Advertisement

دولة السلاجقة ومقاومة التغلغل الباطني والغزو الصليبي 002



الكتاب: دولة السلاجقة وبروز مشروع إسلامى لمقاومة التغلغل الباطني والغزو الصليبي
المؤلف: عَلي محمد محمد الصَّلاَّبي
الناشر: مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة
الطبعة: الأولى، 1427 هـ - 2006 م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] يصدر عن الديوان العالي أمر خطي ألبتة (1).
4 - الإشراف على النواحي التموينية: كان إشراف الديوان على هذه النواحي دقيقاً في البداية عند السلاجقة، فقد اهتم بعض قادة الجيش السلجوقي بشراء المؤن لجيشهم في عهد السلطان ألب أرسلان ووضع نظام الملك حلولاً صائبة للقضاء على ما قد يعترض الجيش السلجوقي من صعوبات في مجال التموين وتجنب إرهاق الرعية ووقوع الظلم عليهم ووزع مؤن الجيش على مختلف أقاليم الدولة خاصة المناطق الواقعة على الطرق الرئيسية, وقد أسهمت حلول نظام الملك بشكل فاعل في حل مشكلة التموين للجيش، فاستطاع الديوان بهذه الطريقة أن يوفر المؤن اللازمة للجيش بكل يسر وسهولة (2).
5 - الإشراف على النواحي المالية: أشار الغزالي إلى وجوب المحافظة على أرزاق الجند (3) ودفعها لهم كل إنسان منهم على قدر (4)، فكان ديوان الجيش يتولى متابعة هذه الأرزاق، ويذكر ابن الأزرق أن من أسس الحكم تعجيل أرزاق الجند لهم في مواعيدها وعدم تأخيرها عليهم (5)، لما في ذلك من الأضرار البالغة على الجند أولاً وعلى الدولة ثانياً (6)، ويعبَّر المرادي عن ذلك بقوله: إن الجيش أعوان يكفلهم المال (7)، في إشارة منه لأهمية الأموال للجيش وصرف مستحقات الجند في أوقاتها (8)، وكان السلطان ملكشاه قد جعل مخصصات الجند ورواتبهم مقسمة على مختلف الأقاليم وأمر لهم بمخصصات في كل مكان ينزلون منه على الرعايا من إمداد الجيش السلجوقي واحتياجاته (9)، وأما فيما بعد فقد أدت العوامل التي سبق ذكرها في الإقطاع إلى الاستعاضة عن المرتبات النقدية للمحاربين بالإقطاعات من الأرض من قبل وزير ملكشاه -نظام الملك - حتى صار الإقطاع الحربي
هو القاعدة، فكان ديوان عرض الجيش هو المشرف على تنظيم الرواتب والإقطاعات
على حد سواء (10).
6 - الإشراف على التسليح: ذكر ابن الجوزي أن الجيش السلجوقي في عهد السلطان طغرل بك كان يحوي - ضمن محتوياته المتعددة- النجارين القادرين على تلبية احتياجات تسليحه صناعة وصيانة, كما أنه عند مسيره من بغداد سنة ثمان وأربعين وأربعمائة كان قد
_________
(1) النظم الحربية، ص 138.
(2) المصدر نفسه، ص 139.
(3) التبر المسبوك، ص 279.
(4) المصدر نفسه، ص 279.
(5) النظم الحربية، ص 141.
(6) النظم الحربية، ص 141.
(7) النظم الحربية، ص 141.
(8) النظم الحربية، ص 141.
(9) راحة الصدور، ص 204، 205 النظم الحربية، ص 142.
(10) النظم الحربية، ص 142.
(1/240)

انتهى من صناعة الأسلحة الثقيلة اللازمة للجيش كالعرادات والمنجنيقات (1)، ويذكر ابن الأثير أن جيش طغرل بك كان يحتوي على خزائن السلاح والمنجنيقات (2)، ومن الطبيعي أن تحوي هذه الخزائن مختلف أنواع الأسلحة اللازمة للجند على سبيل الاحتياط إضافة إلى وجود الصناع القادرين على صنع الأسلحة وصيانتها عند الحاجة، كما أكد ابن الأثير أن عملية تأمين احتياجات الجيش من الأسلحة والعتاد تتم حتى في أثناء المعركة (3)، فكان ديوان الجيش يقوم بالإشراف على هذه النواحي (4).
7 - الإشراف على زي الجند: حافظ السلاجقة على ملابسهم الخاصة التي عرفوها في آسيا الوسطى فكانت هذه الملابس الخاصة بالأتراك سبباً في تعرف السلاجقة الأتراك - أثناء موقعة ملاذكرد - على أبناء عمومتهم من الأوزو البجناق الذين كانوا يحاربون في صفوف الجيش البيزنطي الذين انضموا لجيش السلاجقة بعد ذلك، فكانت الهزيمة على البيزنطيين (5)، وقد يكون ذلك أيضاً من خلال معرفة بعض أنواع أسلحتهم التي يتمنطقون بها وهيئتهم التي يقفون عليها، فكان من مهام الديوان الإشراف على زي الجند.
8 - ثكنات الجند: كانت إقامة الجند تتم في العنابر الملحقة بقصر السلطان السلجوقي، فكانوا بذلك قريبين من السلطان لتنفيذ أوامره، ويطلق على هذه العنابر أتاق (6)، وحرَّفت الكلمة إلى وثاق (7)، وهذا الأمر خاص بالغلمان الذين جعلوا لخدمة السلطان خاصة بالإضافة إلى الحرس السلطاني, أما بقية الجيش فلهم ثكنات خاصة بهم في أماكن أخرى.

ثالثاً: أقسام الجيش السلجوقي:
كان الجيش السلجوقي سبباً من الأسباب الرئيسية في نجاح السلاجقة وتفوقهم على القوة المعاصرة لهم وقد كان للجيش السلجوقي أقسام متعددة هي:
1 - القوة النظامية: والمقصود بها الجيش النظامي الثابت في خدمته للدولة بشكل دائم، وتتألف القوة النظامية من الغلمان العبيد، أو ممن نالوا حريتهم منهم للقيام بالواجبات
_________
(1) النظم الحربية، ص 143, المنتظم (8/ 173).
(2) الكامل في التاريخ, نقلاً عن النظم الحربية، ص 143.
(3) الكامل في التاريخ, نقلاً عن النظم الحربية، ص 143.
(4) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 143.
(5) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 144.
(6) المصدر نفسه، ص 144.
(7) تاريخ البيهقي، ص 805، النظم الحربية، ص 145.
(1/241)

اليومية, وطريقة الحصول على هؤلاء الغلمان الشراء، والهدايا للسلاجقة من حكام آخرين، بالإضافة إلى أسرى الحروب والرسوم المقررة على الدول الخاضعة لهم (1)، كما استفادوا بشكل كبير من العناصر التي دخلت في خدمة الدولة بعد قيامها (2).
2 - القبائل التركمانية: كانت هذه القبائل تعيش حياة بدوية تحت قيادة زعماء العشائر سواء وجدت هذه القبائل في خدمة الدولة أم لا، كما حافظوا على أساليبهم التقليدية في القتال والمعتمدة على رماة السهام من الفرسان (3)، وحتى النساء والأطفال كانوا يعيشون حياة عسكرية تحت زعامة رئيس القبيلة الذي يلقب بباش بوغا, وكانت القبائل التركمانية التي تعيش في الثغور أكثر أهمية وكان يطلق على صاحبها لقب سالار - وهو منصب أعلى من وظيفة الشحنة الذي كان يُعين على القبائل التركمانية الأخرى، ولكن بصلاحيات خاصة- وكانت الدولة تُعفي الثغور من الضرائب والخراج بل وتقدم لهم المساعدات المالية، وتمنح الغزاة والسالارات فيها رواتب ثابتة (4) كما اضطر سلاطين السلاجقة إلى إعطاء أفراد القبائل التركمانية - أحياناً - رواتب ثابتة اتقاء لخطرهم الذي يظهر مباشرة حين توقف الدولة هذه المرتبات (5)، وعلى أي حال فقد لعبت القبائل التركمانية الدور الأساسي في مرحلة تأسيس الدولة السلجوقية (6). ويرى الوزير السلجوقي نظام الملك أنه: على الرغم من النفرة والملالة من التركمان وكثرة عددهم فإن لهم حقاً ثابتاً على الدولة؛ إذ أسهموا في خدمتها أبان قيامها، وتحملوا في سبيلها المتاعب والمشاق فضلاً عن أنهم من ذوي القربى (7).
3 - فرق الولايات: تشكل قوات حكام الولايات جزءاً كبيراً من القوات التي تلتحق بجيش الدولة في حالة إعلان الحرب وفقاً لما تعهد به هؤلاء الحكام خلال إسناد مهمة الولاية لهم حيث تكونت من عناصر متعددة حسب حالتها (8)، فكان لدى الحاكم قوة دائمة يحتفظ بها إضافة إلى من يستدعيه وقت الحرب (9)، ويضاف إلى هؤلاء الفرق التابعة لأصحاب الإقطاع (10). والتي يختلف عددها تبعاً لعدد الأفراد الموجودين تحت إمرة صاحب الإقطاع
_________
(1) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 150.
(2) المصدر نفسه، ص 150.
(3) إمارة حلب، محمد صامن، ص 130, النظم الحربية، ص 154.
(4) النظم الحربية، ص 154.
(5) دولة السلاجقة، ص 20، النظم الحربية، ص 154.
(6) سياست نامه، ص 143.
(7) سياست نامه، ص 143.
(8) الحرب عند العرب، ص 329.
(9) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 157.
(10) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 157.
(1/242)

وإن كانوا أقل عدداً من تلك القوات التي يجلبها حكام الولايات (1).
4 - قوات الأمراء: والمقصود بها تلك القوات التي تساعد الجيش السلجوقي في حروبه في حالة إعلان الحرب، ويدخل في ذلك نوعان من الأمراء، الأول: الغلمان الذين تدرجوا في المناصب حتى أصبحوا أمراء, والثاني: الأمراء العرب الذين كان لقواتهم دور فاعل في الانتصارات التي حققها جيش السلاجقة، فقد كان للأمير العربي مسلم بن قريش أثر فاعل في القضاء على حركة قاورد ضد السلطان ملكشاه, فعندما التقى الجيشان قام بالهجوم بقواته على ميسرة قاورد فهزمها (2)، كما كان اجتماع قوات العرب من بني كلاب إلى تتش بن ألب أرسلان عندما وصل إلى الشام سبباً مهماً من أسباب قوته (3) إلا أن توثق العلاقة بينهم وبين سلاطين السلاجقة لم يستمر طويلاً فقد قام السلطان مسعود بالقضاء على اثنى عشر أميراً كانوا قد وقعوا في أسره، منهم صدقة بن دبيس أمير العرب فأمر بقتلهم جميعاً (4)، مما يعطي إشارة إلى تحول سلاطين السلاجقة عن الاعتماد على هؤلاء الأمراء وقواتهم (5).
5 - قوات المدن والمتطوعة والأوباش: لم يكن الجيش السلجوقي يتكون من القوة النظامية والقبائل التركمانية وفرق الولايات وأصحاب الإقطاع وقوات الأمراء فقط، بل يوجد عدا هذه الأقسام جحافل كثيرة من القوات التي تنضم إلى الجيش من المدن القريبة من ميدان الحرب والتي تختلف أعدادها باختلاف هذه المناطق، فكانت تسمى بأسماء المدن والأقاليم التي جاءت منها, فتذكر في بعض المصادر عبارة عساكر العراق وغيرها (6)، ويضم الجيش السلجوقي كذلك المتطوعة الذين يلتحقون بالجيش لفترة محددة، أو دائمة لتأدية فريضة الجهاد (7)، ويعرَّفهم الماوردي بأنهم الخارجون عن ديوان الجيش من أهل البادية وسكان المدن ممن انضموا للجيش حين النفرة للحرب (8)، وهناك طوائف ذكرت في المصادر باسم أوباش ورغم إضافتها للجيش لم يكن لها تأثير يُذكر في نتيجة الحرب مثل القوى الرئيسية في الجيش السلجوقي (9)، وهذا لا يقلل من الجهود البارزة لهاتين الطائفتين في
_________
(1) النظم الحربية، ص 157.
(2) أخبار الدولة السلجوقية، ص 158.
(3) ذيل تاريخ دمشق, نقلاً عن النظم الحربية، ص 158.
(4) أخبار الدولة السلجوقية، ص 110.
(5) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 158.
(6) الكامل في التاريخ, نقلاً عن النظم الحربية عند السلاجقة، ص 159.
(7) الحرب عند العرب، ص 330.
(8) الأحكام السلطانية، ص 159.
(9) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 160.
(1/243)

الجيش واستفادته منهما؛ فقد كان لإخلاص المتطوعة واستماتتهم في القتال طلباً للشهادة دور فاعل في إثارة حماس الجند للقتال (1)، وعلى سبيل المثال، كيف استفاد الجيش السلجوقي في عهد السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان من جهود الأوباش في أعمال الردم للخندق حول مدينة ترمذ، فنجح الجيش بعد ذلك في فتح المدينة وقلعتها (2).
6 - الطلائع: كانت الطلائع تسير متقدمة أثناء تحرك الجيش وتتبعها المقدمة على مسافة كافية، وكان عمل الطلائع ينحصر باستطلاع الإقليم واحتلال النقاط المهمة فيه ولم يكن واجبها خوض المعركة بل اكتشاف مكان العدو وقوته، فإذا اصطدمت بقوة صغيرة من العدو فغالباً ما تكون قوات استطلاع مماثلة (3)، ويذكر البيهقي أن السلاجقة جعلوا في طلائع جيشهم المحاربين الممتازين (4)، إيماناً منهم بأهميتها ودورها الحيوي في تحقيق سلامة الجيش وتأمين سيره، يضاف إلى ذلك الدقة الكاملة في اختيار قيادة هذه الطلائع, فقد كانوا يشترطون في قائدها أن يكون رجلاً مذكوراً ثقة ناصحاً عاقلاً مدبراً جسوراً شديد الحذر (5).
7 - الجاويشية: مفردها جاويش، وهو لفظ تركي مهمته القيام بالنداء في الجيش (6). وكان في الجيش فئة من الضباط برتبة جاويش كانوا يؤدون وظيفتهم ضباطاً للجند، كل حسب درجته في الجيش, وكانوا بصفة عامة يعملون على تحقيق الانضباط في الجيش إلى جانب عملهم ضباطاً، وكانوا يتقدمون موكب السلطان يفسحون له الطريق (7)، ومراقبة الطريق أثناء سير الجيش إضافة إلى المراسلة وإيصال البريد، فكان لرجال الدولة السلجوقية جاويشية أيضاً ذكرت خدماتهم في سرعة إيصال البريد، فأطلق عليهم لفظ بيكان أي الذي يمشي بسرعة, وظلت وظيفة الجاويش حتى عند العثمانيين بمسمى جاويش الديوان السلطاني (8).
8 - فرق المنزل: هناك تشكيلات يطلق عليها تشكيلات المنزل يكون عملها الاهتمام بإعداد المنازل التي سيمر بها الجيش على الطريق، فتقوم بإعداد ما يلزمه من مأكل ومشرب (9)، وكان لعمل هذه الفرق أثر واضح في اختيار المواقع المناسبة لنزول الجيش
_________
(1) النظم الحربية عند السلاجقة،، ص 160.
(2) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 160، أخبار الدولة السلجوقية، ص 60، 61.
(3) فن الحرب (3/ 442) , النظم الحربية عند السلاجقة، ص 160.
(4) تاريخ البيهقي، ص 625، 626، 633، 687.
(5) مختصر سياسة الحروب، ص 48، النظم الحربية، ص 160.
(6) النوادر لابن شداد، ص 62.
(7) الدر المنتخب، لابن الشحنة, ص258, النظم الحربية، ص 162.
(8) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 162.
(9) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 163.
(1/244)

وكيفية إقامة الخيام وتوزيعها على شكل مجموعات متناسقة فيما بينها (1). وبالإضافة إلى هذه الأقسام المحاربة يضم الجيش السلجوقي فئات أخرى غير محاربة مثل منسوبي الحرم السلطاني، والخزانة وحملة الأثقال وكتبة الجيش والعلماء، والندماء ومنسوبي المطبخ الخاص والمتعاملين في سَوْق الجيش وغيرهم ممن لا يشتركون في القتال (2).

رابعاً: عناصر الجيش:
تكّون الجيش السلجوقي من عناصر متعددة، كالترك والغز والأعاجم والكرد والديلم والعرب وغيرهم من الأجناس. وأهم العناصر في الجيش السلجوقي:
1 - الأتراك: اعتمد السلاجقة على بني جلدتهم من الأتراك, ويتضح ذلك من النصوص الواردة في بعض المصادر عن تفضيل بعض سلاطين السلاجقة لبني جنسهم, يقول السلطان ألب أرسلان مخاطباً جنده الأتراك: ... لقد قلت لكم مرة ومرتين ومائة مرة: أنتم الأتراك جيش خراسان وما وراء النهر، إنكم لغرباء في هذه الديار، لقد أعز الله عز وجل الترك اليوم وسلطهم على رقاب الديالمة، لأنهم مسلمون خلّص أطهار لا يعرفون البدع والأهواء (3). وقد صدق السلطان ألب أرسلان في هذه العبارة حيث جعل اتباع السنة والتمسك بها والابتعاد والبعد عن الأهواء سبباً في إعزاز الله لهم ونصرتهم, كما أن في قوله ذلك دلالة واضحة على تقديمه الأتراك وتفضيله لهم على بقية العناصر واعتبارهم العماد الأول لجيشه، بل كانوا العنصر الرئيسي للقوة النظامية في الجيش السلجوقي (4).
2 - العرب: اشتهر العنصر العربي منذ القدم بصفاته الحربية الثابتة في المعارك ومهارته العالية في ركوب الخيل فيها، وإجادتهم استخدام الرماح الطويلة (5)، ويعد العرب أحد عناصر الجيش السلجوقي (6) وله أهميته في بعض المعارك الحاسمة (7).
3 - الأكراد: كان الأكراد أحد العناصر التي تكون منها الجيش عند السلاجقة، فقد اجتمع إلى السلطان ألب أرسلان عشرة آلاف من العنصر الكردي في معركة ملاذكرد الشهيرة (8)، ويتميز الأكراد بالشجاعة في القتال رجّالة وفرسانا (9).
4 - الفرس: هم أحد العناصر التي شكلت الجيش السلجوقي بوضوح وأهم ما يميزهم
_________
(1) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 163.
(2) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 163.
(3) المصدر نفسه، ص 165.
(4) المصدر نفسه، ص 165.
(5) المصدر نفسه، ص 165.
(6) المصدر نفسه، ص 165.
(7) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 167، 168.
(8) تاريخ ابن أبي الهيجاء، ص 118، 119.
(9) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 169.
(1/245)

- عسكرياً - الشجاعة والصبر وإجادة الرمي بالنشاب (1).
5 - الديلم (2): هم أحد العناصر التي دخلت في تكوين الجيش السلجوقي وهم أهل فروسية وشجاعة ويجيدون الرمي بالمزاريق (3).
6 - الأرمن: ورد ذكر الأرمن ضمن عناصر الجيش السلجوقي من خلال بعض الحوادث, ومما يدل على ذلك أنه عندما عُهد إلى سعد الدولة كوهرائين بالقضاء على قاورد - عم السلطان ملكشاه - أسند المهمة إلى أحد الأرمن الذي قام بقتله خنقاً (4)، وكان عنصر الأرمن ثابتاً في جيوش السلاجقة في هجومهم على آسيا الصغرى أو مواجهة
جيوش الصليبيين كفرق وجنود أيضاً (5). هذه هي أهم العناصر التي تكون منها
الجيش السلجوقي (6).

خامساً: فرق الجيش:
1 - الرجالة: كانت الفئة المحاربة في الجيش السلجوقي تتكون - بصفة عامة - من الرجَّالة (المشاة) والخيالة (الفرسان) وكانت الرجالة تتقدم على الفرسان في الجيش (7).
2 - الفرسان: تمثل فرقة الفرسان القوة الضاربة الرئيسية للجيوش، وكانت الفئة المحاربة في الجيش السلجوقي ويمثلون الجزء الفعَّال من جيش السلاجقة لما توافر لديهم من سرعة ومرونة ساعدهم عليها خفة حركتهم وسرعة عدو خيلهم وخفة أسلحتهم التي يحملونها (8)، وتتمثل في الغالب في القوس وهو السلاح الرئيسي لهم, ولكنهم كانوا يحملون أيضاً الترس والرمح والسيف والهراوة (9)، وكان استخدامهم للسهام على ظهور الخيل مميزاً، فكانوا يطلقونها ببراعة دون الحاجة إلى التوقف أو الترجل عن خيلهم، وكانت هذه الميزة لديهم حتى في أثناء تراجعهم عن أرض المعركة فكانوا يدورون فوق السرج ليطلقوا السهام على مطارديهم بفعالية واضحة (10)، وقد مكنت خفة الأسلحة الفرسان من حملها واستعمالها بسهولة على ظهور الخيل. (11)
_________
(1) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 169.
(2) الديلم هم أهل طبرستان والجبال.
(3) المزاريق: نوع من أنواع الرماح يُزرق بها. تبصرة أرباب الألباب، ص 11.
(4) النجوم الزاهرة (5/ 94) , النظم الحربية، ص 171.
(5) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 171.
(6) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 171.
(7) مختصر سياسة الحروب، ص 37، النظم الحربية، ص 173.
(8) النظم الحربية، ص 176.
(9) الحروب الصليبية, سميل، ص 77.
(10) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 177.
(11) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 177.
(1/246)

3 - النشابة والنفاطيون والمجنيقيون والدبابون: النشابون هم رماة النشاب (1)، حيث أجاد السلاجقة الرمي بالنشاب حتى أصبح ميزة من مميزات الجيش السلجوقي، ويذكر أحد شهود العيان أن النشابة كانوا في مقدمة الجيش السلجوقي وأن عددهم وصل إلى عشرة آلاف من الرجالة، وفي الكثافة العددية للنشاب في المعركة دلالة قاطعة على كثرة تعداد من يقوم بإطلاقها، وكان الفرسان أيضاً يستخدمون النشاب في قتالهم كذلك، ويؤكد كثير من المؤرخين وجود النشابة في الجيش السلجوقي وفعاليتهم في معاركهم (2). والنفاطون هم رماة النفظ لإحراق حصون الأعداء (3)، وغيرها من العوائق التي تعوق تقدم الجيش (4)، فمثلاً عندما سار السلطان ألب أرسلان إلى ناحية شكي (5)، من بلاد الأبخاز ووجد بها غياضاً وآجاماً يحتمي بها اللصوص أمر السلطان النفاطين بإحراقها، إدراكاً منه لما تشكله هذه المنطقة من خطورة على الجيش السلجوقي, وأما المنجنيقيون فهم رماة المنجنيق (6) التي تشبه المدفعية الميدانية الثقيلة في عصرنا الحاضر ويؤكد كثير من المؤرخين وجودهم في الجيش واعتماد السلاجقة عليهم، وأن المنجنيقات كانت أهم أسلحة جيشهم الثقيلة (7)، وكانت الفرقة التي تقوم عليها ترافق الجيش في كثير من الميادين (8)، وأما الدبابون فقد كانوا يدخلون داخل الدبابة وهي آلة حربية على هيئة هودج كبير، يتسع لمجموعة من المقاتلين يحتمون ويزحفون في داخلها حتى يقتربوا من السور للمدينة المحاصرة، ومن ثم يقومون بنقبه في نقاط الضعف فيه (9).

سادساً: التعليم والتدريب العسكري:
حرص زعماء السلاجقة على تدريب أبنائهم وتنشئتهم على إجادة الفنون العسكرية بأنواعها المختلفة، ووصف شاهد عيان حروب السلاجقة مع الغزنويين أن لدى السلاجقة الكثير من الرجال المدربين (10)، فقد كان القصر يمثل مدرسة للتدريب تتخرج منها العناصر العاملة في الجيش والتي تؤدي دوراً مهماً في حياة الدولة باعتبار مواقعهم الدائمة في الجيش وليس باعتبار وظائفهم المؤقتة في قصر الحاكم (11). ومن
_________
(1) أخبار الدولة السلجوقية، ص 80.
(2) تاريخ البيهقي، ص 628، أخبار الدولة السلجوقية، ص 80.
(3) الحرب عند العرب، ص 330.
(4) الحرب عند العرب، ص 330.
(5) شكي: ناحية من بلاد الأبخاز.
(6) أخبار الدولة السلجوقية، ص 44، النظم الحربية، ص 179.
(7) النظم الحربية، ص 179.
(8) النظم الحربية، ص 179.
(9) تاريخ السلاجقة، ص 276.
(10) تاريخ البيهقي، ص 674، 683.
(11) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 181.
(1/247)

مميزات الجيش التركي أن أفراده كانوا يهبون أنفسهم دائماً لواجبهم العسكري، وكانوا يتخذون من العسكرية مهنة دائمة فكان أفراد الجيش يمضون أوقاتهم في التدريب العسكري وإجراء المناورات، ولهذا السبب كانوا يفتخرون بمهارتهم العسكرية بين المحاربين وانعكست حياة الجد على الألعاب التي يمارسونها في أوقات اللهو عندهم - أيضاً - فكانوا يقضونها في التدرب على بعض الأسلحة كاللعب بالسيف والترس والرماية وسباق الخيل إلى جانب الألعاب المختلفة الأخرى (1)، ويفهم من التدرج الذي ذكره الوزير السلجوقي نظام الملك في خدمة الغلمان وطول فترة إعدادهم إلى أن يبلغوا سن الخامسة والثلاثين أو الأربعين من العمر فيولون منصباً قيادياً متقدماً (2) أن التدريب العسكري عند السلاجقة يعتمد على جانبين مهمين هما: الدقة في التدريب المتمثَّل في تتبع أحوال الغلام بدقة متناهية, والثاني: إكسابه الخبرة العسكرية اللازمة والتي تتأتي من طول فترة ممارسته للأعمال العسكرية وتدريبه عليها حتى يصل إلى منصب قيادي متقدم مثل منصب الحجابة (3)،
رغبة في تدريبهم تدريجياً وإكسابهم الخبرة اللازمة بالتدرج ريثما يصبحون مؤهلين للوظائف العسكرية الأعلى، كما يذكر أن مهام الوزير: أن يدرب الرجال الشجعان بآلات الحرب (4).

سابعاً: حجم الجيش السلجوقي:
يذكر ابن الأزرق أن كثرة الجيش من الأمور الظاهرة المسببة للنصر (5)، وتبرز المصادر التاريخية عظم الجيش السلجوقي وكثرة جنده، ويصف البيهقي - وهو شاهد عيان الحروب السلجوقية الغزنوية - السلاجقة بقوله: ومعهم جيش كبير العدد (6)، وذكر الراوندي أنهم: كانوا جنوداً موفقين وأناساً كثيرين، تعدادهم كبير ومالهم وفير (7)، وعندما سار السلطان طغرل بك إلى العراق كان: معه جند اهتزت الأرض لوطأتهم، واضطربت الجبال من كثرتهم (8)، وذكر العطيمي أنه عندما دخل طغرل بك بغداد امتد جيشه من دار الخلافة إلى النهروان مسافة أربعة فراسخ (9)، وعندما وضع السلطان ألب أرسلان لجيشه جسراً على نهر جيحون، أقام العسكر يعبر عليه شهراً (10)، وفي مجال تحديد تعداد الجيش السلجوقي.
_________
(1) دولة السلاجقة، عبد المنعم حسنين, ص 167.
(2) سياست نامه، ص 144، 145.
(3) تاريخ البيهقي، ص 683، النظم الحربية، ص 182.
(4) التبر المسبوك، ص 279، النظم الحربية عند السلاجقة، ص 182.
(5) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 183.
(6) تاريخ البيهقي، ص 66، النظم الحربية، ص 183.
(7) راحة الصدور، ص 145.
(8) المصدر نفسه، ص 175.
(9) وفيات الأعيان (5/ 69، 70).
(10) وفيات الأعيان (5/ 69، 70).
(1/248)

ذكر البيهقي أن عدد جيش السلاجقة عندما دخلوا سرخس كانوا عشرين ألف فارس (1)، وذكر ابن العمراني أن جيش طغرل بك عندما ذهب إلى بغداد كان خمسين ألف فارس (2)، وذكر الحسيني العدد نفسه لجيش ألب أرسلان سنة خمس وستين وأربعمائة (3)، وفي الوقت الذي ورد فيه أن جيش السلاجقة في عهد السلطان ألب أرسلان قُدّر بأربعمائة ألف من الجند (4)، يذكر ابن كثير أن جند السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان كانوا مائتي ألف (5)، ويذكر الوزير السلجوقي نظام الملك أن الجيش كان أربعمائة ألف رجل واقترح زيادة عدده ليصل إلى سبعمائة ألف (6).

ثامناً: العيون والجواسيس:
استخدم السلاجقة نظام العيون والجواسيس وحرصوا على توافر صفات وشروط معينة فيمن يتولاه وأن تكون مهمته شاملة وذلك لتأمين وصول أخبار أعدائهم إليهم لاتخاذ التدابير اللازمة حيالها، فهو من أهم نظمهم في مواجهة الأعداء منذ بداية ظهورهم, ويذكر بعض المؤرخين أن بث العيون في جيش الأعداء من واجبات السلطان للتعرف على أخبارهم (7)، وكان الوزير السلجوقي نظام الملك يرى أنه يجب بعث العيون في كل الأطراف دائماً في زي تجار وسياح ومتصوفة وبائعي أدوية ودراويش لنقل كل ما يسمعون من أخبار حتى لا يظل ثمة شيء خافياً وحتى يمكن تلافي أي طارئ جديد في حينه. فما أكثر ما كان الولاة والمستقطعون والعمال والأمراء يضمرون للملك خلافاً وعصياناً ويتربصون به الدوائر سراً لكن الجواسيس كانوا يكتشفون ذلك ويخبرون الملك به فيركب من وقته، وينقض عليهم بغتة، فيحيق بهم ويحبط مآربهم ويفشل مقاصدهم ... ولهذا كانوا ينهون إليه أخبار الرعية خيرها وشرها أولاً بأول، فيتعهدهم السلاطين بدورهم (8).يقول الوزير نظام الملك أيضاً: ينبغي وضع السعاة على الطرق المعروفة دائماً وتخصيص أجور شهرية ومكافآت لهم فبهذا يهتمون بنقل ما يقع من أحداث وأخبار ليل نهار من على بُعد خمسين فرسخاً, وكما جرت به العادة من قبل يجب تعيين نقباء لمراقبتهم والإشراف عليهم حتى لا
_________
(1) تاريخ البيهقي، ص 624, النظم الحربية، ص 185.
(2) الأنباء في تاريخ الخلفاء، ص 189.
(3) أخبار الدولة السلجوقية، ص 53.
(4) خطط الشام (1/ 147، 236).
(5) البداية والنهاية نقلاً, عن النظم الحربية عند السلاجقة، ص 186.
(6) سياست نامه، ص 209، النظم الحربية، ص 186.
(7) تبصرة أرباب الألباب، ص 24 النظم الحربية، ص 188.
(8) سياست نامه، ص 111.
(1/249)

يتوانوا في أداء واجباتهم (1)، ولا يكاد يختلف نظامهم في هذا المجال عن نظم الاستخبارات في الجيوش الحديثة (2).

تاسعاً: الإسناد العسكري:
استخدم السلاجقة كل الوسائل المتاحة في عصرهم لتقديم المساندة التي يحتاجها الجيش في معاركه، حيث تمثل الإسناد العسكري عندهم في جوانب متعددة هي:
1 - الإمدادات العسكرية بالجند: حرص سلاطين السلاجقة على إمداد جيشهم بقوات إضافية بالسرعة المطلوبة، حين الحاجة إليها، ففي صراع السلطان طغرل بك مع أخيه إبراهيم ينال, طلب المساعدة من أبناء أخيه داود فقام ألب أرسلان بن داود بنجدته مسرعاً، حيث قطع المسافة من سجستان إلى حدود العراق في عشرة أيام فقط سالكاً طريق الصحراء، طلباً لاختصار الوقت وطول الطريق, كما أنجدته أيضاً زوجته التي سارت مع جيش من الأتراك من بغداد متجهة إلى همذان (3)، كما اهتموا بتأمين احتياجات جندهم للأسلحة والعتاد حتى في وسط المعارك، ففي الصراع بين السلطان بركيارق بن ملكشاه وأخيه محمد احتاج الرجالة في جيش بركيارق إلى تراس - جمع ترس- أمر السلطان بركيارق بتوزيعها مباشرة على الجند (4).
2 - المهندسون: ويطلق عليهم الفعلة, ومهمتهم تمهيد الطرق، وإزالة العوائق أمام الجيش، وتنظيم عبور الجيش للمضائق حيث يحملون معهم العتاد اللازم لمساعدتهم في عملهم هذا (5). فقد استصحب السلطان طغرل بك - عند مسيره من بغداد إلى الموصل - النجارين، كما عمل المهندسون العرادات والمجانيق (6)، حيث يمثل صانعو الأسلحة بأنواعها المختلفة وبناة الجسور جزءاً من وحدات الجيش السلجوقي عند سيره (7)، ويدل استخدام السلاجقة للجسور لعبور الأنهار (8)، على وجود المهندسين المهرة في الجيش السلجوقي الذين يقومون ببناء مثل هذه الجسور التي يستطيع الجيش العبور عليها، وكان الجيش
_________
(1) المصدر نفسه، ص 123, النظم الحربية، ص 189.
(2) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 189.
(3) الكامل في التاريخ, نقلاً عن النظم الحربية عند السلاجقة، ص 191.
(4) الكامل في التاريخ, نقلاً عن النظم الحربية عند السلاجقة، ص 191.
(5) فن الحرب (3/ 443) , النظم الحربية عند السلاجقة، ص 191.
(6) المنتظم (8/ 173) , النظم الحربية عند السلاجقة، ص 191.
(7) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 191.
(8) وفيات الأعيان (5/ 69، 70) , فن الحرب (3/ 346).
(1/250)

السلجوقي قد عمل سفناً عندما وصل إلى مدينة نقجوان (1)، لحصارها في عهد السلطان ألب أرسلان كما أعد نظام الملك في حصار مدينة مريم نشين (2)، ما يحتاج إليه الجيش ومنها السفن حتى فتحها (3).
3 - حمل الأثقال: أعطى السلاجقة اهتماماً خاصاً بالأثقال في جيشهم ممثلة في أنواع الأسلحة والأعلاف وغيرها (4)، فقد اعتمدوا على الجمال لحمل هذه الأثقال منذ هجرة جدهم الأول سلجوق (5)، واستمروا في اعتمادهم عليها لهذا الغرض بعد قيام دولتهم، وبالإضافة إلى الجمال فقد اعتمد السلاجقة في حمل أثقال الجيش على البغال (6).
4 - التموين: كان اهتمام السلاجقة بتوفير التموين لجيشهم كبيراً منذ بداية عهدهم, ويذكر البيهقي أن إمدادات الجيش السلجوقي دائماً معه (7)، وعندما دخل السلاجقة نيسابور في عهد طغرل بك كان هناك تموين كاف للجيش كله، ويروي الوزير نظام الملك أن السلطان طغرل بك كان حريصاً على توفير المؤن في كل الظروف حتى كان إذا أراد السفر أمر بحمل الكثير منها على سبيل الاحتياط فكانت كثرتها تعجب الأمراء والأتراك أثناء تناولهم الطعام (8)، ويبدو أن اهتمامه هذا قد انعكس على الجيش السلجوقي وعدم تعرضه لنقص المؤن في عهده واستمر هذا الاهتمام في عهد ألب أرسلان وملكشاه. ويشير ابن خلكان إلى أن دخول الجيش السلجوقي في عهده إلى بلد من البلدان كان مقروناً برخص الأسعار لما يدخل معه من مؤن كثيرة تزيد عن حاجته فترخص أسعارها، كما يحصل التجار من وجوده على مكاسب كبيرة (9). وهي نتيجة طبيعية لكثرة تعداد الجيش وضخامته، وكانت مدينة حلب قد اتخذت - من قبل بعض السلاطين السلاجقة - مركزاً تموينياً استراتيجياً يحصلون منه على احتياجاتهم أثناء حروبهم ضد البيزنطيين (10).
_________
(1) نقجوان: مدينة في إقليم أذربيجان.
(2) مريم نشين: مدينة حصينة سورها من الحجر المشدود بالرصاص.
(3) فن الحرب (3/ 345) , النظم الحربية عند السلاجقة، ص 192.
(4) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 192.
(5) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 192.
(6) المصدر نفسه، ص 193.
(7) تاريخ البيهقي، ص 666، النظم الحربية عند السلاجقة، ص 194.
(8) سياست نامه، ص 169، النظم الحربية عند السلاجقة 194.
(9) وفيات الأعيان (5/ 286) , النظم الحربية عند السلاجقة 194.
(10) إمارة حلب، ص 129.
(1/251)

عاشراً: الإسناد الطبي:
ترجع بعض المراجع استخدام السلاجقة للمستشفى إلى وقت مبكر من تاريخهم (1)، وكان يعرف في وقتهم بالبيمارستان (2)، فكان اهتمام وزير السلطان طغرل بك عميد الملك كبيراً بتنظيم بيمارستانان بغداد سنة 449هـ (3)، وكان للسلطان محمد بن ملكشاه دور كبير في دعم البيمارستانات في بغداد بالأموال؛ إذ أمر بصرف مائة ألف دينار في مصالحها سنة إحدى وخمسمائة (4)، وتدل بعض المصادر التاريخية على أن السلاجقة لم يكتفوا بذلك بل تجاوزوه إلى استخدام المستشفى المتنقل في حلهم وترحالهم، فكان البيمارستان (5) المحمول (6)، في جيش السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه السلجوفي كبيراً جداً، بحيث كان يحتاج حمله إلى أربعين جملاً، وكان هذا البيمارستان ملازماً للجيش السلجوقي دائماً (7)، حرصاً منهم على توفير الإسناد الطبي الدائم للجيش، وقد كان أبو الحكم عبيد الله بن المظفر الباهلي الحكيم الأديب المعروف بالمغربي طبيب هذا المستشفى، كما كان أبو الفداء يحيى بن سعيد ابن يحيى المظفر المعروف بابن المرخّم - الذي صار أقضى القضاة ببغداد في أيام المقتفي - فاصداً وطبيباً فيه أيضاً (8)، وفي معركة قطوان سنة 536هـ ما يدل على وجود الأطباء ومصاحبتهم للجيش السلجوقي في عهد السلطان سنجر، فكان من نتائج هذه المعركة وفاة الطبيب شرف الدين محمد إيلاقي (9)،
وهو ما يؤكد اشتراكه في المعركة وعمله طبيباً في الجيش، ويدل المرض الذي أصاب السلطان مسعود بن محمد سنة 546هـ وأدى إلى وفاته على أن الأطباء كانوا في البلاط السلطاني بشكل دائم حيث أشرفوا على تطبيب السلطان إضافة إلى من تم استدعاؤهم من أطباء العراق حيث اشتركوا جميعاً في معالجته التي لم يكتب لها النجاح لاستشراء المرض الذي أدى إلى وفاته (10)، وهو شاهد من الشواهد على تواجد الأطباء بالقرب من السلطان دائماً (11).
_________
(1) تاريخ إيران، ص 126.
(2) وفيات الأعيان (3/ 124) , العرب والأتراك، ص 97.
(3) تاريخ البيمارستانات، ص 189.
(4) الخدمات العامة في بغداد،، ص 300.
(5) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 196.
(6) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 196.
(7) وفيات الأعيان (3/ 124) , تاريخ البيمارستانات، ص 14.
(8) وفيات الأعيان (3/ 123، 124).
(9) السلاجقة في التاريخ والحضارة، ص 398.
(10) راحة الصدور، ص 354.
(11) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 197.
(1/252)

الحادي عشر: الخيل ودورها في الجيش السلجوقي:
كان الأتراك في مقدمة الشعوب قدرة على ترويض الخيل وركوبها, وكانت بعض قبائلهم أقدر على ذلك من غيرها، وكان من واجبات قائد الجيش تفقد الخيل ومدى سلامتها في جيشه، كتفقده للجند, وأن يمنع ما يصلح منها للحرب (1)، وأما عن طرق توفير إعداد الخيل فتأتي غنائم الحروب في مقدمة تلك الطرق ثم تربيتها عندهم, وبعد ذلك عن طريق الشراء من الأسواق المختلفة في المدن, وتأتي كذلك عن طريق الهدايا التي تقدم لهم فقد كانت الخيل في مقدمة ما يهدي لهم (2) وقد تميزت الخيل عند السلاجقة بصغر حجمها وتوسط طول قامتها، حيث استخدموا النوع المعروف بالحصان التركماني (3)، الذي اشتهر بسرعة العدو ورشاقة الجسم (4)، نتيجة التدريب الجيد لها، كما كان لها لباس خاص لحمايتها ووقايتها (5). فعُملت لها التجفاف (6) أو الجل أو البركستونات (7)، وهي الدروع الواقية التي كانت تتخذ من الحديد والفولاذ المبطن باللبود (8)، حماية لها من أسلحة الأعداء في أرض المعركة (9)، ويحرص السلاجقة على تعويد خيلهم على الجرأة وانتزاع الخوف منها تحسباً لأي طارئ في المعارك فكانوا يدربون خيلهم على معايشة الحيوانات الأخرى الأكبر حجماً منها كالجمل والفيل والدب، فإذا رأوا بعض خيلهم تخاف من أي من هذه الأنواع قاموا بتكثيف فترات وجودها مع هذا النوع حتى تتعود عليه، كما قاموا بتدريبها على الرياضات المعروفة عندهم (10).

الثاني عشر: الموارد المالية للجيش السلجوقي:
اعتمد السلاجقة في مواردهم المالية على تعددها، فكانت الغنائم والجزية والخراج والمكس، وضمان المدن من أهم الإيرادات التي ساعدت سلاطين السلاجقة على الإنفاق في دولتهم خاصة في مجال استكمال النفقات الأساسية ليتمكن الجيش من أداء واجباته في المحافظة على كيان الدولة (11) وقد استفاد السلاجقة من قتال الغزنويين في حصولهم على
_________
(1) النظم الحربية عند السلاجقة،، ص 201.
(2) المصدر نفسه، ص 202.
(3) المصدر نفسه، ص 203.
(4) عالم الصليبيين، يوشع براور، ص 214.
(5) النظم الحربية عند السلاجقة ص203.
(6) التجفاف: وهو ما يجلل به الفرس من سلاح وآلة تقيه الجراح.
(7) البركستونات: حافظ لحم الصدر.
(8) نظم دولة سلاطين المماليك (1/ 77).
(9) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 203.
(10) المصدر نفسه، ص 203.
(11) النظم الحربية، ص 215.
(1/253)

غنائم وصلت قيمتها إلى خمسمائة ألف دينار (1)، بينما ارتفعت بعد ذلك لتصل في معركة نسا إلى نحو عشرة ملايين دينار من الألبسة والأسلحة والدواب والأمتعة (2)، كما غنموا ما لا حصر له من الذهب والفضة والملابس والدواب في معركة داندانقات (3)، وكانت الغنائم التي حصلوا عليها بعد معركة ملاذكرد توزن بالأرطال من الذهب والفضة لكثرتها (4) ويذكر البنداري نزول الأسعار بشكل كبير بسبب هذه الغنائم السلجوقية, وقد صاحب انتصارات الجيش السلجوقي في معاركه المختلفة بعد ذلك حصوله على الكثير من الغنائم (5)، أما عن الجزية باعتبارها مورداً من الموارد المالية للسلاجقة، فقد ذكر بعض المؤرخين أن الروم كانوا قد اعتادوا دفع الجزية للسلاجقة سنوياً قبل هذه المعركة (6)، كما تؤكد المصادر استمرارهم بدفعها بعد ذلك, فقد وصل رسول إمبراطور الروم ومعه الجزية سنة 482هـ، ومما يدل على استمراره في دفعها أن السلطان ملكشاه كان يأخذ خراج ملك القسطنطينية كل سنة (7)،
وكان مقدارها ثلاثمائة ألف دينار سنوياً (8)، وكان السلطان ألب أرسلان قد قنع من الرعايا بالخراج الأصلي يؤخذ منهم كل سنة دفعتين رفقاً بهم (9).

الثالث عشر: شعار السلاجقة وأعلامهم:
تشير بعض المصادر إلى أنه كان للسلاجقة نظمهم في اتخاذ الأعلام والسفارات, فقد اتخذوا منذ بدايتهم شعار القوس والسهم في رسائلهم دلالة على دولتهم، كما اتخذ السلاجقة السواد لوناً لأعلامهم في المعارك، وهو شعار الدولة العباسية (10).
_________
(1) العرضة لابن النظام، ص 33، النظم الحربية، ص 215.
(2) راحة الصدور، ص 156، النظم الحربية، ص 215.
(3) تاريخ البيهقي، ص 695، النظم الحربية، ص 215.
(4) تاريخ دولة آل سلجوق، ص 215.
(5) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 215.
(6) تاريخ الزمان، ابن العبري ص 109, النظم الحربية عند السلاجقة 216.
(7) الباهر لابن الأثير، ص 11.
(8) تاريخ دولة آل سلجوق، ص 71.
(9) الكامل في التاريخ, نقلا عن النظم الحربية عند السلاجقة، ص 216.
(10) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 217، 218.
(1/254)

المبحث الثالث
الأسلحة والتحصينات الحربية
أولاً: الأسلحة الفردية الخفيفة:
1 - الأسلحة الهجومية: ومن أهمها:
أ- القوس (1).
ب- السيف (2).
جـ- الرمح (3).
د- الدبوس.
هـ- السكين.
و - الطبر (4).
ز- المقاليع (5).
2 - أسلحة الوقاية والدفاع عن النفس:
أ - الترس: وهو من أسلحة الوقاية من ضرب الوجه وما حوله، ويُسمى الجُنة وتتخذ من الحديد والجلد، وله أصناف متعددة كل صنف منها يصلح لاستعمال معين (6).
ب - الدرع: وهو جبّة من الزَّرد المنسوج يلبسه المقاتل للوقاية من السيوف والسهام وله أنواع متعددة (7).
ج - البيضة: وهي خوذة من الحديد أو الفولاذ تُبطَّن بالمواد اللينة كالقطن وغيره لحماية الرأس (8).

ثانياً: الأسلحة الجماعية الثقيلة:
1 - المنجنيق والعرادة: المنجنيق آلة من خشب لها دفّتان قائمتان بينهما سهم طويل رأسه ثقيل وذنبه خفيف، وفيه تجعل كفّة المنجنيق التي تحمل الحجر، يجذب حتى ترفع أسافله على أعاليه، ثم يرسل فيرتفع عموده الذي فيه الكفة فيخرج الحجر منه فما أصاب شيئاً إلا أهلكه (9)، وهو من أعظم آلات الحصار فعالية ونكاية, وله أنواع وأحجام متعددة، ويرمى
_________
(1) فصل ابن سلام في القوس وأنواعها وأسماء أجزائها في كتاب السلاح، ص 22 - 28.
(2) ذكر ابن سلام أنواع السيوف وأسماءها وأجزاءها تفصيلاً.
(3) الرمح: ذكر ابن سلام تفصيلاً للرماح وأنواعها وأسمائها في كتاب السلاح.
(4) الطبر: وتسمى المدية وتختلف أحوالها بحسب الحاجة إليها.
(5) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 248.
(6) المصدر نفسه، ص 249.
(7) المصدر نفسه، ص 250.
(8) المصدر نفسه، ص 252، الحرب عند العرب، ص 74.
(9) صبح الأعشى (2/ 152) , النظم الحربية، ص 254.
(1/255)

به الحجارة والنفظ وغيرها، ويشبه المنجنيق المدفعية الميدانية الثقيلة في عصرنا الحاضر، وقد استخدمه الجيش السلجوقي (1) وأما العرادة: فهي منجنيق لطيف أصغر حجماً
من المنجنيق (2) فما يقذف الحجارة الثقيلة، هو المنجنيق وما يقذف الحجارة الخفيفة نسبياً
يقال له عرَّادة (3).
2 - الدبابة والبرج ورأس الكبش: الدبابة آلة ساترة تتخذ من الخشب وتغلف باللبود أو الجلد المنقوع بالخل لمنع النار من أن تحرقها، وتركّب على عجل مستدير وتحرك، وربما جعلت برجاً من الخشب فيدفعها الرجال وهي عريضة من أسفل دقيقة من أعلى على شكل مربع مضلّع تدفع إلى السور، وتكون أعلى منه فيصعد الرجال أعلاها فيسيطر به على سور المدينة (4). وكانت تلبَّس بصفائح الحديد (5)، وهي من أسلحة الهجوم الجماعية، وتختلف في أحجامها كبراً وصغراً بحسب الحاجة (6)، ويستخدم في الدبابة أو البرج رأس الكبش, وهو عبارة عن عمود خشبي طوله عشرة أمتار أو أكثر يركب في نهايته مما يلي السور رأس من الحديد أو الفولاذ يشبه رأس الكبش تماماً يعلق بالبرج للأمام والخلف حتى يتأرجح، فيصطدم بالسور حيث تعاد الكرة مرات عديدة حتى تنهار أمامه حجارة السور (7)، وتحتل الأبراج التي يُزحف بها على الحصون (8) والبرج المتحرك منها مكان الصدارة في الأسلحة الثقيلة المستخدمة في حصار المدن المحصنة (9) فقد قام السلاجقة ببناء الأبراج لإضعاف مقاومة المدن المحاصرة، وكذلك القيام من خلالها بعمليات الحراسة والمراقبة. كان ذلك في عهد طغرل بك وألب أرسلان وملكشاه (10).

ثالثاً: أسلحة العرض والزينة:
وهي الأسلحة المرصعة بالجواهر وغيرها، والتي يحتفظ بها في الخزانة ويتم إخراجها وقت الاحتفالات أو وصول رسل إلى السلطان، الذي يأمر باتخاذ مظاهر الزينة ومنها الأسلحة المحلاة بالذهب والفضة أو الجواهر (11)، وفي عهد ملكشاه اقترح نظام الملك أن
_________
(1) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 254.
(2) المصدر نفسه، ص 256.
(3) المصدر نفسه، ص 256.
(4) الإسلام في حضارته ونظمه، أنور الرفاعي، ص 198, النظم الحربية عند السلاجقة، ص 259.
(5) النوادر لابن شداد، ص 140.
(6) تبصرة أرباب الألباب، ص 18.
(7) الجيش الأيوبي، ص 309، 312، 313، النظم الحربية ص259.
(8) تبصرة أرباب الألباب، ص 18.
(9) عالم الصليبيين، ص 203.
(10) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 260.
(11) المصدر نفسه، ص 260.
(1/256)

يكون عدد أسلحة الزينة عشرين قطعة لعشرين غلاماً يلبسون الألبسة الجميلة ويقفون بها حول سرير الملك مراعاة لهيبة السلطان وزينة مجلسه (1)، وكان من رأي نظام الملك أن تكون لأمير الحرس أحسن الوسائل وأدوات الزينة والتجمل وأبهاها (2).

رابعاً: نظام حماية المدن:
وهي الوسائل التي تعتمد عليها المدن في حمايتها من هجمات أعدائها, وقد استخدمت في العصر السلجوقي لحماية المدن؛ الأسوار والخنادق، والقلاع والحصون (3).

خامساً: وسائل الحصار:
من وسائل الحصار التي استخدمها الجيش السلجوقي، المنجنيق والعرادة والدبابة والأبراج ورأس الكبش بالإضافة إلى الجسور، وسلالم الحصار، والسفن والزوارق (4).

سادساً: صناعة الأسلحة وخزائنها:
اشتهر الأتراك بصناعة الأسلحة التي كانوا يحاربون بها, ومهارتهم معروفة في صنع السهام والنبال وتطويع الحديد وصناعة السلاح مثل السيوف والرماح، وغيرها (5).
* * *
_________
(1) سياست نامه، ص 132.
(2) المصدر نفسه، ص 177، النظم الحربية، ص 261.
(3) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 262، 263، 264.
(4) المصدر نفسه، ص 266، 267.
(5) المصدر نفسه، ص 270.
(1/257)

المبحث الرابع
الخطط والفنون القتالية
كان لدى السلاجقة تعبئة عسكرية محكمة تجلت في كثير من الخطط والفنون على النحو التالي:

أولاً: القدرة على التحرك:
اشتهر الجيش السلجوقي بسرعة الحركة على العموم مما أتاح له المرونة اللازمة لتطبيق العديد من الفنون العسكرية التي أثرت في خططه العسكرية خلال حروبه الطويلة وكان بعضها يشبه قتال سكان الصحاري المعتمد على الكر والفر, وكانت أهم مظاهر قدرة الجيش السلجوقي على التحرك (1):
1 - السرعة: كانت السرعة واحدة من أبرز سمات حروب الترك, ومن أهم العوامل التي ساعدتهم على سرعة الحركة، معرفتهم للأرض شبراً شبراً مما جعلهم سريعي الحركة للتفرق والتجمع في وقت قصير (2)، ومن ثم ساعدتهم في تحقيق انتصاراتهم فكان داود قائد جيش السلاجقة يرى أن الفارس المتخفف يصبح أكثر جرأة (3) ويقول مخاطباً جنده: أما نحن فخفاف لا متاع لنا (4)، وكانت سرعة الحركة في الجيش السلجوقي قد حققت له العديد من الانتصارات على جيوش البيزنطيين (5)، كما أكسبته تميزاً واضحاً على الجيوش الصليبية، حيث اكتشفوا نقطة الضعف فيها المتمثلة في ثقلها (6)، ويمكن إرجاع هذه السرعة التي تميز بها الجيش السلجوقي - بالإضافة إلى ما ذكرناه سابقاً من معرفتهم بالأرض وطرقها - إلى خفة الأسلحة التي يحملها فرسان الجيش السلجوقي من ناحية، والحركة السريعة للخيل المدربة (7)، بالإضافة إلى التبديل المستمر للخيل المتعبة أثناء الحرب، بمجموعة خيل أخرى معدة بالقرب من مكان المعركة للاستعانة بها عند الحاجة (8)، ولهذا كان الجيش يزخر بالحركة والجري المستمر (9)، ومرونة تتيح له المواجهة أو المناورة في الوقت المناسب (10).
2 - استخدام الكمائن: استخدم السلاجقة الكمائن في أرض المعركة, ففي عهد
_________
(1) النظم الحربية عند السلاجقة،، ص 280.
(2) النظم الحربية عند السلاجقة،، ص 280.
(3) تاريخ البيهقي، ص 683, النظم الحربية عند السلاجقة، ص 281.
(4) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 281.
(5) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 281.
(6) عالم الصليبيين، ص 217.
(7) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 281.
(8) تاريخ ابن أبي الهيجاء، ص 188.
(9) تاريخ ابن أبي الهيجاء، ص 188.
(10) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 282.
(1/258)

السلطان طغرل بك كانت الكمائن سبباً في هزيمة العرب الذين خرجوا عن طاعته (1)، كما كان للكمائن دورها في انتصار السلطان ألب أرسلان على البيزنطيين في معركة ملاذكرد، فقد اعتمد في حرب الكمائن على الجناحين، عندما اختبأت أجنحة اليمين واليسار في التلال الموجودة بجانب ميدان المعركة ففاجأت الجيش البيزنطي، مما أدى إلى هزيمته (2)، حيث حدد بعض المؤرخين عددها بأربعة كمائن (3)، وفي سنة 491هـ، استخدم القائد كربوقاالكمائن في معركته ضد الصليبيين في أنطاكية (4)، كما حقق السلاجقة بواسطتها انتصارات عديدة ومهمة في حروبهم الأخرى المتكررة ضد الصليبيين (5).
3 - التراجع الزائف: استخدم السلاجقة هذه الخطة وكانت أكثر وضوحاً في صراع السلاجقة مع البيزنطيين، ففي عهد السلطان ألب أرسلان تظاهر جيش السلاجقة خلال معركة ملاذكرد بالفرار من أرض المعركة في محاولة ناجحة لإغراء البيزنطيين بملاحقتهم (6)، ويعبَّر البنداري عن ذلك بقوله عن خيل السلاجقة: واستجرَّت الروم إلى أن صار الكمين من ورائها (7)، وفي الوقت الذي كانوا يقومون فيه بتطبيق خطة التراجع الزائف تلك كانوا يستخدمون سهامهم بمهارة فائقة (8)، فكانت الوحدات المتقدمة في الجيش تشتبك مع العدو لفترة وجيزة، ثم تنسحب تدريجياً باتجاه الكمائن المعدة متظاهرة بالهزيمة، وحينما تتقدم وحدات العدو لتعقّب تلك الوحدات المنسحبة تنقض عليها الكمائن (9)، وطبقوا هذا التراجع الزائف - كذلك - في المعارك الأخرى التي خاضوها ضد البيزنطيين بعد ملاذكرد، مثل معركة ميريو كيفالون سنة 572هـ (10)، وفي حروب السلاجقة مع الصليبيين كان تظاهر الجيش السلجوقي بالهرب من أرض المعركة بتطبيق خطة التراجع الزائف نحو الكمائن عاملاً مهماً في هزيمتهم للصليبيين في معركة ضور يليوم تحت قيادة قلج أرسلان سنة 491هـ (11).
4 - خطة تطويق العدو: كان السلاجقة في حربهم مع الغزنويين يفرقون قواتهم حتى يتمكنوا من محاولة تطويق جيش أعدائهم بالرغم من ضخامة جيش الغزنويين (12)، وقد
_________
(1) الكامل في التاريخ, نقلاً عن النظم الحربية عند السلاجقة، ص 283.
(2) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 283.
(3) تاريخ دولة آل سلجوق، ص 42.
(4) الكامل في التاريخ, نقلاً عن النظم الحربية عند السلاجقة، ص 284.
(5) العلاقات السياسية والكنسية، ص 85، النظم الحربية، ص 284.
(6) الصليبيون في الشرق، ص 30.
(7) تاريخ دولة آل سلجوق ص43.
(8) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 285.
(9) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 285.
(10) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 285.
(11) المصدر نفسه، ص 486.
(12) الكامل في التاريخ, نقلاً عن النظم الحربية عند السلاجقة، ص 286.
(1/259)

طبق السلاجقة هذا التطويق لأعدائهم في حروبهم ضد البيزنطيين، فكان انقضاض السلاجقة على أعدائهم في معركة ميريوكيفالون 572هـ من جهات عديدة، كما كانت معركة ضور يليوم بين السلاجقة والصليبيين ميداناً آخر لتطبيق هذه الخطة حيث هاجم السلاجقة أعداءهم من الصليبيين وأحاطوا بهم من كل جانب (1)، ويذكر شاهد عيان لبعض حروب السلاجقة مع الصليبيين أن السلاجقة لجأوا إلى محاولة تطويق عدوهم في معظم هذه المعارك (2).
5 - المباغتة والمفاجأة: استخدم الجيش السلجوقي عنصر المباغتة والمفاجأة واعتبرها من ثوابت خططه في حربه ضد البيزنطيين (3)، وكانوا يفاجئون المدن البيزنطية في هجماتهم مما ساعدهم على فتح كثير منها (4)، وقد عانى الصليبيون من اعتماد السلاجقة على المباغتة لهم (5)، حتى وصف شاهد عيان هجوم السلاجقة المفاجئ وحصارهم للصليبيين بقوله: نظام كهذا لم يكن معروفاً لنا (6).

ثانياً: الرمي بالسهام:
ارتبط تاريخ السلاجقة بإجادتهم الرمي بالسهام، فكانوا يطلقونها وهم على ظهور الخيل بإتقان دون التوقف أو الترجُّل عنها (7)، كما أثر عن سلاطينهم إجادة معظم الفنون العسكرية ومنها الرمي بالسهام (8)، وفي عهد السلطان طغرل بك كان إمطار الجيش السلجوقي مدينة قزوين سنة 434هـ بوابل من السهام سبباً في عدم مقدرة أهلها على الوقوف على سور المدينة للدفاع عنها مما اضطرهم إلى الدخول في طاعة السلاجقة (9)، ويذكر سبط بن الجوزي أن جيش السلاجقة كان يخرج منه أثناء المعركة عشرة آلاف نشابة دفعة واحدة (10)، وقد وصل عدد رماة السهام في مقدمة الجيش السلجوقي إلى حوالي عشرة آلاف رجل (11)، وهو ما يفسر ذكر بعض المصادر أن السلاجقة كانوا يمطرون أعداءهم بوابل من السهام الغزيرة (12)، فكانت الكثافة العددية لهذه السهام -المترتبة على كثرة تعداد
_________
(1) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 287.
(2) تاريخ الحملة إلى القدس، ص 49، 138, النظم الحربية، ص 287.
(3) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 289.
(4) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 289.
(5) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 289.
(6) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 289.
(7) المصدر نفسه، ص 290.
(8) راحة الصدور، ص 186، أخبار الدولة السلجوقية، ص 54، 73.
(9) الكامل في التاريخ, نقلاً عن النظم الحربية عند السلاجقة، ص 290.
(10) مرآة الزمان (2/ 500).
(11) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 291.
(12) تاريخ البيهقي، ص 628، مرآة الزمان (2/ 500).
(1/260)

من يقوم بإطلاقها أو استخدام قوس الحسبان المتعدد السهام- من أهم عوامل فعاليتها البالغة، وقد وزع السلطان ألب أرسلان أثناء حصار حلب ثمانين ألف نشابة (1)، وعندما تسلَّم السلطان مدينة حلب استعصت عليه قلعتها فأمر برشقها بالسهام دفعة واحدة فرشقها الجيش حتى كادت الشمس تحجب لكثرة السهام، فسلمت القلعة له نتيجة لذلك (2)،
وقد أثبت استخدام السلاجقة للسهام في حروبهم ضد الصليبيين فعالية واضحة في إلحاق الهزائم بأعدائهم عن طريق إجادتهم استخدامها بدقة بالغة فضلاً عن غزارتها (3)، فقد استطاع رماة النشاب في الجيش السلجوقي سنة 515هـ أن يفنوا الجيش الصليبي بكامله عندما دخل أرضاً موحلة فلم يفلت منهم أحد (4).

ثالثاً: الالتحام مع العدو:
يظهر أن الالتحام مع العدو عند السلاجقة يتم على مرحلتين:
1 - مرحلة الالتحام الأوّلى: يقوم الجيش السلجوقي بالالتحام مع الأعداء في البداية لإيهام العدو ببدء المعركة، وهو ما وصفه ابن الأثير بقوله: فصبر لهم ساعة (5)، في ذكره أحداث المعركة بين السلاجقة والعرب الذين خرجوا عن الطاعة في عهد السلطان طغرل بك (6)، فقد التحم السلاجقة مع أعدائهم لفترة وجيزة ثم تراجعوا كالمنهزمين نحو كمائنهم، فكان هذا الالتحام المبدئي لإقناع الجانب الآخر بالبدء الفعلي للمعركة ثم الانتظار قبل بدء تطبيق خطة التراجع الزائف لإيهام الأعداء بالهزيمة ومن ثم نجاح الكمائن في مفاجأة الأعداء ومباغتتهم، وتحقيق النصر عليهم (7).
2 - مرحلة الالتحام الكامل: لم يقتصر استخدام السلاجقة للقوس والسهم على الالتحام المبدئي فقط، بل نجد استخدام السلاجقة لها في الالتحام الكامل كذلك، فقد استخدموها بفعالية واضحة في جميع الحروب الميدانية التي خاضوها ضد أعدائهم (8) وكان السيف أحد الأسلحة الخفيفة التي يستخدمها السلاجقة في الالتحام مع العدو، بل كان من أهم الأسلحة التي استخدمها المحارب السلجوقي في التحامه مع العدو (9). ويصف
_________
(1) تاريخ بلاد الشام، ص 129.
(2) الكامل في التاريخ, نقلاً عن النظم الحربية، ص 291.
(3) عالم الصليبيين، ص 215، النظم الحربية عند السلاجقة، ص 292.
(4) الكامل في التاريخ, نقلاً عن النظم الحربية، ص 292.
(5) المصدر نفسه، ص 393.
(6) الكامل في التاريخ, نقلاً عن النظم الحربية،، ص 393.
(7) الكامل في التاريخ, نقلاً عن النظم الحربية،، ص 393.
(8) تاريخ البيهقي، ص 628، أخبار الدولة السلجوقية، ص 293.
(9) الحروب الصليبية، عزيز عطية, ص 46،47.
(1/261)

البيهقي -وهو شاهد عيان لحروب السلاجقة مع الغزنويين- ذلك بقوله: وعلت قعقعة السيوف (1)، كما استخدمه السلطان ألب أرسلان في معركة ملاذكرد أثناء اشتباكه مع أعدائه البيزنطيين (2)، كما وجد استخدام السيف عند السلاجقة في حروبهم مع الصليبيين (3)، كما استخدم السلاجقة الرمح والخنجر عند الالتحام (4).

رابعاً: الاستنزاف:
طبق السلاجقة سياسة الاستنزاف ضد أعدائهم، فكانوا يؤجلون الالتحام مع أعدائهم، حتى يتم استنزاف قوة جيش الأعداء، ويصل إلى درجة كبيرة من الإنهاك فيتسنّى لهم هزيمته، وتبدو الأهمية الكبرى للنتائج التي حققها الجيش السلجوقي من الاستنزاف لقوة الأعداء في حربهم ضد الصليبيين، فكان تطبيق السلاجقة لهذا الفن الحربي سبباً في التعب والإنهاك الذي لحق بجيش الصليبيين (5)، فضلاً عن المجاعة الكبيرة التي أحدقت بهم (6). وسيأتي بيان ذلك في محله بإذن الله.

خامساً: سياسة الأرض المحروقة:
أدرك السلاجقة أهمية مصادر المياه للجيوش المحاربة، ولذلك قاموا أثناء حروبهم الأولى مع الدولة الغزنوية بتدمير مصادر المياه أثناء انسحابهم كواحدة من الوسائل المستخدمة في سياسة الأرض المحروقة، ففي معركة دندانقان سنة 431هـ بادر السلاجقة على الفور بتغوير مياه آبارها وتخريبها (7). ويصف السلطان مسعود الغزنوي ذلك بقوله: وجدنا الأعداء قد ردموا الآبار ... وجعلوها قبوراً (8)، بأن قاموا بإلقاء الجيف فيها مما حرم الجيش الغزنوي من الاستفادة من مياهها وتعرض بالتالي للعطش الشديد (9)، وقد قاسى البيزنطيون كثيراً من الأثر التدميري الكبير الذي خلفته حملات السلاجقة على الأقاليم والمدن التي هاجموها، خاصة تلك الحملة الكبرى التي قادها السلطان طغرل بك على أرمينية سنة 446هـ (10). وقد فشل البيزنطيون في منع السلاجقة في تخريب المناطق التي يمرون بها قبل لقائهم معهم في معركة ميريو كيفالون سنة 572هـ التي انتصر فيها السلاجقة (11)،
_________
(1) تاريخ البيهقي، ص 635.
(2) أخبار الدولة السلجوقية، ص 49.
(3) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 294.
(4) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 294.
(5) المصدر نفسه، ص 297.
(6) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 298.
(7) تاريخ البيهقي، ص 688، 699، راحة الصدور، ص 163.
(8) تاريخ البيهقي، ص 699.
(9) راحة الصدور، ص 163، النظم الحربية عند السلاجقة، ص 298.
(10) الكامل في التاريخ, نقلاً عن النظم الحربية عند السلاجقة، ص 299.
(11) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 300.
(1/262)

وعندما دمّر السلاجقة الآبار ومجاري المياه التي طالتها أيديهم عانى الصليبيون ودوابهم الكثير من العطش خاصة مع حرارة الصيف واشتداد الحاجة إلى الماء (1)، وفي المقابل كانوا عند انسحابهم يأتون على كل ما يمكن أن يستفيد منه عدوهم حرقاً وهدماً وتخريباً (2).

سادساً: التأثير على جيش العدو:
حاول السلاجقة التأثير على جيش أعدائهم بمكاتبة بعض قادته وجنده لاستمالتهم وإرسال المرجفين لتفرقة كلمتهم فينشغلون عن الاستعداد الأمثل للمعركة، وقد استهدفوا العناصر التركية بالتأثير، وقد تعدى نشاط السلاجقة في تحقيق ذلك حدود الجند في أرض المعركة إلى شراء ولاء عيون الأعداء وجواسيسهم، فقد ذكر أحد المرافقين للجيش الغزنوي في حربه ضد السلاجقة قوله: وكان جواسيسنا قد كذبوا كثيراً في هذا الشأن، وقد أغرتهم الرشوة وتبين اليوم أن كل ما قالوه كان بهتاناً وزوراً (3). ويذكر ابن الأثير أن السلاجقة نجحوا في مراسلتهم لقائد الجيش الغزنوي نفسه؛ فاستمالوه ورغّبوه فنفَّس عنهم وتراخى في تتبعهم (4)، وفي معركة ملاذكرد نجح السلاجقة في استقطاب أبناء عمومتهم من الأوزو البجناق الذين كانوا يحاربون مع الجيش البيزنطي إلى جانبهم في الوقت الحاسم من المعركة بدافع العصبية لهم, ويذكر بعض المؤرخين أن انضمامهم كان سبباً مباشراً في انتصار السلاجقة على البيزنطيين في هذه المعركة (5).

سابعاً: السيطرة على الطرق:
أدرك السلاجقة أهمية الدراية الواسعة بمعرفة الأرض معرفة كاملة تشمل المناطق التي يعيشون فيها (6)، ففي حربهم مع الغزنويين في معركة دنقدانقان كان السلاجقة قد استولوا على الطرق وسيطروا على الجبال والمرتفعات (7)، حيث وضعوا الحراس فوقها لمراقبة جيش العدو (8)، وبذلك سيطر السلاجقة على الطرق المحيطة بأرض المعركة وحاولوا قطع خطوط الإمداد والتموين للجيش الغزنوي (9)، وفي سنة ست وخمسين وأربعمائة جهز السلطان ألب
_________
(1) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 300.
(2) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 300.
(3) تاريخ البيهقي، ص 627، النظم الحربية عند السلاجقة، ص 301.
(4) الكامل في التاريخ, نقلاً عن النظم الحربية عند السلاجقة، ص 301.
(5) بناء الجبهة الإسلامية، ص 23.
(6) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 303.
(7) زين الأخبار، ص 331، النظم الحربية عند السلاجقة، ص 303.
(8) تاريخ البيهقي، ص 666، النظم الحربية عند السلاجقة 303.
(9) تاريخ البيهقي 628، 634 النظم الحربية، ص 303.
(1/263)

أرسلان جيشاً للقضاء على قطاع الطرق الأكراد (1) وسيطر السلاجقة على معظم الطرق في آسيا الصغرى أثناء صراعهم مع البيزنطيين، حتى وصف بعض معاصريهم هذا الوضع بقوله إنه لم يوجد طريق لم يحتلوه (2)، فكانت سيطرتهم على كل الطرق، والخطوط الرئيسية المهمة، ولهذا كانوا في مركز يؤهلهم للنجاح في التقدم في آسيا الصغرى (3)، كما يؤمَّنون هذه السيطرة على الطرق بحراستها وإشعال نيران المراقبة فوق المرتفعات ليلاً (4).

ثامناً: السيطرة على موارد المياه:
أدرك السلاجقة أهمية المياه للجيوش المحاربة فكان اهتمامهم كبيراً بالسيطرة على الموارد المائية قرب أرض المعركة، ففي المعارك التي خاضها السلاجقة ضد الجيوش الغزنوية، يقول البيهقي - وهو شاهد عين- بعد معركة سرخس: إن السلاجقة كانوا يعملون على تحويل مجرى هذا النهر الذي نقيم على شاطئه (5)، ثم يقول بعد ذلك: إذا بماء هذا النهر ينقطع جريانه ... وبعد عنا الماء الجاري واضطررنا إلى التعويل على مياه الآبار (6). ويؤكد بعض المؤرخين أن جيش السلطان مسعود الغزنوي عانى من قلة المياه في ملاحقته لجيش السلاجقة وأن ذلك كان سبباً مباشراً في انتصار السلاجقة عليه في المعركة التي حدثت في الصحراء الواقعة بين سرخس ومرو في مكان يُعرف بدندانقان سنة 431هـ.

تاسعاً: التأمين العسكري:
ذكر قائد جيش السلاجقة في بداية دولة جغري بك داود أن الأحمال الثقيلة هي نقطة الضعف الوحيدة في جيش الغزنويين لارتباطهم بها، فكانت سبباً في هزائمهم المتكررة من قبل السلاجقة (7)، وتبعاً لما أكدته الرسائل التي بعث بها جواسيس الجيش الغزنوي إلى السلطان مسعود فقد اعتبر السلاجقة خلو جيشهم من الأثقال والأمتعة التي تعوق تحركاته من تقاليدهم الحربية التي يجب المحافظة عليها (8)، ويذكر البيهقي أن السلاجقة جعلوا أثقالهم خلفهم على بعد ثلاثين فرسخا (9) (تسعين ميلاً) فكانوا - حينما يشعرون بالخطر يرسلون عيالهم وأمتعتهم وأثقالهم إلى مخابئ آمنة في الصحراء يعرفونها بواسطة جزء من فرسانهم لحراستها، حتى يتهيأ لهم القتال بحرية أكبر، وهو ما
_________
(1) أخبار الدولة السلجوقية، ص 34، 35، النظم الحربية عند السلاجقة، ص 304.
(2) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 304.
(3) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 304.
(4) المصدر نفسه، ص 305.
(5) تاريخ البيهقي، ص 633.
(6) المصدر نفسه، ص 634.
(7) المصدر نفسه، ص 624، 625.
(8) المصدر نفسه، ص 633.
(9) المصدر نفسه، ص 625، النظم الحربية عند السلاجقة، ص 307.
(1/264)

أكدته كثير من المصادر التاريخية وذلك رغبة منهم في تأمينها بعيداً عن متناول يد العدو في أرض المعركة (1)، ففي اعتقادهم العسكرية أن الفارس المتخفف يصبح أكثر جرأة، كما يقول قائد الجيش السلجوقي داود (2). وظل السلاجقة على نظرتهم تلك للأثقال حتى إن السلطان ألب أرسلان عندما أراد ملاقاة البيزنطيين في ملاذكرد أمر بإبعاد الأثقال مع زوجته ووزيره نظام الملك إلى همذان وسار بجيشه نحو المعركة (3).

عاشراً: المهام الخاصة الطارئة:
اهتم السلاجقة اهتماماً كبيراً بالمهام الطارئة منذ بداية أمرهم فأعدوا العدة لها،، واهتموا بتحديد المهام الموكلة لفرسانهم وقوادهم وجندهم، فاهتم رجالات الدولة بهذه المهام حتى كان من رأي الوزير السلجوقي نظام الملك أنه ينبغي أن تسجل في الديوان باستمرار أسماء أربعة آلاف رجل من كل الأجناس احتياطاً، ألف للملك خاصة، وثلاثة آلاف لأفواج الأمراء وقادة الجيش للاستعانة بهم في الملمات وحين الحاجة (4)، وتشمل تطبيقات السلاجقة لهذه المهام الخاصة عدة جوانب أهمها:
1 - المهام الحربية (العسكرية): ففي قتال السلطان طغرل بك للبساسيري أرسل السلطان سرية من الجيش بقيادة خمارتكين عن طريق الكوفة لإشغاله عن الذهاب إلى الشام (5)، كما عهد إلى فرقة مكونة من عشرين فارساً بإخضاع دير كمّول فقاموا بتنفيذ هذه المهمة (6) وعندما خرج السلطان ألب أرسلان لقتال الإمبراطور البيزنطي رومانوس عام 463هـ وأرسل في البداية وحدة عسكرية من المماليك تحت قيادة أحد الحجّاب استطاعت أن تهزم قوة بيزنطية مكونة من عشرة آلاف شخص، وحينما أعيد الإمبراطور بعد أسره في موقعة ملاذكرد إلى بلاده أمر السلطان بأن ترافقه وحدة عسكرية من الغلمان تتكون من مائة غلام تحت قيادة حاجبين (7)، وفي سنة تسعين وأربعمائة كلف السلطان بركيارق فرقة من الجيش السلجوقي بمفاجأة أمير أميران الذي خرج عن طاعته فقامت بتنفيذ هذه المهمة على أكمل وجه وعادت به أسيراً بعد قتال يسير (8). وقد أبدى السلاطين السلاجقة اهتماماً بالغاً
_________
(1) تاريخ بخاري، ص 129، 132، النظم الحربية، ص 307.
(2) تاريخ البيهقي، ص 683.
(3) الكامل في التاريخ, نقلاً عن النظم الحربية، ص 307.
(4) الكامل في التاريخ, نقلاً عن النظم الحربية، ص 307.
(5) المنتظم (8/ 208، 209) , تاريخ ابن أبي الهيجاء، ص 9
(6) تاريخ الزمان، ص 101.
(7) بنو مرداس، ص 178، النظم الحربية عند السلاجقة، ص 315.
(8) الكامل في التاريخ, نقلاً عن النظم الحربية عند السلاجقة، ص 315.
(1/265)

بتجهيز العوامل وتهيئة الظروف المناسبة لتمكين قادتهم من تحقيق المهام الحربية المنوطة بهم، كاختيار المواقع العسكرية الإستراتيجية المناسبة وإسناد المهام الكبرى إلى القادة الأكفاء.
وفي مواجهة السلاجقة لخطر الذين هددوا المصالح السلجوقية في آسيا الصغرى وسوريا نجد اهتمام السلاجقة بالموصل لموقعها المهم فاتخذوها - بمرور الزمن - قاعدة لانطلاق القوات السلجوقية لمواجهة الصليبيين، كما عينوا عليها أهم قوادهم مثل كربوقا وجاولي سقاوة، والأمير مودود وآق سنقر البرسقي وعماد الدين زنكي، كما وضعوا تحت تصرفهم عدداً كبيراً من الجيوش ليتمكنوا من تحقيق المهام التي كلفّوا بها فأبلوا بلاءً حسناً في قتال الصليبيين (1).
2 - مهام الحراسة: تدخل الحراسة كجانب من جوانب المهام الخاصة الطارئة عند السلاجقة، وتزداد أهميتها في حالة دخولهم معركة من المعارك، يقول شاهد عيان في وصفه حراس الجبال عند السلاجقة: كان الحراس (الديدبانات) المعينون فوق الجبل يجري بعضهم إلى بعض ويقولون إن السلطان مسعود الغزنوى قد جاء وأبلغ الخبر إلى طغرل وداود (2). وهو ما يحمل معنى متقدماً من أن السلاجقة لم يكتفوا بحراسة الطرق بل تجاوزوا ذلك إلى مراقبة العدو وحراسته للتعرف على اتجاه سيره لأخذ الاحتياطات اللازمة لذلك, وتتبوأ الحراسة العسكرية ليلاً مكانة مهمة في تأمين الجيش (3)، فقد ساعدت سيطرة السلاجقة على المرتفعات والجبال على سهولة الحراسة والمراقبة، فكانوا يشعلون النيران عليها ليلاً لهذا الغرض (4).

الحادي عشر: نظام التعبئة:
تؤكد كثير من المصادر التاريخية أن كثيراً من سلاطين السلاجقة استخدموا نظام التعبئة القائم على توزيع الجيش إلى مقدمة وميمنة وقلب وميسرة وساقة (5). هذه هي أهم الخطط والفنون القتالية التي استخدمها السلاجقة.
* * *
_________
(1) السياسة السلجوقية في العراق، فاضل مهدي بيان، ص 115.
(2) تاريخ البيهقي، ص 666، النظم الحربية عند السلاجقة، ص 316.
(3) بدائع السلك في طبائع الملك لابن الأزرق (1/ 168).
(4) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 316.
(5) المصدر نفسه، ص 319.
(1/266)

المبحث الخامس
أثر نظم السلاجقة في الدولة الزنكية والأيوبية والمماليك
أولاً: الدولة الزنكية:
أحدث السلاجقة تأثيراً واضحاً في الدول التي حلت محلهم أو جاءت بعدهم في مختلف الجوانب العسكرية، فيذكر ابن الأثير أن ديوان زنكي كان يشبه إلى حد كبير دواوين السلاجقة في نظمه من كثرة الحاشية وجمال الزينة ونفاذ الأمر (1)، وهذا - بدون شك - من آثار نظم السلاجقة الواضحة في أتابكتهم الذين ترسموا خطاهم فساروا عليها في جميع أحوالهم، وبهذا كان الزنكيون أول من طبق النظم السلجوقية وعلى رأسها النظم العسكرية (2)، فكان عماد الدين زنكي (ت 541هـ) رجلاً عسكريا اعتنى بجيشه وبتنظيماته فجعل ديواناً خاصاً يعنى بطعامهم ومرتباتهم وأسلحتهم, وكان يتولى أمور الجيش أمير حاجب يرجع للسلطان مباشرة (3)، وكل هذه التنظيمات قد وجدت عند السلاجقة. وجاء من بعده ابنه سيف الدين غازي (ت544هـ) الذي تربّى في بلاط السلاجقة، فكان لهذا تأثير كبير في سياسته واطلاعه على أمور الحرب وإدارة الدواوين فكان يقلد سلاطين السلاجقة في زيه وركوبه وإظهار قوته (4)، ونظراً للاتصال الكبير بين السلاجقة وعماد الدين فقد تأثر بكثير مما وجد لدى السلاجقة، فكان يشارك السلطان محمود السلجوقي في لعب الكرة على ظهور الخيل وسار أولاده على نهجه (5)، حتى كان نور الدين محمود يداوم على اللعب بالكرة تدريباً للخيل ومنعاً لبدانتها حتى أتقن اللعب بها تماماً (6)، وكان يأمر قواده أن يلعبوا بالكرة مع أفراد الجيش كل يوم بعد صلاة العصر خشية أن يركن الجيش إلى الكسل (7)، وهذا يدل على تأثر الزنكيين بالنظم السلجوقية الفكرية والثقافية والعلمية كما سيأتي بيانه بإذن الله.

ثانياً: الأيوبيون والمماليك:
أشار القلقشندي إلى أن أهم الدول والإمارات التي قامت في المنطقة كانت تستمد نظمها من السلاجقة في معظم الأحيان، وذكر بعض المؤرخين أن بعض تلك الدول قد حذت حذو
_________
(1) الباهر، ص 83.
(2) تاريخ الموصل، سعيد الديوه حي, ص 283.
(3) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 340.
(4) المصدر نفسه، ص 340.
(5) المصدر نفسه، ص 340.
(6) الباهر، ص 168، 169.
(7) تاريخ الموصل، ص 446.
(1/267)

السلاجقة في كل شيء كالدولة الأيوبية (1) فقد اعتاد الجيش المصاحب لشيركوه على الأنظمة المتوارثة عن السلاجقة، فكانت أنظمتها العسكرية وسياستها الحربية مستمدة من الأنظمة السلجوقية التي عايشها الأيوبيون الأوائل عندما كانوا في كنف عماد الدين زنكي، بل كان مجيء صلاح الدين إلى مصر في جيش من جيوش نور الدين بن عماد الدين زنكي، فقد اعتمد نور الدين محمود نفس النظم التي كان السلاجقة قد أرسوا قواعدها والتي كان أبوه زنكي قد اعتمدها- من قبل - وأفاد منها إلى حد كبير وجاء الأيوبيون والمماليك في أعقابهم ليسيروا بهذه النظم نحو مزيد من النضج والشمول (2)، حيث يذكر القلقشندي أن المماليك تأثروا في نظمهم بالسلاجقة بفعل ما أخذوه عن الأيوبيين الذين نقلوه بدورهم عن السلاجقة عن طريق أتابكتهم (3)، ومن هنا يؤيد عماد الدين خليل الرأي القائل بأن المنطقة كلها قد تأثرت في هذه المرحلة التاريخية بشكل كبير، أو صغير, بما أنشأه السلاجقة من نظم حربية مختلفة (4) ويذكر حسن حبشي أن السلاجقة كانوا من أسباب التأثير الحضاري غير المباشر للشرق على الغرب والذي نجم عن الاحتكاك العسكري عبر الحروب الصليبية (5)،
كما تأثرت الأجهزة المدنية والعسكرية في الدولة العثمانية بما وجد لدى السلاجقة حتى اعتبرت امتداداً لتلك التنظيمات (6)، ليس بحكم أصل النشأة, فالجميع أتراك, وإنما بتأثير الامتداد والتعاقب الحضاري, ويمكن محاولة تتبع هذه التأثيرات السلجوقية بدراسة المجالات العسكرية المتنوعة والتي منها:
1 - أجناس وعناصر الجند: قام السلطان صلاح الدين بإعادة تنظيم الجيش بعد فتحه لمصر، فصار مكوناً من الأكراد والأتراك والتركمان بشكل رئيسي (7) , وفي هذا التغيير دلالة على ثقته الكبيرة في هذه العناصر العسكرية من خلال المعرفة السابقة لها في جيش نور الدين وإقصاء العناصر التي كان يتألف منها الجيش الفاطمي، وما زالت متأثرة بالولاء للدولة الفاطمية (8)، ويذكر المقريزي التزام المماليك بعد الأيوبيين في الاعتماد على هذه العناصر بقوله إنه بعد زوال دولتهم بقيام عبيدهم المماليك الأتراك فحذوا حذو مواليهم بني أيوب واقتصروا على الأتراك وشيء من الأكراد واستجدوا من المماليك التي تجلب من بلاد الترك شيئاً كثيراً (9).
_________
(1) نور الدين محمود، عماد الدين خليل، ص 67, النظم الحربية، ص 341.
(2) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 342.
(3) صبح الأعشى (4/ 3، 4).
(4) نور الدين محمود، عماد الدين خليل, ص 67.
(5) السلاجقة, مجلة الرسالة، عدد 663، ص 302.
(6) قيام الدولة العثمانية، ص 171 ..
(7) الصليبيون في الشرق، ص 189، النظم الحربية، ص 343.
(8) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 343.
(9) الخطط للمقريزي (1/ 95).
(1/268)

2 - تكوين الجيش: تكون الجيش الأيوبي من فرق كانت تعرض أمام السلطان فرقة بعد فرقة وموكباً بعد موكب، بلغ عددها مائة وسبعة وستين فرقة، وكانت تعرف وقتذاك باسم طلب يتكون ما بين مائتي فارس إلى مائة إلى سبعين فارساً (1)، وكانت عملية جمع الجيش الأيوبي للقيام بالحملات الكبرى مشابهة في أساسها ومضمونها لما عند السلاجقة، فيتم استدعاء فرق الأمراء الذين أقطعوا المدن والأقاليم للمشاركة بجيوشهم في هذه الحملات (2).
3 - فرق الجيش: كان في الجيش الأيوبي فرقة النشابين الذين يرمون بالنشاب وفرقة النفاطين وهم الذين يرمون النفط لإحراق حصون الأعداء, والمنجنيقيين وهم رماة المنجنيق والعيارين رماة الحجارة كانوا يملأون مخالي (3)، الخيل بها (4)،كذلك أتباع العسكر أو الأوباش والرعاع ويسمون سوقة أو حواش (5) ويذكر المقريزي أن الجاويشية قد وجدوا عند المماليك وكانت مهمتهم تنظيم سير مواكب سلاطينهم (6)، وهذه كلها تنظيمات وفرق مشهورة في الجيش السلجوقي ووجودها عند الأيوبيين والمماليك يدل دلالة واضحة على التأثير السلجوقي في الجيش الأيوبي والمملوكي (7).
4 - الخطط والفنون القتالية: استعمل الأيوبيون في قتالهم طريقة المصاف، بتقسيم الجيش إلى ميمنة وميسرة وقلب بالإضافة إلى المقدمة والساقة، فيصف شاهد عيان كيف قسم السلطان صلاح الدين جيشه إلى ميمنة وميسرة وقلب استعداداً للقتال (8)، كما استخدم التقسيم في معركة الرملة كذلك (9)، وهو من الأساليب التي اتخذها السلاجقة في قتالهم، ومعلوم أن هذا التقسيم نظام قديم ومعروف ولكن التشابه في استخدامه يشير إلى التأثير السلجوقي على الأيوبيين كجانب من جوانب التأثير لديهم (10) وعندما نأتي لدراسة عهد الدولة الأيوبية -بإذن الله تعالى- سوف نرى الخطط والفنون القتالية التي تأثر بها الأيوبيون بالسلاجقة، كالحرب الخاطفة والمباغتة، وتطويق العدو، والكمائن، واستدراج العدو, ومحاولة تحديد مكان المعركة (11)، وغير ذلك.
5 - وسائل نقل الأخبار ووسائل الاتصال: تأثرت وسائل الاتصال الأيوبية في عهد
_________
(1) الخطط (1/ 86) , جيش مصر، نظير سعداوي، ص 9.
(2) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 344.
(3) ما يجعل على ظهر الخيل من جلد أو غيره يوضع بها ما يراد حمله على الخيل.
(4) جيش مصر, ص 20.
(5) الفتح القسي، للعماد الأصفهاني ص 565.
(6) الخطط (2/ 209).
(7) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 345.
(8) النوادر لابن شداد، ص 34، النظم الحربية، ص 345.
(9) النوادر، ص 53, النظم الحربية، ص 345.
(10) النظم الحربية، ص 345.
(11) المصدر نفسه، ص 351.
(1/269)

صلاح الدين بما وجد لدى سيده نور الدين محمود في مجال استخدام الحمام الزاجل الذي كانت تعلّق فيه الكتب حيث تعود بها إلى أوكارها فيوصل المسئول عنها الكتاب إلى من وجَّه إليه، ونسب بعض الباحثين إلى عماد الدين زنكي استخدام الحمام الزاجل قبل ابنه نور الدين (1)، ويعتبر عماد الدين من ولاة السلاجقة، وقد أظهر الخليفة العباسي الناصر في العصر السلجوقي العناية بالحمام وتربيته (2)، واستخدمه الفاطميون وبالغوا في الاهتمام به حتى أفردوا له ديواناً بأنسابه (3)، فاستفاد صلاح الدين من الحمام وإيصاله لأخبار العدو إليه، حتى كان بعض الجند يتخذ حماماً يدرَّبه تدريجياً على الطيران من مسافات بعيدة، وعمل له الأبراج الخشبية قرب خيمته حيثما نزل، كما استفاد منه في التعرف على أخبار مدينة عكا وحصار الصليبيين لها والتنسيق مع أهلها لمقاومته (4)، وأسهم استخدام الحمام في مباغتة صلاح الدين للصليبيين أثناء محاولتهم الاستيلاء على الإسكندرية ودمياط نتيجة لوصول أخبارهم إليه مباشرة بهذه الوسيلة (5)، وكان تأثر الصليبيين بهذه الوسيلة في نقل الأخبار كبيرًا، فأعجبوا بها ونقلوها إلى بلدانهم (6)، وقد استخدم الحمام الزاجل بعد ذلك في عصر المماليك فأطلق على المشرف على أبراجه برَّاج (7).
6 - الإقطاع العسكري: يقول المقريزي بعد حديثه عن الوزير نظام الملك والإقطاع موضحاً التأثير السلجوقي في هذا المجال على من جاء بعدهم: واقتدى بفعله من جاء بعده من الملوك من أعوام بضع وثمانين وأربعمائة إلى يومنا هذا (8). هذا كما وجد عند الأيوبيين كناحية من نواحي التأثير المتعددة للسلاجقة على الدولة الأيوبية، ويرى بعض المؤرخين أن الإقطاع ذا الصبغة العسكرية في عهد صلاح الدين كان استمراراً لوجوده السابق عند السلاجقة وأتابكتهم (9)، ووجد الإقطاع أيضاً عند المماليك بعد ذلك بينما احتفظ العثمانيون بما كان متبعاً لدى السلاجقة في مجال الإقطاع (10)، وفي ذلك كله دلالة واضحة على التأثير الذي أحدثه نظام الإقطاع
_________
(1) النظم الحربية، ص 351.
(2) صبح الأعشى (14/ 435، 346) , النظم الحربية، ص 351.
(3) صبح الأعشى, نقلاً عن النظم الحربية، ص 351.
(4) الحرب عند العرب، ص 337، النظم الحربية، ص 351.
(5) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 351.
(6) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 351.
(7) الإسلام في حضارته ونظمه، ص 145، النظم الحربية، ص 352.
(8) الخطط (1/ 95) , النظم الحربية، ص 355.
(9) الجيش الأيوبي، محسن محمد، ص 129, النظم الحربية، ص 355.
(10) قيام الدولة العثمانية، محمد فؤاد، ص 170، 171.
(1/270)

العسكري السلجوقي لدى الدول التي جاءت بعد السلاجقة (1).
7 - التقسيم العشري: اتبع السلاجقة التقسيم القائم على تقسيم القادة العسكريين ابتداءً من كبار القادة أمراء المائة ومروراً بأمراء الطبلخاناه ثم العشرات فالخمسات, وهي أقل هذه الدرجات, وهي من التنظيمات المهمة في عصر السلاجقة، وكان لها تأثيرها البالغ في بعض من جاء بعدهم من الدول، فكان عماد الدين زنكي قد اتبع هذا التنظيم العسكري، ثم اتخذ أساساً لتنظيمات الأيوبيين في هذا المجال (2)، وبلغ أوج استقراره ونضجه لدى المماليك بعد ذلك (3).
8 - الألقاب العسكرية:
أ- الأتابك: كانت بداية هذا اللقب عند السلاجقة، وتطور حتى وصل بالأتابك من الناحية العملية بعد ذلك إلى حد توريث وظيفته حتى على مستوى امتلاك الحكم، فكان صلاح الدين قد تدرّع بكونه أتابكاً للملك الصالح إسماعيل بن نور الدين, وعن هذا الطريق ضم سوريا - كما سيأتي بيانه عند حديثنا عن صلاح الدين في الدولة الأيوبية بإذن الله- كما ظلَّ هذا اللقب حرفة مستقلة كذلك حتى عهد المماليك (4).
ب- الأسفهسلار: وكانت مهمته الإشراف على الجند في العصر السلجوقي، ثم انتقل اللقب عن طريق الدولة النورية إلى الدولة الأيوبية (5)،
جـ- اللباس العسكري: يفصل القلقشندي التأثيرات السلجوقية في هذا المجال على الأيوبيين عن طريق أتابكتهم، فكان اللباس العسكري الأيوبي مماثلاً، سواء في ذلك القادة أو الجند، فكانوا يلبسون الكلوتات (6) الصفر على رءوسهم مكشوفة بغير عمائم، وذوائب شعورهم مرخاة تحتها، سواء في ذلك المماليك والأمراء وغيرهم (7)، ويوافقه محسن محمد على ذلك حتى إن التغييرات التي أحدثها بعض الأتابكة، كسيف الدين غازي بن عماد الدين زنكي ثاني أتابكة الموصل (544هـ) حينما استحدث حمل السنجق (8)، على رأسه،
_________
(1) النظم الحربية، ص 356.
(2) النظم الحربية، ص 356.
(3) المصدر نفسه، ص 356, الخطط (2/ 215 - 219).
(4) النظم الحربية عند السلاجقة، ص 357.
(5) الألقاب الإسلامية، حسن الباشا, ص 157.
(6) الكلوتات نوع من اللباس يوضع على الرأس.
(7) النظم الحربية، ص 358، صبح الأعشى (4/ 5، 41).
(8) السنجق لفظ تركي يطلق في الأصل على الرمح, والجمع سناجق, وهي رايات صفر صغار يحملها السنجقدار في موكب السلطان.
(1/271)

وألزم الجند بشد السيوف في أوساطهم، وجعل الدبابيس تحت ركبهم عند الركوب، قام السلطان صلاح الدين بتطبيق ذلك (1)، ويؤكد ذلك القلقشندي بقوله عن صلاح الدين إنه: جرى على هذا النهج أو ما قاربه (2)، ومعلوم أن اللباس عند الأتابكة قبل تعديلات سيف الدين غازي هو بذاته لباس السلاجقة, وبذلك يكون التأثير السلجوقي قد انتقل بواسطة أتابكتهم، وكان من عادة السلاجقة استخدام الجاليش في مقدمة الجيش السلجوقي وهو عبارة عن خصلة من شعر الحصان توضع في أعلى الراية أمام الجيش ثم انتقلت على مقدمة الجيش, وقد انتقلت هذه العادة إلى الأيوبيين (3)، فهذه بعض الإشارات العابرة حول أثر نظم السلاجقة في الدول الأخرى.
* * *
_________
(1) الجيش الأيوبي، ص 122، 123.
(2) صبح الأعشى (4/ 6) , النظم الحربية عند السلاجقة، ص 358.
(3) التاريخ العباسي، إبراهيم الأيوب ص 196.
(1/272)

المبحث السادس
المرأة في العهد السلجوقي
رغماً مما وجد في العصر السلجوقي من فكر عن ضعف المرأة تمثَّل في نظرة كبار رجالات الدولة وبعض علمائها فإنه كان لبعضهن دور كبير في الميادين العسكرية والسياسية والاجتماعية, ويرى الوزير نظام الملك أن النساء: محجبات مستورات، ناقصات العقول، الغاية منهن الإنجاب لحفظ النسل (1)، ويعقد الغزالي للنساء بابا خاصاً في كتابه التبر المسبوك يرى فيه: أن المرأة أسيرة الرجل، ويجب على الرجال مداراة النساء لنقص عقولهن، وبسبب عقولهن لا يجوز لأحد أن يتدبر بآرائهن ولا يلتفت إلى أقوالهن, ومن اعتمد على آرائهن ودبر نفسه بمشورتهن خسر (2) فهو يتفق مع الوزير السلجوقي نظام الملك في مقصوده وهو وجوب إبعاد النساء عن التدخل في شئون الدولة ويبين الوزير رأيه هذا على شكل استقراء تاريخي يقول فيه: لقد اختط الملوك وأولو العزم من الرجال لأنفسهم طرقاً، وعاشوا حياة لم يكن للنساء أو وصيفاتهن فيها أدنى علم بأسرارهم, وقضوا حياتهم في منأى عن قيودهن، وأهوائهن وأوامرهن ولم يقعوا تحت ربقة نيرهن قط (3)، ويحذر من نتائج وصولهن إلى مواقع السلطة بقوله: إن كل من يجعل النساء قيَّمات على الرجال يستحمل وحده جرم أي خطأ أو انحراف، لأنه هو الذي سمح بذلك وتخطى العادة المتبعة (4). ولكن على الرغم من هذا الرأي فقد شاركت المرأة في العصر السلجوقي، في النشاط العسكري والسياسي والاجتماعي, وإليك بعض الأمثلة:

أولاً: زوجة طغرل بك:
كانت زوجة السلطان طغرل بك -كما يقول ابن تغري بردي-: صاحبة رأي وتدبير وحزم وعزم, وكان زوجها السلطان طغرل بك سامعاً لها ومطيعاً، والأمور مردودة إلى عقلها، وكانت تسير بالعساكر وتنجده وتقاتل أعداءه (5)، فقد سارت نجدة لزوجها السلطان طغرل بك في صراعه مع أخيه إبراهيم ينال متخطية آراء المعارضين لها في هذا العمل
_________
(1) سياست نامه، ص 224.
(2) التبر المسبوك، ص 381.
(3) سياست نامه، ص 227.
(4) المصدر نفسه، ص 231.
(5) النجوم الزاهرة (5/ 101).
(1/273)

العسكري (1). كما كلف السلطان ألب أرسلان قبل معركة ملاذكرد سنة 463هـ زوجته بالمسير مع الوزير نظام الملك لإيصال أثقال الجيش إلى همذان (2)، وعندما صادر الوزير السلجوقي نظام الملك أموال كوهر خاتون عمة السلطان السلجوقي ملكشاه حاولت التحرك بجمع الجيوش لقتال الوزير الذي أشار على السلطان بقتلها فقتلها سنة 476هـ، وقضى بذلك على حركتها (3).

ثانياً: تركان خاتون زوجة السلطان ملكشاه:
عندما توفي زوجها استولت على السلطة بعده وساست الأمور سياسة عظيمة، وأنفقت الأموال التي كانت تزيد على عشرين مليون دينار، فأرضت بها العسكر واتفقت مع الخليفة على ترتيب ولدها محمود في السلطنة وعمره يومئذ خمس سنين وعشرة شهور، وخطب له على منابر الحضرة وترتب لوزارته تاج الملك أبو الغنائم المرزبان بن خسرو، وجاء عميد الدولة بخلع من الخليفة، فأفاضها على محمود ودخل إلى أمه فعزاها وهنأها عن الخليفة، ثم خرجت إلى أصفهان (4)، وكان ينافس ابنها أخوه بركيارق، فجرت بين عساكر الطرفين معارك انتصر فيها بركيارق، بعد أن قتل تاج الملك، وعندما فشلت في مواجهة بركيارق أثارت ضده خاله إسماعيل بن ياقوتي أمير أذربيجان ولكنه هزم أمام قوات بركيارق, وكانت مصممة على الاتصال بتاج الدولة تتش بن ألب أرسلان حين وافتها المنية سنة 467هـ، وكان بيدها أصفهان ومعها عشرة آلاف فارس من الأتراك (5)، وهكذا باشرت الحروب ودبرت الجيوش وقادت العساكر وبموتها انحل أمر ابنها محمود وعقد الأمر
لبركيارق بن ملكشاه (6).

ثالثاً: خاتون بنت ملكشاه الثانية زوجة المستظهر:
في سنة 502هـ تزوج المستظهر خاتون بنت ملكشاه، وقد جرى عقد الزواج في مدينة أصفهان، عاصمة الدولة السلجوقية وفي سنة 504هـ بعث الخليفة زين الإسلام أبا سعد محمد نصر الهروي إلى أصفهان لاستدعاء زوجته الخاتون فدخلت بغداد ونزلت بدار المملكة عند أخيها السلطان محمد, وزينت بغداد ونقل جهازها في رمضان، فكان على مائة واثنين
_________
(1) تاريخ بغداد (9/ 400، 401).
(2) الكامل في التاريخ, نقلاً عن النظم الحربية، ص 228.
(3) النجوم الزاهرة (5/ 101).
(4) المنتظم (9/ 62).
(5) الكامل في التاريخ, نقلاً عن النظم الحربية، ص 228.
(6) الحضارة الإسلامية في بغداد 172.
(1/274)

وستين جملاً وسبعة وعشرين بغلاً، وجاءت النجائب والمهور والجواري والمزينات وغلقت الأسواق ونصبت القباب وتشاغل الناس بالفرح، وكان الزفاف في ليلة العاشر من رمضان، وكانت ليلة زفافها من ليالي السرور العظيمة (1)، وفي سنة 517هـ، أمر المسترشد بعمارة السور على بغداد الشرقية، وقد تناوب على العمارة أهل كل محلة لمدة أسبوع، وكانوا يخرجون بالطبول والملاهي وعزم الخليفة على ختان أولاده، وزينت بغداد وعمل الناس القباب وعملت خاتون زوجة المستظهر قبة بباب النوبي وعلقت عليها من الثياب والجواهر والديباج ما أدهش الناس وعملت قبة في درب الدواب وعليها غرائب منحوتة مع الحلل ونصب عليها سترات من الديباج الرومي (2) وفي سنة 530هـ حصلت لها محمدة, وذلك حين حاصر السلطان مسعود (3)، الخليفة الراشد بن المسترشد وخاف أهل بغداد فحمل كثير منهم أموالهم إلى دار الخليفة ودار الخاتون ثم خرج الراشد من بغداد بعد أن سلم دار الخلافة ومفاتيحها إلى خاتون فأخرجت أصحابها لحفظ باب النوبي وهو باب من أبواب دار الخلافة وترك الراشد نساءه وأولاده عند الخاتون أيضاً, ودخل مسعود بغداد واستولى على ممتلكات الراشد، فذهبت إليه خاتون وردت إلى أهل الراشد كل ما أخذه تقريباً وهكذا عظمت منزلتها كثيراً (4).
وقد لعبت هذه السيدة دوراً مهماً في الأحداث الكبرى, يقول عنها ابن الساعي: كانت رئيسة جليلة من أعقل النساء، وأشدهن حزماً وسداداً, وأنشأت مدرسة بشارع سوق العسكر ووقفتها على أصحاب الإمام أبي حنيفة وليس في الدنيا مدرسة أكبر منها (5).

رابعاً: قهرمانة المقتدي:
ومن النساء اللواتي كان لهن التأثير المباشر في وصول المستظهر إلى مركز الخلافة قهرمانة المقتدي التي كانت تتمتع بنفوذ كبير فهي تنفذ مهام الدار العزيزة كما ينفذ الوزير مهام الديوان العزيز، وحين قدمت الطبق للمقتدي كان عنده جارية صغيرة، فمات فجأة، فأغلقت باب الحجرة ووكلت بالباب من يحرسه وأرسلت إلى الوزير، وتعاهدت وإياه على تأمين مصلحة أصحابها وأصحابه، وعندما أخذت منه اليمين قالت: أحسن الله عزاءك في أمير المؤمنين، فقط زممت أمر الدار، فزم أنت أمر البلد, ثم أدخلته على ولي العهد المستظهر، وأخبره بموت المقتدي وخلافته بعده, ومضى الوزير إلى السلطان بركيارق وتدارس معه
_________
(1) المنتظم (9/ 159، 160، 165، 166).
(2) الحضارة الإسلامية في بغداد، ص 173.
(3) المصدر نفسه، ص 174.
(4) المنتظم (10/ 27) , الحضارة الإسلامية، ص 175.
(5) نساء الخلفاء، ص 108، 109, الحضارة الإسلامية، ص 175.
(1/275)

الأمر ثم عاد وأجلس المستظهر وأشاع موت المقتدى, كل ذلك كان بتدبير القهرمانة (1).

خامساً: خاتون السفرية:
كانت حظية ملكشاه ومن جواريه فولدت له محمداً وسنجر، وكانت تتدين، وتبعث حمال السبيل إلى طريق مكة ولما حصلت على الملك بحثت عن أهلها وأمها وأخواتها حتى عرفت مكانهم ثم بذلت الأموال لمن يأتيها بهم، فلما وصلوا إليها ودخلت أمها كانت قد فارقتها منذ أربعين سنة، فجلست البنت بين جوار يقاربنها في الشبه حتى تنظر هل تعرفها أم لا، فلما سمعت الأم صوتها نهضت إليها فقبلتها وأسلمت الأم، فلما توفيت خاتون قعد لها السلطان محمود في العزاء (2).

سادساً: عالمات وزاهدات وواعظات في العهد السلجوقي:
وأما على الصعيد العلمي فقد اشتهر عدد من النساء منهن:
1 - دلال بنت أبي الفضل محمد بن عبد العزيز بن المهتدي، سمعت أباها, توفيت سنة 508هـ.
2 - رابعة بنت أبي الحكم بن أبي عبد الله الحيري, سمعت من الجوهري وابن المسلمة وابن النقور وغيرهم, وحدثت وروى عنها ولدها وكانت خيرة (3).
3 - الحرانية وبنت الجنيد وبنت الغراد: تتلمذ عليهن في الزهد أبو الوفاء علي بن عقيل وهو فريد دهره وإمام عصره، وبنت الغراد كانت منقطعة إلى قعر بيتها لم تصعد قط, ولها كلام في الورع (4).
4 - فاطمة بنت عبد الله الخيري الفرضي: سمعت الحديث وحدثت به. وأما في ميدان الزهد والتعبد فقد اشتهرت ببغداد:
5 - السيدة فاطمة بنت الحسين بن الحسن بن فضلويه الرازي, كانت واعظة متعبدة لها رباط تجتمع فيه الزاهدات, سمعت أبا جعفر بن المسلمة وأبا بكر الخطيب وسمع منها صاحب المنتظم بقراءة شيخه أبي الفضل بن ناصر كتاب ذم الغيبة لإبراهيم الحربي, وروت مسند الشافعي (5).
_________
(1) الحضارة الإسلامية في بغداد، ص 176.
(2) المنتظم (10/ 87، 88).
(3) الحضارة الإسلامية في بغداد، ص 176.
(4) المصدر نفسه، ص 177.
(5) المنتظم (9/ 212، 229) , الحضارة الإسلامية في بغداد، ص 177.
(1/276)

سابعاً: اختلاط النساء بالرجال:
لم يكن المجتمع البغدادي يستسيغ الاختلاط بين النساء والرجال في الطرق, وكان المحتسب لا يسمح حتى للزوجين أن يجتمعا في طريق خال من المارة, وكان يفصل بين النساء والرجال أثناء ركوب الزوارق عند عبور دجلة, ولم يكتف المحتسب بذلك بل أصدر أمره سنة 502هـ بمنع النساء من العبور مع الرجال في نفس الزورق، وصدر التشديد على النساء من المستظهر سنة 494هـ حين أمر المحتسب بمنعهن من الخروج ليلاً للتفرج عند افتتاح جامع القصر، ومع عناية المستظهر بحفظ أخلاق الناس، كانت تقع حوادث فيها مخالفة للقوانين الشرعية فبعضها يفلت من مراقبة الحكومة والبعض الآخر تتمكن من التعرف عليه (1)، وكان بعض الناس يخرجون على القيم الاجتماعية، فكان الرجال يلتقون بالنساء خفية
في الليل ولكن ذلك كان من قبيل المغامرة إذ إنهم بمحاولتهم الالتقاء بالنساء
يعرضون أنفسهم لانتقام ذويهن كما حدث سنة 500هـ، عندما دخل صبي إلى داره فوجد فيها رجلاً غريباً عند أخته فما كان منه إلا أن أسرع إلى قتل ذلك الرجل، وقد يقوم
بمهمة القتل هذه زوج المرأة إذا علم باتصالها برجل آخر ولا يعبأ بالنتائج المترتبة على هذا القتل بسبب الغيرة على العرض (2).
* * *
_________
(1) الحضارة الإسلامية في بغداد، ص 178.
(2) المنتظم (9/ 123، 148، 157، 159)، الحضارة الإسلامية في بغداد، ص 178.
(1/277)

الفصل الرابع
المدارس النظامية في عهد السلاجقة
المبحث الأول
نشأة المدارس وأهدافها
أولاً: نشأتها:
اختلف المؤرخون وأهل العلم حول بداية نشأة المدارس الإسلامية، فمنهم من قال إنها ظهرت في عهد نظام الملك الذي أنشأ المدرسة النظامية سنة 459هـ ومنهم من قال إنها كانت قد ظهرت قبل ذلك بكثير، ولكن بالرجوع إلى المصادر والكتب المتخصصة نجد أن أول ظهور للمدرسة كان في أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث الهجري, وهذه المدرسة هي مدرسة الإمام أبي حفص الفقيه البخاري «150هـ - 217هـ» ويبدو من نسبتها إلى مؤسسها أنها قد أسست أثناء حياته، وأبو حفص البخاري من الفقهاء الذين تزعموا الحركة الفكرية في مدينة بخارى، ثم نشطت حركة إنشاء المدارس في بلاد المشرق بعد هذا التاريخ، فقد تم إنشاء مدرسة بنيسابور منذ بداية القرن الرابع الهجري (1) أنشأها الإمام أبو حاتم محمد بن حبان التميمي الشافعي (270 - 354هـ). وقد كانت المدارس التي أسست في ذلك الوقت مدارس أحادية المذهب تفردت بتدريس مذهب واحد، ذلك لأن التنافس المذهبي الذي كانت تعيشه بغداد حاضرة الخلافة قد امتد إلى بلاد ما وراء النهر (2)، ومن الجدير بالذكر أن المدارس كانت قد ظهرت في دمشق قبل ظهورها في بغداد، فقد تم إنشاء أول مدرسة فيها عام 391هـ وهذه المدرسة هي المدرسة الصادرية المنسوبة إلى منشئها، صادر بن عبد الله، وتبعه بعد ذلك مقرئ دمشق «رشأ بن نضيف» حيث قام بتأسيس المدرسة الرشائية في حدود الأربعمائة، وإلى هذه المدارس خرج الطلبة من الحلق التي كانت تعقد في المسجد إلى مكان يختص بتلقي علم معين فيوقف عليهم وعلى شيوخهم المال وتوفر لهم أسباب التعليم (3)،وفيما يلي ذكر لبعض المدارس التي أنشئت قبل المدرسة النظامية وهي حسب التسلسل الزمني لظهورها وعلى سبيل المثال لا الحصر:
_________
(1) الإدارة التربوية في المدارس في العصر العباسي، ص 94.
(2) المدرسة مع التركيز على النظاميات للسامرائي، ص 336، 337.
(3) نظم التعليم عند المسلمين، عارف عبد الغني، ص 89, الإدارة التربوية في المدارس في العصر العباسي، ص 95.
(1/278)

1 - مدرسة الإمام أبي حفص الفقيه البخاري (150هـ - 217هـ).
2 - مدرسة ابن حيان، في بداية القرن الرابع الهجري وفي حوالي سنة 305هـ شيد أبو حاتم بن حيان البستي داراً في بلده بست وجعل فيها خزانة كتب وبيوتاً للطلبة.
3 - مدرسة أبي الوليد، قبل سنة (349هـ) أنشئت مدرسة أبي الوليد حسان بن أحمد النيسابوري الشافعي (ت 349هـ) ويذكر أنه كان كثير الملازمة لها.
4 - مدرسة محمد بن عبد الله بن حماد (ت 388هـ) الذي وصفه السبكي بأنه كان إلى أن خرج من دار الدنيا وهو ملازم لمسجده ومدرسته.
5 - المدرسة الصادرية التي أنشأها الأمير شجاع الدولة صادر بن عبد الله سنة 391هـ في مدينة دمشق.
6 - المدرسة البيهقية بنيسابور والتي أنشئت قبل أن يولد نظام الملك -وقد ولد سنة 408هـ- فتكون هذه المدرسة أنشئت قبل هذا التاريخ.
7 - مدرسة أبي بكر البستي (ت429هـ) والتي بناها لأهل العلم بنيسابور على باب داره ووقف جملة من ماله عليها وكان هذا الرجل من كبار المدرسين والناظرين بنيسابور.
8 - مدرسة الإمام أبي حنيفة التي أنشئت بجوار مشهد أبي حنيفة وأسسها أبو سعد ابن المستوفي حيث تم افتتاحها قبل افتتاح المدرسة النظامية بخمسة شهور (1). وقد ذكر بعض المؤرخين أن الغزنويين اهتموا بالمدارس من خلال بعض أمرائهم، كالنصر بن سبكتكين حينما كان والياً على نيسابور وسماها السعدية (2) , وجاء نظام الملك فوجد أمامه هذه النماذج العديدة من المدارس، ورأى الفاطميين قد سبقوه إلى تشييد الأزهر، والاعتماد عليه في دعوتهم ودراسة مذهبهم فكانت هذه مصادر إيحاء وتحفيز للقيام بإنشاء مجموعة من المدارس وليست مدرسة واحدة لتشارك المجاهدين في حربهم ضد المبتدعين بنفس السلاح (3)، لقد تسربت الباطنية في سوريا وفارس والعراق وأخذت بفضل إغراء الدعاة وإثارتهم فطاف ناصر خسرو ومن بعده حسن الصباح يدعوان للمذهب الباطني الإسماعيلي الشيعي الرافضي، وقام إبراهيم ينال ثم البساسيري في الموصل وبغداد بثورتين عنيفتين كادتا تقضيان على الخلفاء السلاجقة جميعاً، وكان لدار الحكمة والأزهر اللذين أسسهما الفاطميون في القرن العاشر الهجري بالقاهرة الفضل الأكبر في بث مبادئ التشيع الإسماعيلي ونشر الحكم
_________
(1) التعليم الإسلامي بين الأصالة والتجديد، ص 351.
(2) نظام الملك، ص 365.
(3) نظام الملك، ص 365.
(1/279)

الفاطمي (1)، ولم يكن إيقاف حركة الباطنية هذه -فضلاً عن القضاء عليها- بالأمر الهيّن، فجذورها قد تغلغلت في جسم البلد الإسلامي الكبير بحيث لم يبق عضو منه سليماً وبخاصة إقليم خراسان فإنه كان موطن المغذين لها بالآراء الفلسفية والبراهين المنطقية إن لم يكن من المؤسسين لها، وقد اتخذ هؤلاء وسيلتهم الإقناع والحجة عن طريق الحوار والمناقشة (2)،
لقد بدأ التفكير الفعلي في إنشاء هذه المدارس النظامية للوقوف أمام المد الشيعي الإمامي والإسماعيلي الباطني عقب اعتلاء السلطان ألب أرسلان عرش السلاجقة في عام 455هـ، فقد استوزر هذا السلطان رجلاً قديراً وسنياً متحمساً هو الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي، الملقب بنظام الملك، فرأى هذا الوزير أن الاقتصار على مقاومة الشيعة الإمامية والإسماعيلية الباطنية سياسياً لن يكتب له النجاح إلا إذا وازى هذه المقاومة السياسية مقاومة فكرية، ذلك أن الشيعة -إمامية كانوا أو إسماعيلية- نشطوا في هذه الفترة وما قبلها إلى الدعوة لمذهبهم بوسائل فكرية متعددة، وهذا النشاط الفكري ما كان ينجح في مقاومته إلا نشاط سني مماثل يتصدى له بالحجة والبرهان، خاصة أن السلاجقة ورثوا في فارس والعراق نفوذ بني بويه الشيعيين، وهؤلاء لم يألوا جهداً في تشجيع الإمامية على نشر فكرهم، كما غضوا الطرف عن نشاط دعاة الإسماعيلية في فارس والعراق وترتب على ذلك كله تزايد نفوذ الشيعة فيهما، خاصة بعد أن لجأ الشيعة إلى إنشاء مؤسسات تعليمية تتولى الترويج لعقائدهم، وتعمل على نشرها، فقد أنشاء أبو علي بن سِوار الكاتب أحد رجال عضد الدولة (ت 372هـ) دار كتب في مدينة البصرة وأخرى في مدينة رام هرمز وجعل فيها إجراء على من قصدهما، ولزم القراءة والنسخ وكان في الأولى منهما شيخ يدرس عليه علم الكلام على مذهب المعتزلة (3)، كما أسس أبو نصر سابور بن أرد شير وزير بهاء الدولة (ت 416هـ) داراً للعمل في الكرخ في عام 383هـ، ووقف فيها كتبًا كثيرة، ذكر ابن الأثير أنها بلغت عشرة آلاف وأربعمائة مجلد في أصناف العلوم، وأسند النظر في أمرها ورعايتها إلى رجلين من العلويين يعاونهما أحد القضاة (4)،
وبعد وفاة سابور آلت مراعاة هذه الدار إلى الشريف الرضى نقيب الطالبيين (5) كذلك اتخذ الشريف الرضي (ت 406هـ) الشاعر الإمامي المشهور دارًا أسماها دار العلم، وفتحها لطلاب العلم، وعين لهم جميع ما يحتاجون
_________
(1) نظام الملك، ص 353.
(2) المصدر نفسه، ص 353، 354.
(3) تاريخ التربية عند الإمامية، عبد الله فياض، ص 87 - 89.
(4) المنتظم (8/ 205) , الحضارة الإسلامية في القرن الرابع (1/ 330).
(5) التاريخ السياسي والفكري د. عبد المجيد أبو الفتوح، ص 177.
(1/280)

إليه (1). ويدل مجرد اسم هذه المؤسسات على الفرق بينها وبين دور الكتب القديمة، فكانت دار الكتب تسمى قديماً خزانة الحكمة، وهي خزانة كتب ليس غير، أما المؤسسات الجديدة فتسمى دور العلم، وخزانة الكتب جزء منها (2). وهذا يشير إلى أن هذه الدور الجديدة كانت لها وظيفة تعليمية أيضاً (3)، وإلى جانب دور العلم هذه كان كثير من أئمة الشيعة الإمامية يقومون بالدعوة إلى مذهبهم ونشر عقائدهم في بيوتهم الخاصة، أو في مشاهدهم وأعنى بها المساجد التي دفن فيها أئمتهم - على حد قولهم لأن بعضها لا يثبت- والتي عرفت عندهم بالعتبات المقدسة (4): فقد كان الشيخ المفيد محمد بن محمد النعمان، شيخ الإمامية المتوفي في عام 413هـ يعقد مجلس نظر بدار يحضره جميع العلماء وكانت له منزلة عند أمراء الأطراف يميلهم إلى مذهبه (5)
وأما أبو جعفر الطوسي محمد بن الحسن فقيه الإمامية (ت 460هـ)، فقد فر إلى النجف بعد أن هوجمت داره في بغداد، ونهبت محتوياتها في عام 448هـ في حملة الضغط التي تعرض لها الشيعة في بغداد عقب دخول السلاجقة إليها وتمكن الطوسي في مقره الجديد من مواصلة نشاطه العلمي والتعليمي فألف مجموعة من الكتب في الفقه والحديث على مذهب الإمامية احتلت مكاناً بارزاً في الدراسات الشيعية الإمامية، كالتهذيب والاستبصار، وهما من الكتب الأربعة المعول عليها عندهم والتي تحفل بالروايات الضعيفة والموضوعة والتي لا وزن لها في الميزان العلمي الصحيح، كما أملى الطوسي - في مشهد النجف - على طلبته كثيراً من الدروس جمعها في كتاب سماه الأمالي (6). هذه بعض الجهود التي قام بها الإمامية للترويج لمذهبهم والدعاية له، أما الإسماعيلية، فكانوا أساتذة هذا الميدان ولهم القدم الراسخة فيه إذ حازوا قصب السبق في إنشاء المؤسسات التعليمية، وتوجيهها وجهة مذهبية. (7) بدأ الفاطميون نشاطهم في هذا المجال منذ قيام دولتهم في الشمال الإفريقي, وكان عهدهم الذهبي بإنشاء الجامع الأزهر عام 359هـ وجعلوا منه مؤسسة تعليمية تعنى بنشر مذهبهم في عام 378هـ عندما سأل الوزير يعقوب بن كلس الخليفة العزيز في صلة رزق جماعة من الفقهاء فأطلق لهم ما يكفي كل واحد منهم، وأمر لهم بشراء دار وبنائها فبنيت بجانب الجامع الأزهر، فإذا كان يوم الجمعة حضروا إلى الجامع وتحلقوا فيه بعد الصلاة إلى أن تصلى العصر، وكان لهم من مال الوزير صلة في كل سنة.
ثم
_________
(1) تاريخ التربية الإسلامية، د. أحمد شلبي ص 139.
(2) التاريخ السياسي والفكري د. عبد المجيد أبو الفتوح، ص 177.
(3) التاريخ السياسي والفكري د. عبد المجيد أبو الفتوح، ص 177.
(4) المنتظم (8/ 11) , التاريخ السياسي والفكري، ص 178.
(5) المنتظم (8/ 11) , التاريخ السياسي والفكري، ص 178.
(6) تاريخ التربية عند الإمامية، ص 275، 276.
(7) التاريخ السياسي والفكري، عبد المجيد أبو الفتوح، ص 178.
(1/281)

أنشأ الحاكم بأمر الله دار العلم «دار الحكمة» للغرض ذاته في عام 395هـ وحملت الكتب إليها من خزائن القصور، ومن خزائن مقر الدولة الفاطمية, وأجرى الأرزاق على من رسم له بالجلوس فيها، والخدمة لها من فقيه وغيره، وحضرها الناس على طبقاتهم فمنهم من يحضر لقراءة الكتب ومنهم من يحضر للنسخ، ومنهم من يحضر للتعلم وجعل فيها ما يحتاج الناس إليه من الحبر والأقلام والورق والمحابر (1)، هذا بالإضافة إلى البرامج التعليمية التي كانت تعد بعناية خاصة في عاصمة الخلافة الفاطمية لإعداد الدعاة، وتثقيفهم ثقافة مذهبية واسعة قبل إرسالهم إلى البلاد الإسلامية لنشر المذهب الإسماعيلي، وكان لذلك أثره في رواج هذا المذهب في بعض مناطق الشرق الإسلامي نتيجة لهذه الجهود المنظمة المستمرة في نشر هذه الدعوة (2)، لذلك كله فكر نظام الملك في أن يقاوم النفوذ الشيعي بنفس الأسلوب الذي ينتشر به، ومعنى ذلك أنه رأى أن يقرن المقاومة السياسية للشيعة بمقاومة فكرية
أيضاً (3)، وتربية الأمة على كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وعقيدة أهل السنة والجماعة المستمدة من الوحي الإلهي. ومن هنا كان تفكيره في إنشاء المدارس النظامية التي نسبت إليه، لأنه الذي جد في إنشائها وخطط لها، وأوقف عليها الأوقاف الواسعة، واختار لها الأكفاء من الأساتذة فكان من الطبيعي أن تنسب إليه من دون السلاجقة (4). لقد كان نظام الملك شافعياً سنياً حريصاً على الإسلام الصحيح وقد عاصرته آراء وأفكار متباينة مختلفة كانت منتشرة في العالم الإسلامي كالمعتزلة والباطينة وبقايا القرامطة وغيرهم من أصحاب الملل والنحل. وكان نظام الملك يرمي بدرجة كبيرة إلى توجيه الرعية وجهة تخدم مصلحة الدولة وتبعث على الاستقرار والسكينة والأمن، لذا كان هم نظام الملك التأكيد في مواضع الدراسة على إفهام الناس عامة ومنتسبي النظامية خاصة أصول الدين الصحيحة، ولما كان نظام الملك شافعياً، كان يرى أن يدرس الفقه والأصول المستمدة من أفكار وآراء الشافعية, وكان من شروط النظامية أن يكون المدرس من الشافعية أصلاً وفرعاً (5).
إن من الأخطار العظيمة التي تواجه الأمة اليوم المد الباطني في أنحاء المعمورة, وقد استهدف عقيدة الأمة وكتاب ربها وسنة نبيها وتاريخها وعظماءها، والكثير من رموز الأمة الإسلامية في عالم السياسة والفكر والعلم والتاريخ والثقافة في حالة استرخاء وفتور، والبراكين المدمرة تجري من تحتهم، فهلا نستلهم الدرس، ونستخرج العبرة، ونعمل بالسنن
_________
(1) خطط المقريزي (2/ 272) , التاريخ السياسي والفكري عبد المجيد أبو الفتوح، ص 178.
(2) التاريخ السياسي والفكري، ص 179.
(3) التاريخ السياسي والفكري، ص 179.
(4) التاريخ السياسي والفكري، ص 179.
(5) بحوث في تاريخ الحضارة الإسلامية، ص 105.
(1/282)

والقوانين الإلهية في الدعوة إلى الإسلام الصحيح الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -، فيكون من حكامنا، مثل ألب أرسلان في غيرته، ومن وزرائنا كنظام الملك في همته، ومن علمائنا كالجويني والغزالي، وابن عقيل والبغوي وغيرهم في دفاعهم عن الكتاب والسنة والصحابة، وقضايا الفكر، ونوظف الوسائل الحديثة في بث عقائد الإسلام الصحيحة وتاريخه الموثق وفكره البديع من خلال الفضائيات والإنترنت والمطابع والجرائد والمجلات والكتب والندوات والمؤتمرات والمناهج والمدارس والجامعات ووسائل الدعوة بأنواعها، نريد بذلك وجه الله وأجره ومثوبته ومرافقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

ثانياً: الأهداف التعليمية للمدارس الإسلامية وخصوصاً النظامية:
إن من أبرز الأهداف التي عملت المدارس على تحقيقها في بداية ظهورها:
1 - تحقيق العبودية الخالصة لله تعالى، وذلك بأن يكون العبد يعبد ربًا واحدًا. وأن تستقيم وتنتظم حياة البشر ضمن هذه الغاية، ولا يتوصل إلى المعرفة الحقة والعبودية الخالصة لله إلا بوجود دوائر تعمل على تحقيق هذه الغاية، ولذلك كانت المدرسة التي عملت وسعت لتحقق وتوضح هذا الهدف في نفوس طلابها, قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56].
2 - الأداء الأمثل للتكاليف الشرعية المختلفة، وذلك لأن معالم الشريعة لا تكون واضحة ولا تعرف أحكام الدين إلا عن طريق التعليم الإسلامي القويم، والتعليم الصحيح هو الطريق الأمثل للوصول إلى مراد الشارع سبحانه وتعالى إذ يقول في كتابه الكريم: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89]. إذ إن العبادات كافة التي شرعت ما كانت إلا لعبادة الله سبحانه وتعالى, التي يترتب عليها الهداية والرحمة.
3 - ويترتب على الهدف السابق هدف آخر هو إعداد الإنسان الصالح بنفسه المصلح لغيره، ولذلك اعتبر هذا الهدف مهماً من وجهة نظر التعليم الإسلامي، فالتعليم الإسلامي يعد الفرد لكي يكون آمراً بالمعروف معيناً عليه وعلى فعله، وناهياً عن المنكر داعياً إلى تركه بعد أن يكون هو نفسه قد امتثل هذا الأمر أو النهي (1).
4 - توفير جو علمي، تهدف المدرسة الإسلامية إلى توفير جو علمي يساعد الأساتذة والمعلمين على أن يفكروا ويؤلفوا ويبتكروا، فيضيفوا كل جديد إلى العلوم المختلفة بصفة مستمرة.
_________
(1) الإدارة التربوية للمدارس في العصر العباسي، ص 109.
(1/283)

5 - العمل على توسيع الأفق الفكري لدى الطلاب، فالمدرسة لا تكتفي بتنمية الخبرات، بل تعمل على أن تكسب الطالب الخبرات الجديدة الناتجة عن تجارب الأمم السابقة والمعاصرة, وهذا ما يسمى عند علماء التربية الإسلامية «نقل التراث» (1)، وهذا يكون من خلال إطلاع الطلبة على التراث الحضاري والفكري لدى الأمة مما يؤدي إلى توسيع الأفق لديهم نتيجة لإطلاعهم على تلك الخبرات (2).
6 - إعداد الكوادر الفنية، تهدف المدرسة من وراء تعليمها للطلبة إلى إعداد الكوادر الفنية المؤهلة لممارسة الأعمال المختلفة سواء في الجهاز الحكومي أو في غيره، خصوصاً أن الوظائف قد تشعبت وكثرت وتضخمت، ولذلك قامت المدرسة بتخريج الأفراد الذين عملوا على تحمل مسئولياتهم في تلك الوظائف (3) فهذه الأهداف للمدارس الإسلامية تشترك فيها المدارس النظامية بالإضافة إلى:
- نشر الفكر السني ليواجه تحديات الفكر الشيعي ويعمل على تقليص نفوذه.
- إيجاد طائفة من المعلمين السنيين المؤهلين لتدريس المذهب السني ونشره في الأقاليم المختلفة.
- خلق طائفة من الموظفين السنيين ليشاركوا في تسيير مؤسسات الدولة وإدارة دواوينها، وبخاصة في مجال القضاء والإدارة (4).

ثالثاً: وسائل نظام الملك في تحقيق الأهداف وحله للمشاكل:
أبدى نظام الملك اهتماماً كبيراً بوسائل تحقيق أهداف المدارس النظامية؛ فاختار الموقع الجغرافي الذي يمكن أن تثمر فيه والمدرسين الممتازين، وأظهر ذكاء ملحوظاً في تحديد المنهج العلمي الذي ستسير عليه، ثم بذل أقصى جهوده لتوفير الإمكانات المادية التي تعين هذه المدارس على العطاء الفكري السخي (5).
1 - الأماكن: فمن ناحية الأماكن التي أنشئت النظاميات فيها يقول السبكي عن نظام الملك: إنه بنى مدرسة ببغداد ومدرسة ببلخ، ومدرسة بنيسابور، ومدرسة بهراة، ومدرسة بأصفهان، ومدرسة بالبصرة، ومدرسة بمرو، ومدرسة بآمل طبرستان ومدرسة بالموصل (6).
_________
(1) أصول التربية الإسلامية وأساليبها للنحلاوي، ص 135.
(2) الإدارة التربوية للمدارس، ص 110.
(3) المصدر نفسه، ص 111.
(4) التاريخ السياسي والفكري، ص 179.
(5) التاريخ السياسي والفكري، ص 179.
(6) طبقات الشافعية، ص 180.
(1/284)

هذه إذن هي أمهات المدارس النظامية التي أنشئت في المشرق الإسلامي, ويتضح من توزيعها الجغرافي أن معظمها أنشئ إما في بعض المدن التي تحتل مركز القيادة والتوجيه الفكري، كبغداد وأصفهان، حيث كانت الأولى عاصمة للخلافة العباسية السنية، ويتركز فيها عدد كبير من المفكرين السنيين أيضاً. والثانية كانت عاصمة للسلطنة السلجوقية في عهد ألب أرسلان وملكشاه (عصر نظام الملك) , وإما في بعض المناطق التي كانت مركزاً لتجمع شيعي في تلك الفترة كالبصرة ونيسابور، وطبرستان، وخوزستان، والجزيرة الفراتية (1). إن هذا التوزيع الجغرافي يشير بوضوح إلى أن وضع المدارس النظامية في الأماكن السابقة لم يأت اعتباطاً، وإنما كان أمراً مقصوداً ومدروساً حتى تقوم بدورها في محاربة الفكر الشيعي في هذه المناطق، وتفتح الطريق أمام غلبة المذهب السني.
2 - اختيار الأساتذة والعلماء: وإلى جانب الاختيار المدروس لأماكن المدارس النظامية فإنه تم اختيار أساتذتها بعناية تامة بحيث كانوا أعلام عصرهم في علوم الشريعة، ويشير العماد الأصفهاني إلى دقة نظام الملك في هذه الناحية فيقول عنه: وكان بابه مجمع الفضلاء، وملجأ العلماء، وكان نافذا بصيراً ينقب عن أحوال كل منهم، فمن تفرس فيه صلاحية الولاية ولاه .. ومن رأى الانتفاع بعلمه أغناه، ورتب له ما يكفيه حتى ينقطع إلى إفادة العلم ونشره وتدريسه، وربما سيره إلى إقليم خال من العلم ليحلِّي به عاطله، ويحيي به حقه، ويميت به باطله (2). وفي كثير من الأحيان كان نظام الملك لا يعين الواحد منهم إلا بعد أن يستمع إليه ويثق في كفاءته, حدث ذلك مع الإمام الغزالي الذي كان يتفقه على إمام الحرمين في نظامية نيسابور، فلما مات أستاذه في عام 478هـ قصد مجلس نظام الملك، وكان مجمع أهل العلم وملاذهم، فناظر الأئمة العلماء في مجلسه، وقهر الخصوم، وظهر كلامه عليهم واعترفوا بفضله وتولاه الصاحب «نظام الملك» بالتعظيم والتبجيل وولاه تدريس مدرسته ببغداد (3). وفعل مثل ذلك مع أبي بكر محمد بن ثابت الخُجندي (ت 496هـ) الذي سمعه نظام الملك وهو يعظ بمرو، فأعجب به وعرف محله من الفقه والعلم، فحمله إلى أصفهان وعينه مدرساً بمدرستها فنال جاها عريضاً (4). كما استدعى الشريف العلوي الدبوسي (ت 483هـ)، ليدرس بنظامية بغداد، لأنه كان بارعاً في الفقه والجدل (5).
وفي بعض الأحيان كان نظام الملك يكتشف الأستاذ أولاً فيبني له مدرسة باسمه, حدث هذا مع
_________
(1) التاريخ السياسي والفكري، ص 180.
(2) تاريخ آل سلجوق، ص 56، 57.
(3) طبقات الشافعية (4/ 103).
(4) الكامل في التاريخ, نقلاً عن التاريخ السياسي والفكري، ص 181.
(5) المنتظم (9/ 27، 50) , التاريخ السياسي والفكري، ص 181.
(1/285)

الشيخ أبي إسحاق الشيرازي (ت 476هـ) الذي بنى له نظامية بغداد، ومع إمام الحرمين الذي بنى له نظامية نيسابور, وكان نظام الملك يحوط هؤلاء العلماء برعايته، ويمدهم بتأييده، حتى احتلوا منزلة عليا في البلاد التي حلوا بها، وصار لبعضهم وجاهة في بلاط السلطان كأبي إسحاق الشيرازي الذي اختاره الخليفة المقتدي في عام 475هـ، ليحمل شكواه من عميد العراق أبي الفتح بن أبي الليث إلى السلطان ملكشاه ووزيره نظام الملك، فأكرماه وأجيب إلى جميع ما التمسه، وجرت بينه وبين إمام الحرمين مدرس نظامية نيسابور مناظرة، بحضرة نظام الملك، ولما عاد أبو إسحاق إلى بغداد أهين العميد، ورفعت يده على جميع ما يتعلق بالخليفة (1).
3 - تحديد منهج الدراسة: كما عنى نظام الملك باختيار الأساتذة الأكفاء لمدارسه، فإنه حدد منهج الدراسة الذي ستسير عليه هذه المدارس، ويتضح هذا المنهج مما ورد في وثيقة وقفية نظامية ببغداد من أنها: وقف على أصحاب الشافعي أصلاً وفرعاً, وكذلك شرط في المدرس الذي يكون بها والواعظ الذي يعظ بها، ومتولي الكتب (2). وينقل الأستاذ سعيد نفيسي عن المفروخي، مؤلف كتاب محاسن أصفهان قوله: إن نظام الملك أمر بابتناء مدرسة تجاور جامع أصفهان للفقهاء الشافعية: فابتنيت كأحسن ما رئي هيئة وهيكلاً وصنعة وعملاً ومحلاً ومنزلاً (3)، ومما لا شك فيه أن تراث الإمام الشافعي في الفقه والأصول والعقائد وسيرته الذاتية كان لها أثر على تلك المدارس، وليس في الفقه فقط المتعلق بالأحكام الشرعية العملية، وقد اعتاد بعض الباحثين القول بأن معظم الشافعية -في هذه الفترة - يتبعون أصول مذهب الإمام الأشعري، كما أن أبا الحسن الأشعري في مجال الاعتقاد مر بأطوار واستقر في آخر حياته على مذهب السلف، والأشاعرة من أهل السنة والجماعة، ولذلك سنبين -بإذن الله تعالى- شيئًا من سيرة الإمامين الشافعي وأبي الحسن الأشعري اللذين على تراثهما العلمي قامت المدارس النظامية التي كانت تخرج العلماء الذين يتبنون عقيدة الدولة السلجوقية، كان اهتمام المدارس النظامية قد انصرف إلى التركيز على مادتين أساسيتين هما: الفقه على المذهب الشافعي، وأصول العقيدة على مذهب الأشعري, وإلى جانب ذلك كانت تدرس بعض المواد كالحديث، والنحو, وعلمي اللغة والأدب، ويشير ابن الجوزي إلى أن وقفية نظام الملك الخاصة بمدرسة بغداد نصت على أن يكون في المدرسة نحوي يدرس العربية (4)، وقام بتدريس الأدب في نظامية بغداد أبو زكريا التبريزي، شارح ديوان الحماسة
_________
(1) طبقات الشافعية (3/ 91، 92).
(2) المنتظم (9/ 66).
(3) التاريخ السياسي والفكري، ص 183.
(4) المنتظم (9/ 66).
(1/286)

(ت 502هـ) ثم خلفه في التدريس العالم اللغوي المشهور أبو منصور الجواليقي
(ت 540هـ)، كانت المدرسة الأشعرية السنية مؤهلة لمواجهة الشيعة فكرياً، وهم الذين تسلحوا بدراسة الفلسفات المختلفة واستخدموا الجدل في الدفاع عن عقائدهم، وأخذوا عن المعتزلة معظم أصولهم فأصبحت تشكل لبنات مهمة في منهجهم الكلامي، لقد كانت من الفئات القادرة على الجهاد الدعوي في هذا الميدان الفكري وهم الذين استوعبوا تراث أبي الحسن الأشعري ولذلك نقول: إن نظام الملك وفق تماماً في اختيار المنهج الملائم لتحقيق الهدف الذي سعى إليه (1). ويأتي تفصيل ذلك في محله بإذن الله.
4 - توفير الإمكانات المادية: لم يبخل نظام الملك بتوفير الإمكانات المادية التي تعين هذه المدارس على النهوض برسالتها على أكمل وجه، ولذا نراه ينفق عليها بسخاء ويخصص لها الأوقاف الواسعة، فيذكر ابن الجوزي أن نظام الملك وقف على مدرسته ببغداد ضياعاً وأملاكاً، وسوقاً بنيت على بابها وأنه فرض لكل مدرس وعامل بها قسطًا من الوقف، وأجرى للمتفقهة (الطلاب) أربعة أرطال خبز يومياً لكل واحد منهم (2)، أما مدرسة أصفهان فقدرت نفقاتها وقيمة أوقافها بعشرة آلاف دينار، وكان للمدرسة النظامية في نيسابور أوقاف عظيمة (3)، وقد اهتم نظام الملك بتوفير السكن للطلاب داخل هذه المدارس، ويفهم من بعض الروايات التاريخية أن كل طالب كانت له غرفة خاصة به، إذ روي أن واحداً من طلابها ويدعى يعقوب الخطاط توفي في عام 547هـ وكانت له غرفة في النظامية، فحضر متولي التركات، وختم على غرفته في المدرسة (4)،كما حرص نظام الملك على توفير الحياة المعيشية الكريمة لطلاب مدارسه، فإنه حرص أيضاً على تهيئة المناخ العلمي الذي يساعدهم على الدراسة والبحث فاهتم اهتماماً كبيراً بتوفير المراجع العلمية داخل هذه المدارس، فكانت في كل مدرسة مكتبة عامرة يتولى أمرها قوام على شئونها, وأشار ابن الجوزي إلى أن وقفية نظامية بغداد نصت على أن يكون متولي الكتب بها أيضاً شافعياً، كما أشارت إلى أن نظام الملك وقف على هذه المدرسة كثيراً من الكتب (5)،
وكان نظام الملك يتفقد هذه المدارس خاصة نظامية بغداد- ففي المحرم من عام 480هـ زار هذه المدرسة وجلس في خزانة كتبها، وقرأ بها كتباً، ثم شارك في التدريس، فقرأ الفقهاء عليه شيئاً من
_________
(1) التاريخ السياسي والفكري، ص 185.
(2) المنتظم (8/ 247، 256) , التاريخ السياسي والفكري، ص 185.
(3) التاريخ السياسي والفكري، ص 185.
(4) المنتظم (10/ 146).
(5) المصدر نفسه (9/ 66) , التاريخ السياسي والفكري، ص 186.
(1/287)

الحديث الشريف، وأملى عليهم بعضاً منه (1)، وكان من الطبيعي أن تؤدي هذه الجهود التي بذلها نظام الملك في تشييد هذه المدارس وتيسير سبل العلم فيها، وتوفير الحياة الكريمة بداخلها, إلى رواج سوق العلم بها، فأقبل عليها طلاب العلم والجاه حتى بلغ عددهم في نظامية بغداد سنة 488هـ ثلاثمائة طالب كانوا يتفقهون على الإمام الغزالي (2)، أما نظامية نيسابور فكان يقعد بين يدي إمام الحرمين كل يوم نحو من ثلاثمائة رجل من الأئمة
ومن الطلبة (3).
5 - تطلع الأساتذة إلى التدريس بالنظامية: ولم يكن الإقبال على هذه المدارس مقصوراً على الطلاب فقط، بل شمل أيضاً الأساتذة الذين تطلعوا إلى التدريس بها حتى وصل الأمر ببعضهم إلى أن يضحي في سبيل هذه الغاية بالتخلي عن مذهبه في عصر كان التعصب المذهبي سمة من سماته البارزة، ومن هؤلاء: أبو الفتح أحمد بن علي بن تركان المعروف بابن الحمامي (ت 518هـ) , كان حنبلياً، فانتقل إلى مذهب الشافعي، وتفقه على أبي بكر الشاشي والغزالي، فجعله أصحاب الشافعي مدرساً بالنظامية (4)، ويبدو أن انتقال الحنابلة إلى مذهب الشافعي في هذه الفترة كان أمراً كثير الحدوث بدرجة أزعجت أحد أئمتهم وهو أبو الوفاء بن عقيل (ت 513هـ) حيث ينقل عنه أبو الفرج بن الجوزي قوله: إن أكثر أعمال الناس لا يقع إلا للناس إلا من عصم الله. أي أن معظم الناس لا يبتغون بأعمالهم وجه الله, وإنما يحاولون التقرب بها إلى ذوي النفوذ والجاه طمعاً في متاع الدنيا، وقد ضرب أبو الوفاء المثل على ذلك بما حدث عندما جاءت دولة نظام الملك، وعظم شأن الأشعرية والشافعية، فوجد كثيراً من أصحاب المذاهب انتقلوا عن مذاهبهم، وتوثقوا بمذهب الأشعري والشافعي طمعاً في العز والجرايات (5).
6 - حله للمشاكل: كان النظام حريصاً على أن تؤدي المدارس التي بناها رسالتها المنوطة بها, فعندما أرسل إليه أبو الحسن محمد بن علي الواسطي الفقيه الشافعي أبياتاً من الشعر يستحثه على المسارعة للقضاء على الفتن التي حدثت بين الحنابلة والأشاعرة قام نظام الملك وقضى على الفتنة, ومما قاله أبو الحسن الواسطي من الشعر:
يا نظام الملك قد حلّ ... ببغداد النظام
_________
(1) المنتظم (9/ 36) , الكامل في التاريخ نقلاً عن التاريخ السياسي والفكري، ص 189.
(2) التاريخ السياسي والفكري، ص 186.
(3) طبقات الشافعية (3/ 252).
(4) المنتظم (9/ 251).
(5) المصدر نفسه (9/ 93).
(1/288)

وابنك القاطن فيها ... مستهان مستضام
وبها أودى لقتلى ... غلام، وغلام
والذي منهم تبقى ... سالماً فيه سهام
يا قوام الدين لم ... يبق ببغداد مقام
عظم الخطب وللحرب ... اتصال ودوام
فمتى لم تحسم الداء ... أياديك الحسام
ويكف القوم في ... بغداد قتل وانتقام
فعلى مدرسة فيها ... ومن فيها السلام
واعتصام بحَريم ... لك من بعد حرام (1)

وكانت سياسة نظام الملك تجنب الانحياز إلى جانب دون الآخر من عقائد أهل السنة, وكان يعمل على شد أزر رجال الدين لا العمل على إدخال الخلاف والشقاق في صفوفهم, وأعلن استحالة تغيير أي شيء من عقائد أصحاب مذهب سني (2) وقال إنه لا يمكن تغيير المذاهب ولا نقل أهلها عنها وصرح بأن الغالب على تلك الناحية مذهب أحمد وبأن محله معروف عند الأئمة وقدره معلوم عند السنة (3)، وسُرَّ الحنابلة بهذا التوجه الحكيم (4). وأول صراع وخلاف حاد بين الحنابلة والأشاعرة كان في عهد نظام الملك, وتعرف هذه المحنة بفتنة ابن القشيري (5).

رابعاً: تنظيم الهيئة التدريسية:
تعد الهيئة التدريسية على درجة كبيرة من الأهمية في أي مدرسة كانت، وذلك لأن نجاح أي مدرسة مقرون بنجاح المدرسين فيها وأدائهم لمهماتهم على أفضل وجه (6) , وإليك بعض الأمور المتعلقة بتنظيم الهيئة التدريسية وهي:
1 - تعيين الأساتذة وفصلهم: كان اختيار الأساتذة للتعليم في النظاميات يجري وفق
_________
(1) الكامل في التاريخ (6/ 276).
(2) شرح اللُّمع لأبي إسحاق الشيرازي (1/ 42).
(3) المصدر نفسه (1/ 41).
(4) المصدر نفسه (1/ 41).
(5) ابن الحنبلي وكتابه الرسالة الواضحة، ص 50.
(6) الإدارة التربوية في المدارس في العصر العباسي، ص 132.
(1/289)

تقاليد تشبه أرقى الجامعات الحديثة، فقد كان «النظام» يختبر معلوماتهم خلال المناظرات التي كان يعقدها في المناسبات المختلفة، ويلقى عليهم أسئلة كان قد فكّر وأعدّها، فإذا لمس في أحدهم علماً وذكاء وجهه إلى المسلك الذي يريده، فالذين يكونون أهلاً للتعليم عيّنهم أساتذة في الحال وأسّس لهم مدرسة ومكتبة أو يوفدهم إلى ولاية سكانها جهلاء (1)، وإذا صدر الأمر بالتعيين سار المدرس إلى الجهة التي اختير لها، فإذا كان إلى بغداد مثلاً توجه إلى دار الخلافة عند وصوله حيث يوافق على التعيين، ثم يخلع عليه طرحة زرقاء وأهبة سوداء (2)، ويحتفل به في المدرسة حين يقدم لأول مرة ويحضر درسه كبار رجال الدولة والأساتذة والشعراء, وحين ينتهي من درسه تلقى الخطب والقصائد في الترحيب به والثناء عليه (3). وإذا ما أريد فصل مدرس لسبب ما استدعى من قبل ممثل «نظام الملك» وغالباً ما كان أحد أولاده، وينزع منه كسوته (4).
2 - مراتب التدريس: وقد جرى العرف أنه إذا تم تعيين من تتوافر فيه شرائط القدم والشهرة أن يبقى في منصبه طوال حياته, فإذا دنت منه الوفاة فغالباً ما يوصي بمن يخلفه من كبار أبنائه أو المتفوقين من طلابه، إلا في مدارس «النظام» فقد خرجت على هذا المتعارف لأسباب سياسية بعد أن خضعت هذه المدارس لحكم وإرادة مؤسسها، وقد يتناوب مدرسان على كرسي واحد خلافاً للمألوف.
أ- المدرس: كان هذا اللفظ لا يطلق إلا على المختص بتدريس الفقه, وإلقاء الدروس التي لا يقصد بها في العادة سوى مواضيع الفقه فإذا بلغ المدرس مرحلة عالية من الشهرة في الاطلاع والتأليف صار أستاذاً وأصبح له كرسي المادة دون منازع فيه.
ب- النائب: وهو المكلف بالقيام بتدريس الموضوع نيابة عن المدرس إذا كان مشغولاً بعمل إداري أو قضائي أو لمرض أو سدّ الشاغر في فترة لا يوجد فيها مدرس (5).
جـ- المعيد: يختار المدرس من بين طلبته معيدين لدروسه وقد يكتفي بواحد حسب حاجته، ومهمته أن يلقي الدرس على الطلبة وأن يساعدهم في فهمه, لذلك فهو يحتاج إلى لباقة واطلاع, لذا كان من هؤلاء المعيدين مدرسون في مكان آخر (6).
3 - مرتبة الصدر: وصاحب هذه المرتبة له الصدارة المطلقة في المدرسة، ويشغلها من
_________
(1) تاريخ آل سلجوق، ص 45, نظام الملك، ص 356.
(2) الأهبة: البزة الرسمية، كما في تاريخ المماليك, أو السلاح التام.
(3) نظام الملك، ص 357.
(4) نظام الملك، ص 357.
(5) نظام الملك، ص 357.
(6) المصدر نفسه، ص 358.
(1/290)

كان يطلق عليه لفظ الصدر، والظاهر أن الصدر هو إمام العصر في الفقه أو الحديث أو التفسير، أو في أي علم من العلوم، أو هو من أكبر الأئمة في عصره، وأكثرهم تمكناً من مادته العلمية، وعلى يديه يتخرج الكثير من نوابغ المدرسين، وإليه يذهب الملوك والأمراء والوزراء والفضلاء لسماعه والإفادة منه، وليس من الضروري أن يكون في كل مدرسة صدر, فأولئك قلة، ومن حسن حظ المدرسة وكمال شهرتها أن يتصدر للتدريس بها أحدهم (1).
4 - مراتب المتعلمين: لعل أولى درجات الدارس أن يطلق عليه اسم تلميذ أو طالب ثمّ بعد أن يصل إلى المرحلة العالية في المعرفة يقال له: مثقف ثم فقيه؛ فإذا أكمل دراسة منهجه وبقي ملازماً لأستاذه ليستكمل علومه يسمى بالصاحب، وقد يعتمد عليه أستاذه فيعينه معيداً لدروسه، وناسخاً لمؤلفاته تحت إشرافه (2).
5 - الكتاب المدرسي: كان التأليف من الاعتبارات التي تراعي عند اختيار أساتذة النظامية، وكانت الدرجات العلمية التي تمنح لهم أو يعينون بها أو ينتقلون بموجبها إنما تعتمد على هذا الأساس في الغالب، وكان الكتاب المدرسي الذي يضم مجموعة محاضرات الأستاذ سرعان ما ينتشر فما إن يمله على طلبته ويسمعوا عنه حتى يستنسخوه ويتبادلوا النسخ المصحّحة أو المجازة من قبل مؤلفها، ولا تمر فترة قصيرة حتى يتدارسه المعنيون بموضوعه، وقد يطلق على مجموعة تقريرات الأستاذ في الفقه اسم التعليقة، فيحفظها الطلبة ويتناقلونها، ومن هذه التعليقات ما يبلغ بضعة مجلدات، وكلما كانت التعليقة أكثر أصالة كانت أكثر انتشاراً وتدارساً من قبل المعنيين وكان من عادات الأساتذة إذا ختموا كتاباً احتفلوا لذلك، ومما يروى بهذا الشأن أن الإمام الجويني عندما أتمّ تصنيف كتابه - نهاية المطلب في دراسة المذهب - وكان قد درسه للخواص من تلاميذه, عقد مجلساً حضره الأئمة الكبار، وختم الكتاب على رسم الإملاء والاستملاء، ودعا له الجماعة (3).
6 - القبول والتخرج: ليست هناك سن محددة للقبول في هذه المدارس فقد يدخلها الطالب وهو ابن الثلاثين أو أكثر إلا أنه لا يقل عن العشرين في العادة حيث قضاها في التعليم بين المسجد والكتاتيب، فإذا انتمى لإحدى النظاميات وانتظم في سلك طلبتها وتلقى دروسها، فليست هناك سنّ معينة تمنع من سماعها فقد يحضرها وهو في سنّ الثمانين، وليس
_________
(1) الإدارة التربوية في المدارس في العصر العباسي، ص 135.
(2) نظام الملك، ص 358.
(3) المصدر نفسه، ص 359.
(1/291)

هناك وقت محدد للمادة التي يستغرقها الدرس أو عدد الدروس اليومية فقد يستمر ساعة أو ساعتين وهناك نصّ يمكننا الاستفادة منه في تحديد أقل مدة يصل فيها الطالب مرحلة الاعتماد على نفسه، والاستغناء عن الجلوس بين يدي أستاذه حيث ذكر ابن الجوزي في ثنايا ترجمته لأبي علي الفارقي أحد تلاميذ أبي إسحاق الشيرازي أنها أربع سنوات (1).
7 - الإجازة: (شهادة التخرج): هي الوثيقة المدرسية, وكان الاستماع للمحاضرات من شرائطها، لأنها لا تفي بالقصد من الدراسة والغرض من التعلم إذا لم يصحبها حضور، وهذا ما علّل به الماوردي عدم صحة حمل الإجازة والرواية بها فقال: ولو جازت لبطلت الرحلة (2). وقد يمنح الطالب عدة شهادات من شيوخ متعددين, والحصول عليها في العادة يكون بناء على طلب يتقدم به لمدرسه بعد أن ينهى دراسته، وقد أصبحت هذه ضرورة بعد تأسيس النظاميات وانتشار المدارس، فإذا نال إجازته فقد أصبح مهيأ لأن يشغل أحد مناصب القضاء، أو الإفتاء، أو التدريس، أو المناظرة، وقد يحظى بأكثر من واحدة منها فيكون قاضياً ومفتياً ومدرساً في آن واحد، أو أن يكون حرًّا، فيعمل ليكون محدثاً أو متكلماً أو واعظاً أو خطيباً في أحد المساجد (3).

خامساً: أثر المدارس النظامية في العالم الإسلامي:
وفق الله تعالى النظام توفيقاً قل نظيره في التاريخ السياسي والعلمي والديني، فقد عاشت مدارسه أمداً طويلاً وعلى الخصوص نظامية بغداد التي طاولت الزمن زهاء أربعة قرون، إذ كان آخر من عرفنا ممن درس فيها صاحب القاموس الفيروز آبادي المتوفي 817هـ حيث زالت في نهاية القرن التاسع الهجري (4). وأدت رسالتها من تخريج العلماء على المذهب السني الشافعي وزودت الجهاز الحكومي بالموظفين ردحاً من الزمن وبخاصة دوائر القضاء والحسبة والاستفتاء, وهي أهم وظائف الدولة في ذلك العصر، وانتشر هؤلاء في العالم الإسلامي حتى اخترقوا حدود الباطنية (5) في مصر وبلغوا الشمال الإفريقي ودعموا الوجود السني بها, لقد تخرج في هذه المدارس جيل تحقق على يديه معظم الأهداف التي رسمها نظام الملك فوجدنا كثيراً من الذين تخرجوا فيها يرحلون إلى أقاليم أخرى ليقوموا بتدريس الفقه الشافعي والحديث الشريف، وينشروا عقيدة أهل السنة في الأمصار التي انتقلوا إليها أو يتولوا مجالس القضاء والفتيا، أو يتولوا بعض الوظائف الإدارية المهمة في
_________
(1) طبقات السبكي (4/ 209) , المنتظم- حوادث سنة 528هـ.
(2) نظام الملك، ص 364.
(3) نظام الملك، ص 364.
(4) المصدر نفسه، ص 401.
(5) المصدر نفسه، ص 401.
(1/292)

دواوين الدولة، وينقل السبكي عن أبي إسحاق الشيرازي - أول مدرس بنظامية بغداد قوله: خرجت إلى خراسان فما بلغت بلدة ولا قرية إلا وكان قاضيها أو مفتيها أو خطيبها تلميذي أو من أصحابي (1) وقد أسهمت هذا المدارس في إعادة دور منهج السنة في حياة الأمة بقوة، وكان من أبرز آثارها أيضاً تقلص نفوذ الفكر الشيعي خاصة بعد أن خرجت المؤلفات المناهضة له من هذا المدارس, وكان الإمام الغزالي على قمة المفكرين الذين شنوا حرباً شعواء على الشيعة وخاصة الباطنية الإسماعيلية فقد ألف كتباً عدة، أشهرها فضائح الباطنية الذي كلف بتأليفه عام 487هـ من قبل الخليفة المستظهر (2)،
وسيأتي الحديث عن مؤلفاته عند الحديث عن ترجمته بإذن الله. هذا وقد نجحت المدارس النظامية في نشر مذهب الإمام الشافعي وقوى عوده، ودخل مناطق جديدة وبدأ يشق له طريقاً في العراق وفي المشرق الإسلامي بعد أن كانت السيادة في هذه الأقاليم - عدا بغداد - من أتباعه (3) وقد صارت النظاميات مدعاة لبناء المدارس ومثاراً للتنافس بقدر ما أصبحت نموذجاً يحتذيه مؤسسو المعاهد منذ بداية تشييدها إلى ما بعد ذلك بعصور طويلة (4)، وقد مهدت المدارس النظامية بتراثها ورجالها وعلمائها السبيل ويسرته أمام نور الدين زنكي والأيوبيين كي يكملوا المسيرة التي من أجلها أنشئت النظاميات، وتتمثل في العمل على سيادة الإسلام الصحيح، خاصة في المناطق التي كانت موطناً لنفوذ الشيعة (5)، في تلك المرحلة كالشام ومصر وغيرها.
لقد كانت المدارس من خير ما اهتدى إليه العقل البشري للتفرغ للعلم وفق معطيات ذلك العصر، وكانت «النظاميات» من أفضل الوسائل لنشره وتعميمه وتحقيق الأهداف التي رسمها نظام الملك من سيادة الكتاب والسنة وعقيدة أهل السنة والجماعة على الدولة والأمة الإسلامية ودحر المد الشيعي الباطني الرافضي الذي كانت الدولة الفاطمية بمصر تدعمه.
_________
(1) طبقات الشافعية (3/ 89) , التاريخ السياسي والفكري، ص 190.
(2) التاريخ السياسي والفكري، ص 194.
(3) المصدر نفسه، ص 199.
(4) نظام الملك، ص 401.
(5) التاريخ السياسي والفكري، ص 203.
(1/293)

المبحث الثاني
الإمام الشافعي وأثره في المدارس النظامية
قامت المدارس النظامية على فقه الإمام الشافعي وتراثه في الأصول والفقه، كما كان لتراثه تأثير كبير في المدارس النظامية, ولذلك رأيت من المناسب أن نعرف بهذا الإمام الكبير الذي يعتبر من أقرب الأئمة الأربعة لبيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فهو قرشي, ولربما كان من أسباب اختيار نظام الملك للمذهب الشافعي قربه من النسب النبوي حيث إن من أهداف المدارس النظامية تقويض المذهب الشيعي الباطني الذي تبنته الدولة الفاطمية والتي يزعم مؤسسوها أنهم من أهل البيت وأنهم أحق بالخلافة من غيرهم كما أن لمكانة الإمام الشافعي في المذهب السني سبباً في اختيار تراثه وفقهه حيث إن المالكية يفتخرون به لكونه من تلاميذ الإمام مالك والإمام أحمد بن حنبل يجله ويحترمه ويعتبره من شيوخه، كما أن الشافعي تتلمذ على يدي محمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة فهو واسطة العقد بين المذاهب السنية الأربعة الشهيرة، كما أن نزعته النقلية وانتصاره للدليل، وحدة ذكائه واستخدامه للعقل في إقامة الحجة على الخصوم وما تميزت به كتابته في أصول الفقه وبيان الخاص والعام والمطلق والمقيد والمجمل والمفصل .. إلخ ربما كانت من أسباب اعتماد تراثه في المدارس النظامية.

أولاً: اسمه ونسبه وشيء من سيرته:
1 - اسمه ونسبه: هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب أبو عبد الله القرشي الشافعي المكي؛ نسيب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وابن عمه (1). قال النووي رحمه الله: الشافعي - رضي الله عنه - قرشي مطلبي بإجماع أهل النقل من جميع الطوائف وأمه أزدية (2). وينسب إلى جده شافع بن السائب صحابي صغير لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو شاب مترعرع, ويروى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ذات يوم في فسطاط إذ جاءه السائب بن عبيد ومعه ابنه - يعني شافع بن السائب - فنظر النبي - صلى الله عليه وسلم - إليه فقال: «من سعادة المرء أن يشبه أباه» (3).
2 - لقبه: يلقب -رحمه الله- بناصر الحديث وذلك لما اشتهر عنه من نصرته للحديث وحرصه على اتباعه.
_________
(1) منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة، ص 19.
(2) تهذيب الأسماء واللغات (1/ 144).
(3) الإصابة (2/ 11) , ضعفه الألباني في ضعيف الجامع رقم 5301.
(1/294)

3 - مولده ونشأته: اتفق المؤرخون على أنه ولد عام 150هـ وهو العام الذي توفي فيه الإمام أبو حنيفة رحمه الله (1).
4 - مكان ولادته: اختلفت الروايات في مكان ولادته فأشهرها أنه ولد بغزة وقيل بعسقلان وقيل باليمن (2). وقد قال ابن حجر في ذلك: إنه لا مخالفة بين الأقوال لأن عسقلان هي الأصل في قديم الزمان وهي وغزة متقاربتان وعسقلان هي المدينة، فحيث قال الشافعي غزة أراد القرية وحيث قال عسقلان أراد المدينة. والذي يجمع بين الأقوال أنه ولد بغزة عسقلان, ولما بلغ سنتين حولته أمه إلى الحجاز ودخلت به إلى قومها وهم من أهل اليمن لأنها كانت أزدية فنزلت عندهم، فلما بلغ عشراً خافت على نسبه الشريف أن ينسى ويضيع فحولته إلى مكة (3)، وبهذا الجمع يذهب اللبس في اختلاف الروايات, والله أعلم (4).
5 - نشأته وطلبه للعلم: قال الشافعي: كنت يتيماً في حجر أمي ولم يكن معها ما تعطي المعلم فرضي مني أن أخلفه إذا قام فلما ختمت القرآن دخلت المسجد فكنت أجالس العلماء فأحفظ الحديث أو المسألة وكانت دارنا في شعب الخيف فكنت أكتب في العظم، فإذا كثر طرحته في جرة عظيمة (5). وقد واظب الإمام الشافعي على طلب العلم، فحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين وحفظ الموطأ وهو ابن عشر، وأفتى وهو ابن خمس عشرة سنة وقيل ابن ثماني عشرة, أذن له شيخه مسلم بن خالد الزنجي, وعنى بالشعر واللغة وحفظ شعر الهذليين وأقام عندهم نحوًا من عشر سنين وقيل عشرين سنة فتعلم منهم لغات العرب وفصاحتها وسمع الحديث الكثير على جماعة المشايخ والأئمة وقرأ بنفسه الموطأ على مالك من حفظه فأعجبته قراءته وهمته وأخذ عنه علم الحجازيين بعد أخذه عن مسلم بن خالد الزنجي, وروى عن خلق كثير وقرأ القرآن على إسماعيل بن قسطنطين عن شبل عن ابن كثير عن مجاهد عن ابن عباس عن أبي بن كعب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (6).
وأما اهتمامه بالفقه فيروى أن الذي أشار عليه بتعلم الفقه هو شيخه مسلم بن خالد الزنجي، فقد قال الشافعي: خرجت أطلب النحو والأدب فلقيني مسلم بن خالد فقال: يا فتى من أين أنت؟ قلت: من أهل مكة, قال: وأين منزلك بها؟ قلت: بشعب الخيف, قال: من أي قبيلة أنت؟ قلت: من ولد عبد مناف, قال: بخ بخ لقد شرفك الله في الدنيا والآخرة
_________
(1) منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة، ص 21.
(2) منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة، ص 21.
(3) توالي التأسيس، ص 51،52 بتصرف.
(4) منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة، ص 23.
(5) توالي التأسيس، ص 54.
(6) البداية والنهاية (10/ 263) , منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة، ص 24.
(1/295)

ألا جعلت فهمك هذا في الفقه فكان أحسن بك (1). فالشافعي بعد أن حفظ القرآن رحل إلى هذيل ومنازلها في أطراف مكة ثم بعد أن حفظ أشعارهم ولغتهم حول همته إلى الفقه وتتلمذ على مفتي مكة مسلم بن خالد الزنجي، فلما أتقن ما عنده رحل رحلته الأولى
إلى المدينة (2).
6 - رحلته إلى المدينة ولقاؤه بالإمام مالك: يحكي الشافعي قصة ذهابه إلى مالك فيقول: خرجت من مكة فلزمت هُذيلاً في البادية أتعلم كلامها وآخذ بلغتها وكانت أفصح العرب، فأقمت معهم أرحل برحيلهم وأنزل بنزولهم، فلما رجعت إلى مكة جعلت أنشد الأشعار وأذكر أيام الناس فمر بي رجل من الزهريين فقال لي: يا أبا عبد الله, عز علي ألا تكون في العلم والفقه هذه الفصاحة والبلاغة. قلت: من بقي ممن يقصد؟ فقال: مالك بن أنس سيد المسلمين قال: فوقع ذلك في قلبي فعمدت إلى الموطأ فاستعرته من رجل بمكة وحفظته ثم دخلت على والي مكة فأخذت كتابه إلى والي المدينة وإلى مالك بن أنس فقدمت المدينة فبلغت الكتاب، فلما قرأ والى المدينة الكتاب قال: يا بني إن مشيي من جوف المدينة إلى جوف مكة حافياً راجلاً أهون علي من المشي إلى باب مالك فإني لست أرى الذل حتى أقف على بابه. فقلت: إن رأى الأمير أن يوجه إليه ليحضر, فقال: هيهات. ليت أني إن ركبت أنا ومن معي وأصابنا تراب العقيق يقضي حاجتنا. فواعدته العصر وقصدناه فتقدم رجل وقرع الباب، فخرجت إلينا جارية سوداء فقال لها الأمير: قولي لمولاك إنني بالباب, فدخلت فأبطأت ثم خرجت فقالت: إن مولاي يقول: إن كانت مسألة فارفعها إلى في رقعة حتى يخرج إليك الجواب, وإن كان للحديث فقد عرفت يوم المجلس فانصرف. فقال لها: قولي له إن معي كتاب والي مكة في مهم, فدخلت ثم خرجت وفي يدها كرسي فوضعته فإذا بمالك شيخ طوال قد خرج وعليه المهابة وهو متطليس فدفع إليه الوالي الكتاب فبلغ إلى قوله: إن هذا الرجل شريف من أمره وحاله فتحدثه.
فرمى الكتاب من يده وقال: يا سبحان الله قد صار علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يؤخذ بالوسائل, قال: فرأيت الوالي وهو يهابه أن يكلمه فتقدمت إليه فقلت: أصلحك الله إني رجل مطلبي من حالي وقصتي, فلما أن سمع كلامي نظر إليّ ساعة وكانت لمالك فراسة فقال لي: ما اسمك؟ فقلت: محمد قال: يا محمد اتق الله واجتنب المعاصي فإنه سيكون لك شأن من الشأن. فقلت: نعم وكرامة. فقال إذا كان غدا تجيء من يقرأ لك الموطأ. فقلت: إني أقرأه ظاهراً. قال فغدوت إليه وابتدأت فكلما تهيبت مالكاً وأردت أن أقطع أعجبه حسن قراءتي وإعرابي. يقول: يا فتى زد, حتى قرأته عليه في
_________
(1) مناقب البيهقي (1/ 97).
(2) منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة، ص 26.
(1/296)

أيام يسيرة ثم قمت بالمدينة إلى أن توفي مالك بن أنس - رضي الله عنه - ثم ذكر خروجه إلى اليمن (1). وفي نصيحة الرجل الزهري للإمام الشافعي دروس وعبر منها: أهمية النصيحة في تغيير مسار الإنسان نحو الأفضل وكم كان لأثر هذه النصيحة على الشافعي والأمة الإسلامية.
7 - رحلته إلى اليمن: لما ولي بعض الطالبيين اليمن مشت أمه إلى بني عمه ليكلموه ليصحبه معه إلى اليمن فوافق ولم يكن عندها ما تعطيه فرهنت دارها بستة عشر ديناراً وأعطته إياها (2)، يقول الشافعي عن ذهابه إلى اليمن: فتحملت بها معه فلما قدمنا اليمن استعملني على عمل فَحُمِدت فيه فزاد في عملي وقدم العمال مكة في رجب فأثنوا علي وصار لي بذلك ذكر, فقدمت من اليمن فلقيت ابن أبي يحيى وقد كنت أجالسه فسلمت عليه فوبخني وقال: تجالسوننا وتضعون فإذا شرع لأحدكم شيء دخل فيه أو نحو هذا من الكلام. قال: فتركته, ثم لقيت سفيان بن عيينة فسلمت عليه فرحب بي وقال: قد بلغني ولايتك فما أحسن ما انتشر عنك وما أديت كل الذي لله تعالى عليك ولا تعد قال: فجاءت موعظة سفيان إياي أبلغ مما صنع ابن أبي يحيى, ثم ذكر رجوعه إلى اليمن وذكر بعض أعماله وحرصه على إشاعة العدل وحرصه على طلب العلم حتى شاع ذكره بين الناس وربما حسده لذلك أهل الدنيا أو خافوا من ميل الناس له أن يحدث انقسامًا في الدولة ولذلك كتب بعض قواد هارون الرشيد إلى هارون كتابا يخوفونه فيه من شأن العلويين وأن عندهم رجلاً يقال له محمد بن إدريس يعمل بلسانه ما لا يعمل المقاتل بسيفه فإن كانت لك بالحجاز حاجة فاحملهم منها، فحمل مقيداً إلى العراق مع بعض العلويين (3).
8 - محنته: جاء في بعض الروايات عند ابن عبد البر قال: دخل الشافعي ومن معه من العلويين على الرشيد وكان دخولهم واحداً واحداً يكلم أحدهم وهم يسمعون من خلف الستر. قال الشافعي: إلى أن بقي حدث علوي من أهل المدينة وأنا, فقال للعلوي: أأنت الخارج علينا والزاعم أني لا أصلح للخلافة؟ فقال العلوي: أعوذ بالله أن أدعي ذلك أو أقوله قال: فأمر بضرب عنقه فقال له العلوي إن كان لابد من قتلي فأنظرني أكتب إلى أمي بالمدينة فهي عجوز لم تعلم بخبري فأمر بقتله فقتل ثم قدمت ومحمد بن الحسن جالس معه فقال لي مثل ما قال للفتى فقلت: يا أمير المؤمنين لست بطالبي ولا علوي وإنما دخلت في القوم بغياً علي وإنما أنا رجل من بني المطلب بن عبد مناف من قصي ولي مع ذلك حظ من
_________
(1) المناقب للبيهقي (1/ 102، 103) , توالى التأسيس، ص 53 - 56.
(2) منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة، ص 29.
(3) المناقب للبيهقي (1/ 105 - 107) , منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة، ص 30.
(1/297)

العلم والفقه والقاضي يعرف ذلك، أنا محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف. فقال لي: أنت محمد بن إدريس؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين قال: ما ذكرك لي محمد بن الحسن. ثم عطف على محمد ابن الحسن فقال: يا محمد, ما يقول هذا هو كما يقوله؟ قال: بلى وله من العلم محل كبير وليس الذي رفع عليه من شأنه. قال: فخذه إليك حتى أنظر في أمره (1). قال ابن كثير: فحمل الشافعي على بغل في قيد إلى بغداد فدخلها في سنة أربع وثمانين ومائة وعمره أربع وثلاثون سنة فاجتمع بالرشيد فتناظر هو ومحمد بن الحسن بين يدي الرشيد وأحسن القول فيه محمد بن الحسن وتبين للرشيد براءته مما نسب إليه وأنزله محمد بن الحسن عنده, وكان أبو يوسف قد مات قبل ذلك بسنة أو سنتين وأكرمه محمد بن الحسن وكتب الشافعي عنه وقر بعير (2).
وكان الإمام الشافعي معظماً لمحمد بن الحسن تمام التعظيم مع ما يجري بينهما من مناظرات وخلافات مشهورة بين المذهبين فالشافعي -رحمه الله- على مذهب أهل الحديث ومحمد بن الحسن -رحمه الله- على مذهب أهل الرأي ومعلوم ما بين المذهبين من اختلاف (3) ومع هذا يقول الشافعي عن محمد بن الحسن: ما رأيت أحدًا يسأل عن مسألة فيها نظر إلا رأيت الكراهة في وجهه إلا محمد بن الحسن (4).
9 - رجوعه إلى مكة وحضور الإمام أحمد إلى مجالسه: بعدما حصل الشافعي على ما استطاع من علم العراق وعلم الحجاز شعر أن الوقت حان لنشر ما عنده من علم فقرر العودة إلى مكة بعد أن ذاع ذكره واشتهر أمره وعلا قدره وبدأ يلقي دروسه في الحرم المكي, وكان الحجاج من ديار الإسلام قد سمعوا عن فتى من قريش قد بهر الناس علمه وفقهه فكانوا يحرصون على السماع منه فشاع بذلك ذكره في البلاد (5) والتقى به في هذه المدة كثير من العلماء وكانوا يعجبون بسعة اطلاعه واستحضاره للدليل وحرصه على متابعة السنة وعظم فقهه واستنباطه وكانوا يعجبون من أصوله التي أصلها وقواعده التي قعدها وكلها مأخوذة من الكتاب والسنة وأكثرها لم يسمع به من قبل, ومن أشهر من سمع منه هذه المرة الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- الذي وفد حاجاً إلى مكة ودخل المسجد الحرام للالتقاء بكبار العلماء والمحدثين وكان أشهرهم سفيان بن عيينة شيخ الإمام الشافعي لكنه وجد شيئاً في حلقة الشافعي لم يجده عند غيره لذلك بدأ الإمام بالاقتراب من حلقة الإمام الشافعي
_________
(1) الانتقاء، ص 97, منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة، ص 33.
(2) البداية والنهاية, نقلاً عن منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة، ص 33.
(3) منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة، ص 33.
(4) مناقب البيهقي (1/ 159).
(5) منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة، ص 35.
(1/298)

فرأى منه شيئاً جديداً غير رواية الأحاديث رأى فيه فقها وفهما ثاقبين وقواعد لم يكن سمعها من قبل فبدأ بحضور حلقته وترك من أجل ذلك حلقات كبار المشايخ, قال محمد بن الفضل الفراء: سمعت أبي يقول: حججت مع أحمد بن حنبل، فنزلت في مكان واحد معه فخرج باكراً وخرجت معه فدرت في المسجد فلم أره في مجلس ابن عيينة ولا غيره حتى وجدته جالساً مع أعرابي (1).
فقلت: يا أبا عبد الله تركت ابن عيينة وجئت إلى هذا! فقال لي: اسكت إنك إن فاتك حديث بعلو وجدته بنزول وإن فاتك عقل هذا أخاف ألا تجده, ما رأيت أحدًا أفقه في كتاب الله من هذا الفتى, قلت: من هذا؟ قال: محمد بن إدريس (2)، وعن إسحاق بن راهويه قال: كنت مع أحمد بمكة فقال لي: تعال حتى أريك رجلاً لم تر عيناك مثله, فأراني الشافعي (3). وتوثقت العلاقة بين الفقيهين العظيمين الكبيرين ومدح الإمام أحمد الشافعي, فقد روى البيهقي بسنده عن أبي إسماعيل الترمذي قال: سمعت أحمد ابن حنبل ذكر الشافعي فقال: لقد كان يذب عن الآثار (4)، وبسنده عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: قال أبي: قال لنا الشافعي: إذا صح عندكم الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فأعلمني به أذهب إليه (5)، وبسنده عن أحمد بن أبي عثمان قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: كان أحسن أمر الشافعي أنه كان إذا سمع الخبر لم يكن عنده قال به وترك قوله (6).
10 - رحلته الثانية إلى العراق: رحل الشافعي إلى العراق عام 195هـ فقد روى البيهقي بسنده عن أبي ثور قال: لما ورد الشافعي - رضي الله عنه - العراق جاءني حسين الكرابيسي -وكان يختلف معي إلى أصحاب الرأي- فقال: قد ورد رجل من أصحاب الحديث يتفقه قم بنا نسخر منه، فقام وذهبنا حتى دخلنا عليه، فسأله الحسين عن مسألة فلم يزل الشافعي يقول: قال الله عز وجل وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , حتى أظلم علينا البيت فتركنا بدعتنا واتبعناه, وهناك التقي به أحمد بن حنبل وكان قد التقى به قبل ذلك وأخذ عنه وأثنى عليه وقال: كانت أقضيتنا أصحاب الحديث في أيدي أصحاب أبي حنيفة ما تنزع حتى رأينا الشافعي, وكان أفقه الناس في كتاب الله وسنة رسوله الله - صلى الله عليه وسلم - ما كان يكفيه قليل الطلب في الحديث (7) وعن الحسن بن محمد الزعفراني قال: كان أصحاب الحديث رقوداً حتى أيقظهم الشافعي - رضي الله عنه - (8)، وقال إبراهيم الحربي رحمه الله تعالى: قدم الشافعي بغداد وفي المسجد الجامع
_________
(1) شبه الشافعي بالأعرابي لأنه كان يلبس لباسهم لإقامته بينهم أو لفصاحته وحفظه كلامهم. والله أعلم.
(2) توالي التأسيس، ص 56.
(3) صفة الصفوة (2/ 250).
(4) المناقب للبيهقي (1/ 471).
(5) المصدر نفسه (1/ 476).
(6) المصدر نفسه (1/ 476) , منهج الشافعي في إثبات العقيدة، ص 43.
(7) منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة، ص 37.
(8) منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة، ص 37.
(1/299)

الغربي عشرون حلقة لأصحاب الرأي فلما كان في الجمعة الثانية لم يثبت منها إلا ثلاث حلقات أو أربع حلقات، ولم تكن إقامته في العراق مستمرة بل كان يتردد بينها وبين مكة, قال الحسن بن محمد الزعفراني: قدم علينا الشافعي سنة خمس وتسعين ومائة فأقام
عندنا سنتين ثم خرج إلى مكة ثم قدم علينا سنة ثمان وتسعين ومائة فأقام عندنا أشهراً ثم خرج إلى مصر (1).
11 - رحلته إلى مصر: كانت نفسه تتوق إلى مصر رغماً عنها, وكان لا يدري حقيقة هذه الرغبة ولكنه استسلم أخيراً لقضاء الله وخرج من العراق إلى مصر وفي ذلك يقول:
لقد أصبحت نفسي تتوق إلى مصر ... ومن دونها أرض المهامه والقفر
فوالله ما أدري أ للفوز والغنى ... أساق إليها أم أساق إلى القبر (2)

وحين قدم الشافعي -رحمه الله- مصر ذهب إلى جامع عمرو بن العاص وتحدث به لأول مرة فأحبه الناس وتعلقوا به (3). قال هارون بن سعيد الأيلي: ما رأيت مثل الشافعي قدم علينا مصر فقيل قدم رجل من قريش فجئناه وهو يصلي فما رأينا أحسن صلاة منه ولا أحسن وجهاً منه فلما تكلم ما رأينا أحسن كلاماً منه فافتتنا به (4)، وهناك برز للناس علم الشافعي وسعة اطلاعه واستفاد هو من رحلاته وعمد إلى كتبه التي كتبها من قبل يراجعها ويصحح ما أخطأ فيه ورجع عن كثير من أقواله وأظهر مذهبه الجديد وأعاد تأليف كتبه ولازمه كثير من العلماء الذين أثر فيهم علم الشافعي ومنهجه وحرصه على متابعة السنة (5). ومما مضى من سيرة الشافعي نستفيد الدروس الآتية:
* في نصيحة الرجل الزهري خير عظيم ترتب عليه للشافعي والأمة، فتظهر أهمية النصح الصادق لخير الأمة، وأهمية الاستجابة لهذا النصح الكريم.
* في والدة الشافعي نموذج للأم الصالحة التي تستحق الاقتداء بها وتقديرها، فرغم فقرها وحاجتها فإننا نرى كيف تبذل وتضحي في سبيل تعليم ابنها وقد أقر الله عينها، فرأت ثمار تعبها في هذا الإمام العظيم.
* التلطف وحسن الخلق في النصح وحسن المدخل عندما قال الرجل الزهري: يا أبا عبد الله يعز علي ألا تكون في العلم والفقه هذه الفصاحة.
_________
(1) توالي التأسيس، ص 72, منهج الإمام الشافعي، ص 37.
(2) ديوان الشافعي، ص 47.
(3) مناقب البيهقي (1/ 463).
(4) المصدر نفسه (2/ 284).
(5) منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة، ص 39.
(1/300)

12 - وفاته: مكث الشافعي آخر عمره مشتغلاً بنشر العلم والتصنيف في مصر حتى أضر ذلك بجسده، فأصيب بالبواسير التي كانت تسبب له خروج الدم ولكن حبه للعلم جعله يؤثر طلبه ونشره والتصنيف فيه على نفسه, واستمر هكذا حتى وافته منية ألموت في آخر شهر رجب سنة 204هـ رحمه الله رحمةً واسعة (1). وقال المزني: دخلت على الشافعي -رحمه الله- في مرضه الذي مات فيه فقلت له: كيف أصبحت يا أستاذ؟ فقال: أصبحت من الدنيا راحلاً، ولإخواني مفارقاً, ولكأس المنية شارباً، وعلى الله وارداً، ولسوء عملي ملاقياً ما أدري أروحي إلى الجنة فأهنيها, أم إلى النار فأعزيها؟ ثم رمى بطرفه إلى السماء واستعبر وأنشد:
إليك إله الخلق أرفع رغبتي ... وإن كنت ياذا المن والجود مجرما
ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلت الرجا مني لعفوك سلما
تعاظمني ذنبي فلما قرنته ... بعفوك ربي كان عفوك أعظما
وما زلتَ ذا عفو عن الذنب لم تزل ... تجود وتعفو منه وتكرما
فلولاك لم يصمد لإبليس عابد ... فكيف وقد أغوى صفيك آدما
فإن تعف عني تعف عن متمرد ... ظلوم غشوم ما يزايل مأثما
وإن تنتقم مني فلست بآيس ... ولو أدخلت نفسي بجرمي جهنما
فجرمي عظيم من قديم وحادث ... وعفوك يا ذا العفو أعلى وأجسما (2)

ثانياً: أصول الشافعي في إثبات العقيدة:
سار الإمام الشافعي على منهج أهل السنة في إثبات العقيدة, ومن أهم أصول الشافعي في هذا المجال:
الأصل الأول: الالتزام بالكتاب والسنة وتقديمهما على العقل: والأخذ بظاهر الكتاب والسنة أول أصل من أصول أهل السنة والجماعة وذلك لأنهما المصدران الوحيدان لتلقي العقيدة الإسلامية ولا يجوز للمسلم أن يستبدل بهما غيرهما فما أثبتاه وجب أن يثبته المسلم وما نفياه وجب على المسلم نفيه, ولا هدى ولا صلاح إلا بالتمسك بهما (3). قال تعالى:
_________
(1) المناقب للبيهقي (2/ 291) , منهج الإمام الشافعي، ص 39.
(2) ديوان الشافعي، ص 78، آداب الشافعي ومناقبه، ص 77.
(3) منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة، ص 80.
(1/301)

{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36]. وهذا شأن المؤمنين بالله ورسوله ولذلك نفى الله الإيمان عمن أبى وتكبر عن متابعة النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال سبحانه: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]. وأمر الله المؤمنين عند التنازع بأن يردوا ما تنازعوا فيه إليهما فإن فيهما حلاً لكل ما تنازع فيه الناس فقال تعالى: {فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [النساء: 59] والشافعي -رحمه الله- أحد أئمة السلف حيث ذهب في ذلك مذهب السلف الصالح فهو يرى أن الكتاب والسنة هما مصدر التشريع وإليهما يرجع المفتي ولذلك تراه عند إثبات مفردات العقيدة يبدأ بذكر النصوص الواردة في ذلك من الكتاب والسنة ويحتج بما جاء بهما على المخالف, ولم نسمع أنه تعرض -رحمه الله- إلى تأويلها وإلى ردها بشيء من حجج
أهل الكلام (1).
ويرى الإمام الشافعي -رحمه الله- أن السنة مثل القرآن في التشريع فما ثبت في
السنة كالذي ثبت في القرآن وما حرم في السنة كالذي حرم في القرآن, والسبب
في ذلك أنهما جميعاً من الله (2)، وبين -رحمه الله- أن سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - هي الحكمة التي قرنها الله مع كتابه في آيات كثيرة، كقوله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ
مُّبِينٍ} [آل عمران: 164].
وقال -رحمه الله-: كل ما سن رسول الله مما ليس فيه كتاب وفيما كتبنا في كتابنا هذا - الرسالة - من ذكر ما منَّ الله به على العباد من تعلم الكتاب والحكمة دليل على أن الحكمة سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم بين منزلة السنة من القرآن وأنها شارحة له مبينة لمراد الله فيها, وأنها قد تستقل ببعض الأحكام وإن لم يرد لها أصل في الكتاب, فقال: مع ما ذكرنا مما افترض الله على خلقه من طاعة رسوله وبين من موضعه الذي وضعه الله به من دينه الدليل على أن البيان في الفرائض المنصوصة في كتاب الله من أحد هذه الوجوه, منها ما أتى الكتاب على غاية البيان فيه فلم يُحتج مع التزيل فيه إلى غيره.
ومنها ما أتى الكتاب على غاية البيان في فرضه، وافترض طاعة رسوله فبين رسول الله عن الله: كيف فرضه وعلى من فرضه ومتى يزول بعضه ويثبت ويجب.
ومنها: ما بينه عن سنة نبيه بلا نص كتاب ولكل شيء منها بيان في كتاب الله. فكل من
_________
(1) منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة، ص 81.
(2) المصدر نفسه، ص 86.
(1/302)

قبل عن الله فرائضه في كتابه قبل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سننه بفرض الله طاعة رسوله على خلقه وأن ينتهوا إلى حكمه، ومن قبل عن رسول الله فعن الله قبل، لما افترض الله من طاعته (1) ثم ذكر الأدلة على حجية السنة, ومما لا شك فيه أن هذا الأصل قد درّس في المدارس النظامية والتي كان من نظم مناهجها كتب الإمام الشافعي.
الأصل الثاني: خبر الآحاد ومكانته عند الإمام الشافعي: قسم علماء الحديث والأصول حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى قسمين:
- متواتر. ... - وآحاد.
والمتواتر: ما رواه عدد كبير تحيل العادة تواطؤهم على الكذب عن مثلهم وأسندوه إلى شيء محسوس. والآحاد: هو ما فقد شروط المتواتر أو أحدها (2). وهو من حيث القبول والرد على أقسام, فمنه المقبول ومنه المردود على حسب حال رواته من حيث العدالة وعدمها وغير ذلك من شروط قبول الرواية, وقد ذكر الشافعي رحمه الله هذا التقسيم وسماه علم عامة وعلم خاصة. فقال: قال لي قائل: ما العلم وما يجب على الناس في العلم؟ فقلت له: العلم علمان: علم عامة لا يسع بالغاً غير مغلوب على عقله جهله, قال: مثل ماذا؟ قلت مثل الصلوات الخمس وأن لله على الناس صوم شهر رمضان وحجّ البيت إذا استطاعوه وزكاة في أموالهم وأنه حرم الزنا والقتل والسرقة والخمر وما كان في معنى هذا مما كلفَ العباد أن يعقلوه ويعملوه ويعطوه من أنفسهم وأموالهم وأن يكفوا عنه ما حرم عليهم منه وهذا الصنف موجود نصاً في كتاب الله وموجود عاماً عند أهل الإسلام ينقله عوامهم عمن مضى من عوامهم يحكونه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا يتنازعون في حكايته ولا وجوبه عليهم وهذا العلم العام الذي لا يمكن فيه الغلط من الخبر ولا التأويل ولا يجوز فيه التنازع. قال: فما الوجه الثاني؟ قلت له: ما ينوب العباد من فروع الفرائض وما يخص به من الأحكام وغيرها مما ليس فيه نص كتاب ولا في أكثره نص سنة وإن كانت في شيء منه سنة فإنما هي من أخبار الخاصة لا أخبار العامة وما كان منه يحمّل التأويل ويستدرك قياساً (3).
شروط صحة الحديث وقبوله عند الشافعي:
وضع الإمام الشافعي في كتابه «الرسالة» شروطاً في قبول الحديث هي أصل الشروط التي وضعها علماء المصطلح وهي:
_________
(1) الرسالة، ص 32، 33.
(2) نخبة الفكر، ص 4 - 8, الإحكام للآمدي (2/ 31).
(3) الرسالة، ص 357 - 359.
(1/303)

أ- اتصال السند. ... ب - عدالة الرواة. ج - أن يكون الراوي ضابطا.
د - سلامته من الشذوذ وهو مخالفة الراوي لمن هو أوثق منه.
هـ - سلامته من العلة القادحة (1).
وهذه الشروط ذكرها الإمام الشافعي في كتابه «الرسالة» وإن لم يرتبها كما رتبها علماء الحديث بعده مما يدل على عظم فهمه لعلم الحديث ولذلك فقد ملأ كتبه بالأدلة على حجية السنة والرد على من أنكر حجيتها أو احتج ببعضها وأنكر حجية البعض الآخر (2).
العمل بخبر الواحد: أجمع الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم من التابعين وسلف الأمة على وجوب العمل بخبر الواحد سواء من قال: إنه يفيد العلم أو يفيد الظن, ولم يخالف في هذا إلا من لا اعتبار بخلافه كبعض المعتزلة والرافضة (3). وقد نصر الإمام الشافعي رحمه الله مذهب السلف في العمل بخبر الواحد في جميع مسائل الدين ويدخل في ذلك أمور العقيدة, ولم يرد عنه أنه فرق بين أمور العقيدة وبقية المسائل بل روي عنه أنه قال في حديث الرؤية لما سأله سعيد بن أسد: ما تقول في حديث الرؤية؟ فقال لي: يا بن أسد أقضى عليَّ حييتُ أو مِتُّ: أن كل حديث يصح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإني أقول به وإن لم يبلغني (4).
الأصل الثالث: تعظيمه لفهم الصحابة وإتباعه لهم - رضي الله عنه -:
وقال في ذلك: ما كان الكتاب والسنة موجودين فالعذر عمن سمعهما مقطوع إلا باتباعهما فإذا لم يكن صرنا إلى أقاويل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو واحد منهم ثم كان قول الأئمة أبي بكر أو عمر أو عثمان إذا صرنا فيه إلى التقليد أحب إلينا (5). إلى أن قال: والعلم طبقات شتى الأولى: الكتاب والسنة إذا ثبتت السنة. الثانية: الإجماع فيما ليس فيه كتاب ولا سنة.
الثالثة: أن يقول بعض أصحاب النبي ولا نعلم له مخالفاً منهم. الرابعة: اختلاف أصحاب النبي صلى الله وسلم في ذلك.
الخامسة: القياس على بعض الطبقات ولا يصار إلى شيء غير الكتاب والسنة وهما موجودان وإنما يؤخذ العلم من أعلى (6). ومما يدل على اتباعه للصحابة رضي الله عنهم وتعظيمه لفهمهم ما ذكره البيهقي من كلام الشافعي - رحمه الله - في الرسالة القديمة برواية
_________
(1) منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة، ص 109.
(2) منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة، ص 109.
(3) إرشاد الفحول، ص 48،49.
(4) المناقب للبيهقي (1/ 421).
(5) الأم (7/ 265) , منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة، ص 129.
(6) الأم (7/ 265).
(1/304)

الحسن بن محمد الزعفراني حيث يقول الشافعي: وقد أثنى الله تبارك وتعالى على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القرآن والتوراة والإنجيل وسبق لهم على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الفضل ما ليس لأحد بعدهم فرحمهم الله وهنَّاهم بما آتاهم من ذلك ببلوغ أعلى منازل الصديقين والشهداء والصالحين هم أدوا إلينا سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشاهدوه والوحي ينزل عليه، فعلموا ما أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عاماً وخاصاً وعزماً وإرشاداً وعرفوا من سنته ما عرفنا وجهلنا وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك به علم واستنبط به وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من آرائنا عندنا لأنفسنا (1).
الأصل الرابع: مجانبة أهل الأهواء والبدع والكلام وذمهم:
حذر السلف - رحمهم الله - من مجالسة أهل البدع والأهواء وأوجبوا هجرهم وأخرجوهم من مجالسهم, وسار على هذا النهج الإمام الشافعي, وقد روي أن سبب تركه بغداد وهجرته إلى مصر ظهور المعتزلة ببدعهم وتسلطهم على الناس وقد كانت الدولة خاضعة لهم, ومن أقواله رحمه الله في هجر المبتدعة قوله: ما ناظرت أحداً علمت أنه مقيم على بدعة (2). قال البيهقي: وهذا لأن المقيم على البدعة قلما يرجع بالمناظرة عن بدعته وإنما كان يناظر من يرجو رجوعه إلى الحق إذا بينه له وبالله التوفيق (3)، وقد جعل الشافعي رحمه الله علامة الإيمان متابعة السنة وعلامة البدعة مخالفة السنة ولم ينظر إلى ما سوى ذلك مما يدلس به المبتدعة على الناس بما يظهرونه من شعوذة ودجل ويسمونه كرامة (4) فعن يونس بن عبد الأعلى قال: قلت لمحمد بن إدريس الشافعي: قال صاحبنا الليث بن سعد: لو رأيت صاحب هوى يمشي على الماء ما قبلته. فقال الشافعي: أما إنه قصر, لو رأيته يمشي في الهواء ما قبلته (5). وقد ذم الإمام الشافعي علم الكلام فقال فيه: لقد اطلعت من أهل الكلام على شيء والله ما توهمته قط ولأن يبتلى المرء بجميع ما نهى الله عنه ما خلا الشرك بالله خير من أن يبتليه الله بالكلام (6). وقال: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ويجعلوا على الإبل ويطاف بهم في العشائر والقبائل وينادى عليهم, هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام (7). هذه بعض الأصول في إثبات العقيدة التي نظّر لها الإمام الشافعي وكتب عنها ولا شك أن المدارس النظامية اعتمدتها في مدارسها.
_________
(1) إعلام الموقعين (1/ 80) , منهج الشافعي في إثبات العقيدة، ص 130.
(2) مناقب البيهقي (1/ 175).
(3) المصدر نفسه (1/ 175) , منهج الشافعي في إثبات العقيدة، ص 138.
(4) منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة، ص 139.
(5) مناقب البيهقي (1/ 470).
(6) المصدر نفسه (1/ 454).
(7) شرح السنة, للبغوي (1/ 218).
(1/305)

ثالثاً: عقيدته في الإيمان ومنهجه في إثباتها:
1 - حقيقة الإيمان ودخول الأعمال في مسماه: اتفق أهل السنة والجماعة على أن الإيمان اعتقاد بالجنان ونطق باللسان وعمل بالأركان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي كما استفاض ذلك في كتبهم (1)، ومن تتبع ما روى لنا عن الإمام الشافعي رحمه الله وما حكاه لنا الأئمة في كتبهم من أقواله نجد مذهبه مطابقاً لمذهب السلف - رحمهم الله - تمام المطابقة فهو يقول إن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص (2)، قال الحافظ اللالكائي: قال الشافعي في كتاب الأم في باب النية في الصلاة: نحتج بأنه لا يجزئ صلاة إلا بنية لحديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الأعمال بالنيات». ثم قال: وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ممن أدركناهم: أن الإيمان: قول وعمل ونية ولا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر (3). وروى أبو نعيم في كتابة «الحلية» بسنده عن الربيع بن سليمان قال: سأل رجل من أهل بلخ الشافعي عن الإيمان فقال للرجل: فما تقول أنت فيه؟ قال: أقول: إن الإيمان قول. قال ومن أين قلت؟ قال: من قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [البقرة: 277]. فصارت الواو فصلاً بين الإيمان والعمل فالإيمان قول والأعمال شرائعه.
فقال الشافعي: وعندك الواو فصل؟ قال: نعم, قال: فإذا كنت تعبد إلهين إلها في المشرق وإلها في المغرب لأن الله تعالى يقول: {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ} [الرحمن: 17] فغضب الرجل وقال: سبحان الله أجعلتني وثنياً؟! فقال الشافعي: بل أنت جعلت نفسك كذلك قال: كيف؟ قال بزعمك أن الواو فصل, فقال الرجل: فإني أستغفر الله مما قلت بل لا أعبد إلا رباً واحداً ولا أقول بعد اليوم إن الواو فصل بل أقول إن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص، قال الربيع: فأنفق على باب الشافعي مالاً عظيماً وجمع كتب الشافعي وخرج من مصر سُنياً (4).
2 - زيادة الإيمان ونقصانه: قال الربيع: سمعت الشافعي يقول: الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ثم تلا هذه الآية: {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا} [المدثر: 31] (5) وممن نقل القول عن الإمام الشافعي -رحمه الله - بالزيادة والنقصان ابن أبي حاتم، والحافظ اللالكائي، والنووي، وابن تيمية والذهبي وابن القيم وابن حجر -رحمهم الله كلهم- نقل عن الإمام الشافعي القول بزيادة الإيمان ونقصانه، بل نقل بعضهم أن الشافعي حكى الإجماع على ذلك من السلف، كابن تيمية وابن رجب (6).
_________
(1) منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة، ص 155.
(2) فتح الباري (1/ 47).
(3) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (5/ 886).
(4) منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة، ص 164.
(5) الحلية (9/ 115).
(6) منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة، ص 173.
(1/306)

3 - حكم مرتكب الكبيرة: يرى الإمام الشافعي أن مرتكب الكبيرة لا يخرج من الإسلام بذنبه وأنه إن تاب تاب الله عليه وإن أقيم عليه, الحد فهو كفارة له, وإن
مات مصراً على ذنبه فهو إلى الله إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه, إلا أنه لا يخلد في النار (1) والله أعلم.

رابعاً: توحيد الألوهية:
يرى الإمام الشافعي أن توحيد الألوهية هو إفراد الله بالعبادة وهو حقيقة التوحيد فمن أتى به فقد أدى حق الله تبارك وتعالى عليه لأنه متضمن للإقرار بربوبية الله على خلقه وللإيمان بأسمائه وصفاته, ويرى أن هذا النوع هو الذي قاتل النبي - صلى الله عليه وسلم - الناس من أجله ولولا أنه حقيقة دين الإسلام لما قاتل النبي - صلى الله عليه وسلم - , وهم يقرون بربوبية الله سبحانه وتعالى على خلقه (2) ولهذا لما جاء رجل إلى المزني -وهو من كبار تلاميذ الإمام الشافعي- وسأله عن شيء من الكلام قال له: إني أكره هذا بل أنهى عنه كما نهى عنه الإمام الشافعي, لقد سمعت الشافعي يقول: سئل مالك عن الكلام والتوحيد فقال: محال أن نظن بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أنه علم أمته الاستنجاء ولم يعلمهم التوحيد (3). والتوحيد ما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله» (4)، فما عصم به الدم والمال حقيقة التوحيد (5).
1 - الحكمة من خلق الجن والإنس: قال الشافعي: قال الله تبارك وتعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] قال الشافعي: خلق الله الخلق لعبادته (6) وقال في موضع آخر: وأنزل الله عز وجل فيما يثبّته به إذا ضاق من أذاهم - المشركين - {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ - فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ} ففرض عليه إبلاغهم وعبادته .. وأبان ذلك في غير آية من كتابه ولم يأمره بعزلتهم (7)، وأنزل عليه: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ - لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} [الكافرون: 1،2]. فيتبين من كلام الشافعي أن الحكمة من خلق الجن والإنس وإرسال الرسل إفراد الله سبحانه بالعبادة (8) وقال في تفسير قوله تعالى: {أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى} [القيامة: 36] قال: لم يختلف أهل العلم بالقرآن فيما علمت أن السدى الذي لا يؤمر ولا ينهى (9).
_________
(1) منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة، ص 205.
(2) المصدر نفسه، ص 241. .
(3) المصدر نفسه، ص 242.
(4) مسلم 21، 22.
(5) سير أعلام النبلاء (10/ 26).
(6) منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة، ص 243.
(7) الأم (4/ 159،160).
(8) منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة، ص 243.
(9) الرسالة، ص 25.
(1/307)

2 - تسوية القبر: قال الإمام الشافعي: وأحب ألا يزاد في القبر من غيره، وليس بأن يكون فيه تراب من غيره بأس إذا زيد فيه تراب من غيره ارتفع جداً وإنما أحب أن يشخص على وجه الأرض شبراً أو نحوه (1)، وهذا الذي ذكره الإمام الشافعي رحمه الله هو السنة وقد دلت النصوص على تحريم رفع القبر، منها حديث أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألا تدع تمثالاً إلا طمسته ولا قبراً إلا سويته (2).
3 - البناء على القبور وتجصيصها: قال الشافعي: وأحب ألا يبنى ولا يجصص، فإن ذلك يشبه الزينة والخيلاء وليس ألموت موضع واحد منها ولم أر قبور المهاجرين والأنصار مجصصة .. وقد رأيت من الولاة من يهدم بمكة ما يبنى فيها فلم أر الفقهاء يعيبون ذلك. قال: وأكره وطء القبر والجلوس والاتكاء عليه (3)، ثم ساق بسنده عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: لأن أجلس على جمرة فتحرق ردائي ثم قميصي ثم إزاري ثم تفضي إلى جلدي أحب إلي من أن أجلس على قبر امرئ مسلم» (4).
4 - بناء المساجد على القبور: قال الإمام الشافعي: وأكره أن يُبنى على القبر مسجد وأن يسوى أو يصلى عليه وهو غير مسوى أو يصلى إليه وإن صلى إليه أجزأه وقد أساء (5) أخبرنا مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد, لا يبقى دينان في جزيرة العرب» (6). هذا رأي الإمام الشافعي في مسألة بناء المساجد على القبور فهو يكره ذلك والكراهة هنا - والله أعلم - للتحريم وهو ما دلت عليه النصوص الصريحة التي لعنت من فعل ذلك وقد علل سبب ذلك بثبوت النهي عن ذلك وإلى الخوف من تعظيم القبور مما قد يقع بسبب المعظم إلى الغلو المؤدي إلى الشرك, ثم تكلم عن حكم الصلاة على القبور فكرهها وعلل ذلك بنجاسة المقابر (7).
5 - زيارة القبور: قال الشافعي: ولا بأس بزيارة القبور. وساق بسنده عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجراً» (8). قال: ولكن لا يقال عندها هجر من القول وذلك بالدعاء بالويل والثبور والنياحة، فأما إذا زرت
_________
(1) شرح النووي على مسلم (2/ 666).
(2) المصدر نفسه (2/ 335).
(3) منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة، ص 258.
(4) صحيح مسلم (1/ 667).
(5) منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة، ص 261.
(6) موطأ مالك (2/ 892) مرسلاً.
(7) منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة، ص 261.
(8) مسلم (2/ 672).
(1/308)

تستغفر للميت ويرق قلبك وتذكر أمور الآخرة فهذا مما لا أكرهه (1).
6 - رأى الإمام الشافعي في الحلف بغير الله: يمكن تلخيص رأي الإمام الشافعي في الحلف بما يأتي:
- كراهية الحلف مطلقاً وقد دل على ذلك الكتاب والسنة.
- أن من حلف بالله أو باسم من أسمائه فحنث فعليه الكفارة.
- أن الحلف بغير الله مكروه.
- أن من حلف بغير الله فحنث فلا كفارة عليه لأنها ليست يميناً.
- جواز الحلف بالله واستحبابه إذا كان في طاعة كالجهاد ونحوه. سواء فهمت الكراهة على التنزيه أو على التحريم, فقد كره الإمام الشافعي الحلف بغير الله. (2)

خامساً: طريقة الشافعي في الاستدلال على وجود الله:
روى أبو نعيم بسنده مناظرة حدثت بينه وبين بشر المريسي بحضرة هارون الرشيد. قال بشر: أخبرني ما الدليل على أن الله تعالى واحد؟ فقال الشافعي: يا بشر ما تدري من لسان الخواص فأكلمك على لسانهم (3)، إلا أنه لا بد لي أن أجيبك على مقدارك من حيث أنت الدليل عليه به ومنه وإليه واختلاف الأصوات من المصوت إذا كان المحرك واحداً واختلاف الصور دليل على أنه واحد (4) وعدم الضد في الكل على الدوام دليل على أنه واحد (5)،
وأربع نيران مختلفات في جسد واحد متفقات الدوام على تركيبه في استقامة الشكل دليل
_________
(1) الأم (1/ 278).
(2) منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة، ص 271، 272.
(3) الخواص عند الإمام الشافعي هم علماء السنة أهل الحديث والأثر وليس علماء الكلام, فإن بشراً المريسي من أهل الكلام ويعرف لسانهم ولكن الذي لا يعلمه بشر هو طريقة السلف في الاستدلال لذلك ذكر له دليل الآيات المشهور.
(4) يعني أن آلات الصوت والكلام في الإنسان من لسان وأسنان وشفتين وحلق وحنجرة وحبال صوتية وقوة دافعة للهواء واحدة في كل بني آدم ومع ذلك تجد بين الأفراد اختلافاً كبيراً بل نجد الاختلاف في ذلك بين الوالد وأبنائه فمن الذي فرق بين الأصوات بهذا الشكل الدقيق الذي لا نجد اثنين مهما كانت قرابتهما متفقين في صوتهما؟! فهذا يدل على وجود الله ووحدانيته في الربوبية.
(5) قوله وعدم الضد في الكل على الدوام معناه أن الإنسان مع ما فيه من تغير وتبدل من حال إلى حال فهو قد كان نطفة ثم علقة ثم تطور إلى أن خرج وصار طفلاً ثم شاباً ثم كهلاً ثم شيخاً ومع ما يعتريه في حياته من مرض وصحة وسمن وهزال ومع ذلك فالإنسان هو هو لم يتغير صوته ولم تتغير صورته ..
(1/309)

على أن الله تعالى واحد (1)، وأربع طبائع مختلفات في الخافقين أضداد غير أشكال مؤتلفات على صلاح الأحوال دليل على أن الله واحد (2). قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164]. وروي عن الشافعي أنه قال: استقبلني سبعة عشر زنديقاً في طريق غزة فقالوا: ما الدليل على الصانع؟ فقلت لهم: إن ذكرت دليلاً شافياً هل تؤمنون؟ قالوا: نعم، قلت ورق الفرصاد (3)
طعمها ولونها وريحها سواء فيأكلها دود القز فيخرج من جوفها الإبريسم ويأكلها النحل فيخرج من جوفها العسل, وتأكلها الشاة فيخرج من جوفها البعر فالطبع واحد وإن كان موجباً عندك فيجب أن يوجب شيئاً واحداً لأن الحقيقية الواحدة لا توجب إلا شيئاً واحداً ولا توجب متضادات متنافرة, ومن جوز هذا كان عن المنقول خارجاً وفي التيه والجاً، فانظر كيف تغيرت الحالات عليها فعرفت أنه فعل صانع عالم قادر يحول عليها الأحوال ويغير التيارات, قال: فبهتوا ثم قالوا: لقد أتيت بالعجب فآمنوا وحسن إيمانهم. وقال الشافعي لقد أتيت قلعة حصينة ملساء ولا فرجة فيها ظاهرها كالفضة وباطنها كالذهب وجدرانها حصينة محكمة ثم رأيت الجدار ينشق فيخرج من القلعة حيوان سميع بصير مصوت، فعلمت ضرورة أن الطبيعة لا تقدر على ذلك وأنه فعل صانع حكيم، فالقلعة هي البيضة والحيوان هو الدجاجة (4). وكان -رحمه الله- كثيراً ما يتمثل بهذه الأبيات:
فياعجباً كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد
ولله في كل تحريكة ... وتسكينة أبداً شاهد
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد (5)
_________
(1) وتفسيره أن في البدن نيرانا أربعًا إحداها: نار الشهوة وثانيتها حرارة الغضب، وثالثتها الحرارة القائمة بأعضاء الغذاء ورابعتها الحرارة الغريزية المتولدة في قلبه وهي الحرارة المؤثرة التي يتم بها أمر الحياة، فهذه الأنواع الأربعة من الحرارة نيران مختلفة بالماهية ثم إنها اجتمعت في بدن الإنسان تبقى كل واحدة منها على صفتها المخصوصة وطبيعتها المخصوصة وهي كامنة في بدن الإنسان لا تظهر إلا عند الحاجة إليها ثم إنها مع اختلافها وتبيانها متوافقة على تحصيل مصلحة الإنسان وموجبة لاستقامة سلامة ذلك الجسد.
(2) وتفسيره أن أبدان الحيوانات على قول الأطباء متولدة من الأرض والماء والهواء والنار ثم إنها أضداد متغايرة متنافرة متعاندة بطبائعها فاجتماعها في البدن الواحد لا بد أن يكون بقدرة قادر وتدبير مدبر قدير.
(3) الفرصاد: التوت. انظر: لسان العرب (3/ 333) ..
(4) مفيد العلوم للقزويني، ص 25، 26.
(5) مفيد العلوم للقزويني، ص 25، 26.
(1/310)

سادساً: توحيد الأسماء والصفات:
قال الشافعي في أول خطبة الرسالة: الحمد لله الذي هو كما وصف به نفسه وفوق ما يصفه به خلقه (1)، فبينَ رحمه الله - أن الله موصوف بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - (2)، ومن هذا النص وغيره نعرف مذهب الشافعي فقد ذكر أبو يعلى بسنده عن يونس بن عبد الأعلى المصري قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن إدريس الشافعي يقول وقد سئل عن صفات الله وما ينبغي أن يؤمن به فقال: لله تبارك وتعالى أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه - صلى الله عليه وسلم - أمته لا يسع أحداً قامت عليه الحجة ردها لأن القرآن نزل بها وصح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القول بها فيما رَوى عنه العدل, فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو بالله كافر، فأما قبل ثبوت الحجة عليه من جهة الخبرة فمعذور بالجهل لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالرؤية والفكر .. فإن هذه المعاني التي وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسوله - صلى الله عليه وسلم - مما لا تدرك حقيقته بالفكر والرؤية فلا يكفر بالجهل بها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها، فإن كان الوارد بذلك خبراً يقوم في الفهم مقام المشاهدة في السماع وجبت الدينونة على سامعه بحقيقته والشهادة عليه كما عاين وسمع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , ولكن يثبت هذه الصفات وينفي التشبيه كما نفى ذلك عن نفسه تعالى ذكره فقال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]. وقال ابن كثير وقد روي عن الربيع وغير واحد من رءوس أصحابه ما يدل على أنه كان يمر بآيات الصفات وأحاديثها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تحريف على طريقة السلف (3)، ومما سبق يتضح لنا مذهب الشافعي رحمه الله في الباب ويتخلص في القواعد الآتية:
الأولى: يثبت لله جميع الأسماء والصفات التي نطق بها القرآن أو دلت عليها السنة الصحيحة إثباتاً بلا تشبيه وتنزيهًا بلا تعطيل على حد قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.
الثانية: ينزه الله سبحانه وتعالى عن مشابهة خلقه مع إثبات حقيقة هذه الصفات.
الثالثة: التوقف عن الخوض فيما لا مجال للعقل فيه من اليأس وقطع الطمع عن إدراك كيفية هذه الصفات كما روى ابن أبي حاتم بسنده عن أبي إسحاق بن محمد قال: سمعت الشافعي يقول: إن للعقل حداً ينتهي إليه كما أن للبصر حداً ينتهي إليه (4).
_________
(1) المناقب للبيهقي (2/ 109).
(2) الرسالة، ص 7، 8.
(3) منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة، ص 335.
(4) آداب الشافعي ومناقبه، ص 271.
(1/311)

إن الإمام الشافعي يؤمن بجميع ما وصف الله سبحانه وتعالى به نفسه أو وصفه به رسوله - صلى الله عليه وسلم - على مذهب السلف وأنه كان يمر بآيات الصفات كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تحريف (1). قال الربيع بن سليمان: سألت الشافعي رحمه الله عن صفات الله تعالى فقال: حرام على العقول أن تمثل الله تعالى وعلى الأوهام أن تحده وعلى الظنون أن تقطع وعلى النفوس أن تفكر وعلى الضمائر أن تعمق وعلى الخواطر أن تحيط وعلى العقول أن تعقل إلا ما وصف به نفسه أو على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام (2) قال رحمه الله: آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله (3).

سابعاً: عقيدته في الصحابة:
قال الشافعي رحمه الله: وقد أثنى الله تبارك وتعالى على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القرآن والتوراة والإنجيل - يشير إلى قوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 29] وسبق لهم على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الفضل ما ليس لأحد بعدهم، فرحمهم الله وهنّاهم بما آتاهم من ذلك أعلى منازل الصديقين والشهداء والصالحين, هم أدوا إلينا سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشاهدوه والوحي ينزل عليه فعملوا ما أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عاماً وخاصاً وعزماً وإرشاداً, وعرفوا من سنته ما عرفنا وجهلنا, وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك به علم واستنبط به, وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من آرائنا عندنا لأنفسنا, ومن أدركنا ممن نرضى أو حكي لنا عنه ببلدنا, وما صاروا فيما لم يعلموا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه سنة إلى قولهم أن اجتمعوا وقول بعضهم أن تفرقوا فهكذا نقول ولم تخرج من أقاويلهم وإن قال واحد منهم ولا يخالفه أحد غيره أخذنا بقوله (4)، وفي هذا النص تعظيم عظيم للصحابة ومعرفته لحقهم ولعلو منزلتهم في الإسلام وهو ما يعتقده كل أهل السنة والجماعة (5).
وقال رحمه الله: ما أرى أن الناس ابتلوا بشتم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا ليزيدهم الله -أي الصحابة- بذلك ثوابا عند انقطاع عملهم, وفي رواية الربيع بمعناه وقال:
_________
(1) منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة، ص 387.
(2) مجموع الفتاوى نقلاً عن منهج الإمام الشافعي، ص 388.
(3) مجموع الفتاوى نقلاً عن منهج الإمام الشافعي، ص 388.
(4) مناقب الشافعي (1/ 442، 443).
(5) منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة، ص 446.
(1/312)

إلا ليجزي الله عز وجل لهم الحسنات وهم أموات (1)، ولا شك أن هذا حاصل لهم بإذن الله لأن الله توعد من اغتاب المسلمين أو سبهم بالأخذ من حسناته إلى من سبهم كما في حديث المفلس وفيه: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سأل أصحابه عن المفلس فقالوا: المفلس فينا من لا دينار له ولا درهم فقال - صلى الله عليه وسلم -: «المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام، كأمثال الجبال ويأتي وقد شتم هذا وضرب هذا وأخذ مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته ثم يلقي في النار» (2)، فإذا كان هذا ثابتاً لعامة المسلمين فثبوته لصفوتهم وخيرهم وأفضلهم من باب أولى (3).
1 - فضل الخلفاء الراشدين ودرجتهم بين الصحابة: قال -رحمه الله- في فضل الخلفاء الراشدين ودرجتهم بين الصحابة: أفضل الناس بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضوان الله عليهم (4)، وقال: التفضيل يبدأ بأبي بكر وعمر، وعثمان وعلي (5)، وقال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي يقول في التفضيل: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي (6).
2 - سكوته عما شجر بين الصحابة: ومن اعتقاده -رحمه الله- في أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سكوته عن كل ما شجر بينهم رضي الله عنهم, وروى رحمه الله بسنده أن عمر بن عبد العزيز سئل عن قتلى صفين فقال: تلك دماء طهر الله منها يدي فلا أحب أن أخضب لساني بها. قال الشافعي رحمه الله معلقاً على هذا القول: هذا حسن جميل لأن سكوت الإنسان عما لا يعنيه هو الصواب (7)، وكان رحمه الله يقول للربيع: اقبل مني ثلاثة أشياء: لا تخض في أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن خصمك النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم القيامة, ولا تشتغل بالكلام فإني اطلعت من أهل الكلام على أمر عظيم, ولا تشتغل بالنجوم فإنه يجر إلى التعطيل (8).
3 - موقفه من أصحاب الفرق البدعية والشيعة الرافضة: قال البويطي: سألت الشافعي: أصلى خلف الرافضي؟ قال: لا تصل خلف الرافضي ولا القدري ولا المرجئ. قلت: صفهم لنا. قال: من قال الإيمان قول فهو مرجئ, ومن قال: إن أبا بكر وعمر ليسا بإمامين رافضي، ومن جعل المشيئة إلى نفسه فهو قدري (9)، وقال أبو حاتم: سمعت يونس
_________
(1) مناقب البيهقي (1/ 441) , منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة، ص 446.
(2) مسلم، كتاب البر (4/ 1997).
(3) منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة، ص 447.
(4) مناقب البيهقي (1/ 433).
(5) المصدر نفسه (1/ 432).
(6) المصدر نفسه (1/ 432).
(7) مناقب ابن أبي حاتم، ص 314، منهج الإمام الشافعي، ص 453.
(8) توالي التأسيس، ص 73.
(9) منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة، ص 480.
(1/313)

ابن عبد الأعلى يقول: سمعت الشافعي يقول: أجيز شهادة أهل الأهواء كلهم إلا الرافضة فإنهم يشهد بعضهم لبعض (1)، وكان الشافعي إذا ذكر الرافضة عابهم أشد العيب فيقول: شر عصابة (2)، وقال: لم أر أحداً أشهد بالزور من الرافضة. وقال في الرافضي: يحضر الوقعة ولا يعطى من الفيء شيئاً لأن الله تعالى ذكر آية الفيء ثم قال: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ} [الحشر: 109]، فمن لم يقل بها لم يستحق. قال القرطبي: هذه الآية دليل على وجوب محبة الصحابة لأنه جعل لمن بعدهم حظاً من الفيء ما أقاموا على محبتهم وموالاتهم والاستغفار لهم, وأن من سبهم أو واحداً منهم أو اعتقد فيهم شراً أنه لا حق له في الفيء, روي ذلك عن مالك وغيره قال مالك: من كان يبغض أحداً من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - أو كان في قلبه عليهم غل فليس له حق في فيء المسلمين, ثم قرأ {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ} (3). ولعل الإمام الشافعي -رحمه الله- أخذ هذا القول عن الإمام مالك فهو شيخه كما هو معلوم (4).
4 - الشافعي واتهامه بمذهب الشيعة الرافضة: ومع هذا الوضوح في عقيدة الإمام الشافعي وبعده عن مذهب الشيعة الرافضة وتبديعه لهم ورده لشهادتهم ومنعه من الصلاة خلفهم نجد من يتهم الإمام بالتشيع, وهذا من أعجب العجب؛ فمن صدرت منه كل هذه الأقوال في حق الشيعة كيف يتهم بالتشيع؟! وقد مر بنا موقفه من الصحابة عموماً وموقفه من الخلفاء الراشدين وموافقته لأهل السنة في ترتيب الخلفاء فكيف ينسب إلى التشيع؟! (5). قال البيهقي: ومما حكي عن أبي داود السجستاني أن أحمد بن حنبل أخبر أن يحيى بن معين ينسب الشافعي إلى التشيع فقال أحمد: تقول هذا لإمام المسلمين!! قال يحيى: إني نظرت في كتابه في قتال أهل البغي، فإذا قد احتج من أوله إلى آخره بعلي - رضي الله عنه - , فقال أحمد: عجباً لك، فمن كان يحتج الشافعي في قتال أهل البغي وأول من ابتلى من هذه الأمة بقتال أهل البغي علي بن أبي طالب؟! وهو الذي سن قتالهم وأحكامهم, وليس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن الخلفاء غيره فيه سنة فبمن كان يستن؟! فخجل يحيى من ذلك (6)، وروى البيهقي بسنده عن أبي عبد الله أحمد بن حنبل وسئل عن محمد بن إدريس الشافعي قال أحمد: لقد منّ الله علينا به, لقد كنا تعلمنا كلام القوم وكتبنا كتبهم حتى قدم علينا الشافعي، فلما سمعنا كلامه علمنا أنه أعلم من غيره وقد جالسناه الأيام والليالي، فما رأينا معه إلا كل خيرًا -رحمة الله عليه-
_________
(1) آداب الشافعي ومناقبه، ص 189.
(2) مناقب البيهقي (1/ 468).
(3) تفسير القرطبي (18/ 32).
(4) منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة، ص 487.
(5) منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة، ص 487.
(6) مناقب البيهقي (1/ 450 - 541).
(1/314)

فقال له رجل: يا أبا عبد الله فإن يحيى بن معين وأبا عبيد لا يرضيانه -يعني في نسبتهما إياه إلى التشيع- فقال أحمد لمن حوله: اعلموا -رحمكم الله تعالى- أن الرجل من أهل العلم إذا منحه الله شيئاً من العلم وحرمه قرناؤه وأشكاله حسدوه فرموه بما ليس فيه. وبئست الخصلة في أهل العلم (1).
وقال ابن كثير بعد ذكر بعض النصوص من عقيدة الإمام الشافعي في الخلفاء: وفيها موافقته لأهل السنة في ذلك فهذه أسانيد صحيحة، ونصوص صريحة عن الإمام أبي عبد الله الشافعي في مذهب أهل السنة والجماعة سلفاً وخلفاً (2). فتبين لهذا قول أحمد بن عبد الله العجلي في الشافعي أنه شيعي وهذا القول من العجلي مجازفة بلا علم وإنما غرّه في ذلك ما قدمناه من أن أهل اليمن لما رموه في جملة أولئك القرشيين وحمل معهم إلى الرشيد وكان فيهم تشيع اعتقد من لا يعلم أن الشافعي إذ ذاك على مذهبهم وإلا فالإمام الشافعي أعظم محلاً وأجل قدراً من أن يرى رأي الشيعة الرافضة وهو ذو الفهم التام والذكاء الزائد والحفظ الخارق والفكر الصحيح والعقل الرجيح, ثم ذكر الأدلة على متابعته لمذهب السلف من الصحابة ... ثم ذكر الأبيات الموهمة لتشيعه وهي:
يا راكبا قف بالمحصب من منى ... واهتف بقاعد خيفها والناهض
سحراً إذا فاض الحجيج إلى منى ... فيضا كملتطم الفرات الفائض
إن كان رفضاً حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أني رافضي (3)
ثم قال: قلت: ليس برفض حب آل محمد, وكل أهل السنة يحبون آل محمد - صلى الله عليه وسلم - ويجب عليهم ذلك كما يجب عليهم حب أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجمعين, ومع حب الآل يقدم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي كل نص عليه الشافعي وأئمة الإسلام (4). وكما رد ابن كثير هذه التهمة فقد ردها الذهبي حيث يقول: من زعم أن الشافعي يتشيع فهو مفتر لا يدري ما يقول. وقال: لو كان شيعياً -وحاشاه من ذلك- لما قال: الخلفاء الراشدون خمسة بدأ بالصديق وختم بعمر بن عبد العزيز (5)، والصحيح أن خامس الخلفاء الراشدين الحسن بن علي - رضي الله عنه - , وقد بينت ذلك في كتابي عن الحسن بن علي - رضي الله عنه - ونقلت أقوال أهل العلم في ذلك. ومما يشهد للشافعي على سلامته من عقيدة الشيعة غير ما سبق رده على زعم الشيعة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نص على إمامة علي - رضي الله عنه - قوله: «من كنت مولاه فعلي مولاه» (6)، فقال: يعني
_________
(1) مناقب البيهقي (2/ 259).
(2) منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة، ص 492.
(3) طبقات السبكي (1/ 299).
(4) منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة، ص 493.
(5) السير (10/ 58، 59).
(6) مسند أحمد (1/ 84) , إسناده صحيح، صحيح الجامع رقم 6399.
(1/315)

بذلك ولاء الإسلام, وذلك قول الله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ} [محمد: 11]. وبهذا يتبين لنا براءة الإمام الشافعي مما اتهم به من التشيع وبعده عن ذلك، وموافقته لمذهب أهل السنة والجماعة (1). قال الإمام سحنون: لم يكن في الشافعي بدعة، فصدق -والله- فرحم الله الشافعي وأين مثل الشافعي -والله- في صدقه وشرفه ونبله وسعة علمه وفرط ذكائه ونصره للحق وكثرة مناقبه رحمه الله تعالى (2).
إن تراث الإمام الشافعي في العقائد تلقته الأمة بالقبول لموافقته منهج أهل السنة والجماعة، واستفادت منه المدارس النظامية في عهد السلاجقة وأسهم في البعث الحضاري للأمة, وكان من اللبنات التي أسست البناء الشامخ لأهل السنة والذي أسهم في صد المد الباطني الرافضي الذي كانت تدعمه الدولة الفاطمية, وكان فكر الإمام الشافعي وتراثه الفقهي من الأسس المهمة التي بنى عليها مشروع النهوض والتصدي للصليبيين في عهد الزنكيين والأيوبيين والمماليك. ومن الدروس المهمة التي نستخرجها أهمية التراث الفكري والعقائدي للعلماء في بناء النهوض الحضاري، فلربما يسهم تراث بعض المصلحين في نهضة الأمة بعد وفاته بقرون، كالذي نراه في دراستنا الحالية لسيرة الإمام الشافعي، ولذلك اعتبره بعض الباحثين من المجددين لكون كتبه وآثاره ذائعة مشهورة، وأحدث نقلة نوعية في حياة الناس، فلعل أحداً من المجددين لم يبلغ الإمام الشافعي في ذلك، فقد ذاع صيته، وطارت شهرته في الآفاق، وتناقل العلماء وطلبة العلم كتبه، ورحل إليه أهل الحديث والفقه من شتى أطراف العالم الإسلامي ليأخذو عنه العلم, وظلت كتبه وآثاره محجة للأجيال التي جاءت من بعده وإلى يوم الناس هذا (3).

ثامناً: عناصر المنهج في فقه الإمام الشافعي:
يسير البحث عند الإمام الشافعي -رحمه الله- في الموضوعات والمسائل الفقهية بطريقة منتظمة وفق الخطوات التالية:
1 - استقراء آيات الكتاب الحكيم.
2 - استقراء السنة المطهرة، والآثار عن الصحابة رضوان الله عليهم.
3 - الاعتماد على اللغة العربية في فهم النصوص.
4 - تطبيق القواعد الأصولية.
5 - الاستدلال بالمعقول ومظاهره.
6 - ضبط المسائل والأحكام المستنبطة بالقواعد والضوابط الفقهية.
_________
(1) منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة، ص 494.
(2) سير أعلام النبلاء (10/ 93 - 95) بتصرف.
(3) التجديد في الفكر الإسلامي، ص 95.
(1/316)

7 - التوضيح بالفروق الفقهية. فهذه أهم عناصر المنهج في فقه الإمام الشافعي (1)، وقد تحدث عنها وشرحها بالتفصيل الدكتور عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان في كتابه «منهجية الإمام محمد بن إدريس الشافعي في الفقه وأصوله- تأصيل وتحليل».

تاسعاً: هل الإمام الشافعي من المجددين؟
توافرت في الإمام الشافعي مآثر وصفات رفعته إلى مصافَّ المجددين, ولعل من أبرزها:
1 - دفاعه عن عقيدة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وحربه للمنحرفين عنها.
2 - تدوينه علم أصول الفقه: ويعد الشافعي أول من صنَّف في أصول الفقه، وأرسى قواعده بلا اختلاف ولا ارتياب، وذلك في كتابه «الرسالة».
3 - نصرته للسنة: وقد برزت نصرته للسنة في عدة ميادين:
أ- وضعه لقواعد أصول الحديث: يقول أحمد شاكر: وليس كتاب الرسالة أول كتاب ألف في علم أصول الفقه، بل هو أول كتاب في علم أصول الحديث، لأن ما عرض له الشافعي في كتاب الرسالة من بيان لحجية خبر الواحد، وشروط صحة الحديث، وعدالة الرواة، وردَّ الخبر المرسل والمنقطع إلى غير ذلك، هو أدق وأغلى ما كتب العلماء في أصول الحديث، بل إن المتفقه في علوم الحديث يعرف أن ما كتب بعده، إنما هو فروع منه وعالة عليه, وأنه جمع ذلك وصنفه على غير مثال سبق (2).
ب- تعظيم السنة ورد شبهات المنكرين لحجيتها أو حجية بعضها.
جـ- جمعه بين رواية السنة ودرايتها: فقد كان أصحاب الحديث يعنون بالرواية والنقل، أكثر من عنايتهم بالفقه والاستنباط مما جعلهم عاجزين عن المناظرة والمجادلة، وغير قادرين على تزيين طريق أصحاب الرأي، فجاء الإمام الشافعي، فأقام توازناً بين الفقه والحديث، وبين الرواية والدراية، من غير غلو ولا شطط، وأعاد الناس إلى منهج الاعتدال والوسطية؛ لذلك فرح أصحاب الحديث بالشافعي فرحاً شديداً وأثنوا عليه ثناء حاراً، وسموه ناصر السنة (3)، وقال إبراهيم الحربي: سألت أبا عبد الله عن الشافعي فقال: حديث صحيح ورأي صحيح (4). وقال محمد بن الحسن: إن تكلم أصحاب الحديث يوماً فبلسان الشافعي، يعني لما وضع من كتبه (5)، وقال أحمد: ما كان أصحاب الحديث يعرفون معاني
_________
(1) منهجية الإمام محمد بن إدريس الشافعي، ص 31.
(2) تحقيقات كتاب الرسالة للإمام الشافعي، أحمد شاكر، ص 13.
(3) التجديد في الفكر الإسلامي، ص 93.
(4) سير أعلام النبلاء (8/ 395).
(5) تهذيب الأسماء واللغات (1/ 71).
(1/317)

أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبيَّنها لهم (1).
د- إنصافه ورجوعه إلى الدليل وعدم تعصبه: فقد قال: إذا صح عندكم الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقولوا به ودعوا قولي، فإني أقول به وإن لم تسمعوا مني وفي رواية: فلا تقلدوني. وفي رواية: فلا تلتفتوا إلى قولي. وفي رواية: فاضربوا بقولي عُرض الحائط، فلا قول لي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (2)، وقال الحميدي: روى الشافعي يوماً حديثاً فقلت: أتاخذ به؟ فقال: رأيتني خرجت من كنيسة أو عليَّ زنار حتى إذا سمعت عن رسول الله حديثاً لا آخذ به؟! (3). وكان يقول لأحمد: يا أبا عبد الله إذا صح عندكم الحديث، فأعلمني به أذهب إليه حجازياً كان أو شامياً، أو عراقياً أو يمنياً (4).
هـ - عموم علمه ونفعه أهل الإسلام: ومن خلال ما مضى عن سيرة الإمام الشافعي يتضح لنا أن اختيار نظام الملك لتراث الإمام الشافعي وفقهه في مناهج المدارس النظامية كان صحيحاً، وقد كانت جهود الوزير نظام الملك في نصرة المذهب الشافعي ذات أثر بالغ الأهمية في تثبيت دعائمه في المشرق, وتزامنت هذه الجهود مع وفرة عدد من كبار فقهاء الشافعية المتبحرين من الذين رسخت أقدامهم في العلم، وليس أدل على المكانة المرموقة التي حظي بها الوزير نظام الملك عند علماء الشافعية من تصنيف إمام الحرمين الجويني - وهو من أكابر الشافعية - كتاباً في أحكام الشريعة وجهه لنظام الملك وسماه بالنظامي، ثم تصنيفه لكتاب الغياثي، والمسمى أيضاً غياث الأمم في التياث الظلم, وهو في أحكام السياسة الشرعية كذلك، حيث جعل قسماً كبيراً منه موجهاً للوزير نظام الملك، بعد أن أثنى عليه في مقدمة الكتاب ثناء حسناً ومدحه ببعض أبيات الشعر (5).
* * *
_________
(1) تهذيب الأسماء واللغات (1/ 80).
(2) البداية والنهاية, نقلاً عن التجديد في الفكر الإسلامي، ص 94.
(3) البداية والنهاية, نقلاً عن التجديد في الفكر الإسلامي، ص 94.
(4) تهذيب الأسماء واللغات (1/ 83).
(5) المدخل إلى مذهب الشافعي، ص 356، الغياثي، ص 10 - 12.
(1/318)

المبحث الثالث
الإمام أبو الحسن الأشعري
أسهم الإمام أبو الحسن الأشعري بتراثه وأفكاره التي وضعها في كتبه وبواسطة تلاميذه في نشاط المدارس النظامية التي اعتمدت ما وصل إليه من بحوث في عقائد أهل السنة والردود على المعتزلة والمخالفين لأصول أهل السنة والجماعة.

أولاً: اسمه ونسبه وموطنه ومولده ومكانته العلمية:
1 - اسمه ونسبه: هو أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن أمير البصرة بلال بن أبي بردة بن صاحب رسول - صلى الله عليه وسلم - أبي موسى عبد الله بن قيس بن حضار الأشعري اليماني البصري، وكنيته أبو الحسن (1) فالأشعري من أولاد الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - (2).
2 - موطنه ومولده: ولد أبو الحسن الأشعري في البصرة، وبعد خروجه على الاعتزال غادرها وسكن بغداد، ولهذا يقولون عنه: بصري سكن بغداد (3)، وأما عن مولده فقد اختلف المؤرخون في تحديد ولادة الأشعري: فابن عساكر يذكر عن أبي بكر الوزان رواية مفادها: أنه وُلد سنة ستين ومائتين ثم يؤكد ابن عساكر صحة هذه الرواية بقوله: لا أعلم لقائل هذا القول في تاريخ مولده مخالفاً (4). وأما ابن خلكان فيرى أن مولد الأشعري كان سنة سبعين ومائتين (5) ولهذا قال الذهبي رحمه الله: مولده سنة ستين ومائتين، وقيل: بل ولد سنة سبعين (6)، والمقريزي يذكر أن مولده كان سنة ست وستين ومائتين، وقيل
سنة سبعين (7) ولكن أكثر المصادر التاريخية التي ترجمت للأشعري تذكر أنه ولد سنة
ستين ومائة (8).
3 - مكانته العلمية وثناء العلماء عليه: كان الأشعري -رحمه الله- من العلماء الذين حملوا لواء العلم في كل ميادينه وصنوفه، ويعد من العلماء الذين جمعوا بين شتى المعارف
_________
(1) سير أعلام النبلاء (15/ 86).
(2) شعبة العقيدة بين أبي الحسن الأشعري والمنتسبين إليه، ص 20.
(3) تبيين كذب المفتري، ص 36.
(4) المصدر نفسه، ص 146.
(5) وفيات الأعيان (3/ 307).
(6) سير أعلام النبلاء (15/ 85).
(7) الخطط للمقريزي (3/ 307).
(8) شعبة العقيدة بين أبي الحسن الأشعري والمنتسبين إليه، ص 21.
(1/319)

والعلوم والفنون (1). قال الخطيب البغدادي: أبو الحسن الأشعري المتكلم، صاحب التصانيف في الرد على الملاحدة وغيرهم من المعتزلة والرافضة والجهمية والخوارج وسائر أصناف المبتدعة (2). وقال الذهبي عنه: العلامة إمام المتكلمين أبو الحسن .. وكان عجباً في الذكاء وقوة الفهم، ولما برع في معرفة الاعتزال، كرهه وتبرأ منه، وصعد للناس، فتاب إلى الله تعالى منه، ثم أخذ يرد على المعتزلة ويهتك عوارهم. قال الفقيه أبو بكر الصيرفي: كانت المعتزلة قد رفعوا رءوسهم حتى نشأ الأشعري فحجزهم في أقماع السمسم. وعن ابن الباقلاني قال: أفضل أحوالي أن أفهم كلام الأشعري (3)، وذكر الذهبي عنه أيضاً: ولأبي الحسن ذكاء مفرط، وتبحر في العلم، ويقول: رأيت لأبي الحسن أربعة تواليف في الأصول يذكر فيها قواعد مذهب السلف في الصفات وقال فيها: تمر كما جاءت، ثم قال: وبذلك أقول وبه أدين، ولا تؤول (4)
وقال عنه القاضي عياض: وصنف لأهل السنة التصانيف، وأقام الحجج على إثبات السنة وما نفاه أهل البدع من صفات الله تعالى ورؤيته وقدم كلامه وقدرته، وأمور السمع الواردة من الصراط، والميزان، والشفاعة، والحوض وفتنة القبر التي نفتها المعتزلة، وغير ذلك من مذاهب أهل السنة والحديث، فأقام الحجج الواضحة عليها من الكتاب والسنة والدلائل الواضحة العقلية، ودفع شبه المبتدعة ومن بعدهم من الملحدة والرافضة، وصنف في ذلك التصانيف المبسوطة التي نفع الله بها الأمة (5)، وأما ابن عساكر فقد أفرد كتاباً في الدفاع عنه، ومدحه كثيراً، وجعله من المجددين، وذكر الروايات الواردة في مدح قومه وأسرته (6) وكذلك السبكي في طبقات الشافعية، وكان مما قال فيه: شيخنا وقدوتنا إلى الله تعالى الشيخ أبو الحسن الأشعري البصري شيخ طريقة أهل السنة والجماعة، وإمام المتكلمين، وناصر سنة سيد المرسلين والذاب عن الدين، والساعي في حفظ عقائد المسلمين، سعياً يبقى أثره إلى يوم يقوم الناس لرب العالمين، إمام حبر، وتقي برّ، حمى جناب الشرع من الحديث المفترى، وقام في نصرة الإسلام فنصرها نصراً مؤزراً (7). وغيرهم من العلماء الذين مدحوه وأثنوا على ما قام به من نصر السنة والرد على المبتدعة من
المعتزلة وغيرهم (8).

ثانياً: المراحل التي مر بها:
مر أبو الحسن الأشعري بأطوار ثلاثة في حياته الاعتقادية:
_________
(1) شعبة العقيدة بين أبي الحسن الأشعري والمنتسبين إليه، ص 22.
(2) تاريخ بغداد (11/ 347).
(3) سير أعلام النبلاء (15/ 86).
(4) سير أعلام النبلاء (15/ 86).
(5) ترتيب المدارك (5/ 24).
(6) موقف ابن تيمية من الأشاعرة (1/ 339).
(7) طبقات السبكي (3/ 347).
(8) موقف ابن تيمية من الأشاعرة (1/ 340).
(1/320)

الطور الأول: تكاد تجمع كل المصادر التي ترجمت للأشعري على أنه عاش طوره الأول في ظل المعتزلة والاعتزال وأنه بقي فيه ملازماً شيخه وزوج أمه الجبائي حتى بلغ أربعين سنة من عمره (1).
الطور الثاني: بعد خروجه على المعتزلة، سلك طريق عبد الله بن سعيد بن كلاب البصري (2)، وبدأ يرد على المعتزلة معتمداً على القوانين والقضايا التي قالها عبد الله بن كلاب (3)، يقول ابن تيمية رحمه الله: وكان أبو الحسن الأشعري لما رجع عن الاعتزال سلك طريق أبي محمد بن كلاب (4)، وهذا الطور يمثله كتاب اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع (5) وكان ابن كلاب يرد على المعتزلة والجهمية ومن تبعهم بطريقة يميل فيها إلى مذهب أهل السنة والحديث، ولكن لما كثر جداله معهم ورده عليهم ومناظرته لهم بالطرق القياسية، سلَّمَ لهم أصولاً هم واضعوها، فمن هنا دخلت البدعة في طريقته (6)، وكان ابن كلاب قد أحدث مذهباً جديداً، فيه ما يوافق السلف وفيه ما يوافق المعتزلة والجهمية (7)، وفي هذا يقول ابن تيمية رحمه الله: كان الناس قبل أبي محمد بن كلاب صنفين: فأهل السنة والجماعة يُثبتون ما يقوم بالله تعالى من الصفات والأفعال التي يشاؤها ويقدر عليها، والجهمية من المعتزلة وغيرهم تنكر هذا وهذا، فأثبت ابن كلاب قيام الصفات اللازمة به، ونفى أن يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها (8)، ووافقه على ذلك أبو العباس القلانسي وأبو الحسن الأشعري (9)، وهذا الأصل الذي أحدثه ابن كلاب دفع الإمام أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السلف إلى أن يحذروا منه ومن أتباعه الكلابية (10)،
وهذه الطريقة التي أحدثها ابن كلاب البصري لم يسبقه إليها غيره، ووافقه عليها الأشعري وردَّ من خلالها على الجهمية والمعتزلة (11).
الطور الثالث: مكث الأشعري زمناً على طريقة ابن كلاب يرد على المعتزلة وغيرهم من خلال ما اعتقده في هذه الطريقة ولكن الله تعالى مَنَّ عليه بالحق فنوَّر بصيرته وذلك
_________
(1) شعبة العقيدة بين أبي الحسن والمنتسبين إليه، ص 39.
(2) سير أعلام النبلاء (11/ 174).
(3) شعبة العقيدة بين أبي الحسن والمنتسبين إليه، ص 42.
(4) الفتاوى (3/ 103) (5/ 556).
(5) شعبة العقيدة بين أبي الحسن الأشعري والمنتسبين إليه، ص 42.
(6) المصدر نفسه، ص 43.
(7) المصدر نفسه، ص 44.
(8) الفتاوى (13/ 131 - 154).
(9) موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول- على هامش منهاج السنة (2/ 4، 5).
(10) مجموع الفتاوى (12/ 368).
(11) شعبة العقيدة بين أبي الحسن الأشعري والمنتسبين إليه، ص 45.
(1/321)

بالرجوع التام إلى مذهب أهل السنة والجماعة، والتزام طريقتهم، واتباع منهجهم ومسلكهم, وكان هذا الذي أراد أن يلقى الله تعالى عليه، متبرئاً من المذاهب التي عاشها، وداعياً إلى طريقة السلف ومذهبهم، ومنتسباً إلى الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- وهذا الطور نظراً لأهميته في المجال الاعتقادي فقد أثبتناه له - بعد توفيق الله- بثلاثة وجوه: (1)
الوجه الأول: أقوال العلماء: لقد شهد كثير من العلماء والأئمة برجوع الأشعري الرجوع التام إلى مذهب السلف الصالح، وهؤلاء الأئمة ما قالوا هذه الشهادة إلا بعد أن سبروا حياته وعرفوا ما كان عليه وما استقر عليه, ومن هؤلاء العلماء (2):
* شيخ الإسلام ابن تيمية (3).
* تلميذه الحافظ ابن القيم (4).
* الحافظ ابن كثير، وقد قال رحمه الله: ذكروا للشيخ أبي الحسن الأشعري ثلاثة أحوال:
أولها: حال الاعتزال التي رجع عنها لا محالة.
الحال الثاني: إثبات الصفات العقلية السبع: وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام. وتأويل الخبرية، كالوجه واليدين والقدم والساق ونحو ذلك.
الحال الثالث: إثبات ذلك كله من غير تكييف ولا تشبيه جرياً على منوال السلف, وهي طريقته في الإبانة التي صنفها آخراً (5).
* الشيخ نعمان الآلوسي (6).
* الشيخ أبو المعالي محمود الآلوسي (7).
* العلامة محب الدين الخطيب. وقال رحمه الله في بيان أطوار الأشعري ورجوعه التام إلى مذهب السلف: أبو الحسن الأشعري علي بن إسماعيل من كبار أئمة الكلام في الإسلام، نشأ أول أمره على الاعتزال، وتتلمذ فيه على الجبائي. ثم أيقظ الله بصيرته وهو في منتصف عمره وبداية نضجه، فأعلن رجوعه عن ضلالة الاعتزال، ومضى في هذا الطور نشيطاً يؤلف ويناظر ويُلقي الدروس في الرد على المعتزلة، سالكاً طريقاً وسطاً بين طريقة الجدل والتأويل، وطريقة السلف، ثم محض طريقته وأخلصها لله بالرجوع الكامل إلى طريقة السلف في إثبات
_________
(1) شعبة العقيدة بين أبي الحسن الأشعري والمنتسبين إليه، ص 47.
(2) شعبة العقيدة بين أبي الحسن الأشعري والمنتسبين إليه، ص 47.
(3) الفتاوي (6/ 53).
(4) اجتماع الجيوش الإسلامية، ص 112.
(5) إتحاف السادة المتقين للمرتضى الزبيدي، ص 48.
(6) جلاء العينين، ص 213.
(7) غاية الأماني في الرد على النبهاني (2/ 408).
(1/322)

كل ما ثبت بالنص من أمور الغيب التي أوجب الله على عباده إخلاص الإيمان بها. وكتب بذلك كتبه الأخيرة ومنها في أيدي الناس كتاب «الإبانة» وقد نص مترجموه على أنه آخر كتبه، وهذا ما أراد أن يلقى الله عليه، وكل ما خالف ذلك مما ينُسب إليه، أو صارت تقول به الأشعرية، فإن الأشعري رجع عنه إلى ما في كتاب الإبانة وأمثاله (1).
الوجه الثاني: التقاؤه بالحافظ زكريا الساجي: بعد خروجه من الاعتزال والتخلص من طريقة ابن كلاب لجأ إلى الأئمة من أهل الحديث ممن عُرفوا بسلامة عقيدتهم وصفاء منهجهم ليأخذ منهم مقالة السلف وأصحاب الحديث, ومن أشهرهم الحافظ الثبت محدث البصرة زكريا الساجي (2)، يقول ابن تيمية عن الأشعري: وأخذ عن زكريا الساجي أصول الحديث بالبصرة، ثم لما قدم بغداد أخذ عن حنبلية بغداد أموراً أخرى، وذلك آخر أمره، كما ذكره هو وأصحابه في كتبهم (3)، وقال الذهبي عندما ترجم للحافظ الساجي: وعنه أخذ أبو الحسن الأشعري الأصولي تحرير مقالة أهل الحديث والسلف (4)، وقال في مكان آخر عن الساجي: أخذ عنه أبو الحسن الأشعري مقالة السلف في الصفات واعتمد عليها أبو الحسن في عدة تآليف (5)، ومن الذين أثبتوا للأشعري هذا اللقاء مع المحدث الحافظ زكريا الساجي، وجعلوه نقطة تحول كبيرة عند الأشعري (6)؛ الإمامان: ابن القيم (7) وابن كثير (8)، وغيرهما (9).
الوجه الثالث: تأليفه كتاب الإبانة وإثباته له. إن آخر الكتب التي ألفها الأشعري رحمه الله هو كتاب الإبانة, وقد ذكر في هذا الكتاب انتسابه للإمام أحمد رحمه الله، والتزامه بعقيدة السلف الصالح، واتباع أئمة الحديث، وذكر بعد هذا عقيدة السلف الصالح في أمور الدين، ولقد أثبت هذا الكتاب للأشعري جمع كثير من الأئمة، من المتقدمين والمتأخرين (10)، وأقرب العلماء زمناً بزمن الأشعري هو ابن النديم (ت 385هـ) فقد ذكر في كتابه «الفهرست» ترجمة للأشعري وذكر جملة من كتبه التي ألفها، ومنها كتاب «التبيين عن أصول الدين» وجاء بعده ابن عساكر وانتصر للأشعري، وأثبت له كتاب «الإبانة» ونقل منه كثيراً
_________
(1) انظر المنتقى للذهبي, تعليق محب الدين رقم 3، ص 41.
(2) شعبة العقيدة بين أبي الحسن الأشعري والمنتسبين إليه، ص 49.
(3) الفتاوى (3/ 288).
(4) تذكرة الحافظ الذهبي (2/ 709).
(5) سير أعلام النبلاء (14/ 198).
(6) شعبة العقيدة بين أبي الحسن الأشعري والمنتسبين إليه, ص50.
(7) اجتماع الجيوش الإسلامية، ص 97.
(8) البداية والنهاية (11/ 131).
(9) شعبة العقيدة بين أبي الحسن الأشعري والمنتسبين إليه، ص 50.
(10) كتب الشيخ حماد الأنصاري رسالة أثبت فيها رجوع الأشعري إلى مذهب السلف.
(1/323)

في كتابه التبيين «للإشادة بحسن عقيدة الأشعري» قال ابن عساكر عن الأشعري: وتصانيفه بين أهل العلم مشهورة معروفة، بالإجادة والإصابة للتحقيق عند المحققين موصوفة، ومن وقف على كتابه المسمى «الإبانة» , عرف موضوعه من العلم والديانة (1). ثم جاء ابن ورباس (ت 659هـ)، وألف كتاباً في الذب عن الأشعري وأثبت له كتاب الإبانة. وقال: أما بعد .. فاعلموا معشر الإخوان وفقنا الله وإياكم للدين القويم وهدانا جميعاً للصراط المستقيم بأن كتاب «الإبانة عن أصول الديانة» الذي ألفه الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، هو الذي استقر عليه أمره فيما كان يعتقده، وبما كان يدين الله سبحانه وتعالى بعد رجوعه عن الاعتزال لمنّ الله ولطفه، وكل مقالة تنسب إليه الآن مما يخالف ما فيه، فقد رجع عنها، وتبرأ إلى الله سبحانه منها، كيف وقد نصَّ فيه على أنه ديانته التي يدين لله سبحانه بها.
وروى وأثبت ديانة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث الماضين، وقول أحمد بن حنبل رضي الله عنهم أجمعين: وأنه ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله، فهل يسوغ أن يُقال: إنه رجع إلى غيره؟ فإلي ماذا يرجع تراه، يرجع عن كتاب الله وسنة نبي الله، خلاف ما كان عليه الصحابة والتابعون، وأئمة الحديث الماضون، وقد علم أنه مذهبهم ورواه عنهم. هذا لعمري ما لا يليق نسبته إلى عوام المسلمين كيف بأئمة الدين؟! وقد ذكر هذا الكتاب، واعتمد عليه وأثبته عن الإمام أبي الحسن رحمه الله وأثنى عليه بما ذكره فيه، وبرأه من كل بدعة نسبت إليه، ونقل منه إلى تصنيفه جماعة من الأئمة الأعلام من فقهاء الإسلام، وأئمة القراء وحفاظ الحديث وغيرهم (2) ثم ذكر -رحمه الله- جماعة من هؤلاء الأئمة الذين أثبتوا كتاب «الإبانة» للأشعري ومنهم:
- إمام القراء أبو علي الحسن بن علي بن إبراهيم الفاسي (ت 446هـ).
- الحافظ أبو عثمان الصابوني (ت 449هـ).
- الفقيه الحافظ أبو بكر البيهقي (ت 458هـ).
- الإمام الفقيه أبو الفتح نصرالمقدسي (ت 490هـ).
- الفقيه أبو المعالي مجلي صاحب كتاب الذخائر في الفقه (ت 550هـ) (3).
وهناك جمع كثير من العلماء ممن أثبت كتاب «الإبانة» للأشعري، غير الذين ذكرهم ابن درباس ومنهم.
_________
(1) تبيين كذب المفترى، ص 28.
(2) رسالة الذب عن أبي الحسن الأشعري لابن درباس، ص 107.
(3) شعبة العقيدة بين أبي الحسن الأشعري والمنتسبين إليه، ص 52.
(1/324)

- الإمام ابن تيمية رحمه الله (ت 728هـ).
- الحافظ الذهبي (ت 748هـ) وقال: وكتاب الإبانة من أشهر تصانيف أبي الحسن، شهره الحافظ ابن عساكر واعتمد عليه ونسخه بخطة الإمام محيى الدين النووي (1).
- الإمام ابن القيم (ت 571هـ).
- الحافظ ابن كثير (ت 774هـ).
- العلامة ابن فرحون المالكي (ت 799هـ) (2). وهناك جمع كثير لا يُحصى عددهم من العلماء والأئمة الذين أثبتوا كتاب الإبانة للأشعري وأنه آخر ما صنف (3).
وقد ذكر المؤرخون مجموعة من الأسباب في سبب رجوع أبي الحسن إلى مذهب أهل السنة وترك الاعتزال, وأهمها رحمة الله به وهدايته له.

ثالثاً: سّر عظمة الأشعري في التاريخ:
نهض أبو الحسن الأشعري بعد هذا التحول العظيم، يدعو إلى عقيدة أهل السنة، ويدافع عنها في حماسة وإيمان، ويرد على المعتزلة ويتتبعهم في مجالسهم ومراكزهم يحاول إقناعهم بما اقتنع به أخيراً من عقائد أهل السنة، ومذاهب السلف، وكان نشاطه في ذلك أعظم من نشاطه في السابق، وكان يقصدهم بنفسه يناظرهم، فكُلِّم في ذلك وقيل له: كيف تُخالط أهل البدع وتقصُدهم بنفسك وقد أمرت بهجرهم؟ فقال: هم أولو رياسة، منهم الوالي والقاضي، ولرياستهم لا ينزلون إليَّ، فإذا كانوا هم لا ينزلون إلي، ولا أسير أنا إليهم، فكيف يظهر الحق، ويعلمون أن لأهل السنة ناصراً بالحجة (4)؟ وهذه الجهود العظيمة والمثابرة الصابرة في مناصرة مذهب أهل السنة تستحق الثناء والتقدير.
وكان أبو الحسن الأشعري مستواه العقلي أعلى من مستوى معاصريه وأقرانه، وكان صاحب نبوغ وابتكار في العقليات, وكان يرد على حُجج المعتزلة وعقائدهم في سهولة وينقُضها بمقدرة وثقة، كما يرد الأستاذ الكبير على شبه تلاميذه، ويحل مشاكلهم، وقد كان أبو الحسن الأشعري إماماً مجتهداً في علم الكلام، وأحد مؤسسيه, وقد خضع كلُّ من جاء بعده من المتكلمين لعبقريته، وعمق كلامه، ودقة نظره وإصابة فكره (5).
_________
(1) مختصر العلو، ص 239.
(2) الديباج المذهب، ص 195.
(3) شعبة العقيدة بين أبي الحسن الأشعري والمنتسبين إليه، ص 53.
(4) تبيين كذب المفترى، ص 116.
(5) رجال الفكر والدعوة في الإسلام (1/ 143، 144).
(1/325)

1 - أبو الحسن الأشعري يشرح عقيدته التي يدين بها: فيقول: وقولنا الذي نقول به، وديانتنا التي نَدين بها، التمسك بكتاب ربنا عز وجل، وبسنة نبينا عليه السلام، وما رُوي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل - نضر الله وجهه، ورفع درجته، وأجزل مثوبته - قائلون، ولما خالف قوله مخالفون؛ لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق، ورفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشَكَّ الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مُقَدَّم، وخليل معظم مضخم. ولم تقتصر خدمة الأشعري على تأييد عقائد أهل السنة والسلف تأييداً إجمالياً، فقد كان الحنابلة والمحدثون قائمين به غير مقصَّرين فيه، إن عبقريته تتجلى في أنه أقام البراهين والدلائل العقلية والكلامية على هذه العقائد، وناقش المعتزلة والمتفلسفة عقيدة عقيدة، وذلك كله في لغة يفهمونها، وأسلوب يألفونه ويُجلونه, وبذلك أثبت أن هذا الدين وعقيدته الواضحة مؤيَّدان بالعقل، وأن العقل الصحيح يؤيد الدين الصريح، ولا صراع بينهما (1) ولا تناقض.
2 - مصدر العقيدة عن أبي الحسن الأشعري: كان الأشعري مؤمناً بأن مصدر العقيدة والمسائل التي تتصل بالإلهيات وما وراء الطبيعية هو الكتاب والسنة وما جاء به الأنبياء, وليس العقل المجرد والمقياس والميتافيزيقا اليونانية، ولكنه لم يكن يرى السكوت والإعراض عن المباحث التي حدثت بتطورات الزمان، واختلاط هذه الأمة بالأمم والديانات والفلسفات الأجنبية، حتى تكونت على أساسها فرق ونحل، وكان يرى أن السكوت عن هذه المباحث يضر بالإسلام، ويُفقد مهابة السنة ويحمل على ذلك ضعف السنة العلمي والعقلي، وعجز علماء الدين وممثليه عن مواجهة هذه التيارات ومقاومة هذه الهجمات، ويهَتبلهُ أهل الفرق الضالة، فينفذون في أهل السنة والعقيدة الصحيحة، فينفُثون سمومَهم فيهم، ويزرعون الشكوك، ويستميلون شبابهم الذكي المثقف إلى أنفسهم، وكان الأشعري مؤمناً بأن مصدر العقيدة هو الوحي والنبوة المحمدية، والطريق إلى معرفته هو الكتاب والسنة وما ثبت عن الصحابة رضي الله عنهم، وهذا مُفترق الطريق بينه وبين المعتزلة، فإنه يتجه في ذلك اتجاهاً معارضاً لاتجاه المعتزلة، ولكنه رغم ذلك يعتقد مخلصاً أن الدفاع عن هذه العقيدة السليمة، وغَرسها في قلب الجيل الإسلامي الجديد، يحتاج إلى الحديث بلغة العصر العلمية السائدة، واستعمال المصطلحات العلمية، ومناقشة المعارضين بأسلوبهم العقلي، ولم يكن يسوغ ذلك، بل يَعدُّه أفضل الجهاد وأعظم القربات في ذلك العصر، وهذا مفترق الطرق بينه
_________
(1) رجال الفكر والدعوة في الإسلام، ص 5.
(1/326)

وبين - بعض - من الحنابلة والمحدثين الذين كانوا يتأثمون ويتحرجون من النزول إلى هذا المستوى (1).
3 - العلاقة بين العقليات والحِسَّيات والعقيدة والديانات: كان يعتقد أن المباحث التي تتصل بالعقليات والِحسيات لا صلة لها في الحقيقة بالعقيدة والديانات، ولكنَّ المعتزلة والفلاسفة مزجوا البحث فيها بالبحث في العقيدة، بل جعلوها بذلاقة لسانهم وذكائهم مقدمات للبحث في الدين، بل فارقاً بين الحق والباطل، وكان الأشعري يعتقد أن الفرار من البحث فيها، بحجة أنها لا تتصل بالدين والعقيدة لا يصح، بل بالعكس من ذلك، يجب على من قام لنُصرة السنة أن يواجههم فيها ويثبت مذهب أهل الحق، وكان يعتقد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لم يسكتوا عن هذه المسائل جهلاً، بل لأن هذه المسائل ما نشأت في عصرهم، ولم تمسَّ الحاجة إلى البحث فيها شأن الفقه والجزئيات الكثيرة التي حدثت بعد عصرهم فتأمل فيها الفقهاء والمجتهدون، وأبدوا رأيهم فيها، واستنبطوا وفرَّعوا وحلوا المشكلات الجديدة، وبذلك عصموا الأمة والجيل الجديد عن الإلحاد والفوضى في العمل والتعطل، كذلك يجب على حراس الشريعة، ومتكلمي أهل السنة، أن يُواجهوا الأسئلة الجديدة التي أثارها المعتزلة والمتفلسفة في موضوع الإلهيات، ويُجيبوا عن الاعتراضات والمطاعن التي يوجهونها إلى أهل السنة ومُطابقتها للعقل والمنطق، وقد ألف في هذا الموضوع رسالة أسماها: استحسان الخوض في الكلام، وقد سار الأشعري في طريقه مجاهداً، ومناضلاً، منتجاً، معرضاً عن سخط - المعارضين - لا يعبأ بما يقال فيه مؤمناً بأنه هو الذي ينفع الدين في عصره ويرد إلى الشريعة الإسلامية مهابتها وكرامتها ويحرس للناشئة دينها وعقيدتها، حتى استطاع بعمله المتواصل، وشخصيته القوية وعقله الكبير، وإخلاصه النادر، أن يردَّ سيل الاعتزال والتفلسف الجارف الذي كان يتهدد الدين، ويثبت كثيراً من الذين تزلزلت أقدامهم، واضطربت عقولهم وعقيدتهم، وأن يوجد في أهل السنة ثقة جديدة بعقيدتهم، ونشاطاً جديداً في دعوتهم, وزالت سطوة المعتزلة على العقول والأفكار،
واشتغلوا بالدفاع عن الهجوم, وتعرضت حركة الاعتزال ودعوتها للخطر، وقد خمدوا وانطفأوا بمعارضة إمام كبير، كأبي الحسن الأشعري (2).
4 - اجتماع أهل السنة على المعتزلة وأهل البدع: دخل أهل السنة والجماعة في صراع جدلي عنيف في القرنين الثاني والثالث مع المخالفين الذين شذوا عن منهج الحق, وقد اشتهر أهل السنة آنذاك بالانتساب إلى الحديث النبوي، فكانوا يسمّون «أهل الحديث» , ولما
_________
(1) رجال الفكر والدعوة (1/ 148).
(2) رجال الفكر والدعوة (1/ 149).
(1/327)

برز الإمام أحمد بن حنبل في الدفاع عن السنة نُسب أهل السنة إليه فكانوا يسمَّون «الحنابلة» , وقد ظلت المعارك الجدلية قائمة بين علماء السنة ومخالفيهم من المعتزلة والجهمية وتقوى علماء السنة بانضمام أبي الحسن الأشعري ,إليهم وكان دفاعه عن الكتاب والسنة وردُّه القوي على المعتزلة والجهمية سببًا في مكانته المرموقة عند أهل الحديث وقد سُمي أتباع أبي الحسن الأشعري بالأشاعرة وظل الوئام بين أهل الحديث وبين الأشاعرة، وأصبحوا جميعاً ضد المعتزلة ونحوهم (1) وفي ذلك يقول الإمام ابن تيمية: والأشعرية فيما يثبتونه من السنة فرع على الحنبلية، كما أن متكلمة الحنبلية فيما يحتجون من القياس العقلي فرع عليهم، وإنما وقعت الفرقة بسبب فتنة القشيري (2)، وكان من أكبر المنظرين لطريقة أبي الحسن الأشعري فيمن بعده أبو بكر الباقلاني، الإمام العلامة، أوحد المتكلمين، مقدم الأصوليين، القاضي أبو بكر، محمد بن الطيب الباقلاني، صاحب التصانيف, وكان يضرب المثل بفهمه وذكائه (3)،
وكان ثقة إماماً بارعاً، صنّف في الرَّد على الرافضة والمعتزلة والخوارج والجهمية والكرَّامية وانتصر لطريقة أبي الحسن الأشعري، وقد يخالفه في مضائق فإنه من نظرائه، وقد أخذ علم النظر عن أصحابه (4)، وقد ذكره القاضي عياض في طبقات المالكية، فقال: هو الملقب بسيف السنة، ولسان الأمة، المتكلم على لسان أهل الحديث، وطريق أبي الحسن، وإليه انتهت رئاسة المالكية في وقته، وكان له بجامع البصرة حلقة عظيمة (5)، وقد سار القاضي رسولاً عن أمير المؤمنين إلى طاغية الروم، وجرت له أمور، منها أن الملك أدخله عليه من باب خوخة ليدخل راكعاً للملك ففطِن لها القاضي ودخل بظهره (6)، ومنها أنه قال لراهبهم: كيف الأهل والأولاد؟ فقال الملك: مه, أما علمت أنّ الراهب يتنزه عن هذا؟ فقال: تُنزَّهونه عن هذا، ولا تُنزَّهون ربَّ العالمين عن الصاحبة والولد؟! (7)، وقيل: إنّ الطاغية سأله: كيف جرى لزوجة نبيكم - يقصد توبيخاً - فقال: كما جرى لمريم بنت عمران، وبرأهما الله، لكنَّ عائشة لم تأت بولد، فأفحمه (8)، وكان الحافظ الدارقطني يحترمه ويقدره، فعن أبي ذر الهروي قال: إني كنت ماشياً ببغداد مع الحافظ الدارقطني، فلقينا أبا بكر بن الطيب فالتزمه الشيخ أبو الحسن وقبَّل وجهه وعينيه، فلما فارقناه، قلت له: من هذا الذي صنعت به ما لم اعتقد أنَّك تصنعه وأنت إمام وقتك؟ فقال: هذا إمام المسلمين، والذَّاب عن الَدَّين, هذا القاضي أبو بكر محمد بن الطيب (9).
قال الذهبي: هو الذي كان ببغداد يناظر عن السنة
_________
(1) الرسائل الشمولية, د. عبد العزيز الحميدي، ص 64.
(2) مجموع الفتاوى (6/ 53) , والقشيري هو أبو نصر عبد الرحيم.
(3) سير أعلام النبلاء (17/ 190).
(4) سير أعلام النبلاء (17/ 190).
(5) المصدر نفسه (17/ 191).
(6) المصدر نفسه (17/ 191).
(7) المصدر نفسه (17/ 192).
(8) المصدر نفسه (17/ 192).
(9) المصدر نفسه (17/ 558).
(1/328)

وطريقة الحديث بالجدل والبرهان وبالحضرة رءوس المعتزلة والرافضة والقدريَّة وألوان البدع، ولهم دولة وظهور بالدولة البويهية، وكان يردُّ على الكرّامية، وينصر الحنابلة عليهم، وبينه وبين أهل الحديث عامِرٌ، وإن كانوا قد يختلفون في مسائل دقيقة فلهذا عامله الدارقطني بالاحترام، وقد ألف كتاباً سمَّاه الإبانة، يقول فيه: فإن قيل: فما الدليل على أن لله وجهاً ويداً؟ قال: قوله {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} [الرحمن: 27] وقوله: {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] فأثبت تعالى لنفسه وجهاً ويداً. إلى أن قال: فإن قيل: فهل تقولون: إنَّه في كل مكان؟ قيل: معاذ الله، بل هو مستوٍ على عرشه كما أخبر في كتابه. إلى أن قال: وصفات ذاته التي لم يزل ولا يزال موصوفاً بها: الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والوجه واليدان والعينان والغضب والرضا. فهذا نصّ كلامه (1). وقال نحوه في كتاب «التمهيد» له, وفي كتاب «الذَّبَّ عن الأشعريَّ». وقال: قد بَيَّنَّا دين الأمة وأهل السنة أن هذه الصفات تمر كما جاءت بغير تكييف ولا تحديد ولا تجنيس ولا تصوير (2). قال الذهبي: فهذا المنهج هو طريقة السلف، وهو الذي أوضحه أبو الحسن وأصحابه، وهو التسليم لنصوص الكتاب والسُّنَّة، وبه قال ابن الباقلاني وابن فورك، والكبار إلى زمن أبي المعالي، ثم زمن الشيخ أبي حامد - يقصد الغزالي - فوقع اختلاف وألوان نسأل الله العفو (3).
ومن الدروس المستفادة معاملة الدارقطبي للباقلاني، وأهمية وجود الأذكياء المناظرين لمنهج أهل السنة المستوعبين لشبهات وحجج المخالفين والذين يملكون القدرات الكافية عقلاً وفصاحة وتأليفاً وعلماً والنية الصادقة للدفاع عن دين الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - , ولا يخلو عصر من أهل الضلال, ولابد من وجود أهل الحق المدافعين عن عقيدة الأمة, ولا بد من إعطاء من يقوم بهذا الدور قدره من الاحترام والتقدير والمحبة والنصرة لكونهم على ثغر كبير يحتاج من يسده. وقد مات الإمام أبو بكر الباقلاني عام 403هـ وصلى عليه ابنه حسن وكانت جنازته مشهودة وكان سيفاً على المعتزلة والرافضة والمشبهة وغالب قواعده على السنة، وقد أمر شيخ الحنابلة أبو الفضل التميميُّ منادياً يقول بين يدي جنازته: هذا ناصر السنة والدين والذابّ عن الشريعة (4).
5 - اتجاهات أهل السنة في بداية القرن الرابع: بعد ظهور أبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي في بداية القرن الرابع صار أهل السنة على اتجاهين, الأول: التمسك بظاهر النصوص الشرعية وذلك في إثبات معاني الصفات مع تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقين، وقد سُمي هؤلاء أهل الحديث ثم غلبت عليهم التسمية بالحنابلة.
_________
(1) سير أعلام النبلاء (17/ 559).
(2) سير أعلام النبلاء (17/ 559).
(3) سير أعلام النبلاء (17/ 559).
(4) المصدر نفسه (17/ 193).
(1/329)

والثاني: التمسك بظاهر النصوص في بعض الصفات مع تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقين وتأويل بعضها الآخر لأنه في نظرهم يوهم التشبيه، وقد اشتهر بهذا المذهب الأشاعرة والماتريدية, وكان هؤلاء مقبولين عند أهل الحديث من بداية القرن الرابع إلى ما بعد منتصف القرن الخامس، لدفاعهم عن السنة ووقوفهم القوي ضد الجهمية والمعتزلة, ولم يتجاوز الخلاف بينهم حدود الحوار العلمي مع التورع عن الاتهام في العقيدة والحكم بالضلال أو البدعة، وإنما كانوا يعتمدون على مبدأ الحكم بالخطأ على المخالف إذا كان من أهل الاجتهاد، إلى أن ظهر ابن القشيري وكان متعصباً لمذهبه إلى حد الغلو والتشدد، فحول الخلاف الدائر بين طائفتين من أهل السنة إلى شقاق ونزاع (1)، ولخص ابن رجب هذه الفتنة بعد أن ذكر ما قام به الحنابلة من إنكار المنكرات عام أربعة وستين وأربعمائة: ومضمون ذلك أن أبا نصر القشيري ورد بغداد سنة تسع وستين وأربعمائة، وجلس في النظامية، وأخذ يذم الحنابلة وينسبهم إلى التجسيم، وكان المتعصب له أبو سعد الصوفي، ومال إلى نصره أبو إسحاق الشيرازي، وكتب إلى نظام الملك الوزير يشكو الحنابلة ويسأله المعونة، فاتفق جماعة من أتباعه على الهجوم على الشريف أبي جعفر في مسجده، والإيقاع به, فرتب الشريف جماعة أعدهم لرد الخصومة إن وقعت، فلما وصل أولئك إلى باب المسجد رماهم هؤلاء بالآجر، فوقعت الفتنة، وقتل من أولئك رجل من العامة وجرح آخرون وأخذت ثياب، وأغلق أتباع ابن القشيري أبواب سوق مدرسة النظام وصاحوا: المستنصر بالله يا منصور - يعنون العبيدي الفاطمي صاحب مصر - وقصدوا بذلك التشنيع على الخليفة العباسي وأنه ممالئ للحنابلة، ولاسيما والشريف أبو جعفر ابن عمه (2) ... إلخ وللأسف أن يصل بهؤلاء الخلاف إلى حد إظهار الاستعانة بالباطني على الخليفة الشرعي.
ومن ذلك الوقت كان الصراع العنيف يظهر على فترات من التاريخ وأصبح الحكم على المخالفين يتسم بالاتهام بالضلال والبدعة وبالكفر أحياناً, وفي العصر الحديث بلغ الصراع العقدي أشده بين بعض علماء الطرفين وتبادل بعضهم الاتهامات بالضلال والبدعة، خصوصاً من طلاب العلم، والمنهج الحق أن تتسع صدور الفريقين للنقد الهادف وأن تكون هناك حوارات علمية تقوم على اعتبار قواعد الأخوة الإسلامية والأدب العلمي، مع استبعاد قضية البراءة من المخالفين ووصفهم بالابتداع والضلال فضلاً عن الفسق والكفر (3).
6 - ميادين الصراع الفكري في العصر الحديث: إن هذا الصراع الفكري بين علماء
_________
(1) الرسائل الشمولية، ص 67.
(2) ذيل طبقة الحنابلة (1/ 19 - 21) , الرسائل الشمولية، ص 65.
(3) الرسائل الشمولية، ص 67.
(1/330)

المسلمين قد شغلهم عن ميادين المعركة الحقيقية مع المخالفين من الأعداء أو المنتسبين للإسلام, وإن من أهم علامات نجاح الداعية أن يدرس واقع الجاهلية المعاصرة له بتمعن وتعمق مع فهم واقع المسلمين الفكري والسلوكي, ثم يركز دعوته على محاربة المخالفات السائدة في عصره، فهذا يجاهد في ميدانه الحقيقي الحيوي (1).
هذا, ومن أبرز الأمثلة على النجاح في هذا المجال دعوة شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- فإنه قد نجح نجاحاً باهراً، حيث قام بتشخيص المخالفات المعاصرة له، فقام بالرد على المخالفين بعلم راسخ وهدوء وروية أحياناً، وبشدة أحياناً أخرى حينما يقتضي المقام ذلك، فاستطاع أن يشد طلاب العلم إلى الكتاب والسنة, وأن يقلص من الآثار الفكرية البعيدة عن هذا المنهج، ولكن ليس من الحكمة ولا من الدعوة أن نعيد المعارك العلمية التي خاضها ابن تيمية في هذا العصر، لأن لكل عصر مخالفات متميزة وصوراً للجاهلية تختص به، كذلك فإن من أبرز أمثلة هذا النجاح دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فإنه قد نجح في دعوته نجاحاً كبيراً، فهو قد قرأ كتب ابن تيمية واستفاد منها، ولكنه لم يسر على منهاجه، وإنما قام بتشخيص المخالفات المعاصرة له، ثم قام بتركيز دعوته على تصحيح المفاهيم الإسلامية حول تلك المظاهر، فنجده مثلاً في كتابه المتميز الذي يعتبر أهم كتبه وهو كتاب «التوحيد الذي هو حق الله على العبيد» يركز في جُلَّ أبوابه على تصحيح المفاهيم حول توحيد الألوهية، وذلك بعد دراسة المخالفات في عصره وعلاجها في ضوء الكتاب والسنة، بينما لم يعقد للحكم بما أنزل الله إلا باباً واحداً، وذلك لأن المحيط الذي يعيش فيه لا يحتاج إلى ذلك، حيث إن الأحكام تقوم على المحاكم الشرعية، كما أننا نجده لم يعقد للأسماء والصفات إلا باباً واحداً، لأن المخالفات السائدة في محيطه ليست في هذا المجال، فكان ذلك من أسباب نجاحه في تصحيح المفاهيم السائدة في مجتمعه وإقامة دولة إسلامية كبيرة (2)، ولو أنه طبق منهج ابن تيمية بالكامل فشغل نفسه بالردود على المخالفين من أصحاب المناهج العقلية والباطنية وغلاة الصوفية ونحوهم لوافاه الأجل ولم يصنع شيئاً سوى إضافة كتب حول هذه الموضوعات إلى المكتبة الإسلامية (3)،
وقد تغيرت الأوضاع في عصرنا الحاضر، فظهرت صور للجاهلية لم توجد من قبل كالمذاهب الفكرية المنبثقة من الشيوعية والحضارة الغربية وتضخم وجود بعض الصور التي كانت ضئيلة في الماضي كالحكم بغير ما أنزل الله تعالى, وتوجيه السياسة على غير منهج الإسلام, وحصر مفاهيم الإسلام في نطاق ضيق، وتضاءلت في بعض البلاد صور انحرافات كانت كبيرة في العصور الماضية، كعبادة الأموات والأشجار والأحجار، فليس المطلوب من
_________
(1) الرسائل الشمولية، ص 68.
(2) الرسائل الشمولية، ص 69.
(3) الرسائل الشمولية، ص 69.
(1/331)

الدعاة أن يركزوا على دراسة صور من الجاهليات القديمة، ولا أن يعيدوا دراسة المباحث الكلامية في مجالات النقد والردود على المخالفين بالمنهج نفسه الذي سار عليه المصلحون السابقون، وإنما لكل عصر دولة ورجال، والبراعة كل البراعة في دراسة الأوضاع المعاصرة دراسة دقيقة عميقة، ثم تسليط الأضواء عليها من خلال الكتاب والسنة، مع الاستفادة من اجتهادات أعلام الدعوة السابقين في دراستهم أوضاع مجتمعاتهم والقيام بالدعوة في تصحيح المفاهيم الخاطئة وتوجيه الأمة على هدى الإسلام الحنيف (1).
7 - بعض مؤلفات أبي الحسن الأشعري: لم يقتصر أبو الحسن الأشعري على المناظرة والمعارضة، بل خلَّف مكتبة كثيرة من مؤلفاته في الدفاع عن السنة، وشرح العقيدة الحسنة, وقد ألَّف تفسيراً للقرآن، أقل ما قيل في أجزائه إنه في ثلاثين مجلداً, وقد ذكر بعض المؤلفين أن مؤلفاته تبلغ ثلاثمائة مؤلف (2)، أكثرها في الرد على المعتزلة، وبعضها في الرد على مذاهب وفرق أخرى, ومنها كتاب «الفصول» الذي رد فيه على الفلاسفة والطبيعيين، والدهرية، والبراهمة، واليهود، والنصاري، والمجوس، وهو كتاب كبير يحتوي على اثني عشر كتاباً، وقد ذكر ابن خلكان من مؤلفاته كتاب «اللمع» و «إيضاح البرهان» «والتبيين عن أصول الدين» و «الشرح والتفصيل في الرد على أهل الإفك والتضليل». وله - عدا العلوم العقلية والكلام - مؤلفات في علوم الشريعة منها: «كتاب القياس» , و «كتاب الاجتهاد» , و «خبر الواحد» وكتاب في الرد على ابن الراونديَّ في إنكاره للتواتر، وقد ذكر في كتابه «العمد» مؤلفاته التي فرغ منها سنة 320هـ, يعنى قبل وفاته بأربع سنوات، وهي ثمانية وستون مؤلفاً، وكثير منها يقع في عشرة مجلدات أو أكثر، وقد ألَّف في آخر حياته كتباً كثيرة, ويدل كتابه «مقالات الإسلاميين» على أنه لم يكن متكلماً، فحسب، بل كان مؤرّخاً أميناً لعلم العقائد، وقد اعترف بدقته وأمانته وتحرَّيه للصدق في النقل المستشرقون (3)، وكتب الفرق والديانات تدلُّ على أمانته ودقته في النقل (4).
8 - اجتهاده في العبادة: لم يكن أبو الحسن الأشعري رجل علم وعقل وبحث ونظر فحسب، بل كان - مع وصوله إلى درجة الإمامة والاجتهاد في العلم والعقل - مجتهداً في العبادات متحلياً بالأخلاق الفاضلة، وذلك ما يمتاز به العلماء الأقدمون؛ فإن اشتغالهم بالعلم لم يكن مانعاً عن الاجتهاد في العبادات والحرص على الطاعات, وكانوا يجمعون بين الدراسة والإفادة والعبادة والزهادة. قال أحمد بن علي الفقيه: خدمت الإمام أبا الحسن
_________
(1) الرسائل الشمولية، ص 70.
(2) تبيين كذب المفتري، ص 136.
(3) رجال الفكر والدعوة (1/ 150).
(4) رجال الفكر والدعوة (1/ 150).
(1/332)

بالبصرة سنين، وعاشرته ببغداد إلى أن توفي -رحمه الله- فلم أجد أورعَ منه، وأغضَّ طرفاً، ولم أر شيخاً أكثر حياءً منه في أمور الدنيا، ولا أنشط منه في أمور الآخرة (1) ويحكي أبو الحسين السَّروي من عبادته في الليل واشتغاله، ما يدل على حرصه وقوته في العبادة (2)، قال ابن خلكان: وكان يأكل من غَلةِ ضيعة وقفها بلال بن أبي بردة بن أبي موسى على عَقبِه، وكانت نفقته في كل يوم سبعة عشر درهماً، هكذا قاله الخطيب (3).

رابعاً: عقيدة أبي الحسن الأشعري التي مات عليها:
قال أبو الحسن الأشعري: هذه حكاية جملة ما عليه أهل الحديث والسنة:
1 - الإقرار بالله وملائكته ورسله وأن محمداً عبده ورسوله.
2 - وأن الجنة حق وأن النار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور.
3 - وأن الله سبحانه وتعالى على عرشه كما قال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5].
4 - وأن له يدين بلا كيف كما قال: {خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [طه: 75].
5 - وأن له عينين بلا كيف كما قال: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} [القمر: 14].
6 - وأن له وجهاً كما قال: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن: 27].
7 - وأن أسماء الله لا يقال إنها غير الله كما قالت المعتزلة والخوارج.
8 - وأقروا أن لله سبحانه علماً كما قال: {أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ} [النساء: 166] وقال:
{وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ} [فاطر: 11].
9 - وأثبتوا السمع والبصر ولم ينفوا ذلك عن الله كما نفته المعتزلة.
10 - وأثبتوا لله القوة كما قال: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً}
[فصلت: 15].
11 - وقالوا: إنه لا يكون في الأرض من خير ولا شر إلا ما شاء الله.
12 - وأن الأشياء تكون بمشيئة الله، كما قال عز وجل: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللهُ} [التكوير: 29]. وكما قال المسلمون: ما شاء الله كان وما لا يشاء لا يكون.
13 - وقالوا: إن أحداً لا يستطيع أن يفعل شيئاً قبل أن يفعله أو يفعل شيئاً علم الله أنه لا يفعله.
_________
(1) تبيين كذب المفتري، ص 141.
(2) رجال الفكر والدعوة (1/ 151).
(3) وفيات الأعيان (1/ 412).
(1/333)

14 - وأقروا أنه لا خالق إلا الله, وأن سيئات العباد يخلقها الله, وأن أعمال العباد يخلقها الله عز وجل, وأن العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئاً.
15 - ويقولون إن القرآن كلام الله غير مخلوق.
16 - والكلام في الوقف واللفظ, ومن قال باللفظ أو الوقف فهو مبتدع عندهم لا يقال اللفظ بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق.
17 - ويقولون إن الله سبحانه يُرى بالأبصار يوم القيامة كما يُرى القمر ليلة البدر, يراه المؤمنون ولا يراه الكافرون لأنهم عن الله محجوبون، قال الله عز وجل: {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15] وأن موسى عليه السلام سأل الله سبحانه الرؤية في الدنيا وأن الله سبحانه تجلى للجبل فجعله دكا فأعلمه أنه لا يراه في الدنيا بل يراه في الآخرة.
18 - ولا يكفِّرون أحداً من أهل القبلة بذنب يرتكبه كنحو الزنا والسرقة وما أشبه ذلك من الكبائر ومعهم بما هم من الإيمان مؤمنون وإن ارتكبوا الكبائر.
19 - والإيمان عندهم هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالقدر خيره وشره حلوه ومره, وأن ما أخطأهم لم يكن ليصيبهم وما أصابهم لم يكن ليخطئهم.
20 - والإسلام هو أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله على ما جاء في الحديث، والإسلام عندهم غير الإيمان.
21 - ويقرون بأن الله سبحانه مقلب القلوب.
22 - ويقرون بشفاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنها لأهل الكبائر من أمته، وبعذاب القبر، وأن الحوض حق والصراط حق، والبعث بعد ألموت حق.
23 - والمحاسبة من الله عز وجل للعباد حق والوقوف بين يدي الله حق.
24 - ويقرون بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص, ولا يقولون مخلوق ولا غير مخلوق.
25 - ويقولون: أسماء الله هي الله.
26 - ولا يشهدون على أحد من أهل الكبائر بالنار ولايحكمون بالجنة لأحد من الموحدين، حتى يكون الله سبحانه ينزلهم حيث شاء, ويقولون: أمرهم إلى الله إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم، ويؤمنون بأن الله سبحانه يخرج قوماً من الموحدين من النار على ما جاءت به الروايات عن رسول الله.
27 - وينكرون الجدال والمراء في الدين, والخصومة في القدر, والمناظرة فيما يتناظر فيه
(1/334)

أهل الجدل ويتنازعون فيه من دينهم بالتسليم للروايات الصحيحة, والآثار التي رواها الثقات عدلاً عن عدل حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
28 - ويقولون: إن الله لم يأمر بالشر بل نهى عنه وأمر بالخير ولم يرض بالشر وإن كان مريداً له.
29 - ويعرفون حق الذين اختارهم الله سبحانه لصحبة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ويأخذون بفضائلهم ويمسكون عما شجر بينهم صغيرهم وكبيرهم.
30 - ويقدمون أبا بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علياً رضوان الله عليهم.
31 - ويقرون أنهم الخلفاء الراشدون المهديون أفضل الناس كلهم بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -.
32 - ويصدقون بالأحاديث التي جاءت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله سبحانه ينزل إلى السماء الدنيا فيقول هل من مستغفر؟» كما جاء الحديث عن رسول الله.
33 - ويأخذون بالكتاب والسنة كما قال الله عز وجل: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ}.
34 - ويرون اتباع من سلف من أئمة الدين لا يبتدعون في دينهم ما لم يأذن به الله.
35 - ويقرون أن الله سبحانه يجيء يوم القيامة, كما قال: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 22].
36 - وأن الله يقرب من خلقه كيف شاء, كما قال: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16].
37 - ويرون العيد والجماعة خلف كل إمام بر وفاجر.
38 - ويثبتون المسح على الخفين سُنة ويرونه في الحضر والسفر.
39 - ويثبتون فرض الجهاد للمشركين منذ بعث الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - إلى آخر عصابة تقاتل الدجال وبعد ذلك.
40 - ويرون الدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح وألا يخرجوا عليهم بالسيف وألا يقاتلوا في الفتنة.
41 - ويصدقون بخروج الدجال وأن عيسى بن مريم يقتله.
42 - ويؤمنون بمنكر ونكير والمعراج والرؤيا في المنام.
(1/335)

43 - وأن الدعاء لموتى المسلمين والصدقة عنهم بعد موتهم تصل إليهم.
44 - ويصدقون بأن في الدنيا سحرة وأن الساحر كافر كما قال الله، وأن السحر كائن موجود في الدنيا.
45 - ويرون الصلاة على كل من مات من أهل القبلة, برهم وفاجرهم, وموارثتهم.
46 - ويقرون أن الجنة والنار مخلوقتان.
47 - وأن من مات مات بأجله وكذلك من قتل قتل بأجله.
48 - وأن الأرزاق من قبل الله سبحانه يرزقها عباده حلالاً كانت أم حراماً.
49 - وأن الشيطان يوسوس للإنسان ويشككه ويخبطه.
50 - وأن الصالحين قد يجوز أن يخصهم الله بآيات تظهر عليهم.
51 - وأن السنة لا تنسخ القرآن (1).
52 - وأن الأطفال أمرهم إلى الله إن شاء عذبهم وإن شاء فعل بهم ما أراد.
53 - وأن الله عالم ما العباد عاملون وكتب أن ذلك يكون وأن الأمور بيد الله.
54 - ويرون الصبر على حكم الله والأخذ بما أمر الله به والانتهاء عما نهى عنه, وإخلاص العمل والنصيحة للمسلمين، ويدينون بعبادة الله في العابدين والنصيحة لجماعة المسلمين، واجتناب الكبائر والزنا وقول الزور والعصبية والفخر والكبر والإزراء على الناس والعجب.
55 - ويرون مجانبة كل داع إلى بدعة.
56 - ويرون التشاغل بقراءة القرآن وكتابة الآثار والنظر في الفقه مع التواضع وحسن الخلق وبذل المعروف وكف الأذى وترك الغيبة والنميمة والسعاية وتفقد المأكل والمشرب.
فهذه جملة ما يأمرون به ويستعملونه ويرونه. وبكل ما ذكر من قولهم نقول وإليه نذهب وما توفيقنا إلا بالله وهو حسبنا ونعم الوكيل وبه نستعين وعليه نتوكل وإليه المصير (2). هذه عقيدة الإمام الأشعري التي استقر عليها وصرح بها، وهي من الآثار التي تركها بعد وفاته, وقد أسهمت بلا شك في توعية الأمة وتربيتها على أصول أهل السنة والجماعة سواء في
_________
(1) مسألة فيها خلاف يطول عند أهل السنة.
(2) اعتقاد أهل السنة أصحاب الحديث, شرح جملة ما حكاه عنهم أبو الحسن الأشعري وقرّره في مقالاته د. محمد عبد الرحمن الخميس، ص 11 إلى 171 وقد قام الدكتور بشرح هذه الأصول.
(1/336)

المدارس النظامية في عهد السلاجقة أوفى عهد الزنكيين والأيوبيين والمماليك والعثمانيين وإلى يومنا هذا, ومن الإنصاف العلمي القول بأن المذهب الأشعري لم يستقر على ما مات عليه الإمام أبو الحسن الأشعري, بل حدث تطور في المذهب الأشعري بحيث إن أقوال الأشاعرة تعددت واختلفت في مسائل عديدة, ومن أشهر الذين اجتهدوا وخالفوا أبا الحسن الأشعري، في بعض المسائل، أبو بكر الباقلاني وابن فورك وعبد القاهر البغدادي، والبيهقي والقشيري، والجويني والغزالي وغيرهم على درجات متفاوتة بينهم في ذلك, وقد قام الدكتور عبد الرحمن بن صالح بن صالح المحمود بتتبع هذا التطور بنوع من التفصيل في كتابه القيم «موقف ابن تيمية من الأشاعرة».
- وفاته: وكانت وفاته سنة 324هـ ودفن ببغداد في مشرعة الروايا (1)، ونودي على جنازته: اليوم مات ناصر السنة (2).

خامساً: جهود الأشاعرة في الدفاع عن الكتاب والسنة:
كانت للأشاعرة جهود مشكورة في الدفاع عن كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وقد أشار إلى هذه الجهود ابن تيمية في كتبه حيث:
1 - وصفهم بأنهم من أهل السنة في مقابل المعتزلة والرافضة: يقول ابن تيمية: وإن كان في كلامهم من الأدلة الصحيحة وموافقة السنة ما لا يوجد في كلام عامة الطوائف، فإنهم أقرب طوائف أهل الكلام إلى السنة والجماعة والحديث، وهم يعدون من أهل السنة والجماعة عند النظر إلى مثل المعتزلة والرافضة وغيرهم، بل هم أهل السنة والجماعة في البلاد التي يكون أهل البدع فيها هم المعتزلة والرافضة ونحوهم (3)، ويلاحظ وصفه لهم بأنهم هم أهل السنة في البلاد التي يغلب فيها أهل البدعة من الرافضة والمعتزلة, وهذا منتهى الإنصاف والاعتراف (4). وذكر عنهم ابن تيمية بأنهم من المتكلمين المنتسبين إلى السنة (5). ويصنفهم مع بقية أهل السنة (6).
2 - ردودهم على الباطنية والملاحدة وغيرهم: فالباطنية لما استفحل أمرهم كان لهم علماء أهل السنة بالمرصاد, ومن أبرز علماء السنة الذين فضحوهم علماء الأشاعرة (7)، يقول ابن تيمية: وكانت الرافضة والقرامطة - علماؤها وأمراؤها - قد استظهرت في أوائل
_________
(1) وفيات الأعيان (1/ 412).
(2) رجال الفكر والدعوة (1/ 151).
(3) موقف ابن تيمية من الأشاعرة (2/ 703).
(4) موقف ابن تيمية من الأشاعرة (2/ 703).
(5) الجواب الصحيح (1/ 252).
(6) موقف ابن تيمية من الأشاعرة (2/ 703).
(7) المصدر نفسه (2/ 705).
(1/337)

الدولة السلجوقية، حتى غلبت على الشام والعراق، وأخرجت الخليفة القائم ببغداد إلى تكريت وحبسوه بها في فتنة البساسيري المشهورة, فجاءت بعد ذلك السلجوقية حتى هزموهم وفتحوا الشام والعراق وقهروهم بخراسان وحجروهم بمصر، وكان في وقتهم من الوزراء مثل «نظام الملك»، ومن العلماء مثل أبي المعالي الجويني، فصاروا بما يقيمونه من السنة ويردونه من بدعة هؤلاء ونحوهم لهم من المكانة عند الأمة بحسب ذلك، وكذلك المتأخرون من أصحاب مالك الذين وافقوه كأبي الوليد الباجي، والقاضي أبي بكر بن العربي ونحوهما لا يعظمون إلا بموافقة السنة، والحديث (1)، والوزير نظام الملك هو صاحبنا الذي تحدثنا عنه فيما مضى, ويعتبر من أبرز من نصر مذهب الأشعري من خلال المدارس النظامية التي أنشأها في أنحاء متفرقة من العراق وخراسان، وهو يذكر فضله فيما قام به من دعم للسلاجقة السنة في مقابل البويهيين الشيعة (2). والدولة الفاطمية العبيدية ودعاتها.
3 - دفاعهم عن السنة وردودهم على أهل البدع: يقول ابن تيمية بعد كلام طويل عن
الأشاعرة: ثم إنه ما من هؤلاء إلا له في الإسلام مساع مشكورة، وحسنات مبرورة، وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع، والانتصار لكثير من أهل السنة والدين ما لا يخفى على من عرف من أحوالهم، وتكلم فيهم بعلم وصدق وعدل وإنصاف، لكن لما التبس عليهم هذا الأصل المأخوذ ابتداء من المعتزلة، وهم فضلاء عقلاء, احتاجوا إلى طرده والتزام لوازمه فلزمهم بسبب ذلك من الأقوال ما أنكره المسلمون من أهل العلم والدين، وصار الناس بسبب ذلك: منهم من يعظمهم لما لهم من المحاسن والفضائل، ومنهم من يذمهم لما وقع في كلامهم من البدع والباطل، وخير الأمور أوساطها، وهذا ليس مخصوصاً بهؤلاء، بل مثل هذا وقع لطوائف من أهل العلم والدين, والله يتقبل من جميع عباده المؤمنين الحسنات ويتجاوز لهم عن السيئات {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (3) [الحشر: 10]. وفي موضع آخر يذكر ما لهؤلاء من حسنات، فإنها إما موافقة لأهل السنة، أو رد على أهل البدعة. (4) فيقول: ولم يتبع أحد مذهب الأشعري ونحوه إلا لأحد هذين الوصفين أو كليهما، وكل من أحبه وانتصر له من المسلمين وعلمائهم فإنه يحبه وينتصر له بذلك، فالمصنف في مناقبه، الدافع للطعن واللعن عنه - كالبيهقي والقشيري أبي القاسم، وابن عساكر الدمشقي - إنما يحتجون لذلك بما يقوله
_________
(1) مجموع الفتاوى (4/ 18).
(2) موقف ابن تيمية من الأشاعرة (2/ 705).
(3) موقف ابن تيمية من الأشاعرة (2/ 705) , درء التعارض (2/ 102، 103).
(4) موقف ابن تيمية من الأشاعرة (2/ 708).
(1/338)

من أقوال أهل السنة والحديث، أو بما رد من أقوال مخالفيهم.
لا يحتجون له عند الأمة وعلمائها وأمرائها إلا بهذين الوصفين، ولولا أنه كان من أقرب بني جنسه إلى ذلك لألحقوه بطبقته الذين لم يكونوا كشيخه الأول أبي علي، وولده أبي هاشم، لكن كان له من موافقة مذهب السنة والحديث في الصفات والقدر، والإمامة، والفضائل، والشفاعة، والحوض، والصراط والميزان، وله من الردود على المعتزلة والقدرية، والرافضة، والجهمية، وبيان تناقضهم ما أوجب أن يمتاز بذلك عن أولئك، ويعرف له حقه وقدره {قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق: 3]. وبما وافق فيه السنة والحديث صار من القبول والاتباع ما صار، لكن الموافقة التي فيها قهر المخالف وإظهار فساد قوله هي من جنس المجاهد المنتصر، فالرادُّ على أهل البدع مجاهد (1).
4 - جهودهم في كسر سورة المعتزلة والجهمية: وللأشاعرة جهود في كسر سورة المعتزلة والجهمية، يقول ابن تيمية عن أعلامهم كابن مجاهد والباقلاني والإسفراييني وابن فورك: وصار هؤلاء يردون على المعتزلة ما رده عليهم ابن كلاب والقلانسي، والأشعري وغيرهم من مثبتة الصفات، فيبينون فساد قولهم بأن القرآن مخلوق وغير ذلك، وكان في هذا من كسر سورة المعتزلة والجهمية ما فيه ظهور شعار السنة، وهو القول بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الله يُرى في الآخرة، وإثبات الصفات والقدر وغير ذلك من أصول السنة (2)، وفي موضع آخر يذكر ما رده الأشعرية من بدع المعتزلة والرافضة والجهمية وغيرهم، وبينوا تناقضهم، وعظموا الحديث والسنة ومذهب الجماعة، فحصل بما قالوه من بيان تناقض أصحاب البدع الكبار وردهم ما انتفع به خلق كثير (3)، وكان ابن تيمية -رحمه الله- يرى أن لهم حسنات وفضائل وسعياً مشكوراً وخطؤهم بعد الاجتهاد مغفور (4).
5 - إنصاف ابن تيمية لأعلام الأشاعرة يرحمهم الله جميعاً: أنصف ابن تيمية أعلام الأشاعرة، وعلى الرغم من مناقشاته الشديدة لهم إلا أنه ذكر ما عندهم من إيجابية
وما لهم من جهود عظيمة في خدمة الإسلام والدفاع عنه، ويعتمد منهج ابن تيمية في ذلك على أمرين:
أحدهما: أن القاعدة عنده التي يطبقها على الأشاعرة وغيرهم هي التفريق بين العقيدة المسيطرة في الكتب وبين أصحابها، فهو يحكم على ما هو مدون أو منقول من عقائد هؤلاء
_________
(1) مجموع الفتاوى (4/ 12، 13).
(2) مجموع الفتاوى (5/ 557 - 558).
(3) المصدر نفسه (13/ 99).
(4) النبوات، ص 220، موقف ابن تيمية من الأشاعرة (2/ 709).
(1/339)

وأدلتهم ومناقشاتهم، ويبين ما في ذلك من خطأ أو صواب، فإذا ما وصل في الحديث إلى الشخص نفسه صاحب العقيدة, فإنه ينظر إليه نظرة أخرى مبنية على أنه قد يكون صادقاً في خدمته للإسلام، ولا يحمل غشاً لأهله, ولذلك فهو لا يتعمد الكذب والافتراء, وأنه مجتهد، وأن هذا الذي قاله هو مبلغ علمه، أو أنه كان مقلداً لغيره في هذه المسائل.
وأنه ربما ما مات على هذا الظلم، فقد يكون ممن رجع وتاب، وصرح بذلك, أو أنه في آخر عمره رضي مسلك أهل الحديث.
والثاني: أن لهؤلاء الأعلام - على أخطائهم - جهودًا لا تنكر في الجهاد في سبيل الله، والدفاع عن العقيدة، والرد على أعدائها من الملاحدة والمتفلسفة والرافضة وغيرهم، وهي جهود تكون في موازينهم يوم القيامة ولا يحرمون أجرها عند الله تعالى (1).
أ- موقف ابن تيمية من أبي الحسن الأشعري: دافع ابن تيمية عن شيوخ
الأشاعرة - وعلى رأسهم ابن كلاب - وكثيراً ما يقرن الأشعري بابن كلاب والكلابية، فيقول مثلاً: لهذا كان المتكلمة الصفاتية كابن كلاب والأشعري وابن كرام خيراً وأصح طريقاً في العقليات والسمعيات من المعتزلة، والمعتزلة خيراً وأصح طريقاً في العقليات والسمعيات من المتفلسفة، وإن كان في قول كل من هؤلاء ما ينكر عليه وما خالف فيه العقل والسمع، ولكن من كان أكثر صواباً وأقوم قيلاً كان أحق بأن يقدم على من هو دونه تنزيلاً وتفصيلاً (2). وأما كلامه عن أبي الحسن الأشعري فقد دافع عنه وذكر أنه: ابتلى بطائفتين، طائفة تبغضه وطائفة تحبه، كل منهما يكذب عليه، ويقول: إنما صنف هذه الكتب تقية وإظهاراً لموافقة أهل الحديث والسنة من الحنبلية وغيرهم، وهذا كذب على الرجل, فإنه لم يوجد له قول باطن يخالف الأقوال التي أظهرها, ولا نقل أحد من خواص أصحابه ولا غيرهم عنه ما يناقض هذه الأقوال الموجودة في مصنفاته، فدعوى المدعي أنه كان يبطن خلاف ما يظهر دعوى مردودة شرعاً وعقلاً، بل من تدبر كلامه في هذا الباب - في مواضع- تبين له قطعاً أنه كان ينصر ما أظهره, ولكن الذين يحبونه ويخالفونه في إثبات الصفات الخبرية، يقصدون نفي ذلك عنه لئلا يقال: إنهم خالفوه، مع كون ما ذهبوا إليه من السنة قد اقتدوا فيه بحجته التي على ذكرها يعولون، وعليها يعتمدون، والفريق الآخر دافعوا عنه لكونهم رأوا المنتسبين إليه لا يظهرون إلا خلاف هذا القول، ولكونهم اتهموه بالتقية، وليس كذلك، بل هو انتصر للمسائل المشهورة عند أهل السنة التي خالفهم فيها المعتزلة كمسألة الرؤية، والكلام، وإثبات الصفات، ونحو ذلك، لكن كانت خبرته بالكلام مفصلة،
_________
(1) موقف ابن تيمية من الأشاعرة (5/ 710).
(2) شرح الأصفهانية، ص 55.
(1/340)

وخبرته بالسنة مجملة (1)،
كما ذكر أن الأشعري كان ينتسب إلى الإمام أحمد، وأنه أقرب إليه من بعض الحنابلة، يقول: وكان الأشعري أقرب إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل وأهل السنة من كثير من المتأخرين المنتسبين إلى أحمد الذين مالوا إلى بعض كلام المعتزلة كابن عقيل وصدقة بن الحسين، وابن الجوزي وغيرهم (2). ويقول: والأشعري كان من أجل المتكلمين المنتسبين إلى الإمام أحمد - رحمه الله - المنتصرين لطريقه، كما يذكر الأشعري ذلك في كتبه .. ثم يقول: وأما الأشعري فهو أقرب إلى أصول أحمد من ابن عقيل وأتبع لها، فإنه كلما كان عهد الإنسان بالسلف أقرب كان أعلم بالمعقول والمنقول .. ويقول: ولما أظهرت كلام الأشعري - ورآه الحنابلة - قالوا: هذا خير من كلام الشيخ الموفق ... (3). ويذكر أيضاً أن الأشعري أخذ مذهب أهل الحديث والسنة من شيخه المشهور زكريا بن يحيى الساجي (4)، كما ذكر ما تميز به الأشعري من حرص على نصرة مذهب أهل الحديث بقوله عنه: وهو دائماً ينصر في المسائل التي فيها النزاع بين أهل الحديث وغيرهم قول أهل الحديث (5)، وذكر أنه بين طريقة السلف في أصول الدين، واستغناءها عن الطريقة الكلامية، كطريقة الإعراض ونحوها, وإن القرآن نبه على الأدلة، ليس دلالته - كما يظنه بعض أهل الكلام - من جهة الخبر فقط، وأين هذا من أهل الكلام الذين يقولون: إن الكتاب والسنة لا يدلان على أصول الدين بحال، وإن أصول الدين تستفاد بقياس العقل المعلوم من غيرهما (6)،
ويذكر ابن تيمية أن الأشعري من مثبتة الصفات الخبرية، ويرد على الذين يزعمون أن له فيها قولين؛ يقول: وأما الأشعري نفسه وأئمة أصحابه فلم يختلف قولهم في إثبات الصفات الخبرية، وفي الرد على من يتأولها، كمن يقول: استوي بمعنى استولى، وهذا مذكور في كتبه كلها كالموجز الكبير والمقالات الصغيرة، والكبيرة، والإبانة، وغير ذلك، وهكذا نقل سائر الناس عنه، حتى المتأخرون كالرازي والآمدي، ينقلون عنه إثبات الصفات الخبرية، ولا يحكون عنه في ذلك قولين. فمن قال: إن الأشعري كان ينفيها، وإن له في تأويلها قولين فقد افترى عليه ولكن هذا فعل طائفة من متأخري أصحابه كأبي المعالي ونحوه، فإن هؤلاء أدخلوا في مذهبه أشياء من أصول المعتزلة (7). كما دافع عن الأشعري فيما نسب إليه من أنه يقول: إن الله لم يكن قادراً على الفعل في الأزل. وبين ابن تيمية أن من يبغض الأشعري
_________
(1) مجموع الفتاوى (12/ 204).
(2) درء التعارض (1/ 270) , شرح الأصفهانية، ص 78.
(3) مجموع الفتاوى (3/ 226، 227).
(4) مجموع الفتاوى (5/ 386).
(5) الإيمان، ص 115, موقف ابن تيمية من الأشاعرة (2/ 713).
(6) الاستقامة (1/ 6).
(7) مجموع الفتاوى (12/ 203).
(1/341)

ينسب إليه هذا لتنفر عنه قلوب الناس (1)، وكثيراً ما يشير ابن تيمية إلى أنه أقرب إلى السلف من كثير ممن أتى بعده (2). وكثيراً ما ينقل من كتب الأشعري ويستشهد بأقواله (3).
ب- موقف ابن تيمية من الباقلاني: يرى ابن تيمية أن الباقلاني فحل الطائفة الأشعرية، ويقول عنه: إنه أفضل المتكلمين المنتسبين إلى الأشعري، ليس فيهم مثله، ولا قبله ولا بعده (4)، ويذكر عنه أنه: أكثر إثباتاً بعد الأشعري في الإبانة (5)، وقد امتدحه كثيراً في ردوده على الباطنية، ومواقفه العظيمة من النصارى (6).
جـ- موقف ابن تيمية من الجويني: وأما الجويني فيدافع عنه على الرغم من كونه ممن مال إلى المعتزلة أكثر ممن سبقه من الأشاعرة، وبعد أن نقل عنه الأقوال في الكلام ونسبته إلى أهل السنة ما ليس من مذهبهم (7)، رد عليه ابن تيمية وقال: وأبو المعالي وأمثاله أجلّ من أن يتعمد الكذب، لكن القول المحكي قد سمع من قائل لم يضبطه، وقد يكون القائل نفسه لم يحرر قولهم (8). ويحتج بأقواله ويصححها في معرض ردوده على الجهمية (9)، وابن رشد (10).
د- ثناء ابن تيمية على الغزالي: ومع أن ابن تيمية نقد الغزالي كثيراً وفي مناسبات مختلفة، ونقل ردود العلماء عليه، فإنه أنصفه ومدحه وذلك من خلال:
* بيانه أن الغزالي لا يتعمد الكذب، ولذلك لما نسب إلى الإمام أحمد أنه يقول بالتأويل رد عليه ابن تيمية بأن: نقله عن المجهول لا يعرف, وذلك المجهول أرسله إرسالاً عن أحمد، ولا يتنازع من يعرف أحمد وكلامه أن هذا كذب مفترى عليه، ونصوصه المنقولة عنه بنقل الثقات الأثبات والمتواتر عنه يرد هذا الهذيان الذي نقله عنه، بل إذا كان أبو حامد ينقل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعن الصحابة والتابعين من الأكاذيب ما لا يحصيه إلا الله، فكيف ما ينقله عن مثل أحمد. ثم يعقب ابن تيمية مدافعاً عن الغزالي: ولم يكن ممن يتعمد الكذب، فإنه كان أجل قدراً من ذلك، وكان من أعظم الناس ذكاء، وطلباً للعلم وبحثاً عن الأمور، وكان من أعظم الناس قصداً للحق، وله من الكلام الحسن المقبول أشياء عظيمة بليغة، ومن حسن التقسيم والترتيب ما هو به من أحسن المصنفين, لكن كونه لم يصل إلى ما جاء به الرسول من
_________
(1) درء التعارض (2/ 264).
(2) شرح الأصفهانية، ص 77، 78، درء التعارض (2/ 308).
(3) القاعدة المراكشية، ص 67 - 71, درء التعارض (1/ 256 - 261).
(4) مجموع الفتاوى (5/ 98).
(5) المصدر نفسه (5/ 52).
(6) منهاج السنة (2/ 39).
(7) موقف ابن تيمية من الأشاعرة (2/ 715).
(8) درء التعارض (2/ 310).
(9) المصدر نفسه (5/ 186 - 190).
(10) المصدر نفسه (9/ 110 - 112).
(1/342)

الطرق الصحيحة كان ينقل ذلك بحسب ما بلغه لا سيما مع هذا الأصل، إذ جعل النبوات فرعاً على غيرها (1).
* يعترف للغزالي بجهوده في ردوده على الفلاسفة: ويمتدحه كثيراً في ذلك، ولما احتج الفلاسفة على نفي الصفات بالتركيب وما يلزم, رد عليهم الغزالي ووافقه ابن تيمية فقال: ما ذكره أبو حامد مستقيم مبطل لقول الفلاسفة، وما ذكره ابن رشد إنما نشأ من جهة ما في اللفظ من الإجمال والاشتراك (2). ثم قال مناقشاً ابن رشد: وهذه الطريق التي سلكها أبو حامد عن احتجاجهم بلفظ المركب جواب صحيح (3)، ويقول ابن تيمية عن ابن رشد: وقد رد على أبي حامد في «تهافت التهافت» رداً أخطأ في كثير منه، والصواب مع أبي حامد ... وقد تكلمت على ذلك وبينت تحقيق ما قاله أبو حامد في ذلك من الصواب الموافق لأصول الإسلام، وخطأ ما خالفه من كلام ابن رشد وغيره من الفلاسفة، وإن ما قالوه من الحق الموافق للكتاب والسنة لا يرد، بل يقبل، وما قصر فيه أبو حامد من إفساد أقوالهم الفاسدة، فيمكن رده بطريق أخرى يعان بها أبو حامد على قصده الصحيح (4)، كما امتدح ابن تيمية ردود الغزالي على الفلاسفة في مسألة إثبات الصانع ونقل ما ذكره من الطعن في طريقة ابن سينا وأمثاله، ثم يقول ابن تيمية معقباً: وهذا الوجه الذي ذكره أبو حامد أحسن فيه، وكنت قد كتبت على توحيد الفلاسفة ونفيهم الصفات كلاماً بينت فيه فساد كلامهم في طريقة التركيب قبل أن أقف على كلام أبي حامد، ثم رأيت أبا حامد قد تكلم بما يوافق ذلك الذي كتبته (5).
* ذكره لرجوعه في آخر عمره إلى الحديث وأنه مات وهو يشتغل بالبخاري ومسلم (6)، ويذكر أنه رجع واستقر أمره على التلقي من طريقة أهل الحديث، بعد أن أيس من نيل مطلوبه من طريقة المتكلمين والمتفلسفة والمتصوفة أيضاً (7). هذه بعض مواقف ابن تيمية الإيجابية من الأشاعرة وفيها من بيان الحق والإنصاف ما يشهد له بالأمانة، وكان -رحمه الله- يناقش الأشاعرة، ويبين لمن أخطأ منهم خطأه بعلم وإنصاف.
ومن الفائدة أن نقول: إن كان تراث الإمام الشافعي وأبي الحسن الأشعري قامت على أسسه المدارس النظامية في العهد السلجوقي، فإن تراث ابن تيمية قامت عليه حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب, وتأثرت به كثير من الحركات المعاصرة والعلماء وطلاب العلم والدعاة
_________
(1) موقف ابن تيمية من الأشاعرة (2/ 716).
(2) درء التعارض (3/ 402).
(3) المصدر نفسه (3/ 438).
(4) المصدر نفسه (3/ 252، 253).
(5) المصدر نفسه (8/ 156).
(6) الصفدية (1/ 212) , درء التعارض (1/ 162).
(7) درء التعارض (6/ 210) , موقف ابن تيمية من الأشاعرة (2/ 717).
(1/343)

المبحث الرابع
أشهر علماء المدارس النظامية
في العهد السلجوقي

أولاً: أبو إسحاق الشيرازي: هو الشيخ، الإمام، القدوة، المجتهد، شيخ الإسلام، أبو إسحاق، إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروز آبادي، الشيرازي، الشافعي، نزيل بغداد، قيل: لقبه جمال الدين (1)، كان مولده سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة (2).
1 - شيوخه وتلاميذه: تفقه على أبي عبد الله البيضاوي، وعبد الوهاب بن رامين بشيراز, وأخذ بالبصرة عن الخرزي, وقدم بغداد سنة خمس عشرة وأربعمائة، فلزم أبا الطيب الطبري، وبرع وصار مُعيده، وكان يُضرب المثلُ بفصاحته وقوة مناظرته، وسمع من أبي علي بن شاذان، وأبي بكر البرقاني ومحمد بن عبيد الله الخرجُوشي، وحدث عنه: الخطيب، وأبو الوليد الباجي، والحميديُّ، وإسماعيل بن السمرقندي، والزاهد يوسف بن أيوب، وأبو نضر أحمد بن محمد الطوسي، وأبو الحسن بن عبد السلام، وأحمد بن نصر بن حِمّان الهمذاني خاتمة من روى عنه (3).
2 - مكانته وثناء الناس عليه: قال السمعاني: هو إمام الشافعية ومدرس النظامية، وشيخ العصر، رحل الناس إليه من البلاد وقصدوه، وتفرد بالعلم الوافر مع السيرة الجميلة والطريقة المرضيّة، جاءته الدنيا صاغرة، فأباها، واقتصر على خشونة العيش أيام حياته, صنف في الأصول والفروع والخلاف والمذهب، وكان زاهداً، ورعاً، متواضعاً، ظريفاً، كريماً، جواداً، طلق الوجه، دائم البشر، مليح المحاورة (4). وقال أبو بكر الشاشي: أبو إسحاق حجة الله على أئمة العصر (5)، وقال الموفق الحنفي: أبو إسحاق أمير المؤمنين في الفقهاء (6). ولما قدم أبو إسحاق نيسابور رسولاً تَلقَّوه، وحمل إمام الحرمين غاشيته، ومشى بين يديه وقال: أفتخر بهذا (7). وكان عامة المدرسين بالعراق والجبال تلامذته وأتباعه - وكفاهم بذلك فخراً- وكان ينشد الأشعار المليحة، ويوردها، ويحفظ منها الكثير (8). وكان الوزير ابن جهير كثيراً ما يقول: الإمام أبو إسحاق وحيد عصره, وفريد دهره، ومستجاب الدعوة (9). وأثنى
_________
(1) سير أعلام النبلاء (18/ 453).
(2) سير أعلام النبلاء (18/ 453).
(3) المصدر نفسه (18/ 454).
(4) المصدر نفسه (18/ 454).
(5) طبقات السبكي (4/ 227).
(6) طبقات السبكي (4/ 227).
(7) المنتظم (9/ 8) , طبقات السبكي (4/ 222).
(8) تهذيب الأسماء واللغات (2/ 173).
(9) طبقات السبكي (4/ 227).
(1/344)

نظام الملك على أبي إسحاق، وقال: كيف حالي مع رجل لا يُفرَّق بيني وبين نهروز الفَرَّاش في المخاطبة؟ قال لي: بارك الله فيك, وقال له لما صبَّ عليه كذلك (1). وقال محمد بن عبد الملك الهمذاني: حكى أبي قال: حضرت مع قاضي القضاة أبي الحسن الماوردي عزاءً، فتكلم الشيخ أبو إسحاق واجلاً، فلما خرجنا قال الماوردي: ما رأيت كأبي إسحاق، لو رآه الشافعي لتجمَّل به (2)،
وقال السلفي: سألت شجاعاً الذُّهلي عن أبي إسحاق فقال: إمام أصحاب الشافعي والمقدم عليهم في وقته ببغداد، كان ثقة، ورعاً، صالحاً، عالماً بالخلاف علماً لا يشاركه فيه أحد (3)، قال محمد بن عبد الملك: ندب المقتدى بالله أبا إسحاق للرسلية إلى المعسكر، فتوجَّه في آخر سنة خمس وسبعين، فكان يخرج إليه أهل البلد بنسائهم وأولادهم يمسحون أردانه (4)، ويأخذون تراب نعليه يستشفون به، وخرج الخبَّازون ونثروا الخبز، وهو ينهاهم، ولا ينتهون، وخرج أصحاب الفاكهة والحلواء، ونثروا على الأساكفة، وعملوا مداسات صغاراً ونثروها، وهي تقع على رءوس الناس، والشيخ يعجب، وقال لنا: رأيتم النَّثار، وما وصل إليكم منه؟ فقالوا: يا سيدي وأنت أيَّ شيء كان حظك منه؟ قال: أنا غطَّيت نفسي بالمحَفَّة (5). وهذا الأثر يدل على محبة الناس له ومكانته في قلوبهم, وقد حاول الشيخ أن ينهاهم عن هذه التصرفات, وهذه هي أخلاق العلماء, ولكنّ العوام تصدر منهم مثل هذه الأمور نتيجة العاطفة وإن كان فيها بعض التجاوزات. وقال شيرويه الدّيلمي في تاريخ همذان: أبو إسحاق إمام عصره قدم علينا رسولاً إلى السلطان ملكشاه، سمعت منه، وكان ثقة زاهداً في الدنيا على التحقيق، أوحد زمانه (6)، وقال الذهبي عنه: درّس بها - أي المدرسة النَّظامية - بعد تمنع، ولم يتناول جَامِكية (7)، أصلاً، وكان يقتصر على عمامة صغيرة وثوب قطني، ويقنع بالقوت، وكان الفقيه رافع الحمال رفيقه في الاشتغال، فيحمل شطر نهاره بالأُجرة، وينفق على نفسه وعلى أبي إسحاق، ثم إن رافعاً حجَّ وجاور، وصار فقيه الحرم في حدود الأربعين وأربعمائة (8).
3 - مؤلفاته وشيء من شعره: قال الشيخ أبو إسحاق: كنت أُعيد كل قياس ألف مرة، فإذا فرغت أخذت قياساً آخر على هذا، وكنت أُعيد كل درس ألف مرة، فإذا كان في المسألة
_________
(1) سير أعلام النبلاء (18/ 459).
(2) المصدر نفسه (18/ 459) , طبقات السبكي (4/ 227).
(3) سير أعلام النبلاء (18/ 460).
(4) الأردان: جمع رُدن وهو أصل الكُم. وفي طبقات السبكي: أركانه.
(5) طبقات السبكي (4/ 220) , سير أعلام النبلاء (18/ 460).
(6) سير أعلام النبلاء (18/ 460).
(7) الجامكية: رواتب خدم الدولة.
(8) سير أعلام النبلاء (18/ 461).
(1/345)

بيت يُستشهد به حفظت القصيدة التي فيها البيت (1). وكان يصلى عند فراغ كل فصل من المهذب (2)، وكان إماماً في الفقه والأصول والحديث وفنون كثيرة، وله المصنفات الكثيرة النافعة (3)، وبحسن نيته في العلم اشتهرت تصانيفه في الدنيا (4)، كالمهذَّب في المذهب، والتنبيه, والنكت في الخلاف, واللمع في أصول الفقه، والتبصرة والمعونة, وطبقات الفقهاء وغير ذلك (5)، ومن شعره الذي نظمه:
أحِبُّ الكأس من غير المدام ... وألهو بالحساب بلا حرام
وما حُبَّي لفاحشة ولكن ... رأيت الحُبَّ أخلاق الكرام
وقال: ... سألت الناس عن خِلٍّ وفيَّ ... فقالوا: ما إلى هذا سبيل
تمسك إن ظفرت بِوُدَّ حُرَّ ... فإن الحُرَّ في الدنيا قليل (6)

وقال:
ولو أنَّي جُعِلتُ أمير جيش ... لما قاتلت إلا بالسُّؤَال
لأنّ الناس ينهزمون منه ... وقد ثبتوا لأطراف العوالي (7)

وقد امتدحه الشعراء في حياته, ومنهم عاصم بن الحسن حيث قال فيه:
تراه من الذَّكاء نَحيفَ جسم ... عليه من توقِّده دليل
إذا كان الفتى ضخم المعاني ... فليس يضيره الجسم النحيل (8)
4 - وفاته: توفي ليلة الحادي والعشرين من جمادي الآخرة سنة ستَّ وسبعين وأربعمائة ببغداد، وغسَّله أبو الوفا بن عقيل الحنبليُّ، وصُلى عليه بباب الفردوس من دار الخلافة وشهد الصلاة عليه المقتدي بأمر الله، وتقدم للصلاة عليه أبو الفتح المظفَّرُ ابن رئيس الرُّؤساء، وكان نائب الوزارة، ثم صُلى عليه مرة ثانية بجامع القصر ودُفن بباب أبرز في تُربة مجاورة للناحية، رحمه الله تعالى (9)، وعمل العزاء بالنَّظامية، ثم رَتَّب، المؤيد ابن نظام الملك
_________
(1) صفة الصفوة (4/ 66) , تهذيب الأسماء واللغات (2/ 173).
(2) طبقات السبكي (4/ 217).
(3) البداية والنهاية (16/ 87).
(4) سير أعلام النبلاء (18/ 462).
(5) البداية والنهاية (16/ 87).
(6) سير أعلام النبلاء (18/ 462).
(7) المصدر نفسه (18/ 464).
(8) وفيات الأعيان (1/ 30).
(9) البداية والنهاية (16/ 87).
(1/346)

بعده في تدريس النظامية أبا سعد المتولي، فلما بلغ ذلك النظام، كتب بإنكار ذلك، وقال: كان من الواجب أن تُغلق المدرسة سنة من أجل الشيخ، وعاب على من تولَّى، وأمر أن يُدرَّس الإمام أبو نصر عبد السيد بن الصباغ بها (1). وممن رثاه أبو القاسم بن ناقياء الأديب الشاعر حيث قال:
أجرى المدامع بالدم المهراق ... خطب أقام قيامة الآماق
خطب شَجَا مِنّا القلوب بلوعة ... بين التراقي ما لها من راق
ما لِليالي لا تُؤَلف شملها ... بعد ابن بجدتها (2) أبي إسحاق
إن قيل مات فلم يمت مَن ذكرُه ... حيٌّ على مر الليالي باق (3)

ومات أبو إسحاق، ولم يخلف درهماً ولا عليه درهم، وكذا فليكن الزهد، وما تزوج فيما أعلم (4)، ولم يمت إلا بعد أن ترك أثراً نافعاً خلفه من المصنفات والعلماء والخطباء والقضاة، فعن أبي إسحاق قال: خرجت إلى خراسان فما دخلت بلدة إلا كان قاضيها أو خطيبها أو مفتيها من أصحابي (5).

ثانياً: إمام الحرمين عبد الملك الجويني:
الإمام الكبير، شيخ الشافعية، إمام الحرمين، أبو المعالي، عبدُ الملك, ابن الإمام أبي عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن محمد بن حَيويه الجُويني، ثم النيسابوري، ضياء الدين الشافعي صاحب التصانيف, ولد في أول سنة تسع عشرة وأربعمائة (6).
1 - شيوخه: دأب إمام الحرمين منذ صغره على تحصيل العلم، وبذل من أجل ذلك جهدًا عظيماً، فكان يصل الليل بالنهار (7)، تلقياً عن كبار علماء ومشايخ عصره، واستمر الجويني في ذلك حتى بعد أن قعد للتدريس في مجلس والده (8)، ومن أشهر شيوخه والده أبو محمد الجويني، وأبو القاسم الإسفراييني، وكان من رؤساء متكلمي الأشاعرة، وأعيان الشافعية، والمعروفين في الفتوى, وكان يميل إلى الزهد والورع، وله قدم في النظر والتدريس مع ميل إلى طريق السلف, وتتلمذ على الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وكان إمام الحرمين،
_________
(1) سير أعلام النبلاء (18/ 461).
(2) البجدة: دِخلة الأمر وباطنه، يقال للعالم بالشيء ابن بجدتها.
(3) سير أعلام النبلاء (18/ 463).
(4) المصدر نفسه (18/ 462).
(5) المصدر نفسه (18/ 463).
(6) المصدر نفسه (18/ 468).
(7) طبقات الشافعية (5/ 175).
(8) العقيدة النظامية لإمام الحرمين عبد الله الجويني، ص 81.
(1/347)

يلازمه ويقرأ عليه الأصول حتى تخرج بطريقته (1) , ومن شيوخه أبو عبد الله الخبازي، اختص بالقراءة حتى أصبح شيخ القراء في عصره، وكان إمام الحرمين يبكر كل يوم قبل الاشتغال بالتدريس إلى مجلس الخبازي ويقرأ عليه القرآن (2)، ومن شيوخه القاضي حسين بن محمد بن أحمد، أبو علي المروذي، كان فقيه خراسان في عصره وشيخاً للشافعية, ويقال حبر الأمة تفقه على إمام الحرمين وكان يقول فيه: إنه حبر المذهب على الحقيقة (3)
, ومن شيوخه أبو نعيم الأصفهاني الحافظ, وكان من كبار الصوفية والمحدثين الحفاظ الثقات، والفقهاء الكبار، وأتقن الحديث دراية ورواية, من تصانيفه المشهورة: حلية الأولياء، ودلائل النبوة, وتاريخ أصبهان، ومعرفة الصحابة، والمستخرج على البخاري ومسلم، أخذ عنه إمام الحرمين وحصل على الإجازة منه (4)، ومن شيوخه أبو القاسم الفوراني، اشتغل بالفقه وأصوله، وله مصنفات كثيرة في المذهب والأصول والخلاف والجدل والملل والنحل، كان الجويني يحضر درسه وهو شاب بمرو (5)، ومن شيوخه أبو الحسن المجاشعي الذي اشتهر بالنحو لذا يقال له: النحوي, صنّف العوامل والهوامل، وشرح عنوان الإعراب، والإشارة في تحسين العبارة (6)، ومن شيوخه أبو سعيد الميهني وكان من أهل التصوف, له أحوال وكرامات, نقده الذهبي وتكلم فيه ابن حزم الأندلسي ودافع عنه السبكي وقال: وكان صحيح الاعتقاد حسن الطريقة أحواله تبهر العقول (7) .. روى عنه إمام الحرمين, ويمكن أن تكون نفحة الصوفية التي لازمت إمام الحرمين بفعل أبي سعيد الميهني (8)، وغير أولئك من المشايخ.
2 - تلامذته: لا خلاف بين أصحاب التراجم، بأن الجويني قد أصبح في نيسابور محط أنظار العلماء والتلامذة، لذا رحل إليه الطلبة والمشايخ من مختلف الأرجاء، وثابروا على حضور مجالسه العلمية، وحلقات درسه، فتخرج على يديه كثير من العلماء، ومما أسهم في كثرة تلامذة إمام الحرمين؛ تسلمه عمادة أمر النظامية التي بنيت في نيسابور والتدريس بها، واستمر على هذا الحال زهاء عشرين عاماً وكان يجلس في حلقات درسه كل يوم نحو ثلاثمائة رجل من الطلبة والأئمة (9) وفي السنة التي توفي بها الجويني، كان عدد تلامذته في النظامية قريباً من أربعمائة طالب علم، وتلامذة الجويني في أغلبهم لم يكونوا من العلماء
_________
(1) العقيدة النظامية لإمام الحرمين عبد الله الجويني، ص 82.
(2) المصدر نفسه، ص 83، تذكرة الحفاظ (3/ 1127).
(3) العقيدة النَّظامية، ص 83، تاريخ الإسلام حوادث 461 - 470هـ, ص 62.
(4) العقيدة النظامية، ص 84, وفيات الأعيان (1/ 91).
(5) العقيدة النظامية، ص 84, سير أعلام النبلاء (18/ 264).
(6) العقيدة النظامية، ص 85, المنتظم (9/ 33).
(7) العقيدة النظامية، ص 85, سير أعلام النبلاء (17/ 622).
(8) العقيدة النظامية، ص 85, سير أعلام النبلاء (17/ 622).
(9) طبقات الشافعية (1/ 255، 256).
(1/348)

المغمورين، وإنما قد اشتهر كثير منهم، وذاع صيته، وأصبح علماً للعلم في ميدانه، ومن هؤلاء التلامذة (1):
أ- الإمام الغزالي. ب - أبو نصر القشيري. ... ج- الكياهراس (2).
3 - ثناء العلماء عليه: عاش إمام الحرمين في عصر كثر فيه العلماء الأعلام من مختلف المذاهب العامة، والأقطاب الشافعية، ففي وقت قصير نسبياً، تمكَّن بواسع علمه، وعمق ثقافته، من دفع أقرانه من الشافعية والأشاعرة على حد سواء، إلى الاعتراف بعلو مكانته، وأقروا له بزعامتهم ورئاستهم، إذ «قُلِّد زعامة الأصحاب ورياسة الطائفة (3)، كذلك تولى الجويني مناصب أخرى، كان أغلب معاصريه يحرصون على توليها، ومن هذه المناصب: أمور الأوقاف، والمحراب والمنبر، ومجلس التذكير يوم الجمعة، والخطابة (4)، ومما يؤكد المكانة العالية التي تبوأها هذا الإمام، أنه عندما بُنيت نظامية نيسابور، طلب إليه تولي إدارتها، والتدريس بها، والخطابة، والمناظرة بها (5)، وكان لتولي الجويني أمر هذه النظامية دور كبير في نجاحها، وإقبال الطلبة عليها من كل حدب وصوب، ويذكر المؤرخون أن عدد الطلبة في هذه المدرسة أيام إمام الحرمين كان يصل إلى نحو من أربعمائة رجل من الأئمة والطلبة (6). وقال عنه أبو محمد الجرجاني: إمام عصره، ونسيج وحده، ونادرة دهره، عديم المثل في حفظ لسانه (7). وقال سعيد السَّمعاني: كان أبو المعالي، إمام الأئمة على الإطلاق, مُجمعاً على إمامته شرقاً وغرباً، لم تر العيون مثله، تفقَّه على والده، وتُوفي أبوه ولأبي المعالي عشرون سنة فدرس مكانه، وكان يتردَّدُ إلى مدرسة البيهقي، وأحكم الأصول على أبي القاسم الإسفراييني الإسكاف.
وكان ينفق من ميراثه ومن معلوم له، إلى أن ظهر التعصب بين الفريقين، واضطربت الأحوال فاضطر إلى السفر عن نيسابور، فذهب إلى المعسكر، ثم إلى بغداد وصحب الوزير أبا نصر الكندري مدة يطوف معه، ويلتقي في حضرته بكبار العلماء، ويناظرهم، فتحنَّك بهم، وتهذَّب، وشاع ذكره، ثم حَجَّ وجاور أربع سنين يدرَّس ويفتي، ويجمع طرق المذهب، إلى أن رجع إلى بلده بعد مُضيَّ نوبة التعصب، فدرّس بنظامية نيسابور، واستقام الأمر، وبقي على ذلك ثلاثين سنة غير مزاحم ولا مدافع، مُسلمًا له المحراب والمنبر والخطبة والتدريس، ومجلس الوعظ يوم الجمعة، وظهرت تصانيفه وحضر درسه الأكابر والجمع العظيم من الطلبة، كان يقعد بين يديه نحو من ثلاثمائة، وتفقه به أئمة (8).
_________
(1) العقيدة النظامية، ص 87 - 89.
(2) العقيدة النظامية، ص 87 - 89.
(3) طبقات الشافعية (5/ 177).
(4) وفيات الأعيان (3/ 168).
(5) وفيات الأعيان (3/ 168).
(6) طبقات الشافعية للإسنوي (1/ 199).
(7) المصدر نفسه (5/ 173).
(8) سير أعلام النبلاء (18/ 470).
(1/349)

4 - من أخلاقه وصفاته: حباه الله صفات عالية وأخلاقاً سامية هيأت له تلك المنزلة التي شغلها بين العلماء، وجعلته جديراً بالمكانة التي اعتلاها بين الحكماء, ومن هذه الأخلاق:
أ- التواضع: فقد ذكروا أنه كان من التواضع لكل أحد بمحل يتخيل منه الاستهزاء لمبالغته فيه، وما كان يستصغر أحداً حتى يسمع كلامه، ولا يستنكف أن يعزو الفائدة المستفادة إلى قائلها، ويقول: هذه الفائدة مما استفدته من فلان (1). وكان يتعلم من تلاميذه بعضد الفنون التي ينبغون فيها، ولا يجد في ذلك حرجًا ولا غضاضة، وجاء في ترجمة الإمام عبد الرحيم, ابن الإمام أبي القاسم القشيري: تخرج على إمام الحرمين .. وواظب على درسه، وصحبه ليلاً ونهاراً ... وكان الإمام يعتد به ويستفرغ أكثر أيامه معه مستفيداً منه بعض مسائل الحساب في الفرائض، والدور، والوصية (2). وكان يُعنى بأقواله في الفقه, قال السبكي عن ذلك: وأعظم ما عظم به الإمام عبد الرحيم أن إمام الحرمين نقل عنه في كتاب الوصية، وهذه مرتبة رفيعة (3).
ب- حر الرأي والضمير: كان حر الرأي والضمير لا يقلد أحداً، فمنذ شبابه رفض أن يقلد والده وأصحابه، وأخذ في التحقيق (4). وفي هذا المجال لم يكن يحابي أحداً ولو كان أباه، أو أحد الأئمة المشهورين. قال في اعتراض عن والده: وهذه زلة من الشيخ رحمه الله (5).
جـ- قوة الذاكرة: كان يتمتع بذاكرة نادرة وحافظة لاقطة. رووا عنه أنه كان يذكر دروساً يقع كل واحد منها في عدة أوراق ولا يتلعثم في كلمة منها ولا يحتاج إلى إبدال كلمة منها مكان غيرها, بل يمر فيها مراً كالبرق الخاطف بصوت مطابق كالرعد القاصف (6).
د- صبره في طلب العلم: تميز -رحمه الله- بصبر ودأب نادرين في طلب العلم والبحث، فمع أنه قعد للتدريس مكان أبيه لم يشغله ذلك عن البحث والدرس، فكان يبكر قبل الاشتغال بدرس نفسه إلى مسجد الأستاذ أبي عبد الله الخبازي يقرأ عليه القراءات ويقتبس من كل نوع من العلوم (7)، وعن أبي الحسن بن أبي عبد الله بن أبي الحسين: سمعت إمام الحرمين في أثناء كلام له يقول: أنا لا أنام، ولا آكل عادة، وإنما أنام إذا غلبني
_________
(1) فقه إمام الحرمين, د. عبد العظيم الديب، ص 56.
(2) طبقات الشافعية (7/ 165) , فقه إمام الحرمين، ص 57.
(3) النهاية لإمام الحرمين (4/ 26) , نقلاً عن فقه إمام الحرمين، ص 57.
(4) فقه إمام الحرمين، ص 57.
(5) شذرات الذهب, نقلاً عن فقه إمام الحرمين، ص 57.
(6) وفيات الأعيان (2/ 341).
(7) كذب المفترى, نقلاً عن فقه إمام الحرمين، ص 58.
(1/350)

النوم ليلاً أو نهاراً, وآكل إذا اشتهيت الطعام أيَّ وقت كان ... ثم يقول أبو الحسن: كان لذته ولهوه وتفننه في مذاكرة العلم، وطلب الفائدة من أي نوع كان (1)، قال عنه المجاشعي النحوي: ما رأيت عاشقاً للعلم مثل هذا الإمام (2).
هـ- رقة القلب وخشوعه: رزقه الله رقة القلب وخشوعه، وشفافية نادرة، قالوا: ومن رقة قلبه أنه كان يبكي إذا سمع بيتاً أو تفكر في نفسه ساعة، وإذا شرع في حكاية الأحوال، خاصة في علوم الصوفية، في فصول مجالسه بالغدوات أبكى الحاضرين ببكائه، وقطر الدماء من الجفون بزعقاته وإشاراته لاحتراقه في نفسه، وتحققه مما يجري من دقائق الأسرار (3). ويصور السبكي هذا قائلاً: وإذا وعظ ألبس الأنفس من الخشية ثوباً جديداً، ونادته القلوب: إننا بشر فأسجح فلسنا بالجبال ولا الحديد (4). إن التصوف في حقيقته هو التزكية وحفظ الجوارح من المعاصي, وتطهير النفوس من أمراضها, والزهد في الدنيا, والتعلق بالله وحده, مع الخلو من البدع والانحرافات والخرافات والغلو التي ما أنزل الله بها من سلطان, وهو في جوهره جزء من الإسلام، لأنه عبارة عن تربية النفس لتوثيق صلتها بالله تعالى، وتعميق مراقبتها له في كل لحظة, واستمرار القلب واللسان في ذكر الله تعالى، وكان العلماء في سلف هذه الأمة يهتمون بتزكية نفوسهم والإكثار من الذكر والأوراد, ويحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا، إلا أن طريق التصوف في وقتنا الحالي يحتاج إلى تنقية وعرض تراثه على كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فقد تسربت بعض الأفكار الدخيلة إلى العقيدة مما ينكره الدين والإسلام، فعلم التزكية له أصوله من عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - والصحابة الكرام والتابعين بإحسان، من أمثال الحسن البصري ومالك بن دينار ومحمد بن واسع وعبد الله بن المبارك وغيرهم كثير.
و- كرمه وجوده: وأما كرمه وسخاؤه، فقد كان مضرب المثل، لم يشغل بمال يثمره، ولا براتب يدخره، فقد كان ينفق على طلبة العلم، ويبحث عمن يدرس الفقه لينفق عليهم (5). هذه بعض صفاته التي ذكرها المؤرخون.
5 - القيمة العلمية لكتاب الإمام الجويني غياث الأمم: من مقدمة كتاب «غياث الأمم في التياث الظلم» يمكن الاستنتاج بأن هذا الكتاب قد وضع أصلاً لتبيان حقيقة الدين الإسلامي في أمور الإمامة والولاية وجملة الشريعة وفق اجتهاده، والخطاب فيه موجه إلى وزير الدولة نظام الملك، فقد حاول تبيان أهمية الدور الذي لعبه الوزير نظام الملك في تثبيت أركان المذهب السني وإعزاز
_________
(1) كذب المفترى, نقلاً عن فقه إمام الحرمين، ص 58.
(2) كذب المفترى, نقلاً عن فقه إمام الحرمين، ص 58.
(3) فقه إمام الحرمين، ص 59.
(4) طبقات الشافعية, نقلاً عن فقه إمام الحرمين، ص 59.
(5) الإمام الجويني، ص 208, طبقات الشافعية (5/ 170، 175).
(1/351)

مكانته في الدولة السلجوقية, وقد بالغ في وصفه في مقدمة الكتاب حيث قال: سيد الورى وموصل الدين والدنيا، وملاذ الأمم، مستخدم السيف والقلم, ومن ظَل ظل الملك بيمن مساعيه ممدوداً، ولواء النصر معقوداً, فكم باشر أوار الحرب, وأدار رحى الطعن والضرب (1)، الخ.
إن كتاب «غياث الأمم في التياث الظلم» كتاب شامل في مسائل الإمامة وما يتصل بها من أمور، وهي شمولية لا تتصف بها كتب السابقين وخصوصاً كتاب «الأحكام السلطانية» , كما أنه لا يقوم على الاجتهاد المحض كما هو الأمر لدى الماوردي، بل على الأدلة الشرعية التي تخص المسألة المطروحة للبحث (2)، والبنية الأساسية لموضوع الكتاب هي الرد على المخالفين لأهل السنة وعلى الأخص الفرق الإسلامية من الشيعة في موضوع الإمامة، ولذا أصبح مرجعاً في هذا الشأن، كما يعد كتاب غياث الأمم في التياث الظلم أوسع كتاب ظهر في الفكر السياسي الإسلامي في مسائل الإمامة إذا قارناه بالأحكام السلطانية للماوردي، والسياسة الشرعية لابن تيمية، وتحرير الأحكام لابن جماعة، إضافة إلى المنهج النقدي الذي اتبعه إمام الحرمين في دراسته، إذ لا يكتفي بعرض الموضوع من الناحية الشرعية فقط وآراء الفقهاء السابقين عليه حوله، بل يُمحص هذه الآراء ويفنّد الخاطئة منها، وهذا أمر قلّ حدوثه في المؤلفات الإسلامية في حقل السياسة (3)، وقد ناقش الإمام الجويني في كتابه غياث الأمم، نظرية الإمامة وما يدور حولها، كوجوب نصب الأئمة وقادة الأمة، والجهات التي تعين الإمامة وتوجب الزعامة، وصفات أهل الحل والعقد واعتبار العدد فيمن إليه العهد، وصفات الإمام القوام على أهل الإسلام، والطوارئ التي توجب الخلع والانخلاع، وإمامة المفضول، ونصب إمامين، وتفصيل ما إلى الأئمة والولاة (4). وكتاب غياث الأمم والتياث الظلم يعطي صورة واضحة عن الفكر السياسي السني في ظل الذروة التي وصل إليها المذهب السني على يد السلاجقة واستقرار الأمن الفكري على يد الوزير نظام الملك (5).
إن شخصية الإمام الجويني -رحمه الله- تتميز بالاستقلالية، والإضافة, والأمانة - بالنسبة لكتابته - وهذه الأمور الثلاثة هي أكثر ما نحتاج إليه في البحوث الإسلامية المعاصرة, إنه لم يكن يرضى بتقليد والده مع أنه كان إماماً في عصره, وكان لا يستنكف أن يعزو الفائدة المستفادة إلى قائلها ويقول: إن هذه الفائدة مما استفدته من فلان، وأخيراً فإن هناك ثلاثة كتب تعد من أنفع
_________
(1) غياث الأمم، ص 9، 10.
(2) دراسة في السياسة الشرعية عند فقهاء أهل السنة للبغدادي، ص 182.
(3) المصدر نفسه، ص 183.
(4) المصدر نفسه، ص 184.
(5) المصدر نفسه، ص 179.
(1/352)

كتب التراث للاقتصاديين المسلمين، وهي: الغياثي لإمام الحرمين وهو أسبقها، وقواعد الأحكام لسلطان العلماء وهو أمتعها، ومقدمة ابن خلدون وهو أشملها (1).
6 - عودته إلى مذهب السلف ورجوعه عن علم الكلام:
يعتبر الجويني إمام الحرمين من أعظم أعلام الأشاعرة، ولا يكاد يذكر المذهب الأشعري إلا يسبق إلى الذهن هذا الإمام المشهور كأحد من يتمثل هذا المذهب في أقواله وكتبه، وقد قام إمام الحرمين باجتهادات داخل المذهب الأشعري، فالجويني وإن تبنى أقوال شيوخه السابقين ونقلها إلا أنه رد أو ناقش منها ما يرى أنه يستحق الرد والمناقشة (2)، ولما كان الجويني ممن خاض في مسائل علم الكلام أكثر ممن سبقه وما تميزت به شخصيته من استقلال واعتداد، بحيث لا يرى غضاضة في مخالفة شيوخه ولو كانوا أعلاماً كالأشعري والباقلاني وابن فورك وأبي إسحاق الإسفراييني وغيرهم، فقد برز في كتبه ما يدل على تراجعه على بعض أقواله ويمكن عرض الشواهد التالية:
أ- حيرته في مسأله العلو: وسُئل عن قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] فقال: كان الله ولا عرش. وهو الآن على ما كان عليه، فرد عليه أحد العارفين، لكن الضرورة في قلوبنا تطلب العلو ولا نلتفت يمنة ولا يسرة، وما قال عارف قط يا رباه إلاّ وسبقه نظره إلى فوق، فما كان من إمام الحرمين إلا أن ضرب بكمه السرير، وصاح بالحيرة والدهشة (3)، وجاء في رواية الذهبي: أخبرني أبو جعفر الحافظ، سمعت أبا المعالي وسئل عن قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 50] فقال: كان الله ولا عرش. وجعل يتخبَّطُ، فقلت: هل عندك للضرورات من حيلة؟ فقال: ما معنى هذه الإشارة؟ قلت: ما قال عارف قط: يا رباه إلا قبل أن يتحرك لسانه قام من باطنه قصد لا يلتفت يمنة ولا يسرة - يقصد الفوق - فهل لهذا القصد الضروري عندك من حيلة؛ فتنبئنا نتخلص من الفوق والتحت؟ وبكيت وبكى الخلق، فضرب بكمه على السرير، وصاح الحيرة، ومَزَّق ما كان عليه، وصارت قيامة في المسجد، ونزل يقول: يا حبيبي: الحيرة الحيرة والدهشة (4)، وجاء في رواية: حيرني الهمذاني (5).
ب- عودته إلى مذهب السلف في الصفات: قال أبو المعالي في كتاب الرسالة النظامية:
_________
(1) الفكر الاقتصادي عند إمام الحرمين الجويني للدكتور رفيق يونس، ص 87، 88.
(2) موقف ابن تيمية من الأشاعرة (2/ 602).
(3) طبقات الشافعية (5/ 190)، العقيدة النّظامية، ص 78.
(4) سير أعلام النبلاء (18/ 47) , العلو للذهبي، ص 18.
(5) مختصر العلو للألباني، ص 277، إسناد هذه القصة صحيح مسلسل بالحفاظ.
(1/353)

اختلفت مسالك العلماء في الظواهر التي وردت في الكتاب والسنة، وامتنع على أهل الحقَّ فحواها (1)، فرأى بعضهم تأويلها والتزم ذلك في القرآن، وما يصح من السُّنن، وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الرب تعالى، والذي نرتضيه رأياً، وندين لله به عقداً اتباع سلف الأُمَّة، فالأولى الاتباع، وترك الابتداع (2) , والدليل السمعي القاطع في ذلك أن إجماع الأمة حجة متبعة، وهو مستند معظم الشريعة، وقد درج صحبُ الرسول - صلى الله عليه وسلم - على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما فيها وهم صفوة الإسلام المستقلون بأعباء الشريعة، وكانوا لا يألون جهداً في ضبط قواعد الملة والتواصي بحفظها وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها، فلو كان تأويل هذه الظواهر مسوغاً أو مختوماً؛ لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة، فإذا تصرم عصرهم وعصر التابعين على الإضراب عن التأويل؛ كان ذلك قاطعاً بأنه الوجه المتبع، فحقَّ على ذي الدين أن يعتقد تنزُّه الباري عن صفات المُحدَثين، ولا يخوض في تأويل المشكلات، ويَكِل معناها إلى الرب، فليُجْر آية الاستواء والمجيء - أي {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 22] وقوله: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] و {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} [الرحمن: 27]، و {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} [القمر: 14]- وما صح من أخبار الرسول كخبر النزول وغيره على ما ذكرناه (3).
وحكى الفقيه أبو عبد الله الحسن بن العباس الرُّستمي قال: حكى لنا أبو الفتح الطبري الفقيه قال: دخلت على أبي المعالي في مرضه، فقال: اشهدوا عليَّ أني قد رجعت عن كل مقالة تخالف السُّنة، وإني أموت على ما يموت عليه عجائز نيسابور (4)، وقال في كتابه الغياثي - الذي ألفه بعد النظامية فهو من آخر كتبه- موصياً مغيث الدولة الذي هو نظام الملك قائلاً: والذي أذكره الآن لائقاً بمقصود هذا الكتاب أن الذي يحرص الإمام عليه جمع عامة الخلق على مذاهب السلف السابقين، قبل أن نبغت الأهواء وزاغت الآراء، وكانوا - رضي الله عنهم - ينهون عن التعرض للغوامض والتعمق في المشكلات، والإمعان في ملابسة المعضلات، والاعتناء بجميع الشبهات، وتكلف الأجوبة عما لم يقع من السؤالات، ويرون صرف العناية إلى الاستحثاث على البر والتقوى، وكف الأذى، والقيام بالطاعة حسب الاستطاعة، وما كانوا ينكفون - رضي الله عنهم - عما تعرض له المتأخرون عن وعي وحصر، وتبلد في القرائح، هيهات، قد كانوا أذكى الخلائق أذهاناً، وأرجحهم بياناً (5).
_________
(1) في النظامية المطبوعة بتحقيق العلامة الكوثري، ص 23 بعد هذه العبارة ما نصه: وإجراؤها على موجب تبرزه أفهام أرباب اللسان.
(2) العقيدة النظامية، ص 74.
(3) سير أعلام النبلاء (18/ 474).
(4) سير أعلام النبلاء (18/ 474).
(5) غياث الأمم، ص (190،191).
(1/354)

جـ- نهيه أصحابه عن علم الكلام: فقد رجع عن علم الكلام وهو من الأمور المشهورة عنه, ومن أقوله ما رواه الفقيه غانم الموشلي: سمعت الإمام أبا المعالي يقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما اشتغلت بالكلام (1) وروي عنه أنه قال: قرأت خمسين ألفاً في خمسين، ثم خليت أهل الإسلام بإسلامهم فيها وعلومهم الظاهرة، وركبت البحر الخضم، وغصت في الذي نهى أهل الإسلام، كل ذلك في طلب الحق، وكنت أهرب في سالف الدهر من التقليد، والآن فقد رجعت إلى كلمة الحق، عليكم بدين العجائز، فإن لم يدركني الحق بلطيف بره فأموت على دين العجائز، ويختم عاقبة أمري عند الرحيل على كلمة الإخلاص: لا إله إلا الله، فالويل لابن الجويني (2).
7 - مؤلفاته: ترك الإمام الجويني -رحمه الله- ثروة هائلة من الكتب والمصنفات, ومن أهم مؤلفاته:
* في العقيدة:
- لمع الأدلة في قواعد أهل السنة.
- الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد.
- الشامل في أصول الدين.
- شفاء الغليل في بيان ما وقع في التوراة والإنجيل من التبديل.
- رسالة في أصول الدين.
- مسائل الإمام عبد الحق الصقلي وأجوبتها.
- مختصر الإرشاد للباقلاني.
- العقيدة النظامية.
- كتاب النفس.
- كتاب الكرامات.
- مدارك العقول.
* كتبه في الفقه وأصوله:
- نهاية المطلب في دراية المذهب.
- مختصر النهاية.
- البرهان في أصول الفقه.
- الورقات.
- التلخيص في أصول الفقه.
* مؤلفات في الخلاف والجدل والسياسة:
- مغيث الخلق في اختيار الأحق.
- الأساليب في الخلاف.
- الدرة المعنية فيما وقع من خلاف بين الشافعية والحنفية.
_________
(1) سير أعلام النبلاء (18/ 474).
(2) المنتظم (9/ 19) , موقف ابن تيمية من الأشاعرة (2/ 620).
(1/355)

- الكافية في الجدل. ... - العمد.
- غياث الأمم في التياث الظلم (1). ومن أراد التوسع فليراجع مقدمة كتاب العقيدة النظامية. فقد أفاض محقق الكتاب الدكتور محمد الزبيدي في سيرة الجويني وآثاره، وكذلك كتاب فقه إمام الحرمين للدكتور عبد العظيم الديب، وكتاب الإمام الجويني إمام الحرمين للدكتور محمد الزحيلي.
8 - وفاته: أصيب الجويني قبل وفاته بمرض اليرقان عدة أيام، انقطع خلالها عن المجالس وحلقات التدريس بالنظامية ثم تعافى من المرض ورجع إلى التدريس والمناظرة، وأضفى ذلك سروراً بالغاً على تلامذته ومحبيه، لكن المرض عاوده من جديد واشتد عليه، فزاد ضعفه، ولم يقو على مزاولة أعماله, ثم نقل إلى بلدة بشتقان إحدى قرى نيسابور، وكانت معروفة باعتدال هوائها. إلا أن المرض تمكّن منه وبدت عليه أحوال ألموت، ثم توفي في هذه البلدة وقت صلاة العشاء في الخامس والعشرين شهر ربيع الآخر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة للهجرة، وكان عمره تسعاً وخمسين سنة (2)، ثم نقل جثمان الجويني في تلك الليلة إلى نيسابور، وحمل في يوم الأربعاء بين الصلاتين إلى ميدان الحسين في المدينة وصلى عليه ثم أعيد إلى داره ودفن فيها، لكن جثمانه نقل فيما بعد إلى مقبرة الحسين في نيسابور ودفن إلى جانب والده (3). وكان لوفاة الجويني وقع شديد على أهالي نيسابور والبلاد المجاورة بعامة، وعلى تلامذته ومحبيه بخاصة (4)، فقد كسروا منبره، وغلقت الأسواق، ورثي بقصائد، وكان له نحو من أربعمائة تلميذ، كسروا محابرهم وأقلامهم، وأقاموا حولاً، ووضعت المناديل عن الرءوس عاماً، بحيث ما اجترأ أحد على ستر رأسه, وكان الطلبة يطوفون في البلد نائحين عليه، مبالغين في الصياح والجزع (5). وقد علق الذهبي على ذلك فقال: هذا كان من زيّ الأعاجم لا من فعل العلماء المتبعين (6) , ومما رثي به:
قلوب العالمين على المقالي ... وأيام الورى شبه الليالي
أيثمر غصن أهل العلم يوما ... وقد مات الإمام أبو المعالي (7)

* * *
_________
(1) العقيدة النظامية، ص 93 - 102.
(2) طبقات الشافعية للإسنوي (5/ 187) , العقيدة النظامية، ص 79.
(3) وفيات الأعيان (3/ 169).
(4) العقيدة النَّظامية، ص 80.
(5) سير أعلام النبلاء (18/ 476).
(6) سير أعلام النبلاء (18/ 476).
(7) وفيات الأعيان (3/ 170).
(1/356)

المبحث الخامس
الإمام الغزالي، من كبار علماء المدارس النَّظامية
أولاً: اسمه ونسبه ونشأته:
1 - اسمه ونسبه: الشيخ الإمام البحر، حجة الإسلام، أعجوبة الزمان، زين العابدين, أبو حامد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي، الشافعي، الغزالي، صاحب التصانيف والذكاء المفرط (1). وقد نسبه البعض إلى غزالة - بتخفيف الزاي - وهي بلدته التي ولد فيها, وهي نسبة صحيحة من حيث اللغة, والبعض نسبه إلى: الغزَّالي - بتشديد الزاي -نسبة إلى الغزال حرفة والده التي كانت يكتسب منها وهي نسبة صحيحة أيضاً من حيث اللغة.
2 - نشأته ومولده: ولد «بطوس» (2)، سنة خمسين وأربعمائة هجرية, وأما والده فقد كان فقيراً صالحاً لا يأكل إلا من كسب يده حيث كان يغزل الصوف ويبيعه في دكانه بطوس، وكان يختلف في أوقات فراغه إلى مجالسة العلماء ويطوف عليهم ويتوفر على خدمتهم, ويجدّ في الإحسان إليهم والتفقه بما يمكنه عليهم, وكان إذا سمع كلامهم بكى وتضرع إلى الله أن يرزقه ابنا يجعله فقيهاً وواعظاً، فرزقه الله بولدين هما أبو حامد وأخوه أحمد (3)، غير أن الأقدار لم تمهله حتى يرى رجاءه قد تحقق ودعوته قد استجيبت، فقد توفي وما يزال أبو حامد صغيراً لم يبلغ سن الرشد. أما أم (أبي حامد) فقد عاشت حتى شهدت بزوغ شمس ابنها في سماء المجد وتبوأه أكبر مركز علمي في ذلك العهد (4) , وكان والده قد أوصى به وبأخيه إلى صديق له متصوف من أهل الخير وقال له: إن لي لتأسفاً عظيماً على تعلم الخط، وأشتهي استدراك ما فاتني في ولديّ هذين، فعلمهما ولا عليك أن تنفذ في ذلك جميع ما أخلفه بهما، فلما مات أقبل الصوفي على تعليمهما إلا أنه ما فتئ أن نفد ذلك النَّزر اليسير الذي خلفه لهما أبوهما، وتعذر على الصوفي القيام بقوتهما، فقال لهما: اعلما أني قد أنفقت عليكما ما كان لكما، وأنا رجل من الفقر والتجريد لا مال لي فأواسيكما به، وأصلح ما أرى لكما أن تلجآ إلى مدرسة فإنكما من طلبة العلم فيحصل لكما قوت يعينكما على قوتكما، ففعلا ذلك، وكان هو السبب في سعادتهما وعلو درجتهما, وكان الغزالي يحكي
_________
(1) سير أعلام النبلاء (18/ 322، 323).
(2) مدينة بخراسان تقع شمال شرق إيران وتسمى الآن بشهر.
(3) وفيات الأعيان (1/ 207) , التصوف بين الغزالي وابن تيمية، ص 46.
(4) طبقات الشافعية (6/ 193، 194) بتصرف.
(1/357)

هذا ويقول: طلبنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا الله (1).
3 - اجتهاده في طلب العلم: قرأ في صباه طرفاً من الفقه ببلده طوس على أستاذه أحمد بن محمد الرازكاني (2)، وكان أستاذه الأول بها (يوسف النساج)، وبعد تناول الغزالي هذا القدر اليسير من الفقه في بلدته يشد الرحال إلى جرجان، حيث التقى بأستاذه أبي نصر الإسماعيلي ويدون ما يسمعه منه كمرحلة أولى من التلقي والتعليم، ثم يرجع إلى طوس وفي أثناء رجوعه حدث له ما جعله يحفظ ما كتب ويفهم ما علم, وفي هذا يقول: قطعت علينا الطريق وأخذ العيارون جميع ما معي، ومضوا فتبعتهم، فالتفت إلى مقدمهم وقال: ارجع ويحك وإلا هلكت، قلت له: أسألك بالذي ترجو السلامة منه أن ترد علىَّ تعليقتي فقط فما هي بشيء تنتفعون به, فقال لي: وما هي تعليقتك؟ فقلت: كتب في تلك المخلاة هاجرت لسماعها وكتابتها ومعرفة علمها، فضحك، وقال: كيف تدعى أنك عرفت علمها، وقد أخذناها منك، فتجردت من معرفتها وبقيت بلا علم؟ ثم أمر بعض أصحابه فسلم إلىّ المخلاة. قال الغزالي: هذا منطق أنطقه الله ليرشد به أمرى، فلما وافيت طوس أقبلت على الاشتغال ثلاث سنين حتى حفظت جميع ما علقته، وصرت بحيث لو قطع على الطريق لم أتجرد من علمي (3).
4 - ملازمته إمام الحرمين: قدم الغزالي نيسابور - وهي عاصمة السلجوقيين، ومدينة العلم بعد بغداد - ولازم إمام الحرمين - وهو من عرفنا شخصيته وجلالته في العلم والتدريس- وجد واجتهد حتى برع في المذهب والخلاف والجدل والأصول, وكانت العلوم السائدة في عصره, وأعجب بذكائه وغوصه على المعاني الدقيقة واتساع معلوماته إمام الحرمين، فكان يقول: الغزالي بحر مغدق (4). وفاق أقرانه -وهم أربعمائة- حتى أصبح معيداً لأستاذه ونائباً عنه (5)، وقيل إنه ألف المنخول، فرآه أبو المعالي، فقال: دفنتني وأنا حيٌ، فهلا صبرت الآن، كتابك غطى على كتابي (6).
5 - تعيينه مدرساً على نظامية بغداد: ولما مات إمام الحرمين عام 478هـ خرج الغزالي إلى المعسكر قاصداً الوزير نظام الملك، وهو لم يتجاوز الثامنة والعشرين من سِنّه، وقد ظهر فضله وذاع صيته، وكان مجلس الوزير مجمع أهل العلم وملاذهم, وكانت المجالس
_________
(1) الإمام الغزالي، صالح الشامي، ص 19.
(2) الرازكاني: نسبة إلى بلدة صغيرة بنواحي طوس.
(3) الإمام الغزالي، صالح أحمد الشامي.
(4) طبقات الشافعية (6/ 195) , التصوف بين الغزالي وابن تيمية، ص 47.
(5) رجال الفكر والدعوة (1/ 172).
(6) سير أعلام النبلاء (19/ 335).
(1/358)

حتى المآتم لا تخلو من المناظرات الفقهية والمطارحات الكلامية، فناظر الغزاليُّ الأئمة العلماء في مجلس نظام الملك، وقهر الخصوم، وظهر كلامه عليهم، واعترفوا بفضله، وتلقَّاه الصاحب بالتعظيم والتبجيل، وولاه تدريس مدرسته النظامية ببغداد, وكان ذلك غاية ما يطمح إليه العلماء ويتنافسون فيه، فقدم بغداد في سنة أربع وثمانين وأربعمائة ولم يتجاوز الرابعة والثلاثين من عمره، وقلَّما تقلَّد هذا المنصب الرفيع عالم وهو في هذه السن، درّس الغزالي بالنظامية، وأعجب الخلق حسن كلامه، وكمال فضله، وفصاحة لسانه، ونُكتهُ الدقيقة، وإشاراته اللطيفة، وأحبُّوه (1). قال معاصره عبد الغافر الفارسي: وعلت حشمته ودرجته في بغداد حتى كانت تغلب حشمة الأكابر والأمراء ودار الخلافة (2)، وكان يقرأ عليه جمٌّ غفير من الطلبة المحصلين: يقول في «المنقذ من الضلال» في وصف حاله والنظامية: وأنا مهتم بالتدريس والإفادة لثلاثمائة نفس من الطلبة ببغداد (3). وأخذ في تأليف الأصول والفقه والكلام والحكمة (4).
6 - من أسباب نبوغ الغزالي وشهرته: تجمعت عدة عوامل كانت سبباً في نبوغ الغزالي وشهرته منها:
- نشأته العلمية، فقد كان شغوفاً بالعلم باحثاً عن اليقين، وعن حقائق الأمور، ودرس علوم عصره ونبغ فيها وفاق أقرانه.
- ما كان يتمتع به من حافظة قوية.
- ما كان يتمتع به من شدة الذكاء، فقد كان شديد الذكاء سديد النظر، مفرط الإدراك، بعيد الغور، غواصاً على المعاني الدقيقة.
- تدريسه بالمدرسة النظامية التي أنشأها السلاجقة لتعليم مبادئ أهل السنة، فقد كان ذلك من أسباب شهرته (5).
7 - التحول الكبير الذي غير مجرى حياته: بلغ الغزالي في تلك الأيام قمة المجد، وأتته الدنيا خاضعة ذليلة، أتته بالمال والشهرة وذيوع الاسم، كما أتته بالجاه ونفوذ الكلمة، واستمتع بذلك كله، ومع ذلك لم ينقطع عن طلب العلم، فطالع العلوم الدقيقة والكتب المصنفة فيها. مما كان له كبير الأثر في التحول الكبير الذي غير مجرى حياته فيما بعد (6)،
_________
(1) طبقات الشافعية (4/ 106).
(2) رجال الفكر والدعوة (1/ 173).
(3) المنقذ من الضلال، ص 85.
(4) سير أعلام النبلاء (19/ 173).
(5) التصوف بين الغزالي وابن تيمية، ص 50.
(6) الإمام الغزالي، صالح الشامي، ص 23.
(1/359)

ولنترك للإمام الغزالي الحديث، فهو خير من يشرح لنا قصته في هذا التحول: ابتدأت بمطالعة كتبهم مثل «قوت القلوب» لأبي طالب المكي رحمه الله، وكتب الحارث المحاسبي، والمتفرقات المأثورة عن الجنيد ..
فعلمت يقيناً أنهم أرباب الأحوال لا أصحاب الأقوال، وأن ما يمكن تحصيله بطريق العلم فقد حصلته ولم يبق إلا ما لا سبيل إليه بالسماع والتعليم، بل بالذوق والسلوك، وكان قد ظهر عندي أنه لا مطمع في سعادة الآخرة إلا بالتقوى، وكفَّ النفس عن الهوى، وأن رأس ذلك كله قطع علاقة القلب عن الدنيا، بالتجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى، وأن ذلك لا يتم إلا بالإعراض عن الجاه والمال، والهرب من الشواغل والعلائق, ثم لاحظت أحوالي, فإذا أنا منغمس في العلائق، وقد أحدقت بي من الجوانب، ولاحظت أعمالي -وأحسنها التدريس والتعليم - فإذا أنا فيها مقبل على علوم غير مهمة ولا نافعة في طريق الآخرة، ثم تفكرت في نيتي في التدريس، فإذا هي غير صالحة لوجه الله تعالى، بل باعثها ومحركها طلب الجاه، وانتشار الصيت، فتيقنت أني على شفا جرف هار، وأني أشفيت على النار، إن لم أشتغل بتلافي الأحوال، فلم أزل أفكر فيه مدة، وأنا بعد على مقام الاختيار، أصمم العزم على الخروج من بغداد ومفارقة تلك الأحوال يوماً، وأحل العزم يوماً، وأقدم فيه رجلاً، وأؤخر عنه أخرى، لا تصدق لي رغبة في طلب الآخرة بكرة، إلا وتحمل عليها جنود الشهوة جملة فتفترها عشية، فصارت شهوات الدنيا تجاذبني سلاسلها إلى المقام، ومنادي الإيمان ينادي: الرحيل الرحيل، فلم يبق من العمر إلا القليل، وبين يديك السفر الطويل، وجميع ما أنت فيه من العلم والعمل رياء وتخييل، فإن لم تستعد الآن للآخرة، فمتى تستعد؟ وإن لم تقطع هذه العوائق فمتى تقطع؟ فعند ذلك تنبعث الداعية، وينجزم العزم على الهرب والفرار، ثم يعود الشيطان ويقول: هذه الحال عارضة، إياك أن تطاوعها، فإنها سريعة الزوال، فإن أذعنت لها وتركت هذا الجاه العريض والشأن المنظوم الخالي عن التكدير والتنغيص، والأمن المسلم الصافي عن منازعة الخصوم، ربما التفتت إليك نفسك ولا يتيسر لك المعاودة، فلم أزل أتردد بين تجاذب شهوات الدنيا، ودواعي الآخرة، قريباً من ستة أشهر، أولها رجب سنة ثمان وثمانين وأربعمائة, وفي هذا الشهر جاوز الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار، إذ قفل الله على لساني حتى اعتقل عن التدريس، فكنت أجاهد نفسي أن أدرس يوماً واحداً تطييباً للقلوب المختلفة إليَّ, فكان لساني لا ينطق بكلمة واحدة، ولا أستطيعها ألبتة ... ثم لما أحسست بعجزي، وسقط بالكلية اختياري، التجأت إلى الله تعالى، التجاء المضطر، الذي لاحيلة له، فأجابني الذي يجيب المضطر إذا دعاه، وسهل على قلبي الإعراض عن الجاه والمال والأولاد
(1/360)

والأصحاب (1). وغادر الغزالي بغداد في شهر ذي القعدة سنة ثمان وثمانين، فحج وتوجه إلى الشام، فأقام بها عشر سنين، قضى بعضها في بيت المقدس, وكان غالب وقته فيها عزلة وخلوة، ورياضة ومجاهدة للنفس، واشتغالاً بتزكيتها، وتصفية القلب لذكر الله تعالى، وكان يعتكف في منارة مسجد دمشق طول النهار (2)، ويصف معاصره عبد الغافر انقلابه هذا فيقول: وسلك طريق الزهد والتأله، وطرح ما نال من الدرجة للاشتغال بأسباب التقوى وزاد الآخرة، فخرج عما كان فيه .. وأخذ في مجاهدة النفس وتغيير الأخلاق، وتحسين الشمائل، فانقلب شيطان الرعونة وطلب الرياسة والجاه والتخلق بالأخلاق الذميمة إلى سكون النفس، وكرم الأخلاق، والفراغ عن الرسوم والترتيبات, وتزيا بزي الصالحين، وقصر الأمل .. والاستعداد للرحيل إلى الدار الباقية (3) وأخذ في التصانيف المشهورة مثل إحياء علوم الدين والكتب المختصرة منه، مثل الأربعين وغيرها من الرسائل، التي من تأملها علم محل الرجل من فنون العلم (4).
8 - عودته للتصدي للتعليم: ثم عاد بعد تلك العزلة التي استمرت عشر سنوات إلى بلده طوس، ليتابع عزلته سنة أخرى وتحت إلحاح الولاة وتكرار طلبهم بالخروج إلى الناس .. خرج إلى نيسابور ليدرس بالمدرسة النظامية فيها, وكان ذلك في شهر ذي القعدة سنة 499هـ وقال في ذلك: ويسر الله الحركة إلى نيسابور للقيام بهذا المهم في ذي القعدة سنة تسع وتسعين وأربعمائة، وبلغت مدة العزلة إحدى عشرة سنة (5)، ويشرح لنا الغزالي عودته إلى التعليم، وأنها كانت بأسلوب جديد، ونية جديدة، وهدف جديد يختلف كل الاختلاف عما كان عليه سابقاً, فيقول: وأنا أعلم أني وإن رجعت إلى نشر العلم، فما رجعت، فإن الرجوع عود إلى مكان. وكنت في الزمان أنشر العلم الذي به يكسب الجاه وأدعو إليه بقولي وعملي، وكان ذلك قصدي ونيتي، وأما الآن فأدعو إلى العلم الذي به يترك الجاه ويعرف به سقوط رتبة الجاه, هذا هو الآن نيتي وقصدي وأمنيتي يعلم الله ذلك مني, وأنا أبغي أن أصلح نفسي وغيري, ولكني أؤمن إيمان يقين ومشاهدة أنه لا حول ولا قوة إلا بالله العظيم، وأني لم أتحرك لكنه حركني، وأني لم أعمل لكنه استعملني، فأسأله أن يصلحني أولاً، ثم يصلح بي، ويهديني، ثم يهدي بي، وأن يريني الحق حقاً ويرزقني اتباعه، ويريني الباطل باطلاً ويرزقني اجتنابه (6)، ولم تطل إقامته في نيسابور وكانت المدة التي درسها في النظامية فيها يسيرة، ثم
_________
(1) المنقذ من الضلال، ص 139 - 143.
(2) الإمام الغزالي للشامي، ص 25.
(3) المصدر نفسه، ص 26.
(4) المصدر نفسه، ص 26.
(5) المنقذ من الضلال، ص 159.
(6) المنقذ من الضلال، ص 159 - 160.
(1/361)

ترك ذلك، وعاد إلى بيته في طوس، واتخذ في جواره مدرسة للطلبة، وخانقاه للصوفية، ووزَّع أوقاته على وظائف: من ختم القرآن، ومجالسة ذوي القلوب, والقعود للتدريس, حتى توفي بعد مقاساة لأنواع من القصد، والمناوأة من الخصوم والسعي فيه إلى الملوك، وحفظ الله له عن نوش أيدي النكبات (1).
وكانت خاتمة أمره إقباله على طلب الحديث ومجالسة أهله، ومطالعة الصحيحين، ولو عاش، لسبق الكل في ذلك الفن بيسير من الأيام, وهذا توفيق من الله تعالى كبير للإمام الغزالي أن جعل خاتمته على الحديث والسنة, ونحسب أن الله تعالى وفقه لهذه النهاية بكرم وفضل منه ومنة. ولم يتفق له أن يروي، ولم يعقب إلا البنات وكان له من الأسباب إرثاً وكسباً ما يقوم بكفايته، وقد عُرضت عليه أموال فما قبلها (2). ومما كان يعترض به عليه وقوع خلل من جهة النحو في أثناء كلامه، وروجع فيه فأنصف، واعترف أنه ما مارسه واكتفى بما كان يحتاج إليه في كلامه، مع أنه كان يُؤلف الخُطب، ويشرح الكتب بالعبارة التي يعجز الأدباء والفصحاء عن أمثالها (3).
9 - الترتيب الزمني لمؤلفات الغزالي المقطوع بصحة نسبتها إليه حسب تاريخ تأليفها?
* المرحلة الأولى: من 465هـ - 478هـ: أي قبل وفاة شيخه أبي المعالي الجويني:
- التعليقة في فروع المذهب, وهي التي أخذها منه قطاع الطرق ثم ردوها إليه.
- المنخول في أصول الفقه.
* المرحلة الثانية: من 478هـ - 488هـ:
- البسيط في فروع المذهب. قال فيه ابن خلكان: ما صنف في الإسلام مثله.
- الوسيط (ملخص من البسيط).
- الوجيز.
- خلاصة المختصر ونقاوة المعتصر, أو الخلاصة في الفقه الشافعي.
- المنتحل في علم الجدل (في المناظرة والخلاف).
- مآخذ الخلاف.
- تحصين المآخذ (في علم الخلاف).
- المبادئ والغايات (في أصول الفقه).
- شفاء الغليل (في القياس والتعليل).
- فتوى لابن تاشفين (من جملة فتاوى الغزالي).
_________
(1) سير أعلام النبلاء (19/ 325).
(2) المصدر نفسه (19/ 326).
(3) المصدر نفسه (19/ 326).
(1/362)

- الفتوى اليزيدية (في حكم من كفر يزيد بن معاوية).
- مقاصد الفلاسفة (بيان مبادئ الفلسفة).
- تهافت الفلاسفة.
- معيار العلم. بعد التهافت وقبل سفره إلى دمشق (1).
- معيار العقول.
- محك النظر في المنطق. ويذكر الذهبي أنه ألفه بدمشق.
- ميزان العقل.
- المستظهري - وهو رد على الباطنية.
- حجة الحق، كذلك بيان فساد مذهب الباطنية.
- قواصم الباطنية؛ يرد فيه على شبههم.
- الاقتصاد في الاعتقاد.
- الرسالة القدسية في العقائد.
- المعارف العقلية والأسرار الإلهية.
هذه أهم كتبه في هذه المرحلة
* المرحلة الثالثة: من 488هـ - 499هـ: وكتب هذه المرحلة كثيرة أهمها:
- إحياء علوم الدين.
* المرحلة الرابعة (بين 499هـ - 503هـ) وأهم كتب هذه المرحلة:
- المنقذ من الضلال.
- المستصفى في علم الأصول.
* السنوات الأخيرة من 503هـ - 505هـ:
- منهاج العابدين في الزهد والأخلاق والعبادات.
- إلجام العوام عن علم الكلام. وهو آخر كتبه التي ألفها عام 505هـ وقبيل موته بأيام. جرى على مذهب السلف ونسب ما دونه من المذاهب إلى البدعة (2).

ثانياً: موقف الغزالي من الشيعة الباطنية:
إذا كانت إحدى ثمرات المدارس النظامية أنها مهدت الطريق لسيادة المذهب السني الأشعري، فإنه كان من أبرز آثارها أيضاً تقلص نفوذ الفكر الشيعي، خاصة بعد أن خرجت المؤلفات المناهضة له من هذه المدارس، وكان الإمام الغزالي - العالم السني - على قمة
_________
(1) أبو حامد الغزالي والتصوف، عبد الرحمن دمشقية، ص 35 - 40.
(2) أبو حامد الغزالي والتصوف، عبد الرحمن دمشقية، ص 35 - 40.
(1/363)

المفكرين الذين شنوا حرباً شعواء على الشيعة خاصة الباطنية الإسماعيلية إذ يذكر هو أنه ألف في ذلك كتباً عدة: أشهرها فضائح الباطنية الذي كلف بتأليفه في 487هـ من قبل الخليفة المستظهر (1)، على أن الشيء المثير للإعجاب هو شجاعة الغزالي في حملته على الإسماعيلية الباطنية التي جاءت في وقت انتشر فيه دعاتهم في فارس، وتزايد خطرهم حتى أقاموا الحصون والقلاع، وهددوا أمن الناس وسلامتهم، وقاموا بالاغتيالات على نطاق واسع فشملت كثيراً من الساسة والمفكرين وعلى رأسهم نظام الملك نفسه, والغزالي قام بهذه الحملة بتوجيه من السلطة, مع رغبة الغزالي العالم السني في القيام بواجبه في الدفاع عن الإسلام الحقيقي (2)، وهذا شيء جميل أن تلتقي جهود السلطة السياسية مع علمائها في تحقيق أهداف الإسلام من خلال مؤسسات نافعة للمجتمعات والدول والحضارات، كالذي قامت به المدارس النظامية في مقاومة الفكر والنفوذ الشيعي الباطني. كانت الدولة الفاطمية قد تدرعت بالفلسفة وظهرت في مظهر ديني سياسي، فكانت -كما يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي - أشد خطراً على الإسلام من الفلسفة، فقد كانت الفلسفة تعيش في برجها العاجي بعيداً عن الشعب والجمهور (3)،
وأما الباطنية، فكانت تتسرب إلى المجتمع وتنفث سمومها فيه، وكانت لها الإغراءات المادية القوية، ولم يكن في العالم الإسلامي في آخر القرن الخامس أحد أجدر بالرد عليها، والكشف عن أسرارها، ونقض ما تبني عليه دعوتها, من الغزالي.
1 - بنية كتاب «فضائح الباطنية»: الكتاب قسمان: القسم الأول خصصه الغزالي لإظهار «فضائح الباطنية»، وخصّص القسم الثاني لإثبات شرعية خلافة المستظهر بالله. ويمكن أن نتبيّن تقسيماً داخلياً للقسم الأول يحتوي على أكثر من عشرة فصول، مشروعية الرد عليهم، بيان صفاتهم، منشؤهم، أغراضهم، أتباعهم، مذهبهم ويشمل الإلهيات والنبوة والإمامة والحشر والنشر، استدلالهم بالأعداد والحروف، الكشف عن فتوى الشرع في حقهم من التكفير وسفك الدماء، أحكام من قضي بكفر منهم، في قبول توبتهم أو ردها، العهد معهم كيف يبطل ومتى .. (4) إلخ.
فالغزالي بدأ حديثه بمشروعية الرد على الباطنية ذاكراً أن التأليف في الرد عليهم هو فرض عين (5)، ثم عمد فيما بعد إلى الخوض في المسائل العملية محدداً من منهم يستحق
_________
(1) التاريخ السياسي والفكري، عبد المجيد بدوي، ص 194.
(2) رجال الفكر والدعوة (1/ 204) , الغزالي للقرضاوي، ص 57.
(3) الجهاد من الهجرة إلى الدعوة والدولة، محمد الرحموني، ص 147.
(4) الجهاد من الهجرة إلى الدعوة والدولة، محمد الرحموني، ص 147.
(5) فضائح الباطنية، ص 4، الجهاد للرجموني، ص 147.
(1/364)

التكفير ومن منهم يستحق التبديع، ومتى تقبل توبتهم ومتى ترد. إلخ.
فالغزالي لا يواجه كفّاراً مقطوعاً بكفرهم وإنما يواجه مجموعة ما فتئت تؤكد من خلال أفكارها وعقائدها وممارساتها أنها من داخل الأمة بل هي تقدم نفسها على أنها تروم تطهير الدين من الضلالات كما يقول إخوان الصفا، لذلك كان عليه أن يجتهد في إخراج هذه الجماعة من حظيرة الإسلام حتى يكون جهادها مشروعاً، ولا يتسنى له ذلك إلا بالكشف عن أصولها وأتباعها وعقائدها وغايتها القريبة والبعيدة، وحينما يتم ذلك تصبح معاملتهم معاملة الكفّار «أي جهادهم» أمراً مشروعاً ويجري عليهم حينئذ ما يجري على الكفّار من شروط وأحكام وطرائق (1).
2 - مضمون الكتاب: منذ فاتحة الكتاب وإلى نهاية القسم الأول يطالعنا الغزالي بحرصه الشديد على الربط بين مذهب الباطنية والكفر.
أ- فهُم كفّار في نشأتهم: ولكن تشاور جماعة من المجوس والمزدكية وشرذمة
من الثنوية الملحدين وطائفة كبيرة من ملحدة الفلاسفة المتقدمين وضربوا سهام
الرأي في استنباط تدبير يخفّف عنهم ما نابهم من استيلاء أهل الدين وينفّس عنهم
ما دهاهم من أمر المسلمين (2).
ب- وهمْ كفار في صفاتهم: لا يرجون لله وقاراً, ولو خاطبهم دعاة الحق ليلاً ونهاراً لم يزدهم دعاؤهم إلا فراراً, فإذا أطّل عليهم سيف أهل الحق آثروا الحق إيثاراً, وإذا انقشع عنهم ظلّه أصروا واستكبروا استكبارا (3).
جـ- وهم أيضاً كفّار إذ غرضهم الأقصى إبطال الشرائع: ففي مستوى الإلهيات هم يقولون بإلهين قديمين لا أول لوجودهما من حيث الزمان (4)، وهم بذلك يلتقون مع الثنوية والمجوس, وفي مستوى النبوات «رؤيتهم للنبي والنبوة» هم يرون أن النبي عبارة عن شخص فاضت عليه من السابق «الإله الأول» بواسطة التالي (الإله الثاني) قوة قدسية صافية مهيأة لأن تنتقش عند الاتصال بالنفس الكلية بما فيها من الجزئيات (5).
د- أما القرآن في مفهومهم فهو تعبير عن المعارف التي فاضت على الرسول من العقل
_________
(1) الجهاد من الهجرة إلى الدعوة إلى الدولة، ص 148.
(2) فضائح الباطنية، ص 28.
(3) فضائح الباطنية, نقلاً عن الجهاد من الهجرة إلى الدعوة إلى الدولة، ص 148.
(4) فضائح الباطنية، ص 37.
(5) فضائح الباطنية، ص 37.
(1/365)

الذي هو المراد باسم جبريل (1).
هـ- أما عن الإمامة, فقد اتفقوا على أن الإمام يساوي النبي في العصمة والاطّلاع على حقائق الحق في كل الأمور, إلا أنه لا ينزل إليه الوحي وإنما يتلقى ذلك من النبي خليفته وبإزاء منزلته (2).
و- وأما القيامة والمعاد فقد أنكروهما وأوّلوهما على أنهما مجرد رمز خروج الإمام وقيام قائم الزمان (3).
ز- وأما موقفهم من التكاليف الشرعية، فينبني على استباحة المحظورات واستحلالها وإنكار الشرائع (4). إن هذه الصفات والمعتقدات تسوي الباطنية بالكفار إلا أن الكفَّار يهددون الإسلام من الخارج, في حين أن الباطنية يهددونه من الداخل، فهم عنصر مخرب من داخل العقيدة ذاتها بما أنهم ينتسبون إلى الإسلام ويستظلون برايته ويدعون أنهم حماته والمعبرون عنه بصدق، لذلك فإن طريقة التعامل معهم يجب أن تكون أشد وأقسى من تلك التي يعامل بها الكفار (5)، كان لكتابات الغزالي أثر قوي في مجال الرد على الباطنية، فقد استطاع بفكره القوي وبما نال من شهرة أن يكون ذا تأثير قوي في مقاومة الباطنية، وأن يناصر المذهب السني، فقد استطاع توظيف العلوم الشرعية، والعلوم العقلية, من الفلسفة والمنطق والكلام, في نسف جذور المذهب الباطني, وقال فيهم كلمته التي سارت مسير الأمثال: ظاهرهم الرفض وباطنهم الكفر المحض، فهم يتسترون بالتشيع وما هم من الشيعة في شيء, وإنما هو قناع يخفون وراءه كيدهم لأهل الإسلام (6)، ومما يذكر للغزالي: استمراره على نقد هذه الطائفة، وكشف اللثام عن تناقض أفكارها، وفضائح أعمالها، وسوء نواياها، برغم ما كان معلوماً في ذلك الوقت أن هذا النقد قد يكلفه حياته، وقد رأى بنفسه مصرع رجل الدولة الكبير، الوزير نظام الملك وفخر الملك ابن نظام الملك أيضاً، فلم يجد بدًا أمام ضغطه من الإذعان, وكان الباطنية يهددون كل من يرونه خطراً عليهم -من رجال الملك
أو رجال العلم - بالانتقام في صورة طعنة في خنجر، أو سم يدس في طعام أو غير ذلك
من الأساليب التي أتقنوها ونفذوها بكل دقة، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على
شجاعة الغزالي في صدعه بالحق، ومواجهة الباطل، مهما تكن النتيجة ولن يصيبه
_________
(1) فضائح الباطنية، ص 41
(2) المصدر نفسه، ص 42.
(3) المصدر نفسه، ص 42.
(4) المصدر نفسه، ص 44.
(5) الجهاد من الهجرة إلى الدعوة إلى الدولة، ص 149.
(6) الإمام الغزالي بين مادحيه وناقديه للقرضاوي، ص 60.
(1/366)

إلا ما كتب الله له (1). وهذا درس وتذكير للعلماء المعاصرين أن يصدقوا الله في مقاومة الباطنيين الجدد، وقد رأيت بعض المحسوبين على العلماء يخشونهم، ويخافون من القتل والاغتيال أو تهمة الوهم بالطائفية أو وقوعهم تحت إبر التخدير الباطنية، أو نتيجة مجاملات لا وزن لها في ميزان الشريعة أو حسابات دنيوية زائلة, ولذلك تركوهم يعبثون بعقائد الأمة ومقدساتها، وأسهم بعض علماء الأمة في تخدير الجمهور العريض من أبناء المسلمين مع علم هؤلاء العلماء بخطر هؤلاء القوم على عقائد الأمة وأخلاقها، أما يخشى هؤلاء الناس من يوم تتقلب فيه القلوب والأبصار ويسأل الله فيه الصادقين عن صدقهم؟!.
3 - البعد السياسي في كتابات الغزالي: يعتبر الغزالي المنظر الكبير للدولة السلجوقية السنية, ولم يكن يعيش بعيداً عن الأحداث وصراعات السلاجقة مع خصومهم الفاطميين الإسماعيليين، فقد كان قبل عزلته وتركه للنظامية «فيلسوف الدولة» الذي عاش في كنفها، بالمعنى الإيديولوجي الكامل لكلمة «فيلسوف». لقد انخرط في سلك حاشية الوزير السلجوقي نظام الملك منذ الثامنة والعشرين من عمره، وباستثناء كتابين في الفقه (التعليق والمنخول)، فإن جميع ما كتبه الغزالي كتبه بعد انخراطه في سلك كبار رجال الدولة السلجوقية، وكما هو معروف فلقد كان الخصم الأساسي والخطير لهذه الدولة الإسماعيلية الباطنية - إسماعيلية «ألموت» - بزعامة الحسن بن الصباح. وقد ركزت الإسماعيلية آنذاك في دعوتها السياسية على القول بضرورة «المعلم» أي الإمام، وكما هو معروف فقد كتب الغزالي في الرد على الباطنية، وقد كتبه كما صرح هو بنفسه بأمر من الخليفة العباسي المستظهر بالله، فأهداه إليه وسمي الكتاب أيضاً «المستظهري» , ومذهب الإسماعيلية مذهب ديني فلسفي سياسي، وإبطال آرائهم السياسية والدينية يتطلب أيضاً إبطال فلسفتهم، ولم تكن فلسفتهم شيئاً آخر غير الفلسفة التي كان يلتقي عندها في المشرق فلاسفة العصر يومئذ (2) أعني الأفلاطونية المحدثة في صيغتها المشرقية الهرمسية.
ومن هنا كان هجوم الغزالي على الفلسفة (3) وعندما نفحص كتاب فضائح الباطنية، نتبين بوضوح كيف أن التهافت قد كتب فعلاً من أجل فضائح الباطنية، إذ هناك أمور تفهم بقراءة الفضائح, في مقدمة تلك الأمور الدافع إلى الهجوم على الفلاسفة والذي هو دافع عقائدي واضح، لأن الفلاسفة يمدون الباطنية بالجانب التنظيري لمذهبهم، فقد كان الفلاسفة نصيراً قوياً ومعيناً لهم من ذلك، مثلاً عقيدتهم في المعاد, فالملاحظ -كما يقول الغزالي- أن مذهبهم في المعاد هو بعينه مذهب
_________
(1) الإمام الغزالي بين مادحيه وناقديه للقرضاوي، ص 62.
(2) أبو حامد الغزالي, دراسات في فكره وعصره وتأثيره، ص 68.
(3) المصدر نفسه، ص 91.
(1/367)

الفلاسفة، وإنما شاع فيهم لما انتدب لنصرة مذهبهم جماعة من الثنوية والفلاسفة، فكل واحد نصر مذهبهم طمعاً في أموالهم وخلعهم واستظهارًا بأتباعهم لما كان قد ألفه في مذهبه، فصار أكثر مذهبهم موافقاً للثنوية والفلاسفة في الباطن، وللروافض والشيعة في الظاهر (1)، فقد انتشر مذهب الباطنية عندما انتصر له الفلاسفة، وانتصر له الفلاسفة طمعاً في أموالهم وصلاتهم, والنتيجة وجود المصلحة المتبادلة التي ينتج عنها توافق في القول بين الفلاسفة والباطنية (2) ولذلك كان الهجوم الكبير من الغزالي على الفلاسفة, واستطاع تحويل المعركة التي كانت تدور فيما سبق بين الأشاعرة والمعتزلة إلى معركة بين الأشاعرة والفلاسفة, وكتاب تهافت الفلاسفة ألفه الغزالي في المرحلة التي كان فيها أستاذ المدرسة النظامية دون منازع (3)،
وأما الجانب الآخر فهو أن دعوى «المعلم» و «التعليم» التي ركزت عليها الإسماعيلية يومئذ هناك من يقول إنه لا سبيل إلى إبطالها إلا بطرح بديل؛ والبديل- عند الغزالي- هو المنطق, وبالتالي فإلحاح الغزالي على ضرورة اصطناع المنطق منهجاً وحيداً في تحصيل العلم لم يكن من أجل المنطق ذاته، بل كان ضد نظرية «التعليم» العرفانية الإسماعيلية الباطنية, ومن أجل تقوية المذهب الأشعري الذي كانت الدولة السلجوقية قائمة على أسسه الفكرية والعقائدية, وبالتالي كان هذا البعد يعتبر توجيه ضربة قوية لخصوم السلاجقة كالدولة الفاطمية الإسماعيلية ودعاتها في مرتكزاتها الفكرية. ويبقى الجانب الثالث وهو الدعوة إلى التصوف، والتصوف -كما هو معروف- كان الأساس الإيديولوجي والتنظيمي لكيان الدولة السلجوقية، وإذن فموقف الغزالي من هذه الناحية مفهوم ومبرر، ليس هذا فحسب، بل إن الغزالي من هذه الناحية قد أدرك بوضوح أن الجانب الروحي في العرفان الشيعي عامة لا يمكن تعويضه باصطناع المنطق، فلم يبق إذن إلا تجريد التصوف الباطني من طابعه السياسي الذي طبعته به الشيعة الإمامية والإسماعيلية, ومحاولة توظيفه توظيفاً سنياً، وقد فعل الغزالي ذلك انطلاقًا من التراث السني العظيم .. إذن فالأطراف الثلاثة: الدعوة إلى التصوف، ومهاجمة الفلاسفة, والدعوة إلى اصطناع المنطق ربما تجسم فعلاً تناقضاً واضحاً، ولكن فقط على صعيد الفكر المجرد، أما على صعيد السياسة والإيديولوجيا، فقد كانت -في وقتها- أسلحة ثلاثة متكاملة موجهة نحو خصم واحد (4).
_________
(1) أبو حامد الغزالي, دراسة في فكره وعصره وتأثيره، ص 91.
(2) أبو حامد الغزالي, دراسة في فكره وعصره وتأثيره، ص 91.
(3) موقف ابن تيمية من الأشاعرة (2/ 630).
(4) أبو حامد الغزالي, دراسة في فكره وعصره وتأثيره، ص 68.
(1/368)

ثالثاً: موقف الغزالي من الفلاسفة والفلسفة:
يمتاز الغزالي عن كل من سبقه في محاربة الفلسفة، أنهم اتخذوا موقف الدفاع عن الإسلام وعقائده، والاعتذار عن الدين الإسلامي, فكانت الفلسفة تهاجم الإسلام، وهؤلاء يدافعون عن الإسلام وينفون التهم الموجهة إليه، ويحاولون أن يبرروا موقفه، ويلتمسوا العذر لعقائده ونظرياته، فكأنَّ علم الكلام كان جُنَّة تتلقَّى هجمات الفلسفة وتُحصّن العقيدة الإسلامية، ولم يجترئ أحد من المتكلمين أن يُهاجم الفلسفة ويغزوها في عقر دارها، لعدم تعمقهم في الفلسفة وتضلعهم من أصولها وفروعها، ولعدم تسلحهم بالأسلحة التي يُواجهون بها الفلسفة ويوسعونها جرحاً ونقداً؛ فكان موقفهم موقف الدفاع عن قضية، وموقف الدفاع دائماً ضعيف، أما الغزالي، فقد هاجم الفلسفة وتناولها بالفحص والنقد، وهجم عليها هجوماً عنيفاً مبنياً على الدراسة والبحث العلمي، حجة مثل حجة الفلسفة، وعقل مثل عقل الفلاسفة الكبار، ومدوَّني الفلسفة، وألجأ الفلسفة إلى أن تقف موقف المتهم، وألجأ مُمثليها إلى أن يقفوا موقف المدافعين، فكان تطوراً عظيماً في موقف الدين والفلسفة، وكان انتصاراً عظيماً للعقيدة الإسلامية عادت به الثقة إلى نفوس أتباعها والمؤمنين بها وزالت عنهم مهابة الفلسفة وسيطرتها العلمية (1).
1 - دراسته للفلسفة: لم يتهور الغزالي في الهجوم على الفلسفة, وإنما درس الفلسفة أولاً كما حكى هو بنفسه في «المنقذ من الضلال» وكان يؤمن بأنه: لا يقف على فساد نوع من العلوم من لا يقف على منتهى ذلك العلم، حتى يساوي أعلمهم في أصل ذلك العلم، ثم يزيد عليه ويجاوز درجته. فجد واجتهد في دراستها ومعرفة حقيقتها وأغوارها، حتى اطَّلع على منتهى علومهم، ثم لم يستعجل كذلك ولم يبدأ بالهجوم, بل رأى أن المباحث الفلسفية لا تزال غامضة معقَّدة ليست في متناول الأوساط من الناس، وأن الكُتب الفلسفية قد ألفت في لغة رمزية وفي أسلوب غير واضح وكأنّ مؤلفيها قد تعمدوا ذلك ليقيموا سياجاً حول الفلسفة يحوطها من تناول العامة، أولم يكونوا يُحسنون التأليف، فرأى أن يؤلف كتاباً يذكر فيه المباحث الفلسفية ونظريات الفلسفة ومسائلها في لغة سهلة واضحة، وفي أسلوب مشرق، وقد رُزق الغزالي قدرة عجيبة في تبسيط المسائل العلمية وإيضاحها, فكسر ذلك السياج، ورفع الاحتكار العلمي، وألف كتاب «مقاصد الفلاسفة» (2) وذكر فيه المصطلحات الفلسفية، وبحوث الفلسفة, وعرضها أحسن عرض، الأمر الذي لم يحسنه رجال الفلسفة، وذلك دون أن ينتقدها أو يعلق عليها, وقد برهن الدكتور سليمان دنيا في مقدمته الثانية
_________
(1) رجال الفكر والدعوة (1/ 969).
(2) رجال الفكر والدعوة (1/ 969).
(1/369)

لكتاب «تهافت الفلاسفة» على أن عرض الغزالي لمسائل الفلسفة كان أحسن من عرض الفلاسفة أنفسهم لهذه المسائل، عندما قارن في بعض المسائل بين أسلوب الغزالي، وأسلوب ابن سينا، وخلص إلى القول بأن منهج الغزالي أوضح وأدق (1). وبطرح كتاب «مقاصد الفلاسفة» استطاع الغزالي أن يحقق أموراً مهمة ساعدته على كسب المعركة القادمة منها أنه:
- أزال الهالة الكبيرة عن الفلسفة وجعلها في المتناول.
- اعترف له الجميع - بمن فيهم الفلاسفة - بالأستاذية في هذا الفن كما هو شأنه؛ الأمر الذي مهد له السبيل إلى أن يقول كلمته فيما بعد ... فيجد من يستمع إليها، وقد ظن الفلاسفة يومئذ أنهم كسبوا إلى صفهم علماً جديداً من أساطين الفلسفة.
- حدد الغزالي ما ينبغي الوقوف عنده من الفلسفة حين أرجعها إلى ستة أصول، وأن أكثر هذه الأصول لا تتعارض مع الدين, فألقى الأضواء بذلك على مكان
المعركة المرتقب.
وقد بين الإمام الغزالي في كتابه (المنقذ من الضلال) أن الفلسفة انتصرت
ووقفت على رجليها بآفتين?إحداهما?نابعة من جهل المندفعين في الدفاع عن الإسلام بإنكار الفلسفة كلياً (2). وقال في بيان هاتين الآفتين: الأولى أن من ينظر فيها «أي في الرياضيات التي هي من الفلسفة يومئذ» يتعجب من دقائقها، ومن ظهور براهينها، فيحسن بسبب ذلك اعتقاده في الفلاسفة، فيحسب أن جميع علومهم - في الوضوح، وفي وثاقة البرهان- كهذا العلم، ثم يكون قد سمع من كفرهم، وتعطيلهم، وتهاونهم بالشرع، ما تداولته الألسنة، فيكفر بالتقليد المحض، ويقول: لو كان الدين حقاً لما اختفى على هؤلاء مع تدقيقهم في هذا العلم .. فهذه آفة عظيمة. والآفة الثانية: نشأت من صديق للإسلام جاهل، ظن أن الدين ينبغي أن ينتصر بإنكار كل علم منسوب إليهم, فأنكر جميع علومهم وادعى جهلهم فيها، حتى أنكر قولهم في الكسوف والخسوف وزعم أن ما قالوه على خلاف الشرع، فلما قرع ذلك سمع من عرف ذلك بالبرهان القاطع، لم يشك في برهانه، لكن اعتقد أن الإسلام مبني على الجهل، وإنكار البرهان القاطع, فازداد للفلسفة حباً، وللإسلام بغضاً, ولقد عظمت على الدين جناية من ظن أن الإسلام ينصر بإنكار هذه العلوم، وليس في الشرع تعرض لهذه العلوم بالنفي والإثبات، ولا في هذه العلوم تعرض للأمور الدينية (3).
2 - ضربة قاصمة: وبعد أن أخذ الغزالي مكانته في المجتمع كفيلسوف يشهد له الجميع ..
_________
(1) تهافت الفلاسفة، تحقيق سليمان دنيا، ص 23، 29.
(2) الإمام الغزالي للشامي، ص 81.
(3) المنقذ من الضلال، ص 114، 115.
(1/370)

ألف كتابه «تهافت الفلاسفة» الذي قيل عنه: إنه طعن الفلسفة طعنة لم تقم لها بعد في الشرق قائمة (1) , يقول الدكتور سليمان دنيا: واختار له اسم (تهافت الفلاسفة) وعنى بهذا الاسم - فوق دلالته على الكتاب - التشهير بالفلاسفة، والإعلان عنهم بأنهم متهافتون، فحسب من يقرأ عنوان الكتاب فقط، أو حتى يسمع به، أن يعرف أنه محاولة لإثبات تهافت الفلاسفة، وعنى بالتهافت ما أوضحه في المقدمة الأولى من الكتاب نفسه بقوله: .. فلنقتصر على إظهار التناقض في رأي مقدمهم الذي هو الفيلسوف المطلق والمعلم الأول. فالتهافت الذي اختاره مضافاً إلى الفلاسفة، معناه التناقض، أي تناقض الفلاسفة، يعني تناقض أفكارهم وتعارضها وتساقطها، وليس كالتناقض اسم يؤدي ما يؤديه من دلالة على هوان الفكر الموصوف به، وسخفه وحقارته، فكان الغزالي أقسى ما يكون على الفلاسفة بهذه التسمية (2). يقول الشيخ الأستاذ أبو الحسن الندوي في وصف الكتاب: ويتسم هذا الكتاب بقوة التعبير، وسلامة العبارة، وسهولة الأسلوب، بخلاف عامة الكتب التي أُلفت في الموضوع، ويدل على أن مؤلفه ممتلئ بالإيمان والثقة بدينه، والاعتداد بشخصيته وتفكيره. ينظر إلى الفلاسفة القدماء كأقران وزملاء، ورجال من مستواه العقلي والفكري، يناقشهم ويباحثهم بحرية، ويقرع الحجة بالحجة، وكان المسلمون في حاجة شديدة إلى هذا الطراز من المؤلفين، والباحثين، الذي يواجه الفلسفة بإيمان وثقة، وعقل حر، وشجاعة علمية، يكفر بعصمة الفلاسفة وقدسيتهم وعبقريتهم وكونهم فوق مستوى البشر في العقل والتفكير. وبهذه الصفة يتجلى الغزالي في كتابه (تهافت الفلاسفة) فجاء في أوانه وقضى حاجة زمانه (3).
ويشرع الغزالي - بعد أربع مقدمات ذكر فيها منهاجه - في البحث، وشرح حال الفلاسفة، وفرق علومهم التي تصادم الشريعة، والتي لا تصادمها، وناقش الفلاسفة في شرائعهم ومقدماتهم للبحوث الإلهية، وبعد هذا كله يشرع الغزالي في بيان مسائل الفلاسفة ومناقشتهم في ذلك في ضوء البحث العلمي والحجة العقلية، وهي ست عشرة مسألة في الإلهيات وما بعد الطبيعيات، وأربع في الطبيعيات، ويبين فيها ضعف استدلالهم وتناقضهم واختلافهم وتهافت عقيدتهم (4). وقد ساعد الغزالي على نجاحه في تسديد هذه الضربة القاصمة أمور منها:
التمهيد لها كما رأينا.
- تحديد ميدان المعركة وهو الجانب الإلهي من الفلسفة، واستبعاد الجوانب الأخرى
_________
(1) تهافت الفلاسفة، تحقيق د. سليمان دنيا، ص 15.
(2) تهافت الفلاسفة، تحقيق د. سليمان دنيا، ص 15.
(3) رجال الفكر والدعوة (1/ 201، 202).
(4) المصدر نفسه (1/ 201).
(1/371)

من رياضيات ومنطق.
- مكانة الإمام الغزالي وعلمه بدقائق الفلسفة، كما يعلمها كبار الفلاسفة.
- استعماله كل الأسلحة التي توافرت لديه، فهو يقول في حديثه عن ذلك: ليعلم أن المقصود تنبيه من حسن اعتقاده في الفلاسفة وظن أن مسالكهم نقية عن التناقض، ببيان وجوه تهافتهم، فلذلك أنا لا أدخل في الاعتراض عليهم ما اعتقدوه مقطوعاً بإلزامات مختلفة، فألزمهم تارة مذهب المعتزلة، وأخرى مذهب الكرامية، وطوراً مذهب الفرق إلباً واحداً عليهم، فإن سائر الفرق ربما خالفونا في التفصيل، وهؤلاء يتعرضون لأصول الدين فلنتظاهر عليهم، فعند الشدائد تذهب الأحقاد (1).
وقد كان الغزالي واثقاً من انتصاره بعد أن أحكم الوسائل وخطط للمعركة التخطيط السديد، ولذلك نجده - وقد نزل إلى ساحة المعركة- غير مبال بخصمه، ساخرا منه، مستهزئاً بعقله الذي يتبجَّح به. ولننظر إلى بعض النصوص التي أوردها في كتابه «تهافت الفلاسفة» وهو يستعمل سلاح السخرية (2) قلنا: ما ذكرتموه تحكمات، وهي على التحقيق ظلمات فوق ظلمات، لو حكاها الإنسان عن منام رآه لاستدل به على سوء مزاجه (3). وقال ذلك في مقام الحديث عن نشأة الكائن الأول الواحد عن الإله ونشأة ثلاثة كائنات عن هذا الكائن الأول الواحد. وقال: فلست أدري كيف يقنع المجنون من نفسه بمثل هذه الأوضاع، فضلاً عن العقلاء الذين يشقون الشعر - بزعمهم- في المعقولات (4). ومما دفعه إلى هذا الأسلوب موقفهم المشابه من الإسلام والمسلمين وإلا فالغزالي يحترم العلم ويقدر أهله ولكن هؤلاء جاهروا بالكفر وترفعوا على الناس وظنوا بأنفسهم الفطنة - كما يقول في المقدمة - فاستحقوا هذا الأسلوب. وفي مقدمة الكتاب هجوم عنيف، فيصبح عاجزاً عن تدارك أمره، وكان هذا الهجوم في نص أدبي رائع في معناه ومبناه (5).
وعلق الإمام الغزالي على بحثهم واجب الوجود، وأنَّه يعقل نفسه ولا يعقل غيره بكلمته اللاذعة القوية: فقد انتهى بهم التعمق في الفطنة، إلى أن أبطلوا كل ما يُفهم من العظمة، وقربوا حاله تعالى في حال الميت الذي لا خبر له بما يجري في العالم، إلا أنه فارق الميت في شعوره بنفسه فقط، وهكذا يفعل الله سبحانه بالزَّائغين عن سبيله، والنَّاكبين عن طريق الهدى، المنكرين لقوله تعالى {مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ} [الكهف: 51]، {الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ} [الفتح: 6] المعتقدين أن أمور الربوبية، تستولي
_________
(1) تهافت الفلاسفة، ص 82.
(2) الإمام الغزالي، للشامي، ص 85.
(3) تهافت الفلاسفة، تحقيق سليمان دنيا ص 146.
(4) المصدر نفسه، ص 153.
(5) الإمام الغزالي، ص 86.
(1/372)

على كُنْهها القوى البشرية، المغرورين بعقلهم زاعمين أن فيها مندوحة عن تقليد الرسول - صلوات الله عليهم وسلامه - وأتباعهم - رضوان الله عليهم - فلا جرم اضطروا إلى الاعتراف بأن لُباب معقولاتهم رجع إلى ما لو حكي في منام لتعجَّب منه (1). وهكذا يستمر الغزالي في نقد الفلاسفة وتشريحهم إلى آخر الكتاب، حتى يأتي على جميع المسائل التي تكفَّل الرَّد عليها، وهي عشرون مسألة، أكثرها في الإلهيات، وكفَّرهم في ثلاث مسائل، إحداها: مسألة قدم العالم، وقولهم أن الجواهر كلها قديمة، والثانية: قولهم إن الله تعالى لا يُحيط علماً بالجزئيات الحادثة في الأشخاص. والثالثة: إنكارهم بعث الأجساد وحشوها. قال: فهذه المسائل الثلاثة، لا تلائم الإسلام بوجه، ومعتقدها معتقد كَذبِ الأنبياء - صلوات الله عليهم وسلامه - وأنَّهم ذكروا ما ذكروه على سبيل المصلحة، تمثيلاً لجماهير الخلق وتفهيماً، وهذا هو الكفر الصراح الذي لم يعتقده أحد من فرق المسلمين (2).
3 - تأثير كتاب تهافت الفلاسفة: ليست أهمية الكتاب في تكفير الفلاسفة، بل إن غاية الكتاب هو إسقاط قيمة الفلسفة العلمية، والحطُّ من مكانتها، وإثبات أنها مجموع أفكار وتَخيلات، وقياسات وتخمينات، وبذلك خدم الغزالي الدين خدمة باهرة، وخلَّف الفلسفة التي كانت وَتحُلُّ من نفوسهم محلَّ القدسية والإجلال، خلفَّها الغزالي بضرباته الموجعة وهجماته العنيفة إلى الوراء، أو وقفها على الأقل وشغلها بنفسها والدفاع عن نفسها, ولم تستطع الأوساط الفلسفية أن تُقدم كتاباً قوياً جديراً بالذكر يرد على «تهافت الفلاسفة» (3) , يقول علماء الإفرنج: إن الغزالي طعن الفلسفة في الشرق العربي طعنة قاضية، وكاد يكون نصيبها في الغرب كذلك، لو لم تَلق في ابن رشد حامياً لها أحياها قرناً من الزمان (4).
4 - خلاصة عمل الغزالي في ميدان الفلسفة: نستطيع تلخيص عمل الغزالي في ميدان الفلسفة بما يلي:
* حاربها دفاعاً عن الإسلام وخدمة لدينه، وقد كانت الفلسفة حرباً على الدين.
* لم يحارب الفلسفة كلها، إنما حدد معركته مع الفلسفة الإلهية الإغريقية.
* أبعد عن الفلسفة العلوم الأخرى التي كانت منضوية تحت لوائها، فجعلها وحيدة بعيدة عن جنودها الذين كانت تستخدمهم كسياج في الدفاع عنها، وقد أصبحت هذه العلوم
_________
(1) المنقذ من الضلال، ص 118.
(2) المصدر نفسه، ص 313 - 315.
(3) رجال الفكر والدعوة (1/ 204).
(4) المصدر نفسه (1/ 204).
(1/373)

فيما بعد مستقلة قائمة بذاتها مثل: الرياضيات، والطبيعة -الفيزياء- والمنطق، وعلم الأخلاق، والسياسة.
* رفع الحصانة عنها، وأزال تلك الهالة التي كانت تضفي عليها التقديس والاحترام وأثبت أنها مجموعة أفكار، وتخيلات وقياسات وتخمينات. وهكذا لم ير الغزالي فيها بعد تعريتها ما يصلح أن يكون «علماً» , ولذلك عندما تحدث في كتابه «الإحياء» عن العلوم لم يعد الفلسفة علماً, وأوضح ذلك بقوله: «وأما الفلسفة فليست علماً برأسها بل هي أربعة أجزاء:
أحدها: الهندسة والحساب.
الثاني: المنطق: وهو بحث عن وجه الدليل وشروطه.
الثالث: الإلهيات .. وكما أن الاعتزال ليس علماً برأسه بل أصحابه طائفة من المتكلمين .. فكذلك الفلاسفة.
الرابع: الطبيعيات: وبعضها مخالف للشرع. وبعضها بحث عن صفات الأجسام (1). ويعطينا خلاصة رأيه في كتابه المنقذ من الضلال فيقول: ثم إني لما فرغت من علم الفلسفة، وتحصيله، وتفهيمه وتزييف ما يزيف منه، علمت أن ذلك أيضاً غير واف بكمال الغرض، وأن العقل ليس مستقلاً بالإحاطة بجميع المطالب، ولا كاشفاً للغطاء عن جميع المعضلات (2).
5 - موقف الغزالي بين العقل والنقل: يؤكد الغزالي هنا مبدأ مهماً - عمقه ووسعه ابن تيمية فيما بعد في كتابه الكبير درء تعارض العقل والنقل - على اختلاف بينهما في تطبيقه - وهو أن العقل والشرع لا يتعارضان تعارضاً حقيقياً من الناحية النظرية لأن كليهما نور من عند الله، فلا ينقض أحدهما الآخر، ولا من الناحية العملية، فلم يثبت أن اصطدمت حقيقة دينية بحقيقة عقلية، بل يرى الغزالي أن أحدهما يؤيد الآخر ويصدقه (3)، بل نراه في (المستصفى) وهو من أواخر ما صنف، يعتبر العقل قاضياً، والشرع شاهداً، حيث يقول بعد الديباجة: أما بعد فقد تناطق قاضي العقل، وهو الحاكم الذي لا يعزل ولا يبدل، وشاهد الشرع، وهو الشاهد المزكى المعدل بأن الدنيا دار غرور لا دار سرور .. ومحل تجارة، لا مسكن عمارة، ومتجر بضاعتها الطاعة، والطاعة طاعتان؛ عمل وعلم، والعلم أنجحها وأربحها فإنه أيضاً من العمل، ولكنه عمل القلب الذي هو أعز الأعضاء، وسعي العقل
_________
(1) الإمام الغزالي للشامي، ص 87, إحياء علوم الدين (1/ 22).
(2) المنقذ من الضلال، ص 130.
(3) الغزالي بين مادحيه وناقديه، ص 43، 44.
(1/374)

الذي هو أشرف الأشياء لأنه مركب الديانة، وحامل الأمانة، إذ عرضت على الأرض والجبال والسماء، فأشفقن من حملها وأبين أن يحملنها غاية الإباء (1). وها هو في الإحياء نراه يدعو إلى المزج بين العلوم العقلية والعلوم الدينية ويبين الحاجة إلى كل منهما، ويقرر أنه لا غنى بالعقل عن السمع، ولا غنى بالسمع عن العقل. فالداعي إلى محض التقليد مع عزل العقل بالكلية جاهل, والمكتفي بمجرد العقل عن أنوار القرآن والسنة مغرور، فإياك أن تكون من أحد الفريقين، وكن جامعاً بين الأصلين، فإن العلوم العقلية كالأغذية والعلوم الشرعية كالأدوية، والشخص المريض يستضر بالغذاء متى فاته الدواء، فكذلك أمراض القلوب، لا يمكن علاجها إلا بالأدوية المستفادة من الشريعة (2).
ثم يحمل الغزالي بقوة على من يظن أن هناك تناقضاً بين العقليات والشرعيات فيقول: وظن من يظن أن العلوم العقلية متناقضة للعلوم الشرعية وأن الجمع بينهما غير ممكن، هو ظن صادر عن عمى في عين البصيرة نعوذ بالله منه، بل هذا القائل ربما يناقض عنده بعض العلوم الشرعية لبعض فيعز عن الجمع بينهما، فيظن أنه تناقض في الدين، فيتحير به، فينسل من الدين، انسلال الشعرة من العجين، وإنما ذلك لأن عجزه في نفسه خيل إليه نقصاً في الدين وهيهات (3).
6 - انتصار الفكر السني في العهد السلجوقي: إن المعارك الفكرية ليست بأقل خطراً في حياة الأمة من المعارك العسكرية، ذلك أن الغزو الفكري أسوأ وأشد خطراً على الأمة من الغزو العسكري. ولقد انتصر الغزالي في معركته مع الفلسفة دفاعاً عن الإسلام، فاستطاع في أقل التقديرات أن يرد الفلسفة، فيجعلها في موقع الدفاع بعد أن كانت في موقع الهجوم, واستحق بجدارة أن يلقب بحجة الإسلام، وانفرد بهذا اللقب الذي بيَّن مكانة الرجل في تاريخ الفكر (4). إن الأمة اليوم في أشد الحاجة لحجة إسلام جديد يفضح المناهج الغربية والدساتير الوضعية، والشعارات البرّاقة في مجال الحريات، والعدل، وحقوق الإنسان والمرأة، ونظام الحكم، ومحاسبة الحكام، وغير ذلك من الشعارات والمبادئ الزائفة، فيقدم البدائل الصحيحة من خلال كتاب الله وسنة رسوله وعقيدة الأمة وتراثها، فينتصر للإسلام في المعركة الفكرية الخطيرة التي تدار رحاها بين الثقافات والحضارات، فيبين عوار مناهج الخصوم، ويستفيد من الحق الذي معه ويطرح المشروع الفكري الإسلامي في أبهى حلة، مع جمال الألفاظ في العرض، وعمق المعاني في الأسلوب مؤيداً لأفكاره بالحجج الدامغة والبراهين الساطعة والأدلة الواضحة.
_________
(1) المستصفى (1/ 3).
(2) الإحياء (3/ 17).
(3) الإحياء (3/ 179) , الإمام الغزالي بين مادحيه وناقديه، ص 46.
(4) الإمام الغزالي للشامي، ص 88.
(1/375)

رابعاً: الغزالي وعلم الكلام:
ما من شك أن الغزالي ألف كتباً في علم الكلام, ونترك الغزالي يحدثنا عما استقر رأيه في هذا العلم فقد قال: إني ابتدأت بعلم الكلام، فحصلته، وعقلته، وطالعت كتب المحققين منهم، وصنفت فيه ما أردت أن أصنف، فصادفته علماً وفياً بمقصوده، غير وافٍ بمقصودي. وإنما مقصوده، حفظ عقيدة أهل السنة، وحراستها من تشويش أهل البدعة، فقد ألقى الله تعالى إلى عباده على لسان رسوله عقيدة هي الحق، على ما فيه صلاح دينهم ودنياهم، كما نطق بمعرفته القرآن والأخبار، ثم ألقى الشيطان في وساوس المبتدعة أموراً مخالفة للسنة، فلهجُوا بها، وكادوا يشوشون عقيدة الحق على أهلها، فأنشأ الله طائفة المتكلمين، وحرك دواعيهم لنصر السنة بكلام مرتب، يكشف عن تلبيسات أهل البدعة المحدثة، فمنه نشأ علم الكلام وأهله (1). هكذا نشأ علم الكلام وصَرّح الغزالي أنه لم يف بحاجته عند الفحص، ووجده قاصراً عن أداء المهمة الموكلة إليها، خاصة أن أصحابه قد أكثروا الخوض فيه، وخاضوا في البحث عن الجوهر والأعراض وأحكامها .. ولم يحصل من علمهم ما يمحو ظلمات الحيرة (2). ولهذا لما تحدث الغزالي في كتابه (الإحياء) عن العلوم قال: اعلم أن حاصل ما يشتمل عليه علم الكلام من الأدلة التي ينتفع بها، فالقرآن والأخبار مشتملة عليه، وما خرج عنهما فهو إما مجادلة مذمومة وهي من البدع .. وإما مشاغبة بالتعلق بمناقضات الفرق لها، وتطويل بنقل لمقالات أكثرها ترهات وهذيانات، تزدريها الطباع وتمجها الأسماع، وبعضها خوض فيما لا يتعلق بالدين (3). ثم بين أن ذلك لم يكن في الصحابة فقال: .. فلقد قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن آلاف من الصحابة -رضي الله عنهم- كلهم علماء بالله أثنى عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يكن فيهم أحد يحسن صنعة الكلام (4).
وقد بين الغزالي أن بعض الفرق ضلت بسلوكها طريق علم الكلام، ولفت النظر إلى أن القرن الأول لم يسلكوا هذا المسلك فقال: ولكنه عميت بصيرته، فلم يلتفت إلى القرن الأول، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - شهد لهم بأنهم خير الخلق، وأنهم قد أدركوا كثيراً من أهل البدع والهوى، فما جعلوا أعمارهم ودينهم عرضاً للخصومات والمجادلات .. وإذا رأوا مصراً على ضلالته هجروه وأعرضوا عنه وأبغضوه في الله ولم يلزموا الملاحاة معه طول العمر، بل قالوا: إن الحق هو الدعوة إلى السنة، ومن السنة ترك الجدل في الدعوة إلى السنة، إذ روى أبو أمامة الباهلي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ما ضل قوم قط بعد هدى كانوا عليه أوتوا الجدل» (5).
_________
(1) المنقذ من الضلال، ص 96 وما بعدها.
(2) المصدر نفسه، ص 101.
(3) إحياء علوم الدين (1/ 22).
(4) المصدر نفسه (1/ 23).
(5) سنن الترمذي، قال الترمذي: حسن صحيح.
(1/376)

ثم إنهم رأوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد بعث إلى كل أهل الملل، فلم يقعد معهم في مجلس مجادلة لإلزام وإفحام وتحقيق حجة، ودفع سؤال وإيراد إلزام، فما جادلهم إلا بتلاوة القرآن المنزل عليهم، ولم يزد في المجادلة عليه، لأن ذلك يشوش القلوب (1).
وبين الغزالي الغلط في إطلاق لفظ «التوحيد» على علم الكلام فقال: لفظ التوحيد: وقد جعل الآن عبارة عن صناعة الكلام، ومعرفة طريق المجادلة، والإحاطة الآن عبارة عن صناعة الكلام، ومعرفة طريق المجادلة، والإحاطة بطرق مناقضات الخصوم والقدرة على التشدق فيها. حتى لقب طوائف منهم أنفسهم بأهل العدل والتوحيد، وسمي المتكلمون: العلماء بالتوحيد، مع جميع ما هو خاصة هذه الصناعة، لم يكن يعرف منها شيء في العصر الأول، بل كان يشتد منهم النكير على من كان يفتح باباً من الجدل والمماراة، فأما ما يشتمل عليه القرآن من الأدلة الظاهرة التي تسبق الأذهان إلى قبولها في أول السماع، فلقد كان ذلك معلوماً للكل، وكان العلم بالقرآن هو العلم كله، وكان التوحيد عندهم عبارة عن أمر آخر، لا يفهمه أكثر المتكلمين، وإن فهموه لم يتصفوا به، وهو أن يرى الأمور كلها من الله عز وجل (2). وأنكر الغزالي على عوام الناس ان يشتغلوا بعلم الكلام. وقال: إن دين عوام الناس ينبغي أن يكون صافياً نقياً بعيداً عن تعقيدات الجدليين المتكلمين؛ ولهذا ينبغي إلجام العوام عن علم الكلام (3). ثم بين الإمام الغزالي أن إيمان العوام الحاصل لهم بتواتر السماع إنما يقوى بكثرة العبادة والذكر فيقول: والإيمان الراسخ على الحقيقة هو إيمان العوام الحاصل على قلوبهم من الصبا بتواتر السماع، وتمام تأكيده بلزوم العبادة والذكر، فإن من تمادت به العبادة إلى حقيقة التقوى وتطهير القلب من كدرات الدنيا وملازمة ذكر الله دائماً تجلت أنوار المعرفة وصارت الأمور - التي كان قد أخذها تقليداً - عنده كالمعاينة والمشاهدة .. والكلام المستفاد من الدليل الكلامي ضعيف جداً مشرف على الزوال بكل شبهة (4).
وقال: لست أنكر أنه يجوز أن يكون ذكر أدلة المتكلمين أحد أسباب الإيمان في حق بعض الناس، لكن ليس ذلك بمقصور عليه وهو أيضاً نادر، بل الأنفع الكلام الجاري في معرض الوعظ كما يشتمل عليه القرآن. فأما الكلام المحَّرر على رسم المتكلمين، فإنه يُشعر نفوس المستمعين بأن فيه صنعة وجدلاً، ليعجز عنه العاميّ، لا لكونه حقاً في نفسه؛ وربما يكون ذلك سبباً لرسوخ العناد في قلبه، ولذلك لا ترى مجلس مناظرة للمتكلمين ولا للفقهاء ينكشف عن واحد انتقل من الاعتزال أو بدعة إلى غيره، ولا عن مذهب الشافعي إلى مذهب أبي حنيفة،
_________
(1) إحياء علوم الدين (3/ 394 - 395).
(2) المصدر نفسه (1/ 33).
(3) إلجام العوام عن علم الكلام، ص 38.
(4) فيصل التفرقة للإمام الغزالي، ص 204.
(1/377)

ولا على العكس، وتجري هذه الانتقالات بأسباب أخرى حتى في القتال بالسيف، ولذلك لم تجر عادة السلف بالدعوة لهذه المجادلات، بل شددوا القول على من يخوض في الكلام ويشتغل بالبحث والسؤال (1). وازداد الغزالي - مع الأيام، وبعد التجارب العلمية - اقتناعاً بأن أسلوب القرآن في الإقناع أبلغ وأنفع وأعم وأشمل للطبقات والمستويات الفكرية المختلفة، وبأن علم الكلام علاج مؤقت ومختص بمن نشأ عنده شكوك وشبهات ولا حاجة للطبائع السليمة والعقول المستقيمة له. أما القرآن فكان الغذاء الصالح، والماء السائغ، يحتاج إليهما كل إنسان وينتفع، ولا ضرر فيه ولا خطر. يقول في كتابه «إلجام العوام عن علم الكلام» الذي هو من آخر مؤلفاته (2): فأدلة القرآن مثلُ الغذاء، ينتفع به كل إنسان، وأدلة المتكلمين مثل الدواء، ينتفع به آحاد الناس، ويستضُّر به الأكثرون؛ بل أدلة القرآن كالماء الذي ينتفع به الصبي الرضيع، والرَّجل القوي، وسائر الأدلة كالأطعمة التي ينتفع بها الأقوياء مّرة، ويمرضون بها أخرى، ولا ينتفع بها الصبيان أصلاً (3).
ويذكر تجربته ومشاهدته كشاهد على ذلك: والدليل على تضرر الخلق به، المشاهد والعيان والتجربة، وما ثار من الشر منذ نبغ المتكلمون وفشت صناعة الكلام، مع سلامة العنصر الأول من الصحابة عن مثل ذلك (4).
وهكذا تتجلى شخصية الغزالي في نقد الفلسفة وعلم الكلام شخصية فريدة مستقلة التفكير، قوية التأثير تمتاز بسلامة الفكر، واتّزان العقل، وحصافة الرأي، وعمق النظر، والثقة بالنفس، له منهج خاص في نقد الفلسفة، وعلم الكلام، وإثبات العقيدة الإسلامية، وهو ممن توفرت عنده أدوات الاجتهاد في هذا الموضوع، فكان من أئمة هذا الفن المجتهدين، ومن كبار المؤلفين المنتجين (5).

خامساً: الغزالي والتصوف:
كان التصوف أحد العلوم الشرعية الحادثة في الملة، وأصله العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى، والإعراض عن زخارف الدنيا وزينتها، والانفراد عن الخلق وهذه الصفات كانت عامة في الصحابة والسلف، ولما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية والمتصوفة (6). ويغلب على الظن أن هذا
_________
(1) فيصل التفرقة، ص 69 - 70.
(2) رجال الفكر والدعوة (1/ 211).
(3) إلجام العوام عن علم الكلام، ص 20.
(4) المصدر نفسه، ص 20.
(5) رجال الفكر والدعوة (1/ 211).
(6) الإمام الغزالي للشامي، ص 99 نقلاً عن مقدمة ابن خلدون.
(1/378)

المصطلح كان إفرازاً أنتجه الواقع عندما بدأت تخصصات العلوم تأخذ أبعادها، فقد كانت كلمة «الفقه» تشمل كل ما انضوى تحت كلمة التصوف، فلما اقتصر مفهوم كلمة الفقه على فقه العبادات وفقه المعاملات في جانبها الظاهر، واستبعدت منه بحوث الأخلاق والسلوك، كان لا بد لهذه الجوانب المستبعدة من الاستقلال والانضواء تحت عنوان يمثلها, فكان التصوف ومن السهل تعداد ما يشتمل عليه هذا العنوان: فالأخلاق الكريمة هي الأساس والزهد الذي يعني الترفع عن الدنيا ولا يعني ذلك أن الفقر هو الطريق، وكثرة العبادة هي وسيلة القرب إلى الله تعالى, وبتطبيق العلم مع الإخلاص تكون النجاة (1)، يقول الغزالي في رسالته «أيها الولد»: ينبغي لك أن يكون قولك وفعلك موافقاً للشرع، إذ العلم والعمل بلا اقتداء الشرع ضلالة، وينبغي لك ألا تغتر بشطح الصوفية وطاماتهم، لأن سلوك هذا الطريق يكون بالمجاهدة وقطع شهوة النفس، لا بالطامات والترهات (2). تلك هي العناصر التي انضوت تحت هذا العنوان .. ثم تبعتها فضوليات ليست في الإسلام في شيء وهي التي أشار إليها الغزالي بالطامات والترهات, وظهرت مصطلحات أخرى مثل «أهل الإرادة» و «أرباب السلوك» التي استعملها ابن القيم رحمه الله.
ولكنها لم تنتشر انتشار المصطلح الأول، ومن غير الصواب أن ينظر إلى الفضوليات التي أدخلت على التصوف على أنها الأصل، وتنسى العناصر الأصيلة، فيحارب التصوف كله بما فيه من حق وباطل وهو المسلك الذي سلكه ابن تيمية (3) رحمه الله حيث قال في شأن الصوفية عندما علق على كلام أبي القاسم القشيري: والثابت الصحيح عن أكابر المشايخ (الصوفية) يوافق ما كان عليه السلف. وهذا هو الذي كان يجب أن يذكر، فإن في الصحيح الصريح المحفوظ عن أكابر المشايخ مثل الفضيل بن عياض، وأبي سليمان الداراني، ويوسف بن أسباط، وحذيفة المرعشي، ومعروف الكرخي إلى الجنيد بن محمد، وسهل بن عبد الله التستري، وأمثال هؤلاء ما بين حقيقة مقالات المشايخ, وقد جمع المشايخ إما بلفظه أو بما فهمه هو - أي القشيري - غير واحد، فصنف أبو بكر محمد بن إسحاق الكلاباذي كتاب «التعرف لمذاهب التصوف» وهو أجود مما ذكره أبو القاسم وأصوب، وأقرب إلى مذهب سلف الأمة وأئمتها وأكابر مشايخها، وكذلك معمر بن زياد الأصفهاني شيخ الصوفية، وأبو عبد الرحمن السلمي جامع كلام الصوفية، هما في ذلك أعلى درجة وأبعد عن البدعة والهوى من أبي القاسم، وكذلك عامة المشايخ الذين سماهم أبو القاسم في «رسالته» لا يعرف عن شيخ منهم أنه كان ينصر طريقة
_________
(1) الإمام الغزالي، ص 100.
(2) أيها الولد للغزالي نقلاً عن الإمام الغزالي للشامي، ص 100.
(3) الإمام الغزالي، ص 101.
(1/379)

الكلابية (1)،
وبعد أن أثنى ابن تيمية على عقيدة هؤلاء المشايخ من الصوفية، عتب على أبي القاسم القشيري أنه لم يذكر في رسالته الأولياء الكاملين الذين كانوا في القرون الثلاثة الأولى (2)، فقال: وما ذكره أبو القاسم في رسالته في اعتقادهم وأخلاقهم وطريقتهم، فيه من الخير والحق والدين أشياء كثيرة، ولكن فيه نقص عن طريقة أكثر أولياء الله الكاملين، وهم نقاوة القرون الثلاثة ومن سلك سبيلهم، ولم يذكر في كتابه أئمة المشايخ من القرون الثلاثة (3).
وهكذا نرى أن ابن تيمية لم ينكر طريقة الصوفية في أصلها بل أثنى على مشايخها الذين استقاموا على الطريق، ولم يعدهم خارجين على طريق السلف (4)، وقد نقل كلام القشيري التالي: اعلموا أن شيوخ هذه الطائفة بنوا قواعد أمرهم على أصول صحيحة في التوحيد، صانوا بها عقائدهم عن البدع، ودانوا بما وجدوا عليه السلف وأهل السنة من توحيد، ليس فيه تمثيل ولا تعطيل. ثم قال ابن تيمية: قلت: هذا كلام صحيح، فإن كلام أئمة المشايخ الذين لهم في الأمة لسان صدق، كانوا على ما كان عليه السلف وأهل السنة، من توحيد ليس فيه تمثيل ولا تعطيل، وهذه الجملة يتفق على إطلاقها عامة الطوائف المنتسبين إلى السنة، وإن تنازعوا في مواضع (5). وهكذا يثني ابن تيمية على الصوفية - السليمة - بأن اهتمامهم بالعمل أكثر من اهتمامهم بالقول. ولا بد من هذه التوطئة عند الحديث عن الغزالي والصوفية ولا ندعي العصمة للغزالي ولا غيره لأن العصمة للأنبياء والمرسلين أما غيرهم من الناس فيخطئ ويصيب.
1 - بدء طريق التصوف عند الغزالي: قد تحدثت فيما مضى عن التحول الكبير الذي حدث للغزالي, وكيف استطاع أن يتغلب على أمراض النفس من حب الصيت والجاه والمنصب والشهرة بعد أن أعانه الله على ذلك, ويبدو أن الغزالي اختار طريق الصوفية بعد جهد جهيد وهو بنفسه يوضح لنا كيف سلك الطريق فقد قال: ثم إني أقبلت بهمتي على طريق الصوفية، وعلمت أن طريقتهم إنما تتم بعلم وعمل, وكان حاصل عملهم، قطع عقبات النفس، والتنزه عن أخلاقها المذمومة، وصفاتها الخبيثة، حتى يتوصل بها إلى تخلية القلب عن غير الله تعالى, وتحليته بذكر الله. وكان العلم أيسر عليَّ من العمل، فابتدأت بتحصيل علمهم من مطالعة كتبهم، مثل «قوت القلوب» لأبي طالب المكي، رحمه الله, وكتب الحارث المحاسبي، والمتفرقات المأثورة عن الجنيد، والشبلي، وأبي يزيد البسطامي،
_________
(1) الاستقامة (1/ 82 - 84).
(2) الإمام الغزالي للشامي، ص 13.
(3) الاستقامة (1/ 89).
(4) الإمام الغزالي للشامي، ص 13.
(5) الاستقامة (1/ 90 - 91).
(1/380)

قدس الله أرواحهم، وغير ذلك من كلام مشايخهم، حتى اطلعت على كنه مقاصدهم العلمية وحصلت ما يمكن أن يحصل من طريقهم بالتعليم والسماع، فظهر لي أن أخص خواصهم: ما لايمكن الوصول إليه بالتعلم، بل بالذوق، والحال وتبدل الصفات. ثم قال: وكم من الفرق بين أن يعلم حد الصحة وحد الشبع، وأسبابهما، وشروطهما، وبين أن يكون صحيحاً وشبعان وبين أن يعرف حد السكر .. وبين أن يكون سكران بل السكران لا يعرف حد السكر، والصاحي يعرف حد السكر وأركانه، وما معه من السكر شيء. والطبيب - في حالة المرض - يعرف حد الصحة وأسبابها، وأدويتها، وهو فاقد الصحة، وكذلك فرق بين أن تعرف حقيقة الزهد وشروطها، وأسبابها، وبين أن يكون حالك «الزهد» وعزوف النفس عن الدنيا. ثم تحدث عن خلاصة ما توصل إليه بشأن المتصوفة، فقال: فعلمت -يقيناً- أنهم أرباب «الأحوال» لا أصحاب «الأقوال» وأن ما يمكن تحصيله من طريق العلم، فقد حصلته، ولم يبق إلا ما لا سبيل إليه بالسماع والتعلم، بل بالذوق والسلوك (1).
2 - نتائج الدراسة: كان من نتائج دراسة الغزالي للتصوف أنه نظر في نفسه وتفحص ما هو فيه، فإذا به يرى غروراً كاذباً، وحياة غلبت عليها المظاهر، ففقدت روحها وهويتها وقاس نفسه بمقاييس الإسلام الحقة، فأشفق على نفسه .. لقد تبين له من نفسه:
أنه كان جل اهتمامه بالجانب النظري من العلم دون الجانب العملي وأن ما كان يعده عملاً يتقرب إلى الله تعالى به من التدريس والتعليم، كان فاقداً لشرط القبول وهو النية .. وإذا به فجأة يجد نفسه بلا رصيد في مقياس الآخرة.
وأنه يفتقد عنصراً مهماً في ميداني النظر والعمل وهو «الإخلاص».
فاكتشف من نفسه ما دفعه إلى الخوف، وإلى الحرص على الوقت فيما تبقى من عمره أن يصرف في مرضاة الله (2). وانتهى به المطاف إلى طريق الصوفية، فعلم يقيناً - كما يقول هو - أنهم هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة، وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق، بل لو جمع عقل العقلاء، وحكم الحكماء الواقفين على أسرار الشرع من العلماء، ليغيروا شيئاً من سيرهم وأخلاقهم، ويبدلوه بما هو خير منه، لم يجدوا إلى ذلك سبيلاً .. وأن جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم وباطنهم مقتبسة من نور النبوة، وليس على وجه الأرض نور يستضاء به (3). وبالجملة فماذا يقول القائلون في طريقة طهارتها - وهي أول شروطها - تطهير القلب بالكلية عما سوى الله تعالى .. ومفتاحها
_________
(1) المنقذ من الضلال، ص 139 - 141 ..
(2) الإمام الغزالي للشامي، ص 106.
(3) الغزالي بين مادحيه وناقديه، ص 118.
(1/381)

الجاري منها مجرى التحريم من الصلاة - استغراق القلب بالكلية بذكر الله، وآخرها الفناء بالكلية في الله؟. وهذا الآخر بالإضافة إلى ما يدخل تحت الاختبار والكسب ولكن الترقي مستمر حتى ينتهي إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق، ولا يحاول معبر أن يعبر عنها إلا اشتمل لفظه على خطأ صريح، لا يمكن الاحتراز عنه، قال: وعلى الجملة: ينتهي الأمر إلى قرب يكاد يتخيل منه طائفة «الحلول» وطائفة «الاتحاد» وطائفة «الموصل» .. وكل ذلك خطأ ويأخذ على الغزالي دخوله إلى التصوف. وقد كان دخول المحب العاشق لا دخول الفاحص الناقد، فلم ينظر إلى علوم الصوفية وتراثهم بعين النقد التي نظر بها إلى علوم الفلسفة والمتكلمين والباطنية بل بعين الرضا والحب:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... كما أن عين السخط تبدي المساويا
وقال الشاعر: ... وإذا الحبيب أتي بذنب واحد ... جاءت محاسنه بألف شفيع
لقد تعامل مع التصوف بقلبه قبل عقله، وبذوقه قبل فقهه، وهذا ما جعله يقبل أشياء مما أخذ على القوم في الفكر، وفي السلوك دون أن يعرضها على قانون الفقه أو منطق العقل, ومن أجل هذا أنكر عليه العلامة ابن الجوزي وغيره من الناقدين قوله لكثير من أفكار الصوفية وأعمالهم وأحوالهم، وهي مخالفة لقانون الشرع، منحرفة عن الكتاب والسنة الصحيحة. وربما اعتذر أبو حامد في بعض الأحيان عن تجاوزات بعض القوم باعتذارات لا يقبلها منه الفقهاء، كقوله بعد حكاية الصوفي الذي عرفه الناس بالإصلاح في محله، فخاف على نفسه الفتنة، فدخل الحمام، وسرق بعض الثياب الفاخرة، ولبسها وخرج .. فلحقه الناس وأخذوا منه الثياب وصفعوه ... وصار يعرف بعد ذلك (لص الحمام)؟ فسر بذلك وسكنت نفسه (1). قال أبو حامد: فهكذا كانوا يروضون أنفسهم، حتى يخلصهم الله من النظر إلى الخلق، ثم من النظر إلى الخلق، ثم من النظر إلى النفس، وأرباب الأحوال ربما عالجوا أنفسهم بما لا يفتي به الفقيه، مهما رأوا صلاح قلوبهم، ثم يتداركون ما فرط منهم من صورة التقصير (2)، وابن الجوزي شدد النكير على أبي حامد في حكاية هذا وأمثاله واستحسانه وتبريره (3).
_________
(1) الغزالي بين مادحيه وناقديه، ص 120.
(2) تلبيس إبليس، ص 354، 355، الإحياء (3/ 288).
(3) الغزالي بين مادحيه وناقديه، ص 121.
(1/382)

3 - تصوف بغير شيخ: بدأ الغزالي تصوفه في شهر رجب عام 488هـ - كما ذكر في
المنقذ - حيث التجاذب في نفسه بين شهوات الدنيا ودواعي الآخرة، فلم يزل يقدم رجلاً ويؤخر أخرى, وتصدق رغبته بكرة وتضعف عشية حتى صمم أخيراً على سلوك طريق الآخرة, واستمر هذا التردد قرابة ستة أشهر - كما قال - وما طول هذه المدة إلا لأن الأمر الذي يقدم عليه هي الخطوة الأولى في هذه النقلة البعيدة المدى مادياً ونفسياً, ولم يكن هناك من يستشيره في هذا الأمر، فيكون في مشورته مساعدة على البت فيه، إنما كان تصرفاً شخصياً، كان الباعث عليه وقوفه على علم التصوف الذي أيقظ فيه حساب نفسه وتدبر أمره. وأما ما تذكره بعض المصادر من أنه تتلمذ على الفارمدي وأخذ منه استفتاح الطريقة، وامتثل ما كان يشير به عليه من القيام بوظائف العبادات والإمعان في النوافل (1)، فذلك أمر فيه نظر ذلك أن «الفارمدي» توفي عام 477هـ والغزالي لم يبدأ مشوار التصوف إلا في أواخر عام 488هـ أي بعد أكثر من عشر سنوات من وفاة الرجل, ولعله كان مرشداً في علم التصوف لا في التطبيق، ذلك أن عام 477هـ وما قبله كانت الفترة التي سيطر فيها على الغزالي التطلع على الجاه والمنزلة .. الأمر الذي يتعارض مع مفهوم التصوف. نستطيع القول إذن بأن الغزالي قطع طريق التصوف بمجاهدته الشخصية دون الاعتماد على شيخ تتوافر فيه المواصفات اللازمة المهمة وليس هذا بمستغرب على الغزالي، فقد كان له من الهمة والعزم ما تصغر معه عظائم الأمور (2).
4 - نقد الغزالي للصوفية: على الرغم من أن الغزالي يزكي طريقة الصوفية؛ لأنها تتضمن العلم والعمل معاً، وأنه انحاز إلى طريقتهم الذوقية في نهاية الأمر، بعد التجربة والممارسة وإتقان العلم، فإنه لم يتوان عن نقد معظم فرق الصوفية التي سادت في عصره وما قبله، نقداً شديداً (3)، وسلط الأضواء على أخطاء وانحرافات بعض المتصوفة.
أ- قلة المتصوفين: يرى الغزالي أن التصوف غير موجود، وذلك لعدم وجود من يسلك الطريق، وإذا وجد السالكون، فهم غير منضبطين مع ما يتطلبه الطريق من سلوك. يقول: والأمور الدينية كلها قد فسدت وضعفت، إلا التصوف، فإنه قد انمحق بالكلية وبطل لأن العلوم لم تندرس بعد والعالم - وإن كان عالم سوء - فإنما فساده في سيرته لا في علمه، فيبقى عالماً غير عامل بعلمه والعمل غير العلم. وأما التصوف فهو عبارة عن تجرد القلب لله تعالى، واستحقار ما سوى الله، وحاصله يرجع إلى عمل القلب والجوارح، ومهما فسد
_________
(1) طبقات الشافعية للسبكي (4/ 109).
(2) الإمام الغزالي، ص 108.
(3) مسألة المعرفة ومنهج البحث عند الغزالي, د. أنور الزعبي، ص 187.
(1/383)

العمل فات الأصل (1). ويوضح أن المشايخ الذين يقتدى بهم لا وجود لهم فيقول: وقد خلت البلاد الآن عن شيخ يقتدى به في علمه وسيرته (2). ويبين لنا سبب هذا الفقدان للمتصوفة فيقول: .. إن القلوب كلها مريضة إلا ما شاء الله. ومرض القلب مما لا يعرفه صاحبه فلذلك يغفل عنه، وإن عرفه صعب عليه الصبر على مرارة دوائه، فإن دواءه مخالفة الشهوات، وهو نزع الروح، فإن وجد من نفسه قوة الصبر عليه، لم يجد طبيباً حاذقاً يعالجه، فإن الأطباء هم العلماء، وقد استولى عليهم المرض، فالطبيب المريض، قلما يلتفت إلى علاجه، فلهذا صار الداء عضالاً، والمرض مزمناً، واندرس هذا العلم، وأنكر طب القلوب، وأنكر مرضها (3). وإذا كان الشيخ المربي مفقوداً والسالك غير موجود، حلَّ مكانهما المنتفعون واللصقاء، وهنا كان على الغزالي أن يبين الأخطاء ويظهر الانحرافات حتى لا يساء فهم الدين (4).
ب- فساد المتصوفة: ويعطينا الغزالي صورة عما آل إليه أمر المتصوفة من فساد فيقول: ... إن أكثر متصوفة هذه الأعصار - لما خلت بواطنهم عن لطائف الأفكار، ودقائق الأعمال، ولم يحصل لهم أنس بالله تعالى وبذكره في الخلوة، وكانوا بطالين غير محترفين ولا مشغولين - قد ألفوا البطالة، واستثقلوا العمل، واستوعروا طريق الكسب، واستلانوا جانب السؤال والكدية، واستطابوا الرباطات المبنية لهم في البلاد، واستسخروا الخدم المنتصبين للقيام بخدمة القوم، واستخفوا عقولهم وأديانهم، من حيث لم يكن قصدهم من الخدمة إلا الرياء والسمعة، وانتشار العبث، واقتناص الأموال بطريق السؤال، تعللاً بكثرة الأتباع, لم يكن لهم في الخانقاهات حكم فاقد .. فلبسوا المرقعات، واتخذوا في الخانقاهات منتزهات .. ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً ويعتقدون أن كل سواد تمرة .. فهؤلاء بغضاء الله (5).
جـ- الغرور والجهل: ويرى الغزالي أن الغرور قد هيمن على كثير من المتصوفة، وقد عد نماذج كثيرة من غرورهم ثم قال: وأنواع الغرور في طريق السلوك إلى الله تعالى لا تحصى في مجلدات، ولا تستقصى, ثم بين أن مصدر ذلك كله الجهل وعدم سلوك الطريق بشكل صحيح بحيث يكون بعد العلم، فالكثير منهم جهلة، ومع ذلك ادعوا المعرفة، بترديد كلمات هي طامات، ويظن أنه أوتي علم الأولين والآخرين، فهو ينظر إلى الفقهاء والمفسرين والمحدثين وأصناف العلماء بعين الازدراء فضلاً عن العوام (6). وكل ذلك بناءً على أغاليط
_________
(1) إحياء علوم الدين (2/ 250).
(2) المصدر نفسه (2/ 250).
(3) المصدر نفسه (3/ 63).
(4) الإمام الغزالي للشامي، ص 118.
(5) إحياء علوم الدين (2/ 250).
(6) الإمام الغزالي، ص 120.
(1/384)

ووساوس، يخدعهم الشيطان بها، لاشتغالهم بالمجاهدة قبل إحكام العلم، ومن غير اقتداء بشيخ متقن في الدين والعلم، صالح للاقتداء به (1).
د- سقوط التكاليف: ويحدثنا الغزالي عن انحراف آخر لبعض الصوفية، لعله من أسوأ انحرافاتهم, ذلك أن بعضهم وقع في الإباحة، وطووا بساط الشرع ورفضوا الأحكام، وسووا بين الحلال والحرام .. وهم فئات (2). ومن هؤلاء طائفة ظنت أن المقصود من العبادات المجاهدة حتى يصل العبد بها إلى معرفة الله تعالى، فإذا حصلت المعرفة فقد وصل وبعد الوصول يستغنى عن الوسيلة والحيلة، فتركوا السعي والعبادة، وزعموا أنه ارتفع عن محلهم في معرفة الله سبحانه عن أن يمتهنوا بالتكاليف, وإنما التكاليف على عوام الخلق (3). وحكم الغزالي على هذه الفئات بأنها مذاهب باطلة وضلالات هائلة (4).
إن الغزالي لم يقبل التصوف بعجره وبجره، بل رفض في حزم تصوف أهل الحلول والاتحاد كالحلاج وأشباهه ولم يقبل إلا التصوف السني القائم على الكتاب والسنة, واجتهد أن يرد كل فكرة أو خلق أو سلوك أو حال، مما يقول به المتصوفة إلى أصول إسلامية وأن يستدل عليها بالقرآن والحديث والأثر (5)، وقد حاول أن يخفف من غلواء القوم في فهمهم للتوكل والزهد ونحوهما وإن أصابه شيء من رذاذهم (6)، ونقول ما قاله الذهبي: فرحم الله أبا حامد، فأين مثله في علومه, ولكن لا ندّعي عصمته من الغلط والخطأ (7).
5 - أثر الغزالي في التصوف: أثر الغزالي أثرٌ كبيرٌ في التصوف ولا زال هذا الأثر إلى يومنا الحاضر، فقد استطاع أن يصنع معالم لطريق التصوف ومقاييس له، تكشف الزيف وتظهر الخطأ, الأمر الذي يساعد على الإصلاح ويسهل طريقه. ومما يذكر له في
هذا الميدان:
أ- ضرورة العلم الشرعي: نبّه الغزالي على ضرورة العلم الشرعي لسالك طريق الآخرة، خلافاً لما كان شائعاً بين كثير من الصوفية أن العلم حجاب, وقد جعل أول كتاب من كتب «الإحياء» الأربعين كتاب العلم، وأول عقبة يجب أن يجتازها «العابد» هي العلم كما في منهاج العابدين. وأكد في مواضع لا تحصر: أن السعادة لا تنال إلا بالعلم والعمل
_________
(1) إحياء علوم الدين (3/ 404 - 407).
(2) المصدر نفسه (3/ 405).
(3) المصدر نفسه (3/ 405).
(4) الإمام الغزالي للشامي، ص 154.
(5) الغزالي بين مادحيه وناقديه، ص 121.
(6) المصدر نفسه، ص 121.
(7) الغزالي بين مادحيه وناقديه، ص 121، 122.
(1/385)

وقال في رسالة «أيها الولد»: إن العلم بدون عمل جنون، والعمل بدون علم لا يكون، والإحياء هو الكتاب الذي وضعه لسالكي الطريق. إذن فهو ينكر كل الإنكار أن تكون المجاهدة ورياضات النفس قبل العلم. ويرى الغزالي أن نظرة العالم أدق وأصوب من نظرة الصوفي (1). ولذلك قال: .. ونور العلم إذا أشرق أحاط بالكل وكشف الغطاء ورفع الاختلاف (2).
ب- رفض الغزالي للتأويلات الباطنية التي تخرج بالنصوص الشرعية عن مقتضى ظواهرها بغير اعتصام فيه بنقل عن صاحب الشرع، ومن غير ضرورة تدعو إليه من دليل العقل، فإن هذا يقتضي بطلان الثقة بالألفاظ , وتسقط من منفعة كلام الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فإن ما يسبق إلى الفهم لا يوثق به، والباطن لا ضابط له, ومثل لذلك بقول بعضهم في قوله تعالى: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى}: أي إشارة إلى قلبه. وقوله {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ} أي ما يتوكأ عليه ويعتمده مما سوى الله فينبغي أن يلقيه, ومثله حديث: «تسحروا فإن في السحور بركة» وتأويله بأنه الاستغفار في الأسحار، وبهذا الطريق توصل الباطنية إلى هدم جميع الشريعة بتأويل ظواهرها (3).
جـ - جعل من التصوف علمًا أخلاقيًا عمليًا: فقد نقله من مجرد الذوق والتحليق والشطح والتهويل إلى علم أخلاقي عملي يعالج أمراض القلوب وآفات النفوس ويزكيها بمكارم الأخلاق. ومن نظر إلى (الإحياء) عرف أن لبابه وغايته في نصفه الأخير وهو يتكون من ربعين: ربع (المهلكات) وربع (المنجيات) وكل من هذه وتلك عشرة كاملة وكلها تدور حول «الأخلاق»، فهو - كما ذكر في مقدمة الكتاب - يذكر في (المهلكات) كل خلق مذموم ورد القرآن بإماطته وتزكية النفس عنه وتطهير القلب منه. ويذكر في (المنجيات) كل خلق محمود، وخصلة مرغوب فيها، من خصال المقربين والصديقين التي بها يتقرب العبد من رب العالمين (4). كما أخذ عليهم من الناحية العلمية عدم دقتهم في تعريفاتهم لأعمال القلوب، لغلبة أحوالهم الذاتية والآنية عليهم. ومن تتبع الإحياء وغيره من كتب الغزالي، بإنصاف، وجد أنه حاول كبح جماح القوم، والوقوف بهم عند الحدود والحواجز الشرعية، وضبط أقوالهم وأعمالهم، بتقييد مطلقها، وتحديد مبهمها، وإعطائها معنى مقبولاً، ونجح في ذلك إلى حد بعيد (5).
_________
(1) الإمام الغزالي للشامي، ص 134.
(2) إحياء علوم الدين (2/ 242، 243).
(3) إحياء علوم الدين (1/ 27).
(4) الإحياء (1/ 3) , الغزالي بين مادحيه وناقديه، ص 123.
(5) الغزالي بين مادحيه وناقديه، ص 124.
(1/386)

د- تصحيح مفهوم الزهد: الزهد أصل كبير من أصول التصوف، نتج عنه الإعراض عن الدنيا، وهو المسلك الذي يجاهد الصوفية نفوسهم من أجله كمرحلة أولى من طريقهم، ولكن بعضهم بالغ في هذا، بل وعلى حد تعبير الغزالي: أضلهم الشيطان في الإعراض عنها (1). وقد ساق لنا نموذجًا من هذا الإعراض، وبين خطأهم، ثم بين لنا السلوك الصحيح في هذا الموضوع بقوله: .. وإنما الناجي منها فرقة واحدة وهي السالكة ما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وهو: أن لا يترك الدنيا بالكلية، ولا يقمع الشهوات بالكلية. أما الدنيا: فيأخذ منها قدر الزاد. وأما الشهوات فيقمع منها ما يخرج عن طاعة الشرع والعقل، ولا يتبع كل شهوة، ولا يترك كل شهوة، بل يتبع العدل، ولا يترك كل شيء من الدنيا، ولا يطلب كل شيء من الدنيا بل يعلم مقصود كل ما خلق من الدنيا ويحفظه على حد مقصوده:
فيأخذ من القوت ما يقوى به البدن على العبادة, ومن المسكن ما يحفظ عن اللصوص، والحر والبرد.
ومن الكسوة كذلك حتى إذا فرغ القلب من شغل البدن، أقبل على الله تعالى بكنه همته، واشتغل بالذكر والفكر طوال العمر. وبقي ملازماً لسياسة الشهوات، ومراقباً لها، حتى لا يجاوز حدود الورع والتقوى، ولا يعلم ذلك إلا بالاقتداء بالفرقة الناجية، وهم الصحابة وقد كانوا على النهج القاصد، وعلى السبيل الواضح، .. فإنهم ما كانوا يأخذون الدنيا للدنيا، بل للدين, وما كانوا يترهبون ويهجرون الدنيا بالكلية، وما كان لهم في الأمور تفريط ولا إفراط بل كان أمرهم بين ذلك قواماً وذلك هو العدل والوسط بين الطرفين، وهو أحب الأمور إلى الله تعالى ... والله أعلم (2).
والخلاصة: أنه مما لا شك فيه أن أثر الغزالي كان كبيراً على التصوف، إذ أراده تصوفاً سنياً، على طريقة الجنيد, وقد أفلح إلى حد كبير في الإصلاح في هذا الميدان ولا يمكن تقدير ذلك إلا بالمقارنة بين ما كان عليه التصوف قبل الغزالي وما آل إليه بعده (3). ومن عرف كيف كان التصوف قبل الغزالي، ثم كيف صار بعده عرف فضل الغزالي على
التصوف وأهله، وما ترك فيه من أمر واضح، يشهد به المتخصصون في علم هذا الجانب
من جوانب الثقافة والحياة الإسلامية, وهذا ما اعترف به وقرره الذين عنوا بدراسة
التصوف ورجاله وتاريخه (4)، ومهما يكن من أمر في هذا الباب الخطير، فالغزالي إمام كبير،
_________
(1) إحياء علوم الدين (3/ 230).
(2) إحياء علوم الدين (3/ 230).
(3) الغزالي للشامي، ص 140.
(4) الغزالي بين مادحيه وناقديه، ص 124.
(1/387)

وما من شرط العالم أنه لا يخطئ (1).

سادساً: دور أبي حامد الغزالي في الإصلاح:
1 - منهج الغزالي في الإصلاح: ذكر الدكتور ماجد عرسان الكيلاني أن القواعد التي قام عليها منهج الغزالي في الإصلاح والتجديد ثلاث قواعد:
القاعدة الأولى: إن الأساس في وجود الأمة المسلمة هو إخراجها لحمل رسالة الإسلام إلى العالم كله، وحين قعد المسلمون عن تبليغ الرسالة امتلأت الأرض بالفتنة والفساد الكبير, وأصبح المسلمون وغيرهم ضحايا هذا القعود.
القاعدة الثانية: وترتبط القاعدة الثانية بالأولى ارتباطاً متلاحماً, فما دام المسلمون مسئولين عن حمل رسالة الإصلاح إلى العالم، وما داموا قاعدين عن حمل هذه الرسالة، فإنه من الواجب أن يجري البحث في أسباب هذا القعود من داخل المسلمين أنفسهم.
القاعدة الثالثة: فقد جاءت مكملة للقاعدة الثانية، فما دامت الحاجة ماسة إلى تلمس أسباب القعود، فإن الغاية من هذا التلمس يجب أن تستهدف التشخيص وتقديم العلاج لا مجرد تواترات «سلبية» تقوم على التلاوم وتبادل الاتهام (2).
2 - صفات منهج الغزالي في الإصلاح: تميز منهج الغزالي في الإصلاح بصفات
عدة منها:
الصفة الأولى: خلو كتاباته من تحريض المسلمين على جهاد الصليبيين، وخلوها من التنديد بوحشيتهم، وجرائمهم التي كانوا يقترفونها في أطراف العالم الإسلامي.
الصفة الثانية: هي اعتماد النقد الذاتي، ولذلك لم يلجأ إلى تلمس التبريرات وإلقاء المسئولية على القوى المهاجمة التي جذبتها عوامل الضعف وقابلية الهزيمة من الخارج, وهذا منهج في البحث يتفق مع المبدأ الإسلامي القائل: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى: 30] فكان الغزالي يحاول أن يعالج قابلية الهزيمة، فالمشكلة حسب تصور الغزالي في فساد المحتويات الفكرية والنفسية عند المسلمين في أمور العقيدة والاجتماع وما سوى ذلك هي مضاعفات تزول بزوال المرض الأساسي (3).
الصفة الثالثة: التي اتصف بها منهج الغزالي في الإصلاح هي انطلاقه من منطلق
_________
(1) سير أعلام النبلاء (19/ 339).
(2) هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس، ص 106.
(3) المصدر نفسه، ص 107.
(1/388)

إسلامي أصيل، فاهتم بجانب الإصلاح الفكري والنفسي. وهذا مبدأ قرآني واضح {إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11] وبدأ الغزالي بخاصة نفسه أولاً، ثم أخذ بتغيير ما بأنفس الآخرين، واستمر أصحابه وتلامذته في تطبيق هذا المنهاج (1)، فأسهمت هذا الجهود مع جهود أخرى في ظهور جيل نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي كما سنرى في مكانه.
الصفة الرابعة: إن الغزالي لم يعالج قضايا المسلمين باعتبارهم قومية منفصلة تصارع قوميات أخرى، وإنما باعتبار هذه القضايا بعض مضاعفات قعود المسلمين وعجزهم عن حمل واجبهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (2).
3 - تشخيص الغزالي لأمراض المجتمع الإسلامي:
أ- فساد رسالة العلماء: ركز الغزالي في مواقع جمة على نقد العلماء المنتسبين إلى الدين وهم في الحقيقة علماء الدنيا, وهو يحملهم مسئولية كبيرة في فساد الملوك والحكام وفساد العوام، ويرى أن الداء العضال فقد الطبيب، والأطباء هم العلماء، وهم أنفسهم مرضوا مرضاً شديداً (3)، فتحدث عما وقع فيه أهل العلم ورجال الدين من طلب الجاه والرياسة، ونيل الحظوة عند أهل الحكم والسياسة، والجدل الفارغ والنقاش الحاد، والاكتفاء بمسائل الفروع والأحكام والانصراف عن علم الآخرة، وتهذيب النفس، وحقيقة ما فيه المنتدبون للإصلاح والدعوة من الكلام المزخرف، واللفظ المسجع، والقصص المُلهية، ورأى عموم الفساد، وغفلة الناس, وسكوت العلماء، وفقدان النذير (4) فالغزالي يرى أن أدلة الطريق هم العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، وقد شغر منهم الزمان ولم يبق إلا المتمرسون، وقد استحوذ على أكثرهم الشيطان، واستهواهم الطغيان، وأصبح كل واحد بعاجل حظه مشغوفاً؛ فصار يرى المعروف منكراً والمنكر معروفاً حتى ظل علم الدين مندرساً، ومنار الهدى في منطقة الأرض منطمساً، ولقد خيَّلوا إلى الخلق أن لا علم إلا فتوى حكومة تستعين به القضاة على فصل الخصام عند تهاوش الطغام، أو الجدل يتذرع به طالب المباهاة إلى الغلبة والإفحام، أو سجع مزخرف يتوسَّل به الواعظ إلى استدراج العوام إذا لم يروا ما سوى هذه الثلاثة مصيدة للحرام، وشبكة للحطام.
فأمَّا علم طريق الآخرة، ما درج عليه السلف الصالح مما سماه الله سبحانه في كتابه فقهاً وحكمة، وعلماً وضياء ونوراً, وهداية ورشداً, فقد أصبح بين الخلق
_________
(1) هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس، ص 107.
(2) المصدر نفسه، ص 107.
(3) الغزالي بين مادحيه وناقديه، ص 79.
(4) رجال الفكر والدعوة (1/ 214).
(1/389)

مطوياً، وصار نسياً منسياً، ولما كان هذا ثلماً في الدين مُلمًا، وخطباً مُدلهمًا، رأيت الاشتغال بتحرير هذا الكتاب مُهمًّا لإحياء الدين، وكشفاً عن مناهج الأئمة المتقدمين، وإيضاحاً لمناحي العلوم النافعة عند النبيين والسلف الصالحين (1). ويعتقد الغزالي أن التبعة الكبرى في هذا الفساد الشامل، والضَّعف في الدين والانحلال في الأخلاق، تقع على العلماء، ورجال الدين، وهم السبب الأول في فساد الأوضاع؛ لأنهم ملح الأمة، وإذا فسد الملح فما الذي يُصلحه؟ ويتمثل الغزالي ببيت خوطب فيه العلماء:
يا معشر القُّراء يا ملح البلد ... ما يصلح الملح إذا الملح فسد
ويذكر كيف مرضت قلوب الناس، واشتدت الغفلة عن المعاد ويذكر أسباب ذلك، فيذكر منها مرض العلماء واعتلالهم، وهم أطباء القلوب فيقول: والثالثة: وهو الداء العضال .. فقد الطبيب، فإن الأطباء هم العلماء، وقد مرضوا في هذه الأعصار مرضاً شديداً، وعجزوا عن علاجه. ويقول في موضع آخر: فإن الأطباء هم العلماء وقد استولى عليهم المرض، فالطبيب المريض قلما يلتفت إلى علاجه، فلهذا صار الدّاء عُضالاً، والمرض مزمناً، واندرس هذا العلم، وأنكر بالكلية طبُّ القلوب، وأنكر مرضها، وأقبل الخلق على حب الدنيا، وعلى أعمال ظاهرها عبادات وباطنها مُراءاة (2). ويردُّ الغزالي فساد الملوك والأمراء إلى ضعف العلماء وإهمالهم لواجبهم يقول: بالجملة إنما فسدت الرعية بفساد الملوك، وفساد الملوك لفساد العلماء، فلولا القضاة السوء والعلماء السوء لقل فساد الملوك، خوفاً من إنكارهم (3). ويلوم الغزالي العلماء على تقاعدهم عن فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكلمة الحق عند سلطان جائر ويعلل ذلك بوقوع العلماء في شباك الأمراء، وحبهم للدنيا وطلبهم للجاه (4). ولاحظ الغزالي - وقد مضى مدة طويلة في التدريس والإفتاء، وعاش بين العلماء وخبر سيرتهم - أنه قد شغل الناس بالجُزئيات الفقهية، والمسائل الخلافية، ووقع الاكتفاء بعلم الفقه والفتيا, وانصرف بذلك العلماء وطلبة العلم عن العلوم النافعة، والأشغال المفيدة الأخرى, وشُغلوا عن العلم الذي يُصلحون به نفوسهم، وينالون به سعادة الدنيا والآخرة (5). وقد ترتب عن فساد رسالة العلماء وانتشار الشكلية الدينية في المجتمع الإسلامي آثار من أهمها:
_________
(1) إحياء علوم الدين (1/ 3).
(2) إحياء علوم الدين (3/ 54).
(3) المصدر نفسه (2/ 132).
(4) رجال الفكر والدعوة (1/ 217) نقلاً عن إحياء علوم الدين.
(5) المصدر نفسه (1/ 218).
(1/390)

- البعد عن قضايا المجتمع والاشتغال بقضايا هامشية لا طائل تحتها.
- التعصب المذهبي واختفاء الفضائل العلمية.
- تفتيت وحدة الأمة وظهور الجماعات والمذاهب.
- انتشار التدين السطحي والفئات التي مثلته، كفئة العلماء وفئة أصحاب العبادة والعمل والمغرورين، وفئة المتصوفة، وفئة أرباب المال، وقد فصل الإمام الغزالي في الحديث عن هذه الفئات في كتابه إحياء علوم الدين (1).
ب- انحراف الألفاظ عن مدلولاتها: وقد فطن الغزالي - لذكائه الباهر وتجربته العلمية - أن من أسباب الالتباس وانخداع الناس بالمظاهر، وبُعدهم عن الحقائق، هو أنه قد فشا في هذا العصر استعمال كلمات القرآن والحديث في غير محلها، وفي غير معناها الأصيل القديم، وصار يُفهم منها مالم يكن يفهم في العصر الأول، يعقد في كتاب «الإحياء» فصلاً خاصاً في بيان ما بُدِّلَ من ألفاظ العلوم ويقول في مُفتتحِه: اعلم أن منشأ التباس العلوم المذمومة بالعلوم الشرعية تحريف الأسامي المحمودة، وتبديلها ونقلها، بالأعراض الفاسدة إلى معان غير ما أراده السَّلف الصالح والقرن الأول وهي خمسة ألفاظ: الفقه، والعلم, والتوحيد، والتذكير, والحكمة، فهذه أسامٍ محمودة، والمتصفون بها أرباب المناصب في الدين ولكنها نُقلت الآن إلى معان مذمومة، فصارت القلوب تنصر عن مذمّة بمعانيها لشُيوع إطلاق هذه الأسامي عليهم (2)، ثم شرح الألفاظ المذكورة:
- فالفقه: كان يطلق في العصر الأول على علم طريق الآخرة ومعرفة دقائق آفات النفوس، ومفسدات الأعمال وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا، وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة، واستيلاء الخوف على القلب، فخُصِّص في هذا العصر بمعرفة الفروع الغريبة في الفتاوى، والوقوف على دقائق عِللها، واستكثار الكلام فيها، وحفظ المقالات المتعلقة بها.
- العلم: وكان لفظ العلم يُطلق على العلم بالله تعالى، وبآياته وبأفعاله في عباده وخلقه، وتصرف فيه أهل الزمان بالتخصيص، حتى شهروه في الأكثر بمن يشتغل بالمناظرة مع الخصوم في المسائل الفقهية وغيرها.
- التوحيد: وكان التوحيد عند الأولين، وهو أن يرى الإنسان الأمور كُلها من الله عز وجل رؤية تقطع التفاته عن الأسباب والوسائط، فلا يَرى الخير والشرَّ كله إلا منه جلّ جلاله, وقد جعل الآن عبارة عن صناعة الكلام، ومعرفة طريق المجادلة والإحاطة بطرق
_________
(1) هكذا ظهر جيل صلاح الدين، ص 113 - 132 وقد أخذ الكثير من الأفكار من إحياء علوم الدين.
(2) الإحياء (1/ 28).
(1/391)

مناقضات الخصوم، والقدرة على التشدق فيها، بتكثير الأسئلة وإثارة الشبهات، وتأليف الإلزامات، حتى لقَّب طوائف منهم أنفسهم بأهل العدل والتوحيد، وتسمَّى المتكلمون العلماء بالتوحيد.
- التذكير: والتذكير هو الذي عناه الله سبحانه وتعالى, فنقل ذلك إلى ما ترى أكثر الوعاظ في هذا الإيمان يواظبون عليه، وهو القصص والأشعار، والشَّطح والطامات.
- والحكمة: والحكمة هي التي أثنى الله عز وجل عليها فقال: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269]. فصار اسم الحكيم يُطلق على الطبيب والشاعر والمنجم؛ حتى على الذي يُدحرج القرْعة على أكُفَّ السَّوادية في شوارع الطرق (1).
وبعد هذه المقارنة بين معاني هذه الألفاظ القديمة ومحلَّ استعمالها وبين معانيها المحُدثة ومحل استعمالها وبيان التحريف الذي وقع في إطلاق هذه الكلمات وتفسيرها يقول: فقد عرفت كيف صرف الشيطان دواعي الخلق عن العلوم المحمودة إلى المذمومة، فكل ذلك من تلبيس عُلماء السوء بتبدُّل الأسامي، فإن اتبعت هؤلاء اعتماداً على الاسم المشهور من غير التفات إلى ما عُرف في العصر الأول، كنت كمن طلب الشرف بالحكمة باتباع ما يُسمى حكماً؛ فإن اسم الحكيم صار يُطلق على الطبيب والشاعر والمنجم في هذا العصر، وذلك بالغفلة عن تبديل الألفاظ (2). وهكذا يهيب الغزالي بالعلماء، في قوة وصراحة وشجاعة وإخلاص وعمق وتحليل علمي، ويثير فيهم الغيرة والشعور، ويستحثهم على الرجوع إلى مركزهم في الأمة، وهو خلافة الأنبياء والوصاية الدينية والخلقية على المجتمع الإسلامي والحسبة على الحكومة والحكام، والخواصّ والعوام، معتقداً بأنهم حجر الزاوية في إصلاح المجتمع، وبصلاحهم صلاح العالم، وبفسادهم فساد العالم، ثم يلتفت إلى السلاطين والأمراء، لأنهم الركن الثاني في إصلاح النوع الإنساني (3).
جـ- نقد السلاطين الظلمة: لم يكن نقد الغزالي ولا نصحه موجها للجمهور فحسب ولا للعلماء والمتصوفة ونحوهم من الطبقات فحسب، بل شمل نصحه وتوجيهه السلاطين والوزراء، الذين بأيديهم أمر المسلمين وطالما ذكر أن صلاح الأمة لا يتم إلا بصلاح هاتين الفئتين: أهل العلم والفكر، وأهل السياسة والسلطة، فهما الصنفان اللذان إذا صلحا صلح
_________
(1) الإحياء (1/ 28 - 34) , رجال الفكر والدعوة (1/ 221). مفهوم التوكل: الأخذ بالأسباب والتعلق بالله سبحانه وتعالى دون الاعتماد عليها.
(2) رجال الفكر والدعوة في الإسلام (1/ 222).
(3) المصدر نفسه (1/ 222).
(1/392)

الناس، وإذا فسدا فسد الناس، وطالما حكى قول بعض السلف: لو كان لي دعوة مستجابة لدعوتها للسلطان، فإن الله يصلح بصلاحه خلقاً كثيراً والناس يمنعهم من إسداء النصح وقول الحق المر أمران: الخوف والطمع. وهو في حياته الجديدة ليس عنده ما يخاف عليه، وليس عندهم ما يطمع فيه، وقد خبت في قلبه جمرة الحرص، وحب المال والجاه، بعد أن جعل الدنيا طريقاً لسفره لا محلا لإقامته واتخذ منها قنطرة يعبرها ولا يعمرها؛ زاره وزير الخليفة أنوشروان في بيته تكريماً له، وإقراراً بمنزلته وفضله, وما كان ليحدث من هؤلاء الكبراء إلا لمثل الغزالي، ولكن أبا حامد قال له: زمانك محسوب عليك وأنت كالمستأجر للأمة، فتوفرك على ذلك أولى من زيارتي (1). وقد أدرك الغزالي ببصيرته وثقافته الواسعة أن أول ما نقص من عُرى الإسلام ما يتعلق بالحكم والسياسة، وأن أبرز ما انحرف فيه الحكم عن صراط الإسلام كان في سياسة المال, ولهذا شدد النكير على السياسة المالية للسلاطين، وشدد على العلماء في الدخول عليهم أو مخالطتهم، أو قبول الهدايا منهم لأنها رشوة على الدين، ولأن أموالهم جلها سحت (2)، وإليك آراء الغزالي في هذا المجال:
- تحريم التعامل مع السلاطين الظلمة.
- تحريم التجارة في الأسواق التي بناها السلاطين الظلمة.
- تحريم التعامل مع قضاة السلاطين الظلمة وخدمهم وشرطتهم.
- تحريم الانتفاع بالمرافق والمؤسسات التي بناها السلاطين الظلمة. وقد فصل هذه الأمور في كتابه أحياء علم الدين (3). وقد تحدث الغزالي عن سلاطين عصره فقال: .. فلا تسمح نفوس السلاطين بعطية إلا لمن طمحوا في استخدامهم والتكثر بهم، والاستعانة بهم على أغراضهم، والتجمُّل بغشيان مجالسهم، وتكليفهم المواظبة على الدعاء والثناء والتزكية والإطراء في حضورهم ومغيبهم, فلو لم يُذل الآخذ نفسه بالسؤال أولاً وبالتردد في الخدمة ثانية، وبالثناء والدعاء ثالثاً، وبالمساعدة له على أغراضه عند الاستعانة رابعاً، وبتكبير جمعه في مجلسه وموكبه خامساً، وبإظهار الحُب والموالاة والمناصرة له على أعدائه سادساً، وبالستر على ظلمه ومقابحه ومساوئ أعماله سابعاً، لم ينُعم عليه بدرهم واحد ولو كان في فضل الشافعي رحمه الله مثلاً؛ فإذًا لا يجوز أن يؤخذ منهم في هذا الزمان ما يُعلم أنه حلال لإفضائه إلى هذه المعاني فكيف ما يُعلم أنه حرام أو يشك فيه، فمن استجرأ على أموالهم، وشبَّه نفسه بالصحابة والتابعين، فقد قاس الملائكة بالحدادين (4). وقيمة هذه الكلمة الجريئة
_________
(1) المنتظم لابن الجوزي (9/ 170).
(2) الغزالي بين مادحيه وناقديه، ص 89.
(3) المصدر نفسه، ص 89.
(4) إحياء علوم الدين (1/ 122، 123).
(1/393)

لا تُعرف إلا في جوَّ الحكومات الشخصية الرهيبة التي كانت كلمة واحدة تصدر من عالم أو مؤلف في نقد ملك أو حاكم تطيح بحياته (1).
ولم يقتصر الغزالي على إبداء آرائه في السلاطين الجائرين في مؤلفاته، بل أبدى رأيه وجهر بالحق والنصيحة أمام الملوك كُلمَّا سنحت له فرصة, وقد قال للسلطان «سنجر بن ملك شاه السَّلجوقي» الذي كان يحكم خراسان من أقصاها إلى أقصاها: إن رقاب المسلمين كادت تنقض بالمصائب والضرائب, ورقاب خيلك كادت تنقضُّ بالأطواق الذهبية (2)، وقد كتب إلى أخيه الأكبر محمد بن ملك شاه - وكان أكبر ملوك عصره - رسالة ذكَّره فيها بمسئوليته، وحذره من عقاب الله وغضبه, ولفت نظره إلى إصلاح المملكة (3). وكتب إلى وزراء المملكة رسائل مستفيضة، ولفت نظرهم بكل جرأة وصراحة إلى فساد الأوضاع، وجور الحكام وابتزازهم للأموال، وما كان يعانيه الشعب من حيف الأمراء، وغفلة المسئولين، وطمع الموظفين، وحذرهم عقاب الله وبطشه، وذكرهم بمصير الوزراء السابقين، والحكام الظالمين، وحثَّهم على إصلاح الجهاز الإداري، وتنظيم الحكومة والضرب على يد الظلمة, ورسائله الفارسية التي وجهها في هذا المعنى إلى الوزراء مثال الشجاعة والصَّدع بالحق، ومثال لقوة الإنشاء وبلاغة التعبير، كالتي أرسلها إلى فخر الملك، ومجير الدين (4).
ولم يقتصر الغزالي على بذل النصيحة لملوك عصره ووزرائهم وتوجيههم الديني، وتحذيرهم من سخط الله، بل كان يبحث -لعلو همته وحرصه على إقامة الدين وإسعاد المسلمين- عن دولة فتية تقوم على أساس ديني متين، وفكر سليم، وقد قامت في عصره دولة نشيطة بريئة من كثير من علل الحكومات الإسلامية التي عاصرها، وهي دولة المرابطين بالمغرب، كان على رأسها رجل هو أقوى ملوك المسلمين في عصره وأنشطهم، هو يوسف بن تاشفين، صاحب مراكش، ويحدثنا ابن خلكان، أن الغزالي قصده لعله يتعاون معه على توجيه الحكومة (5)، يقول ابن خلكان: وبلغني أن الإمام حجة الإسلام، أبا حامد الغزالي -تغمده الله تعالى برحمته - لما سمع ما هو عليه من الأوصاف الحميدة، وميله إلى أهل العلم، عزم على التوجه إليه، فوصل إلى الإسكندرية، وشرع في تجهيز ما يحتاج إليه، فوصله خبر وفاته، فرجع عن ذلك العزم (6).
د- نقده للبدع والمنكرات التي حدثت في المجتمع: لم يكن نقد الغزالي مقتصرًا على
_________
(1) رجال الفكر والدعوة (1/ 224).
(2) المصدر نفسه (1/ 225).
(3) المصدر نفسه (1/ 225).
(4) المصدر نفسه (1/ 225، 226).
(5) المصدر نفسه (1/ 227).
(6) وفيات الأعيان نقلاً عن رجال الفكر والدعوة (1/ 227).
(1/394)

العلماء والسلاطين والأمراء، بل إنه استعرض المجتمع الإسلامي المعاصر كُلَّه، فذكر ما انتشر فيه من بدع ومنكرات وأوهام ومغالطات، ويدل كتاب الإحياء على أنه - وإن كان نشأ نشأة علمية وعاش بين الكتب والتلاميذ - كان متصلاً بالمجتمع اتصالاً وثيقاً، وقد درسه دراسة عميقة، وكان واسع الإطلاع على المدنيَّة في عصره، وأساليب الحياة، وأجواء الطبقات. وأن ما ذكره من أخلاق مختلف الطبقات وِعللها ليدل دلالة واضحة على قوة ملاحظته، ودقَّة نظره. وقد عقد في كتابه بابًا مستقلاً في المنكرات المألوفة في العادات والتقاليد التي ألِفها الناس، فلا يشعر كل واحد بأنها منكرات دخيلة على الحياة الدينية، وقد دقَّق فيها واستوعبها استيعاباً لا يقدر عليه إلا من عاشر الناس معاشرة طويلة، وخبر الحياة ودرسها دراسة واسعة عميقة ذكر فيها منكرات المساجد ومنكرات الأسواق ومنكرات الشوارع ومنكرات الحمامات، ومنكرات الضيافة والمنكرات العامة (1). وخصَّص الغزالي جزءاً من الكتاب بذم الغُرور، ذكر فيه أصناف المغترين وفرق كل صنف، ذكر منهم المغترين من أهل العلم وفِرَقهم, والمغترين من المتصوفة، والمغترين من أرباب الأموال وفرقهم، وقد ذكر منافذ الشيطان ومداخل النفس في هذه الطبقات وأصنافها، وذكر في أفكارهم ومزالقهم وعقدهم النفسية مالا يطَّلع عليها إلا عالم كبير من علماء النفس، ومصلح اجتماعي ذكي له تجارب طويلة ونظر نافذ (2). وقد انتقد العلماء والمشتغلين بالعلم في غُلوهم في الإكثار من الجزئيات الفقهية، والخلافيات، والكلام والجدل، والتعمق في العلوم الآلية: كالنحو، واللغة، والشَّعر، والغريب، والانهماك به، وانتقد الصوفية بالاكتفاء بحفظ أقوال المشائخ وأخبارهم ...
وذكر من التباسات الصوفية ومبالغاتهم شيئاً كثيراً يدل على إنصافه وتدقيقه (3). وقد ذكر عن المغترين من أرباب الأموال طرائف وحقائق تدل على النظر العميق، والفهم الديني الصحيح يقول: ربما يحرصون على إنفاق المال في الحج، فيححُّون مرة بعد أخرى، وربما تركوا جيرانهم جياعاً (4). ويقول: وفرقة أخرى من أرباب الأموال اشتغلوا بها، يحفظون الأموال ويمسكونها بحكم البُخل، ثم يشتغلون بالعبادات البدنية التي لا تحتاج فيها إلى نفقها، كصيام النهار وقيام الليل، وختم القرآن وهم مغرورون لأن البخل المهلك قد استولى على بواطنهم، فهو يحتاج إلى قمعه بإخراج المال, وقد اشتغل بطلب فضائل هو مستغن عنها، ومثاله مثال من دخل في ثوبه حية وقد أشرف على الهلاك وهو مشغول بطبخ السَّكنجين يسكن به الصَّفراء، ومن قتلته الحية متى يحتاج إلى السكنجين؟ ولذلك قيل لبشر الحافي: إن فلاناً الغني كثير الصوم والصلاة؟ فقال: المسكين؛ ترك حاله، ودخل في حال غيره، وإنما حال هذا إطعام
_________
(1) إحياء علوم الدين (2/ 294 - 300).
(2) رجال الفكر والدعوة (1/ 229).
(3) إحياء علوم الدين (3/ 345 - 350).
(4) المصدر نفسه (3/ 351).
(1/395)

الطعام للجياع، والإنفاق على المساكين، فهذا أفضل له من تجويعه نفسه، ومن صلاته لنفسه مع جمعه للدينار ومنعه للفقراء (1)، وقد تحدث الغزالي عن صور كثيرة من الأخطاء والبدع التي وقعت في المجتمع واستطاع تصويرها بريشته البارعة، فصور مخايل، وقسمات وجه ذلك المجتمع، وجسم دقائقه وتجاعيده، ويظهر في ذلك كله ذكاؤه، وسعة إطلاعه، ودقة ملاحظته وبراعة تصويره، وسلامة تفكيره (2).
4 - ميادين الإصلاح عند الغزالي: لم يكتف الغزالي بتشخيص الأدواء التي ضربت المجتمع في زمانه وإنما جعل هذا التشخيص مقدمة لاستخلاص ميادين العلاج, وكذلك يمكن القول إن ميادين الإصلاح عند الغزالي اشتملت على الميادين التالية (3):
أ- العمل على إيجاد جيل جديد من العلماء والمربين: يرى الغزالي أهمية العلماء الربانيين في الإصلاح, ولذلك خلص إلى وجوب هذا النوع من العلماء وتحديد وظيفتهم وعلاقاتهم بالسلاطين (4): فالعلماء هم أطباء الدين عليهم أن يطلبوا مرضى العقول والنفوس لعلاجهم لأنهم ورثة الأنبياء، والأنبياء ما تركوا الناس على جهلهم بل كانوا ينادونهم في مجامعهم, ويدورون على أبواب دورهم في الابتداء ويطلبونهم واحداً واحداً فيرشدونهم. فإن مرضى القلوب لا يعرفون مرضهم ... وهذا فرض عين على العلماء، وعلى السلاطين كافة أن يرتبوا في كل قرية ومن كل محلة فقيهاً متديناً يعلم الناس دينهم، فإن الخلف لا يولدون إلا جهالاً فلا بد من تبليغ الدعوة إليهم في الأصل والفرع, والدنيا دار المرضى إذ ليس في بطن الأرض إلا ميت ولا على ظهرها إلا سقيم، ومرضى القلوب أكثر من مرضى الأبدان، والعلماء أطباء، والسلاطين قوّام دار المرضى، فكل مريض لم يقبل العلاج بمداواة العالم يسلم إلى السلطان ليكف شره كما يسلم الطبيب المريض الذي لا يحتمي أو الذي غلب عليه الجنون إلى القيم ليقيده بالسلاسل والأغلال ويكف شره عن نفسه وعن سائر الناس (5). وللعلماء الذين يقومون بوظيفة تطبيب الناس من مرض الدنيا شروط وصفات حددها الغزالي فيما يلي:
- أن لا يطلب العالم الدنيا بعلمه.
- أن تكون عناية العالم بتحصيل العلم النافع في الآخرة المرغب في الطاعات مجتنبا
_________
(1) إحياء علوم الدين (3/ 352) , رجال الفكر والدعوة (1/ 230).
(2) رجال الفكر والدعوة (1/ 231).
(3) هكذا ظهر جيل صلاح الدين، ص 133.
(4) المصدر نفسه، ص 134.
(5) إحياء علوم الدين (4/ 50).
(1/396)

العلوم التي يقل نفعها ويكثر فيها الجدل والقيل والقال.
- أن يكون العالم غير مائل للترف في المطعم والمشرب والملبس والأثاث بل يؤثر الاقتصاد في جميع ذلك.
- أن يكون العالم مستقصياً عن السلاطين محترزاً عن مخالطتهم.
- أن لا يكون مسارعاً إلى الفُتيا بل يحترز في ذلك ما وجد إلى الخلاص سبيلاً.
- أن يكون شديد العناية بتوبة اليقين.
- أن يكون أكثر بحثه في علم الأعمال وعما يفسدها ويشوش الشكوك ويثير الشر (1). ولقد أسهب الغزالي في تحديد صفات العلماء المطلوبين لحمل رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وميز بين علماء الآخرة وبين علماء الدنيا أو علماء السوء. وأطنب في التمييز بين أخلاق الطرفين العلمية والاجتماعية ونوع علاقاتهم مع السلاطين والعوام والأغنياء والفقراء، وميز بين أساليب الطرفين في الإرشاد والوعظ والمناقشة, كل ذلك في ضوء الوظيفة الأساسية التي حددها الإسلام للعلماء (2).
ب- وضع منهاج جديد للتربية والتعليم: امتاز المنهاج الذي وضعه الغزالي عن المناهج المعاصرة بأنه تخطى الجزئية التي أفرزتها المذهبية، فلم يقتصر ذلك المنهاج على علوم الفقه التي حددها المذهب، وإنما تكاملت فيه العلوم الدينية كلها كالتوحيد، والتصوف والفقه، كذلك تكاملت فيه العلوم الدينية والمهن الدنيوية, لأن العلوم - حسب مفهوم الغزالي - كلها إسلامية ولكنها تنقسم إلى قسمين: شرعية وغير شرعية، فالشرعية ما استفيد من الأنبياء, وغير الشرعية ما أرشد إليها العقل كالطب والحساب، والعلوم الشرعية فرض كفاية فلو خلا بلد منها سارع إلى الهلاك (3). ومن يقتصر على العلوم الدنيوية دون الشرعية يضيع عمره فيما لا ينفعه في الآخرة (4). وتدل مؤلفات الغزالي التي درّسها لطلابه أنه قد صنفها لتغطي الميادين الآتية:
- بناء العقيدة الإسلامية: والهدف منه تكوين عقيدة واضحة حية تكون بمثابة الأيديولوجية التي تحدد مسار السياسات المختلفة وتوجهها, وأوضح الكتب التي مثلت ميدان بناء العقيدة هو كتاب «الحكمة من مخلوقات الله عز وجل» , ومن يطالع الكتاب يخال
_________
(1) إحياء علوم الدين (4/ 58 - 76).
(2) المصدر نفسه (4/ 75 - 76) , هكذا ظهر جيل صلاح الدين، ص 135.
(3) إحياء علوم الدين (1/ 17).
(4) أيها الولد للغزالي، ص 22, هكذا ظهر جيل صلاح الدين، ص 138.
(1/397)

نفسه أمام طبيب مختص بالتشريح، أو فلكي عالم بالفضاء. فقد اشتمل على أبواب معنوية بـ «التفكير في خلق السماء وفي هذا العالم» و «في حكمة الشمس» و «حكمة القمر والكواكب» «وحكمة خلق الأرض» والبحر والماء والهواء والنار والإنسان وتشكيل أجسام كل من الإنسان والبهائم والطيور والنحل والنبات وغير ذلك من المخلوقات. ولقد عرض الغزالي هذه الموضوعات بأسلوب قائم على تشريح الأجسام وتحليل عمل الأجرام وبيان تناسق وظائف كل عضو وإبراز دقة الخليقة وحكمتها (1).
- ميدان تهذيب النفس والإرادة: وهدفه الارتقاء بالإنسان عن مستوى الخضوع للشهوات والأهواء إلى مقام العبودية لله حيث يتحرر الفرد من الخضوع للشهوات أو الخوف، ويتصرف طبقاً لمراد الله سبحانه وتعالى عن قناعة ورضا، ولتحديد متطلبات هذا الميدان ووسائله وضع الغزالي أبحاثاً مطولة في التحليل النفسي ومراتب تطور النفس وأحوالها والمؤثرات التي تؤثر في السلوك والفكر، والممارسات التي يجب أن يمر بها المتعلم. ولقد استقى الغزالي مكونات هذا المنهج من القرآن والسنة ومصادر تراث السلف وأوائل الصوفية التي تتسق مع الكتاب والسنة. ولقد طبق الغزالي هذا المنهج - في تهذيب النفس - على نفسه عندما هجر التدريس في النظامية وهجر الأهل والموطن والجاه أحد عشر عاماً حتى صفت نفسه، ثم طبقه على تلاميذه عندما عاد لبلده ليشتغل بتعليم الآخرين وتهذيبهم (2).
- ميدان دراسة العلوم الفقهية وما اشتملت عليه من أنظمة ومبادئ تتطلبها المعاملات الجارية والقضايا الحياتية القائمة والمتجددة, ولقد كانت دراسات هذا الميدان متحررة من التقليد المذهبي متصلة اتصالاً مباشراً بالقرآن (3).
- ميدان الحكمة والإعداد الوظيفي. ولقد أدرج الغزالي تحت هذا الميدان جميع السياسات والإدارات والمهن التي يحتاجها المجتمع وكيفية توزيع الأفراد حسب استعداداتهم وقدراتهم, وأشار إشارة صريحة إلى أن علوم هذا الميدان لا تقتصر على ما عرفه الإنسان وإنما سيبرز الكثير منها في المستقبل بسبب تطور هذه الحياة وتجدد الحاجات (4)، ومن جهود الغزالي في هذا المجال كتاب «التبر المسبوك في نصيحة الملوك» الذي أورد فيه أخباراً تظهر أهمية العدل، وسياسة السلطان، وسياسة الوزراء مستشهداً بتاريخ الحكومات في فارس
_________
(1) هكذا ظهر جيل صلاح الدين، ص 139 نقلاً عن الحكمة من مخلوقات الله عز وجل في مجموعة: رسائل الفوائد.
(2) هكذا ظهر جيل صلاح الدين، ص 139.
(3) هكذا ظهر جيل صلاح الدين، ص 139.
(4) هكذا ظهر جيل صلاح الدين، ص 139.
(1/398)

والروم وبتاريخ الخلفاء. وهكذا الكتاب يشكل منطلقات معينة لتحديد مفهوم الإدارة الحكومية كما يتصورها الغزالي (1). وتكشف أبحاث الغزالي في هذا الميدان عن اطلاع واسع وخبرات عميقة في ميدان الإدارة والسياسة والآثار التي تترتب على حسن الإدارة أو سوئها، كذلك بحث الغزالي في تقدم العلوم وتجددها، وفي نظريات التعلم وفي التطور الثقافي والتطور الذي يصيب المجتمعات عبر الزمان والمكان وغير ذلك من أصول التربية سواء منها الاجتماعية أو العقائدية أو التربوية (2). ولقد طبق الغزالي هذه الآراء التربوية في مدرسته التي أنشأها واستقل بالتدريس بها هو وبعض أصحابه، وكان لها أكبر الأثر في تخريج أنماط جديدة من الرجال أسهموا فيما بعد في الحركة الإصلاحية إسهاماً فعالاً (3)، وأصبح منهاج مدرسة الغزالي نموذجاً احتذته المدارس الخاصة التي نشأت متأثرة بدعوته وأهمها المدرسة القادرية في بغداد التي لعبت دوراً رئيسياً (4) في نهوض الأمة ودعم حركة الجهاد في عهد نور الدين زنكي، وصلاح الدين الأيوبي.
جـ- إحياء رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: والأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر - عند الغزالي - دوائر بعضها أوسع من بعض أولها: أن يبدأ الفرد بنفسه ليضع منها نموذج المؤمن المطلوب: فكن أحد رجلين إما مشغولاً بنفسك، وإما متفرغاً لغيرك بعد الفراغ من نفسك, وإياك أن تشتغل بما بصلح غيرك قبل إصلاح نفسك (5). وثانيها: أن يعلم أهل بيته. وثالثها: أن يدعو جيرانه. ورابعها: أهل محلته. وخامسها: أهل بلده. وسادسها: أهل المناطق الحضرية في البلاد عامة. وسابعها: أهل البوادي: وثامنها: الإنسانية كلها. وفي ذلك يقول الغزالي: فحق على كل مسلم أن يبدأ بنفسه فيصلحها بالمواظبة على الفرائض وترك المحرمات, ثم يعلم أهل بيته، ثم يتعدى بعد الفراغ منهم إلى جيرانه, ثم إلى أهل محلته، ثم إلى أهل بلده، ثم إلى أهل السواد المكتنف ببلده، ثم إلى أهل البوادي من الأكراد والعرب وغيرهم. وهكذا إلى أقصى العالم. فإن قام به الأدنى سقط عن الأبعد، ولا حرج به على كل قادر عليه قريباً كان أو بعيداً، ولا يسقط الحرج ما دام يبقى على وجه الأرض جاهل بفرض من فروض دينه (6). على أن الغزالي في هذه الدوائر خص السلاطين ببحث أسماه «باب أمر الأمراء بالمعروف ونهيهم عن المنكر» وكان الغزالي عنيفاً في تحريض العلماء على
_________
(1) هكذا ظهر جيل صلاح الدين، ص 140.
(2) تطور مفهوم النظرية التربوية الإسلامية، ماجد عرسان، ص 152 - 174.
(3) هكذا ظهر جيل صلاح الدين، ص 140.
(4) المصدر نفسه، ص 136.
(5) إحياء علوم الدين (1/ 39).
(6) المصدر السابق (2/ 336).
(1/399)

الوقوف من الأمراء موقف الآمر الناهي مستهدفاً بذلك إرساء القاعدة التي يؤمن بها وهي أن «السياسة تدور في فلك العقيدة» وليس العكس. ولقد حشد في سبيل ذلك الأدلة الكثيرة من القرآن والسنة، وأطنب في سرد قصص علماء السلف مع الخلفاء الراشدين والأمويين وأوائل العهد العباسي (1). وهكذا في عشرات الأمثلة إلى أن خلص من ذلك كله إلى القول: إن واجب العالم أن يُقَرّع السلطان الظالم كقوله: يا ظالم, يا من لا يخاف الله وما يجري مجراه.
فذلك أن لا يحرك فتنة يتعدى شرها إلى غيره لم يجز، وإن كان لا يخاف إلا على نفسه فهو جائز بل مندوب (2). ويكرر الغزالي هذا المعنى في أكثر من موضع: للمحتسب، بل يستحب له، أن يعرض نفسه للضرب والقتل إن كان لحسبته تأثير في رفع المنكر أو في كسر جاه الفاسق وفي تقوية قلوب أهل الدين (3). ولقد اعتبر الغزالي أن المسلمين مسئولون عن النهوض لمواجهة المنكر والأمر بالمعروف، وأن التقاعس ذنب ومعصية, ومما قاله في هذا المجال: اعلم أن كل قاعد في بيته أينما كان فليس خالياً من هذا الزمان من منكر من حيث التقاعد عن إرشاد الناس وتعليمهم وحملهم على المعروف. فأكثر الناس جاهلون الشرع في شروط الصلاة في البلاد, فكيف في القرى والبوادي ومنهم الأعراب والأكراد والتركمانية، وسائر أصناف الخلق. وواجب أن يكون في كل مسجد ومحلة من البلد فقيه يعلم الناس دينهم وكذا في كل قرية, وواجب كل فقيه فرغ من فرض عينه وتفرغ لفرض الكفاية أن يخرج إلى من يجاور بلده من أهل السواد ومن العرب والأكراد وغيرهم. ويعلمهم دينهم وفرائض شرعهم, ويستصحب مع نفسه زاداً يأكله ولا يأكل من أطعمتهم فإن أكثرها مغصوب (4). وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مراحل: أولها: التعريف بالتعليم، وثانيها: الوعظ، وثالثها: الزجر، ورابعها: المنع بالقهر (5).
د- نقد السلاطين الظلمة: اعتبر الغزالي السلاطين والأمراء في عصره ظلمة متعدين لحدود الله، يحرم على العلماء المخلصين الاختلاط بهم أو التعامل معهم حتى يفيئوا إلى شرع الله (6). وقد تحدثنا عن ذلك فيما مضى.
هـ- محاربة المادية الجارفة والسلبية الدينية، وتصحيح التصور السائد عن الدنيا والآخرة: عالج الغزالي المادية والسلبية الدينية اللتين جرفتا العالم الإسلامي في زمانه بروح
_________
(1) هكذا ظهر جيل صلاح الدين، ص 142.
(2) إحياء علوم الدين (2/ 337).
(3) المصدر نفسه (2/ 316) هكذا ظهر جيل صلاح الدين، ص 143.
(4) إحياء علوم الدين (2/ 316).
(5) هكذا ظهر جيل صلاح الدين، ص 143.
(6) المصدر نفسه، ص 147.
(1/400)

الفقيه بأمر الدنيا والآخرة، لذلك لجأ إلى الأسلوب الهادئ التحليلي الذي يخاطب العقل ويستهدف الإقناع وتجنب لهجة الخطيب الواعظ الذي تشغله ظواهر الأمور وأعراض المرض الثانوية فيجنح إلى إثارة العواطف ودغدغة المشاعر .. وقد عمل الغزالي على تبصير الناس بحقيقة الدنيا والصورة التي يجب أن يكون عليها الإنسان بها (1)، وحث الناس على الاقتداء بعهد النبوة وجيل الصحابة في حل هذه الإشكاليات من مادية جارفة، وتصور مغلوط عن الدنيا والآخرة (2).
و- الدعوة للعدالة الاجتماعية: ركز الغزالي على الدعوة للعدالة الاجتماعية بالقدر الذي ركز على أمور العقيدة والدعوة للإصلاح. وأساس آرائه في هذا المجال أن المال آلة صبها الله في أيدي عباده لتكون آلة لدفع حاجاتهم ووسيلة ليتفرغوا لطاعته. فمنهم من أكثر ماله فتنة وبلية فأقحمه في الخطر، ومنهم من حماه وأحبه وفرغه لعبادته وساق إليه حاجته على أيدي الأغنياء, ولذلك عليه أن يأخذ بقدر الحاجة (3). وقد فصل الغزالي في أنماط الحياة الاجتماعية التي تحقق العدالة الاجتماعية المطلوبة، فقد صنف كتاباً في «آداب الكسب والمعاش» ضمنه آراءه في الحث على العمل وتبيان فضيلته، والبيع وأركانه وشروطه وسائر مظاهر المعاملات التجارية والحياة الاقتصادية (4)، كذلك وضع كتاب «الحلال والحرام» في الإحياء وأراد منه تحديد أنماط الحياة الاجتماعية وكيف ينقي المجتمع من العادات المخالفة للإسلام في أساليب المعيشة والتكامل (5)، ومحاربة الاحتكار والكنز لأن: الاحتكار ظلم في المعاملة، وبائع الطعام الذي يحتكر الطعام ينتظر غلاء الأسعار، هو ظلم عام وصاحبه مذموم في الشرع يبرأ منه الله تعالى (6). وأفرد الغزالي كتاباً خاصاً في «حقوق الأخوة والصحبة» (7) فذكر أن هناك حقاً في المال وحقاً في الإعانة بالنفس. ولقد فسّر قوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الشورى: 38] أي خلطاء من الأموال لا يميز بعضهم رحله عن بعض (8). وكان الغزالي يرى: أن في المال حقًا سوى الزكاة, لذلك يجب على الأغنياء مهما وجدوا الفقراء في حاجة أن يزيلوا حاجتهم.
ومهما أرهقت الفقير حاجته كانت إزالتها فرض كفاية إذ لا يجوز تضييع المسلم (9).
ز- محاربة التيارات الفكرية المنحرفة: لم يغفل الغزالي التيارات الفكرية المضادة التي
_________
(1) هكذا ظهر جيل صلاح الدين، ص 155.
(2) المصدر نفسه، ص 154، 155، 156.
(3) إحياء علوم الدين (1/ 223 - 224).
(4) إحياء علوم الدين (2/ 62 - 89).
(5) إحياء علوم الدين (2/ 89 - 133).
(6) المصدر نفسه (2/ 74).
(7) المصدر نفسه (2/ 170 - 190).
(8) المصدر نفسه (2/ 171).
(9) المصدر نفسه (1/ 215).
(1/401)

استهدفت العقيدة الإسلامية من أصولها، والتي تمثلت بتيارين هما: الباطنية والفلاسفة, وقد بينا موقف الغزالي من كليهما. وفي مجابهته لهذين التيارين لم يلجأ الغزالي إلى الشتائم والقذف وإنما اعتمد الأسلوب العلمي القائم على الدراسة والاطلاع اطلاعاً يتفوق على أصحاب الفكر نفسه (1)، ولقد ركز الغزالي في تفنيده لهذين التيارين على الأصول الأساسية لكل منهما، وبذلك اقتلعهما من جذورهما حتى آل أمرهما إلى البوار والانحسار، ولنا أن نقدر للغزالي هذه الجرأة الفكرية خصوصاً إذا تذكرنا الإرهاب الفكري الذي أشاعته الباطنية وهي تغتال كل معارض أو منتقد حتى سقط نتيجة لهذا الإرهاب مئات العلماء والأعيان (2). ولقد ترتب على جهود الغزالي انحسار للتيارات الفكرية المنحرفة التي
مثلها الباطنية والفلاسفة، وركدت سوقهما بين الجماهير وآل أمرهما فيما بعد إلى
البوار والسقوط (3).
ح- الإصلاح في ميدان الفكر: اجتهد الغزالي في إيقاظ الوعي في المجتمع الإسلامي وذلك بتحرير العقل من رق التقليد، وبالعودة إلى منابع الإسلام الأصيلة من كتاب وسنة، والتأكيد على النظرة الكلية الشاملة للمنهج الإسلامي (4) .. وإليك شيء من التفصيل:
- دور العقل: قرر الغزالي بأنه لا تعارض بين العقل والشرع وفي ذلك يقول: فلا غنى بالعقل عن السماع، ولا غنى بالسماع عن العقل، فالداعي إلى محض التقليد مع عزل العقل بالكلية جاهل، والمكتفي بمجرد العقل عن أنوار القرآن والسنة مغرور، فإياك أن تكون من أحد الفريقين، كن جامعاً بين الأصلين، فإن العلوم العقلية كالأغذية والعلوم الشرعية كالأدوية (5). ثم يقرر بناء على هذا عدم تعارض العلوم العقلية مع العلوم الشرعية فيقول: وظنُّ من يظن أن العلوم العقلية مناقضة للعلوم الشرعية، وأن الجمع بينهما غير ممكن هو ظن صادر عن عمى في عين البصيرة نعوذ بالله منه، بل هذا القائل ربما يناقض عنده بعض العلوم لبعض فيعجز عن الجمع بينهما فيظن أنه تناقض في الدين، فيتحير به، فينسل من الدين انسلال الشعرة من العجين، وإنما ذلك لأن عجزه في نفسه خيل إليه نقصاً في الدين وهيهات (6).
- رفض التقليد: يرى الغزالي - بعد أن حدد مصدر التلقي - أن العالِم ينبغي أن لا
_________
(1) المنقذ من الضلال، ص 6 - 9.
(2) هكذا ظهر جيل صلاح الدين ص163، 164.
(3) المصدر نفسه، ص 173، 174.
(4) الإمام الغزالي، صالح الشامي، ص 197.
(5) إحياء علوم الدين (3/ 17).
(6) المصدر نفسه (3/ 17).
(1/402)

يكون مقلداً. ويشرح لنا ذلك عندما تحدث عن صفات علماء الآخرة فيقول: ومنها: يكون اعتماده في علومه على بصيرته وإدراكه بصفاء المقلَّد (1)، صاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامه فيما أمر به وقاله. وإنما يقلَّد الصحابة - رضي الله عنهم - من حيث إن فعلهم يدل على سماعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ثم إن العالم عليه أن يعمل عقله في تفهم أسرار أقواله - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله، لأنها لا تخلو من أسرار، واكتشاف ذلك هو مهمة العالم .. قال: ثم إذا قلد صاحب الشرع - صلى الله عليه وسلم - في تلقي أقواله وأفعاله بالقبول، فينبغي أن يكون حريصاً على فهم أسراره، فإن المقلد إنما يفعل الفعل لأن صاحب الشرع - صلى الله عليه وسلم - فعله، وفعله لا بد أن يكون لسر فيه، فينبغي أن يكون شديد البحث عن أسرار الأعمال والأقوال، فإنه إن اكتفى بحفظ ما يقال كان وعاءً للعلم ولا يكون عالماً. ولذلك كان يقال: فلان من أوعية العلم, فلا يسمى عالماً إذا كان شأنه الحفظ من غير اطلاع على الحكم والأسرار .. ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما من أحد إلا يؤخذ من علمه ويترك إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (2). وينبغي للعالم أن يعرف الحق، وبه يُعرف الرجال، وإلى هذا يوجهه الغزالي: فاعلم إن عُرف الحق بالرجال، حَار في متاهات الضلال، فاعرف الحق تعرف أهله إن كنت سالكاً طريق الحق (3)، ويتحدث الغزالي عن الحجب التي تحول دون الفهم فيذكر منها التقليد، فيقول: ومنها: أن يكون مقلداً لمذهب سمعه بالتقليد، وجمد عليه، وثبت في نفسه التعصب له، بمجرد الاتباع للمسموع، من غير وصول إليه ببصيرة ومشاهدة.
فهذا شخص قيده معتقده عن أن يجاوزه فلا يمكن أن يخطر بباله غير معتقده، فصار نظره موقوفاً على مسموعه، فإن لمع برق على بُعد، وبدله معنى من المعاني التي تباين مسموعه، حمل عليه شيطان التقليد حملة وقال: كيف يخطر هذا ببالك، وهو خلاف معتقد آبائك، فيرى أن ذلك غرور من الشيطان فيتباعد منه ويحترز عن مثله (4). وتحدث الغزالي عن التقليد وبين أن النظر ليس حفظ الدليل، وإنما هو البحث وأعمال الفكر للوصول إلى الدليل الذي به تكون قناعة العقل. وبهذا المنطق يدعو الغزالي إلى تحرر العقل من رقَّ التقليد، وذلك بإعمال عقولهم وعندها يمكنهم أن يؤدوا دورهم في أداء واجبهم. ولعل الدافع للغزالي إلى هذا الموقف من التقليد، إنما كان بفعل ما رآه من جمود علماء عصره على مذاهب أئمتهم - سواء أكان ذلك في الفقه أو الاعتقاد - وتعطيل عقولهم، بحيث لا يخالفونهم حتى ولو كان الدليل مؤيداً لغير ما ذهبوا إليه (5).
- الدعوة إلى الكتاب والسنة: قال الغزالي في رسالته «أيها الولد»: اعلم أن الطاعة
_________
(1) المقصود بالتقليد هنا: الاتباع.
(2) إحياء علوم الدين (1/ 78).
(3) إحياء علوم الدين (1/ 23).
(4) المصدر نفسه (1/ 284).
(5) الإمام الغزالي للشامي، ص 205.
(1/403)

والعبادة، متابعة الشرع في الأوامر والنواهي، بالقول والفعل. يعني: كل ما تقول وتفعل، وتترك قوله وفعله، يكون باقتداء الشرع وقال: أيها الولد, ينبغي لك أن يكون قولك وفعلك موافقاً للشرع، إذ العلم والعمل بلا اقتداء بالشرع ضلالة (1)، ويقول في «ميزان العمل»: اعلم أن سالك سبيل الله تعالى قليل، والمدعي فيه كثير، ونحن نعرفك علامتين له، العلامة الأولى: أن تكون جميع أفعاله الاختيارية موزونة بميزان الشرع، موقوفة على حد توقيفاته، وإيراداً وإصداراً، وإقداماً وإحجاماً، إذ لا يمكن سلوك هذا السبيل إلا بعد التلبس بمكارم الشريعة كلها (2).
أ- الالتزام بمنهج السلف: ويؤكد الغزالي على الحرص على معرفة سيرة الصحابة والتزام نهجهم: فتقليد الصحابة رضي الله عنهم إنما كان من حيث إن فعلهم يدل على سماعهم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (3). فالمقلد لهم إنما هو - في الحقيقة - متبع للرسول - صلى الله عليه وسلم -. وبهذا كان للصحابة ميزة على غيرهم من الناس، فالغزالي ينصح من أراد التقليد أن يلتزم بهم فيقول: وإن قنعت بالتقليد والنظر إلى ما اشتهر من درجات الفضل بين الناس، فلا تغفل عن الصحابة وعلو منصبهم، فقد أجمع على تقدمهم، وأنهم لا يدرك في الدين شأوهم ولايشق غبارهم (4)، ولذا ينبغي أن يكون الصحابة هم المقياس الذي يقاس بهم العلماء، فمن كان أشبه بهم فهو الأقرب إلى منهج الحق وطريق السلف, واعلم تحقيقاً أن أعلم أهل الزمان وأقربهم للحق، أشبههم بالصحابة، وأعرفهم بطريق السلف، فمنهم أخذ الدين (5) .. وبعد أن عرَّف بالعلم المحمود والعلم المذموم يقول: وإليك الخيرة في أن تنظر لنفسك فتقتدي بالسلف، أو تتدلى بحبل الغرور وتتشبه بالخلف، فكل ما ارتضاه السلف من العلوم قد اندرس وما أكب الناس عليه فأكثره مبتدع ومحدث (6). وإذا كان الأمر كذلك فينبغي عدم الاغترار بما أحدث ولو أجمع عليه الناس، وينبغي البحث عما كان عليه الصحابة. وتلك صفة من صفات علماء الآخرة, ومنها أن يكون شديد التوقي من محدثات الأمور، وإن اتفق عليها الجمهور، فلا يغرَّنه إطباق الخلق على ما أحدث بعد الصحابة رضي الله عنهم. وليكن حريصاً على التفتيش على أحوال الصحابة وسيرتهم وأعمالهم (7). ويؤكد الغزالي على هذا الأمر، لما يترتب عليه من انحراف في الأمة، وتطابق أكثر الناس على أمر لا يعني صوابه،
_________
(1) الإمام الغزالي للشامي، ص 206.
(2) الغزالي للشرباصي، ص 164.
(3) إحياء علوم الدين (1/ 78).
(4) المصدر نفسه (1/ 23).
(5) المصدر نفسه (1/ 23).
(6) المصدر نفسه (1/ 38).
(7) المصدر نفسه (1/ 79).
(1/404)

ويبرهن على ذلك ببرهان واقعي، وهو أن صنعة الكلام التي تواضع الناس عليها ..
لم تكن في السلف (1)، فيقول: .. ودع عنك ما تطابق أكثر الناس عليه، وعلى تضخيمه وتعظيمه، لأسباب ودواع يطول تفصيلها، فلقد قبض رسول الله عن آلاف من الصحابة رضي الله عنهم، كلهم علماء بالله، أثنى عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يكن فيهم أحد يحسن صنعة الكلام (2). فهذه صيحة الغزالي التي دعا فيها إلى إعمال العقل، ونبذ التقليد والتزام منهج السلف، هي حلقة من سلسلة صيحات دوى بها المجتمع الإسلامي من قبل رجال الإصلاح في كل عصر (3)، وقد كانت دعوة الغزالي في أواخر القرن الخامس الهجري قد أثرت تأثير كبيراً في عصره والذي بعده.

سابعاً: الغزالي وعلم الحديث:
من أهم ما أُخذ على الغزالي تقصيره في علم الحديث، وإن شئنا الدقة قلنا في علوم الحديث، وقد رأينا ابن الجوزي يصفه بأنه في الحديث «حاطب ليل» أي يأخذ كل ما وجده دون تمحيص ولا انتقاء، ويرجع هذا إلى أن المدرسة التي نشأ فيها الغزالي، وتكونت في حلقاتها شخصيته العلمية - مدرسة إمام الحرمين خاصة - كان يغلب عليها الطابع العقلي الجدلي، وكان أهم ما يدرس فيها علوم الكلام والأصول والفقه والمنطق والجدل، ولم تكن لها عناية كافية بالحديث وعلومه، وقلما يسلم المرء من تأثير بيئته، وقد عيب على شيخه إمام الحرمين بعض ما عيب عليه في ذلك، ولكن الغزالي زاد على أستاذه في هذا كثيراً، لأن الموضوعات التي عالجها- في التصوف والسلوك - تتسع للضعيف من الحديث أكثر مما يتسع الفقه الذي يتعلق بالأحكام وبيان الحلال والحرام، ومثل ذلك علم «الأصوليين»: أصول الدين، وأصول الفقه، وهي التي اشتهر بها شيخه (4).
ومن الإنصاف أن نبين أن الغزالي لم يكن هو وحده الذي سقط في أحابيل الأحاديث الواهية والموضوعة، فقد سقط في ذلك المتصوفة من قبله، وهو أخذ ما في كتبهم وأبقاه في كتبه، والمتصوفة معروفون بالتساهل في ذلك؛ لأن مجالهم «الرقائق» (5)، بل إن الفقهاء لم ينجوا من الوقوع فيما وقع فيه الصوفية، فكثيراً ما ذكروا في كتبهم أحاديث معلقة غير مسندة ولا ثابتة، وكتب التفسير حشيت بما لا يصح ولا يثبت من الحديث والإسرائيليات (6). والذي
_________
(1) الإمام الغزالي للشامي، ص 208.
(2) إحياء علوم الدين (1/ 23).
(3) الإمام الغزالي للشامي، ص 209.
(4) الإمام الغزالي بين مادحيه وناقديه للقرضاوي، ص 136.
(5) المصدر نفسه، ص 137.
(6) المصدر نفسه، ص 137.
(1/405)

يعرف الصحيح من السقيم والمقبول من المردود، الخبراء الذين آتاهم الله المعرفة بالحديث رواية ودراية، ولم يكن الغزالي منهم بحكم بيئته العلمية وما غلب عليها من ثقافته, وهذه نقطة ضعف عند الغزالي وكذلك عند كثير من الصوفية: أنه لم يتعمق في العلوم المنقولة من التفسير الأثري والحديث وآثار السلف التي هي أساس العلوم الشرعية، وقد اعترف في كتابه «قانون التأويل» بأن بضاعته في علم الحديث مزجاة، فهذا جعله يستدل بأحاديث ضعيفة أو لا أصل لها، أو موضوعة مختلفة، كما يغفل عن أحاديث صحيحة، أو متفق عليها، في موضوعه، كان يجب أن يذكرها، وربما لو عرفها لغيرت من مسار تفكيره (1). وقد ذكر ابن تيمية أن الغزالي في أواخر عمره قطع بأن كلام الفلاسفة لا يفيد علماً ولا يقيناً، بل وكذلك قطع في كلام المتكلمين (2)، قال: وآخر ما اشتغل به النظر في صحيحي البخاري ومسلم، ومات وهو مشتغل بذلك (3).
وقد اعتذر مجموعة من العلماء عن الغزالي عن استناده للأحاديث الضعيفة وخاصة في الأحياء بأن الكتاب في الرقائق والترغيب وفضائل الأعمال، والعلماء أجازوا رواية الضعيف في هذا المجال, وممن اعتذر بذلك للغزالي ابن كثير حيث قال عن الإحياء: وهو كتاب عجيب، يشتمل على علوم كثيرة من الشرعيات، وممزوج بأشياء لطيفة من التصوف وأعمال القلوب، لكن فيه أحاديث كثيرة غرائب ومنكرات وموضوعات كما يوجد في غيره من كتب الفروع التي يستدل بها على الحلال والحرام، فالكتاب الموضوع للرقائق والترغيب والترهيب أسهل أمراً من غيره (4). ومما ينبغي ذكره هنا أن الحافظ زين الدين العراقي، قد خدم الكتاب خدمة جليلة بتخريجه الموجز لأحاديثه المطبوع معه في حاشيته، والمسمى «المغني عن حمل الأسفار، بتخريج ما في الإحياء من الأحاديث والأخبار» فعلى كل قارئ للإحياء يجب مراجعة تخريج العراقي ليعرف منه درجة الحديث، وإن كان فيه ما يتعقب، ولكنه مهم ونافع على كل حال (5).

ثامناً: كتاب إحياء علوم الدين:
كتاب إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي من الكتب التي تباينت فيها الأنظار، فمن مادح له مطلقاً ساكت عن طوامه، ومن قادح فيه مطلقاً، ساكت عن محاسنه, والأئمة الراسخون في العلم توسطوا فيه فأعطوه حقه من المدح والقدح، وأنزلوه منزلته التي
_________
(1) الإمام الغزالي بين مادحيه وناقديه للقرضاوي، ص 138.
(2) المصدر نفسه، ص 139.
(3) مجموع الفتاوى (16/ 214).
(4) البداية والنهاية (16/ 214).
(5) الإمام الغزالي بين مادحيه وناقديه، ص 143.
(1/406)

يستحقها بدون غلو أو جفاء (1)، قال ابن تيمية في معرض تقويمه لكتابي: إحياء علوم الدين وقوت القلوب لأبي طالب المكي: أمّا كتاب قوت القلوب وكتاب الإحياء تبع له فيما يذكره من أعمال القلوب: مثل الصبر، والشكر، والحب، والتوكل، والتوحيد ونحو ذلك, وأبو طالب أعلم بالحديث والأثر وكلام أهل علوم القلوب من الصوفية من أبي حامد الغزالي، وكلامه أسُّد وأجود تحقيقاً، وأبعد عن البدعة، مع أنَّ في قوت القلوب: أحاديث ضعيفة وموضوعة وأشياء كثيرة مردودة. وأمّا ما في الإحياء من الكلام في المهلكات مثل: الكلام على الكبر، والعُجب والرياء والحسد ونحو ذلك، فغالبه منقول من كلام الحارث المحاسبي في الرعاية، ومنه ما هو مردود، ومنه ما هو متنازع فيه والإحياء فيه فوائد كثيرة لكن فيه مواد مذمومة، فإن فيه مواد فاسدة من كلام الفلاسفة تتعلق بالتوحيد والنبوة والمعاد، فإذا ذكر معارف الصوفية كان بمنزلة من أخذ عدوًّا للمسلمين ألبسه ثياب المسلمين. وقد أنكر أئمة الدين على أبي حامد هذا في كتبه وقالوا: مرّضه الشفاء يعني: شفاء ابن سينا في الفلسفة وفيه أحاديث وآثار ضعيفة، بل موضوعة كثيرة، وفيه أشياء من أغاليط الصوفية وتُرّهاتهم, وفيه -مع ذلك - من كلام مشايخ الصوفية العارفين المستقيمين في أعمال القلوب الموافق للكتاب والسنًّة ومن غير ذلك من العبادات والأدب ما هو موافق للكتاب والسنَّة، ما هو أكثر ممَّا يرد منه, فلهذا اختلف فيه اجتهاد الناس وتنازعوا فيه (2).
وقال أيضاً: والغزالي في كلامه مادة فلسفية كبيرة بسبب كلام ابن سينا في الشفا وغيره، ورسائل إخوان الصفا، وكلام أبي حيان التوحيدي, وأما المادة المعتزلية في كلامه فقليلة أو معدومة، كما أن المادة الفلسفية في كلام ابن عقيل قليلة أو معروفة، وكلامه في الإحياء غالبه جيد، لكن فيه مواد فاسدة: مادة فلسفية، ومادة كلامية ومادة من ترهات الصوفية، ومادة من الأحاديث الموضوعة (3). وقال الذهبي: وأما الإحياء ففيه من الأحاديث الباطلة جملة وفيه خير كثير، لولا ما فيه من آداب ورسوم وزهد من طرائق الحكماء ومُنحرفي الصوفية, نسأل الله علماً نافعاً، تدري ما العلم النافع؟ هو ما نزل به القرآن، وفسّره الرسول - صلى الله عليه وسلم - قولاً وفعلاً، ولم يأت نهي عنه، قال عليه السلام: «من رغب عن سنتي، فليس مني» (4)، فعليك يا أخي بتدبر كتاب الله، وبإدمان النظر في «الصحيحين»، وسنن النسائي، ورياض النووي وأذكاره، تُفلح وتُنجِح (5). وقال الذهبي: الغزالي إمام كبير وما
_________
(1) منهج أهل السنة في تقويم الرجال ومؤلفاتهم للصويات، ص 143.
(2) مجموع الفتاوى (10/ 55) , الفتاوى الكبرى (2/ 194).
(3) مجموع الفتاوى (6/ 54 - 55).
(4) البخاري رقم 5063، مسلم رقم 1401.
(5) سير أعلام النبلاء (19/ 340).
(1/407)

من شرط العالم أنه لا يخطئ (1). وقال أيضاً: فرحم الله أبا حامد فأين مثله في علومه وفضائله ولكن لا ندعي عصمته من الغلط والخطأ ولا تقليد في الأصول (2). وقال الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الأزهر: وإذا وجد العلماء في كتاب الإحياء مآخذ معدودة، فإنه من صنع بشر غير معصوم من الزلل, وكفى كتاب الإحياء فضلاً وسمو منزلة: أن تكون درر فوائده فوق ما يتناول العد، وأن يظفر منه طلاب العلم وعشاق الفضيلة بما لا يظفرون به في كتاب غيره (3).
وقال الدكتور القرضاوي: وكم أتمنى أن يختصر من الكتاب -أعني: الأحياء - «منتقى» يبقى على روحه وحرارته كما يبقى على فوائده العلمية والتربوية - وهي كثيرة وفيرة - ويحذف التجاوزات والمبالغات، والأحاديث الضعيفة أو الشديدة الضعف على الأقل، وبهذا تقدم للثقافة الإسلامية خدمة جليلة (4). وقال العلاّمة أبو الحسن الندوي: ويدلُّ كتاب الإحياء على مكانته العالية بين علماء الأخلاق، وقد بحث عن الأخلاق ودوافعها ومنشئها وأصنافها بحثاً دقيقاً عميقاً، وتكلم في أمراض القلب وأسبابها وعلاجها كلاماً يجمع بين الحكمة والعلم والتجربة والتربية، وإنَّ من يقرأ بحثه المستفيض في بيان سبب كون الجاه محبوباً بالطبع، حتى لا يخلو عنه قلب إلا بشديد المجاهدة، ليخضع ويقر بذكائه ودراسته للطبيعة البشرية، وتحليله العلمي وعقله الكبير (5)، وقد استحقَّ الغزالي ببحوثه العميقة في الأخلاق، وبتأليفه العظيم «إحياء علوم الدين» أن يوضع في الصف الأول من علماء الأخلاق، وأن يكون موضع دراسة وعناية من الباحثين في علم الأخلاق، وعلم النفس، والمؤرخين لهذا الموضوع.
ويرى الندوي أن كتاب الإحياء كتاب ترغيب وتهذيب وأن من أشّد أجزاء الكتاب تأثيراً في النفس، ما يشمل على الترغيب والترهيب، ويُصّور الغزالي غرور الدنيا وخلود الآخرة، والحاجة إلى الإيمان والعمل الصالح وتهذيب النفس، ويدافع عنها، ويعتذر كأحسن ما يعتذر صديق محب، ومحام بارع، ثم يجيب عن ذلك ويُقيم عليها الحجة كأحسن ما يفعل ذلك قاض نابغة، وُمشَّرع بصير، ثم يُرقق القول ويَصف العلاج، كأحسن ما يفعل طبيب حاذق، ومُرب عطوف، ويجيء بالعجب العُجاب، ويَسحر الألباب، ويُدمع العيون، ويُرقق القلوب، وقد أثَّرت هذه المواعظ الحكيمة الرقيقة في قلوب الألوف، وأحدثت في حياتهم انقلاباً وتحولاً عظيماً، ومن شاء فليقرأ المرابطة السادسة في توبيخ النفس ومعاتبتها (6). وقد أصبح كتاب الإحياء بذلك كُلَّه كتاب إصلاح وتربية، وكأنَّ
_________
(1) سير أعلام النبلاء (19/ 339).
(2) المصدر نفسه (19/ 346).
(3) الإمام الغزالي للشامي، ص 160.
(4) الغزالي بين مادحيه وناقديه، ص 158.
(5) رجال الفكر والدعوة (3/ 241 - 244).
(6) إحياء علوم الدين (4/ 356 - 358).
(1/408)

المصنف حاول أن يكون هذا الكتاب - كمرشد ومرب - مغنياً عن غيره، قائماً مقام المكتبة الإسلامية؛ لذلك جعله يحتوى على العقائد، والفقه وتزكية النفس، وتهذيب الأخلاق، والحصول على مرتبة الإحسان (1).
ولكن مما يُلاحظ أن كثيراً ممن يقتصر على مطالعة هذا الكتاب، أو يكثر من قراءته ويشغف به، ينشأ عنده غُلوٌّ في الزهد والتقشف، ومخالفة النفس في المباحات، والكراهة للحياة، والإكثار من الرياضات والمجاهدات؛ حتى تتأثر بذلك صِحَّته وعقله، خصوصاً في هذا العصر الذي ضَعُفت فيه القِوى والأجسام، لذلك يَمنعُ بعض المربين الحكماء عن مطالعة هذا الكتاب في بداية الحال، خصوصاً الذين عندهم تأثُّر قويٌّ وانفعال سريع، لعل السبب في ذلك أن الغزالي صنَّفه في حالة قد غلب عليه فيها الخوف والهيبة، وكان متأثراً شديد التأثر، فجاء كلامه صورة نفسيَّته وتأثره، وقد جمع فيه أقوالاً كثيرة في الزهد وقهر النفس وعصيانها، لا تخلو من المبالغة والإسراف، والحق أن السيرة النبوية - ويدخل فيها الحديث الصحيح - على صاحبها الصلاة والتحية - هي المدرسة الوحيدة التي تربي تلاميذها على الاعتدال الكامل والتوازن الصحيح. و «كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر» (2)، ويُمثل ذلك بعض التمثيل قدوة دينية تجمع بين العلم الراسخ، والسيرة المستقيمة، والقلب الحي النابض قد تشَّرب السيرة وتذوق السنة، وذاق حلاوة الإيمان، وحاز اليقين، ولم يزل ولا يزال الدين يؤخذ من الأحياء ويقوم بالأحياء، ولم يكن الإنسان في دور من الأدوار غنياً عن القدوة والصحبة (3)، ورغم ما تُعقب على الغزالي في الإحياء من إيراد أحاديث ضعيفة بل موضوعة في كثير من الأحيان، وأشياء من كلام الصوفية الممعِنة في الغلو، وهضم النفس وترك المباحات وقد لا يتفق مع أصول الدين، ومع ما ورد فيه من مواد كلام الفلاسفة .. إلى غير ذلك من مآخذ تعقبها العلامة الحافظ ابن الجوزي (4)
وشيخ الإسلام ابن تيمية، مع اعترافهما بفضل الكتاب فإن كتاب الإحياء في مقدمة الكتب الإسلامية، التي انتفع بها خلائق لا تحصى في كل عصر وجيل، وأثَّرت في النفوس تأثيراً لا يُعرف إلا عن كتب معدودة، ولا يزال الكتاب الذي يكثر قراؤه والمعجبون به والمتأثرون به في أكثر البلاد، ولا يزال ثروة زاخرة في الدين، ومصدراً قوياً من مصادر الإصلاح والتربية. (5) وخلاصة القول في كتاب الإحياء أنه من صنع البشر، ولا يعيبه وجود
_________
(1) رجال الفكر والدعوة (1/ 232).
(2) من كلام الإمام مالك .. رجال الفكر والدعوة (1/ 233).
(3) رجال الفكر والدعوة (1/ 233).
(4) المنتظم (9/ 169 - 170).
(5) رجال الفكر والدعوة (1/ 234).
(1/409)

مآخذ معدودة عليه. ونضيف إلى ذلك: أن كتاب الإحياء موسوعة علمية ضخمة وليس هو الكتاب الصغير ووجود الأخطاء لا يلغي مكانة الكتاب وأهم ما انتقد على الكتاب في نقاط:
* استشهاده بالأحاديث الضعيفة والموضوعة.
* وجود بعض الأحكام التي بنيت على هذه الأحاديث.
* ذكر كثير من القصص التي تحمل المبالغات في السلوك الصوفي.
* الحديث عن الكشف والمكاشفة التي يتحدث عنها في الإحياء (1)
* بعض المواضع التي ذكر فيها مواد فلسفية.
قال الدكتور القرضاوي: على أن من أخطر ما يؤخذ على الغزالي - بالنسبة إلى التصوف - هو قضية «الكشف» أو «المكاشفة» التي يحصل الصوفي على علومها وأنوارها بعد الرياضة والتصفية الروحية، وبعد الترقي في مدارج السالكين ومنازل السائرين، وقد صرح الغزالي أن «علم المكاشفة» مما لا يجوز أن يودع الكتب (2)، ومهما يكن من أمر فإن الغزالي كما قال الذهبي: إمام كبير، وما من شرط العالم أنه لا يخطئ (3).

تاسعاً: موقف الغزالي من الاحتلال الصليبي:
مع مجيء السلاجقة بدأ الوعي بالجهاد يدبّ من جديد في نفوس المسلمين, ولقد استطاع السلاجقة في الفترة الممتدة من دخولهم بغداد إلى سنة 490هـ تاريخ بداية الهجمة الصليبية على الشام، استرجاع شمال الشام كله، من أيدي البيزنطيين، بل دخلوا آسيا الصغرى وتمكنوا من أسر الإمبراطور البيزنطي في معركة ملاذكرد الشهيرة, وهو أمر يحدث لأول مرة في تاريخ الحروب الإسلامية البيزنطية. إلا أنه ابتداء من 490هـ ستتخذ هذه الحروب منعرجاً جديداً إذ ستتحول إلى حرب صليبية (4)، وقد احتل الصليبيون عدداً من بلاد الإسلام لاسيما بيت المقدس، الذي دخلوه غازين، وأسالوا فيه الدماء أنهاراً، وقتلوا من أهله نحو ستين ألفاً، وتفككت الأمة أمام هذه الغارات الوحشية (5)،
إلا أننا لم نسمع صوتاً للغزالي، وهو صاحب الكلمة المسموعة، والصيت المدوي، والبيان المؤثر، والحجة
_________
(1) الإمام الغزالي للشامي، ص 181.
(2) الإمام الغزالي بين مادحيه وناقديه للقرضاوي، ص 139.
(3) سير أعلام النبلاء (19/ 339).
(4) الجهاد من الهجرة إلى الدعوة إلى الدولة، ص 76.
(5) الإمام الغزالي بين مادحيه وناقديه، ص 154 ..
(1/410)

البالغة، ما له لا يتحدث عن الجهاد؟ وما له لا يحرك الجماهير، كما فعل شيخ الإسلام من بعده ابن تيمية؟ ما سر هذه السلبية، والحق أن هذا موقف محير من أبي حامد - رحمه الله - ومثله لا يجهل ما يجب أن يقال، وما يجب أن يعمل في زمن الإغارة على أهل الإسلام، وقد سجل حكم الجهاد في مثل هذه الحالة، وأنه فرض عين في كتبه الفقهية، وربما يقال إن هذه الأحداث الكبيرة إنما برزت وتفاقمت في العالم الإسلامي في نفس الوقت الذي اتجه فيه الغزالي إلى حياة العزلة والتصوف سنة 488هـ وهجر الدنيا بما فيها من صراع البقاء أو صراع الفناء، فكان محور تفكيره حينذاك إنقاذ نفسه من النار ونقلها من المهلكات إلى المنجيات، فقد غزا الصليبون أنطاكية سنة 491هـ ثم معرة النعمان في الشهر الأخير من تلك السنة حتى قالوا: إنهم قتلوا فيها مائة ألف، ثم اجتاحوا البلاد كلها يقتلون ويدمرون، واقتحموا القدس سنة 492هـ وذبحوا من ذبحوا مما يذكره التاريخ ولا ينساه, وكان الغزالي لا يزال في عزلته، إذ لم يفارقها إلا في سنة 499هـ ولكنه بعد ترك العزلة والعودة إلى حياة الإفادة والتدريس والدعوة لم يَبْدُ منه ما يدل على عنايته بهذا الأمر، الذي يتعلق بمصير الأمة، وسيادتها (1).

آراء بعض المعاصرين في سكوت الغزالي عن الحروب الصليبية:
1 - الدكتور زكي مبارك: يعتبر الدكتور زكي مبارك أحد أبرز النقاد المعاصرين الذين كتبوا عن الغزالي وله كتاب «الأخلاق عند الغزالي» تعرض فيه لمسائل كثيرة عنه, وقد وقف وقفة وجيزة عند الغزالي والحروب الصليبية قال فيها: أتدري لماذا ذكرت لك هذه الكلمة عن الحروب الصليبية؟ لتعرف أنه بينما كان بطرس الناسك يقضي ليله ونهاره في إعداد الخطب وتحبير الرسائل لحث أهل أوربا على امتلاك أقطار المسلمين، كان الغزالي (حجة الإسلام) غارقاً في خلوته، منكباً على أوراده، لا يعرف ما يجب عليه من الدعوة والجهاد (2).
2 - الدكتور عمر فروخ: أما الدكتور عمر فروخ فقد التمس العذر في سكوته عما جرى في القدس قائلاً: كان الصوفية يعتقدون بأن الحروب الصليبية كانت عقاباً للمسلمين على ما سلف لهم من الذنوب والمعاصي، ولعل الغزالي قد شارك سائر الصوفية في هذا الاعتقاد (3). وغير صحيح تعميم القول بأن الصوفية لا يشاركون في الجهاد، بل مشاركة كثير من الصوفية
_________
(1) الغزالي بين مادحيه وناقديه، ص 156.
(2) الأخلاق عند الغزالي، ص 25.
(3) أبو حامد الغزالي والتصوف، دمشقية، ص 352.
(1/411)

في حركة الجهاد ضد الصليبيين أثبتته الحقائق التاريخية في عهد السلاجقة والزنكيين والأيوبيين والمماليك والعثمانيين, وفي العصر الحديث فعبد القادر الجزائري الذي قاد حركة الجهاد الأولى ضد الاستعمار الفرنسي في الجزائر من كبار المتصوفة, والسنوسيون في ليبيا وعلى رأسهم محمد المهدي السنوسي مات مرابطاً في أحد الثغور أثناء قتاله لفرنسا في تشاد وأحمد الشريف السنوسي وعمر المختار من زعماء حركة الجهاد في ليبيا من الصوفية، كما شارك بعض الصوفية في الجهاد حالياً ضد الغزو الأمريكي للعراق، فإطلاق القول بأن الصوفية لا تشترك في الجهاد على العموم غير صحيح. وتحقيق المسألة أن من يقوم بالجهاد من الصوفية هم أتباع التصوف السني والذي يقوم على أصول أهل السنة عقيدة ومنهجاً مع الإكثار من العبادة والذكر والزهد, وقد لا يخلو الأمر من بعض الأخطاء. أما التصوف المنحرف القائم على الاستغاثة بألموتى والغلو في الأشخاص وترويج البدع والتواكل وبث روح الانهزامية فهم عادة هم مطية للاستعمار والغزاة. ونجد للدكتور فروخ رأياً آخر في كتابه التصوف في الإسلام (1)
يقول فيه: ألا يعجب القارئ إذا علم أن حجة الإسلام - أبا حامد - الذي وقف بنفسه وعلمه في خدمة الدين لحفظ الإيمان على العامة، شهد القدس تسقط في أيدي الإفرنج الصليبيين وعاش اثنتي عشرة سنة بعد ذلك ولم يُشر إلى هذا الحادث العظيم (2).
3 - الدكتور يوسف القرضاوي: حيث قال: والحق أن هذا الموقف محير من أبي حامد - رضي الله عنه - ومثله لا يجهل ما يجب أن يقال إلى أن قال: .. ولعل عذر الإمام الجليل أن شغله الشاغل كان الإصلاح من الداخل أولاً، وأن الفساد الداخلي هو الذي يمهد للغزو الخارجي، كما تدل على ذلك أوائل سورة الإسراء، فإن بني إسرائيل كلما أفسدوا في الأرض، سلط عليهم عدوهم، وكلما أحسنوا وأصلحوا ردت لهم الكرة عليهم، لقد وجه أكبر همه إلى إصلاح الفرد، الذي هو نواة المجتمع وإصلاح الفرد إنما يكون بإصلاح قلبه وفكره، وبذلك يصلح عمله وسلوكه وتصلح حياته كلها، وهذا هو أساس التغيير الاجتماعي وهو ما أرشد إليه القرآن الكريم: {إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11]. ويدخل في ذلك إصلاح الحكام بحسن توجيههم والنصيحة لهم والله أعلم بحقيقة عذره (3).
4 - الدكتور ماجد عرسان الكيلاني: حيث قال: .. بالنسبة لموضوع الجهاد يلاحظ أن الغزالي تناول محتواه واسمه ضمن موضوع «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» حيث اعتبره في أكثر من موضع أحد أشكال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. والأمثلة على ذلك كثيرة
_________
(1) أبو حامد الغزالي والتصوف، دمشقية، ص 352.
(2) التصوف في الإسلام، ص 9.
(3) الغزالي بين مادحيه وناقديه، ص 156.
(1/412)

قوله: أفلا ينبغي أن يبالي بلوازم الأمر بالمعروف ومنتهاه تجنيد الجنود في رضا الله ودفع معاصيه. ونحن نجوز للآحاد من الغزاة أن يجتمعوا ويقاتلوا من أرادوا من فرق الكفار قمعاً لأهل الكفر، فكذلك قمع أهل الفساد جائز لأن الكافر لا بأس بقتله، والمسلم إن قتل فهو شهيد، فكذلك الفاسق المناضل عن فسقه لا بأس بقتله، والمحتسب المحق إن قتل مظلوماً فهو شهيد وكذلك قوله: الشرط الخامس «من شروط المحتسب»: كونه قادراً ولا يخفى أن العاجز ليس عليه حسبه إلا بقلبه إذ كل من أحب الله يكره معاصيه وينكرها. وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: جاهدوا الكفار بأيديكم فإن لم تستطيعوا إلا أن تكفهروا في وجوههم فافعلوا (1). وكذلك قوله: فنقول: وهل لشارب الخمر أن يغزو الكفار ويحتسب عليهم بالمنع من الكفر؟ فإن قالوا: لا، خرقوا الإجماع إذ جنود المسلمين لم تزل مشتملة على البر والفاجر وشارب الخمر وظالم الأيتام ولم يمنعوا من الغزو ولا في عصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا بعده (2) ... والذي يبدو من معالجة الغزالي للقضايا الاجتماعية المختلفة أن موقفه من الجهاد اتصف بأمرين اثنين:
الأول: إن مفهوم الجهاد عند الغزالي ليس دفاعاً عن أقوام وأوطان وممتلكات، بل هو وسيلة لحمل رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي هي السبب الحقيقي لإخراج الأمة المسلمة إلى الوجود, ومادام المجتمع الذي عاصره الغزالي قد توقف عن حمل هذه الرسالة وفسح للمنكر أن يشيع فيه واستساغت أذواقه هذا المنكر ... وانتهت جماهيره عند الملبس والمأكل والمنكح كما وصفهم المؤرخ أبو شامة، فإن أية دعوة للجهاد العسكري لن تكون ذات فائدة إلا إذا سبقه جهاد نفسي يبدل ما بأنفس القوم ويجعلهم يتذوقون معنى التضحية بالأنفس والأموال في سبيل الله.
الأمر الثاني: إن الغزالي كان واعياً بمفهوم الجهاد الشامل والمراحل التي تطبق فيها مظاهرة. فالجهاد له مظاهر ثلاثة هي: الجهاد التربوي, والجهاد التنظيمي، والجهاد العسكري. والفهم الصائب لهذه المظاهر الثلاثة وحسن ترتيبها وتوقيتها هو أحد مظاهر الحكمة التي جعلها الله أولى طرق الدعوة إليه حين قال: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125]. فالدعوة إلى الجهاد العسكري وندب العامة له في أمة متوفاة يدور فيها «الأفكار والأشخاص» في فلك «الأشياء» ستكون بمثابة استنفار الأموات الذين في القبور (3). إلى أن قال: ... لعل هذا الاستعراض يتضمن الجواب عن الاعتراض
_________
(1) الغزالي بين مادحيه وناقديه (2/ 144) , هكذا ظهر جيل صلاح الدين، ص 144.
(2) هكذا ظهر جيل صلاح الدين، ص 144, إحياء علوم الدين (2/ 309).
(3) هكذا ظهر جيل صلاح الدين، ص 146.
(1/413)

الذي يتهم الغزالي بالعزلة عن قضايا العالم الإسلامي .. ولعل الميادين الأربعة التالية التي تضمنتها ميادين الإصلاح عند الغزالي دليل واضح على أن الرجل اختار البدء بالجهاد التربوي في أمة ضربها الخور والتثاقل، وشاع فيها التنكر للقيم الإسلامية تمهيداً لإخراج «الحكماء السياسيين والعسكريين» الذين يقودون الجهاد التنظيمي والعسكري الذي يرفع لواء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله، وهذه الميادين هي: نقد السلاطين الظلمة, ومحاربة المادية الجارفة، والدعوة للعدالة الاجتماعية، ومحاربة التيارات
الفكرية المنحرفة (1).
* كتاب إلجام العوام في آخر عمره: يعتبر كتاب «إلجام العوام عن علم الكلام» من آخر مصنفات الإمام الغزالي على الإطلاق وفي هذا الكتاب تظهر أمور مهمة فيما وصل إليه الغزالي في مسيرته للبحث عن الحقيقة, ومن هذه الأمور:
- أنه انتصر في هذا الكتاب لعقيدة السلف منبهًا على أن الحق هو مذهب السلف، وأن من خالفهم في ذلك هو مبتدع (2).
- أنه نهى عن التأويل أشد النهي، داعياً إلى إثبات صفات الله، وعدم تأويلها بما يؤدي بها إلى التعطيل قائلاً بأن: علاج وهم التشبيه أسهل من علاج التعطيل. إذ يكفي أن يقال مع هذه الظواهر «ليس كمثله شيء»، (3) وقال: الدليل على أن مذهب السلف هو الحق: أن تصنيفه بدعة، والبدعة مذمومة وضلالة، والخوض من جهة العوام في التأويل والخوض بهم من جهة العلماء بدعة مذمومة. وكان نقيضه - وهو الكف عن ذلك - سنة محمودة (4). وذكر بأن: الصحابة والتابعين في طول عصرهم إلى آخر أعمارهم ما دعوا الخلق إلى البحث والتفتيش والتفسير والتأويل والتعرض لمثل هذه الأمور، بل بالغوا في زجر من خاض فيه وسأل عنه وتكلم به. فلو كان ذلك من الدين - أو من مدارك الدين- لأقبلوا عليه ليلاً ونهاراً, ودعوا إليه أولادهم وأهليهم وتشمروا عن ساق الجد في تأسيس أصوله، وشرح قوانينه تشمراً أبلغ من تشمرهم في تمهيد قواعد الفرائض والمواريث وأضاف قائلاً: فنعلم بالقطع من هذه الأصول أن الحق ما قالوه. والصواب ما رأوه لاسيما وقد أثنى عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» (5). فمن النتائج التي
_________
(1) هكذا ظهر جيل صلاح الدين،، ص 146، 147.
(2) إلجام العوام، ص 62.
(3) المصدر نفسه، ص 108، أبو حامد الغزالي والتصوف، ص 360.
(4) إلجام العوام، ص 96، أبو حامد الغزالي والتصوف، ص 360.
(5) مسلم رقم 1967، البخاري، كتاب الشهادات (3/ 151).
(1/414)

وصل إليها الغزالي في حياته العلمية هي اعتماد مرجعية الصحابة في علمهم وسيرتهم وسلوكهم ويعتبرهم حجة على من بعدهم, وأنهم معيار لصحة الاعتقاد والسلوك, وهذا صحيح ويعني ضرورة اهتمامنا بمعرفة سيرهم وسلوكهم وعبادتهم وجهادهم وخصوصاً الخلفاء الراشدين الذين حثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على التمسك بسنتهم.
* شد النكير على المتكلمين: حيث قال: والدليل على تضرر الخلق به: المشاهدة والعيان والتجربة، وما ثار من الشر منذ نبغ المتكلمون وفشت صناعة الكلام مع نهي العصر الأول من الصحابة عن مثل ذلك, ويدل عليه أيضاً أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصحابة بأجمعهم ما سلكوا في المحاجّة مسلك المتكلمين في تقسيماتهم وتدقيقاتهم. لا لعجز منهم عن ذلك، فلو علموا أن ذلك نافع لأطنبوا فيه، ولخاضوا في تحرير الأدلة خوضاً يزيد على خوضهم في مسائل الفرائض (1). وأشار إلى مسألة مهمة وهي: أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا محتاجين إلى محاجة اليهود والنصارى في إثبات نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -، فما زادوا على أدلة القرآن شيئاً, وما ركبوا ظهر اللجاج في وضع المقاييس العقلية وترتيب المقدمات, كل ذلك لعلمهم بأن ذلك مثار الفتن ومنبع التشويش، ومن لا يقنعه أدلة القرآن لا يقمعه إلا السيف والسنان, فما بعد بيان الله بيان (2).
* توسع في النهي عن البدعة والابتداع في مواضع كثيرة من هذا الكتاب حيث يقول: وكذلك العوام إذا طلبوا بالسؤال عن هذه المعاني يجب زجرهم ومنعهم، وضربهم بالدرة كما كان يفعل عمر - رضي الله عنه - بكل من سأل عن الآيات المتشابهات، وكما فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الإنكار على قوم رآهم خاضوا في مسألة القدر وسألوا عنه فقال عليه السلام: فبهذا أمرتهم؟ وقال: إنما هلك من كان قبلكم بكثرة السؤال (3). ويضيف قائلاً: ولذلك أقول: يحرم على الوعاظ على رؤوس المنابر الجواب عن هذه الأسئلة بالخوض في التأويل والتفصيل بل الواجب عليهم الاقتصار على ما ذكرناه وذكره السلف (4).
* إقبال الغزالي على القرآن الكريم وصحاح الأحاديث: فقد عرف عنه -رحمه الله- أنه أقبل في أواخر عمره على الأحاديث الصحاح، فاتخذ لنفسه معلمين يحفظ عليهم الصحيحين، وكان يسمع في آخر حياته صحيح البخاري من أبي سهيل محمد بن عبد الله
_________
(1) إلجام العوام، ص 88، 89.
(2) المصدر نفسه، ص 89، 90.
(3) مسلم رقم 2666 بلفظ آخر.
(4) إلجام العوام، ص 70, هذا إذا سألوا عن الكيفية كقول القائل لمالك: كيف استوي؟
(1/415)

الحفصي، وسنن أبي داود من القاضي أبي الفتح الحاكمي الطوسي (1). وهذا الأمر يلفت النظر إلى ميزة كبيرة في شخصية الغزالي حيث تواضعه في طلب العلم وعدم استكباره في الأخذ على أيدي العلماء وهو في هذه السن والمكانة والعلم. ويحكي تلميذه - عبد الغافر الفارسي - آخر مراحل حياته قائلاً: وكانت خاتمة أمره إقباله على حديث المصطفى ومجالسة أهله، ومطالعة الصحيحين - البخاري ومسلم - اللذين هما حجة الإسلام. ولو عاش لسبق الكل في ذلك الفن بيسير من الأيام يستفرغه في تحصيله، ولا شك أنه سمع الأحاديث في الأيام الماضية، واشتغل آخر عمره بسماعها (2). وقد كان ابن تيمية -رحمه الله- ممن يذكّرون بهذه المرحلة الأخيرة التي تعرض لها الغزالي، ومكرراً ذلك في غالب كتبه مؤكداً على أن الغزالي مال أخيراً إلى أهل الحديث, ومات وصحيح البخاري على صدره (3)، وذكر ابن كثير ترجمة وجيزة عن الغزالي قال في آخرها: ثم عاد إلى بلده طوس فأقام بها وابتنى رباطاً، واتخذ داراً حسنًا, وغرس فيها بستانا أنيقاً، وأقبل على تلاوة القرآن، وحفظ الأحاديث الصحاح (4).
* وفاته: توفي الإمام الغزالي يوم الاثنين الرابع عشر من جمادي الآخرة من هذه السنة، ودفن بطوس -رحمه الله تعالى- وقد سأله بعض أصحابه وهو في السياق فقال: أوصني! فقال له: عليك بالإخلاص، فلم يزل يُكرِّرُها حتى مات، رحمه الله (5). قال أخوه أحمد: لما كان يوم الاثنين وقت الصبح توضأ أخي أبو حامد، وصلى، وقال: عليّ بالكفن، فأخذه وقبّله، وتركه على عينيه، وقال: سمعاً وطاعة للدخول على الملك، ثم مد رجليه، واستقبل القبلة ومات قبل الإسفار (6)، ورثاه الأبيوري الشاعر المشهور، بأبيات فائية من جملتها:
مضى وأعظم مفقود فُجعتُ به ... من لا نظير له في الناس يخلفه (7)
فرحمة الله على الغزالي فقد قام بجهد كبير في سبيل التنظير لأهل السنة في العهد السلجوقي, والذي ساهم بجهاده الفكري والعلمي في تقوية الخلافة العباسية، ومقاومة الخطر الباطني الصاعد آنذاك، وهو الخطر الرئيسي الذي كان يتهدد الخلافة، وقد ظل الغزالي طوال
_________
(1) طبقات السبكي (4/ 110).
(2) طبقات السبكي (4/ 109 - 111)، سير أعلام النبلاء (19/ 323 - 324).
(3) أبو حامد الغزالي والتصوف، ص 367.
(4) البداية والنهاية (16/ 215).
(5) المصدر نفسه (16/ 215).
(6) سكب العبرات للموت والقبر والسكرات (1/ 282).
(7) وفيات الأعيان (4/ 219).
(1/416)

حياته ومن خلال مؤلفاته يدعو إلى محاربة الباطنية بكل الوسائل الممكنة, وقد اقترح على الخليفة فيما اقترحه تعيين قائم بالحق في كل قطر وصقع لمقاومة دعاة المبتدعة (1). لقد كانت الباطنية تشكل خطراً عظيماً على الإسلام فهم حسب رأيه: عنصر مقلق للعقيدة من داخلها (2)، شأنهم شأن الفلاسفة شنّ عليهم الغزالي حملة عنيفة (3)، ولقد قام رحمه الله بجهود إصلاحية ضخمة في إحياء فقه القدوم على الله وتقوية الجانب الروحي، وتهذيب النفوس، وتنوير العقول، وإصلاح النوايا ومحاربة الأمراض القلبية وإحياء المعاني الإيمانية، وأخلاقيات التضحية والورع، والصبر، والإنابة والاستعانة بالله تعالى. ولقد ساهمت جهوده في توعية الأمة، وتلقف بعض المصلحين الكبار، كعبد القادر الجيلاني شيئًا من منهجه التربوي وأقام مدرسة شعبية كبيرة ساهمت في توعية عوام المسلمين، ودعم حركة الجهاد التي قادها نور الدين وصلاح الدين فيما بعد، فالمدارس النظامية، والتي من كبار مدرسيها الإمام الغزالي ساهمت في حركة الإصلاح التي تتابعت حلقاتها حتى انتهت بدحر الغزاة الصليبيين واسترجاع الأرض والمقدسات عبر قرنين من الزمن في صراع رهيب، يبين دور علماء أهل السنة في توعية الأمة ورص الصفوف, وكشف الانحراف، وتبيين الحقائق وبذل الغالي والرخيص حتى تكون كلمة الله هي العليا.

عاشراً: الإمام البغوي وجهوده في خدمة الكتاب والسنة في العهد السلجوقي:
يعتبر الإمام البغوي من العلماء الذين ساهموا في إحياء المشروع السني ومحاربة المبتدعة من خلال التدريس والتعليم والتأليف, وكانت لجهوده الأثر الكبير في تعلق الناس بكتاب الله وفهمه وتفسيره، وهدي سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , ولذلك رأيت الترجمة له لكونه من علماء العهد السلجوقي.
هو الإمام العلامة القدوة الحافظ، شيخ الإسلام، محيى السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد الفراء البغوي المفسر، صاحب التصانيف، كشرح السنة، ومعالم التنزيل، والمصابيح (4) وغيرها من التصانيف، توفي عام 516هـ, وقد عاصر الإمام البغوي من ملوك الدولة السلجوقية، طغرل بك، وألب أرسلان، وملكشاه، والسلطان محمود، وبركياروق، وملكشاه الثاني، وغياث الدين أبو شجاع محمد (5)، وحظي الإمام البغوي بثناء وتقدير
_________
(1) الجهاد من الهجرة إلى الدعوة إلى الدولة، ص 81، 82.
(2) المصدر نفسه, ص 82.
(3) الاقتصاد في الاعتقاد، ص 8.
(4) سير أعلام النبلاء (19/ 439).
(5) البغوي ومنهجه في التفسير، عفاف عبد الغفور، ص 14، 15.
(1/417)

العلماء، بما اتصف به من ورع، وزهد، وكثرة مصنفات أتحف بها المكتبة الإسلامية، وأضحى بسببها علماً من أعلام الأمة الإسلامية (1)، وقد وضع الله لكتبه القبول، وبارك الله له في تصانيفه، ورزق فيها القبول التام، لحسن قصده، وصدق نيته، وتنافس العلماء في تحصيلها؛ قال فيه الذهبي: وكان البغوي يلقب بمحيى السنة وبركن الدين، وكان سيداً إماماً، عالماً، زاهد قانعاً باليسير، كان يأكل الخبز وحده، فعذل في ذلك، فصار يأتدم بزيت، وكان أبوه يعمل الفراءَ ويبيعها، بورك له في تصانيفه، ورُزِق فيها القبول التام، لحسن قصده، وصدق نيته، وتنافس العلماء في تحصيلها، وكان لا يلقي الدرس إلا على طهارة وكان مقتصداً في لباسه، له ثوب خام، وعمامة صغيرة على منهاج السَّلف حالاً وعقداً، وله القدم الراسخة في التفسير، والباع المديد في الفقه -رحمه الله (2)
-، ومن أشهر كتبه التي وضع الله لها القبول والانتشار وتنافس العلماء في تحصيلها وأثرت في عصره والأجيال التي بعدها:
(1) معالم التنزيل في التفسير: قال عنه ابن تيمية: صان تفسيره من الأحاديث الموضوعة والآراء البدعية (3)، وقد سار البغوي في منهجه للتفسير على اعتماده على الكتاب والسنة، فيفسر القرآن بالقرآن، والقرآن بالسنة، وبعده عن البدع، وقلة الإسرائيليات والموضوعات, وعنايته باللغة والنحو والقراءات، والجوانب النحوية والصرفية وذكره قضايا العقيدة والأحكام الفقهية (4)، واهتم بمباحث علوم القرآن في تفسيره، كالمكي والمدني، وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ (5)، وقد أثنى العلماء عليه وذكروا بالتقدير والاستحسان تفسيره معالم التنزيل (6) , قال الذهبي: وله القدم الراسخة في التفسير (7)، وقال السبكي: وقدره عال في الدين والتفسير (8) ويقول السيوطي: وكان إماماً في التفسير وقد تلقى العلماء تفسيره بالقبول والإعجاب وكان نصيبه الرواج والانتشار، فاعتمدوا عليه واعتنوا به، وألفوا عليه التفاسير المفصلة والمختصرة (9)، وقال الإمام الخازن في مقدمة تفسيره عن تفسير البغوي: من أجلِّ المصنفات في علم التفسير، وأعلاها وأنبلها وأسناها, جامعاً للصحيح من الأقاويل، عارياً عن الشبه والتصحيف والتبديل, محلى بالأحاديث النبوية مطرزاً بالأحكام الشرعية، موشى بالقصص الغريبة وأخبار الماضين العجيبة، مرصعاً
_________
(1) جهود علماء السلف في القرن السادس الهجري في الرد على الصوفية، ص 568.
(2) سير أعلام النبلاء (19/ 441).
(3) الفتاوى (13/ 354).
(4) البغوي ومنهجه في التفسير، ص 74 إلى 122.
(5) المصدر نفسه، ص 129 إلى 134.
(6) المصدر نفسه، ص 144.
(7) سير أعلام النبلاء (19/ 441).
(8) طبقات الشافعية (7/ 76).
(9) البغوي ومنهجه في التفسير، ص 145.
(1/418)

بأحسن الإشارات, مخرجاً بأوضح العبارات، مفرغاً في قالب الجمال بأفصح مقال (1)،
وقد انتفع الإمام برهان الدين الزركشي في «البرهان» ببعض آراء الإمام البغوي خاصة فيما له صلة بمباحث علوم القرآن, كما أثنى عليه ابن تيمية، وامتدح تفسيره وفضله على غيره من التفاسير وجعله أقرب التفاسير إلى الكتاب والسنة وأبعدها وأسلمها من البدعة والأحاديث الضعيفة (2)، ويعتبر معالم التنزيل من التفاسير المتوسطة المعتمدة على الكتاب والسنة في المقام الأول، والمأثور من أقوال الصحابة والتابعين بالدرجة الثانية (3)، ولتفسير البغوي مزايا وقيمة علمية مهمة منها:
1 - جاء تفسير البغوي جامعاً شاملاً لجوانب متعددة واتجاهات مختلفة، مما جعله مفيداً لأعداد كبيرة من القراء والمهتمين بفهم كتاب الله وتدبره على الوجه الأمثل.
2 - اختصر الإمام البغوي في تفسيره حذف الأسانيد التي تروى بها أقوال الصحابة، وآراء التابعين وتفاسير من تبعهم من المفسرين أمثال قتادة، وعكرمة، ومقاتل وغيرهم وذلك لذكره طرقه وأسانيده في مقدمة التفاسير.
3 - تجنب البغوي في تفسيره ذكر التفصيلات الدقيقة في المسائل التي تتعلق باللغة والنحو، كما تجرد تفسيره من الاصطلاحات العلمية الخاصة بعلوم العربية والفقه والعقيدة مما جعله سهل الفهم واضحاً لدى سائر الدارسين والقراء.
4 - لم يكن البغوي خلال تفسيره ناقلاً ذاكراً للآراء المأثورة عن الصحابة والتابعين وتفاسير القرن الثاني فحسب، بل كان يوجه التفسير ويسوقه بالطريقة المناسبة، كما يختار في بعض الأحيان الرأي الأدنى للصواب بين الأقوال التي يسوقها خاصة إن كان فيها خلاف.
5 - استخدامه لأسلوب السؤال في حل الإشكالات، وهو أسلوب حسن لتحقيق الفهم وإيضاح المسائل، ففي مستهل سورة الفاتحة وبعد أن يذكر معنى البسملة يقول: فإن قيل ما معنى التسمية من الله؟ قيل: هو تعليم العباد كيف يستفتحون القراءة.
6 - اهتم الإمام البغوي في تفسيره بالقراءات «القرآنية» , فكان ينبه إليها ويوضحها ويبين ما يترتب عليها من المعاني والفوائد.
7 - لم يغفل البغوي خلال التفسير الإشارة إلى المسائل البلاغية بصورة سريعة تعين على فهم معنى الآيات دون تعمق وتوسع وذكر للاصطلاحات, بل يكتفي في ذلك بمقدار
_________
(1) لباب التأويل (1/ 3).
(2) مقدمة أصول التفسير، ص 76.
(3) البغوي ومنهجه في التفسير، ص 147.
(1/419)

ما يكشف عن معنى الآية في السياق القرآني للكشف عن دقة التعبير وبيان الأسلوب الرائع المعجز خاصة وهو يقرر أن أسلوب كتاب الله في الطبقة الأولى من البلاغة وحسن النظم والتأليف (1)، يقول البغوي: والقرآن معجز في النظم والتأليف والإخبار عن الغيوب وهو كلام في أعلى طبقات البلاغة لا يشبهه كلام الخلق لأنه غير مخلوق، ولو كان مخلوقاً لأتوا بمثله (2). وأما الأمور البلاغية التي يشير إليها البغوي خلال التفسير، فأنواع الاستفهام في القرآن الكريم، من الإنكاري، والتقريري أو التضخيم، وذلك في مواضع مختلفة من تفسيره (3). هذه بعض مزايا تفسير البغوي، ويعتبر هذا التفسير من أشهر التفاسير في العهد السلجوقي وقد تنافس العلماء في تحصيله.
(2) شرح السنة للحافظ البغوي:
- موضوع الكتاب: أفصح عن ذلك مؤلفه في مقدمته فقال: أما بعد فهذا كتاب في شرح السنة يتضمن -إن شاء الله سبحانه وتعالى - كثيراً من علوم الحديث، وفوائد الأخبار المروية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حل مشكلها, وتفسير غريبها، وبيان أحكامها, وما يترتب عليه من الفقه واختلاف العلماء جمل لا يستغنى عن معرفتها المرجوع إليه في الأحكام، والمعول عليه في دين الإسلام، ولم أودع هذا الكتاب من الأحاديث إلا ما اعتمده أئمة السلف الذين هم أهل الصنعة المسلم لهم بالأمر من أهل عصرهم، وما أودعوه كتبهم، فأما ما أعرضوا عنه من المقلوب والموضوع والمجهول واتفقوا على تركه فقد صنت الكتاب عنها، وما لم أذكر أسانيدها من الأحاديث فأكثرها مسموعة، وعامتها في كتب الأئمة غير أني تركت أسانيدها حذراً من الأطالة، واعتماداً على نقل الأئمة (4).
- سبب تأليفه لهذا الكتاب: أوضح ذلك - رحمه الله - في المقدمة فقال: والمقصود بهذا الجمع - مع وقوع الكفاية فيما عملوه وحصول الغنية فيما فعلوه - الاقتداء بأفعالهم والانتظام في سلك أحد طرفيه متصل بصدر النبوة، والدخول في غمار قوم جدوا في إقامة الدين واجتهدوا في إحياء السنة، شغفاً بهم، وحباً لطريقتهم, وإن قصرت في العمل عن مبلغ سعيهم - طمعاً في موعود الله سبحانه وتعالى على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن: «المرء مع من أحب» (5) ولأني رأيت أعلام الدين عادت إلى الدروس، وغلب على أهل الزمان هوى النفوس فلم يبق من الدين إلا الرسم، ولا من العلم إلا الاسم حتى تصور الباطل عند أكثر أهل الزمان بصورة الحق، والجهل بصورة
_________
(1) البغوي ومنهجه في التفسير، ص 168 إلى 174.
(2) المصدر نفسه، ص 175.
(3) المصدر نفسه، ص 175.
(4) شرح السنة عن مقدمة المؤلف (1/ 2 - 4).
(5) البخاري رقم 6168 - 6171.
(1/420)

العلم, وظهر فيهم تحقيق قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً، اتخذوا رؤساء جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» (1). ولما كان الأمر على ما وصفته لك، أردت أن أجدد لأمر العلم ذكراً لعله نشط فيه راغب متنبه، أو ينبعث له واقف متشبط (2).
(3) مصابيح السنة:
- موضوعه وسبب تأليفه: قال - رحمه الله -: أما بعد، فهذه ألفاظ صدرت عن صدر النبوة، وسنن سارت عن معدن الرسالة، وأحاديث جاءت عن سيد المرسلين وخاتم النبيين، هن مصابيح الدجى، خرجت عن مشكاة التقوى، مما أوردها الأئمة في كتبهم جمعتها للمنقطعين إلى العبادة لتكون لهم بعد كتاب الله تعالى حظاً من السنن، وعونًا على ما فيه من الطاعة (3).
- عناية العلماء بمصابيح السنة: تقبل الناس هذا الكتاب بالقبول الحسن، فعكفوا عليه رواية ونسخاً وقراءة وحفظاً، ثم ألفوا حوله الشروح والمختصرات والتخريجات، وقد ذكر حاجي خليفة وبروكلمان أكثر من اثنين وأربعين شرحاً ومختصراً وتخريجاً لهذا الكتاب (4)، إلا أن مشكاة المصابيح لأبي عبد الله محمد بن عبد الله الخطيب التبريزي ت 740هـ (5) فاق جميع الشروح والتخريجات الأخرى، ولذلك عكف الناس عليه، وشرحوه واختصروه وخدموه، إذ ألف عليه تسعة شروح ومختصرات (6).
- وفاته: اختلفت المصادر التي ترجمت للإمام البغوي في سنة وفاته على ثلاثة أقوال وهي سنة 510هـ، وسنة 515هـ, وسنة 516هـ ولكن هذه المصادر تكاد تجمع على أن وفاته كانت في شهر شوال سنة ست عشرة وخمسمائة وهو القول الراجح لاختياره عند أكثر المصادر (7)، وكانت وفاته في مرو الروذن ودفن عند شيخه القاضي حسين بمقبرة الطالقان، وقبره مشهور هنالك (8)، وقالوا إنه عاش ثلاثاً وثمانين سنة, ويرى البعض أنه قد عاش بضعاً وسبعين سنة (9)، كما يرى آخرون أنه أشرف على التسعين وذلك لعدم تحديدهم سنة
_________
(1) البخاري رقم 100.
(2) شرح السنة (1/ 2 - 4) مقدمة المؤلف.
(3) مصابيح السنة (1/ 109 - 110).
(4) كشف الظنون، ص 1698, تاريخ الأدب العربي (6/ 245).
(5) طبع كتابه مشكاة المصابيح بتحقيق ناصر الدين الألباني.
(6) تدوين السنة النبوية د. محمد مطر الزهراني، ص 219.
(7) البغوي ومنهجه في التفسير 26.
(8) المصدر نفسه، ص 27, البداية والنهاية (16/ 262).
(9) سير أعلام النبلاء (19/ 442).
(1/421)

ميلاده وإن كان الأرجح أنه جاوز الثمانين (1). قال ابن كثير: صاحب التفسير وشرح السنة والتهذيب في الفقه والجمع بين الصحيحين و المصابيح في الصحاح والحسان وغير ذلك، اشتغل على القاضي حسين، وبرع في هذه العلوم وكان علاّمة زمنه فيها، وكان ديناً ورعاً زاهداً عابداً صالحاً (2).
فالبغوي رحمه الله كان ممن أكرمهم الله تعالى بنشر مذهب أهل السنة وتربية الناس على تعاليمه في العهد السلجوقي, ووضع الله لكتبه القبول والانتشار وساهمت في بلورة المشروع السني الكبير الذي توج بانتصار الإسلام وتقليص النفوذ الباطني ودحره، وتحرير البلاد الإسلامية من أيدي الصليبيين فيما بعد.

الحادي عشر: شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري الهروي:
الإمام القدوة، الحافظ الكبير، أبو إسماعيل، عبد الله بن محمد بن علي الأنصاري مصنَّفُ كتاب «ذم الكلام»، وشيخ خراسان من ذرية صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم - أبي أيوب الأنصاري، مولده في سنة ست وتسعين وثلاثمائة (3). كان رحمه الله: آية في لسان التذكير والتصوف من سلاطين العلماء, سمع ببغداد من أبي محمد الخلاَّل وغيره يروي في مجالس وعظه الأحاديث بالإسناد، وينهي عن تعليقها وكان بارعاً في اللغة، حافظاً للحديث قرأ عليه السلفي كتاب ذم الكلام, وكان يدخل على الأمراء والجبابرة فما يبالي، ويرى الغريب من المحُدَّثين، فيبالغ في إكرامه (4)، وكان شيخ الإسلام أثريا قُحّاً، ينال من المتكلمة (5).
- اعتزازه بالمذهب الحنبلي: قال محمد بن طاهر: سمعت أبا إسماعيل الأنصاري يقول: إذا ذكرت التفسير، فإنما أذكره من مائة وسبعة تفاسير وسمعته ينشد على منبره:
أنا حنبلي ما حييت وإن أمُت ... فوصيتي للناس أن يتحنبلوا
وقال في قصيدته النونية: ... أنا حنبلي ما حييتُ وإن أمُت ... فوصيتي ذاكم إلى الإخوان
إذ دينه ديني وديني دينه ... ما كنت إمعةً له دينان (6)
- كتابه منازل السائرين والمحن التي تعرض لها: قال الذهبي: ولقد بالغ أبو
_________
(1) تذكرة الحفاظ (4/ 1258) , البغوي ومنهجه في التفسير، ص 27.
(2) البداية والنهاية (16/ 262).
(3) سير أعلام النبلاء (18/ 503).
(4) المصدر نفسه (18/ 506).
(5) المصدر نفسه (18/ 507).
(6) المصدر نفسه (18/ 507).
(1/422)

إسماعيل في ذمّ الكلام على الاتباع فأجاد، ولكنه له نفس عجيب لا يشبه نفس أئمة السلف في كتابه «منازل السائرين»، ففيه أشياء مطربة وفيه أشياء مشكلة، ومن تأمله لاح ما أشرت إليه، والسُّنة المحمدية صَلفَة، ولا ينهض الذوق والوجد إلا على تأسيس الكتاب والسنة. وقد كان هذا الرجل سيفاً مسلولاً على المتكلمين، له صولة وهيبة واستيلاء على النفوس ببلده يُعظمونه، ويتغالون فيه، ويبذلون أرواحهم فيما يأمر به. كان عندهم أطوع وأرفع من السلطان بكثير، وكان طوداً راسياً في السنة لا يتزلزل ولا يَلين، لولا ما كدر كتابه «الفاروق في الصفات» يذكر أحاديث باطلة يجب بيانها وهتكها، والله يغفر له بحسن قصده، وصنف «الأربعين» في التوحيد، و «الأربعين» في السنة. وقد امتحن مرات وأوذي، ونفي من بلده, قال ابن طاهر: سمعته يقول: عُرضت على السيف خمس مرات، لا يقال لي: ارجع عن مذهبك. لكن يقال لي: اسكت عمن خالفك، فأقول: لا أسكت وسمعته يقول: أحفظ اثنى عشر ألف حديث أسردها سرداً (1). وكان شيخ الإسلام أبو إسماعيل بكر الزمان وواسطة عقد المعاني وصورة الإقبال في فنون الفضائل وأنواع المحاسن منها نصرة الدين والسنة، من غير مداهنة ولا مراقبة لسلطان ولا وزير. وقد قاسى بذلك قصد الحساد في كل وقت، وسعوا في رُوحه مراراً وعمدوا إلى إهلاكه أطواراً، فوقاه الله شرهم، وجعل قصدهم أقوى سبب لارتفاع شأنه (2). قال الذهبي: قد انتفع به خلق، وجهل آخرون، فإن طائفة من صوفية الفلسفة والاتحاد يخضعون لكلامه في «منازل السائرين» وينتحلونه، ويزعمون أنه موافقهم.
كلا، بل هو رجل أثري لهج بإثبات نصوص الصفات منافر للكلام وفي منازله إشارات إلى المحو والفناء، وإنما مراده بذلك الفناء هو الغيبة عن شُهود السَّوى، ولم يُرد محو السوى في الخارج ويا ليته لا صنَّف ذلك، فما أحلى تصوف الصحابة والتابعين ما خاضوا في هذه الخطرات والوساوس، بل عبدوا الله، وذلُّوا له وتوكَّلوا عليه وهم من خشيته مشفقون، ولأعدائه مجاهدون، وفي الطاعة مسارعون، وعن اللغو معرضون، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (3).
- من مكائد خصومه: لما قدم السلطان ألب أرسلان هَراةَ في بعض زياراته، اجتمع مشايخ البلد ورؤساؤه، ودخلوا على أبي إسماعيل، وسلموا عليه، وقالوا: ورد السُّلطان ونحن على عزم أن نخرج ونُسلمَ عليه، فأحببنا أن نبدأ بالسلام عليك وكانوا قد تواطأوا على أن حملوا معهم صنماً من نُحاس صغيراً وجعلوه في المحراب تحت سجادة الشيخ، وخرجوا،
_________
(1) سير أعلام النبلاء (18/ 509).
(2) المصدر نفسه (18/ 510).
(3) المصدر نفسه (18/ 510).
(1/423)

وقام الشيخ إلى خلوته، ودخلوا على السلطان، واستغاثوا من الأنصاري وأنه مُجَسِّمُ، وأنه يترك في محرابه صنماً يزعم أن الله تعالى على صُورته، وإن بعث السلطان الآن يجده، فعظم ذلك على السلطان، وبعث غلاماً وجماعة، فدخلوا وقصدوا المحراب فأخذوا الصنم، فألفى الغلام الصنم، فبعث السلطان من أحضر الأنصاري، فأتى فرأى الصنم والعلماء وقد اشتد غضب السلطان، فقال له السلطان: ما هذا؟ قال: صنم يعمل من الصُّفر شبه اللعبة. قال: لست عن ذا أسألك قال: فعمَّ يسألني السلطان؟ قال: إن هؤلاء يزعمون أنك تعبد هذا، وأنك تقول: إن الله على صورته. فقال شيخ الإسلام بصولة وصوت جهوري: سبحانك هذا بهتان عظيم، فوقع في قلب السلطان أنهم كذبوا عليه، فأمر به فأخرج إلى داره مُكرَّماً وقال لهم: اصدقوني وهَدَّدهُم، فقالوا: نحن في يد هذا في بَليَّة من استيلائه علينا بالعامَّة، فأردنا نقطع شره عنا، فأمر بهم، ووكَّل بهم وصادرهم، وأخذ منهم وأهانهم (1).
- دعاء الإمام الجويني له: قال أبو الوقت السجزي: دخلت نيسابور، وحضرت عند الأستاذ أبي المعالي الجويني، فقال: من أنت؟ قلت: خادم الشيخ أبي إسماعيل الأنصاري, فقال: - رضي الله عنه -. قال الذهبي: اسمع إلى عقل هذا الإمام، ودع سَبَّ الطغام، إن هم إلا كالأنعام (2).
- تقديمه لكتاب أبي عيسي الترمذي على البخاري ومسلم: قال أبو إسماعيل الأنصاري: كتاب أبي عيسى الترمذي عندي أفيد من كتاب البخاري ومسلم. قال ابن طاهر قلت: ولم؟ قال: لأنهما لا يصل إلى الفائدة منهما إلا من يكون من أهل المعرفة التامة، وهذا كتاب قد شرح أحاديثه وبيَّنها فيصل إلى فائدته كل فقيه وكل مُحدث (3).
- في مجلس نظام الملك: قال ابن طاهر: حكى لي أصحابنا أن السلطان ألب أرسلان قدم هراة ومعه وزيره نظام الملك فاجتمع إليه أئمة الحنفية وأئمة الشافعية للشكوى من الأنصاري ومطالبته بالمناظرة، فاستدعاه الوزير، فلما حضر، قال: إن هؤلاء قد اجتمعوا لمناظرتك، فإن يكن الحق معك؛ رجعوا على مذهبك، وإن يكن الحق معهم، رجعت أو تسكت عنهم، فوثب الأنصاري، وقال: أُناظر على ما في كُمِّي. قال: وما في كُمِّكَ؟ قال: كتاب الله - وأشار إلى كُمه اليمين - وسنة رسول الله - وأشار إلى كمه اليسَار - وكان فيه «الصحيحان» فنظر الوزير إليهم مستفهماً، فلم يكن فيهم من ناظره من هذا الطريق (4).
- مصدر رزقه: كان أبو إسماعيل الأنصاري على حظ تام من معرفة العربية والحديث والتواريخ والأنساب, إماماً كاملاً في التفسير، وحسن السيرة في التصوف، غير مشتغل
_________
(1) سير أعلام النبلاء (18/ 512).
(2) المصدر نفسه (18/ 513).
(3) المصدر نفسه (18/ 513).
(4) المصدر نفسه (18/ 511).
(1/424)

بكسب، مكتفياً بما يُباسطُ به المريدين والأتباع من أهل مجلسه في العام مّرة أو مرتين على رأس الملأ فيحصل على ألوف من الدنانير وأعداد من الثياب والحُِليَّ، فيأخذها، ويُفرِّقُها على اللَّحَّام والخباز، وينفق منها، ولا يأخذ من السلطان ولا من أركان الدولة شيئاً، وقلَّ ما يُراعيهم ولا يدخل عليهم، ولا يُبالي بهم، فبقي عزيزاً مقبولاً قبولاً أتم من المَلِك، مطاع الأمر نحواً من ستين سنة من غير مزاحمة, وكان إذا حضر المجلس لبس الثياب الفاخرة، وركب الدَّواب الثمينة ويقول: إنما أفعل هذا إعزازاً للدين، ورغماً لأعدائه، حتى ينظروا إلى عِزّي وتَجَُمّلى، فيرغبوا في الإسلام ثم إذا انصرف إلى بيته، عاد إلى المُرقَّعة والقعود مع الصوفية في الخانقاه يأكل معهم، ولا يتميز بحال، وعنه أخذ أهلُ هراة التبكير بالفجر، وتسمية الأولاد غالباً بعبد المضاف إلى أسماء الله تعالى (1).
- سنة وفاته: توفي شيخ الإسلام في ذي الحجة سنة إحدى وثمانين وأربعة مائة، عن أربع وثمانين سنة وأشهر (2). وكان كثير السهر بالليل وروى الحديث وصنف وكانت وفاته بهراة (3). ونلاحظ في فصل المدارس النظامية الدور الكبير الذي قام به نظام الملك في تأسيسها وتحديد أهدافها وبرامجها، وتعيين النوابغ المبدعين من العلماء بها كالجويني وأبي إسحاق الشيرازي والغزالي الذين تفرغوا لتعليم طلاب العلم والكتابة لمناصرة منهج أهل السنة والتصدي للفكر الشيعي الباطني الإسماعيلي، فكانت لجهودهم آثار ملموسة في نصرة الإسلام وإن كانت الدولة السلجوقية قامت بدعم مؤسسات المدارس النظامية لمناصرة الكتاب والسنة، إلا أن مجموعة من علماء أهل السنة لم يكونوا من ضمن مشايخ المدارس النظامية قاموا بتنشيط الدعوة الإسلامية بالوعظ والإرشاد والتعليم والتربية والتصنيف، كالبغوي، وأبي إسماعيل الأنصاري وهم على سبيل المثال لا الحصر، ومن الدروس الكبيرة في هذا الفصل أن البعد العقدي والفكري لا بد منه لأي مشروع سياسي أو عسكري أو حضاري، يراد له النجاح في أوساط المسلمين, وأن من عوامل نهوض الحضارة، أن تكون القيادة السياسية مبدعة في التفكير، وفي تحديد الأهداف، صادقة في الانتماء لعقيدة الأمة وتراثها ودينها وتاريخها وقادرة على توظيف الطاقات العلمية وتحويلها من أعمال فردية إلى أعمال جماعية، عاملة على وحدة الصف ومحاربة الانشقاق، كما أن قدرة العلماء على النزول بأفكارهم وعلمهم للجمهور الإسلامي العريض من عوامل نهوض الحضارة.
* * *
_________
(1) سير أعلام النبلاء (18/ 514).
(2) المصدر نفسه (18/ 515).
(3) البداية والنهاية (16/ 112).
(1/425)

الفصل الخامس
الحروب الصليبية في العهد السلجوقي
المبحث الأول
الجذور التاريخية للحروب الصليبية واستمرارها إلى يومنا هذا
إن مما يجدر ذكره أن الحرب الصليبية والصراع بين أهل الإيمان وأهل الكفر من النصارى الغربيين وغيرهم، الذين عبدوا عيسى عليه السلام، واتخذوه إلهاً من دون الله، وقالوا: هو الله وابن الله وثالث ثلاثة، لم تبدأ في نهاية القرن الخامس الهجري ولم تنته في القرن السابع الهجري، بل هذه الحملات هي سلسلة في هذا الصراع الطويل، الذي بدأ بظهور الإسلام (1)، واستمر بصيغ دورية متعاقبة كادت تغطي المدى الزمني بين ظهور الإسلام والعصر الحديث، ويمكن تقسيمه على ستة من المحاور التي استمر عليها هذا الصراع، ولم يكن أوار الصراع على كل واحد من هذه المحاور يفتر قليلاً حتى يشب ثانية في محور جديد لا يقل عنه ضراوة وعنفاً واستزافًا للطاقات الإسلامية في مساحات واسعة من الأرض وهذه المحاور (2) هي:

أولاً: البيزنطيون:
ترجع بدايات التحرك البيزنطي المضاد للإسلام إلى عصر الرسالة نفسه، فمنذ العام الخامس للهجرة وعبر معارك دومة الجندل، وذات السلاسل، ومؤتة، وتبوك، وانتهاء بحملة أسامة بن زيد رضي الله عن الصحابة أجمعين، كان المعسكر البيزنطي يتحسّس الخطر الإسلامي الجديد القادم من الجنوب، لاسيما بعد ما تمكنت الدولة الناشئة من فك ارتباط العديد من القبائل العربية شمالي الجزيرة من سادتهم القدماء الروم، وسواء كان البيزنطيون يتحركون ضد القوات الإسلامية بفعلهم ابتداء، أو كرد فعل لتحرك إسلامي، فإن المحصلة الأخيرة هي أن هذا المعسكر بدأ يدرك أكثر فأكثر حجم التحدي الجديد، ويعد العدة لوقفه, صحيح أن هذه العدة لم تكن - أحياناً - بالحجم المطلوب، ربما بسبب عدم دقة المعلومات التي كانت القيادة البيزنطية تبني عليها مواقفها، إلا أن النتيجة هي أن النار اشتعلت عبر هذا
_________
(1) دروس وتأملات في الحروب الصليبية لأبي فارس، ص 30.
(2) هجمات مضادة في التاريخ الإسلامي, د. عماد الدين، ص 26.
(1/426)

المحور، وازدادت اشتعالاً بُعيد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتدفق القوات الإسلامية في البلاد التي يسيطر عليها البيزنطيون (1) , وبعد إخراج البيزنطيين من ممتلكاتهم في آسيا وأجزاء من إفريقيا على يدي القيادة الراشدة، التي شهدت المراحل التالية من العصر الراشدي، محاولات النفاق، ردود أفعال عديدة وهجمات مضادة نفذها هذا المعسكر في البّر والبحر، ولكنها آلت في معظمها إلى الخسران، ثم مالبث البيزنطيون أن انحسروا عبر العقود التالية، وبفضل الملاحقة الدؤوبة التي قام بها الأمويون (2)
- ابتداء من معاوية - رضي الله عنه - مؤسس الدولة الأموية وعهد عبد الملك وبنيه خصوصاً الوليد وسليمان - وقد تم شرح ذلك وتفصيله في كتابي الدولة الأموية عوامل الازدهار وتداعيات الانهيار- واستمرت الملاحقة النشطة للبيزنطيين بعد الأمويين في الشام ومصر وشمالي إفريقيا, وانحسروا بالكلية عن الشمال الإفريقي، ومساحات واسعة من البحر المتوسط، وانزووا هناك في شبه جزيرة الأناضول، فضلاً عن ممتلكاتهم في أوربا نفسها، وهكذا، وبمرور الوقت، أصبح خطر هجماتهم المضادة محدوداً لأنها تركزت عند خط الثغور في الأناضول والجزيرة الفراتية دون أن تتعداه إلى العمق إلا نادراً بسبب من يقظة القيادات الإسلامية وتحصينها خط الحدود من جهة، وقيامها بهجمات مستمرة ضد الدولة البيزنطية، وتوغلها في العمق باتجاه القسطنطينية نفسها من جهة أخرى، الأمر الذي لم يدع للإمبراطور البيزنطي - في معظم الأحيان - أن يأخذ زمام المبادرة وأن يوسع نطاق هجومه المضاد اللهم إلا عند مطلع القرن الرابع الهجري حيث كانت الدولة العباسية قد ضعفت إلا أنه حل محلها هناك، ذلك الكيان الإقليمي «الحمداني» الذي تشكل في حلب قريباً من خط الثغور، ووقف بالمرصاد لهذه المحاولة، واستطاع أن يكسر حدتها وأن يمتصّ الكثير من اندافاعها، رغم انها وصلت في أحد اندفاعاتها إلى حلب نفسها وتوغلت في الجزيرة الفراتية وشمالي الشام، ثم كانت وقعة ملاذكرد التي حقق فيها السلاجقة عام 463هـ في قلب الأناضول نجاحاً ساحقاً ضد العمود الفقري للقوات البيزنطية بمثابة نهاية لتحديات الدولة البيزنطية وهجومها المضاد، واستمر على تلك الحال حتى سقوطها بعد عدة قرون على يد العثمانيين (3). وقد فصلت ذلك في كتابي الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط (4).

ثانياً: الإسبان:
شهدت الساحة الأندلسية، منذ بدايات مبكرة هجمات مضادة متواصلة قادمة من
_________
(1) هجمات مضادة في التاريخ الإسلامي د. عماد الدين، ص 26.
(2) المصدر نفسه، ص 26، 27.
(3) المصدر نفسه، ص 37 ..
(4) الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط،، ص 125 - 140.
(1/427)

الشمال حيث يتحصن الإسبان في المناطق الأشد وعورة، ولقد تمخضت هذه الهجمات عن صراع مرير قدرت القيادة الأموية عبره أن تجابه الهجوم المضاد لمدى ما يقرب من القرون الثلاثة, وأن تحتويه وترغمه على الانحسار في الجيوب الشمالية لشبه الجزيرة الإيبرية, ثم جاءت دفقة الحيوية الإسلامية الجديدة مرتين إحداهما على يد المرابطين القادمين من المغرب (1)، الذين سجلوا لنا في صفحات المجد انتصارهم العظيم في معركة الزلاقة على النصارى الإسبان في عام 479هـ (2)، والأخرى على أيدي الموحدين الذين جاءوا من بعدهم الذين حققوا انتصاراً ساحقاً على النصارى في معركة الأرَك عام 591هـ التي سجلت على صفحات الزمان بماء الذهب الصافي (3) وبذلك تمّكن الإسلام في الأندلس من الصمود بمواجهة التحدي ومقارعة الهجوم الإسباني المضاد بسلاح شبه متكافيء لمدى يقرب من القرون الأربعة (4). لكن المسلمين هناك مالبثوا أخيراً أن استنزفوا، وزادهم ضعفاً انقسامهم على أنفسهم وصراعهم الدموي الطاحن فيما بينهم، الأمر الذي حول الميزان لصالح القيادة النصرانية التي تمكَّنت في نهاية المطاف من إسقاط آخر كيان إسلامي هناك؛ مملكة غرناطة عام 897هـ لكي ما تلبث -تحت زعامة فرديناند وايزابيلا- أن تنفذ أبشع مجزرة رهيبة في التاريخ البشري، اشتركت فيها السلطة والكنيسة ومحاكم التحقيق، وقدرت -بأساليبها التي تتجاوز البداهات والقيم الإنسانية، فضلاً عن الدينية- على تدمير الوجود الإسلامي في الأندلس وإزالته من الخارطة الإسبانية، ودمج الجماعات الإسلامية قسراً بالمجتمع النصراني ديناً وثقافة وسلوكاً (5).
ومما يستحق أن يفهم أن الصراع المذهبي والحضاري ذا الطابع المصيري الذي حكم علاقات آسيا بأوربا عبر التاريخ، هو الذي جعل أوربا تتشنج إزاء امتداد الإسلام إلى أراضيها، غرباً في الأندلس وجنوبي فرنسا، وشرقاً في جهاتها الجنوبية الشرقية، وتبذل جهوداً مريرة ومحاولات متواصلة من أجل إزاحة الوجود الإسلامي من هناك بأي أسلوب, وبأية صيغة حتى لو تنافت مع أبسط قواعد التعامل الشريف مع الجماعات والأديان، من أجل التفرد بحكم القارة، ومجابهة التحدي الإسلامي فيما وراء الحدود (6).

ثالثاً: الحركة الصليبية:
إن الحركة الصليبية هي رد الفعل المسيحي تجاه الإسلام، تمتد جذورها إلى بداية ظهوره،
_________
(1) هجمات مضادة في التاريخ الإسلامي، ص 28.
(2) تاريخ دولتي المرابطين والموحدين للصَّلاَّبي، ص 101.
(3) المصدر نفسه ص 383، 384.
(4) هجمات مضادة، ص 28.
(5) المصدر نفسه، ص 28 من أراد التفصيل .. نهاية الأندلس محمد عنان.
(6) هجمات مضادة في التاريخ الإسلامي، ص 29.
(1/428)

وخروج المسلمين من جزيرتهم العربية واصطدامهم بالدولة البيزنطية, وأن هذه الحركة تطورت كالكائن الحي على مدى القرون ما تكاد تخرج من طور إلا لتدخل في طور جديد، وما كانت الفترة الزمنية الممتدة بين سنتي (488هـ - 690هـ/ 1095 - 1291م) إلا أحد أطوارها فقط, وأن بروز هذا الطور بهذا الشكل الذي كاد يطغى على باقي أطوارها يعود إلى عوامل عديدة معقدة ومتشابكة يستطيع الباحث أن يتلمسها في الدوافع والأسباب التي أدت إلى إطلاق الموجة الصليبية العاتية من عقالها في هذه الفترة (1)، وسيأتي بيان هذه العوامل والأسباب بإذن الله تعالى.
وقد تصالح المؤرخون على إطلاق الحروب الصليبية على الحركة الاستعمارية الصليبية التي ولدت في غرب أوربا واتخذت شكل هجوم مسلح على بلاد المسلمين في الشام والعراق والأناضول، ومصر وتونس لاستئصال شأفة الإسلام والمسلمين والقضاء عليهم, واسترجاع بيت المقدس وقبر المسيح، وجذور هذه الحركة نابع من الأوضاع الدينية والاجتماعية والفكرية والاقتصادية والسياسية التي سرت في غرب أوربا في القرن الحادي عشر, واتخذت من الدين وقوداً لتحقيق أهدافها (2). لقد كانت تكاليف حقبة الحروب الصليبية باهظة بمعنى الكلمة، واستنزفت من الطرفين الكثير من الإمكانات والقدرات, ولعبت دوراً خطيراً في عرقلة مسيرة الحضارة الإسلامية ومع ذلك فإن التحديات التي صنعتها الهجمات الصليبية والقيم التي صاغها المسلمون وهم يتصدون للغزاة تمثل لا ريب رصيداً كبيراً يضاف إلى ما يتضمنه تاريخنا الطويل من تجارب وخبرات (3)، لقد كانت الحروب الصليبية حلقة من سلسلة طويلة في صراع الإسلام والباطل سبقتها حلقات على الطريق الطويل، وأعقبتها حلقات (4) ... فالغزو الصليبي ليس أمراً جديداً، ولا ظاهرة غريبة أو استثنائية وإنما هو القاعدة وغيره الاستثناء (5)، ولذلك نقول: إن التحديد الزمني للحركة الصليبية بين سنتي 488هـ - 690هـ هو تحديد خاطئ كما يقول الأستاذ الدكتور سعيد عاشور: لا يقوم على أساس سليم ولا يعتمد على دراسة الحركة الصليبية دراسة شاملة، وإنما يكتفي بعلاج مبتور يشمل جزءاً من تلك الحركة ولا يعبر عن جذورها وأصولها من ناحية، ولا عن ذيولها وبقاياها من ناحية أخرى (6).
لقد كانت المقاومة الإسلامية لهذا الغزو تعبيراً فذًا عن استمرار تيار العقيدة في نفوس
_________
(1) الحروب الصليبية في شمال إفريقية وأثرها الحضاري، ص 10.
(2) تاريخ الحروب الصليبية، محمود سعيد عمران، ص 15، من أجل فلسطين، حسني أدهم جرار، ص 29.
(3) هجمات مضادة، ص 31.
(4) هجمات مضادة، ص 31.
(5) المصدر نفسه، ص 32.
(6) الحركة الصليبية, سعيد عاشور (1/ 26).
(1/429)

المسلمين، على مستوى القمة حيناً, وعلى مستوى القواعد معظم الأحيان، لقد صنعت الحقبة مجاهدين على درجة كبيرة من الفاعلية والقدرة, وقد انتشر هؤلاء المجاهدون في كل الجبهات وقاموا بمقاومة الغزاة في كل الفترات، وعلى مدى قرنين من الزمن لم يضعفوا ولم يستكينوا أو يضعوا السلاح, كانوا على استعداد في كل لحظة لركوب خيولهم والانطلاق سراعاً إلى الأهداف، والجهاد لا تصنعه النظريات والأماني، والمجاهد لا يتحرك في الفراغ، ولكنها التحديات التاريخية الكبيرة هي التي تصنع الجهاد وتبعث المجاهدين وتنفخ في المقاتل المسلم روح البطولة والتضحية والاستشهاد. لقد كانت الحروب الصليبية تحدياً كبيراً، لكن المسلمين عرفوا كيف يستجيبون له ويكونون «مجاهدين» كما أراد لهم الله ورسوله أن يكونوا وليس الجهاد عملاً سريعاً وانتظاراً لقطاف سريع، إنه صبر طويل وممارسة دائمة وتضحية بالغالي والرخيص، وزهد في المغانم القريبة والمنافع العاجلة، وقدرة على تعليق الرغبة المتعجلة بحلول النتائج وربطها بقدر الله ومشيئته (1).
إن أجيالاً من المجاهدين قد تنطوي قبل أن تنكشف النتائج، وقبل أن يطالب أحد منهم بقبض الثمن أو رؤية النتيجة الحاسمة، فمصائر الصراع تبقى دائماً بيد الله، قد يكشفها على المدى القريب وقد يطول السرى ويلتوي الطريق. لقد استغرقت الحروب الصليبية مائتين من السنين، لكن هذا المدى الطويل للعدوان لم يدفع رجال المقاومة المجاهدين إلى اليأس والتشاؤم وإلقاء السلاح، ظلوا يقارعونه بالنفس القوي ذاته، وتسلم الأجيال منهم الراية للأجيال حتى أذن الله بزوال العدوان وجلاء آخر غازٍ صليبي عن أرض الإسلام. هل كان أحد يتصور - في بدايات الحقبة المريرة - أنها ستدوم قرنين؟ ومن كان يتصور - أيضاً - أن إمارات ثلاثاً ومملكة كبيرة ستطوي الواحدة تلو الأخرى من صفحة الوجود, والحق أن طول أمد العدوان وامتداده على مسافة قرنين من الزمن، لم يكن بسبب من نقص القدرات البشرية والاقتصادية لعالم الإسلام أو ضعف في التزام الجماهير العقائدي وروحه الجهادية، وإنما في غياب القيادة الموحدة المؤمنة الملتزمة الواعية عبر مساحات من الصراع الطويل، ويوم كانت تبرز قيادات كهذه كانت تتحقق الإنجازات الكبيرة، وكانت النتائج الحاسمة تختزل حيثيات الزمن والمكان, وتحقق من المعطيات ما شهد به الغربيون أنفسهم (2). إن زمن قيادة رجل كمودود ونور الدين محمود والناصر صلاح الدين لهو الزمن الذي تلقي فيه الصليبيون أقسى الضربات, وتمكن المجاهدون خلاله من تحقيق أكبر الإنجازات، ولكن كم من هؤلاء القادة برزوا عبر الحقبة الطويلة؟ إن قيادة المقاومة لو أتيح لها أن تتواصل كما
_________
(1) هجمات مضادة في التاريخ الإسلامي، ص 3.
(2) المصدر نفسه، ص 34.
(1/430)

تواصلت - مثلاً - بين نور الدين وصلاح الدين، لما طال العدوان، ولاختزلت أيام المحنة والاستنزاف .. يقيناً.
ومع غياب القيادة المؤمنة في مراحل شتى من الصراع، كانت القيادات السياسية والعسكرية تتطاحن فيما بينها فتستنزف الكثير من قدراتها من جهة، وتدير ظهرها للغزاة من جهة أخرى, وإلى جانب هذا فعدد غير قليل من الأمراء المحسوبين على عالم الإسلام مارسوا أنماطاً من الخيانة وصنوفاً من الغدر من أجل منافعهم ومصالحهم العاجلة لعبت دورها في عرقلة حركة المقاومة ووضع العراقيل والحواجز في طريقها, وكثيراً ما كان هؤلاء يوجهون طعناتهم القاضية في أشد المراحل حساسية وخطورة, فجلبوا بذلك على حركة المقاومة الكوارث والويلات، ورغم أن قيادات المجاهدين ما كانت تأبه للغدر فإنها كانت تحتاج دوماً لزمن إضافي كي تجدد القدرة على مواصلة الطريق, وفضلاً عن هذا وذاك، فإن الخليفة العباسي الذي كان يعاني الضعف وهبوط الفاعلية كان حاجزاً مكانياً وعقدياً وسياسياً أمام قيام الأمراء المجاهدين بدور «الرجل الأول» الذي يدين له العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه, والذي يستطيع من خلال مركزه القيادي الشامل أن يوظف جل الطاقات والقدرات الإسلامية من أجل المعركة ضد الغزاة. لقد كان الخليفة مجرد ظل سياسي وعسكري، ولكن تربعه قمة الهرم، وتردّده في العمل في كثير من الأحيان، أعاق مهمة احتواء التحدي من قبل رجل قيادي كبير يقف القمة شكلاً ومضموناً.
إن الخليفة إما أن يكون قادرًا على الفعل التاريخي، والتحرك الشمولي أو ألا يكون على الإطلاق. لأنه في حالة ضعفه وتهافته وعدم أخذه زمام المبادرة وحضوره الكامل في قلب الحدث، لن ينسحب بشكل نهائي لكي يتيح المجال لظهور القيادة القمة التي تمارس الحضور التاريخي، وسيبقى ظله يحجب -بشكل أو آخر- تحقق هذا الهدف الكبير، صحيح أن رجلاً كنور الدين محمود أو الناصر صلاح الدين أدّيا دورهما كاملاً ومارسا حضوراً تاريخياً فذاً, كما سيأتي تفصيل ذلك - بإذن الله - ولكن ماذا لو أن نور الدين نفسه أو صلاح الدين نفسه كان خليفة المسلمين؟
لقد انتهت الحروب الصليبية، وطهرت الأرض الإسلامية من آخر جيب للغزاة بعد قرنين من الزمن, واستطاعت حركة المقاومة أن تحقق هدفها وتطرد المعتدين عن آخرهم في نهاية المطاف, ومعنى هذا أن «الاستعمار» - أيًا كانت الصيغ التي يعتمدها والأردية التي يتزي بها والأهداف التي يسعى لتحقيقها، لن يكون - مهما طال به الأمد - بأكثر من ظاهرة عرضية موقوتة لن تقدر على مد جذورها في الأرض والتحقق بالاستمرارية والدوام، إنه أشبه بالجسم الغريب الذي يزرع في كيان غير متجانس مع مكوناته وعناصره، إن هذا الكيان
(1/431)

سيلفظه إذ ليس ثمة ما يحقق التوافق المطلوب الذي يربط بين الطرفين ويوحّد تجربتهما ويختم على مصيرهما. إن الأجسام الغريبة محكوم عليها بالطرد، ولن تكون الأرض التي تسطو عليها وطناً لها في يوم من الأيام. تلك هي حتمية التاريخ والقرآن الكريم يقولها بوضوح: {وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140] فليس ثمة أمة أو جماعة أو دولة أو قوة في الأرض بقادرة على تجاوز حتمية التاريخ .. إنما لكلمات ثلاث ولكنها تلخص التاريخ البشري كله وتمنحه قيمته وحيويته وقدرته على الحركة في الوقت نفسه (1). وسنمضي بإذن الله تعالى قدماً لدراسة الحروب الصليبية من عهد السلاجقة إلى الزنكيين ثم الأيوبيين ثم المماليك لنرى العبرة ونستلهم الدروس، ونستخرج سنن وقوانين الصراع لكي نوظفها لنصرة كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.

رابعاً: حركة التفاف الصليبيين:
ما لبثت أوربا بعد سحق الوجود الإسلامي في إسبانيا، أن بدأت بقيادة إسبانيا والبرتغال، ومن بعدهما بريطانيا وهولندا وفرنسا، عملية الالتفاف التاريخية المعروفة على عالم الإسلام عبر خطوطه الخلفية في إفريقيا وآسيا، والتي كانت بمثابة حركة الاستعمار القديم التي ابتلي بها العالم الإسلامي فيما بعد، والتي استمرت حتى العقود التي أعقبت سقوط الخلافة العثمانية، كان المماليك في مصر والشام قد بلغوا مرحلة الإعياء، وكان اكتشاف الطريق البحري الجديد حول رأس الرجاء الصالح قد وجّه لتجارتهم -التي هي بمثابة العمود الفقري لمقدراتهم المادية- ضربة قاصمة، أما العثمانيون فكان جهدهم منصبًا على اختراق أوربا من الشرق، ولم تكن لديهم الجسور الجغرافية التي تمكنهم من وقف محاولة الالتفاف تلك في بداياتها الأولى, ولكنهم ما لبثوا بعد عدة عقود أن تحركوا لمجابهة الموقف ومع ذلك فقد دافعت الشعوب والقيادات الإسلامية المحلية في المناطق التي ابتليت بالغزو دفاعاً مستميتاً، وضربت مثلاً صلباً في مقاومتها المتطاولة للعدوان, وألحقت بالغزاة خسائر فادحة على طول الجهات والمواقع الساحلية التي سعى هؤلاء إلى أن يجدوا فيها موطئ قدم لهم (2).
يقول جورج كيرك: لقد كان هدف هنري الملاح هو استمرار الصليبيين بواسطة التغلب على دار الإسلام حربياً وتجارياً، وانتزاع تجارة الذهب وغيره من أيدي المسلمين والاتصال في جنوبي الصحراء بجون (حنا) نجاشي الحبشة للتعاون معه على مهاجمة المسلمين من الجنوب، ومن هنا بدأت في أوائل القرن التاسع الهجري «الخامس عشر الميلادي» وخلال القرن العاشر حركة يقودها البرتغاليون والإسبانيون في الاستيلاء على موانئ شاطئ إفريقيا
_________
(1) هجمات مضادة في التاريخ الإسلامي، ص 36.
(2) المصدر نفسه، ص 37.
(1/432)

(مراكش والجزائر) سبتة وطنجة ومليلة والمرسى الكبير، ثم اتصلت هذه المحاولات باحتلال البرتغاليين للبحرين ومسقط بقصد محاصرة الأساطيل العربية في البحر الأحمر والخليج (1). وكان البرتغاليون قد وصلوا إلى رأس الرجاء الصالح عام 1487هـ واستطاع ألفونسو البوكرك إقامة دولة في الشرق واستولى على مدينة هرمز. ثم سيطر البرتغاليون على الخليج العربي خلال القرن السادس عشر، أو أبحر فاسكودي جاما إلى موزمبيق, وفي عام 1502م سيطر على زنجيبار, وعام 1505م خرج من البرتغال أسطول تعداده عشرون سفينة فاحتلوا سفالة وكلوة وممباسا وبلغوا مسقط وهرمز عام 1509م, وفي عام 1519م احتلوا السواحل الإفريقية وانتزعوها من أيدي المسلمين (2).
غير أن هذه الحركة لم تصل إلى ما كانت تطمع فيه فقد أوقفتها القوة الإسلامية العثمانية النامية التي استطاعت أن تقضي عليها، فقد ظهر العثمانيون في مياه الخليج 1585م وقابلهم أهل الساحل بحماس شديد, كما دخلت دولة المماليك مع البرتغال في حروب بحرية، ثم خلف الفرنسيون والهولنديون والإنجليز والبرتغال وإسبانيا وخطوا خطوات واسعة كان أبرزها استيلاء هولندا على أرخبيل الملايو، وفرنسا وانجلترا على إفريقيا واستأثرت إنجلترا بالهند, كما ناهض الإنجليز البرتغاليين وأرسلوا سفنهم إلى بلاد فارس عام 1616م، وقد استطاع العثمانيون إنقاذ العالم الإسلامي من الغزو البرتغالي الإسباني الذي استهدف خنق التجارة الإسلامية، وحين حاولوا السيطرة على ساحل المغرب الإسلامي للإغارة عليه وضربه، سارع العثمانيون بالسيطرة على المغرب كله ما عدا مراكش واستطاعوا مواجهة الإسبان في حوض المتوسط وجزائره وسواحله، وأدالوا منهم، وبذلك استطاعت القوة البحرية العثمانية أن تحفظ شاطئ البحر المتوسط للإسلام والمسلمين, واستطاع العثمانيون أن يسيطروا على ساحل شرق إفريقيا وشمال المحيط الهندي في مطلع القرن الثامن عشر فأرهب ذلك الأوربيين. واستطاع أحمد بن سعيد 1740هـ أن يقف في وجههم في عمان حيث فقد البرتغاليون الأمل في استرداد هذه المنطقة، وقد كانت عمان بعد سقوط الأندلس أكبر قوة عربية ودامت نهضتها من عام 1000هـ إلى 1250هـ وقد استولت على ثغور البحر الأحمر والمحيط الهندي والخليج، فإفريقيا الشرقية إلى رأس الرجاء الصالح، وفي بضعة أجيال صار أهل عمان سادة هذه البحار العظمى الثلاثة، وصار لهم أسطول ضخم هاجم الأسطول البرتغالي وأجلاه عن جميع الثغور الهندية والفارسية والإفريقية ..
ولم يصبر الإنجليز على هذه الدولة البحرية التي كانت تهددهم في أملاكهم في آسيا وإفريقيا؛ فعملوا على مدى ثمانين عاماً على إضعافها والقضاء عليها وضرب
_________
(1) هجمات مضادة في التاريخ الإسلامي، ص 38.
(2) المصدر نفسه، ص 38.
(1/433)

الأسطول البريطاني مدنها بالقنابل (1).

خامساً: الاستعمار:
وجاءت الموجة الأوربية المضادة التالية على يد القوات الاستعمارية التي دفعتها الثورة الصناعية إلى البحث عن مجالاتها الحيوية في القارات القديمة لتصريف بضائعها والحصول على الخامات الضرورية، وتسخير الطاقات البشرية (الرخيصة) المستعبدة في إفريقيا عن طريق نقلها بالقوة فيما يعرف بحركة تهجير العبيد التي كانت بمثابة إحدى العلامات السوداء في تاريخ الصراع بين أوربا والشرق, والتي ذهب ضحيتها عدد كبير من أبناء الشعوب الإسلامية في إفريقيا, واستمرت هذه الموجة التي قادتها بريطانيا وفرنسا وهولندا وبلجيكا وإيطاليا وألمانيا إلى حدٍ ما، حتى العقود الأولى من القرن العشرين وكان العالم الإسلامي فريستها الأولى بل إنه كان فريستها الوحيدة، إذا استثنينا مساحات محدودة قطنتها أكثريات غير إسلامية، وكانت رغم أهدافها الاقتصادية تتحرك على خلفية صليبية عبّرت عن نفسها في أكثر من واقعة، وقدمت عبر التاريخ أكثر من دليل، إن «غلادستون» رئيس الوزراء البريطاني يقولها بصراحة أمام مجلس العموم البريطاني وهو يمسك بالمصحف الشريف: ما دام هذا في عقول المصريين وقلوبهم فلن نقدر عليهم أبداً (2) وعندما دخل القائد البريطاني الصليبي القدس بعد الحرب العالمية منتشياً وحلفاء بريطانيا يستقبلونه بحفاوة وتكريم إلا أنه لم يخف حقده الصليبي على الإسلام والمسلمين, وأظهر سروره وحبوره كقائد صليبي منتصر فتح القدس وفلسطين تحت الانتداب البريطاني الصليبي فقال: الآن انتهت الحروب الصليبية. (3)
يزعم بهذه العبارة أن هدف الحروب الصليبية باحتلال القدس وفرض السيادة الصليبية عليها وعلى فلسطين قد تحقق, وهو بهذا يشير إلى أن الحروب الصليبية التي استمرت قرنين من الزمان واحتلت القدس وفلسطين سنة 492هـ وحررها المسلمون في عام 583هـ لم تحقق هدفها, أما الحرب العالمية الأولى فقد حققت فيها الصليبية هدفها واستولت على فلسطين والقدس وكانت السيادة لها. وأما القائد الصليبي الفرنسي فقد ذهب إلى قبر صلاح الدين في دمشق وقال عند القبر: ها نحن عدنا يا صلاح الدين (4). واستمرت الحرب الصليبية فلم تتوقف فقامت بريطانيا بإعطاء وطن لليهود على أرض فلسطين وإقامة دولة يهودية, واتخذت من القرارات والإجراءات الإدارية والعسكرية ما تقيم هذه الدولة،
_________
(1) الإسلام وحركة التاريخ، أنور الجندي، ص 392 - 393.
(2) هجمات مضادة في التاريخ الإسلامي، ص 40.
(3) دروس وتأملات في الحروب الصليبية، ص 35.
(4) دروس وتأملات في الحروب الصليبية، ص 35.
(1/434)

بتدريب اليهود على السلاح وفنون القتال وتوفير السلاح لهم، بل إعطاء بعض أسلحة الجيش البريطاني لهم، وبخاصة عندما أعلنت بريطانيا انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين في 15/ 5/1948م بل سلمت كثيرًا من المدن والقرى الفلسطينية إلى اليهود ليعلنوا إقامة دولة يهودية عليها، وفي الوقت ذاته قد حرمت على الفلسطينيين المسلمين التدريب على السلاح واقتناء السلاح, وشنت عقوبات ظالمة على كل فلسطيني يقتني السلاح أو العتاد، فكانت عقوبة الإعدام هي الشائعة، ولقد علق من المجاهدين المسلمين على أعواد
مشانق الصليبيين الإنجليز في تلك الفترة آلاف الشهداء, وزج في غياهب السجون عشرات الألوف (1). هذا وقد تزامنت الحركة الاستعمارية وارتبطت عضوياً بحركة التبشير النصرانية، بجانبيها الكاثوليكي والبروتستانتي، والتي انتشرت مراكزها في طول بلاد الإسلام وعرضها تمهد للاستعمار بأنشطتها المختلفة, وتفتح أمامه الطريق وتحظى تحت سلطانه بالكثير من المساعدات والميزات (2) , إلا أن هذا الهجوم الاستعماري الصليبي المضاد لم يمض بسلام ولم تركع الشعوب الإسلامية أمام إرادة القوة التي اعتمدها الغزاة، بل شمروا عن ساعد الجد واستجاشوا قدرات الإيمان الدافقة ووازنوا بتضحياتهم، وعشقهم ألموت، وركضهم إلى الشهادة، نقص إمكانياتهم العسكرية والمادية ووضعوا بذلك الأعاجيب التي أذهلت الغربيين وعرقلة استمرارية حركتهم، ألحقت بهم الهزائم والويلات ووضعت في طريقهم الأسلاك الشائكة والألغام، ليس هذا فحسب، بل إن الاستجابة للتحدي الاستعماري النصراني بعث حركات إسلامية أصيلة تخلّقت في مناخ جهادي قاس، واستهدفت مقارعة العدوان وتحرير الأرض والعقيدة والإنسان, وقدمت نماذج من أعمال المقاومة تحدث بها الغربيون قبل الشرقيين وملأت صفحات ناصعة بيضاء في معطيات التاريخ (3)، ونحن نذكر على سبيل المثال لا الحصر (4) مقاومة كل من: محمد عبد الكريم الخطابي بالمغرب وعبد القادر الجزائري وجمعية علماء المسلمين بالجزائر التي قادها عبد الحميد بن باديس ومحمد البشير الإبراهيمي، وعمر المختار بليبيا، وغير ذلك من حركات التحرر التي تحتاج إلى أقلام صادقة لبحثها وكتابتها والأمة في أشد الحاجة إلى مثل هذه الدراسات الجادة.
إن الحرب الصليبية لم تنته ولن تنتهي, وما يحدث في أفغانستان والعراق من احتلال دليل على ما نقول، ومن أهم دوافع هذه الحروب أبعاد دينية وسياسية وعسكرية واقتصادية يطول شرحها.
_________
(1) هجمات مضادة في التاريخ، ص 41
(2) المصدر نفسه، ص 41.
(3) المصدر نفسه، ص 42.
(4) المصدر نفسه، ص 43.
(1/435)

المبحث الثاني
أهم أسباب ودوافع الصليبيين
كان المجتمع الأوربي الغربي في هذه الفترة تسوده المنازعات والحروب المحلية بين الأمراء الإقطاعيين مما يساعد على ازدياد سوء الأحوال الاقتصادية والاجتماعية في الغرب الأوربي (1)، كما كان للصراعات القائمة بين رأسي العالم المسيحي الغربي حينذاك، وهما البابا والأمبراطور أثر كبير في مجريات الأحداث الأوربية، فلقد بلغت البابوية درجة عظيمة من القوة واتساع النفوذ في هذه الفترة، مما فتح أمامها المجال لكي تصبح القوة العالمية بمعنى أن يكون البابا هو الزعيم الروحي لجميع المسيحيين في الشرق والغرب على حد سواء (2)، بجانب الخلافات المستمرة الموجودة بين الكنيستين الأرثوذكسية الشرقية والكاثوليكية الغربية، إذ أصرت كل منهما على أن تسود وجهة نظرها, وأن تكون لها الأولوية على الأخرى, ولهذا السبب عندما عرضت فكرة الحرب المقدسة على البابا أوربان الثاني (471 - 491هـ) (1078 - 1097م) وجد في تنفيذها فرصة كبيرة لإنهاء الخلاف بين الكنيستين والسيطرة على الكنسية الأرثوذكسية الشرقية وإدماجها في الكنسية الغربية تحت زعامته، على أن يتم ذلك كله تحت ستار محاربة المسلمين وحماية البيزنطيين واسترداد الأراضي المقدسة في فلسطين (3)
, هذا بالإضافة إلى أغراض أخرى عديدة كانت البابوية ترغب في تحقيقها من وراء تمسكها بفكرة الحرب المقدسة، منها التخلص من نفوذ كبار رجال الإقطاع في الغرب، وإنهاء الحروب المستمرة عن طريق توجيه هذه الطاقات واستغلالها في الحرب المقدسة، علها تفتح لهم بذلك منفذا لحياة أفضل في الشرق بدون منازعات (4). وقد اختلفت الآراء في تفسير طبيعة الحركة الصليبية والدوافع الكامنة وراءها؛ فمنها ما هو مادي والبعض يرى أنها وليدة الحماس أو التعصب الديني الذي عرفت به أوربا في العصور الوسطى، وأن الباعث الحقيقي لتلك الحروب كان في الواقع هو الهوس الديني الممزوج بأغراض أخرى كالميل إلى تأسيس ممالك جديدة والحصول على الثروات الطائلة، وقد اعتبر غالبية المؤرخين القدامى والمحدثين تلك الحروب أنها حروب دينية، وأن العامل الديني كان الدافع الأساسي وراءها من أجل استعادة قبر المسيح والأراضي المقدسة من أيدي المسلمين. والآخرون يعتبرونها أحد مظاهر
_________
(1) الحروب الصليبية، أرنست باكر ص 21، 24.
(2) الحروب الصليبية, سعيد عاشور (1/ 32).
(3) دور الفقهاء والعلماء في الجهاد ضد الصليبيين في آسيا، ص 32.
(4) مملكة بيت المقدس الصليبية، عمر كمال توفيق، ص 18، 19، 32 ,33.
(1/436)

التوسع الاقتصادي الاستعماري في العصور الوسطى. وحقيقة الأمر، أن الحروب الصليبية كانت نتيجة لتفاعل هذه العوامل مجتمعة، لأنها قامت لأسباب سياسية واقتصادية واجتماعية، واتخذت الدين وقوداً أو وسيلة لإخفاء أغراضها المذكورة (1)، ولا يمكن التقليل من الدافع الديني في تلك الحروب بأي وجه من الوجوه وإليك تفصيل تلك الدوافع والأسباب:

أولاً: الدافع الديني:
كان الدافع الديني من الأسباب الرئيسية التي دفعت بالجموع الصليبية إلى قلب المعركة، ومما يظهر أهمية الجانب الديني أنهم قد وضعوا إشارة الصليب على أسلحتهم والأمتعة الخاصة بهم وقصدوا فلسطين بالذات (2)، وقد كانت حركة الإحياء الديني قد ظهرت في غرب أوربا في القرن العاشر الميلادي، وبلغت أشدها في القرن الحادي عشر، وقد أدت إلى تقوية مركز البابوية، وإثارة الحماسة الدينية في نفوس الناس، هذه الحماسة استغلتها الكنيسة في متنفس خارجي, وعندما ظهرت فكرة الحرب الصليبية اتخذت الكنائس الغرب الأوروبي ميداناً واسعاً لاستغلال نشاطه المكبوت وحماسته المنطلقة (3)،
وكان ذلك باسم تخليص القدس من أيدي المسلمين (4)، ومن أشهر من تبنى الدعوة إلى الحروب الصليبية هو «أوربان الثاني» والذي يعتبر المسئول الأول عن الترويج لحرب المسلمين والتحريض على إرسال الحملة الأولى إلى بلاد الشام, وكانت الظروف مهيأة، فسارع إلى عقد اجتماع في مدينة «كليرمنت» في فرنسا, واستمر المؤتمر عشرة أيام حضره أكثر من ثلاثمائة من رجال الكنيسة (5) , كما حضره أمراء من مختلف أنحاء أوربا، ومندوبون عن الإمبراطور البيزنطي، وممثلون عن المدن الإيطالية .. واستطاع البابا أن يثير حماس السامعين في «خطابه» فتجاوب في أرجاء المجتمع هتاف بترديد عبارة «هكذا أراد الله» , وبادر الحاضرون إلى اتخاذ الصليب شارة لهم (6)، كما أن البابا أشار إلى ما أسماه بالخطر الإسلامي المحدق بأوربا من جهة القسطنطينية، وأعلن أن الناس في المشرق يعانون من ظلم المسلمين، وأن الكنائس والأديرة قد أصابها
_________
(1) العدوان الصليبي على العالم الإسلامي صلاح الدين نوار، ص 22.
(2) الحروب الصليبية والأسرة الزنكية، شاكر أحمد أبو زيد، ص 17.
(3) الحركة الصليبية, سعيد عاشور (1/ 20)، الجهاد والتجديد في القرن السادس الهجري، محمد حامد الناصر، ص 80.
(4) الجهاد والتجديد، محمد حامد، ص 80.
(5) أثر الشرق الإسلامي في الفكر الأوربي خلال الحروب الصليبية، ص 81.
(6) الشرق الأدني, السيد الباز العريني، ص 13،14.
(1/437)

الدمار، وحث الحاضرين على الانتقام من المسلمين (1)، والحقيقة إن ما أثاره البابا من تعرض نصارى المشرق إلى اضطهاد هو ادعاء باطل، لا يتفق وروح الإسلام وطبيعة الدعوة إليه، وما أحاط النصارى به، من رعاية وعناية (2).
وكان من الشعارات التي رفعت في هذه الحرب أن الحجاج من النصارى كانوا يتعرضون للاضطهاد والعدوان وهم في طريقهم إلى بيت المقدس - قبيل الحروب الصليبية- وهذا ادعاء باطل كذلك (3)، يقول أحد كبار المؤرخين الأوربيين: إن حالات الاضطهاد الفردية التي تعرض لها المسيحيون في البلدان الإسلامية في الشرق الأدنى في القرن العاشر الميلادي بالذات لا يصح أن تتخذ بأي حال سبباً حقيقياً للحركة الصليبية، لأن المسيحيين بوجه عام تمتعوا بقسط وافر من الحرية الدينية وغير الدينية في ظل الحكم الإسلامي، فلم يسمح لهم فقط بالاحتفاظ بكنائسهم القديمة، وإنما سمح لهم أيضاً بتشييد كنائس وأديرة جديدة جمعوا في مكتباتها كتبًا دينية متنوعة في اللاهوت (4). كما أن الادعاء بتخريب الكنائس وهدم الأديرة أو مصادرتها لم يقم عليه دليل, وإنما هي شائعات ربما أدى إليه تصرف بعينه في قرية بعينها، لا يمكن بحال من الأحوال أن يعتبر هو الأصل في معاملة المسلمين للمسيحيين وكنائسهم في البلاد الإسلامية (5). ويقرر أكثر من مؤرخ منصف أن النصارى الذين خضعوا لحكم السلاجقة، كانوا أسعد حالاً من إخوانهم الذين عاشوا في قلب الإمبراطورية البيزنطية ذاتها، وما وجد أي دليل على اضطهاد السلاجقة للنصارى في المشرق (6). إلا أن صيحات البابا كانت محمومة حاقدة لا تعقل ولا تفكر في العواقب الوخيمة (7). وقد وعد البابا الجموع المشاركين بالحرب، برفع العقوبات عن المذنبين منهم، وبإعفائهم من الضرائب، كما وعدهم برعاية الكنسية لأسرهم مدة غيابهم (8)،
ولعل ما يدخل ضمن الدافع الديني أيضاً أنه ذاعت في الغرب أخبار الكرامات والمعجزات التي بثتها الكنيسة، وساد الاعتقاد بأن نزول المسيح ثانية إلى الأرض أصبح وشيكاً, ولا بد من المضي في الاستغفار وعمل الخير، قبل هبوطه، كما ساد تصور مفاده أنه ينبغي استرداد الأرض قبل عودة المسيح (9). وقد أدرك البابا أن فورة الحماس الديني لن تستمر طويلاً، فدعا إلى القسم وبأن تؤدي الصلاة في كنيسة القيامة، وأشاع أن اللعنة والنقمة، ستحل على كل
_________
(1) قصة الحضارة (4/ 16).
(2) الجهاد والتجديد، ص 81.
(3) الغزو الصليبي والعالم الإسلامي د. علي عبد الحليم محمود، ص 108.
(4) الحركة الصليبية, سعيد عاشور (1/ 30).
(5) الغزو الصليبي والعالم الإسلامي، ص 109.
(6) الحركة الصليبية (1/ 26 - 28).
(7) التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية, د. أحمد شلبي (5/ 438).
(8) أثر الشرق الإسلامي في الفكر الأوربي، ص 26 ..
(9) الوسيط في تاريخ فلسطين في العصر الإسلامي الوسيط، ص 152.
(1/438)

من يستولي عليه الجبن والضعف أو نكص على عقبيه، وهدد بأن يتعرض كل من لا يلبي نداء الكنيسة بالتوجه صوب الديار الإسلامية بالحرمان من الكنيسة (1). لقد أثرت الكنيسة -لما لها من سلطان على قلوب الناس في غرب أوربا في تلك العصور- على الدعوة بهذه الغزوة، وترتب على دعوة الكنيسة خروج الناس أفواجاً في حملات صليبية ضخمة متلاحقة إلى المشرق الإسلامي (2). ولا ننسى الحقد الصليبي على الإسلام وأهله، فقد انتزع من أيديهم أرضاً كانت تحت سلطتهم, وحرر منهم عبيداً كان يرزحون تحت وطأتهم, واستلب منهم ملكاً كان في قبضتهم، فغلت مراجل الحقد في صدورهم، وتأججت نار العداوة في قلوبهم، وأخذوا يتحينون الفرص يستردون ما فقدوا وانتقموا لأنفسهم ممن نكبوهم، ومزقوا مملكتهم (3)،
وهذا المستشرق المشهور الأمير ليون كايتاني (1869م - 1926م) الذي بذل معظم أمواله ليؤرخ لحركة الفتح الإسلامي في كتابه المعروف: «حوليات الإسلام» يوضح لنا سر الحقد على الإسلام والمسلمين في مقدمة كتابه حيث يقول: إنه يريد أن يفهم من عمله ذاك سر المصيبة الإسلامية (كانا ستروفيكا إسلاميكا) التي انتزعت من الدين المسيحي ملايين من الأتباع في شتى أنحاء الأرض ما يزالون يدينون برسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - ويؤمنون به نبياً ورسولاً (4)، قال تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} [البقرة:120] , وقال تعالى: {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُوا وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 217].

ثانياً: الدافع السياسي:
كان الملوك والأمراء الذين أسهموا في الحركة الصليبية يسعون وراء أطماع سياسية لم يستطيعوا إخفاءها, سواء قبل وصولهم الشام وفلسطين أو بعد استقرارهم فيهما. والمعروف أن النظام الإقطاعي ارتبط دائماً بالأرض وبقدر ما يكون الإقطاع كبيراً والأرض واسعة بقدر ما تكون مكانة الأمير سامية في المجتمع, وفي ظل هذا النظام كانت المشكلة الكبرى التي يمكن أن تواجه الأمير والفارس هي عدم وجود إقطاع أو أرض له، مما يجعله عديم الأهمية مسلوب النفوذ, وأدى هذا إلى بقاء عدد كبير من الفرسان والأمراء بدون أرض، لأن من القواعد الأساسية في هذا النظام أن الابن الأكبر وحده هو الذي يرث الإقطاع فإذا مات
_________
(1) الوسيط في تاريخ فلسطين في العصر الإسلامي الوسيط، ص 152.
(2) تاريخ الوطن العربي والغزو الصليبي، ص 22.
(3) أسباب الضعف في الأمة الإسلامية للوكيل، ص 157.
(4) الغزو الصليبي والعالم الإسلامي، ص 110.
(1/439)

صاحب الإقطاع انتقل الإقطاع بأكمله إلى أكبر أبنائه (1)، وهذا يعني بقاء بقية الأبناء دون أرض، وهو وضع ممقوت في المجتمع الإقطاعي، الأمر الذي جعل الفرسان والأمراء المحرومين من الأرض يتحايلون للتغلب على هذه العقبة عن طريق الزواج من وريثة إقطاع، أو الالتجاء إلى العدوان والحرب للحصول على إقطاع. وكان أن ظهرت الحركة الصليبية لتفتح باباً جديداً أمام ذلك النفر من الأمراء والفرسان، فلبوا نداء البابوية، وأسرعوا إلى الإسهام في تلك الحركة لعلهم ينجحون في تأسيس إمارات لأنفسهم في الشرق، تعوضهم ما فاتهم في الغرب. أما الأمراء والفرسان الذين كانوا يمتلكون إقطاعات فقد وجدوا في المشاركة في الحركة الصليبية فرصة طيبة لتحقيق مجد أكبر والحصول على جاه أعظم.
وبدارستنا لمراجع الحروب الصليبية نرى أن أطماع أمراء الحملة الأولى تجلت في عدة مظاهر سياسية، فقد أخذوا يقسمون الغنيمة وهم في الطريق أي قبل أن يستولوا على الغنيمة فعلاً، وسوف نرى -بإذن الله تعالى- كيف استحكم النزاع فيما بينهم أمام أنطاكية لرغبة كل واحد منهم في الفوز بها وكيف من استطاع منهم أن يحقق لنفسه كسباً في الطريق قنع به وتخلى عن مشاركة بقية الصليبيين في الزحف على البيت المقدس، وهو الهدف الأساسي للحملة, وكثيراً مادب الخلاف بينهم - بعد استقرارهم - حول إمارة أو الفوز بمدينة، وعبثاً حاولت البابوية أن تتدخل لفض المنازعات بين الأمراء وتحذرهم بأن المسلمين يحيطون بهم، وأن الواجب الصليبي يستدعي تضامنهم لدفع الخطر عن أنفسهم, ولكن تلك الصيحات ذهبت أدراج الرياح، لأن هدف الأمراء كان ذاتياً سياسياً، ولم يكن يهمهم كثيراً رضا البابا أو سخطه، بل إن بعض الأمراء لم يحجموا عن مخالطة القوى الإسلامية المجاورة ضد إخوانهم الصليبيين مما يدل على أن الوازع الديني كثيراً ما ضعف عند أولئك الأمراء أمام مصالحهم السياسية (2)، أما بالنسبة للإمبراطور البيزنطي (الكسيوس) فإنه لم يعترض على أهداف أمراء الحملة، لأنه إذا تسنى للدولة البيزنطية استرداد ما كان لها من أملاك قبل غارات الأتراك عليها، جاز أن تقوم في تخومها إمارات مسيحية حاجزة، لها حق السيادة عليها، ولضمان الحصول على ذلك حرص الإمبراطور على الحصول على يمين الولاء من أمراء الغرب، وبذلك توافقت مصالح كلا الجانبين المسيحيين في القيام بالحرب والعدوان على الأرض الإسلامية.
والواقع أنه من العسير الفصل بين العوامل المادية والعوامل المعنوية التي دفعت المسيحيين إلى الحروب الصليبية، فالفقر والرغبة في الكسب، وروح المغامرة كانت عوامل هيأت الجو المناسب للحروب، غير أن هذه العوامل لم تظهر إلا بما نجم عن فكرة للحرب «المقدسة» وتخليص
_________
(1) أوربا في العصور الوسطى (2/ 49) , الوسيط في تاريخ فلسطين، ص 154.
(2) الوسيط في تاريخ فلسطين، ص 155.
(1/440)

الأرض، من حماس ديني، والواضح أن فكرة الحرب نبعت من السياسة البابوية، وسياسة الدولة البيزنطية والحروب الإسبانية الإسلامية، فمما سهل أمر إعلان الحرب على المشرق الإسلامي، ما درج عليه الإسبان والفرنسيون في قتال المسلمين في بلاد الأندلس، حيث اتخذ هذا القتال صفة الحرب المقدسة، سواء من جهة المسلمين، حيث أثار «المرابطون» في المغرب الإسلامي الجهاد الديني، أو من جهة المسيحيين في الحالة النفسية التي اقترنت بتوجيه الحرب الصليبية إلى الشرق، حتى إن المؤرخ الكبير (ابن الأثير) نظر إلى الخطر الخارجي نظرة شمولية، واعتبر أي عدوان على طرف من أطراف العالم الإسلامي - سواء في الشرق والغرب - رافدًا يصب في النهر الأكبر، وهو الغزو الأجنبي المنظم على أكبر قوة حضارية في العصور الوسطى، وهي الدولة الإسلامية (1)؛ الأندلس، صقلية، الشام - فلسطين «والتي تكمن في الفرقة، والأطماع الذاتية، وفقدان الروح الوثابة التي تميز بها الحكام والمسلمون الأوائل بناة الدولة الإسلامية (2).
هذا وقد كان واضحًا للعيان أن الكنيسة الغربية كانت محمومة لتوسيع رقعتها الإقطاعية، والسيطرة على الكنائس الشرقية، إضافة إلى رغبتها في حرب المسلمين، ومن حقائق التعصب الديني، وجود الجماعات الدينية التي كانت ترتبط بالكنيسة مباشرة وكانت ذات أثر فعال في تلك الحروب، منها فرسان الاسبتارية الذين كانوا ملتزمين بالدفاع عن ممتلكات الصليبيين في المشرق، وحماية الأماكن المقدسة, وكانوا يرتبطون بالبابا مباشرة، وكانت كنائس بيت المقدس قد خصصت عشر دخلها لمساعدتهم في أداء رسالتهم الدينية المزعومة، وهناك هيئة الفرسان الداوية التي اتخذت مقرها في جزء من هيكل سليمان عليه السلام في المسجد الأقصى، وسميت باسم: فرسان المعبد، ثم حرفت إلى اسم الداوية (3). هذا وقد كانت للبابوية ورجال الكنيسة القدرة على التأثير والضغط والتهديد بالنسبة لمن لا ينفذ رغبة الكنيسة بإصدار قرارات الحرمان التي تقضي بالحرمان من النعيم في الآخرة ونبذ طاعته في الدنيا (4) على حد زعمهم.

ثالثاً: الدافع الاجتماعي:
ساد المجتمع الأوربي -في العصور الوسطى- تمايز طبقي كبير، فقد سادت فيه طبقة رجال الدين وطبقة المحاربين من النبلاء والفرسان (5)، وكانت طبقة الفلاحين تمثل الطبقة الأكبر المغلوبة على أمرها، والتي كان أفرادها يكدحون، ليسدوا حاجة الطبقتين الأوليين.
_________
(1) الكامل في التاريخ نقلاً عن الوسيط في تاريخ فلسطين, ص 156.
(2) الوسيط في تاريخ فلسطين، ص 156.
(3) الوسيط في تاريخ فلسطين، ص 156.
(4) جهاد المسلمين في الحروب الصليبية، فايد حماد عاشور، ص 86.
(5) تاريخ الوطن العربي والغزو الصليبي، ص 24.
(1/441)

كان الفلاح الأوربي مغلوباً على أمره، وكان مطالباً بالتزامات عديدة لأصحاب الإقطاع، وكان البابا على دراية بأحوال الفلاحين الكادحين، فوعدهم بإلغاء التزاماتهم نحو أسيادهم, وأغراهم بخيرات الشرق الإسلامي، كان آلاف الفلاحين يعيشون عيشة منحطة في نظام الإقطاع، حيث شيدوا لأنفسهم أكواخاً من جذوع الأشجار وفروعها وغطيت سقوفها بالطين والقش، دون أن يكون لها نوافذ، ولا يوجد داخلها أثاث بل كان ما يجمعه الفلاح يعتبر ملكاً خاصاً للسيد الإقطاعي، كما يعتبر محرومًا من الملكية الشخصية (1) , وكانوا مثقلين بالالتزامات من منتجاتهم. وبذلك يظهر مدى التعاسة والبؤس الذي كان يعيشه غالبية شعوب أوربا في القرن الحادي عشر الميلادي وهكذا لما ظهرت الدعوة الصليبية، وجدت هذه الغالبية العظمى فرصتها للخلاص من حياتها الشاقة المليئة بالذل والهوان، ونظروا إلى أخطار الاشتراك في هذا الغزو نظرة هينة أمام ما كانوا يعيشون فيه, فإن ماتوا في هذه الحرب كان لهم الخلاص, وإن نجوا كانت لهم حياة جديدة أفضل مما كانوا عليه (2)، ولقد عرفت الكنيسة كيف تلعب بعقول هؤلاء، وتوغر صدورهم ضد الإسلام وأهله، وخدعتهم بأنهم سيحررون بيت المقدس والقبر المقدس، يباركهم الرب، والبابا، لذلك لم يردعهم رادع عن الذبح والقتل، بل كان قتل المسلم مرضاة ينال عليها الصليبي ثواباً يوم الدينونة (3).

رابعاً: الدافع الاقتصادي:
يعتبر التطلع إلى خيرات المشرق الإسلامي، من أقوى دوافع الحروب الصليبية بعد الدوافع الدينية, وقد عبر البابا (أوربان) نفسه في خطابه عن أهمية العامل الاقتصادي بالنسبة لواقع أوربا آنذاك فقال: لا تدعوا شيئاً يقعد بكم .. ذلك أن الأرض التي تسكنونها الآن -والتي تحيط بها البحار وتلل الجبال- ضيقة على سكانها الكثيرين، وتكاد تعجز عن كفايتهم من الطعام، ومن أجل هذا يذبح بعضكم بعضاً، ويلتهم بعضكم بعضاً .. إن أورشليم أرض لا نظير لها في ثمارها بل هي فردوس المباهج (4). وإن جميع الوثائق تشير إلى سوء الأحوال الاقتصادية في غرب أوربا في أواخر القرن الحادي عشر، وكانت فرنسا بالذات تعاني من مجاعة شاملة قبيل الحملة الصليبية الأولى، ولذلك كانت نسبة المشاركين منها تفوق نسبة الآخرين، فقد كانت الأزمة طاحنة حيث ألجأت الناس إلى أكل الحشائش والأعشاب، وبذلك جاءت هذه الحرب لتفتح أمام أولئك الجائعين بابا جديدًا للخلاص من أوضاعهم الصعبة وهذا ما يفسر أعمال السلب والنهب للحملة الأولى ضد الشعوب النصرانية التي
_________
(1) الجهاد والتجديد، ص 84.
(2) تاريخ الوطن العربي والغزو الصليبي، ص 24.
(3) أثر الشرق الإسلامي د. عبد الله الربيعي، ص 138.
(4) المصدر نفسه، ص 34.
(1/442)

مروا في أراضيها (1)،
كذلك اشترك عدد كبير من تجار المدن الإيطالية والفرنسية والإسبانية في الحروب الصليبية بغرض استغلالي بحت من أجل السيطرة على الطرق التجارية للسلع الشرقية التي أصبحت مصدر ثراء للمشتغلين بها، لذلك قامت أساطيلهم بدور فعال في الاستيلاء على المراكز الرئيسية في الشام، فساعد الجنوية الفرنج في الاستيلاء على أنطاكية سنة 490هـ - 1097م، وأسهم البنادقة بعد ذلك بعامين في استيلاء اللاتين على بيت المقدس، وكان هدف هذه الجاليات الأول والأخير هو الربح الكسب المادي, ولم يكن يعنيها الباعث الديني إلا بالقدر الذي يحقق مصالحها، ويكفي أن نعرف أن شعار البنادقة الذين عرفوا به وقتذاك كان: لنكن أولاً بنادقة ثم لنكن بعد ذلك مسيحيين (2)، ولذلك قامت جمهوريات إيطاليا (جنوة - بيزا - البندقية) بعقد معاهدات مع أمراء الصليبيين بالمشرق حصلت بمقتضاها على امتيازات اقتصادية مهمة (3).

خامساً: تبدل ميزان القوى في حوض البحر المتوسط:
أصبح ميزان القوى منذ أواسط القرن الخامس الهجري (الحادي عشر للميلاد) لصالح الغرب الأوربي مركز الحركة الصليبية، فضعف الدولة البيزنطية وترنحها تحت ضربات السلاجقة القوية جعلها تسارع إلى الاستنجاد بأوربا الغربية من ناحية، ثم اختلال أوضاع المسلمين في الجناح الغربي من العالم الإسلامي خاصة في الأندلس وصقلية، وما قابل ذلك من تيسير أسباب القوة والظهور لدى أعدائهم، مما جعل الغرب الأوربي يرفد النصارى الإسبان بشتى صنوف الدعم والمساندة في صراعهم مع مسلمي الأندلس، وتسليط النورمان على صقلية، الأمر الذي أجبر مسلمي الأندلس على الاستنجاد بالمرابطين، ومسلمي صقلية على الاستنجاد بإفريقية من ناحية ثانية. كل ذلك أدى إلى دخول الحركة الصليبية في طورها الجديد الذي اتخذ صفة العالمية (4). وكانت البابوية تدعم هذه الحرب بالموافقة والتوجيه والدعاية والدعم المعنوي، فهذه حروب صليبية متقدمة على إعلان البابا أوربان الثاني بدء الزحف الصليبي إلى المشرق سنة 488هـ - 1095م (5).
وتعتبر إفريقية بمدلولها التاريخي أحد هذه الميادين في الصراع الصليبي، فقد كانت الجبهة الإفريقية ميدانا نشطت فيه قوى العدوان الصليبي لعدة قرون، يتمثل ذلك في حملات عديدة وجهت إليها الواحدة تلو الأخرى، ولم تفتر
_________
(1) الحركة الصليبية, د. سعيد عاشور (1/ 30 - 32).
(2) الحروب الصليبية, المقدمات السياسية, د. علية الجنزوري، ص 249.
(3) الجهاد والتجديد، محمد حامد الناصر، ص 83.
(4) الحروب الصّليبية في شمال إفريقية، ص 11 - 13.
(5) المصدر نفسه، ص 12.
(1/443)

للصليبيين في ذلك همة, ولم يوهن الفشل لهم عزيمة، فكما أن بلدان المغرب الإسلامي كانت أول من اكتوى من البلاد الإسلامية بنار الاستعمار الأوربي الحديث، كانت بلدان الجناح الغربي من العالم الإسلامي ومن ضمنها إفريقية هي التي تلقت الضربات الأولى للصليبيين، والسبب في ذلك يعود إلى عدة اعتبارات جغرافية وتاريخية من أهمها قربها الشديد من غرب أوربا مركز الحركة الصليبية, ومعرفة الأوربيين الواسعة نسبياً لأوضاع المسلمين في هذه المنطقة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً لسهولة الاتصال بين الطرفين، ثم الحقد الشديد الذي كان يكنه الأوربيون للمسلمين المغاربة (1)،
وبالذات لكونهم هم الذين تولوا عبء الجهاد في أوربا أكثر من غيرهم من المسلمين، وما كان يشعر به الأوربيون من خطر هؤلاء إذ تهيأت لهم الوحدة والقيادة المخلصة، لكل ذلك كانت أوربا تتربص بمسلمي هذه المنطقة الدوائر, وتتحفز للوثوب عليهم منتظرة الفرصة المناسبة، وأخذت هذه الفرصة التي طالما انتظرها محركو قوى العدوان الصليبي تتهيأ منذ أواسط القرن الخامس الهجري (الحادي عشر للميلاد)، إذ أصاب الجناح الغربي من العالم الإسلامي من التمزق ما جعله يسير بخطى حثيثة نحو التردي إلى الهاوية، ولم يكن وضع إخوانهم في المشرق بأحسن حالاً منهم، فكان هذا التمزق وافتراق الكلمة هو السبب الأهم في البلاء الذي نزل بالمسلمين في المشرق والمغرب على حد سواء, وما أشبه اليوم بالأمس، لقد كان ولا يزال تفرق العرب والمسلمين هو الباب الواسع الذي يدخل إليهم أعداؤهم منه لضربهم في عقر ديارهم، فكان أن انطلقت القوى الصليبية في موجة عاتية تضرب المسلمين في ثلاث جبهات في آن واحد في الأندلس وصقلية وإفريقية (2).
أ- الأندلس: فقد شهدت الجبهة الأندلسية منذ أواسط ذلك القرن نشاطاً ملحوظاً تمثل في شن هجوم قوي مستمر من قبِل النصارى الإسبان بزعامة مملكة قشتالة على مسلمي الأندلس، حيث أخذت المدن والمعاقل الإسلامية تسقط في أيديهم تباعاً، وأحرزوا النصر على المسلمين في معارك عديدة, وتوجت تلك الانتصارات بسقوط مدينة طليطلة سنة 478هـ في يد ألفونسو السادس ملك قشتالة, تلك الكارثة التي روعت العالم الإسلامي بأسره. وحيال هذا الضغط المتواصل من النصارى الإسبان اضطر مسلمو الأندلس إلى الاستنجاد بالمرابطين من العدوة المغربية، فكانوا يرسلون الاستغاثة تلو الأخرى لهذه القوة الفتية، حتى إذا ما قضى أميرها يوسف ابن تاشفين على جيوب المقاومة لدولته في المغرب عبر البحر إلى الأندلس بجموع غفيرة حيث
_________
(1) كلمة المغاربة كانت تطلق على سكان المغرب الإسلامي بأسره, والذي كان يضم الأندلس والجزر الإسلامية غرب المتوسط إلى جانب أقطار المغرب العربي، وليس كما درج في العصر الحديث بقصرها على أهل المغرب الأقصى.
(2) الحروب الصليبية في شمال إفريقيا، ص 13.
(1/444)

التقى بألفونسو السادس في معركة الزلاقة سنة 479هـ التي سطر المرابطون ومن ساعدهم من الأندلسيين بانتصارهم الرائع فيها صفحة مشرقة في تاريخ الجهاد الإسلامي، وانتصار المسلمين في تلك المعركة أوقف المد المسيحي الإسباني حتى تهيأت له ظروف أخرى فيما بعد.
ب- صقلية: وأما الجبهة الصقلية فقد أدى ظهور النورمان كقوة جديدة في ميدان السياسة الدولية إلى تغير ميزان القوى في غرب المتوسط لصالح القوى النصرانية، إذ ما كاد هؤلاء القادمون الجدد يجدون موطئ قدم لهم في جنوب إيطاليا ويحصل جيسكارد أكبر زعمائهم على اعتراف البابا نقولا الثاني به في مؤتمر ملفي سنة 1059م, وأعلن عن مشروعه في توجيه قواه ضد مسلمي صقلية إرضاء للبابوية التي كانت ترى في ذلك تحقيقاً لأهدافها الصليبية من ناحية وإبعاداً للخطر النورماني عن ممتلكاتها من ناحية أخرى، فشجعت هذا المشروع، وكدليل على موافقتها وتشجيعها أرسل البابا إلى جيسكارد راية مقدسة لينال هو وجنده ببركتها النصر على المسلمين, وأصر على أن الفتوحات المرتقبة من أجل المسيح عليه السلام هي أكثر أهمية من إرسال الهدايا إلى روما (1)، وتم الاستيلاء على الجزيرة في سنة 484هـ في عهد رجار الأول ثم وثبت قواته على مالطة في العام التالي واحتلتها وأخذ يتحين الفرصة للانقضاض على إفريقية (2).
جـ- إفريقية: وأما الجبهة الإفريقية، فقد نالت حظها هي الأخرى من العدوان الصليبي في تلك الآونة بفعل قوة ناشئة هي المدن البحرية الإيطالية، فقد استغلت هذه المدن غياب القوى البحرية القديمة المتمثلة في الأسطولين الإسلامي والبيزنطي عن مياه البحر الأبيض المتوسط منذ أوائل ذلك القرن لانشغال كلا الطرفين بمشاكله الداخلية، وأخذت أساطيلها تمخر مياه ذلك البحر القريبة من الشواطئ الأوربية أولاً خوفاً من أسطول مجاهد العامري صاحب دانية الذي استطاع تجميد نشاطها لفترة من الوقت حتى إذا ما تمكنت من إزالة ذلك الخطر بدأت منذ أواسط القرن المذكور تجوب مياه البحر الأبيض المتوسط شرقاً وغرباً، وقد وضعت هذه المدن قوتها البحرية في خدمة الأهداف الصليبية منذ البداية لتحقيق مكاسب خاصة بها, فبتشجيع البابا لاون التاسع استولى تحالف من جنوة وبيزا على جزيرة سردينيا الإسلامية سنة 442هـ- 1063م حيث خرب أرباضها وميناءها وغنم غنائم كبيرة، وكما اشتركت هذه الأساطيل في حروب الجبهة الصقلية اشتركت في حروب الجبهة الأندلسية، فأسهمت في مطاردات المسلمين الأندلسيين عن طريق البحر وأخذت نصيبها من الغنيمة، وفرضت حصاراً بحرياً على المرية حتى دفعت لها تلك المدينة فدية ضخمة تقدر بمبلغ 113 ألف دينار ذهبي،
_________
(1) الحروب الصليبية في شمال إفريقية، ص 14.
(2) المصدر نفسه، ص 15.
(1/445)

كما أجبرت بلنسية على دفع إتاوة مماثلة تقدر بمبلغ 20 ألف دينار ذهبي لتفتدي نفسها بذلك من النهب والسلب (1)، وهاجمت الجزائر الشرقية (جزر البليار) عدة مرات.
ونتيجة لذلك، أصبحت القوة البحرية الإيطالية هي المتحكمة في مياه البحر الأبيض المتوسط مما دفعها إلى مزيد من المغامرة، فوجهت نشاطها إلى إفريقية التي كانت لا تزال تحتفظ بقوة بحرية بمد يد المساعدة لإخوانهم في صقلية أو غيرها من ناحية ثانية، ثم لتحقيق أهداف الحركة الصليبية في إفريقية من ناحية ثالثة، فقامت قوة بحرية ضخمة مكونة من أسطولي جنوة وبيزا مدعومة بفرق من مدينة أمالفي وقوة عسكرية أخرى أمدهما بها البابا بمهاجمة مدينة المهدية 480هـ/1087م أي بعد الاستيلاء على طليطلة بعامين وقبيل الاستيلاء الكامل على صقلية واستولت عليها باستثناء قلعتها، وظلت في يدها إلى أن دفع صاحبها تميم بن المعز للقوى المتحالفة فدية مالية ضخمة وعقد مع الغزاة معاهدة نصّ أحد بنودها على تعهد تميم بعدم التعرض للسفن الإيطالية في المياه الإفريقية، ومنحهم امتيازات تجارية في بلاده, كما سيذكر في موضعه.
ومما تقدم يتضح أن هذا الهجوم الصليبي على القسم الغربي من العالم الإسلامي منذ أواسط القرن الخامس الهجري (الحادي عشر للميلاد) والذي كانت تدير دفته البابوية قد احتدم في ثلاث جبهات كانت إفريقية إحداها, ولا شك أن هذا الهجوم كان وجهاً من أوجه الحركة الصليبية، وهذا يؤكد أن الحروب الصليبية بدأت في إفريقية قبل الزحف الصليبي إلى المشرق، ويؤكد هذه الحقيقة ما ذكره ابن الأثير في حوادث سنة 491هـ إذ يفهم من النص الذي أورده أن تلك الحوادث كانت مترابطة يحركها محرك واحد وأنها كانت بداية لموجة الحروب الصليبية في ذلك الطور من أطوار الحركة الصليبية إذ يقول: كان ابتداء ظهور دولة الفرنج واشتداد أمرهم وخروجهم إلى بلاد الإسلام واستيلائهم على بعضها سنة ثمان وسبعين وأربعمائة فملكوا طليطلة وغيرها من بلاد الأندلس .. ثم قصدوا سنة أربعة وثمانين وأربعمائة جزيرة صقلية وملكوها .. وتطرقوا إلى إفريقيا فملكوا منها شيئاً وأخذ منهم - ثم ملكوا غيره على ما تراه - فلما كان سنة تسعين وأربعمائة خرجوا إلى بلاد الشام (2)، وعلى الرغم من اتجاه معظم قوى الحركة الصليبية إلى المشرق، إلا أن ذلك لم يمنع من بقاء فكرة احتلال إفريقية ماثلة في أذهان ذوي الأفكار الصليبية, وبقي تطلع النورمان للاستيلاء عليها قائماً حتى تم لهم ذلك في عهد رجار الثاني حيث استولى على معظم سواحلها من طرابلس
_________
(1) القوى البحرية والتجارية في البحر المتوسط, أريبالد لويس، ص 372.
(2) الكامل في التاريخ نقلاً عن الحروب الصليبية في شمال إفريقيا، ص 17.
(1/446)

شرقاً إلى مدينة تونس غرباً في سنة 543هـ/1148م، فكانت الحرب الصليبية مشتعلة في الجبهة الإفريقية أثناء احتدامها في جبهة المشرق، وبقي الوجود النورماني ماثلاً فيها حتى قام عبد المؤمن بن علي زعيم دولة الموحدين بطردهم من المهدية آخر معاقلهم فيها سنة 555هـ/1160م (1)،
وعندما حدث نوع من تبدل ميزان القوى في المغرب الإسلامي نجد ذلك ساهم في جبهة المقاومة الإسلامية في المشرق في عهد نور الدين محمود زنكي وصلاح الدين الأيوبي، كما سيأتي بيانه بإذن الله في دراستنا عن الزنكيين والأيوبيين.

سادساً: استنجاد إمبراطور بيزنطة بالبابا أوربان الثاني:
استنجاد الإمبراطور الكسيوس كومنين (1081 - 1118م) ضد السلاجقة، لم يكن في الحقيقة الأول من نوعه بل سبقه استنجاد الإمبراطور (ميخائيل السابع) بالبابا (جريجوري السابع) عقب موقعه ملاذكرد 463هـ السالفة الذكر، فالمعروف أن الحرب على الترك كانت من الأغراض التي تنطوي عليها الدعوة البيزنطية، فالأناضول يعتبر أكثر أهمية من بيت المقدس عند الدولة البيزنطية (2)، ولذلك لما أصبحت عاصمة البيزنطيين مهددة من قبل السلاجقة كان لزاماً على الإمبراطور أن يستنجد بالغرب في مقابل اتحاد الكنيستين الشرقية والغربية، وقد أرسل البابا جريجوري السابع إلى الإمبراطور ميخائيل السابع رداً مرضياً بدافع العاطفة المسيحية من جهة، وبدافع سياسي من جهة أخرى، فما يحشده من جيش سوف يقضي على الانشقاق بين الكنيستين, ويزيد من نفوذ البابوية في الشرق مثلما زاد في الغرب.
غير أن الحرب التي نشبت بين (جريجوري السابع) والامبراطور (هنرى الرابع) منعته في المضي في مشروعه ولما خلف الإمبراطور (الكسيوس كومنين) الإمبراطور ميخائيل السابع, بعث برسالة إلى البابا أوربان الثاني وإلى كبار رجال الإقطاع سنة 487هـ يدعوهم لإرسال المساعدات لنجدة إخوانهم في الشرق وحماية القسطنطينية ضد الخطر السلجوقي (3)، ولقد كان (الكسيوس) يرغب في أن يبعث له الغرب ببعض الجند المرتزقة ولكن البابا أوربان لم يشأ أن يجعل نفسه في خدمة الدولة البيزنطية، بل أراد أن تتولى البابوية تقديم المساعدة للمسيحيين في الشرق، وهذا التغيير في الفكرة يؤدي إلى أن يحشد العالم المسيحي اللاتيني جيشاً ضخماً، لا أن يبعث بجنود مرتزقة تخضع لأهواء الأمراء، وأشار هذا الاختلاف في التفكير إلى المتاعب منذ البداية مما أساء العلاقات بين البيزنطيين والصليبيين. والثابت تاريخياً أن المسئول الأول عن قيام الحركة الصليبية هو البابا أوربان الثاني، فهو الذي أنذر بقيام تلك
_________
(1) الحروب الصليبية في شمال إفريقية، ص 18.
(2) الحروب الصليبية, د. علية الجنزوري، ص 253.
(3) العرب والروم اللاتين (1/ 150).
(1/447)

الحروب (1) يؤيده في دعواه الجهاز الكنسي في الغرب، وينسب إليه جميع المؤرخين اللاتين المعاصرين له، الدور الرئيسي في تحقيق هذه الفكرة (2).

سابعاً: شخصية البابا أوربان الثاني ومشروعه الشامل للغزو الصليبي:
ولد أوربان الثاني عام 427هـ/1035م في شاتيون سير مارن واسمه أودو، وقد درس على يدي القديس برنو الذي أسس نظام الكارسوسيين, وفي عام 461هـ/1068م أصبح راهباً في دير علوني بالقرب من ماكون، وقد التحق بخدمة البابا المتسلط المؤمن إيماناً راسخاً بتفوق البابوية على الإمبراطورية ونعني به جريحوري السابع وتم تعيينه كاردينالا أسقفاً لاوستياً في عام 473هـ/1080م، وخدم الكنيسة في ألمانيا خلال المرحلة من 477هـ/1084م، وقد ساند على نحو شرعي البابا جريجوري السابع في خلال صراعه مع الإمبراطور هنري الرابع، وقد ارتبط أوربان الثاني بسينودس (مجمع كنس) في ساكسوني الذي عقد عام (478هـ/1085م) , وعند وفاة البابا فيكتور الثالث في 16 سبتمبر 1087م في مونت كاسينو تمت السيطرة على روما عن طريق كايمنت الثالث، وتم انتخاب أوربان الثاني بعد تأخير طويل في تراكينا إلى الجنوب من روما بالقرب من جايثا وحمل اسم أوربان الثاني (481 - 493هـ/1088 - 1099م) (3). ونلاحظ من خلال سيرة هذا الرجل أنه اتسم بالنشاط الوافر، وإحكام سيطرته على كل مناطق نفوذ الكنسية الأم، ولعل موقفه من إسبانيا يمثل لنا بعدًا مهمًا، فقد أيد ذلك البابا الحرب ضد المسلمين وعندما أمكن للإسبان إخضاع بعض المناطق التي كانت من قبل تحت سيادة أعدائهم سارع البابا بجعلها ضمن نفوذ كنيسة روما.
ولا شك أن أوربان الثاني في دعمه الحرب ضد المسلمين هناك كان يسير على خطى وهدى البابا ألكسندر الثاني، وهذا يؤكد لنا على حقيقة محورية وهي وجود استراتيجية عليا للبابوية في روما تتجه نحوها وتنفذها بحرص في القرن الحادي عشر الميلادي/ الخامس الهجري على نحو خاص بغض النظر عن تغير وتقلب البابوات، وأهم ملامح هذه الاستراتيجية هي توسيع نفوذ كنيسة روما، وتوحيد الكنائس، ومحاربة الإسلام أينما وجد باعتباره العدو اللدود الذي لا مناص من مواجهته ومحاولة الانتصار عليه بأي ثمن (4)، ومن الملاحظ أن من خلال الاستغاثات البيزنطية المتعددة، وانشغال من سبق أوربان الثاني بأمور متعددة، جاءت الفرصة السانحة لهذا البابا، وفي مجمع بياكنزا بإيطاليا في
_________
(1) الحروب الصليبية، علية الجنزوري، ص 254.
(2) المصدر نفسه، ص 254، العرب والروم اللاتين (1/ 56).
(3) الحرب الصليبية .. العلاقات بين الشرق والغرب، محمد مؤنس، ص 63.
(4) المصدر نفسه ص 65.
(1/448)

مارس 1095م- 488هـ اتجه إلى الاستجابة لدعوة الإمبراطور الكسيوس الأول كومنيونوس (474 - 512هـ) (1081 - 1118م) غير أن مجمع بياكنزا أخفق فيه البابا في الدعوة لشن حرب صليبية ضد المسلمين في الشرق (1).
أ- أوربان الثاني يعقد مجمعاً كنسياً في جنوب فرنسا: إن إخفاق مجمع بياكنزا لم يثن ذلك البابا العنيد الطموح عن تحقيق هدفه بكل الوسائل الممكنة، وقد اتجه إلى بلاده الأصلية فرنسا من أجل معاونته على نجاح مشروعه المرتقب، وقد دل ذلك الاختيار على ذكائه خاصة أن جنوب فرنسا التقليدي المحافظ كان بمثابة منطقة تماس مع الحرب التي شنها الإسبان ضد المسلمين في إسبانيا، بالإضافة إلى أن مجرد طرح الفكرة على الأرض الفرنسية كان من الممكن أن يحقق نجاحاً فورياً من خلال أنها الموطن الأصلي للبابا، وهو أدرى بشعابها، خاصة أنها - في نفس الحين - ذات تاريخ خاص مع الإسلام خلال معركة بواتيه المعروفة لدى المسلمين بمعركة بلاط الشهداء عام (114هـ - 732م) والتي هزم فيها المسلمون وتم وقف المد الإسلامي وإعاقته عن الامتداد فيما وراء جبال البرانس، وسوف ندرك من خلال تحليل خطاب البابا في مجمع كليرمونت أن كل تلك الزوايا، لم تغب عن ذهن ذلك الرجل الحاد الذكاء، القوي الإرادة منذ أن تربى في أحضان حركة الكارسوسيان الرهبانية الصارمة، مهما يكن من أمر، فإن البابا اتجه إلى كليرمونت فران بجنوب فرنسا
وعقد مجمعاً كنسياً هناك, وفي اليوم العاشر عقد المجمع الذي تناول فيه العديد من القضايا
التي تهم الكنيسة: ألقى البابا على مستمعيه خطاباً بالغ الأهمية والخطورة وذلك في يوم 27 نوفمبر 1095م (2).
ب- الخطبة التي ألقاها أوربان الثاني: كان للخطبة التي ألقاها البابا أوربان الثاني في المجمع الديني الذي انعقد في كليرمونت عام 488هـ / 1095م أثرها البالغ في نفوس المسيحيين المجتمعين في هذا المجتمع فقد ألهبت حماسهم وأصابتهم بحالة عبر عنها المؤرخ جوستان لوبون في كتابه (حضارة العرب): بأنها نوبة حادة من الجنون (3)، إذ قال البابا: يا شعب الفرنجة، يا شعب الله المحبوب المختار، لقد جاءت من تخوم فلسطين، ومن مدينة القسطنطينية أنباء محزنة تعلن أن جنساً لعيناً أبعد ما يكون عن الله قد طغى وبغى في تلك البلاد، وبلاد المسيحيين في الشرق، وقلب موائد القرابين المقدسة، ونهب الكنائس وخربها
_________
(1) الحروب الصليبية, العلاقات بين الشرق والغرب د. محمد مؤنس، ص 65.
(2) المصدر نفسه، ص 66.
(3) حضارة العرب نقلاً عن دور الفقهاء والعلماء المسلمين في الشرق الأدني.
(1/449)

وأحرقها، وساقوا بعض الأسرى إلى بلادهم، وقتلوا بعضهم الآخر بعد أن عذبوهم أشنع تعذيب، ودنسوا الأماكن المقدسة برجسهم، وقطعوا أوصال الإمبراطورية البيزنطية، وانتزعوا منها أقاليم بلغ من سعتها أن المسافر فيها لا يستطيع اجتيازها في شهرين كاملين.
على من أذن تقع تبعة الانتقام لهذه المظالم، واستعادة تلك الأصقاع إذا لم تقع عليكم أنتم؟ أنتم يا من حباكم الله أكثر من أي قوم آخرين بالمجد في القتال، وبالبسالة العظيمة وبالقدرة على إذلال رؤوس من يقفون في وجوهكم؟ ألا فليكن من أعمال أسلافكم ما يقوي قلوبكم - أمجاد شارلمان وعظمته، وأمجاد غيره من ملوككم وعظمتهم، فليثر همتكم ضريح المسيح المقدس ربنا ومنقذنا - الضريح الذي تمتلكه الآن أمم نجسة، وغيره من الأماكن المقدسة التي لوثت ودنست - لا تدعوا شيئا يقعد بكم من أملاككم أو من شئون أسركم، ذلك بأن هذه الأرض التي تسكنونها الآن والتي تحيط بها من جميع جوانبها البحار، وتلل الجبال، ضيقة لا تتسع لسكانها الكثيرين، تكاد تعجز عن أن تجود بما يكفيكم من الطعام، ومن أجل هذا يذبح بعضكم بعضاً، وتتحاربون, ويهلك الكثيرون منكم في الحروب الداخلية. طهروا قلوبكم إذن من الحقد، واقضوا على ما بينكم من نزاع, واتخذوا طريقكم إلى الضريح المقدس، وانتزعوا هذه الأرض من ذلك الجنس الخبيث وتملكوها أنتم، إن أورشليم أرض لا نظير لها في ثمارها, هي فردوس المباهج. إن المدينة العظمى القائمة في وسط العالم تستغيث بكم أن هبوا لإنقاذها. فقوموا بهذه الرحلة راغبين متحمسين تتخلصوا من ذنوبكم، وثقوا بأنكم ستنالون من أجل ذلك مجداً لا يفنى في ملكوت السموات (1). وهكذا كان لهذه الكلمات الحماسية التي ألقاها البابا أوربان الثاني أثرها البالغ في نفوس المسيحيين المجتمعين فبعد أن أنهى البابا خطبته مباشرة صاح المجتمعون صيحة رجل واحد قائلين: هكذا أراد الله (2).
ولم يكد البابا أوربان الثاني ينتهي من خطابه هذا، حتى نهض إليه الأسقف أدهمير دي مونتيل، وركع أمام قدمي البابا، والتمس منه الإذن بأن يلحقه بالحملة المقدسة، وأمام هذا الموقف المؤثر تحركت مشاعر المجتمعين وتدافعوا بالمئات يركعون أمام البابا مثل أدهمير في حماس منقطع النظير وحملوا الصلبان وحلفوا جميعاً على تخليص المدينة المقدسة، ويعقب المؤرخ المعاصر للأحداث وهو - روبرت الراهب - فيقول: ياله من عدد كبير من الناس، من كل الأعمار ومن مختلف المستويات الذين تقلدوا الصلبان خلال مجمع كليرمونت، وقد حلفوا على
_________
(1) قصة الحضارة (15/ 15، 16) , وثائق الحروب الصليبية، ص 99 - 100.
(2) دور الفقهاء والعلماء المسلمين في الشرق الأدنى، ص 237.
(1/450)

تخليص المدينة المقدسة. وقد وصل عددهم إلى 300 ألف (1). وإزاء هذا الموقف من المتحمسين لأدهمير عينه البابا أوربان الثاني ممثلاً شخصياً ونائباً عنه ليوضح للجميع أن الحملة تحت إشراف الكنيسة، بل تحت إشرافه هو مباشرة (2).
جـ - ما يستنتج من خطاب البابا أوربان الثاني؟ قام الدكتور محمد مؤنس عوض بدراسة واعية للحروب الصليبية واستفاد من مراجعهم وقام بتحليل لخطاب البابا من خلال أربعة نصوص لأربعة من المؤرخين المعاصرين، هم فوشيه الشارترى، وروبير الراهب, وجوبرت النوجتي, ويودريك الدولى، وهناك تصور بأن فوشيه الشارترى كان من بين الذين حضروا مجمع كليرمنت، وبصفة عامة، من الممكن عقد مقارنة بين النصوص الواردة في مؤلفات المؤرخين الأربعة من أجل التوصل إلى حقيقة ما أعلنه البابا في خطبته الشهيرة، وعند مقارنة تلك النصوص يمكن استنتاج الآتي:
- وجه البابا حديثه إلى جنس الفرنجة من أجل التركيز على البعد الإثني أو العرقي، وأوضح أن الله قد ميزهم بموقع بلادهم، وبعقيدتهم الكاثوليكية، وعمل على تذكيرهم بالبعد التاريخي من خلال أمجاد شارل مارتل وشارلمان وما قدماه للمسيحية من خدمات جليلة، على نحو عكس أهمية حافز «الذاكرة التاريخية» في تشكيل تلك الظاهرة التاريخية الكبرى (3).
- أشار البابا إلى أن هناك أخباراً مؤسفة ومزعجة قدمت من الشرق مفادها أن جنساً ملعوناً وهم عرق ملعون غريب تماماً عن الله وهم حقاً جيل لم يتوجه بقلبه أو يعهد بروحه إلى الله (4)، ويقصد بذلك الأتراك السلاجقة، ذبحوا المسيحيين الشرقيين، وحولوا الكنائس إلى أسطبلات لخيولهم وأن دماء أولئك المسيحيين تنادي مسيحيي الغرب من أجل إنقاذهم من براثن أعدائهم الكفار.
- عمل البابا على إثارة مطامع سامعيه في ثروات الشرق فأوضح أن الأرض في الغرب الأوربي ولاسيما في فرنسا ضاقت بسكانها، وطلب من الناس الذهاب إلى الشرق حيث أرض كنعان التي تفيض لبناً وعسلاً وفي ذلك الدليل الجلي الذي لا يقبل ارتياب مرتاب على أن البعد الاقتصادي للحركة الصليبية، قد تم الإعلان عنه بصراحة كاملة منذ اللحظات الأولى لميلادها.
_________
(1) دور الفقهاء والعلماء المسلمين في الشرق الأدنى، ص 237.
(2) الحرب الصليبية، حسن حبشي, ص 51 دور الفقهاء، ص 238.
(3) الحروب الصليبية .. العلاقات بين الشرق والغرب، ص 67.
(4) الحروب المقدسة. الحملات الصليبية وأثرها على العالم اليوم, كارين أرمسترونغ، ص 35.
(1/451)

- وعد البابا كل من يحمل السلاح ويتجه إلى الشرق بأن تغفر ذنوبه وآثامه وبمعنى آخر قدم لهم الغفران الكنسي، أما إذا استشهد المرء في سبيل تحقيق هدفه فإنه يعد شهيداً من شهداء المسيحية الأبرار, وجميعها مغريات مهمة في عصر سادته ظاهرة الهوس الديني العاطفي في العالم المسيحي الأوربي.
- اتجه البابا إلى الإشارة إلى بيت المقدس، وهي الجنة الأرضية قلب العالم، التي شهدت ميلاد السيد المسيح وطهرها بموته, وذكر لمستمعيه أنها تناديكم من أجل تخليصها من براثن محتليها من الكفار، وأود أن أقرر هنا أن تلك المدينة مثلت محوراً على قدر عظيم من الأهمية من أجل إثارة الشعور الديني لدى مستمعي البابا, وفي أغلب النصوص التي وردت إلينا بشأن الخطاب المذكور نجد أن بيت المقدس تحتل مكاناً بارزاً ومحورياً، وهو أمر منطقي تماماً من خلال مكانتها وقداستها الدينية، كذلك أنها مثلت الحلم الجماعي الخاص بالحج المسيحي في ذلك العصر.
- حرص البابا على تدعيم خطابه بعدد من النصوص الواردة في الكتاب المقدس من أجل إثارة الشعور الديني لمستمعيه، أو ربما من أجل أن يعطي لخطابه قداسة خاصة مثل عبارات ذلك الكتاب في العقل الجمعي الأوربي في ذلك العصر، ومن أمثلة ذلك العبارة الواردة في إنجيل متى وهي: من أحب أباً وأمًّا أكثر منى فلا يستحقني، ومن أحب ابناً أو ابنة أكثر مني فلا يستحقني (1). كذلك العبارة القائلة: من لا يأخذ صليبه ويتبعني فلا يستحقني (2). والتي وردت في نفس الأنجيل المذكور.
- ترتيب الأولويات عند البابا أوربان الثاني: كان البابا أوربان الثاني بارعاً في عرض أفكاره وكذلك في إخفاء بعضها، وقد ركز على أمر بيت المقدس حتى يقدم طريقاً واحداً على الغرب الأوربي السير فيه دون تردد ويخلق لمعاصريه (وحدة الهدف) من خلال وحدة المؤسسة الدينية الداعية له في صورة البابوية، وعلى هذا الأساس، لم يرد في الخطاب المذكور أية عبارات عن رغبته العارمة في توحيد الكنائس وإخضاع كنيسة القسطنطينية لسيطرة الكنيسة الأم في روما, كذلك لم يرد فيه ما يدل على الهدف التنصيري وهو هدف محوري للبابوية من خلال المشروع المرتقب، وتعليل ذلك الإخفاء يكمن في أن البابوية أدركت أن هناك أولويات في طرح المشروع ينبغي عدم تخطيها، وأن وحدة العالم المسيحي تتطلب عدم تشعيب الأهداف وطرحها حتى لا يغيب الأمر منذ اللحظات الأولى، ويلاحظ هنا أن لغة
_________
(1) الحروب الصليبية .. العلاقات بين الشرق والغرب، ص 68.
(2) الكتاب المقدس العهد الجديد، متى، الإصحاح م 10، 27، 28.
(1/452)

البابوية في الخطاب ذات طابع متكتم في عرض الأهداف الأخرى لها، أما فيما بعد نجاح المشروع والاستيلاء على الرمز الديني المسيحي في صورة بيت المقدس، وجدنا - والأمثلة هنا أكثر من أن تحصى - الإفصاح عن الأهداف الأخرى بوضوح وصراحة كاملتين, وفي هذا دليل واضح على أن تلك المؤسسة الدينية ذات التأثير الفعال رأت تحقيق أهدافها جزءاً جزءاً وليس دفعة واحدة، وهو أخطر ما في المشروع برمته، وفي تقديري (1)
أن البابا أوربان الثاني لم يغب عن تفكيره ذلك الجانب بحكم أنه المهندس الأول للمشروع والداعي الأصلي لفكرته، وفي واقع الأمر: أن الخطاب الذي القاه البابا في مجمع كليرمونت يعد على جانب كبير من الأهمية التاريخية، فلم نسمع من قبل في تاريخ أوربا القرون الوسطى أن خطاباً كان معبراً عن عصره بمثل هذه الصورة كما لم نسمع عن خطاب حرك الجماهير الأوربية الغفيرة عن مواطنها الأصلية إلى الشرق بمثل تلك الدرجة التي تحدثنا بها المصادر التاريخية المعاصرة، ولذلك لا ننظر إليه على أنه مجرد خطاب عادي، بل أنه إعلان ما يشبه «الحرب العالمية» في العصور الوسطى من جانب الغرب الأوربي ضد الشرق الإسلامي، وذلك دونما مبالغة قولية أو اعتساف في الأحكام، بل من خلال شواهد التاريخ التي وقعت في أعقابه. ويلاحظ أنه في أعقاب إلقاء البابا لخطابه صاح الحاضرون صيحة واحدة وهي: الله يريد ذلك، وكانت صيحة المسيحية لمحاربة الإسلام وأهله، وأتخذوا الصليب شعاراً, ومن هنا كانت تسميتهم بالصليبيين (2).
- قدرة البابا أوربان الثاني على تقديم مشروع عام: استطاع أوربان الثاني أن يوحد شعوب الغرب في مشروع عام على الرغم من أن لغات هذه الشعوب وعاداتها المحلية، واهتمامات أبنائها كانت تختلف اختلافاً بيناً. ولكن الفكرة الصليبية التي جمعت جماهير الغرب الأوربي لم تكن لتنجح لو لم تكن متوافقة مع حركة المجتمع، هذا التوافق بين الفكر والواقع، بين التبرير الأخلاقي للحرب، وحركة المجتمع هو الذي خلق الإيديولوجية التي تحركت الجماهير الأوربية في إطارها، فعلى المستوى الشعبي كان تفكير الناس في أوربا الغربية في القرن الحادي عشر يتوازى مع السياسة البابوية وفكرة الحرب المقدسة إلى حد ما، إذ أن أوربا كانت قد بدأت حركة إحياء دينية مع مشرق شمس القرن الحادي عشر. ومع اقتراب الألف الأولى بعد المسيح من اكتمالها سرت موجة بالإحساس بالذنب والرغبة في التوبة في غرب أوربا، فقد تعمق لدى الإنسان الغربي الشعور بالخطيئة والإحساس بالذنب، والحقيقة أن من يقرأ مصادر تاريخ القرن الحادي عشر في غرب أوربا لا يمكن أن يغفل إصرار الناس في ذلك
_________
(1) الحروب الصليبية .. العلاقات بين الشرق والغرب، ص 68.
(2) المصدر نفسه، ص 69.
(1/453)

الزمان على أن يضمنوا لأنفسهم غفران خطاياهم, وكان هذا نتاجاً للمشاعر الألفية والأخروية التي ملكت على الناس وجدانهم وعقولهم مع توقعاتهم لمجئ الدينونة، وانتشر الوعاظ الجوالون في كل أنحاء الغرب الأوربي يحثون الناس على الزهد والتوبة والتشبه بحياة الفقر التي عاشها الحواريون. وفي غمرة هذا التدين العاطفي الذي حكم تصرفات المجتمعات الغربية سادت مشاعر الكراهية والتعصب ضد أتباع الديانات الأخرى، بل وضد من يعتنقون مذهباً غير المذهب الكاثوليكي.
وثمة دليل قوى على هذا في طيات الملحمة الصليبية المعروفة باسم «أنشودة أنطاكية» التي تعكس، بشكل أمين، روح الانتقام التي سرت في المجتمع الكاثوليكي ضد «الوثنيين المخذولين» - على حد زعمهم - كما أن القصيدة لا تعتبر أن الأمة المعادية للمسيح هم المسلمون فقط، وإنما يصدق هذا الوصف أيضاً على كل من لا يعترفون بعقيدة الكنيسة الكاثوليكية، وهي بهذا تجسد التفكير الشعبي في أوربا القرن الحادي عشر، هذا التفكير الشعبي كان هو الآخر واحداً من ملامح الإيديولوجية العامة التي أفرزت الحركة الصليبية. لقد تمثل نجاح أوربان الثاني في أن خطبته التي دعا فيها إلى الحملة الصليبية كانت بمثابة بؤرة تجمعت فيها كل الأفكار التي مثلت الإطار الإيديولوجي لحركة المجتمع الغربي آنذاك على الرغم من الاختلافات اللغوية والعادات والتقاليد, وهكذا لم تكن استجابة جماهير المستمعين إلى البابا في كليرمونت مجرد رد فعل لبلاغة كلماته، وإنما كانت هذه الاستجابة تعبيراً عن فرحة أولئك المستمعين بالمشروع الذي مس أوتار الآمال التي كانت تداعب كلاً منهم تقريباً، وجاءت الحرب المقدسة ستاراً مدهشاً يمكن للجميع أن يتحركوا من خلاله لضمان تحقيق أحلامهم الدنيوية وخلاصهم الأخروي, وبوسعنا أن نورد عشرات التعبيرات الواردة في المصادر التاريخية والحوليات المعاصرة تصف الصليبيين بأنهم «فرسان المسيح» و «رجال المسيح» أولئك الذين يكونون «جيش المسيح» و «الشعب المقدس» و «شعب الرب» وهي كلها تعبيرات تشير بأن فكرة الحرب الصليبية كانت قد رسخت في الأذهان بحيث كان الناس على اقتناع كامل بأنهم حين يشاركون في هذه الحملة لا يفعلون ذلك استجابة لأوامر أي مخلوق، ولا حتى البابا نفسه، وإنما هم يطيعون الرب (1).
- الاجتماع الاستشاري للبابا بعد خطابه: كان البابا أوربان الثاني يجتمع مع رجال الدين النصراني ويستشيرهم في حشد الطاقات الرسمية والشعبية لغزو المسلمين، فقد اجتمع مع أساقفته وبعد هذا الاجتماع الاستشاري خرجوا بالقرارات الآتية:
1 - كل من ارتكب جرماً يعاقب عليه، يصبح في حل من العقوبة إذا اشترك
_________
(1) الخلفية الإيديولوجية للحروب الصليبية، د. قاسم عبد الله، ص 24، 25.
(1/454)

في هذه الحرب المقدسة.
2 - كل مال من عقار أو متاع يتركه المحارب الذاهب إلى الأرض المقدسة يكون تحت حماية الكنيسة أثناء غيابه .. وترده كاملاً حين يعود المحارب إلى وطنه.
3 - ينبغي لكل مشترك في الحملة أن يحمل علامة الصليب.
4 - على كل من اتخذ الصليب أن يفي بالوعد بالمسير إلى بيت المقدس, فإذا رجع عن عزمه طرد من الكنيسة.
5 - كل بلد يخلص من أيدي الكفار «المسلمين» يجب أن يرد للكنيسة.
6 - ينبغي أن يكون كل فرد جاهزاً لمغادرة وطنه في عيد العذراء.
7 - ينبغي أن تلتقي الجيوش في القسطنطينية. ولقد قام البابا هذا فأرسل أساقفته بهذه القرارات لتبليغها لملوك العالم المسيحي وأمرائه في الغرب (1).
- حملة الدعاية الصليبية: افتتح خطاب البابا أوربان الثاني مرحلة على جانب كبير من الأهمية في صورة الدعاية الصليبية وهي دعاية قامت على أساس الانتقال الشخصي للعديد من المواقع، ومخاطبة قطاعات مختلفة من البشر، وقد كان لها دورها الفعال من أجل إنجاح ذلك المشروع، ومن الممكن ملاحظة أن الحملة الصليبية الأولى - على نحو خاص - تم الإعداد الدعائي لها بمنتهى البراعة والاتقان منذ الخطاب المذكور وفي هذا الصدد تم حشد جيش من الدعاة من أجل مخاطبة كل قطاعات المجتمع الأوربي كل على قدر تصوره، وقد قام البابا أوربان الثاني بعد عقد مجمع كليرمونت بالانتقال إلى مدن تور، وبوردو، ونمييز ومكث تسعة أشهر داعياً لمشروعه الجديد (2)، كذلك فإنه قام بإرسال العديد من الخطابات، من أجل الدعوة لمشروعه الصليبي، ومن ذلك الرسائل التي أرسلها لجميع المؤمنين بالمسيحية في القلاندروز، وكذلك إلى بولونا وقالوا مبروز وكذلك إلى كونتات سردانيا وروسيللون، وبيسالون وامبورياس، ويلاحظ أن الخطابات المذكورة لا يمكن فصلها عن دور البابا في مجمع كليرمنت فهي تكملة ومواصلة حقيقية لدوره الدعائي للحروب الصليبية (3).
- العقلية التنظيمية لأوربان الثاني: ويلاحظ أن الخطابات التي أرسلها البابا من أجل مشروعه الصليبي، تقدم لنا عدداً من التفصيلات التي لم ترد في خطاب كليرمونت ومن بينها تقريره بدور المندوب البابوي أدهيمار أسقف لي بوى، ويذكر ضرورة طاعة أوامره
_________
(1) دروس وتأملات في الحروب الصليبية، ص 18.
(2) الحروب الصليبية .. العلاقات بين الشرق والغرب، ص 69.
(3) المصدر نفسه، ص 70.
(1/455)

كأنها صادرة من البابا شخصياً، كذلك قرر أنه لا يسمح للرهبان أو القساوسة بالاتجاه إلى الشرق إلا بعد الحصول على إذن من أساقفتهم، وكذلك مقدمو الأديرة تجنباً للتمرد والفوضى, وينبغي أن ندرك أن تلك المصادر الوثائقية التي بأيدينا تكشف لنا عن العقلية التنظيمية الدقيقة لأوربان الثاني، ولذلك نراه امتلك رؤية شاملة للمشروع الصليبي - في تلك المرحلة المبكرة على الأقل - وقد حرص الحرص أجمعه على نصيحة من سيشاركون في الرحلة إلى الشرق بضرورة الطاعة العمياء لأوامره، وكذلك أوامر رؤسائهم المباشرين، كما نستشعر أن البابا ألح على فكرة وحدة العالم المسيحي، وكأن ما حدث في الشرق للمسيحيين - في زعم الدعاية الأوربية المغرضة - هو أمر يدخل في صلب اهتمامات قاطن الغرب الأوربي، وأن مساعدة الفرنجة وغيرهم للمسيحيين الشرقيين هو جزء رئيسي من واجباتهم كمسيحيين (1)، على أية حال، فإن الثمرة الطبيعية للدور التنظيمي والتخطيطي والدعائي الذي قام به البابا وكبار رجال الكنيسة الذين معه هي قيام الحرب الصليبية ومما ساعدهم على ذلك اختيار التوقيت المناسب للحرب.
- بطرس الناسك: تأثر بطرس الناسك بخطاب البابا أوربان الثاني وكان له تأثير شديد على كل من يستمع إليه, كان يركب حماراً ينتقل به من بلد إلى آخر، وكان يسير حافي القدمين ويرتدي ملابس رثة، ويتحدث المؤرخ روبرت الراهب عنه فيقول: إن بطرس هذا هو رائد الحرب الصليبية، وإنه كان يفوق في ورعه القسيسين والأساقفة، وكان ممتنعاً عن تناول الخبز واللحم بل جعل غذاءه السمك، وكان لا يسمح لنفسه إلا بقليل من النبيذ وبعض الطعام الغليظ (2). وعلى الرغم من مظهر بطرس الناسك وحالته الرثة إلا أنه كانت له قوة غريبة تثير حماس الرجال والنساء وتجذب الجماهير إليه، فاستطاع أن يجذب وراءه حوالي خمسة عشر ألف شخص من الفقراء الذين كانوا يتبعونه من بلد إلى آخر بحماس شديد على الرغم من أن غالبيتهم كانوا لا يدرون شيئاً عن استعمال السلاح أو الفروسية، بل لم يشتركوا في أي حرب من قبل إلا أن تأثرهم بكلمات بطرس الناسك الحماسية ومظهره جعلهم يندفعون في حماس جارف وراءه دون التفكير في أي احتمالات أخرى، فلقد كانت خطبه نارية ممزوجة بالبكاء والعويل وصب اللعنات على الكافرين، وبوعد الرب للذين يزحفون لإنقاذ قبر المسيح بالمغفرة، وتؤثر فصاحته التمثيلية الخيالية في قلوب الجموع (3). ومما نحب الإشارة إليه أن الوعاظ الذين قاموا بدور مماثل لبطرس الناسك في
_________
(1) الحروب الصليبية .. العلاقات بين الشرق والغرب، ص 70.
(2) دور الفقهاء والعلماء المسلمين في الشرق الأدنى في الجهاد ضد الصليبيين خلال الحركة الصليبية، ص 239.
(3) حضارة العرب نقلاً عن دور الفقهاء والعلماء، ص 239.
(1/456)

التبشير بالحروب الصليبية والدعاية لها إنما كانوا يعدون بالمئات والآلاف (1) , وقد تأثر الناس بهؤلاء الوعاظ.
ويصف المؤرخ بودري بوصفه معاصراً لأحداث هذه الفترة الزمنية أن بعض العامة من المسيحيين كانوا يرسمون على صدورهم علامة الصليب بواسطة الحديد المحمي على النار ليتباهوا بإظهار حماسهم وليوهموا الآخرين بأن هذه العلامات إنما جاءتهم عن طريق معجزة (2). وهكذا انطلق الجميع يتجهزون للذهاب للأراضي المقدسة بالشام بعد تلك الكلمات التي سمعوها، وكان معظمهم يبيعون ما يملكون ليجهزوا أنفسهم للرحيل طمعاً في محو ذنوبهم ورضاء الله عنهم, وكان الآباء سعداء برؤية أولادهم يرحلون، كما كانت الزوجات في غاية الفرح لدى رؤيتهن لأزواجهن وهم يتأهبون للرحيل، فحماس الجميع كان منقطع النظير، واقتناعهم بهذا العمل كان شديداً (3)، وعلى قدر الفرحة الكبيرة التي شعر بها أولئك الذين غادروا بلادهم للالتحاق بالحملة الصليبية الأولى كان الأسى والحزن يخيم على أولئك الذين لم يخرجوا في تلك الحملة (4).
- غفلة المسلمين عما يدبر لهم: كانت الدولة الإسلامية في العهد الأموي مثلاً لها جهاز استخبارات اخترق البلاط البيزنطي, وقد بينت ذلك في كتابي عن الدولة الأموية, وأما بالنسبة لعهد الدولة العباسية فإننا لم نعثر في المصادر الإسلامية على أية خطبة حماسية لأي من الخليفتين العباسي أو الفاطمي كرد فعل على خطبة البابا أوربان الثاني أو على الأقل نشعر من أن المسلمين علموا بما جرى في مؤتمر كليرمونت. ولعل السبب في ذلك يرجع إلى انشغال كل من الدولتين العباسية والفاطمية بالتنازع فيما بينهما ومحاولة كل منهما التغلب على الأخرى لتكون لها السيادة، فظلوا في سبات عميق حتى وصلت الحملة الصليبية الأولى بالفعل إلى بلاد الشام (5)، ولعل ما يؤكد هذا ما جاء في كتابات ابن القلانسي من أن أخبار الصليبيين لم تصل للمسلمين في بلاد الشام إلا في سنة 490هـ/1097م، فيقول في ذلك: وتواصلت الأخبار بهذه النوبة المستبشعة في حق الإسلام فعظم القلق وزاد الخوف والفرق (6)، ومع ذلك فإن رد الفعل الإسلامي الوحيد الذي ظهر قبيل وصول الحملة الصليبية الأولى في بلاد الشام، كان من جهة السلاجقة في آسيا الصغرى عندما استطاعوا القضاء بكل سهولة على القسم الأول من القوات الصليبية المعروفة باسم «حملة العامة» فضلاً عما قاموا به من عمليات دفاعية عن ممتلكاتهم في آسيا الصغرى (7)، كما سيأتي بيانه بإذن الله تعالى.
_________
(1) دراسات في تاريخ العلاقات بين الشرق والغرب، ص 21.
(2) دور الفقهاء والعلماء، ص 240.
(3) دور الفقهاء والعلماء، ص 240.
(4) دور الفقهاء والعلماء، ص 240.
(5) المصدر نفسه، ص 241.
(6) المصدر نفسه، ص 241.
(7) المصدر نفسه، ص 241.
(1/457)

المبحث الثالث
بدء الحرب الصليبية الأولى
بعد خطبة البابا أوربان الثاني في كليرمونت بفرنسا التي دعا فيها إلى الحرب الصليبية، طلب من رجال الكنيسة أن يعودوا إلى بلادهم، كيما يبشروا بالحرب, واجتهد رجال الكنيسة في ذلك وكانت الثمرة الطبيعية للدور الدعائي الكبير الذي قام به البابا ومن وثق فيهم، قيام الحرب الصليبية الأولى والتي انقسمت إلى قسمين، حملة العامة، والثانية حملة الأمراء، واحتلت الحملة الصليبية الأولى بشقيها اهتماماً كبيراً لا نظير له من جانب المؤرخين المعاصرين سواء اللاتين أو البيزنطيون أو المسلمون وكذلك من جانب المؤرخين المحدثين الذين تخصصوا في دراسة الحروب الصليبية, ولعل مرجع ذلك يكمن في النتائج الخطيرة التي نتجت عن تلك الحملة على نحو خاص، حيث أدت إلى تأسيس إمارات صليبية في الشرق طال عمر بعضها إلى قرنين من الزمان (1).

أولاً: حملة العامة الغوغاء:
على إثر دعوة البابا، قامت حركة شعبية ضخمة ارتبطت باسم «بطرس الناسك» الذي بدأ يتجول غرب أوربا، بثيابه الرثة وقدميه العاريتين وحماره الأعرج، يدعو العامة والدهماء، وقد استجابوا له في سرعة غريبة، استجاب له الفلاحون والمعدمون بسبب الظروف القاسية التي كانوا يعيشون فيها، فلا داعي للخوف لديهم من ألموت، وهم في حال أقرب إلى ألموت البطئ فعلاً، ومن ثم ظهر زعيم آخر من زعماء العامة هو «والتر المفلس» وسرعان ما قاد أتباعه عبر «هنغاريا» ثم أراضي الدولة البيزنطية. وفي الطريق إلى بلاد المشرق الإسلامي، اخترقت تلك الجموع الصليبية بلاداً نصرانية فأخذوا ينهبون ويسلبون ويعتدون على الأهالي الآمنين. ورغم كل ذلك فقد رحب الحكام البيزنطيون في أول الأمر في البلقان بتلك الجموع الهائمة، رغم مظهرها الرث، وتنظيمها السيئ وجهل أفرادها بأبسط مبادئ القتال، وشق حملة الصليب طريقهم إلى صوفيا وأدنة حتى بلغوا القسطنطينية في يوليه سنة 1096م وهناك سمح لهم إمبراطور بيزنطة بالانتظار خارج أسوار العاصمة حتى وصول بطرس الناسك، أما بطرس الناسك فقد غادر كولونيا في أبريل عام 1096م على رأس جمع غفير مخترقاً ألمانيا وهنغاريا، وقد أحدثوا مذبحة بين أهالي هنغاريا في بلدة «سملين» أسفرت عن
_________
(1) دور الفقهاء والعلماء، ص 241.
(1/458)

مقتل أربعة آلاف من أهلها الأبرياء وذلك بسبب الحصول على الميرة اللازمة لهم ..
واستمر الغوغاء من أتباع بطرس الناسك، في طريقهم إلى البوسفور ينهبون ويسلبون كل ما يصل إلى أيديهم، حتى وصلوا إلى أسوار القسطنطينية، حيث وجدوا والتر المفلس وجموعه في الانتظار, وهكذا أحس الإمبراطور البيزنطي وشعبه بخيبة أمل واضحة بوصول آلاف الدهماء هؤلاء إلى بلاده، ليحصلوا على الغذاء والكساء، إن لم يكن بالطرق السلمية، فليكن عن طريق السلب والاعتداء على الرعايا الآمنين, ولذلك بدأ الإمبراطور بنقل تلك الجموع إلى الشاطئ الآسيوي للبوسفور، وأشار عليهم بالانتظار قرب البوسفور حتى تصل الجيوش النظامية من الغرب (1)، ونظراً إلى ما اتصفت به الحملة منذ البداية من عدم وجود قيادة موحدة، يُفسَّر ما حدث عقب الانتقال مباشرة إلى آسيا الصغرى، إذ أن جموع الألمان والايطاليين والفرنسيين راحت تتسابق وتتنافس في شن الغارات على المناطق الزراعية، فسلبوا سكان القرى دون تفرقة بين المسلمين والنصارى, واقتربوا من مدينة نيقية عاصمة قلج أرسلان، كما أنهم لم يستجيبوا لنصيحة الأمبراطور البيزنطي بوجوب البقاء في قلعة كيفتوت حيث المعسكر الصليبي وعدم القيام بأي تحرك قبل وصول الحملة النظامية (2)، وقد ابتدأت الاصطدامات الأولى بين الجموع الصليبية والسلاجقة عندما قَرر الصليبيون الزحف باتجاه نيقية، وتجاوز رينالد النورماني هذه المدينة ووصل إلى قلعة أكسيريجون واستولى عليها، واتخذ منها قاعدة انطلاق للإغارة على الأراضي الزراعية المجاورة للقرى القريبة (3). وقد أثارت هذه التعديات حفيظة قلج أرسلان، فأرسل القائد إيلخانوس على رأس جيش كبير لاسترداد القلعة، فضرب الحصار عليها، فاستبد اليأس بالمحاصرين (4)،
وقرَّر رينالد أن يستسلم ففتح أبواب القلعة للجيش السلجوقي بعد أن حصل على وعد من قائده بالإبقاء على حياته إذا اعتنق الإسلام، وسيق رينالد وأتباعه ممن اعتنقوا الإسلام إلى أنطاكية وحلب وخراسان، وقُتل من بقي على نصرانيته (5). بلغت أنباء استيلاء النورمان على القلعة مسامع الصليبيين في كيفيتوت، ولجأ السلاجقة إلى خطة ذكية كي يستدرجوهم إلى كمين سبق إعداده، فأشاعوا نبأ استيلاء القوات النورمانية على نيقية، وأنهم بصدد اقتسام الغنائم (6)، فاشتد الاضطراب في المعسكر، وطلب الجنود السماح لهم بالزحف إلى نيقية ليشاركوا النورمان حصصهم من الغنيمة، وهكذا راحت جموع الصليبيين تتوغل عبر آسيا الصغرى في
_________
(1) الجهاد والتجديد في القرن السادس الهجري، ص 90.
(2) تاريخ سلاجقة الروم في آسيا الصغرى، ص 80.
(3) المصدر نفسه، ص 81.
(4) المصدر نفسه، ص 81.
(5) المصدر نفسه، ص 81.
(6) تاريخ سلاجقة الروم في آسيا، ص 81.
(1/459)

الطريق إلى نيقية وهم على غير تعبئة ودون تقدير لمقدرتهم القتالية، إلى أن جرى اكتشاف صدق ما حاق برينالد، فتحولت الإثارة إلى ذعر (1) , وما إن اقتربت هذه الجموع البالغ عددها نحو عشرين ألفاً، من رافد نهر داركون، حتى تلقَّفتهم القوات السلجوقية وأبادتهم ولم ينج منهم سوى ثلاثة آلاف (2) , وعندما سمع الإمبراطور البيزنطي بنبأ الكارثة بادر إلى إرسال بعض السفن نقلت الناجين إلى القسطنطينية (3).
وبهذا تأكد الإخفاق الكامل لحملة العامة التي هي بمثابة التجربة الأولى للصليبيين في قتال السلاجقة ولا مراء في أن النتائج التي تمخضت عن حملة العامة كانت على درجة كبيرة من الأهمية في تاريخ الحروب الصليبية منها:
أ- تأكد للغرب الأوربي أن الاندفاع العاطفي والنوعيات غير المدربة عسكرياً لا تجدي مع الفروسية السلجوقية.
ب- لا بد من بديل عسكري فروسي منظم من أجل تحقيق أية مكاسب عسكرية مستقبلية.
جـ- أدى الفتك بالآلاف من الصليبيين إلى اعتقاد عناصر عديدة في الغرب الأوربي بمسئولية الإمبراطورية البيزنطية عن تلك الكارثة على الرغم من أن الإمبراطور الكسيوس كوميتي أوصى جحافل العامة بضرورة التريث دون جدوى.
د- نلاحظ أن الإمبراطوية البيزنطية ستكون بمثابة الجهة التي سيحملها الغرب الأوربي كل فشل يحل بأية حملة صليبية تصل إلى المنطقة والعجز عن تحقيق أهدافها لأسباب عديدة وفق الظروف التاريخية المختلفة والتي قد لا يكون لبيزنطة مسئولية عنها بالضرورة.
هـ- ومن الملاحظ أن فشل حملة العامة كانت رصيداً إضافياً لميراث الكراهية والحقد الذي نشأ بين الغرب الأوربي وبيزنطة, وسيتصاعد الأمر عند حدوث كارثة 1204م/602هـ والتي ستسقط من خلالها العاصمة البيزنطية تحت أقدام الصليبيين.
و- زد على ذلك، أن من نتائج حملة العامة أن ظهر الإصرار من جانب الغرب الأوربي على قيام حملة جديدة هي حملة الأمراء التي ستتمكن من تحقيق نجاحات
كبيرة في الشرق ستقلب موازين القوى العسكرية وبالتالي السياسية لصالح الصليبيين إلى حد كبير (4).
_________
(1) تاريخ سلاجقة الروم في آسيا، ص 81.
(2) تاريخ سلاجقة الروم في آسيا، ص 81.
(3) تاريخ سلاجقة الروم في آسيا، ص 81.
(4) الحروب الصليبية .. العلاقات بين الشرق والغرب، ص 72.
(1/460)

ثانياً: حملة الأمراء:
كانت هذه الحملة أكثر تنظيماً من حملة العامة؛ إذ بدت فيها الروح الإقطاعية واضحة، وتولى زعامتها عدد من الأمراء، لكل منهم اتجاهاته وجنده وسياسته الخاصة، مما جعل تلك الحملة في حقيقتها عبارة عن عدة حملات، ربما عملت أحياناً في اتجاهات متعارضة (1)، ويمكن تقسيم حملة الأمراء إلى أربع مجموعات، اعتمد تنظيمها على التقسيمات الجغرافية، وكذلك الوضع الجنسي، واللغوي للعناصر المشاركة فيها، أما المجموعة الأولى فكان على رأسها جود فرد البويوني وأخوه بلدوين وقد قادا جيش القلاندرز، واللورين، وشمال غرب فرنسا, وبالنسبة للمجموعة الثانية: كان على رأسها بوهيمند النورماني وهو ابن روبرت جويسكارد الزعيم النورماني البارز وقد قام بقيادة النورمان الإيطاليين، وكذلك ابن اخته تانكرد، ثم نجد المجموعة الثالثة على رأسها ريموند كونت تولوز ومعه المندوب البابوي أدهيمار، وقد قادا جيوش جنوب فرنسا والبروفنسال، أما المجموعة الرابعة المذكورة فعكست الثقل العسكري لصليبية الأمراء، وفي نفس الحين حملت عناصر القوة والضعف في آن واحد، نظراً للتنافس والتناحر الذي توافر لدى القيادات العسكرية وهو الأمر الذي سينعكس بدوره على أحداث تلك الحملة الصليبية.
1 - موقف اليهود من الحروب الصليبية: ومن الزوايا المهمة التي ينبغي التعرض لها:
أمر اليهود في الغرب الأوروبي عشية قيام الحروب الصليبية، حيث نلاحظ أنهم مثلوا قوة اقتصادية ذات شأن كبير, واستقروا في المدن الكبرى لاسيما تلك الواقعة على خطوط التجارة العالمية ومن أمثلتها حوض الراين بألمانيا، ونجد أن التجار اليهود قد حرصوا على إقراض من اتجه للاشتراك في الحملة الصليبية الأولى بفوائد باهظة من خلال انتشار ظاهرة الربا حينذاك، ولا نغفل أن اليهود منذ بداية المشروع الصليبي توجسوا منه خيفة على مصالحهم التجارية مع تجارة الشرق، ويذكر البعض أن اليهود الألمان في مناطق مثل مينز، وكولونيا جمعوا الأموال، وحاولوا تقديمها لجودفرى البويوني من أجل إثنائه عن عزمه عن المشاركة في أحداث تلك الحملة خوفاً من تهديد مصالح اليهود التجارية في الشرق (2). زد على ذلك أن اليهود في الغرب الأوربي نظرت إليهم الدوائر الكنسية - صاحبة النفوذ الكبير في تشكيل عقلية ذلك العصر - نظرة عداء وارتياب دائمين من خلال مواقفهم العدائية من المسيحية في تاريخها الباكر، ثم أن اليهود عاشوا في المدن التي أقاموا فيها في أحياء خاصة بهم
_________
(1) الحروب الصليبية الأولى, د. حسن حبشي، ص 65.
(2) العلاقات بين الشرق والغرب, أحمد رمضان، ص 107.
(1/461)

أو ما عرف بالجيتو اليهودي، ومثلوا كيانات منعزلة ومتقوقعة ترفض الاندماج في المجتمعات الأوربية المحلية الأكبر على نحو أدى إلى توافر نظرة عدائية عميقة تجاههم تزايدت مع تعاقب السنين، مع ملاحظة أن اليهود أنفسهم لم يعملوا من جانبهم على تغيير تلك النظرة العدائية لدى خصومهم, والواقع أننا لا نورد كل تلك الاعتبارات كتبرير للمذابح التي اقترفها الصليبيون ضد اليهود في حوض الراين كما حدث في مدن سياير وكولونيا ويراين وغيرها (1).
وكان الصليبيون يخيرون اليهود بين الارتداد عن دينهم واعتناق المسيحية أو ألموت، وقد ظهر عدد من القادة الذين قادوا هذه المذابح ضد اليهود من أمثال فولكمار، وجوتشوك واميخو، وقد سقط المئات قتلى، على نحو عكس روح التعصب العارمة التي سادت صفوف الصليبيين وعدم قدرة المسيحية على أيدي أبنائها المتعصبين على التجاور مع أهل الأديان الأخرى سواءً على أرض القارة الأوروبية ذاتها أو في بلاد الشام ومصر عندما تصل إليها أقدام الصليبيين، ولا نغفل أن مثل تلك الحوادث دعمت لدى العقل الجمعي اليهودي فكرة الاضطهاد، بل ومعاداة السامية، واستغلوا - فيما بعد - مثل تلك الأحداث من أجل استمرار المكاسب السياسية تكفيراً عن الذنوب التي اقترفت في الماضي (2).
2 - موقف الإمبراطور البيزنطي من حملة الأمراء: تقدمت الجماعات الأربع المذكورة نحو الشرق، وكانت أولى الجماعات التي وصلت إلى الأراضي البيزنطية تلك التي كانت بقيادة جودفري البويوني وشقيقه بلدوين، ويلاحظ أن الإمبراطور البيزنطي الكسيوس كومنين أرسل رسله إلى جودفري البويوني للاتفاق على ألا تتعرض بلاده للسلب والنهب مثلما كان الأمر مع حملة العامة, وفي المقابل قدم للصليبيين المؤن والإمدادات إلى أن يصلوا إلى مناطق السلاجقة، غير أن قوات جودفرى لم تلتزم بذلك واستباحت أحد المواقع البيزنطية في صورة مدينة سليمبريا, وقد طلب الإمبراطور البيزنطي من جودفرى أن يقسم له يمين الولاء والطاعة واستخدام سلاح قطع المؤن والإمدادات عن قواته إلى أن أرغمه على أن يقسم له ذلك القسم وذلك في أبريل من عام 1097م/491هـ وتعهد بأن يرد للامبراطورية البيزنطية ما فقد منها من مناطق، وتم نقل قوات جودفرى بويون بالسفن البيزنطية إلى آسيا الصغرى. وأما فيما يتعلق بالمجموعة التي بقيادة بوهيمند بن روبرت جويسكارد، فقد كانت الإمبراطورية البيزنطية على جانب كبير من الخوف منها، خاصة أن النورمان مثلوا لها أقوى أعدائها وأخطرهم، ولا نغفل أن أطماع النورمان في أملاك الإمبراطورية في جنوب إيطاليا
_________
(1) الحروب الصليبية .. العلاقات بين الشرق والغرب، ص 74.
(2) المصدر نفسه، ص 74.
(1/462)

وسقوط بارى آخر أملاك بيزنطة هناك عام 1071م/464هـ ..
كل ذلك لم يغب عن أذهان المسئولين البيزنطيين البتة وهم يتعاملون مع المجموعة المذكورة، وبصفة عامة وافق بوهيمند على أن يقسم قسم الولاء للإمبراطور الكسيوس مع ملاحظة أن البعض الآخر مثل تنكرد ابن أخت بوهيمند لم يقسموا ذلك القسم وبالنسبة للمجموعة التي على رأسها ريموند الرابع كونت تولوز: فنعرف أن تلك القيادة الصليبية لم تقسم يمين الولاء للإمبراطور، غير أنها وافقت على القسم باحترام حياته وعدم الإساءة إليه, وفيما يتعلق بالمجموعة التي على قيادتها روبرت النورمندي، فقد وافق الأخير على القسم للإمبراطور، وعبرت تلك المجموعة مضيق البسفور إلى آسيا الصغرى, شأنها في ذلك شأن المجموعات الأخرى وعلى أية حال فإن المكسب الأكبر - الظاهري - الذي حققه الكسيوس من تعامله مع تلك المجموعات الصليبية: أنه عقد معهم اتفاقية القسطنطينية عام 1097م/491هـ (1) , والتي تعهد فيها الطرف الصليبي بأن يعيد لبيزنطة كل المواقع التي كانت لها من قبل اجتياح السلاجقة لأراضيها، ومن المنطقي تصور أن أنطاكية حاضرة نهر العاصي الكبرى دخلت ضمن ذلك الاتفاق في مقابل تقديم بيزنطة للمؤن والإمدادات للصليبيين. ويلاحظ أن الصليبيين لم يلتزموا بتلك الاتفاقية التي تصورت الإمبراطورية البيزنطية أنه من الممكن إلزامهم بها دون جدوى (2).
3 - سقوط نيقية: اندفعت الجيوش الصليبية بعد العبور، باتجاه نيقية للاستيلاء عليها نظراً لموقعها الجغرافي، إذ لو بقيت بأيدي السلاجقة لشكل ذلك خطراً على خطوط مواصلاتهم مع بلاد الشام، وتوحَّدت أهدافهم وأهداف بيزنطية في هذه القضية (3) وعندما وصلت القوات الصليبية عاصمة دولة سلاجقة الروم، كان قلج أرسلان السلجوقي متغيباً عنها، وفرض الصليبيون الحصار عليها، وتمكنوا من إلحاق الهزيمة بالسلاجقة، وهو الانتصار الأول لهم، وقد اتجهت الحامية السلجوقية للمدينة، إلى الاستسلام، واتصلت بصورة سرية بالبيزنطيين وتم الاتفاق على الاستسلام في مقابل ألا يتعرض أحد للسلب والنهب، وبالفعل فوجئ الجميع بارتفاع الأعلام البيزنطية ترتفع فوق أسوار نيقية وذلك في يونيو 1097/ 491هـ (4)، وبذلك سقطت نيقية في أيدي البيزنطيين بعد ستة عشر عاماً من فتح السلاجقة لها، وأضحى بوسع الإمبراطورية التنفس بحرية بعد إجلاء السلاجقة
_________
(1) الحروب الصليبية .. العلاقات بين الشرق والغرب، ص 76.
(2) الحروب الصليبية .. العلاقات بين الشرق والغرب، ص 76.
(3) الحروب الصليبية .. العلاقات بين الشرق والغرب، ص 76.
(4) الحروب الصليبية .. العلاقات بين الشرق والغرب، ص 76.
(1/463)

عن هذا المعقل الأمامي الحصين (1).
توجه قلج أرسلان بعد سقوط عاصمته، نحو قونية، واتخذها عاصمة جديدة لسلطنته، وقاعدة عسكرية للانطلاق منها والدفاع عن أراضيه، ثم أجرى مفاوضات مع الأمير الدانشمندي من أجل تجميد خلافاتهما، والتعاون لمواجهة الغزو الصليبي الذي يهدَّدهما معًا. لقد زاد سقوط نيقية من خوفه على المستقبل، كما أن ضياع أمواله وكنوزه كان أمراً سيئاً (2)، وأسفرت المفاوضات بين البيتين التركيين، السلجوقي والداشمندي، عن عقد هدنة بينهما، كما اتحدا للتصدي للزحف الصليبي الذي وصل إلى كبادوكية، وتناسيا -مؤقتاً- تنافسهما بشأن ملطية، وهكذا اتحد جميع الأتراك في آسيا الصغرى للتصدي للصليبيين في سهول دور يليوم (3)، ومما يحسب للإمبراطور البيزنطي تنفيذه للاتفاق المُبرم بين الإمبراطور وأهل نيقية، فقد خرج الأتراك من المدينة مع عائلاتهم وأمتعتهم تحت حراسة مشددة إلى القسطنطينية أو إلى المعسكر البيزنطي في بيلكانوم ومن بينهم أخت السلطان وزوجته وأولاده، ولم يلبث الإمبراطور أن أعادهم إلى الزعيم السلجوقي دون فدية (4).
4 - معركة دور يليوم: استأنف الصليبيون سيرهم بعد استراحة أسبوع على سقوط نيقية، عبر فريجيا متخذين الطريق الروماني الذي يمر في دور يليوم وفيلوميليوم وقونية وصولاً إلى طرسوس وصحبتهم سرية من القوات البيزنطية بقيادة تاتيكيوس المشهور بخبرته وتجربته (5)، ثم توقفوا في قرية لويكي حيث عقدوا مجلساً عسكرياً حدَّدوا خلاله خطة الزحف، وتقرر تقسيم الجيش إلى قسمين لتسهيل عملية التموين أثناء الزحف، والقضاء على المقاومة السلجوقية في أكبر مساحة ممكنة (6)، وتقدم الجيش الصليبي بقسميه إلى منطقة السهول التي يسقيها أحد روافد نهر سنغاريوس حيث الأتراك يتربَّصون بهم، ويُعد هذا المكان مناسباً لممارسة فرسانهم تكتيكهم العسكري، فانطلقوا عبر السهل بخيولهم الخفيفة وراحوا يلتفون حول القسم الأول المتقدم دون أن يصطدموا به، وحرص الصليبيون من جانبهم على ألا يفرقهم الأتراك أو يفاجئوهم بخوض معركة لم يستعدوا لها، لذلك عسكروا في 27 رجب / 30 حزيران قرب خرائب مدينة دور يليوم (7)، وظهر الأتراك في صبيحة اليوم التالي وباشروا فوراً تطويق الصليبيين والضغط عليهم. وجرى اشتباك بين الطرفين
_________
(1) تاريخ سلاجقة الروم في آسيا الصغرى، ص 86.
(2) تاريخ سلاجقة الروم في آسيا الصغرى، ص 86.
(3) تاريخ سلاجقة الروم في آسيا الصغرى، ص 86.
(4) تاريخ سلاجقة الروم، ص 85.
(5) تاريخ سلاجقة الروم، ص 86.
(6) المصدر نفسه، ص 87.
(7) المصدر نفسه، ص 87.
(1/464)

أسفر عن انتصار الصليبيين، ورجحت كفة الأتراك في بداية المعركة التي استمرت عدة ساعات قبل أن يصل القسم الثاني ويشترك في القتال, وانسحب قلج أرسلان إلى داخل هضبة الأناضول، وبلغت الخسائر في الأرواح أقل مما توقع أي من الطرفين، وعانى الأتراك في آخر عشر دقائق من المعركة عندما حاصر الصليبيون جناحهم الأيسر، وأصيب بوهيموند بجراح، واستولى الصليبيون على المدينة (1).
5 - نتائج معركة دوريليوم: كان لمعركة دوريليوم تأثير بالغ السوء على أوضاع السلاجقة. إذ بهزيمتهم خسروا بعض ما كسبوه خلال أكثر من عشرين عاماً، إلا أنهم كسبوا احترام الصليبيين وإعجابهم بما تحلوا به من شجاعة, وبما اتبعوه من أساليب علمية في فنون الحرب. وأدرك قلج أرسلان أن لا جدوى من المحاولة لوقف الزحف الصليبي فلجأ مع أتباعه إلى التلال بعد أن خربوا القرى لحرمان الصليبيين من الاستفادة من خيراتها، ولم يعد قلج أرسلان يجرؤ بعد ذلك على مواجهة الصليبيين منفرداً وجهاً لوجه.
* ظهور قوة جديدة على مسرح الأحداث في الشرق الأدنى هي قوة الصليبيين الغربيين الذين أثبتوا تفوقهم العسكري على القوة التي طالما عجزت أمامها الجيوش البيزنطية، ألا وهي قوة السلاجقة في بلاد الروم.
* شكّل سقوط نيقية وخسارة دوريليوم طعنة قاتلة لهيبة تلك الأسرة السلجوقية ومكانتها في الأناضول، وكانتا نقطة تحول في الشئون السلجوقية بسبب أن الخسارة التي تكبدوها في الأرواح أو فى الممتلكات، كانت فادحة.
* فتحت هذه المعركة الطريق للصليبيين إلى بلاد الشام، وكفلت لهم سلامة المرور عبر آسيا الصغرى.
* نجحت بيزنطة في استرداد الجزء الغربي من الأناضول التي خسرته بعد سقوط نيقية بأيدي السلاجقة في عام (474هـ/1081م).
* أدّت عملية الاسترداد إلى تغيير مهم في خريطة الأراضي، إذ بينما كانت الحدود السلجوقية البيزنطية تمر في عام 478هـ/ 1085م في مدينتي نيقية ونيقوميدية على مسافة قصيرة من بحر مرمرة ومضيق البوسفور، نرى أن هذه الحدود قد تغيَّرت بعد أن تم طرد الأتراك من بيثينيا وأيونيا وفيريجيا، ومن ثم عادت هذه المقاطعات بيزنطية، وبذلك تكون الإمبراطورية قد ثأرت لنفسها مما حلَّ بها على أيدي السلاجقة منذ معركة ملاذكرد.
_________
(1) تاريخ سلاجقة الروم، ص 87.
(1/465)

* حرمت الخسارة السلاجقة من امتلاك هرقلة وقيصرية بالإضافة إلى أن مملكة بلدوين التي أسسها الصليبيون في الرها، ومملكة غودفري في فلسطين، وضعتا حداً لتوسعهم شرقاً، كما أن وجود قوة نورمانية على شاطئ البحر المتوسط، حرمهم من الاستفادة من الشواطئ الجنوبية الغربية, وإذا كان عليهم أن يستمروا فإنهم لا بد أن يعيدوا سيطرتهم على الأناضول ويصبحوا أسياده مجدداً (1).
* بالإضافة إلى تراجع قوة السلاجقة، فقد ساءت علاقتهم بسلاجقة الشرق، لأن قلج أرسلان لم يعترف لهم بالسيادة إلاَّ أنه كان أمامه بصيص أمل، فعرف كيف يستغل استمرار تدفق المهاجرين من الأتراك إلى آسيا الصغرى، بأعداد متزايدة، فجنَّدهم في صفوف جيشه، وخلق منهم جيلاً محارباً قوياً مدرَّباً ومنظَّما (2). ولا مراء في أن معركة دوريليوم احتلت مكاناً بارزاً في تاريخ الحملة الصليبية الأولى فهي أول صدام عسكري كبير بين الصليبيين والسلاجقة, وتحقق الانتصار للأولين على نحو كان فاتحة توسعات صليبية غير مسبوقة، وقد أفاد الصليبيين في ذلك كثرتهم العددية وحسن تنظيمهم ناهيك عن استبسالهم في القتال (3).
6 - سقوط قونية وهرقلة: على أية حال: اتجه الصليبيون بعد دوريليوم إلى قونية في أغسطس عام 1097م /491هـ وساروا من بعدها إلى هرقلة وتمكنوا من السيطرة عليها هي الأخرى بعد إلحاق الهزيمة بالأتراك السلاجقة، وعندما بلغت القوات الصليبية أرمينية الصغرى رحب بهم الأرمن وقدموا لهم كل مساعدة، ومن بعد ذلك صار هدف الغزاة يتجه نحو مدينة أنطاكية (4).
7 - إمارة الرها: استمر الزحف الصليبي نحو بلاد الشام، إذ كانت جيوشهم كالجراد المنتشر، وقد بلغوا قرابة مليون مقاتل، فاحتلوا الرها وأنطاكية، وتوجهوا نحو بيت المقدس، ولم يجدوا مقاومة تذكر نظراً للتمزق السياسي والخراب الاقتصادي في تلك المرحلة، كان معظم سكان الجزيرة الفراتية من نصارى الأرمن الخاضعين لحكم السلاجقة، وخاصة في تل باشر، ومرعش والراوندان (5) , فقد رحب الأرمن بالغزاة، واعتبروهم منقذين لهم، وحماة للنصرانية في تلك الجهات (6)، وسار الأعوان والمرشدون من رجال الأرمن، حتى يسهلوا مهمة الزحف أمام قادة الغزو الصليبي «بلدوين وتنكرد» وقد تمكن الغزاة من احتلال
_________
(1) تاريخ سلاجقة الروم في آسيا الصغرى، ص 89.
(2) المصدر نفسه، ص 89.
(3) الحروب الصليبية بين الشرق والغرب، ص 77.
(4) المصدر نفسه، ص 78.
(5) الجهاد والتجديد, محمد الناصر، ص 94.
(6) النجوم الزاهرة (5/ 146).
(1/466)

طرسوس والمصيحة، وتل باشر والرواندان وهي قلاع حصينة في شمالي الجزيرة، وذلك بفضل مساعدة أهلها من الأرمن وثورتهم ضد الحاميات التركية، ثم أرسل حاكم مدينة الرها ثوروس الأرمني إلى القائد الصليبي - بلدوين - يدعوه للحضور إلى الرها لمساعدته في تسليم المدينة إليه عام 1098م لأنه خشى أن يحتلها أمير الموصل من قبل السلاجقة، فأسرع بلدوين على رأس قوة صغيرة استقبلت من قبل أهالي المدينة وحاكمها استقبالاً حافلاً، ومن ثم ثار أهالى الرها ضد حاكمهم، مما أدى إلى قتله، وانتقال مقاليد الأمور إلى بلدوين البولوني، الذي اتهم بأنه كان وراء هذه الثورة ولم يقم بواجبه في حمايته (1)،
وقد تمكن بلدوين من السيطرة على الرها في أعالي الفرات، وأسس هناك إمارة صليبية من أجل أن تكون بمثابة دولة حاجزة، بين سلاجقة آسيا الصغرى وسلاجقة العراق وكذلك بلاد فارس، وكي تكون بمثابة محطة إنذار مبكر للصليبيين في مواجهة أية أخطار عسكرية قادمة لهم من الشرق, وفي هذا دليل واضح أن الغزاة الجدد كانوا يدركون أهمية زرع كياناتهم في مواقع جغرافية ذات أهمية استراتيجية خاصة، ويلاحظ هنا أن إمارة الرها - على نحو خاص - ستتعرض للعديد من الضربات من جانب المسلمين (2)، وقد توسع بلدوين، فاستولى على تل باشر والراوندان وسميساط وسروج (3)، بالإضافة إلى كثير من المواقع والمدن في شمالي الجزيرة الفراتية، فامتدت رقعة هذه الإمارة الصليبية فوق مساحة من الأرض تقع شرق نهر الفرات وغربه، وجاورت إمارة الموصل، وهددت مدن ديار بكر، مثل نصيبين وماردين (4)، وحران، بل شمالي العراق كله، كما سيطرت على الطريق المؤدية إلى حلب والموصل, وقد كانت هذه الإمارة من أوسع الإمارات الصليبية وأشدها أذى للمسلمين بسبب أطماع حكّامها النورمان واجتهادهم في الحروب والغارات, ولكنها كانت مع ذلك أضعف هذه الإمارات بسبب توسطها بلاد المسلمين، وتعرُّضها بالضرورة لردود أفعالهم بالإضافة إلى عدم تلقيها دعم الحجاج المسيحيين، ولا إمدادات التجار الإيطاليين (5).
8 - إمارة أنطاكية: بعد أن انتصر الصليبيون على السلاجقة في آسيا الصغرى، واستولوا على عاصمتهم نيقية واصلوا تقدمهم ونجحوا في تأسيس أول أمارة لهم بالشرق في الرها، دون أن تقابلهم أية صعوبات تذكر، ثم واصلوا تقدمهم بعد ذلك إلى أنطاكية (6). كانت أنطاكية من أقوى مدن ذلك العصر تحصيناً، وكان لها أهميتها الكبرى لدى النصارى،
_________
(1) الحركة الصليبية (2/ 143 - 147).
(2) الحروب الصليبية .. العلاقات بين الشرق والغرب، ص 86.
(3) تاريخ سلاجقة الروم في آسيا، ص 92.
(4) تاريخ سلاجقة الروم في آسيا، ص 92.
(5) تاريخ سلاجقة الروم في آسيا، ص 92.
(6) دور الفقهاء والعلماء المسلمين في الشرق الأدني، ص 241.
(1/467)

ويكفي أنها كانت ثالث مدن العالم في عصر الإمبراطورية الرومانية، وقد أسس القديس بطرس فيها أول أسقفية للنصارى وقد أحدث وصول الجيش الصليبي إلى مشارف أنطاكية هلعاً كبيراً في نفوس الأهالي بسبب كثرة أعدادهم وطبيعة زحفهم (1)، وعبر عن ذلك ابن القلانسي بقوله: وصلوا في عالم لا يحصى عدده كثرة، وتتابعت الأنباء بذلك، فقلق الناس لسماعها، وانزعجوا لاشتهارها (2).
- موقف المندوب البابوي: عندما اقترب الجيش الصليبي من أنطاكية اندفع المندوب أدهيمر بحماس شديد محاولاً حث الصليبيين على ضرورة التمسك بوحدتهم والوقوف صفاً واحداً كي يتحقق لهم النصر والاستيلاء على أنطاكية، فألقى فيهم الكلمات التالية: إخوتي وأبنائي الأعزاء، نحن نقترب من أنطاكية وهي مدينة محصنة بأسوار عالية يعجز الحديد والحجر عن تدميرها .. فلنحترس ولنحرص على الوحدة، ولنوجه جهودنا نحو الهدف المشترك (3)، وكان لهذه الكلمات أثر كبير في حماس الجند عندما فرضوا حصارهم حول المدينة في أواخر ذي القعدة عام 490هـ أواخر أكتوبر 1097م ولكن ما أن طال الحصار بسبب مناعة المدينة انتاب الصليبيين اليأس وتدهورت حالتهم المعنوية، وفكر الكثير منهم في العودة إلى بلادهم أو على الأقل الابتعاد عن هذه المنطقة واللجوء إلى مكان آخر يكون أكثر أمنا ويجدون فيه ما يقتاتون به (4).
- الحربة المقدسة: انتاب اكثر الصليبيين حالة من اليأس وعندئذ حاول بعض رجال الدين المسيحي انتزاع اليأس والخوف من قلوب الصليبيين المحاصرين لأنطاكية ورفع روحهم المعنوية لمواصلة القتال والمصابرة فيه, وذلك عندما صدقوا الرؤيا التي اختلقها أحد صغار الصليبيين ويدعى بطرس بارثليميو الذي أخبرهم بأنه رأى في رؤياه أحد القديسيين يخبره بأن الحربة التي طعن بها المسيح في جنبه، مدفونة في كنيسة القديس بطرس بأنطاكية، وأنهم إذا أخرجوا هذه الحربة وحملوها أمام جيش الصليبيين فسيحصل لهم النصر (5)، فكان لتصديق هذه الرؤيا وظهور الحربة المقدسة تأثيره البالغ في ازدياد حماس الصليبيين واندفاعهم لقتال المسلمين, يتقدمهم حامل الحربة المقدسة، فأحدقوا بالمسلمين، وقام الأسقف أدهيمر يخطب في الصليبيين ويحثهم على القتال بكل شجاعة محاولاً نزع الخوف من قلوبهم، قائلاً لهم: أنتم الآن متطهرون
_________
(1) الجهاد والتجديد، محمد حامد الناصر، ص 97.
(2) ذيل تاريخ دمشق، ص 134.
(3) دور الفقهاء والعلماء المسلمين في الشرق الأدنى، ص 242.
(4) المصدر نفسه، ص 242.
(5) المصدر نفسه، ص 242.
(1/468)

وتائبون لله، فمن أي شيء تخافون؟ إن من يموت منكم سيكون أسعد ممن عاش، لأنه سيغادر هذه الحياة الفانية إلى ملكوت الخلود، أما من سيعيش فسوف ينتصر على أعدائه، وسيغتني من غنائمهم، فلتتشجعوا فإن القادر المقتدر سيرسل لكم كتائب من السماء لتنتقم من أعدائكم, وسوف ترون هذه الكتائب بأعينكم، فلا تخشوا الأصوات الرهيبة التي سوف تحدثها حولكم، إنها جاءت لنجدتنا بعدما أحدق بنا الخطر، انظروا إلى أعدائكم وهم يتطلعون إليكم في رعب من يسوع المسيح، وليكن القادر على كل شيء معنا (1)، ويضيف صاحب كتاب أعمال الفرنجة أن الأساقفة والقسس والكهنة والرهبان قد ارتدوا حللهم المقدسة وخرجوا حاملين الصلبان ممجدين الرب، ومبتهلين إليه أن ينقذهم من كل شر، بينما اعتلى آخرون الباب رافعين الصليب في أيديهم، ورسموا عليهم علامة الصليب وباركوهم, ولما تجهزوا وتدرعوا بالصليب خرجوا للقتال (2).
ونتيجة لهذا الدور الحماسي الذي قام به رجال الدين المسيحي في تشجيع الصليبين بأنطاكية ازداد الصليبيون ثقة في أنفسهم (3).
- جهود ياغي سيان والي أنطاكية للدفاع عن المدينة: كان والي أنطاكية «ياغي سيان» من التركمان، ويتمتع بدرجة عالية من الكفاية، إلا أن الخلافات والحروب التي كانت بين الأخوين دقاق ورضوان ابني تتش بالشام, وانحياز ياغي سيان إلى هذا مرة وذاك مرة أخرى حرمه من مساعدة أمير حلب، عندما داهمه الغزاة, وقد حاول ياغي سيان آنذاك الحصول على مساعدة جيرانه المسلمين: دقاق ملك دمشق، وجناح الدولة أمير حمص، وكربوقا أتابك الموصل، إلا أن التمزق السياسي، والمطامع الشخصية حالت دون تقديم المساعدات المرجوة، كما أنه طلب النجدة من الخليفة العباسي والسلطان السلجوقي في فارس ولكن دون جدوى إلا أن ياغي سيان كان قد أعد عدته لحصار فشحن القلاع بالجند والمقاتلين، واختزن المؤن الكافية، وقد استمر الحصار مدة تسعة أشهر، حتى كاد شبح المجاعة يهدد الفرنجة، ولم تكفهم المعونة المتقطعة التي كانت تأتيهم من قبرص والغرب، حتى صار بعض الجند يفرون من المعركة (4) , وتجمعت قرب «شيزر» نجدة إسلامية لإنقاذ أنطاكية كان على رأسها: دقاق ملك دمشق، وأمير حمص جناح بن ملاعب, ودارت معركة بينهم وبين الفرنجة، وتفوق فيها المسلمون، وقتلوا من الصليبيين جماعة كبيرة عند ضفاف نهر العاصي (5). وكان ممن ساهم بالدفاع عن المدينة جماعة من المسلمين يعرفون باسم المطوعة،
_________
(1) دور الفقهاء والعلماء المسلمين في الشرق الأدنى، ص 243.
(2) المصدر نفسه، ص 243.
(3) المصدر نفسه، ص 243.
(4) الحركة الصليبية (1/ 150 - 153) , الجهاد والتجديد، ص 98.
(5) الجهاد والتجديد، ص 98.
(1/469)

ظلت تدافع عن أنطاكية رغم قلة عددهم حتى بعد اشتداد هجمات الصليبيين عليها - بعد عثورهم على الحربة المقدسة - وبعد أن تفرق شمل العسكر التركماني عن حاكم المدينة مما أدى في النهاية إلى استشهادهم جميعاً (1).
- الروح البرجماتية لدى قادة الحركة الصليبية: وينبغي ألا نغفل زاوية مهمة، وهي أن بوهيمند -الذي تاقت نفسه للسيطرة على المدينة هدَّد - في إحدى المراحل الحرجة من الحصار - بالانسحاب، مالم يوافق الصليبيون على أن يجعلوا المدينة له من بعد سقوطها, وعندما رضوا بذلك قرر بوهيمند البقاء ومواصلة العمليات الحربية ولا شك أن ذلك يثبت لنا أنه أمام أسوار أنطاكية وخلال تلك المرحلة المبكرة من بدايات الغزو الصليبي لبلاد الشام ظهرت الروح البرجماتية لدى قادة الحركة الصليبية على نحو عكس أن من زعم أنه كان من جند المسيح كانوا شرهين للسلطة والنفوذ والمال (2).
- سقوط المدينة بيد الصليبيين (491هـ): رغم حصانة المدينة وكفاءة واليها ودفاع الجند عنها، إلا أن الإمدادات كانت تتوالى على الصليبيين عن طريق ميناء
«السويدية» لمحاصرة أنطاكية، وقد طال الحصار وظهر من شجاعة ياغي سيان وجودة رأيه وحزمه واحتياطه مالم يشاهد عند غيره، فقد هلك أكثر الفرنج موتاً وجوعاً، ولما طال مقام الفرنج على أنطاكية، ظهرت الخيانة، إذ راسلوا أحد المشرفين على الأبراج وهو رجل نصراني أرمني تمسلم، وبذلوا له مالاً وإقطاعاً, وعند الفجر بعد أن تعب الناس من طول السهر والحراسة، فتح لهم شباك البرج الذي يحرسه، واستيقظ سيان على دخول الفرنجة المدينة فداخله الرعب وفتح باب البلد وخرج هارباً في ثلاثين غلاماً على وجهه وخرج نائبه من باب آخر (3)، ثم دخل الصليبيون المدينة وأباحوها أياماً للسلب والنهب والقتل والاغتصاب، وكشرت الصليبية عن أنيابها، وتحول جند المسيح إلى قتلة وسفاكي دماء ومغتصبين (4)، فقد تصرف الصليبيون إزاء سكان إنطاكية المغلوبين على أمرهم بهمجية معهودة لهم، لا حدود لها, وبذلك عكسوا وبوضوح الروح العدائية وسالت الدماء أنهاراً وقتل من الناس ما لا يدركه حصر (5)، وقال أحد كبار القساوسة: ما من جريمة فظيعة وما من نهب مريع وما من فعلة مخجلة إلا
_________
(1) دور الفقهاء والعلماء المسلمين في الشرق الأدنى، ص 244.
(2) الحروب الصليبية .. العلاقات بين الشرق والغرب، ص 80.
(3) الجهاد والتجديد، ص 98.
(4) الحروب الصليبية .. العلاقات بين الشرق والغرب، ص 80.
(5) إمارة أنطاكية دراسة في علاقتها السياسية بالقوى الإسلامية، ص 124.
(1/470)

ارتكبوها (1)، يقول لوبون: يدل سلوك الصليبيون في جميع المعارك على أنهم من أشد الوحوش حماقة (2)، وقد هرع السريان والأرمن من أهل أنطاكية يساعدون الغزاة في التعرف على خفاياها وقتل من فيها من المسلمين (3).
نهاية ياغي سيان والي أنطاكية: أما ياغي سيان، فإنه لما طلع عليه النهار، رجع إليه عقله، فرأى نفسه وقد بَعُدَ عدة فراسخ فقال لمن معه: أين أنا؟ فقيل له: على بعد أربعة فراسخ من أنطاكية، فندم كيف خلص سالماً، ولم يقاتل حتى يزيل العدو عن البلد، أو يقتل. وجعل يتلهف ويسترجع على ترك أهله وأولاده والمسلمين ولشدة ما لحقه، سقط عن فرسه مغشياً عليه، وعندما أراد أصحابه أن يُركبوه على الفرس، لم يكن به مسكة وقد قارب ألموت، فتركوه وساروا عنه، واجتاز به حطاب أرمني، وهو بآخر رمق فقتله، وأخذ رأسه وحمله إلى الفرنج بأنطاكية (4).
- من نتائج سقوط أنطاكية: تأكدت قدرة الصليبيين على تغيير الخريطة السياسية لشمال الشام، على الأقل لصالحهم, فها هي أنطاكية تسقط على نحو يجعل حلب مهددة إلى الشرق منها، ويجعل الصليبيين يخضعون موقعاً استراتيجياً مهما خاصة قرب أنطاكية من ميناء السويدية (حوالي 20ك م) على نحو يجعل إمكانية الاتصال بأوربا أمراً ميسوراً ومدعماً للصليبيين إلى حد كبير، وبصفة عامة أدى استيلاؤهم على تلك المدينة إلى فتح الطريق إلى بيت المقدس.
- أثبت سقوط أنطاكية بجلاء أن الصليبيين ما نجحوا إلا من خلال فرقة المسلمين،
فقد تعاملوا مع كل كيان صغير على حدة, وغابت عن المسلمين فكرة المشروع
الوحدوي والمصير الواحد، ولم يتناسوا خلافاتهم فكان مصيرهم المحتوم تحت سنابك خيل الصليبيين وسيوفهم البتارة, بالإضافة إلى استبسالهم في قتال المسلمين وهي حقيقة لابد من الاعتراف بها (5).
- تحدد مصير إنطاكية بإحكام السيادة الصليبية عليها خاصة بعد اخفاق كربوغا أتابك الموصل في أمر الدفاع عنها، ومن قبل عندما قتل ياغي سيان حاكمها (6).
_________
(1) إمارة أنطاكية دراسة في علاقتها السياسية بالقوى الإسلامية، ص 124.
(2) حضارة العرب نقلاً عن إمارة أنطاكية، ص 124.
(3) الجهاد والتجديد، ص 98.
(4) الكامل في التاريخ نقلاً عن الجهاد والتجديد، ص 99.
(5) الحروب الصليبية العلاقات بين الشرق والغرب، ص 81.
(6) المصدر نفسه، ص 82.
(1/471)

- شجع سقوط أنطاكية الصليبيين على استئناف نشاطهم العسكري ضد المناطق المحيطة بحلب على شكل غارات صغيرة (1).
9 - مذبحة معرة النعمان: اشتدت المنازعات الداخلية بين الصليبيين حول إمارة أنطاكية، على أن كثرة القتلى والجيف في ساحة المدينة نتج عنه انتشار وباء في معسكر الفرنجة، ذهب ضحيته بضعة آلاف منهم، من بينهم المندوب البابوي (أدهيمر) وقد دفع ذلك الوضع الغزاة هؤلاء إلى القيام بغزوات وجولات خارج أنطاكية، حتى يبتعدوا عن منطقة الوباء، فكان غزوهم لمعرة النعمان، فاستغاث أهلها بصاحب حلب (رضوان) وصاحب حمص (جناح الدولة) فلم ينجدهم أحد (2)، ولم يكن لدى أهلها من الإمكانات، ما يمكنهم من المقاومة طويلاً فاضطروا إلى الاستسلام، إلا أن الصليبيين كعادتهم لم يحترموا الأمان الذي أعطوه لأهل المعرة (3) , وإنما غدروا بهم، ورفعوا الصلبان فوق البلد .. ونهبوا ما وجدوه، وطالبوا الناس بما لا طاقة لهم به (4). وقد قدر عدد القتلى من المسلمين في معركة معرة النعمان، أكثر من عشرين ألف رجل وامرأة وصبي في حين قدرهم ابن الأثير بما يزيد عن مائة ألف، ويصف تلك المذبحة بقوله: سار الفرنج إلى معرة النعمان، فنازلوها وحاصروها، وقاتلهم أهلها قتالاً شديداً، ورأى الفرنج منهم شدة ونكاية في قتالهم .. ثم دخلوا المدينة ووضعوا في أهلها السيف ثلاثة أيام قتلوا فيها ما يزيد على مائة ألف, وسبوا السبي الكثير وملكوه، وأقاموا أربعين يوماً (5). وقد ذكر (رنسيمان) في تاريخه أن الصليبيين عندما دخلوا المدينة. أمعنوا في قتل كل من يصادفهم، واقتحموا الدور ونهبوها وأحرقوها (6)،
وقد رثاها الشاعر وجيه بن عبد الله التنوخي بأبيات حزينة باكية، تأسف على موت أهلها، وضياع دورها فقال:
هذه بلدة قضى الله يا صاح ... عليها كما ترى بالخراب
فقف العيسَى وقفة وابك من ... كان بها من شيوخها والشباب
واعتبر إن دخلت يوماً إليها ... فهي كانت منازل الأحباب
_________
(1) تاريخ السلاجقة في بلاد الشام، ص 207.
(2) المصدر نفسه، ص 207.
(3) زبدة الحلب في تاريخ حلب لابن العديم (2/ 141 - 142).
(4) ذيل تاريخ دمشق لابن القلانسي، ص 136.
(5) الكامل في التاريخ نقلاً عن الجهاد والتجديد، ص 102.
(6) تاريخ الحروب الصليبية (1/ 369).
(1/472)

وأخيراً خرج الصليبيون من معرة النعمان على رأس جيش يقوده «ريموند» نحو بيت المقدس، أما «بوهيموند» فاختار البقاء في أنطاكية، وأسس فيها إمارة له. فتحولت الحملة الصليبية الأولى نحو بيت المقدس بعد أن ظلت قرابة خمسة عشر شهراً في شمالي بلاد الشام (1)، تصول وتجول، ولا نجد من يردها إلى ديارها خائبة صاغرة.

ثالثاً: تأسيس مملكة بيت المقدس:
استغل الفاطميون فرصة ضعف الأتراك السلاجقة وتخاذل أمرائهم إثر اندحارهم إمام الصليبيين عند أنطاكية، ومقتل عدد كبير منهم فسار أمير الجيوش المصرية الأفضل بن بدر الجمالي في شعبان سنة 491هـ /1098م على رأس قواته إلى القدس، وأعتقد الأراتقة حكام بيت المقدس التابعون للسلاجقة بأن تحصينات القدس العظيمة، والمقدرة الحربية لقبائلهم التركمانية ستمكنهم من الصمود حتى تأتيهم النجدة من دقاق حاكم دمشق، وكان في القدس آنذاك معظم بني أرتق وهم سقمان وإيلغازي وابن عمهما سونج وابن أخيهما ياقوتي (2)، وجماعة من أقاربهما ورجالهما وخلق كبير من الأتراك، وحاول الأفضل في البداية أن يتبع الأساليب السليمة لتحقيق أغراضه فراسل كل من سقمان وايلغازي يلتمس منهما تسليم القدس من غير حرب ولا سفك دماء، فلم يجيباه إلى ذلك (3) , وعند ذاك بدأ بقتال البلد، ونصب عليه نيفا وأربعين منجنيقاً فهدمت مواضع من سوره, وقاتلهم أهل البلد واستمر القتال والحصار نيفاً وأربعين يوماً (4)، ويظهر أن الأخوين إيلغازي وسقمان كانا واثقين بجيشهما ومساندة عشيرتهما من التركمان إلا أن الفاطميين العبيديين استطاعوا تضييق الحصار وفتحت المدينة بالأمان عام 491هـ, وسار سقمان وإيلغازي ومن معهما إلى دمشق سنة 491هـ / 1098م، ثم غادروا دمشق (5).
إن الدولة العبيدية الفاطمية ساهمت في احتلال الصليبيين للمنطقة، فبدلاً أن تقف مع السلاجقة ضد الصليبيين راسلتهم وطلبت منهم الصلح، فقد كان الأفضل بن بدر الجمالي صاحب السلطة الفعلية في مصر، عندما سمع بأن الصليبيين، الذين وصلوا إلى بلاد الشام، اشتبكوا مع الأتراك السلاجقة، أعداء الدولة الفاطمية العبيدية، فكّر في عقد تحالف معهم ضد هؤلاء، فأرسل سفارة اجتمعت بزعمائهم أمام أنطاكية في شهر صفر 491هـ/ كانون الثاني 1098م وعرضت عليهم مشروع التحالف الذي تضمن البنود التالية:
_________
(1) الجهاد والتجديد للناصر، ص 103.
(2) القدس عشية الغزو الصليبي ص109.
(3) المصدر نفسه، ص 109.
(4) المصدر نفسه، ص 109.
(5) المصدر نفسه, ص 110.
(1/473)

- ينفرد الصليبيون بحكم أنطاكية وشمال بلاد الشام.
- تحتفظ مصر ببيت المقدس وجنوب بلاد الشام.
- يسمح للصليبيين بزيارة الأماكن المقدسة في فلسطين، وتكون لهم الحرية الكاملة في أداء شعائرهم الدينية، على ألا تزيد مدة إقامتهم فيها على شهر واحد، وألا يدخلوها بسيوفهم.
- يتعاون الطرفان في القضاء على السلاجقة (1).
على أن سفارة الأفضل إلى الصليبيين، على الرغم من الحفاوة التي استقبلت بها، لم تؤدِ إلا إلى نتيجة واحدة، وهي وقوف الصليبيين على مدى الخلاف السائد بين الفاطميين والسلاجقة في بلاد الشام، ومن ثمَّ استقَّر رأيهم بعد استيلائهم على أنطاكية على إرسال حملة للاستيلاء على بيت المقدس (2).
إن المتتبع لدراسة التاريخ في مرحلة اغتصاب أوربا لبلاد الشام وبيت المقدس في بداية القرن الخامس الهجري ونهاية العاشر الميلادي والانفراد بالمسلمين، ومحاولة القضاء عليهم سبقتها عدة أمور منها:
- زرع دولة شيعية مؤسسها يهودي أو مجوسي، سمّى نفسه المهدي، ترفع شعار الإسلام، بادعاء انتسابها إلى فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -ورضي الله عن فاطمة- تهدف إلى عزل دول الشمال الإفريقي، وخاصة مصر عن بقية بلاد الشام أثناء تعرضه للغزو الصليبي. هذه الدولة كانت لها مراسلات وسفارات مع الأوروبيين الصليبيين الذين عادوا لاغتصاب بيت المقدس، وأرض الشام ومصر، وعرضوا التعاون معهم ضد السلاجقة, وسنرى بإذن الله في دراستنا المستقبلية طلبهم من الصليبيين المعاونة ضد نور الدين زنكي وأسد الدين شيركوه وصلاح الدين.
- أن حكام هذه الدولة حرصوا على هدم الخلافة العباسية، التي كانت تحتاج إلى من يدعمها ويساندها ويأخذ بيدها بدلاً من الحرص على هدمها، لأن الخلافة هي السياج الحامي بعد الله لبلاد المسلمين من كيد أعدائها.
- ظهور الباطنية القرامطة ومؤسسها أبو سعيد الجنابي رأس القرامطة سنة خمس وثمانين ومائة هجرية الذين يدعون انتسابهم إلى علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - والذين عملوا على
_________
(1) تاريخ الفاطميين في شمال إفريقية، محمد طقوش، ص 428.
(2) المصدر نفسه، ص 428.
(1/474)

هدم الخلافة العباسية، وإفساد عقيدة الأمة. العجيب أنهم قصدوا دمشق في جحفل عظيم، فقاتلهم نائبها فهزموه عدة مرات، وكان ذلك بقيادة يحيى بن زكرويه الذي ادعى عند القرامطة أنه محمد بن عبد الله بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب، وقد كذب في ذلك.
- حرص حكام الدولة التي تسمى زوراً وبهتاناً بالدولة الفاطمية على إفساد عقيدة السلف، بفرض عقيدة الرافضة بالقوة على الأمة، وقتل أهل السنة والجماعة، وعلمائهم وفقهائهم، وسب الخلفاء الراشدين وصحابة رسول الله - رضوان الله عليهم - على المنابر، كما أن بعض حكامهم قد ادعوا الألوهية.
- عزل مسلمي مصر عن إخوانهم في بلاد الشام والشمال الإفريقي وأثناء العزل جرى القضاء على المقاومة الإسلامية ببيت المقدس وبلاد الشام والاستيلاء عليها (1).
لم يكن نجاح النصارى في انتراع بيت المقدس من أيدي الفاطميين مصادفة بلا خلفيات، لا .. بل الذي يدرس تاريخ الروافض، بل إن الذي يدرس تاريخ الشيعة الروافض الباطنيين ويتعرف على هويتهم المشبوهة يسهل عليه استيعاب حقيقة الأمر الذي سارت عليه الأحداث، فالدولة الفاطمية الرافضة كانت إحدى الحركات الباطنية التي أعملت معاول الهدم في صرح الأمة الإسلامية، وكانت أيضاً سبباً في ضعف دولة الخلافة العباسية والتضحية بالأرض المقدسة، وتعامي الطرفان عن الخطر الصليبي منشغلين بالصراع بينهما. وما أشبه الليلة بالبارحة عندما انشغل العرب والترك بالنزاع بينهما حتى استلب النصارى الإنجليز أرض فلسطين ثم أسلموها إلى اليهود ولا تزال الليالي تشبه البارحات، لقد بلغ من عمالة الفاطميين أو بالأحرى الباطنيين العبيديين الروافض - أن استعانوا بالصليبيين للقضاء على السلاجقة الأتراك، وفي الوقت الذي كان الصليبيون في طريقهم إلى القدس، وكانت مدن الشام تتساقط تحت أقدامهم، كان الفاطميون والسلاجقة يتناوبون التنازع على المدينة المقدسة متجاهلين خطر الجيش النصراني, ولم يحرك قائد الفاطميين ساكناً إلا عندما جاء الخبر بحصار الصليبيين للقدس (2)،
ولاحت الفرصة الذهبية لأهل الصليب لكي ينفثوا أحقاد قرون خلت في جسد الأمة الإسلامية، ولكي يحققوا حلماً دينياً, وهدفاً سياسياً, ومغنماً اقتصادياً لا تعوض فرصته خاصة أن الوقت كان في بداية الألفية الثانية التي اعتقدت طوائف كثيرة من النصارى أن المسيح عيسى ابن مريم سيعود فيها إلى الأرض ليحكمها كلها من
_________
(1) أخطاء يجب أن تصحح في التاريخ. الطريق إلى بيت المقدس، ص 69.
(2) قبل الكارثة نذير ونفير، ص 129.
(1/475)

القدس، انطلاقاً مما يسمي بالعقيدة الألفية التي كانت سبباً في عصرنا هذا أيضاً لتعاون النصارى مع اليهود في السيطرة على بيت المقدس كله استعداداً لمقدم الألفية الثالثة، ألفية المسيح (1).
1 - مقدمات الاحتلال: ما أن استولى الصليبيون على نيقية في حزيران عام 1097م بعد حصار دام شهراً، حتى زحفوا إلى أسكي شهر التي سقطت بأيديهم في أول تموز/ يوليو من العام نفسه، ثم إلى مدينة الرها، ثم وصلوا إلى أنطاكية، فاحتلوها بعد حصار طويل كما مر معنا, واتجه الصليبيون بعد ذلك جنوباً فاحتلوا معرة النعمان ثم أخلوها بعد أن أحرقوها وقتلوا من أهلها «ما يزيد على مائة ألف» (2)، ثم احتلوا «حصن الأكراد» ثم انطرطوس وهي طرطوس الحالية «بعدد من الأدلاء والجنود» (3). وفي 16 آيار/مايو 1099م غادر الصليبيون طرابلس وتابعوا تقدمهم جنوباً فاجتازوا البترون وجبيل ووصلوا في 19 آيار/مايو إلى الحدود الفاطمية على نهر الكلب, ولم يكن للفاطميين عساكر في ممتلكاتهم الشمالية، باستثناء بعض الحاميات في بعض المدن الساحلية (4)، مما أتاح للصليبيين التقدم بسهولة وبلا مقاومة، فدخلوا بيروت بلا قتال، ثم تقدموا نحو صيدا فبلغوها في 20آيار 1099م، ولكنهم لقوا مقاومة عنيفة من حاميتها، إلا أنهم استطاعوا التغلب عليها وتابعوا تقدمهم نحو صور حيث بقيت حامية صور خلف الأسوار لم تناجزهم العداء (5). وتابع الصليبيون تقدمهم بعد أن غادروا صور بتاريخ 23 آيار 1099م، فبلغوا ضواحي عكا في 24 آيار دون أن يلقوا مقاومة تذكر، ثم وصلوا إلى حيفا، فقيسارية حيث أقاموا أربعة أيام استأنفوا بعدها، تقدمهم نحو الرملة فبلغوها في 3 حزيران 1099م, وفي 6 حزيران تابع الصليبيون تقدمهم نحو بيت المقدس فبلغوا أسوارها مساء 7 حزيران حيث عسكروا (6).
2 - القوى المتواجهة:
- القوات الصليبية: بلغ عدد القوات الصليبية التي وصلت إلى أسوار القدس وتمركزت حولها وبدأت بمحاصرتها نحو أربعين ألفاً من مختلف الأعمار ذكوراً وإناثاً، وكان عدد الرجال المقاتلين منهم نحو عشرين ألفاً، وقد انتشر الصليبيون حول القدس، على امتداد
_________
(1) قبل الكارثة نذير ونفير، ص 130.
(2) حروب القدس في التاريخ الإسلامي والعربي، ص 54.
(3) المصدر نفسه، ص54.
(4) المصدر نفسه، ص54.
(5) الحروب الصليبية (1/ 411).
(6) المصدر نفسه (1/ 411 - 414).
(1/476)

بعض أسوارها، وليس كلها، وذلك بسبب نقص عدد قواتهم (1)، ورغم أن القوات الصليبية كانت مزودة بأحدث الأسلحة وآلات الحصار والتدمير، فإنها وجدت نفسها عاجزة عن تنفيذ حصار كامل ومطبق حول المدينة بسبب نقص كبير في عدد المقاتلين من جهة وبسبب نقص في آلات الحصار من جهة أخرى، كما أن إطالة أمد الحصار حول القدس سوف يؤثر سلباً على معنويات الجند الذين هم آتون من بلاد باردة إلى أرض قاحلة لا ظل فيها ولا أشجار، وفي صيف حار لاهب لن يستطيع أولئك الجند تحمل حرارته، لذا قرر القادة أن يُعدوا لهجوم عاجل على المدينة (2).
أ- قوات المسلمين: كان المسلمون في داخل أسوار مدينة القدس، في وضع دفاعي متين, فالمدينة -بحد ذاتها- تعتبر من أضخم المعاقل والحصون في ذلك الزمان، فأسوارها التي يقف الصليبيون قبالتها، تكاد تكون عصية على الاختراق أو الاجتياز، إضافة إلى ذلك تظل القدس عصية على أي هجوم من جهاتها الثلاث: من الشرق والجنوب الشرقي حيث يلفها وادي قدرون أو وادي جهنم، ومن الجنوب حيث يلفها وادي هنوم أو وادي الربابة، ومن الغرب حيث يلفها وادي الروث أو وادي تيروبيون، فهي إذن محصنة، من هذه الجهات بتحصينات طبيعية، إضافة إلى ما تمنحها أسوارها وحصن داود الواقع في منتصف السور الغربي، والذي يسيطر على جزء كبير من محيط المدينة، من مناعة وقوة (3). يضاف إلى ذلك الخنادق التي حفرها المدافعون خارج الأسوار، في الزاويتين الشمالية الشرقية والشمالية الغربية، وفي الجهة الشمالية من السور، لكي تعيق تقدم المهاجمين، وهكذا، لم يكن ممكناً مهاجمة المدينة إلا من الجهتين: الشمالية، والشمالية الغربية فقط، وهي الجهات التي ركز الصليبيون، في حصارهم عليها (4). وكان في المدينة حامية مؤلفة من مصريين وسودانيين تقدر بألف مقاتل بينما تداعت أعداد كبيرة من الحصون القائمة في المناطق المجاورة ومن الريف للدفاع عن المدينة، فبلغ عدد المدافعين عنها نحو أربعين ألف محارب شجاع مجهزين تجهيزاً رائعاً بحسب قول الصوري (5). والصوري لا يؤكد ذلك بل يقول: وذكرت إحدى الروايات ونعتقد أن هذا العدد مبالغ فيه كثيراً (6).
- قائد الحامية: كان قائد تلك الحامية هو الحاكم الفاطمي نفسه (افتخار الدولة) الذي
_________
(1) حروب القدس في التاريخ الإسلامي والعربي، ص 55.
(2) المصدر نفسه، ص 57.
(3) المصدر نفسه، ص 57.
(4) المصدر نفسه، ص 57.
(5) حروب القدس في التاريخ الإسلامي والعربي، ص 59.
(6) المصدر نفسه، ص 59.
(1/477)

ما إن علم باقتراب الصليبيين من أسوار المدينة، حتى باشر باتخاذ التدابير اللازمة لحمايتها، فطمر كل الينابيع والآبار الواقعة خارج المدينة كي يحرم المهاجمين من التزود بمياهها، وأخرج منها المسيحيين أهلها، خيشة أن يتعاطف هؤلاء مع أبناء دينهم المهاجمين، فيوقعوا الاضطراب والفوضى في المدينة، ورغبة منه في توفير ما يمكن أن ينفقوه من زاد وغذاء للمسلمين المحاصرين (1).
- أسلحة المدافعين عن المدينة: وأما أسلحة المسلمين المدافعين عن المدينة، فإنها كانت بحسب زعم رنسيمان والصوري تضاهي أسلحة الصليبيين نوعية وتفوقها عدداً، خصوصاً وأنهم -أي المسلمين- كانوا قد احتاطوا لهذا الأمر, فجمعوا الأخشاب اللازمة لصنع الآلات الحربية الملائمة للدفاع عن المدينة المحاصرة كالمجانيق وسواها، وأنشأوا داخل الأسوار آلات حربية معادلة في ارتفاعها لارتفاع آلات الصليبين، وبينما كان الصليبيون يجهدون بدورهم، لإعداد آلات الحصار التي تنقصهم من سلالم ومجانيق، كان المسلمون لا يفتأون يراقبون تصرفاتهم بواسطة حراس يقظين كانوا قائمين على الأسوار باستمرار، ثم يضاهونهم في صنع آلات مماثلة (2)، ويقول الصوري في ذلك: كانت الآلات الحربية التي يصنعونها تُصنع من مواد أفضل من المواد التي صنعت آلاتنا منها، وقد قاموا بهذه الحماسة المثلى، حتى لاتكون آلات حربهم أدنى من آلاتنا في الإنشاء أو في المادة. وكان الحراس يراقبون -من على الأسوار والبروج- كل ما أنجز في جيشنا، وبشكل خاص ما تعلق بالوسائل التي ارتبطت بآلات الحرب، حيث نقلوا على الفور، جميع تفاصيل ما راقبوه إلى الرجال الرئيسيين للقدس، الذين تنافسوا بمهارة، وكافحوا في سبيل محاكاة أعمال المسيحيين (3).
3 - الحصار: ركَّز الصلييون كل قواتهم على الأماكن التي تقربهم من الأسوار، وذلك لعدم توافر العدد الكافي من المقاتلين لفرض حصار على المدينة بكاملها، فاتخذ روبرت النورماندي موضعه على امتداد السور الشمالي, في حين حاصر كل من جودفري وتانكِرد المدينة من الناحية الغربية، وتمركز ريموند الضجلى إلى الجنوب من موضعهما حيث أقام على جبل صهيون، أما القطاعان الشرقي والجنوبي الشرقي فكانا مكشوفين لم يحرسهما أحد. واجهت المحاصِرين، في بادئ الأمر، عدة مشكلات حالت بينهم وبين الاستيلاء على المدينة فوراً لعل أهمها:
_________
(1) الحروب الصليبية (1/ 421).
(2) حروب القدس في التاريخ الإسلامي والعربي، ص 60.
(3) المصدر نفسه، ص 61.
(1/478)

* مقاومة الحامية الفاطمية، إذ توافر لافتخار الدولة المؤن والماء والأسلحة التي تفوَّقت على أسلحة الصليبيين، وأمل أن يصمد في وجه الحصار المدة الكافية لوصول النجدة التي طلبها من القاهرة.
* تأمين الماء نتيجة ما اتخذه افتخار الدولة من تدابير كانت ناجعة وقوية الأثر, وللحصول على الماء كان لابد للصليبيين أن يسيروا ستة أميال أو أكثر، مما يعرضهم لهجمات المسلمين كما أخذت مؤنهم في النفاد.
* الحرارة المرتفعة وقسوتها عليهم.
* تجدد النزاع بينهم حول مصير بيت المقدس، وملكية بعض المراكز المهمة الأخرى مثل بيت لحم.
* انتشار إشاعة بينهم أن جيشاً فاطمياً كبيراً قد خرج من القاهرة، وهو في طريقه لإنقاذ المدينة (1). وتبين لهم أنهم لن يستطيعوا الصمود لحصار طويل، وينبغي عليهم أن يبادروا بالهجوم على المدينة والاستيلاء عليها (2).
4 - الهجوم الأول للقوات الصليبية: قرر القادة الصليبيون شن هجومهم على المدينة في فجر اليوم السادس للحصار (أي في فجر 13 حزيران/يونيو)، وأعطيت الأوامر للقوات بالاستعداد للهجوم بالعتاد الكامل، وبحماية دروعهم، وأذيعت تلك الأوامر «بصوت المنادي» وعلى الجميع من أدناهم على أعلاهم في اليوم السابق للهجوم، أي اليوم الخامس للحصار (3). وفي الساعة المحددة، انطلق الصليبيون باتجاه السور بكل ما يدخرون من حماسة. وهاجموا السور الخارجي للمدينة من الجهة الشمالية واستمر القتال ضاريًا بين الفريقين من الفجر الباكر وحتى حوالي الساعة السابعة من النهار، حين استطاع المهاجمون أن يدمروا القسم الخارجي من السور الشمالي وأن يتغلبوا على حامية السور التي انكفأت إلى الداخل لتدافع عن الأسوار الداخلية، وأصبح السور الخارجي تحت سيطرة المهاجمين، لولا أن هؤلاء افتقدوا الوسائل اللازمة لتسلق السور الذي احتلوه، من سلالم وأوهاق, وحاولوا تسلقه جاهدين، ولكن دون جدوى فعادوا أدراجهم إلى مراكزهم الأساسية، بعد خسارة لا يستهان بها في الرجال (4).
5 - العودة إلى الاستعداد للقتال: تدارس القادة الصليبيون الوضع، بعد فشل
_________
(1) تاريخ الفاطميين، ص 435.
(2) المصدر نفسه، ص 435.
(3) حروب القدس في التاريخ الإسلامي والعربي، ص 61.
(4) المصدر نفسه، ص 62.
(1/479)

هجومهم على المدينة في اجتماع عقد لهذه الغاية بتاريخ 15 حزيران، فقرروا التوقف عن تنفيذ أي هجوم ريثما يتم الإعداد العسكري للمعركة الحاسمة، وكان هذا الإعداد يقتضي الإسراع في إنشاء ما يحتاجه الجيش من آلات التدمير والاقتحام، وأهمها المجانيق وسلالم التسلق، وكانوا يفتقرون إلى المواد اللازمة لصنع هذه الآلات، وأهمها الأخشاب والحبال والمسامير والأقفال، ولكنهم دبروا أمر الأخشاب من المناطق البعيدة عن القدس حيث تكثر الأشجار, واستطاع تنكرد والكونت روبرت كونت النور ماندي، وكونت الفلاندر الحصول على كميات من هذه الأخشاب التي نقلت إلى المعسكرات على ظهور الإبل والعربات والأسرى المسلمين، بينما تدبروا أمر الحبال والمسامير والأقفال من سفينتين مبحرتين من جنوى رستا في ميناء يافا, وكان المسلمون قد أخلوا المدينة وهي تحمل لهم مؤناً وأسلحة ومعدات للحصار. ونشط العمال الحرفيون من حدادين ونجارين، بإشراف غودفروا وريموند دي سان جيل في إعداد آلات الحرب اللازمة من مجانيق وعرّادات وأوهاق وكباش دك وآلات أخرى، كما صنعوا أبراجاً خشبية تطل على السور وتشرف عليه وهي برج غودفروا وريموند، وبرج تانكرد (1). في هذه الأثناء، وبينما كان الاستعداد للهجوم الحاسم يجري بطيئاً في معسكرات الصليبيين، كانت معاناة هؤلاء من افتقارهم إلى الماء والزاد تزداد، فقد وصلوا، في بحثهم عن الماء حتى نهر الأردن، وكانت الأغنام والأبقار المعدة لإطعام الجند تنفق، بدورها، جوعاً وعطشاً، ومن شدة الحر، وذلك رغم مساعدة المسيحيين من أهل البلاد أولئك الذين أظهروا الولاء للصليبيين، فأضحوا أدلاء يرشدونهم إلى الينابيع والغابات الواقعة من الجهات المجاورة (2)،
ومع ذلك، فقد كان عليهم أن يدفعوا عن مواقعهم غارات المسلمين وكمائنهم، وسهام حامية المدينة وقذائفها. وفوق ذلك كله، فقد دب الخلاف بين قادة الحملة، وخصوصاً بين تانكرد الذي كان قد استولى على بيت لحم ورفع لواءه فوق كنيسة المهد، مما أغضب باقي القادة، كما دبّ الخلاف بينهم حول مسألة مستقبل القدس بعد احتلالها, هذا بالإضافة إلى المعاناة اليومية للجند، حيث كان يموت العديد منهم، يومياً، ظمأً وحراً وجوعاً، مما دفع بالكثيرين إلى التخلي عن الحملة ومحاولة العودة إلى بلادهم (3).
ويتحدث كل من «غروسيه» و «الصوري» و «رنسيمان» عن الوسائل التي استخدمها القادة الصليبيون لرفع معنويات جندهم التي انهارت إلى حد كبير، وخصوصاً عندما سرت في صفوفهم إشاعة عن تحرك جيش من مصر باتجاه القدس لتخليصها من حصار الفرنجة لها,
_________
(1) حروب القدس في التاريخ الإسلامي والعربي، ص 63.
(2) المصدر نفسه، ص 63.
(3) المصدر نفسه، ص 63.
(1/480)

وكان ذلك في أول تموز/ يوليو، فعمدوا يوم 8 تموز إلى إعلان الصوم الكامل، والحج، وجماعة، إلى جبل الزيتون، بقيادة رجال الدين والقادة العسكريين، وسار الصليبيون جميعاً إلى «الجبل المقدس» , وخرج الجند المسلمون إلى الأسواق يشاهدونهم وهم يسخرون. وعلى الجبل ألقى كل من القديس بطرس الناسك وريموند أجيل قسيس ريموند وأرنولف روز قسيس روبرت النورماندي عظة ألهب بها عواطف الجند والقادة وحماستهم، فعادوا وقد نسوا، جميعهم، ما كان بينهم من مشاحنات، ليعملوا يداً واحدة في سبيل «تحرير»
بيت المقدس (1).
6 - الهجوم الحاسم: بدأ الصليبيون هجومهم على القدس ليل 13 - 14 تموز/ يوليو 1099م على محورين:
المحور الأول: شمال - جنوب بقيادة غودفروا دي بويون ومعه روبرت
كونت الفلاندر وروبرت كونت النورماندي، وتانكرد, وهو من باب الساهرة باتجاه
الحرم الشريف.
المحور الثاني: جنوب- شمال، بقيادة ريموند دي سان جيل كونت تولوز ومعه بعض النبلاء والقادة، وهو من جبل صهيون «قبالة باب صهيون»، باتجاه القلعة أو حصن داود. ووفقاً لما ذكره المؤرخ ريموند آغيلرز، وهو شاهد عيان للمعركة، بلغ عدد المهاجمين 12 ألف مقاتل من المشاه أو 13 ألف مقاتل (2). إلا أن المهاجمين لم يتمكنوا من إحراز أي تقدم طيلة اليوم الأول 14 تموز، إذ إنهم كانوا يجابهون بما ترميه عليهم آلات الحرب ومعدات القذف من نبال وقسي وسهام وقذائف حجرية وخرق مبللة بالزيت ومشتعلة وقوارير ملتهبة ونار إغريقية، بينما كانت حجارتهم تسقط على أسوار المدينة وتحصينات المسلمين بلا أية فعالية تذكر، نظراً لأن المسلمين حصنوا تلك الأسوار والتحصينات «بأكياس مليئة بالقش والتبن» وبالحبال والمنسوجات والعوارض الخشبية الضخمة والفرش المحشوة بالحرير، وكانت هذه تشكل -بطراوتها وليونتها- عازلاً بين الحجارة المقذوفة وتلك الأسوار والتحصينات، إلا أنه في صباح اليوم التالي اعتمد المهاجمون أسلوباً آخر في القتال (3).
- عمليات المحور الأول «المحور الشمالي»: بدأت عمليات هذا المحور، بقيادة غودفروا دي بويون، ليل 13 - 14 تموز/ يوليو، بمحاولة تقدم من جهة باب الساهرة نحو السور، يصحبها طمر الخندق العريض، والعميق المحفور حوله من الخارج بغية دفع آلات الحرب
_________
(1) حروب القدس في التاريخ الإسلامي والعربي، ص 64.
(2) المصدر نفسه, ص 66.
(3) المصدر نفسه, ص 66.
(1/481)