Advertisement

دولة السلاجقة ومقاومة التغلغل الباطني والغزو الصليبي 003



الكتاب: دولة السلاجقة وبروز مشروع إسلامى لمقاومة التغلغل الباطني والغزو الصليبي
المؤلف: عَلي محمد محمد الصَّلاَّبي
الناشر: مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة
الطبعة: الأولى، 1427 هـ - 2006 م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] والبروج المتنقلة نحوه، ولكن الرمايات الكثيفة التي نفذتها حامية المدينة، على هذا المحور، بمختلف أنواع الأسلحة، أعاقت تقدم المهاجمين إلى حد كبير, فبينما كان المهاجمون يجهدون لدفع بروجهم وآلات حربهم نحو السور بغية السيطرة عليه وعلى التحصينات القائمة خلفه، كان المدافعون يجهدون في عرقلة أعمال المهاجمين هذه برميهم بالقذائف المشتعلة، والنبال المحملة بالكبريت الملتهب والإسفلت والزيت، أو أي شيء آخر يزود ألسنة النيران بالوقود بالإضافة إلى ما كانت ترميه المجانيق وآلات الحرب الأخرى من نبال وسهام وحجارة ضخمة. وكان المهاجمون ينشطون في إطفاء الحرائق التي كانت تشتعل، من جراء ذلك، في آلاتهم الحربية. وهكذا انقضى اليوم كله دون أن يحقق المهاجمون تقدماً يذكر، خصوصاً أن رماياتهم على سور المدينة وتحصينات حاميتها لم تكن فعالة بالقدر الكافي، وذلك بسب التدابير التي اتخذها المدافعون عن ذلك السور وتلك التحصينات. وما أن بدأ الليل يقترب حتى بدأ النزاع يخّف ورمايات الفريقين تقّل تدريجياً، دون أن يتخلى أي منهما عن حذره وسلاحه، ومر ليل 14 - 15 والفريقان على حذرهما وسلاحهما، يرقب كل منهما تحركات خصمه لمنع وقوع أي ضرر عليه، فبينما كان المدافعون حذرين كي لا يتسلل العدو إلى داخل المدينة عن طريق إحداث ثغرة في الصور، أو تسلق التحصينات (1)،
لذا كان الخوف والحذر مستمرين ومتبادلين بين الفريقين طيلة ليل 14 - 15 تموز/ يوليو, إلا أن القتال مالبث أن استؤنف صباح يوم 15 تموز، وذلك عندما استأنف غودفروا هجومه بعنف، على السور، محاولاً أن يقترب منه ببرجه المتحرك وآلات حربه، وكان البرج مغطّى بجلود الحيوانات المسلوخة حديثاً وذلك لحماية الجسور من النار الإغريقية (2)، والتي يرميها المسلمون, واستطاع غودفروا، بعد جهد ومشقة، أن يصل ببرجه إلى حافة السور، وأن يمد، عند ظهر ذلك اليوم، جسراً من البرج إلى السور، عند باب الساهرة، وكان «غودفروا» وأخوه «يوستاس» في الطابق العلوي من البرج، عندما تقدم اثنان من مقاتليه «وهما ليتولد وجبلبرت من تورناي» واقتحما السور، فتبعهما كل من غودفروا وأخيه، فكانوا أول من دخل مدينة القدس من المقاتلين الصليبيين صبيحة يوم 15 تموز، يوليو 1099م. وما لبث، بعد ذلك، أن تدافع المهاجمون نحو السور يتسلقونه بسلالمهم وأوهاقهم، على رأسهم روبرت كونت الفلاندر وروبرت كونت النورماندي وتانكرد، مما جعل المدافعين يتراجعون، مذعورين، نحو الحرم الشريف لكي يحتموا به ولكن المهاجمين تبعوهم إلى المسجد الأقصى حيث جرت -كما يذكر مؤرخ «صليبي» مجهول- «مجزرة» كان من نتيجتها أن «مشى رجالنا
_________
(1) حروب القدس في التاريخ الإسلامي والعربي، ص 67.
(2) المصدر نفسه، ص 68.
(1/482)

في الدم حتى كعوب أقدامهم» (1). بعد ذلك، وزع غوفروا المهام على قادة الفرق، فأرسل منهم من يفتح «باب العمود» للقوى التي كانت لا تزال خارج المدينة, كما أرسل فرقة اقتحمت المدينة من الشرق، من باب يهوشافاط. أما تانكرد فتقدم، من تلقاء نفسه، نحو «الحرم الشريف» حيث كانت «قبة الصخرة» بما تزخر به من ثروة.
ذكر ابن الأثير أنها كانت نيفاً وأربعين قنديلاً من الفضة، وزن كل قنديل 3600درهم، وتنوراً لا مصباحاً كبيراً «من فضة وزنه أربعون رطلاً بالشامي، ومن القناديل الصغار 150قنديلاً نقرة، ومن الذهب نيفاً وعشرين قنديلاً» فغنمها كلها وغنم الصليبيون من المسجد الأقصى، كما يذكر ابن الأثير أيضاً ما لا يقع عليه الإحصاء (2)، وكان قد لجأ إلى سطح المسجد مئات من المسلمين أعطاهم «تانكرد» الأمان وأعطاهم رايته ضماناً لهم، إلا أنهم، في اليوم التالي، ذبحوا جميعاً، ذبح النعاج، على أيدي جنود صليبيين دخلوا الحرم الشريف وقتلوهم جميعاً بلا استثناء لولد أو شيخ أو امرأة، غير عابئين بالأمان الذي أعطاهم إياه تانكرد، ولا برايته التي رفعوها اعتقاداً منهم أنها ستحميهم (3).
- عمليات المحور الثاني «المحور الجنوبي»: بدأ ريمون، كونت تولوز، يعد للهجوم قبل ثلاثة أيام من بدئه، أي من تاريخ 12 تموز/يوليو، حيث كان عليه أن يطمر خندقاً عريضاً وعميقاً يفصل بين السور من الخارج وبين مواقعه، ويجعل وصوله إلى السور، مع برجه وآلات حربه، صعباً إن لم يكن مستحيلاً, وقد لاقى ريموند مشقة كبيرة في أداء هذه المهمة، خصوصاً أن نيران الحامية «ومنها النار الإغريقية» التي كانت تقذف عليه من داخل السور، ومن حصن داود أو القلعة لم تكن لتوفر له الراحة والأمان لبلوغ المهمة، ومع ذلك فإن ريموند استطاع مساء 14 تموز/ يوليو، أن يدفع ببرجه المتنقل فوق الخندق، وفي ليل 14 - 15 تموز بدأ ريموند وقواته محاولة صعبة للتقدم من جبل صهيون قبالة باب النبي داود باتجاه القلعة أو حصن داود. وقد لقي المهاجمون، على هذا المحور، مقاومة أشد من تلك التي لقيها المهاجمون على المحور الأول، خصوصاً أن حاكم المدينة أو قائد حاميتها (افتخار الدولة) كان يقود الجبهة المواجهة لريموند وقواته. واستمر القتال طيلة ظهر 15 تموز، وفي هذه الأثناء، كان غودفروا قد احتل الجهة الشمالية وتوغل في المدينة دون أن يعلم ريموند بالأمر، ولا خصمه افتخار الدولة، الذي كان يقاتل في مواجهته إلا أن صرخات الجنود المنتصرين
_________
(1) حروب القدس في التاريخ الإسلامي والعربي, ص 68.
(2) الكامل في التاريخ (8/ 405).
(3) حروب القدس في التاريخ الإسلامي والعربي، ص 69.
(1/483)

وصيحات الرعب والفزع التي كانت تصدر عن المسلمين الهاربين من وجه المهاجمين أيقظت افتخار الدولة على الحقيقة المرة، كما نبهت ريموند إلى انتصار حلفائه في الجهة الشمالية، فانكفأ افتخار الدولة برجاله نحو القلعة أو حصن داود ليعتصم فيها، بينما تقدم ريموند إلى السور فأنزل الجسر عليه من برجه المتنقل بدون مقاومة، ورفع سلالمه إلى الأسوار، ودخل المدينة من دون أدنى إعاقة (1)
من قبل المسلمين الذين كانوا قد تخلوا نهائياً عن القتال، وفتح ريموند الباب الجنوبي (باب النبي داود عليه السلام) لمقاتليه فدخلوا المدينة منتصرين. أما افتخار الدولة فقد طلب من ريموند الأمان لكي يخرج ورجاله من القلعة ويغادروا المدينة، فأمنه ريموند، وخرج افتخار الدولة ورجاله إلى عسقلان حيث انضموا إلى ما تبقى في فلسطين من جيوش تابعة للدولة الفاطمية. وهكذا سقطت القدس كلها، بيد الغزاة الصليبيين، يوم الجمعة الخامس عشر من تموز عام 1099م الموافق الثالث والعشرين من شعبان عام 492هـ، وذلك بعد حصار دام 39 يوماً من 7 حزيران/ يونيو (2).
7 - وحشية الحضارة الغربية الصليبية: يذكر ابن الأثير أن الصليبيين قتلوا في المسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفاً منهم جماعة كثيرة من أئمة المسلمين وعلمائهم وعبّادهم وزهّادهم (3). أما من كان في القدس من اليهود، في هذه الأثناء -وكان افتخار الدولة قد سمح لهم بالبقاء في المدينة بينما أمر المسيحيين بالخروج منها خشية أن يتعاطفوا مع أبناء دينهم- فقد لجأوا إلى كنيسهم إلا أن المقاتلين الصليبيين حشروهم جميعاً في معبدهم الكبير حيث لجأوا، وأحرقوا المعبد، وهم بداخله، فقضوا جميعهم حتفهم حرقاً بحجة أنهم ساعدوا المسلمين (4). ويقول ابن القلانسي في ذلك، وهو قد عاش هذه الفترة وزمانها: وقتل خلق كبير وجمع اليهود في الكنيسة وأحرقوها عليهم (5)، ويذكر رنسيمان أن مذبحة القدس تركت أثراً عميقاً في جميع العالم, وأن عدد ضحاياها ليس معروفاً بالضبط. وأن القدس خلت بعد هذه المذبحة من سكانها المسلمين واليهود، وأنه «لم يثر التعصب الإسلامي، من جديد، إلا التعصب المسيحي الذي دلّ عليه ما لجأ إليه الصليبيون من سفك الدماء» (6)، ويصف الأسقف وليم الصوري هذه المذبحة وصفاً تقشعر له الأبدان، إذ يقول: بات من المحال النظر إلى الأعداد الكبيرة للمقتولين دون هلع، فقد انتشرت أشلاء الجثث البشرية في كل مكان,
_________
(1) حروب القدس في التاريخ الإسلامي والعربي،، ص 70.
(2) المصدر السابق، ص 70.
(3) الكامل في التاريخ (8/ 405).
(4) حروب القدس في التاريخ الإسلامي والعربي، ص 70.
(5) ذيل تاريخ دمشق، ص 222.
(6) حروب القدس في التاريخ الإسلامي والعربي، ص 71.
(1/484)

وكانت الأرض ذاتها مغطاة بدم القتلى، ولم يكن مشهد الجثث التي فصلت الرؤوس عنها، والأضلاع المبتورة المتناثرة في جميع الاتجاهات، هو وحده الذي أثار الرعب في كل من نظر إليها, فقد كان الأرهب من ذلك هو النظر إلى المنتصرين أنفسهم وهم ملطخون بالدم من رؤوسهم إلى أقدامهم ..
ويروى أنه هلك داخل حرم الهيكل فقط، قرابة عشرة آلاف من الكفرة بالإضافة إلى القتلى المطروحين في كل مكان من المدينة، في الشوارع والساحات، حيث قدّر عددهم أنه كان مساوياً لعدد القتلى داخل حرم الهيكل، وطاف بقية الجنود خلال المدينة بحثاً عن التعساء الباقين على قيد الحياة، والذين يمكنهم أن يكونوا مختبئين في مداخل ضيقة وطرق فرعية للنجاة من ألموت، وسحب هؤلاء على مرأى الجميع وذبحوا كالأغنام، وتشكل البعض في زمر واقتحموا المنازل حيث قبضوا على أرباب الأسر وزوجاتهم وأطفالهم وجميع أسرهم، وقتلت هذه الضحايا أو قذفت من مكان مرتفع حيث هلكت بشكل مأساوي (1).
ووصف شاهد عيان أفرنجي المذبحة التي أحدثها الصليبيون بالقدس بقوله: شاهدنا أشياء عجيبة إذ قطعت رؤوس عدد كبير من المسلمين, وقتل غيرهم رمياً بالسهام أو أرغموا على أن يلقوا بأنفسهم من فوق الأبراج .. وكنا نرى في الشوارع أكوام الرؤوس والأيدي والأقدام (2). ووصف ذلك أفرنجي آخر كان مرافقاً للصليبيين: كان رجالنا يخوضون حتى كعوبهم في دماء القتلى (3)، وقد انطلق الصليبيون في جميع أنحاء المدينة يستولون على الذهب والفضة من داخل المساجد والدور، واستمر الصليبيون في القتل والنهب لمدة أسبوع (4). وإصدر قادة الصليبيين أمراً بطرح جثث المسلمين خارج المدينة التي امتلأت بالجثث, فقام بهذه المهمة العدد القليل من المسلمين الذين وقعوا أسرى بيد الصليبيين ولم يقتلوا، وفقراء الجيش الصليبي مقابل راتب يومي وألقوهم أمام أبواب المدينة وتعالت أكوامهم حتى حاذت البيوت ارتفاعاً وما تسنى لأحد قط أن سمع أو رأى مذبحة مثل هذه المذبحة الصليبية. لقد رأينا، في كل شوارع المدينة وأحيائها، تلالاً من الرؤوس والأيدي والأرجل. لقد كان الناس يمشون علنا وبهدوء على جثث الرجال والخيل. ويستطرد: إنني لا أقدم -في وصف هذا- سوى القليل من الرعب الذي شاهدته، وإذا أنا وصفت كل ما شاهدته فلن تصدقوني (5).
_________
(1) حروب القدس في التاريخ الإسلامي والعربي، ص 71.
(2) قصة الحضارة (4/ 25).
(3) أعمال الفرنجة، ص 118, القدس عشية الغزو الصليبي، ص 122.
(4) القدس عشية الغزو الصليبي ص123.
(5) حروب القدس في التاريخ الإسلامي والعربي، ص 73.
(1/485)

وإننا لنستذكر، أمام وحشية الحضارة الغربية وهمجية الروح الصليبية هذه ما قاله المفكر الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه حضارة العرب: لم يعرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب (1).
ولا شك أن رجال الدين المسيحي لهم دور أساسي في هذه المذبحة، فقد كانوا يحفزون الصليبيين للانتقام للسيد المسيح ابتداء بالبابا أوربان الثاني وانتهاء برجال الدين المرافقين للحملة الصليبية (2).
8 - دور رجال الدين المسيحي في سقوط القدس: ويظهر دور رجال الدين المسيحي في سقوط القدس بصورة جلية، فبعد أن اشتدت مقاومة المسلمين لهم، مع اشتداد درجة حرارة الجو عليهم، وانعدام مياه الشرب، شعر رجال الدين المسيحي بالإحباط والوهن الذي أصاب الصليبيين, وقد قام أحد القساوسة وأشاع بأنه رأى الأسقف أدهيمر في منامه يأمره أن ينبه الصليبيين بالكف عن أنانيتهم، وأن يصدقوا النية في أداء المهمة التي خرجوا من أجلها، وأن يتجهوا بقلوب صافية إلى الله، وأكد لهم أن النصر سيتم لهم خلال أيام قلائل، على أن يخرجوا حفاة في موكب يسيرون به حول أسوار بيت المقدس (3). وعلى الفور عقد قادة الحملة الصليبية الأولى اجتماعاً يدرسون فيه كيفية تنفيذ ما طلبه أدهيمر في هذه الرؤيا. ويصف المؤرخ اللاتيني توديبود - أحد المشاركين في هذه الأحداث- فيقول: عقد قادتنا اجتماعاً أوصاهم فيه المطران والقساوسة بالسير حول أسوار بيت المقدس حفاة الأقدام, يرتدون ملابس الكهنوت المقدسة، يحملون في أيديهم الصلبان, ينشدون المزامير، ويدعون السيد عيسى المسيح لتخليص المدينة المقدسة، والقبر المقدس من أيدي الكفرة، وأن يضعوها بين أيادي المسيحيين حتى يتمكنوا من أداء طقوسهم المقدسة .. وكان جميع رجال الدين يرتدون نفس الملابس ويحيط بهم جميعاً على الجانبين الفرسان وتابعوهم بكل عدتهم وعتادهم (4)،
وعندما رأى المسلمون موكب الصليبيين الحفاة وهم يطوفون حول أسوار بيت المقدس، وقفوا على طول أسوار المدينة يحملون المصاحف المغطاة بالقماش على أسنة الرماح وينفرد توديبود -كشاهد عيان - بهذا الوصف الدقيق لرد فعل المسلمين على مسيرة الصليبيين حول بيت المقدس، فأوضح أن المسلمين عندما رأوا ذلك المشهد، ساروا على نفس الطريقة على طول أسوار المدينة يحملون رماحًا مغطاة بقماش مرسوم عليه اسم الرسول - صلى الله عليه وسلم -. ولما وصل المسيحيون عند كنيسة القديس ستيفن، بينما وقف المسلمون
_________
(1) حروب القدس في التاريخ الإسلامي والعربي، ص 73.
(2) القدس عشية الغزو الصليبي ص123.
(3) دور الفقهاء والعلماء المسلمين في الشرق الأدني في الجهاد ضد الصليبيين، ص 245.
(4) المصدر نفسه، ص 245.
(1/486)

يصيحون ويهتفون فوق الأسوار، ويدقون طبولهم في ضجيج وصخب وجعلوا المسيحيين عرضة لكل ما يستطيعون ويقدرون عليه من سخرية واستهزاء (1)، ويستكمل توديبود وصفه قائلاً: وكان أسوأ ما في الأمر أن المسلمين أقدموا على تحطيم الصليب المقدس بقطعة من الخشب أمام أعين المسيحيين جميعاً .. ذلك الصليب الذي أراق المسيح دمه عليه وافتدى بذلك خلاص البشرية جميعاً .. وإمعاناً في أذية المسيحيين فقد قذفوا بحطامه من فوق الأسوار وهم يصيحون استهزاء بالصليب (2)، وعندئد ازداد حماس الصليبيين فقاموا بهجوم شامل على بيت المقدس في اليوم التالي للمسيرة، وسقطت المدينة في أيديهم على الرغم من المقاومة العنيفة التي قام بها المسلمون لصد الصليبيين عن مدينتهم، ولما دخل الصليبيون المدينة قاموا بعمل مذبحة رهيبة لكل من وجدوه بالمدينة (3).
وهكذا يتضح لنا كيف كان رجال الدين المسيحي يستغلون قوة تأثير العامل الديني على عقول المسيحيين فيقومون بترويج الشائعات والأساطير ذات الطابع الديني لإثارة مشاعر المقاتلين ارتفاعاً والتفاني في القتال حتى ينتصروا ويحققوا أغراضهم وأطماعهم الاستعمارية في الأراضي المقدسة، هذا في الوقت الذي لم نعثر فيه في بطون المصادر الإسلامية ما يفيد عن دور جدي للفقهاء والعلماء في تلك الفترة الزمنية يعتمد على إلقاء الخطب الحماسية التي تذكر المقاتلين بأمجاد المسلمين الأول وانتصاراتهم أيام الرسول - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الراشدين - رضوان الله عليهم - من بعده فتزداد حماستهم وترتفع روحهم المعنوية؛ مما يساعد على مواصلة القتال والانتصارات على أعداء الدين, وتحرير بلادهم من براثن الاستعمار الصليبي، ولعل ذلك مرجعه إلى هول المفاجأة التي أصابت العالم الإسلامي وقتئذ بالعدوان الصليبي على المنطقة فضلاً عن انصراف العلماء والفقهاء لفض بعض المنازعات القائمة بين أقطاب العالم الإسلامي حينئذ وهم العباسيون والفاطميون والسلاجقة, والعمل على توحيد جهودهم لمواجهة العدو الصليبي.
ومن ناحية أخرى ربما يكون أولئك الفقهاء لم يدركوا أهمية المناطق التي استولى عليها الصليبيون مثل الرها وأنطاكية، ولكن عندما فقدوا بيت المقدس أفاقوا من هول الصدمة وبدأوا يتحركون ويباشرون جهودهم, فقام كثير من الفقهاء والعلماء والقضاة في بلاد الشام بدور كبير في توعية الناس في كل مكان بهذا الخطر الفظيع، وبضرورة الوقوف صفاً واحداً لصد هذا العدوان الغاشم، فخرجت جماعات كثيرة من مسلمي بلاد الشام وبصحبتهم الكثير من العلماء والفقهاء، واتجهوا إلى بغداد واستغاثوا بالخليفة العباسي وبالسلطان السلجوقي، واجتمعوا بالناس في المساجد وأعلموا الجميع بما لاقاه المسلمون من مذابح بشعة على أيدي الصليبيين،
_________
(1) دور الفقهاء والعلماء المسلمين في الشرق الأدني في الجهاد ضد الصليبيين، ص 246.
(2) دور الفقهاء والعلماء المسلمين في الشرق الأدني في الجهاد ضد الصليبيين، ص 246.
(3) دور الفقهاء والعلماء المسلمين في الشرق الأدني في الجهاد ضد الصليبيين، ص 246.
(1/487)

وألقوا الشعر في ديوان الخليفة في بغداد يحثون فيه أولي الأمر على سرعة إنجاد أهل الشام حماية للدين وللمحارم، فاضطر الخليفة إلى الاستجابة وقام بندب الفقهاء للخروج إلى البلاد لتحريض الملوك على الجهاد. وعلى الرغم من قيام الفقهاء بالمهمة على الوجه الأكمل، فإن ذلك لم يأت بطائل ولم يحرك ساكنا، فعاد الفقهاء إلى بغداد (1)، وجدير بالذكر أن المؤرخ ابن الأثير قام بالتعقيب على حالة التفكك التي أصابت العالم الإسلامي في تلك الفترة، والتي أدت إلى ضياع صرخات واستغاثات المسلمين بلا استجابة من قبل أولى الأمر، فأرجعها إلى اشتغال الحكام والملوك المسلمين وعساكر الإسلام بقتال بعضهم بعضاً، مما ساعد على تفرق المسلمين واختلاف الأهواء وتمزق الأموال (2).
9 - فشل الفاطميين في استعادة بيت المقدس: كان سقوط بيت المقدس في أيدي الصليبيين بمثابة الضربة القاصمة التي وجهت إلى العالم الإسلامي بصفة عامة، وإلى الدولة الفاطمية بصفة خاصة, وبرز صراع على المصالح بين الفاطميين والصليبيين, فأخذ الوزير الفاطمي الأفضل بن بدر الجمالي يفكر جدياً في استعادة هذا الجزء من الأراضي الإسلامية، فأخرج من مصر ثلاث حملات حربية في الفترة الممتدة من 495 - 499هـ/1101 - 1105م موجهة ضد القوات الصليبية الموجودة في فلسطين لكي يثبت للصليبيين مدى يقظة الدولة الفاطمية وغيرتهم على كل شبر من الأراضي التابعة لهم، ولكن باءت هذه المحاولات الثلاث بالفشل، ولم تحقق الهدف المنشود لها وهو استعادة بيت المقدس. وفي أثناء محاولة الصليبيين صد هذه الحملات الثلاث بقيادة بلدوين الأول ملك بيت المقدس، قام بعض رجال الدين المسيحي بأدوار بارزة لحث الصليبيين على الشجاعة والوقوف بصلابة في مواجهة الجيوش الفاطمية، مستخدمين في ذلك كل الوسائل كالمشاركة في حمل السلاح للقتال، والوعظ والخطب في جموع الصليبيين، وحمل الصلبان أمام الجيوش لتحميس الصليبيين على القتال بشجاعة، ومن تلك المواقف التي سجلت لرجال الدين المسيحي موقف رئيس الشمامسة - أرنول مالكورن - الذي خطب خطبة حماسية لإثارة مشاعر المقاتلين لصد حملة المصريين على الرملة سنة 495هـ/1101م، وكذلك ما قام به المندوب البابوي موريس من تلاوة نصوص لإدخال الطمأنينة في نفوس المقاتلين بعد أن انتابهم الرعب عندما رأوا ضخامة القوات الفاطمية، ثم قام الملك بلدوين بعد ذلك بحمل الصليب المقدس أمام المقاتلين الصليبيين ليدخل الطمأنينة في نفوسهم، وخطب في المقاتلين خطبة دينية أعاد لهم الثقة بأنفسهم وتمسكهم بالأمل في النصر (3).
_________
(1) دور الفقهاء والعلماء المسلمين في الشرق الأدنى، ص 248.
(2) المصدر نفسه نقلا عن الكامل في التاريخ، ص 248.
(3) دور الفقهاء والعلماء المسلمين في الشرق الأدنى، نقلا عن الكامل في التاريخ، ص 249.
(1/488)

وكان لهذه الخطبة بالفعل أثرها الكبير على الصليبيين، فعادت إليهم الثقة والشجاعة وهتفوا بصوت عال قائلين: ساعدنا يارب, ساعدنا يارب. ثم قبلوا الصليب المقدس وقاموا بالصلاة لله حتى ينصرهم في تلك المعركة، وفي الوقت نفسه وصلت معونات من غرب أوربا لتعزيز هذه القوات فساعدت على زيادة قوة وشجاعة الصليبيين، وتحقق بذلك النصر على المسلمين في حملة الرملة الأولى عام 495هـ/1101م, وكذلك برز دور روبرت روان - مطران مدينة الرملة- أثناء الحملة الفاطمية الثانية على الرملة سنة 495هـ/1102م حيث تذكر بعض المصادر اللاتينية المعاصرة لتلك الأحداث، أن هذا المطران عقد اجتماعاً مع كبار أهالي المدينة للتشاور معاً، عقب استيلاء المسلمين عليها، وتقرر في هذا الاجتماع ضرورة إرسال مندوب عنهم إلى الملك بلدوين الأول بيافا لطلب النجدة منه (1)، وهكذا نجد رجل الدين الغربي يقوم أحياناً محل حاكم المدينة في التصدي لقوات العدو عند أي هجوم مفاجئ على المدن الصليبية, وهذا ما نلمسه بالنسبة لوضع الفقهاء والعلماء داخل مدنهم. وقد انتهى الصراع عند مدينة الرملة بانتصار الفاطميين انتصاراً كبيراً نتج عنه إبادة كل أفراد الجيش الصليبي باستثناء بلدوين الذي تمكن من الفرار إلى يافا (2).
وأما بالنسبة للحملة الثالثة التي أرسلها الوزير الفاطمي الأفضل إلى الرملة سنة 498هـ/1105م، فقد لعب أثناءها أفريمار بطريك بيت المقدس دوراً مهمًا وخطيراً، فعندما تقابل الجيشان الفاطمي والصليبي في مفترق الطرق عند الرملة خشى الملك بلدوين من التفوق العددي للقوات الفاطمية فأرسل مندوباً عنه برسالة إلى أفريمار يطلب منه أن يتفرغ إلى الله هو والعامة من الشعب وأن يكثروا من الصلاة والصوم والزكاة ليكون هذا بمثابة فدية أو قربان إلى الله لمساعدة الفرنج حتى النصر، وليحمي الله الفرنج من أية هزيمة قد تلحق بهم. كما طلب منه الملك بلدوين أيضاً أن يعظ الناس ويحثهم على ضرورة التطوع لحمل السلاح والإسراع إلى ميدان القتال للانضمام لإخوانهم لمساندتهم في حروبهم ضد المسلمين (3)، وفي الحال أمر أفريمار بدق أجراس الكنائس، فاجتمع الناس جميعاً عنده، فخطب فيهم قائلاً: يا أصدقائي ... يا خدم المسيح لقد حضر هذا المبعوث من قبل الملك بلدوين ليخبرنا أن المعركة ستبدأ مع المسلمين عند الرملة. ومن أجل تحقيق النصر يتحتم علينا التضرع إلى الله، وكثرة الصلاة، وأخبرنا هذا المندوب الملكي بأن الملك قد أخر بدء المعركة إلى الغد حتى يوافق هذا اليوم عيد القيامة المجيد, ولذلك فإنني أطلب منكم جميعاً
_________
(1) دور الفقهاء والعلماء المسلمين في الشرق الأدنى، ص 250.
(2) المصدر نفسه، ص 250.
(3) المصدر نفسه، ص 251.
(1/489)

إقامة الصلوات والتعبد طوال هذه الليلة، وعند بزوغ فجر الغد توجهوا حفاة إلى الأماكن المقدسة بالمدينة، تاركين وراءكم كل شهواتكم، مذللين أنفسكم، متضرعين إلى الله بكل التقوى والإيمان لينقذنا من أيدي الأعداء، ولينصرنا عليهم. أما عن نفسي فإنني ذاهب في الحال للوقوف بجوار الملك .. واعلموا جيداً بأنني سوف أحث جميع القادرين منكم على حمل السلاح على أن يأتوا معي لسد حاجة الملك من المقاتلين (1)،
وكان لهذا النداء صدى كبير لدى كثير من المسيحيين الموجودين في القدس, فسرعان ما تقدم أكثر من مائة وخمسين مقاتلاً أبدوا رغبتهم في الانضمام إلى المعسكر الصليبي بالرملة لمناصرة زملائهم. وفي صباح اليوم التالي ذهب برفقة هؤلاء المتطوعين كثير من القساوسة وعلى رأسهم أفريمار بطريرك بيت المقدس حاملاً الصليب المقدس، وقد وصلت هذه الجموع برئاسته إلى الملك بلدوين، وكان أفريمار قد أحضر الصليب المقدس معه حتى تتم البركة به، وعند وصولهم استقبلهم الملك بفرح وسرور عظيمين, وارتفعت الروح المعنوية لدى المقاتلين الصليبيين، وقاموا جميعاً بأداء صلاة الشكر والدعاء لله قبل أن تبدأ المعركة (2). وعند طلوع فجر يوم المعركة -يوم الأحد 14 ذي الحجة 498هـ - 27 أغسطس 1105م- ركب حصانه وأخذ يغدو ويروح أمام صفوف الصليبيين ويباركهم، ليرفع من روحهم المعنوية ويشجعهم على القتال بنفوس مطمئنة بأن النصر سيكون حليفهم (3)، فكان لهذه الجهود جميعها تأثير كبير وشديد في زيادة حماس المقاتلين الصليبيين تحت قيادة الملك بلدوين، فلم يبالوا بقلة عددهم أمام أعداد المسلمين الهائلة، وكان النصر للجيش الصليبي في نهاية هذه المعركة. وبهذا النصر الصليبي انتهت المحاولات الكبرى التي قامت بها الخلافة الفاطمية لاستعادة فلسطين من قبضة الصليبيين (4).
وجدير بالذكر أنه على الرغم من كثرة ما كتبه المؤرخون اللاتين القدامى عن بطولات رجال الدين المسيحي أثناء حملات الرملة الثلاث، فإننا لم نجد في كتابات المؤرخين المسلمين الذين تناولوا الكتابة عن تلك الفترة أية إشارات توضح لنا دور علماء الدين الإسلامي وفقهائه في تلك الأحداث، وربما يرجع السبب في ذلك إلى أنهم كانوا يسجلون تاريخهم على منهج الحوليات، فيركزون على أهم الأحداث دون كتابة التفاصيل الدقيقة المصاحبة لهذه الأحداث، ولهذا لم نعثر من قريب أو بعيد على معلومات توضح لنا موقف علماء وفقهاء المسلمين من هذه الحملات (5).
_________
(1) دور الفقهاء والعلماء المسلمين في الشرق الأدنى، ص 251.
(2) المصدر نفسه، ص 252.
(3) المصدر نفسه، ص 252.
(4) الكامل في التاريخ (8/ 479) , دور الفقهاء، ص 253.
(5) دور الفقهاء والعلماء، ص 253.
(1/490)

رابعاً: سقوط المدن الساحلية لبلاد الشام:
1 - سقوط طرابلس: ففي عام 492هـ/1099م عندما اقتربت جحافل العدو الصليبي من أسوار طرابلس أسرع حاكمها فخر الملك بن عمار إلى مهادنتهم بتقديم الأموال والهدايا وبعض الجياد لهم، لإحساسه بعدم استعداده لمواجهتهم بعد حتى لا يعرض نفسه والمسلمين وإمارته للإبادة على أيديهم. ونحن لا نستبعد أن الدافع وراء انتهاج القاضي فخر الملك بن عمار وغيره من حكام المدن الإسلامية لسياسة المهادنة مع الصليبيين في ذلك الوقت، هو تمزق شمل المسلمين وعدم وجود قوة إسلامية كبرى تستطيع الوقوف في وجه هذا الخطر الصليبي، خاصة بعد أن انكشف أمر الاتفاق الذي تم بين الفاطميين والصليبيين, وما ترتب عليه من هزيمة السلاجقة في أنطاكية, وهو أن يقف الفرنج عند أنطاكية ويستولى الفاطميون على بيت المقدس ويساعدوا الصليبيين ضد السلاجقة. على أية حالة لم تفلح سياسة المهادنة التي اتبعها ابن عمار مع الفرنجة إذ قام ريموند الضجلي بالهجوم على طرابلس وفرض عليها حصاراً شديداً سنة 495هـ/1101م حيث كان يطمع في تأسيس إمارة مستقلة بها أسوة برفاقه من القادة الصليبيين في كل من الرها وأنطاكية وبيت المقدس.
ولما شعر فخر الملك بحرج موقفه اضطر إلى طلب النجدة من حمص ودمشق غير أنه لم يظفر بطائل وانهزم أمام الصليبيين، فاضطر القاضي ابن عمار إلى مهادنة الصليبيين مرة أخرى على مال وخيل فوافقوا ورحلوا عن طرابلس إلى انطرسوس واستولوا عليها في جمادى الآخرة من السنة نفسها (1)، ولكن ريموند أعاد الكرة مرة أخرى وهاجم مدينة طرابلس منتهزاً فرصة وصول أسطول جنوي إلى اللاذقية في سنة 497هـ/شتاء 1103م ولكنه فشل هذه المرة أيضاً بفضل شجاعة القاضي فخر الملك بن عمار وصبره وعدم يأسه وتشجيعه لأهل طرابلس على مواصلة المقاومة لدفع الأعداء عن بلدهم، فاضطر ريموند إلى أن يتجه بالأسطول الجنوي في العام نفسه لمهاجمة ثغر جبيل التابع لابن عمار فاستولوا عليه وغدروا بأهله (2). وهكذا أصبح القاضي فخر الملك بن عمار معزولاً تماماً عن المدن المجاورة بعد أن جرد الصليبيون طرابلس من جميع المدن التابعة لها، ولم يبق أمامه سوى الاستيلاء على مدينة طرابلس نفسها بوصفها العاصمة الطبيعية للإمارة التي يحلم بتكوينها، ولذلك بنى ريموند قلعة على الجبال المواجهة لطرابلس عرفت باسم قلعة صنجيل، ليتخذها قاعدة يسيطر بها على طرابلس، فقام القاضي ابن عمار بجهود كبيرة مع أهالي طرابلس لهدم هذه القلعة وإحراقها مما ترتب عليه
_________
(2) تاريخ العظيمي، ص 377.
(1/491)

موت ريموند الضجلي متأثراً بحروقه التي أصيب بها أثناء حريق هذه القلعة في جمادي الأولى سنة 498هـ/فبراير 1105م, ولكن الفرنج كانوا قد صمموا بعد ذلك على استئناف الحصار البري حول مدينة طرابلس عن طريق قلعة صنجيل فاضطر القاضي ابن عمار إلى طلب نجدة عاجلة من سقمان بن أرتق التركماني، صاحب حصن كيفا (1)،
فلم يدخر وسعاً في التحرك تجاه طرابلس، ولكنه توفى في الطريق، فانقطع بذلك آخر أمل لابن عمار في الحصول على مساعدة خارجية تمكنهم من إنقاذ طرابلس (2) فاضطر القاضي ابن عمار إلى أن يعتمد على أهالي المدينة فأخذ يعد العدة استعداداً لمواجهة الصليبيين بقدر الإمكانيات المتاحة في المدينة، فقام بجمع الأموال من بعض التجار الأغنياء من سكان طرابلس ووزعها على المجاهدين ليسد العجز الناتج عن كثرة ما سبق أن قدمه للصليبيين من أموال وذهب عندما عقد الهدنة معهم, وعلى الرغم من أن هذا المسلك الذي اتبعه القاضي ابن عمار مع التجار يعتبر تصرفاً ضرورياً شرعياً لاستكمال العدة وتجهيز الجيش بما يلزمه من معدات لمواجهة العدو (3)، فإنه لم يقم بذلك من فراغ وإنما من واقع مسئوليته التي تحتم عليه كحاكم للبلاد أن يستعين بأموال الرعية أو الاقتراض من التجار والأغنياء لسد هذا العجز في الأموال الموجودة بالبلد لمصلحة الإسلام والمسلمين. وعلى الرغم من كل ذلك فإن هؤلاء التجار المسلمين قد خرجوا إلى الصليبين وقالوا لهم: إن صاحبنا صادرنا فخرجنا إليكم لنكون معكم (4)، ولم يكتفوا بذلك التصرف المشين، وإنما كشفوا للصليبيين عن الأماكن التي ترد منها الميرة والمؤن لابن عمار. فعلوا هذا بدلاً من أن ينفقوا أموالهم في سبيل الله عملاً بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُّلُّكمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ - تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الصف: 10، 11].
وعلى الفور قام الصليبيون بتشديد الحصار على هذه الأماكن التي كشفها أولئك التجار حتى يمنعوا دخول أي شيء إلى البلد، فيضطر ابن عمار وأهل طرابلس للاستسلام لهم, ولكن على الرغم من ذلك فقد استمرت المدينة في مقاومتها للحصار ثلاث سنوات أخرى بفضل الله ثم بعزيمة ابن عمار وقوة إيمان أهل طرابلس ورفضهم الاستسلام من ناحية, وافتقار الصليبيين إلى أسطول بحري يحكم الحصار على طرابلس من جهة البحر من
_________
(1) هي بلدة وقلعة عظيمة مشرفة على نهر دجلة بين آمد وجزيرة ابن عمر من ديار بكر وهي لصاحب آمد من ولد داود بن سقمان بن أرتق.
(2) ذيل تاريخ دمشق، ص 146 - 147, وفيات الأعيان (1/ 191).
(3) دور الفقهاء والعلماء والمسلمين في الشرق الأدنى، ص 88.
(4) الكامل في التاريخ (8/ 491).
(1/492)

ناحية أخرى، ولكن لما استبد اليأس من فك هذا الحصار وضاقت الأقوات وقلت بطرابلس، اضطر القاضي فخر الملك بن عمار إلى ترك طرابلس والخروج إلى بغداد في رمضان سنة 501هـ/مارس 1108م، لطلب النجدة من زعيمي العالم الإسلامي في المشرق آنذاك وهما الخليفة العباسي المستظهر بالله والسلطان السلجوقي محمد بن ملكشاه السلجوقي 499هـ - 09هـ/1105 - 1115م. وقبل أن يترك فخر الملك طرابلس استناب بها ابن عمه أبا المناقب فعصى فيها، فقبض عليه أصحاب فخر الملك وتولوا الأمور بطرابلس (1)، ومكث القاضي فخر الملك ببغداد أربعة شهور أكرمه فيها كل من الخليفة والسلطان أحسن إكرام. ويصف ابن الأثير الحفاوة التي قوبل بها قائلاً: وسير الخليفة خواصه وجماعة أرباب المناصب فلقوه, وأنزله الخليفة وأجرى عليه الجراية العظيمة، وكذلك فعل السلطان وفعل معه مالم يفعل مع الملوك الذين معهم أمثاله. وهذا جميعه ثمرة الجهاد في الدنيا ولأجر الآخرة أكبر (2). ومع ذلك فإن فخر الملك لم يظفر بطائل من الخليفة والسلطان.
وعاد إلى دمشق في محرم 502هـ/1109م, وهنالك علم بأن طرابلس أصبحت تابعة للفاطميين إذ أن أهلها قد ضاق بهم الحصار الصليبي المضروب عليهم، فراسلوا الوزير الأفضل الفاطمي يطلبون منه أن يبعث إليهم والياً من قبله يتولى إدارة المدينة ويرسل لهم الغلة والميرة, فاستجاب لهم الأفضل وأرسل إليهم من قبله شرف الدولة بن أبي الطيب والياً على طرابلس (3)، وهكذا عاد القاضي فخر الملك بن عمار من بغداد ليجد نفسه بلا وطن وبلا أهل، إذ أن الوالي الفاطمي قبض على أهل بيته وأصحابه وذخائره وآلاته وأثاثه، وحمل الجميع إلى مصر في البحر (4). ولذلك أقام فخر الملك بن عمار في دمشق عند أتابك طغتكين، الذي أقطعة الزبداني وأعمالها (5)، ثم ما لبثت طرابلس أن سقطت بأيدي الصليبيين في ذي الحجة 502هـ/1109م, واستمر الحال بفخر الملك على هذا الوضع حتى خرج في سنة 516هـ/1122م إلى مصر حيث يقيم أهله. وهناك قرر له الخليفة الفاطمي الآمر 496 - 524هـ/1102 - 1129م داراً أعدت له وقرر له راتباً في كل شهر (6)، ويمكن أجمال أسباب سقوط طرابلس في النقاط الآتية:
_________
(1) ذيل تاريخ دمشق لابن القلانسي، ص 160.
(2) الكامل في التاريخ (8/ 517، 518).
(3) ذيل تاريخ دمشق لابن القلانسي، ص 161.
(4) دور الفقهاء والعلماء المسلمين في الشرق الأدنى، ص 90.
(5) المصدر نفسه نقلاً عن ذيل تاريخ دمشق، ص 165.
(6) طرابلس الشام في التاريخ الإسلامي، ص 122 - 130.
(1/493)

* ضعف الجبهة الإسلامية.
* استهتار الفاطميين بالموقف في طرابلس.
* مساعدة الجنوية والمردة للصليبيين.
* استيلاء الصليبيين على المدن المحيطة بطرابلس (1).
وقد حدد أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي ثلاثة أسباب لسقوط طرابلس وهي: تقاعس الفاطميين عن المسير إليها تلك المدة الطويلة، ثانيًا: ضعف العسكر الذي أرسلوه مع أسطول مصر، ولو كان لعسكر الأسطول قوة لدفع الفرنج من البحر عن البلد حسب الحال، ثالثاً: عدم خروج الأفضل بنفسه على رأس العساكر المصرية، هذا مع قوتهم من العساكر والأموال والأسلحة (2). وقد استسلمت طرابلس للغزاة بشرط عدم الاعتداء على الأهالي والممتلكات، لكنهم كالعادة لم يفوا بشروط الأمان، فنهبوا الأموال، وأسروا الرجال وسبوا النساء والأطفال, وغنموا من الأمتعة وكتب العلم الموقوفة ما لا يحصى (3)، وأكمل الصليبيون احتلال بقية مدن إمارة طرابلس فاستولوا على بانياس وجبلة، وحصن الأكراد، وبدأت إمارة طرابلس في النمو، وصار تاريخها مرتبطاً بتاريخ إمارة أنطاكية من جهة، وتاريخ مملكة بيت المقدس من جهة أخرى (4).
2 - سقوط بيروت: تهيأ للملك بلدوين الحرية ليواصل توسيع حدود مملكته وتطَّلع إلى المدن الساحلية مثل عسقلان في الجنوب، وصور وصيدا وبيروت في الشمال. والمعروف أن كلاً من عسقلان وصور تُعد من الحصون المنيعة وتنزل فيها حاميات عسكرية قوية, وبالتالي يقتضي إخضاعها استعدادات عسكرية قوية وبعد أن سقطت كل من جبيل وعرقة وطرابلس بيد الصليبيين، وفرت هذه الأخيرة قاعدة مناسبة لهم، فوجَّهوا اهتمامهم للاستيلاء على بيروت، فحاصرها بلدوين براً وبحراً، ولما لم يتمكَّن من اقتحامها طلب مساعدة من صليبيي طرابلس وغيرهم من الشمال، ومن نصارى لبنان، فاستجاب لطلبه برتراند صاحب طرابلس، وجوسلين صاحب تل باشر، كما اجتمع بأمراء النصارى في جبيل، وشنَّ الحلفاء غارة مفاجئة على بلاد وقرى الغرب المحيطة ببيروت، فنهبوها وأحرقوها، وقتلوا وأسروا كل من وجدوه من أهلها (5)، ثم حاصروا بيروت، ووضعوا أبراجاً لينصبوها على أسوارها، لكنهم جوبهوا بمقاومة شديدة من جانب سكانها بقيادة حاكمها عضد الدولة التنوخي، وفي
_________
(1) النجوم الزاهرة (5/ 179 - 180).
(2) الكامل في التاريخ (8/ 534).
(3) المصدر نفسه (8/ 534).
(4) الحركة الصليبية (1/ 297).
(5) أخبار الأعيان في جبل لبنان, للشدياق (2/ 506، 507).
(1/494)

الوقت الذي كان فيه القتال دائراً وصل أسطول فاطمي يتألف من تسع عشرة سفينة, فاصطدم بالأسطول الصليبي المحاصر للمدينة، وتغلَّب عليه، وأسر بعض قطعه وتمكَّن الأسطول الفاطمي من دخول الميناء، وهو يحمل الغلال والميرة، مما أعطى السكان الأمل والصمود والدفاع عن مدينتهم، تجاه هذا الوضع العسكري. استنجد بلدوين بالجنوية، فأمدُّوه بأربعين سفينة مشحونة بالمقاتلين، فتقَّوى بهم، وضَّيق الحصار على بيروت، وهاجمها بكل قواته البرية والبحرية يوم الجمعة (21 شوال 503هـ/13نيسان 1110م) فاشتد القتال بين الطرفين، وقُتل قائد الأسطول الفاطمي وخلق كثير من المسلمين, ولم ير الإفرنج من تقدم وتأخر أشد من حرب هذا، لدرجة أن القتال استمر بشكل متواصل ليل نهار، حتى ملك الصليبيون المدينة بالسيف.
وفشلت السفن الفاطمية التي قدمت من صور وصيدا في كسر الطوق البحري، وحاول عضد الدولة التنوخي الهرب مع جماعة من أعوانه، لكنه وقع في الأسر، وقتله الصليبيون، ونهبت بيروت، وسُبي من كان فيها، وبلغ عدد القتلى عشرين ألفًا (1)، وخرجت من مصر نجدة فاطمية لمساعدة بيروت قوامها ثلاثمائة فارس، لكن وقعت في كمين نصبه الصليبيون عند نهر الأردن (2).
3 - سقوط صيدا: اهتم الفاطميون والسلاجقة الذين تناوبوا على حكم صيدا بتحصينها، فقد قام الوالي الفاطمي سعد الدولة الأفضلي بعمارة برج فيها في (491هـ/1098م) , وحصنّها أميرها مجد الدولة التنوخي في عام 494هـ/1101م مما جعلها تقوى على الصمود في وجه الصليبيين لبعض الوقت (3)، وجرت عدة محاولات صليبية للاستيلاء عليها، وفي أوائل عام 504هـ/ صيف 1110م وصل إلى عطا سبعون مركباً يحمل عشرة آلاف مقاتل نرويجي بقيادة سيجورد، أحد ملوك النرويج. وما إن علم بلدوين بوصولهم حتى سارع لاستقبالهم، وأظهر اغتباطه بقدومهم وأحاطهم بكل مظاهر الحفاوة والتشريف، وأقنع الملك النرويجي بمشاركته في الاستيلاء على صيدا، كما استدعى برتراند حاكم طرابلس، فجاء بقواته وانضم إليهما، وبدأ الحلفاء في فرض حصار بري وبحري على صيدا في 13ربيع الآخر/19 تشرين الأول, وقطعوا طرق الإمدادات إليها، ومع ذلك قام أسطول فاطمي أبحر من ثغر صور بمهاجمة السفن النرويجية، كاد يبيدها كلها، لولا أن وصل في الوقت المناسب أسطول بندقي يقوده دوق البندقية أورديلافو فالييري، فاشترك مع الأسطول النرويجي في حصار المدينة، ومهاجمتها من جهة البحر، وعجزت
_________
(1) تاريخ الفاطميين د. محمد طقّوش، ص 455.
(2) ذيل تاريخ دمشق، ص 269.
(3) أخبار الأعيان في جبل لبنان (2/ 506 - 507).
(1/495)

السفن الفاطمية أن تمد أهل صيدا بما يحتاجون إليه من سلاح وعتاد ومقاتلة ومؤن (1). ولما ضاق الحال بأهل صيدا من شدة الحصار الصليبي المفروض حول المدينة براً وبحراً، وفشلت جميع محاولاتهم لإنقاذ المدينة من الوقوع في براثن الصليبيين ويئسوا من وصول أي نجدة إليهم، لم يجدوا بداً من التسليم بالتفاوض مع الملك بلدوين، فخرج قاضي صيدا ومعه جماعة من شيوخها إلى الملك بلدوين للتفاوض معه من أجل الأمان، فأمنهم بلدوين على أنفسهم وأموالهم وعساكرهم، وترك لهم حرية الاختيار إما البقاء بصيدا آمنين, وإما المسير إلى أي مكان يرغبونه دون أن يمنعهم أحد، وحلف لهم على ذلك (2)، ثم سلمت المدينة للصليبيين في 20 جمادي الأولى 504هـ/4 ديسمبر 1110م, وخرج الأهالي في جماعات غفيرة إلى دمشق وبقي فيها من أراد البقاء (3).
وقد قام الدكتور محمد مؤنس عوض بدراسة عن الحملة الصليبية النرويجية التي قادها الملك سيجورد ودوره في دعم الحركة الصليبية وظهر بالنتائج الآتية:
- توافرت عدة دوافع مجتمعة دفعت بالنرويج في عهد سيجورد وأخويه أيستين وأولاف للمشاركة في المشروع الصليبي من خلال الحملة الصليبية النرويجية التي قادها الملك النرويجي سيجورد، وكانت المملكة الصليبية في أشد الحاجة إلى الدعم البشري، والبحري لمواصلة إسقاط المدن الاستراتيجية الهامة على الساحل.
- أفادت المصادر التاريخية النرويجية في تسليط الضوء على رحلة الملك النرويجي وكذلك تعاونه مع الصليبيين, كما قدمت المصادر التاريخية الصليبية الأخرى تفاصيل هامة عن الدعم العسكري النرويجي للمملكة الصليبية.
- أثبتت فعاليات تلك الحملة الصليبية النرويجية أن الحركة الصليبية ظاهرة أوروبية عامة اشتركت فيها كل الشعوب الأوروبية بصورة أو بأخرى، ولم يحل الموقع الجغرافي النائي دون مشاركة النرويجيين في أحداثها, وعلى ذلك لم يكن الأمر مقصورًا على فرنسا، وإنجلترا، وألمانيا، وإيطاليا، بل إن النرويج كانت لها بصمتها هي الأخرى، مع ملاحظة أن الدور النرويجي لم يكن بنفس الحجم الكبير الذي كان للدور الفرنسي والإنجليزي وكذلك فعاليات المدن التجارية الإيطالية.
- أثبتت فعاليات الحملة الصليبية النرويجية أن الوجود الصليبي في بلاد الشام لم يكن يستطيع الاعتماد على إمكاناته الذاتية في مواجهة المحيط الإسلامي العام هناك، خاصة خلال
_________
(1) ذيل تاريخ دمشق، ص 273، تاريخ الفاطميين، ص 457.
(2) ذيل تاريخ دمشق، ص 171.
(3) دور الفقهاء والعلماء المسلمين في الشرق الأدني، ص 91.
(1/497)

المرحلة المبكرة من تاريخ الصليبيين في المنطقة. وجاءت أحداث تلك الحملة لتكون حلقة في سلسلة طويلة من النجدات، والحملات الأوربية القادمة من الغرب الأوربي، ومن الضروري بمكان ملاحظة أن تلك الحملة النرويجية هي جزء لا يتجزأ من المشروع الصليبي العام الذي لم يتوقف طول تلك المرحلة, وهذا يؤدي بنا إلى تصور دراسة تاريخ الحروب الصليبية في بلاد الشام على اعتبار عدد الحملات الرئيسية المعروفة والتي استهدفت الشام ومصر وتونس, من الممكن أن يجعلنا نغفل أهمية حملات صليبية أخرى فرعية مثل الحملة الصليبية النرويجية وغيرها من الحملات الأخرى التي لم تحظ بذات الاهتمام الذي وجه للحملات الرئيسية, وبالتالي فمن الإنصاف القول بأن رؤية المشروع الصليبي كمشروع واحد عام من الممكن أن تجنبنا الرؤية المجزأة والتي قد لا تقدر أهمية الحملات الفرعية التي ساهمت بدورها هي الأخرى في تكوين جسد المشروع الصليبي ككل, وقد كان دعم الملك النرويجي سيجورد للحركة الفرنجية الصليبية خلال المرحلة من 1107 - 1110م /501 - 504هـ (1).
تقول الكاتبة كارين ارمسترونغ: ... إن الحملات الصليبية لم تكن مجرد حركة هامشية في العصور الوسطى، بل كانت حركة محورية بالنسبة للهوية الغربية التي كانت قيد التبلور في ذلك الحين وهي ما فتئت مستمرة إلى يومنا هذا، ناهيك عن أنها أظهرت الدين في أشنع صوره (2) .. خلال عام 1983م أمضيت بعض الوقت في إسرائيل لإجراء أبحاث وإعداد سلسلة تلفزيونية عن المسيحية المبكرة للقناة البريطانية الرابعة، وأثناء وجودي هناك، وجدت نفسي المرة تلو المرة وجهاً لوجه مع الحملات الصليبية. وأنت في إنكلترا قد تمر بضعة شهور من غير أن تتبادر إلى ذهنك الحملات الصليبية حتى ولو مرة واحدة، لكن ذلك مستحيل ببساطة وأنت موجود في إسرائيل، ففيها تطالعك باستمرار كنائس وقلاع ومدن بأكملها بناها الصليبيون. ولأول مرة، أصبحت الروح الصليبية حقيقة تاريخية ملموسة بالنسبة لي، فقلت لنفسي: هذه ليست أساطير غامضة، فإنه منذ ما يقرب من ألف عام، حين كانت أوربا لا تزال ترتع في الهمجية وأبعد ما تكون عن التمدن، شّق آلاف المسيحيين طريقهم بجهد جهيد نحو الشرق الأوسط، وأنشأوا دولاً وممالك هناك، وكانت تلك أولى مستعمراتنا, ومجرد حدوث ذلك ليبدو للمرء أمراً غير عادي البتة. ولعل ما سحرني بنوع خاص، قلاع الصليبيين وحصونهم الضخمة، واكتشافي أنها بنيت على امتداد حدود دويلاتهم، فثمة
_________
(1) الحروب الصليبية دراسات تاريخية ونقدية، محمد مؤنس عوض، ص 41.
(2) الحرب المقدسة، ص 11.
(1/498)

سلسلة من القلاع الصليبية في إسرائيل، ولبنان، وسوريا والأردن, ولا عجب إذن أن يكون الإسرائيليون والفلسطينيون كلاهما على معرفة جيدة بالحملات الصليبية بأدق تفاصيلها, فالاسرائيليون لا يخفون أن مشاريع الاستيطان الضخمة التي ينفذونها على التلال المحيطة بمدينة القدس إنما تشبه الحصون الصليبية شبها بيِّناً؛ فالناس الذين يقطنون تلك المجمعات السكنية يرون أنفسهم حُماة لأورشليم اليهودية من العرب.
فلكي يهاجم القدس، سيجد الجيش العربي الغازي أنه مضطر إلى شق طريقه عبر تلك المستوطنات المدنية الكثيفة السكان في خط النار، كما اكتشفت أن الدراسات الصليبية مزدهرة في الجامعة العبرية بالقدس, وهذا مالم يُفاجئني أبداً. فأطلال وأوابد القلاع الصليبية قمينة بتذكير المرء بأن ثمة دولة غربية أخرى قد زرعت نفسها في عالم إسلامي معاد لها, وأنها كانت قلقة -على ما يبدو- بشأن أمنها القومي، تماماً كقلق دولة إسرائيل اليوم، ولم يكن قد خطر لي في السابق قط أن أقرن المشروع الصليبي الغربي والملتبس جداً في القرون الوسطى، بالنزاع القائم حالياً في الشرق الأوسط, لكن سرعان ما بدا الأمر غاية في السهولة حين كنت في إسرائيل (1).
* * *
_________
(1) الحرب المقدسة، ص 15.
(1/499)

المبحث الرابع
أسباب نجاح الحملة الصليبية الأولى
نجحت الحملة الصليبية إلى حد كبير في تثبيت وتأسيس أربع إمارات لاتينية: الأولى في أعالي الفرات وهي الرها، والثانية في أعالي الشام وهي أنطاكية، والثالثة على الساحل الشامي وهي طرابلس، أما الرابعة فكانت في قلب فلسطين وهي بيت المقدس (1)، إضافة إلى أربع بارونيات كبرى هي: صيدا ويافا وعسقلان والجليل، واثنى عشر إقطاعاً تسلمها أصحابها من الملك الصليبي مقابل تقديم فروض الولاء والطاعة له وتتمثل في: أرسوف، حبرون، الداروم، قيسرية، نابلس، بيسان, حيفا، تبنين بانياس، كيفا، اللد، وبيروت (2). وجدير بالذكر أن هذا النجاح الذي حققه يرجع إلى عدة عوامل وأسباب ساهمت
فيه منها:

أولاً: انعدام الوحدة السياسية في العالم الإسلامي:
بدأ الضعف يتسرب إلى جسم الدولة العباسية المترامية الأطراف في العقود الأخيرة من القرن الثاني للهجرة (الثامن الميلادي) عندما بدأت بعض الولايات البعيدة عن مركز الدولة في بغداد، تنفصل مكونة دولاً مستقلة وتعجز الخلافة عن إعادتها للسيطرة المركزية، فقد تأسست دولة الإدارسة في أقصى المغرب عام 172هـ - 788م (3)، كما تأسست دولة الأغالبة في تونس 184هـ - 800م، ثم قامت الدولة الفاطمية على أنقاض دولة الأغالبة في تونس عام 297هـ/909م، وفي مصر قامت الدولة الطولونية عام 254هـ/868م، أعقبتها الدولة الإخشيدية عام 323هـ/935م, وفي عام 358هـ/969م استولى الفاطميون على مصر وجعلوا القاهرة عاصمة دولتهم، وهكذا خرج المغرب الإسلامي ومصر بشكل تدريجي من حيث الزمان والمكان عن نطاق الدولة العباسية، وظهرت خلافة جديدة تسيطر على النصف الغربي من العالم الإسلامي وتسعى للسيطرة على النصف الشرقي الذي أصابه ما أصاب النصف الأول من حيث قيام الدول المستقلة، فقد قامت الدولة الطاهرية في خراسان عام 205هـ/820م وتبعتها الدولة الصفارية عام 254هـ/867م، ثم غلبت على المنطقة
_________
(1) دور الفقهاء والعلماء في الشرق الأدنى، ص 37.
(2) المصدر نفسه، ص 37.
(3) دور نور الدين محمود في نهضة الأمة، ص 24.
(1/500)

السامانية التي تأسست عام 204هـ/819م في بلاد ما وراء النهر, ثم امتد نفوذها لتشمل جميع البلاد التي كانت تتبع الدولة الصفارية، وكان نفوذ الخلافة العباسية يتحول من سلطة سياسية إدارية روحية إلى سلطة روحية فقط، ولم يبق للخليفة سوى ذكر اسمه في خطب الجمعة متبوعاً باسم السلطان الغالب على البلاد، ويعود السبب الرئيسي في ضعف الخلافة العباسية وتلاشي سلطتها (1)
إلى أسباب كثيرة ليس هنا مجال بحثها، وقد تمكن الأتراك في عهد المعتصم (218 - 227هـ) وكانت لهم حظوة في عهده وقربهم وأسند لهم المناصب العليا في مركز الدولة والولايات, واعتمد عليهم في حراسة قصره، حتى تطاولوا على الناس وكثرت شكاوي الناس من ظلمهم في بغداد، فبنى لهم المعتصم مدينة سامراء وجعلها عاصمة لهم ومن حوله حاشيته من الأتراك، فزاد نفوذهم وصاروا وحدهم المتسلطين على أمور الخلافة والدولة حتى صاروا هم الذين ينتخبون الخليفة الذي يريدون, ويعزلون من لا يوافق رغباتهم وأهواءهم. وفي عام 334هـ/945م استولى البويهيون الشيعة على العراق وأضافوه إلى دولتهم التي تأسست قبل ذلك في فارس وصاروا هم المتسلطين على شئون الخلافة وتعسفوا في معاملة الخليفة حتى إنهم عذبوا بعض الخلفاء وسجنوا بعضهم وقتلوا البعض الآخر، وكان بإمكانهم إنهاء الخلافة العباسية والدعوة للخلافة الفاطمية في العراق وباقي المشرق الإسلامي، خاصة بعد استيلاء الفاطميين على مصر، لكنهم لم يفعلوا ذلك، ليس حفاظاً على الخلافة العباسية، بل حفاظاً على سلطانهم ودولتهم من أن تزول لصالح الفاطميين، الذين تمكنوا من بسط سيطرتهم على بلاد الشام وشبه جزيرة العرب، وأخذوا يبثون دعاتهم في العراق لإنهاء الخلافة العباسية وضم باقي المشرق الإسلامي لدولتهم.
وفي عام 447هـ/1055م استغل أحد دعاتهم ضعف سلطة البويهيين وأثار فتنة في بغداد تمكن خلالها مع مؤيديه من إلقاء القبض على الخليفة وحبسه، فاستنجد الخليفة بالسلطان طغرل بك سلطان السلاجقة الذين كانوا قد أسسوا دولتهم عام 427هـ/1037م في بعض مناطق خراسان، ثم توسعوا جنوبا وغرباً في أراضي الدولة البويهية التي كانت قد ضعفت, كما تقدم وسارع سلطان السلاجقة إلى استغلال الفرصة فتوجه إلى العراق وقضى على الفتنة، وعلى الدولة البويهية وأعاد للخليفة اعتباره، ولكن البساسيري الذي تأثر بدعوة الفاطميين استولى على بغداد بعد أن غادرها طغرل بك 450هـ/1058م وأقام الدعوة فيها للخليفة الفاطمي المستنصر بالله، إلا أن طغرل بك عاد إلى بغداد من جديد وقضى على داعية الفاطميين, واستقرت الأوضاع في العراق لصالح دولة السلاجقة السنيين، الذين أظهروا
_________
(1) دور نور الدين محمود في نهضة الأمة، ص 25 ..
(1/501)

قدراً كبيراً من الاحترام للخليفة، ولكنهم أبقوه رمزاً دينياً بدون قوة وصلاحيات، وعندما اجتاح الصليبيون بلاد الشام عام 492هـ/1099م كانت الخلافة العباسية عاجزة تماماً عن القيام بأي رد فعل سوى توجيه الرسل إلى سلاطين السلاجقة لمعالجة الأمر (1).

ثانياً: الصراع على السلطنة في داخل البيت السلجوقي:
خلف السلطان ألب أرسلان السلجوقي عند وفاته سنة 465هـ/1072م دولة متحدة الأركان قوية الجانب يحكمها ولداه السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان الأكبر في المشرق والعراق, وتاج الدولة تتش بن ألب أرسلان الأصغر في بلاد الشام كتابع لأخيه الأكبر. واستمر هذا الاستقرار زمن السلطان ملكشاه (465هـ - 485هـ/1072 - 1092م) لاتباعه سياسة والده ووزيره نظام الملك الذي توفي سنة (485هـ/1092م) ثم تبعه ملكشاه ووزيره في السنة المذكورة مما أدى إلى خلق فراغ سياسي في صفوف العالم الإسلامي عامة والسلاجقة خاصة, وكانت سبباً حقيقياً في تفكيك وحدة السلاجقة الذين أصبحوا ثلاث قوى تتصارع فيما بينها، قوة السلاجقة بزعامة قلج أرسلان الأول في آسيا الصغرى، وقوة سلاجقة الشام بزعامة تاج الدولة تتش، وقوة سلاجقة فارس والعراق بزعامة السلطان بركياروق بن ملكشاه ومن ينازعه من إخوته (2)،
وقد تحدثت بنوع من التفصيل عما جرى من الحوادث بين السلاجقة عامة بعد وفاة السلطان ملكشاه، علماً بأن النزاعات والحروب لم تقتصر على سلاطين وأمراء السلاجقة بل اشترك فيها أمراء بني مزيد في العراق والخليفة العباسي المسترشد (512 - 529هـ) , وقد أدى هذا الصراع إلى استنزاف إمكانيات دولة السلاجقة وانشغال سلاطينها وولاتها عن الخطر الفرنجي الداهم إلا من بعض الجهود الثانوية التي تم توجيهها لمقاومة الفرنجة تحت ضغط الرأي العام الإسلامي الذي أخذ يتبلور على أيدي بعض رجال الدين من العلماء والقضاة الذين كان لهم الفضل الأكبر بعد الله في يقظة الأمة وإعادتها إلى جادة الصواب، وإثارة الهمم لمقاومة العدوان الفرنجي، وبعد أن تطور الرأي العام في المشرق الإسلامي خاصة في بغداد إلى غضب وانتفاضة شعبية اضطر السلطان محمد لتوجيه والي الموصل الأمير مودود بن التونتكين لجهاد الفرنجة, ومن بعده قام بعض ولاة الموصل والجزيرة بجهود طيبة للحد من توسع الفرنجة في بلاد الشام والجزيرة، لكنها كانت جهوداً فردية غير منتظمة ولم تلق من سلاطين السلاجقة الاهتمام والدعم المطلوبين، الأمر الذي مكن الفرنجة من الاستيلاء على أغلب بلاد الشام بالإضافة لمنطقة
_________
(1) دور نور الدين محمود في نهضة الأمة، ص 27.
(2) الجهاد ضد الصليبيين في الشرق الإسلامي، ص 35.
(1/502)

الرها في الجزيرة, وظل الوضع على هذا الحال حتى تأسست الدولة «الزنكية» بالموصل عام 521هـ/1127م على يد عماد الدين زنكي والد نور الدين محمود زنكي, عندها انتظم أمر الجهاد ضد الفرنجة (1) , واستمرت الحلقات المباركة في عهد نور الدين وصلاح الدين
ودولة المماليك.

ثالثاً: الدولة الفاطمية:
الفاطميون لا صلة لهم ببيت النبوة، والدولة الفاطمية هي دولة باطنية، وهذا رأي أكثر علماء الأمة الذين حققوا نسبهم وعلموا بواطنهم وأسرارهم. وقد سأل الشريف ابن طباطبا ملكهم المعز العبيدي الذي فتح مصر عن نسبه فسّل سيفه، وقال: هذا نسبي، ونثر الذهب، وقال: هذا حسبي (2)، فهم أولاد ميمون القداح بن ديصان اليهودي، قال أبو سامة عن عبيد الله المهدي مؤسس الدولة الفاطمية: كان زنديقاً خبيثاً عدواً للإسلام، متظاهراً بالتشيع، حريصاً على إزالة الملة الإسلامية، قتل من الفقهاء والمحدثين والصالحين جماعة كثيرة (3). قال الذهبي: وقد أجمع علماء المغرب على محاربة آل عبيد، لما شهدوه من الكفر الصراح الذي لا حيلة فيه، وقد رأيت في ذلك تواريخ عدة لصدق بعضها بعضاً، وخرج كثير من العلماء والعباد مع أبي يزيد الخارجي لقتال القائم بن عبيد الله وقالوا: نكون مع أهل القبلة ضد من ليس من أهل القبلة (4)، وخرب الفاطميون القيروان سنة 449هـ، وجلا علماؤها إلى الأقطار ومات منهم كثير (5). وصلتهم بالقرامطة الملاحدة صلة أكيدة ودعوتهم دعوة واحدة (6)، يقول ابن خلكان: كان العاضد شديد التشيع متغالياً في سب الصحابة، وإذا رأى سنّياً استحل دمه (7). قال الإمام الشاطبي: أما الدّجالون فمنهم معد من العبيدية الذين ملكوا إفريقية، فقد حكى عنه أنه جعل المؤذن يقول: أشهد أن معداً رسول الله، فهم المسلمون بقتله «أي المؤذن» ثم رفعوه إلى معد ليروا هل هذا عن أمره، فلما انتهى كلامه إليه قال: اردد عليهم أذانهم لعنهم الله (8)،
وكل الإرهاب الذي زرعه الحشاشون في العالم الإسلامي، إنما هو ثمرة من ثمار الدعوة الإسماعيلية العبيدية في مصر، وحسن الصباح زعيم قلعة ألموت الذي أرسل رجاله يقتلون العلماء والأمراء المجاهدين, وقد تلقى الدعوة على أيدي أصحابها في مصر، والدروز في بلاد الشام من آثار دعوة الدولة العبيدية،
_________
(1) دور نور الدين محمود في نهضة الأمة، ص 34.
(2) وفيات الأعيان (2/ 80).
(3) الروضتين في أخبار الدولتين، ص 201.
(4) السير (15/ 154).
(5) الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي (2/ 165).
(6) واقدساه (1/ 260).
(7) وفيات الأعيان (3/ 110).
(8) الاعتصام للشاطبي (21/ 97).
(1/503)

وهم يؤلهون الحاكم العبيدي، وعلاقتهم بإسرائيل علاقة جيدة (1)، وفي عهد المستعلي والآمر: تولى الوزارة الأفضل بن بدر الجمالي وفي عهده تولى يهودي شئون قصر أم الخليفة فاشتد نفوذه وأسند مناصب الدولة لليهود، والأفضل هذا كان في أيامه نكبة القدس (2) , فعندما وصلته أخبار الزحف الفرنجي من آسيا الصغرى باتجاه بلاد الشام وانشغال السلاجقة بمواجهتهم في منطقتي أنطاكية والجزيرة والرها, اعتبر الأفضل أن الفرصة سانحة لاستعادة المناطق الداخلية من بلاد الشام, فأرسل وفداً إلى قادة الحملة الفرنجية وهم يحاصرون أنطاكية ليتفق معهم على اقتسام بلاد الشام بحيث يكون شمالها للفرنجة وجنوبها للفاطميين، واستقبل قادة الحملة الفرنجية الوفد الفاطمي بالترحيب وأظهروا الرغبة في التعاون مع الفاطميين ولكنهم لم يفصحوا عن حقيقة نواياهم حول القدس ولم يحصل الوفد الفاطمي منهم على جواب (3) واضح إلا أن الأفضل بدأ بتنفيذ خطته التي كان محورها استعادة القدس ودمشق مستغلاً انشغال السلاجقة بالمواجهة مع الفرنجة, فسار بجيشه إلى فلسطين وحاصر القدس في الوقت الذي كان الفرنجة يحاصرون أنطاكية، وبعد قتال شديد على الأسوار وفي المدينة استولى الفاطميون على القدس في شعبان 491هـ/1098م, وأرسل الأفضل وفداً آخر إلى قادة الحملة الفرنجية بعد أن توغلوا جنوباً باتجاه القدس، يعرض عليهم ما سبق عرضه الوفد الأول بالإضافة إلى السماح لهم بالحج إلى القدس بكل حرية بشرط أن يكونوا بدون سلاح، ولكن الفرنجة كانوا في هذه المرة واضحين في ردهم. سندخل القدس بسلاحنا دون إذن من خليفة القاهرة (4)، وهذا ما تم.
ووصف الذهبي عموم جيوشهم بأنهم أهل شر وزعارة لاسيما من تزندق منهم, وقد ذاق المسلمون منهم من القتل والنهب والسبي حتى أن أهل صور استنجدوا بالنصارى الروم من ظلمهم وجورهم وأخذهم النساء من الحمامات والطرق (5). وقد وصف ابن كثير ملوك الدولة العبيدية: بأنهم من أنجس الملوك سيرة، وأخبثهم سريرة، وقد ظهرت في دولتهم البدع والمنكرات, وكثر أهل الفساد، وقل عندهم الصالحون من العلماء، وكثر بأرض الشام الدرزية والحشيشية، وتغلّب الفرنج على الساحل (6). فهؤلاء ما دافعوا عن القدس لما حاصرها الصليبيون مقاومة تذكر (7). قال ابن خلكان معلقاً: ولو كانت في يد الأرتقية «أمراء الشام من الأتراك» لكان أصلح للمسلمين (8) , ولو لم يكن لهؤلاء الباطينة إلا قتلهم للصالحين
_________
(1) واقدساه (1/ 260).
(2) المصدر نفسه (1/ 262).
(3) المصدر نفسه (1/ 262).
(4) المصدر نفسه ص 36.
(5) سير أعلام النبلاء (16/ 468).
(6) البداية والنهاية نقلاً عن واقدساه، ص 262.
(7) واقدساه، ص 262.
(8) وفيات الأعيان (1/ 179).
(1/504)

لكفى .. وقبل احتلال الصليبيين للقدس، قتل الباطنية عام 485هـ الوزير نظام الملك, وفي التاريخ عظة وعبرة: أنه ما ضعف المسلمون إلا في عهود دول البدع والزنادقة، وكل هوان وذل حلّ بديار المسلمين إنما هو من آثار البعد عن دين الله عز وجل، وتفشي البدع والواقع خير شاهد (1).

رابعاً: سقوط الخلافة الأموية بالأندلس:
ففي سنة 422هـ سقطت الخلافة الأموية في الأندلس ودخلت البلاد في فترة جديدة عرفت بعصر ملوك الطوائف, امتدت من 422هـ إلى 484هـ وتسمية هذا العصر كفيلة للدلالة على ما وصلت إليه الدولة من تخاذل وتفرق واضطراب وتناحر، حتى أنه حكم في النصف الأول من القرن الخامس الهجري نحو عشرين أسرة مستقلة في عشرين مدينة أو مقاطعة, ويسمى هؤلاء بملوك الطوائف ومن أشهرهم بنو عباد بإشبيلية وبنو حمود الأدارسة بمالقة والجزيرة، وبنو زيري بغرناطة وبنو هود بسرقسطة، وكان أقواهم بني ذي النون الذين ملكوا طليطلة وحكموا بلنسية ومرسية والمرية (2)، وكان هؤلاء الملوك يدفعون الأتاوات لملك إسبانيا المسيحي الذي استطاع أن ينتزع من أيديهم كثيراً من المدن والمقاطعات, لذلك استنجد ملوك الطوائف بيوسف بن تاشفين أمير المرابطين بمراكش، ولم تحل سنة 495هـ حتى استطاع يوسف بن تاشفين أن يضم الأندلس لدولة المرابطين. وقد فصلت ذلك في كتابي عن دولة المرابطين. وحينما قامت الدعوة للحروب الصليبية في مؤتمر كليرمونت سنة 1095م كانت الحرب على أشدها بين المسيحيين والمسلمين في شبه جزيرة أيبيريا (3)،
وأصبح ميزان القوى متأرجحاً بين الفريقين دون أن يتمكن أحدهما من إحراز نصر حاسم على الآخر، ولهذه الأسباب لم تكن إسبانيا في حالة تسمح لها بالاشتراك الفعلي في حروب خارج أراضيها سواء من جانب المسلمين أو المسيحيين، فقد كانت إسبانيا مسرحاً لحرب صليبية غربية أو بمعنى آخر حركة استرداد قام بها المسيحيون الغربيون ضد مسلمي إسبانيا، وحينما استولى الصليبيون على بيت المقدس، أعلن البابا «باسكال الثاني» الحرب الصليبية في إسبانيا ضد المسلمين، لذلك بدأ الإسبان المسيحيون يشهرون الحرب الصليبية في إسبانيا ذاتها, وحاصروا سرقسطة لمدة قصيرة سنة 494هـ ولكن الفرصة لم تكن سانحة لتحقيق هذا المشروع لأن المرابطين استعادوا بلنسية بعد ذلك بقليل، ومن ثم اضطر النصارى إلى فك
_________
(1) واقدساه، ص 263.
(2) الحروب الصليبية. المقدمات السياسية، ص 282.
(3) المصدر نفسه، ص 283.
(1/505)

الحصار (1)، وهكذا لم يكن مسلمو إسبانيا في حالة تسمح لهم بأن يرسلوا أي نجدة ضد الصليبيين في الشرق ذلك لأنهم كانوا مشغولين بالصراع ضد مسيحيي إسبانيا، هذا إلى جانب النزاع فيما بينهم (2).

خامساً: دور النصارى الذين كانوا يعيشون في بلاد الشام:
كان المسيحيون يشكلون عنصراً مهماً من العناصر السكانية في بلاد الشام، وكانوا ينقسمون في بلاد الشام إلى عناصر مختلفة, فمنهم المسيحيون السوريون، والأرمن واليونان، أما المسيحيون السوريون فقد قاموا بدور ملحوظ بالنسبة للحملة الصليبية الأولى، فقد تعاونوا مع الصليبيين في انتزاع بيت المقدس من المسلمين. ولتوضيح موقف مسيحي الشام من الحملة الصليبية الأولى نذكر أنه كان لمساعدة مسيحيي «ارتاح» أثر كبير في استيلاء الفرنج عليها سنة 490هـ/ 1097م، حيث قام سكان البلد المسيحيون بذبح الحامية الموجودة في «ارتاح» (3). وعندما اقترب الصليبيون من أنطاكية لم يجدوا صعوبة في التماس الأصدقاء في داخل المدينة, ذلك أنه انضم إلى المعسكر الصليبي عدد كبير من المسيحيين من سكان أنطاكية الذين دأبوا على الاتصال بأقاربهم في داخل المدينة من خلال باب القديس جورج في الغرب، فتيسر للصليبيين الوقوف على ما يحدث داخل أنطاكية (4)، وقد قاسى الصليبيون من المجاعة التي لحقت بهم أثناء حصار أنطاكية حتى إنه كان يموت شخص من بين كل سبعة أشخاص، ولذلك سارع النصارى والأرمن بتقديم كل ما استطاعوا جمعه إلى المعسكر الصليبي (5)، وكان للنصارى أيضاً دور ملحوظ في استيلاء الفرنج على معرة النعمان 491هـ- 1098م وعندما اشتد الجوع والعطش بالصليبيين المحاصرين لبيت المقدس سنة 492هـ قام النصارى بدور المرشدين إلى مناطق الغابات والينابيع، كما أنهم ساعدوا صنجيل الفرنجي في حصار طرابلس سنة 495هـ (6)،
وأما الأرمن فيتضح موقفهم عندما وصل الصليبيون إلى منطقة أرمينية في جبال طوروس فقد مد لهم سكانها من الأرمن المسيحيين يد المساعدة وأحسنوا استقبالهم ومعاملتهم, وزودوهم بكل ما كانوا يحتاجون إليه من مؤن وأقوات, ولولا ذلك لأخفق الفرنج في مواصلة الزحف ولألحق بهم السلاجقة هزيمة منكرة، ولكن هذه المساعدات التي تلقوها من الأرمن هيأت لهم الجو لمواصلة العدوان
_________
(1) الحروب الصليبية. المقدمات السياسية، ص 284.
(2) الحروب الصليبية. المقدمات السياسية، ص 284.
(3) الحروب الصليبية. المقدمات السياسية، ص 284.
(4) الشرق الأوسط والحروب الصليبية للعريني (1/ 237).
(5) الحروب الصليبية, المقدمات السياسية، ص 269.
(6) الكامل في التاريخ (8/ 446).
(1/506)

المسلح والتوغل في الشرق الإسلامي (1).

سادساً: موقف بعض الإمارات العربية من الغزو الصليبي:
عندما توجه الصليبيون نحو بيت المقدس بعد احتلال أنطاكية، وجعلوا طريقهم على الساحل، بدأت الاتصالات بينهم وبين أمراء المدن الشامية، الذين رأوا في زوال قوة السلاجقة فرصتهم للاستقلال ببعض المدن مثل حمص، وطرابلس وشيزر، تاركين المصلحة العامة للإسلام والمسلمين خلف ظهورهم، وقد قبل هؤلاء أن يدخلوا في طاعة الصليبيين، والنزول على شروطهم وتقديم المعونة والأدلاء لهم (2). وقد فرح بنو منقذ أصحاب شيزر، وبنو عمار أصحاب طرابلس -وهم من البيوتات العربية العريقة- بهزيمة السلاجقة، وأقبلوا يمدون المعونة للغزاة من الصليبيين (3)، ومن الوقائع الغريبة والمواقف المريبة أن الأمير عز الدين أبو العساكر سلطان بن منقذ صاحب شيزر، أجرى اتصالات مع ريموند عندما كان الأخير في كفر طاب، وتعهد له بألا يعترض طريق الصليبيين عند اختراقهم إقليم شيزر، وأن يقدم لهم ما يحتاجون إليه من غذاء فضلاً عن أنه أرسل دليلين في 17 يناير، ليرشدا الصليبيين في عبور إقليم نهر العاصي، وقد تم فعلاً تنفيذ تلك الاتفاقية (4)، وعندما وصلت طلائع الغزو الصليبي مدينة مصياف خرج إليهم أميرها، وعقد معهم اتفاقية اتجه بعدها نحو سهل البقاع، وسروا بما وجدوه فيه من خيرات، ثم توجهوا نحو حصن الأكراد وحاصروه حتى سقط في أيديهم في 29 يناير 1099م (5)، ويذكر ابن الأثير أن الصليبيين ساروا إلى حمص وحصروها فصالحهم صاحبها جناح الدولة (6)،
وهكذا كان أمراء المدن الشامية متفككى الكلمة في ذلك الوقت, وكل منهم يحاول فقط أن يحتفظ بإمارته دون النظر إلى الهدف العام وهو الوقوف في وجه العدو الغاشم، ولما كان كل واحد منهم لايستطيع بمفرده أن يقف في وجه الصليبيين، لذلك نجد أن معظمهم أخذ الأمان له ولسكان إمارته في مقابل بعض المساعدات للصليبيين، وهذا يدل على تغلل أسباب الضعف المعنوي في نفوس أولئك الأمراء والتي منها:
* ضعف الوازع الديني عند كثير من الأمراء.
_________
(1) الحروب الصليبية - المقدمات السياسية، ص 270.
(2) جهاد المسلمين في الحروب الصليبية، ص 107، 108.
(3) نور الدين محمود, حسين مؤنس، ص 85.
(4) الحركة الصليبية, د. سعيد عاشور (1/ 179).
(5) المصدر نفسه (1/ 108).
(6) الكامل في التاريخ (5/ 401).
(1/507)

* الأنانية وحب الذات.
* الجبن والخور الذي أصاب كثيراً من الناس.
* الحرص على المصالح الدنيوية.
* ضعف عقيدة الولاء والبراء.

سابعًا: دور الباطنية الإسماعيلية الرافضة في عرقلة الجهاد ضد الصليبيين:
شهدت بلاد الشام ظهور فرقة الإسماعيلية أو الباطنية التي أدت إلى زيادة تفكك القوى الإسلامية في بلاد الشام والجزيرة, ويمكن القول إن وجود الإسماعيلية الباطنية بحلب واتساع نفوذهم في بلاد الشام قد أدى إلى ظهور عامل جديد من عوامل تفكك وحدة المسلمين عامة والسلاجقة خاصة, ذلك التفكك الذي تعرضت له بلاد الشام في عصر الحروب الصليبية, الأمر الذي أدى بهذه الفرقة إلى مساعدة الصليبيين في الاستيلاء على بعض معاقل المسلمين، أو تهيئة المناخ المناسب لسقوطها بيد الصليبين، كما حدث في أفاميه سنة 500هـ/1107م (1)، وقد لعبت هذه الفرقة دوراً خبيثاً شريراً في عرقلة الجهاد في مرحلة الصراع مع الغزاة، إذ كانت خناجر غادرة تطعن قادة الأمة، من فقهاء ووزراء، وكان تاريخها صفحات سوداء ملطخة بدماء الأبرياء من أهل السنة (2).
1 - تعاونهم مع الصليبيين: كان أول ظهور للحشاشين في بلاد الشام عام 498هـ عندما أرسل الحسن بن الصباح داعيتهم الحكيم المنجم، الذي تمكن من إفساد ما بين الأخوين دقاق حاكم دمشق، ورضوان صاحب حلب, ثم تحالف مع رضوان، واستماله إلى نحلتهم، وأقام داراً للدعوة الإسماعيلية في حلب, وبعد هلاك رضوان فتك خلفه ألب أرسلان الأخرس بالباطنية وقتل مقدمهم «أبا طاهر الصائغ» وقتل أعيانهم وحبس الباقين، وهرب آخرون منهم قاصدين بلاد الإفرنج وتفرقوا في البلاد (3)، واشتد نفوذهم في حلب ثانية أيام داعيتهم «بهرام» وعظم أمره، وهو في غاية التستر، وأخذ يدعو أوباش الناس، فتبعه الجهال وسفهاء العوام، وانتقل إلى دمشق، ودعا إلى مذهبهم، وأظهر شخصيته، وأعانه على ذلك وزير طغتكين «أبو طاهر المزدقاني» فعظم شره .. وخاف من أهل دمشق فطلب من طغتكين حصناً يأوى إليه هو وأتباعه، فأشار عليه المزدقاني بتسليمه قلعة «بانياس» الواقعة غربي دمشق، فاستلمها وتجمع فيها أصحابه (4). ويعتبر ابن الأثير أن تسليمهم هذا
_________
(1) الجهاد ضد الصليبيين في الشرق الإسلامي، ص 59.
(2) الجهاد والتجديد، محمد الناصر، ص 140.
(3) المصدر نفسه، ص 140.
(4) المصدر نفسه، ص 141.
(1/508)

الحصن كان كارثة على البلاد، إذ عظم خطب بهرام، وصار يدعو أوباش الناس وطغامهم إلى مذهبهم، فحلت المحنة بظهوره، واشتد الحال على الفقهاء والعلماء وأهل الدين، ولاسيما أهل السنة، إلا أنهم لا يقدرون أن ينطقوا بحرف واحد خوفاً من سلطانهم طغتكين أولا، ومن شر الإسماعيلية ثانياً (1).
وأفاق طغتكين على شرورهم، لكنه هلك قبل أن يفعل ضدهم شيئاً، وعندما خلفه ابنه تاج الملك بوري في حكم دمشق، أفرط الوزير المزدقاني في حماية الباطنية، والعطف عليهم, ثم تآمر مع الصليبيين، فعرض عليهم أن يسلمهم مدينة دمشق مقابل إعطائه هو والباطنيين مدينة صور بدلاً منها، وأبرمت الاتفاقية، وحدد أحد أيام الجمعة لتنفيذها، بينما يكون المسلمون في المساجد، فتفتح أبواب دمشق للفرنجة بسهولة، ولكن المؤامرة كشفت قبل موعد تنفيذها، فقتل بوري وزيره الخائن، وأحرق جثته, وعلق رأسه على باب القلعة، ونادى بقتل الباطنية، فقتل منهم ستة آلاف نفس، واستمر أهل دمشق يذبحون فيهم، فأفنوهم تقطيعاً بالسيوف وذبحاً بالخناجر في منتصف رمضان من عام 523هـ (2). وعند ذلك استنجد داعيتهم إسماعيل العجمي في بانياس بالصليبيين ليحموه وأصحابه، وعرض عليهم مقابل ذلك تسليم بانياس إليهم، وتسلل الباطنية إلى البلدان المجاورة، بعد أن سلموا المدينة لهم (3).
2 - اغتيال القادة المسلمين: كان الاغتيال من الأسلحة الرهيبة التي استخدمها الباطنيون لتنفيذ أغراضهم, والتخلص من خصومهم, وظلت حركة الحشاشين الباطنية إسفيناً في قلب المجتمع الإسلامي، ساهمت في تمزيقه ونشر الرعب في أرجائه، مما ساهم في احتلال بلاده (4)، فقد كانت حركة الحشاشين مصدراً للانحلال السياسي والاجتماعي طيلة عصر الحروب الصليبية .. وأصبحت عصابة سرية فريدة من نوعها ومدربة على أساليب القتل المنظم .. فذهب ضحية إجرام الباطنيين عدد كبير من قادة الجهاد الإسلامي وخيرة رجاله ولم يسلم من بطشهم المخلصون في المجتمع الإسلامي (5). وكان أول ضحايا الاغتيال والغدر الوزير السلجوقي نظام الملك عام 485هـ، كما قتلوا عدداً من الوزراء منهم أبو طالب السميرمي وزير السلطان محمود السلجوقي، ذبحوه ومثلوا به نيفاً وثلاثين جراحة، كما قتلوا وزير السلطان سنجر معين الملك أحمد ابن الفضل (6) , وقتلوا الوزير فخر الملك ولد نظام الملك، قتلوه وهو صائم يوم عاشوراء, جاءه
_________
(1) الكامل في التاريخ نقلاً عن الجهاد والتجديد، ص 141.
(2) الكامل في التاريخ (8/ 668، 669).
(3) المصدر السابق (8/ 669).
(4) الجهاد والتجديد، ص 143.
(5) أثر الحركات الباطنية في عرقلة الجهاد, ص183 - 184.
(6) ذيل تاريخ دمشق، ابن القلانسي، ص 324.
(1/509)

صبي «وهو خارج من داره» يصيح: ذهب المسلمون ولم يبق من يكشف مظلمة ولا يأخذ بيد ملهوف، فاستمع إليه رحمة به، فطعنه الباطني بسكين وقتله (1). واغتالوا عدداً من الولاة والأمراء منهم جناح الدولة حسين صاحب حمص، صهر رضوان صاحب حلب, قتلوه عندما نزل من القلعة ليصلي الجمعة في المسجد الكبير، هجم عليه ثلاثة من الحشاشين في لباس الدراويش وقتلوه عام 495هـ, وكان وقتها يتهيأ لقتال الصليبيين، وينتقد رضوان لتهاونه في قتالهم، فتآمر على اغتيال زوج أمه (2)،
وكان رحمه الله أميراً مجاهداً يباشر الحروب بنفسه (3)، ومن جرائم الحشاشين قتلهم القائد المجاهد الأمير مودود بن النوكتين في ساحة المسجد الأموي عام 507هـ, وقد هزم الصليبيين في أكثر من موقعة، وكان رحمه الله صائماً رفض أن يفطر (4)، كما قتلوا والي الموصل، آق سنقر البرسقي عام 520هـ, هجموا عليه وهو يصلي الجمعة في جامع الموصل، وثب عليه بضعة عشر نفراً من الفدائيين، وطعنوه بخناجرهم، وقتل -رحمه الله- بعد أن جرح ثلاثة منهم بيده, وكان رجلاً عادلاً عابداً متهجداً قاد الجيوش ضد الصليبيين مراراً (5)، ولم يتورع الباطنيون عن قتل من تمكنوا من الوصول إليه من خلفاء الدولة العباسية, ومن هؤلاء الخليفة المسترشد، وكان -رحمه الله- عالماً تقياً فاضلاً بليغاً، عارفاً بالفتوى، هجموا عليه في
خيمته واغتالوه ومثلوا به -قاتلهم الله- وكان ذلك عام 529هـ (6)، كما اغتالوا ولده الخليفة الراشد في أصبهان عام 532هـ ودفن فيها رحمه الله، قتله الباطنية وكانوا في خدمته، ودفن في ظاهر أصفهان (7).
وأما العلماء والفقهاء: فقد اغتالوا عدداً منهم، نذكر على سبيل المثال، أبو القاسم بن إمام الحرمين, قتله الباطنية غدراً عام 492هـ، والفقيه أحمد بن الحسين البلخي قتله الباطنية غدراً عام 494هـ, والفقيه عبد اللطيف بن الخجندي قتله الباطنية غدراً عام 523هـ, والفقيه أبو المحاسن الروياني قتله الباطنية غدراً عام 502هـ, والقاضي أبو العلاء مساعد النيسابوري قتله الباطنية بجامع أصبهان 499هـ, والقاضي عبيد الله بن علي الخطبي قتله الباطنية بالجامع وهو يؤدي صلاة الجمعة عام 502هـ, والقاضي صاعد بن عبد الرحمن
أبو العلاء قتله الباطنية يوم عيد الفطر بنيسابور عام 502هـ, والقاضي أبو سعد محمد بن نصر الهروي هجم عليه قوم من الباطنية في جامع همذان وقتلوه عام 518هـ, والواعظ
_________
(1) الكامل في التاريخ, نقلاً عن الجهاد والتجديد، ص 144.
(2) الجهاد والتجديد، ص 145.
(3) النجوم الزاهرة (5/ 168).
(4) البداية والنهاية نقلاً عن الجهاد والتجديد، ص 145.
(5) الكامل في التاريخ نقلاً عن الجهاد والتجديد، ص 145.
(6) الكامل في التاريخ (8/ 712، 713).
(7) الروضتين لأبي شامة (1/ 31).
(1/510)

أبو جعفر بن المشاط كان يدرس للناس في الجامع ولما نزل من على كرسيه وثب عليه باطني وقتله عام 498هـ, والواعظ أبو المظفر الخجندي وكان يدرس للناس في الجامع, ولما نزل من على كرسيه وثب عليه باطني وقتله (1). وقد قام محمد حامد الناصر بعمل جدول أسماء القادة والعلماء الذين اغتيلوا بيد الباطنية (2) , وعلق بعد ذلك بقوله: يتبين لنا ضخامة الدور البشع لتلك الحركات في القضاء على فاعلية الأمة وحيويتها في الصراع الدائر بين المسلمين والغزاة الصليبيين ويتضح لنا من سلسلة الاغتيالات وتوقيتها، ونوع شخصياتها ملاحظات في غاية الأهمية منها:
- أن الذين قتلوا على يد الباطنيين، كانوا يمثلون مراكز القيادة والتوجيه في ميادين السياسة والفكر والجهاد في سبيل الله.
- وأن تصفية هؤلاء كان خدمة متعمدة لخدمة الصليبيين من جهة ولقيادة المذهب الإلحادي الخبيث من جهة أخرى.
- أن كثيرًا من ضحايا الاغتيال قتل وهو صائم، أو في وقت تأدية صلاة الجمعة أو خلال مجلس للوعظ الديني والإفتاء في بيوت الله.
- أن أكثرهم كان يشهد لهم بالصلاح والتقوى والصيام والتهجد والمحافظة على الصلوات مع جماعة المسلمين والإثخان في جيوش الصليبيين (3).
3 - إشاعة الرعب والخوف في المجتمع الإسلامي: لم يقتصر دور الباطنيين على اغتيال القادة، ولا على التعاون مع الصليبيين، وإنما كانوا ينشرون الرعب بين الناس بشتى السبل, كانوا يقطعون الطريق ويعتدون على سكان القرى المجاورة لهم فيذبحونهم ويستولون على ما لديهم من مال ومتاع، ولم تسلم القوافل المارة بجوار قلاعهم من القتل والنهب، فأصبح الناس لا يأمنون على أنفسهم، ولا على أولادهم وأموالهم, وبلغت جرأتهم أنهم كانوا يخطفون الناس من الشوارع والحارات بأغرب الوسائل, وكان الرجل إذا تأخر عن بيته عن الوقت المعتاد، تيقّن أهله من قتله، وقعدوا للعزاء به، وحذر الناس، حتى صاروا لا ينفرد أحدهم في مسيره, وقد أخذ الباطنية مؤذناً، عن طريق جار له باطني، فقام أهله للنياحة عليه، فأصعده الباطنية إلى سطح داره، وأروه أهله كيف يلطمون ويبكون، وهو لا يقدر أن يتكلم خوفاً منهم (4)، واشتد الخوف والرعب من جرائمهم حتى إذا جاء الليل أخفوا جميع ما
_________
(1) الجهاد والتجديد، ص 148، 149.
(2) المصدر نفسه، ص 149، 150.
(3) المصدر نفسه، ص 149، 150.
(4) الكامل في التاريخ نقلاً عن الجهاد والتجديد، ص 151.
(1/511)

لديهم من مال ومتاع في أماكن مجهولة غير معروفة خوفاً من هجماتهم وأخذهم إياها، فإذا أصبحوا أخرجوها ثانية (1)، ولم يسلم الحُجاج من بطش الباطنيين ففي عام 498هـ تجمعت قوافل الحجاج مما وراء النهر وخراسان والهند، فوصلوا خوار الري، وهي قرية من أعمال بيهق من نواحي نيسابور، فباغتهم الباطنية وقت السحر، ووضعوا فيهم السيوف، وقتلوهم، وغنموا أموالهم ودوابهم، ولم يتركوا شيئاً إلا أخذوه (2)،
وفعلوا مثل ذلك عام 552هـ في حجاج خراسان فقتلوهم جميعاً، ولم يبق منهم إلا العدد اليسير، وكان فيهم الأئمة والعلماء والزهاد والصلحاء, وفي الصباح طلع على القتلى والجرحى أحد الباطنية، وهو ينادي: يا مسلمون! ذهبت الملاحدة، فمن أراد الماء سقيته، فكان كلما رفع جريح رأسه وتكلم بكلمة أجهز عليه ذلك الباطني وقتله، حتى لم يبق الخبيث منهم أحداً (3). ونتيجة لهذا الوضع، أصبح الناس غير آمنين، فكأنهم غرباء عن بعضهم، فقطعت الأرحام، وتفككت الروابط، وزادت الفرقة بين الناس وازداد الخوف بين الناس، حتى صار كثير من العلماء والكتاب لا يتحدثون عنهم إلا بالتلميح والتورية كي لا تنالهم أيدي الباطنية، من هؤلاء مؤرخ الدولة السلجوقية العماد الأصفهاني (4) في كتابه: تاريخ آل سلجوق (5)، فما أشبه الليلة بالبارحة، وها هو التاريخ يعيد نفسه فهل من متعظ؟ (6)
4 - فتوى ابن تيمية في الحركات الباطنية: سئل شيخ الإسلام عن الإسماعيلية وما تفرع عنها من حشاشين وقرامطة ومحمرة أو خرمية، وما شابههم فأجاب -رحمه الله-:
إن هؤلاء وسائر أصناف القرامطة الباطنية أكفر من اليهود والنصارى، بل وأكفر من كثير من المشركين, وضررهم على أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - أعظم من ضرر الكفار المحاربين، مثل كفار التتار والفرنج وغيرهم، فإن هؤلاء يتظاهرون عند جهال المسلمين بالتشيع، وموالاة أهل البيت، وهم في الحقيقة لا يؤمنون بالله ولا برسوله ولا بكتابه، ولا بأمر ولا نهي، ولا ثواب، ولا عقاب، ولا جنة ولا نار، ولا بأحد من المرسلين، قبل محمد - صلى الله عليه وسلم - (7).
ثم بيَّن رحمه الله أخطارهم على المسلمين فقال: إذا كانت لهم مُكنة سفكوا دماء المسلمين، كما قتلوا مرة الحجاج وألقوهم في بئر زمزم، وأخذوا الحجر الأسود، وبقي
_________
(1) الجهاد والتجديد، ص 151.
(2) الكامل في التاريخ نقلاً عن الجهاد والتجديد، ص 151.
(3) الكامل في التاريخ نقلاً عن الجهاد والتجديد، ص 151.
(4) أثر الحركات الباطنية في عرقلة الجهاد، ص 210.
(5) المصدر نفسه، ص 152.
(6) الجهاد والتجديد، ص 152.
(7) فتاوى ابن تيمية (35/ 149).
(1/512)

عندهم مدة وقتلوا من علماء المسلمين ومشايخهم مالا يحصى عدده إلا الله تعالى (1). ثم بين -رحمه الله- تواطؤهم مع الصليبيين فقال: ومن المعلوم عندنا أن السواحل الشامية، إنما استولى عليها النصارى من جهتهم، وهم دائماً مع كل عدو للمسلمين, فهم مع النصارى على المسلمين، ومن أعظم المصائب عندهم فتح المسلمين للسواحل، وانقهار النصارى، بل ومن أعظم المصائب عندهم انتصار المسلمين على التتار (2).
وأشار - رحمه الله- إلى مهادنة العبيديين والفاطميين للصليبيين وتفريطهم في بيت المقدس فقال: فهؤلاء المحادون لله ورسوله، كثروا حينئذ بالسواحل وغيرها، فاستولى النصارى على الساحل، ثم بسببهم استولوا على القدس الشريف وغيره (3).
وبيَّن تعاونهم مع المغول فقال: ثم إن التتار مادخلوا بلاد الإسلام وقتلوا خليفة بغداد وغيره من ملوك المسلمين إلا بمعاونتهم ومؤازرتهم فإن منجِّم هولاكو الذي كان وزيرهم وهو «النصير الطوسي» كان وزيراً للحشاشين في ألموت وهو الذي أمر بقتل الخليفة
وبولاية هؤلاء (4).
وبيَّن -رحمه الله- حكم التعامل معهم فقال: .. وأمّا استخدام هؤلاء في ثغور المسلمين، أو حصونهم، أو جندهم، فإنه من الكبائر، وهو بمنزلة من يستخدم الذئاب لرعي الغنم، فإنهم من أغش الناس للمسلمين، ولولاة أمورهم (5) , ولا يجوز استخدامهم للحراسة والبوابة والحفاظ، ويجب قتل علمائهم وصلحائهم لئلا يضلوا غيرهم، ويحرم النوم معهم في بيوتهم ورفقتهم والمشي معهم، وتشييع جنائزهم (6).

ثامناً: انتشار الفكر الشيعي الرافضي والباطني:
هل كان يتصور أن يصمد المسلمون أمام الصليبيين وقد تفشى الرفض وانتشرت البدع وقامت للمبتدعة دول. فالعبيدون الفاطميون بمصر (297 - 567هـ) , والبويهيون قد تملكوا مقاليد الأمور في بغداد وأهانوا الخلفاء أسوأ إهانة, والقرامطة وما فعلوه بالحجيج سنة 317هـ، بل بأهل دمشق سنة 360هـ فقد أوقعوا بأهلها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت, ومحاولتهم إضعاف الدولة العباسية، وبنو حمدان (317 - 394هـ) بحلب، والأسديون في الحلة (403 - 545هـ) لم يكتفوا بإماراتهم بل شاركوا في أحداث الدولة العباسية من إثارة الفتن على الخليفة، فهذا دبيس أميرهم يرغم على الجلاء عن الحلة فيذهب إلى الشام ويساعد
_________
(1) فتاوى ابن تيمية، ص (35/ 150).
(2) المصدر نفسه (35/ 151).
(3) المصدر نفسه (35/ 151 - 152).
(4) المصدر نفسه (35/ 151 - 152).
(5) المصدر نفسه (35/ 155 - 162).
(6) المصدر نفسه (35/ 155 - 162).
(1/513)

الروم في حصار حلب على شرط أن يتملكها بعد الانتصار على المسلمين، ولكن الحملة تفشل ويعود دبيس إلى الحلة فيقتل من قبِل السلطان مسعود السلجوقي. ولقد تعاون الأسديون مع أرسلان البساسيري الداعي إلى طاعة العبيديين في مصر، فالأسديون لتشيعهم ساعدوا هذا المارق، كما ساعدوا الروم ضد المسلمين (1) فانتشار الفكر الشيعي الرافضي والباطني كان من العوامل التي ساعدت على احتلال الصليبيين لبلاد الشام في الحملة الصليبية الأولى.

تاسعاً: تدهور الحياة الاقتصادية قبل الغزو الصليبي:
تجمعت الأموال في يد حفنة قليلة لا تعرف معروفاً ولا تنكر منكراً, وتركوا البلاد قاعاً صفصفاً يعانون شظف العيش بدون تأنيب ضمير أو حس (2)، ولعلنا نستطيع إيجاد أبرز مظاهر هذا الخراب الاقتصادي وما تبعه من مفاسد فيما يلي:
الإسراف والتبذير: عند علية القوم، إذ أصبح تكديس الأموال عندهم أمراً شائعاً، والنهب من أموال الدولة أمراً عادياً وإليك بعض الأمثلة:
- وجد في قصور العاضد آخر خلفاء الفاطميين: من الحواصل والأمتعة والملابس والمفارش شيء باهر، ومن ذلك سبعمائة يتيمة من الجوهر، عدا الزمرد والياقوت، واستمر بيع محتويات القصر نحوًا من عشر سنين (3).
- والوزير الفاطمي بدر الجمالي كان قد خلف ثروة وجدت بعد وفاته منها: ستمائة ألف ألف دينار عينًا، ومائتا وخمسون إردب دراهم، وخمسة وسبعون ألف ثوب أطلسي، وثلاثون راحلة أحقاب ذهب عراقي، ودواة ذهب فيها جوهر قيمته اثنا عشر ألف دينار (4). ولما قتل ولده الأفضل وزير الفاطمية بعد أبيه بدر الجمالي، عام 515هـ نُقل من أمواله - بأمر الخليفة - مالا يعلمه إلا الله تعالى، ووجد من الأعلاق النفسية والأشياء الغريبة مالا يوجد مثله (5).
- ويصف ابن كثير جانباً من حياة أبي نصر أحمد بن مروان الكردي والي بلاد بكر وميافارقين المتوفى (453هـ) فيقول: ملك هذه البلاد اثنتين وخمسين سنة، وكان عنده
_________
(1) واقدساه (1/ 357).
(2) الجهاد والتجديد، ص 71.
(3) البداية والنهاية نقلاً عن الجهاد والتجديد، ص 71.
(4) وفيات الأعيان (2/ 160 - 162).
(5) الكامل في التاريخ نقلاً عن الجهاد والتجديد، ص 72.
(1/514)

خمسمائة سرية سوى من يخدمهن، وعنده خمسمائة خادم، وكان عنده من المغنيات شيء كثير، كل واحدة مشتراها بخمسة آلاف دينار، وكان يحضر مجلسه من آلات اللهو والأواني ما يساوي مائتي ألف دينار (1).
- ويصف كذلك جهاز زواج ابنة السلطان ملكشاه عام 480هـ فيقول: في المحرم من هذا العام نقل جهاز ابنة السلطان ملكشاه إلى دار الخلافة على مائة وثلاثين جملاً مجللة بالديباج الروحي، غالبها أواني الذهب والفضة، وعلى أربعة وسبعين بغلة مجللة بأنواع الديباج الملكي وأجراسها وقلائدها من الذهب والفضة، وكان على ستة منها اثنا عشر صندوقاً من الفضة، فيها أنواع من الجواهر والحلي (2).
- وقلد الجند والأمراء والوزراء في الجشع والنهب, فكانوا إذا نشبت فتنة بين السلاطين والملوك أو بين أمرائهم، استغلوا الفرصة ونهبوا المدن والمحلات التجارية والبيوت وتفنن التجار في رفع الأسعار، وخاصة خلال ندرة الأقوات والحاجات, وكانت عساكر السلاطين تعيث فساداً في أموال الناس وقرى الفلاحين (3). هذا وصف موجز لحال الأمراء والوزراء بينما كان الأمر مختلفاً تماماً عند العلماء والأدباء وعامة الناس (4).
- غلاء الأسعار وانتشار المجاعات: كثرت الضرائب على المواطنين وتفننت الدولة في طرق الابتزاز حتى إن الحجاج كانوا يدفعون الكثير من الضرائب للبلد الذي يمرون فيه، كما كان يفعل الفاطميون مع حجاج المغرب في مصر, ومن عجز عن الأداء حبس، وربما فاته الوقوف بعرفة، حتى أسقط السلطان صلاح الدين المكوس والضرائب عن الحجاج بمكة (5). وغلت الأسعار بشكل مذهل، فقد روى ابن تغري بردي: أن رجلاً باع داراً بالقاهرة، كان اشتراها قبل ذلك بتسعمائة دينار، بعشرين رطل دقيق، وبيعت البيضة بدينار وذلك عام 428هـ. وعم الوباء والقحط بالعراق والشام كذلك وسائر أرجاء العالم الإسلامي، فكان الناس يأكلون الميتة من الحيوانات, وينبشون قبور ألموتى من البشر، أما الأغنياء، فكانوا يشترون الرمانة والسفرجلة بدينار، كان ذلك ما بين 484 - 489هـ (6) , ويصف ابن كثير الحالة العامة من غلاء الأسعار والمجاعات لعام 462هـ ومن غرائب ذلك قوله: بأنه قد نزل الوزير في مصر يوماً عن بغلته، فغفل عنها لضعفه من الجوع، فأخذها ثلاثة نفر فذبحوها
_________
(1) الكامل في التاريخ نقلاً عن الجهاد والتجديد، ص 72.
(2) البداية والنهاية (16/ 107).
(3) هكذا ظهر جيل صلاح الدين، ص 22.
(4) الجهاد والتجديد، ص 73.
(5) البداية والنهاية نقلاً عن الجهاد والتجديد، ص 74.
(6) النجوم الزاهرة (5/ 15 - 17).
(1/515)

وأكلوها، فأخذوا وصُلبوا، وما أصبحوا إلا وعظامهم بادية، قد أخذ الناس لحومهم فأكلوها وكان لا يجسر أحد أن يدفن ميتة نهاراً، وإنما يدفنه ليلاً خفية، لئلا ينبش فيؤكل (1).
- اضطراب الأمن وإهمال المصالح العامة: أصبحت الصفة العامة للحياة الاجتماعية الشغب واضطراب حبل الأمن، ولطالما تمرد اللصوص حتى في قلب العاصمة بغداد، ولربما احتلوا بعض الأماكن وفي غمرة هذه الفوضى انصرف المجتمع إلى الانشغال بقضاياه اليومية الصغيرة، فكانوا كأهل الجاهلية همة أحدهم بطنه وفرجه لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً (2)، فما أشبه الليلة بالبارحة, وكانت الخلافة العبيدية تقدم الهبات لشيوخ القبائل، فإذا انقطعت الأموال، شقت القبائل عصا الطاعة، فتشن الغارات المدمرة على مختلف بلدان الشام ومدنها (3). يضاف إلى ذلك قطع الطرق على قوافل التجار، ونهب أصحابها, وكان التركمان يشتركون في مثل هذه الغارات (4). وقد أهملت شئون الزراعة والري، فكثرت الفيضانات، في دجلة والفرات، وأهلكت المرافق العامة، كما أهملت الطرق، وشئون الأمن، ونهبت المحلات التجارية والبيوتات من قبل اللصوص (5)، وأضف إلى ذلك غارات الأعراب على الريف ونهب المحاصيل، ونتيجة لكل ذلك كانت المجاعات، رغم كثرة الخيرات وخصوبة الأراضي لو وجدت لها حافظاً وسلمت من أيدي العابثين (6).

عاشراً: ضعف الدولة البيزنطية:
تعرضت الدولة البيزنطية في أواخر القرن الخامس الهجري إلى ضغط شديد من قبل السلاجقة، على إقاليمها الآسيوية، كما تعرضت في الوقت ذاته لخطر النورمان وضغطهم على أقاليمها الأوروبية، الأمر الذي أدى إلى ضعفها، وبالتالي تراجعها أمام هذين الضغطين، فتراجعت أمام السلاجقة بعد هزيمتها في معركة ملاذكرد معهم, كما تراجعت أمام الذين انتزعوا منها آخر معاقلهم في إيطاليا، ووجهوا أنظارهم نحو الشاطئ الشرقي للبحر الأدرياتي، وخاصة بعد أن انتزعوا صقلية من المسلمين، بل لقد طمعوا في القسطنطينية نفسها، وأخذ النورمان بعد ذلك يحلمون بمواصلة الحرب ضد المسلمين في الشرق، فاتجه فريق من المغامرين منهم نحو الدولة البيزنطية، واشتبكوا مع البيزنطيين في مواقع كثيرة, كما زحف روبرت النورماني على القسطنطينة نفسها لكنه اضطر إلى العودة
_________
(1) البداية والنهاية نقلاً عن الجهاد والتجديد، ص 75.
(2) الروضتين لأبي شامة (1/ 7).
(3) الجهاد والتجديد، ص 75.
(4) هكذا ظهر جبل صلاح الدين، ص 54.
(5) المصدر نفسه، ص 54.
(6) الجهاد والتجديد، ص 75.
(1/516)

إلى إيطاليا وترك قواته في بلاد البلقان لابنه بوهيمند الذي صار فيما بعد بطلاً من أبطال الحملة الصليبية الأولى, وكان النورمان قد أوقعوا في الإمبراطورية القسطنطينية خسائر كثيرة، حتى كادت تسقط بأيديهم قبل الغزو الصليبي، الأمر الذي فتح لهم طريق الشرق ويسّر زحف الصليبيين في هذه الديار (1).

الحادي عشر: تمرس فرسان الإفرنج على الحرب والإمدادات الأوربية المستمرة لهم:
ويجب ألا يغرب عن البال تمرس فرسان الإفرنج بالحرب في بلادهم، فالعصر عصر إقطاع وفروسية, ونشأة الفارس منذ الصغر على الفروسية ويذكر المؤرخون المعاصرون أنه كانت لفرسان الإفرنج حملة مشهورة كان المسلمون يفسحون لهم الطريق أو يتظاهرون بالانهزام ليتفرق الفرسان وينفصلوا عن المشاة فيتمكن المسلمون من مهاجمتهم من الجوانب والخلف، واعتمد المسلمون في حربهم معهم على القوس والسهام كثيراً، وماذا تفعل السهام بهذه الكتل الحديدية المتحركة، فالفارس والحصان تغطيهما الدروع, ومع الزمن اكتسب المسلمون خبرة في حربهم فكان ذلك سبباً من أسباب انتصارهم عليهم. ويجب عند ذكر
قوة الصليبيين أن لا ننسى الإمدادات الأوربية لهم من سفن وحجاج وفرسان تأتي إليهم
كل عام (2).
وبعد هذا، فقد لاحظنا من خلال ما مر ذكره في أحوال الأمة قبل الهزائم التاريخية الكبرى عند هجوم الصليبيين على العالم الإسلامي أن الفرقة حفرت بين دوله خنادق بعيدة القاع فأمسى بعضها يتربص بالبعض الآخر، ويتمنى له الدمار، فالدولة الفاطمية في الشمال الإفريقي ومصر تغير على الدولة العباسية في العراق والشام والحجاز, والدولة الأموية في الأندلس تتمنى البوار للفريفين، كي يؤول إليها الميراث الدسم. والفرقاء المشاكسون محصورون في أحقادهم لا يحسون بالزحف الصليبي القادم من الغرب، ولا الزحف التتاري القادم من الشرق، أيرضى الإسلام عن هذه الضغائن الخسيسة، أو ينتظر من أصحابها أن يخدموا عقائده وشرائعه (3).ولاحظنا أن الخلفاء العباسيين في غاية الضعف والهوان، فقد هرب الخليفة العباسي «القائم بأمر الله» بعدما سقطت بغداد في أيدي الفاطميين واعتقله أحد البدو، ولكن الملك السلجوقي «طغرل بك» استنقذه وردّه إلى عاصمة ملكه، فكافأه الخليفة على حسن صنيعه ولقّبه ملك المشرق والمغرب، وأطلق يده في إدارة الدولة واضطر إلى تزويجه بابنته رغم أنفه، ومات الملك السلجوقي فورثه ابنه ألب أرسلان, ومات الخليفة
_________
(1) الوطن العربي والغزو الصليبي، ص 30.
(2) الحروب الصليبية والأسرة الزنكية، ص 22.
(3) هموم داعية، محمد الغزالي، ص 40.
(1/517)

العباسي وورثه عباسي آخر لقب نفسه «بالمقتدي» وكان شاباً في التاسعة عشرة من عمره ولم يكن الشاب الشريف النسب قديراً على الإدارة فتولاها عنه سلجوقي آخر يدعى «ملكشاه» وهو ابن ألب أرسلان الذي توفي بعد حياة عامرة بالجهاد, وقد استبد «ملكشاه» بالسلطة - بعد وفاة نظام الملك الوزير الصالح - وازدرى الخليفة، وبلغ من احتقاره له أن أمره بترك بغداد، وتضرع الخليفة إليه أن يمهله شهراً فأبى بعد إلحاح إلاَّ أن يمهله عشرة أيام وحسب، وشاء الله أن يموت «ملكشاه» قبل انقضاء الأجل المضروب وتكتمت زوجته نبأ موته، وذهبت إلى الخليفة المهدد طالبة أن يولي ابنه مكانه، وكان الولد لا يبلغ من العمر خمس سنين، ولكنَّ الخليفة المقتدي ولاّه ومنحه لقب ناصر الدين والدنيا.
أرأيت هذا الهزل كله؟ إنّها مساخر يحار المرء كيف تقع باسم الإسلام في عاصمة الإسلام!! ومتى يحدث هذا السخف في دفة الحكم؟ يحدث وملوك أوربا وبابا الفاتيكان ورجال الكنيسة يصرخون بضرورة الثأر من المسلمين والإجهاز على دين محمد - صلى الله عليه وسلم -، لكن هذه الصيحات لا يبلغ صداها رجال السياسة العليا في بلادنا، إنَّهم ينادون من مكان بعيد، إنَّهم غرقى في شهواتهم الشخصية، ومطامعهم العرقية، لقد فهموا من الإسلام شيئاً واحداً، أنَّ الوحي الأعلى نزل ليخص أفراد أسرتهم بمكنة ممتازة، فبعد ستة قرون أو أقل أو أكثر من شروق الإسلام يرى شاب مسكين من ولد العباس أنّه جدير بقيادة العالم الإسلامي أو يرى نظير له من بني أمية أنَّ المسلمين على شاطئ الأطلسي يجب أن يدينوا له بالطاعة, ألم يكن أجداده الأمجاد عُمُداً في بطحاء مكّة قديماً؟! ولو انتقل الإسلام إلى غرب الأطلسي واعتنقه سكان الأمريكتين فينبغي أن يدخلوا في سلطانه، إن أي عباسي أو فاطمي عديم الكفاية يغنيه هذا الانتساب ليطلب أمراً لا يعرف له رأسا من ذنب، والغريب أن صاحب الرسالة قال لابنته فاطمة: «يا فاطمة بنت محمد - صلى الله عليه وسلم - اعملي لنفسك لا أغني عنك من الله شيئاً» ثم جاء بعد ذلك من ينتسب إلى فاطمة بالحق أو الباطل ليتذرع بهذا النسب إلى قيادة المسلمين (1)!!
الحق أن الأجهزة العليا للدولة الإسلامية لحقها عطب مبكر من جراءِ هذه الدعاوي، وأن غلبة التافهين على مناصب الخلافة العباسية أو الفاطمية أصاب الأُمّة الإسلامية بجرح غائر، ما زال ينزف حتى أفقدها الحياة، ومكَّن منها الأعداء، ثم كان سبباً في أن ناساً من أهل الطموح والقدرة رأوا العجز الفاضح لأبناء هذه الأسر، فنحوهم عن السلطة، واحتازوها لأنفسهم, ولما كان التطلع والادَّعاء شائعين بين الناس، فقد تهارش على الحكم طامعون كثيرون، وأصبح الاستيلاء على مقاليد الحكم مطلباً ميسوراً لكل من يملك سيف المعز
_________
(1) هموم داعية، ص 41.
(1/518)

وذهبه وبديه أن يستخفي في هذا الجو ذوو المروءة والشرف والعفاف والتقى، فماذا يصنعون؟ وبأيَّ سلاح يقاتلون؟ لنطوِ هذا التعليق السريع، ولنعد أدراجنا إلى بلاد الشام قبيل الحملة الصليبية الأولى، عندما كان أولاد العباس، والدولة الفاطمية العبيدية، وأولاد أمية في الأندلس يتنافسون على مقاليد الحكم في العالم الإسلامي. وفي مقدمة جيدة كتبها الشيخ علي محمد يوسف، المدرس بكلية الشريعة بجامعة قطر، عن ابن الجوزي جاءت هذه العبارات في وصف المسلمين قبيل الهجوم الصليبي: بينما هم في غمرة انقسامهم على أنفسهم إذ برز عدو يرفع شعار الصليب يريد القضاء عليهم واقتلاع الإسلام من جذوره.
وقد قدمت أُولى الحملات الصليبية سنة 492هـ وقال عنها ابن الجوزي: وردت الأخبار بأنَّ الإفرنج ملكوا أنطاكية ثم جاءوا معرة النعمان فحاصروها، وقتلوا ونهبوا وقيل: إنهم قتلوا ببيت المقدس سبعين ألف نفس وكانوا قد خرجوا في ألف ألف (1). ونقف عند عبارة ابن الجوزي، قيل: إنهم قتلوا سبعين ألفاً!! الأمر عنده، وعند سكّان بغداد، وفي مركز الخلافة الإسلامية لا يعدو أن يكون إشاعة، إنَّ دار الخلافة آخر من يعلم، وأنّى لها العلم ورجال الدولة في شغل بصيد المتع ونشدان الملذات والتقاتل على السلطة .. كان الحكم مغنماً يستحق المخاطرة. أبلغ أُولئك الخلفاء والسلاطين أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - آثر صرف الخلافة عن ابنه ضناً عليه بمتاعبها ومغارمها قائلاً: بحسب آل الخطاب أن يحاسب واحد منهم عن المسلمين، كانت الخلافة أيام الرجل الكبير عبئاً ومغرماً، ثم جاءت أيام الملك العضوض فأصبحت بقرة حلوباً, فلما هجم الصليبيون على فلسطين كان التقطع في كيان الأمَّة الكبيرة قد بلغ مداه، ولولا أن مذبحة بيت المقدس طمَّت وعمّت واستحال حصر أبنائها لبقي النائمون نياماً, ولم تلبث دولة الخلافة غير قليل حتى دفعت ثمن بلادتها فاجتاحها التتار، وجعلوها خبراً كان، ولم تغن عنها الألقاب الخادعة من مسترشد بالله، ومقتف لأمر الله، ومستنجد بالله، وناصر لدين الله ... إلخ. إن الظن لا يغني من الحق شيئاً فكيف بالكذب الصراح؟ والمسلمون إذا لم يصدقوا الله فلا يلومون إلا أنفسهم (2).
- أثر الاستبداد على الدين والحياة: قد يقال: أين جهاد العلماء في مقاومة هذه الفوضى؟ والجواب يقتضينا شيئاً من التفصيل، فإنَّ أصحاب العقول الكبيرة والهمم البعيدة حاربهم الاستبداد السياسي وفضَّ مجامعهم، فضاقت الدائرة التي يعملون فيها، وتضاءل الأثر الذي يُرتقب منهم, والمرء لا يسعه إلاَّ الحزن لمصاير قادة الفكر الديني الذين قتلوا أو أهينوا وحيل بينهم وبين نفع الجماهير، مع غياب هؤلاء انفسح المجال لعارضي الأحاديث
_________
(1) هموم داعية، ص 42.
(2) المصدر نفسه، ص 43.
(1/519)

الذين يخبطون في السنة الشريفة خبط عشواء, ولفقهاء الفروع الذين خدعوا العوام بسلعهم وأوهموهم أنهم يشرحون لباب الدين وشعب الإيمان الكبرى، وهم في الحقيقة يذكرون تفاصيل ثانوية يكثر فيها الأخذ والرد ولا تمس جوهر العقيدة أو الشريعة. إن الأحاديث الشريفة - بعد تمحيص سندها - تحتاج إلى الفقيه الذي يضعها موضعها في الإطار العام للإسلام الحنيف (1).
- معارك في فقه الفروع: أما فقهاء الفروع فقد زادوا الطين بلَّة وزحموا أوقات الناس بصور من الأحكام تكتنفها التهاويل المزعجة، مع أنها لا تستحق هذا الجهد ولا هذا الوقت, ثم أعلنوا حرباً غير شريفة على من يخالفهم في تلك الأحكام الجزئية. روى ابن الجوزي عن الشيخ ابن عقيل، قال: رأيت الناس لا يعصمهم من الظلم إلا العجز!! لا أقول: العوام، بل العلماء. كانت أيدي بعض الحنابلة مبسوطة في أيام ابن يوسف - الحاكم السابق - فكانوا يتسلطون بالبغي على أصحاب الشافعي في الفروع - التي يخالفونهم فيها - حتى لا يمكنَّوهم من الجهر بالقنوت، وهي مسألة اجتهادية - يعنى لا حرج في الاختلاف فيها - فلما جاءت أيام النظام ومات ابن يوسف، وزالت شوكة الحنابلة استطال عليهم أصحاب الشافعي استطالة السلاطين الظَّلمة فاستعدوا عليهم وآذوا عامتهم بالسعايات، والفقهاء بالنبذ والاتهام بالتجسيم. قال ابن عقيل: فتدبرت أمر الفريقين فإذا هم لم تعمل فيهم آداب العلم، وهل هذه إلا أفعال العسكر؟ يصولون في دولتهم ويلزمون المساجد في بطالتهم (2).
وذكر ابن الجوزي عن أبي نصر القشيري - الواعظ بالنظامية - أنه كان يذم الحنابلة وينسبهم إلى التجسيم، فرموه بالحجارة حتى وصلت إلى حاجب الباب، وتقاتل القوم مرة بسببه حتى وقع بينهم قتلى وجرحى وحرق ونهب إلى أن أرسل الخليفة من أخمد الفتنة. يحدث هذا التمزق في الأمة الإسلامية والعالم الصليبي يحترق شوقاً إلى ضرب الإسلام في عقر داره ومحو أعيانه وآثاره. وعلامَ الخلف والتظالم؟ على قضايا تركها كفعلها، أو فعلها كتركها لا يخدش إيمانا ولا يجرح المروءة وهل في قنوت الفجر إن فعلناه أو تركناه ما يضير؟
إن العُرْي عن الأخلاق، وإبطان الكره للآخرين، والعجب بالنفس هو الجريمة التي ارتكبها نفر من فقهاء الفروع، غرّتهم بضاعتهم فقدموها للناس مقرونة بالغلو، ولم يبالوا بما تتركه من فرقة، وفساد المتدينين من أهل الكتاب صدر عن هذا المنبع, زوّقوا الشعارات وخرّبوا القلوب فقال الله فيهم: {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} [البقرة: 213]. وكانت عقبى الشقاق وعوج الصفوف واضطراب الحكم وحب الرياسة
_________
(1) هموم داعية، ص 44.
(2) المصدر نفسه، ص 45.
(1/520)

أن اقتحم الصليبيون والتتار حدود الأمَّة المختلفة وفعلوا بها الأفاعيل (1)، ما أشبه الليلة بالبارحة لأني (2) أرى العلل القديمة تتجمع، ونذر العاصفة المدمرة تبدو في الأفق البعيد، بل إنَّ الأعداء شرعوا في الهجوم، والأرض الإسلامية تُنتقص من أطرافها، والخطط توضع لضرب القلب بعد قص الأجنحة!! نجح الصليبيون في تنصير أربعة أخماس الفلبين ثم اتجهوا إلى جزر أندونيسيا يحملون الخطة ذاتها، وقد محوا المعالم الإسلامية من «سنغافورة» , وهم الآن يبعثرون طلائعهم في شرق وجنوب آسيا، والكاثوليكية تسعي وترى ضرورة إزالة الإسلام من إفريقية, وبابا الفاتيكان يتنقل بين أقطار شتى ليطمئن إلى نجاح الخطَّة المرسومة ويزيدها ضراوة!! كيف لا يقشعر جلد المؤمن وهو يطالع هذه الأنباء؟ كيف يطيب له منام أو طعام؟ (3) وموازيًّا للغزو الصليبي التنصيري الجديد، التغلغل الباطني في إفريقيا وآسيا والجاليات المسلمة في أوربا وكندا وأمريكا وتواصلهم مع الأقليات في البلدان الإسلامية، فالمشاريع الغربية الصليبية والباطنية المفسدة تنخر في هذه الأمة العظيمة، والمسلمون في العالم أجمع ينتظرون من علمائهم ومفكريهم بلورة مشروع إسلامي عقائدي سياسي على أصول الإسلام الصحيح للوقوف أمام هذين الخطرين العظيمين.
وها هي الأمَّة الإسلامية أحسَّت الخطر المحدق وهبّت لتحيا، وعلائم الصحو تنتشر بسرعة مع اقتراب الفزع واكفهرار الجو, وإني لمؤمِّل الخير من وراء هذا الصحو الشامل، بيد أني أحذر من الأمراض القديمة، من فساد السياسة بالفرقة، وفساد الثقافة بالجهل والهوى, ومن الناحية العلمية يجب أن نتعاون في المتفق عليه، ونتسامح في المختلف فيه، ونتساند صفاً واحداً في مواجهة الهجمة الجديدة على ديننا وأرضنا حتى نردها على أعقابها. وعلى أهل المسئولية الإسراع في جمع القوى، وسد الثغرات وحشد كل شيء لاستنقاذ وجودنا المهدد، إنّ أي امرئ يشغل المسلمين بغير ذلك إمَّا منافق يمالئ العدو ويعينه على هزيمتنا، وإمَّا أحمق يمثل دور الصديق الجاهل، ويخذل أمته من حيث لا يدري, وكلا الشخصين ينبغي الحذر منه وتنبيه الأمَّة إلى شره (4).
ولا بد من الالتزام بعوامل النهوض والأخذ بأسباب النصر والتي منها، صفاء العقيدة، ووضوح المنهج، وتحكيم شرع الله في الدولة, ووجود القيادة الربانية التي تنظر بنور الله، وقدرتها في التعامل مع سنن الله في تربية الأمم، وبناء الدول وسقوطها، ومعرفة علل المجتمعات، وأطوار الأمم، وأسرار التاريخ، ومخططات الأعداء من الصليبيين والملاحدة
_________
(1) هموم داعية، ص 46.
(2) المصدر نفسه، ص 46.
(3) المصدر نفسه، ص 47.
(4) المصدر نفسه، ص 47.
(1/521)

والفرق الباطنية، والمبتدعة, وإعطاء كل عامل حقه الطبيعي في التعامل معه، فقضايا فقه النهوض والمشاريع النهضوية البعيدة المدى متداخلة متشابكة لا يستطيع استيعابها إلا من فهم كتاب الله عز وجل وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وارتبط بالفقه الراشدي المحفوظ عن سلفنا العظيم, فعلم معالمه وخصائصه وأسباب وجوده وعوامل زواله، واستفاد من التاريخ الإسلامي وتجارب النهوض، فأيقن بأن هذه الأمة ما فقدت الصدارة قط وهي وفية لربها ونبيها - صلى الله عليه وسلم - , وعلم بأن الهزائم العسكرية عرض يزول، أما الهزائم الثقافية فجرح مميت والثقافة الصحيحة تبني الإنسان المسلم، والأسرة المسلمة، والمجتمع المسلم، والدولة المسلمة، على قواعدها المتينة من كتاب الله وسنة رسوله، وهدى الخلفاء الراشدين ومن سار على نهجهم، وعبقرية البناء الحضاري الصحيح هي التي أبقت صرح الإسلام إلى يومنا هذا بعد توفيق الله وحفظه.
دروس بالغة وعبر مفيدة: لماذا الحديث عن مآسينا في التاريخ وعن هذه الذكريات الفظيعة الآن؟ لأنّ التاريخ يعيد نفسه، والهجوم على الأرض الإسلامية يتجدَّد في هذا العصر، فالمطلوب منّا طال الزمان أو قصر أن نرتد عن ديننا وأن نتنازل عن بلادنا, وأحوال المسلمين صورة قريبة الملامح من صورتهم قبل الهجوم الصليبي الأوّل، والفجوات الواقعة بين شتَّى الحكومات هي هي، وكذلك البعد عن تعاليم الدين، واتخاذ القرآن مهجوراً ونسيان محمد وسيرته وسنته. والسؤال الذي يبحث عن إجابة: ماذا كان موقف الفقهاء من الحكام الذين جلبوا هذه الهزائم وأحلُّوا قومهم دار البوار؟ لا أعنى محاكمة ناس ماتوا، وانتقلوا إلى دار أخرى يلقون فيها جزاءهم، إنما أعني: كيف بلي المسلمون بأولئك الرؤساء؟ كيف وصلوا إلى مناصبهم؟ هل ناقش الفقهاء الطرق التي وصلوا بها إلى الحكم؟ هل كانت هناك أجهزة تشير عليهم وتضبط أعمالهم؟ وإذا فقدت الدولة هذه الأجهزة فهل اقترح وجودها وضمن بقاؤها؟ هناك حكام ارتدوا بتعاونهم مع الصليبيين، فهل أعلن ارتدادهم؟ وكيف تمر خيانة عظمى بهذه السهولة؟ وهناك حكَّام أضعفوا الجبهة الداخلية بمظالمهم ومآثمهم, فكيف تركوا يمهدون لسقوط البلاد بين أيدي أعدائها؟ إن المسلمين الذين جاء في وصفهم أنهم جسد واحد، صعقهم شلل رهيب، فكان كل عضو يقطع ويمزق وبقية الجسد لا يدري أو لا يحس، كيف حدث هذا؟ ومن المسئول؟ ترى ماذا يشغل فقهاءنا ومفكرينا إذا كانت حياة الدين كله في مهب العواصف؟ ما هي القضايا الأهم التي تشد انتباههم ويبدؤون فيها ويعيدون؟ وإذا كان المسلمون حملة دعوة عالميَّة، فهل درسوا العالم حولهم وعرفوا ما يسوده من ملل ونحل؟ وهل عرفوا العدو والصَّديق؟ وإذا قيل لهم في كتابهم عن المتربصين بهم: {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217].
فهل فتحوا
(1/522)

عيونهم على مكامن الخطر واتَّخذوا أسباب الحيطة؟ كيف بوغتوا بالهجوم الصليبي؟ وبعدما بوغتوا به، كيف تقاعسوا عن رده؟ ما الملذات وأنواع الترف التي فتنتهم عن دينهم؟ وهل جفَّت منابعها أم بقيت تجعل الحكم مغنما لا مغرماً؟ وتجعل المناصب العليا مصيدة للحرام لا خدمة للصالح العام؟ إن فساد نفر من الحكام جرّ على ديننا وأمتنا بلايا غليظة، إن الخونة الذين مهدوا لسقوط أنطاكية والقدس وغيرهما نسلوا في عصرنا هذا من يمهد لضياع عواصم الإسلام كلها (1) , والسكوت لا يجوز. في القارات الخمس تعطي الشعوب الحق في أن تستبقي الحاكم الذي تحب، وتستبعد الحاكم الذي تكره، فما الذي يجعل الأمَّة الإسلامية تشذ عن هذه القاعدة في أغلب أقطارها. وارتقت أجهزة الشورى ارتقاءً عظيماً، وتطورت محاسبة الحكام تطوراً جذريا، فكيف تبقى لحاكم في بلادنا عصمة؟ وكيف يبقى فوق المساءلة؟ وظفر الفرد في أرجاء الدنيا بضمانات لصون دمه وماله وعرضه، ومثوله أمام قضاء عادل حصين إذا بدر منه خطأ، فلماذا يحرم الفرد عندنا مما توفر لغيره من خلق الله؟ وعجبت (2) لمتحدثين في الإسلام يسكتون عن هذه القضايا ويستمرئون الثرثرة في قضايا أخرى لا تمس الحاضر ولا المستقبل, وإنما تشغل الفراغ وتقتل الوقت وحسب, وكل شيء بأذهانهم إلا قضايا الحرية الفكرية والسياسية وحقوق الأفراد والشعوب مع أن هناك من الحاكمين من يرفض علانية الولاء للإسلام، ومن يطوح بنصف أصوله العلمية في التراب، ومن يأبى باستهانة تنفيذ شرائعه، ومن يفخر بتحلله من روابط العقيدة، ومن لا يرى بأساً بتحليل الحرام وتحريم الحلال، ومن لا يبالي بقتل الألوف المؤلفة من الناس توطيداً لسلطاته!! كيف يصح الرضا عن هؤلاء؟ ونريد - والإسلام يتعرض لمحنة كبرى - أن نحدد المواقف .. إن أعداءنا لم يكتموا من نيَّاتهم شيئاً لأنهم لم يروا أمامهم ما يبعث الكتمان أو الحذر.
اليهود يقولون: لا قيمة لإسرائيل بدون القدس، ولا قيمة للقدس بدون الهيكل. والمعنى واضح يقولون: خلقت إسرائيل لتبقى .. بل يهددون بنسف هيئة الأمم، إذا اتخذت قراراً بفصل إسرائيل!! هل بقي غموض حول أوضاعنا بعد تصريحات الفريقين؟
إن المعركة -في حقيقتها - ليست حشد بضعة ملايين من اليهود في فلسطين لسبب أو لآخر .. إن المعركة حول الوجود الإسلامي كله, وتساؤل القوم هو: لماذا يبقى الإسلام أكثر مما بقي؟ واليهود والنصارى معاً يؤمنون بالعهد القديم، ويرون أن إسرائيل حقيقة دينية لا تقاوم، ولا يجوز تركها، فإذا تحدد موقف أعداء الإسلام على ما رسموا هم فما هو موقفنا؟
_________
(1) هموم داعية، ص 54.
(2) المصدر نفسه، ص 54.
(1/523)

أنستسلم للفناء، وندع ديننا ورسالتنا للجزارين الجدد أم ماذا؟ (1)
- معالم المنهج للصحوة الإسلامية: إن العالم الإسلامي لا يبيع دينه، ويؤثر أن يهلك دونه، ولا يغض من موقفه نفر شذاذ من الخونة والجبناء، فقدوا الدين والشرف، ونشدوا العيش على أي حاجة، وبأي ثمن!! ولكي نحسن الوقوف أمام عدو الله وعدونا يجب أن تتوافر لجبهتنا العناصر الآتية:
يعود الولاء للإسلام: ويستعلن الانتماء إليه، وفي حرب تعلن علينا باسم الدين لا مجال لإطفائها بالتنكر لديننا (2) , ولا بد أن يكون المنهج الذي كان عليه رسول الله وأصحابه وخلفاؤه الراشدون واضحاً لا لبس فيه حتى نخرج من أوحال البدع ومستنقعات الخرافة والأوهام التي تبث في الأمة باسم الإسلام الحبيب العزيز.
إننا نرى الآن في صراع المسلمين مع خصوم الإسلام في بعض دياره يغيب الإسلام، ويضخم البعد الوطني القطري على حسب الدين والعقيدة، وربما يتبنى هذا الطرح بعض المحسوبين على طلاب العالم أو علمائه، وهذا هو الانتحار، وطريق الدمار بل هو قرة عين الأعداء سواء من الداخل أو الخارج.
- الولاء الشكلي للإسلام مخادعة محقورة ويجب أن تعود الروح لعقائدنا وشعائرنا وشرائعنا، والمسلم الذي يستحي من طرح عقيدته ومنهجه وتاريخه بينما يستعلن الباطنيون الجدد ببدعهم وخرافاتهم, ولا يستحي اليهودي من عقيدته وشعائره في أرقى العواصم، فهذه هزيمة تحتاج لعلاج عظيم وإلا إذا استمر هذا الحال ببعض المسلمين فيكون نصر الله بعيداً عنهم حتى يأتي من يستعلي بعقيدته ودينه وأخلاق الإسلام وفرائضه وسننه .. إلخ فسيتحقق نصر الله.
- يُقصى من ميدان التدين العلماء الذين يحرقون البخور بين أيدي الساسة المنحرفين، ويزينون لهم مجونهم ونكوصهم، والعلماء الذين يشغلون الناس بقضايا نظرية عَفى عليها الزمن، أو خلافات فرعية لا يجوز أن تصدع الشمل أو تمزق الأهل، والعلماء الذين يظلمون الإسلام بسوء الفهم، ويرونه في سياسة الحكم والمال ظهيراً للاستبداد والاستغلال وإضاعة الشعوب. إن المسلمين في المشارق والمغارب مهيأون ليقظة عامة تحمي كيانهم وتستبقي إسلامهم، وهم كارهون أشد الكره لأن تكون الأحوال المعاصرة صورة طبق الأصل لما كان عليه المسلمون قبل الهجوم الصليبي في العصور الوسطى (3).
_________
(1) هموم داعية، ص 55.
(2) المصدر نفسه، ص 56.
(3) هموم داعية، ص 56.
(1/524)

إن سنن الله تعالى تقتص من المستضعفين المفرطين، كما تقتص من المجرمين المعتدين، إن عوامل الهدم وإبر التنويم تعمل في هذه الأمة المثخنة من الداخل والخارج حتى يتم الإجهاز الكامل عليها، وقد استطاع الاستعمار الثقافي والفكر الباطني خلق جيل مهزوز الإيمان والفقه، ضعيف الثقة بربه، ومنهجه ودينه, وأمته ونفسه، فهو يعطي الدنية في دينه غير مبال بعواقب الأمور، إننا بحاجة إلى يقظة عامة تتناول أوضاعنا كلها حتى نحسن الدفاع عن وجودنا ورسالتنا في عالم لا تسمع فيه إلا أصوات الجبارين من أصحاب المشاريع الشيطانية, ومن ثم نتمكن من الهجوم على أعدائنا في الداخل والخارج في عقائدهم، وأفكارهم وثقافتهم وهويتهم.

الثاني عشر: استراتيجية الحملة الصليبية بعد الاحتلال:
يهمنا هنا أن نشير إلى أن القوى الفرنجية المحتلة والتي قُدر وخُطط لها أن تعيش في بيئة غريبة كان لابد لها من اتباع مجموعة من الاستراتيجيات القابلة للتطوير تهدف في مجملها إلى الإبقاء على صبغة الاحتلال لأمد طويل, ومن هذه الاستراتيجيات:
- المحافظة بقدر الإمكان وبمختلف الوسائل على أهم سبب من أسباب نجاحها ألا وهو العمل على إبقاء المحيط الإسلامي مشتتاً بقدر الإمكان، لأن ذلك يلغي إمكانية مواجهتها بقوة واحدة مقتدرة، وفي سبيل ذلك عملت بدءاً وباستمرار على احتلال مناطق ذات أهمية استراتيجية تخدم غرض عزل مناطق القوة الإسلامية عن إمكانية التلاقي والتوحد، وكان سبيلها في ذلك احتلال الرها لتمنع أو تعيق الاتصال بين العراق وبلاد الشام، كما هو الحال لاحقاً بالسيطرة على مناطق جنوبي بلاد الشام -الكرك والشوبك- بهدف إعاقة أو تعطيل الاتصال ما بين مصر وبلاد الشام، هذا على صعيد الجغرافيا الطبيعية. أما على صعيد الجغرافيا البشرية، فقد حرصت القوى الصليبية على إدامة الصراع العرقي والمذهبي بين أطراف المحيط الإسلامي, وقد اتبعت في ذلك وسائل ترغيب وترهيب، وسياسة تحالف مع قوى ضد أخرى، وقد ساعدها في ذلك إلى حدود معينة العداء ما بين طرفي الصراع الإسلامي الشيعة والسنة، كما ساعدها وجود أقلية مسيحية أمكن لها استغلال بعض قواها للتحالف معها، والتآمر على محيطها العربي.
- ركزت القوى الصليبية في احتلالها على مناطق تؤمن لها الاتصال بمركز انطلاقها في الغرب الأوربي، ولذلك ركزت على احتلال سواحل بلاد الشام ضماناً لذلك، وابتعدت قدر الإمكان عن السيطرة على المناطق الداخلية خشية فقدانها لهذه الميزة، وحتى لا تكون محصورة بين قوى إسلامية على افتراض الخوف من توحيد هذه القوى
(1/525)

لاحقاً بما يلحق بها ضرراً يؤدي إلى زوالها.
- عملت القوى الصليبية على إيجاد تحالفات مع قوى يمكن أن تمدها بالمساعدة في مراحل مختلفة، إما لعداء هذه القوى للمحيط الإسلامي، رغبة في تحقيق امتيازات اقتصادية، وفي هذا الصدد يمكن ملاحظة تحالفها بدءاً مع بيزنطة ثم مع المدن الإيطالية أو بعضها، وأخيراً إمكانية التحالف مع القوى المغولية (1) التي كانت فيما بعد أخطر قوة تهدد كيانات المنطقة الإسلامية.
- حرصت القوى الصليبية منذ بداية تأسيس كياناتها في الشرق الإسلامي على معالجة المشكلة السكانية التي عانت منها نقصاً مقابل الكثافة الإسلامية، وقد تعاملت القوى الصليبية مع هذه المشكلة على صُعد مختلفة وبوسائل متعددة كانت قابلة للتطوير بحسب مقتضيات الأحوال وتطوراتها، ومن ذلك أنها اتبعت سياسة التقتيل والتهجير للمسلمين من مناطق احتلالها، ثم عدلت ذلك في فترات لاحقة ضمن إطار إبقاء العناصر السكانية إذا كان ذلك يخدم مصالحها، كما عملت في نفس السياق على استقطاب مهاجرين إلى مناطق السيطرة الصليبية سواء أكان ذلك من الغرب الأوربي أو من مناطق أرمينيا أو من نصارى المنطقة الإسلامية، كما أنها لجأت إلى عسكرة المجتمع الصليبي ليكون المجتمع بكل فئاته وطبقاته قادراً على أداء الخدمة العسكرية لعلاج مشكلة النقص السكاني، ولا أدل على ذلك من أن الجماعات الدينية في المجتمع الصليبي كانت في مراحل من التواجد الصليبي أكثر الفئات تطرفاً في المجال العسكري مثل جماعات الداوية، والاسبتارية (2).
- ركزت القوى الصليبية على بناء تحصينات عسكرية بخبراتها الذاتية أو تقليداً للخبرات التي وجدتها في المنطقة الإسلامية، وروعي في هذه التحصينات أن تكون أشبه بمحطات إنذار مبكر تكون قادرة على رصد التحركات الإسلامية، ولذا روعي في اختيار مواقعها أن تكون في مقابلة التجمعات الإسلامية المهمة أو على مناطق تهدد مصالح إسلامية كتلك التي أقيمت على مقربة من الطرق التجارية.
- اعتمدت القوى الصليبية وبناء على تجارب حروبها مع الطرف الإسلامي أسلوب الحرب السريعة الخاطفة، هذه الحرب التي لا تحتاج إلى قوات كبيرة, وبنفس القدر يُخطط لها أن تختار أهدافاً منتقاة ضمن معايير زمنية نضج المحاصيل مما لا يكلفها قوة عسكرية كبيرة ولكنها بنفس الوقت تكون قادرة وفق هذا الأسلوب على إلحاق أذى كبير بالطرف الإسلامي.
_________
(1) دراسات في تاريخ الأيوبيين والمماليك، ص 27.
(2) دراسات في تاريخ الأيوبيين والمماليك، ص 28.
(1/526)

- لجأت القوى الصليبية إلى سياسة عقد الهدن وتقديم بعض التنازلات لبعض الأطراف الإسلامية في سبيل التفرغ لقوى إسلامية أخرى, وكانت هذه الإستراتيجية ناجحة في فترة التفكك الإسلامي, بل وقادها ذلك إلى حد التدخل إلى جانب طرف ضد آخر إما بعرض صليبي على هذا الطرف أو باستدعاء وطلب من بعض الأطراف الإسلامية.
- عملت القوى الصليبية وبمختلف الوسائل على إبقاء روح الحروب الصليبية قوية في الغرب الأوروبي لضمان استمرار الحملات الصليبية واستمرار تقديم المساعدات للكيانات الصليبية في الشرق.
- ركزت القوى الصليبية مع مرور الزمن على تبني استراتيجية مفادها: أن ضمان وجودها في بلاد الشام يقتضي السيطرة على مصر أو إخراجها من ساحة الصراع بأي شكل من الأشكال, وعلى ذلك نجد أن الحملات الصليبية اللاحقة كان جزء منها موجهاً بدرجة رئيسية إلى مصر. والمتتبع لتاريخ الحركة الصليبية يدرك أن الصليبيين حققوا بعض النجاحات في هذا الصدد مستغلين حالات عداء كانت تثور بين حكام مصر وبعض مناطق بلاد الشام.
- لجأت بعض الأطراف الصليبية إلى القيام بحملات عسكرية تهدف إلى ضرب المعنويات الإسلامية وتهديد المسلمين في مقدساتهم, كما حصل حين غامرت بعض هذه القوى مثل أمير الكرك والشوبك بالتعدي على الأماكن المقدسة في الحجاز، كما لجأت إلى ضرب بعض المقومات الاقتصادية والدينية مثل تهديد طرق التجارة وقوافل الحج, وقامت بهذا الدور في مراحل معينة إمارة الكرك والشوبك الصليبية التي كانت تتبع لمملكة بيت المقدس الصليبية.
- لم تغفل الإمارات الصليبية والبابوية الداعمة لها وبعض رجال الدين والمفكرين أن يطوروا استراتيجية جاءت نتيجة لفشل الإستراتيجيات العسكرية، هذه الإستراتيجية التي تدعو إلى محاولة السيطرة بطرق بعيدة عن الأسلوب العسكري وإنما عن طريق التنصير والدعوة لزيادة عمليات التبشير بالدين المسيحي بين المسلمين، ونحن هنا لا نناقش إمكانية نجاح وفشل هذه الاستراتيجية بقدر ما يهمنا الإشارة إلى أن ذلك كان أحد البدائل التي سعى الفرنجة لاستخدامها لتحقيق أغراضهم.
- صورت القوى الصليبية نفسها على أنها المدافعة عن المسيحية في بلاد الشرق بغض النظر عن اختلافاتهم المذهبية، حيث صُورت الحركة الصليبية على أنها جاءت لنجدة بيزنطة ضد الخطر الإسلامي السلجوقي، كما صورت زحفها على أراضي المنطقة الإسلامية بأنه
(1/527)

يهدف إلى تحرير المسيحيين الشرقيين من نير السيطرة الإسلامية, وضمنت من وراء ذلك مساعدات من الطوائف الأرمنية والسريانية في بدايات سيطرتها على المناطق الإسلامية، ولكن هذه الاستراتيجية المرحلية بدأت تتلاشى مع مرور الزمن (1).
إن هذه الاستراتيجيات وإن كانت عامة تخص جميع الصليبيين، إلا أن ذلك لم يمنع من استخدام استراتيجيات مرحلية وخاصة بكل إمارة حسب ظروفها, مما يعني أن بعض هذه الإمارات ربما اتخذ وتبني سياسة تخالف هذه المبادئ العامة. ومن استعراض هذه الاستراتيجيات يبدو لنا أن القوة الإسلامية يقاس نجاحها في مقاومة هذا الخطر الصليبي بمدى تبنيها استراتيجيات واتباعها وسائل تحد من خطر هذه الاستراتيجيات الصليبية، إما عن طريق تبني استراتيجيات مضادة أو منع الطرف الصليبي من تطبيق استراتيجياته على أرض الواقع, وهذا يمكن أن نلمحه من خلال تطورات ردود الفعل الإسلامية على التحدي الصليبي بدءاً من عهد عماد الدين ونور الدين زنكي وصولاً إلى مرحلة صلاح الدين الأيوبي واستكمالاً لما تم في عهد الدولة المملوكية، على أن لا يُفهم من ذلك أن هذا التطور في رد الفعل الإسلامي في العهود الزنكية والأيوبية والمملوكية كان دائماً في الإطار الإيجابي, بل إن ما حصل أحياناً هو أن الطرف الإسلامي أو بعض قواه أو أفراده ساعد في نجاح الاستراتيجيات الصليبية (2) , وهذا ما سيأتي بيانه في دراساتنا بإذن الله تعالى عن الزنكيين والأيوبيين والمماليك.
* * *
_________
(1) دراسات في تاريخ الأيوبيين والمماليك، ص 31.
(2) المصدر نفسه، ص 31.
(1/528)

المبحث الخامس
حركة المقاومة الإسلامية في العهد السلجوقي
ما بين الغزو الصليبي وظهور عماد الدين زنكي

أولاً: الفقهاء والقضاة واستجابتهم لمقاومة الغزو الصليبي:
أيقظت صدمة سقوط القدس غفوة العديد من الفقهاء والقضاة, وأدركوا حقيقة ذلك الغزو بعد أن هدد وجودهم ومكانتهم في مدن تلك البلاد فضلاً عن الأرض والعقيدة الإسلامية. ولذلك بادر فقهاء وقضاة الشام من دمشق وحلب وطرابلس للاستنجاد بالسلطة المركزية ببغداد، والإمارات المحلية باعتبارها تملك القوة العسكرية القادرة على مواجهة ذلك الغزو (1).
1 - استنجاد فقهاء وقضاة دمشق بخلافة بغداد: لم تكن دمشق في البداية هدفاً لذلك الغزو، ولكن فقهاءها وقضاتها أدركوا خطورته على مدينتهم التي كانت لا تختلف عن القدس، فهي ملتقى لطلاب العلم والفقهاء والقضاة من أقاليم الخلافة الإسلامية كافة، وخاصة عندما عرفوا ما حل برفاقهم هناك، ولذلك اتفقوا على إرسال وفد من قبلهم (عام 492هـ/1098م) برئاسة قاضي دمشق زين الإسلام محمد بن نصر أبو سعد الهروي (ت 519هـ) إلى مركز الخلافة الشرعية بغداد، وكان اختياره إشارة واضحة لضخامة المخاوف والآمال التي كانت تجول بأذهان فقهاء الشام وقضاتها (2)، وقد استقبله الخليفة العباسي المستظهر بالله (486 - 512هـ /1091 - 1118م) مع جماعته, وأورد في الديوان كلاماً في حال المسلمين في القدس والشام، والتهديدات الصليبية لوجودهم، ولكن دون جدوى، ولذلك فكر القاضي الهروي في خطة ذكية لإثارة السكان في بغداد كوسيلة للضغط على الخليفة حتى يرغمه في التفكير جدياً بطلبهم ودعوتهم عن طريق استخدام الجوامع في بغداد مركز الرأي العام الإسلامي هناك, وهذه هي المرحلة الثانية (3) من مهمتهم, وقال ابن الأثير في ذلك: وورد المستنفرون من الشام في رمضان إلى بغداد - صحبة القاضي أبي سعد الهروي - فأوردوا في الديوان كلاماً أبكى العيون وأوجع القلوب، وقاموا بالجامع يوم الجمع،
_________
(1) موقف فقهاء الشام وقضاتها من الغزو الصليبي، ص 68.
(2) المصدر نفسه، ص 68، المنتظم (9/ 195 - 224).
(3) موقف فقهاء الشام وقضاتها من الغزو الصليبي, ص 68.
(1/529)

فاستغاثوا، وبكوا وأبكوا، وذكروا ما داهم المسلمين بذلك البلد الشريف المعظم من قتل الرجال, وسبي الحريم والأولاد، ونهب الأموال، فلشدة ما أصابهم أفطروا فأمر الخليفة أن يسير القاضي أبو محمد الدامغاني، وأبو بكر الشاشي, وأبو القاسم الزنجاني، وأبو الوفاء بن عقيل، وأبو سعد الحلواني (1)
إلى السلطان السلجوقي بركياروق في أصفهان مقر السلطة السياسية والعسكرية الفعلية لمساعدة فقهاء دمشق في طلبهم، ولكي يتخلص من عبئهم، ويحمله مسئولية تلك المهمة حتى أن اختياره لأولئك الفقهاء كان ذكياً هو الآخر، لأن البعض منهم تشير ألقابهم إلى أن أصولهم من مناطق فارس وبلاد ما وراء النهر - دامغان - ميافارقين - زنجان, وأنهم لربما بإمكانهم التأثير في سلاجقة فارس، لإمدادهم بالقوة العسكرية، فالدامغاني ولي قضاء نيسابور، والشاشي ولد بميافارقين, ودامغان لم تبعد كثيراً من أصفهان ولكن هدف الوفد كان بعيداً عن التحقيق، وعند وصول ذلك الوفد إلى مدينة حلوان علم بمقتل الوزير السلجوقي مجد الملك البلاساني، واختلاف سلاطين السلاجقة ببلاد فارس حول حكم المنطقة, وبذلك عاد الوفد من بغداد دون أن يكمل نجاحاً (2)، وعاد القاضي ورفقته بغير نجدة ولا قوة إلا بالله (3)، ودافعت دمشق عن نفسها ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً كما سيأتي بيانه بإذن الله. وفي عام 513هـ/ 1120م عندما حاصر الصليبيون دمشق أرسل أميرها وفداً آخر للخلافة العباسية في بغداد لطلب نجدتها مرة أخرى.
وترأس هذا الوفد القاضي عبد الوهاب بن عبد الواحد الشيرازي الدمشقي -الذي كان آنذاك شيخ الحنابلة بالشام- إلى الخليفة المسترشد بالله (512 - 529هـ) وذلك لمكانة العائلة الشيرازية بدمشق آنذاك لكونها تحتل زعامة الفقه الحنبلي في تلك المدينة، وتدير العديد من المؤسسات الدينية في القضاء والوعظ والتدريس، وإمامة الجوامع وعلى الرغم من أن القاضي الشيرازي قد تمكن من مقابلة الخليفة العباسي في بغداد الذي خلع عليه ووعده بالإنجاد إلا أن مهمته لم تؤت بالشيء الجديد كما هي الحال بالنسبة لمهمة زميله الهروي، ويبدو أن الخلافة العباسية كانت عاجزة لا تملك شيئاً غير الوعود بالمساعدة. ولعل القاضي الشيرازي أدرك هو الآخر عجز السلطة السياسية والشرعية في بغداد فلجأ للاعتماد على النفس والعودة إلى دمشق وتعبئة سكانها للدفاع عنها، حيث كان له مجلس يعظ فيه للجهاد، ويلقى تأييداً من حكام المدينة حتى وفاته عام 536هـ (4).
_________
(1) الكامل في التاريخ (8/ 408).
(2) موقف فقهاء الشام وقضاتها من الغزو الصليبي، ص 70.
(3) ذيل تاريخ دمشق، ص 233، 234، موقف فقهاء الشام وقضاتها من الغزو الصليبي، ص 70.
(4) الذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب (2/ 89 - 199).
(1/530)

2 - القاضي الأمير فخر الملك بن عمار والاستنجاد بالإمارات المحلية وخلافة بغداد: في بداية الغزو الصليبي لبلاد الشام هادن فخر الملك الغزاة وأمدهم بالمال والمرشدين ليبعدهم عنه, لكن ما أن تحقق هدفهم في أخذ بيت المقدس حتى تفرغوا له وحاصروا طرابلس. وتوجه ابن عمار في طلب النجدة من الإمارات المحلية في مدن الشام والجزيرة، واستطاع أن يقاوم الحصار، وراسل السلطان السلجوقي محمد بن ملكشاه شارحاً له حالة طرابلس وأحوال بلاد الشام أمام مخاطر ذلك الغزو (1). وتتابعت المكاتبات إلى السلطان محمد بن ملكشاه من فخر الملك بن عمار صاحب طرابلس بعظيم ما ارتكبه الإفرنج من الفساد في البلاد، وتملك المعاقل والحصون بالشام والساحل والفتك في المسلمين، ومضايقة طرابلس، والاستغاثة إليه والاستصراخ والحض على تدارك الناس بالمعونة، ولم يكن من أمر ذلك السلطان إلا أن يبادر بالكتابة إلى أميريه في الحلة حيث الأمير سيف بن صدقة، وجكرمش أمير الموصل وحثهما على نجدة ابن عمار وتقويته بالمال والرجال على الجهاد، وأنه سيمنحهما منطقتي الرحبة وما على الفرات إن هما ساعداه (2)، وأرسل السلطان محمد حملة بقيادة «جاولي سقاوة» بحجة أنها متجهة لنجدة ابن عمار في طرابلس، فاستولى على الموصل بدلاً من نجدة طرابلس، التي لم يتوجه إليها إطلاقاً (3). وأدرك القاضي ابن عمار عجز القوى الإسلامية المحلية كلها عن نجدته، وقرر التوجه بنفسه إلى بغداد مقر الخلافة العباسية, ووصل الأمير محملاً بالهدايا والتحف الثمينة (4)، ورغم الحفاوة التي استقبل بها في بغداد إلا أن رحلته لم تحقق نجاحاً في الأهداف التي سعى من أجلها، كما هو الحال لمدينة دمشق وقاضييها الهروى والشيرازي (5).
3 - استنجاد فقهاء وقضاة حلب بخلافة بغداد: وكان لعائلة ابن أبي جرادة الدينية المتولية أمر القضاء والإمامة بحلب دور تحمل تلك المهمة في طلب نجدة من بغداد، عندما تعرضت حلب هي الأخرى بحكم موقعها الاستراتيجي لخطر الغزو الصليبي عام (504هـ/1111م) فقد أرسلت وفداً من الفقهاء وأعيان البلد، والذي يبدو كان برئاسة قاضي حلب أبي غانم هبة بن أبي جرادة إلى بغداد، وكان يعتقد بتحقيق هدفه في نجدتها، لأن وجوده بحلب كان بسبب علاقته الوطيدة بالسلطة الشرعية ببغداد (6)، وأمام فشل ذلك القاضي وجماعته في عدم التمكن من مقابلة الخليفة العباسي المستظهر بالله أدركوا حقيقة
_________
(1) موقف فقهاء الشام وقضاتها من الغزو الصليبي ص76.
(2) موقف فقهاء الشام وقضاتها من الغزو الصليبي ص76.
(3) موقف فقهاء الشام وقضاتها من الغزو الصليبي ص76.
(4) المصدر نفسه، ص 77.
(5) المصدر نفسه، ص 77.
(6) المصدر نفسه، ص 78.
(1/531)

ضعف ذلك الخليفة عن قرب، وأن السلطة الفعلية ليست بيده بل بيد السلطان السلجوقي، لذا بدأوا به أولاً بإثارة السكان ضده، حيث دخلوا الجامع الذي يقرب من داره يوم الجمعة، فأنزلوا الخطيب عن المنبر وكسروه .. وصاحوا لما لحق الإسلام من الإفرنج. وشرحوا للناس ما حل بإخوانهم المسلمين في حلب وأعماله ومدن بلاد الشام من تدمير وخراب على أيدي الغزاة الصليبين، مما أدى إلى استجابة الناس وشحذ هممهم؛ لكنهم لم يستطيعوا الوصول إلى مقر السلطان بركيارق، الذي منعهم حّراسه من مقابلته. غير أنه أوعز إلى حراسه ليبلغوهم أنه سيرسل قواته لإنجادهم (1). وقرّر فقهاء حلب التوجه مرة أخرى إلى الخليفة المستظهر بالله نفسه, فاندفعوا إلى دار الخليفة بعد أن دخلوا جامع القصر، ومنعوا الناس من الصلاة وشرحوا أمرهم لهم، فثار الناس من حولهم (2)، وكان ذلك الأمر قد أجبر الخليفة العباسي على ضرورة مقابلتهم وقولهم له: أما تتقي الله أن يكون ملك الروم أكثر حمية منك للإسلام حتى أرسل إليك في جهادهم (3).
وهنا يشير النص السالف الذكر إلى أن وجود فقهاء حلب ببغداد عام 504هـ/1111م قد تزامن مع وصول وفد الدولة البيزنطية إلى بغداد أيضاً؛ للتفاهم مع الخليفة العباسي والسلطان السلجوقي حول إمكانية توحيد جهودهما لمواجهة الخطر الصليبي لبلاد الشام, مؤكداً للجانب الإسلامي بأن الإمبراطور البيزنطي الكسيوس كومنيوس قد منعهم من العبور إلى بلاد المسلمين وحاربهم (4). ويفهم من هذه الرواية أن الجانب البيزنطي أراد الاستعانة بالجانب الإسلامي لمواجهة ذلك الخطر الصليبي، خاصة بعدما نقض الصليبيون الاتفاقية المبرمة مع البيزنطيين (عام 490هـ/1096م) والتي تضمنت إرجاع الممتلكات البيزنطية في بلاد الشام في حالة استعادتها من الجانب الإسلامي. على أية حالة لم يكن فقهاء حلب أوفر حظاً مع خلافة بغداد عن بقية وفود المدن الشامية الأخرى, رغم ما أشار إليه ابن كثير أن فقهاء بغداد وعلى رأسهم الفقيه «ابن الدغواني» قد استجابوا لفقهاء حلب، وقرروا الخروج معهم لجهاد الصليبيين في بلاد الشام، ولما علموا بما آلت إليه تلك المدن من وقوعها تحت الغزو الصليبي رجعوا إلى بغداد ولم يفعلوا شيئاً (5)، ومهما يكن من أمر تلك الرواية يبدو أن فقهاء حلب قد سئموا من نجدة الخلافة في بغداد، وتوجهوا للاستغاثة بالإمارات المحلية لنجدتهم (6).
_________
(1) ذيل تاريخ دمشق، ص 276.
(2) موقف فقهاء الشام، ص 79.
(3) الكامل في التاريخ (8/ 541).
(4) الكامل في التاريخ نقلاً عن موقف فقهاء الشام وقضاتها، ص 80.
(5) البداية والنهاية نقلاً عن موقف فقهاء الشام وقضاتها، ص 80.
(6) موقف فقهاء الشام وقضاتها، ص 91.
(1/532)

4 - دور الفقهاء والقضاة في التحريض على الجهاد بالكتابة والتأليف: لم تكن الاستجابة من قبل الفقهاء والقضاة في بلاد الشام ضد الغزو الصليبيين مقتصرة على الاستغاثة وطلب النجدة، بل تعدت إلى العديد من الوسائل الأخرى التي من بينها الكتابة والتأليف في الجهاد ضد ذلك الغزو، لتهيئة الأجواء الفكرية، وتثقيف المسلمين عامة، حيث نالت اهتماماً كبيراً من جملة الفقهاء والعلماء قبل وأثناء الغزو الصليبي، فقد أصبحت حاجة العصر للتعبئة الفكرية، ونشر الثقافة الإسلامية من الأمور الأساسية آنذاك في وقت كانت بلاد الشام تخوض صراعاً سياسياً، ومذهبياً عسكرياً انعكس على تدوين التاريخ في الشرق العربي، وظهور العديد من المصنفات والتراجم حول سير السلاطين والملوك والأسر الحاكمة وأحداث القتال، والصراع ضد الصليبيين. ولذلك اندفعت فئة الفقهاء والقضاة إلى تنوير مجتمعاتها الإسلامية، الذي جاء مجسداً عبر مؤلفاتهم وكتبهم خلال مجموعتين: الأولى ركزت على التأليف والوعظ بصورة تقليدية؛ وتوضيح أمور وأركان الدين الحنيف للناس، والثانية التي توجهت للتحريض والتأليف في الجهاد، وحث المسلمين عليه، لأنها أدركت الضعف العام في إيمان المسلمين عليه وتركهم لأمور دينهم, لذلك كتبت الكثير من المصنفات قبل وأثناء الغزو الصليبي في بلاد الشام. والذي يهمنا هنا المؤلفات التي حرضت على
الجهاد الإسلامي وتعبئة المسلمين بأمور دينهم للوقوف بوجه ذلك الغزو (1) .. ومن أبرز أولئك الفقهاء:
- الفقيه على بن طاهر السلمي (431 - 500هـ / 1039 - 1106م): هو علي بن طاهر ابن جعفر القيسي السلمي الدمشقي الشافعي، كان من علماء بلاد الشام وعلى إثر مجئ ذلك الغزو تحول إلى واعظ ومحرض على الجهاد، بإلقائه الخطب والدروس في المساجد التي تنقل فيها عبر مدن بلاد الشام وفلسطين، حيث جسد ذلك في كتابه الجهاد، الذي جاء عقب سقوط بيت المقدس عام 492هـ/1098م. وذلك من خلال إحدى خطبه التي حث فيها المسلمين على الجهاد ضد الغزو: فإن المجاهدين لهذه الطائفة الظافرين بهم الموفقين في إخراجهم من بيت المقدس وغيرها من هذه البلاد (2)، وركز السلمي في أبوابه الأولى من كتابه الجهاد على العديد من القضايا والأفكار المهمة التي كانت عليها بلاد الشام، والعالم الإسلامي آنذاك؛ مبتدئاً بسياسة صليبية عامة استهدفت الأندلس وصقلية وبلاد الشام. إذ أنه أول من نبه إلى وحدة أهداف الحروب الصليبية سواء في الأندلس، أو في صقلية أو في بلاد الشام، تلك الفكرة التي أخذها المؤرخون فيما بعد، وطوروها فقد ذكر ابن الأثير: وكان
_________
(1) موقف فقهاء الشام وقضاتها من الغزو الصّليبي، ص 93.
(2) موقف فقهاء الشام وقضاتها من الغزو الصّليبي، ص 93.
(1/533)

ابتداء دولة الإفرنج واشتداد أمرهم وخروجهم إلى بلاد الإسلام، واستيلائهم على بعضها سنة ثمان وسبعين وأربعمائة, فملكوا مدينة طليطلة، وغيرها من بلاد الأندلس .. ثم قصدوا سنة أربع وثمانية وأربعمائة جزيرة صقلية وملكوها .. فلما كانت سنة تسعين وأربعمائة خرجوا إلى بلاد الشام (1). وأدرك أن ضعف العالم الإسلامي، وتشرذمه وتجزئته هو العامل الرئيسي وراء نجاح الغزو الصليبي في المشرق أو المغرب الإسلاميين وليس قوة الصليبيين أنفسهم. وركز على التجزئة السياسية لبلاد الشام بصورة خاصة، لأنه عاش وأحس بالمعاناة هناك، وتثاقل السكان عن جهادهم (2)،
وذكّر السلمي المسلمين بفكرة استمرارية الجهاد سواء في الحرب أو السلم كجزء من سياسة عامة يجب على الأمراء والخلفاء المسلمين القيام بها كشرط أساسي للمواجهة الناجحة، ففي كل عام يجب على الأمير المسلم القيام بحملة خارج ديار الإسلام لا لطمع، أو لغنيمة يبتغيها، وإنما للمحافظة على دار الإسلام من عدوان غير المسلمين، وإشعارهم بالرهبة وقوة المسلمين بالاستمرار تجسيداً للرأي القائل في العصر الحاضر بضرورة نقل المعارك إلى أرض العدو دوماً (3)، وذكر السلمي الأمراء المسلمين بأن ذلك الغزو لم يكن هدفه الأرض والعقيدة فقط وإنما هدفه هو إزالتهم من سلطانهم، وإخراجهم من البلاد التي تحت أيديهم، وذلك بهدف إثارة حميتهم، وحثهم على الجهاد (4)، وطلب من عامة الناس مساندة أمرائهم وقادتهم المجاهدين الذين يتبعون السلف الصالح لمواجهة تلك المحنة، وطرد الصليبيين (5).
والقارئ لكتاب السلمى في الجهاد يدرك مباشرة عمق المعاناة التي كان يعانيها السلمي وهو الفقيه الذي يرى بيت المقدس تنتهك حرمته، وتداس قدسيته، ولذلك أول ما حث عليه هو تخليص بيت المقدس من أيدي أولئك الغزاة (6): فاجتهدوا -رحمكم الله- في هذا الجهاد لعلكم تكونوا الظافرين بمزية هذا الفتح العظيم (7)، ويعتبر السلمي أول من أدرك ضرورة الوحدة الجهادية بين بلاد الشام والعراق، ومدن آسيا الصغرى، قبل عصر الوحدة الإسلامية ضد الصليبيين بقيادة آل زنكي والأيوبيين (8) , ويعتبر في هذا المجال من الرّواد؛ ودعا السلمي المسلمين إلى تطهير النفوس وإصلاحها، فهي في الأساس وحدة إسلامية لعقد العزم والإصرار على مجاهدة ذلك الغزو: وقدموا جهاد أنفسكم على جهاد أعدائكم فإن النفوس أعدى لكم منهم، وأردعوها عما
_________
(1) الكامل في التاريخ (8/ 397).
(2) موقف فقهاء الشام وقضاتها من الغزو الصليبي، ص 94.
(3) المصدر نفسه، ص 95.
(4) موقف فقهاء الشام وقضاتها من الغزو الصليبي، ص 95.
(5) المصدر نفسه، ص 96.
(6) المصدر نفسه، ص 97.
(7) المصدر نفسه، ص 97.
(8) المصدر نفسه، ص 97.
(1/534)

هي عليه من عصيان خالقها سبحانه تظفروا بما تؤملونه من النصرة عليهم (1).
إن الغزو الصليبي لبلاد الشام من وجهة نظر السلمي لم يأت من فراغ وإنما أدرك ضعف المسلمين لعدم تمسكهم بدين الله الحنيف, ولذلك اجتهد في نصحهم بالعودة إلى الله وتطهير النفوس؛ بالرجوع إلى كتاب الله، والإقلال عما تقدم منهم، والنهوض إلى قرع باب الجهاد: وليكن قصدكم بجهادكم هذا إرضاء ربكم، والذب عن أنفسكم، وعن غيركم من إخوانكم ليمحض لكم ثواب غزوكم (2) , ولا يكون ذلك أمام تقدم الغزو الصليبي، وأخذه لمدن عديدة إلا المبادرة إليهم، والمرابطة على المدن التي لم تحصل في أيديهم (3)، فإن النفير إليهم وقصدهم في البلاد التي قد تملكوها علينا إنما هو حرب يقصد بها الدفاع عن النفوس، والأولاد والأهل والأموال, والحراسة لما بقي في أيدينا من البلاد (4).
وأكد السلمي: إن لم يتناس الحكام المسلمون أحقادهم وخلافاتهم فإنهم ما زالوا على جاهلية غير مقتدين بالمثل النابع من التراث: عند الشدائد تذهب الأحقاد (5)، واستمر السلمي في مواضع عديدة من كتاب الجهاد يحث ويحرض ويعظ وينبه، ويعلم الحكام عامة ضرورة الجهاد بخطبه ودروسه التي ألقاها في الجامع الأموي بدمشق، وفي مدن بلاد الشام وفلسطين في اثنين وثلاثين بابا (6)، ولم يترك شاردة ولا واردة في الجهاد إلا وتطرق إليها (7). ونلاحظ أن السلمي في كتابه الجهاد تطرق إلى توضيح التجزئة والتشرذم في المشرق الإسلامي، وخاصة في بلاد الشام من ضعف القوى الإسلامية، وتفككها مع ضعف الإيمان بفرض الجهاد، وهي نقطة استغلها الغزاة، ولكنه عالج ذلك الخلل بطرحه قضية تطهير النفوس، والعودة إلى التمسك بدين الله الحنيف؛ وإصلاح الأمر فيما بينهم، والاقدام على الجهاد لمواجهة ذلك الغزو، وأنه لا يتم ذلك إلا بوحدة القوى الإسلامية، لذا جاء كتابه الجهاد عاماً، لم يخصصه لسلطة سياسية معينة أو لفئة من المسلمين من بلاد الشام مثلاً, وفق رؤية إسلامية مبنية على إسناد متين تمثل في القرآن الكريم، والسنة النبوية، وكتب السير والمغازي، والتفاسير وربط موضوعاتها بالخطر الصليبي على بلاد الشام، وهذا دليل على مدى إطلاعه وفكره الثاقب في جمع المعلومات وتسخيرها في مكانها المناسب (8). ونلاحظ من خلال البحث بأن الدعوة الأولى للجهاد لم تصدر عن مجالس الحكام بل صدرت من محافل
_________
(1) موقف فقهاء الشام وقضاتها من الغزو الصليبي، ص 98.
(2) موقف فقهاء الشام وقضاتها من الغزو الصليبي، ص 98.
(3) موقف فقهاء الشام وقضاتها من الغزو الصليبي، ص 98.
(4) موقف فقهاء الشام وقضاتها من الغزو الصليبي، ص 98.
(5) المصدر نفسه، ص 98.
(6) موقف فقهاء الشام وقضاتها من الغزو الصليبي, ص 98.
(7) موقف فقهاء الشام وقضاتها من الغزو الصليبي, ص 98.
(8) المصدر نفسه، ص 99.
(1/535)

الفقهاء والعلماء المسلمين من أساتذة وعلماء وفقهاء وكتّاب، ويعتبر السلمي من أوائل من حث على الجهاد, ومن ضمن تيار الرفض العام الإسلامي المدعوم من قِبل الفقهاء والقضاة (1).
لقد كتب السلمى كتابه في فترة مبكرة من تلك الحروب وهذا دليل على ذكائه وفطنته في إدراكه لمشاكل بلاد الشام المعقدة، ولكن إن لم تتوافر الظروف العامة لإنجاح دعوته للجهاد في تلك الفترة المبكرة ذاتها، فهو قد ساهم في كتابه للتمهيد لمرحلة الزنكيين والأيوبيين. ولقد قام الأستاذ رمضان حسن الشاوش بدراسة وتحقيق كتاب الجهاد للسلمي وقدمه كرسالة ماجستير لجامعة الفاتح بطرابلس الغرب عام 1992م (2).
5 - المشاركة الفعلية للفقهاء والقضاة في ساحات الجهاد: إن من أبرز الأمثلة على مشاركة أولئك الفقهاء للعساكر النظامية في ساحات القتال للتعبير عن حالة الإيمان المثالية بالجهاد، والدفاع عن الأرض والنفس كانت حالة القاضي أبو محمد عبد الله بن منصور المعروف بابن صليحة قاضي حصن جبلة، الذي تولى إمارة وقضاء ذلك الحصن بعد وفاة أبيه منصور عام 494هـ/1100م, وكان ذا خبرة عسكرية جيدة لأنه أحب الجندية واختار الجند فظهرت شهامته (3)، وقد برزت مواهب ذلك الأمير القاضي عند محاصرة الإفرنج حصن جبلة للاستيلاء عليه عام (494هـ/1100م) واستخدامه لما يسمى اليوم بالحرب النفسية أولاً؛ وذلك عندما خطط بدهاء، لنشر الذعر بين صفوف قوات الفرنج، حيث أظهر أن السلطان بركيارق قد توجه إلى الشام (4) لمساعدته، مما أثار القلق بين عسكر الفرنجة، ورحيلهم فيما بعد.
وعندما أدرك الفرنجة حقيقة تلك الخدعة، عادوا فحاصروا المدينة مرة أخرى، ولكن كرر ذلك القاضي تلك الحيلة بصورة أخرى، ونشر بين صفوف الصليبيين: أن المصريين قد توجهوا لحربهم ومساعدته هذه المرة ولذلك تركوا محاصرة ذلك الحصن، ويبدو أن الفرنجة لم يكن لديهم المعلومات الكافية عن حالة الحصن، ولا عن عدد قوات ذلك القاضي, وإلا لما تركوا محاصرة ذلك الحصن في المرتين السابقتين، ولكن سرعان ما فطن الإفرنجة لتلك الحرب النفسية وأهدافها، فعادوا لمحاصرة الحصن للمرة الثالثة في شهر شعبان عام 494هـ، إلا أن ذلك القاضي أدرك أن الفرنجة قد عرفوا أساليبه القديمة, ولذلك لجأ إلى أسلوب جديد لمواجهة أولئك الفرنجة بأن اتفق مع النصارى الذين معه على إرسال وفد منهم إلى الفرنجة للتفاهم حول
_________
(1) موقف فقهاء الشام وقضاتها من الغزو الصليبي, ص 99.
(2) المصدر نفسه، ص 93.
(3) الكامل في التاريخ نقلاً عن موقف فقهاء الشام، ص 120.
(4) موقف فقهاء الشام وقضاتها من الغزو الصليبي، ص 120.
(1/536)

تسليم الحصن وإرسال مجموعة من فرسانهم لاستلام الحصن، وأن يبعثوا ثلاثمائة رجل من أعيانهم وشجعانهم، فوافق الفرنجة على ذلك ويبدو أن القاضي ابن صليحة قد نصب الكمين لهم (1) فلم يزالوا يرقون في الحبال واحدًا بعد واحد وكلما صار عند ابن صليحة، وهو على السور رجل منهم قتله إلى أن قتلهم أجمعين، فلما أصبحوا رمى الرؤوس إليهم (2)، ورغم ذلك لم يستسلم الصليبيون للطعم والفخ الذي نصبه لهم قاضي جبلة، وتحقيق ذلك النجاح. ولذا قرروا أخذها منه بأية وسيلة، ونصبوا على البلد برجًا خشبيًا، وهدموا أبراجاً من أبراجه. ولكن ما يملكه ذلك القاضي من الدهاء والحيلة جعله يفطن لذلك الخطر المحدق به، حيث لم يركن للهدوء والاستسلام، وإنما بادر إلى وضع خطة ذكية على غرار تلك الخطط الناجحة التي كبدت ذلك الغزو الخسائر والفشل أكثر من مرة. ولذلك عمل هذه المرة على استدراج الصليبين في كمين آخر وضعه لهم بخطة محكمة حيث أحدث ثقوباً في أسوار المدينة.
ويبدو أنه كان السور الخلفي، وذلك لتسهيل مهمة خروج مجموعة من جيشه ونقب في السور نقباً (3)، وعندما خرج القاضي ابن صليحة وجيشه من الأبواب لقتالهم تظاهر بالهزيمة أمامهم بحيث انطلت الحيلة على أولئك الغزاة الذين لم يفطنوا لها، وبادروا إلى مطاردته حتى أبواب المدينة في الوقت الذي استغل فيه جنده الفرصة في الخروج من تلك الثقوب، والتفوا من حولهم، فأتوا الفرنج من ظهورهم فولوا منهزمين (4). إن القاضي ابن صليحة لابد أنه أطلع على فنون الحرب، وبعض الأساليب العسكرية الإسلامية، فأسلوب الحرب النفسية ليس جديد على التراث العسكري الإسلامي في الفترة الصليبية، إذ استخدم الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - ذلك الأسلوب في غزوة الخندق من العام الخامس للهجرة عندما حفر الخندق وهزم جيوش الأحزاب، وكذلك معركة مؤتة في السنة الثامنة للهجرة عندما حول القائد خالد بن الوليد المعركة من الهزيمة إلى النصر على الروم, وذلك باستخدامه الحرب النفسية عن طريق تكثيف الغبار بفرسانه حتى ظن أولئك الروم بوصول الإمدادات إلى المسلمين فولوا منهزمين، وانسحب الجيش الإسلامي من أرض المعركة دون أية خسائر أخرى، وقد طبقت تلك الحرب النفسية في العديد من المعارك الأخرى، والتي من بينها معركة اليرموك عام 13هـ عندما عمل على تقسيم
_________
(1) موقف فقهاء الشام وقضاتها من الغزو الصليبي،، ص 120.
(2) المصدر نفسه، ص 121.
(3) موقف فقهاء الشام وقضاتها من الغزو الصّليبي، ص 121.
(4) الكامل في التاريخ (8/ 425).
(1/537)

قواته، بحيث جعل الميمنة ميسرة والخلف إلى الأمام وبهذا الأسلوب العسكري التكتيكي أرهب جيوش الروم الكبيرة العدد وأوقع بهم الهزائم (1).
6 - تحريض الفقهاء والقضاة على القتال في ساحات المعارك: تبرز شخصية القاضي أبو الفضل بن الخشاب قاضي حلب المعروف في هذا المجال، فعندما اشتد الحصار الصليبي على حلب عام (513هـ/1119م) أقبل القاضي ابن الخشاب يحرض الناس على القتال وهو راكب على حجر وبيده رمح حيث ألقى فيهم خطبة بليغة، استنهض بها هممهم وألهب مشاعرهم، فأبكى الناس وعظم في أعينهم، حتى أقدموا على قتال الغزاة (2)، ورغم تمكن الحلبيين من تخليص مدينتهم في ذلك العام لم يتردد الصليبيون من محاولة أخرى لأخذ حلب عام 518هـ/1124م وذلك عندما قاموا بتخريب كل القرى المجاورة لحلب، حتى لا يقدموا المساعدة لمدينة حلب, ونزل الفرنج حران ثم حلب من ناحية مشهد الجف من الشمال، وكان للقاضي ابن الخشاب دور في التحريض على صد ذلك الغزو، بل كان له دور في تحريض الأمير آق سنقر البرسقي أمير الموصل, وسيأتي في بيان ذلك بإذن الله عند الحديث عن دور أمراء السلاجقة في الموصل ودمشق وغيرها في صد هجمات الصليبيين.

ثانياً: الشعراء ودورهم في حركة المقاومة:
قام بعض الشعراء بدور كبير في تحريض المسلمين ووصف أحوال الأمة وطبيعة الغزو الصليبي الذي احتل البلاد وهتك الأعراض, ومن أشهر هؤلاء ما قاله القاضي الهروي وقيل: لأبي المظفر الأبيوردي القصيدة التي أولها:
مزجنا دماءً بالدموع السواجم ... فلم يبق منا عرضة للمراجم (3)
وشر سلاح المرء دمع يفيضه ... إذا الحرب شُبَّت نارها بالصوارم (4)

إنه، في هذا المطلع، يصرح ببكاء الناس بكاءً أنزل الدم من العيون لشدته واستمراره، وأنهم بكوا حتى لم يبق فيهم مجال للذم، ولكنه لا يلبث أن يفطن إلى أن البكاء على شدته، لن يغني شيئًا في معركة لا يسعّر نيرانها إلا السيوف القواطع, ومنها:
فإِيها بني الإسلام إن وراءكم ... وقائع يلحقن الذُرا بالمناسم
أتهويمةً في ظل أمن وغبطة ... وعيشٍ كنّوار الخميلة ناعم (5)
_________
(1) موقف فقهاء الشام وقضاتها، ص 122.
(2) المصدر نفسه، ص 129.
(3) المراجم: جمع مرجم وهو القبيح من الكلام.
(4) شُبَّت: سُعِّرت واشتدت.
(5) الهوم: النوم الخفيف. نوار: زهر. الخميلة: الشجر الملتف.
(1/538)

وكيف تنام العين ملء جفونها ... على هفوات أيقظت كلَّ نائم
وإخوانكم بالشام يُضحي مقيلهم ... ظهور المذاكي أوبطون القشاعم (1)
تسومهم الروم الهوان، وأنتم ... تجرون ذيل الخفض، فعل المسالم (2)

وهنا يستصرخ الشاعر المتخلفين عن القتال مع إخوانهم المسلمين في بلاد الشام، فيبدأ هذه المقطوعة بتوجيه نداء حار للمسلمين: إيهاً بني الإسلام أنِ اصُحوا من نومكم فما دهمكم من الغزو يجعل أعزتكم أذلة. ثم يعجب لهم ولنومهم، إذ كيف ينامون ملء عيونهم ويعيشون ناعمين آمنين وغير بعيد منهم تجري فظائع الأمور التي تقع على رؤوس إخوانهم من أهل الشام، فلا يجدون وقتاً قصيراً ينامون فيه في بيوتهم، فجلّ أوقاتهم على صهوات خيولهم يحاربون أو تكتب لهم الشهادة فتتخطفهم نسور الجو ولا من يدفن جثثهم، وربما يقعون تحت إذلال أعدائهم من الفرنجة، أما أنتم فيبدو عليكم التقلب في ثبات النعمة كما أنكم مسالمون أو متحالفون مع الأعداء, ومنها:
وكم من دماء قد أبيحت ومن دمى ... تواري حياءً حسنها بالمعاصم (3)
بحيث السيوف البيض محمرة الظبا ... وسمر العوالي دامياتُ اللَّهاذم (4)
وبين اختلاس الطعن والضرب وقفة ... تظل لها الولدان شيب القوادم
وتلك حروب من يغب عن غمارها ... ليسلم يقرع بعدها سنَّ نادم
سَللن بأيدي المشتركين قواصناً ... ستُغْمد منهم في الطُلا والجماجم (5)
يكاد لهن المستجنُّ بطيبة ... ينادي، بأعلى الصوت، يا آل هاشم
وفي هذه الأبيات يصور شراسة المعارك التي وقعت بين المسلمين وأعدائهم من الفرنجة، فقد أبيحت فيها دماء كثيرة من المسلمين, ولقد اقتحم فيها على النساء خدورهن وما وجدن ما يدفعن به عن أجسامهن المصونة غير معاصمهن المشتبكة حياءً وخوفاً، وقد اشتدت هذه الحروب واستحر فيها القتل حتى بدت أسنَّة السيوف والرماح حمراء لاهبة، وحتى إن الصبيان ربما يظهر في شعرهم الشيب لما فيها من هول الطعن والضرب. ثم يعود لتنبيه
_________
(1) المذاكي: مذكيه وهي الفرس قشاعم: جمع قشعم وهو النسر المسن.
(2) الخفض: الغنى.
(3) نصوص من أدب عصر الحروب الصليبية, عمر الساريس، ص 26.
(4) المصدر نفسه، ص 26.
(5) المصدر نفسه، ص 26.
(1/539)

المتخلفين بأنهم سوف يندمون على تخلفهم عن الاشتراك في هذه الحروب، التي يعود ليتحدث عن أخطارها فيهون من شأن الأعداء وأسلحتهم فما استلّوه من سيوف قاطعة تعود إلى نحورهم وجماجمهم. وفي آخر الآبيات يؤكد فظاعة هذه الحروب بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، في ضريحه الطاهر في المدينة المنورة يستنجد على الأعداء، بالعرب والمسلمين وليس بآل هاشم فحسب (1).
أرى أمتي لا يشرعون إلى العدا ... رماحهم، والدين واهي الدعائم
ويجتنبون النار خوفاً من الردى ... ولا يحسبون العار ضربة لازم
أترضى صناديد الأعاريب بالأذى ... ويغضي على ذل كماة الأعاجم (2)؟
فليتهم إذ لم يذودوا حمية ... عن الدين، ضنوا غيره بالمحارم
وإن زهدوا في الأجر، إذ حمي الوغى ... فهلا أتوه رغبة في الغنائم؟
ويرى الشاعر قعود بعض بني قومه عن الجهاد فيتألم لذلك ألماً يصور معه واقعهم المتخاذل عن نصرة دينهم الذي يحاول الأعداء إضعافه، جبناً وخوفاً وغفلة عما يلحق بهم من العار في حالة الهزيمة، ويعجب لشجعان المسلمين، من عرب ومن عجم، كيف يقبلون بهذا كله, ثم يقلب لهم أسباب الدفاع عن الدين وعن البيضة تقليباً منطقياً، فيه الألم الذي يعصر قلبه، والتبكيت الذي يهز أحاسيسهم من الأعماق، فيطالبهم بالدفاع عن الدين أولاً فإن لم ينهضوا له فليحموا محارمهم من النساء والبلدان والعقار، وهذا أضعف الإيمان، أن يهتموا بالدنيا وعَرضها من غنائم وأسلاب إن فقدوا الثأر للدين والخروج ونيل الشهادة!! وفي نهاية القصيدة يبلغ به الألم مبلغاً أشد فعلاً وتأثيراً، فيكشف لهم عن مستقبل أيامهم وما يلاقون فيه من إذلال وصغار في أيام أبنائهم الوارثين للخنوع إن قبلوا باحتلال الأعداء لبلادهم، ثم يهددهم بعار تسليم النساء للأعداء إن هم ظلوا على ما هم عليه من الخنوع والجبن والقعود عن الجهاد, ولم يزل الشاعر يستصرخهم والحرب مستعرة، ليغيروا على المعتدين غارة شعواء تلقي الفرنجة درساً قاسياً، كما تعودوا في كل مرة يهاجمون فيها بلاد الإسلام:
لئن أذعنت تلك الخياشيم للبرى ... فلا عطست إلا بأجدع رغم (3)
_________
(1) نصوص من أدب عصر الحروب الصليبية, عمر الساريس، ص 26.
(2) المصدر السابق، ص 26, الصنديد: المقاتل الشديد, والكماة: جمع كمي، وهو لابس السلاح.
(3) الخيشوم: أقصى الأنف، البُري: جمع بُرة وهي حلقة من صفر أو غيره توضع في أحد جانبي البعير للتذليل أو في أنف المرأة للزينة.
(1/540)

دعوناكم والحرب تدعو ملحة ... إلينا بألحاظ النسور القشاعم (1)
تراقب فينا غارة عربية ... تطيل عليها الروم غَضَّ الأباهم
فإن أنتم لم تغضبوا بعد هذه ... رمينا إلى أعدائنا بالجرائم (2)

وقال شاعر آخر في الغزو الصليبي لبيت المقدس:
أحلَّ الكفر بالإسلام ضيماً ... يطول عليه للدين النحيب
فحقٌّ ضائع وحمى مباح ... وسيف قاطع ودم صبيب (3)
وكم من مسلم أمسى سليباً ... ومسلمة لها حرم سليب
وكم من مسجد جعلوه ديراً ... على محرابه نُصبَ الصليب
دم الخنزير فيه لهم خَلوقٌ ... وتحريف المصاحف فيه طيب (4)

أمور لو تأملهن طفل ... لطفَّل في عوارضه المشيب (5)
أتسبى المسلماتُ بكل ثغر ... وعيش المسلمين إذن يطيب؟
أما لله والإسلام حق ... يدافع عنه شبان وشيب؟
فقل لذوي البصائر حيث كانوا ... أجيبوا الله، ويحكم، أجيبوا (6)

ويبدو للمتأمل في هذه الأشعار أنها تسجل مشاعر الإنسان المسلم في مرحلة غزو الأفرنج وظفرهم من مراحل الحروب الصليبية وأبرز هذه المشاعر:
الشعور الديني: فالأبيوردي يستصرخ بني الإسلام «فإيهاً بني الإسلام» لأن الأعداء مشركون «سللن بأيدي المشركين» «فهو بعد نداء المسلمين عامة يؤمل ألا يقبل بهذا الغزو لا صناديد الأعاريب ولا كماة الأعاجم، كما أنه يرى أن الرسول - عليه السلام - يستفظع هذا الغزو ويدعو قومه لدرئه؛ وفي الوقت الذي يدعوهم للصمود والثبات في وجه الغزاة
_________
(1) القشاعم: جمع قشعم وهو النسر المسن.
(2) الكامل في التاريخ (8/ 407).
(3) صبيب: أي سائل.
(4) الخلوق والخلاق: ضرب من الطيب أعظم أجزائه الزعفران.
(5) أي برز وظهر, والعارضان: جانبا الوجه.
(6) البصائر جميع بصيرة: وهي قوة الإدراك والفطنة, النجوم الزاهرة (5/ 151).
(1/541)

يقلب لهم أسباب هذا الصمود وعوامله فيطالبهم بأن يتذكروا أولاً، ثواب الله في الآخرة عليه، فإن تناسوا هذه، فيطالبهم بأن يذبوا عن محارمهم على الأقل وربما كان هذا الشعور الديني في القصيدة البائية أكثر بروزاً ووضوحاً من سابقتها، فمنذ الكلمة الأولى يطلعنا الشاعر على أن الضيم قد حل أولاً بالإسلام، ثم أخذ يعدد ألوان هذا الضيم المتعددة مهتماً بما حدث للمساجد من تحويل إلى أديرة، وبما ارتفع على محاريبها من صلبان، ومما أخذ يفوح فيها من رائحة لحم الخنزير أو المصاحف المحروقة، وإنه ليربط ربطاً محكماً بين ما يكاد يقشعر له شعر رأسه من سبي النساء وبين العيش الهنيء للمسلمين المتخلفين عن الجهاد، ويتجمع الحسّ الإسلامي عند هذا الشاعر المؤمن المجاهد، فيصرخ في وجه القعدة المتخاذلين صرخة تهز أعماقهم أما لله والإسلام حق؟ إن هذا هو الأساس الثابت وراء هذا الأدب الإسلامي الملتزم بقضايا الأمة وهمومها؛ إن كل الحروب بما فيها رد للغزو أو نفير للجهاد: أجيبوا الله ويحكم أجيبوا»، والويل والثبور لمن يتخلف عن تلبية نداء هذا الداعي.
أما مكانة القدس في قلوب المسلمين في ذلك العهد وفي كل عهد فهي مما يكمل هذا الشعور ويؤكد عليه؛ فبعد الانتصار على حاكم مملكة أنطاكية النصراني، وبعد فتح مصر ثم توحيدها مع الشام تحت القبضة الإسلامية، وبعد فتح حلب، بعد هذا كله لم يكن النداء التالي إلا الشروع في العمل لتخليص القدس والمسجد الأقصى من أسر المشركين وتطهيره من مظاهر الشرك والدنس (1).
الشعور الاجتماعي: ويتبع الإحساس بما حاق بالدين إحساس بالهوان الذي ألم بالمسلمين أنفسهم «تسومهم الروم الهوان» , وهم إما على صهوات الخيل وإما في بطون طيور الجو، وكم من دماء قد أبيحت، فحقٌ ضائع وحمى مباح «وكم من مسلم أمسى سليباً» , وإنه شعور بالضياع والهزيمة أمام هذه الزحوف الغازية في حالة تقاعس بعض المسلمين عن شد أزر بعض في ساعات العسرة.
أرى أمتى لا يشرعون إلى العدا ... رماحهم والدين واهي الدعائم
ومما يثقل كاهل الإنسان المسلم، الذي يعيش هذه الآلام، ما يحيق بنساء المسلمين في المجتمع الإسلامي، من سبي وقهر واغتصاب, فما عسى النساء الجميلات أن يدفعن عن أنفسهن إذا دُخلت عليهنَّ خدورهن من أقطارها؟ وما عسى المعاصم النسائية التي تشابكت لتواري النفس من الخجل ولئلا تقع عيون علوج الأعداء المهاجمين في عيونهم, ما عساها أن
_________
(1) نصوص من أدب عصر الحروب الصليبية، ص 32.
(1/542)

تدفع عنهن من الشرور المقتحمة؟ وغاية ما يهدد به هذا الشاعر المتألم بني قومه أن يخلي بين النساء وسائر المحرمات وبين الأعداء إذا هم ظلوا متخاذلين عن المشاركة في الجهاد لدفع عدوان أعداء الله (1). ومما يدلل على عمق تأثير هذا الشعور في النفس المسلمة أن شاعر القصيدة البائية عدد أصناف الشقاء التي حاقت بالمسلمين، إثر الغزو الصليبي، بألم، حتى إذا ما وصل إلى صورة سبي النساء المسلمات صرخ بأعلى صوته، ومن أعماق إحساسه، بسؤال يهز أعماق السامعين أتسبي المسلمات بكل ثغر؟! وذلك مقابل مالا يليق لدى الطرف الثاني من اهتمام المسلمين «وعيش المسلمين إذن يطيب؟» ويتبع هذه الأسئلة سؤال آخر يضرب في أعماق هذه المشاعر كلها، وهو ما ذكرنا من شعور ديني متألم «أما لله والإسلام حق». فالله، سبحانه، لا يرضى أن تسبي المسلمات وهو القائل: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: 39]. وهو القائل: {وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8]. هل في هذا الإلحاح على الألم الشديد مما حاق بنساء المسلمين إثر هذه الحروب، بقايا من الإحساس القبلي بعار العشيرة، إذا أضيمت نساؤها؟ لو سلمنا بوجوده فإننا نلمح في
الوقت نفسه، أن الإسلام طالب بالدفاع عن الحمى والحرمات، والنساء أولى هذه المحميات في الإسلام (2).
الشعور النفسي: وإذا كان الشعور الاجتماعي يتسع أفقه لحمل هموم المجتمع الإسلامي بجميع أفراده بأن الفرد المسلم، على النطاق الفردي، قد أخذ يحسُّ بمجموعة من الأحاسيس الطاحنة تحت وطأة هذا الغزو الغاشم من جهة، وتخلف الكثيرين من أبناء الإسلام من جهة أخرى, وأول مشاعر الفرد في هذا الجو، هو الحزن الشديد الذي لف نفوس جميع الأفراد لفاً، فأول ما نطقت به كلمات الأبيوردي هو البكاء الذي لم يذرف الدموع، فحَسب ولكنه استنزال الدم من العيون بعد أن جفت الدموع!! وسرعان ما يزداد هذا الحزن حينما يفتح الشاعر عينيه على الحقيقة المرة: ما نفع الدموع في معركة لا تتكلم فيها إلا السيوف المواضي؟ وهنا تحدق الشرور بنفسية هذا الشاعر، ومن هذا الإحساس العاصف ينبت استنجاد الشاعر بأهله من المسلمين، للنهوض والرد على هذا الخطر المحدق «فإيها بني الإسلام» وما نفع الفرد، حينما تحيط به الأخطار، إن لم يكن له أهل يمنعونه؟ ونخرج بمثل هذا الحزن العاصف حينما نقرأ القصيدة البائية ونحس بخفقان قلب صاحبها المضطرب، لكثرة ما رأى وأحس وعاش من الأخطار التي تهددت وجوده ووجود أهله, فحقوقهم ضائعة ودماؤهم سائلة، ورجالهم كنسائهم في السبى والنهب، وبلادهم مباحة،
_________
(1) نصوص من أدب عصر الحروب الصَّليبية، ص 33.
(2) نصوص من أدب عصر الحروب الصَّليبية، ص 33.
(1/543)

ومساجدهم غدت أديرة، وجدران صلبان، وحينما يبلغ الحزن مبلغ هز الأعماق تخرج الصرخات والاستنجاد والتذكر بحقوق الله في الجهاد والذب عن الحياض. ونكاد نلمح مثل هذه المشاعر الفردية الحزينة حينما يأخذ الشعراء في تزيين فتح القدس للقادة الفاتحين بمختلف ضروب الإقناع، فقد كان هذا الأمل يداعب نفوس المسلمين، جميع المسلمين، منذ أن فتحوا عيونهم على قبلتهم الأولى فوجدوها في أيدي أعداء الله.
تصوير الحروب: وتكاد قصيدة الأبيوردي تنفرد بتصوير ما وقع بين المسلمين وبين أعدائهم المهاجمين من حروب، قبل استيلاء الصليبيين على مقدساتهم، وهذه مأثرة إيجابية تحسب لها، فالقدس لم يستول عليها الأعداء دون قتال، وإلا لكان هذا دليلاً على الضعف والخور، فهذه الحروب تسعرها السيوف القاطعة، وحينما كان الهجوم صمد لهم أبناء الشام الأبطال حتى يظل الواحد منهم على صهوة جواده ليل نهار حتى تختلف رجلاه على عنق فرسه فتتخطفهم سباع الأرض أو نسور الجو، كما قال أحد خطباء العصر الأموي، كما أن النساء اللواتي اقتحمت عليهن خدورهن دافعن بعد أن استحر القتال بين رجالهن
وبين الأعداء:
بحيث السيوف محمرة الظبا ... وسمر العوالي داميات اللهاذم
وبين اختلاس الطعن والضرب وقفة ... تظل لها الولدان شيب القوادم

إنها صدمات تصير لها الولدان شيباً، كما ورد في القرآن الكريم عن أهوال يوم القيامة؛ إنها حروب يستل فيها المشركون سيوفاً قاطعة لكن المدافعين عن حرمات الإسلام يردون هذه السيوف المعتدية إلى نحور أصحابها ورؤوسهم، أجل إن المقاومة الإسلامية قد هبت في وجوه المعتدين منذ أن وطئت أقدامهم النجسة أراضي المسلمين في سواحل بلاد الشام الشمالية، وظلت راية الجهاد مرفوعة لرد المعتدين، حتى خرج آخر صليبي معتدٍ من هذه الديار الإسلامية، بعد قرنين من الصراع المستمر (1).
الدعوات إلى الجهاد: إن أحزان الشعراء والأفراد وشعورهم بالضياع أمام ما رأت أعينهم من مصير الدين الذي صار -بهذا الغزو الصليبي- واهي الدعائم، ومن فظائع شتتت شمل أهلهم المسلمين وسبت نساءهم وأذلت رجالهم، بعد القتال الشديد، وحولت مساجدهم إلى كنائس إن هذا الحزن الجارف لم يقعد بهؤلاء الشعراء عند مرحلة البكاء وذرف الدموع وتصوير ما حاق بالناس من مصائب، إنه حملهم على أن يسلكوا السبيل
_________
(1) نصوص في أدب عصر الحروب الصليبية، ص 35.
(1/544)

الأصوب في مثل هذه المواقف، فقد أصبح الشاعر نذيراً لأمته بالشرور التي ستطبق عليهم في الدنيا, وبغضب الله في الآخرة إذا هم ظلّوا متقاعدين عن الجهاد لدرء الأخطار، فلقد قال الشاعر لأهله: إن الدموع لا تغني في حروب السيوف، فدعاهم للتجمع والرد فوراءهم ما يذل الأعزة, ويبكتهم على تقاعدهم ليهبوا للجهاد:
أتهويمة في ظل أمن وغبطة ... وعيش كنوار الخميلة ناعم

وقابل لهم بين الصورتين غير المتوازنتين؛ قتال فريق من المسلمين وتقاعد الفريق الآخر، وما أفعل قوله وأشد تأثيره: أرى أمتي لا يشرعون إلى العدا ... إلخ البيت. فقوله: أمتي, فيها الإيجاز والتأثير ومنطق النداء والدعوة, مرة يمدحهم بالشجاعة والنخوة ويذكرهم بهما ليهبوا للجهاد، ومرة يناقشهم في أسباب الدفاع والصمود، أما حينما يخامره الشك في أن يستمعوا إلى نداءاته هذه كلها يلجأ للتأثير عليهم من جهة أخرى, هي جهة التذكير بالنساء والأعراض واحتمال وقوعها تحت أيدي الأعداء المهاجمين, وكذلك يفعل الشاعر المجهول، فبعد أن يصور لهم ما حاق بأهاليهم من شقاء وهوان يدعوهم، بصريح العبارة، إلى تلبية نداء الله بالجهاد والثأر للكرامة الإسلامية، ديناً ومتدينين وبلاداً ومسلمين (1).
الشاعر ابن الخياط: أبو عبد الله أحمد بن محمد بن الخياط: فقد حاول هذا الشاعر تحريك همة عضد الدولة زعيم الجيوش في دمشق فقال قصيدة طويلة يحثه على إعداد العدة للجهاد مطلعها قوله:
فدتك الصَّواهل قُبًّا وجرداً ... وشُمُّ القبائل شيباً ومرداً
وذلت لأسيافِك البيض قضباً ... ودانت لأَرماحك السُّمر مُلْدا (2)
إلى أن يقول: ... وإني لمهدٍ إليك القريض ... يُطوى على النُّصح والنصح يُهدَى
إلى كم وقد زخر المشركون ... بسيل يُهال له السيل سداً
وقد جَاشَ من أرض إفرنجة ... جيوش كمثل جبال تردا
أنوماً على مثل هدَّ الصفاة ... وهزلا وقد أصبح الأمر جِدًّا
وكيف تنامون عن أعين ... وترتم فأسهرتموهنَّ حقداً
_________
(1) نصوص من أدب عصر الحروب الصّليبية، ص 36.
(2) ديوان ابن الخياط، ص 182.
(1/545)

بنو الشرك لا يُنكرون الفساد ... ولا يعرفون مع الجور قصداً
ولا يردعون عن القتل نفساً ... ولا يتركون من الفتك جُهداً
فكم من فتاة بهم أصبحت ... تدق من الخوف نحراً وخداً
وأم عواتق ما إن عرفن ... حرا ولا ذقن في الليل برداً
تكاد عليهنَّ من خيفة ... تذوب وتتلف حزناً ووجدا

وبعد أن وصف الشاعر حال المشركين وقسوتهم، وحال المسلمين معهم بدأ يحرض عضد الدولة على الجهاد فقال:
فحاموا عن دينكم والحريم ... محاماة من لا يرى ألموت فقداً
وسُدُّوا الثغور بطعن النحور ... فمن حق ثغر بكم أن يُسَدَّا
فقد أَينعت أَرؤس المشركين ... فلا تغفلوها قِطافًا وحصداً
فلابد من حدهم أن يُفلَّ ... ولابد من ركنهم أن يُهَدّا (1)

وكانت لجهود العلماء والفقهاء والقضاة والأدباء والشعراء أثر في تقوية حركة
المقاومة المسلحة والتي قادها أمراء السلاجقة, والتي سيأتي الحديث عنها بإذن الله في الصفحات القادمة.

ثالثاً: قادة الجهاد من السلاجقة قبل عماد الدين زنكي:
من الحقائق المسلم بها في تاريخ الحركة الصليبية، أن حركة الجهاد الإسلامي ضد الصليبيين انبعثت لأول مرة في بلاد المشرق الإسلامي من منطقة الجزيرة, وهي تقع بين دجلة والفرات مجاورة لبلاد الشام, وتشتمل على ديار مضر وديار بكر، وسميت الجزيرة لوقوعها بين نهري دجلة والفرات، وتمتاز منطقة الجزيرة بأنها صحية الهواء جيدة الريع والنماء، واسعة الخيرات، بها مدن جليلة وحصون منيعة وقلاع كثيرة (2)، ومن الأسباب التي جعلت حركة المقاومة نبعت من منطقة الجزيرة هي:
- إن منطقة الجزيرة أول اقطار المسلمين في المشرق الإسلامي أكتوت بنار الخطر
_________
(1) ديوان ابن الخياط، ص 182 وما بعدها.
(2) الجهاد ضد الصليبيين في الشرق الإسلامي، ص 135، نور الدين محمود والصليبيون، حسن حبشي، ص11.
(1/546)

الصليبي عندما استولى الصليبيون على الرها وتأسست بها أولى الإمارات الصليبية سنة 490هـ/1097م، فأدرك السكان خطر توغل الصليبيين في بلادهم، مما بعث المسلمين على التفكير الجدي في المبادرة إلى مهاجمة الصليبيين.
- أن منطقة الجزيرة قد ظهرت شخصيتها منذ عصر صدر الإسلام بسبب مجاورتها لأطراف الدولة البيزنطية، مما نشأ عنه خطر شديد على المسلمين أيام الأمويين والعباسيين فأصبحت خط الدفاع الأول عن ثغور المسلمين ضد الروم، وبعد الغزو الصليبي أصبحت منطقة الجزيرة تواجه إمارة الرها الصليبية التي شكلت أكبر خطر على الخلافة العباسية في بغداد.
- شهدت منطقة الجزيرة خلال النصف الثاني من القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي دخول الأتراك السلاجقة إليها مع ما اشتهروا به من حبهم لتربية الخيول والمغامرة مع حماسهم للإسلام بسبب قرب عهدهم به، وانتمائهم للمذهب السني, وأمد السلاجقة التركمان منطقة الجزيرة بدماء جديدة شديدة التحمس إلى الجهاد في سبيل الله، وبعكس القوى الإسلامية الأخرى في بلاد الشرق الإسلامي التي خبت جذوة الحماس الديني في نفوسها وخمدت روح القتال لديها (1).
- الثروات الضخمة والموارد الكبيرة التي حوتها منطقة الجزيرة بسبب توافر مصادر المياه، وخصوبة الأرض؛ وسعة الرقعة الزراعية, وكثرة المراعي اللازمة للخيل والماشية، الأمر الذي مكنها من مد المجاهدين بمصدر لا ينفذ من المؤن والعتاد.
هذا فضلاً عن الحصانة الطبيعية التي تمتعت بها كبرى مدن وقلاع الجزيرة التي انطلقت منها حركة الجهاد الإسلامي ضد الصليبيين مثل الموصل وآمد وماردين وحصن كيفا وغيرها، إذ أن تلك المدن التي امتازت بحصانة جغرافية فريدة جعلت اقتحامها عنوة أمراً بالغ الصعوبة, وبالتالي أصبحت في مأمن من الهجمات الصليبية المضادة، ولا يستبعد أن يكون قد اختمر في نفوس زعماء حركة بعث فكرة الجهاد الإسلامي ما يمثله وجود إمارة الرها الصليبية في منطقة الجزيرة من خطورة بالغة على مركزه بالإضافة إلى خوفهم من تقدم الصليبيين جنوباً للقضاء على الخلافة العباسية في بغداد (2). ومن هنا فلا غرو أن تبعث فكرة الجهاد الإسلامي منطقة الجزيرة بقصد انتزاع الرها من أيدي الصليبيين (3).
_________
(1) الإمارات الأرتقية في الشام والجزيرة، ص 201.
(2) الجهاد ضد الصليبيين في الشرق الإسلامي، ص 137.
(3) الجهاد ضد الصليبيين في الشرق الإسلامي، ص 38.
(1/547)

1 - جهاد قوام الدولة كربوقا صاحب الموصل: وقد اتخذت فكرة المقاومة الإسلامية مظهرها العملي منذ سنة 491هـ/1097م حيث قام قوام الدولة كربوقا صاحب الموصل بجمع ما استطاع جمعه من العساكر بقصد منع أنطاكية من السقوط بيد الصليبيين, ولكن كربوقا لم يلبث أن توقف في الطريق حيث حاصر الرها لمدة ثلاثة أسابيع فأعطى بذلك فرصة كبيرة للصليبيين جدوا فيها لفتح أنطاكية، وقد تم لهم ذلك، ولو أن كربوقا أنفذ إلى أنطاكية مباشرة لأسلمه ياغى سيان مدينة أنطاكية، وتغيرت ظروف المحاصرين (1) , ولكن كربوقا رفع الحصار عن الرها حين سمع بسقوط أنطاكية بيد الصليبيين، وعبر الفرات إلى الشام وأقام بمرج دابق حيث اجتمع هناك دقاق بن تتش صاحب دمشق وظهير الدين طغتكين أتابك دقاق، وجناح الدولة حسين صاحب حمص، وأرسلان تاشي صاحب سنجار، وسقمان بن أرتق صاحب بيت المقدس، وغيرهم من الأمراء ممن ليس مثلهم في القدوة والكفاية على حد قول ابن الأثير (2). وانضم الأمراء جميعاً تحت قيادة كربوقا وسار بهم صوب أنطاكية في سنة 491هـ/1097م التي كانت قلعتها لا تزال في أيدي المسلمين، فاقتربوا منها وشددوا عليها الحصار حتى تغير موقف الصليبيين وساءت حالتهم، إذ وجدوا أنفسهم محاصرين من الداخل والخارج، فتعرضوا لأزمة قاسية بسبب قلة الغذاء مما اضطرهم إلى أكل الجيف وأوراق الشجر (3)، ودفع ذلك الصليبيين إلى إرسال وفد إلى كربوقا يطلبون منه الأمان ليخرجوا من أنطاكية، غير أن كربوقا رفض طلبهم وقال لهم: لا تخرجون إلا بالسيف (4)،
وهذا ما دفع أحد رجال الدين المسيحيين واسمه بطرس «بوشلميوا» إلى اختلاق قصة الحربة المقدسة التي أدت إلى رفع معنويات الصليبيين والتفافهم حول زعمائهم، فقويت نفوسهم على الاندفاع تجاه المسلمين والخروج من الباب جماعات متفرقة حتى تكامل خروجهم, فزحفوا على المسلمين وهم في غاية من القوة والكثرة فكسروا المسلمين وفرقوا جموعهم (5)، وهكذا فشل كربوقا في قيادة التحالف الإسلامي الذي أراد من ورائه منع سقوط أنطاكية في أيدي الصليبيين سنة 491هـ/1097م.
وقد ذكر المؤرخون أسباب فشل كربوقا في منع سقوط أنطاكية في أيدي الصليبيين في
_________
(1) الجهاد ضد الصليبيين في الشرق الإسلامي، ص 138.
(2) الكامل في في التاريخ (8/ 400).
(3) المصدر نفسه (8/ 400) , الجهاد ضد الصليبيين، ص 138.
(4) الكامل في التاريخ (8/ 400).
(5) المصدر نفسه (8/ 400).
(1/548)

الوقت الذي كان فيه الصليبيون قد وصلوا إلى درجة من الضعف والتدهور داخل أنطاكية ومن هذه الأسباب:
- ما ذكره مؤرخ أعمال الفرنجة من أن كربوقا صاحب الموصل قد أضاع ثلاثة أسابيع في حصار الرها؛ مما مكن الصليبيين من الاستيلاء على أنطاكية، والاحتياط بما عسى أن يطرأ لهم من هجوم مباغت سواء من المسلمين الذين كانوا داخل قلعة أنطاكية أو من إخوانهم في بلاد الشام وغيرها (1).
- عدم وجود تجانس بين قوات كربوقا التي تكونت من العرب والترك وغيرهم، ثم ما قام به رضوان صاحب دمشق من بث روح الشقاق بين العرب والترك.
- عدم وجود خطة عسكرية واضحة أمام كربوقا، ولعل أبرز ما يوضح ذلك هو عدم رغبة كربوقا في السماح لرجاله بتوجيه الضربة القاضية للصليبيين وهم يخرجون جماعات متفرقة من أنطاكية. وهذا يعود إلى أن كربوقا كان يخشى على ما يبدو من أنه إذا فعل ذلك فسوف لا يقضى إلا على مقدمة الصليبيين (2).
- سوء معاملة كربوقا لمن معه من الأمراء، كان سبباً من أسباب هزيمته وفشله، فقد شرع بنوع من الاستعلاء عليهم, ظناً منه أنهم يقيمون معه على هذا الحال، مما أدى إلى استيائهم من تصرفاته (3).
- ارتفاع الروح المعنوية عند الصليبيين بعد اختلاق قصة الحربة المقدسة، بالإضافة إلى ما قام به زعماء الصليبيين قبل وصول كربوقا إلى أنطاكية من مراسلة دقاق صاحب دمشق وإخباره أن مطامعهم لا تتعدى الاستيلاء على ما كان بيد الإمبراطور البيزنطي في شمال الشام (4)، لا يمنع هذا من القول بأن محاولة كربوقا منع أنطاكية من السقوط بيد الصليبيين كانت نقطة انطلاق في بعث فكرة الجهاد الإسلامي ضد الصليبيين, وكشفت للصليبيين عن مدى قوة المسلمين في حالة اتحادهم، كما أنها رسمت الطريق الصحيح لمن أتى بعده من زعماء المسلمين الذين أخذوا على عواتقهم حمل لواء الجهاد الإسلامي ليكملوا المسيرة من بعده، وتتمثل هذه الحقيقة إذا علمنا أن عماد الدين زنكي قد عاش في كنف كربوقا بعد موت والده (5) , على أن كربوقا صاحب الموصل قد وافته المنية عند مدينة خوى بأذربيجان سنة 495هـ/1102م أثناء النزاع بين السلطان بركيارق بن ملكشاه وأخوه محمد بن
_________
(1) تاريخ الحروب الصليبية (2/ 328).
(2) المصدر نفسه (2/ 350).
(3) الجهاد ضد الصليبين، ص 140.
(4) الجهاد ضد الصليبيين ص 140.
(5) دول الإسلام للذهبي (2/ 25).
(1/549)

ملكشاه، فخلت الموصل من أحد الزعماء الذين لم يشغلهم النزاع القائم بين السلاجقة عن مواصلة العمل على بعث فكرة الجهاد الإسلامي ضد الصليبيين (1).

2 - جهاد جكرمش صاحب الموصل وسقمان بن أرتق صاحب ماردين وديار بكر: جعلت وفاة أتابك الموصل كربوقا الموقف مائعاً وأدت إلى إثارة الحرب الأهلية, ذلك أن كربوقا أوصى بالولاية من بعده إلى سُنقرجه، وهو أحد أمرائه، وأمر الأتراك بطاعته لكن نازعه موسى التركماني نائبه في حصن كيفا، بعد أن استدعاه أعيان الموصل، واستطاع أن يقتل منافسه ويفوز بحكم الموصل بوصفه نائباً عن السلطان بركيارق (2)، واستغل شمس الدولة جكرمش صاحب جزيرة ابن عمر فرصة الاضطرابات، ليتدخل في النزاعات الداخلية، فزحف إلى نصيبين واستولى عليها، فهرب موسى إلى الموصل وتحصَّن بها، وهناك حاصره جكرمش مدة طويلة واضطر موسى إلى الاستعانة بسقمان الأرتقي في ديار بكر، فعرض عليه إعطاءه حصن كيفا ومنحه عشرة آلاف دينار، مقابل مساعدته، فقَبِل سقمان هذا العرض وقَدم له مساعدة عسكرية فاضطر جكرمش إلى فك الحصار عن الموصل, ولما خرج موسى لاستقبال سقمان، قتله بعض غلمانه في الطريق فتشتَّت جيشه، وعاد سقمان مسرعاً إلى حصن كيفا، فاستولى عليه بينما تقدم جَكَرمش إلى الموصل ودخلها وسط ترحيب سكانها (3).
تولى جكرمش إمارة الموصل عام 495هـ - 500هـ/1101 - 1106م وعقد تحالفًا مع سقمان بن أرتق أمير الأراتقة في ديار بكر، استهدف التصدي لتقدم الصليبيين شرقاً باتجاه قلب الجزيرة، إذ كان للانتصارات السريعة التي أحرزها الصليبيون، واعتزامهم الاستيلاء على حران الواقعة مفرق الطرق إلى العراق والجزيرة والشام، مستغلين فرصة الصراع بين الأمراء المسلمين، فضلاً عما يعنيه الاستيلاء على حران من قطع الصلة بين المسلمين في بلاد فارس والعراق والجزيرة والشام، وإعطاء الصليبيين فرصة لمهاجمة الموصل، وتأمين الرها، والسيطرة على إقليم الجزيرة، كان لهذه العوامل جميعاً الأثر الحاسم في تناسي كل من جكرمش وسقمان خلافاتهما القديمة، والعمل معًا لإيقاف تقدم الصليبيين (4).

أ - معركة البليخ وانتصار المسلمين على الصليبيين «وتسمى معركة حران»:
أرسل كل من جكرمش وسقمان إلى صاحبه يدعوه إلى الاجتماع لتلاقي أمر حران ويعلمه أنه قد بذل نفسه لله تعالى وثوابه فأجاب كل منهما صاحبه، واجتمعا على الخابور عند رأس
_________
(1) تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام، ص 62.
(2) المصدر نفسه، ص 63.
(3) المصدر نفسه، ص 63.
(4) المقاومة الإسلامية للغزو الصليبي، عماد الدين خليل, ص 95.
(1/550)

العين، حيث عززا تحالفهما وتوجها على رأس عشرة آلاف فارس من الترك والعرب والأكراد لمنازلة الرها قبل أن يتعرضا للهجوم، وعندما سمع بلدوين الثاني أمير الرها نبأ احتشادهم في رأس العين أرسل إلى جوسلين وبوهمند يستنجد بهما، واقترح عليهما أن يحولا وجهة الهجوم بأن يقوما بمحاولة لمنازلة حران، وبعد أن أبقى بلدوين حامية صغيرة في الرها اتخذ طريقه إلى حران على رأس جماعة صغيرة من الفرسان والأرمن، وانحاز إليه بالقرب من حران كل من جوسلين أمير تل باشر وبوهمند أمير أنطاكية، وابن أخته تانكرد، وبطريرك إنطاكية، وجيش ضم فرسان الصليبيين وأمراءهم وعدداً كبيراً من الأرمن ورجال الدين، بلغ عدده نحو ثلاثة آلاف فارس، ونحو ثلاثة أمثال هذا العدد من الرجالة، والواقع أن هذا الجيش يمثل القوة الضاربة الكاملة لدى صليبيي شمالي الشام، عدا حاميات الحصون، وعندما احتشد هذا الجيش أمام حران كان جكرمش وحليفه لا يزالان يزحفان نحو «الرها» (1). كاد الصليبيون أن يستولوا على حران، بعد وقت قصير من فرض الحصار عليها، إلا أن الخلاف الذي نشب بين بلدوين لي بور، وبوهمند، وإصرار كل منهما على رفع رايته على المدينة بعد الاستيلاء عليها، ساعد على صمود حران، وأتاح للمسلمين فرصة التحرك لقتال الصليبيين قبل سقوط هذا الموقع بأيديهم، وتم اللقاء بين الطرفين على نهر البليخ في التاسع من شعبان، حيث أظهر المسلمون الهزيمة، فتبعهم الصليبيون نحواً من فرسخين، فأعاد المسلمون الكرة عليهم، وأبادوا معظم قواتهم (2)،
وغنموا مقادير كبيرة من الأموال والممتلكات (3)، وكان بوهمند أمير أنطاكية وابن أخته تانكر، قد كمنا خلف أحد المرتفعات لينقضّا على المسلمين من مؤخرتهم حين يشتد القتال، فلما خرجا شاهدا هزيمة رفاقهم ونهب معسكراتهم، فأقاما في أماكنهما إلى الليل، ومن ثم تسللا هاربين، فتبعهما المسلمون وقتلوا وأسروا من أصحابها عدداً كبيراً، بينما تمكّنا هما من الفرار إلى الرها. أما بلدوين وجوسلين فقد تم أسرهما. وكان بلدوين قد انهزم مع جماعة من قواده وخاضوا نهر البليخ، إلا ان الأوحال أعاقت تحرُّكهم السريع؛ فلحقهم قائد تركماني من أصحاب سقمان وتمكن من أسرهم؛ حيث حمل بلدوين إلى سيده سقمان (4).

ب- الخلاف بين جكرمش وسقمان: وعندما رأى أصحاب جكرمش أنّ قوات سقمان قد استولت على حصة الأسد من غنائم الصليبيين قالوا لسيدهم: أي منزلة تكون لنا عند الناس وعند التركمان إذا انصرفوا بالغنائم دوننا؟ وحسنوا له اختطاف بلدوين، فأرسل
_________
(1) الحروب الصليبية, رنسمان (2/ 71 - 72) , المقاومة الإسلامية للغزو الصليبي ص96.
(2) المقاومة الإسلامية للغزو الصليبي، ص 96.
(3) المقاومة الإسلامية للغزو الصليبي، ص 96.
(4) المصدر نفسه، ص 97.
(1/551)

جكرمش بعض أصحابه، حيث تمكنوا من اختطاف بلدوين، من معسكر سقمان. فلما علم هذا بما حدث، وكان خلال ذلك غائبًا عن مقره، شق عليه الأمر، وتهيأ أصحابه للقتال، إلا أنه مالبث أن ردّهم وقال لهم: لا أوثر شفاء غيظي بشماتة الأعداء بالمسلمين (1)، ومن ثم تقدم على رأس قواته، وأخذ سلاح الصليبيين وراياتهم، وألبس أصحابه ملابسهم وأركبهم خيلهم وجعل يأتي حصون إقليم شبختان من ديار بكر، فيخرج الصليبيون منها ظناً منهم أن أصحابهم قد انتصروا فيجابههم سقمان ويقضي عليهم ويقتحم حصونهم، وتمكن بذلك من وضع يده على عدد من حصون المنطقة، وقفل عائداً إلى مقر إمارته في ديار بكر (2).

ج- هزيمة جكرمش: قرر جكرمش المضي في القتال بعد عودة حليفه، وقام باقتحام قلاع الصليبيين في إقليم شبختان الممتد إلى شرق الرها، ليحمي مؤخَّرته، ومن ثم واصل السير إلى الرها نفسها, إذ أدى تمهل الصليبيين من قبل إلى الإبقاء على حران بأيدي المسلمين، فقد أبقى الرها للمسيحيين ما حدث من تمهل المسلمين إذ توافر لتانكرد من الوقت ما يكفي لإصلاح وسائل الدفاع, وبذا استطاع أن يردَّ أول هجوم قام به جكرمش، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى ما أظهره الأرمن والمحليون من الولاء والبسالة غير أن ما أحس به تانكرد من ضغط شديد، حمله على المبادرة بالاستنجاد ببوهمند، ومع أن هذا كان يواجه مشاكل عديدة، إلاَّ أنه رأى ضرورة جعل الأسبقية لدرء الخطر عن الرها، فنهض لمساندة ابن أخته، غير أنه عطله ما كانت عليه الطرق من أحوال سيئة. واستبد اليأس بتانكرد فأمر رجال الحامية بأن يتخذوا أماكنهم للهجوم قبل بزوغ الفجر، وتحت جنح الظلام انقضَّ رجاله على الأتراك الذين استغرقوا في نومهم مطمئنين، واكتمل الانتصار الصليبي بوصول بوهمند، فهرب جكرمش مذعوراً، وخلف من ورائه معسكره الزاخر بالثروة, فانتقم الفرنج من هزيمة حران، وتم احتفاظهم بالرها (3) , وكان من بين الأسرى الذي وقعوا في يدي تانكرد أميرة سلجوقية من عقائل بيت جكرمش الذي بلغ من تقديره لهذه السيدة أنه بادر لافتدائها مقابل مبلغ كبير من المال «15 ألف بيزنت»، أو مبادلتها بالكونت بلدوين نفسه، وبلغت بيت المقدس أنباء هذا العرض، فأسرع الملك بلدوين بالكتابة إلى بوهمند بألاَّ يجعل هذه الفرصة تفلت حتى يتم إطلاق سراح بلدوين.
غير أن بوهمند وتانكرد احتاجا إلى المال على حين أن عودة بلدوين سوف تخرج تانكرد من وظيفته الحالية - كمسئول على الرها - ليعود إلى أنطاكية ولذا ردَّا على رسالة الملك: إنه ليس من الدبلوماسية في شيء أن يظهرا لهفتهما
_________
(1) الكامل في التاريخ (8/ 466).
(2) المصدر نفسه (8/ 466) , المقاومة الإسلامية للغزو الصليبي، ص 97.
(3) الحروب الصليبية، ص 98.
(1/552)

الشديدة على قبول العرض، على حين أنهما إذا تردّدا في القبول ربما لجأ جكرمش إلى زيادة الفدية. غير أنه في تلك الأثناء تم اتفاقهما مع جكرمش على قبول عرضه النقدي، وبذا بقي بلدوين في الأسر (1).

د- نتائج معركة البليخ أو حرّان: كانت لمعركة البليخ نتائج بالغة الأهمية على الصعيدين الإسلامي والصليبيين، لعل أهمها:
- أوقفت تقدم الصليبيين وتوسعهم باتجاه الشرق على حساب المسلمين، وقضت على آمالهم في التقدم نحو العراق وإتمام سيطرتهم على إقليم الجزيرة.
- تلاشت أحلام بوهمند في السيطرة على حلب، وتحويل إمارة إنطاكية إلى دولة كبيرة، وقضت على آمال الصليبيين بقطع الاتصال بين القوى الإسلامية في الشام والجزيرة وآسيا الصغرى عن طريق الاستيلاء على حلب.
- قرَّرت مصير إقليم الرها. ذلك أن هذه الإمارة تعرضت لكثير من المتاعب الداخلية التي أضعفتها وبخاصة من جانب الأرمن الذين سرعان ما أبدوا تذمراً من الحكم اللاتيني بفعل تعسف هؤلاء مع الكنيسة الأرمينية، واضطهاد رجالها مما دفع الأرمن إلى الاتصال بالأتراك وأضحى احتمال سقوطها في أيدي المسلمين وشيكاً (2).
- أتاحت للمسلمين فرصة استعادة الأملاك التي خسروها في السابق، وضُمَّت إلى إمارة أنطاكية.
- أضحى تانكْرِد، بعد أسر بلدوين، وصياً على إمارة الرها، كما أصبح بوهمند أقوى الأمراء الصليبيين في الشمال.
- أدَّت ظروف الانتصار إلى زيادة التقارب بين القوى الإسلامية والبيزنطيين ضد عدوهم المشترك. وأوضح ابن القلانسي خطورة النتائج بقوله: وكان نصراً حسناً للمسلمين، لم يتهيأ مثله، وبه ضعفت نفوس الإفرنج، وقلَّت عدتهم، وفلتَّ شوكتهم، وقويت نفوس المسلمين، وأرهفت عزائمهم في نصرة الدين، ومجاهدة الملحدين، وتباشر الناس بالنصر عليهم، وأيقنوا بالنكاية فيهم والإدالة منهم.
- حطمت أسطورة أن الصليبيين لا يقهرون (3).
- استغل الإمبراطور البيزنطي الكسيوس فرصة ضعف مركز بوهمند إثر تعرضه
_________
(1) المقاومة الإسلامية للغزو الصليبي، ص 99.
(2) تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام، ص 65.
(3) المصدر نفسه، ص 95.
(1/553)

للانتقاد بسبب عدم افتدائه لرفيقه بلدوين، فضلاً عن التزامه بالمعاهدات التي كان عقدها مع الإمبراطور الذي راح يشجع الانتفاضات التي قام بها سكان قليقية ضد حكامهم النورمان، كما أوعز إلى قواته بالاستيلاء على عدد من المدن والمواقع التي كان تانكرد قد استولى عليها من قبل، واشترك الأسطول البيزنطي في السيطرة على بعض المدن الساحلية بين اللاذقية وطرطوس، يضاف إلى ذلك أن البيزنطيين تمكنوا من استغلال قواعدهم البحرية في قبرص لتقديم المساعدات لريموند الضجلي - عدو بوهمند اللدود - الذي كان يسعى لتأسيس إمارة حول طرابلس تحاذي أنطاكية من الجنوب, في الوقت الذي لم يتقدم فيه أحد من القدس لنصرة بوهمند ومساعدته في هذه المحنة (1).
وهكذا قدر لجكرمش، بتحالفه مع سقمان، أن يلعب دوراً خطيراً في تاريخ الحروب الصليبية، وأن يقدم وحليفه للعالم الإسلامي أول نصر حاسم على الصليبيين، فتح به الطريق لظهور قيادات وأحلاف إسلامية وجهت الضربات المتتالية للقوى الصليبية، تلك القيادات التي بدأت بمودود حاكم الموصل السلجوقي، وانتهت بصلاح الدين، عبر إيلغازي وبلك الأرتقيين، وآق سنقر البرسقي، ثم عماد الدين ونور الدين الزنكيين (2).

هـ- مواصلة جكرمش للجهاد: ورغم بعض البوادر السلبية التي أعقبت انتصار المسلمين في البليخ فإن جكرمش ظل يطمح لتحقيق انتصارات أخرى في هذا الميدان، وبعد أقل من سنتين أتيح له ذلك عندما تلقى في أواخر عام 499هـ - 1106م أمراً من السلطان محمد بالقيام بحملة جديدة لمهاجمة الصليبيين، فاتصل بأمراء المنطقة, وتمكن من تشكيل حلف يضم رضوان أمير حلب وإيلغازي الأرتقي أمير ماردين وألبي تمرتاش صاحب سنجار والأصبهبذ صاوا أحد كبار أمراء فارس إلاَّ أن ما طرحه إيلغازي على الأمراء المذكورين، أعاق تنفيذ الخطة المقترحة؛ إذ طلب منهم أن يبدأوا حملتهم ضد جكرمش بقصد الاستيلاء على الموصل لكسب رضا السلطان محمد الذي كان يحقد على حاكم الموصل بعض تصرفاته، فضلاً عن إمكانية الاستفادة المباشرة من ميزان الموصل وإمكانياتها المالية والعسكرية ضد الصليبيين, فوافقه زملاؤه على ذلك ومضوا معًا لمهاجمة نصيبين التابعة لحاكم الموصل, إلا أن نواب جكرمش هناك نجحوا - بتوجيه من سيدهم في الموصل - في إثارة النزاع والكراهية بين رضوان وإيلغازي، فاغتنم رضوان فرصة إقامة وليمة أمام أسوار نصيبين وقام باختطاف إيلغازي وتكبيله واعتقاله، إلا أن أتباعه من التركمان تمكنوا من تخليصه، وقاموا بهجوم مباغت على معسكر رضوان أرغمه على الانسحاب والعودة إلى
_________
(1) المقاومة الإسلامية للغزو الصليبي، ص 100.
(2) المصدر نفسه، ص 102.
(1/554)

حلب, وبذا تمزق هذا التحالف قبل أن يخطو خطوة واحدة صوب هدفه الأساسي في قتال الصليبيين (1)، إلا أن ذلك كله لم يثن جكرمش عن عزمه على مهاجمة أعدائه الحقيقيين، إذ إنه ما أن تمكن من إحباط مساعي الأمراء المتحالفين ضده حتى بادر بشن الهجوم على الرها، إلا أنه مالبث أن عاد إلى الموصل ليواجه متاعب جديدة تجاه السلاجقة بعد أن نجح في التغلب على هجوم قامت به عساكر ريتشارد (سالرنو) الذي كان يحكم الرها آنذاك نيابة عن بلدوين المأسور.
ولم يمض وقت قصير على ذلك حتى تحرك قلج أرسلان، سلطان سلاجقة الروم، لمهاجمة الرها، فانتهز نواب جكرمش الفرصة وأرسلوا إليه يستدعونه ليسلموا إليه البلد، فتقدم قلج أرسلان إلى هناك ودخل حران، وفرح به الناس لأجل جهاد الفرنج (2)، وأقام هناك أياماً اضطر بعدها للعودة إلى بلده بسبب مرض شديد ألم به تاركاً في حران جماعة من أصحابه لحمايتها (3)، ويبدو أن شخصية قلج أرسلان بدأت تطغى بما تمتع به من قوة واستقلال ونفوذ، على شخصيات رفاقه من الأمراء المسلمين في المنطقة بسبب خلافاتهم المستمرة، وتطاحنهم الدائم من أجل تحقيق مكاسب إقليمية محدودة فضلاً عن أن المشاكل التي جابهت جكرمش في الموصل، وتدهور علاقته مع السلاجقة صرفت اهتمامه كلية عن ساحة الجهاد ضد الصليبيين، الأمر الذي أدّى إلى أن يستقطب قلج أرسلان اهتمام نواب جكرمش في حران فاستدعوه وسلموه البلد، مما يفسر لنا - كذلك - ما حدث بعد قليل من استدعاء قلج أرسلان من قبل أهالي الموصل كي يتولى حكمهم، إثر مقتل حاكمهم السابق جكرمش (4).

3 - قلج أرسلان وجهاده الكبير في آسيا الصغرى: لم يكد الغرب الأوربي يعلم بنبأ النجاح الذي حققته الجموع الصليبية في بلاد الشام وفلسطين حتى تحمَّس كثير من الأمراء الذين لم يشاركوا من قبل في الذهاب إلى الشرق، تدفعهم مطامع شخصية دنيوية وهي الحصول على الغنائم والضياع فضلاً عن مطامع دينية وهي الحصول على الثواب والغفران، ويُذكر بأن الصليبيين في الشرق كانوا بحاجة ماسَّة إلى محاربين ومستعمرين بهدف:
- مواصلة الحرب ضد المسلمين.
- استئناف عملية التوسع.
- حراسة ما حققوه من مكاسب.
_________
(1) المقاومة الإسلامية للغزو الصليبي، ص 103.
(2) المقاومة الإسلامية للغزو الصليبي، ص 103.
(3) الكامل في التاريخ نقلاً عن المقاومة الإسلامية، ص 104.
(4) المقاومة الإسلامية للغزو الصليبي، ص 104.
(1/555)

- المحافظة على هذه الحقوق ضد أي محاولة استرداد من جانب المسلمين.
- استجاب المجتمع الغربي لهذه الظاهرة، وانبعثت منه صحوة صليبية أسفرت عن تدفق جموع صليبية أخرى إلى الشرق. وشكَّل اللمبارديون أول تلك الجموع، فغادروا إيطاليا في عام 494هـ/1101م بقيادة أنسلم بوي رئيس أساقفة ميلان، وصحبه عدد من الأمراء من بينهم ألبرت كونت بينادرات، جيوبرت كونت بارما، وهيوكونت مونتيبلو (1)، ويبدو أن هذه المجموعة اللمباردية على الرغم من وفرة عدد المشتركين فيها، لم تكن تختلف كثيراً من حيث النوعية عن جموع العامة السابقة، بدليل أنها لم تضم سوى عدد قليل من الفرسان المحاربين، تألفت غالبيتها العظمى من العامة الذين لا يحسنون القتال، ويفتقرون إلى النظام، ولما وصلوا إلى ضواحي القسطنطينية ارتكبوا أعمال السلب والنهب مما حمل الأمبراطور البيزنطي على الإسراع بنقلهم إلى آسيا الصغرى، وذلك في جمادي الأولى/آذار, واستقروا في نيقوميدية بانتظار وصول جموع أخرى (2)، وفعلاً لم تلبث أن وصلت مجموعة أخرى من الفرنسيين بقيادة ستيفن بلو، وانضم إليه عدد من الأمراء أمثال ستيفن كونت برجنديا وهيوكونت بروي، وبلدوين كونت جرانبريه، وهيوبييرفون أسقف سواسون بالإضافة إلى سرية ألمانية, وعبرت هذه المجموعة البوسفور، وعسكر أفرادها عند نيقية على مقربة من المعسكر اللمباردي، وبلغ عدد أفراد المجموعتين بين مائتين وثلاثمائة ألف مقاتل، وعين الإمبراطور البيزنطي ألكسيوس كومنين صديقه ريموند تولوز، قائداً عاماً عليهم، وألحق بهم جماعة من الجنود البيزنطيين بقيادة تسيتاس (3).

أ - معركة مرسيفان: تحرك الجيش الصليبي الضخم من نيقوميدية إلى دور يليوم بهدف الوصول إلى الأراضي المقدسة، على أن يعيد أثناء زحفه فتح الطريق الذي يجتاز آسيا الصغرى، لذلك أوصى الإمبراطور ستيفن بلو بأن يسلك الجيش الطريق الذي سلكته الجموع الصليبية السابقة التي تجتاز دوريليوم وقونية، غير أن اللمبارديين رفضوا التوجه إلى الأراضي المقدسة إلا بعد فك أسر بوهمند الذي اتخذوه مثلاً يُحتذى وبطلاً لهم، والمحارب الوحيد الذي يثقون به ليقودهم إلى النصر، وأصروا بأن تتوجه الحملة إلى كمبادوكية - ويذكر ابن الأثير أن هدف تلك الجموع الصليبية كان تخليص بوهمند من الأسر (4) - وعلى الرغم من احتجاج بعض القادة الأمراء لقلج أرسلان، فإنهم استولوا عليها وتابعوا طريقهم
_________
(1) تاريخ سلاجقة الروم في آسيا، ص 96.
(2) المصدر نفسه، ص 96.
(3) الكامل في التاريخ نقلاً عن تاريخ سلاجقة الروم، ص 97.
(4) تاريخ سلاجقة الروم في آسيا، ص 97.
(1/556)

إلى كنغري الواقعة في جنوب بافلاجونيا كي يسلكوا الطريق الرئيسي المؤدي إلى أماسية ونيكسار, وحتى يعرقل التقدم الصليبي، اتَّبع أسلوب البدو بتخريب البلاد أثناء انسحابه وحرق كل ما يمكن أن يستفيد الصليبيون منه وبخاصة مواد التموين وفي الوقت نفسه، أخذت القوى التركية تتجمَّع في تحالف جديد لمواجهة الخطر الصليبي، فبادر كمشتكين أحمد الدانشمند بتجديد تحالفه مع قلج أرسلان، كما حثَّ رضوان صاحب حلب على أن يرسل عدداً من الجنود (1).
وصل الصليبيون إلى كنغري فألفوا الأتراك فيها بكامل قوتهم، واستعصت عليهم المدينة لمناعتها، فاضطروا إلى متابعة سيرهم بعد أن نهبوا القرى المجاورة لكن التعب بدأ يظهر عليهم بسبب النقص في المؤن، وشدة الحرارة، ومضايقة الأتراك, واقترح ريموند - حتى يجنِّب الجيش الدمار المخيف- أن يتوجه صوب الشمال الشرقي إلى قسطموني، ومنها إلى إحدى المدن البيزنطية على ساحل البحر الأسود, على أن الرحلة إلى قسطموني كانت بطيئة وشاقة بسبب نفاد المؤن وتدمير الأتراك للمحاصيل الزراعية، وردمهم للآبار، وتعرض الصليبيون لهجوم تركي مفاجئ فتفرقوّا لا يلوون على شيء قبل أن يعيد ريموند لمَّ شعثهم, ولما وصلوا إلى أطراف قسطموني، كان على ريموند أن يشق طريقاً بين الجموع التركية إلى الساحل، على أن اللمباردين أصُّروا مجدداً على التوجه إلى الشرق، ونزل باقي الأطراف على رأيهم مرغمين (2).
واجتاز الجيش الصليبي نهر هاليس إلى بلاد الدانشمدين ووصل أفراده إلى مدينة مرسيفان الواقعة في منتصف الطريق بين النهر وأماسية (3). وعندما أدرك الأتراك أن القوة الصليبية أصبحت منهكة تقدموا نحوها واصطدموا بها، ولم يمض وقت طويل حتى تضعضع الصليبيون وفرُّوا من أرض المعركة تحت ضغط القتال مخلفين وراءهم نساءهم ورهبانهم, ولجأ ريموند إلى تل صغير احتمى به إلى أن أنجده الفرنسيون والألمان، ثم هرب خلال الليل بعدما يئس من إحراز أي نصر، وترك وراءه المعسكر الصليبي ومن كان به من غير
المحاربين ليقع غنيمة في أيدي الأتراك (4). تلت المعركة عملية مطاردة لم ينج منها إلا الفرسان، وبلغت خسائر الصليبيين أربعة أخماس الجيش (5)، واستولى الأتراك على
كميات كبيرة من الأسلحة، وغنموا كثيراً من الأسرى بيعوا رقيقاً, ولم يلبث ريموند أن وصل إلى بافرا، الميناء البيزنطي الصغير على البحر الأسود قرب سينوب، وأقلته من هناك سفينة
_________
(1) الحروب الصليبية, رنسيمان (2/ 43).
(2) تاريخ سلاجقة الروم في آسيا الصغرى، ص 98.
(3) المصدر نفسه، ص 98.
(4) المصدر نفسه، ص 98.
(5) المصدر نفسه، ص 98.
(1/557)

بيزنطية إلى القسطنطينية (1)، ويشير المؤرخ اللاتيني ألبرت أوف أكس إلى أن ريموند تلقى رشوة من الأتراك كي يقود الجيش إلى قسطموني، وهذا مستبعد، لأن من يتتبع سير الحملة وما رافقها من أحداث يلمس مدى ما بذله ريموند من جهد في إقناع اللمبارديين بعدم التوجه إلى بلاد الدانشمنديين أولاً، ثم محاولته إخراج الجيش من المأزق الذي أوقع نفسه فيه ثانياً، وما اختياره للطريق إلى قسطموني إلا نتيجة لما تعرض له الجيش من متاعب, وأما فراره من أرض المعركة، فناتج عن إدراكه بعدم جدوى متابعة القتال بعد أن ولى اللمبارديون الأدبار وتبعهم البجناك المرتزقة (2).

ب - معركة هرقلة الأولى: محت الكارثة -التي حلَّت بالصليبيين في مرسيفان- الشهرة، التي اكتسبها هؤلاء نتيجة انتصارهم في دوريليوم, وزاد من أثرها أنها لم تكن الكارثة الأخيرة. إذ -في الوقت الذي غادر فيه اللمبارديون مدينة نيقوميدية- وصل إلى القسطنطينية جيش فرنسي بقيادة وليم كونت نيفر على رأس خمسة عشر ألفًا من الفرسان والمشاة, وحرص وليم على اللحاق باللمبارديين على وجه السرعة، فغادر القسطنطينية إلى نيوقوميدية، وعلم فيها أن الجموع الصليبية مضت في طريقها إلى أنقرة فسار إلى هذه المدينة ووصل إليها بسهولة. لكن لم يكن أحد يعلم بالجهة التي سارت إليها هذه الجموع، لذلك لم يَسَعْ الكونت إلا أن توجه نحو قونية، ولما وصل إليها ضرب الحصار عليها، وتولت حامية تركية سلجوقية الدفاع عنها، وما قام به من محاولات للاستيلاء عليها باءت بالفشل فتركها (3). كان السلاجقة وحلفاؤهم قد فرغوا، في غضون ذلك، من إبادة الجموع اللمباردية، وعلم قلج أرسلان وكمشتكين أحمد دانشمند بقدوم هذا العدو الجديد، وفي حين أنه ما زالت تغمرهما حرارة الانتصار، سارا نحو الجنوب، وسبقا وليم إلى هرقلة, وسارت عساكر نيفر ببطء من قونية متوجهين نحو الشرق، ولما وصلوا إلى مكان قريب من هرقلة، وكان التعب قد استبد بهم، هاجمهم الأتراك، فانهارت مقاومتهم بعد معركة لم تستمر طويلاً، ولقي الجيش الفرنسي بأسره مصرعه، باستثناء الكونت وستة من أتباعه (4).

ج- معركة هرقلة الثانية: في الوقت الذي كانت فيه حملة نيفر تجوس آسيا الصغرى، وصلت الدفعة الأخيرة من تلك الجموع الصليبية إلى القسطنطينية، وتألَّفت من فرنسيين وألمان بقيادة وليم التاسع دوق أكويتين، وولف الرابع دوق بافاريا، وبلغ عدد أفرادها ستين
_________
(1) تاريخ سلاجقة الروم في آسيا الصغرى، ص 99.
(2) المصدر نفسه، ص 99.
(3) المصدر نفسه، ص 99.
(4) المصدر نفسه، ص 99، 100.
(1/558)

ألف مقاتل. خرجت هذه الجموع من القسطنطينية باتجاه قونية، وسلكت الطريق نفسه الذي سلكه بوهمند، من قبل، وانتهج الأتراك تجاهها الخطط نفسها التي طبَّقوها من قبل، باحراق الغلال وإتلاف المؤن وطمر الآبار، ولما وصل أفراد هذه المجموعة إلى قونية وجدوا المدينة خاوية, وكانت الحامية السلجوقية قد أخلتها بعد أن قاومت حملة نيفر، وحملت معها كل ما كان فيها من مؤن، كما جردت البساتين والحدائق من كل ما يمكن أن يفيد الصليبيين (1). ولم يمكث الصليبيون في قونية وغادروها إلى هرقلة عن طريق يبلغ طوله خمسة وخمسين ميلاً، فعانوا من المتاعب الكثيرة حتى اشتد بهم الجوع والعطش, وكان الأتراك يتخطفونهم بالقتل بين الحين والآخر, ولما دخلوا إلى المدينة وجدوها مهجورة (2)، تربَّص المسلمون في هذا الوقت بالصليبيين، وكمنوا لهم في الغابات المحيطة بهرقلة، وباغتوهم وهم يشربون من ماء ذلك النهر المتفجر وراء المدينة، وعندما اضطرب نظامهم، انقضَّ عليهم الأتراك وأبادوهم عن آخرهم، باستثناء قلة قليلة استطاعت النجاة بصعوبة، من بينهم وليم التاسع وولف الرابع وتوجها إلى طرسوس ومنها إلى أنطاكية (3).

د- نتائج معارك قلج أرسلان السابقة: انتهت كل مجموعة من المجموعات الثلاث، نهاية محزنة أثَّرت نتائجها في سير الحركة الصليبية من جهة, وفي الأتراك بعامة والسلاجقة بخاصة من جهة أخرى .. وأهم هذه النتائج هي:
- ثأر السلاجقة لما حلَّ بهم في دوريليوم، فلن يجري بعدئذ طردهم من الأناضول كما رفعت الانتصارات المتتالية روحهم المعنوية.
- ظل الطريق الذي يجتاز آسيا الصغرى إلى بلاد الشام غير آمن للجيوش الصليبية والبيزنطية على السواء, على الرغم من نجاح المجموعات الصليبية الأولى في اقتحامه، فخشي المهاجرون الصليبيون سلوك هذا الطريق البري الذي يجتاز القسطنطينية إلى إيسوس، مالم يكونوا في جيوش ضخمة، ولم يعد بوسعهم القدوم إلا بحراً مع ما يتطلَّب ذلك من مصاريف إضافية لم يتمكن من دفعها إلا القليل. وظل هذا الطريق البري مغلقاً في وجه الصليبيين عدة أعوام (4).
- ألقى الصليبيون اللوم على البيزنطيين بما حلّ بهم من مصائب وحملوهم مسئولية ما حدث. وتردَّدت الشائعة بينهم أن ريموند كان يُنفذ تعاليم الإمبراطور عندما أخرج الجيش
_________
(1) تاريخ سلاجقة الروم في آسيا الصغرى، ص 100.
(2) المصدر نفسه، ص 100.
(3) المصدر نفسه، ص 100.
(4) المصدر نفسه، ص 101.
(1/559)

الذي يقوده عن طريق المرسوم ليلقى أفراده حتفهم في كمين سبق إعداده، والواقع أن اللاتين أرادوا التماس كبش فداء يتحمَّل مسئولية أخطائهم، فألقوا اللوم على البيزنطيين، وعدُّوهم مسئولين عما حلَّ بهم من كوارث (1).
- لم يلبث قلج أرسلان أن ازداد افتخاراً بعد هذه الانتصارات, وشاركه سائر أتراك الأناضول، وأضحى بوسعه أن يعيد سيطرته على جوف الهضبة، ثم أقام في عاصمته قونية الواقعة على الطريق الرئيسي الذي يربط القسطنطينية ببلاد الشام (2).
- استأنف الدانشمنديون فتوحهم في وادي الفرات دون عائق وبلغوا أطراف إمارة الرها، كما فتحوا ملطية وأسروا حاكمها في 23 ذي الحجة 495هـ/ 18 أيلول 1102م.
- أعاد رحيل الصليبيين إلى بلاد الشام الخصومة والتنافس بين السلاجقة والدانشمنديين، وتنازع البيتان التركيان الكبيران حول امتلاك ملكية وفدية بوهمند، فتفككت بذلك جبهة الأتراك في المنطقة (3).
-أثر وفاة قلج أرسلان: راسل زنكي بن جكرمش قلج أرسلان الأول يستنجد به وكان آنذاك في ملطية، ووعده بتسليمه الموصل والأعمال التابعة لها، واستغل السلطان قلج السلجوقي هذه الفرصة للتوسع على حساب الأمراء المتنازعين، فأسرع لنجدة زنكي، ولما علم جاولي بمسيره، انسحب من المدينة، لا سيما وقد توفي جكرمش فجأة وهو في الأسر، وكان ينوي اتخاذه أداة للمساومة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإنه أدرك أن لقلج أرسلان الأول من القوة ما لايستطيع مجابهته في معركة سافرة، لذلك قرر تكوين حلف مناهض له حتى يدعم موقفه (4)، لكن قلج أرسلان الأول تمكَّن من دخول الموصل وسط ترحيب السكان، وقد وعدهم باحترام حرياتهم, وأجرى فيها بعض الترتيبات الإدارية (5)، وأما جاولي، فقد انسحب إلى سنجار، وأجرى مباحثات مع كل من إيلغازي الأرتقي ورضوان صاحب حلب، واتفق في نهايتها على طرد قلج أرسلان الأول من الموصل، والتوجه بعد ذلك لمهاجمة أنطاكية وانتهت الحرب ضد قلج أرسلان الأول بهزيمته وغرقه في نهرالخابور (6) في عام 500هـ/1107م (7)، ويعتبر قلج أرسلان الأول من الشخصيات الفذَّة التي أنجبتها
_________
(1) تاريخ سلاجقة الروم في آسيا الصغرى،، ص 101.
(2) تاريخ سلاجقة الروم في آسيا الصغرى،، ص 101.
(3) تاريخ سلاجقة الروم في آسيا الصغرى،، ص 101.
(4) تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام، ص 68.
(5) تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام، ص 68.
(6) نهر الخابور: نهر كبير بين رأس عين والفرات من أرض الجزيرة.
(7) الكامل في التاريخ (8/ 502).
(1/560)

سلاجقة الروم، وتأثر الشرق الأدنى بمختلف فئاته بموته.
- فسلاجقة الروم الذين لم يظهر بينهم زعيم قوي يحل محل قلج أرسلان تعرَّضوا لضغظ متزايد من جانب الإمبراطورية البيزنيطية التي جدَّدت تدخلها في شئونهم الداخلية، واستطاع الكسيوس كومنين أن يعيد، باطمئنان، سيطرته على المناطق الغربية لآسيا الصغرى وعلى امتداد ساحلها الجنوبي.
- أطالت وفاة قلج أرسلان من عمر دولة السلاجقة العظام، ما يقرب من مائة عام. ذلك أن الانقسامات الحادة داخل الدولة بين السلاطين والأمراء للسيطرة على العرش، وكثرة الحروب الداخلية بينهم بالإضافة إلى الأخطار الخارجية التي أحاقت بهم، كخطر الحشيشية والخطر الصليبي، وتدخل قلج أرسلان في شئون الشرق للسيطرة على مقاليد الحكم، وليوحَّد من جديد كل القوى السلجوقية في المشرق, وكانت باستطاعته تحقيق حلمه هذا، فالظروف السياسية الداخلية والخارجية مواتية غير أن وفاته أنقذت دولة السلاجقة العظام من الزوال وأطالت أمد عمرها.
- تُعدُّ وفاة قلج أرسلان مرحلة بالغة الأهمية في انفصال سلاجقة الروم عن سلاجقة المشرق. ذلك أن الأخطار الداخلية والخارجية التي أحاقت بدولة السلاجقة العظام حالت بينهم وبين التدخُّل في شؤون الفروع السلجوقية الأخرى وبخاصة في بلاد الشام وآسيا الصغرى، والجدير بالذكر أن دولة سلاجقة الروم كانت لا تزال حتى ذلك الوقت تابعة اسمياً للسلاجقة العظام، ولم تستقل تماماً إلا في عام 552/ 1157م (1).
- حرم موت قلج أرسلان سلاجقة الشام من قوة كانت كفيلة بإقامة الوحدة بينهم، ذلك أن السيادة السلجوقية في بلاد الشام، أخذت تتقلص سريعاً، لأن ابنى تتُش، رضوان ودقاق لم يتمتعا بالمقدرة السياسية التي تمكنهما من مواجهة الأوضاع القلقة التي عاشتها بلاد الشام في أواخر القرن الخامس الهجري، الحادي عشر الميلادي، وأوائل القرن التالي، ولعل أكبر مظهر لانحلال سلطان السلاجقة في بلاد الشام والعراق وغيرهما، هو ظهور عدد كبير من البيوت الحاكمة التي تجمعها رابطة الاتصال بالبيت السلجوقي وظهرت من تلك البيوت وحدات سياسية أطلق عليها اسم الأتابكيات وعلى أصحابها اسم الأتابك (2).
_________
(1) تاريخ سلاجقة الروم في آسيا الصغرى، ص 111.
(2) تاريخ سلاجقة الروم في آسيا الصغرى، ص 111.
(1/561)

- أزالت وفاة قلج أرسلان خطراً شديداً عن صدر الإمبراطورية البيزنطية في وقت حرج، إذ كان بوهمند يستعد لمهاجمة بلاد البلقان في عام 501هـ/1107م انطلاقاً من حصن دورازو المنيع, وقد ضحى الكسيوس كومنين بحدود بلاده الجنوبية الشرقية من أجل إنقاذ دورازو، فعقد معاهدة مع قلج أرسلان حصل بموجبها منه على مساعدة عسكرية، إلا أن وفاته المفاجئة، وعدم وجود شخصية قوية تحل محله، أعطاه الفرصة ليتفرغ وهو مطمئن، لمواجهة خطر بوهمند، الذي انهزم أمامه عام 502هـ/1108م (1).
- جعلت وفاة قلج أرسلان الموقف في آسيا الصغرى مائعاً إذ أن أكبر أولاده الأربعة وهو ملكشاه أضحى أسيراً في يد السلطان محمَّد بعد معركة الخابور، بينما استولت أرملته على ملطية والأقاليم الشرقية بمساعدة الأمير أيدبر الذي اعترف بسيادة طغرل أرسلان، أصغر أولاد قلج أرسلان، على بلاد الروم، أما الأخوان الآخران، وهما مسعود وعرب، فقد عاش الأول في بلاد الدانشمنديين في حين استقر الثاني في قونية (2).
- لم يكن انهيار الحكم المركزي لسلاجقة الروم لصالح البيزنطيين، لأن أولئك استمروا في شن الغارات على أراضي الإمبراطورية على بعض الحصون في المناطق الحدودية (3)، على أنه لم يشأ أن يغامر بالقيام إلى قيليقية أو إلى بلاد الشام، وكان هذا التصرف منه لصالح السلاجقة الذين تفرغوا لمعالجة مشكلاتهم الداخلية (4).

4 - جاولي سقاوة: بعد وفاة قلج أرسلان وغرقه في نهر الخابور عام500هـ/1107م أضحى بوسع جاولي أن يدخل الموصل، غير أن ما اقترن به حكمه من الوحشية لم يلبث أن جعله مكروهاً عند الناس, كما أنه لم يزد عن جكرمش فيما أظهره من الاعتراف بسلطة السلطان محمد على الرغم من أنه خطب باسمه في الموصل (5)، إذ أعلن استقلاله وقطع كل صلة به، مما دفع السلطان محمدًا لأن يعهد في شهر ذي القعدة عام 501هـ/شهر حزيران عام 1108م إلى أحد رجاله، وهو مودود بن التونتكين بطرد جاولي من الموصل والحلول مكانه في حكمها (6)، وهكذا اضطر جاولي إلى الفرار مجدَّداً من الموصل، وذهب إلى الجزيرة حيث التفَّ حوله جميع أعداء الدولة السلجوقية وعلى رأسهم قبيلة بني مزيد العربية، كما لم يتردد في محالفة القوى الصليبية المجاورة، فأطلق سراح بلدوين الثاني دي بورج أمير الرها،
_________
(1) تاريخ السلاجقة الروم في آسيا الصغرى، ص 112.
(2) تاريخ السلاجقة الروم في آسيا الصغرى، ص 112.
(3) المصدر نفسه، ص 112.
(4) المصدر نفسه، ص 112.
(5) الكامل في التاريخ نقلاً عن تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام، ص 68.
(6) الكامل في التاريخ نقلاً عن تاريخ الزنكيين في الموصل، ص 68.
(1/562)

وعقد معه تحالفاً ضد السلاجقة (1). ودخل مودود الموصل وسط ترحيب السكان في شهر صفر عام 502هـ/ شهر أيلول عام 1108م (2).

5 - شرف الدولة مودود بن التونتكين501 هـ - 507هـ/1108م -1113م: يحتل مودود مكانة خاصة في تاريخ الجهاد ضد الصليبيين، وقد أسهمت في تكوين هذه المكانة عوامل عدة أهمها - لا ريب - الفترة المبكرة التي ظهر فيها، والطابع الإسلامي العميق لشخصيته المتفانية في سبيل أهداف المسلمين الكبرى، وسياسته الداخلية العادلة السمحة وقدرته - بناء على ذلك كله - على تزعُّم حركة الجهاد وإيجاد نوع من التنسيق، ربما لأول مرّة، بين كل القوى الإسلامية في ساحات الجهاد، الأمر الذي لن نجده متبلوراً وناضجاً إلاَّ في عهد الأراتقة وزنكي فيما بعد .. وأخيراً نجاحه في وضع الصليبيين في موضع الدفاع، وتحقيقه عدداً من الانتصارات، جاء أحدها عند مرتفعات طبرية في قلب فلسطين، بعيداً عن الساحة التي درج عليها الصراع بين ولاة الموصل السابقين وأعدائهم ... ثم جاء مقتله السريع، إثر ذلك، في جامع دمشق على أيدي الشيعة الباطنية الأعداء الشرسين لحركة الجهاد والمقاومة، والحزن العميق الذي شمل جماهير المسلمين بعيد اغتياله والكلمات المخلصة التي فاه بها قبيل استشهاده ... جاء ذلك كله لكي يؤكد مكانة مودود الإسلامية كبطل من أبطال الحروب الصليبية ورائد من رواد الجهاد الأولين (3).

أ- حملة مودود الأولى ضد الرها: في عام 503هـ - 1109م بعد أشهر قليلة من استتباب الأمر له في الموصل وبعد أن تلقَّى أمراً من السلطان السلجوقي محمد بن ملكشاه بالتحرك لقتال الصليبيين, فبدأ مودود بتشكيل تحالف إسلامي ضم الأمير إيلغازي الأرتقي أمير ماردين بعساكره من التركمان، وسقمان القطبي أمير أرمينية المعروف باسم شاه الأرمن, وعددًا كبيرًا من المتطوعين (4). وكانت هذه أول مرة يجتمع فيها هذا العدد من الأمراء المسلمين لقتال الصليبيين، ولهذا تُعدُّ هذه الحملة فاتحة عهد جديد من النضال ضد الصليبيين، ونقطة تحول مهمة من التفرق والتخاذل إلى التجمع والهجوم (5). وما إن علم الصليبيون في الرها بحشود المسلمين حتى أنفذ بلدوين دي بورج رسولاً إلى بيت المقدس يلتمس النجدة العاجلة من الملك بلدوين، متجاهلاً الاستعانة بـ «تانكرد» صاحب أنطاكية، إذ
_________
(1) تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام، ص 68.
(2) الباهر لابن الأثير، ص 17.
(3) المقاومة الإسلامية للغزو الصليبي، ص 112.
(4) المقاومة الإسلامية للغزو الصليبي، ص 113، تاريخ الزنكيين في الموصل، ص 69.
(5) نور الدين محمود، حسين مؤنس، ص 123.
(1/563)

كان يشك في نواياه، وباتفاقه مع المسلمين ضد الرها, وكان الملك بلدوين آنذاك يحاصر مدينة بيروت، ولم يتحرك إلا بعد أن استولى عليها، فأسرع بالمسير نحو الشمال، وصحبه برترام أمير طرابلس، وانضم إليه قرب سميساط، بعض زعماء الأرمن وعلى رأسهم كوغ باسيل، فوصل إلى الرها في آخر شهر ذي الحجة/أواخر شهر تموز، وظل الأتابك مودود يحاصر الرها مدة شهرين دون أن يتمكن من اختراق استحكاماتها، فلما تراءى له جيش بيت المقدس، رفع الحصار عنها وتراجع إلى حران وفق خطة عسكرية محكمة، وانضم إليه طغتكين أتابك دمشق (1)،
وقرر الملك بلدوين مطاردة الجيوش الإسلامية، إلا أنه كان عليه أن يوحد كلمة الصليبيين قبل أن يقوم بهذا العمل، فاستدعى تانكْرِد صاحب أنطاكية، ونجح في تحقيق المصالحة بينه وبين أمير الرها (2)، وكان مودود قد أمعن في انسحابه لاستدراج الصليبيين إلى مكان بعيد عن قاعدتهم، ثم تطويقهم بعد أن ينحرف فجأة إلى الشمال, لكن عملية المطاردة توقفت فجأة، وانفرط عقد التحالف الصليبي، لأنه تضافرت عدة دوافع جعلت الصليبيين يتوقفون عن المطاردة ويتراجعون عن المنطقة لعل من أهمها:
- قد تلقّى الملك بلدوين تحذيراً مبكراً بخطة مودود، ففك الحصار عن قلعة شناو التي تقع إلى الشمال الغربي من حران، كما تلقّى إنذاراً من بيت المقدس بتحرك فاطمي ضد بيروت، فقرر التخلي عن الحملة (3).
- راجت شائعات, في الأوساط الصليبية، بأن رضوان صاحب حلب يستعد لمهاجمة أنطاكية في ظل غياب أميرها، فاضطر تانكرد إلى التخلي عن الحملة.
- وبناء على نصيحة الملك بأن لا جدوى من محاولة حماية الجهات الواقعة شرقي نهر الفرات، أوعز بلدوين إلى السكان بالجلاء إلى الجهات الواقعة على الضفة اليمنى، واحتفظ بحاميات عسكرية في حصني الرها وسروج الكبيرين، وبعض القلاع الصغيرة، مع تدعيم الإمكانات الدفاعية لها. أما مودود فقد اكتفى بمهاجمة مؤخرة الصليبيين العابرين وعاد إلى الموصل (4).

ب- حملة مودود الثانية ضد الرها: جاءت الجولة الثانية بعد أقل من سنتين، إثر الاستنفار الذي دعا إليه وفد من أهالي حلب قدم إلى بغداد للدعوة إلى الجهاد، بعدما رأوا من تمادي رضوان في إذعانه للصليبيين، والهزائم المتتالية التي مُنيَ بها مسلمو الشام والتي يسقط على أثرها عدد من المواقع بأيدي الأعداء. وقد استفز نداء الوفد الحلبي جماهير بغداد
_________
(1) ذيل تاريخ دمشق, ابن القلانسي، ص 271 ..
(2) تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام، ص 70.
(3) تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام، ص 70.
(4) تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام، ص 70.
(1/564)

وفقهاءها، فقاموا بتظاهرة واسعة طالبوا المسئولين خلالها، خلفاء وسلاطين, بضرورة إعلان الجهاد وتسيير الجيوش لوقف الزحف الصليبي .. وقد أسرع الخليفة بإعلام السلطان السلجوقي بما جرى، وطلب منه الاهتمام بالأمر والإسراع بالاستجابة لنداءات المسلمين، فأصدر هذا أوامره على الفور إلى واليه على الموصل الأمير مودود بتشكيل تحالف إسلامي جديد جاعلاً القيادة الإسلامية لابنه الملك مسعود (1)، واجتمع تحت قيادة مودود، حاكم الموصل، جميع حكام الأقاليم في دولة السلاجقة، سقمان القبطي صاحب خلاط (2)، وتبريز (3)، وبعض ديار بكر، وإيلغازي الأرتقي الذي أناب عنه ابنه أياز، والأميران الكرديان أحمديل صاحب مراغة (4)، وأبو الهيبجاء صاحب إربل، فضلا عن بعض أمراء فارس بزعامة الأميرين أيلنكي وزنكي ابني بُرسُق أمير همذان (5). بدأت قوات التحالف عملياتها العسكرية في شهر محرم عام 505هـ -شهر تموز عام 1111م بفتح عدة مواقع صليبية شرقي الفرات, ثم اتجه أفرادها لحصار الرها، أثارت الحملة الذعر بين السكان، لكن في الحقيقة لم تغيَّر الموقف فيها، فقد أعيت المسلمين بسبب مناعتها وصمود أهلها، عندئذ رأى مودود أن يعبر الفرات لمهاجمة تل باشر (6)،
فتحولت قوات المسلمين إليها كي يجروا أعداءهم إلى عبور الفرات فيتمكنوا منهم إلا أن هذا كان خطأً من قادة المسلمين، لأن الصليبيين تمكنوا لدى عبورهم الفرات من نقل مقادير كبيرة من الميرة والأعتدة والأقوات إلى الرها, فقويت من بعد ضعف كاد يوقعها بأيدي المسلمين لو استمروا على حصارهم لها (7). ومالبث جوسلين صاحب تل باشر، الذي تعرض لضغط القوات الإسلامية، أن تمكن من رشوة القائد الكردي أحمديل الذي كان الجزء الأكبر من قوات المسلمين بمعيته, فانسحب متراجعاً بالرغم من معارضة سائر الأمراء (8). ولم يمض وقت طويل حتى استنجد رضوان بمودود واستدعى قواته للقدوم إلى حلب كي يعملوا معًا من هناك ضد المواقع الصليبية، فغادر مودود تل باشر متجهاً إلى حلب على رأس قواته، وما أن ابتعدوا عن تل باشر حتى خرج إليهم جوسلين، على رأس قوة من فرسانه، وتمكن من مهاجمة مؤخرتهم، وقتل ما يقرب من ألف رجل منهم، وعاد إلى بلده مثقلاً بالغنائم, ولم تكن دعوة رضوان لمودود صادقة، فلم تكد القوات
_________
(1) المقاومة الإسلامية للغزو الصليبي، نقلاً عن الكامل في التاريخ, ص 115.
(2) قصة أرمينية الوسطى.
(3) تبريز: من أشهر مدن أذربيجان.
(4) مراغة: أعظم وأشهر بلاد أذربيجان.
(5) ذيل تاريخ دمشق، ص 278، 279.
(6) تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام، ص 73.
(7) نهر الذهب للغزي (3/ 82).
(8) مرآة الزمان (8/ 35، 36) , المقاومة الإسلامية للغزو الصليبي، ص 116.
(1/565)

الإسلامية تقترب من حلب حتى أقفل رضوان بوجهها الأبواب، واتخذ من إجراءات الحيطة لمنع المظاهرات فأمر باعتقال عدد كبير من أعيان المدينة واتخذهم رهائن, ولم يسع مودود إلا أن يتحرك بجيشه جنوباً إلى شيزر بعد أن أغار على عدد من المواقع الصليبية في الشمال. وفي شيزر اجتمع به طغتكين الذي كان قد توجه إلى بغداد طالبا المساعدة لاستعادة طرابلس، إلا أنه خاف أن تؤخذ منه دمشق فشرع في مهادنة الصليبيين سرا. وأما تانكرد الذي عسكر أمام شيزر فإنه تراجع إلى أفامية، وأرسل إلى الملك بلدوين يستنجد به، فاستجاب له هذا وبعث إلى سائر الفرسان في الشرق الصليبي ليلحقوا به, فانضم إليه عدد كبير منهم، كما قام تانكرد باستدعاء أتباعه من سائر جهات أنطاكية.
وأما مودود فقد تحصن خلف أسوار شيزر قبل أن يكتمل حشد الصليبيين الذين بلغ عددهم نحو ستة عشرة ألف مقاتل كان على رأسهم ملك بيت المقدس، وأمراء الرها وأنطاكية وطرابلس، ورفض مودود أن يجروه أعداءه إلى معركة حاسمة. إلا أن الأمور لم تجر على نحو طيب في جيشه، إذ إن طغتكين لم يشأ أن يبذل له المساعدة إلا بعد أن تعهد مودود بالمضي في حملته إلى الجنوب لقتال الصليبيين في فلسطين, رغم خطورة هذه المحاولة من الناحية العسكرية. وأما برسق الكردي فأصابه المرض وأراد أن يعود إلى بلاده، ومات سقمان القطبي فجأة فانسحبت عساكره صوب الشمال حاملة جثمانه، وبادر أحمديل إلى الانسحاب بعساكره محاولاً انتزاع جانب من ممتلكات سقمان, ولم يعد بوسع مودود القيام بالهجوم نظراً لتناقص قواته يوماً بعد يوم, كما أنه لم يكن راغباً في أن يقضي الشتاء بعيداً عن الموصل، فقفل عائداً إليها (1). كان لتلك البوادر السيئة من قبل بعض الأمراء أثرها المباشر على إمكان تحقيق أي نصر حاسم ضد الصليبيين، كذلك الذي حققه جكرمش وسقمان في معركة البليخ. وقد أظهرت هذه الأحداث مدى تفكُّك القيادات الإسلامية وعدم وحدتها، في الوقت الذي تجمعت فيه القوى الصليبية في شمالي الشام وجنوبه، وحققت لبلدوين ملك بيت المقدس نوعاً من الزعامة على سائر أمراء الصليبيين (2). كانت سياسة رضوان في إمارة حلب شراً كلها، فقد هادن الإسماعيلية والصليبيين، وحالفهم ضد خصومهم من المسلمين، إذ انضم إلى صاحب أنطاكية الصليبي ضد صاحب الموصل جاولي عام 501هـ, وعندما هاجم الأمير مودود صاحب الموصل أنطاكية وتل باشر، رفض رضوان مساعدته وأغلق مدينة حلب في وجهه بل تحالف مع «تانكرد» الصليبي صاحب أنطاكية ضد المجاهدين، وبقيت أبواب المدينة مغلقة سبع عشرة ليلة في وجه الجيش الإسلامي (3)،
ولم يحفظ له الصليبيون هذه المواقف, فحاصروا حلب عام 504هـ واشتد
_________
(1) مرآة الزمان (8/ 35، 36).
(2) المقاومة الإسلامية للغزو الصليبي، ص 118.
(3) زبدة الحلب (2/ 159).
(1/566)

الحصار، حتى أكل الناس الميتات وورق الشجر، وفرضوا على رضوان مبلغاً من المال كان يحمله إليهم سنوياً (1)، وحصل الإسماعيلية الباطنية الرافضية على مكانة مرموقة في حلب، بفضل تشيع رضوان لآرائهم، ومساعدته لهم، ومن ثم صار يستخدمهم في اغتيال خصومه السياسيين (2)، وكان يميل إلى الفاطميين، فخطب للمستعلي في بلاده، ولوزيره الأفضل، ودامت الخطبة لهما عامين في حلب وكان ذميم السيرة، قرب الباطنية، وعمل لهم دار دعوة في حلب فكثروا, وهلك سنة 507هـ (3)، وصفه المؤرخ أبو المحاسن فقال: كان شحيحاً بخيلاً قبيح السيرة، وليس في قلبه رحمة للرعية، وكانت الفرنج تغير وتسبي .. ولا يخرج إليهم (4)، خلفه ابنه ألب أرسلان المعروف بالأخرس، فنكب الإسماعيلية وقتل زعيمهم أبا طاهر الصائغ، وبقية زعماء تلك الطائفة.

ج- حملة مودود الثالثة ضد الرها: ومع أن مودوداً وجد نفسه وحيداً في حركة الجهاد إلا أنه قام في شهر ذي القعدة 505هـ/ شهر آيار 1112م، بمهاجمة الرها فجأة، وحاصرها لكن المدينة صمدت في وجه الحصار، فرأى عندئذ أن يترك حولها قوة عسكرية ويهاجم سروج في شهر محرم عام 506هـ/ شهر تموز عام 1112م بوصفها المعقل الثاني للصليبيين شرقي الفرات. وبهذه الخطة العسكرية يكون مودود قد قسَّم قواته وأضعفها متخلياً عن حذره في مواجهة الصليبيين، وكانت النتيجة أن لحق به جوسلين صاحب تل باشر وهزمه وقتل عدداً كبيراً من رجاله، فلم يسعه عند ذلك إلا التراجع نحو الرها، لكن جوسلين سبقه إليها لمساعدة بلدوين دي بورج في الدفاع عنها، وفي الوقت الذي كانت تدور فيه هذه الأحداث، تآمر الأرمن في الرها ضد بلدوين، واتصلوا بمودود ليخلصهم من حكم الصليبيين، وجرى الاتفاق على أن يساعدوه في الاستيلاء على قلعة تسيطر على القطاع الشرقي من المدينة، مما يمكنه بعد ذلك من الاستيلاء على بقية المدينة بسهولة، لكن وصول جوسلين السريع حال دون تنفيذ الاتفاق ورُدَّ المسلمون على أعقابهم، فلم يتمكنوا من انتزاع المدينة من أيدي الصليبيين (5).

د- حملة مودود ضد إمارة بيت المقدس (معركة الصنبرة): (6) ظل مودود متمسكاً بفكرة جهاد الصليبيين وهي المهمة التي عهد إليه بها السلطان محمد السلجوقي، بوصفه ممثله
_________
(1) الكامل في التاريخ (8/ 544).
(2) الجهاد والتجديد، ص 119.
(3) الكامل في التاريخ (8/ 552) سير أعلام النبلاء (19/ 315).
(4) النجوم الزاهرة (5/ 205).
(5) تاريخ الزنكيين عن الموصل وبلاد الشام، ص 76.
(6) الصنبرة: موضع بالأردن مقابل لعقبة أفيق، بينه وبين طبرية ثلاثة أميال.
(1/567)

في إقليم الجزيرة وبلاد الشام، فتحرك في مطلع عام 507هـ/شهر حزيران عام 1113م على رأس تحالف إسلامي لقتال الصليبيين في بيت المقدس بناءً على استنجاد طغتكين أتابك دمشق به، بعد أن تعرضت إمارته لهجمات شديدة من صليبيي بيت المقدس، الذين نفذوا من وادي التيم إلى البقاع، ووصلوا إلى بعلبك، وانضم تميرك صاحب سنجار، وأباز بن إيلغازي أمير ماردين إلى هذا التحالف (1) , وكان هدف المسلمين منطقة فلسطين, فنجحوا في استدراج الملك بلدوين إلى أراضي دمشق حتى جسر الصنبرة، الواقع في المجرى الأعلى لنهر الأردن, وفي الثالث عشر من شهر محرم حدث اللقاء الذي انتهى بانتصار المسلمين، ونزلت بالصليبيين هزيمة ساحقة، فارتد ملك بيت المقدس إلى طبرية (2)، ولم يلبث أن وصل لنجدته روجر أمير أنطاكية، وبونز أمير طرابلس، في حين لم يستطع أمير الرها الحضور لأن إمارته كانت بحاجة إلى حماية دائمة (3)، ومضى المسلمون في زحفهم، بعد المعركة، حتى بلغوا طبرية، غير أنهم لم يغامروا فقرروا الانسحاب إلى دمشق (4). وكان ذلك أول مرة تتعاون الموصل ودمشق في حرب الصليبيين في مملكة بيت المقدس. وتكمن أهمية الأتابك مودود في أنه أعاد للمسلمين الثقة بأنفسهم، فتحولوا من الدفاع إلى الهجوم في علاقاتهم مع الصليبيين وبلور فكرة الاتحاد بين المسلمين، وأعطاها بُعداً سياسياً وعسكرياً، فأضحى أمراؤهم على استعداد للتعاون المثمر بنوايا صادقة (5).

هـ- مقتل مودود: سيَّر مودود وحليفه رسولا إلى السلطان السلجوقي في أصفهان يبشرانه بما تم على أيديهما من فتح وبعثا مع الرسول بعض ما غنماه، وعدداً من أسرى الفرنج ورؤوسهم إلا أن بُعد المسلمين عن بلادهم، وانقطاع الإمداد والتموين عنهم، واشتداد البرد عليهم، اضطرهم إلى وقف عملياتهم في المنطقة والعودة إلى دمشق في الحادي والعشرين من ربيع الأول على أمل الرجوع ثانية لقتال الصليبيين عند حلول الربيع، وبعد أن يتلقى مودود جواب السلطان على رسالته، والتعليمات التي سيصدرها بهذا الصدد (6). ودخل جامع دمشق يوم الجمعة في ربيع الأول، ليصلى فيه، وطغتكين، فلما فرغوا من الصلاة وخرج إلى صحن الجامع ويده في يد طغتكين، وثب عليه باطني فضربه فجرحه أربع جراحات وقتل الباطني، وأخذ رأسه، فلم يعرفه أحد فأحرق، وكان مودود صائماً، فحمل إلى دار طغتكين، واجتهد به ليفطر فلم يفعل وقال: لا لقيت الله إلا صائماً، فمات من يومه
_________
(1) الكامل في التاريخ (8/ 550).
(2) المصدر نفسه (8/ 550).
(3) ذيل تاريخ دمشق، ص 294 - 297.
(4) المصدر نفسه، ص 297.
(5) تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام، ص 77.
(6) المقاومة الإسلامية للغزو الصليبي، ص 122.
(1/568)

رحمه الله (1)، وتأثر المسلمون لمصرع بطل من أبطال الجهاد، اشتهر بإخلاصه وتفانيه وجرأته، وحزنوا عليه حزناً عميقاً لاختفائه السريع، بعد الانتصار العظيم الذي حققه مع حليفه في قلب البلاد الصليبية، وبعد الخطط التي كان يعتزم تنفيذها هناك؛ وقد عبرت جماهير دمشق عن حزنها وغضبها، حيث شهدت المدينة اضطرابا لم تشهد له مثيلاً منذ فترات بعيدة، ولم يهدئ من روع الناس سوى أملهم بنجاة القائد من الجراح التي أثخنته، لكنهم ما أن سمعوا نبأ استشهاده بعد ساعات قلائل، حتى عادوا - ثانية - إلى ما كانوا عليه (2). وكتب ملك الفرنج في بيت المقدس كتاباً إلى طغتكين جاء فيه: إن أمة قتلت عميدها، يوم عيدها، في بيت معبودها، لحقيق على الله أن يبيدها!! (3).
غير أن ملك الفرنج وغيره من أمراء الصليبيين تجاهلوا أو تعمدو التجاهل آنذاك، أن ما هو أكثر عوناً لهم وأشد خطراً على كل محاولة إسلامية لقتالهم، ليست هي الأمة التي ظنوا أنها قتلت عميدها في بيت معبودها. فقد عرفنا موقف هذه الأمة من مقتل بطلها المجاهد، إنما هي تلك الفرقة الباطنية- الرافضة - التي قامت على مذهب جديد، شديد الميل إلى التدمير كان قد أنشأه في بلاد فارس، شخص يدعى الحسن بن الصباح, وقد تحدثنا عنه وقد دعمته الدولة الفاطمية الرافضية الباطنية ولم تكن كراهية الحشاشين هؤلاء للمسيحيين تزيد على بغضهم للمسلمين السنيين (4)، وما نشاهده اليوم خير دليل على ذلك.

و- هل يصح اتهام طغتكين حاكم دمشق بقتل مودود؟ بعد استشهاد مودود انتشرت شائعات تقول: إن طغتكين هو الذي حرض على قتل مودود لحرصه على الاحتفاظ باستقلاله في دمشق، ولما ساوره القلق على بقاء القائد العام لجند السلطان في دمشق، وما يترتب على ذلك من تهديد لاستقلاله (5)، ولم يحد من هذه الشائعات قيام طغتكين بقتل الجاني تبرئة لنفسه، إذ اعتبره الرأي العام هو الجاني، غير أنهم التمسوا له العذر بما دبره مودود من خطط للاستيلاء على دمشق (6)، إلاَّ أن كلاً من ابن القلانسي، وسبط بن الجوزي - اللذين يميلان بعض الميل لأتابكة دمشق - ينفيان هذه التهمة عن طغتكين أشد النفي، فيقول أولهما: فقلق أتابك طغتكين لوفاته على هذه القضية وتزايد حزنه وأسفه،
_________
(1) الكامل في التاريخ (8/ 551).
(2) تاريخ دمشق لابن القلانسي، ص 187، 188.
(3) الكامل في التاريخ (8/ 551).
(4) المقاومة الإسلامية للغزو الصليبي، ص 124.
(5) آل سلجوق للأصفهاني، ص 158, 159.
(6) المقاومة الإسلامية للغزو الصليبي، ص 122.
(1/569)

وكذلك سائر الأجناد والرعية (1)، ويقول ثانيهما: وقلق طغتكين لوفاة مودود على هذا الشكل وحزن حزناً شديداً وكذا سائر الناس. وذكر بعضهم أن طغتكين خاف منه فوضع عليه مَنْ قتله، وليس بصحيح، فإن طغتكين كان أحب الناس إليه، وحزن عليه حزناً لم يحزنه على أحد، وشقَّ ثوبه عليه، وجلس في عزائه سبعة أيام، وتصدق عنه بمال جزيل (2)، وقد رجح الدكتور عماد الدين خليل رواية المذكورين لأنهما من سكان الشام وبسب قربهما الزمني أو المكاني من الأحداث المذكورة واطلاعهما الشامل على دقائق العصر, الذي يتكلمان عنه.
وقال عن روايات ابن الأثير والذين نقلوا عنه والمؤرخين الغربيين: لا تعدو أن تكون استنتاجاً وتخميناً، لاسيما أن هذه ليست أول ولا آخر مرة يتصدى فيها الباطنية لاغتيال زعماء الجهاد الإسلامي؛ فضلاً عن أن انتصار مودود وحليفه في فلسطين يعود بالنفع على إمارة دمشق قبل غيرها، بما يحدثه في صفوف قوات بيت المقدس من إرباك وبما يقدمه لأتابكية دمشق وأراضيها من حماية (3) , وإلى ما ذهب إليه الدكتور عماد الدين خليل أميل. ودافع الدكتور السيد عبد العزيز سالم وابنته الدكتورة سحر عبد العزيز دفاعاً مستميتاً عن براءة طغتكين في كتابهما «تاريخ مصر الإسلامية حتى نهاية العصر الفاطمي» (4). ولقد كان ظهير الدين طغتكين من أمراء السلطان تتش بن ألب أرسلان السلجوقي الذي زوجه بأم ولده دُقاق، وبعد مقتل تتش تولى ابنه دقاق، وصار طغتكين مقدم عسكره، ثم تملك بعد دقاق، وكان شهماً شجاعاً مهيباً مجاهداً في الفرنج، مؤثراً للعدل (5). ولولا أن الله أقام طغتكين للإسلام بإزاء الفرنج، (6) لكانوا غلبوا على دمشق، فقد هزمهم غير مرة، وأنجده عسكر الموصل مع مودود، ومع البرسقي، وكان قد سار إلى بغداد في خدمة السلطان محمد بن ملكشاه، فبالغ في احترامه (7)، ولقد واجه طغتكين الصليبيين للدفاع عن إمارته أكثر من مرة، ونازلهم في أكثر من موقع، فقد استرد بصرى وصرخد/ 498هـ, وحاصر حصن (علعال) قرب طبرية وهدمه وقتل حاميته / 499هـ, وخرج إلى طبرية وأسر صاحبها، وقتله في دمشق/500هـ (8)،
وانضم عام 506هـ إلى قوات شرف الدولة مودود صاحب الموصل،
_________
(1) تاريخ دمشق، ص 187، 188.
(2) مرآة الزمان (8/ 51).
(3) المقاومة الإسلامية للغزو الصليبي، ص 123.
(4) تاريخ مصر الإسلامية حتى نهاية العصر الفاطمي، ص 473 إلى 475.
(5) الجهاد والتجديد في القرن السادس الهجري، ص 120.
(6) المصدر نفسه، ص 120.
(7) سير أعلام النبلاء (19/ 519).
(8) الجهاد والتجديد، نقلاً عن الكامل في التاريخ, ص 121.
(1/570)

فحققا نصراً في طبرية، عام 507هـ، إلا أن مقتل مودود في دمشق، أثار السلطان محمد بن ملكشاه عليه .. ولذلك بدأ طغتكين يتحالف مع الصليبيين للوقوف في وجه القوات التي أرسلها السلطان محمد إليه سنة 508هـ، بقيادة برسق صاحب همذان (1)، ثم عقد هدنة مع ملك بيت المقدس - بلدوين الأول - بسبب نزاعه مع جيرانه المسلمين في وقت كان ملك بيت المقدس لا يرجو أكثر من مسالمة أهالي دمشق (2)، واتفق الطرفان على عقد هدنة, مدتها بضع سنوات على أن يقتسم الطرفان أرض السواد، بحيث يكون ثلث دخلها للفرنج، والثلث الثاني لسلاجقة الشام، والثلث الأخير للفلاحين المسلمين (3). ويبدو أن تمسك صاحب دمشق بإمارته، وخوفه من ضياعها، كان هاجساً قوياً دفعه إلى هذه المواقف المتناقضة، وشأنه شأن غيره من أمراء الأقاليم آنذاك (4).
وقد وصف الإمام الذهبي سياسته بقوله: وكان طغتكين سيفاً مسلولاً على الفرنج، ولكن له خرمة، من ذلك إيواؤه لبهرام داعي الإسماعيلية في دمشق، بعد أن كان متخفياً، فأكرمه وبالغ في إكرامه اتقاء لشره، حتى اتبعه الغوغاء والسفهاء، ثم أعطاه قلعة بانياس سنة 520هـ، فعظم الخطب وتوجع أهل الخير، وتستروا مِن سبّهم، إلى أن كشف خياناتهم وخيانة الوزير المتواطيء معهم - المزدقاني - ابنه تاج الملوك بوري، فقتل الوزير ووضع جنده السيف في الملاحدة الإسماعيلية، وقتلوا نحواً من ستة آلاف نفس، وذلك في عام 523هـ، إلا أن الرجل له حسنات منها مد العون لزعماء حركة بعث فكرة الجهاد الإسلامي في الجزيرة وشمال الشام, وقام بمساعدة الفاطميين وغيرهم من حكام المسلمين في بلاد الشام لوقف الزحف الصليبي على كثير من بلاد الشام, وواجه الصليبيين وجها لوجه للدفاع عن أملاكه مستغلاً في ذلك قواته أحيانا أخرى (5). وعلى أية حال فإن ظهير الدين طغتكين لم يعمر طويلاً فقد توفي سنة 522هـ/1128م بعد أن بذل كل ما أمكنه بذله في صد الصليبيين عن دمشق وغيرها من بلاد الشام, مع ما كان عليه من حسن السيرة وإثاره العدل في الرعية، بعد أن استخلف على دمشق ابنه تاج الملوك بوري (6). وبالجملة فسيرة الرجل جيدة فقد نجح في المحافظة على دمشق من السقوط بيد الصليبيين، بالإضافة إلى تكوين جبهة إسلامية متحدة تتكون من الموصل وحلب ودمشق، وذلك بما أبداه من تعاون صادق مع أولئك الرجال للوقوف صفاً
_________
(1) الاعتبار لأسامة بن منقذ، ص 120.
(2) الجهاد والتجديد، ص 121.
(3) الكامل في التاريخ (8/ 527، 528).
(4) الجهاد والتجديد، ص 122.
(5) الجهاد ضد الصليبيين في الشرق الإسلامي، ص 166.
(6) النجوم الزاهرة (5/ 234) , الجهاد ضد الصليبيين، ص 172.
(1/571)

واحداً في وجه الصليبيين، مما ساعد على بلورة فكر الجهاد الإسلامي وتوحيد الجبهة الإسلامية في أذهان بعض قادة المسلمين وعلى رأسهم عماد الدين زنكي (1)
وقال ابن الجوزي متحدثاً عن طغتكين بأنه: كان شهماً عادلاً حزن عليه أهل دمشق حين وفاته، فلم تبق محلة ولا سوق إلا والمآتم قائمة فيه لعدله وحسن سيرته، حكم الشام خمساً وثلاثين سنة ما بين (497 - 522هـ) وسار بسيرته ابنه، فترة, ثم تغير وظلم (2).

ز- ما ترتب على حملات بطل الإسلام مودود من نتائج: وعلى الرغم من الإخفاق الذي حل بحملات بطل الإسلام مودود إلا أنها تمخضت عن عدد من النتائج المهمة في مسار تاريخ حركة الجهاد الإسلامي ضد الصليبيين، ويمكن إجمالها في الآتي:
- إن إمارة مودود - على قصر مدتها - تعد نقطة تحول في تاريخ الصراع الإسلامي- الصليبي خلال تلك المرحلة المبكرة، فقد صارت فكرة الجهاد حقيقة واقعة (3)، ووجدت فارسها المخلص الذي حمل لواءها ما يقرب من نصف المدة التي تولى فيها أمر إمارة الموصل (4).
- يمكن اعتبار حملات مودود مقدمة لحملات عماد الدين زنكي مع عدم إغفال الفارق الزمني في صورة الثلاثة عقود الفاصلة بين إنجاز كل منهما, والتي أدت إلى سقوط إمارة الرها الصليبية عام 539هـ/ 1144م حيث إن مودوداً وجه حملاته الأولى إلى الرها وتل باشر، وعمل على إرهاق أهلها على نحو نصفه بأنه المقدمة الأولى لجهود زنكي ضدها، على اعتبار أن قافلة الجهاد متصلة قائداً من بعد قائد.
- كشفت حملات مودود عن الضعف الذي كانت عليه القوى الإسلامية في بلاد الشام والجزيرة وعدم إخلاص بعضها لقضية الجهاد ضد الغزاة الصليبيين (5).
وعلى الرغم من الدور الرائد الذي قام به مودود؛ إلا أننا نجد البعض يرى أن عماد الدين زنكي هو الذي وضع أساس حركة الجهاد ضد الصليبيين (6)، وفي هذا إجحاف بدور تلك القيادة السلجوقية. وواقع الأمر أن المؤرخين الذين أرخوا لتلك المرحلة من تاريخ الصراع الإسلامي الصليبي انبهروا بحجم الإنجاز الكبير الذي قام به عماد الدين زنكي من حيث إسقاط أول إمارة صليبية أقيمت في المنطقة، فتصوروا أن المراحل السابقة عليه ليست
_________
(1) الجهاد ضد الصليبيين، ص 172.
(2) سير أعلام النبلاء (19/ 519،520).
(3) شرف الدين مودود، عبد الغني رمضان, ص 150.
(4) الحروب الصليبية بين الشرق والغرب، ص 156.
(5) المصدر نفسه، ص 156.
(6) الحروب الصليبية بين الشرق والغرب، ص 157.
(1/572)

ذات قيمة كبيرة على الرغم من أنها كانت الممهدة الحقيقية لإنجاز عام 539هـ /1144م. لا نغفل أيضاً أن الدعاية السياسية الناجحة والفعالة التي قدمها المؤرخ العراقي الفذ ابن الأثير من خلال كتابه «الباهر» لمؤسس البيت الزنكي قد جعلت المؤرخين يتأثرون بها بصورة أو بأخرى، على نحو جعل سابقي عماد الدين زنكي في مثل ذلك الموقف من حيث تقويم دورهم التاريخي، ويكفي مودود فخراً أنه نجح في ضرب الوجود الصليبي في الجليل، وهي منطقة لم تصل إليها فعاليات المسلمين منذ قرابة عقدين من الزمان، ويكفيه أنه ألحق الهزيمة بمؤسس مملكة بيت المقدس الصليبية، ونستطيع أن نصل إلى رؤية محددة من خلال أن قادة الجهاد الإسلامي كل يكمل الآخر، ولا خصومة بينهم، وما قام به مودود أفاد - فما بعد - القائد العظيم صلاح الدين الأيوبي، ولذا فبالإمكان القول؛ اليوم الصنبرة وغداً حطين؛ وهذا ما أثبته السياق العام لتاريخ تلك المنطقة في القرن السادس الهجري، الثاني عشر الميلادي (1).
وعلى أية حالة عند مقارنة جهد مودود بسابقيه في صورة كربوقا، وجكرمش، وجاولي سقاوة سيتضح لنا أنها أدوار متدرجة ومتصارعة، فكربوقا انحصر أمره في نجدة أنطاكية, وجكرمش زاد الأمر من خلال تحالفه مع سقمان بن أرتق على نحو أدى إلى الانتصار في معركة حران 498هـ/1104م, أما مودود فإن دوره أكثر تعاظماً على نحو أدى إلى هزيمة الصليبيين في معركة الصنبرة عام 507هـ/1113م، وهو أمر يثبت لنا أنه خلال نحو تسعة أعوام فقط تم إلحاق هزيمتين كبيرتين بالصليبيين، غير أن العقبة القائمة تمثلت في عدم الإفادة من كل من الانتصارين في اجتياح مناطق الأعداء، وتحقيق انتصار سريع خاطف يصعب على الصليبيين تعويض خسائرهم من جرائه غير أن بقايا ظاهرة التشرذم السياسي، والتباغض بين القيادات الإسلامية كان عائقاً دون تحقيق ذلك (2).

6 - نجم الدين إيلغازي صاحب ماردين: ارتبطت حركة الجهاد الإسلامي ضد الصليبيين ارتباطاً شديداً بزعماء الموصل الذين كانوا تحت طاعة السلاجقة, وأدت وفاة السلطان محمد بن ملكشاه سنة 512هـ/1117م إلى ازدياد تدهور أحوال السلاجقة في العراق، فسعى السلطان محمود بن محمد ملكشاه إلى استدعاء آق سنقر من الموصل لتوليته شحنكية بغداد (3) , الأمر الذي أفقد الموصل مكانتها القيادية في بعث حركة الجهاد الإسلامي ضد الصليبين مؤقتاً، وانتقال هذه القيادة إلى نجم الدين إيلغازي صاحب ماردين، واستهل إيلغازي أعماله بالاستيلاء على حلب سنة 511هـ/1117م، لأهميتها بالنسبة لأية قيادة
_________
(1) الحروب الصليبية بين الشرق والغرب،، ص 157.
(2) المصدر نفسه، ص 158.
(3) الوافي بالوفيات (9/ 310) , النجوم الزاهرة (5/ 214).
(1/573)

عسكرية وسياسية تسعى لمجابهة الصليبيين, وذلك لما كانت تتمتع به من مركز استراتيجي حيوي من النواحي البشرية والعسكرية والسياسية والاقتصادية، وكانت حلب تقع بين إمارتين صليبيتين هما الرها وأنطاكية، وفي نفس الوقت يمكنها الاتصال بالقوى الإسلامية التركمانية المنتشرة في منطقة الجزيرة. لذا كان الاستيلاء عليها بمثابة فتح الطريق لقيادة حركة الجهاد، وذلك ما حدث فعلاً بالنسبة لنجم الدين إيلغازي وابن أخيه بلك بن بهرام ومن بعدهما آق سنقر البرسقي وعماد الدين زنكي ونور الدين محمود فيما بعد (1).
وأما عن تفاصيل استيلاء نجم الدين إيلغازي على حلب سنة 511هـ/1117م فقد تجدد بها من الحوادث ما أطمع الصليبيين في الاستيلاء عليها حيث بلغت حداً من الضعف والضائقة الاقتصادية مما أعجز أهلها عن تقديم القوت لدوابهم, ولكن خوف أهلها من أن تسقط بيد الصليبيين قد أخبرهم على استدعاء نجم الدين إيلغازي وتسليمه حلب في السنة المذكورة، واستهل إيلغازي أعماله بحلب بفرض سيطرته على بعض المواقع التابعة لها كبالس، ومصادرة بعض رجال حلب للحصول منهم على مال يهادن به الصليبيين، فاستوحش منه أهل حلب وجندها - على حد قول ابن العديم - مما اضطره إلى مغادرتها إلى ماردين بعد أن استخلف في بالس موجة الغلاء التي مروا بها في نفس السنة 511هـ/1117م، فأرسلوا إلى الصليبيين ليسلموها إليهم فاضطر إيلغازي إلى العودة على رأس قوة من التركمان إلى حلب، فلما شعر الصليبيون بالخطر، انسحبوا عنها فتسلمها ايلغازي للمرة الثانية، وعاد إلى ماردين بعد أن عقد معهم هدنة بعدم اعتداء أي منهما على ممتلكات الطرف الآخر (2).
- نقض الصليبيين للهدنة: ولكن الصليبيين وجدوا الفرصة سانحة بعد خروج إيلغازي وأغاروا على عزاز وشددوا الحصار عليها حتى اضطر من بها من المسلمين إلى التسليم، واضطر أهل حلب إلى مراسلة الصليبيين وطلبوا منهم التمسك بالهدنة التي كان قد عقدها معهم إيلغازي, وأن يسلموهم -أي أهل حلب- تل هراق ويؤدون لهم القطيعة المقررة على حلب عن أربعة أشهر, ومقدارها ألف دينار, ويكون لهم من حلب شمالاً وغرباً (3). وغضب نجم الدين إيلغازي لما وصلت إليه أخبار حلب، ولكنه لم يستطع العودة إليها وإنقاذها مما هي فيه لقلة عساكرها, فاتجه إلى شرق منطقة الجزيرة بقصد جمع العساكر في الوقت الذي أبلغ فيه ظهير الدين طغتكين عن رغبته في الاجتماع به سنة 512هـ/1118م, واجتمعا على قلعة دوسر بهدف القيام بدفع الصليبيين عن حلب ولكن ذلك لم يتيسر لهما،
_________
(1) الإمارات الأرتقية في بلاد الشام والجزيرة، ص 234،235.
(2) زبدة الحلب (2/ 180) , الجهاد ضد الصليبيين في الشرق الإسلامي، ص 152.
(3) زبدة الحلب (2/ 185 - 186).
(1/574)

الأمر الذي دفع الصليبيين إلى إحكام السيطرة على مداخل حلب بعد أن استولوا على بزاغة, فتردت الأحوال بحلب حتى بلغت حد التلف على حد قول ابن العديم (1)، ولم يجد أهل حلب بدًا من الاستعانة بالخلافة العباسية والدولة السلجوقية في بغداد، إلا أنهم لم يغاثوا نظراً لانشغال السلاجقة بالمنازعات الأسرية فيما بينهم من جهة وضعف الخلافة العباسية من جهة أخرى.
- إعلان النفير ضد الصليبيين: لم يتيسر لنجم الدين إيلغازي لقاء الصليبيين, فقد فارق طغتكين وعاد إلى ماردين لجمع العساكر تمهيداً للعودة للجهاد والالتقاء مع الصليبيين في معركة حاسمة (2). وفي ماردين حشد نجم الدين إيلغازي ما يزيد على عشرين ألفاً من التركمان (3) , بقصد قتال الصليبيين الذين ضيقوا على حلب حتى كادت أن تعدم القوت. وأرسل إيلغازي رسله إلى بغداد لإعلان النفير ضد الصليبيين وإعلام الخليفة العباسي المسترشد بالله والسلطان السلجوقي محمود بن محمد بن ملكشاه بما فعله الصليبيون بالديار الجزرية وأنهم ملكوا قلعة عند الرها وقتلوا صاحبها بن عطير (4). وكان نجم الدين إيلغازي قد تواعد مع ظهير الدين طغتكين في سنة 512هـ/1118م على ملاقاة الصليبيين في شهر صفر من السنة التالية 513هـ/1119م بالشام. وتوجه إيلغازي قبل الموعد المحدد إلى الرها وشدد عليها الحصار، مما اضطر من بها من الصليبيين إلى مصالحته، لقاء تنازلهم عن الأسرى المسلمين الموجودين بها, فأجابهم إيلغازي وشرط عليهم عدم التوجه لمساعدة أمير أنطاكية في حالة حدوث قتال معه فأجابوه. وقد كانت هذه خطوة صائبة من إيلغازي تمكن بموجبها من عزل إحدى قوى الصليبيين عن مد العون للقوى الأخرى. وهذا دليل واضح على خضوع الصليبيين في منطقة الجزيرة إلى مطالب الأمراء المسلمين (5).
- معركة ساحة الدم: وبعد أن أطمأن إيلغازي إلى أنه لن يتعرض إلى طعنة الصليبيين من الخلف, توجه إلى بلاد الشام وقد انضم إليه أسامة بن المبارك بن شبل الكلابي, والأمير طغان أرسلان صاحب بدليس وارزن، وواصل سيره حتى بلغ قريباً من الإثارب بأرض سرمدا في ربيع الأول سنة 513هـ/1119م وهناك انتظر وصول ظهير الدين طغتكين. وكان الصليبيون بقيادة روجر صاحب أنطاكية قد نزلوا بتل عقرين
_________
(1) زبدة الحلب (2/ 185 - 186).
(2) المصدر نفسه (2/ 186).
(3) المصدر نفسه (2/ 186).
(4) الجهاد ضد الصليبيين في الشرق الإسلامي، ص 153.
(5) الإمارات الأرتقية في بلاد الشام والجزيرة، عماد الدين خليل، ص 241.
(1/575)

وشرعوا في بناء حصن لهم هناك, ولم يدر بخلدهم أن نجم الدين إيلغازي سيباغتهم هناك لضيق الطريق، ثم لتوهمهم أن المسلمين سينالون الإثارب أو زردنا، حتى أن الغرور قد أصابهم لاعتقادهم بحصانة موقعهم، فأرسلوا إلى إيلغازي يقولون له: لا تتعب نفسك بالمسير إلينا فنحن واصلون إليك (1). ولما طال انتظار إيلغازي لوصول حليفه، لبى رغبة الأمراء الذين كانوا معه في التعجيل بمباغتة الصليبيين، فما شعر الصليبيون إلا ورايات المسلمين قد أقبلوا وأحاطوا بهم من كل جانب. وذلك يوم الجمعة السادس عشر من ربيع الأول من السنة 513هـ/1119م. وخرج قاضي حلب أبو الفضل بن الخشاب وخطب في المسلمين خطبة بليغة استنهض فيها عزائم المسلمين على الجهاد، فحمل المسلمون على الصليبيين حملة واحدة من جميع الجهات, فكانت السهام على الصليبيين كالجراد في الوقت الذي أخذتهم السيوف من سائر نواحيهم، فلم يفلت منهم غير يسير, بينما كان الباقون بين قتيل وجريح, وكان ضمن القتلى روجر صاحب أنطاكية الذي كان قد تعجل لقاء المسلمين قبل وصول قوات بيت المقدس وطرابلس وغيرها, ووقع في الأسر نيف وسبعون من فرسان الصليبيين ومقدميهم، وحاولوا أن يفتدوا نفوسهم بمبلغ ثلاثمائة ألف دينار فلم يقبل منهم نجم الدين إيلغازي بل أمر بقتلهم جميعاً (2)،
وقد عرفت هذه الوقعة عند المؤرخين اللاتينيين، ومن نقل عنهم من المؤرخين المحدثين باسم ساحة الدم لكثرة ما قتل فيها من الصليبيين والتي لم يقتل فيها من المسلمين سوى
العدد القليل (3).
- الابعاد التي حققها الانتصار على الصليبيين في معركة ساحة الدم: إن أهمية ما حل بالصليبيين لم يقف عند حد النصر العسكري الذي حققه نجم الدين إيلغازي عليهم، بل تعداه إلى أنه قد صاحب هذا النصر قيام جبهة إسلامية متحدة من الأمراء المسلمين في الشام والجزيرة إضافة إلى أنها جعلت حلب بمنأى عن أخطار الصليبيين خصوصاً بعد استيلاء نجم الدين إيلغازي على حصن قريب من الإثارب في السنة نفسها, فضلا عن أنها كانت كارثة فادحة حرمت أنطاكية من زعيمها روجر مما جعل السريان والأرمن بأنطاكية يتشككون في موقعهم إلى جانب الصليبيين, وهذا على ما يبدو ما دفعهم إلى التآمر للخلاص من الصليبيين الغربيين فيما بعد (4)، وذكر ابن العديم أن نجم الدين إيلغازي نزل بعد انتهاء
_________
(1) زبدة الحلب (2/ 190) , الجهاد ضد الصليبيين، ص 154.
(2) الجهاد ضد الصليبيين، نقلاً عن الكامل في التاريخ, ص 154.
(3) الشرق الأوسط والحروب الصليبية (1/ 473) , الإمارات الأرتقية، ص 242.
(4) الاعتبار، ص 40، 41، الحركة الصليبية (1/ 492).
(1/576)

المعركة إلى خيمة روجر ليسلم إليه المسلمون الغنائم التي حصلوا عليها, ولكنه رد جميع الغنائم للمقاتلين ولم يأخذ منهم إلا سلاحاً يهديه لملوك الإسلام ليبعث في نفوسهم حب الجهاد الإسلامي ضد الصليبيين (1). واستطاع إيلغازي أن يحقق سلسلة من الانتصارات في شمال الشام هيأت للمسلمين جوًّا من الهدوء والاستقرار. فقد استطاع المسلمون أن يلحقوا بالنجدة الصليبية التي أتت بزعامة بلدوين ملك بيت المقدس لنجدة روجر صاحب أنطاكية هزيمة ساحقة (2)،
ولم يكتف نجم الدين إيلغازي بهذا بل اجتمع في أرتاح بحليفه طغتكين واتفقا على مهاجمة الإثارب وزردنا، فاستطاعا الاستيلاء عليهما من الصليبيين، ثم سار إيلغازي إلى دانيث بنفر قليل من المسلمين والتقى ببلدوين ملك بيت المقدس وروبرت صاحب زردنا, ودارت بين الطرفين معركة في جمادي الأولى من السنة 513هـ/1119م أسفرت عن انتصار نجم الدين إيلغازي وهزيمة الصليبيين الذين احتموا بحصن هاب بعد مطاردة نجم الدين لهم (3). ثم عاد نجم الدين إيلغازي إلى حلب بينما التقى رجاله في طريق عودتهم بصاحب زردنا روبرت الأبرص وبصحبته قوة من الصليبيين فهاجمتهم قوة إيلغازي مما اضطر من سلم من الصليبيين إلى العودة إلى حصن هاب، في الوقت الذين وقع فيه الأبرص أسيراً في أيدي المسلمين فحملوه إلى إيلغازي بحلب، وأنفذه بدوره إلى طغتكين بدمشق حيث قتله صبرًا (4)، وفي أواخر جمادي الأولى سنة 513هـ/1119م غادر إيلغازي حلب إلى ماردين بسبب الضائقة المالية التي مر بها إضافة إلى أن حلب كانت من الضعف بحيث جعلته لا يستطيع البقاء فيها (5).
- حصار أنطاكية وعقد الهدنة مع ملك بيت المقدس: وبالرغم من انشغال نجم الدين إيلغازي ببعض الأمور الإدارية في ماردين، فقد جمع جيشاً من التركمان عبر بهم الفرات إلى بلاد الشام في سنة 514هـ/1120م, واجتمع بطغتكين وسارا إلى أنطاكية حيث ضربا عليها حصاراً، فلم يتمكنا منها، فدخلا إلى قنسرين، وحاصراها يوماً وليلة، ولم ينالا منها شيئاً، وعندها أشار ظهير الدين طغتكين على صاحبه برفع الحصار عنها وأن يعود كل منهما إلى بلده، فقبل نجم الدين إيلغازي مشورة صاحبه، وتفرق عساكره من التركمان, واضطر إيلغازي إلى عقد هدنة مع ملك بيت المقدس بلدوين الثاني على أن يكون للصليبيين المعرة وكفر طاب والبارة وضياع من
_________
(1) زبدة الحلب (2/ 190) , الجهاد ضد الصليبيين، ص 155.
(2) الجهاد ضد الصليبيين, ص 155 ..
(3) زبدة الحلب (2/ 190) , الجهاد ضد الصليبيين، ص 156.
(4) الجهاد ضد الصليبيين، ص 156.
(5) المصدر نفسه، ص 156.
(1/577)

جبل السماق، وعلى أن يكون أمد هذه الهدنة نهاية السنة (1).
- نقض الهدنة: لم يتقيد الصليبيون بهذه المعاهدة، فقد أغار جوسلين صاحب تل باشر في السنة نفسها 514هـ/1120م على بعض البلاد التابعة لحلب، مما اضطر أهل حلب إلى إرسال احتجاج شديد اللهجة إلى بلدوين الثاني ملك بيت المقدس يخبرونه فيه باعتداءات جوسلين على المسلمين، ولكنه رد عليهم بقوله: مالي على جوسلين يد (2). ولم يقف الصليبيون عند هذا الحد بل أغار الصليبيون بأنطاكية على بلد شيزر, وأسروا جماعة من المسلمين وطالبوا أمير شيزر العربي أبو العساكر سلطان بن منقذ ببعض المطالب التعسفية مما اضطره إلى مصالحتهم على مال يدفعه إليهم (3). وبالإضافة إلى ذلك فقد استغل الصليبيون فرصة خلو حلب من إيلغازي فشنوا في صفر من سنة 515هـ/1121م هجوماً على الإثارب وأغار على حلب نفسها، وفرض عليها حصاراً شديداً أدى إلى وقوع خمسين أسيراً من أهلها في يده, ونجح الحلبيون في استنقاذ إخوانهم وأجبروه على التراجع عنها إلى أنطاكية (4) , وعلى ما يبدو فإن نجم الدين إيلغازي قد اضطر إلى البقاء في ماردين بعض الوقت مما دعاه إلى مراسلة ولده سليمان بن إيلغازي النائب عنه في حلب يأمره بعقد صلح مع الصليبيين، حصل الصليبيون بموجبه على سرمين وبلدة ليلون وبعض الجهات الزراعية المحيطة بحلب، والإثارب (5).
- تمرد سليمان بن إيلغازي على أبيه: وعلى الرغم من أن الصلح الذي عقده سليمان بن إيلغازي لم يكن في صالحه فإنه لم يسع إلى علاج ما استجد بحلب من الفوضى والاضطراب، بل أعلن عصيانه على والده وأعلن استقلاله بحلب، وقد شجعت هذه الخطوة من قبل سليمان الصليبيين على مضايقة حلب والاستيلاء على بعض المواقع المحيطة بها في جمادي الآخرة من سنة 515هـ/1121م، ومطالبة صاحبها سليمان بالتنازل عن الإثارب لبلدوين الثاني ملك بيت المقدس، ولكن سكان الإثارب من المسلمين رفضوا الخضوع للصليبيين, الأمر الذي أجبر بلدوين على التراجع إلى أنطاكية ومنها إلى بيت المقدس (6).
- القضاء على التمرد: أما نجم الدين إيلغازي، فإنه ما أن سمع بعصيان ابنه بحلب
_________
(1) المصدر نفسه، ص 156.
(2) الجهاد ضد الصليبيين، ص 156، 157.
(3) المصدر نفسه، ص 157.
(4) زبدة الحلب (2/ 199) , الجهاد ضد الصليبيين، ص 157.
(5) زبدة الحلب (2/ 199 - 205) , الجهاد ضد الصليبيين، ص 157.
(6) زبدة الحلب (2/ 199) , الجهاد ضد الصليبيين، ص 157.
(1/578)

حتى قدم إليها على وجه السرعة، فعاقب من كان وراء عصيان ابنه، فلما رأى سليمان ما حل بأعوانه، من عقاب شديد خاف على نفسه وهرب إلى دمشق, وطلب من صاحبها طغتكين حق اللجوء، ولما تم لإيلغازي القضاء على الفتنة بحلب استناب بها ابن أخيه بدر الدولة سليمان بن عبد الجبار بن أرتق، وعقد هدنة جديدة مع الصليبيين لمدة سنة كاملة، وكان هدف إيلغازي من عقد تلك الهدنة مع الصليبيين هو كسب الوقت حتى يتمكن من العودة إلى ديار بكر, وحشد ما يمكن حشده من قوات ليعيد الكرة على الصليبين، إضافة إلى خوفه من قيام الصليبيين بغارة على حلب فلا يستطيع ابن أخيه صدهم (1). وفي ماردين استطاع نجم الدين إيلغازي أن يحشد أكبر عدد من التركمان ثم سار بهم إلى بلاد الشام في شهر ربيع الآخر سنة 516هـ/1122م، مستغلاً في ذلك الشقاق الذي حصل بين بلدوين ملك بيت المقدس ويونز صاحب طرابلس، ولكن نجم الدين إيلغازي لم يستطع أن يحقق نصراً حاسماً على الصليبيين، وبالرغم من انضمام بلك بن بهرام بن أرتق وظهير الدين طغتكين إلى جانبه غير أنه لم يمكن الصليبيين بأن يمدوا نفوذهم وسيطرتهم على حلب (2).
- وفاة إيلغازي وأثر ذلك على المسلمين: في شهر رمضان من سنة 516هـ/1122م أحس إيلغازي بتدهور صحته, فعاد إلى ميافارقين حيث وافته منيته هناك، وبقدر ما كانت وفاة نجم الدين إيلغازي خسارة فادحة للمسلمين في بلاد الشام والجزيرة عامة فإن المصيبة كانت أعظم على أهل حلب الذين عظمت عليهم وفاته، لأن نجم الدين إيلغازي كان قد قطع أمل زعماء الصليبيين في الاستيلاء عليها، ولم تصنف أهمية وفاة نجم الدين إيلغازي إلى هذا الحد، بل أدت إلى أن إمارته قد تفككت وقسمت بين أولاده حسام الدين تمرتاش الذي حصل على ماردين، وابنه سليمان الذي حصل على ميافارقين، بينما بقيت حلب من نصيب ابن أخيه سليمان بن عبد الجبار بن أرتق، واحتفظ بلك بن بهرام بن أرتق بقلعة خرتبرت وضم إليها حران فيما بعد (3)، ويضاف إلى ذلك أن حلب التي كانت تعتمد على عساكر التركمان الذين كان يحشدهم إيلغازي من شمال الجزيرة قد افتقرت هذا العنصر البشري الذي رجح كفة المسلمين على الصليبيين في عهد إيلغازي مما جعلها عرضة لغارات الصليبيين، وضعف مركز صاحبها سليمان بن عبد الجبار بن أرتق عن دفع الصليبيين الذين استغلوا وفاة نجم الدين وأغاروا بقيادة بلدوين الثاني ملك بيت المقدس على بزاعة وبالس على نهر الفرات، ولم يقف الأمر عند هذا الحد, بل استطاع الملك
_________
(1) الإمارات الأرتقية، ص 260.
(2) زبدة الحلب (2/ 205) , الجهاد ضد الصليبيين، ص 158.
(3) الشرق الأوسط والحروب الصليبية (1/ 480 - 481).
(1/579)

الصليبي الاستيلاء على قلعة البيرة، حتى أصبحت حلب محاطة بالصليبيين من جميع الجهات، مما حتم على سليمان بن عبد الجبار أن يعقد مع الصليبيين صلحاً سنة 517هـ/1123م تنازل بموجبه لهم عن حصن الإثارب (1).

7 - بلك بن بهرام بن أرتق يأسر ملوك الصليبيين: بلك بن بهرام صاحب قلعة (خرتبرت) تسلم راية الجهاد بعد عمه «إيلغازي - صاحب ماردين» .. كان خصماً عنيداً للصليبيين وكان يتطلع للقضاء عليهم لا في منطقة الجزيرة فقط بل وفي بلاد الشام, وقد استهل أعماله العسكرية أثناء مرض عمه نجم الدين إيلغازي في رجب سنة 516هـ/1122م بحصار الرها، ولكنه لم يستطع النيل منها بعد فترة طويلة من الحصار، مما اضطره إلى الانسحاب عنها، لذا رأى الصليبيون الذين بالرها أنه لا بد من الاستعانة بجوسلين صاحب الأطماع الكثيرة وخصم المسلمين العنيد، الذي كان وقتذاك مع بلدوين ملك بيت المقدس بالبيرة مستغلين في ذلك تفرق عساكر بلك بن بهرام بن أرتق عقب عودته من الرها، إلا أن بلك بن بهرام استطاع أن ينصب لجوسلين ومن معه من الصليبيين كميناً عند سروج بأرض موحلة ومشبعة بمياه الأمطار, فلم تتمكن خيولهم من الإسراع بسبب هذا الوحل، في الوقت الذي سلط عليهم بلك ورجاله الذين لا يتجاوز عددهم أربعمائة فارس وابلاً من السهام فلم يفلت منهم إلا القليل، وأسر جوسلين وابن خالته جاليران صاحب البيرة في سنة 516هـ/1122م. وقد ترتب على هذا الانتصار الذي حققه بلك بن بهرام على الصليبيين ضياع قوة الصليبيين المعنوية في بلاد الشام وازدياد حماسة المسلمين وتطلعهم إلى الوثوب على الصليبيين من كل ناحية (2). وحاول بلك بن بهرام بن أرتق أن يحصل من جوسلين ومن معه من الصليبيين الذين وقعوا في الأسر على تنازل منهم عن الرها، مقابل إطلاق سراحهم ولكنهم رفضوا قائلين: نحن والبلاد كالجمال، متى عقر جمل حول رحله إلى آخر, والذي بأيدينا قد صار بيد غيرنا (3)
عندها حمل بلك بن بهرام أسراه إلى قلعة خرتبرت ووكل بهم من يحرسهم, وتوجه سنة 517هـ/1123م إلى حصن كركر التابع لإمارة الرها بقصد الاستيلاء عليه (4). وأدرك بلدوين ملك بيت المقدس -الذي أصبح وصياً على الرها مضافاً إلى وصايته على أنطاكية- أن من واجبه التحرك لتخليص جوسلين من الأسر, ومنع كركر من السقوط بيد بلك بن بهرام وإفهام المسلمين بأن قوة الصليبيين لا زالت قوية باطشة,
_________
(1) الكامل في التاريخ (8/ 632).
(2) نور الدين محمود والصليبيون, حسن حبشي، ص 20.
(3) الجهاد ضد الصليبيين في الشرق الإسلامي، ص 160.
(4) زبدة الحلب (2/ 206) , الجهاد ضد الصليبيين في الشرق الإسلامي، ص 160.
(1/580)

وخرج بلدوين على رأس جيشه حتى وصل عند الضفة الشرقية لنهر سنجه أحد روافد الفرات تجاه معسكر بلك بن بهرام الذي كان قد رفع الحصار عن كركر وعاد لمواجهة بلدوين الثاني ملك بيت المقدس، ودار القتال بين الطرفين في التاسع عشر من شهر صفر سنة 517هـ/1123م، وانهزم الصليبيون بالرغم من قلة قوات المسلمين، ولم تقف أهمية الوقعة عند حد انتصار بلك بن بهرام, بل تعدته إلى أن بلدوين ملك بيت المقدس قد وقع في أسر بلك في بن بهرام بالإضافة إلى استيلائه على حصن كركر، وحمل بلك أسيره الجديد إلى خرتبرت وضمه إلى جوسلين ومن معه من زعماء الصليبين وفرسانهم (1). وهكذا خلت إمارات الصليبيين: الرها، وأنطاكية، ومملكة بيت المقدس من زعمائها الذابين عنها، مما أدى إلى اضطراب وضع الصليبيين في الجزيرة وبلاد الشام, ولكن القوى الإسلامية في بلاد الشام لم تستطع وقتذاك أن تهتبل هذه الفرصة والانقضاض على إماراتهم والقضاء على
شأفة الصليبيين (2).
- محاصرة الصليبيين لحلب: أما بلك بن بهرام بن أرتق فإنه بعد أن جمع أسراه في قلعة خرتبرت توجه إلى حران للاستيلاء عليها في ربيع الأول من سنة 517هـ/1123م، بهدف التقوي بها، فتم له ذلك, وكان بلك بن بهرام يطمع في الاستيلاء على حلب من سليمان بن عبد الجبار عقب استيلائه على حران لأنه كان يدرك أهمية حلب الاستراتيجية، وأنه لن يحقق أية نتيجة حاسمة على الصليبيين ما لم يضم حلب إلى إمارته كي تكون له قاعدة في بلاد الشام، يستطيع من خلالها التحرك في ميدان فسيح، وليتفرغ لقتال الصليبيين (3)، لذلك فرض بلك بن بهرام على حلب الحصار حتى اضطر من بها إلى تسليمها إليه في صباح يوم الثلاثاء غرة جمادي الأولى سنة 517هـ/1123م (4). إلا أن بلك بن بهرام لم يستطع المضي قدماً في جهاد الصليبيين بالشام حيث وصله نبأ تمكن جوسلين من الفرار من الأسر بمعونة جماعة من الأرمن الذين كان بلك بن بهرام قد أحسن إليهم بخرتبرت، فعاد على وجه السرعة إلى خرتبرت في رجب من نفس السنة 517هـ/1123م, واستطاع إعادة الأمن بها ونقل الأسرى المتبقين فيها إلى حران بعد معاقبة الأرمن الذين كانوا بها (5).
وأما جوسلين صاحب الرها الذي هرب من الأسر فقد استطاع تكوين جيش من صليبيي بيت
_________
(1) نور الدين محمود والصليبيون، ص 20.
(2) الجهاد ضد الصليبيين في الشرق الإسلامي، ص 160.
(3) الإمارات الأرتقية، ص 268.
(4) الكامل في التاريخ (8/ 632، 633)
(5) الجهاد ضد الصليبيين في الشرق الإسلامي، ص 161.
(1/581)

المقدس وأنطاكية، واتجه به صوب حلب وضيق على من بها من المسلمين، ولم يكتف بهذا، بل أقدم على نبش قبور ألموتى من المسلمين في البلاد المحيطة بها, وظل محاصراً لها حتى شهر رمضان من السنة نفسها 517هـ/1123م, ولما لم يستطع النيل منها عاد إلى تل باشر، على أن حلب لم تسلم من حصار الصليبيين بعد عودة جوسلين إلى تل باشر، بل تعرضت لحصار آخر من صليبيي أنطاكية، أدى إلى قطع الصلة بينهما وبين غيرها من البلاد الإسلامية في الشام، تلك البلاد التي كانت تزودها بالمؤن (1).
وجد بلك بن بهرام بن أرتق أنه لابد من الاستعانة بآق سنقر البرسقي صاحب الموصل وبظهير الدين طغتكين صاحب دمشق لرفع الظلم عن أهل حلب ولإنزال ضربة بالصليبيين يستطيع بعدها بلك بن بهرام العودة إلى حلب وإقرار الأوضاع بها، فوصل إليه سنة 517هـ/1123م كل من صاحب الموصل آق سنقر البرسقي وصاحب دمشق طغتكين على رأس قوتهما فعبر بهم الفرات ونزلوا على عزاز، ولكن الصليبيين الذين كانوا قد تجمعوا بها تمكنوا من طرد المسلمين، فعاد كل منهم إلى بلده، ودخل بلك بن بهرام حلب في سنة 518هـ/1124م وتخلص من بعض المناوئين له وقضى على فوضى قطاع الطرق، وتزوج بإحدى بنات رضوان بن تتش لتوثيق صلته بالسلاجقة، واتخذ من حلب عاصمة له من بلاد الشام، وقاعدة انطلاق لتوجيه الضربات ضد الصليبيين, ولم يكتف بهذا بل نقل إليها أسراه من حران واعتقلهم في قلعة حلب, ويبدو أن ما قام به بلك بن بهرام من نقل أسراه إلى حلب إنما كان بقصد الاطمئنان عليهم من أية محاولة لإنقاذهم أثناء بعده عنهم، والدليل على ذلك أنه حين جهز فرقة عسكرية في صفر من سنة 518هـ /1124م لقتال الصليبيين بعزاز، لم يخرج معهم خوفاً من أن يغدر به بعض سكان حلب المعارضين له ويطلقوا سراح أسراه (2).
- مقتل بلك بن بهرام: لم يمهل الأجل بلك بن بهرام, وبينما كان يحاصر الفرنجة عند قلعة منبج وافته المنية بسهم طائش أصابه فقتله لا يدري من رماه، واضطرب عسكره، وتفرقوا, وبمقتله فقد المسلمون فيه رجلاً أثبتت أعماله أنه زعيم وقائد حاول جمع كلمة المسلمين في الشام والجزيرة ضد الصليبيين, ويمكن القول إنه بمقتل بلك بن بهرام سنة 518هـ/1124م انتهت مرحلة قيادة الأراتقة لحركة الجهاد الإسلامي ضد الصليبيين، على الرغم من أن حسام الدين تمرتاش بن إيلغازي قد استطاع الاستيلاء على حلب عقب مقتل بلك بن بهرام إلا أن حلب لم تتمتع في أيامه بأوضاع مستقرة، بل فسدت أحوالها وضعف
_________
(1) الجهاد ضد الصليبيين في الشرق الإسلامي، ص 161.
(2) زبدة الحلب (2/ 216 - 217) , الجهاد ضد الصليبيين، ص 164
(1/582)

أمر المسلمين بها حيث، ألهاه الصبا واللعب عن التشمير والجد والنظر في أمور الملك. ولم يقف حسام الدين عند هذا الحد من الخمول وعدم المبالاة بجهاد الصليبيين، بل قبل وساطة أبي العساكر سلطان بن منقذ صاحب شيزر في إطلاق سراح بلدوين ملك بيت المقدس، الذي كان في أسر بلك بن بهرام (1)، الأمر الذي أدى إلى ازدياد حماس الصليبيين في النيل من المسلمين، وهذا بالطبع كان له أثر كبير في تصدي الصليبيين بصلابة لحركة بعث فكرة الجهاد الإسلامي في المرحلة التالية التي قادها كل من آق سنقر البرسقي صاحب الموصل وظهير الدين صاحب دمشق (2).

8 - جهاد أمير الموصل آق سُنقُر البرسقي لإنقاذ حلب:

أ- حلب تتصدى للصليبيين: تعرضت حلب لضغط الصليبيين وهجماتهم مراراً عديدة بدأت مع فجر الغزو الصليبي لبلاد الجزيرة والشام, وكان أبرزها وأخطرها ولاريب حصار عام 518هـ, وقد أدرك هؤلاء الغزاة الأهمية البالغة لهذه المدينة وما كانت تتمتع به من مركز استراتيجي حيوي من النواحي البشرية والعسكرية والسياسية والاقتصادية وخطوط المواصلات، فهي تقع في مركز وسط حصين بين إمارتين صليبيتين، هما: الرها شرقاً في الجزيرة الفراتية، وأنطاكية غرباً على البحر المتوسط. في نفس الوقت الذي يمكنها الاتصال بالقوى الإسلامية التركمانية المنتشرة في الجزيرة والفرات والأناضول وشمالي الشام, مما يعد أساساً حيوياً لاستمرار حركة الجهاد وتحقيق أهداف حاسمة ضد الصليبيين, وفي المقابل فإن إسقاط حلب وضمها إلى الكيان الصليبي سوف يؤمن المواصلات بين الرها وأنطاكية، ويعجل إقامة وحدة سياسية وعسكرية بينهما، كانت ستلعب ولا شك دوراً خطيراً لصالح الغزاة (3).
وإذ أدرك الحلبيون عدم جدوى بقاء حلب على هذه الأوضاع القلقة، وضرورة تسليمها لأمير قوي، أرسلوا إلى إيلغازي الأرتقي حاكم ديار بكر يطلبون منه القدوم لتسليمها إياه، فتقدم هذا إلى حلب عام 511هـ، وتولَّى مقاليد الأمور فيها، وفرض سيطرته على المواقع التابعة لها، ولكن انشغال الرجل بأمور ولايته في ديار بكر كان يضطره في كثير من الأحيان إلى الغياب عن حلب وإدارة ظهره لمشاكلها, وكان الصليبيون يستغلون ذلك ويشددون هجماتهم على حلب والمناطق المحيطة بها، حتى إذا توفي الرجل في رمضان عام 516هـ سعى الصليبيون لاستغلال الفرصة وانقسام إمارته بين أبنائه, وانعزال حلب عن
_________
(1) الجهاد ضد الصليبيين، ص 162، 163.
(2) المصدر نفسه، ص 163.
(3) دراسات تاريخية، ص 12، 13.
(1/583)

القوى المقاتلة في ديار بكر لتحقيق انتصارات سريعة في شمال الشام، ولكن ظهور ابن أخيه بلك بن بهرام وتوليه قيادة حركة الجهاد ضد الغزاة؛ قطع الطريق على هؤلاء، وأنقذ حلب من خطر محقق، غير أن مقتل بلك بعد سنتين من توليه الحكم وانتقال إمارته إلى ابن عمه حسام الدين تمرتاش الذي تميز بالضعف والانهزامية، فتح الطريق ثانية أمام الصليبيين لكي يشددوا النكير على حلب ويحققوا حلمهم بالسيطرة عليها، ويصف المؤرخ ابن العديم كيف تدهورت الأوضاع في حلب إثر تولي تمرتاش الحكم، ويقول: فأما تمرتاش فإنه لما ملك حلب، ألهاه الصبا واللعب عن التشمير والجد والنظر في أمور الملك، ففسدت الأحوال وضعف أمر المسلمين بذلك (1). وقد بدأ تمرتاش ولايته بإطلاق سراح بلدوين الثاني ملك بيت المقدس الذي كان بلك قد أسره في إحدى معاركه ضد الغزاة، وذلك لقاء مبلغ تافه من المال، وقد أطلقه تمرتاش من معتقله وأحضره إلى مجلسه، فأكلا وتشاربا وخلع عليه تمرتاش قباءً ملكياً، وأعيد إليه الحصان الذي كان قد أخذه منه بلك يوم أسره (2).
ولم يلبث تمرتاش - بعدها - أن انسحب إلى ولايته في ديار بكر لكي يتبع سياسة انعزالية فلا يرمي بسهم ضد الغزاة, وبهذا أتيحت لهؤلاء الفرصة - كرة أخرى - لتضييق الخناق على حلب والسعي لتحقيق هدفهم الذي عجزوا عنه في السنين السابقة، وهكذا شهدت حلب في عام 518هـ حصاراً من أخطر ما تعرضت له في تاريخ الحروب الصليبية الطويل (3).

ب- خيانة دبيس بن صدقة المزيدي أمير الحلة: بدأت المحاولة له بخيانة تقدم بها أحد الأمراء العرب: دبيس بن صدقة المزيدي أمير الحلة الواقعة جنوبي بغداد، والهارب من وجه الخلافة العباسية والسلطنة السلجوقية بسبب استفزاره المستمر لهما وتآمره عليهما، قال للصليبيين بأن له أنصاراً في حلب، وأنهم متى رأوه على رؤوس المهاجمين سلموا إليه البلد, ومما قاله للصليبيين: إن أهلها شيعة وهم يميلون إليّ لأجل المذهب، فمتى رأوني سلموا البلد إليَّ، وبذل لهم على مساعدته بذولاً كثيرة (4). ووعد بلدوين أمير أنطاكية وجوسلين أمير الرها بأنه سيقدم لهما الكثير لقاء مساعدتهما له، وقال لهما: إنني أكون في حلب نائباً عنكم مطيعاً لكم (5). وتمكن -أخيراً - من التوصل مع الصليبيين إلى اتفاق تكون حلب بموجبه له، أما الأموال فتكون لهم، فضلاً عن بعض المواقع القريبة من حلب (6)، وتقدم بلدوين على رأس قواته ونزل على نهر قويق قريباً من حلب، وأفسد المناطق الزراعية المحيطة به، ثم رحل إلى حلب فنزل
_________
(1) زبدة الحلب (2/ 220).
(2) الاعتبار، ص 103، 120 - 121.
(3) دراسات تاريخية, د. عماد الدين خليل، ص 14.
(4) الكامل في التاريخ (8/ 642).
(5) ذيل تاريخ دمشق، ص 212.
(6) الاعتبار، ص 103، زبدة الحلب (2/ 222 - 223).
(1/584)

عليها في أواخر شعبان 518هـ، وتقدم جوسلين أمير الرها بصحبة دبيس بن صدقة (1) - وكان دبيس شيعياً كآبائه (2) - صوب ناحية أخرى من أعمال حلب، وقاما بتدمير مزروعاتها، وقدرت الخسائر بما يقرب من مائة ألف دينار، ومن ثم رحلا ونزلا مع بلدوين على حلب، واجتمع بهم هناك خونة، آخرون من أجل تطمين مصالحهم واقتسام الغنائم في حالة سقوط حلب: سلطان شاه بن رضوان السلجوقي، عيسى بن سالم بن مالك العقيلي، ياغي سيان بن عبد الجبار الأرتقي .. وفرضوا جميعاً الحصار على حلب من شتى جهاتها (3).
ووطَّنوا أنفسهم على المقام الطويل، وأنهم لا يغادرونها حتى يملكوها، وبنوا البيوت لأجل البرد والحر (4)، فضلاً عن ثلاثمائة من الخيام، بينما لم يكن في حلب يومها سوى خمسمائة فارس (5).

ج- أعمال استفزازية صليبية ضد أهالي حلب: بدأ الغزاة بشن هجماتهم الدورية على حلب، وقطعوا أشجارها، وأفسدوا بساتينها وزروعها في محاولة لتدمير اقتصادياتها التي تعتمد على الزراعة بالدرجة الأولى، كما قاموا بتخريب مشاهد المسلمين ونبشوا قبور موتاهم، وسلبوا أكفانهم، وجعلوا من توابيتهم أوعية يتناولون بها طعامهم, وعمدوا إلى من لم تتقطع أوصاله منهم فربطوا في أرجلهم الحبال وسحبوهم أمام أنظار المسلمين المحاصرين في حلب، وجعلوا يصيحون: هذا نبيكم محمد!! وأخذت جماعة منهم مصحفاً من المشاهد المحيطة بحلب وصاحوا: يا مسلمون أبصروا كتابكم!! ثم ثقبه أحدهم بيده ثم شده بخيطين وربطه بأسفل برذون قريب فراح هذا يروث عليه .. وكلما أبصر صاحبه الروث يتساقط على المصحف الشريف صفق بيديه وضحك عجباً وزهواً (6).

د- المقاومة الحلبية الشعبية: لم يكتف الصليبيون بهذا, بل راحوا يمثلون بكل من يقع بأيديهم من المسلمين، فاضطر هؤلاء إلى مجاراتهم بالمثل، وكان يقود المقاومة الإسلامية القاضي أبو الفضل بن الخشاب الذي كان قد تمرّس في أعمال الدفاع منذ بداية العقد، وكان يملك شعبية واسعة في حلب فأصدر أوامره بتوجيه ضربات مباشرة في قلب معسكرات الغزاة, فكانت جماعة من مقاتلي حلب تخرج سراً لتغير على هذه المعسكرات، فتقتل وتأسر وتقفل عائدة من حيث أتت ... وفي الوقت نفسه كانت الرسل تتردد بين الطرفين للتوصل إلى
_________
(1) دراسات تاريخية, د. عماد الدين خليل، ص 15.
(2) سير أعلام النبلاء (19/ 613).
(3) زبدة الحلب (2/ 225 - 226).
(4) الكامل في التاريخ (8/ 642).
(5) زبدة الحلب (2/ 224 - 225) , دراسات تاريخية، ص 15.
(6) دراسات تاريخية، ص 15.
(1/585)

اتفاق ولكن دون جدوى (1).

هـ - استنجاد أهالي حلب بأمير ديار بكر: ضاق الأمر بالمسلمين في حلب واعتصرهم الإرهاق والجوع، فاتفق أميرهم بدر الدين الأرتقي وجماعة من كبار المسئولين على إرسال وفد من زعماء حلب إلى ديار بكر للاستنجاد بأميرها حسام الدين تمرتاش, وتسلَّل أعضاء الوفد الثلاثة ليلاً ومضوا إلى ماردين - قاعدة ديار بكر - ليستغيثوا بأميرها علَّه يولي اهتماماً لما تعانيه حلب من ويلات. وعندما وصلوا إلى هناك كان حسام الدين منهمكاً في الاستيلاء على بلاد أخيه سليمان الذي كان توفي في تلك السنة، الأمر الذي دفعه إلى إهمال شئون حلب وعدم الاستجابة لمطالب وفدها، وقد بقي أعضاء هذا الوفد فترة من الوقت في ماردين يحثون حسام الدين على التوجه إلى حلب لإنقاذها من الحصار، وهو يعدهم ويمنيهم ويماطلهم دون أن يقدم على أي إجراء, فأعلموه أنهم لا يريدون سوى أن يصل بنفسه، والحلبيون يكفونه أمر الغزاة (2) إلا أن مساعيهم فشلت, وفي نهاية المطاف تمكن الوفد من الخلاص من مراقبة حسام الدين التي فرضها عليهم حتى لا يغادروا ماردين للاستنجاد بأمير آخر، خوفاً من ازدياد ضعف مركزه وفقدانه مدينة حلب، واستطاع الوفد الاتصال بوالي الموصل السلجوقي آق سنقر البرسقي (3).

و- آق سنقر البرسقى واستجابته لاستغاثة أهل حلب: كان البرسقي حينذاك مريضاً، وكان الضعف قد بلغ منه مبلغاً عظيماً، فمنع الناس من الدخول عليه إلاَّ الأطباء ووصل إلى دبيس من أخبره بذلك، فأعلن البشائر في عسكره وارتفع عنده التكبير والتهليل، ونادى بعض أصحابه أهل حلب: قد مات من أملتم نصره؛ فكادت أنفس الحلبيين تزهق (4)، وعندما استؤذن للوفد الحلبي بالدخول أذن البرسقي لهم، فدخلوا عليه واستغاثوا به. وشرحوا له الأخطار التي تحيق بحلب ومدى الصعوبات التي يعانيها أهل المدينة، فأجابهم الرجل: إنكم ترون ما أنا الآن فيه من المرض، ولكني قد جعلت لله عليَّ نذراً لئن عافاني من مرضي هذا لأبذلن جهدي في أمركم والذب عن بلدكم وقتال أعدائكم, ولم تمض ثلاثة أيام على مقابلته تلك حتى فارقته الحمى، وتماثل للشفاء، وسرعان ما ضرب خيمته بظاهر الموصل، ونادى قواته لأن تتأهب لقتال الصليبيين وإنقاذ حلب، وفي غضون أيام معدودات غدا جيشه على أهبة الاستعداد, فغادر الموصل متجهاً إلى الرحبة، وأرسل من هناك إلى
_________
(1) دراسات تاريخية، ص 16، ذيل تاريخ دمشق، ص 212.
(2) دراسات تاريخية، ص 16.
(3) زبدة الحلب (2/ 227) , دراسات تاريخية، ص 17.
(4) دراسات تاريخية، ص 17.
(1/586)

طغتكين أمير دمشق وخير خان أمير حمص يطلب منهما مساعدته في إنجاز مهمته، فلبى هذان الأميران دعوته وبعثا عساكرهما للانضمام إلى جيش البرسقي الذي كان قد تحرك آنذاك صوب بالس القريبة من حلب, وأرسل من هناك إلى مسئوليها وشرط عليهم تسليم قلعة حلب لنوابه لكي يحتمى بها في حالة انهزامه أمام الصليبين فأجابوه إلى طلبه، وما أن استتب الأمر لهؤلاء النواب وأطمأن الرجال إلى وجود حماية أمنية في حال تراجعه، حتى بدأ زحفه صوب مواقع القوات الصليبية التي تطوق حلب (1).
وصلت قوات طلائع البرسقي حلب يوم الخميس الثاني والعشرين من ذي الحجة من سنة 518هـ وما أن اقترب البرسقي بقواته المنظمة حتى أسرع الصليبيون في التحول إلى منطقة أفضل من الناحية الدفاعية، فعسكروا في جبل جوسن على الطريق إلى أنطاكية، وهكذا غدوا في حالة الدفاع بعد أن كانوا مهاجمين، وخرج الحلبيون إلى خيامهم فنالوا منها ما أرادوا، بنيما اتجه قسم آخر منهم لاستقبال البرسقي والاحتفاء به لدى وصوله، وقد أدرك الرجل ما يرمي إليه الصليبيون بانسحابهم واتخاذهم موقفاً دفاعياً، فلم يتسرع بمهاجمتهم قبل أن يعيد تنظيم قواته من جديد، خوفاً من نزول هزيمة فادحة بعساكره قد تعرض حلب للسقوط، وأرسل طلائعه الكشفية لرد القوات المتقدمة إلى معسكراتها في حلب, وقال موضحاً خطته هذه: ما يؤمننا أن يرجعوا علينا ويهلك المسلمون؟ ولكن قد كفى الله شرهم، فلندخل إلى البلد ونقويه وننظر إلى مصالحه، ونجمع لهم إن شاء الله، ثم نخرج بعد ذلك إليهم. ومن ثم دخل البرسقي حلب، وبدأ بحل مشاكلها ورفع مستواها الاقتصادي والاجتماعي، فنشر العدل, وأصدر مرسوماً برفع المكوس والمظالم المالية وإلغاء صادرات، وعمَّت عدالته الحلبيين جميعاً بعدما منوا به من الظلم والمصادرات, وتحكم المتسلطين طيلة فترة الحصار الصليبي (2)، ولم يكتف البرسقي بذلك، بل قام بنشاط واسع بجلب المؤن والغلال إلى المدينة كي يخفف من حدة الغلاء، ويقضي على الضائقة التي يعانيها الحلبيون، وما لبث النشاط الزراعي في منطقة حلب أن عاد إلى حالته الطبيعية، حيث استأنف المزارعون العمل في الأراضي التي شردوا منها، كما عاد النشاط التجاري إلى سابق عهده اعتماداً على ما تمتعت به المنطقة من أمن واستقرار (3).
وهكذا استطاع البرسقي أن يحطم الطوق الذي أحاط به الصليبيون حلب، وأن يخلص هذا الموقع الهام من أخطر محنة جابهته طيلة الحروب الصليبية ويوحده مع الموصل لأول مرة منذ بدء هذه الحروب، الأمر الذي أتاح لهذا القائد ولعماد الدين زنكي من بعده أن يفيد من هذه
_________
(1) نهر الذهب للغزي (3/ 86 - 87) , دراسات تاريخية، ص 18.
(2) زبدة الحلب (2/ 229 - 230) , دراسات تاريخية، ص 19.
(3) دراسات تاريخية، ص 19.
(1/587)

الوحدة لتحقيق انتصارات عديدة ضد الغزاة (1). يقول المؤرخ الإنكليزي المعاصر ستيفن رنسيمان: ... سرعان ما غدت الإمارة التي شكلها البرسقي نواة لما قام بعدئذ بالشام من دولة إسلامية متحدة زمن الزنكيين والأيوبيين والمماليك، ولم يكن الصليبيون الذين وحد بينهم نظام الملكية في بيت المقدس، يواجهون قبل ذلك جبهات متحدة، وما حدث - إذن - من توحيد حلب مع الموصل يعتبر بدء توحيد الجبهة الإسلامية التي قدر لها أن تقضي في يوم من الأيام على قوة الصليبيين في الشام (2).

ز- مقتل البرسقي: في سنة 520هـ ثامن ذي القعدة، قتل قسيم الدولة آق سنقر البرسقي صاحب الموصل، قتلته الباطنية بمدينة الموصل يوم جمعة بالجامع وكان يصلي الجمعة مع العامة, وكان قد رأى تلك الليلة في منامه أن عدة من الكلاب ثاروا به، فقتل بعضها، ونال منه الباقي ما أذاه, فقص رؤياه على أصحابه، فأشاروا عليه بترك الخروج من داره عدة أيام فقال: لا أترك الجمعة لشيء أبداً، فغلبوا على رأيه، ومنعوه من قصد الجمعة، فعزم على ذلك، فأخذ المصحف يقرأ فيه، فأول ما قرأ {وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا} [الأحزاب: 38]، فركب إلى الجامع على عادته، وكان يصلي في الصف الأول، فوثب عليه بضعة عشر نفساً عدة الكلاب التي رآها، فجرحوه بالسكاكين، فجرح هو بيده منهم ثلاثة وقتل رحمه الله، وكان مملوكاً تركياً خيراً، يحب أهل العلم والصالحين، ويرى العدل ويفعله, وكان من خير الولاة, يحافظ على الصلوات في أوقاتها، ويصلي من الليل متهجداً (3).

ح- الباطنية من أخطر معوقات حركة الجهاد: أثبت الباطنية عداءهم الكامل لقادة الجهاد الإسلامي في ذلك العصر، وكأن خناجرهم المسمومة كانت تشق للصليبيين طريقاً نحو تثبيت أقدامهم في بلاد الشام والجزيرة على حساب المسلمين, وهكذا أثبتت وقائع التاريخ كيف التقى قادة الجهاد الإسلامي في ذلك العصر في بعض الأحيان - في الشهادة - فمن قبل اغتيل شرف الدين مودود، والآن نجد آق سنقر البرسقي يلقى نفس المصير، وقد عكس ذلك كله: أن مسلك الإسماعيلية النزارية في ذلك الحين كان من أخطر معوقات حركة الجهاد ضد الغزاة نظراً لوجود عدوين في وقت واحد أمام القيادات المسلمة السنية على نحو عكس المشاق البالغة التي واجهت أولئك القادة (4) في الدفاع عن عقيدة الأمة ودينها وأعراضها.
_________
(1) المصدر نفسه، ص 20.
(2) الشرق الأوسط والحروب الصليبية (1/ 345، 485 - 486).
(3) الكامل في التاريخ (8/ 651).
(4) الحروب الصليبية - العلاقات بين الشرق والغرب، ص 161.
(1/588)

هذا وإن كان آق سنقر البرسقي قد استشهد فإن قائمة المجاهدين عامرة ومتأهبة للقتال في سبيل الله، ففي ربيع الآخر من عام 521هـ/1127م عهد السلطان محمود إمارة الموصل إلى عماد الدين زنكي وبظهوره على مسرح الأحداث بدأت صفحة جديدة في ميزان القوى بين المسلمين والصليبيين (1)، وقد بدأ عماد الدين بتكوين جبهة إسلامية متحدة ضد الصليبيين, فسيطر على القلاع القريبة منه مثل جزيرة ابن عمر ونصيبين وسنجار وبلاد الخابور وحران، ثم اتجه تفكيره بعد ذلك للاستيلاء على حلب، أكبر المراكز الإسلامية بشمال الشام، وواتته الفرصة عندما علم باضطراب الأحوال بها وتهديد كل من جوسلين الثاني صاحب الرها بوهمند الثاني صاحب أنطاكية لها، فسارع عماد الدين زنكي إليها فلقيه أهلها بالبشر ودخل البلد في يوم الاثنين 13 جمادي الآخرة سنة 522هـ/ يونيو 1128م (2) , واستولى عليه ورتب أموره وأقطع أعماله الجنود والأمراء، ويؤكد ابن الأثير على أهمية هذا الفتح بقوله: ولولا أن الله تعالى منَّ على المسلمين بولاية الشهيد لكان الفرنج استولوا على الشام جميعه (3). وسوف يأتي الحديث عن عماد الدين والأسرة الزنكية في كتابنا القادم بإذن الله تعالى عن الحروب الصليبية في عهد الزنكيين وسيرة نور الدين محمود الشهيد الملك العادل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
_________
(1) دور الفقهاء والعلماء المسلمين في الشرق الأدنى في الجهاد ضد الصليبيين خلال الحركة الصليبية ص48.
(2) الكامل في التاريخ (8/ 663).
(3) المصدر نفسه (8/ 664).
(1/589)

جدول بأسماء القادة والعلماء
الذين اغتيلوا بيد الباطنية (1)
م ... اسم المغتال ... السنة ... كيفية وقوع حادث الاغتيال
1 ... الخليفة المسترشد بالله العباسي ... 529هـ ... هجم عليه بضعة عشر من الباطنية وطعنوه بالخناجر، ثم مثلوا به.
2 ... الخليفة الراشد العباسي ... 532هـ ... اغتيل غدراً في أصبهان.
3 ... الوزير نظام الملك السلجوقي ... 585هـ ... تقدم إليه باطني في صورة مستغيث ولما اقترب منه طعنه بسكين وقتله.
4 ... الوزير نظام الملك (أبو نصر) ... 503هـ ... وثب عليه جماعة من الباطنية وهو يؤدي الصلاة في الجامع وجرحوه عدة جراحات.
5 ... الوزير أبو المحاسن عبد الجليل الدهستاني ... 495هـ ... عدا عليه شاب باطني وجرحه عدة جراحات مات بعدها.
6 ... الوزير الكمال أبو طالب السميرمي ... 516هـ ... وثب عليه الباطنية وهو سائر في طريق ضيق وقتلوه.
7 ... الوزير معين الملك (أبو نصر) ... 521هـ ... وثب عليه باطني وهو غافل مطمئن فقتله، وكان هذا الباطني يعمل سائساً لخيل معين الملك ليصل إلى هدفه.
8 ... الوزير عضد الدين أبو الفرج بن رئيس الرؤساء ... 573هـ ... تقدم إليه جماعة من الباطنية في صورة فقراء ومعهم رقاع وهو في طريقه إلى الحج, فتقدم إليه أحدهم وضربه بسكين وتبعه ثان وثالث حتى قتلوه.
9 ... الوزير نظام الملك مسعود بن علي ... 596هـ ... قتله الباطنية غدراً.
_________
(1) الكامل: (8/ 200)، الكامل (8/ 319)، وهذا الجدول نُقل من كتاب الجهاد والتجديد ص 146، 147.
(1/590)

م ... اسم المغتال ... السنة ... كيفية وقوع حادث الاغتيال
10 ... الوزير فخر الملك أبو المظفر علي ابن نظام الملك ... 500هـ ... تقدم إليه شاب من الباطنية وهو يتظلم وفي يده رقعة، وبينما كان يقرؤها الوزير وثب عليه ذلك الشاب بخنجر كان معه وقتله.
11 ... الأمير بلكابك سرمز ... 493هـ ... طعنه الباطنية بسكاكينهم غدراً فقتلوه.
12 ... الأمير مودود ... 507هـ ... وثب عليه الباطنية بعد فراغه من أداء صلاة الجمعة في جامع دمشق وقتلوه.
13 ... الأمير أحمد بن إبراهيم الروادي ... 510هـ ... تقدم إليه رجل من الباطنية وهو يتظلم ويبكي ومد إليه رقعة سأله أن يوصلها له إلى السلطان، فلما أخذها منه وثب عليه ذلك الرجل على الفور بسكينه وقتله.
14 ... الأمير قسيم الدولة آق سنقر البرسقي ... 520هـ ... هجم عليه بضعة عشر نفراً من الباطنية في الجامع وهو يؤدي صلاة الجمعة فقتلوه.
15 ... الأمير تاج الملوك بوري بن طغتكين ... 525هـ ... هجم عليه اثنان من الباطنية وحاولا قتله، لكنه برئ من جراحه فيما بعد, ولكنه توفي في السنة التي بعدها متأثراً بأحد تلك الجراح.
16 ... الأمير آق سنقر الأحمديلي ... 527هـ ... قتله الباطنية غدراً.
17 ... الأمير أغلمش ... 614هـ ... قتله الباطنية غدراً.
18 ... الأمير شهاب الدين الغوري ... 602هـ ... قتله الباطنية غدراً وخوفاً منه ومن بطشه.
19 ... أمير من أمراء جلال الدين بن خوارزم شاه ... 264هـ ... قتله الباطنية غدراً.
(1/591)

م ... اسم المغتال ... السنة ... كيفية وقوع حادث الاغتيال
20 ... الأمير جناح الدولة حسين ... 495هـ ... وثب عليه ثلاثة من الباطنية في الجامع بعد فراغه من أداء صلاة الجمعة وقتلوه.
21 ... الأمير خلف بن ملاعب ... 499هـ ... قتله الباطنية غدراً.
22 ... الأمير شمس الملوك إسماعيل بن بوري ... 529هـ ... قتله الباطنية غدراً.
23 ... الأمير برسق الكبير ... 490هـ ... قتله الباطنية غدراً.
24 ... الأمير سيف الدين أخو علاء الدين الغوري ... 547هـ ... قتله الباطنية غدراً.
25 ... السلطان داود بن السلطان محمود ... 538هـ ... قتله الباطنية غدراً.
26 ... السلطان بكتمر ... 589هـ ... تقدم إليه وفد من الباطنية في زي الصوفية، وقدم إليه أحدهم قصة فأخذها وضربه بسكين على الفور وقتله.
27 ... السلطان صلاح الدين الأيوبي ... 570هـ ... حاولوا قتله داخل معسكر جيشه لكنهم فشلوا
28 ... السلطان صلاح الدين الأيوبي ... 571هـ ... حاولوا قتله وهو محاصر لحلب لكنهم فشلوا.
29 ... النائب نصر خان بن أرسلان خان محمد ... 524هـ ... قتله الباطنية غدراً.
30 ... المقرب جوهر ... 547هـ ... تعرض إليه جماعة من الباطنية في زي نساء واستغثن به، فوقف يسمع كلامهم، فوثبوا عليه وقتلوه.
31 ... أبو صالح بن العجمي ... 573هـ ... وثب عليه جماعة من الباطنية في الجامع وقتلوه.
(1/592)

م ... اسم المغتال ... السنة ... كيفية وقوع حادث الاغتيال
32 ... أخو الأمير قتادة أمير مكة ... 608هـ ... وثبوا عليه بمنى أيام الحج وقتلوه.
33 ... أبو القاسم ابن إمام الحرمين ... 492هـ ... قتله الباطنية غدراً.
34 ... الفقيه أحمد بن الحسين البلخي ... 494هـ ... قتله الباطنية غدراً.
35 ... الفقيه عبد اللطيف بن الخجندي ... 523هـ ... قتله الباطنية غدراً.
36 ... الفقيه أبو المحاسن الروياني ... 502هـ ... قتله الباطنية غدراً.
37 ... القاضي أبو العلاء مساعد النيسابوري ... 499هـ ... قتله الباطنية بجامع أصبهان.
38 ... القاضي عبيد الله بن علي الخطيبي ... 502هـ ... قتله الباطنية بالجامع وهو يؤدي صلاة الجمعة.
39 ... القاضي صاعد بن عبد الرحمن أبو العلاء ... 502هـ ... قتله الباطنية يوم عيد الفطر بنيسابور
40 ... القاضي أبو سعد محمد بن نصر الهروي ... 518هـ ... هجم عليه قوم من الباطنية في جامع همذان وقتلوه.
41 ... الواعظ أبو جعفر ابن المشاط ... 498هـ ... كان يدرس للناس في الجامع ولما نزل من على كرسيه وثب عليه باطني وقتله.
42 ... الواعظ أبو المظفر الخجندي ... 496هـ ... وكان يدرس للناس في الجامع ولما نزل من على كرسيه وثب عليه باطني وقتله.

* وبعد الإطلاع على الجدول السابق، يتبين لنا ضخامة الدور البشع لتلك
الحركات في القضاء على فاعلية الأمة وحيوتيها، في الصراع الدائر بين المسلمين
والغُزاة الصليبيين.
* ويتضح لنا من سلسلة الاغتيالات وتوقيتها، ونوع شخصياتها ملاحظات في غاية الأهمية منها:
(1/593)

1 - أن الذين قتلوا على يد الباطنيين، كانوا يمثلون مراكز القيادة والتوجيه في ميادين السياسة والفكر والجهاد في سبيل الله.
2 - أن تصفية هؤلاء، كان خدمة متعمدة لخدمة الصليبيين من جهة ولقيادة المذهب الإلحادي الخبيث من جهة أخرى.
3 - أن كثيرًا من ضحايا الاغتيال قتل وهو صائم، أو في وقت تأدية صلاة الجمعة أو خلال مجلس للوعظ الديني والإفتاء في بيوت الله (1).
* * *
_________
(1) التجديد والجهاد في القرن السادس الهجري، ص 150.
(1/594)

الخاتمة
وبعد فهذا ما يسره الله لي من جمع وترتيب وتحليل تضمنتها فصول هذا الكتاب الذي سميته «دولة السلاجقة وبروز مشروع إسلامي لمقاومة التغلغل الباطني والغزو الصليبي»، فما كان فيه من صواب فهو محض فضل الله عليَّ فله الحمد كما ينبغي لجلاله وله الثناء كما يليق بكماله، وله المجد كما تستدعيه عظمته وكبرياؤه, وما كان في هذا الكتاب من خطأ فأستغفر الله تعالى وأتوب إليه، والله ورسوله بريء منه، وحسبي أني كنت حريصاً ألاّ أقع في الخطأ، وعسى ألاّ أحُرم من الأجر، وأدعو الله تعالى أن ينفع بهذا الكتاب إخواني المسلمين, وأن يذكرني من يقرؤه في دعائه, فإن دعوة الأخ لأخيه في ظهر الغيب مستجابة إن شاء الله تعالى. وأختم هذا الكتاب بقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}
[الحشر: 10].
فهذا الكتاب تحدث عن حقبة مهمة من تاريخنا في العراق والشام، فقد قاوم أجدادنا البواسل التغلغل الباطني في الأمة وتصدوا للغزو الخارجي, ولا يزال الصراع مستمراً والغلبة بإذن الله تعالى للإسلام والمسلمين في نهاية المطاف، كما أننا على يقين برجوع العراق إلى أحفاد الصحابة ونور الدين وصلاح الدين وصالحي أهل العراق، كما أن فلسطين سوف ترجع بإذن الله تعالى لأمتنا الإسلامية مهما طال الزمن, وأختم هذا الكتاب بقول الشاعر أحمد بن عقيلان:
أنا مؤمن أن اليهود وإن طغوا ... ستؤول دولتهم إلى أيدينا
والله لن يحظوا بنوم هانئ ... ما دام عرق الدين ينبض فينا
إسلامنا لا يقبل استسلامنا ... اسأل به كسرى وقسطنطينا
واسأل عماد الدين عن حصن الرُّها ... واسأل صلاح الدين عن حطينا

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
(1/595)

فهرس المصادر والمراجع
1 - ابن الحنبلي وكتابة الرسالة الواضحة في الرد على الأشاعرة, دراسة وتحقيق: علي بن عبد العزيز ابن علي الشبل، مجموعة التحف والنفائس الدَّولية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2001م.
2 - أبو حامد الغزالي دراسات في فكره وعصره وتأثيره, منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط سلسلة: ندوات ومناظرات رقم 9.
3 - أبو حامد الغزالي والتصوف، عبد الرحمن دمشية، دار طيبة، الرياض، الطبعة الثانية.
4 - إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين للمرتضى الزبيدي، طبع دار الفكر، بدون تاريخ.
5 - اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا، أحمد بن علي المقريزي، تحقيق الشيال، طبع في القاهرة عام 1387هـ.
6 - أثر الحركات الباطنية في عرقلة الجهاد ضد الصليبين, إعداد الطالب يوسف إبراهيم الزاملي - رسالة ماجستير - جامعة أم القرى - مكة المكرمة 1407هـ.
7 - أثر الشرق الإسلامي في الفكر الأوروبي خلال الحروب, د. عبد الله بن عبد الرحمن الربيعي، الرياض, 1415هـ.
8 - اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية لابن القيم، نشر المكتبة السلفية بالمدينة.
9 - الأحكام السلطانية والولايات الدينية للماوردي، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان, 1982م.
10 - الأحكام في أصول الأحكام، سيف الدين علي بن محمد الآمدي، دار الفكر 1401هـ.
11 - الأحوال السياسية والدينية في بلاد العراق والمشرق الإسلامي في عهد الخليفة القائم بأمر الله العباسي، محمود عرفه محمود، الحولية العاشرة، كلية الآداب, الكويت.
12 - إحياء علوم الدين، أبو حامد محمد الغزالي، دار الندوة الجديدة، بيروت لبنان.
13 - أخبار الأعيان في جبل لبنان، الشيخ طنوس بن يوسف الشدياق، بيروت، لبنان، 1954م.
14 - أخبار الدول المنقطعة، أبو الحسن علي بن منصور بن حسين الأزدي، مؤسسة حمادة للخدمات والدراسات الجامعية الأردن, 1999م.
15 - أخبار الدول وآثار الأول في التاريخ، أحمد يوسف القرماني، عالم الكتب، بيروت، لبنان، ط1, 1412هـ، 1992م.
(1/596)

16 - أخبار الدولة السلجوقية، تصحيح محمد إقبال، لاهور 1933م.
17 - أخطاء يجب أن تصحح في التاريخ - الطريق إلى بيت المقدس، د. جمال عبد الهادي محمد د. وفاء محمد رفعت, دار التوزيع والنشر الإسلامية، الطبعة الثانية 2001م.
18 - آداب الشافعي ومناقبه، الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، تحقيق د. عبد الغني عبد الخالق.
19 - الإدارة التربوية في المدارس في العصر العباسي، محمد علي الرجوب، مؤسسة حمادة للدراسات الجامعية والنشر والتوزيع, الأردن أربد.
20 - إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول, محمد بن علي الشوكاني، دار المعرفة
بيروت - 1399هـ.
21 - أسباب الضعف في الأمة الإسلامية، د. محمد سيد الوكيل، دار المجتمع, جدة، ط1، 1414هـ.
22 - الاستقامة، لابن تيمية, تحقيق محمد رشاد سالم, ط الأولى 1403هـ/1983م.
23 - الإسلام في حضارته ونظمه الإدارية والسياسية والأدبية والعلمية والاجتماعية والاقتصادية والفنية, أنور الرفاعي, دار الفكر؛ دمشق 1402هـ/1982م.
24 - الإسلام وحركة التاريخ، أنور الجندي.
25 - الإسماعيلية المعاصرة، محمد أحمد الجوير، دار طيبة الرياض، الطبعة الثانية.
26 - الإصابة في تمييز الصحابة للحافظ ابن حجر، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى.
27 - أصول الإسماعيلية د. سليمان عبد الله السّلومي, دار الفضيلة، الرياض، ط1، 2001م.
28 - أصول التربية الإسلامية وأساليبها للنحلاوي.
29 - أصول الدين للبغدادي، لأبي منصور عبد القاهر التميمي البغدادي، دار الكتب العلمية، بيروت ط 2، 1400هـ - 1980م.
30 - الاعتبار لأسامة بن منقذ, حّرره فيليب حتى، مكتبة الثقافة الدينية.
31 - الاعتصام للشاطبي، ضبطه وصححه أحمد عبد الشافي، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، ط2، عام 1411هـ - 1991م.
32 - اعتقاد أهل السنة والحديث - شرح جملة ما حكاه عنهم أبو الحسن الأشعري وقرره في مقالاته د. محمد عبد الرحمن الخميس.
33 - إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم الجوزية, مطابع الإسلام - القاهرة - 1400هـ.
(1/597)

34 - أعيان الشيعة، محمد الأمين العاملي، مطبعة الإنصاف - بيروت 1950م.
35 - إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر ابن القيم، تحقيق: محمد الفقي، مطبعة الحلبي عام 1357هـ.
36 - إلجام العوام عن علم الكلام، لأبي حامد الغزالي.
37 - الألقاب الإسلامية في التاريخ والوثائق والآثار، حسن الباشا، القاهرة، 1978م.
38 - الأم، للإمام الشافعي، دار المعرفة - بيروت.
39 - الإمارات الأرتقية في الشام والجزيرة، عماد الدين خليل.
40 - إمارة أنطاكية دراسة في علاقتها السياسية بالقوى الإسلامية، طلب صبار محل الجنابي، جامعة بغداد، كلية التربية، رسالة دكتوراه لم تطبع.
41 - إمارة حلب في ظل الحكم السلجوقي, محمد ضامن، دار أسامة، دمشق، بيروت 1990م.
42 - الإمام الغزالي، صالح الشامي، دار القلم، دمشق, الطبعة الأولى 1413هـ - 1993م.
43 - الأنباء في تاريخ الخلفاء، ابن العمراني محمد بن علي بن محمد، تحقيق: قامس السامرائي.
44 - الإنسان في فكر إخوان الصفا، د. عبد اللطيف محمد، مكتبة الأنجلو المصرية دار العلم للطباعة - القاهرة.
45 - أوربا في العصور الوسطى، سعيد عبد الفتاح عاشور.
46 - الأوضاع الحضارية في بلاد الشام في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين، محمد الحويري، دار المعارف القاهرة، 1979م.
47 - أيعيد التاريخ نفسه، محمد العبده، المنتدى الإسلامي.
48 - بدائع السلك في طبائع الملك، محمد بن علي الأزرق، تحقيق: علي سامي النشار، منشورات وزارة الإعلام، بغداد 1977م.
49 - البداية والنهاية، لابن كثير، مركز البحوث والدراسات بدار هجر مصر، ط1, 1419هـ.
50 - بغداد مدينة السلام، ريجارد كوك، ترجمة فؤاد جميل ومصطفى جواد، جامعة بغداد 1962م.
51 - البغوي ومنهجه في التفسير، عفاف عبد الغفور، الفرقان للنشر والتوزيع، عمان، ط1، 1982م.
52 - بناء الجبهة الإسلامية المتحدة وأثرها في التصدي للصليبيين، محمد الحويري، دار المعارف 1992م.
53 - بنو مرداس الكلابيون في حلب وشمال الشام وسياستهم الخارجية مع دولتي الفواطم
(1/598)

والروم، محمد أحمد عبد المولى, دار المعرفة الجامعية الإسكندرية 1405هـ/1985م.
54 - تاريخ ابن أبي الهيجاء، عز الدين محمد بن أبي الهيجاء الأربلي، تحقيق: صبحي عبد المنعم أحمد، الطبعة الأولى، القاهرة 1413هـ/1993م.
55 - تاريخ الأدب العربي، كارل بروكلمان.
56 - تاريخ الإسلام، حسن إبراهيم حسن، مكتبة النهضة المصرية 1982م, ط2.
57 - التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية د. أحمد شلبي.
58 - التاريخ الإسلامي، الدولة العباسية، محمود شاكر, المكتب الإسلامي.
59 - تاريخ الأعظمية، مدينة الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، تأليف الخطاط وليد الأعظمي، دار البشائر الإسلامية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 1420هـ/1999م.
60 - تاريخ الأمم والملوك للطبري، محمد بن جرير الطبري، دمشق، دار الفكر, 1399هـ - 1979م.
61 - التاريخ الباهر في الدولة الأتابكية، تحقيق: عبد القادر أحمد طليمات، دار الكتب الحديثة بالقاهرة ومكتبة المثنى بغداد، 1382هـ/1963م.
62 - تاريخ البيمارستانات في الإسلام، أحمد عيسى، دار الرائد العربي، بيروت، لبنان 1981م.
63 - تاريخ البيهقي، أبو الفضل، محمد حسين، ترجمة يحيى الخشاب، وصادق نشأت، دار النهضة العربية، بيروت 1982م.
64 - تاريخ التربية الإسلامية، أحمد شلبي، مكتبة النهضة المصرية القاهرة.
65 - تاريخ التربية عند الإمامية، وأسلافهم من الشيعة بين عهدي: الصادق والطوسي، عبد الله فياض، مطبعة أسعد بغداد 1972م.
66 - تاريخ الترك في آسيا الوسطى، ترجمة أحمد العيد للسيد بارتولد، مطبعة الأنجلو المصرية 1958م.
67 - تاريخ الحركات السرية، محمد عنان.
68 - تاريخ الحروب الصليبية، محمود سعيد عمران، دار النهضة العربية، بيروت, ط2, 1999م.
69 - تاريخ الحملة إلى القدس، فوشيه الشارترى، ترجمة زياد العسلي، دار الشروق، عمان 1990م.
70 - تاريخ الخلفاء، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر، تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد.
71 - تاريخ الدعوة الإسماعيلية، مصطفى غالب.
(1/599)

72 - تاريخ الدولة الفاطمية، د. محمد طقوش، دار النفائس.
73 - تاريخ الزمان، أبو الفرج جمال الدين بن هارون، ترجمة إسحاق رملة، دار المشرق، بيروت.
74 - تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام، د. محمد سهيل طقوش، دار النفائس، ط1، 1999م.
75 - تاريخ السلاجقة في بلاد الشام، محمد سهيل طقوش, دار النفائس، بيروت, ط1، 2002م.
76 - التاريخ السياسي والفكري, د. عبد المجيد أبو الفتوح, دار الوفاء، المنصورة بمصر، ط2، 1988م.
77 - التاريخ العباسي, إبراهيم أيوب، الشركة العالمية للكتب بيروت, 1989م.
78 - تاريخ العراق في العصر السلجوقي، حسين أمين، مطبعة الإرشاد 1385هـ/1965م.
79 - تاريخ الفارقي، أحمد بن يوسف بن علي الفارقي، حققه وقدم له بدوي عبد اللطيف عوض، دار الكتاب اللبناني، بيروت 1974م.
80 - تاريخ الفاطميين في شمال إفريقية، محمد طقوش, دار النفائس، بيروت، لبنان.
81 - تاريخ الموصل، سعيد الديوه جي، مطبوعات المجمع العلمي العراقي 1402هـ/1982م.
82 - تاريخ الوطن العربي والغزو الصليبي، د. خاشع المعاضيدي, د. سوادي محمد دريد عبد القادر نوري، الطبعة الثانية 1986م.
83 - تاريخ إيران، شاهين مكاريوس، مطبعة المقتطف، القاهرة، 1898م.
84 - تاريخ بخارى منذ أقدم العصور، للنرشخي، أبو بكر محمد بن جعفر, عرّبه عن الفارسية، وحققه د. أمين بدوي نصر الله الطرازي، دار المعارف، القاهرة ط3.
85 - تاريخ بخارى، أرمينوس فامبري، نهضة الشرق، القاهرة، 1987م.
86 - تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي، دار الكتاب الغربي بيروت، بدون تاريخ.
87 - تاريخ بلاد الشام في العصر العباسي 132هـ - 463هـ، أحمد علي إسماعيل دار دمشق 1984م.
88 - تاريخ حلب، محمد علي العظيمي, تحقيق إبراهيم زعرور، دمشق، 1984م.
89 - تاريخ دولة آل سلجوق، محمد بن محمد بن حامد الأصفهاني، اختصار الشيخ الإمام الفتح بن علي بن محمد البداري الأصفهاني, دار الآفاق الجديدة، بيروت، الطبعة الثالثة 1400هـ/1980م.
(1/600)

90 - تاريخ دولتي المرابطين والموحدين للصَّلاَّبي، دار المعرفة، بيروت لبنان, الطبعة الأولى 2005م.
91 - تاريخ سلاجقة الروم في آسيا الصغرى، د. محمد سهيل طقّوش، دار النفائس، بيروت, ط1، 2002م.
92 - تاريخ طرابلس, د. السيد عبد العزيز سالم.
93 - تاريخ فلاسفة الإسلام في الشرق والغرب، محمد لطفي جمعه.
94 - تاريخ مصر الإسلامية حتى نهاية العصر الفاطمي، د. السيد عبد العزيز سالم, د. سحر السيد عبد العزيز سالم، مؤسسة شباب الجامعة الإسكندرية.
95 - تاريخنا بين تزوير الأعداء وغفلة الأبناء، يوسف العظم، دار القلم دمشق، ط1, 1998م.
96 - التبر المسبوك في نصيحة الملوك، الغزالي، تحقيق محمد أحمد دمج، ط1, بيروت, 1987م.
97 - تبصرة أرباب الألباب في كيفية النجاة في الحروب من الأسواء ونشر اعلام الأعلام في العدد والآلات المعينة على لقاء الأعداء، مرضي بن علي بن مرضي الطرسوسي، تحقيق: كلود كاهن.
98 - تبيين كذب المفتري، لابن عساكر، أبو القاسم علي بن الحسن, دار الكتاب العربي، بيروت, 1399هـ.
99 - التجديد في الفكر الإسلامي, د. عدنان محمد أسامة، دار ابن الجوزي، ط1, 1424هـ.
100 - التحفة الملوكية في الدولة التركية، بيبرس المنصوري, تاريخ دولة المماليك البحرية في الفترة من 648 - 711 هـ, نشر عبد الحميد صالح حمدان, الدار المصرية, الطبعة الأولى 1987م.
101 - تدوين السنة النبوية, د. محمد مطر الزهراني، دار الخضيري، ط2, 1419هـ.
102 - تذكرة الحفاظ للذهبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد، نشر دار إحياء التراث العربي، بيروت.
103 - التسلل الباطني في العراق، مكي خليل، رسالة جامعية نوقشت بالعراق.
104 - التصوف الإسلامي في مراحل تطوره، د. عبد المحسن سلطان، دار الآفاق العربية 2003م.
105 - التصوف بين الغزالي وابن تيمية، د. عبد الفتاح محمد سيد أحمد، دار الوفاء، المنصورة، الطبعة الأولى 1420هـ - 2000م.
106 - تطور مفهوم النظرية التربوية الإسلامية، ماجد عرسان, دار القلم، دبي- الإمارات.
107 - تطورات الأحداث السياسية بين العباسيين والفاطميين, بتول إبراهيم العباسي، جامعة
(1/601)

بغداد، جزء من متطلبات درجة الماجستير لم تُطبع.
108 - التعليم الإسلامي بين الأصالة والتجديد، فاروق السامرائي, رسالة دكتوراه في الدعوة والتربية الإسلامية، الجامعة الإسلامية 1989م.
109 - تفريج الكروب في تدبير الحروب, مؤلف مجهول، مؤلفه ألفه للملك الناصر فرج بن برقوق.
110 - تفسير القرطبي لأبي عبد الله القرطبي.
111 - تلبيس إبليس، أو نقد العلم والعلماء لابن الجوزي, صححه وعلق عليه محمد منير الدمشقي, إدارة الطباعة المنبرية، القاهرة.
112 - تهافت الفلاسفة، لأبي حامد الغزالي، تحقيق: سليمان دنيا.
113 - تهذيب الأسماء واللغات لأبي زكريا محيى الدين بن شرف النووي، إدارة الطباعة المنيرية.
114 - توالي التأسيس، لمعالي محمد بن إدريس، للحافظ ابن حجر، حققه أبو الفداء عبد الله القاضي, دار الكتب العلمية بيروت ط 1، 1406هـ.
115 - جلاء العينين في محاكمة الأحمدين: لابن الآلوسي البغدادي، نشر دار الكتب العلمية، بيروت.
116 - جهاد المسلمين في الحروب الصليبية، د. فايد حماد عاشور, مؤسسة الرسالة، بيروت، 1401هـ.
117 - الجهاد ضد الصليبيين في الشرق الإسلامي، مسفر بن سالم بن عريج الغامدي، دار المطبوعات الحديثة، الطبعة الأولى 1406هـ - 1986م.
118 - الجهاد من الهجرة إلى الدعوة والدولة، محمد الرحموني, دار الطليعة، بيروت، ط1, 2002م.
119 - الجهاد والتجديد في القرن السادس، محمد حامد الناصر, مكتبة الكوثر الرياض، ط1، 1998م.
120 - جهود علماء السلف في القرن السادس الهجري في الرد على الصوفية, د. محمد أحمد بن على الجوير، مكتبة الرشد, الطبعة الأولى 1424هـ - 2003م.
121 - الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، لابن تيمية، أشرف على طبعه، علي الصبح المدني، مطبعة المدني.
(1/602)

122 - الجيش الأيوبي في عهد صلاح الدين، محسن محمد حسين، مؤسسة الرسالة، بيروت 1986م.
123 - جيش مصر في أيام صلاح الدين، مكتبة النهضة المصرية, 1959م.
124 - جيش مصر في أيام صلاح الدين، نظير سعداوي، مكتبة النهضة المصرية 1959م.
125 - الجيش وتأثيراته في سياسة الدولة الإسلامية منذ تأسيسها وحتى سقوط بغداد.
126 - الحرب الصليبية الأولى, د. حسن حبشي, طبعة القاهرة 1947م.
127 - الحرب الصليبية العلاقات بين الشرق، محمد مؤنس.
128 - الحرب المقدسة الحملات الصليبية وأثرها على العالم اليوم, كارين أرمسترونغ، دار الكتاب العربي، بيروت لبنان, ترجمة سامي الكعكي.
129 - الحرب عند العرب، إبراهيم مصطفى المحمود، دار القلم، دمشق، 1985م.
130 - الحرب عند العرب، إبراهيم مصطفى المحمود، دار القلم، دمشق، 1985م.
131 - الحركات الباطنية في العالم الإسلامي, د. محمد أحمد الخطيب، دار عالم الكتب، ط1، 1984م.
132 - حركة الحشاشين، محمد عثمان.
133 - الحركة الصليبية، سعيد عاشور، مكتبة الأنجلو المصرية, الطبعة الرابعة 1986م.
134 - الحروب الصليبية العلاقات بين الشرق والغرب، دكتور محمد مؤنس عوض، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، الطبعة الأولى 1999م/2000م.
135 - الحروب الصليبية المقدمات السياسية, د. علية الجنزوري، الهيئة العامة المصرية العامة للكتاب.
136 - الحروب الصليبية دراسات تاريخية ونقدية، محمد مؤنس، الطبعة الأولى 1999م، الشرق للدعاية والإعلان, عمان, الأردن.
137 - الحروب الصليبية في شمال إفريقية وأثرها الحضاري, الدكتور ممدوح حسين، دار عمار، الأردن، عمان, الطبعة الأولى 1419هـ - 1998م.
138 - الحروب الصليبية والأسرة الزنكية، شاكر أحمد أبو زيد, الجامعة اللبنانية كلية الآداب والعلوم الإنسانية.
139 - الحروب الصليبية، أرنست باكر, ترجمة الدكتور السيد الباز العريني، دار النهضة العربية، بيروت.
140 - الحروب الصليبية، سميل، ترجمة سامي هاشم, المؤسسة العربية للدراسات والنشر, بيروت، 1982م.
(1/603)

141 - الحروب الصليبية، سهيل زكار، دار حسان، دمشق 1404هـ/1984م.
142 - حروب القدس في التاريخ الإسلامي والعربي، اللواء الركن د. ياسين سويد، دار الملتقى، بيروت, لبنان، الطبعة الأولى 1997م.
143 - الحضارة الإسلامية في بغداد في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري 467هـ - 512هـ, دار النفائس, 1404هـ/1984م.
144 - الحضارة الإسلامية، في العصور الوسطى، أحمد عبد الرزاق أحمد.
145 - حضارة العرب، غوستاف لوبون، ترجمة عادل زعيتر، نشر إحياء الكتب العربية القاهرة, 1995م.
146 - الحقيقة في نظر الغزالي, د. سليمان دنيا، دار المعارف، الطبعة الخامسة.
147 - حول الأدب في العصر السلجوقي, د. محمد التونجي مكتبة قورينا، بنغازي، طبعة سنة 1974م.
148 - الحياة العلمية في العراق خلال العصر البويهي, د. رشاد عباس معتوق، جامعة أم القرى، معهد البحوث وإحياء التراث الإسلامية, مكة المكرمة طبعة 1418هـ - 1997م.
149 - الخدمات العامة في بغداد، عبد الحسين مهدي الرحيم, وزارة الأوقاف، بغداد 1987م.
150 - خطط الشام، محمد كرد علي، مكتبة النورى، دمشق 1403هـ/1983م.
151 - الخلافة العباسية السقوط والانهيار، فاروق عمر فوزي, دار الشروق، طبعة عام 1998م.
152 - خلفاء بني العباس ووزراؤهم في شعر العصر السلجوقي، علي جواد الطاهر، مجلة الأستاذ، كلية التربية، جامعة بغداد المجلد الثامن، عام 1960م.
153 - الخلفية الأيديولوجية للحروب الصليبية, د. قاسم عبد الله, عين للدراسات والبحوث الإنسانية، الطبعة الأولى 1999م.
154 - دخول الترك الغز إلى الشام, د. شاكر مصطفى.
155 - الدر المنتخب في تاريخ مملكة حلب، قاضي القضاة أبي الفضل محمد ابن الشحنة، دمشق 1984م.
156 - درء التعارض بين العقل والنقل، لابن تيمية، تحقيق: محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود 1980م.
157 - دراسات تاريخية، د. عماد الدين خليل، دار ابن كثير، دمشق، بيروت، 1426هـ - 2005.
(1/604)

158 - دراسات في تاريخ الأيوبيين والمماليك, د. نعمان محمود جبران, د. محمد حسن العمادي، مؤسسة حمادة للخدمات والدراسات الجامعية, الأردن, الطبعة الأولى 2000م.
159 - دراسات في تاريخ العلاقات بين الشرق والغرب في العصور الوسطى، جوزيف نسيم يوسف، مؤسسة الشباب الجامعية الإسكندرية.
160 - دراسات في تاريخ العلاقات بين الشرق والغرب.
161 - دراسة في السياسة الشرعية عند فقهاء أهل السنة للبغدادي، أحمد مبارك البغدادي، مكتبة الفلاح, الكويت، الطبعة الأولى 1408هـ 1987م.
162 - دراسة في الفرق في تاريخ المسلمين والخوارج والشيعة, د. أحمد محمد جلي.
163 - دروس وتأملات في الحروب الصليبية لأبي فارس، دار جهينة، الأردن, عمان، ط1، 2002م.
164 - دور الفقهاء والعلماء في الجهاد ضد الصليبيين, د. آسيا نقلي، مكتبة العبيكان الرياض، ط1،2002م.
165 - دور نور الدين محمود في نهضة الأمة، عبد القاد أحمد أبو صيني، معهد التاريخ العربي والتراث العلمي بالعراق.
166 - دول الإسلام للإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، مؤسسة الرسالة، ط7 1990م.
167 - دول الإسلام، للذهبي.
168 - دولة الإسماعيلية في إيران، محمد السعيد جمال الدين، الدار الثقافية، القاهرة، ط1، 1999م.
169 - دولة السلاجقة، حسنين عبد المنعم محمد، مكتبة الأنجلو المصرية، 1975م.
170 - الدولة السلجوقية في عهد السلطان سنجر، د. يحيى حمزة عبد القادر الوزنة، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة, الطبعة الأولى 1424هـ - 2004م.
171 - الدولة السلجوقية منذ قيامها، سميرة الجبوري, رسالة علمية نوقشت بجامعة بغداد، وهي جزء من متطلبات درجة الدكتوراه في التاريخ الإسلامي، عام 1995م.
172 - الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط, د. علي محمد الصَّلاَّبي، دار المعرفة ط1, 2005م.
173 - الدولة العثمانية والشرق العربي، محمد أنيس، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة.
(1/605)

174 - الدويلات الإسلامية في الشرق، محمد علي حيدر, عالم الكتب، القاهرة 1974م.
175 - الديباج المذهب لابن فرحون المالكي، برهان الدين إبراهيم بن علي، دار الكتب العلمية، بيروت، بدون تاريخ.
176 - ديوان ابن الخياط.
177 - ديوان الشافعي, جمع محمد عفيف الزغبي، مكتبة المعرفة ط3، 1392هـ.
178 - رائد نصر المسلمين على الصليبيين .. نور الدين محمود سيرة مؤمن صادق، حسين مؤنس، الدار السعودية 1408هـ/1987م.
179 - راحة الصدور، وآية السرور في تاريخ الدولة السلجوقية، ترجمة إبراهيم أمين الشواربي،
وعبد المنعم محمد حسنين وفؤاد عبد المعطي الصياد، دار القلم، القاهرة 1379هـ.
180 - رجال الفكر والدعوة في الإسلام، لأبي الحسن الندوي، دار ابن كثير.
181 - الرسائل الشمولية, د. عبد العزيز الحميدي، دار عيون المعرفة، دار الدعوة، الإسكندرية.
182 - رسالة في الذب عن أبي الحسن الأشعري لابن درباس، أبو القاسم عبد الملك بن عيسى، تحقيق الدكتور علي ناصر الفقهي، الطبعة الأولى سنة 1404هـ.
183 - الرسالة للإمام الشافعي، تحقيق وشرح: أحمد شاكر، ط2, 1399هـ مكتبة دار التراث بالقاهرة.
184 - رسوم السلاجقة ونظمهم الاجتماعية، محمد محمود إدريس، دار الثقافة للطباعة 1983م.
185 - الروضتين في أخبار الدولتين.
186 - زبدة الحلب في تاريخ حلب، كمال الدين عمر بن أحمد بن هبة الله، تحقيق سامي دهان، ط دمشق 1370هـ/1951م.
187 - سراج الملوك للطرطوشي.
188 - سكب العبرات للموت والقبر والسكرات، سيد حسين العفاني، مكتبة معاذ بن جبل، ط1, 2000م.
189 - سلاجقة الشام والجزيرة في الفترة ما بين 435 - 570, د. رشيد يوسف، طبعة عام 1988م.
190 - السلاجقة في التاريخ والحضارة، د. أحمد كمال الدين حلمي, دار السلاسل الكويت، 1986م.
191 - السلاطين في المشرق العربي، د. عصام محمد شبارو, طبعة 1994م، دار النهضة العربية، لبنان.
(1/606)

192 - سنن الترمذي، طبعة عبد الوهاب عبد اللطيف, الطبعة الأولى.
193 - سياسة الخليفة الناصر لدين الله الداخلية، أحلام النقيب، رسالة علمية، نوقشت في العراق، لم تطبع.
194 - السياسة السلجوقية في العراق، فاضل مهدي بيان، مجلة المؤرخ العربي العدد الثامن عشر 1981م.
195 - سياسة الفاطميين الخارجية، جمال سرور، دار الفكر المعاصر.
196 - سياست نامة، أو سير الملوك، نظام الملك الحسن بن علي بن اسحاق الطوسي, ترجمة يوسف حسين بكار، دار الثقافة، قطر 1407هـ - 1987م.
197 - سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، ط7.
198 - شذرات الذهب في أخبار من ذهب، لابن العماد الحنبلي، ط مصورة، المكتب التجاري، بيروت.
199 - شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة, أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الالكائي، تحقيق د/ أحمد بن سعد الغامدي، دار طيبة الرياض.
200 - شرح السنة لأبي محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط, المكتب الإسلامي دمشق, 1400هـ.
201 - شرح السنة: أبو محمد الحسن بن مسعود البغوي ت 516 هـ, تحقيق شعيب الأرناؤوط، محمد زهير الشاويشى, ط. المكتب الإسلامي, بيروت 1971م.
202 - شرح النووي على مسلم، دار إحياء التراث العربي - بيروت.
203 - شرف الدين مودود، عبد الغني رمضان.
204 - الشرق الأدنى في العصور الوسطى «الأيوبيون» , د. السيد الباز العريني - دار النهضة العربية للطباعة والنشر 1967م.
205 - الشرق الإسلامي في العصر الوسيط، نيكيتا ايليسف، ترجمة منصور أبو الحسن، دار الكتاب الحديث.
206 - الشرق الإسلامي قبيل الغزو المغولي، د. حافظ أحمد حمدي، دار الفكر العربي، القاهرة.
207 - الشرق الأوسط والحروب الصليبية، السيد الباز العريني، ط القاهرة 1383هـ/1963م.
208 - شعبة العقيدة بين أبي الحسن الأشعري والمنتسبين إليه في العقيدة، لأبي بكر خليل إبراهيم الموصلي، دار الكتاب العربي لبنان، الطبعة الأولى 1410هـ - 1990م.
(1/607)

209 - صبح الأعشى في صناعة الإنشا، القلقشندي، شرحه محمد حسين شمس الدين، دار الفكر، بيروت، ط1, 1407هـ/1987م.
210 - صحيح البخاري، لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، دار الفكر، ط1, 1411هـ.
211 - صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي, بيروت، ط2, 1992م.
212 - صفة الصفوة لابن الجوزي، توزيع مكتبة الباز، مكة المكرمة ط2, 1399هـ.
213 - الصفدية، لابن تيمية، تحقيق محمد رشاد سالم, ط 1396هـ/1976م، مطابع حنيفة، الرياض.
214 - الصليبيون في المشرق، ميخائيل زابوروف، ترجمة إلياس شاهين، دار التقدم، موسكو، 1986م.
215 - ضعيف الجامع الصغير، محمد ناصر الدين الألباني, المكتب الإسلامي.
216 - طبقات الشافعية للسبكي، طبع بمطبعة عيسى البابي الحلبي ط1، 1384هـ.
217 - طبقات الشافعية، جمال الدين عبد الرحيم الأسنوي تحقيق عبد الله الجبوري، دار العلوم 1401هـ.
218 - طرابلس الشام في التاريخ الإسلامي، الدكتور السيد عبد العزيز سالم, مؤسسة شباب الجامعة.
219 - العالم الإسلامي في العصر العباسي، د. حسن أحمد محمود, د. أحمد إبراهيم الشريف، دار الفكر العربي.
220 - عالم الصليبيين، يوشع براور، ترجمة: قاسم عبده قاسم ومحمد خليفة حسن، دار المعارف 1981م.
221 - العدوان الصليبي على العالم الإسلامي، صلاح الدين نوار, دار الدعوة للطبع والنشر والتوزيع.
222 - العراضة في الحكاية السلجوقية لابن النظام، محمد بن محمد بن عبد الله، ترجمة عبد النعيم محمد حسنين، وحسين أمين، مطبعة جامعة بغداد 1979م.
223 - العرب والأتراك، عبد الكريم غرايبة، دراسة لتطور العلاقة بين الأمتين خلال ألف سنة، جامعة دمشق 1961م.
224 - العرب والروم اللاتين في الحرب الصليبية الأولى, دكتور جوزيف نسيم يوسف, دار
(1/608)

النهضة العربية، بيروت، طبعة ثالثة 1981م.
225 - العصر العباسي، د. خالد عزام، دار أسامة الأردن، عمان، الطبعة الأولى 2003م.
226 - العقيدة النَّظامية لإمام الحرمين عبد الملك الجويني، دراسة وتحقيق الدكتور محمد الزُّبيدي دار سبيل الرشاد، بيروت، دار النفائس بيروت طبعة 1424هـ.
227 - العلاقات السياسية والكنسية بين الشرق البيزنطي والغرب اللاتيني في العصور الوسطى، عادل زيتون، دار دمشق, 1400هـ/1980م.
228 - العلو للعلي الغفار في صحيح الأخبار وسقيمها للذهبي، صححه/ عبد الرحمن محمد عثمان، ط الثانية، 1388هـ/1968م، الناشر المكتبة السلفية في المدينة المنورة.
229 - عيون التواريخ للكتبي، محمد بن شاكر الكتبي، تحقيق: فيصل السامر ونبيلة عبد المنعم، دار الحرية للطباعة، بغداد 1977م.
230 - غاية الأماني في الرد على النبهاني، لأبي المعالي محمود شكري الآلوسي، المطبعة العربية بلاهور سنة 1403هـ.
231 - الغزالي بين مادحيه وناقديه، د. يوسف القرضاوي, الطبعة الثالثة 1413هـ - 1992م.
232 - الغزالي للشرباصي.
233 - الغزو الصليبي والعالم الإسلامي، د. علي عبد الحليم محمود، دار التوزيع والنشر الإسلامية، الطبعة الأولى 1414هـ - 1993م.
234 - غياث الأمم في التياث الظلم، المشهور بالغياثي، إمام الحرمين، أبو المعالي عبد الملك
ابن عبد الله، تحقيق: مصطفى حلمي وفؤاد عبد المنعم أحمد، دار الدعوة، الإسكندرية، 1979م.
235 - فتح الباري، الحافظ ابن حجر, المكتبة السلفية.
236 - الفتح القسى في الفتح القدسي، للعماد الأصفهاني، أبو عبد الله محمد بن صفي الدين، تحقيق: محمد محمود صبح، الدار القومية للطباعة والنشر.
237 - الفتوح الإسلامية عبر العصور، د. عبد العزيز بن إبراهيم العُمري، مركز الدراسات والإعلام.
238 - فتوح البلدان للبلاذري.
239 - الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية، محمد بن علي طباطبا المعروف بأبن الطقطقي المطبعة الرحمانية، مصر 1927م.
240 - الفرق بين الفرق للبغدادي، أبو منصور، عبد القاهر بن طاهر البغدادي، طه عبد الرؤوف سعد،
(1/609)

طبعة مؤسسة الحلبي وشركاه بالقاهرة.
241 - فرق معاصرة، غالب العواجي.
242 - فضائح الباطنية للإمام أبي حامد الغزالي، اعتنى به وراجعه محمد علي القطب، المكتبة العصرية، صيدا - بيروت، الطبعة الأولى 1421هـ - 2000م.
243 - فقه إمام الحرمين، للدكتور عبد العظيم الديب، دار الوفاء، الطبعة الثانية 1409هـ - 1988م.
244 - الفكر الاقتصادي عند إمام الحرمين الجويني, د. رفيق يونس.
245 - الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي.
246 - الفكر السامي في تاريخ الفكر الإسلامي للحجوي.
247 - فن الحرب الإسلامي، بسام العسلي، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1409هـ، 1988م.
248 - في التاريخ الشامي، شاكر مصطفى.
249 - فيصل التفرقة للإمام الغزالي.
250 - القاعدة المراكشية، لابن تيمية, تحقيق ناصر سعد الرشيد، رضا نعسان معطي، دار طيبة، الرياض.
251 - قبل الكارثة نذير ونفير، عبد العزيز بن مصطفى كامل, سلسلة تصدر عن المنتدى الإسلامي.
252 - القدس عشية الغزو الصليبي، دراسة في أحوالها السياسية والإدارية، عباس عبد الستار الزهاوي، رسالة ماجستير.
253 - القرامطة أول حركة اشتراكية في الإسلام، طه الولي، دار العلم للملايين - بيروت, ط1، 1981م.
254 - قصة الحضارة، ول ديورانت - ترجمة محمد بدران - طبع لجنة التأليف والترجمة 1957م.
255 - قيام الدولة العثمانية, د. عبد اللطيف عبد الله دهيش، الطبعة الثانية 1416هـ - 1995م مكتبة ومطبعة النهضة الحديثة.
256 - قيام الدولة العثمانية، محمد كوبريلي، ترجمة أحمد السعيد سليمان، الهيئة المصرية العامة للكتاب.
257 - الكامل في التاريخ، لابن الأثير، ط دار الفكر، بيروت 1398هـ/1978م.
258 - كتاب السلوك، أحمد المقريزي.
259 - كشف الظنون، حاجي خليفة, وكالة المعارف 1943م.
(1/610)

260 - لسان العرب ابن منظور، دار صادر.
261 - ماهية الحروب الصليبية، الايديولوجية، الدوافع - النتائج, د. قاسم عبده قاسم، منشورات ذات السلاسل، الكويت، الطبعة الثانية 1993م.
262 - المجالس المؤيّدية، تحقيق وتعليق: محمد عبد الغفار.
263 - المجتمع الإسلامي، أحمد رمضان.
264 - مجموع فتاوى ابن تيمية، جمعه عبد الرحمن بن قاسم، توزيع دار الوفاء, المنصورة.
265 - المحلى لابن حزم، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد.
266 - مختصر العلو للعلي الغفار للذهبي، اختصره الشيخ محمد ناصر الدين الألباني, ط الأولى 1401هـ/1981م, المكتب الإسلامي، دمشق، بيروت.
267 - مختصر العلو، للذهبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد، اختصار الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، المكتب الإسلامي سنة 1401هـ.
268 - مختصر سياسة الحروب، للهرثمي صاحب المأمون، تحقيق: عبد الرؤوف عون، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، مطبعة مصر بالقاهرة.
269 - مختصر سيرة الرسول، محمد بن عبد الوهاب، مطبعة السنة المحمدية بالقاهرة.
270 - المختصر في أخبار البشر، عماد الدين إسماعيل أبي الفداء طبع بمصر.
271 - المدخل إلى المذهب الشافعي، د. أكرم يوسف عمر القواسمي, دار النفائس، الأردن عمان، الطبعة الأولى، 1423هـ /2003م.
272 - المدرسة مع التركيز على النظاميات للسامرائي، حسام الدين, مؤسسة آل البيت، الأردن.
273 - مرآة الزمان في تاريخ الأعيان، شمس الدين أبي المظفر يوسف بن قزاغلي، الطبعة الأولى، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الهند, 1370هـ/1951م.
274 - مسألة المعرفة ومنهج البحث عند الغزالي, د. أنور الزعبي, المعهد العالمي للفكر الإسلامي، دار الفكر دمشق - سورية، الطبعة الأولى 1420هـ - 2000م.
275 - المستصفى من علم الأصول للغزالي، تحقيق محمد مصطفى أبو العلا، مكتبة الجندي، القاهرة.
276 - مشكاة المصابيح، الخطيب التبريزي، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني, ط المكتب الإسلامي.
277 - مصابيح السنة، لأبي محمد الحسين بن مسعود البغوي.
278 - مفيد العلوم ومبيد الهموم للقزويني.
279 - المقاومة الإسلامية للغزو الصليبي، عماد الدين خليل, دار ابن كثير، ط1، 2005م.
(1/611)

280 - مقدمة أصول التفسير، لابن تيمية، تحقيق الدكتور عدنان زرزور, ط 1, دار القرآن الكريم, الكويت, 1971م.
281 - مملكة بيت المقدس الصليبية، عمر كمال توفيق.
282 - من أجل فلسطين، حسين أدهم جرار، مؤسسة الزيتونة, عمّان، الأردن، ط1, 1419هـ.
283 - المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، مطبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، ج1, 1359هـ.
284 - المنتقى للذهبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد الذهبي.
285 - المنقذ من الضلال، لأبي حامد محمد.
286 - منهاج السنة النبوية لابن تيمية, تحقيق محمد رشاد سالم.
287 - منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة, د. محمد عبد الوهاب العقيل، أضواء السلف، الرياض، الطبعة الثانية 1425هـ - 2004م.
288 - منهج أهل السنة في تقويم الرجال ومؤلفاتهم, أحمد بن عبد الرحمن الصّويان، دار الوطن، الرياض, الطبعة الثانية، 1417هـ.
289 - موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول لابن تيمية على هامش كتاب منهاج السنة النبوية، نشر مكتبة الرياض بدون تاريخ.
290 - الموسوعة العامة لتاريخ المغرب والأندلس، نجيب زبيب، دار الأمير، ط1، 1995م.
291 - موطأ الإمام مالك، صححه ورقمه محمد فؤاد عبد الباقي, دار إحياء الكتب العربية.
292 - موقف ابن تيمية من الأشاعرة للدكتور عبد الرحمن بن صالح المحمود، مكتبة الرشد، الرياض, الطبعة الأولى 1415هـ - 1995م.
293 - موقف فقهاء الشام وقضاتها من الغزو الصليبي492 - 660هـ, جمال محمد سالم خليفة، مركز جهاد الليبيين للدراسات, الطبعة الأولى 2000م.
294 - النبراس في تاريخ بني العباس، تصحيح وتعليق عباس العزاوي مطبعة المعارف، بغداد 1946م.
295 - النبوات، لابن تيمية، ط دار الكتب العلمية، بيروت 1402هـ/1982م.
296 - النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، تغري بردى، جمال الدين أبي المحاسن الأتابكي.
297 - نخبة الفكر، للحافظ ابن حجر، شرح الشيخ حماد بن محمد الأنصاري دار العدوي, ط1.
298 - نساء الخلفاء المسمى جهات الأئمة الخلفاء من الحرائر والإماء، تاج الدين علي بن أنجب، تحقيق مصطفى جواد، دار المعارف بمصر.
(1/612)

299 - نصوص من أدب عصر الحروب الصليبية, عمر الساريسي، دار المنارة، جدة, ط1، 1985م.
300 - نظام الإقطاع عند السلاجقة وأثره فيهم, علياء بنت يحيى الجبيلي، رسالة ماجستير غير منشورة بكلية الآداب للبنات بالرياض, عام 1412هـ/1992م.
301 - نظام الملك، الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي, د. عبد الهادي محمد رضا محبوبة، الدار المصرية اللبنانية.
302 - نظام الوزارة في الدولة العباسية، الدكتور محمد مسفر الزهراني، مؤسسة الرسالة، ج3/ 1986م.
303 - نظم التعليم عند المسلمين، عارف عبد الغني، دار كنانة للطباعة والنشر، دمشق.
304 - النظم الحربية عند السلاجقة، د. نائف بن حمود بن محمد أبو قريحة، الطبعة الأولى 1423هـ.
305 - نظم دولة سلاطين المماليك ورسومهم في مصر, عبد المنعم ماجد، مكتبة الأنجلو المصرية، 1979م.
306 - نهاوند، شوقي أبو خليل، دار الفكر، دمشق، سوريا.
307 - نهاية الأرب في فنون الأدب، أحمد عبد الوهاب النويري، الهيئة المصرية للكتاب، 1395هـ.
308 - نهاية الأندلس، محمد عبد الله عنان.
309 - نهر الذهب في تاريخ حلب، كامل حسين بن محمد الحلبي، 1926م.
310 - النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية، بهاء الدين يوسف بن رافع بن شداد، تحقيق جمال الدين الشيال، الطبعة الأولى 1964م.
311 - نور الدين محمود، الرجل التجربة، عماد الدين خليل، دار القلم، 1400هـ/1980م.
312 - هجمات مضادة في التاريخ الإسلامي, د. عماد الدين خليل, مكتبة النور، مصر الجديدة، ط1، 1986م.
313 - هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس للدكتور ماجد عرسان الكيلاني، دار القلم, دبي الإمارات, الطبعة الثالثة 1423هـ - 2002م.
314 - هموم داعية، محمد الغزالي، دار القلم, دمشق، الطبعة الثالثة 1421هـ - 2000م.
315 - الوافي بالوفيات للصدفي، صلاح الدين خليل بن أيبك.
316 - واقدساه, د. سيد حسين العفّاني، مكتبة معاذ بن جبل، دار العفاني، ط1، 2001م.
(1/613)

317 - الوزارة العباسية من 447هـ/590 هـ، سميعة عزيز محمود، جامعة بغداد كلية الآداب، رسالة ماجستير، 1411هـ/1990م.
318 - الوسيط في تاريخ فلسطين في العصر الإسلامي الوسيط أ. فاروق عمر فوزي,
أ. د. محسن محمد حسين، دار الشروق.
319 - وفيات الأعيان، ابن خلكان، مراجعة وزارة المعارف العمومية، دار المأمون، مصر 1936م.
* * *
(1/614)