Advertisement

دولة السلاجقة ومقاومة التغلغل الباطني والغزو الصليبي 001



الكتاب: دولة السلاجقة وبروز مشروع إسلامى لمقاومة التغلغل الباطني والغزو الصليبي
المؤلف: عَلي محمد محمد الصَّلاَّبي
الناشر: مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة
الطبعة: الأولى، 1427 هـ - 2006 م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] تاريخ الحروب الصليبية (1)

دولة السلاجقة
وبروز مشروع إسلامى لمقاومة
التغلغل الباطنى والغزو الصليبى

الدكتور
علي محمد محمد الصَّلاَّبي
(/)

جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
1427هـ - 2006م

رقم الإيداع: 7925/ 2006م

بطاقة الفهرسة
فهرسة أثناء النشر إعداد الهيئة المصرية العامة
لدار الكتب والوثائق القومية
إدارة الشئون الفنية

الصلابي، على محمد.
دولة السلاجقة / على محمد محمد الصلابي. ط1 - القاهرة
مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة، 2006
مج1 (624ص)، 24 سم ... تدمك: 4 - 82 - 6119 - 977
1 - الدولة السلجوقية ... 2 - العنوان
953.739

مؤسسة اقرأ
للنشر والتوزيع والترجمة
10 ش أحمد عمارة - بجوار حديقة الفسطاط
القاهرة ت: 5326610 ... محمول: 0102327302 - 101175447
www.iqraakotob.com
E-mail:info@iqraakotob.com
(1/2)

الإهداء
إلى كل مسلم حريص على إعزاز دين الله ونصرته، أهدي هذا الكتاب سائلاً المولى, عز وجل، بأسمائه الحسنى وصفاته العُلى أن يكون خالصاً لوجهه الكريم.
قال تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 111].
(1/3)

المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70،71].
يارب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك, ولك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا، فلله تعالى الحمد كما ينبغي لجلاله, وله الثناء كما يليق بكماله، وله المجد كما تستدعيه عظمته وكبرياؤه, أما بعد:
هذا الكتاب امتداد لما سبقه من كتب درست عهد النبوة وعهد الخلافة الراشدة، وقد صدر منها: السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث، أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والحسن بن علي رضي الله عنهم جميعاً، والدولة الأموية, وقد سميت هذا الكتاب «دولة السلاجقة وبروز مشروع إسلامي لمقاومة التغلغل الباطني والغزو الصليبى» , ويعتبر حلقة مهمة ضمن سلسلة حلقات تاريخ أمتنا والمتعلقة بالحروب الصليبية والتي نسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يوفقنا لإتمامها وأن تكون خالصة لوجهه الكريم ويطرح في كل الكتب القبول والبركة من عنده، وهذا الكتاب يتحدث عن السلاجقة وأصولهم وسلاطينهم ومواطنهم وبداية ظهورهم، وعن اتصال الأتراك بالعالم الإسلامي، وعن المشرق الإسلامي قبيل ظهور السلاجقة, وعن الدولة السامانية والغزنوية والصراع الغزنوي السلجوقي، ومعركة دندانقان وقيام السلطنة السلجوقية, ويتحدث عن الدولة القراخانية، وعن البويهيين وتشيعهم وإهانتهم للخلفاء العباسيين، وعن صلتهم بالقرامطة، وموقفهم من حماية حدود الدولة الإسلامية، وعن جهودهم في مناصرة حركة التشيع وإثارة التفرقة والنعرات الضيقة وإنشائهم مراكز شيعية متخصصة في التأليف والتعليم وإشاعة الآراء المنحرفة للفلاسفة مثل حركة إخوان الصفا،
(1/5)

وعن نهاية الدولة البويهية، ويتحدث عن اجتماع السلاجقة على زعامة طغرل بك وتوسع دولتهم واعتراف الخليفة العباسي بهم، ويتكلم هذا الكتاب عن النفوذ الفاطمي العبيدي في العراق وفتنة البساسيري، وعقيدة الدولة الفاطمية العبيدية وصلتها بالقرامطة، وعن حكم العلماء في الفرق الباطنية، وعن جهود هبة الله الشيرازي في نشر الفكر الباطني في العراق وما حولها ودعمه للحركة الانقلابية التي قام بها القائد العسكري البساسيري للقضاء على الخلافة العباسية وضم العراق للدولة الفاطمية العبيدية، وعن استيلاء البساسيري على بغداد
وإقامة الخطبة فيها للفاطميين، وعن رسالة الخليفة القائم بأمر الله من أسره إلى طغرل بك، واستجابته لنداء الخليفة ومقتل البساسيري ومحاربة السلاجقة للدعوة الفاطمية العبيدية، وعن موقف الدولة السلجوقية من الدولة البيزنطية في عهد طغرل بك, وعن جهود الوزير السلجوقي عميد الملك الكندري في خدمة الدولة، ويتضمن هذا الكتاب سيرة السلطان السلجوقي ألب أرسلان الذي تولى السلطنة بعد طغرل بك وعن جهاده في سبيل الله، وحملته على الشام وضم حلب وعن انتصاره الشهير الكبير في معركة ملاذكرد سنة 463هـ على الروم ووقوع ملكهم في الأسر وما ترتب على تلك المعركة من نتائج، ويتحدث عن وفاة ألب أرسلان وتولى ابنه ملكشاه من بعده السلطنة, وعن سيرة ملكشاه بنوع من التفصيل، وعن سيرة الحسن الصباح والدعوة النزارية الإسماعيلية الحشيشية وسيطرته على قلعة ألموت وعن مراتب ودرجات أعضاء الدعوة النزارية الباطنية، ومهام الدعاة عندهم، ومراحل الدعوة لديهم، ومنطلقات الحركات الباطنية، وأساليبهم في خداع جماهير الناس، وعن المراسلة التي تمت بين الحسن الصباح، والسلطان ملكشاه، ويعطي نبذة مختصرة عن دولة الإسماعيلية في إيران، ويتكلم عن الخليفة القائم بأمر الله العباسي وخلافة ابنه المقتدى بالله، وتدهور العلاقات بين ملكشاه والمقتدى بأمر الله، ويبرز الكتاب المشروع السني الذي قام به الوزير السلجوقي نظام الملك في عهد ألب أرسلان وملكشاه، ويفصل في سيرة هذا السياسي الكبير، فيتحدث عن ضبطه لأمور الدولة، والتصور النظري عنده لها واهتمامه بالتنظيمات الإدارية، والبعد الاقتصادي وعنايته بالمنشآت المدنية، ودوره في النهوض بالحركة العلمية والأدبية، وعن عبادته، وتواضعه, ومدح الشعراء له, وعن وفاته وتأثر أهل بغداد والمسلمين بوفاته ورثاء الشعراء له بقصائد منهم مقاتل بن عطية حيث قال:
كان الوزير نظام الملك لؤلؤة ... يتيمة صاغها الرحمن من شرف
عزَّت فلم تعرف الأيام قيمتها ... فردَّها غيرةً منه إلى الصدف
(1/6)

ويمضي الكتاب مع القارئ إلى عهد التفكك وضعف وانهيار الدولة السلجوقية، ويشير إلى الصراع بين بركيارق بن ملكشاه، وتركان خاتون زوجة أبيه التي قاتلت من أجل تولى ابنها محمود الطفل الصغير للسلطنة ويفصل الكتاب في الصراعات الداخلية والقتال الذي حدث داخل البيت السلجوقي، ووفاة بركيارق بن ملكشاه وتولي محمد بن ملكشاه السلطنة والذي قام بمحاربة الباطنية. وتناول الكتاب سيرة الخليفة المستظهر بالله، وسيرة السلطان السلجوقي سنجر بن ملكشاه، والصراع الداخلي في البيت السلجوقي على السلطنة، وسيرة السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه، وصراعه مع الخليفة العباسي المسترشد بالله الذي حاول انتزاع حقوق الخليفة من السلاطين السلاجقة وإعادة هيبة الخلافة إلا أنه وقع في الأسر ثم قُتل بواسطة الباطنية, ثم تولى الخليفة الراشد بعد والده المسترشد إلا أنه عزل ثم قُتل في عهد السلطان مسعود السلجوقي، وتحدثت عن مظاهر السيطرة السلجوقية على الخلافة العباسية والتي منها: نقل مقر الحكومة خارج بغداد، وتفويض السلطة من الخليفة إلى السلطان السلجوقي، وتدخل السلاجقة في ولاية العهد، وحرمان الخلافة العباسية خلال فترة السيطرة السلجوقية من إعادة تشكيل الجيش. وتكلمت عن بداية انتعاش الخلافة العباسية في عهد المقتفي لأمر الله المتوفى سنة 555هـ والذي سيأتي الحديث عنه بإذن الله عند حديثنا عن الزنكيين، وأشرت إلى نهاية الدولة السلجوقية وأسباب زوالها.
وفي الفصل الثاني تطرقت إلى نظام الوزارة العباسية في العهد السلجوقي وعن صفات وزير الخليفة العباسي من العلم، والرأي السديد، والعدل، والكفاية والسياسة والشئون الدينية، وقوانين الوزارة والبلاغة وحسن الترسل والمحبة لدى العامة والخاصة, والمعرفة بقواعد ديوان الخلافة, وعن صفات الوزير السلجوقي، من محبة العلم والعلماء والعدل، والصلاح والفقه، وإجادة اللغتين العربية والفارسية, والكفاية، وتدبير البلاد والجيوش، والشهامة والصبر, وعن مراسم تقليد الوزير العباسي والسلجوقي وألقابهم وامتيازاتهم وصلاحياتهم الإدارية والسياسية والمالية والعسكرية، وعن أساليب العزل والمصادرة، وعن المساومة والمنافسة على منصب الوزارة العباسية والوزارة السلجوقية, وترجمت لأشهر وزراء الخلفاء العباسيين في العهد السلجوقي كفخر الدولة بن جهير، وعميد الدولة بن جهير, والوزير أبى شجاع محمد بن الحسين الروذراوري وهو القائل عن الوزارة:
تولاها وليس له عدو ... وفارقها وليس له صديق

والوزير الحسن بن علي بن صدقة، وشرف الدين علي بن طراد الزينبي، والوزير الكبير عون الدين بن هبيرة الذي ستأتي - بإذن الله- ترجمته مفصلة في سيرة نور الدين زنكي عند
(1/7)

حديثنا عن الزنكيين ودورهم المجيد في دحر الصليبيين، كما أشرت إلى وزراء سلاطين السلاجقة وأهم أعمالهم.
وفي الفصل الثالث اهتممت بالمؤسسة العسكرية السلجوقية التي كانت القوة الضاربة للدولة، ففصلت في أسس الإدارة العسكرية السلجوقية، كالتنشئة العسكرية للأبناء، والجهاد في سبيل الله، والحرص على كسب ولاء الجيش وقادته، والخبرة والتجربة، والإخلاص والتضحية، والحيطة والحذر والمتابعة، والعلاقة بين الجند وقادتهم, والتدرج في الرتب العسكرية، والجمع بين الرأي والتدبير والقوة العسكرية، والاعتماد على أجناس مختلفة، وزيادة عدد أفراد الفرق العسكرية، والتقسيم العشري كأمراء المئين مقدمى الألوف، وأمراء العشرات، والخمسات، والإقطاع العسكري، وخصائصه، وعوامل التوسع فيه وموقف العلماء منه، ونظام الرهائن، والإعداد المعنوي للجيش، كما تحدثت عن نظم الإدارة العسكرية كالمناصب القيادية، كالأمير الحاجب الكبير، وصفات قائد الجيش ورواتب الجند، والقائد العام وأمير الحرس, والمقدم والعميد والأتابك، وقاضي العسكر وديوان عرض الجيش، كتنظيم سجلات أسماء الجند، وعرض الجيش، وتحديد المهام الموكلة إلى الجند والإشراف على النواحي التموينية، والنواحي المالية، والإشراف على التسليح وعلى زي الجند، وثكناتهم، وعن أقسام الجيش السلجوقي من القوة النظامية، والقبائل التركمانية، وفرق الولايات وقوات المدن والمتطوعة والأوباش والطلائع وفرق إعداد المنازل التي سيمر بها الجيش، وعن عناصر الجيش من الأتراك والعرب، والأكراد والديلم والأرمن، وفرق الجيش، كالفرسان والنشابة والنفاطيين والمنجنيقيين، وعن التعليم والتدريب العسكري، وحجم الجيش السلجوقي ونظام العيون والجواسيس، والإسناد العسكري بالجند، والمهندسين، وحمل الأثقال والتموين والإسناد الطبي, وعن الخيل ودورها في القتال، وشعار السلاجقة وأعلامهم والموارد المالية لجيوشهم، وتحدثت عن الأسلحة الهجومية وأسلحة الوقاية والدفاع عن النفس، وأسلحة العرض والزينة، ونظام حماية المدن ووسائل الحصار, وصناعة الأسلحة
وخزائنها والخطط والفنون القتالية عند السلاجقة، كالقدرة على التحرك، مثل السرعة، واستخدام الكمائن، والتراجع الزائف، وخطة تطويق العدو، والمباغتة والمفاجأة والرمي بالسهام والالتحام مع العدو والاستنزاف وسياسة الأرض المحروقة والتأثير على جيش العدو، والسيطرة على الطرق وعلى موارد المياه، والتأمين العسكري والمهام الخاصة الطارئة والحربية, والحراسة ونظام التعبئة, وأفردت مبحثاً عن أثر نظم السلاجقة في الدولة الزنكية، والأيوبية والمماليك، وقد تأثرت كذلك الدولة العثمانية بتلك النظم العسكرية، وقد
(1/8)

أشرت إلى دور المرأة في العهد السلجوقي.
وفي الفصل الرابع كان الحديث عن المدارس النظامية منُذ نشأتها وعن أهدافها التعليمية ووسائل نظام الملك في تحقيق أهداف المدارس، كاختيار الأماكن، والأساتذة والعلماء، وتحديد منهج الدراسة، وتوفير الإمكانات المادية، وتنظيم الهيئة التدريسية، من تعيين الأساتذة وفصلهم وأثر تلك المدارس في العالم الإسلامي, فقد أدت رسالتها من تخريج العلماء على المذهب السني الشافعي وزودت الجهاز الحكومي للسلاجقة بالموظفين ردحاً من الزمن وبخاصة دوائر القضاء والحسبة والاستفتاء وهي من أهم وظائف الدولة في ذلك العصر وانتشر هؤلاء في العالم الإسلامي حتى اخترقوا حدود الباطنية في مصر وبلغوا الشمال الأفريقي ودعموا الوجود السني بها, وقد ساهمت هذه المدارس في إعادة دور منهج أهل السنة
(1/9)

في حياة الأمة بقوة, وتقليص نفوذ الفكر الشيعي خاصة بعد أن خرجت المؤلفات المناهضة له من هذه المدارس وكان الإمام الغزالي صاحب القدح المعلى في الوقوف أمام المد الشيعي الباطني الإسماعيلي, وقد مهدت المدارس النظامية بتراثها ورجالها وعلمائها السبيل ويسرته أمام نور الدين زنكي والأيوبيين كي يكملوا المسيرة التي من أجلها أنشئت النظاميات، وتتمثل في سيادة الإسلام الصحيح خاصة في المناطق التي كانت موطناً للنفوذ الباطني الرافضي في تلك المرحلة، كالشام ومصر وغيرها، كما أنها أمدت الأمة بالعقيدة الصحيحة والفكر الثاقب، والثقافة العميقة، والمناهج التربوية الرائدة التي أسهمت في تخريج قادة الجهاد في العهد الزنكي وامتد تأثيرها الفكري والعقائدي إلى الدولة الأيوبية والمماليك بل تعدى مداها الزمني إلى يومنا هذا.
وقد قامت المدارس النظامية على فقه الإمام الشافعي وتراثه في الأصول والفقه، كما كان لتراثه تأثير كبير في المدارس النظامية, ولذلك رأيت من المناسب أن نعرِّف بهذا الإمام الكبير، فذكرت شيئاً من سيرته، وأصوله في إثبات العقيدة، ومنهجه في إثباتها، كحقيقة الإيمان ودخول الأعمال في مسماه, وزيادة الإيمان ونقصانه، وحكم مرتكب الكبيرة، وتوحيد الألوهية، وطريقته في الاستدلال على وجود الله، وتوحيد الأسماء والصفات، وعقيدته في الصحابة وعناصر المنهج في فقه الإمام الشافعي, وعن توافر شروط المجدد في مجال الفقه وأصوله، كما ترجمت للإمام أبي الحسن الأشعري، فقد أسهم هذا الإمام بتراثه وأفكاره التي وضعها في كتبه في نشاط المدارس النظامية التي اعتمدت ما وصل إليه من بحوث في عقائد أهل السنة والردود على المعتزلة والمخالفين لأصول أهل السنة والجماعة, وقد بينت المراحل التي مرَّ بها وكيف استقر في المرحلة الثالثة على أصول منهج أهل السنة والجماعة، وتحدثت عن سر عظمة الأشعري في التاريخ ووضحت عقيدته التي يدين بها وآخر ما مات عليه من معتقد، وأثر تراثه في المدارس النظامية وكيف امتد ذلك التأثير في عهد الأيوبيين والمماليك والعثمانيين، وتحدثت عن إنصاف ابن تيمية لأعلام الأشاعرة وثنائه على أبي الحسن الأشعري، وموقفه من الباقلاني والجويني والغزالي وأفردت مبحثاً عن أشهر علماء المدارس النظامية، كأبي إسحاق الشيرازي، وتكلمت عن مكانته وثناء الناس عليه ومؤلفاته وشيء من شعره، وترجمت لإمام الحرمين عبد الملك الجويني وأشرت إلى ثناء الناس عليه وأهم أخلاقه وصفاته، وذكرت القيمة العلمية لكتاب الإمام الجويني غياث الأمم، وعودته إلى مذهب السلف ورجوعه عن علم الكلام ونهيه أصحابه عنه, ومؤلفاته في العقيدة والفقه وأصوله والخلاف والجدل والسياسة، وترجمت للإمام الغزالي الذي كان من كبار الأساتذة في المدارس النظامية، وتحدثت عن اجتهاده في طلب العلم،
وملازمته إمام الحرمين، وتعيينه مدرساً على نظامية بغداد، وعن أسباب نبوغ الغزالي وشهرته والتحول الكبير الذي غير مجرى حياته وعودته للتصدي للتعليم، والترتيب الزمني لمؤلفاته، وموقفه من الشيعة الباطنية وموقفه من الفلاسفة والفلسفة وعلم الكلام والتصوف، ومنهجه الإصلاحي وصفات هذا المنهج، وتشخيصه لأمراض المجتمع، وتكلمت عن ميادين الإصلاح عنده، ووضع منهاج جديد للتربية والتعليم وبناء العقيدة الإسلامية وإحياء رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونقد سلاطين الظلمة والدعوة للعدالة الاجتماعية، ومحاربة التيارات الفكرية المنحرفة، وأشرت إلى دوره في إصلاح الفكر، كدور العقل، ورفض التقليد، والدعوة إلى الكتاب والسنة, والالتزام بمنهج السلف, وعن موقفه من الاحتلال الصليبي، وترجمت للإمام البغوي وبينت جهوده في خدمة الكتاب والسنة في العهد السلجوقي وأثر كتبه في العلماء وطلاب العلم ونشر السنة، وتكلمت عن سيرة أبي إسماعيل الأنصاري الهروي، وكتابه منازل السائرين، ومكائد خصومه له، ولقد أوضحت من خلال دراسة المدارس النظامية أن البعد العقدي والفكري لا بد منه لأي مشروع سياسي أو عسكري أو حضاري يراد له النجاح في أوساط المسلمين وأن من عوامل نهوض الأمة أن تكون القيادة السياسية مبدعة في التفكير، وفي تحديد الأهداف صادقة في الانتماء لعقيدة الأمة ودينها وتاريخها وقادرة على توظيف الطاقات العلمية والفكرية وجميع الأمكانات وتحويلها من أعمال فردية إلى أعمال جماعية، عاملة على وحدة الصف ومحاربة الانشقاق، كما أن قدرة العلماء على النزول بأفكارهم وعلمهم إلى الجمهور الإسلامي العريض من عوامل نهوض الأمة.
وفي الفصل الخامس تحدثت عن الحروب الصليبية في العهد السلجوقي فتحدثت عن
(1/10)

الجذور التاريخية للحروب الصليبية، وأهم أسباب ودوافع هذا الغزو، كالدافع الديني والسياسي، والاجتماعي والاقتصادي، وتبدل ميزان القوى في حوض البحر المتوسط، واستنجاد إمبراطور بيزنطة بالبابا أوربان الثاني وشخصية البابا أوربان الثاني ومشروعه الشامل للغزو الصليبي، والخطبة التي ألقاها أوربان الثاني، ونتائج مهمة من خطاب البابا، كتدعيمه خطابه بعدد من النصوص الواردة في الكتاب المقدس، وترتيب الأولويات عنده، وقدرته على تقديم مشروع عام استوعب طاقات غرب أوربا وتحريك أوربا لاحتلال بلاد الشام والهيمنة على المشرق، ووصفت بدء الحرب الصليبية الأولى، ابتداءً من حملة العامة الغوغاء ومروراً بحملة الأمراء، وموقف الإمبراطور البيزنطي من ذلك، وسقوط نيقية، ومعركة دوريليوم، وسقوط قونية وهرقلة، وإمارة الرها، وإمارة أنطاكية، وبيت المقدس، وطرابلس، وصيدا, وحللت أسباب نجاح الحملة الصليبية الأولى وبينت أهم أسبابها، كانعدام الوحدة السياسية في العالم الإسلامي، والصراع على السلطنة في داخل البيت السلجوقي، ووجود الدولة الفاطمية، وسقوط الخلافة الأموية بالأندلس ودور النصارى الذين كانوا يعيشون في بلاد الشام، وموقف بعض الإمارات العربية من الغزو الصليبي، ودور الباطنية الإسماعيلية في عرقلة الجهاد ضد الصليبيين، كتعاونهم مع الصليبيين، واغتيال القادة المسلمين، وإشاعة الرعب والخوف في المجتمع الإسلامي، ونقلت فتوى ابن تيمية في الحركات الباطنية، ومن الأسباب التي ذكرتها، انتشار الفكر الشيعي الرافضي الباطني، وتدهور الحياة الاقتصادية قبيل الغزو الصليبي، وضعف الدولة البيزنطية، وتمرس فرسان الإفرنج على الحرب, والإمدادات الأوربية المستمرة لهم، وأثر الاستبداد على الدين والحياة، والمعارك في فقه الفروع، وذكرت استراتيجية الحملة الصليبية بعد الاحتلال وأفردت مبحثاً عن
حركة المقاومة الإسلامية في العهد السلجوقي فيما بين الغزو الصليبي وظهور عماد الدين زنكي، وعن دور الفقهاء والقضاة واستجابتهم لمقاومة الغزو، وتحريضهم على الجهاد بالكتابة والتأليف والمشاركة الفعلية في ساحات الجهاد، وتطرقت لجهود الشعراء ودورهم في حركة المقاومة، وأنصفت قادة الجهاد من السلاجقة قبل عماد الدين، كجهاد قوام الدولة كربوقا صاحب الموصل، وجكرمش صاحب الموصل وسقمان بن أرتق صاحب ماردين وديار بكر، ومعركة البليخ وانتصار المسلمين على الصليبيين، ونتائج تلك المعركة، وتحدثت عن الأعمال الجهادية التي قام بها قلج أرسلان في آسيا الصغرى ومعركة مرسيفان وهرقلة الأولى والثانية, ووصفت حملات شرف الدولة مودود بن التونتكين ضد الصليبيين وما ترتب على حملاته من نتائج، وترجمت للمجاهد الكبير نجم الدين إيلغازي صاحب ماردين،
(1/11)

وأشرت إلى انتصاره في معركة ساحة الدم، وأثر وفاته على المسلمين وكيف تولى الأمير بلك بن بهرام ابن أخ إيلغازي راية الجهاد وكان خصماً عنيداً للصليبيين وكان يتطلع للقضاء عليهم لا في منطقة الجزيرة فقط، بل وفي بلاد الشام واستطاع أن يأسر بعض ملوك الصليبيين في حروبه، وبعد استشهاده رفع راية الجهاد أمير الموصل آق سُنقُر البرسقي، وتحدثت عن مقتل البرسقي بيد الباطنية وهو في الصف الأول عند صلاة الجمعة وكان تركياً خيراً يحب أهل العلم والصالحين، ويرى العدل ويفعله, وكان من خيرة الولاة يحافظ على الصلوات في أوقاتها، ويصلي من الليل متهجداً، وحذرت من خطر الباطنية، فقد كانوا من أخطر معوقات حركة الجهاد، فقد اتضح عداؤهم الكامل لقادة الجهاد الإسلامي في ذلك العصر وكأن خناجرهم المسمومة كانت تشق للصليبيين طريقاً نحو تثبيت أقدامهم في بلاد الشام والجزيرة على حساب المسلمين, ومن فضل الله على هذه الأمة أن قائمة المجاهدين عامرة ومتأهبة للقتال في سبيل الله، ففي عام 521هـ/1127م عهد السلطان محمود بإمارة الموصل إلى
عماد الدين زنكي وبظهوره على مسرح الأحداث بدأت صفحة جديدة في ميزان القوى بين المسلمين والصليبيين، وقد بدأ عماد الدين بتكوين جبهة إسلامية متحدة ضد الصليبيين, ويؤكد ابن الأثير أهمية ظهور عماد الدين بقوله: «ولولا أن الله تعالى منَّ على المسلمين بولاية الشهيد لكان الفرنج استولوا على الشام جميعه». وسوف يأتي الحديث - بإذن الله تعالى- عن عماد الدين والأسرة الزنكية في كتابنا القادم - بإذن الله تعالى- عن الحروب الصليبية في عهد الزنكيين وسيرة نور الدين محمود الشهيد الملك العادل.
إن أي أمة تريد أن تنهض من كبوتها لا بد أن تحرك ذاكرتها التاريخية لتستخلص منها الدروس والعبر والسنن في حاضرها وتستشرف مستقبلها، وإيجاد الكتب النافعة في هذا المجال من الضرورات في عالم الصراع والحوار، والدعوة والجدال مع الآخر، وهذا يدخل ضمن سنة التدافع في الأفكار والعقائد، والثقافات والمناهج, وهي تسبق التدافع السياسي والعسكري، فأي برنامج سياسي توسعي طموح يحتاج لعقائد وأفكار وثقافة تدفعه، فالحرف هو الذي يلد السيف، واللسان هو الذي يلد السنان والكتب هي تلد الكتائب.
إن الأمة الإسلامية تمر بأمور عصيبة، فالعلل القديمة تتجمع ونذر العاصفة المدمرة من أعداء الإسلام تظهر في الأفق القريب يحاولون بها السيطرة الفكرية والثقافية والعقائدية والسياسية والاقتصادية على قلب العالم الإسلامي، فالخطط تنفذ حالياً لضرب القلب بعد قص الأجنحة، فقد نجح الصليبيون في تنصير أربعة أخماس الفلبين ثم اتَّجهوا إلى جزر إندونيسيا يحملون الخطة ذاتها، وقد محوا المعالم الإسلامية من «سنغافورة» وهم الآن يبعثرون
(1/12)

طلائعهم في شرق وجنوب آسيا، والمشروع اليهودي في فلسطين لا يكل ولا يمل، والأمريكي ماض بقوة السلاح والنفوذ السياسي والإعلامي وقدراته الاقتصادية لغزو الأمة، ومواز لهما، التغلغل الباطني، ومشروعه السياسي الهادف إلى إضلال الأمة وإبدال دينها الصحيح بالبدع والخرافات والمعتقدات الفاسدة، فالمشاريع الباطنية واليهودية والصليبية تنخر في هذه الأمة العظيمة!! كيف لا يقشعر جلد المؤمن وهو يتابع ويطالع هذه المخططات والأنباء؟ كيف يطيب له منام أو طعام؟!
إن المسلمين في العالم أجمع ينتظرون من علمائهم ومفكريهم بلورة مشروع إسلامي عقائدي، سياسي، فكري، اجتماعي، اقتصادي، إعلامي .. على أصول أهل السنة للوقوف أمام هذه المشاريع المدمرة، وها هي الأمة الإسلامية قد أحسَّت الخطر المحدق وهبت لتحيا، وعلائم الصحو تنتشر بسرعة مع اقتراب الفزع واكفهرار الجو وإني لمؤمل الخير من وراء هذه اليقظة الشاملة، بيد أني أحذر من الأمراض القديمة، من فساد السياسة بالفرقة، وفساد الثقافة بالجهل والهوى، فيجب علينا أن نتعاون في المتفق عليه، ونتسامج في المختلف فيه في الحدود التي يسمح بها الشرع وفق قواعد السياسة الشرعية وفقه المقاصد، والمصالح والمفاسد، وفقه الخلاف، وعلينا أن نتساند صفاً واحداً في مواجهة الهجمة الجديدة على ديننا وأرضنا حتى نردها على أعقابها وعلى أهل المسئولية الإسراع في جمع القوى، وسد الثغرات، وحشد كل شيء لاستنقاذ وجودنا المهدَّد، إنّ أي أحد يشغل المسلمين بغير ذلك إمّا منافق يمالئ العدو ويعينه على هزيمتنا، وإمَّا أحمق يمثل دور الصديق الجاهل، ويخذل أمته من حيث لا يدري, وكلا الشخصين ينبغي الحذر منه وتنبيه الأمّة إلى شره، ولا بد من الالتزام بهدي القرآن الكريم وسيرة سيد المرسلين والأخذ بعوامل النهوض، وأسباب النصر، والتي منها: صفاء العقيدة ووضوح المنهج، وتحكيم شرع الله في الأفراد والأسر والجماعات والمجتمعات والشعوب والدول، ووجود القيادة الربانية التي تنظر بنور الله، ولها القدرة على التعامل مع سنن الله في تربية الأمم، وبناء الدول وسقوطها، ومعرفة علل المجتمعات، وأطوار الأمم، وأسرار التاريخ، ومخططات الأعداء من الصليبيين والملاحدة والفرق الباطنية والمبتدعة، وإعطاء كل عامل حقه الطبيعي في التعامل معه دون إفراط أو تفريط، فقضايا فقه النهوض والمشاريع النهضوية البعيدة المدى متداخلة متشابكة لا يستطيع استيعابها إلا من فهم كتاب الله عز وجل وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وارتبط
بالفقه الراشدي المحفوظ عن علمائنا الربانيين، فعلم معالمه وخصائصه وأسباب وجوده وعوامل زواله واستفاد من التاريخ الإسلامي وتجارب النهوض، فأيقن بأن هذه الأمة ما فقدت الصدارة قط وهي وفية
(1/13)

لربها ونبيها - صلى الله عليه وسلم - , وعلم أن الهزائم العسكرية عرض يزول، أما الهزائم الثقافية، فجرح مميت والثقافة الصحيحة تبني الإنسان المسلم، والأسرة المسلمة، والمجتمع المسلم والدولة المسلمة، على قواعدها المتينة من كتاب الله وسنة رسوله وهدي الخلفاء الراشدين ومن سار على نهجهم، وعبقرية البناء الحضاري الصحيح هي التي أبقت صرح الإسلام إلى يومنا هذا بعد
توفيق الله.
أيها الإخوة الكرام, يا من تهمهم قضايا الإسلام والمسلمين, علينا الابتعاد عن القضايا التي لا تمس الحاضر ولا المستقبل والتي تشغل الفراغ وتقتل الوقت وحسب, وإنما نعطي الأولوية للقضايا التي تنهض بالأمة وتعطيها دورها الحضاري من جديد في هداية الناس لدين الله, وعلينا أن نقدم نماذج إصلاحية نهضوية ملكت الرؤية النظرية، ونجحت في التطبيق العملي، ونعطي لفقه المصلحين أولوية ونستخرج هذا الفقه العزيز من سيرهم العطرة، سواء كان في مجال العلم، أو السياسة أو الإدارة أو التنظيم، أو التربية، أو الاقتصاد، أو المقاومة والجهاد ... إلخ.
إن الإسلام يتعرض لمحنة كبرى وأعداؤنا لم يكتموا من نيَّاتهم شيئاً لأنهم لم يروا أمامهم ما يبعث الكتمان أو الحذر, فاليهود يقولون: لا قيمة لإسرائيل بدون القدس، ولا قيمة للقدس بدون الهيكل والمعنى واضح فإن الهيكل المطلوب فوق تراب المسجد الأقصى، والصليبيون الجدد يقولون: خلقت إسرائيل لتبقى .. والباطنيون، يستبيحون الدماء ويهتكون الأعراض، ويصادرون الأموال ويعملون ليل نهار لتصفية رموز أهل السنة، وممارسة التطهير المذهبي ونشر الثقافات المغلوطة والبدع والخرافات التي تمس عقيدتنا وتاريخنا ورجالنا وأخلاقنا.
أيها الإخوة الكرام إن المعركة في حقيقتها حول وجود الإسلام كله ويتساءل الأعداء: لماذا يبقى الإسلام أكثر مما بقى؟ أنستسلم للفناء، وندع ديننا ورسالتنا للجزارين الجدد أم ماذا؟
إن العالم الإسلامي لا يبيع دينه، ويؤثر أن يهلك دونه ولا يغض من موقفه نفر شُذاذ من الخونة والجبناء، فقدوا الدين والشرف، ونشدوا العيش على أي حاجة، وبأي ثمن!! ولكى نحسن الوقوف أمام عدو الله وعدوَّنا يجب أن تتوافر لجبهتنا عناصر مهمة منها:
أ- يعود الولاء للإسلام ويستعلن الانتماء إليه وفي حرب تعلن علينا باسم الدين لا مجال لإطفائها بالتنكر لديننا (1) ولا بد من أن يكون المنهج الذي كان عليه رسول الله وخلفاؤه الراشدون وأصحابه الكرام واضحاً لا لبس فيه حتى نخرج من أوحال البدع
_________
(1) هموم داعية، ص 56.
(1/14)

ومستنقعات الخرافة والأوهام التي تنبث في الأمة باسم الإسلام الحبيب العزيز. إننا نرى الآن في صراع المسلمين مع خصوم الإسلام في بعض دياره يغيّب الإسلام، ويضخم البعد الوطني القطري على حساب الدين والعقيدة, وقد تبنى هذا الطرح بعض المحسوبين على العلماء وطلاب العلم, وهذا هو الانتحار وطريق الدمار بل هو قرة عين الأعداء سواء من الداخل أو الخارج مع عدم إهمالنا لحب الإنسان لوطنه وإخلاصه له ولكن بالتوازن.
ب- الولاء الشكلي للإسلام مخادعة محقورة ويجب أن تعود الروح لعقائدنا وشعائرنا وشرائعنا، والمسلم الذي يستحي من عرض عقيدته ومنهجه وتاريخه عليه أن يعتبر بالباطنيين الجدد الذين يعتزون ببدعهم وخرافاتهم، وكذلك اليهود الذين لا يستحيون من عقيدتهم وشعائرهم في أرقى العواصم.
جـ- يُقصى من ميدان التدين الذين يحرقون البخور بين أيدي الساسة المنحرفين، ويزينون لهم مجونهم ونكوصهم وبعض الذين يدَّعون العلم فيشغلون الناس بقضايا نظرية عفى عليها الزمن، أو خلافات فرعية لا يجوز أن تصدع الشمل أو تمزق الأهل والعلماء الذين يظلمون الإسلام بسوء الفهم ويرونه في سياسة الحكم والمال ظهيراً للاستبداد والاستغلال وإضاعة الشعوب. إن المسلمين في المشارق والمغارب مهيأون ليقظة عامة تحمي كيانهم, والأحوال المعاصرة صورة طبق الأصل لما كان عليه المسلمون عند الهجوم الصليبي في العصور الوسطى. إن سنن الله تعالى تقتص من المستضعفين المفرطين، كما تقتص من المجرمين المعتدين، إن عوامل الهدم وإبر التنويم الغربية والباطنية تعمل في هذه الأمة المثخنة من الداخل والخارج حتى يتم الإجهاز الكامل عليها، وقد استطاع الاستعمار الثقافي والفكر الباطني خلق جيل مهزوز الإيمان والفقه، ضعيف الثقة بربه ومنهجه ودينه وأمته ونفسه، فهو يعطي الدنية في دينه غير مُبال بعواقب الأمور، إننا بحاجة إلى يقظة عامة تتناول أوضاعنا كلها حتى نحسن الدفاع عن وجودنا ورسالتنا في عالم لا تسمع فيه إلا أصوات الجبارين من أصحاب المشاريع الشيطانية، ومن ثم نتمكن من تبليغ رسالة الإسلام الخالدة للعالمين ويتحقق فينا قول الله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ} [آل عمران: 110]. وقول الله تعالى: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللهَ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا} [الأحزاب: 39].
إن في هذا الكتاب دروسًا وعبرًا في ميدان الصراع بين دعوة الله الخالدة وبين التغلغل الباطني والغزو الصليبي، فقد لاحظت أن العقائد الصحيحة والفكر السليم والتصور الراشد الذي قامت عليه المدارس النظامية في عهد السلاجقة استطاعت أن تكبّد الفكر الباطني خسائر
(1/15)

كبيرة في ميدان الفكر والعقائد والثقافة والدعوة, وجعلها تنزوي وتنكمش، كما أن مناهج المدارس النظامية أخرجت علماء وقادة وساسة وقضاة، كان لهم تأثير كبير في الدولة الزنكية واستمر التأثير الفكري والعقائدى لعهد الأيوبيين والمماليك والعثمانيين على المستوى العقائدي للدول. إن الثمرة الحقيقية من دراسة التاريخ هي استخراج العبر واستلهام الدروس واستيعاب السنن ومن هذه الدروس والعبر:
أهمية المبادرة في حركة النهوض: ففي كثير من مراحل التاريخ وفي شتى المذاهب والأديان هناك مبادرات من رجال أخلصوا لمعتقداتهم وأفكارهم فكانت لها آثار كبيرة غيرت مجرى التاريخ، ففي عهد السلاجقة ظهرت مبادرة نظام الملك في تأسيس المدارس النظامية، فكان لهذه المبادرة أثر كبير في الانتصار السني على المد الباطني والمساهمة في تحجيمه وتقليصه، كما أسهمت في امداد الأمة بكوادر علمية وتربوية وسياسية وقيادية أسهمت في حركة الجهاد ومقاومة الصليبيين في العهد الزنكي والأيوبي, وفي المقابل كانت مبادرة أوربان الثاني في تقديمه مشروعًا صليبيًا جمع طاقات غرب أوربا وقذف بها نحو المشرق؛ فنظام الملك كانت له مبادرة مع رؤية نهوض ومشروع حضاري، كما أن البابا كانت له مبادرة ومشروع استعماري استيطاني وتصارع المشروعان حوالي مائتى عام وانتصر المشروع الإسلامي على المشروع الغربي والمغولي والفضل لله تعالى ثم لمبادرة نظام الملك والإمام الغزالي وقادة حركة الجهاد كالأمير مودود وعماد الدين ونور الدين وصلاح الدين والظاهر بيبرس وقطز والناصر بن قلاوون والعز بن عبد السلام وابن تيمية وغيرهم كثير ..
والمسلمون الآن لا تنقصهم إمكانات مادية ولا معنوية ولا خيارات وإنما قيادات حكيمة تستوعب فقه المبادرة كي تستطيع أن تفجر طاقات المجتمع وتوجهه نحو التكامل لتحقيق الخير والغايات المنشودة، فمجتمعاتنا غنية بالطاقات المتعددة في المجالات المتنوعة في ساحات الفكر والمال والتخطيط والتنظيم والقوى المادية، ويأتي دور القيادة الربانية التي تحسن فقه المبادرة لتربط بين كل الخيوط والخطوط، والتنسيق بين المواهب والطاقات، وتتجه بها نحو خير الأمة ورفعتها، وفق رؤية نهوض شاملة تتحدى كل العوائق وتسد كل الثغرات التي تحتاجها الأمة في النهوض وتبث روح الأمل والتفاؤل في أوساط الناس، وتحضهم على التمسك بعقيدتهم وقيمهم ومبادئهم والترفع على حطام الدنيا وإحياء معاني التضحية، وشحذ الهمم، وتقوية العزائم في نفوس النخب والجمهور العريض في الأمة، وتأخذ بها رويداً نحو الأهداف المرسومة لمشروع النهوض, وعلينا أن نتذكر قول الله تعالى: {إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لاَ يَرْجُونَ} [النساء: 104].
(1/16)

- أهمية العامل الديني في شحن الأتباع: إن أكثر ما يثير حماس الإنسان ويؤثر على أحاسيسه وعواطفه عامل الدين, وقد استطاع أوربان الثاني توظيف هذا العامل إلى حد كبير في مشروعه الصليبي، كما أن الباطنيين وعلى رأسهم حسن الصباح استطاعوا تحميس أتباعهم ضد أهل الإسلام الصحيح، وعندما أخذت العقيدة الإسلامية مجراها في نفوس القادة والشعوب وعظمت مكانتها في نفوس المؤمنين، قاموا بجهاد عظيم وتضحيات كبرى، وأخذوا بفقه التمكين، وحققوا شروطه ومارسوا أسبابه واستوعبوا سننه، وقطعوا مراحله وطبقوا أهدافه، فانتصروا على التغلغل الباطني والغزو الصليبي, وسوف ترى في هذا الكتاب دور العلماء والفقهاء والقضاة والخطباء في تحميس المسلمين وإلهاب عواطفهم، وإحياء عقيدتهم, فمطلوب من علماء الأمة وفقهائها وخطبائها أن يقوموا بهذا الدور الكبير وأن يترفعوا عن حظوظ النفس وحطام العاجلة، وأن ينشغلوا بتربية الأمة على معاني الإيمان والتضحية والفداء والإخلاص لهذا الدين، ولا نريد من علماء الأمة أن يكونوا أكاديميين علاقتهم بالأمة من خلال الطلاب تنتهي مع درس الجامعة, وإنما نريدهم أن يتحقق فيهم قول الله تعالى: {أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 122] وقول الله تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ - وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ - فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ
ثَوَابِ الآَخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 146 - 148].
- أهمية الاتحاد والوحدة في التصدي للأخطار الداخلية والخارجية: في بداية الزحف الصليبي على بلاد الشام، تمزقت الكيانات السياسية الصغيرة، وحاولت أن تستنجد بالخليفة العباسي والسلطان السلجوقي؛ ولذلك كثرت الوفادات على بغداد دون فائدة، والمهم في هذا الدرس أن نعطي أولوية للجهات الفاعلة ومحاولة التحالف ثم الاتحاد معها, وكان يفترض على الخليفة العباسي أن يقوم بدوره المعنوي والمادي إلا أنه كان منزوع السلطات، ونلاحظ في حصار حلب -كما سوف يمر بنا في هذا الكتاب بإذن الله- أن المسلمين استطاعوا دحره عندما اتحدوا مع أهل الموصل، كما كان للتحالفات على مستوى الموصل وحلب ودمشق وغيرها من مدن الشام أثر كبير في صد الكثير من الهجمات الصليبية وتكبيدها الخسائر، فقد استطاع أهالي الشام مع أهل الموصل وديار بكر ومناطق الأكراد إيجاد حالة من التنسيق والتعاون والتحالف للحد من حالة التدهور المريع التي مرت بها بلاد الشام.
هذه بعض الدروس والعبر, والقارئ الكريم - بإذن الله تعالى- سوف يجد الكثير الكثير
(1/17)

من هذه العبر، ويلاحظ سنن الله في حركة المجتمعات وطبيعة الصراع بين الإيمان والكفر، والحق والباطل, والهدى الضلال، والخير والشر .. في هذا الكتاب.
هذا, وقد انتهيت من هذا الكتاب يوم السبت الساعة الثانية عشرة إلا أربع دقائق ليلاً 18من صفر1427هـ الموافق 18من مارس 2006م والفضل لله من قبل ومن بعد، وأسأله سبحانه أن يتقبل هذا العمل، ويشرح صدور العباد للانتفاع به, ويبارك فيه بمنه وكرمه وجوده, قال تعالى: {مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [فاطر: 2].
ولايسعني في نهاية هذه المقدمة إلا أن أقف بقلب خاشع منيب بين يدي الله - عز وجل - معترفاً بفضله وكرمه وجوده، فهو المتفضل وهو المكرم وهو المعين وهو الموفِّق فله الحمد على ما منَّ به عليَّ أولاً وآخراً، وأسأله - سبحانه - بأسمائه الحسنى وصفاته العُلى: أن يجعل عملي لوجهه خالصاً، ولعباده نافعاً، وأن يثيبني على كل حرف كتبته ويجعله في ميزان حسناتي، وأن يثيب إخواني الذين أعانوني بما يملكون من أجل إتمام هذا الجهد المتواضع، وأرجو من كل مسلم يطلع على هذا الكتاب ألا ينسى العبد الفقير إلى عفو ربه ومغفرته ورحمته ورضوانه من دعائه، قال تعالى: {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [النمل: 19].
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الفقير إلى عفو ربه ومغفرته ورحمته ورضوانه
علي محمد محمد الصَّلاَّبيَّ
18من صفر 1427هـ
الإخوة الكرام, يسرني أن تصل ملاحظاتكم وانطباعاتكم حول هذا الكتاب وغيره من كتبي من خلال دور النشر, وأطلب من إخواني الدعاء بظهر الغيب بالإخلاص لله رب العالمين، والصواب للوصول للحقائق ومواصلة المسيرة في خدمة تاريخ أمتنا.
البريد الإلكتروني
E- MAIL: ABUMOHAMED2@MAKTOOB.COM
(1/18)

الفصل الأول
السلاجقة، أصولهم وسلاطينهم
المبحث الأول
أصولهم ومواطنهم وبداية ظهورهم
ينحدر السلاجقة من قبيلة «قنق» التركمانية، وتمثل مع ثلاث وعشرين قبيلة أخرى مجموعة القبائل التركمانية المعروفة بـ «الغز» (1) وفي منطقة ما وراء النهر والتي نسميها اليوم «تركستان» والتي تمتد من هضبة منغوليا وشمال الصين شرقاً إلى بحر الخزر (بحر قزوين) غرباً، ومن السهول السيبيرية شمالاً إلى شبه القارة الهندية وفارس جنوباً، استوطنت عشائر الغز (2) وقبائلها الكبرى تلك المناطق وعرفوا بالترك أو الأتراك (3) , ثم تحركت هذه القبائل في النصف الثاني من القرن السادس الميلادي بالانتقال من موطنها الأصلي نحو آسيا الصغرى في هجرات ضخمة، وذكر المؤرخون مجموعة من الأسباب التي أسهمت في هجرتهم، فالبعض يرى أن ذلك بسبب عوامل اقتصادية؛ فالجدب الشديد وكثرة النسل، جعلت هذه القبائل تضيق ذرعاً بمواطنها الأصلية، فهاجرت بحثاً عن الكلأ والمراعي والعيش الرغيد (4)، والبعض الآخر يعزو تلك الهجرات لأسباب سياسية، حيث تعرضت تلك القبائل لضغوط كبيرة من قبائل أخرى فاضطرت إلى ترك أراضيها (5)، بحثاً عن نعمة الأمن والاستقرار, وذهب إلى هذا الرأي الدكتور عبد اللطيف عبد الله بن دهيش (6)، واضطرت تلك القبائل المهاجرة أن تتجه غرباً، ونزلت بالقرب من شواطئ نهر جيحون ثم استقرت بعض الوقت في طبرستان، وجرجان (7)، فأصبحوا بالقرب من الأراضي الإسلامية
التي فتحها المسلمون بعد معركة نهاوند وسقوط الدولة الساسانية في بلاد فارس
سنة 21هـ - 641م (8).
_________
(1) أخبار الدولة السلجوقية، ص 2، 3، نظام الوزارة للزهراني، ص 31.
(2) تاريخ الترك في آسيا الوسطى، ترجمة أحمد العيد، ص 106الدولة العثمانية، ص 23.
(3) أخبار الأمراء والملوك السلجوقية، تحقيق د. محمد نور الدين، ص 2 - 4.
(4) كتاب السلوك، أحمد المقريزي ج 1 قسم 1، ص 3.
(5) قيام الدولة العثمانية، ص 8.
(6) الكامل في التاريخ (8/ 22).
(7) نهاوند، شوقي أبو خليل، ص 55 - 70.
(8) للتوسع في أصولهم انظر: الخلافة العباسية السقوط والانهيار، فاروق عمر فوزي، تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام، محمد سهيل طقوس، العصر العباسي، د. خالد عزام.
(1/19)

أولاً: اتصال الأتراك بالعالم الإسلامي:
في عام 22هـ - 642م تحركت الجيوش الإسلامية إلى بلاد الباب لفتحها, وكانت تلك الأراضي يسكنها الأتراك، وهناك التقى قائد الجيش الإسلامي عبد الرحمن بن ربيعة بملك الترك شهربراز، فطلب من عبد الرحمن الصلح وأظهر استعداده للمشاركة في الجيش الإسلامي لمحاربة الأرمن، فأرسله عبد الرحمن إلى القائد العام سراقة بن عمرو، وقد قام شهربراز بمقابلة سراقة فقبل منه ذلك، وكتب للخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعلمه بالأمر، فوافق على ما فعل، وعلى إثر ذلك عقد الصلح، ولم يقع بين الترك والمسلمين أي قتال، بل سار الجميع إلى بلاد الأرمن لفتحها ونشر الإسلام فيها (1)، وتقدمت الجيوش الإسلامية لفتح البلدان في شمال شرق بلاد فارس حتى تنتشر دعوة الله فيها، بعد سقوط دولة الفرس أمام الجيوش الإسلامية والتي كانت تقف حاجزاً منيعاً أمام الجيوش الإسلامية في تلك البلدان, وبزوال تلك العوائق، ونتيجة للفتوحات الإسلامية، أصبح الباب مفتوحاً أمام تحركات شعوب تلك البلدان والأقاليم ومنهم الأتراك، فتم الاتصال بالشعوب الإسلامية واعتنق الأتراك الإسلام، وانضموا إلى صفوف المجاهدين لنشر الإسلام وإعلاء كلمة الله (2).
وفي عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه ثم فتح بلاد طبرستان، ثم عبر المسلمون نهر جيحون سنة 31هـ ونزلوا بلاد ما وراء النهر، فدخل كثير من الترك في دين الإسلام، وأصبحوا من المدافعين عنه والمشتركين في الجهاد لنشر دعوة الله بين العالمين (3)، وواصلت الجيوش الإسلامية تقدمها في تلك الأقاليم فتم فتح بلاد بخارى في عهد معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه -، وتوغلت تلك الجيوش المظفرة حتى وصلت سمرقند، وما إن ظهر عهد الدولة الراشدية الإسلامية حتى صارت بلاد ما وراء النهر جميعها تحت عدالة الحكم الإسلامي وعاشت تلك الشعوب حضارة إسلامية عريقة (4)، وازداد عدد الأتراك في بلاط الخلفاء والأمراء العباسيين, وشرعوا في تولي المناصب القيادية والإدارية في الدولة، فكان منهم الجند والقادة والكتّاب، وقد التزموا بالهدوء والطاعة حتى نالوا أعلى المراتب، ولما تولى المعتصم العباسي الخلافة فتح الأبواب أمام النفوذ التركي، وأسند إليهم مناصب الدولة القيادية وأصبحوا بذلك يشاركون في تصريف شئون الدولة، وكانت سياسة المعتصم تهدف
_________
(1) تاريخ الأمم والملوك للطبري (3/ 256، 257).
(2) الدولة العثمانية والشرق العربي، محمد أنيس، ص 12،13.
(3) فتوح البلدان للبلاذري، ص 405 - 409.
(4) الدولة العثمانية للصَّلاَّبي، ص 25.
(1/20)

إلى تقليص النفوذ الفارسي، الذي كانت له اليد المطلقة في إدارة الدولة العباسية منُذ عهد الخليفة المأمون (1)، وقد تسبب اهتمام المعتصم بالأتراك في نقمة الناس عليه، فأسس مدينة جديدة هي (سامراء)، تبعد عن بغداد حوالي 125كم وسكنها هو وجنده وأنصاره، وهكذا بدأ الأتراك منُذ ذلك التاريخ في الظهور في أدوار مهمة على مسرح التاريخ الإسلامي حتى أسسوا لهم دولة إسلامية كبيرة كانت على صلة قوية بخلفاء الدولة العباسية عرفت بالدولة السلجوقية (2).

ثانياً: بداية ظهور السلاجقة:
ينتسب السلاجقة إلى جدهم دقاق الذي كان وأفراد قبيلته في خدمة أحد ملوك الترك الذي كان يعرف باسم بيغو (3)، وكان دقاق في هذه المرحلة من تاريخ السلاجقة، مقدم الأتراك الغُز؛ مرجعهم إليه، لا يخالفون له قولاً، ولا يتعدون له أمراً (4)، وكان سلجوق بن دقاق في خدمة (بيغو) كما كان والده من قبل، حيث كان يشغل وظيفة عسكرية مهمة تعني «مقدم الجيش» , وفي هذا الوقت تذكر المصادر أن مظاهر التقدم وعلامات القيادة بدت واضحة عليه (5) حتى إن زوجة الملك أخذت تثير مخاوف زوجها منه لما رأت من حب الناس له وانصياعهم إليه، إلى الحد الذي أغرته بقتله (6) وما إن عرف سلجوق بذلك حتى أخذ أتباعه ومن أطاعه وتوجه إلى دار الإسلام وأقام بنواحي جند (7) قريباً من نهر سيحون، وفيها أعلن سلجوق إسلامه وأخذ يشن غاراته على الكفار الترك (8)، وبعد وفاة سلجوق في جند، خلف عدداً من الأولاد ساروا على سياسة والدهم في شن الغارات على الترك الوثنيين وبذلوا جهوداً كبيرة في حماية السكان المسلمين الآمنين من غاراتهم (9)، فازدادت قوتهم وتوسعت أراضيهم وقد أكسبهم ذلك كله احترام الحكام المسلمين المجاورين لهم (10) , فقد غزا ميكائيل بن سلجوق بعض بلاد الكفار من الترك فقاتل حتى استشهد في سبيل الله (11).

ثالثاً: المشرق الإسلامي قبيل ظهور السلاجقة:
1 - السامانيون: 204 - 395هـ: ينسبون إلى جدهم سامان وهو أحد الدهاقين الفرس المعروفين, وهم ينحدرون من أسرة فارسية عريقة، أما موطنهم الأصلي، فكان مدينة بلخ,
_________
(1) قيام الدولة العثمانية، ص 12.
(2) قيام الدولة العثمانية، ص 12.
(3) الدولة السلجوقية منذ قيامها، سميرة الجبوري ص68.
(4) المصدر نفسه، ص 69، الكامل في التاريخ (8/ 22).
(5) أخبار الدول وآثار الأول (2/ 451).
(6) الدولة السلجوقية منذ قيامها ص70.
(7) الدولة السلجوقية منذ قيامها ص70.
(8) الدولة السلجوقية منذ قيامها ص70.
(9) الكامل في التاريخ (8/ 22) , الدولة السلجوقية منذ قيامها، ص 73.
(10) الدولة السلجوقية منذ قيامها، ص 73.
(11) دولة سلجوق للبنداري، ص 5، الدولة السلجوقية، سميرة الجبوري، ص 73.
(1/21)

وكان أول اتصال لسامان بهذه الدولة الإسلامية في عهد الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك ابن مروان «105هـ - 125هـ»، عندما وفد على أسد بن عبد الله القسري - والى خراسان آنذاك - حيث كانت الاضطرابات وهجمات الأتراك والدهاقين المتكررة التي شهدها إقليم خراسان بشكل عام وبلخ بشكل خاص هي التي أجبرت سامان على الفرار والالتجاء إلى أسد القسري للاحتماء به، فقد كان هذا ملجأ المضطهدين من العرب والفرس على حد سواء (1)، وقد أكرمه وقدم له الحماية وساعده على قهر خصومه وأعاده إلى بلخ (2)، فاعتنق سامان الإسلام على يديه وسمى ابنه أسدًا تيمناً به وحبا له, وكان أسد بن سامان هذا من جملة أصحاب علي بن عيسى بن ماهان عندما ولاه الخليفة هارون الرشيد أمر خراسان، وتوفي في ولايته (3)، وفي عهد الخليفة هارون الرشيد، خرج رافع بن الليث في ما وراء النهر وبسط سلطته على سمرقند، فأرسل الخليفة ضده جيشاً بقيادة هرثمة بن أعين، وهنا نجد أبناء أسد بن سامان يقفون إلى جانب هرثمة ويشدون من أزره واستطاعوا بجهودهم تلك أن يحملوا رافع بن الليث على عقد الصلح مع هرثمة وبذلك أبعدوا سيطرته عن سمرقند (4)،
وفي خلافة المأمون (198 - 218هـ) لقي أبناء أسد الأربعة احتراماً وتقديراً عند المأمون حيث قربهم إليه وشملهم برعايته لإخلاصهم في خدمته، فطلب من واليه على خراسان غسان بن عباد أن يسند إلى كل منهم ولاية على أكبر أقاليم بلاد ما وراء النهر، فأصبح نوح والياً على سمرقند، وأحمد على فرغانة، ويحيى على الشاش وأشروسنة, وإلياس على هراة (5) وقد تمكن هؤلاء أن يثبتوا أنهم أهل للمسئولية التي أنيطت بهم بأن أعادوا الأمن والاستقرار إلى هذه الأقاليم وأكدوا سلطة الخلافة العباسية عليها, ولم تعد هذه الأقاليم كما كانت قبل هذه الحقبة موطناً لحركات التمرد والعصيان على الخلافة، وعلى الرغم من كل ذلك فقد استطاعوا توطيد نفوذهم في إقليم ما وراء النهر واكتسبوا بذلك مكانة رفيعة وسمعة طيبة في أنحاء الإقليم (6). وقد برز من هؤلاء الإخوة الأربعة أحمد الذي أصبح إليه حكم فرغانة والشاس وقسم من الصغد وسمرقند واستمر في حكم المنطقة حتى وفاته عام 250هـ (7)، فتولى بعده ابنه نصر الذي حكم المنطقة حتى سنة 259هـ وصار يتبع الخلافة مباشرةً لانتهاء حكم الطاهريين هناك (8).
وفي سنة 263هـ عين الخليفة المعتمد، نصر بن أحمد
_________
(1) تاريخ بخارى منذ أقدم العصور، ص 14.
(2) الدولة السلجوقية منذ قيامها، ص 14.
(3) الدولة السلجوقية منذ قيامها، ص 14.
(4) الدولة السلجوقية منذ قيامها، ص 14.
(5) المصدر نفسه, ص 15.
(6) تاريخ ابن خلدون (4/ 226) , الدولة السلجوقية، سميرة الجبوري، ص 15.
(7) الكامل في التاريخ, نقلاً عن الدولة السلجوقية منذ قيامها، ص 15.
(8) الدولة السلجوقية منذ قيامها، ص 16.
(1/22)

والياً على بلاد ما وراء النهر بأكملها وقد تولى مناصب الولاية والحكم في مرحلة مهمة جداً في تاريخ السامانيين حيث يمكن اعتبارها البداية الحقيقية لقيام الدولة السامانية، فقد هيأت الظروف السائدة في هذا الإقليم البعيد عن مركز الخلافة العباسية للسامانيين فرصة وطدوا من خلالها حكمهم هناك، فأصبحوا شبه مستقلين آخذين على عاتقهم مسئولية حماية الأراضي الإسلامية، فضلاً عن تأمين استمرار التجارة وتدفق السلع المختلفة إلى مناطقهم, واستطاعوا أن يحققوا لأنفسهم استقراراً سياسياً واقتصادياً جعلهم فيما بعد قادرين على التوجه نحو خراسان (1)، وبعد وفاة نصر تولى مقاليد الأمور في الدولة السامانية أخوه إسماعيل بن أحمد سنة 279هـ (2) والذي يُعد من أعظم حكام السامانيين بلا منازع في المجالات السياسية والحربية والإدارية على السواء، فقد شهدت الدولة السامانية في عهده، رفاهاً واستقراراً سياسياً حيث اتسعت حدودها وتوطّد استقلالها أكثر من ذي قبل (3) وقد اتخذ إسماعيل من بخارى عاصمة له فشهدت في عهده ازدهاراً فكرياً واسعاً حيث ترعرعت ونشطت الثقافة الإسلامية (4) وبعد وفاة إسماعيل (5) تولى الحكم في الدولة السامانية ابنه أحمد وذلك عام 295هـ وأقر الخليفة المكتقي (289 - 295هـ) حكمه عندما بعث إليه بعهده على خراسان وما وراء النهر في ربيع الآخر من السنة نفسها (6)،
وقد أثبت الأمير الساماني أحمد بن إسماعيل جدارة في الحكم؛ فقد تغلب على جميع المتاعب وتمكن من تذليل مشاكل الحكم التي واجهته خلال عهده، فقد انتصر في عدة مواقع على الأتراك الرحالة الوثنيين خارج حدود الخلافة, وعلى ذلك ولاه الخليفة شرطة بغداد، وأعمال فارس وكرمان (7)، وقد اهتم السامانيون بنشر الإسلام في صفوف الترك، وقاموا بتغيير استراتيجيتهم في القتال مع الترك؛ وذلك أن السامانيين عدلوا عن أسلوب الدفاع الذي كان متبعاً في وادي سيحون ضد الكفار من الترك منُذ شرع قتيبة بن مسلم في فتح هذه البلاد, وكان هذا الأسلوب القديم يعتمد على إقامة الحصون، وحفر الخنادق التي تحمي المسلمين من غارات الترك المفاجئة، فلما جاء السامانيون عدلوا عن موقف الدفاع من وراء الحصون والخنادق عند وادي سيحون إلى موقف الهجوم على مناطق المراعي لتأديب الأتراك المغيرين،
_________
(1) مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية، سهيل، ص 16.
(2) تاريخ الطبري, نقلاً عن الدولة السلجوقية منذ قيامها، ص 17.
(3) الدولة السلجوقية منذ قيامها، ص 17.
(4) الدويلات الإسلامية في الشرق، محمد علي حيدر، ص 97.
(5) الدولة السلجوقية منذ قيامها، ص 18.
(6) تاريخ الطبري, نقلاً عن الدولة السلجوقية منذ قيامها، ص 19.
(7) الدولة السلجوقية منذ قيامها، ص 19.
(1/23)

كما عدلوا عن إنشاء وترميم ما تهدم من هذه الحصون, وكان لهذا التطور في طريقة الدفاع عن الأراضي الإسلامية تأثيره على علاقة الإسلام بالتركستان، إذ عبر كثير من سكان ما وراء النهر في جماعات متتابعة إلى مناطق المراعي بل وإلى داخل المناطق الصحراوية حيث أنشأوا مدناً صغيرة في شكل مستعمرات سكانية استقروا بها، وبدأوا منها نشاطهم الاقتصادي وواكب هذا النشاط الاقتصادي نشاط ملحوظ في الدعوة إلى الإسلام قام بالدور الأساسي فيه الدعاة إلى الله المتجردون المخلصون، فقد كان لهذا التطور - بالإضافة إلى ما صاحبه وسبقه من نشاط تجاري- دوره الكبير في تعرف الأتراك على الإسلام، هذا التعرف الذي انتهى بهم إلى الدخول فيه (1)،
نظراً لما تتميز به عقائد الإسلام من بساطة تناسب طبيعتهم البدوية بالإضافة إلى ما تميز به الإسلام من سمو روحي، وتفوق مادي حضاري أدركوا أثرهما في سلوك مواطنيهم الذين سبق أن هاجروا إلى ما وراء النهر، ثم عاد بعضهم مع القادمين الجدد الذين أقاموا المدن المستعمرة بين ظهرانيهم في المراعي داخل الصحراء (2)، ومن فضل الله وتوفيقه أن الإسلام الذي انتشر بين صفوف الترك في ظل آل سامان كان الإسلام السني (3)، وقد كان الأتراك متحمسين لهذا المذهب.
أ- نهاية الدولة السامانية: أثبت الأمير الساماني أحمد بن إسماعيل جدارة في الحكم, فقد تغلب على جميع المتاعب وتمكن من تذليل مشاكل الحكم التي واجهته خلال عهده، وبعد وفاته سنة 301هـ، خلفه السعيد نصر الذي كان طفلاً في الثامنة من عمره، فاضطربت أمور الدولة السامانية في أول عهده وظهرت الفتن وتمرد أمراء الأطراف محاولين الاستقلال بولاياتهم، ولكن هذا الأمير الساماني الذي طال حكمه مدة ثلاثين عاماً تمكن أثناءها من التغلب على هؤلاء الطامعين جميعاً (4) , ولكن ينبغي ألا ننسى أن بوادر الضعف وعلائم الانهيار ظهرت منُذ منتصف القرن الرابع الهجري، حيث ظهرت حركات الانقسام في صفوف الأسرة السامانية الحاكمة نفسها، وذلك عندما أراد إسحاق بن أحمد عم السعيد نصر الاستيلاء على الحكم, وقد اتخذ سمرقند قاعدة لفعالياته (5)، وبدأت الدولة السامانية في الضعف ووافق ظهور الدولة البويهية الشيعية التي كانت قد تمكنت من العراق, وقد تطلع البويهيون إلى السيطرة على أملاك الدولة السامانية واشتبك الطرفان في حروب, وقد تعرضت الدولة السامانية لضغوط متزايدة من كل الجهات، فمن الشمال والغرب تعرضت لضغط الديلم والعلويين، كما تعرضت لضغط خانات الأتراك الذين دخلوا الإسلام على
_________
(1) التاريخ السياسي والفكري للمذهب السني في المشرق الإسلامي، ص 101.
(2) التاريخ السياسي والفكري للمذهب السني في المشرق الإسلامي، ص 101.
(3) المصدر نفسه، ص 102.
(4) الدولة السلجوقية منذ قيامها، ص 19.
(5) تاريخ الطبري, نقلاً عن الدولة السلجوقية منذ قيامها، ص 19.
(1/24)

يد السامانيين (1)، وقد استطاع البويهيون انتزاع كرمان من السامانيين والاستيلاء عليها وجباية أموالها التي قاموا بإنفاقها على جيوشهم عام 324هـ (2)، كما أسهمت الأوضاع التي وصل إليها السامانيون في اقتسام أملاكهم بين القراخانيين والغزنويين، حيث أخذ القراخانيون ما وراء النهر، أما ما تبقى من مناطق أخرى فكان من حق الغزنويين (3).
2 - الغزنويون: 351 - 582 هـ: أخذت الدولة الغزنوية اسمها من مدينة غزنة إحدى المدن في أفغانستان، ويرجع ظهور هذه الدولة إلى أحد القادة المسلمين المسمى «سبكتكين» فقد تولى منطقة غزنة من قِبل السامانيين، ثم مد سبكتكين سلطانه في الشرق حيث ضم إقليم خراسان الذي ولاه عليه نوح بن منصور الساماني في سنة 384هـ مكافأة له على قمع الثوار في بلاد النهر, لكن سبكتكين اتجه بأعماله نحو الهند ولم يكن اتجاهه نحو البلاد التي كانت في حوزة السامانيين إلا تلبية لرغبته حين استعانوا به على قمع حركات الخارجين عليهم في خراسان، فقد انضم بقواته إلى نوح بن نصر الساماني في قتال الخارجين في خراسان وفي قتاله للبويهيين الذين رغبوا في الاستيلاء على خراسان من أملاك السامانيين, واستطاع سبكتكين وابنه محمود مع قوات السامانيين الانتصار على هؤلاء الخارجين، كما انتصروا على بني بويه وأعادوا للسامانيين مدينة نيسابور, وبعودة نيسابور إلى السامانيين ولى نوح الساماني ابنه محمود بن سبكتين عليها، كما ولاه على جيوش خراسان ولقبه بـ «سيف الدولة» ولقب أخاه سبكتكين بـ «ناصر الدولة» (4) وقد ولى سبكتكين منُذ أول الأمر وجهه شطر الأقاليم الهندية (5) فتمكن وعظم، وأخذ يُغير على أطراف الهند، وافتتح قلاعاً، وتمت له ملاحم مع الهنود (6) واشتبك مع أحد ملوكهم - ويدعى جيبال- في حروب طاحنة, واستطاع سبكتكين أن يلحق به الهزيمة سنة 369هـ وأجبره على طلب الصلح على مال يؤديه وبلاد يسلمهما وخمسين فيلاً يحملها إليه، فاستقر ذلك ورهن عنده جماعة من أهله على تسليم البلاد، وسير معه سبكتكين من يتسلمها، فلما أبعد جيبال ملك الهند قبض على من معه من المسلمين وجعلهم عنده عوضاً عن رهائنه، فلما سمع سبكتكين بذلك ..
سار نحو الهند فأخرب كل ما مر عليه من بلادهم، وقصد «لمغان» وهي من أحسن قلاعهم فافتتحها عنوة، وهد بيوت الأصنام وأقام فيها شعائر الإسلام .. ثم عاد إلى غزنة وسار خلفه جيبال في مائة ألف مقاتل، فلقيه سبكتكين وألحق به هزيمة كبيرة وأسر منهم ما لا يعد وغنم أموالهم
_________
(1) العالم الإسلامي في العصر العباسي، ص 366.
(2) الدولة السلجوقية منذ قيامها، ص 20.
(3) الكامل في التاريخ, نقلاً عن الدولة السلجوقية.
(4) العالم الإسلامي في العصر العباسي، ص 386.
(5) العالم الإسلامي في العصر العباسي، ص 386.
(6) سير أعلام النبلاء (17/ 484).
(1/25)

وأثقالهم، وذل الهنود بعد هذه الموقعة، ولم يكن لهم بعد راية، ورضوا بألا يطلبوا في أقاصي بلادهم، ولما قوى سبكتكين بعد هذه الموقعة أطاعه الأفغان (1)، وكانت دولته نحواً من عشرين سنة، وكان فيه عدل وشجاعة ونبل مع عسف (2)، وبعد وفاته عام 378هـ عهد بالإمرة إلى ابنه إسماعيل, واستطاع ابنه محمود أن ينتزع الإمارة من أخيه إسماعيل بعد قتال مهول (3).
أ- محمود الغزنوي: من المؤسف حقاً ألا يعرف كثير من المثقفين وخريجي الجامعات شيئاً عن هذا السلطان السني العظيم ومملكته في بلاد الأفغان وما كان عليه من حب للعمل وتقرب إلى الله بحمل راية الدعوة وبث روح الجهاد والاستشهاد في جنده، ونشر السنة، وقمع البدع, وما كان يتحلى به من قيم إسلامية مثلى كان لها أعمق الأثر في ازدهار مملكته والتفاف الناس حوله في محبة وتفان ووفاء (4).
إن سيرة السلطان محمود الغزنوي ودولته السُّنية تستحق أن تُفرد لها دراسة خاصة بها وندعو طلاب العلم والمهتمين بالتاريخ الإسلامي وفق منهج أهل السنة والجماعة إلى القيام بهذا الواجب لسد ثغرة في المكتبة الإسلامية ويوضح أهمية الالتزام بالسنة وأثر ذلك في قوة الدولة وينسف أكاذيب وشبهات الرافضة والباطنية حول هذا البطل السني العظيم, ومع هذا لا يمنع من الحديث عنه في هذه العجالة، فقد وصفه ابن كثير بالملك العادل الكبير المثاغر (5)، المرابط المؤيد المنصور المجاهد يمين الدولة أبو القاسم محمود بن سبكتكين صاحب بلاد غزنة وتلك الممالك الكبار، وفاتح أكثر بلاد الهند قهراً، وكاسر بُدودِهم (6)، وأوثانهم كسراً، وقاهر هنودهم وسلطانهم الأعظم قهراً (7)، وقد سار في الرعية سيرة عادلة وقام بأعباء الإسلام قياماً تاماً، وفتح فتوحات كثيرة في بلاد الهند وغيرها، وعظم شأنه في العالمين، واتسعت مملكته وامتدت رعاياه وطالت أيامه، ولله الحمد والمنة، وكان يخطب في سائر ممالكه للخليفة العباسي القادر بالله، وكانت رسل الفاطميين من الديار المصرية تَفِد إليه بالكتب والهدايا والتحف فيحرق كتبهم ويُخرّق حللهم (8)، ولما قدم التاهرتي الداعي مندوب الدعوة الفاطمية من مصر على السُّلطان يدعوه سراً إلى مذهب الباطنية، وكان التاهرتي يركب بغلاً يتلون كل ساعة من كل لون، ففهم السلطان محمود سِرَّ دعوتهم، فغضب، وقتل
_________
(1) الكامل في التاريخ, نقلاً عن العالم الإسلامي في العصر العباسي، ص 369.
(2) سير أعلام النبلاء (16/ 500).
(3) المصدر نفسه (17/ 485).
(4) تاريخنا بين تزوير الأعداء وغفلة الأبناء, للعظم، ص 180.
(5) المثاغر: أي المرابط على الثغور.
(6) البدود: جمع البُدّ وهو الصنم بالفارسية.
(7) البداية والنهاية (15/ 628).
(8) المصدر نفسه (15/ 633).
(1/26)

التَّاهَرتي الخبيث، وأهدى بغله إلى القاضي أبي منصور محمد الأزدي شيخ هراة، وقال: كان يركبه رأس الملحدين، فليركبه رأس المُوحَّدين (1).
وأما فتوحاته فقد اتفقت له في بلاد الهند فتوحات لم تتفق لغيره من الملوك، لا قبله ولا بعده, وغنم مغانم كثيرة لا تنحصر ولا تنضبط كثرة من الذهب واللآلئ والسَّبْي، وكسر من أصنامهم وأبدادهم وأوثانهم شيئاً كثيراً جداً، بيَّض الله وجهه وأكرم مثواه, وكان من جملة ما كسر من أصنامهم صنم عظيم للهنود يقال له سُومَنات (2)، الذي كان يعتقد كفرة الهند أنه يحيى ويُميت ويحُجُّونه، ويقربون له النفائس، بحيث إن الوقوف عليه بلغت عشرة آلاف قرية، وامتلأت خزائنه من صنوف الأموال، وفي خدمته من البراهمة ألفا نفس، ومائة جوقة مغاني رجال ونساء، فكان بين بلاد الإسلام وبين قلعة هذا الصَّنم مفازة نحو شهر، فسار السلطان في ثلاثين ألفاً، فيسَّر الله فتح القلعة في ثلاثة أيام، واستولى محمود على أموال لا تحصى (3)، بلغ ما تحصل منه من الذهب عشرين ألف دينار، وكسر ملك الهند الكبير الذي يقال له «جيبال». وقهر ملك الترك الأعظم الذي يقال له: إيلك خان، وأباد ملك السامانية، وقد ملكوا بخراسان مائة سنة بلاد سمرقند وما حولها، ثم هلكوا, وبنى على جيحون جسراً غرم عليه ألْفيْ ألف دينار، وهذا شيء لم يتفق لغيره من الملوك، وكان معه في جيشه أربعمائة فيل تقاتل، وهذه أمور هائلة ومرتبة طائلة، وجرت له فصول ذكر تفصيلها يطول، وكان في غاية الديانة والصيانة، يحب العلماء والمحدثين ويكرمهم ويجالسهم ويحسن إليهم، وكان حنفيّ المذهب، ثم صار شافعياً على يدي أبي بكر القفال الصغير (4) وكان صادق النية في إعلاء الدين، مظفراً كثير الغزو، وكان ذكياً بعيد الغور صائب الرأي، دخل ابن فورك على السلطان محمود، فقال: لا يجوز أن يوصف الله بالفوقية لأنَّ لازم ذلك وصفه بالتحتية، فمن جاز له أن يكون له فوق، جاز أن يكون له تحت.
فقال السلطان: ما أنا وصفته حتى يلزمني، بل هو وصف نفسه، فبهت ابن فورك، فلما
خرج من عنده مات (5). وكان السلطان محمود مُكرماً لأمرائه وأصحابه، وإذا نقم عاجل، وكان لا يفتر ولا يكاد يَقِرُّ، وكان يعتقد في الخليفة العباسي ويخضع لجلاله ويحمل
إليه قناطير الذهب, وكان إلباً على القرامطة والإسماعيلية وعلى المتكلمين (6) وعندما
ملك الري كتب إلى الخليفة القادر بالله يذكر أنه وجد لمجد الدولة البويهي من النساء الحرائر ما يزيد على خمسين امرأة ولدن له نيفاً وثلاثين ولداً، ولما سئل عن ذلك قال: هذه عادة سلفي، وصلب من أصحاب الباطنيين خلقاً كثيراً، ونفى المعتزلة إلى خراسان
_________
(1) سير أعلام النبلاء (17/ 486).
(2) البداية والنهاية (15/ 634).
(3) سير أعلام النبلاء (17/ 485).
(4) البداية والنهاية (15/ 634).
(5) سير أعلام النبلاء (17/ 487).
(6) سير أعلام النبلاء (17/ 487).
(1/27)

وأحرق كتب الفلسفة والنجوم (1).
ب- الصراع الغزنوي السلجوقي: تمكن السلطان محمود الغزنوي من توسيع حدود دولته فغزا الهند سبع عشرة غزوة ووصلت حملاته إلى هضبة الدكن وضم إلى دولته كذلك إقليم البنجاب وأخضع بلاد الغزنويين «غزنة وهراة» ومدَّ نفوذه إلى بلاد ما وراء النهر (2)، وبذلك أصبحت حدود دولته تمتد من شمال الهند في الشرق إلى العراق في الغرب، ومن خراسان وطخارستان وجزء من بلاد ما وراء النهر في الشمال إلى سجستان في الجنوب, وقد اتخذ من مدينة لاهور مقراً لحكمه في الهند حيث عين نائباً له هناك (3)، فلا غرابة في أن أخذ يرنو إلى القضاء على البويهيين في بغداد (4)، وكانت قوة السلاجقة في بلاد ما وراء النهر قد تعاظمت في بداية القرن الخامس الهجري مما أثار حفيظة السلطان محمود الغزنوي فقام في سنة 415هـ بعبور نهر جيحون لمقاتلتهم، فنجح في القبض على زعيمهم أرسلان وولده قتلمش وعدد من كبار أصحابه وبعث بأرسلان إلى الهند حيث مات في السجن بعد أن قضى فيه سبع سنوات (5) وبعد أربع سنوات 419هـ خرج السلطان محمود لقتال السلاجقة مرة أخرى بناء على التماس سكان مدينتي (نسا) و «باورد» فأنزل بهم هزيمة ساحقة (6).
ج- معركة دندانقان وقيام السلطنة السلجوقية: لقد ظل السلاجقة بعد الهزيمة يتحينون الفرص للثأر من الغزنويين فكان لهم ذلك بعد وفاة السلطان محمود وقيام ابنه مسعود بمهام السلطنة عام 421هـ، حيث تمكنوا من الانتصار على جيوشه (7)، لكنهم اتصلوا به وعرضوا عليه الصلح والدخول في طاعته فاستجاب لهم ومنح زعماءهم الولايات وأسبغ عليهم الألقاب وأغدق عليهم الخلع (8)، وعلى الرغم من ذلك فقد كان الغزنويون يدركون مدى الخطر الذي كان يشكله السلاجقة عليهم؛ لذلك فقد أمر السلطان مسعود عامله على خراسان سنة 429هـ بقتال السلاجقة فدارت الحرب بين الطرفين قرب مدينة سَرخس وقد انتهت دولتهم حيث اندفعوا بعدها بقيادة زعيمهم ظفر بك نحو نيسابور التي دخلها وأعلن نفسه سلطاناً على السلاجقة وجلس على عرش السلطان مسعود الغزنوي في السنة نفسها 429هـ (9)، وكان من
_________
(1) الكامل في التاريخ, نقلاً عن: أيعيد التاريخ نفسه؟، ص 66.
(2) الدولة السلجوقية منذ قيامها، ص 23.
(3) الدولة السلجوقية منذ قيامها، ص 24.
(4) أخبار الدولة السلجوقية للحسين، ص 513.
(5) النجوم الزاهرة (5/ 50) , الدولة السلجوقية منذ قيامها، ص 24.
(6) الدولة السلجوقية منذ قيامها، ص 24.
(7) الكامل في التاريخ, نقلاً عن الدولة السلجوقية منذ قيامها، ص 25.
(8) الدولة السلجوقية منذ قيامها، ص 25.
(9) الدولة السلجوقية منذ قيامها، ص 25.
(1/28)

نتيجة ذلك أن زحف مسعود بجيوشه نحو خراسان واشتبك مع السلاجقة بمعركة حاسمة في مكان يعرف باسم دَنَدانقان، انتهت بهزيمة الغزنويين وكان ذلك عام 431هـ، لم يلبث السلطان مسعود أن لقي مصرعه عام 432هـ، فخلفه ابنه مودود، وقد أصبح السلاجقة بعد معركة دَنَدانقان أكبر قوة في خراسان في حين كان الغزنويون قد ضعفوا بعد أن فقدوا غالبية جيوشهم وخسروا العديد من ممتلكاتهم، واستطاع الغزنويون في أفغانستان الاستيلاء على أملاكهم في الهند سنة 582هـ (1).
د- نتائج معركة دندانقان:
* وضعت معركة دندانقان حداً نهائياً لحكم الغزنويين في خراسان، ونصَّب طغرل بك التخت في مكان المعركة وجلس عليه، وجاء الأعيان يسلمون عليه بإمارة خراسان.
* حرَّر طغرل بك الرسائل على الأمراء المجاورين لإعلامهم بخبر الانتصار.
* طاردت القوات السلجوقية القوات الغزنوية المنهزمة حتى شواطئ نهر جيحون بهدف قسرهم على الهرب إلى ما وراء النهر، حتى يقدموا برهاناً ملموساً على النصر.
* أتاحت المعركة قيام سلطنة إسلامية جديدة، وانحسار ظل واحدة، كما تُعدَُ إحدى المعارك الكبرى الفاصلة في التاريخ الإسلامي، بل إن نتائجها تعدت العالم الإسلامي وأثرت على عالم العصور الوسطى (2).
* أعرب مسعود من ناحيته في رسالة أرسلها إلى القراخانيين عن ثقته في قيامهم بمساعدته في حملته المقبلة لاستئصال شأفة السلاجقة، غير أن صدمة الخسارة قد أذهلته لدرجة فقد معها الرغبة في المقاومة، فخيل إليه أنه لا بد من ترك ليس بلخ وتوابعها بل وغزنة أيضاً، على الرغم من محاولات أركان حربه وكبار رجال دولته إقناعه بانتفاء أُسس هذه المخاوف وقرر الانسحاب نهائياً إلى الهند (3).
* اقتسمت العشائر السلجوقية، بعد الانتصار, الأراضي التي استولوا عليها، فكان نصيب جفري مدينة مرو، فاستقر بها واتَّخذ منها عاصمة لملكه، كما ملك أكثر خراسان, وكان نصيب أبي علي الحسن بن موسى، ولاية بُست وهراة (4) وسجستان (5) وما يجاور ذلك من
_________
(1) الدولة السلجوقية منذ قيامها ص26.
(2) مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية، ص 29.
(3) تاريخ البيهقي، ص 727، 728، تاريخ سلاجقة الروم في آسيا الصغرى، محمد طقوش، ص 29.
(4) هراة: مدينة عظيمة من أمهات مدن خراسان، ياقوت الحموي (5/ 396).
(5) سجستان: ناحية كبيرة وولاية واسعة بينها وبين هراة عشرة أيام.
(1/29)

النواحي. وأخذ قاورد أكبر أبناء جفري، ولاية الطبس (1) ونواحي كرمان (2) وحصل إبراهيم بن ينال على همذان (3)، كما حصل ياقوتي على أبهر (4)، وزنجان (5)، ونواحي أذربيجان (6)، وكان من نصيب قُتلمش بن إسرائيل جرجان ودامغان (7). والواقع أن فكرة التقسيم هذه تتعارض مع الفكرة الإيرانية عن الملك بوصفه صاحب السلطة المطلقة في الدولة، وهي غريبة على السلاجقة الأوائل إلا أن المسئولين السلاجقة هدفوا من وراء ذلك إلى إحاطة السلطنة الغزنوية ومنعها من محاولة استعادة خراسان ثم تأمين فتح طريق جيحون من أجل قدوم مهاجرين غز جدد (8).
* يُعد عام 429هـ البداية الفعلية لقيام السلطنة السلجوقية في خراسان، لأن طغرل بك باشر، منُذ ذلك التاريخ, مهامه السياسية والقيادية والإدارية. وأما اعتراف الخليفة العباسي به سلطاناً, والذي جاء متأخراً، في عام 432هـ، فلم يغير من الواقع فاعتراف الخليفة هو بمثابة اعتراف بالأمر الواقع، كما أنه شكلي فقط لإضفاء الشرعية على السلطنة الناشئة حتى يرضى عنها الناس ويقبلوا بحكمها، لأن الخلافة لم تكن تملك قوة مادية تسمح بالتدخل والمساهمة في الأحداث السياسية، وكان الخليفة يعترف عادة بالسلطان المنتصر والدولة المنتصرة (9).
* كان لقيام السلطنة السلجوقية أثر كبير في تاريخ المشرق الإسلامي وغربي آسيا بشكل خاص، والتاريخ الإسلامي بعامة؛ ذلك أن السلطنة قد أسهمت في توجيه الأحداث السياسية في المشرق الإسلامي بشكل بارز، وفي رسم سياسة توسعية باتجاه العالم النصراني، لنشر العقيدة الإسلامية (10).
* إن ما حقَّقه طغرل بك من نجاح، أغراه بالتمدد نحو العراق، قلب العالم الإسلامي, للسيطرة على الخلافة العباسية وإقامة دولة سلجوقية مترامية الأطراف، يُعد هذا التوجه
_________
(1) الطَّبس: قصبة ناحية بين نيسابور وأصفهان, ياقوت (4/ 20).
(2) كرمان: ولاية مشهورة وناحية كبيرة ذات بلاد وقرى ومدن واسعة بين فارس ومكران وسجستان وخراسان.
(3) همذان: أكبر مدينة بالجبال، شتاؤها مفرط البرد وتقع في منطقة الجبال شرق عراق العجم. الحموي (5/ 410 - 417).
(4) أبهر: مدينة مشهورة بين قزوين وزنجان وهمذان من نواحي الجبل. معجم البلدان, الحموي (1/ 82).
(5) زنجان: بلد كبير مشهور من نواحي الجبال بين أذربيجان وبينها.
(6) أذربيجان: إقليم واسع مشهور يحده من الشمال بلاد الديلم.
(7) دامغان: بلد كبير بين الري ونيسابور وهو قصبة قومس.
(8) تاريخ سلاجقة الروم في آسيا الصغرى، ص 30.
(9) المصدر نفسه، ص 36.
(10) المصدر نفسه, ص31.
(1/30)

طبيعياً، فكل من سبقوه في السيطرة على خراسان تطلَّعوا إلى التمدد نحو الغرب للسيطرة على بغداد والتحكم بمقدرات الخلافة العباسية، ولنا في محاولات السامانيين والصفّاريين والغزنويين أمثلة كافية، أضف إلى ذلك، فقد هدف طغرل بك إلى إنقاذ الخلافة، والمذهب السنيَّ من السيطرة البويهية الشيعية (1).
3 - القراخانيون: 349هـ - 536هـ: في عام 349هـ أسلمت قبائل كثيرة من الأتراك ودخلوا في الإسلام، وكان من نتائج ذلك أن ظهرت أول دولة تركية مسلمة مقابلة لأتراك الشرق، هي الدولة القراخانية نسبة لأحد ملوكها وهو ساتوق بغراخان عبد الكريم الذي كان يسمى أيضاً «قراخان»، فقد اتخذ هذا الملك مدينة كاشغر عاصمة له, ولكنه نقل العاصمة بعد ذلك إلى بلاساتمون حيث حاول القراخانيون من هناك فتح بلاد ما وراء النهر (2)، وما إن قامت هذه الدولة حتى شرعت في محاربة أعداء الإسلام ولاسيما المجاورين لها من الأتراك الوثنيين، وقد قاد ظهور القراخانيين في هذه المنطقة إلى اصطدامهم بالسامانيين وكان ذلك في عام 379هـ.
وقد تمكن القراخانيون من إلحاق الهزيمة بجيش السامانيين وأسر جماعة من القواد، واستطاعوا احتلال بخارى عام 388هـ بدون مقاومة وبذلك أنهوا حكم السامانين (3) بها وبقي القراخانيون يتنازعون فيما بينهم للسيطرة على مناطق ما وراء النهر, وكان بعضهم يستنجد بملوك الصين والبعض الآخر بالسلاجقة حين أصبحوا تابعين لهم بعد إقامة الدولة السلجوقية، وقد حدثت موقعة قطوان بين الأتراك الوثنيين «الخطا» الذين كان يساعدهم ملك الصين وبين الأتراك المسلمين الذين كان يساعدهم سنجر السلجوقي (511هـ - 548هـ) , وكانت نتيجة هذه المعركة أن انتصر الأتراك الوثنيون (4)، ويصف ابن خلدون الموقف بقوله: واستقرت الدولة فيما وراء النهار للخطا .. وهم يؤمئذ على دين الكفر وانقرضت دولة الخانية المسلمين الذين كانوا فيها وذلك سنة 536هـ (5).
4 - البويهيون: 334هـ - 447هـ: تنتسب هذه الأسرة إلى بويه بن فنّاخسرو الديلمي الفارسي, وقد حكمت العراق وفارس لمدة تزيد على القرن، وكان الخليفة العباسي في بغداد ضعيفاً بإزائهم أكثر مما كان مع الأتراك من قبل, ولا تختلف هذه الأسرة عن أي أسرة أخرى
_________
(1) تاريخ سلاجقة الروم في آسيا الصغرى، ص 31.
(2) نهاية الأرب (26/ 52) , الدولة السلجوقية منذ قيامها، ص 27.
(3) تاريخ ابن خلدون, نقلاً عن الدولة السلجوقية، ص 29.
(4) الدولة السلجوقية منذ قيامها، ص 32.
(5) تاريخ ابن خلدون, نقلاً عن الدولة السلجوقية, ص32.
(1/31)

في هذا العصر من ناحية الاستبداد والفساد الاقتصادي والاجتماعي وإن المؤسسين لهذه الدولة: علي بن بويه والحسن بن بويه فيهم سيادة ومداراة وحلم، ولكن الجيل الثاني والثالث فيهم بطش وقسوة وتعصب للمذهب الشيعي (1).
أ- لمحة تاريخية عن البويهيين: ظهر أولاد بويه: علي والحسن وأحمد على مسرح التاريخ بظهور أكبرهم الملقب عماد الدولة عام 321هـ وكان متولياً من قِبل أحد ملوك الديلم واسمه «مرداويح» على منطقة صغيرة اسمها (كرج) ولم يزل يتلطف الناس ويحسن إليهم حتى اشتهر بين البلاد المجاورة وأحبوه وخضعوا له ونزلوا على طاعته وساعده في ذلك إخوته حتى استولى على إقليم فارس, وفي سنة 334هـ زحف أحمد بن بويه إلى بغداد، ودخلها دون قتال، وغدت العراق تحت سيطرة بني بويه، وأظهروا الطاعة للخليفة، وأخذوا ألقابهم منه، فلقب أحمد «معز الدولة» وبقي حاكماً على العراق نائباً عن أخيه عماد الدولة نيفاً وعشرين سنة, ت 356هـ, وأما ركن الدولة الحسن بن بويه فقد حكم أصبهان وطبرستان وجرجان، وأخوهم الكبير عماد الدولة، شيراز وما حولها، ولكنه هو المقدم فيهم الذي يسمعون كلامه (2).
ب- تشيع البويهيين: لم يخف البويهيون تشيعهم، بل شجعوا المذهب الشيعي في بغداد للقيام بالأعمال الاستفزازية ضد أهل السنة، فكانت لا تمر سنة دون شغب واصطدامات تقع بين السنة والشيعة تذهب فيها الأرواح والممتلكات وتحرق الأسواق، وجاء في حوادث 351هـ: وكتب الشيعة في بغداد بأمر معز الدولة على المساجد بلعن معاوية والخلفاء الثلاثة, والخليفة العباسي لا يقدر على منع ذلك (3)، وفي سنة 352هـ أمر معز الدولة الناس أن يغلقوا دكاكينهم ويبطلوا الأسواق والبيع والشراء وأن يظهروا النياحة وأن تخرج النساء منتشرات الشعور، مسودات الوجوه، يدرن في البلد بالنوائح ويلطمن وجوههن على الحسين بن علي - رضي الله عنه - ففعل الناس ذلك ولم يكن للسنة قدرة على المنع منه لكثرة الشيعة ولأن السلطان معهم (4)، وهذا أول ما نيح عليه (5) وقد وصف ابن كثير ما يفعل الشيعة من تعد لحدود الكتاب والسنة في دولة بني بويه في حدود الأربعمائة وما حولها فقال: فكانت الدَّبادب (6) تضرب ببغداد ونحوها من البلاد في يوم عاشوراء ويُذرُّ الرماد والتبن في الطرقات والأسواق وتعلق المسوح على الدكاكين ويظهر الناس الحزن والبكاء وكثير منهم
_________
(1) أيعيد التاريخ نفسه، ص 48.
(2) أيعيد التاريخ نفسه، ص 48.
(3) أيعيد التاريخ نفسه، ص 48.
(4) الكامل في التاريخ, نقلاً عن: أيعيد التاريخ نفسه، ص 49.
(5) البداية والنهاية (11/ 577).
(6) الدبادب: جمع الدّبداب وهو الطبل.
(1/32)

لا يشرب الماء ليلتئذ موافقة للحسين، لأنه قتل عطشان, ثم تخرج النساء حاسرات عن وجوههن ينحن ويلطمن وجوههن وصدورهن حافيات في الأسواق إلى غير ذلك من البدع الشنيعة والأهواء الفظيعة والهتائك المخترعة (1).
جـ- إهانتهم للخلفاء: تابع البويهيون سياسة الأتراك في إضعاف هيبة الخلافة وجعلها كأنها غير موجودة، وهم بهذا العمل إنما يدللون على بعدهم عن أي حس حضاري زيادة عما في قلوبهم من حقد على السنة، وكانوا يرون أن العباسيين مغتصبون للخلافة, ولذلك فكر معز الدولة بإعادة الخلافة إلى «آل علي» - رضي الله عنه -، فاستشار خواص أصحابه في إخراج الخلافة عن العباسيين والبيعة للمعز العبيدي في مصر، ولكن أحد أصحابه قال له: ليس هذا برأي، فإنك اليوم مع خليفة تعتقد أنت وأصحابك أنه ليس من أهل الخلافة، ولو أمرتهم بقتله لقتلوه، ومتى أجلست بعض العلويين خليفة كان معك من تعتقد أنت وأصحابك صحة خلافته فلو أمرهم بقتلك لفعلوه (2). واستحسن معز الدولة هذا الرأي وأعرض عن فكرته (3)، وعندما قلّت الأموال عند بهاء الدولة حسّن له وزيره القبض على الخليفة الطائع وأطمعه في ماله، ودخل بهاء الدولة على الخليفة وأنزله عن سريره، وهو يستغيث ولا يلتفت إليه أحد, وأخذ ما في داره من الذخائر ونهب الناس بعضهم بعضًا (4)، وكان سلفه معز الدولة البويهي هو الذي أهان المستكفي وأمر الجنود بشده من عمامته ثم أمر به إلى السجن ولم يزل فيه حتى وفاته (5).
د- وزراؤهم: كما وزر للعبيديين الفاطميين اليهود والنصارى كذلك وزر للبويهيين النصارى، ففي عهد عضد الدولة (فنّاخسرو بن الحسن بن بويه) كان وزيره نصر بن هارون, وقد أذن له عضد الدولة بعمارة البيَع والأديرة وأطلق الأموال لفقراء النصارى (6).
هـ- الصلة بين البويهيين والقرامطة: إن الذي يقرأ التاريخ مجزأ مقطعاً قد لا يدرك ولا يتنبه إلى الصلات التي كانت بين الحركات الباطنية ولا إلى الصلات بين الدولة الشيعية وهذه الحركات, ويظن أن كل دولة قائمة بنفسها ولا تربطها صلات مع الأخرى، وهكذا يظن البعض الآن، فلا يرون أن هناك صلات بين الرافضة والباطنية وإذا كان هناك شيء من هذا فهو يظن أنه للمصلحة السياسية المؤقتة. ولكن من يقرأ التاريخ ويقرأ الحاضر ويقارن بينهما لن يجد فرقاً يذكر
_________
(1) البداية والنهاية (11/ 577).
(2) الكامل في التاريخ, نقلاً عن: أيعيد التاريخ نفسه، ص 49.
(3) أيعيد التاريخ نفسه، ص 49.
(4) الكامل في التاريخ, نقلاً عن: أيعيد التاريخ نفسه، ص 50.
(5) البداية والنهاية, نقلاً عن: أيعيد التاريخ نفسه، ص 50.
(6) البداية والنهاية, نقلاً عن: أيعيد التاريخ نفسه، ص 50.
(1/33)

في المواقف (1). وجاء في حوادث سنة 360هـ: وفي ذي القعدة أخذت القرامطة دمشق وقتلوا نائبها جعفر بن فلاح وكان رئيس القرامطة الحسين بن أحمد بن بهرام، وقد أمده معز الدولة البويهي من بغداد بالسلاح والعدد الكثيرة (2).
وكتب الملك البويهي أبو كاليجار إلى المؤيد داعي الدعاة الفاطمي العبيدي عند سفره إلى مصر سنة 438هـ بعد أن تأثر بدعوته الإسماعيلية يقول: فيجب أن تصور لتلك الحضرة الشريفة «المستنصر العبيدي في مصر» ما اطلعت عليه من شواهد صفاء عقيدتنا وتُعلمها أن هؤلاء التركمان «السلاجقة» المسئولين عن أعمال خراسان والري لا يقصر خطابهم عن بلادها المحروسة «الشام ومصر» إلا ثبات عساكرنا المنصورة في وجوههم وبذْلنا الأموال في كف عاديتهم (3). فهذا الملك البويهي يطلب شهادة حسن سلوك من الدولة العبيدية في مصر، ويشعرهم في الوقت نفسه أنه هو المدافع عنهم أمام الزحف التركماني السلجوقي السني (4). ومن هنا يتضح لنا درس مهم وهو حقيقة استعدادهم للتحالف والتعاون فيما بينهم مع الاختلاف في العقائد ومع ذلك يتحالفون ضد العدو المشترك.
و- موقفهم من حماية حدود الدولة الإسلامية: استغاث أهل الجزيرة بالعاصمة بغداد لصد غارات الروم واستجاب الشعب في بغداد لهذا النداء، وتجهزوا للجهاد، وأرسل بختيار بن معز الدولة إلى الخليفة يطلب مالاً لتجهيز الناس للغزو، واضطر الخليفة لبيع أثاث بيته ليدفع له الأموال, ولكن بختيار أنفقها على مصالحه الشخصية وأبطل أمر الغزو (5). وهكذا ظهر أن بختيار كان مراوغاً ولم يكن صادقاً في طلب الأموال أو التهيؤ للغزو والجهاد (6) وإنما كان يقصد استنزاف أكثر قدر ممكن للقدرة المالية للخلافة العباسية رغم ضعفها.
ز- البويهيون والإقطاع العسكري: من بدع البويهيين وظلمهم وجورهم التي ما سبقهم إليها أحد إقطاعهم الأرض للقادة العسكريين وللجنود، وذلك بدلاً من الرواتب النقدية التي كانت تصرف لهم، وهذه الأرض المعطاة ليست من أراضي الدولة أو من الأرض الموات التي تقطع لإحيائها, بل هي من الأرض المصادرة تعسفاً وظلماً من أصحابها الفلاحين, وكان هؤلاء الجنود إذا لم تعجبهم الأرض أو لم تغل عليهم ما يريدون تركوها وأخذوا غيرها، وأدى هذا النظام إلى تدمير الحياة الزراعية وإفقار خزانة الدولة، ولم تحل
_________
(1) أيعيد التاريخ نفسه، ص 50.
(2) أيعيد التاريخ نفسه ص 50, نقلاً عن البداية والنهاية.
(3) دخول الترك الغز إلى الشام, د. شاكر مصطفى، ص 323.
(4) أيعيد التاريخ نفسه، ص 51.
(5) البداية والنهاية, نقلاً عن: أيعيد التاريخ نفسه، ص 51.
(6) أيعيد التاريخ نفسه، ص 51.
(1/34)

مسألة الرواتب، يقول الدكتور عبد العزيز الدوري: والذي أراه هو أن خط البويهيين هو بداية الإقطاع العسكري ويبدو لي أن البويهيين انطلقوا من نظرة قبلية تعتبر الأرض المفتوحة غنيمة بحق الغزو وأهملوا المفهوم الإسلامي بالنسبة للأرض (1)، كما أن بدعة ضمان القضاء بدأت في عهدهم، ففي سنة 350هـ أمر معز الدولة بتسمية عبد الله بن الحسن بن أبي الشوارب قاضياً على بغداد على أن يؤدي مائتي ألف درهم في كل سنة (2). وهكذا نرى ظلم هذه الدولة وتعسفها وتعصبها فهي لم تقدم جديداً للحضارة الإسلامية، وأما كرم وزيرهم الصاحب بن عباد وتشجيعه للأدب وتنظيم عضد الدولة لبعض المشاريع في العراق وإنشاؤه المستشفى العضدي، فكل ذلك لا يذكر أمام اتجاه الدولة العام في تمزيق أواصر المجتمع الإسلامي وتخريبه عقدياً واقتصادياً ووصف مؤسسها عماد الدولة بالعقل والحلم لا يغير من النتيجة العامة، وهي أن ضررها أكثر من نفعها، قال الذهبي: وضاع أمر الإسلام بدولة بني بويه وبني عبيد الرافضة، وتركوا الجهاد وهاجت نصارى الروم، وأخذوا المدائن وقتلوا وسبوا (3).
وقال: فلقد جرى على الإسلام في المائة الرابعة بلاء شديد بالدولة العبيدية بالمغرب، وبالدولة البُويهية بالمشرق، وبالأعراب القرامطة، فالأمر لله تعالى (4). وقال عن عضد الدولة أبو شجاع فنّاخسرو: .. وكان شيعياً جلداً أظهر بالنجف قبراً زعم أنه قبر الإمام علي بنى عليه المشهد، وأقام شعار الرفض ومأتم عاشوراء، ونُقل أنه لما احتُضر ما انطلق لسانه إلا بقوله تعالى: {مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ - هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ} [الحاقة: 28،29] (5).
ح- مناصرة الأمراء البويهيين لحركة التشيع وإثارة التفرقة والنعرات الضيقة:
بحلول سنة 334هـ / 945م كانت الأوضاع العامة في العراق سياسياً واقتصادياً واجتماعياً غاية في السوء, وعدم تمكن البويهيين من بغداد زاد الأمور سوءاً وكشفوا عن تشيعهم وإيمانهم بعقيدتهم معاضدين أبناء الفرق الشيعية العلوية الأخرى التي كانت منتشرة في بغداد وبعض المراكز الحضرية في العراق آنذاك مثيرين للفتن الطائفية ولم يكن حال الخلفاء خلال هذه الفترة يسمح لهم بمواجهة بني بويه, فقد تولى الخلافة خلال العصر البويهي خمسة من الخلفاء تفاوتت مدد خلافتهم وفقاً لموقف الأمير البويهي من كل منهم, وقد لاقى كل من أولئك الخلفاء الكثير من ضروب الإهانة والاستخفاف والعنت من البويهيين (6)، ومن
_________
(1) نشأة الإقطاع في المجتمعات الإسلامية, بحث في مجلة الاجتهاد، ص 259.
(2) الفكر السامي في تاريخ الفكر الإسلامي, للحجوي (2/ 142).
(3) سير أعلام النبلاء (16/ 232).
(4) المصدر نفسه (16/ 252).
(5) المصدر نفسه (16/ 250).
(6) الحياة العلمية في العراق خلال العصر البويهي، ص 60.
(1/35)

منطلق اعتقاد بني بويه بأن سيطرتهم على الخلافة وإضعاف نفوذ الخليفة لن يمكن أهل السنة من التصدي لهم، فقد باشروا خططهم في محاولة نشر التشيع العلوي في المجتمع ومحاربة السنة مساندين في ذلك دعاة التشيع من أمثال موسى بن داود الشيرازي الذي اشتهر بلقب المؤيد في الدين وهو من عائلة عريقة في التشيع على المذهب القرمطي وكان أبوه محل احترام الخلفاء العبيديين، كما كان هو أيضاً محل احترام المرزبان بن عماد الدين أبو كاليجار البويهي وكان إذا كاتبه خاطبه بقوله: لشيخنا وظهيرنا ومعتمدنا المؤيد في الدين عصمة أمير المؤمنين أبي النصر أطال الله بقاءه وأدام عزه وتأييده (1)، وقد كان المؤيد في الدين هبة الله الشيرازي من المجيدين للغتين العربية والفارسية وله الكثير من المؤلفات التي يعتمد عليها الإسماعيلية إلى يومنا هذا (2)،
وقد لعبت كتبه دوراً كبيراً في نشر الضلال والانحراف والزيغ وعبرت عن مدى تمسكه بمبادئ الحركة القرمطية، ومن أشهر كتبه كتاب المجالس المؤيدية ويضم ما كان يلقيه في مجالس الدعوة الإسماعيلية بعد أن ترقى في سنة 451هـ/1059م إلى مرتبة داعي الدعاة, وله أيضاً كتاب الإيضاح والتبصير في فضل يوم الغدير بالإضافة إلى عدة كتب أخرى وديوان شعر منحرف أيضاً (3)، وهكذا وبدعم أمراء بني بويه لأمثال هذا الداعية الشيعي لم يمض وقت طويل حتى بدأت الفتن العارمة التي نجم عنها العديد من المعارك الداخلية وحالات الاقتتال الطائفي تأخذ مداها بين أهل السنة والشيعة (4).
وأول إشارة إلى الفتن بين الشيعة وأهل السنة خلال العصر البويهي حصلت سنة 338هـ /949م وقد كان من نتيجتها أن نهبت الكرخ (5)، وفي رمضان من سنة 340هـ/ 951م وقعت فتنة عظيمة بالكرخ بسبب المذهب (6)، وفي السنة نفسها ظهر ببغداد رجل ادعى أن أرواح الأنبياء والصديقين تنتقل إليه، وقد وجدت في داره كتب تدينه بالزندقة فتم القبض عليه, فلما تحقق أنه هالك ادعى أنه شيعي ليحضر عند معز الدولة بن بويه وقد كان معز الدولة بن بويه يؤيد الرافضة، فلما اشتهر عنه ذلك، لم يتمكن الوزير منه خوفاً على نفسه من معز الدولة وأن تقوم عليه الشيعة، وإنا لله وإنا إليه راجعون (7). وتقدم هذه الحادثة الدليل الواضح على مدى مساندة بني بويه لفرق الشيعة الرافضة الأخرى ومدى تشجيعهم ومناصرتهم لهم، وللمنتسبين لهم حتى ولو كانوا من الزنادقة, ويدعم هذا الرأي ما حدث في سنة 341هـ / 952م حيث ظفر الوزير المهلبي بقوم من التناسخية وفيهم امرأة تزعم أن روح فاطمة, رضي الله عنها، انتقلت إليها، وفيهم آخر يزعم أنه جبريل، فضربوا
_________
(1) القرامطة أول حركة اشتراكية في الإسلام، طه الولي، ص 200.
(2) الحياة العلمية في العراق خلال العصر البويهي، ص 63.
(3) الحياة العلمية في العراق خلال العصر البويهي، ص 63.
(4) المصدر نفسه، ص 64.
(5) المصدر نفسه، ص 64.
(6) المصدر نفسه، ص 65.
(7) المصدر نفسه، ص 65.
(1/36)

فتعذروا بالانتماء لأهل البيت فأمر معز الدولة بإطلاقهم لتشيع كان فيهم، والمشهور عن بني بويه التشيع والرفض (1)، وهكذا كان لمغالاة بني بويه في التشيع نتائج سيئة الأثر حيث عمت الفوضى والانحرافات العقدية ولم تعد الفوضى مقصورة على بغداد أو مدن العراق الأخرى، بل شملت بعض أنحاء الدولة العباسية الأخرى, وفي سنة 346هـ/957م تجددت الفتنة بين السنة والشيعة في بغداد بسبب سب الصحابة وكان من نتيجة ذلك أن قتل من الفريقين خلق كثير دون أن تتحرك السلطة لمعالجة الصراع, وفي السنة التالية 347هـ /958م انتشرت ظاهرة سب وتكفير الصحابة في كثير من البلدان (2)
واشتدت الفتنة الطائفية بين الرافضة والسنة ووقعت في جمادى الأولى سنة 348هـ / 959م حرب شديدة بين أتباع مذاهب السلف من أهل بغداد والمتشيعة وقتل فيها جماعة واحترق من البلد كثير, وفي السنة التي تلت، أي سنة 349هـ/960م وبسبب الفتنة الطائفية تعطلت صلاة الجمعة في جميع مساجد بغداد (3)، وفي سنة 351هـ كتب العامة على مساجد بغداد لعن معاوية بن أبي سفيان ولعن من غصب (4) فاطمة فدكاً، ومن أخرج العباس (5) من الشورى ومن نفي أبا ذر الغفاري (6) ومن منع دفن الحسن عند جده, ولم يمنع معز الدولة ذلك (7) , وقد ثار أهل السنة من هذا التعريض المباشر بصحابة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وخصوصاً الخلفاء الراشدين الثلاثة الأول وأقدموا خلال ساعات الليل على إزالة الشعارات التي رفعها الرافضة، غير أن الأمير البويهي معز الدولة أصر على ضرورة إعادة تلك الشعارات وإبقائها مرفوعة رغم ما تشكل من تحد سافر لمشاعر عموم المسلمين من أتباع مذاهب السلف وأهل السنة، وقد نصحه وزيره المهلبي بالامتناع عن ذلك مداراة للرأي العام وبأن يكتب مكان ما محى: لعن الله الظالمين لآل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (8)، وصرحوا بلعن معاوية فقط (9). وهكذا يثبت الأمير البويهي مدى ضيق أفقه وتحزبه الأعمى لأبناء مذهبه, فقد أيد الروافض وتعصبهم وموقفهم المنافي لعقيدة الإسلام التي نزلت على رسول الله من الله تعالى وبينها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للمسلمين.
وقد اتسع نطاق الصراعات الطائفية ولم تعد مقصورة على بغداد بل إنها شملت البصرة وهمذان وقتل فيها خلق كثير (10)، مما قدم الدليل على أن أمراء بني بويه -وعلى رأسهم معز
_________
(1) النجوم الزاهرة (3/ 307، 308).
(2) الحياة العلمية في العراق خلال العصر البويهي، ص 67.
(3) الحياة العلمية في العراق خلال العصر البويهي، ص 67.
(4) يقصدون أبا بكر وكذبوا في ذلك لأن أبا بكر نفذ حكم رسول الله في فدك.
(5) يقصدون عمر في ترشيحه لأهل الشورى حيث كانوا من العشرة المبشرين بالجنة.
(6) يقصدون عثمان, وعثمان لم ينف أبا ذر ولكن أبا ذر اختار ذلك.
(7) المنتظم (7/ 7، 8).
(8) الحياة العلمية في العراق خلال العصر البويهي، ص 68.
(9) تاريخ الخلفاء، ص 639.
(10) الكامل في التاريخ, نقلاً عن الحياة العلمية في العصر البويهي، ص 68.
(1/37)

الدولة- قد ساندوا الشيعة الغلاة الذين كانوا يطمعون في تشيع المجتمع خلال فترة سيطرة البويهيين على مقاليد الحكم وتسلطهم على الخلافة ودون إعطاء أي اعتبار للخليفة العباسي السني الذي يحكمون باسمه (1) وقد توسع في بيان تشجيع الأمراء البويهيين لحركة التشيع وإثارة التفرقة والنعرات الضيقة الدكتور رشاد عباس معتوق فمن أراد التفصيل فليراجع كتابه القيم «الحياة العلمية في العراق خلال العصر البويهي». ويعتبر العصر البويهي من أقبح عهود التاريخ الإسلامي وأشدها؛ فقد احتل البويهيون قسماً كبيراً من شرقي بلاد الخلافة العباسية بما فيها العراق وبغداد وكانوا شيعة غلاة ولم يلغوا الخلافة العباسية لأسباب سياسية فأدى الأمر إلى صراع مرير جداً بين السنة والشيعة وكانت بغداد خاصة مسرح هذا الصراع (2).
ط- إنشاء مراكز شيعية متخصصة في التأليف والتعليم في بغداد والنجف والكاظمية: كان لتشيع البويهيين دوره الخطير في تشجيع العلماء القائلين بوجهة نظرهم, فقد عملوا على الاهتمام بالعلوم المذهبية وتقديم الرعاية للعلماء والمتشيعين للعلويين بصفة عامة حتى يظهروا أمام أتباعهم بمظهر الحريص على المذهب المدافع عنه وهم بذلك يعبرون عن ميول شيعية متعصبة دفعتهم إلى تأسيس العديد من المراكز الشيعية في العراق والتي خدمت أغراض تعصبهم المذهبي, فقد حرصوا على تحويل المجتمع الإسلامي نحو الإيمان بمعتقدهم, وهكذا تجدهم يقربون علماء الشيعة ويرعونهم ويشجعونهم على الكتابة في الكثير من التخصصات الفلسفية والمنطقية بالإضافة إلى الرياضيات وعلم الهيئة، وشجعوهم بشكل خاص على التأليف في العلوم التي تخدم المذهب الشيعي, وهكذا ظهرت العديد من المجاميع الخاصة بهم والتي كرست لوضع الأحاديث المكذوبة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن أمثلة ذلك المحدث الرافضي أبو الفضل الشيباني (ت387هـ / 997م). الذي كان يروي غرائب الأحاديث، وكان ممن يضع الأحاديث للرافضة (3)، وقد التبس أمره على الناس فكتبوا الكثير من مروياته فلما ظهر لهم كذبه مزقوا أحاديثه (4)،
وقد شهد العصر البويهي عدداً غير قليل من محدثي الشيعة كابن الجعابي وأبي الطيب الدوري، والمعبدي وابن البقال والنوبختي والكلوذاني وغيرهم ممن عملوا على إسباغ صبغة الاعتزال والتشيع على مروياتهم, وكان ذلك بمناصرة ومعاضدة أمراء بني بويه لخدمة أهدافهم في تشييع المجتمع الإسلامي (5)، ولم يتوان أمراء بني بويه عن تشجيع عدد كبير من فقهاء التشيع والرفض في إظهار مساهماتهم
_________
(1) الحياة العلمية في العراق خلال العصر البويهي، ص 69.
(2) المصدر نفسه، ص 90.
(3) تاريخ بغداد (5/ 466، 467).
(4) الحياة العلمية في العراق خلال العصر البويهي، ص 104.
(5) الحياة العلمية في العراق خلال العصر البويهي، ص 104.
(1/38)

في نشر التشيع بين عامة الناس في المجتمع الإسلامي, وكان خطر هؤلاء المبتدعة كبيراً على الأمة الإسلامية لما اتصفوا به من انحراف في المعتقد وتزييف للحقائق وافتراء على المشرع, ومن أولئك على سبيل المثال أبو القاسم علي أحمد العلوي الكوفي (ت352/ 963م) وهو من الشيعة الغلاة ومن كتبه: «الاستغاثة في بدع الثلاثة»، ويقصد بالثلاثة الخلفاء أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، وقد قال في جملة ما قاله في هذا الكتاب بأن القرآن الذي بين أيدي الناس هو قرآن ناقص (1)، ومنهم أبو عبد الله محمد بن محمد النعمان المعروف بالشيخ المفيَد (ت 413هـ/1022م) وكان ذا مكانة كبيرة لدى أمراء بني بويه (2)، وكانت له تصانيف كثيرة (3) ويكفي الإشارة إلى ما كتبه الخطيب البغدادي عن الشيخ المفيد بن المعلم ليظهر مدى خطره على الناس من العامة خاصة، فلقد ترجم له بقوله: شيخ الرافضة والمتعلم على مذاهبهم، صنف كتباً كثيرة في ضلالاتهم والذب عن اعتقاداتهم ومقالاتهم والطعن على السلف الماضين من الصحابة والتابعين وعامة الفقهاء المجتهدين, وكان أحد أئمة الضلال هلك به خلق من الناس إلى أن أراح الله المسلمين منه (4)،
وقد أدى اهتمام البويهيين بالعلم والعلماء إلى انتشار خزانات الكتب وإلى جانبها دور للعلم يمكن اعتبارها من المؤسسات المساعدة لمراكز التشيع حيث كان الغرض منها حث علماء الشيعة على الاطلاع والتأليف ومن بينها دار العلم ببغداد وهي دار ابتاعها الوزير أبو نصر سابور بن أردشير 383هـ/993 بمحلة الكرخ جدد عمارتها ونقل إليها كتبًا كثيرة وأوقف عليها أوقافاً كثيرة وسماها دار العلم (5)، ومن بينها الدار التي أسسها نقيب العلويين الشريف الرضي المتوفي سنة 406هـ/1015م في الكاظمية على الجانب الغربي من دجلة مقابل مقابر قريش وأسماها دار العلم وفتحها لطلبة العلم ووفر لهم كل ما يحتاجونه (6)، ويعتبر أبو عبد الله المرزباني من الأدباء والكتاب الذين جعلوا دورهم مراكز للتشيع والاعتزال فقد كان المرزباني معتزلياً يتشيع (7)، ولقد أنشأ البويهيون خلال مدة حكمهم العديد من مراكز التشيع واعتنوا عناية كبيرة بتلك التي كانت موجودة وقائمة قبل وصولهم، ووجدت هذه المراكز في كل من كرخ بغداد والكوفة والنجف وكربلاء والكاظمية والبصرة والحلة (8) وقد لعبت تلك المراكز أدواراً مهمة في تجميع الشيعة وتوحيد صفوفهم ودفعهم إلى نشر أفكارهم
_________
(1) أعياد الشيعة, نقلاً عن الحياة العلمية في العراق خلال العصر البويهي105.
(2) الحياة العلمية في العراق خلال العصر البويهي، ص 106.
(3) الحياة العلمية في العراق خلال العصر البويهي، ص 106.
(4) تاريخ بغداد (3/ 231).

(5) المنتظم (7/ 172) , الحياة العلمية في العراق خلال العصر البويهي، ص 110.
(6) البداية والنهاية, نقلاً عن الحياة العلمية، ص 111.
(7) تاريخ بغداد (3/ 135، 136).
(8) الحياة العلمية في العراق خلال العصر البويهي ص111.
(1/39)

ومعتقداتهم خاصة أنهم وجدوا مناصرة ومعاضدة من المتسلطين على الخلافة العباسية من أمراء بني بويه، وكذلك من وزرائهم الذين نهج معظمهم نفس النهج (1).
ى- إشاعة الآراء المنحرفة للفلاسفة مثل حركة إخوان الصفا: من أخطر الحركات الفلسفية التي ظهرت خلال العصر البويهي حركة إخوان الصفا التي تتمثل في أفكارها الانحرافات الباطنية والتي تعبر عنها شكلاً ومضموناً، وقد اختلف المؤرخون حول زمن نشأة حركة إخوان الصفا، وإن أقدم من ذكر إخوان الصفا هو أبو حيان التوحيدي، ومن خلال ما أورده عنهم يتبين أن موطن نشأتهم كان مدينة البصرة منبت حركة الاعتزال ومرتع المتشيعة والمقر التاريخي لصاحب حركة الزنج، ولقد عرفت جماعة إخوان الصفا في منتصف القرن الرابع الهجري، وهي فترة شهدت ضعفاً وتردياً كبيراً في قوة ومكانة الخلافة العباسية وتسلطاً أجنبياً خبيثاً ومنحرفاً، وقد تهيأت الظروف خلال هذه المرحلة لظهور العديد من الأفكار والحركات، ومن بينها أفكار إخوان الصفا، وتكاد المصادر تجمع على أن جماعة إخوان الصفا جماعة سرية تتألف من طبقات متفاوتة وفق أسس ذكروها في رسائلهم، كما تتفق على أنهم من الشيعة الإسماعيلية وتمثل آراؤهم وأفكارهم الفلسفية المبادئ الأساسية لفرقة الإسماعيلية التي تقوم أساساً على التأويل الباطني، ويصف إخوان الصفا الصلاة مثلاً (2) بأنها هي المقصودة بالقيود، بل إنهم يقرون أن للدين ظاهراً وباطناً, ولقد حظيت آراء وأفكار الفلاسفة خلال العصر البويهي بالكثير من التشجيع والمعاضدة فلقد كانت عناية أمراء بني بويه كبيرة بكل ما له اتصال بالفلسفة والمنطق والكلام والتنجيم وأولت المختصين بها عناية فائقة (3)، وقد حفلت مجالس البويهيين على الدوام بحضور العديد من المعتزلة والفلاسفة والمنطقيين وغيرهم من العلماء المتشيعين الذين سخروا علمهم لخدمة أمراء بني بويه والشيعة الرافضة (4).
ك- نهاية الدولة البويهية: تمت على أيدي السلاجقة بعد أن بدأ الانقسام والنزاع بين أفراد البيت البويهي، حيث تنازع أبناء عضد الدولة فيما بينهم على الحكم واستقرت الأمور بيد بهاء الدولة حتى نشب الصراع ثانية بين أولاده سلطان الدولة وشرف الدولة وجلال الدولة واندلعت الحروب بينهم (5)، مما صرفهم على مواجهة خصومهم في الخارج، فكانت نهاية حكمهم على يد السلطان السلجوقي طغرل بك الذي أزال الله به ملكهم وأراح المسلمين
_________
(1) الحياة العلمية في العراق خلال العصر البويهي ص113.
(2) الإنسان في فكر إخوان الصفا، عبد اللطيف محمد العبد ص 37.
(3) الحياة العلمية في العراق خلال العصر البويهي، ص 137.
(4) المصدر نفسه، ص 138.
(5) الدولة السلجوقية منذ قيامها، ص 39.
(1/40)

من شرهم، عندما دخل بغداد وقبض على آخر حاكم منهم وهو الملك الرحيم أبو نصر خسرو, وذلك سنة 447هـ, وبعث به مقيداً إلى الري وأسقط اسمه من الخطبة في شهر رمضان من تلك السنة وبذلك زالت الدولة البويهية من الوجود لتأخذ مكانها الدولة السلجوقية (1).
5 - اجتماع السلاجقة على زعامة طغرل بك وتوسع دولتهم: كانت الغنائم التي حصل عليها السلاجقة في معركة دَنَدانقان كثيرة جداً، وبعد انتصارهم في تلك المعركة عاد طغرل بك إلى نيسابور فدخلها مع جموع في أواخر عام 431هـ وأوائل 432هـ (2)، ولم تنج المدينة هذه المرة من النهب، فلما أحرز السلاجقة النصر في هذه المعارك ازدادوا قوة ولحقت بهم جيوشهم المتفرقة في أطراف خراسان، فاشتد وقعهم في القلوب وتقرر الملك لهم، واجتمع بعد ذلك الإخوان جغري بك وطغرل بك مع عمهما موسى بن سلجوق الذي كان يطلق عليه «بيغو» وأبناء أعمامهم وكبار قومهم وقواد جنودهم، وتعاهدوا على الاتحاد والتعاون فيما بينهم (3) ويقول الراوندي: ولقد سمعت أن طغرل بك أعطى لأخيه سهماً وقال له: اكسره. فتناول أخوه السهم وكسره في هوادة، ثم جمع له سهمين فكسرها أيضاً في هوادة ثم أعطاه ثلاثة فكسرها بصعوبة، فلما بلغ عدد السهام أربعة تعذر عليه كسرها، فقال له طغرل بك: إن مثلنا مثل ذلك فإذا تفرقنا هان لأقل الناس كسرنا وأما إذا اجتمعنا فلا يستطيع أحد أن يظفر بنا، فإذا نشأ خلاف بيننا لم يتيسر لنا فتح العالم، وتغلب علينا الأعداء وذهب الملك من أيدينا (4). وجدد السلاجقة العهد لطغرل بك كقائد أعلى لجيوشهم وسلطان لهم على دولتهم، ورغم أن جغري بك كان أكبر منه سناً، إلا أن طغرل بك كان يتميز بشجاعته النادرة وقوة شخصيته مع تدين ملحوظ وذكاء حاد (5)، وكلها صفات رجحت كفته، وهكذا قامت دولة السلاجقة (6).
وقد شملت فتوح السلاجقة الأولى خراسان وكرمان وأذربيجان وهمدان وجرجان، فقسموا هذه الولايات التي كانوا قد استولوا عليها فيما بينهم (7)، وكانت بلخ من أقوى مراكز السلاجقة في الشرق، ونيسابور في الغرب، ومن هذين المركزين أخذ نفوذهم في الانتشار والتوسع (8)، وقد اختار طغرل بك مدينة الري لتكون حاضرة ملكه (9).
_________
(1) الدولة السلجوقية منذ قيامها، ص 39.
(2) تاريخ البيهقي، ص 695، الدولة السلجوقية منذ قيامها، ص 128.
(3) الدولة السلجوقية منذ قيامها، ص 128.
(4) راحة الصدور للراوندي، ص 165.
(5) النجوم الزاهرة نقلاً عن الدولة السلجوقية، ص 128.
(6) الدولة السلجوقية منذ قيامها، ص 128.
(7) المصدر نفسه، ص 129, تاريخ الإسلام حسن إبراهيم (4/ 10).
(8) الدولة السلجوقية، ص 129.
(9) راحة الصدور للراوندي، ص 104, الدولة السلجوقية، ص 129.
(1/41)

أ- تنظيم إدارة الدولة في عهدها الأول: من أجل تنظيم إدارة دولتهم فقد قسمها السلاجقة إلى أقاليم، وعينوا على كل إقليم منها حاكماً، من أفراد البيت السلجوقي أطلقوا عليه لقب «شاه» و «ملك» وأما الرئيس الأعلى للدولة بأجمعها، فأطلق عليه لقب «سلطان» وكانت له الكلمة النافذة في جميع أنحاء الدولة، وبهذا التنظيم وطّد طغرل بك سلطته في تلك البلاد، وضمن الوحدة بين أفراد أسرته، لقد كان إخوة طغرل بك وأبناؤهم يتولون الحكم في أطراف البلاد تحت سلطته (1)، ومذهبهم السياسي في الحكم أنهم كانوا يعدون المناطق المفتوحة ملكاً لأفراد الأسرة المالكة ولم يعمل طغرل بك على إقامة حكم فردي ينحصر في شخصيته، بل منح حكم المناطق التي تدخل في حوزة السلاجقة حديثاً إلى المقربين من آل سلجوق وترك لهم سلطة الحكم كاملة, وكان هدفه من ذلك الإبقاء على الترابط والوحدة بين طغرل بك وإخوته وأبنائهم, وهكذا تتضح بشكل جلي الطبيعة القبلية في سلوك السلاجقة وحبهم للرئاسة والجاه وقد حاول طغرل بك زعيمهم إرضاء هذه النزعة فعينهم حكاماً وقادة وملوكاً، لكل منهم جيشه الخاص ووزيره وحجابه ومعاونوه في الحكم والإدارة، كما حرص السلاجقة على تكريم علماء الدين وشيوخ الصوفية كي يثنوا عليهم ويزداد حكمهم قوة (2)، ومع ذلك فإن تقسيم الدولة إلى ولايات شبه مستقلة أصبح شراً في عهد ضعف السلاجقة وكثرة المنازعات في أرجاء الدولة، مما ساعد على تمزقها وسرعة انهيارها وزوالها (3).
ب- اعتراف الخليفة العباسي بالسلاجقة: بعد أن وطّد طغرل بك أركان دولته وأرسى قواعدها لم يبق سوى الحصول على اعتراف من الخليفة به ليكسب سلطته الصفة الشرعية في أعين المسلمين، لذلك أنفذ في عام 432هـ رسالة إلى الخليفة العباسي القائم بأمر الله حملها إليه أبو إسحاق القفاعي (4)، تضمنت ولاء السلاجقة له، وتأكيد تمسكهم بالدين الإسلامي، والتزامهم بالجهاد في سبيل الله وحبهم للعدل والتماسهم الحصول على اعتراف الخليفة بقيام دولتهم (5). وكان السلاجقة في أشد الحاجة للدعم المعنوي من الخليفة العباسي صاحب النفوذ الروحي على العالم الإسلامي السني, وكانت نوعية هذه العلاقة بين السلاطين والخلفاء من ثقافة ذلك العصر الذي ضعفت فيه مؤسسة الخلافة وتقلص نفوذها وسلطانها وصلاحياتها وهي ظاهرة مرضية في الأمة.
_________
(1) الدولة السلجوقية منذ قيامها، ص 130.
(2) إيران والعراق، حسنين ص 41.
(3) الدولة السلجوقية منذ قيامها، ص 130.
(4) دولة آل سلجوق للبنداري، ص 8، الدولة السلجوقية، ص 131.
(5) راحة الصدور، ص 166، 167، الدولة السلجوقية، ص 131.
(1/42)

وقد جاء في هذه الرسالة ما نصه: «نحن معشر آل سلجوق أحطنا دائماً الحضرة النبوية المقدسة وأحببناها من صميم قلوبنا، ولقد اجتهدنا دائماً في غزو الكفار وإعلان الجهاد، ودوامنا على زيارة الكعبة المقدسة وكان لنا عَمٌ مقدم محترم بيننا اسمه إسرائيل بن سلجوق فقبض عليه يمين الدولة محمود بن سبكتكين بغير جرم أو جناية وأرسله إلى قلعة كالنجرد ببلاد الهند فقضى في أسره سبع سنوات حتى مات، واحتجز كذلك في القلاع الأخرى الكثير من أهلنا وأقاربنا، فلما مات محمود وجلس في مكانه ابنه مسعود لم يقم على مصالح الرعية، واشتغل باللهو والطرب، فلا جرم إذ طلب منا أعيان خراسان ومشاهيرها أن نقوم على حمايتهم، ولكن مسعود وجه إلينا جيشه فوقعت بيننا وبينه معارك تناوبناها بين كر وفر، وهزيمة وظفر، حتى ابتسم لنا الحظ الحسن، فانحاز إلينا آخر مدد لمسعود ومعه جيش جرار، وظفرنا بالغلبة بمعونة الله عز وجل، بفضل إقبالنا على الحضرة المقدسة المطهرة، وانكسر مسعود وأصبح ذليلاً وانكفأ علمه، وولى الأدبار تاركاً لنا الدولة والإقبال، وشكراً لله على ما أفاء علينا من فتح ونصر، فنشرنا عدلنا وإنصافنا على العباد وابتعدنا عن طريق الظلم والجور والفساد, ونحُن نرجو أن نكون في هذا قد نهجنا وفقاً لتعاليم الدين ولأمر أمير المؤمنين (1).
وما إن وصلت هذه الرسالة إلى الخليفة العباسي القائم بأمر الله حتى سُرَّ بها غاية السرور، وأظهر رغبته في التقرب إليهم وبادر بإيفاد رسول إلى السلطان طغرل بك الذي كان في مدينة الري سنة 435هـ وكان ذلك الرسول هو أبو الحسن علي بن محمد الماوردي, وقد تضمنت الرسالة رغبة الخليفة العباسي في عقد صلح بينه وبين الأمير البويهي أبي كاليجار (2)، وتقبيح ما فعل أصحابه من فساد، كما أمر الخليفة رسوله أن يتقرب إلى طغرل بك ويدعوه للحضور إلى دار الخلافة في بغداد (3)، فضلاً عن الرسالة فقد كان الماوردي يحمل معه إلى طغرل بك الخلع السلطانية التي منحها إياه الخليفة، مع كتاب تفويض بحكم البلاد (4)، وعاد الماوردي إلى بغداد سنة 436هـ بعد أن مكث مدة عام في جرجان (5)، فأخبر الخليفة بطاعة طغرل بك له وتعظيمه لأوامره والتزامه بها (6)، كما أرسل طغرل بك إلى الخليفة مع الماوردي عشرين ألف دينار (7). لقد كان لاعتراف الخليفة العباسي بقيام دولة السلاجقة أثر كبير في تقرب السلاجقة من الخلافة العباسية، فأخذت العلاقات بين طغرل بك والخليفة العباسي القائم بأمر الله تتوطد على مر الأيام، كما كان لهذا الاعتراف أثر في اكتمال الكيان الشرعي لدولة السلاجقة أمام المسلمين الخاضعين لسلطتهم في المشرق (8).
_________
(1) الدولة السلجوقية منذ قيامها، ص 131.
(2) المصدر نفسه، ص 132.
(3) راحة الصدور، ص 168، دولة آل سلجوق، ص 8.
(4) المنتظم لابن الجوزي, نقلاً عن قيام الدولة السلجوقية، ص 134.
(5) المنتظم لابن الجوزي نقلاً عن قيام الدولة السلجوقية، ص 134.
(6) وفيات الأعيان (2/ 400).
(7) المنتظم, نقلاً عن قيام الدولة السلجوقية، ص 132.
(8) الدولة السلجوقية منذ قيامها، ص 133.
(1/43)

جـ- اتساع رقعة الدولة: بعد أن شعر طغرل بك أول سلاطين السلاجقة بالاطمئنان على دولته إثر اعتراف الخليفة العباسي القائم بأمر الله بها، وتوجه أمراء السلاجقة كل إلى المنطقة المخصصة له، شرع بتنفيذ ما تبقى من خطته الرامية إلى إتمام سيطرة السلاجقة على بلاد فارس، ومن ثم التوجه منها للسيطرة على العراق، ففي عام 433هـ تحرك طغرل بك على رأس جيش كبير من أجل تحقيق ذلك الهدف، وكان الديالمة يسيطرون آنذاك على معظم أجزاء بلاد فارس والعراق ولكنهم مع ذلك كانوا في نزاع مستمر مما أضعفهم وسهل على السلطان السلجوقي طغرل بك التغلب عليهم وإنهاء حكمهم، فقد كان النصر حليفه في جميع حروبه معهم والتي انتهت بسيطرته على بلاد فارس والعراق حيث دخل حاضرة الخلافة العباسية بغداد (1)،فقد بدأ طغرل بك بالهجوم أولاً على جرجان وطبرستان من أجل القضاء على حكم أنوشروان الزياري الديلمي الذي كان يسيطر على هذين الإقليمين, وإدراكاً من هذا الأخير لقوة السلاجقة وأنه لا طاقة له بقتال طغرل بك، قرر أن يخضع له وأعلن تعهده بطاعته وأداء إتاوة سنوية له، وبذلك ضم طغرل بك هذين الإقليمين إلى دولة السلاجقة، ثم لم يلبث أن أزال حكم الزياريين الديالمة منها، وعين عليها والياً من قبله فكان هذا إيذاناً بسقوط الدولة الزيارية وانتهاء نفوذها في بلاد فارس (2)، وبعد ذلك توجه طغرل بك، إلى خوارزم لفتحها وكان ذلك عام 434هـ (3) وما إن تم له ذلك حتى سيطر على ما يجاورها من المناطق، فأصبح السلاجقة أكبر قوة في بلاد فارس وما وراء النهر، وكان هذا سبباً في مسارعة حكام الأقاليم إلى إعلان طاعتهم وولائهم لهم وموافقتهم على دفع إتاوة سنوية, كل هذا أتاح الفرصة لطغرل بك للتوجه إلى وسط بلاد فارس وغزو مدينة الري (4)،فسار على رأس جيش كبير نحوها في العام نفسه فدخلها فاتحاً عاصمة له ومقراً لحكومته (5)، وكان لهذه الانتصارات التي حققها السلاجقة بزعامة السلطان طغرل بك في بلاد فارس وفي ما وراء النهر انعكاساتها على الخليفة العباسي القائم بأمر الله في بغداد، فما كان منه ألا أن بعث رسولاً من قبله إلى مدينة الري يحمل رسالة منه للسلطان السلجوقي يدعوه فيها لزيارة بغداد (6)
لقد أبلغ مبعوث الخليفة السلطان السلجوقي بأن الخليفة قد سُرَّ برسالة السلاجقة إليه كثيراً، وردَّ عليها برد حسن تضمن موافقته على قيام دولة السلاجقة، وأن الخليفة يسره أن يستقبل سلطان السلاجقة في بغداد عاصمة الخلافة كضيف عزيز كريم (7)، واستقبل السلطان طغرل بك مبعوث الخليفة العباسي أحسن استقبال ورحب بدعوته إياه لزيارة بغداد،
_________
(1) الدولة السلجوقية منذ قيامها، ص 134.
(2) الكامل في التاريخ, نقلاً عن الدولة السلجوقية، ص 134.
(3) الكامل في التاريخ, نقلاً عن الدولة السلجوقية، ص 134.
(4) المنتظم لابن الجوزي (8/ 10).
(5) الدولة السلجوقية مُنذ قيامها، ص 135.
(6) إيران والعراق، ص 43، الدولة السلجوقية ص135.
(7) دولة آل سلجوق، ص 11 - 67.
(1/44)

ووعد بالقيام بها في الوقت المناسب (1) ومن جهة أخرى فقد بقي مبعوث الخلافة في الري مدة ثلاث سنوات من أجل مرافقة طغرل بك عند توجهه لزيارة بغداد, ولكنه اضطر إلى الرجوع وحده إلى بغداد، بعد أن أكد له طغرل بك حرصه على هذه الزيارة وأنه سيلبيها بعد فراغه من غزو الأقاليم الغربية والجنوبية من بلاد فارس, وقد فرغ السلاجقة من بسط سيطرتهم على الأقاليم الشرقية منها (2)، وبعد ذلك أخذ طغرل بك يبسط سيطرته على الأقاليم الغربية من بلاد فارس، فتمكن من ذلك دون عناء كبير بسبب ضعف أمراء الديلم هناك، فخضعت له قزوين وأبهر وزنجان وهمذان وأذربيجان (3)، ودان له حكامها بالطاعة والولاء، بعدها أرسل جيشاً لفتح كرمان التي خضعت له في شهر محرم من عام 443هـ، وبخضوعها انتهت دولة الديالمة في تلك المنطقة (4) وكان طغرل بك قد حاول استغلال الوقت أثناء حصار جيشه لأصفهان، فأرسل جزءاً منه لفتح إقليم فارس وما جاورها فتمت له بذلك السيطرة التامة على المنطقة الجنوبية من بلاد فارس بأجمعها (5)،
بعد ذلك توجه طغرل بك بجيشه لتفقد المناطق الشمالية الغربية من بلاد فارس وتوطيد سيطرة السلاجقة عليها، فسار في عام 446هـ إلى إقليم أذربيجان، ودخل عاصمته تبريز وشمل نفوذه جميع أجزاء أذربيجان، فضلاً عن بعض أجزاء من بلاد الروم آسيا الصغرى (6)، المتاخمة لأذربيجان، بعدها عاد إلى عاصمته الري عام 447هـ، وهكذا شمل نفوذ السلاجقة أكثر أجزاء بلاد فارس، فضلاً عن أجزاء من الدول المجاورة لها، وبهذا أصبح طغرل بك مستعداً لدخول عاصمة بغداد بناء على استدعاء الخليفة وبعد ذلك تمت سيطرتهم على معظم أنحاء العراق, وقد أرسل طغرل بك أخاه من أمه إبراهيم ينال إلى همذان والأجزاء الغربية المجاورة لها من أجل تثبيت نفوذ السلاجقة فيها، فتوجه إليها عام 437هـ (7)، فرحل من كرمان إليها، وهناك حدثته نفسه بالتمرد واتخاذها قاعدة له مما أجبر طغرل بك على التوجه نحوه بنفسه وذلك عام 441هـ وما إن اقترب منها حتى أرسل إلى أخيه يطلب منه أن يسلم القلاع التي في يده إليه، غير أنه رفض ذلك فهاجمه طغرل بك وانتصر عليه ثم عفا عنه بعد أن استسلم له، ولم يعاقبه على تمرده هذا (8).
واستمر طغرل بك في تفقده للأقاليم التابعة لدولة السلاجقة غربي بلاد فارس من أجل إحكام سيطرته عليها، كما استطاع أن يبسط نفوذه على ديار بكر بعد أن وافق حاكمها نصر
_________
(1) راحة الصدور، ص 105, الدولة السلجوقية، ص 135.
(2) الدولة السلجوقية منذ قيامها، ص 135.
(3) المصدر نفسه، ص 136.
(4) البداية والنهاية, نقلاً عن الدولة السلجوقية، ص 136.
(5) الكامل في التاريخ, نقلاً عن الدولة السلجوقية، ص 136.
(6) الدولة السلجوقية منذ قيامها، ص 136.
(7) الكامل في التاريخ, نقلاً عن الدولة السلجوقية،، ص 137.
(8) الدولة السلجوقية منذ قيامها، ص 137.
(1/45)

الدولة بن مروان على ذكر اسمه في الخطبة، وإعلان طاعته وولائه للسلاجقة (1)، وفي عام 441هـ توجه طغرل بك نحو أصبهان التي كان قد حاصرها عام 438هـ، فحاصرها وفيها حاكمها أبو منصور فرامرز بن علاء الدولة وضيق عليه كثيراً لكنه لم يوفق في ذلك, ولكن في النهاية تم الصلح بين الطرفين على مال يقدمه فرامرز بن علاء الدولة لطغرل بك، فضلاً عن الخطبة له في أصبهان وأعمالها (2).
د- التوسع نحو الأناضول: في سنة 440هـ قام إبراهيم ينال بغزو الروم حيث ظفر بهم وغنم كثيرًا وكان السبب في ذلك أن جموعاً كثيرة من الغز فيما وراء النهر قد جاءوا إليه يريدون الاستقرار في بلادهم، ولكنه رفض ذلك وحاول إفهامهم أن بلاده ومصادرها تعجز عن حاجتهم، ونصحهم بالتوجه إلى غزو الروم والجهاد في سبيل الله فضلاً عن حصولهم على الغنائم، كما أخبرهم أنه سيلحق بهم ويساعدهم فاستجابوا له وساروا أمامه فتبعهم (3)، فلما وصلوا إلى ملاذكرد وأردن الروم وقاليقلا وطرابزون لقيهم جيش كبير من الروم والأبخاز، تذكر المصادر أن عدده ثمانية وخمسون ألفاً فدار بينهم قتال شديد تبادل فيه الفريقان النصر والهزيمة وكان النصر في النهاية للمسلمين وقتلوا عدداً كبيراً من الروم وأسروا العديد منهم بينهم كثير من البطارقة، وكان من بين الأسرى قاريط ملك الأبخاز الذي فدى نفسه بثلاثمائة ألف دينار وبهدايا قُدر ثمنها بمائة ألف (4)، ولكن لم يقبل ذلك منه, ومع ذلك فقد استمر إبراهيم ينال يغزو تلك البلاد وينهبها ولم يبق بينه وبين القسطنطينية سوى خمسة عشر يوماً، وكان من نتيجة هذه الغارات والغزوات أن غنم المسلمون الكثير، وسبوا ما يزيد على مائة ألف رأس، فضلاً عما لا يحصى من البغال والدواب والأموال حتى قيل إن الغنائم كانت قد حُملت على عشرة آلاف عجلة وإن من جملة الغنائم تسعة عشر ألف درع وكان لهذه الغزوة آثار كبيرة فقد ألحق السلطان طغرل بك بالروم خسائر كبيرة بما قام به من نهب وقتل وأسر, وبعد ذلك توجه للري وأقام بها حتى حلول 447هـ وعاد بعدها إلى العراق (5).
* * *
_________
(1) الكامل في التاريخ, نقلاً عن الدولة السلجوقية، ص 137.
(2) المنتظم لابن الجوزي, نقلاً عن الدولة السلجوقية، ص 137.
(3) الدولة السلجوقية منذ قيامها، ص 139.
(4) الكامل في التاريخ, نقلا عن الدولة السلجوقية، ص 141.
(5) نهاية الأرب (26/ 287) , الدولة السلجوقية ص141.
(1/46)

المبحث الثاني
علاقة السلاجقة بالخلافة
ودخول العراق والقضاء على الدعوة الشيعية الرافضة الباطنية
أصبح السلاجقة في عام 447هـ أكبر قوة في العالم الإسلامي خاصة بعد أن فرضوا سيطرتهم على بلاد فارس وتغلبوا على الغزنويين والبويهيين (1)، وتوغلوا داخل أراضي الدولة البيزنطية واصطدموا بجيش الروم وبذلك أعطوا دفعة قوية للجهاد ضد الروم الذين عاثوا فساداً أيام البويهيين في أراضي الخلافة العباسية لعدم قدرة الخلافة ولعدم اكتراث أمراء البويهيين بالجهاد، وقد أكسب هذا العمل وبهذه الصورة السلاجقة شعبية كبيرة وسمعة حسنة بين جماهير الناس التي كانت في الماضي القريب ترى وتسمع عن تغطرس الروم وتنادي السلطة بضرورة مجابهتهم دون جدوى (2). وكانت السلطة البويهية في بغداد تتداعى بسبب الخلافات بين الأمراء البويهيين من جهة ورجال الدولة من جهة أخرى، والانشقاق في صفوف الجيش البويهي خاصة بين فرعيه الرئيسين التركي والديلمي، ويبدو أن الدعوة وجهت السلاجقة لاحتلال بغداد ليس من قبل الخليفة العباسي فقط بل من قبل الوزير رئيس الرؤساء والذي كان على خلاف شديد مع قائد الجيش التركي أبو الحارث البساسيري الذي اعتنق مذهب الفاطميين العبيديين وخطب لهم (3). لقد كان الوضع السياسي في العراق مشجعاً لطغرل بك على دخول بغداد، وهذا ما قام به فعلاً في شهر المحرم من سنة 447هـ وكان طغرل بك قد أظهر أنه يريد الحج وإصلاح طريق مكة والمسير إلى الشام ومصر والقضاء على حكم المستنصر بالله الفاطمي هناك، فسار إلى همذان وأمر أتباعه بإعداد الأقوات والمؤن (4)، وأرسل إلى الخليفة العباسي يخبره بأنه يدين له بالطاعة ويستأذنه في دخول بغداد - وهو في طريقه إلى مكة - فأذن له، ودخل العراق عن طريق حلوان من السنة نفسها (5).
لقد ساند السلاجقة الخلافة العباسية في بغداد ونصروا مذهبها السنّي بعد أن أوشكت على الانهيار بسبب النفوذ البويهي الشيعي في إيران والعراق، والنفوذ العبيدي «الفاطمي» في مصر والشام، فقضى السلاجقة على النفوذ البويهي تماماً وتصدوا للخلافة العبيدية «الفاطمية» (6)، لقد استطاع طغرل بك الزعيم السلجوقي أن
_________
(1) الدولة السلجوقية منذ قيامها، ص 141.
(2) الخلافة العباسية السقوط والانهيار (2/ 164).
(3) المصدر نفسه (2/ 165).
(4) الكامل في التاريخ, نقلاً عن الدولة السلجوقية منذ قيامها، ص 145.
(5) المصدر نفسه، ص 145.
(6) السلاطين في الشرق العربي، د. عصام محمد شبارو، ص 171.
(1/47)

يسقط الدولة البويهية عام 447هـ في بغداد وأن يقضي على الفتن, وأزال من على أبواب المساجد سب الصحابة، وقتل شيخ الروافض أبا عبد الله الجلاب لغلوه في الرفض (1).
لقد كان النفوذ البويهي الشيعي مسيطراً على بغداد والخليفة العباسي، فبعد أن أزال السلاجقة الدولة البويهية من بغداد ودخل سلطانهم طغرل بك إلى عاصمة الخلافة العباسية استقبله الخليفة العباسي القائم بأمر الله استقبالاً عظيماً وخلع عليه خلعة سنية وأجلسه إلى جواره، وأغدق عليه ألقاب التعظيم، ومن جملتها أنه لقب بالسلطان ركن الدين طغرل بك، كما أصدر الخليفة العباسي أمره بأن ينقش اسم السلطان طغرل بك على العملة، ويذكر اسمه في الخطبة في مساجد بغداد وغيرها، مما زاد من شأن السلاجقة، ومنُذ ذلك الحين حل السلاجقة محل البويهيين في السيطرة على الأمر في بغداد، وتسيير الخليفة العباسي حسب إرادتهم (2).
أولاً: النفوذ الفاطمي العبيدي في العراق وفتنة البساسيري:
1 - النفوذ الفاطمي العبيدي في العراق: استغلت الحركات السرية المتكتمة ضعف الخلافة وراحت تنشط لإيجاد أرض لها وتغوي الناس بستار ظاهره التشيع وباطنة الكفر المحض، واستطاعت الحركة الإسماعيلية السرية التي تتخذ من بلدة «سلمية» (3) مقراً لها أن تجد أرضاً خصبة في شمال أفريقيا بعد أن مهد لها وأزال العقبات من طريقها داعيتهم الحسين بن أحمد بن محمد بن زكريا الصنعاني الملقب بأبي عبد الله الشيعي، وقد وصف بأنه من الرجال الدهاة، دخل أفريقيا وحيداً بلا مال ولا رجال ولم يزل يسعى إلى أن ملكها (4)، وكان رئيسه في الدعوة ابن حوشب قد كلفه بأن يلتقي بقبيلة كتامة من المغرب في موسم الحج، وعندما التقى بهم استطاع بدهائه أن يؤثر فيهم ويتلاعب بعقولهم، وأعجبوا به فرحل معهم إلى بلادهم، والتفت حوله قبيلة كتامة وغيرها، وحارب القبائل الأخرى وسقطت مدن المغرب الأوسط سجلماسة وميلة وتاهرت ورقادة، حتى إذا ما مهّد للأمر, واستقرت به الأحوال أرسل إلى زعيم الدعوة طالباً إليه المجيء ليسلم إليه مقاليد الأمور، وهذا الزعيم هو عبيد الله من ذرية عبد الله بن ميمون القداح الفارسي الباطني على رأي بعض المؤرخين، والبعض يقول إنه ربيب الحسين بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن ميمون القداح (5)، ولكنه زعم أنه من ذرية فاطمة رضي الله عنها، وأكثر العلماء والمؤرخين والنسابين ينفون عنه هذا
_________
(1) أيعيد التاريخ نفسه؟، محمد العبده، ص 67.
(2) قيام الدولة العثمانية، ص 19.
(3) بلدة في سوريا شرق مدينة حماه.
(4) وفيات الأعيان (2/ 192).
(5) الكامل في التاريخ, نقلاً عن: أيعيد التاريخ نفسه؟ ص 38.
(1/48)

النسب (1)،واستطاع عبيد الله النجاة من المراقبة الشديدة التي وضعت عليه بعد مغادرته لبلاد الشام وحتى وصوله إلى المغرب، ولكن والي سجلماسة ظفر به وأودعه السجن ولم يقتله، وهذا من الغفلة المعهودة، ثم إن أبا عبد الله الشيعي استطاع إنقاذه وتقديمه للناس إماماً للدعوة, وقد بايعه هؤلاء، ولقب نفسه المهدي وهو مؤسس الدولة العبيدية التي تسمى بـ «الفاطمية» (2)، وهذه الدولة دولة باطنية وليست فاطمية، وهذا رأي أكثر علماء الأمة الذين حققوا نسبهم وعلموا بواطنهم وأسرارهم (3).
أ- عقيدتهم وصلتهم بالقرامطة: إن كثيراً من الكتاب المحدثين الذين كتبوا عن الدولة العبيدية لا يذكرون إلا سيرتهم السياسية، ولا يتطرقون من قريب أو بعيد إلى سوء اعتقاد ملوكها وأنهم باطنيون وإن أظهروا خلاف ذلك، لأنهم يستعملون التقية أمام الشعب الذي يحكمونه, وعندما استولى السلطان صلاح الدين على دولتهم وعزم على عزل العاضد آخر ملوكهم استفتى العلماء في قتله فأفتوه بجواز ذلك لما كان عليه العاضد وأشياعه من انحلال العقيدة، وكان أكثرهم مبالغة في الفتيا الشيخ نجم الدين الخبوشاني فإنه عدَّد مساوئ هؤلاء القوم وسلب عنهم الإيمان (4)، يقول ابن خلكان: وكان العاضد شديد التشيع مغالياً في سب الصحابة، وإذا رأى سنياً استحل دمه (5). وصلتهم بالقرامطة الملاحدة صلة أكيدة، ودعوتهم دعوة واحدة، فقد كتب المعز إلى القرامطة عندما سمع بنبأ محاولتهم حصار مصر يذكر فضل نفسه وأهل بيته وأن الدعوة واحدة، وأن القرامطة إنما كانت دعوتهم إليه وإلى آبائه من قبله (6)، ويقول الإمام الشاطبي: أما الدجالون فمنهم معد من العبيدية الذين ملكوا إفريقية، فقد حكي عنه أنه جعل المؤذن يقول: أشهد أن معداً رسول الله، فهمّ المسلمون بقتله «أي المؤذن» ثم رفعوه إلى معد ليروا هل هذا عن أمره، فلما انتهى كلامهم إليه قال: اردد عليهم أذانهم لعنهم الله (7)، وعندما أقدم أبو طاهر القرمطي على شناعاته وإجرامه وأعماله الكفرية في مكة وبلغ ذلك عبيد الله المهدي كتب إليه ينكر عليه ذلك ويلومه ويقول: قد حققت على شيعتنا ودعاة دولتنا اسم الكفر والإلحاد بما فعلت (8)،وعندما قُبض على الباطنية في بغداد وكانوا يكاتبون القرامطة قال أحدهم: وإمامنا المهدي محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق المقيم في بلاد المغرب (9) وفي حوادث 414هـ قام رجل من المصريين (العبيديين) لضرب الحجر الأسود بآلة
_________
(1) أيعيد التاريخ نفسه، ص38.
(2) أيعيد التاريخ نفسه، ص38.
(3) أيعيد التاريخ نفسه، ص38.
(4) وفيات الأعيان (3/ 111).
(5) المصدر نفسه (3/ 110).
(6) الكامل في التاريخ, نقلاً عن: أيعيد التاريخ نفسه؟ ص 42.
(7) الاعتصام (2/ 97).
(8) الكامل في التاريخ, نقلاً عن: أيعيد التاريخ نفسه؟ ص 42.
(9) المصدر نفسه، ص 43.
(1/49)

ثقيلة والسيف في يده الأخرى وهو يقول: إلى متى يعبد الحجر الأسود ومحمد وعلي؟! فتمكن منه أحد الحجاج من اليمن فضربه بخنجر فقتله (1)، وكل الإرهاب الذي زرعه الحشاشون في أنحاء العالم الإسلامي إنما هو ثمرة من ثمار الدعوة الإسماعيلية العبيدية الفاطمية في مصر, فإن حسن الصباح زعيم قلعة ألموت الذي أرسل رجاله يقتلون العلماء والأمراء المجاهدين إنما تلقي الدعوة على أيدي أصحابها في مصر (2)، وقد ناقش مجموعة من العلماء وطلاب العلم عقائدهم مثل الدكتور سليمان السَّلومي في كتابه «أصول الإسماعيلية»، وأستاذي وشيخي الدكتور أحمد محمد جلي في كتابه «دراسة الفرق في تاريخ المسلمين - الخوارج والشيعة»، والأستاذ علوي طه الجبل «الشيعة الإسماعيلية رؤية من الداخل»، والدكتور محمد أحمد الخطيب في كتابه «الحركات الباطنية» , والدكتور غالب العواجي في كتابه «فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام»، والأستاذ محمد بن أحمد الجوير في كتابه «الإسماعيلية المعاصرة»، فمن أراد التواسع فليرجع إليها وإن مد الله في العمر وبارك في الوقت، فلنا لقاء موسع لدراسة الدولة الفاطمة العبيدية، فنسأل الله التوفيق والسداد.
ب- حكم العلماء في الفرق الباطنية:
* يقول الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه «فضائح الباطنية» وهو من مشاهير أهل
العلم الذين خبروهم وعرفوا أسرارهم: إن مذهب الباطنية مذهب ظاهره الرفض وباطنه
الكفر المحض (3).
* وحينما تحدث البغدادي في الباب الرابع من كتابه «الفرق بين الفرق» وضع عنواناً لهذا الباب قائلاً: بيان الفرق التي انتسبت إلى الإسلام وليست منه - ثم ذكر من هذه الفرق الباطنية وقال: إن ضررها على فرق المسلمين أعظم من ضرر اليهود والنصارى والمجوس، بل أعظم من مضرة الدهرية وسائر أصناف الكفرة عليهم بل أعظم من ضرر الدجال الذي يظهر في آخر الزمان، لأن الذين ضلوا بدعوة الباطنية من وقت ظهور دعوتهم إلى يومنا أكثر من الذين يضلون بالدجال في وقت ظهوره، لأن فتنة الدجال لا تزيد مدتها على أربعين يوماً وفضائح الباطنية أكثر من عدد الرمل والقطر .. إلى أن قال: الذي يصبح عندي من دين الباطنية أنهم دهرية زنادقة يقولون بقدم العالم وينكرون الرسل والشرائع كلها لميلهم إلى استباحة كل ما يميل إليه الطبع ... وفي آخر الباب قال: وقد بينا خروج فرق الباطنية عن جميع فرق الإسلام بما فيه كفاية والحمد لله على ذلك (4)، وفي كتابه «أصول الدين» ذكر أن طائفة
_________
(1) الكامل في التاريخ, نقلاً عن: أيعيد التاريخ نفسه؟، ص 43.
(2) الكامل في التاريخ, نقلاً عن: أيعيد التاريخ نفسه؟، ص 43.
(3) فضائح الباطنية للغزالي، ص 37.
(4) الفرق بين الفرق للبغدادي، ص 220، 265، 266، 278، 299.
(1/50)

الباطنية خارجة عن فرق الأهواء وداخلة في فرق الكفر الصريح، لأنها لم تتمسك بشيء من أحكام الإسلام في أصوله ولا في فروعه وأن دعاتهم خالفوا المسلمين في التوحيد والنبوات وفي تأويل الآثار والآيات وأنهم كانوا دعاة المجوس بالتمويه إلى دين الثنوية ... وبعد أن يستعرض عقائدهم يقول: واختلف أصحابنا في حكمهم. فمنهم من قال: هم مجوس، وأجاز أخذ الجزية منهم وحرم ذبائحهم ونكاحهم, ومنهم من قال: حكمهم حكم المرتدين إن تابوا وإلا قتلوا, وهذا هو الصحيح عندنا. ثم ساق البغدادي بعد ذلك فتوى الإمام مالك في الباطني، والزنديق وأنه قال عنهما: إن جاءا تائبين ابتداء قبلنا التوبة منهما وإن أظهرا التوبة بعد العثور عليهما لم تقبل التوبة منهما وإن هذا هو الأحوط فيهم (1).
* وتحدث ابن حزم عن دار الإسلام ودار الحرب واعتبر أن الأراضي التي حكمها بعض الفرق الباطنية تعتبر دار كفر وذلك لصريح كفرهم كالقرامطة مثلاً وهم من فرق الإسماعيلية (2).
وأما ديار العبيديين لظهور الإسلام فيها فإنها وإن حكمها العبيديون تعتبر دار إسلام وإن كان حكامها في حقيقة أمرهم كفاراً, يقول ابن حزم عن ذلك: إن من سكن في طاعة أهل الكفر من الغالية كالعبيديين ومن جرى مجراهم لا يعتبر كافراً لأن أرض مصر والقيروان وغيرهما الإسلام فيها هو الظاهر وولاؤهم على كل ذلك لا يجاهرون بالبراءة من الإسلام بل إلى الإسلام ينتمون وإن كانوا في حقيقة أمرهم كفاراً، وأما من سكن في أرض القرامطة مختاراً، فكافر بلا شك لأنهم معلنون بالكفر وترك الإسلام (3). فابن حزم يجزم بكفر القرامطة والعبيديين وهما من الإسماعيلية حيث الأولى فرقة من فرقهم وأما العبيديون فإنهم أئمة الإسماعيلية في فترة الظهور وعددهم اثنا عشر حاكماً (4).
ويصف الشاطبي الباطنية، بأنهم ثنوية دهرية إباحية ينكرون النبوة والشرائع وأمور المعاد، بل إنهم ينكرون الربوبية (5) , وأما ابن تيمية - رحمه الله- فقال لما سئل عنهم: إن جمهور المصنفين من المتقدمين والمتأخرين ذكروا بطلان نسبهم حتى صنف العلماء في كشف أسرارهم وهتك أستارهم ومن ذلك القاضي أبو بكر الباقلاني ألف كتابه المشهور في كشف أسرارهم وهتك أستارهم وذكر أنهم من ذرية المجوس وذكر من مذاهبهم ما بين فيه أن مذاهبهم شر من مذاهب اليهود والنصارى، بل ومن مذاهب الغالية الذين يدعون ألوهية
_________
(1) أصول الدين للبغدادي، ص 329 - 331.
(2) أصول الإسماعيلية, د. سليمان السّلومي (2/ 66).
(3) المحلى لابن حزم (13/ 139).
(4) أصول الإسماعيلية (2/ 66).
(5) الاعتصام للشاطبي (1/ 253).
(1/51)

علي أو نبوته فهم أكفر من هؤلاء، وكذلك القاضي أبو يعلى في كتابه «المعتمد» ذكر فصلاً طويلاً في شرح زندقتهم وكفرهم وكذلك أبو حامد الغزالي ذكر في كتابه الذي سماه «فضائل المستظهرية وفضائح الباطنية»، بأن ظاهر مذهبهم الرفض وباطنه الكفر المحض، وكذلك القاضي عبد الجبار بن أحمد وأمثاله من المعتزلة المتشيعة يجعلون هؤلاء من أكابر المنافقين الزنادقة، فهذه مقالة المعتزلة في حقهم، فكيف تكون مقالة أهل السنة والجماعة, والرافضة الإمامية يعلمون مقالة هؤلاء مقالة الزنادقة المنافقين ويعلمون أن مقالة هؤلاء الباطنية شر من مقالة الغالية الذين يعتقدون إلهية علي - رضي الله عنه - .. إلى أن قال: ... وبالجملة فعلم الباطن الذي يدعون مضمونه الكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر (1).
وأما ابن القيم فقال فيهم: ومن أشر طوائف المجوس الذين لا يقرون بصانع ولا معاد ولا نبوة ولا حلال ولا حرام الخرمية أصحاب بابك الخرمي وعلى مذهبهم طوائف القرامطة والإسماعيلية والنصيرية والدرزية وسائر العبيدية يسمون أنفسهم الفاطمية وهم من أكفر الكفار, فكل هؤلاء يجمعهم هذا المذهب ويتفاوتون في التفصيل، فالمجوس شيوخ هؤلاء كلهم وأئمتهم وقدوتهم، وإن كان المجوس قد يتقيدون بأصل دينهم وشرائعهم وهؤلاء لا يتقيدون بدين من ديانات العالم ولا بشريعة من الشرائع (2).
ونقل الشيخ محمد بن عبد الوهاب إجماع أهل العلم على كفر أئمة الإسماعيلية «العبيدية» وقال: إن بني عبيد لما أظهروا الشرك ومخالفة الشريعة وظهر منهم ما يدل على نفاقهم وشدة كفرهم أجمع أهل العلم على أنهم كفار يجب قتالهم وأن دارهم دار حرب ولذلك غزاهم المسلمون واستنقذوا ما بأيديهم من بلدان المسلمين (3).
هذه هي نماذج من أقوال أهل العلم قديماً وحديثاً وحكمهم.
2 - المؤيد في الدين هبة الله الشيرازي داعية الفاطمية العبيدية: كانت الدولة الفاطمية تسعى للسيطرة على العراق والمشرق ولذلك قامت بإرسال الدعوة إليها، فقد واصل الخلفاء الفاطميون جهودهم في نشر دعوتهم مستغلين الاضطراب الذي ساد بلاد العراق بسبب النزاع بين أمراء بني بويه على السلطة وثورات الجند، وتدخل قادتهم في تولية الأمراء وعزلهم فأرسل الخليفة الظاهر لإعزاز دين الله الفاطمي الدعاة إلى بغداد سنة 425هـ، فاستجاب لهم كثير من الناس (4)، كما سير المستنصر بالله الفاطمي إلى قرواش بن
_________
(1) مجموع الفتاوى (35/ 129 - 131، 133، 134، 135).
(2) إغاثة اللهفان لابن القيم (2/ 247 - 249).
(3) مختصر سيرة الرسول، ص 33.
(4) اتعاظ الحنفا, للمقريزي (2/ 189).
(1/52)

المقلد - أمير الموصل - أعلاماً وخلعاً في عام 436هـ، فأرسل إليه الخليفة القائم يعاتبه فاعتذر إليه، ولبس السواد- شعار العباسيين - مرة أخرى ورجع عن دعوة المستنصر (1)، وازداد نشاط الدعاة في بلاد المشرق الإسلامي على عهد المستنصر بالله الفاطمي، فعهد إلى دعاته بالرحيل إلى فارس وخراسان وما وراء النهر, وقد أشار المقريزي إلى ذلك بقوله: وكان المستنصر قد بث دعاته سراً إلى الآفاق يدعون إليه ويستميلون من تصل القدرة إلى استمالته. فدفع بجماعة من دعاته في خراسان إلى ما وراء النهر فلقيت الدعوة الفاطمية في بلاد الفرس تأييداً كبيراً فاستجاب لهم كثير من الناس، ولما وصل الخبر إلى بغراخان (2)، صاحب بلاد ما وراء النهر احتال على الدعاة حتى أوقع بهم وأنفذ برسالة إلى الخليفة القائم بأمر الله بالأمر، فأجيب بالشكر والثناء (3).
ومن أشهر دعاة وفلاسفة المذهب الإسماعيلي الفاطمي المؤيد في الدين هبة الله الشيرازي وعرف أحياناً بالمؤيد فقط، ولكن اللقب الذي غلب عليه هو المؤيد في الدين, يدل على ذلك أن الملك كاليجار البويهي أرسل إليه يقول: لشيخنا وظهيرنا ومعتمدنا المؤيد في الدين عصمة أمير المؤمنين أبي النصر أطال الله بقاءه وأدام عزه وتأييده (4). وكان هذا الرجل داعياً للمذهب الفاطمي بشيراز (5).
اتصل المؤيد بالسلطان أبي كاليجار البويهي، واستطاع بدهائه أن يكسب عطفه، وأن يظل في شيراز يتابع نشر المذهب الإسماعيلي ثم لم يلبث أن توثقت صلته بالسلطان البويهي حتى طمع في إدخاله في الدعوة الفاطمية، واستطاع المؤيد أن يؤثر فيه، فكتب إليه يقول: إني أسلمت نفسي وديني إليك، وإني راض بجملة ما أنت عليه (6)، ودخل أبو كاليجار في الدعوة الفاطمية وأخذ يجتمع بالمؤيد مساء كل خميس للاستزادة من فهم المذهب الإسماعيلي، ولم يكتف المؤيد بنشر الدعوة في شيراز، بل سافر إلى الأهواز وأدخل في الأذان عبارة «حى على خير العمل» وأمر الناس بإقامة الخطبة للمستنصر الفاطمي (7)، ولكن لم تدم الخطبة على منابر الأهواز طويلاً للخليفة الفاطمي إذ أرسل قاضيها أبو الحسن عبد الوهاب ابن منصور بن المشتري برسالة إلى الخليفة القائم بأمر الله يخبره بالأمر, وأشار عليه أن يعمل على إيقاف الدعوة الفاطمية في بلاد فارس فأنفد الخليفة وزيره أبا القاسم بن المسلمة
_________
(1) اتعاظ الحنفا, للمقريزي (2/ 193).
(2) هو بغراخان الثالث محمود بن يوسف, حاكم بلاد ما وراء النهر.
(3) الأحوال السياسية والدينية في بلاد العراق والمشرق، ص 65.
(4) المجالس المؤيّدية، تحقيق وتعليق محمد الغفّار، ص 7.
(5) المجالس المؤيّدية، تحقيق وتعليق محمد الغفّار، ص 7.
(6) السيرة المؤيدية، ص 61.
(7) ديوان المؤيد في الدين، ص 28، المجالس المؤيدية، ص 9.
(1/53)

-رئيس الرؤساء- إلى شيراز حيث التقى بالأمير كاليجار وسلمه رسالة الخليفة التي تضمنت التهديد بالاستعانة بالسلاجقة إن لم يقبض على المؤيد في الدين وإنفاذه مكبلاً بصحبة رئيس الرؤساء (1)، إلى بغداد ووقف النشاط الفاطمي في بلاده (2).
ولما علم المؤيد في الدين بما تضمنته الاتصالات بين الخليفة العباسي والأمير البويهي الذي كان يؤازره في نشر دعوته في بلاده, رأى أن يترك بلاد فارس بعد انصراف أبي كاليجار عن تأييده, وسار إلى الحلة ونزل بدار الأمير منصور بن الحسن وظل مقيماً هناك حتى رأى أبو كاليجار -الذي كان يطمح في تولي السلطة في بغداد بعد وفاة جلال الدولة- أن يعمل على إبعاد المؤيد في الدين لإرضاء الخليفة العباسي، فكتب إلى صاحب الحلة يخبره أن وجود المؤيد في بلده فيه خطر على دولة بني بويه طالباً إبعاده, ويتجلى ذلك فيما جاء في رسالة أبى كاليجار إلى منصور بن الحسن: إنك من الشفقة على ملكنا ودولتنا بحيث لا تعتمد لأحد هوادة فيه وقد عرفت صورة أبي فلان «المؤيد في الدين هبة الله الشيرازي» ... وإننا كل يوم في صراع من جهة الديلم - الذين اعتنق كثير منهم الدعوة الفاطمية في بلاد فارس والعراق - باحتجاجات باطلة يتشبثون بها ظاهراً وهو مغزاهم وغرضهم منها باطناً، ثم إنه قامت رغبتنا في بغداد وامتلاكها وليس يكاد يتم الغرض فيه إلا بالمجلس الخليفي الإمامي (مواقعة الخليفة القائم بأمر الله العباسي، إذا استقر به العالم أن هذا الإنسان مقيم بفناء حضرتنا على جملته كان ذلك ردحاً في وجه ما تؤثر بلوغه وحاجزاً بيننا وبينه وقد انتهى إلينا معاودة الأهواز، فالله الله أن توجده سبيلاً إلى ذلك, فإنه إن عاود وقعت فتنة نصلى بنارها صليًا) (3).
اضطر المؤيد في الدين إلى الرحيل عن الحلة وأخذ في التنقل بين مدن العراق فسار إلى الكوفة، ثم اتجه إلى الموصل حيث أقام فترة قصيرة عند قرواش بن المقلد - أمير بني عقيل - وأخيراً رحل إلى مصر سنة 438هـ (4)، بعد أن أعرض عنه الجميع تحت وطأة المعارضة السنية وخوفاً من غضب الخليفة القائم بأمر الله العباسي (5). وعلى الرغم من رحيل المؤيد في الدين إلى مصر، فإن جهوده في نشر الدعوة الفاطمية ببلاد العراق تركت آثاراً خطيرة على الخلافة العباسية في عهد القائم بأمر الله، إذ انضم إليها كثيرمن قادة الترك والديلم وهم الذين يمثلون عماد القوة التي تعتمد عليها البلاد في التصدي لأعداء الخلافة فظلوا يشجعون الدعوة الفاطمية ويقربون إليهم أتباعها.
_________
(1) سيرة المؤيد في الدين هبة الله الشيرازي، ص 56.
(2) الأحوال السياسية والدينية في بلاد العراق والمشرق الإسلامي في عهد الخليفة القائم بأمر الله، ص 66.
(3) سيرة المؤيد في الدين، ص 73، 74.
(4) المصدر نفسه، ص 74، 57.
(5) الأحوال السياسية والدينية في بلاد العراق والمشرق الإسلامي في عهد الخليفة القائم بأمر الله، ص 67.
(1/54)

ومن الدروس والفوائد المهمة من قصة المؤيد الشيرازي:
- على مكانته وقدره في الدعوة الفاطمية إلا أنه قام بالدور التنفيذي لمخططات الدعوة في المشرق بنفسه وتحمل مخاطر ومتاعب ومشاق مع أن دعوته قائمة على الضلال والبدع والخرافات، ومن باب أولى أن يقوم بمثل هذا الجلد والتفاني أصحاب الدعوة الإسلامية الصحيحة السائرة على هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه الراشدين.
- تعاون فرق الشيعة فيما بينهم ومساندتهم لبعضهم وإيجاد قواسم مشتركة فيما بينهم تخدم تطلعاتهم وأهدافهم.
- على أهل السنة أن يتعاونوا فيما بينهم من أجل نشر دعوة الله في المشارق والمغارب ويستعلوا على حظوظ النفس والخلافات الجزئية التي تعرقل مسيرة النهوض.
- أهمية التهديد واستخدام لغة القوة في التضييق على هبة الله الشيرازي, ويظهر ذلك عندما هدد الخليفة العباسي الأمير كاليجار البويهي بالاستعانة بالسلاجقة إذا لم يقبض على هبة الله الشيرازي وإرساله مكبلاً إلى بغداد ووقف النشاط الفاطمي في بلاده.
- خطورة التهاون بالحرب الثقافية والفكرية والعقائدية التي يشنها الباطنيون ضد أهل السنة والجماعة فلا بد من المواجهة المدروسة للقضاء على مشروعهم الخبيث الذي يستهدف إضلال الناس وإخراجهم عن دين الله ومواجهة الفتنة في بدايتها أسهل بكثير من مواجهتها بعدما تتغلغل.
3 - فتنة البساسيري في العراق, 450هـ: كان البساسيري من القواد المقربين من الخليفة العباسي إلا أن الدعوة الفاطمية تغلغلت بين الناس وأثرت في بعض الأعيان والقواد, وممن تأثر بهذه الدعوة قائد قواد الجند التركي أبو الحارث أرسلان البساسيري بدعوة هبة الله الشيرازي, وأصبح يكاتب الفاطميين ويعمل على قلب نظام الحكم في بغداد لصالح الدولة الفاطمية, وتدهورت العلاقات بين الخلافة والبساسيري حين علم البساسيري بالاتصالات السرية التي كانت تجري بين الخليفة القائم بأمر الله والسلاجقة وبخاصة مكاتبة الخليفة لهم بالمسير إلى العراق، فترك البساسيري بغداد وسار إلى واسط، فانتهز الوزير رئيس الرؤساء الفرصة وأخذ يوغر صدر الخليفة القائم بأمر الله على البساسيري وأخبره بأن البساسيري يكاتب أعداء الخلافة ويعمل على خلعه من الخلافة. وفي الوقت نفسه حرض الأتراك والعامة على الاعتداء على أملاك البساسيري في بغداد بعدما ظهرت ميوله الشيعية وظهرت نواياه السيئة للخلافة العباسية وأهل السنة فقاموا بنهب داره والاستيلاء على ممتلكاته سنة 447هـ،
(1/55)

وفضلاً عن ذلك، أخذ رئيس الرؤساء يؤلب الأترك البغداديين على قائدهم البساسيري واتهامه بأنه المتسبب في نقص رواتبهم وسوء أحوالهم, فسار جماعة منهم إلى الخليفة القائم بأمر الله واستأذنوه في نهب دور البساسيري، فلما تأكد من صحة ما نسب إليه أذن لهم في ذلك (1)
خاصة بعد أن قدم إليه طائفة من الأتراك من أصحاب البساسيري بواسط وأخبروه بما عزم من نهب دار الخلافة (2) والقبض على الخليفة. إن فتنة البساسيري تعطيناً درساً بليغاً في أهمية الاعتناء بالقادة العسكريين والوزراء السياسيين وأهل الفكر والرأي العام وتربيتهم على هدي القرآن الكريم وسيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفقه الخلافة الراشدة حتى لا يقعوا ضحايا للدعوات المنحرفة والمناهج الضالة والعقائد الفاسدة.
أ- التواصل بين البساسيري والمؤيد هبة الله الشيرازي: اتخذ البساسيري من الرحبة مركزاً للاتصالات مع الفاطميين، ذلك أن المؤيد في الدين كان يتابع أحداث العراق، وبخاصة أنه وقف على المكاتبات التي تبودلت بين الخليفة القائم بأمر الله والسلطان السلجوقي وأدرك مدى خطورتها على الخلافة الفاطمية، فعول على الاستفادة من الموقف المتدهور بين الخلافة والبساسيري وأصحابه، فأنفذ إليهم كتباً تضمنت تأييد الخليفة الفاطمي وحكومته لهم واستعدادهم لمدهم بالسلاح والمال، فوصلت إليهم هذه الكتب قبيل رحيلهم إلى واسط، فزادت من ثقتهم بأنفسهم وقويت شوكتهم, ورد البساسيري على مكاتبات الفاطميين برسالة بعث بها إلى المؤيد في الدين شكره فيها على اهتمامه بحركتهم وتأييدهم له ولأتباعه والتمس منه الإمداد السريع بالمال والخيل والسلاح لإظهار الدعوة الفاطمية ببلاد العراق: فإن أخذتم بأيدينا، أخذنا لكم البلاد وإن قلدتمونا نجاد نصركم وإنجادكم فتحنا من جهتكم الأغوار والأنجاد (3). وأظهر الخليفة المستنصر بالله الفاطمي اهتماماً كبيراً برسالة البساسيري وعمل على تدبير الإمدادات اللازمة لإنجاح حركته على الرغم مما كانت تعانيه مصر من غلاء وأزمة اقتصادية (4)، فلما أتم إعداد الأموال والخلع والسلاح، عهد إلى المؤيد في الدين بحملها إلى البساسيري، فسار على رأس عدد من الرجال ومعهم خمسمائة ألف دينار ومن الثياب ما قيمته مثل ذلك وخمسمائة فرس وعشرة آلاف قوس ومن الرماح والنشاب شيء كبير (5).
_________
(1) المختصر في أخبار البشر (2/ 182).
(2) الأحوال السياسية والدينية في بلاد العراق، ص 69.
(3) ديوان المؤيد في الدين، ص 41، 42.
(4) الأحوال السياسية والدينية في بلاد العراق والمشرق، ص 70.
(5) النجوم الزاهرة (5/ 12).
(1/56)

ب- الجهود التي بذلها المؤيد هبة الله الشيرازي لدعم فتنة البساسيري: لما وصل المؤيد في الدين إلى دمشق وهو في طريقه إلى الرحبة، رأى أن يستعين بثمال بن صالح
ابن مرداس - صاحب حلب - لإمداده بالرجال ولتأمين وصول الإمدادات الفاطمية إلى البساسيري وأصحابه, فكتب إليه بالمهمة التي عهد إليه بها، ثم ما لبث أن التقى المؤيد بثمال ابن صالح في الروستان (1) , فسلم المؤيد في الدين الأحمال إلى الأمير ثمال ليكون في حمايته (2)، ثم سار إلى معرة النعمان حيث وفد إليهما فريق من أصحاب البساسيري لاصطحابهم إلى الرحبة, وخلال ذلك تلقى المؤيد في الدين خطاباً من نصر الدولة بن مروان - صاحب ديار بكر وميافارقين- يعلن فيه خلع طاعة السلاجقة والدخول في طاعة الفاطميين معتذراً عن عدم إقامة الخطبة للسلاجقة على منابر بلاده خوفاً من بطشهم (3) وسار المؤيد هبة الله الشيرازي بصحبته الأمير ثمال بن مرداس على رأس جنده قاصداً الرحبة، فلما اقترب منها خرج لاستقباله البساسيري على رأس جيشه فالتقى بهم على بعد مرحلتين من المدينة وأظهر أسمى آيات الشكر والترحيب بمبعوث الخليفة الفاطمي، وقام المؤيد من جانبه بتوزيع الخلع الفاطمية على البساسيري وأصحابه ومنحهم الأموال وأخذ البيعة منهم بالطاعة للخليفة المستنصر بالله الفاطمي (4) ثم قام المؤيد وتقدم إلى أبي الحارث البساسيري وخلع عليه الخلعة الخاصة التي أرسلها الخليفة الفاطمي إليه وقرأ عهده (5)،
ولم يكتف المؤيد هبة الله الشيرازي بما حققته الدعوة الفاطمية من انتصارات كبيرة في بلاد العراق تجلت في انضمام كل من البساسيري ونصر الدولة بن مروان، وعدد كبير من القادة والجند والديلم والأتراك، بل أخذ في العمل على جذب أمراء العراق إلى دعوته، فكتب إلى دبيس بن مزيد- أمير الحلة - يطلب منه اللقاء في الرحبة، فلما التقى به هناك، استطاع أن يستميله للدعوة الفاطمية، وطلب منه الانضمام إلى البساسيري في مسيره إلى العراق، وذلك بعد أن قلده رئاسة غرب العراق وجعل له حكم ما يفتحه من البلاد بعهد من الخليفة المستنصر بالله الفاطمي ولقبه «الأمير سلطان ملوك العرب، سيف الخلافة، صفي أمير المؤمنين» (6). كان لنجاح المؤيد في الدين في ضم أمراء الأطراف إلى جانب القائد التركي أبي الحارث البساسيري أثر كبير في انتصاره على قوات السلاجقة ومن انضم إليهم من أصحاب قريش بن بدران - صاحب الموصل - في موقعه سنجار سنة 448هـ (7)، والتي كان من
_________
(1) الروستان: موضع يلي حمص على جسر نهر العاصي.
(2) سيرة المؤيد في الدين، ص 107، 108.
(3) الأحوال السياسية والدينية في بلاد العراق، ص 70.
(4) ديوان المؤيد في الدين، ص 42، 43.
(5) سيرة المؤيد في الدين، ص 121 - 124.
(6) الإشارة إلى من نال الوزارة، ص 44.
(7) الأحوال السياسية والدينية في بلاد العراق والمشرق، ص 72.
(1/57)

نتائجها انحياز قريش بن بدران إلى جانب البساسيري وإقامة الخطبة للخليفة المستنصر بالله الفاطمي على منابر الموصل، كما انضم محمود بن الأخرم - أمير خفاجة - إلى الدعوة الفاطمية وأقام الخطبة على منابر الكوفة للخليفة الفاطمي (1)، أما أمير واسط علاء الدين أبو الغنائم بن المحلبان فقد خلع طاعة الخليفة القائم بأمر الله وخطب للمستنصر بالله الفاطمي، وأمر أن تصبغ مساجد واسط باللون الأبيض - شعار الفاطميين- (2)، وفضلاً عن ذلك ضرب النقود باسم الخليفة الفاطمي في واسط، مما ترتب عليه إصدار الخليفة القائم بأمر الله محضراً آخراً بالطعن في نسب الفاطميين سنة 448هـ (3)، محاولاً بذلك التصدي للدعوة الفاطمية.
وعلى الرغم من الانتصارات التي حققتها الدعوة الفاطمية في مدن العراق فإن جهود عميد الملك الكندري - وزير السلاجقة- في العمل على تفريق شمل أمراء العرب، أدت إلى اختلاف كلمة هؤلاء الأمراء وعدولهم عن معاونة البساسيري، بل واضطر البساسيري وأتباعه إلى العودة إلى الرحبة، ثم ما لبث أن سار نحو حلب حيث التقى بالمؤيد في بالس - على مقربة من حلب- (4)، وعهد المؤيد هبة الله الشيرازي إلى البساسيري وقريش بن بدران بمواصلة نشر النفوذ الفاطمي في بلاد العراق، فطلب إليهما العودة إلى الرحبة على أن يتجه قريش إلى الموصل لاستعادتها بعد أن علم بخروج إبراهيم ينال عنها، ثم سار إلى مصر حتى يتسنى له إرسال الإمدادات إليهما (5)، فقام البساسيري وقريش بن بدران بالمسير إلى الموصل، وتمكنا من دخولها والاستيلاء عليها سنة 450هـ (6)، ولما علم السلطان طغرل بك بانتزاع الموصل منه سار إليها بصحبة أخيه إبراهيم ينال، فلما اقتربا منها فارقها كل من البساسيري وقريش بن بدران، غير أنه سار في آثرهما فاتجه إلى نصيبين ليتتبع آثارهم ويخرجهم من البلاد التي يستولون عليها، وبينما هو في طريقه انصرف عنه أخوه ينال وسار إلى همذان بعد أن استولى على أموال أخيه فوصلها في أواخر رمضان سنة 450هـ مما اضطر طغرل بك إلى تتبع أثره للقضاء على فتنته فتم له ذلك في جمادى الآخرة من العام نفسه (7). ومن الدروس في هذا المجال أن من يخون ثم يعفى عنه علينا أن نجرده من مصادر القوة ومراكز القيادة لإمكانية الغدر من جديد, وهذا ما فعله إبراهيم ينال حيث خرج مرّة ثانية وشغل طغرل بك واستفاد من هذا الخروج الشيعة الفاطميون العبيديون.
جـ- استيلاء البساسيري على بغداد وإقامة الخطبة فيها للفاطميين: أدى خروج
_________
(1) الأحوال السياسية والدينية في بلاد العراق والمشرق، ص 72.
(2) الأحوال السياسية والدينية في بلاد العراق والمشرق، ص 72.
(3) الأحوال السياسية والدينية في بلاد العراق والمشرق، ص 72.
(4) الأحوال السياسية والدينية في بلاد العراق والمشرق، ص 72.
(5) سيرة المؤيد في الدين، ص 176.
(6) الكامل في التاريخ, نقلاً عن الأحوال السياسية والدينية، ص 73.
(7) المنتظم في تاريخ الملوك والأمم (8/ 202).
(1/58)

إبراهيم ينال على طاعة أخيه ومسير طغرل بك في أثره لمحاربته إلى خلو بغداد من الحامية السلجوقية مما أتاح للبساسيري الفرصة للاستيلاء على حاضرة الخلافة العباسية وإقامة الخطبة فيها للفاطميين فزحف إليها على رأس أربعمائة فارس، حاملاً الرايات الفاطمية التي طرزت باسم «الإمام المستنصر بالله أبو تميم معد أمير المؤمنين» (1)، وتبعه حليفه قريش بن بدران على رأس مائتي فارس من بني عقيل، وأقيمت الخطبة للخليفة المستنصر بالله الفاطمي بجامع المنصور في يوم الجمعة الثالث عشر من ذي القعدة سنة 450هـ (2) وزيد في الأذان: حي على خير العمل (3)، وانقطعت دولة بني العباس من بغداد وأخرج الخليفة وحُمل إلى الأنبار وحبس بالحديثة (4)، عند صاحبها مهارش بن مجلي العقيلي، فتولى خدمة الخليفة بنفسه وكان أحد وجوه بني عقيل، وخطب لبني عبيد - الفاطميين-، في بغداد أربعين جمعة في ولاية المستنصر (5). وحاول البساسيري نقض الاتفاق الذي عقده مع قريش بن بدران وعزم على أخذ الخليفة العباسي وترحيله إلى مصر، إلا أن قريشاً تصدى لهذه المحاولة وعهد إلى ابن عمه الأمير محيى الدين بن مهارش العقيلي - صاحب حديثة عانة- بالتحفظ على الخليفة وتأمين حياته، بعد أن استنجد به الخليفة قائلاً: عرفت ما استقر العزم عليه من إبعادي عنك وإخراجي من يديك، وما سلمت نفسي إليك إلا لما أعطيتني الذمام الذي يلزمك الوفاء به، وقد دخلت إليك ووجب لي ذمام عليك، فالله الله في نفسي، فمتى سلمتني أهلكتني وضيعتني, وما ذلك معروف في العرب (6).
وعلى الرغم من ذلك فلم يسمح البساسيري للخليفة القائم بأمر الله بالرحيل إلى الحديثة إلا بعد أن أرغمه على كتابة اعتراف بعدم أحقية بني العباس في الخلافة الإسلامية مع وجود بني فاطمة الزهراء عليها السلام (7) , ولم يكتف البساسيري بذلك بل استولى على ثوب الخليفة وعمامته وشباكه (8)، وأنفذها إلى الخليفة المستنصر بالله الفاطمي. أما عن أقارب الخليفة، فقد أذكى البساسيري عليهم العيون وشدد في البحث عنهم، إلا أنهم صاروا يتنقلون من مسجد إلى آخر هرباً منه ثم لجأوا إلى أبي الغنائم بن المحلبان (9).
د- مقتل رئيس الرؤساء، أبي القاسم بن المسلمة والانتقام من أهالي بغداد: كان
_________
(1) الأحوال السياسية والدينية في بلاد العراق، ص 73.
(2) تاريخ بغداد (9/ 400،401).
(3) أخبار الدول المنقطعة للأزدي (2/ 427).
(4) البداية والنهاية (15/ 757).
(5) أخبار الدول المنقطعة للأزدي (3/ 430).
(6) المختصر في أخبار البشر (2/ 177، 178).
(7) الخطط للمقريزي (1/ 439).
(8) الشباك: هو الشرفة التي يجلس فيها الخليفة ويتوكأ بيديه على حافتها.
(9) الأحوال السياسية والدينية في بلاد العراق، ص 75.
(1/59)

البساسيري قد شرع في استخدام طائفة من العوام ودفع إليهم السلاح من دار المملكة، وكان قد جمع العيّارين وأطمعهم في نهب دار الخلافة ونهب أهل الكرخ - الشيعة - ودور أهل السنة بباب البصرة، ونهبت دار قاضي القضاة الدَّمغانيَّ، وهلك أكثر السِّجلات والكتب الحكيمة، وبيعت للعطارين، ونُهبت دور المتعلقين بالخليفة، وأعادت الرَّوافض الأذان بحيَّ على خير العمل، وأُذِّن به في سائر جوامع بغداد في الجُمُعات والجماعات، وخطب ببغداد وضربت له السَّكةُ على الذهب والفضة وحُوصرت دار الخلافة فدافع الوزير أبو القاسم بن المسلمة المُلقَّب برئيس الرؤساء بمن معه من المستخدمين دونها، فلم يُفد ذلك، فركب الخليفة بالسَّواد والبُردة على كتفيه، وعلى رأسه اللواء وبيده سيف مُصلتُ، وحوله زمرة من الهاشميين والجواري حاسرات عن وجُوههن، ناشرات شعورهن، معهن المصاحف على رُءُوس الرماح وبين يديه الخدم بالسيوف المُسَللةِ، ثم إن الخليفة أخذ ذِِماماً من أمير العرب قريش بن بدران لنفسه وأهله ووزيره ابن المُسلمة فأمَّنه على ذلك كله، وأنزله في خيمة، فلامه البساسيري على ذلك، وقال: قد علمت ما كان وقع الاتفاق بيني وبينك من أنك لا تستبد برأي دوني، ولا أنا دونك، ومهما ملكنا فبيني وبينك، واستحضر البساسيري أبا القاسم بن مسلمة فوبّخه ولامه لوماً شديداً، ثم ضربه ضربًا مبرحاً، واعتقله مهاناً عنده، ونهبت العامة دار الخلافة، فلا يُحصَى ما أخذوا منها من الجواهر والنَّفائس والدَّيباج والأثاث والثياب، وغير ذلك مما لا يُحَدُّ ولا يُوصَفُ (1)
وفي يوم عيد الأضحى من سنة 450هـ ألبس البساسيري الخطباء والمؤذنَّين البياض، وعليه هو وأصحابه كذلك، وعلى رأسه الألوية المستنصرية والمطارد المصرية، وخطب للمستنصر الفاطمي صاحب مصر، والرَّوافض في غاية السرور والأذان في سائر بلاد العراق بحيَّ على خير العمل، وانتقم البساسيريُّ من أعيان أهل بغداد انتقاماً عظيماً، وغرَّق خلقا ممن كان يعاديه، وبسط على آخرين الأرزاق والعطايا. ولما كان يوم الإثنين لليلتين بقيتا من ذي الحجة أُحضر بين يديه الوزير أبو القاسم بن المسلمة المُلقَّبُ برئيس الرؤساء وعليه جُبَّةُ صوف، وطرطور من لبد أحمر وفي رقبته مِخنقة من جلود كالتعاويذ، فأُركب جملاً (2)، وطيف به في البلد وخلفه من يصفعه بقطعة من جلد، وحين اجتاز بالكرخ نثروا عليه خُلقان المداسات، وبصقوا في وجهه ولعنوه وسبُّوه, وهذه هي عادتهم عندما يتمكنون من مخالفيهم في كل زمان ومكان،
وأُوقف بإزاء دار الخلافة، وهو في ذلك يتلو قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ
تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ
_________
(1) البداية والنهاية (15/ 756، 757) ..
(2) المصدر نفسه (15/ 759).
(1/60)

الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 16].
فألبس جلد ثور بقرنيه وعُلِّق بكلّوب في شِدْقيه، ورفع إلى الخشبة حيًّا، فجعل يضطرب إلى آخر النهار، فمات رحمه الله، وكان آخر كلامه أن قال: الحمد لله الذي أحياني سعيداً وأماتني شهيداً (1). وكان هذا الوزير قد سمع الحديث من أبي أحمد الفَرَضيَّ وغيره، ثم كان أحد المعَدَّلين، ثم استكتبه الخليفة القائم بأمر الله واستوزره ولقَّبه رئيس الرؤساء، شرف الوزراء، جمال الورى، وكان متضلعاً بعلوم كثيرة مع سداد رأي ووفور عقل، وقد مكث في الوزارة ثنتي عشرة سنة وشهراً, ولما قتل كان له من العمر ثنتان وخمسون سنة
وخمسة أشهر (2).
4 - القائم بأمر الله وعبادته ودعاؤه الذي علق على الكعبة: سار الخليفة القائم بأمر الله إلى محل اعتقاله إلى حديثة عانة فكان عند مهارش أميرها حولاً كاملاً وليس معه أحد من أهله، فحكي عن الخليفة القائم بأمر الله أنه قال: لما كنت بحديثة عانة قمت ليلة إلى الصلاة، فوجدت في قلبي حلاوة المناجاة، ثم دعوت الله بما سنح لي، ثم قلت: اللهم أعِدْني على وطني، واجمع بيني وبين أهلي وولدي ويَسر اجتماعنا، وأعد روض الأُنس زاهراً، وربع القرب عامراً، فقد قلّ العزاء وبرح الخفاءُ، قال: فسمعت قائلاً على شاطئ الفرات يقول: نعم نعم, فقلت: هذا رجل يخاطب آخر، ثم أخذت في السؤال والابتهال فسمعت ذلك الصائح يقول: إلى الحول إلى الحول، فعلمت أنه هاتف أنطقه الله بما جرى الأمر عليه. وكان كذلك، خرج من داره من ذي القعدة من هذه السنة، ورجع إليها في ذي القعدة من السنة المقبلة، وقد قال الخليفة القائم في مقامه بالحديثة شعراً يذكر فيه حاله، فمنه قوله:
خابت طنوني فيمن كنت آمُلُه ... ولم يَجُلْ ذكر من واليت في خلدي
تعلَّموا من صروف الدهر كلُّهُم ... فما أرى أحداً يحنو على أحد (3)

ومن ذلك أيضاً قوله:
مالي من الأيام إلا موعِدٌ ... فمتى أَرَى ظَفَراً بذاك الموعد
يومي يَمُرُّ وكلما قضَّيتُه ... علَّلْتُ نفسي بالحديث إلى غد
أحيا بنفسي تستريح إلى المنُى ... وعلى مطامعها تروح وتفتِدي (4)
_________
(1) البداية والنهاية (15/ 759).
(2) المصدر نفسه (15/ 763).
(3) المصدر نفسه (15/ 758).
(4) البداية والنهاية (15/ 758).
(1/61)

أ- دعاء القائم بأمر الله الذي علق على الكعبة المشرفة: أرسل الخليفة القائم بأمر الله هذا الدعاء مع بدوي وأمره أن يعلقه على الكعبة وهو في أسره, وإليك نص الدعاء: «إلى الله العظيم من عبدك المسكين، اللهم إنك العالم بالسرائر المحيط بمكنونات الضمائر، اللهم إنك غني بعلمك واطلاعك على أمور خلقك عن إعلامي، بما فيه عبد من عبيدك قد كفر بنعمتك، وما شكرها، وألقى العواقب وما ذكرها، أطغاه حلمك، وتجبر بأناتك حتى تعدى علينا بغياً، وأساء إلينا عتواً وعدواناً. اللهم قلَّ الناصرون لنا، واغتر الظالم، وأنت المطلع العالم، والمنصف الحاكم، بك نعتز عليه، وإليك نهرب من يديه، فقد تعزز علينا بالمخلوقين، ونحن نعتز بك يا رب العالمين. اللهم إنا حاكمناه إليك، وتوكلنا في إنصافنا منه عليك، وقد رفعت ظلامتي إلى حرمك ووثقت في كشفها بكرمك، فاحكم بيني وبينه وأنت خير الحاكمين، وأرنا منه ما نرتجيه فقد أخذته العزة بالإثم، اللهم فاسلبه عزه، ومكنا بقدرتك من ناصيته يا أرحم الراحمين». فحملها البدوي وعلقت على باب الكعبة. فحُسب ذلك اليوم فوُجد أن البساسيري قتل وجيء برأسه إلى بغداد بعد سبعة أيام من التاريخ (1). فقد نفع الله القائم بأمر الله بهذا الدعاء فكذلك ينبغي لكل من قُهر وبُغي عليه أن يستغيث بالله تعالى، وإن صَبر وغفر فإن في الله كفاية ووقاية (2).
ب- رسالة الخليفة القائم بأمر الله من أسره إلى طغرل بك: أرسل الخليفة من أسره رسالة إلى السلطان طغرل بك جاء فيها: بحق الله أدرك الإسلام فقد ساد العدو اللعين وأخذ ينشر مذهب القرامطة (3). فلما فرغ السلطان طغرل بك من تمرد أخيه إبراهيم ينّال وأسره وقتله، وتمكن من أمره وطابت نفسه واستقر حاله، ولم يبق له في تلك البلاد منازع كتب إلى قريش بن بدران، من الأعراب، يأمره بأن يعاد الخليفة إلى داره، على ما كان عليه، وتوعّده على ترك ذلك بأساً شديداً, فكتب إليه قريش يتلطفُ به ويسالمه، ويقول: أنا معك على البساسيريَّ بكلَّ ما أقدر عليه، حتى يمكن الله منه، ولكن أخشى أن أتسرع في أمر يكون فيه على الخليفة مفسدة، أو يبدر إليه أحد بأذيةٍ، ولكنَّي سأعمل لما أمرتني بكل ما يمُكنني. وأمر بردَّ امرأة الخليفة الخاتون المعظمة أرسلان خاتون إلى دارها وقرارها، ثم راسل البساسيريَّ وأشار إليه بعودة الخليفة إلى داره، وخوّفه من جهة الملك طغُرل بك وقال له فيما قال: إنك دعوتنا إلى طاعة المستنصر صاحب مصر وبيننا وبينه ستمائة فرسخ، ولم يأتنا من جهته رسول ولا أحد، ولم يفكر في شيء مما أرسلنا إليه، وهذا الملك من ورائنا بالمرصاد (4)، ومما جاء في
_________
(1) أخبار الدول المنقطعة (2/ 430،431).
(2) سير أعلام النبلاء (18/ 307).
(3) تطورات الأحداث السياسية بين العباسيين والفاطميين، ص 177.
(4) البداية والنهاية (15/ 766).
(1/62)

رسالة طغرل بك إلى الأمير علم الدين أبي المعالي قريش بن بدران: ... ولكل مُجْترم في العراق عفونا وأمننا مما بدر منه إلا البساسيري فإنه لا عهد له ولا أمان منّا، وهو موكول على الشيطان وتساويله فقد أرتكب في دين الله عظيماً، وهو -إن شاء الله- مأخوذ حيث وجد ومُعذَّب على ما عمل، فقد سعى في دماء خلق كثير بسوء دخيلته، ودلَّت أفعاله على سوء عقيدته.
وكتب في رمضان سنة إحدى وخمسين وأربعمائة، وبعث بهذا الكتاب مع رسولين من أهل العمل وبعث معهما بتحف عظيمة للخليفة وأمرهما أن يخدما الخليفة نيابة عنه، جزاه الله عن الإسلام خيراً، ولما وصل الكتاب إلى قريش بن بدران، استعلم أخبار الملك طغرل بك من الرسل وغيرهم، فإذا معه جنود عظيمة، فخاف من ذلك خوفاً شديداً، وبعث إلى البريّة فأمر بحفر أماكن للماء وتجهيز علوفات كثيرة إلى هناك ونفَّذ الكتاب والأخبار إلى البساسيريَّ، فانزعج لذلك البساسيري، وخارت قوته وضعف أمره، وبعث إلى أهله فنقلهم عن بغداد وأرصد له إقامات عظيمة بواسط وجعلها دار مقرته، ووافق على عودة الخليفة إلى بغداد، ولكنه اشترط شروطاً كثيرة لتُذهب خجله. ولما انتقل أهل البساسيريَّ من بغداد وصَحِبَهم أهل الكرخ والروافض، وانحدروا في دجلة إلى واسط كان خروجهم عن بغداد في سادس ذي القعدة من هذه السنة وفي مثله من العام الماضي دخلوا بغداد، وعند ذلك ثار الهاشميون وأهل السنة من باب البصرة إلى الكرخ، فنهبوه وأحرقوا منه محالَّ كثيرة جداً انتقاماً لما فعل الروافض فيهم، واحترق من جملة ذلك دار العلم التي وقفها الوزير أردشير من مدة سبعين سنة وفيها من الكتب شيء كثير، وكان من جملة ما احترق درب الزعفران، وفيه ألف ومائتا دار لكل دار منها قيمة جليلة عظيمة، وترحَّل قريش بن بدران إلى أرض الموصل وبعث إلى حديثة عانة يقول لأميرها مُهارِش بن مُجَليَّ الذي سلم إليه الخليفة: المصلحة تقتضي أن الخليفة تُحوَّله إلىَّ حتى نستأمن لأنفسنا بسببه، ولا تُسلمه حتى تستأمن لنا وتأخذ أمانا في يدك دون يَدِي. فامتنع عليه مُهارشُ وقال: قد غرّني البساسيري، ووعدني بأشياء فلم أرها، ولست بمرسله إليك أبداً، وله في عنقي أيمان كثيرة لا أعذرها.
وكان مُهارِشٌ رجلاً صالحاً ثقة أميناً رحمه الله، فقال للخليفة: من المصلحة أن نسير إلى بلد بدر بن مهلهل ونظرنا لأنفسنا، فإنا نخشى من البساسيري أن يأتينا فيحضرنا. فقال له الخليفة: افعل ما فيه المصلحة. فسار في الحادي عشر من ذي القعدة إلى أن حلا بقلعة تَلَّ عُكْبَرَا فلقيته رسل السلطان طغرل بك بالهدايا والتُحف التي كان أنفذها إليه وهو متشوق إليه كثيراً (1) وجاء في رواية: أن الإمام القائم رأى- في الليلة التي أطلق في
_________
(1) البداية والنهاية (15/ 769).
(1/63)

غدها - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول له: لا تأكل الطعام الذي يقرب إليك في غد فإنه مسموم، وقد قرب خلاصك. قال: فأصبح، وقُدَّم إليه دجاج مسموم، فامتنع من الأكل، وأطلق في عصر ذلك اليوم، ورُدَّ إلى بغداد (1).
جـ- دخول طغرل بك بغداد ولقاؤه بالخليفة القائم بأمر الله: جاءت الأخبار بأن السلطان طغرل بك قد دخل بغداد وكان يوماً مشهوداً، غير أن الجيش نهب البلد سوى دار الخلافة وصُودِر خلق كثير من التجار، وأخذت منهم أموال كثيرة، وشرعوا في عمارة دار المُلك وأرسل السلطان إلى الخليفة مراكب كثيرة من أنواع الخيول وغيرها وسُرادق عظيمة وملابس سَنيّة، وما يليق بالخليفة في السفر، أرسل ذلك مع الوزير عميد الملك الكندريَّ ولما انتهوا إليه أرسلوا بتلك الآلات قبل أن يصلوا إليه، وقال لمن حوله: اضربوا السرادِق وليلبس الخليفة ما يليق به، ثم نجىءُ نحن فنستأذن عليه فلا يأذن لنا إلا بعد ساعة طويلة فلما دخل الوزير ومن معه قبَّلوا الأرض وأخبروه سرور السلطان بما حصل من العودة إلى بغداد واشتياقه إليه جداً وأخبروا مُهارِشاً بشكر السلطان له ونيته له بما ينبغي لمثله من الإكرام، وكتب عميد الملك كتاباً إلى السلطان يعلمه بصفة ما جرى الأمرُ عليه، وأحَبَّ أن يأخذ خطَّ الخليفة في أعلى الكتاب ليكون أقر لعين السلطان فلم يكن عند الخليفة دواة وأحضر الوزير دَواته، ومعها سيف، وقال: هذه خدمة السيف والقلم، فأعجب الخليفة ذلك، وترَحَّلوا من منزلهم ذلك بعد يومين، فلما وصلوا إلى النهروان خرج السلطان طغرل بك من بغداد لتلقيه، فلما انتهى إلى السُرادق قبَّل الأرض بين يديه فأخذها الملك فقبلها، ثم جلس عليها كما أشار أمير المؤمنين، وقدم إلى الخليفة الحبل الياقوت الأحمر الذي كان لبني بُوَيه فوضعه بين يدي الخليفة، وأخرج اثنتي عشرة حبَّة من لؤلؤ كبار، وقال: أرسلان خاتون - يعنى زوجة الخليفة- تخدم وتسأل أن تُسبَّحَ بهذه السبحة وجعل يعتذر عن تأخره عن الحضرة بسبب عصيان أخيه إبراهيم: فقتلته واتَّفق موت أخي الأكبر داود فاشتغلت بترتيب أولاده من بعده، وكنت عزمت على أن أصمُدَ إلى الحديثة، لأصون المهجة الشريفة، ولكن لما بلغني، بحمد الله، أمر مولاي
أمير المؤمنين الخليفة فرحت بذلك، وأنا شاكر لمهارش بما كان منه من خدمة أمير المؤمنين، وأنا إن شاء الله تعالى أمضي وراء هذا الكلب - البساسيريَّ - وأقتنصه، وأعود إلى الشام، وأفعل بصاحب مصر ما ينبغي أن يجازى به من سوء المقابلة بما كان من فعل البساسيري هاهنا، فدعا له الخليفة وشكره على ذلك، كل ذلك يترجمه عميد الملك بين الخليفة والملك طغرل بك، وأعطى الخليفة للملك سيفاً كان معه، لم يبق معه من
_________
(1) أخبار الدول المنقطعة (2/ 431).
(1/64)

أمور الخلافة سواه، واستأذن الملك لبقية الأتراك أن يخدموا الخليفة، فرفعت الأستار من جوانب الخَرْكاه، فلما شاهد الأتراك الخليفة قبَّلوا الأرض ثم دخل بغداد يوم الإثنين لخمس بقين من ذي القعدة وكان ذلك يوماً مشهوداً، الجيش كله معه والقضاة، والأعيان بين يديه، والملك طغرل بك أخذ بلجام بغلته، حتى وصل إلى باب الحجرة، ولما وصل الخليفة إلى دار مملكته، ومقرَّ خلافته استأذنه السلطان طغرل بك في الخروج وراء البساسيريَّ، فأذن له وكان قد عزم أن يمضي معه فقال: يا أمير المؤمنين، أنا أكفيك ذلك إن شاء الله. وأطلق الملك لمهارش عشرة آلاف دينار فلم يرض (1).
د- مقتل البساسيري: شرع السلطان طغرل بك في ترتيب الجيوش للمسير وراء البساسيري، فأرسل جيشاً من ناحية الكوفة ليمنعوه من الدخول إلى الشام، وخرج هو في التاسع والعشرين من الشهر في بقية الجيش, وأما البساسيري فإنه مقيم بواسط في جمع غلاّت وتمور يُهيَّئها لقتال أهل بغداد ومن فيها من الغُزَّ، وعنده أن الملك طغرل بك ومن معه ليسوا بشيء يخاف منه، وذلك لما يُريده الله تعالى من إهلاكه على يَدى الملك طغرل بك، جزاه الله عن الإسلام خيراً (2) ولما سار السلطان نحوه وصلت إليه السَّرية الأولى فلقوه بأرض واسط، ومعه ابن مزيد، فاقتتلوا هنالك، وانهزم أصحابه، ونجا البساسيري بنفسه على فرس فتبعه بعض الغلمان، فرمى فرسه بنشابة فألقته إلى الأرض، فجاء الغلام، فضربه على وجهه، ولم يعرفه، وأسره واحد منهم يقال له كُمُشتكتين، وحزّ رأسه وحمله إلى السلطان، وأخذت الأتراك من جيش البساسيري من الأموال ما عجزوا عن حمله, ولما وصل الرأس إلى السلطان أمر أن يذهب به إلى بغداد، وأن يرفع على قناة، وأن يطاف به في المحالَّ بالدّبادب والبُوقات والنفاطون معه، وأن يخرج الناس والنساء للفرجة عليه فُفعل ذلك (3)، كان البساسيري مقدماً عند الخليفة القائم بأمر الله، لا يقطع أمراً دونه وخطب له على منابر العراق كلها، ثم طغى وبغى وتمرد وعتا وخرج على الخليفة، بل وعلى المسلمين، ودعا إلى خلافة الفاطميين، فتم له ما رامه من الأمل الفاسد واستدرج، ثم كان أخذه في هذه السنة (4)، 451هـ، وقد كان مع البساسيري خلق من أهل بغداد خرجوا معه، ظانين أنه سيعود إليها، محبة فيه، فهلكوا ونهبت أموالهم كلها، ولم ينج من أصحابه إلا القليل (5).
هـ - محاربة السلاجقة للدعوة الفاطمية العبيدية: أدرك السلاجقة الخطر الذي
_________
(1) البداية والنهاية (15/ 771).
(2) البداية والنهاية (15/ 771).
(3) المصدر نفسه (15/ 772).
(4) المصدر نفسه (15/ 774).
(5) المصدر نفسه (15/ 772).
(1/65)

يتهددهم من وراء انتشار الدعوة الفاطمية في بلدان الخلافة العباسية، لذلك اتبعوا سياسة حكيمة بعد أن قبضوا على زمام الأمور في بغداد تتمثل في مناهضة الدعوة الفاطمية (1) ودعاتها بالحزم والشدة، فتعقبوا دعاة الإسماعيلية الذين قاموا بنشر الدعوة الفاطمية في بلاد فارس, كما قاموا بإقصاء الموظفين المتشيعين للمذهب الإسماعيلي عن دواوين الحكومة والوظائف الدينية وعينوا من أهل السنة بدلاً منهم، فقد تم عزل أبي الحسين بن المهتدي من الخطابة بجامع المنصور لأنه كان قد أقام الخطبة للخليفة المستنصر بالله الفاطمي ببغداد خلال فتنة البساسيري وعين أبا علي الحسن بن عبد الودود بن المهتدي بالله خطيباً في مكانه سنة 451هـ (2)،
ومن العوامل التي ساعدت على ضعف شأن الدعوة الفاطمية في أواخر عهد الخليفة القائم بأمر الله إلى جانب مناهضة السلاجقة لهذه الدعوة، انصراف الخلافة الفاطمية في مصر عن مواصلة جهودها لنشر دعوتها في بلاد العراق كما كانت الحال عند قيام البساسيري بحركته، وذلك بسبب انشغالها بالقضاء على الفتن والاضطرابات الداخلية، فقد ظهر التنافس بين العناصر الأجنبية وبخاصة السودان والأتراك، كما خرج ناصر الدولة الحسين بن حمدان التغلبي قائد الأتراك على طاعة الخليفة المستنصر بالله الفاطمي وأنفذ رسالة إلى ألب أرسلان سلطان السلاجقة سنة 462هـ سأله أن يمده بالنجدات ليقيم الدعوة العباسية على أن تؤول إليه السيادة على مصر، فلما علم الخليفة الفاطمي بمراسلة ناصر الدولة، السلطان ألب أرسلان جهز جيشاً لمحاربته غير أن ناصر الدولة أوقع به الهزيمة وأقام الخطبة للخليفة القائم بأمر الله العباسي على منابر الإسكندرية ودمياط وجميع أنحاء الوجه البحري (3)، ولم يكتف ناصر الدولة بن حمدان بحذف اسم الخليفة الفاطمي من الخطبة بالوجه البحري بل أنفذ كتاباً إلى الخليفة القائم بأمر الله يلتمس منه الإمدادات والخلع حتى يظهر الدعوة العباسية بالديار المصرية, ولم ينتظر رد الخلافة العباسية بل سار إلى الفسطاط على رأس قواته واستولى عليها، وتولى الحكم فيها، وأنفذ إلى الخليفة المستنصر وأظهر ميله إلى المذهب السني, غير أن ناصر الدولة لم تستقر له الأمور بالقاهرة طويلاً، فقد ثار به الأتراك ونجحوا في القضاء عليه (4)، وكان للشدة العظمي التي تعرضت لها مصر مدة سبع سنوات ووصفها صاحب النجوم الزاهرة فقال: ..
هذا والغلاء بمصر يتزايد، حتى إنه جلا من مصر خلق كثير لما حصل بها من الغلاء الزائد عن الحد، والجوع الذي لم يعهد مثله في الدنيا، فإنّه
_________
(1) سياسة الفاطميين الخارجية، جمال سرور، ص 208.
(2) الكامل في التاريخ, نقلاً عن الأحوال السياسية والدينية، ص 78 ..
(3) تاريخ مصر، ابن ميسر، ص 19، 20.
(4) الأحوال السياسية والدينية في بلاد العراق، ص 79.
(1/66)

مات أكثر أهل مصر، وأكل بعضهم بعضاً، وظهروا على بعض الطبّاخين أنه ذبح عدة من الصَّبيان والنساء وأكل لحومهم وباعها بعد أن طبخها وأكلت الدواب بأسرها (1) -كان لهذه الشدة أثر بالغ في شغل الخلافة الفاطمية عن مواصلة إرسال الدعاة وإمدادهم بالأموال فاقتصر اهتمامها على الاحتفاظ بما تبقى لها من نفوذ في الجزيرة العربية، وتأييد دعاة الإسماعيلية في بلاد فارس واليمن (2).
5 - دخلت الدولة السلجوقية في صراع مع الروم واستطاع إبراهيم ينال أن يأسر ملكًا كبيرًا للروم، فبذل في نفسه أموالاً عظيمة فأبى عليه، فبعث نصر الدولة صاحب الجزيرة وميّافارقين يشفع في فكاكه فبعثه طغرل بك إلى نصر الدولة بلا فداء فتأثر ملك الروم، وأهدى إلى طغرل بك مائتي ألف دينار، وخمسمائة أسير، وألفاً وخمسمائة ثوب، ومائة لبنة فضة، وألف عنز أبيض، وثلاثمائة برذون شهري (3) وبعث إلى نصر الدولة تحفاً ومسكاً كثيراً (4). وقد قام طغرل بك بإرسال رسوله ناصر بن إسماعيل العلوي إلى ملكة النصارى، فاستأذنها ناصر في الصلاة بجامع قسطنطينية جماعة يوم جمعة، فأذنت له فخطب للخليفة القائم، وكان هناك رسول خليفة مصر. بعث ملك الروم إلى طغرل بك هدايا وتحفاً، والتمس الهدنة، فأجابه، وعُمّر مسجد القسطنطينية، وأقام فيها الخطبة لطغرل بك،
وتمكن ملكه (5).
6 - خِطبة طغرل بك بابنة الخليفة وزواجه منها ووفاته: في سنة 543هـ خطب الملك طغرل بك ابنة الخليفة فانزعج الخليفة من ذلك، وقال: هذا شيء لم تَجْر العادة بمثله, ثم طلب أشياء كثيرة كهيئة المبعد له، من ذلك ما كان لزوجته التي توفيت من الإقطاعات بأرض واسط وصداق ثلاثمائة ألف دينار، وأن يقيم الملك ببغداد لا يترحَّلُ منها ولا يحيد عنها يوماً أبداً، فوقع الاتفاق على بعض ذلك، وأرسل إليها بمائة ألف دينار مع ابنة أخيه داود زوجة الخليفة أرسلان خاتون، وأشياء كثيرة من آلات الذهب والفضة والنَّشار والجواري والكُراغ، ومن الجواهر ألفين ومائتي قطعة، من ذلك سبعمائة وعشرون قطعة جوهر وزن كل واحدة ما بين الثلاثة مثاقيل إلى المثقال، وأشياء كثيرة. فتمنع الخليفة لفوات بعض الشروط، فغضب عميد الملك الكندري الوزير لمخدومه السلطان، وجرت شُرور طويلة اقتضت أن أرسل السلطان كتاباً يأمر فيه بانتزاع ابنة أخيه السيدة أرسلان خاتون،
_________
(1) النجوم الزاهرة (5/ 15، 16).
(2) الأحوال السياسية والدينية في بلاد العراق ص79.
(3) البرذون الشهري: بين الرَّمَكةِ والفرس العتيق.
(4) سير أعلام النبلاء (18/ 111).
(5) سير أعلام النبلاء (18/ 110).
(1/67)

ونقلها من دار الخلافة إلى دار المِلكِ حتى تنفصل هذه القضية، وعزم الملك على النُّقلة من بغداد، فانزعج الناس لذلك، وجاء كتاب السلطان إلى شحنة - رئيس- بغداد برشقٍ يأمره بعدم المراقبة وكثرة العسف في مقابلة ردَّ أصحابنا بالحرمان، وبعزم على نقلة الخاتون إلى دار المملكة ويرسل من يحملها إلى البلدة التي هو فيها، وكلُّ ذلك غضب على الخليفة، فإنا لله وإنا إليه راجعون (1)
وفي عام 454هـ وردت الكتب الكثيرة من الملك طغرل بك يشكو قلة إنصاف الخليفة، وعدم موافاته له بما أسداه إليه من الخدم والنَّعم إلى ملوك الأطراف، وقاضي القضاة الدامغاني، فلما رأى الخليفة ذلك، وأن الملك قد أرسل إلى نوابه بالاحتياط على أملاك الخليفة - وقد انزعج لذلك - كتب إلى الملك طغرل بك يجيبه إلى ما سأل، فلما وصل إلى الملك فرح فرحًا شديداً، وأرسل نوابه أن يطلقوا أملاك الخليفة، فلما انتهت الركابية إلى بغداد، دقّت البشائر بدار الخلافة، وطيف بالركابية وبين أيديهم الدبادبُ والبوقات وفرح الناس بإجابة الخليفة إلى ذلك، واتَّفقت الكلمة، فوكل الخليفة في العقد، وكتب بذلك وَكالة، ثم وقع العقد بمدينة تبريز بحضرة الملك طُغرل بك، وعمل سِماطا عظيماً، فلمّا جيء بالوكالة قام لها الملك، وقبَّل الأرض عند رؤيتها، ثم أوجب العقد على صداق أربعمائة ألف دينار، وكثُر دعاء الناس للخليفة، وذلك في يوم الخميس الثالث عشر من شعبان من هذه السنة، ثم بعث ابنة أخيه أرسلان خاتون زوجة الخليفة في شوال بتُحَفِ عظيمة وذهب كثير، وجواهر عديدة ثمينة، وهدايا عظيمة لأمِّ العروس وأهلها كلِّهم، وقال الملك جهرة للناس: أنا عبد للخليفة ما بقيت، لا أملك شيئاً سوى ما عليَّ من الثياب (2).
أ- دخول الملك طُغرل بك على بنت الخليفة ووفاته: لما استقر الملك طغرل بك ببغداد أرسل وزيره عميد الملك إلى الخليفة يُطالبه بنقل السيدة من الدار العزيزة النبوية إلى دار المملكة، فتمنَّع الخليفة من ذلك، وقال: إنكم سألتم أن يعقد العقد فقط لحصول التشريف والتزمتم لنا بعدم المطالبة بها، فتردَّد في ذلك بين الخليفة والملك، وأرسل الملك زيادة على النقد مائة ألف دينار ومائة وخمسين ألف درهم، وتُحفاً أخَرَ، وأشياء لطيفة، فلما كان ليلة الإثنين الخامس عشر من صفر هذه السنة زُفَّت السيدة ابنة الخليفة إلى دار المملكة، فضربت لها السُّرادقات من دجلة إلى دار المملكة، وضربت الدَّبادب والبُوقات عند دخولها دار المملكة وكانت ساعة عظيمة، فأجلست على سرير مُكَلل بالذهب وعلى وجهها بُرقعٌ، ودخل الملك طُغرل بك، فوقف بين يديها، فقبَّل الأرض ولم تقم له ولم تَره، ولم يجلس حتى
_________
(1) البداية والنهاية (15/ 871،782) ..
(2) البداية والنهاية (15/ 785) , تاريخ دولة آل سلجوق، ص 26.
(1/68)

انصرف إلى صحن الدار، والحُجَّابُ والأتراك يرقصون هناك فرحاً وسُروراً (1)،
وبعث لها مع الخاتون أرسلان ابنة أخيه زوجة الخليفة عقدين فاخرين وقطعة ياقوت حمراء كبيرة هائلة، ودخل من الغد فقبَّل الأرض، وجلس على سرير مكلَل بالفضة بإزائها ساعة ثم خرج وأرسل لها جواهر نفيسة كثيرة مثمَّنة، وفَرَجية نسيج مُكللَّة باللؤلؤ، وما زال كذلك كلّ يوم يدخل ويقبَّل الأرض ويجلس على سرير بإزائها، ثم يخرج فبعث بالتحف والهدايا ولم يكن منه إليها شيء مقدار سبعة أيام، ويَمُدُّ كلَّ يوم من هذه الأيام السبعة سِماطاً عظيماً، وخلع يوم السابع على جميع الأمراء، ثم عرض له سفر واعتراه مرض، فاستأذن الخليفة بالانصراف بالسيدة معه إلى تلك البلاد مدة قريبة، ثم يعود بها، فأذن له الخليفة بعد تمنع شديد وحزن عظيم، فخرج بها معه وليس معها من دار الخلافة سوى ثلاث نسوة، برسم خدمتها، وتألمت والدتها لفقدها ألماً عظيماً جداً لا يُعَبَّرُ عنه وخرج السلطان وهو مريض مُدْنِفٌ ميئوس منه مُثْقَلٌ لا ترجى منه العافية فلما كانت ليلة الأحد الرابع والعشرين من رمضان جاء الخبر بأن الملك طغرل بك توفي في ثامن الشهر رحمه الله (2)، وكان الملك طغرل بك عاقلاً حليماً كثير الاحتمال شديد الكتمان للسَّر محافظاً على الصلوات وعلى صوم الإثنين والخميس، مواظباً على لبس البياض وكان عمره يوم مات سبعين سنة، ولم يترك ولداً وكان مدة ملكه بحضرة القائم سبع سنين وأحد عشر شهراً (3)، وكان طغرل بك كثير الصدقات حريصاً على بناء المساجد متعبداً متهجداً، ويقول: أستحي من الله أن أبني داراً ولا أبني بجنبها مسجداً (4). وحكى عميد الملك أن طغرل بك قال له: رأيت في منامي في مبتدأ أمري بخراسان كأني رفعت إلى السماء وقيل لي: سل حاجتك تُقض، فقلت: ما شيء أحب إلى من طول العمر، فقيل: عمرك سبعون.
قال عميد الملك: وكنت سألته عن السنة التي ولد فيها، فقال: السنة التي خرج فيها الخان الفلاني بما وراء النهر، فلما توفي حسبت المدة فكانت سبعين سنة كاملة، ولما وصل خبر وفاته إلى بغداد جلس الوزير فخر الدولة ابن جهير للعزاء في صحن السلام في السادس والعشرين من شهر رمضان (5).
7 - الوزير السلجوقي الأول عميد الملك الكندري: هو الوزير الكبير، عميد الملك، أبو نصر، محمد بن منصور بن محمد الكندري، وزير السلطان طغرل بك، كان أحد رجال الدهر سؤدداً وجوداً وكتابة، تفقه وتأدب، وكان كاتباً لرئيس، ثم ارتقى وولى خوارزم، وعظم، ثم
_________
(1) البداية والنهاية (15/ 789) ..
(2) البداية والنهاية (15/ 789).
(3) المصدر نفسه (15/ 790).
(4) تاريخ دولة آل سلجوق للأصفهاني، ص 28.
(5) تاريخ دولة آل سلجوق للأصفهاني، ص 28.
(1/69)

عصى السلطان، وتزوج بامرأة ملك خوارزم، فتحيَّل السلطان حتى ظفر به، وخصاه لتزوجه بها، ثم رقَّ له، وتداوى وعُوفي ووزر له، وقدم بغداد، ولقَّبه القائم سيد الوزراء، وكان معتزلياً، له النظم والنثر (1)، وكان ذكياً فصيحاً شاعراً، لديه فضائل جمّة، حاضر الجواب سريعه، ولمّا أرسله طغرل بك إلى الخليفة يخطب إليه ابنته، وامتنع الخليفة من ذلك أشد الامتناع أنشد متمثلاً بقول المتنبي:
ما كل ما يتمنى المرء يُدركه
فتمَّمَه الوزير:
تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
فسكت الخليفة وأطرق (2)
ويقال: غَنَّتْهُ بنت الأعرابي في جماعة من الناس، فطرب، وأمر لها بألفي دينار، ووهب أشياء، ثم أصبح، وقال: كفارة المجلس أن أتصدق بمثل ما بذلت البارحة. وقيل:
إنه أنشد عند قتله:
إن كان بالناس ضِيقٌ عن منافستي ... فألموت قد وسَّع الدنيا على الناس
مضيت والشامت المغبون يتبعني ... كل بكأس المنايا شارب حاسي
وقال: ما أسعدني بدولة بني سلجوق؛ أعطاني طغرل بك الدنيا، وأعطاني ألب أرسلان الآخرة (3)، ووزر تسع سنين وأخذوا أمواله، منها ثلاثمائة مملوك، وقتل صبراً وطيف برأسه (4)، قال الذهبي: وما بلغنا عنه كبير إساءة لكن ما على غضب الملك عيار (5). قتل بمرو الرُّوذ في ذي الحجة سنة ستَّ وخمسين وأربعمائة وله اثنتان وأربعون سنة, وكان يؤذي الشافعية، ويبالغ في الانتصار لمذهب أبي حنيفة (6)، وذكرت له ترجمة موسعة في رسالة للماجستير للسيدة سميعة عزيز محمود بعنوان (الوزارة العباسية من 447هـ إلى 590هـ «العهد السلجوقي») (7).
_________
(1) سير أعلام النبلاء (18/ 113، 114).
(2) البداية والنهاية (15/ 6).
(3) سير أعلام النبلاء (18/ 114).
(4) المصدر نفسه (18/ 114).
(5) المصدر نفسه (18/ 114).
(6) المصدر نفسه (18/ 114).
(7) الوزارة العباسية 447هـ /590هـ العهد السلجوقي، ص 169.
(1/70)

المبحث الثالث
ألب أرسلان (محمد) الأسد الشجاع
هو السلطان الكبير، الملك العادل، عضد الدولة، أبو شجاع ألب أرسلان، محمد بن السلطان جغري بك داود ميكائيل بن سلجوق بن تُقاق بن سلجوق التركماني، الغُزَّي، من عظماء ملوك الإسلام وأبطالهم (1)، ملك بعد عمه طغرل بك، وكان عادلاً سار في الناس سيرة حسنة، كريماً رحيماً، شفوقاً على الرعية رفيقاً على الفقراء، بارّا بأهله وأصحابه ومماليكه كثير الدعاء بدوام ما أنعم به عليه، كثير الصدقات يتصدق في كل رمضان بخمسة عشر ألف دينار، ولا يعرف في زمانه جناية ولا مصادرة، بل يقنع من الرّعايا بالخراج في قسطين، رفقا بهم (2).

أولاً: اجتماع الكلمة عليه: اعتمد ألب أرسلان في الوزارة على نظام الملك، وكان وزير صدق، يكرم العلماء والفقراء، ولما عصى الملك شهاب الدولة قُتُلمش، وخرج عن الطاعة، وطمع في أخذ الملك من ألب أرسلان وكان من بني عم طغرل بك، فجمع وحشد واحتفل له ألب أرسلان فقال له الوزير: أيها الملك، لا تخف؛ فإني قد استخدمت لك جنداً ليلياً يدعون لك وينصرونك بالتوجه في صلواتهم وخلواتهم، وهم العلماء والصلحاء، فطابت نفسه بذلك، فحين التقى مع قتلمش لم ينظره أن كسره، وقتل خلقاً من جنوده، وقُتل قتلمش في المعركة واجتمعت الكلمة على ألب أرسلان (3)، وعظم أمره، وخطب له على منابر العراق والعجم وخراسان ودانت له الأمم (4).

ثانياً: سماحه للسيدة زوجة طغرل بك وابنة الخليفة بالرجوع إلى بغداد: ففي سنة 456هـ أذن ألب أرسلان للسيدة ابنة الخليفة في الرجوع إلى بغداد وأرسل معها بعض القضاة والأمراء، فدخلت بغداد في تجُّمل عظيم، وخرج الناس للنظر إليها، فدخلت ليلاً في أبهة عظيمة، ففرح الخليفة وأهلها بذلك وأمر الخليفة بالدعاء للملك ألب أرسلان على المنابر في الخطب فقيل في الدعاء: اللهم وأصلح السلطان المعظم عَضُدَ الدولة وتاج الملة ألب أرسلان أبا شجاع محمد بن داود. وجلس الخليفة للناس جلوساً عاماً وبايعهم للملك ألب أرسلان وأرسل إليه بالخلع والتقليد مع الشريف نقيب العباسيين طراد بن محمد الزيني، وأبي محمد
_________
(1) سير أعلام النبلاء (18/ 414).
(2) البداية والنهاية (16/ 39).
(3) المصدر نفسه (15/ 793).
(4) سير أعلام النبلاء (18/ 415).
(1/71)

التميمي، وموفق الخادم، ولقب بالوزير نظام الملك قوام الدين والدولة رضي أمير المؤمنين، وإنما كان يقال له قبل ذلك: خواجا بزرك. وأرسل الملك ألب أرسلان بالهدايا والتحف النفيسة المفتخرة، واستقر أمره على بغداد وجميع بلاد العراق (1).

ثالثاً: جهاده في سبيل الله: كان ألب أرسلان - كعمه طغرل بك - قائداً ماهراً مقداماً وقد اتخذ سياسة خاصة تعتمد على تثبيت أركان حكمه في البلاد الخاضعة لنفوذ السلاجقة، قبل التطلع إلى إخضاع أقاليم جديدة، وضمها إلى دولته، كما كان متلهفاً للجهاد في سبيل الله، ونشر دعوة الإسلام في داخل الدولة المسيحية المجاورة له، كبلاد الأرمن وبلاد الروم، وكانت روح الجهاد الإسلامي هي المحركة لحركات الفتوحات التي قام بها ألب أرسلان وأكسبتها صبغة دينية، وأصبح قائد السلاجقة زعيماً للجهاد، وحريصاً على نصرة الإسلام ونشره في تلك الديار، ورفع راية الإسلام خفاقة على مناطق كثيرة من أراضي الدولة البيزنطية (2)، لقد بقي سبع سنوات يتفقد أجزاء دولته المترامية الأطراف، قبل أن يقوم بأي توسع خارجي، وعندما أطمأن على استتباب الأمن وتمكن حكم السلاجقة في جميع الأقاليم والبلدان الخاضعة له، أخذ يخطط لتحقيق أهدافه البعيدة، وهي فتح البلاد المسيحية المجاورة لدولته، وإسقاط الخلافة الفاطمية «العبيدية في مصر»، وتوحيد العالم الإسلامي تحت راية الخلافة العباسية السنية ونفوذ السلاجقة، فأعد جيشاً كبيراً اتجه به نحو بلاد الأرمن وجورجيا فافتتحها وضمها إلى مملكته، كما عمل على نشر الإسلام في تلك المناطق (3). وأغار ألب أرسلان على شمال الشام وحاصر الدولة المرداسية في حلب، والتي أسسها صالح بن مرداس على المذهب الشيعي سنة 414هـ وأجبر أميرها محمود بن صالح بن مرداس على إقامة الدعوة للخليفة العباسي بدلاً من الخليفة الفاطمي العبيدي سنة 462هـ (4)،
ثم أرسل قائد الترك أتسنسر بن أوق الخوارزمي في حملة إلى جنوب الشام فانتزع الرملة وبيت المقدس بدلاً من الفاطميين العبيديين، ولم يستطيع الاستيلاء على عسقلان التي تعتبر بوابة الدخول إلى مصر، وبذلك أضحى السلاجقة على مقربة من قاعدة الخليفة العباسي والسلطان السلجوقي داخل بيت المقدس (5)، وفي سنة 462هـ ورد رسول صاحب مكة محمد بن أبي هاشم إلى السلطان يخبره بإقامة الخطبة للخليفة القائم وللسلطان، وإسقاط خطبة حاكم مصر العبيدي، وترك الأذان بـ «حي على خير العمل» فأعطاه السلطان ثلاثين ألف دينار وقال له:
_________
(1) البداية والنهاية (16/ 794).
(2) قيام الدولة العثمانية، ص 20.
(3) قيام الدولة العثمانية، ص 20.
(4) السلاطين في المشرق العربي د. عصام محمد، ص 25.
(5) مرآة الزمان لسبط بن الجوزي، ص 161.
(1/72)

إذا فعل أمير المدينة كذلك أعطيناه عشرين ألف دينار (1)، وكان حريصاً على إقامة العدل في رعاياه وحفظ أموالهم وأعراضهم، بلغه أن غلاماً من غلمانه أخذ إزاراً لبعض التجار، فصلبه فارتدع سائر المماليك به، خوفاً من سطوته، وكتب إليه بعض السُّعاة في نظام الملك، فاستدعاه وقال له: إن كان هذا صحيحاً فهذَّب أخلاقك، وأصلح أحوالك، وإن لم يكن صحيحاً فاغفر لهم زلتهم بمُهمَّ يشغلهم عن السعاية بالناس (2)، وكان كثيراً ما يقرأ عليه تواريخ الملوك وآدابهم، وأحكام الشريعة، ولما اشتهر بين الملوك بحُسن سيرته، ومحافظته على عهوده أذعنوا له بالطاعة والموافقة بعد الامتناع وحضروا عنده من أقاصي ما وراء النهر إلى أقاصي الشام (3).
ومن الدروس مما مضى، أهمية دراسة التاريخ للقادة السياسيين وزعماء الأمة، فمن خلاله يتعرفون على سنن الله وعوامل نهوض الدول وأسباب سقوطها، فقد كان ألب أرسلان مهتما بدراسة تاريخ الأمم.

رابعاً: حملة السلطان ألب أرسلان على الشام وضم حلب: وضع السلطان ألب أرسلان نصب عينيه تحقيق هدفي السلاجقة وهما التوسع باتجاه الأراضي البيزنطية وطرد الفاطميين في بلاد الشام والحلول مكانهم ثم استخلاص مصر منهم، وقد أثاره احتمال تقارب بين البيزنطيين والفاطميين فحرص على أن يحمي نفسه من بيزنطة بفتح أرمينية والاستقرار في ربوعها، قبل أن يمضي في تحقيق الهدف الثاني وهو مهاجمة الفاطميين. والواقع أنه كان من الصعب على السلطان السلجوقي، من الناحية العسكرية والسياسية، أن يتجاوز محور الرها إلى جنوبي بلاد الشام ثم مصر دون تقدير الموقف البيزنطي من جهة، ومواقف أمراء الجزيرة وبلاد الشام من جهة أخرى، إذ إن أي اضطراب في العلاقة مع هذه الأطراف من شأنه أن يهدد بقطع خط الرجعة على جيشه الذي سيكون بعيداً عن قواعده الخلفية (4)، واشتدت في هذه الأثناء غارات الأتراك على أراضي الدولة البيزنطية، وتوغلوا فيها، ففتح هارون بن خان أرتاح عام 460هـ بعد أن حاصرها خمسة أشهر (5)، ونهض الإمبراطور البيزنطي رومانوس الرابع ديوجينوس ليوقف تقدم المغيرين، ومنعهم من التوغل أكثر في عمق الأراضي البيزنطية، وقاد حملتين عسكريتين ضد الأجزاء الشمالية لبلاد الشام بين عامي 461هـ و462هـ فهاجم منطقة حلب، عقدة المواصلات التجارية والعسكرية بين العراق
_________
(1) أيعيد التاريخ نفسه؟ ص 68، البداية والنهاية (16/ 229).
(2) البداية والنهاية (16/ 39).
(3) الكامل لابن الأثير (6/ 253).
(4) في التاريخ الشامي، شاكر مصطفى (2/ 131).
(5) زبدة الحلب في تاريخ حلب (1/ 256).
(1/73)

وأرمينية والأناضول وبلاد الشام، واصطدمت قواته بقوات محمود بن نصر المرداسي وبني كلاب، وابن حسان الطائي ومن معهم من جموع العرب وانتصر عليهم (1)،إلا أن الإمبراطور انسحب من المنطقة على عجل دون أن يستثمر انتصاره، بعد ورود أخبار عن توغل قوات تركية بقيادة الأفشين في عمق الأراضي البيزنطية، وفتحها مدينة عمورية، وأنها بصدد التوجه نحو القسطنطينية، كما أن نفاد المؤن كان سبباً آخر دفعه إلى العودة إلى بلاده (2). وكان السلطان ألب أرسلان ينتظر فرصة سانحة ليحقق حلمه بضم بلاد الشام ومصر إلى الأملاك السلجوقية، وأتاح له النزاع الذي حصل بين أركان الحكم في مصر من أجل السيطرة والتسلط على المستنصر الفاطمي هذه الفرصة، كان ناصر الدولة الحسين بن الحسن الحمداني أحد أبرز القادة في القاهرة، وقد انتصر على تحالف ضم الوزير ابن أبي كدية وألدكوز قائد عسكر الأتراك وذلك في عام 462هـ، وتمادى في تخطيطه وقرّر القضاء على الدولة الفاطمية وإقامة الدعوة العباسية، فأرسل أبا جعفر محمد بن البخاري قاضي حلب، إلى السلطان السلجوقي يطلب منه أن يرسل جيشاً إلى مصر، يساعده في تحقيق هدفه, وفور تسلمه الدعوة، جهَّز ألب أرسلان جيشاً كبيراً وخرج على رأسه من خراسان متوجهاً إلى بلاد الشام لإخضاعها لسيطرة السلاجقة، ومن ثمَّ متابعة زحفه إلى مصر لإسقاط الدولة الفاطمية وضمَّ هذا البلد إلى السلطنة السلجوقية، لكن تحركه كان بطيئاً بسبب ما صادفه من عقبات كانت أولاها في الرها الواقعة تحت الحكم البيزنطي، فحاصرها في عام 463هـ وقاوم الرهاويون الحصار ببسالة بقيادة باسيل بن أسار الذي عيَّنه الإمبراطور البيزنطي رومانوس الرابع ديوجينوس حاكماً على المدينة، وقطع السلاجقة أشجار الحدائق وطمروا الخنادق بجانب الأسوار الشرقية كي يعبروا عليها، وقذفوا المدينة بالمجانيق، وشرع النقابون في حفر فجوات في السور، ولكن دون جدوى، واستعصت المدينة على السلطان ألب أرسلان واضطر إلى التفاهم مع سكانها بعد نيف وثلاثين يوماً من الحصار المتواصل ثم تابع طريقه إلى حلب (3)
لضمها حتى يمنع أي محاولة التفاف من جانب البيزنطيين من جهة الجنوب، غير أن قسماً من جيشه تقاعس عن المضي معه بسبب تأخير أرزاقهم، فاضطر أن يتابع زحفه بمن بقي معه من الجيش وعددهم أربعة آلاف مقاتل، فعبر نهرالفرات 463هـ ودخل أراضي الإمارة وقدم له جميع أمراء الجزيرة الولاء أمثال شرف الدولة مسلم بن قريش العقيلي أمير الموصل، ونصر بن مروان أمير ميافارقين، وابن وثاب أمير حرّان، بالإضافة إلى أمراء الترك والديلم (4).
_________
(1) زبدة الحلب في تاريخ حلب (1/ 257).
(2) تاريخ السلاجقة في بلاد الشام ص113.
(3) المصدر نفسه، ص 114.
(4) المصدر نفسه، ص 114.
(1/74)

1 - حصار حلب وإخضاعها صلحاً للدولة السلجوقية: تقاعس محمود بن نصر أمير حلب، ويبدو أن لذلك علاقة بالمدى الذي وصلت إليه معارضة الشيعة في حلب، وربما أدرك أنه سوف يفقد استقلاله إذا تجاوب مع مطالب السلطان السلجوقي (1)، فأرسل إليه القاضي أبا جعفر محمد بن البخاري يدعوه للقدوم إليه لتقديم الولاء والطاعة ودوس بساطه أسوة بسائر أمراء الجزيرة، وفتح أبواب حلب لاستقباله (2)، ولكن محموداً رفض الدعوة بتحريض من ابن خان، وآثر الاعتصام بحلب والدفاع عنها، واستنفر الرجال من جميع أنحاء بلاد الشام، وتأهب لمقاومة الحصار الذي سوف يفرضه الجيش السلجوقي على المدينة، ويبدو أنه اطمأن إلى أن ولاءه للعباسيين، وللسلطان السلجوقي، وارتداء خلع الخليفة التي أرسلت إليه في عام 462هـ، كافيان لحمايته من هجوم السلطان، لكنه فوجئ بوصوله إلى حلب في 463هـ وضربه الحصار عليها، واتخذ السلطان من الفنيدق (3)، مركزاً لقيادته, وكانت الخيام والعساكر من حلب إلى نقرة بني أسد، إلى عزاز إلى الأثارب، متقاربة بعضها من بعض، ولم يتعرض أحد من العسكر لمال أحد، ولاسُبيت حرمة، ولا قاتل، ولم يأخذ عليقة تبن من فلاح إلا بثمنه واستمر الحصار مدة شهرين ويومين ولم يجر قتال غير يوم واحد، وكان يقول لأتباعه: أخشى أن أفتح هذا الثغر بالسيف فيصير إلى الروم (4)،
ومهما يكن من أمر، فقد فشل السلطان في اقتحام المدينة، ولعل مرد ذلك يعود إلى شدة المقاومة ومتانة الأسوار، وإشراك محمود بن نصر جميع القبائل العربية في الدفاع عنها، بالإضافة إلى طبيعة تكوين الجيش السلجوقي الذي يعتمد على الفرسان الخفاف، والمعروف أن عمليات الحصار تتطلب جنوداً من المشاة وهو ما افتقده الجيش السلجوقي, ولم تتوقف المفاوضات خلال أيام الحصار للوصول إلى حل لكن دون جدوى بسبب التصلب في المواقف، واضطر السلطان أخيراً إلى فك الحصار عن المدينة، إلا أنه خشي على سمعته بعد إخفاقه في اقتحام الرها وأخذ حلب مما سينعكس سلباً على دولته الناشئة وبخاصة بعد ورود أنباء عن ظهور الإمبراطور البيزنطي رومانوس الرابع ديوجينوس في أرمينية وهو عازم على مهاجمة خراسان (5)، لذلك لجأ إلى السياسة لتفريق الكلابيين وإضعاف موقف محمود بن نصر، فاستدعى جميع أمراء بني كلاب ليختار أميراً منهم يعيّنه على حلب ويفوَّضه في السعي للاستيلاء على المدينة وانتزاعها من يد محمود بن نصر، على أن يتفرغ هو لمواجهة الخطر البيزنطي (6)، فلبَّى الأمراء دعوة السلطان، وامتثلوا لأمره، ويدل هذا على أن التنازع كان متفشياً بين العشائر
_________
(1) تاريخ السلاجقة في بلاد الشام، ص 114.
(2) المصدر نفسه، ص 115.
(3) الفنيدق: من أعمال حلب، ويعرف الآن بتل السلطان.
(4) زبدة الحلب في تاريخ حلب (1/ 262، 263).
(5) تاريخ السلاجقة في بلاد الشام، ص 115 ..
(6) تاريخ السلاجقة في بلاد الشام، ص 115.
(1/75)

الكلابية، وأن محموداً لم يمكن من جمع شمل القبيلة تحت رايته, وعندما علم محمود بهذا التحول، خشي على سلطانه في حلب وبخاصة «أن البلد قد أشرف على الفتح» (1)، كما أن موقف ألب أرسلان في إدارته للأحداث يدل على حنكة سياسية حقق من خلالها أهدافه بأقصر السبل وأقل التكاليف.
2 - تحرك محمود بن نصر أمير حلب للمصالحة: عندما علم محمود بهذا التحول، خشي على سلطته في حلب فتحرك بسرعة باتجاه السلطان، وسعى إلى التوصل إلى مصالحة معه تحفظ ملكه وتفوِّت الفرصة على خصومه من الأمراء الكلابيين (2)، ومهما يكن من أمر، فقد خرج محمود بن نصر من حلب متخفياً بزي الأتراك في ليلة الأول من شعبان 463هـ بصحبة والدته منيعة بنت وثاب النميري، وتوجه إلى معسكر السلطان، فرحَّب به هذا الأخير، وجرت مفاوضات بين الرجلين أسفرت عما يلي:
أ- يخرج محمود بن نصر في اليوم التالي علنًا ليزور معسكر السلطان ويدوس بساطه، ويقدم فروض الولاء والطاعة له.
ب- يوافق السلطان على بقاء محمود أميرًا على حلب، على أن يكون تابعاً له ويدعو للخليفة العباسي والسلطان السلجوقي (3) وفعلاً خرج محمود في اليوم التالي من حلب، وتوجّه إلى معسكر السلطان وحمل معه مفاتيح البلد، واصطحب معه والدته، فاستقبلهما السلطان، ورحب بهما وأكرمهما وأحسن إليهما، وأعلن عن بقاء محمود أميراً على حلب، وكتب له توقيعاً بذلك (4)، وقد أضحى بموجبه تابعا فعلياً ورسمياً للسلطان، ومتولياً من قبله وبتوقيعه، وليس أميراً حاكماً بقوته يستطيع في كل لحظة نقض الولاء (5).
3 - التوغل السلجوقي في جنوبي بلاد الشام: غادر السلطان ألب أرسلان المنطقة بعد ذلك، وعاد إلى بلاد ما وراء النهر للقتال هناك، وترك بعض عسكره وأتباعه بقيادة
أتسز بن أوق الخوارزمي وكان معه إخوته، جاولي والمأمون وفزلو وشكلي، وأذن لهم بالاصطدام بالفاطميين وإخراجهم من بلاد الشام، وكان القاضي أمين الدولة أبو طالب عبد الله بن محمد بن عمار قد استبدَّ بحكم طرابلس وخلع طاعة أمير الجيوش بدر الجمالي، وضم مدينة جبيل الواقعة على الساحل اللبناني إلى نفوذه، واضعًا بذلك النواة الأولى لقيام إمارة بني عمار المستقلة (6)، وحتى يدعم موقفه في طرابلس تقرّب من السلاجقة، فأرسل إليه
_________
(1) تاريخ السلاجقة في بلاد الشام، ص 115.
(2) زبدة الحلب في تاريخ حلب (1/ 263،264).
(3) تاريخ السلاجقة في بلاد الشام، ص 116.
(4) تاريخ السلاجقة في بلاد الشام، ص 116.
(5) تاريخ السلاجقة في بلاد الشام، ص 116.
(6) تاريخ طرابلس، تدمري، ص 351
(1/76)

السلطان ألب أرسلان، قبل أن يغادر المنطقة قوة عسكرية بقيادة أحد كتابه هو جابر بن سقلاب الموصلي (1)، لم يوضَّح المؤرخون ما تقرر بين السلطان ألب أرسلان وأمير طرابلس، لكن يغلب على الظن أن معاهدة عدم اعتداء عقدت بين الطرفين يسمح بموجبها لجماعة من الأتراك بالإقامة في أعمال طرابلس (2)، وتنفيذاً لأوامر السلطان قاد محمود بن نصر وايتكين السليماني قواتهما وتوجها جنوباً لمهاجمة دمشق وانتزاعها من أيدي الفاطميين وذلك في 464هـ وتوقفا في بعلبك ليخططا لحملتيهما، وعلم محمود بن نصر وهو في بعلبك بأن عمه عطية هاجم حلب بالتعاون مع البيزنطيين في أنطاكية، وأحرق قسماً من معرة المصرين (3)، فاضطر للعودة إلى مقر إمارته للدفاع عنها، واشتبك مع البيزنطيين في عدة معارك، فانهزم أمامهم، وعندما وجد نفسه عاجزاً عن الوقوف في وجههم استعان بأتسز وإخوته، وكانوا في الجنوب يحاولون انتزاع فلسطين من أيدي الفاطميين، فلبوا دعوته، وقدموا إلى حلب، وتمكّن محمود بن نصر بفضل مساعدتهم من:
* صد البيزنطيين، ووقف أعمالهم ضد أراضيه.
* استعاد الرحبة من مسلم بن قريش في عام 465هـ.
وبعد أن قضى منهم ما أراد، وأمن جانب البيزنطيين، طلب منهم أن يغادروا حلب، وأغراهم بالمال والخيل، فغادروا إلى الجنوب. ويبدو أنهم تركوا قسماً منهم في خدمته يبلغ ألف فارس بقيادة أحمد شاه، بدليل أنه عندما أغار البيزنطيون على أراضي حلب عام 466هـ، صدّهم محمود بن نصر بمساعدة الأتراك الموجودين في حلب كما فتح قلعة السن الواقعة تحت الحكم البيزنطي وضمَّها إلى أملاكه (4). وتوجه الأتراك بزعامة أتسز، بعد رحيل السلطان ألب أرسلان عن المنطقة إلى دمشق بهدف ضمَّها، فضربوا عليها حصاراً مركزاً، وأغاروا على أعمالها، وقطعوا الميرة عنها، ورعوا زرعها، ومع ذلك فقد فشلوا في اقتحامها (5)، فغادروها إلى فلسطين، فضموا الرملة، وبيت المقدس، بعد حصار، وطردوا منها الحامية الفاطمية وانتزعوا طبرية من أيدي الفاطميين، وحاصروا يافا، فهرب حاكمها رزين الدولة الفاطمي، وألغى أتسز الدعوة للمستنصر الفاطمي، وخطب للخليفة العباسي والسلطان السلجوقي وأرسل إلى بغداد يخبر بما حقَّقه في بلاد الشام (6).
_________
(1) مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية، ص 282.
(2) تاريخ السلاجقة في بلاد الشام، ص 118.
(3) معرة المصرين: بليدة وكورة بنواحي حلب ومن أعمالها.
(4) تاريخ دمشق, ابن القلانسي، ص 166 - 168.
(5) تاريخ السلاجقة في بلاد الشام، ص 119.
(6) الكامل في التاريخ, نقلاً عن تاريخ السلاجقة في الشام، ص 119.
(1/77)

خامساً: موقعة ملاذ كردسنة 463هـ: قام ألب أرسلان بحملة كبيرة ضد الأقاليم النصرانية المجاورة لحدود دولته، وقاد جيشه نحو جنوب أذربيجان واتجه غرباً لفتح بلاد الكُرج والمناطق المطلة على بلاد البيزنطيين وكان سكان الكرج يكثرون من الغارة على أذربيجان فأصبحوا مصدر قلق لسكان المنطقة، وانضم إليه وهو في مدينة مرند في أذربيجان أحد أمراء التركمان ويدعى طغتكين، وكان دائم الغارة على تلك المنطقة، عارفاً بمسالكها, واجتاز الجيش السلجوقي نهر الرس (1)، في طريقه إلى بلاد الكُرج، وفصل ألب أرسلان أثناء زحفه، قوة عسكرية بقيادة ابنه ملكشاه ووزيره نظام الملك هاجمت حصوناً ومدناً بيزنطية منها حصن سُرماري (2) ومدينة مريم نشين الحصينة وفتحها واستمرت فتوحاته الكبيرة في الأراضي الأرمينية, ويبدو أن ملك الكُرج هاله التوغل السلجوقي في عمق المناطق الأرمينية فهادن ألب أرسلان وصالحه على دفع الجزية, ونتيجة لهذا التوغل السلجوقي أضحى الطريق مفتوحاً أمام السلاجقة للعبور إلى الأناضول بعد أن سيطروا على قلب أرمينية، فأغاروا على المناطق الحدودية واستولوا على دروب الأمانوس في عام 459هـ، وهاجموا قيصرية حاضرة كبادوكية في العام التالي (3) جرى كل ذلك ولم يبذل الإمبراطور البيزنطي جهداً كبيراً لمقاومة هذه الغارات، مما شجعهم على التوغل في عمق الأناضول فوصلوا إلى نيكسار (4)، وعمورية (5)
في عام 461هـ وإلى قونية في العام التالي، وإلى خونية القريبة من ساحل بحر إيجه في عام 463هـ، شكل فتح السلاجقة لبلاد الكرج والقسم الأكبر من أرمينية، تحدياً لبيزنطة وبخاصة بعد أن أدرك الإمبراطور البيزنطي، أن ألب أرسلان يصبغ غزوه للبلاد بصبغة الجهاد الديني، وهو يطبع المناطق المفتوحة بالطابع الإسلامي، مما جعل نشوب الحرب بين المسلمين والبيزنطيين أمرًا لا مفر منه (6).
1 - تآمر ملك الروم على الإسلام: خرج ملك الروم (رومانوس) في جمع كبير من الروم والروس والكرج والفرنجة وغيرهم من الشعوب النصرانية، حتى قدر ذلك الجمع بثلاثمائة ألف جندي (7)، أعدهم الإمبراطور لملاقاة السلطان السلجوقي، الذي ما إن علم باقتراب الروم ومن معهم حتى استعد للأمر واحتسب نفسه ومن معه، وكان في قلة من
_________
(1) الرس: نهر يخرج من قاليقلا ويمر بأران.
(2) سُرماري: قلعة عظيمة وولاية واسعة بين تفليس وخلاط.
(3) تاريخ سلاجقة الروم في آسيا الصغرى, ص41،42.
(4) نيكسار: إحدى مدن ولاية سيواس تقع شمال شرق تركيا.
(5) عمورية: مدينة في بلاد الروم ..
(6) تاريخ سلاجقة الروم في آسيا الصغرى، ص 42.
(7) الفتوح الإسلامية عبر العصور للعمري، ص197.
(1/78)

أصحابه لا تقارن بعدد الروم وأتباعه, قيل إنهم قرابة خمسة عشر ألفًا (1)، ولم يكن لديه وقت لاستدعاء مدد من المناطق التابعة له وقال قولته المشهورة: أنا أحتسب عند الله نفسي, وإن سعدت بالشهادة ففي حواصل الطيور الخضر من حواصل النسور الغبر رمسي، وإن نصرت فما أسعدني وأنا أمسي ويومي خير من أمسي (2)، وهجم بمن معه على مقدمة الأعداء وكان فيها عشرون ألفاً معظمهم من الروس، فأحرز المسلمون عليهم انتصاراً عظيماً وتمكنوا من أسر معظم قوادهم (3).
2 - عرض السلطان ألب أرسلان المصالحة على ملك الروم: ثم أرسل السلطان ألب أرسلان من قبله وفداً إلى إمبراطور الروم وعرض عليه المصالحة ولكنه تكبر وطغى ولم يقبل العرض (4)، وقال: هيهات!! لا هدنة ولا رجوع إلا بعد أن أفعل ببلاد الإسلام مثل ما فُعل ببلاد الروم (5)، وجاء في رواية: لا هدنة إلا ببذل الري، فحمى السلطان وشاط (6)، فقال إمامه أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاري الحنفي (7): إنك تقاتل عن دين وعد الله بنصره وإظهاره على سائر الأديان، وأرجو أن يكون الله قد كتب باسمك هذا الفتح فالقهم يوم الجمعة في الساعة التي يكون الخطباء على المنابر، فإنهم يدعون للمجاهدين (8).
3 - اندلاع المعركة وانتصار المسلمين: أعد المسلمون العدة للمعركة الفاصلة واجتمع الجيشان يوم الخميس الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة 463هـ، فلما كان وقت الصلاة من يوم الجمعة صلى السلطان بالعسكر ودعا الله تعالى وابتهل وبكى وتضرع وقال لهم: نحن مع القوم تحت الناقص (9) وأريد أن أطرح نفسي عليهم في هذه الساعة التي يُدعى فيها لنا وللمسلمين على المنابر، فإما أن أبلغ الغرض وإما أن أمضي شهيداً إلى الجنة، فمن أحب أن يتبعني منكم فليتبعني، ومن أحب أن ينصرف فليمض مصاحباً فما هاهنا سلطان بأمر ولا عسكر يؤمر فإنما أنا اليوم واحد منكم، وغاز معكم، فمن تبعني، ووهب نفسه لله تعالى فله الجنة أو الغنيمة, ومن مضى حقت عليه النار والفضيحة. فقالوا: مهما فعلت تبعناك فيه وأعناك عليه (10)، فبادر ولبس البياض وتحنط استعداداً للموت وقال: إن قتلت
_________
(1) مختصر تاريخ دولة آل سلجوق، ص 40.
(2) مختصر تاريخ دولة آل سلجوق، ص 40.
(3) المنتظم (8/ 261).
(4) الفتوح الإسلامية عبر العصور، ص 198
(5) المنتظم (8/ 361).
(6) سير أعلام النبلاء (18/ 415).
(7) الدولة العثمانية للصَّلاَّبي، ص 30.
(8) سير أعلام النبلاء (18/ 413).
(9) يقصد بهذه العبارة قلة العدد.
(10) المنتظم (8/ 262) , الفتوح الإسلامية عبر العصور، ص 199.
(1/79)

فهذا كفني (1)، ثم وقع الزحف بين الطرفين ونزل السلطان ألب أرسلان عن فرسه ومرغ وجهه بالتراب وأظهر الخضوع والبكاء لله تعالى وأكثر من الدعاء ثم ركب وحمل على الأعداء، وصدق المسلمون القتال وصبروا وصابروا حتى زلزل الله الأعداء وقذف الرعب في قلوبهم، ونصر الله المسلمين عليهم، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وأسروا منهم جموعاً كبيرة، كان على رأسهم ملك الروم نفسه الذي أسره أحد غلمان المسلمين فأحضر ذليلاً إلى السلطان (2)، فقّنعه بالمِقرعة، وقال: ويلك ألم أبعث أطلب منك الهدنة؟ قال: دعني من التوبيخ. قال: ما كان عزمك لو ظفرت بي؟ قال: كل قبيح, قال: فما تؤمَّلُ وتظُن بي؟ القتل أو تُشهّرني في بلادك، والثالثة بعيدة: العفو وقبول الفداء.
قال: ما عزمت على غيرها، فاشترى نفسه بألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار، وإطلاق كل أسير في بلاده، فخلع عليه، وبعث معه عدة وأعطاه نفقة توصله. وأما الروم فبادروا وملَّكوا آخر، فلما قرب أرمانوس شعر بزوال ملكه، فلبس الصوف، وترهب، ثم جمع ما وصلت يده إليه نحو ثلاثمائة ألف دينار، وبعث بها، واعتذر وقيل: إنه غلب على ثغور الأرمن (3).
لقد غزا ألب أرسلان بلاد الروم مرتين، وافتتح قلاعاً، وأرعب الملوك، ثم سار
إلى أصبهان ومنها إلى كرمان وذهب إلى شيراز ثم عاد إلى خراسان، وكاد يتملك مصر (4).
4 - نتائج ملاذكرد, 463هـ:
أ- تعتبر معركة «ملاذكرد» من المعارك الفاصلة في التاريخ ويسميها بعض المؤرخين باسم الملحمة الكبرى، وتعد أكبر نكسة في تاريخ الإمبراطورية البيزنطية وأصبحت الأراضي البيزنطية تحت رحمة السلاجقة, وبذلك يكون السلاجقة قد تابعوا الجهاد الذي قام به المسلمون ضد الروم (5).
ب- لم يكن هذا الانتصار انتصاراً عسكرياً فقط بل كان انتصاراً دعوياً للإسلام، إذ انتشر السلاجقة في آسيا الصغرى عقب معركة ملاذكرد وضموا إلى ديار الإسلام مساحة تزيد على 400 ألف كم، عم الإسلام تلك الجهات منُذ ذلك الوقت ولم يكن دخلها أبداً من قبل (6)، فإن هذه المرحلة من تاريخ الإسلام كانت مرحلة امتداد وتوسع أيضاً ولم تكن مرحلة جمود وتوقف كما يتصور كثير من الناس ممن يقرأون التاريخ الإسلامي على عجالة
_________
(1) الكامل في التاريخ, نقلاً عن الفتوح الإسلامية، ص 199.
(2) الفتوح الإسلامية عبر العصور، ص 199.
(3) سير أعلام النبلاء (18/ 416).
(4) سير أعلام النبلاء (18/ 416).
(5) الحروب الصليبية، المقدمات السياسية، علية الجنزوري ص511، 212.
(6) التاريخ الإسلامي، الدولة العباسية، محمود شاكر (6/ 360).
(1/80)

ويتوقفون عند نهاية العصر العباسي الأول ويجملون العصر الثاني بكلمات تدل على الضعف والتفكك والتوقف (1)، وخصوصاً إذا ذهبنا إلى المغرب والأندلس حيث دولة المرابطين السنية التابعة للخلافة العباسية، فبعد ست سنوات من معركة ملاذكرد, أي في عام 469هـ, استطاع المرابطون في المغرب أن يفتحوا عاصمة إمبراطورية غانا «كومبي صالح» وأن يفرضوا الإسلام على جميع البلاد, وقد وافق ملك غانا «تنكامنين» على الدخول في الإسلام والخضوع لسلطان المرابطين، وقد دخل كثير من الشعب في الإسلام أيضاً، وبذا تكون ديار الإسلام قد امتدت في إفريقيا على مساحة جديدة تقرب من نصف مليون كيلو متر مربع وفي الوقت نفسه فقد اتسعت ديار الإسلام في الجنوب الشرقي في الهند وفتحت مساحات واسعة من شمال تلك البلاد (2).
جـ- تعتبر هزيمة البيزنطيين في ملاذكرد نقطة تحول في التاريخ الإسلامي البيزنطي فلأول مرة يقع الإمبراطور نفسه أسيراً في أيدي المسلمين (3)، فهي لا تقل أهمية عن اليرموك ونتائجها، فإذا كانت هذه الأخيرة قررت مصير بلاد الشام، فإن الأولى قد قررت مصير آسيا الصغرى، التي نجح الأتراك السلاجقة في فتحها والتوغل فيها، وكانت بذلك لبنة اجتثت من بناء الدولة البيزنطية فمهدت لسقوطها، فعندما فقدت الإمبراطورية ولاياتها الغنية في آسيا الصغرى، أصبحت القسطنطينية رأساً حُرم من الجسد الذي يسنده, وبذلك غدت آسيا الصغرى برمتها مكشوفة أمام السلاجقة، وهكذا بضربة واحدة دفعت الحدود التقليدية التي طالما فصلت بين الإسلام والمسيحية 400 ميل إلى الغرب, ولأول مرة استطاع الأتراك السلاجقة أن يحرزوا مكاناً ثابتاً في تلك البقاع (4)، ومنُذ ذلك الحين فقد الرؤساء والجنود شجاعتهم، ولم تحرز الإمبراطورية نصراً على الإطلاق (5).
د- ومن نتائج ملاذكرد أن قضى السلاجقة على التحالف البيزنطي الفاطمي، واضطرت بيزنطة إلى مصالحتهم، أما أرمينية فقد زالت منها الإدارة البيزنطية بعد أن هجرها سكانها وخضعت المدن الأرمينية للسلاجقة (6)، كما انهار نظام الدفاع البيزنطي الذي تولاه أمراء التخوم، وبذلك تعرض نظام الثغور لضربة قاسية لاسيما أن بيزنطة لجأت بعد المعركة إلى إنزال حاميات من الجند المرتزقة في أرمينية، ولم تحاول الاستعانة بالسكان الأصليين (7).
_________
(1) التاريخ الإسلامي، الدولة العباسية، محمود شاكر (6/ 360).
(2) التاريخ الإسلامي، الدولة العباسية، محمود شاكر (6/ 360).
(3) العلاقات الإقليمية والحروب الصليبية، دكتور كمال بن مارس، ص 62.
(4) المجتمع الإسلامي، أحمد رمضان، ص 49، 50.
(5) العلاقات الإقليمية والحروب الصليبية، ص 62.
(6) العلاقات الإقليمية والحروب الصليبية، ص 62.
(7) العلاقات الإقليمية والحروب الصليبية، ص 63.
(1/81)

هـ- تُعد معركة ملاذكرد أشد ما وقع في التاريخ البيزنطي من كوارث، بل إنها أكبر كارثة حلت بالإمبراطورية البيزنطية حتى نهاية القرن الخامس الهجري، وجاءت دليلاً على نهاية دور الدولة البيزنطية في حماية النصرانية من ضغط الإسلام, وفي حراسة الباب الشرقي لأوربا من غزو المسلمين، وتراءى للصليبيين فيما بعد أن البيزنطيين فقدوا على أرض المعركة ما اتخذوه من لقب حماة العالم النصراني، وبررت هذه المعركة ما جرى من تدخل الغرب الأوربي، لأن بيزنطة لم يعد بوسعها حماية العالم النصراني في الشرق وأصبحت عاجزة عن أن تُلقي بجيش في المعركة لأعوام عديدة (1). كما أن هذه المعركة مهدت الطريق ويسرت السبل للقضاء على سيطرة البيزنطيين على أكثر أجزاء منطقة آسيا الصغرى، مما ساعد على القضاء على الدولة البيزنطية نفسها، بعد ذلك على أيدي الأتراك العثمانيين (2).
و يعد الأتراك أكثر العناصر العسكرية الأجنبية إفادة من الأوضاع المضطربة التي سادت المجتمع البيزنطي والوضع السياسي بعد معركة ملاذكرد. فقد حاولت الأطراف المتنازعة في بيزنطة أن تستعين بالقوات التركية ضد بعضها البعض مما أتاح للسلاجقة، التوغل في صميم الحياة البيزنطية (3).
ز أقدمت السلطات البيزنطية في القسطنطينية على عزل الإمبراطور رومانوس الرابع وأجلست مكانه ميخائيل السابع بن قسطنطين العاشر دوقاس، وحاول رومانوس في غمرة هذا الصراع أن يستعين بالقوات التركية، غير أن الهزيمة لحقت به وتقرر إلقاء القبض عليه وسمل عينيه.
ح- انتهج معظم الأباطرة البيزنطيين بعد رومانوس الرابع نهجه في الاستعانة بالأتراك كلما واجهتهم محنة، فعندما أعلن روبيل بايليل قائد قوات الفرنج المرتزقة العصيان على الدولة البيزنطية استعان ميخائيل السابع بالقوات التركية لقمع حركته، كما استعان بالأخوين منصور وسليمان، من أقارب السلطان ألب أرسلان، للقضاء على ثورة نقفور بوتانياتسى، على أن الأخوين لم يلبثا أن تخليا عن الإمبراطور ودخلا في خدمة بوتانياتس، فأنزلهما في مدينة نيقية (4)، وعلى هذا النحو استولى الأتراك على مقاطعتي جالايتا في وسط بلاد الأناضول وفريجيا المجاورة.
ط- لقد حقَّق ألب أرسلان هدفه، إذ كفل الحماية لجناح جيشه، وأزال خطر التقارب
_________
(1) الحروب الصليبية, رنسيمان (1/ 110).
(2) تاريخ سلاجقة الروم في آسيا الصغرى، ص 51.
(3) تاريخ سلاجقة الروم في آسيا الصغرى، ص 51.
(4) نيقية من أعمال القسطنطينية على البر الشرقي.
(1/82)

بين بيزنطة والفاطميين، وانصرف بعد ذلك لمواصلة القتال في إقليم ما وراء النهر حيث قضى نحبه عام 465هـ ولم ينفذ ابنه وخليفته في الحكم، ملكشاه, إلى آسيا الصغرى، غير أن رعاياه من الأتراك اتخذوا من سهول وسط آسيا الصغرى، مراعى تنتجعها الأغنام، وعهد إلى ابن عمه سليمان بن قُتلمش بأن يستولي على هذا الإقليم لصالح الأقوام التركية (1).
دروس وعبر وفوائد: تظهر مجموعة من الفوائد والدروس والعبر من معركة ملاذكرد منها:
- أهمية الإخلاص لله والاستعداد للموت في سبيله واللجوء إليه في تحقيق انتصارات المسلمين في معاركهم الكبرى.
- دور العلماء في تثبيت القادة والجنود وتذكيرهم بالله واليوم الآخر وأثر الوعظ والتذكير في شجاعة الجنود واندفاعهم وخصوصاً عندما يكون العلماء في ميادين النزال وساحات المعارك.
- من أسباب النصر وجود القائد الخبير المحنك والجيش القوى المنظم.
- أهمية الصبر عند مواجهة الأعداء في المعارك, تلك الصفة الربانية التي أمر الله بها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200] فالجيوش الإسلامية التي تتحلى بهذه الصفة يحالفها نصر الله تعالى.
1 - وفاة السلطان ألب أرسلان, الأسد الشجاع: في سنة خمس وستين وأربعمائة قصد السلطان ألب أرسلان ما وراء النهر وعبر نهر جيحون، في مائتي ألف فارس، فأتي بعلج يقال له: يوسف الخُوارزمي, كانت بيده قلعة، قد ارتكب جريمة في أمر الحصن، فحمل مقيداً، فلما قرب منه أمر أن تُضرب له أربعة أوتاد لتشد أطرافه الأربعة إليها ويعذبه ثم يقتله فقال له يوسف: يا مخنث، مثلي يقتل هذه القتلة؟ فاحتد السلطان، وأخذ القوس والنشابة، وقال: حلّوه من قيوده، فَحُلّ، فرماه فأخطأه، وكان مُدِلاًّ برميه، قلما يخطئ فيه، وكان جالساً على سريره، فنزل فعثر ووقع على وجهه، فبادره يوسف المذكور، وضربه بسكين كانت معه في خاصرته، فوثب عليه فرَّاش أرمني، فضربه في رأسه بمرزبة فقتله، فانتقل ألب أرسلان إلى خيمة أخرى مجروحاً وأحضر وزيره نظام الملك وأوصى إليه، وجعل ولده ملكشاه أبا شجاع محمد وليّ عهده (2)، ثم توفي السلطان وذلك في جمادي الآخرة سنة خمس
_________
(1) تاريخ سلاجقة الروم في آسيا، ص 52.
(2) شذرات الذهب (51/ 274).
(1/83)

وستين وأربعمائة، وله أربعون سنة (1)، وترك من الأولاد ملكشاه، وإياز، وتَكِشى، وبورى برس وأرسلان أرغون وسارّة وعائشة وبنتاً أخرى (2)، وقيل: توفي عن إحدى وأربعين سنة، ودفن عند والده بالري, رحمه الله تعالى (3)،
ويحكى أنه قال لما عاين ألموت بعينه: ما كنت قط في وجه قصدته ولا عدو أردته، إلا توكلت على الله في أمري، وطلبت منه نصري، وأما في هذه النوبة، فإني أشرفت من تل عال، فرأيت عسكري في أجمل حال، فقلت: أين من له قدر مصارعتي، وقدرة معارضتي، وإني أصل بهذ العسكر إلى أقصى الصين، فخرجت عليّ منيتي من الكمين (4)، وجاء في رواية: .. فقلت في نفسي: أنا ملك الدنيا وما يقدر أحد عليّ فعجّزني الله تعالى بأضعف خلقه وأنا أستغفر الله وأستقيله من ذلك الخاطر وعلى القادة والحكام أن يستشعروا نعائم الله عليهم ويتذكروا فضله وإحسانه وينسبوا الفضل لله تعالى صاحب المنّ والعطاء والإحسان والإكرام. ولما بلغ موته أهل بغداد أقام الناس له العزاء وغُلقت الأسواق وأظهر الخليفة الجزع عليه وتسَلبت (5) ابنته الخاتون وجلست على التراب (6).
* * *
_________
(1) سير أعلام النبلاء (18/ 417).
(2) البداية والنهاية (16/ 39، 40).
(3) البداية والنهاية (16/ 39، 40).
(4) تاريخ دولة آل سلجوق، ص 48.
(5) تسلبت المرأة: أحدَّت ولبست السَّلاب، وهو ثوب أسود تغطي به المحدُّ رأسها.
(6) البداية والنهاية (16/ 38).
(1/84)

المبحث الرابع
السلطان ملكشاه
هو السلطان الكبير جلال الدولة أبو الفتح ملكشاه بن السلطان ألب أرسلان محمد بن جغري بك السلجوقي التركي، تملك بعد أبيه، ودبّر دولته النظام الوزير بوصية من ألب أرسلان إليه في سنة خمس وستين (1).

أولاً: تربية ملكشاه على إدارة السلطنة وتوطيد الملك له:
1 - تربيته على إدارة السلطنة: بعد معركة سمرقند التي قام بها السلطان ألب أرسلان سنة 465هـ وقبل وفاته على أثر جرحه بيد يوسف الخوارزمي أمر القواد بمبايعة ابنه، ملكشاه، للمرة الثالثة، وعين وزيره النظام وصيًّا عليه وطلب احترامهما وطاعة أوامرهما (2)، وكان قد أعدّه إعداداً ملكياً ودربه تدريباً سلطانياً، مثلماً أعده أبوه - جغرى بك - من قبل وقد ساعده على ذلك وزيره النظام حيث رغّبه في دراسة العلوم ومرنه على المثابرة والجلد في الحروب، وبهذا تعاون الوالد والوزير معاً على تهيئته لعرش آل سلجوق، ولذلك لم يكتف بتدريبه النظري، كما يربى معظم أبناء الملوك وإنما أنزله الميادين وأشركه في القتال حتى مرن على الحرب وعرف خططها وخدعها وكذلك أراد له أن يتعلم أصول الحكم وتدبير شئون الرعايا بالممارسة وليس عن ظهر قلب فمنحه حكومة «كيلان» وأصدر بذلك منشوراً (3).
2 - تولي السلطنة: وبناء على توصية السلطان الراحل فقد اجتمع قواد الجيش، وأعيان الدولة في حلف خطير لإجراء مراسم الجلوس، وبايعوا السلطان «ملكشاه» سنة 465هـ وعمره - حينذاك - ثمانية عشر عاماً، وقال في خطاب العرش- حينما طلب إليه النظام أن يتكلم (4) -: الأكبر منكم أبي، والأوسط أخي, والأصغر ابني، وسأفعل معكم ما لم أسبق إليه. فأمسكوا فأعاد القول، فأجابوه بالسمع والطاعة (5)، وهي كلمة تدل على نزعته العادلة وامتثاله الآداب الإسلامية, وقد تكون من وضع الوصي عليه «نظام الملك»،
كما تولى هو وأبو سعد المتولي أخذ البيعة له من الأمراء والوجهاء وأطلق الأموال
_________
(1) سير أعلام النبلاء (19/ 55).
(2) المنتظم سنة 465هـ, نقلاً عن نظام الملك د. عبد الهادي محبوبة، ص 344.
(3) نظام الملك، د. عبد الهادي محبوبة، ص 344.
(4) المصدر نفسه، ص 345.
(5) البداية والنهاية (16/ 38).
(1/85)

عليهم (1)، لذلك أجمعت المصادر التاريخية على أن «النظام» لعب دوراً كبيراً في تنصيب السلطان الجديد، كما كان له الفضل الأكبر في إرساء دعائم الدولة وانتصاراتها الحربية (2) والفكرية والعقائدية على الباطنية والفلاسفة وذلك باهتمامه الكبير بعلماء أهل السنة ونشر المدارس النظامية في أرجاء الدولة السلجوقية, وسيأتي بيان ذلك بالتفصيل بإذن الله عند الحديث عن المدارس النظامية ودورها في حفظ منهج أهل السنة ودحر المد الباطني.
وقد أثبت السلطان الجديد مقدرة فائقة في الحرب، ورغبة نادرة في الإصلاح والتعمير حتى عده أحد المؤرخين المؤسس الحقيقي للإمبراطورية السلجوقية المترامية الأطراف وذلك بنشاطه وحنكة وزيره (3)، ويعتبر النظام هو الموجه لسياسة الدولة (4)، فسواء أكان المؤسس لدولة السلاجقة، طغرل بك، أو ألب أرسلان، أو ملكشاه، فإنهم قد تعاونوا على إنشائها وتوطيد دعائمها ثم اتساع رقعتها حتى كان لثالثهم من أقصى بلاد الترك إلى أقصى بلاد اليمن، وقد خطب له من حدود الصين إلى آخر الشام (5).
3 - خروج عمّه والقضاء عليه: لم يتربع ملكشاه على العرش السلجوقي حتى صدقت ظنون أبيه في وصيته، وخرج عليه أعضاء أسرته مطالبين بالعرش، وكان أول هؤلاء وأشدهم بأساً وأقواهم حجة, قاروت ملك كرمان أخو السلطان ألب أرسلان ولم يكن يخفى عليه أن النصر لا يكون له إلا إذا كسب الجيش وربح مؤازرته، فاستمال القواد والجنود بزيادة رواتبهم وتحسين حالتهم إذا أتى إلى الحكم, فقامت بذلك مظاهرتهم مطالبين بمجيء «قاروت» إلى العرش وأحقيته بالسلطان، وكتب إلى ابن أخيه في نفس الوقت يقول: إني أحقّ منك بالعرش لأني الأخ الأكبر للسلطان الراحل وأنت أصغر أبنائه. وسار بجيشه إلى الري (6)، وقد أدرك النظام خطورة هذه الفتنة وشدّتها، وأنها تهدد عرش السلطان ومنصب وزيره وأنها ستقضي عليهما وعلى أهدافه إذا كتب لها النصر, فقرر الإسراع بجيشهما نحو الري حتى بلغها قبل وصوله، وأجاب على رسالة عم السلطان: إن الابن أحقّ بالعرش من الأخ (7)، فالتقوا بقرب همذان، فانكسر جمعه، وأتي بعمه أسيراً، فوبّخه، فقال: أمراؤك كاتبوني، وأحضر خريطة فيها كتبهم، فناولها لنظام الملك ليقرأها، فرماها في منقل نار، ففرح الأمراء وبذلوا الطاعة (8)،
وأدخل قاروت السجن ولكن ما أدخله في روع الجنود من زيادة
_________
(1) نظام الملك، ص 345.
(2) نظام الملك، ص 345.
(3) نظام الملك، ص 345.
(4) المصدر نفسه، ص 346.
(5) المصدر نفسه، ص 346.
(6) المصدر نفسه، ص 346.
(7) النجوم الزاهرة, نقلاً عن نظام الملك، ص 347.
(8) سير أعلام النبلاء (19/ 55).
(1/86)

رواتبهم لم يزل يدفعهم إلى التظاهر والعصيان، والتهديد بمبايعة الأمير السجين إذا لم تلب طلباتهم، وأحس النظام بحرج الموقف ودقته وأنه لا بد أن يتخذ رأيا حاسماً لقطع النزاع، فوافق رؤساء الجيش على مشروعية مطالبهم ووعدهم بأنه سيحدث السلطان ويقنعه بتنفيذها، وهدأت الأحوال، وذهب لمقابلة السلطان وأخبره بما انتهى إليه الحال وأشار عليه -كما يذكر معظم المؤرخين - بقتل عمه في الحال, فأصدر السلطان أمره وقتل وما إن عاد رؤساء الجيش ليستفسروا عما تمّ بخصوص مطالبهم حتى فاجأهم «النظام» بأنه ما استطاع مفاتحة السلطان بأمرهم حيث وجده حزيناً على فقد عمه الذي امتص السّم من خاتم في أصبعه ومات في السجن، فعادوا واجمين خائفين، ولم يستطع أحدهم القيام بحركة مناوأة، واستتبّ الأمن في البلاد (1)، ولم يتخلص السلطان من عمه حتى زحف نحو سمرقند وعبر نهر جيحون سنة 467هـ ليأخذ بثأر أبيه من البلاد التي اغتيل فيها، ولكنه لم يصل إليها حتى هرب حاكمها - خاقان البتكين - فتوسط له «النظام» وأجيب لذلك (2). ثم استمرت شفاعات «النظام» تترى على السلطان في طلب الصفح عن الخارجين بعد اعتذارهم، وإعادتهم إلى مقر وظائفهم واتخذ وسيلة جديدة هذه المرة في سياسته الحربية كان فيها رسول سلام ابتداءً من سنة 467هـ إلى 473هـ، حيث خرج على السلطان أخوه «تكش» بعد أن التحق بجيشه الجنود الذين فصلهم من سلك الخدمة العسكرية خلافاً لرأي وزيره «النظام»، وكان بـ «بوشنج» واستولى على مرو الروز الشاهجلمان، فسار السلطان إلى خراسان ودخل نيسابور قبل أن يصلها أخوه ثم التقيا «بترمذ» واصطلحا أيضاً سنة 473هـ.

ثانياً: اهتمامه بالرعية وشيء من عدله ومواقفه:
1 - تفقده للرعية: زار الأقاليم وتفقد أحوال الرعية واحتياجاتهم بنفسه وبنى المخافر في السبل فانتشر الأمن من حدود الصين إلى البحر المتوسط، ومن جورجيا إلى اليمن جنوباً، وقام بجولة من أصبهان إلى الأنبار ومنها إلى الموصل، ثم سار إلى حلب حيث قضى على بعض أمرائها، وكان وزيره النظام يرافقه في جميع سفراته وجولاته وهو الذي يدبر الأمور له (3)، وكانت دولته، صارمة، والطرقات في أيامه آمنة، ومع عظمته يقف للمسكين والمرأة والضعيف فيقضي حوائجهم (4)، وقد عمّر العمارات الهائلة، وبنى القناطر، وأسقط المكوس والضرائب وحفر الأنهار الكبار، وبنى مدرسة أبي حنيفة والسوق وبنى الجامع الذي يقال له: جامع السلطان ببغداد (5).
_________
(1) نظام الملك، ص 347.
(2) الكامل في التاريخ (6/ 265).
(3) نظام الملك 348.
(4) البداية والنهاية (16/ 130).
(5) البداية والنهاية (16/ 130).
(1/87)

2 - تشييعه لركب الحجاج العراقي: شيَّعَ مرة ركب العراق إلى العُذيَب (1)، فصاد شيئاً كثيراً، فبنى هناك منارة القرون من حوافر الوحوش وقرونها، ووقف يتأمل الحجاج، فرقّ ونزل وسجد، وعفَّر وجهه وبكى، وقال بالعجمية: بلغوا سلامي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقولوا: العبد العاصي الآبق أبو الفتح يخدم ويقول: يا نبي الله، لو كنت ممّن يصلح لتلك الحضرة المقدسة، كنت في الصحبة، فضجّ الناس وبكوا، ودعوا له (2).
3 - مناصرة المظلومين: كانت لملكشاه أفعال حسنة وسيرة صالحة، من ذلك أن فلاحاً أنهى إليه أن غلماناً له أخذوا له حمل بطيخ هو رأس ماله، فقال: اليوم أرُدُّ عليك حملك، ثم قال لمن حوله: أريد أن تأتوني ببطيخ، ففتشوا، فإذا في خيمة الحاجب بطيخ، فحملوه إليه، فاستدعى الحاجب فقال: من أين لك هذا البطيخ؟ قال: جاء به الغلمان. فقال: أحضرهم. فذهب فهربهم، فأرسل إليه، فأحضره وسلمه إلى الفلاح، وقال: خذ بيده، فإنه مملوكي ومملوك أبي، فإياك أن تفارقه، فرد عليه حمله، فخرج الفلاح يحمله وفي يده الحاجب، فاستفدى نفسه منه بثلاثمائة دينار (3).
4 - دعاؤه لله أن ينصر الأصلح للمسلمين: ولما توجه لقتال أخيه تكشى، اجتاز بطُوس، فدخل لزيارة قبر عليَّ بن موسى الرَّضا -على زعم بعض المؤرخين- ومعه نظام الملك، فلمّا خرَجا قال للنَّظام: بم دعوت؟ قال: دعوت الله أن يظفرك على أخيك. فقال: لكني قلت: اللهمَّ إن كان أخي أصلح للمسلمين فظفره بي، وإن كنت أصلح لهم فظفَّرني به (4). وقد سار ملكشاه هذا بعسكره من أصبهان إلى أنطاكية فما عرف أنَّ أحداً من جيشه ظلم أحداً من رعيتهِ (5).
5 - الستر على أعراض المسلمين: اشتكى إليه تركماني أن رجلاً افتضَّ بكارة ابنته، وهو يريد أن يمكنه من قتله، فقال له: يا هذا إن ابنتك لو شاءت ما مكَّنته من نفسها، فإن كنت لابد فاعِلاً فاقتلها معه، فسكت الرجل، ثم قال الملك: أوخير من ذلك؟ قال: وما هو؟ قال: فإنَّ بكارتها قد ذهبت، فزوَّجها من ذلك الرجل وأمهرها من بيت المال كفايتها، ففعل (6).
6 - واعظ مع ملكشاه: وحكى له بعض الوعّاظ أنَّ كسرى اجتاز يوماً في بعض أسفاره بقرية منفرداً من جيشه، فوقف على باب دار فاستسقى، فأخرجت إليه جارية إناء فيه ماء قصب السُّكر بالثلج فشرب منه فأعجبه، فقال: كيف تصنعين هذا؟ فقالت: إنَّه سهل علينا
_________
(1) هو ماء بين القادسية والمغيثة, معجم البلدان (4/ 92).
(2) سير أعلام النبلاء (19/ 56).
(3) البداية والنهاية (16/ 131).
(4) البداية والنهاية (16/ 131).
(5) البداية والنهاية (16/ 131).
(6) البداية والنهاية (16/ 131).
(1/88)

اعتصاره على أيدينا، فطلب منها شربة أخرى، فذهبت لتأتيه بها فوقع في نفسه أن يأخذ هذا المكان منهم ويُعَوَّضهم عنه، فأبطأت عليه ثم خرجت وليس معها شيء فقال: مالك؟ فقالت: كأن نيّة سُلطاننا تغيَّرت علينا، فتعسَّر علىَّ اعتصاره - وهي لا تعرف أنَه السلطان - فقال: اذهبي فإنك الآن تقدرين، وغير نيته إلى غيرها، فذهبت، وجاءته بشربة أخرى سريعاً فشربها وانصرف. فقال له ملكشاه: هذه تصلح لي، ولكن قُصَّ على الرعيَّة حكاية كسرى الأخرى حين اجتاز ببُستان، فطلب من ناطوره، عنقوداً من حصرم، فإنه قد أصابته صفراء، وعطش. فقال له الناطور: إنَّ السلطان لم يأخذ حقه منه، فلا أقدر أن أعطيك منه شيئاً. قال: فعجب الناس من ذكاء الملك وحسن استحضاره هذه في مقابلة تلك (1).
7 - إقامة العدل على الأمراء: واستعداه رجلان من الفلاحين على الأمير خُمارتكين أنه أخذ منهما مالاً جزيلاً وكسر ثنيَتيهما وقالاً: سمعنا بعدلك في العالم، فإن أقدتنا منه كما أمرك الله وإلا استعدينا عليك الله يوم القيامة، وأخذا بركابه، فنزل عن فرسه وقال لهما: خُذا بكُمَّى فاسْحبَانى إلى دار نظام الملك، فهابا ذلك، فعزم عليهما، ففعلا ما أمرهما به، فلما علم النظام بمجيء السلطان إليه خرج مسرعاً من خيمته، فقال له الملك: إنَّي قلدتك الأمر لتُنصف المظلوم ممَّن ظلمه، فكتب من فوره بعزل خمارتكين وحلَّ إقطاعه وأن يرد إليهما أموالهما وأن يقلعا ثنيَّتيه إن قامت عليه البيَّنة، وأمر لهما الملك من عنده بمائة دينار (2).
8 - المال مال الله والعباد عبيده: أسقط مرة بعض المكوس، فقال رجل من المستوفين: يا سلطان العالم إن هذا يعدل ستَّمائة ألف دينار وأكثر. فقال ويحك، إن المال مال الله، والعباد عبيده، والبلاد بلاده، وإنَّما يبقى هذا لي عند الله, ومن نازعني في هذا ضربت عنقه (3).
9 - إني أغار على هذا الوجه الجميل من النار: غنَّته امرأة حسناء فَطرِب وتاقت نفسه إليها، فهم بها، فقالت: أيها الملك، إنَّي أغار على هذا الوجه الجميل من النار وبين الحلال والحرام كلمة واحدة، فاستدعى القاضي فزوجه بها (4).
10 - أقمت لك جيشاً يسمى جيش الليل: كان نظام الملك يهتم بالعلماء والزهاد والمدارس العلمية وينفق الأموال الضخمة على الأساتذة والطلاب جميعاً، فسعى بالوشاية إلى السلطان ملكشاه خصومه وقالوا له إن النظام ينفق في كل سنة على الفقهاء والصوفية والقراء ثلاثمائة ألف دينار (5)، ولو صرف هذا المال على جيش لرفع رايته على أسوار
_________
(1) البداية والنهاية، (16/ 132).
(2) البداية والنهاية، (16/ 132).
(3) البداية والنهاية (16/ 132).
(4) المصدر نفسه (16/ 133).
(5) في سراج الملوك للطرطوشي: ستمائة ألف دينار، ص 227.
(1/89)

القسطنطينية، فاستجوب السلطان وزيره فقال له: يا بني أنا شيخ أعجمي لو نودي عليّ لما زادت قيمتي على ثلاثة دنانير، وأنت تركي لتلك تبلغ المائة دينار، وقد أنعم الله عليك وعليّ بواسطتك ما لم يعطه أحداً من خلقه، أفلا تعوضه عن ذلك في حملة دينه وحفظة كتابه بثلاثمائة ألف دينار .. ثم إنك تنفق على الجيوش المحاربة في كل سنة أضعاف هذا المال مع أن أقواهم وأرماهم لا تبلغ رميته ميلاً، ولا يضرب سيفه إلا ما قرب منه، وأنا أقمت لك بهذا المال جيشاً يسمى جيش الليل, قام بالدعاء إذا نامت جيوشك، فمدوا إلى الله أكفهم وأرسلوا دموعهم فتصل من دعائهم سهام (1) على العرش لا يحجبها شيء عن الله، فأنت وجيوشك في خفارتهم تعيشون وبدعائهم تثبتون وببركاتهم ترزقون (2) .. فبكى السلطان وقال: شاباش يا أبت شاباش -بالتركي- ومعناه بالعربي: استكثر من هذا الجيش (3).
11 - زواج الخليفة المقتدي بابنة ملكشاه: تزوج الخليفة المقتدي بابنته بسفارة شيخ الشافعية أبي إسحاق، وكان عرسها في سنة 480هـ وعملت دعوة بجيش السلطان ما سُمع بمثلها أبداً، فمما دخل فيها أربعون ألف مَنٍّ سكراً، فولدت له جعفر (4)، وكان ملكشاه يريد أن يجعل الخلافة العباسية تتحول إلى من أمه ابنته، كما زوج ابنته الأخرى إلى المستظهر العباسي ولم يتمكن من حصر الخلافة والسلطنة في شخص حفيده (5).
12 - وصف جهاز ابنة السلطان ملكشاه وزفتها: في المحرم نُقل جهاز ابنة السلطان ملكشاه إلى دار الخلافة على مائة وثلاثين جملاً مجلّلة بالديباج الرومي، وكان أكثر الأحمال الذهب والفضة وثلاث عمّاريات، وعلى أربعة وسبعين بغلاً مجلَّلة بأنواع الديباج الملكي، وأجراسها وقلائدها من الذهب والفضة وكان على ستة منها اثنا عشر صندوقاً من فضة لا يقدر ما فيه من الجواهر والحلي، وبين يدي البغال ثلاثة وثلاثون فرساً من الخيل الرائقة، عليها مراكب الذهب مرصَّعة بأنواع الجواهر، ومهد عظيم كثير الذهب، وسار بين يدي الجهاز سعد الدولة كوهرائين، والأمير برسق، وغيرهما، ونثر أهل نهر مُعلى عليهم الدنانير والثياب، وكان السلطان قد خرج عن بغداد متصيّداً، ثم أرسل الخليفة الوزير أبا شجاع إلى تركان خاتون، زوجة السلطان، وبين يديه نحو ثلاثمائة موكبيّة، ومثلها مشاعل، ولم يبق في الحريم دكّان إلا وقد أشعل فيها الشمعة والاثنتان والأكثر من ذلك, وأرسل الخليفة مع ظفر
_________
(1) نظام الملك، ص 651.
(2) الحقيقة في نظر الغزالي, د. سلمان دنيا، ص 16.
(3) نظام الملك، ص 261، أخبار الدولة السلجوقية، ص 66، 67.
(4) سير أعلام النبلاء (19/ 57).
(5) السلاطين في المشرق العربي ص30، الدولة العثمانية للصَّلابي، ص 92.
(1/90)

خادمه محفة لم يُر مثلها حُسناً وقال الوزير لتركان خاتون: سيّدنا ومولانا أمير المؤمنين يقول: {إِنَّ اللهَ يَأمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء:58] وقد أذن في نقل الوديعة إلى داره، فأجابت بالسمع والطاعة، وحضر نظام الملك ومن دونه من أعيان دولة السلطان وكل منهم معه من الشمع والمشاعل الكثير، وجاء نساء الأمراء الكبار ومن دونهم كل واحدة منهن منفردة في جماعتها وتجمّلها وبين أيديهن الشمع والموكبيات والمشاعل يحمل ذلك جميعه الفرسان ثم جاءت الخاتون ابنة السلطان، بعد الجميع في محفة مجللة، عليها من الذهب والجواهر أكثر شيء وقد أحاط بالمحفّة مائتا جارية من الأتراك بالمراكب العجيبة وسارت إلى دار الخلافة وكانت ليلة مشهودة لم يُر ببغداد مثلها (1).

ثالثاً: الاستقرار السلجوقي في بلاد الشام: بذل السلاجقة جهوداً كبيرة للسيطرة على بلاد الشام، وبعد أن ثبَّت ملكشاه أقدامه في الحكم واطمأن على سلطنته التفت إلى بلاد الشام، وأحيا مشروع أبيه السلطان ألب أرسلان بغزو هذه البلاد وضم مصر إليها والقضاء على الدولة الفاطمية، فاختار أن يولي على هذه الجبهة البعيدة أميراً سلجوقياً ويشغله في نفس الوقت عن التفكير بالشغب عليه أو منافسته، ويؤمَّن الإقطاع لقسم كبير من الجيش السلجوقي المتزايد، وكان تتش قد اختص بمجموعة من المماليك الذين يتولون تربيته وتدريبه وشنّ الحملات باسمه والدفاع عنه، على عادة السلاجقة، لأنه كان لا يزال فتى، وسرعان ما انتشرت الأخبار بما عزم السلطان عليه وبلغت مسامع أتسز الخوارزمي صاحب بلاد الشام، فكتب للسلطان يشرح له ما بذله من جهد في خدمة الدولة السلجوقية، وأنه ما يزال الخادم المطيع، ووعده بدفع مبلغ ثلاثين ألف دينار في السنة مقابل إبقائه حاكماً على بلاد الشام (2)، وأصرّ ملكشاه على تنفيذ مشروعه فولى أخاه تاج الدولة تتش حكم بلاد الشام وما يفتحه في تلك النواحي، كما أشرنا، وأمره بالمسير إليها، وكتب إلى القوى المتمركزة في إقليم الجزيرة وبلاد الشام بالانضمام إليه ومساعدته كان من بينهم مسلم بن قريش العقيلي أمير الموصل ووثاب بن محمود، وزعماء القوى التركية، غير أن هذه النجدة لم تصل إلى حلب وتشتتَّ قبل ذلك، حيث قضى عليها سابق حاكم حلب بالتعاون مع مسلم بن قريش في وادي بزاعة، فتحرّج موقف تُتُش نتيجة ذلك، وما إن ابتعدت قواته عن أسوار حلب وهي تطارد البدو حتى خرجت القوات الحلبية من وراء الأسوار وهاجمت معسكراته وغنمت ما كان فيها (3)،
ويبدو أنه لم يحقق أي نجاح في مطاردته للعرب، عندما علم بنهب معسكراته، قرّر عبور
_________
(1) الكامل في التاريخ (6/ 308، 309).
(2) تاريخ السلاجقة في بلاد الشام، ص 125.
(3) المصدر نفسه، ص 128.
(1/91)

الفرات للانتقام من مسلم بن قريش، ولكن هذا الأخير كان يقظاً، فاضطر مكرها إلى التخلي عن خطته وذهب إلى ديار بكر حيث أمضى فصل الشتاء في مضارب بني مروان (1)، وهكذا تفرق التحالف الذي أنشأه السلطان ملكشاه، وأخفق أمام أسوار حلب وكتب تُتُش من مشتاه إلى أخيه يشرح له ما آلت إليه الأوضاع في شمالي بلاد الشام ويطلب منه نجدة أخرى، ثم غادر مع قواته الجديدة التي وصلت إليه متوجها إلى حلب للاستيلاء عليها إلا أنه فشل وغادر وقواته المنهكة مدينة حلب بعد أن أدرك عدم جدوى الاستمرار في الحصار والاستيلاء على حلب، فيمم وجهه نحو دمشق (2).
1 - الاستيلاء على دمشق: غادر تُتُش وقواته المنهكة مدينة حلب وفي نفسه شيء منها متوجهاً نحو الجنوب، فاستولى على حماة والمعرة وما جاورهما, وأطاعه أمير حمص خلف بن ملاعب، فأقرّه على حكمها. وإذا كان التوغل السلجوقي في بلاد الشام قد بدأ بوصول تُتش، إلا أنه لم يحقق حتى ذلك الوقت أي إنجاز يذكر وتبين من خلال أعماله أنه كان عسوفًا ذا سطوة وجبروت وظلم وتدمير وسلب ونهب (3)، وقد سنحت له الفرصة ليضع يده على مقدرات بلاد الشام ويؤسس دولة سلجوقية في ربوعها وكان لذلك علاقة بالمحاولات الفاطمية الهادفة إلى استعادة نفوذ الفاطميين في هذه البلاد، فقد حدث أن أرسل بدر الجمالي جيشاً فاطمياً بقيادة ناصر الدولة الجيوشي إلى بلاد الشام لإعادة بسط السيادة الفاطمية عليها فحاصر دمشق عام 471هـ واستولى على أعمالها وأعمال فلسطين (4)، وأدرك أتسز أنه لا قبل له بهذا الجيش الكبير فاضطر أن يطلب المساعدة من تُتُش، ووعده بتسليمه دمشق ويكون تابعاً له (5)،
وكان هذا هو الحل الوحيد أمامه، وهو أن يضع نفسه تحت الحماية المباشرة للسلاجقة العظام (6)، رحب تُتُش بهذه الدعوة، وكان ينوي متابعة زحفه إلى دمشق بعد فشله أمام حلب، وسار قاصداً المدينة لنجدتها ولم يكن يقترب منها حتى فكَّ ناصر الدولة الجيوشي الحصار عنها وانسحب باتجاه الجنوب، لأن قواته كانت عاجزةً عن أن تقف في وجه القوة السلجوقية، وبخاصة أن طرابلس وصور امتنعتا عن تقديم المساعدة له، بل إن حاكميها صانعا السلاجقة بالهدايا والملاطفات (7)، وعندما وصل تُتش إلى مرج عذراء الواقع إلى الشمال الشرقي من دمشق استقبله أتسز، فبذل له الطاعة وسلمه البلد وبعد أن أقام بضعة أيام في مرج عذراء توجّه إلى المدينة، فاستقبله أتسز عند أسوارها ولم يذهب أبعد من
_________
(1) تاريخ السلاجقة في بلاد الشام، ص 128.
(2) تاريخ السلاجقة في بلاد الشام، ص 128.
(3) المصدر نفسه، ص 129.
(4) تاريخ دمشق لابن القلانسي، ص 183.
(5) تاريخ دمشق لابن القلانسي، ص 183.
(6) تاريخ السلاجقة في بلاد الشام، ص 129.
(7) تاريخ دمشق لابن القلانسي، ص 182.
(1/92)

ذلك للقائه، فاغتاظ منه تُتُش وعاتبه على ذلك، فاعتذر بأمور لم يقبلها (1)، ويبدو أن تُتُش خشي من طموحات أتسز، ولم يطمئن إلى وجوده إلى جانبه، فاتخذ من ذلك حجة وتخلص منه، كما قتل أخاه جاولي وتسلم دمشق دون قتال، وأسس لنفسه ولأسرته حكماً فيها (2)، وبذلك أضحى تتش يسيطر على الأقاليم الوسطى من بلاد الشام، وجهد بعد ذلك للعمل على بسط سلطاته على كامل بلاد الشام وبخاصة المدن الساحلية التي كانت تدين بالطاعة للدولة الفاطمية أو تُحكم من قبلها مباشرةً وإنشاء دولة أخرى للسلاجقة في هذه البلاد يتولى حكمها بمعزل عن السلاجقة العظام في خراسان وفارس (3).
2 - زوال الإمارة المرداسية وقيام الإمارة العقيلية في حلب: ضاق الأمر كثيراً بأهل حلب تحت حكم سابق بن محمود المرداسي، فراسلوا مسلم بن قريش ليخلصهم مما هم فيه، فسار إليهم سنة 472هـ، فأغلق سابق أبواب حلب في وجهه ومعه بداخل حلب الشريف أبو علي الحسين بن هبة الله الهاشمي العباسي المعروف بالحتيتي (4) فخرج ابن له من داخل حلب إلى الصيد فقبض ابن قريش عليه وجعله رهينة بيده كي تستسلم له المدينة، فاستسلمت له فعلاً ودخلها هي والقلعة بسلام (5)، ويقول ابن الجوزي: إن سابق ابن محمود هو الذي أوحى لمسلم بن قريش بالقدوم إليه لتسليمه المدينة, ومما قاله له: أنت أولى بي من الغير والعربية تجمعنا, فإن كنت مأكولاً فكن أنت آكلي .. وسار مسلم بن قريش إلى حلب فوصلها ثاني عشر من ذي الحجة ومعه بنو كلاب وكلب ونمير وجميع القبائل وقد أطاعوه خوفاً من الغز وأنفق عليهم الأموال فكسر الأحداث (6) الأبواب يوم الجمعة لعشر بقين من ذي الحجة ودخل أصحابه إليها ولم يتأذ أحد من أهلها، ولا أغلق فيها دكان وراسل سابق بن محمود وهو في القلعة مراسلة انتهت إلى أن يزوجه سابق بابنته ويعوضه مالاً على أن يسلم القلعة فرضي وحط سابق رحله وماله في البلد ولم يبق إلا أن ينزل فوثب أخواه شبيب ووثاب فقبضا عليه واستوليا على القلعة، فجمع مسلم مقدمي بني كلاب وقال: علمتم أني أنفقت أموالاً وبعدت عن بلادي في حراسة بلادكم وأموالكم وكفّ عادية الغز عنكم، وهذه مقابلة ما أعرفها فإن كنتم رجعتم فهأنذا راجع بلادي ومبرئ منكم فأنكروا ما جرى وشرطوا السعي فيه وإزالة ما تجدد منه، فدخل حلب واستقامت له (7).والذي
_________
(1) الكامل في التاريخ (6/ 471).
(2) تاريخ السلاجقة في بلاد الشام، ص 129.
(3) تاريخ السلاجقة في بلاد الشام، ص 130.
(4) زبدة الحلب (2/ 67، 68).
(5) المتنظم (8/ 323).
(6) منتظمة الأحداث تتولى المحافظة على مصالح السكان في المدينة وعلى النظام العام وحماية الأسوار والأبواب ومساعدة الجيوش النظامية.
(7) مرآة الزمان، سبط ابن الجوزي 202،203.
(1/93)

يتضح أن أوضاع حلب تردَّت كثيراً بسبب ما تعرضت له من حصار ومنازعات بين السلاجقة وغيرهم من الأمراء العرب مما جعل سابق بن محمود يوصي إلى مسلم بن قريش العقيلي كي يأتي إليه ليسلمه المدينة، أما الرواية التي تقدمت بأن مسلم بن قريش جاء وحاصر حلب ولم تستسلم له في بادئ الأمر لامتناع سابق عليه، فإنه يمكن القول إنه كان متردداً في ذلك, وقد أوصى لمسلم بن قريش عندما كان السلاجقة يهددونه، وعندما جاء مسلم بن قريش وزال الخطر تراجع عن التسليم إليه، ثم وجد ألا مناص فتنازل له عن حلب وانتهى الأمر على ذلك بالرغم من معارضة أخويه وثاب وشبيب (1)، وقد أرسل شرف الدولة مسلم بن قريش إلى السلطان السلجوقي ملكشاه يخبره بما فعل وطلب منه إقراره على حلب, وتعهد أن يرسل في كل سنة ثلاثمائة ألف دينار فأقره السلطان (2)، وهكذا تبدو سياسة الأمير العقيلي مسلم بن قريش، سياسة تنبع من المصلحة الشخصية التي كانت قائمة على سياسة المد والجزر، فهو يلاين السلطان ويسايره، ويعده بالولاء والطاعة وإرسال الأموال، وفي الوقت نفسه يعمل على تقليص النفوذ السلجوقي من الشام والجزيرة، ليبني له زعامة مستقلة عن حكمهم، والآن وقد انقسمت الشام إلى إمارتين كبيرتين إحداهما في الجنوب ومقرها دمشق لتتش ابن السلطان ألب أرسلان وثانيتهما في الشمال ومقرها حلب لمسلم بن قريش العقيلي، فما العلاقة التي قامت بين هاتين الإمارتين اللتين تدَّعي إلى كل منهما الولاء والطاعة لبني سلجوق؟ (3).
3 - علاقة مسلم بن قريش مع تتش ابن السلطان ألب أرسلان في الشام: بدأت أعمال التوتر والاستفزاز تظهر بينهما، كما بدأ كل واحد منهما يوسع من دائرة أحلافه وأنصاره استعداداً للمعركة الفاصلة (4) وقام مسلم بن قريش بمهاجمة حمص سنة 475هـ، وكان يليها خلف بن ملاعب، مطيعاً لتتش السلجوقي، فكتب إليه: إن هذا صاحبي ومنتم إليَّ فارحل عنه. فبعث مسلم إليه: إن هذا رجل مفسد في أعمال السلطان، قاطع سبلها، فإن كان صاحباً لك فخذه إليك. فسار تتش لنجدته، فخاف ابن قريش عتب السلطان ملكشاه في مقاتلة أخيه تتش، فانسحب عنه، وفي طريقه قبض على ما يقرب من ثلاثمائة فارس من التركمان وفرقهم في القلاع، فكان آخر العهد بهم (5).
4 - حملة مسلم بن عقيل على دمشق سنة 475هـ: وردت كتب في هذه السنة من بعض أمراء العرب إلى مسلم بن قريش يحثونه فيها على ضرورة تخليص بلاد الشام مما هي
_________
(1) سلاجقة الشام والجزيرة، د. أرشيد يوسف، ص 80.
(2) تاريخ دولة آل سلجوق، ص 72.
(3) سلاجقة الشام والجزيرة، أرشيد يوسف، ص 81.
(4) سلاجقة الشام والجزيرة، أرشيد يوسف، ص 81.
(5) سلاجقة الشام والجزيرة، أرشيد يوسف، ص 81.
(1/94)

فيه وكان عندئذ مقيماً في الجزيرة (1)، وتصادف مع ذلك خروج تتش من دمشق إلى نواحي أنطاكية (2)، فانتهز ابن قريش هذه الفرصة وجمع عساكره من العرب والأكراد وأسرع بهم نحو دمشق ليأخذها من السلاجقة، ثم اتصل بالفاطميين طالباً العون منهم (3)، غير أن هذه الحملة فشلت وارتد مسلم بن قريش عائداً عنها إلى الجزيرة، وقد ذكر المؤرخون أن فشله يعود إلى جملة أسباب منها: أن الفاطميين تقاعسوا عن نصرته، ثم عاد تتش مسرعاً عندما علم بحملته، كما عصى أهل حران عليه في الجزيرة مما أجبره على العودة إليها (4).
5 - مقتل شرف الدولة مسلم بن قريش العقيلي سنة 478هـ: استولى سليمان بن قتلمش السلجوقي على أنطاكية من أيدي الروم سنة 478هـ بعد أن كانت بيدهم منذ سنة 358هـ، فلما ملكها سليمان أرسل إليه شرف الدولة مسلم بن قريش يطلب منه ما كان يحمله إليه الفردوس من المال، ويخوّفه معصية السلطان، فأجابه: أما طاعة السلطان، فهي شعاري، ودثاري، والخطبة له، والسكّة في بلادي، وقد كاتبته بما فتح الله على يدي بسعادته من هذا البلد، وأعمال الكفّار (5)،
وأمّا المال الذي كان يحمله صاحب أنطاكية قبلي، فهو كان كافراً، وكان يحمل جزية رأسه وأصحابه، وأنا - بحمد الله- مؤمن، ولا أحمل شيئاً، فنهب شرف الدولة بلد أنطاكية، ونهب سليمان أيضاً بلد حلب، فلقيه أهل السواد يشكون إليه نهب عسكره فقال: أنا كنت أشد كراهية لما يجري، ولكن صاحبكم أحوجني إلى ما فعلت، ولم تجر عادتي بنهب مال مسلم، ولا أخذ ما حرمته الشريعة، وأمر أصحابه بإعادة ما أخذوه منهم فأعاده، ثم إن شرف الدولة جمع الجموع من العرب والتركمان، وكان ممن معه جبق أمير التركمان في أصحابه وسار إلى أنطاكية ليحصرها، فلما سمع سليمان الخبر جمع عساكره، وسار إليه فالتقيا في الرابع والعشرين من صفر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة في طرف من أعمال أنطاكية واقتتلوا، فمال تركمان جبق إلى سليمان، فانهزمت العرب، وتبعهم شرف الدولة منهزماً، فقُتل بعد أن صبر، وقُتل بين يديه أربعمائة غلام من أحداث حلب، وكان يوم قتل في يده ديار ربيعة ومضر من أرض الجزيرة والموصل وحلب، وما كان لأبيه وعمّه قرواش، وكان الأمن في بلاده عامًّا، والرخص شاملاً وكان يسوس بلاده سياسة عظيمة، بحيث يسير الراكب والراكبان فلا يخافان شيئاً، وكان له في كل بلد وقرية عامل، وقاض، وصاحب خبر، بحيث لا يتعدى أحد على أحد، ولما قتل قصد بنو عقيل أخاه
_________
(1) زبدة الحلب (2/ 79).
(2) النجوم الزاهرة (5/ 115) , سلاجقة الروم والجزيرة، ص 81.
(3) النجوم الزاهرة (5/ 115) , سلاجقة الروم والجزيرة، ص 81.
(4) خطط الشام (1/ 266، 267) , سلاجقة الروم والجزيرة، ص 82.
(5) الكامل في التاريخ (6/ 294).
(1/95)

إبراهيم بن قريش، وهو محبوس، فأخرجوه وملكوه أمرهم (1)، وتزوج صفية خاتون عمة السلطان ملكشاه (زوجة مسلم أخيه سابقاً) غير أن السلطان ملكشاه لم يعترف بهذه الزعامة، فأمر إبراهيم بن قريش بالقدوم عليه بأصفهان، فقبض عليه وسجنه وأرسل مكانه على بني عقيل، أبا عبد الله محمد بن مسلم بن قريش وأقطعه الرحبة وحرّان والرقة وسروج في الجزيرة، ثم زوجه بأخته زليخة خاتون سنة479هـ (2).
6 - النزاع بين تتش وسليمان بن قتلمش: انسحب سليمان بن قتلمش إلى أنطاكية بعد المعركة التي قتل فيها مسلم بن قريش وأرسل إلى ابن الحتيتي «القائم بأعمال حلب بعد ابن قريش» يطلب منه طاعته والتبعية له فرد عليه يماطله ويعتذر حتى يكاتب السلطان السلجوقي في هذا الأمر، وفي الوقت نفسه قام ابن الحتيتي بمراسلة تتش للقدوم إليه لتسليمه المدينة (3)، اتجه كل من سليمان بن قتلمش وتتش إلى حلب طمعاً فيها، فالتقت عساكرهما في شهر صفر 479هـ فانهزم أصحاب سليمان وثبت هو في القلب، فلما رأى انهزام عساكره أخرج سكيناً معه فقتل نفسه, وقيل: بل قتل في المعركة، واستولى تتش على عسكره, وكان سليمان بن قُتلمش في السنة الماضية في صفر قد أنفذ جثة شرف الدولة إلى حلب على بغل ملفوف في إزار وطلب من أهلها أن يسلموها إليه، وفي هذه السنة في صفر أرسل تُتُش جثة سليمان في إزار ليسلّموها إليه، فأجابه ابن الحتيتي أنه يكاتب السلطان، ومهما أمره فعل، فحصر تُتش البلد، وأقام عليه، وضيق على أهله، وكان ابن الحُتيتي قد سلم كل برج من أبراجها إلى رجل من أعيان البلد ليحفظه، وسلّم برجاً فيها إلى إنسان يعرف بابن الرعوي. ثم إن ابن الحتيتي أوحشه بكلام أغلظ له فيه، وكان هذا الرجل شديد القوة، ورأى ما الناس فيه من الشدة، فدعاه ذلك إلى أن أرسل إلى تتش يستدعيه، وواعده ليلة يرفع الرجال إلى السور في الجبال، فأتى تُتش للميعاد الذي ذكره، فأصعد الرجال في الحبال والسلالم، وملك تُتش المدينة، واستجار ابن الحُتيتيّ بالأمير فشفع فيه, وأمّا القلعة فكان بها سالم بن مالك بن بدران، وهو ابن عم شرف الدولة مسلم بن قريش، فأقام تُتُش يحصر القلعة سبعة عشر يوماً، فبلغه الخبر بوصول مقدمة أخيه السلطان ملكشاه، فرحل عنها (4).
7 - السلطان ملكشاه يتسلم حلب: كان ابن الحُتيتي قد كاتب السلطان ملكشاه يستدعيه ليسلم إليه حلب، لمّا خاف تاج الدولة تُتُش، فسار إليه من أصبهان في جمادى الآخرة، وجعل على مقدمته الأمير برسق، وبوزان وغيرهما من الأمراء، وجعل طريقه إلى
_________
(1) الكامل في التاريخ (6/ 394،295).
(2) سلاجقة الشام والجزيرة، ص 83.
(3) سلاجقة الشام والجزيرة، ص 83.
(4) الكامل في التاريخ (6/ 300).
(1/96)

الموصل، فوصلها في رجب، وسار منها، فلمّا وصل إلى حران سلّمها إليه ابن الشاطر، فأقطعها السلطان لمحمّد بن شرف الدولة، وسار إلى الرُّها، وهي بيد الروم فحصرها وملكها، وكانوا قد اشتروها من ابن عطير، وسار إلى قلعة جعبر، فحصرها يوماً وليلة وملكها، وقتل من بها من بني قشير، وأخذ جعبر من صاحبها (1) -وهو شيخ أعمى- ولدين له، وكانت الأذية بهم عظيمة يقطعون الطرق ويلجأون إليها، ثم عبر الفرات إلى مدينة حلب، فملك في طريقه مدينة منيح، فلمّا قارب حلب رحل عنها أخوه تُتش، وكان قد ملك المدينة، كما ذكرنا، وسار عنها يسلك البرية، ومعه الأمير أُرتق، فأشار بكبس عسكر السلطان، وقال: إنَّهم قد وصلوا وبهم وبدوابّهم من التعب ما ليس عندهم معه امتناع؛ ولو فعل لظفر بهم. فقال تتش: لا أكسر جاه أخي الذي أنا مستظل بظله، فإنّه يعود بالوهن عليّ أوّلاً.
وسار إلى دمشق، ولمّا وصل السلطان إلى حلب تسلم المدينة، وسلَّم إليه سالم بن مالك القلعة على أن يعّوضه عنها قلعة جعبر، وكان سالم قد امتنع بها أوّلاً، فأمر السلطان أن يُرمي إليه رشقاً واحداً بالسهام، فرمى الجيش، فكادت الشمس تحتجب لكثرة السهام، فصانع عنها بقلعة جعبر وسلمها، وسلم السلطان إليه قلعة جعبر، فبقيت بيده وبيد أولاده إلى أن أخذها منهم نور الدين محمود زنكي، على ما نذكره إن شاء الله تعالى، وأرسل إليه الأمير نصر بن علي بن منقذ الكنانيُّ، صاحب شَيزر، فدخل في طاعته، وسلم إليه اللاذقية، وكفر طاب، وأفامية، فأجابه إلى المسالمة، وترك قصده، وأقر عليه شَيزر، ولما ملك السلطان حلب سلمها إلى قسيم الدولة آق سنقر، فعمرها، وأحسن السيرة فيها، وأمّا ابن الحتيتي فإنّه كان واثقاً بإحسان السلطان ونظام الملك إليه، لأنّه استدعاهما، فلمَّا ملك السلطان البلد وطلب أهلها أن يعفيهم من ابن الحُتَيْتي، فأجابهم إلى ذلك، واستصحبه معه، وأرسله إلى ديار بكر، فافتقر، وتوفي بها على حال شديدة من الفقر وقتل ولده بأنطاكية، قتله الفرنج لما ملكوها (2).

رابعاً: تأسيس سلطنة سلاجقة الروم: 470 هـ - 479هـ: أتاحت معركة ملاذكرد 463هـ للسلاجقة الأنسياب إلى جوف آسيا الصغرى، وشجعتهم النزاعات والحروب الداخلية التي نشبت بين البيزنطيين على الاستقرار في ربوعها، وتأسيس سلطنة عُرفت في التاريخ باسم «سلطنة سلاجقة الروم» أسَّسها سليمان بن قتلمش الذي يعد بحق جد سلاطين آسيا الصغرى، أخذ سليمان على عاتقه إدارة شئون المنطقة الشمالية الغربية بعد رحيل ألب
_________
(1) الكامل في التاريخ، ص (6/ 300).
(2) المصدر نفسه (6/ 301).
(1/97)

أرسلان عن آسيا الصغرى، وعزم على أن يقيم لنفسه سلطنة في قونية وآقسرا وغيرهما من المدن التي كانت تحت حكم قُتلمش، ويتولى حكمها مع الاعتراف بسيادة ملكشاه سلطان السلاجقة العظام الذي خلف أباه ألب أرسلان وكان الأول قد عهد إليه بإدارة المنطقة لصالح الأتراك (1)، وقد ساعد سليمان في تحقيق غايته عاملان:
أ التغير الديمجرافي الناتج عن الفتوح، إذ أضحت المناطق الشمالية والشرقية شبه خالية بعد أن هجرها سكانها، ذلك أن القبائل التركية التي ساندت سليمان في فتوحه، كانت تطوف أرجاء الأناضول تلتمس الماء والكلأ، فاضطر السكان إلى مغادرة قراهم ومزارعهم إلى مناطق أكثر أمناً فدخل إليها السلاجقة واستقروا فيها وغيروا معالمها.
ب الأوضاع البيزنطية المضطربة، استفاد السلاجقة خلال الأعوام التي انقضت بعد ملاذكرد من الأوضاع المضطربة داخل الأجهزة البيزنطية، وراحوا يتدخلون في الشئون الداخلية لأطراف النزاع وظهروا كحلفاء ومساعدين لبعضهم، مما يسَّر لهم التوغل بعيداً حتى وصلوا إلى المقاطعات الغربية في آسيا الصغرى (2).
وقد ازدادت الفوضى في بلاد الأناضول نتيجة استمرار الانتفاضات على الحكومة المركزية، بالإضافة إلى التوسع السلجوقي، وفقدت الدولة البيزنطية سيطرتها على المنطقة، وتعطلت طرق المواصلات بفعل تدمير البدو لها، ولم يكن ثمة سياسة بيزنطية مدروسة، ويبدو أن ما جرى من استخدام القوات التركية هيَّأ للسلاجقة الاستقرار والإقامة في غربي آسيا الصغرى، واعترف الأتراك بسليمان زعيماً، ولم تكد تنتهي سنة 471هـ إلا وكانت حامية نيقية السلجوقية قد أعلنت العصيان على نقفور الثالث الذي أقامها في هذه المدينة، وبذلك فقدت الإمبراطورية البيزنطية أهم مدنها بعد أن سيطر عليها السلاجقة، وكان السلطان ملكشاه يراقب تحركات سليمان ونشاطه في آسيا الصغرى عن بعد، ورأى أن يعينه حاكماً على سلاجقة الروم بعد أن ضمَّ إليه قونية وآقسرا وقيصرية وتوابعها (3)، وفي الحقيقة استطاع سليمان أن يضع أساس سلطنة سلاجقة الروم (4)، وأن يجعل من مدينة نيقية عاصمة لها (5).
_________
(1) تاريخ سلاجقة الروم في آسيا الصغرى، ص 53، 54.
(2) المصدر نفسه، ص 56.
(3) تاريخ سلاجقة الروم في آسيا، ص 56.
(4) المصدر نفسه، ص 57.
(5) تاريخ سلاجقة بلاد الشام، ص 139.
(1/98)

خامساً: الحسن بن الصباح والدعوة النزارية الإسماعيلية «الحشيشية»: نشأت الدعوة الإسماعيلية النزارية بصورة خاصة في المشرق الإسلامي، وكان أنصارها يعرفون كذلك بالباطنية والحشيشية أو الحشاشين، وتعود جذور الدعوة النزارية إلى سنة 478هـ حين توفي الخليفة الفاطمي المستنصر دون أن يبايع لابنه الأكبر نزار رغم أنه أبدى رغبته في ذلك في أواخر أيامه إلا أن الحاشية وعلى رأسها أمير الجيوش الوزير بدر الجمالي حالت دون ذلك، وقد بويع بعد وفاة المستنصر ابنه الأصغر المستعلي بالله وبذلك انشقت الدعوة الإسماعيلية إلى شقين: النزارية والمستعلية وكان الحسن بن الصباح الحميري قد نشأ بالري في بلاد فارس، وتأثر في شبابه بالدعوة الإسماعيلية الفاطمية وزار مصر والتقى بالمستنصر (1). وظل الحسن بن الصباح مقيماً في مصر زهاء ثمانية عشر شهراً، كان خلالها موضع حفاوة المستنصر، فأمده بالأموال، وأمره بأن يدعو الناس إلى إمامته في بلاد العجم (2)، وكان الحسن بن الصباح يرى أن تولية نزار تتفق مع التعاليم الإسماعيلية التي تشترط في الإمام أن يكون أكبر أبناء أبيه (3)، ولا شك أن إقامة الحسن بن الصباح في مصر أتاحت له التعرُّف على أحوال الدولة الفاطمية، وما آلت إليه الدعوة الإسماعيلية في ظل سيطرة بدر الجمالي، وقد عزم على إقامة الدعوة للمستنصر في فارس وخراسان وحرص على تكوين مجتمع إسماعيلي (4) صرف وحين عاد إلى بلاد فارس بدأ بنشر دعوته إلى نزار رافضاً البيعة للمستعلي معتبراً نفسه نائب الإمام مخططاً لإنشاء دولة إسماعيلية جديدة في المشرق الإسلامي (5).
1 - السيطرة على قلعة ألموت عام 483هـ: اتصل الحسن بن الصباح ببلاط السلاجقة - قبل ذهابه لمصر - مع نظام الملك لدى السلطان ملكشاه، ثم هرب من الري، بسبب نشاطه في الدعوة الإسماعيلية وإيوائه لمجموعة من دعاة الفاطميين, وخرج إلى مصر تلبية لطلب الداعي الكبير عبد الملك بن عطاش ليحضر دروس العلم الباطنية في مصر وليقابل إمامهم المستنصر ويعلن له الولاء وبشكل مباشر، وخرج من الري في طريقه إلى مصر عام 467هـ داعياً إلى نحلة القوم، في كل بلد يمر بها، ووصل القاهرة عام 471هـ، فاستقبله المستنصر بحفاوة في قصره وتحدثا في شئون الدعوة، وكيف تقام في بلاد العجم، وقال الحسن للمستنصر: من إمامي بعدك؟ قال: ابني نزار، وقد أكرمه المستنصر وأعطاه مالاً، وأمره أن يدعو الناس إلى إمامته (6)، وبعد أن رجع إلى فارس، وبلغ أصفهان سنة 473هـ باشر دعوته
_________
(1) الخلافة العباسية، فاروق فوزي (2/ 188).
(2) التاريخ الفاطمي د. محمد طقوس، ص 392، 393.
(3) التاريخ الفاطمي د. محمد طقوس، ص 392، 393.
(4) التاريخ الفاطمي د. محمد طقوس، ص 392، 393.
(5) الخلافة العباسية (2/ 188).
(6) الجهاد والتجديد في القرن السادس الهجري، ص 31.
(1/100)

السرية، ولما ضيق نظام الملك عليه الخناق، رحل إلى قزوين، واستولى هناك على قلعة «ألموت» الحصينة، وجعلها مقراً له ولجماعته (1)، فتوسعوا وأكثروا الفساد في البلاد (2).
2 - مراتب ودرجات أعضاء الدعوة النزارية الباطنية: منذ البداية حاول الحسن الصباح أن يحصن نفسه وأتباعه في قلاع متناثرة في أقاليم وعرة مثل أقاليم بحر قزوين وثبت مركزه في قلعة ألموت بنواحي قزوين سنة 483هـ، كما اعتمد أسلوبه على العنف والاغتيال وبث الرعب في نفوس الناس، وكان أول ضحاياه الوزير السلجوقي نظام الملك الذي شدد على الدعوة النزارية وحاربها، كما شارك الحشاشون - فيما بعد - في قتل الخلفاء العباسيين المسترشد والراشد وهددوا ملكشاه السلجوقي وصلاح الدين الأيوبي وأمراء مسلمين. وروج الحسن بن الصباح لنظرية الإمام المستور، وألقى على نفسه مهمة الدعوة له معتبراً نفسه رئيس الدعوة ونائب الإمام، أما الإمام المستور فهو نزار بن المستنصر ومن بعد مقتله أبناؤه، كما ادعى الحسن الصباح بأنه مصدر المعرفة لأنه نائب الإمام المستور وأنه تعلم معرفته من الإمام المعصوم مباشرة وزعم وأخذ يبشر بالعقيدة الباطنية التي تقول إن لكل ظاهر باطنًا ولكل تنزيل تأويلاً وأن الباطن هو المهم لأنه اللب, وكانت تأويلاته تتفق مع نزعته السياسية وأهدافه التي يريد تحقيقها وكانت الدعوة النزارية دعوة منظمة بدقة وأعضاؤها منقسمون إلى مراتب ودرجات (3).
المرتبة الأولى: مرتبة رئيس الدعوة أو داعي الدعاة, وكان أيضاً يسمى نائب الإمام المستور في بلاد الشام, وسمي «شيخ الجبل».
المرتبة الثانية: كبار الدعاة.
المرتبة الثالثة: الدعاة.
المرتبة: الرابعة: الرفاق.
المرتبة الخامسة: الضراوية وهم الفئة المسلحة في الدعوة التي يشترط فيها التفاني والتضحية في خدمة الدعوة حتى ولو أدى ذلك إلى ألموت الذي اعتبروه أشرف نهاية لأنه يضمن لهم السعادة في جنة الإمام.
المرتبة السادسة: اللاصقون.
_________
(1) حركة الحشاشين: محمد عثمان الخشت، ص 65، 66.
(2) الجهاد والتجديد في القرن السادس الهجري، ص 32.
(3) الخلافة العباسية، (2/ 189).
(1/101)

المرتبة السابعة: المستجيبون وهم عامة الناس المؤيدون للدعوة (1). وإليك تفصيل مهام دعاة الباطنية:
3 - مهام الدعاة: لقد أنيطت بالدعاة مهام يجب عليهم العمل بموجبها وتحقيقها وتتمثل تلك المهام في الآتي:
أ- أن يبدأ الدعاة بمناقشة الطالب في المسائل الدينية وتفاسير القرآن ويعلموه أن مسائل الدين أمور شديدة التعقيد، ولا يستطيع فهمها إلا رجال كالدعاة الذين تبحروا في درسها، ويأخذون عليه العهد بألا يذيع شيئاً مما يعلمونه من النظريات والشروح.
ب- يعَلّم الطالب أن كل التفاسير والأحكام التي قال بها المجتهدون السابقون خاطئة، باطلة، وأن الأحكام الصحيحة هي التي يقول بها الأئمة الذين تلقوها من الله.
جـ- أن هؤلاء أئمة الإسماعيلية وهم سبعة آخرهم محمد بن إسماعيل.
د- أن الأنبياء الذين تقدموا آل البيت سبعة أيضاً هم: آدم ونوح وإبراهيم وموسى والمسيح ومحمد - صلى الله عليه وسلم - ومحمد بن إسماعيل.
هـ- يبدأ الدعاة بتنفيذ مهمتهم الحقيقية وهي هدم العقيدة الدينية، فيعلمون الطالب ألا يؤمن بالسنَّة وأن يرفض تعاليم محمد - صلى الله عليه وسلم -.
و- يسعون إلى إقناع الطالب بأن كل الأديان وما أمرت به من الفروض كالصوم والصلاة وغيرها إن هي إلا أكاذيب وحيل ابتكرت لإخضاع المجتمعات البشرية وأن جميع الشرائع لا بد أن تخضع لشريعة العقل والعلم، ويدللون على أقوالهم بنظريات أرسطو وأفلاطون وفيثاغورس، مما يدل على قوة ارتباطهم وتأثرهم بالفلسفة اليونانية.
ز- يلقَّى الطالب تعاليم الثنوية، وبذلك تهدم عقيدة التوحيد الإسلامية وكل صفات الألوهية.
ح- يشكك الطالب في حقيقة الرسالة، ويعلم بأن الرسل الحقيقيين هم رسل العمل الذين يعنون بالشئون الدنيوية كالنظم وإنشاء الحكومات المثلى.
ط- ويدخل الطالب إلى حظيرة الأسوار، ويعلم أن كل التعاليم الدينية أوهام محضة (2). وهكذا يبدأ الباطنية مع من يدعونه إلى الدخول بمذهبهم فيشككونه في مبادئ الدين
_________
(1) الخلافة العباسية (2/ 190).
(2) تاريخ الحركات السرية، محمد عنان، ص 42.
(1/102)

ونصوصه وتعاليمه وينتهون به في النهاية إلى الخروج من الدين بالجملة (1).
الدكتور الخطيب يربط بين هذه الأساليب والحيل لهذه الفرقة وبين أساليب ومراحل التدرج عند الماسونية في عصرنا الحاضر، فيقول: والمطلع على أساليب الماسونية في العصر الحاضر، وطرق الدخول فيها، والتكريس الذي تمارسه على الدخول في محافلها، يستطيع أن يقارن بين أساليب الباطنية عموماً وبالأخص الإسماعيلية، وأساليب التكريس الماسوني، بحيث لا نبتعد عن الحقيقة إذا قلنا إن هناك خيطاً رفيعاً يجمع بين الباطنية والماسونية، يمكن أن نرده إلى اليهودية العالمية التي استطاعت أن توجد الباطنية وفرقها في القديم، والماسونية العالمية ومؤسساتها في العصر الحديث (2). من هذا العرض يتضح أن الغاية القصوى من هذه الأساليب والحيل التي اتخذها دعاة الإسماعيلية إثارة الشكوك وزعزعة العقيدة الإسلامية وهدم المبادئ والقيم الاجتماعية والأدبية ومحاربة النظم السياسية (3)، وقد كان لتلك الدعوة وما قامت عليه من أسس وتنظيمات سرية دقيقة أثر كبير في نشر المذهب الإسماعيلي، ويعزز أحد دعاة الإسماعيلية المعاصرين هذه الحقيقة (4) فيقول: إنه بفضل هذا التنظيم الدقيق انتشرت الحركة الإسماعيلية بشكل لم تعهده أية دعوة في العالم (5)، بل إن الحركة في جملتها مدينة لوجودها حتى اليوم إلى تلك التنظيمات وتلك المراتب. كما يقول عارف تامر (6).
4 - مراحل الدعوة: وللإسماعيلية حيل ووسائل يصطادون الناس بها، يتدرج بها الداعي مع المستجيب من مرحلة، ابتدعوها ليسلحوا أتباعهم بها اعتقاداً منهم أن كل هذه الحيل والمراحل مشروعة لبلوغ المآرب الدنيوية: لا حقيقة في هذا الوجود. وكل
أمر مباح (7).
وأولى هذه الحيل والمراحل:
أ- التفرس: ومن شروطه القوة على التلبيس، ومعرفة حال المدعو؛ لذا منعوا إلقاء البذرة في الأرض السبخة، والتكلم في بيت فيه سراج؛ بمعنى أن من لا أمل في إغوائه
لا ينبغي أن يضيع الوقت معه، كما لا ينبغي محاولة نشر الدعوة في بلد فيه شخص
_________
(1) الإسماعيلية المعاصرة، محمد أحمد الجوير، ص 65.
(2) الحركات الباطنية في العالم الإسلامي, د. محمد أحمد الخطيب، ص 129.
(3) الإسماعيلية المعاصرة، ص 66.
(4) الإسماعيلية المعاصرة، ص 66.
(5) تاريخ الدعوة الإسماعيلية، مصطفى غالب، ص 34.
(6) القرامطة، عارف تامر، ص 69.
(7) الإسماعيلية المعاصرة، ص 61.
(1/103)

متنور بنور الإسلام (1).
ب- التأنيس: بعث الأمن والطمأنينة في نفوس المدعوين وتزيين مذهب الشخص في عينه، ثم سؤاله عن تأويل ما يعتقد.
جـ- التشكيك: زعزعة عقيدة المدعو بإلقاء أسئلة عليه، كسؤاله عن معاني حروف الهجاء في أوائل السور مثلاً.
د- التعليق: ترك المدعو متأرجحاً في عقيدته متلهفاً إلى معرفة المذهب الإسماعيلي.
هـ- الربط: وهو أن يربط لسان المدعو بأيمان مغلظة وعهود مؤكدة بألا يفشى
ما سمعه.
و- التدليس: وهو لجوء الداعي إلى التمويه وإغراء المدعو، وتشويقه للدخول إلى المذهب الإسماعيلي، مع بيانهم للمدعو أن الظواهر عذاب وأن الرحمة في الباطن،
متأولين الآية الكريمة {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ} [الحديد، 13].
ز- التأسيس: تثبيت المعلومة والحقائق التي أدلى بها الداعي للمستجيب حتى تستقر
في ذهنه.
ح- الخلع أو السلخ: يقصد به إقصاء المدعو عن المذهب السني نهائياً (2).
5 - منطلقات الحركات الباطنية: إذا أراد الباحث أن يفهم أساليب الدعوة الباطنية وكيفية نشرها بين الناس وسر انتشارها، ينبغي له الوقوف على طبيعة منطلقاتها العامة التي انطلقت منها أولاً والتي يمكن تلخيصها بما يأتي:
أ الشمولية: حاولت الحركة الباطنية تشكيل بنية الفكر الباطني في صورة مذهب جامع شامل، يقوم على الجمع والتلفيق بين عقائد شتى، متنوعة ومتباينة في أصولها ومصادرها بحيث تجد هوى في نفوس جماعات مختلفة في العنصر والدين من مزدكيين ومانويين وصابئين ويهود ومسيحيين ومسلمين (3)، وهي قاعدة فكرية مركبة من شأنها أن تستهوي أناساً من مشارب شتى باعتبارها تبشر بحرية الفكر والعقيدة، وتدعو إلى ديانة أممية تزول فيها الفوارق ودواعي الاختلاف, وقد نقلت المصادر جملة من عباراتهم الدالة على
_________
(1) الإسماعيلية المعاصرة، ص 61.
(2) فضائح الباطنية، ص 121، 132.
(3) أصول الإسماعيلية، ص 194، 195.
(1/104)

هذا المعنى لعل من أكثرها تعبيراً عن ذلك قولهم (1): وينبغي لإخواننا أيّدهم الله ألا يعادوا علماً من العلوم أو يهجوا كتاباً من الكتب ولا يتعصبوا على مذهب من المذاهب لأن رأينا ومذهبنا يستغرق المذاهب كلها ويجمع العلوم جميعها (2).
ب انتقاء الدعاة: عملت هذه الحركة على انتقاء الداعى إلى دعوتهم في حدود مواصفات دقيقة تواضعوا على ضرورة توافرها فيه، إذ هو الأداة التي يتوصل بها إلى أفراد المجتمع والنافذة التي تظل بها الدعوة الباطنية على العالم الخارجي، ومن أبرز الصفات التي ينبغي أن تتوافر في الداعي أن يكون فطناً ذكياً صحيح الحدس صادق الفراسة متفطناً للبواطن بالنظر إلى الشمائل والظواهر، وأن يكون في أسلوب عمله متبعاً لثلاثة أمور:
- أن يميز من يجوز أن يطمع في استدراجه بلين عريكته لقبول ما يلقي إليه من العقائد والمبادئ المخالفة لما ألفه واعتقد به أصلاً.
- أن يكون ذكي الخاطر قوي الحدس في القدرة على تعبير الظواهر وردّها
إلى البواطن.
- أن يدرس عقيدة المدعو وميله في طبعه ومذهبه قبل الإقدام على مخاطبته.
ولكي يتمتع الداعي بهذه الصفات لابد من إعداده إعداداً خاصاً في مدارس معينة تستطيع أن تقدم له كل أساليب الحيلة وصنوف المعرفة، وقد قامت الدولة الفاطمية العبيدية، بإنشاء المدارس السرية الخاصة بإعداد الدعاة، فكانت أولى هذه المدارس في مدينة المهدية قاعدة الدولة الفاطمية العبيدية في عهد مؤسسها عبيد الله المهدي ثم راجت في المنصورية في عهد حفيده المنصور، ثم في القاهرة في عهد المعزّ ومن جاء بعده من حكام العبيديين فكانت هذه المدارس تخرج الدعاة الذين ينبثون في عامة البلاد الإسلامية ينشرون هذا المذهب ويكونون على اتصال دائم بمركز الدعوة والدولة (3).
ج- السرية: تشكل البنية التنظيمية للجمعيات الباطنية بصورة جمعيات سرية لها درجاتها ورموزها ومراتبها ودعاتها وقادتها وأساليب عملها المتقنة، ولهذه الجمعيات السرية عهود ومواثيق مقدسة واحتفالات دينية تضفي من خلالها على هياكلها التنظيمية معنى القداسة الروحية (4)، ويشير ابن النديم إلى هذه السرية عند كلامه عن بني القداح أساس البلاء في الحركات الباطنية بقوله: وقد كان قبل بني القداح قريب ممن يتعصب للمجوس ودولتها،
_________
(1) التسلل الباطني في العراق، مكي خليل، ص 126.
(2) رسائل إخوان الصفا, نقلاً عن التسلل الباطني في العراق، ص 126.
(3) عبيد الله المهدي، حسن إبراهيم حسن، ص 58.
(4) التسلل الباطني في العراق، ص 129.
(1/105)

وتجرد لردّها في أوقات، منها بالمجاهرة، ومنها بالحيلة سراً، فأحدثوا لذلك في الإسلام حوادث منكرة (1)، وكانت هذه السرية تشمل سرية الوسائل وسرية الأهداف معاً، كما تشمل السرية رجالات هذه الحركة (2)، ويشير الدكتور حسن إبراهيم حسن إلى شدة السرية في الحركة العبيدية (3) الفاطمية، ولذلك آمنت معظم الفرق الباطنية باستتار الإمام الذي لا ينبغي أن يتفوه باسمه، أو قالت بغيبته وعدم ظهوره إلاّ حينما يجد الوقت المناسب لذلك (4).
د- اختيار البيئة الملائمة: اهتمت الدعوة الباطنية بدراسة البيئة التي تحاول أن تبث فيها أفكارها وعقائدها وتنشئ فيها تنظيماتها، فكانت تشترط على دعاتها الذين تميزوا بقوة الذكاء وحضور الفطنة، أن يكونوا متوقدي الفراسة في اختيار المناطق التي ينشرون فيها أفكارهم وانتقاء الشرائح الاجتماعية التي يمكن أن تتقبل دعوتهم وأن يميزوا «بين من يجوز أن يطمع في استدراجه ويوثق بلين عريكته لقبول ما يلقى إليه على خلاف معتقده، فربّ رجل جمود على ما سمعه لا يمكن أن ينتزع من نفسه ما يرسخ فيه، فلا يضعف الداعي كلامه مع مثل هذا، وليقطع طمعه منه، وليلتمس من فيه انفعال وتأثر بما يلقي إليه من الكلام» (5) لذلك انتشرت الدعوة الباطنية في البيئات التي يكثر فيها الجهل والضلالات، وبلاد الأعاجم التي جهل عوامهم فيها الإسلام بسبب جهل عوامهم باللغة العربية ورسوخ كثير من الديانات والمذاهب القديمة، كبلاد المشرق، وقد اهتم دعاة الباطنية بهذه الأصناف من الناس في دعوتهم (6):
- العوام والجهلاء من أهل السواد وجفاة الأعاجم وسفهاء الأحداث، ممن لم يطلعوا على الإسلام حق الاطلاع, قال الغزالي: ولعل هذا الصنف هم أكبر الناس عدداً، وكيف يستبعد قبولهم لذلك ونحن نشاهد جماعة في بعض المدائن القريبة من البصرة يعبدون أناسا يزعمون أنهم ورثوا الربوبية من آبائهم المعروفين بالشباسية (7). وقد اعتقدت طائفة في عليّ - رضي الله عنه - أنه إله السماوات والأرض رب العالمين (8).
- ألموتورون الحاقدون من أبناء الأكاسرة والدهاقين وأولاد المجوس الذين انقطعت الدولة عن أسلافهم بدولة الإسلام فاستمكن الحقد في صدورهم كالداء الدفين، فإذا ما وجد من يحركه اشتعلت نيرانه في قلوبهم، فأذعنوا لآية دعوة تشوقهم إلى إدراك ثأرهم من المسلمين.
_________
(1) الفهرست، لابن النديم, ص 39.
(2) التسلل الباطني في العراق، ص 129.
(3) عبيد الله المهدي، ص 270، 271.
(4) التسلل الباطني في العراق، ص 130.
(5) المصدر السابق، ص 132.
(6) منسوبة إلى شباس أوابن الذي كان بالبصرة في سنة 450هـ.
(7) فضائح الباطنية، ص 34.
(8) التسلل الباطني في العراق، ص 133.
(1/106)

- الطامحون إلى التسلط والاستيلاء على مقاليد الأمور من غير كفاءة في أنفسهم ولا مزية يمتازون بها، ممن يريدون القفز إلى الحكم على أكتاف المضلل بهم من جهلة الناس, ويظهر ذلك جلياً من دراسة سير الطامحين الذين قاموا بحركات مسلحة وقوّادهم، واستمالة بعض رجالات الدولة العباسية. كما حدث مع البساسيري.
- أدعياء العلم والمعرفة ممن يعملون على التميز عن عامة الناس ويترفعون عن مشابهتهم، ويزعمون أنهم المطلعون وحدهم على الحقائق وأن بقية الخلق لا يفهمون من الأمور إلا ظواهرها، فيجتهدون بتعلم هذه المعارف الغريبة مخالفة لبقية الناس (1).
- اتباع فرق الغلاة ممن شوّهوا الإسلام واعتقدوا فيه اعتقادات ليست منه، وتدينوا بسب الصحابة من المهاجرين والأنصار حيث وجدوا في الحركة الباطنية ما يساعدهم على تحقيق أغراضهم، ونشر مبادئهم الخسيسة.
- الملحدون من الفلاسفة والثنوية والمتحيرة في الدين ممن اعتقدوا أن الشرائع قوانين ملفقة وقد عمل زعماء الباطنية على إكرامهم وإغداق ذخائر الأموال عليهم فانحازوا إليها طلباً للدنيا وحطامها وهؤلاء الذين ألفَّوا لهم الكتب ولفقوا الشبه مستخدمين معارفهم في شروط الجدل وحدود المنطق، ودلوا مكامن التلبيس والمغالطة فيها تحت عبارات كلية وألفاظ مجملة مبهمة قلما يهتدي الناظر الضعيف إلى فك تعقيداتها وكشف الغطاء عن مكامنها، وتدليسها، بل يقف في كثير من الأحيان معجبًا بها هياباً منها لعدم قدرته على فك رموزها ومعرفة المقصود منها (2).
- الإباحيون ممن استولت عليهم الشهوات فاستدرجتهم متابعة اللذات واشتد عليهم وعيد الشرع وثقلت عليهم تكاليفه، فسارعوا إلى هذه الدعوة واستحسنوها لتوافق مذهبها مع مذهبهم في هذا المجال ودافعوا عنها وحاولوا نشرها بين الناس تحقيقاً لأغراضهم، ونشراً لمبادئهم.
هـ-طبيعة المرشد الروحي: يتضح من دراسة تاريخ الحركات الباطنية أن زعماءها وقادة جمعياتها السرية وحركاتها المسلحة كانوا في الأغلب الأعم شخصيات تحسن استخدام أساليب الشعوذة والمخاريق والتظاهر بالولاية والتأله، وتضفي على ذاتها سمات المرشد الروحي، الذي يختص بصفات المنقذ الإلهي الموعود, ونظراً لما لهذا الداعي المتزعم من
_________
(1) التسلل الباطني في العراق، ص 133.
(2) المصدر نفسه، ص 135.
(1/107)

صفات روحية فائقة فليس أمام حشد المريدين وقطعان الأتباع المقلدين له إلا الدخول في طاعته، والامتثال لأوامره والانصياع لتوجيهاته، بلا نظر وتبصر وتحقيق، فيتحولون في الغاية والنهاية إلى أدوات صمّاء جامدة لا إرادة لها ولا تدبير يحركها الزعيم المتأله الروحي، كما شاء وأراد فهو المطاع الذي تنحسر إزاء إرادته ومشيئته إرادة الجميع .. يفعلون ما يؤمرون بلا عقل أو وعي أو ضمير (1).
و- التدرج في الدعوة: قامت الحركات الباطنية على أساس من التشكيلات الهرمية المتدرجة في القيادة والمسئولية وكسب المؤيدين والأتباع وعدم كشف أسرارهم الكبرى إلى كل أحد من الناس إلا بعد تدرجّه في مراتب التنظيم على وفق خطة مدروسة دقيقة يتوقف فيها الداعي مع من يريد كسبه إلى المرحلة التي يراها مناسبة له، ثم يستمر مع من يجد في نفسه قبولاً واستعداداً، فيكشف له أسرار الدعوة الخفيّة في نهاية الأمر بعد أن يكونوا قد وثقوا به الوثوق كله وأخذوا عليه العهود والمواثيق. وقد ذكر ابن النديم ما يؤيد التدرج في الدعوة الباطنية من خلال كتابهم «البلاغات السبعة» وقال: لهم البلاغ الثاني لفوق هؤلاء قليلاً، كتاب البلاغ الثالث لمن دخل في المذهب سنة, كتاب البلاغ الرابع لمن دخل في المذهب سنتين، كتاب البلاغ الخامس لمن دخل في المذهب ثلاث سنين، وكتاب البلاغ السابع وفيه نتيجة المذهب والكشف الأكبر (2) وذكر ابن النديم أن كتب الباطنية كانت شائعة متداولة بين الناس أيام معز الدولة البويهي وأن الدعاة منبثون في كل صقع وناحية (3).
6 - من أساليب الباطنية: حاول دعاة الباطنية خداع جماهير الناس بأساليب عديدة منها:
أ مظاهر التدين: عمل زعماء الدعوة الباطنية على التظاهر بالإسلام والالتزام بتعاليمه والغلو فيه من أجل الوصول إلى غاياتهم وتحقيق برامجهم الداعية إلى هدم الشريعة الإسلامية ومن ثم إدخال التأثيرات الغربية في دائرة الفكر الديني الإسلامي (4)، يقول ابن الجوزي: إن الثنوية والمجوس أرادوا إرجاع مماليكهم وإبطال الإسلام ولكنهم رأوا ضرورة إخفاء مقاصدهم بالتستر بالإسلام (5).
وقد أشار الغزالي إلى تظاهر دعاتهم بالتدين والأخلاق الفاضلة في أول اجتماعهم مع المبتدئين، قال: وقد رسموا للدعاة والمؤذنين أن يجعلوا مبيتهم كل ليلة عند واحد من المستجيبين، ويجتهدوا في استصحاب من له صوت طيب في قراءة القرآن ليقرأ عندهم زمانا،
_________
(1) المصدر نفسه، ص 136.
(2) التسلل الباطني في العراق، ص 139.
(3) المصدر نفسه، ص 140.
(4) المصدر نفسه، ص 148.
(5) المنتظم (5/ 110).
(1/108)

ثم يتبع الداعي ذلك كله بشيء من الكلام الرقيق وأطراف من المواعظ اللطيفة الآخذة بمجامع القلوب، ثم يردف ذلك بالطعن في السلاطين وعلماء الزمان وجهال العوام، ويذكر أن الفرج منتظر من كل ذلك ببركة أهل بيت رسول الله وهو فيما بين ذلك يبكي أحياناً ويتنفس الصعداء، وإذا ذكر آية أو خبراً ذكر أن لله سراً في كلماته لا يطلع عليه إلا من اجتباه الله من خلقه وميزه بمزيد لطفه، فإن قدر على أن يتهجد بالليل مصلياً وباكياً عند غيبة صاحب البيت بحيث يطلع عليه صاحب البيت، ثم إذا أحس بأنه اطلع عليه عاد إلى مبيته واضطجع كالذي يقصد إخفاء عبادته (1).
ب الانتساب إلى آل البيت والدعوة إليهم: يقول أبو عثمان العراقي الحنفي: ومن وصاياهم أن يتشيع الداعي لأهل الشيعة ويستميلهم ويظهر من نفسه أنه منهم ويظهر لهم ما فعل بأهل البيت، كيف قتلوا وكيف سبيت ذراريهم ونساؤهم, ويكتب معايب الصحابة (2) , بالكذب والافتراء. ويقول الدكتور عبد الله سلوم: ..... إن التستر في الولاء لآل بيت الرسول - صلى الله عليه وسلم - وسيلة تحقق لهم غرضين في آن واحد:
- الإمعان في التستر والحماية على مواقفهم وعدم تعرضهم للاتهام والانتقام.
- الإساءة لآل البيت من خلال إضفاء صفات عليهم لا يقرها الشرع (3). والأدلة التاريخية تبين أن عدداً كبيراً منهم إما ادعى نصرة آل البيت والأخذ بحقهم، وإما ادعى أنه من صلبهم يعمل على الأخذ بحقه في ولاية المسلمين (4)، وكانت أشد الدعوات خطورة دعوة العبيديين الذين زعموا أنهم فاطميون وتمكنوا من تكوين دولة استولت على كثير من بقاع العالم الإسلامي وهددت الخلافة الإسلامية العباسية (5).
جـ - نصرة المستضعفين: من الشعارات التي رفعتها الحركات الباطنية الدعوة إلى نصرة المستضعفين وتحقيق العدل والإنصاف وقهر الظالمين وإقامة دولة العدالة والإنصاف (6).
د - التقية: أجازت الشريعة الإسلامية استعمال التقية في حالات قليلة جداً وفي حدود ضيقة جداً أيضاً، ولكن الغلاة والباطنية استعملوها بأكثر من الحد الذي تجيزه شريعة الله عز وجل بل أصبحت دينًا لهم يتدينون به (7). فقد عملت الحركات الباطنية على مخاطبة الفئات والشرائح الاجتماعية المتنافرة بما تشتهي وبما يحقق مصالحها الذاتية، ويميزون لخطاب كل فئة
_________
(1) التسلل الباطني في العراق، ص 149.
(2) الفرق المتفرقة بين أهل الزيغ والزندقة، ص 109.
(3) الغلو والفرق الغالية، ص 164.
(4) التسلل الباطني في العراق، ص 154.
(5) المصدر نفسه، ص 156.
(6) المصدر نفسه، ص 156.
(7) المصدر نفسه, ص 158.
(1/109)

عبارات يلبسونها ثوب الخداع ويتسترون على حقيقتها، ويقدمون لبعضهم وعوداً مختلفة عن الوعود التي يقدمونها للبعض الآخر من أجل جمع كميّة من المؤيدين (1)، ويقول الغزالي عن الحركة الباطنية ودراسة دعاتها لطبائع الناس وميولهم ووضع الخطط المناسبة لكسبهم ومخاطبتهم بما تشتهي أنفسهم: فإن رآه مائلاً إلى الزهد والتقشف دعاه إلى الطاعة والانقياد واتباع الأمر من المطاع وزجره عن اتباع الشهوات وندبه إلى وظائف العبادات، وتأدية الأمانات؛ من الصدق وحسن المعاملة، والأخلاق الحسنة، وخفض الجناح لذوي الحاجات, ولزوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وإن كان طبعه مائلاً إلى المجون والخلاعة قرر في نفسه أن العبادة بله وأن الورع حماقة وأن هؤلاء المعذبين بالتكاليف مثالهم مثال الحمر المعناة بالأحمال الثقيلة، وإنما الفطنة في اتباع الشهوة ونيل اللذة وقضاء الوطر من هذه الدنيا المنقضية التي لا سبيل إلى تلاقي لذّاتها عند انقضاء العمر (2) .. إلخ.
هـ- استمالة بعض رجالات الدولة والتنسيق معهم: من الأساليب التي اتبعتها هذه الحركات في محاولة السيطرة على الدولة العباسية، كسب بعض ذوي النفوذ من الأمراء والقّواد والأعاجم المحبين للسلطان والسيطرة من غير اعتبار لمبدأ أو دين, ومن أمثلة ذلك ما قام به المؤيد هبة الله الشيرازي من استهداف مقدم الأتراك أبي الحارث البساسيري بالدعوة الفاطمية وقد كان هذا المقدم يشغل آنذاك منصب رئيس الأتراك في عهد الخليفة القائم وقد تلقى دعمًا ماديًّا وعسكريًا للسيطرة على العراق (3) وقد مر ذكر فتنته.
و - استخدام الإرهاب والعنف: ومن أساليبها استخدام الإرهاب والهجمات المسلحة ضد الخصوم (4)، فسوف نرى بإذن الله أعمالهم الوحشية في هذا المضمار.
7 - رسالة السلطان جلال الدين ملكشاه إلى حسن الصباح: كانت سياسة ملكشاه تجاه حركة حسن الصباح تتراوح بين المهادنة لهم حيناً، ومقاومتهم حيناً آخر، فعندما استولى الحسن الصباح على قلعة ألموت في عام 483هـ وانتشر فدائيوه يغتالون الآمنين، أرسل له ملكشاه الإمام أبا يوسف يعقوب بن سليمان وكان فقيهاً عالماً بالأصول على مذهب أهل السنة لمناظرتهم، ولكن يبدو أن هذه المناظرة لم تحقق الهدف الذي تطلع إليه ملكشاه من محاولة إقناعهم بالحكمة والموعظة الحسنة، ومن ثم لجأ إلى العمل المسلح فأرسل الأمير أرسلان طاش سنة 485هـ فحاصر قلعة ألموت، ولكن هزم، كما أرسل في العام ذاته أحد قواده فحاصر قلعة «ديرة» وهي مركز آخر من مراكزهم, ويبدو أن الباطنية التابعة لحسن
_________
(1) التسلل الباطني في العراق، ص 158.
(2) المصدر نفسه، ص 159.
(3) المصدر نفسه، ص162، 163.
(4) المصدر نفسه، ص 164.
(1/110)

الصباح أصبحوا شوكة حتى إن ابن كثير عندما تحدث عن أهم أحداث عام 494هـ قال: فيها عظم الخطب بأصبهان ونواحيها بالباطنيّة، فقتل السلطان منهم خلقاً كثيراً، وأبيحت ديارهم وأموالهم للعامَّة، كلّ ُمن يقدرون عليه فلهم قتله وماله, وكانوا قد استحوذوا على قلاع كثيرة، وأوّل قلعة ملكوها في سنة 483هـ، وكان الذي ملكها الحسن الصبّاح، أحد دعاتهم، وكان قد دخل مصر وتعلَّم من الزنادقة الذين كانوا بها، ثم صار إلى تلك النواحي ببلاد أصبهان، فكان لا يدعو إلا غبيًّا لا يعرف يمينه من شماله، ثم يطعمه العسل بالجوز والشونيز (1)،
حتى يحترق مزاجه ويفسد دماغه، ثم يذكر له شيئاً من أخبار أهل البيت ويكذب له من أقاويل الرافضة الضُّلال، أنهم ظُلِمُوا ومُنعُوا حقَّهم، ثم يقول له: فإذا كانت الخوارج تقاتل مع بني أميّة لعليّ، فأنت أحقُّ أن تقاتل في نصرة إمامك علي بن أبي طالب، ولا يزال يسقيه من هذا وأمثاله حتى يستجيب له، ويصير أطوع له من أبيه وأمَّه، ويظهر له أشياء كثيرة من المخرقة والنَّيرنجات والحيل التي لا تروج إلا على الجهال، حتى التفَّ عليه بشر كثير وجم غفير، وقد بعث إليه السلطان ملكشاه يتهدده ويتوعّده وينهاه عن بعثه الِفداويّة إلى العلماء (2)، وهذا نص رسالة ملكشاه إلى الحسن الصّباح: أنت حسن صباح قد أظهرت ديناً وملة جديدة فأغريت الناس وخرجت على ولي عصرك، فجمعت حولك بعض سكان الجبال ثم أغويتهم بكلامك حتى حملتهم على قتل الناس وطعنت في الخلفاء العباسيين الذين هم خلفاء الإسلام وبهم استحكم قوام الملك والملّة ونظام الدين والدولة، فعليك أن ترجع عن هذه الضلالة وتكون مسلماً وإلا فقد عينت لك جيوشاً وأرجأت توجهها حتى تجيء إلينا أنت وجوابك، وحذار حذار على نفسك ونفوس تابعيك فارحمها ولا تلقها في ورطة الهلاك، ولا تغتر باستحكام قلاعك ولتعتقد حقيقة أن قلعة (ألموت) المستحكمة لو كانت برجاً من بروج السماء لجعلتها أرضاً يبابا ولساويتها مع التراب بعناية الله تعالى (3). فلما قرأ الكتاب بحضرة الرسول، قال لمن حضره من الشباب: إنَّي أريد أن أرسِلَ منكم رسولاً إلى مولاه، فاشرأبَّت وجوه الحاضرين منهم، ثم قال لشاب منهم: اقتل نفسك. فأخرج سكِّيناً فضرب بها غَلْصَمتَه (4)، فسقط ميِّتاً، وقال لآخر منهم: ألق نفسك من هذا الموضع، فرمى نفسه من رأس القلعة إلى أسفل خندقها فتقطع. فقال للرسول:
هذا الجواب (5). وجاء في رواية: أخبر سيدك أن عندي من هؤلاء عشرين ألفاً هذا
حد طاعتهم لي. فعاد الرسول إلى السلطان فأخبره بما رأى فعجب من ذلك،
_________
(1) الشونيز: الحبة السوداء.
(2) البداية والنهاية (16/ 175) ..
(3) نظام الملك، عبد الهادي محمد رضا، ص 605.
(4) الغلصمة: رأس الحلقوم بشواربه.
(5) البداية والنهاية (16/ 176).
(1/111)

وترك كلامهم (1). وقد وضعت وفاة ملكشاه في عام 485هـ حداً لهذه المحاولات التي قام بها (2)، على أنه يلاحظ أن ملكشاه لم يبذل في مقاومتهم جهداً يتناسب مع قوته ومكانته فلم يتوجه بنفسه - مثلاً - لحربهم كما فعل في مناسبات كثيرة عندما كان يتهدد دولته خطر من الأخطار، كما أنه صم أذنيه عن نصائح وزيره نظام الملك عندما حذره من أخطار هذه الفئة, ولعل العذر الوحيد الذي يغفر لملكشاه سلوكه هذا أنه لم يمتد به العمر طويلاً بعد استيلاء الحسن على قلعة ألموت, وربما لو أنه مد في أجله لكان من الممكن أن يكون له مواقف (3) أكثر حزماً.
8 - جواب حسن الصبَّاح إلى السلطان ملكشاه السلجوقي: حرص الحسن الصبّاح على مراسلة السلطان ملكشاه لعله يؤثر فيه أو يجعله يتعاطف معه وإليك شيئًا من الرسالة: .... والآن أشرح شيئاً من أحوالي واعتقادي متمنياً أن يصغى السلطان إليّ ويعيرني فكره وألا يشاور في أمري من أركان دولته لا سيما «نظام الملك» لأن عدائي وخصومتي معهم غير خافية على السلطان، ثم بعد ذلك لا بد لي ولا مفر من اتباع رأي الملك المطاع الذي يحصل لديه كلامي ويتحققه من كتابي, وإذا خالفت أنا حسن ذلك الرأي السديد فإني أعد نفسي خارجاً عن دين الإسلام، أمّا إذا اتبع السلطان في أمري هؤلاء الخصوم فإنه يجب عليّ حينذاك أن أحتاط لنفسي وأفكر في أمري لأن أمامي خصمًا قويًا يجعل الباطل حقاً ويضع الحق محل الباطل، كما فعل كثيراً ولا سيما بالنسبة إليّ فلا يكن ذلك خفياً عن رأي السلطان وفكره. أما حال هذا العبد فإن أبي كان مسلماً على مذهب الإمام الشافعي المطلبي، ولما بلغت الرابعة من عمري أرسلني أبي إلى المكتب لتحصيل العلوم ولم أبلغ الرابعة عشرة حتى مهرت في سائر أنواع العلوم خصوصاً، علوم القرآن والحديث ثم جاء دور الدين، فنظرت في كتب الشافعي فرأيت في فضل أولاد النبي - صلى الله عليه وسلم - وآله وإمامتهم روايات كثيرة، فملت إلى جانبهم وأصبحت أفحص وأتجسس وأفتش عن إمام الوقت، ثم بلغ بي الحال بواسطة حكام العصر أن وقعت في أعمال الدين التي يستكبرها ويستعظمها الناس حتى نسيت تلك الفكرة وغفلت عن ذلك الجد والعمل الأولى وأصبح قلبي كله منصرفاً إلى الدنيا وخدمة المخلوق، أمّا عمل الآخرة فقد جعلته ورائي ظهرياً ولكن الله تعالى لم يرض لي بذلك فحرك عليّ خصمائي حتى أخرجوني منه بالقهر والاضطراب فهربت وسحت في البلدان والصحاري وقد لحقتني من ذلك أتعاب وزحمات كثيرة.
كما لم يخف على السلطان
_________
(1) المنتظم (9/ 121).
(2) التاريخ السياسي والفكري للمذهب السني، ص 136.
(3) المصدر نفسه، ص 136.
(1/112)

حالي مع نظام الملك ولمّا أخرجني الله من تلك الهلكة علمت أن الإعراض عن الخالق والتوجه إلى المخلوق لا يثمر إلا كما أثمر لي، لذلك قمت بعزم الرجال إلى العمل الديني وطلب الآخرة وانتقلت من الري إلى بغداد وأقمت هناك مدة غير قصيرة حتى اطلعت على الأحوال والأوضاع وتفحصت عن حال الخلفاء وزعماء الدين فرأيت أن هؤلاء العباسيين خارجون عن مراتب المروءة والفتوة الإسلامية حتى أيقنت أن بناء الإسلام والديانة إن كان قائماً على إمامة هؤلاء وخلافتهم فإن الكفر والزندقة أولى وأحسن من ذلك الدين، فغادرت بغداد إلى مصر وفيها خليفة الحق الإمام المستنصر بالله ففتّشت حاله وقست خلافته بخلافة العباسيين فرأيته أحق فأقررت به ورفضت خلافة العباسيين، لذلك فقد أرسل بنو العباس إلى أمير الجيوش ثلاثة بغال ذهباً عدا سواها من الأموال والهدايا وأوعزوا إليه أن يرسل إليهم حسن صباح أو يبعث إليهم برأسه، وحيث إن عناية المستنصر كانت تشملني يومذاك فقد نجوت من تلك الهلكة، ثم لمّا كان العباسيون قد حرّكوا أمير الجيوش وأغروه بالأموال ارتأى ترشيحي إلى الروم داعياً الإفرنج والكفار إلى دين الحق، ولما سمع الإمام بذلك جعلني في كنفه وتحت رعايته ثم بعد ذلك دفع إليّ منشوراً وأمرني بإرشاد الناس إلى طريق الحق بكل ما أوتيت من قوة ومعرفة وأن أطلعهم على إمامة خلفاء مصر وحقيقتهم، فإذا نظر السلطان إلى سعادة {أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]. فلابد أنه لم يعرض. وجاء في الرسالة أنه قال: بل إن هذا الدين الذي أنا عليه اليوم هو الذي كان في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، وسيبقى هذا مذهب الحق حتى يوم القيامة، والآن فإن ديني هو دين الإسلام. أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.
لم ألتفت إلى الدنيا ولا إلى أعمالها بل كل عمل أعمله وكل قول أقوله لم يكن إلا خالصاً مخلصاً لدين الحق، وإني لأعتقد أن أولاد النبي - صلى الله عليه وسلم - أحق بخلافة أبيهم من أولاد العباس وأليق بها من غيرهم، فإن رضيت أنت (ملكشاه) أن تكون هذه المملكة العظيمة التي تحملت في قبضها واستملاكها هذه الزحمات والمشقات الكثيرة وبذلت نفوس هاتيك الجنود المجندة حتى ملكتها من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب ومن محاذاة القطب الشمالي إلى الهند تصبح خارجة من أيدي أولادك ويصبح أولادك مشردين في أنحاء المعمورة أينما وجدوا قتلوا وصلبوا.
أقول: إذا رضيت بهذا فسترضى بالخلافة لهؤلاء، فكيف ببني العباس وهم أناس أذكر لك قليلاً مما شاهدته أنا بنفسي منهم فأقول: إنهم في كل دين وملة لا يرتضيهم كل أحد ولن يرتضيهم وإذا حصل من لم يقف على حالهم فيعتقد بهم ويرى أحقية خلافتهم فإني قد وقفت على أعمالهم وأحوالهم كيف يسوغ لي أن أقبلهم وأعتقد بأحقيتهم؟ فإذا كان السلطان بعد اطلاعه ووقوفه على هذا الحال لن ينهض إلى دفعهم ورفع شرهم عن رءوس المسلمين فإني
(1/113)

لا أعلم كيف يجيب ربه يوم القيامة عندما يسأله عنهم؟ وكيف ينجو من جوابه؟ هذا هو ديني منُذ كنت وما دمت حيّاً، لم أنكر ولا أنكر الخلفاء الراشدين الأربعة ولا العشرة المبشرة بل إن حبّهم في قلبي كان ويكون وهو كائن ولم أجد ديناً جديداً لم أكن اتخذته قبلاً ولم أظهر ديناً ومذهباً لم يكن قبلي، وأن مذهبي هو المذهب الذي كان لدى الصحابة في زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وسيكون إلى يوم القيامة, والآن نأتي إلى القول بأني وأتباعي قد عصينا بني العباس وطغينا عليهم: إن كل مسلم مطّلع عارف بدينه وملته، كيف لا يشنّع على قوم بدؤهم ونهايتهم كان وهو كائن وسيكون على التزوير والتدليس والفسق والفجور والفساد وإن أحوالهم وأفعالهم وإن لم تكن مستورة ومختفية على العالم، غير أني أجملها لتكون لي الحجة على حضرة السلطان، نذكر أولاً أعمال أبي مسلم الخراساني، ذلك الرجل الذي سعى ذلك السعي الحثيث وتحمل تلك الزحمات العظيمة، ولم يبق من عقله وتدبيره وقوته حتى قصّر يد ظلمة بني مروان عن إراقة الدماء وأخذ أموال المسلمين وأزال عن بيت النبوة الطاهر ذلك اللعن (1)
الذي كان أليق بهم من آل الرسول، ورفع الظلم عن الدنيا، ثم أقامها بالعدل والإنفاق, انظر إلى هذا الرجل المحسن كيف غدروا به حتى أراقوا دمه ظلماً وقتلوا الألوف من أولاد رسول الله الطاهرين في أطراف البلاد وأكنافها وخلفوا الآخرين مشردين وفي الزوايا مختفين حتى خلع بعضهم ثوب السيادة حفظاً لأرواحهم ومات الكثير منهم على ذلك الحال ولم يعرفوا. ثم لم يبلغوا الخلافة «أي بنو العباس» حتى شغلوا بشرب المدام والزنا واللواط وقد بلغ فسادهم إلى أن هارون الرشيد وهو أعلمهم وأفضلهم كان يحضر النساء مجلس شرابه ولم يمنع ندماءه من ذلك المجلس حتى إن جعفر بن يحيى البرمكي الذي كان من المقيمين في مجلسه قد تصرف -أو قل زنى- بأخت الرشيد «العباسة» وولدت منه ولداً أخفوه عن الرشيد إلى أن حج في السنين ورآه هناك فقتل جعفر وكانت له أخت أصغر منها فائقة الحسن والجمال قد قربها إليه ذات يوم وزنى بها (2) ومن اللطائف المشهورة: أن الأمين ابن الرشيد لمّا ولى الخلافة بعد أبيه قرّب هذه الجميلة إليه وهي عمته فزنى بها ظانًا أنها لم تزل بكراً، ولما سألها عن ذلك، أجابت: أي بكر في بغداد لم يفضها أبوك حتى يدع أخته بكراً (3)، وبالجملة فلو أردنا تعداد أعمال هؤلاء لما وفى العمر بعددها، هؤلاء هم الخلفاء
_________
(1) هذه من الروايات التاريخية الموضوعة والضعيفة, ونلاحظ توظيف حسن الصباح لأكاذيب أسلافه لإضلال الناس, ونرى حقارة أخلاق الباطنية في بهتان رموز الأمة كهارون الرشيد وغيره والدفاع عن المجرمين كأبي مسلم الخراساني ..
(2) هذه من الأكاذيب التي دست في سيرة هارون الرشيد.
(3) من الأكاذيب والأباطيل.
(1/114)

الراشدون وهؤلاء هم أركان المسلمين الذين بهم يكون قوام الملك والملة ونظام الدين والدولة فلتعط النصف إذا طعنت بهم أنا أو طعن بهم غيري، إنّا عصيناهم فهل هذا حق منا أم باطل؟ وأمّا القول: بأنّا أغرينا الجهّال، فإن من الواضح عند أرباب البصائر أن ليس من شيء أشرف من الروح وما من أحد يعاف نفسه ولا سيما رجل مثلي قليل البضاعة قليل الاستطاعة في إنجاز مثل هذا العمل (1) ...
من حدود خراسان جمع من غلمان السلطان ومن النظامية وأرباب المعاملات كانوا قد انحرفوا أكثر من هذا بين المسلمين عن العرف والمرسوم فبعضهم مد يده إلى عورات المسلمين وحريم الزهّاد والعباد حتى اختطفوا النساء بحضور أزواجهن, وبعضهم خان معاملات الديوان ولم ينصفه، وكلما استغاث الناس بأركان الدولة لم يغاثوا بل كان البلاء ينزل عليهم وعلى من تكلم وصرح بحقه. هذا «نظام الملك» مدير المملكة ووزيرها قد قتل الخواجة أبا نصر الكندري وهو الوزير الوحيد الذي لم يعهد مثله في أي ملك وفي أي عصر، إذ كان عاملاً ناصحاً وذلك بتهمة تصرفه في أملاك السلطان وأمواله حتى أعدمه من الوجود. أمّا اليوم فقد أشرك معه الظلمة في أعماله إذ كان الخواجة أبو نصر يقبض العشرة دراهم فيوصلها إلى الخزينة، أما هذا فإنه يقبض الخمسين درهماً ولا يعرف النصف درهم من أعمال السلطان. أما ما يصنعه في الطين والآجر في أطراف المملكة فذلك أظهر من الشمس؛ أين كان للخواجة أبي نصر من ولد أو بنت وهل صرف ديناراً واحداً في الخشب والطين؟ فهل لهذا العصر مع هذا العجز والصنعة أمل في النجاة؟ فإذا ما اضطر أحدهم لرفع العار أن يبذل روحه ويتركها ليدفع واحداً أو اثنين من هؤلاء الظلمة فليس ذلك ببعيد وإذا فعل فهو معذور ....
فما لحسن الصّباح وهذه القضايا؟ وما حجته بها وما هو نافع له إذا أغرى أحداً؟ وأي عمل من أعمال الدنيا يمكنه إيجاده مالم يتعلق به تقدير سماوي؟ (2) وأما أمركم بأني أترك هذا النوع وإلا نعوذ بالله أن يصدر مني عمل يخالف رأي السلطان ولكن لما كان لي أضداد وكانوا يسعون في طلبي، اخترت هذه الزاوية وجعلتها ملجأ لي وسكناً حتى أنهى حالي إلى أعتاب السلطان بعد السكون والدعة واستقرار البال، فإذ فرغت من أمر خصومي فسأتوجه إلى عتبة حضرة السلطان وأنخرط في سلك خدامه لأعمل بكل ما أوتيت من قوة على النصح بما أوجبته النصيحة من تحسين دنيا السلطان وما تبقى من أمر آخرته. أمّا إذا صدر مني خلاف، ولم أطع أوامر السلطان فسأكون ملوماً في الدنيا مطعوناً من البعيد والقريب، وسيقال إني خالفت ولي الأمر ولم أحظ بسعادة {أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ
_________
(1) الظاهر أنه هنا قد سقطت عبارة تربط الكلام.
(2) نظام الملك، ص 610، 611.
(1/115)

وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]. كما أن خصومي سوف يفترون عليّ عند السلطان بما لا علم لي به وينزلون قدري وحرمتي لديه، كما يشهرون أعمالي على الناس بالسوء والشناعة وإن كانت حسنة حتى يقضوا على سمعتي وذكرى الحسن، وإذا قدمت على السلطان ومثلت بين يديه مع وجود «نظام الملك» وخصومته لي وما عمله معي من الظلم، وما سيعمله غير مبال بكل ذلك مضافاً إلى التزام السلطان بمتابعة بني العباس، وعدم مخالفته أوامرهم ونواهيهم ومع علمه بسعيهم الحثيث في طلبي والقبض عليّ حتى ذهبت إلى مصر ولم يظفروا بي في الطريق رغم كثرة رسلهم خلفي وجواسيسهم عليّ حتى خدعوا أمير الجيوش وأقنعوه بالأموال ليقصدني ولولا عناية المستنصر بالله الخليفة الحق لكنت من الهالكين .. وأخيراً ..
وأخيراً أرسلني أمير الجيوش إلى الإفرنج من طريق البحر لأدعو الكفار إلى الحق، وبفضل الله نجوت أيضاً من تلك الورطة، ثم توجهت إلى العراق بعد جهد جهيد وبعد تلك المشقات والزحمات, وكان بنو العباس لم يزالوا ساعين في طلبي (1) واليوم وقد بلغت هذا المقام وأظهرت دعوة الخلفاء العلويين وحصلت على عدد من المجتمعات في طبرستان وقهستان والجبال واجتمع حولي كثير من الأحباب والمؤنسين والشيعة والعلويين حتى أصبح بنو العباس يخشون جانبي ويخافون سطوتي، وإذا ما تغير مزاج السلطان عليّ وسعى في قصدي لإمكان طلب العباسيين إياي منه لا يعلم ماذا سيكون وماذا سيحدث، وإذا حدث شيء على أي نوع كان فإنه لا يخلو من شناعة إذ لو أجابهم السلطان إلى طلبهم فإنه لا يعذر في شرع المروءة والإنصاف وإن لم يجب التماسهم تقوّل عليه بعض الجهال ونالوا منه وامتد على السلطان لسان التشنيع وقيل فيه: «ما هذه الغاشية التي تحملها السلطان منهم وما هو عدم تسليمه حسن صباح لهم» (2). ومن المحتمل أيضاً أن تحصل بينهم المقاومة والنزاع وفي الأخير لا تعلم نهاية الأمر. وأما حديث «سرسنك» وأمركم بأنه لو كان برجاً من بروج السماء .. فإن أهالي سرسنك يعتقدون ويثقون من قول الدهر الحق (3)، بأن هذا البرج لا يخرج من أيديهم إلى زمن بعيد ومدة قصيرة لأنه يتعلق بعناية الله تعالى، والآن وأنا قابع في هذه الزاوية عاملاً بكل فرض وسنة أرجو وأطلب من الله تعالى ورسوله أن يهتدي السلطان وأركان دولته إلى طريق الصواب، وأن يرزقهم الله دين الحق وأن يرفع فسق بني العباس وفجورهم عن الناس (4).
_________
(1) نظام الملك، ص 612.
(2) فقد ورد في حوادث سنة 458هـ أن السلطان «ألب أرسلان» ولي ابنه ملكشاه وحمل بين يديه الغاشية. دول الإسلام (1/ 407).
(3) المقصود هنا: هو المستنصر بالله الخليفة الفاطمي في مصر.
(4) نظام الملك، ص 613.
(1/116)

وفي هذه الرسالة محاولة من حسن الصباح لزعزعة ملكشاه في معتقده في البيت العباسي والخلافة العباسية وحشد لها أكاذيب وأباطيل، كما أراد أن يضعف العلاقة بين ملكشاه ونظام الملك وعمل على التأثير الفكري والعقائدي على السلطان نفسه, ولا ندري مدى تأثير هذه الرسالة على ملكشاه وإن كان ابن الجوزي ذكر عن ابن عقيل؛ أن السلطان ملكشاه، كان قد فسدت عقيدته بسبب معاشرته بعض الباطنيّة، ثم تَنَصَّل من ذلك ورجع إلى الحق (1)، وهذا يظهر خطورة الدعوات الباطنية الباطلة على حكام المسلمين والنخب وإن كانوا صالحين ما لم يتحصنوا بعقيدة أهل السنة والجماعة ويتواصلوا مع العلماء الربانيين، كما أننا نلاحظ أثر الرسائل في دعوة الآخرين والتأثير عليهم سلباً أو إيجاباً, والذي يبدو أن هيبة الخليفة والخلافة العباسية قد زالت من نفس السلطان ملكشاه، فقد عزم على نفي الخليفة من بغداد, وسيأتي بيان ذلك في محله بإذن الله.
9 - دولة الإسماعيلية في إيران:
لم يكد الحسن الصباح يستولي على قلعة ألموت حتى بادر بالاستيلاء على القلاع المجاورة، فأطلق دعاته لتحقيق هذا المأرب (2). ولم يمض وقت طويل حتى كان الصباح قد استولى على المنطقة الواقعة جنوبي بحر قزوين برمتها بعد أن سيطر دعاته على القلاع المتناثرة في أرجائها، والتي تبلغ نحو الستين قلعة، كانت هذه القلاع تقع في الغالب وسط وديان صالحة للزراعة وبالقرب من موارد ثابتة للمياه، فالملاحظ أن القلاع الرئيسية في أراضي الإسماعيلية كانت تقع بالقرب من نهر «شاهرود» وفروعه (3)، وكانت القلعة تكون وحدة اقتصادية عسكرية مستقلة بذاتها، يعيش أهلها معتمدين على أنفسهم في زراعة الأرض والدفاع عن القلعة وما حولها في مواجهة أي غزو أو اعتداء، ولقد كان للوفرة والتنوع الذي امتازت به المحاصيل التي يمكن أن تزرع في هذه المنطقة أكبر الأثر في تحقيق استقلالها وتكاملها الاقتصادي, وكانت المحاصيل تزرع في الأرض المحيطة بالقلاع، ويبدو أن الإسماعيلية كانوا يضطرون إلى التحصن بقلاعهم في أثناء الحملات التي كان يشنها عليهم أعداؤهم ويتركون الأراضي المزروعة حول القلعة دون حماية مما كان يعرض محاصيلهم ومزروعاتهم للنهب والغارة والتلف، ولكن ذلك لا يعني أن هذه القلاع كانت تعيش في معزل عن بعضها البعض أو يحكمها مقدموها دون رقيب أو معقب، وإنما كانت كل واحدة من هذه القلاع تكون وحدة محلية تابعة للسلطة المركزية في قلعة ألموت، فقد كان رؤساء هذه القلاع يتبعون
_________
(1) البداية والنهاية (16/ 133).
(2) دولة الإسماعيلية في إيران، محمد السعيد، ص 95.
(3) دولة الإسماعيلية في إيران، ص 95.
(1/117)

مباشرة الحاكم الإسماعيلي في قلعة ألموت الذي كان يمثل السلطة العليا (1)، ...
وكانت المناطق التي تسيطر عليها هذه القلاع جميعاً تمثل رقعة واحدة من الأرض تقع جنوبي بحر قزوين وتمتد فتشمل الطالقان في الجنوب الشرقي حتى حدود قزوين جنوباً كما تمتد غرباً حتى بهرام آباد ورودبار على الحدود المتاخمة لشرقي آذربيجان وذلك يعني أن المناطق التي سيطر عليها الإسماعيلية كانت ذات حدود سياسية تفصلها عن المناطق المجاورة لها والتي تقع تحت سيطرة غيرهم، غير أن هناك ولاية تقع خارج نطاق هذه الحدود استطاع الإسماعيلية الاستيلاء عليها وهي ولاية قهستان (2) المجاورة لخراسان منُذ سنة 484هـ، فأصبحت
تابعة للدولة، وظل حكامها المحليون يتبعون ملوك الإسماعيلية في ألموت حتى قضى
عليهم المغول (3).
10 - نظام الملك ومشروعه في محاربته للمد الباطني:
إن كتب الفرق من السنة يعتبرون الإسماعيلية بجميع فروعها من فاطمية «عبيدية» أو قرامطة أو نزارية «حشيشية» أو غيرها من فرق الغلاة الباطنية لأنهم تطرفوا في العقيدة وانحرفوا عن الإسلام الصحيح، وللرد على مزاعم الإسماعيلية الباطنية، ألف - مثلاً- أبو حامد الغزالي كتابه الموسوم بـ «فضائح الباطنية» داحضاً لادعاءاتهم، ثم إن السلطنة السلجوقية حاربت البدع الإسماعيلية، وتميز من السلاجقة وزيرهم نظام الملك الذي أدرك نشاط الدعوة الإسماعيلية في كسب أعداد كبيرة من عامة الناس، فبدأ بتأسيس عدد من دور الثقافة والتعليم من أجل نشر الوعي والثقافة الإسلامية الصحيحة لتحصين الفرد ضد دعوات الإسماعيلية وهذه المؤسسات عرفت بالمدارس النظامية, وقد أنشئت في بغداد والموصل وأصفهان ونيسابور ومرو وبلخ وهراة وغيرها من المدن، بل إن رواية تاريخية تشير إلى أنه أنشأ في كل مدينة عراقية وخراسانية مدرسة (4). وسيأتي الحديث عن المدارس النظامية في العهد السلجوقي بالتفصيل بإذن الله تعالى.
* * *
_________
(1) دولة الإسماعيلية في إيران، ص 96.
(2) هي الجبال التي بين هراة ونيسابور.
(3) دولة الإسماعيلية في إيران، ص 97.
(4) الخلافة العباسية (2/ 191).
(1/118)

المبحث الخامس
وفاة الخليفة القائم بأمر الله وتولي أمر الخلافة المقتدي بالله
أولاً: وفاة الخليفة القائم بأمر الله:
في عهد السلطان ملكشاه وفي سنة 467هـ (1) توفي أمير المؤمنين القائم بأمر الله، أبو جعفر عبد الله بن القادر بالله أحمد بن الأمير إسحاق بن المقتدر بالله جعفر بن المعتضد العباسي البغدادي، كان مولده في سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة وأمه أرمينية تُسمى بدر الدجى وقيل: قطر الندى، كان -رحمه الله- جميلاً وسيماً أبيض بحمرة ذا دين وخير وبر وعلم وعدل, بويع سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، وأنه نكب سنة خمسين في نائبة البساسيري، ففّر إلى البرية في ذِمَام أمير للعرب، ثم عاد إلى خلافته بعد عام بهمة السلطان طغرل بك، وأُزيلت خطبة خليفة مصر المستنصر بالله من العراق وقتل البساسيري (2). وقد مّر ذلك مفصلاً. ظهر عليه مَاشَرا (3) فافتصد ونام، فانفجر مضاده، وخرج دم كثير، وضعف، وخارت قواه، وكان ذا حظ من تعبد وصيام وتهجد، لما أعيد إلى خلافته قيل: إنه لم يسترد شيئاً مما نُهب من قصره، ولا عاقب من آذاه، واحتسب وصبر. وكان تاركاً للملاهي - رحمه الله - وكانت خلافته خمساً وأربعين سنة وغسله شيخ الحنابلة أبو جعفر بن أبي موسى الهاشمي، وعاش ستاً وسبعين سنة، وبويع بعده ابن ابنه المقتدي بالله (4).

ثانياً: خلافة المقتدي بالله:
هو أبو القاسم عدّة الدين عبد الله بن الأمير ذخيرة الدين محمد بن الخليفة القائم بأمر الله عبد الله بن القادر العباسي وأمه أرمينية تسمى أرجوان، وتدعى قرّة العين، وأدركت خلافته وخلافة ولديه المستظهر والمسترشد، وقد كان أبوه توفي وهو حمل، فحين ولد ذكراً فرح جده والمسلمون به فرحاً شديداً؛ إذ حفظ الله على المسلمين بقاء الخلافة في البيت القادري، لأنَّ من عداهم يبتذلون في الأسواق مع العوامَّ، وكانت القلوب تنفر من تولية مثل أولئك الخلافة على الناس، ونشأ هذا في حجر جدَّه القائم بأمرالله يرُبيه بما يليق بأمثاله، ويدربه على أحسن السجايا، وكان عمْر المقتدي حين ولي الخلافة عشرين سنة وهو في غاية الجمال خلْقاً وخُلُقاً، وكانت بيعته يوم الجمعة الثالث عشر من شعبان من هذه السنة،
_________
(1) سير أعلام النبلاء (18/ 318).
(2) المصدر نفسه (18/ 307).
(3) الماشرا: في عرف الأطباء هو ورم حارّ عن دم صفراوي يعم الوجه.
(4) سير أعلام النبلاء (18/ 308).
(1/119)

وجلس في دار الشجرة بقميص أبيض، وعمامة بيضاء لطيفة ... وجاء الوزراء والأمراء والأشراف ووجوه الناس فبايعوه، فكان أوّل من بايعه الشريف أبو جعفر بن أبي موسى الحنبلي وأنشده قول الشاعر:
إذا سيدٌ منا مضى قام سيَّدٌ
ثم أُرتج عليه فلم يدر ما بعده، فقال الخليفة:
قئول لما قال الكرام فَعُولُ
وبايعه من شيوخ العلم الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، والشيخ أبو نصر بن الصَّباغ، الشافعيان، والشيخ أبو محمد التميمي الحنبلي، وبرز فصلّى بالناس العصر، ثم بعد ساعة أخرج تابوت جده بسكون ووقار من غير صراخ ولا نواح فصلى عليه وحمل إلى المقبرة رحمه الله، وقد كان المقتدي بالله شهماً شُجاعاً، أيامه كلها مباركة، والرزق دار، والخلافة معظمة جدًّا، وتصاغرت الملوك له، وتضاءلوا بين يديه، وخطب له بالحرمين وبيت المقدس، والشامات كلها، واسترجع المسلمون الرُّها وأنطاكية من أرض العدو، وعُمَّرت بغداد وغيرها من البلاد، واستوزر ابن جهير ثم أبا شجاع، ثم أعاد ابن جهير وقاضيه الدّمغاني، ثم أبو بكر الشامي وهؤلاء من خيار القضاة والوزراء ولله الحمد (1)، وفي شعبان من خلافته أخرج المفسدات من الخواطئ من بغداد على حُمُرات ينادين على أنفسهن بالعار والفضيحة، وخرّب دورهن وأسكنهن الجانب الغربيَّ، وخرَّب أبرجة الحمام، ومنع من اللعب بها، وألزم الناس بالمآزر في الحمّامات ومنع أصحاب الحمّامات أن يصرفوا فضلاتها إلى دجلة وألزمهم بحفر آبار لتلك المياه القذرة صيانة لماء الشرب (2).

ثالثاً: تدهور العلاقة بين ملكشاه والمقتدي:
أخذت علاقة الخليفة بالسلطان تسوء شيئاً فشياً، وكانت بداية هذه الانتكاسة تعود إلى سوء التفاهم الذي وقع بين المقتدي وزوجته خاتون ابنة السلطان ملكشاه سنة 482هـ, وقد تطور هذا الخلاف وانكشف أمره عندما أخبرت خاتون أباها بالأمر وشكت له إعراض المقتدي عنها، وعلى الفور أرسل السلطان إلى الخليفة يطلب ابنته التي توجهت إلى بيت أبيها في أصبهان بموكب يليق بها مع ابنها الأمير أبي الفضل جعفر بن المقتدي وما كادت تستريح في بيت والدها حتى فارقت الحياة في السنة نفسها، فتمت التعزية بها في أصبهان ومدينة بغداد، وبدأ السلطان ملكشاه من الآن فصاعداً يخطط لإزعاج الخليفة والانتقام منه عندما
_________
(1) البداية والنهاية (16/ 49، 50).
(2) المصدر نفسه (16/ 51).
(1/120)

تسنح الفرصة (1) وفي سنة 484هـ دخل السلطان مدينة بغداد ومكث في دار المملكة حتى يكون على مقربة من المقتدي، الذي بدأ نفوذه يتقلص أكثر فأكثر حتى لم يعد له من الأمر إلا الاسم، لا يتعدى حكمه بابه ولا يتجاوز جنابه (2)،
وأقام السلطان أيضاً عيد ميلاده على نهر دجلة وازدانت بغداد بزينة باهرة في هذه المناسبة، في البر والنهر، وبعد كل ما جرى من تحطيم لمعنويات المقتدي، أقدم السلطان ملكشاه على التدخل المباشر في مصير الخلافة العباسية، وطلب من المقتدي أن يجعل أبا الفضل جعفر ابن بنت السلطان ولياً لعهده بدلاً من ابنه الأكبر الإمام المستظهر بالله الذي كان المقتدي قد بايع له بالخلافة من بعده (3)، وحاول الخليفة أن يتملص من هذا الأمر، إلا أن السلطان كان مصمماً على الانتقام من المقتدي وإجلائه نهائياً عن مدينة بغداد، فحين دخلها سنة 485هـ، بعث إلى الخليفة يقول له: لا بد أن تترك لي بغداد وتنصرف إلى أي البلاد شئت، فانزعج الخليفة من هذا انزعاجاً شديداً ثم طلب من السلطان أن يمهله شهراً واحداً فرفض السلطان وقال: ولا ساعة واحدة. ثم اتصل الخليفة بوزير السلطان تاج الملك أبي الغنائم الذي تمكن من إقناع السلطان أن يمهل الخليفة عشرة أيام كي يرتب أموره ويرحل إلى البصرة أو إلى أي بلد يختاره (4). وهكذا حل بالمقتدي ذل وهوان لا مثيل له في حياته كلها وهو لا يستطيع أن يرد عن نفسه ولا يستطيع أن يقف في وجه ملكشاه، فالتجأ إلى ربه يدعوه ليلاً ونهاراً أن يفرج عنه ويخرجه من هذا المأزق وكان يقوم الليل ويصوم النهار خاشعاً متضرعاً إلى الله تعالى, وفي هذه الفترة خرج السلطان إلى الصيد فعاد مريضاً ومات قبل أن تنتهي فترة الإنذار التي أعطاها للخليفة وعد هذا الأمر كرامة للمقتدي، وقد تخلص من عار محقق ومأساة واقعة، وهكذا وصل الخليفة إلى درجة من الضعف لا يحسده عليها عدو (5).
وقد علق ابن كثير على دخول ملكشاه إلى بغداد وإرادته إخراج الخليفة منها بقوله: وقدم السلطان بغداد في رمضان بنية غير صالحة، فلقَّاه الله في نفسه ما يتمنَّاه لأعدائه، وذلك أنه لما استقر ركابه ببغداد، وجاء الناس للسّلام عليه والتهنئة بقدومه، وأرسل إليه الخليفة يُهنئهُ بعث إلى الخليفة يقول له: لا بد أن تترك لي بغداد وتتحول إلى أيَّ البلاد شئت، فأرسل إليه الخليفة يستنظره شهراً، فقال: ولا ساعة واحدة، فأرسل يتوسل إليه في إنظاره عشرة أيام، فأجاب إلى ذلك بعد تمنُّع شديد، فما استتم الأجل حتى خرج السلطان يوم عيد الفطر إلى العيد، فأصابته حُمى شديدة،
_________
(1) المنتظم (9/ 46، 47) , الحضارة الإسلامية في بغداد، محمد حسين، ص 37.
(2) المنتظم (9/ 57).
(3) وفيات الأعيان (5/ 288).
(4) المنتظم (9/ 62) , الحضارة الإسلامية في بغداد، ص 39.
(5) وفيات الأعيان (5/ 389) , الحضارة الإسلامية في بغداد، ص 39.
(1/121)

فافتصد فما قام منها حتى مات قبل العشرة أيام ولله الحمد والمنة (1).
وبموت السلطان ملكشاه انقضى العصر الذهبي للسلطة السلجوقية وبدأ عهد الانقسامات السياسية والحروب بين ورثة العرش السلجوقي مما أدى إلى تشتيت صفوفهم وإضعاف سلطتهم, ولكن رغم هذا الضعف فقد حرص سلاطين السلاجقة على الاستئثار بالسلطة دون الخلفاء وكانوا ينتهزون كل فرصة للتعبير عن هذه الرغبة (2)، وقبل الحديث عن عهد تدهور الدولة السلجوقية لا بد من الإشارة إلى شيء من سيرة نظام الملك رحمه الله.

رابعاً: نظام الملك:
قال عنه الذهبي: الوزير الكبير، نظام الملك، قوام الدين، أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي، عاقل، سائس، خبير سعيد متدين، محتشم، عامر المجلس بالقراء والفقهاء، أنشأ المدرسة الكبرى ببغداد وأخرى بنيسابور، وأخرى بطوس، ورغب في العلم وأدر على الطلبة الصلات، وأملى الحديث، وبعد صيته (3) تنقلت به الأحوال إلى أن وزر للسلطان ألب أرسلان، ثم لابنه ملكشاه، فدبر ممالكه على أتم ما ينبغي، وخفف المظالم، ورفق بالرعايا، وبنى الوقوف، وهاجرت الكبار إلى جانبه (4)، وأشار إلى ملكشاه بتعيين القواد والأمراء الذين فيهم خلق ودين وشجاعة, وظهرت آثار تلك السياسة فيما بعد، ومن هؤلاء القواد الذين وقع عليهم الاختيار آق سنقر جد نور الدين محمود، الذي ولي على حلب وديار بكر، والجزيرة، قال عنه ابن كثير: من أحسن الملوك سيرة وأجودهم سريرة (5)، وقام ولده عماد الدين زنكي ببداية الجهاد ضد الصليبيين، ثم قام من بعده نور الدين محمود، هذه الأسرة هي التي وضعت الأساس لانتصارات صلاح الدين والظاهر بيبرس وقلاوون ضد الصليبيين، وافتتحت عهد التوحيد والوحدة في العالم الإسلامي (6)، وكذلك كان آق سنقر البرسقي من قواد السلطان محمود السلجوقي، وكان أميراً للموصل، واشتغل بجهاد الصليبيين، وفي سنة 520هـ قتله الباطنيون وهو يصلي في الجامع الكبير في الموصل, قال عنه ابن الأثير: وكان مملوكاً تركياً خيراً، يحب أهل العلم والصالحين ويرى العدل ويفعله، وكان خير الولاء، يحافظ على الصلوات في أوقاتها، ويصلي من الليل متهجداً (7).ويحدثنا المؤرخ
_________
(1) البداية والنهاية (16/ 122،123).
(2) الكامل في التاريخ, نقلاً عن الحضارة الإسلامية في بغداد في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري،
ص 40.
(3) سير أعلام النبلاء (19/ 94).
(4) المصدر نفسه (19/ 95).
(5) البداية والنهاية (12/ 157).
(6) أيعيد التاريخ نفسه؟، ص 68.
(7) الكامل في التاريخ, نقلاً عن: أيعيد التاريخ نفسه؟ ص 68.
(1/122)

أبو شامة عن آثار السلاجقة لا سيما في زمن نظام الملك: فلما ملك السلجوقية جددوا من هيبة الخلافة ما كان قد درس لاسيما في وزارة نظام الملك، فإنه أعاد الناموس والهيبة إلى أحسن حالاتها (1).
1 - ضبطه لأمور الدولة: لما تولى ملكشاه أمور الدولة انفلت أمر العسكر وبسطوا أيديهم في أموال الناس وقالوا: ما يمنع السلطان أن يعطينا الأموال إلا نظام الملك، وتعرض الناس لأذى شديد، فذكر ذلك نظام الملك للسلطان، وبين له ما في هذا الفعل من الضعف، وسقوط الهيبة والوهن ودمار البلاد، وذهاب السياسة، فقال له: افعل في هذا ما تراه مصلحة، فقال له نظام الملك: ما يمكنني أن أفعل إلا بأمرك، فقال السلطان: قد رددت الأمور كلها كبيرها وصغيرها إليك، فأنت الوالد، وحلف له، وأقطعه إقطاعاً زائداً على ما كان، وخلع عليه، ولقبه ألقاباً من جملتها: أتابك، ومعناه الأمير الوالد، فظهر من كفايته وشجاعته وحسن سيرته ما أثلج صدور الناس، فمن ذلك أن امرأة ضعيفة استغاثت به، فتوقف يكلمها وتكلمه، فدفعها بعض حجّابه، فأنكر ذلك عليه، وقال: إنما استخدمتك لأمثال هذه، فإن الأمراء والأعيان لا حاجة لهم إليك. ثم صرفه عن حجابته (2).
2 - التصور النظري للدولة عند نظام الملك: كان النظام مؤمناً بالإسلام مقدساً لتعاليمه كما كان شغوفاً بعلومه محترماً لأعلامه حتى صار دينه ودولته على السواء، وأن كلاّ منهما يكمل الآخر كما تستكمل الأرض بالسماء .. ولفرط تثمين النظام للدين وشدة دفاعه عن الدولة يحار فإنه يرى الدولة وسيلة من وسائل نشر الإسلام وإذاعته بين الناس وقد ظهر علماء كرام في عهد النظام، بينوا ارتباط الدين بالدولة، بحيث صار وسيلة لها وغاية في آن واحد، فالإمام الغزالي والماوردي يقولان: إنه ليس دين زال سلطانه إلا بدلت أحكامه وطمست أعلامه وكان لكل زعيم فيه بدعة، كما أن السلطان إن لم يكن على دين تجتمع به القلوب حتى يرى أهل الطاعة فيه فرضاً والتناصر له حتماً (3). وقيل: الدين أس والسلطان حارس، وما لا أس له فمهزوم وما لا حارس له فضائع (4).
وشاعت هذه المقولة أيضاً في شرق العالم الإسلامي وأخذ يرددها الطرطوشي وابن خلدون (5) وغيرهم في غربه (6) ... وبذلك الدافع من إيمانه القوي في الدين واعتقاده الراسخ
_________
(1) الروضتين في أخبار الدولتين, نقلاً عن: أيعيد التاريخ نفسه؟.
(2) الكامل في التاريخ, نقلاً عن: الدولة العثمانية للصَّلابي.
(3) أدب الدين والدنيا، ص 115، نظام الملك، ص 412.
(4) الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي، ص 135.
(5) المقدمة، ص 115، نظام الملك، ص 413.
(6) نظام الملك، ص 413.
(1/123)

في إصلاحه للحياة الفانية، وبذلك اليقين من أعماق نفسه بضرورة الدولة العادلة لرعاية الناس وإسعادهم كتب رسالته في السياسة ووضع فيها الأسس العامة للدولة الجديدة التي كان ولم يزل يدأب من أجلها ويضع الخطط اللازمة لتكوينها (1)، وما كان النظام خيالياً حالماً وهو يخطط لمعالم دولته المنشودة، كمن يرسم صورة زيتية على ورقة بيضاء استجابة لداعي الفن أو كمن سبقه من أصحاب الجمهوريات والمدن الفاضلة وإنما كان أقرب إلى الواقع منه إلى الخيال (2)، وقد انطلقت رؤيته للدولة من أصول المذهب السني والتي نظّر لها علماء عصره -كالغزالي والجويني- وهؤلاء دعمهم النظام دعماً معنوياً ومادياً يأتي بيانه في محله بإذن الله تعالى، وقد كان سلاطين السلاجقة الأوائل يدينون بالإسلام وكانوا في أشد الحاجة لفهمه ولذلك فقد حاول وزيرهم الكبير نظام الملك أن يوجه عنايتهم إلى العلم، وحرمتهم للعلماء (3) فقد تكلم في الكتاب عن السلطان وعن واجباته واختصاصه، وعن خزينة الدولة والمراسيم السلطانية، والحاشية السلطانية، والمائدة السلطانية، والاستقبالات السلطانية، والحرس السلطاني، وناظر الخاصة، والوزير والوزارة، والموظفين في الدولة، والسفراء بين الدول، والقضاة والقضاء، والمحتسبين للمراقبة، والولاة وأمراء الإقطاع، والغلمان والتجنيد، والجيش وإعداده، والألقاب وتحديدها (4).
3 - اهتمام نظام الملك بالتنظيمات الإدارية: اهتم نظام الملك بالتنظيمات الإدارية فكان اليد الموجهة لأداء الدولة في عهد السلطان ألب أرسلان، واتسعت سلطاته في عهد السلطان ملكشاه (5)، فأشرف بنفسه على رسم سياسة الدولة الداخلية والخارجية بشكل كبير، مستفيداً من فهمه ومعرفته لنظم الإدارة، وقد تضمن كتاب «سياست نامه» الذي ألفه هذا الوزير في الآراء والنظريات الإدارية التي تعتبر أساساً لنظام الحكم وإدارة الدول والممالك (6)، وتظهر من خلال كتاب «سياست نامه» أهم الطرق الإدارية التي اتبعها الوزير نظام الملك في إدارته للدولة السلجوقية، ويأتي في مقدمتها وقوفه بشدة ضد تدخل أصدقاء السلطان المقربين في شئون الدولة، حتى لا يتسبب ذلك في اضطراب إدارتها (7). كذلك كان يهتم بشكل خاص بالبريد الذي كان رجاله يوافون الحكومة بكل أخبار البلاد الخاضعة لها (8). هذا فضلاً عن حرصه الشديد على إرسال المخبرين إلى جميع الأطراف في هيئة التجار والسياح والمتصوفة والدراويش
_________
(1) نظام الملك، ص 413.
(2) نظام الملك، ص 413.
(3) المصدر نفسه، ص 415.
(4) المصدر نفسه، ص 409 - 451.
(5) نظام الوزارة في الدولة العباسية، د محمد الزهراني 172.
(6) نظام الوزارة في الدولة العباسية، د محمد الزهراني 172.
(7) نظام الملك: سياست نامه، ص 234.
(8) المصدر نفسه، ص 102.
(1/124)

والعقارين (1)، يتنسمون الأخبار، ويرسلونها للسلطان أولاً بأول حتى لا يخفى عليه شيء من أمور مملكته (2). وقد نجح نظام الملك في إحباط عدد من المؤامرات ضد الحكومة المركزية بفضل ما كان يصل إليه عن طريق أولئك المخبرين (3)، كما عمل نظام الملك على الحد من استغلال الموظفين والعمال لسلطاتهم حتى لا يرهقوا الرعية بالرسوم والضرائب الباهظة (4)، وكان يغير الولاة والعمال مرة كل سنتين أو ثلاث ضماناً لعدم تلاعبهم في أعمالهم (5)،
ولما ألغى السلطان ألب أرسلان وظيفة «صاحب البريد» ووظيفة «صاحب الخبر» (6)، رتب وزيره نظام الملك في كل مدينة رجلاً نزيهاً لمراقبة الوالي والقاضي والمحتسب ومن يجري مجراهم من الموظفين وموافاتهم بأخبارهم أولاً بأول، كذلك كان نظام الملك يدقق في اختيار الموظفين، فيختار من كان منهم أغزر علماً وأزهد نفساً وأعف يداً وأقل طمعاً. وكان يختار لوظيفتي «صاحب البريد» و «صاحب الخبر» أناساً لا يرقى الشك إليهم لحساسية هذا العمل، ويتم تعيينهم من قِبل السلطان نفسه، وكان نظام الملك يصرف مرتبات مجزية لموظفي الدولة، خشية أن يضطر الموظف إلى الاختلاس من مال الدولة، أو يستغل منصبه ويتسلط على أموال الرعية (7).كما كان حريصاً على مراجعة حسابات الدولة في نهاية كل عام لمعرفة الدخل والمنصرف والموازنة بينهما، ولكي يضمن هذا لنظام الملك تنفيذ خطته الإدارية بدقة استعان بعدد من كبار موظفي الدولة المخلصين والأكفاء، وكون منهم ما يشبه المجلس الاستشاري (8)، مهمته - فيما يبدو- دراسة ما يعرض عليه من أمور مهمة ووضع الحلول الملائمة لها، ومن ثم متابعة تنفيذها بدقة (9)، وكانت شئون دولة السلاجقة قبل تولي نظام الملك الوزارة غير منظمة، فتطرق الخلل إلى إدارة الولايات التابعة لها، وساءت الحالة المالية فيها نتيجة لخراب أراضيها، ولعدم قيام المشرفين عليها بما تحتاج إليه من عمارة وإصلاح، فلما جاء نظام الملك إلى الوزارة نظم شئون تلك الولايات، وعمر أراضيها، وأقر سلطة الدولة في النواحي التي كادت تخرج من حظيرتها.
4 - نظام الملك والتفكير الاقتصادي: كان لنظام الملك دور مهم في إصلاح الأراضي الزراعية، وتنظيم توزيعها، فقد جرت العادة لدى الخلفاء والأمراء أن تجني الأموال في البلاد، وتجمع في العاصمة (10)، فلما اتسعت رقعت الدولة السلجوقية في عهد نظام الملك لاحظ أن دخل الدولة من خراج الأراضي الزراعية قليل لحاجتها إلى الإصلاح، فضلاً عن عدم اهتمام
_________
(1) العقارين: باعة العقاقير الطبية.
(2) سياست نامة, ص 107.
(3) سياست نامة, ص 107.
(4) المصدر نفسه، ص 51، 52.
(5) المصدر نفسه، ص 69.
(6) المصدر نفسه، ص 102.
(7) نظام الوزارة في الدولة العباسية للزهراني، ص 174.
(8) نظام الوزارة في الدولة العباسية للزهراني، ص 174.
(9) نظام الوزارة في الدولة العباسية للزهراني، ص 174.
(10) نظام الوزارة في الدولة العباسية للزهراني، ص 174.
(1/125)

الولاة بها (1)، فوجد أن من الأصلح للدولة أن توزع النواحي على شكل إقطاعات على رؤساء الجند، على أن يدفع كل مقطع مبلغاً من المال لخزانة الدولة مقابل استثماره للأراضي التي أقطعت له، فكان هذا الإجراء سبباً في تنمية الثروة الزراعية إذ اهتم المقطعون بعمارتها مما أدى إلى زيادة إنتاجها، وظل هذا النظام قائماً حتى زالت الدولة السلجوقية (2)، ويلاحظ أن نظام الإقطاع في العهد السلجوقي يختلف كثيراً عن الإقطاع في العهد البويهي، لأن الإقطاع في العهد البويهي لم يكن عاماً شاملاً، ولم يشمل كل العسكريين، وكان الهدف منه تعويض الجند عن أرزاقهم المتأخرة، وليس الإصلاح الزراعي حتى إن بعض القواد البويهيين كانوا يخربون إقطاعاتهم ثم يردونها ويعتاضون عنها بإقطاعات أخرى يختارونها من أجل تحسين دخلهم الشخصي لا دخل الدولة (3) أما في العهد السلجوقي فيتعلق حق المقطع بخراج الأرض لا بالأرض ذاتها وليست له سيطرة على المشتغلين بها، كما أنه يخضع لسلطة الحكومة وعليه ألا يسيء استعمال إقطاعه، كما يجوز نزع الإقطاع من المقطع إذا لم يقم بالالتزامات المفروضة عليه (4)،
وكان الإقطاع في العهد السلجوقي لفترة محددة، لهذا عمل المقطعون جهدهم على تحسين إقطاعاتهم وتنظيمها والاستفادة منها، وتنفيذ جميع الالتزامات المفروضة عليهم كي يكسبوا رضا الحكومة ويستمروا في استثمار الأراضي التي أقطعت لهم (5)، وكذلك طلب الوزير نظام الملك من العمال والولاة أن يكونوا على صلة تامة بالمزارعين، ويتفقدوا أحوالهم، ويمدوا لهم يد المساعدة بتزويد من يحتاج منهم بالبذور والدواب، وأن يحسنوا معاملة الزراع، حتى لا يضطروا إلى هجر مواطنهم (6)، ويبدو أن الوزير نظام الملك استهدف من توزيعه الأراضي على رؤساء الجند كإقطاعات عدة أمور، وهي أنه أدرك أن معظم أفراد الجيش السلجوقي من قبائل مختلفة العناصر، فأراد أن يجعل تلك الجماعات تستقر في أراض تقطع لها، فترتبط بالأرض، وتشعر بشعور المواطنة، مما يسهل على الدولة السيطرة عليها، وتقل المنازعات فيما بينها، مما يخفف أعباء الحكومة المركزية الإدارية والحربية، إذ تصبح تلك الإقطاعيات مستقلة بتنظيم أحوالها وتستطيع الوقوف في وجه من يحاول الاعتداء عليها، كما أن سكن تلك الجماعات في أراض زراعية محددة يدفعها إلى استصلاح الأرض وزراعتها والاستفادة من خيراتها، فتزدهر الزراعة التي تعد من موارد الثروة (7).
_________
(1) آل سلجوق للبنداري، ص 55.
(2) طبقات الشافعية (4/ 317).
(3) تجارب الأمم مسكويه (2/ 76، 97).
(4) العراق في العصر السلجوقي، حسين أمين، ص 207.
(5) سياست نامه، ص 69.
(6) نظام الوزارة في الدولة العباسية، ص 181.
(7) نظام الوزارة في الدولة العباسية، ص 181.
(1/126)

5 - عناية نظام الملك بالمنشآت المدنية: كان للوزير السلجوقي نظام الملك الطوسي اهتمام كبير بالمنشآت المدنية، خاصة دور العبادة، فبنى كثيراً من المساجد في مختلف البلاد الخاضعة للسلاجقة (1)، كما اهتم بعمارة الحرمين الشريفين بمكة المكرمة والمدينة النبوية، وأقام العديد من الرباطات بالعراق وفارس للعباد والزهاد وأهل الصلاح والفقراء، ورتب لهم ما يحتاجون إليه من غذاء وكساء (2)، وبنى الوزير نظام الملك مارستانًا بمدينة نيسابور (3).
6 - أثره في النهوض بالحركة العلمية والأدبية: بذل الوزير نظام الملك جهداً واضحاً للنهوض بالحركة العلمية والأدبية وكان محباً لأهل العلم، كثير الإحسان إليهم، حتى إنه رتب للعلماء رواتب ثابتة تصرف لهم بانتظام (4)، وكان يقوم بصرف مرتبات ثابتة لاثنى عشر ألف رجل من رجال العلم في مختلف أنحاء الدولة الإسلامية, وكان مجلس الوزير نظام الملك يضم فحول العلماء في شتى فنون المعرفة، وقام بإنشاء المكتبات وزودها بالكتب، فكانت سوق العلم في أيامه -كما يقول ابن الجوزي- قائمة والعلماء في عهده مرفوعي الهامة (5)، وقام بتأسيس المدارس النظامية، وقد انتشرت في كل من بغداد والبصرة والموصل وأصفهان وآمل وطبرستان ومرو ونيسابور وهراة وبلخ (6)، وقام نظام الملك بإنشاء هذه المدارس في عهد السلطان السلجوقي ألب أرسلان (7) وسيأتي الحديث عنها في مبحث مستقل بإذن الله تعالى. كان النظام رحمه الله يحب العلم وخصوصاً الحديث، شغوفاً به وكان يقول: إني أعلم بأني لست أهلاً للرواية ولكني أحب أن أربط في قطار (8) نقلة حديث رسول الله (9)، فسمع من القشيري، وأبي مسلم بن مهر بن يزيد، وأبي حامد الأزهري (10)، وكان حريصاً على أن تؤدي المدارس التي بناها رسالتها المنوطة بها, فعندما أرسل إليه أبو الحسن محمد بن علي الواسطي الفقيه الشافعي أبياتاً من الشعر يستحثه على المسارعة للقضاء على الفتن التي حدثت بين الحنابلة والأشاعرة فقام نظام الملك وقضى على الفتنة (11).
وكان مجلسه عامراً بالفقهاء والعلماء حيث يقضي معهم جُلّ نهاره فقيل له: إن
_________
(1) دول الإسلام (1/ 269) , نظام الوزارة في الدولة العباسية، ص 197.
(2) طبقات الشافعية (4/ 312) , نظام الوزارة في الدولة العباسية، ص 197.
(3) طبقات الشافعية (4/ 312) , نظام الوزارة في الدولة العباسية، ص 197.
(4) آل سلجوق، للبنداري, ص 56.
(5) نظام الوزارة في الدولة العباسية، ص 190.
(6) المدارس النظامية في بغداد، مجلة سومر ج2، المجلد التاسع، ص 317.
(7) نظام الوزارة في الدولة العباسية، ص 190.
(8) قطار: قافلة.
(9) البداية والنهاية (12/ 150).
(10) سير أعلام النبلاء (19/ 95).
(11) الكامل في التاريخ (6/ 276) , الدولة العثمانية للصَّلاَّبي، ص 35.
(1/127)

هؤلاء شغلوك عن كثير من المصالح، فقال: هؤلاء جمال الدنيا والآخرة، ولو أجلستهم على رأسي لما استكثرت ذلك، وكان إذا دخل عليه أبو القاسم القشيري، وأبو المعالي الجويني قام لهما وأجلسهما معه في المقعد، فإن دخل أبو علي الفارندي قام وأجلسه مكانه، وجلس بين يديه, فعوتب في ذلك فقال: إنهما إذا دخلا عليّ قالا: أنت وأنت، يطرونني، ويعظمونني ويقولون فيّ ما لا فيّ، فأزداد بهما ما هو مركوز في نفس البشر، وإذا دخل عليّ أبو علي الفارندي ذكرني عيوبي وظلمي، فأنكسر، فأرجع عن كثير مما أنا فيه (1).
7 - شيء من عبادته وتواضعه ومدح الشعراء له: قال عنه ابن الأثير: وأما أخباره، فإنه كان عالماً ديناً, وجواداً عادلاً، حليماً، كثير الصفح عن المذنبين، طويل الصمت، كان مجلسه عامراً بالقراء، والفقهاء، وأئمة المسلمين، وأهل الخير والصلاح (2) كان من حفظة القرآن، ختمه وله إحدى عشرة سنة واشتغل بمذهب الشافعي، وكان لا يجلس إلا على وضوء، وما توضأ إلا تنفَّل (3)، وإذا سمع المؤذن أمسك عن كل ما هو فيه وتجنبه فإذا فرغ لا يبدأ بشيء قبل الصلاة، وكان إذا غفل المؤذن ودخل الوقت أمره بالأذان، وهذا قمة حال المنقطعين للعبادة في حفظ الأوقات، ولزوم الصلوات, وكانت له صلة بالله عظيمة، وكان يواظب على صيام الإثنين والخميس، وله الأوقاف الدّارة الصدقات الباّرة (4). وقال ذات مرة: رأيت في المنام إبليس فقلت له: ويحك خلقك الله وأمرك بالسجود له مشافهة فأبيت، وأنا لم يأمرني بالسجود له مشافهة وأنا أسجد له في كل يوم مرات, فأنشد يقول:
من لم يكن للوصال أهلاً ... فكل إحسانه ذنوب
وقد أجلسه المقتدي مرة بين يديه وقال له: يا حسن رضي الله عنك رضا أمير المؤمنين عنك (5).
وكان يتمنى أن يكون له مسجد يعبد الله فيه مكفول الرزق, قال في هذا المعنى: كنت أتمنى أن يكون لي قرية خالصة، ومسجد أتفرد لعبادة ربي، ثم تمنيت بعد ذلك أن يكون لي رغيف كل يوم، ومسجد أعبد الله فيه (6)، ومن تواضعه أنه كان ليلة يأكل الطعام، وبجانبه أخوه أبو القاسم، وبالجانب الآخر عميد خُراسان، وإلى جانب العميد إنسان فقير، مقطوع اليد، فنظر نظام الملك فرأى العميد يتجنب الأكل مع المقطوع فأمره بالانتقال إلى الجانب الآخر، وقرب المقطوع إليه
_________
(1) البداية والنهاية (16/ 129).
(2) الكامل في التاريخ (6/ 337).
(3) سير أعلام النبلاء (19/ 96).
(4) البداية والنهاية (16/ 126).
(5) المصدر نفسه (16/ 127).
(6) الكامل في التاريخ (6/ 338) , الدولة العثمانية للصَّلاَّبي، ص 3.
(1/128)

فأكل معه. وكانت عادته أن يحضر الفقراء طعامه ويقربهم إليه ويدنيهم (1)، ومن شعره:
بعد الثمانين ليس قوة ... قد ذهبت شهوة الصبوة
كأنني والعصا بكفي ... موسى ولكن بلا نُبُوَّة (2)

وينسب إليه أيضاً:
تقوس بعد طول العُمر ظهري ... وداستني الليالي أيَّ دوس
فأمشي والعصا تمشي أمامي ... كأن قوامها وتر بقوس

وكان يتأثر بسماع الشعر, فعندما دخل عليه أبو علي القومَسَاني في مرضة مرضها يعوده فأنشد يقول:
إذا مرضنا نَوينا كل صالحة ... فإن شفينا فمنا الزيغ والزّللُ
نرجو الإله إذا خفنا, ونسخطه ... إذا أمنا فما يزكو لنا عمل

فبكى نظام الملك وقال: هو كما يقول (3).
وقد مدحه الشعراء ومما قالوا فيه:
إذا زاره العافي تهلل وجهه ... وبشَّره منه التبسُّمُ والبشر (4)

وقالوا فيه:
ما خلق الله تعالى وجلّ ... مثل وزير الوزراء الأجلّ
أروع كالنَّصل ولكنَّه ... أمضى من النصل إذا ما يسل (5)
8 - وفاته 485هـ: في عام 485هـ يوم الخميس في العاشر من شهر رمضان وحان وقت الإفطار، صلّى نظام الملك المغرب، وجلس على السماط، وعنده خلق كثير من الفقهاء والقراء والصوفية، وأصحاب الحوائج فجعل يذكر شرف المكان الذي نزلوه من أراضي نهاوند، وأخبار الوقعة التي كانت بين الفرس والمسلمين، في زمان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، ومن استشهد هناك من الأعيان، ويقول: طوبى لمن لحق بهم، فلما فرغ من إفطاره، خرج من مكان قاصداً مضرب حرمه فبدر إليه حدث ديلمي، كأنه مُستميح أو مستغيث، فعلق به وضربه، وحمل إلى مضرب الحرم، فيقال: إنه أول مقتول قتلته الإسماعيلية
_________
(1) الكامل (6/ 338).
(2) طبقات الشافعية (4/ 328).
(3) حول الأدب في العصر السلجوقي، ص 128.
(4) حول الأدب في العصر السلجوقي، ص 128.
(5) حول الأدب في العصر السلجوقي، ص 128.
(1/129)

«الباطنية»، فانبث الخبر في الجيش وصاحت الأصوات، وجاء السلطان ملكشاه حين بلغه الخبر، مظهراً الحزن، والنحيب والبكاء, وجلس عند نظام الملك ساعة، وهو يجود بنفسه حتى مات، فعاش سعيداً فقيداً حميداً (1)، وكان قاتله قد تعثر بأطناب الخيمة، فلحقه مماليك نظام الملك وقتلوه, وقال بعض خدامه: كان آخر كلام نظام الملك أن قال: لا تقتلوا قاتلي، فإني قد عفوت عنه وتشهّد ومات (2) ولما بلغ أهل بغداد موت نظام الملك حزنوا عليه وجلس الوزير والرؤساء للعزاء ثلاثة أيام, ورثاه الشعراء بقصائد منهم مقاتل بن عطية حيث قال:
كان الوزير نظام الملك لؤلؤة ... يتيمة صاغها الرحمن من شرف
عزَّت فلم تعرف الأيام قيمتها ... فردّها غيرة منه إلى الصدف
قال عنه ابن عقيل: بهر العقول سيرة النظام جوداً وكرماً وعدلاً وإحياء لمعالم الدين، كانت أيامه دولة أهل العلم، ثم ختم له بالقتل وهو مارٌّ إلى الحج في رمضان فمات ملكاً في الدنيا ملكاً في الآخرة, رحمه الله (3)، وقيل إن قتله كان بتدبير السلطان، فلم يُمهل بعده إلا نحو شهر (4).
* * *
_________
(1) طبقات الشافعية الكبرى (4/ 322، 323).
(2) المصدر نفسه (4/ 323)، سير أعلام النبلاء (19/ 95).
(3) سير أعلام النبلاء (19/ 96).
(4) سير أعلام النبلاء (19/ 96).
(1/130)

المبحث السادس
عهد التفكك والضعف وانهيار الدولة السلجوقية
بعد وفاة السلطان ملكشاه تفككت الدولة السلجوقية وبدأت عوامل الضعف والانهيار تدب في أوصالها بين أبنائه وإخوته وأحفاده، فضعفت بالتالي سيطرة الدولة على مختلف أقاليمها, ومن الأسباب التي أدت إلى هذا الضعف تنافس الأمراء على عرش السلطنة، الأمر الذي أحدث انقساماً كبيراً وبصفة خاصة بين بركيارق الابن الأكبر لملكشاه وأخيه الأصغر محمود، وكان لكل منهم مؤيدون وموازرون حين كان يؤيد بركيارق نظام الملك قبل وفاته ومن بعده أبناؤه وأتباعه وأفراد أسرته في حين أن محمود كانت أمه تركان خاتون (1) , تقف إلى جانبه والوزير تاج الملك الشيرازي الذي خلف نظام الملك، وانقسم السلاجقة إلى فريقين متنازعين كل منهما يجاهر بالعداء للآخر وصولاً إلى عرش السلطنة, وقد استطاعت تركان خاتون بالاتفاق والتدبير مع تاج الملك إخفاء نبأ وفاة السلطان ملكشاه حتى يتسنى لها أن ترتب أمورها وحتى تتم البيعة لابنها محمود الذي كان يبلغ من العمر وقتئذ أربع سنين وشهورًا (2)، وكان عند وفاة أبيه في بغداد، أما بركيارق فكان في الثالثة عشرة من عمره عندما مات أبوه وكان حينئذ في أصفهان (3).

أولاً: اعتراف الخليفة العباسي بمحمود بن ملكشاه سلطاناً:
كانت الظروف في صالح محمود في أول الأمر، وقد بايعه العسكر لأمور أحدها أن أمه «تركان خاتون» كانت مستولية ومسيطرة على الأمور في أيام السلطان ملكشاه، وكانت محسنة للأجناد ومن ثم قدموا ولدها وبايعوه. والثاني: أنها كانت من نسل الملوك الترك، وقيل إنها من نسل أفراسياب، والثالث: أن الأموال كانت بيدها ففرقتها فيهم فبايعوه وأخذوه معهم وعادوا به إلى أصفهان (4)، وقد بعثت تركان خاتون إلى الخليفة العباسي المقتدي بأمر الله في بغداد تطلب منه أن يعهد بالسلطنة لابنها محمود بن ملكشاه وأن تكون الخطبة باسمه، ولكن الخليفة لم يجبها إلى ما طلبت ورد عليها قائلاً: إن ابنك طفل صغير وهو لا يليق بالملك. غير أن الخليفة العباسي ما لبث أن اضطر إلى الاعتراف به سلطاناً عقب وفاة
_________
(1) هي ابنة طغراج الملك وهم من نسل أفراسياب وهم الأيلخانيون حكام بلاد ما وراء النهر وتركستان. وباشرت أمور الدولة بعد ملكشاه وكانت حازمة قادت الجيوش بنفسها.
(2) مرآة الزمان (1/ 221)، السلاجقة في التاريخ والحضارة، ص 45.
(3) الدولة السلجوقية في عهد السلطان سنجر، ص 28.
(4) الدولة السلجوقية في عهد السلطان سنجر، ص 28.
(1/131)

أبيه (1)، ومما قيل في هذا الصدد أن الخليفة العباسي المقتدي بأمر الله اضطر إلى الاعتراف بسلطنة محمود، لأن ملكشاه كان يحتفظ بابنه الأمير جعفر (2) عنده ليهدد به الخليفة, وقد كان برفقة جده السلطان ملكشاه بعد وفاة والدته خاتون وكان السلطان ملكشاه عازماً على توليته الخلافة بدلاً من أخيه المسترشد الذي ولي عهد الخليفة المقتدي بأمر الله، ولكن وفاة السلطان ملكشاه غيرت مجرى الأمور وعاد أبو الفضل جعفر إلى والده المقتدي بعد وفاة جده السلطان ملكشاه (3). فخشي الخليفة من تكرار التجربة مع سلاطين السلاجقة ولذلك وافق على ما رأته خاتون من إنفاذ الأمير جعفر إلى بغداد لقاء اعتراف الخليفة بسلطنة ولدها محمود (4)، ومهما يكن من أمر، فإن الخليفة العباسي منزوع النفوذ والسلطان ولا يملك القدرة على الاعتراض.
وفي 22 من شوال سنة 485هـ، أقيمت الخطبة لمحمود في مساجد بغداد ومنحه الخليفة العباسي المقتدى بأمر الله الخلع السلطانية ولقبه «ناصر الدنيا والدين» (5)، واشترط الخليفة العباسي على تركان خاتون أن تكون السلطنة لولدها محمود، والخطبة له، بينما يختص الأمير أنر (6) بتدبير الجيوش ورعاية البلاد، ويختص تاج الملك بجباية الأموال، وترتيب العمال، إلا أن تركان خاتون في بداية الأمر كانت غير موافقة على هذه الشروط، وكان أبو حامد الغزالي يقوم بدور الوساطة بين الخليفة العباسي وأم محمود، وبعد ذلك أقنع أبو حامد الغزالي تركان خاتون بالموافقة على شروط الخليفة، ومن ثم وافقت على تلك الشروط (7). ثم أرسلت تركان خاتون أحد أتباعها ليقبض على بركيارق، وبالفعل تم القبض على بركيارق وإيداعه السجن من قبل أتباعها لكي لا يكون طليقاً ومن ثم يصبح محمود في مأمن منه، غير أن الأمر لم ينته عند هذا الحد الذي تخيلته تركان خاتون بأنه لو تم القبض على بركيارق لأصبحت في مأمن من كل محاولة لمنازعة ابنها في الحكم، فأتباع نظام الملك ومؤيدو بركيارق في أصفهان تمكنوا من إخراجه من سجن أصفهان ونصبوه سلطاناً في أصفهان وذلك نكاية في تركان خاتون.
وهكذا وجد سلطانان في وقت واحد: محمود في بغداد وبركيارق في أصفهان، ومن ثم أصبحت المنازعة بينهما على عرش السلطنة أمراً حتمياً (8).
_________
(1) مرآة الزمان (1/ 221، 223).
(2) الدولة السلجوقية في عهد السلطان سنجر، ص 29.
(3) الدولة السلجوقية في عهد السلطان سنجر، ص 29.
(4) الحياة السياسية ونظم الحكم في العراق، ص 99.
(5) المنتظم (9/ 62، 63) , دولة السلاجقة, لحسنين، ص 75.
(6) هو من أمراء عسكر تركان خاتون والدة محمود.
(7) الكامل في التاريخ (6/ 341).
(8) الدولة السلجوقية في عهد السلطان سنجر، ص 30.
(1/132)

1 - القتال على عرش السلطنة بين بركيارق وتركان خاتون: كانت تركان خاتون هي البادئة بالنزاع والهجوم فسارت من بغداد إلى أصفهان مع الجيش ومعها ابنها السلطان محمود والوزير تاج الملك الشيرازي، ولما قاربت تركان خاتون أصفهان خرج منها بركيارق ومن يؤيده من النظامية متجهين نحو الري فأرسلت تركان خاتون الجيش إلى قتال بركيارق، والتقى الجيشان في بروجرد (1)، وكان ذلك في أواخر ذي الحجة 485هـ وجرت الحرب بينهم، واشتد القتال وانحاز جماعة من عسكر تركان خاتون إلى بركيارق، فلحقت الهزيمة بتركان خاتون وابنها وعادوا إلى أصفهان وتبعهم بركيارق وحاصرهم فيها (2)، واتفق الطرفان على الصلح بشرط أن تدفع تركان خاتون خمسمائة ألف دينار لبركيارق، وأن تكون بلاده أصفهان، وبلاد فارس لتركان خاتون وابنها، أما باقي البلاد فتكون لبركيارق وهو السلطان (3).
وفي شهر المحرم من سنة 486هـ نشبت معركة عنيفة بين المعسكرين: المعسكر الأول لبركيارق والمعسكر الثاني لمحمود وأمه تركان خاتون، وكانت الغلبة والكفة الراجحة للمعسكر الأول بسبب مساعدة أتباع نظام الملك وبسبب انحياز جماعة من الأمراء الذين يتبعون المعسكر الثاني لتركان خاتون وابنها محمود منهم الأمير ورجحت كفة بركيارق وقوى أمره والتقى العسكران مرة أخرى وانهزم عسكر تركان خاتون وابنها، ومن ثم هربت إلى مدينة أصفهان وتحصنت بها، وفر الوزير تاج الملك الشيرازي هارباً إلا أن النظامية قبضوا عليه وأخذوه وانتهى الأمر بقتله في المحرم سنة 486هـ، وبعد أن لاذت تركان خاتون بالفرار إلى أصفهان، وقوى بركيارق بمساعدة النظامية تتبع تركان خاتون وحاصرها في أصفهان، ولكن سرعان ما عدل عن ذلك حتى يجد الفرصة سانحة للاستيلاء على أصفهان، فتوجه إلى همذان وسعى جاهداً في تكوين جيش قوي العتاد كبير العدد حتى يستطيع به الاستيلاء على أصفهان، وقد تم له ما أراد حيث توجه بجيشه الذي أعده كما يريد إلى أصفهان وتم فتحها وقضى على تركان خاتون وأنصارها. واعترافا من بركيارق بجميل النظامية عليه اتخذ عز الملك الحسين بن نظام الملك وزيراً له (4)، وكان مقيماً في أصفهان عند وقوع هذه الأحداث (5) ولقد اتفقت تركان خاتون مع خال بركيارق إسماعيل ياقوتي (6)، ووعدته بالزواج على أن يتقدم لمحاربة بركيارق، وبالفعل توجه إسماعيل ياقوتي على رأس جيشه
_________
(1) الدولة السلجوقية في عهد السلطان سنجر، ص 30.
(2) تاريخ الإسلام، حسن إبراهيم حسن (4/ 38).
(3) الدولة السلجوقية في عهد السلطان سنجر، ص 31.
(4) المصدر، ص 33.
(5) المصدر، ص 33.
(6) العالم الإسلامي في العصر العباسي، ص 602.
(1/133)

لمحاربة ابن أخته, والتقى الجيشان في رمضان 486هـ، حيث كان النصر حليف بركيارق، أما إسماعيل ياقوتي فقد أسر وقتل في نفس السنة المذكورة (1)،
وفي سنة 487هـ سار بركيارق إلى أصفهان, وفي بداية الأمر لم يسمح له بالدخول إليها، وبعد ذلك سمحوا له بالدخول خديعة كي يتم القبض عليه, وعندما قارب أصفهان خرج إليه محمود فلقيه ودخل البلد وأحاطوا به (2).
2 - وفاة محمود بن ملكشاه: ولقد حم وجدر محمود ومات في شوال من العام نفسه، وكان ذلك بمثابة الفرج بعد الشدة وجلس بركيارق للعزاء في أخيه محمود، ثم إن بركيارق جدر بعد أخيه ولكنه شفى، ولما تم شفاؤه كاتب وزيره مؤيد الملك أمراء العراق وخراسان ومن ثم عادوا إلى بركيارق، فكثر جنده وأصبح شأنه عظيماً (3).

ثانياً: انتصار بركيارق واعتراف الخليفة العباسي به سلطانا للسلاجقة سنة 487هـ:
توجه بركيارق إلى بغداد في السابع عشر من ذي القعدة عام 486هـ، وكان برفقته وزيره الجديد عز الملك الحسين بن نظام الملك، حيث طالب الخليفة العباسي المقتدى بأمر الله بأن يعترف به سلطاناً على السلاجقة، فما كان من الخليفة العباسي المقتدى بأمر الله إلا أن أجابه إلى طلبه واعترف به سلطاناً على السلاجقة في 14 محرم سنة 487هـ، ولقبه بركن الدين (4)، ونودي بركيارق سلطاناً ببغداد في 14محرم سنة 487هـ, وخطب له على المنابر وشاء القدر أن توفي الخليفة العباسي المقتدي بأمر الله في 15 محرم سنة 487هـ، وخلفه ابنه وولي عهده أبو العباس أحمد الذي لقب المستظهر بالله الذي ما كان منه إلا أن اعترف أيضاً ببركيارق سلطاناً للسلاجقة، كما بايعه بركيارق بالخلافة، وظل بركيارق في بغداد حتى ربيع الأول من سنة 487هـ ثم سار عنها متجهًا إلى الموصل (5).
1 - النزاع بين بركيارق وعمه تتش على عرش السلطنة 488هـ: لم يقتصر النزاع بين بركيارق وأخيه الأصغر محمود فحسب بل ظهر منافس آخر له ينازعه على عرش السلطنة وهو عمه تاج الدولة تتش (6)، الذي كان والياً على دمشق وما جاورها من بلاد الشام، والذي ولاه البلاد أخوه السلطان ملكشاه، ولما علم بوفاة أخيه رأى أنه أحق بأمور السلطنة من أبناء أخيه لأن أكبرهم بركيارق لم يكن يزيد على الثانية عشرة من عمره، إضافة إلى النزاع بينه وبين أخيه الأصغر محمود على السلطنة، وقد بدأ تتش في السعي للسيطرة على
_________
(1) العالم الإسلامي في العصر العباسي، ص 602.
(2) العالم الإسلامي في العصر العباسي، ص 602.
(3) المصدر نفسه، ص 34.
(4) المصدر نفسه، ص 36.
(5) الدولة السلجوقية في عهد سنجر، ص 37.
(6) المصدر نفسه، ص39.
(1/134)

السلطنة وراسل تركان خاتون أرملة أخيه قبل وفاتها واتفق معها على الزواج وتواعدا على اللقاء والتعاون، فقدمت إليه فماتت في الطريق فتفرق عساكرها وانضم أكثرهم إلى بركيارق (1) , ومضى تتش في مشروعه، فاستطاع أن يغتصب حلب من آق سنقر ويمد نفوذه إلى أنطاكية ويخطب لنفسه بالسلطنة فيها سنة 486هـ، كما استطاع أن يستولى على نصيبين ويقتل من أهلها عدداً كبيراً ثم يمد نفوذه على الموصل وميا فارقين وديار بكر ويتوجه إلى أذربيجان، وكان نفوذ بركيارق في ذلك الوقت قد قوى، فسار لملاقاة عمه الثائر المغتصب، فلما التقى الجمعان، انضم آق سنقر بجيوشه إلى بركيارق كما تفرقت جيوش تتش فانهارت قوته ولم يستطع مواجهة جيوش بركيارق فقفل راجعاً إلى بلاد الشام، وقد أقام آق سنقر عند بركيارق فترة عاد بعدها إلى بلاده ليكون عيناً على تتش (2)، ولم تهدأ نفس تتش بعد هذه الهزيمة، إذ صمم على الانتقام من آقسنقر، وقد استمر النزاع بين بركيارق وعمه تتش إلى أن تمكن بركيارق من إلحاق الهزيمة به في النهاية سنة 88هـ وقيل: إن قتله كان على أيدي جماعة من أنصار آق سنقر كانوا قد أقسموا على أن يثأروا له (3).
وقد استمرت البلاد الشامية وأتابكية الموصل مسرحاً لحروب كثيرة بين صغار الأمراء، وبيئة صالحة لدسائس البيت السلجوقي في بغداد حتى استطاع عماد الدين زنكي ونور الدين محمود من بعده أن يوحدا هذه البلاد من جديد ويخضعاها لسلطة واحدة (4). ويجب أن نشير هنا إلى أن هذا التفكك الذي حدث في قلب الدولة السلجوقية كان من أكبر عوامل نجاح الحملة الصليبية الأولى على بلاد الشام، إذ لم تكن هناك القوة الإسلامية التي تستطيع أن تقف في وجهها، ففضلاً عن المنازعات التي قامت بين رضوان ودقاق ابني تتش فإن هذه البلاد كانت مسرحاً لنشاط الفاطميين في مصر (5)، كما سيأتي بيان ذلك في محله بإذن الله. وهكذا نجد أن النزاع الذي قام بين أفراد البيت السلجوقي في هذا الجزء من الشرق الإسلامي قد أدى إلى انتزاع الصليبيين معظم بلاد الشام من المسلمين (6).
2 - منافسة أرسلان أرغون بركيارق على السلطنة: ظهر منافس آخر للسلطان بركيارق ينازعه في أمور السلطنة وهو عمه أرسلان أرغون، الذي كان مقيماً في بغداد عند أخيه ملكشاه، ولما توفي ملكشاه وحدث نزاع بين بركيارق وأخيه الأصغر محمود على عرش
_________
(1) سلاجقة الشام والجزيرة، ص 101.
(2) تاريخ الدولة الأتابكية، ملوك الموصل، ص 24، 25.
(3) الشرق الإسلامي قبيل الغزو المغولي، ص 53.
(4) تاريخ الدولة الأتابكية، ملوك الموصل، ص 30 - 37.
(5) الشرق الإسلامي قبيل الغزو المغولي، ص 54.
(6) الشرق الإسلامي قبيل الغزو المغولي، ص 54.
(1/135)

السلطنة توجه أرسلان أرغون إلى نيسابور، وأراد أن يفرض نفوذه عليها ولكن امتنع أهلها عن تسليمها له فسار منها إلى مرو حيث قام شحنتها -حاكمها- بتسليمها له وبذلك قوى نفوذ أرسلان أرغون بمساعدته وتوسعت مملكته وامتد سلطانه على بلخ وترمذ ونيسابور وسائر خراسان، وكاتب أرسلان أرغون ابن أخيه السلطان بركيارق يخبره بأنه تم بسط نفوذه وسلطانه على الأقاليم التي كانت لجده داود، وأنه راض كل الرضا بما سيطر عليه من هذه الأقاليم ولن يتعداها، أو يطمع في غيرها من أقاليم أخرى، إضافةً إلى أنه لن يخرج عن طوعه وأنه منفذ لما يأمره به، وكان السلطان بركيارق آنذاك مشغولاً بأخيه محمود، فأظهر موافقته على ما كاتبه به عمه أرسلان أرغون، بينما لم يكن في حقيقة الأمر موافقاً على ذلك, ومالبث أن سير عمه الآخر بورى برس بن ألب أرسلان لقتال أرسلان أرغون إلى حدود خراسان، والتقى العسكران فانهزم أرسلان أرغون وعاد إلى بلخ، حيث جمع الكثير من الأجناد وانضمت إليه حشود كبيرة من التركمان، وحينما شعر بقوته سار إلى مرو وفتحها عنوة بعد ما خرب أسوارها وقتل الكثير من أهلها، وسار إليه بورى برس بقصد قتاله، واجتمع إليه العسكران عند مرو فانهزم بوري برس وأسره واعتقله أخوه أرسلان أرغون في ترمذ، وهناك تم قتله، وبعد ذلك استبد أرسلان أرغون في حكم خراسان فهدم كل حصن فيها وخرب البلاد وظلم العباد، وكان أرسلان أرغون شديد الهيبة والظلم لغلمانه، فكانوا يخافونه خوفاً شديداً، مما دفع إلى قتله سنة 490هـ (1)،
وقد أرسل السلطان بركيارق جيشاً إلى خراسان لمحاربة عمه أرسلان أرغون ولم يكن قد علم بوفاة عمه على يد أحد غلمانه، وجعل أخاه معز الدين أبا الحارث سنجر بن ملكشاه على خراسان -الذي ولد بمدينة سنجر عام 479هـ وهي إحدى مدن الجزيرة والتي سمى على اسمها على عادة الأتراك- على رأس الجيش وأرسل معه الأمير قماج ليعاونه حتى يقضيان على فتنة عمه. وكان بركيارق قد أصدر أمراً بتولية سنجر حاكماً على خراسان حينما علم باستيلاء عمه عليها (2)، وبعد أن حاربه عمه سار بركيارق على رأس جيش آخر إلى خراسان، وقبل أن يصل إلى خراسان علم بمقتل عمه، ومن ثم دانت له بلاد خراسان، ثم أجلس أخاه سنجر على عرش خراسان سنة 490هـ ثم رجع إلى بغداد، وقد تولى سنجر الحكم على بلاد خراسان في عهد أخيه السلطان بركيارق لمدة عشرين عاماً وكان والياً على بلاد ما وراء النهر ومن ثم فقد سمى ملك المشرق (3).
_________
(1) تاريخ دولة آل سلجوق، ص 238، الدولة السلجوقية في عهد السلطان سنجر، ص 50 ..
(2) السلاجقة في التاريخ والحضارة، ص 48.
(3) العالم الإسلامي في العصر العباسي، ص 610.
(1/136)

ثالثاً: النزاع بين بركيارق وأخويه محمد وسنجر على عرش السلطنة:
عاد النزاع على عرش السلطنة من جديد داخل البيت السلجوقي مرة أخرى بين بركيارق وأخويه محمد وسنجر، وقد استمر هذا النزاع خمس سنوات من عام 492هـ حتى 497هـ، وليس من المهم أن نذكر أن محمداً استطاع أن يدخل بغداد وأن يقيم الخطبة لنفسه فيها سنة 492هـ بموافقة الخليفة المستظهر العباسي الذي خلع عليه الخلع والهدايا، وكان بركيارق في هذه الأثناء مريضاً (1)، ثم استمرت الحرب مع محمد طوال عهد بركيارق الذي تمكن من إعادة الخطبة لنفسه في بغداد، ومن المهم أن نذكر أن الخليفة هو الذي كان يسمح بإعادة الخطبة لكل من دخل بغداد من هذين السلطانين المتنازعين, وهذا يدلنا على مقدار ما وصلت إليه الخلافة من ضعف, ويلاحظ أن سنجر بن ملكشاه كان قد انضم إلى أخيه محمد في صراعه مع بركيارق، ويرجع السبب في ذلك لكونهما كانا ولدين لأم واحدة (2)، وقد انتهت الحرب بين محمد وبركيارق سنة 497هـ، إذ عقد الصلح بين الطرفين في هذه السنة، يقول السيوطي: إن الحروب لما تطاولت بينهما وعم الفساد وصارت الأموال منهوبة، والدماء مسفوكة، والبلاد مخربة، والسلطنة مطموعاً فيها، وأصبح الملوك مقهورين بعد أن كانوا قادرين .. دخل العقلاء بينهما في الصلح وكتبت العهود والأيمان والمواثيق (3). ولقد تقرر أن يكون للصلح قواعد نوردها فيما يلي:
- ألا يعترض بركيارق أخاه محمد في الطبل (4).
- ألا يذكر اسم بركيارق بجانب اسم محمد في البلاد التي صارت له.
- أن يكون الاتصال بينهما عن طريق الوزراء.
- ألا يعترض أحد العسكرين الآخر في داخل حدود كل منهما.
- أن يمتد نصيب محمد من نهر اسبيندروذ (5)، إلى باب الأبواب (6)، وديار بكر والجزيرة والموصل والشام، ويكون له في العراق البلاد التي كانت تحت حكم سيف الدولة
_________
(1) الشرق الإسلامي قبيل الغزو المغولي، ص 55, وفيات الأعيان (2/ 61).
(2) تاريخ الخلفاء، ص 283 الشرق الإسلامي قبيل الغزو المغولي، ص 55.
(3) تاريخ الخلفاء، ص 283.
(4) كان من شعائر السلطنة أن تضرب الطبلخانات للسلطان خمس مرات في اليوم. انظر الدولة السلجوقية في عهد السلطان سنجر، ص 65.
(5) نهر اسبيندروذ: يطلق عليه النهر الأبيض وهو على بعد عدة فراسخ من همذان.
(6) باب الأبواب: تقع في أقصى شمالي بلاد شروان وهي ميناء على بحر قزوين.
(1/137)

صدقة بن مزيد (1) وأرسل بركيارق إلى الخليفة العباسي المستظهر بالله الرسل حاملة شروط وقواعد الصلح بينه وبين أخيه محمد، فما كان من الخليفة إلا أن أجابه وأمر بإقامة الخطبة لبركيارق سنة 497هـ (2). وقد عين بركيارق سنجراً والياً على خراسان، لما يتمتع به من هيبة كبيرة وخبرة بقواعد وقوانين السلطنة والحكم في البلاد مما جعل حكمه يستمر واحدًا وستين عاماً، منها عشرون عاماً ملكاً على خراسان من قبل أخيه بركيارق، وواحد وأربعون عاماً سلطاناً للسلاجقة (3)، ومن هنا يتبين أنه بعدما طالت الحروب والنزاعات من أبناء السلطان ملكشاه، وما ترتب على ذلك من ويلات لتلك الحروب من سفك الدماء، والدمار والخراب الذي عم البلاد وانتشر بسبب النزاع على عرش السلطنة، مما أدى إلى ضعف وتفكك السلاجقة -أدرك الإخوة المتصارعون ما عم البلاد من خراب فتداعوا إلى الصلح (4).

رابعاً: وفاة بركيارق وتولى محمد بن ملكشاه السلطنة:
توفى السلطان بركيارق في سنة 498هـ ببروجرد (5) على أثر مرض أصابه، وقد عين السلطان بركيارق قبيل وفاته ابنه ملكشاه ولياً لعهده، وكان طفلاً صغيراً لم يبلغ الخامسة من عمره آنذاك, ولذلك عين الأمير أياز (6)، أتابكًا له، وسار الأمير أياز وبرفقته ملكشاه بن بركيارق إلى بغداد ونال موافقة الخليفة العباسي المستظهر بالله بإقامة الخطبة له في بغداد ولقبه بلقب جلال الدولة (7)، وكان السلطان محمد وقتذاك قد توجه إلى الموصل يخبره بأن الموصل من الأقاليم التي دانت له بعد الصلح بينه وبين أخيه السلطان بركيارق، وما كان من جكرمش إلا أن رفض تسليمها إياه مدعياً بأن ما وصل إليه من كتب السلطان بركيارق بعد الصلح تأمره ألا يسلمها إلى غيره، ولما وصل الخبر بوفاة السلطان بركيارق إلى جكرمش لم يكن أمامه مفر من أن يبذل الطاعة للسلطان محمد، وأن يسلم الموصل له (8)، وقد أسرع السلطان محمد إلى بغداد بعد أن أقيمت الخطبة بها لملكشاه بن بركيارق ودخلها من الجانب الغربي وخطب له في مساجد هذا الجانب، بينما كانت الخطبة قائمة باسم جلال الدولة ملكشاه بن بركيارق في الجانب الشرقي ومن ثم أصبح هناك سلطانان في وقت واحد (9)،
_________
(1) الدولة السلجوقية في عهد السلطان سنجر، ص 66.
(2) تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي (4/ 41، 42).
(3) السلاجقة في التاريخ والحضارة، ص 114.
(4) الدولة السلجوقية في عهد السلطان سنجر، ص 66.
(5) بروجرد: مدينة حسنة عرضها أكثر من طولها بنحو نصف فرسخ من مدن إقليم الجبال.
(6) من مماليك السلطان ملكشاه وقد جعله بركيارق أتابكا لابنه.
(7) الحياة السياسية ونظم الحكم في العراق، ص 204.
(8) دول الإسلام, ص 227.
(9) الحياة السياسية ونظم الحكم في العراق، ص 205.
(1/138)

واستشار الأتابك أياز أتباع السلطان ملكشاه بن بركيارق فيما يفعله مع السلطان محمد، فاستقر بهم الرأي على قتاله ومنعه من السلطنة ولكن وزيره الصفي أبا المحاسن، أشار عليه بالصلح مع السلطان محمد وتسليمه السلطنة، فأرسل أياز وزيره الصفى أبا المحاسن إلى السلطان محمد طلباً للصلح، وتسليمه السلطنة، واعتذاره عما بدر منه، وطلب العهد والأمان لملكشاه بن بركيارق ولنفسه وللأمراء الذين معه, وأجاب السلطان محمد الأمير أياز إلى ما التمسه منه (1)، وكان الذي أخذ البيعة بالصُّلح إلكيا الهراس مدرس النظامية (2)، فهذا الفقيه لم يقف أمام تلك الصراعات الدامية التي كانت تهدد كيان الدولة الإسلامية آنذاك موقف المتفرج، وإنما كان له دور كبير في فض كثير من المنازعات القائمة بين الحكام والملوك في بعض البلدان الإسلامية حرصاً على تماسك المسلمين ووحدتهم، وقد نجح بالفعل إلى حد كبير في الصلح بين ملكشاه بن بركيارق وعمه السلطان محمد (3)، وأصبحت السلطنة لمحمد دون منازع وخطب له في سنة 498هـ، يقول ابن كثير فيمن توفي من الأعيان عام 498هـ: بركيارق بن ملكشاه ركن الدولة السلجوقي، خطب له ببغداد سِتَّ مرات وعزل عنها ست مرات وكان عمره يوم مات أربعاً وعشرين سنة وشهوراً وقام من بعده ولده ملكشاه، فلم يتم أمره بسبب منازعة عمه محمد له (4). وقال الذهبي: وكان بركيارق شاباً شهماً شجاعاً لعاباً، فيه كرم وحلم، وكان مدمناً للخمر، تسلطن وهو حدث، له ثلاث عشرة سنة، فكانت دولته في نكد وحروب بينه وبين أخيه محمد، يطول شرحها وهي مذكورة في الحوادث ...
مات بعلة السلَّ والبواسير، وكان في أواخر دولته قد توطَّد ملكه وعظم شأنه ولما احتضر، عهد بالأمر من بعده لابنه ملكشاه بمشورة الأمراء، فعقدوا له، وهو ابن خمسة أعوام (5) وقد تولى محمد بن ملكشاه وحكم أكثر من ثلاثة عشر عاماً عمت الفوضى في أثنائها جميع أنحاء الدولة فضعف الشرق الإسلامي أمام الصليبيين في بلاد الشام وأمام القوات الأخرى المعادية في جوف الدولة الإسلامية وأهمها الطائفة الإسماعيلية (6). وانقسمت الدولة السلجوقية بعد وفاة بركيارق وأصبح كل جزء من الدولة السلجوقية تابعًا لوالٍ مستقل، فالأجزاء الشرقية تخضع لحكم سنجر، والأجزاء الشمالية تخضع لحكم أخيه محمد, وبلاد الشام تحت سيطرة أبناء تتش، وآسيا الصغرى تحت حكم أبناء سليمان ابن قتلمش,
_________
(1) الدولة السلجوقية في عهد السلطان سنجر، ص 70.
(2) البداية والنهاية (16/ 188).
(3) دور الفقهاء والعلماء المسلمين في الشرق الأقصى في الجهاد ضد الصليبيين، ص 83.
(4) الشرق الإسلامي قبيل الغزو المغولي، ص 56.
(5) سير أعلام النبلاء (19/ 196).
(6) الشرق الإسلامي قبيل الغزو المغولي، ص 56.
(1/139)

وتفككت وحدة الدولة عما كانت عليه في عهد السلاجقة العظام (1).
1 - موعظة رهيبة بليغة يحضرها السلطان محمد بن ملكشاه: في سنة 501هـ من يوم الجمعة زار السلطان محمد بن ملكشاه السلجوقي مشهد الإمام أبي حنيفة، وكان معه الوزير أحمد نظام الملك، والبرسقي صاحب الشرطة ببغداد، وجماعة من الأمراء والأعيان، ثم أدى صلاة الجمعة، في جامع المهدي بالرصافة (2)، وقد خطب الجمعة الشيخ أبو سعد المعمر ابن علي، فكانت خطبته رهيبة وقد وجّه الكلام فيها إلى الوزير أحمد نظام الملك قال: الحمد لله ولي الإنعام، وصلى الله على من هو للأنبياء ختام، وعلى آله سرج الظلام، زينه الله بالتقوى، وختم أعماله بالحسنى, وجمع له بين خيري الآخرة والدنيا.
معلوم يا صدر الإسلام أن آحاد الرعية من الأعيان، مخيَّرون في القاصد والوافد، إن شاءوا وصلوه وإن شاءوا فصَلوه، فأمّا من توشَّح بولائه، وشرشح لآلآئه، فليس مخيراً في القاصد والوافد، لأنّ من هو على الحقيقة أمير، فهو في الحقيقة أجير، قد باع نفسه وأخذ ثمنه، فلم يبق له من نهاره، ما يتصرف فيه على اختياره، ولا له أن يصلي نفلاً، ولا يدخل معتكفاً, دون التبتّل لتدبيرهم، والنظر في أمورهم، لأن هذا فضل، وهذا فرض لازم, وأنت يا صدر الإسلام، وإن كنت وزير الدولة، فأنت أجير الأمة, استأجرك جلال الدولة بالأجرة الوافرة، لتنوب عنه في الدنيا والآخرة، فأما في الدنيا ففي مصالح المسلمين، وأما في الآخرة فلتجب عند ربّ العالمين، فإنه سيقفه بين يديه، ويقول له: ملكتك البلاد، وقلدتك أزمّة العباد فما صنعت في إقامة البذل وإفاضة العدل؟ فلعله يقول: يا رب اخترت من دولتي شجاعاً عاقلاً حازماً، وسمّيته قوام الدين نظام الملك، وها هو قائم في جملة الولاة, وبسطت يده في السوط والسيف والقلم، ومكنته في الدينار والدرهم فاسأله يا ربّ ماذا صنع في عبادك وبلادك؟ أفتحسن أن تقول في الجواب: نعم تقلّدت أمور البلاد وملكت أزمّة العباد، ودنوت من تلقائك، اتخذت الأبواب والنّواب، والحجاب والحُجّاب، ليصّدوا عني القاصد، ويردّوا عني الوافد؟ فاعُمر قبرك كما عمّرت قصرك، وانتهز الفرصة، ما دام الدهر يقبل أمرك، فلا تعتذر فما ثّم من يقبل عذرك.
فهذا ملك الهند، وهو عابد صَنَم، ذهب سمعه، فدخل عليه أهل مملكته يعزّونه في سمعه فقال: ما حزني لذهاب هذه الجارحة من بدني ولكن لصوت مظلوم كيف لا أسمعه فأغيثه! ثم قال: إن كان ذهب سمعي، فما ذهب بصري، فليؤمر كل ذي ظلامه أن يلبس أحمر، حتى إذا رأيته عرفته وأنصفته، وأنت يا صدر الإسلام أحق بهذه المأثرة، وأولى بهذه المعدلة،
_________
(1) الشرق الإسلامي قبيل الغزو المغولي، ص 56.
(2) الدولة السلجوقية في عهد السلطان سنجر، ص 71.
(1/140)

وأحرى من أعد جواباً لتلك المسألة، فإنّه الله الذي تكاد السماوات يتفطرن منه، في موقف ما فيه إلا خاشع أو خاضع أو مقنع, ينخلع فيه القلب، ويحكم فيه الرب، ويعظم الكرب, ويشيب الصغير والكبير ويُعزَل الملك والوزير {يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ مَا سَعَى} {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا}. وقد استجلبت لك الدعاء وخلّدت لك الثناء مع براءتي من التهمة، فليس لي في الأرض ضيعة ولا قرية, ولا بيني وبين أحد خصومه، ولا بي بحمد الله فقر ولا فاقة (1). فلما سمع الوزير أحمد نظام الملك هذه الموعظة بكى بكاء شديداً، وأمر له بعد الصلاة بمائة دينار، فأبى أن يأخذها الخطيب. وقال: أنا في ضيافة أمير المؤمنين الخليفة، ومن يكون في ضيافة الخليفة يقبح أن يأخذ عطاء غيره. فقال له الوزير: فضّها على الفقراء. فأجابه الشيخ الخطيب: الفقراء على بابك أكثر منهم على بابي. ولم يأخذ شيئاً (2)،
وبعد انتهاء الصلاة، اجتمع الفقهاء بحضرة السلطان محمد بن ملكشاه فقال لهم: هذا يوم قد انفردت فيه مع الله تعالى، فخلّوا بيني وبين المكان, فصعدوا إلى أعاليه، فأمر غلمانه بغلق الأبواب وألا يمكنّوا الأمراء من الدخول إليه، وقام يصلى ويدعو ويخشع وأعطاهم خمسمائة دينار، وقال: اصرفوا هذه في مصالحكم وادعوا لي (3).
2 - نصيحة الإمام الغزالي لمحمد بن ملكشاه: عندما علم الإمام أبو حامد الغزالي أن السلطان محمد بن ملكشاه تولى الحكم، أرسل له كتاباً يخاطبه فيه قائلاً: اعلم يا سلطان العالم أن بني آدم طائفتان: طائفة غفلاء نظروا إلى مشاهد حال الدنيا، وتمسكوا بتأميل العمر الطويل ولم يتفكروا في النفس الأخير، وطائفة عقلاء جعلوا النفس الأخير نصب أعينهم لينظروا إلى ماذا يكون مصيرهم وكيف يخرجون من الدنيا، ويفارقونها وإيمانهم سالم, وما الذي ينزل من الدنيا في قبورهم وما الذي يتركون لأعاديهم من بعدهم ويبقى عليهم وباله ونكاله (4). ولا شك أنها نصيحة غالية ودرس عظيم فقد نصح الإمام الغزالي محمد بن ملكشاه بعدم الغفلة والاغترار بمباهج الدنيا ونسيان الآخرة والأعمال الصالحة التي تنفع صاحبها في آخرته ظناً منه بامتداد العمر، موضحاً له أنه من العقل ألا يتجاهل الإنسان أن الأجل قريب وأنه لا بد أن يسرع بعمل الأعمال الصالحة ويؤدي ما عليه لله تعالى حتى يخرج من الدنيا كامل الإيمان، فالإنسان لن يأخذ معه إلى قبره إلا العمل الصالح، ثم ينصحه
_________
(1) المنتظم (9/ 155، 73 - 174) , تاريخ الأعظمية، ص 261.
(2) المنتظم, نقلاً عن: تاريخ الأعظمية، ص 261.
(3) المنتظم, نقلاً عن: تاريخ الأعظمية، ص 261.
(4) وفيات الأعيان (5/ 72، 73).
(1/141)

الإمام الغزالي نصيحة غير مباشرة يتفجر من كل حرف فيها الحث على جهاد الأعداء، فيخبره أن العقلاء يخططون ويدرسون ما الذي يتركون لأعدائهم من بعدهم ويبقى عليهم وباله ونكاله، أي يجب أن يتخذوا حيال أعدائهم أعمالاً من شأنها أن تظل مؤثرة فيهم حتى بعد أن يموت هؤلاء العقلاء، وتظل آثار أعمالهم في ذاكرة أعدائهم، فكان لهذه النصيحة العظيمة رد فعل كبير عند السلطان محمد بن ملكشاه، فبمجرد أن انفرد بالسلطنة بدأ في بعث حركة الجهاد الإسلامي ضد الصليبيين (1) , وسيأتي تفصيل ذلك في محله بإذن الله تعالى.
وقد جاءت روايات أخرى في نصيحة الإمام الغزالي ذكر فيها: ويجب أن تعلم أن صلاح الناس في حسن سيرة الملك، فينبغي للملك أن ينظر في أمور رعيته، ويقف عند قليلها وكثيرها وعظيمها وحقيرها، لا يشارك رعيته في الأفعال المذمومة، ويجب احترام الصالحين، وأن يثبت على الفعل الجميل، ويمنع من الفعل الرديء الوبيل، ويعاقب في ارتكاب القبيح، ولا يحابي من أصر على القبيح، ليرغب الناس في الخيرات ويحذروا من السيئات، ومتى كان السلطان بلا سياسة وكان لا ينهى المفسد عن فساده ويتركه عن مراده، أفسد سائر أموره في بلاده. وقال الحكماء: إن طباع الرعية نتيجة طباع الملك، لأن العوامّ إنما يبخلون، ويركبون الفساد، وتضيق أعينهم اقتداء منهم بملوكهم، فإنهم يتعلمون منهم، ويلزمون طباعهم، ألا ترى أنه قد ذُكر في التاريخ أن الوليد بن عبد الملك - من بني أمية - كان مصروف الهمة إلى العمارة والزراعة وكان سليمان بن عبد الملك همّته في كثرة الأكل وتطيب الطعام، وقضائه الأوطار، وبلوغ الشهوات (2)، وكانت همّة عمر بن عبد العزيز في العبادة والزهادة. قال محمد بن علي بن الفضيل: ما كنت أعلم أمور الرعية تجري على عادة ملوكها، حتى رأيت الناس في أيام الوليد بن عبد الملك قد اشتغلوا بعمارة الكُرم والبساتين، واهتموا ببناء الدور، وعمارة القصور, ورأيتهم في زمان سليمان بن عبد الملك قد اهتموا بكثرة الأكل وطيب الطعام، حتى كان الرجل يسأله صاحبه: أيَّ لون اصطنعت، وما الذي أكلت؟ ورأيتهم في أيام عمر بن عبد العزيز قد اشتغلوا بالعبادة، وتفرغوا لتلاوة القرآن وأعمال الخيرات، وإعطاء الصدقات لتعلم أن في كل زمان تقتدي الرعية بالسلطان، ويعملون بأعماله، ويقتدون بأفعاله من القبيح والجميل، واتباع الشهوات، وإدراك الكمالات، كما يقال (3).
وقد ذكر بعض المؤرخين أن كتاب الغزالي «التبر المسبوك في نصيحة الملوك» هو عبارة عن توجيهات للسلطان محمد بن ملكشاه الذي كان مستولياً في عهد المستظهر بالله العباسي،
_________
(1) دور العلماء والفقهاء المسلمين في الشرق الأدني، ص 84.
(2) قد ناقشت ما نسب إلى سليمان بن عبد الملك في كتابي عن الدولة الأموية.
(3) التبر المسبوك, نقلاً عن صلاح الأمة (3/ 201).
(1/142)

خاطب فيه الغزالي السلطان محمد وذكّره بنعم الله عليه وأهم تلك النعم نعمة الإيمان, وبين له أن للإيمان عشرة أصول وعشرة فروع: أما أصول الإيمان فهي: اعلم أيها السلطان أنك مخلوق ولك خالق وهو خالق العالم وجميع الكون: اعلم أن الباري تعالى ليس له صورة ولا مثل، وأنه على كل شيء قدير، وأن علمه محيط بكل شيء، وأنه سميع بصير ويقول للشيء كن فيكون، وأمره تعالى على جميع الخلق نافذ، وأن جميع ما في العالم مخلوق له تعالى وليس معه شريك، وبعد ألموت حساب وسؤال وصراط وجنة ونار.
وجعل الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - آخر الأنبياء وأوصل نبوته إلى درجة الكمال وأمر الخلائق من الإنس والجن بطاعته (1)، وأما فروع شجرة الإيمان فهي: العدل والإنصاف, واستماع نصيحة العلماء المخلصين، وأن يحارب الظلم من أي جهة صدر، ويبتعد عن الغضب ويميل إلى العفو والكرم والتجاوز، ويرضى لنفسه ما يرضاه للمسلمين, وقضاء حوائج المسلمين أفضل من نوافل العبادات، وأن يبتعد عن الشهوات، والرفق واللطف خير من الشدة والعنف، وكسب رضا الرعية ضمن موافقة الشرع، ألا يطلب رضا أحد بمخالفة الشرع، ومن نصائحه أن يعرف لماذا وجد الإنسان في الدنيا، وأن يعرف مصيره، ثم يحذره من الجور والفساد، وأن يبتعد عن أعمال اللهو كلعب الشطرنج والنرد وشرب الخمر وضرب الكرة والصولجان والصيد لأن ذلك يمنعه من أمور الرعية وعلى السلطان أن يعين رعيته في أوقات الأزمات الاقتصادية، وأن يكون عالي الهمة، وأن يتحلى بالحكمة، وأن يستعمل عقله. ثم ذكر شروط الوزير: أن يكون كاتباً، صالحاً عادلاً، وهو حاجة ملحة، كما يذكر شروط الكاتب ومنها: خفة الروح, عالماً ببراية القلم, وأن يعطى كل حرف حقه. كما يتعرض لخير النساء وهي الولود الخفيفة المهر، صاحبة الديانة والعفاف والستر (2). ويبدو أن هذا السلطان كان يصغى لنصائح الغزالي وأخذ ببعضها فقد حرص على العدل والإحسان وتقريب أهل الدين والمعرفة.
3 - محاربته للباطنية: انتهزت الباطنية الإسماعيلية فرصة الاضطرابات التي حدثت بعد وفاة ملكشاه والصراع الذي وقع بين أبناء البيت السلجوقي، فسعوا إلى التمكين لأنفسهم عن طريق الاستيلاء على مزيد من القلاع والأماكن الحصينة والتسلل إلى بلاد السلاطين وإلى جيوشهم، وكان جيش بركيارق من الجيوش التي تزايد فيها نفوذهم، وانتشر فيه دعاتهم, ويبدو أن بركيارق لم يشأ أن يصطدم معهم بسبب انشغاله في الصراعات الدائرة
_________
(1) التبر المسبوك, نقلاً عن الحضارة الإسلامية في بغداد، ص 234.
(2) المنتظم (9/ 121).
(1/143)

مع أهل بيته إلى أن اتهم بالميل إليهم، وتبين له خطرهم وأشار عليه أعوانه أن يفتك بهم قبل أن يعجز عن تلافي أمرهم، فأذن السلطان في قتلهم في عام 494هـ فأخذوا من خيامهم، وأخرجوا إلى ميدان عام فقتلوا فيه: ولم يفلت منهم إلا من لم يعرف (1)، ويذكر أبو الفرج بن الجوزي: أن القتلى بلغوا ثلاثمائة (2) وسرعان ما تتبعهم أمراء الأقاليم فقد قتل «جاولي سقاوو» خلقاً كثيراً منهم بمنطقة «خوزستان» يقارب الثلاثمائة (3)، وأرسل بركيارق إلى الخليفة العباسي يشير عليه بتتبع الموجودين منهم في عاصمة الخلافة، فأمر بالقبض على قوم يظن فيهم ذلك «ولم يتجاسر أحد أن يشفع في أحد لئلا يظن ميله إلى ذلك المذهب» (4).
وطاردهم السلطان سنجر في نفس العام 494هـ فقتلت عساكره منهم خلقاً كثيراً، وحاصروا قلعة «طبس» وخربوا سورها وأوشكت على السقوط، فلجأ الباطنية إلى رشوة قائد العسكر الأمير «بزغش» واستنزلوه عما كان يريده منهم فرحل عنهم وتركهم فأعادوا عمارة ما انهدم من سورها وملأوها ذخائر من سلاح وأقوات وغير ذلك ثم عاودهم «بزغش» سنة 497هـ ومعه كثير من المتطوعة إلى قلعة «طبس» مرة أخرى فخربها هي وما جاورها من القلاع والقرى، وأكثر فيهم القتل والنهب والسبي، ومع ذلك فإن أصحاب سنجر أشاروا عليه بأن يؤمنهم مقابل ألا يبنوا حصناً ولا يشتروا سلاحاً، ولا يدعوا أحداً إلى مذهبهم (5).
وقد أثار هذا الصلح سخط كثير من الناس على سنجر، بسبب ما وقع عليهم من أذى بأيدي هذه الفئة، ولعلمهم أيضاً بأنهم لن يحترموا هذا الأمان ولا هذا الصلح، وهذا ما حدث بالفعل، ففي عام 498هـ خرج جمع كبير منهم من قلعة «طريثيت» قرب مدينة بيهق وأغاروا على النواحي المجاورة لهم، وأكثروا من القتل ونهب الأموال، وسبي النساء «ولم يقفوا على الهدنة المتقدمة» (6)، وكان عام 498هـ هو نهاية المرحلة التي قاوم السلاجقة فيها نفوذ الباطنية مقاومة فيها الكثير من الحذر بسبب الخلاف الذي كان محتدماً بين أفراد البيت السلجوقي، واستغلال الباطنية هذا الخلاف في التسلل إلى المراكز المهمة في بلاط السلاطين وليس أدل على وجود هذا النفوذ من موقف قائد سنجر عندما قبل رشوتهم في عام 494هـ ورحل عنهم بعد أن أوشكت قلعتهم على السقوط، ثم عندما عقد معهم سنجر معاهدة الأمان في عام 497هـ، بعد أن أنزل بهم عساكره خسائر فادحة، إن هذا التهاون معهم في
_________
(1) الكامل في التاريخ, نقلاً عن التاريخ السياسي والفكري، ص 138.
(2) المنتظم (9/ 121).
(3) الكامل في التاريخ, نقلاً عن التاريخ السياسي والفكري، ص 138.
(4) المنتظم (9/ 121).
(5) الكامل في التاريخ, نقلاً عن التاريخ السياسي والفكري، ص 138.
(6) دائرة المعارف الإسلامية (3/ 377) , مادة إسماعيلية.
(1/144)

هاتين الحادثتين رغم النصر الذي حققته عساكر سنجر عليهم فيه دليل على تغلغل نفوذهم داخل بلاط السلاطين، أو على الأقل فيه دليل على تخوف السلاطين وحذرهم منهم, وقد كان لهذه المقاومة الحذرة ردود فعل من جانب الباطنية بدأوها باغتيال نظام الملك عندما أرسل عسكراً قاموا بحصار الحسن بن الصباح إثر استيلائه على «ألموت» في عام 483هـ (1)،
وفي عام 490هـ قتلوا «أرغش النظامي» مملوك نظام الملك بمدينة الري، كما قتلوا في العام ذاته الأمير «برسق» من كبار قواد طغرل بك، وأول من تولى شِحنة بغداد, وفي عام 498هـ خرجوا على قافلة الحجاج القادمة مما وراء النهر وخراسان عند مدينة الري فقتلوا من فيها، وغنموا أموالهم ودوابهم، كما قتلوا في نفس العام شيخ الشافعية بمدينة «الري» الفقيه أبا جعفر (2) المشاط
* مرحلة أخرى في محاربة الباطنية: نبهت هذه الجرائم - وأمثالها - التي ارتكبها الباطنية سلاطين السلاجقة إلى أنه لابد من مقاومة جدية لهذه الطائفة وإلا استشرى خطرها، وعم ضررها وهددت أمن الدولة ونظامها، وتميزت هذه المرحلة بأنه قد بدا فيها واضحاً حرص السلطان محمد - الذي استقرت له الأمور بعد وفاة أخيه بركيارق في عام 498هـ- على استئصال هذا الداء، ولم يكن هذا الهدف واضحاً في المرحلة السابقة التي كانت تستهدف - فقط - الحد من خطرهم، وسنركز على عملين كبيرين - كنموذج - قام بهما السلطان محمد في مجال محاولة القضاء على هذه الفئة:
أ- إسقاطه لقلعة أصبهان «شاه دز» وقتل الزعيم الكبير ابن عطاش الذي كان متحصناً بها.
ب- حصاره لقلعة ألموت مدة تزيد على ست سنوات .. بدأ السلطان محمد حصاره لقلعة أصبهان في عام 500هـ بعد أن استفحل بها أمر الداعي أحمد بن عطاش, فكان يرسل أصحابه لقطع الطريق وأخذ الأموال، وقتل من قدروا على قتله .. وجعلوا له على القرى السلطانية، وأملاك الناس ضرائب يأخذونها ليكفوا عنها الأذي، فلما صفت السلطنة لمحمد ولم يبق له منازع لم يكن عنده أمر أهم من قصد الباطنية وحربهم، فرأى البداية بقلعة أصبهان لأن الأذى بها أكثر، وهي متسلطة على سرير ملكه, فخرج بنفسه فحاصرهم (3). ولأول مرة نرى سلطاناً سلجوقياً يخرج بنفسه لقتال الباطنية، وقد تمكن من الاستيلاء على هذه القلعة في ذي القعدة من عام 500هـ بعد حصار دام حوالي ثلاثة شهور، ووقع ابن
_________
(1) الكامل في التاريخ, نقلاً عن التاريخ السياسي والفكري، ص 139.
(2) الكامل في التاريخ, نقلاً عن التاريخ السياسي والفكري، ص 139.
(3) الكامل في التاريخ, نقلاً عن التاريخ السياسي والفكري، ص 140.
(1/145)

عطاش أسيراً هو وابنه فقتلا، وحمل رأساهما إلى بغداد (1)، لم يحصل السلطان محمد على هذا النصر في أول لقاء مباشر بينه وبين هذه الطائفة بثمن بخس، وإنما واجه كثيراً من المواقف الحرجة التي صمد أمامها حتى تحقق هدفه, ومن ذلك أنه لما عزم على حربهم في رجب من عام 498هـ استخدم المشايعون لهم في عسكره حرب الشائعات، ليصرفوه عن غايته، فأذاعوا أن قلج أرسلان سلطان سلاجقة الروم، قد ورد بغداد وملكها، وافتعلوا في ذلك مكاتبات ثم أظهروا أن خللاً حدث بخراسان، وكان هدفهم من ذلك كله إبعاد السلطان عن أصفهان حتى لا يتحقق الهدف الذي يسعى إليه، لكن السلطان توقف حتى تحقق من بطلان الشائعات فانصرف لغايته (2).
- محاولة الباطنية الإسماعلية هدم شرعية قتالهم: عندما شدد السلطان محمد بن ملكشاه الحصار عليهم لجأ الباطنية إلى الخداع، فكتبوا إلى الفقهاء السنيين يطلبون فتواهم في قوم يؤمنون بالله ورسوله، ولكن يخالفون الإمام هل يجوز للسلطان مهادنتهم وموادعتهم، وأن يقبل طاعتهم، ويحرسهم من كل أذى؟ وكادت اللعبة تنجح بعد أن أفتى أكثر الفقهاء بجواز ذلك، وتوقف البعض عن الفتوى، فجمع السلطان الفقهاء للمناظرة، فانتصر رأي الفقيه الشافعي أبي الحسن على بن عبد الرحمن السمنجاني الذي أفتى بإباحة دمائهم نظراً لرأيهم في الإمام الذي يستطيع أن يحرم عليهم ما أحل الله، ويحل لهم ما حرم الله، وتكون طاعته في هذه الحالة - حسب اعتقادهم فيه - واجبة (3). كان هدف الباطنية من هذه الخطوة أن يهدموا شرعية قتِالهم، حتى يضعف السلطان وينصرف الجند والناس عنه ما دام يقاتل قوماً مؤمنين، ولما لم تفلح هذه الخطة لجأوا إلى المطاولة وكسب الوقت، فطلبوا من السلطان أن يرسل إليهم من يناظرهم، فصعد إليهم بعض العلماء، ثم عادوا بغير طائل، وأخيراً طلبوا أن يؤمنوا ويتركوا القلعة مقابل أن يوصلهم السلطان إلى بعض قلاعهم الأخرى على دفعات، فإذا عاد إليهم من أخبرهم بوصول الدفعة الأولى إلى القلاع سالمين، نزل ابن عطاش ومن بقي معه ليوصلهم السلطان إلى الحسن الصباح في «ألموت»، ووافق السلطان محمد على ذلك، ووصل الفوج الأول إلى القلاع التي عينوها، فلما تأكد ابن عطاش أن أتباعه وصلوا سالمين نقض عهده، واستمر في العناد إلى أن انتهت مقاومته وسقط أسيراً (4).
وكان هذا النصر الذي حققه السلطان محمد على أحمد بن عبد الملك بن عطاش في أصفهان دافعاً إلى ملاحقة الباطنية، وخاصة في عاصمتهم «ألموت» ففي عام 503 هـ، أرسل وزيره أحمد بن
_________
(1) التاريخ السياسي والفكري للمذهب السني، ص 140.
(2) التاريخ السياسي والفكري للمذهب السني، ص 140.
(3) المصدر نفسه، ص 141.
(4) الكامل في التاريخ, نقلاً عن التاريخ السياسي والفكري، ص 141.
(1/146)

نظام الملك فحاصر هذه القلعة لكنه اضطر للرحيل عنها عند حلول الشتاء، وحاول الباطنية الانتقام من هذا الوزير في نفس العام فطعنوه بالسكاكين في أحد مساجد بغداد إلا أن الطعنات لم تكن قاتلة فبرئت جراحه (1).
- الاستمرار في محاربة الباطنية: وكرر السلطان المحاولة في عام 505هـ وندب لقتال الحسن أحد الأمراء واسمه أنوشتكين شيركبر، فملك من الباطنية عدة قلاع ولكنه وقع في الخطأ الذي وقع فيه سلطانه قبل ذلك، فأمن من كانوا في هذه القلاع، وسيرهم إلى ألموت ثم سار هو بعد ذلك بحصارها بعد أن ازدادت قوة ومنعة باطنية القلعة بمن توجه إليها من الباطنية, وأمده السلطان بعدد من الأمراء وانعقد عزمهم على إسقاط هذه القلعة مهما كلفهم من جهد، فبنوا المساكن حولها، وعين لكل طائفة من الأمراء - بالتناوب - أشهراً يقيمون فيها لحصارها، على أن يقيم القائد العام «أنوشتكين» إقامة دائمة, ولم يتوقف السلطان في هذه الظروف عن إمدادهم بالمؤن والذخائر والرجال حتى اشتد الأمر على الباطنية، وعدمت عندهم المؤن بسبب طول الحصار، ولم يجدوا بدًا من إنزال نسائهم يطلبن الأمان لهم، على أن يسلموا القلعة ويوسع لهم كي يمضوا إلى أي طريق شاءوا، ولكن أنوشتكين أدرك الأخطار التي ترتبت على منحهم الأمان في الماضي، وكان من أبرز هذه الأخطار أن هذه القلعة «ألموت» أضحت أكبر مركز لتجمعاتهم بعد أن وفد عليها الكثيرون من القلاع الأخرى التي سقطت قبل ذلك، لهذا رفض أن يمنحهم الأمان، وأعاد النساء إلى القلعة قصدا كي يموت الجميع جوعاً، لكن ما أمله هذا القائد لم يتحقق بسبب وفاة السلطان محمد في عام 511هـ وإصرار الأمراء والجند على الرحيل بعد سماعهم هذا النبأ. وذلك بعد أن استمر حصار القلعة ما يقرب من ست سنوات وبعد أن كان سقوطها وشيك الوقوع، ولم يبق أمام القلعة بعد وفاة السلطان غير أنوشتكين، فانتعشت آمال الباطنية، وقويت نفوسهم واضطر هذا القائد إلى الانسحاب بجنده فغنم الباطنية ما تخلف منهم (2).وبوفاة السلطان محمد توقف تنفيذ مشروعاته للقضاء على هذه الفئة ووجد الباطنية فرصة مجددة لتقوية أنفسهم مستفيدين من الصراع على السلطة الذي أعقب وفاة السلطان محمد بين ولده محمود وعمه السلطان سنجر، وخلال الخمس عشرة سنة التي أعقبت وفاته استطاعوا بوسائلهم المتعددة أن يمدوا نفوذهم إلى بلاد الشام، وأن يستولوا فيها على بعض القلاع والحصون (3).
4 - وفاة السلطان محمد بن سنجر: سنة 511 هـ: كان السلطان محمد فحل آل
_________
(1) التاريخ السياسي والفكري للمذهب السني، ص 141.
(2) الكامل في التاريخ (6/ 533).
(3) التاريخ السياسي والفكري للمذهب السني، ص 142.
(1/147)

سلجوق وله بر في الجملة وحسن سيرة مشوبة، فمن عدله أنه أبطل ببغداد المكْسَ والضرائب ومنع من استخدام يهودي أو نصراني، وكسا في نهار أربعمائة فقير، وقد كان كفَّ مماليكه عن الظلم، ودخل يوماً إلى قُبة أبي حنيفة، وأغلق على نفسه يُصلي ويدعو، وقيل: إنه خلَّف من الذهب العين أحد عشر ألف ألف دينار ومات معه في العام صاحب قسطنطينية، وصاحب القُدس بغدوين لعنهما الله (1)، قال أحمد القرماني: .. ثم مرض زماناً طويلاً فقيل له: مرضك سحري، وإنما سحرتك زوجتك، فأعضل داؤك وأبطل دواؤك! وحملوا السلطان إلى أن كحَّلها وحبسها في بيت ضيق، واعتقلها، وأخرجوا خاتم السلطان وقالوا إنه أمر بخنقها، ومن عجيب القدر أن الزوجين توفيا في ساعة واحدة، فالختون في بيتها خنقت، والسلطان على فراشه نفسه زهقت في أواخر سنة إحدى عشرة وخمسمائة وخلف خمسة بنين، وهم محمود، ومسعود، وطغرل، وسليمان وسلجق (2)، وكلهم تولوا السلطنة سوى سلجق، ولما أيس السلطان من نفسه أحضر ولده محموداً وبكى كل منهما، وأمره أن يخرج ويجلس على سرير الملك، وينظر في أمور الناس، فقال له ولده: فإن هذا اليوم غير مبارك, فقال: صدقت، ولكن على أبيك، وأما عليك، فمبارك، فامتثل أمره وجلس على سرير الملك أبو القاسم محمود بن محمد بن ملكشاه مكان والده وأحكم قواعده، وهو يومئذ في سن الحلم قويّ المعرفة باللغة العربية (3)، مات السلطان محمد بن ملكشاه في آخر سنة إحدى عشرة وخمسمائة بأصبهان، ودفن بمدرسة كبيرة له، وقد تزوج المقتفي بابنته فاطمة، وعاش ثمانياً وثلاثين سنة (4).

خامساً: الخليفة العباسي المستظهر بالله:
هو الإمام أمير المؤمنين، أبو العباس أحمد بن المقتدي بأمر الله أبي القاسم عبد الله بن الذّخيرة محمد بن القائم بأمر الله عبد الله بن القادر الهاشمي العباسي البغدادي (5) استخلف عند وفاة أبيه في تاسع عشر المحرم، وله ستَّ عشرة سنة وثلاثة أشهر، وذلك في سنة سبع وثمانين وأربعمائة (6)، فكان أول من بايعه الوزير أبو منصور بن جهير، ثم أخذت البيعة له من الملك ركن الدولة بركيارق بن السلطان ملكشاه ثم من بقيَّة الأمراء والرُّؤساء وصلى على الخليفة الأمراء والوزراء، ومن العلماء حضر الغزالي والشاشيُّ وابن عقيل وبايعوه يوم ذلك، وقد كان المستظهر بالله كريم الأخلاق حافظاً للقرآن فصيحاً
_________
(1) سير أعلام النبلاء (19/ 57).
(2) أخبار الدول وآثار الأول (2/ 458، 459).
(3) أخبار الدول وآثار الأول (2/ 458، 459).
(4) سير أعلام النبلاء (19/ 507).
(5) سير أعلام النبلاء (19/ 396).
(6) سير أعلام النبلاء (19/ 396).
(1/148)

بليغاً شاعراً مُطبَّقا, ومن لطيف شعره قوله:
أذاب حَرُّ الجوى في القلب ما حمدا ... يوماً مددت على رسم الوداع يدا
فكيف أسْلُكُ نهج الاصطبار وقد ... أرى طرائق في مهوى الهوى قِددا
قد أخلف الوعد بدر قد شغفت به ... من بعد ما قد وَفى دهراً بما وعدا
إن كنت أنقض عهدَ الحب في خلدي ... من بعد هذا فلا عاينته أبدا (1)

وفوض المستظهر أمور الخلافة إلى وزيره أبي منصور عميد الدولة ابن جهير فدبّرها له أحسن تدبير، ومَهَّد الأمور أتم تمهيد، وساس الرّعايا، وكان من خيار الوزراء, وفي ثالث عشر من شعبان سنة 487هـ عزل الخليفة أبا بكر الشاشيّ عن القضاء وفوّضه إلى أبي الحسن بن الدامغانيّ، وفي السنة نفسها وقعت فتنة بين السنة والروافض فأحرقت محال كثيرة وقتل ناس كثيرون، فإنا لله وإنا إليه راجعون (2).
1 - قيام المستظهر للتراويح واهتمامه بالقرآن الكريم: حكى أبو طالب بن عبد السميع عن أبيه أن المستظهر بالله طلب من يُصلي به، ويُلقن أولاده، وأن يكون ضريراً، فوقع اختياره على القاضي أبي الحسن المبارك بن محمد بن الدَّواس مقرئ واسط قبل القلانسي، فكان مكرماً له، حتى إنه من كثرة إعجابه به كان أول رمضان قد شرع في التراويح، فقرأ في الرَّكعتين الأوليين آية آية، فلما سلم، قال له المستظهر: زدنا من التلاوة، فتلا آيتين آيتين، فقال له: زدنا, فلم يزل حتى كان يقوم كل ليلة بجزء، وإنه ليلة عطش، فناوله الخليفة الكُوز، فقال خادم: ادع لأمير المؤمنين، فإنه شرّفَكَ بمناولته إيَّاك (3). وقال السَّلفي: قال لي أبو الخطاب بن الجرَّاح: صليت بالمستظهر في رمضان، فقرأت «إن ابنَكَ سُرَّق» (4) (يوسف: 81)، رواية رويناها عن الكسائي، فلما سلمت قال: هذه قراءة حسنة فيه تنزيه أولاد الأنبياء عن الكذب (5). قال الذهبي: قلت: كيف بقولهم «فأكله الذَّئب» «وجاءوا على قميصه بدم كذب (6)» وهذه لفتة جميلة من الذهبي تدل على سعة علمه وقدرته العقلية الكبيرة على النقد واستقامة موازينه العلمية.
2 - من أقوال المستظهر: قال أبو طالب بن عبد السميع: كان من ألفاظ المستظهر:
- خير ذخائر المرء لدنياه ذكر جميل، ولآخرته ثواب جزيل.
_________
(1) البداية والنهاية (16/ 142).
(2) سير أعلام النبلاء (19/ 397).
(3) سير أعلام النبلاء، (19/ 397).
(4) سير أعلام النبلاء، (19/ 397).
(5) سير أعلام النبلاء، (19/ 397).
(6) سير أعلام النبلاء، (19/ 397).
(1/149)

- شُحُّ المرء بفلسه من دناءة نفسه.
- الصبر على الشدائد ينتج الفوائد.
- أدب السائل أنفع من الوسائل.
- بضاعة العاقل لا تخسر وربحها يظهر في المحشر (1).
3 - موقف الإمام الغزالي من المستظهر: إن خير كتاب يعطينا صورة لموقف الغزالي من الخليفة المستظهر هو كتابه «فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية»، والغزالي ألف هذا الكتاب بناء على طلب المستظهر نفسه حتى يرد به على عقيدة الباطنية (2)، والباب التاسع من الكتاب خصصه الغزالي بأكمله لإقامة البراهين الشرعية على أن الإمام الحق القائم بالحق الواجب على الخلق طاعته هو الإمام المستظهر، كما بين أنه يجب على علماء الدهر الفتوى على البت والقطع بوجوب طاعته على الخلق ونفوذ أقضيته بمنهج الحق وصحة توليته للولاة وتقليده للقضاة وأنه خليفة الله على الخلق وأن طاعته على جميع الخلق فرض (3)، وهذا الباب يمتد من الصفحة 169 إلى الصفحة 225، وهو من أوله إلى آخره دعوه لطاعة المستظهر وللالتفاف حول منصب الخلافة، وقد أورد صفات الإمام وواجباته السياسية والدينية (4)، ونلاحظ أن الإمام الغزالي رمى بثقله الفكري والثقافي والعقائدي لدعم مشروعية الخلافة العباسية والخليفة المستظهر وذلك ليقينه من الخطر الباطني الذي يريد إسقاط المرجعية العباسية وتثبيت الشرعية الفاطمية الباطنية تحت شعار الإنتساب زوراً لأهل البيت فكراً ونسباً. وعلم الغزالي أنه إذا تمّ هذا الأمر فإن في ذلك ضياع الدولة السنية، لذلك رمى بثقله للحفاظ على الشرعية السنية العباسية أمام المد الباطني.
4 - علاقة المستظهر بالمرابطين: كانت الخلافة الفاطمية في مصر والسلطنة السلجوقية في إيران في تنافس مستمر من أجل السيطرة على البلاد الإسلامية، ونفوذ المستظهر الديني مرتبط بامتداد حكم السلاجقة السنيين، أما في الشمال الإفريقي، فقد سيطر المرابطون على مراكش وسواحل الأطلسي ثم على بلاد الأندلس بعد معركة الزلاقة سنة 479هـ، وتمكن يوسف بن تاشفين من إقامة دولة قوية متشعبة الأطراف، هذه الدولة رفضت أن تعطي ولاءها للخليفة الفاطمي بالقاهرة بسبب اعتناقه المذهب الشيعي وهم سنيون حريصون على انتمائهم للخلافة العباسية وهذه محمدة كبيرة تحسب للمرابطين وتفيدنا درساً مهمًا وهو أن
_________
(1) سير أعلام النبلاء، (19/ 397).
(2) فضائح الباطنية، ص 3.
(3) المصدر نفسه، ص 169.
(4) الحضارة الإسلامية في بغداد , ص230.
(1/150)

الأخوة في الدين والعقيدة الإسلامية والسعي لإيجاد علاقات حممية فيها تعاون على البر والتقوى، وحرصاً على وحدة الأمة وخصوصاً في وقتنا الحاضر (1)، لذلك أراد يوسف بن تاشفين أن يتقرب من الخليفة العباسي، ويأخذ منه البيعة كي يتصف حكمه بالصفة الشرعية، وحتى تصبح طاعته على الكافة واجبة، وهذا الرأي أشار به فقهاء المغرب (2)،
وقبل أن يبادر أمير المرابطين إلى الاتصال بالمستظهر نفذ في بلاده عدة خطوات؛ فقد نقش المرابطون اسم الخليفة العباسي على السكة وكانت نقودهم تحمل «عبد الله» ويقصد به الخليفة العباسي حتى لا تتغير السكة بتغير الخلفاء العباسيين, ويدل على ذلك الرسالة التي بعث بها علي بن يوسف بن تاشفين إلى المستظهر ذاكراً لفظة «عبد الله» مع أن اسم الخليفة «أحمد» وبعد أن اتسعت دولة المرابطين رأى زعماؤها أن يتخذ أميرهم يوسف بن تاشفين لقب «أمير المؤمنين»، ولكنه رفض هذا الاقتراح تقرباً إلى خلفاء بني العباس، واحتراماً لهم وقال: حاشا لله أن نتسمى بهذا الاسم، وإنما يتسمى به خلفاء بني العباس لكونهم من تلك السلالة الكريمة، ولأنهم ملوك الحرمين مكة والمدينة وأنا رجلهم والقائم بدعوتهم (3). ثم اتخذ المرابطون السواد -شعار العباسيين- شعاراً لهم في ملابسهم وراياتهم، وخطبوا للخليفة العباسي على منابر بلادهم (4) وبعد ذلك أرسل يوسف بن تاشفين بعثة إلى المستظهر سنة 498هـ تحمل إليه البيعة والهدايا وكتاباً يذكر فيه البلاد التي فتحها وحروبه مع الفرنج، ثم طلبت البعثة من الخليفة أن يعضد ليوسف بن تاشفين على المغرب والأندلس وما يفتحه بالمستقبل بسيف أمير المؤمنين، فأجابه المستظهر لما أراد ولقبه «بأمير المسلمين وناصر الدين» وسير معه الخلع واللواء، وكتب له عهداً بذلك، كما أن الإمام الغزالي والقاضي الطرطوشي، أرسلا إليه خطاباً يحثانه على خدمة الإسلام ويفتيانه في ملوك الطوائف (5)،
وبعد وفاة يوسف بن تاشقين سنة 500هـ، ملك ابنه علي بن يوسف بن تاشفين الذي واصل سياسة والده في موالاة الخليفة العباسي ومناصرة الشريعة الإسلامية, وفي سنة 512هـ أرسل إليه المستظهر مرسوماً، جواباً عن رسالة سابقة يطلب فيها عهداً من المستظهر, وتبدأ الرسالة بحمد الله وشكره والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - الذي حمل الدعوة الإسلامية، فأنقذ الأمة من الضلال وأنار القلوب وأعز الدين، ثم الصلاة على العباس عم الرسول - صلى الله عليه وسلم - وذريته، ثم يذكر مواهب الله على أمير المسلمين الذي يحكم بالعدل
_________
(1) الحلل الموشية في ذكر الأخبار المراكشية, لابن الخطيب، ص 16.
(2) مرآة الجنان لليافعي (3/ 164).
(3) الحلل الموشية، ص 16.
(4) النجوم الزاهرة (5/ 191) , الحضارة الإسلامية في بغداد، ص 132.
(5) الكامل في التاريخ, نقلاً عن الحضارة الإسلامية في بغداد، ص 132.
(1/151)

ويحرص على مصلحة الرعية ويرد عنها نوائب الأيام، ثم يدعو بالنصر والظفر لجيوشه على أعدائهم، يوافقه على جهاد الكفرة والتوسع في البلاد المحاذية لمملكته، ثم يأمره أن يتخذ القرآن والسنة ويتمسك بالتقوى وأن يثابر على الجهاد ضد الأعداء، وأن يدعو لأمير المؤمنين على منابر دولته أن يكون ظاهراً وظافراً ثم يختمها بالسلام عليه وعلى أهل الطاعة (1)، وبقيت دعوة بني العباس قائمة في المغرب حتى انقطعت دولة المرابطين (2).
5 - موقف المستظهر من الحملات الصليبية: واجهت الخلافة العباسية في عهد المستظهر خطرين داهمين: الخطر الأول جاء من الشرق على يد الحركة الباطنية التي صممت على مناهضة الخلافة العباسية عسكرياً وفكرياً.
والخطر الثاني جاء من الغرب وقد أحدثته الحركة الصليبية التي استهدفت احتلال الشرق وتخليص بيت المقدس من أيدي المسلمين. حدثت الحروب الصليبية في وقت كان فيه المشرق الإسلامي يعاني من شر الانقسامات السياسية والمذهبية، فالسلطنة السلجوقية تتصارع مع الخلافة الفاطمية المصرية، وكانت بلاد الشام مسرحاً أساسياً لسباق السيطرة بين الطرفين، وأما على صعيد الدولة السلجوقية الذاتي فالأمر كان أدهى وأمر، فقد غرق سلاطين الدولة السلجوقية بعد وفاة ملكشاه في حروب مدمرة حول عرش السلطنة, وهذه الحروب أتت على الأخضر واليابس، مما ترك المجال واسعاً أمام أعداء السلطنة في الداخل والخارج، وكانت فرصة مناسبة للصليبيين الذين سيطروا على سواحل بلاد الشام بدون مقاومة تذكر (3)، هذا التفكك الذي أصاب الدولة السلجوقية كان من أكبر عوامل نجاح الحملات الصليبية (4)، وسيأتي الحديث عن الحروب الصليبية في محله بإذن الله تعالى.
6 - صراع سلاطين السلاجقة وموقف المستظهر منهم: رغم العلاقة الحسنة التي كانت قائمة بين المستظهر وسلاطين السلاجقة فإنه لم يتمكن من تحقيق أي نوع من الاستقلال ولو في إدارة شئون مدينة بغداد الداخلية، كما أنه وقف متفرجاً أمام النزاعات العنيفة التي عصفت بوحدة البيت السلجوقي ولم ينتهز الفرصة السانحة كي يحقق لنفسه شيئاً من القوة والسيادة، إلا أن هيبته قويت في عهد السلطان محمد بن ملكشاه (5)، واغتنم المستظهر فرصة الصفاء والاحترام القائمة بينه وبين السلطان محمد فأراد أن يوثق صلته أكثر فأكثر بالبيت السلجوقي، فأرسل سنة 502هـ إلى السلطان يطلب أخته تركان خاتون
_________
(1) الحلل الموشية لابن الخطيب، ص 64، 65.
(2) الحضارة الإسلامية في بغداد، ص 133.
(3) الحضارة الإسلامية في بغداد، ص 136.
(4) المصدر نفسه، ص 137.
(5) المصدر نفسه، ص 116.
(1/152)

الثانية بنت ملكشاه زوجةً له، فاستقبل طلبه بالترحاب وتحولت العلاقة بين السلطان محمد والخليفة إلى نوع من المحبة والمودة انعكست آثارها علي حياة الناس ببغداد، رفاهية ورخاء وازدهاراً (1).
7 - وفاة المستظهر عام 512هـ: كان المستظهر موصوفاً بالسخاء والجود ومحبة العلماء وأهل الدين، والتفقد للمساكين، مع الفضل والنبل والبلاغة، وعلوَّ الهمّة، وحسن السيرة، وكان رضيَّ الأفعال، سديد الأقوال (2)، راغباً في البر والخيرات مسارعاً إلى ذلك، لا يردُّ سائلاً، وكان جميل المعاشرة لا يُصغى إلى أقوال الوشاة في الناس ولا يثق بالمباشرين، قد ضبط أمور الخلافة جيداً، وأحكمها وعرفها وعلمها، ولديه علم وفضل كثير وفضل كبير وتوفي عام 512هـ وقد ولي غسله الإمام ابن عقيل وابن السُّنَّي وصلى عليه ولده أبو منصور الفضل، وكبر أربعاً، ودفن في حجرة كان يسكنها، والعجب أنّه لما مات السلطان ألب أرسلان مات بعده الخليفة القائم بأمر الله، ثم لما مات السلطان ملكشاه مات بعده الخليفة المقتدي بأمر الله، ثم لما مات السلطان محمود مات بعده الخليفة المستظهر بالله، رحمهم الله, وكانت وفاة المستظهر بالله سادس عشر ربيع الآخر من هذه السنة -512هـ - وله من العمر إحدى وأربعون سنة، وثلاثة أشهر وأحد عشر يوماً (3).

سادساً: سنجر والسلطنة السلجوقية:
بعد وفاة السلطان محمد بن ملكشاه عام 511هـ بدأت المنازعات من جديد حول عرش السلطنة مما أحدث انقساماً كبيراً بين السلاجقة, ويرجع السبب في هذه المنازعات إلى أن السلطان محمد قبيل وفاته أمر بإسناد السلطنة إلى ابنه محمود، الذي ارتقى عرش السلطنة بعد وفاة أبيه، وكان حينئذ في الرابعة عشرة من عمره، ووافق الخليفة العباسي المستظهر بالله «487 - 512هـ» على إقامة الخطبة للسلطان محمود ببغداد في يوم الجمعة الموافق الثالث والعشرين من محرم سنة 512هـ، ولكن عمه سنجر لم يرض عن تولي ابن أخيه عرش السلطنة لأنه يعتبر نفسه أحق منه بالسلطنة بعد وفاة أخيه محمد، فأعلن نفسه سلطاناً على السلاجقة فغير لقبه من ناصر الدين إلى لقب معز الدين وهو لقب أبيه ملكشاه, وأدى ذلك إلى انقسام الدول السلجوقية (4) واندلاع القتال بين سنجر وابن أخيه، وقد التقى محمود بعمه سنجر بالقرب من مدينة ساوة سنة 513هـ، واستعان سنجر في هذه المعركة بفرقة من الفيلة كانت السبب في انتصاره، على أن الصلح لم يلبث أن تم بين الفريقين وسار محمود إلى
_________
(1) الحضارة الإسلامية في بغداد، ص 125، 126.
(2) سير أعلام النبلاء (19/ 397).
(3) البداية والنهاية (16/ 237).
(4) المصدر السابق نفسه.
(1/153)

عمه سنجر فأكرمه وصفح عنه وسامحه على بدر منه، وعامله معاملة حسنة وقبل شفاعته في آخرين, واستقر الرأي على أن يبقى محمود بن محمد شهراً في خدمة عمه السلطان سنجر بالري وألا يدق له البوق (1) في حالة ركوبه أو نزوله، وأن يسير مترجلاً في ركاب عمه، وأن يترك كل ما يتعلق بشعائر السلطنة ورسومها (2).
وأطاع محمود عمه السلطان سنجر ونفذ ما استقر عليه الرأي بينهما، فقرر السلطان سنجر اختياره ولياً لعهده ونائباً عنه في العراق سنة 513هـ، وسمح السلطان سنجر له بأن يلقب بلقب سلطان؛ وبتلك يعتبر أول من جلس على عرش سلطنة السلاجقة بالعراق هو السلطان محمود بن محمد، وأصبح سلطان العراق من الناحية الرسمية خاضعاً وتابعاً لسلطنة السلطان الأعظم سنجر في خراسان، بمعنى أن سلطنة العراق في عهد السلطان سنجر لا تكون إلا لمن ارتضاه وأقره سنجر, وكان سلاطين العراق يخضعون للسلطان سنجر ويذكرون اسمه في الخطبة قبل أسمائهم، وقد اعترف الخليفة العباسي المسترشد بالله بمحمود بن محمد سلطاناً على سلاجقة العراق رغم صغر سنه (3)، وفي سنة 514هـ خطب للسلطان سنجر وابن أخيه السلطان محمود معاً (4)، وبذلك أصبح هناك سلطانان في آن واحد إلا أن محمودًا كان يحكم بأمر من السلطان سنجر ومن ثم فهو خاضع له خضوعاً كاملاً في جميع أمور السلطنة، وقد أعاد السلطان سنجر لابن أخيه محمود بن محمد جميع البلاد التي كانت تحت سلطانه وحوزته ما عدا الري التي كان يراقب منها السلطان سنجر أعمال محمود خشية أن يخرج عليه ويعصيه مرة أخرى، وفي واقع الأمر فإن سلطان محمود الفعلي كان مقصورًا على العراقين العربي والعجمي، وظل يحكم أربعة عشر عاماً حاملاً لقب سلطان حتى توفي عام 525هـ (5). قال عنه ابن كثير: كان من خيار الملوك وكان فيه حلم وأناة وبر وصلابة وجلسوا لعزائه ثلاثة أيام، سامحه الله (6).
1 - بسط نفوذ سنجر على بقية أقاليم الدولة السلجوقية: وافق الخليفة العباسي المسترشد بالله في سنة 513هـ على تنصيب سنجر سلطاناً أعظم للسلاجقة وإقامة الخطبة باسمه بعد الخليفة في جميع أقاليم الدولة السلجوقية (7)، وبناء على ذلك اتسع نفوذه وسلطانه وشمل بالإضافة إلى خراسان أكثر أقاليم إيران والعراق. هذا وقد أكرم سنجر -بعد أن أصبح سلطاناً أعظم للدولة السلجوقية- أبناء أخيه محمد فوزع عليهم حكم مدن وأقاليم إيران والعراق، واستطاع السلطان سنجر أن يعيد بسط نفوذه وسلطانه على أراضي
_________
(1) البوق: هي أداة مجوفة ينفخ فيها ويزمر.
(2) دول الإسلام (2/ 41).
(3) الدولة السلجوقية في عهد السلطان سنجر، ص 94.
(4) دول الإسلام (2/ 41).
(5) العالم الإسلامي في العصر العباسي، ص 617.
(6) البداية والنهاية (16/ 290).
(7) الدولة السلجوقية في عهد السلطان سنجر، ص 97.
(1/154)

ما وراء النهر بعد العملية الناجحة التي خاضها ضد محمد خان، ويعتبر السلطان سنجر من السلاطين السلاجقة الذين أبدوا اهتماماً خاصاً بمجريات الأمور في بلاد ما وراء النهر، فكان يضطر دائماً للذهاب إلى أقاليم ما وراء النهر للتأكد من استقرار سلطته على هذه الأقاليم (1)، واستطاع أن يخضع حركات التمرد في دولته, وأمر السلطان سنجر بجمع الضرائب من مدن العراق وجميع البلاد التي بسط نفوذه عليها وأصبح يلقب بالسلطان الأعظم «سلطان جميع الممالك السلجوقية» وامتد نفوذه إلى سائر البلاد حتى قيل إن الخطبة له وصلت إلى كاشغر، وأقصى بلاد اليمن ومكة والطائف ومكران وأذربيجان وغزنة وسمرقند، وخراسان وطبرستان، وكرمان، وسجستان، وأصفهان، وهمذان، والري، وآرنيه، وآرمينية، وبغداد والعراقين، والموصل، وديار بكر، وديار ربيعة (2)،
والشام والحرمين، كما كانت تضرب له السكة في هذه الأقاليم جميعها، وأصبحت جميع هذه البلدان تخضع لنفوذ السلطان سنجر آخر السلاجقة العظام لأنه استطاع أن يعيد للدولة السلجوقية هيبتها ووحدتها، وأن يجعل كل أجزائها خاضعة لأمر سلطان واحد، وأعاد بذلك عصر السلاجقة العظام (3).
2 - النزاع بين محمود ومسعود ابنىْ محمد بن ملكشاه: كثرت النزاعات وظهرت الفتن بين سلاطين السلاجقة في العراق أبناء السلطان محمود ملكشاه، وكذلك فيما بينهم وبين الخلفاء العباسيين، وكان للسلطان سنجر دور كبير في التدخل في تلك النزاعات وإخماد الفتن وقمعها والقضاء عليها لإقرار الأوضاع واستتباب الأمن في أجزاء الدولة السلجوقية (4)، فبعد أن تولى السلطان محمود أمر السلطنة جعل أخاه مسعودًا على الموصل مع أتابكه جيوش بك، وفي سنة 514هـ دب النزاع بين الأخوين وخرج مسعود عن طاعة السلطان محمود، وكان سبب ذلك أن دبيس بن صدقة صاحب الحلة، كاتب جيوش بك أتابك مسعود وأغراه بالعصيان على السلطان محمود، ووعده بطلب السلطنة لمسعود وشرع جيوش بك في جمع العسكر وبلغ ذلك الخبر للسلطان محمود فأرسل إليه وإلى أخيه مسعود ووعدهما الإحسان والصفح إن عادا إلى طاعته وتهددهما إن أصرا على معصيته ولم يستجيبا للسلطان محمود وواصلا عصيانهما له. وسار كل من جيوش بك ومسعود نحو السلطان مسعود والتقى الجمعان عند أسد أباد (5) وسير محمود إلى السلطان سنجر القاضي أبا سعد الهروي، يفيده ويخبره بما استجد على الساحة من النزاع بينه وبين أخيه مسعود, وقد
_________
(1) الدولة السلجوقية في عهد السلطان سنجر، ص 101.
(2) ديار ربيعة: تقع في إقليم الجزيرة بالعراق.
(3) زبدة التاريخ للحسيني، ص 180.
(4) العالم الإسلامي في العصر العباسي، ص 617.
(5) الدولة السلجوقية في عهد السلطان سنجر، ص 106.
(1/155)

أسفر اللقاء عن هزيمة جيش مسعود وجيوش بك، وأسر أبو إسماعيل الحسين بن علي الطغرائي (1)،
وزير مسعود الذي قتله السلطان محمود، ثم أرسل مسعود إلى أخيه السلطان محمود يطلب منه الأمان والصفح، وجاء إليه وتعانقا وتصافيا، وأرسل السلطان محمود إلى السلطان سنجر يخبره بما فعل مع أخيه مسعود، فما كان من السلطان سنجر إلا أن سعد بتصافى الأخوين وإنهاء الخلاف والنزاع بينهما (2).
3 - البداية الفعلية للنزاع بين الخلافة العباسية والدولة السلجوقية: في سنة 519هـ كانت البداية الفعلية للنزاع بين الخلافة العباسية والدولة السلجوقية، عندما لجأ دبيس بن صدقة إلى طغرل بن محمد حيث حسن له الاستيلاء على العراق وطلب السلطنة، فاستجاب طغرل لإغراء دبيس له فسار الاثنان على رأس جيش كبير إلى بغداد لقتال الخليفة المسترشد بالله والسلطان محمود بن محمد، وكان سبب مسيرة دبيس بن صدقة لحرب الخليفة ما بينهما من نزاع وخلاف، بينما كان هدف طغرل هو انتزاع لقب السلطان من أخيه محمود بن محمد، وحينما بلغ الخليفة أن طغرل ودبيس بن صدقة أعدا جيشاً لقتاله، أعد هو الآخر جيشاً وخرج لصدهما إلا أن طغرل مرض فجأة ومن ثم لم يشترك في الحرب ضد الخليفة المسترشد بالله، وتقابل جيش الخليفة مع جيش دبيس بن صدقة، إلا أن دبيساً طلب العفو من الخليفة وقبل الأرض بين يديه، مما جعل الخليفة يصفح عنه (3).
4 - اضطراب الأحوال بين الخليفة العباسي المسترشد باللهوالسلطان محمود:
وكان سبب هذا الاضطراب بينهما أن الخليفة هدد الشحنة (4)، فاضطر إلى مغادرة بغداد خوفاً من أن يصيبه أذى فلحق بالسلطان محمود الذي أغراه بالخليفة في رجب سنة 540هـ وحذره من الخليفة وأخبره أنه يعد العدة ضده ليمنعه من دخول بغداد، فلما علم الخليفة بذلك أرسل إليه يطلب منه تأجيل خروجه إلى حين إصلاح البلاد على أثر ما سببه دبيس وجيشه من فساد وكثرة الغلاء، ثم استعد الخليفة لإرسال المال على شرط أن يتأخر في القدوم إلى بغداد، فما كان جواب السلطان إلا أن نفذ ما قرره له الزكوى، وصمم العزم على التوجه إلى بغداد، ونزل بباب الشماسية (5)، فلما بلغ الخبر الخليفة العباسي المسترشد بالله عبر مع أهله إلى الجانب الغربي راحلاً من بغداد, فغضب السلطان لقوله وتوجه إلى بغداد وبقي الخليفة بالجانب الغربي، وكان لخطبته في عيد الأضحى أثر كبير في نفوس الناس
_________
(1) وفيات الأعيان (2/ 185 - 190).
(2) دول الإسلام (2/ 41).
(3) الدولة السلجوقية في عهد سنجر، ص 107.
(4) الشحنة: مندوب الخليفة أو السلطان ويرأس شرطة المدينة.
(5) الشماسية: تقع خارج بغداد وينسب إليها باب الشماسية أحد أبواب بغداد.
(1/156)

طبع عليهم طابع الحزن مما هم فيه، ويبدو أن خطبة الخليفة أوعزت إليهم بالاستعداد لدخول الحرب مع السلطان محمود (1).
5 - القتال بين عماد الدين زنكي وأحد خواص الخليفة: أرسل الخليفة المسترشد عفيفاً الخادم، أحد خواصه إلى واسط ليمنع عنها نواب السلطان، فوصلها ونزل بالجانب الغربي وكان عماد الدين زنكي بن آق سنقر (2)، بالجانب الشرقي، فأرسل عماد الدين زنكي إلى عفيف يطلب منه الرحيل فرفض، فعبر إليه عماد الدين وحدث القتال وانهزم عسكر عفيف وقتل منهم عدد كبير بالإضافة إلى الأسرى، وقد نجا عفيف من القتل ودخل جماعة من عسكر السلطان محمود في دار الخلافة في أول محرم سنة 521هـ ونهبوا التاج وحجر الخليفة، وخرج عليهم عسكر الخليفة العباسي المسترشد بالله من مخابئهم وهم منشغلون بالنهب، ونالوا من عسكر السلطان محمود وأسروا جماعة من الأمراء وقتل آخرون في الطريق (3)،
ثم عبر الخليفة إلى الجانب الشرقي ومعه ثلاثون ألف مقاتل، وخوفاً من تسلل جيش السلطان محمود إلى بغداد أمر الخليفة الجند بحفر خندق حول بغداد فسارعوا بتنفيذ ذلك ليلاً، وعندما وصل جيش السلطان صعب عليه دخول بغداد مما أدى إلى حدوث قتال بين الجيشين، وكاد جيش الخليفة ينتصر لولا أن غدر بهم الأمير أبو الهيجاء الكردي (4) صاحب أربل, وانضم إلى جيش السلطان، ولعل الذي دفعه إلى هذا اعتقاده بكثرة جيش السلطان محمود خاصة بعد وصول الإمدادات العسكرية البرية والبحرية برفقة عماد الدين زنكي، هذا الموقف جعل الخليفة يفكر جدياً في الأمر خاصة بعد أن أرسل السلطان رسلا بعرض الصلح عليه، وكان السلطان يهدف من وراء ذلك إلى إرضاء الخليفة لما يتمتع به من مكانة دينية عند الناس وتفانهيم في سبيله، وترددت الرسل بينهما ثم تم الصلح بينهما في العاشر مع ربيع الآخر من السنة نفسها، وعفا السلطان محمود عن أهل بغداد وأهداه الخليفة المسترشد بالله مالاً وخيلا وسلاحاً، ونظراً للمواقف السامية التي وقفها عماد الدين زنكى مع السلطان محمود، قام السلطان بالتشاور مع رجال دولته بإضافة ولاية العراق إليه، فلقى تأييداً منهم على ذلك (5)، ثم رحل السلطان محمود إلى همذان (6).
6 - حكمة السلطان سنجر في التعامل مع محمود ابن أخيه: أثار دبيس بن صدقة
_________
(1) الدولة السلجوقية في عهد السلطان سنجر، ص 109.
(2) عماد الدين زنكي مؤسس الدولة الزنكية سوف يأتي الحديث عنه بإذن الله.
(3) الدولة السلجوقية في عهد السلطان سنجر، ص 110.
(4) الدولة السلجوقية في عهد السلطان سنجر، ص 110.
(5) الكامل في التاريخ, نقلاً عن الدولة السلجوقية في عهد السلطان سنجر، ص 111.
(6) الكامل في التاريخ, نقلاً عن الدولة السلجوقية في عهد السلطان سنجر، ص 111.
(1/157)

السلطان سنجر على كل من الخليفة العباسي المسترشد بالله والسلطان محمود وأخبره أنهما اتفقا على إبعاده وأن السلطان محمود خرج عن طاعته، مما أثار نفس سنجر عليه وهنا يتضح مدى الحقد في نفس دبيس على الخليفة وهذا يرجع إلى سوء علاقته بالخليفة، وقد استطاع أن يؤثر على السلطان سنجر مما دفعه إلى أن يسير جيشاً إلى العراق سنة 522هـ، ولما وصل إلى الري أرسل في طلب السلطان محمود، وهنا يأتي دور الحنكة السياسية القوية التي تربطه بالسلطان محمود، حيث إنه ابن أخيه وزوج ابنته وكذلك تأثير والدة سنجر (جدة محمود) عليه، كل هذا جعله يستدعي السلطان محمود من همذان كي يتثبت مما أخبره به دبيس بن صدقة وتأكد سنجر أن السلطان محمود ما زال على طاعته وأجلسه معه على التخت, وأقام محمود عند السلطان سنجر حتى آخر هذه السنة ومن هذه الحادثة أو القصة يتضح لنا دور المفسدين وأصحاب الأغراض الخبيثة في التفريق بين أمراء المسلمين، فلا بد من الحذر من تقريب أمثال هذه النوعيات المفسدة وإبعادها عن أصحاب القرار والسعي لتقريب المصلحين من أصحاب الكفاءات العالية, لتتم الاستفادة الحقيقية من دروس التاريخ، وبعد ذلك عاد سنجر إلى خراسان وأوصى محموداً بإعادة دبيس إلى بلده وأن يسأل الخليفة الصفح عنه، محرم سنة 523هـ، وأعاد دبيساً إلى بلده واسترضى الخليفة فرضى عنه وطلب منه الصفح فصفح عنه (1)، مقابل بذل مائة ألف دينار نظراً لرغبة السلطان محمود في انتقال ولاية الموصل من عماد الدين زنكي إلى دبيس بن صدقة تقديراً لاهتمام عمه سنجر به (2)، إلا أن عماد الدين زنكي أقنع السلطان محمود بأهميته في ولاية الموصل.
7 - السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه السلجوقي: استمر النزاع بين أبناء البيت السلجوقي بعد وفاة السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه عام 525هـ، فقد انقسم السلاجقة أنفسهم إلى معسكرات ثلاثة, لكل أطماعه الخاصة في السلطنة، ولكل مؤيدوه من القواد والجند؛ معسكر على رأسه داود بن السلطان محمود الذي نودي به سلطاناً عقب وفاة أبيه، ومعسكر على رأسه كل من مسعود وسلجوقشاه شقيقي السلطان المتوفى، ومع أن هذين الأخوين كانا متفقين على مبدأ عزل ابن أخيهما داود، إلا أنهما كانا مختلفين فيما بينهما، إذ كل منهما يعمل على أن تكون السلطة لنفسه بعد إسقاط عدوهما المشترك, ولذا دارت بين الفريقين حروب طويلة، واستعان مسعود في هذا النزاع بعماد الدين زنكي الذي كان قد استطاع أن يوطد سلطانه في شمال العراق وسوريا في ذلك الوقت، واستمرت الحرب سجالاً
_________
(1) العبر في خبر من غبر (4/ 50) , الدولة السلجوقية في عهد السلطان سنجر، ص 112.
(2) الدولة السلجوقية في عهد السلطان سنجر، ص 112.
(1/158)

بين الأخوين المتحاربين إلى أن اضطرا إلى عقد الصلح بعد أن تدخل الخليفة المسترشد العباسي بينهما، واتفق الطرفان على أن تكون السلطنة لمسعود، وأن تؤول إلى سلجوقشاه من بعده ويرجع السبب في نجاح مسعى الخليفة في هذا الصلح إلى ظهور العدو المشترك، وهو سنجر بن ملكشاه وأما المعسكر الثالث فكان يتكون من طغرل بن السلطان محمود، يناصره عمه سنجر، وقد استطاع سنجر أن يجمع من إقليم خراسان عدداً كبيراً من الجند هزم به مسعوداً وأنصاره عند مدينة همذان، ونادى بالسلطنة لابن أخيه طغرل (1).
ولم يكن من المعقول أن يرضى المعسكران الآخران عن تولية طغرل السلطنة؛ لذا تضاربت مصالح البيت السلجوقي وتعقدت، فنشبت الحروب بين هذه القوى الثلاث، وأدى ذلك كله إلى اضطراب الشرق الإسلامي في ذلك الوقت وقد انتهت أدوار النزاع بين أفراد السلاجقة بجلوس السلطان مسعود على عرش السلطنة عام 528هـ, قال ابن خلكان عن السلطان مسعود: كان عادلاً ليناً، كبير النفس، فرق مملكته على أصحابه وما ناوأه أحد إلا وظفر به، وقتل خلقاً من كبار الأمراء ... وأقبل مسعود على اللّذات والبطالة، وحدثت له علَّةُ الغثيان مدة، وجرت بينه وبين عمه سنجر منازعة ثم تصالحا (2). كان كثير المزاح، حسن الخلق كريماً، عفيفاً عن أموال الرعية، من أحسن السلاطين سيرة وألينهم عريكة (3). قال عنه الذهبي: أبطل مكوساً ومظالم كثيرة، وعدل، واتسع ملكه، وكان يميل إلى العلماء والصالحين، ويتواضع لهم (4). ويستجيب للوعظ ففي يوم الجمعة المنتصف من ذي القعدة جلس ابن العبَّادي الواعظ، فتكلم والسلطان مسعود حاضر, وكان قد وضع على الناس مكساً في البيع فاحشاً فقال في جملة وعظه: يا سلطان العالم، أنت تطلق في بعض الأحيان للمُغني إذا طربت قريباً ممَّا وضعت على المسلمين من هذا المَكْس فهبني مغنياً وقد طربت فهب لي هذا المكس شكراً لنعم الله عليك وأسقطه عن الناس، فأشار السلطان بيده أن قد فعلت فضج الناس بالدُّعاء له، وكتب بذلك سجلات، ونودي في البلد بإسقاط ذلك المكس، ففرح الناس بذلك (5). كان السلطان مسعود بطلاً شجاعاً، ذا رأي وشهامة، تليق به السلطنة (6) مات في جمادي الآخرة سنة سبع وأربعين وخمسمائة. قال عنه ابن كثير: حصل له من التمكن والسعادة شيء كثير لم يحصل لغيره, وجرت له خطوب كثيرة وحروب طويلة (7).
- وفاة السلطان مسعود عام 547هـ: توفي السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه بهمذان عام 547هـ, وعهد إلى ابن أخيه ملكشاه بن السلطان محمود بن محمد، وخطب له
_________
(1) الشرق الإسلامي قبيل الغزو المغولي, ص 58.
(2) سير أعلام النبلاء (20/ 385).
(3) المصدر نفسه (20/ 385).
(4) المصدر نفسه (20/ 385).
(5) البداية والنهاية (16/ 340).
(6) سير أعلام النبلاء (20/ 385).
(7) البداية والنهاية (16/ 367).
(1/159)

ببلاد الجبل، وكان الغالب على البلاد والعساكر أيام السلطان مسعود خاصبك بن بلنكري، فقام بأمر ملكشاه، ولم يمهله غير قليل حتى قبض عليه، وكتب إلى أخيه الملك محمد بن محمود، وهو بخُوزستان، يستدعيه إليه ليخطب له بالسلطنة، وكان غرض خاصبك أن يقبض عليه أيضاً فيخلو وجهه من منازع من السلجوقية وحينئذ يطلب السَّلطنة لنفسه، فلما كاتب محمداً أجابه على الحضور عنده، وسار إليه وهو بهمذان، واجتمع به وخدمه خدمة عظيمة، فلما كان الغد دخل عليه خاصبك فقتله محمد، وألقى رأسه إلى أصحابه، فتفرَّقوا، واستقر محمد وثبتت قدمه، واستولى على بلاد الجبل جميعها، وكان قتل خاصبك سنة ثمان وأربعين وبقي مطروحاً حتى أكلته الكلاب (1) وذكر الوزير يحيى بن هُبيرة في كتاب «الإفصاح» أنه لما تطاول على الخليفة المقتفي أصحاب مسعود وأساءوا الأدب، ولم يمكن المجاهرة بالمحاربة، اتَّفق الرَّأي على الدُّعاء على مسعود بن محمد شهراً، كما دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على رعْل وذكوان (2) وهما قبيلتان من بني سُليَم، أجابتا عامر بن الطفيل إلى قتل القراء الدعاة الذين بعثهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأهل نجد سنة 4هـ, وسمّوا قتلى بئر معونة (3). واستمر الوزير يحيى ابن هبيرة والخليفة المقتفي في الدعاء شهراً، فابتدأ هو والخليفة سِراً، كل واحد في موضعه يدعو شهراً، من ليلة تسع وعشرين من جُمادى الأولى سنة سبع وأربعين وخمسمائة واستمر الأمر على ذلك كلَّ ليلة، فلما كان ليلة تسع وعشرين من جمادي الآخرة كان موت مسعود على سريره، لم يزد على الشهر يوماً ولا نقص يوماً ..
فأزال الله يده ويد أتباعه عن العراق، وأورثنا أرضهم وديارهم، فتبارك الله رب العالمين، مجيب دعوة الدّاعين. قال: وكان الشيخ محمد بن يحيى يقول: لا أدلّ على وجود موجود أعظم من أن يُدعى فيجيب (4).

سابعاً: الخليفة المسترشد بالله العباسي:
هو أمير المؤمنين أبو منصور الفضل بن المستظهر بالله أحمد بن المقتدي بأمر الله عبد الله بن محمد بن القائم عبد الله بن القادر القرشي الهاشمي العباسي البغدادي (5).
1 - بيعته: بويع له بالخلافة سنة 512هـ, وخطب له على المنابر وقد كان ولي العهد من مدة ثلاث وعشرين سنة، وكان الذي أخذ البيعة له قاضي القضاة أبو الحسن الدّامغاني, ولما استقرت البيعة له هرب أخوه أبو الحسن في سفينة ومعه ثلاثة نفر، وأحسن إليه، فقلق المسترشد بالله من ذلك فراسل دُبيسًا في ذلك مع نقيب النقباء الزّينبي، فهرب أخو الخليفة
_________
(1) كتاب الروضتين في أخبار الدولتين (1/ 287).
(2) المصدر نفسه (1/ 287).
(3) سيرة ابن هشام (3/ 193 - 199).
(4) كتاب الروضتين في أخبار الدولتين (1/ 288).
(5) سير أعلام النبلاء (19/ 561).
(1/160)

من دبيس فأرسل إليه جيشاً فالجأوه إلى البرّية, فلحقه عطش شديد فلقيه بدويَّان فسقياه ماء وحملاه إلى بغداد، فأحضره أخوه إليه، فتعانقا وبكيا، وأنزله الخليفة داراً كان يسكنها قبل الخلافة وأحسن إليه، وطيب نفسه، وكان مُدَّة غيبته عن بغداد أحد عشر شهراً واستقرت الخلافة بلا منازعة للمسترشد (1).
2 - من صفاته وشعره: كان له خط بديع، ونثر صنيع، ونظم جيَّد، مع دين ورأي وشهامة وشجاعة، وكان خليقاً للإمامة، قليل النظير (2)، كان يتنسك في أوَّل زمنه، ويلبس الصوف، ويتعبد، وختم القرآن، وتفقه، ولم يكن من الخلفاء من كتب أحسن منه، وكان يستدرك على كُتَّابه، ويصلح أغاليط في كتبهم (3)، وكانت أيامه مكدّرة بتشويش المخالفين، وكان يخرج بنفسه لدفع ذلك ومباشرته، إلى أن خرج، فكُسر وأسر، ثم استشهد على يد الملاحدة، وقد سمع الحديث (4)، وكان له نظم ونثر مليح ونبل رأى (5) وكان شاعراً فمن شعره:
قالوا تُقيم وقد أحاط ... بك العدوُّ ولا تَفِرُّ
فأجبتهم: المرء مالم ... يتعظ بالوعظ غِرُّ
لا نِلت خيراً ما حييت ... ولا عداني الدّهر شرُّ
إن كنت أعلم أن غير ... الله ينفع أو يَضرُّ

ومن شعره أيضاً:
أنا الأشقر الموعود بي في الملاحم ... ومن يملك الدنيا بغير مزاحم

ستبلغ أرض الروم خيلي وتُنتضى ... بأقصى بلاد الصَّين بيض صوارمي (6)

وقيل: إنه قال لما أسر مستشهداً:
ولا عجباً للأُسد إن ظفرت بها ... كلاب الأعادي من فصيح وأعجم
فحربة وحشيٍّ سقت حمزة الرَّدى ... وموت عليٍّ من حُسام ابن ملجم (7)
3 - جهود الخليفة المسترشد بالله في إرجاع هيبة الخلافة: قام الخليفة المسترشد بالله
_________
(1) البداية والنهاية (16/ 237).
(2) سير أعلام النبلاء (19/ 561).
(3) المصدر نفسه (19/ 562).
(4) المصدر نفسه (19/ 562).
(5) المصدر نفسه (19/ 562).
(6) سير أعلام النبلاء (19/ 562).
(7) المصدر نفسه (19/ 563).
(1/161)

بأعمال إصلاحية جذبت إليه تأييد الناس، ثم دعاهم للجهاد ضد المتمردين الذين عاثوا فساداً في بغداد وما حولها وبخاصة دبيس بن صدقة صاحب الحلة ودخلت أعداد كبيرة تحت راية الخليفة الذي قادهم ضد دبيس وانتصر عليه (1) في عام 526هـ، وكان لهذا الانتصار أثر كبير في نفوس الناس فكسب الخليفة تأييد الرأي العام وولاءه واستطاع أن يستعيد بعض نفوذه السياسي (2). وفي عهد الخليفة المسترشد بالله، بدأت حركة اليقظة الشعبية العامة في بغداد والتي كان من زعمائها الشيخ عبد القادر الجيلاني، وسيأتي الحديث عنه لاحقاً عند حديثنا عن الزنكيين ودورهم في الجهاد ضد الصليبيين بإذن الله تعالى.
4 - حصار الخليفة المسترشد بالله للموصل: حاصر الخليفة المسترشد بالله الموصل قرابة ثلاثة شهور، ولم تجد نفعاً عروض عماد الدين زنكي بدفع الأموال للخليفة مقابل أن يفك الحصار عن هذه المدينة، ولما أدرك الخليفة عدم جدوى الحصار عاد إلى بغداد (3)، ويظهر أن عماد الدين زنكي خشي مغبة خلافه مع الخلافة العباسية، فأراد أن يصلح ما أفسده سابقاً بعدائه لها، فأرسل في سنة 528هـ إلى الخليفة المسترشد بالله أحد قضاة الموصل، ومعه التحف والهدايا والخيل والسلاح طالباً الصلح، فوافق الخليفة (4)، وكانت موافقة الخليفة على الصلح مع عماد الدين زنكي أكبر دليل على حكمته وحنكته السياسية حيث أتاح له هذا الصلح التفرغ الكامل للسلاجقة فضلا عن كونه استطاع أن يحول عداء زنكي إلى صداقة وولاء (5).
5 - القتال بين الخليفة والسلطان مسعود ووقوعه في الأسر ومقتله: لم تنته متاعب الخليفة المسترشد بالله مع السلاجقة، فقد نقض السلطان مسعود اتفاقه مع الخليفة، فكان رد الفعل المباشر لهذا هو قطع الخطبة له في بغداد، كما أن السلطان مسعود ضعفت سلطتة 528هـ بعد أن انضم معظم عسكره إلى أخيه طغرل (6)، على أن الخليفة المسترشد بالله ما لبث أن دعا مسعودًا إلى القدوم إلى بغداد يعيده إلى منصبه، فلبى مسعود دعوته (7)، وكان هدف الخليفة هو الاستفادة قدر الإمكان من نزاع السلاجقة لإضعافهم، ولهذا أخذ يحرض السلطان مسعود على السير لحرب أخيه طغرل. ولكن السلطان مسعودًا لم يجب طلبه (8)، وتجدد الخلاف بعد ذلك بين الخليفة المسترشد بالله وبين السلطان مسعود، فقد اكتشف وزير الخليفة خطاباً أرسله طغرل إلى بعض الأمراء الموالين له في بغداد، فقبض الخليفة على
_________
(1) سياسة الخليفة الناصر لدين الله الداخلية، أحلام النقيب، ص 11.
(2) المصدر نفسه، ص 12.
(3) مختصر الدول لابن العبري، ص 354.
(4) الأنباء في تاريخ الخلفاء لابن العمراني، ص 218.
(5) نظام الوزارة في الدولة العباسية، ص 54.
(6) نظام الوزارة في الدولة العباسية، ص 54.
(7) نظام الوزارة في الدولة العباسية، ص 54.
(8) نظام الوزارة في الدولة العباسية، ص 54.
(1/162)

أحدهم، بينما لجأ الباقون إلى السلطان مسعود ورفض أن يسلمهم للخليفة، فغضب الخليفة منه، وأمره بالرحيل عن بغداد فخرج منها في شهر ذي الحجة من عام 528هـ (1). غير أن الخليفة علم بمسير طغرل على رأس جيشه إلى العراق، فاضطر إلى مصالحة السلطان مسعود ليقفا معًا في وجه عدوهما المشترك (2)، ثم جاءت الأخبار بوفاة طغرل وهو في طريقه إلى بغداد، فسار السلطان مسعود إلى همذان، وتولى الحكم في أول عام 529هـ (3)،
ولما استقرت السلطنة لمسعود في همذان، أخذ الأمراء الذين لجأوا إليه خوفاً من الخليفة يحرضونه على المسير لحرب الخليفة لإخضاعه للنفوذ السلجوقي، فانصاع السلطان مسعود إليهم، وأخذ يجهز جيشه لمهاجمة بغداد مما حمل الخليفة على قطع الخطبة له، وأخذ يعد العدة لحربه (4)، ثم خرج الخليفة المسترشد بالله من بغداد لقتال السلطان مسعود، ويذكر ابن الأثير أن جيش الخليفة المسترشد بالله كان سبعة آلاف جندي، بينما لم يتجاوز جيش عدوه ألفا وخمسمائة جندي، إلا أن السلطان مسعود لجأ إلى السياسة وأخذ يستميل أمراء الأطراف الذين كانوا على اتصال بالخليفة. ولكن تريث الخليفة في الطريق ساعد السلطان مسعودًا على استمالة أولئك الأمراء، وضمهم إلى جيشه، وكان الخليفة يعتقد أنه إذا خرج للقتال فسيكون الناس إلى جانبه ضد السلاجقة (5)، لكن الأمور لم تسر وفق ما خطط لها المسترشد بالله، بل حدث العكس، فلما التقت قواته بجيش السلطان مسعود، غدر به الأمراء الأتراك وأتباعهم فانسحبوا من جيشه، وانضموا إلى جيش السلاجقة، فانهزم جيش الخلافة، ووقع الخليفة نفسه في الأسر (6)، مع خواصه، فحبسهم السلطان مسعود بقلعة بقرب همذان، فبلغ أهل بغداد ذلك فحثوا على رءوسهم التراب في الأسواق، وبكوا وضجّوا، وخرجت النساء حاسرات يندبن الخليفة ومنعوا الصلاة والخطبة وكسروا منابر الجوامع (7). قال ابن الجوزي: وزلزلت بغداد مراراً كثيرة والناس يستغيثون فأرسل السلطان سنجر إلى ابن أخيه مسعود يقول: ساعة وقوف الولد على هذا الكتاب يدخل على أمير المؤمنين ويقبل الأرض بين يديه ويسأل العفو والصفح، فقد ظهر عندنا من الآيات السماوية والأرضية ما لا طاقة لنا بسماع مثلها فضلاً عن المشاهدة من العواصف والبروق والزلازل وتشويش العساكر وانقلاب البلدان.
ولقد خفت على نفسي من جانب الله تعالى وظهور آياته وامتناع الناس من الصلوات في الجوامع ومنع الخطباء مما لا طاقة لي بحمله، فالله الله بتلافي أمرك وتعيد أمير
_________
(1) المنتظم (10/ 36).
(2) المصدر نفسه (10/ 41).
(3) نظام الوزارة في الدولة العباسية، ص 54.
(4) المنتظم (10/ 43).
(5) نظام الوزارة في الدولة العباسية، ص 55.
(6) المنتظم (10/ 44 , 45).
(7) أخبار الدول وآثار الأول (2/ 169).
(1/163)

المؤمنين إلى مقر عزه وتحمل الغاشية بين يديه (1)، كما جرت به عادة السلاطين من قبلنا، ففعل السلطان مسعود جميع ما أمر به وهم فيما هم فيه، إذ هجم سبعة عشر رجلاً من الباطنية على الخليفة وهو في خيمته، فقتلوه وقتلوا معه جماعة من أصحابه (2)، فما شعر بهم العسكر إلا وقد فرغوا من شغلهم فأخذوهم وقتلوهم، فلما وصل الخبر إلى بغداد واشتد ذلك على الناس وخرجوا حفاة مخرقي الثياب والنساء ناشرات الشعور، يلطمن على خدودهن، ويقلن المراثي، لأن المسترشد كان محبباً فيهم (3)، وكانت دولته سبع عشرة سنة وسبعة أشهر وعاش ستاً وأربعين سنة (4).

ثامناً: الخليفة الراشد بالله:
أمير المؤمنين أبو جعفر منصور بن المسترشد بالله الفضل بن أحمد العباسي، ولد سنة اثنتين وخمسمائة في رمضان، فقيل: ولد بلا مخرج ففتُق له مخرج بآلة من ذهب، وأمه أم ولد خطب له بولاية العهد سنة ثلاث عشرة وخمسمائة، واستخلف في ذي القعدة سنة تسع وعشرين (5). وقد بايعه الأعيان ببغداد والأمراء، وخطب له على المنابر ببغداد وسائر البلاد (6).
1 - الخلاف بين السلطان مسعود والخليفة الراشد: وقع الخلاف بين الخليفة والسلطان بسبب أنه أرسل إلى الخليفة يطلب منه ما كان كتب له والده المسترشد حين أسره، التزم به بأربعمائة ألف دينار، فامتنع من أداء ذلك وقال: ليس بيننا وبينكم إلا السيف فوقع بينهما الخلاف، فاستجاش السلطان العساكر، واستنهض الخليفة الأمراء وأرسل إلى عماد الدين زنكي فجاء، والتفَّ عليه خلائق، وجاء في عُيون ذلك السلطان داود بن محمود بن محمد بن ملكشاه، فخطب له الخليفة في بغداد وخلع عليه وبايعه على الملك، فتأكدت الوحشة بين السلطان والخليفة جدًا، وبرز الخليفة إلى ظاهر بغداد، ومشى الجيش بين يديه، كما كانوا يعاملون به أباه قبله, وخرج السلطان داود من جانب، فلما بلغهم كثرة جيوش السلطان مسعود حسَّن عماد الدين زنكي للخليفة أن يذهب معه إلى بلاد الموصل واتفق دخول السلطان مسعود إلى بغداد في غيبتهم، فاستحوذ على دار الخلافة بما فيها جميعه، ثم استخلص من نساء الخليفة وحظاياه الحُلِىَّ والمصاغ والثياب التي للزَّينة، وغير ذلك (7)،
_________
(1) الغاشية سرج من أديم مخروزة بالذهب.
(2) أخبار الدول وآثار الأولى (2/ 170).
(3) المصدر نفسه (2/ 170) , النبراس في تاريخ خلفاء بني العباس، ص 139.
(4) سير أعلام النبلاء (19/ 567).
(5) سير أعلام النبلاء, (19/ 569).
(6) سير أعلام النبلاء, (19/ 569).
(7) المصدر نفسه (16/ 309).
(1/164)

وهذا ظلم وعسف وجور.
2 - عزل الخليفة الراشد: جمع السلطان مسعود القضاة والفقهاء وأبرز لهم خط الراشد أنه متى خرج من بغداد لقتال السلطان فقد خلع نفسه من الخلافة فأفتى الفقهاء بخلعه، فخُلع في يوم الإثنين سادس عشر من شهر ذي القعدة بحُكم الحاكم وفُتيا أكثر الفقهاء (1). وجاء في رواية عن خلعه: .. اجتمع الوزير أبو القاسم علي بن طراد الزينبي، وكاتب الإنشاء ابن الأنباري وصاحب المخزن أبو الفتوح طلحة يوم الإثنين سادس عشر من ذي القعدة سنة ثلاثين, وكتبوا محضراً فيه شهادة جماعة من العدول بما جرى من الراشد بالله من الظلم وأخذ الأموال، وسفك الدماء، وشرب الخمر وذكروا فسقه وعدوا أفعاله وارتكابه المحارم واستفتوا الفقهاء فيمن فعل ذلك، هل تصح إمامته أم لا؟ وهل إذا ثبت فسقه بما ذكر عنه يجوز لسلطان الوقت أن يخلعه، ويستبدل به من أهل بيته من هو خير منه طريقة وديناً؟ فأفتى الفقهاء الذين في ذلك الوقت بخلعه، وفسخ عهده، وحل عقده، والاستبدال به غيره إذا كان بهذه الصفة، وعرضت هذه الفتوى والمحضر على السلطان مسعود, فقال: هذا أمر قد قلدتكم إياه وأنا منه بريء عند الله. ثم قال: اختاروا رجلاً من هذا البيت يصلح لهذا الأمر، فوقع الاختيار بواسطة الزينبي أن يولي أبا عبد الله محمد بن المستظهر بالله، فلما كان يوم الثلاثاء السابع عشر من ذي القعدة سنة ثلاثين وخمسمائة، حضر السلطان مسعود والجماعة الذين حضروا دار الخلافة في الدار التي على دجلة، وتعرف بالمثمنة، وأحضر أبو عبد الله، محمد بن المستظهر بالله ولقب بالمقتفي لأمر الله، وعاد السلطان مسعود إلى داره، ثم فتح باب الدار القائمية، بكرة يوم الأربعاء، ثامن عشر ذي القعدة، فبايعه الفقهاء والقضاة والشهود وأعيان الناس، ثم خلع الراشد وكان مقيماً بالموصل (2).
وهذه الفتوى كان لها حظ من سخط السلطان مسعود على الخليفة الراشد ولولا الخلاف الذي وقع بين الخليفة والسلطان لما سمعنا بها أصلاً.
3 - تتبع السلطان مسعود للراشد: كتب السلطان مسعود إلى عماد الدين زنكي أمير الموصل في القبض على الراشد وإرساله إلى بغداد، فمنعه من ذلك زين الدين أبو الحسن على بن بكتكين صاحب أربل وقال لعماد الدين: هو ضيف عندنا وفي كرامتنا وقد كان بالأمس خليفتنا, والله لاسلمناه، ولو أريقت دونه الدماء ما دامت الأرض والسماء، فاعتذر عماد الدين للسلطان مسعود وقال: إني أخرجه من ولايتنا، فأرسل إليه أنت عسكراً يقبض
_________
(1) سير أعلام النبلاء، (16/ 309).
(2) النبراس في تاريخ خلفاء بني العباس، ص 141.
(1/165)

عليه في غير جهتنا، وأعد له زين الدين جماعة من الأكراد، فساروا بين يديه على طريق قريبة لا يعرفها من الناس إلا آحاد أو بعض آحاد فوصل مراغة أذربيجان (1).
4 - مقتل الراشد: كان الراشد حسن السيرة، مؤثراً للعدل، فصيحاً عذب العبارة، أديبًا شاعراً، جواداً، لم تَطل أيامه حتى خرج إلى الموصل ثم إلى أذربيجان، وعاد إلى أصبهان، فأقام على بابها مع السلطان داود محاصراً لها، فقتلته الملاحدة - الباطنية - هناك وكان بعد خروجه من بغداد مجيء السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه (2)، ومن كلامه الجميل: إنا نكره الفتن إشفاقاً على الرعيَّة ونؤثر العدل والأمن في البرية، ويأبى المقدور إلا تصعُّب الأمور واختلاط الجمهور، فنسأل الله العون على لمّ شَعَث الناس بإطفاء نائرة الباس (3)، وقد أعطى الله الراشد مع الخلافة صورة يوسفية وسيرة عمرية (4). وقد ذكر الذهبي في مقتله؛ بأن الراشد خرج من الموصل إلى بلاد أذربيجان إلى مراغة وكان معه جماعة فصادروا أهلها، وعاثوا ثم ذهبوا إلى همذان فقتلوا بها، وحلقوا لحى جماعة من الفقهاء، وعتوا ومضوا إلى نواحي أصبهان، فانتهبوا القُرى، وحاصروا البلد في جمع من أجناد داود بن محمد بن محمد بن ملكشاه، فمرض الراشد مرضاً أشفى منه، بلغنا أن جماعة من العجم فراشين كانوا في خدمته، اتصلوا به هناك، فدخلوا عليه في رمضان سنة اثنتين وثلاثين فقتلوه بالسكاكين، وقُتلُوا بعده كلهم. وقيل: كان قد سقي سُمّاً، ثم دفن بالمدينة العتيقة في حجرة من بناء نظام الملك وجاء الخبر إلى عمَّه المقتفي، فعقدوا له العزاء يوماً واحداً (5). ومع مجيء عهد المقتفي يبدأ عصر جديد للدولة العباسية حيث حرص على إعادة هيبة الخلفاء بذكاء ودهاء ونجح في ذلك إلى حد كبير، كما سيأتي بيانه بإذن الله تعالى.

تاسعاً: مظاهر السيطرة السلجوقية على الخلافة:
على الرغم من أن السلاجقة دخلوا بغداد بدعوة من الخليفة العباسي القائم فإنهم عدوا أنفسهم فاتحين ومنقذين للخلافة العباسية التي هدد زوالها النفوذ الفاطمي، وأصبح الجيش السلجوقي هو جيش الخلافة (6)، لذا لم تختلف علاقة السلاجقة مع خلفاء بني العباس عن علاقة البويهيين بالخلافة، على الرغم من اختلاف النظرة الدينية للسلاجقة إلى الخلافة، فعلى الرغم من اعترافهم بشرعية الخليفة العباسي باعتباره خليفة الله فإن هذا الأمر
_________
(1) النبراس في تاريخ خلفاء بني العباس، ص 143.
(2) سير أعلام النبلاء (19/ 569).
(3) سير أعلام النبلاء (19/ 570).
(4) سير أعلام النبلاء (19/ 570).
(5) سير أعلام النبلاء (19/ 572).
(6) الجيش وتأثيراته في سياسة الدولة الإسلامية، ص 243.
(1/166)

لم يغير من العلاقة بين السلاجقة والخلفاء العباسيين كثيراً وازداد نفوذ السلاجقة في العراق بعد أن قضى طغرل بك على حركة البساسيري، فسيطر على البلاد جميعاً وتنازل الخليفة له عن صلاحياته حيث فوض إليه الأمور، وانزوى في قصره يعيش على وارد بعض الإقطاعات التي خصصها له السلاجقة. ومن مظاهر السيطرة السلجوقية على الخلافة:
1 - نقل مقر الحكومة خارج بغداد: لم يتخذ سلاطين السلاجقة بغداد مقرا لحكمهم، بل جعلوا العراق إقليماً من أقاليم دولتهم الواسعة، وأرسلوا نواباً عسكريين ولم تعد بغداد مقر الحكومة في الإسلام (1)، فقد تنقل السلاجقة بين مرو وأصفهان وهمذان وأنابوا عنهم في حكم العراق موظفاً سلجوقياً يعرف بالعميد وهو نائب السلطان في بغداد وموظف آخر يعرف بالشحنة وهو مسئول عن الأمن في بغداد، ووضعت تحت تصرفهما قوة من الجند السلجوقي (2).
2 - الإصهار إلى البيت السلجوقي: ظهرت في عصر السيطرة السلجوقية مسألة إصهار السلاجقة إلى البيت العباسي وذلك لتوثيق علاقتهم بالخلفاء ولنيل الشرعية الدينية والسياسية وعلى الرغم من أن الخلفاء أرغموا على هذه المصاهرة إلا أنهم حاولوا من ورائها تحقيق مكاسب سياسية كبقائهم في الحكم وضمان سلامتهم واستمرار الدعم السلجوقي لهم، ففي سنة 453هـ طلب طغرل بك من الخليفة القائم ابنته، فدهش الخليفة وغضب غضباً شديداً (3)، إلا أن ضعف الخليفة وضغط السلطان وتهديده أجبره على الموافقة وتزوج الخلفاء من بنات السلاطين، فقد تزوج القائم من ابنة أخ السلطان
طغرل بك (4).
3 - تفويض السلطة: تنازل الخلفاء عن سلطاتهم واكتفوا باسم الخلافة واستقبال الملوك والسلاطين وتقديم العهود والخلع وفوضوا الأمور إلى السلاطين السلاجقة، ففي سنة (449هـ) فوض الخليفة القائم بأمر الله السلطان طغرل بك تفويضاً كاملاً بالسلطة، إذ قال عن طريق الترجمان: إن أمير المؤمنين حامد لسعيك شاكر لفضلك، آنس بقربك ... وقد ولاك جميع ما ولاه الله تعالى من بلاده ورد إليك فيه مراعاة عباده فاتق الله فيما ولاك (5). وفوض الخليفة المقتدي بأمر الله السلطان ملكشاه سنة 479هـ، أمر البلاد والعباد (6) وبهذا التفويض
_________
(1) الجيش وتأثيراته في سياسة الدولة الإسلامية، ص 243.
(2) المنتظم (8/ 216).
(3) المصدر نفسه (8/ 169 - 170).
(4) المصدر نفسه (8/ 322، 9/ 159،160،10/ 85).
(5) المصدر نفسه (8/ 182) , تاريخ آل سلجوق، ص 16.
(6) تاريخ آل سلجوق، ص 79، 80.
(1/167)

يكون الخلفاء قد جردوا أنفسهم من كل نفوذ ومع هذا فقد أحصى السلاجقة على الخلفاء حركاتهم، ودسوا بينهم موظفين يقومون بمراقبتهم ورفع المطالعات عن تحركاتهم (1).
4 - ولاية العهد: تدخل السلاجقة في تعيين ولي العهد، فبعد أن عين الخليفة المقتدى بالله ابنه الأكبر المستظهر بالله ولياً للعهد اعترض السلطان ملكشاه، وأراد أن يكون جعفر ابن الخليفة من ابنة السلطان ملكشاه ولياً للعهد بدل المستظهر، ولما رفض المقتدي، قدم ملكشاه إلى بغداد سنة 485هـ عازماً على خلع الخليفة حيث كتب إليه: تخرج من بغداد وتسكن أي بلد شئت، فطلب المقتدى أن يمهله شهراً، فقال ملكشاه: ولا ساعة واحدة، وبعد وساطة تاج الملك وزير ملكشاه وافق على أن يؤخره عشرة أيام (2)، إلا أن وفاة السلطان فجأة أنقذت الخليفة (3)، ويروي أن السلطان ملكشاه فكر في نقل مركز الخلافة إلى أصفهان، إلا أن وفاته أماتت المحاولة (4) وعلى الرغم من أن السلاجقة تدخلوا في تعيين ولي عهد الخليفة فإنهم تجاوزوا موافقته أو حتى إعلام الخليفة في حالة تعيين السلاطين لمن يخلفهم، ففي سنة 458هـ أخذ السلطان ألب أرسلان العهود والمواثيق لولده ملكشاه وخلع على جميع الأمراء وأمرهم بإقامة الخطبة له في جميع البلاد الخاضعة لنفوذه (5).
5 - شارات الخلافة: تظهر سلطة السلاطين ونوابهم على الخلافة من خلال استيلائهم على شاراتها وعدوها حقاً من حقوقهم لا ينازعهم فيها أحد، فقد ذكرت أسماء السلاطين في خطبة الجمعة في بغداد (6)، وضربت أسماؤهم وألقابهم على السكة (7). وحذا نواب السلاجقة حذو سلاطينهم، فشارك بعضهم الخليفة العباسي امتيازاته، فكانت الطبول تقرع على باب كوهرائين شحنة بغداد في أوقات الصلوات (8)، وقرعت الطبول أمام دار الوزير السلجوقي مؤيد الملك بن نظام الملك أثناء إقامته في بغداد سنة 475هـ وعد ذلك من منكرات الأحداث (9).
6 - الألقاب: تجاوز السلاطين السلاجقة الحد في اتخاذهم الألقاب التي تعكس قوتهم وسلطانهم من جهة وضعف الخلافة من جهة أخرى، فنقشت ألقابهم على السكة وكتبت في المخاطبات فعند دخول طغرل بك بغداد لقبه الخليفة القائم بلقب ركن الدولة يمين أمير المؤمنين (10)، ثم تلقب بلقب ملك المشرق والمغرب (11)، وتلقب السلطان ألب أرسلان
_________
(1) المنتظم (9/ 62).
(2) المنتظم (9/ 62).
(3) تاريخ دولة آل سلجوق، ص 71.
(4) الكامل في التاريخ نقلاً عن الجيش وتأثيراته في سياسة الدولة، ص 245.
(5) الكامل في التاريخ نقلاً عن الجيش وتأثيراته في سياسة الدولة، ص 245.
(6) الكامل في التاريخ نقلاً عن الجيش وتأثيراته في سياسة الدولة، ص 245.
(7) الكامل في التاريخ نقلاً عن الجيش وتأثيراته في سياسة الدولة، ص 245.
(8) المصدر نفسه، ص 246.
(9) المصدر نفسه، ص 246.
(10) راحة الصدور، ص 169.
(11) المنتظم (8/ 181، 183) , أخبار الدولة السلجوقية، ص 17، 18.
(1/168)

بلقب عضد الدولة برهان أمير المؤمنين (1)، وبعد موقعة ملاذكرد سنة 463هـ التي انتصر فيها السلاجقة على الروم وأسروا الإمبراطور رومانوس ذكره الخليفة القائم بخطاب التهنئة (الولد السيد الأجل) المؤيد المنصور المظفر، السلطان الأعظم مالك العرب والعجم، سيد ملوك الأمم، ضياء الدين غياث المسلمين، ظهير الإيمان، كهف الأنام، عضد الدولة القاهرة، تاج الملة الباهرة، سلطان ديار المسلمين برهان أمير المؤمنين (2)، وعرف السلطان ملكشاه بن أرسلان بلقب السلطان معز الدنيا والدين قسيم أمير المؤمنين (3)، ثم لقب بلقب السلطان المعظم شاهنشاه ركن الإسلام معز الدنيا والدين ومولى العرب والعجم، سلطان أرض الله ركن الإسلام والمسلمين يمين أمير المؤمنين (4).
7 - إعادة تشكيل الجيش: حرمت الخلافة العباسية خلال فترة السيطرة العسكرية على مقاليد الأمور فيها من القوة العسكرية التي تدين لها بالولاء، ومنُذ مقتل المتوكل أصبح الجند المتعددي الأجناس يدينون بولائهم إلى قادتهم أكثر من ولائهم للخليفة, وهم لا يقاتلون عن دين ولا حمية ولا غيرة على سيادة الدولة، بل تتحكم في تصرفاتهم مصالحهم الشخصية من أموال وسيطرة ونفوذ، واستمر حال الخلافة على هذا الوضع بعد أن فقدت السيطرة على الجند الذين تنقلوا من قائد إلى آخر بحثاً عن الامتيازات, ولكي يتخلص الخليفة من تدخلاتهم وتجاوزاتهم وشغبهم المتواصل للمطالبة بالأموال استحدث منصب أمير الأمراء وهو القائد العام للجيش، ومن الطبيعي أن يكون لكل أمير من الأمراء جيش خاص يدين له بالولاء، ولفشل أمير الأمراء في السيطرة على الجيش، ازداد الاضطراب والفوضى فاستعان الخليفة بقوة البويهيين العسكرية، ولسيطرة البويهيين على الخلافة لم تعد الخلافة تملك جيشاً قائماً حتى بالشكل الذي عرفته سابقاً بعد أن أصبح الجيش البويهي هو جيش الخلافة وحاميها، وكذلك حذا السلاجقة حذو البويهيين بموقفهم من جيش الخلافة حيث لم يسمحوا للخليفة بتجنيد الجنود أو اتخاذ حرس خاص به وعدوا أنفسهم عسكر الخليفة (5)، ومما لاشك فيه أن افتقاد الخلافة لجيش خاص بها موالٍ لها، كان أحد الأسباب التي أدت إلى ضعفها .. وخلق حالة من الفوضى ذهبت ضحيتها الخلافة ومؤسساتها (6).
ولما كان الجيش هو أحد أركان الدولة وممثلاً لهيبتها وسيادتها على رعاياها فقد سعى المتغلبون على حرمانها من أسباب قوتها لتسهل عليهم عملية الهيمنة عليها والتحكم بأمورها، وعليه نلاحظ أن
_________
(1) الجيش وتأثيراته في سياسة الدولة الإسلامية، ص 246.
(2) المنتظم (8/ 260 - 265).
(3) راحة الصدور، ص 179.
(4) الأنباء في تاريخ الخلفاء، ص 197.
(5) الجيش وتأثيراته في سياسة الدولة الإسلامية، ص 247.
(6) الجيش وتأثيراته في سياسة الدولة الإسلامية، ص 247.
(1/169)

بعض الخلفاء شرعوا في العمل لإعادة هيبة الخلافة وسلطتها، ففكروا في تشكيل جيش الدولة الخاص بها، لتتمكن من خوض صراعها ضد المتغلبين عليها، وبما أن الجيش يشكل خطراً على سيطرة المتغلبين، فقد سعى السلاجقة إلى حرمان الخلافة من هذه القوة، لذا امتازت الفترة من 447هـ - 512هـ والتي حكم فيها ثلاثة من الخلفاء هم (القائم بأمر الله، والمقتدى لأمر الله، والمستظهر بالله) بالخضوع التام لسلاطين السلاجقة ونوابهم في بغداد حتى تقلد المسترشد بالله الخلافة سنة 512هـ (1)، فكان أول خليفة في هذه الفترة يتنبه لضرورة تكوين جيش خاص بالخلافة مستغلاً ضعف السلاجقة ونزاعهم على السلطنة بعد وفاة السلطان ملكشاه (2)، فبعد أن انفرد السلطان محمد بن ملكشاه بالحكم 498هـ - 511هـ نشب النزاع بين ورثته بعد وفاته، على الرغم من أن الخلافة سمحت بالخطبة لسلطانين في آن واحد (3)، غير أن الخليفة المسترشد حاول أن يستفيد من الصراع القائم بين العائلة السلجوقية على السلطنة، فاستعان في بداية الأمر بجيش السلطنة في بغداد وقوات بني عقيل ودعا إلى الجهاد لملاقاة دبيس بن صدقة المزيدي صاحب الحلة وتمكن من القضاء على نفوذه (4)، ثم استغنى عن الوزير السلجوقي وطلب نقل الشحنة من بغداد (5)،
كما استطاع الوقوف بوجه السلطان طغرل ودبيس بن صدقة وانتصر عليهما وفي هذه الأثناء كان المسترشد قد أمر وزيره بإعادة ديوان الجند، وتسجيل العرب والأكراد والأتراك في الديوان وابتدأ في شراء المماليك الأتراك وأمر بتدريبهم على فنون القتال (6) وعقد محالفات مع أمراء الأطراف العربية والكردية، وتقرب من العامة وأمر بإعلان النفير العام للتجنيد (7)، حتى بلغ جيشه سنة 525هـ ثلاثين ألف مقاتل من أهل بغداد والسواد (8)، وتبين من كتاب السلطان سنجر الذي أرسله إلى السلطان محمود مدى خشية السلاجقة من هذا الجيش حين كتب إليه يقول: إن الخليفة قد عزم على أن يمكر بي وبك، فإذا اتفقتما علىَّ فرغ مني وعاد إليك، ... ويجب بعد هذا أن تمضي إلى بغداد ومعك العساكر فتقبض على وزير الخليفة وتقتل الأكراد الذين دونهم وتأخذ النزل الذي قد عمله وجميع آلة السفر وتقول: أنا سيفك
_________
(1) المنتظم (9/ 197).
(2) الحياة السياسية في العراق في العصر العباسي الأخير، ص 41.
(3) السلطان محمود والسلطان سنجر، المنتظم (9/ 216).
(4) المنتظم (9/ 217، 218).
(5) الجيش وتأثيراته في سياسة الدولة الإسلامية، ص 248.
(6) المنتظم (9/ 254، 255).
(7) المصدر نفسه (10/ 607).
(8) الجيش وتأثيراته في سياسة الدولة الإسلامية، ص 249.
(1/170)

وخادمك (1). وعندما علم المسترشد بقدوم السلطان محمود إلى بغداد عزم على مواجهته وقال: فوضنا أمورنا إلى آل سلجوق، فبغوا علينا، فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون (2). فاستعد الخليفة للمواجهة وعبر بالناس إلى الجانب الغربي من بغداد، ثم عبر إلى الجانب الشرقي حيث نزل السلاجقة وأرغمهم على الخروج من بغداد إلا أن الخليفة أذعن لشروط الصلح مع السلطان محمود بعد أن خذله أصحابه من الأمراء (3)،
فسلم الخليفة وقبل بشروط عدم تجهيز الجيوش وتدوين العسكر وما لبثت الأمور أن جاءت لصالح الخليفة، حيث خرج على السلطان محمود أخوه مسعود وعمه سنجر وعدد من الأمراء، فرحل السلطان محمود عن بغداد فبعث إليه المسترشد يقول له: إنك تعلم ما بيني وبينك من العهد واليمين وإني لا أخرج ولا أدون عسكراً، وإذا خرجت عاد العدو وملك الحلة وربما تجدد منه ما تعلم، فكتب إليه السلطان محمود قائلاً: متى رحلت عن العراق وجدت له حركة، وخفت على نفسك وعلى المسلمين وتجدد لي أمر مع أخي فلم أقدر على المجيء فقط نزلت عن اليمين التي بيننا، فمهما رأيت من المصلحة فافعله (4) , فشرع المسترشد بتعبئة الجند استعداداً لمد نفوذ الخلافة وخرج بنفسه يقود الجيش ويباشر القتال (5)، واستطاع أن يصد جيوش عماد الدين زنكي ودبيس بن صدقة الذين توجهوا إلى بغداد (6)، وحاصر الموصل وأخضع تكريت لسلطان الخلافة (7)، إلا أن صحوة الخلافة ونهضتها بعد طول سيطرة وتصميم على التخلص نهائياً من سيطرة السلاجقة، جعلت المسترشد أكثر اندفاعاً دون أن يستكمل قوته ويستغل الظروف الملائمة وكان لإصراره على الخروج من بغداد لملاقاة السلطان مسعود دون أن يلتفت لنصيحة خاصته ومستشاريه في البقاء في بغداد (8)، أثر في تفكك جيش الخلافة بعد أن تخاذل بعض القادة الأتراك وانضموا إلى السلطان مسعود، فلم يبق مع الخليفة سوى من تبعه من أهل بغداد مما سهل على السلاجقة أسره واشترطوا عليه على مال يؤديه وألا يعود لجمع العساكر ولا يخرج من داره (9)، ثم قتل كما بينا سابقاً. وتولى الخلافة بعد مقتل المسترشد ابنه أبو جعفر الملقب بالراشد (10)،
وحدد
_________
(1) المنتظم (9/ 254، 255).
(2) الجيش وتأثيراته في سياسة الدولة الإسلامية، ص 249.
(3) المنتظم (10/ 3).
(4) المصدر نفسه (10/ 20) ..
(5) المصدر نفسه (10/ 45 - 50).
(6) مآثر الإنافة (2/ 25، 26).
(7) الباهر لابن الأثير، ص 47.
(8) ذيل تاريخ دمشق لابن القلانسي، ص 250،251.
(9) الجيش وتأثيراته في سياسة الدولة الإسلامية، ص 250.
(10) المنتظم (10/ 50).
(1/171)

السلطان مسعود مسئوليات الخليفة بقوله: لا أريد أن يجلس إلا من لا يداخل نفسه في غير أمور الدين ولا يجند ولا يتخذ ولا يجمع علي ولا على أهل بيتي (1)، لذا اشترط على الخليفة الراشد ألا يقوم بتجنيد الجند أو الخروج لحرب السلطان أو أحد أصحابه ومتى فعل ذلك فقد خلع نفسه (2)، وانتهى أمر الراشد إلى ما قد علمنا.
8 - بداية انتعاش الخلافة العباسية: ولى السلاجقة أبا عبد الله محمد بن المستظهر الذي تلقب بالمقتفى لأمر الله 530هـ - 555هـ وحرص السلطان مسعود بعد قضائه على جيش الخلافة، أن يقضي على أسباب قوتها ونهوضها بوجه السيطرة السلجوقية، فاستولى على جميع ما كان في دار الخلافة من خيل وبغال وأثاث وذهب وفضة .. ولم يترك في الإصطبل الخاص سوى أربعة رءوس من الخيل وثلاثة من البغال برسم الماء ... وبايعوا على ألا يكون عنده خيل ولا آلة سفر (3)، كما استخلف المقتفي على ألا يشتري مملوكاً تركيًا (4)، وأخذت عليه العهود بألا يلجأ إلى تجنيد الجند، وأن يحسن السيرة ولا يتعرض لمحاربة أحد (5)، وضيقوا عليه وسلبوا أمواله حتى باع عقاره (6)، كما سيطروا على دار الضرب في بغداد (7)، ولم يكن للخليفة المقتفي في بداية حكمه إلا الاسم، فنراه يكتب إلى وزير السلطان مسعود بعد أن ضيق عليه بالأموال: وما بقي إلا أن نخرج من الدار ونسلمها (8)، إلا أن المقتفي كان يرقب ما يدور من نزاع بين أفراد البيت السلجوقي على السلطنة ومحاولة استغلاله في محاولة لاسترجاع سلطاته (9)،
وفي سنة 543هـ حاصر قسم من أمراء السلاجقة بغداد مخالفين أمر السلطان مسعود فهرب شحنتها (10)، فكتب المقتفي إلى السلطان مسعود يقول له: أما الشحنة الذي من قبلك فقد هرب هو وأمير الحج إلى تكريت وقد أحاط العسكر بالبلد، وما يمكنني أن آخذ عسكراً لأجل العهد الذي بيننا، فدبر الآن، فكتب إليه: قد برئت ذمة أمير المؤمنين من العهد الذي بيننا، وقد أذنت لك أن تجند عسكراً وتحتاط لنفسك وللمسلمين, فجند، وأظهر السرادقات والخيم وحضر الخنادق وسد العقود (11).
_________
(1) مفرج الكروب (1/ 61، 62).
(2) ذيل تاريخ دمشق، ص 257، 258.
(3) الجيش وتأثيراته في سياسة الدولة الإسلامية, ص 251.
(4) تاريخ دولة آل سلجوق, ص 217، الجيش وتأثيراته، ص 252.
(5) مفرج الكروب (1/ 131).
(6) المنتظم (10/ 62).
(7) المصدر نفسه (10/ 66).
(8) المصدر نفسه (10/ 66، 119).
(9) مآثر الإنافة (2/ 37، 38).
(10) المنتظم (10/ 132).
(11) المنتظم (10/ 132).
(1/172)

وحرض وزير الخليفة أبو المظفر يحيى بن هبيرة على تجنيد الأتراك والعامة في بغداد (1)، واستمر القتال بين عساكر السلاجقة، وعساكر بغداد وأهلها إلى أن تفرق المحاصرون وكفوا عن القتال (2). وبموت السلطان مسعود سنة 547هـ ماتت معه سعادة البيت السلجوقي، فلم يقم له بعده راية يعتد بها ولا يلتفت إليها (3)، فسيطر الخليفة على ما كان للشحنة في بغداد بعد هربه إلى تكريت (4). وجمع الرجال والعساكر وأكثر التجنيد وأعلن: إنه من تخلف من الجند ولم يحضر الديوان ليدون ويجري على عادته في إقطاعه أبيح دمه وماله (5)، وكان لإعادة تشكيل الجيش العباسي أثر كبير في استعادة هيبة الخلافة وبسط سلطانها على الولايات المحيطة بها، ومناوأة أعدائها، فقد تمكن من تحرير الخلافة من الهيمنة الأجنبية بعد طول سيطرة وخضوع، وبسطت الخلافة سيطرتها على الحلة والكوفة وواسط والبصرة (6)،
وتمكن الجيش من مقاومة الحصار السلجوقي لبغداد بقيادة محمد شاه السلجوقي في سنة 552هـ، وأفشل محاولة دخوله إلى المدينة بعد حصار دام ثلاثة أشهر (7)، وكان انسحابه نهاية لحكم السلاجقة في العراق فلم تنجح كل المحاولات التي قاموا بها بعد ذلك لدخول بغداد (8)، يقول ابن الأثير: الخليفة المقتفي: هو أول من استبد بالعراق منفرداً عن سلطان يكون معه من أول أيام الديلم إلى الآن، وأول خليفة تمكن من الخلافة وحكم على عسكره وأصحابه من حيث تحكم المماليك على الخلفاء (9). إن عودة هيبة الخلافة ونفوذها وقوتها من العوامل التي ساعدت الزنكيين في محاربة الصليبيين وتحقيق انتصارات كبيرة عليهم، كما سيأتي بيانه بإذن الله تعالى.

عاشراً: نهاية الدولة السلجوقية وزوالها:
زال سلطان السلاجقة في فارس بوفاة آخر سلاطينهم الأقوياء وهو السلطان سنجر عام 552هـ, قال عنه الذهبي, هو السلطان ملك خراسان، معز الدين، سنجر بن السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان بن جغريبك بن ميكائيل بن سلجوق الغُزي التركي السلجوقي
_________
(1) الجيش وتأثيراته في سياسة الدولة الإسلامية، ص 253.
(2) المنتظم (10/ 132،133).
(3) راحة الصدور، ص 254.
(4) الكامل في التاريخ, نقلاً عن الجيش وتأثيراته، ص 253.
(5) المنتظم (10/ 147) , الجيش وتأثيراته، ص 254.
(6) المنتظم (10/ 170 - 171).
(7) المنتظم (10/ 170 - 171).
(8) الحياة السياسية في العراق في العصر العباسي الأخير، ص 61.
(9) الجيش وتأثيراته في سياسة الدولة الإسلامية, ص 254.
(1/173)

صاحب خراسان وغزنة وبعض ما وراء النهر, كان وقوراً حيياً، كريماً سخياً، مشفقاً، ناصحاً لرعيته كثير الصفح، جلس على سرير الملك قريباً من ستين سنة (1).كان من أعظم الملوك همّة، وأكثرهم عطاءً, ذكر أنه اصطبح خمسة أيام متوالية ذهب بها في الجود كل مذهب، فبلغ ما وهب من العين سبعمائة ألف دينار سوى الخلع والخيل (2)، واجتمع له في خزائنه من الجوهر ألف وثلاثون رطلاً، ولم يسمع بمثل هذا، ولا بما يقاربه عند أحد من الملوك واجتمع أيضاً في جملة ثيابه ألف ديباج أطلس أعطاها في يوم واحد. وأخبر خازنه أنه اجتمع في خزائنه من الأموال ما لم يسمع عن أحد من الأكاسرة أنه اجتمع له مثله (3)، ولم يزل في ازدياد إلى أن ظهرت عليه الغُزُّ في سنة 548هـ وهي وقعة مشهورة استشهد فيها الفقيه محمد ابن يحيى، فكسروه وانحل نظام ملكه، وملكوا نيسابور، وقتلوا خلقاً كثيراً، وأخذوا السلطان، وضربوا رقاب عدة من أمرائه، ثم قبّلوا الأرض، وقالوا: أنت سلطاننُا، وبقي معهم مثل جنديَّ يركب أكديشا ويجوع وقتاً، وأتوا به، فدخلوا معه مرو، فطلبها منه أميرهم بختيار إقطاعاً، فقال: كيف يصير هذا؟ هذه دار الملك. فصفى له وضحكوا، فنزل عن الملك، ودخل إلى خانقاه مَرْو، وعملت الغُزُّ ما لا تعمله الكفار من العظائم، وانضمت العساكر، فملَّكوا مملوك سنجر أيَبَه، وجرت مصائب على خراسان، وبقي في أسرهم ثلاث سنين وأربعة أشهر، ثم أفلت منهم، وعاد إلى خراسان (4)
وزال بموته ملك بني سلجوق عن خراسان، استولى على أكثر مملكته خوارزم شاه أُتسِز بن محمد بن نوشتكين ومات أُتِسز قبل سنجر (5)، وقد ذكر أبو شامة في كتاب «الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية» في حوادث سنة اثنتين وخمسين وفاة السلطان سنجر عقيب خلاصه من الشدة التي وقع فيها والأسر الذي حصل فيه وكان قد ورد كتابه في أواخر صفر من سنة 552هـ إلى نور الدين محمود زنكي بالتشوق إليه والإحماد لخلاله، وما ينتهي إليه من جميل أفعاله، وإعلامه ما من الله عليه من خلاصه من الشدة التي وقع فيها، والأسر الذي بُلي به في أيدي الأعداء الكفرة، من ملوك تركمان، بحيلة دبرها، وسياسة أحكمها وقرَّرها، بحيث عاد إلى منصبه من السلطنة المشهورة واجتماع العساكر المتفرقة عنه إليه (6)، ومع وفاة سنجر أخذت الدولة السلجوقية في الضعف والتضعضع ثم الانهيار وكان ذلك في عهد الخليفة الناصر لدين الله، فقد استقر رأيه على الاستعانة بعلاء الدين تكش خوارزم شاه ضد السلطان طغرل، فأرسل إلى
_________
(1) الجيش وتأثيراته في سياسة الدولة الإسلامية (20/ 363).
(2) المصدر نفسه (20/ 364).
(3) الشهب اللامعة، ص 432.
(4) سير أعلام النبلاء (20/ 364).
(5) المصدر نفسه (20/ 365).
(6) كتاب الروضتين في أخبار الدولتين (1/ 359، 360).
(1/174)

خوارزمشاه شاكياً من السلطان طغرل السلجوقي، ويطلب من خوارزمشاه أن يساعده عليه، وأرفق الرسالة بمنشور يقضي بإقطاع خوارزمشاه كل البلاد التي كانت آنذاك تحت نفوذ السلاجقة (1)، فلبى خوارزمشاه رغبة الخليفة العباسي وسار على رأس جيشه لقتال السلطان طغرل، والتقى به قريباً من الري، وذلك بمنتصف عام 590هـ فدارت الدائرة على الجيش السلجوقي وقتل السلطان طغرل (2)، وهكذا زالت الدولة السلجوقية (3).
كان سوء سياسة السلاجقة الداخلية وعدم إيجاد قانون لوراثة العرش يحترمه الجميع، من أهم العوامل التي أدت إلى انحلال دولتهم ثم زوالها، وبذلك وجدها الخوارزميون لقمة سهلة ولم يجدوا صعوبة في ابتلاعها، فورثوا ما كان للسلاجقة من سلطان، على أننا نلاحظ أن النزاع الذي قام بين الخلفاء العباسيين وبين البويهيين والسلاجقة، نلاحظ أن هذا النزاع قد استمر أيضاً بينهم وبين الخوارزميين، وقد استفحل النزاع بين الطرفين، ولم ينته إلا بانتهاء كل من الخوارزميين والخلافة العباسية بعد أن قضى المغول على القوتين الواحدة تلو الأخرى (4).
لقد تضافرت عوامل عديدة في سقوط السلطنة السلجوقية التي مهدت بدورها لسقوط الخلافة العباسية ومن هذه العوامل:
1 - الصراع داخل البيت السلجوقي بين الإخوة والأعمام والأبناء والأحفاد.
2 - تدخل النساء في شئون الحكم.
3 - إذكاء نار الفتنة بين الحكام السلاجقة من قبل بعض الأمراء والوزراء والأتابك.
4 - ضعف الخلفاء العباسيين أمام القوة العسكرية السلجوقية، فلم يتورعوا
عن الاعتراف بشرعية كل من يجلس على عرش السلطنة السلجوقية والخطبة لكل
منتصر قوي (5).
5 - عجز الدولة السلجوقية عن توحيد بلاد الشام ومصر والعراق تحت راية
الخلافة العباسية.
6 - الانقسام الداخلي بين السلاجقة والذي وصل إلى المواجهة العسكرية المستمرة، وهذا ما أنهك قوة السلاجقة حتى انهارت سلطنتهم في العراق.
_________
(1) الكامل في التاريخ, نقلاً عن نظام الوزارة في الدولة العباسية، ص 67.
(2) دولة آل سلجوق، ص 277، 278.
(3) نظام الوزارة في الدولة العباسية، ص 67.
(4) الشرق الإسلامي قبيل الغزو المغولي، ص 60.
(5) السلاطين في المشرق العربي، ص 50.
(1/175)

7 - المكر الباطني الخبيث بالدولة السلجوقية, وتمثل ذلك في حملة التصفيات والمحاولات المستمرة لاغتيال سلاطين السلاجقة وزعمائهم وقادتهم.
8 - الغزو الصليبي القادم من وراء البحار وصراع الدولة السلجوقية مع جحافل الغزو الوحشية القادمة من أوربا .. وغير ذلك من الأسباب والعوامل. إلا أن سلاطين السلاجقة كانت لهم أعمال جليلة من أهمها:
أ- كان لهم دور في تأخير زوال الخلافة العباسية، حوالي قرنين من الزمان حيث أوشكت قبل مجيئهم على الانقراض في ظل سيطرة البويهيين الشيعة الروافض.
ب- منعت الدولة السلجوقية الدولة العبيدية في مصر من تحقيق أغراضها الهادفة إلى توحيد المشرق الإسلامي تحت الراية الباطنية العبيدية الفاطمية الرافضة.
ج- كانت الجهود التي بذلتها الدولة السلجوقية تمهيداً لتوحيد المشرق الإسلامي والذي تم على يد صلاح الدين الأيوبي وتحت راية الخلافة العباسية السنية (1).
د- قام السلاجقة بدور ملموس في النهوض بالمنطقة الخاضعة لهم علمياً وإدارياً ونشروا الأمن والاستقرار فيها.
هـ- وقفوا في وجه التحركات الصليبية من جانب الإمبراطوية البيزنطية، وقام نوابهم بمحاربة الجحافل الصليبية التي احتلت بيت المقدس وطرابلس والرها، وجزءًا من بلاد الشام وسواحلها. ومن أبرز هؤلاء الأمراء عماد الدين زنكي.
و- رفعوا من شأن المذهب السني وعلمائه في تلك المناطق (2)، فهذه نبذه موجزة عن سلاطين السلاجقة السنيين ودورهم في نصرة الإسلام، وإن كان للقوم أخطاء وملاحظات على سيرتهم إلا أن من الظلم والزور والبهتان أن نطلق على أولئك الأبطال كلمة الشراذم كما فعل الأستاذ نجيب زبيب في الموسوعة العامة لتاريخ المغرب والأندلس (3)، وفي المباحث القادمة سنتكلم عن مؤسسات الدولة المهمة ودور السلاجقة الحضاري, وخصوصاً ما يتعلق بالمدارس النظامية وعلمائها وتأثيرها على عموم الأمة، ونجاحها في حسر المد الشيعي الرافضي الباطني الفاطمي وإحياء الأمة في دورها الجهادي ضد الصليبيين.
* * *
_________
(1) السلاطين في المشرق العربي، ص 51.
(2) قيام الدولة العثمانية، ص 24.
(3) الموسوعة العامة لتاريخ المغرب والأندلس (3/ 10).
(1/176)

الفصل الثاني
نظام الوزارة العباسية في العهد السلجوقي
في ظل نفوذ السلاجقة صار للخليفة العباسي الحق في اتخاذ وزراء له، فالخليفة القائم بأمر الله اتخذ في سنة 453هـ أبا الفتح منصور بن أحمد بن دارست وزيرًا له (1)، إلا أن الخليفة القائم بأمر الله عزل هذا الوزير في سنة 454هـ واستوزر بدلاً عنه فخر الدولة أبا نصر بن جهير في نفس العام، وخلال فترة انتعاش الخلافة العباسية، انتعشت معها الوزارة بحيث أصبحت للوزير مكانة مرموقة، وظهرت عليه الأبهة والاحترام والوقار (2)، مما دفع إلى زيادة مخاوف السلاجقة سلاطين ووزراء وتدخلهم في عزل بعض الوزراء (3). ففي عام 484هـ أصبح موقف السلطان ملكشاه من الوزير أبي شجاع وزير الخليفة المقتدى موقفاً متزمتاً ومتشدداً، وحاول جاهداً عزله من منصب الوزارة, وبالفعل طلب من الخليفة فعزله (4)، وتميز هذا العصر بوقوف وزراء بني العباس موقفاً مشرفاً ونبيلاً تجاه خلفائهم، خاصة في المواقف الصعبة التي مرت بها الدولة العباسية، كما تميز هذا العهد بوجود وزيرين أحدهما للخليفة العباسي والآخر للسلطان السلجوقي، وكان الأخير أقوى نفوذاً لأنه يستمد قوته من مركز السلطان صاحب النفوذ الفعلي (5). وفي هذا العصر برزت ظاهرة استحداث منصب نائب الوزير، ففي سنة 481هـ خرج الوزير ظهير الدين محمد بن الحسين أبو شجاع وزير الخليفة المقتدى بأمر الله لأداء فريضة الحج، فأبقى ابنه ربيب الدولة الحسين بن محمد، ونقيب النقباء على بن طراد الزينبي نائباً له (6).
* * *
_________
(1) الوزارة العباسية من 447هـ /590هـ في العهد السلجوقي، ص 29.
(2) الحياة السياسية ونظم الحكم في العراق، فاضل الخالدي، ص 29.
(3) الوزراة العباسية من 447هـ / 590هـ، ص 29.
(4) الأنباء في تاريخ الخلفاء، ص 202.
(5) العالم الإسلامي في العصر العباسي، ص 580.
(6) الكامل في التاريخ, نقلاً عن الوزارة العباسية، ص 32.
(1/177)

المبحث الأول
صفات وزير الخليفة العباسي والسلطان السلجوقي
أولاً: صفات وزير الخليفة العباسي:
كان خلفاء بني العباس حريصين أشد الحرص على الالتزام ببعض الصفات في اختيارهم لوزرائهم, فالشخص الراغب للوصول إلى منصب الوزارة كان لا بد من أن تتوافر فيه بعض الصفات منها الصدق والأمانة وغزارة العلم (1) , ومنها:
1 - العلم: فالوزير فخر الدولة أبو نصر محمد بن محمد بن محمد بن جهير الذي ولى الوزارة للخليفة العباسي القائم بأمر الله كان من رجال العلم رئيساً جليلاً (2). وعرف الوزير أبي شجاع محمد بن الحسين الروذراوري وزير الخليفة المقتدى بأمر الله بغزارة علمه وثقافته، وقد عد من خيرة علماء عصره، فكان عالماً باللغة العربية، وله تصانيف منها ذيل تجارب الأمم (3).
2 - الرأي السديد: ويشترط في الوزير أن يتصف بالرأي السديد (4)، فالوزير أبو القاسم بن الحسن بن المسلمة رئيس الرؤساء عرف بسداد الرأي ورجاحة العقل (5). وأما الوزير شرف الدين علي بن طراد الزينبي الذي وزر للخليفة المسترشد بالله والمقتفي لأمر الله، فقد عرف عنه سداد الرأي.
3 - العدل: ومن الصفات الواجب توافرها في الوزير العدل؛ ليكون منصفاً في حكمه وتسلم الرعية من ظلم غيره وظلمه (6). فالوزير أبو شجاع ظهير الدين محمد بن الحسين الروذراورى عرف بعدله للرعية فكان يصلي الظهر ويجلس لكشف المظالم إلى وقت العصر (7)، وعرف الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة الشيباني، الذي وزر للخليفة المقتفي لأمر الله والمستنجد بالله بالعدل لذا نال مكانة مرموقة (8) ويقال عنه إنه كان شامة بين الوزراء لعدله (9).
_________
(1) الأحكام السلطانية، ص 22 الوزارة العباسية، ص 34.
(2) شذرات الذهب (3/ 301).
(3) المنتظم (9/ 90، 91).
(4) الأحكام السلطانية، ص 22, الوزارة العباسية، ص 36.
(5) النجوم الزاهرة (5/ 64).
(6) الوزارة العباسية، ص 36.
(7) تحفة الأمراء للثعالبي، ص 61.
(8) الوزارة العباسية، ص 36.
(9) النبراس في تاريخ خلفاء بني العباس، ص 157.
(1/178)

4 - الكفاية: فضلاً عن ذلك يجب أن تتوافر بالوزير الكفاية: وهي العلم بالأعمال السلطانية، والتصرفات، ووجوه تثمير الأموال والاستخراجات فيضع الأمور في مواضعها، ويرتب الأعمال على قواعدها (1)، فقد كان الوزير رئيس الرؤساء أبو القاسم على بن الحسين بن المسلمة يمتاز بالفضل والكفاية (2)، وقد قضى الوزير عميد الدولة بن جهير على الفوضى والاضطرابات وأدى مهامه الإدارية بنجاح (3)، وكان الوزير أبو علي بن الحسن بن علي بن صدقة، له دراية وخبرة بأمور الحساب وأعمال السواد (4)، لذا نجح في إدارة أمور البلاد (5).
5 - السياسة: ويشترط بعض الفقهاء أن يكون عالماً بأمور السياسة؛ فيعرف مداراة الجند، وتأليفهم، وجمعهم، وتفريقهم ويكون خبيراً بالمكائد الحربية، والخدع، وحفظ البلاد، والثغور والقلاع (6)، فالوزير رئيس الوزارة أبو القاسم علي بن الحسن بن المسلمة عرف عنه حسن معرفته وتدبيره لأمور السياسة (7) ففي سنة 544هـ ولي أبو المظفر يحيى بن هبيرة وزارة المقتفي لأمر الله (8)، فظهرت منه عظمة كفايته السياسية عندما نزل المعسكر السلجوقي بظاهر بغداد، فاستطاع بحسن تدبيره ردهم على أعقابهم، فرغب الخليفة فيه، فاستوزره (9).
6 - الشئون الدينية: ومن الشروط الواجب توافرها في الوزير هي معرفته للشئون الدينية والفقه والحديث النبوي وما إلى ذلك من أمور تتعلق بالشريعة الإسلامية، وعلى هذا الأساس نال رئيس الرؤساء علي بن الحسين، الوزارة وكان عالماً وفقيهاً بارعاً وله دراية بالحديث (10)، وكان الوزير أبو الفتح محمد بن منصور بن دارست وزير الخليفة القائم بأمر الله، إذا جلس في دار الوزارة حضر أئمة الفرق وفقهاؤها للمناظرات (11). وكان الوزير جلال الدين أبو علي الحسن بن علي بن صدقة وزير الخليفة المسترشد بالله، حسن السيرة والسلوك، تقياً عالماً فاضلاً (12)، وكان الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة الشيباني الذي وزر
_________
(1) شذرات الذهب (4/ 191).
(2) راحة الصدور، ص 172, الوزارة العباسية، ص 37.
(3) البداية والنهاية, نقلاً عن الوزارة العباسية، ص 37.
(4) الوزارة العباسية، ص 37.
(5) الوزارة العباسية، ص 37.
(6) تحفة الأمراء للثعالبي، ص 61،62.
(7) الأنباء في تاريخ الخلفاء، ص 188.
(8) الوزارة العباسية، ص 38.
(9) دولة آل سلجوق، ص 205، الوزارة العباسية، ص 38.
(10) الوزارة العباسية، ص 38.
(11) دولة آل سلجوق، ص 197.
(12) النجوم الزاهرة (5/ 233) , الوزارة العباسية، ص 38.
(1/179)

للخليفة المقتفي لأمر الله من أعيان الفقهاء الصالحين (1)، صنف كتاب الإفصاح وقرأ القرآن، والحديث وتفقه على مذهب الإمام أحمد، صنف كتباً جيدة من ذلك الإفصاح في مجلدات، شرح فيه الحديث وتكلم فيه عن مذاهب العلماء (2). وكان عالماً في الفقه والأحاديث والقرآن الكريم وتفسيره.
7 - قوانين الوزارة: واشترط الخلفاء العباسيون وسلاطين السلاجقة في الوزير أن يكون عالماً بقوانين الوزارة، فقد كان الوزير جلال الدين أبو علي الحسن بن علي بن صدقة وزير الخليفة المسترشد بالله حافظاً لقوانين الوزارة وعالماً بأمور الرياسة (3). وأما الوزير أبو القاسم علي بن طراد الزينبي، فكان ملماً بقوانين الوزارة عارفاً بأمور السياسة، فلما استوزره الخليفة المسترشد بالله قال له: كل من ردت إليه الوزارة شرف بها، إلا أنت فإن الوزارة شرفت بك (4).
8 - البلاغة وحسن الترسل: وفضل الخلفاء أن تتوافر بعض الصفات الأخرى كأن يكون بليغاً وحسن الترسل وأديباً وشاعراً وعالماً في النحو (5)، فالوزير محمد بن محمد بن جهير الذي وزر للخليفتين القائم بأمر الله والمقتدي بأمر الله، عرف بتراسله البديع وأشعاره الرقيقة (6)، وكان الوزير أبو شجاع محمد بن الحسين الروذراوري كاتباً بليغاً وشاعراً مرهفاً وعرف عنه حسن نثره وروعة رسائله ومعرفته بالأدب وبراعته في رواية الأخبار (7)، وعرف عن الوزير جلال الدين أبو علي الحسن بن علي بن صدقة فصاحة اللسان وبلاغة الكلام، بحيث طغت على كتاباته صفة البلاغة مما جعله موضع إعجاب خلفاء بني العباس (8)، وأما الوزير أبو شروان بن خالد القاشاني الذي وزر للخليفة المسترشد بالله وللسلطان مسعود السلجوقي، فعرف عنه حبه للأدب، وإليه يعود الفضل في عمل وتطوير مقامات الحريري (9)، وكان الوزير يحيى بن هبيرة فصيح اللسان، بليغاً، كاتباً بارعاً وعالماً بأمور النحو واللغة وشاعراً رقيقاً (10).
9 - المحبة لدى العامة والخاصة: فضل الخلفاء في الوزير أن يكون محبوباً لدى العامة
_________
(1) المنتظم (10/ 217).
(2) البداية والنهاية, نقلاً عن الوزارة العباسية، ص 39.
(3) الوزارة العباسية، ص 39.
(4) المنتظم (9/ 234) , الوزارة العباسية، ص 39.
(5) الوزارة العباسية، ص 39.
(6) النجوم الزاهرة (5/ 130) , الوزارة العباسية، ص 40.
(7) المنتظم (9/ 90، 91) , الوزارة العباسية، ص 40.
(8) الأنباء في تاريخ الخلفاء، ص 201 الوزارة العباسية، ص 40.
(9) تاريخ ابن الورد (2/ 29) , الوزارة العباسية، ص 40.
(10) الأنباء في تاريخ الخلفاء، ص 225, الوزارة العباسية، ص 41.
(1/180)

والخاصة من الناس، وهذا واضح عندما عاد الوزير فخر الدولة أبو نصر محمد بن محمد بن جهير إلى منصب الوزارة في عهد الخليفة المقتدي بأمر الله، فرح الناس فرحاً شديداً وخرجوا لاستقباله، وقاموا بنحر الذبائح (1).
وأما الوزير الحسن بن علي بن صدقة أبو علي جلال الدين وزير الخليفة المسترشد بالله، فقد كان محبوباً لدى الخاصة والعامة مما ساعده على أداء مهماته الإدارية بنجاح (2).
10 - المعرفة بقواعد ديوان الخلافة: من الصفات اللازم توافرها في الوزير إلمامه بقواعد ديوان الخلافة, ونتيجة هذا الشرط عزل خلفاء بني العباس بعض الوزراء لجهلهم بقواعد ديوان الخلافة، فقد قبض الخليفة المسترشد بالله على الوزير سديد الملك أبي المعالي ابن عبد الرزاق في سنة 496هـ بسبب جهله بقواعد ديوان الخلافة (3).
وتجدر الإشارة إلى أن الماوردي حدد الصفات الواجب توافرها في الوزير وهي: الصدق والأمانة وغزارة العلم والفضل والرأي السديد والكفاية في تصريف الأعمال والأموال وحسن التصرف في مخاطبة الأعداء والأصدقاء (4). أما الثعالبي فقد حدد الصفات الواجب توافرها في الوزير بقوله: أن تجتمع فيه الأخلاق الحميدة، والأفعال الرشيدة، والآراء السديدة، وجودة التدبير، وصواب الآراء المفيدة، فتكون فيه العدالة والنزاهة والشجاعة والسياسة، إذا كان زمان السلم والهدنة يصلح أن يكون الوزير حليما ساكناً، وإذا كان زمان الفتن والحروب يصلح أن يكون شجاعاً صارماً (5). ومن الوزراء الذين جمعوا بين الثقافة العامة وحسن إدارته للبلاد يحيى بن هبيرة وزير الخليفتين المقتفي لأمر الله والمستنجد بالله، حيث جمع معلومات وافية عن الدولة العباسية، وله دراية في معرفة مشاكلها، مما جعل له القابلية على حل مشاكل الخلافة العباسية، بما فيها تخلص الدولة العباسية من سيطرة السلاجقة (6).

ثانياً: صفات الوزير السلجوقي:
حدد سلاطين السلاجقة بعض الصفات الواجب توافرها في الوزير ومن هذه الصفات:
1 - محبة العلم والعلماء: أن يكون محباً للعلم والعلماء وفاضلاً وكريماً، فقد عرف
_________
(1) الوزارة العباسية، ص 41.
(2) ذيل تاريخ دمشق، ص 224.
(3) الوزارة العباسية، ص 42.
(4) الأحكام السلطانية، ص 22, الوزارة العباسية، ص 42.
(5) تحفة الأمراء، ص 61, الوزارة العباسية، ص 43.
(6) خلفاء بني العباس ووزراؤهم، ص 128, الوزارة العباسية، ص 43.
(1/181)

عن الوزير نظام الملك أبي علي الحسن بن إسحاق الطوسي حبه للعلم والعلماء, وهذا واضح من خلال إنشائه العديد من المدارس (1).
2 - سداد الرأي: ويجب أن تتوافر في الوزير صفة سداد الرأي, فالوزير عميد الملك أبو نصر محمد بن منصور الكندري، وزير السلطان طغرل بك عرف بسداد الرأي ووفور العقل (2).
3 - العدل: أن يكون الوزير عادلاً بعيداً عن ظلم الرعية فالوزير نظام الملك أبو علي الحسن بن إسحاق الطوسي كان رجلاً عادلاً منصفاً، حافظاً لرعيته، فيقال عنه: إذا اجتاز بضيعة فأفسدها العسكر غرم لصاحبها ما أفسدوا (3)، وفي سنة 533هـ نال الوزير كمال الدين محمد بن علي الخازن الرازي وزارة السلطان مسعود، فأخذ يعمل على نشر العدل وإزالة الظلم (4).
4 - الصلاح والفقه: يجب أن يكون الوزير صالحاً فقيهاً وسمع الحديث وقرأ القرآن وشجع علماء الدين، فالوزير نظام الملك أبو علي الحسن بن إسحاق الطوسي، اشتغل بالحديث والفقه، وكان يحب علماء الدين والفقهاء ويجزل صلاتهم، وينفق عليهم أموالاً (5)، كما سمع الحديث وتفقه على مذهب الشافعية وقرأ القرآن واشتغل بالعلم (6).
5 - إجادة اللغتين العربية والفارسية: فيجب أن يكون الوزير أديباً بليغاً وكاتباً ناجحاً وشاعراً يجيد اللغتين العربية والفارسية بفصاحة فالوزير محمد بن منصور عميد الملك الكندري وزير السلطان طغرل بك كان مترجماً بارعاً (7)، وكاتباً يجمع في العربية والفارسية بين الفصاحتين (8). وكان أديباً وشاعراً ناجحاً ومن شعره:
إذا كان بالناس مزاحمتي ... فألموت قد وسع الدنيا على الناس
قضيت والشامت المغرور يتبعني ... إن المينة كأس كلنا حاسِ (9)

6 - الكفاية: لا بد أن تتوافر في الوزير صفة الكفاية، فالوزير سعد الملك أبو المحاسن سعد بن محمد الآبيّ الذي استوزر للسلطان محمد بن ملكشاه، عرف بسداد الرأي ووفور
_________
(1) التاريخ الباهر، ص 9.
(2) شذرات الذهب (3/ 301).
(3) ذيل تاريخ دمشق، ص 16, الوزارة العباسية، ص 45.
(4) دولة آل سلجوق، ص 170، أخبار الدولة السلجوقية، ص 122.
(5) ذيل تاريخ دمشق، ص 16 الوزارة العباسية، ص 45.
(6) الوزارة العباسية، ص 45.
(7) دولة آل سلجوق، ص 31، العالم الإسلامي في العصر العباسي، ص 573، 574.
(8) دولة آل سلجوق، ص 31، الوزارة العباسية، ص 45.
(9) النجوم الزاهرة (5/ 76).
(1/182)

العقل والكفاية العالية، فقد استطاع هذا الوزير جمع العساكر على الطاعة السلطانية، وبذلك استطاع أن يزيل الخلافات والفتن في دولة السلاجقة (1).
7 - تدبير البلاد والجيوش: ويجب أن يمتاز الوزير بحسن تدبيره للبلاد والجيوش، فقد كان الوزير نظام الملك أبو علي الحسن الطوسي عارفاً بأمور البلاد، وناجحاً في تدبيرها (2). وكان يهتم بأمور الجيش وتفريقه وبحفظ البلاد، فلما عاد ملك شاه من محاربة عمه قاورد تطاول جند السلطان قائلين: إنَّا قد ظفرنا بهذا الفتح وهزمنا جيشاً جراراً فنريد زيادة أرزاقنا وإذا لم تزد أرزاقنا وقطائعنا فسوف ندعو بالسعادة إلى قاورد. إلا أن الوزير نظام الملك أبا علي الطوسي استطاع أن يخمد غضب الجند ويجددوا ولاء الطاعة للسلطان (3).
8 - الشهامة والصبر: فهناك بعض الصفات التي لا بد أن تتوافر في الوزير السلجوقي مثل الشهامة والصبر، فقد عرف الوزير عميد الملك أبو نصر محمد بن منصور الكندري بشهامته وكرمه (4). أما أبو علي الحسن الطوسي فقد عرف عنه ثباته وصبره خاصة في الأزمات التي مرت بها الدولة السلجوقية والأزمات التي مر بها الوزير شخصياً، فكان شهماً (5)، وكان الوزير نظام الملك محبوباً لدى الناس، وكان شديد الاحترام والنفوذ في مملكة السلطان ملكشاه (6).
والجدير بالذكر أن سلاطين السلاجقة كانوا حريصين في اختيار وزرائهم وحددوا بعض الصفات التي تتوافر في الوزير، لأن أغلب سلاطين السلاجقة كانوا جاهلين بالعلوم والمعارف واللغة والفقه وبطبيعة المؤسسات الإدارية, وكيفية إدارة أمور البلاد، فأوكلوا هذه المهام لوزرائهم لتمشية المهام السياسية والإدارية والمالية، بينما بقيت أمور الجيش والحرب بأيدي السلاطين لأنهم بطبيعتهم رجال حرب (7)، وعلى الرغم من ذلك فإن سلاطين السلاجقة قاموا باختيار بعض الوزراء الذين لم تتوافر فيهم صفات الوزير الجيد، وإنما كان اختيارهم بدافع حصول السلاطين على الأموال، وبحكم الظروف العصيبة والصراع الذي دار بين الأسرة السلجوقية حول كرسي السلطنة (8).
* * *
_________
(1) دولة آل سلجوق، ص 88.
(2) الوزارة العباسية، ص 46.
(3) راحة الصدور، ص 200.
(4) شذرات الذهب (3/ 301) الوزارة العباسية، ص 47.
(5) شذرات الذهب (3/ 301) الوزارة العباسية، ص 47.
(6) المنتظم (8/ 207) , الوزارة العباسية، ص 47.
(7) الوزارة العباسية، ص 48.
(8) المصدر نفسه، ص 48.
(1/183)

المبحث الثاني
ميزات وخصائص ومراسيم تقليد الوزير العباسي والسلجوقي وألقابهم
أولاً: مراسيم تقليد الوزير العباسي:
كان الخليفة العباسي يختار وزيره بناء على معرفته للشخص المرشح للوزارة وثقته فيه, نتيجة لما قدمه من خدمات للدولة تثبت كفايته لهذا المنصب وعلى سبيل المثال استوزر الخليفة المقتفي لأمر الله عون الدين يحيى بن هبيرة بناء على ما بذله ابن هبيرة من جهد أثناء توليه ديوان الزمام، ولما قدمه من آراء صائبة للخليفة بشأن علاقة الخلافة العباسية بالسلطنة السلجوقية (1)، وفي بعض الأحيان كان الخليفة يستشير المقربين إليه فيمن يرونه أهلاً لتولي وزارته، فيشيرون عليه بتولية شخص معين لخبرته الإدارية وأمانته، فيقبل الخليفة تزكيتهم، ويسند وزارته إلى ذلك الشخص، وهذا ما حدث عندما استوزر الخليفة القائم بأمر الله أبا الفتح منصور بن أحمد بن دارست سنة 453هـ (2). وقد يحدث أن يرشح السلطان السلجوقي شخصاً معيناً ليكون وزيراً للخليفة، فيوافق الخليفة على ترشيح السلطان أو يرفضه كما حدث عندما رفض الخليفة القائم بأمر الله ترشيح السلطان ألب أرسلان لأبي العلاء محمد بن الحسين سنة 464هـ (3)، بينما قبل الخليفة المسترشد بالله في سنة 516هـ ترشيح السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه لأحمد بن نظام الملك واستوزره الخليفة فعلاً (4).وإذا استقر رأي الخليفة على إسناد منصب الوزارة إلى شخص معين، أمر باستدعائه إلى دار الخلافة، وفي اليوم المقرر لإجراء مراسيم التعيين يحضر الشخص المرشح إلى دار الخلافة ومعه كبار رجال الدولة قاضي القضاة وصاحب المخزن، وكاتب الإنشاء، وحاجب دار الخلافة فيبلغ الخليفة الشخص المرشح مشافهة باختياره وزيراً له (5)،
ويخلع عليه خلع الوزارة، وتشمل جبة وعمامة وسيفاً ومركباً وفرساً، ويسلم إليه العهد بالوزارة، ثم يركب الوزير من دار الخلافة إلى مقر الوزارة والناس بين يديه، ومن بينهم كبار الدولة، وعندما يجلس في دست الوزارة يقرأ كاتب الإنشاء عهد الخليفة له بالوزارة (6).
ويختتم الحفل بقراءة ما تيسر من القرآن، وإنشاد ما نظمه الشعراء لهذه المناسبة من
_________
(1) أخبار الدولة السلجوقية، ص 120, وفيات الأعيان (6/ 231، 232).
(2) تاريخ دولة آل سلجوق، ص 21.
(3) المصدر نفسه، ص 42.
(4) الكامل في التاريخ, نقلاً عن نظام الوزارة في الدولة العباسية، ص 127.
(5) المنتظم (10/ 125).
(6) وفيات الأعيان (6/ 233).
(1/184)

مدائح (1) وقد جرت العادة أن الوزير الجديد إذا وصل إلى الديوان، وجلس في دست الوزارة أن يبادر إلى كتابة رسالة للخليفة تتضمن الدعاء والثناء له إشعاراً بتسلمه مهام منصبه (2). وكان الخليفة العباسي إذا أراد أن يزيد من تكريم من يختاره للوزارة أو لنيابة الوزارة، أصدر توقيعاً موجزاً، يثني فيه على الشخص المرشح ويشيد فيه بصفاته الحميدة ليرفع من شأنه أمام الناس، وكانت إجراءات تعيين نائب الوزير لا تختلف كثيراً عما كان يتبع عند تعيين الوزير غير أن الخليفة كان ينيب عنه من يتولى تقليد نائب الوزير وتسليمه العهد ومنحه الخلع (3).

ثانياً: مراسيم تقليد الوزير السلجوقي:
يقوم السلطان السلجوقي بتحديد الشخص المراد توليه منصب الوزارة معتمداً على بعض الضوابط في اختياره لوزيره منها: مدى ممارسة الشخص للمهمات الإدارية كأن يكون كاتباً للإنشاء أو صاحب ديوان، وفي بعض الأحيان يعتمد على استشارة بعض المقربين إليه (4)، ولذا تدرج بعض الأشخاص في المناصب الإدارية حتى وصلوا إلى منصب الوزارة، فالوزير نظام الملك أبو علي الحسن الطوسي كان كاتباً للأمير تاجر صاحب بلخ (5)، وكان يكتب لأبي علي بن شاذان، إلا أن أبا علي كان يصادر نظام الملك أبا علي الحسن الطوسي لذلك هرب نظام الملك، واتجه للعمل في دواوين السلطان داود بن ميكائيل، فأثبت للسلطان قدراته الإدارية ونجح في أداء مهامه الإدارية بحيث أصبحت بيده جميع الأمور, بعدها يقوم السلطان بإرسال حاجبه لاستدعاء الشخص المراد توليه منصب الوزارة ومثوله أمام حضرة السلطان، وبعد مثول الشخص أمام حضرة السلطان، تجري محادثات ومشاورات واتفاقيات بين السلطان والشخص المراد له نيل الوزارة لتحديد المهمات الإدارية والسياسة والمالية، وتحديد الحقوق والواجبات لكلا الطرفين (6)، ومن المتعارف عليه أن الشخص المراد توليه منصب الوزارة، عندما يستدعى إلى حضرة السلطان ليقرأ عليه عهد السلطان بتولية منصب الوزارة, يأتي الوزير محملاً بالهدايا الثمينة بما فيها الخيول والخيم والسيوف والذهب، فلما جاء فخر الملك أبو علي عمار بن محمد بن نظام الملك سنة 512هـ من خراسان لنيل منصب الوزارة جاء محملاً بالهدايا الثمينة بما فيها الذهب والخيول، والسيوف والخيم والطبول، فقدمها هدية للسلطان بمناسبة تولية الوزارة (7).
_________
(1) وفيات الأعيان (6/ 233) , ذيل طبقات الحنابلة (1/ 253).
(2) مضمار الحقائق للأيوبي، ص 205، نظام الوزارة، ص 128.
(3) رسوم السلاجقة ونظمهم الاجتماعية، ص 81.
(4) المنتظم (9/ 64، 65) , الوزارة العباسية، ص 56.
(5) المنتظم (9/ 64)، النجوم الزاهرة (5/ 137).
(6) الوزارة العباسية، ص 56.
(7) المصدر نفسه، ص 57.
(1/185)

ثالثاً: ألقاب الوزير العباسي:
استمر خلفاء بني العباس في العهد السلجوقي في تلقيب وزرائهم كسابق عهدهم في عهد بني بويه، غير أنه كانت هناك فروق واضحة بين العهدين البويهي والسلجوقي بالنسبة للألقاب وتتمثل فيما يلي:
1 - كان للألقاب في العهد السلجوقي احترامها، فهي مصونة، ولاتمنح إلا لمن يستحقها (1) فعلاً من كبار رجال الدولة، وفي مقدمتهم الوزراء، وكان الخلفاء والسلاطين لا يسرفون في بذل الألقاب.
2 - يرجع تعدد الألقاب في العهد السلجوقي إلى عاملين، أولهما: أن بعض الوزراء كان يحمل لقباً قبل أن يلي الوزارة، فلما ولي هذا المنصب لقبه الخليفة لقباً ثانياً كالمتبع في تقليد الوزراء إذ ذاك. أما العامل الثاني في تعدد الألقاب، فيرجع إلى حرص الخلفاء والسلاطين على منح الوزراء الذين يبذلون جهداً كبيراً في خدمة الدولة ألقاباً تقديرًا لكفايتهم، وقد ظهر تعدد ألقاب وزراء الخلافة العباسية بشكل واضح في نزاع الخلافة مع السلطنة السلجوقية للتخلص من نفوذها.
3 - تجلت في الألقاب ظاهرة الإضافة إلى الدين بالنسبة لوزراء الخلفاء العباسيين، كظهير الدين، وجلال الدين، وعون الدين، أما بالنسبة لوزارة سلاطين السلاجقة فكان يضاف إلى ألقابهم الملك، مثل نظام الملك وعميد الملك وفخر الملك وتاج الملك, ويذكر السيوطي أن أول تلقيب أضيف إلى الدين كان سنة 476هـ، عندما استوزر الخليفة العباسي المقتدي بأمر الله أبا شجاع محمد بن الحسين الروذراوري ولقَّبه «ظهير الدين» (2)، وقد تجلت ظاهرة تعدد ألقاب وزراء الخلفاء العباسيين بشكل واضح أثناء فترة نزاع الخلافة العباسية مع السلطنة السلجوقية، أما قبل ذلك فلم يتلقب بأكثر من لقب سوى الوزير محمد بن محمد بن جهير، وكان يتلقب بعميد الدولة، شرف الدين (3)، وقيل بل كان يتلقب بلقب واحد، هو عميد الدولة (4)، ولما ولي الخليفة المسترشد بالله الخلافة أخذ يمنح الألقاب لوزرائه، ويبدو أن الخليفة قصد من ذلك دفعهم لبذل جهد أكبر في تنفيذ سياسة الخلافة التي انطوت على التخلص من نفوذ سلاطين السلاجقة واستعادة هيبة الخلافة وسلطتها (5)، ولما استوزر المسترشد بالله أبا علي الحسن بن علي بن صدقة، منحه عدة ألقاب هي: جلال الدين سيد الوزراء،
_________
(1) الروضتين في أخبار الدولتين (1/ 24).
(2) تاريخ الخلفاء نقلاً عن نظام الوزارة في الدولة العباسية، ص 132.
(3) حسن المحاضرة (2/ 198) نظام الوزارة، ص 133.
(4) المصدر نفسه، ص 134.
(5) نظام الوزارة في الدولة العباسية، ص 133.
(1/186)

صدر الشرق والغرب، صفي أمير المؤمنين (1)، وقيل: صدر الوزراء، صفي أمير المؤمنين (2).
هذا فضلاً عن لقبه السابق عميد الدولة (3)، وفي سنة 544هـ استدعى الخليفة المقتفي لأمر الله يحيى بن هبيرة إلى دار الخلافة وقلده منصب الوزارة وقد أثبت هذا الوزير كفاءته ومقدرته الإدارية العالية حتى نال ثقة الخليفة، كما كانت له اليد القوية في إنهاء النفوذ السلجوقي في بغداد، لذا لقبه الخليفة بالألقاب الرنانة منها: عون الدين، جلال الإسلام، صفي الإمام، شرف الأنام، معز الدولة، مجير المّلة، عماد الأمة، مصطفى الخلافة، تاج الملوك والسلاطين، صدر الشرق والغرب، سيد الوزراء (4). إلا أن الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة رفض مناداته بلقب سيد الوزراء وقال: لا تقولوا في ألقابي سيد الوزراء، فإن الله تعالى سمي هارون وزيراً (5).

رابعاً: ألقاب الوزير السلجوقي:
وأما بالنسبة للسلطان السلجوقي فقد سار على المنوال نفسه الذي سار عليه خلفاء بني العباس في تلقيب وزرائهم بالألقاب الرنانة، فقد أخذ سلاطين السلاجقة يلقبون الوزراء ممن تتوافر فيهم صفة الكفاءة الإدارية الناجحة وما يقدمه الوزير من أعمال جليلة للسلطان بحيث يكسب ود ورضا السلطان عنه، ففي سنة 455هـ، خلع السلطان طغرل بك أبو شجاع محمد بن ميكائيل بن سلجوق على وزيره عميد الملك أبي نصر محمد بن منصور الكندري وزاده في ألقابه جزاء على توصله لرضا السلطان عنه (6). وخلال هذا العصر استفحلت ظاهرة تعدد الألقاب (7) ويعتبر الوزير السلجوقي نظام الملك الطوسي أول وزير تلقب بأكثر من لقب في العهد السلجوقي، ويرجع هذا بلا شك إلى إخلاص نظام الملك في عمله، ومكافأة له على جهوده التي بذلها في إدارة الدولة السلجوقية، إذ كان اليد الموجهة لها في عهد السلطانين ألب أرسلان وابنه ملكشاه، كان لقب هذا الوزير في عهد السلطان ألب أرسلان هو: نظام الملك خواجه بزرك (8)، ثم زاد الخليفة القائم بأمر الله في تكريم نظام الملك فلقبه بقوام الدين والدولة، رضي أمير المؤمنين (9). ولما ولي ملكشاه السلطنة زاد في ألقاب نظام الملك لقب: «أتابك الجيوش» (10) , ويأتي الوزير السلجوقي أحمد بن نظام الملك في المرتبة الثانية بعد والده نظام الملك في التلقب بأكثر من لقب، فكان يلقب قبل إسناد الوزارة إليه «ضياء الملك» (11). فلما استوزره السلطان محمد بن
_________
(1) نظام الوزارة في الدولة العباسية، ص 134.
(2) الأنباء في تاريخ الخلفاء، ص 210.
(3) الأنباء في تاريخ الخلفاء، ص 210.
(4) شذرات الذهب في أخبار من ذهب (6/ 321).
(5) شذرات الذهب في أخبار من ذهب (6/ 321).
(6) المنتظم (8/ 230)، الوزراة العباسية، ص 62.
(7) الوزارة العباسية، ص 62.
(8) المنتظم (8/ 435) , ذيل تاريخ دمشق، ص 121.
(9) البداية والنهاية نقلاً عن نظام الوزارة، ص 132.
(10) البداية والنهاية نقلاً عن نظام الوزارة، ص 132.
(11) دولة آل سلجوق، ص 88، نظام الوزارة في العهد العباسي، ص 132.
(1/187)

ملكشاه سنة 500هـ منحه ثلاثة ألقاب هي: قوام الدين، نظام الملك، صدر الإسلام (1).
ويبدو أن السلطان محمد قد منح أحمد بن نظام الملك هذه الألقاب الثلاثة وفاء لحق والده نظام الملك وتقديراً لإخلاصه في خدمة دولة السلاجقة، كما يظهر في النص التالي: استشار السلطان فيمن يجعله وزيراً، فذكر له جماعة، فقال السلطان إن آبائي رأوا على نظام الملك البركة، وله عليهم الحق الكثير، وأولاده أغذياء نعمتنا، ولا معدل عنهم (2).

خامساً: امتيازات وشارات الوزير العباسي:
نال الوزير العباسي امتيازات واسعة بعد نيله دست الوزارة، ومن أول هذه الامتيازات تمليكه داراً يقيم فيها ولإنجاز مهامه الإدارية (3)، وأصبح للوزير الحق في الجلوس في صدر الرواق, ويجلس بين يديه الحجاب والقواد، وعندما ينال الوزير دست الوزارة يقوم الخليفة العباسي بتعيين مجموعة من الحرس يقفون على بابه ويكون واجبهم هو حماية الوزير والمحافظة عليه (4)، وإذا حضر الوزير مجلسه فسرعان ما يحضر معه عدد من الغلمان المسلحين لحمايته، وإذا خرج الوزير فسرعان ما يخرج معه الغلمان شاهرين أسلحتهم، وقد نال وزراء العباسيين مكانة مرموقة لدى خلفائهم بحيث زادت امتيازاتهم ومنها أن الخليفة سمح لهم بأن يضرب البوق عندما يخرجون لأداء أعمالهم (5)، ومن امتيازات الوزير أنه سُمح له حضور مجلس الخليفة في أيام محددة من الأسبوع أو في المناسبات وإذا حضر المجلس فإنه لابد أن يجلس في المكان المخصص له، وغالباً ما يكون مواجهاً للخليفة ومعه دواته (6). أما من حيث شارات الوزير، فقد كان الوزير العباسي يلبس الملابس السوداء وهو اللباس الرسمي له لأنه يعبر عن شعار الدولة العباسية، فلباسه يتكون من الجبة على العادة والفرجية والعمامة السوداء (7)،وكان الوزير العباسي يلبس في الاحتفالات الرسمية ملابس خلعة الوزارة التي خلعها عليه الخليفة حينما ولى دست الوزارة، وهي ملابس رسمية مكونة من قباء وسيف بمنطقة وقميص وعمامة سوداء (8)، وحينما يخرج الوزير لاستقبال الوفود الآتية إلى حضرة الخليفة أو لأداء فريضة الحج كان يخرج في موكب فخم ويمشي بين يديه أصحاب المناصب العالية، ففي عهد الخليفة القائم بأمر الله عندما خرج الوزير رئيس الرؤساء أبو القاسم على بن أحمد بن المسلمة لاستقبال السلطان السلجوقي طغرل بك، خرج في موكب فخم ومعه أصحاب المناصب العالية والمراتب وقاضي القضاة والشهود
_________
(1) الكامل في التاريخ نقلاً عن نظام الوزارة، ص 132.
(2) المصدر نفسه، ص 133.
(3) الوزارة العباسية، ص 65.
(4) الوزارة العباسية، ص 65.
(5) المنتظم (10/ 273).
(6) الوزارة العباسية، ص 66.
(7) الأنباء في تاريخ الخلفاء، ص 212.
(8) المنتظم (10/ 222).
(1/188)

والجنود (1). وأما بالنسبة إلى راتب الوزير العباسي خلال هذا العصر، فقد اتضح أن الغالبية العظمى من وزراء بني العباس الذين وصلوا إلى دست الوزارة، كانوا بالأساس من الطبقات الغنية وهذا ما دفع الكثير منهم إلى رفض رواتبهم الشهرية ففي سنة 453هـ، نال الوزير ابن الفتح منصور بن أحمد بن دارست الوزارة حيث رفض استلام رواتبه خلال توليه الوزارة وبذلك فإنه خدم بغير إقطاع، علماً بأنه كان غنياً ويعمل تاجراً (2) وعندما ولي الخليفة المقتدي بأمر الله الوزارة لظهير الدين أبي شجاع محمد بن الحسين الروذراوري، كان الوزير يمتلك ستمائة ألف دينار، وقد أنفقها جميعاً على الفقراء والمحتاجين واليتامى والأرامل حال استلام دست الوزارة (3)، أما الوزير ظهير الدين أبو بكر منصور بن أبي القاسم نصر بن العطار الذي استوزر للخليفة العباسي المستضيء، كان غنياً ويعمل تاجراً في ابتداء أمره (4)، وعلى الرغم من ثراء وزراء بني العباسي فإن الخلفاء العباسيين أصروا على منح وزرائهم الرواتب، والمخصصات والقطائع والمنح، كبديل لما يقدمونه من خدمات وأعمال جليلة تخدم بها كيان الدولة العباسية، ففي سنة 477هـ، أقطع الخليفة المقتدي بأمر الله وزيره أبا شجاع محمد بن الحسين بن عبد الله الروذراوري: قطائع تقدر ببضعة عشر ألف دينار (5)،
وفي زمن الخليفة المقتفي لأمر الله نال عون الدين، يحيى بن هبيرة الوزارة، وكانت إيرادات مشاهرته في كل سنة مائة ألف دينار (6)، ولما نجح الخليفة المقتفي لأمر الله في استعادة سلطته في العراق أقطع وزيره عون الدين يحيى بن هبيرة جميع ما كان لوزير السلطان السلجوقي وعماله في بلاد العراق من إقطاعات (7)، وفي بعض الأحيان كان الخليفة العباسي يعطي للوزير الرواتب العينية من أرزاق وملابس، فالوزير فخر الدولة أبو نصر محمد بن جهير وزير الخليفة المقتدي بأمر الله، كان راتبه في كل يوم ألف رطل لحم هذا سوى الشوايا والدجاج والحلواء والفاكهة، إضافة إلى الملابس (8)، ويتضح أن راتب الوزير في العصر السلجوقي شهد زيادة ملحوظة، فبينما كان راتب الوزير البويهي خمسين ألف دينار في العام أصبح راتب وزير الخليفة في عصر السلاجقة مائة ألف دينار (9).

سادساً: امتيازات وشارات الوزير السلجوقي:
من أولى امتيازات الوزير السلجوقي أن تخصص له دار يجلس فيها عند استدعائه لنيل الوزارة،
_________
(1) دولة آل سلجوق، ص 12, الوزارة العباسية، ص 67.
(2) دولة آل سلجوق، ص 24، الوزارة العباسية، ص 67.
(3) المنتظم (9/ 90) , الوزارة العباسية، ص 68.
(4) الفخري، ابن طباطبا، ص 68.
(5) المنتظم (9/ 10) , الوزراة العباسية، ص 68.
(6) الوزارة العباسية، ص 68.
(7) دولة آل سلجوق، ص 215، نظام الوزارة، ص 131.
(8) رسوم السلاجقة ونظمهم الاجتماعية، ص 86.
(9) الفخري، ابن طباطبا، ص 227، الوزارة العباسية، ص 69.
(1/189)

ومن امتيازات الوزير السلجوقي، أنه كان يضرب على بابه الطبول في أوقات الصلوات دلالة على فخامته وعظمة منزلته، فعندما نزل الوزير مؤيد الملك بن نظام الملك بداره في سنة 475هـ ضرب له النوبة على بابه، وكان يحق للوزير مرافقة السلطان السلجوقي في الأعياد والمناسبات وأثناء تفقده الأقاليم والولايات، وكان يحق له حضور المجلس العام للسلطان (1)، ويمتاز موكب الوزير أثناء خروجه مع السلطان، أو لاستقبال وفد الخليفة والدول، بالفخامة والأبهة، ويذكرالبنداري أن موكب الوزير عميد الملك الكندري أبي نصر محمد بن منصور، عندما دخل مع السلطان طغرل بك إلى بغداد سنة 447هـ، امتاز بالفخامة والهيبة بحيث لا يقل عن هيبة موكب السلطان (2)، ومن امتيازات الوزير السلجوقي، عندما يخرج من الديوان متجها للجامع أو للبيت كان يسير في موكب فخم بين يديه الغلمان حاملين السيوف، فعندما خرج الوزير كمال الملك أبو الحسن بن أحمد السميرمي من بغداد إلى همذان، ركب الوزير وكان بين يديه الغلمان حاملين السيوف (3)، فضلاً عن ذلك كان للوزير السلجوقي علامة خاصة به وهي بمثابة التوقيع، فالوزير نظام الملك أبو علي الطوسي كانت علامته «الحمد لله على نعمه» (4). و «الحمد لله المنعم» (5) وأما بالنسبة لراتب الوزير، فلكون هؤلاء الوزراء من الأغنياء فإنهم لم يكن الراتب الشهري دافعاً لهم للتطلع إلى الوزارة (6).
كما كان أغلب وزراء السلاجقة يقدمون الكثير من الهدايا الثمينة والأموال إلى السلطان لينالوا منصب الوزارة، فالوزير فخر الملك أبو الفتح المظفر بن نظام الملك أبو علي الطوسي، قدم الكثير من الأموال والهدايا الثمينة للسلطان بركيارق بن ملكشاه، عندما أراد الوصول إلى دست الوزارة (7). وعلى الرغم من غنى وزراء السلاطين، فإن سلاطين السلاجقة خصصوا لوزرائهم رواتب شهرية أو منحًا مالية، حيث أخذ الوزير نظام الملك أبو علي الحسن الطوسي راتباً قدره عشر مال السلطان (8)، كما خلع السلطان ملكشاه على الوزير نظام الملك أبي علي الطوسي عندما نال الوزارة خلعاً وأعطاه عشرين ألف دينار. كما نال وزراء السلاطين الكثير من المنح والقطائع عند توليهم دست الوزارة، فقد أعطى ملكشاه وزيره نظام الملك أبا علي الطوسي بلدة طوس (9).
_________
(1) رسوم السلاجقة ونظمهم الاجتماعية، ص 86.
(2) دولة آل سلجوق، ص 12، الوزارة العباسية، ص 70.
(3) الوزارة العباسية، ص 70.
(4) المصدر نفسه، ص 70, دولة آل سلجوق، ص 59.
(5) الوزارة العباسية، ص 70.
(6) نظام الوزارة في الدولة العباسية، ص 129.
(7) الوزارة العباسية، ص 70.
(8) المصدر نفسه، ص 71، آثار البلاد وأخبار العباد، ص 412.
(9) الوزارة العباسية، ص 71.
(1/190)

المبحث الثالث
صلاحيات الوزير العباسي والسلجوقي
أولاً: صلاحيات الوزير العباسي:
1 - الإدارية:
ازداد عدد الدواوين في العصر العباسي وكثرت واجباتها وتركبت وتعقدت تشكيلاتها الإدارية، لكي تلبي حاجة الدولة والمجتمع الكبير الذي تنظم شئونه وقد أصبح توزيع أعمال الدواوين دقيقاً بحيث لم يكن هناك مرفق من مرافق الدولة والمجتمع إلا وله ديوان يختص بشئونه ويعنى بمشاكله، ونتيجة لأهمية الدواوين فقد أوكل خلفاء بني العباس لوزرائهم الإشراف على هذه الدواوين وخوّلوا لهم تعيين رؤساء هذه الدواوين وعزلهم (1). فضلاً عن أن الوزراء العباسيين كانوا حريصين على تنفيذ أوامر الخليفة، حيث يقوم الوزير باستدعاء القضاة إلى دار الوزارة وإبلاغهم بقرار تعيينهم أو عزلهم (2). وفي زمن الخليفة المقتدى بأمر الله، نال الوزير عميد الدولة محمد بن محمد بن جهير منصب الوزارة، وأصبحت له مكانة عالية عند المقتدى لدرجة أن الخليفة فوضه جميع أمور الدولة (3)، كما فوض الخليفة المستظهر بالله أمور الخلافة إلى وزيره أبي منصور عميد الدولة محمد بن جهير، فأجاد في إدارة أمور البلاد، ونظم شئونها (4). ولما بويع الخليفة المستنجد بالله بالخلافة سنة 555هـ نصب عون الدين يحيى بن هبيرة على الوزارة، وفوض إليه أمور البلاد وقال له: انهض أنت إلى الديوان لتنفيذ المهام وتثق بشمول الإنعام ولتأمر بالحاضرين بالانكفاء إلى الخدمات. وعندما استلم الوزير مهامه قبض على القاضي علي بن المرخم الذي عرف بسوء تصرفه وسوء عدله وأخذ الرشاء من الرعية، وأخيراً أمر الوزير بمصادرة أمواله (5)، ومن صلاحيات الوزير العباسي أنه كان ينوب عن الخليفة في بعض المناسبات فمنها أن الوزير كان يجلس نيابة عن الخليفة في مجلس العزاء (6)،
ففي سنة 486هـ، توفي جعفر بن الخليفة المقتدي بأمر الله فجلس الوزير عميد الدولة محمد بن جهير للعزاء به ثلاثة أيام (7).
ومن صلاحيات الوزير أنه يجلس نيابة عن الخليفة في مجلس الهناء، فعندما ولد للقائم
_________
(1) الكامل في التاريخ, نقلاً عن الوزارة العباسية، ص 71.
(2) تحفة الأمراء، ص 84، الوزارة العباسية، ص 73.
(3) الوزارة العباسية، ص 74.
(4) المنتظم (9/ 82) , الوزارة العباسية، ص 74.
(5) المنتظم (10/ 193، 194).
(6) الوزارة العباسية، ص 75.
(7) المنتظم (9/ 165) , الوزارة العباسية، ص 75.
(1/191)

ولده ذخيرة الدين أبو العباس بن القائم سنة 44هـ جلس الوزير رئيس الرؤساء أبو القاسم علي بن حسن بن مسلمة ثلاثة أيام للهناء، وحضر عميد الملك أبو نصر بن منصور الكندري وجماعة الأمراء (1). فضلاً عما تم ذكره، فإن صلاحيات الوزير العباسي بدأت تزداد اتساعاً لدرجة أنه أخذ على عاتقه متابعة موظفيه فيما يقومون به من أعمال وعندما يثبت لديه سوء أعمال موظفيه والاشتباه بسوء نياتهم سرعان ما يقوم بمحاسبتهم واعتقالهم ومصادرة أموالهم، كما قام باعتقال ومحاسبة الوزراء السابقين وأولادهم وموظفيهم (2). وعلى هذا الأساس كان من المحتمل أن بقاء الوزير في منصبه يتوقف على مدى نجاحه في اختيار الموظفين والعمال الأكفاء ومراقبة أعمالهم بدقة، ولذا عمد بعض الوزراء عند توليهم الوزارة إلى عزل الموظفين السابقين، واختيار غيرهم ممن يعتقد أنهم سيتعاونون معه في القيام بأعمال الدولة الإدارية على أفضل وجه، وبذلك أصبح من صلاحيات الوزير العباسي الإشراف على الأعمال الإدارية والمالية للدولة (3)، وتعيين وعزل ولاة الأقاليم (4)، خاصة الأقاليم التي كانت خاضعة للنفوذ الخليفة العباسي فسرعان ما يقوم الوزير العباسي باختيار الموظفين الذين يكونون محل ثقة فيعينهم ولاة لهذه الأقاليم، لكي يؤمنوا وصول جبايات الأقاليم إلى خزانة الخلافة (5)،
وخلال العصور العباسية المتأخرة، أصبحت صلاحيات الوزير واسعة لدرجة أنه أخذ ينظر في المظالم بعد أن كانت من صلاحيات الخليفة العباسي، فالوزير أبو شجاع محمد بن الحسن الروذراوري (6) وزير الخليفة المقتدى بأمر الله 467هـ، كان يجلس للمظالم بعد صلاة الظهر، وكان الحجاب ينادون في الناس لرفع قصص المظالم إلى الوزير للنظر فيها (7)، وأنيط بالوزير العباسي مسئولية حفظ الأمن والنظام في الدولة وكشف المؤامرة والدسائس التي تهدد كيان الدولة العباسية، من ذلك أن الوزير رئيس الرؤساء أبا القاسم على بن حسن بن أحمد بن مسلمة أعلم الخليفة القائم بأمر الله بنوايا البساسيري (8)، ومراسلته لليازوري وزير المستنصر بالله الفاطمي بمصر مستهدفاً خلع القائم بأمر الله، فلما تحقق من صحة ما نسب إلى البساسيري، حاول التخلص منه نهائياً (9). ويقول الثعالبي إن من صلاحيات الوزير هي: يتعين على الوزير أن يمعن النظر في دقائق المملكة، وتحسينها وما يعود بقوتها، وتمكينها، ويذكي العيون، ويستعلم الأخبار، ولا يغفل عن خلل يتوهم، وفساد
_________
(1) دولة آل سلجوق، ص 14, الوزارة العباسية، ص 76.
(2) الحياة السياسية في العراق، ص 158, الوزارة العباسية، ص 76.
(3) الأحكام السلطانية، ص 27, الوزارة العباسية، ص 77.
(4) المصدر نفسه.
(5) الوزارة العباسية، ص 77.
(6) الوزارة العباسية، ص 77.
(7) النجوم الزاهرة (5/ 111).
(8) تاريخ بغداد (9/ 450) , الوزارة العباسية، ص 78.
(9) المنتظم (8/ 163).
(1/192)

يظهر، فقد قال الحكيم: لا تتهاون بصغير يحتمل الزيادة (1).
2 - السياسية: كان الوزير العباسي من صلاحياته السياسية أنه مسئول عن استقبال الوفود قبل دخولهم إلى حضرة الخليفة، ويقوم بأداء مراسيم الضيافة والتوديع (2)، فعندما خرج السلطان السلجوقي ملكشاه من بغداد متوجهاً نحو أصفهان وكان معه وزيره نظام الملك أبو علي الحسن بن إسحاق الطوسي، خرج الوزير العباسي محمد بن حسين بن عبد الله أبو شجاع لتوديعه، فودعه في النهروان (3)، وكذلك عندما دخل السلطان السلجوقي مسعود بن محمد بن ملكشاه بغداد في سنة 546هـ، خرج الوزير العباسي عون الدين يحيى بن هبيرة، وأرباب الدولة في موكب فخم لاستقباله (4)، فضلاً عن ذلك، فإن صلاحيات الوزراء ازدادت بحيث كانوا يتولون أخذ البيعة للخليفة عند توليه ويشرفون على المراسم الخاصة بذلك (5)، ومن صلاحيات الوزير العباسي أنه كان يقوم بدور السفير بين الخليفة العباسي والسلطان السلجوقي حاملاً الرسائل إلى أمراء السلاطين وناقلاً إليهم آراء وأوامر الخليفة وبالعكس، فقد كان الخليفة القائم بأمر الله والخليفة المقتدي بأمر الله يوفدان الوزير عميد الدولة محمد بن محمد بن جهير في رسائل إلى سلاطين السلاجقة (6). فضلاً عن ذلك أصبح الوزير له الحق أن يجلس مع الخليفة ويتشاور معه في أمور البلاد، لدرجة أن الخليفة المقتفي لأمر الله عندما استوزر شرف الدين علي بن طراد الزينبي، كان لا يستطيع الخليفة أن يثبت في أمر من أمور الخلافة إلا بمشورته (7)،
ونال الوزير العباسي صلاحيات واسعة حيث أخذ يكاتب ويراسل ويتفاوض مع أمراء الأطراف والإمارات المتاخمة الذين أبدوا العصيان للخليفة العباسي، فعندما نال فخر الدولة، أبو نصر محمد بن جهير منصب الوزارة، كانت بعض الأطراف المتاخمة ترفض إبداء الولاء للخليفة العباسي، إلا أن حسن مراسلة الوزير وطيب علاقته وحسن سفارته مع أمراء الأطراف، استطاع أن يعيد هذه الإمارات وأن تبدي ولاءها للخليفة العباسي (8)، فضلاً عن ذلك فإن الوزير العباسي أخذ يحضر مجلس الخليفة، عند قدوم سلاطين السلاجقة وأمراء الأطراف، ثم يقوم بقراءة القرارات التي اتخذها الخليفة، وإبلاغها للوفود الحاضرة في مجلس الخليفة (9).
3 - المالية: اتسعت صلاحيات الوزير المالية خلال العصور العباسية المتأخرة خاصة في
_________
(1) تحفة الأمراء، ص 80, الوزارة العباسية، ص 78.
(2) الحياة السياسية في العراق، ص 108.
(3) المنتظم (9/ 37).
(4) الوزارة العباسية، ص 79.
(5) النظم الإسلامية، دراسة تاريخية، فاروق عمر, ص 66.
(6) الوزارة العباسية، ص 81.
(7) المنتظم (10/ 85).
(8) الوزارة العباسية، ص 83.
(9) الوزارة العباسية، ص 83.
(1/193)

ظل الوزراء الأقوياء الذين سيطروا على زمام الأمور، فقد أصبح الوزير يشرف على القطائع الخاصة بالخليفة العباسي فالوزير عميد الدولة محمد بن محمد بن جهير عندما نال دست الوزارة كسب ود الخليفة وأثبت مقدرته الإدارية، باشر هذا الوزير بالإشراف على قطائع الخليفة (1)، كما حمل الوزراء على عاتقهم مسئوليات توفير المواد الغذائية للسكان وبأسعار ثابتة - معقولة - فالوزير ظهير الدين أبو شجاع الروذراورى عندما نال الوزارة في سنة 476هـ منع وعاقب الموظفين الذين يحاولون استغلال مناصبهم لتحقيق رغباتهم الشخصية كالاعتداء على أموال الناس وبذلك عم الرخاء، وانخفضت أسعار المواد الغذائية (2). ويذكر الثعالبي: أن من أهم الصلاحيات المالية للوزير العباسي هي السعي في عمارة البلاد، وإصلاح خللها، وتثمير الأموال والمزروعات، وبالأموال تشمخ وتكثر الأعوان (3)، فضلاً عن الإشراف على دخل الدولة من الأموال والمجوهرات والمواد النفيسة التي تضاف إلى بيت المال، ومعرفة مصروفاتها على مؤسسات الدولة، وما يصرف على بلاط الخليفة وغيرها من الأموال (4)، وأشرف الوزراء على إصلاح الأراضي الزراعية وسد البثوق وعمارة البلاد وزيادة واردات المال، كما نال الوزراء صلاحيات واسعة بيّنها الماوردي قائلاً: يجوز للوزير أن يتصرف في أموال بيت المال يقبض ما يستحق له ويدفع ما يجب فيه (5).
4 - العسكرية: نال الوزراء مكانة مرموقة لدى خلفاء بني العباس، ولذا أوكلوا إليهم قيادة الجيوش العباسية لمحاربة أي عدوان أجنبي، كما خولوا لهم الإشراف على الجيوش العباسية، فقد لعب الوزير يحيى بن هبيرة دوراً لامعاً في قيادة الجيوش العباسية التي سرعان ما هددت كيان الدولة السلجوقية والقضاء عليها في العراق (6)، وقد شارك كثير من وزراء بني العباس خلفاءهم في قيادة الجيوش المحاربة، فعندما خرج الخليفة المسترشد بالله لقتال السلطان مسعود السلجوقي في سنة 529هـ خرج الوزير على بن طراد الزينبي معه إلا أنه وقع في الأسر مع الخليفة العباسي، كما وقف الوزير علي بن الحسن بن صدقة إلى جانب الخليفة العباسي المسترشد بالله في قيادة العساكر ومقارعة السلاجقة (7)، فضلاً عن ذلك فإن الوزير يتولى استعراض الجيوش في المناسبات وقيادة الجيوش العباسية لقمع الفتن والاضطرابات في الأقاليم التابعة والخاضعة لنفوذ الخليفة العباسي (8)، كما خول للوزير
_________
(1) دولة آل سلجوق، ص 37, الوزارة العباسية، ص 84.
(2) وفيات الأعيان (5/ 135، 136).
(3) تحفة الأمراء، ص 69، الوزارة العباسية، ص 85.
(4) الأحكام السلطانية، ص 27.
(5) الوزارة العباسية، ص 86.
(6) المنتظم (10/ 214).
(7) الوزارة العباسية، ص 86.
(8) المنتظم (10/ 214).
(1/194)

العباسي صلاحيات تقديم المشورات العسكرية للخليفة العباسي ولما طلب السلطان محمد شاه من السلطان محمود بن الخليفة العباسي المقتفي لأمر الله، مبلغاً من المال مقداره ثلاثون ألف دينار مقابل رفع الحصار عن بغداد، أشار الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة على الخليفة بعدم دفع المبلغ المحدد للسلطان، وإن وجب صرفه لإعداد جيش جرار للخلافة يمكن من خلاله صد قوات السلطان محمد شاه فقبل الخليفة رأي الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة، وفوض إليه إعداد هذا الجيش (1)، ولذلك كان للوزير عون الدين يحيى بن هبيرة الدور الفاعل في قمع إمارة السلاجقة (2)، كما أصبحت مهام الوزير مقتصرة على تسيير الجيوش وتدبير الحروب (3)،
ويذكر الثعالبي أن من مهمات الأمور أن ينظر في أمر الأجناد فيسوسها على ما يليق بها، ويولي عليهم العراض فيكتب حلالهم وشتات خيلهم، وصفات أسلحتهم، ويثبت أقطاعهم، وأرزاقهم، ويعجل ما يستحق منها (4)، ويضيف الثعالبي أن صلاحيات الوزير هي: حسن النظر في أمور الجند، فلا يؤخر عنهم العطاء، ولا يلجئهم إلى الشعب والغوغاء, ويسوسهم، ويؤلف كلمتهم (5).

ثانياً: صلاحيات الوزير السلجوقي:
1 - الإدارية: أصبح الوزير السلجوقي ثاني شخصية مهمة في الدولة يأتي بعد السلطان السلجوقي حيث وكل للوزير الإشراف على جميع مرافق الدولة (6)، فعندما دخل السلطان السلجوقي طغرل بك محمد بن ميكائيل بن سلجوق إلى بغداد في سنة 447هـ، استقبله أصحاب المناصب العالية، وعندما استقر ببغداد أطلق يد وزيره عميد الملك أبي نصر محمد بن منصور الكندري في الحل والعقد والحبس والإطلاق والنظر في المظالم (7)، وعندما استقر السلطان السلجوقي ألب أرسلان على عرش السلطنة في عام 455هـ، أسند منصب الوزارة إلى الوزير نظام الملك أبي علي الحسن بن إسحاق الطوسي، فخول إليه مطلق الصلاحيات من حل وعقد، وقبض وبسط وتفويض وعزل (8)، وبذلك سيطر الوزير السلجوقي على جميع مرافق الدولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولم يترك للسلطان سوى قيادة الجيوش (9). وبالرغم من الصلاحيات الواسعة للوزير السلجوقي إلا أنه كان مسئولاً عن تصرفاته أمام السلطان
_________
(1) دولة آل سلجوق، ص 205.
(2) البداية والنهاية, نقلاً عن الوزارة العباسية، ص 88.
(3) الأحكام السلطانية، ص 27.
(4) تحفة الأمراء، ص 79.
(5) المصدر نفسه، ص 69, الوزارة العباسية، ص 88.
(6) السلاجقة في التاريخ والحضارة، ص 210.
(7) دولة آل سلجوق، ص 13.
(8) الوزارة العباسية، ص 89.
(9) السلاجقة في التاريخ والحضارة، ص 210.
(1/195)

السلجوقي، وغالباً ما كان يحذره في حالة وقوعه في بعض الأخطاء ويمنعه من تكرارها وإلا فسوف يخضع لأشد العقوبة، كما يتضح من خلال الدراسة أن الصلاحيات الإدارية للوزير السلجوقي في العصور العباسية المتأخرة كانت أقوى من صلاحيات الوزير العباسي، وذلك لأنه يستمد قوته من قوة السلطان السلجوقي صاحب النفوذ الفعلي في الدولة العباسية (1).
2 - السياسية: يعد الوزير السلجوقي أهم شخصية سياسية بعد السلطان حيث يشغل أرفع منصب في الدولة (2)، فكان يشرف على شئون الدولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، خاصة إذا كان الوزير يمتلك خبرة إدارية عالية، وملماً بقوانين الوزارة كنظام الملك أبي علي الحسن بن إسحاق الطوسي، فالوزير السلجوقي نال صلاحيات سياسية واسعة، حيث كان الوزير يجلس مع السلطان ويتشاور معه لتحديد ورسم سياسة الدولة السلجوقية (3)، وقد أصبح الوزير السلجوقي مفوضاً في تنفيذ وصية السلطان، فالوزير نظام الملك أبو علي بن الحسن الطوسي أصبح مفوضاً في تنفيذ وصية السلطان ألب أرسلان بجعل ابنه ملكشاه أبي شجاع محمد ولياً لعهده وأن يكون سلطاناً من بعده، فنفذ الوزير ذلك (4)، وبذلك لعب وزراء السلاجقة الأقوياء دوراً كبيراً في تنصيب بعض الشخصيات كسلاطين لدولة السلاجقة، خاصة الوزير نظام الملك أبا علي بن الحسن الطوسي وأولاده (5). وقد نال وزراء السلاجقة صلاحيات واسعة لدرجة أنهم تحكموا بسلاطينهم، فالسلطان ملكشاه كان لا يستطيع مخالفة أوامر نظام الملك أبي علي الحسن الطوسي لكثرة مماليكه ومحبة الأمراء والعساكر له (6)،
وكان الوزير السلجوقي مسئولاً عن تنظيم وصول أمراء السلاجقة ودخولهم إلى حضرة الخليفة العباسي، وإعطاء نبذة عن حياة كل أمير, وقد قام بعض وزراء السلاجقة بفض النزاعات الدائرة بين سلاطين السلاجقة حول عرش السلطنة، ومن ثم إجراء مفاوضات الصلح بينهم، مثل ما قام بذلك الوزير كمال الملك ما بين السلطان محمود وعمه سنجر، كما أدى الوزير السلجوقي مهام المترجم في ديوان الخليفة، فعندما دخل السلطان السلجوقي طغرل بك على الخليفة القائم بأمر الله كان مع السلطان وزيره محمد بن منصور الكندري الذي أخذ يترجم كلمات الخليفة العباسي من اللغة العربية إلى الفارسية وبالعكس ليفهمها السلطان السلجوقي (7).
3 - المالية: اتخذ سلاطين السلاجقة سياسة جديدة هي توزيع الأراضي على الأمراء وقادة
_________
(1) الوزارة العباسية، ص 94.
(2) السلاجقة في التاريخ والحضارة، ص 210.
(3) الوزارة العباسية، ص 94.
(4) النجوم الزاهرة (5/ 134) , الوزارة العباسية، ص 96.
(5) النجوم الزاهرة (5/ 134) الوزارة العباسية، ص 96.
(6) التاريخ الباهر، ص 10, الوزارة العباسية، ص 98.
(7) الوزارة العباسية، ص 100، المنتظم (8/ 182).
(1/196)

الجيوش، وقد أوكلت هذه المهام إلى الوزير السلجوقي حيث حمل على عاتقه مراقبة القطائع وتنظيمها وتحديد قطائع الأمراء (1)، وكان الوزير مسئولاً عن خزانة السلطان الخاصة، والمكلف بجمع الأموال من الولايات الخاضعة لنفوذ السلطان السلجوقي وتأمين وصولها إلى خزائن السلطان الخاصة، وقد اتسعت صلاحيات الوزير السلجوقي لدرجة أنهم أخذوا يتصرفون بخزائن السلطنة، وقد ذكرت والدة السلطان محمود بن محمد في سنة 512هـ للسلطان سنجر، فقالت له: أدرك ابن أخيك وإلا تلف فإن الأموال قد تمزقت والبلاد أشرفت على الأخذ، وهو صبي وحوله من يلعب بالملك. فكان الوزير أبو القاسم علي بن القاسم الانسباذي (2)، سيئ التدبير حيث أنفق ما في خزائن محمد شاه في أربعة أشهر وباع الجواهر والأثاث لصرفها على العساكر لكسبهم إلى جانبه خوفاً من مجيء السلطان سنجر شاه إلى البلاد (3).
4 - العسكرية: تميزت إمارة السلاجقة بكونها دولة حرب استطاعت أن تكون إمبراطورية عظيمة معتمدة على قوتها العسكرية، ولذا كان لا بد من توفير مستلزمات ديمومتها وبقائها من خلال توفير احتياجات الجيش الفعلية، من أرزاق ومصروفات، ولذا أوكلت هذه المهام إلى الوزير السلجوقي بحيث أصبحت من صلاحياته العسكرية، فالوزير كمال الدين محمد بن علي الخازن، كان يعطي للجيش مؤناً بقدر وحساب (4). فضلاً عن ذلك فإن الوزير السلجوقي عمل جاهداً لجباية الأموال من البلاد والإمارات الخاضعة تحت نفوذ السلطان السلجوقي، لغرض توفير الرواتب والمخصصات المالية وصرفها للجند؛ ولذا قرر لكل جندي ألف دينار في السنة (5)، كما حاول بعض الوزراء الأقوياء كنظام الملك أبي علي الحسن الطوسي أن يحدد الأهداف للدولة السلجوقية، والعمل على تحقيقها، مما دفعه إلى الاهتمام بالجيش لتحقيق الأهداف المرسومة له ومنها التوسع في آسيا الصغرى (6). كما أصبح الوزير السلجوقي مسئولاً عن إعداد الجيوش وتسليحها بأنواع الأسلحة لغرض إخماد الحركات التي ثارت ضد سياسة السلطان السلجوقي طوال مدة حكمهم، فعندما نشبت الحرب بين السلطان ألب أرسلان وقتلمش (7)، في سنة 456هـ قام الوزير نظام الملك أبو علي الطوسي بتعبئة الكتائب وتسليحهما ومن ثم قيادة الجيش، مما أدى إلى تحقيق النصر على قتلمش (8)، وقد اهتم وزراء السلاجقة اهتماماً كبيراً بنواحي الجيش بحيث شمل جميع مرافقها، خاصة نظام الملك أبا علي الحسن بن إسحاق الطوسي الذي أعطى للجيش أهمية كبيرة (9).
_________
(1) العالم الإسلامي في العصر العباسي، ص 582، 583.
(2) الوزارة العباسية، ص 103.
(3) النجوم الزاهرة (8/ 169).
(4) راحة الصدور، ص 333، الوزارة العباسية، ص 104.
(5) دولة آل سلجوق، ص 60, الوزارة العباسية، ص 104.
(6) دولة آل سلجوق، ص 60, الوزارة العباسية، ص 104.
(7) الوزارة العباسية، ص 110.
(8) المصدر نفسه، ص 105.
(9) الوزارة في عهد السلاطين، ص 39, الوزارة العباسية، ص 108.
(1/197)

المبحث الرابع
العزل والمصادرة لوزراء بني العباس والسلاجقة
أولاً: العزل والمصادرة لوزراء بني العباس:
تظاهرت عدة عوامل لظاهرة العزل والمصادرة للوزراء في العصر العباسي، ويعد العامل السياسي من أهم العوامل التي دفعت خلفاء بني العباس إلى عزل وزرائهم ومصادرتهم، حيث برزت خلال هذا العصر ظاهرة وجود وزيرين في آن واحد (1)، أحدهما للخليفة العباسي والثاني للسلطان السلجوقي، فكان الاثنان في صراع مستمر للحصول على النفوذ السياسي المرموق والسيطرة، مما دفع الاثنين إلى توجيه الاتهامات السياسية لبعضهما البعض عند خلفائهم وسلاطينهم لغرض عزلهم (2)، كما أن ظلم الوزير لرعيته من الأسباب التي دفعت الخليفة العباسي إلى عزل وزيره (3)، ففي سنة 563هـ نال أبو جعفر أحمد بن محمد بن البلدي، منصب الوزارة، وأصبح ظلم هذا الوزير على الكتاب والعمال وأولاد الوزراء السابقين أمراً مألوفاً فذهب ضحية لهذه المعاملة الجائرة كل من أولاده الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة ورئيس الرؤساء، فصادر أموالهم وسلب قطائعهم، وبذلك ساءت سمعة هذا الوزير، مما دفع الخليفة المستنجد بالله إلى عزله (4)، ومن الأسباب في العزل، قلة خبرة الوزير الإدارية وقصور كفايته، وعجزه في إدارة أمور البلاد، مما دفع خلفاء بني العباس إلى عزل وزرائهم (5)، ففي سنة 454هـ عزل الخليفة القائم بأمر الله وزيره أبو الفتح محمد بن منصور بن دارست من وزارته، وذلك لما ثبت قصور هذا الوزير بالحفاظ على الأموال وجمعها من عمال الولايات (6)،
ومن الأسباب في العزل عدم ولاء الوزير للخليفة وخيانته له مما دفع كثيرًا من خلفاء بني العباس إلى عزل وزرائهم (7) ففي سنة 460هـ، كتب قاضي القضاة محمد بن علي الدامغاني محضراً صادراً من الخليفة العباسي القائم بأمر الله يوعز فيه بعزل وزيره فخر الدولة أبي نصر محمد بن محمد ابن جهير وذلك لما ارتكبه هذا الوزير من أخطاء في حق الخليفة (8)، ولما تبين للخليفة المقتفي لأمر الله خيانة الوزير شرف الدين علي بن طراد الزينبي، عزله ونسب إليه مواطأة الأتراك وتآمره مع السلطان السلجوقي ضد الخليفة العباسي الراشد بالله (9). حيث كتب محضراً وقع
_________
(1) الوزارة العباسية، ص 110.
(2) الوزارة العباسية، ص 110.
(3) قوانين الوزارة، للماوردي، ص 195، 196، 197 الوزارة العباسية، ص 112.
(4) الوزارة العباسية، ص 112.
(5) قوانين الوزارة للماوردي، ص 121، 122، 123.
(6) الوزارة العباسية، ص 113.
(7) الوزارة العباسية، ص 113.
(8) الوزارة العباسية، ص 113.
(9) الأنباء في تاريخ الخلفاء، ص 225، الوزارة العباسية، ص 114.
(1/198)

عليه عدد من القضاة شهدوا فيه زوراً بتعدد المنكرات والكبائر التي اتهموا بها الخليفة العباسي الراشد بالله وبتأييد صريح من السلطان السلجوقي مما أدى على خلع الخليفة (1) وزيادة على ذلك كان للوشاة طريق في عزل الوزراء، حيث سخر الواشون العديد من الأساليب لعزل الوزراء، فمنهم من سخر الشعراء في تشويه سمعة الوزير والتقليل من مكانته وإثبات قصوره في إدارة شئون البلاد، مما يدفع الخليفة وعامة الناس إلى المطالبة بعزله وخير دليل على ذلك ما حدث في عام 555هـ حيث ذهب بعض الوشاة إلى الخليفة المستنجد بالله لكي يلفقوا الكثير من الكبائر للوزير عون الدين يحيى بن هبيرة، فكتب الخليفة إلى الوزير يعلمه بما جرى في حقه من وشاية في بلاطه، فكتب الوزير للخليفة يقول:
زرعت زروعاً تجتني ثمراتها ... فلا ذنب لي أن حنظلت شجراتها
فهم نقلوا عن الذي أمه بها ... وما آفة الأخبار إلا رواتها
يطول على مثلى بأني كلما ... سمعت نباحاً من كلاب خسأتها (2)
ومن الملاحظ أن أغلب الوزراء الذين تعرضوا لعملية العزل، لم يفلتوا من التعذيب والتنكيل والقتل والمصادرة (3)، وبالرغم من ذلك حدثت حالات شاذة حيث عزل بعض خلفاء بني العباس بعض وزرائهم على أحسن حال، حيث انصرف هذا المعزول مع حاشيته إلى داره معززاً مكرماً، وهذا ما حدث في عام 484هـ، حيث عزل الخليفة العباسي المقتدي بأمر الله وزيره أبو شجاع ظهير الدين محمد بن الحسين المروذراوري على أحسن حال، بحيث لم يعزل وزيراً مثله من قبل (4). ومن الملاحظ أن العزل يحدث بطريقتين، فإما أن يصدر الخليفة العباسي قرارًا بعزله شفاهًا وإما أن يحدث العزل بتقرير خطي مكتوب من قبل الخليفة (5)، وأما المصادرة، فغالباً ما كانت تصاحب ظاهرة العزل، وقد عمد بعض خلفاء بني العباس إذا ما اختلفوا مع وزرائهم إلى عزلهم ومن ثم مصادرة أموالهم المنقولة وغير المنقولة (6).

ثانياً: العزل والمصادرة لوزراء سلاطين السلاجقة:
لم تختلف ظاهرة عزل سلاطين السلاجقة لوزرائهم، عن خلفاء بني العباس
من حيث أسباب العزل، فقد لعب العامل السياسي الدور المهم في العزل، خاصة بعد
_________
(1) النجوم الزاهرة (5/ 258) , الوزارة العباسية، ص 114.
(2) الوزارة العباسية، ص 115.
(3) المصدر نفسه، ص 115.
(4) الإسلام في حضارته ونظمه الإدارية، أنور الرفاعي، ص 112.
(5) الوزارة العباسية، ص 116.
(6) الوزارة العباسية 117.
(1/199)

ازدياد النفوذ السياسي للوزير السلجوقي مما أدى في النهاية إلى توسيع دائرة الصراع بينهما (1)، ومن أسباب العزل أيضاً، أن بعض الوزراء عندما نالوا منصب الوزارة عجزوا عن تمشية أمور البلاد بشكل صحيح، مما دفع سلاطين السلاجقة إلى عزلهم، فالسلطان بركيارق أراد أن يرد جميل أسرة نظام الملك ومساندتهم له بتعيين أحد أبنائهم وزيراً له ولذلك عين عز الملك الحسن بن نظام الملك وزيراً، إلا أن هذا الوزير كان قليل الخبرة الإدارية لذا عجز عن تمشية أمور الرعية وشئون الدولة بشكل صحيح، مما دفع السلطان بركيارق إلى عزله، واستوزر بدلاً منه أخاه مؤيد الملك عبيد الملك بن نظام الملك (2)، ومن الأسباب في العزل أن الوزير الذي تتوافر فيه صفات النزاهة في أداء أعماله وثبوت كفاءته الإدارية، سرعان ما يكون مكروها من قبل رجال البلاط لأن نزاهة الوزير تتضارب مع مصلحة رجال البلاط الذين يرغبون في استغلال الناس لتحقيق رغباتهم الشخصية، فعندما نال الوزير، كمال الدين محمد الحسين بن الخازن وزارة السلطان مسعود بن محمد، أثبت هذا الوزير كفاءته الإدارية، وضرب على أيدي رجال البلاط المتلاعبين بقدرات الدولة، وحدد مخصصات الجند، وقطائعهم، ونتيجة لذلك واجه صراعًا حادًا مع رجال البلاط الذين حرضوا أمراء الولايات على التمرد، مما أدى بالنتيجة إلى عزل الوزير وقتله (3)، ومن العوامل التي أدت إلى عزل الوزير السلجوقي ظلمه للرعية، كما أسهمت الوشايات كثيراً في عزل الوزراء، ومن المعلوم أن أغلب الوزراء الذين تم عزلهم، تعرضوا لعملية التنكيل والقتل على أيدي سلاطينهم (4).

ثالثاً: المنافسة والمساومة على منصب الوزارة العباسية:
يعد منصب الوزارة من أرفع المناصب في الدولة العباسية, وتأتي منزلة الوزير بعد منزلة الخليفة، ولأهمية هذا المنصب أصبح محل منافسة ونزاع لدى رجال البلاط والخاصة لكي ينالوا هذا المنصب (5) وخلال العصور العباسية المتأخرة بدأت حالات الضعف تظهر على خلفاء بني العباس من جهة وسلاطين السلاجقة من جهة أخرى، ومما دفع رجال البلاط إلى اتباع طريق الرشوة والدس وازدياد حالة المنافسة للوصول إلى كرسي الوزارة ومن العوامل التي أدت إلى زيادة حدة الصراع بين الوزير ورجال البلاط والخاصة, قوة الوزير الشخصية وثبات مقدرته الإدارية والسياسية، بحيث تضارب نفوذ الوزير مع نفوذ بعض رجال البلاط، مما أدى إلى توسيع دائرة المنافسة وحدوث التمرد، ففي زمن الخليفة القائم بأمر الله ازدادت
_________
(1) الوزارة العباسية، ص 120.
(2) المصدر نفسه، ص 121.
(3) دولة آل سلجوق, نقلاً عن الوزارة العباسية، ص 121.
(4) الوزارة العباسية، ص 122.
(5) الوزارة العباسية،، ص 132.
(1/200)

المنافسة بين الوزير رئيس الرؤساء أبي القاسم علي بن الحسن بن مسلمة، وقائد الجيش التركي ابن الحارث أرسلان الباسسيري - الذي تأثر بالدعوة الفاطمية العبيدية - وبالنتيجة تمرد البساسيري على الخليفة القائم بأمر الله، واستطاع أن يخرج الخليفة من بغداد - ويحدث انقلاباً خطيراً - ثم إلقاء القبض على الوزير رئيس الوزراء فعذبه وقتله (1).
وقد أدت الأحداث السياسية والصراعات الدائرة بين الخليفة العباسي وأصحاب الولايات والأقاليم الخاضعة لنفوذ الخليفة العباسي إلى نشوء منافسة حادة بين أصحاب الولايات ووزراء الخليفة العباسي، لدرجة أنهم أخذوا يطلبون من الخليفة أن يعزل وزيره، فعندما أراد الخليفة العباسي المسترشد بالله أن يعيد العلاقة مع دبيس بن صدقة صاحب الحلة ويعقد معه الصلح اشترط دبيس على الخليفة أن يقبض على وزيره، فاستجاب الخليفة لطلبه (2)، وكذلك فإن إخلاص الوزير في أداء مهامه الإدارية، وحرصه على تطبيق قواعد الشريعة الإسلامية، كالضرب على أيدي رجال البلاط الذين حاولوا اختلاس أموال الرعية، والعمل على زيادة خزانة الدولة وتحديد البلاط، جعلهم يتآمرون على الوزير لعزله، ففي سنة 564هـ طبق الوزير شرف الدين أحمد بن محمد بن سعيد بن البلدي قانون الشريعة الإسلامية بقطع أيدي الموظفين الذين سرقوا أموال الرعية، إلا أنه واجهه صراع حاد من قبل رجال البلاط كأستاذ الدار وقائد الجيش قيماز التركي (3)، ومن الواضح أن الوزير العباسي لم يواجه منافسة من قبل رجال بلاط الخليفة فحسب، وإنما أخذ يواجه منافسة رجال بلاط السلطان السلجوقي ووزرائهم ويتضح من ذلك أن ظاهرة المنافسة التي واجهت الوزير العباسي جاءت نتيجة عدة عوامل وأسباب منها سياسية واقتصادية واجتماعية تضافرت فيما بينها لتؤثر على الوزير وبالتالي على عزله (4). وأما بالنسبة للمساومات على الوزارة، فبالنظر لأهمية منصب الوزارة، وما يتمتع به الوزير من مكانة مرموقة لدى الخليفة العباسي أصبح واسع النفوذ سياسياً، واقتصادياً واجتماعياً (5)،ولذلك حاول كثير من رجال البلاط والخاصة من ديوان الخليفة الوصول إلى منصب الوزارة بأي ثمن كان، ولذا دفعت هذه الرغبة إلى تفشي ظاهرة المساومات وبذل الأموال لنيل منصب الوزارة (6).

رابعاً: المنافسة والمساومة على الوزارة السلجوقية:
ولي منصب الوزارة في العهد السلجوقي عدد كبير من الوزراء حظي بعضهم بشهرة
_________
(1) الأنباء في تاريخ الخلفاء، ص 188.
(2) المنتظم (9/ 233).
(3) الكامل في التاريخ, نقلاً عن الوزارة العباسية، ص 134.
(4) الوزارة في عهد السلاجقة، عباس إقبال, ص 43.
(5) الوزارة في عهد السلاجقة، عباس إقبال, ص 43.
(6) الوزارة العباسية، ص 135.
(1/201)

واسعة، ومكانة رفيعة، وأسهم بعضهم في توسيع نفوذ السلاجقة, ومن أولئك الوزراء عميد الملك الكندري ونظام الملك أبو علي الحسين الطوسي، وقد استطاع هؤلاء الوزراء أن يستمروا في مناصبهم مدة طويلة بفضل ما كانوا يتمتعون به من كفاية إدارية وعسكرية، بالإضافة إلى ثقافتهم العالية التي أكسبتهم احترام الناس وتقديرهم (1)،
وقد حدث صراع عنيف وحاد بين تركان خاتون زوجة السلطان ملكشاه والوزير نظام الملك أبي علي الحسن بن إسحاق الطوسي حول تسمية ولي العهد، فتركان خان ترغب في أن يكون ولدها محمود ولياً للعهد بينما كان هوى الوزير في بركيارق -لكونه أكبر إخوته- فاحتدم الصراع بينهما، وكانت الغلبة للخاتون التي تمكنت من تعيين تاج الملك أبي الغنائم بعد مقتل نظام الملك، فضلاً عن ذلك فقد أدت الوشايات إلى استفحال حدة المنافسة وأخذ الواشون يطلقون الاتهامات الباطلة ضد خصومه لغرض عزله من منصبه (2)، ففي سنة 476هـ وشى به كل من أبي الرضا وابنه سيد الرؤساء أبي المحاسن كمال الملك اللذين كانا يشغلان منصب ديوان الرسائل والطغراء في عهد ملكشاه حيث اتهما الوزير نظام الملك بأخذ أموال الدولة لصالحه، فطلبا من السلطان أن يسلمها إلى الوزير نظام الملك أبي علي الطوسي مقابل مبلغ قدره مليون دينار تدفع للسلطان، إلا أن الوزير علم بالوشاية فجمع الغلمان بسلاحهم وأرسل للسلطان يقول: أفنيت عمري في خدمتك وخدمة أبيك وجدك ولي على هذه الدولة حق الخدمة, لقد قال الوشاة إني آخذ عشر أموال الدولة، وهذا حق لكني أنفقها على هؤلاء الغلمان الذين جلبتهم لخدمتك, كما أتصدق ببعض المال وأهب بعضه، وأرصد جانباً منه وقفاً يعود ثوابه على السلطان، وإن أموالي وكل ممتلكاتي في يد مولاي السلطان، إن أرادها أخذها، وسأتخذ لنفسي موقفاً في زاوية. فأمر السلطان بالقبض على أبي المحاسن وسمل عينيه (3).
وتجدر الإشارة إلى أن معظم حالات المنافسة التي ظهرت بين الوزراء ورجال البلاط كانت تنتهي بمقتل الوزير، فقد حدث في سنة 517هـ أن بعث السلطان سنجر بطلب الوزير عثمان بن نظام الملك وزير السلطان محمود بن ملكشاه إلا أن المنافسين لهذا الوزير أوغروا صدر السلطان لقتله، فقال أبو نصر المستوفي للسلطان: متى بعث به حياً إلى عمك سنجر شاه لم تأمنه، اقتله وابعث برأسه. فبعث عنبر الخادم لقتله فقتله (4). وقد حدث أن اصطدم الوزير كمال الدين محمد بن الحسين الخازن وزير السلطان مسعود بن محمد مع رجال البلاط حول تحديد مخصصاتهم وقطائعهم، مما أدى إلى زيادة حدة
_________
(1) الوزارة العباسية،، ص 136.
(2) المصدر نفسه، ص 139.
(3) الكامل في التاريخ, نقلاً عن الوزارة العباسية، ص 140.
(4) المنتظم (9/ 245، 146) , الوزارة العباسية، ص 141.
(1/202)

المنافسة بين رجال البلاط والوزير كمال الدين الخازن، مما دفع رجال البلاط إلى تحريض أمراء الولايات والمطالبة بخلع الوزير، ولذلك وقعت وحشة بين الوزير وأمراء الولايات وأخذوا يطالبون بعزله (1). فكاتبوا الأتابك قره سنقر قائلين: لقد ضقنا بظلم هذا الوزير ويئسنا من الحياة. فأرسل قره سنقر رسالة للسلطان قائلاً: إذا لم ترسل إلى رأس محمد الخازن ويده، ورجحت كفة ذلك الخائن علي فإني لن أذهب إلى المهمة التي كلفت بها، ومعاذ الله أن أتهم بالتمرد والعصيان (2). وبذلك أذن السلطان بقتل الوزير (3)،
وتعد المنافسة من أهم العوامل التي أدت بأي شكل من أشكالها إلى حدوث تنازعات بين الوزراء ورجال البلاط، وبين الوزراء والسلاطين، وبالتالي انعكست على الأسرة السلجوقية، فأصابتها الانقسامات والضعف وبدا الصراع واضحاً بين سلاطين السلاجقة، مما أدى إلى إضعاف الدولة السلجوقية وانهيارها (4)، وقد لعبت المساومة دوراً بارزاً في إيصال بعض العناصر الهزيلة إلى دست الوزارة والذين عرف عنهم قلة كفاءتهم الإدارية وجهلهم بأمور الدولة لدرجة أنهم أصبحوا ألعوبة بيد رجال البلاط (5)، كما برزت المساومات واستفحلت لدرجة أن أمراء الولايات تخلصوا من منافسيهم من الوزراء، وساعدهم في ذلك حب السلطان للمال (6)، ففي سنة 523هـ طلب الوزير كمال الدين أبو البركات الدركزيني من السلطان سنجر أن يتوسط له لدى السلطان محمود لنيل دست الوزارة مقابل تعهد الوزير كمال الدين الدركزيني بدفع مبلغ من المال للسلطان محمود قدره (3000000) دينار على سبيل الرشوة، فاستجاب السلطان محمود لذلك (7)، ولكن بالرغم من ذلك ظهرت حالات شاذة رفض فيها بعض سلاطين السلاجقة أسلوب المساومة لنيل دست الوزارة، ففي سنة 476هـ، رفض السلطان ملكشاه مساومة أبي الرضا وابنه سيد الرؤساء أبي المحاسن كمال الملك اللذين يعملان في ديوان الرسائل والطغراء، فعمل الاثنان على إرشاء السلطان بإعطاء الكثير من الأموال مقابل عزل وزيره حيث قال أبو المحاسن للسلطان: سلم إليّ نظام الملك أبا علي الحسن الطوسي وأصحابه، وأنا أسلم إليك منهم ألف ألف دينار (8)، إلا أن السلطان رفض تلك المساومة وألقي القبض على أبي المحاسن وسمل عينيه (9).
_________
(1) راحة الصدور، ص 333، 334 الوزارة العباسية، ص 142.
(2) راحة الصدور، ص 333، 334 الوزارة العباسية، ص 142.
(3) الوزارة العباسية، ص 142.
(4) دولة السلاجقة، ص 140، 141 ..
(5) الوزارة العباسية، ص 142.
(6) المصدر نفسه، ص 143.
(7) المصدر نفسه، ص 143.
(8) الكامل في التاريخ, نقلاً عن الوزارة العباسية, ص 144.
(9) الوزارة العباسية، ص 144.
(1/203)

المبحث الخامس
أشهر وزراء الخلفاء العباسيين والسلاجقة
أولاً: أشهر وزراء الخلفاء العباسيين:
1 - فخر الدولة بن جهير: هو محمد بن محمد بن جهير أبو النصر فخر الدولة، ولد بالموصل عام 398هـ وبها نشأ، عاش بداية حياته في هذه المدينة خالياً من المال والجاه فقيراً معدماً يكد لغرض نيل العيش الرغيد، واستمرت به الأحوال هكذا لحين اتصل بإمبراطور الروم عندما مضى برسالة إليه، فمن خلالها منحه الإمبراطور مبلغاً قدره عشرون ألف دينار، وبذلك تغير أمره من فقير معدم إلى ثري مالك (1)، وبعد ذلك اتصل الوزير فخر الدولة محمد بن جهير بصاحب ميارفارقين وديار بكر (2)، استوزره معز الدولة بن صالح بن مرداس، بعدها نال وزارة أحمد بن مروان بن دوستك الكردي (3)، وراسل الخليفة القائم بأمر الله فخر الدولة وتم تعيينه وزيرًا للخليفة القائم بأمر الله عام 454هـ بعدما عزل الوزير أبو الفتح منصور بن أحمد بن دارست (4)، ولم تدم حالة الاستقرار عند الوزير فخر الدولة لأنه واجه صراعًا حادًا وطلب الوزير نظام الملك من القائم بأمر الله عزله، فاستجاب الخليفة لطلبه (5)، وعلى أثر هذا الصراع قرر الوزير فخر الدولة بن جهير أن يترك بغداد ويتجه إلى الحلة ويستقر بها ليقوم بخدمة نور الدولة دبيس بن مزيد (6) وفعلاً مكث هناك مدة من الوقت (7). إلا أن الخليفة القائم بأمر الله بعد مدة من الوقت أخذ يطالب بفخر الدولة بن جهير ويطلب منه العودة إلى بغداد لاستلام الوزارة ثانية سنة 461هـ (8)
ولما ولي المقتدي بأمر الله الخلافة سنة 467هـ أقر فخر الدولة بن جهير على وزارته، بناء على وصية من الخليفة القائم بأمر الله (9)، وبعد أربع سنوات عزل فخر الدولة بن جهير من الوزارة للمرة الثانية تلبية لطلب الوزير السلجوقي نظام الملك الذي اتهمه بتدبير الفتنة التي قامت بين الحنابلة والشافعية ببغداد وقتل فيها جماعة من طلاب المدرسة النظامية (10). وعلى إثر ذلك
_________
(1) المختصر في أخبار البشر (2/ 181).
(2) الوزارة العباسية، ص 146.
(3) المصدر نفسه، ص 147.
(4) نظام الوزارة في الدولة العباسية، ص 146.
(5) دولة آل سلجوق، ص 55, الوزارة العباسية، ص 148.
(6) الوزارة العباسية، ص 148.
(7) النجوم الزاهرة (5/ 11).
(8) دولة آل سلجوق، ص 36.
(9) الكامل في التاريخ, نقلاً عن نظام الوزارة في الدولة العباسية، ص 146.
(10) وفيات الأعيان (5/ 128) , نظام الوزارة، ص 147.
(1/204)

لزم فخر الدولة داره، وخلفه ابنه عميد الدولة في وزارة الخليفة (1). وفي سنة 476هـ استدعى السلطان ملكشاه فخر الدولة، وعقد له على ديار بكر، وسيره على رأس جيش كبير لانتزاعها من بني مروان وسمح السلطان لفخر الدولة بأن يخطب لنفسه بها، وينقش اسمه على السكة فسار فخر الدولة إلى ديار بكر واستولى عليها (2). ويروى أن فخر الدولة عندما رأى احتلال دولة بني مروان اتصل بنظام الملك، ووصف له ما يوجد بديار بكر من ذخائر وأموال، وضمن له الاستيلاء عليها دون عناء، فتحدث نظام الملك مع السلطان ملكشاه في ذلك، فوافق على توجيه فخر الدولة للاستيلاء عليها (3). وانتهت حياة فخر الدولة بن جهير بوفاته سنة 483هـ، بمدينة الموصل (4).
2 - عميد الدولة بن جهير: وكان عميد الدولة أديباً فاضلاً بليغاً، سخياً وقائداً عسكرياً محنكاً قاد الجيوش لفتح الموصل، وكان من أعظم الوزراء وأبعدهم أثراً في سياسة الدولة وتدبيرها، فضلاً عن ذلك فقد عرف بحسن سفارته وأداء مهامه بنجاح، بحيث كسب ثقة الخلفاء وسلاطين السلاجقة، وتعد هذه الصفة من عوامل وصول عميد الدولة بن جهير إلى منصب الوزارة، ففي عام 462هـ أرسله الخليفة القائم بأمر الله إلى الري (5). وكان الهدف من سفارته هذه هو تحقيق اتفاقية مراسيم خطبة ابنة السلطان لولي العهد المقتدي بأمر الله (6)، ولما أثبت عميد الدولة بن جهير حسن سفارته وأداء مهمته بنجاح، زاد من استحسان ورضا الخليفة عليه، مما دفع إلى استوزاره وتكريمه بالخلعة (7)، كما نال الوزير عميد الدولة بن جهير إحسان ورضا السلطان السلجوقي، مما دفع بالسلطان إلى أن يأمر أتباعه بتقديم الهدايا الثمينة والخلع لعميد الدولة، ومن ثم توديعه بموكب فخم أثناء مروره في مدينة أصفهان (8)، كما نال عميد الدولة رضا الوزير السلجوقي نظام الملك أبي علي الحسن الطوسي، حيث زوجه ابنته زبيدة في هذه السفرة (9). بحيث أصبح هذا الزواج محل خير لعميد الدولة، حيث أعيد للوزارة بعد أن خلعه الخليفة العباسي (10)، ويذكر ابن
_________
(1) الكامل في التاريخ, نقلاً عن نظام الوزارة، ص 147.
(2) وفيات الأعيان (5/ 128) , نظام الوزارة في الدولة العباسية، ص 147.
(3) نظام الوزارة في الدولة العباسية، ص 147.
(4) المنتظم (9/ 54) , نظام الوزارة في الدولة العباسية، ص 147.
(5) الوزارة العباسية، ص 152.
(6) دولة آل سلجوق، ص 45، 46, الوزارة العباسية، ص 152.
(7) خلفاء بني العباس ووزراؤهم في العهد السلجوقي، ص 121.
(8) دولة آل سلجوق، ص 45، 46.
(9) البداية والنهاية, نقلاً عن الوزارة العباسية، ص 153.
(10) المنتظم (9/ 6) , دولة آل سلجوق ص37.
(1/205)

الجوزي أن الخليفة القائم بأمر الله كان معجباً بابن جهير، فقد خاطب المقتدي بقوله: يا بني قد استوزت ابن المسلمة وابن دارست وغيرهما فما رأيته مثل ابن جهير (1).
بقي عميد الدولة وزيراً للخليفة المقتدي بأمر الله حتى عام 476هـ ثم عزل، وخلفه أبو شجاع الروذراوري، فخرج عميد الدولة مع والده وأسرته من بغداد، وساروا إلى الري، حيث عقد لأبيه فخر الدولة على ديار بكر (2). أما هو فقد سيره السلطان ملكشاه على رأس جيش كبير لفتح الموصل، ونجح عميد الدولة في إعادة الموصل إلى حظيرة الدولة السلجوقية بدون قتال (3). وفي سنة 484هـ ولي عميد الدولة ابن جهير الوزارة للمرة الثانية بوساطة الوزير نظام الملك، ويروى أن هذا الوزير وكبار أمراء السلاجقة ساروا إلى عميد الدولة، وهنأوه بالوزارة (4). ولما تولى المستظهر بالله الخلافة في سنة 487هـ، أقر عميد الدولة في الوزارة، وفوضه في تدبير أمور دولته (5)، فظل يلي وزارته حتى عام 493هـ، ثم قبض عليه الخليفة، وسجنه فتوفي في محبسه (6). وكان عزل هذا الوزير بتدبير من الوزير السلجوقي مؤيد الملك بن نظام الملك (7). كان عميد الدولة بن جهير من أكفأ وزراء الخلافة العباسية في العهد السلجوقي، ويصفه المؤرخون بأنه كان حسن التدبير، كافياً في المهمات، كثير الصدقات واسع المعروف، خاصة على العلماء (8)، ويذكر ابن خلكان أن الوزير نظام الملك كان معجباً بعميد الدولة، وكان يستشيره في أهم أمور الدولة، ويقدمه على أكفأ الموظفين في الإدارة السلجوقية (9).كما كان هذا الوزير من المهتمين بالأدب والحديث والفقه، ودرس مختلف أنواع العلوم (10).
3 - الوزير أبو شجاع محمد بن الحسين الروذراوري: هو الوزير ظهير الدين أبو شجاع محمد بن الحسين بن عبد الله بن إبراهيم من أهالي روذراور, ولد سنة 437هـ، يقول ابن الجوزي إن الوزير أبا شجاع يعود أصله إلى بلدة روذراور من نواحي همذان، أحوازي المولد (11). ولي أبو شجاع الوزارة للمرة الأولى في سنة 471هـ، خلفاً للوزير فخر الدولة
_________
(1) المنتظم (9/ 181) , الوزارة العباسية، ص 153.
(2) تاريخ الفارقي، ص 208, نظام الوزارة العباسية، ص 151.
(3) الكامل في التاريخ نقلاً عن نظام الوزارة العباسية، ص 151.
(4) المنتظم (9/ 57) , دولة آل سلجوق، ص 73.
(5) المنتظم (9/ 58) , نظام الوزارة، ص 151.
(6) وفيات الأعيان (5/ 132) , نظام الوزارة، ص 151.
(7) نظام الوزارة، ص 151.
(8) المنتظم (9/ 118).
(9) وفيات الأعيان (5/ 131) , نظام الوزارة، ص 152.
(10) نظام الوزارة، ص 152.
(11) المنتظم (9/ 90) , الوزارة العباسية، ص 156.
(1/206)

بن جهير ثم عزل في السنة التالية بعد أن أصلح بنو جهير حالهم مع الوزير نظام الملك. ولما عاد بنو جهير إلى الوزارة بعث السلطان ملكشاه إلى الخليفة يطلب إخراج أبي شجاع من بغداد، فسير الخليفة أبا شجاع إلى أصبهان، ومعه رسول يحمل رسالة بخط الخليفة لنظام الملك ذكر فيها الخليفة منزلة أبي شجاع لديه وفضله ودينه، وطلب من نظام الملك عدم الاستماع لأعداء أبي شجاع. ولما اطلع نظام الملك على رسالة الخليفة، أعاد أبا شجاع إلى بغداد (1) ويبدو أن طلب إبعاد أبي شجاع من بغداد كان بتدبير بني جهير، خوفاً من منافسته لهم بالوزارة، خاصة أنه كان يتمتع بتقدير واحترام الخليفة، وقد صدق حدس بني جهير فقد عُزل عميد الدولة سنة 476هـ، وخلفه أبو شجاع في الوزارة (2). كان الوزير أبو شجاع رجلاً ديناً خيراً كثير البر والصدقات (3)، نجح في ضبط أمور الدولة أثناء وزارته وحفظ للخلافة هيبتها واحترامها (4). وكان شديداً في تطبيق قوانين الشرع (5)،
ولم يترك فرصة للموظفين والعمال لاستغلال وظائفهم والاعتداء على أموال الناس (6)، فعم الأمن، وزاد الرخاء، وانخفضت الأسعار (7). وكان -رحمه الله- يملك ثروة هائلة بلغت حوالي ستمائة ألف دينار أنفقها على الفقراء والضعفاء والمحتاجين (8)، يقول أبو جعفر الخرقي: كنت أنا من أحد عشر يتولون إخراج صدقاته، فحسبت ما خرج على يدي فكان مائة ألف دينار، ووقف الوقوف وبنى المساجد وأكثر الإنعام على الأرامل (9). وكان هذا الوزير محبوباً محترماً يؤيده أكثر العامة (10). ويصف ابن خلكان حالة الخلافة في عهده، فيقول نقلاً عن ابن الهمذاني: كانت أيامه (أبو شجاع) أوفى الأيام سعادة للدولتين (11)، وبركة على الرعية، وأعمها أمناً، وأشملها رخصاً، وأكملها صحة، لم يغارها (12) بؤس ولم تشبها (13) مخافة، وقامت للخلافة في نظره من الحشمة والاحترام ما أعادت سالف الأيام (14)، وظل أبو شجاع يلي وزارة الخليفة المقتدي بأمر الله حتى عام 484هـ ثم عزل منها وجاء أمر العزل وهو في الديوان،
_________
(1) طبقات الشافعية (4/ 137) , نظام الوزارة، ص 148.
(2) المنتظم (9/ 6) , نظام الوزارة، ص 148.
(3) البداية والنهاية نقلاً عن نظام الوزارة، ص 148.
(4) وفيات الأعيان (5/ 135, 136) , نظام الوزارة، ص 148.
(5) نظام الوزارة في الدولة العباسيّة، ص 148.
(6) طبقات الشافعية (4/ 138) ..
(7) وفيات الأعيان (5/ 135، 136) , نظام الوزارة، ص 148.
(8) الوزارة العباسية، ص 157.
(9) المنتظم (9/ 90، 91).
(10) الوزارة العباسية، ص 158.
(11) يقصد بالدولتين: الخلافة العباسية والدولة السلجوقية.
(12) يغارها: أي يصيبها.
(13) تشبها: أي تخالطها.
(14) وفيات الأعيان (5/ 135، 136).
(1/207)

فانصرف وهو ينشد:
تولاها وليس له عدو ... وفارقها وليس له صديق (1)
ويذكر بعض المؤرخين عدة أسباب لعزل الوزير أبي شجاع، منها أنه كان يعارض طلبات رجال الديوان والجيش التي تتنافى مع الشرع (2). ومنها أنه كان شديداً على أهل الذمة، وقد ألزمهم بلبس الغبار (3). ولما عزل أبو شجاع من الوزارة خرج إلى الجامع ماشياً، ومعه جماعة من العلماء والزهاد (4)، فالتف الناس حوله يصافحونه، ويدعون له، فقيل للخليفة إن أبا شجاع أراد بهذا التشنيع عليه، فصدر أمر الخليفة بأن يلزم أبو شجاع داره، ولا يخرج منها، فبنى أبو شجاع في دهليز داره مسجداً يصلي فيه، وردت أوامر الوزير نظام الملك، بإخراج أبي شجاع من بغداد إلى بلده روذراور، فسار إليها، وأقام بها مدة (5)، ثم توجه منها إلى الحج (6)، قال عنه ابن كثير: كان من خيار الوزراء كثير الصدقات والإحسان إلى العلماء والفقهاء وسمع الحديث من الشيخ أبي إسحاق الشيرازي وغيره وصنف كُتباً .. ووقف الوقوف الحسنة وأكثر الإنعام على الأرامل والأيتام قال له رجل: إلى جانبنا أرملة لها أربعة أيتام وهم عراة وجياع، فبعث إليهم مع رجل من خاصته نفقة وكسوة وطعاماً، ونزع عنه ثيابه في البرد الشديد، وقال: والله لا ألبسها حتى ترجع إليَّ بخبرهم، فذهب الرجل مسرعاً فقضى حاجتهم وأوصلهم ذلك الإحسان، ثم عاد والوزير يركض من البرد فلما أخبره عنهم بما سره لبس ثيابه.
وجيء إليه مرةً بقطائف سكر، فلما وضعت بين يديه تنغص عليه بمن لا يقدر عليها، فأرسلها كلها إلى المساجد وكانت كثيرة جدّاً، فأطعمها الفقراء والعميان وكان لا يجلس في الديوان إلا وعنده الفقهاء فإذا وقع له أمر مشكل سألهم عنه فحكم بما يفتونه, وكان كثير التواضع مع الناس، خاصتِهم وعامَّتِهم، ثم عزل عن الوزارة فسار إلى الحج وجاور المدينة (7). قال عنه الذهبي: وكان كثير التلاوة والتهجد، ويكتب مصاحف، ويجلس للمظالم، فيغتص الديوان بالسادة والكبراء ويُنادي الحُجّاب: أين أصحاب الحوائج؟ فيُنصف المظلوم، ويؤدَّي عن المحبوس، وله في عدله حكايات في إنصاف الضعيف من الأمير، وخلعت عليه بنت السلطان ملكشاه حين تزوَّجت بالمقتدي، فاستعفى من لبس
_________
(1) وفيات الأعيان (5/ 135)، سير أعلام النبلاء (19/ 30).
(2) نظام الوزارة، ص 149, المنتظم (9/ 56).
(3) نظام الوزارة، ص 149, المنتظم (9/ 56).
(4) المنتظم (9/ 569) , نظام الوزارة، ص 149.
(5) دولة آل سلجوق، ص 73، نظام الوزارة، ص 150.
(6) نظام الوزارة، ص 150.
(7) البداية والنهاية (16/ 151).
(1/208)

الحرير، فنفَّذت له عمامة ودبيقيَّة (1)، بمائتين وسبعين دينار فلبسها ... وكان كاملاً في فنون، وله يد بيضاء في البلاغة والبيان وكتابته طبقة عالية على طريقة ابن مُقلة (2)، وزر سبع سنين وسبعة أشهر ثم عزل بأمر السلطان ملكشاه للخليفة لموجدة (3). ثم قال الذهبي: ثم حج بعد موت النظام والسلطان والخليفة ونزل المدينة وتزهد. ومات بها ودفن بالبقيع سنة 488هـ عن إحدى وخمسين سنة (4). ونلاحظ من حديثنا عن الوزراء أن أهل الخير والصلاح والعدل هم الذين أثروا في الناس وبقي ذكرهم في المحافل وثناء الخلق عليهم، وما عند الله خير وأبقى، كما أن من الدروس المستفادة تغير الزمان ودوام الحال من المحال فعلى العاقل ألا يركن إلى الدنيا ويبني آماله عليها وعليه أن يحتسب في عماله ويتقي الله ما استطاع.
4 - الوزير الحسن بن علي بن صدقة: نال الوزير جلال الدين أبوالرضا محمد بن أحمد بن صدقة وزارة الخليفة المسترشد بالله عام 513هـ وعزل عنها في سنة 516هـ. ويبدو أنه كان لهذا الوزير دور كبير في صد الغارات التي كان يشنها والي الحلة دبيس بن صدقة على بغداد، فلما تقرر الصلح بين هذا الوالي وبين الخليفة المسترشد بالله، اشترط دبيس على الخليفة أن يعزل وزيره ابن صدقة مقابل عودته إلى طاعة الخلافة فاستجاب له الخليفة، وعزل هذا الوزير (5)، ويذكر ابن طباطبا أن عزل جلال الدين بن صدقة، كان تحقيقاً لرغبة الوزير السلجوقي عثمان بن نظام الملك (6)، الذي كان يرغب في تولية أخيه أحمد الوزارة للخليفة المسترشد بالله، فولي أحمد بن نظام الملك وزارة الخليفة فعلاً بطلب من السلطان السلجوقي ووزيره (7)، ولم يكتف الوزير السلجوقي بذلك، بل طلب من الخليفة أن يخرج جلال الدين بن صدقة من بغداد حتى تخلو الوزارة لأخيه, فلم يجد الخليفة بداً من إخراج وزيره المعزول من حاضره الخلافة (8). ولما عزل السلطان محمود وزيره عثمان بن نظام الملك في سنة 517هـ، بادر الخليفة إلى عزل أخيه أحمد بن نظام الملك، وكتب إلى جلال الدين بن صدقة يستدعيه للعودة إلى الوزارة (9) قائلاً: أجب يا جلال الدين داعي التوفيق مع من حضر من الأصحاب لتعود في هذه الساعة إلى مستقر عزك مكرماً (10)، وهذا يدل على أن الخليفة
_________
(1) سيرأعلام النبلاء (19/ 29). والدبيقية نوع من الثياب ينتسب إلى دبيق, وهي بلدة بين الفرما وتنيس.
(2) ابن مقلة الوزير الكاتب المشهور يضرب بحسن خطه المثل. توفي سنة 316هـ.
(3) سير أعلام النبلاء (19/ 30).
(4) سير أعلام النبلاء (19/ 30).
(5) المنتظم (9/ 233) , نظام الوزارة، ص 154.
(6) الفخري، ص 221، نظام الوزارة، ص 155.
(7) المنتظم (9/ 234) , نظام الوزارة، ص 155.
(8) المنتظم (9/ 234) , نظام الوزارة، ص 155.
(9) المنتظم (9/ 245، 246).
(10) المصدر نفسه (9/ 246) , نظام الوزارة، ص 155.
(1/209)

المسترشد بالله كان مكرها على عزل ابن صدقة من وزارته في السنة السابقة (1)،
وظل جلال الدين بن صدقة يلي وزارة الخليفة المسترشد بالله حتى توفي سنة 552هـ وقد قام بدور مهم في مناهضة النفوذ السلجوقي في العراق، فقاد جيشًا لمحاربة السلطان طغرل في سنة 519هـ الذي قصد بغداد وأرغمه على العودة (2)، فلما تولى السلطان محمود السلطنة، حذره السلطان سنجر من الوزير ابن صدقة، ونصحه بالقبض عليه إذا أراد أن يستقر له الحكم (3)، ولما عزم السلطان سنجر على المسير إلى بغداد، وقف الوزير ابن صدقة في وجهه، وكتب إليه يمنعه من القدوم إليها، ويهدده بالحرب إن فعل ذلك (4). ولما مرض هذا الوزير سنة 522هـ عاده الخليفة المسترشد بالله في بيته لما كان له من منزلة رفيعة لديه، وتوفي في العام نفسه (5).
5 - الوزير شرف الدين علي بن طراد الزينبي: أبو القاسم, وكان نقيب النقباء في أيام الخليفة المستظهر بالله وهو أول هاشمي يلي الوزارة لخلفاء بني العباس (6)، كانت له مكانة مرموقة ومنزلة عظيمة، وهو من أصل له حسب ونسب عظيم (7)، وقد امتاز هذا الوزير بصفات حميدة جعلته يتصدر وظائف الدولة المهمة، فقد امتاز بحسن تدبيره للأمور، وكان داهية، شجاعاً، مهيباً (8)، فضلاً عن ذلك كان عالماً محبًا لأهل العلم يقرأ القرآن والحديث، وكان مجلسه عامراً بالفقهاء، ويخلو بنفسه للعبادة (9)، وكان حنفي المذهب بارعاً به (10)، وقد كسب ود الخليفة العباسي المسترشد بالله، فتقرب منه، وبعد وفاة الوزير علي بن صدقة سنة522هـ، ناب على بن طراد الوزارة من بعده ثم بعد مدة قصيرة ولاه الخليفة المسترشد بالله الوزارة (11)، وعندما جلس الوزير في دست الوزارة قال له الخليفة المسترشد بالله: كل من ردت إليه الوزارة شرف بها إلا أنت فإن الوزارة شرفت بك (12)، وبعد مقتل الخليفة المسترشد السلجوقي وتولية الخلافة لأبي عبد الله بن المستظهر بالله، الذي بويع بالخلافة سنة 530هـ وتلقب بالمقتفي لأمر الله استوزر شرف الدين بن طراد الزينبي، فتمتع بسلطة واسعة في وزارته حتى إن الخليفة كان لا يستطيع أن يبت في أمر من أمور الخلافة إلا بمشورته، وبلغ من نفوذه أنه عندما عين الخليفة بعض الموظفين والعمال سنة 534هـ دون أخذ رأيه، استاء
_________
(1) نظام الوزارة في الدولة العباسية، ص 155.
(2) نظام الوزارة في الدولة العباسية، ص 155.
(3) المنتظم (9/ 254،255) , نظام الوزارة، ص 155.
(4) الفخر بن طباطبا، ص 222، نظام الوزارة، ص 156.
(5) نظام الوزارة، ص 156.
(6) الفخر بن طباطبا، ص 222، نظام الوزارة، ص 156.
(7) الكامل في التاريخ, نقلاً عن نظام الوزارة، ص 156.
(8) ذيل تاريخ دمشق، ص 224.
(9) الوزارة العباسية، ص 162.
(10) الوزارة العباسية، ص 162.
(11) المنتظم (10/ 9) , الوزارة العباسية، ص 162.
(12) الوزارة العباسية، ص 163.
(1/210)

الوزير من ذلك، وانقطع عن العمل حتى صالحه الخليفة (1).
ولما ازداد تدخل هذا الوزير في شئون الخليفة لم يستطيع الخليفة عزله بل لجأ إلى السلطان السلجوقي مسعود يشكو له من تصرفاته، فأصدر السلطان أمراً بعزل الوزير الزينبي من الوزارة (2)، كان شرف الدين الزينبي فقيها بارعاً في مذهب الإمام أبي حنيفة، وكان يتمتع بمنزلة رفيعة لدى الناس (3). هذا فضلاً عما كان يتصف به من حلم وكرم مع معرفة واسعة بقوانين الوزارة ومتطلباتها (4)، بقي شرف الدين الزينبي بعد عزله ملازماً داره حتى توفي 538هـ (5) وكان عمره ستًا وسبعين سنة (6)، وقد نسب لهذا الوزير العباسي تعاونه مع الأتراك في عزل الراشد وعد هذا العامل مع عوامل أخرى دفعت بالخليفة العباسي المقتفي لأمر الله إلى عزله وبهذه المناسبة قال الخليفة المقتفي لأمر الله: إذا فعلوا هذا مع غيري فهم يفعلونه معي (7).
6 - الوزير عون الدين بن هبيرة: تدرج عون الدين يحيى بن هبيرة في المناصب الإدارية، حيث شغل أولاً منصب كاتب ديوان الزمام ببغداد عام 542هـ، وفي سنة 544هـ نال وزارة الخليفة المقتفي لأمر الله (8)، ونتيجة لمكانته المرموقة لدى الخليفة العباسي المقتفي لأمر الله لقبه، عون الدين (9)، كما وزر للخليفة العباسي المستنجد بالله (10). وقد اشتهر الوزير يحيى بن هبيرة باطلاعه الواسع على علوم الفقه والحديث, وكان عالماً بأمور النحو، بليغاً في كتاباته (11). شجع العلم والمعرفة من خلال مساهمته ببناء المدرسة في باب البصرة عام 557هـ، وعندما توفي الوزير ابن هبيرة دفن جثمانه في هذه المدرسة، ولشدة تمسكه بمبادئ الدين الإسلامي، رفض لبس الحرير, وكان عادلاً، يخصص جزءًا من وقته للنظر في المظالم ونصرة المظلوم (12). فضلاً عن ذلك فقد عرف عنه سداد الرأي وحسن التدبير (13)، وقد أورد المؤرخون عدة أسباب لتولي ابن هبيرة الوزارة، منها أن الخليفة أمر ابن هبيرة - وكان يتولى ديوان الزمام - أن يكتب للسلطان
_________
(1) المنتظم (10/ 85) نظام الوزارة، ص 158.
(2) المنتظم (10/ 85) نظام الوزارة، ص 158.
(3) النجوم الزاهرة (5/ 274).
(4) نظام الوزارة في الدولة العباسية، ص 158.
(5) نظام الوزارة في الدولة العباسية، ص 158.
(6) البداية والنهاية (16/ 334).
(7) النجوم الزاهرة (5/ 260) , الوزارة العباسية، ص 164.
(8) الوزارة العباسية، ص 166, تاريخ ابن الوردي (2/ 49).
(9) الأنباء في تاريخ الخلفاء، ص 225.
(10) دولة آل سلجوق، ص 205.
(11) الأنباء في تاريخ الخلفاء، ص 225.
(12) النبراس في تاريخ خلفاء بني العباس، ص 157.
(13) النبراس في تاريخ خلفاء بني العباس، ص 157.
(1/211)

السلجوقي، فكتب ابن هبيرة رسالة طويلة للسلطان السلجوقي ذكر فيها ما عرف عن سلاطين السلاجقة من حسن الطاعة، والتأدب مع الخلفاء, والحرص على الذب عنهم ممن يحاول النيل منهم، وأشار إلى شكوى الخليفة من الشحنة. فكان لرسالته أبلغ الأثر في نفس السلطان فكتب للخليفة يعتذر ويستنكر ما فعله الشُحنة، كما أوقف الشُحنة عند حده. فسرَّ الخليفة من ابن هبيرة، وزاد تقديره له، فولاه وزارته (1)،
ومن المرجح أن السبب في إسناد الوزارة إليه يرجع إلى مشورته على الخليفة المقتفي لأمر الله بألا يؤدي أي مبلغ من المال لمحمد شاه بن السلطان محمود، مقابل رفع حصاره عن بغداد، لأن هذا سيكون حافزاً للسلاجقة للمطالبة بالمزيد، وأشار بصرف المبلغ المطلوب، وقدره ثلاثون ألف دينار في إعداد جيش للخلافة من الترك والأكراد وأهل بغداد وأعمال العراق لصد قوات محمد شاه، فقبل الخليفة رأي ابن هبيرة، وفوضه في إعداد هذا الجيش، فلم تمض أيام قليلة حتى اجتمع عسكر كثير فخرج به ابن هبيرة لقتال محمد شاه وأصحابه، فهزمهم، فلما أيقن الخليفة بحسن رأي ابن هبيرة استدعاه وولاه الوزارة سنة 544هـ (2) وظل ابن هبيرة وزيراً للمقتفي لأمر الله، حتى توفي هذا الخليفة سنة 555هـ وخلفه المستنجد بالله، فأقر ابن هبيرة في الوزارة. ويذكر ابن كثير أن الخليفة المستنجد بالله، وعد ابن هبيرة بأن يظل محتفظاً بمنصبه حتى وفاته (3)، وقد قام الوزير بدور كبير في تخليص الخلافة العباسية من النفوذ السلجوقي واستعادة سلطة الخلفاء العباسيين في الدولة، وقد استطاع بمساعدة الجيش الذي أعده تخليص العراق وجميع أعماله من سيطرة السلاجقة (4). ويصف المؤرخون ابن هبيرة بأنه كان عالماً فاضلاً، ذا رأي صائب، يقرب أهل العلم من الفقهاء والمحدثين والأدباء، ويبالغ في إكرامهم (5)، وكان ينفق عليهم وعلى الفقراء كل ما يدخل عليه من مال، حتى قيل إنه لم تجب عليه زكاة قط (6).
وقد لاحظنا أن حركة النهوض التي قام بها نور الدين محمود ونجاحه في حرب الصليبيين من أسباب خروج مؤسسة الخلافة والوزارة من الركود والضعف إلى النشاط والحيوية والقوة، ودعمها المعنوي والمادي لنشاطات نورالدين الجهادية وكذلك صلاح الدين، كما سيأتي بيانه بإذن الله تعالى. توفي الوزير ابن هبيرة سنة 560هـ، وكان يوم وفاته يوماً
_________
(1) وفيات الأعيان (6/ 231، 232) , نظام الوزارة، ص 160.
(2) أخبار الدول المنقطعة، ص 162، دولة آل سلجوق، ص 202، 203.
(3) البداية والنهاية, نقلاً عن نظام الوزارة، ص 161.
(4) نظام الوزارة، ص 161.
(5) وفيات الأعيان (6/ 333).
(6) ذيل طبقات الحنابلة (1/ 256) , المنتظم (10/ 215).
(1/212)

مشهوداً، فحضر جنازته خلق كثير، وأغلقت الأسواق، ودفن في المدرسة التي بناها بباب البصرة (1)، وأيد سنة وفاته ابن الجوزي, وقال: عندما غسل الوزير ابن هبيرة رأيت في وقت غسله آثاراً بوجهه وجسده تدل على أنه مسموم (2).

ثانياً: من وزراء سلاطين دولة السلاجقة:
تحدثت فيما مضى من الصفحات عن الوزير عميد الملك الكندري ونظام الملك الطوسي كل في محله, ولذلك لا داعي للإعادة هنا وإنما نتحدث عن بعض الوزراء الآخرين منهم:
1 - الوزير نصير الدين أبو المحاسن سعد الآبي: سعد الملك سعد بن محمد الآبي, كان يعمل في أول الأمر مع الوزير تاج الملك أبي الغنائم، ثم ولي ديوان الاستيفاء في وزارة مؤيد الملك بن نظام الملك، وولي الوزارة إثر ذلك للسلطان محمد بن ملكشاه (3). يعد هذا الوزير من أكفأ وزراء سلاطين السلاجقة، ومن أكثرهم نزاهة وإخلاصاً، وفهماً للأعمال الإدارية (4) وقد لعب دوراً بارزاً في نزاع السلطان محمد مع أخيه السلطان بركيارق، ونجح في جمع العساكر حول السلطان محمد (5)، فحفظ له السلطان تلك الخدمة، وزاد في إقطاعه، وفوضه في تدبير دولته (6)، كذلك نجح الوزير سعد الملك في قيادة عدة حملات ضد الباطنية، وفتح بحسن تدبيره، قلعتين من قلاعهم الحصينة، وهما: قلعة «شاهدز» (7)، وقلعة «خان لنجان» بالقرب من أصفهان (8)، أثار النفوذ الكبير الذي تمتع به الوزير سعد الملك حقد كبار موظفي الدولة عليه، فعملوا على عزله من الوزارة، وكان حاكم أصفهان من قبل السلطان محمد -ويدعى عبد الله الخطيبي- على رأس أعداء هذا الوزير، بسبب عزمه على عزله من منصبه لعدم كفايته، فخشي الخطيبي أن يحرم من عمله، فاتهم الوزير بالميل إلى مذهب الباطنية، وساعده في ذلك بعض خواص السلطان، فقبض السلطان على وزيره، وكان لدى الوزير سعد الملك ما يثبت اتصال الخطيبي بزعيم الباطنية، ومع ذلك لم ينج من القتل (9).
_________
(1) البداية والنهاية, نقلاً عن نظام الوزارة، ص 161.
(2) المنتظم (10/ 217).
(3) الكامل في التاريخ, نقلاً عن نظام الوزارة، ص 152.
(4) أخبارالدولة السلجوقية، ص 83.
(5) دولة آل سلجوق، ص 83، نظام الوزارة، ص 152.
(6) الكامل في التاريخ, نقلاً عن نظام الوزارة، ص 152.
(7) شاهدز: قلعة حصينة على جبل أصفهان، كان يتحصن زعيم الباطنية بها.
(8) دولة آل سلجوق، ص 83، 84, نظام الوزارة، ص 152.
(9) دولة آل سلجوق 84، 85، نظام الوزارة، ص 153.
(1/213)

ويروى أن السبب في قتله يرجع إلى اتهام السلطان محمد له بتدبير مؤامرة ضده، باتفاق مع أخيه السلطان سنجر (1).
2 - الوزير كمال الملك السميرمي: تمتع الوزير كمال الملك بنفوذ واسع في الدولة أثناء وزارته وذلك لكفايته وحزمه وحسن إدارته، ولعلمه، فله مؤلفات في الفارسية منها: رياض ناضرة المناظرين. وضع فيه قوانين الوزارة وقواعدها (2). عمل في أول الأمر ضمن موظفي كاتب كهرخاتون زوجة السلطان محمد بن ملكشاه ثم ناب عنه في كتابتها، واستطاع أن ينظم ديوانها من حيث المرتبات وعدد الوظائف، فارتاحت كهرخاتون له، وولته كتابتها، ثم توسطت له لدى السلطان فولاه ديوان «أشراف المملكة» فارتفعت منزلته بذلك (3)، ولما توفي ربيب الدولة بن أبي شجاع، وزير السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه في سنة 512هـ، ولي كمال الملك الوزارة خلفاً له (4) وكانت الحرب في تلك الأثناء قائمة بين السلطان محمود وعمه سنجر بن ملكشاه، فعمل كمال الملك على إزالة الخلاف بينهما وقال للسلطان محمود: هذا عمك وهو في مقام والدك والكبير في البيت، والرأي موافقته (5). وتعهد بالإصلاح بينهما فوافق السلطان محمود، وسار كمال الملك إلى السلطان سنجر، وأقنعه بقبول الصلح وإنهاء الحرب، فاستجاب له السلطان سنجر، وبالتالي اجتمع السلطان سنجر بابن أخيه محمود، وتم الصلح بينهما, ثم عاد السلطان سنجر بجيشه إلى خراسان (6). وقد قتل الوزير كمال الملك السميرمي في سنة 515هـ، وكان آنذاك مع السلطان محمود ببغداد، حيث وثب عليه جماعة من الباطنية وقتلوه (7).
ويروى أن هذا الوزير قتل بيد أحد غلمان الوزير السلجوقي مؤيد الدين الطغرائي (8) وكان كمال الملك قد اتهم هذا الوزير بالإلحاد، فقتل نتيجة لذلك، مما أثارحقد غلمانه على كمال الملك، فعزموا على قتله انتقاماً لسيدهم، وتم لهم ذلك سنة 515هـ (9).
3 - الوزير كمال الدين محمد بن الحسين الخازن: كان من أفضل من ولي الوزارة
_________
(1) النجوم الزاهرة (5/ 194).
(2) الوزارة العباسية، ص 82، دولة آل سلجوق، ص 124.
(3) دولة آل سلجوق، ص 84 , 85.
(4) المصدر نفسه، ص 115.
(5) أخبار الدولة السلجوقية، ص 88, نظام الوزارة، ص 153.
(6) أخبار الدولة السلجوقية، ص 88 , 89.
(7) المنتظم (9/ 240) , دولة آل سلجوق، ص 123.
(8) نظام الوزارة، ص 154.
(9) وفيات الأعيان (2/ 189).
(1/214)

لسلاطين السلاجقة سيرة وتدبيراً, ولي الوزارة سنة 533هـ، للسلطان مسعود، فأخذ يعمل على إصلاح أوضاع الدولة، وإقرار العدل، وإزالة الظلم (1)، ونجح في ذلك, يقول البنداري عنه: وأحيا معالم للملك قد دثرت، ونظم عقوداً للمصالح انتثرت، وابتدأ بكسر الجبارين، وجبر المنكسرين (2) كان مما ساعد هذا الوزير على القيام بكثير من الإصلاحات أثناء وزارته شجاعته وجرأته في تنفيذ الأحكام، فضلاً عن عدله (3). ويذكر ابن الجوزي أن الوزير كمال الدين الخازن لما ألغى الضرائب والمكوس التي كانت تثقل كاهل الرعية، دخل عليه رجلان يعرضان عليه أن يدفعا له مائة ألف دينار مقابل أن يفوضهما في استخلاص الضرائب والمكوس الملغاة، فرفع أمرهما إلى السلطان، وشهر بهما في البلد مسودي الوجوه، ثم أودعهما السجن (4)، ونجح الوزير كمال الدين في ضبط وإصلاح الحالة المالية للدولة السلجوقية، فانتظم دخل الدولة، وصارت الأموال تحمل إلى خزانة السلطان بانتظام من أماكن معينة (5). واستطاع بذكائه كشف المساوئ المالية التي كانت تتم دون علم السلطان (6) ومنع الأمراء من التدخل في إدارة الدولة، وقرر للجيش ما يحتاج إليه من نفقات (7)،
أثار إخلاص هذا الوزير حفيظة الأمراء وكبار الموظفين الذين حد من نفوذهم، فأخذوا يتآمرون للتخلص منه قبل أن يستفحل نفوذه فاتصلوا بالأتابك قرا سنقر حاكم أذربيجان، وأقنعوه بأن الوزير أثار السلطان مسعود عليه، فأنفذ قراسنقر إلى السلطان مسعود يطلب منه التخلص من وزيره، ويهدده بالخروج عن طاعته إذا لم يتم ذلك، فأشار الموظفون الحاقدون على الوزير على السلطان بقتله تلافياً للفتنة، فاستمع لمشورتهم (8).
* * *
_________
(1) المنتظم (10/ 78) , دولة آل سلجوق، ص 170.
(2) نظام الوزارة، ص 159.
(3) الكامل في التاريخ, نقلاً عن نظام الوزارة، ص 159.
(4) المنتظم (11/ 79).
(5) دولة آل سلجوق، ص 170, نظام الوزارة، ص 159.
(6) الكامل في التاريخ, نقلاً عن نظام الوزارة، ص 159.
(7) الكامل في التاريخ, نقلاً عن نظام الوزارة، ص 159.
(8) راحة الصدور، ص 333، نظام الوزارة، ص 159.
(1/215)

الفصل الثالث
النظم الحربية عند السلاجقة
المبحث الأول
أسس الإدارة العسكرية السلجوقية
يعتبر الوزير السلجوقي الشهير نظام الملك الرأس المدبر لتطوير وتدعيم البنية الإدارية في مختلف المجالات، فقد ضمَّن كتابه «سياست نامه» الكثير من هذه النظم التي قام عليها بناء الإدارة العسكرية عند السلاجقة (1)، وقد أثر فكره الإداري على قادة عصره ومن جاء بعده حتى نهاية القرن الخامس الهجري، حتى عده ريجارد كوك أعظم إداري أنجبته آسيا كلها (2)،
وقد تأثرت الدولة الزنكية والأيوبية ودولة المماليك - فيما بعد- بالنظم الحربية عند السلاجقة، والأسس الإدارية، والمدارس النظامية التي سيأتي الحديث عنها لاحقاً، وهذا يعطى مفاهيم عميقة في النهوض الحضاري للأمة، بأن التأثير في الأجيال يحتاج إلى عقود من الزمن، حتى تجني الأمة ثمارًا يانعة للجهود التي يبذلها قادتها العسكريون والسياسيون والإداريون والمفكرون والعلماء، وقد أراد الساسة السلاجقة أن تسير الإدارة العسكرية السلجوقية، على أسس واضحة, فقد تطلع نظام الملك إلى تثبيت تقسيمات الوظائف الإدارية مدنية كانت أو عسكرية وحذّر من تعدد وتداخل الألقاب بين المدنيين والعسكريين؛ ولذلك تعد وفاته حداً فاصلاً لسيطرة المدنيين على المناصب الإدارية في الدولة، وبداية لتأثير العسكريين في هذه المناصب إضافة إلى مناصبهم العسكرية، فأصبح نفوذهم كبيراً في جميع أنحاء الدولة السلجوقية مما مكنهم من توجيه الأحداث والتدخل المباشر في الصراعات بين سلاطين السلاجقة وتحديد نتائجها (3)، ومن أهم الأسس التي قامت عليها الإدارة العسكرية السلجوقية:

أولاً: مقومات الفكر العسكري السلجوقي:
كان لدى السلاجقة فكرهم العسكري الخاص بهم والذي ميزهم عن غيرهم وأسهم
_________
(1) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 45 للدكتور نائف بن حمود أبو قريحة. وهذا الكتاب مرجعي الرئيسي في هذا الفصل, فجل ما فيه مختصر منه، وأصل هذا الكتاب رسالة دكتوراه، اختصر لنا بها الباحث جهودًا ضخمة، فأشرت إلى ذلك للأمانة العلمية، وفضل الله واسع لي وله ولمن شارك في هذا الجهد.
(2) بغداد مدينة السلام (1/ 157).
(3) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 46.
(1/216)

في بروزهم على مسرح الأحداث قوة عسكرية ضاربة سيطرت على مناطق واسعة بقضائها على كثير من القوى التي اصطدمت بها، فقد وصف الراوندي السلاجقة بأنهم: كانوا أناساً يمتازون بالتقوى والدين واليقظة وعدم الإهمال (1)، كما وصفهم الحسيني بأنهم: أقوام نفوسهم ربطت بآداب الوغى (2) فكانت انتصاراتهم ونجاحاتهم التي حققوها في معاركهم نتيجة مقومات وأسس اتخذها السلاجقة ركائز لفكرهم العسكري, وهذا الأمر من سنن الله التي حث الرسول - صلى الله عليه وسلم - المؤمنين على الأخذ بها, فمن أخذ بالأسباب وأحسن التعامل معها بأكبر قدر ممكن وصدق في توكله على الله فإن الله ينصره ويوفقه. ومن أهمها:
1 - التنشئة العسكرية للأبناء: كان اهتمام سلاطين السلاجقة بالفنون العسكرية كبيراً منذ بداية أمرهم ولذلك اهتموا بتربية أبنائهم على فنون الحرب والقتال وإتقانها، ولهذا نجد جدهم الأول سلجوق، يجتهد - قدر طاقته - في تربية وتنشئة حفيديه: طغرل بك، وجغري بك تنشئة عسكرية، آتت أكلها بعد ذلك في نجاح كل منهما في قيادة السلاجقة وإدارة معاركهم ضد أعدائهم، وقد أسهمت إلى حد ما هذه التنشئة في تولي أكثر زعماء السلاجقة للقيادة العامة للجيش بل ويقاتلون بأنفسهم في أرض المعركة نظراً للتدريب المبكر لهم على ذلك، فقد غزا ميكائيل بن سلجوق بلاد الأتراك وباشر القتال بنفسه حتى استشهد في سبيل الله (3)، ووصف البيهقي - وهو شاهد عيان - بلاء جغري بك في أرض المعركة بقوله: يا له من فارس مغوار (4)، وكان ألب أرسلان، يجيد الرمي بالقوس الذي لم يكن يفارقه في أي مكان (5)، كما كان ملكشاه أرمى الناس لم يخطئ قط، وأطعن الناس برمح (6)، وكان يجيد أيضاً استعمال الأسلحة جميعها مع مهارة كبيرة في ركوب الخيل (7). فهذه الروح العسكرية المتوثبة عند أمراء السلاجقة انعكست على قوادهم وجندهم وكانت - بدون شك - وراء النجاحات التي حققها السلاجقة في حروبهم وعكست مهارات عسكرية مكنتهم من قيادة الجيوش في أرض المعارك، وخوض غمارها وتحقيق النصر على الأعداء في عدد من الجبهات (8).
2 - الجهاد في سبيل الله: أعلن السلاجقة منذ بدايتهم دفاعهم عن الإسلام والذود عنه، فشكل الجهاد أساساً من الأسس المهمة في فكرهم العسكري، فقد قام جدهم الأول سلجوق - بعد اعتناقه وقبيلته الإسلام - بحماية المسلمين سكان المناطق المجاورة له من
_________
(1) راحة الصدور، ص 145.
(2) أخبار الدولة السلجوقية، ص 8. الوغى: الحرب.
(3) العرب والأتراك، ص 74، النظم الحربية، ص 48.
(4) تاريخ البيهقي، ص 622.
(5) أخبار الدولة السلجوقية، ص 54.
(6) المصدر نفسه، ص 73.
(7) راحة الصدور، ص 197, النظم الحربية، ص 49.
(8) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 49.
(1/217)

غارات بني جلدته من الكفار (1)، كما استشهد ابنه ميكائيل في جهاده ضدهم (2)، وتنطق رسالة السلاجقة للخليفة العباسي القائم بأمر الله بالتأكيد على ذلك: ولقد اجتهدنا دائماً في غزو الكفار وإعلان الجهاد (3). ويذكرون فيها أيضاً «وشكراً لله على ما أفاء علينا من فتح ونصر، فنشرنا عدلنا وإنصافنا على العباد وابتعدنا عن طريق الظلم والجور والفساد ونحن نرجو أن نكون في هذا الأمر قد نهجنا وفقاً لتعاليم الدين ولأمر أمير المؤمنين» (4) وقد قام السلطان طغرل بك - كما مر معنا - بغزو الروم معلناً بذلك جهاده ضدهم (5)، والذي تميز بقوة كبيرة زرعت الهلع في قلوبهم حتى أسر بعض ملوكهم وأطلقه دون فداء (6)، كما عبر السلطان ألب أرسلان نهر جيحون (7)، مجاهداً سنة 465هـ، وكان قد أبلى بلاء حسناً - قبل ذلك - في جهاده ضد الروم في ملاذكرد (8)
سنة 463هـ، وتؤكد خطبته قبيل نشوب المعركة بساعات روحاً جهادية متوثبة تتوق للاستشهاد في سبيل الله أو النصر، حيث يقول: أنا أحتسب عند الله نفسي، وإن سعدت بالشهادة ففي حواصل الطيور الخضر من حواصل النسور الغبُر رمسي، وإن نصرت فما أسعدني وأنا أمسي ويومي خير من أمسي (9)، بالإضافة إلى مشاركته السابقة مع عمه طغرل بك في عمليات الجهاد (10)، واستطاع سليمان بن قتلمش أن يضم مدينة أنطاكية إلى أملاك السلاجقة (11)، حيث سار على خطى أبيه الذي كان قد قام بعده بحملات جهادية على كرجستان (12)، وديار الروم فاستولى على كثير من قلاع الروم هناك (13)، وإذا كان السلاجقة قد اعتراهم الضعف بعد وفاة ملكشاه سنة خمس وثمانين وأربعمائة فإن قلج أرسلان، نجح في إحراز انتصارات باهرة على البيزنطيين، كما كان موفقاً في معاركه مع الصليبيين (14)، وتابع السلطان محمد بن ملكشاه مسيرة الجهاد
_________
(1) مالك الأبصار, للعمري, نقلاً عن: النظم الحربية، ص 49.
(2) الكامل في التاريخ نقلاً عن النظم الحربية، ص 50.
(3) راحة الصدور، ص 166، 167, النظم الحربية، ص 50.
(4) راحة الصدور، ص 166، 167, النظم الحربية، ص 50.
(5) المنتظم (8/ 160) , فن الحرب الإسلامي للعسلي (3/ 342).
(6) فن الحرب الإسلامي (3/ 344) , النظم الحربية، ص 50.
(7) جيحون: نهر يصب في بحيرة خوارزم عليه مدن عديدة ويتشعب منه عدة أنهار.
(8) ملاذكرد: مدينة حصينة على نهر الفرات وتكتب أيضاً: ملازكرد ومنازكرد، ومنزكرت وملاسكرد، معجم البلدان (5/ 202).
(9) تاريخ دولة آل سلجوق، ص 40.
(10) فن الحرب (3/ 343) , النظم الحربية، ص 51.
(11) تاريخ الخلفاء، ص 424، النظم الحربية، ص 51.
(12) كرجستان: الإقليم المسمى الآن جورجيا وعاصمته تفليس.
(13) النظم الحربية، ص 51.
(14) المصدر نفسه، ص 52.
(1/218)

ضد الصليبيين وكان مهتماً بتجهيز الجيوش مرات عديدة لهذا الغرض (1)، كما اعتبر جهاده ضد الإسماعيلية وصدهم جهاداً في سبيل الله (2)، ولم يغفل السلطان سنجر جهاده في الشرق ضد كفار الأتراك، فقام بعدة حملات عسكرية عليهم (3)
وعلى الرغم مما تعرضت له الفكرة الجهادية من بعض الفتور أثناء الصراعات بين أفراد الأسرة السلجوقية على السلطة أو مع غيرهم من الحكام، فقد ظل الجهاد في سبيل الله لدى السلاجقة يشكل ركيزة مهمة في فكرهم العسكري (4)، فقد كان مفهوم الجهاد واضحاً في حروب السلاجقة، وعرف ذلك عنهم معاصروهم وعلى رأسهم عدد من الفقهاء وقتذاك، يقول الإمام الجويني في وصفهم: أليس بهم (أي السلاجقة) انحصار الكفار في أقاصي الديار؟ وبهم تخفق بنود الدين على الخافقين، وبهم أقيمت دعوة الحق في الحرمين (5)، فإذا كانوا عصاماً لدين الإسلام ووزراً للشريعة، فما القول في أقوام بذلوا في الذب عن دين الله حشاشات الأرواح وركبوا نهايات الغرر متجردين لله تعالى في الكفاح (6).
3 - الحرص على كسب ولاء الجيش وقادته: حرص سلاطين السلاجقة على كسب ولاء جندهم لمن يرشح من أبناء الأسرة السلجوقية لاعتلاء عرش السلطنة واهتموا بهذا الأمر اهتماماً كبيراً إيماناً منهم بأهمية ذلك ودوره في كفاءة السلطان الجديد وتأييد الناس له واستقرار الأحوال في عهده ونجاحه في إدارتها، فقد كان تعيين طغرل بك سلطاناً على السلاجقة، وقائداً أعلى لجيوشهم - بالرغم من أنه لم يكن الابن الأكبر لميكائيل حيث كان أخوه جغري بك أكبر منه سناً - بناءً على قدرته وشخصيته الأمر الذي أدى إلى التفاف الجند والقبائل حوله ودعمهم له (7)، فقد كان متسامحاً معهم، وعندما أراد تولية الحكم من بعده لسليمان ابن أخيه داود وزّع على الجند سبعمائة ألف دينار وثياباً وأسلحة تساوي مائتي ألف دينار استمالة لهم ولكنهم في النهاية مالوا إلى ألب أرسلان (8)، وكلَّف السلطان ألب أرسلان بعد إصابته وإحساسه بدنو أجله الوزير نظام الملك بالقيام بأخذ العهود على الجند بالتأييد والمبايعة لابنه ملكشاه (9). وتعطينا هذه الحادثة تصوراً لهذه الأهمية بدليل تكليف الوزير للقيام بها بنفسه، ولم يكتف السلطان بذلك، بل أخذ العهود على نظام الملك، وأوصاه به كما أوصى الجند كذلك (10)، تأكيداً منه على ضمان ولائهم
_________
(1) النظم الحربية، ص 52.
(2) السلاجقة في التاريخ والحضارة، ص 53.
(3) النظم الحربية، ص 52.
(4) السلاجقة في التاريخ والحضارة، ص 53.
(5) غياث الأمم، ص 230.
(6) المصدر نفسه، ص231.
(7) دولة السلاجقة، حسنين، ص 31.
(8) المنتظم (8/ 231).
(9) المصدر نفسه (8/ 279) , النظم الحربية، ص 55.
(10) وفيات الأعيان (5/ 283) , أخبار الدولة السلجوقية، ص 55.
(1/219)

لابنه ملكشاه الذي ما إن تولى الحكم سنة 465هـ حتى أنفق أموالاً طائلة استمال بها قلوب أمراء العسكر والحشم (1).
4 - الخبرة والتجربة: يذكر الماوردي (توفى 450هـ) أن انعدام الاستفادة من هذين الجانبين من الدلالات الظاهرة على ضعف الدول (2). وعبارة الماوردي هذه مهمة وخطيرة جداً تحتاج لتأمل من قيادة الفكر والرأي والاستفادة منها ومن التاريخ بشكل عام ومن دروسه وعبره لمن يريد النهوض بالأمة في هذا العصر, وقد مثلت الاستفادة من قِبل السلاجقة من الخبرة والتجربة فكر عصرهم بالفعل، ولهذا استعمل بعض سلاطين السلاجقة المشورة العسكرية في أرض المعركة للاستفادة الكاملة من الخبرات المتواجدة في الجيش السلجوقي، خاصة ممن لهم خبرة ودراية واسعة في المجال الحربي, فقد ذكر البيهقي - وهو شاهد عيان - مدى الخبرة والتدريب الموجودة لدى جند السلاجقة وقادتهم (3)، وأظهر السلطان طغرل بك اهتماماً بالنصائح التي قُدَّمت له من ذوي الخبرة والتجربة الواسعة حتى بلغ به الأمر إلى طلبها منهم بنفسه (4)، وقد كان للسلطان ألب أرسلان في بعض معاركه مجلس حرب, وقد عقد اجتماعاً مع كبار قادته قبيل معركة ملاذكرد وناقش معهم خطة المعركة. ثم بدأ بعد ذلك بخطبته المشهورة ثم عاد مرة أخرى للاجتماع بقادته بعد انتهاء خطبته في الجند، حيث بحث معهم الوسائل لتحقيق النصر على أعدائه (5)، كما استأنس برأي فقيهه أبي نصر محمد بن عبد الملك البخاري الذي أشار عليه بالقتال يوم الجمعة بعد الزوال والخطباء على منابرهم طلباً للنصر باعتباره يدافع عن دين الله (6)، فكانت هذه المعركة خير مثال للاستفادة الكاملة من الخبرة والتجربة العسكرية (7).
وبلغ من اهتمام الوزير السلجوقي نظام الملك بالخبرة أن عقد فصلاً لها في كتابه يقول فيه: ينبغي تدبر الأمور باستشارة الحكماء المسنين وذوي التجارب والأسفار (8)، فاستشارة ذوي الخبرة والتجربة سبيل للوصول إلى الرأي الصائب (9)، كما يسوق احترام السلاجقة للخبرة ومعرفة قيمتها بقوله: كان من عادة الملوك اليقظين أن يرعوا حرمة المسنين المجربين جوابي الآفاق ... والعارفين بشئون الحرب، بأن يجعلوا لكل منهم مقاماً ومنزلة أثيرة لديهم ... وكان إذا جدّ
_________
(1) المنتظم (8/ 277) , أخبار الدولة السلجوقية، ص 55.
(2) التحفة الملوكية، ص 80, النظم الحربية، ص 57.
(3) تاريخ البيهقي، ص 674، 683.
(4) النظم الحربية، ص 58.
(5) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 58.
(6) تاريخ دولة آل سلجوق، ص 42.
(7) تاريخ إيران، مكاريوس، ص 124النظم الحربية، ص 58.
(8) سياست نامه، ص 128.
(9) المصدر نفسه، ص 130.
(1/220)

طارئ عدواني وحربي يتخذون التدابير كلها مع من مارسوا الحروب، ولهم فيها خبرات وتجارب كثيرة فيأتي الأمر موافقاً للهدف المرسوم، وكانوا إذا ما نشبت الحرب يرسلون إليها من خاض غمار المعارك الكثيرة، وهزم الجيوش العديدة واحتل القلاع، وذاع اسمه في العالم باسم الرجل الشجاع، وكانوا على الرغم من كل هذا يرسلون شخصاً مسناً ممن جابوا البلاد من ذوي الخبرات لتجنب الوقوع في الخطأ (1).
5 - الإخلاص والتضحية: عندما أراد الخليفة العباسي القائم بأمر الله البقاء في معسكر السلطان طغرل بك والخروج معه للقتال قال السلطان: الله الله! ما هذا مما يجوز أن يكون مثله، ونحن الذي يصلح للحرب والسفر والتهجم والخطر، دون أمير المؤمنين, وإذا خرج بنفسه فأي حكم لنا وأي خدمة تقع منا, وامتنع أن يجيبه إلى ذلك (2)، وفي ذلك دلالة على إخلاص السلطان في حماية الخليفة من خطر المعركة، كما تمتع بعض قواد السلاجقة كذلك بإخلاص نادر وصل إلى حد التضحية بأنفسهم في سبيل خدمة السلطان وحمايته فعندما هجم قاتل السلطان ألب أرسلان عليه, كان سعد الدولة كوهرائين (3)، شحنة بغداد واقفاً في خدمة السلطان فرمى بنفسه على السلطان يريد حمايته فأصابه هو أيضاً جرح، ولكنه لم يكن مميتاً (4).
6 - الحيطة والحذر والمتابعة: عمد السلاجقة إلى وضع الحيطة والحذر نصب أعينهم، فقد ظل طغرل بك - بعد انسحابه من فراوة (5)، أمام الغزنويين - مستعداً للحرب أياماً فلم يخلع حذاءه، ولم ينزع عنه الزرد وكان يتوسد درعه حين ينام, وإذا كان حال قائد هذه الجماعة على هذا النحو فمن اليسير معرفة حال الآخرين (6)، وعندما هزم السلاجقة جيش مسعود الغزنوي, لم يُنزل - أي داود قائد السلاجقة- عسكره ثلاثة أيام عن ظهور دوابهم لا يفارقونها إلا لما بد لهم منه من مأكول ومشروب وغير ذلك (7)، مما يدل على اتخاذه الحذر والاحتياط من عودة العدو إليهم، وبات جند السلاجقة على ظهور خيلهم أثناء حصارهم لمدينة مريم نشين في عهد السلطان ألب أرسلان (8)، وعندما أحضر رسول ملك الروم الجزية أخذه نظام الملك معه إلى كاشغر (9)، حيث أذن له هناك في العودة إلى بلاده وقال:
_________
(1) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 59.
(2) المنتظم (8/ 208) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 60.
(3) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 60.
(4) راحة الصدور، ص 191.
(5) فراوة: مدينة في إقليم جرجان يعتقد أنها تطابق قزل أروات الحديثة.
(6) تاريخ البيهقي، ص 668.
(7) الكامل في التاريخ, نقلاً عن النظم الحربية، ص 61.
(8) أخبار الدولة السلجوقية، ص 36.
(9) كاشغر: مدينة في إقليم سيجون قرب بلاساغن، بلدان الخلافة، ص 530.
(1/221)

أحب أن يذكر عنا في التواريخ أن ملك الروم حمل الجزية وأوصلها إلى باب كاشغر؛ لينهي إلى صاحبه سعة ملك السلطان ليعظم خوفه منه ولا يحدث نفسه بخلاف الطاعة (1)، وهذا احتياط من جانب الوزير السلجوقي بإظهار عظمة سلطان السلاجقة وسعة بلادهم لرسول ملك الروم (2)، وكان السلاجقة يرون ضرورة المتابعة لأحوال الحرس والخفر والبوابين ومعرفتهم جميعاً والاطلاع على أحوالهم سراً وعلانية، لأنهم أسرع انخداعاً بالمال والإغراء (3)،
وإذا ما شوهد بينهم غريب فينبغي السؤال عنه والتأكد منه، ويجب أن يراقبوا ويتأكد منهم ويوضعوا تحت الإشراف المباشر كل ليلة عندما يتسلمون واجباتهم، وينبغي عدم إغفال هذا الأمر ليلاً أو نهاراً لأنه دقيق جداً (4). ويرى نظام الملك الوزير السلجوقي أن على السلاطين تحري أخبار الجيش فيقول: على الملوك أن يتحروا أحوال الرعية والجيش، وكل بعيد وقريب وأن يعرفوا كل كبيرة وصغيرة في المملكة (5).
7 - العلاقة بين الجند وقادتهم والتدرج في الرتب العسكرية: اتخذ السلاجقة من التنظيم الدقيق للعلاقة بين الجند وقادتهم واحترام التدرج في الرتب العسكرية وربط ذلك بمبدأ الثواب والعقاب أساساً من أسس فكرهم العسكري, ويفصَّل الوزير السلجوقي الشهير نظام الملك هذا التنظيم قائلاً: إن تكن للجند حاجة ما ينبغي أن تُطلب بألسنة قادتهم ورؤسائهم؛ لأنهم إن أُجيبوا إلى ذلك إجابة حسنة يكونوا قد توصلوا إلى احتياجاتهم بأنفسهم ويكسبوا احترام أفرادهم؛ لأنهم طلبوا ما يحتاجون بأنفسهم فنالوه دون حاجة إلى وساطة تذهب باحترامهم لو لجأوا إليها. فإذا ما تطاول جندي على قائده ولم يحترمه أو يرع حرمته، بل تجاوز حده يجب أن يعاقب كيما يمتاز الرئيس عن المرءوس (6). وهذا النظام هو القائم إلى الآن في العالم.
8 - الجمع بين الرأي والتدبير والقوة العسكرية: كان الفكر العسكري السلجوقي يعتمد على الرأي الصائب والحكم السديد بجانب استخدام القوة (7)، ولذلك يرى بعض المؤرخين أن السلطانين السلجوقيين الأول والثاني، طغرل بك وألب أرسلان تميزا بأنهما فاتحان عسكريان, أما خلفهما ملكشاه فمهمته كانت تنظيم إدارة الدولة، ولدى الحاجة إلى توسيعها كان يلجأ إلى العمليات العسكرية وإلى الوسائل الدبلوماسية أيضاً (8)، وهو أمر
_________
(1) الكامل في التاريخ, نقلاً عن النظم الحربية، ص 62.
(2) النظم الحربية، ص 62.
(3) سياست نامه، ص 168.
(4) النظم الحربية، ص 62.
(5) سياست نامه، ص 100, النظم الحربية، ص 62.
(6) سياست نامه, ص 163، النظم الحربية، ص 63.
(7) سياست نامه، ص 200, النظم الحربية، ص 64.
(8) الشرق الإسلامي في العصر الوسيط، ص 356.
(1/222)

طبيعي في نشأة الدولة في أن يعتمد مؤسسوها على القوة والغلبة ثم يأتي خلفاؤهم، فيعتنون بالإدارة وإعادة ترتيب الأولويات فيها، مما يؤكد أن السلاجقة كانوا رجال حرب وإدارة وحسن تدبير بحق في تلك الفترة (1). وكان الوزير نظام الملك يقول: إن المشورة في الأمور من قوة الرأي، خاصة إذا كانت الاستشارة لمن هم على قدر كبير من الخبرة وسعة التجربة وصولاً إلى الرأي الصائب الذي يتحتم العمل على أساسه (2)، كما يؤكد الوزير السلجوقي أن انعدام الشورى ومناقشة الآراء المختلفة والاستبداد بالرأي من الدلالات الواضحة على ضعفه وعدم جدوى العمل به (3)، وكانت نصيحة نظام الملك لسلطانه في مجال سياسة الأعداء أن يحارب الأعداء حرباً تترك باب الصلح مفتوحاً، وأن يصالحهم صلحاً لا يوصد باب الحرب، وأن يوطد علاقاته مع الصديق والعدو بنحو يمكنه من أن يفصم عراها، أو يعيد بناءها أنّى يشاء (4).
وهي قاعدة مهمة في الفكر العسكري تنم عن رأي خبير في سياسة الحروب وإدارة الدول لا يقل حصافة وسداداً عن أي فكر حديث حصيف (5)، والعبارة السابقة قريبة لدرجة كبيرة من القاعدة التي تقول: لا صداقات دائمة ولا عداوات دائمة وإنما مصالح دائمة. ونحن نوجه كلمة المصالح إلى مصالح الإسلام, وكان من بين النصائح التي قدمها الغزالي لسلطانه محمد بن ملكشاه قوله: إنه مهما أمكنك الأمور بالرفق واللطف فلا تعملها بالشدة والعنف (6)، ويقول أيضاً: وترتيب الوزراء مهما أمكنهم أن يحاربوا بالكتب فليحاربوا فإن لم تتأت الأمور بالاحتيال والتدبير فليجتهدوا في تأتيها بعطاء الأموال وبذل الصلات والنوال (7)، فإنه من رأيه عدم التسرع في الأمور لأنه: قد يمكن قتل الأحياء ولا يمكن إحياء القتلى (8) فهو ينصح بالتدرج في ذلك والبدء أولاً بإعمال الرأي والفكر في أفضل الوسائل للعمل بها، وجعل استخدام القوة والعنف آخر الحلول تطبيقاً وفي ذلك حفاظ على قدرات الدولة من أن تهدر في أمور يمكن العمل على حلها بالرأي والتدبير دون الحاجة إلى تسيير الجيوش وإرهاق الدولة بباهظ تكاليفها (9)، لأن الحرب في سائر
الأحوال تفني ذخائر الأموال وفيها تبذل كرائم النفوس ومصونات الأرواح (10). فكان
من أسس الفكر عند السلاجقة سلاطين ووزراء وعلماء الجمع بين الرأي والتدبير
والتدرج في استخدام القوة العسكرية واستعمال كل منها في الموقف الذي يلائمه،
_________
(1) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 64.
(2) سياست نامه، ص 129، 130.
(3) النظم الحربية، ص 65.
(4) سياست نامه، ص 298، 299, النظم الحربية، ص 65.
(5) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 65.
(6) التبر المسبوك في نصيحة الملوك، ص 138.
(7) المصدر نفسه، ص 278، 279.
(8) المصدر نفسه، ص 278، 279.
(9) النظم الحربية، ص 66.
(10) التبر المسبوك في نصيحة الملوك، ص 278.
(1/223)

ودرء القوة ما أمكن غيرها (1).

ثانياً: الاعتماد على أجناس مختلفة:
اعتمد السلاجقة في جيشهم على أجناس مختلفة من الأتراك وجميع الطوائف المتمثلة في القبائل التركمانية والأكراد والديلم والعرب والفرس وغيرهم من الأجناس الأخرى، وكان التركمان هم العنصر المهم فيه يليهم الأكراد ثم المماليك المتمرسون على القتال وخوض المعارك (2). ويؤكد الوزير السلجوقي نظام الملك ذلك في حديثه عن الرهائن ووجوب أخذهم من أمراء العرب والأكراد والديالمة والروم وغيرهم (3)، مما يؤكد حقيقة اعتماد السلاجقة على عدد كبير من الأجناس والشعوب، ويضيف أنه: ينبغي أن يؤسس الجيش من كل جنس وملّة وأن يرابط بالقصر ألفا رجل من الديلم وخراسان يحتفظ بالموجود منهم الآن ثم يهيأ الباقي بعد ذلك. ولا ضير في أن يكون بعض هؤلاء من الكرجيين (4)، وشبانكاريي فارس (5)، لأنهم قوم طيبون لا غبار عليهم (6)، ويضرب مثالاً على نجاح ذلك بجيش محمود الغزنوي المكون من أجناس عدة، ففيه الترك والخراسانيون والعرب والهنود والغوريون والديلم (7)، ويدافع الوزير السلجوقي عن تأييده لتعدد الأجناس بأن: اتخاذ الجيش من جنس واحد مدعاة لظهور الأخطار والتخريب والفساد، وعدم الجدية والبلاء في الحرب (8). وتكمن خطورة الاعتماد على جنس واحد في انعدام التنافس بين أفراد الجيش في مجال الخدمة العسكرية (9)
أما في حالة التعدد في الأجناس فإن كل جنس منهم يقاتل في المعارك والحروب، ببسالة ومضاء حفاظاً على سمعته وخوف العار والهزيمة، وكي لا يقول أحد بأن الجنود من الجنس الفلاني وهنوا في القتال وتقاعسوا، وكان كل فريق في القتال يبُلي بلاء حسناً ويبذل غاية جهده إظهاراً لقدرته وتفوقه على الآخرين، ولما كانت قاعدة اختيار المحاربين تتم على ذلك النحو، فقد كانوا جميعهم جادين مستبسلين وطلاب سمعة وشهرة، ولا جرم أنهم إذا ما هرعوا إلى السلاح لم يكونوا يتراجعون قبل أن يهزموا الجيش المعادي وينتصروا عليه (10). وهناك فائدة مهمة كان السلاجقة يضعونها بعين الاعتبار في اتخاذ
_________
(1) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 66.
(2) السلاجقة في التاريخ والحضارة، ص 69.
(3) سياست نامه، ص 142.
(4) الكرجيين: نسبة إلى إقليم كرجستان في جورجيا حالياً.
(5) شبانكاريي فارس: نسبة إلى قرية من قرى إقليم فارس.
(6) سياست نامه، ص 140, النظم الحربية، ص 69.
(7) سياست نامه، ص 140.
(8) النظم الحربية، ص 70.
(9) الحضارة الإسلامية، أحمد عبد الرازق ص 189.
(10) سياست نامه، ص 140، 141, النظم الحربية عند السلاجقة، ص 70.
(1/224)

الجيش من أجناس مختلفة وقبائل شتى وهي ألا يتهيأ لهم الاتفاق على رأي
واحد في الخلاف (1).

ثالثاً: زيادة عدد أفراد الفرق العسكرية:
كان حرص سلاطين السلاجقة واضحاً على زيادة عدد أفراد الفرق العسكرية وعدم الاستغناء عن أي فرقة منها - إلا في حالات نادرة جداً - حتى كان حجم الجيش السلجوقي الكبير عددياً مجالاً رحباً لافتخار السلاطين على أعدائهم وتهديدهم به، وقد واجه نظام الملك الدعوة المناوئة له والتي تقول بعدم الحاجة إلى الأعداد الكبيرة للفرق العسكرية السلجوقية احتجاجاً بالتوفير وعدم قوة الأعداء متهماً من يقف وراء هذه الدعوة بالسعي لتدمير الدولة فكان مما قاله: لقد ادعى، لهذا، أن لا حاجة لأربعمائة ألف رجل لهم رواتب في الدولة، وأنه يجب أن يكتفي بسبعين ألف فارس يُدَّخرون لما قد يطرأ من أحداث ومهام، فبهذا تسترد الدولة جرايات الجند الآخرين غير السبعين ألفاً ورواتبهم، فتؤمَّن لخزانة الدولة في كل سنة بضعة ألف ألف دينار، بالذهب والمال في مدة يسيرة (2). ثم يقول مخاطباً السلطان: .. إن يكن لديك أربعمائة ألف رجل، فليس من شك في أن تستحوذ على خراسان وما وراء النهر إلى حدود كاشغر, لقد كنت أطمح أن يكون لك سبعمائة ألف رجل بدلاً من هذه الأربعمائة ألف، فلو كان رجالك أكثر لحزت غزنين والسند والهند وكل تركستان والصين .. ولكانت لك ثمة أشياء في المغرب والشام .. ولحطت لك الروم عصا الطاعة. إن عدد ولايات كل ملك رهن بعدد جيشه، تكثر بكثرته وتقل بقلته، وكلما قل عدد الجيش تناقص عدد الولايات، وبالعكس (3). إن تعليمات هذا الوزير السلجوقي وفلسفته في إدارة الدولة وتركيزه على قوتها العسكرية يجعلنا نضعه باطمئنان في مصاف قادة الفكر السياسي في الحضارة الإسلامية ونظمها الحربية، بل إن نصائحه لسلطانه توحي لنا بأننا ننصت إلى أحد قواد، بل علماء, الحرب الحديثة (4).

رابعاً: التقسيم العشري:
قسم السلاجقة قادتهم العسكريين بشكل هرمي ابتداء من كبار القادة أمراء المائة مروراً بأمراء الطبلخاناه ثم العشرات فالخمسات وهي أقل من هذه الدرجات, فهناك في المصادر ما يؤكد نسبة هذا التقسيم للسلاجقة، فقد قدم الوزير السلجوقي نظام الملك للخليفة العباسي
_________
(1) كتاب الإشارة، للمرادي، ص 125, النظم الحربية، ص 70.
(2) سياست نامه، ص 209, النظم الحربية، ص 73.
(3) النظم الحربية، ص 73.
(4) المصدر نفسه، ص 75.
(1/225)

أمراء الجيش في عهد ملكشاه واحداً بعد الآخر قائلاً للخليفة في تقديمه لهؤلاء الأمراء: هذا العبد الخادم فلان بن فلان ولايته كذا وعسكره كذا وذلك الأمير يقبَّل الأرض وكانوا أكثر من أربعين أميراً (1)، وترتبط الإمرة في هذا التقسيم بشكل وثيق بعدد الجند تحت قيادة كل منهم فهناك:
1 - أمراء المئين مقدمو الألوف: ويطلق على أحدهم أمير مائة وتقترن عادة بلقب مقدم ألف، والمقصود بهذه التسمية المركبة مرتبة واحدة يكون في خدمة حاملها مائة مملوك، ويقع تحت قيادته في الحرب ألف أو ألوف من الجند وربما زاد العدد عن ذلك، وهي أعلى مراتب الأمراء، من عهد السلاجقة إلى المماليك بمصر ومنهم أصحاب المناصب العليا في الدولة (2).
2 - أمراء الطبلخاناه: يرتبط اسم هذه الطبقة بأن لهم الحق في دق الطبول وغيرها في المواكب الرسمية، تشريفاً لهم، كما يفعل السلطان وأمراء المئين ولكن بصورة مصغرة, ويتزعم كل منهم أربعين فارساً يزيد بعضهم على ذلك إلى سبعين وثمانين فارساً فيكون في خدمته ما يساوي هذا العدد ويطلق عليهم - نتيجة لذلك - أمراء سبعين أو ثمانين، ولا تكون هذه الرتبة لمن كانت إمرته على أقل من أربعين, وأمراء هذه الطبقة تحت قيادة أمراء المئين فكان جندهم - تبعاً لذلك - أقل منهم، وكان عدد أمراء الطبلخاناه أكثر من أمراء المئين، ومن أمراء الطبلخاناه يكون أكابر الولاة (3).
3 - أمراء العشرات: ربما كان منهم من له أكثر عدداً من ذلك إلى أقل من الأربعين, ومع ذلك يُعد في أمراء العشرات ومنهم صغار الولاة (4).
4 - أمراء الخمسات: وكان عددهم قليلاً وأكثرهم من أولاد الأمراء المتوفين, تعطى للواحد منهم هذه الرتبة رعاية لسلفه، فكانوا يعتبرون كأكابر الأجناد (5). أما عن أصل هذا التقسيم العشري فيبدو أن الرأي القائل بأن السلاجقة نقلوه من أوطانهم الأولى هو الأقرب (6)، فقد كان معروفاً -فيما يبدو- لدى إحدى قبائل التركمان حيث قام زعيمها باستدعاء أصحاب المئات والعشرات استعداداً للحرب (7)، فاستفاد السلاجقة بعد ذلك من هذا النظام فطبقوه في جيوشهم وأصبح أحد أسس تقسيماتها، ثم شاع هذا التقسيم في
_________
(1) المنتظم (9/ 35) , تاريخ دولة آل سلجوق، ص 79.
(2) الخطط (2/ 215، 216) , جيش مصر، ص 27.
(3) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 77.
(4) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 77.
(5) جيش مصر، ص 27، 28، تاريخ السلاجقةص 293.
(6) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 78.
(7) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 78.
(1/226)

الجيوش بعدهم، فيذكر المقريزي أن جنكيز خان: رتب لعساكره أمراء وجعلهم أمراء ألوف وأمراء مئين وأمراء عشرات (1) وعمل به المماليك في مصر بعد ذلك (2).

خامساً: الإقطاع العسكري: ينقسم الإقطاع إلى قسمين هما:
1 - إقطاع تمليك.
2 - إقطاع استغلال (3)، ومن هذا النوع ما أطلق عليه بعض الباحثين الإقطاع العسكري أو الحربي، وذكر الماوردي في حديثه عن إقطاع الاستغلال أن «أهل الجيش هم أخص الناس بجواز الإقطاع» (4)، ويُعد قدوم السلاجقة علامة مهمة في تاريخ امتلاك الأرض نظرياً وعملياً، فلم يصبح السلطان مجرد حاكم للناس بل أصبح يتمتع بحقوق الملكية للأراضي التي يحكمها (5)، فقد جرت العادة أن يقوم السلطان بالصرف على شئون الدولة من الإيرادات التي ترد من الولايات التابعة لها والخاضعة لسلطانها، وكان على رأس ذلك مصروفات الجيش والإنفاق على شئونه المختلفة فضلاً عن مرتبات الجند، فلما كان عهد السلطان ملكشاه قام وزيره نظام الملك بتعميم نظام الإقطاع في جميع أنحاء الدولة السلجوقية وذلك بتوزيع ولايات الدولة على شكل إقطاعات للأمراء والجند للاستفادة منها عوضاً عن إعطائهم المرتبات النقدية (6)، فكان صاحب الإقطاع يستفيد منه مادياً مقابل تجهيزه لجنده الذين يشارك بهم في الجيش السلجوقي عند الاسنفار للحرب (7)، ولم يكن هذا التنظيم يتعارض مع الملكية الفردية أو يمسها لأنه كان يتعلق بخراج الأرض دون الأرض نفسها (8). ويعتبر كثير من المؤرخين هذا الوزير السلجوقي أول من قام بتوزيع الإقطاعات (9)، وقد عارض بعض المؤرخين ذلك (10)،
ويبدو أنه بالإمكان الاطمئنان إلى الرأي القائل إن الإقطاع العسكري قد وجد قبل السلاجقة وأصبح عاماً شاملاً منذ مطلع العصر السلجوقي، حيث أعطاه الوزير السلجوقي نظام الملك شكله النهائي وأقامه في مناطق لم يوجد بها من قبل (11)، مستفيداً من تجارب الدول التي سبقته خاصة الدولة البويهية بدليل إدخاله بعض
_________
(1) الخطط (2/ 221) , النظم الحربية عند السلاجقة، ص 78.
(2) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 78.
(3) الأحكام السلطانية، ص 190 - 197.
(4) المصدر نفسه، ص 195.
(5) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 79.
(6) تاريخ دولة آل سلجوق، ص 60.
(7) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 79.
(8) السلاجقة في التاريخ والحضارة، ص 201.
(9) أخبار الدولة السلجوقية، ص 68.
(10) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 80.
(11) السلاجقة في التاريخ والحضارة، ص 83.
(1/227)

الإصلاحات بهدف تجنب المساوئ التي أسفر عنها تطبيق هذا النظام في العهد البويهي (1). فكانت المحصلة النهائية لذلك أن تميَّز الإقطاع العسكري عند السلاجقة بخصائص، وضوابط خاصة جعلت له كياناً مستقلاً عن غيره من الأنظمة التي سبقته, وسنعرض لدراسة هذه الخصائص فيما يلي:
1 - خصائص الإقطاع عند السلاجقة: اهتم الوزير السلجوقي نظام الملك بالإقطاع اهتماماً بالغاً يدل عليه إفراده الفصل الخامس في كتابه في المستقطعين والتحقق من معاملتهم للرعية، حيث وضع فيه القواعد المعتبرة في العلاقة بين صاحب الإقطاع ومن يعملون عنده, والعقوبات اللازمة في حقه في حالة قسوته عليهم, فيقول في ذلك: ليعلم المستقطعون أن لا شأن لهم على الرعايا سوى تحصيل الأموال المستحقة عليهم بالحسنى على أن يكونوا بعد ذلك آمنين على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأبنائهم وضياعهم وما يملكون، دون أن يكون لأصحاب الإقطاعات عليهم من سبيل أو يمنعوهم من الذهاب إلى القصر، لبسط أحوالهم بأنفسهم إذا ما رغبوا في ذلك, أما من لا يلتزم بهذا، أو يتقيد، فينبغي الضرب على يده، ونزع إقطاعاته منه، ومجازاته؛ ليكون عبرة للآخرين، على أصحاب الإقطاعات أن يعلموا أيضاً، أن الملك والرعية جميعاً في حقيقة الأمر، للسلطان وعليهم وعلى الولاة، وهم رؤساء ومسئولون، أن يعاملوا الناس معاملة الملك للرعية ليحظوا بتأييده، وقبوله، ويسلموا من عقابه، وينجوا من عذاب الآخرة (2) ويرى نظام الملك أنه يجب إطلاق أيدي أصحاب الإقطاع في إقطاعاتهم, ولكن بنظام معلوم، والتأكيد عليهم -في حالة غياب أحد الجند بوفاته أو لسبب آخر - الإعلان عن ذلك وعدم كتمانه، وهو إجراء لا يختلف كثيراً عن الأنظمة الحديثة في هذا المجال. ويذكر كذلك وجوب بث العيون والجواسيس على أصحاب الإقطاع للتعرف على أحوالهم مخافة خروجهم عن طاعة السلطان (3)، ولذلك ينبغي استبدال المستقطعين كل سنتين أو ثلاث قبل أن يثبتوا أقدامهم ويحصنوا أنفسهم، أو يصبحوا مبعث قلق، وحتى يحسنوا معاملة الناس وتظل الولاية عامرة (4).
وفي حالة وصول أخبار عن خراب في ناحية من النواحي يرسل أحد الثقات إليها - دون علم أحد بمهمته - فيقيم فيها الفترة اللازمة لاستطلاع أحوالها والاستماع لما يقال عن صاحب الإقطاع والعودة بحقيقة الحال للتصرف على أساسها (5)، وذلك نوع من إحكام الرقابة الإدارية على
الولاة
_________
(1) النظم الحربية، ص 84.
(2) سياست نامه، ص 67.
(3) المصدر نفسه، ص 111.
(4) المصدر نفسه، ص 76.
(5) المصدر نفسه، ص 174.
(1/228)

والقواد وهو إجراء مشهور عند العباسيين من قبل وما زالت له نظائر في
الأنظمة الحديثة (1). ومن المعروف أن كبار القادة كانوا يمنحون إقطاعات بدلاً من الرواتب بصفة عامة (2).
2 - عوامل التوسع في الإقطاع العسكري: يرى بعض المؤرخين أن الوزير السلجوقي نظام الملك في تطبيقه لنظام الإقطاع أراد توطين القبائل المختلفة العناصر التي تكون منها الجيش السلجوقي حتى تستقر وترتبط بالأرض المقطعة (3)، ويمكن تلخيص عوامل التوسع في الإقطاع العسكري فيما يلي:
- صعوبة تحصيل الأموال من ولايات الدولة.
- كثرة الأعباء المالية على خزانة الدولة والرغبة في تخفيفها.
- اتساع الدولة وصعوبة السيطرة عليها.
- الرغبة في عمارة الأرض والمحافظة عليها.
- توطين قبائل الجيش السلجوقي واستقرارها (4).
وعندما قام الحكام والموظفون بنهب الأموال من الفلاحين اضطر هؤلاء إلى ترك أراضيهم، ذلك أن المسئولين كانوا يجمعون الضرائب قبل حصاد المحصول وليس بعده، كما هو معروف، بالإضافة إلى المعاملة السيئة التي يتعرض لها الفلاحون من قبل الإقطاعيين وممثليهم وإخضاعهم للسخرة مما اضطر نظام الملك وزير السلطان ملكشاه أن يسعى إلى إيجاد تحديد دقيق لحقوق وواجبات أصحاب الإقطاع (5)، ويبدو أن الأمر في الاستفادة من نظام الإقطاع من عدمها يتعلق بمدى المتابعة الدقيقة له من قبل المسئولين عنه، لأن استعراض القواعد التي حددها الوزير السلجوقي نظام الملك للإقطاع في مختلف الجوانب يدل على مدى كفاءتها في تحقيق الاستفادة من هذا النظام، وهو ما حدث بالفعل في بداية تطبيق السلاجقة لنظام الإقطاع بفضل المتابعة له، ثم بدأت عوامل الفساد تدخل فيه، فبرزت سلبياته بشكل واضح حتى أصبح عبئاً على الدولة وسبباً في تفكك أجزائها (6).
3 - موقف العلماء من الإقطاع: أثار الخوف المتزايد على الأرض اهتمام العديد من العلماء، فعبر الغزالي عن عدم رضاه عن الفوضى في الريف، لأنه لا يمكن أن يكون تقدم دون أن يكون هناك عدل، وأن الدولة لن تزدهر في ظل الظلم والطغيان، وسيضطر الفلاحون لترك أراضيهم معطياً أمثلة عدة للازدهار الذي وجد في العصر الساساني في ظل
_________
(1) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 85.
(2) راحة الصدور، ص 501، النظم الحربية، ص 85.
(3) تاريخ العراق في العصر السلجوقي، حسين أمين، ص 210.
(4) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 89.
(5) المصدر نفسه، ص 90.
(6) المصدر نفسه، ص 91.
(1/229)

الحكام العادلين، وأن الحكام مسئولون عن سوء تصرفات موظفيهم ضد رعاياهم (1)، ويقول: عمارة البلاد بالعدل في العباد (2)، يعقد الغزالي فصلاً كاملاً عن كيفية التعامل مع الحكام الظالمين (3)، ويحذر من الدخول عليهم وأخذ الأموال منهم والتي يعتبرها حراماً لأنها مجموعة من الخراج المضروب على المسلمين (4)، بالرغم من علاقته بالسلطان السلجوقي محمد بن ملكشاه حيث ألف كتابه: التبر المسبوك, وفيه يخاطب السلطان مذكراً إياه بنعم الله مضمناً إياه نصائح من أهمها الالتزام بالعدل (5) ولم يكن الغزالي الوحيد الذي وقف في وجه الظلم ضد الفلاحين بل وافقه مجموعة من العلماء كنجم الدين الرازي والإمام السبكي ممن جاءوا بعده، وبإزاء ذلك كله يذكر الماوردي موقفه من إقطاع الجند بقوله عنهم: إن أهل الجيش هم أخص الناس بجواز الإقطاع، لأن لهم أرزاقاً مقدرة تصرف إليهم مصرف الاستحقاق، لأنها تعويض عما أرصدوا نفوسهم له من حماية البيضة والذب عن الحريم (6). والفرق بينه وبين آراء العلماء الآخرين أن موقفه يبدو مؤيداً للإقطاع العسكري بينما يعارض بعض العلماء السلبيات التي أفرزها تطبيق هذا النظام (7).

سادساً: الرهائن:
قامت فكرة أخذ الرهائن عند السلاجقة من الأمراء بمختلف أجناسهم ومن أصحاب الإقطاع -خاصة من الداخلين في طاعة الدولة حديثاً - ضماناً للولاء والطاعة (8) للسلطان السلجوقي، فإذا ما حدَّث هؤلاء أنفسهم بالعصيان كان التلويح لهم بقتل رهائنهم الذين كانوا من ذوي القربى لهم, بالإضافة إلى الاستفادة من وجود هؤلاء الرهائن في القيام بمهمات البلاط السلطاني، وقد دخل هذا النظام عند السلاجقة حيَّز التنفيذ منُذ بداية دولتهم، كواحد من النظم التي جلبها السلاجقة معهم من أوطانهم الأولى، حيث كان هذا النظام سائداً لدى بعض القبائل التركية قبل دخولهم الإسلام, ومن خلال الدراسة لهذا الموضع في التراث السلجوقي نستنتج بعض الضوابط التي قام عليها نظام الرهائن عندهم والتي منها:
- أخذ الرهائن على الأمراء من الأجناس المختلفة ممن دخلوا في طاعة السلاجقة.
- أن تكون الرهينة من ذوي القربى لهؤلاء الأمراء ابناً أو أخاً ومن في حكمهم.
_________
(1) التبر المسبوك في نصيحة الملوك، ص 108 - 140، 171 - 281.
(2) المصدر نفسه، ص 186.
(3) إحياء علوم الدين (2/ 142 - 152).
(4) إحياء علوم الدين (2/ 142 - 152).
(5) التبر المسبوك، ص 92، 93، 107، 129.
(6) الأحكام السلطانية، ص 195.
(7) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 93.
(8) المصدر نفسه، ص 93.
(1/230)

- ألا يقل عدد الرهائن عن خمسمائة.
- أن تتم عملية استبدالهم سنوياً بآخرين غيرهم.
- أن يتم الاحتفاظ بالرهائن حتى وصول البدلاء إلى القصر.
- تقديم أصحاب الإقطاع خمسمائة رجل منهم ليقيموا في البلاط السلطاني.
- اختيار ألف من أبناء التركمان غلماناً في القصر يقومون مقام الرهائن ضماناً للولاء (1).

سابعاً: الإعداد المعنوي للجيش:
اعتبر السلاجقة حروبهم جهاداً في سبيل الله كما سبقت الإشارة إليه في الفكر العسكري؛ مما شكل عاملاً بارزاً في رفع الروح المعنوية لديهم، وتُعد معركة ملاذكرد خير مثال لارتفاع الروح المعنوية لدى جند السلاجقة, فقد برزت غيرتهم على الإسلام فاستماتوا في القتال بحماس شديد حتى النصر (2). ولم يكن أثر الجانب المعنوي خافياً على الوزير السلجوقي نظام الملك فكان يعطيه حقه من الاهتمام في مواضع متعددة، فعندما خاف السلطان ألب أرسلان من قتلمش السلجوقي بعد خروجه عن طاعته ثبته الوزير نظام الملك ورفع من روحه المعنوية قائلاً: قد جعلت لك من خراسان جنداً ينصرونك ولا يخذلونك ويرمون ذلك بسهام لا تخطئ, وهم العلماء والزهاد، فقد جعلتهم بالإحسان إليهم من أعظم أعوانك (3) وجاء في رواية ابن كثير: .. لا تخف فإني قد استدمت لك جنداً ما بارزوا عسكراً إلا كسروه كائناً ما كان .. جند يدعون لك وينصرونك بالتوجه في صلواتهم وخلواتهم وهم العلماء والفقراء والصلحاء (4). فكان نظام الملك يرى أن الانتصار المتكرر يعمل على بث روح النصر في نفوس الجند دائماً (5)، وينصح الغزالي سلطانه محمد بن ملكشاه بالعمل على إطلاق الأسرى من الجند من أيدي الأعداء عن طريق شرائهم بالأموال وذلك: ليسمع الجند بصنيعه فتقوى قلوبهم إذا باشروا حروبهم (6)، ولا شك أن للمدارس النظامية دوراً عظيماً في الإعداد المعنوي للجيش السلجوقي والأمة عموماً, ويأتي بيان ذلك في محله بإذن الله تعالى.
* * *
_________
(1) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 96.
(2) السلاجقة في التاريخ والحضارة، ص 35.
(3) الكامل في التاريخ, نقلاً عن النظم الحربية، ص 98.
(4) البداية والنهاية, نقلاً عن النظم الحربية، ص 98.
(5) النظم الحربية، ص 98.
(6) التبر المسبوك، ص 279.
(1/231)

المبحث الثاني
نظم الإدارة العسكرية عند السلاجقة
تمثلت هذه النظم بالمناصب العسكرية المتعددة عند السلاجقة التي أسهمت في تحديد المهام المنوطة بكل منصب من ناحية وإيجاد التدرج في الرتب العسكرية بشكل هرمي يضمن النجاح في تنفيذ هذه المهام من ناحية أخرى (1) وإليك تفصيل نظم الإدارة العسكرية السلجوقية.

أولاً: المناصب القيادية:
يجسد الوزير السلجوقي نظام الملك النظر إلى كبار قادة الجيش على أنهم زينة الملك (2)، وأن الحفاظ على ألقاب الأشخاص ومراتبهم وأقدارهم جزء من شرف المملكة (3)، كما كان ينصح بضرورة عدم اللجوء إلى إسناد عملين لشخص واحد أو عمل واحد إلى شخصين قط (4)، فقد أراد تثبيت تقسيمات الوظائف التي ميزت عصر السلاجقة، وحذر من تداخل الألقاب بين المدنيين والعسكريين وأنها لا بد أن تتناسب مع القائمين على هذه المناصب (5)، كما يرى الوزير السلجوقي نظام الملك وجود وضع العيون على أصحاب المناصب القيادية فهو يقول: أما أصحاب المناصب الهامة الرفيعة، فيجب أن يعين عليهم من يراقبهم سراً دون أن يعلموا ليكونوا على اطلاع دائم بأعمالهم وأحوالهم (6). وأما أهم المناصب العسكرية القيادية عند السلاجقة حسب تدرّجها فهي:
1 - الأمير الحاجب الكبير: وهو من المناصب الرئيسية لدى سلاطين السلاجقة، فكان الأمير الحاجب الكبير هو الذي يسمع مشافهة السلطان ويؤديها إلى الوزير, فهو الناهي الآمر (7)، فكانت مهامه في البداية تنحصر في تنظيم الدركاه (باب السلطان) حيث يشرف على سير الأمور في بلاط السلطان، فكان بذلك حلقة الوصل بينه وبين رجالات الدولة والرعية (8)، ثم أضيفت إليه مهمة قيادة الجيوش التي يوجهها السلطان للقضاء على أعدائه (9). وقد بين المؤرخون أن
_________
(1) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 103.
(2) سياست نامه، ص 214.
(3) المصدر نفسه، ص 191.
(4) المصدر نفسه، ص 201.
(5) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 103.
(6) سياست نامه، ص 66.
(7) تاريخ دولة آل سلجوق، ص 111.
(8) رسوم السلاجقة، ص 93, النظم الحربية، ص 105.
(9) النظم الحربية، ص 105.
(1/232)

التدرج في الخدمة العسكرية يصل في النهاية إلى الحجابة وهي قمة الهرم العسكري عند السلاجقة وأسمى الألقاب التي كانت تعطي القادة عند السلطان (1) ويعتبر الحاجب هو عارض السلطان الذي يتولى أمور الجيش وقيادته وهو أعلى المناصب القيادية السلجوقية بعد السلطان والوزير، فكان في المرتبة الثالثة في مناصب الدولة (2).
أ- صفات قائد الجيش: يفضل نظام الملك أن توكل قيادات الجيش إلى الكهول المجربين لا الشبان الناشئين (3)، تأكيدًا منه على أهم الشروط الواجبة في القائد وهو وجود الخبرة والتجربة فلا يتولى المناصب العليا من لم يبلغ الخامسة والثلاثين أو الأربعين من عمره (4). حتى يتحقق له النجاح في منصبه بقوة واقتدار، ويسانده في ذلك الغزالي -وهو من علماء السلاجقة - بقوله فإن الرجل يصير رجلاً في أربعين سنة (5). ويذكر صاحب كتاب آثار الأول أن من صفات القائد أن يكون قدره كبيراً وأمره نافذاً، خبيراً بالحُلا (6)، والعروض ومعرفة الرجال ورتبهم وأقدارهم وموقعه من الدولة، ويتقى أمر الحلية فلا يشتبه عليه شخص بشخص وشياة الدواب والسلاح، ولتكن له هيبة وحرمة كبيرة حتى لا يجسر أحد على التدليس ولا غيره، ويحترز عند العروض فهو الأصل في انتظام أمر الجيش (7)، ويذكر ابن الأزرق أربع صفات للقائد هي: الشجاعة والحزم، وحسن التدبير، والسخاء (8)، ويقول إن من صفات نجاح قائد الجيش في منصبه معرفته بمواطن طاعة جنده (9) ومن الصفات اللازمة لقائد الجيش أن يكون: كامل العقل ثابت القلب تام الشجاعة، وافر اليقظة كثير الحذر شديد الحزم بصيراً بأحكام الحروب ومواضع الفرص منها عارفاً بالحيل والمكايد والخداع فيها, عالماً بتدبير العساكر وترتيب الجيوش خبيراً بالطرق .. عارفاً بالخيل .. وأصناف السلاح (10).
ب- واجبات قائد الجيش: وهي الاهتمام بحماية الجيش من مفاجأة العدو له، واختيار الموقع المناسب للجيش، وإعداد ما يحتاج إليه الجيش من مؤن، ومعرفة أخبار عدوه لئلا يتعرض لمكروه، وترتيب الجيش في أرض المعركة، وتقوية عزيمة الجند وبث روح الانتصار فيهم، وأن يعدهم بثواب الله في الآخرة والغنيمة في الدنيا، ومشاورة
_________
(1) النظم الحربية، ص 108.
(2) العرب والأتراك، ص 96.
(3) سياست نامه، ص 223.
(4) المصدر نفسه، ص 145.
(5) التبر المسبوك، ص 279، النظم الحربية، ص 109.
(6) الحُلا: ما يُحلي به من أدوات الزينة.
(7) النظم الحربية، ص 109.
(8) بدائع السلك (1/ 203، 204).
(9) النظم الحربية، ص 109.
(10) تفريج الكروب في تدبير الحروب, نقلاً عن النظم الحربية، ص110.
(1/233)

ذوي الرأي فيما يشكل عليه لئلا يخطئ (1).
جـ- رواتب الجند: كان كبار القادة يمنحون إقطاعات بدلاً من الرواتب - كما سبق أن أشرنا إلى ذلك في حديثنا عن الإقطاع - بصفة عامة، فقد كان الأمراء الأربعون الذين قدّمهم الوزير نظام الملك تحت أيديهم أربعون ولاية على سبيل الإقطاع، وأحياناً يقطع الأمير بضع ولايات، فقد منح السلطان بركيارق الأمير أنر ولاية فارس أولاً ثم ولاية العراق وكان إيرادهما السنوي يتجاوز المليون دينار، وفي عهد السلطان محمد بن ملكشاه أقطع الأمير أحمديل ولاية أذربيجان ذات الإيراد السنوي الذي يبلغ أربعمائة ألف دينار (2)، وهكذا كان الأمراء والولاة يقطعون هذه الإقطاعات بمثابة الراتب لهم، بينما كان الغلمان من ذوي الرواتب يحصلون على رواتبهم من الخزانة أربع مرات في السنة (3).
2 - الأسفهسلار (4) , وهو قائد القواد أو القائد العام: وُجد هذا اللقب قبل السلاجقة، فيذكر البيهقي وجوده عند الغزنويين في عهد السلطان مسعود (5)، وكان الأسفهسلار: زمام كل زمام وإليه أمور الأجناد (6)، ويؤكد الغزالي وجود منصب الأسفهسلار عند السلاجقة (7)، وقد أشار بعض المؤرخين إلى أن من يصل إلى مرتبة أمير الأمراء أو ملك الأمراء يكون بذلك القائد العام للجيوش السلجوقية ويطلق عليه أسفهسلار، أو بيلربي (8)، ويمكن قبول تولي الأسفهسلار قيادة الجيش في حالة غياب الحاجب الذي يتولى إمرة الجيش وعرضه, أما في حالة وجوده في المعركة فهو القائد الأعلى للجيش ويصبح الأسفهسلار حلقة الاتصال بينه وبين قادة الفرق المقدمين (9).
3 - أمير الحرس: كانت إمارة الحرس من المناصب المهمة في كل العصور، فكانت لها أهميتها في العصر السلجوقي؛ إذ لم يكن في البلاط أعظم وأكثر أبهة بعد الأمير الحاجب العظيم من أمير الحرس (10) ويبرر الوزير السلجوقي نظام الملك أهمية هذا المنصب بقوله: لأن عمله مختص بالعقوبات، والجميع يخشون غضب الملك وعقابه (11)، فإذا غضب
_________
(1) الأحكام السلطانية، ص 43.
(2) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 113.
(3) سياست نامه، ص 139.
(4) الأسفهسلار معناه مقدم العسكر, مركب من لفظين فارسي وتركي, فأسفه بالفارسية بمعنى المقدم وسلار بالتركية بمعنى العسكر.
(5) تاريخ البيهقي، ص 363, النظم الحربية، ص 115.
(6) الخطط (1/ 403) , النظم الحربية، ص 115.
(7) التبر المسبوك، ص 182.
(8) أمير الأمراء القائد الأعلى للجيش.
(9) النظم الحربية، ص 117.
(10) سياست نامه، ص 177.
(11) المصدر نفسه، ص 177, النظم الحربية، ص 118.
(1/234)

السلطان على شخص ما فإنه يأمر أمير الحرس بضرب العنق، أو قطع اليد والرجل، أو الشنق أو الجلد أو الزج به في السجن، أو الإلقاء في إحدى الآبار حتى كان الناس لا يترددون في افتداء أنفسهم وأرواحهم بالمال (1)، مما يؤكد أن من المهام التنفيذية لأمير الحرس إيقاع كثيرة من العقوبات بالإضافة إلى متابعة المشرفين على الحرس واحتياجاتهم اللازمة حتى لا يتعرضوا للإغراءات من قبل من يحاول ذلك، فيتهادنوا في أداء واجباتهم المنوطة بهم، ولم يقتصر هذا المنصب على البلاط السلطاني، بل كان لكل أمير من أمراء السلاجقة حرس يخصه يرأسهم شخص يطلق عليه أمير الحرس (2).
4 - المقدم: يطلق على القادة الذين تولوا قيادة الفرق في الجيش السلجوقي، وهو ما ذهب إليه بعض المؤرخين حول هذا المنصب (3)، وإذا كان المقدم أميراً للحرس أطلق عليه لقب جندر، وإن كان قائداً لقلعة حمل لقب دزدار (4)، كما أطلق على قائد الأقاليم الثغرية المتاخمة للأعداء لفظ سالار (5)، وأطلق عليه لقب غازي، وكانت الدولة تعفي الثغور من الضرائب والخراج، بل تقدم لهم المساعدات المالية والرواتب (6) حتى يكونوا على مستوى من القوة والولاء تساعدهم على الصمود.
5 - العميد: استحدث السلاجقة وظيفة العميد (7)، الذي يعاون الشحنة في إدارة الولاية وتوجيه القوات العسكرية في حال الاضطرابات، وكانت سلطات العميد أوسع من سلطات الشحنة، فهو يشرف على العراق بأكمله بينما يشرف الشحنة على بغداد فقط (8)، ويذكر نظام الملك أن من المناصب عميد بغداد وعميد خراسان وعميد خوارزم في حصره للمناصب المهمة التي تضاف ألقابها إلى الملك, لتتضح درجة العظيم ومرتبته عما دونه (9)، وهو ما يثبت لنا وجود هذا المنصب وأهمية صاحبه في الدولة السلجوقية (10). وأما عن مهام ومسؤوليات هذا المنصب فهي ضمان بغداد بمبلغ معين والنظر في أعمالها وعمارتها (11)
_________
(1) رسوم السلاجقة، ص 112، النظم الحربية، ص 118.
(2) دولة السلاجقة، حسنين، ص 148.
(3) آثار الأول, نقلاً عن النظم الحربية، ص 119.
(4) العرب والأتراك، ص 97.
(5) الكامل في التاريخ, نقلاً عن النظم الحربية، ص 120.
(6) قيام الدولة العثمانية، محمد كوبريلي ص 129.
(7) نظام الإقطاع عند السلاجقة، ص 75, النظم الحربية، ص 121.
(8) السلاجقة في التاريخ والحضارة، ص 159.
(9) سياست نامه، ص 200، النظم الحربية عند السلاجقة، ص 122.
(10) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 122.
(11) الكامل في التاريخ, نقلاً عن النظم الحربية عند السلاجقة، ص 122.
(1/235)

والمحافظة على الأمن والقضاء على الفتن في مركز الخلافة (1) والنظر في المظالم، والاهتمام بأمر الحج وتعيين الخفراء للحجيج وترتيب إقامة السلطان في بغداد (2)، وقد تقلّص نفوذ العميد ومهامه بمرور الزمن، فأنيطت أكثر مهامه بالشحنة (3).
6 - الشحنة (4): وهو منصب جديد استحدثه السلاجقة، فقد اعتادوا منذ بداية دولتهم على تعيين الشحنة على القبائل التركمانية، وإعطائه صلاحيات خاصة، وكان عمل صاحب هذا المنصب يتلخص في حسم القضايا الخفيفة في البلد الذي يتولاه (5)، وهو مشابه لعمل العميد فيما عدا ضمان العميد لبغداد بمبلغ من المال، ومن ثم لم يكن لعمله حدود واضحة ولكنه بعد أن تقلد نظام الملك الوزارة أصبح الشحنة بمثابة الوالي أو النائب عن السلطان، فهو المسئول عن إدارة المصالح السلجوقية وإقرار الأمن والنظام (6)، فهو قائد الحامية العسكرية في المدينة وله صلاحيات أمنية وإدارية واسعة (7)، وهي أشبه ما تكون بوظيفة الحاكم العسكري في عصرنا الحاصر (8). وأما عن شروط من يعتلى هذا المنصب فتقوم على أساس قدرته على ضبط الأمور وإدارتها بدقة، بالإضافة إلى أمن السلطان في بغداد (9)، ولذلك أعطى هذا المنصب مثل آق سنقر (10)، وعماد الدين زنكي (11).
7 - الأتابك (12): من الوظائف السلجوقية المهمة منصب الأتابك, ويذكر ابن الأثير والسيوطي أن معنى أتابك هو الأمير الوالد (13) بينما يذكر ابن خلكان أنه الذي يربي أولاد الملوك, فالأتا بالتركية هو الأب وبك هو الأمير (14)، وعبّر القلقشندي عن هذا اللفظ بقوله: ويعبر عن صاحبها بأتابك العساكر ... وأصله أطابك ومعناه الوالد الأمير، وأول من لقب بذلك نظام الملك وزير ملكشاه بن ألب أرسلان حين فوض إليه ملكشاه تدبير المملكة سنة خمس وستين وأربعمائة، ولقبه بألقاب منها هذا، وقيل أطابك أمير أب والمراد أبو الأمراء
_________
(1) تاريخ ابن أبي الهيجاء، ص 107.
(2) النظم الحربية، ص 122.
(3) النظم الحربية، ص 122.
(4) يشبه منصب المحافظ والمتصرف حالياً.
(5) تاريخ ابن خلدون, نقلاً عن النظم الحربية، ص 123.
(6) العرب والأتراك، ص 97.
(7) النظم الحربية، ص 123.
(8) نور الدين محمود، عماد الدين خليل، ص 74.
(9) الكامل في التاريخ, نقلاً عن النظم الحربية، ص 124.
(10) تاريخ حلب، ص 354.
(11) النظم الحربية، ص 124.
(12) يطلق على من يعهد إليه بتربية الأمراء ومراقبتهم وتصريف أمورهم وحمايتهم.
(13) تاريخ الخلفاء، ص 422، النظم الحربية عند السلاجقة، ص 125.
(14) وفيات الأعيان (1/ 365).
(1/236)

وهو أكبر الأمراء المقدمين (1).
ثم حمل لقب الأتابك العسكريون الموكول إليهم تربية الأمراء الفتيان من مختلف فروع العائلة السلجوقية، ومنذ عهد السلطان بركيارق أصبح الأتابك عسكرياً من القادة ذوي الشهرة، حيث يلعب دور الأب تماماً، فيتزوج أم الفتى عندما تصبح أرملة وبلغ الأمر بالأتابك من الناحية العملية حد توريث وظيفته حتى على مستوى امتلاك الحكم (2)، ولا شك أن في هذا الرأي استقراء لتطور هذا اللقب عند السلاجقة وتحوله من أصحاب المناصب المدنية في البداية إلى القادة العسكريين بعد ذلك (3).
8 - قاضي العسكر: كان القضاة هم الذين يرعون الشئون الشرعية في البلاد في عهد السلاجقة، وكانوا على قسمين: أحدهما للعساكر والآخر لعامة الناس، فكان قاضي الجيش ينظر في القضايا الخاصة التي توجد داخل الجيش (4)، ويذكر الوزير نظام الملك أن من شروط القاضي أن يكون عالماً أميناً زاهداً ويرى وجوب عزل كل من لا يتصف بهذه الصفات، وأن يعطى القاضي راتباً شهرياً يكفيه حتى لا تضطره الحاجة إلى الخيانة لما فيها من خطر كبير، لأن دماء المسلمين وأموالهم بيد القضاة ومعاقبتهم على أخطائهم إضافة إلى عزلهم, وأن من واجب السلطان مساعدة القاضي في أداء مهام منصبه بإجبار من يرفض الحضور إلى مجلس القضاء كي يسود العدل وينصف المظلوم (5) , لأن القضاة نواب السلطان فيجب عليه أن يشد أزرهم ويحفظ لهم مكانتهم، كما يجب تحري أحوال القاضي صغيرها وكبيرها وإرسال الثقاة للقيام بذلك (6)، ويرى المرادي أن من واجب القاضي أن يتصف بالوقار والفطنة والاحتراس والعبادة وفصاحة اللسان (7)، وكانت المنازعات التي تنشب بين منسوبي الجيش السلجوقي يفصل فيها قاضي العسكر (8)، الذي التزم أيضاً الفصل في القضايا التي تخص الجند كقضايا الميراث والغنائم والبيع والشراء وغيرها، وبيان أحكام الشرع لهم (9).
9 - الدزدار: تشير المصادر السلجوقية إلى منصب آخر هو الدزدار, فيذكر ابن بيبي أنه
_________
(1) صبح الأعشى (4/ 18) , النظم الحربية، ص 126.
(2) الشرق الإسلامي، ص 367، النظم الحربية، ص 126.
(3) النظم الحربية، ص 126.
(4) المصدر نفسه، ص 128.
(5) المصدر نفسه، ص 128.
(6) سياست نامه، ص 83، النظم الحربية عند السلاجقة، ص 128.
(7) تاريخ البيهقي، ص 603، 604.
(8) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 129.
(9) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 129.
(1/237)

يطلق على القائد الذي يقوم بحراسة القلعة (1)، كما يفسر البعض معناها بحاكم الحصن (2)، وصاحب هذا المنصب مستقل في منصبه عن حاكم الإقليم كما يذكر القلقشندي وعادة ما تكون رتبته القيادية أمير طبلخاناه يتزعم أربعين وقد يصل إلى سبعين وتحت إمرته حراس يتناوبون العمل على حراسة القلعة في الليل والنهار، كما هو الحال في قلعتي دمشق وحلب على سبيل المثال (3).
10 - سلاح دار: وتعني هنا أمير السلاح، فقد جاء مصطلح سلاح دار في كتاب سياست نامه (4)، وفي تاريخ البيهقي، أنه يطلق على الشخص الذي يقوم بمهمة حراسة دار السلاح أو الذي يحمل سلاح الحاكم أثناء المراسم والاحتفالات، وتحق إمرته لأشخاص أُطلق على الواحد منهم سلاح دار (5)، ويفرق ابن كنان بين أمير السلاح الذي يجلس إلى جانب السلطان على المسيرة وهو من أكابر الأمراء وهو المختص بالسلاح خاناه (6)، وبين سلاح دار الذي يحمل آلة من آلات الحرب التي تختص بالسلطان حين القتال (7)، والذي هو واحد ممن يتزعمهم أمير السلاح (8).

ثانياً: ديوان عرض الجيش:
كان هذا الديوان يرعى مهمات الجيش واحتياجاته وأسماء الجند في السجلات الموجودة في هذا الديوان، فهو يقابل وزارة الحرب في عصرنا ويسمى رئيس هذا الديوان العارض (9)، حيث يُخبر السلطان بأحوال هذا الديوان إما بنفسه مباشرة أو بمن يرسله إليه (10)، ويسمى أحياناً ديوان الإقطاع (11) ومن مهام هذا الديوان:
1 - تنظيم سجلات أسماء الجند: ترصد في الجريدة السوداء (12) سنوياً أسماء الرجال وأنسابهم ومبالغ أرزاقهم وسائر أحوالهم وهي الأصل الذي يرجع إليه في ديوان الجيش في كل شيء, ويتم هذا الرصد تحت قياداتهم قائداً قائداً (13)، ويُصرح الراوندي بوجود الجرائد
_________
(1) العرب والأتراك، ص 130، النظم الحربية، ص 130.
(2) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 130.
(3) صبح الأعشى (4/ 224، 225).
(4) سلاح دار: داراي ممسك, تعني الذي يحمل سلاح السلطان.
(5) تاريخ السلاجقة، ص 293، النظم الحربية، ص 131.
(6) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 131.
(7) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 131.
(8) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 131.
(9) دولة السلاجقة، ص 147، نظم دولة سلاطين المماليك (1/ 139).
(10) صبح الأعشى (4/ 18).
(11) الحرب عند العرب، ص 327.
(12) الجريدة السوداء: وهي من دفاتر ديوان الجيش تكتب فيها الأسماء.
(13) تاريخ البيهقي، ص 134.
(1/238)

الديوانية لدى السلاجقة في عهد السلطان ملكشاه وأنه كانت تكتب فيها أسماء الجند ويُرصد فيها توزيع الإقطاعات عليهم (1) ويعتبر تسجيل أسماء الجند في السجلات
الخاصة بديوان الجيش، هو أحد مظاهر التنظيم الإداري العسكري الدقيق في عهد
السلاجقة العظام (2).
2 - عرض الجيش: كان العارض - رئيس هذا الديوان - يشرف بنفسه على عرض الجيش، فيجب عليه الحذر عند العرض: فهو الأصل في انتظام أمر الجيش (3)، وقد اعتاد سلاطين السلاجقة - بحكم تربيتهم وميولهم العسكرية- على الاهتمام بجندهم اهتماماً بالغاً وكان من مظاهر هذا الاهتمام متابعة إعداد الجيش واستعراضه، وتفقد أحوال الجند ومدى استعدادهم للمعركة في مكان متسع قبل خوض المعارك (4)، ويقدم لنا ابن العبري وصفاً جيداً للعرض العسكري الذي يتم بشكل يومي في عهد السلطان طغرل بك فقد اعتاد الجنود أن يتوافدوا كل يوم فوجاً ليؤدوا الطاعة لطغرل بك يتألف كل فوج من ألفي شخص، وكانوا ينحدرون عن خيلهم من بعيد ويقبَّلون الأرض ويقفون، ثم يشير الحاجب إليهم بأن تحيتهم قد قبلت فكانوا يقبلون الأرض ثانية ويركبون وينصرفون فيأتي فوج ثان، ولم يكن يدنو منه أحد أو يحدثه (5)، كما كان السلطان سنجر يزود قواده بضرورة استعراض جندهم أمامه، وكان من النصائح العسكرية المقدمة للسلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه في عرض الجيش قوله: واختبرهم عند العرض ولا تثبت منهم إلا الوفي الكمي، الذي لا يعدل عن الوفاء ولا ينكل عن الهيجاء فإن المراد بهم قوة العدة لا كثرة العدد (6).
3 - تحديد المهام الموكلة إلى الجند: اهتم السلاجقة منذ بداية أمرهم بتحديد المهام الموكلة لفرسانهم وقوادهم وجندهم، فقد كلف السلطان طغرل بك الحاجب آيتكين بالمحافظة على الطرق المؤدية إلى بغداد وحراستها (7)، ويذكر نظام الملك أهمية تحديد المهمة بدقة متناهية، وأن يصدر بها أمر من البلاط السلطاني فيقول: ينبغي ألا يرسل أي غلام ما لم تكن ثمة مهمة وألا يكون إرساله دون أمر .. لتجري الأمور على نصابها (8)، ويقول في تعظيم الأوامر السامية والمراسيم الصادرة عن البلاط السلطاني: فإذا لم يكن ثمة أمر مهم ينبغي ألا
_________
(1) راحة الصدور، ص 204، 205 النظم الحربية، ص 134.
(2) النظم الحربية، ص 135.
(3) النظم الحربية، ص 135.
(4) المصدر نفسه، ص 135.
(5) تاريخ الزمان، ص 93, النظم الحربية، ص 136.
(6) راحة الصدور، ص 344.
(7) المصدر نفسه، ص 173.
(8) سياست نامه، ص 110، النظم الحربية، ص 138.
(1/239)