديمة، فاستمرت غرناطة مركزاً عظيما لصناعة الأسلحة والذخائر، وكان تفوقها فى هذه الصناعة من أسباب قوتها، وتمكنها طويلا من مدافعة أعدائها. وكذلك استمرت صناعة الحرير على تقدمها وازدهارها، ولاسيما فى مالقة وألمرية، وكانت يومئذ من أعظم موارد الأندلس. وقد نقلت المدن الإيطالية، التى اشتهرت بصناعة الحرير فى العصور الوسطى، عن الأندلسيين معظم فنونهم وطرائقهم فى هذه الصناعة المربحة، وكانت مدينة فيرنتزا (فلورنس) تستورد كميات كبيرة من الخام من غرناطة، حتى أواخر القرن الخامس عشر (1). ولبثت صناعة الأوانى الخزفية الجميلة، مزدهرة حتى العصر الأخير، وما زالت بقايا هذه الصناعة الأندلسية القديمة قائمة حتى اليوم فى بعض المدن الإسبانية ولاسيما فى إشبيلية ومالقة، وما زالت المتاحف الإسبانية تغص بكثير من الأوانى الخزفية الأندلسية والموريسكية البديعة الصنع والزخرف. وكذلك لبثت صناعة الجلود الفاخرة الملونة، حتى نفى الموريسكيين، وقد نقلت بعد نفيهم على يدهم إلى أوربا. واشتهرت الأندلس أيضاً بصناعة الورق، وأنشئت لها المصانع العظيمة ولاسيما فى طليطلة وشاطبة، ونقلها ْالإسبان عن المسلمين، ثم انتقلت إلى أوربا عن طريق فرنسا، وذاعت فيها منذ القرن الثالث عشر. وقد اكتشف الغزيرى، عدة مخطوطات بمكتبة الإسكوريال، ترجع إلى القرن الحادى عشر، كتبت على ورق مصنوع من القطن، وأخرى ترجع إلى القرن الثانى عشر، كتبت على ورق مصنوع من الكتان، وكان لهذه الصناعة مكانتها فى مملكة غرناطة.
أما التجارة فقد بلغت شأواً بعيداً فى الأندلس، وذلك لحسن موقعها وكثرة ثغورها، وتوسطها بين أوربا وإفريقية، وانتظام صلاتها البحرية، مع سائر ثغور
_______
(1) Prescott: Ferdinand and Isabella: p. 191
(5/447)

البحر المتوسط. وكانت علائقها التجارية تمتد حتى قسطنطينية. وثغور الشام والإسكندرية، وترسو سفنها التجارية فى الثغور الإيطالية، ولاسيما جنوة ورومة والبندقية. وكانت ثغورها تزخر بمختلف الواردات، من بلاد أوربا وإفريقية والمشرق. وازدهرت الحركة التجارية فى غرناطة ولاسيما التجارة الخارجية، وكان للجنويين وغيرهم، من الأمم ذات الصلات الإقتصادية الوثيقة بالأندلس، منشآت تجارية فى غير غرناطة. وعقدت غرناطة مع جمهورية جنوة ومع مملكة أراجون معاهدات تجارية عديدة أشرنا إلى بعضها فيما تقدم. وكانت خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر من أعظم المراكز التجارية فى جنوب أوربا، حتى لقد وصفها بعض المؤرخين المعاصرين بأنها "مدينة جميع الأمم". ويقول مؤرخ إسبانى "إن شهرة سكانها فى الأمانة والثقة، بلغت إلى حد أن كلمتهم المجردة، كان يعتمد عليها، أكثر مما يعتمد على عقد مكتوب بيننا" (1).
وكان الرخاء يسود مملكة غرناطة طوال أيامها، وقلما كانت تصدع منه الثورات الطارئة أو الحروب المتواصلة. وكانت موارد الخزينة أو الموارد السلطانية كثيرة منوعة، تتكون من ضريبة الأراضى المنزرعة، وتبلغ فى المتوسط نحو سبع قيمة المحصول، والأموال المرسومة على السفن الواردة والصادرة، ودخل دار السكة، ودخل بيت المال، من زكاة وصدقات وميراث من لا وارث له، وأخماس الغنائم التى كانت تحصل من العدو، ومختلف الضرائب التجارية والمهنية. وكانت للعرش فوق ذلك أملاك ومزارع عظيمة فى فحص غرناطة (المرج) تعرف بالمستخلص.
وكانت الضرائب فى مملكة غرناطة على وجه العموم. أكثر مما كانت عليه فى الدول الإسلامية السابقة. وقد يرجع ذلك من بعض الوجوه إلى استمرار الصراع بلا انقطاع بينها وبين النصارى. وقدر دخل مملكة غرناطة فى تلك العصور، بنحو مليون ومائتى ألف دوقة (2)، وهى قيمة لا يستهان بها فى ذلك العصر، وكان يتولى الإشراف على شئون الدخل والخرج وأعمال الجباية موظف كبير يسمى "صاحب الأشغال"، وكانت ثمة طوائف كبيرة من الشعب الغرناطى تتمتع بالثراء، ويقتنى الكثيرون الحلى والجواهر النفيسة ولاسيما أبناء الطبقات العليا. وكانت غرناطة
_______
(1) Prescott: ibid ; p. 190
(2) الدوقة هى عملة ذهبية كانت ذائعة فى أوربا فى العصور الوسطى وتبلغ قيمتها نحو نصف جنيه من عملتنا الحديثة
(5/448)

تتمتع فوق ذلك بنقد سليم ثابت (1)، تخرجه دار السكة الملكية التى اشتهرت بأمانتها ودقتها، ولا يتطرق إليه شىء من ذلك الزغل الذى كان فى أحيان كثيرة يؤدى إلى الانهيار المالى.

- 4 -
وقد أشرنا فى بداية هذا الكتاب، إلى تكوين الأمة الأندلسية فى مراحلها الأخيرة فى ظل مملكة غرناطة، وإلى خصائصها العنصرية. والحقيقة أن المجتمع الأندلسى بمختلف عناصره الأصيلة والدخيلة، كان قد استحال بمضى الزمن، وتعاقب الحوادث والدول، والمؤثرات الإجتماعية والإقليمية، إلى أمة عربية إسلامية ذات طابع مستقل ومميزات خاصة، تدعمها طائفة من الخلال البديعة، وتصقلها حضارة رفيعة زاهرة. ثم قامت مملكة غرناطة التى اجتمعت فيها بقية الأمة الأندلسية لتعرض لنا خلال حياتها الطويلة، المراحل الأخيرة لعظمة الأمة الأندلسية، وحضارتها.
وقد وصف لنا ابن الخطيب فى "الإحاطة"، أحوال المجتمع الأندلسى، وخواصه الجنسية والعقلية والاجتماعية، فى هذا العصر، الذى مالت فيه شمس الأندلس إلى الأفول. فذكر لنا أن الشعب الأندلسى، كان يتمتع بصفات أخلاقية طيبة، وأن صورهم حسنة، وأنوفهم معتدلة، وألوانهم بيضاء، وشعورهم سوداء، وقدودهم متوسطة، وألسنتهم عربية فصيحة، تغلب عليها الإمالة، وأنسابهم عربية، وفيهم كثير من البربر والمهاجرين (2).
وكان نساؤهم يتميزن بالجمال والسحر، واعتدال السمن، ونعومة الجسم، ورشاقة الحركة، ونبل الكلام، وحسن المحاورة، ولكن يندر الطول فيهن. وقد بلغن فى التفنن فى الزينة شأواً بعيداً، يسرفن فى الأصباغ والعطور، والتزين بنفيس الحلى.
وكان اللباس الغالب بين الأندلسيين شتاء، الملف (3) المصبوغ على اختلاف أصنافه وألوانه؛ ويرتدون فى الصيف، الكتان والحرير والقطن والأردية الإفريقية، والمقاطع التونسية، والمآزر المشقوقة "فتبصرهم فى المساجد أيام الجمع، كأنهم الأزهار المفتحة، فى البطاح الكريمة، تحت الأهوية المعتدلة" (4).
_______
(1) ابن الخطيب فى الإحاطة ج 1 ص 143، واللمحة البدرية ص 29.
(2) الإحاطة ج 1 ص 140.
(3) نسيج من الصوف.
(4) الإحاطة ج 1 ص 141
(5/449)

ومما يجدر ذكره، أن العمامة كانت يومئذ قد اختفت تقريباً كلباس رأس بين الشعب الأندلسى، ولم يكن يلبسها سوى العلماء والقضاة (1). وقد حلت القلانس منذ عهد بعيد مكان العمائم. وكان أهل شرق الأندلس أسبق من غيرهم فى نبذ العمامة، وذاعت القلانس بينهم منذ أوائل القرن السابع، حتى كان أمراؤهم وشيوخهم وقضاتهم يلبسون القلانس، وكان كثير من أمراء المسلمين مثل ابن مردنيش وغيره يرتدون الثياب القشتالية (2). ولم يلبس ملوك بنى الأحمر العمامة، بل فضلوا القلنسوة (كاب) واتخذوها لباساً حتى آخر دولتهم. وكان بمتحف جنة العريف بغرناطة قبل إلغائه، صورة يقال إنها لأبى عبد الله آخر ملوك الأندلس، وهى تصوره بقلنسوة عالية (3). وأما القضاة فقد احتفظوا بالعمامة كلباس رسمى. وتوجد فى سقف قاعة الملوك أو قاعة العدل بقصر الحمراء، صورة تمثل مجلس القضاة وهم بالعمائم والبرانس، وهى الصورة التى يعتقد البعض أنها تمثل ملوك غرناطة.
وكان الأمراء والأكابر، وفريق كبير من أبناء الطبقات الميسورة، يؤثرون ارتداء الثياب الإفرنجية، اقتداء بجيرانهم النصارى، ولاسيما فى عصور الأندلس الأخيرة. وأما ثياب الجندى الأندلسى فقد كانت فى العصور المتأخرة مشابهة لثياب الجند النصارى، وكذلك عدتهم وسلاحهم ونظامهم فى الصفوف، ثم عدلوا فى عصر ابن الخطيب عن هذا الزى، إلى الجواشن المختصرة والبيضات المذهبة، والسروج العربية. وكانت الجنود البربرية من جانبها، تحافظ على زيها المغربى (4).
وكان أهل الأندلس مضرب الأمثال فى النظافة، يبالغون فى العناية بنظافة أبدانهم وثيابهم، ويكثرون من الاستحمام. وقد كانت هذه العادات فيما بعد، حينما أكره المسلمون على التنصير، من الشبه التى تثيرها ضدهم محاكم التحقيق، للتدليل على تشبثهم بالإسلام، وارتدادهم عن النصرانية.
وكان المجتمع الغرناطى يعيش فى رخاء وسعة، تكثر لديه الأقوات فى الشتاء والصيف، ولاسيما الفاكهة من العنب والتين والزبيب والتفاح والقسطل والجوز واللوز وغيرها، ويدخرها الناس يابسة على كر الفصول، ومتى حل الصيف، هرع الناس إلى الفحوص (المروج) أعنى الضواحى، للتمتع بجمال البسائط النضرة، ونسيمها العليل (5).
_______
(1) الإحاطة ج 1 ص 142.
(2) راجع ص 81 و 99 من هذا الكتاب.
(3) نشرنا هذه الصورة فى ص 275.
(4) الإحاطة ج 1 ص 142.
(5) راجع ابن الخطيب فى الإحاطة ج 1 ص 143 و 144، واللمحة البدرية ص 27 - 29
(5/450)

وكان احتفالهم بالأعياد أنيقاً، ولكن فى حدود الإعتدال والاقتصاد. وكان الشعب الغرناطى يعشق مياهج الحياة والحفلات العامة، وكانت الحياة لديه كأنها سلسلة من الأعياد المتواصلة. وكان الغناء ذائعاً، ويكثر فى المنتديات والمقاهى العامة، حيث يجتمع الشباب بكثرة، ولم تنس غرناطة مرحها حتى فى أيام محنتها، ولم تغلبها الكآبة إلا حينما أصبح العدو على الأبواب يهدد حياتها (1).
وقد استمرت الفروسة الأندلسية فى مملكة غرناطة على ازدهارها، ولبثت عصوراً تجذب الأنظار باكتمالها وروعتها ورِقَّة شمائلها. وفضلا عن كونها كانت عماد الدفاع القومى، حسبما أشرنا من قبل، فقد كانت مظاهرها وحفلاتها من أمتع المباهج العامة، فى ميدان كان التسامح المؤثر يسود فيه علائق المسلمين والنصارى، بالرغم مما كان يدور بين الفريقين من صراع مستمر. وقد اشتهر ملوك غرناطة، فضلا عن الجود، بميلهم نحو الحرية والتسامح، فكان الأمراء المسلمون والنصارى يتبادلون الزيارات، وكانوا يتلاقون أيام السلم وفى المفاوضات أنداداً كراماً. ومن أشهر مظاهر هذا التواصل ما حدث فى ربيع سنة 1463، حيث سار هنرى الرابع ملك قشتالة إلى أراضى غرناطة، وزار ملكها ابن اسماعيل، والتقى الملكان فى مكان بقرب الفحص La Vega، ضربت فيه خيمة ملكية أمام أبواب العاصمة، ولما انتهت الزيارة وتبادل الفريقان الهدايا، رافقت ملك النصارى كوكبة من الفرسان المسلمين، وشيعته حتى الحدود. وكذلك كان الفرسان المسلمون والنصارى يتبادلون الزيارات، وكثيراً ما كان الفرسان النصارى يقصدون إلى غرناطة، لقضاء مصالحهم وتسوية منازعاتهم، وكذا كان كثير من الأسر القشتالية النبيلة، يلجأ إلى حماية ملك المسلمين كلما شعرت بالإضطهاد والحيف، وكان فى مقدمة هؤلاء آل فيلا وآل كاسترو؛ وكانت مباريات الفروسة وحفلاتها تتوالى فى غرناطة، وفيها يبدى الفرسان المسلمون ضروباً رائعة من البراعة والرشاقة. وكان من أهم مميزات هذه الحفلات الشهيرة اختلاط الجنسين، فكان نساء غرناطة، البارعات فى الحسن والإناقة، يشهدن هذه الحفلات وغيرها من الحفلات العامة سافرات، ويسبغن بوجودهن عليها روعة وسحراً، وكن يتمتعن بقسط وافر من الحرية الاجتماعية (2)،
_______
(1) الإحاطةج 1 ص 143، واللمحة البدرية ص 28، وكذلك فى: Prescott: Ferd. & Isabella, p. 192
(2) Prescott: Ferdinand & Isabella, p. 192
(5/451)

الفصل الثانى
الحركة الفكرية فى مراحلها الأولى
الحركة الفكرية الأندلسية فى أوائل القرن السابع. الشعر والأدب. ابن حريق. ابن مرج الكحل. ابن الجيان المرسى. ابن الأبار القضاعى. أبو الطيب الرندى. أقطاب اللغة. الفقه وعلوم الدين. المؤرخون. العلوم. أبو بكر بن زهر. ابن البيطار المالقى. بنو الأحمر حماة العلوم والآداب. محمد الفقيه وولده المخلوع. السلطان أبو الحجاج. الأمير الأديب أبو الوليد اسماعيل. الوزراء الكتاب والشعراء. ازدهار الشعر والأدب. ركود الحركة العلمية. ابن الحكم الرندى. حياته وشعره. ابن خميس التلمسانى. أبو الجيان الغرناطى. الرئيس ابن الجياب. ابن جابر الضرير. أقطاب اللغة. علماء الفقه والدين. التصوف. المؤرخون والرحل. العلوم.

أتينا فى الفصل السابق، على لمحة من سير الحركة الفكرية، فى ظل الدولة الإسلامية بالأندلس، حتى بداية القرن السابع الهجرى، أعنى إلى ما قبل قيام مملكة غرناطة بقليل. ونريد الآن أن نتحدث عن سير العلوم والآداب والفنون، فى ظل مملكة غرناطة ذاتها. وسنحاول أن نتوسع فى هذا الحديث قدر الاستطاعة، وإن كانت المصادر العربية، ضنينة فى ذلك حسبما أشرنا، أولا لهلاك معظم الآثار والوثائق الأندلسية المتعلقة بهذه المرحلة من تاريخ الأندلس، وثانياً لأن كثيراً من المفكرين والكُتّاب المتأخرين، الذين رأوا الوطن الأندلسى مشرفاً على السقوط فى يد العدو، بادروا بالهجرة إلى المغرب والبلاد الإسلامية الأخرى، وأقفرت الأندلس بذلك من مفكريها وأدبائها. بيد أنه يجدر بنا قبل ذلك، أن نعنى بالفترة العصيبة المضطربة التى جازتها الأندلس، فى أواخر أيام الموحدين قبيل قيام مملكة غرناطة. وقد شهدت الأندلس فى هذه الفترة، أعنى فى أوائل القرن السابع الهجرى، سلسلة من الأحداث الجسام.
ذلك أن سلطان الموحدين أخذ ينهار سراعاً، واضطرمت ثورة ابن هود فى الولايات الشرقية، وأخذت قواعد الأندلس الكبرى، تسقط تباعاً فى يد النصارى، واستطاع ابن الأحمر فى الوقت نفسه، أن ينشىء مملكة غرناطة فى جنوبى الأندلس. وكان من جراء الفوضى السياسية التى غمرت الأندلس يومئذ، أن تصدعت الحركة
(5/452)

الأدبية، وانتثر شملها، وفقدت وسيلة الاستقرار والتجمع، وشغل الأدباء والمفكرون يومئذ بالمحنة وآثارها. وغادر الأندلس فى تلك الفترة، كثير من الكتاب والعلماء الذين توقعوا سوء المصير، وآثروا العمل فى جو أكثر استقراراً وطمأنينة، مثل الشيخ محيى الدين ابن عربى المرسى قطب التصوف الشهير، وابن البيطار المالقى، وابن الأبار القضاعى، وابن حمدون الحميرى النحوى، وابن سعيد الأندلسى، وكثيرون غيرهم، ممن رحلوا إلى المشرق أو عبروا البحر إلى المغرب.
وهكذا طلعت أوائل القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادى) على الأندلس، بأحداثها وفتنها المتوالية، والحركة الفكرية فى ربوعها حائرة غير مستقرة، يتبدى ضوؤها باهتاً، فى ظل دول وإمارات تتصدع أركانها تباعاً.
ومع ذلك فقد ظل تراث الأندلس الفكرى فى هذه الفترة متواصلا، يمتاز على اضطرابه بكثير من نواحى القوة والنضج، التى امتاز بها فى ظل دولة الموحدين، وقت أن كانت فى عنفوانها.
وسوف نستعرض فيما يلى أعلام التفكير والأدب فى تلك الفترة المضطربة، التى مهدت حوادثها لقيام مملكة غرناطة، فهى ليست فى الواقع سوى حلقة اتصال، بين العصر الذى اختتمته الأندلس الكبرى، وبين العصر الذى بدأت فيه حياتها الجديدة (1).

الشعر والأدب
وكانت الحركة الأدبية يومئذ ما تزال فى عنفوانها. وكانت دولة النثر والنظم تحتل مكانتها الرفيعة، وبل لقد بعثت الأحداث والمحن، التى توالت على الأندلس يومئذ إلى الشعر بكثير من أسباب الإنفعال والقوة. فامتلأت الأندلس يومئذ بالشعر المؤسى، والمراثى القوية المؤثرة، التى نقل المقرى إلينا كثيراً منها، فى كتابيه نفح الطيب وأزهار الرياض.
وكان من أعلام الشعر فى تلك الفترة، علىّ بن محمد بن أحمد بن حريق الشاعر البلنسى المتوفى فى سنة 622 هـ (1227 م)؛ كان شاعراً مجيداً كثير النظم، ذاع
_______
(1) عرضنا فى هذا الفصل بإيجاز إلى عدد من العلماء والكتاب والشعراء الذين تناولناهم فى خاتمة كتابنا "عصر المرابطين والموحدين" فى القسم الذى خصصناه للحركة الفكرية الأندلسية (القسم الثانى ص 644 - 726) حسبما أشرنا إليه من قبل. وقد كان هذا التكرار العرضى ضرورة للمحافظة على السياق، وللتمهيد لما سيرد من بعده خلال العصر الغرناطى
(5/453)

شعره فى الأندلس، وكتب فوق ذلك عدة كتب فى الأدب (1).
ومنهم ابن مرج الكحل، وهو أبو عبد الله محمد بن إدريس بن على، أصله من جزيرة شُقر، وكان من شعراء عصره. وبرع بنوع خاص فى الغزل والشعر الوصفى المبتكر، وعاش حيناً فى غرناطة، وذاع صيته فى سائر نواحى الأندلس، وتوفى سنة 633 هـ (1235 م). ومن شعره يصف عشة، بنهر الفنداق الذى يمر بلوشة:
عرج بمنعرج الكثيب الأعفر ... بين الفرات وبين شط الكوثر
ولتغتبقها قهوة ذهبية ... من راحتى أحوى المراشف أحور
والروض بين مفضض ومذهّب ... والزهر بين مدرهم ومدنّر
والنهر مرقوم الأباطح والربا ... بمصندل من زهره ومعصفر
وكأنه وكأن خضرة شطه ... سيف يسيل على بساط أخضر
وكان ذاك الحباب فرنده ... مهما طفا فى صفحه كالجوهر (2).
ومنهم عزيز بن عبد الملك القيسى؛ كان من أعيان مرسية واشترك فى حوادثها السياسية، واستطاع أن يظفر بإمارتها لمدى قصير، وتوفى سنة 638 هـ (1240 م) قتيلا، فى معركة نشبت بينه وبين خصومه، وكان شاعراً مجيداً، ومن قوله عندما حلت به المحنة:
ْنصحت فلم أفلح وخانوا فأفلحوا ... فأعقبنى نصحى بدار هوان (3).
ومنهم علىّ بن ابراهيم بن على المعروف بابن الفخار، أصله من شريش وكان من أعلام الكتابة والنظم وتولى القضاء حيناً، وتوفى سنة 642 هـ (1244 م) (4).
ومنهم إبراهيم بن سهل الإشبيلى. وقد كان يهودياً ثم أسلم، وبرع فى الشعر ولاسيما فى التوشيح، ومن أبدع شعره قصيدة طويلة نظمها فى مدح النبى. وقد توفى غريقاً فى النهر، وهو شاب فى عنفوانه، وذلك سنة 649 هـ (1251 م).
ومن شعره قوله:
مضى الوصل إلا منية تبعث الأسى ... أدارى بها همى إذا الليل عسعسا
_______
(1) ابن الأبار فى تكملة الصلة (رقم 1895)، وصلة الصلة لأبى جعفر ابن الزبير ص 129.
(2) راجع نفح الطيب ج 3 ص 26 و 27 و 28.
(3) راجع صلة الصلة ص 165، وابن الأبار فى التكملة رقم 1952.
(4) راجع صلة الصلة ص 135، والتكملة رقم 1907
(5/454)

أتانى حديث الوصل زوراً على النوى ... أعيد ذلك الزور اللذيذ المؤنسا
ويا أيها الشوق الذى جاء زائراً ... أصبت الأمانى خذ قلوباً وأنفسا
ومن موشحاته:
ليل الهوى يقظان ... والحب ترب السهر
والصبر لى خوان ... والنوم من عينى برى (1)
ومنهم أبو عبد الله محمد بن الجيان المرسى، صديق ابن هود وكاتبه. وكان عالماً بالحديث والرواية، بارعاً فى النثر والنظم. تولى الوزارة حيناً لابن هود، وهو الذى كتب عن لسانه وصيته الشهيرة لأخيه. ولما استولى النصارى على مرسية سنة 641 هـ، غادرها إلى أوريولة، ثم نزح إلى المغرب، واستقر بمدينة بجاية، وتوفى هنالك سنة 650 هـ (1252 م). وكان ابن الجيان صغير القد، حتى ليخاله الناظر إليه طفلا، ومن شعره قصيدته الدالية المشهورة التى مطلعها:
يا حادى الركب قف بالله يا حادى ... وارحم صبابة ذى نأى وإبعاد (2)
ومنهم الفقيه والكاتب الشاعر المؤرخ، أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبى بكر القضاعى البلنسى، المعروف بابن الأبار. ولد سنة 595 هـ وبرز فى الفقه واللغة، وبرع فى النثر والنظم، وتولى الكتابة للأمير أبى جميل زيان أمير بلنسية، حفيد ابن مردنيش. ولما حاصر النصارى بلنسية سنة 636 هـ (1238 م) واشتد الخطب بالمسلمين، أرسل أميرها زيان كاتبه ابن الأبار، سفيراً إلى أبى زكريا الحفصى أمير تونس، يستغيث به ويستنصره على العدو.
وألقى ابن الأبار بهذه المناسبة بين يدى أبى زكريا قصيدته السينية الشهيرة، يردد فيها صريخ الأندلس، "ويصف آلامها ومحنها، وهذا مطلعها:
أدرك بخيلك خيل الله أندلسا ... إن السبيل إلى منجاتها درسا
وهب لها من عزيز النصر ما التمست ... فلم يزل عز النصر منك ملتمسا
وهى من غرر القصائد التى ذاعت بالأندلس أيام المحنة. ولما سقطت بلنسية بعد ذلك بقليل فى يد النصارى، نزح ابن الأبار فى أهله إلى تونس، وعاش هنالك حيناً فى كنف أميرها المستنصر الحفصى. ولكنه تغير عليه بعد ذلك ونكبه، ثم أمر
_______
(1) راجع نفح الطيب ج 4 ص 304.
(2) راجع نفح الطيب ج 4 ص 432 وما بعدها، حيث ينقل وصية ابن هود لأخيه؛ وص 440 وما بعدها حيث يذكر طائفة من نظم ابن الجيان
(5/455)

بقتله متأثراً بتحريض خصومه، وأحرقت كتبه فى موضع قتله، وذلك فى سنة 659 هـ (1260 م). ولابن الأبار كثير من الشعر الجيد. ومن قوله فى الغزل:
لم تدر ما خلدت عيناك فى خلدى ... من الغرام ولا ما كابدت كبدى
أفديك من رائد رام الدنو فلم ... يسطعه من فرق فى القلب متقد
خاف العيون فوافانى على عجل ... معطلا جيده إلا من الجيد
ومنه يصف نهراً:
ونهر كما ذابت سبائك فضة ... حكى بمجانيه العطاف الأراقم
إذا الشفق استولى عليه احمراره ... تراءى قضيباً مثل دامى الصوارم
وكتب ابن الأبار فى الأدب والتاريخ. ومن آثاره تكملة كتاب الصلة لابن بشكوال، ترجم فيها لأعيان أهل الأندلس وعلمائها وشعرائها. وله أيضاً كتاب الحلة السيراء، ترجم فيها لطائفة مختارة من أعيان الأندلس من أمراء ووزراء وكتاب وشعراء، وهو قيم جداً بالنسبة لتاريخ الطوائف وتاريخ عصره (1). وله مؤلفات أخرى مثل كتاب تحفة القادم، وفيه يقدم طائفة مختارة من نظم شعراء الأندلس الذين سبقت وفاتهم مولده، وبعض الطارئين عليها من الغرباء، وإيماض البرق؛ وكتاب الإعتاب، أو إعتاب الكتاب، ويشتمل على تراجم طائفة من كتاب الأندلس وبعض الكتاب المشارقة، وغيرها، وهى آثار وصل معظمها إلينا (2).
ومنهم أبو الطيب صالح بن شريف الرندى. وكان أديباً شاعراً جزلا. بيد أننا لا نعرف كثيراً من حياته، ولانعرف إلا أنه كانت من أهل رندة كما يدل على ذلك لقبه، وقد ولد بها فى سنة 601 هـ، وتوفى سنة 684 هـ. ويصفه ابن عبد الملك فى "التكملة" أنه "خاتمة أدباء الأندلس". وكان بارعاً فى النثر والنظم معاً.
_______
(1) نشر كتاب التكملة فى مجلدين ضمن المكتبة الأندلسية، ونشر كتاب الحلة السيراء بعناية المستشرق دوزى (ليدن سنة 1851)، ولكن مع إغفال بعض التراجم. وتوجد منه نسخة خطية كاملة بمكتبة الإسكوريال (رقم 1654 الغزيرى). وقد قام بتحقيقها ونشرها الدكتور حسين مؤنس فى مجلدين (القاهرة 1964).
(2) راجع فى ترجمة ابن الأبار، فوات الوفيات ج 2 ص 226 - 227، ونفح الطيب ج 2 ص 578 - 580، وراجع فى محنته ومقتله، تاريخ الدولتين الموحدية والحفصية للزركشى (تونس 1289 هـ) ص 27. ويضع الزركشى تاريخ وفاته فى سنة 658 هـ. هذا وتوجد نسخة خطية من كتاب تحفة القادم بمكتبة الإسكوريال تحمل (رقم 356 الغزيرى)، كما توجد بها نسخة من كتاب إعتاب الكتاب وهى تحمل (رقم 1731 الغزيرى)
(5/456)

وله مقامات بديعة فى أغراض شتى. وكان كثير الوفود على غرناطة والتردد على بلاطها. وقد عاش الرندى فى عصر الفتنة الكبرى التى اضطرمت بها الأندلس فى أواسط القرن السابع الهجرى، والتى تمخضت عن قيام مملكة غرناطة وسقوط معظم القواعد الاندلسية الكبرى فى يد النصارى، وقال فى المحنة مرثيته الشهيرة التى أتينا على ذكرها فى موضعها، والتى خلدت ذكره إلى يومنا. وقد وهم المقرى فاعتقد أنه قد عاش فى أواخر القرن التاسع الهجرى، أو عصر سقوط الأندلس النهائى (1). ومن شعره فى الغزل والتصوف:
سلم على الحى بذات العرار ... وحى من أجل الحبيب الديار
وخل من لام على حبهم ... فما على العشاق فى الذل عار
ولا تقصر فى اغتنام المنى ... فما ليالى الأنس إلا قصار
وإنما العيش لمن رامه ... نفس تدارى وكؤوس تدار
وروحه الراح وريحانه ... فى طيبه بالوصل أو بالعقار (2)
لا صبر للشىء على ضده ... والخمر والهم كماء ونار
وكان الرندى من خاصة المقربين إلى الساطان محمد بن الأحمر، وكان يطرب لشعره، ومن أشهر قصائده فى مدح السلطان قصيدته التى مطلعها:
سرى والحب أمر لا يرام ... وقد أغرى به الشئون والغرام
وكتب الرندى برسم السلطان كتاباً فى التاريخ سماه "روض الأنس ونزهة النفس". ونثره لا يقل روعة عن شعره (3).

...
وظهر فى تلك الفترة أيضاً جماعة من أقطاب اللغة، مثل على بن محمد بن خروف الإشبيلى المتوفى سنة 609 هـ (1212 م)، وقد طاف بقواعد الأندلس والمغرب، وذاع صيته، ووضع شرحاً لكتاب سيبويه (4)؛ وعمر بن محمد الأزدى الإشبيلى
_______
(1) راجع أزهار الرياض ج 1 ص 47، ونفح الطيب ج 2 ص 595.
(2) تراجع القصيدة بأكملها فى نفح الطيب ج 2 ص 595 و 596.
(3) نقلنا ملخص ترجمة صالح بن شريف عن مخطوط "الإحاطة فى تاريخ غرناطة" المحفوظ بالإسكوريال. واطلعنا فى المغرب على نسخة مخطوطة من تاريخه المذكور، وهو مجلد كبير فى تاريخ الإسلام والخلفاء الراشدين والدولتين الأموية والعباسية.
(4) راجع ترجمته فى صلة الصلة ص 122
(5/457)

المعروف بالشلوبين، وكان إماماً فى العربية، وبرع فى النحو والفقه، وتوفى سنة 645 هـ (1247 م) (1).
وظهر جماعة فى الفقه وعلوم الدين، مثل على ابن أحمد بن محمد الغسانى، من أهل وادى آش، وقد ألف فى شرح "الموطأ" كتاباً ضخماً سماه "نهج السالك للتفقه فى مذهب مالك"، ووضع شرحاً لكتاب مسلم، وتوفى سنة 609 هـ (1212) (2)؛ وعمر بن عبد المجيد بن عمر الأزدى الرندى المحدث، المتوفى سنة 616 هـ (1218 م) (3)، وقرينه ومواطنه المحدث المؤرخ عيسى بن سليمان الرعينى الرندى، المتوفى سنة 632 هـ (1234 م) (4).
ونبغ فى تلك الفترة بالذات، أعظم متصوفة الأندلس الشيخ محيى الدين أبو بكر الطائى المعروف بابن عربى، وقد ولد بمرسية سنة 560 هـ ونزح إلى المشرق فى شبابه، وحج وطاف بمعظم قواعده، وبقى به حتى توفى سنة 638 هـ (1240 م)، وله ثبت حافل من المصنفات الجليلة، منها كتاب فصوص الحكم، والفتوحات المكية، والتدبيرات الإلهية، وعشرات غيرها، ذكرها صاحب فوات الوفيات، وله شعر جيد (5).
ونستطيع أن نذكر من المؤرخين فى تلك الفترة، إلى جانب ابن الأبار القضاعى، الذى سبقت ترجمته، على بن موسى بن سعيد الأندلسى، المعروف بابن سعيد المغربى، وهو أديب ورحالة وسليل أسرة من الأدباء والمؤرخين، تعاقب منها قبله خمسة فى مدى قرن، على تصنيف مؤلف ضخم فى فضائل مدن الأندلس والمغرب والمشرق، يضم كتابين كبيرين هما: كتاب "المشرق فى حلى المشرق" "والمغرب فى حلى المغرب" وأتمه على بن موسى آخر من نبغ من هذه الأسرة. وقد ولد فى غرناطة سنة 610 هـ وتوفى بدمشق سنة 673 هـ (1274 م)، وطاف بقواعد الأندلس والمغرب والمشرق، ومؤلفه الكبير أثر أدبى وتاريخى وجغرافى
_______
(1) راجع ترجمته فى صلة الصلة ص 71.
(2) راجع ترجمته فى صلة الصلة ص 121.
(3) راجع ترجمته فى صلة الصلة ص 71.
(4) راجع ترجمته فى صلة الصلة ص 51.
(5) راجع فى ترجمة ابن عربى، فوات الوفيات ص 241 - 243
(5/458)

جليل بارع الأسلوب (1). وله كتب أخرى ذكر منها صاحب فوات الوفيات، المرقص والمطرب، وملوك الشعر. وله شعر رقيق.

العلوم
وكان للعلوم أيضاً مجالها بالأندلس فى أوائل القرن السابع الهجرى، وربما كانت هذه آخر مرحلة ازدهر فيها العلم الأندلسى، واستطاع أن يحتفظ بقبس من تقاليده القديمة الراسخة.
وكان ممن ظهر فى تلك الحقبة، أبو الفضل محمد بن عبد المنعم الجليانى، الطبيب والشاعر الأديب، أصله من جليانة من أعمال غرناطة، ونبغ فى الطب فى ظل الموحدين، ثم رحل إلى المشرق، وطاف بمصر والشام، ونظم كثيراً فى الإلهيات والرياضيات وآداب النفس (2).
ومنهم أبو بكر بن عبد الملك بن زهر الإشبيلى، سليل أسرة بنى زهر الشهيرة، التى نبغ منها فى الطب والكيمياء والصيدلة، أبو العلاء بن زهر، ثم ولده عبد الملك حسبما سبقت الإشارة إليه، ثم ابنه أبو بكر هذا، وقد برع كأبيه وجده فى الطب والكيمياء، وكان من أعظم أطباء الأندلس فى أواخر القرن السادس الهجرى.
ومنهم أبو العباس أحمد بن محمد بن مفرج الأموى المعروف بابن الرومية الإشبيلى العلامة الطبيب والنباتى، وقد اشتهر بالأندلس فى أوائل القرن السابع الهجرى، وكان إماماً فى الحديث وحجة فى علم النبات لا يبارى. ولد بإشبيلية سنة 561 هـ وتوفى بها سنة 637 هـ (1239 م). وله مؤلفات نفيسة فى النبات والطب. منها شرح حشائش دياسقوريدس، وأدوية جالينوس، والرحلة النباتية، والمستدركة، وله كتاب فى الأدوية المفردة على نمط الكتب التى ألفها بنو زهر فى هذا الموضوع (3).
وكان من أعظم علماء الأندلس فى هذا العصر، ابن البيطار المالقى العالم
_______
(1) راجع نفح الطيب ج 2 ص 137. وقد انتهت إلينا من هذا الأثر الضخم نسخة مشوهة ناقصة، وهى محفوظة بدار الكتب المصرية رقم 2712، تاريخ. وقد نشر أخيراً كتاب "المغرب فى حلى المغرب" فى جزأين محققاً بعناية الدكتور شوقى ضيف وصادراً عن دار المعارف بالقاهرة (1953 - 1955).
(2) راجع نفح الطيب ج 2 ص 16، وقد أورد المقرى شيئاً من شعره.
(3) ترجم له ابن الخطيب فى الإحاطة (ج 1 ص 215 وما بعدها). وراجع نفح الطيب ج 2 ص 137
(5/459)

النباتى والطبيب المشهور، وهو ضياء الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد، ولد بمالقة ْفى أواخر القرن السادس الهجرى، ودرس على أبى العباس النباتى، ثم غادر الأندلس فى شبابه، وطاف بأنحاء المغرب، وقدم إلى مصر أيام الملك الكامل، فدخل طبيباً فى خدمته، ثم خدم ابنه الملك الصالح من بعده، وعنى بدراسة النبات والأعشاب فى مصر والشام وآسيا الصغرى وبلاد اليونان، وألف فى ذلك كتابين؛ "كتاب الجامع فى الأدوية المفردة" تناول فيه الأدوية النباتية المعروفة فى عصره، ورتبها على حروف المعجم، وكتاب "المغنى فى الأدوية المفردة"، وهو مرتب على مداواة الأعضاء، وله أيضا كتاب "الأفعال الغريبة والخواص العجيبة". ودرس عليه ابن أبى أصيبعة العالم المشهور، وصاحب معجم تراجم الأطباء، وقد أشاد ببراعته وغزارة علمه، ودقة فهمه لكتب الأقدمين. وتوفى ابن البيطار بدمشق سنة 646 هـ (1248 م) (1).
وظهر فى هذا العصر علماء آخرون فى الرياضيات والفلك، وكان منهم مطرّف الإشبيلى، وقد برع فى الفلك، واشتغل بالتصنيف فيه، وكان ينسب إلى الزندقة بسبب اعتكافه فى هذا الشأن، فكان يخفى تصانيفه ونتائج بحوثه عن أهل عصره (2).

- 2 -
وهكذا كانت الحركة الفكرية بالأندلس فى النصف الأول من القرن السابع الهجرى، تحاول رغم اضطرابها أن تعمل على وصل ماضيها بحاضرها. فلما نهضت مملكة غرناطة من غمر الفوضى، وبدأت الأندلس حياتها الجديدة فى ظل هذه المملكة الفتية الجديدة، أخذت الحركة الفكرية فى الاستقرار، وآنست جواً من الهدوء والطمأنينة. وكان ملوك غرناطة جرياً على سنن ملوك الأندلس السالفين، من حماة العلوم والآداب، وكان بلاط غرناطة يسطع بتقاليده الأدبية الزاهرة، كما سطعت من قبل قصور ملوك الطوائف، وكان أمراء بنى الأحمر أنفسهم فى طليعة العلماء والأدباء. واشتهر عميدهم ومؤسس دولتهم محمد بن الأحمر، بحمايته للعلم والأدب، وكانت له أيام خاصة يستقبل فيها الشعراء وينشدونه قصائدهم (3)،
_______
(1) راجع فوات الوفيات ج 1 ص 204، ونفح الطيب ج 2 ص 44 و 45.
(2) راجع نفح الطيب ج 2 ص 138.
(3) اللمحة البدرية ص 31
(5/460)

وكان من خاصة شعرائه الأثيرين لديه صالح بن شريف الرندى حسبما قدمنا.
وكان ابنه محمد الفقيه عالماً ضليعاً، يعشق مجالس العلم ويؤثر العلماء بعطفه، ويقرض الشعر (1)، وكذا كان ولده أبو عبد الله محمد الملقب بالمخلوع، عالماً شاعراً ينظم الشعر المستظرف، وقد أورد لنا ابن الخطيب قصيدة من شعره يقول فيها:
واعدنى وعداً وقد أخلفا ... أقل شىء فى الملاح الوفا
وحال عن عهدى ولم يرعه ... ما ضره لو أنه أنصفا
ما بالها لم تتعطف على ... صب لها ما زال مستعطفا
يستطلع الأنباء من نحوها ... ويرقب البرق إذا ما هفا (2).
وبلغت الحركة الفكرية والأدبية ذروة ازدهارها، فى مملكة غرناطة، فى عصر السلطان أبى الحجاج يوسف بن اسماعيل النصرى (733 - 755 هـ)، وولده السلطان محمد الغنى بالله (755 - 793 هـ). وكان السلطان أبو الحجاج نفسه، عالماً أديباً يشغف بالفنون. واشتهر الأمير أبو الوليد اسماعيل بن السلطان يوسف الثانى بأدبه وبارع نثره، وهو صاحب كتاب "نثير الجمان فيمن ضمنى وإياهم الزمان" الذى يترجم فيه لأعلام عصره فى الشعر والأدب (3).
وكان من بين وزراء الدولة النصرية وكتابها، كثير من أعلام الشعر والأدب.
ويكفى أن نذكر فى هذا المقام ابن الحكيم الرندى، وابن الجياب، وابن الخطيب، وابن زمرك، والشريف العقيلى خاتمة أدباء الأندلس ووزرائها، وهم جميعاً من أقطاب الحركة الأدبية فى مملكة غرناطة، ومن أعلام وزرائها وسادتها، وسنعود إلى التحدث عنهم فيما بعد.
ومما تجدر ملاحظته، أن الحركة الفكرية الأندلسية فى ذلك العصر، تكاد تنحصر فى النواحى الأدبية، فقد ازدهر الأدب والشعر، وحفلت غرناطة بجمهرة من أكابر الأدباء والشعراء، ولكن العلوم العقلية أصابها الركود، وقلما نجد فى هذه الفترة أحداً من أقطاب الطب والفلسفة أو العلوم الرياضية، أو غيرها من العلوم المحضة، التى ازدهرت من قبل بالأندلس، ونبغ فيها ثبت حافل من أكابر
_______
(1) اللمحة البدرية ص 38.
(2) راجع هذه القصيدة فى اللمحة البدرية ص 49، وراجع الإحاطة ج 1 ص 553 و 554.
(3) نفح الطيب ج 2 ص 404، وراجع أزهار الرياض ج 1 ص 186. وتوجد نسخة مخطوطة وحيدة من هذا الكتاب بدار الكتب المصرية
(5/461)

العلماء والفلاسفة، هذا بينما احتفظت الآداب فى مملكة غرناطة بروائها وازدهارها، حتى اللحظة الأخيرة من حياتها.
وقد تقلبت الحركة الفكرية الأندلسية فى المائتين وخمسين عاماً التى عاشتها مملكة غرناطة، فى أطوار ثلاثة: طور الفتوة، وطور النضج، وطور الإنحلال الأخير. وسوف نحاول أن نستعرض هذه الأطوار الثلاثة تباعاً، ذاكرين أقطاب التفكير والأدب فى كل مرحلة منها.

- 3 -
ويبدأ الطور الأول باستقرار مملكة غرناطة وتوطدها، فى أواخر القرن السابع الهجرى وأوائل القرن الثامن.
وقد حفلت هذه الفترة التى بزغت فيها شمس الأندلس من جديد، بجمهرة من الشعراء والأدباء والعلماء، وازدهر الأدب، واستعاد الشعر بنوع خاص، كثيراً من روعته وروائه القديم.
وكان فى طليعة شعراء هذه الفترة، الكاتب البليغ والأديب البارع، الوزير ابن الحكيم. وهو أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن ابراهيم بن يحيى اللخمى الرندى وأصلهم من بيوتات إشبيلية، وكان جد والده يحيى طبيباً عرف بالحكيم، وأسبغ لقبه على الأسرة. ولما اضطرمت الفتنة بالأندلس أيام الطوائف، انتقلت الأسرة إلى رندة، وولد ابن الحكيم برندة سنة 660 هـ، ووفد على غرناطة فتى، أيام السلطان أبى عبد الله محمد المعروف بالفقيه، فولاّه كتابته فى ديوان الإنشاء. ثم تقلد بعد وفاته الوزارة لولده السلطان أبى عبد الله محمد المخلوع، إلى جانب وزيره أبى سلطان عزيز الدانى. فلما توفى أبو سلطان، انفرد ابن الحكيم بالوزارة، ولقب بذى الوزارتين لجمعه بين الكتابة والوزارة. واستبد بالحكم حيناً حتى نشبت الثورة فى غرناطة ضد السلطان أبى عبد الله المخلوع وحكومته الطاغية، وقتل فيها ابن الحكيم يوم عيد الفطر سنة 708 هـ (1308 م) حسبما أسلفنا فى موضعه. وكان ابن الحكيم شاعراً مجيداً وكاتباً بليغاً وخطيباً ذلقاً، وقد وصفه ابن الخطيب فى الإحاطة بقوله: "كان علماً فى الفضيلة والسراوة ومكارم الأخلاق، كريم النفس، واسع الإيثار، متين الحرمة، عالى الهمة، كاتباً بليغاً، أديباً، شاعراً"، وفى كتاب "عائد الصلة" بقوله: "كان فريد دهره سماحة وبشاشة ولوذعية وانطباعاً، رقيق الحاشية،
(5/462)

نافذ العزمة، مهتزاً للمديح، طلقاً للآمال، كهفاً للغريب" (1)، وزار ابن الحكيم المشرق، وحج ودرس وتلقى عن مشايخه. ومن شعر ابن الحكيم قوله:
ما أحسن العقل وآثاره ... لو لازم الإنسان إيثاره
يصون بالعقل الفتى نفسه ... كما يصون الحر أسراره
لاسيما إن كان فى غربة ... يحتاج أن يعرف مقداره
ومن قوله فى الغزل:
هل إلى رد عشيات الوصال ... سبب أم ذاك من ضرب المحال
وليال ما تبقى بعدها ... غير أشواقى إلى تلك الليال
إذ مجال الوصل فيها مسرحى ... ونعيمى آمر فيها ووال
ولحالات التراضى جولة ... مزجت بين قبول واقتبال
وغزال قد بدا لى وجهه ... فرأيت البدر فى حال الكمال
ما أمال التيه من أعطافه ... لم يكن إلا على خصل اعتدال
خص بالحسن فا أنت ترى ... بعده للناس حظاً فى الجمال
وقوله:
ألا واصل مواصلة العقار ... ودع عنك التخلق بالوقار
وقم واخلع عذارك فى غزال ... يحق لمثله خلع العذار
قضيب مائس من فوق دعص ... تعمم بالدجى فوق النهار
ولاح بخده ألف ولام ... فصار معرفا بين الدرارى (2).
وكان ولده أبو بكر محمد بن الحكيم أيضاً من أعلام الأدب والشعر فى تلك الفترة، وقد تولى مثله الوزارة فيما بعد، وكان من أساتذة ابن الخطيب، وقد ألف فى الأدب كتاباً سماه " بالموارد المستعذبة" (3).
ومن أكابر الشعراء فى تلك الفترة أبى عبد الله محمد بن خميس التلمسانى، أصله من تلمسان كما يدل عليه اسمه. ووفد على غرناطة واتصل بالوزير ابن الحكيم ومدحه، ونزل بألمرية سنة 706 هـ واتصل بحاكمها القائد أبى الحسن بن كماشة،
_______
(1) راجع الإحاطة ج 2 ص 279.
(2) راجع فى ترجمة ابن الحكيم وشعره: الإحاطة ج 2 ص 278 - 303، ونفح الطيب ج 2 ص 7 - 9، وج 2 ص 263 - 271.
(3) راجع نفح الطيب ج 3 ص 263
(5/463)

ومدحه فأجزل صلته، ووصفه ابن خاتمة بأنه من فحول الشعراء وأعلام البلغاء، وقد جمع شعره فى ديوان سمى "الدر النفيس فى شعر ابن خميس". وكانت وفاته قتيلا بغرناطة يوم مقتل مخدومه الوزير ابن الحكيم وذلك فى يوم عيد الفطر سنة 708 هـ (1308 م)، ويمتاز شعره بالجودة والروعة، ومن نظمه قوله:
نظرت إليك بمثل عينى جؤذر ... وتبسمت عن مثل سمطى جوهر
عن ناصع كالدر أو كالبرق أو ... كالطلح أو كالاقحوان مؤشر
تجرى عليه من لماها نطفة ... بل خمرة لكنها لم تعصر
لو لم يكن خمراً سلافاً ريقها ... تزرى وتلعب بالنهى لم تخطر
وقوله:
عجباً لها أيذوق طعم وصالها ... من ليس يأمل أن يمر ببالها
وأنا الفقير إلى تعلة ساعة ... منها وتمنعنى زكاة جمالها
كم ذا وعن عينى الكرى متأنف ... يبدو ويخفى فى خفى مطالها
يسمو لها بدر الدجى متضائلا ... كتضاؤل الحسناء فى أسمالها
ومنه:
أتت ولكن بعد طول غياب ... وفرط لجاج ضاع فيه شبابى
وما زلت والعليا تعنى غريمها ... أعلل نفسى دائماً بمثاب
وهيهات من بعد الشباب وشرخه ... يلذ طعامى أو يسوغ شرابى
خدعت بهذا العيش قبل بلائه ... كما يخدع الصادى يلمع سراب
ومنه قوله فى الحنين إلى بلده تلمسان قصيدة من أبدع قصائده هذا مطلعها:
تلمسان لو أن الزمان بها يسخو ... منى النفس لا دار السلام ولا الكرخ
ودارى بها الأولى التى حيل دونها ... مثار الأسى لو أمكن الحنق اللبخ
وعهدى بها والعمر فى عنفوانه ... ومنه شبابى لا أجين ولا مطخ (1).
ومنهم أبو حيان الغرناطى، محمد بن يوسف بن على، ولد بغرناطة سنة 654 هـ وطاف بالمشرق، وتوفى بمصر سنة 745 هـ (1344 م)، وكان فوق تضلعه فى الحديث والتفسير بارعاً فى اللغة والأدب، إماماً فى النثر، ونظم
_______
(1) راجع فى أخبار ابن خميس شعره: نفح الطيب ج 3 ص 184 - 194، وأزهار الرياض ج 3 ص 303
(5/464)

الموشحات، وقد ترك مؤلفات كثيرة فى التفسير واللغة والأدب، وله شعر كثير ومن نظمه قوله فى موشحته:
إن كان ليل داج. وخاننا الإصباح. فنورها الوهاج. يغنى عن المصباح
سلافة تبدو ... كالكوكب الأزهر
مزاجها شهد ... وعرفها عنبر
يا حبذا الورد ... منها وإن سكر (1).
وكان الرئيس أبو الحسن على بن الجياب، وزير السلطان يوسف أبى الحجاج وكاتبه، فى طليعة أقطاب النثر والنظم فى تلك الفترة، ولد بغرناطة سنة 673 هـ، وبرع فى الشعر والأدب، وتقلب فى مناصب الكتابة حتى غدا رئيساً لديوان الإنشاء، وكان من معاونيه فى الكتابة لسان الدين بن الخطيب وقد ورث منصبه عقب وفاته. وتوفى ابن الجياب ضمن ضحايا الوباء الكبير سنة 749 هـ (1348 م). ومن شعره قوله:
لله در الشباب عصرا ... فتح للخير كل باب
حفظت ما شئت فيه حفظا ... كنت أراه بلا ذهاب
حتى إذا ما المشيب وافى ... نَدَّ ولكن بلا إياب
ومنه فى الوعظ:
يا أيها الممسك البخيل ... إلهك المنفق الكفيل
أنفق وثق بالإله ترع ... فإن إحسانه جزيل (2).
ومن شعراء ذلك العصر أبو عبد الله محمد بن جابر الأندلسى الهوارى الضرير، وقد رحل إلى المشرق، ومدح بعض أمرائه، وقصد إلى سلطان ماردين فأجزل صلته، وقد أشار ابن بطوطة الرحالة إلى ذلك عند ذكره فى رحلته لسلطان ماردين (3)؛ ولابن جابر موشحات كثيرة ومدائح جيدة فى الصحابة وآل البيت، ومن شعره فى الغزل قوله:
شغفت بها حيناً من الدهر لم يكن ... سوى سكب دمعى فى محبتها كسبى
وما أصل هذا كله غير نظرة ... إلى مقلة منها أصغت لها قلبى
_______
(1) راجع ترجمته وشيئاً من شعره فى فوات الوفيات ج 2 ص 282 - 285.
(2) راجع ترجمة ابن الجياب وشعره: نفح الطيب ج 3 ص 223 - 229.
(3) نفح الطيب ج 4 ص 393؛ ورحلة ابن بطوطة ج 1 ص 150
(5/465)

ومنه:
تجنت فجن فى الهوى كل عاقل ... رآها وأحوال المحب جنون
وما وعدت إلا غلت فى مطالها ... كذلك وعد الغانيات يكون
ومنه فى الحكم:
مهلا فما شيم الوفا منقادة ... لمن ابتغى من نيلها أوطارا
رتب المعالى لا تنال بحية ... يوماً ولو جهد الفتى أوطارا
وقال يتشوق إلى حمراء غرناطة:
دامت على الحمراء حمر مدامعى ... والقلب فيما بين ذلك ذائب
طال المدى بى عنهم ولربما ... قد عاد من بعد الإطالة غائب

...
وظهر من أقطاب اللغة فى تلك الفترة عدة، منهم أبو بكر محمد بن إدريس الفرانى القضاعى المتوفى سنة 707 هـ (1307 م). وقد كتب فى علم العروض كتاب "الختام المفضوض عن خلاصة علم العروض" ومنه نسخة بمكتبة الإسكوريال (1).
ومنهم أبو جعفر أحمد بن ابراهيم بن الزبير الحافظ النحوى شيخ ابن الخطيب الأب، وقد ولد بجيان سنة 626 هـ وتوفى سنة 708 هـ (1308 م). قال ابن الخطيب فى حقه: "انتهت إليه رياسة العربية بالأندلس"؛ وكان عالماً بالقرآن والحديث، مجيداً للنثر والنظم، ولى القضاء بغرناطة، واتصل بسلطانها الأمير أبى عبد الله محمد بن محمد بن الأحمر فأكرم مثواه، وقد صنف كتباً عدة فى مختلف الفنون، ومن آثاره المنشورة كتاب "صلة الصلة" الذى ألفه ذيلا على كتاب الصلة لابن بشكوال (2).
ومنهم أبو الحسن على بن يحيى الفزارى المالقى المعروف بابن البرزى المتوفى سنة 750 هـ (1349 م)، وكان بارعاً فى اللغة، وله شعر يصفه ابن الخطيب بالضعف والهزال.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن على الفخّار البيرى، كان شيخ النحاة بالأندلس فى عصره؛ درس عليه الكثيرون ومنهم ابن الخطيب وابن زمرك، وقد وصفه
_______
(1) المستشرق بروكلمان فى تاريخ الأدب العربى Geschichte der Arabischen Litteratur 1943.B. II. p. 259.
(2) راجع فى ترجمة ابن الزبير، كتاب "صلة الصلة" المنشور بعناية الأستاذ ليفى بروفنسال فى المقدمة ص: و - ج. وكذلك الإحاطة ج 1 ص 195 - 200
(5/466)

ابن الخطيب فى الإحاطة "بالإمام المجمع على إمامته فى العربية، المفتوح عليه من الله فيها حفظاً واطلاعاً، واضطلاعاً، ونقلا وتوجيها بما لا مطمع فيه لسواه"، وكانت وفاته بغرناطة سنة 754 هـ (1353 م) (1).

...
ونبغ من علماء الدين والفقه فى تلك الفترة، القاسم بن عبد الله بن الشط الأنصارى الإشبيلى، المتوفى سنة 725 هـ (1324 م) وله كتاب "البرنامج" عن قضاة الأندلس (2). وأبو القاسم بن جزى الكلبى (محمد بن أحمد بن محمد) وهو من أهل غرناطة، وأصل سلفه من ولبة بولاية الغرب، كان فقيها حافظا مشاركا فى فنون كثيرة، ولاسيما اللغة والفقه، والقراءات والأدب. اشتغل بالتدريس بغرناطة، وتولى منصب الخطابة بالجامع الأعظم، وله عدة مؤلفات منها كتاب "التسهيل لعلوم التنزيل" و "الأنوار السنية فى الألفاظ السنية" و "القوانين الفقهية فى تلخيص مذهب المالكية" وكتاب "تقريب الوصول إلى علم الأصول" وغيرها، وله فهرسة اشتملت على طائفة كبيرة من علماء المشرق والمغرب، ولد بغرناطة سنة 693 هـ وتوفى قتيلا فى موقعة طريف سنة 741 هـ (3).
وازدهر التصوف فى هذا العصر، وكان من أقطابه يومئذ أبو الحسن على ابن فرحون القرشى القرطبى، المتوفى سنة 751 هـ (1350 م)، وأبو اسحاق ابراهيم بن يحيى الأنصارى المرسى، وقد ولد فى سنة 687 هـ وتوفى بغرناطة سنة 751 هـ (1350 م)، وله كتاب "زهرة الأكمام" فى قصة يوسف؛ وأبو عبد الله محمد بن محمد الأنصارى المالقى المولود سنة 649 هـ، والمتوفى سنة 754 هـ (1353 م)، وله كتاب "بغية السالك فى أشرف المسالك" فى مراتب الصوفية وطرائق المريدين (4).
وظهر من المؤرخين، محمد بن يحيى بن أبى بكر بن سعيد الأنصارى المالكى.
وقد ولد سنة 674 هـ، وتولى الخطابة والقضاء بغرناطة، وتوفى قتيلا فى
_______
(1) نفح الطيب ج 3 ص 182 و 196.
(2) بروكلمان، المصدر السابق ج 2 ص 264.
(3) نفح الطيب (عن الإحاطة) ج 3 ص 271، وبروكلمان المصدر السابق ج 2 ص 265.
(4) بروكلمان، المصدر السابق ج 2 ص 265
(5/467)

سنة 741 هـ (1340 م) فى موقعة طريف. ومن آثاره كتاب "التمهيد والبيان فى مقتل الشهيد عثمان بن عفان" (1).
ومن الرحل والرواة، أبو البقاء خالد بن عيسى البلوى، وقد رحل إلى إفريقية والمشرق بين سنتى 746 و 740 هـ، وكتب عن رحلته كتاب "تاج المفرق فى تحلية علماء المشرق" وانتفع فى مؤلفاته بما كتبه ابن جبير عن المشرق (2).

...
وأما العلوم فلم تزدهر مثل إزدهارها فى الماضى، ولم تشغل فى الحركة الفكرية سوى مجال محدود. وكان من أشهر علماء ذلك العصر أبو زكريا يحيى بن هذيل حكيم غرناطة وفيلسوفها المتوفى سنة 753 هـ (1353 م)، وقد برع فى الطب والفلسفة والعلوم والرياضة، وكان من شيوخ ابن الخطيب (3) وقد وصفه ابن الخطيب فى الإحاطة بأنه "درة بين الناس معطلة، وخزانة على كل فائدة مقفلة" ونوه بروعة محاضراته وأدبه. وله شعر جمع فى ديوان سمى "بالسليمانيات". وقد نقل إلينا المقرى طائفة من نظمه (4). ونستطيع أن نضع فى العلماء المعاصرين أيضاً شيخ ابن الخطيب أبا عثمان سعد بن أحمد بن ليون التجيبى، وكان من أكابر الأئمة فى الفقه، واختصر عدة من أمهات الكتب مثل كتاب "بهجة المجالس" لابن عبد البر. وكتب كتباً فى الهندسة والفلاحة (5).
_______
(1) بروكلمان، المصدر السابق ج 2 ص 260، وتوجد من هذا الكتاب نسخة مخطوطة بدار الكتب المصرية.
(2) بروكلمان، المصدر السابق ج 2 ص 266، وتوجد من كتابه نسخة خطية بدار الكتب المصرية.
(3) راجع نفح الطيب ج 3 ص 52. وص 258.
(4) نفح الطيب ج 3 ص 258 - 263.
(5) راجع نفح الطيب ج 3 ص 302
(5/468)

الفصل الثالث
عهد النضج والازدهار
تقدم الحركة الفكرية. ابن سلبطور الشاعر. أبو القاسم الحسينى. ابن خاتمة. ابن الخطيب. نشأته وحياته. سفارته إلى المغرب وقصيدته للسلطان. وصفه لحياته فى الوزارة. سقوطه وجوازه إلى المغرب. احتفاء السلطان به وإنشاده فى حضرته. ابن الخطيب وابن خلدون. ما قاله الأمير ابن الأحمر فى تقدير ابن الخطيب. تهنئته السلطان. عوده إلى الأندلس وإلى تولى الوزارة. وصفه لجهوده يومئذ. ما ينسب إليه من طغيان. فقده لحظوته وجوازه إلى المغرب. كيد خصومه له. اتهامه بالزندقة. تطور الحوادث فى المغرب. تفاهم بلاط غرناطة مع سلطان المغرب على الإيقاع به. الوزير ابن زمرك يلاحقه فى فاس. اتهامه ومصرعه. مؤلفاته وآثاره. أثره فى تطور الحركة الأدبية. ابن زمرك تلميذ ابن الخطيب. نشأته وحياته. مكانته الأدبية. نماذج من شعره وموشحاته. الموازنة بينه وبين ابن الخطيب. بقية الشعراء والأدباء فى تلك الفترة. الفقهاء. المؤرخون.

شهدت الحركة الفكرية الأندلسية فى مملكة غرناطة، مرحلة النضج فى أواسط القرن الثامن الهجرى وأواخره، وشهدت فى النصف الأخير من هذا القرن، ذروة قوتها وازدهارها. ولا غرو فهذه الفترة هى التى سطع فيها ابن الخطيب، أعظم مفكرى الأندلس، وأعظم كتابها وشعرائها فى ذلك العصر. وامتازت هذه الفترة، بروعة إنتاجها الأدبى فى النثر والنظم، وربما كان للأحداث والفتن الداخلية الخطيرة التى جازتها الأندلس يومئذ، أكبر أثر فى تغذية هذه الحركة الممتازة، وإمدادها بمختلف الإنفعالات القوية، التى طبعت إنتاجها.
وقد بدأت هذه الحركة فى عصر السلطان أبى الحجاج يوسف بن اسماعيل، أعظم سلاطين بنى نصر (733 - 755 هـ) وأشدهم حماسة فى تعضيد الآداب والفنون، واستمرت من بعده طوال القرن الثامن الهجرى، وحفلت بعدد كبير من الأدباء والشعراء الممتازين. وقد استعرضنا الكثير منهم فيما تقدم حتى منتصف القرن الثامن، وسنمضى هنا فى استعراض بقية هذا الثبت الحافل حتى أواخر
هذا القرن.
كان من أكابر الشعراء فى بداية هذه الفترة، ابن سلبطور شاعر ألمرية، وهو أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد بن سلبطور الهاشمى، والظاهر أنه قد يرجع إلى أصل من أصول المولدين الإسبان، كما يدلى بذلك اسمه سلبطور Salvador؛
(5/469)

وقد نشأ بألمرية، وبرع فى الأدب، وتدرب منذ فتوته على ركوب البحر وقيادة السفن، وناب فى قيادة الأسطول عن خاله القائد أبى على الرنداحى أحد أبناء أسرة الرنداحى، التى اشتهرت عصراً بقيادتها للأساطيل الأندلسية وأساطيل سبتة. واشتهر ابن سلبطور برائق نظمه. وفى أواخر حياته انحرف عن جادة الصواب، وانكب على ملاذه وشهواته، وأضاع كل ثروته، حتى ساءت حالته، وانحدر إلى هاوية الفقر والبؤس، فعبر البحر إلى العدوة، وتوفى بمراكش سنة 755 هـ (1354 م). ومن شعره يمتدح السلطان حين حل بألمرية:
أثغرك أم سمط من الدر ينظم ... وريقك أم مسك من الراح تختم
ووجهك أم باد من الصبح نير ... وفرعك أم داج من الليل مظلم
أعلل منك الوجد والليل ملتقى ... وهل ينفع التعليل والخطب مؤلم
وأقنع من طيف الخيال بزورة ... لو أن جفونى بالمنام تنعم (1).
ومنهم أبو عبد الله محمد بن جُزى، الكاتب الشاعر، ولد بغرناطة سنة 721 هـ، وانتظم منذ فتوته بين كتاب السلطان أبى الحجاج يوسف، وحظى لديه ومدحه بطائفة من القصائد الرنانة، ثم غضب عليه ونكبه، فغادر الأندلس إلى العدوة، ودخل فى خدمة السلطان أبى عنان المرينى ومدحه؛ وكان بارعاً فى النثر والنظم؛ ذكره ابن الأحمر فى "نثير الجمان" وأشاد بمقدرته، ووصفه بأنه أعظم شاعر فى عصره. وكانت وفاته بمراكش سنة 757 هـ (1356 م) (2). وهو الذى أنشأ رحلة ابن بطوطة من مذكرات صاحبها حسبما ينوه بذلك فى خاتمة الكتاب (3).
ومنهم قاضى الجماعة، أبو القاسم محمد بن أحمد الشريف الحسينى، ولد سنة 697 هـ، وتوفى بغرناطة سنة 760 هـ (1358 م)، ولى رياسة القضاء، وكان فوق تضلعه فى الحديث والفقه، شاعراً مجيداً، وكتب فى العروض والأدب، وجمع شعره فى ديوان أسماه "جهد المقل" (4).
ومنهم أبو جعفر أحمد بن على بن محمد بن خاتمة الأنصارى، ولد بألمرية
_______
(1) نفح الطيب (عن الإحاطة) ج 3 ص 450.
(2) راجع نفح الطيب ج 3 ص 284 وما بعدها، وأزهار الرياض ج 2 ص 189 وما بعدها وفيه يورد بعض شعره.
(3) أزهار الرياض ج 2 ص 195، ورحلة ابن بطوطة (مصر) ج 2 ص 207.
(4) راجع نفح الطيب ج 3 ص 107
(5/470)

سنة 724 هـ. وتوفى سنة 770 هـ (1369 م). وكان أديباً كبيراً وشاعراً مبرزاً. وقد خصه ابن الخطيب فى الإحاطة بترجمة قوية (1)، ووصفه بأنه "صدر يشار إليه، متفنن، مشارك، قوى الإدراك، سديد النظر، قوى الذهن، جيد القريحة". ووصفه فى كتابه "التاج المحلى" بقوله: "ناظم درر الألفاظ، ومقلد جواهر الكلام، نحور الرواة ولبات الحفاظ".
وكتب ابن خاتمة عن مسقط رأسه ألمرية، كتاباً أسماه "مزية ألمرية على غيرها من البلاد الأندلسية"، وكتب عن الوباء الكبير الذى عصف بالأندلس سنة 749 هـ (1348 م) رسالة عنوانها، " تحصيل غرض القاصد فى تفصيل المرض الوافد " يصف فيها عصف الوباء وسيره بمدينة ألمرية (2). وله ديوان شعر محفوظ بمكتبة الإسكوريال. ومن شعره قوله من قصيدة طويلة:
من لم يشاهد موقفاً لفراق ... لم يدر كيف توله العشاق
إن كنت لم تره فسائل من رأى ... يخبرك عن ولهى وعن أشواقى
من حر أنفاس وخفق جوانح ... وصدوع أكباد وفيض مآق
دهى الفؤاد فلا اللسان بناطق ... عند الوداع ولا بلفظ فراق
وقوله من قصيدة أخرى:
لولا حياتى من عيون النرجس ... للثمت خد الورد بين السندس
ورشفت من ثغر الأقاحة ريقها ... وضممت أعطاف الغصون الميس
شتان بين مظاهر ومخاتل ... وعف الحجا ومطهر ومدنس
ومجمجم بالعذل باكرنى به ... والطير أفصح مسعد بتأنس (3).
وقوله:
هو الدهر لا يبقى على عائذ به ... فمن شاء عيشاً يصطبر لنوائبه
فمن لم يصب فى نفسه فمصابه ... بفوت أمانيه وفقد حبائبه
وكتب ابن خاتمة إلى صديقه ابن الخطيب، حينما أزمع الرحلة عن الأندلس، رسالة مؤثرة يخاطبه فيها بقوله: "إنكم بهذه الجزيرة شمس أفقها، وتاج مفرقها،
_______
(1) تراجع هذه الترجمة فى الإحاطة ج 1 ص 247 - 267.
(2) توجد من هذه الرسالة نسخة مخطوطة ضمن مجموعة تحفظ بمكتبة الإسكوريال (رقم 1785 الغزيرى).
(3) تراجع هاتان القصيدتان فى الإحاطة ج 1 ص 252 - 254 و 255 - 257
(5/471)

وواسطة سلكها، وطراز ملكها، وقلادة نحرها، وفريدة دهرها، وعقد جيدها المنصوص، وتمام زينتها على المعلوم والمخصوص؛ ثم أنتم مدار أفلاكها، وسر سياسة أملاكها، وترجمان بيانها، ولسان إحسانها، وطبيب مارستانها، والذى عليه عقد إدارتها، وبه قوام إمارتها". وقد رد عليه ابن الخطيب برسالة مؤثرة كذلك تفيض بلاغة وبياناً (1).

- 2 -
نعرض بعد ذلك، إلى ألمع فترة فى الحركة الفكرية، فى ظل مملكة غرناطة، وهى الحركة التى كان قطبها ومحورها، أعظم مفكرى الأندلس، وأعظم شعرائها وكتابها، فى القرن الثامن الهجرى، ونعنى لسان الدين بن الخطيب.
وقد أشرنا فيما تقدم إلى نشأة ابن الخطيب، واستعرضنا طرفاً من حياته السياسية، ونريد هنا أن نبسط القول فى حياته الفكرية والأدبية.
وهو لسان الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن سعيد بن الخطيب؛ ولد فى لوشة من أعمال غرناطة، فى بيت من أكرم بيوت الأندلس فى شهر رجب سنة 713 هـ (1313 م)، ثم انتقل بيتهم من لوشة إلى غرناطة. وخدم أبوه عبد الله فى القصر والخاص فى عهد السلطان يوسف أبى الحجاج. وتلقى ابن الخطيب دراسة حسنة. ودرس الطب والفلسفة والشريعة والأدب، وبرز فى النثر والنظم منذ حداثته، ولما توفى أبوه فى سنة 741 هـ قتيلا فى موقعة طريف حل مكانه فى خدمة القصر، وهو فتى فى عنفوانه، وتولى أمانة السر للوزير أبى الحسن بن الجياب، وزير السلطان يوسف. ولما توفى ابن الجياب فى الوباء الكبير سنة 749 هـ، خلفه فى الوزارة والكتابة، إلى جانب كبير الوزراء الحاجب أبى النعيم رضوان، وندبه السلطان لبعض السفارات والمهام السياسية. ولما توفى السلطان أبو الحجاج يوسف (755 هـ)، وخلفه ولده محمد الغنى بالله، استمر الحاجب رضوان فى الاضطلاع برياسة الوزارة، واستمر ابن الخطيب إلى جانبه فى منصبه، وندب للوصاية على الأمراء القصر، وأرسله السلطان لأول ولايته (أواخر سنة 755 هـ) سفيراً إلى السلطان أبى عنان المرينى سلطان المغرب، على رأس وفد من وزراء
_______
(1) راجع الإحاطة حيث يورد رسالة ابن خاتمة ورد ابن الخطيب عليها ج 1 ص 261 - 267
وكذلك أزهار الرياض ج 1 ص 265 - 270. وراجع عن ابن خاتمة نفح الطيب ج 2 ص 184
و411 ما بعدها؛ وكذلك بروكلمان، المصدر السابق ج 2 ص 259
(5/472)

الأندلس، يستنصره ويستغيث به على مقاومة طاغية قشتالة، وأنشد ابن الخطيب بين يدى السلطان قصيدة يقول فيها:
خليفة الله ساعد القدر ... علاك ما لاح فى الدجى قمر
ودافعت عنك كف قدرته ... كلا ليس يستطيع دفعه البشر
وجهك فى النائبات بدر دجى ... لنا وفى المحل كفك المطر
والناس طرا بأرض أندلس ... لولاك ما أوطنوا ولا عمروا
وجملة الأمر أنه وطن ... فى غير علياك ما له وطر
فاهتز السلطان لقصيدته، ووعدهم بإجابة ملتمسهم وتحقيق رغباتهم (1).
ثم وقعت الثورة فى غرناطة فى شهر رمضان سنة 760 هـ (1359 م)، وقتل الحاجب رضوان، وأقصى الغنى بالله عن الملك، وفر إلى وادى آش، وخلفه على العرش أخوه اسماعيل، وولى ابن الخطيب الوزارة للملك الجديد حيناً، ولكن سرعان ما غضب عليه، وأمر باعتقاله ومصادرة أمواله. ويصف لنا ابن الخطيب فى ترجمته لنفسه، فى نهاية كتاب الإحاطة، هذه المراحل الأولى من حياته فى قوله: "فقلدنى السلطان سره (يريد أبا الحجاج) ولما يستكمل الشباب، واستعملنى فى السفارة إلى الملوك، واستنابنى بدار ملكه، ورمى إلى بخاتمه وسيفه، وائتمننى على صون حضرته وبيت ماله، وسجوف حرمه. ومعقل امتناعه. ولما هلك السلطان، ضاعف ولده حظوتى، وأعلى مجلسى، وقصر المشورة على نصحى، إلى أن كانت الكائنة، فاقتدى فى أخوه المتغلب على الأمر، فسجل الاختصاص وعقد القلادة، ثم حمله أهل الشحناء من أعوان ثورته، على القبض علىّ، فكان ذلك".
وتدخل السلطان أبو سالم ملك المغرب، فى شأن السلطان المخلوع الغنى بالله، وكانت تربطه به مودة وصداقة، مذ كان أيام محنته يلوذ بحمايته بغرناطة، وأرسل إلى ملك غرناطة الجديد سفيراً يطلب إجازة الغنى بالله ووزيره المعتقل إلى المغرب، فأجابه السلطان اسماعيل إلى مطلبه، وجاز الغنى بالله وابن الخطيب إلى المغرب ووصلا إلى فاس فى أوائل شهر المحرم سنة 761 هـ، واستقبلهما السلطان أبو سالم بترحاب، واحتفل بقدومهما فى يوم مشهود، وأنشده ابن الخطيب يومئذ قصيدته المشهورة، التى يدعوه فيها لنصرة سلطانه وهذا مطلعها:
_______
(1) راجع نفح الطيب ج 3 ص 53؛ وابن خلدون ج 7 ص 333
(5/473)

سَلا هل لديها من مخبرة ذكر ... وهل أعشب الوادى ونم به الزهر
وهل باكر الوسمىُّ داراً على اللوى ... عفت آيها إلا التوهم والذكر
بلادى التى عاطيت مشمولة الهوى ... بأكنافها والعيش فينان مخضر
وجوّى الذى ربى جناحى وكره ... فها أنا ذا ما لى جناح ولا وكر
ومنها:
قصدناك يا خير الملوك على النوى ... لتنصفنا مما جنى عبدك الدهر
كففنا بك الأيام عن غلوائها ... وقد رابنا منها التعسف والكبر
وعُذنا بذاك المجد فانصرم الردى ... ولذنا بذاك العزم فانهزم الشر
ولما أتينا البحر يرهب موجه ... ذكرنا نداك الغمر فاحتقر البحر
ومنها:
وأنت الذى تدعى إذا دهم الردى ... وأنت الذى ترجى إذا أخلف القطر
ومثلك من يرعى الدخيل ومن دعا ... بيالمرين جاءه العز والنصر
وخذ يا إمام الحق بالحق ثأره ... ففى ضمن ما تأتى به العز والأجر (1).
وكان لإنشاد ابن الخطيب فى السامعين أعظم وقع. ويقول لنا ابن خلدون، وقد كان من شهود ذلك الحفل، إن ابن الخطيب أبكى سامعيه تأثراً وأسى. وكان هذا أول لقاء بين هذين المفكرين العظيمين، اللذين تجمع بينهما مشابهات عدة. فقد كان كلاهما أستاذ عصره فى التفكير والكتابة، وقد خاض كلاهما نفس الحياة السياسية المضطربة، وأخذ بقسط بارز فى حوادث عصره، وفى توجيه شئونه؛ وكان ابن خلدون يشغل فى دول المغرب، نفس المركز الذى يشغله ابن الخطيب بالأندلس، وقد استأثر فى المغرب بزعامة التفكير والكتابة، التى يستأثر بها ابن الخطيب فى الأندلس. وتوثقت بين المفكرين العظيمين مدى حين، أواصر المودة والصداقة، ثم فرقت بينهما عوامل الغيرة والتنافس، حينما عبر ابن خلدون بعد ذلك إلى الأندلس، واتصل بسلطانها الغنى بالله. وكان كل منهما يقدر صاحبه ويُجل مواهبه، وقد ترجم كلاهما صاحبه بما ينم عن هذا التقدير والإجلال، فيقول لنا ابن خلدون مثلا فى ترجمته لابن الخطيب إنه "بلغ فى الشعر والترسل حيث لا يجارى فيهما، وملأ الدولة بمدايحه، وانتشرت فى الآفاق قدماه". ثم ينوه بعد ذلك
_______
(1) تراجع هذه القصيدة بأكملها فى نفح الطيب ج 3 ص 45 - 47، وأزهار الرياض ج 1 ص 196 - 200
(5/474)

بروعة رسائله السلطانية، وبراعته فى الإدارة والحكم (1).
ويصف لنا الأمير أبو الوليد اسماعيل بن الأحمر، معاصر ابن الخطيب، خلاله ومواهبه "فى كتابه نثير الجمان" فى تلك العبارات الرنانة:
"هو شاعر الدنيا، وعلم الفرد والثنيا، وكاتب الأرض إلى يوم العرض، لا يدافع مدحه فى الكتب، ولا يمنح فيه إلى العتب، آخر من تقدم فى الماضى، وهو نفيس العدوتين، ورئيس الدولتين، بالاطلاع على العلوم العقلية، والإمتاع بالفهوم النقلية " ثم يشير بعد ذلك إلى قسوته فى الهجاء، وإلى كونه قد هجا ابن عمه سلطان الأندلس بما لا يليق ويجمل (2).
وتجول ابن الخطيب حيناً بالمغرب، واستقر بسلا، وتوالت مدائحه للسلطان أبى سالم، ومنها قصيدة طويلة يهنىء فيها السلطان بفتح تلمسان (761 هـ) هذا مطلعها:
أطاع لسانى فى مديحك إحسانى ... وقد لهجت نفسى بفتح تلمسان
فأطلعتها تفتر عن شنب المنى ... وتسفر عن وجه من السعد حيانى
كما ابتسم النوار عن أدمع الحيا ... وجف بخد الورد عارض نيسان
كما صفقت ريح الشمال شمولها ... فبان ارتياح السكر فى غصن البان (3)
وبعث إلى السلطان فى الوقت نفسه من سلا، برسالة بليغة يهنئه فيها بذلك الفتح الكبير (4).
أنفق ابن الخطيب ومليكه فى المنفى زهاء عامين ونصف، حتى مهدت حوادث الأندلس لسقوط المغتصب، واستطاع الغنى بالله بمعاونة الوزير عمر المتغلب على المغرب، أن يسترد ملكه، وذلك فى جمادى الآخرة سنة 763 هـ (1361 م)، ورد السلطان وزيره ابن الخطيب إلى سابق مكانته فى الوزارة، ولكنه لم ينعم تلك المرة بسابق حظوته ونفوذه، إذ كان ينافسه فى السلطة شيخ الغزاة عثمان بن يحيى، الذى قربه السلطان وأولاده عطفه، لما قام به
_______
(1) كتاب العبر ج 7 ص 332 وما بعدها.
(2) راجع نفح الطيب ج 3 ص 334، حيث ينقل تلك الفقرات. وتوجد من كتاب "نثير الجمان" نسخة خطية وحيدة بدار الكتب المصرية تحفظ برقم 1863 آداب.
(3) وردت هذه القصيدة بأكملها فى نفح الطيب ج 3 ص 16 - 19؛ وفى بعض أجزائها ينحو
ابن الخطيب نحو أبى البقاء فى مرثيته الأندلسية.
(4) وردت هذه الرسالة فى نفح الطيب ج 3 ص 19 و 20
(5/475)

من معاونته فى استرداد ملكه. ونشبت بين الرجلين منافسة شديدة، وما زال ابن الخطيب يحرض السلطان ويحذره من نفوذ عثمان وآله، ويذكره بسابق غدرهم، حتى استجاب السلطان إلى تحريضه ونكبهم (رمضان سنة 764 هـ)، وبذا خلا له الجو، وتبوأ ذروة النفوذ والسلطان.
ويصف لنا ابن الخطيب، جهوده وعمله فى الوزارة يومئذ فى قوله: "ثم صرفت الفكر إلى بناء الزاوية والمدرسة والتربة، بكر الحسنات بهذه الخطة، بل بالجزيرة فيما سلف من المدة، فتأتى بمنة الله تعالى من صلاح السلطان، وعفاف الحاشية، والأمن، وروم الثغور، وتثمير الجباية، وإنصاف الحماة والمقاتلة، ومقارعة الملوك المجاورة، فى إيثار المصلحة الدينية، والصدع فوق المنابر، ضماناً من السلطان، بترياق سم الثورة، وإصلاح بواطن الخاصة والعامة ... " (1).
غير أن معظم الروايات تدل من جهة أخرى، على أن ابن الخطيب جنح عندئذ إلى الاستبداد وسوء المسلك والسيرة. وإليك كيف يصف صديقه ومعاصره ابن خلدون هذه الرحلة من حياته:
"وغلب على هوى السلطان، ودفع إليه تدبير الدولة، وخلط بنيه بندمائه وأهل حكومته، وانفرد ابن الخطيب بالحل والعقد، وانصرفت إليه الوجوه، وعلقت به الآمال، وغشى بابه الخاصة والكافة، وغصت به بطانة السلطان وحاشيته، فتفننوا فى السعاية فيه" (2).
وأنفق ابن الخطيب بضعة أعوام أخرى فى الوزارة وهو يستأثر بكل سلطة ويتصرف تصرف الحاكم المطلق، ويثير حوله ضراماً من البغضاء والحسد. وكان السلطان يعرض فى البداية عن الإصغاء لأعدائه والوشاة به، ولكنه بدأ فى النهاية يتأثر بسعايتهم. وشعر ابن الخطيب أنه قد بدأ يتغير عليه، وخشى العاقبة، فعول على مغادرة الأندلس، واستأذن السلطان فى تفقد الثغور الغربية، وسار إليها فى نفر من خاصته ومعه ولده على، وما كاد يصل إلى جبل الفتح (جبل طارق)، حتى عبر البحر إلى سبتة (772 هـ)، وذلك بتفاهم سابق بينه وبين السلطان عبد العزيز المرينى، ملك المغرب، وكان يقيم يومئذ فى تلمسان عقب افتتاحه لها، فقصد إليها ابن الخطيب، واستقبله السلطان بحفاوة، وأنزله أكرم منزل، وبعث سفيراً إلى الأندلس ليسعى فى استقدام أسرة الوزير المنفى، فأتى بها معززة مكرمة،
_______
(1) نفح الطيب ج 3 ص 41.
(2) ابن خلدون فى كتاب العبر ج 7 ص 335
(5/476)

وتبوأ ابن الخطيب فى بلاط ملك المغرب أسمى مكانة. وغص خصوم ابن الخطيب بغرناطة، بنجاته على هذا النحو، فعولوا على ملاحقته وسحق هيبته، فاتهموه بالزندقة والخروج على شريعة الإسلام، والطعن فى النبى، والقول بالحلول، وسلوك مذهب الفلاسفة الملحدين، واستندوا فى ذلك إلى بعض أقوال وردت فى رسائله ومقالاته أوّلوها وفق مقاصدهم. وكان تلميذه وخلفه فى الوزارة أبو عبد الله بن زمرك، أكبر مروج لهذه الدعاية، وتولى صوغ الإتهام القاضى أبو الحسن على بن عبد الله النباهى عدو ابن الخطيب الألد، وأفتى بوجوب حرق كتبه التى تتناول العقائد والأخلاق، فأحرقت فى غرناطة بمحضر من الفقهاء والمدرسين والعلماء "لما تضمنته من المقالات التى أوجبت ذلك عندهم وحققته لديهم" (سنة 773 هـ) (1). ووجه أبو الحسن إلى ابن الخطيب بالمغرب رسالة شديدة، ينوه فيها بما ارتكبه من الطعن فى حق النبى، ويقول: "فإنه نقل عنكم فى هذا الباب أشياء منكرة، يكبر فى النفوس التكلم بها، أنتم تعلمونها وهى التى زرعت فى القلوب ما زرعت من بغضكم وإيثار بعدكم، مع استشعار الشفقة والوجل، من وجه آخر عليكم، ولولا أنكم سافرتم قبل تقلص السلطة عنكم، لكانت الأمة المسلمة امتعاضاً لدينها ودنياها، قد برزت بهذه الجهات لطلب الحق منكم". ثم يعدد مثالبه فى الحكم قائلا: "فليس يعلم أنه صدر عن مثلكم من خدام الدول، ما صدر من العبث، فى الإبشار والأموال، وهتك الأعراض وإفشاء الأسرار، وكشف الأستار، واستعمال المكر والحيل والغدر، فى غالب الأحوال، للشريف والمشروف والخادم والمخدوم" (2). وسجل القاضى أبو الحسن تهمة الزندقة على ابن الخطيب، وصادق السلطان على حكمه، وأرسل القاضى رسله إلى السلطان عبد العزيز، يطالب بتنفيذ حكم الشرع فى الوزير الملحد وهو الإعدام، فأنف السلطان لطلبه وعنف رسل الأندلس، وقال لهم: "هلا أنفذتم فيه حكم الشرع وهو عندكم، وأنتم عالمون بما كان عليه" وردهم خائبيين، وزاد فى إكرام ابن الخطيب ورعايته (3).
_______
(1) كتاب المرقبة العليا، أو تاريخ قضاة الأندلس لأبى الحسن النباهى المنشور بعناية الأستاذ ليفى بروفنسال ص 202.
(2) نفح الطيب ج 3 ص 69.
(3) راجع ابن خلدون فى كتاب العبر ج 7 ص 235 و 236، ونفح الطيب ج 3 ص 67 و 68
(5/477)

ولما توفى السلطان عبد العزيز بعد ذلك بقليل (774 هـ)، وخلفه ولده السعيد طفلا على العرش، غادر بلاطُ المغرب تلمسان، وسار ابن الخطيب برفقة الوزير أبى بكر بن غازى القائم بالدولة، ونزل بفاس، واقتنى الضياع والدور، واستمر على مكانته فى الدولة. ولكن حوادث المغرب ما لبثت أن تمخضت عن انقلاب جديد. ذلك أن الثورة نشبت فى شمال المغرب، على يد بعض الزعماء من بنى مرين. وعضدت حكومة الأندلس هذه الحركة وأمدتها بالعون، ونادى الثوار بولاية الأمير أحمد بن السلطان أبى سالم. وحاول الوزير ابن غازى مقاومة الثوار فلم يفلح، واقتحم الخوارج فاس فأذعن الوزير، وخلع الملك الطفل السعيد، وجلس السلطان أحمد على العرش وذلك فى أوائل سنة 776 هـ (1374 م).
وكان ابن الخطيب قد لجأ فى أثناء ذلك إلى البلد الجديد (ضاحية فاس)، وكان التفاهم قد تم بين السلطان ابن الأحمر (الغنى بالله) وزعماء الفتنة، بشأن ابن الخطيب ومصيره؛ فلما وقع الانقلاب بادر السلطان الجديد بالقبض على ابن الخطيب واعتقاله، تنفيذاً للعهد الذى قطعه لابن الأحمر، ولم يدخر وزيره سليمان بن داود، وقد كان من ألد خصوم ابن الخطيب، جهداً فى تشديد النكير عليه وتدبير مصرعه. وكان ابن الأحمر يتوق إلى الانتقام من وزيره السابق، لما نمى إليه من أنه كان يحرض السلطان عبد العزيز على غزو الأندلس. وبعث ابن الأحمر وزيره أبا عبد الله بن زمرك إلى فاس ليعمل على تحقيق هذه الغاية، وعقد السلطان أحمد مجلساً من رجال الدولة وأهل الشورى، استدعى إليه ابن الخطيب لمناقشته، ومواجهته بالتهم المنسوبة إليه، وأخصها تهمة الزندقة، استناداً إلى ما ورد فى بعض رسائله، وعزر ابن الخطيب وعذب أمام الملأ، وأفتى بعض الفقهاء المتعصبين بوجوب قتله، ودس عليه الوزير سليمان بعض الأوغاد فقتلوه خنقاً فى سجنه، وأخذت جثته فى الغد وأضرمت فيها النار، ثم دفنت خارج فاس على مقربة من باب المحروق؛ وما زال قبره المتواضع قائماً هنالك فى مكانه حتى يومنا (1).
وهكذا ذهب الكاتب والمفكر الكبير، ضحية الجهالة والتعصب والأحقاد
_______
(1) كتبت ترجمة مستفيضة لحياة ابن الخطيب، والحوادث السياسية التى تقلب فيها، صدّرتُ بها كتاب "الإحاطة فى أخبار غرناطة"، الذى عنيت بتحقيقه، وصدر منه الجزء الأول بالقاهرة فى سنة 1956 (ص 30 - 82)
(5/478)

السياسية الوضيعة؛ وقد نقل إلينا صديقه ابن خلدون عنه أبياتاً من الشعر، كان يرددها وهو فى سجنه، ويرثى بها نفسه توقعاً لمصيره المحزن:
بعدنا وإن جاورتنا البيوت ... وجئنا بوعظ ونحن صُموت
وأنفاسنا سكنت دفعة ... كجهر الصلاة تلاه القنوت
وكنا عظاماً فصرنا عظاما ... وكنا نقوت فها نحن قوت
وكنا شموس سماء العلا ... غربن فناحت عليها البيوت
فقل للعدا ذهب ابن الخطيب وفات ومن ذا الذى لا يفوت
فمن كان يفرح منكم له ... فقل يفرح اليوم من لا يموت (1).

...
ومن الصعب علينا أن نلم بمجهود ابن الخطيب الفكرى والأدبى فى هذا المقام الضيق. والحقيقة أن ابن الخطيب كان عبقرية متعددة الجوانب، فكان طبيباً وفيلسوفاً وشاعراً وكاتباً، وكان سياسياً ومؤرخاً، وقد ترك لنا تراثاً ضخماً منوعاً، من مؤلفات عديدة، أدبية وتاريخية وطبية، وطائفة كبيرة من غرر القصائد والموشحات، ورسائل أدبية وسياسية لا تحصى؛ ومن أشهر رسائله بنوع خاص رسائله السلطانية، التى كان يكتبها عن حوادث عصره برسم ملوك المغرب، وتلك التى كان يوجهها إلى أهل الأندلس من وقت إلى آخر، يحثهم فيها على الجهاد، والذود عن وطن يتربص به العدو، ويعتزم القضاء عليه، وهى رسائل تدلى بما كان لابن الخطيب من فكر ثاقب وبصيرة نافذة، هذا فضلا عما تمتاز به من روعة البيان والأسلوب.
ونستطيع أن نذكر من مؤلفات ابن الخطيب الكتب الآتية:
الإحاطة فى أخبار غرناطة وهو أشهر آثاره التاريخية والأدبية. التاج المحلى فى مساجلة القدح المعلى. ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب، وهو يضم طائفة من أشهر رسائله السلطانية. اللمحة البدرية فى الدولة النصرية. رقم الحلل فى نظم الدول، وهو تاريخ شعرى لدول الإسلام والأندلس. نفاضة الجراب وعلالة الاغتراب، وفيه يصف أحواله وأخباره أثناء إقامته منفياً بالمغرب. كناسة الدكان بعد انتقال السكان. معيار الاختيار فى ذكر المشاهد والديار. السحر والشعر، وهو من مختاراته الشعرية. ويوجد من هذه الآثار كلها نسخ مخطوطة بمكتبة دير الإسكوريال
_______
(1) كتاب العبر ج 7 ص 341، و 352؛ وأزهار الرياض ج 1 ص 231
(5/479)

والكتيبة الكامنة فى أدباء المائة الثامنة. وأعمال الأعلام، وكلاهما يوجد بمكتبة أكاديمية التاريخ الملكية بمدريد.
ومن مؤلفاته الطبية: عمل من طب لمن حب، وهو كتاب فى وصف الأمراض والعلاج ألفه للسلطان أبى سالم المرينى (ومنه نسخة خطية بخزانة القرويين وأخرى بمكتبة مدريد الوطنية). والرجز فى عمل الترياق. رسالة تكوين الجنين.
الوصول لحفظ الصحة فى الفصول. مُقنعة السائل فى المرض الهائل، وفيه يصف أعراض الوباء الكبير فى سنة 749 هـ (ومنه نسخة بمكتبة الإسكوريال).
ومن مؤلفاته السياسية: رسالة فى السياسة. كتاب الإشارة إلى أدب الوزارة، (وهما أيضاً بالإسكوريال) وقد نقلهما المقرى فى نفح الطيب (1).
وله ديوان شعر عنوانه: "الصيب والجهام، والماضى والكهام " توجد منه نسخة مخطوطة بخزانة جامع القرويين بفاس.
ولابن الخطيب تراث حافل من الرسائل الأدبية والسياسية التى وردت فى مختلف مؤلفاته، وقد نقل إلينا المقرى منها العدد الجم، ونقل إلينا ابن خلدون بعض ما كان يتبادله معه من رسائل خاصة (2).
ويفرد المقرى فى كتابه نفح الطيب مجلدين كاملين (هما الثالث والرابع) لابن الخطيب وأخباره، وشعره ونثره، وشيوخه وتلاميذه؛ وقد نقل إلينا فيهما، من مختلف كتبه ورسائله، فصولا وشذوراً لا تحصى، كما نقل إلينا وصيته لأولاده، وهى من أبدع ما كتب (3).
وكان ابن الخطيب من أئمة الموشحات الأندلسية، ومن أشهر نظمه الموشحة الذائعة الصيت التى مطلعها:
جادَك الغيث إذا الغيث هَمَى ... يا زمان الوصل بالأندلس
لم يكن وصلك إلا حلماً ... فى الكرى أو خُلسة المختلس
_______
(1) يراجع الثبت الكامل لمؤلفات ابن الخطيب وأمكنة وجودها، وما نشر منها وما لم ينشر، فى مقدمة كتاب الإحاطة الذى سبقت الإشارة إليه (ج 1 ص 68 - 78).
(2) راجع كتاب العبر ج 7 ص 421 - 430، وكذلك التعريف بابن خلدون ورحلته غربا وشرقا (القاهرة 1951). وقد أورد لنا المقرى فى أزهار الرياض ثبتاً لآثار ابن الخطيب (ج 1 ص 189 و 190).
(3) راجع نفح الطيب ج 4 ص 419 - 426
(5/480)

إذ يقود الدهر أشتات المُنى ... ينقل الخطو على ما يَرْسمُ
زُمراً بين فرادى وثُنا ... مثل ما يدعو الوفودَ الموسمُ
والحيا قد جَلَّل الروض سَنا ... فثغور الزهر منه تبسم (1).

- 3 -
كان ابن الخطيب قطب الشعر والنثر فى عصره، وكان محور الحركة الفكرية الأندلسية كلها، فى أواسط القرن الثامن الهجرى، تجتمع إليه وتلتف حوله؛ وقد أتينا على ذكر بعض أكابر الشعراء من معاصريه، المتقدمين عنه، مثل ابن الجياب وابن سلبطور وابن خاتمة. وسنأتى هنا على ذكر أقطاب الشعر والأدب من معاصريه المتأخرين عنه. بيد أنه يجب أن نلاحظ أن عبقرية ابن الخطيب الأدبية، قد طبعت هذه المرحلة كلها، من تاريخ الحركة الفكرية الأندلسية، بطابعها القوى، وبعثت إليها كثيراً من أسباب القوة والروعة، حتى ليسوغ لنا أن نقول إن مدرسة ابن الخطيب الأدبية، امتدت منذ عصره إلى أواخر القرن الثامن، وأوائل القرن التاسع الهجرى.
بل يلوح لنا أن الأثر القوى الذى بثته هذه المدرسة الأدبية الباهرة، لم يقتصر على مملكة غرناطة، بل تعدى حدود الأندلس المسلمة إلى قواعد الأندلس الذاهبة، التى دخلت فى حوزة النصارى وتدجن أهلها، فبدا بها شعاع ضئيل من النبوغ الأدبى القديم، وظهر فيها بعض الشعراء الموهوبين، بالرغم من مضى أكثر من قرن على خضوعها لحكم اسبانيا النصرانية. فمثلا نجد بين كتاب بلنسية وشعرائها يومئذ، الفقيه أبا جعفر بن عبد الملك العذرى، ومما كتبه لابن الخطيب فى بعض الشئون:
إنى بمجدك لم أزل مستيقناً ... أن لا يهدم بالتغير ما بنى
إذ أنت أعظم ماجد يعزى له ... صنع وأكرم من عفا عمن جنى
وكتب له أيضاً:
إن كان دهر قد أساء وجارا ... فذمام مجدك لا يضيع جارا
فلأنت أعظم ملجأ ينجى إذا ... ما الدهر أنجد مُوعداً وأغارا (2)
_______
(1) راجع هذه الموشحة بأكملها فى نفح الطيب ج 4 ص 198 وما بعدها.
(2) راجع نفح الطيب ج 3 ص 426
(5/481)

وكان الوزير ابن زَمرك، تلميذ ابن الخطيب وخلفه فى الوزارة، أعظم شخصية تزعمت من بعده الحركة الأدبية بالأندلس. وهو محمد بن يوسف بن محمد الصريحى الشهير بأبى عبد الله بن زمرك، أصله من شرقى الأندلس، ونزحت أسرته إلى غرناطة. واستقرت بربض البيازين حى غرناطة الشمالى. وبه ولد أبو عبد الله سنة 733 هـ (1333 م) ودرس دراسة حسنة فى غرناطة وفاس، وخدم حيناً فى بلاط السلطان أبى سالم المرينى. ولما نفى السلطان الغنى بالله إلى المغرب، اتصل به ابن زمرك وانقطع إليه. ثم عاد حين استرد ملكه، فولاه كتابة السر وغمره بعطفه.
وظهر ابن زمرك يومئذ ببارع أدبه، وروعة نظمه ونثره؛ وينوه ابن الخطيب
فى الإحاطة بذكائه وخلاله، وتفوقه فى الدرس والأدب، ويصفه بالعبارات الآتية: "شعلة من شعل الذكاء، تكاد تحتدم جوانبه، كثير الرقة، فكه، غزل، مع حياء وحشمة ... ثاقب الذهن، أصيل الحفظ، ظاهر النبل، بعيد مدى الإدراك "ثم يصف شعره بأنه" مترام إلى هدف الإجادة، كلف بالمعانى البديعة، والألفاظ الصقيلة، غزير المادة".
وعمل ابن زَمرك فى كتابة السر فى كنف ابن الخطيب وتحت رعايته. ولكنه
كان ضالعاً مع خصومه، فلما انقضت العاصفة على ابن الخطيب وأصابته المحنة، كان ابن زمرك فى طليعة أعدائه الساعين إلى هلاكه. وقد خلفه فى الوزارة عقب فراره، وهو الذى تولى مهمة السعى لدى بلاط فاس فى محاكمته وإعدامه حسبما أسلفنا.
واستمر ابن زمرك على حظوته ونفوذه أعواماً طويلة، ولكنه كان لطغيانه وغطرسته وحدة لسانه، يثير حوله كثيراً من البغض والخصومة. وفى أواخر عهد الغنى بالله فقد حظوته ونفوذه، واعتقل ونفى خارج غرناطة، ولكنه عاد بعد وفاته إلى الحضرة. وفى بداية عهد السلطان محمد بن يوسف الثانى، أعيد إلى الوزارة، فأساء السيرة، واشتد عيثه وطغيانه، وكثر خصومه. وفى ذات ليلة من أواخر سنة 797 هـ (1395 م) دهمه فى منزله جماعة من المتآمرين، فقتلوه وولديه وخدمه شر قتلة. وينوه المقرى بما فى ذلك من عبر الدهر، إذ كان ابن زمرك هو الساعى إلى مقتل أستاذه ابن الخطيب، فكان أن دارت عليه الدائرة، وقتل مثله ولكن بصورة أقسى وأشنع (1).
_______
(1) نفح الطيب ج 4 ص 286 - 290، وينقل إلينا المقرى ترجمة ابن زمرك عن كتاب معاصره الأمير اسماعيل بن الأحمر، وينقل إلينا فى أزهار الرياض كثيراً من موشحاته (ج 2 ص 177 =
(5/482)

ولابن زَمرك شعر كثير جيد نقل إلينا المقرى منه قصائد وموشحات عديدة، فمن شعره قوله يمتدح سلطان الأندلس الغنى بالله فى سنة 765 هـ:
لعل الصبا إن صافحت روض نعمان ... تؤدى أمان القلب عن ظبية البان
وماذا على الأرواح وهى طليقة ... لو احتملت أنفاسها حاجة العانى
وما حال من يستودع الريح سره ... وبطلبها وهى النوم بكتمان
وكالطيف أستقريه فى سنة الكرى ... وهل تنفع الأحلام غلة ظمآن
إمام أعاد الملك بعد ذهابه ... إعادة لا تأبى الحسام ولا وانى
فغادر أطلال الضلال دوارسا ... وجدد للإسلام أرفع بنيان
وشيدها والمجد يشهد دولة ... محافلها تزاهى بيمن وإيمان
ومن قوله من قصيدة طويلة يصف فيها دار الملك (الحمراء):
فكم فيه للأبصار من متنزه ... تجد به نفس الحليم الأمانيا
وتهوى النجوم الزهر لو ثبتت به ... ولم تك فى أفق السماء جواريا
به البهو قد حاز البهاء وقد غدا ... به القصر آفاق السماء مباهيا
وكم حلة قد جللت بحليها ... من الوشى تنسى السابرى اليمانيا
وكم من قسى فى ذرة ترفعت ... على عمد بالنور باتت حواليا
فتحسبها الأفلاك دارت قسيها ... تظل عمود الصبح إذ بات باديا
سوارى قد جاءت بكل غريبة ... فطارت بها الأمثال تجرى سواريا
بل المرمر المجلو قد شف نوره ... فيجلو من الظلماء ما كان داجيا
به البحر دفاع العباب تخاله ... إذا ما انبرى وفد النسيم مباريا
إذا ما جلت أيد الصبا متن صفحة ... أرتنا دروعاً أكسبتنا الأباديا
ومن قوله يشيد بأعمال الأميرين سعد ونصر، ولدى السلطان، فى ميدان الجهاد:
يا آل نصر أنتم سُرج الهدى ... فى كل خطب قد تجهم مظلم
الفاتحون لكل صعب مقفل ... والفارجون لكل خطب مبهم
والباسمون إذا الكماة عوابس ... والمقدمون على السواد الأعظم
أبناء أنصار النبى وحزبه ... وذوى السوابق والجوار الأعظم
ومن قوله فى الغزل:
_______
= وما بعدها). وقد أورد المستشرق بروكلمان (ج 2 ص 229) تاريخ مقتله فى سنة 795 هـ (1393 م) ُولكن رواية ابن الأحمر هى الأرجح
(5/483)

قيادى قد تملكه الغرام ... ووجدى لا يطاق ولا يرام
ودمعى دونه صوب الغوادى ... وشجوى فوق ما يشكو الحمام
إذا ما الوجد لم يبرح فؤادى ... على الدنيا وساكنها السلام
ولابن زمرك موشحات كثيرة رائعة، ومنها موشحته الشهيرة فى الإشادة بغرناطة ومحاسنها إذ يقول:
نسيم غرناطة عليل ... لكنه يبرىء العليل
وروضها زهره بليل ... ورشفه ينقع الغليل
سقى بنجد ربا المصلى ... مباكراً روضه الغمام ... سقى بنجد ربا المصلى
تبسم الزهر فى الكمام ... والروض بالحسن قد تجلى ... وجرد النهر عن حسام
ودوحها ظله ظليل ... يحسن فى ربعه المقبل
والبرق والجو مستطيل ... يلعب بالصارم الصقيل
عقيلة تاجها السبيكة ... تطل بالمركب المنيف ... كأنها فوقه مليكة
كرسيها جنة العريف ... تطلع من عسجد سبيكة ... شموسها كلما تطيف
أبدعك الخالق الجميل ... يا منظراً كله جميل
قلبى إلى حسنه يميل ... وقلبنا قد صبا جميل (1).
ونكتفى بما تقدم فى الاقتباس من شعر الوزير ابن زمرك. ويلوح لنا أنه قد يتفوق فى شاعريته على أستاذه ابن الخطيب، وأن إنتاجه الشعرى ولاسيما فى الموشحات قد يتفوق على إنتاج أستاذه، على أنه لا ريب أنه يقصر عن مجاراة ابن الخطيب، فى كثير من نواحى التفكير والإنتاج الأخرى.

...
وظهر من أعلام تلك المدرسة الزاهرة، إلى جانب ابن الخطيب وابن زمرك، عدة آخرون من الشعراء والكتاب، منهم أبو سعيد فرج بن لب؛ ولد سنة 701 هـ وتوفى سنة 782 هـ (1380 م)، وكان من أشهر أساتذة المدرسة النصرية (جامعة غرناطة)، وقد ولى خطابة الجامع الأعظم حيناً، وكان فوق تضلعه فى الفقه شاعراً مجيداً، وقد ترك لنا مجموعة من الفتاوى المشهورة، وطائفة من الشعر الجيد، ومن نظمه قوله:
_______
(1) راجع ترجمة ابن زمرك وهى التى نقلها المقرى عن ابن الأحمر، فى نفح الطيب ج 4 ص 87 وما بعدها، وقد نقل إلينا المقرى كثيراً من قصائده وشعره (ج 4 ص 296 - 354)
(5/484)

خذوا للهوى من قلبى اليوم ما أبقى ... فما زال قلبى كله للهوى رقا
دعوا القلب فى لظى الوجد ناره ... فنار الهوى الكبرى وقلبى هو الأشقى
سلوا اليوم أهل الوجد ماذا به لقوا ... فكل الذى يلقون بعض الذى ألقى
فإن كان عبد يسأل العتق سيداً ... فلا تبغى من مالكى فى الهوى عتقا (1).
ومنهم القاضى أبو محمد بن عطية بن يحيى المحاربى كاتب الإنشاء، وكان بارعاً فى النظم والنثر وخطيباً مفوهاً، أصله من وادى آش وبها ولد سنة 709 هـ، وتولى القضاء بها. ووفد على غرناطة سنة 756 هـ ودرس على ابن الخطيب وغيره من أكابر الشيوخ، وتولى الكتابة السلطانية حيناً. ومن شعره قوله:
ألا أيها الليل البطىء الكواكب ... متى ينجلى صبح بليل المآرب
وحتى متى أرعى النجوم مراقباً ... فمن طالع منها على إثر غارب
أحدث نفسى أن أرى الركب سائراً ... وذنبى يقصينى بأقصى المغارب
فلا فزت من نيل الأمانى بطائل ... ولا قمت فى حق الحبيب بواجب (2)
ومنهم الأمير الأديب أبو الوليد اسماعيل بن يوسف بو محمد بن الأمير الرئيس أبى سعيد فرج أمير مالقة المعروف بالأمير ابن الأحمر، قد سبقت الإشارة إليه. وكان أديباً ضليعاً، وقد تناول فى كتابه "نثير فرائد الجمان فى نظم فحول الزمان" (3)، أكابر الكتاب والشعراء فى القرن الثامن الهجرى، وأفاض بنوع خاص فى ذكر ابن الخطيب وتلميذه ابن زمرك، ونقل عنه المقرى فى كتابيه نفح الطيب وأزهار الرياض، معظم ما كتب عن أدباء عصره، ونقل عنه بالأخص كثيراً مما كتبه عن ابن زمرك حسبما بينا فى موضعه، وللأمير ابن الأحمر كتاب آخر عنوانه "نثير الجمان فى شعر من نظمنى وإياه الزمان" يحتوى على اثنتى عشر بابا، يتحدث فيها عن شعر ملوك بنى الأحمر، وشعر ملوك بنى حفص، وبنى مرين، وبنى عبد الواد، وعن شعر وزراء الأندلس وقضاتها وكتابها، وكتاب وقضاة المغرب فى عصره (4). ولمع الأمير ابن الأحمر
_______
(1) راجع نفح الطيب ج 3 ص 267 و 268.
(2) نفح الطيب ج 4 ص 362 - 365.
(3) وتوجد منه نسخة بدار الكتب المصرية تحفظ برقم 7913 أدب.
(4) وتوجد منه نسخة وحيدة مخطوطة بدار الكتب المصرية ناقصة الأول وتحفظ برقم 1863 آداب اللغة العربية
(5/485)

فى أواخر القرن الثامن، وتوفى سنة 807 هـ (1404 م) (1).
ومنهم أبو عبد الله الشريشى تلميذ ابن الخطيب ومساعده (أمينه)، وكان مؤدباً لأبناء السلطان، وهو الذى تولى نقل كتاب الإحاطة لابن الخطيب من مسوداته، بتكليف منه لاشتغاله بشئون الوزارة، فجاء فى ستة مجلدات، وكان الشريشى فى الوقت نفسه من علماء القرآن والسنة (2).
ونستطيع أن نذكر إلى جانب هذه الجمهرة الممتازة من الشعراء والأدباء، عدة من الفقهاء والمؤرخين، منهم ابن فرحون برهان الدين ابراهيم بن على اليعمرى الأندلسى المتوفى سنة 799 هـ (1397 م)، وكان فقيهاً ومؤرخاً، ومن أشهر مؤلفاته كتاب "الديباج المذهب فى معرفة علماء أعيان المذهب"، وهو تراجم طبقات المالكية. وقد طبع مراراً بالمغرب ومصر، وكتاب "طبقات علماء العرب" ومنه نسخة بالإسكوريال (3).
ومنهم أبو الحسن على بن عبد الله بن محمد الجذامى المالقى النباهى، ولد بمالقة سنة 713 هـ ودرس على أشياخها. ثم وفد على غرناطة، وتولى القضاء، ثم عين كاتباً بالديوان. وانتهى إلى ولاية قضاء الجماعة وغرناطة. ونشبت بينه وبين ابن الخطيب خصومة شديدة، وتبادلا الطعن والهجاء اللاذع فى عدة رسائل ومقالات، ولما نكب ابن الخطيب وغادر الأندلس، كان النباهى فى مقدمة متهميه بالكفر والزندقة والساعين إلى هلاكه حسبما قدمنا. وتوفى فى أواخر القرن الثامن. ومن آثاره الباقية كتاب يسمى "بالإكليل فى تفضيل النخيل" وهو كتاب أدبى وضعه مؤلفه على لسان نخلة وكرمة. ويعرف أحياناً "بنزهة البصائر" وهو العنوان الذى تحمله نسخته الخطية الموجودة بمكتبة الإسكوريال. وقد وردت به نبذة حسنة عن تاريخ الدولة النصرية حتى عصر المؤلف (4). وكتاب "المرقبة العليا فيمن يستحق
_______
(1) وللأمير ابن الأحمر أيضاً كتاب فى تاريخ بنى مرين عنوانه "النفحة النسرينية واللمحة المرينية" وهو كتاب صغير الحجم ومنه نسخة مخطوطة بالإسكوريال (رقم 1769 الغزيرى).
(2) نفح الطيب ج 4 ص 757.
(3) راجع نفح الطيب ج 3 ص 298 و 299؛ وبروكلمان، المصدر السابق ج 2 ص 263.
(4) تحفظ هذه النسخة بمكتبة الإسكوريال برقم 1653 الغزيرى. وهى قديمة وتحمل تاريخاً لقراءتها هو سنة 781 هـ (1379 م). وتوجد منه نسخة خطية أخرى بخزانة الرباط
(5/486)

القضاء والفتيا" وهو تاريخ لقضاء الأندلس (1).
ومنهم الفقيه أبو القاسم بن سلمون الكنانى الغرناطى قاضى الجماعة بغرناطة المتوفى سنة 767 هـ (1365 م)، ومن آثاره كتاب "العقد المنظم للحكام فيما يجرى بين أيديهم من الوثائق والأحكام (2)؛ وأبو عبد الله محمد بن على بن إسحق الرندى المتوفى سنة 792 هـ (1389 م)، وكان من أقطاب التصوف، وقد كتب كتاب "الرسائل الكبرى" و "غاية المواهب العلية بشرح الحكم العطائية" (3).
وأما فى ميدان العلوم فلم نعثر على ما يدل على ازدهارها فى تلك الفترة؛ على أننا نستطيع أن نذكر أن ابن الخطيب كان إلى جانب أدبه الممتاز، عالماً بالطب والفلسفة، وكان من تلاميذه الطبيب العالم ابن المهنا شارح ألفية ابن سينا، وشرحه عليها من أقيم الشروح (4).
_______
(1) وقد قام على نشره الأستاذ ليفى بروفنسال، ونشره بعنوان "تاريخ قضاة الأندلس". (القاهرة سنة 1948). وراجع فى ترجمة النباهى الكتاب المشار إليه (المقدمة)، وأزهار الرياض ج 2 ص 5 - 7. وراجع بروكلمان، المصدر السابق ج 2 ص 262.
(2) بروكلمان، المصدر السابق ج 2 ص 264.
(3) بروكلمان، المصدر السابق ج 2 ص 265.
(4) راجع نفح الطيب ج 4 ص 756
(5/487)

الفصل الرابع
العصر الأخير والآثار الباقية
ركود الحركة الفكرية. الشعراء الذين ظهروا فى هذا العصر. القاضى أبو بكر بن عاصم. ولده أبو يحيى. بعض الكتاب والأدباء. الشريف العقيلى وزير أبى عبد الله. ما حدث بعد سقوط غرناطة. القضاء على اللغة العربية. الألخميادو لغة الموريسكيين السرية. كتاب الألخميادو. الأدب الموريسكى وخصائصه. نماذج من تراث الألخميادو. الشهاب الحجرى وابن غانم. محاولة اسبانيا القضاء على تراث الأندلس. إيداع الكتب العربية الباقية بقصر الإسكوريال. المجموعة العربية فى الإسكوريال. حجبها عن أعين الباحثين. معجم الغزيرى. انتفاع البحث الحديث بالآثار الأندلسية. الفن فى الأندلس. تطوره منذ القرن الرابع الهجرى. ازدهاره أيام الناصر وابنه المستنصر. تقدمه أيام الطوائف. ركوده أيام المرابطين والموحدين. الفن فى مملكة غرناطة. الموسيقى الأندلسية. الآثار الأندلسية الباقية.

بدأت مملكة غرناطة منذ أوائل القرن التاسع الهجرى تستقبل عصرها الأخير، وأخذ الاستقرار، والسلم النسبى الذى تمتعت به حيناً فى أواخر القرن الثامن، وأوائل القرن التاسع، يتصرم شيئاً فشيئاً، وأخذت من ذلك الحين تواجه طائفة من الثورات والانقلابات الداخلية المتوالية، وتواجه فى الوقت نفسه طوالع الصراع الأخير بينها وبين اسبانيا النصرانية، التى أخذت منذ منتصف القرن التاسع (القرن الخامس عشر الميلادى) توثق أواصر اتحادها، وتستجمع قواها لإنزال ضربتها الأخيرة بعدوتها القديمة التالدة اسبانيا المسلمة.
وما كانت الحركة الفكرية لتزدهر فى مثل هذا الأفق الكدر، ولذا نجد فى هذا العصر فراغاً ملحوظاً فى ميادين التفكير والأدب فى الأندلس المحتضرة، ولا نعثر إلا بقلة من المفكرين والأدباء الذين ظهروا فى تلك الفترة متفرقين متباعدين.
وكان ممن ظهر فى ميدان التفكير والأدب فى تلك الفترة على بن عاصم شاعر السلطان يوسف الثانى وقد جمع له مجموعة شعرية فى سنة 793 هـ (1391 م) (1).
والقاضى أبو بكر محمد بن عاصم القيسى الغرناطى، وقد كان أعظم شخصية.
_______
(1) بروكلمان، المصدر السابق ج 2 ص 259
(5/488)

ظهرت فى هذا الميدان فى مملكة غرناطة فى أوائل القرن التاسع الهجرى. ولد بغرناطة سنة 760 هـ (1358 م) وتوفى بها سنة 839 هـ (1426 م)، وبرع فى النحو والمنطق والبيان والفقه، وتولى الوزارة للسلطان يوسف الثانى سنة 793 هـ (1391 م) ثم ولى قضاء الجماعة بغرناطة، وبرز فى النثر والنظم، ووضع عدة قصائد وأراجيز، تناول فيها بعض مسائل من علم الأصول، والقراءات والفرائض والنحو وغيرها. وله كتاب "تحفة الأحكام فى نقط العقود والأحكام". وهو مختصر فى الفقه، وقد طبع بمصر وترجم إلى الفرنسية. وله أيضاً كتاب "حدائق الأزهار فى مستحسن الأجوبة والمضحكات والحكم والأمثال والحكايات والنوادر " كتبه للسلطان يوسف. ويعرف بابن الخطيب الثانى لبراعته وجودة نثره ونظمه (1).
وكذلك برع ولده العلامة الفقيه أبو يحيى بن عاصم فى النثر والنظم، وتولى كأبيه منصب الكتابة والوزارة، وكتب شرحاً على كتاب أبيه "تحفة الأحكام " وكتب رسالة فلسفية تاريخية عن أحوال غرناطة فى عصره، وما دهاها من آثار التفرق والفتنة، ووصف فيها أساليب السياسة الإسبانية، فى الكيد والتفريق بين المسلمين، أسماها "جنة الرضى فى التسليم لما قدر الله وقضى". ونقل إلينا منها المقرى فى أزهار الرياض نبذاً عديدة تشهد بمقدرة صاحبها، وعميق تفكيره ورائق أسلوبه (2).
وأبو الحسن سلام بن عبد الله الباهلى الإشبيلى، وقد كتب سنة 839 (1425 م) كتاب "الذخائر والأعلاق فى أدب النفوس ومكارم الأخلاق" (3).
ومنذ منتصف القرن التاسع الهجرى، تضمحل الحركة الفكرية فى مملكة غرناطة شيئاً فشيئاً. ولا غرو فقد كانت غرناطة تخوض فى تلك الفترة بالذات، مرحلة الصراع الأخير، وكانت الحرب الأهلية تمزق أوصالها، وخطر الفناء الداهم يبدو لها قوياً فى الأفق. بيد أن شعاعاً أخيراً كان يبدو فى تلك الظلمات المدلهمة. فنرى فى أواخر
_______
(1) راجع نفح الطيب ج 3 ص 8 و 9؛ وبروكلمان، المصدر السابق ج 2 ص 264.
(2) راجع أزهار الرياض ج 1 ص 50 وما بعدها، وص 167 وما بعدها. وتوجد من هذه الرسالة نسخة خطية بالخزانة الملكية بالرباط.
(3) بروكلمان، المصدر السابق ج 2 ص 259. وقد طبع الكتاب المشار إليه بالقاهرة سنة 1928
(5/489)

القرن التاسع، فى الوقت الذى كانت غرناطة تسلم فيه أنفاسها الأخيرة، عدة من المفكرين والأدباء الذين يستحقون الذكر والتنويه.
وكان من هؤلاء القاضى أبو عبد الله محمد بن على بن محمد بن القاسم الأصبحى المعروف بابن الأزرق المتوفى سنة 895 هـ (1490 م)، أصله من وادى آش، وتولى قضاء الجماعة فى غرناطة. وكان بارعاً فى النثر والنظم والتاريخ. ومن آثاره كتاب فى السياسة الملكية عنوانه: "الإبريز المسبوك فى كيفية أدب الملوك " (سنة 838 هـ). وكتاب "بدائع السلك فى طبائع الملك" لخص فيه كثيراً من آراء ابن خلدون فى مسائل الرياسة والملك وعلق عليها، وأتى فى موضوعها بزيادات جديدة، وقسمه إلى أربعة كتب، الأول فى حقيقة الملك والخلافة وسائر أنواع الرياسة، والكتاب الثانى فى أركان الملك وقواعد مبناه ضرورة وكمالا، والثالث فيما يطالب به السلطان تيسيراً لأركان الملك وتأسيساً لقواعده، والرابع فى عوائق الملك وعوارضه (1). وله أيضاً كتاب "روضة الأعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام". ولما ساءت الأحوال فى غرناطة وأشرفت على السقوط، عبر البحر إلى تلمسان، ثم ارتحل إلى المشرق، ونزل بالقاهرة فى عصر السلطان الأشرف قايتباى، واتصل به، وحاول أن يستحث همته لتسيير جيش إلى الأندلس لاسترداد غرناطة (2)؛ ومن شعره المؤثر حين نزل النصارى بمرج غرناطة:
مشوق بخيمات الأحبة مولع ... تذكره نجد وتغريه لعلع
مواضعكم يا لائمين على الهوى ... فلم يبق للسلوان فى القلب موضع
ومن لى بقلب تتلظى فيه زفرة ... ومن لى بجفن تنهمى منه أدمع
رويدك فارقب للطائف موقعاً ... وخل الذى من شره يتوقع
وصبراً فإن الصبر خير تميمة ... ويا فوز من قد كان للصبر يرجع
وبت واثقاً باللطف من خير راحم ... فألطافه من لمحة العين أسرع (3).
_______
(1) بروكلمان، المصدر السابق ج 2 ص 266؛ وأزهار الرياض ج 1 ص 71، وج 3 ص 318 و 319. وقد طبع كتاب الإبريز المسبوك بالجزائر. وتوجد من كتاب "بدائع السلك" نسختان خطيان فى خزانة الرباط (المكتبة الجلاوية)، إحداها قديمة كتبت فى سنة 998 هـ، والأخرى حديثة.
(2) راجع نفح الطيب ج 2 ص 49 - 51.
(3) أزهار الرياض ج 3 ص 318، و 319
(5/490)

ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد الحداد الشهير بالوادى آشى، وهو أيضاً من أهل وادى آش، وكان أديباً بارعاً وله تعليقات كثيرة على أدباء عصره، وقد غادر غرناطة قبيل سقوطها بقليل ونزل بتلمسان (1).
وأبو الحسن على بن محمد القرشى البسطى، وقد ولد فى بسطة ودرس فى غرناطة وتلمسان وتونس، ورحل إلى المشرق وأدى فريضة الحج، ثم استقر بعد عوده فى غرناطة. ولما اشتد ضغط النصارى على غرناطة عبر البحر إلى تلمسان، وعاش هناك حيناً حتى توفى سنة 891 هـ (1486 م). وقد برع البسطى فى الرياضيات ووضع كتباً فى الحساب والجبر (2).
وأبو الحسن على بن قاسم بن محمد التجيبى الزقاق، وقد درس فى غرناطة وفاس وتولى الخطابة فى غرناطة. ولما سقطت غرناطة فى يد النصارى، عبر البحر إلى المغرب، وتوفى سنة 912 هـ (1506 م). ومن آثاره كتاب "المنهج المنتخب إلى أصول المذهب" فى الفقه المالكى (3).
ومن أواخر الشعراء الذين ظهروا فى هذه الفترة، فترة الانهيار الأخيرة، شاعر من نوع خاص، هو عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم القيسى. وقد ترك لنا ديوانا، يضم قصائد عديدة تشير إلى بعض أحداث العصر مثل سقوط جبل طارق وحصار مالقة وسقوط أرشدونة وبلش وغيرهما من قواعد مملكة غرناطة؛ ويستدل من بعض إشاراته إلى أنه قضى ردحا من الزمن فى أسر القشتاليين؛ وهو يعترف لنا فى مقدمة ديوانه بأن شعره "منحط من الدرجة المتوسطة"، ولكنه مع ذلك مغتبط بنظمه وإنشاده. والظاهر أن عبد الكريم القيسى قد عاش حتى سقوط غرناطة أو قبله بقليل، إذ يضم ديوانه قصيدة فى رثاء ابن الأزرق، وهو قد توفى فى سنة 895 هـ، والديوان فى جملته يلقى أضواء كثيرة على أحداث الصراع الأخير الذى انتهى بسقوط غرناطة، وتشير قصائده إلى كثير من شخصيات العصر من قادة، وكتاب، وقضاة وغيرهم (4).
_______
(1) راجع أزهار الرياض ج 1 ص 55 و 71.
(2) بروكلمان، المصدر السابق ج 2 ص 266.
(3) بروكلمان، المصدر السابق ج 2 ص 265.
(4) توجد نسخة مخطوطة من هذا الديوان بخزانة الرباط رقم 198 ق (مخطوطات الأوقاف)، وهو يقع فى 153 صفحة من القطع المتوسط
(5/491)

ومن نظم عبد الكريم المذكور قوله:
خليلى ما مثلى يقوم ذليلا ... ويحمل من ضيم الزمان ثقيلا
ويرضى بعيش يدال ببسطة ... يحدد من خطب الهموم جليلا
فلا تعذل فى رحيلى عنكما ... فإنى لما أنعى عزمت رحيلا
وقوله حينما اتصل به خبر سقوط جبل طارق فى يد الاسبان:
أوارى أوارى القلب مع شدة ... اللفح فتبكه عين دمعها داهم السفح
وأخفى الذى ألقى من الحزن والأسى ... وظاهر حالى الدهر يؤذن بالصفح
وأبدى من التقطب للفتح حالة تسوء صديقى فى مساء وفى صبح
على أن أعظم شخصية ظهرت فى تلك الفترة القاتمة فى ميدان التفكير والأدب هى شخصية الوزير والكاتب الشاعر أبى عبد الله محمد بن عبد الله العربى المعروف بالشريف العقيلى، وزير أبى عبد الله محمد آخر ملوك الأندلس وكاتبه. وكان فوق تضلعه فى الفقه، إمام عصره فى النثر والنظم، وقد وصفه الوادى آشى بأنه "شاعر العصر، مالك زمامى النظم والنثر" وبأنه "إمام هذه الصناعة، وفارس حلبة القرطاس والبراعة، وواسطة عقد البلاغة والبراعة". ووصفه أيضاً بحق بأنه خاتمة أدباء الأندلس.
ومن شعره يمدح السلطان أبا عبد الله حينما ولاه منصب الكتابة قوله:
أوجه سعدى انحط عنه اللثام ... أم بدر أفقى فض عنه الغمام
كأنما أقبس نور البها مـ ... ـن وجه مولانا الإمام الهمام
ابن أبى الحسن الأسرى الذى ... قد كان للأملاك مسك الختام
ضرغام قد أنجب شهباً له ... فى صدق بأس ومضاء اعتزام
دام له النصر الذى جاءه ... والسيف من طلى أعاديه دام
ومنه قوله حينما نزل النصارى بمرج غرناطة:
بالطبل فى كل يوم ... وبالنفير نراع
وليس من بعد هذا ... وذاك إلا القراع
يا رب خيرك يرجو ... من هيض منه الذراع
لا تسلبنى صبرا .. منه لقلبى ادراع
(5/492)

التى كتبها على لسان السلطان أبى عبد الله إلى سلطان المغرب، وعنوانها "الروض العاطر الأنفاس فى التوسل إلى المولى الإمام سلطان فاس" (1). ومهد لها بعد الديباجة بقصيدته الرائعة التى مطلعها:
مولى الملوك ملوك العرب والعجم ... رعيا لما مثله يرعى من الذمم
بك استجرنا ونعم الجار أنت لمن ... جار الزمان عليه جور منتقم
وقد سبق أن أتينا على ذكر هذه الرسالة المؤثرة الفريدة، فى موضعها،
وأوردنا طرفاً من قصيدة العقيلى، ومن أقواله التى يخاطب بها السلطان أبو عبد الله سلطان فاس مستجيراً به، ملتجئاً إلى حمايته، ومعتذراً إليه عما بدر منه.
وعبر البحر إلى المغرب قبيل سقوط غرناطة وبعده جمهرة من العلماء والأدباء، هم البقية الباقية من مجتمع الأندلس الفكرى (2). وقد آثروا مغادرة الوطن القديم على التعرض لفقد الحرية، وامتهان الدين والكرامة القومية، ومذلة العبودية، فى ظل حكم يضطرم نحو الأمة المغلوبة بغضاً وتعصباً.

- 2 -
وكان سقوط غرناطة فى يد اسبانيا النصرانية فى سنة 897 هـ (1492 م)، نذيراً بانهيار صرح الأمة الأندلسية القومى والاجتماعى، وتبدد تراثها الفكرى والأدبى، وكانت اسبانيا النصرانية ترمى قبل كل شىء، إلى القضاء على خواص الأمة المغلوبة الدينية والفكرية، وعلى سائر الروابط الأدبية التى تربطها بماضيها المجيد؛ وقد نجحت السياسة الإسبانية، يدعمها طغيان الكنيسة وعسف ديوان التحقيق، فى تحقيق هذه الغاية إلى أبعد حد، فلم يمض على سقوط غرناطة نحو خمسين عاماً، حتى استحالت بقية الأمة الأندلسية إلى شعب جديد، يستبدل دينه القديم -الإسلام- بالنصرانية المفروضة، ويتكلم القشتالية، وتغيض البقية الباقية من خصائصه القديمة، شيئاً فشيئاً، تحت ضغط التشريعات والإجراءات التعسفية المرهقة.
وكانت الأمة الأندلسية خلال هذا الإستشهاد المحزن، الذى فُرض عليها، تحاول بكل وسيلة أن تستبقى ما وسعت، من تراثها الفكرى والروحى القديم، فكان الموريكسيون بالرغم من دخولهم فى النصرانية، يتعلقون سراً بدينهم القديم، وكثير منهم يؤدون شعائر الإسلام خفية، وديوان التحقيق من ورائهم يطاردهم
_______
(1) نشر المقرى هذه الرسالة بأكملها فى نفح الطيب ج 1 ص 617 - 628؛ وفى أزهار الرياض ج 1 ص 72 - 102.
(2) راجع أزهار الرياض ج 1 ص 71
(5/493)

بمنتهى القسوة حسبما فصلنا فى موضعه. وكانوا يحافظون جهدهم على لغتهم العربية. ولكن السياسة الإسبانية المرهقة، فطنت منذ الساعة الأولى إلى أهمية اللغة فى تدعيم الروح القومية، فعولت على سحق العربية وكل آثارها، وصدر منذ أيام الإمبراطور شارلكان فى سنة 1526، أول قانون لتحريم التخاطب بالعربية على الموريسكيين، ولكنه لم يطبق بشدة. وكانت العربية ما تزال حتى ذلك الوقت لغة لأدب يحتضر، وكانت ما تزال لغة التعاقد والتعامل، لا فى أنحاء مملكة غرناطة القديمة وحدها، ولكن أيضاً فى مجتمعات المدجنين القاصية فى أراجون حسبما تدل عليه وثائق عثرنا عليها (1). وكان يوجد ثمة بين الموريسكيين من ينظم بها الشعر. وقد أشرنا فيما تقدم إلى القصيدة التى أرسلها الموريسكيون إلى السلطان بايزيد الثانى يلتمسون فيها النجدة والغوث، وهى قصيدة تنم بالرغم من ركاكتها عن روح شعرية مؤثرة. واستمر الموريسكيون عصراً آخر يوجهون رسائلهم العربية إلى مسلمى المغرب.
وكانت السياسة الإسبانية تضيق ذرعاً بالعربية، وتزداد منها توجساً. فعادت فى عهد فيليب الثانى لتتخذ خطوتها الحاسمة فى القضاء عليها. وصدر فى سنة 1566 قانون جديد صارم يحرم على الموريسكيين التخاطب بالعربية أو التعامل بها على نحو ما فصلنا، وطبق القانون بمنتهى الشدة. وكانت العربية قد أخذت تغيض شيئاً فشيئاً فى غمر العسف والاضطهاد، فجاء القانون الجديد ضربة قاضية لمظاهرها ْالباقية. وفى هذ الوقت بالذات نشهد نفثات العربية الأخيرة لدى الموريسكيين فى بعض قصائدهم السرية الثورية. وفى لغة الخطاب الذى نشرناه فيما تقدم لمولاى عبد الله آخر زعماء الثورة الموريسكية ما يوضح لنا مدى الانحلال الذى انتهت إليه اللغة العربية فى ذلك العصر.
ولم تمض فترة قصيرة على تطبيق القانون الجديد بتحريم العربية نهائياً، وفرض القشتالية كلغة للتخاطب والتعامل على الموريسكيين، حتى اختفت المظاهر والآثار الأخيرة للعربية. ومع ذلك فقد وجد الموريسكيون فى قشتالة ذاتها متنفس تفكيرهم وأدبهم القديم، فكانوا يكتبون القشتالية سراً بأحرف عربية، وأسفر ذلك بمضى
_______
(1) ومن ذلك وثيقة زواج بالعربية مؤرخة يوم الأحد 17 يوليه الموافق 10 رمضان سنة 928 هـ (1522 م) بين "الشب الكريم محمد خشان وبين المقدم القاضى ابراهم ذاعمر فى الشيبة الكريمة فاطمة بنت على سانته من ربض مسلمى من مدينة قلعة أيوب"، وهى بخط عربى ردىء (مكتبة مدريد الوطنية مجموعة الألخميادو رقم 4968 وثيقة نمرة 9)
(5/494)

الزمن عن خلق لغة جديدة اشتقت أصلا من القشتالية لغتهم المفروضة، واختلطت بها ألفاظ عربية وأعجمية مختلفة من اللهجات المعاصرة والقديمة، ولاسيما اللغة الرومانية. وكانت هذه اللغة الرومانية Lengua Romanica لغة المستعربين أيام الدولة الإسلامية، وكانت معروفة ذائعة فى قرطبة وغيرها من الحواضر الأندلسية التى تقيم بها طوائف كبيرة من النصارى المستعربين، وكان يتكلم بها بعض أكابر الصقالبة فى البلاط، ويعرفها بعض العلماء المسلمين. وكان المسلمون الأندلسيون، يستعملون أحياناً بعض عبارات من هذه اللغة الرومانية، ولاسيما فى الكتابات العلمية، ويسمونها فى كتبهم "باللطينية"، (أعنى اللاتينية)، وقد تسرب منها بمضى الزمن كثير من الألفاظ فى الزجل الأندلسى، ولاسيما زجل ابن قزمان. وفى مملكة غرناطة، كانت اللغة العربية الشعبية، يتسرب إليها كثير من الألفاظ الرومانية والقشتالية (1)، وهذه هى التى تسربت بالأخص فيما بعد إلى لغة الموريسكيين السرية، التى لجأوا إلى ابتكارها حينما حرمت عليهم لغتهم الأصلية، واحتفظوا لها بالأحرف العربية.
وتعرف هذه اللغة التى اتخذها الموريسكيون بالأخص متنفساً لدينهم القديم "بالألخميادو" Aljamiado، وهو تحريف اسبانى لكلمة "الأعجمية"، وقد لبثت زهاء قرنين سراً مطموراً حتى ظفر بعض العلماء الإسبان بمجموعة من مخطوطاتها فى أوائل القرن الماضى، وعندئذ ظهرت عنها المعلومات الأولى. ويقول العلامة مننديث إى بلايو فى تعريفها، بأنها هى اللغة الرومانية القشتالية
Romana Castelaa تكتب بأحرف عربية. ويقول المستشرق سافدرا فى تعليل قيامها " إن الطابع الدينى الذى كان يفصل بين الموريسكيين وباقى الإسبان يطغى على إنتاجهم الأدبى، وكأنما هو قرين طبيعى للمنتجات العربية، فهم لكى يحتفظوا بجذوة حية من العقيدة المحمدية، كتب العلماء والفقهاء كتباً "عما يجب أن يعتقده وأن يحفظه كل مسلم حسن الإيمان" عن صفات الله، وعن بعض المسائل الفقهية، وفقاً لمذهب مالك، وكتبوا عن التاريخ المقدس، والقصص الدينى، وتعبير الرؤيا وغير ذلك" (2).
_______
(1) R. Menéndez Pidal: Origines del Espanol p. 418, 429 & 431
(2) E. Saavedra: Discurso leido ante la Real Academia Espanola (Madrid
1878)
(5/495)

وهكذا كتب الموريكسيون القرآن سراً باللغة العربية، مقروناً بشروح وتراجم ألخميادية، وكتبوا سيرة الرسول والمدائح النبوية، وقصص الأنبياء، وبعض كتب الفقه والحديث بالألخميادو -وهو رسم لغتهم العزيزة-، مع كتابة البسملة والآيات القرآنية دائماً خلال هذه النصوص السرية باللغة العربية، ويلاحظ أن معظم كتب الألخميادو المذكورة تكتب بالشكل الكامل، حتى يمكن قراءتها بطريقة صحيحة.
واستعمل الموريسكيون الألخميادو فى أدبهم، وفى التعبير عن أفكارهم ومُثلهم فى النثر والنظم. ومن أشهر شعرائهم محمد ربدان Rabadan أو الراعى وقد كان حياً فى أوائل القرن السابع عشر، وأصله من روطة خالون من أراجون. وله نظم كثير، وقصائد قصصية، وأخرى دينية. ومن آثاره فى القصص الدينى كتاب عن "هول يوم الحساب" و "قصة النبى منذ بدء الخليقة" وأغنيات دينية، وأسماء الله الحسنى، وكلها بالنظم. وشعره يمتاز بالجزالة والسهولة. ومن شعراء الموريسكيين أيضاً ابراهيم دى بلفاد، وخوان ألفونسو، ومنهم الشاعر محمد الخرطوشى، وقد كان من أهل بيانة، ومنهم أخيراً شاعر موريسكى مجهول، عاش فى تونس فى أوائل القرن السابع عشر بعد النفى، واشتهر بنقده لمسرحيات "لوبى دى فيجا" شاعر اسبانيا الأكبر. ومن أشهر كتاب الألخميادو الكاتب الفقيه المسمى "فتى أبيرالو" El Mancebo de Avéralo، وهو مؤلف لكتب فى التفسير، وتلخيص السنة؛ وقد طاف بمعظم أنحاء اسبانيا، وشهد مصائب قومه ووصفها، وتلقى العلوم الإسلامية القديمة عن عالمتين بارعتين فى الشريعة هما "مسلمة أبده" La Mora de Ubéda، و "مسلمة آبلة" La Mora de Avila، وألف كذلك فى القصص الدينى.
وعنى الموريسكيون بنوع خاص بكتابة القصص وترجمته، ومن آثارهم المعروفة فى ذلك كتاب "حديث القصر الذهبى" Alhadiz de Alcazar del Oro وكتاب الحروب، و "حديث على والأربعين جارية"، بيد أن أعظم كتبهم القصصية الحماسية هو كتاب "قصة الإسكندر ذى القرنين"، والتنويه ببطولة الإسكندر يرجع إلى شخصيته، ولأنه ذكر فى القرآن، وأنه بعث لكى يحارب ملوك الأرض ويحطم الأصنام ويقتل عبادها.
ومن أشهر كتب الموريسكيين الألخميادية، كتب المدائح النبوية والأدعية،
(5/496)

الصفحتان الأوليان من كتاب فى "الأدعية النبوية" مكتوب بالألخميادو، وفى نهايته بالعربية الركيكة أنه كتب سنة 997 هـ (1579 م)، ومحفوظ بمكتبة مدريد الوطنية رقم 5306
(5/497)

والواقع أن كتابة المدائح النبوية باللغة القشتالية ترجع إلى عصر مبكر، وقد كتبها المدجنون بهذه اللغة منذ القرن الثالث عشر، وانتشرت بعد ذلك بين طوائف المدجنين فى مختلف مدن قشتالة وأراجون. ثم كتبها الموريسكيون بالألخميادو أو القشتالية العربية.
والظاهرة الواضحة فى الأدب الموريسكى، هو أن كُتاب الألخميادو كانوا يفكرون ويكتبون بالروح العربية، وإن كان تعبيرهم عن ذلك يجرى بالقشتالية، وأنهم كانوا يتأثرون فى الأسلوب بلهجات مقاطعاتهم المختلفة، أكثر من تأثرهم بقواعد اللغة.
ويرى النقدة أن نثر كتاب الألخميادو أفضل من نظمهم، وأنه نثر مطبوع خال من التكلف، ومن الملحوظ فيه بنوع خاص تسرب الألفاظ العربية الصحيحة إليه من آن لآخر، والأدب الموريسكى لا يتجه إلى مراعاة الرونق والتنميق، ولكنه يرمى قبل كل شىء إلى تصوير التاريخ والتقاليد القومية فى إطار دينى.
وبالرغم مما يغلب عليه من الضعف والركاكة بصفة عامة، فإنه يصل أحياناً إلى مرتبة الطلاوة، بل يصل أحياناً إلى مرتبة البلاغة. وأفضل مثل لذلك شعر ريدان (1).
كما يرى البعض، أنه وإن لم تكن للأدب الموريسكى ثروة من الجمال أو قيمة أدبية ذات شأن، فإن له قيمة تاريخية واجتماعية هامة، فى الكشف عن التقاليد والعادات، وأنه قد ترك أثره فى اللغة الإسبانية، وفى الشعر الإسبانى، وفى الأفكار الدينية وغيرها.
بل وقد نوه غير واحد من الكتاب الإسبان، بما كان عليه الأدب الموريسكى بالرغم من ضعفه وضآلة شأنه، من شاعرية، وشعور بالجمال، وخيال ممتع، وذوق سليم. ويعلق الدون برونات على اختفاء الموريسكيين واختفاء أدبهم بعبارات شعرية يقول فيها: "إن السياسة الإسبانية لم تكتف بنفى الموريسكيين، وما ترتب عليه من نضوب حقولنا ومصانعنا وخزائننا، ولم يقتصر الأمر على انتصار التعصب، وبربرية ديوان التحقيق، بل تعداه إلى اختفاء الشعر، وشعور الجمال الموريسكى، والأدب السليم الذى رفع سمعة تاريخنا".
_______
(1) راجع: Menéndez y Pelayo: Historia de los Heterodoxes Espanoles p. 345 - 349، وكذلك E. Saavedra: ibid.
وراجع الموسوعة الإسبانية العامة تحت كلمة Aljamia
(5/498)

صفحتان من كتاب فى التفسير مكتوب بالألخميادو ومحفوظ بمكتبة مدريد الوطنية برقم 5252
(5/499)

ثم يقول: "إنه اختفى وطرد الموريسكيين، الأدب المعطر، والشاعرية الشعبية، والخيال الممتع، ومصدر الوحى الذى كانوا يمثلونه. وقد غاض باختفائهم من شعرنا هذا التلوين والفن والحيوية والإلهام والحماسة، التى كانت من خواصهم، وحل محلها الظلام فى الأفق الأدبى خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر" (1).
وقد اطلعنا خلال إقامتنا بمدريد على كثير من الكتب والوثائق الألخميادية ولاسيما فى المكتبة الوطنية التى تحتفظ منها بطائفة كبيرة، ومنها كتب صلوات وأدعية وفقه، ومعظمها يفتتح بالبسملة والصلاة على النبى، وقد لفت نظرنا بالأخص مخطوط منها، وهو كتاب فى الصلاة والأدعية، تدل عبارته الاختتامية على أن اللغة العربية كانت ما تزال بالرغم من تحريمها ومطاردتها، تدرس وتكتب سراً حتى أواخر القرن السادس عشر، وإليك نص العبارة المذكورة:
"أفرغ للعبد من الله تعالى المعترف بذنبه الراجى غفران ذنبه، على بن محمد بن محمد شُكار من بلاد مزماذيانتى اليوم الآخر من جمادى الثانى يوما أربعة ولعشرين من شهر ماروس من يوم من ثلث منه عام ثمانية وتسعين تسع مائة من الحجرة النبى صلى الله عليه وسلم. ولعددا من المسيح منه عام وتسع وثمانين ألف وخمسمائة آمين آمين يا رب العالمين. تمت بحمد الله وحسن عونه وكان الفراغة ثم صلاة العصر" (2).
واطلعنا كذلك على عدة من كتب الأدب الموريسكى، ومنها قطعة مخطوطة من كتاب يوسم بأنه "قصيدة يوسف"، وهو كتاب شعرى عن حياة يوسف لمؤلف مجهول (3).
وهناك أيضاً طائفة من الكتب الدينية، ومنها كتب فى السيرة النبوية والتفسير والحديث والصلوات، وعدد كبير من الوثائق الموريسكية المختلفة، وكثير منها يفتتح بالبسملة ويتخللها، اسم الله والصلاة على رسوله.
_______
(1) D. Pascual Boronat: Los Moriscos Espanoles y su Expulsion.
p. 384, 386 & 389
(2) يحفظ هذا المخطوط بالمكتبة الوطنية بمدريد برقم 5306 بفهرس المخطوطات العربية.
(3) يحفظ هذا المخطوط بالمكتبة الوطنية برقم R. 247. وتوجد من هذا الأثر الموريسكى أيضاً قطعة مخطوطة بمكتبة أكاديمية التاريخ بمجموعة جاينجوس، وقد وضع العلامة المؤرخ الأستاذ مننديث بيدال عن هذا المؤلف كتاباً نقدياً نشر فيه النص الألخميادى مقروناً بتخريج اسبانى بعنوان:
La Poema de Yuçuf (Granada 1952)
(5/500)

على أن هذه الآثار الدينية التى حاول الموريسكيون أن يدونوا فيها تعاليم الإسلام وسيرة النبى، تحتوى فى أحيان كثيرة على بعض التعاليم النصرانية، تمتزج بتعاليم الإسلام، وتعرض فيها المثل الإسلامية أحياناً فى صور المثل النصرانية، وقد يصور النبى العربى من بعض النواحى فى صور المسيح. ويرجع هذا المزيج الغريب إلى ظروف العصر، وإلى ضغط المطاردة الدينية التى لبث الموريسكيون تحت روعها، وإلى رهبة محاكم التحقيق التى استمرت فى عسفها ومطارداتها الدموية. بيد أن الآثار الدينية التى خلفها الموريسكيون تنم فى معظمها عن بغضهم للنصرانية ومثلها وتقاليدها، مما يدل على أن تسرب التعاليم النصرانية إلى كتبهم لم يكن سوى نتيجة لظروف العصر التى باعدت قسراً بينهم وبين تعاليم دينهم الحقيقية.
وقد وجدت فى أواخر القرن السادس عشر بدير ساكرومونتى القريب من غرناطة، ألواح من الرصاص عليها كتابات دينية باللاتينية والعربية، تتحدث عن حياة المسيح والرسل ومريم، وعن الإسلام وبعض قواعده، وتمزج فيها التعاليم الإسلامية بالتعاليم المسيحية. وقد رأى بعض الباحثين أن هذه الألواح كتبها الموريسكيون، وفيها يحاول علماؤهم أن يجدوا حلا وسطاً للتوفيق بين الدينين، وأن يصنعوا مزيجاً معقولا من العقيدتين. وقد حملت هذه الألواح فيما بعد إلى رومة، وترجم قسمها اللاتينى، ثم حكم بأنها أوهام وخرافات وضعت لمسخ الدين المسيحى وهدمه (1).
هذا، ويوجد ثمة بعض الكتاب الموريسكيين، الذين استطاعوا أن يغادروا اسبانيا فى أواخر العهد الموريسكى، قبيل النفى بقليل، وأن يكتبوا بالعربية لغة آبائهم وأجدادهم، بعض الآثار التى انتهت إلينا، ولدينا من هؤلاء مثلان بارزان، الأول، هو باسمه الأندلسى، محمد بن عبد الرفيع الحسينى الأندلسى الذى سبقت الإشارة إليه، وقد هاجر قبل النفى إلى تونس، وترك لنا بالعربية كتابه "الأنوار النبوية فى آباء خير البرية"، وهو الذى اقتبسنا منه، ما كتبه فى خاتمته عن أحوال إخوانه الموريسكيين، وعن البواعث التى حملت اسبانيا على نفيهم (2).
_______
(1) Menéndez y Pelayo: Historia de los Heterodoxes Espanoles. p. 354
(2) وتوجد منه نسخة خطية بخزانة الرباط (المكتبة الكتانية رقم 1238)، ومذكور فى نهايته أنه تم تحريره بتونس فى سادس شعبان سنة 1044 هـ
(5/501)

والثانى هو حسبما يسمى نفسه باسمه الأندلسى، أحمد بن القاسم بن أحمد الفقيه قاسم بن الشيخ الحجرى، ويعرف بالشهاب الحجرى، وكذلك بآفوقاى، وهو موريسكى من أحواز غرناطة، استطاع أن يغادر الأندلس فى سنة 1007 هـ (1598 م)، أعنى قبل النفى بثلاثة عشر عاما. ويروى لنا الشهاب، قصة فراره من اسبانيا فى خاتمة كتابه "العز والمنافع " الذى نتحدث عنه فيما بعد، على النحو الآتى:
"وأقول اعلم أن أول ما تكلمت به ببلاد الأندلس، كان بالعربية، وكانت النصارى دمَّارهم الله، تحكم فى من يجدوه يقرأ العربية، فتعلمت القراءة الأعجمية للأخذ والاعطى، ثم ألهمنى الله سبحانه أن أخرج من تلك البلاد إلى بلاد المسلمين لما تحققت أن الكفار، كانوا فى الثغور يبحثون عن كل من يرد عليهم لعلهم يجدونه أندلسيا مخفيا ليحكموا فيه لأنهم كانوا منعوهم من الثغور ليلا يهربوا إلى بلاد المسلمين، فجلست سنين، نتعلم الكلام والأخذ فى كتبهم ليحسبوا أنى منهم إذ أمشى إلى بلادهم للخروج منها لبلاد الإسلام. ولما أن جئت إلى البلاد التى هى على حاشية البحر، حيث هو الحرس الشديد، وجلست بينهم فلم يشكوا فى بما رأوا منى من الكلام والحال والكتابة، وجئت من بينهم إلى بلاد المسلمين، وبهذه النية تعلمت وبلغت فى كتبهم. ولكل امرىء ما نوى. ثم رأيت أن بسبب التعليم انه كان بنية القرب من الله ببلاد المسلمين، فتح لى بذلك العلم المنهى عنه ببيان الملوك المسدودة عن كثير من الناس".
وقد اتصل الشهاب الحجرى، عقب وصوله إلى المغرب، بالسلطان أحمد المنصور، ملك المغرب يومئذ، واشتغل مترجماً للبلاط، فى عهد المنصور وولده السلطان مولاى زيدان المتوفى سنة 1037 هـ (1627 م)، إذ كان يجيد الإسبانية إلى جانب العربية. واستعمله السلطان فوق ذلك للسفارة عنه فى بعض البلاد الأوربية، ورحل الشهاب فى أواخر حياته إلى المشرق، وأدى فريضة الحج.
ولما عاد، نزل بتونس، وقربه أميرها الداى مراد يومئذ. وهنالك توثقت أواصر الصداقة بينه وبين زميل موريسكى مهاجر يسمى باسمه الأندلسى الرئيس ابراهيم ابن أحمد بن غانم بن محمد بن زكريا الأندلسى. وكان الرئيس ابراهيم هذا فيما يبدو من زعماء الجند، وقد ألف بالإسبانية (الأعجمية) كتابا فى فن الجهاد بالمدافع. فقام الشهاب الحجرى بترجمته إلى العربية، وسماه " كتاب العز والرفعة
(5/502)

والمنافع للمجاهدين فى سبيل الله بالمدافع"، ووصف نفسه فى صفحة العنوان بأنه "ترجمان سلاطين مراكش". وقد انتهى هذا الكتاب الفريد إلينا، وهو يحتوى على خمسين بابا فى وصف البارود، والآلات الحربية القاذفة، وتركيب المدافع واختلافها، ووصف أدواتها، وطرق تعميرها، والرمى بها إلى غير ذلك. ويتخلل ذلك رسوم توضيحية لمختلف أجزاء المدفع (1).
ويشير الشهاب فى كتابه المذكور إلى المقرى مؤرخ الأندلس، وإلى كتابه الجامع "نفح الطيب" فى قوله: "وقد صح من كتب التواريخ التى جمعها العلامة للشيخ أحمد المقرى فى كتابه بمصر فى الكتاب الجامع للتواريخ على بلاد الأندلس أعادها الله إلى الإسلام"، وقد عاش الرجلان فى نفس العصر. والظاهر أن الشهاب الحجرى قد لقى المقرى بمصر خلال مروره بها فى طريقه إلى الحج، أو خلال العود منه، وذلك فى نحو سنة 1040 هـ (1631 م) قبيل وفاة المقرى بقليل.
وقد كتب الشهاب الحجرى فوق ذلك كتابا آخر عنوانه "رحلة الشهاب إلى لقاء الأحباب". والأحباب هنا فيما يبدو هم إخوانه المسلمون فيما وراء البحر فى عدوة المغرب، ولكن هذه " الرحلة " لم تصلنا مع الأسف، ولم يصل إلينا منها سوى شذور يسيرة جداً، نقلها بعض الكتاب المغاربة المتأخرين، وأكبر الظن أن رحلة الشهاب المفقودة كانت تحتوى على معلومات هامة ونفيسة عن أحوال مواطنيه العرب المتنصرين، ولعل البحث يظفر بها يوما ما.
ومما يلفت النظر من أقوال الشهاب عن أحوال اسبانيا يومئذ، ما نقله إلينا صاحب كتاب "نزهة الحادى" من الرحلة المذكورة، قول الشهاب "إن جزيرة الأندلس، استردادها من أيدى الكفار سهل، واسترجاعها منهم قريب. ولما دخلت فى أيام المنصور مراكش، وجدت عنده من الخيل نحوا من ستة وعشرين ألفاً، فلو تحركت هذه لفتحها لفتحتها، ولاستولى عليها فى الحين" (2).
_______
(1) توجد منه نسخة مخطوطة بخزانة الرباط تحفظ برقم ج 87، وتقع فى 261 صفحة كبيرة، ومذكور فى صفحة العنوان أنه من تأليف الرئيس ابراهيم بن أحمد بن غانم بن محمد بن زكريا، كتبه بالأعجمية، وترجمه له بالعربية ترجمان سلاطين مراكش، أحمد بن قاسم بن أحمد الحجرى الأندلسى". وتوجد منه كذلك نسخة بالخزانة التيمورية بدار الكتب المصرية رقم 97 فروسية. ونسخة أخرى بدار الكتب رقم 71 فنون حربية.
(2) كتاب نزهة الحادى ص 99
(5/503)

وأخيراً، فقد وضع الشهاب أيضاً عقب عوده من الحج، كتابا عنوانه "ناصر الدين على القوم الكافرين" يؤيد فيه رسالة الإسلام، ويفند معتقدات النصارى.

- 3 -
وقد أبدت السياسة الإسبانية اهتماماً خاصاً بالقضاء على تراث الأندلس الفكرى، وبدأت بارتكاب فعلتها الشائنة فى سنة 1499 م أعنى لأعوام قلائل من سقوط غرناطة، فجمعت الكتب العربية، وأحرقت بأمر الكردينال خمنيس حسبما فصلنا من قبل، ولم تبق معاول التعصب والجهالة إلا على بقية صغيرة من الكتب العربية، جمعت فيما بعد من مختلف الأنحاء، وأودعت أيام فيليب الثانى فى قصر الإسكوريال على مقربة من مدريد، وحجبت عن كل باحث ومتطلع. وفى أوائل القرن السابع عشر، وقع حادث كان سبباً فى مضاعفة المجموعة العربية الإسبانية. ذلك أن السفن الإسبانية استطاعت أن تأسر مركباً مغربية لمولاى زيدان ملك المغرب "كانت مشحونة بالكتب ومختلف التحف، وبها ثلاثة آلاف سفر من كتب الدين والأدب والفلسفة وغيرها. وتضع الرواية الإسبانية تاريخ هذا الحادث فى سنة 1612 فى عصر فيليب الثالث، وذلك حينما اشتد اضطراب العلائق بين اسبانيا والمملكة المغربية (1). وقد حملت هذه المجموعة النفيسة من الكتب العربية إلى اسبانيا، وأودعت قصر الإسكوريال، إلى جانب بقية التراث الأندلسى التى كانت مودعة فيه منذ أيام فيليب الثانى. وكانت مجموعة مولاى زيدان المغربية تحتوى عدد كبير من الكتب الأندلسية التى كثر استنساخها، "اقتنائها بالمغرب، بعد سقوط غرناطة.
ولبثت هذه المجموعة من المخطوطات العربية الأندلسية مودعة بمكتبة الإسكوريال الملكية حتى أواسط القرن السابع عشر، وكانت تبلغ يومئذ عدة آلاف، وكانت أغنى وأنفس مجموعة من نوعها بإسبانيا. ولكن محنة جديدة أصابت هذه البقية الباقية من تراث الأندلس. ففى سنة 1671 شبت النار فى الإسكوريال، والتهمت معظم هذا الكنز الفريد، ولم ينقذ منه سوى ألفين، هى التى مازالت تثوى حتى اليوم فى أقبية مكتبة الإسكوريال التى يشرف عليها الآباء الأوغسطنيون. وكانت الحكومة الإسبانية أثناء هذه العصور تحرص على إخفاء الآثار العربية عن كل قارىء
_______
(1) الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى للسلاوى ج 3 ص 128؛ وراجع ص 392 من هذا الكتاب
(5/504)

وباحث، كأنما كانت تخشى أن تتسرب روح التفكير الإسلامى إلى تفكير اسبانيا النصرانية، بعد أن بذلت لقتل هذا الروح كل وسيلة ممكنة. وكان الكُتّاب الإسبان أنفسهم، تحملهم نزعة الدين والجنس، يعرضون عن كل بحث وتنقيب فى هذه المصادر النفيسة، التى تلقى أكبر ضوء على تاريخ اسبانيا المسلمة وحضارتها فى العصور الوسطى، ويكتفون فى كتابة هذه المرحلة الطويلة الباهرة من تاريخ بلادهم، بالرجوع إلى المصادر الإسبانية التى تفيض بالتحامل والتعصب وغمر الخرافات. ولم تفق الحكومة الإسبانية من جمودها، ولم تفكر فى تنظيم تراث الأندلس الفكرى والتعريف به، قبل أواسط القرن الثامن عشر، فعندئذ انتدبت عالماً شرقياً يجمع بين الثقافتين الشرقية والغربية، هو ميخائيل الغزيرى اللبنانى، الذى يعرف فى الغرب باسم كازيرى Casiri، وعهدت إليه بدرس الآثار العربية، ووضع فهرس جامع لها. وكان الغزيرى بنشأته وثقافته الشرقية رجل المهمة، فلبى دعوة الحكومة الإسبانية، وعين فى سنة 1749 مديراً لمكتبة الإسكوريال، وأنفق هنالك بضعة أعوام يدرس المخطوطات العربية ويحققها، ثم بدأ بوضع فهرسه الجامع الذى عهد إليه بوضعه. وفى سنة 1760 صدر الجزء الأول من هذا الفهرس باللاتينية بعنوان Bibliotheca Arabico - Hispana Escurialensis " المكتبة العربية الإسبانية فى الإسكوريال"، وصدره الغزيرى بمقدمة طويلة تحدث فيها عن قيمة هذه المخطوطات العربية وأهميتها، وقسم هذه الآثار إلى عدة فنون، وبدأ بكتب اللغة وعلومها، ثم الشعر وأبوابه، ثم الفلسفة وما يتعلق بها، ثم الأخلاق فالطب والتاريخ الطبيعى، فالرياضة والهندسة والفلك، فالفقه وعلوم الدين والقرآن، وهى تشمل أكبر مجموعة. ثم الآثار النصرانية. وتبلغ محتويات هذا الجزء الأول من الفهرس 1628 مجلداً. وفى 1770 ظهر الجزء الثانى من الفهرس، محتوياً على كتب الجغرافيا والتاريخ ومنتهياً برقم 1851، وهو جملة ما أثبته الغزيرى فى فهرسه.
وكان أهم ما اتجهت إليه الأنظار بعد ظهور معجم الغزيرى، هو التنقيب فى مجموعة الإسكوريال عن الروايات العربية المتعلقة بتاريخ اسبانيا المسلمة، وسياسة الحكومات الإسلامية، وخواص المجتمع الإسلامى، فعنى طائفة من الباحثين الإسبان فى أواخر القرن الثامن عشر ومنهم أندريس وماسدى، ببحث تاريخ العلوم والآداب العربية، فأخرج أندريس كتابه عن "أصول الأدب"، وأخرج
(5/505)

ماسدى مؤلفه عن "تاريخ اسبانيا والحضارة الإسبانية" (1). ثم جاء العلامة كوندى فوضع لأول مرة تاريخاً لاسبانيا المسلمة (2)، يعتمد فيه على الروايات العربية، وظهر هذا المؤلف بين سنتى 1810 و 1812. وبالرغم من أن مؤلف كوندى يحتوى على كثير من الأخطاء التاريخية، فقد كان أول مجهود غربى من نوعه يعرض للغرب قضية العرب فى اسبانيا من الناحية العربية، وفيه يقف الغرب لأول مرة على وجهات النظر الأندلسية، وخواص النظم والسياسة الإسلامية. ويبدى كوندى فى كثير من المواطن حماسة فى الدفاع عن العرب، والإشادة بخلالهم ومواقفهم وحضارتهم، ويصدر فى بعض المواطن، أشد الأحكام على أمته وسياسة مواطنيه.
وأخذت المصادر العربية الأندلسية، تَمْثُل من ذلك الحين فى كل بحث يتعلق بتاريخ الأندلس. وكان العلامة المستشرق الهولندى رينهارت دوزى أعظم باحث غربى، توفر على دراسة التاريخ الأندلسى، ودراسة مصادره العربية والغربية، وكتابه القيم "تاريخ المسلمين فى اسبانيا حتى فتح المرابطين" (3)، من أنفس ما كتب فى هذا الباب، وذلك بالرغم مما يبدو فيه من آن لآخر من تعليقات يطبعها التحامل. وتوالت بعد ذلك جهود الباحثين الغربيين فى دراسة تاريخ اسبانيا المسلمة وكتابته. وصدرت بعد كتاب دوزى خلال القرن الماضى فى هذا الموضوع، عدة كتب قيمة، إسبانية وإنجليزية وفرنسية وغيرها، يمتاز الكثير منها بدقة البحث وروح الإنصاف.
وقام المستشرق الفرنسى هارتفج ديرنبور فى أواخر القرن الماضى بدراسة جديدة للمجموعة الأندلسية بالإسكوريال، ووضع لها فهرساً جديداً بالفرنسية عنوانه: "المخطوطات العربية فى الإسكوريال" Les Manuscrits Arabes de l'Escurial نحا فيه نحو الغزيرى فى ترتيبه وترقيمه، وعثر على نحو مائة مخطوط أخرى لم يثبتها الغزيرى فى معجمه. بيد أنه لم يصدر من هذا الفهرس الجديد سوى جزئين يشتملان على كتب اللغة والبلاغة والشعر والأدب والفلسفة والأخلاق والسياسة. وأصدر الأستاذ ليفى بروفنسال بعد وفاة ديرنبور جزءاً ثالثاً من هذا الفهرس مشتملا على
_______
(1) Historia Critica de Espana y la Cultura espanola
(2) Historia de la Dominacion de los Arabes en Espana
(3) Histoire deds Musulmans d'Espagne jusqu'à la Conquete de l'Anda-
lousie par les Almoravides
(5/506)

كتب الدين والجغرافيا والتاريخ. ومازال هذا الفهرس الجديد لمجموعة الإسكوريال الأندلسية، ينقصه استعراض كتب الطب والتاريخ الطبيعى والرياضة والفقه، كما ينقصه ذكر الكتب التى غابت عن الغزيرى وعددها نحو مائة كتاب.
وقد كان التنقيب فى تراث الآثار الأندلسية، والتعريف بها على هذا النحو، فتحاً عظيما فى تاريخ اسبانيا المسلمة، وتاريخ الحضارة الإسلامية. فقد كان الغرب حتى أواخر القرن الثامن عشر، لا يعرف من هذا التاريخ سوى ما تعرضه الرواية الإسبانية من شذور مشوهة مغرضة، وكانت مئات من الحقائق تغمرها حجب التعصب والتحامل، فجاءت وثائق الإسكوريال تبدد هذه الحجب، وتقدم الأدلة الساطعة على عظمة هذه الصفحة من تاريخ اسبانيا، وتعرض لنا مئات الحقائق عن تفوق الحضارة الأندلسية، ومبلغ ما وصلت إليه من الإزدهار والتقدم.
ومما هو جدير بالذكر أن ملوك المغرب بذلوا أكثر من محاولة لاسترداد الكتب العربية من اسبانيا، وكان يحدوهم فى ذلك شعور بأن هذا التراث الفكرى للأمة الأندلسية الشهيدة إنما هو تراثهم المشترك، وأن المغرب هو الوارث الطبيعى لهذا التراث، خصوصا وقد كان بين محتوياته مكتبة مولاى زيدان التى انتهبت فى عرض البحر حسبما قدمنا. ففى سنة 1102 هـ (1691 م) بعث مولاى اسماعيل عاهل المغرب العظيم، وزيره الكاتب محمد بن عبد الوهاب الغسانى سفيراً إلى كارلوس الثانى ملك اسبانيا، وكان من مهمته إلى جانب السعى فى تحرير الأسرى المغاربة، أن يسعى فى استرداد الكتب العربية، وقد نجح السفير فى تحقيق الشطر الأول من مهمته، ولكنه لم ينجح فى تحقيق الشطر الثانى. وفى سنة 1179 هـ (1765 م) أرسل مولاى محمد بن عبد الله سلطان المغرب، كاتبه أحمد بن مهدى الغزّال، سفيراً إلى كارلوس الثالث ملك اسبانيا ليضطلع بنفس المهمة المزدوجة، أعنى العمل على تحرير الأسرى المغاربة، واسترداد الكتب العربية، ولكنه لم يحرز فى مهمته بشأن الكتب نجاحا يذكر، وإن كان قد استطاع أن يحصل من الإسبان على قدر من الكتب العربية ليس بينها شىء من محتويات الإسكوريال (1).
_______
(1) ترك لنا كل من هذين السفيرين كتابا عن مهمته: فكتب الوزير محمد بن عبد الوهاب كتابه المسمى "رحلة الوزير فى افتكاك الأسير" (تطوان 1939). وكتب الثانى أحمد الغزال كتابه "نتيجة الإجتهاد فى المهادنة والجهاد" (تطوان 1941)
(5/507)

- 4 -
بقى أن نتحدث عن الفن فى الأندلس، وسيكون حديثنا عن ذلك عاماً. ذلك أن الفن فى مملكة غرناطة آخر دول الإسلام بالأندلس، لم يكن له سوى المرحلة الأخيرة لسير الفن الأندلسى.
وقد نشأ الفن الإسلامى فى البداية نشأة متواضعة. ونريد بالفن هنا معناه الدقيق الخالص. فالتصوير والنحت والنقش والزخرفة والموسيقى والغناء وما إليها، مما ينعت فى عصرنا بالفنون الجميلة، يقع تحت هذا المعنى. بيد أن هنالك معنى أوسع للفن فقد يشمل فنون الهندسة والعمارة وما إليها، ولا بأس من أن نعامله بهذا المعنى الأعم فى الوقت نفسه. وهذه النشأة المتواضعة للفن الإسلامى ترجع بالأخص إلى عوامل دينية. فقد نشأ الإسلام خصيم الوثنية، يضطرم بغضاً لمظاهرها ورسومها، وقد كان النحت والتصوير والنقوش الرمزية، وقت ظهور الإسلام من مظاهر الوثنية ورسومها البارزة، فكان الإسلام يخاصمها ويطاردها. ولم يشأ الإسلام أن يفسح صدره لهذه المظاهر والرسوم كما فعلت النصرانية، حيث اعتنقتها وشملتها برعايتها، وازدانت بها كنائسها وهياكلها العظيمة منذ القرن الأول للميلاد. ثم غدت فيما بعد مثاراً للخلاف الطائفى، واعتبرت رمزاً لعبادة الصور، وثارت حولها تلك المناقشات والخصومات البيزنطية الشهيرة. بيد أن هذه الخصومة التى شهرها الإسلام فى عصره الأول على التماثيل والصور، رموز الوثنية ومظاهرها، لم تلبث أن خفت وطأتها منذ القرن الثانى للهجرة، حينما قامت الإمبراطورية الإسلامية، وأنشئت فى أرجائها الصروح الإسلامية العظيمة، وبدت الخلافة فى عظمتها الدنيوية، وأخذت بقسطها من الترف والبهاء والبذخ. عندئذ عنى الخلفاء بالفنون وازدانت قصورهم ومعاهدهم وحدائقهم، بمظاهر الفن الرفيع، واعتمد على الاقتباس بادىء بدء من تراث الفنون الفارسية واليونانية والرومانية، والبيزنطية بنوع خاص، واقتبس عرب الأندلس أيضاً من تراث الفن القوطى. ولم يمض بعيد حتى امتزج الاقتباس بالابتكار، وبدأ الفن الإسلامى فى مظاهره المستقلة. وبلغ منذ القرن الثالث للهجرة، سواء فى بغداد أو قرطبة مستوى رفيعاً من الروعة والبهاء. وبرع المسلمون فى صنع الزخارف والنقوش والرسوم والصور الدقيقة، وانتهوا فى الموسيقى إلى ذروة الافتنان والبراعة، وازدهر الفن الإسلامى فى المشرق والمغرب أيما ازدهار
(5/508)

وبلغ الفن الإسلامى فى الأندلس أوج ازدهاره فى القرن الرابع الهجرى. ويجب أن نلاحظ أن مسلمى الأندلس كانوا أسبق الأمم الإسلامية إلى صنع التماثيل والصور وقد زينوا قصورهم ومعاهدهم منذ القرن الثالث، بالتماثيل والصور والنقوش، التى تمثل الحيوان والنبات والطير. أما التماثيل والصور البشرية، فكانت تلقى نوعاً من التحريم العام. وفى عصر عبد الرحمن الناصر (300 - 350 هـ) خطا الفن الأندلسي خطوة أخرى، فصنعت التماثيل والصور البشرية، وزينت بها القصور والمعاهد الخلافية، وكما أن عصر الناصر كان أعظم عصور الدولة الإسلامية فى الأندلس، فكذلك كان أعظم عصور الفن الأندلسى.
وقد كان عصر قرطبة الكبير حتى عهد الناصر، موضع العناية والرعاية من جميع أمراء بنى أمية، وكان مجمع البهاء والرواء والفن. ولكن الناصر آثر أن ينشىء له ضاحية ملوكية جديدة، تكون آية فى الفخامة والبهاء، فأنشأ مدينة الزهراء وقصورها ومعاهدها الباهرة، وأفاض عليها من ألوان البذخ والبهاء، وبدائع الفن والزخرف، آيات رائعات. وكانت نقوش الزهراء ورسومها وتماثيلها، أبدع ما أخرج الفن الإسلامى فى الأندلس. ولا يتسع المقام للإفاضة فى وصف عظمة الزهراء، وروائعها الفنية، فنحيل القارىء إلى ما أورده صاحب نفح الطيب فى هذا الشأن من مختلف الروايات والفصول (1). ولكنا نخص بالذكر هنا مثلين رائعين من آيات الفن الباهر، التى زينت بها قصور الزهراء، فمن ذلك أسد عظيم الصورة بديع الصنعة شديد الروعة، لم يشاهد أبهى منه فيما صنع الملوك الأوائل، مطلى بالذهب، وعيناه جوهرتان لهما ضوء ساطع، قد أقيم على بحيرة قصر الناعورة، يجوز الماء إلى مؤخره من قناة تحمل إليه الماء العذب، من جبل قرطبة على حنايا معقودة، فيدفع الماء إلى البحيرة فى منظر رائع (2). ومن ذلك الحوض البديع الذى جلبه الناصر لاستحمامه، وأقيم عليه اثنا عشر تمثالا من الذهب الأحمر، مرصعة بالدر النفيس مما صنع بدار الصناعة بقرطبة: أسد إلى جانبه غزال ثم تمساح، يقابلها ثعبان وعقاب وفيل، وفى الجانبين حمامة وشاهين وطاووس ودجاجة وديك وحدأة ونسر، كلها من ذهب مرصع بالجوهر النفيس، وتخرج الماء من أفواهها (3).
_______
(1) نفح الطيب ج 1 ص 245 و 246 و 264 - 266؛ وابن خلدون ج 4 ص 144؛
وراجع Murphy: Mohamedan Empire in Spain, p. 167-174
(2) نفح الطيب ج 1 ص 264.
(3) نفح الطيب ج 1 ص 264
(5/509)

وهنا أيضاً أعنى فى عصر الناصر، نرى لأول مرة فيما يظهر، تماثيل الإنسان وصوره تمثل فى الفن الأندلسى، إلى جانب تماثيل الحيوان وصوره. فيروى أن الناصر أمر أن تنقش صورة جاريته وحظيته "الزهراء" على باب قصر الزهراء، وهذه الجارية فيما يروى هى التى حملته على بناء الزهراء وتسميتها باسمها (1). وزينت أبهاء الزهراء بتماثيل وصور بشرية (2). فكانت ظاهرة فنية جديدة.
يقول العلامة الأثرى الإسبانى الأستاذ مورينو مشيراً إلى عصر عبد الرحمن الناصر: "جاء هذا الملك، وقد دخل الشرق الإسلامى فى دور الانحطاط، ودخل العهد البيزنطى بالعكس فى أسطع مراحله، وعمل الخليفة الإسبانى، وهو حليف القيصر اليونانى على إحياء الحضارة، فعادت بفضله تزدهر فى جانبى البحر المتوسط، وتولت قرطبة بقوتها الروحية زعامة العالم، ووصلت اسبانيا المسلمة فى عهد الناصر إلى ذروة التماسك والتناسق الاجتماعى والرخاء؛ وآل ذلك إلى ولده الحكم، فاستعمله فى أعمال الحضارة، وهكذا تحقق قيام بلاط جديد فى الزهراء الرائعة التى بدأت أطلالها الآن تبدو للعيان، وبعد ذلك زيد المسجد الجامع، وأسبغت عليه آيات الفخامة والروعة.
على أن الفن القرطبى يصل إلى ذروته فلا طراز العقود المتشابكة المتقاطعة فى تشكيلات هندسية، وهو ما يخدم نفس الأغراض التى تقوم بها العقود القوطية، متقدمة عليها قرنين، وخاضعة لمبدأ أساسى زخرفى، ومنسقة مع طرازها القرطبى" (3).
وبلغ الفن الأندلسى فى عصر الناصر وابنه الحكم المستنصر، ذروة القوة والبهاء، ومازالت اسبانيا النصرانية تحتفظ ببعض تحف فنية نادرة من تراث ذلك العصر، نذكر منها وعل الزهراء الشهير، وهو تمثال وعل من البرونز زين جسمه بالنقوش والزخارف العربية البديعة، وتاج عمود من المرمر به زخارف دقيقة مدهشة، وقد نقش عليه اسم الحكم المستنصر بالله واسم حاجبه، وقد وجد كلاهما فى حفائر مدينة الزهراء، وكلاهما يحفظ اليوم بمتحف قرطبة، ومنها صندوق من العاج البديع نقشت عليه صور فرسان وأشخاص ووعول آية فى الدقة، وذكر عليه اسم
_______
(1) نفح الطيب ج 1 ص 245.
(2) نفح الطيب ج 1 ص 265 و Murphy: ibid, p. 292
(3) M. Gomez Morena: "La Civilizacion arabe y sus Monumentos en
Espana" Art. en "Arquitectura" (Nov. 1919)
(5/510)

صاحبه وهو عبد الملك بن أبى عامر ولد الحاجب المنصور، وتاريخ صنعه وهو سنة 395 هـ (1005 م)، ويحفظ اليوم بمتحف كنيسة بنبلونة العظمى، ويوجد فى مدينة جيرونة صندوق بديع الصنع من أيام الحكم الثانى، وفى كتدرائية مدينة سمورة صندوق آخر يرجع إلى نفس العصر. ويوجد من تحف العهد الغرناطى كثير من النقوش والزخارف المرمرية التى تحفظ اليوم بمتحف غرناطة، وفى متحف مدريد الوطنى مصباح برونزى رائع الصنع أصله من مصابيح مسجد الحمراء؛ وتوجد فى متحف الحمراء جرة كبيرة من القيشانى الملون زينت بزخارف مذهبة رائعة، وهى من مخلفات قصر الحمراء. هذا إلى طائفة كبيرة أخرى من التحف البرونزية والمعدنية والخزفية، والبسط والأنسجة الأندلسية والموريسكية، مبعثرة فى مختلف المتاحف الإسبانية. وقد أتيح لنا أن نشاهد معظم هذه التحف الفريدة، وأن نتأمل روائعها (1).
هذا وقد برع الأندلسيون فى الصناعات الفنية الدقيقة، مثل صناعة الحلى الفائقة والتحف العاجية والجلدية، ونافسوا فيها صناعة بيزنطية. ومازالت بعض المدن الأندلسية القديمة مثل قرطبة وطليطلة وغرناطة تحتفظ حتى اليوم فى بعض صناعاتها الدقيقة، ببقية من هذه البراعة الفنية الأندلسية. فما زالت طليطلة تشتهر حتى يومنا بصناعة الأسلحة المزخرفة، وتشتهر قرطبة بصناعة الجلود الدقيقة المزخرفة. وكانت غرناطة بالأخص تتفوق فى صنع الأقمشة الحريرية المذهبة، والبسط الأنيقة، والتحف البرونزية والزجاجية والأساحة، وكانت أنسجتها المطرزة بالذهب تخلب ألباب الشعوب الأوربية. وهى مازالت حتى اليوم تتفوق فى أصناف من الدانتلا الرائعة. وهذه الصناعات اليدوية الدقيقة مازالت متأثرة بجمال الزخرف الإسلامى أعظم تأثير. وكانت القصور والمعاهد العامة، والمساجد الجامعة بالأندلس فى تلك العصور، معرضاً لأبدع ما تمخض عنه الفن الرفيع يومئذ من صنوف الزخارف والرسوم والتحف الفنية. ومن ذلك أنه كان بجامع قرطبة تنور من نحاس أصفر يحمل ألف مصباح، وقد زين بصور ونقوش رائعة، يعجز عن وصفها القلم (2). وقد امتازت المدرسة المحافظة بالتفوق فى نوع جديد
_______
(1) نشرنا أوصاف هذه التحف الأثرية الأندلسية وصورها فى كتابنا الآثار الأندلسية الباقية فى اسبانيا والبرتغال - الطبعة الثانية. ص (37 و 43 و 181 و 320 و 337 و 355).
(2) نفح الطيب ج 3 ص 245
(5/511)

من الزخارف، يقوم على رسوم الشجر والأوراق والأغصان والأشكال المتماثلة المبتكرة، دون الصور التى تمثل الإنسان والحيوان؛ ذلك لأنها كانت تقوم على احترام التقاليد الدينية القديمة، واشتهرت هذه المدرسة فى العصور الوسطى، وكان لها أثر عميق فى تطور الفن الأوربى، وما زالت تعرف بالنماذج العربية (الأرابسك) (1).
وسطع الفن الأندلسى أيام الطوائف مدى حين، ونثر ملوك الطوائف ولاسيما بنو عباد فى إشبيلية، وبنو ذى النون فى طليطلة، حولهم آيات من البذخ والترف والبهاء، وأغدقوا على قصورهم ومعاهدهم بدائع الفن وروائعه، مما أفاض فى وصفه المؤرخون والكتاب والشعراء. وكان بنو عباد فى إشبيلية أعظم حماة للفنون والآداب. وكان قصر المأمون بن ذى النون ملك طليطلة آية رائعة من آيات الفن والبهاء، وكان روشنه الشهير الذى بنى وسط بحيرة القصر، من الزجاج الملون المزين بالنقوش الذهبية، مستقى خصباً لخيال الشعراء، وكانت حافة البحيرة مزدانة بصفوف من تماثيل الأسود التى تقذف الماء من أفواهها، وهى لا تزال تقذف الماء ولا تفتر، وتنظم لآلىء الحباب بعد ما نثر (2). وأنشأ المقتدر بالله أبو جعفر أحمد بن هود أمير سرقسطة فى أواخر القرن الحادى عشر الميلادى قصره الرائع المسمى "بقصر السرور"، وكان أروع ما فيه بهوه العظيم الذى زينت جدرانه بالنقوش والتحف الذهبية البديعة والذى كان يسمى لذلك "بمجلس الذهب". ولما سقطت سرقسطة فى يد النصارى شوهت معالم هذا القصر وأدخلت عليه تعديلات وتغييرات عديدة قضت على محاسنه وبدائعه العربية. ومازال يقوم على موقعه السابق الصرح الذى يسمى اليوم بقصر الجعفرية Palacio Aljarafia. وقد اشتهر المقتدر بن هود، فى التاريخ وفى الشعر، بقصره الفخم ومجلسه الرائع، ذى النقوش والتحف الذهبية البديعة وهو القائل فى وصفه (3):
قصر السرور ومجلس الذهب ... بكما بلغت نهاية الطرب
لو لم يحز ملكى خلافكما ... لكان لدى كفاية الأرب
_______
(1) Murphy: ibid , p. 291 - Aschbach: Geschichte der Omajaden in Spanien ; B. II. p. 352.
(2) نفح الطيب ج 1 ص 247 و 282؛ وقلائد العقيان للفتح بن خاقان ص 194 و 195.
(3) نفح الطيب ج 1 ص 250. وراجع كتابى " دول الطوائف " ص 272
(5/512)

ولم يكن هذا الهوى الفنى قاصرأً على الأمراء والكبراء، فقد روى لنا المقرى أنه كان ببعض حمامات إشبيلية تمثال بديع الصنع، قال فيه الشاعر:
ودمية مرمر تزهو بجيد ... تناهى فى التورد والبياض
لها ولد ولم تعرف حليلا ... ولا ألمت بأوجاع المخاض
ونعلم أنها حجر ولكن ... تتيمنا بألحاظ مراض
وفى عهد المرابطين والموحدين خبت دولة الفن الإسلامى فى الأندلس نوعاً، ذلك لأن أولئك الغزة البربر، الذين كانوا يضطرمون بروح دينية محافظة، لم يقدّروا الفنون والآداب على نحو ما كانت أيام الخلفاء الأندلسيين. ومع ذلك، فقد كان لدى الموحدين، بالرغم من طابعهم الدينى المحافظ، طموح فنى، ظهر أثره أولا فى إقامة المنشآت الدفاعية العظيمة، ثم ظهر فى إقامة المساجد والقصور، سواء فى المغرب أو الأندلس. وقد كان قصر إشبيلية، الذى أنشأه أبو يعقوب يوسف وجامع إشبيلية الأعظم، ومنارته العظيمة التى أنشأها ولده الخليفة المنصور، والتى مازالت قائمة إلى اليوم بعد أن حولت إلى برج لأجراس كنيسة إشبيلية العظمى، التى أقيمت فوق موقع المسجد الجامع: كانت هذه المنشآت العظيمة عنواناً لعظمة الفنون والزخارف الإسلامية فى عصر الموحدين. وازدهرت الفنون والآداب كرّة أخرى فى مملكة غرناطة. وكان بنو الأحمر حماة كرماء للفنون. ونلاحظ أن الفن الأندلسى بلغ فى هذا العصر ذروة التحرر والافتنان أيضاً، وتوسع الفنانون المسلمون فى تصميم المناظر والرسوم. ولم يقتصر الأمر على الصور والرسوم والتماثيل المفردة، بل تعداه إلى المناظر المصورة، وإلى المجموعات المنحوتة. وقد كانت مملكة غرناطة على صغر رقعتها، وضعفها من الوجهتين العسكرية والسياسية، تحدث من الناحية الحضارية والفنية فى قشتالة، جارتها الكبيرة القوية، أثرها العميق. يقول الأستاذ مورينو: "إنه منذ عهد سان فرناندو إلى عهد هنرى الرابع، كان الكثير من عناصر حضارة قشتالة، وهندستها المدنية، وفنونها الزخرفية الدينية، وكل ضروب الإناقة والمتعة فى الحياة - كانت كلها قائمة على الاقتباس من الأندلس" (1). وما زالت حمراء غرناطة، وما زالت أبهاؤها ومجالسها الرائعة، تنبىء عما انتهت إليه آخر دول الإسلام فى الأندلس من البذخ والبهاء، وعما بلغه الفن الأندلسى فى هذه المرحلة
_______
(1) M. Gomez-Moreno: Arquitectura (Nov. 1919)
(5/513)

الأخيرة من حياة الإسلام فى اسبانيا، من الدقة والافتنان. وسوف يبقى قصر الحمراء، وما يحتويه من النقوش والزخارف والصور الفريدة، رمزاً خالداً للعمارة الإسلامية، ولروعة الفن الإسلامى فى الأندلس.
وقد كان لفنون العمارة الأندلسية فى مختلف عصورها أعمق الآثار داخل شبه الجزيرة الإسبانية، فكانت القصور الملكية فى الممالك الإسبانية النصرانية، نماذج من القصور الملكية الأندلسية؛ وتطورت فيها مظاهر الحصون الرومانية القديمة، وظهرت عليها مسحة أندلسية. وكان هذا التأثير أشد وأعمق فى حياة النبلاء القشتاليين، وفى طراز مساكنهم المدنية، فقد حل مكان المنزل المحزن الموحش، المكون من غرف قليلة الضوء قليلة التهوية، المنزل الذى تغمره أشعة الشمس، والذى تطل الأروقة الداخلية على فنائه، وفيه الماء الجارى، وفى داخل جدرانه الأربعة تتذوق الحياة كاملة، وتبدو عليه البسمة. وقد أسبغت هذه المنازل على اسبانيا طابعها الخاص (1). وما زال ظراز المنازل الأندلسية قائماً واضحاً فى مدن أندلسية قديمة مثل إشبيلية وغرناطة وشريش، وهذا الطراز من المنازل تفضله الأرستقراطية بنوع خاص. بل لقد كان أثر الفن المعمارى الأندلسى قوياً فى الكنائس ذاتها؛ ففى كثير من الكنائس الإسبانية والبرتغالية الأثرية ترى خطة المسجد ظاهرة فى عقودها وأروقتها. وقد أقيمت أبراج كثير من الكنائس الشهيرة على نمط المنارة الإسلامية، واتخذت منارة الخيرالدا الشهيرة بإشبيلية نموذجاً لكثير من الأبراج فى كنائس اسبانيا الجنوبية. بل لقد تسرب تأثير الفن الإسلامى إلى الهياكل ذاتها، فنرى مثلا مصلى دير "الهولجاس" أو المدير الملكى فى مدينة برغش، وقد صنعت على الطراز الإسلامى، وعليها قبة عربية مقرنصة ْالزخارف. ولما تضاءلت رقعة اسبانيا المسلمة، وسقطت معظم القواعد الأندلسية فى يد الإسبان، لبث المدجنون عصوراً ينقلون الفنون الإسلامية إلى صروح اسبانيا النصرانية. وكانت غرناطة ترسل العرفاء إلى قشتالة ليقوموا بإصلاح الصروح الإسلامية القديمة فى المدن الأندلسية القديمة التى استولت عليها قشتالة.
نعرض بعد ذلك لناحية أخرى من الفن الإسلامى فى الأندلس هى الموسيقى.
وقد كان للموسيقى بين فنون الحضارة الإسلامية أيما شأن، وكان ازدهارها بالأخص فى بغداد وقرطبة، حيث بلغت حضارة الإسلام ذروة العظمة والنضج.
_______
(1) M. Gomez-Moreno: Arquitectura (Nov. 1919)
(5/514)

وكان ازدهارها فى عصر مبكر جداً منذ أواخر القرن الثانى للهجرة، فى ظل الدولة العباسية الفتية. وكان أول من كتب عن الموسيقى من المسلمين، الكندى والفارابى، وقد ترجمت كتبهما إلى اللاتينية منذ القرن الحادى عشر الميلادى. ويبدو أثر الموسيقى الشرقية واضحاً فى الكتابات الموسيقية اللاتينية؛ وفضلا عن الكتابة، فقد كانت الطرائق والمعارف الموسيقية المشرقية تنقل إلى الغرب عن طريق السماع والاتصال الشخصى؛ وينطبق ذلك بنوع خاص على اسبانيا المسلمة، حيث ازدهرت الموسيقى، وتنوعت طرائقها منذ القرن التاسع الميلادى. وكانت الأندلس قد تلقت منذ أوائل هذا القرن قبساً من النهضة الموسيقية المشرقية، فنزح زرياب الموسيقىّ غلام الموصليين (1) أساطين الموسيقى والغناء لهذا العهد، إلى الأندلس فى عصر عبد الرحمن بن الحكم (أوائل القرن الثالث)، فاستقبله بنفسه وبالغ فى إكرامه، وأغدق عليه العطف والبذل. وكان زرياب موسيقياً عظيما ومغنياً ساحراً، فذاع فنه فى الأندلس والمغرب، وأنشأ بالأندلس مدرسة موسيقية وغنائية باهرة، استطال نشاطها وأثرها حتى عصر الطوائف، وازدهرت أيام الطوائف فى إشبيلية فى ظل بنى عباد بنوع خاص (2). وسطع فى مملكة غرناطة قبس من هذه النهضة، وظهر أثر الموسيقى الأندلسية فى تطور الموسيقى والغناء، فى قشتالة وغيرها من أنحاء اسبانيا فى عصر مبكر، ثم انتقل هذا الأثر إلى أوربا، واشتهرت الموسيقى الأندلسية فى غرب أوربا فى العصور الوسطى، وكان لها أثرها فى تطور الموسيقى الغربية. ويقول لنا الأستاذ مورينو إن الأغانى الأصلية للموسيقى الحديثة، كانت اقتباساً أندلسياً، وانها كانت فى الأصل تكتب بلغة "الرومانش" اللاتينية التى كانت تغلب فى اللهجة الشعبية الأندلسية، ومع أنه لم يبق لنا حتى اليوم شىء من هذا الشعر الرومانشى، فإن آثاره تكثر فى أزجال شاعر قرطبى هو "ابن قزمان" (3). وبرع المسلمون فى العزف على كثير من الآلات الموسيقية المعروفة حتى اليوم، واخترعوا الكثير منها ولاسيما "القيثارة" التى كانوا يعتبرونها أجمل الآلات الموسيقية. وكان للموسيقى الأندلسية أثر كبير فى تطور الموسيقى الإسبانية القديمة، وما يزال كثير من الأوضاع
_______
(1) ابراهيم الموصلى وولده إسحاق وولده حماد.
(2) ابن خلدون، المقدمة ص 357؛ ونفح الطيب ج 2 ص 109 وما بعدها.
(3) M. Gomez-Moreno: Arquitectura (Nov. 1919)
(5/515)

والتقاليد الموسيقية الأندلسية، تمثل مثولا قوياً فى فنون الموسيقى والرقص والغناء الإسبانية الحديثة (1).
وقد كانت الأمة الأندلسية أمة مرهفة الشعور والحس، تعشق الفن الجميل، وتحب الحياة الناعمة المترفة، وتجنح إلى المرح والطرب. وقد وصف لنا ابن الخطيب لمحة من هذا الترف، الذى كان عنواناً لحياة الأمة الأندلسية فى عصورها الأخيرة، وذكر لنا كيف كان الشعب يعشق الغناء والموسيقى، وكيف كانت غرناطة تموج بالمقاهى الغنائية التى يؤمها الشعب من سائر الطبقات (2). وقد اشتهر الرقص الأندلسى بجماله وافتنانه فى مجتمعات العصور الوسطى، وما زال شعب غرناطة المرح الطروب مقبلا خلال كفاحه الطويل، على حياته المترفة الناعمة، حتى أصبح العدو على الأبواب.
وللأندلسيين آثار قيمة فى الموسيقى العلمية والعملية. وفى مكتبة الإسكوريال مخطوط عربى نفيس للفيلسوف أبى نصر الفارابى عن الموسيقى وعناصرها ومبادئها وأوضاعها وأنغامها، وكذلك عن الآلات الموسيقية المختلفة وأشكالها وتراكيبها (3).
وهو دليل على ما بلغه المسلمون فى هذا الفن من الرسوخ والابتكار.
وقد يرى بعض الباحثين الغربيين أن الأندلسيين تلقوا معظم تراثهم الفنى، عن الفن النصرانى. وفى هذا الرأى مبالغة، فقد اقتبس الأندلسيون من فنون القوط والفرنج والبيزنطيين والبنادقة، ولكنهم كانوا مبتكرين أيضاً، وكانوا منشئين لفن إسلامى محض، بما أسبغوه عليه من ألوان الإفتنان الرائع التى اختصوا بها، وتميز بها تراثهم الفنى مدى الأحقاب.

- 5 -
هذا. وقد غاضت اليوم من الأندلس كل مظاهرها القديمة، وأصبحت سائر القواعد الأندلسية القديمة اليوم، مدناً اسبانية نصرانية، وقد اختفت معظم الصروح والآثار الأندلسية، ولم تبق منها اليوم سوى بقية صغيرة، متناثرة هنا وهناك؛ وإذا تركنا جامع قرطبة (وهو اليوم كنيسة قرطبة العظمى)، وحمراء
_______
(1) Murphy: ibid ; p. 296، وهذا ما يستطيع أن يلاحظه كل من زار اسبانيا وشهد حفلاتها الموسيقية والغنائية.
(2) راجع الإحاطة ج 1 ص 142 و 143.
(3) وعنوانه "اسطقسات علم الموسيقى" (معجم الغزيرى ج 1 ص 347)
(5/516)

غرناطة، ومنار إشبيلية (وهو اليوم برج الأجراس لكنيستها العظمى)، إذا تركنا هذه الصروح الأندلسية العظيمة الباقية جانباً، كان معظم الصروح والآثار الأندلسية التى قدر لها أن تنجو من أحداث الزمن، يتمثل فى بضعة أنواع معينة من المنشآت الأثرية يمكن حصرها فيما يلى:
أولا - القصبات الأندلسية، والقصبة هى القلعة وملحقاتها، وكانت تبنى عادة فوق أعلى ربوة تشرف على المدينة، وتستعمل للسيطرة عليها والدفاع عنها، كما تستعمل مقراً للأمير أو الحاكم، ويلحق بها عادة قصر ومسجد. والقصبة هى أكثر الآثار الأندلسية ذيوعاً، ولا تكاد تخلو قاعدة أندلسية قديمة حتى اليوم من القصبة أو بعض أطلالها، وتوجد أشهر القصبات الأندلسية اليوم فى مالقة وألمرية وجبل طارق وشاطبة وبطليوس وماردة باسبانيا، وشلب وأشبونة وشنترة وشنترين بالبرتغال.
ثانياً - القصور، وهى الكلمة التى حرف الإسبان مفردها إلى كلمة Alcazar أى القصر. وتوجد فى طليطلة وإشبيلية وغرناطة، وإطلاق هذه الكلمة الإسبانية على صرح من الصروح الأثرية، يفيد فى الحال أنه يرجع إلى أصل أندلسى أو أنه أنشىء على أنقاض قصر أندلسى، كما هو الشأن فى قصر إشبيلية Alcazar de Sevilla.
ثالثاً - القناطر الأندلسية، وتوجد منها نماذج فى طليطلة، وقرطبة، ورندة، وغرناطة. كذلك يوجد كثير من بقايا الأسوار والأبواب والحمامات الأندلسية القديمة، والأطلال التى تركت إلى جانب بعض الكنائس، التى أقيمت فوق أنقاض المساجد القديمة، من منارات حولت إلى أبراج للأجراس، ومن عقود أو أسوار أو مشارف دارسة، كما يوجد عدد عديد من الذخائر والتحف واللوحات الأندلسية المبعثرة هنا وهناك، وفى بعض الكنائس والمتاحف الإسبانية، وهذا كله إلى ما خلفه الفن الأندلسى من أثر خالد، فى طراز كثير من الصروح الإسبانية التاريخية، من كنائس وقصور وأبواب وعقود، وفى زخارفها ونقوشها، وما خلفه فن المدجنين الذى اشتق من الفن الأندلسى، من الآثار الظاهرة، فى طراز كثير من الصروح التى أنشئت فى مختلف المدن الإسبانية، منذ القرن الثالث عشر إلى القرن السادس عشر وذلك حسبما أشرنا من قبل
(5/517)

على أن هذه البقية الباقية من الآثار الأندلسية تمثل بالرغم من قلتها، العصور والأطوار المختلفة للفن الأندلسى، ومنها نستطيع أن نقف على خصائص كل عصر وأطواره. وليس هنا مقام التحدث عن هذه الآثار، فقد أفردنا لذلك مؤلفاً خاصاً، تناولنا الحديث فيه عن الآثار الأندلسية الباقية فى سائر قواعد الأندلس القديمة (1)، ولكنا نود أن نسجل هذه الحقيقة، التى يشعر بها السائح المتجول، كما يشعر بها العالم الباحث، وهى أن هذه الآثار والأطلال الصامتة، كلها تشهد بما كان هذا الشعب الأندلسى الذكى النبيل، من قدم راسخ فى ميدان العلوم والفنون، وكلها تبدو بما يتجلى فيها من روعة أثرية، ومن براعة علمية وفنية، عنواناً لحضارة عظيمة.
_______
(1) هو كتاب "الآثار الأندلسية الباقية فى اسبانيا والبرتغال" (القاهرة سنة 1956 و 1961)
(5/518)

ثبت المراجع
- 1 -
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب للمقرى (القاهرة وبولاق).
أزهار الرياض فى أخبار عياض للمقرى (القاهرة).
تاريخ ابن خلدون المسمى كتاب العبر (بولاق).
التعريف بابن خلدون ورحلته غرباً وشرقاً (لجنة التأليف والترجمة القاهرة 1951).
الذخيرة فى محاسن أهل الجزيرة لابن بسام (القسم الثالث مخطوط أكاديمية التاريخ بمدريد).
الإحاطة فى أخبار غرناطة لابن الخطيب (ج 1 و 2 القاهرة سنة 1319 هـ).
الإحاطة فى أخبار غرناطة لابن الخطيب (ج 1 القاهرة سنة 1956).
اللمحة البدرية فى تاريخ الدولة النصرية لابن الخطيب (القاهرة 1347 هـ).
الحلل الموشية فى الأخبار المراكشية (تونس 1337 هـ).
أخبار العصر فى انقضاء دولة بنى نصر المنشور بعناية المستشرق ميللر (جوتنجن سنة 1863).
(نبذة العصر فى أخبار ملوك بنى نصر) المنشور بعناية معهد فرانكو - (العرائش سنة 1940).
تاريخ قضاة الأندلس لأبى الحسن النباهى المنشور بعناية الأستاذ ليفى بروفنسال (القاهرة 1948).
قلائد العقيان للفتح بن خاقان (القاهرة 1284 هـ).
صلة الصلة لأبى جعفر بن الزبير المنشور بعناية الأستاذ ليفى بروفنسال.
تكملة الصلة لابن الأبار (المكتبة الأندلسية).
الحلة السيراء لابن الأبار المنشور بعناية العلامة دوزى (ليدن سنة 1851).
تاريخ الأندلس فى عهد المرابطين والموحدين لأشباخ وترجمة محمد عبد الله عنان (القاهرة 1958)
(5/519)

الذخيرة السنية فى تاريخ الدولة المرينية لمؤلف مجهول (الجزائر سنة 1920).
نزهة الحادى بأخبار ملوك القرن الحادى لأبى عبد الله محمد اليفرنى (طبع فاس).
بغية الرواد فى ذكر الملوك من بنى عبد الواد للوزير يحيى بن خلدون المنشور بعناية الأستاذ الفرد بل (طبع الجزائر سنة 1903 و 1910).
الإستقصاء لأخبار دول المغرب الاقصى للسلاوى (القاهرة).
المؤنس فى أخبار إفريقية وتونس لابن دينار (تونس).
الخلاصة النقية فى أمراء إفريقية لأبى عبد الله الباجى المسعودى (تونس).
مختصر تاريخ تطوان للسيد محمد داود.
مقدمة الفتح من تاريخ رباط الفتح لأبى عبد الله محمد أبو جندار (الرباط 1345 هـ).
رحلة الوزير فى افتكاك الأسير للوزير محمد بن عبد الوهاب الغسانى (العرائش 1940).
غزوات عروج وخير الدين (الجزائر سنة 1934).
وثائق عربية غرناطية من القرن التاسع الهجرى للأستاذ سيكودى لوثينا (المنشور بعناية المعهد المصرى بمدريد 1961).
السلوك فى دول الملوك للمقريزى (لجنة التأليف والمراجعة القاهرة).
صبح الأعشى للقلقشندى (القاهرة).
الضوء اللامع فى أعيان القرن التاسع للسخاوى (القاهرة).
فوات الوفيات لابن شاكر الكتبى (بولاق).
تاريخ ابن إياس المسمى بدائع الزهور (بولاق).
الروض المعطار لأبى عبد الله الحميرى المنشور بعناية الأستاذ بروفنسال (القاهرة).
معجم البلدان لياقوت الحموى (القاهرة).
رحلة ابن بطوطة (القاهرة).

مصادر مخطوطة
ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب لابن الخطيب (الإسكوريال 1835 الغزيرى)؛ وكناسة الدكان (رقم 1712)، ونفاضة الجراب (رقم 1755) وغيرها من آثاره المخطوطة بالإسكوريال
(5/520)

ديوان ابن الخطيب المسمى "الصبب والجهام والماضى والكهام" (خزانة جامع القرويين بفاس).
أسنى المتاجر فى بيان أحكام من غلب على وطنه النصارى ولم يهاجر وما يترتب على ذلك من العقوبات والزواجر (الإسكوريال رقم 1758 الغزيرى).
التكملة لابن عبد الملك المراكشى (الإسكوريال رقم 1682 والرباط).
الإكليل فى تفضيل النخيل (أو نزهة البصائر) لأبى الحسن النباهى (الإسكوريال رقم 1653 الغزيرى).
الياقوتة الحلية فى الذرية السعيدية المرينية المباركة العبدحقية (مكتبة مدريد الوطنية).
النفحة النسرينية واللمحة المرينية، للأمير إسماعيل بن الأحمر (الإسكوريال 1769 الغزيرى).
الأنوار النبوية فى آباء خير البرية لمحمد بن عبد الرفيع الأندلسى الموريسكى المحفوظ فى خزانة الرباط (المكتبة الكتانية) برقم 1238.
كتاب العز والرفعة والمنافع للمجاهدين فى سبيل الله بالمدافع للرئيس ابن غانم الأندلسى الموريسكى، وترجمة الشهاب الحجرى الموريسكى ومحفوظ بخزانة الرباط برقم ج 87.
الروض الباسم فى حوادث العمر والتراجم لعبد الباسط بن خليل الحنفى المصرى (مكتبة الفاتيكان رقم 728 و 729 Borg.) .
نثير الجمان فى شعر من نظمنى وإياه الزمان للأمير اسماعيل بن الأحمر (دار الكتب المصرية رقم 1863 آداب اللغة العربية)
(5/521)

- 2 -
R. Dozy: Histoire des Musulmans d'Espagne jusqu'à la conquete
des Almoravides (Lévy-Provençal 1932) .
R. Dozy: Recherches sur l'Histoire et Littérature de l'Espagne
pendant le moyen-age.
R. Dozy: Supplément aux Dictionnaires Arabes.
Lévy-Provençal: L'Espagne Musulmane au Xème Siècle.
De Marlès: Histoire de la Domination des Arabes et des Maures en
Espagne et Portugal (redigé sur l'Histoire de M.
Joseph Condé) .
P. Gayangos: Mohamedan Dynasties in Spain.
( وهو ترجمة القسم التاريخى من كتاب نفح الطيب مع تعليقات وهوامش)
W. Prescott: History of Ferdinand and Isabella the Catholic
(London, Sonnenschein) .
W. Prescott: History of the Reign of Philip the Second (London
1855) .
Scott: The Moorish Empire in Europe.
H. Ch. Lea: History of the Inquisition in Spain.
H. Ch. Lea: History of the Moriscos of Spain ; their Conversion
and Expulsion (London 1901) .
Owen Jones & Jules Goury: The Alhambra (London 1844) .
W. Irving: A Chronicle of the Conquest of Granada (Everyman's) .
Murphy: Mohamedan Empire in Spain.
Lane-Poole: The Barbary Corsairs.
Lane-Poole: The Moors in Spain.
C. Brockelmann: Geschichte der arabischen Litteratur.
M. Casiri: Bibliotheca Arabico-Hispana Escurialensis.
F. J. Simonet: Descripcion del Reino de Granada (Granada 1872) .
F. J. Simonet: El Cardinal Ximénez de Cisneros y los Manuscritos
Arabigo-Granadinos.
Isidro de las Cagigas: Los Mudéjares (Madrid 1940) .
Prieto y Vives: De como debio nacer el Reino de Granada.
R. y. de Linares: Escrituras Arabes pertenecientes al Archivo de
Nuestra Senora del Pilar de Zaragoza (en Homenaje
a F. Codera, Zaragoza 1904) .
A. G. Palencia: Los Mozarabes de Toledo en los Siglos XII &
XIII (Madrid 1926-1930)
(5/522)

A. G. Palencia: Moros y Cristianos en Espana Medieval (Madrid 1945)
P. Boigues: Apuntes sobre las Escrituras Mozarabes Toledanas.
Alarcon y Santon y R. G. de Linares: Los Documentos Arabes diplo-
maticos del Archivo de la Corona de Aragon.
J. Condé: Historia de la Dominacion de los Arabes en Espana.
Lafuente Alcantara: Historia de Granada (Granada 1904) .
Luis de Marmol Carvajal: Historia del Rebelion y Castigo de los
Moriscos de Granada.
Hernando de Baeza: Las Cosas de Granada (ed. por M. Muller,
Gottingen 1863) .
M. Gaspar y Remiro: Documentos Arabes de la Corte Nazari de
Granada.
M. Gaspar y Remiro: Entrada de los Reyes Catolicos en Granada
al Tiempo de su Rendicion (Revista de Cen-
tro de Estudios Hist. de Granada) .
Documentos Inéditos para la Historia de Espana.
M. Garrido Atienza: Las Capitulaciones para la Entrega de
Granada (Granada 1910) .
P. Martiri de Angleria: Legatio Babylonico (Una Embajada de los
Reyes Catolicos a Egipto) .
M. Gomez-Moreno: El Arte en Espana.
A. Liorente: Historia Critica de la Inquisicion de Espana (Madrid
1817) .
M. Alarcon: Miscelaneo de Estudios y Textos Arabes (Madrid 1915) .
M. Danvila y Collado: La Espulsion de los Moriscos Espano-
les (Madrid 1889) .
Florecio Janer: Condicion Social de los Moriscos de Espana
(Madrid 1857) .
Modesto Lafuente: Historia General de Espana (Madrid 1882) .
D. Felipe Picatosti: Estudios sobre la Grandeza y Decadencia
de Espana (Madrid 1887) .
M. Menéndez y Pelayo: Historia de los Heterodoxes Espanoles.
D. Pascual Boronat: Los Moriscos Espanoles y su Expulsion.
R. Menéndez Pidal: Origines del Espanol.
F. Saavedra: Discurso leido ante la Real Academia Espanola
(Madrid 1878) .
Al-Andalus (Revista de las Escuelas de Estudios Arabes de Madrid
y Granada)
(5/523)

فهرست الموضوعات
مقدمة ......................................................................... 3

تاريخ مملكة غرناطة

الكتاب الأول
مملكة غرناطة
منذ قيامها حتى عصر السلطان أبى الحسن
الفصل الأول: الأندلس الغاربة ................................................ 16
الفصل الثانى: نشأة مملكة غرناطة وقيام الدولة النصرية ......................... 27
الفصل الثالث: طوائف الأمة الأندلسية فى عصر الإنحلال ....................... 55
الفصل الرابع: طبيعة الصراع بين الأندلس واسبانيا النصرانية .................... 74
الفصل الخامس: تاريخ اسبانيا النصرانية منذ أوائل القرن الحادى عشر حتى قيام مملكة غرناطة ......................................................... 84
الفصل السادس: مملكة غرناطة عقب وفاة ابن الأحمر وعصر الجهاد المشترك بين بنى الأحمر وبنى مرين ................................................ 94
الفصل السابع: مملكة غرناطة فى النصف الأول من القرن الثامن الهجرى وذروة الصراع بين بنى مرين واسبانيا النصرانية ................................. 117
الفصل الثامن: الأندلس بين المد والجزر ........................................ 138
الفصل التاسع: تاريخ اسبانيا النصرانية منذ قيام مملكة غرناطة
حتى اتحاد مملكتى قشتالة وأراجون .............................................. 169

الكتاب الثانى
نهاية دولة الإسلام فى الأندلس
الفصل الأول: الأندلس على شفا المنحدر ...................................... 188
الفصل الثانى: بداية النهاية ..................................................... 215
(5/524)

الفصل الثالث: الصراع الأخير ................................................. 229
الفصل الرابع: ختام المأساة ..................................................... 271

مأساة الموريسكيين أو العرب المتنصرين

الكتاب الثالث
مراحل الإضطهاد والتنصير
الفصل الأول: بدء التحول فى حياة المغلوب .................................... 308
الفصل الثانى: ديوان التحقيق الإسبانى ومهمته فى إبادة الأمة الأندلسية ...................................................................... 328
الفصل الثالث: ذروة الإضطهاد وثورة الموريسكيين ............................. 349

الكتاب الرابع
نهاية النهاية
الفصل الأول: توجس السياسة الإسبانية وعصر الغارات البحرية الإسلامية ..................................................................... 378
الفصل الثانى: مأساة النفى ..................................................... 393
الفصل الثالث: تأملات وتعليقات عن آثار المأساة ............................... 411

الكتاب الخامس
نظم الحكم والحياة الإجتماعية والفكرية فى مملكة غرناطة
الفصل الأول: نظم الحكم فى مملكة غرناطة وخواصها الإجتماعية ................ 434
الفصل الثانى: الحركة الفكرية فى مراحلها الأولى ................................. 452
الفصل الثالث: عهد النضج والإزدهار .......................................... 469
الفصل الرابع: العصر الأخير والآثار الباقية ....................................... 488
ثبت المراجع ..................................................................... 519
(5/525)

فهرست الخرائط والصور والوثائق
1 - خريطة مملكة غرناطة وعدوة المغرب ............................... صدر الكتاب
2 - "الأندلس والممالك الاسبانية فى أواخر عصر الموحدين ...................... 29
3 - "الأندلس بعد الانهيار ..................................................... 89
4 - "غرناطة الإسلامية ...................................................... 259
5 - "مدينة الحمراء وقصر جنة العريف ....................................... 291

الصور
1 - ألفونسو العالم ............................................................ 104
2 - إيسابيلا الكاثوليكية ملكة قشتالة ......................................... 181
3 - فرناندو الكاثوليكى ملك أراجون ......................................... 183
4 - أبو عبد الله محمد سلطان غرناطة وآخر ملوك الأندلس ..................... 207
5 - أبو عبد الله محمد آخر ملوك الأندلس - صورة أخرى ..................... 275
6 - منظر عام لمدينة الحمراء ................................................... 293
7 - من زخارف بهو السفراء .................................................. 295
8 - نافورة الأسود والشرفة الوسطى لفناء الأسود .............................. 297
9 - واجهة قصر جنة العريف .................................................. 299
10 - الكردينال خمنيس دى سيسنيروس ....................................... 317
11 - ضريح فرناندو وإيسابيلا بكنيسة غرناطة ................................. 351
12 - الإمبراطور شارلكان ..................................................... 353
13 - الملك فيليب الثانى ....................................................... 359
14 - دون خوان .............................................................. 371
15 - أمير البحر خير الدين .................................................... 387
16 - الملك فيليب الثالث ...................................................... 399

الوثائق
1 - وثيقة مدجنية مؤرخة فى سنة 801 هـ (1398 م) ومحفوظة ببلدية بنبلونة ...... 59
2 - وثيقة مستعربية من مجموعة دير سان كليمنتى بطليطلة مؤرخة فى سنة 1173 م ... 71
(5/526)

3 - معاهدة التحالف المعقودة بين محمد بن الأحمر وملك أراجون فى سنة 701 هـ (1301 م) ..................................................... 111
4 - معاهدة الصلح المعقودة بين السلطان أبى الوليد اسماعيل وملك أراجون فى سنة 721 هـ (1321 م) .......................................... 119
5 - وثيقة تجديد معاهدة الصلح السابقة معقودة بين السلطان محمد ابن اسماعيل وملك أراجون فى سنة 726 هـ (1325 م) ........................ 123
6 - رسالة مرسلة من السلطان يوسف أبى الحجاج إلى دون ألفونسو ملك أراجون فى سنة 735 هـ (1335 م) ..................................... 131
7 - وثيقة اعتماد صادرة من السلطان أبى الحجاج إلى وزيره القائد ابن كماشة سفيره إلى بيدرو الرابع ملك أراجون ومؤرخة سنة 745 هـ (1344 م) ......... 133
8 - وثيقة صادرة من السلطان أبى الحسن المرينى باعتماد الصلح المعقود بين سلطان غرناطة وملك أراجون مؤرخة فى سنة 746 هـ (1345 م) .............. 135
9 - رسالة موجهة من السلطان الأيسر إلى قادة حصن قمارش مؤرخة فى سنة 831 هـ (1428 م) .................................................... 157
10 - صورة جانب من معاهدة التحالف والخضوع المعقودة بين يوسف ابن المول وخوان الثانى ملك قشتالة فى سنة 835 هـ (1432 م) ................. 159
11 - مرسوم صادر من السلطان أبى الحسن إلى رسول الملكين الكاثوليكيين بقبول التحكيم ومؤرخ فى سنة 882 هـ (1478 م) ............................. 193
12 - خطاب مرسل من السلطان أبى عبد الله محمد إلى قائد وأشياخ أجيجر يدعوهم إلى طاعته مؤرخ فى سنة 895 هـ (1489 م) ........................... 233
13 - الصفحة الأخيرة من معاهدة التسليم التى أصدرها الملكان الكاثوليكيان لأبى عبد الله وأهل غرناطة وعليها توقيعا فرناندو وإيسابيلا (1491 م) .............. 253
14 - ذيل المعاهدة النهائية التى عقدت بين الملكين الكاثوليكيين وأبى عبد الله وفيها يتعهد بمغادرة الأندلس، وعليها توقيعه وخاتمه (1493 م) .................... 279
15 - صورة خطاب مولاى عبد الله إلى دون هرناندو دى براداس مكتوب بخطه ومذيل بتوقيعه ....................................................... 373
16 - الصفحتان الأوليان من كتاب فى الأدعية النبوية محرر بالألخميادو ............. 497
17 - صفحتان من كتاب فى التفسير محرر بالألخميادو .............................. 499
(5/527)