Advertisement

ظهر الإسلام ج1

ظهر الإسلام
أحمد أمين‏


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

وهذه هي المرحلة الثالثة بعد «فجر الإسلام وضحاه».

ومعذرةً إلى القارئ الكريم من طول الفترة بين ظهور هذا الجزء، وآخر جزء من «ضحى الإسلام»، فإن ما كُلِّفته من عمادة كلية الآداب لم يترك لي
زمنًا صالحًا للسير في هذه السلسلة، فلما تخلَّيْت عنها احتجت إلى زمن آخر أروِّضُ فيه عقلي ونفسي على العودة إلى معاناة البحث،
والصبر على الدرس.

واليوم فرغت من إعداد هذا الجزء، وقد قصدت به أن يكون مقدمة لدراسة واسعة للحركة العقلية في النصف الأخير من القرن الثالث وفي القرن الرابع،
وهي أوسع حركة وأخصبها وأعمقها في تاريخ المسلمين إلى اليوم. وقد حزرت أن يستغرق وصفها خمسة أجزاء، أحدها للأندلس.

عنيت في هذا الجزء بناحيتين:
list of 2 items
(?) وصف للحياة الاجتماعية في هذا العصر، فليس يمكن فهم الحياة العقلية إلا بفهم بيئتها التي نشأت فيها، والعوامل التي ساعدت عليها،
وطبيعة الناس الذين أنتجوها ونحو ذلك.

(?) ووصف لمراكز الحياة العقلية، ونوع الحركات العلمية والأدبية التي ظهرت في كل إقليم وخصائصها، وأشهر رجالها، وهو وصف موجز ونظرة
شاملة خاطفة، أردت منها أن تكون نقطة ارتكاز يتبعها تفصيلها والتوسع فيها فيما يأتي بعدُ من أجزاء
إن شاء الله.
list end

وفي سبيل الله ما لقيت من عناء، وخاصةً في القسم الأخير؛ فقد تجاهل مؤلفو تاريخ العلوم ومؤلفو كتب التراجم — غالبًا — الناحية الإقليمية والزمنية،
فأرَّخوا الحركة العلمية على أنها وحدة، وترجموا للمؤلفين من غير مراعاة لأزمتهم ولا أمكنتهم، وكل ما راعوا هو ترتيب أسمائهم
على حروف الهجاء، فأحمد في القرن الثاني في العراق بجانب «أحمد» في القرن السادس أو السابع في مصر، وهكذا؛ فمن أراد أن يفرز علماء كل عصر وحدهم،
وفي كل قطر على حدة تحمل من العناء ما لا يقدر. ولم يحملني على سلوك هذا المسلك في التأليف مجرد الرغبة في إيضاح الحركة العلمية
والأدبية وزمانها ومكانها؛ بل إن تحديد زمانها ومكانها يُعِين على تفهُّم أسباب وجودها وطبيعة تكوينها، فالموشحات والأزجال لم توجد في
الأندلس دون غيرها اعتباطًا، ولا المقامات نشأت في إقليم خراسان مصادفة، ولا الحركة الفلسفية أزهرت في العراق أول الأمر اتفاقًا.
وإنما ذلك كله يرجع إلى أسباب طبيعية حتمية، وما كان يمكن أن يكون غير ذلك، فتعيين زمن الحركة ومكانِها مُعِين على فهمها فهمًا
علميًّا صحيحًا، وهذا ما قصدت إليه.

والله أسأل أن ينفع به كما نفع بسابقه، وأن يعين على إتمامه.

مصر الجديدة — الجمعة
?? ربيع الثاني سنة ?????
?? مارس سنة ????م
في الحياة الاجتماعية من عهد المتوكل إلى آخر القرن الرابع الهجري
ظهر الإسلام
الفصل الأول

سكان المملكة الإسلامية

عنصر الأتراك — في هذا العصر الذي نؤرخه، ظهر في المملكة الإسلامية عنصر كبير بجانب العنصرين العظيمين — الفرس والعرب — وهو عنصر الأتراك،
وكان له أثر كبير في تاريخ الأمة الإسلامية وحياتها السياسية والاجتماعية.

ذلك أن المعتصم الذي تولَّى الخلافة سنة ???? استقدم سنة ???? قومًا من بخارى وسمرقند وفرغنة وأشروسنة وغيرها من البلاد التي نسيمها «تركستان»،
وما وراء النهر، «اشتراهم وبذل فيهم الأموال، وألبسهم أنواع الديباج ومناطق الذهب، وأمعن في شرائهم حتى بلغت عِدَّتهم
ثمانية آلاف مملوك، وقيل ثمانية عشر ألفًا» وهو الأشهر.
?
وسبب اتجاه المعتصم إلى الأتراك يرجع إلى أمور:
list of 2 items
(?) إن أهم عنصر في الجند كانوا إلى عهد المعتصم هم الخراسانين، وهو فُرس من خراسان، وكانوا عماد الدولة العباسية نحو قرن،
من عهد إنشاء الدولة إلى المعتصم، كما كانوا حرس الخلفاء؛ وكان بجانب هؤلاء الجنود من الفرس
جنود من العرب، من مضر واليمن وربيعة، ولكن هؤلاء العرب كانوا أقل شأنًا وأقل حظوة، وأقل عددًا من الفرس.

ضعفت ثقة الخلفاء بالعرب على ممر الأيام؛ إذ رأوهم لا يتحمَّسون للقتال لهم تحمُّس الفرس. وقد تقدم أن رجلًا تعرض للمأمون بالشام
وقال له: «يا أمير المؤمنين، انظر لعرب الشام كما نظرت لعجم أهل خراسان!» ولكن المعتصم بدأ
يشعر أيضًا بضعف ثقته بالفرس؛ وذلك أن كثيرًا من الجند لما مات المأمون كان هواهم مع ابنه العباس؛ لأن أم المأمون
فارسية، فدعتهم عصبيتهم للمأمون — نصف الفارسي — أن يتعصبوا لابنه العباس أيضًا.

وذكر «الطبري» أن الجند شغبوا لما بويع لأبي إسحاق — المعتصم — بالخلافة، فطلبوا العباس ونادوه باسم الخلافة، فأرسل أبو إسحاق
إلى العباس فأحضروه فبايعه العباس ثم خرج العباس إلى الجند فقال: ما هذا الحب البارد؟! قد
بايعت عمي، وسلمت الخلافة إليه. فسكن الجند.
?
لم تمر هذه الحادثة على المعتصم من غير أن تدعوه إلى التفكير العميق؛ حتى لا يتكرر مثل هذا الحادث، ففكر أن يستعين بقوم غير
الفرس وغير العرب، فهداه تفكيره إلى الترك، وظل لا يصفو للعباس ولا العباس يصفو له حتى اتهم
العباس بأنه يدبر مؤامرة لاغتيال المعتصم، فقبض على العباس وسجن ومنع عنه الماء حتى مات.

(?)
وسبب آخر لاستدعاء المعتصم للترك، وهو أن أم المعتصم أصلها من هذه الأصقاع التركية، فقد كانت من السُّغد، واسمها ماردة، وكان
في طباعه كثير من طباع هؤلاء الأتراك، من القوة والشجاعة والاعتداد بقوة الجسم؛ «كان يجعل
زند الرجل بين إصبعيه فيكسره». ويقول أحمد بن أبي دُؤاد: «كان المعتصم يخرج ساعده إليَّ ويقول: عَضَّ ساعدي بأكثر قوتك. فأمتنع،
فيقول: إنه لا يضرُّني! فأورم ذلك فإذا هو لا تعمل فيه الأسنة فضلًا عن الأسنان!»
?
فدعته العصبية التركية والتشابه الخلقي أن يفكر في استدعاء الأتراك ففعل.
استكثر المعتصم من الأتراك حتى ملئوا بغداد وضايقوا أهلها، قال المسعودي: «كانت الأتراك تؤذي العوام بمدينة السلام بجريها بالخيول
في الأسواق وما ينال الضعفاء والصبيان من ذلك، فكان أهل بغداد ربما ثاروا ببعضهم فقتلوه عند
صدمه لامرأة أو شيخ كبير، أو صبي أو ضرير؛ فعزم المعتصم على النقلة معهم … فانتهى إلى موضع سامَرَّا، فأحضر الفَعَلَة
والصناع وأهل المهن من سائر الأمصار، ونقل إليها من سائر البقاع أنواع الغروس والأشجار، فجعل للأتراك
مواضع متميزة، وجاورهم بالفراغنة والأشروسنية … وأقطع أشْناس التركي وأصحابه من الأتراك الموضع المعروف
بكرخ سامرَّا … إلخ».
?
كان من هؤلاء الأتراك مسلمون أسلموا على أثر فتح المسلمين لبلادهم في العصر الأموي، ومنهم مجوس وثنيون أخذوا يسلمون عند استقدام
المعتصم لهم، وكانوا يتكلمون التركية، فأخذوا يتعلمون العربية، وقد عرفوا بالشجاعة والصبر
على القتال كما عرفوا بخشونة البداوة وقسوة الطبيعة؛ وحافظ المعتصم على دمائهم أن تبقى متميزة، فجلب لهم نساء من
جنسهم زوَّجهن لهم، ومنعهم أن يتزوجوا من غيرهم.
list end

مكَّن المعتصم للأتراك في الأرض، وكانوا في أول أمرهم قوة للدولة، وبسببهم — على الأكثر — يرجع انتصارهم على الروم في وقعة عمورية سنة ????،
فكانت القيادة العليا في يد الأتراك وعلى رأسهم أَشْنَاس.

من ذلك التاريخ دخل في نزاع العصبية عنصر قوي جديد، فقد كان النزاع قبلُ بين الفرس والعرب، فأصبح بين العرب والفرس والترك؛ وكان العرب قد
ضعف أمرهم في نزاعهم مع الفرس، فجاءت قوة الترك ضغثًا على إبَّالة، وتوجَّهت قوة الترك أولًا — لإضعاف شأن هؤلاء الفرس
المستبدين بالسلطان. وأخذ التاريخ الإسلامي يصطبغ بالصبغة التركية، وبعد أن كانت الأحداث تتصل بأعلام الفرس، كأبي مسلم الخراساني والبرامكة
والحسن بن سهل والفضل بن سهل، وعبد الله بن طاهر وأمثالهم؛ ظهر التاريخ مرتبطة أحداثه بأشناس، وإيتاخ، وبُغَا الكبير،
وبغا الصغير، وابن طولون وأمثالهم من الأتراك؛ إذ كانوا القابضين على زمام الدولة والمتصرفين في شئونها.

وبدأت العصبية ضد الأتراك من عهد دخولهم بغداد، فقد شكا أهل بغداد للمعتصم وقالوا له: تحوَّل عنا وإلا قاتلنا! قال: وكيف تقاتلونني وفي
عسكري ثمانون ألف دارع؟! قالوا: نقاتلك بسهام الليل — يعنون الدعاء — فقال المعتصم: والله ما لي بها طاقة! فبنى لذلك
سُرَّ مَن رأى وسكنها.
?

وهجا دِعْبِلٌ الخُزاعي المعتصم لتعصبه للأتراك وحمايته إياهم فقال:

لقد ضاع أمرُ الناسِ حيث يسوسهم
وصِيفٌ وأشْنَاسٌ وقد عظم الخطبُ
وإني لأرجو أن ترَى من مغيبها
مطالعُ شمس قد يَغَصُّ بها الشَّرْبُ
وهمُّك تُرْكي عليه مَهانةٌ
فأنت له أمٌّ وأنتَ له أبُ
بل يظهر أن المعتصم نفسه — وهو جالب الأتراك — قارن بين خدمة الفرس للخلفاء قبله وخدمة الترك له، فحمد الأولى وذم الثانية؛ فقد روى الطبري
أن المعتصم، دعا أبا الحسين إسحاق بن إبراهيم،
?
وبعد حديث طويل، قال المعتصم: يا إسحاق! في قلبي شيء أنا مفكر فيه منذ مدة طويلة. فقال إسحاق: قل يا سيدي فأنا عبدك وابن عبدك. قال المعتصم:
نظرت إلى أخي المأمون وقد اصطنع أربعة أنجبوا، واصطنعت أنا أربعة لم يفلح أحد منهم! قال إسحاق: ومَن الذي اصطنعهم أخوك؟
قال: طاهر بن الحسين؛ فقد رأيتَ وسمعتَ، وعبد الله بن طاهر؛ فهو الرجل الذي لم يُر مثله، وأنت؛ فأنت والله الذي لا يعتاض السلطان منك
أبدًا، وأخوك محمد بن إبراهيم؛ وأين مثل محمد؟! وأنا فاصطنعت الأفشين؛ فقد رأيتَ إلى ما صار أمره، وأشناس؛ ففشلٌ أيُّه!
وإيتاخ؛ فلا شيء، ووصيف؛ فلا مغنى فيه! فقال إسحاق: أجيب يا أمير المؤمنين على أمان من غضب؟ قال: قل. قال إسحاق: يا أمير
المؤمنين، نظر أخوك إلى الأصول فاستعملها فأنجبت فروعها، واستعمل أمير المؤمنين فروعًا لم تنجب، إذ لا أصول لها! قال: يا إسحاق لَمقاساة
ما مرَّ بي في طول هذه المدة أسهل عليَّ من هذا الجواب.
?
وكره أهل بغداد مجيئهم إذ كانوا شؤمًا عليهم في حلِّهم وترحالهم، فلما أقاموا بينهم كانت خيولهم تصيب الضعفاء والمرضى، ولما رحلوا عنهم
إلى القاطول
?
ثم سامرا أثَّر ذلك أثرًا سيئًا في بغداد من حيث تجارتها وحضارتها، فقال بعضهم في ذلك يعيِّر المعتصم:
أيا ساكن القاطول بين الجرامِقة
تركتَ ببغدادَ الكِباشَ البطارِقة
وأخذ المحدثون يضعون الأحاديث في ذمِّ الترك تعبيرًا عن شعورهم وشعور الناس، فرووا أن النبيَّ ? قال: «الترك أول من يسلُب أمَّتي ما خُوِّلوا.»
وعن ابن عباس أنه قال: «ليكونن الملك — أو قال الخلافة — في ولدي حتى يغلب على عزِّهم الحمر الوجوه، الذين كأن وجوههم
المَجانُّ المُطرَّقة.» وعن أبي هريرة أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى يجيء قوم عراض الوجوه صغار الأعين، فُطْس الأنوف، حتى يربطوا خيولهم
بشاطئ دجلة.»
?
زاد نفوذ الأتراك شيئًا فشيئًا، بكثرة ما كان يرد على عاصمة الخلافة من بلادهم، وبما أبدوا من بسالة في حروبهم، وبما تزاوجوا وتناسلوا،
وبتأييد الخلفاء لهم؛ فالواثق بعد المعتصم «استخلف سنة ???? على السلطنة أشناس التركي، وألبسه وشاحين مجوهرين وتاجًا
مجوهرًا. وأظنُّه أول خليفة استخلف سلطانًا، فإن الترك إنما كثروا في أيام أبيه».
??
وفي أيامه نكَّل قواد الأتراك بكثير من الأعراب في مواضع مختلفة من جزيرة العرب، فمرة حول «المدينة»، ومرة باليمامة، وكان على رأس الجيش
بُغَا الكبير التركي. واحتقر الأعرابُ أول أمرهم هؤلاء الترك وقالوا لمن استنجد بهم: ما هؤلاء العبيد والعلوج؟ تقاتلنا
بهم؟! والله لنرينَّك العبر!» ولكن هؤلاء العبيد والعلوج انتصروا عليهم، وكان بغا يُحضر الواحد من أسرى بني نمير ويضربه ما بين الأربعمائة
إلى الخمسمائة وأقل من ذلك وأكثر. وعاد بغا ومعه الأسرى من قبائل مختلفة من العرب،
??
ولهذه الحادثة وأمثالها أثر في ضعف نفسية العرب أمام الترك.
وكان مما فعله المعتصم متمِّمًا لاعتماده على الأتراك أن كتب إلى واليه على مصر كَيْدُر، واسمه نصر بن عبد الله، يأمره بإسقاط من في الديوان
من العرب
??
وقطع أعطياتهم. فلما قطع العطاء عنهم خرج يحيى بن الوزير الجَرَوِي في جمع لَخْم وجذام وقال: «هذا أمر لا نقوم في أفضل منه؛
??
لأنه منعنا حقنا وفيئنا.» واجتمع إليه نحو من خمسمائة رجل. فتوجه إليهم مُظَفَّر بن كيدُر في بحيرة تِنيس، فأسر يحيى بن الوزير وتفرق عن
أصحابه، فانقرضت دولة العرب من مصر وصار جندها العجم والموالي من عهد المعتصم، إلى أن ولي أحمد بن طولون التركي، فاستكثر
من العبيد وبلغت عدتهم زيادة على أربعة وعشرين ألف غلام تركي، وأربعين ألف أَسْوَد وسبعة آلاف حر مرتزق.
??

ولا شك أن هذه الحادثة أيضًا أضعفت من شأن العرب وخاصةً في مصر.

وتولَّى المتوكل سنة ????، فكان قد مضى على مجيء الأتراك اثنتا عشرة سنة تمكنوا فيها من الأرض وعرفوا الناس والبلاد، وخدمتهم الحوادث في
إعلاء سلطانهم؛ فرأينا إيتاخ التركي هو الذي بيده معظم الأمور.

وإيتاخ هذا غلام تركي كان طباخًا فاشتراه المعتصم، وكان ذا رجولة وبأس «فرفعه المعتصم ومن بعده الواثق حتى ضم إليه من أعمال السلطان أعمالًا
كثيرة، وكان من أراد المعتصم أو الواثق قَتْله، فعند إيتاخ يُقْتل وبيده يحبس، منهم محمد بن عبد الملك الزيات، وأولاد
المأمون». فلما ولي المتوكل كان إيتاخ في أعلى مرتبته، إليه الجيش والمغاربة والأتراك والموالي والبربر والحجابة ودار الخلافة،
??
حتى لقد خرج المتوكل مرة متنزهًا إلى ناحية القاطول وشرب وعربد على إيتاخ، فهمَّ إتياخ بقتله، فلما أصبح أُخبر المتوكل بذلك فاعتذر إلى
إيتاخ وقال له: «أنت أبي وربَّيتني.»
??
نعم إن المتوكل دبَّر له مكيدة فقتله، ولكن هذا لم يضعف شأن الأتراك في شيء، بل أوغر صدرَهم على المتوكل.

أصبحت أمور الدولة في يد الأتراك، وأصبحوا مصدر قلق واضطراب، فهم يكرهون الفرس والعرب، وهم أنفسهم ليسوا في وفاق بعضهم مع بعض، وهم لا ينقطعون
عن المؤامرات والدسائس، وتعصَّب كل فريق لقائد منهم، وهم كثيرو الطمع في الأموال لا يشبعون، وعلى الجملة فقد أصبحت
«دار السلام» وما حولها ليست دار سلام.

لا بد أن يكون المتوكل قد شعر بهذا الجو الحائق بما يثيره الأتراك من شرور، ولا بد أن يكون قد أحس الخطر على حياته منهم، ففكر أن ينقل عاصمة
الخلافة من العراق إلى دمشق، وأن يعود إلى عاصمة الأمويين لعلَّه يجد فيها من العنصر العربي من يغنيه عن العنصر التركي؛
ففي سنة ????؛ أي بعد خلافته بإحدى عشرة سنة، رحل إلى دمشق، ولكنه لم يطل مقامه بها، فلم يستطب جوَّها كما قالوا. وهو مع هذا لم يسلم من
شغب جنود الشام عليه، «فاجتمعوا وضجُّوا يطلبون الأعطية، ثم خرجوا إلى تجريد السلاح والرمي بالنشاب»،
??
فعاد إلى سامرا، وكان بين خروجه منها وعودته إليها ثلاثة أشهر وسبعة أيام، وبعد أربع سنوات من عودته قتله الأتراك.
لقد رأى المتوكل أن يتخلص من الأتراك ويعيد الدولة سيرتها الأولى، ولكن كان ابنه المنتصر يشايعهم، «فعزم المتوكل أن يفتك بالمنتصر، ويقتل
وصيفًا وبغا وغيرهما من قواد الأتراك ووجوههم»،
??
وعزموا على الفتك به؛ فكان ذلك مفترق الطرق، فإن نجح زالت دولة الأتراكِ وعادت غلبة الفرس، ورجعت الأمور إلى ما كانت عليه، ولكن شاء القدر
أن ينجحوا هم، فتقدم باغر التركي حارس المتوكل ينفذ مؤامرة من القواد الأتراك على رأسهم بغا الصغير، ومعه عشرة غلمان
من الأتراك وهم متلثِّمون والسيوف في أيديهم، وصعدوا على سرير الملك، وضرب باغر «المتوكل» بالسيف فقدَّه إلى خاصرته، ثم ثناه على
جانبه الأيسر ففعل مثل ذلك، وأقبل الفتح «بن خاقان» يمانعهم فبعجه واحد منهم بالسيف في بطنه فأخرجه من متنه، فلفَّا في البساط
الذي قتلا فيه، وطرحا ناحية، فلم يزالا على حالتهما في ليلتهما وعامة نهارهما، حتى استقرت الخلافة للمنتصر فأمر بهما
فدفنا.

كان قتل المتوكل أول حادثة اعتداء على الخلفاء العباسيين، فكل من كان قبله مات حتف أنفه «إلا الأمين فقد قتل بعد هزيمته في الحرب». ولم
يكن قتل المتوكل اعتداءً على المتوكل وحده، بل هو قتل لسلطان كل خليفة بعده، ولم يكن قتله بيد باغر وحده بل بيد الأتراك.
وكان في قتله حياة الأتراك وسلطانهم، وإنذار عام للبيت المالك أن من أراد أن يلي الخلافة فليذعن إذعانًا تامًّا للأتراك، ومن حدَّثته نفسه
— من الخليفة فمن دونه — أن يناوئهم فليوطِّن نفسه على القتل.

وهكذا كانت هذه الحادثة مصرعَ الخلافة، ومجد الأتراك، فكان الخليفة بعده خاتمًا في أصبعهم أو أقل من ذلك، حتى قنع بالسكة والخطبة، «وصار
يُضرب ذلك مَثلًا لمن له ظاهر الأمر، وليس له من باطنه شيء، فيقال: قنع فلان من الأمر الفلاني بالسكة والخطبة، يعني
قنع منه بالاسم دون الحقيقة»،
??
وفي هذا المعنى يقول بعضهم في الخليفة المستعين:
خَليفةٌ في قفَص
بين وَصِيفٍ وبُغَا
يقولُ ما قالا له
كما يقول البَبَّغا

لقد شهد البحتري مقتل المتوكل وكان نديمه وجليسه، وفزع لذلك، ووصف مقتله في قصيدته الرائية المشهورة، يقول فيها:

ولم أنس وحشَ القصر إذ رِيع سِرْبُهُ
وإذ ذُعرت أطلاؤه وجآذِرُه
وإذ صِيح فيه بالرحيل فُهتِّكتْ
على عجل أستارُه وستائرُه

وفيها:

حُلومٌ أضلَّتها الأماني ومدة
تناهت وحتف أوشكتُه مقادِرُه
ومغتصَبٍ للقتل لم يُخش رَهطُه
ولم تُحتشم أسبابُه وأواصرُه
صريع تقاضاه السيوفُ حشاشةً
يجود بها والموت حُمْرٌ أظافرُه
أدافع عنه باليدين ولم يكن
لِيَثْنِي الأعادي أعزلُ الليل حاسره
ولو كان سيفي ساعة الفتك في يدي
درى الفاتك العجلان كيف أُساوره
حرامٌ عليَّ الراح بعدَك أو أرى
دمًا بدم يجري على الأرض مائره
وهل أرتجي أن يطلب الدم واترٌ
يَدَ الدهر والموتور بالدم واتره؟

… إلخ.

بل يُخَيَّلُ إِليَّ أن البحتري هاله ما فعله الأتراك بسيده المتوكل وهو الذي مجَّده في كثير من قصائده، وأسبغ عليه فيها نوعًا من التقديس.


وشبيه النبي خَلْقًا وخُلْقًا
ونسيب النبيِّ جَدًّا فجَدَّا
يا ابن عم النبي حقًّا ويا أز
كى قريش دِينًا ونفسًا وعِرْضا
بنْتَ بالفضل والعلوِّ فأصبحـ
ـت سماء وأصبح الناس أرضا

ولم يستطع أن يهجو الأتراك في صراحة وإقذاع، وهم الذين بيدهم السلطان، وآلمه ما آل إليه أمر الدولة وقد غلب عليها الأتراك، وما كانت عليه
الدولة أيام كان السلطان سلطان الفرس، فحنق على الأولى، وحمد الأخرى. فيخيَّل إليَّ أنه قال «بمظاهرة» طريفة يرضي بها
شعوره، وهي أنه حج إلى إيوان َكسرى رمز سلطان الفرس، ووقف أمامه شاكيًا باكيًا، وقال سينيته البديعة المشهورة يندب حظه ويبكي أمسه:

حَضرتْ رحْليَ الهُموم فوجَّهـ
ـتُ إلى أبيضِ المدائن عنْسي
أتسلَّى عن الحظوظ وآسَى
لمحلٍّ من آل ساسان دَرْسِ
ذَكرتْنِيهُمُ الخطوب التوالي
ولقد تُذكر الخطوبُ وتُنسي

•••

وهْو ينْبيك عن عجائبِ قومٍ
لا يُشابُ البيانُ فيهم بلَبْسِ

•••

ليس يُدْرَى أصنعُ إنسٍ لجنٍّ
سَكَنُوهُ أم صُنعُ جنٍّ لإنس
غير أني أراه يشهد أنْ لم
يك بانيه في الملوك بِنُكْسِ

بل هو يصرح بعد ذلك أن الفرس ليسوا قومه، ولكن لهم فضل على العرب بما أيدوا من ملكهم، وما خدموا في دولتهم (أي وليس كذلك الترك). وفضلًا
عن ذلك فإنه يألف الأشراف من كل جنس، ويحب الأصول من كل قوم:

ذاك عندي وليست الدار داري
باقتراب منها ولا الجِنس جِنْسي
غير نُعْمَى لأهلها عند أهلي
غرسوا من ذكائها خير غرس
أيَّدُوا مُلكنا وشدُّوا قواه
بكماة تحت السِّنورِ حُمْسِ
وأراني من بعدُ أكلف بالأشرا
ف طُرًّا من كل سِنْخٍ وأسِّ

فهذه القصيدة ليست نزعة شعوبية من البحتري كما يرى بعضهم، ولكنها — فيما أرى — حسرة على عهد الفرس بعد أن رأى عهد الأتراك، وبكاءٌ على عصر
كان الفرس فيه يحتفظون بأبهة الخليفة وعظمته، ويعملون ما عملوا في خدمته، وألَمٌ من عصر الأتراك الذي محَوا فيه سلطة
الخليفة وسلبوه سلطانه، وأخضعوه لإشارتهم، وجعلوه تابعًا لأمرهم ونهيهم، وأخيرًا فعلوا فعلتهم الشنعاء فقتلوه أشنع قِتلة، ولم يرعوا له
ولا للخلافة أية حرمة.

وقد خلف لنا الجاحظ رسالة في موضوع العصبية عند مجيء الترك، وهي رسالة كتبها للفتح بن خاقان التركي في مناقب الترك، تمثِّل لنا أصدق تصوير
العصبية بين الجنود المختلفة لمَّا جُند الأتراك، وما يقال عن الجنود يصح أن يقال عن غيرهم. وقد ذكر في هذه الرسالة
أنه ألفها أيام المعتصم جالب الأتراك، وأنه أراد أن يوصلها إليه فلم تصل، لأسباب يطول ذكرها، ولم يبين لنا شيئًا من هذه الأسباب، والظاهر
أنها لم تصل إليه؛ لأن من كان في قصر المعتصم من الفرس والعرب عملوا على ألا تقع في يده فتعظم عصبيته للترك.

ويظهر أنه أعاد كتابتها من جديد على ضوء ما كان من عظمة الترك، وقدَّمها للفتح بن خاقان وزير المتوكل، وكل قوم من الجند في ذلك العصر كان
لهم أدباء وعلماء ومتحدثون، يتكلمون في مناقب قومهم وميزتهم عن غيرهم. أما الأتراك فلم يكن لهم شيء من ذلك، فتعاون
الفتح بن خاقان والجاحظ على أن يسدَّا هذا النقص، ويبيِّنا مناقب الترك؛ فكتب الجاحظ رسالته في ذلك وحكى فيها بعض أقوال الفتح. وقد استعمل
الجاحظ عقله وقلمه وفلسفته في إعلاء شأن الترك؛ تقربًا لذوي النفوذ، وإظهارًا لمزيته البلاغية، بقطع النظر عن كونه
يعتقد ما يقول أو لا يعتقد.

والرسالة قيِّمة جدًّا من ناحية حكاية ما كان يجول بخاطر الجند على اختلاف أنواعهم ونوع عصبيتهم. ويقول فيها إنه لا يريد أن يذكر مناقب
الأتراك ويتبعه بمعايب غيرهم، بل يكتفي بذكر المناقب قصدًا إلى الألفة وتوحيد القلوب، ولكنه بسط مناقب الترك وبالغ
في إعلاء شأنهم، وأسبغ عليهم، بقلمه السيَّال وأسلوبه الواسع؛ عظمة وأبهة تكفيان في إشعار القارئ أن الترك أعظم جند، وأشجع قوم؛ فهو بهذا
الأسلوب الماكر رفع من شأن الترك، ووضع من غيرهم تحت ستار الدعوة إلى الألفة.

حكى في صدر الرسالة حكاية الفتح بن خاقان من أنه سمع رجلًا يَقسم الجند في عهد المتوكل إلى أقسام: خراساني، وتركي، ومولِي، وعربي، وبَنَوي.
??
فاعترض عليه الفتح وأبى هذا التقسيم، ودعا إلى أن ينظر إلى الجند كوحدة لا كأجناس، وأن هذا الجند مع اختلاف أجناسه متقارب الأنساب، فالخراساني
والتركي متقاربان في الشبه والصقع، وأن القرب بينهما أكثر مما بين العدنانيين والقحطانيين مع أن كلهم عرب، وأن البنويين
خراسانيون؛ لأن نسب الأبناء نسب الآباء، وأن الموالي أشبه بالعرب وأقرب إليهم، وهو عرب في المدعَى وفي العاقلة وفي الراية، وقد جاء:
«مولى القوم منهم»، و«الولاء كلحمة النسب»، وأن الأتراك صاروا من العرب لهذا المعنى؛ لأن الأتراك موالي الخلفاء، فهم موالي
لباب قريش. وحكي عن الفتح، أن هذه الأجناس بهذا المعنى يجب أن يكونوا متوازرين متكاتفين محبين للخلفاء … إلخ إلخ.

وهو كلام جيد نظريًّا، ولم يكن واقعًا عمليًّا، فالدعوة الجنسية كانت بالغة أشدَّهَا، والعداوة بينهم متغلغلة في أعماق صدورهم.

ثم حكى الجاحظ عن «الفتح» أن هذا القائل ذكر مناقب لكل جنس من الجنود وألغى ذكر الأتراك، فذكر أن الخراسانيين يفخرون ويقولون: إنا دعاة
الدولة العباسية ونحن النقباء والنجباء وأبناء النجباء، وبنا زال ملك بني أمية، ونحن الذين تحملوا العذاب وبُضعوا بالسيوف
الحداد، ندين بالطاعة ونقتل فيها، ونموت عليها؛ ونحن قوم لنا أجسام وأجرام، وشعور وهام، ومناكب عظام، وجباه عراض، وسواعد طوال، وأبداننا
أحمل للسلاح، ونحن أكثر مادة ونحن أكثر عددًا وعدة، ومتى رأيت مواكبنا وفرساننا وبنودنا التي لا يحملها غيرنا علمت
أنَّا لم نخلق إلا لقلب الدول وطاعة الخلفاء وتأييد السلطان؛ ونحن أرباب النهى وأهل الحلم والحجى؛ وأهل النجابة في الرأي، والبعد من الطيش،
وليس في الأرض صناعة عراقية ولا حجازية، من أدب وحكمة، وحساب وهندسة وارتفاع بناء، وفقه ورواية، نظرت فيها الخراسانية
إلا فرعت فيها الرؤساء وبذَّت فيها العلماء … إلخ إلخ.

والعرب يفخرون بالأنساب وبالشعر الموزون الذي يبقى بقاء الدهر، ويلوح ما لاح نجم، وبالكلام المنثور والقول المأثور وتقييد المآثر، إذ لم
يكن ذلك من عادة العجم — قالوا — ونحن أصحاب التفاخر والتنافر، والتنازع في الشرف والتحاكم إلى كل حَكَم مقنع، وكاهن
شجاع، ونحن أصحاب التعاير بالمثالب والتفاخر بالمناقب، نقاتل رغبة لا رهبة. ثم ردُّوا على الخراسانيين بأن أكثر النقباء في الدعوة العباسية
كانوا من العرب … إلخ.

وفخر الموالي بأنهم موضع الثقة عند الشدة، وأن شرف السادة راجع إليهم، إذ هم منهم، ثم لهم الطاعة والخدمة والإخلاص وحسن النية — قالوا —
ونحن أشكل بالرعية، وأقرب إلى طباع الدهم، وهم بنا آنس، وإلينا أسكن، وإلى لقائنا أحنُّ، ونحن بهم أرحم، وعليهم أعطف
… إلخ.

وقال البنوي: إنا أصلنا خرساني وهو مخرج الدولة، ومطلع الدعوة، ولنا بعدُ في أنفسنا ما لا ينكر، من الصبر تحت ظلال السيوف القصار، والرماح
الطوال، ولنا مُعانقة الأبطال عند تحطم القنا وانقطاع الصفائح، ونحن أهل الثبات عند الجولة، والمعرفة عند الخبرة، مع
حسن القدِّ، وجودة الخرط، ثم لنا الخطُّ والكتابة، والفقه والرواية، ولنا بغداد بأسرها تسكن ما سكنَّا وتتحرك ما تحركنا؛ ونحن تربية الخلفاء
وجيران الوزراء، وُلِدْنا في أفنية ملوكنا، ونحن أجنحة خلفائنا، أخذنا بآدابهم، واحتذينا على مثالهم.

فأخذ الجاحظ بعدُ يشِيد بفضل الترك، فيزعم أن كل الأجناد يرجعون إلى شيء واحد كما قال «الفتح»؛ فالبنوي خراساني، والخراساني مولِي، والمولِي
عربي بالولاء، والأتراك خراسانية (أي بحكم القرب والجوار)، فصار البنوي والخرساني والمولي والعربي والتركي شيئًا واحدًا،
فصار فضل التركي إلى الجميع راجعًا، وصار شرفهم زائدًا في شرفهم، ورجا أنه إذا عرف سائر الأجناد ذلك تسامحت النفوس، ومات الضغن وانقطع سبب
الاستثقال.

بدأ الجاحظ دفاعه عن الأتراك بحكاية قصَّها عن قوم أيام المأمون تذاكروا أي الاثنين أشجع: الخارجي أم التركي؟ وكان الخوارج معروفين بين
الناس إذ ذاك بأنهم أشجع جند وأصبر الناس على قتال، وانتهى من هذه القصة بنتيجة هي أن التركي أشجع من الخارجي؛ لأن
الخوارج عرفوا بعشر مزايا في القتال، والتركي يفضلهم فيها جميعًا؛ لأنه أثبت عزمًا حتى لقد عوَّد برذونه ألا ينثني، وهو أصدق رماية؛ فالتركي
يرمي الوحش والطير والناس في سرعة وإصابة، والخوارج إذا ولَّوْا فقد ولَّوْا، ولكن التركي إذا ولَّى فهو السمُّ الناقع؛
لأنه يصيب بسهمه وهو مدبر كما يصيب بسهمه وهو مقبل.

والتركي في حال شدته معه كل شيء يحتاج إليه لنفسه ولسلاحه ولدابته، والتركي هو الراعي وهو السائس، وهو الرائض وهو النخَّاس وهو البيطار،
وهو الفارس، وهو أصبر على السير وعلى الصعود في ذُرى الجبال، والتركي في بلاده لا يقاتل على دين، ولا على تأويل، ولا
على مُلك، ولا على خراج، ولا على عداوة، ولا على وطن، وإنما يقاتل على السلب، فكيف إذا انضم إلى ذلك غضب أو تدين، أو عَرَض له بعض ما يصحب
القاتل من العلل والأسباب، والأتراك قوم وُضع بنيتهم على الحركة وليس للسكون فيهم نصيب، وهم أصحاب توقُّد واشتعال وفطنة،
وهم يرون الاكتفاء بالقليل عجزًا، وطول المقام بلادة، والراحة غفلة، والقناعة من قصر الهمة.

ويقول بعد: إن كل أمة امتازت بشيء، فأهل الصين في الصناعات، واليونان في الحكم والآداب، والفرس في المُلْك والسياسة؛ والعرب لم يكونوا تجارًا
ولا صناعًا ولا أطباءً ولا حُسَّابًا، ولا طلبوا المعاش من ألسنة المكاييل والموازين، ولم يحتملوا ذلًّا قط فيميت قلوبهم،
ويصغِّر عندهم أنفسهم، وكانوا سكان فيافٍ، وتربية عراء، فوجَّهوا قواهم إلى قول الشعر، وبلاغة المنطق، وتثقيف اللغة، وتصريف الكلام، وحفظ
النسب، والاهتداء بالنجوم، والاستدلال بالآثار، والبصر بالخيل والسلاح، والحفظ لكل مسموع، والاعتبار بكل محسوس، وإحكام
شأن المناقب والمثالب ومزية الأتراك في الحروب، وهم كذلك أصحاب عمد، وسكان فياف، وأرباب مواش، وهم أعراب العجم، كما أن هذيلًا
أكراد العرب، لم تشغلهم الصناعات ولا التجارات، ولا الطبُّ والفلاحة والهندسة، ولا غراس ولا بنيان، ولا شقُّ أنهار، ولا جباية
غلَّات، ولم يكن همُّهم غير الغزو والغارة والصيد، وركوب الخيل، ومقارعة الأبطال، وطلب الغنائم، وتدويخ البلاد، لذَّتهم
في الحرب، وهي فخرهم وحديثهم وسمرهم، وقد اتصفوا بالصفات التي تستتبع النجدة والفروسية، من الكرم وبعد الهمَّة وطلب الغاية، والحزم والعزم
والصبر.

وبذلك انتهت رسالته الطويلة التي أوجزناها إيجازًا تامًّا.

ومنها نستدل على أن العصبية في هذا العصر كانت شديدة قوية؛ كل عنصر يعدِّدُ مزاياه، ويُدل بها على من سواه؛ فعربي يفخر بلسانه وسيفه، وفارسي
يفخر بسياسته ومُلكه … إلخ؛ وأن الأتراك كانت مزيتهم حسن القتال وما يستتبعه من صفات، فلم يفخروا بعلم ولا سياسة ولا
بسابقة دين ولا شيء من ذلك، فلما كان هذا شأنهم في قوة القتال، غلبوا على كل سلطان.

أراد الفتح بن خاقان والجاحظ أن ينشرا عقيدة الوحدة بين الجنود وتناسي الأجناس، ولكن أنَّى لهما ذلك، والدين نفسه لم يستطع أن يمحو هذه
العصبية، وعمل الأتراك أنفسهم باستبدادهم وطغيانهم يحيي العصبية ويجعلها وسيلة للدفاع عن النفس، بل وطريقة الجاحظ التي
سلكها في مناقب الأتراك من شأنها أن تقوي العصبية لا أن تضعفها؟!

كان طبيعيًّا أن يزداد نفوذ الأتراك بقتلهم المتوكل وتنصيبهم المنتصر. وقد حكى الطبري «أن المنتصر عزم على أن يُغْزِي وصيفًا التركي؛ الثغر
الشامي، فقال أحمد بن الخصيب للمنتصر: «ومن يجترئ على الموالي — الأتراك — حتى تأمر وصيفًا بالشخوص؟!»»
??
وأمر الأتراك المنتصر أن يخلع أخويه المعتز والمؤيد من الخلافة خوفًا أن ينتقما — إذا ولِّيَا — من قتلة المتوكل، وكان لذلك كارهًا، فدعاهما
المنتصر، والأتراك وقوف وقال: «أترياني خلعتكما طمعًا في أن أعيش حتى يكبر ولدي وأبايع له؟ والله ما طمعت في ذلك ساعة
قط، وإذا لم يكن في ذلك طمع، فوالله لأنْ يليها بنو أبي أحب إليَّ من أنْ يليها بنو عمي، ولكن هؤلاء — وأومأ إلى سائر الموالي؛ يريد
الأتراك — ألحُّوا عليَّ في خلعكما، فخفت إن لم أفعل أن يعترضكما بعضهم بحديدة فيأتي عليكما.»
??

فلما مات المنتصر بعد خلافته بستة أشهر، وقبل أن يستخلف خليفة بعده، استُحلف القواد الأتراك والمغاربة والأشروسنية على أن يرضوا بمن يرضى
به بغا الكبير وبغا الصغير وأتامش، وجميعهم أتراك، وهؤلاء قد اختاروا أحمد بن محمد المعتصم، ولقَّبوه المستعين فبايعه
سائر الناس.

ضايق الأتراك المستعين بعد ذلك، وضايقوا الناس حتى ضجَّ وضجُّوا، ودبَّروا المؤامرات لاغتياله، فهرب من سامرا إلى بغداد، فذهبوا إليه يعتذرون،
فقال لهم: «أنتم أهل بغي وفساد واستقلال للنعم، ألم ترفعوا إليَّ في أولادكم فألحقتهم بكم، وهو نحو من ألفي غلام؟!
وفي بناتكم، فأمرت بتصييرهن في عداد المتزوجات، وهن نحو أربعة آلاف امرأة؟! وفي المدركين والمولودين، وكل هذا قد أجبتكم إليه، وأدررت لكم
الأرزاق حتى سبكت لكم آنية الذهب والفضة، ومنعت نفسي لذتها وشهوتها؛ كل ذلك إرادة لصلاحكم ورضاكم، وأنتم تزدادون بغيًا
وفسادًا، وتهددًا وإبعادًا.»
??
وهاج أهل بغداد «لما بلغهم مقتل عمر بن عبيد الله الأقطع، وعلي بن يحيى الأرمني، وكانا نابين من أنياب المسلمين، شديدًا بأسهما، عظيمًا
غناؤهما عنهم، في الثغور التي هما بها، وقرب مقتل أحدهما من مقتل الآخر، مع ما لحقهم من استفظاعهم من الأتراك قتل المتوكل
واستيلائهم على أمور المسلمين، وقتلهم من أرادوا قتله من الخلفاء، واستخلافهم من أحبوا استخلافه، من غير رجوع منهم إلى ديانة، ولا نظر
للمسلمين، فاجتمعت العامة ببغداد بالصراخ والنداء بالنفير».
??

هذا إلى أن الأتراك أنفسهم انشق بعضهم على بعضهم، وتكونوا أحزابًا: هذا حزب داغر، وهذا حزب بغا ووصيف … إلخ، وقتلوا داغرًا، وحارب بعضهم
بعضًا.

فلما لم يذعن لهم المستعين، بايعوا المعتز بالله، وانضم إليه أغلب الأتراك، وكان مركزه سامرا؛ وظل أهل بغداد على ولائهم للمستعين وبيعتهم
له، ومعه ابن طاهر الفارسي الأصل وقليل من الأتراك، وكانت سنة شديدة على الناس عذبوا فيها عذابًا شديدًا من السلب والنهب
والقتال.

وكان من حسن حظ الترك أن غَلبوا أخيرًا، ودخلوا بغداد منتصرين، وخلعوا المستعين ثم قتلوه، فكانت هذه خطوة أخرى في سبيل سيادة الأتراك، وفي
ذلك يقول رجل من أهل سامرا — وقيل إنها للبحتري:

لله دَرُّ عصابة تُركية
رَدُّوا نوائبَ دهرهم بالسَّيف
قتلوا الخليفة أحمد بن محمد
وكسوا جميع الناس ثوب الخوف
وطَغَوْا فأصبح مُلكنا متقسِّمًا
وإمامُنا فيه شبيهَ الضيف
ومع هذا سرعان ما ضيَّقوا على المعتز، وشعر منهم بالشَّرِّ، فكان لا يلتذ بالنوم، ولا يخلع سلاحه لا في ليل ولا في نهار خوفًا من بغا، وقال:
«لا أزال على هذه الحالة حتى أعلم لبغا رأسي أو رأسه لي.» وكان يقول: «إني لأخاف أن ينزل عليَّ بغا من السماء أو يخرج
علي من الأرض.»
??
ومن ناحية أخرى عزم المعتز على قتل رؤسائهم، وأعمل الحيلة في فنائهم، فخلعوه وقتلوه.

وقد أكثر الشعراء في ذلك العصر من وصف ما أصاب البلاد من سوء الحال، وتحكم الأتراك في الخلفاء، وما عمَّ الناس من الفوضى والاضطراب، فقال
في ذلك بعض شعراء العصر في مقتل المعتز:

بكرَ التركُ ناقمين عليه
خَلَعَتْهُ، أَفْدِيه من مخلوع
قتلوه ظلمًا وجَورًا فألفَو
ه كريم الأخلاق غير جزوع
لم يَهابوا جيشًا ولا رَهبوا السيـ
ـف فَلَهْفِي على القتيل الخليع
أصبح الترك مالكي الأمر، والعا
لَمُ ما بين سامع ومطيع
ونرى الله فيهُم مالك الأمـ
ـر سيجزيهمُ بقتلٍ ذريع

وقال آخر:

قتلوه ظلمًا وجَورًا وغَدْرًا
حين أهدوْا إليه حتفًا مُريحا
نَضَّر الله ذلك الوجه وجهًا
وسَقَى الله ذلك الرُّوح روحا
أيها الترك تُلَقَّون للدهر
سيوفًا لا تَسْتبِلُّ الجريحا
فاستعدُّوا للسيف عاقبةَ الأمـ
ـر فقد جئتمُ فَعالًا قبيحًا

وقال آخر:

ألزموه ذنبًا على غير جُرْمٍ
فثوى فيهمُ قتيلًا صريعًا
وبنو عمه وعم أبيه
أظهروا ذلة وأبدوا خضوعًا
ما بهذا يصحُّ مُلك ولا يُغـ
ـزَى عدو ولا يكون جميعا

ويقول: عبد الله بن المعتز في أرجوزته التاريخية المشهورة:

وكلَّ يوم ملك مقتول
أو خائف مُرَوَّعٌ ذليل
أو خالع للعَقد كيما يَغْنَى
وذاك أدنَى للردى وأدنى
وكم أمير كان رأس جيش
قد نغَّصوا عليه كل عيش
وكم فتاةٍ خرجت من منزِل
فغصَّبوها نفسَها في المحفِل

•••

ويطلبون كلَّ يوم رِزقًا
يرونه دَيْنا لهم وحَقا
كذاك حتى أفقروا الخلافة
وعوَّدُوها الرعب والمخافة

شعر الناس بسوء الحالة العامة من سلطة الأتراك، وحاولوا التخلُّص من سلطانهم، وقويت هذه الفكرة عند الخليفة المهتدي، وقد كان شجاعًا قويًّا،
مثله الأعلى عمر بن الخطاب؛ فظن أنه يستطيع القضاء على سلطة الأتراك، وأن الشعب يؤيده، ولكنه لم ينجح.

لقد أكثر الترك من مصادرة الناس في أموالهم، وكان من مصائب الرجل أن يكون غنيًّا؛ صادروا الكتَّاب وصادروا الأمراء الكبار، وأخيرًا صادروا
زوجة المتوكل وهي أمُّ المعتز بعد أن قتلوا ابنها، وكان المتوكل سمَّاها قبيحة لحسنها وجمالها كما يسمى الأسود كافورًا،
وكان لها أموال كثيرة، وهربت على مكة، وسُمعت وهي تدعو بصوت عال تقول: اللَّهم أخزِ صالحًا
??
كما هتك ستري، وقتل ولدي، وشتَّت شملي، وأخذ مالي، وغرَّبني عن بلدي وركب الفاحشة مني.
??

دبَّر الأتراك مؤامرة لقتل المهتدي؛ لأنه لم يعجبهم في نزعته. وانتشر الخبر في العامة أنهم قد اتفقوا على خلع المهتدي والفتك به، وأنهم
قد أرهقوه، فكتب العامة الرقاع ورموها في الطرق والمساجد مكتوبًا فيها: «يا معشر المسلمين ادعوا الله لخليفتكم العدل
الرضا المضاهي لعمر بن الخطاب أن ينصره الله على عدوه، ويكفيه مؤنة ظالمه، ويتمَّ النعمة عليه وعلى هذه الأمة ببقائه، فإن الأتراك قد أخذوه
بأن يخلع نفسه.»

ولما وصل خبر المؤامرة إلى المهتدي تحول من مجلسه متقلدًا سيفًا، وقد لبس ثيابًا نظافًا وتطيب، ثم أمر بإدخال هؤلاء الأتراك المتآمرين عليه،
فقال لهم: «بلغني ما أنتم عليه ولست كمن تقدمني مثل المستعين والمعتز، والله ما خرجت إليكم إلا وأنا متحنِّط، وقد أوصيت
إلى أخي بولدي، وهذا سيفي، والله لأضربن به ما استمسك قائمه بيدي، والله لئن سقطت مني شعرة ليهلكن وليذهبن أكثركم، أما دين! أما حياء! أما
رِعَيَة! كم يكون هذا الخلاف على الخلفاء والإقدام والجرأة على الله، سواء عليكم من قصد الإبقاء عليكم، ومن كان إذا
بلغه هذا عنكم دعا بإرطال الشراب فشربها مسرورًا بمكروهكم وحبًّا لبواركم، خبِّروني عنكم هل تعلمون أنه وصل إليَّ من دنياكم هذه
شيء؟ أما أنك تعلم يا بايكباك أن بعض المتِّصلين بك أيسر من جماعة إخوتي وولدي؟! تَعَرَّف ذلك فانظر هل ترى في منازلهم فرشًا،
أو وصائف أو خدمًا أو جواري أو لهم ضياغ أو غلات؟ سوأة لكم!»
??
ولكن ماذا يغني إشهار سيفه، والتهديد خطبته، وقد أراد أن يضرب الأتراك بعضهم ببعض حتى يخلص منهم جميعًا، ولكنه لم ينجح في هذا أيضًا، ودارت
الدائرة عليه فقتلوه.

ومع هذا فقد كانت لحركة المهتدي أثر في استرداد البيت العباسي بعض سلطانه، وكان من أسباب ذلك أيضًا انتقال الخليفة من سامرا — وهي حصن الأتراك
— إلى بغداد، وفيها عناصر كثيرة تريد أن تحمي الخلافة من شرورهم؛ ولذلك رأينا سلسلة من الخلفاء بعده يقبضون على كثير
من السلطان، ويموتون حتف أنوفهم، فقد تولَّى بعد المهتدي المعتمد؛ نعم إنه كان مسلوب السلطان محجورًا عليه، وقال في ذلك أبياته المشهورة:


أليس من العجائب أنَّ مِثْلِي
يرى ما قَلَّ ممتنِعًا عليه
وتُوكَلُ باسمه الدنيا جميعًا
وما من ذاك شيء في يديه
إليه تُحمل الأموال طرًّا
ويُمنع بعض ما يُجْبَى إليه

ولكن الذي كان يحجر عليه هذه المرة هو أخوه الموفق، لانصراف المعتمد إلى لهوه وملذاته، والموفق في أيامه كان بطلًا، ترك لأخيه المعتمد الخطبة
والسكة والتسمي بإمرة المؤمنين، وأمسك هو بزمام الأمر والنهي، وقوْدِ العساكر، ومحاربة الأعداء؛ ومرابطة الثغور، وترتيب
الوزراء والأمراء، وكبح غير قليل من جماح الأتراك.

فلما جاء المعتضد بن الموفق سار سيرة أبيه، وزاد في رفع شأن الخلافة، والأخذ على يد الأتراك بقدر ما يستطيع، قال الفخري: «كان المعتضد شهمًا
عاقلًا فاضلًا، حُمدت سيرته، ولِيَ والدنيا خراب، والثغور مهملة، فقام قيامًا مرضيًا حتى عمرت مملكته، وكثرت الأموال،
وضبطت الثغور، وكان قوي السياسة شديدًا على أهل الفساد، حاسمًا لمواد أطماع عساكره عن أذى رعيته، محسنًا إلى بني عمه من آل أبي طالب.»
??
وقد كثرت الفتن والأحداث في أيامه نتيجة للفساد الذي كان قبل أيامه، فجاهد فيها ما استطاع.

وقد نظم فيه «ابن المعتز» ابن عمه قصيدة طويلة هي صورة مصغَّرة لنمط الملاحم كالإلياذة والشاهنامه، سدَّت بعض النقص في الشعر العربي في
هذا النوع، بدأها بذمِّ الأتراك وما جنوا على البلاد، ذكرنا طرفًا منه فيما سبق، ثم عدَّد أعمال المعتضد، وما قام به
من حروب وما أتى به من إصلاح. وهي تعدُّ بجانب مزيتها الأدبية وثيقة تاريخية هامة للأحداث في عهد المعتضد.

واستبشر الشعراء بهمته، فقال ابن الرومي:

هنيئًا بني العباس إنَّ إمامَكم
إمامُ الهُدَى والناسِ والجودِ أحمدُ
كما بأبي العباس أنشئ مُلككم
كذا بأبي العباس أيضًا يُجدَّد

وقال ابن المعتز:

أما ترى مُلك بني هاشم
عاد عزيزًا بعدما ذلَّلا
يا طالبًا للملك كن مِثْله
تستوجب المُلك وإلَّا فلا

وعلى الجملة، فقد مات بعد نحو عشر سنوات من حكمه، خلف فيها الخلافة على حال أحسن بكثير مما كانت منذ وفاة الواثق.

وسار ابنه المكتفي بسيرة أبيه، ولكن الفتن التي بدأت في عهد أسلافه استفحلت، وعظم أمرها، من إسماعيلية، وقرامطة، وفاطمية، وانتهى القرن
الثالث الهجري والفتن قائمة، والثورات مشتعلة، وعلى الخلافة المقتدر بن المعتضد، فعادت الخلافة إلى ضعفها الأول، وعاد
الأتراك إلى قوتهم.

ويظهر أن الأتراك والوزراء سئموا من اختيار الخلفاء القادرين الأكْفاء، أمثال المهتدي، والمعتضد، والمكتفي، فأرادوا أن يعدلوا عن هذه السنَّة
ويولُّوا عديم الكفاية؛ ولذلك طال اجتماعهم وتفكيرهم بعد موت المكتفي، وكان من أول المرشحين للخلافة عبد الله بن المعتز،
وهو كفء عالم أديب قادر، فانصرفوا عنه إلى المقتدر، وهو طفل عاجز، فولَّوه حتى تتم لهم الرياسة. حكى مسكويه أن وزير المكتفي العباس بن
الحسن استشار ابن الفرات فيمن يلي الخلافة، فقال له: «اتق الله ولا تنصِّب في هذا الأمر من قد عرف دار هذا، ونعمة هذا،
وبستان هذا، وجارية هذا، وفرس هذا، ومن لقي الناس ولقوه، وعرف الأمور، وتحنَّك وحسب حساب نعم الناس.
??
قال الوزير: فبمن تشير؟ قال ابن الفرات: بجعفر بن المعتضد (هو المقتدر). فقال الوزير: جعفر صبي! قال ابن الفرات: إلا أنه ابن المعتضد،
ولِمَ تجيء برجل يأمر وينهى، ويعرف ما لنا، وبمن يباشر التدبير بنفسه ويرى أنه مستقل؟ ولم لا تسلِّم هذا الأمر إلى
من يدعك تدبِّره أنت؟»

وحكى الصُّولي «أنه عُهد إليه بتربية الراضي بالله وأخيه هارون، فكان يلقاهما مرتين في الأسبوع وقد رآهما فطنَين عاقلَين، إلا أنهما خاليان
من العلوم. قال الصولي: «فحبَّبت العلم إليهما، واشتريت لهما من كتب الفقه والشعر واللغة والأخبار قطعة حسنة، فتنافسا
في ذلك، وعمل كل واحد منهما خزانة لكتبه، وقرآ عليَّ الأخبار والأشعار.» فكان مما قرأه لهما الصولي كتاب «خلق الإنسان» للأصمعي، فوشى الخدم،
وقالوا: «إن الصولي يعلِّمهما أسماء الفرج والذكر.» فاجتهد الصولي في نفي هذه التهمة، وأراهم الكتاب.

ثم لما تقدم الصولي في تعليمهما، وتطلع إلى مكافأته على ما عمل، قيل له على لسان أهل القصر: «ما نريد أن يكون أولادنا أدباء ولا علماء،
وهذا أبوهما قد رأينا كل ما نحب فيه، وليس بعالم.» فلما سمع الصولي أتى نصرًا الحاجب وأخبره بما قيل، فبكى، وقال: كيف
نفلح من قوم هذه نياتهم؟!»
??
وحكى في موضع آخر، أن الراضي بالله، قبل أن يلي الخلافة، كان يقرأ عليه — على الصولي — شيئًا من شعر بشار، وبين يديه كتب لغة، فجاء خدم
من خدم جدته، فأخذوا جميع ما بين يديه من الكتب، فجعلوه في منديل، فغضب الراضي، فسكَّنت غضبه وقلت: ليس ينبغي أن ينكر
الأمير هذا؛ فإنه يقال لهم إن الأمير ينظر في كتب لا ينبغي أن ينظر في مثلها. فقال لهم الراضي: قولوا لمن أمركم: إن هذه الكتب إنما هي حديث
وفقه وشعر ولغة وأخبار، وليست من كتبكم التي تبالغون فيها مثل عجائب البحر، وحديث سندباد، والسنور والفار.
??

فترى من هذا كيف كانوا يريدون الحجر على من يرشَّح للخلافة لينشأ جاهلًا غرًّا، فينصرف إلى لهوه ولذته، ويترك لهم زمام الأمور والتصرُّف
في شئون الدولة.

وكان من المؤيدين لتولية هذا الطفل مؤنس الخادم، ومؤنس الخازن، وغيرهما من الأتراك.

نعم كان مع ابن المعتز بعض الأتراك، ولكن الغلبة والقوة كانتا في جانب الذين مع المقتدر، فتم الأمر للمقتدر، وقتل ابن المعتز.
??
روي أنه لما اختلف أمر الناس، وبايع بعضهم لابن المعتز، سأل ابن جرير المؤرِّخ الكبير، وكان في آخر أيامه: ما الخبر؟ قالوا: بويع ابن المعتز.
قال: فمن رشِّح للوزارة؟ قالوا: محمد بن داود. قال: فمن ذُكِر للقضاء؟ قالوا: أبو المثنَّى. فأطرق ثم قال: هذا الأمر
لا يتمُّ. قيل له: وكيف؟ قال: كل واحد ممَّن سمَّيتموهم متقدم في معناه، عالي الرتبة، والزمان مدبر، والدنيا مولِّية، وما أرى هذا إلا إلى
اضمحلال، وما أرى لمدته طولًا.
??

كان المقتدر صبيًّا في الثالثة عشرة من عمره لا يعرف من أمور الدنيا شيئًا، ومع ذلك لقَّبوه بالمقتدر! ولما شبَّ عكف على لذائذه، وتوفَّر
على المغنين والنساء، وترك أمور الدولة لغيره وعلى رأسهم مؤنس التركي، فبلغت الحال من بله الخليفة وسوء رجاله أقصى
حدٍّ.

وأخيرًا بعد حكم فاسد دام نحو خمس وعشرين سنة، قتل المقتَدرَ رجلٌ من أصحاب مؤنس، أضجعه فذبحه وسلب ثيابه حتى سراويله، وتركه مكشوف العورة،
إلى أن مر به رجل من الأكرة فستر عورته بحشيش، ثم حفر له في الموضع، ودفن حتى عفا أثره.
??
قال المسعودي في المقتدر: «أفضت الخلافة إليه وهو صغير غِرّ تَرِف، لم يعان الأمور ولا وقف على أحوال المُلك، فكان الأمراء والوزراء والكتَّاب
يدبِّرون الأمور ليس له في ذلك حل ولا عقد، ولا يوصف بتدبير ولا سياسة، وغلب على الأمر النساء والخدم وغيرهم، فذهب
ما كان في خزائن الخلافة من الأموال والعدد بسوء التدبير الواقع في المملكة فأداه ذلك إلى سفك دمه؛ واضطربت الأمور بعده، وزال كثير من رسوم
الخلافة
??
… وكانت في أيامه أمور لم يكن مثلها في الإسلام: منها أنه ولي الخلافة ولم يلِ أحد قبله من الخلفاء وملوك الإسلام في مثل سنِّه؛ لأن الأمر
أفضي إليه وله ثلاث عشرة سنة وشهران وثلاثة أيام، ومنها أنه ملك خمسًا وعشرين سنة إلا خمسة عشر يومًا، ولم يملك هذا
أحد من الخلفاء وملوك الإسلام قبله، ومنها أنه استوزر اثني عشر وزيرا، فيهم من وزر له المرتين والثلاث، ولم يعرف فيما قبله أحد استوزر هذه
العدة، ومنها غلبة النساء على الملك والتدبير، حتى إن جارية لأمه تعرف بثَمِل القهرمانة كانت تجلس للنظر في مظالم الخاصة
والعامة، ويحضرها الوزير والكاتب والقضاة وأهل العلم.
??
ولم تكن خلافة القاهر خيرًا من خلال المقتدر. وأخيرًا اجتمع بعض قواد الجند وقبضوا على القاهر وهو سكران، واستحضروا
بختيشوع بن يحيى المتطبِّب وسألوه أن يدلَّهم على من يُحسن أن يَسمُل، فذكر لهم رجلًا، فأحضر وسمَل
??
عيني القاهر، ولم يسمل قبله أحد من الخلفاء، وقد سملوا بعده الخليفة المتقي واسمه إبراهيم، فقال القاهر:
صرت وإبراهيمُ شيخي عَمًى
لا بد للشيخين من مُصْدِرِ
ما دام تُورُون له إمرة
مُطاعة فالمِيلُ في المِجْمَرِ
وقد وقف القاهر يومًا — بعد أن سُمل وحبس وبويع غيره ثم أطلق — في جامع المنصور بين الصفوف وعليه مبطنة بيضا، وقال: تصرَّفوا عليَّ فأنا
من قد عرفتم.
??
وحدَّث أبو الحسن العروضي مؤدب الخليفة الراضي، قال: اجتزت في يوم مهرجان بدجلة بدار بَجْكم
??
التركي، فرأيت من الهرج والملاهي واللعب والفرح والسرور ما لم أر مثله، ثم دخلت إلى الراضي بالله، فوجدته خاليًا بنفسه قد اعتراه همٌّ،
فوقفت بين يديه، فقال لي: ادْنُ. فدنوت، فإذا بيده دينار ودرهم، في الدينار نحو من مثاقيل، وفي الدرهم كذلك، عليه صورة
«بجكم» شاك في سلاحه، وحوله مكتوب:
إنما العزُّ فاعلم، للأمير المعظَّمْ
سيد الناس بَجْكَمْ

ومن الجانب الآخر الصورة بعينها، جالس في مجلسه كالمفكِّر المطرق. فقال الراضي: أما ترى صنع هذا الإنسان وما تسمو إليه همته، وما تحدِّثه
به نفسه؟! فلم أجبه بشيء، وأخذت به في أخبار من مضى من ملوك الفرس وغيرها، وما كانت تلقى من أتباعها، وصبرهم عليهم،
وحسن سياستهم لذلك حتى تصلح أمورهم، وتستقيم أحوالهم، فسلا عما عرض لنفسه، ثم قلت: يمتِّع الله أمير المؤمنين أن يكون كالمأمون في هذا الوقت
حيث يقول:

صِلِ النُّدمان يومَ المِهْرَجان
بصافٍ من مُعَتَّقَة الدِّنان
بكاسٍ خُسْرُوانِي عتيق
فإن العيد عيد خُسْرُوانِي
وجنِّبني الزَّبِيبيين طرًّا
فشأنُ ذوي الزبيب خلاف شاني
فأشربها وأزعمها حرامًا
وأرجو عفو رب ذي امتنان
ويشربها ويزعمها حلالًا
وتلك على الشقيِّ خطيئتان

فطرب وأخذته أريحية وقال لي: صدقت، ترْك الفرح في مثل هذا اليوم عجز!

وأمر بإحضار الجلساء، وقعد في مجلس التاج على دجلة، فلم أر يومًا كان أحسن منه في الفرح والسرور.
??

هذا في إيجاز تام حال الأتراك من حيث علاقتهم بالخليفة والخلافة وشئونها.

وللأتراك في هذا العصر ناحية أخرى اجتماعية لها أثر كبير في حياة المسلمين، فقد كان لقبض الأتراك على زمام الحكم أثر في دخول كثير منهم
في الإسلام، وانتشارهم في المملكة الإسلامية، فمسكويه يذكر في حوادث سنة ???? أنه في هذه السنة أسلم من الأتراك نحو
مائتي ألف خِرْكَاه،
??
والخركاه هي الخيمة التي تسكنها الأسرة؛ أي أن من أسلم نحو مائتي ألف أسرة، فإذا كان متوسط الأسرة خمسة أشخاص كان مجموع ذلك نحو ألف ألف
شخص، ولا شك أن هذا العدد، ومن أسلم قبله، ومن أسلم بعده، في اندماجهم في المسلمين؛ يؤثر أثرًا كبيرًا.

كان هؤلاء الأتراك أقوياء أشدَّاء أصحاء كما تستلزمه طبيعة بلادهم، وبداوة معيشتهم. وقد ذكر لنا الجاحظ فيما سبق أن أطلق على الأتراك «أعراب
العجم»، ويعني بالأعرابية البداوة، وهذه البداوة تكسبهم قوة في البدن وخشونة في الطبع، وقد تجلَّى هذا في معاملتهم
الناس، فضجَّ منهم أهل بغداد في عصر المعتصم. ولكن مرور الأزمان عليهم، واستيلاءهم على البلاد المنعمة المترفة، وكثرة الأموال في أيديهم،
حضَّرهم، وعلمهم النعيم والبذخ، وحمل بعضهم على العبث بالأخلاق. حكى التنوخي أن شيخًا من التجار كان له على بعض القواد
مال جليل يماطله به، ولم يستطع الظلامة إلى الخليفة المعتضد؛ لأنه كان إذا جاء حجبه القائد واستخف به غلمانه، فدلُّوه على خياط في سوق
الثلاثاء، فأمر الخياطُ القائد بدفع ما عليه للتاجر ففعل؛ فعجب التاجر من هذا الذي رأى، وألحَّ عليه في السؤال عن سبب
خضوع القائد! فقصَّ عليه أنه مرّ مرة في الطريق فرأى تركيًّا على داره، وقد اجتازت امرأة جميلة عليه فتعلَّق بها وهو سكران ليدخلها
داره، وهي ممتنعة تستغيث، وليس أحد يغيثها، وتقول: إن زوجي قد حلف بالطلاق ألا أبيت خارج بيته، فإن بيَّتني هذا، أخرب بيتي
مع ما يرتكبه مني من المعصية، ويلحقه بي من العار.

قال الخياط: فجئت إلى التركي ورفقت به وسألت تركها، فضرب رأسي بدبوس كان في يده فشجَّني وآلمني، وأدخل المرأة داره، فجمعت جمعًا وجئنا فضججنا
على بابه، فخرج إلينا في عدة من غلمانه فأوقع بنا الضرب، وذهبت إلى بيتي ولم أزل أفكر في هذه المرأة حتى انتصف الليل،
فقلت: هذا التركي قد شرب طول ليلته ولا يعرف الأوقات، فإن أذَّنتُ لوقع له أن الفجر قد طلع، فيُطْلِق المرأة فتلحق بيتها قبل الفجر فتسلم
من أحد المكروهَين، ولا يخرب بيتها مع ما قد جرى عليها.

فخرجْتُ إلى المسجد وصعدت المنارة فأذَّنت، وجعلت أتطلَّع منها إلى الطريق أترقب خروج المرأة فلم تخرج، وإذا الشارع امتلأ خيلًا ورجالًا
ومشاعل، وهم يقولون: من هذا الذي أذَّن الساعة؟! ففزعتُ، ثم صحتُ من المنارة: أنا أذَّنتُ. فقالوا لي: انزل، فأجب أمير
المؤمنين. ثم ذُهبَ بي إلى المعتضد، وقص عليه القصة، فأحضر التركي والمرأة، فلما تحقق من صحة قولي أمر بردِّ المرأة إلى زوجها، وأن يتمسَّك
بها ويحسن إليها.

وقال للتركي: كم عطاؤك؟ قال: كذا وكذا. وكم وظائفك؟ قال: كذا وكذا. وجعل المعتضد يعدد ما يصل إليه، والتركي يقرُّ بشيء عظيم، ثم قال له:
فكم جارية لك؟ قال: كذا وكذا. قال: أفما كان فيهن وفي هذه النعمة العريضة كفاية عن ارتكاب معاصي الله، وخرق هيبة السلطان؟!
ثم أمر به فقُتل. قال الخياط: وأمرني المعتضد إذا رأيت مثل هذا العمل أن أؤذِّن. وانتشر الخبر، فما سألْنا أحدًا منهم بعدها إنصافًا إلا
فعل.
??

ورأينا كثيرًا من قواد الأتراك — عند استيلائهم على الدولة — شرِهين، وكان مظهر شرههم كثرة مطالبتهم للخلفاء بالأموال من حين لحين؛ فإذا
نصَّبوا خليفة فسرعان ما ينقلبون عليه يطالبونه بالأموال، فإن أعطاهم سكتوا قليلًا ثم عادوا إلى المطالبة وإلا قتلوه؛
ومن أجل ذلك كثر إخفاء المال في سرداب أو حفرة في الأرض، أو بناء حوائط عليه أو نحو ذلك؛ خوفًا من إلحاحهم. نسوق مثلًا لذلك ما فعلوه مع
المعتز، «فقد هجم قوادهم عليه وقالوا: أعطنا أرزاقنا، فطلب من أمه مالًا فأبت عليه، ولم يكن في بيوت المال شيء، فاجتمع
الأتراك حينئذ على خلعه».

ومظهر آخر من إفراطهم في حب المال، وهو ما نقرأ في تاريخ ذلك العصر من كثرة المصادرة للأموال، نعم كان قبل ذلك في العصر العباسي الأول شيء
من هذا القبيل، ولكنه قليل، أما في هذا العصر فأصبح العادةَ المتبعة، وكان أول مظهر لهذه الكثرة في عهد المتوكل، وهو
أول عهد استيلاء الأتراك؛ فقد صادر محمَّد بن عبد الملك الزيات، وأخذ ما في منزله من متاع ودواب وجوارٍ وغلمان، وكذلك فعل مع أهل بيته،
وقبض على عمر بن فرج الرُّخَّجي، وكتب في قبض ضياعه وأمواله، وغضب على أبي الوزير وأخذ منه ستين ألف دينار، وضرب إبراهيم
بن الجنيد النصراني حتى أقرَّ بسبعين ألف دينار فأخذها منه؛ وعزل يحيى بن أكثم وقبض منه ما كان له ببغداد، ومبلغه خمسة وسبعون ألف
دينار، وغضب على بختيشوع وقبض ماله، وصادر أموال أحمد بن أبي دؤاد، مع أنه سبب خلافته، واستصفى أمواله وأموال أبنائه، فحُمل
إليه من ذلك مائة ألف درهم، وعشرون ألف دينار، وجواهر بقيمة عشرين ألف دينار.
??
وهكذا افتتح عهد الأتراك بكثرة المصادرات، واستمرت طوال هذا العصر، حتى لم يرحموا قبيحة أم المعتز فسلبوها كل مالها، وكانت خبأته، وكان
الخليفة أحيانًا يضطر إلى كثرة المصادرات لتلبية مطالب القواد.

وكان كثير من أمراء البلدان في هذا العصر من الأتراك، كما هو الشأن في مصر؛ فمن سنة ??? هجرية وحكام مصر أتراك، وذلك منذ وُلِّي على مصر
يزيد بن عبد الله بن دينار التركي، وقبل ذلك بنحو عشرين عامًا كانت مصر تُمنح لحاكم تركي في الغالب يقيم في بغداد،
ويستخلف عنه أميرًا يقيم في مصر ويديرها نيابة عنه كأشناس وإيتاخ، واستمرت سيادة الأتراك في مصر طول مدة الطولونيين الأتراك والإخشيديين
الأتراك أيضًا، فكان بيد هؤلاء الولاة الأتراك السلطان والقوة والمال.

وهناك لون آخر مما لوَّنوا به الحياة الاجتماعية، وهو ما عرف عنهم من جمال ونظافة فكان ذلك سببًا في كثرة الجواري المماليك الأتراك في قصور
الخلفاء والعظماء والأغنياء، حتى إن بعض الخلفاء أنفسهم في هذا العصر كانت أمه جارية تركية؛ فالمعتصم أمه تركية، والمتوكل
كذلك أمه خوارزمية، والمكتفي بالله أمه تركية اسمها چيچك، والمقتدر بالله أمه أم ولد، قيل تركية، وقيل رومية … إلخ.

كما اشتهر في بيوت الأمراء جوار تركيات، واشتهرت سمرقند بأنها مركز هام لتجارة الرقيق الأبيض، وقد وصف ابن بطلان في رسالته في الرقيق الجواري
التركيات فقال: إن «التركيات قد جمعن الحسن والبياض، ووجوههن مائلة إلى الجهامة، وعيونهن مع صغرها ذات حلاوة، وقد يوجد
فيهن السمراء الأسيلة، وقدودهن ما بين الربع والقصر، والطول فيهن قليل؛ ومليحتهن غاية، وقبيحتهن آية؛ وهن كنوز الأولاد، ومعادن النسل، قلما
يتفق في أولادهن وحش ولا رديء التركيب، فيهن نظافة ولباقة … لا يكاد يوجد فيهن نكهة متغيرة … وفيهن أخلاق سمجة، وقلة
وفاء».

وتغزَّل الشعراء في ذلك بغلمان من الأتراك، وكان منهم في القصور ودور العظماء كثيرون، فرووا أنه في وقعة بين عزِّ الدولة وعضد الدولة البويهيَّيْن
أُسر غلام تركي لعز الدولة، فجُنَّ عليه واشتد حزنه وامتنع من الأكل، وأخذ في البكاء واحتجب عن الناس، وكتب إلى عضد
الدولة يسأله أن يرد الغلام إليه، فصار ضحكة بين الناس، وعوتب فما ارعوى لذلك، وبذل في فداء الغلام جاريتين عُوديتين كان قد بذل له في
الواحدة مائة ألف، وقال للرسول: إن توقف عليك في ردِّه، فزد ما رأيت ولا تفكر، فقد رضيت أن آخذه وأذهب إلى أقصى الأرض!
فردَّه عضد الدولة عليه.
??

وروى أبو إسحاق الصابي أنه كان لمعز الدولة غلام تركي يدعى تكيز الجامدار، أمرد رومي الوجه، منهمك في الشرب لا يعرف الصحو ولا يفارق اللعب
واللهو، ولفرط ميل معز الدولة إليه وشدة إعجابه به، جعله رئيس سَرِية جرَّدها لحرب بني حمدان، وكان المهلبي يستظرفه
ويستحسن صورته، ويرى أنه من عُدَد الهوى لا من عُدد الوغى، فقال فيه:

ظَبْيٌ يرقُّ الماء في
وَجَناته ويروق عوده
ويكاد من شبه العذا
رى فيه أن تبدو نهوده
ناطوا بمعقد خصره
سيفًا ومِنْطَقَةً تؤوده
جعلوه قائد عسكر
ضاع الرعيل ومَن يقوده
فما أسرع أن كانت الدائرة على هذا القائد.
??

وكان لسيف الدولة الحمداني مملوك تركي جندي اسمه يَماك، مات بحلب سنة ???? فحزن عليه حزنًا شديدًا، وقال المتنبي قصيدة يعزِّيه فيها، مطلعها:


لا يُحْزِنِ الله الأمير فإنني
سآخُذُ من حالاته بنصيب

وفيها:

لأَبَقى يَمَاكٌ في حشاي صبابة
إلى كل تُرْكي النِّجار جَليب
وما كلُّ وجه أبيضٍ بمبارَك
ولا كل جفن ضيّق بنَجيب

وفيها:

وإن الذي أمست نزارٌ عبيدَه
غنيٌّ عن استعباده لغريب

وقال أبو تمام، وقد أهدى له الحسن بن وهب غلامًا خزريًّا:

قد جاءنا الرَشأُ الذي أهديتَه
خِرْقًا
??
ولو شئنا لقلنا المركبُ
لدْنُ البنان له لسان أعجم
خُرْس معانيه ووجه مُعْرَبُ
يرنو فيثلمُ في القلوب بطَرفه
ويَعِنُّ للنظر الحَرُون فيُصْحِب
??
قد صرَّف الرابون خمرة خدِّه
وأظنها بالريق منه ستُقْطَب
??

وأحب مهذب الدين الطرابلسي غلامًا مملوكًا له اسمه «تتر»، فبعث مرة هدايا إلى الشريف المرتضى نقيبِ الأشراف مع هذا الغلام، فتوهم الشريف
أنه من جملة الهدايا، فأخذه، فساءت حال مهذب الدين وكان شيعيًّا، فقال قصيدته المشهورة التي مطلعها:

عذَّبتَ طرَفي بالسهر
وأذبت قلبي بالفِكَر
ومزجتَ صفْو مودَّتي
من بعد بُعدك بالكدر

وفيها:

نفسي الفداء لشادِنٍ
أنا من هواه على خَطر
عذل العذول وما رآ
ه فحينَ عاينه عَذَر

وقد كان مهذب الدين هذا شيعيًّا، فهدد الشريفَ بأنه إن لم يرسل الغلام يهجر التشيع، ويدخل في مذهب أهل السنة، وفي ذلك يقول:

لئن الشريف الموسو
ي ابن الشريف أبي مضر
أبدى الجحود ولم يَرُ
دَّ إليَّ مملوكي تتر
وَالَيْتُ آل أمية الطُّـ
ـهر الميامين الغُرر
وجحدت بَيْعة حيدر
وعَدلت عنه إلى عمر
??

وأخيرًا قال الشاعر:

الله أكبر ليس الحُسن في العرب
كم تحت لِمَّةِ ذا التركي من عجب
أما من الناحية العقلية — وهي التي تهمنا هنا — فإنا نرى أن ابتداء سلطان الأتراك — وكان ذلك في عهد المتوكل — مصحوب بمظاهر جديدة تخالف
كل المخالفة ما كان من قبل، أهمها ثلاثة:
list of 3 items
(?)
إلغاء سلطان المعتزلة وإعلاء شأن المحدِّثين، فنهى المتوكل عن القول بخلق القرآن والجدال في الكلام، «وأظهر الميل إلى السنّة
ونصر أهلها، ورفع المحنة، وكتب بذلك إلى الآفاق، وذلك في سنة ????، واستقدم المحدِّثين إلى
سامَرَّا، وأجزل عطاياهم وأكرمهم، وأمرهم بأن يحدثوا بأحاديث الصفات والرؤية».
??
وكتب كتابًا على الأمصار يأمر بترك الجدال في القرآن، واضطهد رؤساء المعتزلة وضيَّق عليهم؛ فرئيس الاعتزال في مصر وهو محمد
بن أبي الليث، جاء كتاب المتوكل بحلق رأسه ولحيته وضربه بالسوط، وحمْله على حمار بإكاف وتطوافه
الفسطاط، ثم أخرج إلى العراق،
??
وأحمد بن أبي دؤاد رأس الاعتزال في العراق قد غضب عليه المتوكل، وعلى ابنه محمد وصادر أموالهما — وما أظن أن الجاحظ المعتزلي
نجا من النكبة إلا لأنه مَرِن، وقد دفع عنه الشر بمرونته، وبما قدّم من رسالته في إعلاء شأن
الأتراك، واتصال بالفتح بن خاقان — وفي الوقت نفسه أعلى المتوكل شأن المحدِّثين، فكرَّم أحمد بن حنبل، وفي عهده جلس أبو
بكر بن أبي شيبة في جامع الرصافة يحدث الناس، فاجتمع إليه نحو من ثلاثين ألف نفس، وجلس أخوه عثمان
في جامع المنصور، فاجتمع إليه أيضًا نحو من ثلاثين ألف نفس.
??
وتبلور عداء الناس للمعتزلة في أبي الحسن الأشعري، فقد ولد بعد المتوكل بنحو اثني عشر عامًا، وتثقف ثقافة المعتزلة، ثم عاداهم
وأعلن الحرب عليهم، ودعا إلى مذهب كلامي اعتنقه جمهور كبير من المسلمين، كما سيأتي، فالأشعري
يمثل الموجة الحديثة التي أتت في عهد المتوكل تهاجم المعتزلة وتنصر المحدِّثين وأهل السنة، وهو ليس إلا معبِّرًا عن ميول
عصره، وصدى لصوت زمانه. رجع عن الاعتزال «ورقي كرسيًّا في المسجد الجامع بالبصرة، ونادى بأعلى
صوته: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي، أنا فلان بن فلان، كنت أقول بخلق القرآن، وأن الله
لا تراه الأبصار، وأن أفعال الشر أنا أفعلها، وأنا تائب مقلع، معتقد للرد على المعتزلة، مخرج لفضائحهم
ومعايبهم».
??
وقال أبو بكر الصيرفي: «كانت المعتزلة قد رفعوا رءوسهم حتى أظهر الله الأشعري فجحرهم في أقماع السمسم.» ولكن الحق أنه ما كان
له هذا لولا ما كان من المتوكل من الحجر عليهم، والتنكيل بهم، وتأييد الجمهور — بتأثير المحدِّثين
— لهذه الحركة.
والواقع أن هذه الحركة، وأعني بها اضطهاد المعتزلة ونصرة المحدِّثين، كان لها أثر كبير في حياة المسلمين من ذلك العهد إلى اليوم،
فقد لوَّنت حياتهم بلون خاص، ظلُّوا يحافظون عليه طوال العصور المختلفة.

كانت طبيعة الاعتزال تدعو إلى التفلسف واتجاه العقل في مناح شتى من الحياة، وتحريره من كثير من القيود بعد الإيمان بالله ورسوله،
والإيمان بالقرآن، وحصر الحديث في دائرة ضيقة — كما تقدم — وإشعار الإنسان بالمسئولية؛ لأن
أعماله صادرة عنه، ولكنهم — مع الأسف — آمنوا بهذه الحرية وأرادوا أن ينفذوا الحرية بالقوة والسلطان، فكانت حرية
بالإكراه.

وطبيعة المحدِّثين تدعو إلى الوقوف عند النصوص والتزامها، وتضييق دائرة العقل، واحترام الرواية إلى أقصى حدٍّ، والبحث وراء
ألفاظ الحديث ومعانيه وأسانيده؛ وهذا — مع اعترافنا بما له من مزايا — يستتبع نمطًا في التفكير
خاصًّا يسود فيه تقديس النقل أكثر من تقديس العقل، والتقليد دون الاجتهاد، والوقوف عند النصوص دون التعمُّق في مغازيها ومراميها،
والنظر إلى الفلسفة والبحث العقلي في الكليات نظر البغض والكراهة، وعدَّ المفكر على هذا النمط
ملحدًا أو زنديقًا … إلخ.

وهذا هو الذي ساد عقول كثير من المسلمين منذ خنق الاعتزال، فاحترمت نصوص الكتب أكثر مما احترم نقد العقل، واحترم العالِم واسع
الاطلاع بالنصوص الدينية واللغوية، أكثر مما احترم قليل الحفظ واسع أفق العقل، وأكرم العالِم
المقلِّد أكثر مما أكرم العالم المجتهد، ونظر إلى المحدث والفقيه بخير مما نظر إلى الفيلسوف والمفكِّر الناقد، وضاقت دائرة
التفلسف إذا قيست بدوائر العلم في الفروع الأخرى.

كل هذا وأكثر منه كان نتيجة لهذه الحركة، وأعتقد أن الأتراك في ذلك العصر مسئولون لدرجة كبيرة عن هذا؛ فطبيعة عامتهم لا تقبل
الجدل الكلامي، ولا كثرة المذاهب الدينية؛ فالأتراك في جميع عصورهم قلَّ أن نرى منهم من اعتنق
مذهبًا في الأصول غير مذهب أهل السنّة، وفي الفروع غير مذهب أبي حنيفة، وقلَّ أن نرى بين علمائهم خصومة في المذاهب كالتي
كنا نراها في العراق من خوارج وشيعة ومرجئة ومعتزلة ونحو ذلك، إنما هو مذهب واحد يسود — غالبًا
— ويتوارث، ومع هذا فلسنا ننكر أن فيهم أفذاذًا في سعة النظر وقوة التفكير — كما سيأتي بيانه — ولكن هذا هو
النظر العام.

(?)
الإيقاع بالشيعة إيقاعًا بالغًا؛ ففي سنة ???? «أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي، وهدم ما حوله من المنازل والدور، وأن يُبْذَر
ويسقى موضع قبره، وأن يمنع الناس من إتيانه؛ فنادى بالناس في تلك الناحية: من وجدناه عند قبره
بعد ثلاثة حبسناه في المطبق. فهرب الناس وتركوا زيارته، وخرب وزرع. وكان المتوكل شديد البغض لعلي بن أبي طالب ولأهل
بيته، وكان يقصد من يبْلغه عنه أن يتولَّى عليًّا وأهله بأخذ المال والدم، وكان من جملة ندمائه عُبادة
المخنَّث، وكان يشدُّ على بطنه تحت ثيابه مخدَّة، ويكشف رأسه وهو أصلع، ويرقص بين يدي المتوكل والمغنُّون
يغنون: قد أقبل الأصلع البطين، خليفة المسلمين. يحكي بذلك عليٌّ — عليه السلام — والمتوكل يشرب ويضحك»،
??
«وقيل: إن المتوكل كان يبغض من تقدمه من الخلفاء — المأمون والمعتصم والواثق — في محبة عليٍّ وأهل بيته، وإنما كان ينادمه
ويجالسه جماعة قد اشتهروا بالنصب والبغض لعليٍّ، منهم علي بن الجهم الشاعر الشامي … وعمرو
بن فرج الرُّخَّجِي، وأبو السمط من ولد مروان بن أبي حفصة … وابن أترجة، وكانوا يخوِّفونه من العلويين، ويشيرون عليه
بإبعادهم والإعراض عنهم والإساءة إليهم، ثم حسنوا له الوقيعة في أسلافهم الذي يعتقد الناس علوَّ
منزلتهم في الدين، ولم يبرحوا به حتى ظهر منه ما كان، فغطَّت هذه السيئة جميع حسناته».
??
ورووا أن المتوكل كان قد اتصل به يعقوب بن إسحاق النحوي المعروف بابن السكِّيت، فسأله المتوكل: أيما أحب إليك، المعتز والمؤيد
— ابنا المتوكل — أو الحسن والحسين؟ فتنقص ابنيه، وذكر الحسن والحسين — عليهما السلام — بما
هما أهل له، فأمر الأتراك فداسوا بطنه، فحمل إلى داره فمات.
??
وهذه الحوادث وأمثالها في التنكيل بالشيعة قد كان لها مثيل من قبل في العهدين الأموي والعباسي الأول، إلا أنا نريد أن نثبت
هنا أن سلطان الأتراك لما ظهر صحبه عودة التنكيل بالشيعة، وكان قد هدأ في عهد المأمون والمعتصم
والواثق.

وهذه الظاهرة أيضًا لازمت الأتراك طول عهدهم، فكل تاريخهم مملوء بكراهيَّتهم للتشيُّع والشيعة، وبالحروب المتصلة بينهم — وهم
سنِّيُّون — وبين الفرس — وهم شيعة.

وكان تصرف المتوكل مع الشيعة سببًا كبيرًا من أسباب تدبير الشيعة للمؤامرات والدسائس، والفتن للخروج على الدولة العباسية في
بغداد، وإقامة حكومات شيعية مستقلة عن خلفاء العراق كما سيأتي.

(?)
المظهر الثالث: اضطهاد اليهود والنصارى؛ فقد «أمر المتوكل بأخذ النصارى وأهل الذمة كلهم بلبس الطيالسة العسلية والزنانير، وركوب
السروج بركب الخشب، وبتصيير زِرَّين على قلانس من لبس منهم قلنسوة مخالفة لون القلنسوة التي
يلبسها المسلمون، وبتصيير رقعتين على ما ظهر من لباس مماليكهم مخالف لونهما الثوب الظاهر عليه، وأن تكون إحدى
الرقعتين بين يديه عند صدره، والأخرى منهما خلف ظهره، وتكون كل واحدة من الرقعتين قدر أربع أصابع ولونها
عسَليًّا، ومن لبس منهم عمامة فكذلك يكون لونها لون العسل، ومن خرج من نسائهم فبرزت فلا تبرز إلا في إزار
عسلي … وأمر بهدم بِيَعهم المحدَثة، وبأخذ العُشْر من منازلهم، وإن كان الموضع واسعًا صيَّر مسجدًا، وإن كان
لا يصلح أن يكون مسجدًا، صير فضاء، وأمر بأن يجعل على أبواب دورهم صور شياطين من خشب مسمورة،
تفريقًا بين منازلهم وبين منازل المسلمين، ونهى أن يستعان بهم في الدواوين وأعمال السلطان التي تجري فيها أحكامهم على المسلمين،
ونهى أن يتعلم أولادهم في مكاتب المسلمين، ولا يعلِّمهم مسلم، وأمر بتسوية قبورهم مع الأرض؛
لئلا تشبه قبور المسلمين وكتب إلى عمَّاله في الآفاق بذلك».
??
وقد علَّل عمله هذا في كتابه بأنه يريد إعزاز الإسلام، وإذلال الكفر، وليجعل الله الفوز والعاقبة للمتقين، والخزي في الدنيا
والآخرة على الكافرين، وقال علي بن الجهم في ذلك:
العَسَليات التي فَرَّقَتْ
بين ذوي الرِّشدَةِ والغَيْ
وما على العاقل إن يكثروا
فإنه أكثر للفَيْ
??
نعم، ربما كان هذا نتيجة لسوء العلاقة بين المسلمين والروم، ومهاجمة الروم لبلاد المسلمين من حين لحين، ولكن مهما كان الأمر
فهي حالة سيئة تدلُّ على ضيق العقل، ومخالفته للنظر الواسع الحكيم الذي أمر به الإسلام، ونفذه
خلفاء المسلمين الأولون، وعلى رأسهم عمر بن الخطاب في حكمة ورفق! وكان هذا أيضًا مما أفسد قلوب عدد كبير من الرعية كان
يُستخدم من قبل في مصلحة الدولة، وحرَّك عددًا منهم للثورة، كثورة نصارى أرمينية على محمد بن يوسف
عامل المتوكل على أرمينية وأذربيجان، وقتلهم إياه
??
ونحو ذلك.
list end

وقد أراد بعض من أتى بعد المتوكل من الخلفاء أن يزيلوا هذه المظاهر أو بعضها، كالذي فعل المنتصر، فقد أراد أن يعيد الاعتزال إلى سلطانه،
وأراد أن يحسِّن صلته بالبيت العلوي، ولكن لم تطل مدته، ولم يمكنه الزمان ولا حالة الناس من تنفيذ ما أراد.

لم يكن لهذا النوع من الأتراك مدنية وحضارة قديمة؛ إذ كانوا بدوًا أو أشبه بالبدو، فلم يكن شأنهم عندما اندمجوا في المملكة الإسلامية شأن
الفرس؛ فالفرس عندما فتحت بلادهم، وأسلم كثير منهم واندمجوا في المملكة الإسلامية، أعطوا وأخذوا، وانتفع بهم المسلمون
من ناحية الثقافة: بمثل الكتب التي نقلت من الفارسية إلى العربية، ومثل الألفاظ الفارسية التي نقلت إلى العربية، ومثل نظم الحكم التي أتقنوها
في مملكتهم، إلى غير ذلك مما شرحناه قبل، كما أخذوا هم عن العرب اللغة والدين، وكان من الفرس رجال مثقفون ثقافات واسعة
كالبرامكة، والفضل بن سهل، والحسن بن سهل، وابن المقفع، فأثَّروا في الثقافة الإسلامية أثرًا كبيرًا بما مزجوا من الثقافتين
الفارسية والعربية. أما الأتراك فجاؤوا بشجاعتهم وقوة أبدانهم، وبعاداتهم وتقاليدهم لا بحضارتهم وثقافتهم، فكانوا من ناحية الحضارة
والثقافة قابلين لا فاعلين، جاؤوا لا يعرفون اللغة العربية فتعلموها في بطء، ولم يتقنها بعضهم إلا بعد ذهاب الجيل الأول
منهم، فكانوا يتخاطبون بترجمان.

ويحدثنا الصُّولي أن «بجكم» أمير الأمراء في عهد الراضي والمتقي كان يحسن العربية فهمًا ولا يحسنها كلامًا، «وكان يقول: أخاف أن أتكلم العربية
فأخطئ في لفظي، والخطأ من الرئيس قبيح؛ فلذلك أدع الكلام».
??

ولم يتقنوها في سرعة ومهارة كما فعل الفرس، فما أتى الجيل الثاني والثالث على الفرس حتى رأيناهم قد أمسكوا بزمام الأدب شعرًا وكتابة وتأليفًا
علميًّا، وليس كذلك الأتراك، فقلَّ أن نرى منهم شاعرًا أو ناثرًا بالعربية، وعلى الأخص في الأجيال الأولى من إسلامهم،
وأسلم الأتراك الأولون فكان إسلامهم ذا لون خاص، فيه نواحي قوة ونواحي ضعف، فهو دين شديد لا يقبل جدالًا ولا مناقشة، ولا يقبل مذاهب مختلفة،
وعلى العكس من ذلك الفرس، فكان إسلامهم فيه الجدل الشيعي وغير الشيعي، وفيه المقارنة بينه وبين المانوية والزرادشتية
والمزدكية، وفي التزندق أحيانًا والتفلسف أحيانًا، وفيه المذاهب المختلفة التي ظهر أثرها في العراق أيام سلطانهم، أما مؤرخ الإسلام
عند هؤلاء الأتراك فلا يرى مجال القول فسيحًا كما يراه عند الفرس، ولكل من هذين النوعين من التديُّن مزاياه ومضارُّه، كالفرق
بين إيمان العجائز وإيمان الفلاسفة.

أخذت طائفة من الأتراك يتعلَّمُون اللغة العربية والدين، وربما كان من خير مثل لتعلُّم الطبقة الممتازة من الأتراك ما كان من أحمد بن طولون،
فقد أخذ يتعلم على حين أن كثيرًا من أمثاله لا يعنون بالتعلُّم. قال المقريزي: «نشأ أحمد بن طولون نَشئًا جميلًا غير
نشء أولاد العجم (يريد الترك)، فوصف بعلوِّ الهمة، وحسن الأدب، والذهاب بنفسه عما كان يترامى إليه أهل طبقته.»
??
فدرس العربية، وحفظ القرآن، وتفقَّه على مذهب أبي حنيفة، وكان ذلك كله وهو في بغداد، ثم خرج إلى طرسوس مرارًا، وأخذ الحديث عن كبار المحدثين
فيها، «فظهر فضله واشتهر عند الأولياء، وتميَّز عن الأتراك».
??
فكان في هذا من خير الأتراك، بل كان هو نفسه «شديد الإزراء على الأتراك وأولادهم لما يرتكبونه في أمر الخلفاء، غير راض بذلك، ويستقلُّ
عقولهم، ويقول: حرمة الدين عندهم منهوكة».
??

فإذا كانت ثقافة أحمد بن طولون هذه تعد ثقافة ممتازة بين الأتراك، استطعنا أن نستنتج ضيق ثقافة الأتراك عامة في هذا العصر.

ومع هذا فإنا نرى بعض الأتراك من أوائل هذا العصر، وبعده نبغوا في فنون مختلفة على قلة فيهم.

فنرى مثلًا «الفتح بن خاقان» التركي قال فيه ابن النديم: «كان في نهاية الذكاء والفطنة وحسن الأدب، وكان من أولاد الملوك، واتخذه المتوكل
أخًا، وكان يقدمه على جميع أولاده، قتل مع المتوكل ليلة قتل بالسيوف لأربع خلون من شوال سنة ????.» وكانت له خزانة
كتب لم ير أعظم منها كثرةً وحسنًا، وكان يحضر داره فصحاء العرب وعلماء الكوفيين والبصريين؛ وروى المبرِّد شيئًا من شعره، وكان يتعشَّق غلامًا
له اسمه شاهك، وله فيه أشعار، منها:

أشَاهِكُ، ليلي مذ هجرتَ طويل
وعيني دمًا بعد الدموع تسيل
وبي منك — والرحمنِ — ما لا أُطيقه
وليس إلى شكوى إليك سبيل
أَشَاهِكُ لو يُجْزَى المحِبُّ بودِّه
جَرَيْتَ ولكن الوفاء قليل

ويروى له:

وإني وإيَّاها لكالخمر، والفتى
متى يستطع منها الزيادة يَزْدَدِ
إذا ازددتُ منها ازددت وَجدًا بقربها
فكيف احتراسي من هوًى متجدِّد
وقد روي له في كتب الأدب أبيات من هذا القبيل، وجمل ظريفة وأجوبة سديدة تدل على منزلته في الأدب.
??
وهو الذي قدم له الجاحظ رسالته في مدح الأتراك التي تقدم وصفها.

ونبغ من الأتراك أبو نصر الفارابي الفيلسوف الإسلامي الكبير، وأستاذ كل فيلسوف إسلامي بعده، فإنه من فاراب، وهي مدينة من مدن الترك نبغ
منها جماعة كثيرة من العلماء. ونبوغ الفارابي من بين الأتراك مفخرة كبيرة لهم، فقد عني بفلسفة أرسطو، وأخرجها للمسلمين
في شكل جديد، وكان له فضل على كل من اشتغل بالفلسفة من المسلمين بعده؛ فظهوره من الترك رجَّح من كِفَّتِهِمْ وكانت شائلة، وأثقل ميزانهم
وكان خفيفًا. وسيأتي بسط لقيمته وفلسفته في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله، وقد مات بدمشق سنة ????.

كما نبغ من الأتراك في القرن الرابع إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي أيضًا، صاحب كتاب «الصحاح» من أهم كتب اللغة وأصولها، كان إمامًا
في علم اللغة والأدب، كما كان يضرب به المثل في جودة الخط.

أخذ علم العربية عن أشهر علماء العراق، مثل أبي علي الفارسي، وأبي سعيد السيرافي، ثم سافر إلى الحجاز يأخذ اللغة عن أهلها بالسماع والمشافهة،
وطوَّف في بلاد ربيعة مضر، وحقق ما يشك فيه مما يرويه العلماء، فيقول مثلًا: سألت أعرابيًّا بنجد من بني تميم، وهو
يستقي، وبكرته نَخِيس، فوضعت إصبعي على النَّخَاس
??
فقلت: ما هذا؟ وأردت أن أتعرَّف منه الخاء من الحاء، فقال: نِخَاس بخاء معجمة، فقلت: أليس قال الشاعر:
وبَكْرة نِحاسُها نُحَاس

فقال: ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين.

فلما استكمل دراسته ومشافهته وضع في اللغة كتابه «الصحاح» الذي يعد — بحق — من أسس كتب اللغة.

وكما اجتهد في تصحيح الألفاظ وضبطها كان له الفضل في اختراع الطريقة التي ألف عليها كتابه، وحذا حذوه فيها صاحب «القاموس» و«لسان العرب»
وغيرهما من حصر الكلمات في أبواب حسب أواخرها، وتقسيم الأبواب إلى فصول حسب أوائلها، وكانت كتب اللغة قبله ترتَّب ترتيبًا
مهوَّشًا، فتذكر الكلمة ثم يذكر مقلوبها، كما فعل صاحب كتاب «العين» «والجمرة»، وقد مات نحو سنة ????.
??

وعلى الجملة، فلئن كان أكثر العنصر التركي في المملكة الإسلامية إنما يمتاز بالجندية والخشونة مع ضعف الثقافة؛ فقد نبغ منهم علماء في فروع
مختلفة حصَّلوا ما كان من الثقافة في عصرهم، وابتكروا بعقولهم.

العنصر الفارسي

لم يهدأ الفرس منذ رأوا الأتراك تحتل مراكزهم في الدولة العباسية وتستبدُّ بالسلطان دونهم، وتقصيهم عن أماكنهم. لقد كان الفرس في العصر
العباسي الأول هم عماد الدولة، وبيدهم تصريف شئونها، وكان الخليفة يعتمد عليهم في أهم الأمور، وهم يحتفظون
له بمظهر الأبَّهة والجلالة، ثم ينشرون سلطانهم، فإذا أحسَّ الخليفة منهم استبدادًا أوقع بهم، كما فعل الرشيد بالبرامكة، والمأمون بابن
سهل، ولكنهم سرعان ما يستردون نفوذهم، فلما جاء الأتراك أبعدوهم عن منزلتهم، وغَلبوا على الخليفة دونهم، فانكمش
الفرس على حنق، ولعبت بهم العصبية الفارسية، وأخذوا يدسُّون الدسائس ويدبِّرون المؤامرات، ويحصِّنون أنفسهم بالرجال
والسلاح، ويرمون إلى اقتطاع البلاد والاستيلاء عليها — وخصوصًا بلادهم الفارسية — والاستقلال بها عن خلفاء بغداد، فإذا سنحت
لهم فرصة بعدُ فليستولوا على العراق وعلى الخليفة، وليتسلَّطوا هم عليه، ويقضوا على سلطة الأتراك، وكذلك كان.


كانت هذه العصبيات تلعب في عقول الفرس والترك، كل يريد الغلبة ويريد القضاء على صاحبه؛ وكانت بغداد ساحة في كثير من الأوقات للقتال
بين الديالمة والأتراك، ولعلَّ خير ما يمثل هذا ما روى الصُّولي في حوادث سنة ??? من أن «مرداويج الفارسي الأصل
(أمير الري وطبرستان، ومؤسس الدولة الزِّيَارِيَّة) جعل عسكره صنفين: صنف منهم جِيل وديلم،
??
وهم خواصه، وأهل بلده الذين فتح بهم الري ونواحيها، ومنهم صنف أتراك وأهل خراسان، ثم استخصَّ نفرًا من الأتراك، فوَجِد الديلم من ذلك،
وعاتبوه عليه، فقال: إنما اتخذت الأتراك لأقيكم بهم، وأقدِّمهم يحاربون بين أيديكم، وأنتم خاصتي وأنا بكم ولكم.
فبلغ ذلك الأتراك، فأجمع رأيهم على قتله، فأوصوا الغلمان الصغار الذين في خدمته، ووكَّدوا عليهم بالتركية أن يفتكوا به،
فقتلوه في حمام، وجاءهم الذين واطئوهم على ذلك وأخرجوهم من الدار. وركبوا دوابه وساروا فاضطربوا، فقالوا: نجعل علينا رئيسًا.
فرضوا ببَجْكَمْ، وأخذوا من داره مالًا عظيمًا، وآنية فضة وذهب. وكان (أي مرداويج) قد تكبَّر وتجبَّر، ووضع
التاج على رأسه مكلَّلًا بأحسن الحَبِّ والياقوت، وجلس على سرير فضة حواليه ذهب، وكان مرصَّعًا بجوهر، وقال: «أنا أرُدُّ دولة العجم،
وأبطل دولة العرب.»
??

نجح الفرس إلى حد كبير في اقتطاع أجزاء من الدولة والاستيلاء عليها، واستبدادهم بها، وقصر سلطة الخليفة على المظهر الاسميِّ؛ فمن قديم
استولى الطاهرية على خراسان (???–???)، والصَّفَّارية على فارس (???–???)، والسامانية على فارس وما وراء النهر(???–???)،
والزِّيَارية على جرجان (???–???)، ثم دولة بني بويه الفارسية أيضًا (???–???)، فقد استولوا على فارس ثم على العراق،
وأخضعوا الخليفة لأمرهم، وأزالوا ولاية الترك عليه، وأقاموا سلطانهم، فكان شأن الخليفة منهم شأنه مع الترك قبلهم، مظهر ولا
عمل، ولقب ولا أمر ولا نهي.

والواقع أن سلوك البويهيين الفرس مع الخلفاء لم يكن كسلوك آبائهم الفرس مع الخلفاء في العصر العباسي الأول. لقد كان الأوَّلون من الفرس
يأتمرون بأمر الخليفة، ويرعون ولاءهم له وطاعتهم إياه، فلما جاء خلفهم من بني بويه لم يرعوا ولاءً ولا قلَّدوا
سلفهم، إنما قلَّدوا الأتراك في التنكيل بالخليفة والاستهانة به، واستقلوا ضعفه فلم يعلوا شأنه بل زادوه ضعفًا.

ففي سنة ???? سار معز الدولة بن بويه من الأهواز إلى بغداد في خلافة المستكفي فملكها، ومنحه المستكفي إمرة الأمراء، «وأعطاه الطوق والسوار
وآلة السلطنة، وعقد له لواء، ولقبه معز الدولة، ولقب أخاه ركن الدولة، ولقب أخاه الآخر عماد الدولة، وأمر أن
تضرب ألقابهم على الدينار والدرهم».
??

فما أن استتبَّ أمر معز الدولة ببغداد وقوي أمره حتى حجر على الخليفة المستكفي، وقدَّر له كل يوم خمسة آلاف درهم لنفقته.

وأوجس معز الدولة خيفة من المستكفي، فدخل معز الدولة عليه فوقف والناس وقوف على مراتبهم، فتقدم اثنان من الديلم إلى الخليفة فمد يده
إليهما ظنًّا أنهما يريدان تقبيلها، فجذباه من السرير حتى طرحاه إلى الأرض وجرَّاه بعمامته، وهجم الديلم على
دار الخلافة إلى الحرم ونهبوها فلم يبق منها شيء. ومضى معز الدولة إلى منزله، وساقوا المستكفي ماشيًا إليه وخلع وسملت عيناه، وولوا
المطيع لله خليفة، وقرر له معز الدولة كل يوم مائة دينار فقط لنفقته.

كان معز الدولة يخرج للقتال ومعه المطيع — كأسير — ولما ماتت أخت معز الدولة نزل المطيع إلى داره يعزيه.

ومات معز الدولة فأقيم ابنه باختيار مكانه، فكان مع المطيع كأبيه، وزاد على ذلك أنه صادر المطيع، فقال المطيع: أنا ليس لي غير الخطبة،
فإن أحببتم اعتزلت، فشدد عليه باختيار حتى باع قماشه، وأخذ منه أربعمائة ألف درهم. وأخيرًا خلع المطيع نفسه،
وولَّي ابنه الطائع.

فاستجمع الأتراك قوتهم، وتجمعوا حول سُبُكْتِكِينَ التركي، وتجمَّع الديلم والفرس حول معز الدولة، فقدم عضد الدولة البويهي بغداد لنصرة
عز الدولة على سبكتكين، فتمَّ لعضد الدولة النصر، وملك بغداد. وأخيرًا خلع الطائعُ على عضد الدولة خلعة السلطنة،
وتوَّجه بتاج مجوهر، وطوَّقه وسورَّه وقلَّده سيفًا، وعقد له لواءين بيده: أحدهما مفضَّض على رسم الأمراء، والآخر مذهَّب على رسم ولاة
العهود، ولم يعقد هذا اللواء الثاني لغيره قبله، وكتب له عهدًا وقرئ بحضرته.

وفي سنة ???? أمر الطائع أن يضرب الدبادب
??
على باب عضد الدولة في وقت الصبح والمغرب والعشاء، وأن يخطب له على منابر الحضرة
??
وزاد في ألقابه.

وجمع الطائع رجال الدولة ودخل عضد الدولة على الطائع وقبَّل الأرض بين يديه، ثم قبَّل وجلَّ الطائع، ثم أعلن الطائع إسناد الأمور كلها
إلى عضد الدولة، فقال له: «قد رأيت أن أفوض إليك ما وكل الله إليَّ من أمور الرعية في شرق الأرض وغربها، وتدبيرها
في جميع جهاتها سوى خاصَّتي وأسبابي.» فقال عضد الدولة: «يعينني الله على طاعة مولانا أمير المؤمنين وخدمته.»

وفي سنة ???? خرج عضد الدولة من همذان يريد بغداد، فخرج الخليفة الطائع للقائه ولم تجر العادة بذلك.

بل قد جرى خلاف بين الطائع وعضد الدولة، فقطع عضد الدولة الخطبة للطائع في بغداد وغيرها، واستمر ذلك نحو شهرين، ثم سوَّي الخلاف وأعيدت
الخطْبة للطائع.

بل طمع عضد الدولة في الخلافة لنسله، فزوَّج الطائعَ ابنته وعقد العقد بحضرة الطائع لله وبمشهد من أعيان الدولة، وكان الوكيل عند عضد
الدولة أبا علي الفارسي النحوي، والذي خطب خطبة الزواج القاضي أبا علي المحسن التنوخي، وكان المهر مائة ألف
دينار؛ ورمى عضد الدولة بذلك أن يرزق الطائع ولدًا من ابنته فيولَّى العهد وتصير الخلافة في بيت بني بويه، ويصير المُلك والخلافة في
الدولة الديلمية.
??

وأخيرًا بعد كل هذا لم يرض البويهيون عن الطائع، فإن بهاء الدولة البويهي احتاج إلى مال فدبَّر خلع الطائع وأخْدَ أمواله، فأرسل إلى
الطائع يسأله الإذن في الحضور ليجدِّد العهد به، فأذن له في ذلك وجلس له كما جرت العادة، فدخل بهاء الدولة
ومعه جمع كثير، فلما دخل قبَّل الأرض وأجلس على كرسي، فدخل بعض الديلم كأنه يريد تقبيل يد الخليفة فجذبوه وأنزلوه عن سريره وهو يستغيث
ولا يلتفت إليه أحد، وأخذوا ما في داره، ونهب الناس بعضهم بعضًا، ثم أمروه أن يخلع نفسه ففعل بعد أن نزل للبويهيين
عن كل شيء.

وقد كان الشريف الرضي حاضرًا في المجلس الذي قبض فيه على الطائع، وقد خاف أن يعيد الفرس تمثيل دور الترك مع المتوكل فأسرع في الخروج،
وكان أول خارج من الدار، ومكث من مكث من القضاة والأشراف فسلبوا ثيابهم وامتهنوا، وفي ذلك يقول قصيدته التي
مطلعها:

لواعدُ الشوق تُخْطيهم وتُصميني
واللوم في الحب ينهاهم ويغريني

وفيها يقول:

اعجبْ لمسْكة نفسي بعدما رُميتْ
من النوائب بالأبكار والعُون
ومن نجائيَ يوم الدار حين هوى
غيري ولم أخلُ من حزم ينجِّيني
مرقْت منها مروق النجم منكدِرًا
وقد تلاقت مصاريع الردى دوني
وكنتُ أول طلَّاع ثنيَّتها
ومن ورائيَ شرٌّ غير مأمون
من بعدما كان رب المَلْك
??
مبتسمًا
إليَّ أدنوه في النجوى ويدنيني
أمسيت أرحم من أصبحت أغبطه
لقد تقارب بين العزِّ والهُون
ومنظر كان بالسراء يضحكني
يا قرب ما عاد بالضراء يبكيني!
هيهات أغترُّ بالسلطان ثانية
قد ضلَّ ولَّاج أبواب السلاطين

وجاء القادر بالله بعد الطائع فظل سلطان بني بويه على الخليفة كما كان، قال الذهبي: «في سنة ولايته عقد مجلس عظيم حَلف فيه القادر وبهاء
الدولة (البويهي) كل منهما لصاحبه بالوفاء، وقلده القادر ما وراء بابه مما تقام فيه الدعوة.»

من كل هذا نرى أن البويهيين من الفرس سلكوا مع الخلفاء ما سلكه الأتراك من قبلهم، بل زادوا عليه أحيانًا، ولكن أكبر التبعة تقع على
الترك، فإنهم هم البادئون بانتهاك حرمة الخلافة، فلم يكن من اليسير بعدُ إعادة ما لها من جلال.

وزاد الأمرَ سوءًا في عهد البويهيين النزاع بين الشيعة والسُّنَّة؛ فقد كان الخليفة سنيًّا، والبويهيون شيعيين، فاختلفت المظاهر وكثر
النزاع. ففي سنة ???? في عهد المطيع — مثلًا — كتبت الشيعة ببغداد على أبواب المساجد بلعن معاوية، ولعن من
غصب فاطمة حقها من فَدَك، ومَن منع الحسن أن يدفن مع جدِّهِ، ولعن من نفى أبا ذر، فمحاه أهل السنة بالليل فأراد معز الدولة أن يعيده
فأشار عليه الوزير المهلبي أن يكتب مكان ما محي: لعن الله الظالمين لآل رسول الله ?. وصرحوا بلعن معاوية فقط.

وفي سنة ???? ألزم معز الدولة الناس يوم عاشوراء بغلق الأسواق، ومنع الطباخين من الطبخ، ونصبوا القباب في الأسواق، وعلقوا عليها المسوح،
وأخرجوا نساء منتشرات الشعور يلطمن في الشوارع ويقمن المأتم على الحسين، وهذه أول مرة نيح فيها على الحسين
ببغداد، واستمر هذا سنين، وفي ثاني عشر ذي الحجة من هذه السنة عمل عيد غدير خُمٍّ، وضربت الدبادب.

وفي سنة ????، وقعت فتنة بين الشيعة وأهل السنة في بغداد، فأرسل الخليفة القادر الفرسان الذين على بابه لمعاونة أهل السنة وهكذا.

وتعصب بعض شعراء الفرس في ذلك العهد لفارسيتهم، ومن أشهر هؤلاء مهيار الديلمي، فترى ديوانه قد ملئ بالتهنئة بيوم النيروز، ويوم المهرجان،
وبمراسلة بعض البويهيين لقدوم بغداد والاستيلاء عليها، والعصبية الفارسية من مثل قوله:

أُعْجبت بي بين نادي قومها
«أمُّ سعد» فمضت تَسْأل بي
سرَّها ما علمت من خُلقي
فأرادت علمَها ما حسبي
لا تخالي نسبًا يخفضني
أنا من يُرضيكِ عند النسب
قوميَ استولوا على الدهر فتى
ومشَوْا فوق رءوس الحقب
عمَّموا بالشمس هاماتهِمُ
وبنوا أبياتهم بالشهب
وأبي كسرى على إيوانه
أين في الناس أبٌ مثل أبي؟
قد قبست المجد من خير أبٍ
وقبست الدين من خير نبي
وضممت الفخر من أطرافه
سؤدد الُفرس ودين العرب

وقد شرحنا أثر الفرس الاجتماعي في «ضحى الإسلام»، غير أننا نذكر هنا أن هذه الحروب بين الترك والبويهيين الفرس، وبين البويهيين بعضهم
مع بعض، أثَّرت كثيرًا من الخراب في العراق وما حولها، حتى جاء عضد الدولة فاستقرت الأمور بعض الاستقرار، ومكَّنه
ذلك وحبُّه للعمران أن يصلح بعض ما خرب.

قال مسكويه: «وكان ببغداد أنهار كثيرة … وكان منها مرافق للناس لسقي البساتين ولشرب الشَّفَة في الأطراف البعيدة من دجلة، فاندفنت مجاريها،
وعفت رسومها، ونشأ قرن بعد قرن من الناس لا يعرفونها، واضطر الضعفاء إلى أن يشربوا مياه الآبار الثقيلة، أو
يتكلفوا حمل الماء من دجلة في المسافة الطويلة، فأمر (عضد الدولة) بحفر عمدانها ورواضعها، وقد كانت على عمدانها الكبار قناطر قد تهدَّمت
وأهمل أمرها، وقلَّ الفكر فيها، فربما انقطعت بها السبل، وربما عمَّرتها الرعيَّة عمارة ضعيفة على حسب أحوالهم،
فلم تكن تخلو من أن تجتاز عليها البهائم والنساء والأطفال والضعفاء فيسقطون، فبنيت كلها جديدة وثيقة، وعملت عملًا
محكمًا. وكذلك جرى أمر الجسر ببغداد، فإنه كان لا يجتاز عليه إلا المخاطر بنفسه، لا سيما الراكب لشدة ضيقه وضعفه، وتزاحم الناس
عليه، فاختيرت له السفن الكبار المتقنة، وعرِّض حتى صار كالشوارع الفسيحة، وحصِّن بالدرابزينات، ووكل به الحفظة
والحراس!»
??

كما أعاد الاطمئنان إلى أهل الذمة، وأذن للوزير نصر بن هارون في عمارة البِيَع والديرة، وإطلاق الأموال لفقرائهم.

كما أنشأ في بغداد سنة ????، بيمارستانًا للمرضى سمِّيَ بعده البيمارستان العضدي، وأحضر له كل ما يلزم من الأدوية والآلات، ورتب له
أربعة وعشرين طبيبًا، منهم الجراحون والكحالون والمجبِّرون، وكان فيه دراسة للطب أيضًا، وممن كان يدرس فيه
إبراهيم بن بكس.
??

وبعد نحو مائتي سنة من بنائه زاره ابن جبير الرَّحَّالة، وقال: إنه على نهر دجلة، وتتفقَّده الأطباء كل يوم اثنين وخميس، ويطالعون أحوال
المرضى به، ويرتِّبون لهم أخذ ما يحتاجون إليه، وبين أيديهم قَوَمة يتناولون طبخ الأدوية والأغذية، وهو قصر
كبير فيه المقاصير والبيوت، وجميع مرافق المساكن الملوكية، والماء يدخل إليه من «دجلة»، وعلى الجملة فكان مستشفى كبيرًا ومدرسة للطب،
ولكن عاد الأمر بعده إلى الفساد والخراب.

أما الحركة العقلية والأدبية في دولة بني بويه، فبلغت الغاية في التحصيل والإنتاج، وسنتكلم فيها في محلها من هذا الكتاب إن شاء الله.


عنصر العرب

بجانب هذا النفوذ التركي والنفوذ الفارسي، كان هناك النفوذ العربي، وأظهر ما كان ذلك في الشام والجزيرة، فالعرب الذين هاجروا من جزيرة
العرب إلى الشام والعراق كانوا — دائمًا — قوة سياسية تحسب الخلفاء حسابها. نعم إنهم كانوا كل شيء في العهد
الأموي، وضعُف سلطانهم في العهد العباسي، ولكنهم كانوا في كل الأحوال قوة لا يستهان بها، ولما ضعفت القوة المركزية في بغداد شرعت هذه
القبائل الهائمة في صحراء الشام ووادي الفرات تحطُّ رحالها، وتنشئ مستعمرات ثابتة، وتحتل المدن والقلاع، وتكون
دويلات؛ فكوَّنت قبيلة تَغْلِب دولة الحَمْدَانيين في الموصل وحلب (????–????)، وكوّنت قبيلة كِلَاب دولة المِرْداسيين
في حلب (???–???)، وكوَّن بنو عُقَيل العقيليين في ديار بكر والجزيرة (????–????)، وكوَّن بنو أسد دولة المزْيَديين في الحِلَّة
(????–????).

وهؤلاء العرب مع استيلائهم على المدن والقلاع لم ينبذوا عاداتهم القومية من البداوة وما إليها، واعتزازهم ببداوتهم واحتقارهم لأهل الحضر،
ومن طريف ما يروى في ذلك أن قرواشَا العقيلي صاحب الموصل (من الدولة العقيلية) قال مرة: «ما في رقبتي غير خمسة
أو ستة من البادية قتلتهم، وأما الحاضرة فلا يعبأ الله بهم.»

وأهم هذه الدول العربية التي تجلَّت فيها العصبية العربية، واشتبكت مع العصبية التركية والفارسية هي دولة بني حمدان التغلبية؛ فقد عظم
نفوذها بالموصل وحلب، وأرادت الاستيلاء على بغداد وطرد النفوذ التركي والفارسي، واستخلاص الخليفة لهم، وجرت
في ذلك سلسلة حروب طويلة.

فالخليفة المتقي بالله، احتمى بناصر الدولة بن حمدان وقلَّده إمرة الأمراء، وخلع عليه وعلى أخيه سيف الدولة بن حمدان، ودخل ناصر الدولة
بغداد باحتفال عظيم، ولكن ثورة الأتراك — على رأسهم «توزون» — تغلَّبت على ابن حمدان، وولَّي الخليفة إمرة
الأمراء لتوزون، واستمر العداء والقتال بين العرب وعلى رأسهم ابن حمدان، وبين الترك وعلى رأسهم توزون.

فلما استولى البويهيون الفرس على بغداد لم ينقطع الخلاف والقتال بين الحمدانيين والبويهيين، ولما رأى ناصر الدولة بن حمدان استيلاء
معز الدولة على بغداد، وسلبهم جميع حقوق الخليفة، جهَّز جيشًا لقتال البويهيين، وساعده على ذلك فرق من الجيش
التركي، ودام القتال طويلًا، وتقدم الحمدانيون إلي بغداد واستولوا على جانبها الشرقي، وأخيرًا انهزم ناصر الدولة الحمداني وعاد إلى
مقرِّه.

وكذلك اشتبك الحمدانيون في قتال مع البويهيين أيام عضد الدولة، فهُزم الحمدانيون أيضًا.

وكانت حياة بني حمدان مظهرًا من مظاهر الحياة البدوية المتحضِّرة: حب للحرب، واستبداد السادة بالرعية، وكرم ومروءة، وشهامة ونجدة، وعصبية
للعربية ضد الفرس والترك، وعصبية للقبيلة ضد بني كلاب وبني عقيل، وعصبية للإسلام ضد الروم، وصف الأزدي سيف
الدولة الحمداني فقال: «كان معجبًا برأيه، محبًّا للفخر والبذخ، مفرطًا في السخاء والكرم، شديد الاحتمال لمناظريه، والعجب بآرائه، سعيدًا
مظفرًا في حروبه، جائرًا على رعيته، اشتد بكاء الناس عليه ومنه.»

ظهرت عصبية الحمدانيين لعربيتهم في قتالهم المتواصل للترك وللفرس في العراق، وتَغنِّي شعرائهم كالمتنبي في الاعتزاز بعربيته وعربيتهم،
فيقول — وقد تساءلوا عن أيهم أفضل: العرب أم الأكراد:

إن كنتَ عن خير الأنام سائلَا
فخيرُهم أكثرهم فضائلَا
مَن أنت منهم يا همامُ وائلَا
الطاعنين في الوغى أوائلا
والعاذلين في الندى العواذلا
قد فضلوا بفضلك القبائلا

ويقول ويأسف لحكم غير العربِ العربَ:

وإنما الناس بالملوك وما
تفتح عُرْبٌ ملوكها عَجَم
لا أدبٌ عندهم ولا حسبٌ
ولا عهودٌ لهم ولا ذمم
بكل أرض وَطَنتها أمم
تُرعى بعبدٍ كأنها غنم

ويدلُّ على عصبيتهم القبلية ما فعله سيف الدولة من إيقاعه ببني كلاب وبني عقيل، وقُشَير وبني عجلان، وبطشه ببني حبيب حتى خرجوا بذراريهم
إلى الروم في اثني عشر ألف فارس وتنصَّروا بأجمعهم، ووقوف المتنبي بجانبه يشيد بذكره في حروبه هذه، فيقول حينما
أوقع ببني كلاب قصيدته المشهورة التي مطلعها:

بغيرِك راعيًا عَبثَ الذئابُ
وغيرك صارمًا ثَلَم الضِّراب

ويذكر إيقاعه ببنى عقيل وقشير، وبني العجلان في قصيدته التي مطلعها:

تذكرت ما بين العُذَيب وبارق
مَجَرَّ عوالينا ومجرَى السوابق

ويدل على عصبيتهم الإسلامية قتالهم للروم، وصدُّهم عن بلاد الإسلام وحمايتهم للثغور، حتى غزا سيف الدولة الروم أربعين غزوة، ولولاه
لاستولوا على الشام في غفلة العباسيين، وقد رووا أنه جمع من الغبار الذي أصابه في غزواته ما صنع منه لبنة بقدر
الكفِّ أوصى أن يوضع خدُّه عليها في لحده.

بين هذه العصبيات الثلاث التركية والفارسية والعربية تقسمت المملكة الإسلامية؛ ولأجلها وقعت الحروب وسادت الفتن، فلا تكاد تخلو سنة
من حروب بين فرس وترك وعرب، وأحيانًا ينضم بعض إلى بعض؛ فقد كان في جيش بني حمدان أحيانًا فرق من الجيش التركي،
كما كان مع بعض بني بويه بعض الأتراك، والبلاد تخرب من القتال، والروم ينتهزون فرصة اشتباك أمراء المسلمين بعضهم مع بعض للإغارة على
الثغور الإسلامية والتنكيل بها.

وقد اتخذت العصبيات في هذا العصر شكلًا واضحًا غير الذي كان في العصر العباسي الأول، فقد كان قبلُ عصبية فارسية وعصبية عربية، ولكنها
كانت تعمل في الخفاء غالبًا، وكانت قوة الخلفاء تحول دون الطغيان، فإذا أحس الخليفة طغيانًا من الفرس نكل بهم،
وردَّهم إلى حدودهم، فلما ضعفت الخلافة، وقتل المتوكل بيد الأتراك، لم يكن للخليفة من النفوذ ما يستطيع أن يصدَّ به هذا الطغيان، فانكشف
العصبيات وأصبحت تعمل جهارًا، ووسيلتها الحروب.

وكان من نتيجة هذه العصبيات الثلاث، واستعمالها السيف في بسط نفوذها، وضعف الخلفاء عن كبح جماحها؛ انقسام المملكة إلى مناطق نفوذ، فلو
نظرنا إلى المملكة الإسلامية في النصف الثاني من القرن الثالث وفي القرن الرابع الهجري، رأينا الأندلس يحكمها
الأمويون وهم عرب، وبلاد المغرب يحكم بعضها الأدارسة وهم عرب، وبعض قبائل البربر، والفاطمية وهم عرب، ومصر والشام يحكمها الطولونيون
والإخشيديون، وهم أتراك، ثم الفاطميون وهم عرب، والحمدانيون في الموصل وحلب وهم عرب، والعراق يحكمه الأتراك
باسم الخليفة العباسي، وينازعهم السلطان عليه الحمدانيون وهم عرب، ثم يستولي عليه البويهيون وهم فرس، وفارس تتقسَّمها دول
مختلفة: الدُّلَفِية في كردستان وهم عرب، والصَّفَّارية في فارس كلها وهم فرس، والسامانية في فارس وما وراء النهر وهم
فرس، والزيارية في جرجان وهم فرس، والحسنوية في كردستان وهم أكراد، والبويهية في جنوبي فارس وهم فرس، والغزنوية
بأفغانستان والهند وهم أتراك.

وكان كل جنس من هذه الأجناس يطبع البلاد التي يحكمها بطابعه الخاص، فطابع التركية حب للجندية والفروسية، والاستكثار من الجنود من جنسهم
لتقوية حكمهم، ثم كثرة الخلافة فيما بينهم، وتعصب كل فريق لقائد كالبدو في تعصبهم للقبائل واعتزازهم بقبيلتهم،
ونظرهم في شيء من الاحتقار إلى أهل البلاد المحكومة بهم، وانتصارهم لمذهب أهل السنة، وعدم ميلهم إلى الفلسفة والجدل في الدين، وتقريبهم
علماء الدين وخاصة علماء التفسير والحديث، وحبُّهم للأموال يأخذونها من الرعية في غير حكمة وأناة ونظر بعيد،
فبدل أن يعنوا بموارد المال من ريٍّ، ونظام ضرائب، وإصلاح أراض، وتنظيم تجارة، واستغلال منابع الثروة يجيلون أبصارهم في
الناس، ويتعرَّفون ذوي الثروة، فينتهزون الفرصة لمصادرتهم أو التنكيل بهم أو نحو ذلك، ثم ينفقون ما تصل إليه أيديهم في
الترف والنعيم، فإذا أسرفوا وخلت أيديهم من جديد ثاروا على من لديه المال، ترى تاريخهم في العراق في ذلك العهد
سلسلة مطالبات للخليفة بالأموال، فإذا لم يعطهم خلعوه، وإن أعطاهم سكتوا عنه أن يفرُغ مالهم، ثم أعادوا الكرَّة، وهكذا فعلوا في
الوزراء والكبراء والتجار، وهم مع كل هذا لا ينظرون إلى وسائل المال ليصلحوها؛ ولذلك سرعان ما ينضب معين الدولة
لقد كان لدى الخلفاء ثروة هائلة تقدَّر بالملايين، فما زالوا يلحُّون عليهم في طلب المال، والخلفاء يفتدون أرواحهم بالعطاء حتى تركوهم
ولا شيء في أيديهم، ومن أجل هذا نقرأ كثيرًا في تاريخ هذه العصور دفن الأموال في الأرض، وبناء الحوائط عليها،
وتظاهر الأغنياء بالفقر، ونحو ذلك.

وطابع الفرس حب الفخفخة والظهور، قد ورثوا مدينة قديمة مملوءة بالتقاليد والأوضاع، فطُبعوا عليها بمحاسنها ومساويها؛ فلهم قدرة على
تنظيم الحكم، ومعرفة واسعة بما يزيد الثروة ويَضْعَفُها، ولهم عقول مثقفة تتذوق الأدب والعلم وتهتز لهما، فهم
يشجعون العلم لا بالمعنى الضيق الذي يشجعه التركي، ولكن بمعناه الواسع الذي يشمل الفلسفة بفروعها المختلفة، قد كثرت المذاهب الدينية
القديمة عندهم من مانوية وزرادشتية ومزدكية، فكثرت في الإسلام مذاهبهم من زيدية واثني عشرية وسبعية وغير ذلك،
وورثوا ما يرثه أبناء كل أمة تحضَّرت وهرمت من ميل إلى الترف والنعيم، وانهماك في اللذائذ، وأورثهم ضغط الدولة الأموية عليهم وتحقيرهم
ميلًا كامنًا إلى الانتقام من العرب والأخذ بالثأر منهم في لين وهوادة، وعلَّمهم التشيعُ التقية، فمكروا وعملوا
في الخفاء وتستَّروا، وأسسوا المؤامرات للقضاء على خصومهم بالثورات أحيانًا، وبالدعوة المقنَّعة بالعلم أحيانًا، إلى
غير ذلك.

وطابع العرب ميل إلى البداوة، وحكم بالقبلية، واعتزاز بدمهم، واحتقار لغير جنسهم، وزهوهم بسيفهم ولسانهم، وقلقهم واضطرابهم، فإذا أحسُّوا
ضعف رئيسهم فما أسرع ثورتهم! ثم هم أسرع ما يكون قبولًا للتأقلم والتحضر، فإذا تحضروا انغمسوا في النعيم، ومالوا
إلى خصب العيش، وتأنَّقوا في المأكل والملبس والمشرب، كما كان شأن الفاطميين بعد انتقالهم من المغرب إلى مصر، وكما كان شأن من نزل من
العرب في الأندلس، وكما كان شأن العرب الفاتحين لبلاد فارس والروم، وهم في أول أمرهم شجعان صرحاء بسطاء، فإذا
انغمسوا في النعيم، وقعوا في سيئات الحضارة، ففقدوا صراحتهم وبساطتهم، أحب إليهم الأدب والشعر لا الفلسفة والعلم، إلا أن
يستعينوا بغيرهم من الموالي في تجميل دولتهم بالفلسفة والعلم.

وكثيرًا ما كان يتعاقب على القطر الواحد هذه الأجناس الثلاثة أو جنسان منها، فتعاقب على العراق العرب والفرس والترك، وعلى مصر العرب
والترك، وإذ ذاك يسقيه كل جنس بكأسه، ويتكوَّن لكل قطر مزاج هو نتيجة طبع الأمة مع من تعاقب عليها من الأجناس.


وهناك عنصران آخران كان لهما أثر في الحياة الاجتماعية في هذا العصر، وإن كان هذا الأثر في المنزلة الثانية، وأعني بهما الروم والزنج.


الروم

كان العرب يطلقون على المملكة البيزنطية «بلاد الروم»، ومن ثم أطلقوا على البحر الأبيض المتوسط «بحر الروم»، وعلى مرِّ الزمان كان أكثر
ما يطلق اسم الروم على بلاد النصارى المتاخمين للمملكة الإسلامية؛ ولهذا كان أكثر ما يطلق على بلاد النصارى
في آسيا الصغرى، وكانت تسمى الحدود التي بين الدولة الإسلامية والدولة البيزنطية «الثغور» ممتدة من ملطية إلى أعلى الفرات وإلى طرسوس،
وكانت هذه الثغور محصَّنة من الجانبين، ومنقسمة إلى قسمين: ثغور الجزيرة، وثغور الشام، فمن الأول مَلْطية،
وزِبَطْرة، وحصن منصور، والحَدَث، ومرعش، والهارونية، والكنيسة، وعين زَرْبَة، ومن الثاني: المصيصة، وأَذَنة،
وطرسوس.

ومنذ فُتح الشام ومصر في عهد عمر بن الخطاب، والحروب قائمة بين المسلمين والروم، والذي نريد أن نعرض له الآن ما كان بين الروم والمسلمين
في العصر الذي نؤرخه؛ فقد كثرت الحروب بين الفريقين، وكانت هذه الثغور بين حركتي مدٍّ وجزر باستمرار، فمن ابتداء
هذا العصر حدثت وقعة عمورية المشهورة في عهد المعتصم، واستمرت بعد ذلك واشتدَّت بين الروم والحمدانيين، وعلى الأخصِّ أيام سيف الدولة
الحمداني.

وليس يهمنا هنا تاريخ هذه الحروب، ولا جانبها السياسي، وإنما يهمنا ما كان لها من أثر اجتماعي أو عقلي.

فقد كانت هذه الحروب سببًا في أسر عدد كبير من الروم، واسترقاق كثير منهم؛ ففي وقعة عمورية «أقبل الناس بالأسرى والسبي من كل وجه، فأمر
المعتصم أن يعزل منهم أهل الشرف، وقتل من سواهم، وأمر ببيع المغانم في عدة مواضع … وكان لا ينادي على شيء أكثر
من ثلاثة أصوات ثم يوجب بيعه طلبًا للسرعة، وكان ينادي على الرقيق خمسة خمسة، عشرة عشرة، طلبًا للسرعة».
??
وكانت حرب بين الروم والمسلمين في صقلية سنة ????، فتقدم المسلمون إلى «رَمْطة» وملكوها عنوة وقتلوا من فيها، وسَبَوا الحُرم والصغار
وغنموا ما فيها، وكان شيئًا كثيرًا عظيمًا».
??
وفي سنة ???? غزا سيف الدولة الروم «فقَتل وأسَر وسبى وغنم»، فانهزم الروم وقُتل منهم وممن معهم خلق عظيم، وأسر صهر الدمستق وابن ابنته
وكثير من بطارقته».
??
ومثل هذا كثير فالحروب تكاد تكون متصلة، والأسر من الجانبين متتابع. أنتجت هذه الوقائع نتائج كثيرة:

فمنها أنها خلفت لنا أدبًا عربيًّا حربيًّا قويًّا، كقصيدة أبي تمام في فتح عمورية: «السيف أصدق أنباءً من الكتب»، وقصائد المتنبي في
حروب سيف الدولة للروم، كقصيدته يذكر الوقعة التي نكب فيها المسلمون بالقرب من بحيرة الحدَث: «غيري بأكثر هذا
الناس ينخدع»، وقصيدته لما سار سيف الدولة يريد الدمستق: «نزور ديارًا ما نحب لها مغنى» … إلخ إلخ، وكالقصائد الروميات لأبي فراس، وهي
قصائد من غرر شعره، قالها — لما أسره الروم — في الحنين إلى أهله وأصحابه، والتبرُّم بحاله من أسر ومرض وغربة
إلى غير ذلك.

ومنها ما كان من انتشار الروم من رجال ونساء وغلمان في بيوت الناس والخلفاء والأغنياء كمماليك، حتى إن بعض الخلفاء في هذا العصر كانت
أمهم رومية؛ فالمنتصر بالله ابن المتوكل أمه رومية، والمعتز بالله أمه رومية اسمها «قبيحة»، وقد اشتهرت في
التاريخ بغناها وثروتها وتغلُّبها على عقل المتوكل، والمعتمد على الله أمه رومية اسمها «فتيان»، والمقتدر بالله أمه رومية على بعض الأقوال،
وكان لها في أيام ابنها سلطان في تدبير الأمور، حتى أمرت قهرمانتها أن تجلس للمظالم وتنظر في رقاع الناس، وأم
الراضي بالله رومية اسمها ظلوم … إلخ.

واستكثر الخليفة المقتدر من الخدم والمماليك من الروم والسودان، حتى قالوا إنه بلغ عددهم أحد عشر ألفًا، وكانوا في أول عهده ألفًا ومائة.


وفي المقريزي أن أحمد بن طولون — لما ولي مصر — اشترى العبيد من الروم والسودان … وصار من كثرة العبيد والرجال والآلآت بحال يضيق بها
داره ولا يتسع له … فبنى القصر والميدان، «وتقدم إلى أصحابه وغلمانه وأتباعه أن يختطوا لنفسهم حوله، فاختطوا
… ثم قطعت القطائع، فكان للنوبة قطعية مفردة تعرف بهم، وللروم قطيعة مفردة تعرف بهم».
??
«وكانت كل قطيعة لسكنى جماعات بمنزلة الحارات التي في القاهرة».
??
ولما اختطَّت القاهرة اختطَّت الروم حارتين. «وفي سنة ???? أمر الخليفة الحاكم بأمر الله بهدم حارة الروم فهدمت ونهبت».
??

كما كان في بغداد دار تسمَّى دار الروم بالشماسية، وكان لهم بهذا الحي كنيسة على مذهب النسطورية، ودير يسمى دير الروم.

وانتشرت الجواري الروميات في القصور، وكانت لهن ميزات. قال ابن بطلان: «الروميات بيض شقر، سباط الشعور، زرق العيون، عبيد طاعة وموافقة
وخدمة، ومناصحة ووفاء وأمانة ومحافظة، يصلحن للخَزْن لضبطهن وقلَّة سماحتهن، لا يخلو أن يكون بأكفهن صنائع
دقيقة.»

وتعشَق بعض الشعراء الغلمان الروم، فكان للبحتري غلام رومي اسمه «نسيم»، «كان قد جعله بابًا من أبواب الحيل على الناس، فكان يبيعه ويعتمد
أن يصير إلى مِلْك بعض أهل المروءات ومن يَنفق عنده الأدب، فإذا حصل في ملكه شبَّب به وتشوَّق ومدح مولاه،
حتى يهبه له، فلم يزل ذلك دأبه حتى مات «نسيم» فكفى الناس أمره».
??
وفي «نسيم» يقول البحتري:
دعا عَبرتي تجري على الجور والقصد
أظن نسيمًا قارف الهجر من بعدي
خلا ناظري من طَيفه بعد شخصه
فوا عجبًا للدهر فقدًا على فقد!

وقد أنجب هذا العنصر الرومي أدباء وعلماء، كان لهم في فنهم وعلمهم طابع خاص لم يكن مألوفًا في العقلية العربية والفارسية، من أشهر هؤلاء
ابن الرومي الشاعر، وابن جني النحوي.

فابن الرومي من أصل رومي كما يدل عليه اسمه، فهو علي بن العباس بن جريج، وله في الشعر ميزات قلَّما اجتمعت لغيره من شعراء العربية،
هي أشبه شيء بالروح الرومي؛ فهو طويل النفس في قصائده طولًا قلَّما يجارى، وهو يقع على المعنى فلا يزال يستقصي
فيه حتى لا يدع فيه فضلة ولا بقية، وهو كثير التعليل لما يقول كما يفعل بالنظرية الهندسية والبرهان عليها من مثل قوله:

لِمَا تؤذن الدنيا به من صُروفها
يكون بكاء الطفل ساعةَ يولد
وإلا فما يبكيه منها وإنها
لأفسحُ مما كان فيه وأرغد
إذا أبصر الدنيا استهلَّ كأنه
بما سوف يلقى من أذاها يهدَّد

وقوله في مليح رمدت عيناه:

قالوا اشتكت عينُه فقلت لهم
من كثرة القتل مسَّها الوصب
حُمْرتها من دماء من قَتَلتْ
والدم في النَّصل شاهد عجب

ومثل ذلك كثير لا نطيل به.

وهو يصوِّر المهجُوَّ صورة فنية تستخرج عجبك وتستثير ضحكك، كقوله في بخيل:

يقتِّر عيسى على نفسه
وليس بباقٍ ولا خالد
فلو يستطيع لتقتيره
تنفَّس من مِنْخَر واحد

وقوله في ثقيل:

إذا بدا وجهه لقوم
لاذت بأجفانها العيون
كأنه عندهم غَريم
حلَّت عليهم له ديون

وقوله:

معشر فيهم نكول إن نَوَوْا
فعل خير، وعلى الشر مرودْ
ليتهم كانوا قرودًا فحكوا
شيم الناس كما تَحكي القرودْ
أما ابن جني، فهو كذلك رومي، أبوه جِنِّي كان مملوكًا روميًّا لسليمان بن فهد الأزدي، ولعل أصل «جني» Jonah
??
فعربها العرب إلى جني. وكان ابن جني هذا غريبًا في تصوره النحو والصرف، فهو ماهر في التصريف ماهر في التعليل والقياس. قال الباخرزي
في دمية القصر: «ليس لأحد من أئمة الأدب في فتح المقفلات وشرح المشكلات ما له وسيَّما في علم الإعراب.» وكان
المتنبي يقول فيه: «هذا رجل لا يعرف قدره كثير من الناس.»

وقد قال هو نفسه في خصائصه:

وحُلْو شمائل الأدبِ
منيفُ مراتب الحسب
له كَلَفٌ بما كلِفتْ
به العلماء مِلْعَرب
يبيت يفاتش الأنقا
ب عن أسرارها الغَيَبِ
??
فمِن جَدَد إلى جَلَد
إلى صعد إلى صَبَب
ويفرع فكرهُ الأبكا
رَ منها من حِمَى الحجب
فيبردها كأن لها
وإن خفيت سنى لهب

•••

يجدُّ بها وتحسبه
للطف الفكر في لعب
سباطة
??
مذهب سُبكت
عليه ماءة الذهب

•••

وطردًا للفروع على
أصول وُطَّدٍ رتب
إذا ما انحط غائرها
سما فرعًا على الرتب
قياسًا مثل ما وقدت
بليلٍ بَرزة الشهب

ومنها في أصله الرومي:

فإن أُصبح بلا نسب
فعلمي في الورى نسبي
على أنِّي أؤول إلى
فروم سادة نُجُب
قياصرة إذا نطقوا
أرمَّ
??
الدهر ذو الخطب

فابن الرومي وابن جني وأمثالهما كانوا عربًا في المنشأ والمَرْبى، وكانوا رومًا بعقلهم الموروث، فجمعوا بين مزايا العقل المطبوع والعقل
المصنوع، وأنتجوا منهما نتاجًا صالحًا ذا طعم خاص.

السود

ومن العناصر التي كثرت في هذا العصر، وكان لها أثر كبير؛ الزنج الذين كانوا يجلبون في الأكثر من سواحل إفريقيا الشرقية، ولا أدلَّ على
كثرتهم وخطرهم من ثورتهم التي قاموا بها قرب البصرة، وهددوا بها الدولة العباسية، ودوَّخوها أربعة عشر عامًا
وأربعة أشهر (من ???? إلى ????)، وكانت حربًا بين الأجناس، بين السود والبيض، دعا إليها رجل ادَّعى نسبته إلى علي بن أبى طالب، فزعم
أنه علي بن محمد بن أحمد بن علي بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. وأكثر المؤرخين يرون
أنه دعيٌّ وأن أصله عربي من عبد القيس، وقد توجه هذا الرجل إلى البصرة وحرَّض الزنوج «الذين كانوا يكسحون السباخ» في أراضيها، فإن ملَّاك
هذه الأرضي كانوا يملكون سودًا من السودان يعملون لهم في أرضهم فيعزقونها ويرفعون عنها الطبقة المالحة؛ ليصلوا
إلى الأرض الخالية من الأملاح الصالحة للزراعة، وهو عمل شاقٌّ جدًّا في هذه المنطقة، فاستطاع هذ الذي لقِّب بعد بصاحب
الزنج أن يؤلِّب هؤلاء العمال الزنوج بعد أن درس حالتهم وبؤسهم وأجورهم ونفسيتهم فأتاهم من الناحية الدينية فهي أفعل في
نفوسهم، فادَّعى أنه متَّصل بالله على نحو ما، فاجتمع إليه خلق كثير، فوصف لهم بؤسهم وظلم سادتهم لهم، ورثى
لعيشهم على السويق والتمر، ودعاهم إلى الخروج على هؤلاء الظالمين، «ومنَّاهم ووعدهم أن يقودهم ويرئِّسهم، ويملِّكهم الأموال، وحلف
لهم الأيمان الغلاظ ألا يغدِرَ بهم ولا يخذلهم ولا يدع شيئًا من الإحسان إلا أتى إليهم».

من وقع في يده من هؤلاء السادة مالكي العبيد كان يسلمه لغلمانه ويأمر بضربه، فكانت حركته الأولى حركة ضد الملَّاك، ثم تطورت فصارت حركة
ضد الدولة، وأن الخلفاء والولاة ظالمون ينتهكون حرمة الله، ودعا إلى مذهب الخوارج. قال المسعودي: «إنه كان
يرى رأي الأزارقة من الخوارج؛ لأن أفعاله في قتل النساء والأطفال وغيرهم من الشيخ الفاني وغيره ممن لا يستحق القتل يشهد بذلك عليه؛
وله خطبة يقول في أولها: «الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر، ألا لا حكم إلا لله.» وكان يرى
الذنوب كلها شركًا.»
??
وكان عدد هؤلاء الزنوج كثيرًا، وفيهم شجاعة نادرة ومران على القتال. وفي بعض الوقائع الحربية انضمت الفرقة السودانية في الجيش العباسي
إلى إخوانهم الزنوج فزادوهم قوة. وقد تملكوا في بعض الأحيان «الأبلة» و«عَبَّادَان»، والأهواز ثم البصرة، وواسط
والنعمانة ورامهرمز.
وكانوا يهزمون الجيوش العباسية المرة بعد المرة، واغتنوا، وأصبح الزنوج يملكون البيض بل خير من البيض. يقول المسعودي: «وقد بلغ من أمر
عسكره — أي عسكر صاحب الزنج — أنه كان ينادَى فيه على المرأة من ولد الحسن والحسين والعباس من ولد هاشم وقريش
وغيرهم من سائر العرب، وأبناء الناس، تباع الجارية منهن بالدرهمين والثلاثة، وينادى عليها بنسبها هذه ابنة فلان الفلاني، لكل زنجي منهم
العشرة والعشرون والثلاثون، يطؤهن الزنج ويخدمن النساء الزنجيات كما تَخْدُم الوصائفُ. ولقد استغاثت إلى علي
بن محمد — صاحب الزنج — امرأة من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب كانت عند بعض الزنج، وسألته أن ينقلها منه إلى غيره من الزنج
أو يعتقها مما هي فيه، فقال: هو مولاكِ وأولى بك من غيره.»
??
وأخيرًا تغلَّب عليهم الموفق — أخو الخليفة المعتمد على الله — وابنه أبو العباس — الذي صار فيما بعد خليفة ولقب بالمعتضد — وقتل صاحب
الزنج بعد أن خرب الزنج كثيرًا من البلاد، وأفنوا كثيرًا من الناس. وقد قتلوا من أهل البصرة وحدها في وقعة
واحدة ثلاثمائة ألف. «وقد تكلم الناس في قدر ما قتل — على يد الزنج — في هذه السنين — الأربع عشرة — من الناس فمكثر ومقل، فأما المكثر
فإنه يقول: أفنى من الناس ما لا يدركه العد، ولا يقع عليه الإحصاء، ولا يعلم ذلك إلا عالم الغيب … والمقل يقول:
أفنى من الناس خمسمائة ألف، وكلا الفريقين يقول في ذلك ظنًّا وحدسًا إذا كان شيئًا لا يدرك ولا يضبط».
??

وقد سقنا هذا كله للدلالة على قوة هذا العنصر الزنجي وخطره في ذلك العصر، وبجانب هذا كانت لهم ناحية اجتماعية لها قيمتها … وكانوا يطلقون
كلمة السودان على ما يشمل الأحباش، وقديمًا اتصل هؤلاء السودان بالعرب فكان منهم بلال الحبشي مؤذن رسول الله،
ومنهم سعيد بن جبير سيد التابعين الذي قتله الحجاج، وكان من أشعر شعرائهم في العصر الأموي الحَيْقُطَان، وقد هجا جريرًا وفخر عليه
بالزَّنج، فقال:

والزَّنج لو لاقيتهم في صَفِّهم
لاقَيْت ثَمَّ جَحَاجِحًا أبطالا
وكان الزنج يفخرون بطلاقة اللسان، وكثرة الكلام، وشدة الأبدان، والسخاء، وقلة الأذى، وطيب النَّفس، وضحك السن، وحسن الظن.
??
وقد عُيِّروا بصغر عقولهم، وضعف ذكائهم، وقلَّة علمهم، فأجابوا بأنكم لم تروا الزنج الحقيقيين، وإنما رأيتم السبي يجيء من السواحل
هؤلاء ليس لهم جمال ولا عقول، ولو رأيتم كرام الزنج لرأيتم الجمال والكمال والعقل. قالوا: واعتبروا في ذلك
بمن تَسْبُونهم من أهل السند والهند، فإنه لم يتفق لكم واحد ممن سبيتموهم له عقل وعلم مع ما اشتهر به أهل السند والهند من العلم بالحساب
والنجوم، وأسرار الطب، والتصاوير والصناعات العجيبة.
??

وكانت طائفة من الجند من الزنج كما رأينا قبل، وكان منهم الكثير في خدمة القصر. وقد نبغ منهم كافور الإخشيدي الذي ملك مصر والشام، وخطب
له على المنابر بمكة والحجاز، وكان عبدًا أسود أتي به من بلاد السودان واشتراه الإخشيد بثمانية عشر دينارًا،
وقد مدح المتنبي سواده فقال:

فجاءت به إنسان عين زمانه
وخلَّت بياضًا خلفها ومآقيا

ثم ذم سواده حين هجاه فقال:

من علَّم الأَسْود المخصيَّ مكرمة
أقوْمُه البيض أم آباؤه الصيد
أم أذنه في يد النخَّاس داميةً
أم قَدره وهو بالفَلسين مردود
وذاك أن الفحول البيض عاجزة
عن الجميل فكيف الخصية السود

ومن قديم كان للبيض نساء من السود، فأعشى سليم كانت له «دنانير» بنت كعبوية الزنجي، وكانت زنجية، وقد رآها تكتحل فقال:

كأنها والكحل في مِرْوَدها
تَكْحَل عينيها ببعض جلدها

وقد تزوج الفرزدق أم مكية الزنجية، وترك ما عنده من النساء من أجلها. وقال فيها:

يا ربَّ خَوْدٍ من بنات الزَّنْجِ
??

وكثر ذلك في العصر العباسي، فامتلأت بهن القصور وبيوت الأوساط والفقراء؛ فقد كانت الجواري البيض أغلى ثمنًا، فكانت ما تكون في بيوت
الأغنياء، أما السود فكثيرات ورخيصات.

وقد ذكر ابن بطلان خصائص السود فقال:

الزنجيات مساويهن كثيرة، وكلما زاد سوادهن قبحت صورهن، وتحددت أسنانهن، وقلَّ الانتفاع بهن، وخيفت المضرَّة منهن، والغالب عليهن
سوء الأخلاق، وكثرة الهرب، وليس في خلقهن الغم، والرقص والإيقاع فطرة لهن، وطبع فيهن … ويقال:
لو وقع الزنجي من السماء إلى الأرض ما وقع إلا بالإيقاع. وهم أنقى الناس ثغورًا لكثرة الريق، وكثرة الريق لفساد
الهضوم؛ وفيهن جَلَد على الكدِّ، فالزنجي إذا شبع فصب العذاب عليه صبًّا فإنه لا يتألم له. وليس فيهن
متعة لصنانهن وخشونة أجسامهن. أما الحبشيات فالغالب عليهن نعومة الأجسام ولينها وضعفها، يعتادهن السلُّ،
ولا يصلحن للغناء ولا للرقص، دقاق لا يوافقهن غير البلاد التي نشأن فيها، وفيهن خيرية، ومياسرة وسلاسة انقياد،
يصلحن للائتمان على النفوس … قصار الأعمار لسوء الهضم.

وكما تقاسمت المملكة الإسلامية العناصر الجنسية المختلفة، كذلك تقاسمتها المذاهب الإسلامية المختلفة والديانات المختلفة، ولنذكر في
ذلك كلمة مجملة تصوِّر هذه الحال:

فقد كان الخلفاء سنيين، والأتراك سنيين غالبًا، والفرس شيعيين غالبًا، والعرب بين سني وشيعي؛ فالفاطميون شيعة، والحمدانيون يغلب عليهم
التشيع، فمن آثارهم التي وصلت إلينا درهم لناصر الدولة الحمداني على أحد وجهيه:
لا إله إلا الله
المطيع لله
ناصر الدولة
وعلى الآخر:
محمد
رسول الله
علي ولي الله
ويروي المؤرخون أن سيف الدولة عثر في حلب على قبر للمحَسِّن بن الحسين فبنى عليه، وكتب على حَجَره:

عمَّر هذا المشهد المبارك؛ ابتغاءً لوجه الله وقربةً إليه على اسم مولانا المحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب — الأميرُ الأجلُّ
سيف الدولة أبو الحسن علي بن عبد الله بن حمدان.

ورووا أن سيف الدولة زوَّج ابنته ست الناس لأبي تغلب الحمداني، وضرب لهذا الحادث دنانير على أحد وجهيها:

محمد رسول الله، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فاطمة الزهراء، الحسن، والحسين، جبريل.

وعلى الآخر:

أمير المؤمنين المطيع لله، الأميران الفاضلان ناصر الدولة وسيف الدولة، الأميران أبو تغلب، وأبو المكارم.

فهذا يرجح أن دولة الحمدانيين كانت شيعية.

فكانت المملكة الإسلامية مسرحًا للعصبيات الجنسية والعصبيات المذهبية. وأوضح الأمثلة لذلك حالة العراق في عهد الدولة البويهية؛ فقد
كان مملوءًا بالأتراك والديلم، والأولون سنيُّون، والآخرون فرس شيعيُّون، والحروب والفتن والمصادرات وكبس البيوت
لا تنقطع بينهما. وقد ذهب في سبيل ذلك ضحايا كثيرة من الوزراء والكتَّاب والعلماء، حتى حكى مسكويه في حوادث سنة ???? أن بختيار البويهي
«رأى لمعالجة هذه الفتن أن يعقد بين رؤساء الأتراك ورؤساء الديلم مصاهرات لتزول العداوات التي نشأت بينهم،
فابتدأ بعقد مصاهرة بين المرزبان بن عز الدولة «البويهي»، وبين بختكين «التركي»، وفعل مثل ذلك بجماعة، وأصلح بين الديلم
والأتراك، واستحلف كل فريق منهما لصاحبه، فحلفوا جميعًا … فزال الظاهر ولم يزُل الباطن».
??
وقال ابن الأثير في حوادث سنة ????: «في هذه السنة تجددت الفتنة بين السنة والشيعة، وعظمت أضعاف ما كانت قديمًا؛ وسببها أن أهل الكرخ
عملوا أبراجًا كتبوا عليها بالذهب: «محمد وعليٌّ خير البشر.» وأنكر السنية ذلك، وادعوا أن المكتوب محمد وعلي
خير البشر، فمن رضي فقد شكر ومن أبى فقد كفر. وأنكر أهل الكرخ الزيادة؛ فانتدب الخليفة القائم بأمر الله من حقَّق، فكتبوا
بتصديق أهل الكرخ. وحمل الحنابلة العامة على الإغراق في الفتنة، وتشدد رئيس الرؤساء على الشيعة فمحوا «خير البشر» فقالت
السنِّية: لا نرضى إلا أن يقلع الآجر الذي عليه «محمد وعلي»، وألا يؤذَّن «حي على خير العمل»، وامتنع الشيعة
عن ذلك. وقتل رجل هاشمي من السنِّيَّة، فحمله أهله على نعش وطافوا به في الحربية وباب البصرة وسائر محلة السنِّية، واستنفروا الناس
للأخذ بثأره، ثم دفنوه عند أحمد بن حنبل، فلما رجعوا من دفنه قصدوا المشهد فدخلوه، ونهبوا ما فيه من قناديل
ومحاريب من ذهب وفضة، فلما كان الغد اجتمعوا وأضرموا حريقًا، فاحترق كثير من قبور الأئمة وما يجاورها من قبور بني بويه، وقصد أهل الكرخ
الشيعيون إلى خان الفقهاء الحنفيين فنهبوه، وقتلوا مدرس الحنفية أبا سعد السرخسي وأحرقوا الخان ودور الفقهاء،
وامتدت الفتنة إلى الجانب الشرقي.»
??
وقال في سنة ????: «في هذه السنة زادت الفتنة بين أهل الكرخ وغيرهم من السنِّية، وكان ابتداؤها أواخر سنة ????، فلما كان الآن عظم
الشر واطرحت المراقبة للسلطان، واختلط بالفريقين طائفة من الأتراك، فلما اشتد الأمر اجتمع القواد، واتفقوا
على الركوب إلى المحال، وإقامة السياسة بأهل الشر والفساد، وأخذوا من الكرخ إنسانًا علويًّا وقتلوه، فثار نساؤه ونشرن شعورهن واستغثن،
فتبعهن العامة من أهل الكرخ، وجرى بينهم وبين القواد ومن معهم من العامة قتال شديد، وطرح الأتراك النار في
أسواق الكرخ فاحترق كثير منها وألحقتها بالأرض.»
وقد اشتهرت الكوفة بالتشيُّع والبصرة بالتسنُّن،
??
فقال الجاحظ: إن الكوفة علوية، والبصرة عثمانية، ثم انتشر بعد الجاحظ التشيع في البصرة حتى كان فيها في القرن الخامس ما لا يقلُّ عن
ثلاثة عشر مشهدًا للعلويين، أما الشام فمن قديم عرفت بالسنية، ويقول النسائي المتوفى سنة ????: «دخلت دمشق
والمنحرف عن علي — رضي الله عنه — كثير، فأردت أن يهديهم الله بهذا الكتاب.» يعني كتاب «الخصائص» في فضل علي بن أبي طالب، وسئل وهو
بدمشق عن معاوية وما روي من فضائله، فقال: أما يرضى معاوية أن يخرج رأسًا برأس حتى يفضل؟! فما زال أهل دمشق
يدفعون في حضنه حتى أخرجوه من المسجد، ثم حمل إلى الرملة فمات بها.
??

وتقسمت البلاد الشيعة والسنِّية، بل تقسم البلد الواحد التشيُّع والتسنُّن: فبلدة نابلس في النصف الثاني من القرن الرابع كان نصفها
سنيين ونصفها شيعيين، قال المقدسي المتوفى سنة ????: «ونصف نابلس وأكثر عمان شيعة.»

وجزيرة العرب نفسها كذلك، «فمذاهبهم في مكة وتهامة وصنعاء وقرح سنية، وسواد صنعاء ونواحيها مع سواد عمان شُرَاة غالية، وبقية الحجاز
وأهل الري بعمان وهجر وصعدة شيعة»،
??
«ونصف الأهواز شيعة»،
??
«وأهل قُم شيعة غالية قد تركوا الجماعات وعطلوا الجامع إلى أن ألزمهم ركن الدولة عمارته ولزومه».
???
وحكى ياقوت أنه وُلِّي عليهم رجل سنِّي متشدِّد، فبلغه أن أهل «قم» لبغضهم الصحابة لا يوجد فيهم من اسمه أبو بكر أو عمر، فجمع رؤساءهم
وقال لهم: إن لم تأتوني برجل منكم اسمه أبو بكر أو عمر لأفعلن بكم ولأصنعن. فاستمهلوه ثلاثة أيام، وفتشوا فلم
يجدوا إلا رجلًا صعلوكًا حافيًا عاريًا أحول أقبح خَلْقِ الله منظرًا اسمه أبو بكر؛ لأن أباه كان غريبًا استوطنها فسماه بذلك، فجاؤوا
به فشتمهم … إلخ.
???

وهكذا سادت العالم الإسلامي هاتان النزعتان — السنِّية والشيعة — تتعاديان وتتقاتلان، هذا عدا ما قام به الشيعة من مؤامرات لقلب الدول
والاستيلاء عليها، وسياتي الكلام على ذلك في حينه.

وهناك نزاع آخر، وهو النزاع بين المذاهب الفقية قد كان الخلاف أيام أصحاب المذاهب، كأبي حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل، خلافًا في
الرأي والبرهان؛ غاية التعصُّب أن يعتقد أن مذهبه حق يحتمل الخطأ، ومذهب غيره خطأ يحتمل الصواب، وقلَّ أن نرى
بين أئمة المذاهب عداءً حادًّا إلا قرع الحجة بالحجة والبرهان بالبرهان، وازداد بعض الشيء أيام أتباعهم، ولكنه قلَّ أن يتعدى ذلك إلى
ضرب أو قتال، فلما انتهى هذا الطور أخذت العصبية تتزايد إلى أن بلغت القتال؛ ففي القرن الثالث والرابع نرى
أن الحنابلة من حين لآخر يقومون بالثورات الكبيرة.

من أمثلة ذلك ما رواه ابن الأثير في حوادث سنة ???? إذ قال: «وفيها عظم أمر الحنابلة «ببغداد» وقويت شوكتهم، وصاروا يكبسون دور القواد
والعامة، وإن وجدوا نبيذًا أراقوه، وإن وجدوا مغنية ضربوها وكسروا آلة الغناء، واعترضوا في البيع والشراء ومشْي
الرجل مع النساء والصبيان، فإذا رأوا ذلك سألوه عن الذي معه من هو، فإن أخبرهم وإلا ضربوه وحملوه إلى صاحب الشرطة وشهدوا عليه بالفاحشة،
فأرهجوا بغداد.
???
وركب صاحب الشرطة ونادى في جانبي بغداد لا يجتمع من الحنابلة اثنان، ولا يناظَرون في مذهبهم، ولا يصلي منهم إمام إلا إذا جهر ? «بسم
الله الرحمن الرحيم» في صلاة الصبح والعشاءين، فلم يفد فيهم، وزاد شرُّهم وفتنتهم، واستظهروا بالعميان الذين
كانوا يأوون المساجد.
وكانوا إذا مر بهم شافعي المذهب أغروا به العميان حتى يكاد يموت؛ فخرج توقيع الخليفة الراضي بما يقرأ على الحنابلة، ينكر عليهم فعلهم
ويوبِّخهم باعتقاد التشبيه وغيره، [فمما جاء في هذا التوقيع]: تارة تزعمون أن صورة وجوهكم القبيحة السمجة على
مثال رب العالمين، وهيئتكم الرذلة على هيئته، وتذكرون الكف والأصابع والرجلين والنعلين المذهبين، والشعر القطط، والصعود إلى السماء،
والنزول إلى الدنيا، تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوًّا كبيرًا، ثم طعنكم على خيار الأمة ونسبتكم
شيعة آل محمد ? إلى الكفر والضلال، ثم استدعاؤكم المسلمين إلى الدين بالبدع الظاهرة، والمذاهب الفاجرة التي لا يشهد بها القرآن،
وإنكاركم زيارة قبور الأئمة وتشنيعكم على زوَّارها بالابتداع، وأنتم مع ذلك تجتمعون على زيارة قبر رجل من العوام
ليس بذي شرف ولا نسب ولا سبب برسول الله ?، وتأمرون بزيارته وتدَّعون له معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء؛ فلعن الله شيطانًا زيَّن
لكم هذه المنكرات وما أغواه! وأمير المؤمنين يقسم بالله قسمًا جهرًا يلزمه الوفاء به، لئن لم تنتهوا عن مذموم مذهبكم ومعوجِّ طريقتكم
لَيُوسِعَنَّكم ضربًا وتشديدًا، وقتلًا وتبديدًا، وليستعلمن السيف في رقابكم، والنار في منازلكم ومحالِّكم.»
???

وأمثال هذه الحادثة كثير في كتب التاريخ.

ثم الخلاف الشديد بين الحنفية والشافعية، حتى كان يؤول الأمر في بعض الأحيان إلى خراب البلد من جرَّاء هذا الخلاف. يقول «ياقوت» عند
الكلام على «أصفهان» بعد أن ذكر مجدها القديم: «وقد فشا فيها الخراب في هذا الوقت وقبله في نواحيها لكثرة الفتن
والتعصّب بين الشافعية والحنفية، والحروب المتَّصلة بين الحزبين، فكلما ظهرت طائفة نهبت محلة الأخرى وأحرقتها وخربتها، لا يأخذهم في
ذلك إلٌّ، ولا ذمَّة؛ ومع ذلك فقلَّ أن تدوم بها دولة سلطان أو يقيم بها فيصلح فاسدها، وكذلك الأمر في رساتيقها
وقُراها التي كل واحدة منها كالمدينة.»

ويقول عند الكلام على «الرَّيِّ»: كان أهل المدينة ثلاث طوائف: شافعية وهم الأقلُّ، وحنفية وهم الأكثر، وشيعة وهم السواد الأعظم؛ لأن
أهل البلد كان نصفهم شيعة، وأما أهل الرستاق فليس فيهم إلا شيعة وقليل من الحنفية، ولم يكن فيهم من الشافعية
أحد فوقعت العصبية بين السنة والشيعة فتظافر عليهم الحنفية والشافعية، وتطاولت بينهم الحروب، حتى لم يتركوا من الشيعة من يُعرف، فلما
أفنوهم وقعت العصبية بين الحنفية والشافعية، ووقعت بينهم حروب كان الظفر في جميعها للشافعية؛ هذا مع قلَّة
عدد الشافعية، إلا أن الله نصرهم عليهم. وكان أهل الرستاق — وهم حنفية — يجيئون إلى البلد بالسلاح الشاك ويساعدون أهل نحلتهم،
فلم يغنهم ذلك شيئًا حتى أفنوهم
???
إلى غير ذلك.

اليهود والنصارى

وربما كانت الدولة الإسلامية في هذا العصر أكثر الأمم تسامحًا مع المخالفين لها في الأديان، وخاصةً أهل الكتاب من اليهود والنصارى،
رغم ما كان يبدو بعض الأحيان من ظلم وعسف كالذي كان في عصر المتوكل، وقد سبق ذكره؛ وربما وقع على المسلمين
من هذا الظلم ما وقع على غيرهم.

وقديمًا كان الامتزاج بين المسلمين واليهود والنصارى حتى في الأسرة الواحدة بما أباح الله للمسلمين أن يتزوَّجوا بالكتابيات.

ونرى في هذا العصر حركة اليهود والنصارى قد اتسعت عما كانت بسبب كثرة الاتصال التجاري والحربي والعلمي والمسلمون في كثير من مواقفهم
يعدلون بينهم ويقرِّبون بضعهم، حتى لقد عفوا عن المال الذي يتركه النصراني من غير وارث وردُّوه إلى أهل ملَّته؛
فالخليفة المعتضد «أمر أن يرد تركة من مات من أهل الذِّمة ولم يخلف وارثًا على أهل ملَّته»، استنادًا إلى ما أفتى به يوسف بن يعقوب
وعبد الحميد بن عبد العزيز القاضيان كانا بمدينة السلام من أن السنَّة جرت بأن أهل كل ملَّة يورِّثون من هو
منهم إذا لم يكن له وارث من ذي رَحِمه.
???

وانتشر اليهود والنصارى في نواحي المملكة الإسلامية وأطرافها وداخلها، فبلغ عدد اليهود في العراق وحدها حول سنة ????م/سنة ???? على
حسب تعداد بعض المؤرِّخين ستمائة ألف، وانتشروا في دمشق وحلب، وعلى شاطئ دجلة والفرات، وفي جزيرة ابن عُمَر
والموصل والجلَّة والكوفة والبصرة وهمذان وأصفهان وشيراز وسمرقند. ويقول المقدسي: في خراسان يهود كثيرة، ونصارى قليلة. وكذلك يقول في
همذان.

ويقول الرحَّالة بنيامين الذي رحل سنة ????م/سنة ????: إن في القاهرة سبعة آلاف يهودي، وفي الإسكندرية ثلاثة آلاف، وفي الوجه البحري
ثلاثة آلاف، وفي الوجه القبلي ستمائة.
???
وفي أوائل القرن الرابع كان في بغداد وحدها نحو من خمسين ألفًا من النصارى. ويقول المقدسي في الشام: «إن أكثر الجهابذة والصيَّاغين
والصيارفة والدبَّاغين بهذا الإقليم يهود، وأكثر الأطباء والكتبة نصارى.»
???

وانتشرت أديار النصارى في أنحاء المملكة، وكانت غنية ببساتينها وخمورها، واتصل الأدباء بها وأكثروا من القول فيها.

وكان لليهود والنصارى نفوذ كبير في بعض الدول في هذا العصر. وكان المسلمون في أول أمرهم لا يرضون باستخدامهم في شئون الدولة؛ فقد روي
أنه ذكر لعمر بن الخطاب غلام كاتب حافظ من الحِيرة، وكان نصرانيًّا، فقيل له: لو اتخذته كاتبًا؟ فقال: «لقد
اتخذت إذًا بطانة من دون المؤمنين.»
???
فعمر بن الخطاب كان يحسن معاملتهم ولا يستعين بهم في الأعمال، ولكن ذلك لم يدم طويلًا، فاستُخدموا في الأعمال من عهد معاوية. وفي عصرنا
هذا الذي نؤرِّخه كثر استخدامهم، وزاد سلطانهم؛ فيقول المقدسي: «وقلَّما ترى به (الشام) فقيهًا له بدعة أو
مسلمًا له كتابة، إلا بطبرية فإنها ما زالت تخرِّج الكتَّاب، وإنما الكتبة به وبمصر نصارى.»
???
وفي القرن الثالث ولِيَ في بعض الأحيان ديوان الجيش نصراني، وكان المسلمون يقبِّلون يده، قال الصابي في كتابه الوزراء: «إن علي بن
عيسى قال لابن الفرات: ما اتقيت الله في تقليدك ديوان جيش المسلمين رجلًا نصرانيًّا، وجعلت أنصار الدين وحماة
البيضة يقبّلون يده ويمتثلون أمره؟! فقال له ابن الفرات: ما هذا شيء ابتدأته ولا ابتدعته، وقد كان الناصر لدين الله قلَّد الجيش إسرائيل
النصراني كاتبه، وقلَّد المعتضد ملك بن الوليد النصراني كاتب بدر!! فقال علي بن عيسى: ما فعلا صوابًا. فقال
ابن الفرات: حسبي الأسوة بهما وإن أخطآ على زعمك.»
???
وذكر «عريب» في كتابه «صلة تاريخ الطبري» في حوادث سنة ???? أن «أبا الجمال الحسين بن القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب كان يسعى
دهرَه في طلب الوزارة، ويتقرب إلى مؤنس وحاشيته ويصانعهم، حتى جاز عندهم وملأ عيونهم، وكان يتقرَّب إلى النصارى
الكتَّاب بأن يقول لهم: إن أهلي منكم، وأجدادي من كباركم، وإن صليبًا سقط من يد عبيد الله بن سليمان جدِّه في أيام المعتضد، فلما رآه
الناس قال: هذا شيء تتبرّك به عجائزنا فتجعله في ثيابنا من حيث لا نعلم — تقربًا إليهم بهذا وشبهه — يعني إلى
مؤنس وأصحابه».
???
وكان لعضد الدولة البويهي في بغداد وزير نصراني اسمه نصر بن هارون، وقد أذن له عضد الدولة في عمارة البيع والديرة وإطلاق الأموال لفقراء
النصارى.
???
وثارت لذلك مسألة فقهية، وهي: هل يجوز أن يكون الوزير من أهل الذمة أم لا؟ فقال صاحب «العقد الفريد للملك السعيد»: «وهل يشترط في هذا
الوزير — أي وزير التنفيذ ولا وزير التفويض «الإسلام»، حتى لو أقام السلطان وزير تنفيذ من أهل الذمة كان جائزًا
أم لا؟ اختلفت آراء الأثمة في ذلك؛ فذهب عالم العراق الإمام أبو الحسن علي بن حبيب البصري — رحمه الله — إلى جوازه، وذهب عالم خراسان
إمام الحرمين أبو المعالي الجُوَيني إلى منعه، وعدّ تجويز ذلك من عالم العراق عثرة لن تقال، وخطأ فيما قال؛
وهذا بخلاف وزارة التفويض فإن هذه الشروط معتبرة من جملة ما تقدم بيانه من الأوصاف في حق المباشر لها».
???
واتسعت سلطة اليهود والنصارى في أيام الفاطميين بمصر، فمن أشهرهم يعقوب بن كِلِّس. قال ابن عساكر: «إنه كان يهوديًّا من أهل بغداد
خبيثًا ذا مكر، وله حيل ودهاء، وفيه فطنة وذكاء. ونزل مصر أيام كافور الإخشيدي فرأى منه فطنة وسياسة ومعرفة
بأمر الضياع؛ فقال: لو كان مسلمًا لصلح أن يكون وزيرًا! فطمع في الوزارة فأسلم … ثم هرب إلى المغرب واتصل بيهود كانوا مع المعز وخرج
معه إلى مصر.» «وولي الوزارة للعزيز نزار بن المعز وعظمت منزلته عنده، وأقبلت عليه الدنيا، وانثال الناس عليه
ولازموا بابه؛ ومهَّد قواعد الدولة وساس أمرها أحسن سياسة، ولم يبق لأحد معه كلام.»
???
وكان ابن كِلِّس يأخذ من العزيز في كل سنة مائة ألف دينار، ووجد له من العبيد والمماليك أربعة آلاف غلام، ووجد له جوهر بأربعمائة ألف
دينار، وبزَّ من كل صنف بخمسمائة دينار.
???
وأكثرَ الشعراءُ مدائحهَ، قال ابن خلكان: ولقد نظرت في ديوان أبي الرقعْمَق الشاعر فوجدت أكثر مديحه في الوزير المذكور، وفيه يقول
من قصيدة:
كل يوم له على نُوَبِ الدهـ
ـر وكرِّ الخطوب بالبذل غاره
ذو يدٍ شأنها الفرار من البخـ
ـل وفي حومة الندى كرَّاره
فاستجِرْه فليس يأمن إلا
من تفيَّا ظلاله واستجاره
وإذا ما رأيته مطرقا يُعـ
ـمل فيما يريده أفكاره
لم يَدَع بالذكاء والذهن شيئًا
في ضمير الغيوب إلا أثاره
لا ولا موضعًا من الأرض إلا
كان بالرأي مدركًا أقطاره
زاده الله بسطة وكَفَاهُ
خوفَه من زمانه وحِذارَه

«وفي أيام العزيز نزار كان بمصر شاعر اسمه الحسن بن بشر الدمشقي، وكان كثير الهجاء، فهجا يعقوب بن كِلِّس وزير العزيز وكاتب الإنشاء
من جهته أبا نصر عبد لله بن الحسين القيرواني:

قل لأبي نصر صاحبِ القصر
والمتأتي: لنقض ذا الأمر
انقض عرا الملك للوزير تفز
منه بحسن الثناء والذِّكر
وأعط وامنع ولا تَخَف أحدًا
فصاحب القصر ليس في القصر
وليس يدري ماذا يُراد به
وهْو إذا ما درى فما يدري

ثم قال أيضًا وعرَّض بالفضل القائد:

تنصَّر فالتنصُّرُ دين حقٍّ
عليه زماننا هذا يَدُلُّ
وقل بثلاثة عزُّوا وجَلُّوا
وَعَطِّل ما سواهم فهو عُطْل
فيعقوب الوزير أبٌ وهذا الـ
ـعزيز ابنٌ وروح القدس فضل»
???
وقد وَلَّى العزيز نزار أيضًا عيسى بن نسطورس النصراني كتابته، واستناب بالشام يهوديًّا اسمه مَنَشَّا، فاعتزَّ بهما النصارى واليهود
وآذوا المسلمين، فعمد أهل مصر وكتبوا قصة وجعلوها في صورة عملوها من قراطيس، فيها: «بالذي أعزَّ اليهود بمنشا،
والنصارى بعيسى بن نسطورس، وأذل المسلمين بك إلا كشفت ظلامتي، وأقعدوا تلك الصورة على طريق العزيز والرقعة بيدها، فلما رآها أمر بأخذها،
فلما قرأ ما فيها ورأى الصورة من قراطيس علم ما أريد بذلك فقبض عليهما، وأخذ من عيسى ثلاثماثة ألف دينار، ومن
اليهود شيئًا كثيرًا».
???
ولكن الحاكم بأمر الله اضطهد النصارى واليهود في بعض نزواته، فأمرهم بشد الزنَّار ولبس الغيار، «وألبس اليهود العمائم السود، وأمر
ألا يركبوا مع المسلمين في سفينة، وألا يستخدموا غلامًا مسلمًا، ولا يركبوا حمار مسلم، ولا يدخلوا مع المسلمين
حمَّامًا، وجعل لهم حمامات على حدة؛ ولم يبق في ولايته ديرًا ولا كينسة إلا هدمها»،
???
«وأمر النصارى بأن تعلق في أعناقهم الصلبان، وأن يكون طول الصليب ذراعًا وزنته خمسة أرطال بالمصري؛ وأمر اليهود أن يحملوا في أعناقهم
قَرَامِي الخشب في زنة الصلبان»،
???
«ومنع النصارى من ركوب الخيل، وأن يكون ركوبهم البغال والحمير بسروج الخشب، والسيور السود بغير حلية، وأن يشدوا الزنانير، ولا يستخدموا
مسلمًا، ولا يشتروا عبدًا ولا أمة، وتُتُبعت آثارهم في ذلك فأسلم منهم عدة».
???
ومع هذا فكان الكتَّاب والأطباء في قصره من النصارى.

وتولَّى الوزارة سنة ???? للمستنصر بمصر «صدقة بن يوسف»، وكان يهوديًّا فأسلم، وكان معه أبو سعد التستري اليهودي يدبر الدولة، فقال
بعض الشعراء:

يهود هذا الزمان قد بلغوا
غَاية آمالهم وقد مَلكوا
العزّ فيهم والمال عندهمُ
ومنهم المستشار والمَلِكُ
يا أهل مصر إني نصحت لكم
تهوَّدوا قد تهوَّد الفلك
???

هذه العناصر الجنسية من أتراك وفرس وعرب وروم وزنج وغيرهم، وما تستلزم من عصبيات؛ وهذه العصبيات المذهبية والطائفية من تسنَّن وتشيَّع،
ومن حنابلة وشافعية وحنفية، ومن مسلمين ويهود ونصارى، وغير ذلك كانت كلها حركات تموج بها المملكة الإسلامية،
تتعاون حينًا، وتتفاعل حينًا، وتؤثر في السياسة وفي الدين وفي العلم، وتنشأ عنها المؤامرات السرية أحيانًا؛ والقتال الصريح أحيانًا،
وكان لها كلها أثر واضح في كل ناحية من النواحي الاجتماعية:

قد أثَّرت في الحالة المالية إما مباشرة وإما من طريق الحكم والسياسة، فعمَّرت في ناحية وخربت في أخرى، وعدلت في ناحية وظلمت في أخرى.


وأثَّرت في اللغة والأدب بدخول الأعاجم يتكلمون بلغاتهم، ويتعلمون اللغة العربية ويحمِّلونها أفكارهم وآدابهم.

وأثَّرت في المرأة بكثرة الأجناس المختلفة ذوات الخصائص المختلفة، وقد حمَل النساءُ من هذه الأجناس خصائص الجمال والقبح في المظهر وفي
الأخلاق وفي العادات، وغزون البيوت بما كان يعرضه النخَّاسون منهن في سوق الرقيق، وبما كان يحمله الغزاة معهم
في حروبهم مع الروم ومع الترك ومع الفرس ومع الزنج، وما كانوا يوزِّعونه على الجنود وعلى الأهل والأقارب، وما كانوا يتخلَّون عنه
فيعرضونه في الأسواق.

وأثَّرت في الدين من كثرة الجدل بين الفقهاء، ومن إثارة مسائل يدعو إليها هذا الجدل لم تكن معروفة من قبل، ومن تدخُّل السياسة في الأمور
الدينية والالتجاء إلى الفقهاء يسألونهم الحلول الفقهية فيما يعرض لهم من مشاكل سياسية واجتماعية، وبما أثاره
النزاع الشديد بين السنية والشيعة، وغلبة التشيُّع في بعض الأماكن وتكوين دول شيعية لم تكن في العصور الماضية، فدعاها ذلك إلى أن تبلور
التشيُّع وتستعمل عقولها في إيجاد نظام الحكم والدعوة التي تتفق وأصول الشيعة كما حصل ذلك في الدولة الفاطمية،
وبما كان من الاحتكاك الشديد بين المسلمين واليهود والنصارى، وما كان بينهم من تسامح أحيانًا، وخصومة أحيانًا، وما كان من جدل
ديني بين هذه الطوائف، وما أثارته هذه الظروف المختلفة من مسائل طائفية تعرض على الفقهاء، فيبدون فيها آراءهم في
ضوء الحوادث الجديدة.

وأثّرت في العلم بما كان يحمله النصارى واليهود والفرس والهنود من علوم آبائهم، وجدهم في تقديم هذه الذخائر إلى الأمة الإسلامية باللغة
العربية مما مكَّن الناطقين باللسان العربي أن يأخذ كل منهم حظه منها، ويهضمه ما استطاع ويزيد عليه ما استطاع،
وتتعاون على الاستفادة منها وترقيتها العقولُ العربية والتركية والفارسية والرومية والهندية، ويؤلف بينها العلم بعد أن فرقت بينها
العصبيات الجنسية والمذهبية؛ فيأخذ اليهودي والنصراني من العالم المسلم، ويأخذ المسلم من العالم اليهودي والنصراني،
ويجلس الفارسي والتركي والهندي في حلقة العربي، ويتعاون الجميع في بناء الدولة العلمية غير آبهين بما كان من الساسة في
تهديم الدولة من ناحيتها السياسية.

كل هذا وأمثاله كان من آثار هذه الحركات المختلفة، وكل ما ذكرته إشارة خاطفة لما كان لها من أثر قوي فعَّال سنحاول بعدُ شرحَ بعضه.


هوامش
(?)
النجوم الزاهرة: ??/????.
(?)
طبري: ???/????.
(?)
تاريخ الخلفاء: ???.
(?)
مروج الذهب: ??/???? وما بعدها.
(?)
النجوم الزاهرة: ??/????.
(?)
هو والي بغداد للمأمون.
(?)
طبري: ???/??.
(?)
القاطول نهر كان في موضع سامرا قبل أن تعمر.
(?)
وردت هذه الأحاديث في معجم ياقوت مادة تركستان.
(??)
الخلفاء: ???.
(??)
انظر هذه الأحداث بطولها في تاريخ الطبري: ???/??? وما بعدهما.
(??)
يراد بإسقاطهم من الديوان حذف أسمائهم من الدفاتر التي يقيد فيها أسماء الجنود الرسميين الذين يأخذون مرتبًا.
(??)
أي لا يوجد سبب يدعو إلى الثورة أفضل منه.
(??)
الولاة للكندي: ???، والخطط للمقريزي: ??/???.
(??)
الطبري: ???/???.
(??)
المصدر نفسه.
(??)
المسعودي: ??/????.
(??)
الطبري: ???/???.
(??)
الفخري: ??.
(??)
في الأصل بنوني ولكن في أثناء الرسالة تأتي نبوي، والظاهر أن صحتها بنوي، والبنوي نسبة إلى الأبناء، وهو لفظ كان يطلق في العصر
العباسي على ذرية دعاة الدولة العباسية في أول نشأتها.
(??)
الطبري: ???/???.
(??)
طبري: ???/???.
(??)
طبري: ???/???.
(??)
طبري: ???/???.
(??)
المسعودي: ??/????.
(??)
هو صالح بن وصيف التركي.
(??)
ابن الأثير: ??/???.
(??)
الطبري: ???/????.
(??)
ص???.
(??)
يشير بهذا القول إلى ابن المعتز.
(??)
انظر الأوراق في أخبار الراضي والمعتز ص??.
(??)
المصدر نفسه ص?.
(??)
تجارب الأمم: ??/??، ? طبعة مصر.
(??)
تاريخ الخلفاء: ???.
(??)
تجارب الأمم: ??/????.
(??)
التنبيه والإشراف: ???.
(??)
التنبيه والإشراف: ???.
(??)
سمل العين: فقؤها بحديدة محماة وقلعها. وقد نقلوا هذه العادة عن البيزنطيين.
(??)
كان ذلك في أيام المستكفي ليشنع عليه.
(??)
في الأصل يحكم وهو خطأ.
(??)
مروج الذهب: ??/????.
(??)
تجارب الأمم: ??/????.
(??)
الحكاية بطولها في نشوار المحاضرة: ??/????، وما بعدها.
(??)
انظر هذه الأحداث كلها في تاريخ الطبري في خلافة المتوكل.
(??)
تاريخ الخلفاء: ???.
(??)
نزعة الجليس: ??/???.
(??)
الخرق: الفتى الحسن الخلقة.
(??)
النظر الحرون: الشارد. وأصبحت أنقاد بعد صعوبة: يريد أنه لو نظر إليه الخليُّ لوقع في شراكه.
(??)
صرف: شرب صرفًا. وتقطب: تمزج.
(??)
القصيدة بطولها في تزيين الأسواق لداود الأنطاكي: ??/???.
(??)
تاريخ الخلفاء: ???.
(??)
تاريخ الولاة والقضاة: ???.
(??)
الخلفاء: ???.
(??)
ابن خلكان: ??/????.
(??)
ابن الأثير: ??/???.
(??)
ابن الأثير: ??/???.
(??)
ابن الأثير: ??/???.
(??)
تاريخ الطبري: ???/???، وفيه نص هذا الكتاب الذي أرسله المتوكل للأمصار.
(??)
يريد الفيء.
(??)
انظرها في تاريخ ابن العبري ص???.
(??)
الصولي، أخبار الراضي والمتقي: ???.
(??)
الخطط: ??/????.
(??)
المصدر نفسه.
(??)
النجوم الزاهرة: ??/??.
(??)
انظر معجم الأدباء: ??/???? وما بعدها.
(??)
النخاس: شيء يلقمه خرق البكرة إذا اتسعت وقلق محورها، ويقال: بكرة نخيس اتسع ثقب محورها فنخست بنخاس، فيظهر أن بعض علماء اللغة
رواها بالحاء المهملة، فحققها الجوهري بالخاء المعجمة.
(??)
انظر معجم الأدباء لياقوت: ??/????.
(??)
الجيل: سكان جيلان، وهي اسم بلاد كثيرة من وراء بلاد طبرستان والنسبة إليها جيلي وجيلاني، والعجم ينطقونها بالكاف. والديلم
اسم يطلق على القسم الجبلي من جيلان وعلى سكان هذا القسم أيضًا. ولم يكن بنو بويه من الديلم،
ولكن كان الديالمة أنصارهم؛ ولهذا لقبت دولتهمم بالديلمية والبويهية.
(??)
أخبار الراضي والمتقي: ??.
(??)
الفخري: ???.
(??)
الدبادب: الطبلخانات.
(??)
تاريخ الخلفاء: ???.
(??)
انظر تجارب الأمم: ??/????.
(??)
يعني الخليفة الطائع.
(??)
تجارب الأمم: ??/????.
(??)
ترجم له طبقات الأطباء.
(??)
ابن الأثير: ??/????.
(??)
ابن الأثير: ??/????.
(??)
ابن الأثير: ??/????.
(??)
خطط ??/????.
(??)
??/????.
(??)
??/??.
(??)
معاهد التنصيص: ???.
(??)
وفي بغية الوعاة أنها معرب كنى.
(??)
الغيب بفتحتين يقال: قوم غيب؛ أي غائبون.
(??)
سباطة المطر: سعته وكثرته.
(??)
أرم: سكت.
(??)
مروج الذهب: ??/????.
(??)
مروج الذهب: ??/????.
(??)
المصدر نفسه: ??/????.
(??)
الجاحظ في رسائله.
(??)
انظر الرسالة الثانية للجاحظ من الرسائل الثلاث التي نشرها فان فلوتن ص??، ??.
(??)
انظرها في الأغاني جزء ?? ص??.
(??)
تجارب الأمم ??/????.
(??)
ابن الأثير: ??/???? باختصار.
(??)
هذه صيغة اصطنعناها نسبة إلى أهل السنة.
(??)
ابن خلكان ??/???.
(??)
المقدسي: ??.
(??)
ص: ???.
(???)
ص: ???.
(???)
معجم ياقوت في مادة «قم».
(???)
أصل أرهج أثار الغبار، ثم استعمل لإثارة الفتن.
(???)
ابن الأثير: ??/????.
(???)
معجم ياقوت: ??/????.
(???)
كتاب الوزراء للصابي: ص???.
(???)
نقلًا عن متز.
(???)
ص???.
(???)
عيون الأخبار ??/???.
(???)
ص???.
(???)
الوزراء ??.
(???)
عريب: ??.
(???)
ابن الأثير: ??/????.
(???)
ص???، والفرق بين الوزارتين أن وزير التفويض هو أن يفوض السلطان إلى الوزير تدبير المملكة والدولة برأيه، ويجعل إليه إمضاء
أمورها بمقتضى نظره، وأما وزير التنفيذ فسلطته تنفيذ ما يأمر به السلطان، والأولى بالبداهة
أهم.
(???)
ابن خلكان: ??/???? وما بعدها.
(???)
ابن خلكان: ??/????.
(???)
ابن الأثير: ??/???.
(???)
ابن الأثير: ??/???.
(???)
النجوم الزاهرة ??/????.
(???)
???.
(???)
خطط المقريزي ??/????.
(???)
حسن المحاضرة: ??/????، وقد استفدت من إشارات للأستاذ متز إلى كثير من هذه المصادر.
الفصل الثاني

أهم المظاهر الاجتماعية والسياسية في ذلك العصر
(?) المظاهر الاجتماعية والسياسية
(?-?) انقسام الدولة

أهم مظهر يأخذ بالأبصار في ذلك العصر ما حصل للدولة الإسلامية من الانقسام؛ فقد كانت المملكة الإسلامية كلها في العصر العباسي الأول
إذا استثنينا الأندلس وبعض بلاد المغرب تُكوِّن كتلة واحدة، وتخضع خضوعًا تامًّا للخليفة في بغداد،
هو الذي يعين ولاتها، وإليه يجبى خراجها، وإليه تَرجع في إدارتها وقضائها وجندها وحل مشاكلها، وتدعو له على المنابر وتضرب
السكة باسمه، ونحو ذلك من مظاهر السلطان. ثم أخذ هذا السلطان يقل شيئًا فشيئًا بضعف الخلافة حتى تمزقت المملكة
كل ممزق.

وأخذت الأقطار الإسلامية تستقل عن بغداد شيئًا فشيئًا، وأخذ يخشى ولاتها وأمراؤها بعضهم بأس بعض، ويضرب بعضهم بعضًا؛ فصارت المملكة
الإسلامية عبارة عن دول متعددة مستقلة، علاقة بعضها مع بعض علاقة محالفة أحيانًا وعداء غالبًا، وأصبح
لكل دولة مالها وجندها وإدارتها وقضاؤها وسكتها وأميرها، إن اعترف بعضها بالخليفة في بغداد حينًا من الزمن، فاعتراف ظاهري ليس له
أثر فعلي! وسودت صحف التاريخ بالقتال المستمر بين هذه الدول، وشغلوا بقتال أنفسهم عن قتال عدوهم؛ ومن
أجل هذا طمع فيهم الروم يغزونهم كل حين ويستولون على بلادهم شيئًا فشيئًا، حتى الزنج والحبشة كانوا يغيرون على الدولة
الفينة بعد الفينة فينهبون ويسلبون، ولم تعد المملكة الإسلامية مخشية الجانب كما كانت أيام وحدتها.

ففي سنة ???? كانت البصرة في يد ابن رائق، وفارس في يد علي بن بويه، وأصبهان والري والجيل في يد أبي علي الحسن بن بويه، والموصل
وديار بكر وربيعة في أيدي بني حمدان، ومصر والشام في يد الإخشيديين؛ وإفريقية في يد الفاطميين، وخراسان
وما وراء النهر في يد السامانيين، وطبرستان وجرجان في يد الديلم، وخوزستان بيد البريدي، والبحرين واليمامة وهَجَر بيد القرامطة،
ولم يبق للخليفة إلا بغداد وما حولها، وحتى هذه لم يكن له فيها إلا الاسم.

وقد أجاد المسعودي في ملاحظته وجه الشبه بين حالة المملكة الإسلامية بعد هذا الانقسام، ومملكة الإسكندر المقدوني بعد وفاته فقال:
«ولم نعرض لوصف أخلاق المتقي والمستكفي والمطيع ومذاهبهم؛ إذ كانوا كالمولَّى عليهم، لا أمر ينفذ لهم،
أما ما نأى عنهم من البلدان فتغلَّب على أكثرها المتغلبون، واستظهروا بكثرة الرجال والأموال، واقتصروا على مكاتبتهم بإمرة المؤمنين
والدعاء لهم، وأما بالحضرة — بغداد — فتفرد بالأمور غيرهم فصاروا مقهورين خائفين، قد قنعوا باسم الخلافة
ورضوا بالسلامة. وما أشبِّه أمور الناس في الوقت إلا بما كانت عليه ملوك الطوائف بعد قتل الملك الإسكندر بن فيلبس
دَارَا ملك بابل إلى ظهور أردشير بن بابك، كلٌّ قد غلب على صقعه يحامي عنه، ويطلب الازدياد إليه مع قلة العمارة
وانقطاع السبل، وخراب كثير من البلاد، وذهاب الأطراف، وغلبة الروم وغيرهم من الممالك على كثير من ثغور الإسلام
ومدنه.»
?
كان كثير من الدول يعترف بالخلافة وسلطتها الدينية، فهي إذا استقلت سياسيًّا ومدنيًّا رأت مما يزيدها سلطة وقوة اعترافها بالخليفة
واعتراف الخليفة بها، كما فعل عضد الدولة بن بويه مثلًا لما فتح كرمان، فقد استرضى الخليفة فأنفذ إليه
الخليفة عهده وخِلَعه من الطوق والسوارين.
?
ومع مضي الزمن وضعف الخلافة قطعوا هذه الصلة أيضًا وتلقبوا بإمرة المؤمنين أو بالخلفاء. وأول من فعل ذلك الفاطميون، فبعد أن فتحوا
القيروان سنة ???? تلقبوا بالخلافة، وشجعهم على ذلك أنهم شيعيون يقولون باغتصاب الأمويين والعباسيين
حقهم في الخلافة، فلما تملكوا حققوا نظريتهم في أحقيتهم؛ فتسموا بالخلفاء، فلما رأى الأندلسيون ذلك قلدوهم مع أنهم سنيون،
فتلقب عبد الرحمن الناصر أمير الأندلس بأمير المؤمنين نحو سنة ???، وكانوا يلقَّبون من قبل بالأمراء، وببني
الخلفاء. قال المقري: «هو أول من تسمى منهم بالأندلس بأمير المؤمنين عندما التاث أمر الخلافة بالمشرق، واستبد
موالي الترك على بني العباس، وبلغه أن المقتدر قتله مؤنس المظفر مولاه سنة ????، فتلقب بألقاب الخلافة.»
?

وهنا يصح لنا أن نتساءل سؤالين: الأول: هل كان انقسام المملكة الإسلامية إلى أقسام على النحو الذي أبنَّا في مصلحة الأقطار الإسلامية
أو في غير مصلحتها؟ قد يبدو هذا السؤال غريبًا؛ لأن الناس اعتادوا أن يقيسوا رقي المملكة الإسلامية
بوحدتها وضعفها بانقسامها، وبعبارة أخرى ربطوا رقي المملكة الإسلامية بحال الخليفة؛ فإذا كان الخليفة قويًّا باسطًا سلطانه
على الأقطار كلها، فالدولة قوية، وإلا فهي ضعيفة.

وفي رأيي أن هذا مقياس غير صحيح؛ فقد يضعف الخليفة وتصلح الأقطار والعكس. وهذا ما حدث فعلًا، ففي رأيي أن كثيرًا من الأقطار الإسلامية
كانت بعد استقلالها عن الخلافة في بغداد خيرًا منها قبله؛ فيظهر لي أن مصر تحت حكم الطولونيين والإخشيديين
والفاطميين كانت حالتها أسعد منها أيام ولاة بغداد قبل الطولونيين، وكذلك حكم السامانيين لفارس وما وراء النهر كان خيرًا من
حكم من سبقهم من ولاة العباسي، وربما كان شر أيام بغداد هو هذه الأيام التي كانت تخضع فيها للخلفاء، وما
حولها مستقل عنها.

فإذا قسنا الأمور بمصلحة المحكومين لا الخلفاء — وهو في نظري أصح مقياس — كان هذا الانقسام في مصلحة الأقطار المستقلة في أغلب الأحوال،
وعلى الأقل كان في مصلحتهم نسبيًّا؛ أعني بالنسبة للحالة السيئة التي كانوا عليها قبل استقلالهم؛ فالإدارة
وانتفاع كل قطر بماله يصرفه في مصالحه والعدالة النسبية في توزيع الثروة ونحو ذلك؛ كلها كانت خيرًا منها أيام سلطة الخلفاء
الضعفاء ومن يتولاهم من الأتراك الأقوياء.

والأندلس لما أتيح لها الاستقلال في بدء العصر العباسي، ومنعَتْها قوتُها وبُعدها من أن يُخضعها العباسيون لحكمهم، أزهرت وتمدَّنت
وساهمت في بناء المدينة، في العلم والأدب والحضارة، وما أظن أنها كانت تبلغ هذا المبلغ لو عاشت في
أحضان الدولة العباسية.

نعم! إنهم — وقد تفرقوا — أصبحوا أضعف أمام العدو الخارجي كالروم، وصار يحمل العبءَ كله دويلةٌ مستقلة كدولة الحمدانيين، وكان يحمل
العبء قبلُ المملكةُ الإسلامية كلها، فمن هذه الناحية كان هذا مظهر ضعف للدولة، خصوصًا والدول المستقلة
لم تستطع أن تتفاهم، وترتب بينها نظامًا مشتركًا يضمن دفع غارة الأعداء الخارجي؛ لأن هذا النظام يتطلب رقيًّا في الفكر، وضبطًا
للعواطف، وتقديمًا للمصلحة العامة على الخاصة؛ وهي درجة لم يستطع المسلمون الوصول إليها حتى الآن!
إنما كان علاقة كل دولة مسلمة بجارتها المسلمة علاقة عداء غالبًا، فلم يتمكنوا من التفاهم على مصالحهم الداخلية فضلًا عن
المصالح الخارجية، ولو استطاعوا — مع استقلالهم — أن ينظموا شئونهم مع من بجوارهم، وينظموا صفوفهم أمام عدوِّهم
الخارجي لبلغوا الغاية. ولكني مع هذه الشرور كلها أرى أن حالة كثير من البلدان الإسلامية نالت باستقلالها من
الطمأنينة والرخاء ما لم تنعم به في الأيام الأخيرة لتبعتها بغداد.

والسؤال الثاني: ما موقف العلم والأدب بعد هذا الانقسام؟ هل أثر فيهما أثرًا حسنًا أو سيئًا؟ وهل انحطَّ العلم والأدب بانحطاط خلفاء
بغداد أو رَقِيَا باستقلال الأقطار؟

أرى أن العلم والأدب رقيا عما كانا عليه قبل، وأنه لم يؤثر فيهما كثيرًا ضعف خلفاء بغداد؛ ذلك أن حركة الترجمة التي نقلت ذخائر
الأمم المختلفة وخصوصًا الأمة اليونانية، وضعت أمام أعين المسلمين ثروة علمية هائلة باللسان العربي،
فكانت الخطوة الثانية أن تتوجه إليها الأفكار العربية تفهمها وتشرحها وتهضمها وتبتكر فيها وتزيد عليها؛ وهذا ما فعله عصرنا هذا
كما سيأتي بيانه. ومن جهة أخرى كان وضع السلطة كلها في يد الخليفة يجعل بغداد المركز العلمي الوحيد،
أو على الأقل المركز العلمي والأدبي الهام، وما عداه فاتر ضعيف؛ فكان من تفوق في علم أو أدب فلا أمل في شهرته ونبوغه،
وذيوع صيته وثروته، إلا إذا رحل إلى بغداد وتقرب بعلمه وأدبه إلى خلفائها وأمرائها.

فلما استقلت الأقطار أصبحت كل عاصمة قطر مركزًا هامًا لحركة علمية وأدبية، فأمراء القطر يعطون عطاء خلفاء بغداد، ويُحَلُّون عاصمتهم
بالعلماء والأدباء، ويفاخرون أمراء الأقطار الأخرى في الثروة العلمية والأدبية، كما يتفاخرون بعظمة
الجند وعظمة المباني. فبدل أن كان للعلم والأدب مركز واحد هام أصبحت لهما مراكز هامة متعددة، وأصبح علماء مصر — مثلًا — يساجلون
علماء بغداد، وأدباء الشام يفخرون على أدباء العراق، وهذا من غير شك يشجع الحركة العلمية والأدبية
ويقويها ويرقيها.

وحتى نرى الأمراء الأتراك الذين لا يحسنون العربية يحبون أن تزَّين قصورهم بالعلماء والأدباء.

ومن ظريف ما يحكى في ذلك أن بجكم التركي كان بواسط، وكان من المقربين إليه أبو محمد بن يحيى الصُّولي؛ وكان بجكم لا يحسن العربية،
فاستدعى يومًا الصوليَّ وقال له: إن أصحاب الأخبار رفعوا إلي أني لما طلبتك من المسجد — وكان الصولي
يقرأ درسًا في المسجد — قال الناس: أَعْجَلَه الأمير ولم يتمَّ مجلسنا، أفتراه يقرأ عليه شعرًا أو نحوًا أو يسمع من الحديث؟ — يقولون
ذلك تهكمًا ببجكم لأنه لا يحسن العربية — ثم قال بجكم ردًّا على هذا: «أنا إنسان، وإن كنت لا أحسن
العلوم والآداب أحب ألا يكون في الأرض أديب ولا عالم ولا رأس في صناعة إلا كان في جنبتي وتحت اصطناعي وبين يدي لا
يفارقني.»
?

ولعله بهذا القول يعبر عما في نفس كل أمير في كل إقليم.

ومن أجل هذا كان مؤرخ العلم والأدب قبل الاستقلال يجد نفسه أمام ثروة كبيرة علمية وأدبية في العراق، ثم لا يجد إلا نتفًا قليلة
منها في تاريخ غيره، أما بعد الانقسام فلكل إقليم شخصية متميزة في علمها وأدبها.

على أنَّا إن سلَّمنا فرضًا أن الحياة السياسية بعد الانقسام كانت شرًّا منها قبله، فلا نسلِّم ذلك في العلم والأدب. والتاريخ يرينا
أن الحالة العلمية لا تتبع الحالة السياسية ضعفًا وقوة؛ فقد تسوء الحالة السياسية إلى حدٍّ ما وتزهر
بجانبها الحياة العلمية؛ ذلك لأن الحياة السياسية إنما تحسن بتحقيق العدل ونشر الطمأنينة بين الناس، ومع هذا فقد يحمل الظلم كثيرًا
من عظماء الرجال وذوي العقول الراجحة أن يفروا من العمل السياسي إلى العمل العلمي؛ لأنهم يجدون العمل
السياسي يعرِّضهم لمصادرة أموالهم، وأحيانًا إلى إزهاق أرواحهم، على حين أن العمل العلمي يحيطهم بجو خاص هادئ مطَمْئن، ولو
كان الجو العام مائجًا مضطربًا، وكذلك كان الحال في تاريخ كثير من علماء المسلمين، جرَّبوا الوزارة وولاية
الأعمال فتعرَّضوا للخطر فهربوا إلى العلم فنجحوا.

وأيضًا فقد وقر في نفوس الخلفاء والأمراء حرمة العلماء، متى لم يتعرضوا للسياسة من قريب ولا بعيد، وهذا يمكنهم من بحثهم العلمي
في هدوء وطمأنينة على الرغم مما يحيط بهم من فوضى واضطراب. لقد كان الفارابي مثلًا في جو سياسي مضطرب
سواء كان في حلب بين الحمدانيين، أو في بغداد في حكم الأتراك، ومع ذلك خلق لنفسه، ولمن حوله من تلاميذه حمى يُرقَّى فيه علمه وبحثه،
وإذا عصفت العواصف كانت حول حماه ولا تغشاه، لا يهمه في حياته إلا علمه، أما ما عداه من أفانين السياسة
وألاعيبها، وشئون الدنيا وشهواتها فلا يأبه بها ويقول:

أخي خلِّ حيز ذي باطل
وكن للحقيقة في حيز
فما الدار دار مقام لنا
وما المرء في الأرض بالمعجز
ينافس هذا لهذا على
أقلَّ من الكلم الموجز
محيط السماوات أولى بنا
فماذا التنافس في مركز؟!

وأبو العلاء المعرِّي يترك الدنيا مضطربة في المعرة وما حولها، وفي بغداد وما حولها، ويخلق لنفسه جوًّا علميًّا فكريًّا هادئًا
لا نزاع فيه إلا على مسأله علمية أو مشكلة لغوية أو فكرة فلسفية، لا علاقة له بأمير إلا أن يتشفع عنده
في بلده فيشفع، ولا علاقة له بوزير إلا أن يستفتيه في مسألة علمية فيجيب، وهكذا سيرة كثير من العلماء، فلم لا يرقى العلم في هذه
الأجواء الهادئة مهما أحاط بها من ظروف عاصفة؟!

وحتى الذين اكتووا بالسياسة من قرب أو بعد، كالصُّولي والصابي وابن العميد، قد أفادوا العلم والأدب بانغماسهم في الحياة السياسية،
وإن احترقوا بنارها.

وما لنا نذهب بعيدًا، وهذا عصر النهضة العلمية والأدبية في أوروبا، كانت الأفكار فيه تبحث وتنتج وتبتكر، والجو السياسي حولها أسوأ
ما يكون نزاعًا وفسادًا وظلمًا، فلما خطت الأفكار العلمية والأدبية خطواتها كانت هي التي تصلح الجو
السياسي، لا أن الجو السياسي يخنقها.

والخلاصة أن الحالة العلمية في أواخر القرن الثالث وفي القرن الرابع، كانت أنضج منها في العصر الذي قبله: أخذ علماء هذا العصر ما
نقله المترجمون قبلهم فشرحوه وهضموه، وأخذوا النظريات المبعثرة فرتبوها؛ وورثوا ثروة من قبلهم في كل
فرع من فروع العلم فاستغلُّوها، وسيأتي بيان ذلك إن شاء لله.

(?-?) الترف والبؤس

واللهو والجدُّ حيثما نظرنا إلى كل قطر من أقطار العالم الإسلامي في ذلك العصر رأينا الثروة غير موزعة توزيعًا عادلًا ولا متقاربًا،
ورأينا الحدود بين الطبقات واضحة كل الوضوح، فجنة ونار، ونعيم مفرط، وبؤس مفرط، وإمعان في الترف يقابله
فقدان القوت.

وهذا الترف والنعيم حظُّ عدد قليل، هم الخلفاء والأمراء ومن يلوذ بهم من الأدباء والعلماء، وبعض التجار، ثم البؤس والشقاء والفقر
لأكثر الناس. وحتى غِنى الأغنياء في كثير من الأحيان ليس محصَّنًا بالأمان، فهو عرضة لغضب الأقران
أو غضب ذي السلطان الأعلى، فيصادَرون في أموالهم، ويصبح حالهم أشدَّ بؤسًا من فقير نشأ في الفقر، وقد مرَّت بنا أمثلة من هذا
القبيل.

والآن نصور بعض صور توضح الحالين.

فقصور الخلفاء والأمراء وأمثالهم واسعة كل السعة، مترفة كل الترف؛ فابن المعتز يصف في ديوانه أبنية للخليفة المعتضد اسمها الثريا
فيقول:

حللْت «الثريا» خير دارٍ ومنزل
فلا زال معمورًا وبورك من قصر
فليس له فيما بنى الناس مشبهٌ
ولا ما بناه الجنُّ في سالف الدهر

•••

جنانٌ وأشجار تلاقت غصونها
فأورقن بالأثمار والورق الخضر
ترى الطير في أغصانهن هواتفًا
تَنَقَّلُ من وكرٍ لهن إلى وكر

•••

وبنيان قصرٍ قد علت شرفاته
كصفِّ نساء قد تربعن في الأزر
وأنهار ماء كالسلاسل فجرت
لترضع أولاد الرياحين والزهر
وميدان وحش تركض الخيل وسطه
فيؤخذ منها ما يشاء على قدر
عطايا إله منعم كان عالمًا
بأنك أوفى الناس فيهن بالشكر

واشتهر من الأبنية كذلك قصر «التاج» ابتدأ في بنائه المعتضد أيضًا، ثم عدل عنه وبنى «الثريا»، فلما تولى ابنه المكتفي أتمَّ بناء
«التاج»، واستعمل في بنائه الآجرَّ من قصر كسرى الذي بقي منه إلى الآن إيوانه. وكانت وجهة التاج مبنية
على خمسة عقود كل عقد على عشرة أساطين، وكانت غاية في السعة والضخامة.

وكلا البناءين — التاج والثريا — كانا في الجانب الشرقي من بغداد.
?
وقبل ذلك عظم البناء في سامرَّا، وبنى المتوكل فيها الأبنية الضخمة، حتى ليذكر ياقوت ثبتًا ببيان ما بناه ونفقاته فيقول:

ولم يبن أحد من الخلفاء بِسُرَّ من رأى من الأبنية الجليلة مثل ما بناه المتوكل، فمن ذلك القصر المعروف بالعروس أنفق عليه
ثلاثين ألف ألف درهم؛ والجعفري عشرة آلاف ألف درهم، والغريب عشرة آلاف ألف درهم، والشيدان
عشرة آلاف ألف درهم، والبرج عشرة آلاف ألف درهم، والصبح خمسة آلاف ألف درهم، والمليح خمسة آلاف ألف درهم، وقصر
بستان الإيتاخية عشرة آلاف ألف درهم.

إلى آخر ما ذكر، إلى أن قال: فذلك الجميع مائتا ألف ألف وأربعة وتسعون ألف درهم. وقد قال علي بن الجهم في وصف الجعفري أحد قصور
المتوكل:

وما زلت أسمع أن الملو
ك تبني على قدر أقدارها
وأعلم أنَّ عقول الرجا
ل تقضى عليها بآثارها
فلما رأينا بناء الإمام
رأينا الخلافة في دارها
بدائع لم ترها فارسٌ
ولا الروم في طول أعمارها
وللروم ما شيد الأولون
وللفرس آثار أحرارها
وكنا نحس لها نخوة
فطامنْتَ نخوة جبارها
وأنشأت تحتج للمسلمين
على ملحديها وكفارها
صحون تسافر فيها العيون
إذا ما تجلت لأبصارها
وقبة ملك كأن النجوم
تضيء إليها بأسرارها
نظمن الفسافس نظم الحلي
لِعون النساء وأبكارها
لوَ ان سليمان أدت له
شياطينه بعض أخبارها
لأيقن أن بني هاشم
تقدمها فصل أخطارها

وللبحتري قصائد في وصف بركتها ومحاسنها.

وبلغت سامرَّا في الحضارة شأوًا بعيدًا حتى أفسدها وخرَّبها الخلاف والعصبية بين أمراء الأتراك، وتحول عنها الخلفاء إلى بغداد،
وكان أول من فعل ذلك المعتضد بالله، فقد حول العمران إلى بغداد وبنى بها الثريا والتاج.

وقد وصف الخطيب البغدادي قصر المقتدر بالله، الذي تولى من (????–????)، بمناسبة زيارة رسول من الروم له، فقال: إنه كان للمقتدر
أحد عشر ألف خادم خصي، وكذا من صقلبي ورومي وأسود — وهذا جنس واحد ممن تضمه الدار، فدع الآن الغلمان
الحجرية وهم ألوف كثيرة والحواشي من الفحول. وقد أمر المقتدر أن يطاف بالرسول في الدار … وفتحت الخزائن، والآلات فيها مرتبة كما
يفعل لخزائن العروس. وقد علقت الستور، ونظم جوهر الخلافة في قلايات على دُرُج غشيت بالديباج الأسود،
ولما دخل الرسول إلى دار الشجرة ورآها كثر تعجبه منها؛ وكانت شجرة من الفضة وزنها خمسمائة ألف درهم، عليها أطيار مصنوعة من
الفضة تصفِّر بحركات قد جعلت لها فكان تعجُّب الرسول من ذلك أكثر من تعجبه من جميع ما شاهده …

وكان عدد ما عُلق في القصور من الستور الديباج المذهبة بالطرز الذهبية الجليلة، المصورة بالجامات والفيلة والخيل والجمال والسباع
والطرد، والستور الكبار البضغائية والأرمنية والواسطية والبهنسية السواذج والمنقوشة والديبقية المطرزة
ثمانية وثلاثين ألف ستر …

وأدخل رسل صاحب الروم إلى الدار المعروفة بخان الخيل، وهي دار أكثرها أروقة بأساطين رخام، وكان فيها من الجانب الأيمن خمسمائة فرس
عليها خمسمائة مركب ذهبًا وفضة بغير أغشية، ومن الجانب الأيسر خمسمائة فرس عليها الجِلال الديباج بالبراقع
الطوال، وكل فرس في يد شاكري بالبزة الجميلة، ثم أدخلوا دار الوحش، وكان فيها من أصناف الوحش التي أخرجت إليهم قطعان تقرب من الناس
وتتشممهم وتأكل من أيديهم، ثم أخرجوا إلى دار فيها أربعة فيلة مزينة بالديباج والوشي، على كل فيل ثمانية
نفر من السند والزراقين بالنار، فهال الرسل أمرها؛ ثم أخرجوا إلى دار فيها مائة سبع: خمسون يمنة وخمسون يسرة


ثم أخرجوا إلى الجوسق المحدث، وهي دار بين بساتين، في وسطها بركة رصاص قلعي،
?
حواليها نهر رصاص قلعي أحسن من الفضة المجلوة، طول البركة ثلاثون ذراعًا في عشرين ذراعًا، فيها أربع طيارات لطاف بمجالس مذهبة
… وحوالي هذه البركة بستان بميادين فيها نخل، وعدده أربعمائة نخلة، وطول كل واحدة خمسة أذرع، قد لبس
جميعها ساجًا منقوشًا من أصلها إلى حدِّ الجمَّارة بحلق من شبه مذهبة … وفي جانب الدار يمنة البركة تماثيل خمسة عشر فارسًا
على خمسة عشر فرسًا، قد ألبسوا الديباج وغيره، وفي أيديهم مطارد على رماح يدورون على خط واحد في الناورد
جنبًا وتقريبًا، فيظن أن كل واحد منهم إلى صاحبه قاصد، وفي الجانب الأيسر مثل ذلك.

ثم أخرجوا — بعد أن طيف بهم ثلاثة وعشرين قصرًا — إلى الصحن التسعيني، وفيه الغلمان الحجرية بالسلاح الكامل.

ثم وصلوا إلى حضرة المقتدر بالله وهو جالس في «التاج» مما يلي دجلة، بعد أن لُبِّس بالثياب الديبقية المطرزة بالذهب، على سرير آبنوس
قد فرس بالديبقي المطرز بالذهب، وعلى رأسه الطويلة، ومن يمنة السرير تسعة عقود مثل السبح معلقة، ومن
بسرته تسعة أخرى من أفخر الجواهر وأعظمها قيمة غالبة الضوء على ضوء النهار، وبين يديه خمسة من ولده: ثلاثة يمنة، واثنان
يسرة.
?

ولعل هذه الصورة خير وصف لقصور الخلفاء في ذلك العصر.

والخلفاء من أول العصر العباسي يعلو كل خليفة ما قبل درجة أو درجات في الترف والنعيم والإمعان في فنون الحضارة، والأغنياء يتبعونهم
في ذلك على قدر مواردهم، سائرين على حكم الزمان.

ولذلك لما جاء المهتدي بالله (????–????)، ونزع نزعته إلى الزهد استغرب منه ذلك، ولم يطاوعه الناس وسئموا سيرته، وأدى الأمر إلى
قتله.

ذلك أنه جعل مَثَلَه الذي يجب أن يحتذى عمر بن عبد العزيز، فحرم الشراب ونهى عن القيان، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وقرب العلماء
ورفع من منازل الفقهاء، وأحسن معاملة الطالبيين، وقلل من اللباس والفرش والمطعم والمشرب، وأخرج آنية
الذهب والفضة من خزائن الخلفاء فكسرت وضربت دنانير ودراهم، وعمد إلى الصور التي كانت في المجالس فمحيت، وذبح الكباش التي كان يناطح
بها بين يدي الخلفاء، وكذلك فعل في الديوك، وكانت الخلفاء قبله تنفق على موائدها كل يوم عشرة آلاف
درهم، فأزال ذلك، وجعل لمائدته وسائر مؤنه في كل يوم نحو مائة درهم.

وكان يتهجد في الليل ويطيل الصلاة، ويلبس جبة من شعر.

قال المسعودي: «فثقلت وطأته على العامة والخاصة بحمله إياهم على الطريقة الواضحة، فاستطالوا خلافته وسئموا أيامه، وعملوا الحيلة
عليه حتى قتلوه.»

لما قبضوا عليه قالوا له: أتريد أن تحمل الناس على سيرة عظيمة لم يعرفوها؟ فقال: أريد أن أحملهم على سيرة الرسول ? وأهل بيته
والخلفاء الراشدين! فقيل له: إن الرسول كان مع قوم قد زهدوا في الدنيا ورغبوا في الآخرة كأبي بكر وعمر
وعثمان وعلي وغيرهم، وأنت إنما رجالك تركي وخزري ومغربي وغير ذلك من أنواع الأعاجم لا يعلمون ما يجب عليهم من أمر
آخرتهم، وإنما غرضهم ما استعجلوه من الدنيا، فكيف تحملهم على ما ذكرت من الواضحة؟!»
?

ولم يدم في خلافته إلا أحد عشر شهرًا.

وهكذا كان تيار الترف شديدًا جارفًا حتى ليكتسح من وقف في سبيله.

وقد أنشأ عضد الدولة البويهي بستانًا بلغت النفقة عليه وعلى سَوْق الماء إليه خمسة آلاف ألف درهم.
?
والوزير ابن مقلة يربي الحيوانات في قصره ويعنى بها أكثر عناية، «فكان له بستان عظيم عدة أجربة، شجر بلا نخل، عمل له شبكة إبريسم،
وكان يفرِّخ فيه الطيور التي لا تفرخ إلا في الشجر، كالقماري والدِّباس والهَزَار والببَّغ والبلابل
والقَبَج، وكان فيه من الغزلان والنعام والأيل وحمر الوحش، وبُشِّر مرة بأن طائرًا بحريًا وقع على طائر بري، فباض وفقس، فأعطى من
بشره بذلك مائة دينار».
??
«والوزير ابن الفرات كان يملك أموالًا كثيرة تزيد على عشرة آلاف ألف دينار، وكان يستغل من ضياعه في كل سنة ألفي ألف دينار وينفقها،
وكانت في داره حجرة شراب يوجه الناس على اختلاف طبقاتهم إليها غلمانهم يأخذون الأشربة والفقاَّع والجلَّاب
إلى دورهم»،
??
وكان ابن الفرات لا يأكل إلا بملاعق البلور، وما كان يأكل بالمعلقة إلا لقمة واحدة، فكان يوضع له على المائدة أكثر من ثلاثين
معلقة.
وكان راتب أبي طاهر وزير عز الدولة من الثلج في كل يوم ألف رطل، وكانت أم المقتدر يشترى لها ثياب ديبقية يسمونها ثياب النعال، وذلك
أنها كانت صفاقًا تقطع على مقدار النعال المحذوَّة، وتطلى بالمسك والعنبر المذاب وتجمده، ويجعل بين
كل طبقتين من الثياب من ذلك المطيب ما له قوام … وكانت نعال السيدة من هذا المتاع، لا تلبس النعل إلا عشرة أيام أو حواليها حتى
تخلق وتتفتق وترمى، فتأخذها الخزَّان وغيرهم، فيستخرجون من ذلك العنبر والمسك».
??
«وكان الوزير المهلبي كثير الشغف بالورد؛ روى من شاهده قال: «شاهدت أبا محمد المهلبي قد ابتيع له في ثلاثة أيام وردٌ بألف دينار،
فرش به مجالسه وطرحه في بركة عظيمة كانت في داره، ولها فوارات عجيبة، يطرح الورد في مائها فتنفضه على
المجلس فيقع على رؤوس الجالسين؛ وبعد شرابه عليه، وبلوغه ما أراد منه، أنهبه».
??
وانتشرت مجالس الشراب، ووضعت لها القواعد والقوانين والآداب، كالذي فعله «كشاجم» في تأليف كتابه «أدب النديم»، وتفننوا فيما يكتب
من الشعر على القناني والكاسات.
??
واعتاد الخلفاء والوزراء والأمراء مجالس الشراب وبالغوا في الإسراف فيها؛ «يحكى أنه كان للوزير المهلبي ندماء يجتمعون عنده في
الأسبوع ليلتين على اطراح الحشمة والتبسط في القصف والخلاعة، وهم: ابن قريعة، وابن معروف، والقاضي
التنوخي، وغيرهم، وما منهم إلا أبيض اللحية طويلها؛ وكذلك كان الوزير المهلبي، فإذا تكامل الأنس وطاب المجلس، ولذ السماع وأخذ الطرب
منهم مأخذه، وهَبوا ثوب الوقار للعُقار، وتقلبوا في أعطاف العيش بين الخفة والطيش، ووُضع في يد كل
واحد منهم كأس ذهب من ألف مثقال إلى ما دونها مملوء شرابًا قطربليًّا أو عكبريًّا، فيغمس لحيته فيها بل ينقعها حتى تتشرب
أكثرَه، ويرش بها بعضهم على بعض، ويرقصون أجمعهم … فإذا أصبحوا عادوا لعادتهم في التزمت والوقار».
??
ونذكر هنا ثروة أحد الولاة لدلالتها على مقدار الثروة ونوعها؛ فقد مات في سنة ???? أبو الحسين على بن أحمد الراسبي عن سن كبيرة،
وكان يتقلد جنديسابور والسوس وماذاريا، ومات أولاده قبله، وكان له حفدة، فخلَّف:

table with 2 columns and 24 rows
??????
دينارًا ذهبًا عينًا 
??????
درهمًا عينًا 
?????
مثقالًا وزن الأواني الذهبية 
????
رطلًا وزن الأواني الفضية 
????
مثقالًا من العود المُطَرَّى 
????
مثقالًا من العنبر 
???
نافجة من نوافج المسك 
????
مثقال من المسك المنثور 
????
مثقالًا من البرمكية (نوع من الطيب) 
???
مثقالًا من الغالية (نوع من الطيب) 
??
ثوبًا من الثياب المنسوجة من الذهب 
??
سرجًا 
?
حجرين عظيمين من الياقوت 
??
حبة من اللؤلؤ 
???
رأسًا من الخيل 
???
من خدم السوادن 
???
من الغلمان البيض 
??
خادمًا من الصقالبة والروم 
??
غلامًا بآلاتهم وسلاحهم ودوابهم 
?????
دينار قيمة أصناف من الكسوة 
???
رأسًا من المهاريِّ والبغال 
???
خيمة من الخيام الكبار 
??
هودجًا 
??
صندوقًا من الغضائر الصيني والزجاج المحكم الفاخر
table end

وخلف عضد الدولة البويهي ??????? دينارًا، ومن الورِق والنقد والفضة ????????? درهمًا، ومن الجواهر واليواقيت واللؤلؤ والماس والبلور
والسلاح والمتاع شيئًا كثيرًا.
??

وتفننوا في الصناعات الجميلة من أنواع الحلي والدقة في النسج وزركشة الثياب وأنواع العطور، والنقش والتصوير، وأصناف الأزياء والمأكول
والمشروب، والحدائق والبساتين، والغناء والموسيقى مما يطول شرحه، وكلها يستمتع بها طبقة الأشراف والموسرين.


وبلغوا من الأناقة في المعيشة أن جعلوا للظرف والظرفاء قوانين متعارفة من خرج عليها كان غير ظريف، وألَّفوا في ذلك الكتب ? «الموشَّى»
للوشاء، و«حدود الظرف» له أيضًا، و«ما يقدم من الأطعمة وما يؤخر» للرازي، و«ترتيب أكل الفواكه» له
أيضًا، و«آداب الحمام» له أيضًا، و«الزينة» لحنين بن إسحاق، و«الهدايا والسنَّة فيها» لإبراهيم الحربي، و«النبيذ وشربه في
الولائم» لقسطا بن لوقا … إلخ، فقال الموشي: «اعلم أن من كمال أدب الأدباء، وحسن تظرف الظرفاء، صبرهم على
ما تولدت به المكارم، واجتنابهم لخسيس المآثم، فهم لا يداخلون أحدًا في حديثه، ولا يتطلعون على قارئ في كتابه،
ولا يقطعون على متكلم كلامه، ولا يستمعون على مُسِرٍّ سره، ولا يسألون عما وُرِّي عنهم علمه، ولا يتكلمون فيما حجب
عنهم فهمه.» … إلخ. ووضعوا قوانين الظرف تفصيلًا كما وضعوها إجمالًا، فقوانين الظرف في الزي، وفي التعطر، وفي
الشراب، وما هو ظرف في الرجال لا في النساء، وما هو ظرف في النساء لا في الرجال، وهكذا.

فإذا نحن جاوزنا العراق إلى غيره من الأقطار رأينا في الشام مثلًا آل حمدان، وعلى رأسهم سيف الدولة مترفين ممعنين في الترف.

«فيحكى أن سيف الدولة لما ورد إلى بغداد وقت توزون اجتاز وهو راكب فرسه وبيده رمحه، وبين يديه عبد له صغير، وقصد الفرجة وألا يعرف؛
فاجتاز بشارع دار الرقيق على دور بني خاقان وفيها فتيان فدخل وسمع وشرب معهم وهم لا يعرفونه وخدموه،
ثم استدعى عند خروجه الدواة فكتب رقعة وتركها فيها، ثم انصرف؛ ففتحوا الدواة فإذا في الرقعة ألف دينار على بعض الصيارف، فتعجبوا،
وحملوا الرقعة وهم يظنونها ساذجة، فأعطاهم الصيرفي الدنانير في الحال والوقت
??
(وهذا هو نظام الحوالات)؛ فسألوه عن الرجل، فقال: ذلك سيف الدولة بن حمدان».
??
وضرب للصلات خاصة دنانير في كل دينار منها عشرة مثاقيل وعليه اسمه وصورته.
??

ودخل عليه شاعر وطرح من كمه كيسًا فارغًا ودرجًا فيه شعر استأذنه في إنشاده فأذن له، فأنشده قصيدة أولها:

جباؤك معتاد وأمرك نافذ
وعبدك محتاج إلى ألف درهم
فلما فرغ من إنشاده ضحك سيف الدولة ضحكًا شديدًا، وأمر له بألف دينار، فجعلت في الكيس الفارغ الذي كان معه.
??
وقصوره كانت ملأى بالجواري وخاصةً من أسرى الروم، «وكانت له جارية من بنات ملوك الروم لا يرى الدنيا إلا بها، ويشفق من الريح الهابة
عليها، فحسدتها سائر حظاياه على لطف محلها منه» … إلخ.
??
وكان يركب في خمسة آلاف من الجند، وألفين من غلمانه ليزور قبر والدته.
??

وكان الملوك والأمراء في مصر في منتهى الترف والنعيم؛ ففي العهد الطولوني كان الحي الذي فيه الآن جامع ابن طولون وما حوله من القلعة
إلى «زين العابدين» يزخر بالمباني الضخمة، وفيها هذا المسجد الفخم والمستشفى الكبير، والقصور الشامخة،
والميادين الفسيحة، وآيات الفن؛ فقد كان بجوار جامع ابن طولون ميدان فسيح، فجعله خمارويه بن أحمد بن طولون كله بستانًا بديعًا،
زرع فيه أنواع الرياحين وأصناف الشجر، وحمل إليه من البلدان المختلفة كل صنف من الشجر المطعَّم وأنواع
الورد.

وكان من بِدْعه أنه كسا أجسام النخل نحاسًا مذهبًا، وجعل بين النحاس والنَّخل مواسير من الرصاص يجري فيها الماء، فكان الماء يخرج
من النحاس الملبس في النخل فينحدر إلى فساقي، ويفيض الماء من الفساقي إلى مجار تسقي سائر البستان.


وهندس البستان هندسة بديعة، فعمل من الرياحين كتابة مكتوبة في البستان يتعاهدها البستاني بالمقاريض حتى لا تزيد ورقة على ورقة،
وعمل في البستان برجًا من خشب الساج منقوشًا ومطعّمًا، وسرَّح فيه أصناف الحمام وأصناف الطيور المغرِّدة،
وجعل في البرج أوكارًا لأفراخها، وعيدانًا مثبتة في جوانبه لتقف عليها إذا تطايرت، حتى يجاوب بعضها بعضًا بالمناغاة، وسرَّح في
البستان الطواويس والدجاج الحبشي ونحو ذلك، وعمل فيه مجلسًا سمَّاه دار الذهب، طلى حيطانه كلها بالذهب
واللازورد، وجعل في حيطانه مقدار قامة ونصف من خشب صوِّرت فيه صورته، والمغنِّيات التي تغنيه في أحسن تصوير وأبهج
تزويق، ولوِّنت أجسامها بألوان تشبه ألوان الثياب من الأصباغ العجيبة، فكان هذا القصر من أعجب ما بني في الدنيا.


وعمل فيه فسقية ملئت من الزئبق، وطُرح عليه فرش ملئ بالهواء وشدَّ بزنانير من حرير في حلق من الفضة؛ فينام أحيانًا عليه فيرتج ارتجاجًا
ناعمًا، وكان يرى له في الليالي المقمرة منظر عجيب إذا ائتلف نور القمر بنور الزئبق.

وجعل في ناحية من نواحي القصر دارًا للسباع، لكل سبع بيت، ولكل بيت باب يفتح من أعلاه، ولكل بيت طاقة صغيرة يدخل منها الرجل الموكل
به، وفرش بيوت السباع وما حولها بالرمل يجدد من حين إلى حين.

وأكثر من الخدم، ودرَّب كثيرًا منهم على التفنن في الطهي وتنويعه، واشتهر عبيد مصر إذ ذاك بحسن الطهي كما عودهم خمارويه؛ فكان الناس
يأتون من مختلف الأقطار لشرائهم لحسن سمعتهم في هذا الباب.

ولعل أكبر ما يوضح هذا الترف والنعيم زواج «قَطْر الندى» بنت خمارويه، وقد خطبها خليفة المسلمين في بغداد المعتضد بالله العباسي،
فتفنن خمارويه وأنفق خزائن الدولة في جهازها يحمله من مصر إلى بغداد، حتى تضعضعت حالة مصر المالية
بعد ذلك الإسراف.

فكان من بين هذا الجهاز دَكَّة تتألف من أربع قطع من الذهب، عليها قبة من ذهب مشبك، في كل عين من التشبيك قرط معلَّق فيه حبة من
جوهر لا يُعرف لها قيمة، وكان في الجهاز مائة هاون من ذهب، وقد عمل حساب نفقات الجهاز، فكانت دفعة
من نفقاته أربعمائة ألف دينار.

وانتقلت العروس من مصر إلى بغداد، والشقَّة بينهما بعيدة، فأمر خمارويه فبنى على رأس كل مرحلة من مصر إلى بغداد قصرًا تنزل فيه
قَطْر الندى، وكانوا يسيرون بها سير الطفل في المهد، فإذا أتمت مرحلةً وجدتْ قصرًا قد فُرش، وأُعِدَّ
بكل أنواع المعدات، فكأنها في هذه الرحلة الطويلة في قصر أبيها حتى قدمت بغداد في أول المحرم سنة ????.
??
وثروة آل الجصَّاص في العهد الطولوني كانت تقدر بملايين الدنانير، ويحكي أحدهم وهو الحسين بن عبد الله الجَصَّاص — وكان من أعيان
التجار في الجواهر — سبب ثروته فيقول: «كان بدء يساري أني كنت في دهليز أبي الجيش خمارويه بن أحمد
بن طولون، وكنت وكيله في ابتياع الجوهر وغيره مما يحتاجون إليه، وما كنت أفارق الدهليز لاختصاصي به، فخرجتْ إليَّ قهرمانة لهم في
بعض الأيام ومعها عقد جوهر فيه مائة حبة لم أر قبله ولا بعده أفخر ولا أحسن منه، كل حبة تساوي مائة
ألف دينار عندي؛ قالت: نحتاج أن تخرط هذه حتى تصغر فنجعلها في آذان اللعب وفي قلائدها، فكدتُ أطير، وأخذتها وقد قلت: السمع والطاعة،
وخرجت في الحال وجمعت التجار، واشتريت مائة حبة من النوع الذي طلبتْه … وقامت عليَّ المائة حبة بدون
المائة ألف درهم، وأخذت منهم جوهرًا بمائتي ألف دينار.»
??

وفي العهد الفاطمي كان الترف أنعم وأضخم وأفخم، تقرأ في «خطط المقريزي» وصف خزائن الفاطميين وحياتهم في القصور، وتفننهم في أدوات
الترف والنعيم فيأخذك العجب العجاب، فيقول: «إنه كان للخليفة خزانتان: ظاهرة؛ وفيها الملابس التي ينعم
بها على الناس، وباطنة؛ وهي الخاصة بلباس الخليفة، ويتولاها امرأة تنعت بزين الخُزَّان، وبين يديها ثلاثون جارية، فلا يغير
الخليفة أبدًا ثيابه إلا عندها … وكان برسم هذه الخزانة بستان من أملاك الخليفة على شاطئ الخليج يعنى أبدًا
فيه بالنسرين والياسمين، فيحمل في يوم منه شيء في الصيف والشتاء لا ينقطع أبدًا برسم الثياب والصناديق.

ولما كشف حاصل الخزائن الخاصة للعاضد بالقصر كان الموجود فيها مائة صندوق كسوة فاخرة من موشًّى ومرصَّع، وعقود ثمينة وجواهر نفيسة،
وغير ذلك من ذخائر عظيمة الخطر.»
??
وفي أيام شدة المستنصر أخرج من بعض خزائن القصر صندوقٌ كِيلَ منه سبعة أمداد زمرد؛ فسأل بعض من حضر من الوزراء الجوهريين: كم قيمة
هذا الزمرد؟ فقالوا: إنما نعرف قيمة الشيء إذا كان مثله موجودًا، ومثل هذا لا قيمة له! … وأخرج عقد
جوهر قيمته على الأقلِّ من ثمانية آلاف دينار فصاعدًا، وأخرج ألف ومائتا خاتم ذهبًا وفضة من سائر أنواع الجواهر المختلف الألوان
والقيم والأثمان … وأحضرت خريطة فيها نحو ويبة جواهر، وأحضر الخبراء من الجوهريين فذكروا أن لا قيمة
لها ولا يشتري مثلها إلا الملوك، فقوِّمت بعشرين ألف دينار، وأخرج طاووس ذهب مرصَّع بنفيس الجواهر، عيناه من ياقوت أحمر، وريشه
من الزجاج المينا المجري بالذهب، على ألوان ريش الطاووس، وديك من الذهب له عرف مفروق كأكبر ما يكون
من أعراف الديوك من الياقوت الأحمر، مرصَّع بسائر الدرر والجوهر، وعيناه ياقوت، وغزال مرصَّع بنفيس الدر والجوهر، وبطنه أبيض
قد نظم من درٍّ رائع … إلخ إلخ.
??
ونحو هذا ذكر المقريزي في خزائن العرش والأمتعة، وخزائن السلاح والسروج والخيم والشراب والتوابل والبنود.

ورووا أن المعز لدين الله فاتح مصر لما خرج من بلاد المغرب أخرج معه أموالًا كانت له بها، وأمر بسبكها أرحية كأرحية الطواحين، وكان
معه مائة جمل عليها هذه الطواحين من الذهب، وأمر المعز بها حين دخل إلى مصر فألقيت على باب قصره، ولم
تزل على باب القصر إلى أن كان زمن الغلاء في أيام المستنصر، فلما ضاق الناس بالأمر أذن لهم أن يبردوا منها بمبارد، وغرَّهم
الطمع حتى ذهبوا بأكثرها، فأمر بحمل الباقي إلى القصر، فلم تر بعد ذلك.

وقد عمل المعز عضادتي باب من أبواب قصره من تلك الأرحية، واحدة فوق أخرى، فسمي باب الذهب، وسُميت القاعة التي يدخل إليها من هذا
الباب قاعة الذهب.
??
ولما دخل صلاح الدين القصر الكبير للخلفاء الفاطميين، وجد فيه اثني عشر ألف نسمة ليس فيهم فحل إلا الخليفة وأهله وولده.
??

ومهما بالغ المقريزي ومن نقل عنهم في وصف غناهم، فإن الأساس صحيح وهو غنى القوم، وإمعانهم في الترف إمعانًا يزيد عما وصل إليه العباسيون
أيام الرشيد.

«وكان إقطاع الوزير ابن كلِّس «وزير العزيز بالله» مائة ألف دينار في السنة، ووجد للوزير المذكور من العبيد والمماليك أربعة آلاف
غلام، ووجد له جوهر بأربعمائة ألف دينار، وبزٌّ من كل صنف بخمسمائة دينار».
??

ويصف لنا عمارة اليمني دارًا بناها ابن رُزِّيك الوزير الفاطمي فيقول:

فتَمَلَّ دارًا شيَّدتها همة
يغدو العسير ببابها متيسِّرا
جَمَّلتها وتجملت مصرٌ بها
لما علت بك عزة وتكبُّرا
وسقيتَ من ذَوْب النضار سقوفها
حتى لكاد نضارها أن يقطرا
لم يبد فيها الروض إلا مزهرًا
والنخل والرمان إلا مثمرا
وبها من الحيوان كل مشهَّر
لبس الوشيج العبقري مشهَّرا
وكأن صولتك المخوفة أمنت
أسرابها ألا تراع وتذعرا
أنشأت فيها للعيون بدائعًا
زفَّت فأذهل حسنها من أبصرا
فمن الرخام مسيَّرًا ومسهَّمًا
ومنمنمًا ومدرهمًا ومدنَّرا
والعاج بين الآبنوس كأنه
أرض من الكافور تنبت عنبرا

•••

قد كان منظرها بهيًّا رائقًا
فجعلتها بالوشي أبهى منظرا
ألبستها بيض الستور وحمرها
فأتت كزهر الورد أبيض أحمرا
فمجالس كسيت رقيمًا أبيضًا
ومجالس كسيت طميمًا أصفرا
لم يبق نوع صامتٌ أو ناطق
إلا غدا فيها الجميع مصوَّرا

… إلخ.

وبعد؛ فقد كان المال وفيرًا كثيرًا، والترف والنعيم بالغًا أقصاه في بلاط الخلفاء وقصور الأمراء والخاصة، أما الشعب فأكثره بائس
فقير.

قد كان هناك طبقتان متميزتان كل التميز، فالخليفة ورجال دولته وأهلوهم وأتباعهم طبقة الخاصة، وهم عدد قليل بالنسبة لمجموع الأمة،
وبقية الناس — وهم الأكثر — طبقة العامة من علماء وتجار وصناع ومزارعين ورعاع، وأغلب هؤلاء فقراء إلا
من اتصل منهم بالخلفاء والأمراء.

ذلك أن أكبر مصدر للمال هو الجزية والخراج، وهذه تدخل في بيت المال تحت سلطة الخلفاء ومن إليهم، وينفق منها على مصالح الدولة، وما
بقي — وهو كبير — يصرف في رغبات الخلفاء والأمراء: من هبات للشعراء والمدَّاح، وشراء ما يعرضه تجار
الجواهر، وتجار الجواري والتحف، وجوائز للمضحكين. والكريم منهم يمد الموائد لفقراء الشعب ويطعمهم ويكسوهم، فألوف الناس تأكل على
الموائد وتنال صدقاتهم؛ فلؤلؤ الحاجب في أيام الفاطميين يفرق في اليوم اثني عشر الف رغيف مع قِدَر
الطعام، فإذا دخل رمضان أضعف ذلك، ووقف هو بنفسه ليفرقه،
??
وكان عليُّ بن عيسى — وزير المقتدر — يعطي الطالبيين والعباسيين وأبناء الأنصار،
??
وكان ابن الفرات يعطي الفقهاء والعلماء والفقراء وأهل البيوتات؛ أكثرهم مائة دينار في الشهر، وأقلهم خمسة دراهم وما بين
ذلك.
??

لهذا كله كانت كل أنظار الناس موجَّهة إلى الخلفاء والأمراء، فالعلماء إن أرادوا الغنى لم يجدوه إلا في خدمتهم، والشعراء إن أرادوا
العيش لم يجدوه إلا في مديحهم، والتجار إن وقع شيء ثمين في يدهم من جوهر أو جوار لا يجدون نفاقًا لها
إلا في قصورهم، والصناع إذا أحسنوا صناعة شيء فهم مقدصهم، أما سائر الشعب ففقير بائس قلَّ أن يجد الكفاف! فالعلماء إذا بعدوا عن
القصور عزَّ قوتهم، والشعراء لا يشعرون لأنفسهم ولا لعواطفهم، وإنما يشعرون للمال يَنْشدونه من يد
الخلفاء والأمراء؛ ولهذا كان أكثر شعرهم مديحًا، والفنانون والتجار كذلك. وكان أكثر مديح الخلفاء والأمراء بالكرم والسخاء، لا بالعدل
والحزم وضبط الأمور.

فإذا نفد مال الخلفاء والأمراء صادروا الأغنياء ليسلبوهم مالهم، ثم يوزعونه على شهواتهم وأتباعهم. فنشأ عن هذا إخفاءُ الأموال والتظاهر
بالفقر، وهربُ بعيدي النظر من التقرب من الخلفاء وذويهم، ونشأ في الأدب العربي كثير من الشعر والنثر
يحمد الفقر والبعد عن البلاط،
??
كما نشأ شيوع التصوف والميل إليه.

كان بجانب هذا الغنى المفرط، والإمعان في اللذائذ، فقر مدقع يقع فيه العلماء وعامة الشعب ممن لم يتصلوا بالخلفاء والأمراء ومن إليهم.


هذا «عبد الوهاب البغدادي المالكي» فقيهٌ أديبٌ شاعرٌ له المصنفات الرائعة في الفقه، لم يكن في المالكيين أفقه منه في زمنه، ولما
نزل معرَّة النعمان في رحلته أضافه أبو العلاء وقال فيه:

والمالكيُّ ابن نصرٍ زارَ في سفر
بلادنا فحمِدْنا النَّأْي والسفرا
إذا تفقّه أحيا مالكًا جَدلًا
وينشُرُ المَلِكَ الضِّلِّيلَ إنْ شعرا

هذا كله تضيق به المعيشة في بغداد حتى لا يجد قوت يومه، ويخرج عنها طالبًا للرزق، ولما شيَّعه أكابرها قال لهم: «لو وجدت بين ظهرانيكم
رغيفين كل غداة ما عدلت عن بلدكم.» ثم أنشأ يقول:

سلامٌ على بغداد في كل موطِنٍ
وحق لها مني سلامٌ مضاعَفُ
فوالله ما فارقتُها عن قِلًى لها
وإني بشطَّيْ جانبيها لعارف
ولكنها ضاقت عليَّ بأسْرها
ولم تكن الأرزاق فيها تساعف
وكانت كخِلِّ كنت أهوى دُنُوَّه
وأخلاقُه تنأى به وتخالف
فلما وصل إلى مصر، مات لأول ما وصلها من أكلة اشتهاها فأكلها، فزعموا أنه قال وهو يتقلب: «لا إله إلا الله، إذا عشنا متنا.»
??
وهذا أبو حيان التوحيدي البغدادي، وهو ما هو في علمه الواسع وأدبه الفياض، وفلسفته، وبلاغته، وتصوفه، واتصاله بالوزراء والعلماء،
وكدِّه في الحياة البوراقة ونسخ الكتاب، وتآليفه الكثيرة، كل هذا ويقول محدثًا عن نفسه: «ولقد اضطررت
بينهم بعد العشرة والمعرفة في أوقات كثيرة إلى أكل الخضر في الصحراء، وإلى التكفف الفاضح عند الخاصة والعامة، وإلى بيع
الدِّين والمروءة، وإلى تعاطي الرياء بالسمعة والنفاق، وإلى ما لا يحسن بالحرِّ أن يرسمه بالقلم، ويطرح في
قلب صاحبه الألم.»
??

ولما أعيته الحيل تحوَّل طلبه وملقه ورياؤه ونفاقه إلى غيظ من الناس وحقد عليهم، فأحرق في آخر أيامه كتبه، وقال: «إني جمعت أكثرها
للناس ولطلب المثالة منهم، ولعقد الرياسة عندهم، ولمدِّ الجاه عندهم، فحُرمت ذلك كله.»

وقد ملأ كتابه «الإمتاع والمؤانسة» شكوى من الفقر ومن سوء الحال، ورفع صوته إلى الوزراء والأغنياء، فعاد من ذلك كله صفر اليدين.


وهذا أبو سليمان المنطقي، أعقل عقلاء بغداد وأوسعهم نظرًا، وأعمقهم فكرًا، ومن اطلع على الفلسفة اليونانية، فأدرك أسرارها، وعرف
مراميها وأغراضها، مع استقلال في الفكر، وشخصية ممتازة في الحكم، وكان أعور، وكان به برص منعه من الاتصال
بالناس، وحمله على لزومه منزله، فلم يتصل به إلا تلاميذه الذين عرفوا قدره، ولم يجدوا بغيتهم عند غيره — كان فقيرًا، وقال
فيه أبو حيان، وهو من تلاميذه: «إن حاجته ماسة إلى رغيف، وحولُه وقوتُه قد عجزا عن أجرة مسكن، وعن وجبة
غدائه وعشائه.» فلما منَّ عليه الوزير ابن سعدان بمائة دينار، سرَّه ذلك غاية السرور، وترفَّل وتحنَّك.

وهذا أبو علي القالي البغدادي، ضاقت به الحال قبل أن يرحل إلى الأندلس، حتى اضطر أن يبيع بعض كتبه، وهي أعز شيء عنده، فباع نسخته
من كتاب «الجمهرة» وكان كَلِفًا بها، فاشتراها الشريف المرتضى، فوجد عليها بخط أبي علي:

أَنِست بها عشرين حَوْلًا وبعتها
فقد طال وَجْدي بعدها وحنيني
وما كان ظنِّي أنني سأبيعها
ولو خلَّدتني في السجون ديوني
ولكنْ لضعف وافتقار وصبية
صغار عليهم تستهلُّ جفوني
فقلت ولم أملك سوابق عَبْرَةٍ
مقالة مكوي الفؤاد حزين
«وقد تُخرج الحاجات يا أم مالك
ودائعَ من ربٍّ بهن ضنين»

وهذا أبو العباس المعروف بابن الخباز الموصلي، كان من كبار النحويين والأدباء، قال في خطبة كتابه المسمى «بالفريدة في شرح القصيدة»:
«ومن علم حقيقة حالي عذرني إذا قصرت، فإن عندي من الهموم ما يزع الجنان عن حفظه، ويكف اللسان عن لفظه:


ولو أن ما بي بالجبال لهدَّها
وبالنار أطفاها وبالماء لم يَجْر
وبالناس لم يحيوا وبالدهر لم يكن
وبالشمس لم تطلع وبالنجم لم يَسْر

وأنا أسأل الله العظيم أن يكفيني شر شكواي، وألا يزيدني على بلواي، فإني كلما أردت خفض العيش صار مرفوعًا، وعاد بالحزن سبب المسرة
مقطوعًا، والله المستعان في كل حال، ومنه المبدأ وإليه المآل.»

وهذا الزمخشري يقول:

ومما شجاني أنَّ غُرَّ مناقبي
يغنِّي بها الركبان بين القوافل
وطارت إلى أقصى البلاد قصائدي
وسارت مسير النيِّرات رسائلي
وكم من أمالٍ لي وكم من مصنَّف
أصاب بها ذهني مَحز المفاصل
غنيٌّ من الآداب لكنني إذا
نظرتُ فما في الكفِّ غير الأنامل
فيا ليتني أصبحت مستغنيًا ولم
أكن في خوارزم رئيس الأفاضل
ويا ليتني مُرْضٍ صديقي ومُسْخِطٌ
عدوي وأني في فهاهة باقل
وما حق مثلي أن يكون مضيَّقًا
وقد عظمت عند الوزير وسائلي
فلا تجعلوني مثل همزة واصل
فيسقطني حذف ولا راء واصل
فكل امرئ أمثاله عدد الحصا
وهاتِ نظيري في جميع المحافل

وهذا الأبيوردي الشاعر الفقيه، حكى الخطيب البغدادي عنه أنه مكث سنتين لا يقدر على جُبَّة يلبسها في الشتاء، ويقول لأصحابه: «بي
علَّةٌ تمنعني لبس المحشو.» يريد بالعلَّة: علَّة الفقر.

وهذا الخطيب التبريزي كان له نسخة من كتاب «التهذيب في اللغة» للأزهري في عدة مجلدات أراد تحقيق ما فيها، وسماعها على عالم باللغة،
فدُلَّ على أبي العلاء المعري، فجعل الكتاب في مخلاة وحملها على كتفه من تبريز إلى معرَّة النعمان،
ولم يكن له من المال ما يستأجر به ما يركبه، فنفذ العرق من ظهره إليها فأثَّر فيها البلل، ومن شعره:

فمن يسأمْ من الأسفار يومًا
فإني قد سئمت من المُقَام
أقمنا بالعراق على رجالٍ
لئام ينتمون إلى لئام

وحكى لنا أبو حيان التوحيدي حادثة انتحار فظيعة فقال: «شاهدنا في هذه الأيام شيخًا من أهل العلم ساءت حاله، وضاق رزقه، واشتد نفور
الناس عنه، ومقتُ معارفه له، فلما توالى عليه هذا دخل يومًا منزله، ومدَّ حبلًا إلى سقف البيت واختنق
به، فلما عرفنا حاله جزعنا وتوجَّعنا وتناقلنا حديثه وتصرفنا فيه كل متصرف.»

وأخذ أبو حيان وأصحابه يتجادلون في أن له الحق في الانتحار أو لا.
??
هذا شأن العلماء، وعامة الشعب كانوا أسوأ حالًا؛ ذلك لأنَّ النظام المالي للدولة كان نظامًا سيئًا، فنفقات البلاد قد بلغت حدًّا
لا يطاق من الإسراف والبذخ وصنوف الترف، وجباية الخراج وسائر الضرائب تباع لأشخاص على سبيل الالتزام،
فيعسفون بالناس حتى يبتزوا منهم أضعاف ما دفعوا، والقضاء قد اختلَّ بتدخل الحكام وانتشار الرشوة، والجيش قد انقسم إلى شُعب
مختلفة من ترك ودَيْلم ومغاربة وغيرهم، وكلُّ فرقة تتعصب لجنسها، وتضمر العداء لغيرها، والسلطة مضطرة لإنفاق
المال الكثير لاسترضاء هؤلاء وهؤلاء، والمناصب الحكومية ليست في استقرار؛ فاليوم يولَّى وزير، وغدًا يُصادَر،
ولكل وزير أعوانه يحظون بتوليته ويُعْسَف بهم بعزله، وغير الوزراء شأنهم أهون.

كل هذا سبَّب فساد النظام المالي، واستتبع فقر الشعب واضطرابه وكثرة ثوراته.

وظاهرة أخرى نراها في الفنون، وهي أنها كانت لا تنمو إلا في بلاط الخلفاء والأمراء، فلم يكن الشاهر يشعر لنفسه إلا قليلًا، ولا
الفنان يتفنَّن لنفسه إلا نادرًا، فكلهم يقصد خليفة أو أميرًا يعرض عليه سلعته من شعر أو فن؛ ولذلك
تلوَّن الشعر والنثر والفن بلون الاستجداء كثيرًا؛ لأن العصر لم يكن عصرًا ديمقراطيًّا يستطيع فيه أن يعيش الفنان لنفسه أو للشعب،
كما هو الشأن في العصور الحديثة، بل كان عصرًا أرستقراطيًّا لا ينعم فيه إلا الأرستقراطيون ومن شاء
أن يعيش على موائدهم، بل من شاءوا هم أن يؤكلوه من موائدهم؛ ولذلك إذا أحصيت الأدب الذي قيل في المديح، رجحت كفَّته جدًّا على
الأدب الذي قيل لباعث نفساني.

وكذلك العلماء كانوا قسمين: قسمًا يتصل بالخلفاء والأمراء أو يشتغلون في مناصب الدولة كالخطابة والقضاء، وهؤلاء ميسورون نسبيًّا؛
ولذلك نرى كثيرًا من تآليف العلماء في هذا العصر إنما أُلفت بأمر وزير أو أمير أو نحوه، وصدَّره باسمه،
ونَوَّه فيه بذكره، وأما من بعدوا عن القصور فكانوا فقراء غالبًا لا يكادون يجدون ما يسد رمقهم كما رأينا.

نشأ عن هذه الحالة الاجتماعية مظاهر متعددة: ترف لا حدَّ له في بيوت الخلفاء والأمراء وذوي المناصب، وفقر لا حدَّ له في عامة الشعب
والعلماء والأدباء الذين لم يتصلوا بالأغنياء، ثم المظاهر التي تنتج عادةً من الإفراط في الترف كالتفنن
في اللذائذ والاستهتار والنعومة وفساد النفس، وكل المظاهر التي تنشأ عن الفقر كالحقد والحسد والكذب والخبث والخديعة. وكان من
أثر هذا الفقر أيضًا انتشار نزعة التصوف، فالفشل في الحياة قد يُسْلم صاحبه إلى الزهد، وإقناع النفس
بأن نعيم الدنيا زائل، وإذا حُرِم الدنيا فليطلب الآخرة. كما كان من آثاره انتشار الدجل والتخريف، وتعلق الناس بالأسباب
الموهومة في الحصول على الغنى لعجزهم عن تحصيله بالوسائل المعقولة؛ فتنجيم واعتقاد في الطوالع التي تسعد وتشقي،
وانصراف إلى الكيمياء التي تقلب النحاس والقصدير ذهبًا، والالتجاء إلى دعوات الأولياء لعلَّ دعوتهم تتحقق
فينقلب فقرهم غنى، وهذا إلى الاعتقاد في السحر والطِّلَسمات، والبحث عن الكنوز المخبوءة، ونحو ذلك.

وعلى الجملة فالحياة المالية مضطربة أشد الاضطراب، فمع سوء التوزيع والاختلاف الشديد بين درجة الغنى والفقر، والبذخ وشدة الحجة،
نرى عدم الطمأنينة على المال من عدم احترام المِلْكية؛ وذلك بسبب شهوات الحكام وطمعهم فيما في أيدي
الناس؛ فالوزير إذا عُزل صادر أمواله من يخلفه، والتاجر الكبير الثَّري عرضة لمصادرة الوالي له طمعًا في ماله، والغني إذا
مات كانت أمواله عرضة للسلب والنهب، إما بادعاء أن ليس له ورثة معروفون ووضع العقبات في سبيل إثبات الوراثة،
أو المجابهة بالمصادرة من غير ذلك أسباب. فالإخشيد في مصر كان إذا توفي قائد من قواده أو كاتب من كتَّابِه
تعرض لورثته، وأخذ منهم وصادرهم، وكذلك كان يفعل مع التجار المياسير.

والوزير المهلبي لما مات قبض معز الدلة تركته وصادر عياله، وكذلك فُعل بابن العميد، وهكذا. ثم إن اضطراب الحالة المالية وعدم أمن
الناس على أموالهم يُنتج حتمًا عدم انتظام الدخل والخرج فتسوء حالة الدولة، فيعالجونها بفرض الضرائب
القاسية، والإمعان في المصادرات والنهب لكثرة ما يُطلب من نفقات الجيوش وأمثالها، فيكون ذلك علاجًا يضاعف المرض، وهو ما حدث
فعلًا، وكلما ساءت الحال كثر العزل والتولية، وقُرِّب إلى الخلفاء والسلاطين مَن ضمن تعادل الميزانية،
وإنما يضمن ذلك بالعسف الذي يئول إلى الخراب.

كان الناس طبقات مختلفة: طبقة تعتز بشرفها نسبها ودمها، من ذلك العلويون والعباسيون، وكلاهما معتز بالقرابة لرسول الله ?؛ فالأوَّلون
يعتزون بالنسبة لأولاد عليٍّ من فاطمة؛ والآخرون للعباس، وبينهما حزازات غالبًا.

ويفخر الأولون بأنهم أقرب نسبًا ويعتز الآخرون بالخلافة في أيديهم؛ وكان ذلك كله — على كل حال — مصدرًا للاعتزاز ومبعثًا لتقدير
الناس، وكانت تُجْرَى عليهم أرزاق خاصة، وتُسند إليهم بعض المناصب الرفيعة كنقابة الأشراف.

ومن المعتزين بالنسب من كان يعتز بأصله من أنه من البيوتات القديمة، كأولاد المهلب بن أبي صفرة الأمير الأموي الكبير، وكانت لهم
في هذا العصر العباسي دُور بالبصرة، وتولَّى الوزارة منهم لعضد الدولة البويهي الوزير المهلبي، وسيأتي
ذكرُه، وكأولاد البَنويِّين وهم أبناء الخراسانيين الذي حاربوا لإسناد الدولة إلى بني العباس، ومنهم من كان يعتز بنسبه الفارسي
إلى بيت من بيوت الملك أو البيوتات العظيمة في الفرس كآل بويه، وقد يكون من هذه الطبقة الأغنياء، وقد
يكون منهم من أخنى عليه الدهر بعد العزِّ، فكان فقيرًا يكتفي بالاعتزاز بالنسب.

وهناك طبقة تعتز بمناصب الدولة كالوزراء ورؤساء الدواوين ونحو ذلك، ويعتز بذلك أسرهم وأقاربهم، وهؤلاء في هذا العهد كان اعتزازهم
وقتيًّا، فيكونون في القمة حينًا، ثم لا يلبثون أن يكونوا في الحضيض حينًا آخر لكثرة ما يعرض لهم من
عزل ومصادرة أموال وقتل وتشريد، ثم طبقة الأغنياء من الإرث والتجارة والأعمال، وقد كانوا نسبيًّا عددًا محدودًا.

وهؤلاء المعتزون بالمنصب يعيشون في ترف مفرط، وهم الذين نعثر في كتب الأدب والتاريخ على وصف بذخهم وترفهم وإسرافهم، ولكنهم لا يمثلون
الشعب، ويتبعهم الأوساط يقلدونهم على قدر استطاعتهم، ويطمحون إلى أن يحذوا حذوهم ما أمكنهم دخْلُهم.


وبجانب ذلك اعتزاز بالعلم أو الدين، ولكنه اعتزاز في أوساط خاصة؛ فالعلماء يعتز بهم أمثالهم وتلاميذهم ووسطهم المحدود، وهم يتعزون
عن فقرهم بهذا الاعتزاز الأدبي. ورجال الدين من الصوفية والوعاظ والفقهاء كذلك يعتزون في أوساطهم الخاصة،
وعند العامة الذين يلتمسون منهم البركة. ثم سائر الشعب بعد ذلك فقير لا يعتز بمال ولا نسب ولا جاه، ويصفهم ابن الفقيه بأنهم
«زَبَد جُفاء، وسيل غثاء، لُكَع ولُكَاع، وربيطة اتضاع، همُّ أحدهم طعامه ونومه».

وليسوا كما قال، بل هم عماد الأمة وسوادها الأعظم، ومقياس الرقي الحقيقي لها، وما ذنبهم أن همَّهم طعامهم ونومهم وهم يجدُّون ثم
لا يَجِدُون! لقد كان التوازن الاجتماعي في هذا العصر مختلًّا من الناحية المالية، فلا تقارب، وما
نجده من وصف الإمعان في الحضارة والإسراف في الترف والتفنُّن في النعيم، إنما هو وصف فئة قليلة العدد، وهي قد أسرفت في الترف على
حساب إمعان السواد الأعظم في البؤس، وفي الناحية الخلقية انحلال بين الأغنياء، وتكبُّر وتجبُّر من
الساسة وأولي الأمر، وذلَّة وضعة في الفقراء البائسين، وما يروى لنا من عزَّة وإباء، وتمسُّك بالحق وبالفضيلة، فصفات الأقلِّين
النادرين.

(?-?) الرقيق

كثر الرقيق في هذا العصر كثرة بالغة، وامتلأت القصور به، وكان له أثر كبير في الحياة الاجتماعية، فكثر نسل الجواري واختلطت الدماء
حتى الخلفاء أنفسهم كانوا في هذا العصر من نسل السراري، قال ابن حزم في «نقط العروس»: «لم يلِ الخلافة
في الصدر الأول مَن أمُّه أَمَة حاشا يزيد وإبراهيم ابني الوليد، ولا وليها من بني العباس من أمه حرة حاشا السفاح والمهدي والأمين،
ولم يلِها من بنى أمية بالأندلس من أمه حرَّة أصلًا.»

وكثر تعليم الجواري الغناء، واتخذ أصحابهن لهن بيوتًا معدَّة للسماع في الأحياء المختلفة، وكثرت هذه البيوت في بغداد في هذا العصر،
حتى قال أبو حيان التوحيدي: «وقد أحصينا — ونحن جماعة في الكرخ — أربعمائة وستين جارية في الجانبين
— جانبي بغداد — ومائة وعشرين حرَّة، وخمسة وتسعين من الصبيان البدور، يجمعون بين الحذف والحسن والظرف والعشرة، هذا سوى من كنا
لا نظفر به ولا نصل إليه لعزَّته وحرسه ورقبائه، وسوى ما كنا نسمعه ممن لا يتظاهر بالغناء وبالضرب
إلا إذا نشط في وقت، أو ثمل في حال، أو خلع العذار في هوى قد حالفه وأضناه.»
??

وهذه المحالُّ العامة للمغنيات كان يتردد عليها الناس للسماع، ولم يتحرَّج منها حتى العلماء والأدباء والقضاة والأعيان والصوفية،
فابن فهم الصوفي يسمع مغنية اسمها «نهاية» جارية ابن المغني، وابن غيلان التاجر يسمع غناء «بلور» جارية
ابن اليزيدي، وأبو الحسن الجراحي القاضي يسمع غناء «شعلة»، وأبو سليمان المنطقي الفيلسوف الكبير وشيخ أبي حيان يسمع غناء صبي
موصلي فتن الناس في عصره، وهكذا.

والظاهر من قولهم أن محالَّ الغناء كان منها المتهتِّك الذي يناسب المعربدين، ومنها المتحفظ بعض الشيء الذي يناسب المتحفِّظين.


وما روي لنا يدل على أن الغناء في هذا العصر كان بالشعر العربي السهل القريب المعنى السائغ اللفظ والوزن؛ فقد روي أن قِنْوَة البصرية
كانت تغني مثلًا:

يا ليتني أحيا بِقُرْبهمو
فإذا فقدتهمُ انقضى عمري

و«سندس» تغنِّي:

مجلس صَبَّيْن عَمِيدَين
ليسا من الحب بِخلْوَين
قد صيَّروا روحيهما واحدًا
واقتسماه بين جسمين
تنازعا كأسًا على لذَّة
قد مزجاها بين دمعين
الكأس لا تحسن إلا إذا
أدَرْتها بين محبَّيْن

و«درة» تغنِّي:

لست أنسى تلك الزيادة لمَّا
طرقَتْنا وأقبلت تتثنَّى
طرقت «ظَبيةُ» الرصافة ليلًا
فهي أحلى مَنْ جَسَّ عودًا وغنَّى
كم ليال بتنا نلذُّ ونلهو
ونُسَقَّى شرابنا ونُغَنَّى
هجرتنا فما إليها سبيل
غير أنَّا نقول كانت وكنَّا!

وإذا بلغت: «كانت وكنا» زلزلت الأرض «فرأيت الجيب مشقوقًا والدمع منهملًا، ومكتوم السرِّ باديًا».

و«عَلْوة» تغني في «درب السِّلْق» ببغداد:

بالورد في وجنتيك! مَنْ لطمك
ومن سقاك المدام، لمْ ظلمك
خَلَّاكَ لا تستفيق مِن سُكُر
توسع شتمًا وجفوةً خَدَمك
معقربَ الصدغ! قد ثَمِلْتَ فما
يمنع من لثم عاشقيك فمَك
أظلَّ من حَيْرة ومن دهش
أقول لمَّا رأيت مبتَسمك
بالله يا أقحوان مضحكة
على قضيب العقيق مَنْ نظمك؟

و«روْعة» جارية ابن الرضى تغني في الرصافة:

وحقِّ محل ذكرِك من لساني
وقلبي حين أخلو بالأماني
لقد أصبحت أغبط كل عين
تعانيها فتسعد بالعِيان

وهكذا شعر سهل ومعان قريبة كلها تدور حول العشق والغرام والهجر والوصال.

وكانوا في هذه المجالس يطربون طربًا صاخبًا، فمنهم من يشقُّ إزاره، ومن يضرب بنفسه الأرض، ومن يحملق عينيه، ومن يستغيث، ومن يحوقل
??
… إلخ، وكانت هذه البيوت تسمى «بيوت القيان»، والقينة في اللغة: الأمة مغنية كانت أو غير مغنية، ولكنها في العرف لا تطلق إلا على
الأمة المغنية.

ومن هؤلاء القيان من كن يتاجرن بالعشق والغناء، فيوقعن في أحبالهن الشبان الموسرين حتى يستنزفن مالهم ثم يلفظنهم. وقد وصف واصف
هذه الحالة أدق وصف فقال: «إن القينة منهن إذا رأت في مجلس فتى له غنى وكثرة مال ويسار وحسن حال مالت
إليه لتخدعه … ومنحته نظرها وأشارت إليه بكفها، وغمزته بطرفها، وغنَّت على كاساته، ومالت إلى مرضاته، حتى توقع المسكين في حبالها،
وتحويه بلطف تملُّقها، وتستعين بالمكر والخداع، ثم ترسل إليه من يخبره عن سهرها وقلقها، وتعبث إليه
بخاتمها، وخصلة من شعرها، وكتاب قد نمَّقته بظرفها، ونقطت عليه قطرات من دمعها، وختمته بالغالية والعنبر … حتى إذا حوت عقله،
وسلبت قلبه، أخذت في طلب الهدايا من ثياب وحلي، وشكت من غير ألم؛ لتتوالى عليها هداياه، حتى إذا نفد
اليسار، وتلق المال، وأحسَّت بالإفلاس أظهرت الملل، وأعلنت البدل، وتبرمت بكلامه، وضجرت بسلامه، وأخذت في الجفاء
والعتاب، وصرفت عنها هواه، ومالت إلى سواه.»

وقد قال أحد الشعراء في مثل هذا الوصف:

صحوت فأبصرت الغواية من رُشدي
وأيقنت أني كنت جُرت عن القصد
فلا يعْشَقَنْ من كان يعشق قينة
فما هو منها في سعيد ولا سعد
تودُّك ما دامت هداياك جمَّة
وترفدْك عشقًا ما بقيت أخا رفد
إذا ما رأت في مجلس من تخاله
غنيًّا حبته بالتحية والودِّ
فذا دأبها حتى يعود من الهوى
سقيمَ فؤادٍ ما يُعيد ولا يبدي
فتَفْصد لا من حاجة لِفصادِها
ولكن لتكليف الهدية في الفصْد
فمن بين خلخال يُصاغ وخاتم
ومن دملج يُهدَى على أثر العقد
فذا فعلها حتى إذا عاد مفلسًا
تجنَّت وأبدت جانب الهجر والصد
فقولا لمن يهوى القيان تفهَّموا
مقالي فإني قد نصحت لكم جهدي
??

ونشأ عن هذا جدل في أيهما خير: عشق القيان أو عشق الحرائر؟ فيقول بعض الظرفاء:

ليس عشق الإماء من شكل مِثْلي
إنما يعشق الإماءَ العبيدُ
صِلْ إذا ما وصلت حرَّة قوم
قد حماها آباؤها والجدودُ

ويقول غيره: «عليك بالقيان فإن لهن فطنًا وعقولًا ليست لكثير من النساء.»

وقد كان من أثر الطابع العلمي الذي طَبع هذا العصر أن تعرض العلم لهؤلاء الإماء يؤلف فيهن الكتب، فألف ابن بطلان كتابه العلمي في
تجارة الرقيق.
??
وتبعه غيره، فذكروا أجناس العالم وأوصاف الرقيق من كل جنس، وما يمتزن به، وما يعاب عليهن، والأعضاء وأوصاف الحسن فيها وأوصاف عيوبها،
ودلائل الفراسة على حال الغلام أو الجارية، وحيل النخَّاسين، وكيف يسترون العيوب … إلخ.

كما فلسفوا الكلام في الحُسن، وحاولوا وضع قواعد للجمال، ووجد من يسمَّى «جهابذة النقد» وهم الخبراء في الجمال، قال أبو الفرج:
«أكثر البصراء بجواهر النساء الذين هم جهابذة النقد، يقدمون المجدولة التي تكون بين السمينة والممشوقة،
ولا بد أن تكون كاسية العظام …» إلخ.

وتكلموا في الألوان وحسنها، وقال أبو الفرج الأصفهاني:
??
«يمازج البياض لونان يزيدانه حسنًا: الحمرة والصفرة، فأما الحمرة فتعتري البياض من رقَّة اللون وصحة الدم، وأما الصفرة فتعتري
البيض لاستهتارهن وملازمتهن الكنَّ والنعمة والخفض والدعة، وتعتريهن أيضًا لملازمتهن التضمُّخ بالطِّيب،
ويقال إن المرأة إذا كانت عتيقة الحسن ناعمة البدن فإن لونها يكون من أول النهار إلى ابتداء العشية يضرب إلى الحمرة،
ومن ابتداء العشية إلى آخر الليل يضرب إلى الصفرة.» وأفاضوا في ذكر محاسن كل عضو وعيوبه من الشَّعر والجبين والحواجب
والعيون والأنوف والخدود والشفاه والثغور والأعناق والمعاصم والأعضاء، والأنامل وتطريفها بالحمرة والسواد،
والنحور والصدور والثدي، واختلاف الأذواق في كبرها أو صغرها، والخصور والسوق والأقدام، ومزجوا ما قيل في كل ذلك من التعبير الدقيق
في اللغة بما قيل من عيون الأدب بما قاله جهابذة النقد.

كما تفنَّنوا في دقَّة الفروق بين المغنيات، وفلسفة الغناء، «فَعَلْوَة» أحسن ما تكون إذا رفعت عقيرتها، و«نهاية» إذا اندفعت في
شدوها، و«بلُّور» إذا رجَّعت، و«قَلَم» إذا تنوأت في استهلالها، وتضاجرت على ضجْرتها، وتذكرت شجوها
الذي قد أضناها وأنضاها، و«سندس» إذا تشاجَت وتدللت وتفَتَّلت وتقَتَّلت وتكسَّرت.

وتفلسفوا هل الغناء لذَّة الحس أو لذة العقل؟ ولِمَ يكون الغناء ألذَّ وأطيب إذا سند المغني آخر؟ وهكذا.
??

وكان الرقيق صنفين متميزين: صنف أبيض، وصنف أسود ويشمل الحبْشان؛ فالصنف الأبيض كان من الترك والصقالبة، والأرمن واليونان، وكانت
أكثر أسواقه سوق سمرقند ويأتي إليها رقيق تركستان وما وراء النهر والبلغار، وسوق شرق أوروبا وهو يخترق
ألمانيا إلى الأندلس، وإلى موانئ إيطاليا وفرنسا إلى الشرق، والصنف الأسود كان يجلب من السودان والحبشة وما إليهما.

وكان الرقيق الأبيض أغلى ثمنًا وأكثر قابلية لتعلُّم الفن والموسيقى، وكلما مهرت في فنِّها بولغ في ثمنها، وكانت هناك أسواق في
كل مدينة كبيرة للرقيق، سوق كبيرة فيها حُجَر يسكنها الرقيق المعرَّض للبيع، وهذا شأن الرقيق الشعبي،
أما الرقيق الخاص الممتاز فيعرضه التجار على الأمراء والأغنياء، أو يعرضونه في بيوتهم الخاصة، كما كان أصنافًا من نساء وفتيان
ورجال.

وقد قام هذا الرقيق على اختلاف أنواعه بأعمال كثيرة، وتغلغل في الحياة الاجتماعية؛ فمنهم من كانوا جنودًا وقوادًا تستعين بهم الدولة
في حروبها، حتى لقد بلغ بعضهم أرقى المناصب، مثل مؤنس في العراق، وجوهر الصقلي في المغرب ومصر، وكافور
الإخشيدي بمصر، وسبكتكين في الأفغان.

ومنهن القيان في محال الغناء العامة، ومنهن أمهات الأولاد، وملك اليمين، يتغلغلن في بيوت الخلفاء والأمراء، والأغنياء والأواسط،
ومنهن من يقمن في الخدمة في البيت، وقد يبلغن منزلة عالية.

ومن الرجال الأرقَّاء من يقوم بالأعمال الصناعية والتجارية لسادته، ومنهم طبقة الخصيان، وقد انتشرت في هذا العصر انتشارًا كبيرًا.


وقد كثر الخصاء في عهد الأمين، فقد قالوا: إنه بلغ من كلَّفه بالخصيان أنه «طلبهم وابتاعهم، وغالى بهم، وصيَّرهم لخلوته في ليله
ونهاره، وقوام طعامه وشرابه، وأمره ونهيه».
??
وقد عقد الجاحظ فصلًا ممتعًا في كتابه «الحيوان» للخصاء وتأثيره في الجسم والصوت والشعر والأعصاب، وفي الذكاء، كما عرض لأصناف الخصيان
من السند والحبشة والنوبة والسودان. ويقول: إن الروم أول من ابتدع الخصاء … إلخ.
??

وكان الخصاء في البيض والسود، وقلَّ أن كان المسلمون يقومون بالخصاء، ولكنهم يشترونهم بعد أن يُخْصَوا، وقد ارتفعت أثمانهم لتعرُّضهم
للموت من هذا العمل.

وكثر في عصرنا الذي نؤرخه استخدامهم في بيوت الخلفاء والأغنياء، حرصًا على النساء، ومنهم من نبغ في القيادة الحربية، كمؤنس القائد،
وفائق قائد السامانيين، وبلغ بعضهم منزلة عالية في الإشراف على القصور والحظوة عند الأمراء، كشكر غلام
عضد الدولة.

ثم الغلمان في الأوساط المستهترة، حتى وعند بعض الأدباء والعلماء، ونلاحظ ندرة هذا أيام سلطة العنصر العربي في صدر الإسلام. ويحكي
الجاحظ أن هذا الولع بالغلمان نشأ في الخراسانيين؛ إذ كانوا يخرجون في البعوث مع الغلمان، وذلك حين
سنَّ أبو مسلم الخراساني ألا يخرج النساء مع الجند، خلافًا لبني أمية الذين كانوا يسمحون بخروج النساء مع العسكر.
??
فلما جاء هذا العصر نجد الكثير من أحاديث الغلمان في كتب الأدب، وتراجم الرجال والأدباء. ويحدثنا أبو حيان التوحيدي أنه كان في
بغداد خمسة وتسعون غلامًا جميلًا يغنون للناس، وأنه كان بها صبي موصلي مغن، ملأ الدنيا عيارةً وخسارة،
وافتضح أصحاب النسك والوقار، وأصناف الناس من الصغار والكبار، بوجهه الحسن، وثغره المبتسم، وحديثه الساحر، وطرفه الفاتر، وقده المديد،
ولفظه الحلو، ودلِّه الخلوب … يسرقك منك، ويردك عليك … فحاله حالات، وهدايته ضلالات، وهو فتنة الحاضر
والبادي.
??
كما يحدثنا عن عَلوان غلام ابن عُرس؛ فإنه إذا حضر وألقى إزاره، وحلَّ أزراره، وقال لأهل المجلس: اقترحوا واستفتحوا فإني ولدكم،
بل عبدكم لأخدمكم بغنائي وأتقرب إليكم بولائي … لا يبقى أحد من الجماعة إلا وينبض عرقه، ويهش فؤاده
ويذكو طبعه، ويفْكه قلبه، ويتحرك ساكنه، ويتدغدغ روحه … إلخ.
??

وتفننوا في أسماء الغلمان بما يدل على مقصدهم، فسموا ? «فاتن»، و«رائق»، و«نسيم»، و«وصيف»، و«ريحان»، و«جميلة» — هكذا بأداة التأنيث
— و«بشرى».

ومن هذا نرى كيف أثَّر الرقيق أثرًا كبيرًا من الناحية الاجتماعية والحربية والمالية والأخلاقية.

(?) الأدب وتصوير الحياة الاجتماعية

كان النتاج الأدبي في هذا العصر من نظم ونثر صورة صحيحة للحياة الاجتماعية في غناها وترفها من جانب، وفقرها وبؤسها من جانب، وفي اضطراب
الشئون السياسية والحياة الاجتماعية، وفي حياة اللهو وحياة الجد، وفي انحلال الأخلاق، وانغماس الأدباء فيها،
ونعي بعضهم عليها، إلى غير ذلك من المظاهر، ولعل خير ما يمثل أدب هذا العصر كتاب «يتيمة الدهر» للثعالبي.

وربما كان أكبر من يمثل كُتَّاب النثر: ابن العميد، وابن عباد، والخوارزمي، وبديع الزمان الهمذاني، وأبو حيان التوحيدي، كما كان أكبر
من يمثل الشعر: المتنبي، وابن حجاج، والشريف الرضي، وأبو العلاء المعري، والصنوبري.

لقد كان من أعلام الكتَّاب من هم من الطبقة العليا في المجتمع، كابن العميد، وابن عباد، والوزير المهلبي، والخصيبي، والإسكافي وزير
السامانيين، ويلحق بهم أمثال إبراهيم بن هلال الصابي الذي كاد يكون وزيرًا.

فهؤلاء — بحكم جاههم وعزِّهم وترفهم — كان نتاجهم الأدبي مترفًا يتأنق في فنه؛ فأناقة الملبس والمأكل والمعيشة جديرة بأن تحمل أصحابها
على التأنق في الأدب، فأدب هذا العصر تقدم خطوات في السجع والمحسنات اللفظية، والمبالغة البلاغية، فالصابي
وابن عباد أفرطا في السجع، وكادا يلتزمانه، وغيرهما يسجع وإن كان لا يلتزم، هذا إلى الإمعان في الاستعارات والمجازات والتشبيهات، وتفننوا
في تزيين الكتابة تفنن أصحاب الطُّرف فيما يصنعون من حليٍّ وأدوات زينة، وإذ كانوا في مركز رئيسي في الحياة
الاجتماعية كان طبيعيًّا أن يكون نتاجهم هو المثل يقلَّد ويحتذى، فمن كان أديبًا فقيرًا تشبه بهم وحذا حذوهم، وهم بذلك قد خلقوا
ذوقًا عامًّا في الأدب يستحسن طريقتهم، فجارى الأدباء هذا الذوق، كما تراه عند الثعالبي في كتبه فيما يُنْشِئ
وفيما يَرْوي.

وأبو حيان يصف الصاحب ابن عباد بقوله: «كان كلفه بالسجع في الكلام والقلم، عند الجدِّ والهزل، يزيد على كلف كل من رأيناه في هذه البلاد.
قلت لابن المسيبي: أين يبلغ ابن عباد في عشقه للسجع؟ قال: يبلغ به ذلك لو أنه رأى سجعة ينحل بموقعها عروة الملك،
ويضطرب لها حبل الدولة، ويحتاج من أجلها إلى غرم ثقيل، وكلفة صعبة، وتجشم أمور، وركوب أهوال، لما كان يخف عليه أن يفرج عنها
ويخليها، بل يأتي بها ويستعملها، ولا يعبأ بجميع ما وصفت من عاقبتها.»

هذا إلى الإمعان في المبالغة كقول الصابي: «وصل كتاب قاضي القضاة بالألفاظ التي لو مازجت البحر لأعذبته، والمعاني التي لو واجهت دجى
الليل لأزاحته وأذهبته.»

ويقول بديع الزمان الهمذاني لرجل طلب إليه نسخة من رسائله: «ولو قدرت جعلت الورق من جلدي، بل من صحن خدي، والقلم من بناني، والمداد
من أجفاني.»

وإلى السجع والمبالغة ضروب من التزاويق، ككثرة التشبيه والاستعارة من مثل قول الصاحب في وصف مجلس: «قد تفتحت فيه عيون النرجس، وتوردت
فيه خدود البنفسج وفاحت مجامر الأترج، وفتقت فارت النارنج، وانطلقت ألسنة العيدان، وهبَّت رياح الأقداح، ونفقت
سوق الأنس، وامتدت سماء الند.»

هذا إلى مثل عمل قطع أدبية خالية من بعض حروف الهجاء، أو تقرأ طردًا وعكسًا … إلخ.

فهذه التزاويق اللفظية صدى للتزاويق في الحياة الاجتماعية، ونرى كثيرًا من الأدب في هذا العصر شكلًا تنقصه الروح، كما كانت الحياة الاجتماعية
المترفة كذلك شكلًا بلا روح.

ويتصل بهذا شيوع المقطوعات الشعرية القصيرة بجانب القصائد الطويلة، ويقابله في الموسيقى الميل إلى ما نسميه «الطقاطيق» بجانب «الأدوار».


ولعل هذا نشأ من كثرة المجالس الأدبية غير الرسمية في منازل الأصدقاء والأغنياء والأدباء، وحبهم للمُلح والتنادر ووصف ما يعرض، فأبيات
قصيرة في الغزل تحوي معنًى واحدًا رشيقًا، وأبيات فيما يعرض من النوادر، كأبيات في إنسان ساقط يلبس عمامةً
سَرية،
??
وفي إنسان شريف الأصل وضيع النفس،
??
وإنسان تولَّى أقطاعًا فوجدها خربة، وفي المهاداة بالنبيذ وفي وصف مجلس أنس، وفي شكر على هدية، وفي هجاء بخيل أو ثقيل، وفي صف زهر
أو تمر،
??
وفي معنًى عَرَض، أو حادث حدث
??
ونحو ذلك. وقد أكثروا من هذه المقطوعات حتى زاحمت القصائد.
??

هذه ناحية، وناحية أخرى وهي قوة أثر الرقيق في الناحية الاجتماعية، وانعكاس صورتها في الأدب؛ فقد ملئ أدب ذلك العصر بوصف القيان والجواري
البيض والسود والغلمان، حتى لا نكاد نجد شاعرًا إلا وله شعر في هذا الباب.

فقيل الكثير في وصف الجواري البيض وحسنهن، وكان هذا شيئًا مألوفًا، وسموا النساء البيض الحسان الحُمْر، وقال شاعرهم:

هِجَانٌ عليها حمرة في بياضها
يروق بها العينين والحسنُ أحمر

وشبهوهن بالنار من أجل ذلك، ولكن هَامَ بعض الشعراء بالجواري السود ودافعوا عن حبهنَّ، فأكثر من ذلك الشريف الرضي، فقال من قصيدة:

أحبكِ يا لون الشباب فإنني
رأيتكما في العين والقلب توأما
سواد يود البدر لو كان رقعةً
بجبهته أو شقَّ في وجهه فما
سكنتِ سواد القلب إذ كنتِ مثله
فلم أدر مِن عِزٍّ مَنِ القلبُ منكما
وما كان سهم العين لولا سواده
لِيبلغَ حبات القلوب إذا رمى
إذا كنت تهوى الظبي أَلَمى فلا تلم
جنوني عن الظبي الذي كله لَمى

وله قصيدة أخرى في هذا المعنى منها:

لاموا ولو وجدوا وجدي لقد عَذروا
وذنب من لام ذنبٌ غير مغتفر
لما تمادَوْا على عذلي أجبتهمو
بعزِّ معترف لا ذل معتذر
أهوى السواد برأسي ثم أمقته
فكيف يختلف اللونان في نظري؟!
إني علقت سواد اللون بعدكمو
علاقة تشمت الظلماء بالقمر
لو لم يكن فوق لون البيض ما رقمت
صِبْغ الليالي على الأجياد والعُذُر
والليل أستر للخالي بلذته
والصبح أفضح للساري على غَرر
وللفتى في ضلال الليل معذرة
وما له في الضحى إن ضلَّ من عذر
وكيف يذهب عن قلبي وعن بصري
من كان مثل سواد القلب والبصر

وقبله استوفى هذه المعاني ابن الرومي في قصيدة طويلة منها:

أكسبها الحسنَ أنها صُبِغت
صِبغة حَب القلوب والحدق
يفتر ذاك السواد عن يقق
من ثغرها كالآلئ النسق
كأنها والمزاح يضحكها
ليل تفرَّى دجاه عن فَلَق

وقال السَّلَامي:

يا رُبَّ غانية بيضاء
??
تصحبني
من العتاب كئوسًا ليس تنساغ
أشتاق طرتها أم صدغها ومعي
من كلها طرر سود وأصداغ

وقد قالوا: إن ابن سكرة الشاعر قال في قينة سوداء اسمها «خمرة» عشرة آلاف بيت … إلخ إلخ.

كما تفننوا في وصف القيان وغنائهن وأكثروا، وزعيمهم في ذلك ابن الرومي، كقصيدته في «وحيد» المغنية:

ظبية تسكن القلوب وترعا
ها وقُمرية لها تغريد
حسنها في العيون حسن جديد
فلها في القلوب حب جديد
تتغنى كأنها لا تُغَنِّي
من سكون الأوصال وهي تجيد
مد في شأو صوتها نَفَسٌ كا
فٍ كأنفاس عاشقيها مديد

… إلخ.

ويقول في وصف قينة مغنية وراقصة:

فتاة من الأتراك ترمي بأسْهُم
يصبن الحشا في السلم لا في المعارك
ظللنا لها نُصْبًا تشك قلوبنا
بذاك الشجا الفتَّان لا بالنيازك
تطامَنَ عن قدِّ الطوال قوامُها
وأربى على قدِّ القصار الحواتك
إذا هي قامت في الشفوف أضاءها
سناها فشفَّت عن سبيكة سابك

وتبعه الشعراء في هذا العصر الذي نؤرخه، وتفننوا في وصف القينات، فقال ابن زريق الكوفي في قينة تسمى «دبسية» حسنة الغناء قبيحة المنظر:


أبا سعيد أَصِخ لي
يا سيدي ونديمي
مُنيت أمس بأمرٍ
من الأمور عظيم
حصلت عند صديق
حر ظريف كريم
أسقى على شدو «دبْسـ
ـية» فتنفي همومي
فكنت حين تغني
لدى جِنان النعيم
وإن نظرتُ إليها
ففي العذاب الأليم
وإن شربت بصوت
فالراح بالتسنيم
وإن شربت بلحظ
فالمهل بالزَّقوم
فكان سمعي بخير
ومقلتي في الجحيم

… إلخ إلخ.

والطامة الكبرى ما غشي المجتمع من حب للغلمان ظهر صداه في الأدب.

لقد كان أبو نواس يغنِّي في هذا الباب وحده أو مع فئة قليلة، فلما جاء هذا العصر كان أكثر الشعراء يطرقون هذا الباب، ويفيضون فيه في
تحفظ حينًا، وفي استهتار أحيانًا، كأبي تمام والبحتري والصنوبري، وكُشاجم وأبي الفتح البستي وابن حجاج، وابن
سكرة، والقاضي التنوخي، والثعالبي، وأبي فراس، والصابي كلهم له أشعار كثيرة في هذا الباب تفننوا فيها، حتى الوزير المهلبي لم يمنعه
منصبه أن يقول في مملوك تركي جميل قاد جيشًا لمحاربة بني حمدان:

ظبْي يَرِق الماء في
وَجناته ويروق عُوده
ويكاد من شِبْه العذا
رى فيه أن تبدو نُهوده
ناطوا بمعقد خصره
سيفًا ومِنطقة تئوده
جعلوه قائد عسكر
ضاع الرعيل ومَن يقوده

وكان هؤلاء الغلمان مملوكين كما تملك الجواري، يقومون بالخدمة في البيوت وفي الأعمال التجارية، وهؤلاء الشعراء يتغزلون فيمن يملكون
أو يملكه غيرهم. ومن أشهر قصائد ذلك العصر قصيدة سعيد الخالدي التي يصف فيها غلامه بأنه معشوقه، وخازن داره،
ومدبر ماله، وناقد شعره، وطاهيه ونديمه، وغدت القصيدة مضرب المثل في هذا الباب:

ما هو عبدٌ لكنه ولد
خوَّلينه المهيمن الصمد
شدَّ أزري بحسن خدمته
فهو يدي والذراع والعضد
صغير سن كبير منفعة
تمازج الضعف فيه والجلَد

•••

أنسي ولهوي وكل مأربتي
مجتمع له فيه ومنفرد
خازن ما في داري وحافظه
فليس شيء لديه يفتقد
ومنفق مشفق إذا أنا أسـ
ـرفت وبذرت فهْوَ مقتصد
ويعرف الشعر مثل معرفتي
وهو على أن يزيد مجتهد
وصيرفي القريض وزان ديـ
ـنار المعاني الرقاق منتقد
يصون كتبي فكلها حسن
يطوي ثيابي فكلها جدد
وأبصر الناس بالطبيخ فكالـ
ـمسك القلايا والعنبر الثرد

… إلخ.

بل نرى من هذا ظاهرة غريبة، وهي عدم تحرج ذوي المناصب الكبيرة كالوزراء والقضاة من كثرة القول في هذا الباب، مما يدل على أن الرأي العام
قد فتر استنكاره له، وعده من باب الظرافة والمجون إلا في الأوساط المتشددة، كالذي ذكر أبو حيان التوحيدي من
أن أبا عبد الله البصري كان يسمع غلامًا يغني:

أنسيتَ الوصل إذ بتـ
ـنا على مرقد وَرْد
واعتنقنا كوشاح
وانتظمنا نظم عِقد
وتعطفنا كغصنيـ
ـن فقدَّانا كقد
فطرب أبو عبد الله طربًا شديدًا، فعابوه على ذلك، وقدحوا في دينه وألصقوا به الريبة.
??

وظاهرة أخرى وهي أن كثرة المجون، والخلاعة، واللهو واللعب في هذه الأوساط الاجتماعية أنتجت شاعرين يمثلان هذا أشنع تمثيل، وهما: ابن
حجاج وابن سكَّرة؛ فابن حجاج قال فيه الثعالبي: «إنه في شعره لا يستتر من العقل بسجف، ولايبني جلَّ قوله إلا
على سخف … يمد يد المجون فيعرك بها أذن الحزم، ويفتح جراب السخف فيصفع بها قفا العقل.» وقد استعمل في شعره بعض ألفاظ العوام، وشبَّه
أفظع التشبيهات وأشنعها، ومع هذا كله راج شعره رواجًا كثيرًا، فكان يباع ديوان شعره من خمسين دينارًا إلى سبعين،
ونفق شعره عند العامة والخاصة «فكانت تتفكه الفضلاء بثمار شِعره، وتستملح الكبراء ببنات طبعه، وتستخفُّ الأدباء أرواح
نظمه، ويحتمل المحتشمون فرط رفثه وقذعه … ولقد مدح الملوك والأمراء والوزراء والرؤساء، فلم يُخل قصيدة فيهم من سفاتج هزله،
ونتائج فحشه، وهو عندهم مقبول الجملة، غالي مهر الكلام، موفور الحظ من الإكرام والإنعام».

ومثله ابن سكَّرة، قال فيه الثعالبي أيضًا: «فائق في قول المُلَح والظرف، أحد الفحول الأفراد، جار في ميدان المجون والسخف ما أراد.»


ولم يتحرجا من أن يقولا أقبح المعاني في أصرح لفظ، ومع ذلك جرى شعرهما في الناس، واختار الثعالبي منه أخفَّه، وهذا الأخف مقذع شنيع؛
فرواج هذا الشعر أكبر دليل على ما وصل إليه الانحلال الخلقي في هذا المجتمع.

هذه الصورة للأدب تصور الحياة الاجتماعية في نعيمها وترفها، ولهوها ومجونها. وثَمَّ وجه آخر هو الفقر والبؤس والتحايل على كسب العيش
انعكست صورته على الأدب أيضًا.

من ذلك أن جماعة رأوا حياة الأغنياء والتجار والأدباء والعلماء في حرج وشدَّة، فالأغنياء يصادَرون، والتجار ترهقهم الضرائب، والأدباء
والعلماء لا يجدون ما يأكلون إلا إذا اتصلوا بأمير، فاتخذوا وسيلتهم في كسب العيش التسول عن طريق الأدب الشعبي
أحيانًا، والنصْب والاحتيال أحيانًا، ووُجدت طائفة كبيرة من هذا القبيل سُمُّوا الساسانيين أو بني ساسان، أو أهل الكُدية.

وساسان هذا قد رووا فيه أقوالًا مختلفة، فمن قائل إنه ساسان بن أسفندريار، كان من حديثه أنه لما حضر أباه الوفاة فوَّض أمر الحكم إلى
ابنته، فأنف ساسان من ذلك، واشترى غنما وجعل يرعاها، وعُيِّر بأنه راعي الغنم، فقيل ساسان الراعي، وساسان الكردي،
ثم نسب إليه كل من تكدَّ «تسوَّل» فيقال فلان بن بني ساسان. وقيل كان ساسان ملكًا من ملوك العجم حاربه دارا ملك الفرس، ونهب كل ما كان
له، واستولى على ملكه فصار رجلًا فقيرًا يتردد في الأحياء ويستعطي، فضرب به المثل. وقيل إنه كان رجلًا فقيرًا
بصيرًا في استعطاء الناس والاحتيال، فنسبوا إليه.

وكانت طائفة يتجول أفرادها في البلاد يستجدون ويحتالون، وكان عند بعضهم مقدرة أدبية يحتالون بها على الناس كشأن ما نسميهم في مصر «الأدباتية»،
وعند بعضهم دهاء وحيل لابتزاز المال.

هذه الطائفة كان من صداها في هذا العصر ظهور نوع من الأدب جديد هو مقامات بديع الزمان الهمذاني، ثم الحريري، وكلها حكايات قصيرة تدور
كل منها حول حيلة يحتالها رجل لكسب شيء من المال عن طريق التكدي، صيغت في أسلوب أدبي. وكل مقامات البديع بطلها
أبو الفتح الإسكندري، وكل مقامات الحريري بطلها أبو زيد السروجي، والبطل يحتال لقنص المال في كل مقامة.

وقد ورد ذكر الساسانيين في مقامات بديع الزمان، وأوضح لنا الحريري في مقامته المسماة بالمقامة الساسانية كثيرًا من البواعث الدافعة
على التسول، فقال: «سمعت أن المعايش إمارة، وتجارة، وزراعة، وصناعة، فمارست هذه الأربع؛ لأنظر أيها أوفق وأنفع،
فما أحمدت منها معيشة، ولا استرغدت عيشة، أما فرَص الولايات، وخُلَس الإمارات، فكأضغاث الأحلام، والفيء المنتسِخ بالظلام، وناهيك غصة
بمرارة الفِطام، وأما بضائع التجارات فعرضة للمخاطرات، وطُعمة للغارات، وما أشبهها بالطيور الطائرات، وأما
اتخاذ الضياع، والتصدي للازدراع، فمنهكَة للأغراض، وقيود عاتقة عن الارتكاض، وقلما خلا ربها عن إذلال، أو رُزق رَوْح بال، وأما
حِرَف أولي الصناعات فغير فاضلة عن الأقوات، ولا نافقة في جميع الأوقات … ولم أر ما هو بارد المغنم، لذيذ المطعم،
وافي المكسب، صافي المشرب؛ إلا الحرفة التي وضع ساسان أساسها، ونوَّع أجناسها، وأضرم في الخافقين نارها، وأوضح لبني غبراء
منارها … إذ كانت المتجر الذي لا يبور، والمنهل الذي لا يغور … وكان أهلها أعز قبيل، وأسعد جيل، لا يرهقهم مسُّ حيف،
ولا يقلقهم سلُّ سيف … ولا يرهبون ممن برق ورعد، ولا يحفلون بمن قام وقعد … أينما سقطوا لقطوا، وحينما انخرطوا خرطوا،
لا يتخذون أوطانًا، ولا يتقون سلطانًا.»

ثم بيَّن شروط النجاح فيها، وقال: إنها تحتاج إلى النشاط والحركة، وإلى الفطنة، وإلى القحة، وإلى المكر والحيلة، وروى أنه كان مكتوبًا
على عصا شيخنا ساسان: «من طَلَب جَلَب، ومن جال نال.» كما أنها تحتاج إلى الخَلْب بصوغ اللسان، وسحر البيان،
والصبر، وعدم اليأس، وتفضيل الذَّرة المنقودة على الدرة الموعودة … إلخ.

واشتهر من شعراء بني ساسان في القرن الرابع شاعران كبيران يعاصران البديع، ويسبقان الحريري، وهما الأحنف العكبري، وأبو دلف الخزرجي.
فالأحنف كان آدب بني ساسان ببغداد، وقد اشتهر بالظرف والشعر الرقيق في الحرفة الساسانية، كقوله:

قد قسَّم الله رزقي في البلاد فما
يكاد يُدْرَك إلا بالتفاريق
ولست مكتسبًا رزقًا بفلسفة
ولا بشعر ولكن بالمخاريق
والناس قد علموا أني أخو حِيَلٍ
فلست أنفق إلا في الرساتيق

ووضع قصيدة دالية في هذه الحرفة يقول فيها:

على أني بحمد الله
في بيت من المجْد
بإخواني بني ساسا
ن أهل الجِدِّ والجَدِّ
لهم أرض خراسان
فقاشان إلى الهند
إلى الروم إلى الزنج
إلى البلغار والسند
إذا ما أعوز الطرقُ
على الطرَّاق والجند
حذارًا من أعاديهم
من الأعراب والكرد
قطعنا ذلك النهج
بلا سيفٍ ولا غِمد
ومن خاف أعاديه
بنا في الروع يستعدي
??

وأبو دلف كان من الواردين على الصاحب بن عباد في الري، وقد طوَّف البلاد مكديًّا، وحاكى الأحنف العكبري في داليته الساسانية برائية
مثلها مطلعها:

جفون دمعها يجري
لطول الصدِّ والهجر

ومنها:

على أني من القوم الـ
ـبهاليل بني الغر
بني ساسان والحامي
الحمى في سالف العصر
فنحن الناس كل النا
س في البرِّ وفي البحر
أخذنا جزية الخلق
من الصين إلى مصر
إلى طنجة بل في كـ
ـل أرض خيلنا تسري
لنا الدنيا بما فيها
من الإسلام والكفر
فنصطاف على الثلج
ونشتو بلد التمر

… إلخ.

وقد استعمل في هذه القصيدة الألفاظ الاصطلاحية لبني ساسان، وأبان كثيرًا من أنواع حيلهم، وطريقة ابتزازهم أموال الناس، فمن باب استعمال
الألفاظ — مثلًا — استعماله دَوَّر إذا دار على السكك والدروب وسخر بالنساء، ورَعَّس بمعنى طاف على حوانيت
الباعة، فأخذ من هنا جوزة ومن هنا لوزة؛ «والكَذَّابات» بمعنى العصابات يشدونها على جباههم يوهمون بها أنهم مرضى … إلخ.

واستعمال الحيل مثل إيهام الناس أنه يجمع الصدقة للخروج إلى الغزو، أو يحتال على من أصيب بوجع الضرس فيجعل دود الجبن فيما بين أسنانه
ثم يخرجه ويوهم أنه أخرجه بالرقية، أو يتعامى وهو بصير، أو ينظر في الفال والزجر والنجوم، أو يعطي قومًا دراهم
حتى يأتوا ويسألوا عن نجمهم تحميسًا للناس أن يحذوا حذوهم … إلخ.

ولهم لغة خاصة وأدب خاص واصطلاحات لا يكاد يفهمها غيرهم، وتسمى «مناكاة بني ساسان».

قال الثعالبي في وصف الصاحب بن عباد: «وكان الصاحب يحفظ مناكاة بني ساسان حفظًا عجيبًا، ويعجبه من أبي دلف وفور حظِّه منها، وكانا يتجاذبان
أهدابها، ويجريان فيما لا يفطن له حاضرهما.»
??

ولعلَّ المناكاة مفاعلة من نكى بمعنى أتى عملًا لإغضاب الغير وقهره، ومنه «ضعيف النكاية أعداءه»، فيظهر أنه كان من حيلهم أنهم يتهاجون
ويتسابون ويتخاصمون تصنعًا حتى يستلبوا مال الناس؛ ولعلَّ المقامة الدينارية في مقامات البديع — التي تمثل
رجلين يتسابَّان بأقبح السباب من هذا الضرب — وقد جمع فيها كل سب كان في عصره من مثل: يا برد العجوز، يا وسخ الكوز، يا درهمًا لا يجوز،
يا سَنَة البوس، يا كوكب النحوس … إلخ. فردَّ عليه الآخر بقوله: يا قَرَّاد القرود، يا لَبود اليهود، يا عدمًا
في وجود … إلخ. وقد ذكر البديع في هذه المقامة أنهما كانا من بني ساسان.

فترى من هذا أن الضرب من الحفاة الذي جرَّ إليه سوء الحالة الاقتصادية، وعدم التوازن الاجتماعي، والإفراط في البؤس بجانب الإفراط في
الترف، قد انعكست صورته على الأدب، فأخرج المقامات وغيرها من أدب التكدي، كما أخرج شعرًا كثيرًا في شكوى الزمان
وسوء الحال، من مثل ما نراه في شعر ابن لَنْكَك البصري كقوله:

يا زمانًا ألبس الأحـ
ـرار ذُلًّا ومهانهْ
لستَ عندى بزمان
إنما أنت رمانه
كيف نرجو منك خيرًا
والعلا فيك مهانه
أجنونٌ ما نراه
منك يبدو أم مجانه

وقوله:

جار الزمان علينا في تصرُّفه
وأي دهر على الأحرار لم يَجُرِ
عندي من الدهر ما لو أنَّ أيسره
يُلقى على الفَلك الدوَّار لم يَدُرِ

وقوله:

نحن والله في زمان غشوم
لو رأيناه في المنام فزِعنا
يصبح الناس فيه من سوء حال
حق من مات منهمُ أن يُهَنَّا

… إلخ إلخ.

وله في ذلك الشيء الكثير بين جدٍّ وهزل.

•••

وكانت في هذا العصر مجموعة من الشعراء تمثل صور الحياة الاجتماعية المختلفة؛ فالصَّنَوْبري الحلبي يمثل الترف والنعيم والعيش الرغد،
ينعم بالقصر الفخم والحديقة الغناء، ويتغنى بجمال الأزهار وجمال الطبيعة، فله شعر في الورد، وشعر في حديقة
يعتز بها ويقول فيها:

لو كنت أملك للرياض صيانة
يومًا لمل وطئ اللئام ترابها

وقطع في وصف الورد والنرجس والأقحوان والنمام والسوسن والشقيق والبنفسج والياسمين … إلخ، ثم غزل قليل.

ويقيم مناظرة بين الورد والنرجس فيقول:

زعم الورد أنه هو أبهى
من جميع الأنوار والريحان
فأجابته أعين النرجس الغـ
ـض بذلٍّ من فوقها وهوان
أيُّهمَا أَحْسَنُ التورد أم مقـ
ـلة ريم من فضة الأجفان؟
أم فماذا يرجو بحمرته الخـ
ـد إذا لم يكن له عينان؟!
فزها الورد ثم قال مجيبًا
بقياس مستحسَنٍ وبيان
إن ورد الخدود أحسن من عيـ
ـن بها صفرة من اليَرَقان

والذي مكَّن له في هذا غناه؛ فقد كان له بمدينة حلب قصر فخم حوله الغروس والرياحين وشجر النارنج، إلى ذوق فني يغني في جمال الأزهار.


يقابله الشاعر ابن لنكك الذي يصور البؤس والفقر وعبث الأقدار، وقد قال فيه الثعالبي: «كانت حرفة الأدب تمسه وتجمشه، ومحنة الفضل تدركه
فتخدشه، ونفسه ترفعه، ودهره يضعه.» فأفاض في شكوى الزمان، وجوده، وعجائبه:

نحن من الدهر في أعاجيبِ
فنسأل الله صبر أيوبِ
أقفرت الأرض من محاسنها
فابك عليها بكاء يعقوبِ

وقد سبق أن ذكرنا بعض شعره في هذا الباب.

وإذا كانت الحياة الاجتماعية بين بائس ومجدود، غنى ذلك نغمةً مرحة في ترفه ونعيمه وزهوره، وغنى هذا نغمة حزينة في بؤسه وفقره وخذلان
زمانه له.

والمتنبي يمثل في مجتمعه ما كان من أحداث في الحروب بين الحمدانيين والروم؛ فقد كان شاعر سيف الدولة، وكان شاعرًا فارسًا يغشى الحروب
مع سيف الدولة، ويسجل حوادثها تسجيلًا أدبيًّا في النصر والهزيمة، والضرب والطعان والأسر والسبي، فشعره في
هذا لمعمعة القتال والمعيشة الحربية.

ثم هو يمثل الأدب الأرستقراطي، فهو يمثل الأدب الذي يعيش على موائد الملوك، فلم يكن يمدح إلا ملكًا أو شبه ملك، وقد ترفع عن مدح الصاحب
بن عباد وهو ما هو في منزلته وجاهه. فشعره ينقسم إلى سيفيات في سيف الدولة، وكافوريات في كافور، وعضديات في
عضد الدولة؛ ولكنه في مديحه هذا يرفع نفسه إلى مرتبة من يمدحه، فيكون صديقًا أو حبيبًا لا عبدًا مستجديًا؛ فيقول في كافور:

وما أنا بالباغي على الحبِّ رشوة
ضَعِيفُ هوى يُبْغَى عليه ثَوَابُ
وما شئتُ إلا أن أدل عواذلي
على أن رأيي في هواك صَواب
إذا نلت منك الْودَّ فالمال هيِّن
وكل الذي فوق التراب تراب

ويقول في ابن العميد:

تفضلَت الأيام بالجمع بيننا
فلما حمدنا لم تُدمْنا على الحمد
فجد لي بقلب إن رحلت فإنني
مخلِّف قلبي عند من فَضْلُه عندي

وفي سيف الدولة:

يا أعدلَ الناسِ إِلا في معاملتي
فيك الخصام وأنت الخَصم والحَكم

•••

سيعلم الجمع ممن ضَمَّ مجلسُنا
بأنني خيرُ من تسعى به قدَم
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
وأسمعت كلماتي من به صَمَمُ
أنام ملء جفوني عن شواردها
ويسهر الخلق جَرَّاها ويختصم

ونَقَد المجتمع نقدًا مرًّا؛ ولكن لا من ناحية أنه لم يجد ما يأكل كابن لنكك، ولا من ناحية أن مجتمعه في نفسه فاسد كأبي العلاء، ولكن
من ناحية أنه وازن بين نفسه وكفايتها في الحرب والأدب وطلب المجد، وبين ملوك زمانه وأمرائه، فرأى أنه أحق بالملك
أو بالإمارة منهم، فهجا المكان والزمان والدنيا:

لحا الله ذي الدنيا مناخًا لراكب
فكل بعيد الهم فيها معذب

•••

ودهر ناسه ناس صغار
وإن كانت لهم جثث ضِخام
وما أنا منهمو بالعيش فيهم
ولكن معدن الذهب الرغام
فشبه الشيء منجذب إليه
وأشبَهُنا بدنيانا الطَّغام

•••

إذا ما الناس جرَّبهم لبيب
فإني قد أكلتهمو وذاقا
فلم أر ودَّهم إلا خداعًا
ولم أر دِينهم إلا نفاقًا

•••

يقولون لي: ما أنت في كل بلدة
وما تبتغي؟ ما أبتغي جَلَّ أن يُسْمَى
??
كأن بنيه عالمون بأنني
جلوبٌ إليهم من معادنه اليتما
وما الجمع بين الماء والنار في يدي
بأصعب من أن أجمع الجَدَّ والفهما

•••

وإني لَمِن قوم كأن نفوسهم
بها أنف أن تسكن اللحم والعظما

ويرى علة فساد المجتمع فساد ملوكه، ولا يصلح للعرب إلا ملوك من العرب، وهو يرشح بذلك لنفسه:

سادات كل أناس من نفوسهم
وسادة المسلمين الأعبد القَزَمُ
أغاية الدين أن تحفوا شواربكم
يا أمة ضحكت من جهلها الأمم
ألا فتًى يورد الهنديَّ هامته
كيما تزول شكوك الناس والتُّهم

•••

رِدِي حياض الردى يا نفس واتركي
حياض خوف الردي للشاء والنَّعَم
إن لم أذرك على الأرماح سائلة
فلا دعيت ابن أم المجد والكَرَم
أيملك الملك والأسياف ظامئة
والطير جائعة لحم على وضم؟
ميعاد كل رقيق الشفرتين غدًا
ومن عصى من ملوك العرب والعجم

فهو بذلك كله ينقد المجتمع ويذم الدهر من ناحيته الشخصية، وهو أنه لم يُنله مقصده.

كما أنه يمثل مجتمعه من ناحية أخرى دقيقة؛ فقد كان في الشام والعراق ومصر بدو وحضر، وتثقف المتنبي ثقافة بدوية وحضرية، وأقام في البدو
حينًا وعاش عيشتهم واستفاد من ألفاظهم وأساليبهم، ثم خالط سيف الدولة وكافورًا وعضد الدولة، وأكل على موائدهم،
ورأى ترفهم نعيمهم، فكان لذلك صدى في شعره؛ فهو بدوي حضري: بدوي في لفظه وأسلوبه وقوته وجزالته، وفي كثير من معانيه وأوصافه كوصف الخيل
والسلاح، حضري في بعض معانيه كوصف الفازة من الديباج عليها صورة ملك الروم وصور وحش وحيوان، ويصف بطيخة من
الند في غشاء من خيزران عليها قلادة لؤلؤ وعلى رأسها عنبر قد أدير حولها … إلخ.

ويحن إلى الأعرابيات، ويتشبب بهن، ويفضلهن على الحضريات:

من الجآذر في زي الأعاريب
حمر الحلى والمطايا والجلابيب

•••

ما أوجه الحضر المستحسنات به
كأوجه البدويات الرعابيب
حسن الحضارة مجلوب بتطرية
وفي البداوة حسن غير مجلوب
أين المعيز من الآرام ناظرة
وغير ناظرة في الحسن والطيب
أفدي ظباء فلاة ما عَرفْن بها
مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب
لا برزن من الحمَّام مائلة
أوراكهن صقيلات العراقيب
ومِنْ هَوَى كل من ليست مموهة
تركت لون مشيبي غير مخضوب
ومن هوى الصدق في قولي وعادته
رغبت عن شَعَر في الرأس مكذوب

فهو يمثل أيضًا ما كان في عصره من بداوة وحضارة، وبساطة في العيش وتركيب.

وابن حجاج، وابن سكَّرة يمثلان الأدب الشعبي، وحالة العصر في مجونه وهزله، وفساده وانحطاطه، وأدبه المكشوف الذي لا يرعى خلقًا ولا ذوقًا،
فكل لفظة مهما تعرَّت وسقطت صالحة لأن تكون في الشعر، وأن تقال في حضرة الملوك والوزراء والقضاة، وتختار فيما
يختار للمتأدبين، كما فعل الثعالبي في اليتيمة، وقد سبق بعض القول فيهما.

والشريف الرضي يمثل طبقة الأشراف المثقفة الواسعة العلم، المعتزة بجاهها ونسبها ومنصبها، تعيش عيشة الترف، وتجالس الخلفاء والوزراء
من ناحية، وتتصل بحكم منصبها بالشعب — إذ كان نقيب الأشراف — من ناحية أخرى.

فيقول الشعر اعتزازًا بالجاه والنسب، ويخاطب الخليفة القادر:

عطفًا أمير المؤمنين فإننا
في دوحة العلياء لا نتفرق
ما بيننا يوم الفخار تفاوت
أبدًا كلانا في العلاء معرِّق
إلا الخلافة ميَّزتك فإنني
أنا عامل منها وأنت مطوق

وهو لمركزه يقيد كثيرًا من أحداث التاريخ العظمى التي شاهدها، وقد شاء القدر أن يكون في مجلس الخليفة الطائع يوم فتك الفرس به، كما
كان البحتري في مجلس المتوكل يوم فتك الترك به، وخرج هذا — كما خرج ذاك — هائمًا، وقال «الشريف» في ذلك قصيدته
التي مطلعها: «لواعج الشوق تخطيهم وتصميني» وقد تقدمت نبذة منها. وله في ذلك قصيدة أخرى منها:

إن كان ذاك الطود خـ
ـرَّ فبعد ما استعلى طويلًا

•••

لهفي على ماض قضي
ألا ترى منه بديلًا
وزوال مُلْكٍ لم يكن
يومًا يقدَّر أن يزولًا

وقال قصيدته الأخرى:

أي طَوْدٍ دُكَّ من أي جبال
لقحت أرض بِه بعد حِيَال
ما رأى حيُّ نزار قبلها
جَبَلًا سار على أيدي رجال
عقروا ليثًا ولو هَاهَوا به
كان بعد العَقْر أرجي للصِّيالِ

•••

وكأني خَلَل الغيب أرى
نَغْرة من جرحها بعد اندمالِ
وإذا الأعداء عَدُّوك لها
سلموا فضلك من غير جدال
لا أضاعوا رابئًا في قلة
كلأ المجد وقد نام الكوالي
??
يوم للشعب دهان من دم
والمواضي للمقاديم
??
فوالي

•••

فاتني منك انتصار بيميني
فتلافيت انتصارًا بمقالي

… إلخ.

وقد كانت ثورة البحتري أقوى وأصرح وأعنف، إذ لم تكن النفوس اعتادت «التقية» من كثرة ما أصابها من ظلم.

هذا إلى ما يسجله من أحداث كثيرة من رجال الدولة البويهية.

كما أنه كان شاعر الشيعة يشكو الزمان لعدم إنصافهم، ويعدد مزاياهم واستحاقهم، ويرثي لما أصابهم، ويرثي الحسين … إلخ، فهو لسان العلويين
والطالبيين، وباعث الأمل فيهم في استرداد حقوقهم، ونيل ما فاتهم.

ثم له الناحية الخاصة في حياته، التي يمثل في شعره فيها حياة الأدباء والظرفاء الموسرين من غزل في الحرائر والإماء، من مثل قوله:

وتميس بين مزعفر ومعصفر
ومعنبر وممسَّك ومصندل
وإذا سألتُ الوصل قال جمالها
جودي، وقال دلالها لا تفعلي

وفي الغلمان على عادة عصره، مثل قوله في غلام لا يحسن التكلم بالعربية:

حبيبيَ ما أزرى بحبك في الحشا
ولا غضَّ عندي منك أنك أعجم
بنفسي من يستدرج اللفظ عجمة
كما يمضغ الظبيُ الأراك ويبغم

وله الأبيات الكثيرة في وصف الزهور، والسماء والنجوم، وحمامة وفرخيها، والبرق والفجر … إلخ.

ويظهر أنه كان ضعيف الصحة، مصابًا بالأمراض، ومعرَّضًا للأخطار، فارتاع من الشيب وأكثر من وصفه، وأجاد في مراثي أصدقائه وأقربائه إجادة
فائقة، وقد كان صديقًا لكثير من علماء عصره وأدبائهم سبقوه إلى الموت، فخلَّد عواطفه نحوهم في شعر رقيق.

وأبو العلاء المعري في لزومياته ناقد للمجتمع لا لما جناه المجتمع على شخصه كما فعل المتنبي، ولكن لما جناه المجمتع على نفسه.

فالملوك في وضعهم الحقيقي خدَّام الرعية، ولكنهم بالفعل ظالموها ومستغلُّوها:

مُلَّ المُقام فكم أعاشر أمة
أمرت بغير صلاحها أمراؤها
ظلموا الرعية واستجازوا كيدها
وعَدَوْا مصالحها وهم أجراؤها

وهؤلاء الولاة المسيطرون على الناس لا عقل لهم، ولا عدل عندهم، شياطين في ثياب ولاة، لا يهمهم جوع الناس إذا ملئت بطونهم، وخَمِرت رؤوسهم:


ساس الأنام شياطين مسلَّطة
في كل مصرٍ من الوالين شيطان
من ليس يحفلُ خمص الناس كلِّهمُ
إن بات يشرب خمرًا وهو مِبْطان

وحول هؤلاء الولاة بطانة قد جمدت عواطفهم كأنها الحجارة أو أشد قسوة، لا يرحمون دمعة مظلوم، ولا يجيبون صرخة مستغيث:

يجور فينفي المِلْك عن مستحِقه
فتُسْكَبُ أسراب العيون الدوامع
ومن حوله قومٌ كأن وجوههم
صفا لم يُلَيِّن بالغيوث الهوامع

والقضاة لا عقل ولا عدل:

وأي امرئ في الناس أُلْفيَ قاضيًا
فلم يُمْضِ أحكامًا كحكم سَدوم

وفقهاء، صناعتهم الكلام ولا روح ولا أحلام:

كأن نفوس الناس والله شاهد
نفوسُ فَرَاشٍ ما لهن حُلوم
وقالوا فقيه والفقيه مموِّهٌ
وحِلْفُ جِدَال والكلامُ كُلُومُ

ووعَّاظ، يقولون ما لا يفعلون، ويأتون ما ينكرون:

رويدك قد غُرِرْت وأنت حرٌّ
بصاحب حيلة يعظ النساء
يحرِّمُ فيكم الصهباء صبحًا
ويشربها على عَمْدٍ مساء

وشعراء، ليسوا إلا لصوصًا يعدُون على من قبلهم في سرقة أقوالهم، ويعدون على الأغنياء بمديحهم لسلب أموالهم:

وما شعراؤكم إلا ذئاب
تَلَصَّصُ في المدائح والشباب
أَضَرَّ — لمن تَوَدُّ — من الأعادي
وأسرق للمقال من الزباب
??

وقوم تسودهم الخرافة فيلجئون إلى المنجِّمين والعرَّافين والمعزِّمين، وما لهؤلاء من علم، ولكنها شباك تنصب لاستدرار الأموال من المغفَّلين
والمغفَّلات:

متكهِّن ومنجِّم ومُعِّزم
وجميع ذاك تحيُّلٌ لمعاش

•••

لقد بكَرَت في خُفِّها وإزارها
لتسأل بالأمر الضرير المنَجِّما
وما عنده علم فيخبرها به
ولا هو من أهل الحِجَا فيرجِّما
ويوهم جُهَّال المحلة أنه
يظل لأسرار الغيوب مترجما
ولو سألوه بالذي فوق صدره
لجاء بمَيْن أو أَرَمَّ وجمجما

•••

سألت منجِّمها عن الطفل الذي
في المهدِ كم هو عائش من دهره
فأجابها مائةٌ ليأخذ درهمًا
وأتى الحِمامُ وليدَها في شهره

وبعد أن نقدهم طبقات، من الملوك إلى القضاة إلى الوعاظ إلى التجار إلى النساء، نقدهم جملة، فكل الناس في كل زمان ومكان لا يصلحون إلا
للفناء:

وهكذا كان أهل الأرض مذ فُطِروا
فلا يَظُن جهول أنهم فسدوا

•••

لو غربل الناس كيما يُعدَموا سَقَطًا
لما تحصل شيء في الغرابيل
أو قيل للنار: خُصِّي مَنْ جَنى، أكلت
أجسادهم وأبت أكل السرابيل

•••

يحسن مرأى لبني آدم
وكلهم في الذوق لا يَعْذُب
ما فيهمُ بَرٌّ ولا ناسك
إلا إلى نفع له يَجْذِب
أفضل من أفضلهم صخرةٌ
لا تظلم الناس ولا تكذب

وسبب فسادهم أنهم منحوا العقل فلم يُصغوا إليه ولم يلتفتوا له، وتجاذبَهم عقلٌ يُرْشد وطبعٌ يُغْوِي، فجروا وراء طبعهم وأهملوا عقلهم:


فأوسِعْ بني حواء هجْرًا فإنهم
يسيرون في نهج من الغدر لاحِب
وإن غيَّر الإثمُ الوجوهَ فما ترى
لدى الحشر إلا كلَّ أسودَ شاحِبِ
إذا ما أشار العقل بالرشد جرهم
إلى الغي طبعٌ أخذه أخذ ساحب

•••

واللب حاول أن يهذب أهله
فإذا البرية ما لها تهذيب
من رام إنْقاء الغراب لكي يرى
وَضَح الجناح أصابه تعذيب

•••

إلى الله أشكو مهجة لا تطيعني
وعالمَ سوء ليس فيه رشيد
حجًى مثلُ مهجور المنازل داثرٌ
وجهلٌ كمسكون الديار مشيد

•••

العقل إن يضعف يكن مع هذه الـ
ـدنيا كعاشقِ مومِسٍ تُغويه
أو يَقْوَ فهي له كحرة عاقل
حسناء يهواها ولا تُهْوِيه

•••

فطبعك سلطان لعقلك غالبٌ
تداوله أهواؤه بالتشصُّص
سقيت شرابًا لم تهنَّأ ببرده
فعنِّيت من بعد الصدى بالتغصُّص

وهكذا أفاض في نقد المجتمع ومظاهره ونظمه وأخلاقه، وكان في كل ذلك موفقًا كل التوفيق، ومظهر توفيقه أنه استطاع في مهارة أن يدرك عيوب
المجتمع في جملتها وتفصيلها، ويعالج ظواهرها، ويعمق في النفس الإنسانية في دقة وتحليل، فيصل إلى دخائلها.

وأبو حيان التوحيدي يمثل في أدبه وكتابته علاقة الأدباء والعلماء بالولاة والوزراء والأغنياء، فإن أُعطوا حسنت حالهم، وإلا ساء عيشهم،
إذ لا مورد آخر لهم. وقد كان أبو حيان غير موفق في استجدائه؛ ولعل سبب ذلك أنه لم يكن لبقًا ولا ماكرًا إلى
طول لسان، وإقذاع في الهجو لمن لا يعطيه، فعاش بائسًا فقيرًا، ومثَّل ذلك في أدبه فيقول: «فقدت كل مؤنس وصاحب، ومرفق ومشفق، ووالله
لربما صليت في المسجد، فلا أرى إلى جنبي من يصلي معي، فإن اتفق فبقال أو عصار أو نداف أو قصاب، ومن إذا وقف
إلى جانبي أسدرني بصنانه، وأسكرني بنتنه؛ فقد أمسيت غريب الحال، غريب النحلة، غريب الخلق، مستأنسًا بالوحشة، قانعًا بالوحدة، معتادًا
للصمت، ملازمًا للحيرة، محتملًا للأذى، بائسًا من جميع ما ترى، متوقعًا ما لا بد من حلوله، فشمس العمر على
شفا، وماء الحياة إلى نضوب، ونجم العيش إلى أفول.»

وقد خاب ظنُّه فيمن أملهم من مثل ابن العميد، وابن عباد، وابن سعدان، وأبي الوفاء البوزنجاني، فملأ كتبه: «الصداقة والصديق»، و«الإمتاع
والمؤانسة»، و«المقابسات» بالشكوى منهم، ثم لم يحظ بطائل.

هذا هو الأدب في ذلك العصر يصور المجتمع في شتى نواحيه.

هوامش
(?)
المسعودي في كتابه التنبيه والإشراف: ص???.
(?)
تجارب الأمم: ??/????.
(?)
نفح الطيب: ??/????، ويلاحظ عليه أن قتل المقتدر كان سنة ??? لا سنة ??? كما ذكره.
(?)
الأوراق: أخبار الراضي والمتقي للصولي ص???.
(?)
انظر معجم ياقوت في مادتي الثرايا والتاج.
(?)
القلع نوع من المعدن ينسب إليه الرصاص.
(?)
انظر تاريخ الخطيب: ??/???? وما بعدها طبعة مصر.
(?)
مروج الذهب ??/???? وما بعدها.
(?)
المصدر نفسه.
(??)
ابن الجوزي في المنتظم.
(??)
ابن خلكان: ??/????.
(??)
نشوار المحاضرة.
(??)
ياقوت.
(??)
كتب طرفًا من ذلك الموشى.
(??)
يتيمة الدهر: ??/????.
(??)
الصابي.
(??)
في هذا دليل على استعمال الصك أو الشيك في ذلك الوقت.
(??)
الهمداني: مخطوط بباريس.
(??)
اليتيمة: ??/????.
(??)
ابن خلكان: ??/????.
(??)
اليتيمة: ??/???–??.
(??)
الواحدي على المتنبي.
(??)
انظر تفصيل ذلك في خطط المقريزي، والنجوم الزاهرة.
(??)
فوات الوفيات ??/????.
(??)
المقريزي: ??/????.
(??)
انظر تفصيل ذلك في المقريزي: ??/???? وما بعدها.
(??)
المقريزي: ??/????، ???.
(??)
??/????.
(??)
ابن خلكان ??/????.
(??)
المقريزي: ??/???.
(??)
تاريخ الوزراء: ???.
(??)
ابن خلكان ??/????.
(??)
انظر العقد الفريد، الجزء الأول في باب السلطان.
(??)
ابن خلكان: ??/????.
(??)
الإمتاع والمؤانسة ??/???.
(??)
المقابسات ص???.
(??)
الإمتاع والمؤانسة ??/????.
(??)
انظر المصدر نفسه.
(??)
الموشى ص?? وما بعدها باختصار.
(??)
عنوانه رسالة جامعة لفنون نافعة في شراء الرقيق وتقليب العبيد لابن بطلان الرقيق النصراني، عاش في النصف الأول من القرن
الخامس الهجري، والكتاب مخطوط منه صورة فوتوغرافية في مكتبة الجامعة.
(??)
في كتابه النساء.
(??)
الإمتاع والمؤانسة: ??/??? ما بعدها.
(??)
الطبري في سيرة الأمين.
(??)
الحيوان جزء أول.
(??)
انظر حضارة الإسلام في القرن الرابع ??/????.
(??)
الإمتاع: ??/????.
(??)
المصدر نفسه: ص???.
(??)
مثل:
يا من تعمم فوق رأس فارغ
بعمامة مَرَوية بيضاء
حسنت وقُبِّح كل شيء تحتها
فكأنها نور على ظلماء
لما بدا فيها أطلت تعجبي
من شر شيء في أجلِّ إناء
لو أننى مُكِّنت مما أشتهي
وأرى، من الشهوات والآراء
لجعلت موضِعك الثرى وجعلتها
في رأس حرٍّ من ذوي العلياء
(??)
مثل:
قل للشريف المنتمي
للغرِّ من سرواته
آبائه وجدوده
والزهر من أماته
وهو الوضيع بنفسه
وعيوبه وهناته
لا تجرين من الفخا
ر إلى مدى لم تأته
شاد الألى لك منصبًا
قوَّضت من شرفاته
إن الشريف النفس ليـ
ـست تلك من فعلاته
والعود ليس بأصله
لكنه بنباته
وأحق من نكسته
بالصفع من دوجاته
من مجده من غيره
وسفاله من ذاته
… إلخ.
(??)
كقوله في وصف تمر:
أما ترى التمر يحكي
في الحسن للنظَّار
مخازنًا من عقيق
قد قمعت بنضار
كأنما زعفران
فيه مع الشهد جاري
يشف مثل كئوس
مملوءة من عقار
(??)
كالذي يشكو من الزمان حظه، فيقول:
في كل يوم لنا في الدهر معركة
هامُ الحوادث في أرجائها قلق
حظي من العيش أكل كله غصص
مر المذاق وشرب كله شرق
(??)
انظر نماذج منها كثيرة في كتب الثعالبي.
(??)
يريد بالبيضاء السوداء بدليل ما بعدها، كما ننادي نحن الأسودَ: بيا أبيض.
(??)
الإمتاع والمؤانسة: ??/????.
(??)
يقول في البيت الأخير: إن ذوي الثروة إذا وقع أحدهم في يد قطاع الطريق وأحب التخلص قال: إني من بني ساسان.
(??)
يتيمة: ??/????.
(??)
يريد قتل الولاة والاستيلاء على ملكهم.
(??)
الرابئ: الناشئ. الكوالي: الحراس.
(??)
مقاديم: جمع مقدام.
(??)
الزباب: الفأر العظيم.
مراكز الحياة العقلية في ذلك العصر
الفصل الأول

مصر والشام

توالى على مصر والشام في هذا العهد الدولة الطولونية (????–????)، ثم الإخشيدية (????–????)، والدولة الحمدانية في حلب والموصل (????–????)،
والفاطمية من (سنة ????–????).

وكانت الحركة العلمية فيها تنمو تبعًا لسنَّة النشوء والارتقاء.

وأظهر الحركات العلمية فيهما الحركة الدينية من تفسير وحديث وفقه وقراءات؛ إذ كانت هي الحركة العلمية الغالبة في المملكة الإسلامية، وكان
رجالها أنشط العلماء، وأميلهم إلى الرحلة للإفادة والاستفادة؛ للوازع الديني القوي عندهم، فكان يرِد على مصر والشام
كثيرون من العلماء الدينيين من العراق وفارس والحجاز والمغرب، فينشرون علمهم ويأخذون ما ليس عندهم، فكان مسجد عمرو بن العاص في الفسطاط،
ومسجد أحمد بن طولون، والأزهر فيما بعد مصدرًا لثقافة دينية واسعة. كما كان المصريون والشاميون يرحلون إلى الأقطار
الأخرى لأخذ العلم من علمائها.

فكان من أشهر المحدِّثين والفقهاء في العهد الطولوني وقبله: الربيع بين سليمان المرادي بالولاء، وقد امتاز بسعة الحفظ وجمع الرواية، وإن
لم يمتز بالذكاء، له الفضل الأكبر في حفظ مذهب الشافعي وروايته؛ فقد كان تلميذه، وكان مقرَّبًا إليه، وقد نفعته قلة
ذكائه في اعتماده على الضبط والتثبُّت أكثر مما يعتمد على الذكاء والاستنتاج، وأدرك الشافعي هذه الميزة فيه فقرَّبه إليه، وعني بتحميله
علمه، وأفاد مصر كثيرًا فإنه عُمِّر طويلًا، إذ عاش نحو ست وتسعين سنة (????–????)، فيكون قد عمر في العهد الطولوني
نحو ستة عشر عامًا. وكان يدرِّس في جامع الفسطاط، ثم استدعاه أحمد بن طولون إلى التدريس في مسجده لما بناه، وقد نشر في مصر أحاديث الشافعي
وفقهه، كما روى أحاديث كثيرة رواها عن غير الشافعي كعبد الله بن وهب، ويحيى بن حسان، وأسد بن موسى، وكان قبلة أنظار
المحدِّثين من الأقطار المختلفة، فيرحلون إلى مصر يأخذون عنه وعن أمثاله، فروى عنه من جامعي الكتب الصحيحة أبو داود، والنَّسائي،
وابن ماجَة، وغيرهم، وعلى الجملة فكان الربيع بن سليمان مصدر حركة علمية دينية كبيرة.

وكما كان الربيع بن سليمان إمام الشافعية في مصر، كان أبو جعفر الطحاوي إمام الحنفية فيها، وكان من طحا وهي بلدة قديمة كانت في الوجه القبلي
من أعمال «المنيا». كان الطحاوي من عرب الأزد الذين نزلوا بها، وتفقه على خاله المزني صاحب الشافعي، ثم تحول إلى مذهب
أبي حنيفة، وتعلم على من كان بمصر من العلماء، ومن دخلها من الغرباء، وكان مجتهدًا في المذهب يضارع أبا يوسف ومحمدًا، استفاد من جمعه بين
فقه الشافعية والحنفية، فكان يجتهد، ويخالف أبا حنيفة عند قيام الدليل، وينقد الحديث نقد معنى وإن صح السند في نظر
المحدِّثين، فكانت شخصيته غير شخصية الربيع بين سيلمان، إذ كان هذا عمدة في الرواية، وذاك عمدة في الدراية. وكان من أسبق المؤلفين المصريين
في فنون مختلفة: ألف «معاني القرآن»، و«مشكل الآثار»، وشرح بعض كتب محمد بن الحسن، وألف في التاريخ والنوادر الفقهية.
عاش من سنة ????–????، فعاصر الدولة الطولونية كلها، وترك في مصر حركة حنفية تساير حركة الربيع الشافعية، وتمتاز بإعمال العقل في
التشريع بجانب النقل.

كما اشتهر من المالكية روح بن الفرج أبو الزنباع الزبيري المتوفى سنة ????، وأحمد بن الحارث بن مسكين المتوفى سنة ????. وأمثال هؤلاء كثيرون
لا نطيل بذكرهم.

وهذه الدراسة كانت تعتمد على تفهُّم معاني القرآن ورواية الحديث، وأقوال الأئمة، واستنباط الأحكام، كل على أصول مذهبه، وكانت على نمط الدراسة
في العراق موضوعًا ومنهجًا؛ إذ كانت رحلة العلماء في حركة مستمرة كأن المملكة الإسلامية كلها على اتساع رقعتها بقعة
واحدة.

وكان النابغون في مصر من علماء الدين إما من أصل عربي يرجع نسبه على القبائل العربية الفاتحة أو الوافدة، أو من أصل مصري أصله قبطي وأسلم
هو أو أسلم أجداده، كما نرى في عثمان بن سعيد الملقب بوَرْش أحد القراء المشهورين؛ فأصله قبطي، وانتهت إليه رياسة الإقراء
بالديار المصرية، وقد مات بمصر سنة ????، وخلَّف من حمل عَلَم القراءة بعده، واستمرت حركته إلى هذا العصر الذي نؤرِّخه.

وربما كان أكبر من يمثل الثقافة الدينية في هذا العصر أيضًا أبو بكر بن الحداد، فقد وصفوه بأنه عالم بالقرآن والحديث، والأسماء والكنى،
والنحو واللغة، وسِيَر الجاهلية، والشعر والنسب، واختلاف الفقهاء، وكان أعلم أهل وقته، وولي القضاء للإخشيد، وعاش تسعًا
وسبعين سنة، ومات سنة ????، وكان يلقَّب بفقيه مصر وفصيحها وعابدها، وكان يدرِّس في جامع عمرو، وأخذ عنه أعلام الجيل الذي بعده.

ويصف ابن زولاق سيبويه المصري، فيقول: «كانت فيه صفات تشبه المتصدِّرين: يحفظ القرآن، ويعلم كثيرًا من معانيه وقراءاته، وغريبه وإعرابه
وأحكامه، عالمًا بالحديث وبغريبه ومعانيه وبالرُّوَاة، ويعرف من النحو، والغريب ما لقِّب بسببه سيبويه، ويعرف صدرًا
من أيام الناس، والنوادر والأشعار، وتفقَّه على قول الشافعي.»

فيكاد يكون هذا برنامجًا عامًّا لهذا النوع من الثقافة الدينية.

ولم تكن هناك مدارس في العهد الطولوني والإخشيدي، إنما تلقى الدروس في المساجد كمسجد عمرو، وابن طولون، وفي بيوت الأمراء والوزراء والعلماء،
وكانت هناك سوق تسمى «سوق الورَّاقين» تباع فيها الكتب، وأحيانًا تدور في دكاكينها المناظرات.
?
وكان بجانب الحركة الدينية حركة تعنى بتدوين أحداث مصر وتاريخها، وتسلك في منهجها مسلك المحدِّثين، غاية الفرق أن المحدِّثين يجمعون ما
روي عن رسول الله والصحابة والتابعين فيما يتعلق بالأحكام الدينية ونحوها، وهؤلاء يروون ما قيل في أحداث التاريخ، إنما
الأسلوب واحد في الرواية؛ رجلًا عن رجل «حدثنا فلان عن فلان قال»، وقد لا يدقِّقون في هذا الباب دقَّتهم في باب الأحاديث الدينية؛ ولذلك
نرى من تخصص في التاريخ أيضًا ممن كانت دراستهم أساسها الحديث والفقه، ولْنَسُق مثلًا لذلك: «حدثنا أبو الأسود النضر
بن عبد الجبار، قال: حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب قال: كان عمر بن الخطاب قد أشفق على عمرو بن العاص عند فتحه لمصر فأرسل الزبير
في أثره في اثني عشر ألفًا، فشهد معه الفتح.»
?
والمؤرخون من هذا النوع أوثق فيما نقلوه عن الفتح الإسلامي وبَعده؛ منهم فيما نقلوه عن تاريخ قبل الفتح، فهذا مملوء بالخرافات لجهلهم بالمصادر
الصحيحة في تاريخ اليونان والرومان ومن قبلهم إلى قدماء المصريين.
وقد اشتهر من هؤلاء ثلاثة مؤرخين في هذا العصر:
list of 3 items
(?)
ابن يونس: وهو أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى من بيت عرف بالحديث والفقه، عربي الأصل
من قبيلة الصَّدِف، كان جده من أصحاب الشافعي، وقد قال فيه الشافعي: «ما رأيت بمصر أعقل من يونس.» وانتهت إليه
رياسة العلم بمصر، فجاء حفيده هذا يعنى بتاريخ مصر بعد أن تثقَّف بالفقه والحديث، وقرأ ما كتبه
مؤرِّخو مصر قبله كابن عبد الحكم وغيره، وقد عاش في العهد الطولوني والإخشيدي، عاش من (????–????)، ووُجدت عنده العصبية
لمصر يؤرِّخها ويعنى بحوادثها ورجالها، وقد جمع لها تاريخين: أحدهما — وهو الأكبر — يختصُّ
بالمصريين منشأ، والآخر صغير فيمن ورد على مصر من الغرباء، وقد عني بجمع أحوال الناس، مطَّلعًا على ما ألِّف فيها لعصره، واشتهر
بين المصريين بذلك، فقد قال أحد شعرائهم في رثائه:
ما زلت تلهج بالتاريخ تكتبه
حتى رأيناك في التاريخ مكتوبًا
نشرت عن مصر من سكانها عَلَمًا
مبجلًا بجمال القوم منصوبا
كشفت عن فخرهم للناس ما سجعت
وُرْق الحمام على الأغصان تطريبا
أعربت عن عَرَب، نقبت عن نخب
سارت مناقبهم في الناس تنقيبا
أنشرت ميتهم حيًّا بنسبته
حتى كأنْ لم يمت إذ كان منسوبًا
ومهما كان هذا الشعر ضعيفًا، ففيه دلالة على تقدير هذا المؤرخ واتجاهه في نشر مفاخر مصر ورجالها.

(?)
الكندي: محمد بن يوسف من كندة، كان من أعلم الناس بتاريخ مصر، وأهلها وأعمالها وثغورها، وهو مصري نشأ بمصر
ومات بها (????–????).
وقد ثقف ثقافة محدِّثين، وكان أشهر أساتذته ابن قُدَيد، والنَّسائي أحد مؤلفي الصحاح، وقد زار النسائي مصر إذ كان عمر الكندي
سبعة عشر عامًا، وأقام بها زمنًا فأخذ عنه الكندي، ثم عني بتاريخ مصر، وألف في ذلك كتبًا كثيرة،
فألَّف في ولاة مصر وقضاتها — وقد وصل إلينا هذا الكتاب — وألف في خطط مصر، وكتابًا في موالي مصر، وقد كانت هذه الكتب
مما اعتمد عليها المقريزي في خِطَطه. وكتابه الذي وصل إلينا عن قضاة مصر وولاتها يلقي لنا ضوءًا
كبيرًا على حالة مصر السياسية والاجتماعية والأدبية، إذ يعرض للأحداث التي حدثت في عهد كل والٍ، وكيف تصرف فيها،
وما قيل فيها من الشعر.

(?)
ابن زولاق: وهو الحسن بن إبراهيم الليثي بالولاء. عني كذلك بتاريخ مصر، فأكمل أخبار قضاة مصر للكندي إلى
سنة ????؛ أي قبل وفاته بسنة، فقد مات سنة ???، وعني بخطط مصر فألف فيها، وكانت خططه أساسًا لمن أتى بعده من
مؤلفي الخطط كالقضاعي، وابن بركات، ثم المقريزي.
كما ألف لنا كتابًا في أخبار سيبويه المصري أحد عقلاء المجانين، فروى لنا طرفًا من جيد أقواله، وغريب أحداثه، وأفادنا به فوائد
كثيرة عن الحالة الاجتماعية في العهد الإخشيدي.

وجاء مصر في العصر الإخشيدي المؤرخ المشهور «المسعودي» بعد أن رحل إلى فارس والهند، وسيلان والصين، وطاف المحيط الهندي، ورحل
رحلة أخرى إلى ما وراء أذربيجان وجرجان، ثم إلى الشام، ثم إلى مصر، ونزل الفسطاط وأقام بمصر
نحو سنتين إلى أن توفي سنة ????، وكان مؤرخًا ممتازًا على من سبقه بكثرة تجاربه من رحلاته ومشاهداته، ودقة نظره، وسعة اطلاعه،
والتفاته إلى آفاق واسعة في التاريخ، كالحياة الاجتماعية والاقتصادية، والمذاهب الدينية، وأصول
الحضارة، وغير ذلك، وقد بَعُد في التاريخ عن أسلوب المحدثين، فانتقل به خطوة أخرى، ولا شك أن وجوده بمصر ونشر كتبه
فيها كان له أثر كبير في الثقافة التاريخية.
list end

وانتقلت من العراق إلى مصر صورة من خلافات المتكلِّمين، وذلك على أثر أمر المأمون بأخذ العلماء والقضاة بالقول بخلق القرآن، وإرسال منشور
لولاة الأمصار بتنفيذ ذلك، فجاء المنشور مصر في جمادى الثانية سنة ????، فامتحن والي مصر قاضيها، فقال بخلق القرآن،
وامتحن الشهود والمحدثين، وكانت الحركة عنيفة عذِّب فيها خلق كثير، وخاصة في عهد الواثق. قال الكندي: «إن أمر المحنة — محنة خلق القرآن
في مصر — كان سهلًا في ولاية المعتصم، لم يكن الناس يؤاخذون بها شاءوا أو أبوا حتى مات المعتصم، وقام الواثق سنة ????
فأمر أن يؤخذ الناس بها، وورد كتابه على محمد بن أبي الليث — قاضي مصر — بذلك، وكأنها نار أضرمت … فلم يبق أحد من فقيه ولا محدث، ولا مؤذن
ولا معلم، حتى أخذ بالمحنة، فهرب كثير من الناس، وملئت السجون ممن أنكر المحنة. وأمر ابن أبي الليث بأن يكتب على المساجد:
«لا إله إلا الله رب القرآن المخلوق»، فكتب ذلك على المساجد بفسطاط مصر، ومنع الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي من الجلوس في المسجد،
وأمرهم ألا يقربوه.»

وكان طبيعيًّا أن تثير هذه المسألة في الجو المصري الجدل في الاعتزال وأصوله، واعتنقه قوم ورفضه آخرون. ولما جاء المتوكل وأغلق هذا الباب
ظل قوم يعتنقون مذهب الاعتزال، ويدعون إليه في العصر الطولوني والإخشيدي، ولكن في شيء من الخفية، فيذكر ابن زولاق أن
أبا علي محمد بن موسى القاضي الواسطي كان وجه المتكلمين بمصر، وكان يعلِّم الاعتزال، وأنه كان بها أبو عمران موسى بن رباح الفارسي أحد شيوخ
المعتزلة،
?
وأن سيبويه المصري كان معتزليًّا، وكان يتكلم على أصول المعتزلة، ويقول بخلق القرآن، والناس يحتملون منه ما لا يحتملونه من سواه للوثة
كانت فيه.

وكل ذلك في العهد الإخشيدي.

ثم ظهر في جو مصر مظهر ديني من نوع جديد على يد ذي النون المصري أحد مؤسسي التصوُّف، والذي أحدث ضربًا من الكلام لم يعرف قبل في مصر، أصله
من إخميم من صعيد مصر من أبوين نوبيَّين، وأخذ العلم المعروف في مصر من حديث وفقه، ووصف بأنه كان يعرف الكيمياء، ويقرأ
الخط الهيروغليفي على البرابي، ورحل إلى بلاد كثيرة كتاهرت بالمغرب، وبيت المقدس وأنطاكية، واليمن وبغداد، ومكة والمدينة، وقابل الرهبان
وتحدث إليهم، ثم طلع على الناس في مصر بكلام لم يألفوه، من الكلام في الأحوال والمقامات والحب الإلهي، وأن مصادر المعرفة
العقل والنقل، وشيء آخر زاده هو وهو الكشف، وأن هناك علمًا ظاهرًا، وعلمًا باطنًا، ويعرض هذه الأقوال في أسلوب شعري جذاب.

وطبيعي أن تلاقي هذه التعاليم معارضة من الفقهاء الذين لا يؤمنون إلا بالنقل فإن تجاوزوه فبالعقل، أما الكشف وعلم الباطن والحب والفناء
فشيء لم يسمعوا به فعارضوه، وكان على رأس المعارضين عبد الله بن الحكم شيخ المالكية، وابن أبي الليث قاضي مصر الحنفي
القوي الجبار، فكلاهما لم يرض عن ذي النون وتعاليمه، فاضطهد واتهم بالزندقة، وأخيرًا أرسل إلى دار الخلافة ببغداد فسجن في المطبق، ولكن
مساعي الصوفية ببغداد واتاصلهم برجال المتوكل جعلت المتوكل يستدعيه ويسمع منه ويتأثر بمواعظه، فيرسله إلى مصر مكرَّمًا،
ويعيش بعد ذلك تسع سنوات ينشر فيها تعاليمه آمنًا مطمئنًّا حتى يموت سنة ????.

ومن ذلك الحين وجدت بمصر الحركة الصوفية، وقويت حتى كان لها دخل في عزل بعض الولاة. وتتابع في مصر بعد ذي النون أقطاب الصوفية، مثل أبي
الحسن بنان بن محمد بن حمدان بن سعيد الجمال، أصله من واسط، وصحب الجنيد ووفد على مصر، ورأس الحركة الصوفية، وأنكر
على ابن طولون تصرفاته، وأمَره بالمعروف ونهاه عن المنكر في غير مبالاة، فرووا أنه قدمه لأسد فلم يؤذه فشاع ذكره في مصر، ولما مات خرج في
تشييع جنازته أكثر أهلها. ومن كلامه: «أجَلُّ أحوال الصوفية الثقة بالمضمون، والقيام بالأمر، والمراعاة للسر، والتخلي
من الكونين، والتعلق بالحق.» مات بمصر سنة ????.

هذه هي الحركة الدينية في مظاهرها المختلفة، وبجانبها كانت حركة لغوية ونحوية عني بها؛ لأنها مفتاح لفهم القرآن والسنة، وأداة لفهم الأحكام،
وقد نبغ في هذا العصر ابن ولَّاد، وأبو جعفر النحاس.

فأما ابن ولَّاد أحمد بن محمد بن الوليد فمصري أصله من تميم، وكان من أسرة عرفت بالنحو هو وأبوه وجدُّه، وقال عنه المبرد: إنه شيخ الديار
المصرية في العربية، وقد درس النحو ببغداد على الزجَّاج، ثم أتى مصر ينشر النحو على طريقة العراق، وألف كتاب «الانتصار
لسيبويه»، وكتاب «المقصور والممدود»، وهو يذكر فيه ما ورد من الكلام مقصورًا وممدودًا، فيقول — مثلًا: الأُنَى: واحد ساعات الليل، مقصور
يكتب بالياء … وإنَى الشيء: بلوغه وإدراكه، كذلك مقصور، قال تعالى: إِلَى? طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ؛
أي بلوغه وإدراكه … وأما الأناء بفتح أوله فممدود، وهو الانتظار والتأخير، قال الحطيئة:

وآنيت العشاء إلى سُهَيل
أو الشِّعرى فطال بي الأناء

والأناء: واحد الآنية، والأناة: من قولهم: رجل ذو أناة. وهي التؤدة، قال النابغة: «الرفق يُمْن والأناة سعادة.»

ويقال: امرأة أناة، وهي التي فيها فتور عند القيام، والأصل: وناة؛ لأنها من ونَى يني، قال تعالى: وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي.

وهكذا يأتي بكل الكلمات اللغوية التي ورد فيها القصر والمد، ويشرحها ويستشهد لهُ ويصرِّفها، وهو اتجاه لغوي طريف.

مات سنة ???? في الدولة الإخشيدية.

وأما أبو جعفر النحاس فمصري عربي الأصل من مُرَاد، وقد تعلَّم النحو كذلك في العراق، وأخذ عن الأخفش الصغير والمبرِّد والزجَّاج، وكان هو
وابن ولاد متعاصرين، زميلين في التعلم ببغداد وفي التعليم بمصر. وقد ألف «إعراب القرآن»، و«معاني القرآن»، و«المبهج
في اختلاف البصريين والكوفيين»، و«وشرح المعلقات»، و«شرح المفضليات»، و«شرح أبيات الكتاب» — كتاب سيبويه — و«الاشتقاق»، و«أدب الكُتَّاب»
… إلخ.

فكانا بعلمهما مصدرًا لحركة قوية لغوية ونحوية في مصر، وتعلَّم عليهما كثيرون. وقد مات النحاس سنة ???? بعد ابن ولاد بست سنوات.

وقد ذكر لنا المتنبي في شعره في كافور أنه كان يدرَّس بمصر فن «الأنساب»، وعدَّ من مضحكات مصر أن الذي كان يدرِّس أنساب العرب نبطي من أهل
العراق، فقال:

بها نبطي من أهل السواد
يدرِّس أنساب أهل الفلا

وقد ذكروا أنه يريد ابن حِنْزَابه، وهو متحامل عليه، فابن حنزابه هذا من أفضل الناس وعلمائهم، وهو ابن وزير العراق الخطير ابن الفرات. وكان
ابن حنزابه وزيرًا للدولة الإخشيدية، وكان عالما محبًّا للعلماء يقربهم ويشجعهم ويصلهم بماله، حتى قصده من علماء الأقطار
الأخرى كثيرون، وكان يملي الحديث بمصر وهو وزير، ويقصد إليه المحدِّثون يسمعون روايته، وله تآليف في أسماء الرجال والأنساب. وقد أراد المتنبي
أن يمدحه فعمل فيه قصيدته «بادٍ هواك صبرت أم لم تصبرا»، ولكنه لم ينشدها، فلما غضب على كافور، وغضب على وزيره وخرج
من مصر حوَّلها في مدح ابن العميد، وعرَّض بابن حنزابه.

أما الحركة الأدبية فقد كان الشعر فيها هزيلًا، ومنذ الفتح الإسلامي إلى هذا العهد الطولوني والإخشيدي لم تُخرج مصر شاعرًا كبيرًا يضاهي
شعراء العراق أمثال أبي تمام والبحتري وابن الرومي، وهي ظاهرة تستحق النظر، فقد كانت الفنون راقية، كما يتجلى ذلك في
عمارة الفسطاط ومسجد ابن طولون، وكما كان فن الغناء لا بأس به، كما يتجلى في وصف القيان في العهد الطولوني، وكانت هناك العناية بالبساتين
والأزهار، ولكن مع هذا كله لم تنبغ الشاعرية لا في العرب الذين وفدوا إلى مصر وأبنائهم، ولا في المصريين الصميمين ممن
تعلموا العربية؛ فنجد الفقيه المصري الذي يضاهي أئمة العراق كالليث بن سعد، ونجد المحدِّث الذي يشابه أكبر محدثي العراق كابن لهيعة،
والنحوي الذي يضاهي نحويي البصرة والكوفة كابن ولاد، ونجد أتباع الأئمة في هذه العلوم يشبهون الأتباع في العراق، ولكن
لا نجد الشاعر النابغ هنا الذي يساوي الشاعر النابغ هناك؛ فهل هذا لأن الشعر كان لا يرقى إلا في بلاط الخلفاء؟ أو أن نبوغ
الشعراء كنبوغ العظماء والزعماء خاضع لقوانين لم تستكشف بعد؟ أو لغير ذلك من أسباب؟

على كل حال كان أشهر شعراء مصر في العهد الطولوني الحسين بن عبد السلام المعروف بالجمل، لم يصلنا شعره كاملًا، وإنما هي نتف هنا وهناك،
في مديح أحمد بن طولون:

له يد كم خَلَّدت من يدٍ
سحابة عمت بأنوائها
وهو لدى الهيجاء ليثٌ إذا
ما ثقلت قامت بأعبائها
انظر إلى مصر بسلطانه
تر الهدى فاض بأرجائها

وربما تظهر مصريته في ميله إلى الفكاهة، كقوله في ابن المدبِّر صاحب خراج مصر، وكان الشاعر إذا مدحه ولم يرتض شعره أمر من يحمله إلى المسجد،
ويفرض عليه أن يصلي عددًا معلومًا من الصلاة، فقال الجمل:

قصدنا في أبي حسن مديحًا
كما بالمدح تُنْتَجع الولاة
فقالوا يقبل المدحات لكن
جوائزه عليهن الصلاة
فقلت لهم وما تغني صلاتي
عيالي؟ إنما الشأن الزكاة
فيأمر لي بكسر الصاد منها
فتصبح لي الصَّلاة هي الصِّلاتُ

وله شعر رواه الكندي في أخبار القضاة، كان يقوله في المناسبات عندما يحدث في مصر بعض الأحداث.

كما كان هناك شعراء آخرون في العهد الطولوني والإخشيدي في مثل منزلة الجمل؛ ولذلك لما جاء المتنبي مصر في عهد كافور ابتلعهم كما يبتلع الحوت
الكبير السمك الصغير، ولم يستطع أن يجاريه منهم أحد.

وربما كان حظ النثر الفني أكبر من حظ الشعر، كما يتجلَّى ذلك فيما بقي لنا من رسائل «ابن عبد كان» ككتابه الذي كتبه على لسان أحمد بن طولون
لابنه لما خرج عليه، ففيه المسحة العراقية، جمعت بين طول نَفَس الجاحظ، وجزالة عمرو بن مسعدة، مع ميل إلى السجع كثيرًا،
والمزاوجة دائمًا، وإطناب في اللفظ، وتكرار للمعنى من مثل قوله: «واعلم أن البلاء بإذن الله قد أظلَّك، والمكروه إن شاء الله قد أحاط بك،
والعساكر بحمد الله قد أتتك كالسيل في الليل، تؤذن بحرب وويل، فإننا نُقسم، ونرجو ألا نجور ونظلم، ألا نثني عنك عنانًا،
ولا نؤثر على شأنك شانًا، … منفقين كل مال خطير، ومستصغرين بسببك كل خطب جليل، حتى تستمرَّ من طعم العيش ما استحليت، وتستدفع من
البلايا ما استدعيت … إلخ.»
?

وكما يتجلى في كتاب «المكافأة» لأحمد بن يوسف المعروف بابن الداية، فقد ألَّفه في العهد الطولوني، وبناءً على قصص لمن عملوا الجميل فكوفئوا
عليه بالجميل، فموضوعه طريف، وعَرْضه في أسلوب قوي جزل متين.

إلى جانب هاتين الحركتين الدينية والأدبية، كانت حركة العلوم الفلسفية التي تشمل الطب والنجوم والإلهيات وما إليها، وهي بقية من بقايا مدرسة
الإسكندرية، وقد كانت لا تزال باقية في مصر، وإن ضعفت بالفتح الإسلامي، وإقبال الناس على الثقافة العربية يتعلمون لغتها،
ويبحثون فيما أتت به من دين، فاتجهت أكثر الثقافة إلى الاشتغال بالدين الإسلامي وعلومه، واللغة العربية وعلومها، وبقيت بقية قليلة للفلسفة
وما إليها، كان أكثرها من رجال الدين النصارى لامتزاج النصرانية بالأفلاطونية الحديثة، عندما اختلف النصارى في عقائدهم،
وتجادلوا في مذاهبهم، والتجأ كل مذهب إلى الاستعانة بالفلسفة اليونانية في تأييد رأيه.

وكان أمراء مصر وولاتها يحتاجون إلى الأطباء والمنجمين، وقل أن يجدوهم إلا في النصارى، والطب والتنجيم فرعان من فروع الفلسلفة اليونانية،
كان من اشتغل بهما مضطرًّا أن يقرأ الفلسفة اليونانية في إلَهِيَّاتها وطبيعتها وكيميائها.

فاشتهر من هؤلاء سعيد بن نوفل النصراني طبيب ابن طولون، كما اشتهر سعيد بن البطريق، «وكان طبيبًا نصرانيًّا من أطباء فسطاط مصر، وكانت له
دراية بعلوم النصارى ومذاهبهم … وقد عين بطريركًا على الإسكندرية، ومات سنة ????، وله كتب في الطب، والجدل بين المخالف
والنصراني … إلخ».
?

وقد ترجم كتاب «الحيوان» لأرسطو، وكتاب «السماء والعالم» لأرسطو أيضًا.

على أن بعض علماء المسلمين المصريين كان يتصل بهذه الحركة ويتصل برجالها ويقرأ كتبها، فابن الداية الذي سبق ذكره كان — كما يقول ياقوت —
«أحد وجوه الكتَّاب الفصحاء والحسَّاب والمنجِّمِين، مجسطي، إقليدسي، حسن المجالسة، حسن الشعر». ونجده ينقل في كتابه
«المكافأة» عن أفلاطون، ونجد ذا النون المصري الصوفي المشهور يتحدث عن الرهبان، ويروون في ترجمته أنه كان يعرف: السحر، والطلسمات، والكيمياء.
ويعقد الأستاذ نيكلسون ما في بعض أقواله من شبه بينها وبين أقوال «الأفلاطونية الحديثة».

من هذا نفهم أنه كانت هناك حركة فلسفية في مصر من أثر مدرسة الإسكندرية، ومن أثر الوافدين من العراق، بما ترجموا من كتب، وأن بعض العلماء
المصريين اشتغل بها وتأثر وتثقف، وإن كان ذلك في دائرة ضيقة إذا قيست بدائرة علوم الدين واللغة.

وكانت الحركة العلمية في الشام في العهد الطولوني والإخشيدي صورة للحركة في مصر، وربما كانت أصغر منها؛ لأن مركز الولاة الطولونيين والإخشيديين
في مصر؛ ولأن مصر كانت أغنى، وكثيرًا ما كان يزدهر العلم في ظل البلاط وتشجيع الأمراء وكثرة المال، إلا فن الشعر فقد
كانت في الشام أرقى منه في مصر، كما سيأتي.

فكان في الشام طائفة كبيرة من المحدِّثين والفقهاء والصوفية والقراء — أمثال إخوانهم في مصر، فالإمام الأوزاعي البيروتي المتوفى سنة ????
كان له من الأثر في الشام في الحديث والفقه ما لليث بن سعد والشافعي بمصر، واشتهر بها كثير من المحدثين والفقهاء في
هذا العصر كزكريا بن يحيى السِّجْرِي المتوفى سنة ????، وكان يعرف بخياط السنَّة، ومحمد بن عوف الطائي الحمصي المتوفى سنة ????، وكان أعرف
الناس بالأحاديث التي رويت في الشام، وأبي بكر محمد بن بركة الحميري اليحصبي القنسريني وأمثالهم كثير.

وانتشرت حركة التصوف من مصر إلى الشام عن طريق ذي النون المصري وأصحابه، فظهر في الشام طاهر المقدسي، أخذ التصوف عن ذي النون المصري وغيره،
وسماه الشبلي «حبر الشام»، ورويت عنه أقوال كثيرة في التصوف كقوله: «المفاوز إليه منقطعة، والطرق إليه منطمسة، والعاقل
من وقف حيث وقف العوام.» كما ظهر أبو عمرو الدمشقي أخذ التصوف عن أصحاب ذي النون وغيرهم، مات سنة ????، وكان يقول: التصوف غض الطرف عن كل
ناقص؛ ليشاهد من هو منزَّه عن كل نقص. وأبو إسحاق الرقِّي كان من أكبر مشايخ الشام ومتصوِّفيها، مات سنة ???? … إلخ.


ويكاد يكون الطابع لحركة الحديث والفقه والتصوف في مصر والشام، طابعًا واحدًا لقرب القطرين، وتبادل العلماء الزيارة والرحلة، حتى كان كثير
منهم يصعب عدُّه مصريًّا أو شاميًّا لتوزُّع عمره وحياته العلمية بين القطرين.

•••

وكما كان لمصر فضل في اتجاه بعض العلماء لتدوين تاريخها وخططها على يد ابن عبد الحكم ثم ابن يونس ثم الكندي ثم ابن زولاق، وكان للشام فضل
من نوع آخر على يد أبي عبد الله محمد بن أحمد المقدسي (???? إلى نحو سنة ????)، فقد رأى أن المملكة الإسلامية في القرن
الرابع الهجري لم توصف وصفًا كافيًا لا من ناحيتها الجغرافية، كوصف المفاوز والبحار والبحيرات والأنهار والمدن والأمصار والنبات والحيوان،
ولا من الناحية الاجتماعية كاللغات والألوان والمذاهب والنقود والمزايا والعيوب، والسعة والخصب والضيق والجدب، ولم
يعجبه ما كتبه مَن قبله، وشعر بقصور المؤلفات في ذلك فجرد نفسه لهذا وطاف أكثر البلاد الإسلامية، وكتب كتابه «أحسن التقاسيم في معرفة
الأقاليم»، وكان فيه من أصدق الرحَّالين ملاحظة، وأدقهم نظرًا، وأحسنهم لموضوعه ترتيبًا، وقد عمل كل حيلة والتحق بكل
صناعة وتحمل كل مشقة، وأنفق فوق عشرة آلاف درهم، وعرض نفسه لكل خطر في سبيل الحصول على المعرفة، وجاءته فكرة «الخرائط» فعملها
في كتابه هذا، بل جاءته فكرة الخرائط الملونة، واختيار الألوان المناسبة؛ فالحدود والطرق بالحمرة، والرمال بالصفرة، وبالبحار
بالخضرة، والأنهار بالزرقة، والجبال بالغبرة.

وقد ساح في جزيرة العرب والعراق والشام ومصر والمغرب، ثم بلاد فارس والسند والهند، وألف كتابه هذا بعد هذه الرحلة سنة ????، فكان له الفضل
الأكبر في هذا الباب.

ولكن لعل أكبر حركة في الشام وأعظمها في الأدب واللغة وعلومها، كانت في ذلك العصر في بلاط الأمراء الحمدانيين في حلب، وخاصة أيام سيف الدولة؛
فقد فاقت حركة الشعر واللغة والنحو ما إليه نظيرتها في مصر، وربما في العراق أيضًا، قال الثعالبي: «لم يزل شعراء عرب
الشام وما يقاربها أشعر من شعراء عرب العراق وما يجاورها — في الجاهلية والإسلام — والكلام يطول في ذكر المتقدمين منهم، فأما المُحْدَثون
فخذ إليك منهم: العَتَّابي، ومنهور النَّمَري، والأشجع السُّلَمي، ومحمد بن زرعة الدمشقي، وربيعة الرَّقِّي، على أن
في الطائيَّيْن — يعني أبا تمام والبحتري — اللذين انتهت إليهما الرياسة في هذه الصناعة كفاية، وهما هما، فأما العصريون ففيما
أسوقه من غرر أشعارهم أعدل الشهادات على تقدم أقدامهم والسبب في تبريز القوم قديمًا وحديثًا في الشعر قربهم من خطط العرب، ولا
سيما أهل الحجاز، وبعدهم عن بلاد العجم، وسلامة ألسنتهم من الفساد العارض لألسنة أهل العراق بمجاورة الفرس والنبط ومداخلتهم
إياهم.

ولما جمع شعراء العصر من أهل الشام بين فصاحة البداوة، وحلاوة الحضارة، ورزقوا ملوكًا وأمراء من آل حَمْدان وبني ورقاء، هم بقية العرب والمشغوفون
بالأدب، والمشهورون بالمجد والكرم، والجمع بين آداب السيف والقلم، وما منهم إلا أديب جواد يحب الشعر وينقد، ويثيب على
الجيد منه فيجزل ويفضل، انبعثت قرائحهم في الإجادة فقادوا محاسن الكلام بألين زمام، وأحسنوا وأبدعوا ما شاءوا.

وأخبرني جماعة من أصحاب الصاحب ابن عَبَّاد أنه كان يُعْجَب بطريقتهم المثلَى التي هي طريقة البحتري في الجزالة والعذوبة، والفصاحة والسلاسة،
ويحرص على تحصيل الجديد من أشعارهم، ويستملي الطارئين عليه من تلك البلاد ما يحفظونه من تلك البدائع واللطائف حتى كتب
دفترًا ضخم الحجم عليها، وكان لا يفارق مجلسه، ولا يملأ أحد منه عينه غيره، وصار ما جمعه فيه على طرف لسانه، وفي سن قلمه، فطورًا يحاضر
به في مخاطباته ومحاوراته، وتارة يحله أو يورده كما هو في رسائله.
?
وقد ذكر أنه تخرج في هذه المدرسة الحلبية الحمدانية أبو بكر الخوارزمي، والقاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني مؤلف «الوساطة بين
المتنبي وخصومه».

كانت ميزات سيف الدولة — وإن شئت فقل: وعيوبه أيضًا — مشجعة على النهوض بالشعر والأدب والعلم إلى غاية بعيدة؛ فهو عربي من تغلب يعتز بنسبه
ومجد بيته، وفيه الطباع العربية التي في البيوتات الكبيرة، يطمح كل الطموح لحسن الأحدوثة؛ ولذلك كان يهمه أن يكون حوله
أعاظم الشعراء يشيدون بذكره ويسير شعرهم في الآفاق مدحًا فيه، ثم هو فارس فيه صفات الفروسية من إباء وفخر ونصرة للضعيف، ومعونة للبائس والفقير،
يرى المجد والمروءة في الزهادة في المال للاعتزاز بالمجد، والإغداق على الأصدقاء والشعراء وسيلة للمطمح؛ يهمه جانب
الإنفاق كيف يغدق أكثر مما يهمه جانب العدل في تحصيل المال كيف يجمع، ولهذا يوم مات كثر البكاء منه والبكاء عليه، كما وصفه بعضهم:
الصفتان البارزتان فيه هما مجد العرب؛ الشجاعة والكرم، وهما عنصر المروءة التي كثر تمدُّح العرب بها، إلى ملكة جيدة في تقدير
الشعر وتذوقه، والإعجاب بجيده إعجابًا لا قيمة للمال بجانبه.

عرف الشعراء والأدباء والعلماء ذلك كله منه فقصدوه من كل جانب، وبالغوا في تحسين بضاعتهم وتجويد فنِّهم، وإحسان عرضهم، فنالوا منه ما تمنوا،
وكان ذلك نعمة على الفنون والعلوم، وثروة بقيت على الزمان، وإن ضاعت به ثروة آل حَمْدان.

فهو يصوغ دنانير خاصة للصلات وزن كل دينار عشرة مثاقيل، عليها اسمه وصورته، ويعطي منها البَبَّغاء الشاعر فيقول:

نحن بجود الأمير في حَرَم
نرتع بين السعود والنِّعَم
أبدعُ من هذه الدنانير لم
يَجْر قديمًا في خاطر الكرم
فقد غدت باسمه وصورته
في دهرنا عُوذة من العَدَم

فيعطيه سيف الدولة عشرة أخرى.

ولما عزم أبو إسحاق الصابي على الرحيل من حلب طُلب إليه أن يقول شيئًا في سيف الدولة، فقال ثلاثة أبيات، فأعطاه كيسًا مختومًا بختم سيف
الدولة فيه ثلاثمائة دينار،
?
وجاء إليه القاضي أبو نصر محمد النيسابوري، فطرح من كمه كيسًا فارغًا ودرجًا فيه شعر استأذنه في إنشاده فإذن له، فأنشد قصيدة أولها:
حباؤك معتاد وأمرك نافذٌ
وعبدك محتاج إلى ألف درهم
فأمر له بألف دينار فجعلت في الكيس الفارغ الذي كان معه.
?

ولما أنشده المتنبي قصيدته التي يقول فيها:

يا أيها المحسن المشكور من جهتي
والشكر من قِبَل الإحسان لا قِبَلي
أقِلْ أنِل أَقْطِع أجملْ عَلِّ سَلِّ أَعِدْ
زِدْ هَشَّ بَشَّ تَفَضَّلْ أَدْنِ سُرَّ صِلِ
وقَّع سيف الدولة تحت كل كلمة من هذه، فوقع تحت أَنِلْ: نحمل إليك من الدراهم ما تحب. وتحت «أقطع»: أقطعناك ضيعة كذا بباب حلب. وتحت سر:
قد سررناك. فقال المتنبي: إنما أردت من التسري، فأمر له بجارية
?
… إلخ.

وذاع صيته بالعطاء والجود في سائر الأقطار الإسلامية، فقصده الفقراء والمُعْوِزون، فكان يُكْتب إليه في حوائج المحتاجين من العلماء ومن
نكبهم الدهر بعد عزة. ووضع بديع الزمان الهمذاني مقامة من مقاماته سمَّاها المقامة الحمدانية، أسسها على أن سيف الدولة
قد حضر مجلسه جماعة من الأدباء. وقد عرض عليه فرس جميل، فقال سيف الدولة للأدباء: «أيكم أحسَنَ صفته جعلته صلته.» فوصفه أبو الفتح الإسكندري
— بطل مقامات البديع — فأعطاه له، والقصة بالضرورة خيالية، ولكنها تمثل صورة سيف الدولة في أذهان الأدباء.

ثم كان مجلسه مجلسًا ممتازًا؛ فقد منح ذوقًا وقدرة على فهم الأدب وإدارة الحديث في المجالس، واستخراج أفضل ما عند العلماء والأدباء بالعطاء
والتنافس، فأحيانًا يقول البيت ويطلب من الشعراء أن يجيزوه، فيقول مرة: من يجيز هذا البيت:

لك جسمي تُعِلُّهُ
فدمي لِم تُحلُّه؟

فيجيزه أبو فراس:

أنا إن كنت مالكًا
فليَ الأمر كله

وينقد المتنبي مرة في قوله:

وقفت وما في الموت شك لواقفٍ
كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمر بك الأبطال كَلْمَى هزيمة
ووجهك وضَّاح وثغرك باسم

ويفضل سيف الدولة أن يكون نظام البيتين هكذا:

وقفت وما في الموت شك لواقف
ووجهك وضاح وثغرك باسم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة
كأنك في جفن الردى وهو نائم
ثم يتجادلان في ذلك، كلٌّ يؤيد وجهة نظره.
??

وسأل جماعة من العلماء بحضرته يومًا، هل تعرفون اسمًا ممدودًا وجمعه مقصور؟ فقال ابن خالويه: إني أعرف اسمين لا أقولهما إلا بألف درهم؛
لئلا يؤخذا بلا شكر، وهما: صحراء وصحارى، وعذراء وعذارى.

وكتب الأدب فيها الكثير مما دار في مجلس سيف الدولة بين المتنبي وخصومه مما سبب رحيله.

فلا عجب أن يكون بلاطه أزهى بلاط في عصره. يقول الخوارزمي؛ حنينًا لأيام قضاها فيه: «وقد رأيت في هذه الحضرة — حضرة أبي محمد العلوي بأصبهان
— أقوامًا كنت شاهدتهم على باب سيف الدولة ومنهل الصفا عذب، وعود الشباب رطب، وذكرت بهم مآرب هنالك، وأيامًا سُلبتها
سلبًا، ونزعت من يدي غصبًا، ودهرًا كأني كنت أقطعه وثبًا.»
??

فالمتنبى قال فيه أحسن شعره وأقواه وأصدقه عاطفة؛ لأن سيف الدولة كريم يغدق على الشعراء كما قال الشاعر:

لئن جاد شعر ابن الحسين فإنما
لأجل العطايا، واللَّها تفتح اللَّها

ولأن أبا الطيب وجد في سيف الدولة إلى جانب كرمه فروسية واعتزازًا بالعربية وحياة حربية، وطموحًا إلى المجد، وكلها صفات ينزع إليها المتنبي
ويراها مَثَله، فكان المتنبي يتغنى بمَثَله محققًا في سيف الدولة، ولو لم يكن سيف الدولة لكان المتنبي شيئًا آخر. وشعره
بعد أن فارقه شعر صناعة إلا ما كان من عتبه على الزمان وحديثه عن نفسه، وقد صدق إذ قال بعد أن مدح سيف الدولة:

لا تطلبنَّ كريمًا بعد رؤيته
إن الكرام بأسخاهم يدًا خُتموا

وهذا أبو فراس ابن عم سيف الدولة والذي يصغره بنحو عشرين عامًا، قد نشأ في حضانة سيف الدولة ورعايته بعد أن قتل أبوه، وتعلم في ساحته وغزا
معه بعض غزواته ولقد قال أبو فراس: «غزونا مع سيف الدولة وفتحنا حصن العيون في سنة ????، وسنِّي إِذ ذاك تسعة عشر عامًا.»
وقد أخذ أسيرًا في إحدى غزواته للروم وأرسل إلى القسطنطينية، وبقي فيها أربع سنوات قال فيها أحسن شعره، وقد أرسل أكثره إلى سيف الدولة طالبًا
منه أن يفديه، عاتبًا أحيانًا، شاكيًا أحيانًا، وإنما كان أحسن شعره لأن وقوعه في الأسر وبعده عن وطنه أهاج شاعريته
ورقق عاطفته، فامتلأ شعره برقة الحنين، وحلاوة الحب، وذل الأسر:

دعوتك للجفن القريح المسهد
لديَّ وللنوم القليل المشرَّد
وما ذاك بُخلًا بالحياة وإنها
لأَولُ مبذول لأول مُجتدي
ولكني أختار موت بني أبي
على سروات الخيل غير موسَّد
وآبى وتأبى أن أموت موسدًا
بأيدي النصارى موت أكمد أكبد

•••

فلا تقعدنْ عني وقد سيم فديتي
فلست عن الفعل الكريم بمُقعد
فكم لك عندي من أيادٍ وأنعم
رفعت بها قدري وأكثرت حُسَّدي

•••

أقلني أقلني عثرة الدهر إنه
رماني بنصل صائب النحر مُقصد
ولو لم تنل نفسي ولاءك لم أكن
لأوردها في نصره كل مورد
ولا كنت ألقى الألف زُرقًا عيونها
بسبعين، فيها كل أشام أنكد
وإنك لَلمولى الذي بك أقتدي
وإنك لَلنجم الذي بك أهتدي
وأنت الذي عرفتني طرق العلا
وأنت الذي أهديتني كل مَقصد

… إلخ.

ويرثي لحال أمه في قصيدته:

مصابي جليل والعزاء جليل
وظني بأن الله سوف يُزيل

ويبكي وطنه:

ومن مذهبي حب الديار وأهلها
وللناس فيما يعشقون مذاهب

… إلخ إلخ.

فإن استخرج سيف الدولة من المتنبي مديحًا رائعًا، فقد استخرج من أبي فراس أسًى رائعًا.

وكان في بلاط سيف الدولة أبو العباس النامي، وكان من خير الشعراء، وكانت منزلته عند سيف الدولة تلو منزلة المتنبي، يقول في سيف الدولة:


إذا ما عليٌّ أمطرتك سماؤه
رأيت العلا، أنواؤها تتحلَّب
يرجَّى ويُخشى ضره وهو نافع
كذا البحر في أزَّاته متهيَّب
يروع ويبدو الأنس منه كأنه الـ
ـهوى لذعه بين الجوانح يَعْذُب
وأزهر يبيض الندى منه في الرضا
وتحمر أطراف القنا حين يغضب

ثم كذلك أبو الفرج الببغاء أمضى شبابه وزهرة عمره في بلاط سيف الدولة، ثم آخر عمره في بغداد.

كذلك كان من شعرائه الوأواء الدمشقي، وهو شارع مطبوع، عذب العبارة حسن الاستعارة، جيد التشبيه.

ومن شعره في سيف الدولة:

من قاس جدواك بالغمام فما
أنصف في الحكم بين الاثنين
أنت إذا جُدت ضاحك أبدًا
وهو إذا جاد باكيَ العين
ومن شعرائه «الخالديَّان»
??
أبو بكر محمد بن هاشم، وأبو عثمان سعيد بن هاشم، وهما أخوان، وقد كانا قيِّمَين على مكتبة سيف الدولة، قال ابن النديم: «قال أبو بكر —
وهو أحد الخالدِيَّيْن — وقد تعجبت من كثرة حفظه وسرعة بديهته ومذاكراته: إني أحفظ ألف سمر، كل سمر في نحو مائة ورقة.
وكانا مع ذلك إذا استحسنا شيئًا غصباه صاحبه حيًّا أو ميتًا، لا عجزًا منهما عن قول الشعر، ولكن كذا كانت طباعهما.»
??
وقد ألفا في اختيار شعر بشار، وابن الرومي، والبحتري، ومسلم بن الوليد.

كما كان من شعرائه ابن نُباته السعدي، وله فيه مدائح كثيرة.

ويطول بنا القول لو عددنا كل ما كان في بلاطه من شعراء، وحسبنا أن نقول: إن هذا الجو الذي خلقه سيف الدولة حثَّ كل من كان عنده شاعرية على
قول الشعر والإجادة فيه، فقيِّما المكتبة — وهما الخالديان — صارا شاعرين، وبائع البطيخ — وهو الوأواء الدمشقي — صار
شاعرًا كبيرًا، وكشاجم — «وهي كلمة مركبة من: الكاف من كاتب، والشين من شاعر، والألف من أديب، والجيم من جواد، والميم من منجِّم» — قالوا:
إنه كان طباخ سيف الدولة، ومع هذا كان شاعرًا ظريفًا، له ديوان، وله كتاب «أدب النديم»، و«خصائص الطرب»، و«المصايد
والمطارد».

ثم كان من أشهر خطباء سيف الدولة ابن نُباتة الفارقي صاحب الخطب المشهورة — وهو غير ابن نباتة السعدي الذي تقدم ذكره — وامتلأت خطبه بالدعوة
إلى الجهاد ليحث الناس على نصرة سيف الدولة في غزواته للروم.

ثم كان في بلاطه من يعد من أشهر اللغويين والنحويين في زمانه، أبو علي الفارسي، وابن خالويه، وابن جني، فأما أبو علي الفارسي فكان أكبر
نحوي عالم بالعربية في زمنه، عاش في حلب مدة وفي العراق مدة، ويعد هو وتلميذه ابن جني مؤسسي مدرسة في النحو الصرف تستخدم
القياس إلى أقصى حد ولا تقف عند النص، فالفرق بينها وبين غيرها كالفرق بين الحنفية في اعتمادهم الكبير على القياس، والمالكية في الاعتماد
على الحديث.

لقد رحل أبو علي إلى حلب سنة ????، ونزل في ساحة سيف الدولة وشارك في اجتماعاته الأدبية، وكان بينه وبين المتنبي مناظرات في مسائل نحوية
ولغوية.

وابن جني تلميذ أبي علي الفارسي، وموسِّع مبادئه النحوية والصرفية، وإذا عبرنا في النحو والصرف تعبيرنا في الفقه، قلنا: إنه مجتهد فيهما،
له آراء مبتكرة واتجاهات انفرد بها.
??

وقد توثقت الصلة بين ابن جني والمتنبي في بلاط سيف الدولة، فكان يناظره فيما يرد في شعره «المتنبي» مما يشبه أن يكون خروجًا على النحو أو
اللغة، حتى قال فيه المتنبي: «هذا رجل لا يعرف قدره كثير من الناس.» وقد شرح ديوان المتنبي شرحًا استفاد منه كل من
شرح الديوان بعده؛ لاتصاله بالمتنبي ومعرفته بظروف شعره التي كثيرًا ما تحدد المعنى، وتمنع التأويلات.

وابن خاوليه من أكبر الأئمة في زمنه في اللغة والنحو والأدب وعلوم القرآن، وقد دخل حلب في أيام سيف الدولة، وكان إمام مجلسه، وله مع المتنبي
مناظرات كانت في بعضها حادة، ولم تكن العلاقة بينهما حسنة، فالمتنبي لم يقدر علمه التقدير الجليل، وابن خالويه لم يقدر
شعره التقدير الواجب، ثم كان يتحاسدان ويتغايران على قرب المنزلة من سيف الدولة، فكان في القصر حزبان: حزب للمتنبي منه ابن جني النحوي وأبو
الفرج الببغاء الشاعر، وحزب عليه منه ابن خالويه اللغوي وأبو فراس الشاعر.

ثم كان في بلاط سيف الدولة الفيلسوف الكبير الفارابي، درس في بغداد، ثم جذبته شهرة بلاط سيف الدولة في حلب، فرحل إليه، وأقام في كنفه لا
يأخذ منه من المال إلا ما يسد رمقه «أربعة دراهم في اليوم» ويعيش عيشة التصوف، ويعلِّم طلابه في الحدائق التي حول حلب،
ويكتب كتبه في المنطق والإلهيات والسياسة والرياضة والكيمياء والموسيقى، وقد بقي في الشام إلى أن مات سنة ????.

وكان حوله أطباء يعنون بالطب والفلسفة، إذ كان الطب فرعًا من فروعها، ويذكر ابن أبي أصيبعة في «طبقات الأطباء» أن سيف الدولة كان له أربعة
وعشرون طبيبًا منهم عيسى الرَّقِّي، وكان سيف الدولة يعطي عطاء لكل عمل، وكان عيسى الرقي يأخذ أربعة أرزاق، رزقًا بسبب
الطب، ورزقًا بسبب ترجمة الكتب من السرياني إلى العربي، ورزقين بسبب علمين آخرين.
??

•••

هذا بلاط سيف الدولة يزخر بالشعر والمناظرات اللغوية والنحوية، ويزينه الفارابي بفلسفته، ويشع هذا النتاج في المملكة الإسلامية كلها وخاصة
الشام.

ومنه يستنشق أبو العلاء المعري أول عهده بالدراسة؛ فقد ولد بالمعرَّة سنة ???? وهي بلدة تابعة لحلب، ولئن كان سيف الدولة قد مات قبل ولادة
أبي العلاء بثماني سنين، فإن الحركة العلمية والأدبية بها لم تكن ماتت، فشعر الشعراء يُروى، وتلاميذ ابن خالويه وابن
جني يروون علمهما باللغة والأدب والنحو والصرف، وتلاميذ الفارابي يروون فلسفته، فلما انتقل أبو العلاء من المعرَّة إلى حلب للدرس وجد لكل
ذلك مهيَّأ فاستفاد منه، وجد الناس يروون شعر أبي الطيب ويعجبون به فسمع منهم، وسمع محمد بن عبد الله بن سعد النحوي
راوية أبي الطيب، وسمع من تلاميذ ابن خالويه، فيقول في بعض رسائله: «حدَّثني أبو القاسم المبارك عن ابن خالويه.» ولا بد أن يكون لقي بعض
تلاميذ الفارابي وأخذ عنهم.

وقد أقام أبو العلاء في حلب نحو عشر سنوات ينهل من موارد العلم، فحركة الأدب واللغة والفلسفة التي أحياها سيف الدولة لها فضل على أبي العلاء
وغيره من العلماء والأدباء.

•••

ثم جاءت الدولة الفاطمية فبسطت سلطانها على مصر والشام، والحق أنها أتت بحركة علمية عظيمة نشيطة، وقدَّمت العلم والأدب والفنَّ في مصر والشام
خطوات، حتى لا يعد شيئًا بجانبها ما كان في العهد الطولوني والإخشيدي، ويصح أن تقارن وتساوى بما كان في العراق، وخاصة
العلوم العقلية والفلسفية فإنها نبغت فيها، ويرجع ذلك إلى أمور:

أولها: أن الفاطميين جاءوا بمذهب شيعي له أسس ودعائم تخالف ما كان عليه أهل السنة في مصر والعراق، كعصمة الأئمة ونحو ذلك، وتأتي بشعائر
ظاهرة مخالفة لشعائر السنيين كذلك، كالأذان: بحي على خير العمل، والاحتفاء بعاشوراء وعيد الغدير، فإتيان الفاطميين
بهذا أوجد حركة عنيفة للتأييد من جهة والتفنيد من جهة، فهب علماء من مصر يفنِّدون هذه الآراء، وكان العراقيون أجرأ لأنهم غير خاضعين لسلطانهم
كالمصريين والشاميين، ولجأ الخليفة العباسي إلى العلماء يستحثهم على القول بفساد النسب الباطني، كما لجأ إلى الغزالي
يستدعيه لتأليف كتاب «فضائح الباطنية»، وهكذا كل هذه العقول تتحرك وتجتهد وتؤلف وتجادل وتناضل، فكان من هذا النشاط العقلي الكبير،
واستتبع ذلك نشاط الفاطميين في إيجاد المكاتب ومجالس الدعاة في القصر والمساجد وبيوت العظماء وتأليف الكتب، وتنظيم الدعوة
وغير ذلك.

وكان أن التجأ الفاطميون إلى الفلسفة اليونانية يستعينون بها على تأييد الدعوة الشيعية، ويستمدون الآراء من أقوال أفلاطون وأرسطو، وسائر
حكماء اليونان، كما فعلت الأديان الأخرى عند اشتداد الجدل، كالنصارى واليهود عند افتراقهم فرقًا، وكما فعل المعتزلة
عند جدالهم مع اليهود والنصارى، وهذا سبب من أسباب تشجيع الفاطميين للفلسفة.

ثم كان أن رأينا عهد الفاطميين في مصر والشام مصحوبًا بتسامح شديد مع اليهود والنصارى، واستخدامهم في أدق شئون الدولة، وتسلطهم على كثير
من أمورها، ولعل أسَّ دعوتهم كان توحيد العالم الإسلامي تحت سلطانهم من غير مراعاة عصبية دينية ولا جنسية، فكانوا يخاطبون
كل قوم بما يقربهم إلى الدعوة، وكان من ذلك تسامحهم مع اليهود والنصارى واستخدامهم، وإطلاق الحرية لهم إلا إذا أحسوا ثورة من الشعب لهذا
التسامح فيتراجعون؛ كل هذا لأن أغراضهم السياسية والاجتماعية كانت أقوى من أغراضهم الدينية، فيعقوب بن كلس يهودي الأصل،
ماهر ماكر، مثقف ثقافة واسعة، حسن التدبير، واسع الحيلة، باذل للمال، راغب في الجاه، لمع اسمه في العهد الإخشيدي، وأسلم وتعلم
القرآن والحديث والأدب العربي، وسافر إلى المغرب واتصل بجوهر القائد مولى المعز لدين الله، وبذل له علمه عن مصر، وأعانه بآرائه
في وسائل فتحها، ورجع بصحبة الجيش الفاتح، وخدم المعز وارتقى حتى كان وزيرًا للعزيز بن المعز، وهو الذي وضع قواعد الدولة
ونظَّمها، وكان له إلى هذا الجانب السياسي الإداري جانب علمي، فشجع العلماء، ورتب المجالس، وبذل العطاء لكل فروع العلم، وربط بين العلم
والتشيع، وبين التشيع والفلسفة، وله مجالس لعامة العلماء ومجالس لخاصة من العلماء وهؤلاء هم الذين يفلسفون هذه الأمور،
ووضع كتابًا في فقه الشيعة يقول: إنه مما سمعه من المعز والعزيز، كان يقرؤه في المسجد، ويقرؤه العلماء ويفتون منه، وكان يكون كل شيء في
الدولة، يوجه سياستها وإدارتها، ولما مات صلَّى عليه العزيز بنفسه، وألحده بيده، وأمر بغلق الدواوين أيامًا بعده.
??

فيظهر لي أنه كان له دخل كبير في تأسيس الحركة العلمية على هذا النمط، وإدماج الفلسفة فيها وتوجيهها الجهة التي توجهتها، وتشجيعه اليهود
والنصارى على الاشتغال العلمي والمشاركة في الإدارة وفلسفة الدعوة.

وكانت زوجة «العزيز» نصرانية على مذهب الملكية، وكان لها أخوان أحدهما اسمه «أرميس» صيَّره بطركًا على بيت المقدس، والآخر «أرسانيس» صيره
بطركًا للملكية على القاهرة ومصر، وكان لهما من العزيز جانب لأنهما أخولة ابنته.
??

وكان لهذه السيدة نفوذ عظيم على العزيز في تسامحه مع النصارى والسماح بإعادة بعض الكنائس.

وقد ولدت هذه الزوجة النصرانية من العزيز بنتًا هي المسماة بست الملك، وكانت — كما يصفها النويري — قوية العزم بصيرة بالأمور، وكان لها
أثر كبير في أبيها، وفي توجيهه نحو سياسة التسامح مع النصارى، كما كانت في عهد أخيها الحاكم بأمر الله ذات أثر فعَّال
فيما وقع من أحداث.

وقد سمح العزيز هذا لبطريرك الأشمونيين أن يناظر رجال الدين مثل القاضي ابن النعمان في العقائد الدينية.

وفي السنتين الأخيرتين لحكم العزيز تولَّى الوزارة بعد يعقوب بن كلِّس عيسى بن نسطورس النصراني.

ثم مما شجع على اشتغال الفاطميين بالفلسفة ما كان لهم من رأي في أن للدين ظاهرًا وباطنًا، ومعنى صريحًا ومعنى مؤولًا، فهذا يترك للخيال
المجال، ويجعل الفكر يسبح في الفلسفة يأخذ منها ويلصقها بالدين، كما نرى ذلك بوضوح في رسائل إخوان الصفا — وهم شيعيون
باطنيون — ولذلك كانت الفلسفة ألصق بالتشيع منها بالتسنن، نرى ذلك في العهد الفاطمي، والعهد البويهي؛ وحتى في العصور الأخيرة كانت فارس
أكثر الأقطار عناية بدراسة الفلسفة الإسلامية ونشر كتبها، ولما جاء جمال الدين الأفغاني مصر في عصرنا الحديث — وكان
فيه نزغة تشيع، وقد تعلم الفلسفة الإسلامية بهذه الأقطار الفارسية — كان هو الذي نشر هذه الحركة في مصر.

ثم إن المقريزي يقول: كان الفاطميون يتدرجون في دعوتهم؛ فإذا تمكن المدعو من التعاليم الأولى «أحالوه على ما تقرر في كتب الفلاسفة من علم
الطبيعيات وما بعد الطبيعة والعلم الإلهي وغير ذلك من أقسام العلوم الفلسفية؛ حتى إذا تمكن المدعو من معرفة ذلك كشف
الداعي قناعه، وقال: إن ما ذكر من الحدوث والأصول رموز إلى معاني المبادئ، وتقلب الجواهر، وإن الوحي إنما هو صفاء النفس، فيجد النبي في
فهمه ما يُلقى إليه ويتنزل عليه فيبرزه إلى الناس، ويعبِّر عنه بكلام الله الذي ينظم به النبيُّ شريعته بحسب ما يراه
من الملصلحة في سياسة الكافة، ولا يجب حينئذ العمل بها إلا بحسب الحاجة من رعاية مصالح الدهماء … ثم قال: ومن جملة المعرفة عندهم أن
الأنبياء النطقاء أصحاب الشرائع إنما هم لسياسة العامة، وأن الفلاسفة أنبياء حكمة الخاصة … ثم يقول: إن لهم في هذا مصنفات
كثيرة اختصرت منها ما تقدم ذكره».
??

ويروي صاحب «الفرق بين الفرق» أن عبيد الله بن الحسن القيرواني أحد زعماء الإسماعيلية، كتب إلى أحد دعاة المذهب سليمان بن الحسن أبي سعيد
الجنابني يقول: «وإذا ظفرت بالفلسفي فاحتفظ به، فعلى الفلاسفة معولنا.» ويقول الشهرستاني: «إن الباطنية القديمة قد
خلطوا كلامهم ببعض كلام الفلاسفة، وصنفوا كتبهم على هذا المنهاج.» ويفيض في بيان ذلك، ويقول دوزي: «إن ابن ميمون — وهو واضع الأساس
للتعاليم الباطنية والإسماعيلية — لم يكن يبحث في أنصاره المخلصين بين الشيعة الخلَّص، إنما كان يبحث عنهم بين الثنوية
والوثنيين، وتلاميذ الفلسفة اليونانية، وخاصة الأخيرين، فإليهم وحدهم أفضى بسره، وكنه عقيدته، وهو أن الأئمة والأديان
والأخلاق ليست إلا ضلالًا وهزؤًا، وأن العامة ليسوا أهلًا لفهم هذه المبادئ، إلا أنه كان يستعين بهم، ولا يصدمهم، وكان دعاته يظهرون
في أثواب مختلفة، ويحادثون كل طبقة باللغة التي يفهمونها.

والواجب ألا يلصق هذا بكل الشيعة، ولا كل الفاطمية، ولا كل قواد الحركة، وإنما يصح أن يلصق بفئة من زعمائهم استغلَّت التشيع لأغراض في أنفسهم،
وعلى كل حال كان هذا سببًا آخر لاشتغال الخاصة بالفلسفة وتعليل انتشارها في العهد الفاطمي مع ضعف الاشتعال بها قبلهم
في العهد الطولوني والإخشيدي وبعدهم في العهد الأيوبي، ثم كثرة المال في العهد الفاطمي؛ وميل الخلفاء إلى الإمعان في الترف والنعيم، شجعت
الفنون على الرقي، فما خلَّفه الفاطميون من صناعة راقية، وفنٍّ دقيق، قلَّ أن يُبَارى.

على كل حال نشطت الحركة العقلية في العصر الفاطمي في مصر والشام نشاطًا كبيرًا، وكان أهم الحركات الحركة الدينية؛ إذ أراد الفاطميون تشييع
المصريين والشاميين، وكان هؤلاء يريدون أن يتمسكوا بالسنية، فجد الفاطميون في دعوتهم جدًّا كبيرًا.

لقد حرص المصريون أول الأمر على البقاء على سنيتهم، واشترطوا عند المفاوضة في تسليم القطر المصري هذا الشرط، وكتب لهم جوهر بأمر المعز كتابًا
يتضمن التزام حرية العقيدة، فلا يجبرون على التشيع، وجاء فيه: «ثم إنكم ذكرتم وجوهًا التمستم ذكرها في كتاب أمانكم،
فذكرتها إجابة لكم وتطمينًا لأنفسكم، فلم يكن لذكرها معنى، ولا في نشرها فائدة، إذ كان الإسلام سُنَّة واحدة، وشريعة متينة، وهي إقامتكم
على مذهبكم، وأن تُتركوا على ما كنتم عليه من أداء المفروض في العلم، والاجتماع عليه في جوامعكم ومساجدكم، وثباتكم
على ما كان عليه سلف الأمة من الصحابة — رضي الله عنهم — والتابعين بعدهم، وفقهاء الأمصار الذين جرت الأحكام بمذاهبهم وفتواهم، وأن يجري
الأذان والصلاة، وصيام شهر رمضان وفطره وقيام لياليه، والزكاة والحج والجهاد، على ما أمر الله في كتابه، ونَصَّه نبيُّه
في سُنَنه.» … إلخ.
??
ولكن لما دخل الجيش وتمكَّن من مصر، وانتقل المعزُّ إلى القاهرة، لم يعمل بهذا العهد، وجدَّ الفاطميون في تشييع المصريين، فزيد في خطبة
الجمعة: «اللهمَّ صل على محمد النبي المصطفى، وعلى عليٍّ المرتضى، وعلى فاطمة البتول وعلى الحسن والحسين سِبْطَيِ الرسول،
الذي أذهبت عنهم الرجس وطهَّرتهم تطهيرًا، اللَّهُمَّ صلِّ على الأئمة الراشدين آباء أمير المؤمنين الهادين المهديين.»
??
«وفي يوم الجمعة لثمان خلون من جمادى الأولى سنة ????، صلَّى جوهر الجمعة في جامع ابن طولون، وأذن المؤذن حيَّ على خير العمل، وهو أول ما
أُذِّن به في مصر».
??
«ولما وصل المعز إلى القصر خرَّ ساجدًا، ثم صلى ركعتين وصلى بصلاته كل من دخل معه — وكان ذلك سنة ???? — وفي غد هذا اليوم خرج جماعة الأشراف
والقضاة والعلماء والشهود ووجوه أهل البلد وسائر الرعية؛ لتهنئة المعز، وأمر المعز بالكتاب على المشايخ في سائر مدينة
مصر: خير الناس بعد رسول الله ? أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام».
??
«ولثماني عشرة من ذي الحجة من هذه السنة وهو يوم «غدير خم»
??
تجمَّع خلق من أهل مصر والمغاربة للدعاء، فأعجب المعز ذلك، وكان هذا أول ما عمل عيد الغدير بمصر».
??

ثم اتخذوا يوم عاشوراء يوم بكاء على الحسين، وكانوا يجتمعون عند قبر كلثوم بنت محمد بن جعفر بن محمد الصادق، وقبر نفيسة.

وضُربت الدنانير في أيام المعز، وعلى أحد وجهيها «لا إله إلا الله محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله ولو كره
المشركون. عليٌّ أفضل الوصيين، وزير خير المرسلين.» وفي أيام العزيز أبطل سنة ???? صلاة التراويح من جميع مساجد مصر.


وكانت تحدث فتن ومصادمات بين المصريين السنيين والشيعة في المناسبات المختلفة.

فقد روي أنه قطعوا لسان من احتجَّ على منع صلاة التراويح، وفي سنة ???? ضرب رجلٌ من أهل مصر، وطيف به في المدينة؛ لأنهم وجدوا عنده كتاب
«الموطأ» لمالك بن أنس.
??
وفي سنة ???? عوقب رجل بدمشق وطيف به في المدينة، ونادوا عليه: «هذا جزاء من يحب أبا بكر وعمر.»
??

ولكن هذه السياسة لم تكن ثابتة مطردة، بل كانت قلقة مضطربة كاضطراب سياسة الفاطميين؛ فأحيانًا يبالغون في اضطهاد أهل السنَّة، وأحيانًا
يسمحون لهم بحريتهم، كما كانوا أحيانًا يضطهدون اليهود والنصارى إلى أقصى حد، وأحيانًا يبالغون في إكرامهم إلى أقصى
حد.

وقد رتَّب الفاطميون الدعوة، وقووها وأحكموها وجعلوا عليها رئيسا سموه «داعي الدعاة»، ومنزلته تلي قاضي القضاة، ويتزيا بِزِيِّهِ، واشترطوا
فيه أن يكون عالمًا بجميع مذاهب أهل البيت، وتحته اثنا عشر نقيبًا، وله نواب كنواب الحكم في سائر البلاد، ويحضر ما
يقال في الدعوة ويقره داعي الدعاة، ثم يقره الخليفة، ويتلى ما يحضر يوم الاثنين والخميس على الرجال في مكان، وعلى النساء في مكان. وهناك
مجالس للعامة، ومجالس للخاصة، وكانت تسمى مجالس الدعوة، مجالس الحكمة.
??

واتخذت المساجد الكبيرة مركزًا لهذه الدعاية كمسجد عمرو في الفسطاط، ومسجد ابن طولون، والأزهر، والمساجد الكبري في البلدان.

وبجانب هذه الدعوات الظاهرة دعوات سرية لا تقال إلا لخاصة المخلصين، يقول الخليفة لداعي الدعاة في كتاب له: «واتل مجالس الحكم التي تخرج
إليك في الحضرة على المؤمنين والمؤمنات، والمستجيبين والمستجيبات في قصور الخلافة الزاهرة، والمسجد الجامع بالمعزية
القاهرة، وصن أسرار الحكم إلا عن أهلها، ولا تبذلها إلا لمستحقها ولا تكشف للمستضعفين ما يعجزون عن تحمله، ولا تستقل أفهامهم بتقبله.» ويقول:
«ولا تُلْقِ الوديعة إلا لحفَّاظ الودائع، ولا تلق الحبَّ إلا في مزرعة لا تُكْدِي على المزارع، وتوخ لغرسك أجَلَّ
المغارس.» … إلخ.
??
وجاء قوم من العلماء المغاربة في ركب المعز، وهم ماهرون في الدعوة، واقفون على أسرار تعاليم أهل البيت، لعل من أشهرهم النعمان بن محمد بن
حَيُّون الذي تولى القضاء في مصر على مذهب أهل البيت هو وأولاده وأسرته عهدًا طويلًا في الحكم الفاطمي؛ وكانت هذه الأسرة
تقوم بالقضاء وبالدعوة وبالتأليف في المذهب الشيعي. وكان النعمان هذا مالكى المذهب، ثم انتقل إلى مذهب الإمامية، وألف فيه تصانيف كثيرة،
قال ابن زولاق: إنه ألَّف لأهل البيت من الكتب آلاف أوراق بأحسن تأليف وأملح سجع، وكان في غاية الفضل من أهل القرآن
والعلم بمعانيه، وعالمًا بوجوه الفقه، وعلم اختلاف الفقهاء، واللغة والشعر والمعرفة بأيام الناس، مع عقل وإنصاف، وله ردود على
المخالفين له، رد على أبي حنيفة ومالك والشافعي وابن سريج.
??
ثم إن محمد بن النعمان قاضي المعز والعزيز، وكان واسع العلم في الفقه والتاريخ والنجوم، يقضي بين الناس، ويقرأ في القصر علوم آل البيت،
ويزدحم الناس على سماعه حتى يموت بعضهم من الزحام، كما كان من أشهرهم عبد العزيز بن محمد بن النعمان، كان من أعلم الناس
بفقه الإمامية. قال ابن كثير: إنه ألف في العقائد الشيعية الكتاب المسمَّى «البلاغ الأكبر والناموس الأعظم». وقد ردَّ على هذا الكتاب أبو
بكر الباقلاني.

كان في مصر والشام كثير من الفقهاء الشافعية والمالكية والحنفية، وكانوا لا يرون التشيع، فكانوا يستنكرون تعاليمهم، ولكن في تحفظ؛ لأن الدولة
للتشيع.

ولهذا نرى قلة الفقهاء المالكية والشافعية والحنفية في مصر والشام في هذا العصر، — وخاصةً في أول عهد الفاطميين أيام قوتهم — ومع هذا نرى
أمثال أبي بكر محمد النِّعَالي المالكي إمام المالكيين في عهده، كانت حلقته في جامع الفسطاط تدور على سبعة عشر عمودًا
لكثرة من يحضرها، توفي سنة ????. ولا بد أن يكون ذلك في فترة فترت فيها حدة التشيع.

ولكن على كل حال أنتجت هذه الحركة حياة فكرية نشيطة. وكما ذكرنا كانت الحركة الفلسفية تشايع التشيع، فامتزجت الفلسفة بالدعوة الشيعية.

واستتبعت الدعوة للتشيع تنظيم وسائل الدعاية من إنشاء المساجد ودور الكتب. فالمساجد كانت لهذا العهد هي المدارس وهي المحاريب، وهي أمكنة
العبادة وهي مكان الخطب السياسية فيما يجدُّ من الأحداث، فكانت تقوم بوظائف اجتماعية أكثر جدًّا مما تقوم به الآن.


فلما كان المسجدان الكبيران في مصر — مسجد الفسطاط ومسجد ابن طولون، وكانا مركزي التعليم السُّنِّي من قَبْل الفاطميين — دعا الأمرُ عند
إنشاء القاهرة إلى إنشاء مساجد تقام فيها الصلوات، وتنشر منها الدعوة الشيعية بجانب تلوين مسجدي مصر بالتشيع أيضًا،
وتكون أيضًا مركزًا لنشر المبادئ السياسية والاجتماية التي يراد نشرها، فأُسِّس الأزهر لهذا الغرض؛ بناه جوهر قائد المعز، وأقيمت فيه أول
جمعة في شهر رمضان سنة ????، وكان الخليفة الفاطمي يخطب فيه بنفسه كل جمعة إلى أن أنشأ الحاكم جامعه سنة ????، فوزعت
الخطبة على المساجد الأربعة؛ وكان الخليفة يخطب في الجامع الحاكمي خطبة، وفي الأزهر خطبة، وفي جامع ابن طولون خطبة، وفي جامع عمرو بن العاص
خطبة، محفوفًا بالوزير والقاضي وداعي الدعاة.

واتخذ الأزهر كغيره مدرسة لدراسة المذهب الشيعي، قال المقريزي: «إن أول ما درس بالأزهر الفقه الفاطمي على مذهب الشيعة، فإنه في شهر صفر
سنة ???? جلس علي بن النعمان القاضي بجامع القاهرة المعروف بالجامع الأزهر، وأملى مختصر أبيه في الفقه عن أهل البيت،
ويعرف هذا المختصر «بالاقتصار» وكان جمعًا عظيمًا، وأثبت أسماء الحاضرين.» وألف يعقوب بن كلس الوزير السابق الذكر كتابًا في الفقه يتضمن
ما سمعه من المعز، وهو مبوب على أبواب الفقه يشتمل على فقه الطائفة الإسماعيلية، وكان له مجلس في يوم الثلاثاء يجتمع
فيه الفقهاء وجماعة من المتكلمين وأهل الجدل، وكان يجلس أيضًا في يوم الجمعة فيقرأ مصنفاته على الناس بنفسه، وأجرى العزيز بالله الأرزاق
لجماعة من الفقهاء يحضرون مجلس الوزير، وأمر العزيز أيضًا لهؤلاء الفقهاء ببناء دار إلى جانب الجامع الأزهر؛ فإذا كان
يوم الجمعة تحلقوا فيه بعد الصلاة إلى أن تصلى صلاة العصر، وكان عدتهم خمسة وثلاثين رجلًا.

وبقي الأزهر مركز الفاطمي إلى أن بنى الحاكم جامعه، فتحلَّق فيه الفقهاء الذين يتحلَّقون في الجامع الأزهر.

ووقَّف الحاكم الأوقاف على الأزهر، وعلى جامع راشدة، وجامع المقس، وعلى دار الحكمة، من عقار وكتب.

ثم عنيت الدولة الفاطمية بالكتب عناية كبيرة، فكان من أشهر خزائن القصور الفاطمية خزانة الكتب، وقد نقل المقريزي عن المسبِّحي — مؤرخ الدولة
الفاطمية، والذي عاش في كنفها — أنه كان بخزانة العزيز نيف وثلاثون نسخة من كتاب «العين» للخليل بن أحمد، وما ينيف
على عشرين نسخة من «تاريخ الطبري»، ومائة نسخة من «الجمهرة» لابن دريد — ثم قال: إنه كان في سائر العلوم بالقصر أربعون خزانة من جملتها
خزانة فيها ثمانية عشر ألف كتاب من العلوم القديمة — يعني: الفلسفة والطب والإلهيات وما إليها — هذا إلى العناية بالناحية
الأثرية من اقتناء الكتب بخطوط المؤلفين، وما عني فيها بحسن الخط والتجليد، وينقل المقريزي أيضًا عن ابن الطوير أن كل خزانة تحتوي على عدة
رفوف، والرفوف مقطَّعة بحواجز، وعلى كل حاجز باب مقفل بمفصلات وقفل، وفيها من أصناف الكتب ما يزيد على مائتي ألف كتاب
من المجلَّدات ويسير من المجردات، فمنها الفقه على سائر المذاهب، والنحو واللغة، وكتب الحديث، والتواريخ وسير الملوك، والنجامة
والروحانية والكيمياء — من كل صنف النسخ — ومنها النواقص التي ما تُمِّمت — كل ذلك بورقة مترجمة ملصقة على كل باب خزانة.
??

وقد ذكر المقريزي أيضًا أنه دخل هذه المكتبة «مكتبة الفاطميين» أحد السياح، فرأى فيها مقطعًا من الحرير الأزرق غريب الصنعة فيها صورة أقاليم
الأرض وجبالها وبحارها ومدنها وأنهارها ومساكنها، وجميع المواطن المقدسة مبيَّنة للناظر، مكتوبة أسماء طرائقها ومدنها
وجبالها وبلادها وأنهارها وبحارها بالذهب، وغيرها بالفضة والحرير.

ثم أسَّس الحاكم بأمر الله دار الحكمة سنة ????، وقد اختار هذا الاسم رمزًا إلى الدعوة الشيعية؛ لأن مجالس الدعوة كانت تسمى مجالس الحكمة،
??
وكانت تسمى هذه الدار أيضًا دار العلم، وصفها المسبِّحي فقال: «فتحت الدار الملقبة بدار الحكمة بالقاهرة، وجلس فيها الفقهاء، وحملت إليها
الكتب من خزائن القصور المعمورة، ودخل الناس إليها، ونسخ كل من التمس نسخ شيء مما فيها ما التمسه، وكذلك من رأى قراءة
شيء مما فيها، وجلس فيها القراء والمنجِّمون وأصحاب النحو واللغة والأطباء، بعد أن فرشت هذه الدار وزخرفت، وعلقت على جميع أبوابها
الستور، وأقيم قوام وخدام وفراشون وغيرهم وسُموا بخدمتها، وحصل في هذه الدار من خزائن أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله من
الكتب التي أمر بحملها إليها من سائر العلوم والآداب والخطوط المنسوبة ما لم ير مثله مجتمعًا لأحد قطُّ من الملوك، وأباح
ذلك كله لسائر الناس على طبقاتهم ممن يؤثر قراءة الكتب والنظر فيها … وحضرها الناس على طبقاتهم؛ فمنهم من يحضر لقراءة الكتب، ومنهم
من يحضر للنسخ، ومنهم من يحضر للتعلم، وجعل فيها ما يحتاج الناس إليه من الحبر والأقلام والورق والمحابر … وفي سنة
???? أحضر «الحاكم» جماعة من دار العلم من أهل الحساب والمنطق وجماعة من الأطباء إلى حضرته، وكانت كل طائفة تحضر على انفراد للمناظرة بين
يديه، ثم خلع على الجمع وصرفهم … ووقف الحاكم بأمر الله أماكن في فسطاط مصر عليها، وقد استمرت على هذا الوضع إلى سنة
????؛ حيث كثرت فيها المناقشات الدينية التي سببت فتنًا، فأغلقت ثم أعيد فتحها.»
??

فهي بهذا الوصف مكتبة قيمة، ومدرسة تدرَّس فيها العلوم المختلفة وقاعة مناظرات.

كان بجانب الحركة الدينية من سنية وشيعة حركات أخرى مدنية، من ذلك حركة تاريخية، فقد نبغ من مؤرخي هذا العصر الشابُشْتِي، وهو أبو الحسن
علي بن محمد، وكان في عهد العزيز بن المعز، وكان نديمه وجليسه، والقيِّم على خزانة كتبه، اشتهر بكتابه «الديارات»،
ذكر فيه كل دير بالعراق والموصل والشام والجزيرة ومصر، وجميع الأشعار التي قيلت في كل دير وما جرى فيه، وكان من حسن الحظ بقاء هذا الكتاب
إلى عصرنا هذا مخطوطًا ينتظر من ينشره. توفي سنة ????.

كما نبغ من المؤرخين في العصر الفاطمي «المسبِّحي»، وهو عزُّ الملك محمد بن عبد الله بن أحمد بن إسماعيل بن عبد العزيز الحرَّاني الأصل،
المصري المولد، وكان من أقطاب مصر في العلم والسياسة والإدارة؛ تولَّى للحاكم بأمر الله بعض ولايات الصعيد ثم تولى
ديوان الترتيب، وعني بتاريخ مصر، وألَّف فيها تاريخه الكبير، قال هو فيه: «إنه التاريخ الجليل قدره، الذي يُسْتغنى بمضمونه عن غيره من الكتب
الواردة في معانيه، وهو أخبار مصر ومن حلَّها من الولاة والأمراء والأئمة والخلفاء، وما بها من العجائب والأبنية، واختلاف
أصناف الأطعمة، وذكر نيلها، وأحوال من حلَّ بها إلى الوقت الذي كتبنا فيه تعليق هذه الترجمة، وأشعار الشعراء، وأخبار المغنِّين، ومجالس
القضاة والحكام والمعَدلين «الشهود»، والأدباء والمتغزِّلين وغيرهم، وهو ثلاثة عشر ألف ورقة.»
??
فكان ينظر إلى التاريخ نظرة اجتماعية، ومن الأسف أن لم يصلنا من هذا الكتاب إلا قطعة مخطوطة، وفقد مع ما فقد من آثار الفاطميين الجليلة
ويدلنا ما نقله المقريزي و«النجوم الزاهرة» عن هذا الكتاب أنه جليل القدر، دقيق النظر، مفيض في الوصف، جميل التعبير.


وله كتب أخرى كثيرة، منها: كتاب «درك البغية» في وصف الأديان والعبادات ???? ورقة، وكتاب «الأمثلة للدول المقبلة» يتعلَّق بالنجوم والحساب
في ??? ورقة.

إلى كثير من الكتب الأدبية في النوادر والغزل، والأغاني ومعانيها وغير ذلك، عاش المسبِّحي من (????–????).

ثم القُضَاعي؛ أبو عبد الله محمد بن سلامة تولَّى القضاء بمصر، وقد اشتهر بوضعه كتابًا في خطط مصر سمَّاه «المختار في ذكر الخطط والآثار»
كان عونًا للمقريزي على خططه، وقد أوفده المستنصر الخليفة الفاطمي إلى تيودورا إمبراطورة القسطنطينية سنة ???? ليتحدث
في الصلح بينهما، وقد مات سنة ????.

ثم كانت حركة أخرى طبية فلسفية رياضية علمية؛ اشتهر فيها محمد بن أحمد بن سعيد التميمي، أصله من بيت المقدس، ودخل مصر في العهد الفاطمي،
واشتهر بالطب وخاصةً في خواص العقاقير وتركيب الأدوية؛ وصحب يعقوب بن كلِّس والخليفة العزيز، وصنَّف له كتابًا كبيرًا
في عدة مجلدات سماه «مادة البقاء بإصلاح فساد الهواء، والتحرز من ضرر الأوباء»، ولقي الأطباء بمصر وحاضرهم وناظرهم، واختلط بأطباء الخاص
القادمين من أرض المغرب في صحبة المعز عند قدومه، والمقيمين بمصر من أهلها، وكان منصفًا في مذكراته، غير رادٍّ على
أحد إلا بطريق الحقيقة، وكان التميمي هذا موجودًا بمصر في حدود سنة ????.
??
ثم أبو الفتح منصور بن سهلان بن مقشر، كان نصرانيًّا، وكان طبيب الحاكم بأمر الله، ومن الخواص عنده، وكان متقدمًا في الدولة، وتوفي في أيام
الحاكم، فاستطب بعده إسحاق بن إبراهيم بن نسطاس.
??

وعلي بن سليمان، وكان طبيبًا للعزيز بالله وولده الحاكم، وقد نقل بعض الكتب في الطب لأبقراط وجالينوس، كما ألَّف فيما بعد الطبيعة.

وأبو علي بن الهيثم، وأصله من البصرة، ثم انتقل إلى مصر في أيام الحاكم بأمر الله وأقام بها إلى آخر عمره، برع في الرياضيات والطبيعيات،
وله مشاركة في الطب، وقد أتى مصر باستدعاء الحاكم لما بلغه أن له نظرية هامة في توزيع مياه النيل، ولكنه لما حضر وسافر
إلى الشلال وخبر النيل هناك ودرسه أدرك خطأ نظريته، واعتذر للحاكم، ولكنه كان مصدر حركة فلسفية كبيرة وخاصة في الطبيعيات والرياضيات، وكان
لا يهمه المال والجاه بجانب ما يهمه العلم والوقوف على الحقيقة، قال في كتبه: «إني لم أزل منذ عهد الصبا مُرَوِّيًا
في اعتقادات الناس المختلفة، وتمسك كل فرقة منهم بما تعقتده من الرأي، فكت متشككًا في جميعه، موقنًا بأن الحق واحد، وأن الاختلاف فيه إنما
هو من جهة السلوك إليه، فلما كملت لإدراك الأمور العقلية انقطعت إلى طلب معدن الحق، ووجَّهت رغبتي وحرصي إلى إدراك
ما به تنكشف تمويهات الظنون وتنقشع غيابات المتشكك المفتون.» … إلخ.

وقد ألف نحو مائتي كتاب في الرياضيات والطبيعة والفلسفة ظلَّت عماد الناس في الشرق والغرب، وخاصة كتاب «المناظر» — وما زال يؤلِّف ويلخص
ويشرح في حركة دائبة مستمرة، وفي كل مرحلة من عمره يقيد أسماء ما ألَّف، ويقول: «وإن أطال الله لي في مدة الحياة، وفسح
في العمر، صنفتُ وشرحتُ ولخَّصت من هذه العلوم أشياء كثيرة تتردد في نفسي، ويبعثني ويحثني على إخراجها إلى الوجود فكري.» وظلَّ وفيًّا لهذا
العهد حتى مات حول سنة ???? بعدما ملأ الدنيا تآليف في الهندسة والحساب والفلك والمساحة، ومنطق أرسطو، وكتابه في الشعر
والنفس، وفي الطب، وفي البصر، ووقوع الإبصار به، والضوء، والبصريات، والمرايا المحرقة … إلخ، يعكف على عمله هذا في قبَّة على باب
الجامع الأزهر.
??

وكان للمبشر بن فاتك؛ وهو أمير من أمراء مصر في العهد الفاطمي، ولع بالعلوم الفلسفية يقتني كثيرًا من كتبها، ويتبحر فيها؛ ويستفيد ابن الهيثم
من علمه في الهيئة والرياضة.

واشتهر من هذه الطائفة علي بن رضوان رئيس أطباء الحاكم، وهو مصري الأصل من الجيزة، وكان أبوه فرَّانًا، ولاقى في تعلمه أهوالًا حتى برع
في الطب، وصار له الذكر والسمعة العظيمة، والثراء الواسع، وقد قامت بسببه حركة فكرية نافعة تحركت بها الأفكار في مصر
وبغداد؛ إذ دخل ابن رضوان المصري في مناظرة حادة مع ابن بطلان الطبيب النصراني البغدادي، وتُبُودِلَتْ بينهما الرسائل «ولم يكن أحد منهما
يؤلف كتابًا، ولا يبتدع رأيًا إلا ويرد الآخر عليه»، وكان ابن رضوان طويل اللسان يكثر التشنيع على من يخالفه، وتعدَّت
المناظرة من المسائل العلمية إلى التعبير بقبح الشكل، وكان ابن رضوان قبيح الشكل، فتناظرا أيضًا في أيهما خير أن يكون الطبيب
جميلًا أو لا، ولما طالت المناظرات سافر ابن بطلان من بغداد إلى مصر ليرى مناظره، وأقام بها ثلاث سنين، واستمرت بينهما المناظرات.
ويقول ابن أبي أصيبعة في المقارنة بينهما: كان ابن بطلان أعذب ألفاظًا، وأكثر ظرفًا، وأميز في الأدب وما يتعلق به،
وكان ابن رضوان أطب وأعلم بالعلوم الحكمية وما يتعلق بها، وقد ألف ابن رضوان كتبًا كثيرة في الطب والفلسفة.

وكانت في مصر أيضًا حركة في النحو، من أشهر رجالها أبو بكر الأدفوي تلميذ أبي جعفر النحاس الذي تقدم ذكره، برع في علوم القرآن والنحو، له
كتاب في علوم القرآن في مائة وعشرين مجلدًا مات، سنة ????.

ثم ابن بابشاذ، أحد أئمة النحو والأعلام في فنون العربية وفصاحة اللسان، ورد العراق تاجرًا في اللؤلؤ، وأخذ عن علمائها ورجع مصر، واستخدام
في ديوان الإنشاء والرسائل مراجعًا يراجع ما يخرج من الديوان من الإنشاء، ويصلح ما يراه من الخطأ في الهجاء والنحو
واللغة، ثم تزهد، وقد ألَّف شرحًا على كتاب «الجُمل» للزَّجاجي، و«المحتسب في النحو»، وتعليق في النحو يقارب خمسة عشر مجلدًا. مات سنة ????.


ثم كانت الحركة الأدبية؛ وفي الحق أن الشعر في العهد الفاطمي في مصر كان أول شعر مصري قيم من عهد فتح العرب لمصر؛ إذ كان قبل ذلك ليس له
من قيمة إلا للوافدين على مصر من الخارج، أما شعر المصريين أنفسهم فكان محاولات أوَّلية، حتى إذا جاء الفاطميون جاء
الشعر وجاد، ويرجع ذلك إلى أمور:
list of 2 items
الأول: أن العصر الأول لفتح مصر كان عصر دهشة أعقبت الفتح، فلما استقرَّت الأمور وبدأ الشعر ينهض، تولَّى الحكم أتراك من
مثل الطولونيين والإخشيديين، وليس لهم من الذوق العربي الراقي ما يستسيغون به الشعر،
والشعر العربي بطبيعة موضوعاته التي كانت من مديح ونحوه لم يكن يزهر إلا على باب قصور الخلفاء والأمراء، فإن
تذوقوه وشجعوه نما وازدهر، وإلا ضعف وانحدر، فلما جاء الفاطميون — وهم عرب لهم الذوق العربي،
والثقافة العربية، وخاصة في أول عهدهم؛ إذ كان فيهم أيضًا الذوق البدوي — نما الشعر على بابهم، ولما جاءوا
مصر جاءوا بذوقهم وشعرائهم، وتتابعت الموجات.
والثاني: أن الدولة الفاطمية كان أساسها الدعوة والدعاية بأوسع ما تدل عليه هذه الكلمة، حتى قلَّ أن نرى لها مثيلًا في
تنظيم دعوتها سرًّا وجهرًا، والدقة في اختيار الأساليب المختلفة التي تناسب العامة
والخاصة، والجاهل والعالم، والمتدين والملحد، والغبي والفيلسوف؛ فرأت بصائب نظرها أن الشعراء من أصلح الدعاة لمذهبهم؛
إذ هم يقومون في زمنهم مقام الجرائد السيارة في عصرنا، فاحتضن الخلفاء الفاطميون ووزراؤهم
وأمراؤهم الشعراء ينفحونهم بالمال الكثير، والعطاء الوفير؛ ليطلقوا ألسنتهم بالقول في مدحهم ومدح
مذهبهم.
list end

وقد وضع ابن هانئ الأندلسي أول خطة لذلك وهو بالمغرب عندما اتصل بالمعز فاتح مصر ومؤسس القاهرة، فمدحه بغرر المدائح وعيون الشعر، وبالغ
المعز في الإنعام عليه، ولم يكن هناك ممدوح أعز شاعره كما أعزَّ المعز ابنَ هانئ، فلما أنشده بالقيروان قصيدته التي
أولها:

هل من أعقة عالج يبرين
أم منهما بقر الحدوج العين
أمر له بدست قيمته ستة آلاف دينار، فقال له: يا أمير المؤمنين! ما لي موضع يسع الدست إذا بسط، فأمر له ببناء قصر غرم عليه ستة آلاف دينار،
وحمل إليه آلة تشاكل القصر والدست قيمتها ثلاثة آلاف دينار. ولما بلغه خبر وفاته وهو بمصر تأسف عليه كثيرًا، وقال:
«لا حول ولا قوة إلا بالله، هذا الرجل كنا نرجو أن نفاخر به شعراء المشرق فلم يقدر لنا ذلك.»
??

وقد أسس ابن هانئ في شعره عقائد الإسماعيلية، وصاغها صياغة شعرية، وعلَّم الشعراء كيف يمدحون الخلفاء الفاطميين من ناحية عقائدهم، كما يمدحونهم
من ناحية خلائقهم، فيقول مثلًا:

أنت الورى فاعْمُر حياة الورى
باسم من الدعوة مشتق
??

ويقول:

قد كان ينذر بالوعيد لطول ما
أصغى إليك ويعلم التأويلا
??

•••

أهل النبوة والرسالة والهدى
في البينات وسادةٌ أطهار
والوحي والتأويل والتحليل والتـ
ـحريم لا خلف ولا إنكار

ويقول:

ماذا تريد من الكتاب نواصب
وله ظهور دونها وبطون

وهو بذلك يؤكد عقيدة الشيعة في أن للشريعة ظاهرًا وباطنًا، وأن التأويل لا يعلمه إلا الله ورسوله وخلفاؤه المنصوبون من قبله، إمامًا بعد
إمام إلى آخر الأئمة المعصومين، يعلِّم الماضي منهم من يأتي بعده، وسائر الناس يستفيدون علم التأويل منهم بقدر استعدادهم.


ويقول مؤيدًا لهذه التعاليم:

إذا كان أمنٌ يشمل الأرض كلها
فلا بد فيها من دليل مقدَّم

ويقول:

لولاك لم يكن التفكر واعظًا
والعقل رشدًا والقياس دليلا
لو لم تكن سكن البلاد تضعضعت
وتزايلت أركانها تزييلا
وهكذا يؤسس في شعره الدعوة، ونظرية الإمامة وعصمة الأئمة، وعلم الإمام بالحقائق، وأنه مظهر نور الله، فعلم الشعراء كيف يمدحون، وكيف يقولون.
??

فلحاجة الفاطميين للدعوة قربوا الشعراء، فكثر الشعر وحسن وجاد، فرأينا شعراء ممتازين في هذا العصر لم يكن مثلهم في مصر، شعراء أتوا من المغرب
مع المعز وبعده، وشعراء وافدون من العراق والشام واليمن، وشعراء من المصريين أنفسهم، وراج الشعر لكثرة الدوافع وقوتها،
فنوع الشعر الغالب على الأدب العربي — وهو شعر المديح — إنما يكثر ويزدهر على باب القصور السخية، والفاطميون كانوا من أسخى الناس في هذا
الباب ثم هم أكثروا من الحفلات العامة، مما لم يكن له نظير في مصر لا قبلهم ولا بعدهم، وهذه الحفلات والأعياد كانت
في غاية من الفخامة والضخامة، قد أقروا الأعياد التي كانت قبلهم، وزادوا عليها: فموسم رأس السنة، ويوم عاشوراء، ومولد النبي، ومولد علي،
ومولد الحسن، ومولد الحسين، ومولد فاطمة، ومولد الخليفة الحاضر، وليلة أول رجب، وأول شعبان ونصفه، وغرة رمضان، وسماط
رمضان، وليلة الختم، وعيد الفطر، وعيد النحر، وعيد الغدير، وكسوة الشتاء، وكسوة الصيف، وفتح الخليج، ويوم النيروز، ويوم الغطاس،
ويوم الميلاد، وخميس العدس … إلخ، مما بقي أثر بعضه عند المصريين إلى اليوم.

وكان في كثير من هذه الأعياد، يركب الخليفة بزيه المفخم، وهيئته المعظمة، وتوزع الخلع والجوائز، وتمد الأسمطة، فتكون كل هذه المظاهر حافزة
للشعراء على أن يقولوا ويكثروا ويجيدوا في هذا الباب من القول الذي يعده الفاطميون دعاية لهم لا بد منها.

روى المقريزي عن الشريف أبي عبد الله الجواني، أن الخليفة الآمر بأحكام الله بنى منظرة من خشب مدهونة، فيها طاقات تشرف على خضرة بركة الحَبَش،
وصور فيها الشعراء كل شاعر وبلده، واستدعى من كل واحد منهم قطعة من الشعر في المدح، وكتب ذلك عند رأس كل شاعر، وبجانب
صورة كل منهم رفٌّ لطيف مذهَّب، فلما دخل الآمر وقرأ الأشعار، أمر أن يحطَّ على كل رفٍّ صُرَّة مختومة فيها خمسون دينارًا، وأن يدخل كل
شاعر ويأخذ صرته بيده، ففعلوا ذلك، وأخذوا صررهم، وكانوا عدة شعراء.
??

وقد أسس هذه الخطة — خطة الاحتفاء بسماع الشعر ورعايته والمكافأة العظيمة عليه — الخليفة المعز ووزيره يعقوب بن كلِّس، ثم صارت تقليدًا
فاطميًّا متبعًا بالمعز أسس له ابن هانئ منهج الشعراء في المديح، ويعقوب بن كلس قرَّب الشعراء وشجعهم وأغناهم، وكان
من أولهم في ذلك الشاعر أبو حامد الأنطاكي المعروف بأبي الرَّقَعْمَق، وأكثر شعره وقف على مدح المعز والعزيز والحاكم بأمر الله، وجوهر القائد،
وخاصة الوزير ابن كلِّس من مثل قوله فيه:

كل يوم له على نوب الدهـ
ـر وكر الخطوب بالبذل غاره
ذو يدٍ شأنها الفرار من البخـ
ـل وفي حومة الندى كرَّاره
هي فلت عن العزيز عداه
بالعطايا وكثَّرت أنصاره
هكذا كل فاضل يده تُمـ
ـسي وتضحي نفَّاعة ضرَّاره
فاستجره فليس يأمن إلا
من تفيَّا ظلاله واستجاره
وإذا ما رأيته مطرقا يعـ
ـمل فيما يريده أفكاره
لم يدع بالذكاء والذهن شيئًا
في ضمير الغيوب إلا آثاره
لا ولا موضعًا من الأرض إلا
كان بالرأي مدركًا أقطاره
زاده الله بسطة وكفاه
خوفه من زمانه وحذاره
وقد أفرد العماد الأصفهاني في كتابه «خريدة القصر وجريدة العصر» جزءًا خاصًّا لشعراء مصر، بلغ عددهم نحو المائة، ترجم لكل منهم وذكر شيئًا
من شعره.
??

ويمكننا أن نقسم الشعر المصري الفاطمي أقسامًا ثلاثة: قسم في المديح وهو أكبر الأقسام كعادة الشعر العربي، وكما رأيت في شعر أبي الرقَعْمَق،
ويمتاز عما قبله من شعر مصر بالجزالة والقوة للأسباب التي ذكرناها، ومن أشهر هؤلاء المهذب بن الزبير، وكان أكثر مديحه
في الصالح بن رُزِّيك، ومن أشهر قصائده فيه قصيدة نونية يمدحه بها بعد انتصار أسطول مصر على أسطول الروم، مطلعها:

أعلمت حين تجاور الحيَّان
أن القلوب مواقد النيران

ومثل المهذَّب المَوْصِلي، وعُمَارة اليمني.

ويصح أن نلاحظ أن هذا الشعر الذي قيل في مديح الفاطميين شعر فرح مغتبط؛ إذ كان الشيعة لأول أمرهم قد نجحوا في تأسيس دولة ضخمة، وتبوءوا
فيها كرسي الخلافة بعد أن طال أمدهم في اضطهاد وتعذيب على يد الأمويين والعباسيين، فكان شعر شعرائهم حزينًا آسفًا كشعر
السيد الحِمْيَري، والكميت ودِعْبل الخزاعي.

ثم شعر تعليمي في الدعوة، وقد بدأه ابن هانئ الأندلسي في بعض شعره، وقد عرضنا قبلُ نماذجَ منه، وبلغ قمته المؤيد الشيرازي داعي الدعاة،
فأكثر من الشعر في هذا الباب وأفاض، وله ديوان في ذلك، منه في تأييد علم الباطن.

ورب معنى ضمَّه كلام
كمثل نور ضمَّه ظلام
باق بقاء الحَبِّ في السنابِلِ
في معقل من أحرز المعاقل
وإنما باب المعاني مُقْفل
وأكثر الأنام عنه غُفَّل
مفتاحه أضحى بأيدي خَزَنَه
بهم إلهي علمه قد خزنه
كما يلوذ الخلق طرًّا بهمُ
خصوا لهذا العلم من ربهمُو
فما أبو حنيفة والشافعي
— حيث همُ قد نفقوا — بنافع
أولئك الأبرار آل المصطفى
ومن بهم مَرْوَةُ عزَّت والصَّفَا
هم البدور والنجوم اللُّمَّعُ
وللهدى وللعلوم المنبع
هم الثقاتُ والنفاة للشُّبَه
والمنقذون الناس من كل عَمَه
لهم سمعنا ولهم أطعنا
فبدَّلونا بعد خوف أمنا
فما علينا مشكلٌ بمشكل
بهم كُفِينا كل خط معضِل
وأرشدونا سبل الصواب
وعلَّمونا علم ذا الكتاب
مبرَّأ من هجنه التناقض
مسلَّمًا من خوض كل خائض
وهكذا كل ديوانه في الدعوة وما إليها.
??

ثم شعر هو أرقى أنواع الشعر وأصدقه، ينبع من مشاعر الشاعر، ويتدفَّق في رقَّة وسلاسة، وكان على رأس الشعراء من هذا النوع شاعران فاطميان:
تميم بن المعز، والعَقِيلي.

فأما تميم، فهو ابن الخليفة المعز فاتح مصر؛ ولم يل الخلافة لأن المعز جعل ولاية عهده لابنه العزيز نزار دون تميم، فحُرم الخلافة، ولكنه
تبوأ عرش الأدب فكان شاعرًا ماهرًا لطيفًا ظريفًا، يشعر بخلجات نفسه، ونبضات قلبه، ولم تر مصر شاعرًا من هذا القبيل
قبله مثله، يصف حياته اللاهية من حبه وعشقه وليالي غرامه ونحو ذلك في قولٍ عذب، وفي أعماقه شعور بالحزن؛ إما لطبيعة مزاجه ورقة جسمه، أو
لخروج الخلافة من يده وهو يرى أنه أولى بالفضل، أو لأنه عذبه الحب فأضناه، أو لكل ذلك مجتمعًا، فمن قوله:

أما والذي لا يملك الأمر غيرُه
ومن هو بالسر المكتَّم أعلم
لئن كان كتمان المصائب مؤلمًا
لَإعلانها عندي أشد وآلم
وبي كل ما يُبكي العيونَ أقلَّه
وإن كنت منه دائمًا أتبسم

وتميم بن المعز أشبه شيء بابن المعتز في قرابة الكنية، والنشأة في بيت الملك، وقوة الشاعرية، وسوء الحظ في دنيا المناصب، وإن تخالفا في
أن ابن المعتز سُني عباسي يدعو للعباسيين ويرد على الشيعة، فيرد عليه ابن المعز في مثل قوله وعلى رويِّ قصيدته. يقول
ابن المعتز في الإشادة بالعباسيين وردِّ دعوة الشيعة قصيدة مطلعها:

أي رسم لآل هند ودار
دَرَسا غير ملعب ومنار

يقول فيها:

هاشمي إذا نسبت ومخصو
ص ببيت من هاشم، غير عار
أخْزن الغيظ في قلوب الأعادي
وأُحِلُّ الجَبَّار دار الصَّغار
أنا جيش إذا غدوت وحيدًا
ووحيد في الجحفل الجرَّار

… إلخ.

فيرد تميم بن المعز بقصيدته:

يا بني هاشم ولسنا سواء
في صغار من العلا وكبار
إن نكن ننتمى لجد فإنا
قد سبقناكمو لكل فخار
ليس عبَّاسكمْ كمثل عليٍّ
هل تقاس النجوم بالأقمار؟!

… إلخ.

ولكن دعنا من هذا، فمزية تميم الكبرى في رقة شعره، وصدق شعوره وسلاسته، فكان في ذلك أستاذ البهاء زهير بعده، كقوله:

يا دهر ما أقساك من متلوِّن
في حالتيك وما أقلك منصفا
أتروح للنكس الجهول ممهِّدًا
وعلى اللبيب الحر سيفًا مرهفا
فإذا صفوت كدرت شيمة باخل
وإذا وفيت نقضت أسباب الوفا
لا أرتضيك وإن صفوت لأنني
أدري بأنك لا تدوم على الصفا
زمن إذا أعطى استرد عطاءه
وإذا استقر بدا له فتحرَّفا
ما قام خيرك يا زمان بشرِّه
أولى بنا ما قلَّ منك وما كفى

وقوله:

قالت وقد نالها للبين أوجعه
والبين صعب على الأحباب موقعه
أجعل يديك على قلبي فقد ضعفت
قواه عن حمل ما فيه وأضْلُعه
كأنني يوم ولَّت حسرة وأسى
غريق بحر يرى الشاطي ويُمْنَعه

وله الأوزان الشعرية الظريفة كقوله:

دم العشاق مطلول
ودَين الحب ممطول
وسيف اللحظ مسلول
ومُبْدي الحب معذول
وإن لم يُصْغِ للائم
وأحورَ ساحر الطرْفِ
يفوق جوامع الوصف
مليح الدَّل والظرف
جنت ألحاظه حتفي
فمن يُعدي على الظالم؟
يعنِّفني على حبِّي
ويهجرني بلا ذنب
كأني لست بالصب
لقهوة ريقه العذب
أما في الحب من راحم؟

… إلخ.

وقد مات سنة ???? في خلافة أخيه، ولم يعمر طويلًا؛ إذ كان عمره يوم وفاته نحوًا من سبع وثلاثين سنة، وهذه سُنَّة القلب المحترق.
??

وأما العَقيلي، فهو أبو الحسن علي بن الحسن بن حَيْدرة العقيلي، كان في المائة الخامسة، وكان من الأشراف، وكان له متنزهات بجزيرة الفسطاط،
ولم يغنِّ لخليفة أو أمير، بل غنَّى لنفسه في حبِّه ومتنزهاته، وكان يعد من أئمة المدرسة التي تعنى بالتشبيه وتجيده،
أمثال ذي الرمة أولًا، وابن المعتز أخيرًا، ثم سلك مسلك أبي نواس في الخمر وتوليد المغاني منها، وأولع بالطبيعة الجميلة يستجليها ويستمتع
بها، كقوله:

الروض في ديباجة خضراء
والجو في فَرَجيَّة دكناء
والأرض قد نظم الربيع لجيدها
عِقْدًا من الصفراء والحمراء
والراح ينثر في مُذَاب عقيقها
دُرَرَ الفواقع جوهريُّ الماء
فاقصد رضا رضوانها بالشرب إن
أحببت سكنى جنة السرَّاء

وقوله في وصف صديق:

ظلَّلني بظلِّه الظَّليلِ
أخ نَداه واضح السبيلِ
يسير في المجد بلا دليل
مهذَّب الجملة والتفصيل
أخلاقه تَنضح بالجميل
كأنه عافية العليل

•••

لأَحْسنُ من مصافحة الصفاح
ومن وقع الرماح على الرماح
بقاع ترقص الأمواج فيها
على النغمات من رمي الرماح
وأغصانٌ يذهِّبها بَهَار
وغيطان يفضِّضها أقاح
وإن جنح الشباب إلى التصابي
فخلِّ عنانه طوعَ الجماح
فصبح العيش سوف يعود ليلًا
إذا ما الليل نغص بالصباح
??
أتطمع بعد شيبك في سرور
محالٌ أن تطير بلا جناح
??

ثم ما بقي لنا من النثر الفني الفاطمي ولو كان قليلًا، كبعض الكتب الرسمية التي ذكرها القلقشندي في «صبح الأعشى»، ورسالة ابن القارح لأبي
العلاء — وقد عاش ابن القارح في زمن الحاكم — وردَّ عليها أبو العلاء ? «رسالة الغفران»، وكرسالة داعي الدعاة إلى أبي
العلاء، وجداله معه في ذبح الحيوان، إلى غير ذلك من رسائل منثورة هنا وهناك، كل هذا على قِلَّته يدل على تقدم النثر الفني، وميله إلى الزينة
من سجع وبديع واقتباس، مما هو ظل لحياة الترف في قصور الخلفاء، كما يدل على تأثر بسعة الثفافة التي عظمت في هذا العصر.


هوامش
(?)
انظر: أخبار سيبويه المصري لابن زولاق ص??.
(?)
من كتاب فتوح مصر لابن عبد الحكم.
(?)
سيبويه المصري: ??.
(?)
الكتاب بطوله في صبح الأعشى: ??/?? وما بعدها.
(?)
انظر طبقات الأطباء: ??/???.
(?)
يتيمة الدهر ??/?? وما بعدها.
(?)
اليتيمة ??/???.
(?)
ابن خلكان ??/????.
(?)
العكبري ??/???.
(??)
انظر اليتيمة: ??/???.
(??)
رسائل الخوارزمي: ???.
(??)
النسبة إلى الخالدية بلدة بالموصل.
(??)
فهرست ابن النديم: ???.
(??)
انظر ما كتب عنه في هذا الجزء قبل.
(??)
طبقات الأطباء: ??/????.
(??)
انظر ابن خلكان: ??/????.
(??)
المكين: ابن العميد.
(??)
خطط المقريزي: ??/????.
(??)
اتعاظ الحنفاء: ??.
(??)
المصدر نفسه: ??.
(??)
ص??.
(??)
ص??.
(??)
غدير خم: موضع على ثلاثة أميال من الجُحفة، وهو مجتمع ماء تصب فيه عين وحوله شجر كثير، وسبب الاحتفال به ما يرويه الشيعة عن البراء
بن عازب قال: «كنا مع رسول الله في سفر لنا بغدير خُم، ونودي: الصلاة جامعة. فصلى الظهر، وأخذ بيد
علي بن أبي طالب، فقال ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه؟ قالوا: بلى. فقال: من كنت مولاه فعليٌّ مولاه، اللهم وال من والاه،
وعاد من عاداه.» وأول من اتخذه عيدًا معز الدولة البويهي سنة ????، ثم في مصر سنة ????.
(??)
ص??.
(??)
خطط المقريزي ??/????.
(??)
النجوم الزاهرة ??/???.
(??)
انظر: خطط المقريزي: ??/????.
(??)
صبح الأعشي: ???/????.
(??)
وفيات الأعيان: ??/????.
(??)
خطط المقريزي: ??/???? وما بعدها.
(??)
الخطط: ??/????.
(??)
الخطط: ??/????.
(??)
ابن خلكان: ??/????.
(??)
القفطي: ص???.
(??)
طبقات الأطباء ??/???.
(??)
انظر: طبقات الأطباء ??/??? وما بعدها.
(??)
ابن خلكان في ترجمة ابن هانئ.
(??)
أي أنت الناس فاعمر أعمارهم مجموعة، وأنت داع إلى الله يدعوهم إلى سبيل الهداية، فيؤسس بذلك نظرية الدعوة.
(??)
الضمير في «كان» يعود على السيف، يقول: كاد سيفك ينذر بالوعيد، ويعلم التأويل لطول مصاحبته إياك واستماعه
لبيانك.
(??)
انظر: ديوان ابن هانئ الذي نشره الدكتور زاهد علي.
(??)
خطط المقريزي: ??/????.
(??)
وهذا الجزء هو الجزء الثاني، ومنه نسخة فوتوغرافية في دار الكتب.
(??)
انظر ديوانه مخطوطًا في مكتبة جامعة فؤاد.
(??)
له ديوان شعر مخطوط بمكتبة الجامعة.
(??)
يريد: إذا نزل الشيب بالرأس.
(??)
انظر مجموعة من شعره في كتاب المغرب ص?? وما بعدها.
الفصل الثاني

العراق وجنوبي فارس

ظلت هذه البلاد محكومة بالخلفاء اسمًا، وبسلطة الأتراك فعلًا، من عهد المتوكل إلى أن جاءت البويهية الفارسية فبسطت نفوذها على جنوبي فارس
والعراق من سنة ???? إلى سنة ????، ولما تغلبوا على بغداد لم يكن للخليفة العباسي معهم إلا الاسم، والدعاء له على المنابر،
وكتابة اسمه على سكة الدراهم والدنانير. وأما جباية الأموال وتجييش الجيوش وأمور الدولة كلها ففي أيديهم، قد جعلوا للخليفة مرتبًا ثم تصرفوا
كل مالية الدولة، وكان لقبهم «أمير الأمراء» لقبهم به الخلفاء، وقد كان البويهيون شيعة، وقد فكر معز الدولة البويهي
عندما فتح بغداد أن يعزل الخليفة وهو سني، ويقيم مكانه أحد الأئمة العلويين، كما فعل الفاطميون، وكان ذلك هينًا عليه، ولكن نصحه بعض خاصته
ألا يفعل، وقال: «ليس هذا برأي فإنك اليوم مع خليفة تعتقد أنت وأصحابك أنه ليس من أهل الخلافة، ولو أمرتهم بقتله قتلوه
مستحلين دمه، ومتى أجلست بعض العلويين خليفة كان معك من تعتقد أنت وأصحابك صحة خلافته، فلو أمرهم بقتلك لفعلوه، فأعرض عن رأيه،
وأقام المطيع لله خليفة بدل المستكفي المخلوع.»

وقد كانوا فرسًا متشيعين يقولون إنهم من نسل ملوك فارس، وقد تقسموا العراق وجنوبي فارس فيما بينهم، وامتد نفوذ بعضهم أحيانًا، وانكمش نفوذ
بعضهم، فمنهم من حكم العراق والأهواز وكرمان، ومنهم من حكم كرمان وحدها، ومنهم من حكم فارس وحدها، ومنهم من حكم الري
وهمذان وأصفهان، ومنهم من مد سلطانه على ذلك جميعًا كعضد الدولة، وكان بين بعضهم وبعض خصوماتٌ ومنازعات ليس هنا موضع شرحها.

إنما نستطيع أن نقول: إنهم مع فارسيتهم شجعوا الأدب العربي، واللسان العربي، والعلوم العربية، وكان ممَّن نبغ من العلماء والأدباء والفلاسفة
في عهدهم من يعد بحق فخر المملكة الإسلامية في العصور المختلفة.

وقد كانت هناك مدن كثيرة في هذا الإقليم أثناء هذا العهد وقبله تميزت بقوة الحركات العلمية والأدبية مثل بغداد والبصرة والكوفة في العراق،
والري وأصبهان في فارس.

وقد زار المقدسي هذه البلاد كلها في العهد البويهي، وملخص ما قال من الناحية العلمية: «إن إقليم العراق إقليم الظرفاء، ومنبع العلماء، لطيف
الماء عجيب الهواء، مختار الخلفاء، أخرج أبا حنيفة فقيه الفقهاء، وسفيان سيد القرَّاء، ومنه كان أبو عبيدة والفراء،
وحمزة والكسائي، وكل فقيه ومقرئ وأديب، وسري وحكيم وداه وزاهد ونجيب، وظريف ولبيب — أليس به البصرة التي قوبلت بالدنيا، وبغداد الممدوحة
في الورى، والكوفة الجليلة وسامَرَّا.»
?
«والكوفة قصبة جليلة حسنة البناء جليلة الأسواق كثيرة الخيرات … وهو بلد مختل قد خرب أطرافه، وكان نظير بغداد.»
?
«والبصرة قصبة سَرِية … والبلد أعجب إليَّ من بغداد لرفعتها، وكثرة الصالحين بها، وكنت بمجلس جمع فقهاء بغداد ومشايخها، فتذاكروا بغداد
والبصرة فتفرقوا على أنه إذا جمعت عمارات بغداد، وأُنْدِر خراجها لم تكن أكبر من البصرة.»
?
«وبغداد — لأهلها — الخصائص والظرافة، والقرائح واللطافة، هواء رقيق، وعلم دقيق، كل جيد بها، وكل حسن فيها، وكل حاذق ممنها، وكل قلب إليها،
وكل حرب عليها، وهي أشهر من أن توصف، وأحسن من أن تنعت، وأعلى من أن تمدح.»
?
ولكنه في موضع آخر قال: «واعلم أن بغداد كانت جليلة في القديم، وقد تداعت الآن للخراب، واختلَّت وذهب بهاؤها، ولم أستطبها، ولا أعجبت بها،
وإن مدحناها فللمتعارف؛ وفسطاط مصر اليوم كبغداد، ولا أعلم في الإسلام بلدًا أجلَّ منه.»
?
والعراق «كثيرة الفقهاء والقراء والأدباء والأئمة والملوك، بخاصة بغداد والبصرة … وبه مجوس كثيرة، وذمته نصارى ويهود … وقد حصل به عدة من
المذاهب، والغلبة ببغداد للحنابلة والشيعة، وبه مالكية وأشعرية ومعتزلة ونَجَّارية، وبالكوفة الشيعة إلا الكُنَاسة
فإنه سُنَّة … وبالبصرة مجالس وعوام السالمية، وهم قوم يدَّعون الكلام والزهد، وسالم كان غلام سهل بن عبد الله التستري الصوفي … وأكثر أهل
البصرة قدرية وشيعة، وثَمَّ حنابلة وببغداد غالية يفرطون في حب معاوية، ومشبهة … والقراءات السبع مستعملة في العراق
… ولغاتهم مختلفة أصحها الكوفية لقربهم من البادية، وبُعدهم عن النبط، ثم هي بعد ذلك خشنة وفاسدة بخاصة في بغداد، وأما البطائح فنبط لا
لسان ولا عقل».
?

«وتقع عصبيات وحشة بالبصرة بين الرَّبَعيين وهم شيعة، وبين السعديين وهم سنة، ويدخل فيها أهل الرساتيق، وقلَّ بلد إلا وبه عصبيات على غير
المذاهب.»

«وأما القسم من إيران الذي يحكمه البويهيون فقسمه الشمالي كان يسمى بلاد الجبال، وأهم مدنه أربع: كرمنشاه — وكانت تسمى في ذلك العهد قِرْمَسِين
— والري، وهمذان، وأصفهان — وسمِّي هذا الإقليم في العهد السجلوقي بالعراق العجمي — وكانت عاصمة هذا العهد البويهي
هي «الري»، قال الإصطخري: «و«الري» مدينة ليس بعد بغداد في المشرق أعمر منها.» وقال الأصمعي: «الري عروس الدنيا وإليه متجر الناس، وهو أحد
بلدان الأرض.» والنسبة إليها رازي. وقد خرجت كثيرًا من العلماء المعروفين بهذه النسبة كما سيجيء، وموقعها على بعد أميال
من طهران، ومحلها الآن خرائب، ولما وصف المقدسي هذا الإقليم في العهد البويهي قال: «إن به الرَّي الجليلة، وهمذان، والكورة النفسية
أصبهان.»
?
«فأما الري فإنها كورة نزيهة كثيرة المياه، جليلة القرى، حسنة الفواكه، واسعة الأرض، خطيرة الرساتيق
?
… علماء سراة، وعوام دهاة، ونسوان مدبِّرات، لهم جمال وعقل وآيين، وبه مجالس ومدارس، وقرائح وصنائع وخصائص، لا يخلو المذكِّر من فقه، ولا
الرئيس من علم، ولا المحتسب من صيت، ولا الخطيب من أدب، هو أحد مفاخر الإسلام، وأمهات البلدان، به مشايخ وأجلة، وقراء
وأئمة وزهاد وغزاة … وأئمة الجوامع فيها مختلفة، يوم للحنفيين، ويوم للشفعويين.»
?

«وأما همذان فهي إقليم كبير حسن قديم … والري أطيب وآهل وأعمر منها، قد انجلى أهلهان، وقلَّ العلماء بها، وأذهبت الري دولتها.»

«وأما أصفهان، فأخذت بحظ من فارس، وحظ من الجبال، وقصبتها «اليهودية»، وهي كبيرة عامرة آهلة كثيرة الخيرات، أهل سنة وجماعة، وأدب وبلاغة،
كما أخرجت من مقرئ وأديب، وفقيه ولبيب.»
??
«ومذاهب هذا الإقليم مختلفة أما بالريِّ فالغلبة للحنفيين، وبها حنابلة كثيرون لهم جلبة، والعوام قد تابعوا الفقهاء في خلق القرآن، وأهل
«قُمٍّ» شيعة غالية … وهمذان وأجنادها أصحاب حديث إلا الدينَوَر، فإن بها جلبة لمذهب سفيان الثوري، والإمامة في الجامع
مثنى — يوم لمذهب ويوم لمذهب — وعلى ذلك كان أهل أصفهان في القديم.»
??
ويقع بالري عصبيات في خلق القرآن،
??
وفي أهل أصفهان بله وغلو في معاوية.
??

وقد اشتهر من بلاد الجبل في العلم والأدب «دينوَر» التي ينسب إليها ابن قتيبة الدينوري، وأبو حنيفة الدينوري، وغيرهما من فحول العلماء والأدباء.


وإلى الجنوب من إقليم الجبال كان إقليم «فارس»، وكان اسمًا لإقليم خاص، ثم أطلق على إيران كلها، وقد اشتهر من هذا الإقليم في العلم والأدب
إصطخر، وسيراف، وشيراز، وأرجان، وشِعب بَوان، وشهرستان، وقد حازت شيراز مركزًا ممتازًا في العهد البويهي، وخاصةً في
عهد عضد الدولة، وكانت هي قصبة إقليم فارس ينزل بها ملوك البويهيين، قال المقدسي: «وهذا الإقليم — إقليم فارس — العمل فيه على مذهب أصحاب
الحديث، وأصحاب أبي حنفية كثيرون، وللداوودية — أهل الظاهر — دروس ومجالس وغلبة، ويتقلدون القضاء والأعمال.
??
والصوفية بشيراز كثيرون، وكما يُرفع بالمشرف العلماء تُرفع هنا الكتبة.»
??

تعود إلى وصف الحركة العلمية في العراق، ثم في الجزء الجنوبي من بلاد الفرس، فالعراق من عهد المتوكل إلى آخر الدولة البويهية لم تزل لها
الصدارة في العلم والأدب والفلسفة.

ويدلُّ ما جمعه الخطيب البغدادي من تراجم علماء بغداد على ثروة واسعة في العلم والعلماء من جميع الفروع كالتفسير والحديث والفقه والشعر
والأدب.

نعم إن المتوكل نصر أهل الحديث على المعتزلة واضطهدهم، وكان في هذا خسارة كبيرة على الحركة الفكرية؛ ولكن مع ذلك ظل الجدل في علم الكلام
قويًّا.

فقد نبغ أبو علي الجُبَّائي (????–????)، وكان إمام المعتزلة في بغداد، وتتلمذ له أبو الحسن الأشعري (????–????)، وكان مولده بالبصرة، وانتقل
إلى بغداد، وأخذ مذهب الاعتزال على الجبائي، ثم خرج على الاعتزال وحاربه وألف في ذلك الكتب الكثيرة، وخالف المعتزلة
في كثير من أصولهم لقولهم بالاختيار المطلق ووجوب العدل على الله، وأن القرآن مخلوق، وكوَّن مذهبًا له دعا إليه، وناصر مذهبه جماعةٌ من
أكبر العلماء من أشهرهم الباقلاني، وابن فورَك، والإسفرائيني، والقشيري، وإمام الحرمين الجويني، ثم الغزالي فأبو حامد
الإسفرائيني كان يحضر إليه أكثر من ثلاثمائة فقيه، وانتهت إليه الرياسة في بغداد، وكان شافعيًّا كأبي الحسن الأشعري، وما زال يدرِّس ببغداد
من سنة ???? إلى وفاته سنة ????.

والباقلاني كذلك كان من أنصار الأشعري في بغداد، وصنَّف التصانيف الكثيرة في علم الكلام، وكان موصوفًا بالإطناب وقوة الجدل، مات سنة ????
… إلخ إلخ.

واشتد الجدل بين الأشعرية والمعتزلة، وإن خَفَتَ بعضَ الشيء صوتُ المعتزلة؛ لقوة المحدِّثين، ونصرة ذوي السلطان لهم.

واستمر المعتزلة في العراق يعلِّمون ويدرِّسون ويدعون، وقد اشتهر منهم أئمة عظماء كأبي علي الجبائي الذي مر ذكره، ثم تلميذه في الاعتزال
محمد بن عمر الصَّيمري، ثم قاضي القضاة عبد الجبال، كان أشعريًّا ثم تحوَّل إلى الاعتزال ونبغ فيه، قالوا: «وهو أول
من فتق علم الكلام ونشر بروده، ووضع فيه الكتب الجليلة التي بلغت المشرق والمغرب، وضمَّنها من دقيق الكلام وجليله ما لم يتفق لأحد مثله،
وطال عمره مواظبًا على التدريس والإملاء — ببغداد — حتى طبق الأرض بكتبه وأصحابه، وبَعُد صوته، وإليه انتهت الرياسة
في المعتزلة حتى صار شيخها وعالمها غير مدافَع، وصار الاعتماد على كتبه ومسائله، واستدعاه الصاحب بن عباد إلى الري سنة ???? فبقي فيها مواظبًا
على التدريس إلى أن توفي سنة ???? أو سنة ????.»
??
وهو الذي يلقبه المعتزلة بقاضي القضاة.

وهكذا ظلت حركة الاعتزال في العراق يناهضها الأشاعرة وغيرهم، ويؤسسون بذلك علم الكلام ويوسعونه.

كما نمت الحركة الفقهية في العراق نموًّا كبيرًا، وظهر كثير من المجتهدين وكبار أتباع المذاهب المختلفة.

فكان من المجتهدين داود الظاهري الأصفهاني الأصل البغدادي الدار، وقد أسس مذهبًا عماده إنكار القياس، وأن في الكتاب والسنة من العمومات
ما يفي بمعرفة الواجبات والمحرمات، وتقديم ظواهر آيات القرآن والحديث على التعليل العقلي للأحكام، وقد كثر أتباع هذا
المذهب في العراق وفارس والأندلس، وقد انقرضوا بعد المائة الخامسة، وقد مات داود صاحب المذهب سنة ???? ببغداد، ونشر مذهبه بعده ابنه محمد
المتوفى سنة ????.

ثم من أشهر الأئمة المجتهدين محمد بن جرير الطبري صاحب التفسير والتاريخ، ومن أعلم الناس بفقه المذاهب المختلفة، وألف في اختلاف الفقهاء،
وكان من أكثر العلماء تأليفًا، وكان مجتهدًا في مذهبه لم يقلد أحدًا، توفي سنة ???? ببغداد، وكان له أتباع على مذهبه
انقطعوا بعد المائة الرابعة.

وقد نبغ في هذا العصر كثير من علماء المذاهب المختلفة كذلك.

فاشتهر من الحنفية في العراق أبو الحسن عبيد الله الكرخي رئيس الحنفية في العراق في عصره، توفي سنة ????، وقد أصابه الفالج، فكتب أصحابه
إلى سيف الدولة الحمداني يستمنحونه ما ينفق عليه، فلما علم الكرخي بذلك بكى، وقال: اللهم لا تجعل رزقي إلا من حيث عوَّدتني.
ومات قبل أن تصل إليه صلة سيف الدولة.

وكان من أكبر تلاميذ الكرخي هذا أبو بكر الجصاص البغدادي رأس المذهب بعد الكرخي، وألف الكتب الكثيرة على مذهب أبي حنيفة، مات سنة ????،
وقد وصل إلينا من تآليفه كتابه العظيم المطبوع، «أحكام القرآن».

ثم أبو الحسين القُدُوري رئيس الحنفية في العراق في زمنه، وقد ألف كتبًا وصل إلينا بعضها منها المختصر، وكان يناظر الإسفرائيني الفقيه الشافعي
المشهور، مات سنة ????.

واشتهر من فقهاء المالكية العراقيين أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق بن حماد، تفقه عليه أهل العراق من المالكية، وألف الكتب الكثيرة في الفقه
المالكي وعلوم القرآن وكان من نظراء المبرد في النحو، وولي قضاء بغداد، وعنه انتشر مذهب مالك في العراق، وأقام على
القضاء نيفا وخمسين سنة، «وكان بيت آل حماد أشهر بيت في العراق؛ لكثرة رجاله المشهورين بالعلم والثراء، أئمة الفقه ومشيخة الحديث، رؤساء
نبهاء أصحاب سنة وهدي ودين، روى عنهم علماء انتشروا في أقطار الأرض، فانتشر ذكرهم في المشرق والمغرب، وبقي العلم في
بيتهم نحو مائة عام»، مات إسماعيل بن حماد هذا سنة ????.

ثم أبو الحسن علي بن أحمد البغدادي المشهور بابن القصار، كتب كتاب مسائل الخلاف المشهور عند المالكية، وقد تولى أيضًا قضاء بغداد، ومات
سنة ????.

واشتهر من رجال الشافعية، أبو علي الكرابيسي البغدادي، رئيس الشافعية ببغداد، المتوفى سنة ????، وأبو علي الزعفراني البغدادي المتوفى سنة
????، وأبو علي الحسن بن القاسم الطبري البغدادي، له كتاب المحرر في النظر، وهو من أوائل الكتب في الخلاف بين الفقهاء،
وله كتاب الإفصاح في الفقه، وكتاب في الأصول، وكتاب في الجدل، توفي سنة ????.

ثم أحمد بن عمر بن سريج القاضي بشيراز ثم ببغداد، أحد عظماء الشافعية ألف نحو أربعمائة كتاب، توفِّي سنة ????.

وأبو إسحاق المروزي أمام عصره في العراق بعد ابن سريج، أقام بالعراق دهرًا طويلًا ينشر مذهب الشافعي، توفي سنة ????.

وأبو الحسن علي بن عمر البغدادي الدارقطني، المحدِّث الكبير، وكان فقيها شافعيًّا، عارفًا باختلاف الفقهاء، رحل إلى مصر، ونزل ضيفًا على
ابن حِنْزابة وزير كافور الإخشيدي، ثم عاد إلى بغداد، وألف كتبًا كثيرة، ومات ببغداد سنة ????، ونسبته إلى دار قطن
محلة ببغداد.

ثم أبو الحسن الماوردي علي بن محمد بن حبيب البصري من أكبر فقهاء الشافعية، تولى القضاء في بلدان كثيرة، واستوطن بغداد، وألف «الحاوي» وهو
من أهم الكتب في الفقه الشافعي، وله الكتاب المشهور المفيد كتاب «الأحكام السلطانية» شرح فيه مناصب الدولة من الناحية
الدينية كالإمامة وشروطها، والوزارة وأقسامها، والقضاء والحسبة وولاية الخراج، إلى آخره، وكان عمدة كل من تعرض لهذا الموضوع من بعده، وله
كتاب آخر في قانون الوزارة وسياسة الملك.

وله كتاب «أدب الدنيا والدين» في الأخلاق على الأصول الدينية لا كتهذيب الأخلاق لمسكويه، فإنه كتاب أخلاق على الأصول الفلسفية.

مات ببغداد سنة ????.

وكان للحنابلة سلطان كبير في العراق، واشتهر من علمائهم عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل، روى عن أبيه المسند والتفسير توفِّي سنة ????.


وأبو بكر أحمد بن هانئ الطائي البغدادي أحد الأعلام في الفقه على مذهب ابن حنبل، مات بعد السبعين ومائتين.

وأبو إسحاق إبراهيم الحربي إمام كبير في الحديث مات سنة ????.

وأبو بكر عبد الله بن داود الأزدي السجستاني من أكابر حفَّاظ الحديث ببغداد، وانتهت إليه رياسة الحنابلة بها، مات سنة ????.

وأبو القاسم عمر بن الحسين الخِرَقي صاحب المختصر في فقه الحنابلة، خرج من بغداد لما ظهر بها سب السلف، وتوفي سنة ????.

وقد أتعب الحنابلة الحكومات المتعاقبة أكثر من غيرهم من أهل المذاهب الأخرى لشدة عصبيتهم والميل إلى تنفيذ آرائهم بالقوة، من إراقة الخمور
ومحاربة المنكرات، والتعدي على خصومهم من أهل المذاهب، وصبرهم على ما يلقون من محن تقليدًا لأستاذهم الأكبر أحمد بن
حنبل.

وفي هذا العصر نما في العراق التصوف، والدعوة إلى الاهتمام بباطن النفس لا بالظواهر، وحقيقة الشريعة لا مجرد أعمال الجوارح، ورياضة النفس
عن طريق الزهد والعبادة، والوصول إلى المعرفة عن طريق الوحي والإلهام، وإدراك العالم العلوي بالذوق والشعور، لا بما
يدركه العقل بالمنطق والتجارب والقياس، وقد ظهر التصوف في العراق في القرن الثاني، واشتهر من أعلامه رابعة العدوية المتوفاة سنة ????، وهي
القائلة: استغفارنا يحتاج إلى استغفار. والقائلة: إلهي، أتحْرق بالنار قلبًا يحبك؟!

ثم إبراهيم بن أدهم (????)، وشقيق البلخي (????)، ومعروف الكرخي (????)، وهو القائل: التصوف الأخذ بالحقائق، واليأس مما في أيدي الناس.
ثم بشر الحافي (????)، وهو القائل للمحدِّثين: أدوا زكاة هذا الحديث. قالوا: وما زكاته؟ قال: أن تعملوا بخمسة أحاديث
من كل مائتين.

وفي أواسط القرن الثالث تفلسف التصوف، واستمد من الفلسفة اليونانية والفلسفة الهندية، فظهر بالعراق الحارث المحاسبي وهو بصري الأصل، وأستاذ
أكثر البغداديين، ومفلسف التصوف، ألف كتبًا كثيرة؛ وكان يقول: خيار هذه الأمة هم الذين لا تشغلهم آخرتهم عن دنياهم،
ولا دنياهم عن آخرتهم. وكانت تآليفه من الأصول التي اعتمد عليها الغزالي في كتبه، توفي سنة ????.

ثم سهل بن عبد الله التستري البصري المتوفى سنة ????.

ثم أبو سعيد أحمد بن عيسى البغدادي الخزَّار المتوفى سنة ????، وهو أول من تكلم في الفناء والبقاء.

ثم ظهر إمام الصوفية الجنيد، أصله من نهاوند، ومولده ومنشؤه بالعراق، توفي سنة ???? ببغداد، ومن قوله: «التصوف صفاء المعاملة مع الله.»
«إن الله يخلص إلى القلوب مِنْ بِرِّهِ على حسب ما تُخلص إليه القلوب من ذِكره، فانظر ماذا خالط قلبك.» «المريد الصادق
غني عن علم العلماء.» «التصوف أن تكون مع الله بلا علاقة.»

ومن تلاميذ الجنيد أبو منصور الحلاج الذي نقلت عنه مقالات في الحلول أفتى فيها العلماء بإباحة دمه، فقتل ببغداد سنة ????.

وأخذ المتصوفة يضعون الكتب في التصوف محاذاة لكتب الفقهاء، ومن أشهر هذه الكتب «قوت القلوب» لأبي طالب المكي، أصله من إقليم الجبل وسكن
مكة فنسب إليها، وأقام ببغداد مدة وبالبصرة مدة، وشطح في كلامه، وقد مات ببغداد سنة ????.

وكان طبيعيًّا أن يثور الخلاف بين الفقهاء والمتصوفة لاختلاف النزعتين، فالمتصوف يعتمد على القلب وعلى الذوق وعلى المعرفة من طريق الإلهام
وعلى الباطن، والفقهاء يعتمدون على ظاهر القرآن والسنة، وعلى الاستنباط منهما من طريق المنطق والعقل، وليس عندهم باطن
ولا حقيقة وراء ظاهر النصوص وفهم معانيها، والصوفي يعنى بالروح والنفس، والفقيه يعني بالجانب الظاهري والعملي، والصوفي روحاني نفساني، والفقيه
قانوني، والصوفي يعنى بالحب الإلهي، ولا يعنيه كثيرًا أمر الثواب والعقاب، والفقيه يعني بأداء العبادات، ويعتمد كثيرًا
على الثواب والعقاب … إلخ.

فلا عجب إذن إذا اصطدمت الطائفتان، ولا عجب إن كان أكبر اصطدام لهما في العراق إذ كانت الموطن الأكبر للمتصوفة، وخصوصًا في البصرة حيث كانت
منزل الهنود القادمين إلى العراق، وبغداد حيث تلتقي الثقافات.

وكانت الخصومة أشد ما يكون بين الحنابلة والصوفية لشدة تمسك الحنابلة بظاهر النصوص، ولأثر أحمد بن حنبل نفسه في ذلك، فقد أنكر أحمد بن حنبل
على الحارث المحاسبي الصوفي كلامه في التصوف حتى اختفى المحاسبي، ولما مات لم يحضر جنازته إلا أربعة، وعاب عليه ابن
حنبل وتلاميذه كلامه في الخواطر والوساوس، وقال إن هذه بدعة، ورمى الحنابلة الصوفية بالزندقة وأثاروا الناس عليهم، وكان من أشهر الحوادث
في ذلك المحنةُ المعروفة بمحنة «غلام الخليل»، وكان ذلك سنة ????، إذ جاء «غلام الخليل»، وكان حنبليًّا معروفًا بالحديث
والفقه والوعظ، وقد وصفه أبو داود السجستاني بأنه دجَّال بغداد، واتهم الصوفية بالزندقة، وشغب عليهم العامة، وسعى عند الخليفة، وعند
والدة الموفق، فأمر بالقبض على عدد كبير من الصوفية بلغوا نيفًا وسبعين، وانتهت المحنة بقتل بعضهم، وهرب بعضهم وتبرئة
بعضهم.

ثم كانت فتنة الحلاج الكبرى فاتهم بالكفر ودعوى الألوهية، ورصدت فتوى من محمد بن داود الظاهري بتكفيره سنه ????، ثم قبض عليه وحُوكِمَ؛
وصدرت الفتوى بإباحة دمه من أبي عمر بن يوسف الأزدي وأبي الحسين بن الأشناني، ووقَّع الخليفة بموته، فقتل الحلاج وصلب
وقطعت أطرافه، وأحرق سنة ????.

فنرى من هذا شدَّة ما كان بين الصوفية والفقهاء في العراق من نزاع.

ونشطت حركة الفلسفة والنقل في العراق في العهد البويهي نشاطًا كبيرًا، فكان من أكبر فلاسفة بغداد أبو سليمان المنطقي محمد بن طاهر بن بهرام
السجستاني، شيخ رجال الفكر في بغداد، وقد وصفه تلميذه أبو حيان بأنه «أدق العلماء نظرًا، وأقعرهم غوصًا، وأصفاهم فكرًا،
وأظفرهم بالدرر، وأوقفهم على الغرر، مع تقطع في العبارة، ولكنة ناشئة من العجمة، وقلة نظر في الكتب، وفرط استبداد بالخاطر، وحسن استنباط
للعويص، وجرأة على تفسير الرمز، وبخل بما عنده من هذا الكنز».
??

وكان مجلسه في بيته مدرسة فكرية تثار فيها أدق المسائل، ويدلي فيها كبار العلماء بآرائهم، ولأبي سليمان الكلمة الأخيرة فيما يعرضون.

فيجتمع عنده أمثال أبي زكريا الصيمري، وأبي حيان التوحيدي، والنُّوشَجَاني والقُومَسي، وغلام زحل، ويتجادلون — مثلًا — في هل هناك تأثير
للنجوم في الحوادث الأرضية، وفي أفعال الله هل هي ضرورة أو اختيار، وفي السماع والغناء. ولِم يؤثران في النفس، والعلاقة
بين المنطق والنحو، ونعيم أهل الجنة وكيف يكون، والفرق بين طريقة المتكلمين والفلاسفة، والحظوظ والأرزاق، والدهر وحقيقته.

فكان بيته مدرسة تنشط فيها الحركات الفكرية، وتثار فيه أعقد المسائل أحيانًا ارتجالًا، وأحيانًا بقراءة رتيبة؛ فقد درَّس في بيته — مثلًا
— كتاب النفس لأرسطو وحضره عليه أبو حيان التوحيدي.

ويطلعنا أبو حيان التوحيدي في كتابه «المقابسات» و«الإمتاع والمؤانسة» على محاضر لهذه الجلسات وغيرها مما كان يدور بين العلماء في بغداد،
فيدلنا على نشاط ذهني فلسفي عجيب، وحرية في التفكير عظيمة، وثروة في رجال الفكر والنشاط العقلي كبيرة، فيروي لنا —
مثلًا — مناظرة كبرى بين أبي سعيد السيرافي النحوي وبين متَّى بن يونس القُنَّائي في المنطق اليوناني والنحو العربي سنة ????، وكانت في
بغداد، واحتشد لهذه المناظرة كثير من العلماء ورسول للإخشيديين بمصر ورسول للسامانيين، وكان أساس المناظرة أن متَّى
يقول: لا سبيل إلى معرفة الحق من الباطل، والصدق من الكذب، والخير من الشر، والحجة من الشبهة، والشك من اليقين؛ إلا بالمنطق حسبما رسمه
أرسطو. وكان أبو سعيد يرى أن هذه الأمور تعرف بالعقل الفطري من غير حاجة إلى المنطق، وليس علم المنطق إلا أشكالًا،
فهب أن الأشكال صحيحة فبم تعرف جوهر الأشياء وحقيقتها؟ أليس من طريق العقل؟! وتحورت المناقشة بعد ذلك إلى مسائل فرعية لا نطيل بها، كدعوى
أنه لا حاجة بالمنطقي إلى النحو، وبالنحوي حاجة إلى المنطق … إلخ.

ويحكي مجلسًا عند الوزير ابن سعدان حضره جماعة من متفلسفة النصارى جرى فيه البحث في الإصلاح الخلقي وتقسيمه إلى سهل وعسير كالإصلاح البدني.


ومحضر جلسة أخرى عند عيسى بن علي بن عيسى الوزير في السبب الذي من أجله يولع كل ذي علم بعلمه.

ومناظرة بين ماني المجوسي وأبي الحسن محمد بن يوسف العامري في النفس بعد الموت هل تبقى أو لا تبقى.

ومناقشة في أن معرفة الله هل هي ضرورية أم استدلالية، إلى أكثر من أمثال ذلك مما يدل على جو مملوء بالأفكار الفلسفية، وميل عقلي إلى فلسفة
الأشياء والعمق في التفكير فيها.

واشتهر بالطب والفلسفة في بغداد ابن بطلان وهو أبو الحسن المختار بن الحسن بن عبدون النصراني، وهو الذي كان له المساجلات الطويلة المفيدة
مع ابن رضوان المصري، فلما طالت سافر على مصر لزيارة منافسه سنة ???? وعرج على حلب، ثم وصل مصر سنة ???? وأقام بها
ثلاث سنين، ثم عاد إلى بغداد، وقد تقدم طرف مما كانت تدور حوله المناظرة عند ترجمة ابن رضوان، وقد وصل إلينا من كتبه كتاب شراء العبيد وكتاب
دعوة الأطباء، وقد صنف أيضًا في تقويم الصحة، وكيفية دخول الغذاء في البدن وهضمه، والمدخل إلى الطب … إلخ.

وكان من أشهر المشتغلين بالفلسفة في بغداد يحيى بن عَدِيٍّ النصراني، وكان رئيس المناطقة في زمانه، أخذ العلم عن بشر بن متى وعن الفارابي،
وكان كثير الإنتاج بما ينقل من السريانية إلى العربية وبما يؤلف وبما ينسخ، وقد عُمِّر إحدى وثمانين سنة كان فيها حركة
دائبة، ألَّف مقالات كثيرة في المنطق وفي الإلهيات، ومات ببغداد سنة ????، وصفه أبو حيان التوحيدي بأنه «كان شيخًا لين العريكة، مشوه الترجمة
رديء العبارة، وكان مبارك المجلس، وكان ينبهر في الإلهيات ويضل فيها».

وممن اشتهر بالفلسفة أيضًا أبو علي بن زرعة النصراني، اشتهر بالمنطق وعلوم الفلسفة، والنقل إلى العربية، اختصر كتاب أرسطو في المعمور من
الأرض، وألف كتاب أغراض كتب أرسطو المنطقية، ومقالة في العقل … إلخ. مات ببغداد سنة ????، وقد فضله أبو حيان على يحيى
بن عدي فقال: «إنه كان حسن الترجمة صحيح النقل، كثير الرجوع إلى الكتب، محمود النقل إلى العربية … ولولا توزع فكره في التجارة ومحبته في
الربح وحرصه على الجمع لكانت قريحته تستجيب له.» وهو يشير على أنه كان مفتونًا بالتجارة مع القسطنطينية فاغتنى، ولكن
صودرت أمواله ووقع في محن حتى أصيب بالفالج.

كما اشتهر نظيف القسي الرومي، وكان خبيرًا باللغات، ينقل من اليوناني إلى العربي، واستخدمه عضد الدولة البويهي في البيمارستان الذي أنشأه
ببغداد، قال أبو حيان: «إن نظيفًا كانت يده في الطب أطول، ولسانه في المجالس أجول، ومعه وفق وحذق في الجدل.»

وغير هؤلاء كثيرون عُنُوا بالفلسفة في بغداد كابن السمح، وأبي بكر القُوَسي، وابن الخمار، وأبي الوفاء البزجاني الرياضي المشهور، قال فيه
ابن خلكان: إنه أحد الأئمة المشاهير في علم الهندسة، وله فيه استخراجات غريبة لم يسبق بها، قدم العراق سنة ????، ومات
به سنة ????.

ومن هذه الطبقة أبو عليٍّ أحمد بن محمد مسكويه، كان خازنًا لكتب عضد الدولة، واختص من الفلسفة بالناحية الخلقية، فألف تهذيب الأخلاق، كما
ألف في التاريخ كتابه تجارب الأمم جرى فيه على نسق خاص، وهو الاهتمام بمواضع العبرة في الأحداث التاريخية، والتعليق
عليها تعليق الحكيم المجرِّب.

وظهر بالبصرة في القرن الرابع للهجرة جماعة إخوان الصفا، وكان منهم — كما حدث أبو حيان التوحيدي — زيد بن رفاعة، وأبو سليمان محمد بن معشر
البُسْتي المعروف بالمقدسي، وأبو الحسن علي بن هارون الزنجاني، وأبو أحمد المهرجاني، والعوفي، وغيرهم، «وكانت هذه الجماعة
قد تألفت بالعِشرة، وتصافت بالصداقة، واجتمعت على القدس والطهارة والنصيحة، فوضعوا بينهم مذهبًا زعموا أنهم قرَّبوا به الطريق إلى الفوز
برضوان الله، وذلك أنهم قالوا: إن الشريعة قد دنست بالجهالات، واختلطت بالضلالات، ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا
بالفلسفة؛ لأنها حاوية للحكمة الاعتقادية والمصلحة الاجتهادية، وزعموا أنه متى انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة العربية، فقد حصل
الكمال، وصنفوا خمسين رسالة في جميع أجزاء الفلسفة علمها وعملها، وأفردوا لها فهرستًا وسموها رسائل إخوان الصفا، وكتموا
فيها أسماءهم، وبثوها في الوراقين ورهبوها للناس».
??

وعلى الجملة فقد كانت الحركة الفلسفية في العراق من أرقى الحركات الفلسفية في المملكة الإسلامية.

وقد نبغ في العراق في ذلك العصر كثير من الشعراء والأدباء، من أشهرهم في بغداد ابن نباتة السَّعْدِي مدَّاح الملوك والرؤساء والوزراء، مدح
سيف الدولة في حلب كما تقدم، ومدح عضد الدولة والوزير المهلبي في العراق، وابن العميد في الري؛ وله مقطوعات كثيرة في
الغزل وشكوى الزمان، وأكثر من الوصف وأجاد، فوصف كماة الحرب وأسرى الروم، والفَرَس، والمغنَّى، والسكين، وطيب الهواء، وخوالج نفسه … إلخ.
وقد جمع شعره بين الرِّقة والسهولة وحسن السبك، ومات سنة ???? ببغداد.

ثم أبو الحسن السلامي نسبة على دار السلام، شاعر عربي الأصل من بني مخزوم، ولد في كرخ بغداد، مدح الصاحب بن عباد بأصفهان، وابن العميد في
الري، وعضد الدولة بشيراز، وسلك مسلك أبي نواس في التشبيب بالغلمان، وجرى على سنة عصره في الإكثار من المقطوعات، ووصف
ما يعرض من الأشياء، وقد وصف شِعب بَوَّان وصفًا لم يستطع الوصول فيه إلى ما وصل له المتنبي في وصفه، ويفحش أحيانًا فيفرط في الفحش، ويهجو
فيقذع في الهجاء، على عادة كثير من شعراء هذا العصر.

ثم ابن سكرة، وابن حجاج، وقد سبق طرف من الكلام عليهما.

وقد وصف أبو حيان التوحيدي بعض المشهورين من الشعراء في وقته ببغداد، فكان مما قال: «إن ابن نباتة شاعر الوقت، لا يدفع ما أقول إلا حاسد
أو جاهل أو معاند، قد لحق عِصابة سيف الدولة وعدا معهم ووراءهم، حسن الحذو على مثال سكان البادية، لطيف الائتمام بهم،
خفي المغاص في واديهم، ظاهر الإطلال على ناديهم، هذا مع شعبة من الجنون وطائف من الوسواس.

وأما ابن حجاج فسخيف الطريقة، بعيد عن المجد، قريع في الهزل، ليس للعقل من شعره منال، ولا له في قرضه مثال، على أنه قويم اللفظ، سهل الكلام
… وهو شريك ابن سكرة في هذه الغرامة — الخسارة — وإذا جد أقعى، وإذا هزل حكى الأفعى.

وأما السلامي فهو حلو الكلام، متسق النظام، كأنما يبسم عن ثغر الغمام، خفي السرقة، لطيف الأخذ، واسع المذهب، لطيف المغارس، جميل الملابس،
لكلامه ليطة بالقلب، وعبث بالروح، وبرد على الكبد.

وأما الحاتمي،
??
فغليظ اللفظ، كثير العُقَد، يحب أن يكون بدويًّا قُحًّا، وهو لم يتم حضريًّا، غزير المحفوظ، جامع بين النظم والنثر على تشابه بينهما في
الجفوة، وقلة السلاسة.
وأما ابن جلبات
??
فمجنون الشعر، متفاوت اللفظ، قليل البديع، واسع الحيلة كثير الزوق، التزويق، قصير الرشاء، كثير الغثاء.
وأما الخالع
??
فأديب الشعر، صحيح النحت، كثير البديع، مستوي الطريقة، متشابه الصناعة، بعيد من طفرة المتحير، قريب من فرصة المتخيِّر.
وأما مسكويه
??
فلطيف اللفظ رطب الأطراف، رقيق الحواشي، سهل المأخذ، قليل السكب، بطيء السبك، مشهور المعاني، كثير التواني، شديد التوقِّي، ضعيف الترقي،
يرد أكثر مما يَصْدُر، ويتطاول جهده ثم يقصر.»
??

كما كان من أكبر شعراء هذا العصر في بغداد الشريف الرضي، وقد تقدم القول فيه.

واشتهر من شعراء البصرة في هذا العصر البويهي ابن لَنْكَك البصري، وقد رأى غيره من الشعراء ينفق سوقه وهو خامل، مع أدبه وظرفه، فأكثرَ مِن
ذمِّ الدهر، وشكوى الزمان، وهجاء من نجح من الشعراء، وهو في المقطوعات القصيرة أجود منه في القصائد الطويلة.

ونبغ في العهد البويهي أربعة من كبار الكتاب، اثنان في الجزء الفارسي الجنوبي، وهما، ابن العميد، والصاحب بن عباد، وسيأتي الكلام فيهما،
واثنان في العراق، وهما: أبو إسحاق الصابي، وأبو القاسم عبد العزيز بن يوسف.

فأما الصابي فهو إبراهيم بن هلال الحرَّاني الصابي، صاحب الرسائل المشهورة المطبوعة، كان كاتب الإنشاء ببغداد عن الخليفة وعن عز الدولة
البويهي، وتقلد ديوان الرسائل سنة ????، وقد ظل محافظًا على دينه الوثني، رغم ما خوطب ومُنِّيَ ووعد بالوزارة إذا هو
أسلم، في ملاطفة للمسلمين ومجاراتهم والاحتفال بشعائرهم، فكان يصوم رمضان، ويحفظ القرآن كان مع صابئيته محبوبًا من عظماء المسلمين، مقربًا
إليهم، مبجلًا موقرًا كالصاحب ابن عباد، والزير المهلبي، وقد حكى ياقوت عنه أنه قال: «راسلت المتنبي في أن يمدحني بقصيدتين
وأعطيه خمسة آلاف درهم، ووسطت بيني وبينه رجلًا من وجوه التجار، فقال المتنبي للوسيط: قل له والله ما رأيت بالعراق من يستحق
المدح غيرك، ولكن إن مدحتك تنكر لك الوزير — يعني الوزير المهلبي — وتغير عليك؛ لأني لم أمدحه، فإن كنت لا تبالي هذه الحال فأنا
أجيبك إلى ما التمست وما أريد عن شعري عوضًا.»

وقد كان الصابي يناصر عز الدولة على عضد الدولة، فلما انتصر عضد الدولة وقتل عز الدولة قبض على الصابي وحبسه وأراد إلقاءه تحت أرجل الفيلة،
فتشفعوا له فشفع، ولكن لم يزل في نفسه منه، وأمره عضد الدولة أن يؤلف له كتابًا في أخبار الدولة البويهية، فعمل له
الكتاب «التاجي»، وقد وشى بعض الناس إلى عضد الدولة أن الصابي سئل وهو يكتب هذا التاريخ: ماذا تصنع؟ فقال: «أباطيل أنمقها وأكاذيب ألفقها.»
فقبض عليه، وحبس أربع سنين، ثم خرج وقد ساء حاله، ومات ببغداد سنة ???? عن إحدى وسبعين سنة.

وقد كان يعد من أعظم كتاب عصره، وأسلوبه — كما تدل عليه رسائله — فقرات متساوية، مسجوعة أحيانًا، مزدوجة أحيانًا، وقد وصفه ابن الأثير أنه
إمام الكتاب في عصره، وأنه يجيد في الكتابة الرسمية — السلطانيات — ويقصر في الإخوانيات، وأخذ عليه تكراره في معنى
واحد كقوله: «لا تخلقه العصور بمرورها، ولا تهرمه الدهور بكرورها.»

ولما مات رثاه الشعراء، ومنهم الشريف الرضي في قصيدته المشهورة:

أرأيت من حملوا على الأعواد
أرأيت كيف خبا ضياء النادي

يقول فيها:

ثكلتك أرض لم تلد لك ثانيًا
أنى ومثلك معوز الميلاد
من للممالك لا يزال يلمها
بسداد أمر ضائع وسداد
من للجحافل يستزل رماحها
ويرد رَعْلتها
??
بغير جلاد
وصحائف فيها الأراقم كُمَّن
مرهوبة الإصدار والإيراد
حمر على نظر العدو كأنما
بدم يخط بهن لا بمداد
يقدمن إقدام الجيوش وباطل
أن ينهزمن هزائم الأجناد
إن الدموع عليك غير بخيلة
والقلب بالسلوان غير جواد
وأما أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف، فكان يعد من أكبر كتاب عصره، تقلد ديوان الرسائل لعضد الدولة، وتقلد الوزارة بعد عدة مرات لأولاده،
وهو في أسلوبه أقل التزامًا للسجع وإن كان يزاوج، وفي إخوانياته يمزج شعره بنثره.
??

ومن أشهر الكتاب البويهيين أبو حيان التوحيدي، وقد كان من نوع آخر، فكتابته يعنى فيها بالموضوع كما يعنى بالشكل، وهو غزير العقل واسع العلم
حسن الصياغة، جيد السبك وبحق لقبوه بالجاحظ الثاني، وقد وصل إلينا من كتبه «الإمتاع والمؤانسة»، و«المقابسات» و«البصائر»،
ورسالة في الصداقة، وأسلوبه فيها أسلوب أدبي راق يحب الازدواج ويطيل البيان، ويولد المعاني حتى لا يدع لقائل بعده قولًا، كثير المحفوظ،
واسع المعرفة، له اتصال تام بالفلسفة، والتصوف والأدب من شعر ونثر، والتاريخ والسير، خبير بأحوال الزمان، حمله البؤس
على أن يتنقل في الأمصار، ويتصل بالعامة، ومكنه أدبه أن يتصل بالوزراء كابن العميد، وابن عباد، وابن سعدان، فعرف من أخلاق
الناس على اختلاف طبقاتهم الشيء الكثير، ودون ذلك في كتبه، وفي أسلوبه بعض الغموض إذا تعرض للمسائل الفلسفية لطبيعية الموضوع وعمقه،
واضح كل الوضوح إذا تعرض للمسائل الأدبية والاجتماعية، وقد اتجه اتجاهًا لطيفًا في تدوينه في كتاب «الإمتاع والمؤانسة»
ما دار في المجلس بينه وبين الوزير ابن سعدان وزير صمصام الدولة البويهي، كما دون في كتابه «المقابسات» محاضر جلسات لكثير من العلماء وخاصة
أبا سليمان المنطقي.

ونبغ في الأدب واللغة أبو بكر محمد بن دريد الأزدي، ولد بالبصرة سنة ????، ثم مكث بعمان اثنتي عشرة سنة، ثم عاد إلى البصرة، ثم ذهب إلى
فارس وصحب ابني ميكال، وكانا واليين على فارس، ثم عاد إلى بغداد سنة ????، وظل بها إلى أن مات سنة ????، وهي السنة
التي تسلط فيها البويهيون على العراق.

وكان من أكبر علماء العربي، مقدَّمًا في اللغة والأدب، ونبغ من تلاميذه كثيرون أشهرهم أبو علي القالي وأبو سعيد السيرافي.

وعنه يروي أبو علي القالي في أماليه قصصًا أدبية رائعة، وهي أشبه أن تكون من وضع ابن دريد، ويعدها «الحُصري» أساسًا لمقامات بديع الزمان.


وله كتاب «الجمهرة في اللغة»، و«المقصورة»، وكتاب «الاشتقاق» … إلخ، وتفوق في نواح كثيرة في الأدب — فهو شاعر قصاص — وفي اللغة، وفي النحو
والصرف والأنساب.

وقد انطبعت صورته العلمية في مؤلِّفين كبيرين تتلمذا له، وهما أبو علي القالي صاحب الأمالي ناشر علم اللغة والأدب في الأندلس، وأبو الفرج
الأصفهاني صاحب الأغاني، وكان من خاصة تلاميذه.

ثم أبو بكر بن الأنباري كان من أعلم البغداديين لغةً وأدبًا، وأكثر الناس حفظًا للشعر والشواهد، كما يعد من علماء القرآن والسنة، وألف في
ذلك كله الكتب الكثيرة في علوم القرآن وغريب الحديث، والوقف والابتداء، وفي اللغة كتاب الأضداد، وقد وصل إلينا من كتبه
الدالة على غزارة علمه بالأدب واللغة شرحه للمفضليات، مات سنة ????، وكان كذلك شيخًا من أكبر الشيوخ الذين استفاد منهم أبو الفرج الأصفهاني.


وقد نبغ من مؤلفي الأدب في العصر البويهي في العراق أبو الفرج الأصفهاني مؤلف كتاب الأغاني، متعة الأدباء على اختلاف العصور، ينتهي نسبه
إلى آخر خلفاء الأمويين مروان بن محمد، وقد ولد بأصبهان سنة ????، ونشأ ببغداد، وأخذ العلم والأدب والتاريخ عن ابن
دريد، وابن الأنباري، وابن جرير الطبري وغيرهم، وامتاز باطلاعه الواسع على الشعر والأغاني، والأخبار والنسب، كما كان ملمًّا بآلات الطرب،
وطرف من الطب والنجوم والأشربة، ويقرأ الكتب المخطوطة، ويأخذ عنها فيقول: نقلت من كتاب كذا.

وقد اتصل بالوزير المهلبي، وحظى عنده، وألَّف كتبًا كثيرة منها كتاب «الأغاني» وهو أمتعها وقد قال إنه ألفه في خمسين سنة، وكتاب «القيان»،
«ومقاتل الطالبيين»، و«الإماء الشواعر»، و«الديارات» … إلخ، ومات في بغداد سنة ???? أو بعد ذلك.

وقد حظي كتابه «الأغاني» في عصره وبعده إلى اليوم؛ فقد أهدى أول نسخة منه إلى سيف الدولة فأجازه بألف دينار، وأعجب به الصاحب بن عباد، وكان
يستصحبه في أسفاره، وقال أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف: «لم يكن كتاب الأغاني يفارق عضد الدولة في سفره ولا حضره.»


كما كان من كبار رجال الأدب القاضي التنوخي، وهو أبو القاسم علي بن محمد التنوخي من أعيان أهل العلم والأدب، تولى قضاء البصرة والأهواز
بضع سنين، وكان على فقهه أدبيًا وشاعرًا ظريفًا، وكان من ندماء الوزير المهلبي وسماره، «وكان الوزير المهلبي وغيره
من رؤساء العراق يميلون إليه، ويتعصبون له، ويعدونه ريحانة الندماء وتاريخ الظرفاء، وكان في جملة الفقهاء والقضاة الذين ينادمون الوزير
المهلبي، ويجتمعون عنده في الأسبوع ليلتين على اطراح الحشمة والتبسط في القصف والخلاعة» … إلخ،
??
وكان فقيهًا على مذهب أبي حنيفة معتزليًّا له شعر كثير، ومنه مقصورة عارض بها مقصورة ابن دريد، ومات بالبصرة سنة ????.

وقد أنجب ابنه أبا علي المحسن التنوخي، وكان أدبيًا شاعرًا أخباريًّا؛ وهو صاحب كتاب «نشوار المحاضرة»، أراد به أن يحقق فكرة لطيفة وهي
أن يدون تاريخ الأحداث التي تدور في المجالس وعلى ألسنة الرواة ولم تدون في الكتب، كما أنه ألف كتاب «الفرج بعد الشدة»
وكتاب «المستجاد من فعلات الأجواد»، وقد مات ببغداد سنة ????.

وقد أنجب هذا أيضًا أبا القاسم علي بن المحسِّن التنوخي، وكان مثل أبيه وجده فقيهًا شاعرًا أديبًا؛ وكان هو والخطيب التبريزي يصبحان أبا
العلاء المعرِّي ويأخذان عنه، تولَّى علي بن المحسن القضاء في عدة نواح، وإليه كتب أبو العلاء قصيدته التي أوَّلها:


هات الحديث عن الزوراء أو هيتا

مات سنة ????.

فأسرة التنوخي من خير الأسر العراقية علمًا وأدبًا وتأليفًا.

ثم الشريف المرتضى علي بن الطاهر، كان نقيب الطالبيين في بغداد، وهو أخو الشريف الرضي، وكان إمامًا في علم الكلام والأدب والشعر، وقد وصل
إلينا من أهم تآليفه كتاب «أمالي المرتضى»، وهو ستة وخمسون مجلسًا، مملوء بالفوائد القيمة في التفسير والحديث وعلم
الكلام والأدب ممزوج بعضها ببعض، ناح فيه منحى الاعتزال والتشيُّع معًا، ويستطرد لذكر تراجم لرجال المعتزلة وبعض الشعراء والأدباء؛ ويظهر
أنها دروس أملاها على بعض تلاميذه، وهي تفيدنا فائدة كبرى في مناهج الدروس في ذلك العصر.

وقد توفِّي ببغداد سنة ????.

ثم أبو سعيد السيرافي، وكان من أوسع العلماء ثقافة في علوم القرآن والحديث والنحو واللغة والفقه والفرائض والحساب والكلام والشعر.

كان أبوه مجوسيًّا فأسلم وكان أبو سعيد هذا من أعلم الناس بالعربية مع زهد وصلاح وعفة، وصنَّف تصانيف كثيرة أكبرها شرح كتاب سيبويه، وكثر
تلاميذه والأخذ منه والانتفاع به في فروع العلم المختلفة، وكان يميل إلى مذهب الاعتزال، «وكان بينه وبين أبي الفرج
الأصفهاني ما جرت العادة بمثله بين الفضلاء من التنافس»،
??
ومات ببغداد سنة ????، وتتلمذ له أبو حيان التوحيدي وهو يحكي عنه في كتابه «الإمتاع والمؤانسة» بعض علمه في اللغة والنحو، ويروي ما يرويه
عنه في إجلال وتوثيق.

وقد كان أبو سعيد وهو في بغداد مقصد الأمراء والعظماء في الأمصار المختلفة يبعثون إليه يسألونه عما أشكل عليهم، فكتب إليه نوح بن نصر الساماني
سنة ???? كتابًا خاطبه فيه بالإمام، وسأله عن مسائل تزيد على أربعمائة أغلبها ألفاظ لغوية، وأمثال يسأله فيها عن صحة
نسبتها إلى العرب، وكتب إليه الوزير البلعمي كتابًا خاطبه فيها بإمام المسلمين سأله فيه عن مسائل في القرآن، وكتب إليه المرزبان بن محمد
ملك الديلم من أذربيجان كتابًا خاطبه فيه بشيخ الإسلام سأله فيه عن مائة وعشرين مسألة أكثرها في القرآن والحديث.

وكتب إليه ابن حنزابة الوزير المصري كتابًا خاطبه فيه بالشيخ الجليل، سأله فيه عن ثلاثمائة كلمة من فنون الحديث.

وكتب إليه أبو جعفر ملك سجستان كتابًا يخاطبه فيه بالشيخ الفرد، سأله عن سبعين مسألة في القرآن، ومائة كلمة في العربية، وثلاثمائة بيت من
الشعر، وأربعين مسألة في الأحكام، وثلاثين مسألة في الأصول على طريق المتكلمين، فأجاب عنها كلها، وتقع الأسئلة والأجوبة
في نحو ألف وخمسمائة ورقة.

ثم هو صاحب المناظرة الكبرى التي جرت بينه وبين أبي بشر متَّى في المفاضلة بين النحو والمنطق، وقد حكاها كلها أبو حيان التوحيدي في الجزء
الأول من الإمتاع، وقد وصل إلينا من كتبه كتاب أخبار النحويين البصريين.

وكان نظير أبي سعيد السيرافي وقرينه في النحو والصرف أبو علي الفارسي وهو من أعلام الدولة البويهية، ولد بفارس وأتى بغداد سنة ????، وأقام
بها يشتغل بالعلم، ثم رحل إلى حلب وأقام عند سيف الدولة في حلبته، وله مع المتنبي مناظرات، ثم انتقل إلى فارس وصحب
عضد الدولة وعلت منزلته عنده، وألف أبو علي له كتاب الإيضاح والتكملة في النحو، وله كتاب الحجة في القراءات، ومنه نسخة مخطوطة في دار الكتب،
وله كتب أخرى كثيرة، وقد رحل إلى بلاد كثيرة، وكان يدوِّن في كتاب ما يجري له من مناظرات في كل بلد، فكتاب المسائل
الحلبيات، والبغداديات، والشيرازيات … إلخ.

وقد وازن أبو حيان التوحيدي بينه وبين أستاذه أبي سعيد السيرافي، ففضل السيرافي لسعة علمه ودينه وتقواه، وقال: إن أبا علي كان يشرب ويتخالع
ويفارق هَدْي أهل العلم.

وفي الحق أن السيرافي كان أشبه بالمحافظين، يروي ما يسمع، ويحفظ ما يروي على كثرة ما يروى وما يحفظ في ثقة وأمانة، وأن أبا علي كان حرًّا
مبتكرًا قَيَّاسًا، فتح للناس هو وتلميذه ابن جني أبوابًا جديدة في النحو والتصريف لم يُسبقا إليها كما تقدم، وقد توفِّي
أبو علي الفارسي في بغداد سنة ????.

وثالث الثلاثة المشهورين في هذا الباب أبو الحسن الرُّمَّاني جمع بين النبوغ في النحو وعلم الكلام، وهو تلميذ ابن دريد أيضًا في الأدب،
وقد قال فيه أبو حيان عند الموازنة: إنه عالي الرتبة في النحو واللغة والكلام والعروض، والمنطق، وعِيبَ به، إلا أنه
لم يسلك طريق واضع المنطق، بل أفراد صناعة وأظهر براعة. وقد عمل في القرآن كتابًا نفيسًا، هذا مع الدين والعقل الرزين، توفِّي سنة ????.


ومن خير ما أخرجته بغداد في هذا العصر ابن النديم — وهو محمد بن إسحاق النديم — كان وراقًا، وكان عالمًا، فاستخدم علمه وصناعته في ناحية
لم نعرف أن التفت إليها أحد قبله، وهي أن يحصي جميع الكتب العربية المنقولة من الأمم المختلفة، والمؤلفة في جميع أنواع
العلوم، ويصفها ويبين مترجميها أو مؤلفيها، ويذكر طرفًا من تاريخ حياتهم، ويعين تاريخ وفاتهم؛ فكان الكتاب على هذا النمط أجمع كتاب لإحصاء
ما ألَّف الناس إلى قريب من نهاية القرن الرابع، وأشمل وثيقة تبين ما وصل إليه المسلمون في حياتهم العقلية والعلمية
في ذلك العصر، وأكثر هذه الكتب التي وصفها قد ضاعت بتوالي النكبات المختلفة على المملكة الإسلامية، ولا سيما في غزو التتار لبغداد، ولولا
كتاب «الفهرست» لضاعت أسماؤها وأوصافها أيضًا كما ضاعت معالمها.

والناظر في كتاب «الفهرست» يعجب لهذا النشاط العلمي الذي قام به المسلمون في هذه العصور، وكثرة المؤلفين والمترجمين في جميع نواحي العلم،
كما يعجب بسعة اطلاع ابن النديم وحبه للوقوف على كل شيء حتى في أدق مسائل الأديان المختلفة، والمذاهب المتنوعة، ويستقصي
البحث عن أحوال الصين والهند، كما يستقصي البحث عن الشام والعراق، وهو في كل ذلك يقابل أصحاب النحل المختلفة، ويسائلهم ويدقِّق في أخبارهم،
ثم يدوِّن ما يصل إليه علمه.

وأسلوبه في كتابته أسلوب موجز يكره اللغو والمقدمات، ويحب أن يهجم على موضوعه من غير مواربة ولا تمهيد، حتى لا تستطيع أن تحذف جملة؛ لأن
معناها مكرَّر أو عباراتها مترادفة، ثم هو يتحرَّى الصدق، ويميِّز بين ما رأى وما لم ير، وينقل ذلك إلى القارئ في أمانة.


وقد نصَّ المؤلف على أنه ألَّف كتابه هذا سنة ????، وفي الكتاب ذكر لعلماء ماتوا بعد الأربعمائة كابن نباتة التميمي، فلا بد أن بعض العلماء
زادوا في نسخته؛ لأنه مات سنة ???? كما ذكر ابن النجار، أو سنة ???? كما ذكر المرزباني.
??

فإذا نحن انتقلنا من العراق إلى الجزء الجنوبي من فارس، وهو الجزء الذي حكمه البويهيون أيضًا، وجدنا ثروة كبيرة في العلم في جميع فروعه،
وفي الأدب والشعر؛ فشيراز في الجنوب والري في الشمال، كانا من أهم العواصم السياسية والعلمية والأدبية، واشتهر من بلاد
الجنوب سيراف، وفيروزاباد، وأرزنجان، وإصطخر، وعاصمتها شيراز، كما اشتهر من بلاد الشمال وهي بلاد الجبل أصبهان ونهاوند، وهمذان،
ودِينَوَر، وقومس، وبسطام وعاصمتها الري، وأخرجت هذه البلاد من المحدِّثين والفقهاء والنحاة والفلاسفة والصوفية والأدباء ما
لا يحصى كثرة.

فاشتهر من المحدثين والفقهاء أبو بشر محمد بن أحمد بن حماد الدولابي الرازي — نسبة إلى دولاب قرية بالري — له تآليف في الحديث والتاريخ
اعتمد عليها المحدثون، وتوفي سنة ????.

وأبو محمد عبد الله بن حَيَّان الأصفهاني محدِّث أصفهان، وهو إمام في الحديث، له كتاب «السنة وفضائل الأعمال»، توفِّي سنة ????.

وأبو عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن مَنْدَه الأصفهاني، كان يلقَّب بمحدِّث الشرق؛ توفِّي سنة ????.

وأبو محمد بن عبد الرحمن بن أبي حاتم بن إدريس الحنظلي حافظ الريِّ له المصنَّفات الكثيرة في الحديث والفقه، توفي سنة ????.

والقاضي يوسف بن أحمد بن كَجٍّ الدينَوري أحد أئمَّة الشافعية، قدم إليه أبو علي السنجي بعد أن رأى أبا حامد الإسفرائيني في بغداد؛ فقال
له أبو علي: إن الاسم لأبي حامد، والعلم لك. فقال له: ذاك رفعته بغداد وحطَّتني الدينور. قتل بها سنة ????.

ويطول بنا القول لو عددنا مشاهير المحدِّثين والفقهاء في هذا الإقليم، ثم كان لعضد الدولة قبل انتقاله إلى بغداد، وابن العميد في إقامته
بالريِّ وزيرًا، وابن عبَّاد كاتبًا ووزيرًا في أصفهان والري — أثرٌ كبير في نشاط الحركة الأدبية والعلمية نشاطًا عجيبًا.


لقد تقسَّم الأمراء الثلاثة البويهيون مملكتهم: فكان عماد الدولة صاحب بلاد فارس والأهواز، وركن الدولة صاحب بلاد الريِّ والجبل، ومعزُّ
الدولة صاحب العراق. وجاء عضد الدولة بن ركن الدولة فضمَّ العراق إلى ملكه، كما ضمَّ إليه مُلك البويهيين جميعًا تقريبًا،
وضمَّ إليه الموصل وبلاد الجزيرة وسمِّي بالملك، وهو أول من سمي بذلك في الإسلام، وكان يقيم أحيانًا في الري، وأحيانًا في شيراز، فلما فتح
العراق كانت عاصمة ملكه بغداد.

وابن العميد كان وزيرًا لركن الدولة صاحب بلاد الريِّ والجبل، وكان ابن العميد مركزه الري، واستمر وزيرًا نحو اثنتين وثلاثين سنة حتى مات
سنة ????.

وابن عباد كان كاتبًا عند ابن العميد، ولأجل تلمذته لابن العميد وصحبته له سمِّي الصاحب، وظل الصاحب يكتب لابن العميد في الري، ثم اختاره
ابن العميد ليكون مربيًا لمؤيد الدولة ابن ركن الدولة ووليِّ عهده، وكانت إقامته في أصفهان، ثم أصبح وزيرًا لمؤيد الدولة
إلى سنة ????، ثم وزيرًا لأخيه فخر الدولة إلى أن توفي سنة ????، وخَلَف ابن العميد في مركزه في الوزارة وفي إقامته في الري.

فهؤلاء الأعلام الثلاثة: عضد الدولة البويهي، والوزيران ابن العميد، وابن عباد، جعلوا هذا القسم من فارس في منتهى الخصب العلمي والأدبي؛
إذ كان كل منهم على إمارته أو وزارته عالمًا أديبًا، يرى أول ما يجب عليه أن يزيِّن بلاطه ومجلسه بالعلماء والأدباء.


فعضد الدولة كان إلى ملكه الواسع مثقفًا ثقافة واسعة، يأخذ علم النحو واللغة عن أبي علي الفارسي، وهذا يؤلف له كتاب «الإيضاح والتكملة في
النحو»، وله معه مناقشات طريفة، ويقصده الشعراء فيجيدون الشعر لمعرفتهم بتذوُّقه له، فقصده المتنبي أيام كان عضد الدولة
بشيراز، وقال فيه:

وقد رأيت الملوك قاطبة
وسرت حتى رأيت مولاها
وَمن مناياهمُ براحته
يأمرها فيهمُ وينهاها
أيام شجاع بفارس عضد
الدولة فناخسرو شهنشاها
أساميا لم تزده معرفة
وإنما لذَّة ذكرناها

ثم أنشده قصيدة نونية ذكر فيها شِعب بَوَّان، وهو موضعٌ نزه قرب شيراز:

يقول بشعب بوان حصاني
أعن هذا يسار إلى الطعان
أبوكم آدم سنَّ المعاصي
وعلمكم مفارقة الجِنان
فقلت: إذا رأيت أبا شجاع
سلوت عن العباد وذا المكان
فإن الناس والدنيا طريق
إلى من ما له في الناس ثان

ثم مدحه بقصائد أخرى، وآخر شعره أيضًا كافيته التي يقول فيها:

أروح وقد ختمت على فؤادي
بحبك أن يحل به سواكا

ومدحه غير المتنبي كثير من الشعراء.

وعضد الدولة هو الذي بنى البيمارستان العضدي ببغداد، وغرم عليه المال الكثير، وأعدَّ له من الآلات ما يقصر الشرح عن وصفه.
??

وابن العميد تفوَّق في علوم كثيرة منها الهندسة والمنطق، وعلوم الفلسفة والإلهيات والطبيعة والتصوير، وكان أديبًا واسع الرواية لأشعار العرب.


قال مسكويه في كتابه «تجارب الأمم»، وكان قيَّم دار كتب ابن العميد في بعض وقته: «كان هذا الرجل — ابن العميد — أكتب أهل عصره، وأجمعهم
لآلات الكتابة حفظًا للغة والغريب، وتوسعًا في النحو والعروض، واهتداءً إلى الاشتقاق والاستعارات، وحفظًا للدواوين
من شعراء الجاهلية والإسلام … فأما تأويل القرآن، وحفظ مشكله وتشابهه، والمعرفة باختلاف فقهاء الأمصار، فكان منه في أرفع درجة، وأعلى رتبة،
ثم إذا ترك هذه العلوم، وأخذ في الهندسة والتعاليم لم يكن يدانيه فيها أحد، فأما المنطق، وعلوم الفلسفة والإلهيات منها
خاصة، فما جسر أحد في زمانه أن يدعيها بحضرته … ثم كان يختص بغرائب من العلوم الغامضة كعلوم الحيل — الميكانيكا — التي يحتاج إليها في أواخر
علوم الهندسة والطبيعة، والحركات الغريبة، وجر الأثقال، وعمل آلات غريبة لفتح القلاع، والحيل على الحصون … ثم معرفته
بدقائق علم التصاوير، ولقد رأيته يتناول من مجلسه — الذي يخلو فيه بثقاته وأهل أنسه — التفاحة وما يجري مجراها فيعبث بها ساعة،
ثم يدحرجها، وعليها صورة وجه قد خطَّها بظفره لو تعمَّد لها غيره بالآلات المعدَّة، وفي الأيام الكثيرة ما استوفى دقائقها،
ولا تأَتَّى له مثلها.»

وقد قصده المتنبي أيضًا، ومدحه وقال فيه:

من مُبلغ الأعراب أنِّي بعدهم
شاهدت رسطاليس والإسكندرا
وسمعت بطليموس دارس كتبه
متملِّكًا متبديًا متحضَّرا
ولقيت كل الفاضلين كأنما
ردَّ الإله نفوسهم والأعصرا
نسَقوا لنا نسق الحساب مقدمًا
وأتى فذلك إذ أتيت مؤخرا
بأبي وأمي ناطق في لفظه
ثمن تباع به القلوب وتشترى
قطف الرجال القول وقت نباته
وقطفت أنت القول لما نوَّرا

والصاحب بن عباد كان يعتقد مذهب الاعتزال وينصره، وبذلك اعتنق كثير من أهل هذه البلاد الاعتزال، ولم يكن كأستاذه ابن العميد في حبه للفلسفة
وأهلها، إنما كان متبحرًا في العلوم الشرعية واللسانية والأدبية. تعلم الحديث كأهل الحديث، وكان عالمًا بالتوحيد والأصول
وألَّف فيهما، وكان علمه باللغة واسعًا. قالوا: إنه ألف فيها كتاب المحيط في عشرة مجلَّدات.

وكان له المنزلة العظمى في الوجاهة والصدارة، فاجتمع له من الأدباء ما قلَّ أن يجتمع لغيره، قال الثعالبي: «احتف به من نجوم الأرض وأفراد
العصر وأبناء الفضل وفرسان الشعر من يربي عددهم على شعراء الرشيد، ولا يقصرون عنه في الأخذ برقاب القوافي وملك رق المعاني.»


أنجبت هذه البلاد بتشجيع هؤلاء وأمثالهم نوابغ من العلماء والأدباء.

ففي الفلسفة كان على رأس الفلاسفة أبو بكر محمد بن زكريا الرازي — نسبة على الريِّ — مولده ومنشؤه بالريِّ ولذلك عددناه منها، وإن تنقَّل
في بلاد كثيرة، وهو من أكبر فلاسفة المسلمين ومتفوِّقيهم في الطب النظري والعملي والإلهيات والكيمياء والأخلاق.

وقد ألَّف في كل ذلك كتبًا كثيرة أوصلها بعضهم إلى ما يقرب من مائتين، وله فضل اكتشاف الكحول وريت الزاج — حامض الكبريتيك — أثناء بحثه
في إمكان تحويل المعادن إلى ذهب؛ كما ألَّف في الطب كتاب الحاوي والطب المنصوري … إلخ.
??

وكانت كتبه عمدة من تعلم بعده، وكانت أكثر إقامته في الريِّ وأقام زمنًا عند السامانيين، كما عهد إليه في الإشراف على البيمارستانات وتنظيمها،
وقد اشتهر بين أهل زمانه بالإتيان بالعجائب في الطب.

وقد بقي لنا من كتبه نحو سبعة عشر كتابًا، وأخيرًا نشر الأستاذ كراوس مجموعة رسائل فلسفية تدلُّ على جانب آخر من جوانبه العلمية؛ فمنها
رسالة في الطب الروحاني، ويعني به تهذيب الأخلاق، وهو لا شك كان من أكبر ما اعتمد عليه مسكويه في كتابه «تهذيب الأخلاق»،
وقد قال في صدره: إنه سماه بالطب الروحاني ليكون قرينًا للكتاب المنصوري الذي غرضه في الطب الجسماني، وقد قسمه إلى عشرين فصلًا منها فصل
في فضل العقل وقمع الهوى وردعه، وتحليل لبعض الرذائل: كالحسد والغضب والبخل، وختمه بفصل في رسم السيرة الفاضلة، ثم
في الخوف من الموت.

ومن رسائله هذه القيِّمة رسالة في اللَّذة وتحليلها معتمدًا في ذلك على ما كتبه فلاسفة اليونان فيها.

ومن هذه الرسائل رسالة في مناظرة بين الرازيَّيْن وهما: أبو بكر الرازي هذا وأبو حاتم الرازي، وكلاهما من الري، ولكن كانت طبيعة أبي بكر
الرازي طبيعة فلسفية حرة التفكير مؤمنة بسلطان العقل، وكان أبو حاتم الرازي من كبار دعاة فرقة الإسماعيلية الشيعية،
«واشتهر بدعوته إلى المذهب الفاطمي، ولعب دورًا عظيمًا في الشؤون السياسية في طبرستان وأذربيجان وفي الديلم، ولا سيما في أصفهان والريِّ
حتى استجاب له جماعة من كبار الدولة».

وقد ألَّف أبو حاتم الرازي كتابًا أسماه «أعلام النبوَّة» للرَّد على أبي بكر الرازي، وقد رماه فيه بالإلحاد؛ وكانت المناظرة تدور حول النبوَّة،
وهل هي ضرورية — هذا في أحد المجالس — وفي مجلس آخر كانت المناظرة تدور حول ما ذهب إليه أبو بكر الرازي من قِدم الأشياء
الخمسة: الباري، والنفس، والهيولى، والمكان، والزمان، فرد عليه أبو حاتم في ذلك … إلخ إلخ.

وقد كانت هذه المناظرات في مجالس بالري.

وعلى الجملة فقد كان أبو بكر الرازي شخصية ممتازة قل نظراؤها، وقد اختُلف في سنة وفاته على أقوال متباينة أقربها سنة ????، وقال ابن خلكان:
إنه مات سنة ????.

كما اشتهر من الفلاسفة في هذه البلاد أبو الخير الحسن بن سوار المعروف بابن الخَمَّار، وكان نصرانيًّا، وقد نقل كتبًا كثيرة من السريانية
إلى العربية، واشتهر بالطب، كما ألَّف في المنطق والطب والإلهيات.

ثم الفيلسوف الأديب أبو الفرج علي بن الحسين بن هِنْدُو، كان من تلاميذ ابن الخمار، ألَّف في الطب، وألَّف المدخل في علم الفلسفة، ووصل
إلينا من كتبه «الكلم الروحانية»، وهي مجموعة لطيفة من الحكم اليونانية، كما كان شاعرًا معدودًا من رجال البلاغة الممتازين.


ثم إن ابن العميد وابن عباد أوجدا في هذا الإقليم حركة أدبية رائعة؛ فقد جمع بين وجاهة المنصب ووجاهة الأدب، فهما وزيران خطيران وسياسيان
كبيران، وأديبان عظيمان، فاستخدما كل ذلك في إعلاء شأن الأدب.

فكان ابن العميد مولعًا بالأدب، وله مذهب في الكتابة أُخذ عنه وقلَّد فيه، عماده التأنُّق في اختيار الألفاظ، والتكلُّف في البديع، ومحاربة
التطبُّع بالتصُّنع؛ وهذا النوع من الأسلوب قد يحسن في الجمل القصار، والقول الموجز، ولكن ابن العميد كان يطنب، والإطناب
مع التصنع يستوجب الملل، فالإسهاب في الجاحظ حلو سائغ؛ لأنه يجري مع النفس، ولكنه عند ابن العميد يُتَجرع لأنه يتصنَّع؛ ومع هذا فالناس
في زمنه وبعد زمنه كانوا يعدُّون هذا الأسلوب هو المثل الأعلى؛ لأن حياتهم الاجتماعية كما أسلفنا حياة مصطنعة متكلَّفة،
ولأن الرياسة والعظمة السياسية والمنصب الكبير يسبغ على الأدب الذي يصدر من رجالها ثوبًا من الأبهة والعظمة، فلا يستطيعون التمييز في
دقة بين قيمة الأدب الذاتية، وقيمته المستمدة من وجاهة صاحبها، وهذا يصدق على ابن العميد، والصاحب ابن عباد، ثم من بعد
على القاضي الفاضل، ولهذه العظمة المزدوجة قالوا: «بدأت الكتابة بعبد الحميد، وختمت بابن العميد.» والناس بعدُ قلَّدوا هذا
الأسلوب، وعدوه المثل الذي يحتذى.

ومهما يكن؛ فقد كان ابن العميد مصدر خير على الحركة الأدبية، فكان كريمًا يغدق على الأدباء والشعراء، ويقترح موضوعات الأدب عليهم، وينافس
بينهم، ويجزل العطاء لمن أحسن منهم، فيجتمع في مجلسه بالري أبو الحسين بن فارس، وأبو عبد الله الطبري، وأبو الحسن البديهي،
ويعرض في المجلس أترجة حسنة، فيعرض عليهم ابن العميد أن يتباروا في وصفها، ويشترك معهم في ذلك، وهكذا.

ويقصد المتنبي، وابن نباتة السعدي، وغيرهما من الشعراء بمدائحهم.

وينشئ مكتبة عظيمة كانت أعز شيء عليه، يجعل عليها قيِّمًا عالمًا كبيرًا هو مسكويه.

كذلك كان الصاحب بن عباد، نصر الاعتزال، وقرب إليه المعتزلة؛ إذ كان معتزليًّا، ومن شعره:

تعرفت بالعدل في مذهبي
ودان بحسن جدالي العراق
فكُلِّفت في الحب ما لم أُطق
فقلت بتكليف ما لا يطاق

وكان يكتب إلى البلاد التابعة له يدعو فيها إلى الاعتزال.

هذه ناحية، وناحيته الأخرى الناحية الأدبية، وكان عرى طريقة أستاذه ابن العميد في أسلوبه، وفي كرمه وإغداقه على الأدباء، فاجتمع له من الشعراء
أبو الحسن السلامي، والبديهي، وأبو سعيد الرستمي، وأبو حسن الجوهري، وابن القاشاني … إلخ، وكذلك يقترح عليهم ما يعرض
من موضوعات، فيغنم في موقعة حربية فيلًا فيجمع الشعراء ويطلب إليهم أن يقولوا القصائد في وصفه على وزن وقافية عمرو بن معديكرب:

أعددت للحدثان سا
بغة وعَدَّاءً عَلَندَى
فيكون من ذلك شعر كثير في الفيل، كما يقترح بعض الموضوعات الهزلية؛ فقد مات برذون أبي عيسى بن المنجم، فاقترح على الشعراء القول فيها، فكان
من ذلك مجموعة سميت البرذونيات.
??
واشتهر في هذه البلاد من علماء اللغة والنحو أبو الحسين أحمد بن فارس الرازي، كان إمامًا في اللغة، وله كتاب «المحمل»، وكتاب «حلية الفقهاء»،
وله مسائل في اللغة تغايى بها الفقهاء «كألغاز»، ومنها اقتبس الحريري أسلوبه فيما وضع من المسائل الفقهية في المقامة
الطيبية،
??
وأقام مدة بالري، ومدة بهمذان، وهو أستاذ بديع الزمان، ومات بالري سنة ????، وكان من رجالات ابن العميد. وقد وصل إلينا من كتبه كتاب «الصاحبي»،
نسبة إلى الصاحب بن عباد، وهو كتاب يحتوي بحوثًا قيمة في أصل اللغة العربية وخصائصها، واختلاف لغاتها باختلاف القبائل
إلى غير ذلك.

كما كان من رجال البلاغة والأدب في هذا الإقليم أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني، أصله من جرجان، وطوَّف في صباه في كثير من البلاد،
واقتبس العلوم والآداب، قال فيه الثعالبي: «هو حسنة جرجان، وفرد الزمان … يجمع خط ابن مقلة إلى نثر الجاحظ ونظم البحتري.»
وبعد أن طوف في بلاد العراق والشام وغيرهما يأخذ من علوم أهلها نزل في ساحة الصاحب بن عباد، فقلده قضاء جرجان، ثم قضاء الري، فلم يزل قاضي
الري حتى مات.

ولما أعرض الصاحب بن عباد عن المتنبي؛ لأنه أبى أن يمدحه كما مدح عضد الدولة وابن العميد، وعمل الصاحب رسالته في إظهار مساوئ المتنبي؛ ألف
أبو الحسن الجرجاني هذا كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه، كان فيه قاضيًا عادلًا، وأديبًا فاضلًا، وناقدًا بارعًا.


ومن أكبر حسنات علي بن عبد العزيز هذا تلميذه ومواطنه عبد القاهر الجرجاني صاحب كتاب «دلائل الإعجاز»، و«أسرار البلاغة»، وهو مؤسس علم البلاغة
في هذين الكتابين على نمط لم يعرف قبله. وقد استفاد من أستاذه علي بن عبد العزيز قوة الأسلوب وجوالته، وبصره بضروب
النقد؛ قال ياقوت: «وكان «عبد القاهر» إذا ذَكَر أستاذه في كتبه تبخبخ به، وشمخ بأنفه بالانتماء إليه.»

وكذلك كان من هذا الإقليم أبو هلال العسكري (نسبة إلى عسكر مُكْرَم)، وهي بلد من بلاد (خوزستان) قريبة من أصفهان. وقد أُخِذ عنه العلم في
الري حينًا وفي الأهواز حينًا وفي العسكر حينًا، وله التآليف القيمة: ككتاب «الصناعتين»، و«ديوان المعاني». و«جمهرة
الأمثال»، و«الأوائل»، و«التفضيل بين بلاغة العرب والعجم» … إلخ، مات نحو سنة ????.

وعلى الجملة فقد خدمت الدولة البويهية العلم والأدب خدمة كبرى، ومع أنهم فرس الأصل وأكثر وزرائهم كابن العميد وابن عباد من الفرس، فقد كانوا
يتعصبون في العلم والأدب للسان العربي.

وكان كثير من البويهيين أدباء مثقفين ثقافة واسعة، أشهرهم في ذلك عضد الدولة؛ فكان يشارك في عدة فنون منها الأدب، وكذلك عز الدولة أبو منصور
بختيار، وتاج الدولة ابن عضد الدولة، ولهم أشعار أورد بعضها الثعالبي في اليتيمة. ثم نجد ظاهرة في هذه الدولة واضحة،
وهي أن أساس الاختيار للوزارة كان عماده شيئين: القدرة الإدراكية، والقدرة البلاغية، فكان الوزراء فحول أدب أيضًا، فكان من أهم وزراء هذه
الدولة ابن العميد، وابن عباد، والوزير المهلبي، وسابور بن أردشير، وابن سعدان، وكل من هؤلاء كان عمادًا عظيمًا للأدب
والأدباء والعلماء، وكانت لهم مجالس تموج بالعلم والأدب؛ فابن العميد وابن عباد قد رأينا أدبهما ومجالسهما ومن كان يحتف بهما من العلماء
والأدباء.

والوزير المهلبي كان وزيرًا لمعز الدولة وهو من نسل المهلب بن أبي صفرة، «وكان من ارتفاع القدر واتساع الصدر وعلو الهمة وفيض الكف على ما
هو مشهور به، وكان غاية في الأدب والمحبة لأهله»،
??
وله مجالس تروى في كتب الأدب فيها الشراب وفيها الشعر وفيها التفنن في الأناقة والترف، وحسبه فخرًا أن كان من رجاله أبو الفرج الأصفهاني
صاحب «الأغاني»، والقاضي التنوخي.

وابن سعدان وزير صمصام الدولة، كان له مجلس يجمع ابن زرعة الفيلسوف ومسكويه صاحب «تهذيب الأخلاق»، وأبا الوفاء المهندس الرياضي الكبير،
وابن حجاج الشاعر الماجن، وأبا حيان التوحيدي، الذي كان له من السمر مع هذا الوزير ما جمعه في كتابه «الإمتاع والمؤانسة»،
وله ألَّف رسالة «الصداقة والصديق»، وكان ابن سعدان يباهي بمجلسه هذا ويفخر به على مجالس الكبراء الآخرين، أمثال المهلبي وابن العميد وابن
عباد، فيقول في أصحابه هؤلاء: «ما لهذه الجماعة بالعراق شكل ولا نظير … وإن جميع ندماء المهلبي لا يفون بواحد منهم،
وإن جميع أصحاب ابن العميد يشتهون أقل مَن فيهم، وإن ابن عباد ليس عنده إلا أصحاب الجدل.» ومن هذا ترى أن هؤلاء الوزراء كانوا يتنافسون
في اختيار خيرة العلماء والأدباء ليكونوا حولهم، وحسبنا ما في كتاب «الإمتاع والمؤانسة»، لنعرف منه مقدار ثقافة الوزراء
وما يشغلهم من مسائل العلم والأدب.

وسابور بن أردشير كان وزيرًا لبهاء الدولة بن عضد الدولة، فكان هو نفسه أديبًا شاعرًا، وقصده الشعراء أمثال أبي الفرج الببغاء، وأبي إسحاق
الصابي، وقد أنشأ ببغداد دار كتب قيمة، قال فيها ياقوت: «لم يكن في الدنيا أحسن كتبًا منها، كانت كلها بخطوط الأئمة
المعتبرة وأصولها المحررة، وهذه الدار هي التي أشار إليها أبو العلاء المعري بقوله في قصيدته:

وغنَّت لنا في دار سابور قينة
من الورق مطراب الأصائل مهياب

ففضْل البويهيين ملوكِهم ووزرائهم على الحركة العلمية والأدبية لا يقدر، لولا أن ما كان بين بعضهم وبعض من خصومات وحروب قسم العلماء والأدباء
كذلك، والتجأ كل فريق إلى رئيس، فكان إذا انهزم نكل الغالب بأتباع المغلوب، فلقي كثير من أهل الفضل والأدب من المصادرة
والتعذيب والقتل ما يطول ذكره.

•••

وكان على حدود الدولة البويهية في فارس الدولة الزيارية، أول ملوكها مردويج بن زيار، ملكت جرجان وطبرستان، وكانت في خصومة مع البويهيين،
واشتهر من رجالها في خدمة الأدب أمير كان كابن العميد وابن عباد في أنه أديب كبير، ومثقف واسع الثقافة، ومشجع بمنصبه
وجاهه للعلماء والأدباء، وهو الأمير قابوس بن وَشْمَكِير؛ وكان أميرًا كبيرًا، أبوه وشمكير وعمه مرداويج كانا ملوك الري وأصبهان قبل بني
بويه، ثم كان قابوس واليًا على جرجان وطبرستان، وأنفذ إليه الخليفة الطائع العهد، ولقَّبه شمس المعالي، وكان جبارًا
قويًّا يسرف في القتل ويتجاوز الحد، سفاكًا للدماء وخاصةً في حاشيته وجنوده، فكان لا يسمع شكوى في أحد منهم إلا قتله. فملوه وعزلوه، ومع
هذا كان يحب العلماء والأدباء ويشجعهم، وكان فيه فضيلة لم نسمع مثلها عن ملوك عصره وأمرائه، وهي أنه لم يكن يجيز إنشاد
المدائح في وجهه وبين يديه؛ فكان يجتمع الشعراء على بابه في النيروز والمهرجان، فكان يقول لأبي الليث الطبري: «وزِّع عليهم الهدايا بحسب
رتبهم، لكني لا أستطيع سماع أكاذيبهم التي أعرف من نفسي خلافها.»
??

وقد طبع في مصر «كمال البلاغة» وهي جملة رسائل أدبية له، وهو فيها متأنق، كل كلمة فيها توزن قبل أن توضع، وكل جملة تقاس بالقياس الدقيق
لتكون لفق أختها، وروحه عندي أقرب إلى روح بديع الزمان منها إلى ابن العميد وابن عباد، وله المقطعات الشعرية الرقيقة
كقوله:

خطرات ذكرك تستثير صبابتي
فأحس منها في الفؤاد دبيبا
لا عضو لي إلا وفيه صبابة
فكأن أعضائي خُلقن قلوبا

وألف رسالة في الأسطرلاب.

وقد مات محصورًا في قلعة، وحمل تابوته إلى جرجان، ودفن في مشهد عظيم كان بناه لنفسه، وذلك سنة ????.

هوامش
(?)
أحسن التقاسيم: ???.
(?)
ص???.
(?)
ص???.
(?)
ص???.
(?)
ص??.
(?)
ص???.
(?)
ص???.
(?)
ص???.
(?)
ص???.
(??)
ص???.
(??)
ص???.
(??)
ص???.
(??)
ص???.
(??)
ص???.
(??)
ص???.
(??)
االمنية والأمل.
(??)
الإمتاع: ??/???.
(??)
الإمتاع والمؤانسة.
(??)
هو محمد بن الحسين الحاتمي، صاحب الرسالة الحاتمية فيما جرى بينه وبين المتنبي مات سنة ????.
(??)
هو أبو القاسم علي بن جلبات، شاعر عراقي مدح الخليفة القادر بالله والوزير سابور بن أردشير.
(??)
هو أبو علي الحسن بن علي الخالع من شعراء الوزير سابور بن أردشير.
(??)
عده أبو حيان من الشعراء أيضًا كما هو من الفلاسفة والمؤرخين.
(??)
انظر الإمتاع ??/???? وما بعدها، وتجد نماذج لهؤلاء الشعراء ما عدا مسكويه في الجزء الثاني من اليتيمة للثعالبي.
(??)
الرعلة: القطعة من الفرسان.
(??)
انظر نماذج من كتاباته في الجزء الثاني من اليتيمة.
(??)
ابن خلكان ??/????.
(??)
وفيات الأعيان.
(??)
انظر: ما كتبته عنه في مقدمة فهرست ابن النديم الطبعة المصرية.
(??)
وفيات الأعيان في ترجمته.
(??)
ألَّفه لمنصور بن إسحاق بن أحمد بن أسد حاكم الري من سنة ???? إلى سنة ????.
(??)
انظر البرذونيات والفيليات في يتيمة الدهر: ??/???، وانظر كتابي ابن العميد، وابن عباد لخليل بك مردم.
(??)
وفيات الأعيان: ??/???.
(??)
ابن خلكان: ??/????.
(??)
معجم الأدباء: ??/????.
الفصل الثالث

خراسان وما وراء النهر

ازدهرت هذه البلاد في عهد الدولة السامانية التي حكمت من سنة ??? إلى ????، فمدة ملكهم ???سنة.

والملوك السامانيون أصلهم فرس من بلخ من أسرة نبيلة تَنتسب إلى بهرام جور. وقد عرف المأمون منزلتهم ونبلهم فاصطنعهم، وكان رأسهم أسد بن
سامان. وقد خلَّف أسد هذا أربعة أبناء كلهم كانوا في خدمة المأمون وحكامَه في هذه البلاد؛ فكان نوح على سمرقند، وأحمد
على فرغانة، ويحيى على بلاد الشاش، وإسماعيل على هراة، ثم عظم ملكهم حتى امتد من الصحراء الكبرى إلى الخليج الفارسي، ومن حدود الهند إلى
العراق، وأهم ملكهم خراسان وما وراء النهر — وقد اشتهرت دولتهم بالعدل والصلاح وتشجيع العلم.

وخراسان كانت تطلق على الإقليم الواسع الذي ينقسم إلى أربعة أرباع: ربع عاصمته نيسابور، وربع عاصمته مرو، وثالث عاصمته هراة، ورابع بلخ.


ومن أشهر مدن خراسان نيسابور، وبُوشَنج، وبُسْت، وسجستان، وهراة، ومرو، وسَرخس، وننسا، وطوس، وأبيورد … إلخ.

والقسم الثاني من ملك السامانيين ما وراء النهر؛ أي ما وراء النهر جيحون، وكان هذا الإقليم ينقسم إلى خمسة أقسام: (?) الصُّعد، وله عاصمتان:
بخارى وسمرقند. (?) وإلى الغرب من الصغد خوارزم المسمَّاة اليوم خيوه أو كيوه. (?) صغانيان. (?) فرغانة. (?) الشاش
المسمَّاة اليوم طشنقد.

ومن أشهر بلاد ما وراء النهر فرغانة، واسبيجان، والشاش، وأشروسنة، وسمرقند، وبخارى، وفاراب، وترمذ، وصغانيان وقاشان، ثم خوارزم، وفيها زمخشر
والجرجانية.

والمقدسي يسمِّي إقليم خراسان وما وراء النهر «إقليم المشرق». وقد رحل إلى هذه البلاد في هذا العهد الساماني، ونحن ننقل بعض ما يهمنا الآن
منه. قال: إنه أجل الأقاليم وأكثرها أجلة وعلماء، وهو معدن الخير ومستقر العلم وركن الإسلام المحكم وحصنه الأعظم، ملكه
خير الملوك، وجنده خير الجنود، فيه يبلغ الفقهاء درجة الملوك. وقد قال محمد بن عبد الله لدعاته: «عليكم بخراسان فإن هناك العدَدَ الكثير
والجَلَد الظاهر، وهناك صدور سليمة وقلوب فارغة لم تتقسمها الأهواء، ولم تتوزعها النِّحَل ولم يقدح فيها فساد، وهم
جند لهم أبدان وأجسام، ومناكب وكواهل، وهامات ولحى وشوارب، وأصوات هائلة، ولغات فخمة.» وهم كانوا عدة الانقلاب والثورة على الأمويين، ونقل
الخلافة إلى العباسيين.

ويقول المقدسي: قرأت في كتاب بخزانة عضد الدولة «خراسان في غذاء الهواء، وطيب الماء، وصحة التربة، وإحكام الصنعة، وتمام الخِلقة، وجودة
السلاح والتجارة والعلم والعفَّة والدراية ترس في وجه الترك»؛ وأهل خراسان أشدُّ الناس تفقُّهًا، وبالحق تمسكًا، وهم
بالخير والشر أعلم، وإلى إقليم العرب ورسومهم أقرب، وإقليمهم أكثر أجلَّة وعقلاء، مع العلم الكثير، والحفظ العجيب، والمال المديد، والرأي
الرشيد، به مرو التي قامت بها الدنيا، وبلخ وإليها المنتهى، ونيسابور فلا تُنْسى.
?

ثم قال: وهو أكثر الأقاليم علمًا وفقهًا، وللمذكِّرين به صيت عجيب، ولهم أموال جمَّة؛ وبه يهود كثيرة ونصارى قليلة، وأولاد علي — رضي الله
عنه — فيه على غاية الرفعة، ولا ترى به هاشميًّا إلا غريبًا، ومذاهبهم مستقيمة، غير أن الخوارج بسجستان ونواحي هراة
كثيرة، وللمعتزلة بنيسابور ظهور بلا غلبة، وللشيعة والكرَّامية بها جلبة، والغلبة في الإقليم لأصحاب أبي حنيفة إلا في كورة الشاش، وطوس،
ونسا، وأبيورد … فإنهم شفعوية، ولهم جلبة بهراة وسجستان وسرخس.

ورسومهم تخالف رسوم أقاليم العرب في أكثر الأشياء، فللمؤذِّنين سرير قدَّام المنبر يؤذِّنون عليه بتطريب وألحان، ويذكِّرون بلا دفاتر
?
… وبنيسابور رسوم حسنة، منها مجالس المظالم في كل يوم أحد وأربعاء بحضرة صاحب الجيش أو وزيره، فكل من رفع قصة قُدِّم إليه فأنصفه، وحوله
القاضي والرئيس والعلماء والأشراف، ومجلس الحكم كل اثنين وخميس في مسجد «رجاء» لا ترى في الإسلام مثله.

وألسنتهم مختلفة؛ أما لسان نيسابور ففصيح مفهوم غير أنهم يكسرون أوائل الكلم، وفيه رخاوة، وأهل طوس ونسا أحسن لسانًا، وفي كلام سجستان تحامل
وخصومة يخرجونه من صدورهم، ويجهرون فيه، ولسان بست أحسن؛ ولسان هراة وحش، تراهم يتكلَّفون ويتحاملون، ولسان بلخ أحسن
الألسن إلا أن لهم فيه كلمات تستقبح … إلخ.

وبهذا الإقليم عصبيات بين الشيعة والكَرَّامية، وبين الشافعية والحنفية، وقد يهراق في هذه العصبيات الدماء، ويدخل بينهم السلطان.

والولايات والخطبة في هذا الإقليم كله لآل سامان … وهم من أحسن الملوك سيرة ونظرًا وإجلالًا للعلم وأهله؛ ومن أمثال الناس: «لو أن شجرة
خرجت على آل سامان ليبست.» ألا ترى إلى عضد الدولة وتجبُّره وتمكنه، وكمال دولته وفتوَّة أمره، وخطب له باليمن وبالسند،
وفتح عمان، وملك ما ملك؛ فلما تعرض لآل سامان، وطلب خراسان أهلكه الله، وشتت جمعه، وفرَّق جيوشه … وهم لا يكلفون تقبيل الأرض لهم، ولهم
مجالس عشياتِ جُمَع شهر رمضان للمناظرة بين يدي السلطان، فيبدأ هو فيسأل مسألة ثم يتكلمون عليها … وميلهم إلى مذهب
أبي حنيفة، وليس من رسمهم الانبساط إلى الرعية. ا.?.

وقد أخرجت هذه البلاد ما لا يحصى من رجال الحديث والفقه، خدموا العلم خدمة كبرى بجدِّهم وصبرهم على البحث ورحلتهم إلى أقاصي البلدان، يأخذون
العلم من أهله حيث كان؛ فعلى رأس المحدِّثين الإمام البخاري، وهو من بخارى، كما تدلُّ عليه نسبته، ورحل إلى الجبال
ومدن العراق، والحجاز والشام ومصر يجمع الأحاديث بالأسانيد، ويعنى بالمتن وبالسند، وبرجال الحديث وتاريخهم، ومعرفة درجة الثقة بكل منهم
مع الحفظ التام، والدقة العجيبة … يحكي عن نفسه أنه عني بحفظ الحديث وهو في العاشرة، فلما بلغ السادسة عشرة أخذ يحفظ
كتب الحديث، ويتعرَّف رجاله، ثم خرج مع أمه وأخيه إلى مكة ورجعا هما وبقي هو يطلب الحديث من محدثي مكة والمدينة، ثم طوَّف في سائر
البلدان، واستخلص من كل ما سمع ما صحَّ عنده، فاستخرج صحيحه من زهاء ستمائة ألف حديث، وظل يعمل في تأليف صحيحه هذا ست عشرة
سنة. وقد نشر الحديث في بقاع الأرض، فعقد مجالسه في البصرة، وبغداد، والريِّ وخراسان، وما وراء النهر، ونيسابور، وأخذ
عنه الألوف، وقد أصابته محنة خلق القرآن فكان يقول: إن القرآن غير مخلوق ولكن لفظي به مخلوق. وشنَّعوا عليه بذلك بعد أن عاد إلى بلاده،
فأُخرج من بخارى إلى خَزتَنْك (وهي قرية من قرى سمرقند) فمات بها سنة ????.

كما أخرجت نياسبور مسلم بن الحَجَّاج النيسابوري مؤلف الصحيح المنسوب إليه «صحيح مسلم» وهو كذلك رحل إلى الحجاز والعراق والشام ومصر، وروى
عن أهلها، وجمع الحديث واستخرج صحيحه من ثلاثمائة ألف حديث، و«بعض المحدِّثين يفضِّل صحيحه على صحيح البخاري؛ لما اختصَّ
به من جمع الطرق، وجودة السياق، والمحافظة على أداء الألفاظ كما هي من غير تقطيع ولا رواية بمعنى».
?
وكان كتابه مصدرًا لحركة كبيرة في الحديث بين النيسابوريين، وانتفع به خلق كثير، ومات سنة ???? بنيسابور، وقد ناصر البخاري في قوله في
القرآن، وخاصمهما في ذلك شيخهما المحدِّث الكبير أيضًا أبو عبد الله محمد بن يحيى الذهلي النيسابوري؛ فكان يقول بأن
القرآن حتى لفظنا له غير مخلوق.

ويطول بنا القول لو عدَّدنا أسماء كبار المحدِّثين الذين أنجبتهم هذه البلاد؛ فالبخاري ومسلم كانا سببًا في حركة الحديث قوية ظلت تعمل في
هذه البلاد أجيالًا، وحسبنا دلالة على كثرة من خرَّجتهم هذه البلاد أننا نقرأ أسماء المحدثين، فنجد الكثيرين المنسوبين
إلى بلاد هذا الإقليم، وخصوصًا نيسابور.

كما أخرجت البلاد كثيرًا ممن بلغوا مبلغ الاجتهاد في الفقه مثل أبي حاتم محمد بن حبان التميمي السمرقندي، إمام كبير له تصانيف كثيرة في
الحديث والجرح والتعديل، وطوف في البلاد وقال: «لعلنا أخذنا عن ألف شيخ بين الشاش والإسكندرية.» وقد ولي قضاء سمرفند،
ورحل إليه الناس لأخذ العلم عنه، وإليه مرجع كثير من المحدِّثين في حكمه على رجال الحديث بالجرح والتعديل، مات سنة ????.

وأبو بكر محمد بن المنذر النيسابوري، وكان إمامًا مجتهدًا، قال الذهبي: كان على نهاية من معرفة الحديث والأخلاق، وكان مجتهدًا فلا يقلد
أحدًا، توفِّي سنة ????.

ثم كان بهذه الأقاليم كثير من عظماء الشافعية والحنفية.

فمن أكبر رجال الشافعية محمد علي القفَّال الشاشي، كان يعدُّ إمام عصره فيما وراء النهر، وناشر مذهب الشافعية فيه، وكان يقول بالاعتزال،
وله كتب في الفقه والأصول، وخرج غازيًا في الحروب بين المسلمين والروم، وأخذ أسيرًا إلى القسطنطينية، ثم عاد إلى بلاده،
ومات بالشاش سنة ????.

وأبو بكر بن فورك الأصفهاني الأصل، الأصولي المتكلِّم، ناصر الأشعري، اضطُهد بالري لكثرة الاعتزال بها، فطلبه أهل نيسابور، وبنوا له مدرسة
يعلم فيها، وألَّف مصنَّفات كثيرة نحو المائة، ومات سنة ???? بنيسابور.

وأبو بكر أحمد بن الحسن البيهقي الحافظ الشافعي، رحل إلى كثير من البلاد، ثم عاد إلى بلده، وأخذ في التصنيف، وأكثر منها حتى قالوا: إنها
تبلغ نحو ألف جزء، وهو أول من جمع نصوص الإمام الشافعي في عشرة مجلدات، ومن تأليفه السُّنن الكبير والسُّنن الصغير،
ودلائل النبوَّة، ومناقب الشافعي، ومناقب ابن حنبل، وطُلب إلى نيسابور لنشر العلم بها فأجاب، وتوفِّي بها سنة ????، ونسبته إلى بيهق بالقرب
من نيسابور.

كما اشتهر من الحنفية الإمام أبو منصور الماتريدي، وهو للحنفية في علم الكلام كالأشعري للشافعيين، كتب كتاب التوحيد، وأوهام المعتزلة، ومآخذ
الشرائع في الفقه، والجدل في أصول الفقه وغير ذلك، مات سنة ????، والنسبة إلى ماتريد أو ماتوريد محلة بسمرقند.

ثم أبو الليث نصر بن محمد السمرقندي الملقب بإمام الهدى توفِّي سنة ????.

وهذا نموذج صغير جدًّا لما أخرجته هذه البلاد من المحدِّثين والفقهاء، فحيثما قرأتَ في كتب المحدِّثين والفقهاء راعتك كثرة ما ترى منهم،
ودلالة نسبتهم عليهم كالبلخي، والسرخسي، والخوارزمي، والسمرقندي، والفارابي، والبخاري، والترمذي، والصاغاني، والأبيوردي،
والقاشاني، والشاشي، والنيسابوري، والمرْوَزِي (نسبته إلى مرو والزاي زائدة كالرازي نسبة إلى الريِّ، وبعضهم ينسبها مروروزي نسبة على مرو
الروز)، والهَرَوي نسبة إلى هراة، والفرغاني، والزمخشري، والصُّغدي، والبيهقي، والبُسْتي … إلخ.

وظهر التصوُّف في هذه البلاد كما ظهر في مصر، وفي العراق؛ فكان من أولهم في هذا الإقليم شقيق البلخي، قيل: إنه أول من تكلم في علم الأحوال
بخراسان. كان يقول: قرأت القرآن عشرين سنة حتى ميَّزت الدنيا من الآخرة، فأصبته في حرفين، وهو قوله تعالى: وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ
فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى?، ومات سنة ????.

ثم تتابع التصوُّف من بعده من هذه البلاد كأبي حفص عمر بن سالم الحداد النيسابوري المتوفَّى سنة ????، وأبو تراب النخشبي من متصوفة خراسان
المشهورين بالعلم والفتوَّة والزهد، وأبو بكر محمد بن عمر الحكيم الوراق أصله من ترمذ وأقام ببلخ، وأبو عبد الله محمد
بن منازل النيسابوري شيخ طريقة الملامتية مات بنيسابور سنة ????، وأبو العباس بن القاسم بن مهدي من أهل مرو، وهو أول من تكلم عندهم في حقائق
الأحوال، مات سنة ????.

وكانت في هذه البلاد حركة فلسفية قوية يرجع الفضل فيها أولًا إلى شخصيتين من أقوى الشخصيات، وهما: أبو زيد البلخي، وأبو القاسم الكعبي.


فأما أبو زيد فهو أحمد بن سهل البلخي، جمع بين الفلسفة والعلوم الشرعية والأدب، قال أبو حيان التوحيدي: «الذي أقوله وأعتقده أني لم أجد
في جميع من تقدم وتأخر ثلاثة لو اجتمع الثقلان على تقريظهم ومدحهم ونشر فضائلهم في أخلاقهم وعلمهم ومصنَّفاتهم ورسائلهم
مدى الدنيا لما بلغوا آخر ما يستحقه كل واحد منهم، أحدهم أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ … والثاني أبو حنيفة الدينوري، فإنه من نوادر الرجال،
جمع بين حكمة الفلاسفة وبيان العرب، له في كل فن ساق وقدم، ورواء وحكم … والثالث أبو زيد أحمد بن سهل البلخي، فإنه
لم يتقدم له شبيه في الأعصر الأول، ولا يظن أنه يوجد له نظير في مستأنف الدهر، ومن تصفَّح كلامه في كتاب أقسام العلوم، وفي كتاب أخلاق
الأمم، وفي كتاب نظم القرآن، وكتاب اختيار السيرة، وفي رسائله على إخوانه، وجوابه عما يُسأل عنه ويُبْدَه به — عَلِمَ
أنه بحر البحور، وأنه عالم العلماء، وما رُثي في الناس من جمع بين الحكمة والشريعة سواه، وإن القول فيه لكثير.»
?

ولد ببلخ، ورحل إلى العراق، وأقام به ثماني سنين يأخذ علمه وفلسفته، ثم عاد إلى بلاده ينشر فيها علمه، وكان يقال له: «جاحظ خراسان» — وألَّف
نحو ستين كتابًا في علوم مختلفة، منها كتاب في نظم القرآن، قال أبو حيان: «لم أر كتابًا في القرآن أحسن منه؛ تكلم فيه
بكلام لطيف دقيق، وأخرج أسراره، ولم يأت على جميع المعاني فيه.» وكان يتنزَّه عن الجدل في القرآن، ويتحرج عن تفضيل بعض الصحابة على بعض،
وعن المفاخرة بين العرب والعجم، ويقول: ليس في هذه المناظرات الثلاث ما يجدي طائلًا. ومن تآليفه كتاب «أقسام العلوم»،
و«شرائع الأديان»، و«كتاب السياسة الكبير والصغير»، و«حدود الفلسفة»، و«ما يصحُّ من أحكام النجوم»، وكتاب «الرد على عبدة الأوثان»، وكتاب
«أخلاق الأمم» … إلخ. ويعدُّ أيضًا من أكبر جغرافيي العرب، وقد ألَّف «صور الأقاليم»، وهو خرائط ملوَّنة موضَّحة ببعض
الشروح. وينسب إليه كتاب «البدء والتاريخ» المطبوع، وليس له، مات ببلخ سنة ????.

والثاني أبو القاسم عبد الله بن أحمد الكعبي كان من بلخ أيضًا، وكان معاصرًا لأبي زيد وصديقًا له، واشتهر بتبحُّره في علم الكلام، وأنه
رأس من رؤوس المعتزلة، له مذهب خاص وأتباع يقال لهم الكعبية، مات سنة ????.

هذان العَلَمان نشرا في هذا الإقليم حركة فلسفية وعقلية كبيرة تُوِّجت بالفيلسوف الكبير ابن سينا درَّة الدولة السامانية.

وهو أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا، ولعلَّ خير ما يمثِّل الحركة الفلسفية في العهد الساماني ما حكاه ابن سينا نفسه
في ترجمة حياته، كما رواه عند تلميذه أبو عبيد الجوزجاني، قال ابن سينا: «إن أبي كان رجلًا من أهل بلخ، وانتقل منها
إلى بخارى في أيام نوح بن منصور (الساماني)، واشتغل بالتصوُّف وتولَّى العمل بقرية هناك … ثم انتقلنا إلى بخارى، وأُحضرت معلم القرآن، ومعلم
الأدب … وكان أبي ممن أجاب داعي المصريين (الفاطميين)، ويُعدُّ من الإسماعيلية، وقد سمع منهم ذكر النفس والعقل على
الوجه الذي يقولونه، وكذلك أخي، وكانوا ربما تذاكروا بينهم وأنا أسمعهم وأدرك ما يقولونه، ولا تقبله نفسي، وابتدؤوا يدعونني إليه أيضًا،
ويجرون على ألسنتهم ذكر الفلسفة والهندسة وحساب الهيئة، وقبل قدومه كنت أشتغل بالفقه …

ثم جاء إلى بخارى أبو عبد الله الناتلي، وكان يدعى المتفلسف، وأنزله أبي دارنا رجاء تعلُّمي منه … فابتدأت بكتاب إيساغوجي على الناتلي …
وكان أي مسألة قالها لي أتوِّرها خيرًا منه … ثم أخذت أقرأ الكتب على نفسي، وأطالع الشروح حتى أحكمت علم المنطق، وكذلك
كتاب أقليدس، فقرأت من أول خمسة أشكال أو ستة عليه، ثم تولَّيت بنفسي حلَّ بقية الكتاب بأسره، ثم انتقلت إلى المجسطي … ثم فارقني الناتلي،
واشتغلت أنا بتحصيل الكتب من النصوص والشروح من الطبيعي والإلهي، وصارت أبواب العلم تتفتَّح عليَّ.

ثم رغبت في علم الطب … وتعهَّدت المرضى، فانفتح عليَّ من أبواب المعالجات المقتبسة من التجربة ما لا يوصف، وأنا مع ذلك أختلف إلى الفقه
وأناظر فيه … وقرأت كتاب ما بعد الطبيعة (لأرسطو)، فما كنت أفهم ما فيه، وأيست من نفسي حتى أعدت قراءته أربعين مرة،
وصار لي محفوظًا، وقلت: هذا كتاب لا سبيل إلى فهمه. وإذا أنا في يوم من الأيام في الوراقين، وبيد دلَّال مجلد، فقال لي: اشتر مني هذا فإنه
رخيص … فاشتريته بثلاثة دراهم، فإذا هو كتاب لأبي نصر الفارابي في أغراض كتاب ما بعد الطبيعة، ورجعت إلى بيتي، وأسرعت
قراءته فانفتح عليَّ في الوقت أغراض ذلك الكتاب؛ بسبب أنه كان محفوظًا على ظهر القلب …

وكان سلطان بخارى في ذلك الوقت نوح بن منصور (الساماني)، واتفق له مرض، فاستدعيت لمشاركة الأطباء في معالجته، وتوسمت بخدمته، فسألته يومًا
الإذن لي في دخول دار كتبهم ومطالعتها وقراءة ما فيها من كتب الطب، فأذن لي، فدخلت دارًا ذات بيوت كثيرة، في كل بيت
صناديق كتب، منضَّدة بعضها على بعض، في بيت منها كُتُب العربية والشرع، وفي آخَر الفقه، وكذلك في كل بيت كتب علم مفرد، فطالعت فهرست كتب
الأوائل، وطلبت ما احتجت إليه منها، ورأيت من الكتب ما لم يقع اسمه إلى كثير من الناس قطُّ، وما كنت رأيته من قبل،
ولا رأيته أيضًا من بعد، فقرأت تلك الكتب، وظفرت بفوائدها، وعرفت مرتبة كل رجل في علمه» … إلخ إلخ.
?

وقد شاهد ابن سينا سقوط بخارى في يد أمير غزنة محمود بن سبكتكين، وسافر على الري وهمذان.

واتصل بكثير من علماء وقته كالبِيروني، وأبي الخير بن الخمار، وأبي القاسم الكرماني، وأخذ اسمه وتآليفه شهرة ومكانة لم ينلها أحد غيره من
فلاسفة الشرق، وظلَّ كتابه «القانون في الطب» يدرس في الشرق وفي الغرب على عهد قريب، وكتبه الشفاء والإشارات والنجاة
مرجع كل من درس الفلسفة الإسلامية، عاش ابن سينا من سنة ???? إلى سنة ????.

وكان في هذا الإقليم حركة أدبية قوية من شعر ونثر فني.

ففي الشعر جروا على أساليب العراق وفارس من إكثارهم من المقطوعات في المناسبات، والتفنن في التخيل، والإغراق في المبالغة، والإمعان في التشبيه،
وشجع الملوك السامانيون الحركة الأدبية، كما شجعها وزيران كبيران لهذه الدولة، فكانا صورة مصغَّرة لابن العميد، وابن
عباد، وهما: الوزير البلعمي، وأبو عبد الله الجَيْهاني.

فالوزير البلعمي هو أبو الفضل محمد بن عبد الله البلعمي، أصل أجداده عرب من تميم استوطن فرعهم في بخارى وكان وزيرًا لنصر بن أحمد الساماني،
قال السمعاني: «وكان واحد عصره في العقل والرأي وإجلال العلم وأهله، ولقبه ابن حوقل بالشيخ الجليل، وقد قام بترجمة
تاريخ الطبري إلى اللغة الفارسية.»

والجيهاني هو أبو عبد الله محمد بن أحمد الجيهاني؛ قال فيه ياقوت: «وكان أديبًا فاضلًا شهمًا جسورًا، وكان حسن النظر لمن أمله وقصده — معينًا
لمن أمله واعتمده، وله تآليف، وقد استوزر أيضًا لنصر بن أحمد.»

فكلاهما شجَّع الحركة العلمية والأدبية في بخارى، كما شجَّعها ابن العميد وابن عباد في الري.

وقد نبغ في الدولة السامانية من الشعراء كثيرون عدهم الثعالبي في «اليتيمة»، ونقل طرفًا من أشعارهم؛ ولعلَّ من أحقِّهم بالذكر محمد بن موسى
الحدادي البلخي، وكان يقال: «أخرجت بلخ أربعة: أبا القاسم الكعبي في علم الكلام، وأبا زيد البلخي في البلاغة والتأليف،
وسهل بن الحسن في شعر الفارسية، ومحمد بن موسى في شعر العربية.»
?
ومما امتاز به أنه كان مولعًا بنقل الأمثال الفارسية إلى العربية نظمًا، وله في ذلك مزدوجة طويلة كقوله:
من مُثُل الفرس ذوي الأبصار
الثوب رهن في يد القَصَّار

•••

نال الحمار بالسقوط في الوَحَل
ما كان يهوى ونجا من العمل

•••

البحر غمر الماء في العِيَان
والكلب يَرْوَى منه باللسان

… إلخ.

وسار في ذلك على منهجه أبو عبد الله الضرير الأبيوردي، وقد وضع قصيدة في أمثال الفرس كذلك أوَّلها:

صيامي إذا أفطرْت بالسحت ضَلَّةٌ
وعلمي إذا لم يُجْد ضرب من الجهل
وتزكيتي مالًا جمعت من الرِّبا
رياء، وبعض الجود أخزى من البخل
كسارقة الرمان من كَرْم جارها
تعود به المرضى وتطمع في الفضل
وقد قال الثعالبي: «كانت بخارى في الدولة السامانية مثابة المجد، وكعبة الملك، ومجمع أفراد الزمان، ومطلع نجوم أدباء الأرض، وموسم فضلاء
الدهر.»
?

وأنتج هذا الإقليم من أعلام النثر الأديبين الكبيرين الشهيرين أبا بكر الخوارزمي، وبديع الزمان الهمذاني.

فالخوارزمي محمد بن العباس أصله من خوارزم، وطوَّف في الشام، ونزل ضيفًا على سيف الدولة في حلب، وعلى الصاحب بن عباد في الري، ثم عاد إلى
نيسابور.

وكان يتعصَّب لبني بويه، ويغضُّ من سلطان خراسان، ونكل به مرة من أجل ذلك، ثم علت منزلته ثانية، ونظر إليه أهل نيسابور بعين الإكرام والإعظام،
وعُدَّ إمام الأدباء حتى رُمي ببديع الزمان الهمذاني، وبُلي بمساجلته، وأعان البديع شبابه ولباقته، ومساعدة خصوم الخوارزمي
السياسيين للبديع، «فانخزل الخوارزمي انخزالًا شديدًا، وكسف باله، وانخفض طرفه، ولم يحُل عليه الحول حتى خانه عمره، ومات سنة ????».
?

وقد خلَّف لنا رسائله الأدبية القيِّمة، على ما فيها من تكلف أحيانًا جرَّ إليه الغرام بالسجع والبديع.

ثم أتى بديع الزمان الهمذاني، وهو أبو الفضل أحمد بن الحسن، ولد بهمذان، وتوفي بهراة سنة ????، وقد أربى على الأربعين، قد اتصل بالأمير
محمد بن منصور فأكرمه، ونزل نيسابور سنة ????، فأملى بها مقاماته المشهورة، وكانت الخصومة بينه وبين أبي بكر الخوارزمي
أيام إقامتهما في نيسابور. وقد قصَّ البديع هذه الخصومة في رسائله، ولا بد أن يكون قد بالغ فيها تحيُّزًا لنفسه، ومع هذا فهي تدلُّ على
ما عُرف عن البديع من جودة حفظ، وحضور بديهة، وقوة بيان.

وله الفضل الكبير في مقاماته التي حذا حذوها الحريري فيما بعد، وله رسائله، وهذه وتلك تدل على خفة روح وحسن خيال، وقدرة على الابتكار، ووقوف
على أحوال الزمان مما يجعلها مصدرًا كبيرًا لدراسة الحياة الاجتماعية في زمنه.

ونبغ في هذا العصر، وفي هذا الإقليم من الأدباء والمؤلِّفين في الأدب أبو منصور عبد الملك الثعالبي النيسابوري، كان أديبًا بليغًا على أسلوب
أهل زمانه في السجع والاستعارة والتشبيه، وكان واسع العلم باللغة والأدب والأدباء وتاريخهم، وألَّف في ذلك كله؛ فله
«فقه اللغة» أراد فيه أن يجعله معجمًا على نمط جديد، وهو جمع الكلمات في الموضوع الواحد في موضع واحد، وأتتْ هذه الفكرة للثعالبي في نيسابور،
وابن سِيده في الأندلس في وقت واحد تقريبًا؛ فقد مات الثعالبي سنة ????، ومات ابن سيده سنة ????، وألَّف الأول «فقه
اللغة»، والثاني «المخصص»، كما ألَّف الثعالبي «يتيمية الدهر في محاسن أهل العصر»، ذكر فيه تراجم الأدباء في المائة الرابعة، ومختارًا من
أدبهم مقسمًا إلى الدول المختلفة، والأمصار المتباينة، وقد عني بالمختارات أكثر مما عني بتراجم الحياة.

وله كتب أخرى كثيرة قيمة وصلت إلينا «كالإعجاز والإيجاز»، و«خاص الخاص»، و«ثمار القلوب في المضاف والمنسوب»، و«من غاب عنه المطرب» و«نثر
النظم»، و«حل العِقد» … إلخ. وله كتاب «غرر أخبار ملوك الفرس»، وكلها كتب قيمة مفيدة.

كما كان من هذه البلاد من أئمة اللغة؛ الأزهري أبو منصور محمد بن أحمد الأزهر، أصله من هراة، ولد بها ومات بها، ورحل إلى العراق وأخذ عنه
أئمة علمائه كابن دريد، وطاف في أرض العرب يجمع اللغة منهم، فوقع أسيرًا في يد القرامطة، قال: «وكان القوم الذين وقعت
في سهمهم عربًا نشئوا في البادية يتتبعون مساقط الغيث أيام النجع، ويرجعون إلى إعداد المياه في محاضرهم زمان القيظ، ويرعون ويعيشون بألبانها،
ويتكلمون بطباعهم البدوية، ولا يكاد يوجد في منطقهم لحن أو خطأ فاحش، فبقيت في أسرهم دهرًا طويلًا … واستفدت من مجاورتهم
ومخاطبة بعضهم بعضًا ألفاظًا جمَّة ونوادر كثيرة أودعت أكثرها في كتابي.»

وقد صنَّف في اللغة كتاب «التهذيب» في عشرة مجلدات، وهو من الكتب التي فرَّغها ابن منظور في كتابه «لسان العرب» وقال في مقدمته: «ولم أجد
في كتب اللغة أجمل من تهذيب اللغة لأبي منصور الأزهري، ولا أكمل من المحكم لابن سيده، وهما من أُمَّهات كتب اللغة على
التحقيق، وما عداهما بالنسبة إليهما ثنيَّات للطريق.»

وقد توفي الأزهري سنة ????.

وكذلك الجوهري صاحب «الصحاح»، ومبتكر طريقة للمعاجم جرى عليها صاحب «القاموس» و«لسان العرب» وغيرهما. وهو إسماعيل بن حماد، أصله من فاراب،
سافر إلى بلاد العرب، ودخل ديار ربيعة ومضر، وجمع ما استطاع من اللغة، وعاد إلى نيسابور فدرس فيها، ثم وضع كتاب «الصحاح»،
وهو يعد من أمهات كتب اللغة اهتمَّ به علماء اللغة اهتمامًا كبيرًا استفادةً ونقدًا، وقد تقدم ذكره. مات سنة ????.

ومن هذا الإقليم من علماء اللغة والأدب الزُّوزَني
?
أبو عمرو أحمد بن محمد بن إبراهيم نسبة إلى زُوزَن، وهي بلدة واسعة بين نيسابور وهَرَاة، وكانت زوزن تسمى بالبصرة الصغرى؛ لكثرة من أخرجت
من الفضلاء والأدباء وأهل العلم، وإليها ينتسب كثير من أهل الأدب والعلم، منهم صاحبنا هذا.

وقد خلَّف لنا شرحًا على المعلقات السبع، وهو شرح مختصر مفيد يدل على سعة علمٍ باللغة والنحو والتصريف وحسن الذوق والفهم، مات بزوزن سنة
????.

وكان في هذا الإقليم أمراء جمعوا إلى الإمارة وجاهة الأدب، ورعاية أهله، فأحاطوا أنفسهم بجو أدبي رائع، كان ينتج أكثر مما أنتج لولا ما
انغمسوا فيه من السياسة وفتنها وألاعيبها.

فكان فيه طائفة كبيرة من نسل الخلفاء العباسيين، أتوا إليه من العراق لما كان يعرفون من الرابطة القوية بين آبائهم العباسيين والخرسانيين؛
إذ كان الخراسانيون عماد الدولة العباسية. فلما ذهب إلى خراسان أبناء هؤلاء الخلفاء أكرمهم الخراسانيون وأغدقوا عليهم
النعم، وأحلوهم محلَّ الإجلال، ولعبت ببعض هؤلاء الذين من نسل الخلفاء فكرة أن يعيدوا الأمر جذعة، فيبثوا الدعوة لأنفسهم، ويكوِّنوا جيشًا
من الخراسانيين يفتحون به العراق من جديد ويؤسِّسون ملكًا جديدًا، وأصاب بعضهم بعض النجاح أولًا وفشلوا أخيرًا.

وكان من أشهر هؤلاء أبو طالب عبد السلام بن الحسين المأموني من نسل المأمون، قال الثعالبي: «وقد رأيت المأموني ببخارى سنة ????، وعاشرت
منه فاضلًا ملء ثوبه، وذاكرت أديبًا شاعرًا بحقِّه وصدقه، وسمعت منه قطعة من شعره، ونقلت أكثره من خطه، وكان يسمو بهمته
إلى الخلافة، ويمنِّي نفسه قصد بغداد في جيوش تنضم إليه من خراسان لفتحها، فاقتطعته المنية دون الأمنية، ولم يكن بلغ الأربعين، وذلك سنة
????.»
??

وكذلك كان أبو محمد عبد الله بن عثمان الواثقي من أولاد الخليفة الواثق، ذهب كذلك بأهله إلى خراسان، ودبَّر أن يستعين بالأتراك لإزالة دولة
بني سامان حتى هاجموا بخارى وأزالوا الساماني عنها، ثم فشلت الحركة، وكان كالمأموني شاعرًا أديبًا.

ومن الأمراء غير العباسيين الذين كانوا من الأدباء آل ميكال الذين اشتهر من بينهم أبو الفضل عبيد الله بن أحمد الميكالي، وأبو محمد عبد
الله بن إسماعيل الميكالي، وآل ميكال أسرة كبيرة من سادة خرسان، وأولي الفضل والنبل والرياسة فيها، جمعوا إلى إنشاء
الأدب حماية الأدب.

هؤلاء الأمراء الأدباء من نسل العباسيين وغيرهم بهذا الإقليم شجَّعوا حركة أدبية عظيمة بما بذلوا من مال، وما وجَّهوا من رأي، وما ضربوا
المثل بما أنشئوا من أدب، فقصدهم المؤلِّفون يهدون إليهم تآليفهم وقصائدهم؛ فيقصد ابن دريد — مثلًا — أبا الفضل الميكالي
في نيسابور، ويؤلف له كتاب «الجمهرة»، وينشئ له قصيدته المقصورة — يا ظبية أشبه شيء بالمها — والتي يقول فيها في مدح آل ميكال:

إن ابن ميكال الأميرَ انتاشني
من بعدما قد كنت كالشيء اللقا

ويقول في ابني ميكال بعد أن ذكر العراق وأهله، وأنه لا يدانيهم في فضلهم أحد:

حاشا الأميرين اللذين أوفدا
عليَّ ظلًّا من نعيم قد ضفا
هما اللذان أثبتا لي أملًا
قد وقف اليأس به على شَفا
تلافيا العيش الذي رنَّقه
صرف الزمان فاستساغ وصَفا
وأجريا ماء الحيا لي رغدًا
فاهتزَّ غصني بعدما كان ذَوى
هما اللذان سَمَوَا بناظري
من بعد إغضائي على لذع القذى
هما اللذان عمرا لي جانبًا
من الرجاء كان قدمًا قد عفا
وقلَّداني منه لو قرنت
بشكر أهل الأرض عني ما وفى

ونرى مثلًا أبا منصور الثعالبي يؤلِّف كتابه «لطائف المعارف» للصاحب بن عباد، و«المبهج» لشمس المعالي قابوس بن وشمكير، و«فقه اللغة»، و«سحر
البلاغة» لأبي الفضل الميكالي، و«النهاية في الكناية» لمأمون بن مأمون صاحب خوارزم … إلخ.

وعلى الجملة فهاتان الدولتان — البويهية والسامانية — مع فارسية ملوكهما وأعجمية لغاتهما الأصلية قد خدمتا اللغة العربية، والأدب العربي،
والعلوم الإسلامية العربية، والفلسفة الإسلامية العربية خدمة لا تقدر.

هوامش
(?)
أحسن التقاسيم: ???، وما بعدها.
(?)
أي يعظون من غير قراءة في كتاب.
(?)
تهذيب التهذيب لابن حجر.
(?)
معجم الأدباء: ??/????
(?)
طبقات الأطباء: ??/??.
(?)
التيمية: ??/???.
(?)
يتيمة: ??/???.
(?)
اليتيمة: ???.
(?)
قال ياقوت: إنها بضمَّ الأول وقد يفتح، واعتمدنا في نسب هذا المؤلف وتاريخ وفاته على «الأنساب» للسمعاني، وهو يخالف ما في ترجمته
في صدر شرحه للمعلقات.
(??)
اليتيمة: ??/???.
الفصل الرابع

السند وأفغانستان

تولى هذا الإقليم الدولة الغزنوية، وتسمى أيضًا دولة بني سُبَكْتِكِين. وقد قامت هذه الدولة من سنة ???? إلى سنة ????.

وهي دولة تركية، والنزاع بين الأتراك والفرس قديم، والحرب بينهم سجال؛ فقد ساد الفرس في الدولة العباسية الأولى إلى أن جاء المعتصم فقوِي
سلطان الترك، وضعف سلطان الفرس، وظل الحال كذلك حتى أتى بنو بويه، وهم فرس، فاستردوا سلطانهم، وأضعفوا سلطان الترك.


وكذلك الأمر هنا؛ فقد ساد السامانيون الفرس في خراسان وما وراء النهر حتى جاء آل سبكتكين الأتراك، فأنزلوهم عن مكانتهم، وحلوا محلهم في
السيادة.

نشأ الأمراء الأولون من الدولة الغزنوية في أحضان الدولة السامانية؛ فقد كان أَلْبتكِين مملوكًا تركيًّا حاكمًا لهراة من قِبَل السامانيين،
وقد فتح غزنة سنة ????؛ وقد خلفه ابن إسحاق، وهذا لم يعقب فآل أمر ما بيده إلى غلامه سبكتكين، وإليه تنسب الدولة. وقد
وسع سبكتكين ملكه في ناحيتين: في ناحية الهند، وأنشأ بها حكومة في «بشاور»، وفي ناحية فارس باستيلائه على خراسان وما إليها. ومن أشهر رجال
هذه الدولة — بل من أشهر أعلام الإسلام — محمود بن سبكتكين الذي وطد ملكه ووسعه، فوسع فتوحه في الهند إلى ما وراء كشمير
وبنجاب، واستولى من ناحية أخرى على بخارى وما وراء النهر، وأخذ إقليم الري وأصفهان من البويهيين إلى العراق، فامتدت مملكته من لاهور إلى
سمرقند إلى أصفهان إلى العراق، واستمر الملك في عقبه إلى أن خلفتها الدولة الغورية.

والذي يهمنا هنا الناحية العقلية؛ فقد كانت هذه البلاد في هذه الدولة مركزًا عقليًّا نبغ فيه كثير من رجال العلم والأدب والفلسفة.

وكان من أهم بلاد هذه الدولة ولاية سجستان «وعاصمتها زرنج، وفي أهل سجستان عظم خلق وجلادة، وأغلب أهلها على مذهب الحنفية لا ترى من غيرهم
إلا القليل، وكان فيها كثير من الخوارج يظهرون مذهبهم، ولا يتحاشون منه، ويفتخرون به عند المعاملة، يقول الرجل عند
مماكسته: «أنا من الخوارج لا تجد عندي إلا الحق.» واشتهر أهل سجستان — على العموم — بصحة المعاملة، وقلة المخاتلة، ومسارعتهم إلى إغاثة
الملهوف ومداركة الضعيف، ثم أمرهم بالمعروف».
?

وقد ينسب إليها فيقال: السجستاني، وقد تختصر النسبة فيقال: السِّجْزِي. وكثير من العلماء ينسب إليها، منهم أبو سعيد السجزي القاضي الحنفي،
رحل إلى الشام والعراق وخراسان، ثم عاد إلى بلاده وولي القضاء بعدة نواحٍ، ومات بفرغانة سنة ????. وأبو أحمد خلف بن
أحمد السجزي كان ملكًا بسجستان، وكان من أهل العلم والفضل والسياسة والملك، سمع الحديث بخراسان والعراق، وقد سَلَب ملكَه سنة ???? محمودُ
بن سبكتكين، وتوفي في الهند محبوسًا.

وكان من أعماله العظيمة أن جمع العلماء بسجستان وحملهم على تصنيف كتاب في التفسير، لا يغادرون فيه حرفًا من أقاويل المفسرين وتأويل المتأولين،
ونكت المذكرين، ويتبعون ذلك بوجوه القرارات وعلل النحو والتصريف، ويوشحونه بما رواه الثقات الأثبات من الحديث. وقد
أنفق على العلماء مدة اشتغالهم فيه عشرين ألف دينار، وتم هذا العمل الضخم في مائة مجلد تستغرق عمر الكاتب، وتستنفد حبر الناسخ.
?

ومن مدن سجستان المشهورة الرُّخَّج، وإليها ينسب كثير من العلماء والأدباء.

ثم من أهم مدن هذه الدولة غزنة، وكانت عاصمة ملكها، وقد ملأها محمود بن سبكتكين بأجمل ما وصلت إليه يده عند فتحه للهند. وقد دفن بها السلطان
محمود هذا، ولا يزال بها قبره عليه قبة عظيمة، وأبواب المدفن من خشب الصندل، قيل: إنه أتى بها من أحد هياكل الهند.


وقد وصف العُتبي بعض ما عمله السلطان محمود في غزنة، فذكر — مثلًا — أنه بنى فيها مسجدًا، وقال: «لما عاد السلطان يمين الدولة إلى دار الملك
بغزنة أحب أن ينفق ما أفاء الله عليه في عمل برٍّ يشيع جدواه، وكان قد أوعز باختطاط صعيد من ساحة غزنة للمسجد الجامع،
إذ كان ما اختط قديمًا على قدر أهلها، فوافق عَوده حصول المراد من تقطيعه وتوسيعه، وإقامة الجدران على ترابيعه، فصب بدر المال على الصناع،
كما صب دماء الأبطال يوم القِراع … ونُقل إليه من أقطار الهند والسند جذوع توافقت قدودًا ورصانة، وتناسبت تدويرًا وثخانة.
وقد فرشت ساحتها بالمرمر منقولًا من كل فجٍّ عميق، ومضرب سحيق … أشد ملاسة من راحة الفتاة وصفحة المرآة. فأما الأصباغ فروضة الربيع
ضاحكة الثغور تستوقف الأبصار، وتقيد النظار. وأما التهيب فهو صبات الذهب الأحمر أفرغت عن صور الأصنام المجذوذة، والبددة
المأخوذة،
?
فطفقت تعرض على النار بعد أن كانت آلهة للكفار …» إلخ.

وقد أفرد السلطان لخاصته بيتًا في المسجد مشرفًا عليه، فرشه وإزاره من الرخام، قد أحيط بكل رخامة مربعة محراب من الذهب الأحمر مكللًا باللازورد،
في تعاريج من ألوان المنثور والورد.

وأمام هذا البيت مقصورة بتعاريج عليها منصوبة
?
تسع ثلاثة آلاف غلام، متى شهدوا للفرض أخذوا أماكنهم منها صفوفًا، وأقبلوا على انتظار الأذان عكوفًا.

وأضيف إلى المسجد مدرسة فيحاء، تشتمل بيوتها من بساط الأرض إلى مناط السقوف على تصانيف الأئمة الماضين، من علوم الأولين والآخرين، منقولة
من خزائن الملوك، نقَّروا عن ديار العراق، ورباع الآفاق، حتى اقتنوها بخطوط كفرائد سموط، مصححة بشهادات التقييد، وعلامات
التخفيف والتشديد، ينتابها فقهاء دار الملك وعلماؤها للتدريس، والنظر في علوم الدين، على كفاية ذوي الحاجة منهم ما يهمهم، جراية وافرة،
ومعيشة حاضرة.

وناهيك من بلد يحتوي على مرابض ألف فيل، يَشغل كل منها بساسته ومارته
?
دارًا كبيرة، وخطة وسيعة، إن الله تعالى إذا أراد عَمَّر البلاد وكثَّر العباد،
?
وقال ياقوت: «وقد نسب إلى هذه المدينة من لا يعد ولا يحصى من العلماء.» وقال السمعاني: «الغزنوي نسبة إلى غزنة، وهي بلدة من بلاد الهند،
خرج منها جماعة من العلماء في كل فن.»

ثم أفغانستان، ومن أشهر مدنها قُنْدُهار، وكابُل، وقد نُسب إليها جمع من المحدِّثين.

ثم السند، وكانوا يطلقونها على البلاد الواقعة بين الهند ومكران وسجستان. وكانت عاصمتها «المنصورة»، وقد قال المقدسي في وصف السند عندما
زارها: «إنه إقليم الذهب والتجارات والعقاقير والآلات والفانيذ والخيرات … به عدل وإنصاف وسياسات … العلماء به قليلون،
والمنصورة قصبتها وهي مثل دمشق، لأهلها مروءة، وللإسلام عندهم طراوة، والعلم وأهله كثير، ولهم ذكاء وفطنة … ومن مدن السند دَيْبُل، وكل
أهلها تجار، وكلامهم سندي وعربي — والمُلَّتان، وهي مثل المنصورة، وأهلها لا يكذبون في بيع، ولا يبخسون في كيل، يحبون
الغرباء، وأكثرهم عرب.»
?

ثم قال: «إن إقليم السند أكثر أهله مذاهبهم أصحاب حديث، ورأيت القاضي أبا محمد المنصوري داوديًّا إمامًا في مذهبه، وله تدريس وتصانيف، قد
صنف كتبًا عدة حسنة. وأهل الملتان شيعة، ولا تخلو القصبات من فقهاء على مذهب أبي حنيفة، وليس به مالكية ولا معتزلة،
ولا عمل للحنابلة؛ قد أراحهم الله من الغلو والعصبية والهرج والفتنة» … إلخ.

ونعود إلى وصف الحركة العلمية والأدبية في هذه البلاد.

كان طبيعيًّا أن تكون الحركة العلمية والأدبية في البلاد الجديدة التي فتحتها الدولة الغزنوية في الهند ضعيفة؛ فقد بدأت تنشر فيها الإسلام
والعربية، فليس من الطبيعي أن تخرج علماء، أما القسم الذي استولت عليه من الدولة السامانية وغيرهما مما تأصَّل فيه
الإسلام من عهد بعيد، فقد استمرت فيه الحركة في العهد الغزنوي كما كان في العهد الساماني.

وكان من الغزنويين من شجع الحركة الدينية والعلمية والأدبية تشجيعًا عظيمًا، وخاصة محمود بن سبكتكين؛ فقد سار على أسلوب العصر في أن يزين
مملكته بالعلماء والأدباء، كما يزين تاجه باللآلئ.

وقد احتاط به كثير من علماء الدين، وجدَّ أهل المذاهب الدينية والفقهية في كسبه، علمًا منهم بأنه إذا اعتنق مذهبًا ساد في الأقاليم الواسعة
التي فتحها فالفاطمية في مصر وجهوا إليه «التاهرتي» الداعي ليدعوه إلى مذهب الفاطمية، فوقف السلطان محمود على سر ما
دعا إليه، وعلم بطلان ما نُدب إليه، وأمر بقتل التاهرتي، وأهدى بغلته التي كان يركبها إلى القاضي أبي منصور محمد بن محمد الأزدي شيخ هراة،
وقال: «كان يركبها رأس الملحدين، فليركبها رأس الموحدين.»
?
«وذكر إمام الحرمين أبو المعالي الجُوَيْنِي أن السلطان المذكور كان على مذهب أبي حنيفة، وكان مولعًا بعلم الحديث، وكانوا يسمعون الحديث
من الشيوخ بين يديه وهو يسمع، وكان يستفسر الأحاديث، فوجد أكثرها موافقًا لمذهب الشافعي، فوقع في خلده حكمه، فجمع الفقهاء
من الفريقين في مرو والتمس منهم الكلام في ترجيح أحد المذهبين على الآخر، فوقع الاتفاق على أن يصلوا بين يديه ركعتين على مذهب الإمام الشافعي،
وركعتين على مذهب الإمام أبي حنيفة لينظر فيه السلطان، ويتفكر ويختار ما هو أحسنهما، وتولى الإمام القفال المروزي الشافعي
ذلك، فتحول السلطان من المذهب الحنفي إلى المذهب الشافعي.»
?

ولما فتح إقليم خراسان، وسائر إيران وما وراء النهر وسجستان، وجَّه أدباؤها مديحهم إليه كما كانوا يوجهونه إلى السامانيين؛ فبديع الزمان
الهمذاني ينشئ القصائد في مدح محمود بن سبكتكين، كالتي يقول فيها:

تعالى الله ما شاء
وزاد الله إيماني
أأفريدون في التاج
أم الإسكندر الثاني
أم الرجعة قد عادت
إلينا بسليمان
أظلت شمس محمود
على أنجم سامان
وأمسى آل بهرام
عبيدًا لابن خاقان
??
إذا ما ركب الفيل
لحرب أو لميدان
رأت عيناك سلطانًا
على منكب شيطان
??
فمن واسطة الهند
إلى ساحة جرجان
ومن قاصية السند
إلى أقصى خراسان
على مقتبل العمر
وفي مفتتح الشان
فيومًا رسل الشاه
ويومًا رسل الخان
??
فما يعزب بالمغر
ب عن طاعتك اثنان
أيا والي بغداد
ويا صاحب همدان
تأمل مائتي فيل
على سبعة أركان
??
يقلبن أساطين
ويلعبن بثعبان
??
ويأجوج ومأجوج
من الجند تموجان

وكذلك أنشأ أبو منصور الثعالبي القصائد في مدحه كقوله:

يا خاتم الملك ويا قاهر الـ
ـأملاك بين الأخذ والصفح
عليك عين الله من فاتح
للأرض مستَوْلٍ على النجح
راياته تنطق بالنصر بل
تكاد تملا كتب الفتح
فاسعد بأيامك واستغرق الـ
ـأعداء بالكبح وبالذبح

إلى كثير غيرهما من الشعراء.

واختص به أديبان كبيران ناثر وشاعر، وأولهما أبو القاسم أحمد بن حسن الميمندي، وثانيهما كاتبه أبو الفتح البستي.

فالأول «الميمندي»: «كان وزير محمود بن سبكتكين، واشتهر بفصاحة العلم، وعلو الهمم، وسعة النظر، وحسن السياسة، وكان الوزير الذي قبله «أبو
العباس» قليل البضاعة في الصناعة، فانتقلت المخاطبات مدة أيامه من العربية إلى الفارسية حتى كسدت سوق البيان، وبارت
بضاعة الإجادة والإحسان، ولما سعدت الوزارة بأبي القاسم رفع ألوية الكتَّاب، وعمَّر أفنية الآداب، فأمر الكتَّاب أن يتحاشوا الفارسية إلا
عن ضرورة من جهل من يُكتب إليه، وعجزه عن فهم ما يتعرب به إليه.
??
فطارت توقيعاته في البلاد ولا شوارد الأمثال، وأبيات المعاني من القصائد الطوال، ففي كل ناد نداء بألحانها، وفي كل مشهد شهادة باستحسانها
… إلخ.»
??

وأما أبو الفتح البستي، فكان كاتب محمود بن سبكتكين وموضع سرِّه، ومستشاره في أمره، وهو أديب كبير له شعر جيد، ونثر جيد؛ فأما شعره فأكثره
مقطوعات يعمد فيها إلى المعنى الدقيق، فيصوغه في لفظ رشيق، وأما نثره فواضح جميل فيه السجع والازدواج على طريقة عصره،
وهو في نثره يكثر من الأمثال، وفي نظمه يكثر من الحكم. وقد قال الثعالبي: إن له طريقة خاصة به، فهو «صاحب الطريقة الأنيقة في التجنيس الأنيس،
البديع التأسيس، وكان يسميه المتشابه، ويأتي فيه بكل طريقة لطيفة»، تتجلَّى هذه الطريقة في أمثاله من مثل قوله: «عادات
السادات، سادات العادات – الخيبة تهتك الهيبة – من كان عبد الحق فهو حر – المنية تضحك من الأمنية – معنى المعاشرة ترك
المعاسرة … إلخ.» وله في هذا الباب الشيء الكثير.

كذلك تظهر طريقته في شعره من دقة المعنى وأناقة اللفظ، مثل قوله:

لا يغرنك أني لين المـ
ـس فغربي إذا انتضيت حسام
أنا كالورد فيه راحة قوم
ثم فيه لآخرين زكام

وقوله:

وقد يلبس المرء خز الثياب
ومن دونها حالة مضنيه
كمن يكتسي خده حمرة
وعِلَّتها ورم في الريه

وقوله:

تحمل أخاك على ما به
فما في استقامته مطمع
وأنَّى له خلق واحد
وفيه طبائعه الأربع؟!

ويظهر أن له ثقافة واسعة في علم النجوم استخدمها كثيرًا في شعره.

وعلى الجملة فشعره ونثره يدلان على رقة ذوقه، وسعة ثقافته في فروع من العلم مختلفة، إلى استفادة كبيرة من مزاولته الكتابة للسلاطين والأمراء،
واحتكاكه بالأحداث السياسية، والمشاكل الاجتماعية، وأكثر ما يتجلى ذلك في أمثاله وحكمه.

وقد غضب عليه ابن سبكتكين أخيرًا فنفاه إلى بلاد الترك، ومات بها سنة ????.

ثم كان مؤرخ الدولة الغزنوية الكبير، وهو أبو النصر محمد بن عبد الجبار العتبي، وقد سمى كتابه «اليميني» نسبة إلى لقب محمود بن سبكتكين؛
فقد لقبه الخليفة القادر بالله «يمين الدولة وأمين الملة». وقد ألف العتبي كتابه هذا في تاريخ الدولة الغزنوية ترجم
فيه لسبكتكين، وكيف أسس مملكته، ثم تاريخ ابنه محمود، والوقائع التي حدثت في أيامه … إلخ.

ولا يزال الكتاب يعد أكبر مصدر لتاريخ هذه الدولة. وقد صاغه في أسلوب أدبي مسجوع على نحو ما فعله معاصره أبو منصور الثعالبي؛ ولذلك وقع
بين الكتب الأدبية والتاريخية، ولو كان نثرًا مرسلًا لكان أجدى على التاريخ، ومع هذا فقد حاز شهرة كبيرة في عالم الأدب،
وخاصة في الأقاليم الفارسية، قال السبكي: «وكان أهل خوارزم وما والاها يعتنون بهذا الكتاب، ويضبطون ألفاظه أشد من اعتناء أهل بلادنا بمقامات
الحريري.»
??
وعني بشرحه كثير من الأدباء، وطبع له في مصر شرح للمنيني الدمشقي.
وقد حكى الأستاذ براون في كتابه «التاريخ الأدبي للفرس» أن السلطان محمود علم أن في مجلس مأمون بن مأمون جماعة من رجال العلم والفلسفة منهم
ابن سينا والبيروني، وأبو سهل المسيحي، وابن الخمار، وأبو نصر العرَّاق، فكتب إليه أن أرسلهم ليشرفوا بمجلسي ونستفيد
من علمهم. فجمعهم مأمون بن مأمون، وقرأ عليهم كتاب السلطان، فأبى ابن سينا وفرَّ، وقبل البيروني، وابن الخمار، والعَرَّاق.
??

وكان ذهاب البيروني إليه نعمة لا تقدر، فهو الذي استغل فتوح السلطان محمود في الهند أحسن استغلال علمي وجعل ثروة الهند في الرياضة والفلسفة
والإلهيات في يد العرب والفرنج، ولا تزال كتبه التي ألفها العمدة الصادقة لكل من كتب عن الهند من شرقيين وغربيين، وكان
البيروني هذا درة في تاج الدولة الغزنوية كابن سينا في الدولة السامانية.

وهو أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني، نسبة على بيرون مدينة في السند، ولد سنة ????، ونبغ في كثير من العلوم، وخاصة الرياضة والفلك، وأزهر
في الأوساط العلمية، وكانت — إذ ذاك — قصور الخلفاء والأمراء ومجالسهم تقوم مقام الجامعات اليوم، وقد عدد في إحدى قصائده
الذين أكرموه لعلمه، فقال:

مضى أكثر الأيام في ظلِّ نعمة
على رتب فيها علوت كراسيا
فآلُ عراقٍ قد غذوني بدَرِّهم
ومنصور منهم قد تولى غِراسيا
وشمس المعالي كان يرتاد خدمتي
على نفرة مني وقد كان قاسيا
??
وأولاد مأمون ومنهم عليُّهم
تبدَّى بصنع صار للحال آسيا
وآخرهم مأمون رفَّه حالتي
ونوَّه باسمي ثم رأس راسيا
??
ولم ينقبض محمود عني بنعمة
فأغنى وأقنى مغضيًا عن مكاسيا
??

•••

أبو الفتح في دنياي مالك ربقتي
فهات بذكراه الحميدة كاسيا
??
فلا زال للدنيا وللدين عامرًا
ولا زال فيها للغواة مواسيا

ويعده «سخاو» المستشرق الكبير — ناشر كتبه — أكبر عقلية علمية ظهرت، وكذلك رأى محمد بن محمود النيسابوري، إذ قال: «إن له في الرياضيات السبق
الذي لم يشق المحضِرون غباره، ولم يلحق المضمرون المجيدون مضماره.»

وفي الحق أنه كان من خير الأمثال العليا للعالم المخلص للعلم، الواهب له حياته، يزهد في المال إلا ما يكفيه حاجته، صنف القانون المسعودي
للسلطان مسعود؛ فوصله السلطان بأموال طائلة فردها بعذر الاستغناء عنها.
??
«ولا يكاد يفارق يدَه القلمُ، وعينَه النظرُ، وقلبَه الفكرُ؛ إلا في يومي النيروز والمهرجان من السنة لإعداد ما تمس إليه الحاجة في المعاش»،
لا يمل الاستزادة من العلم حتى حين يجود بنفسه. دخل عليه الفقيه أبو الحسن الولوالجي، وهو يجود بنفسه فسأله عن مسألة
توريث ذوي الأرحام؛ فقال له الفقيه؛ إشفاقًا عليه: أفي هذه الحالة؟ قال البيروني: أودِّع الدنيا وأنا عالم بها خير من أن أخليها وأنا جاهل
بها! قال الفقيه: فلما خرجت من عنده سمعت الصراخ عليه.
??
ويقول عنه نفسه: «خصصت في غريزتي منذ حداثتي بفرط الحرص على اقتناء المعارف بحسب السن والحال.» ويتعلم لغات مختلفة؛ ففي كتبه عن العقاقير
والجواهر يذكر اسم الشيء بالعربية واليونانية والسريانية والفارسية والتركية؛ ويقارن بين اللغات مقارنة دقيقة، فيمدح
اللغة العربية بحسن أدائها للمعاني، ويفضلها على الفارسية، وينقد الكتابة الفارسية، كما ينقدها مفكرو اليوم نقدًا دقيقًا فيقول: «إن
كل أمة تستحلي لغتها التي ألفتها واعتادتها، واستعملتها في مآربها … وأنا نفسي قد طبعت على لغة — يريد بها لغته الأصلية
الخوارزمية — لو خُلِّد بها علم لاستُغرب استغراب البعير على الميزاب، والزرافة في الأكواب، ثم انتقلتُ إلى العربية
والفارسية، وأنا في كل واحدة دخيل ولها متكلف، والهجو بالعربية أحب إليَّ من المدح بالفارسية، وسيعرف مصداق قولي من تأمل كتابَ علْمٍ نُقل
إلى الفارسية كيف ذهب رونقه، وكسف باله واسود وجهه، وزال الانتفاع به؛ إذ لا تصلح هذه اللغة إلا للأخبار الكسروية،
والأسمار الليلية.»
ثم ينقد الكتابة العربية فيقول: «وقد حل بأرضنا رومي، فكنت أجيء بالحبوب والبذور والثمار وغيرها، وأسأله عن أسمائها بلغته وأحررها؛ لأن
للكتابة العربية آفة عظيمة، وهي تشابه صور الحروف المزدوجة فيها، واضطرارها في التمايز إلى نقط المعجم، وعلامات الإعراب
التي إذا تركت استبهم المفهوم منها؛ فإذا انضاف إليها إغفال المعارضة، وإهمال التصحيح بالمقابلة — وذلك بالفعل عامٌّ في قومنا — تساوى وجود
الكتاب وعدمه، بل علْمُ ما فيه وجهلُه؛ ولولا هذه الآفة لكفى نقل ما في كتاب ديسقوريدس المنقولة إلى العربي من الأسامي
اليونانية إلا أنَّا لا نثق بها … إلخ.»
??

لقد اتصل البيروني بشمس المعالي قابوس بن وشمكير، وألف له «الآثار الباقية»، وهو يبحث في التواريخ التي كانت تستعملها الأمم، والاختلاف
في الشهور والسنين، والتقاويم عند الأمم وأسسها، إلى غير ذلك مما يسميه الفرنج الآن علم الكرونولوجيا.

فلما اتصل بمحمود بن سبكتكين فاتح الهند، وقف من الفتوح موقفًا عجيبًا يذكرنا بالجمعية العلمية الفرنسية في حملة نابليون على مصر، ولكن
البيروني كان جمعية وحده، فعكف على الهند يدرسها من جميع نواحيها: جغرافيتها وعلومها ودينها؛ بل وجواهرها، وألف في
ذلك الكتب الكثيرة مثل «تاريخ الهند»، و«الجماهر في معرفة الجواهر» … إلخ، وتعلم اللغة السنسكريتية، وأخذ ينقل منها إلى العربية، ومن العربية
إليها، فنقل إلى السنسكريتية «نظريات إقليدس»، و«المجسطي» في الفلك، ونقل إلى العربية من السنسكريتية «باتا نجالي».


وربما كان أعظم كتبه «القانون المسعودي» الذي ألفه للسلطان مسعود بن محمود بن سبكتكين. وهذا الكتاب يبحث في الرياضة والفلك وفلسفة الهند،
ولمَّا ينشر بعد.

وقد عمر «البيروني» عمرًا طويلًا مباركًا ألف فيه كتبًا كثيرة نشرت في رسالة له في أول كتاب «الآثار الباقية» تدل على سعة آفاقه العلمية
وعمقه فيها، وقد مات بغزنة نحو ???? عن خمسة وسبعين عامًا.

كما كان من رجال الفلسفة في بلاط السلطان محمود، ابنُ الخمار، وكان نصرانيًّا، وقد تقدم طرف من خبره.

كما كان في بلاط من أدباء الفرس: الفردوسي، والعنصري، والعسجدي، والفرُّخي، وقد نظم له الفردوسي قسمًا من الشاهنامة، كما نظم له الآخرون،
وموضع ذلك الأدب الفارسي.
??

هوامش
(?)
المقدسي.
(?)
انظر: تاريخ العتبي.
(?)
البددة: جمع بد، وهو الصنم.
(?)
يريد بالتعاريج الدرابزين.
(?)
ساسة الفيل: خدامه ومن يقومون بأمره. ومارته: جمع مائر، وهو الذي يقوم على طعامه.
(?)
نقلت هذه من تاريخ العتبي باختصار.
(?)
أحسن التقاسيم: ??? وما بعدها.
(?)
طبقات الشافعية: ??/???.
(?)
انظر الحكاية بطولها في ابن خلكان: ??/????.
(??)
يريد بآل بهرام السامانيين؛ لأنهم يقولون إنهم من نسل بهرام جور كما تقدم. ويريد بابن خاقان السلطان محمودًا؛ لأنه
تركي، وخاقان لقب لملك الترك.
(??)
يريد بالشيطان الفيل لشكله الهائل.
(??)
أي يومًا عنده رسل ملوك العجم، ويومًا عنده رسل الترك.
(??)
يريد أركان الجيش، وهي القلب والميمنة والميسرة والجناحان والساقة والمقدمة.
(??)
الضمير للفيلة؛ أي يتنقلن على قوائم كالعمد، ويلعبن بخرطوم كالثعبان.
(??)
أي فهم ما يكتب إليه بالعربية.
(??)
العتبي: ??/????.
(??)
طبقات الشافعية: ??/???.
(??)
??/???.
(??)
هو شمس المعالي قابوص بن وشمكير أمير طبرستان، وقد تقدم ذكره.
(??)
مأمون وأولاده أمراء خوارزم.
(??)
محمود هو محمود بن سبكتكين.
(??)
أبو الفتح هو أبو الفتح البستي، وقد تقدم.
(??)
ياقوت: ??/????.
(??)
المصدر نفسه.
(??)
قطعة نقلها الأستاذ كرنكو عن كتاب «الجماهر في معرفة الجواهر» للبيروني — في مجلة Islamic Culture: ??/????.
(??)
انظر ذلك في مقدمة الشاهنامة للدكتور/عبد الوهاب عزام.
الفصل الخامس

بلاد المغرب

لما فتح المسلمون بلاد المغرب كلها كانوا يقسمونها إلى ثلاثة أقسام: مملكة إفريقية، وهي المغرب الأدنى، وقاعدتها القيروان؛ وسمي أدنى لأنه
أدنى إلى بلاد العرب ومركز الخلافة، والمغرب الأوسط، وقاعدته تلمسان والجزائر، والمغرب الأقصى، وقاعدته فاس في مراكش.


وكان العرب يطلقون على سكان كل هذه البلاد البربر.

وقد افتتحها المسلمون من أوائل عهد الفتح، ولقوا في فتحها عناءً كبيرًا، وبذلوا في ذلك ضحايا كثيرة من سنة ??? إلى سنة ???.

وكان أهل هذه البلاد لسذاجتهم مرتعًا خصيبًا للدعاة الخارجين على الدولة. ولكل داع بمذهب ديني جديد، قال ياقوت: «البربر أجفى خلق الله،
وأكثرهم طيشًا، وأسرعهم إلى الفتنة، وأطوعهم لداعية الضلالة، وأصغاهم لنمق الجهالة، ولم تخلُ أجيالهم من الفتن وسفك
الدماء قط … وكم من ادعى فيهم النبوة فقبلوا، وكم زاعم فيهم أنه المهدي الموعود به فأجابوا دعوته ولمذهبه انحلوا، وكم ادعي فيهم مذهب الخوارج
فإلى مذهبه بعد الإسلام انتقلوا.» وقامت به دول مختلفة متعاقبة؛ فقد خرج على المغرب الأقصى إدريس بن عبد الله بن الحسن
المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب سنة ????، ونشر الدعوة به، وأسلم على يده خلق كثير، فبويع له بالخلافة سنة ????، وأسس دولة
تسمت دولة الأدارسة استمرت إلى سنة ???? فاكتسحتها دولة العبيديين «الدولة الفاطمية».

وقام بنو الأغلب بتونس ودولتهم تنسب إلى إبراهيم بن الأغلب التميمي، حكمت من سنة ????. وقد عظمت دولتهم وأنشئوا أسطولًا قويًّا في البحر
الأبيض فتحوا به صقلية ومالطة وسردينيا، وكان عهدهم عصر سيطرة قوية على البحر، واستمروا في الحكم إلى ????، حيث استولى
عليهم العبيديون أيضًا.

ثم جاءت الدولة الفاطمية، وكان منشؤها بالمغرب، فبسطت سلطانها على جميع بلاد المغرب من حدود مصر إلى المحيط الأطلنطي مضافًا إليها صقلية
وسردينيا، وقد بدأ ملكهم على يد أبي محمد عبيد الله المهدي سنة ????، واستمر الملك في أولاده حتى تولَّى منهم المعز،
فلما انتقل إلى مصر سنة ????، وتتابعت فتوحهم في الشام والحجاز واليمن، وقوي سلطانهم فيها، ضعف سلطانهم في الغرب.

فجاء بنو زيري الصنهاجيون بتونس والجزائر، وأصلهم من البربر، وكانوا عمالًا للفاطميين، ولما سار المعز إلى مصر استعمل على تونس يوسف بن
بُلكين، ثم استفحل أمر يوسف واستقل بمملكته، وأسس دولة نسبت إليه استمرت من سنة ????–????، واشتهر من رجالها باديس
بن يوسف، وابنه المعز، وهو أول من حمل الناس بإفريقية على مذهب مالك، وكانوا قبلُ على مذهب أبي حنيفة، ثم ابنه تميم بن المعز الشاعر الكبير،
وسيأتي ذلك.

ومن أول الفتح والمسلمون يعملون أقصى ما وفي وسعهم لإدخال البربر في الإسلام، وتفقيههم وتحضيرهم، وتوالى على بلاد المغرب أمراء عظام عملوا
في هذه السبيل أعمالًا جليلة، فحسان بن النعمان الغساني عامل عبد الملك بن مروان على إفريقية هو الذي دون الدواوين
بها باللغة العربية، وغزا موسى بن نصير المغرب، وكان معه سبعة وعشرون ألفًا من العرب، واثنا عشر ألفًا من البربر، وأمر موسى العرب أن يعلموا
البربر القرآن والفقه … ثم أسلم بقية البربر على يد إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر سنة ???? أيام عمر بن عبد
العزيز
?
… وقد أرسل عمر بن عبد العزيز عشرة من التابعين يفقهون أهل المغرب في الدين.
وفي أيام هشام بن عبد الملك فر قوم من خوارج العراق إلى المغرب، وبثوا فيه مبادئهم، فسرت دعوتهم في البربر، وأعجبهم من تعاليمهم أن الخليفة
ليس يجب أن يكون قرشيًّا، فانتفض البربر على العرب يريدون أن تكون لهم دولة من أنفسهم، وساعد على ذلك ما لقيه البربر
أيام ولاية عبد الله بن الحبحاب من الظلم والفساد، وكان خوارج المغرب على مذهب الإباضية والصفرية، وكان لدعوة الخوارج أثر كبير في المغرب
في إيجاد عصبية بربرية ضد العصبية العربية، وكثر عدد الخوارج من البربر حتى بلغوا في الثورة أيام عمر بن حفص — عامل
الخليفة المنصور — أكثر من أربعين ألفًا من الصفرية، وخمسة وعشرين ألفًا من الإباضية.
?

وفي أيام هارون الرشيد ولي على المغرب يزيد بن حاتم بن المهلب بن أبي صفرة. قال ابن خلدون: «وفي أيامه انخضدت شوكة البربر، واستكانوا للغلب
وطاعوا للدين، فضرب الإسلام بجرانه، وألقت الدولة المضرية على البربر بكلكلها.»

وفي عهد العباسيين أخذ أهل المغرب بمذهب أهل العراق «مذهب أبي حنيفة» في الأصول والفروع؛ لأن ذلك المذهب يومئذ هو مذهب الخلفاء بالمشرق،
والناس على دين ملوكهم، قال القاضي عياض: «ظهر مذهب أبي حنيفة بإفريقية ظهورًا كبيرًا إلى قرب سنة أربعمائة ثم انقطع
منها.» وللمعز بن باديس الصنهاجي المتوفى في أواسط المائة الخامسة أثر كبير في ذلك؛ فقد كان هو وأصحابه على مذهب الشيعة أخذًا من أسلافهم
الفاطميين أيام استيلائهم على المغرب، ثم قطع المعز دعوة الشيعة، ودعا لبني العباس وحمل الناس على التمسك بمذهب مالك،
وكان مذهب مالك معروفًا في هذه البلاد من قبل، ولكن أهله كانوا في محنة حتى نصرهم المعز هذا.
?

وانتشر مذهب أهل السنة يزاحم الشيعة والخوارج.

هذه الأحداث العظمى من دخول العدد الكبير من العرب، وفتح البلاد، ونشر الإسلام واللغة العربية فيها، وتثقيف الناس بالدين الإسلامي والأدب
العربي، وجعل البلاد جزءًا من المملكة الإسلامية يدخلها التجار من جميع الأجناس، ويتبادلون مع أهلها المعاملات والسلع،
واختلاط العرب وغيرهم من المسلمين بأهل البلاد بالتزاوج والتوالد، ووقوعها بين البلاد المتحضرة، وخاصةً بين مصر والأندلس، وكثرة العلاقات
والرحلات بين هذه البلاد بعضها وبعض، كل هذا نقل بلاد المغرب من برابرة جفاة — كما يعبر ياقوت — إلى أمة لها مدنية
ولها حضارة ولها ثقافة، فلا عجب بعدُ إذا رأينا في البلاد حركة عقلية تؤرخ، ويكون لها شأن يذكر.

وقد اشتهرت بلدان في المغرب بتقدمها في الحضارة والعمران والعلم والأدب، كالقيروان والمهدية وتاهرت وسجلماسة وفاس.

فأما «القيروان»؛ فقد أسسها عقبة بن نافع سنة خمسين، قال ابن خلدون: «اختط عقبة القيروان، وبنى بها المسجد الجامع، وبنى الناس مساكنهم ومساجدهم،
وكان دورها ثلاثة آلاف وستمائة باع، وكملت في خمس سنين، وكان يغزو ويبعث السرايا للإغارة والنهب، ودخل أكثر البربر
في الإسلام، واتسعت خطة المسلمين، ورسخ الدين.» وهي عاصمة إفريقية.
?
وفي القرن الرابع كانت «مصرًا بهيًّا عظيمًا قد جمع أضداد الفواكه، والسهل والجبل، مع علم كثير، لا ترى أرفق من أهلها، ليس بينهم غير حنفي
ومالكي مع ألفة عجيبة، لا شغب بينهم ولا عصبية، فهي مفخرة المغرب، ومركز السلطان، وأحد الأركان، أرفق من نيسابور، وأكبر
من دمشق، وأجل من أصبهان … جامعها بموضع يسمى السماط الكبير … وهو أكبر من جامع ابن طولون بأعمدة من الرخام، ومفروش
بالرخام.
?

والمهدية؛ وهي مدينة من أعمال تونس اختطها المهدي رأس الفاطميين، وبينها وبين القيروان مرحلتان، أسسها سنة ????، وفرغ منها سنة ????، وهي
على ساحل البحر الأبيض داخلة فيه كهيئة كف متصلة بزند، وسوَّرها سورًا محكمًا بأبواب من الحديد المصمت، وجلب إليها
الماء من قرية على مقربة من المهدية، وجعل لها مرسى يسع ثلاثين مركبًا.

وبنى على المرسى برجين بينهما سلسلة من حديد، فإذا أريد إدخال سفينة أرسل الحراس أحد طرفي السلسلة حتى تدخل ثم يمدونها كما كانت، ولما أتم
ذلك قال المهدي: «اليوم أمنت على الفاطميات.» — يعني بناته — وارتحل إليها وأقام بها، ثم عمَّر فيها الدكاكين، ورتب
فيها أرباب المهن، كل طائفة في سوق، فنقلوا إليها أموالهم … وينسب إلى المهدية جماعة وافرة من العلماء في كل فن،
?
وكان من إحدى قرى المهدية هانئ أبو ابن هانئ الأندلسي، وفي المهدية هذه ولد المعز فاتح مصر، ومؤسس القاهرة.
وتاهرت؛ بلد كبير من أعمال الجزائر قد أحدقت بها الأنهار، والتفت بها الأشجار، ينتعش فيها الغريب، ويستطيبها اللبيب، رشيق الأسواق، جيد
الأهل، قديم الوضع، محكم الرصف، عجيب الوصف
?
… وكانت قديمًا عش الإباضية، وقد أخرجت كثيرًا من حفاظ الحديث، وثقات المحدثين.
?
وسجلماسة؛ قصبة جليلة على نهر بمعزل عنها، شديدة الحر والبرد جميعًا، صحيحة الهواء، كثيرة التمور والأعناب والفواكه والحبوب، كثيرة الغرباء
… وهم أهل سنة … بها علماء وعقلاء
?
… ولنسائهم يد صناع في غزل الصوف؛ فهن يعملن منه كل حسن عجيب من الأُزُر تفوق القصب الذي بمصر … وأهلها من أغنى الناس وأكثرهم مالًا؛ لأنها
على طريق من يريد «غابة» التي هي معدن الذهب، ولأهلها جرأة على دخولها.
??
وفاس؛ بلدان جليلان كبيران، كل واحد منهما محصن، بينهما واد جرار عليه بساتين وأرحية، قد استولى على أحدهما الفاطمي، وعلى الآخر الأموي،
وكم ثم من حروب وقتال وغلبة، كثير الخيرات، قليل العلماء، كثير الغوغاء.
??
وقال أبو عبيد البكري: «مدينة فاس مدينتان: عدوة القَرَويين، وعدوة الأندلسيين، وعلى باب دار الرجل، رحاه وبستانه بأنواع الثمر … وهي أكثر
بلاد المغرب يهودًا يختلفون منها إلى جميع الآفاق.»
??

ولما وصف المقدسي إقليم المغرب جملة عند زيارته فيما يهمنا من الناحية العلمية، قال: «إنه إقليم كبير طويل … أهله لا يعرفون مذهب الشافعي
إنما هو أبو حنيفة ومالك، وكنت يومًا أذاكر بعضهم في مسألة، فذكرت قول الشافعي فقال: اسكت، من هو الشافعي؟! إنما كانا
بحرين أبو حنيفة لأهل المشرق، ومالك لأهل المغرب أفنتركهما ونشتغل بالساقية؟ … وما رأيت فريقين أحسن اتفاقًا وأقل تعصبًا منهم …

وسألت بعضهم: كيف وقع مذهب أبي حنيفة إليكم، ولم يكن على سابلتكم؟ قالوا: لما قدم وهب بن وهب من عند مالك، وقد حاز من الفقه والعلوم ما
حاز، استنكف أسد بن عبد الله أن يدرس عليه؛ لجلالته وكبر نفسه، فرحل إلى المدينة ليدرس على مالك فوجده عليلًا، فلما
طال مقامه عنده قال له: ارجع إلى ابن وهب فقد أودعته علمي، وكفيتكم به الزحلة. فصعب ذلك على أسد، ثم سأل: هل يعرف لمالك نظير؟ فدُل على
محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، فرحل إليه، وأقبل محمد عليه إقبالًا لم يقبله على أحد لما رأى منه من فهم وحرص، فلما
رأى محمد أنه قد بلغ مراده سيبه إلى المغرب، فلما دخلها اختلف إليه الفتيان ورأوا فروعًا حيرتهم، ودقائق عجبتهم، ومسائل ما طنت على أذن
ابن وهب، ففشا مذهب أبي حنيفة بالمغرب …

وهناك القسم الثالث المذهب الفاطمي … ولهم تصانيف يدرسونها، ونظرت في كتاب الدعائم، فإذا هم يوافقون المعتزلة في أكثر الأصول، ويقولون بمذهب
الإسماعيلية، ولهم فيه سر لا يعلِّمونه لكل أحد إلا من وثقوا به بعد أن يحلفوه ويعاهدوه؛ وإنما سموا باطنية لأنهم يصرفون
ظاهر القرآن إلى بواطن وتفاسير غريبة، ومعان دقيقة، وهذه الأصول مذاهب الإدريسية وغلبتهم بكورة السوس الأقصى.
??
وقد اشتهرت بلاد المغرب بالعناية بالحديث والفقه، وتقصيرها في العلوم النظرية من الفلسفة وفروعها؛ قال المقري التلمساني: «وأما ملكة العلوم
النظرية فهي قاصرة على البلاد المشرقية، ولا عناية لحذاق القرويين والإفريقيين إلا بتحقيق الفقه فقط، ولم يزل الحال
كذلك إلى أن رحل الفقيه ابن زيتون
??
إلى المشرق، فلقي تلاميذ الفخر بن الخطيب، ولازمهم زمانًا حتى تمكن من ملكة التعليم، وقدم إلى تونس فانتفع به أهلها.»
??

وقد اشتهر من المغرب كثير من الفقهاء وخاصةً في الفقه المالكي من أشهرهم وأولهم أسد بن الفرات، وهو نيسابوري الأصل، قيرواني الدار، أخذ
عن مالك موطأه في المدينة، ورحل إلى العراق فأخذ من أبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة، وأخذ عن أبي يوسف الأسئلة التي
كان يثيرها الحنفية، ويضعون لها الأحكام على مقتضى مذهبهم، فجردها أسد بن الفرات من أحكامها، وعرضها على ابن القاسم، وتلقى منه أحكامها
على مذهب مالك، أو اجتهاد ابن القاسم نفسه، أو اجتهاد أشهب، ودون ذلك كله في الكتاب المشهور المسمى «بالمدوَّنة»، فالمسائل
المجرَّدة مسائل الحنفية، والأحكام أحكام مالك وصحبه، وتشتمل على نحو ستة وثلاثين ألف مسألة.

وقد حمل أسد بن الفرات ذلك كله إلى القيروان ونشره بالمغرب، وتولى القضاء بها زمنًا، كما تولى قيادة الجيش الذي فتح صقلية لبني الأغلب،
وقد قتل وهو محاصر لسرقوسة سنة ????.

ثم سُحْنون؛ وهو عبد السلام بن سعيد، عربي من تنوخ، كان أبوه من العرب الذين نزلوا القيروان، تعلم على علماء القيروان، ورحل فأخذ العلم
عن ابن القاسم وأشهب وابن وهب وغيرهم.

وقد أخذ مدونة أسد بن الفرات التي ذكرنا، وأعاد قراءتها علي بن القاسم وصححها عليه، وعاد بها إلى القيروان، فأقبل عليها الناس في المغرب
والأندلس وتولى قضاء إفريقية، وجد في نشر مذهب مالك، وتعلم عليه كثيرون حتى عد العلماء الذين تخرجوا عليه بنحو سبعمائة.


قال ابن حارث: «قدم سحنون «إفريقية» بمذهب مالك، واجتمع له في ذلك فضل الدين والورع والعفاف والانقباض، فبارك الله فيه للمسلمين، ومالت
إليه الوجوه، وأحبته القلوب، وصار زمانه كأنه مبتدأ قد انمحى ما قبله، فكان أصحابه سرج أهل القيروان … ابنه عالمها
وأكثرهم تأليفًا، وابن عبدوس فقيهها، وابن غافق عاقلها، وابن عمر حافظها، وابن جبلة زاهدها، وحمديس أصلبهم في السنة وأعداهم للبدعة، وسعيد
بن الحداد لسانها وفصيحها، وابن مسكين أرواهم للكتب والحديث، وأشدهم وقارًا وتصاونًا — كل هذه الصفات مقصورة على وقتهم.
??

وتوفي سنة ???? عن ثمانين عامًا، ولما مات رجت القيروان لموته. واشتهر ابنه محمد بن سحنون بالتآليف الكثيرة في الحديث والفقه، ومات سنة
????.

ثم أبو بكر محمد بن محمد المعروف بابن اللباد اشتهر بالحفظ والإتقان وسعة العلم، وسعيه لنشر المذهب المالكي في المغرب، وتكوين علماء حملوا
علمهم وأفادوا به الناس. وقد اضطهده الفاطميون أيام سطوتهم؛ لأنه لم يتابعهم في آرائهم فسجنوه ومات سنة ????.

ثم أبو ميمونة دراس بن إسماعيل الحراوي الفاسي، وهو الذي أدخل فقه مالك في المغرب الأقصى بعد أن كان أهله على مذهب أبي حنيفة، وكان من الحفاظ
المعدودين، والفقهاء المشهورين مات بفاس سنة ????.

ثم أبو محمد عبد الله بن أبي زيد النفزي القيرواني، إمام المالكية في زمنه، كثير التأليف واسع الفقه حتى سمي «مالك الصغير». رحل إليه العلماء
للرواية عنه والتفقه به، له كتاب «الزيادات على المدونة»، وله «مختصر المدونة» توفي سنة ????.

وأبو عبد الله بن محمد بن محمود الهواري، قاضي فاس وإمامها، يضرب به المثل في عدله وورعه، له تعليقات على «المدونة» مات سنة ???? … إلخ.


والقابسي علي بن محمد المعروف بابن القابسي، كان واسع الرواية، عالمًا بالحديث ورجاله، فقيهًا مالكيًّا أصوليًّا متكلمًا مؤلفًا مجيدًا،
له كتاب «الممهد في الفقه»، و«المنقذ من شبه التأويل»، وكتاب «المعلمين والمتعلمين»، وكتاب «رتب العلم وأحوال أهله»
… إلخ. مات بالقيروان سنة ????.

واشتهر من فقهاء الحنفية محمد بن عبدون، ولي القيروان بعد سحنون، فاضطهد المالكية … إلخ.

ولما تغلبت الدولة الفاطمية نشرت فقهها الشيعي ودعوتها الشيعية في المغرب، كما نشرتهما بعد في مصر، واضطهدت الفقهاء السنيين، وقد عرضوا
التشيع على كثيرين منهم فأبوا فعذبوهم «وقد قتلوا في وقعة أبي يزيد مخلد بن كيداد خمسة وثمانين من نخبة علماء القيروان».
??

على الجملة فقد كانت الحركة الدينية الفقهية في المغرب حركة قوية نشيطة، أكثر ما خدمت فقه الإمام مالك.

•••

والعلم النظري أو الفلسفة — وإن لم ينمُ كثيرًا في بلاد المغرب — لم يخل ممن عكف عليه، فيذكر ابن أبي أصيبعة أن إسحاق بن عمران، كان بغدادي
الأصل، مسلم النحلة، ودخل إفريقية في دولة زيادة الله بن الأغلب، وكان قد استجلبه؛ «وإنما دعاه لحاجته على الطب، والطب
كان دائمًا مقرونًا بالفلسفة»، وبه ظهر الطب بالمغرب، وعرفت الفلسفة، وكان طبيبًا حاذقًا متميزًا بتأليف الأدوية، بصيرًا بتفرقة العلل،
أشبه الأوائل في علمه، وجودة قريحته، استوطن القيروان حينًا. وقد ألف كتبًا كثيرة كلها في الطب. وقد تتلمذ له في القيروان
إسحاق بن سليمان الإسرائيلي، وأصله من مصر. ثم سكن القيروان، ولازم إسحاق بن عمران، وكان إسحاق بن سليمان مع فضله في صناعة الطب
بصيرًا بالمنطق، متصرفًا في ضروب المعارف، وعمر عمرًا طويلًا إلى أن نيف على مائة سنة، وقد ألف في الطب والحكمة والمنطق، وقد
خدم الأغالبة والفاطميين ومات نحو سنة ????.

وأنجب هؤلاء الوافدون من الأطباء أطباء من أهل البلاد نفسها، مثل أحمد بن إبراهيم، المعروف بابن الجزار من أهل القيروان، وقد اشتهر بالطب
وخدمة العامة به. قالوا: وكان عنده نحو خمسة وعشرين قنطارًا من كتب طبية وغيرها، وكان إلى اشتغاله بالطب وتأليفه فيه
مؤلفًا في التاريخ، فألف في علماء زمانه، وفي أخبار الدولة الفاطمية … إلخ.

•••

ثم كان حظهم من الأدب كبيرًا، وقد مر المغرب بالدور الذي مرَّت به مصر عند اختلاط العرب بسكان البلاد، من وقوف الشعر إلا القليل الضعيف
حتى إذا زالت روعة الفتح وكثر دخول العرب واتصالهم بالبربر، وانتشرت اللغة العربية، ووجد جيل نشأ في المَربَى العربي
أخذ الشعر يجود، وربما كان خير موطن له دولة الأغالبة، ودولة الفاطميين، ودولة الصنهاجيين «بني زيري»؛ ففي دولة الأغالبة كان كثير من أمرائهم
أدباء؛ فإبراهيم بن الأغلب نفسه كان شاعرًا، فمن شعره يفخر بانتصاره:

ما سار عزمي إلى قوم وإن كثروا
إلا رمى شعبهم بالحزم فانصدعا
ولا أقول إذا ما الأمر نازلني:
يا ليته كان مصروفًا وقد وقعا
حتى أجلِّيَه قهرًا بمعتزم
??
كما يجلي الدجى بدرٌ إذا طلعا
قومًا قتلت وقومًا قد نفيتهمُ
ساموا الخلاف بأرض الغرب والبدعا
كلًّا جزيتهمُ صدعًا بصدعهمُ
وكل ذي عمل يجزى بما صنعا

وكذلك حفيده أبو العباس بن أبي عِقال بن إبراهيم، وهو الذي ولَّى سحنونًا الفقيه قيادة الجيش الذي فتح صقلية، ومن شعره يقول في الفخر أيضًا:


أنا الملك الذي أسمو بنفسي
فأبلُغ بالسمو بها السحابا

•••

أُظلُّ عشريتي بجناح عِزِّي
وأمنحها الكرامة والثوابا
وأصطنع الرجال وأصطفيهمْ
وأغفر للمسيء إذا أنابا

•••

أنا ابن الحرب ربتني وليدًا
إلى أن صرت ممتلئًا شبابا
لعمر أبيك ما إن عبت قومي
وما أخشى بقومي أن أعابا
بنيت لهم مكارم باقيات
إذا ما صارت الدنيا خرابا

وقد اشتهر من شعراء هذه الدولة بكر بن حماد الزناتي، وقد رحل إلى المشرق فدخل البصرة والكوفة وبغداد، ولقي بعض كبار شعرائها كدعبل الخزاعي
وأبي تمام، وعاد إلى القيروان، وغلب على شعره الوعظ والزهد كقوله:

قف بالقبور فناد الهامدين بها
من أعظُم بليت فيها وأجساد

•••

أين البقاء وهذا الموت يطلبنا
هيهات هيهات يا بكر بن حمَّاد!
بينا ترى المرء في لهو وفي لعب
حتى تراه على نعش وأعواد

•••

فكلنا واقف منها على سفر
وكلنا ظاعن يحدو به الحادي
في كل يوم ترى نعشًا نشيعه
فرائح فارق الأحباب أو غاد
??

أما الدولة العبيدية فكان فيها الشعر أرقى وأضخم للأسباب التي ذكرناها عند الكلام في الأدب الفاطمي في مصر، وحسبها أن أنجبت في الشعر ابن
هانئ الأندلسي، وقد نسب إلى الأندلس لإقامته هناك بعض الوقت وإلا فهو إفريقي من قرية من قرى المهدية، وكان في شعره
للمعز، كما كان أبو الطيب لسيف الدولة يصف حروبه وأسطوله، ويدون وقائعه، وينشر دعوته، ويمجد خلاله، وقد تقدم ذكر طرف عنه، وكان كذلك حوله
شعراء ابتلعهم كما ابتلع المتنبي من حوله، فكان في بلاط المعز بالمهدية من الشعراء أبو الحسن علي بن محمد بن الأيادي
التونسي، وقد كان شاعرًا كبيرًا اتصل بالفاطميين أيام القائم والمنصور والمعز. وكذلك علي بن عبد الله التونسي، ومقداد بن الحسن الكتامي،
وابن هانئ نفسه يفخر على هؤلاء الشعراء وأمثالهم، ويستصغر منزلتهم منه فيقول:

أرى شعراء الملْك تنحَتُ جانبي
وتنبو عن الليث المخاضُ الأوارك
??
تخبُّ إلى ميدان سبقي بطاؤها
وتلك الظنون الكاذبات الأوافك
رأتني حمامًا فاقشعرت جلودها
وإني زعيم أن تلين العرائك
تسيء قوافيها وجودك محسن
وتنشد إرنانًا ومجدك ضاحك
??
وتجدى وأكدي والمناديح جمة
فمالي غني البال وهي الصعالك
??
أبت لي سبيل القوم في الشعر همة
طموح ونفس للدنية فارك
??

وفي الدولة الصنهاجية كان العمران قد استحكم، والصلة بين المغرب وبين الأندلس ومصر والعالم الإسلامي كله قد تمكنت، والحضارة قد ازدهرت.


قال ابن خلدون: «كان ملكهم أضخم ملك عرف للبربر بإفريقية وأترفه وأبذخه.» فرقيت العلوم والفنون، ومنها الأدب.

ومن أشهر ملوكهم المعز بن باديس قالوا: «إنه اجتمع بحضرته من أفاضل الشعراء ما لم يجتمع إلا بباب الصاحب بن عباد.» وذكر أكثرهم ابن رشيق
في كتابه «أنموذج الزمان في شعراء قيروان».

وكان من الأمراء الصنهاجيين شعراء مجيدون من أشهرهم تميم بن المعز بن باديس — وهو غير تميم بن المعز المصري — مَلَكَ إفريقية وما والاها،
وكان محبًّا للعلماء والشعراء مقربًا لهم، ومن شعره:

إن نظرت مقلتي لمقلتها
تعلم مما أريد نجواه
كأنها في الفؤاد ناظرة
تكشف أسراره وفحواه

وكان من شعرائه الحسن بن رشيق وغيره.

وقد نبغ في هذه الدولة كثير من الشعراء والأدباء مثل عبد الكريم النهشلي، وكان شاعرًا أديبًا ناقدًا، عارفًا باللغة خبيرًا بأيام العرب
وأشعارها. مات سنة ????، وقد أكثر ابن رشيق من النقل عنه في العمدة، وذكر أن له كتابًا في الشعر.

ومثل علي بن أبي الرجال رئيس ديوان الإنشاء في الدولة الصنهاجية، واشتهر بالكرم وتشجيع الأدب، وهو الذي ربى المعز بن باديس وحبب إليه الأدب،
وهو الذي ألف له ابن رشيق كتاب «العمدة»، وألف له ابن شرف «رسائل الانتقاد». مات سنة ????.

ومثل أبي عبد الله محمد بن جعفر القزاز القيرواني كان إمامًا في اللغة، ألف كتاب «الجامع» في اللغة، وهو يقارب «التهذيب» للأزهري، وهو شيخ
ابن رشيق، وهو ينقل في كتابه العمدة أقواله وما جرى له في مجلسه من أدب، وكان يطرح على تلاميذه عويصات المسائل ويكلفهم
حلها. مات سنة ????.
??
وأبو عبد الله عبد العزيز بن أبي سهل الخشني الضرير، وهو كذلك من شيوخ ابن رشيق في الأدب. قال عنه: «كان مشهورًا بالنحو واللغة جدًّا، مفتقَرًا
إليه فيهما، بصيرًا بغيرهما من العلوم. وكان شاعرًا مطبوعًا سلك طريقة أبي العتاهية في سهولة الطبع ولطف التركيب، ولا
غناء لأحد من الشعراء الحذاق عن العرض عليه والجلوس بين يديه. مات سنة ????، وقد زاد على السبعين.»
??
ومن كبار المؤلفين في الأدب إبراهيم بن علي الحصري القيرواني، وهو صاحب كتاب «زهر الآداب» وكتاب «المصون في سر الهوى المكنون»؛ قال فيه
ابن رشيق: «كان شبان القيروان يجتمعون عنده ويأخذون عنه، ورَؤُسَ عندهم، وشَرُفَ لديهم، وسارت تأليفاته، وانثالت عليه
الصلات من الجهات وله ديوان شعر.»
??
مات سنة ????.

وكتابه «زهر الآداب» يدل على ذوق في الأدب رقيق، واطلاع واسع على ما أنتجه الأدباء من الجمل الروائع، والرسائل البليغة.

وله ابن خالة هو أبو الحسن علي بن عبد الغني الحصري القيرواني، كان عالمًا بالقراءات، وشاعرًا ظريفًا، وهو صاحب القصيدة المشهورة:

يا ليل الصب متى غده
أقيام الساعة موعده
رقد السمار فأرقه
أسف للبين يردده

وقد حازت شهرة كبيرة، وعارضها كثير من الشعراء في مختلف الأمصار إلى عصرنا هذا.

وظهرت في المغرب حركة جيدة في النقد الأدبي، وردت أول الأمر نتفًا في كتب الأدب عندهم كقول عبد الكريم النهشلي: «قد تختلف المقامات والأزمنة
والبلاد، فيحسن في وقت ما لا يحسن في آخر، ويستحسن عند أهل بلد ما لا يستحسن عند أهل غيره، ونجد الشعراء الحذاق تقابل
كل زمان بما استجيد فيه وكثر استعماله عند أهله، بعد ألا تخرج من حسن الاستواء وجد الاعتدال وجودة الصنعة، وربما استعملت في بلد ألفاظ لا
تستعمل كثيرًا في غيره، كاستعمال أهل البصرة بعض كلام أهل فارس في أشعارهم ونوادر حكاياتهم … إلخ.»

ومثل قول إبراهيم الحصري: «الشعر مطبوع ومصنوع: فالمطبوع الجيد الطبع مقبول في السمع، قريب المثال، بعيد المنال، أنيق الديباجة، رقيق الزجاجة
… يطرد ماء البديع على جنباته، ويجول رونق الحسن في صفحاته … وحمل الصانع شعره على الإكراه في التعمل بتنقيح المباني
دون إصلاح المعاني، يعفي آثار الصنعة، ويطفي أنوار الصبغة، ويخرجه إلى فساد التعسف، وقبح التكلف … وأحسن ما أجري إليه، وأعول عليه هو التوسط
بين الحالين، والمنزلة بين المنزلتين من الطبع والصنعة.»

ثم ارتقى هذا حتى صار موضوعًا قائمًا بنفسه، وتوجت هذه الحركة بكتاب «العمدة» لابن رشيق، و«أعلام الكلام» لابن شرف،
??
وهما من خير الكتب في النقد الأدبي.

وقد نقل ابن رشيق في كتابه «العمدة» فن النقد من نقد شاعر خاص أو شعراء معينين — كما فعل صاحب الموازنة والوساطة — إلى نقد للشعر عامة،
وقد قال فيه ابن خلدون: «وهو الكتاب الذي انفرد بهذه الصناعة وأعطاها حقها، ولم يكتب فيها أحد قبله ولا بعده مثله.»


وبعد العمدة ألف ابن رشيق كتابه «قراضة الذهب»، وأكثر ما يتعرض فيه للسرقات الشعرية، ومتى تجوز، ومتى لا تجوز، وأين تحسن وأين لا تحسن،
??
كما وضع ابن شرف كتابه «أعلام الكلام»، وموضوعه مقامة طويلة كمقامات الحرير، تعرَّض بطلها لمشهوري الشعراء من المتقدمين والمحدثين يصفه
في قول قصير، ويبين مزاياه وعيوبه في إيجاز.
??

وقد كان كلاهما من القيروان، وكانا من ندماء المعز بن باديس وشعرائه وجلسائه، ولما أغار الهلالية القادمون من مصر على القيروان فرَّا وقالا
القصائد في رثاء القيروان، وذهب ابن رشيق إلى صقلية حيث مات بها سنة ????، وذهب ابن شرف على الأندلس ومات بها سنة ????.


وقد كانا صديقين ثم دبت بينهما الخصومة فتساجلا في الأدب كتلك المساجلة التي كانت بين الخوارزمي، وبديع الزمان الهمذاني.

وعجيب أمر المسلمين في هذه العصور، فما استقر فرارهم في المغرب حتى أنشئوا أسطولًا قويًّا في البحر الأبيض فتحوا به صقلية وسائر الجزائر
حولها، وكان فتح صقلية على يد الأغالبة، وقد كان بها ثلاثمائة ونيف وعشرون قلعة، ولكنها لم تثبت أمام قوة المسلمين.


قال ابن خلدون: «كان فتح صقلية أيام زيادة الله الأول بن إبراهيم بن الأغلب على يد أسد بن الفرات شيخ الفتيا … ثم قال: وكان المسلمون لعهد
الدولة الإسلامية قد غلبوا على بحر الروم «البحر الأبيض» من جميع جوانبه وعظمت صولتهم وسلطانهم فيه، فلم يكن للأمم
النصرانية قبل بأساطيلهم بشيء من جوانبه، وامتطوا ظهره للفتح سائر أيامهم؛ فكانت لهم المقامات المعلومات من الفتح والغنائم، وملكوا سائر
الجزائر المنقطعة عن السواحل مثل: ميورقة ومنورقة وسردانية وصقلية ومالطة وأقريطش وقبرص … والمسلمون خلال ذلك قد تغلبوا
على الأكثر من لجة هذا البحر، وسارت أساطيلهم فيه جائية وذاهبة، والعساكر الإسلامية تجيز البحر في أساطيلهم من صقلية إلى البر الكبير
المقابل لها … وانحازت أمم النصرانية بأساطيلهم إلى الجانب الشمالي الشرقي منه من سواحل الإفرنجة والصقالبة لا يعدونها
— وأساطيل المسلمين قد ضربت عليهم ضراء الأسد بفريسته.»

ولما فتحوا صقلية فسرعان ما نشروا دينهم وعلمهم ولغتهم، بل إن قائد الجيش في الفتح كان هو أسد بن الفرات العالم المالكي المشهور ومعه جماعة
من وجوه أهل العلم في تسعمائة فارس وعشرة آلاف راجل، وما زال يفتح في قلاعها حتى أصيب بجروح بالغة مات متأثرًا بها،
فأتم خلفاؤه الفتح. ثم «صار أكثر أهلها مسلمين، وبنوا بها الجوامع والمساجد»،
??
وانتشر بها العلم، وأصبحنا نسمع عن كثير من العلماء يُنسبون إليها؛ فيقولون: فلان الصقلي. يرحل إليها علماء المسلمون يعلمون الدين واللغة،
والأدباء يشعرون، والخليعون يقولون في الخمر ورهبان الأديار وبناتها. فتجد المقريزي — مثلًا — يقول: محمد بن الحسن
بن علي الكركنتي الفقيه المالكي تفقه بصقلية وإفريقية، وقدم الإسكندرية — وكركنت مدينة بصقلية.

والعماد الأصفهاني يعقد بابًا طويلًا في القسم الثاني من الجزء الحادي عشر في ذكر محاسن فضلاء جزيرة صقلية، ويروي فيه شعرًا صقليًّا بعضه
على أوزان جديدة، كقول أبي الحسن بن أبي البشر في راقصة:

وغزالٍ مشنَّفِ
قد رثى لي بعد بُعدي
لمَّا رأى ما لقيت
مثل روض مفوَّفِ
لا أبالي وهْو عندي
في حبه إذا ضنيت
وجهه البدر طالعًا
تاه لما حاز وُدِّي
فإنني قد سقيت

… إلخ.

ولا ننسى القائد الكبير جوهر الصقلي فاتح مصر، وباني الأزهر، ومدوخ المغرب كله لمولاه المعز، وهو غلام رومي الأصل من مواليد صقلية، صار
مولى للمنصور ثم للمعز، وكان من أكفأ القواد الذين عرفهم التاريخ. بل نجد من النحاة محمد بن خراسان الصقلي، كان مولى
لبني الأغلب، ورحل إلى مصر، وتعلم النحو على أبي جعفر النحاس، وروى عنه مصنفاته، وعاد إلى صقلية يدرس النحو، ومات بها سنة ???? عن ست وسبعين
سنة.
??

ومحمد بن علي بن الحسن بن عبد البر الصقلي التميمي اللغوي، ولد بصقلية، ورحل عنها في طلب العلم ثم عاد إليها، وكان موجودًا سنة ????، وهو
أستاذ ابن القطاع الصقلي.

وفي العصر المتأخر عن عصرنا هذا أخرجت صقلية ابن حمديس الصقلي الشاعر المشهور، والإمام المازري المحدث الكبير صاحب كتاب «المعلم بفوائد
كتاب مسلم»، وهو منسوب إلى مازر Mazzard بلدة بصقلية، والإدريسي الجغرافي الشهير، وابن ظفر الأديب مؤلف كتاب «سلوان
المطاع»، وابن القطاع أحد أئمة الأدب واللغة والنحو والعروض، ومؤلف «الدرة الخطيرة»، و«المختار من شعراء الجزيرة» …
إلخ.

هوامش
(?)
تاريخ ابن خلدون.
(?)
انظر «الاستقصاء»: ??/???.
(?)
انظر الاستقصاء: ??/???.
(?)
إفريقية كان يستعملها العرب فيما يشمل المغرب الأدنى والأوسط، فيشمل طرابلس وتونس والجزائر.
(?)
المقدسي ??? وما بعدها.
(?)
انظر معجم ياقوت في مادة المهدية.
(?)
المصدر نفسه: ص???.
(?)
معجم ياقوت في مادة تاهرت.
(?)
المقدسي: ???.
(??)
ياقوت في مادة سجلماسة.
(??)
المقدسي: ???.
(??)
ياقوت في مادة فاس.
(??)
المقدسي: ص??? وما بعدها.
(??)
هو أبو القاسم بن أبي بكر الشهير بابن زيتون، عاش من (????–????).
(??)
أزهار الرياض: ??/???.
(??)
الديباج: ص???.
(??)
انظر الحجوي في «تاريخ الفقه الإسلامي». ومخلد هذا ثائر بربري هاجم إفريقية سنة ????، وأخذها من يد الفاطميين، ثم ظفر به المنصور
بن القائم العبيدي سنة ????.
(??)
يريد بالمعتزم الفرس الجامح.
(??)
انظر «المنتخب المدرسي من الأدب التونسي» للأستاذ حسن حسني عبد الوهاب.
(??)
تنحت جانبي: تطعن فيَّ. والمخاض: الحوامل من النوق. والأوارك: التي ترعى الأراك، ورعي الأراك من دلائل الضعف. يقول
إن الشعراء يطعنون في، وهم أمامي كالنوق الضعيفة أمام الأسد.
(??)
الإرنان: رفع الصوت بالبكاء، وهذا علامة الضعف.
(??)
يقول: يعطون الكثير وأعطي القليل، ومع ذلك أنا غني القلب، وهم صعاليك.
(??)
فارك: كارهة.
(??)
ترجم له ياقوت وابن خلكان.
(??)
انظر ابن رشيق للميمني.
(??)
ابن خلكان.
(??)
نشر الأستاذ عبد العزيز الميمني كتاب «النتف من شعر ابن رشيق وابن شرف»، كما وضع رسالة قيمة في ابن رشيق وابن شرف، فانظرهما.
(??)
وقد طبع في مصر.
(??)
طبع كذلك في مصر.
(??)
معجم ياقوت في صقلية.
(??)
انظر بغية الوعاة للسيوطي.
الفصل السادس

جزيرة العرب

أسلفنا في «فجر الإسلام» ما كان في الحجاز من علم وفن وأسباب ذلك.

والحجاز قطر قلَّما يعتمد على نفسه في العيش لقلة زرعه ونتاجه. فلما كان موطنَ الخلافة أيام الخلفاء الراشدين كانت تأتيه الأرزاق من البلاد
المفتوحة كمصر والعراق، ولما انتقلت الخلافة إلى دمشق في العهد الأموي ظلت الخيرات تنهال على الحجاز لكثرة الفتوح وكثرة
الغنائم، وكانت عصبية الأمويين عصبية عربية تقر بالسيادة للعرب، فكانت ترعى جزيرة العرب وسكانها، وكان الفاتحون من العرب، وكثير من غنمائهم
يتسرَّب إلى بلادهم، ولهم ديوان تقيد فيه أسماؤهم وعطاياهم؛ لذلك سعدت الجزيرة وأنتجت علمًا وفنًّا.

فلما جاءت الدولة العباسية تغير الوضع فأصبح زمام الأمور أكثره في يد الفرس، والعمال أكثرهم من الفرس.

وزاد الأمر سوءًا في الحجاز خروج العلويين به والتفاف الناس حولهم، وإرسال الخلفاء العباسيين من ينكل بهم؛ ففي عهد المنصور خرج محمد بن
عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ومعه أشراف بني هاشم وأعيان «المدينة» فعزل عاملها من قبل المنصور،
وولى عليها عاملًا من قبله، فبعث إليه المنصور جيشًا كبيرًا كبيرًا قاتله وقتله، وقتل كثيرًا ممن معه.

وفي أيام الهادي خرج الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، واجتمع حوله آل أبي طالب وكثير غيرهم، وأرسل الهادي جيشًا فكانت
وقعة «فخٍّ» بين مكة والمدينة، ثم قتل الحسين وكثير ممن معه.

وهكذا تتابعت حوادث خروج العلويين، وثورات الحجاز، وفي كل مرة ينكل العباسيون بهم وتزيد كراهيتهم وقبض يدهم عنهم.

فأخذت جزيرة العرب يقل شأنها شيئًا فشيئًا بغلبة العنصر الفارسي، وإبعاد العنصر العربي وقلة المدد الذي يرسل إلى الجزيرة.

ولما جاء المعتصم وتغلَّب العنصر التركي كان الأمر أسوأ، فقد كتب إلى عماله في الأطراف بإسقاط من في دواوينهم من العرب وقطع العطاء عنهم،
ففعلوا، وانحط شأن العرب من ذلك الحين.

واستمر هذا العبث بالجزيرة؛ ففي خلافة المستعين أحمد بن المعتصم تغلب إسماعيل بن يوسف من أولاد علي بن أبي طالب على مكة، فهرب عاملها من
قبل الخليفة، وقتل إسماعيل هذا الجند وجماعة من أهل مكة ونهب منزل العامل، ومنازل أصحاب السلطان، وأخذ من الناس نحو
مائتي ألف دينار وأخذ كسوة الكعبة وما في الكعبة وخزائنها من الأموال، ونُهبت مكة وأُحرق بعضها، ثم خرج منها إلى المدينة فتوارى عنه عاملها،
ثم رجع إلى مكة فحصرها حتى مات أهلها جوعًا وعطشًا، وبلغ الخبز ثلاث أواق بدرهم، ولقي أهل مكة منه كل بلاء، ثم سار
إلى جدة فحبس عن الناس الطعام، وأخذ الأموال التي للتجار وأصحاب المراكب، ثم وافى الموقف بعرفة فأفسد فيه كثيرًا، وكان ذلك سنة
????.
?

وجاء القرامطة فأفسدوا في البلاد، وزحفوا على مكة واستولوا عليها وارتكبوا أشنع الفظائع، ونهبوا الحُجاج ومنعوهم من زيارة البيت الحرام.
وفي سنة ???? نكَّلوا بالحجاج أعظم تنكيل، ونكبوا العرب أعظم نكبة شهدتها الجزيرة، وكان عدد الذين قتلهم القرامطة في
تلك السنة من الحجاج، وفي بيت الله وشوارع مكة وضواحيها، ثلاثة آلاف، غير الذين ماتوا جوعًا، ونهبوا من الأموال آلاف الآلاف.

وفي سنة ???? وسنة ???? وسنة ???? لم يحج إلى مكة من العراق أحد للخوف من القرامطة،
?
وكان أبو طاهر القرمطي يقول:
أنا بالله وبالله أنا
يخلق الخلق وأفنيهم أنا

ونزعوا الحجر الأسود، وبقي في إحدى زوايا «الإحساء» إلى سنة ????، حيث رده القرامطة بأمر المنصور الفاطمي — والخلافة في بغداد عاجزة عن
إخضاعهم.

كل هذه الأحداث وأمثالها أضعفت شأن جزيرة العرب، وجعلتها في شبه عزلة وأخرتها ماديًّا وعلميًّا، حتى إن المقدسي لما زارها في القرن الرابع
وصفها بالفقر وقلة العلم، ووصف مذاهبهم الدينية فقال: «إن مذاهبهم بمكة وتهامة وصنعاء سنَّة، ونواحي صنعاء ونواحيها
مع سواد عمان شراة «خوارج» غالبة، وهجر وصعدة شيعة … وشيعة عمان وصعدة وأهل السروات وسواحل الحرمين معتزلة … والغالب على صنعاء وصعدة أصحاب
أبي حنيفة، والجوامع في أيديهم، وفي نواحي نجد اليمن مذهب سفيان … والعمل بهجر على مذهب القرامطة، وبعمان داودية «على
مذهب أهل الظاهر» لهم مجالس.

ووصف لغتهم فقال: وأهل هذا الإقليم لغتهم العربية إلا بصحار، فإن نداءهم وكلامهم بالفارسية، وأكثر أهل عدن وجدة فرس … وأهل عدن يقولون لرجليه:
رجلينه، ويديه: يدينه، وقس عليه … وجمع لغات العرب موجودة في بوادي هذه الجزيرة، إلا أن أصح لغة بها لغة هذيل، ثم النجديين،
ثم بقية الحجاز إلا الأحقاف فإن لسانهم وحش.»
?

ومع هذا فقد كان في الحجاز حركة دينية في الفقه والحديث لا بأس بها بفضل تتابع المحدِّثين الذين كانوا يروون أقوال النبي وأعماله محدِّثًا
عن محدِّث، وقد كان هذا الإقليم أخصب الأقاليم في هذا الموضوع فظل علمه يتوارث، ثم كانت هذه البلاد المقدسة تهوي إليها
أفئدة كثير من العلماء يحصِّلون العلم ويفيدونه ويعتزون بجوار الحرم المكي أو قبر الرسول، ويفضلون الإقامة فيهما فيكونون مصدر علم. وقد
رأينا في تراجم كثير من المحدثين أن كان في برنامجهم الرحلة إلى الحجاز ورواية الحديث عن ساكنيه، وإطالتهم الإقامة
فيه، وكان للإمام مالك وتلاميذه من بعده فضل كبير في الحركة الفقهية.

فكان في مكة أمثال أبي بكر عبد الله بن الزبير الحميدي الأسدي المكي أحد شيوخ البخاري الذين أخذ عنهم في مكة. قال يعقوب بن سفيان فيه: ما
لقيت أنصح للإسلام وأهله منه. مات بمكة سنة ????، وكثر تلاميذه في مكة ممن رووا عنه وأخذوا علمه.

كما نبغ بالمدينة أبو إسحاق إبراهيم بن المنذر بن عبد الله الأسدي، أحد كبار علماء المدينة ومجتهديها، مات سنة ????. وتتابع بعده تلاميذه.
ويطول بنا القول لو عددنا المحدثين المكيين والمدنيين في القرن الثالث والرابع الهجري فهم كثير، منهم من كان من الحجاز
نفسه ومنهم الراحل إليه المتوطن فيه.

ثم انتشر في اليمن فقه الزيدية، وهم أتباع زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ومذهبهم في الأصول قريب من مذهب الاعتزال،
فهم يقولون بالعدل والتوحيد كالمعتزلة، وبوجوب الخروج على الظَلَمَة كالخوارج، ولهم في الفقه اجتهاد يخالفون في بعض
الأحكام المذاهب الأربعة، وقد اشتهر منهم أئمة في اليمن، اجتهدوا على أصول مذهبهم كالإمام يحيى بن الحسين الزاهد الرسي المتوفى سنة ????،
والإمام الناصر للحق، ألَّف كتبًا على مذهب الزيدية والقاسم بن إبراهيم العلوي صاحب صعدة المتوفى سنة ????، وأبو الحسن
الصليحي ملك اليمن سنة ????، وكان فقيهًا زيديًّا كبيرًا، وقتل سنة ????. وعلى الجملة فهم من قديم كان كثيرًا ما يجمع ملكهم بين تولي
أمور الدولة والاجتهاد الديني على المذهب الزيدي.

وقد بقيت الأندلس، وسنفرد لها جزءًا خاصًّا بها إن شاء الله.

وقد كان من أهم مظاهر الحركة العلمية التي تدعو إلى الإعجاب في هذا العصر الرحلات، فقد أصبح تقليدًا للعالِم أن يرحل ويلاقي العلماء، ويأخذ
منهم ويروي عنهم مع عناء الأسفار وفقر العلماء غالبًا.

وقد بلغ الغاية في ذلك المحدثون، فقد كانوا حركة دائمة يرحلون من أقصى الأرض إلى أقصاها لطلب الحديث وجمعه. وما يشتهر عالم في بلدة بالحديث
وضبطه وجمعه حتى يرحل إليه العلماء من كل صوب. خذ لذلك — مثلًا — محمد بن إسماعيل البخاري يرحل من بخارى إلى مدن خراسان،
إلى الجبال إلى العراق ومدنه كلها، إلى الحجاز إلى الشام إلى مصر، وفي كل مدينة يتحرى حالة علمائها، ويأخذ عمن وثق بهم، وليس البخاري إلا
مثلًا واحدًا من أمثلة كثيرة لا تحصى، فقلَّ أن تجد محدثًا كبيرًا إلا رحل هذه الرحلات وأمثالها حتى قد يقطع المحدث
المسافات الواسعة لرواية حديث واحد وضبطه. وتقرأ تراجم العلماء في كتاب ? «تاريخ بغداد»، فيأخذك العجب من نشاط العلماء ورحلاتهم واحتقارهم
لمشاقِّ السفر ومتاعب الفقر في سبيل العلم، ومعرفتهم كل مصر وكل بلدة ومن فيها من العلماء وما فيها من حديث.

وليس الأمر مقصورًا على المحدثين؛ فهكذا كان الشأن في كل علم وكل فن؛ فأبو جعفر النحاس يذهب من مصر إلى العراق ليأخذ النحو عن أهلها، وابن
بابشاذ المصري يذهب على بغداد في تجارة الجواهر، ويأخذ النحو عن رجالها، ومن بالقيروان يذهب إلى المدينة ليأخذ عن تلاميذ
مالك، وإلى العراق ليأخذ عن تلاميذ محمد بن الحسن، ويسمع الأدباء والشعراء بسيف الدولة فيكون في بلاطه الخوارزمي وأبو علي الفارسي وابن
جني الموصلي، والمتنبي يومًا بحلب ويومًا بمصر ويومًا بالعراق ويومًا بشيراز، وابن بطلان الطبيب البغدادي يناظر ابن
رضوان المصري، فإذا طالت المناظرة رحل إليه من بغداد إلى مصر.

وإذا فتحت بلدة فسرعان ما يذهب إليها العلماء في الفقه والأدب يعلمون أهلها الدين واللغة والأدب، حتى تصبح بعد قليل مركزًا من مراكز الإنتاج
العلمي، كالذي رأينا في صقلية، تفتح فيرجل إليها العلماء وتدوي فيها حركة العلم، وبعد قليل نراها مركز إنتاج علمي وأدبي
عجيب.

والحكومات من جانبها تنشئ الطرق، وتقيم الرباطات والمخافر لحاجتها الشديدة إلى تنظيم البريد، وتسهيل التجارة؛ فكان العلماء في رحلاتهم ينتفعون
بهذه المزايا، كما ينتهزون الفرص لخروج القوافل إلى الحج، فينتظمون في سلك الحجاج، ويرحلون إلى البلدان التي يريدونها.


وكانت الرباطات كثيرة في مراحل المسافرين، ويذكر الإصطخري أنه كان في بلاد ما وراء النهر ما يزيد على عشرة آلاف رباط، في كثير منها إذا
نزل النازل قدم له طعامه، وعلف دابته إن احتاج لذلك.

وقد زودت هذه الرباطات بالماء لحاجة المسافر إليه، وعدة إقامة الرباطات وتزويدها من الأعمال الخيرية التي يقف عليها المسلمون بعض أوقافهم.


وفي بعض المراحل تقوم الأديار مقام الرباطات، فينزلها بعض الراحلين، ويجدون فيها راحتهم ومطالبهم، وأكثر ما استغلها الأدباء لمرحهم وشغفهم
بخمورها المعتقة، وولوعهم بالجمال.

كل هذا جعل المملكة الإسلامية من مشرقها إلى مغربها كأنها وحدة مهما تعدد ملوكها وحكوماتها، فالعالم والأديب والفنان والتاجر لا يعبئون
بالحدود التي ترسمها السياسة، ويرون أن اللغة والدين تكسر حواجز السياسة.

وكان لهذا أثره الكبير في العلم والأدب، ومن أوضح هذه الآثار ضعف الشخصية الإقليمية، فليس علم مصر وأدبها متميزًا كثيرًا عن علم العراق
وأدبه، ولا عن علم خراسان وما وراء النهر والسند وأدبها، كلها متقاربة؛ لأن رحلة العلماء وشدة الاتصال قربت بين الفروق،
وما يظهر امتياز في ناحية إلا استمدته الناحية الأخرى وحذقته واستغلته؛ فالفقه المالكي في المدينة، والفقه الحنفي في العراق يؤلف بينهما
أمثال محمد بن إدريس الشافعي، وأسد بن الفرات المالكي، والنحو العراقي يحمله إلى مصر وإلى المغرب الراحلون إلى العراق
والمتعلمون على أساتذته، والعائدون بعد ذلك منه، والشعراء على أبواب الملوك والأمراء يتنقلون من بلاط إلى بلاط، فيوحدون مناهج
النظم، والوراقون وتجار الكتب يحملون كتاب «الأغاني» و«رسائل إخوان الصفا» من العراق إلى الأندلس، ومكاتب مصر ومكاتب الأندلس،
والقيروان، والمهدية، وفاس، وخراسان، وغزنة تضم في خزائنها أهم ما أنتجه العالم الإسلامي بقطع النظر عن إقليمه.

بل والعلماء أنفسهم نرى شطرًا من عمرهم قضوه في بلد وشطرًا في بلد آخر: شطر في مصر وشطر في الشام، أو شطر في الشام وشطر في العراق، أو شطر
في العراق وشطر في فارس، وهكذا حتى لَيصعب في كثير من الأحيان عد العالم مصريًّا أو شاميًّا، وعراقيًّا أم فارسيًّا.


ومؤلفو التراجم أدركوا هذا المعنى فجمع أكثرهم علماء العالم الإسلامي على اعتبار أنهم نتاج مملكة واحدة كقطر واحد.

نعم توجد شخصية لنتاج كل إقليم كالأدب المصري والشامي والعراقي والفارسي، والطب المصري والشامي والعراقي والفارسي وهكذا، ولكنها شخصية غامضة
خفية لا ترى إلا بالمنظار الدقيق والبحث الطويل. وأكثر ما يظهر هذا في منبع الظاهرة العلمية والأدبية حين تظهر، فظهورها
في إقليم خاضع ولا بد لمؤثرات اجتماعية في هذا الإقليم، كظهور المقامات في إقليم فارس والموشحات بالأندلس، والأسلوب المسجوع المحلى بالبديع
في الري وما حولها، والرسائل الشاملة لفروع الفلسفة — كرسائل إخوان الصفا — في البصرة؛ كل ذلك له علل اجتماعية وتاريخية
وإقليمية مرتبطة بهذه الظواهر ارتباط السبب بالمسبب، ولكن لا تلبث بعد ظهورها أن تقلَّد في سائر الأمصار، ولو لم تكن
العلة الأصلية موجودة، وتقوم علة التقليد مقام علة الابتكار، وتختفي الشخصية الأولى وراء المظهر العام للوحدة المشتركة.

وبعد؛ فهذا عرض سريع للحركة العلمية والأدبية، يتلوه — إن شاء الله — البحث التفصيلي في تاريخ كل علم ومدى تقدمه، ومركز هذا التقدم، وهذا
هو موضوع الجزء الثاني من «ظهر الإسلام» أعاننا الله على إتمامه.

هوامش
(?)
خطط المقريزي.
(?)
المنتقى في أخبار أم القرى ص???.
(?)
أحسن التقاسيم: ?? وما بعدها. والعبارة في بعض المواضع مضطربة.