Advertisement

ظهر الإسلام ج2

ظهر الإسلام ج2
الجزء الثاني
مقدمة
بقلم  أحمد أمين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

هذا هو الجزء الثاني من ظهر الإسلام، وهو على نمط «ضحى الإسلام»، يبحث في تاريخ العلوم والآداب والفنون في القرن الرابع الهجري. وإذا كان
في الأجل متسع: ألَّفت الجزء الثالث في الأندلس، ثم الجزء الرابع في العقائد. ففي هذا العصر نضجت الحياة العلمية في
الأندلس، وحُقَّ لها أن تسجَّل. ولعلَّ القارئ يأخذ علينا أننا لم نستخدم النصوص كما استخدمناها في «فجر الإسلام وضحاه»، فقد اعتدنا أن
ننقل النصَّ بحروفه، ثم نستنتج منه ما أمكننا الاستنتاج. أما في هذا الجزء، فقد هضمنا ما قرأنا، ثم حكينا ما خلص لنا
من غير ذكر نص؛ إلا في القليل النادر، واكتفينا بذكر المراجع عقب كل باب.

وعذرنا في ذلك ضعف الصحة، وعدم قدرتنا على إثبات النصوص كما قرأناها أو سمعناها، على أن هذه الطريقة إنما اتبعت لكي يصدِّق القارئ المؤلِّف
في تأليفه، فإذا كان قراؤنا لم يصدِّقونا مما سبق، فعلينا العفاء، وإذا صدَّقونا اكتفوا منا بمسلكنا في هذا الجزء،
وربما كررت بعض أشياء في هذا الجزء والذي قبله، فعذرنا في ذلك أن الإنسان موضع النسيان.

ولا يدري إلا الله ماذا لقينا من عناء في بعض الأبواب، كالكلام على إخوان الصفاء، فبعضهم يرى أنهم شيعة، وبعضهم يرى أنهم ليسوا بشيعة، فاضطررنا
إلى مراجعة أربعة أجزاء كبار؛ لنقف على موضوعات الكتاب أولًا، ومعرفة منحى المؤلِّفين: هل هم شيعة أو غير شيعة ثانيًا،
حتى استخلصنا الرأي في ذلك، وكالخلاف بين الصوفية والفقهاء، فقد كانت مسألة دقيقة تحتاج إلى دراسة عميقة، إلى غير ذلك.

هذا مع نَهي الأطباء لنا عن النظر في الكتب، ولكنا اعتدنا أن نعتمد في الحياة على القراءة والتأليف، وما قيمة الحياة من غير ذلك؟

ولسنا نطلب جزاء على ما بذلنا من جهد إلا من الله، والله يوفقنا في هذا الجزء وما بعده، كالذي وفقنا فيما قبله.

القاهرة في ??/????/?????م
البيئة الاجتماعية في القرن الرابع الهجري

في نحو سنة ???? (???م) أُصيب العالم الإسلامي بانقسام كبير، حتى كأنه عقد انفرط، أو صخرة تفتَّتت.

نعم، كان قد انفصل قبل ذلك عن العالم الإسلامي خراسان والمغرب، ولكن لم يتمزق هذا التمزق إلا في نحو هذا العام، فكأن المماليك قد لاحظت هذه
الفرقة فقلَّدتها، وربما دعاهم إلى ذلك أيضًا أنهم رأوا بغداد قد صارت في يد الأتراك الظالمين، يظلمون ويعسفون، فكيف يخضعون
لهم، ويسلِّمون أنفسهم لظلمهم، فاستقلوا؛ فصارت فارس والري، وأصبهان والجبل في أيدي بني بُويه، وكرمان في يد محمد بن إلياس، والموصل وديار بني
ربيعة، وديار بكر وديار مضر في أيدي بني حمدان، ومصر والشام في يد محمد بن محمد بن طغج الإخشيد، والمغرب وإفريقيا في يد الفاطميين،
والأندلس في يد عبد الرحمن الناصر، وخراسان في يد نصر بن أحمد الساماني، والأهواز وواسط والبصرة في يد البريديّين، واليمامة والبحرين في يد
القرامطة، وطبرستان وجرجان في يد الديلم، ولم يبق للخلافة العباسية إلا بغداد، ولكن ما أسَّسه أبو جعفر المنصور والمهدي من
خلق وسائل تحمل الناس على تقديس الخلافة العباسية جعل كثيرًا من ولاة هذه الأقطار المستقلة يطلبون مسالمة الخليفة العباسي، والطاعة
الاسمية له؛ مع أنهم أقدر منه.

ولكن — والحق يقال — كانت المملكة الإسلامية كلها وطنًا للمسلمين جميعًا يرحب بهم حيثما رحلوا، وكان العالم ينقسم عندهم إلى قسمين: دار إسلام،
ودار حرب. فالعلماء والمحدثون، والجغرافيون يرحلون في البلاد الإسلامية بسهولة كما يشاءون، كالذي نرى في رحلة ابن بطوطة، وابن
جبير في القرون الوسطى، وبين الأقطار الإسلامية المختلفة من صلة وثيقة، وكلها وطن للمسلم.

ولئن عُدَّ هذا ضعفًا من الناحية السياسية، فإنه لا يعد ضعفًا من الناحية العلمية، فالمملكة الإسلامية في القرن الرابع الهجري كانت أعلى شأنًا
في العلم من القرون التي كانت قبلها، ولئن كانت الثمار السياسية قد تساقطت في القرن الرابع، فالثمار العلمية قد نضجت فيه، والسبب
في ذلك أن الإمارات الإسلامية المختلفة كانت تتبارى في تجميل موطنها بالعلماء والأدباء، وتتفاخر بهم، وهذا أكسبهم التحبب إلى العلماء، والإغداق
عليهم. وسبب آخر، وهو أن انفصال هذه الإمارات عن الدولة العباسية جعلها مستقلة في مالها لا ترسله إلى بغداد؛ بل تغدقه على أهلها،
والعلم دائمًا متأثر بالمال؛ فهذا جعل كثيرًا من العلماء ينعمون في ظل هذا الاستقلال أكثر مما كانوا ينعمون في ظل الوحدة؛ فقد كان
الشاعر مثلًا لا يظهر اسمه إلا إذا رحل إلى بغداد، فصار يلمع اسمه في بلده، أو على العموم خارج بغداد، كالمتنبي ونحوه، بل كان علماء
بغداد أنفسهم يرحلون إلى مصر وغيرها كما فعل عبد الوهاب المالكي، وكما فعل أبو نواس وأبو تمام.

وفي هذا العصر نبتت فكرة جديدة ظلَّ المسلمون يعتنقونها قرونًا طويلة، وهي أنه مَن ملك مكة والمدينة — أو بعبارة أخرى الحرمين الشريفين — فهذا
أحق الناس بالخلافة.

فنحن نستنتج من هذا أن العلم والسياسة لا يتمشيان جنبًا إلى جنب، حتى إذا ارتقى هذا ارتقى ذاك، بل قد يكون الأمر على العكس، قد يكون الضعف السياسي
متمشيًا مع زهو العلم؛ وهذا يسلمنا إلى أن القول بتقسيم تاريخ المملكة الإسلامية إلى عصور، يجعل لكل عصر مميزات من قوة أو ضعف،
لا ينطبق تمام الانطباق على الحياة العلمية؛ فقد تنتهي دولة ما سياسيًّا، وتبدأ دولة جديدة، على حين أن الحياة العلمية مستمرة، لم تنته ولم
تذبل، فالتقسيم التاريخي إلى دولة أموية، ودولة عباسية أولى، ودولة عباسية ثانية لا ينطبق إلا على السياسة؛ وهذا الانقسام كان
له أثر حسن في إمكان المسلمين صد غارات الصليبيين، ولو أتى الصليبيون والبلاد كلها في يد العباسيين الضعفاء ما استطاعوا ردَّهم، ولكنهم أتوا
والدولة الحمدانية في قوتها، والدولة الصلاحية في ذروتها، فاستطاعوا ردَّهم.

•••

أمَّا بغداد، فكانت في يد الخلفاء العباسيين اسمًا، وفي يد جبابرة الأتراك فعلًا، فكان هؤلاء الأتراك يختارون من بني العباس من أنسوا منه صغر
السن، أو ضعف الشخصية، فيجعلونه خليفة حتى لا يشاركهم في سلطانهم، وأحيانًا يخيب ظنُّهم فيشاركهم في سلطانهم، أو يتمرَّد عليهم،
فينكلون به، وينقمون منه.

وعلى الجملة، فقد كان الخلفاء العباسيون آخر الأمر بالنسبة لأبي جعفر المنصور مثلًا، وعبد الملك بن مروان، ومعاوية كأقزام بجوار عمالقة. وفي
هذا العهد مثلًا قد تولى الخلافة المقتدر، وكانت أمه رومية، وفيها المهارة الرومية، فوضعت يدها على الدولة، ودبَّرت أمور البلاد
بقوة وحزم؛ تولِّي وتعزل، وتربِّي ابنها تربية طيبة، وتمنع مؤنسًا التركي من التدخل، فلما ضاق ذرعًا بذلك دبَّر مؤامرة لقتل المقتدر؛ فذُبح
بالسيف، ونُزعت عنه ثيابه حتى سراويله، حتى مرَّ عليه رجل من العامة، فستر عورته بالحشيش، ثم تولى أخوه من أبيه القادر، وتحروا
أن يختاروه ممن ليس له أم قوية كأم المقتدر. ومع ذلك قامت ثورة أريد بها خلع القادر، فلم تنجح، فقضى القادرُ على مؤنس، فطلب أصحاب مؤنس منه
أن يخلع نفسه فأبَى، فخُلع، وسملت عينه لأول مرة في تاريخ الإسلام، وشوهد بعد ذلك يسأل الصدقة على باب الجامع، ثم عُين الراضي
ابن أخي القادر، وكان أديبًا معروفًا.

ثم ارتقى عرش الخلافة بعده أخوه المتقي، فغدر به توزون التركي، وسمل عينه أيضًا، ثم خلفه المستكفي — وكانت أمه رومية أيضًا — فأراد البُوَيهيُّون
أن يخلعوه، فخلع نفسه؛ ولكنه اشترط عليهم ألا يقطعوا شيئًا من أعضائه، ولكن أخاه المطيع أبى إلا أن تُسمَل عينه أيضًا.

وانتهي الأمر أخيرًا إلى أن يتخلى الخلفاء عن السلطة الفعلية، ويكتفوا بالمظهر.

•••

ومن مظاهر هذا العصر الخلاف الشديد بين الفقهاء بعضهم مع بعض، وبين السُّنية والشيعة، حتى جروا البلاد إلى الخراب، فكل مملكة تقسَّمتها المذاهب
المختلفة، وكان النزاع شديدًا بين بعضهم وبعض، وكان الشافعية مشهورين بالشغب، والتألب على خصومهم؛ ومن مثل ذلك ما حكى بعض المؤرخين
من أن الحنابلة قد بنوا مسجدًا ببغداد، واستعانوا بالعميان الذين كانوا يأوون في هذا المسجد، فإذا مرَّ بهم شافعي ضربوه بعصيِّهم حتى يكاد يموت.


وانتشر مذهب الشافعي في مكة والمدينة، واشتهر مذهب أبي حنيفة في العراق، وكان أكثر الفقهاء في مصر من أتباع مالك، وكذلك انتشر مذهب مالك في
المغرب والأندلس. ويحكون أنه لما توفي ابن جرير الطبري — المؤرخ الكبير — دُفن بداره ليلًا سرًّا؛ لأن العامة اجتمعت، ومنعت
دفنه نهارًا؛ لتألب الحنابلة عليه؛ إذ ألَّف كتابًا في اختلاف الفقهاء: مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، ولم يذكر فيه خلاف الحنابلة، فلما سُئل
عن أحمد ابن حنبل قال: إنه محدِّث لا فقيه.

ويحكي لنا ياقوت في «معجم البلدان» أن بلادًا كثيرة خُرِّبت بسبب الخلاف في المذاهب، وتعصب كل لمذهبه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى كان الخلاف
شديدًا بين الشيعة والسُّنية، فالخلفاء العباسيون، ومن تبعهم سنيون يتعصَّبون للسنية، والفاطميون في مصر والشام والمغرب، والحمدانيون
في ديار ربيعة وبكر ومضر، وبنو بُوَيه في العراق، وغيرهم يتشيَّعون، وكانت الكوفة وبها قبر عليّ أكبر مركز للشيعة، حتى قال بعضهم: «من أراد
الشهادة فليدخل دار البِطّيخ بالكوفة، وليقل: رحم الله عثمان». وروي أن أبا بكر الثوري المتوفى سنة ???? روى خبرًا يمسُّ الإمامَ
عليًّا، فطُلب ليقتل فاستتر. واشتهرت «قُمْ» في إيران بالغلوِّ في التشيع، حتى ليحكون أن واليًا سُنيًّا ولِّي عليهم، فعجب من أنه
لا يسمى فيهم أحد أبا بكر أو عمر، وكان يناهضهم أهل أصبهان؛ إذ يتعصّبون للسنية، فثارت مرة فتنة بين أهل أصبهان وأهل قُمْ؛ لأن رجلًا
من أهل قُمْ سَبَّ الصحابة إلخ.

وعلى العموم، فقد كان الخلاف بينه السنية والشيعة خلافًا شديدًا، والسبب فيها اختلافهم في النظر إلى الخلافة، وهي مسألة سياسية صُبغت باللون
الديني، فالشيعة يرون أن عليًّا ونسله لهم الحق في الخلافة دون غيرهم، فخلافة الأمويين والعباسيين خلافة باطلة. والخليفة رئيس
المسلمين، وله وظيفة أخرى؛ وهي أنه معلِّم المسلمين؛ لأنه معصوم، ويتلقَّى العلم بطريق الوراثة، وما أودع فيه من الروحانية. وقد خصَّهم الله
بمزايا غير مزايا الإنسان، وأن الخلافة لهم وراثة، تنقلت من آدم إلى أن وصلت إليهم، وأن النور انقسم إلى قسمين: قسم نزل على
عبد الله والد النبي، وقسم نزل على عبد المطلب، ثم انتقل إلى أبي طالب، ثم إلى عليّ، ومن عليّ إلى ذريته. وهذا النور الموروث يجعل إمام كل عصره
معصومًا، فتجعل له قوة روحانية لا نظير لها في البشر، ومن أجل ذلك أنكروا الخلافة لغير هؤلاء.

فهذا الخلاف بين أتباع المذاهب من جهة، وبين الشيعة والسُّنَّة جعل البلاد الإسلامية نارًا مشتعلة؛ فكل يوم نسمع هياجًا من السُّنيين؛ لأن شيعيًّا
سبَّ الصحابة، ونسمع هياجًا من الشيعة؛ لأن أحدًا مسَّ عليًّا أو أحد الأئمة، حتى إن بعض العلماء الكبار — من علماء بغداد —
حرَّم على نفسه المشي بالكرخ؛ لأنه كان يسمع فيها سبَّ الصحابة، وعاقب أحد الفاطميين رجلًا أشد عقوبة؛ لأنه وجد عنده كتاب «الموطأ» للإمام مالك،
وهذا مما كان سببه ضيق العقل.

وأراد الفاطميون أن يمدوا ملكهم إلى العراق وما حولها، فكان القتال الشديد، والخصومة الشديدة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وليس بعجيب أن يكون الخلاف بين الشيعة والسنية، والمذاهب المختلفة في تلك العصور المظلمة، إنما العجيب أن يبقى هذا الخلاف على مدى التاريخ إلى
اليوم.

•••

وكان من أكبر مظاهر هذا العصر القول بسدِّ باب الاجتهاد، ولم يكن سده بناء على مجلس اجتمع فيه الفقهاء، وقرروا فيه إقفال باب الاجتهاد، وعمل
بذلك محضر وزِّع على الأمصار، إنما كان شعورًا عامًّا بالضعف والنقص، ونوعًا من التقديس للفقهاء السابقين، ومن ذلك الحين —
أعني القرن الرابع الهجري — وقف سير التشريع الإسلامي، ومضى عصر الابتكار، وبدأ عصر التحجُّر، وأصبح أصحاب المذاهب الأولون كأنهم معصومون، وأصبح
الفقيه لا يستطيع الحكم في مسألة إلا إذا كانت مسألة جزئية تطبيقًا على قاعدة كلية، قالها إمامه من قبله، وهذا هو الذي يسمى
اجتهاد مذهب، أما قبل ذلك فكان الاجتهاد مباحًا، ولم يكن مقصورًا على المذاهب الأربعة: فكان هناك مذهب سفيان الثوري، ومذهب الأوزاعي، ومذهب
الظاهرية، وغيرها من عشرات المذاهب، بل حكي أن بعض العلماء كان لا يرضى أن يتبع مذهبًا من المذاهب، بل يجتهد لنفسه، ففي أوائل
القرن الرابع تجمدت المذاهب، واقتصر فيها على المذاهب الأربعة، وأبطل كما قيل نحو خمسمائة مذهب؛ ولذلك وقف التشريع تقريبًا من هذا التاريخ،
ورُمي الإسلام بالجمود.

بل إن ذلك أعدى العلوم والفنون الأخرى؛ حتى كأن الاجتهاد الذي مُنع هو الاجتهاد في كل علم وفن، فلم يكن أدب غير الأدب القديم، ولا لغة غير الألفاظ
القديمة، حتى كأن العالم الإسلامي كله أُصيب بالعقم.

وعُدَّ من ينتقل من مذهب إلى مذهب مرتكبًا لجريمة، ومن يرى رأيًا غير رأي إمامه خارجًا عن المألوف، حتى طُلب أخيرًا مرة من العلماء أن يتخيروا
مذهبًا من المذاهب المختلفة للقضاء بمقتضاه، فرفضوا، فكانت النتيجة اللجوء إلى القانون الفرنسي.

ثم كانت الحالة الاقتصادية على أسوأ ما يكون، فثروة الأُمَّة ليست موزَّعة توزيعًا عادلًا، ولا شبه عادل، أموال تتدفَّق على الملوك والأمراء،
ومن يلوذ بهم؛ وفقر مُدقع لباقي أفراد الشعب.

وكلُّ دَخل الدولة هو الجزية تؤخذ على رءوس أهل الذِّمَّة ومن الزكاة، ومما يؤخذ على الأراضي الزراعية، ومما يفرض من ضرائب جديدة غير هذه. وكثرت
المصادرات عند احتياج الخلفاء والأمراء للأموال؛ ولذلك شاعت عادة خزن الأموال، وإخفائها في غير مظانها، كالدفن في الأرض، ونحو
ذلك، حتى حكوا أنه من حسن حظ أمير من بُوَيه أن احتاج إلى مال كثير يصرفه على الجند، وإلا شغبوا، فصادف أن رأى ثعبانًا يختبئ في السقف، فأمر
بالبحث عنه، فوجدت غرفة فوق السقف، وفوقها دور آخر علوي، ووجدت هذه الغرفة مملوءة بالذهب المخزون في الخفاء؛ ففرَّج ذلك كربه،
وأزال شدَّته، وكم وجد في الحيطان وتحت الأرض من أموال مخزونة في القدور!

وقد ألَّف أحدُ الظرفاء كتابًا سماه «الفلاكة والمفلوكين»، أي: الفقر والفقراء، حكى فيه أمثلة لكثير من العلماء الذين أصيبوا بالفقر، من ذلك
ما حكاه عن التبريذي الأديب المشهور من أنه أراد عالمًا يشرح له كتابًا معجمًا، فوُصف له أبو العلاء المعري — وكان بعيدًا عنه
— فحمل الكتاب في خُرْج على ظهره، ومشى طويلًا، حتى بلَّل العرقُ الكتابَ وأتلفه، وكان يظن بعد ذلك أنه أصابه مطر، ووجدت أشعار كثيرة في هذا
العصر من جرَّاء هذا يذكرون فيها: أن الفقر يلازم العقل، والغنى يلازم الجهل، مثل الذي يقول:

أنَّي رأيت الدهر في حكمه
يمنح حظَّ العاقِل الجاهلا
وما أراني نائلًا ثروةً
كأنَّه يحسبني عاقلا

ومثل قوله:

وقائلةٍ ما بالُ مثلك خاملًا
أأنت ضعيفُ الرأي أم أنت عَاجِزُ
فقلتُ لها: ذنبِي إلى القوم أنَّنِي
لِمَا لم يحُوزُوهُ من المجدِ حائزُ
وما فاتني شيء سِوى الحظ وحده
وأما المعالي فهي عِندي غَرائِزُ

إلى كثير من أمثال ذلك.

وشاع بين الناس في ذلك العصر مصادرة المواريث، فقال ابن المعتز في أرجوزته:

وويلُ من مات أبوه مُوسرًا
أليس هذا محكَمًا مشَهَّرا
وطال في دار البلاء سَجنُه
وقيل من يدري بأنك ابنه
فقال: جيراني ومن يَعرِفُنِي
فنتفوا سبَالَه حَتَّى فَنِي
وأسرفوا في لَكمِهِ ودفعه
وانطلقت أكفَّهم في صَفعِه
ولم يَزَل في أضيَقِ الحبوسِ
حتى رَمَى لهم بالكيسِ

وعُيِّن أبو حُسَين الرقِّي قاضيًا على حلب، فكان يصادر التركات، ويقول: التركة لسيف الدولة؛ وليس لأبي الحسين إلا أخذ الجُعَالة.

وشاع بين الناس: «من هَلَك، فلسيف الدولة ما ملك»؛ ولذلك اجتهد الحكام أن ينكروا الوراثة، ويجعلوا من مات مات عن غير وارث؛ ليستولي على تركته.


وكثيرًا ما كان يدعي على التجار الكبار أن عندهم ودائع للسلطان، حتى قال ابن المعتز في هذه الأرجوزة:

وتاجر ذي جواهر ومال
كان من الله بأحسَن حالِ
قيل له عندك للسلطان
ودائعٌ غاليةُ الأثمانِ
فقال: لا والله ما عندي له
صغيرةٌ من ذا ولا جليلَة
وإنما ربحتُ في التجارة
ولم أكُن في المال ذا خسارة
فدخنوه بدُخان التِّبن
وأوقدوه بثِفَالِ اللبن
?
حتى إذا ملَّ الحياةَ وضجَر
وقال ليت المال جَمعًا في سَقَرْ
أعطاهُم ما طلبوا فأطلِقَا
يستعملُ المَشي ويمشِي العَنَقَا
?

ويحكون أن الإخشيد صاحب مصر كان يصادر خاصته، وعماله، وأصحابه في هدوء وبرود، وكان يأخذ غلمانهم بسلاحهم، ودوائهم، وثيابهم، فإذا سَلِمَ أحد
من مصادرته حيًّا أُخذ ماله بعد وفاته.

وقد توفي عفَّان بن سليمان — أكبر تاجر في مصر في زمانه — فأخذ الإخشيد من تركته مائة ألف دينار، ولما مات الصاحب بن عباد بعد أن خدم فخر الدولة
البُوَيهي أرسل الأمير من أحاط بتركته، ومن ذلك كان كثير من الأغنياء يودعون أموالهم خفية عند الفقراء؛ حتى يجدوا ما يعيشون
به إذا صودروا، وبعضهم كان يدفن المال في الصحراء، وبعضهم كان يستعمل حيلة لطيفة؛ فكان يضع الرجال في صناديق على البغال، ويخرج إلى الصحراء،
ثم يفتح الصناديق، ويخرج مَن فيها، ويأمرهم بالحفر، ويضع في الحفر الذهب، ثم يدخلهم في الصناديق، ويعود بهم لئلا يعلموا موضع
الذهب فيسرقوه، وبعض الحكام كان يستعمل العسف في الجمارك، وفي مال الخراج إلى غير ذلك من وسائل ظالمة؛ حتى إن صمصام الدولة سنة ???? أراد أن
يفرض ضريبة قدرها عُشر الثمن على الثياب الحريرية، فاجتمع الناس في جامع المنصور، وعزموا على قطع الصلاة، وكاد البلد يفتتن،
فأُعْفوا من ذلك، ولم يقتصروا في الضرائب على الكماليات، بل أرادوا أن يفرضوها على الضروريات كالملح.

ومن سوء هذه الحالة الاقتصادية فشا في الناس أمران متناقضان: الأمر الأول: التصوف؛ فإن كثيرًا من الناس لما عزَّ عليهم أن ينالوا ما يطلبون
قلَّلوا مطالبهم فتصوَّفوا، وعلَّموا أنفسهم الزهد، والورع، والكبت، فكثر التصوف من هذا الباب جريًا على قولهم: «إذا لم يكن
ما تريد، فأرد ما يكون».

والأمر الثاني: ما شاع في هذا العصر من لصوص سموا «الشطَّار» كانوا يقطعون الطريق على الناس، ويفرضون ضرائب معينة على البيوت، من لم يدفعها
هوجم، وأخذ ماله، وحكى لنا الطبري كثيرًا من ذلك، وأن فرقة سميت «المتطوعة» ندبت نفسها للقضاء على هؤلاء الشطار.

أمَّا من الناحية العقلية وانتشار الثقافة، فقد كان العصر متقدمًا حقًّا، تَمَّ فيه امتزاج الثقافات، هؤلاء الفرس والهنود يتثقَّفون الثقافة
العربية، وينتجون فيها، وهؤلاء وثنيو حرَّان، والسوريانيون يغرقون البلاد بالثقافة اليونانية، وهؤلاء الخلفاء يشجِّعون الطبَّ
والتنجيم أولًا لحاجتهم إليهما، ثم ينفُذُ العلماء منهما إلى أبواب الفلسفة الأخرى؛ من طبيعيات، ورياضيات، وإلهيات، ويعكُفُ العالم الإسلامي
على دراستها في صدق وإخلاص، ويقتبس علماء كل علم من الفلسفة اليونانية ليفلسفوه من دين، ونحو، وصرف، وبلاغة، وغير ذلك، هذا
عدا الفلسفة نفسها، ونشطت حركةُ الترجمة من اليونانية إلى السريانية، ومن السريانية إلى العربية نشاطًا غريبًا، حتى إن ثبتَ الكتب المترجمة
عن اللغات المختلفة، وعن اليونانية خصوصًا، وهو الذي قدَّمه لنا ابن النديم في «الفهرست»، وصاحب كتاب «التمدن الإسلامي»؛ ليأخذ
عجبنا، هذا ابن المُقفَّع وأمثاله يقدم لنا بلغة عربية فصيحة الثروة الفارسية، وهذا حنين بن إسحاق مثلًا يقدم لنا الثروة اليونانية،
وهذه كلها كانت بدائية في العصر الأموي، والعباسي الأول، ثم نضجت في القرن الرابع، وأخذ العلماء يقتبسون منها ما حلا لهم؛ ومما زاد
الحاجة إلى الفلسفة اليونانية أن النصارى في تلك البقاع كانوا ينقسمون إلى جملة طوائف: يعاقبة، ونساطرة، ومَلكانية، وكان هناك جدل
في هذه المذاهب حول طبيعة المسيح، وحول القضاء والقدر، وهل الإنسان مجبور أو مختار؟ وكل طائفة تسلحت بالفلسفة اليونانية لدعم مذهبها،
وكان هذا سببًا في انتشار الفلسفة اليونانية، ثم كان من طبيعة بعض الأفراد أن تفلسفوا أولًا لغرض من الأغراض، ثم أبوا إلا أن
يتفلسفوا للفلسفة ذاتها، كما قال الغزالي: «طلبنا العلم لغير الله، فأبى إلا أن يكون لله». ولما جاءت الدولة الشيعية نصرت الفلسفة — والحق يقال
— نصرًا مؤزَّرًا، أكثر من أهل السنَّة؛ لأنها أعانتهم على فكرتهم في مسألة الظاهر والباطن، ولأن المتفلسف عادةً أطوعُ للاقتناع
بالحجة الفلسفية، ولأنَّ الفلسفة تُليّنُ الجمود، وتُفتِّح الذهن لقبول الجديد؛ ولذلك كثيرًا ما نرى فلاسفة هذا العصر يحتضنهم الشيعة: كالفرابي،
وإخوان الصفاء، وابن سينا، وغيرهم. فإذا قلنا: إن الفلسفة لم تزهر في عصر، ولم تستثمر في عصر كهذا العصر، لم نكن بعيدين عن
الصواب.

وكان الناس في هذا القرن ثلاث طبقات متميزة: الطبقة الأولى: طبقة الأرستقراطيين من خلفاء، ووزراء، وتجار كبار، وأشراف، والطبقة الوسطى: من تجار
متوسطين، ومُلَّاك متوسطين، ونحوهم، وطبقة فقيرة، وهي عامة الشعب من صغار الفلاحين، وصغار العمال، والعلماء الذين بعدوا عن
الخلفاء والأمراء. فأمَّا الطبقة الأولى، فكان المال يتدفق عليهم، وهم ينفقونه في إسراف، هم ونساؤهم وأتباعهم، هذه ميزانية الدولة في هذا العصر
بلغت حدًّا كبيرًا، فالخليفة مع ضعفه كان يعد الرئيس الديني حتى للبلاد المفصولة، فكان يجبي خراجًا من هذه البلاد، ثم يسرف
فيه هو ونساؤه، يحكون أنه كان بين رياش أم الخليفة المستعين بساط أنفقت على صنعه ??? مليون درهم، فيه نقوش على أشكال الحيوانات والطيور،
أجسامها من الذهب، وعيونها من الأحجار الكريمة. ومدح شاعر امرأة من البيت المالك؛ فحشت فمه درًّا باعه بعشرين ألف دينار، وامتلأت
بيوت هذه الطبقة بالجواري، والغلمان من سود وبيض، حتى قالوا: إنه بلغ عدد خدم المقتدر أحد عشر ألف خصي من الروم والسودان، إلى غير
ذلك من القصور الفسيحة، والغرف العديدة، حتى إن المعز بنى دارًا في بغداد أنفق عليها ثلاثة عشر مليون درهم، ثم كان هذا الترف يستتبع
عددًا كثيرًا من المغنِّين والمغنِّيات، تصرف عليهم الأموال الكثيرة؛ ومع ما كان يجبى إليهم من الأموال الكثيرة، كانوا يضطرون
أحيانًا إلى الصرف على الجند، فلا يجدون ما ينفقون، فيضطرون إلى مصادرة الأموال بكل طريق، وأكثر ما يصادرون كان الأغنياء، وقد حكوا أن ابن
الجَصَّاص كان تاجرًا للجواهر كبيرًا في مصر، فصودرت أمواله كلها، حتى إنه وجدت عنده الدراهم بالكلية، وهذا مثل من أمثلة التجار
الكبار الذين يعدون من الأغنياء.

زد على ذلك كثرة النفقة على العمال، وعلى القضاء والكتاب، فقد حكوا أن راتب أحد الكبار في هذا العهد كان ثلاثة وثلاثين دينارًا وثلثًا في اليوم؛
أي ما يقرب من ألف دينار في السنة، وهو ما يساوي خمسة آلاف جنيه اليوم.

وحكوا أن الحسين بن علي المادرَاني العامل على مصر في أوائل القرن الرابع الهجري كان مرتبه ثلاثة آلاف دينار في الشهر، وحكوا أن كاتبًا من كتاب
مصر في عهد الدولة الفاطمية كان يقدم له في اليوم الواحد من البقول، والحلوى، والأثمار، والفاكهة، والعطريات، ومن الألبسة والأفرشة،
ما يستغرق تعداده صفحتين أو ثلاثًا من القطع الكبير، وكان الوزراء يتقاضون أكثر من ذلك، فقد حكوا أن راتب الوزير في العهد الفاطمي كان خمسة
آلاف دينار في الشهر، عدا ما يجري عليه، وعلى أهله من مأكولات وملبوسات، فأين يأتون بهذه الأموال كلها من غير المظالم التي
ذكرناها؟ وكان الاعتقاد السائد أن الغنى والفقر من السماء، عكس ما نعتقد الآن أنه نتيجة للنظام الاجتماعي، وعلى هذا الاعتقاد وضع قانون تحديد
الملكية، ونظام الضرائب التصاعدية؛ ولذلك نجد في هذا العصر الأتراك في بغداد، والبويهيين يعسفون بالناس ويظلمون، ورأينا سيف
الدولة ابن حمدان ينهب كثيرًا، ويهب كثيرًا، فيهب المال الكثير للمتنبي؛ لأنه يمدحه، ويبخل على ابن عمه أبي فراس بفدائه من الأسر؛ إذ كان
أسيرًا في القسطنطينية. ونرى خمارويه بن أحمد بن طولون يخرِّب مصر عندما زوَّج بنته قطر الندى للخليفة العباسي، ويصنع الهواوين
من الذهب الخالص، ويبني لها دارًا من مصر إلى بغداد في كل مرحلة، ويأتي بعد الحاكم بأمر الله، فينفق المال بالهيل والهيلمان على من
يريد، ويمنع من يريد، فالفرق بين الطبقة العليا والدنيا فرق كبير. هذا أبو حيان التوحيدي على علمه وفضله يضطر إلى أن يأكل الحشائش من
الصحراء، وهذا أستاذه أبو سليمان المنطقي لا يجد أجرة مسكنه، حتى يعطيه عضد الدولة البويهي مائة دينار، وهذا الميداني صاحب
كتاب «الأمثال» مع علمه، وفضله، ونبله مقتَّر عليه في رزقه بسبب عفته. ومن أجل هذه المظالم اضطر الفلاحون على أن يسلكوا سبيلًا اسمه «الالتجاء»،
وهو أن يكتبوا أملاكهم صوريًّا للأمراء والأعيان، حتى يخفف عنهم الخراج بمقدار النصف أو الربع؛ لأنَّ الضريبة لم تكن عادلة،
وكثيرًا ما ضاعت أملاكهم من هذا الطريق، فادَّعى الأغنياء ملكيتها، أو ادَّعاها ورثتهم من بعدهم، ومثل هذا ما يحدث اليوم من بيع الشركات بعض
الأراضي لأصحاب الجاه بثمن بخس، حتى يمد إليها الماء والكهرباء بسبب جاههم، فترتفع الأثمان أضعافًا مضاعفة، وسميت هذه الطريقة
بالالتجاء؛ لالتجاء الفلاحين إلى الأغنياء.

•••

من أجل هذا كله انحلَّت الأخلاق، فقلَّ أن تجد رجلًا نبيلًا فاضلًا؛ لأن الذي يكوِّن الأخلاق البيئة الخارجية، والبيئة الداخلية، وكلتاهما كانت
فاسدة، فقد رأيت البيئة الخارجية — وأعني بها الحكَّام — وما كان يجري على أيديهم من المظالم عن طريق المصادرات والرُّشا.

فقد حكوا أن واليًا عيَّن في يوم واحد سبعة عشر عاملًا على بلد واحد في يوم واحد؛ لأنه كان يأخذ من العامل الجديد كل مرة أكثر مما يأخذه من
العامل المعزول، فاجتمع هؤلاء العمال السبعة عشر، وتشاوروا فيما بينهم ماذا يفعلون، وبعد التفكير استقر رأيهم على أن العامل
الأخير لم يعزل بعامل غيره، وله السلطان الشرعي، فطلب الآخرون منه أن يعين كل واحد منهم واليًا على ناحية من نواحيه، ففعل وحلَّت المشكلة.

فلما رأى الناس هذه المفاسد، فسدوا هم أيضًا؛ لأنهم رأوا المثل من رؤسائهم، والسبب الأهم من ذلك البيئة الداخلية — وأعني بها البيت — وما يجري
فيه، فقد كان في البيت الواحد عدد من النساء الحرائر، ومئات من الجواري ملك اليمين، والرجل يحق له أن يصل على هؤلاء وهؤلاء،
وينسل من هؤلاء وهؤلاء، وقد كان هذا معقولًا يوم كثرة حروب المسلمين مع غيرهم، ولكن لم يعد معقولًا، وقد قلَّت الحروب فتفرغ الرجال للشهوات
الجنسية، وأنسلوا من هؤلاء وهؤلاء. ولا يخفى أن بيتًا كهذا يكون مملوءًا بالدسائس والمؤامرات، وينسل أولادًا يعادي بعضهم بعضًا؛
لأن أمهاتهم أرضعتهم الغيرة والكراهية، فكثيرًا ما كانت خصومة بعضهم مع بعض، فإذا كانت المفاسد داخلية وخارجية، فكيف يصلح الشعب؟

وقد سبَّبت الحروب الصليبية من عهدها الأول كثرة الجواري البيض المأسورات في الحروب، فكانت توزَّع على البيوت، ومن أجل هذا كثر العنصر الفرنجي
فيها، وهن عادة يثرن على تعدد الزوجات، وعلى ملك اليمين؛ ولذلك يجعلن البيت جحيمًا.

وإذا كانت الصناعات الجيدة لا تروج إلا عند هؤلاء الأغنياء، ولا يدفع ثمنها العالي إلا منهم، كانت الصناعات قسمين فقط: قسمًا فاخرًا لبيوت الأغنياء،
وقسمًا وضيعًا للشعب، وانصرف العمال عن الصناعات الوسطى، فكنتَ تجد العمال الماهرين يصنعون الملابس الجميلة جدًّا المزركشة
في مصانع تنّيس، وما إليها، والخزف الجيد، والصدف، والطرف الباهرة، وصناع الشعب يصنعون الأشياء العادية، وربما كان ذلك متسلسلًا إلى اليوم.


وشجع على هذه الفكرة أنه كان يرسل إلى الخلفاء والأمراء مع أموال الخراج بعض الهدايا الثمينة المصنوعة صناعة فائقة تسترعي النظر، وربما كانت
المدن أحسن حالًا من القرى؛ فإن المدن بما يصب فيها من مال الأمراء والولاة كانت أكثر ترفًا ونعيمًا، فهذا جوهري بالكرخ، يساومه
أحد البرامكة على سَقَطٍ من الجوهر بمبلغ سبعة ملايين من الدراهم فيأبى، وهاك ابن الجصاص — تاجر الجواهر في مصر — يصادر على مال تزيد قيمته
على عشرين مليونًا من الدنانير كما ذكرنا. وكان في بغداد شريف يسمى محمد بن عمر، بلغت غلَّة أملاكه مليونين ونصفًا من الدراهم،
وكان في إصطَخر بيت ينتسب إلى آل حنظلة ابتاع بمبلغ مليوني درهم مصاحف فرَّقها على الفقراء. أما القرى فيعملون في الأرض، ويبتز أموالهم الملَّاك،
ويقتنعون بالحصول على ما يسد أودهم، وربما كان إذا عثر أحدهم على مال كثير مات من الفرح، كالذي يحكي أن صيادًا وهب مالًا في
أيام أحمد بن طولون، فلما عاد ابن طولون بعد ما مرَّ عليه وجده ميتًا، وابنه يبكيه، فقال له: خذ مال أبيك، فقال: إن أخذتُه مِتُّ
موتته، فأشار بأن يشتري له بيت بخمسمائة دينار، وقال: إن الغنى يحتاج إلى تدريج، وإلا قتل صاحبه، وكان يجب أن يدفع إلى مثل هذا دينار
إلى دينار.

وقد اشتهر من هذه الطبقة العليا جماعة كانوا أرستقراطيي النسب، كانتسابهم إلى عليّ وفاطمة، أو كالبكريّين والعمريّين، أو انتسابهم إلى بيوت
اشتهرت بالمجد، كانتسابهم إلى الأبناء، ويعنون بالأبناء من كانوا من أبناء الجند الذين أسَّسوا الدولة العباسية، وهكذا، فهؤلاء
كانوا أرستقراطيين في نسبهم، وإن لم يكونوا أرستقراطيين في أموالهم.

•••

وقد اشتهر في هذا القرن الرابع عدد كبير من الأرستقراطيين، نذكر من بينهم على اختلاف أنواع أرستقراطيتهم إبراهيم بن هلال الصابي، معز الدولة
بن بويه، جحظَةَ البرمكي، المتنبي، بديع الزمان الهمذاني، أحمد بن طباطبة، الصاحب بن عباد، أبا علي القالي، عز الدولة بن بويه،
جوهر الصِّقلي، أبا علي الفارسي، ابن خالويه، ابن الحجاج، ابن نباته، عبيد الله المهدي الفاطمي، الأشعري، عماد الدولة بن بويه، سيف الدولة،
فاتكًا الرومي، عضد الدولة، كافورًا الإخشيدي، الوزير ابن بقية، ابن جرير الطبري، ابن دريد، ابن العميد، ابن سكرة، الجُبَّائي،
الصولي، ابن الأنباري، العزيز بالله بن المعز، ابن جني، وغيرهم، ولكن إن أكثرنا من الكلام في ظلم الحكام وعسفهم، فلن يفوتنا أن قليلٌا منهم
كان عادلًا: كعلي بن عيسى، وقليل غيره.

وشاعت كثرة المجالس، فكان بعض الأمراء والوزراء يعقدون مجالس يجري فيها الأدب والعلم، وأحيانًا الشراب، وأحيانًا هما معًا. ويروي لنا التاريخ
مجالس كثيرة من هذا القبيل، وربما تنافس الأمراء في ذلك بعد استقلالهم؛ فخرًا بسلطتهم، ومن يتَّصلون بهم، فكم روي لنا عن الوزير
المهلبي من مجالس عظيمة فيها شعر، وفيها قصص أدبية، كان من نتيجتها كتاب «الأغاني»، ويحكى لنا أن سيف الدولة كان له من الشعراء وغيرهم مثل ما
كان للرشيد، ومن خرِّيج مجالسه المتنبي، وأبو فراس، والفيلسوف الفارابي، وابن خالويه النحوي، وغيرهم. وكذلك في مصر كان يعقوب
بن كلس وغيره.

هذا عدا مجالس العلماء أنفسهم، كمجلس أبي سليمان المنطقي، وابن أبي عامر، وغيرهما، كل هذه كانت مَرَاد الناس، يستنشقون منها العلم والأدب، ويتسامرون
فيها السمر اللذيذ، وإذا راجعنا الكتب المؤلفة التي كانت نتيجة هذه المجالس استكثرناها.

ومن مظاهر هذا العصر فشو اللحن، وخصوصًا في البيوت والشوارع؛ وذلك لكثرة الجواري الأعجميات، وغلبة الأتراك حتى على القصور، فانتشرت الياء في
آخر الكلمات، وأبدلوا جمع فعاليل بفعالل، وقالوا: أخيرُ وأشرُّ، بدل: خيرٌ وشرٌّ. ولم يفرِّقوا بين فَعلة للمرة، وفِعلة للهيئة،
ولم يفرِّقوا تفرقة تامة بين الفعل المتعدي، والفعل اللازم، وقالوا: إن لغة البحتري أحط من لغة أستاذه أبي تمام، وقد قال عنه أحد معاصريه: إنه
لاحنٌ جاهلٌ، فقال مثلًا:

يا مادح الفتح ويا آمِله
لست امرأ خاب ولا مثنِ كذب

بدل مثنيًا.

وعابوه في قوله:

ولو أنصف الحساد يومًا أمَّلوا
مساعيك هل كانت بغيرك أليقا

بدل مساعيَك.

فإذا وصلنا إلى عصرنا كان اللحن أفشى حتى بين العلماء، وحتى عدوا من يتكلم باللغة الفصحى متكلمًا على النمط البدوي القديم، وقالوا: إن ثعلبًا
النحوي الشهير كان يتكلم في مجالسه فيلحن، ويقول قدامة بن جعفر: إن الفصاحة الكاملة، وصحة الإعراب لا تتم إلا لأعرابي بدوي
نشأ حيث لا يسمع إلا الفصاحة؛ بل يرى أنه يجب استعمال اللحن، وأن يتعمَّد له عند الرؤساء والملوك الذين يلحنون، فإن الرئيس أو الملك لا يجب
أن يرى أحدًا من أتباعه فوقه.

ومتى رأى أن أحدًا منهم قد فَضَلًه في حالٍ من الأحوال نافسه وعاداه؛ كالذي رُوِي أن رجلًا تكلم في مجلس بعض الخلفاء الذين كانوا يلحنون فَلَحَن،
فعوتب على ذلك، فقال: لو كان الإعراب فضيلة لكان أمير المؤمنين إليها أسبق. وقال: إن اللحن قد يُستملَح من الجواري والإماء،
وذوات الحداثة من النساء؛ لأنه يجري مجرى الغرارة منهن، وقِلة التجربة.

وربما كان هذا هو السبب الذي دعا بعض العلماء المتزمِّتين إلى وضع كتب في ألحان العوام كما فعل الحريري وغيره، ومثل كتاب «فعلتُ وأفعلتُ» الذي
حوى كثيرًا من أغلاط العامة، وبهذا أيضًا تكوَّنت اللهجات العامية في الأقطار المختلفة، وأصبح لكل قطر لغةٌ عاميةٌ، ومن أجل
هذا أيضًا نشأ الخلافُ بين الأحرار الذين لا يتبعون قواعد النحو بدقة، وبين المتزمتين من النحويين، وفي ذلك يقول الشاعر:

ماذا لقيتُ من المستعمرين ومن
قياس نَحوِهِمُ هذا الذي ابتدعوا
إن قلتُ قافية بِكرًا يكونُ بِها
بيت خلاف الذي قاسوه أو ذَرَعوا
قالوا لحنت، وهذا ليس منتصبًا
وذاك خفض، وهذا ليس يرتفع
وحرضوا بين عبد الله من حمق
وبين زيد، فطال الضرب والوَجَعُ

وطعن الصاحب بن عباد على المتنبي؛ لتفاصحه، واستعماله الألفاظ النادرة الشاذة؛ فيجمع مثلًا رُكب الإبل على صيغة ركبات.

ولا ننكر أن هؤلاء المتزمتين كان لهم فضلٌ كبيرٌ في المحافظة على اللغة الفصحى على مدى الأزمان.

وجاء ابن حجاج، وابن سُكّرَة فاستعملا كثيرًا من الألفاظ العامية، والأساليب العامية، والعادات العامية، فكثيرًا ما نجِدُ ابن حجاج يستعمل كلمات
فارسية مثل: كلمة «هم» الفارسية بمعنى «أيضًا»، وكان يستعمل «شوَّشَ» بمعنى «أزعج»، و«رأسمال» إلى غير ذلك.

ولا يقلُّ ابن سُكرَة شيئًا عنه في ذلك، وظلت اللغة العامية تنفصل عن اللغة الفصحى، وتتسع بينهما هوة الخلف على مرُ الأزمان، وفي كل الأقطار،
حتى كوَّنت اللغة العامية لها أدبًا خاصًّا من موشحات، وأزجال، وأمثال، وجرؤت فيما بعد حتى هزأت النحو على النحو الذي ذكره
الشربيني في كتابه «هزُّ القحوف في شرح قصيدة أبي شادوف»، وتبعه في ذلك غيره.

وفي العصر الحاضر رقيت اللغة العامية، وقربت من الفصحى بفضل الإذاعات والجرائد والمجلات، ولم يعقهما عن الاتصال ثانية إلا ما في اللغة العامية
أحيانًا من الحرفشة — على حد تعبير ابن خلدون — وما في اللغة العامية من وقف، وعدم إعراب.
?

وكانت المعيشة في الأوساط الفقيرة تتطلَّب نحوًا من ثلاثمائة درهم، أي نحو مائة وعشرين جنيهًا في السنة لرجل متزوِّج وله ولد، أما المعيشة العالية،
فلا حدّ لنهايتها. ويحدثنا كتاب «الفرج بعد الشدة» أن رجلًا كان يغنّي لسيدة؛ فأورث ابنًا له أربعين ألف دينار، ولما بلغ رشده
صرف منها ألف دينار، اشترى بها بيته القديم، وسبعة آلاف أصلح بها أثاثًا فخمًا للبيت، من سجاجيد وملابس، وإماء، وعبيد، وغير ذلك. وخصص ألفين
لتكون رأس مال للتجارة، ودفن عشرة آلاف ليوم الحاجة، وخصص عشرين ألفًا لشراء ضيعة يستعين بها على الأيام.

وكان من مظاهر نعمة الأغنياء السكنى في السراديب صيفًا، والثلج لشرب الماء البارد يستحضرونه حتى من الأماكن البعيدة، كما استعملوا في البيوت
المراوح المبلولة بالماء من الخيش، يحرِّكها بعض الخدم، وكان هذا هو النظام المتَّبع للتبريد في ذلك العصر.

واتخذوا في بيوتهم الأماكن الواسعة توضع فيها الأرائك يجلسون عليها ليلًا لسماع الغناء، وللشراب، وللحديث اللذيذ.

وبعضهم يُعني بالأزهار، يشتريها بالمال الوفير، ويستحضرها في المجالس، كل زهور في مواسمها، وإذا قرأنا ما خلَّفته الدولة الفاطمية في القاهرة،
رأينا مقدار الترف الذي كانوا يعيشون فيه.

وقد عُني الأغنياء بالبرك، وبالأشجار في قصورهم، وبالصناعة الخشبية، كالمشربيات، وتزيين الأبواب والحمامات؛ كما عُنوا بإنشاء الحمامات العامة
للشعب، أخذًا من العادات الفارسية، وعرفوا «الإسفَلتَ»، وأخذوه من مكان بين الكوفة والبصرة، وقالوا: إنهم مهروا في صناعته،
فكانوا يجعلونه كأنه مرمر أسود، ويغطون به بعض الحيطان.

وبالغ المترفون في كل شيء في الحياة وفي الممات، حتى إن قريبًا من أقرباء سيف الدولة الحمداني مات فغُسِّل تسع مرَّات، بأنواع مختلفة من العطور
السائلة، وبهذه المناسبة نذكر أنه كان من المعتاد في هذا العصر المبالغة في مظاهر الحزن على الميت، وكان بعض العلماء يسمح لأهلهم
أن يدفنوا في بيوتهم.

وانتشرت مجالس الشراب، وأسرف أهلها في الاستعداد لها، من أزهار، وفاكهة، وصِحاف، وأنوار، حتى كان بعضهم من إسرافهم يأكل بملعقة، ويغيِّرها في
كل لعقة كما يحكى عن الوزير المهلبي، واعتادوا غسل أيديهم قبل الأكل وبعد الأكل.

ووجدت بيوت النخَّاسين يبيعون فيها القيان، وأحيانًا تقام فيها حفلات الرقص والغناء، ويصب فيها أولاد الأغنياء أموالهم، ويبتز فيها الشابات
المغنيات أموال الأغنياء، كالحال اليوم، كما يحكي صاحب «الظرف والظرفاء».

وانتشر للتسلية ألعاب النَّرد والشطرنج، ولابن الرومي وصف بديع للاعب شطرنج ماهر، وكثرت الضرائب، وتنوعت لمَّا احتاج الخلفاء إلى المال، فضرَبوا
الضرائب على المغنيات، وعلى الحوانيت، وعلى السفن، وغير ذلك.

واختلفت المدن، وتنَّوع نَمَطُها إلى أربعة أنواع: مُدُنٍ يغلب عليها الطابع اليوناني، كمدن البحر الأبيض المتوسط؛ ومدن يغلب عليها الطابع العربي
كمدن الحجاز، ومدن اليمن؛ ومدن يغلب عليها الطابع الفارسي كمدن العراق؛ ومدن يغلب عليها الطابع الروماني كبعض مدن الشام.

وكل مدينة لا بدَّ أن يشوبها بعض من الأنماط الأخرى.

•••

وقد حلَّى الشعب عيشته بالأعياد الكثيرة تقام من حين إلى حين، وانتهزوا هذه الفرص ليتمتعوا بملاذِّ الحياة، لا يمنعهم عن ذلك ما إذا كانت الأعياد
نصرانية الأصل، أو فارسية الأصل، فيكاد كل دير الأديار يُقام لِقديسه عيد ميلاد، يستمتعُون فيه بشرب النبيذ المعتَّق، والنساء،
والعزف، ونحو ذلك.

ويحدثنا الشابشتي في كتابه عن الأديار، وابن المعتز في بعض قصائده عن كثير من هذه الأعياد، كما ورد كثير من ذكر «عيد الشَّعَانين»، وقد اتخذوه
عيدًا عامًّا، وكانوا يسمونه في مصر «عيد الزيتون»، ويحمل كلٌّ من الشبان والأطفال خوص النخل، ويسيرون به في الشوارع، كذلك
كانوا يحتفلون كما نفعل اليوم بيوم السبت الذي قبل شمِّ النسيم، بأكل البيض، وصبغته ألوانًا، وكانوا يحتفلون في بغداد مسلمُهم ونصرانيهم بآخر
سبت في سبتمبر عند دَير يسمونه دير الثعالب. وفي الثالث من أكتوبر كانوا يحتفلون في دير يسمى «دير أشمُونة»، وكان عيدًا كبيرًا
من أعياد البغداديين، وهكذا، وهكذا مما يطول شرحه.

وفي هذه الأعياد كانوا يحتفلون في البحر، كما يحتفلون في البر، فيركبون مراكب تسمى السَّمَرِيات، تحمل فتيات ونبيذًا، ويفرحون ويصيحون؛ فترى
من هذا كثرة الأعياد التي ينتهزونها فرصة للأفراح. ومن الأعياد الفارسية المشهورة كان عيد النيروز، وهو عيد السنة الجديدة،
فكانت تُهدى فيه الهدايا، ويُخرج إلى المتنزهات، هذا عدا الأعياد الإسلامية، كاحتفالهم في رمضان، وإطعامهم الفقراء، والتصدق على المساكين، وعيد
الفطر، وعيد الأضحى.

وعلى الجملة فكانت هذه الأعياد — النصرانية، والفارسية، والإسلامية، والطبيعية التي يشترك فيها الكافة — متنفسًا للشعب يجدون فيها راحتهم، وينسون
فيها غمومهم وهمومهم من ظلم الحكام، ومصائب الزمان.

ولدينا وثيقتان تدلان على فساد هذا العصر وحواشيه؛ إحداهما أرجوزة الخليفة عبد الله ابن المعتز، نظمها في وصف دهره، وقد ذكرنا منها وصف اغتيال
المواريث، ومنها:

والعَلَوِيُّ قائدُ الفسَّاق
وبائعُ الأحرار في الأسواق

ويقول في الشيعة:

يدعون للإمام كل جُمعة
ولا يردُّون إليه قِطعَة
وهم يجورون على الرَّعِيَّة
فسادَ دِين وفسادَ نيَّة
ويأخذون مالهم صُرَاحَا
ويخضبون
?
منهم السلاحا

ويقول في نبيل عذب:

فكم وكم من رجلٍ نبيل
ذي هيبة ومَركبٍ جليل
رأيتُهُ يُعتلُ بالأعوانِ
إلى الحُبوسِ وإلى الديوان
وجعلوا في يده حِبَالا
من قِنَّب يُقطِّع الأوصالا
وعلقُوه في عُرى الجدار
كأنه برادة في الدّار
وصفقوا قفاه صفق الطّبل
نصبًا بعين شامتٍ وخِل
وحمَّرُوا نقرته بين النقر
كأنها قد خجلت مِمَّن نظر
إذا استغاث من سعير الشمس
أجابه مستخرج برفس
وصبَّ سَجَّانٌ عليه الزيتا
فصار بعد بِزة كُمَيتا
حتى إذا طال عليه الجهد
ولم يكن مما أراد بُدُّ
قال ائذنوا لي أسأل التجَّارا
قرضا وإلا بعتهم عقارا
وأجِّلوني خمسة أياما
وطوقوني منكم إنعاما
فضايقوا وجعلوها أربعة
ولم يؤمل في الكلام منفعهْ
وجاءه المعيَّنون الفَجَرَه
وأقرضُوه واحدًا بعشرَهْ
وكتبوا صَكَّا بيع الضيعة
وحلفوه بيمين البيعهْ
ثم تأدَّى ما عليه وخرج
ولم يكن يطمع في قرب الفَرَج

ويصف نهب الأعراب في الطرقات فيقول:

وتاجر مع حجّه وعمرته
يطلبُ رِبحَ ماله في سَفرَتِه
مقدر في الربح أضعاف الثمن
مِن قاصد صنعا إلى أرض عَدَن
فهم كذاك سائرون ظُهرًا
أو تحت ليل أو ضُحًى أو عَصرًا
إذ قال قد جاءكم الأعرابُ
وكثَُر الطِّعانُ والضِّرابُ
وصار في حجِّهمُ جهادُ
واحمرَّت السيوفُ الصّعَادُ
?

ويقول في وصف الكوفة:

واستمع الآن حديث الكوفة
مدينة بعينها معروفة
كثيرة الأديان والأئمة
وهَمُّها تشتيتُ أمر الأمَّة
وهم بنَوْا للجور صرحًا محكمًا
فاتَّخذوا إلى السماء سُلَّما
أخَذُوا وقَتَلوا عَليًّا
العادلَ البرَّ التقيَّ الزكيَّا
وقتلوا الحُسين عند ذاكَا
فأهلكوا أنفسهم إهلاكا
وجَحدوا كتابهم إليه
وحرَّفوا قرآنهم عليهِ
ثم بكَوا من بعده وناحُوا
جَهلًا كذاك يفعل التمساحُ

•••

ويصف بعض الناس يتفلسف ولا يتعرَّبُ فيقول:

ثم إذا ما قام عن غذائه
وفرغت قهوته بمائه
تناول الريشة والطنبورا
فأضحك الصغير والكبيرا
وضاعت الأمورُ عند ذاكا
وأظهر التعطيل والإشراكا
ومدح أفلاطون والفلاسفة
وساعدته في هواه طائفة
وذكر السعود والنحوسا
والجوهر المعقود والمحسوسا
وذرع طولِ الأرض والأفلاكِ
وكم بلادُ الصين والأتراكِ
واستثقَلوا مَن قام للصَّلَاةِ
فكيف من طول في القِرَاةِ
وطعنُوا في الفِقهِ والحديثِ
وعجِبُوا من ميت مبعوث

ويقول في المشاغين من الجند:

وكل يوم ملكٌ مقتُولُ
أو خائِفٌ مروَّعٌ ذليلُ
أو خالع للعَقدِ كيما يغنَى
وذاكَ أدنى للرَّدَى وأدنى
وكم أمير كان رأسَ جَيشِ
قد نغَّصُوا عليه كلَّ عيشِ
وكل يوم شَغَبٌ وغَصبُ
وأنفسٌ مقتولةٌ وحَربُ
وكم فتى قد راح نهبَا رَاكبا
إمَّا جليسَ ملكٍ أو كاتِبا
فوضعوا في رأسه السِّياطا
وجَعَلُوا يردونه شَطَاطَا
وكم فتاة خرجَت من منزلِ
فغصبوها نفسها في المَحفِلِ
وفضحُوها عندَ من يعرفُها
وصَدَّقُوا العشيق كي يقرفها
وحصَل الزوجُ لضعف صِلَتِه
على نُوَاحِه ونتفِ لحيته
ويطلبون كل يوم رزقا
يرونه دينا لهم وحقّا
كذاك حتى أفقروا الخلافهْ
وعوَّدُوها الرعب والمخافهْ

وهذه أرجوزة طويلة مملوءة بالفضائح ووسائل الفساد، وهي مثبتة في ديوان ابن المعتز.

والثانية لزوميات أبي العلاء، وفيها العجب العجاب من وصف فساد ذاك الزمان.

فأمراء:

ظلموا الرعية واستجازوا كيدها
فعدوا مصالحها، وهم أُجراؤها

•••

يسوسون الأنام بغير عقلِ
فينفذ أمرهم ويقال ساسَهْ
فأفّ من الحياة وأفّ منِّي
ومن زمن رئاسته خسَاسَهْ

•••

واخش الملوك وياسرها بطاعتها
فالملْك للأرض مثل الماطر السَّاني
إن يظلموا فلهم نفعٌ يعاش به
وكم حَمَوك برجلٍ أو بفُرسان
وهل خلت قبلُ من جور ومظلمة
أربابُ فارسَ أو أربابُ غسَّانِ

•••

يكفيك حزنا ذهابُ الصالحين معًا
ونحن بعدهُم في الأرض قُطَّانُ
إن العراق وإن الشَّام مُذ زمن
صِفرَان ما بهما للمَلكِ سلطانُ
ساسَ الأنامَ شياطينٌ مسلطة
في كل مصر من الوالين شيطانُ
مَن يحفِل حُمْض الناسِ كلهمُ
إن بات يشربُ خمرًا وهو مِبطَانُ

•••

لعمرُك ما في عالَم الأرض زاهدٌ
يقينًا، ولا الرهبَانُ أهلُ الصَّوَامِعِ
أرى أمراء الناس يمسُون شرهم
إذا خطفوا خطف البزاةِ اللوامع
وفي كل مصر حاكم فموفَّق
وطاغ يحابي، في أخسّ المطامع
يجورُ فينفي الملك عن مستحقه
فتسكب أسرابُ العيون الدوامع
ومن حوله قوم كأن وجوهَهَُم
صفًّا لم يلين بالغيوثِ الهوامعِ

وسواء في ذلك ملوك أهل السنَّة، والإمام الذي يدعى معصومًا عند الشيعة:

يرتَجِي الناسُ أن يقومَ إمامٌ
ناطقٌ في الكتيبة الخرساءِ
كذَبَ الظنُّ لا إمام سوى العقـ
ـل مشيرًا في صبحهِ والمساء

•••

وما صَحَّ للمرء المحصل أنه
بكوفان قبرٌ للإمام يزار
أخو الدين من عادى القبيح وأصبَحَت
لهُ حُجزيَةٌ من عِفَّة وإزارُ

والشعراء لا ينصحون الأمراء، ولكن يتملَّقون:

وما شعراؤكُم إلا ذئابٌ
تلصَّصُ في المدائح والشَّباب
أضرُّ لمن تود من الأعادي
وأسرقُ للمقال من الزَّبابِ

والوعاظ ينافقون، فيقولون ما لا يفعلون:

رويدكَ قد غُررتَ وأنت حُرّ
بصاحبِ حيلة يعظُ النساءَا
يحرِّم فيكم الصهباءَ صبحا
ويشربُها على عمدٍ مساءا

•••

لعلَّ أناسا في المحاريب خوَّفُوا
بآي كناس في المشارب أطربُوا
إذا رَامَ كيدًا بالصلاةِ مُقيمها
فتاركها عمدًا إلى الله أقربُ
طَلَبَ الخسائسَ وارتَقَى في منبر
يَصفُ الحساب لأمَّة ليَهولَهَا
ويكون غير مصدق بقيامةٍ
أمسَى يمثِّل في النفوسِ ذهولها

والمنجمون يضحكون على عقول النساء:

سألت منجِّمَها عن الطفل الذي
في الَمهدِ كم هو عائشٌ من دهره
فأجابها مائة ليأخذ درهما
وأتى الحمامُ وليدَها في شهره

•••

لقد بكرت في خُفها وإزارِهَا
لتسأل بالأمر الضرير المنجِّما
وما عنده علمٌ فيخبرها به
ولا هو من أهل الحِجَا فيُرجّما
ويوهم جهَّال المحلَّة أنَّما
يظل لأسرار الغيوب مترجما
ولو سألوه بالذي فوق صَدرِه
لجاء بمَين أو أرمَّ وجمجما

وقد ذكر في اللزوميات أيضًا النساء وتبرُّجهن، وغشيانهن الحمامات للهو والفساد.

وعلى الجملة، فالناس كلهم أجناس، وهم كلهم أنجاس:

لو غُربل الناسُ كيما يعدموا سقَطا
لما تحصَّل شيء في الغرابيل
أو قيلَ للنَّار خُصِّي من جَنَى أَكَلَت
أجسادهم وأبت أكل السَّرابيل
أغشى الأنام تقيُّ من ذرى جبل
يرضَى القليلَ ويأبى الوشي والتاجا
وأفقرُ الناسِ في دنياهمُ مَلِكٌ
يُضحِي إلى اللَّجبِ الجرَّار مُحتَاجا

وهكذا وهكذا من فساد جعله يصب جام غضبه على أهل زمنه، ويصرخ فيقول:

الناس صنفان: ذو دِين بلا
عَقلٍ، وآخرُ دَيِّنٌ لا عقل له

وقد صوَّر لنا أبو حيَّان التوحيدي مجالس العلماء، وموضوعات أبحاثهم في كتبه، فحكى لنا المجلس الذي كان يعقد في بيت أبي سليمان المنطقي من بحث
كل يوم في مسألة تارة لغوية، وتارة أدبية، وكثيرًا ما تكون فلسفية.

وكان يحضر المجلس أبو الحسن العامري، وغلامُ زُحل وغيرهما، ودوَّن محاضر الجلسات في كتابه المسمَّى «بالمقابسات»، كما حكى لنا نوع المشاكل التي
كانت تجري في زمنه، في كتابه «الهوامل والشوامل»، وصوَّر لنا أيضًا ما كان يدور بينه وبين الوزير ابن سعدان من مسائل كثيرة؛
ألَّف له من أجلها رسائل كثيرة، ووصف لنا وصفًا شنيعًا قبيحًا الوزيرين ابن العميد، وابن عباد في كتابه «مثالب الوزيرين»، الذي ذكر منه نبذة
ياقوت الحموي في «معجم الأدباء».

ومما يؤسف له أن علماء الدين والأدباء لم يرفعوا صوتًا لاستنكار هذه الأحداث، بل كانوا يؤيدونهم في ظلمهم؛ فهذا قاضي سيف الدولة يجمع له مال
الرعية ظلمًا وعدوانًا. وهذا أبو الطيب المتنبي يمدحه حتى تقرأ، فكأن سيف الدولة ملك كريم، وعادِل رحيم؛ عكس تاريخه. ويأتي
المتنبي إلى كافور، فيُعلي شأنه، ويرفع من مقامه، ولا يغضب عليه، ولا ينقده، إلا لأنه لم يمنحه ضيعة أو ولاية، فإن كان قد مُنِحَها، كان قد
أضفى عليه من الألقاب والصفات ما لا قولَ بعده لقائل.

نعم، إن بعض الطوائف أرادت أن تمحو الظلم كالفدائية، وهم المسمون بالإسماعيلية، أو الحشيشية، وعلى رأسهم كان الحسن الصبَّاغ، فهؤلاء تعاقدوا
على قتل الظلمة، وتحت تأثير هذه الدعوة قد شنَّعوا على الخلفاء والحكام، وكبروا مظالمهم، واغتالوا نظام الملك الوزير السلجوقي
المشهور مؤسِّس المدرسة النظامية، ألَّفوا مؤامرات دقيقة لوضع نظم القتل، ولكن مع الأسف كانت طائفة فاطمية حزبية، تقتل السنيين، ولا تقتل العلويين،
وحتى في قتلها السنيين لم تكن موفّقة، فنظام الملك هذا من أحسن الرجال عدلًا وعطفًا على العلماء، وتشجيعًا للعلم، ولم يقتلوا
أحدًا ظاهرًا من الفاطميين، بينما كان فيهم من لا يقل فسادًا عن السنيين، وإنما كان المسلمون في حاجة على فدائيين ليسوا متعصِّبين لمذهب
دون مذهب، على أن الفدائيين أنفسهم لم يكونوا حَسَنِي السيرة، ولا طاهري الأخلاق.

يضاف على هذا الفساد نوع آخر منشؤه ضعف العقلية، وانتشار الخرافات والأوهام، فكم من الناس من أضاعوا ثرواتهم في قلب المعادن ذهبًا، حتى مسكويه
العالم المشهور وقع في هذا الخطأ، والإيمان بالمغيبات، والاعتقاد في النجوم والمنجِّمين، وتدجيل بعض الصوفية، وغير ذلك مما
أشار إليه أبو العلاء في اللزوميات، هذا إلى انقسام الناس إلى عصبيات كثيرة كفيلة بأن تتلف أي أمة، فعصبيات الدم، كالفرس، والأتراك، والعرب،
والأكراد، وعصبيات للبلاد كبصريين، وكوفيين، ودمشقيين، ومصريين إلخ. هذا عدا عصبيات دينية كشافعية، ومالكية، وحنفية، وسنية،
وشيعة، وكل منها يتفرَّع إلى جملة مذاهب، إلى إسراف في الشهوات بسبب ما أغدق على السكان من رقيق مختلف الأنواع، سود وبيض.

وقد كان النَّحََّاسون يجعلون بيوتهم مواخير يقصدها الشبان، فقد حكى لنا الوَشّاء في كتابه «الظرفاء» صفة هذه المواخير، وكيف أن الشبان تتحبب
الفتيات إليهم استنزافًا لأموالهم، حتى إذا أتلفوها أعرضن عنهم، وكيف كان تتدفق فيها الخمور، ويلعب القواد دورالوسيط، إلى كثير
من أمثال ذلك.

ويصف لنا أبو المطهّر الأزدي منافقًا كان يجلس بين أدبيين، فيلتفت إلى اليمين ليستمع من صاحبه شعرًا، ويقسم الأقسام المغلظة أنه شعر بديع لم
يقل قائل مثله في بلاغته، وروعته، وألفاظه، ومعانيه؛ ويلتفت إلى من بيساره فيذم له هذا الشعر الذي سمعه، ويسمع منه شعره هو
فيُطريه أيما إطراء، ويقسم على ذلك أيما قسم، ثم يلتفت إلى من باليمين ثانية فيذم له من باليسار، وهكذا دواليك. ولعلَّ هذا المنافق لم يكن إلا
واحدًا من المنافقين الكثيرين، وهل مُدَّاح الخلفاء والأمراء مع علمهم بظلمهم إلا من هذا القبيل؟

فليس عجيبًا أن تتدهور البلاد وتنحط الأخلاق؛ إنما قد يكون عجيبًا أن تبقى بعد ذلك وهذه حالها.

•••

نتعرَّض بعد ذلك إلى بعض أشياء أخرى كانت في المملكة الإسلامية في هذا العصر، من هذا العيّارون، فهم قوم من اللصوص كانوا يتخذون لهم لبسًا خاصًّا،
ويقول فيهم الشاعر:

خرَّجت هذه الحروبُ رجالًا
لا لقحطان ولا لِنزَارِ
معشرٌ في جَوَاشنِ المِصر يعدُو
ن إلى الحَربِ كالليُوثِ الضَّوَارِي
ليس يدرون ما الفِرَادُ إذ الأ
بطالُ عارُوا في القنا للفرار
واحدٌ منهم يشُدُّ على ألفَيـ
ـنِ، عُريانُ مَا لَهُ مِن إزَارِ
ويقولُ الفت إذا طعنَ الطَّعـ
ـنَةَ خُذْها من الفتى العَيَّارِ

•••

ويقول ابن الأثير: إن العيّارين ظهروا في سائر المدن الإسلامية، وعظم شأنهم، وكثيرًا ما كان الوزراء، وغيرهم من أرباب الحل والعقد يقاسمونهم،
ويسكتون عنهم، وقد يسمَّون أحيانًا شطارًا، وكانوا يمتازون أيضًا بملابس خاصة، وسمَّاهم ابن بطوطة في أيامه بالفتَّاك، وبعضهم
كان يزعم أن الأغنياء لما امتنعوا عن دفع الزكاة أخذوها هم قسرًا.

وكان من محاسنهم — ولا شك — الكرم، وخصوصًا تحبب الخلفاء والأمراء للعامة بأساليب السخاء كالضيافة، ونصبهم الموائد للطعام، يتجمَّع عليها الألوف
من الناس، ثم إنهم تفنَّنوا في الأثاث والرياش والمجوهرات، وشاعت بينهم المسكرات، وزادت بعد أبي نواس من طول ما تغزَّل بها،
وكانوا يشربون النبيذ بالأرطال، وانتشر الشراب في العامة، وقد حكي عن الحاكم بأمر الله الفاطمي، أنه أمر بإراقة الخمور، وبإراقة العسل حتى لا
تصنع منه.

وكان من عادة الخلفاء والأمراء اهتمامهم بالخروج للصيد، وعده من الرياضة البدنية.

ويحكى عن السلطان مسعود السلجوقي أنه بالغ في ترفيه كلاب الصيد حتى ألبسها الجلال الموشاة، وسوَّرها بالأساور من الذهب. وكان من عادة الخلفاء
جمع السباع، وتربية الحيوانات الداجنة، وتأنيس الغزلان، وقالوا: إنه اجتمع عند العزيز الفاطمي صاحب مصر من غرائب الحيوان ما
لم يجتمع عند غيره.

هذه صورة حاولنا بها توضيح هذا العصر بقدر الإمكان؛ اعتقادًا منا بأنها ذات أثر كبير في حالة العلوم والآداب والفنون في ذلك العصر.

وقد كان صحيحًا ما ذهب إليه «تين» الفرنسي من أن كل هذه الأشياء متأثرة لدرجة كبيرة بالبيئة؛ وقد عنى بالبيئة ما يشمل البيئة الاجتماعية.

ونعتقد أنه لولا هذه البيئة ما كان التصوف بهذا الشكل، ولا نبعت المقامات في الأدب، ولا غرق الأدب العربي في المديح. ولولا انتشار الشيعة في
هذا الزمان ما كانت رسائل إخوان الصفاء على هذا النحو، ولا كان ما يحكى لنا من تحف نفيسة رائعة، ولا مبان ضخمة، ولا عمارات
فخمة، ولولا هذه البيئة التي وصفنا ما كان إخفاء الكنوز، ولا كثرة الصعلكة في جانب، والترف والنعيم الكبيران في جانب آخر، ولا كان أبو العلاء
يصرخ صرخته المعروفة في «اللزوميات».

وإذ قد فهمنا هذه البيئة كما وصفنا وتكلَّمنا في الجزء الأول من «ظهر الإسلام» عن حركة العلوم إجمالًا، أمكننا الآن أن نبدأ في الكلام عنها
في هذا العصر تفصيلًا، والله الموفق.

هوامش
(?)
الثفال: جلد يبسط تحت الطاحون ليسقط عليه الدقيق.
(?)
العنق: الإسراع في السير.
(?)
انظر كتاب «العربية» للأستاذ برهان فك، ترجمة الدكتور عبد الحليم النجار.
(?)
أي: يصبغون بالدم.
(?)
الصعاد: الرماح.

حركة العلوم تفصيلًا
الفصل الأول

التفسير والحديث وعلم الكلام
التفسير

رأينا فيما مضى أن التفسير كان تفسيرًا بالمأثور، ونعني بالمأثور ما روي عن النبي ? والصحابة والتابعين في التفسير من مثل الأحاديث
التي في صحيح البخاري ومسلم.

وكان كثير من الصحابة يتحرَّجون جدًّا أن يفسروا شيئًا من القرآن خوف الزلل، وخوف الهجوم على تفسير قد يكون خطأ؛ كالذي روي أن أحد أصحاب
ابن مسعود سئل عن سبب نزول آية من القرآن، فقال: عليك باتقاء الله والسداد، فقد ذهب الذين كانوا يعلمون فيم
أنزل القرآن. وسٌئل سعيد بن جُبَير عن تفسير آية، فقال: لأن تقع جوانبي خيرٌ لي من ذلك.

ولكن كان من أجرأ الناس في التفسير عبد الله بن عباس ابنُ عمِّ النبي ?، وجدُّ الخلفاء العباسيين، فقد رويتْ عنه تفسيرات كثيرة لآيات كثيرة،
حتى روي عنه تفسير شامل.

نعم، إن بضعها موضوع؛ ولكن ما صحَّ بعد ذلك كثير، وقد اعتمد في التفسير على مصادر ثلاثة: أحاديث النبي ? في التفسير، والشعر الجاهلي
والإسلام، وما كان يرويه اليهود الذين أسلموا، وخصوصًا كعب الأحبار، وعبد الله بن سلام، ويكثر منه ذلك في قصص
الأنبياء، وما يتَّصل بالتوراة.

وكان له تلاميذ كثيرون يأخذون عنه، من أشهرهم مولاه عكرمة، ولم يكن عكرمة هذا صادقًا كل الصدق، وقد روي عنه بعض
المتناقضات، كالذبيح؛ فقد روي عنه عن ابن عباس مرة أنه إسماعيل، ومرة أنه إسحاق. وقد لاحظ بعض النقاد أن ابن عباس نفسه يروي أحداثًا
حدثت وهو طفل، وأحيانًا يروي أحداثًا عن عهد لم يكن وُلد فيه بعد؛ فقد كان اتصاله بالنبيِّ ? وهو دون سنِّ البلوغ، ومع ذلك عظم تعظيمًا
جليلًا. وربما كان من أسباب ذلك وجود الخلفاء العباسيين من ولده، وتملُّق الناس لهم.

وكان في العصور الأولى من يتثقَّف ثقافة يهودية واسعة، تسرَّب منها الكثير إلى المفسِّرين، كالذي يحكى عن رجل يقال له: أبو الجلد؛ كان
يقرأ القرآن في كل سبعة أيام، ويختم التوراة في ستة أيام، ورأى الناس في اليهود علمًا بمسائل كثيرة تتَّصل
بالقرآن، ثم كان ابن عباس ذا علم بالشعر القديم والحديث؛ كل ذلك مكَّنه من تفسير كثير من الآيات.

والناس من طبيعتهم حب السؤال عما يجهلون، يقول القرآن: اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا، فيسألون ما هو البعض الذي ضرب به، ويقول الله تعالى:
وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ، فيسألون: أي قرية؟ ومَن أصحابها؟ وهكذا.

فكان ابن عباس يجيب عن هذه الأسئلة، وقد روى الكثير عن ابن عباس عكرمة هذا، ومجاهد، ومقاتل بن سليمان، فما جاء عصرنا الذي نؤرخه بلغ
هذا النوع من التفسير أوجَهُ في تفسير ابن جرير الطبري المتوفى سنة ????، وهو صاحب الكتاب العظيم في التاريخ،
وكتابه العظيم الآخر في التفسير، وكان مجتهدًا أيضًا في الفقه، ولكن طوى اجتهاده، وكان — رحمه الله — ذا عقل جبَّار في كل ناحية بحث
فيها، ومنهجه في التفسير أن يجمع في كل آية التفسير بالمأثور، وفي الغالب يفضِّل أحد الأقوال، ولا يروي من
الإسرائيليات والنصرانيات إلا بقدر، وينص في كثير من الأحيان على أن هذه أشياء لا قيمة لها، والجهل بها ليس ضارًّا، كالسؤال عن
المائدة التي نزلت من السماء على عيسى، هل كان عليها طعام أم لا؟ وإذا كان عليها طعام فما هو؟ وهكذا، فيقول: العلم
بذلك غير نافع.

وكذلك يقول مثلًا في إخوة يوسف الذين باعوه بدراهم معدودة: بكم باعوه؟ فيقول: إن الله لم يحدد لنا مبلغ ذلك، ولا ورد لنا خبر من رسول
الله، وليس للعلم بذلك فائدة تقع في دين، ولا في الجهل به ضرر، والإيمان بظاهر التنزيل فرض، وما عداه فموضوع
عنا تكلّف علمه، كثير من أمثال ذلك مما يدل على حسن عقله. وكان ذا علم كبير باللغة، فيفضل شرح معنى لفظ على شرح معنى آخر، بفضل علمه
الواسع باللغة، كذلك كوَّن له عقيدة مثل الاختيار لا الجبر، ثم رجَّح التفسير الذي يؤيد هذا الاعتقاد، وجادل
المعتزلة في بعض أقوالهم من غير أن يسميهم، وقد كانوا في هذا الوقت ظاهرين، فمثلًا: يقول في قوله تعالى: وَقَالَتِ
الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ إن بعضهم يفسر اليد بالنعمة، ولو كان كذلك لم يقل تعالى: بَلْ يَدَاهُ
مَبْسُوطَتَانِ؛ لأن نعمة الله لا تحصى، ولو كانتا نعمتين كانتا محصاتين، وهكذا وهكذا.

تعرض للنزاع الذي وقع بين الفرق، وأدلى فيه برأيه، ومع هذا الفضل الكبير له، فقد هوجم من المحدثين، وخصوصًا من الحنابلة، وناله الضرر
منهم، وهو في درسه، فلما احتجب في بيته رموه بالحجارة حتى صارت أمام بيته أكوامًا، وذهب آلاف من الجند ليحموه،
فلما مات لم يحتفل بجنازته، والله تعالى لا يعبأ بكل ذلك؛ فقد أكرمه الله بخير من هذه المظاهر جزاء جده وفضله.

ومع هذا فقد كان في العصور الأولى قوم يستعملون العقل أيضًا في التفسير، وربما كان من أشهرهم مجاهد؛ فقد كان مطلعًا
يميل إلى الآراء العقلية، فيقول مثلًا في قصة مسخ أهل السبت قردة: إن الله لم يمسخهم في أجسامهم، بل في قلوبهم، ويفسر بعض
الأحاديث التي ورد فيها اهتزاز عرش الرحمن بالرضا، ثم ظهر على توالي الأزمان نواة التفسير العقلي على يد المعتزلة،
ونجد مصداق ذلك في مثل الآيات التي فسرها الجاحظ في كتابه «الحيوان»، والآيات والأحاديث التي روي تفسيرها عن النظام، وبلغت
هذه الحركة أيضًا ذروتها في عصرنا هذا الذي نؤرخه على يد الزمخشري في «الكشاف».

فقد ألّف كثير من المعتزلة كتب تفسير كثيرة، تبلغ المئات، ولكن لم يصلنا منها شيء، إنما وصلنا منها كتاب مجالس الشريف المرتضى، فقد
كان يعقد مجالس يفسر فيها القرآن، والحديث، واللغة على طريقة المعتزلة؛ إذ كان هو نفسه شيعيًّا معتزليًّا،
وقد وصلت إلينا هذه المجموعة، وطبعت في مصر باسم «أمالي المرتضى»، فالآيات التي ذكرها فسرها تفسيرًا يوافق الأصول الخمسة للمعتزلة التي
ذكرناها عند الكلام على المعتزلة، كقوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ،
فظاهر هذه الآية يخالف ما يذهب إليه المعتزلة من حرية إرادة الإنسان، فأولها حتى لا يخرج عن مذهبهم، ومثل قوله
تعالى: خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ؛ لأن العجلة فعل من أفعال الإنسان، فكيف تكون مخلوقة فيه لغيره؟ ولو كان كذلك ما
جاز أن ينهاهم عن الاستعجال في قوله تعالى: سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ، فكيف ينهاهم عما خلقه فيهم؟
وأفاض في اللغة لعلمه الواسع بها، فأوَّل مثلًا وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا بأن الخليل
معناه الفقير إلى رحمة الله من الخلة؛ استيحاشًا من أن الله يكون خليلًا لأحد من خلقه، مستدلًا بقول زهير:

وإن أتاه خليل يوم مسغبة
يقول لا غائب مالي ولا حَرِن

أي: إن أتاه فقير.

ولكن على كل حال تعطينا هذه المدارس تفسيرًا لبعض الآيات لا كلها على مذهب المعتزلة.

أما الذي يعطينا صورة كاملة، فهو تفسير الزمخشري المسمى ? «الكشاف»، فإن بلغ تفسير ابن جرير الذروة في التفسير بالمأثور، فقد بلغ الزمخشري
الذروة في التفسير بالرأي.

ويمتاز تفسير الزمخشري ببيان أساليب القرآن وبلاغته، ودلاله إعجازه، وقد استطاع الزمخشري أن يفعل ذلك لتمكنه العظيم من اللغة، والأساليب
العربية كما يدل عليه في كتابه «الأساس»، وتفرقته فيه بين الحقيقة والمجاز، وساعده على ذلك مكثه مدة في الحجاز،
وسماعه بعض الأساليب العربية التي أثبتها في التفسير، وطال مكثه فيه، لقب «بِجَارِ الله». وكما كان متمكنًا من اللغة كان متمكنًا أيضًا
من مذهب الاعتزال؛ فأول كل الآيات التي تتصل بالأصول الخمسة كحرية إرادة الإنسان، ووجوب العدل، وتحقيق الوعد
والوعيد، ووحدة الذات والصفات، إلى آخر ما يذهب إليه المعتزلة.

فمثلًا يفسر قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى? رَبِّهَا نَاظِرَةٌ بأن الرؤية بالفؤاد
لا بالأبصار، وإذ قال القرآن: وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ
عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا، فظاهر الآية يدل على أن الإنسان مجبر أن يفعل المعصية، وهذا
مخالف لمذهبهم، فهو يئول الآية حتى تلتئم مع مذهبهم، ومفتاح «الكشاف» قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنزَلَ
عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ، فالمحكمة هي آيات
الأصول الواضحة المعنى، مثل قوله تعالى: لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ، فإذا أتت آية
أو آيات تدل على خلاف ذلك وجب أن تئول، فقوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى? رَبِّهَا
نَاظِرَةٌ يفسر برضا الله، وتوقع العبد للنعمة جريًا مع الآية الأولى. وقوله تعالى: إِنَّ اللهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ محكمة، فيجب أن يفسر مثل قوله تعالى:
أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا بما ينطبق معها، حتى لا تكون هناك مناقضة. وعلى هذا النحو سار
في كل تفسير، من مثل قوله تعالى: وَكَذَ?لِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ فيقول: إن جعل
بمعنى بيّن؛ لا بمعنى فعل، كقول الشاعر:

جعلنا لهم نهج الطريق فأصبحوا
على ثبت من أمرهم حيث يمَّموا

ويذهب الزمخشري في كثير من الآيات إلى اللجوء إلى اعتبار الآيات من قبيل المجاز، أو الاستعارة، أو التشبيه، كقوله تعالى: إِنَّا
عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا إلخ،
فيذهب إلى أن عرض الأمانة من قبيل المجاز، والأمانة هي الطاعة، وكقوله تعالى: لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ
عَلَى? جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللهِ، فهو يقول: هذا تمثيل وتخييل.

وكذلك سلك هذا المسلك في قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى? إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا
طَوْعًا أَوْ كَرْهًا، فيقول: إن أمر السماء والأرض بالإتيان، وامتثالهما أنه تعالى أراد تكوينهما فلم يمتنعا
عليه، ووجدتا كما أرادهما، وكانتا في ذلك كالمأمور المطيع إذا ورد عليه أمر الآمر المطاع إلخ إلخ.

وكذلك فعل في كل ما يدل على تجسيم الله كاليد، والوجه، والعرش، والاستواء، ونحو ذلك، فكلها عنده مجاز، أو استعارة لا حقيقة؛ لأن الله
منزه عنها.

وكان — رحمه الله — في طبيعته قاسيًا، فلم يكتف بالتفسير الذي يريده، بل قسا على مخالفيه، ورماهم بالجهل، وأحيانًا بالفسق، مما ألَّبهم
عليه، حتى لم يسلم من لسانه أحيانًا أصحابه من الرد عليهم، والتسفيه لبعض آرائهم.

ومن ألطف ما فيه أنه كان لا يؤمن بالسحر، والخرافات كرؤية الجن، فلما أتت الآيات يدل ظاهرها على السحر والعين، مثل قوله تعالى: يَا
بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ، وسورة الفلق،
أوَّل وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ بمن يطعِمُ شيئًا ضارًّا، أو يسقيه، أو يُشمه، أو يجوز
أن يراد بهن النساء الكيَّادات، أو اللاتي يفتن الرجال بتعرضهن لهم، وعرضهن محاسنهن كأنهن يسحرنهم بذلك، ونفى نفيًا باتًّا ما
يزعمه العوام من رؤية الجن، مستندًا على قوله تعالى: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إلخ إلخ.

فالحق أنه بذل في هذا التفسير مجهودًا جبارًا يدل على عقل كبير، ومقدرة هائلة.

ولذلك كان موضع تقدير المعتزلة، والشيعة، والسنية على السواء، غاية الأمر أن غير المعتزلة كانوا يتحرجون فقط من موضع الاعتزال التي
لا تتفق ومذهبهم.

ولذلك كان ابن جرير الطبري، والزمخشري عمادَي كلّ من أتى بعدهما من المفسرين كالبيضاوي، وأبو السعود، والفخر الرازي، وغيرهم.

ولئن شنَّع عليه قوم فإنهم مع تشنيعهم يقرون بفضله اللغوي، والبلاغي، وتبيين وجوه الإعجاز.

كان بجانب هؤلاء المفسرين بالمأثور، والمفسرين بالرأي على مذهب الاعتزال قوم يفسرون بالرأي على مذهب الشيعة، من تمجيد عليّ ونسله، وتحقير
أبي بكر وعمر وأمثالهما، ويؤولون التأويلات البعيدة في ذلك، كقولهم: إن البقرة التي أمر قوم موسى بذبحها هي
عائشة، وأن الجبت والطاغوت هما معاوية، وعمرو بن العاص، إلى آخر أقوالهم من ترَّهات.

وذهب قوم آخرون على تفسير القرآن بالتفسير الذي يتفق مع العقل المطلق؛ فكل ما ورد في القرآن مما قد يخالف العقل أولوه، حتى ذهبوا في
ذلك مذاهب غريبة، فلما رأوا مثلًا أن الأطفال الذين غرقوا في الطوفان مع آبائهم لم يكونوا مذنبين قالوا: إن
الله أعقم النساء قبل الطوفان، فلم تحمل منهن واحدة خمس عشرة سنة. ولما استبعدوا أن يلبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا قالوا:
إن المراد بذلك شريعته لا شخصه، وفسروا خروج ناقة صالح بالحجة الدامغة، وشربها ماء العين بإبطال تلك الحجة
جميع ما خالفها. وقالوا في معجزة إبراهيم — عليه السلام: إن إبراهيم سحر أعين الناس الذين أوقدوا له النار، وطرحوه فيها، وطلا جسمه
ببعض الأدوية التي يبطل معها عمل النار.

وقالوا في أصحاب الفيل الذين أهلكهم الله بحجارة من سجِّيل: إنه أصبهم الوباء من الماء والهواء، فحصّبوا، وجدّروا، وأهلكوا.

وقالوا في الهدهد الذي لم يره سليمان: إنه رجل، والنمل الذي جاء في أَتَوْا عَلَى? وَادِ النَّمْلِ قوم ضعاف خافوا من عسكر سليمان،
والجن والشياطين الذين سُخروا لسليمان هم عتاة الناس وأشداؤهم، وحذَّاقهم، وعرفاؤهم بالأمور الغامضة، وكذلك في جميع معجزات الأنبياء،
ولم يقروا لمحمد ? إلا بمعجزة القرآن.

وربما دعاهم إلى ذلك ما ذهب إليه القصَّاص من ولعهم بالغرائب، كالذين قال فيهم القائل: «الحديثُ لهم عن جملٍ طَاَر أشهى إليهم من الحديث
عن جمل سار، ورؤيا مُرّيَّة آثر عندهم من رواية مرويَّة» في المعجزات، وفي قصص الأنبياء، ونحو ذلك، كالذي نراه
في كتاب الثعلبي النيسابوري، وتفسيره المسمى «العرائس في قصص الأنبياء»، والذي نرى مثله فيما بين أيدينا في تفسير الخازن.

وفي هذا العصر ذهب قوم إلى القول في التفسير بالوقف، قالوا: إنا رأينا في القرآن آيات تدل على الجبر، وآيات تدل على الاختيار، ولا ندري
كيف يؤول بعضهم إلى الآخر، فلنقف عند حدود ذلك، وندع علمها لله تعالى، وكثير من الآيات دلَّت على وجهين مختلفين،
واحتملت معنيين متضادين. وكان من أشهر القائلين بهذا الرأي عبيد الله بن الحسن الأنباري، وقد سئل عن أهل القدر، وأهل الجبر، فقال: كلّ
مصيب؛ هؤلاء قوم عظَّموا الله، وهؤلاء قوم نزَّهوا الله.

وكذلك القول في الأسماء، فمن سمى الزاني مؤمنًا فقد أصاب، ومن سماه كافرًا فقد أصاب، ومن سماه فاسقًا فقد أصاب، ومن قال منافقًا فقد
أصاب؛ لأن القرآن دل على كل هذه المعاني، وسميت هذه الطائفة بالوقوف، جمع واقف، كالقعود والجلوس، جمع قاعد
وجالس.

وذهب قوم إلى تفسير القرآن تفسيرًا صوفيًّا، فهم يفسرون الآيات التي تدل على مظاهر الأشياء تفسيرًا يدل على النفس، أو الشيطان، أو الملائكة،
أو نحو ذلك من مثل ما يذهب إليه الجُنيد، وسفيان الثوري، وهكذا تشعبَّت الآراء، واختلفت المذاهب، وأصبحوا يُخضعون
القرآن للمذهب، بعد أن كانت تخضع المذاهب للقرآن.

الحديث

تضخم الحديث حين بلغ عصرنا هذا الذي نؤرخه، ودوَّنت كتب كبيرة كالبخاري ومسلم، وأكثر منهما مسند ابن حنبل؛ وبلغ مجموع أحاديثه نحو ?????
ألفًا، وهذا التضخم يرجع فيه إلى سببين: الأول: كثرة الوضع؛ فقد دخل في الحديث كثير من حكم الأمم المختلفة،
واندسَّ فيه بعض عقائد الأمم القديمة. والثاني: اجتهاد العلماء في الجمع؛ فقد كان علماء الحديث يرحلون إلى الجهات المختلفة، ويزاحمون
التجار في الخانات.

وبجانب جمع الحديث نشأ حوله كثير من العلوم مثل: علم الناسخ والمنسوخ من الأحاديث، فإذا رأوا حديثًا يناقض حديثًا آخر، وعُرف المتأخر
منهما، دل ذلك على أن المتأخر ناسخ للمتقدم، ومثل علم الجرح والتعديل؛ يذكرون فيه الصفات التي تلزم المحدث
حتى يكون عدلًا، فإذا نقصها، أو نقص صفة منها لم يحز صفة العدل، إلى غير ذلك من العلوم.

وفي هذا القرن الرابع ظهرت فكرة أنه يجوز الاكتفاء في رواية الحديث بما في الكتب، وقد ذكروا أن ابن منده كان خاتمة الرحَّالين، وعدوا
ابن يونس الصفدي المتوفى سنة ???? إمامًا حافظًا للحديث وإن لم يرحل، وكان المحدِّثون يعدون أكبر العلماء شأنًا،
فيبجلون ويعظمون، ويغدق المال عليهم أكثر من الفقهاء والنحاة وغيرهم.

وكان لرواية الحديث مزية، وهي تقوية ذاكرة المحدثين، فكان بعضهم يحفظ الآلاف من الأحاديث بسندها مع صعوبة السند، وتشابهه، فيروون أن
ابن ميسر المتوفى سنة ???? كان عنده درج طويل طوله سبعة وثمانون ذراعًا مملوء الوجهين، فيه أوائل ما يحفظه
من الأحاديث، وكان قاضي الموصل المتوفى سنة ???? يحفظ مائتي ألف حديث عن ظهر قلب، وكان بعضهم يتعبد بقراءة الحديث، فيروون أن الخطيب
البغدادي قرأ صحيح البخاري على كريمة بنت أحمد المروزي في خمسة أيام، وكان أكبر محدِّثي القرن الرابع أبا الحسن
الدارقطني، والحاكم النيسابوري، وربما كان الحاكم هذا أعظمهما، فقد وضع مصطلحات الحديث من صحيح وحسن وضعيف، وجعل لها أصولًا، ووضع
لذلك أساسًا بقي معمولًا به إلى اليوم، وقسَّم الرواة إلى أنواع، وجعل الجرح والتعديل أنواعًا، ولكل نوع لفظًا:
فأعلاها ثقة، أو مُتقن، أو ثَبت، أو حُجة، أو عدل، أو حافظ، أو ضابط؛ والثانية: صدوق، أو محله الصدق، أو لا بأس به،
ويقال: إنه سبقه إلى ذلك ابن أبي حاتم المتوفى سنة ????، وقام العلماء بنقد الحديث، ونقد السند، وتأريخ المحدِّثين، والحكم
عليهم أو لهم، وأصبح الجرح والتعديل مبنيين على أصول من مثل كتاب التاريخ للبخاري، ووصلوا في ذلك إلى غاية
بعيدة؛ فالخطيب البغدادي المتوفى في القرن الذي بعد قرننا يحكون عنه أنه كان عالمًا بالرجال علمًا واسعًا، حتى إنه ألَّف كتابًا في
رواية الآباء عن الأبناء، وآخر في رواية الصحابة عن التابعين، وربما كانت كتاب السير، والعناية بالتاريخ منشؤها
عناية المحدِّثين برجال الحديث، حتى إن الأدباء والمؤرخين قلَّدوا المحدِّثين في ذكر السند، كما فعل أبو الفرج الأصفهاني في «الأغاني»،
والطبري في تاريخه، فإنهما يذكران السند مع أن السند في الأدب ليست له قيمة كبرى، فإن الخبر الأدبي، أو القطعة
الأدبية لها قيمة ذاتية، ولو لم يصح سندها.

وقد قالوا: إن الخطيب البغدادي أبان دقة فائقة على نقد الوثائق المكتوبة؛ وإثباته تزويرها، ومعرفته تواريخ حياة الرجال الذين يذكرون
فيها.

ولئن كان للمحدثين محامد من ناحية الجد في الجمع والنقد، وعدم الاكتراث بالمتاعب، والصبر على الفقر، ونحو ذلك، فقد كان لهم — والحق
يقال — بعض الأثر السيئ في المبالغة في الاعتماد على المنقول دون المعقول، خصوصًا بعد ما مات المعتزلة؛ فقد
كان المعتزلة هؤلاء حاملي لواء العقل، والمحدِّثون حاملي لواء النقل، وكان عقل المعتزلة يلطف من نقل المحدِّثين. فلما نكل بالمعتزلة
على يد المتوكل، عَلَا منهجُ المحدِّثين، وكاد العلم كله يصبح رواية، وكان نتيجة هذا ما نرى من قلة الابتكار،
وتقديس عبارات المؤلفين، وإصابة المسلمين غالبًا بالسقم، حتى لا تجد كتابًا جديدًا، أو رأيًا جديدًا بمعنى الكلمة، بل تكاد
العقول كلها تصب في قالب واحد جامد.

واتخذت التراجم شكل تراجم المحدِّثين من ذكر وقائع وأحداث من غير تجديد، كالذي تراه في «الأغاني». ومن الأسف أن منهجهم ساد منهج المعتزلة
وغلبهم، وكان منهج المعتزلة منهجًا متينًا دقيقًا حتى لم يستطع أن يفر منه إلا القليل.

كما يؤخذ عليهم أنهم عُنُوا بالسند أكثر من عنايتهم بالمتن: فقد يكون السند مدلَّسًا تدليسًا متقنًا فيقبلونه، مع أن العقل والواقع
يأبيانه، مثل: «من أكل سبع بلحات عجوة، لم يصبه في ذلك اليوم سم»، ومثل: «لا يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة»
إلخ.

بل قد يعده بعض المحدثين صحيحًا؛ لأنهم لم يجدوا فيه جرحًا، ولم يسلم البخاري، ولا مسلم من ذلك، وربما لو امتحن الحديث بمحكِّ أصول
الإسلام، لم يتفق معها، وإن صحَّ سنده.

وقد كان من بعض المحدثين من تدخل عليهم أساليب الدهاة المكرة الوضاعين؛ ولذلك قال بعضهم في بعض المحدثين: «إننا نطلب دعوته، ولا نقبل
حديثه». وقد جنى منهج الحديث على كل علم آخر، فقلَّ الابتكار في اللغة والأدب، والنحو والصرف؛ فكانت عبارة
عن حكاية أقوال المتقدمين، وإن اختلفت في شيء فيما بينها، ففي التعبير الصعب أو السهل فقط، وفي الاختصار أو التطويل فقط.

وإذا كانت للمحدثين سلطة كبرى كان من خرج على منهجهم قيدَ شعرة، شغب عليه، ورمي بالزندقة.

وفي التاريخ أمثلة كثيرة من هذا القبيل؛ من أولها ما ذكرنا قبلُ من اضطهاد المحدثين لابن جرير الطبري، وأسوأ ما في هذا أن الأمر لم
يقتصر على العداء بين العلماء بعضهم مع بعض، بل اجتهد كل فريق أن يدخل العامة في الموضوع؛ ليستعين بهم في التنكيل
بخصومه.

ولكن مع هذا كله لا ننسى أنه بفضلهم نقدت الوثائق الدينية نقدًا دقيقًا، يشبه ما يضعه علماء التاريخ اليوم.

علم الكلام

نشأ علم الكلام من الحاجة إلى الدفاع عن الإسلام أولًا دفاعًا مسلحًا بالفلسفة، كما كان المهاجمون مسلحين بها. وثانيًا: لأنَّ المسائل
كلها حتى الدين تحوَّلت إلى علوم بعد أن كانت سائرة على الفطرة.

ولم يعدم بعض العقول أن يثيروا مسائل كانت تثار في عهد النبي ?، والصحابة، والتابعين فتكبت، ثم نجمَت فيما بعد ولم تكبت، مثل: هل صفات
الله غير ذاته، أو هي هي؟ وهل الإنسان مجبور أم مختار؟ وهل مرتكب الذنوب فاسق، أو مؤمن، أو كافر؟ ونحو ذلك.


وقد دعت إثارة هذه المسائل، والتبحر فيها إلى إثارة مسائل أخرى عويصة، كالطفرة، والذرَّة، ونحوهما، وقد ساعد على هذا التوسع أن أمثال
هذه المباحث كانت أثيرت عند اليونان، ثم نقلت إلى العربية.

وكان للمعتزلة الفضل الأكبر في علم الكلام؛ لأنهم كانوا أكبر المدافعين عن الإسلام لما كان يثيره اليهود والنصارى الوثنيون من هبوب،
حتى لقد كانوا فيما روي يرسلون أتباعهم الكثيرين إلى البلدان الأخرى لردَّ هذا الهجوم ردًّا عقليًّا.

وذاع صيتُهم، وعلا شأنهم بوجود طائفة ممتازة منهم، مثل: واصل بن عطاء، وأبي هذيل العلَّاف، والنظام، والجاحظ، وغيرهم، بسبب ما أُثير
من مسألة خَلق القرآن، فقد نشأت عنه مسألة كلامية، وهي أن أهل السنَّة يقولون: إن لله صفات غير ذاته، ويقول
المعتزلة: إن صفات الله عين ذاته، ونشأ عن ذلك أن أهل السنَّة يقولون: إن لله صفة الكلام غير ذاته، وهي صفة متصلة به، والقرآن قديم
بمعنى أنه كلام الله القديم، الذي كان من آثره القرآن المقروء الذي أُنزل على محمد، ولم يقولوا في الأصل: إن
القرآن الذي هو في المصحف قديم، وإنما القديم هو كلام الله، وإذ كان المعتزلة ينكرون أن لله كلامًا غير ذاته نتج عن ذاته قولهم بخلق
القرآن، ودار الجدلُ الطويل في ذلك على النحو الذي ذكرناه من قبل في «ضحى الإسلام».

وكانت المسائل الكلامية تدور بين الفرق الخمس التي شاعت في هذا الوقت، وهي: أهل السنَّة، والمعتزلة، والمرجئة، والخوارج، والشيعة، وكانت
كل فرقة من هذه الفرق تنقسم إلى طوائف قد تختلف فيما بينها كثيرًا أو قليلًا، فإذا كان الخلاف على العقائد،
وما يتصل بها فذلك علم الكلام، وإذا كان الخلاف على الفروع، وما يتصل بها، فذلك علم الفقه.

ونلاحظ أن علم الكلام أولًا كان مختلطًا بالفقه، وكانت هناك مسائل فقهية في ثنايا علم الكلام، ثم تحرر علم الكلام عن الفقه بفضل المعتزلة.


وأضافوا إلى المسائل الأولى التي كانت تثار مسألة الإمامة، وربما كان للشيعة أكبر دخل في ذلك؛ لأنهم كان لهم منهج مخصوص يخالف مذهب
أهل السنة. ومن أهم مسائلهم مسألة القدر، وهي مأخوذة عن مذهب زاردشت؛ ولذلك يقال لهم: الثنوية، ويقول ابن حَزم:
«إن المعتزلة هم الذين اخترعوا لفظ الصفات»، ثم تُكُلم بها فيما بعد، ويصف المعتزلة بأنهم يمتازون بخصال أربع: «وهي: اللطافة، والدِّراية،
والفسق، والسخرية»، وكانوا مولعين بالجدل، كما اشتهر بذلك الجاحظ، ومن أجل هذا سمِّي هذا العلم علم الكلام.


ويظهر منهجهم في الوصف الذي وصفناه للمنهج الذي اتبعه في التفسير الزمخشري كما بينَّا.

وكان عدوهم اللدود أهل السنة.

وكان أبو الحسن الأشعري معتزليًّا أولًا، ثم خرج عليهم، وحاربهم بمثل سلاحهم، وأخذ من مذهبهم بعض الأشياء، ومن مذهب خصومهم بعض الأشياء،
فكان مذهبًا مختارًا، حاول فيه أن يوفق بين العقل والنقل.

ويقول في بعض كتبه: «قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها، التمسك بكتاب الله، وسنَّة نبيه، وما روي عن الصحابة والتابعين، وأئمة
الحديث، وبما عليه أحمد بن حنبل، ونحن بأقواله قائلون، ولمن خالف قولُه قولَه مجانبون»، ولكن بعض كبار أهل
السنَّة لم يرضوا عنه كل الرضا، ورأوا أن في بعض تعاليمه دسائس من أصول المعتزلة.

وقد شنَّع عليه في الأندلس الإمام ابنُ حزم، وسلقه بلسان حادّ في كتابه «الملل والنحل».
الفصل الثاني

الفقه والتصوف

ذكرنا في «فجر الإسلام» وضحاه تاريخ الفقه في العصور المتقدمة، حتى إذا جاء عصرنا هذا تحوَّل الفقه تحولًا جديدًا، وأكبر مظاهر هذا التحول
سد باب الاجتهاد، فقد وصل الفقه إلى ذروة مجده في القرون السابقة، فلما جاء القرن أقفل العلماء باب الاجتهاد، وكان
ذلك طبيعيًّا لحالة العصر، قال سعيد بن الحدَّاد الفقيه القيرواني: «إنَّ الذي أدخل كثيرًا من الناس في التقليد نقص العقول، ودناءة الهمم»،
وكانت وفاته سنة ????، وكان من نتيجة ذلك:

list of 4 items
أولًا: اقتصارهم على النقل عمَّن تقدم، وانصرافهم لشرح كتب المتقدمين، وتفهمها، ثم اختصارها.
ثانيًا: جمع الفروع الكثيرة في اللفظ القليل؛ مما جنى على الفقه، وسائر العلوم.
ثالثًا: اقتصارهم على التحشية والقشور.
رابعًا: كثرة الفروض في المسائل.
list end

وكانت هذه الحال نتيجة طبيعية للتاريخ السياسي والاجتماعي؛ فالخلفاء كانوا تحت سيطرة الأتراك حينًا، وتحت سيطرة الديلم من بني بويه حينًا
آخر، وهؤلاء الديلم والأتراك لم يكونوا يحسنون اللغة العربية إحسان من قبلهم، وأتت بعد ذلك غارة التتار فقضت على البقية
الباقية من المدنية والحضارة، وعلو الهمة.

وقد كان نشاط الفقهاء من قبل نشاطًا غير محدود، فلما أغلقوا باب الاجتهاد توجه نشاطهم إلى المسائل التي ذكرناها، من اختصار لما مضى، ووقوف
على أقوال الأئمة السابقين، وفرض الفروض، وخصوصًا في بابي العتق والطلاق.

والسبب في ذلك أن الرقيق كان قد كثر في البيوت من نساء ورجال وأطفال، وحدثت حوادث للرقيق كثيرة، من إباق ومكاتبة، وغير ذلك، فتوسع الفقهاء
في هذا الباب كثيرًا، وأما الطلاق فيظهر أنه قد كثر في ذلك العصر بسبب تعداد الزوجات، وكثرة الإماء، وغيرَة الحرائر
من الإماء، والإماء بعضهن من بعض، فكثرت الفروض، والأحكام في هذا الباب.

وكان اللغويون أيضًا يفرضون الفروض الكثيرة للتعليم، فيقولون: كيف تشتق من كذا على وزن كذا؟ فقلَّدهم في ذلك لفراغ ذهنهم من المسائل الكلية،
مثل أن يقولوا: ما حكم من قال: أنت طالق واحدة قبلها واحدة، بعدها واحدة؟ وما حكم من قال: أنتِ طالق نصف تطليقة، أو
ربع تطليقة؟ وهكذا من الفروض السخيفة.

ومن مظاهر الفقه في هذا العصر أيضًا شيوع التعصبات المذهبية، فقد كان الأئمة أنفسهم متسامحين، وكانوا لا يعيبون اجتهاد زملائهم، وقد فهموا
تمام الفهم حرية الرأي كالذي نراه في رسالة الليث بن سعد إلى مالك بن أنس، ومع ما كان يبديه الشافعي من نقد أبي حنيفة
كان يقول: «الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة»، ويقول: «مذهبنا صواب يحتمل الخطأ، ومذهب غيرنا خطأ يحتمل الصواب»، ويجتهدون في التدليل
عليه، ونقد أقوال خصومهم، وكل ما فعلوه أن اجتهدوا النوع الاجتهادي الوضيع الذي يسمى اجتهاد مذهب، وذلك يقضي فقط بأنه
إذا روى عن الإمام روايتان، رجَّح الفقيه رواية أو رأيًا.

ولنقصَّ طرفًا من أمثال هؤلاء، فمن أمثال ذلك: أن أبا الحسن الكرخي رئيس الحنفية بالعراق، والمتوفى سنة ???? صنَّف المختصر، وشرح الجامع
الصغير، والجامع الكبير لمحمد بن الحسن، أما أن يكون له رأي في مسائل جديدة يجتهد فيها، فلا، ومثل أبي الحسن القدوري،
ألَّف المختصر المشهور، وشرح مختصر الكَرخي، وصنَّف كتاب «التجريد»، وهو يشتمل على الخلاف بين أبي حنيفة والشافعي.

ومن شدة خلافاتهم، وتعصبهم لمذهبهم، وكثرة جدالهم، نشأ علم يسمى آداب البحث والمناظرة، يقصدون منه الشروط التي يتبعها المجادل في جدله،
إذا أصبح فوضى.

وقد جعل الغزالي المثل الأعلى لها في شروط ثمانية:
list of 8 items
(?) ألا يمعن في البحث، ولا يشتغل به ما أمكن.

(?) أن الجدل فرض كفاية، فإذا رأى فرض كفاية آخر أهمَّ منه اتجه إليه.

(?) أن يكون المناظر مجتهدًا يفتي برأيه، إلا بمذهب معين، حتى إذا ظهر له الحق من مذهب أيًّا كان ذهب إليه.

(?) ألا يناظر إلا في مسائل واقعية، أو قريبة الوقوع.

(?) أن تكون المناظرة إليه في الخلوة أحب إليه من المحافل، وبين الأكابر والسلاطين.

(?) أن يكون في طلب الحق، كناشد ضالة، لا يفرِّق بين أن تظهر الضالة على يده، أو على يد غيره.

(?) ألا يمنع خصمه من الانتقال من دليل إلى دليل، فلا يقول: إن هذا يناقض كلامك الأول، فلا يقبل منك، فإن الرجوع إلى الحق يجب
قبوله.

(?) أن يناقش من يتوقع الاستفادة منه، ولا يقصد الضعيف ليتغلب عليه.
list end

وقال: «إن من آفة المناظرة في عصره الحسد والتكبر، والترفع على الناس، والغيبة والتجسس، والنفاق، والإصرار على الرأي مهما ظهر بطلانه» إلخ.


وربما كانت كثرة المناظرات، وتظاهر العلماء بالغلبة، وحبُّهم للتقرب من العظماء من الأمور التي أوجبت على الغزالي تركه لمنصبه كمدرس في
المدرسة النظامية، وتزهده في دمشق.

وكان من مظاهر هذا العصر التزام مذهب بأكمله كالشافعي والحنفي في كل المسائل، وتحريم انتقاله من مذهب إلى مذهب، كأنه انتقال من دين إلى
دين، كذلك من مظاهر هذا العصر ظهور مذهب الشيعة في المغرب ومصر والشام، ومحاربته للمذاهب السنية كمالك والشافعي في
قسوة وجبروت، وفرض المذهب الشيعي على الناس بالقوة، وقد عاقبوا بالقتل رجلًا رأوا عنده كتاب «الموطأ» لمالك، وهكذا فعلوا في المغرب، فيحكي
لنا القاضي عياض في «المدارك» كيف أسرف الفاطميون في فرض المذهب الشيعي، وقَتل من أباه، فيقول في ترجمة أبي بكر بن
هذيل، وأبي إسحاق بن البرذَون كيف سجنا وربطا في أذناب الدواب حتى ماتا لعدم إفتائهما بمذهب أهل البيت، وكذلك فهل أهل السنَّة فيما بعد
لما تمكنوا من الشيعة، فقد قضوا على مذهبهم، وكل هذا سببه السياسة مغطَّاة بغطاء الدين.

ونكبة النكبات، والمصيبة العظمى ما كان من الخلاف بين الفقهاء والصوفية، فالإسلام في جوهره لم يكن يفرق بين الاثنين، بل يأمر بالأعمال الظاهرة،
ويطلب إصلاح الباطن، ومراقبة الله في أدائها، يدل على ذلك قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ
هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ، فهو يطلب الصلاة، ويطلب خشوع النفس فيها، وكذلك كان يفعل الصحابة والتابعون،
يؤدون الشعائر، ويحسنون النية، فلما كثر الفقهاء، وتغلغلوا في الفقه، رأيناهم يغالون في مراعاة الشعائر الظاهرة من وضوء وصلاة وزكاة، ومتى
تصح، ومتى لا تصح، من غير تعرض كثير للنية، ومحاسبة الروح، ونحو ذلك من الأعمال الباطنية النفسية. ومن ناحية أخرى تغالى
الصوفية في الأعمال النفسية الروحية، ولم يضغطوا ضغطًا كافيًا على الأعمال الظاهرة، فكان هناك فقهاء وصوفية، وعداء بين الفقه
والتصوف؛ الصوفية يرمون الفقهاء بأنهم لا يعبأون إلا بالقشور من مظاهر الأمور، والفقهاء يرمون الصوفية بأنهم غلوا في أحوال الروح
أكثر مما كان يعرفه الإسلام، وسموهم أهل الباطن.

هذه ناحية ومن ناحية أخرى، فقد كان هناك في مبدأ الإسلام بعض الناس يميلون إلى الزهد، إما لأنهم فشلوا في الحياة فتزهدوا، وإما لأنهم لم
يجدوا ما يغتنون به فتزهدوا، وإما لأن لهم مزاجًا خاصًّا يكره الدنيا ونعيمها، والحياة وزخرفها، فتزهدوا، وإما لأن
إحساسهم رقيق، ملأ الخوف من النار نفوسهم، وخافوا أن يحاسبوا يوم القيامة حسابًا عسيرًا على مالهم ونعيمهم، وسمعوا قوله تعالى: وَالَّذِينَ
يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ فتزهدوا.

وقد حكى لنا التاريخ أمثلة كثيرة من المتزهدين في صدر الإسلام، فمنهم من كان يأبى على نفسه أي نعيم، ويتمسك بقوله تعالى: قُلْ مَتَاعُ
الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَ، فكانوا يزهدون في الأكل، والنوم، والاختلاط بالناس، وسائر
اللذات البدنية، كما قال القشيري: «من كان له رداء واحد خير عند الله ممن له رداءان». وكانوا يتبتلون، ويكثرون من الصبر،
ويتناظرون في أيهما خير عند الله: الغني أم الفقير؟ ومنهم من تزهدوا بأشكال أخرى حتى فيما أحلَّ الله، وقد فسر بعضهم قوله تعالى:
ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ بشرب الماء البارد، فامتنعوا عنه خوف السؤال … فلما جاء المتصوفة
فلسفوا الزهد، وجعلوه مقامات وأقسامًا، فكان من زهدهم لبس الصوف الخشن كما يفعل رهبان النصارى؛ فسُموا من أجل ذلك بالصوفية، وهذه
النسبة هي الصحيحة، وهي التي تتفق مع اللغة، ثم إن التصوف لما كان مختلطًا مع الفقه في العصر الأول كان إسلاميًّا بحتًا،
وكان الزهد طوعًا للأوامر الإسلامية، وظلَّ كذلك طول العهد الأموي، وفاتحة هذا النوع الحسن البصري، فلما دخل في الإسلام كثير
من الأمم الأخرى أصحاب الديانات الأخرى كالنصارى، واليهود، والفرس، والهنود، وانتشرت الفلسفة اليونانية، والأفلاطونية الحديثة،
استمدَّ التصوف من كل هذه المنابع، فلوّن عند بعض الناس بالزرادشتية الفارسية، وبالمذاهب الهندية، ولوَّن عند بعض الناس
بالنصرانية، وعند بعضهم بالأفلاطونية الحديثة، ثم اختلطت هذه العناصر كلها بعضها ببعض، فكانت نزعات مختلفة، وطرق مختلفة على مدى العصور؛
فترى مثلًا أن أبا يزيد البسطامي — وكان فارسي الأصل — يدخل على التصوف فكرة الفناء في الله، وأفكارًا أخرى لم تكن
معروفة عند المسلمين من قبل، ومعروفًا الكرخي المتوفى سنة ???? كان من أصل مسيحي فارسي، وعاش في بغداد في حيِّ كرخ الذي يُنسب إليه، يقول
مثلًا أقوالًا لم تكن مألوفة من قبل مثل: «إن محبة الله شيء لا يكتسب بالتعلم، وإنما هي هبة من الله وفضل»، وقوله:
«يُعرف أولياء الله بأموال ثلاثة: أن يكون فكرهم في الله، وأن يقوموا بالله، وأن يكون شغلهم بالله»، ومما ينسب إليه أنه قال
يومًا لتلميذه سَري السقطي: «إذا كانت لك حاجة على الله فأقسم عليه بي»، ورابعة العدوية التي يدل اسمها على أنها عربية ملأت التصوف
بحب الله، وأبا سليمان الداراني المتوفى سنة ???? يقول: «لو تمثَّلت المعرفة رجلًا لهلك كل من نظر إليها لفرط جمالها،
وحسنها، ولطفها، ولبَدَا كل نور ظلامًا إلى بهائها»، وهكذا كان كلُّ كبير من كبراء التصوف يُدخل عليه لونًا جديدًا، ويصبغه صبغة جديدة،
حتى لتشعبت العناصر التي تكونت منها الصوفية الإسلامية، وغمضت حتى على كبار الباحثين.

وناحية أخرى، وهي أن الفقه وسائر العلوم تعتمد أكثر ما تعتمد على العقل، وقضايا المنطق، والبراهين العقلية، أما التصوف فيعتمد على الذوق
والكشف، ولا يخضع للمنطق، ولا للعقل، شأنه شأن الحب كالذي قال:

ليس يُستحسن في شرع الهوى
عاشق يُحسن تأليف الحُجج
بُني الحبُّ على الجور فلو
أنصف المحبوب فيه لسمج

ونرى في الطبيعة أصنافًا ثلاثة من الناس: قوم قويت عقولهم؛ وهم أميل إلى بحث النظريات العقلية، وهؤلاء إلى العلم أقرب، والتعلم في الجامعات
أنسب، وقوم اعتمادهم على قلبهم، وإن شئت فقل على عاطفتهم أو ذوقهم، وهؤلاء للفنون الجميلة من أدب وشعر، وموسيقى، وتصوير
أنسب، وقوم مزيتهم في أيديهم، وهؤلاء للصناعات أنسب، والأمة الحكيمة من تتخذ وسائل لمعرفة أبنائها، لأي شيء هم أكثر استعدادًا، فتوجههم
إلى ما خلقوا له.

والصوفية من النوع الثاني يعتمدون على الذوق، وعلى الكشف والإلهام، ولا يصح أن تسألهم عن الحجة العقلية فيما يقولون، بل قد تغمرهم العاطفة
فيشطحون، ويتكلمون بما لا يفهمون، حتى كأنهم شعور بلا جسم ولا عقل، وعاطفة بلا تفكير، وهياج بلا رزانة، فمن عندهم هذا
الاستعداد يصلحون للتصوف، وينبغون فيه بمقدار استعدادهم، أما من كبر عقله، وسار في حياته على القضايا المنطقية، فقد يكون فيلسوفًا، وقد
يكون طبيعيًّا، وقد يكون فقيهًا، وقد يكون كل شيء إلا أن يكون متصوفًا.

ومن أجل ذلك لم أفهم إلى الآن أن يكون ابن سينا فيلسوفًا ومتصوفًا، فالفلسفة تعاند التصوف، وهو يعاندها، وقد قرأت رسالة لابن خلدون — العاقل
في التصوف — وهي رسالة مخطوطة فلم أستحسنها، إلا لأن كاتبها ابن خلدون، ورأيت أحسن ما فيها البحث في أن سالك سبيل التصوف
هل لا بد له من شيخ يأخذ عنه التصوف أو لا؟ وهو بحث عقلي لا صوفي، ومن أجل ذلك يسمي الفقهاء إدراكاتهم معرفة، ويقولون: إن ما يعلمه الفقيه
والفيلسوف بالعقل نراه نحن بالكشف.

وناحية أخرى، وهي أن هناك فكرتين: فكرة يصح أن نسميها بالأثنينية، وهي تعتقد في الله أنه مستقل عن الخلق، يشرف عليه من فوق، ويمد كل مخلوق
بإمداداته، ويدبر نظام الكون من أصغره إلى أكبره، وهو فوق الأرض، وفوق السماء، وفوق كل شيء، وأن في الكون موجودين متميزين
عن بعضهما كل التميز، مخلوق وخالق، ومدبَّر ومدبِّر، ومحكوم وحاكم.

أما الفكرة الثانية، فترى الواحدية — أو بعبارة أخرى — وحدة الوجود، وأن الله والخلق واحد، والحاكم والمحكوم شيء واحد، كما قال الحلاج:


أنا من أهوى ومن أهوى أنا
نحن روحان حللنا بدنا
فإذا أبصرتَه أبصرتني
وإذا أبصرتني أبصرتنا

وكقوله: «ما في الجبة إلا الله»، أي أن الله في كل شيء، وهو كل شيء، يظهر في المخلوقات حسب تدرجها في الرقي، فالله في الإنسان أرقى منه
في الحيوان، وهو في الحيوان أرقى منه في النبات، وهكذا، وعند الأولين أن الإنسان يدرك الله بالعلم؛ وقضايا المنطق،
وغاية الرقي في ذلك الفلسفة. أما عند أهل الفكرة الثانية، فإدراك الله بالمعرفة، والمعرفة تحصل بالتروض، فإذا تمَّ التروض صفت النفس، وانطبع
فيها الله. ويروى أن أبا سعيد بن أبي الخير الصوفي المشهور اجتمع بابن سينا، فلما فرغا سئل أبو سعيد عن ابن سينا فقال:
ما أراه يعلمه، وسئل ابن سينا عن أبي سعيد، فقال: ما أعلمه يراه. والحكاية وإن كانت موضوعة، فإنها تدل على معنى صحيح، والناظر في
القرآن يرى فيه طرفًا من هذا، وطرفًا من ذاك، وفي كثير منه تفرقة بين الخالق والمخلوق، وفي بعضه توحيد لهما، مثل: وَمَا رَمَيْتَ
إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى?، والذي عني بالفكرة الأولى الفقهاء، والذي اعتقد الثانية أغلب المتصوفة،
وعلى رأسهم محيي الدين بن العربي، وسموا اجتهاد الأولين شريعة، واجتهاد الآخرين حقيقة، وسمي الفقهاء أهل شريعة، وسمي المتصوفة أهل
حقيقة.

والمسلمون الأولون كانوا كالقرآن على وفاق وامتزاج بين الفكرة الأولى والثانية؛ ولكنهم فيما بعدُ غالى كل منهم في فكرة، فكان العداء بين
الفقهاء والمتصوفة، غالى الفقهاء في أعمال الظاهر، وغالى المتصوفة في أعمال الباطن، فالفقهاء ينظرون إلى المتصوفة نظرة
شذوذ وانحراف عن الدين الحق، وكذلك نظر المتصوفة إلى الفقهاء.

ونرى في التاريخ أن الأمراء كانوا ينصرون عادة الفقهاء على المتصوفة لسببين: الأول: أن التعاليم الصوفية تدعو إلى الزهد، وعدم الاهتمام
بالدنيا، ولو عمَّت الفكرة الناس ما صلح ملك، ولا وجد من يعمل. والثاني: أن الصوفية الحقيقيين إنما يخضعون لله وحده،
ويؤمنون تمام الإيمان بأن لا إله إلا الله، فلا خضوع لملك أو أمير، وهذا يغضب ذوي السلطان عادة، ففي كل موقعة ثارت بين الفقهاء والمتصوفين
كان الأمراء بجانب الفقهاء، لا الصوفية، إلا من تسمَّوا الصوفية في هذا العصر، فإنهم كانوا كالفقهاء أُلعوبة في أيدي
الأمراء.

وعلى العموم، فقد كانت الفكرتان متميزتين، وحاول الغزالي في أواخر القرن الخامس أن يجمع بينهما، وعلى هذا الأساس أَّلف كتاب «إحياء العلوم»،
فدعا فيه إلى المحافظة على الشريعة الظاهرة، من صوم وصلاة وزكاة وحج، كما دعا إلى أنها لا قيمة لها ما لم تدعم بالنية
الحسنة، وواجب تطهير الظاهر كما يجب تطهير الباطن، وكان له فضل كبير في إزالة العداء بين الفقهاء والصوفية. وطريقة أهل العقيدة الأولى أنهم
يصلون إلى الله عن طريق الاتساع في العلم من فقه، وتفسير، وحديث، وأصول، وغير ذلك، وطريقة أهل العقيدة الثانية أنهم
يصلون إلى الله عن طريق الرياضة من جوع، وأعمال شاقة، ونحو ذلك.

فإذا فعلوا هذا حدث لهم ما يسمونه الكشف، وهذا الكشف يرون به الحق، ويحدث لهم من اللذة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؛
تفنى نفوسهم في الله، ويتحدون بالله، وفي أول أمرهم يكون هذا الكشف عبارة عن لحظات لذيذة على فترات، ثم إنهم بالمران
يسهل عليهم هذا الفناء، ومع ذلك لا يستطيعون أن يفنوا فناءً تامًّا، ولا دائمًا، ما داموا على قيد الحياة، إنما يحدث ذلك لهم بالموت، وهنا
نتساءل: أي الطائفتين كان أقرب إلى الدين الحق؟ وأيهما كان أنفع في الحياة الاجتماعية؟ وهو سؤال يعسر الجواب عنه، ففي
الفقهاء من بلغوا الذروة في الصدق، والإخلاص، والتشريع الذي ينفع الناس كمالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، والطبري، وداود
الظاهري، وغيرهم. ومن المتصوفة من كانوا كذلك مخلصين كالقشيري، وأبي يزيد البسطامي، ومحيي الدين بن العربي، وقد نفعوا
الناس من ناحية أنهم قللوا تكالبهم على الدنيا، وضبطوا نفوسهم، وكبتوا شهواتهم، ولكن مع الأسف وجد بين هؤلاء وهؤلاء دجالون؛ فقهاء
حرصوا على المظاهر، وقلوبهم هواء، إذا وضع الفقهاء المخلصون تشريعهم الجميل، وضع هؤلاء كتب الحيل للتخلص من الواجبات، كما
وجد من تعمقوا في المظاهر حتى تفهوا. وبين الصوفية أيضًا من كانوا دجالين؛ همُّهم اللعب بالمظاهر، وانغماسهم في الذكر
ومظاهره، والخرافات والأوهام. وفي الحق أن الدجل في التصوف كان أكثر من الدجل في الفقه؛ وذلك لأن طبيعة الحياة الصوفية تفتح المجال كثيرًا
للتخريف، فدخلوا من هذا الباب إلى التعاويذ، والأحجبة، والخرافات، واللعب بالنار، والدوسة، وغير ذلك من أوهام، وكان
في دجل هؤلاء وهؤلاء شر عظيم على المسلمين، وبُعد كبير عن الدين.

وقد آن الآوان لأن يتنبه المسلمون فيقضوا على الدجالين من الصنفين، ويؤيدوا المخلصين من الفريقين، إن المجتمع في حاجة إلى تشريع يواجه مشاكل
الجيل الحاضر، وهذا عمل الفقهاء، وإلى ملطِّفين من الشرِّ، والطمع، والتكالب على الدنيا، وهذا عمل المتصوفين، وبدون
ذلك لا تقوم للمسلمين قائمة، لا قدَّر الله.

على كل حال كان هناك خلاف شديد بين الفقهاء والصوفية ظلَّ يتسع قرونًا، نلخصه للقارئ فيما يلي:
list of 4 items
(?) تغلغل الفقهاء في الشعائر الظاهرة، وتغلغل الصوفية في الأعمال الباطنة.

(?) اختيار الصوفية كل حين ضربًا من القول يضايق الفقهاء؛ فأبو يزيد البسطامي اخترع الفناء في الله، مما لم يدركه الفقهاء وأنكروه،
ورابعة العدوية اخترعت حب الله، والفقهاء لم يرضوا عنه، وقالوا: إن الحب إنما يكون من إنسان
لإنسان لا من إنسان لله، إنما الإنسان يطيع ولا يحب. وذو النون المصري اخترع المقامات والأحوال، مما كان غريبًا على
الفقهاء.

(?) بعض الصوفية لم يلتزموا تمامًا الشعائر الدينية، بل قالوا: إن مَن بلغ درجة الولاية تحرر من المظاهر — قد كان الصوفية الأولون
يلتزمون الشريعة، ويحضون على العمل بها، ولكن أتى بعضهم أخيرًا، وأراد التحرر منها، بل أشاعوا
أن المعصية لا تمنع الولاية، حتى رأينا الحلَّاج يُتَّهم بأنه دعا إلى عدم الحج، والاكتفاء بالحج إلى غرفة في بيته،
ورأينا أبا حيان التوحيدي يؤلِّف رسالة يسميها «الحج العقلي»، وإن لم نرها، مع تعبنا في الحصول عليها.

وكثر من ذلك أن بعض الصوفية كانت لهم آراء غريبة، مثل: العطف على إبليس، والاعتذار عنه بأنه أبى السجود لآدم؛ لأنه كان يعلم
أن السجود لغير الله لا يجوز، وأن فرعون معذور؛ لأن الله لو أراد إيمانه لآمَن، فهو إذًا منفِّذ
لما أراد الله.

(?) ادعاء الصوفية أن مَن اتَّصل بالله، وبلغ الغاية في الفناء، خضع له الكون وقوانينه، وجرى على يديه خرق العادة بما يسمَّى
«الكرامات»، مقابل ما كان للأنبياء من معجزات، والفقهاء ينكرون عليهم ذلك، ويعتقدون أن قوانين
الله لا تتخلف إلا لنبيّ.
list end

والذي نلاحظه أن بعض كبار الصوفية كان يأتي من الأعمال بما يعد عجائب، خصوصًا في تلك الأزمان، فكان بعضهم — لرياضتهم، وحدة عواطفهم — يأتي
بما نسميه نحن الآن «التنويم المغناطيسي»، وتحضير الأرواح، والتيليباتي، وغير ذلك مما سيكشف عنه العلم الحديث، ويأتي
بما يأتي به بعض الناس، من إحضار الذهب من الخزائن، وفاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، إلى غير ذلك من الأشياء الخارقة للعادة.


وكانت في تلك الأيام أعجب الأعاجيب، خصوصًا وأن كثيرًا منهم كانوا يشتغلون بعلم الكيمياء، فيدلهم هذا العلم على أشياء تعتبر في نظر الناس
إذ ذاك كرامات، مثل: دهن الجسم بمادة تمنع تأثير النار، وابتلاع النار بعد ذلك، فلا يمسهم أذى؛ ومثل مخلوطات كيماوية
كانوا يخلطونها فتأتي بالعجائب، كالذي يحكى عن جابر بن حيان الملقَّب «بجابر الصوفي»، وكالذي يحكى عن ذي النون المصري، وعن الحلَّاج، بل
ما يُدرينا لعلَّ بعض الكيماويين القدماء، ومنهم هؤلاء استطاعوا أن يحوِّلوا المعادن إلى ذهب، فكانوا ينفقون على أتباعهم
من غير حساب، وربما كان العلم الحديث يؤيد هذه النظرية، بعد أن ثبت أن الفرق بين ذرَّات الحديد، وذرَّات الرصاص، وذرَّات الذهب ليس إلا
خلافًا في الشحنة الكهربائية التي في كل منها؛ أمَّا جوهر الشحنة فواحد، فإذا استطعنا أن نزيد ذرَّات الرصاص بما يسوي
بينها وبين ذرَّات الذهب صار ذهبًا.

والفقهاء ينكرون على الصوفية كل ذلك، ويعتقدون أن الصوفية يسيرون وراء الأوهام، ويأتون بالمخاريق، والصوفية يعتقدون في الفقهاء أنهم أهل
ظاهر فقط، ويسمونهم أهل الدنيا، فاتحد الخلاف بينهم، بل من أسباب الخلاف أيضًا أن الصوفية كانوا بحكم صوفيتهم متسامحين،
واسعي الصدر، يرون أن النصارى واليهود، وأهل كل دين، سواء أكانوا كتابيين أو وثنيين، إنما يعبدون الله مهما اتجهوا، والمتدين منهم محب الله،
وكل الأديان ليست إلا طُرقًا توصل إلى غاية واحدة، والخلاف بينها خلاف في الأسماء، وقد عبَّر عن ذلك أجمل تعبير ابن
العربي في قوله:

لقد صار قلبي قابلًا كل صورة
فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف
وألواح توراة ومصحف قرآن
أدينُ بدينِ الحب أنى توجهت
ركائبه فالحبُّّ دِيني وإيماني

ويعبِّر عنه جلال الدين الرومي في شعر صوفي فارسي ترجمته بالعربية:

نَفسِي: أيها النور المشرق.

لا تنأ عني، لا تنأ عني.
حبِّي: أيها المنظر اللامع.
لا تنأ عني، لا تنأ عني.
انظر إلى العمامة أحكمتها فوق رأسي، بل انظر إلى زنَّار زرادشت حول خصري، أحملُ الزنَّار، وأحمل المخلَاة، بل أحمل النورَ.
فلا تنأ عني، لا تنأ عني.
مُسلِم أنا؛ ولكني نصراني، وبَرهمي، وزرادشتي، توكَّلتُ عليك.
أيها الحق الأعلى.
فلا تنأ عني، فلا تنأ عني.
ليس لي سوى معبد واحد، مسجدًا، أو كنيسة، أو بيت أصنام.
ووجهك الكريم فيه غاية نعمتي.
فلا تنأ عني، لا تنأ عني، إلخ إلخ.

وللصوفية شعر جميل مملوء بالحب والغناء، وحدة العاطفة، وقوة الوجدان، ومن الأسف أنه لم يستغله الأدباء في مختاراتهم، وقد استعملوا فيه التعبيرات
الدنيوية على سبيل الرمز من خمر، ونساء، وبكاء أطلال، وحب وهيام، وقطيعة ووصال إلخ. يعنون بذلك أحوالهم مع ربهم، كالذي
نراه في ديوان ابن العربي «ترجمان الأشواق»، وديوان ابن الفارض.

على كل حال، اتسعت مسافة الخلاف بين الفقهاء والصوفية في كل مصر، وشنع هؤلاء على هؤلاء، وهؤلاء على هؤلاء، وربما ظهرت حدة الخلاف في ثلاثة
مواقف: في ذي النون المصري، وغلام الخليل، والحلاج. وسنلخص لك حالة كل موقف من هذه المواقف، فأما ذو النون فمصري من
أخميم، عُرف بالزهد والورع، والعزلة عن الناس في البرابي، وكان في أخميم برابي من بناء قدماء المصريين، عليها نقوش، وكتابات هيروغليفية،
فكان يتجول في هذه البرابي، ويمعن في هذه الكتابة، ويزعم أنه يقرؤها، وأنه يستطيع أن يترجمها، وقد روي عنه ترجمات فعلًا
لبعض هذه الكتابات، ولكن لم يترجمها بناء على استكشاف حجر رشيد، ولا معرفة بالحروف الهيروغليفية، وإنما هي ترجمة ظن أو إلهام؛ ولذلك خرجت
الترجمة لا تنطبق على الأصل في قليل أو كثير، ونطق بكلمات غريبة على أهل أخميم، لعلها مستمدة هي أو بضعها من آراء بلديِّه
الصعيدي الأسيوطي أفلوطين، فمن قارنوا بعض تعاليمه بأقوال أفلوطين وجدوا بينهما شبهًا؛ فاتَّهمه أهل أخميم بالزندقة،
وسافر قوم إلى الفسطاط يشكونه إلى الوالي، وكان سيد فقهاء المالكية إذ ذاك محمد بن عبد الحكم، فاستحضره، وسأله عما يقول؛ فتبينت له زندقته.
ورووا عنه أنه استطاع بكيميائه أن يحوِّل الحصى إلى أحجار كريمة، وأن يأتي بكثير من المخاريق، وكان يزعم أن ملوك مصر
خافوا ذهاب العلم بالطوفان، فبنوا البرابي، وصوروا فيها كل الصناعات وصانعيها، وصوَّروا جميع آلات الصناعات، وأنهم أودعوا فيها كل أسرارهم،
وأنه استطاع أن يعرف تلك الأسرار، ومما تعلمه ما كان عند المصريين من سحر.

على كل حال، إن ابن عبد الحكم اعتبر ذا النون زنديقًا، فلما رأى ذو النون أنه قد أسيء إلى سمعته رحل إلى بلاد عديدة، ثم عاد وقد مات ابن
الحكم، وحل محله غيره، وعاد الناس يتهمونه بالزندقة، وساعدهم على ذلك أن أصله قبطي نصراني، فعاد القاضي الجديد الذي
حل محل ابن الحكم، وهو ابن أبي الليث يتهمه بالزندقة من جديد، ويرسله إلى الخليفة في بغداد، مكبَّلًا بالحديد، ولكن كان هناك طائفة من المتصوفة
في مصر تجمعها رابطة التصوف، وطائفة من المتصوفة في بغداد بينهم بعض موظفي بلاط الخليفة البغدادي المتوكل على الله،
فاستدعاه وسمع قوله، فأعجب به، وأعاده على مصر معزَّزًا مكرمًا، فلم يلبث بعد ذلك أن مات. وكل هذه المتاعب كانت بسبب أعمال الفقهاء، ولو
قلنا: إنه رأس كبير من رءوس المتصوفة، وأن الصوفية في بعض نواحيها مدينة كلها في مصر لتعاليم ذي النون المصري لم نبعد،
فهو — كما قلنا — مبتدع المقامات والأحوال، وله أقوال كثيرة في المعرفة، وكان له تعبيرات أُخذت في التعبيرات الصوفية، ككأس
المحبة، وهو أول من عرَّف التوحيد بالمعنى الصوفي، وملأ التصوف حكمًا من نوع خاص ذكرها القشيري في رسالته، وفريد الدين العطَّار
في «تذكرة الأولياء». ومن أقواله: «إن المعرفة ثلاثة أقسام: الأول: حظ مشترك بين عامة المسلمين، والثاني: معرفة خاصة
بالفلاسفة والعلماء، والثالث: وهو العلم بصفات التوحيد خاص بالأولياء الذين يرون الله في قلوبهم». ولما سُئل: كيف عرفت ربك؟ قال: «عرفتُ
ربي بربي، ولولا ربي ما عرفتُ ربي».

وعلى الجملة فذو النون المصري شخصية كبيرة، لم تزل غامضة حتى اليوم.

وأمَّا غلام الخليل، فكان محنة أخرى، ومظهرًا آخر من مظاهر الخلاف بين الفقهاء والصوفية.

وكانت محنة عامة للصوفية، قُتل فيها عدد كبير منهم، اتهم فيها الصوفية بالزندقة، وثارت العامة عليهم. والكلام على غلام الخليل، وشخصيته
غامض، لم نجد فيه ما يشبع، وقد نشأ غلام الخليل هذا ببغداد، وتعلَّم الحديث، وكان من المتشددين فيه، يرى الوقوف في
التشريع عند النقل، ولا يبيح القياس، يعظ في المساجد، ويُعرف بالورع والزهد، ولم يرو عنه من الأقوال القيمة مثل ما روي عن ذي النون وأمثاله،
وكل ما عرف عنه أنه كان فصيح اللسان في الوعظ، وقد يرميه بعضهم بالرياء.

وقد حرَّك العامة على الصوفية، فكان من أمره وأمرهم ما ذكرنا، وقُتل منهم نحو نيف وسبعين صوفيًّا، وسيق كثير منهم إلى السجون كالجنيد، وسَحنون،
ويظنَّ أن غلام الخليل نفسه هو الذي حرَّك العامة والسلطة عليهم، ويتهمه الصوفية بأنه حسدهم، وخاف على منزلته منهم،
بل يتهمونه بأنه حرَّض امرأة على سحنون، وادَّعت أنه راودها عن نفسها، وساعد غلام الخليل في ذلك ما كان له من اتصالات شخصية برجال البلاط،
وأنه كان مهرِّجًا.

وأمَّا الحلَّاج، فله قصة طويلة، ومحنة كبيرة نلخصها فيما يلي:

كان الحلَّاج فارسي الأصل، من بلدة في فارس تسمَّى البيضاء، نُسب إليها البيضاوي المشهور صاحب التفسير، واسمه الحسين بن منصور الحلَّاج،
وقد ولد سنة ????، ونشأ بواسط في العراق، ويظهر أنه كان حاد المزاج، غريب الأطوار، يشبه الناس الذين عندهم «هستيريا».


بدأ في التصوف وعمره ستة عشر عامًا، وتتلمذ على سهل التستُرِي. ثم رحل إلى بغداد، وأقام بها ثمانية عشر شهرًا، ثم تتلمذ على الجنيد الصوفي
المشهور، ثم حجَّ، وأقام بمكة نحو سنة.

وهناك اتهمه عمرو المكي بأنه يعارض القرآن، فلعنه، وودَّ قتله؛ ففرَّ من مكة، وتجرَّد من لباس الصوفية، ولبس المرقعة والقباء، ورحل إلى
خراسان، وما وراء النهر، وظلَّ في رحلته هذه نحو خمس سنين، ثم حج مرة ثانية، وعاد إلى بغداد، وبنى له فيها دارًا، ثم
رحل إلى الهند، وقال: إنه يقصد من رحلته هذه دعوة أهل الشرك إلى التوحيد، وتعلم السحر الهندي، ثم حج للمرة الثالثة، وأقام سنتين، ثم عاد
إلى بغداد، ثم زار فارس، وزار بها «قُم» مركز الإمامية، وادَّعى أنه وكيل الإمام.

وفي سنة ???? أفتى ابن أبي داود الظاهري بكفره؛ لكلامه في الحب، ففرَّ إلى الأهواز، واختفى بها، واتهم فيها بدعوى الألوهية، ثم تنقل بين
السجون المختلفة سبع سنوات، ومع ذلك استمر في الدعوة حتى آمن به بعض شخصيات البلاد، وأخيرًا استجوب، وحكم عليه بالإعدام،
والتمثيل به، وإحراقه، وإلقاء ما بقي من جسده من رماد في نهر الفرات.

هذا ملخص حياته، ومنها نعلم أنه كان حيث حلَّ يتهم بالزندقة، وكان شيعيًّا إماميًّا، ورجل رحلات كثيرة لبثّ الدعوة، وتبعه كثيرون يؤمنون
به وبمذهبه، حتى وصلت دعوته إلى بلاط الخليفة، ولنصور للقارئ طريقة محاكمته، كما وصلت إلينا.

لقد قُبض عليه أخيرًا وحُبس، ولكن لم يكن مضيقًا عليه في الحبس، فيسمح له بأن يزار، وأن يرسل الخطابات إلى من يشاء.

وكانت محاكمته أيام الوزير حامد بن العباس، وهو الذي أوعز بمحاكمته، وكانت الدولة في أيامه مقسمة الإدارة والصبغة بين سلطات ثلاث: فالدواوين،
والكتابة في يد الفرس، والخلافة، والقضاء في يد العرب، والجند، وما إليها في يد الترك، وهذه السلطات الثلاث تتعارض
وتتآمر، وكل فرقة تدس لغيرها الدسائس.

على كل حال، عهد حامد بن العباس الوزير إلى أبي عمر القاضي، وأبي جعفر بن البهلول، وغيرهما من وجوه الفقهاء بمحاكمته؛ فانعقدت الجلسة برياسة
أبي عمر القاضي، ونودي على المتهم؛ وسئل الحلًَاج عما اتهم به من أنه إله، وأنه يحيي الموتى، وأن الجن يخدمونه، وأنه
يعمل ما أحب عن طريق المعجزات، فأنكر التهم، وقال: أعوذ بالله أن أدعي الربوبية أو النبوة؛ وإنما أنا رجل أعبد الله، وأكثر الصلاة والصوم،
وفعل الخير، ولا غير، فاستحضرت الشهود.

الشاهد الأول: هل تعرف الحلَّاج؟ نعم، وأعرف أصحابه، وأنهم متفرقون في البلاد يدعون إليه، وإني شخصيًّا كنت ممن استجاب له، ثم تبين لي مخرقته
ففارقته، وخرجت عن جماعته، وتقرَّبت إلى الله بكشف أمره، وانتهت هذه الشهادة.

الشاهد الثاني امرأة يقال لها: بنت السَُّمري، نودي عليها فظهرت امرأة حسنة العبارة، عذبة الألفاظ، جميلة الصورة، سئلت: هل تعرفين الحلاج؟


قالت: نعم!

– ماذا تعرفين عنه؟

– قابلتُه فقال لي: قد زوجتُك من سليمان ابني وهو أعز أولادي، وهو بنيسابور، وليس يخلو أن يقع بين المرأة والرجل كلام، فقد وصيتُه بكِ،
فإن حدث منه شيء تنكرينه، فصومي يومك، واصعدي آخر النهار إلى السطح، وقومي على الرماد والملح الجريش، واجعلي فطركِ
عليهما، واستقبليني بوجهك، واذكري ما تنكرينه منه، فإني أسمع وأرى.

رئيس الجلسة: هل شيء آخر؟
هي: نعم، كنت نائمة ليلة، وهو قريب منى، فما أحسست إلا وقد غشيني، فانتبهت فزعة فقلت: ما هذا؟ قال: إنما جئت لأوقظك للصلاة.
رئيس الجلسة: هل شيء آخر؟

قالت: نعم، أصبحت يومًا وأنا أنزل من السطح إلى الدار، ومعي ابنته، فلما نزلنا إلى تحت حيث يرانا ونراه، قالت لي ابنته: اسجدي له، فقلت
لها: أو يسجد أحد لغير الله؟ فسمع كلامي لها فقال: نعم، إله في السماء، وإله في الأرض، ودعاني إليه، وأدخل يده في كمه،
وأخرجها مملوءة مسكًا، فدفعه إليَّ، وفعل ذلك مرات؛ ثم قال: اجعلي هذا في طيبك، فإن المرأة إذا حصلت عند الرجل، احتاجت إلى الطيب، ثم أمرني
أن أخلع بلاطة في زاوية الدار، فوجدت تحتها دنانير كثيرة ملء البيت، فأخذت منه شيئًا.

رئيس الجلسة: هل عندك شيء آخر؟
هي: لا، هذا كل ما عندي، وخرجت.
أبو جعفر بن البهلول: قاض آخر، يأمر الجنود بكبس بيته وبيوت أصحابه، فيجدون ورقًا كثيرًا من تعليمات، ودعوات لمذهبه لأصحابه، ورد
من أصحابه عليه، وكتابات بالشفرة لا يفهمها إلا هو، ومن أرسلها إليه، وكتابات تثبت أنه يدعو إلى نوع
من الحج آخر، فيكفي الرجل أن يخصص غرفة في بيته لا تلحقها النجاسات، ولا يتطرقها أحد، فإذا حضرت أيام الحج طاف حولها،
وقضى من المناسك ما يقضي بمكة، وجمع ثلاثين يتيمًا، وأطعمهم أفخم الطعام، وتولَّى خدمتهم بنفسه، ثم غسل أيديهم،
وكسا كل واحد قميصًا؛ ودفع لكل واحد منهم سبعة دراهم، فذلك يقوم مقام الحج.

تُليت هذه الورقة على الحلَّاج، فقال له رئيس الجلسة: من أين لك هذا؟ قال: من كتاب «الإخلاص» للحسن البصري. قال له القاضي: كذبت يا حلال
الدم، قد سمعنا كتاب «الإخلاص»، وليس فيه شيء مما ذكرت، فلما سمع الوزير من القاضي: يا حلال الدم، قال: اكتبها. فتلكَّأ،
فألحَّ عليه، فكتب بإحلال دمه، ومُرِّرت الورقة على سائر القضاة، فأخذوا يوقعونها، فلما رأى الحلَّاج ذلك قال: «ظهري حِمى ودمي حرام، وما
يحل لكم أن تتهموني بما يخالف عقيدتي، ومذهبي السنة، ولي كتب في الورَّاقين تدل على سنتي، فالله الله في دمي». ولم
يزل يردد هذا القول والقضاة يوقعون، حتى كمل الكتاب، فأرسله الوزير حامد إلى الخليفة المقتدر مع رسول، وأمره بالسرعة، وعاد الجواب،
وعليه توقيع من الخليفة: «إذا كانت فتوى القضاة فيه بما عرضت، فأحضره مجلس الشرطة، واضربه ألف سوط، فإن لم يمت فاقطع يديه
ورجليه، ثم اضرب رقبته، وانصب رأسه، وحرِّق جثته».

فلما أصبح الصباح، نفذ في الحلاج كل ذلك، وحضر كثير من العامة ينظرون هذا المنظر، والحق أن الحلاج قابل هذا التعذيب كله بكل شجاعة، فلم
يتأوه، ودعا بالسجادة فصلى، ورُئي باشًّا مبتسمًا؛ لأنه سيقابل ربه.

وادعى بعض أصحابه أن الحلاج لم يقتل، وإنما شبِّه لهم، وادعى آخرون — وقد زاد الفرات هذا العام — أنه إنما زاد لإلقاء رماد الحلاج فيه.


وقد قال الحلواني: حضرت يوم قُتل، وقد أخرج من السجن مقيدًا مسلسلًا، وهو يضحك وينشد:

نديمي غير منسوب
إلى شيء من الحيف
سقاني مثل ما يشر
ب كفعل الضيف بالضيف
فلما دارت الكأس
دعا بالنّطع والسَّيف
كذا من يشرب الرا
ح مع التنين في الصيف

ومن أقوال الحلاج: «اللهم إنك المتجلِّي عن كل جهة، المتخلِّي من كل جهة، بحق قيامك بحقي، وبحق قيامي بحقك، وقيامي بحقك يخالف قيامك بحقي،
فإن قيامي بحقك ناسوتية، وقيامك بحقي لاهوتية، وكما أن ناسوتيتي مستهلكة في لاهوتيتك، فلاهوتيتك مسئولية على ناسوتيتي،
غير مماسة لها؛ وبحق قِدَمك على حَدَثي، وحق حَدَثي تحت قِدمَك أن ترزقني شكر هذه النعمة، التي أنعمت بها علىَّ، حيث غيَّبت أغيابي، كما
كشفتَ لي من مطالع وجهك، وحرَّمت على غيري ما أبحت لي من النظر في مكنونات سرك، وهؤلاء عبادك قد اجتمعوا لقتلي تعصبًا
لدينك، وتقربًا إليك، فاغفر لهم، فإنك لو كشفت لهم ما كشفت لي لما فعلوا ما فعلوا، ولو سترت عني ما سترتَ عنهم، لما ابتليتُ
بما ابتليتُ، فلك الحمد فيما تفعل، ولك الحمد فيما تريد». ومن قوله: «اللَّهم أنت الواحد الذي لا يتم به عدد ناقص، والأحد الذي
لا تدركه فطنة غائب، أنت في السماء إله، وفي الأرض إله، أسألك بنور وجهك الذي أضاءت به قلوب العارفين، وأظلمت منه أرواح
المتمردين، وأسألك بقدسك الذي تخصصت به عن غيرك، وتفردت به عمَّن سواك، ألا تسرِّحَني في ميادين الحيرة، وتنجيني من غمرات التفكر، وتوحشني
عن العالم، وتؤنسني بمناجاتك، يا أرحم الراحمين، يا من استهلك المحبون فيه، واغتر الظالمون بأياديه، لا تبلغ كنه ذاتك
أوهام العباد، ولا يصل إلى غاية معرفتك أهل البلاد، ولا فرق بيني وبينك إلا الإلهية والربوبية».

ووجد مرة في سوق القطيعة ببغداد باكيًا يقول: «أغيثوني من الله، فإنه اختطفني مني، وليس يردني عليه، ولا أطيق مراعاة تلك الحضرة، وأخاف
الهجران، والويل لمن يغيب بعد الحضور، ويهجر بعد الوصول».

وهو وإن قتل، فلم تقتل آراؤه وأفكاره، بل زادت انتشارًا، وزاد هو تعظيمًا.

واختلف الناس فيه اختلافًا كبيرًا بين مصدق ومكذب. وكان مقتله سنه ????.

وترك لنا كتابًا غريب الاسم، غريب الموضوع، اسمه «الطواسين»، اقتبسنا منه بعض الشيء فيما مضى، والظاهر من كل هذا أن الرجل والمرأة اللذين
شهدا عليه كان موعزا إليهما بالشهادة، وأن القضاة تلكئوا في الحكم عليه، فاستعجلهم الوزير حامد، ويظهر أن أكبر تهمة
وجهت إليه، وسبَّبت قتله هي تهمة «القرمطية»، فقد ثبت من أنه كان وكيلًا للإمام، وغير ذلك أنه قرمطي.

والقرمطية قوم كانوا من شيعة أهل البيت، يريدون أن ينحوا الخلفاء العباسيين ومن إليهم، ويوسعوا دائرة خلافة أهل البيت، فانتشرت دعوتهم في
العراق، وخراسان، وجزيرة العرب، وغير ذلك. وكم سفكوا الدماء، وخربوا البلاد من أجل ذلك، وأنشئوا لهم عاصمة في هَجَر،
وحملوا إليها الحجر الأسود، فظلَّ فيها نحو ثلاثين عامًا، وكان مذهبهم الاقتصادي اشتراكية متطرفة، بل شيوعية، يوزِّعون ما حصلوا عليه من
الأموال بينهم بالسوية؛ ومذهبهم السياسي الدعوة إلى المهدي والإمام المنتظر، ولا يؤمنون بخلفاء بني العباس، ودولتهم،
ويستحلون دم المخالفين. فنعتقد أن هذا هو سر قتله لا غير ذلك؛ فدعوة كهذه تقض مضجع خلفاء بني العباس ووزرائهم، فلا يبعد أن يكون الخليفة
العباسي، ووزيره حامد قد رتبا هذه المؤامؤة ضده، وزورا الشهود، واستحثا القضاة على قتله، وإلا فما بالهم قد تركوا الصوفية
الآخرين، كالجنيد، وأبي يزيد البسطامي، وذي النون المصري من غير قتل، فهي مسألة سياسية بحتة، اتخذت شكلًا دينيًّا لعلمهم أن الدين
أفعل في الشعوب من السياسة، فكم من صوفية ادعوا وحدة الوجود فلم يلتفت إليهم، وتركوا وشأنهم، ومما لفت عامة المسلمين إليه
ما تواتر عن الحلاج من إتيانه بالأعاجيب، فيظهر أنه كان له قدرة كبعض الأشخاص اليوم على استحضار ما يريد من الأشياء
من أماكنها، كالذهب، والمسك، والفاكهة، وأنه كان له قدرة على التنويم المغناطيسي، وقدرة أخرى كيماوية بهر الناس بها لجهلهم بالكيمياء.

وعلى العموم، فهو شخصية قوية، كشخصية ذي النون، أو أشدَّ منها، كان له أثر كبير في المسلمين.

وعلى الجملة، كانت هذه الحادثة مظهرًا كبيرًا من مظاهر الخلاف بين الفقهاء والصوفية، لقد أراد الفقهاء — وخصوصًا الحنابلة — أن يقضوا على
الصوفية، كما قضوا على المعتزلة من قبل، ولكن لم ينجحوا في هذه كما نجحوا في تلك لسببين:
list of 2 items
الأول: أن العامة انقسموا إلى قسمين: قسم يشايع الصوفية، وقسم يشغب عليهم، فلما لم يكن إجماع من العامة سلمت الصوفية.
والسبب الثاني: أن المعتزلة أصحاب دعوة شعوبية، والعامة أبعد ما يكونون عن العقل، فناصروا أضداده، ولكن لهم مشاعر فيَّاضة،
فعطف بعضهم على الصوفية فسلموا.
list end

وأخيرًا، جاء الغزالي فأراد أن يوفِّق بين الفقهاء والصوفية، ويفهم الناس أن كلًّا منهم ضروري في الدولة، وكان هو نفسه فقيهًا وصوفيًّا،
وألَّف في ذلك كتابه «الإحياء» كما ذكرنا، فاستطاع أن يؤلف بين القلوب، ويعطف الناس على التصوف، وهو نفسه صرَّح في
بعض كتبه بأن الحلَّاج مؤمن صوفي، ولكن غلب عليه حال المتصوِّفة فشطح، وتكلم بكلام لم يفهمه الفقهاء المتزمتون، والله بالأسرار عليم.

وظل الصوفية يشغلون الناس بأعمالهم، وزهدهم، وذكرهم، ورقصهم، واصطلاحاتهم، من فناء في الله، وحب له، وادِّعاء للولاية، والتوسع فيها كل
عصورهم، وكان منهم المخلصون والدجَّالون، واستفادت الأمَّة منهم، وبليت بهم.

وقد اعتزوا بشعورهم، كما اعتز الفقهاء بعلمهم، وهم لم يأنفوا من هذا الجهل، بل كان بعضهم ينصح أتباعه ومريديه بألا يقرئوا في صحيفة، وقال
بعضهم:

فلو طالبوني بعلم الورق
برزتُ عليهم بعلم الخرق

ويقصدون بعلم الورق الذي في الكتب، وبعلم الخرق الشعور الذي يرمز إليه بلبس الصوف.

نعم، إن قليلًا منهم كانوا علماء متبحِّرين في العلم، ولكنهم قليلون إذا قيسوا بغيرهم من الصوفية، واعتقدوا أن تصوفهم خير من فقه الفقهاء،
فما هذا الفقه الذي يفرض الفروض غير الواقعية، ويستعمل الحيل للخروج من الأحكام؟ أليس النبيُّ ? كان أميًّا؟ لم يتعلم من صحيفة ولا كتاب،
وإنما تعلم بانفتاح قلبه، ونور بصيرته.

وكذلك كان كثير من الصحابة والتابعين، حتى كان كثير من الصوفية يكره تأليف الكتب في التصوف؛ لأن الكتابة أداة العقل، لا أداة الشعور، ومع
ذلك ألَّف بعض المتصوفة كتبًا قيمة، بقي لنا منها كتاب «قوت القلوب» لأبي طالب المكي سنة ????، نوَّه فيه بمذهب التصوف
وفضله، ووصل إلينا أيضًا من الكتب التي ألِّفت في القرن الرابع كتاب السُّلَمي المسمى كتاب «السنن»، الذي ذهب فيه كما ذهب أبو طالب المكي
إلى تأييد التصوف وفضله.

والحق أنه حول تأليف التصوف توجد عقدة لا تحل، فمن بلغ مبلغًا كبيرًا في التصوف صعب عليه أن يتقيد بكتابة أو كتاب، ومن تعلَّم واحترف الكتب
لم تَقْوَ مشاعره، ونحن محتاجون إلى ذي مشاعر قوية، يصف لنا مشاعره في كتابه؛ ولذلك نرى أن كثيرًا من الباحثين في التصوف،
والمؤلفين فيه ينقصهم التصوف العملي، والمتصوفين البارعين في التصوف تنقصهم الكتابة فيه، والله أعلم.

وبعد: فأركان التصوف كما رأينا ثلاثة: وحدة الوجود، والفناء في الله، وحب الله؛ فأما وحدة الوجود، فحامل لوائها الحلاج، ثم محيي الدين بن
العربي، ثم السهروردي، وابن الفارض، وأما الفناء في الله، فحامل لوائه أبو يزيد البسطامي، وأما حب الله، فحامل لوائه
رابعة العدوية.

فأما وحدة الوجود فتتضح من قول الحلاج في «الطَّوَاسين»:

«تجلَّى الحقُّ لنفسه في الأزل، قبل أن يخلق الخلق، وقبل أن يعلم الخلق، وجرى له في حضرة أحديته مع نفسه حديث لا كلام فيه، ولا حروف، وشاهد
سبوحات ذاته في ذاته، وفي الأزل حيث كان الحق، ولا شيء معه، نظر إلى ذاته فأحبها، وأثنى على نفسه، فكان هذا تجليًا
لذاته في ذاته، في صورة المحبة المنزهة عن كل وصف، وكل حد، وكانت هذه المحبة علة الوجود، والسبب في الكثرة الوجودية، ثم شاء الحق سبحانه
أن يرى ذلك الحب الذاتي ماثلًا في صورة خارجية، يشاهدها ويخاطبها، فنظر في الأزل، وأخرج من العدم صورة من نفسه لها
كل صفاته وأسمائه، وهي آدم الذي جعله الله على صورته أبد الدهر، ولما خلق الله آدم على هذا النحو، عظَّمه ومجَّده، واختاره لنفسه وكان من
حيث ظهور الحق في صورته فيه وبه، هو هو:

سبحان من أظهر ناسُوتُهُ
سِرَّ سَنا لاهُوتِهِ الثَّاقب
ثم بدا لخلقه ظاهِرا
في صورةِ الآكِل والشارب
حتى لقد عاينه خلقه
كَلَحظَةِ الحاجبِ بالحاجبِ

وأما الفناء، فيقصدون به الحال التي تتجرد فيها النفس عن رغباتها وميولها وبواعثها، بحيث تتعطل إرادتها وتموت، فإذا ماتت الإرادة الإنسانية،
أصبحت النفس طوع الإرادة الإلهية، تحركها كيف تشاء، وهذا هو حب الله لها، ولكن الحب والمحبوب شيء واحد، هو جوهر النفس
وباطنها، وهكذا نجد العابد والمعبود، والعاشق والمعشوق، متَّحدين في شخصية واحدة، يقول ابن الفارض:

كلانا مصل واحد ساجد إلى
حقيقته بالجمع فى كل سجدة
وما كان لي صلّى سواي ولم تكن
صلاتي لغيري فى أدى كل ركعة

قال السَّرَّاج: معنى الفناء فناء صفة النفس، وأيضًا الفناء هو فناء رؤيا العبد في أفعاله لأفعاله بقيام الله له في ذلك، ويقول في موضع
آخر: «هو ذهاب القلب عن حِس المحسوسات، وهو يحصل تدريجًا على مراحل خمس؛ الأولى: ذهاب حظِّه من الدنيا والآخرة بورود
ذكر الله. الثانية: ذهاب حظِّه عن ذكر الله تعالى عند حظِّه بذكر الله تعالى له. الثالثة: فناء رؤية الله تعالى له حتى يبقى حظه بالله.
الرابعة: ذهاب حظه من الله تعالى برؤية حظِّه، أي حظِّ الله. الخامسة: ذهاب حظِّه برؤية حظِّه لفناء الفناء، وبقاء
البقاء … إلخ إلخ».

وأما الحب، فقد روي عن رابعة العدوية أنها كانت تتوسَّل إلى الله ألا يحرمها مشاهدة وجهه الكريم، وجماله الأزلي، ويقول معروف الكرخي: «إن
الحب منحة إلهية لا تكتسب بالتعلم»، وكان ذو النون المصري يرى أن المحبة الإلهية سر من أسرار الله، يجب ألا يذاع بين
العامة، واستعملوا في الحب والفناء عبارة الشكر والوصال والهجر، ونحو ذلك.

وقد وضع متصوِّف هندي حديث مبادئ التصوف في عشرة أصول:
list of 10 items
(?) لا يوجد إلا إله واحد، وهو أبدىٌّ أزليٌّ لا إله غيره؛ ومهما تعددت الأسماء باختلاف اللغات فهو هو، يراه الصوفيون في الشمس،
والنار، وفي الأصنام، وفي كل ما يعبد، بل يرونه في أشكال العالم، ومع ذلك فهم يرونه وراء هذه
الأشكال «الله في كل شيء، وكل شيء في الله»، ليس الله في عقيدة تعبد، بل هو المثل الأعلى لأكمل ما يتصوَّره العقل، والصوفي
ينسى نفسه، ويريد أن يتصل بهذا المثل.

(?) لا يوجد إلا حاكم واحد للعالم وهو الله، وهو الهادي لكل نفس، وهو الذي يخرج أصحابه من الظلمات إلى النور، وهو منبع لكل
المعارف.

(?) ليس هناك إلا كتاب واحد وهو الكتاب المقدس، وهو الطبيعة المفتوحة، وهو الكتاب الذي ينير قارئه، وهو الكتاب المستغني عن
اللغة، وعقلاء كل أمة في كل العصور يوقرون هذا الكتاب ويجلونه، ويعدُّون أنفسهم للاستفادة
منهم.

وكل الكتب المقدسة من إنجيل، وتوراة، وقرآن تدل عليه، وتوجّه إلى الاهتمام به.

والصوفي يرى في كل ورقة من شجرة صحيفة من ذلك الكتاب، ويراها تشتمل على نوع من الوحي إذا قرأها الإنسان، وفهمها تفتح قلبه.

(?) الأديان كلها طرق إلى الله، بعضها أرقى من بعض حسب رقي الزمان، وكلها تقود الإنسان إلى المثل الأعلى وهو الله، والأديان
وإن اختلفت في الشعائر، فالغرض منها جميعها الوصول إلى الله، والصوفي كما قال ابن عربي: يرى
الله في الكعبة، وفي المسجد، وفي الدير، وفي الوثن.

(?) لا يوجد إلا قانون واحد يراه الإنسان إذا أنكر ذاته، وتطلب الحق.

(?) لا توجد إلا أخوة واحدة تضم الإنسانية كلها، فليس على الأرض إلا حياة واحدة مشتركة، إن اختلفت فإنما تختلف في النظر، والإنسان
متّحد بغيره، في علاقات الأسرة ثم في الأمة، ثم في الإنسانية كلها، والإنسان الكامل من تخطى
حدود الوطنية، وارتقى إلى الإنسانية، بل ربط نفسه بالإنسانية في الماضي، والإنسانية في الحاضر، والإنسانية في المستقبل. والصوفي
يحتقر من ينظر إلى أمّة غير أمته بنوع من الاحتقار؛ لأنه شريك له في الإنسانية.

(?) لا يوجد إلا قانون أخلاقي واحد، هو قانون الحب العام الذي ينبع من إنكار الذات، ويُزهر بالإحسان، قد تكون هناك مبادئ أخلاقية
كثيرة، ولكن أساسها واحد، هو الحب، وهذا الحب مبعث الأمل، والصبر، والاحتمال، والتسامح، وكل
الفضائل، والكرمُ، والسماحة، والإحسان، كلها صادرة من الحب، وكل الرذائل والجرائم تنشأ عن نقص في الحب. يقولون: إن الحب
أعمى، وهذا خطأ فالحب ضوء النظر؛ العين ترى ما على السطح، ولكن الحب يرى العمق.

إن النار التي لم تشتغل تمامًا لا ينشأ عنها إلا الدخان، ولكنها إذا اشتعلت كان منها النار والضوء، فكذلك القلب إذا أحب، أو
لم يحب.

(?) لا يوجد إلا شيء واحد يستحق الثناء، وهو الجمال الذي يرفع القلب من الحضيض إلى أن يبلغ أعلى السماء، والإنسان من تحلّى
بنفس جميلة تحب الجميل، وهو يبتدئ بحب المادة، وينتهي بحب المعنى، يبتدئ بحب المنظور، وينتهي
بحب غير المنظور.

(?) ليس هناك إلا حقيقة واحدة هي: معرفتك نفسك، كما قال الإمام عليّ: «اعرف نفسك تعرف ربّك».

(??) إذا كانت هناك طلاق عديدة توصل إلى الله، فهناك طريق مستقيم واحد، وهو الطريق الذي تمحي فيه الأنانية والأثرة، وتسكن فيه
الفضيلة والكمال، وهو الطريق الذي تمحي منه الرغبات الجسمية، والأوهام العقلية.
list end

هذه هي المبادئ العشرة الصوفية كما شرحها أحد المتصوفة المحدثين، ترجمناها عن الإنجليزية، وإن اختلف الصوفية في شيء، ففي إمعان بعضهم في
بعض المبادئ دون بعضها، وهي تعبر عن روح التصوف الحقيقي في العصور المختلفة، ولكن يعرض لنا سؤال صعب، وهو: هل المتصوف
برياضته وتمرنه يرى حقائق خارجية، أو يرى أوهامًا داخلية، جَلَبها إليه التعود، وانحراف الذهن؟

سؤال صعب، ومما يجعله أكثر صعوبة أن أغلب من تصوف لم يستطع أن يكتب، ومن لم يتصوف لم يذُق، حتى يستطيع أن يصف. والذي يجعلنا أقرب إلى أن
نقول: إن الصوفي يرى أشياء خارجية، إن المتصوفين في جميع الأقطار والعصور يصفون مناظر متشابهة، أو كالمتشابهة، ولو
كانت الأمور قاصرة على مجرد خيالات وأوهام، لرآها كل متصوف بعينه وخده، ولم يشترك معه غيره كما هو الحال في أصحاب الكيوف.

ولذلك يفهم الصوفية بعضهم بعضًا، في المشرق والمغرب، وكلهم يقول: إن اللغات تعجز عن الوصف بعد الوصول إلى حدّ من المعرفة، وهم يتداولون
العبارة المأثورة وهي: «وهناك ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر».

ومن الأدلة على ذلك أن هناك بعض الصوفية الصادقين أمثال الغزالي، ومحيي الدين ابن العربي — وكانوا في حياتهم العادية صاحين واعين — يؤلفون
في المسائل العلمية، كما يؤلفون في التصوّف، فإذا ألَّفوا في الحياة العلمية كانوا صاحين متنبهين دقيقين، وإذا ألَّفوا
في التصوف غلبهم العشق، والهيام، والرمز؛ ولو كانوا قد جُنُّوا ما استطاعوا أن يؤلّفوا في العلم، فالعقل لا يتجزأ.

على أنه والحق يقال، قد بدأ علماء النفس في العصور الحديثة يدرسون التصوف على أنه ظاهرة نفسية لها خصائصها؛ ولكن بدءوا دراستهم من عهد قريب،
ولما يقطعوا أمدًا بعيدًا في ذلك.
الفصل الثالث

اللغة والأدب

في هذا العصر تحوّلت معاجم اللغة إلى جهة جديدة، على يد الجوهري صاحب «الصحاح»، ذلك أن المعاجم التي قبله كانت صعبة التناول؛ لأنها كانت
مثلًا ككتاب «العين»، ترتبُ الكلمات على حسب مخارج الحروف، مبتدئة بالعين، ولذلك سمّي الخليل كتابه «العين»، ثم يذكر
الكلمة، ويذكر مقلوباتها، وينصّ على أن هذه الكلمة مهملة لم تستعمل أو مستعملة.

وجرى ابن دريد هذا المجرى في «جمهرته»، فكان الكشف على الكلمات صعبًا جدًّا، فأتى الجوهري صاحب «الصحاح» فرتبه على حسب حروف الهجاء، تاركًا
المهملات، جاعلًا الحرف الأخير بابًا، والحرف الأول فصلًا، فسهل على الناس الكشف عن الكلمات. وجرى بعده كثيرٌ ممن ألَّف
في معاجم اللغة مثل: «القاموس»، و«لسان العرب»، و«مختار الصحاح»، وغيرها، وأكمل الجوهري بعض ما فات بمشافهة العرب، وسماعه منهم؛ وبذلك فتح
في القرن الرابع الهجري فتحًا جديدًا، وزاد على علماء اللغة السابقين في تحديد معنى الكلمات، والإمعان في الاشتقاق.


وقد تضخمت معاجم اللغة في هذا العصر، وما بعده لأسباب كثيرة؛ منها أن جامعي اللغة قيدوا في معاجمهم اللهجات، ولم يكتفوا بلهجة واحدة، مثل:
أن يؤلّف عالم معجمًا للغة الشعبية المصرية، فيقيد قال، وجال، وآل، كل في بابه وفصله، وكلها في الأصل كلمة واحدة، اختلف
النطق بها، فقد تنطق قبيلة بكلمة، وتنطقها قبيلة أخرى بلهجة أخرى؛ فيقيدون ذلك كله.

فمثلًا قبيلة تقول: أن وأخرى تقلب الهمزة عينًا، فتقول في أنْ، عن، وفي أنّ، عنّ، وبعض القبائل يقول شجرة، والبعض الآخر يقول: شَيَرَةَ،
وهكذا المعاجم مملوءة بهذا الضرب.

ومنها أن بعض القبائل كان ينطق بالكلمة مقلوبة، أو متغيرة حروفها، فيقولون في جذب، جبذ، ومنها أن الجامعين الأولين للغة كانوا يجمعون حيثما
اتفق، غير منبهين في الغالب على أن هذه الكلمة تستعملها القبيلة الفلانية، والكلمة الأخرى تستعملها القبيلة الفلانية،
وجرى من بعدهم على أثرهم، فبعض القبائل يستعمل كلمة البُر، والبعض الآخر يستعمل كلمة القمح، وبعضهم يستعمل كلمة بئر، وبعضهم يستعمل كلمة
قليب، ومن استعمل كلمة منهما لم يستعمل الأخرى، فأتى الجامعون، فجمعوا كل ذلك، مما كان نتيجته كثرة المترادفات.

ومن الأسباب توسّع بعض الأعراب في المجاز، فمثلًا: سمُّوا الثياب القصار مقطعات، بل سمّوا كل ما يفصّل ويُخاط من قميص، وجباب، وسراويل مقطّعات.


ثم تجوّزوا فسموا الحديد المتخذ دروعًا، أو سلاحًا مقطّعًا، وقالوا: قطعتُ الحديد، أي صنعته دروعًا، وغيرها من السلاح، كأنه ثياب، ثم تجوزوا،
فسمّوا الأشعار القصيرة، مقطعات وهكذا، ومنها أن بعض جامعي اللغة لم يكن يتحرى في جمعه؛ بل كان يدور كل ما سمع، سواء
سمع من ثقة أو غير ثقة، ولم يكونوا يتحرون تحرّي المحدثين، فكان بعضهم يسمع امرأة تقول قولًا، وقد تكون هازلة أو غير ثقة، فيدوِّن ما سمع،
ثم يثبت ذلك في معجمه، كالذي يروي أن امرأة سئلت: كيف مطركم؟ فقال: غِثنا ما شئنا: أي أنزل الله علينا من الغيث بقدر
ما نشاء، ولم يسمع من غيرها غثنا بهذا المعنى، فدوّن ذلك في المعجم، بل قد يسمعون من صبي يلعب، أو من صبي يلثغ، فيدونون ما سمعوا، كما
روي أن بعض الصبيان كانوا يلعبون بالزحلوقة وينشدون:

لمن زُحلوقة زل
بها العينان تنهل
ينادي الآخر الألّ
ألا حلّوا ألا حلّوا

فكلمة الأل بمعنى الأول، لم تسمع إلا من هؤلاء الصبيان، ومع ذلك دونت في المعاجم، بل قد عقد اللغويون بحثًا فى هل يأخذون اللغة عن المجانين
أو لا، فرووا أن مجنونًا كان يرقّص ابنته ويقول:

محكوكة العين معطاء القفا
كأنما قدت على متن الصفا
تمشي على متن شراك أعجفا
كأنما تنشر فيه مصحفا

وقد سئل فيهما الأصمعي فقال: أحسب أن ناظم البيتين نفسه لا يعرف معناهما، وسئل أبو زيد الأنصاري عنهما، فقال: إنهما لمجنون، ولا يعرف كلام
المجانين إلا مجنون. وزاد الطين بلة أن بعضهم كان يأخذ اللغة من الصحف، فيصحفها، ومن أدلة ذلك مثلًا: أننا نجد في القاموس
المحيط كلمة: بُجد، كعصفور: بزر قاطونا، ونجدها في لسان العرب بخدق، وفي المزهر بحدق، وفي أقرب الموارد يحذف، وهكذا كلمات كثيرة من هذا
الطريق.

ومن غريب الأمر أن بعض جامعي اللغة يدون الأصل والتصحيف معًا، فكان هذا أيضًا سببًا من أسباب التضخيم، ومن الأسباب كذلك تعرض المتأخرين
من رجال اللغة لما ليس لهم به علم، ثم يطيلون فى ذلك، فيقول صاحب القاموس مثلًا: إن الهرمين بناءان أزليان بمصر، بناهما
إدريس — عليه السلام —؛ لحفظ العلوم فيهما من الطوفان، أو بناء سنان بن المشلشل، وهكذا في كثير من الأحيان يقفون موقف المؤرخ، أو الفلكي،
أو النباتي، أو عالم الحيوان، أو غير ذلك، كأنهم يدعون أنهم يعلمون كل شيء، وليس هناك اختصاص.

ومما زاد تضخم معاجم اللغة انتقال اللغة من البداوة إلى الحضارة، فالحضارة غيرت معاني بعض الكلمات، ومكنت علماء اللغة من زيادة الشرح، ومن
زيادة بعض الأوصاف على تعريف بعض الكلمات.

هذا إلى أن الحضارة، واتساع المملكة الإسلامية جعلهم يقفون على أنواع من النبات، والحيوان، والطعوم، وسائر مرافق العمران، وأدخل اللغويون
كل ذلك في معاجمهم؛ فالعرب في الجزيرة لم يكونوا يعرفون الهرم ولا البرابي، ثم إن كل بلد مفتوح أدخل على اللغة كلمات
استعملها العرب الفاتحون، وأدخلوها في لغاتهم، بل واشتقوا منها، فمثلًا: لما فتح العرب مصر، عرَّبوا كثيرًا من أسماء البلدان كبنها، والفيوم،
ودمنهور، والإسكندرية، وغير ذلك، وأدخلوا في اللغة من مصر كلمة بطاقة، وهي يونانية الأصل، واستعملوا منها منشار، وهي
مصرية الأصل، واشتقوا منها نشر ينشر نشرًا إلخ. ثم كان العلماء القياسيون كأبي علي الفارسي، وابن جني توسّع في الاشتقاق كبير أدخل كلمات
كثيرة لم تكن ينطق بها إلى غير ذلك.

وكان من مظاهر هذا العصر انتشار اللغة العامية بجانب اللغة الفصحى، فكان لكل إقليم إسلامي لغته، ولهجته الدارجتان.

وتميزت اللغة العامية عن الفصحى، وجرتا جنبًا إلى جنب، يتكلم أكثر الناس العامية، وأقلهم اللغة الفصحى، وكان هذا التمييز واضحًا في أشياء.


قلب أكثر الكلمات التي تحتوي على الصّاد سينًا، كصراط وسراط، وأهمها إسكان آخر الكلمات؛ لأن الإعراب الصحيح لا يتقنه إلا سكان البوادي من
الأعراب، والمتمرنون على الإعراب تمرنًا كبيرًا، ثم من مميزاتها عدم التفريق الدقيق بين المثنى وجمع المذكر، وجمع المؤنث،
ومنها قلب الضاد ظاء أحيانًا، ودالًا ثخينة أحيانًا. وبلغ من غرابة اللغة الفصحى عندهم أنهم كانوا يدّعون أمثال المتنبي متقعرًا، وكان يعد
فصيحًا من سلم من الخطأ في مراعاة الإعراب والتصريف، وتجنب العبارات الدارجة؛ وحتى اللغة العامية ظهرت في أشعار القرن
الرابع الهجري، وخصوصًا لغة بغداد، لكثرة لغتها الفارسية مثل كلمة لقلق، وصوابها لقلاق، ونرى كثيرًا من ذلك في شعر ابن حجّاج.
وساعد على انتشار اللحن عهد السلجوقيين، فإنهم لم يكونوا يحسنون الثقافة العربية، ولا الأدب العربي كما كان يحسه الأمويون من
قبل.

وظاهرة أخرى أشرنا إليها من قبل، وهي: توسيع اللغة عن طريق القياس، والتوسعُ في الاشتقاق قياسًا، وكان رافع علم هذه المدرسة أبا عليّ الفارسي،
وتلميذه ابن جني، فكان موقفهما من اللغة موقف أبي حنيفة، ومدرسته في الفقه، وقد كان كل منهما معتزليًّا؛ فمكنهما اعتزالهما
— كما نعلم من مدرسة المعتزلة — من التحرر، وإخضاع اللغة لحكم العقل.

خرج هذان العالمان الجليلان على الناس بطريقة جديدة، تخالف طريقة الآخرين المحافظين: فقد كان المحافظون يميلون إلى السير على القديم من
غير تفكير في تغييره، ولا الخروج عليه؛ يدعوهم إلى ذلك، إما خمودهم الذهني وإما حب السلامة، وما يستدعيه التجديد من
التعرض للنقد، وإما إخلاصهم للقديم، وإجلالهم له عن عقيدة، وذلك شأن الحياة كلها: أحرارٌ، ومحافظون؛ وأهل نقل، وأهل رأي، وهؤلاء أهل الرأي،
من طبيعتهم أن يردّوا ما لم يرد فيه نص على ما ورد فيه نص، كما فعل الفقهاء الحنيفة تمامًا.

وكذلك فعل الشعراء؛ فمنهم من لا يستعمل الكلمة إلا إذا ثبتت عنده في اللغة، ومنهم من يجرؤ فيبتكر الكلمة، أو يقيسها على غيرها، هذا رؤبة
يخلق بعض الكلمات، كما حدثوا، وهذا بشار بن برد يرى أن العرب تصوغ فَعَلَى من الفعل للدلالة على السرعة، فقالوا مثلًا:
حَجَلَى دلالة على سرعة السير، فقال هو:

والآن أقصر عن سمية باطلي
وأشار بالوَجَلَى عليّ مشير

وقال:

على الغَزَلى مني السلام، فربما
لهوتُ بها في ظل مخضلة زهر

فعابه المحافظون على ذلك، لم يسمع من العرب لا وجلى، ولا غزلى، فلم يعبأ بهما. وحكى ابن قتيبة قال: قال الخليل بن أحمد: أنشدني رجل: ترافع
العز بنا فارفنععا … فقلت: ليس هذا شيئًا. فقال: كيف جاز للعجّاج أن يقول: تقاعس العزّ بنا فاقعنسسا، ولا يجوز لي ذلك؟


على كل حال جدّ العلماء مشكورين في جمع اللغة من أفواه العرب؛ فوقف من بعدهم فريقين: قوم يقفون عندما قال العرب، وقوم يجتهدون، فيقولون
مثلًا: إن العرب أحيانًا كانت تخطئ، فلا يصحّ أن نجاريهم في خطئهم. فمثلًا: إنهم عدوا بعض الحيوانات من صنف السمك لما
رأوه يشبهه، ولكن علماء الحيوان بفصحهم له رأوه من ذوات الثدي، فعدّوه من قبيل الخيل، لا من قبيل السمك، فكيف نجاري العرب في ذلك مع خطئهم؟
وعدوا الأجرام السماوية أجسامًا حية لها نفس كنفس الإنسان لما رأوا من تحركها من غير محرك؛ فلما اكتُشف قانون الجذب،
وتقدم العلم كشف أنها ليست بذات نفس، وإنما هي مادة جامدة كالأرض، وكانوا يعتقدون في بناء الأهرام عقائد خرافية، في من بناها … إلخ.

وأثبتوا ذلك في معاجمهم؛ حتى أتى العلم الحديث فأبان خطأهم، وأحيانًا يخطئون فيصفون الناقة بصفات الجمل حتى نقدهم بعضهم فقال: «استنوق الجمل»،
وهكذا، فلماذا نقدّس القديم لأنه قديم، ولا نُعمل عقولنا فنصحّحه؟ بل ذهبوا إلى أن اللغة توقيفية، فاستنتجوا من ذلك
عدم التعرض لها مهما كانت مخطئة؛ ومن هذا القبيل ما حكي عن الأصمعي، وابن الأعرابي، وأبي زيد، فلم يكونوا يستبيحون لأنفسهم أن يقولوا كلمة
أو يشتقوا اشتقاقًا إلا عن سماع به؛ حتى جاء أبو علي الفارسي، فأعلن القياس، والثورة على القديم، ولعلّ ذلك لأنه فارسيّ
الأب والأم، ولأنه معتزلي.

وعاصره في ذلك أبو سعيد السيرافي، وكان أبو سعيد زعيم المحافظين، وأبو عليّ زعيم الأحرار في اللغة؛ فكان الناس يقولون: أبو سعيد أكثر رواية،
وأبو علي أكثر دراية. ومن أقوال أبي علي: لأن أخطئ في خمسين مسألة ممّا بابه الرواية أحبّ إليَّ من أن أخطئ في مسألة
واحدة قياسية. وكان يقول: ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب، فإذا عُرِّبت كلمة أعجمية أجريت عليها أحكام الإعراب، وعددتها من كلام
العرب، وأجزت الاشتقاق منها، كما عرّب العرب لفظة الدرهم، واشتقوا منها درهمت الخبَّازي، أي صارت كالدراهم، وقالوا:
رجل مدرهم: أي أكثرت دراهمه. وكان يقول: لو شاء شاعرٌ أو ساجعٌ أن يبني من كلمة اسمًا وفعلًا وصفة لجاز له، ولكان ذلك من كلام العرب، وذلك
نحو قولك: خرججٌ أكثر من دخللٍ، فقال له تلميذه ابن جني: أفترتجل اللغة ارتجالًا؟ قال: ليس بارتجال، لكنه مقيسٌ على
كلامهم، فهو إذن من كلامهم، ثم قال: ألا ترى أنك تقول: طاب الخشكنانُ، فتجعله من كلام العرب، وإن لم تكن العرب تكلمت به؟ فرفعُك إياه
دليلٌ على أنك أخضعته لكلام العرب.

وكان من رأيه أن الألف اللينة في الكلمة الثلاثية تكتبُ ألفًا مطلقًا، سواء كان أصلها واوًا أو ياء؛ حملًا للخط على اللفظ.

وجاء بعده تلميذه ابن جني فرفع لواء هذا المذهب، وكان أيضًا من نسب رومي، وفاق أستاذه في الاشتقاق، وقال فيه المتنبي: هذا رجل لا يعرف قدره
كثيرٌ من الناس، وكتابه «الخصائص» يدلّ على جرأته وقياسه، كما يدلّ على تذوقه للغة، وفهم أسرارها، ومحاولة فلسفتها؛
وقد صحب أستاذه أبا علي أربعين سنة، واستوعب علمه، وزاده تفصيلًا وتعليلًا وتذليلًا. وقد رأى أن الفقهاء قبله وضعوا للفقه أصولًا، وأن المتكلمين
وضعوا لكلامهم أصولًا؛ فأراد أن يضع للغة والنحو كذلك أصولًا، ونجد بعض هذه الأصول في كتابه «الخصائص»؛ وكان مما وضعه
أيضًا الاشتقاق الكبير، وهو الذي سماه بهذا الاسم، وكان أصلُ الفكرة لأستاذه أبي عليّ، فجاء ابن جني فوسّعها، وقال: إن أبا
عليّ — رحمه الله — كان يستعين بالاشتقاق الكبير، ويخلد إليه وسمّاه؛ وكان يعتاده عند الضرورة، ويستريح إليه.

ويعني بالاشتقاق الكبير: حصر أصول الكلم، وتقليبها على وجوهها المختلفة، واستخراج التباديل والتوافيق منها، والمقارنة بينها في المعاني،
مثل كلمة (كَلَّم)، فتحولها إلى كمل، مكل، ملك، لكم؛ ونمعن النظر فيها لنعرف وجه الشبه بينهما، فنستخرج مثلًا أن هذه
الحروف إذا اجتمعت دلت على القوة؛ ونستخرج معنى القوة من كل هذه الألفاظ.

ومما يؤسف له أن مدرسة القياس هذه لم تستمر تؤتي أكلها، فذهبت مع ذهاب المعتزلة؛ لأن مدرسة المعتزلة كانت تحث على البحث، والتجربة والشكّ،
والاستدلال العقلي، فلما ذهبت ذهبت آثارها؛ ولذلك ذهبوا إلى أن اللغة ليست توقيفية، وإنما هي اصطلاحية؛ ليحرّروا أنفسهم
إذا قالوا إنها توقيفية، وربما كان لاعتزال الزمخشري أيضًا أثر كبير في قدرته الفائقة في البلاغة، ودراسة الأساليب، والتحرر من المنقول.


وإذا نحن سرنا على أثر هذه المدرسة استطعنا أن نكمّل ما نجده من نقص في اللغة، فإذا وجدنا مصدرًا لم يذكر فعله ذكرناه بالقياس، وإذا وجدنا
مذكرًا لم يذكر مؤنثه فكذلك؛ وإذا وجدنا فعلًا لم يذكر بابه اجتهدنا في ذكر ذلك قياسًا، كذلك إذا وجناهم يشتقون وزنًا
خاصًّا للدلالة على شيء، أمكننا أن نقيس عليه، فإذا وجدناهم مثلًا يصوغون «فعال» للدلالة على محترم الحرفة، كنجّار، وخبّاز، وحدَّاد، وقفَّال؛
أمكننا أن نقيس عليه من أسماء أصحاب المهن التي لم يذكرها العرب، كذلك يمكننا إذا تذوقنا الذوق العربي تذوقًا تامًّا،
وعرفنا كيف كانوا يضعون الألفاظ أمكننا أن يضع العلماء مثلهم فيما هم في حاجة إليه» … إلخ.

وعلى كل حال، فمدرسةُ القياس ترى أن اللغة ليست مقدّسة، وأنها مِلكٌ للناس لا أن الناس مِلكها، ويمكننا أن نصحح ما فيها من أخطاء، ونبين
ما حصل فيها من تصحيف، ونصحّح الأخطاء التي وردت في معاجم اللغة، مما ورد خطأ من تصحيف، أو من لثغة ألثغ، أو نحو ذلك.


ومن خير ما ألّف في اللغة أيضًا في ذلك العصر كتاب «مقاييس اللغة» لابن فارس المتوفى سنة ????، وقد نحا فيه نحوًا جديدًا، فقد استخلص من
معاني الكلمة المختلفة معنى واحدًا، أو معنيين، جعله أساسًا للكلمة، ونص عليه، وبين أن الاشتقاقات المختلفة تدور حوله،
مثال ذلك: «وجب»، قال: الواو والجيم والباء أصل واحد يدل على سقوط الشيء، ووقوعه، ثم يتفرّع، يقال: وجب البيع وجوبًا، حقّ ووقع، ووجب الميت
سقط، والقتيل واجب؛ وفي الحديث: «إذا وجب فلا تبكينَّ باكية»، إي إذا سقط.

وقال الله في النسك: «فإذا وجبت جنوبها»، قال قيس:

أطاعت بنو عوف أميرًا نهاهُمُ
عن السلم حتى كان أول واجب

ووجب الحائط: سقط.

«وَجبة»: يقولون الوجب الجبان. قال الشاعر:

طلُوبُ الأعادي لا سلومٌ ولا وجْبُ

سمّي به لأنه كالساقط، ويقولون: الموجَب، للناقة لا تنبعث من كثرة لحقها، وأما وجيب القلب فمن الإبدال، أصله وجيف، وهكذا، فهو كما ترى يؤوّل
المعاني كلها إلى معنى واحد.

ونلاحظ عليه الصفاء والإيجاز، وعدم السفسطة، ولم يكتفوا بجمع الألفاظ، بل جمعوا أيضًا الأساليب، كالذي نرى في كتاب «كفاية المتحفّظ»، وكتاب
«الألفاظ الكتابية» للهمداني، مثل: الأساليب التي تقال في لم الشعث، والتي تقال في الدلالة على الشجاعة، أو الجبن،
أو نحو ذلك.

ومما فعلوه أيضًا جمع الأمثال، وترتيبها حسب الحروف الأبجدية، كما فعل الميداني في كتابه «مجمع الأمثال»، وقد أخذ كل كتابه تقريبًا من كتاب
في الأمثال لحمزة الأصفهاني، لم يزد عليه في كل باب إلا مثلًا أو ثلاثة، ولكن حظّ كتابه كان أكبر من حظّ حمزة.

الأدب

لو رجعنا إلى الفصل الذي كتبناه عن الحالة الاجتماعية في العصر العباسي أول هذا الكتاب، وجدنا الأدب كله بأنواعه صدًى لهذه الحياة الاجتماعية،
فلما أفرط الأمراء في الظلم، والاستبداد، ومصادرة الأموال، كان طبيعيًّا أن ينقسم الشعراء إلى قسمين: قسم يلهو
معهم، وينتفع بما لهم، فيمدحهم، ويقلب سيئاتهم حسنات، وهذا هو الكثير، كالمتنبي، وأبي فراس، والناشئ، والخالديّين، وغيرهم. وقسم تمنعه
نفسه من الملق، وطبعه من التقرّب كأبي العلاء الكفيف، فيتّخذ خطة أخرى، وهي الذًم والقدح؛ وكذلك انقسم الشعر
والشعراء.

وإذا كانت الحالة الاجتماعية تنقسم إلى طبقات كالتي ذكرنا، طبقة غنية كل الغنى، وطبقة فقيرة كل الفقر، وجد المستجدون الكثيرون؛ وكان
منهم أدباء، ولهم لغة وطريقة، كلغة الأدباتية اليوم؛ حكاها لنا الثعالبي في «اليتيمة»، الذي له الفضل الأكبر
في تاريخ أدب المائة الرابعة، ومن أظهرهم في ذلك رجل يسمّى أبا دُلَف، كانت له طريقة خاصة في الاستجداء، وقد ذكره البديع في مقاماته؛
فكان هذا الضرب من الحياة الاجتماعية مبعثًا لوجود مقامات البديع، ومقامات الحريري؛ ووجود الجواري الجميلات،
وكثرة ملك اليمين، وكثرة الغلمان الأرقاء في يد الناس أوجد الغزل في المذكر والمؤنث؛ وكثرة الشراب كانت سببًا لكثرة القول
فيه.

وإذا كانت بيوت الأغنياء يُعنى فيها بالأثاث الجميل، والرياض الفاخرة، غُني الأدباء بتجميل أدبهم، بالسجع والمزواجة، وغيرهما من أنواع
البديع … إلخ إلخ.

لقد زها الأدب في هذا العصر، وانقسم الأدب إلى قسمين: نثر، وشعر، وقد قُسم النثر في ذلك العصر إلى قسمين واضحين: سمّي أحدهما السلطانيات،
وهي المكاتبات الرسمية التي تصدر من عامل إلى عامل، أو من وزير إلى عامل، أو من خليفة إلى عمّال، وهكذا؛ وقسم
يسمى الإخوانيات، وهو ما يصدر من صديق إلى صديق، أو من أستاذ إلى تلميذ، أو من تلميذ في المسائل الخاصة، وقد نبغ في النوعين أول الأمر
رجلان كبيران: أحدهما: أبو هلال الصابي، والثاني: أبو بكر الخوارزمي، فكلاهما كان شيخًا لهذه الصناعة، وقد
التزما السجع تقريبًا، لسببين: الأول: دخول النصارى في الإسلام، وقد كانوا يستعملون السجع في الكنائس؛ والثاني: حبهم
للطريف من الأشياء. ولا شك أن السجع أطرف من الكلام المرسل، يضاف إلى ذلك ما حدث في تاريخ كل أنواع البديع، فقد بدأ العرب
في الجاهلية يستعملونه كالملح في الطعام، ثم زاد في العصر العباسي شيئًا ما، ثم عمّ في الكتابات في عصرنا هذا.


ومن حسن الحظ أن لدينا الآن مجموعة من رسائل الصابي، والخوارزمي تقرؤها، فكأنك تنظر إلى قطعة من الزجاج المموّه، أو الخشب المخروط،
فأما الصابي، المتوفّى سنة ????، فكان صابئًا كلقبه، وعرضت عليه الوزارة إن أسلم فأبى، وكان يفتخر بقدرته الفائقة
على الكتابة، ويقول:

وقد علم السلطان أني أمينُه
وكاتبهُ الكافي السديد الموفّق
فيمناي يمناه، ولفظي لفظُه
وعيني له عينٌ بها الدهر يرمقُ
ولي فِقَرٌ تُضحِي الملوك فقيرة
إليها لدى أحداثها حين تطرُقُ

وكل كتاباته مسجوعة، سواء كانت رسائل سلطانية أو إخوانية.

وأنا شخصيًّا أستسمج كتاباته، وكتابة الخوارزمي، ومن نحا نحوهما، وأرى أنها جعجعة ولا طحن، وألفاظ جوفاء، ولا معنى.

وأما الخوارزمي، فقد رحل كثيرًا إلى الأقطار، وعدّ شيخ الأدباء، واعترفت له الأقطار المختلفة بالفضل والبلاغة، حتى جاء بديع الزمان
الهمذاني، وكان شابًّا حدثًا، والخوارزمي شيخًا، فنازل الشيخ نزولًا عنيفًا، فانقسم الناس فريقين: فريق يحترم
الخوارزمي وشيخوخته، وفريق يناصر بديع الزمان وجدّته.

وأخيرًا، مات الخوارزمي محزونًا، وقد استطاع البديع أن يطلع على الناس بأشياء جديدة لم يكن يحسنها الخوارزمي، كالمقامات، وكتابة الرسائل
التي كل حروفها معجمة أو مهملة، أو رسائل إذا قرئت من أولها إلى آخرها كانت سؤالًا، وإذا قرئت من آخرها إلى
أولها كانت جوابًا، أو رسالة لا يوجد فيها حرف منفصل كالراء والدال، أو رسالة كل سطورها مبدوءة بالميم، أو أبيات إذا فسرت بطريقة خاصة
كانت مدحًا، وإذا فسّرت بطريقة أخرى كانت ذمًّا، وهكذا مما تجده في رسائله ومقاماته.

ولم يكن الشيخ الخوارزمي يعرف شيئًا من ذلك، إنما كان يعرف الرسائل المألوفة المعتادة، فهزمه البديع لشبوبيته، وتفننه.

وأسوق إليك مثلًا أو مثلين من الرسائل التي كانت تعجب هذا العصر، وتملؤه فخرًا، مثل ما كتب الخوارزمي يصف بؤسه، وتغير الناس عليه، «وأصابني
البؤس حتى لقد ركبت غير دابتي، وأكلت غير نفقتي، ونزلت بيتًا بالكرا، وأكلت خبزًا بُسرًا، ولبست الصوف في الصيف،
والبرديّ في الخريف، وكوتبت مواجهة، وخوطبت بالكاف مشافهة، وأُجلست في صف النعال، أعني أخريات الرجال، وناظرني من كان يدرس عليّ،
وخالفني من كان يختلف إليّ، وحتى لقد نشزت عليّ جاريتي، وحزنت عليّ دابتي، وتقدمني في المسير رفيقي، الذي جمعني
وإياه طريقي، وحتى أني أخذت الدرهم الجيد، فصار في يدي ستوقًا، وقطعت الثوب المشترى، فصار على بدني مسروقًا، وسافرت في
حزيران فعصفت الريح، وسدّ الأفق الضباب، وفقدت كل شيء ملكته غيرعرضي، الذي عهده الشيخ معي، وصبري الذي عرفه مني».

ويقول الخوارزمي أيضًا وهو قول مملوء بالمبالغة، والتكرار، والحشو، ويقصد إليها على أنها طريقة متينة في الكتابة، في إحدى رسائله: «فلان
أبطأ عليّ، فليت شعري الريح قلعته، أم الأرض ابتلعته، أم الأفعى نهشته، أم السباع افترسته، أم الغول أغوته،
أم الشياطين استهوته، أم أصابته بائقة، أم أحرقته صاعقة، أم رفسته الجمال، أم اغتاله الجمّال، أم انتكس من على ظهر جمل، أم تدحرج من
رأس جبل، أم وقع في بير، أم انهار عليه جرف شفير، أم شلت يداه، أم قعدت رجلاه، أم ضربه الجذام، أم أصابه البرسام،
أم تاه في البرّ، أم أغرق في البحر، أم مات من الحرّ، أم سال به سيل زاعب، أم وقع فيه سهمٌ من سهام الآجال صائب، أم عمل عمل
أهل لوط، فأرسلت عليه حجارة من طين منضود، مسومة عند ربك، وما هي من الظالمين ببعيد».

فهذه عبارات جوفاء كلها مع طولها، يريد منها أن يقول: إنه غابت عنه رسائله، وهذا خذلان من الله، لا يكون إلا مع الفراغ في الفؤاد.

والصابي والخوارزمي أثقل من البديع، وهو أخف منهما روحًا، وهكذا أقرأ هذه الرسائل كلها فينقبض صدري، ولا ينطلق لساني، وأصرف في الرسالة
ساعة أو ساعتين، ثم لا أخرج منها بشيء في اليدين، وزاد الطين بلّة الصاحب بن عباد المعاصر لهم، فقد كان يعزل
الوالي أو يوليه؛ ليحصل من ذلك على سجعة، فلما أتى بعد ذلك القاضي الفاضل، والعماد الأصفهاني تمت هذه الكارثة، كارثة التقيد بالسجع،
وأنواع البديع، وأثرت هذه المدرسة في كل كتّاب القرون التي أتت بعد إلى النهضة الحديثة، اتجاهٌ كليٌّ إلى السجع
والبديع، وفراغ كلي من معنى بديع.

وهذا من غير شك أصاب العقول فلم تأت بمعنى جديد، وقلما تأتي برأي سديد.

وربما كان أرقاهم في ذلك أبا حيّان التوحيدي، فقد كان يجمع إلى السجع المزاوجة، وكانت غزارة معانيه، تلطف من طريقة عصره؛ ولذلك هو في
نظري آدب أهل زمانه، بل ربما كان آدب من شيخه الجاحظ؛ لأن علوم زمانه التي استوعبها كانت أكثر من علوم الجاحظ.


ولكنه مع ذلك عاش هو وأستاذه أبو سليمان المنطقي فقيرين، أما أبو سليمان فكان عَورُه وبرصُه مانعين له من الاختلاط بالأمراء، ومساعدتهم
له، إلا أعطيات قليلة، كان يمنحها إياه عضد الدولة بن بويه، لما يستنجد به في دفع أجر بيته، وما استدانه لغذائه.
وكذلك فعل الوزير ابن سعدان معه. وأما أبو حيان، فيظهر أنه كان مع فضله ثقيل الروح في محضره، وإن لم يظهر ثقله في كتابته، كان يعلم
مقدار فضله وعلمه، ثم يرى نفسه بائسًا، ويرى تفاهة من حوله وغفلتهم، وهم متبحبحون في معيشتهم، فيأبى إلا أن
يشمخ عليهم، ويقدح بلسانه الحادّ في أعراضهم، فحرم من أجل ذلك، حتى كان يأكل الحشيش من الصحراء، وحتى أنه كان إذا صلّى في المسجد،
ابتعد عنه الناس فلا يصلّون بجانبه، إلا بقالًا، أو زياتًا، او إسكافيًّا.

وفيما عداه قد عمّت طريقة الخوارزمي، والصابي، وبديع الزمان، فعمّت بذلك البلوى.

ومما يلاحظ في هذا العصر ما ذهب إليه الكتّاب مما يشبه الكتابة اليونانية من تضمين كتبهم قصصًا كثيرة، أو إشارات إلى أحداث تاريخية،
كإشارة البديع إلى حكاية التاجر مع ولده، وإشارته إلى قصص أخرى مشهورة في زمنه.

ومما يلاحظ أيضًا أن اللغة العامية أصبح معترفًا بها، يبحث في ألفاظها وأساليبها، وينتقي منها خيرها، إلا بعض علماء كأبي العلاء المعريّ،
فقد كان واسع الاطّلاع على اللغة، مولعًا بالغريب، حتى إذا كان المعنى الواحد يمكن أداؤه بعبارات واضحة، وبعبارات
غامضة ذات ألفاظ غريبة اختار الثانية، كما نرى في «رسالة الغفران»، كقوله: «وا أسفي لفراق سيدي الشيخ — أدام الله عزّه — أسف
ساق حرّ، ساقه الطرب إلى الحرّ، توارى بالوريقة من حرّ الوديقة، كأنه قينة وراء ستر، أو كبير حجب من الهتر، في عنقه
طوق، كربٌ يفصمه الشوق، لو قدّر لانتزعه باليد، من المقلّد، أسفًا على إلف، غادره للكمدِ أيُّ حلف، أرسله فهلك نوح،
فالحمائم عليه تنوح، يُسمعك بالفناء، أصناف الغناء، ويظهر في الغصون، جنيّ الوجد المصون»، وهكذا اعتادوا البدء بالكلام عن
الشوق للمرسل إليه، وكتابته على هذا النوع سمجة أيضًا كالنوع الأول؛ غير أنه إذا كانت سماجة أبي العلاء كلاسيكية،
فسماجة البديع سماجة رومانتيكية، ولا يعذر أبو العلاء في ذلك، إلا إن كان يرمي لتعليم اللغة.

كذلك انتشر في هذا العصر كثير من القصص، فزادت ألف ليلة قصصًا جديدة، ويحكون أن الجهشياري قام بتأليف كتاب على نسق ألف ليلة وليلة،
اختار فيه ألف سمر من سمر العرب، وغيرهم، وكتب فيه أربعمائة وثمانين سَمَرَة، وكان ينوي أن يجعلها ألفًا، ولكن
المنية عاجلته.

ومسكويه ألف كتابًا في القصص اسمه «أنس الفريد»، وشاعت نوادر وحكايات كحكايات جحا، وقصة عاشق البقرة إلخ إلخ.

ومن الأسف أن طابع السجع والبديع الذي ابتلى به في الأدب في ذلك العصر ظل هو طابع الأدب العربي في العصور المتأخرة في كل فرع من فروعه
إلى أن جاءت النهضة الحديثة، فقلَّ أن نجد مبتكرًا، أو داعيًا إلى جديد.

ومع أنه ظهر كتَّاب آخرون على غير هذه الطريقة مثل: أحمد بن يوسف المعروف بابن الداية، ألَّف كتاب «المكافأة»، وهو على نمط خير من هذا
النمط، راعى فيه جزالة التعبير، وقوة التفكير، أكثر مما راعى السجع، فإن طريقته المصرية لم تقلَّد، وإنما قلَّدت
الطريقة العراقية كابن العميد، وابن عبَّاد.

الشعر

كان للشعر في هذا العصر جولة عظيمة، ونلاحظ أنه كثرت عادة المقطوعات الصغيرة في وصف طرفٍ صغيرة، كالذي نلاحظه في ديوان المتنبي، ففيه
القصائد الفخمة على النمط القديم، وفيه المقطوعات الصغيرة في وصف مزهر، أو خيمة، أو تفاحة من عنبر، أو نحو
ذلك، ونقرأ «يتيمة الدهر» للثعالبي المؤلفة في هذا العصر فنجدها مملوءة بالمقطوعات، والكتاب مملوء بتراجم الشعراء في كل مصر، ولكنه
مع الأسف غني بالبديع اللفظي أكثر من عنايته بالتحليل النفسي، فغلبت عليه طريقة ابن عباد، والخوارزمي، والصابي،
أكثر من طريقة أحمد بن يوسف، وأبي حيان.

وهو مملوء بمثل هذه المقطَّعات من مثل الرجل الذي يرثي قطَّته في قوله:

يا هرُّ فارقتنا ولم تَعُد
وأنت عندي بمنزل الولد

•••

وقد اختلفوا في أنها قيلت في القطِّ حقيقة، أو في رثاء من يُخاف رثاؤه.

على كل حال، عني شعراء هذا العصر بالتشبيهات، والاستعارات أكثر مما عُنوا بجدَّة المعنى.

وظاهرة أخرى، وهي نبوغ الصنوبري الشاعر في وصف الطبيعية، وهو أيضًا من نتاج مجلس سيف الدولة، وقد توفي سنة ???? وتغنَّى بذكر حلب والرقة،
وكانت له بمدينة حلب حديقة حول قصر فخم غرست فيها الأزهار، فكثر تغزله فيها مثل قوله:

يا ريمُ قومي الآن ويحكِ فانظري
ما للربى قد أظهرت إعجابها
كانت محاسِنُ وجهها محجُوبة
فالآن قد كشف الربيعُ حجابها
وردٌ بدا يحكي الخدود ونرجِسٌ
يحكي العيون إذا رأت أحبابَها
والسرو تحبه العيون غوانيا
قد شمرت عن سوقها أثوابها
وكأن إحداهن من نفح الصّبا
خودٌ تلاعبُ موهنا أترابها
لو كنت أملك للرياض صيانة
يومًا، لما وطئ اللئام ترابها

وكان يعتبر النرجس ملكًا للأزهار، فمن قوله:

أرأيت أحسن من عيون النرجس
أم من تلاحظهن وسط المجلس

•••

وله قصائد في وصف معارك بين الأزهار.

وربما عُدَّ الصنوبري نمطًا غربيًا في إكثاره من وصف الطبيعة من أزهار، وسماء، وضياء، وهواء.

وثار بعض الشعراء ككُشاجم على طريقته، وأتى بعده من قلَّده.

وكان هناك قسمان من الشعر، قسم كلاسيكي كالذي ذهب إليه المتنبي، وأبو نواس، والشريف الرضي، وقسم شعبي، وذلك مثل بعض الشعراء المكدين
الطّوافين كالأحنف العكبري القائل:

على أني بحمد الله
في بيت من المجد
بإخواني بني ساسا
ن أهلِ الجَدِّ والجِدِّ
لهم أرض خراسا
ن فقاشان إلى الهند
إلى الروم والزنـ
ـج إلى البُلغار والسند
جذارًا من أعاد لهم
من الأعراب والكُرد
قطعنا ذلك النَّ?
ـج بلا سيف ولا عمد

ويقول:

العنكبوت بنت بيتًا على وهَن
تأوي إليه وما لي مثله وطنُ
والخنفساء لها من جنسها سَكَن
وليس لي مثلها إلفٌ ولا سَكَنُ

ومثل الشاعرين الشهيرين ابن الحجَّاج، وابن سُكَّرة، فقد أكثرا من الأوراق الشعبية في صراحة من غير كناية، أو تورية في العلاقات الجنسية،
والفضلات البدنية بأقبح لفظ، وأسوأ تعبير، ولا نريد أن نمثل لهما، وكان ميل الناس في ذلك العصر إلى السخافة
والشهوات سببًا في نتاج هذا النوع من الشعر، والإقبال عليه.

ويطول بنا القول لو أننا عددنا الشعراء الذين نبغوا في هذا العصر مع تعدد نواحيهم ونبوغهم، وربما كان أدلهم على عصره أبو العلاء، والصنوبري،
والمتنبي، وابن الحجاج، والشريف الرضيّ، فأبو العلاء ميزته أنه متشائم مسجل لرذائل قومه وزمنه، والصنوبري ميزته
إعجابه بالطبيعة، والمتنبي قوي جبار، فارس في حياته، وفارس في شعره، معتد بنفسه، طموح مسجل لأكثر أحداث زمانه، وخاصة الحروب بين
الصليبين وبين سيف الدولة، والشريف الرضيّ يمثل العظمة الأرستقراطية، والاعتداد بالنفس، والفخر بالنسب، يقول الشعر،
ويتجاهل فيه أنه عائش في المدن، فيشعر في الفروسية، والحرب، والجمال، وكرام الخيل من مثل قصيدته المشهورة التي
مطلعها:

لمن الحدوبُ تهزهن الأينقُ
والركب يطفو في الشراب ويغرقُ

وابتكر في هذا العصر الموشَّحات، وخاصة في الأندلس، وهي تتكون من أدوار، كل دور منها ذو أبيات مجزأة، توحد صدورها قافية، وتوحد أعجازها
قافية أخرى، مع استقلال كل دور عن الآخر في قوافي صدوره، وأعجازه، ثم يختم كل دور بالقفل مثل:

رشيقة المعاطف
كالغصن في القوام
شهدية المراشف
كالدّر في النظام
دعصية الروادف
والخصر ذو انهضام
حسنها أبدع
من حسن ذياك الغزال
أكحل المدمع
… … … … … إلخ

والموشحات نتيجة لحب الأندلسيين للسمر والموسيقى، وقد ساعد على ذلك ما للطبيعة من جمال، وقد تحرر فيها أصحابها من التزام القافية؛ وللمستشرقين
أبحاث كثيرة في: هل أخدت من النوع المعروف عند الإسبان «بالطروبادور»، أو الإسبان أخذوها عن العرب؟

ولم يوصل إلى كلمة نهائية بعدُ في هذا الموضوع، ويقول ابن خلدون: «إن أول من اخترع الموشَّحات رجل اسمه «مقدم بن معافر الفريري، وكان
من شعراء الأمير عبد الله بن محمد المرواني، الذي عاش من سنة ???? إلى ????»، ولكن رويت موشحات قبل هذا التاريخ.


ولم توضع قواعد للموشحات دقيقة، بل كان ناظموها يفهمون تقاليدها فهمًا عامًّا، حتى أتى ابن سناء الملك المصري، المولود سنة ???? في
القاهرة، وألَّف كتابه «دار الطراز في عمل الموشحات»، فوضَّح خصائصها، وعرَّفها بقوله: «الموشح كلام موزون
على وزن مخصوص، وهو يتألف في الأكثر من سنة أقفال وخمسة أبيات، وفي الأقل من خمسة أقفال، وخمسة أبيات، والنوع الأول يقال له التام،
والثاني يقال له الأقرع» مثل:

ضاق عنه الزمان
وحواه صدري
ضاحك عن جُمان
سافرٌ عن بدر
آه مما أجد
شفّني ما أجد
قام بي وقعد
باطش متئد
كلما قلت قد
قال لي أين قد

ويلزم أن تكون الأقفال كلها متفقة في وزنها وقوافيها، وعدد أجزائها، وكل قافية في الموشَّح تسمى فقرة، وكل قفل مع البيت الذي يليه يسمى
سِمطًا، وآخر قفل من الموشح يسمى «خَرْجة». ويفضل الوشَّاحون أن تكون الخرجة عامية؛ لأنها أظرف إلا في المديح.
والموشَّحات صنفان: منها ما جاء على أوزان أشعار العرب، ومنها ما لم يكن على وزنها، فالأول كالموشَّحة التي مطلعها:

أيها الشاكي إليك المشتكى
قد دعوناك وإن لم تسمع

فإنها من بحر الرمل. والقسم الثاني: ما ليس على وزن أشعار العرب، وهم يفضِّلون القسم الثاني على الأول. وتمتاز الموشَّحة باللطف، وخفة
الروح، وبعضها عميق المعنى، وعند ظهورها قوبلت باستحسان في الأوساط المختلفة، واعتمد عليها في الغناء، وتمتار
بالتحرر من الوزن والقافية.

فالشعر كالنثر ظلَّ للبيئة الاجتماعية، وإن اختلف الشعراء فيها بينهم، فاختلاف يرجع إلى طبيعتهم ومزاجهم، ولكن كلٌا يمثل عصره أصدق
تمثيل.

وقد عني بعض الأدباء بتأريخ الأدب عن طريق تراجم الأدباء في الجاهلية والإسلام، وجمعها في كل العصور، وأشهر من فعل ذلك أبو الفرج الأصفهاني
في كتاب «الأغاني»، وهو كتاب حافل، لم يؤلِّف مثله قبله ولا بعده، جمع فيه من الكلام على تراجم الشعراء الجاهليين،
والإسلاميين، والعباسيين ما لم يجمع من قبل؛ ولذلك استغنى به بعضهم في رحلاته وانتقالاته عن كثير من الكتب، غير أنه لم
يرتبه حسب تاريخ الزمن، ولا حسب الحروف الأبجدية، وإنما رتَّبه حسب الأصوات، فإذا جاء صوت ترجم لصاحبه، وبيَّن نغمته، وطريقة
غنائه، وأصل الكتاب أن الأغاني كانت قد جمعت، فأمر الرشيد باختيار مائة صوت منها، أي مائة دور، فجمعت له، فلما
جاء الواثق أمر أن يختار له منها خيرها، وأن يبدل ما لم يستحسن بما هو أعلى منه، وأولى بالاختيار، وجاء من بعده ففعلوا هذا الفعل،
فجمع أبو الفرج كل ذلك مبتدئًا بأصوات الرشيد، وقد استرد في الأخبار حسب عادة المؤلفين في هذا العصر، وكان
عالمًا بالغناء من بيت أدب وغناء، عالمًا بأيام العرب وأخبارهم، مما روي عن كثير من الثقات، ومما قرأ الكتب الموثوق بها، وقد كان قَرَّاء
للكتب.

وأسند كل خبر لصاحبه ممن روى عنهم، أو من الكتب التي أخذ منها، ويظهر أنه كان ثقة فيما ينقل، يتحرى الأخبار، ولا يأخذ إلا ما صح عنده،
وفي الكتاب نقد لكثير من الروايات مما يدل على علمه بالنقد، إما لأن الراوي ليس بثقة، وإما لأن الأحداث التي
رويت لا تتناسب مع الزمان والمكان والبيئة. وكان قويَّ النقد صحيحه، فليس يضع من شأن الشاعر عنده أن يكون سيئ السيرة، فاسد الخلق، وضيع
النسب، بل يقيسه بالمقياس الفني وحده، وليس يُؤثر عليه تشيُّعه، ولا أمويَّته، بل لا يمنعه ذلك من أن يقول
الحق كل الحق، سواء كان القائل سنيًّا أو شيعيًّا؛ ولذلك كان الكتاب مصدرًا تاريخيًّا يستدل منه على الأحوال الاجتماعية فى
الجاهلية والإسلام، بل هو فى هذه الناحية أحسن من كتب التاريخ؛ إذ هي تعتمد على أخبار الخلفاء والأمراء الرسمية فقط،
أما حالتهم الاجتماعية، وحالة الشعب من لهو وترف وغناء، وما إلى ذلك، فنستنبطها من «الأغانى» وأخباره، لا من كتب
التاريخ.

وقد ذكر أنه ألَّفه لرئيس من رؤسائه، والظاهر أن هذا الرئيس هو الوزير المهلبي: فإنه كان يتصل به، ويؤاكله، ويحادثه، ويسمر عنده، ويروي
الأخبار الأدبية له.

وعلى كل حال، فهذا الكتاب الذى ألف في القرن الرابع الهجري كان مصدرًا لكل المؤلفين الذين جاءوا بعده، وقد بذل المعاصرون جهودًا جبارة
في تعرف النغمات التي ينص عليها في كتابه، ويحكي هيئاتها ليمكن ينتفع بالأصوات التي وردت فيها.

واعتمد عليه المستشرقون والشرقيون على السواء، وعلى الإجمال فهو نعمة من نعم القرن الرابع على الأدب.

وهناك نوع من الأدب لا بد أن نشير إليه مما نما فى هذا العصر، وهو النقد الأدبي.

وربما يمثله خير تمثيل أبو هلال العسكري، وقدامه، وابن رشيق، فأما أبو هلال العسكري فقد خلف لنا كتاب «الصناعتين»، ويعني بالصناعتين:
صناعة النظم، والنثر، وقد سبقه إلى ذلك من غير شك بعض الكتاب، كابن سلّام، وابن قتيبة.

وربما عدت كتابته في نقده من أحسن الأساليب وأرقاها، يسجع، ولكن لا يلتزم السجع، ويمتاز بالوضوح، ولكنه قد يجور في أحكامه النقدية؛
فهو يتحامل على المتنبي، ويفحص بإمعان عن مساويه، ولا يعلن محامده.

ومما ساعده على نقده معرفته الشعر، ومعالجته له؛ فهو كتاب أدب ونقد معًا، وربما عد من عيوبه جنوحه إلى أن البلاغة في اللفظ دون المعنى،
متبعًا في ذلك نظرية الجاحظ؛ وهم يعللون ذلك تعليلًا سخيفًا بأن المعاني ملقاة في الطريق، كتشبيه الشجاع بالليث،
والكريم بالغيث، أو نحو ذلك، كأن هذه هي كل المعاني، مع أن المشاهد أن المعاني يصعب العثور عليها، ويختلف الناس فيها، وربما كان
متأثرًا في ذلك بأساليب أهل زمانه، ككلام الصابئ، وابن عباد، والخوارزمي.

وعلى العموم، فقد تقدم النقد خطوة جديدة، فقد كان له لفتات طيبة مثل التفاته إلى التفرقة بين السهولة والليونة، فقد يكون الكلام جزلًا،
وهو مع ذلك ساحر، على كثير من مثل هذه النظرات؛ وهو فى نظراته يطبقها بأمثلة عديدة تركز المعنى الذي يريده.


وأما قدامة، فقد ألف كتابًا في نقد الشعر، وكتابًا آخر في نقد النثر؛ وهو يرينا فيهما مقدار تأثر علماء الأدب في ذلك العصر بالفلسفة
اليونانية، والأدب اليوناني، وكثيرًا ما ينحو منحاهم، في التقسيم والتجويف والتحديد، ولكنه دون أبي هلال العسكري
في حسن التعبير، ورشاقة الأسلوب، وتغلب عليه عجمة الفلسفة، وقد يكون أغزر علمًا، ولكنه أردأ تعبيرًا.

وأما ابن رشيق، فهو مغربي الأصل، ألف كتابه «العمدة» يصف فيه الشعر، وأصول جودته، ويخالف أبا الهلال والجاحظ في أن عمدة البلاغة على
اللفظ دون المعنى، بل يجعل البلاغة في إجادتهما معًا، ويجدد فصولًا، ويشعب البلاغة إلى نواح، لا نعلم أن أحدًا
سبقه إليها من قبل.

وهناك كتب أخرى في النقد، كالوساطة بين المتنبي وخصومه، والآمدي والمرزباني، لا نطيل في وصفها.

على كل حال، كان هذا العصر غنيًّا — كما ترى — بالأدب الخالص، وبالنقد الأدبي؛ وربما لم يساوه في ذلك عصر من
العصور.

ومما يلاحظ أن النقد كان يتبع الأدب، ولم يفتح له أبوابًا جديدة؛ فالأدب إن كان قد غرق في المحسنات اللفظية، فإنا نرى النقد يشيد بهذه
المحسنات، ولم ينصحه بأن يقلل منها. والأدب اتجه إلى العناية بالألفاظ أكثر من العناية بالمعاني، فوجدنا النقد
يخدم هذه الفكرة، وكان على النقاد ألا يقيسوا الأدب بمقياس عصرهم، بل يسمو عن عصرهم، بتصور المثل الأعلى للأدب.

وعلى الجملة، فقد كان النقاد مسوقين بالأدب لا قادة له، وربما كان ذلك في أكثر العصور شرقًا وغربًا، وكان من أحسن ما عملوه، واتجهوا
إليه الوقوف عند كل بيت أو قصيدة، وذكر من قال هذا المعنى قبل الشعر، ومن كان أجود، ومن كان أردأ، ومن أين
أتت الجودة، ومن أين أتت الرداءة؛ ولذلك كان من أكبر موضوعاتهم السرقات الشعرية، وادعاء أن فلانًا سرق المعنى من فلان، وهو تهجم فظيع؛
لأن ادعاء سرعة المعاني صعب إثباته، فقد يكون هناك توارد في الأفكار.

نعم، إذا كان لفظ البيت كلفظ البيت، أو الشطر كالشطر سهل ادعاء السرقة، أما إذا اختلفت الألفاظ فمن الصعب ادعاء ذلك، والذي يلاحظ أيضًا
أن النقاد في أكثر ما اتجهوا إليه نظروا إلى الجزئيات دون الكليات، شأنهم في الفقه، فهم بدل أن يقرِّروا قاعدة
في البيع مثلًا، يذكرون صفة بيع جزئي لتستنتج منه القاعدة، وكذلك في الأدب، يذكرون بيتًا وأقرانه، أما تعرّضهم مثلَا لأصول الأدب، وبم
يرقى أدب عن أدب؟ وأنواع النثر، وأنواع الشعر، والشروط اللازمة في كل نوع، فقليل نادر في كتبهم، وحتى إذا أرادوا
أن يقارنوا بين شاعر وشاعر كما فعل الآمدي في الموازنة بين أبي تمام والبحتري، فالمنهج الصحيح أن يقوِّم كل شاعر
في شعره، ومزاياه على العموم وعيوبه، أما أن يقارن بين بيت من هذا وبيت من ذاك في معنى واحد، أو قصيدة لهذا أو قصيدة لذاك فنظرة
جزئية، لا تسلم إلى الحكم الصحيح.

ونوع آخر من الأدب يقدمه لنا قابوس بن وَشْمكير، ذلك أنه كان ملكًا لجرجان وطبرستان، ولئن كان سيف الدولة ملكًا بدويًّا عربيًّا فقابوس
هذا ملك فارسي متحضِّر، وكما أن الملك تعجبه الطرف، والأشياء الأنيقة، فكذلك كان قابوس تعجبه الطرف الأدبية،
ويهديه الشعراء من طرفهم، وينشد هو طرفًا.

كان كما ذكرنا ملكًا، فأزاله عضد الدولة عن ملكه، فبكى ملكه كثيرًا، كما بكى ملكه ابن عباد، لما زال ملكه عن الأندلس،
ومن قول قابوس:

لئن زال أملاكي وفات ذخائري
وأصبح جمعي في ضمان التفرق
فقد بقيت لي همة ما وراءها
منالٌ لراج أو بلوغ لمرتقي
ولي نفس حر تكره الضيم مركبا
وتكره ورد المنهل المترنق
فإن تلفت نفسي فللهِ درها
وإن بلغت ما أرتجيه فأخلِق

وكذلك له النثر البديع المصنوع صنعة دقيقة، وقد قال القول البديع بالفارسية والعربية، وله نصائح غالية لابنه. ومن قوله: «أمن صخر تدمر
قلبُه، فليس يلينه العتاب، أم من الحديد جانبه، فلا يُميله الإعتاب، أم من صفاقة الدَّهر مجن نبوه، فقد نبا
عنه غربُ كل حجاج، أم من قساوته مِزاج إبائه، فقد أبى على كل علاج»، وهو أسلوب مبالغ في زينته على نمط كلام ابن عباد، وابن العميد،
فإن كان له شيء جديد، فهو تقدمه في البلاغة خطوة بالإمعان في السجع، والاستعارات، والمجازات، وقد طبعت له رسائل
في مصر تدل على ما نقول.

وظهر في هذا العصر ابن نباتة، وكانت له الخطب الرّنانة، ولكن من المؤسف أنه كان متجهًا إلى الخطابة الدينية السياسية والاجتماعية؛ ذلك
لأن العصر ثارت فيه العواطف الدينية أكثر من غيره، فقد كانت الحروب الصليبية على أشدَّها بين سيف الدولة والصليبيين،
ورجال الدين من الجانبين يشعلون نيران العواطف، فكان ابن نباتة من هذا القبيل.

لئن قال المتنبي، وأبو فراس، وغيرهما في وصف هذه الحروب وصفًا أدبيًّا، فقد كان ابن نباته يجعل وظيفته إثارة البواعث للقيام بهذه الحروب،
ودفع إغارة الصليبيين.

أما الخطابة السياسية والاجتماعية فلم تثر الخطباء، إنما تبادل الأدباء الرسائل أكثر مما تبادلوا الخطب، فنجد الرسائل المتبادلة بين
المعرّي، وداعي الدعاة، وبين كثير من رجال الشيعة والسنّية، ولعلَّ سبب ذلك أن النزاع بين هذه الطوائف من شيعة
وسنّية، ومن فقهاء وصوفية، ومن معتزلة كلها تحتاج إلى عقل كبير؛ وهذه أنسب لها الرسائل، أما العاطفية الدينية، وإثارتها فأنسب لها
الخطب.
الفصل الرابع

النحو والصرف والبلاغة

شهد القرن الثاني معركة كبيرة في النحو والصرف بين مذهب البصريين والكوفيين. ويرجع أكثر الخلاف إلى البيئة التي كانت حول البصرة والكوفة،
ثم شهد القرن الثالث الهجري امتزاج المذهب البصري بالمذهب الكوفي، وظهور منتخب من المذهبين، وشهد القرن الرابع تمام
هذا الامتزاج.

والحقُّ أن كتاب سيبويه في النحو والصرف كان من القوة بحيث كان المرجع في العالم الإسلامي من تاريخ تأليفه إلى اليوم، وكل ما فعله الناس
أنهم شرحوا غامضًا أو اختصروا مطولًا، أو بسطوا معضلًا، أمَّا الأسس التي بني عليها الكتاب فبقيت كما هي في النحو والصرف
إلى اليوم، من عهد شرح الصيرافي لكتاب سيبويه، إلى النحو الواضح للمرحوم الجارم بك، فمثلًا: ظل النحو طول حياته متأثرًا بنظرية العامل،
فالفاعل مرفوع بالفعل، والمفعول به منصوب بالفعل، وإذا لم يكن هناك عامل ظاهر قُدِّر هناك عامل مستتر، مثل: «إذا السماء
انشقت»، وألجأهم إلى ذلك ادعاؤهم أن الفاعل لا يتقدم الفعل، فلا يمكن أن يكون السماء فاعلًا لانشقت الآتية، وادعاؤهم أيضًا أن إذا لا
تدخل إلا على جملة فعلية.

ولم يشذ عن ذلك فيما نعلم إلا ابن مضاء الأندلسي الذي أنكر نظرية العامل.

وكان من أوائل النحويين الذين لهم أثر كبير في النحو بمعنى الشرح والتفسير الزجَّاج، وكانت حياته صورة مصغرة لعصره؛ فمثلًا: كان يخرط الزجاج،
ومن أجل ذلك سُمي بالزجَّاج، وكان يكسب في اليوم دينارًا، وكسرًا من دينار، فحُبب إليه النحو، واتصل بالمبرد؛ وكان
المبرد هذا لا يعلم النحو إلا بأجر، ولا يعلم بالأجر إلا بمقداره؛ فمن أعطاه درهمًا علَّمه بدرهم، ومن اعطاه درهمين علَّمه بهما،
وهكذا.

فاتصل به الزجاج، وقاوله على أن يعلمه كل يوم بدرهم، ووفَّى له بذلك، فكل يوم يعطيه درهمًا، وكل يووم يتعلم منه بمقداره، فلما شدا في ذلك
طُلب هو أن يعلم أيضًا، فأراد أن يحصل ما صرف. وكان المبرد يرشحه لذلك أيضًا، وشاء القدر أن يعلم شابًّا اسمه القاسم
ابن عبيد الله، فرأى فيه مخايل الأرستقراطية، فقال له: أتنذر إن أصبحت وزيرًا أن تعطيني عشرين ألف دينار؟ فوعده بذلك.

ثم شاء القدر أن يصبح وزيرًا للمعتضد؛ ولكن عزَّ عليه أن يعطيه المبلغ من جيبه، فعينه آخذًا لعرائض الناس، وعرضها عليه، ومعنى ذلك: أن العرائض
التي تقدم للوزير يأخذها الزجاج، وهو الذي يعرضها على الوزير، وجعل له من الطالبين أو مقدمي العرائض مبلغًا بنسبة ما
يكسبه صاحب الشأن من كل عريضة؛ فهذا يدفع مائة، وهذا يدفع ألفًا، ومعنى ذلك: أن القاسم بن عبيد الله أباح له الرشوة الرسمية، وعُرف من أجل
ذلك بالجاه، وقربه من الوزير؛ فأخذ الناس يقبلون عليه لقضاء حوائجهم في نظير «جُعل»، حتى حصل بذلك أكثر من العشرين
ألفًا، ولما امتنع بعد ذلك طلب منه أن يستمر في عمله، ولا بأس أن يكسب أكثر مما كسب، وهي حادثة تدل على فساد العصر.

وإلى ذلك العصر لم تكن العلوم — وخصوصًا اللغوية — متميزة التميز الدقيق على النحو الذي نراه في كتاب «الكامل» للمبرد؛ فنحو وصرف بجانب
بلاغة، بجانب كلام في إعجاز القرآن إلخ، ولذلك نراهم يؤلفون في معاني القرآن، والاشتقاق ككتاب «فَعَلْتُ وأفعلتُ»،
وكتاب «خلق الإنسان»، و«خلق الفرس»، و«شرح أبيات سيبويه»، و«كتاب النوادر».

ومن أكبر حسنات الزجاج أنه أنجب العالم المشهور أبا علي الفارسي، وهو من علمت في التوسع في القياس، والتوسع في الاشتقاق.

وأبو علي الفارسي هو الذي أنجب ابن جني الذي سار على مذهب أستاذه، وتوسع فيه، وكان له ولأستاذه الفضل الكبير في علم الصرف، وفيما يعرف بفقه
اللغة.

ومن لفتات ابن جني الجليلة فهمه أن النحو القديم مؤسس على العامل كما ذكرنا، فإذا قلت: ضرب زيد عمرًا، فالرفع في زيد، والنصب في عمرو، إنما
أحدثه ضرب. وقد جرَّهم ذلك إلى تأويلات كثيرة متكلفة، فقالوا مثلًا في «إذا السماء انشقت»: إن تقديرها: إذا انشقت السماء
انشقت، ونحو ذلك في مواطن كثيرة تكلفوا فيها تكلفًا سخيفًا، فهدم ابن جني هذه القضية، وقال في خصائصه: «وأما في الحقيقة، ومحصول الحديث،
فالحركات من الرفع والنصب والجر والجزم، إنما هي للمتكلم نفسه، لا لشيء غيره، وعلَّل ذلك تعليلًا فلسفيًّا يشبه تعليل
النحويين، إذ يقول: إن ضرب انتهت بمجرد النطق بها، فلا يمكن أن تكون عاملًا في زيد أو عمرو، فليس الفعل عاملًا في الفاعل، ولا المفعول،
وليست إن تنصب المبتدأ وترفع الخبر، ولا كان ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، وليس المبتدأ مرفوعًا بالابتداء، فهذا كلام
لا معنى له، وليس الخبر مرفوعًا بالمبتدأ كذلك».

والناظر في نحو الخليل وسيبويه يرى أنه موضوع على أساس العامل، وظلَّ كذلك إلى عصرنا الذي نؤرخه، وجاء ابن جني يريد تأسيس نحو آخر، ولكن
مع الأسف لم يجد سميعًا، فظل النحو معتمدًا على العامل، فإذا لم يجدوه تأولوه، واستمر النحاة لا يزيدون شيئًا إلا نادرًا،
وكان نحاة عصرنا الذي نؤرخه سائرين على هذا المنوال. وأخيرًا، جاء ابن مضاء — كما أشرنا — من قبل قاضي القضاة في قرطبة في عصر المؤرخين،
فألَّف كتابًا سماه «الردُّ على النحاة» أسسه على الجملة التي رويناها عن ابن جني في الخصائص، وقد نُشر حديثًا.

وكان ابن مضاء هذا ظاهري المذهب، لا يؤمن بالتأويل والقياس، فجرى في النحو مجراه في الفقه، فلا تأويل لعامل، ولا عمل له.

ولكن ذهبت دعوته أدراج الرياح، كما ذهبت دعوة ابن جني من قبل، وكما ذهبت دعوة أبي نواس في الشعر إلى التجديد، وظلَّ النحاة في القرون المختلفة
إلى اليوم يؤمنون بالعامل.

ومن مظاهر هذا العصر أيضًا ما ابتدعه الثعالبي في تأليفه كتاب «فقه اللغة»، جمع فيه الألفاظ المتقاربة في موضوع واحد، كالمائدة والخوان،
مع بيان الفرق بينهما، كما تعمد أن يؤلف كتابًا في أسرار اللغة، يتعمق فيه في معاني الأسلوب. وقد توسع فيه ابن سيده
في «الخصائص»، فجعله في سبعة عشر جزءًا، أسسه على المعاني لا على الألفاظ، فكان هذا فتحًا جديدًا في بابه.

وقد تركت هذه المدرسة — وهي المدرسة المتسلسلة من المبرد إلى الزجاج إلى أبي علي الفارسي إلى ابن جني — أثرًا كبيرًا في اللغة والنحو والصرف،
ومن قديم وعلماء اللغة والنحو والصرف ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: محافظين لا يرون الخروج عن القديم بحالٍ من الأحوال،
حتى في الأدب لا يريدون أن ينشئوا أدبًا إلا ما كان على نمط الشعر الجاهلي، فإن تسامحوا في شيء فإنهم يقلدون الشعر الأموي، ومن هؤلاء كان
ابن الأعرابي الذي لم يشأ أن يعترف بشعر أبي تمام لحداثته، حتى كان يُعرض عليه الشعر من غير أن يذكر قائله، فيستحسنه،
فإذا قيل له: إنه لأبي تمام، أو لأبي نواس؛ استبرده.

وأحرار في الأدب يرون أن القدماء والمحدثين خاضعون لمقاييس واحدة، فقد يسمج المتقدم، ويأتي المحدث بالروائع، والعكس، وقد رأى هذا الرأي
قديمًا ابن قتيبة في «طبقات الشعراء»، وسار على هذا النمط كثيرون من أبرزهم أبو نواس إذ عاب العرب الأولين في البكاء
على الأطلال، وبكاء الدِّمن، ودعا إلى التجديد في الغزل في المذكر، والغزل في الخمر، ولكنه مع الأسف لم يستمر طويلًا على مذهبه.

وفي اللغة والنحو والصرف كان أبو علي الفارسي، وتلميذه ابن جني من هذا الصنف، وربما عد ابن فارس من الذين وقفوا موقفًا وسطًا بين القديم
والجديد، يدل على ذلك كتابه المسمى ? «الصاحبي» نسبة إلى الصاحب بن عباد، وكان الصاحب هذا تلميذًا لابن فارس، فهو في
هذا الكتاب يعرض آراء متحفظة متزمتة حينًا، وآراء حرة حينًا، فمن تزمتاته جعله علم العروض أفضل من الفلسفة، فيقول: «علم العروض الذي يربي
بحسنه ودقته واستقامته على كل ما بتبجح به الناسبون أنفسهم إلى التي يقال لها الفلسفة».

ومعنى هذا التعبير — كما ترى — سخيف، وهو يرى أن الفلاسفة لا يستطيعون أن يؤلفوا في النحو والصرف، فإن ألفوا فيهما فشيء تافه، وما عيب الفيلسوف
إذا لم يكن يُحسن إلا الفلسفة؟

ثم من مظاهر تزمته اعتقاده أن اللغة العربية لا وضعية، وقد كان المعتزلة الأحرار يرون أنها وضعية لا توقيفية، وعلى ذلك جرى أبو علي الفارسي،
وابن جني، وبينما كان ابن فارس رجعيًَّا في هذه المسائل إذا هو تقدمي في مسائل أخرى؛ من ذلك رسالته إلى صاحب له هو
محمد بن سعيد، يعتب عليه تحريمه على بعض المعاصرين تأليف كتاب في مختارات بعد كتاب أبي تمام، وهو «الحماسة»، فيقول له: «لعله يستدرك من
جيد الشعر، ونقيه، ومختاره، ورضيه كثيرًا مما فات الأول، فما هذا الإنكار، ولم الاعتراض؟ ومن ذا حظر على المتأخر سبق
المتقدم؟ ولم تأخذ بقول من قال: ما ترك الأول للآخر شيئًا، وتدع قول القائل: كم ترك الأول للآخر؛ وهل الدنيا إلا أزمان؟ فلكل زمان رجال،
وهل العلوم بعد الأصول المحفوظة إلا خطرات الأفهام، ونتائج العقول؟ ومن قصر الآداب على زمان معلوم، ووقفها على وقت
محدود؟!»، فهذه نظرة تقدمية من غير شك.

ثم هو يفيدنا من ناحية أخرى، وهي شكواه من غلبة اللحن حتى على الفقهاء والمتعلمين، ويقول: «أمَّا الآن، فنرى المحدِّث يُحدِّث فيلحن، والفقيه
يؤلف فيلحن، فإذا نُبِّها قالا: ما ندري ما الإعراب؛ وإنما نحن محدثون وفقهاء».

ونلاحظ في هذا العصر ظاهرة أخرى، وهي العناية بما يُسمى فقه اللغة، فنرى ابن فارس هذا يملأ كتابه «الصاحبي» بمسائل يسميها فقه اللغة، والثعالبي
يؤلف كتابًا في فقه اللغة، وهو يذكر في صدر كتابه هذا أنه إنما سَمَّى هذا العلم بهذا الاسم وفقًا لاختيار الأمير الذي
أهداه إليه؛ وهذا يدل على أن هذا الاسم مخترع في هذا العصر، ويقصدون به بيان الفروق الدقيقة بين الكلمات التي يظن أنها مترادفة، وليست في
الحقيقة مترادفة؛ ومن اللغويين من سمى هذا النوع بالفروق كأبي هلال العسكري.

وفي العصور الحديثة نراهم قد سَمَّوا ما يسمى عند الإفرنج بالفيلولوجي «فقه اللغة»، مع أن مدلوله عند الإفرنج — فيما يظهر — مخالف لمفهومه
عندنا؛ فمفهومه عند أكثر اللغويين من الإفرنج مقابلة الكلمات في اللغات المختلفة، وتاريخ اللغات، وغير ذلك. ولعلهم
أخذوا هذا الاسم مما كان شائعًا في تسميتهم «علم الفقه»، فربما رأوا أن ذلك الفقه فقه الأحكام، فسموا هذا فقه اللغة؛ والفيلولوجي عند الإفرنج
أوسع مدلولًا من فقه اللغة عند العرب.

وقد قال ابن فارس: إن هذا الكتاب وهو «الصاحبي» في فقه اللغة العربية، وفي سنن العرب في كلامهم؛ ولا أدري هل سبق الثعالبي، وابن فارس في
هذا الاسم أحد أو هما واضعاه! والغالب في نظرنا هو الأول؛ لأن الثعالبي يذكر أن هذا الاسم ابتكره من ألَّف له الكتاب؛
ولعله أبو الفضل الميكالي.

ومما يؤسف له أن ابن فارس في كتابه هذا زعم أن اللغة العربية أغنى اللغات في تعبيراتها، وأساليبها، وأمثالها، وهي مسألة نرى العلماء في
هذا العصر يتباحثون فيها، وربما كان ذلك أثرًا من آثار الشعوبية، فنرى سائلًا يسأل أبا سليمان المنطقي هذا السؤال،
ولكن أبا سليمان كان أعقل من ابن فارس، فقد أجاب بأن الإجابة عنه تقتضي معرفة بلغات العالم، ومقارنات عديدة بينها مما لا يتيسر الآن، وهي
إجابة تدل على سعة نظر، وبُعد تفكير، وشعور بتبعة الجواب على مثل هذا السؤال، وذلك خير مما قال ابن فارس.

فمهاجمة الشعوبية للعرب جعلت العرب يتعصبون للعربية، ويبالغون في تقديس لغتهم.

على كل حال، كان علماء اللغة والنحو والصرف في ذلك العصر يحملون تبعات كثيرة، فيعتقدون أن في عنقهم رد اللغات العامية إلى أوكارها، ونزعات
الشعوبية إلى مكامنها، وإحياء اللغة الفصحى، وتوسيعها في أكثر ما يمكنهم من ميادين.

وكان من أكبر من خدم اللغة والأدب في ذلك العصر الثعالبي؛ فقد ألف كُتبًا كثيرة في نواح كثيرة: في فقه اللغة، وفي شعراء القرن الرابع عرض
نماذج من شعرهم، وقد سلك في ذلك مسلكًا لطيفًا، وهو جعلُ باب معين لشعراء كل قطر، كما ألَّف في طرف لطيفة ككتاب «من
غاب عنه المطرب»، ونحو ذلك من كُتب لا عداد لها، وإن أُخذ عليه شيء في أعظم كتبه وهو «اليتيمة»، فهو عنايته في ترجمة الشعراء بالعبارات
الرنانة أكثر من عنايته بالتحليل النفسي للشاعر، وتحليل شعره، حتى إن ترجمة الشاعر يمكن رفعها من مكانها، ووضعها في
ترجمة شاعر آخر، ومع ذلك فله فضل التعريف بشعراء يمكن رفعها من مكانها ووضعها في ترجمة شاعر آخر. ومع ذلك فله فضل التعريف بشعراء كثيرين
لولاه ما عُرف عنهم شيء، وكانت العادة المتبعة أن ترسل البعثات من جميع الأقطار الإسلامية إلى العراق — وخاصة إلى بغداد
— كما نرسلها اليوم إلى أوروبا، فحدث أن أرسلت مصر شابين مصريين ليتعلما النحو واللغة، وما إليهما في بغداد، فلما وصلا وجدا أن ألمع
اسم في بغداد هو الزجَّاج الذي أشرنا إليه من قبل.

كان هذان الشابان هما ابن ولَّاد، وابن النَّحاس، فدرسا عليه وعلى غيره ما شاء الله أن يدرسا، ثم عادا إلى مصر، فملآها نحوًا وصرفًا؛ ولكن
من غير ابتكار، وإنما علمهما اقتباس من على البغداديين، وكان ابن ولاد أحبَّ إلى قلب الزجاج من ابن النحاس، فكان يسأل
عنه من قدم بغداد من المصريين، وكوَّنا مدرسة في القاهرة تشبه مدرسة الزجاج في بغداد فيها تفسير، وفيها نحو وصرف إلى غير ذلك، ولكن كان
بينها من التنافس ما بين المتعاصرين عادة، كل منهما يرمي صاحبه بالجهل، فجمع بينهما بعضُ أمراء مصر، وأمرهما أن يتناظرا
أمامه، فعلى طريقة البغداديين قال ابنُ النحاس: كيف تبني مثال افعلوتُ من رمى. قال له ابن ولاد: ارمييتُ، فخطأه ابن النحاس في ذلك،
وقال: ليس في كلام العرب افعلوت. فقال: إني أجبتُ على السؤال، وإن لم يكن له أصل صحيح، ولم أقل ارمويت؛ لأنَّ الفعل يائي،
وهكذا كان التهريج من ابن النحاس على عادة البغداديين، ولا يقال: إن ذلك شبيه بارعويت؛ لأنَّ ارعويت على وزن افعللت، لا
افعلوت، وكان ابن ولاد أحبَّ إلى المصريين؛ لأنه كان نبيلًا كريمًا سمحًا؛ على العكس من ابن النحاس، وألَّف ابن ولاد كتاب «الانتصار
لسيبوبه»، و«المقصود والممدود»، و«معاني القرآن»، وألَّف ابن النحاس «تفسير أبيات كتاب سيبويه»، و«كتاب الكُتَّاب»،
و«الكافي في النحو» إلخ، فكلاهما ملأ مصر عِلمًا وتأليفًا على نمط علم العراق وتأليفه.

ويذكرون لنا أن الرماني في هذا العصر أول من مزج النحو بالمنطق، يعنون بذلك أنه راعى في النحو التقسيمات المنطقية، وعلل الأحكام تعليلًا
منطقيًّا، وسبب ذلك أن الفلسفة اليونانية كانت قد انتشرت في هذه البقاع، وعرف حتى النحو اليوناني، وتناقش العلماء أيهما
أفضل: النحو العربي، أو النحو اليوناني؟ كما حكى لنا أبو حيان التوحيدي في «المقابسات».

علم البلاغة

فإذا نحن وصلنا إلى علم البلاغة وجدناه قد تكوَّن حول البحث في أسباب إعجاز القرآن، بدأ نتفًا قصيرة، وما زال يزيد على توالي الأزمان،
حتى وصل إلى أبي هلال العسكري المتوفَّى سنة ????، فجعله أحقَّ العلوم بالتعلم؛ إذ بدونه لا تفهم أسباب إعجاز
القرآن.

وملأ كتابه بمباحث تدور حول النواحي التي ترفع قدر الكلام، وتكسوه جمالًا وجلالًا، والعيوب التي تحط من قدر القول، وتكسبه قبحًا وسخافة.


وكانت علوم البلاغة تسمى علم البيان، حتى جاء عبد القاهر الجرجاني في العصر الذي يلي عصرنا، فأخرج للناس علمًا دقيقًا ذا قواعد وأصول،
في كتابين جليلين، اسم أحدهما «دلائل الإعجاز»، واسم الثاني «أسرار البلاغة».

بحث الأول عن الوجوه التي تكسب القول شرفًا، وتكسوه جلالًا من حيث اشتماله على استعارة مستحسنة، أو كناية لطيفة، أو تمثيل جليل، أو
تشبيه طريف، وتعرض في كثير من المواضع إلى ما عد بعد من علم المعاني، وما عد من علم البيان.

وأمَّا الذي قسم هذه المباحث إلى شطرين، علم يتعلق بالنظم، وسماه علم المعاني، وعلم يتعلق بالمجاز، والتشبيه، والاستعارة، والكناية،
وسماه علم البيان، فهو السكاكي المتوفى سنة ????.

وكان ممن له فضل كبير في علم البلاغة الزمخشري في كتابه «الكشَّاف»، ولكنها كانت مباحث متفرقة هنا وهناك، فلم يُعد من ضمن مؤلفي البلاغة.


وحدث أن أفرد بعض الأدباء أنواع البديع بالتأليف، وكان أول من فعل ذلك عبد الله بن المعتز في كتاب له سماه «علم البديع»، جمع فيه سبعة
عشر نوعًا من أنواع البديع، فجاء بعده قدامة بن جعفر، وأوصلها إلى عشرين، ثم جاء أبو هلال العسكري — الذي ذكرناه
سابقًا — وأوصلها إلى سبعة وعشرين. ولا زال يزيد من يأتي بعد، حتى أوصلها زكي الدين بن أبي الإصبع في كتاب له اسمه «التحرير» إلى
تسعين.

ولم تزد البلاغة كثيرًا، ولا النحو، ولا الصرف، ولا اللغة عما تكوَّن في هذا العصر الذي نؤرخه، وكل ما فعله المتأخرون إنما هو جمع لمتفرق،
أو تفريق لمجموع، أو شرح لغامض، أو تحديد لمتشتت، وفي آخر الأمر فقدت هذه العلوم روحها، وأصبحت أدوات جافة
لا طعم لها.

وعلى الجملة، فإن العلماء جدوا في هذه الفروع كلها، وتحمسوا لها، بداعي خدمة القرآن، وتبيين ما فيه؛ فالنحويون — مثلًا — اجتهدوا في
إعراب القرآن، ومن هؤلاء الكسائي، والفراء، والزجاج، وكان نحوهم مشتملًا على أشياء بيانية، كأسباب الذكر والحذف،
والتقديم والتأخير، وبعضهم اشتغل بمجاز القرآن، ككتاب أبي عبيدة المسمى «مجاز القرآن»، وقد أخذ منه البخاري كثيرًا في صحيحه في باب
التفسير، والبيانيون جدوا في معرفة أساليبه التي سببت الإعجاز، حتى إن عبد القاهر الجرجاني سمى كتابه «دلائل
الإعجاز»، وألَّف أبو بكر الباقلاني كتابه المشهور في أسباب الإعجاز، فإن قلنا: إن هذه العلوم كلها كانت لخدمة القرآن، ومن أجله
نمت وترعرعت لم نكن بعيدين عن الصواب.
الفصل الخامس

الفلسفة
لم يكن العرب يعرفون الفلسفة؛ لأنها ليست من طبيعتهم، فقد اشتهروا بأنهم أهل لسن، لا أهل فلسفة عميقة، وهم أقرب إلى الحكمة منهم إلى الفلسفة،
ولكل منهما ميزة، إنما عرفوا الفلسفة بعد أن اختلطوا باليونان، والفرس، والهند، والروم، ونقلوا إليهم كتبهم الفلسفية،
وقد تنقلت الفلسفة الإسلامية في أدوار ثلاثة:
list of 3 items
الدور الأول: نقل نتف فلسفية من هنا، ومن هنا، كالذي يحكي عن خالد بن يزيد الأموي ونحوه.
والثاني: النقل المنظم من كتب فلسفية منسوبة إلى مؤلفيها، كالذي كان في عصر المأمون ومن بعده.
والدور الثالث: هو الدور الذي توضحت فيه هذه العلوم، وبدأ فلاسفة الإسلام يتفهمونها، ويعلقون عليها، ويزيدون فيها.
list end

وقد جاء عصرنا هذا، وقد تمَّ النقل تقريبًا، وبدأ المسلمون يستغلونها كما يظهر ذلك في مؤلفات محمد بن أبي بكر الرازي، ثم الفارابي، ثم ابن
سينا.

وقد كان موضوع الفلسفة إذ ذاك أوسع من موضوع الفلسفة اليوم، فقد كانت تشمل المنطق، والطبيعيات، والكيميائيات، والإلهيات، والرياضيات، والنفس
والاجتماع إلخ. ولكن على توالي العصور، بدأت علوم كثيرة تنفصل عن الفلسفة، وتستقل عنها، كالمنطق، وعلم النفس، وعلم
الاجتماع، وربما انفصلت علوم أخرى عنها واستقلت.

وأول ما بدأت الفلسفة في الإسلام بدأت النواحي العملية منها، كالطب والتنجيم لحاجة الملوك، والشعوب إليها، كالذي قال الغزالي: «أردنا العلم
لغير الله فأبى إلا أن يكون لله»، وهكذا بدأت الفلسفة لسد الحاجة من طب وتنجيم، وانتهت بحب البحث المجرد.

لقد بدأت الفلسفة شبه خرافية، بدأ علم الفلك بالتنجيم، وبدأ الطب بالوصفات الشائعة، ثم تحول كل ذلك إلى بحث منظم، لا يراد به إلا الحق،
فعلم التنجيم صار فيما بعد علم النجوم، وتحويل المعادن إلى ذهب أدى عندهم إلى علم الكيمياء، وهكذا.

وكلما تقدم الزمان كانت تتبلور الفلسفة، وصاروا يقصدون من علم الطبيعة معرفة العناصر التي تتألف منها المادة، والكيمياء تدرس القوانين التي
تتركب بموجبها عناصر المادة، وتبين لنا مقدار العناصر الموجودة في الكون، وعلاقة بعضها ببعض، ونحو ذلك.

وأهم من ذلك كله أن الفلسفة تتجاوز هذه الموضوعات المختلفة من مادة وتكوينها، وتريد أن تجمع نتائج العلوم كلها، وتنسق بينها كالذي يرى معارك
مختلفة فينظر إليها من طائرة، أو كجذور الشجرة بالنسبة إليها، فكل طائفة من العلماء تبحث في علمها، وتأخذ الفلسفة نتائجهم،
وتؤلف بينها، وتتعمق فيها.

والفيلسوف الحق من استطاع أن يضيف إلى ذلك تجربته الخاصة، وقد استفاد فلاسفة عصرنا هذا مما سبقهم، ومن الثقافات المختلفة التي نقلت إليهم،
فعدولها، ووفقوا بينها، ووصلوا من ذلك كله إلى نتائج باهرة، كانت معول الفلاسفة الأوروبيين في أول نهضتهم، وقد كان
قائدهم ابن سينا في طبه، والرازي في أبحاثه، والغزالي في إلهياته.

نعم، إن الأوروبيين بعد أن اعتمدوا على أكتاف الفلاسفة الإسلاميين طاروا من فوقهم، ووصلوا إلى أشياء لم تصل إليها الفلسفة الإسلامية. ومن
الأسف أن فلاسفتنا المسلمين لم يطيروا كما طار الغربيون، بل ظلوا يكرر الخلفُ ما قاله السلف، ولا يخرجون عما قالوه
إلا في قليل.

وأول ما ظهرت الفلسفة الإسلامية ظهرت في علم الكلام؛ ذلك أن الأمم غير الإسلامية من يهود أو نصارى أو وثنيين، أثاروا مسائل لم تكن تثار
من قبل كالجبر والاختيار، وعدل الله.

ووجدوا في الفلسفة منهلًا عذبًا لإرواء غليلهم، فتسلحت كل أمة بها، ولم يكتفوا ببحث المسائل، بل هاجموا الإسلام في بعض مسائله؛ فاضطرت طائفة
من المسلمين أن تتسلح بسلاحها وتدفع عدوانها، فكان هذا سببًا في وجود علم الكلام.

وكان المتكلمون أول من قام بهذه المهمة، وهؤلاء المتكلمون كان منهم بعض أهل السنة، لكن كان أقواهم وأشدهم بأسًا، وأكثرهم دفاعًا عن الإسلام
المعتزلة، حتى إن المعتزلة جعلوا المناظرة والمجادلة، وهذا النوع من الثقافة ركنًا كبيرًا من أركان الإسلام.

وهذا الموقف من المتكلمين، وأهل الأديان أثار في الجو مسائل كثيرة مثل: هل الشر يصدر عن الله؟ وما فائدة الشر في هذا العالم؟ وهل الله يقدر
على فعل الظلم؟ إلخ.

وكان علم الكلام هذا إرهاصًا للفلسفة، وأهم فرق بين علم الكلام والفلسفة أن المتكلم يؤمن أولًا بدينه، ثم يتلمس الدلائل والبراهين الفلسفية
لتقويته، والدفاع عنه، والرد على مخالفيه.

أما الفيلسوف فيدخل في هذه المسائل مجردًا عن كل اعتبار، وهو طوع الدليل حيثما يكن، فكان طبيعيًّا أيضًا أن تكون الكراهية سائدة بين المتكلمين
والفلاسفة، كما فعل الجاحظ المعتزلي مع الكندي أول فيلسوف؛ إذ هزأه في كتاب «الحيوان»، وسخر منه، وشهر به.

ولا بدَّ أن تكون هناك أمثلة كثيرة من هذا القبيل لم نقف عليها.

وكان من أشهر الفلاسفة في عصرنا هذا الفارابي، وإخوان الصفا، والبيروني، وابن سينا، فأما الفارابي فكان من أصل تركي، وكان فلاسفة الإسلام
على العموم يسلكون مذهبين؛ يُعرف أحدهما عند المناطقة بمذهب الاستنتاج، والآخر بمذهب الاستقراء، فالأولون يقررون القواعد
الكلية، ثم يستنتجون منها الجزئيات، كما تقول: الفاعل مرفوع، والمفعول منصوب، تطبق الأمثلة الجزئية على هذه القواعد، والآخرون يستقرون
الجزئيات، ثم يستنتجون منها القاعدة.

وكان المتكلمون أميل إلى طريق الاستقراء، والفلاسفة الأولون أميل إلى طريق الاستنتاج.

وكان الفارابي من فلاسفة الاستنتاج، ويسميهم «دِيبُور» الطبيعيين بهذا المعنى.

ولا يهمنا كثيرًا تاريخ حياته الشخصي بالتفصيل، وإنما يهمنا أمره الفلسفي، فقد ذكروا أنه تعلم الفلسفة على معلم مسيحي هو يوحنا بن هيلان،
وتعبيراته غامضة، ككل علم في أول أمره، حتى إن ابن سينا على عظمته اضطر — كما يقولون — إلى قراءة كتابه «ما بعد الطبيعة»
أربعين مرة ليفهمه، والتحق بمجلس سيف الدولة، ولازمه حتى مات.

ومن الأسف أن فلسفة اليونان نُقلت إلى العربية من غير تمحيص للمذاهب، ومعرفة نظريات كل فيلسوف على حدة، بل نُسب إلى أرسطو ما ليس على مذهبه،
وإلى أفلاطون ما ليس على مذهبه، حتى اضطر الفارابي أخيرًا إلى تأليف كتاب للجمع بين نظريات أفلاطون وأرسطو؛ مع أن الجمع
بينهما غير ممكن، كأنه يعتقد أن الفلاسفة الكبار منزهون عن الخلاف، ولم يكن يعبأ بالجزئيات كما ذكرنا، ولا يطيل الوقوف عندها.

وكان يعتقد أنه كل شيء فهو طبيب جسماني، وطبيب روحاني، وموسيقي بارع، وكان له فضل كبير في تقسيم العلوم وحصرها.

والفارابي أول فيلسوف إسلامي نظر إلى الفلسفة نظرة شاملة كاملة — كان الكندي قبله فيلسوف — وتحدث المعتزلة كالنظام، والجاحظ، وأبي هذيل
العلاف في مسائل من صميم الفلسفة، ولكن أحدًا منهم لم يعرض الفلسفة عرضًا وافيًا قبل الفارابي، وأتى من بعده كابن سينا
وابن رشد، فحذا حذوه، وقد قلَّد في هذا الشمول والتنظيم أرسطو من قبل، فلئن قالوا عن الكندي: إنه المعلم الثاني، فالأولى بهذا اللقب الفارابي.


ومن مزاياه نظرته الفلسفية إلى المجتمع، متأثرًا بقول أرسطو المشهور: «الإنسان مدني بطبعه»، فعنده أن المجتمع كالفرد، إذا تألم منه عضو
تأثر بهذا الألم سائر الأعضاء، وكذلك إذا تلذذ عضو تلذذ سائر الأعضاء.

وقد كان للفارابي ثلاثة منابع يستمد منها فلسفته؛ فالفلسفة اليونانية، وخاصة مذهب أفلاطون وأرسطو، والديانة الإسلامية، والعقل الذي يوفق
بين الفلسفة اليونانية بعضها مع بعض من جهة، وكلها مع الإسلام من جهة أخرى، وهذا التوفيق يحتاج إلى عقل قوي كبير؛ لأن
للفلسفة اليونانية مذاهب مختلفة جدًّا، يصعب التوفيق بينها، ولأن عماد الفلسفة العقل المطلق، وعماد الدين القلب. ومن أظهر أمثلة ذلك من
النوع الأول كتابه: «الجمع بين رأيي الحكيمين»، يعني: أفلاطون، وأرسطو، ومن النوع الثاني أنه ألَّف كتابه: «آراء أهل
المدينة الفاضلة»، فحاكى في أجزاء كثيرة منها أفلاطون في جمهوريته، وأبعد منها ما لا يتفق مع الإسلام اتفاقًا واضحًا، وزاد عليه أشياء كثيرة
من تعاليم الإسلام، مثال ذلك: الشروط التي شرطها في الإمام الذي يسيطر على مدينته الفاضلة، فقال: «ينبغي أن يكون هذا
الرئيس سليم البنية، قوي الأعضاء تامها، جيد الفهم والتصور، قوي الذاكرة، كبير الفطنة، سريع البديهة، حسن العبارة، محبًّا للعلم
والاستفادة، متحليًا بالصدق والأمانة، نصيرًا للعدالة، عظيم الإرادة، ماضي العزيمة، قانعًا، متجنبًا للذاته الجسمية»، وهذه
كلها مأخوذة من جمهورية أفلاطون.

وزاد عليها شرطًا استمده من الدين، وهو أنه لا بد لرئيس المدينة أن يسمو إلى درجة العقل الفعال، الذي يستمد منه الوحي والإلهام، والعقل
الفعال هو الله تعالى.

وعند الفارابي أن الوجود ينقسم إلى واجب الوجود، وممكن الوجود، وليس هناك غيرهما من الوجود، وطريق معرفتنا لله هو الموجودات التي تصدر عنه،
فمن الله الواحد يصدر الكل، وعند الله منذ الأزل صور الأشياء ومثلها، ويفيض عنه الوجود الثاني، أو العقل الأول، وهو
الذي يحرك الفلك الأكبر.

وتأتي بعد هذا العقل عقول الأفلاك الثمانية تباعًا، يصدر بعضها عن بعض، وهذه العقول هي التي تصدر عنها الأجرام السماوية، والعقول التسعة
هي التي تسمى ملائكة السماء.

وفي المرتبة الثالثة يوجد العقل الفعال، وهو المسمى أيضًا روح القدس، وهو الذي يصل العالم العلوي بالعالم السفلي.

وفي المرتبة الرابعة النفس، وكل من العقل والنفس لا تكون على حالة واحدة، بل تتكثر بتكثر أفراد الإنسان. وفي المرتبة الخامسة توجد الصورة،
وفي السادسة المادي أو الهيولا، وبهاتين تنتهي سلسلة الموجودات.

والمراتب الثلاث الأولى: الله، وعقول الأفلاك، والعقل الفعال، ليست أجسامًا، أما المراتب الثلاث الأخيرة، وهي: النفس، والصورة، والمادة،
فهي تلابس الأجسام، وإن لم تكن ذواتها أجسامًا.
?

والفارابي لا يقر ما يقال من أحكام النجوم، وأن الإنسان يتلقى المعرفة عن هذه العقول، وهو لا يدرك ما يدركه إلا بمساعدتها، والعقول يؤثر
كل منها في الذي يليه، بمعنى أن كلًّا منها يقبل فعل ما فوقه، ويؤثر فيما دونه. وقد سبق أنه قال: إن العقل الفعال في
الإنسان؛ ولكنه في موضع آخر يقول: إنَّ العقل الفعال هو عقل الفلك الأدنى؛ وهو فعال في العقل الإنساني، والعقل الإنساني منفعل به، ومفارقة
النفس للبدن تعطيها كل ما للعقل من حرية.

وعنده أنه لا تبلغ الأخلاق كمالها إلا في مدينة فاضلة؛ لأنَّ الإنسان مدني بطبعه كما ذكرنا. ونفوس أهل المدينة الجاهلة تكون خلوًّا من العقل،
وهي تعود إلى العناصر لتتحد من جديد بكائنات أخرى من الناس، أو الحيوانات الدنيا، «وهذا القول أشبه ما يكون بالقول
بالتناسخ»، والنفوس الضالة تلقى ما تلقاه النفوس الجاهلة، أما النفوس الخيرة فهي وحدها التى تبقى بعد مفارقتها الجسد، وتدخل العالم العقلي،
وكلما زادت درجتها في المعرفة عَلا مقامها بعد الموت بين النفوس، وزاد حظها من السعادة الروحية.

وأدى تعمق الفارابي في التوفيق بين الفلسفة والدين أن يضع نظرية في النبوة، ذلك أن الكلام في النبوة كان شائعًا بين مثبت لها ومنكر؛ ولذلك
ألفوا كثيرًا كتبًا سموها: «دلائل النبوة»، أو «أعلام النبوة» كما فعل الجاحظ، والقاضي عبد الجبار، وغيرهما.

وألَّف آخرون في نفيها، كما فعل ابن الراوندي، وأبو بكر الرازي، وغيرهما، فجاء الفارابي يدعي في النبوة أمرًا جديدًا، يثبته بالعقل الفلسفي؛
ذلك أنه ربط النبوة بالأحلام، ولذلك عقد في بعض كتبه فصلين متتاليين، أحدهما في الأحلام، والثاني في النبوة، وجعلهما
راجعين إلى القوة المخيلة في الإنسان، وربما أوحى إليه بذلك الإسلام نفسه، فقد جعل الإسلام الأحلام الصحيحة إرهاصًا للنبوة، وفي الحديث:
«أول ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصادقة، فكان النبيُّ إذا رأى الرؤيا جاءت مثل فلق الصبح واضحة صحيحة». وهو يرى أن
الأحلام تابعة لأحوال النائم العضوية والنفسية، وإحساساته في اليقظة، فهي تختلف فيما بينهما؛ لاختلاف العوامل المؤثرة فيها،
فالجائع يحلم أنه يأكل، والعطشان يحلم أنه يسبح في الماء، «وقد يتحرك الإنسان أثناء نومه تلبية لنداء عاطفته الخاصة، أو يجاوز
مرقده، ويضرب شخصًا لا يعرفه، أو يجري وراءه».

فإذا ارتقى الإنسان وإحساساته وتخيلاته، استطاعت مخيلته أن تشكل أحلامه بشكل العالم الروحاني، فيرى النائم السماوات وما فيها، ويشعر بما
فيها من لذة وبهجة، وقد تصعد المخيلة إلى هذا العالم، وتتصل بالعقل الفعال، وتتقبل منه الأحكام المتعلقة بالأعمال الجزئية،
والحوادث الفردية؛ وبذا يكون التنبؤ، وبه تفسر النبوة، ويقول الفارابي أيضًا: «إن القوة المتخيلة إذا كانت في إنسان ما قوية كاملة جدًّا،
وكانت المحسوسات الواردة عليها من خارج، لا تستولي عليها استيلاء يستغرقها بأسرها، ولا يستخدمها للقوة الناطقة، بل
كان فيها مع اشتغالها بهذين، فضل كثير تفعل به أيضًا أفعالها التي تخصها، وكانت حالها عند اشتغالها بهذين في وقت اليقظة مثل حالها عند
تحللها منها في وقت النوم، اتصلت بالعقل الفعال، وانعكست عليها منه صور في نهاية الجمال والكمال. وقال الذي يرى ذلك:
إن لله عظمة جليلة عجيبة، ورأى أشياء عجيبة لا يمكن وجود واحد منها في سائر الموجودات أصلًا، ولا يمتنع إذا بلغت قوة الإنسان
المتخيلة نهاية الكمال أن يقبل في يقظته عن العقل الفعال الجزئيات الحاضرة والمستقبلة، وسائر الموجودات الشريفة، فيكون له بما
قَبِله من المعقولات نبوءة بالأشياء الإلهية وهذا هو أكمل المراتب التي تنتهي إليها القوة المتخيلة، والتي يبلغها الإنسان
بهذه القوة».

وعيب هذه النظرية ربط النبوة بالخيال، كأن ما يراه النبي متخيل، وربما عُدَّ أيضًا من عيوبها، وإن كان غير واضح عد ما يراه النبي، وما يعدو
إليه من قبيل الخيال لا من قبيل رؤية الواقع، وهذا يضعف من شأن النبوة، ولكن من مزاياها ميلها إلى جعل النبوة مرتبطة
بالمواهب التي لبعض الناس، وهذا يوافق ما يقوله رجال الدين من أن النبوة منحة من الله لا مكتسبة.

ومع ذلك جرى على نظرية الفارابي هذه ابن سينا، وابن رشد، وبعض الشيعة في رسائلهم، وإخوان الصفا، والمتصوفة، وقد نشأ من اعتقاد المتصوفة
بهذه النظرية إعلاء شأن الأولياء حتى قاربوا الأنبياء، فلما لم يكن الغزالي فيلسوفًا، وكان سُنيًّا لم يرض عن نظرية
الفارابي، وفنَّدها في كتابه «تهافت الفلاسفة»، فقال: «إنَّ النبيَّ يستطيع الاتصال بالله مباشرة، أو بواسطة مَلك من الملائكة دون حاجة
إلى قوة متخيلة خاصة، أو أي فرض آخر من الفروض التي يفترضها الفلاسفة».

وعلى كل حال، كان لنظرية الفارابي هذه في النبوة أثر كبير في المسلمين قلدوها، وأعادوها، وشرحوها، أو ردوا عليها وفندوها.

فنحن إن قلنا: إن الفلسفة الإسلامية وضعت أصولها على يد الفارابي في القرن الرابع، ولم يكن ما جاء بعدها في القرن الخامس وما بعده إلا شرحًا
وتفسيرًا، وتعليقًا لم نبعد.

وقد بحث الفارابي فيما بحث نظرية السعادة، وهي نظرية اهتم بها أرسطو من قبل، وظل الفلاسفة يزيدونها شرحًا وتوسيعًا إلى يومنا هذا، ما هي
السعادة؟ وما علاقتها باللذة؟ وهل السعادة إلا اللذة؟ حتى إن بنتام، وجون استوارد مِل ألَّفا كتابين عظيمين في السعادة،
وأنها هي اللذة، وأن لا شيء يسبب السعادة إلا اللذة، وكل شيء تزيد لذائذه عن آلامه سمي فضيلة، وكل شيء تزيد آلامه عن لذائذه سمي رذيلة،
وما مقياس الأخلاق الفاضلة، والرذائل، والجرائم إلا ما يتبع العمل من لذة أو ألم.

وكان ممن أدلوا بدلوهم في هذا الموضوع الفارابي في كتبه؛ فبحث السعادة، وشروطها، ودرجاتها، وأبان كما أبان بعده الفلاسفة المحدثون أن اللذة
العقلية والروحانية خير من اللذات المادية الجسمية.

ونظرة الفارابي إلى السعادة نظرة صوفية متأثرة بطرق معيشته، فإذا كان العقل أرقى من الجسم، كانت السعادة الناشئة عن العقل خيرًا من السعادة
التي تنشأ عن الجسم، يقول في بعض كتبه: «والسعادة هي أن تصير نفس الإنسان من الكمال في الوجود بحيث لا تحتاج في قوامها
إلى مادة، وذلك أن تصير في جملة الأشياء البريئة عن الأجسام، وفي جملة الجواهر المفارقة للمواد … والسعادة هي الخير المطلوب لذاته، وليست
تطلب أصلًا ولا في وقت من الأوقات لينال بها شيء آخر، وليس وراءها شيء آخر أعظم منها، يمكن أن يناله الإنسان، والأفعال
الإرادية التي تنفع في بلوغ السعادة هي الأفعال الجميلة، والهيئات، والملكات التي تصدر عنها هذه الأفعال هي النقائض، والرذائل،
والخسائس».

وعلى الجملة، فلو جُمعت كتب الفارابي، ورتبت وبُوبت لكان منها دائرة معارف فلسفية واسعة، فما وضعه الفارابي من أسس فلسفية أكثر مما وضعه
ابن سينا، وابن رشد، وأمثالهما.

ثم كان هناك عالم آخر من طراز آخر غير الفارابي، وهو أبو الريحان البيروني، وهو وإن توفي في القرن الخامس إلا أنه أزهر في القرن الرابع،
فقد كانت ولادته سنة ????، وهو ينسب إلى بيرون، إحدى ضواحي مدينة خوارزم، وقلنا: إنه من طراز آخر؛ لأنه لم يشغل بالإلهيات،
والنظريات المنطقية كما شغل الفارابي، ولكنه شغل بالجغرافيا والفلك، وأحوال الأمم، فهو عملي أكثر منه نظريًّا، وميزته الكبرى أنه وجَّه
همَّه إلى دراسة الهند — ديانتها، ورياضياتها، وفلسفاتها، وعقائدها، وتقاليدها — ومكث في هذه الدراسة
أربعين عامًا منذ صحب محمودًا الغزناوي فاتح الهند، واضطرته الرغبة في تعرف الهند إلى تعلم لغاتها السنسكريتية، وألَّف في ذلك كُتبًا لا
يزال يُعتمد عليها في معرفة الهند إلى اليوم، من أهمها كتاب «تحقيق ما للهند من مقولة، مقبولة في العقل أو مرزولة»،
قارن فيه بين رياضيات الهند، ورياضيات اليونان، وفضل الثانية على الأولى، كما قارن بين فلسفة الهند وفلسفة اليونان، وبادل الهنود معرفة
بمعرفة، وكان من مزاياه أيضًا عمق نظره، وسعة أفقه، وكثرة علمه بأحوال الأمم، وعدم تعصبه، لا يمنعه اعتقاده عن إنصاف
مخالفه، فهو مثال للعالم الصحيح في الشرق والغرب.

وقد راسل ابن سينا، وراسله ابن سينا رسائل تدل على قدرته، وتمكنه من الفلسفة، أما رسائل ابن سينا إليه فهي بين أيدينا؛ وأما رسائل البيروني
إليه فموجودة في فارس لم نطلع عليها.

وللبيروني في الفلك كتابه الهام، وهو «القانون المسعودي في الهيئة والتنجيم»، يقول: إنه يشتمل على كل نواحي الفلك، على نحو لم يسبق إليه،
وفيه كثير من علم الجغرافيا، ولم يخلُ علم لم يؤلف فيه حتى المختارات من الأدب العربي، وقد صرح في بعض كتبه أنه يفضل
العربية على الفارسية؛ لأن العربية أكثر طواعية للعلم، ومصطلحاته من الفارسية. ويروى عنه أنه قال: «لأن أُهجَى بالعربية خير من أن أُمدح
بالفارسية»، وألَّف أيضًا في طبيعة الأحجار الكريمة كتابًا سمَّاه «الجماهر في الجواهر»، وهو يُحكِّم العقل في التاريخ،
فلا يقبل منه إلا ما وافق العقل، كما فعل ابن خلدون فيما بعد، ويؤمن بأن للطبيعة قوانين ثابتة لا تتغير، ويحكي ابن خلكان أنه وهو يحتضر
دخل عليه عالم فقيه يعوده، فسأله البيروني: عن مسألة مشكلة عليه من ميراث ذوي الأرحام، فقال له الفقيه: أفي مثل هذا
الوقت؟ فقال له البيروني: «لأن ألقى الله عالمًا بها خير من أن ألقاه جاهلًا بها». قال الفقيه: فما وصلت إلى الباب حتى فاضت روحه، وهو
يدل على عقل جبار ينفر من الجهل بأي شيء.

ومنهجه في البحث العملي يشبه ما ذهب إليه مسكويه فيما بعد، مع الفرق بينهما في قوة العقل عند البيروني أكثر من مسكويه.

وعلى الجملة، فقد كان البيروني عَلَمًا من أعلام العلماء الذين جَادَ بهم القرن الرابع، وقلَّ أن يجود الزمان بمثله.

وبلغت الفلسفة الإسلامية ذروتها في عهد ابن سينا، وقد ولد ونشأ في عصرنا هذا؛ إذ قد وُلد في سنة ????، وكان له عدة اتجاهات، فهو قصصي قصصًا
فلسفية، كقصة حي بن يقظان، ورسالة الطير، وقصة سلامان وأبسال، وهو شاعر كما يتجلى في أرجوزته الطبية:

للزنج حرّ غير الأجسادا
حتى كسى جلودها سوادا

وكما يتجلى في قصيدة النفس المنسوبة إليه، ومطلعها:

هبطت إليك من المحل الأرفع

إلخ.

وهو متصوف في بعض رسائله، ولكن قوة عقله، وقوة مزاجه منعتاه من التقدم الكبير في التصوف، وإنما قيمته الحقيقية في فلسفته، وقد بذل جهدًا
كبيرًا في التوفيق بين فلسفة أرسطو، والأفلاطونية الحديثة، والإسلام، وهو يدور في فلسفته كثيرًا على نظرية السعادة،
وهو يعتقد أن الخير يفيض على العالم من المبدع الأول، وكل الموجودات سابحة في بحر من الخير، وكل منها ينال من الخير ما هو جدير به، وما
هو موافق له، وهذا النظام الذي في الكون هو أحسن نظام يمكن أن يكون عليه الوجود، وهذا العالم هو أحسن العوالم التي
يمكن أن يتصورها العقل، وبحث في: كيف وجد الشر في هذا العالم؟ وما هي حكمة الله من وجوده؟ وكيف فاض الشر عن المبدع الأول، وهو خير مطلق؟
وهل تتولد الظلمة من النور، أم ينشأ النقص عن الكمال؟ أليس من الشر أن يحرق بالنار ثوب الفقير المعدم؟ أليس من الشر
أن يموت الطفل، وليس لأبويه ولد غيره؟ أليس من الشر أن يحرم الإنسان ما يستطيع إدراكه من الكمال؟ ألم يكن في وسع المبدع الأول أن يوجد خيرًا
مطلقًا مبرأ من الشر، وأن يبدع اللذة، ولا يخلق الألم، وأن يبدع النور، ولا يخلق الظلمة؟! وبنى إجاباته على أن هذا
العالم الذي نحن فيه عالم كون وفساد، وهو يقتضي وجود الخير مع الشر، وعنده أن الخير من طبيعة الوجود، والشر من طبيعة العدم، وهو
يرى أن كل شيء جميل، كالذي يقول ابن المعتز:

قلبي وثَّاب إلى ذا وذا
ليس يرى شيئًا فيأباه
يهيم بالحسن كما ينبغي
ويرحم القبح فيهواه

وعنده أن اللذات تنقسم إلى عالية وخسيسة، فهو يقول: «لا يجب أن يتوهم العاقل أن كل لذة كلذة الحمار».

نعم، إن للبهائم حالة طيبة ولذيذة، ولكن أية قيمة لهذه الحالات الطيبة الخسيسة إذا نسبت إلى اللذات العالية، فالجاهل الذي لا يدرك اللذات
العالية، ولا يشعر بها أشبه بالأصم الذي لا يدرك الألحان اللذيذة، فعنده أن اللذات المعنوية أفضل من اللذات المادية،
ولذلك كان في قصصه الثلاث المتقدمة يرى أن كمال الإنسان في تحرره من الشهوات البهيمية؛ لأن اشتغال النفس بالشهوات، واتصالها بالمادة يمنعانها
من الالتفات للملأ العالي، وعنده أن النفوس تنقسم إلى مراتب، وخيرها النفوس التي تترفع عن الأمور المحسوسة، وتتطلع
إلى المثل العليا؛ فتدرك من السعادة ما لا يخطر على قلب من ينزع إلى المادة، وقد وصف الرجل الراقي بأنه: «هشٌّ بشٌّ بسَّام، يبجل الصغير
من تواضعه، كما يبجل الكبير، وينبسط من الخامل كما ينبسط من النبيه، ولا فرق عنده بين الكبير والصغير؛ لأنه يعرف الحقَّ
في كل منهما، ولا يعرف الطمع سبيلًا إلى قلبه، وهو لا يفرح لوجود الشيء، ولا يحزن على فواته، وهو لا يعنيه التجسس، ولا التحسس،
وهو لا يستهويه الغضب عند مشاهدة المنكر، وإذا أمر بالمعروف أمر برفق الناصح، لا بعنف المعيِّر، وهو شجاع، لا يخاف الموت، جواد،
صفاح للذنوب، نفسه أكبر من أن تجرحها ذلة بشر، نسَّاءٌ للأحقاد، يفضل التقشف على الترف»، فهو كأنه يصف بذلك الإنسان
الكامل. «وإذا أمعن المريد في رياضة نفسه بلغ مبلغًا يصير فيه المخطوف مألوفًا، والوميض شهابًا، وإذا ارتقى أكثر من ذلك قرب من الله، فيتمثل
فيه جمال المبدع، وتفيض عليه اللذات الحقيقية، ويغيب عن نفسه، فلا يرى إلا المعبود المبدع، ولا يلحظ إلا جمال الحق،
وينسى نفسه، وإن لحظ نفسه، فمن حيث هي لاحظة، لا من حيث هي ذات زينة. وهناك درجات يضيق عنها العاقل، ولا يحاول أن يعبر عنها، بل الذي لابسته
تلك الحالة لا ينبغي أن يزيد على أن يقول:

وكان ما كان مما لستُ أذكره
فظُنَّ خيرًا ولا تسأل عن الخبر».

وفي هذا — كما ترى — أسس من الأسس التي بني عليها ابن طفيل قصته «حي بن يقظان»، وفلسفته ممزوجة بالتصوف والتقشف، وبالحياة الروحية، وهو
متفائل مؤمن بالإنسان، ويكتب وصية في كتابه «الإشارات» يقول فيها: «إنه يجب صون هذا العلم — أي الفلسفة — وحفظه، وعدم
إذاعته بين الناس»، ويقول: «إني قد مخضت لك في هذه الإشارات عن زبدة الحقِّ، وألقمتك الحكم في لطائف الكلم، فصنه عن الجاهلين والمبتذلين،
فإن أذعت هذا العلم أو أضعته، فالله بيني وبينك، وكفى بالله وكيلًا».

وكان ابن سينا سياسيًّا عمليًّا، وفيلسوفًا نظريًّا، وكان ناجحًا في الفلسفة، فاشلًا في السياسة، وهو يؤمن بخلود النفوس الفردية، وقد ألمَّ
بكل معارف عصره، وكتبه إذا رُتبت كان منها دائرة معارف فلسفية. ولمع اسمه في الطب بصفة خاصة، وكان كتابه «القانون في
الطب» معول الغربيين في جامعاتهم إلى عهد قريب، حتى إنه طُبع باللاتينية ست عشرة مرة في القرن الخامس عشر، وعشرين مرة في القرن السادس عشر،
وحلَّت كتبه في المشرق والمغرب محل كتب أرسطو، وقد اختلفت فلسفته عن فلسفة أرسطو في مسائل كثيرة، خصوصًا ما لا يتفق
من فلسفة أرسطو مع الإسلام، فإله أرسطو لا يعقل إلا ذاته؛ أمَّا إله ابن سينا فيعقل ذاته، ويعقل الماهيات الكلية، كما يدرك الجزئيات،
ولكن من حيث هي كلية، كذلك ألَّف في المنطق كتاب «منطق المشرقيين»، وخالف فيه أحيانًا منطق أرسطو، وردَّ عليه، وهو يتبع
الفارابي في المنطق، وفي نظرية المعرفة، وفي مسألة الكليات.

وعنده أن الأحداث الأرضية تتأثر بالأجرام السماوية، لا عن طريق الحرارة المنبعثة منها، وإنما عن طريق ما تشعه من الضوء، وهو في ذلك يقول
ما تقول به الأفلاطونية الحديثة، وظلَّ ابن سينا مؤثرًا في الفلسفة في القرون التي بعده في الشرق والغرب على السواء،
والنابغة النابه هو من يفهم فلسفته، ولا يزال العلم ينتظر من يحقق لنا: أي النظريات أخذها عن اليونان أو الهنود، وأيها خالصة له، ومن مبتكراته.


ومات ابن سينا سنة ????، فأغلب نتاجه كان في عصرنا الذي نؤرخه، وقد شلَّ العقول الإسلامية بفلسفته، فلم تبتكر إلا القليل.

وقد أُقيم قريبًا مهرجان في بغداد لابن سينا لمرور ألف سنة على ميلاده، وقبله أقيم مهرجان في تركيا، وتزمع فارس على إقامة مهرجان له، وتدعيه
روسيا؛ لأنه من تركستان الداخلة في نطاقها. والحقُّ أن العالم ينبغي ألا تقتصر نسبته على قطر معين؛ بل هو ملك شائع
للأمم كلها، كما هو شأن العلم والفلسفة نفسهما، وهو له نواح متشعبة؛ فولادته في تركستان، وثقافته عربية إسلامية، وقد ألَّف بالعربية والفارسية،
فله جوانب متعددة، فيجب ألا تقتصر نسبته على أُمَّةٍ بعينها.

إخوان الصفاء

وأمَّا إخوان الصفاء، فهي جمعية سرية نشأت في البصرة، وكان لها فروع في أكثر البلاد كما جاء في الرسائل، فالبصرة قديمًا من عهد الحسن
البصري كانت منشأ لمذاهب متعددة؛ فأول الصوفية تلاميذ الحسن البصري الذي كان يقيم في البصرة، والمعتزلة نشأت
من تلاميذ الحسن البصري، ونشأت فيها مدرسة كبيرة نحوية تُسمى مذهب البصريين، وهي تضارع مذهب الكوفيين. وهذه هي إخوان الصفاء، تنشأ في
البصرة، والمصدر الوحيد الذي عرفنا منه مؤسسيها، هو قول أبي حيان في كتابيه، «الإمتاع والمؤانسة»، و«المقابسات»
الذي نقله عنه القِفطي؛ إذ سأل وزير صمصام الدولة أبا حيان في حدود سنة ????، فأجاب أبو حيان: إن زيد بن رفاعة أقام في
البصرة زمنًا طويلًا، وصادف بها جماعة «جامعين لأصناف العلم، وأنواع الصناعة، منهم أبو سليمان البُستي، ويعرف بالمقدسي،
وأبو الحسن الزنجاني، وأبو أحمد المهرجاني، والعوفي، وغيرهم، وكانت هذه العصابة قد تألفت بالعشرة، وتصافت بالصداقة،
واجتمعت على القدس والطهارة والنصيحة، فوضعوا بينهم مذهبًا زعموا أنهم قربوا به الطريق إلى الفوز برضوان الله، وذلك أنهم قالوا: إن
الشريعة قد دُنست بالجهالات، واختلطت بالضلالات، ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة؛ لأنها حاوية للحكمة
الاعتقادية، والمصلحة الاجتهادية، وصنفوا خمسين رسالة في جميع أجزاء الفلسفة علمها وعملها، وسموها «رسائل إخوان الصفاء»،
وكتبوا فيها أسماءهم، وبثوها في الورَّاقين، ووهبوها للناس.

قال الوزير: هل رأيت هذه الرسائل؟ قال: قد رأيتُ جملةً منها، وهي مبثوثة من كل فن، بلا إشباع، ولا كفاية، وهي خرافات، وكنايات وتلفيقات،
حملت عدة منها إلى شيخنا أبي سليمان المنطقي، وعرضتها عليه، فنظر فيها أيامًا، وتبحرها طويلًا، ثم ردها عليَّ
وقال: نقبوا وما أغنوا، ونصبوا وما أجروا، وحاموا وما وردوا، ظنوا أنه يمكنهم أن يدسوا الفلسفة «التي هي علم النجوم، والأفلاك، والمقادير،
وآثار الطبيعة، والموسيقى، والمنطق في الشريعة، وأن يربطوا الشريعة بالفلسفة، وهذا مرام دونه سدد، وقد تورك
على هذا قبل هؤلاء قوم كانوا أحد أنيابًا، وأحضر أسبابًا، وأعظم أقدارًا، وأرفع أقطارًا، وأوسع قوى، وأوثق عُرى، فلم يتم لهم ما
أرادوه، ولا بلغوا ما أملوه، وحصلوا على لوثات قبيحة، ولطخات موحشة، وعواقب مخزية»، فيُفهم من هذا النصِّ:
list of 3 items
(?) أن منهجهم ربط الفلسفة بالدِّين، وهو منهج لم يرتضه أبو سليمان؛ لأن للدين منطقه، وللفلسفة منطقها.

(?) «أن قومًا كانوا أحد منهم أنيابًا، وأوسع منهم عقلًا حاموا حول هذه الطريقة، ولم يفلحوا»، فلعله أراد بهم فحول المعتزلة،
أمثال أبي هذيل العلاف، والنظام، والجاحظ، وأمثالهم.

(?) «أنهم فشلوا كما فشل مَن قبلهم».
list end

فعنده أن للدين منهجًا، وللفلسفة منهجًا آخر مخالفًا له، فمنهج الدين مخاطبة المشاعر، مثل قوله تعالى: أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى
الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتَْ
* وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ.

أما منهج الفلاسفة، فيعتمد على المقدمات، والنتائج المنطقية، من مثل قولهم: العالَم حادث، وكل حادث لا بدَّ له من محدث، فالعالم لا
بدَّ له من محدث، فما أبعد الفرق بين المنهجين، والتوفيق بينهما هو الذي قصد إليه إخوان الصفاء.

ومن أكبر هذه الجماعة زيد بن رفاعة كما ذكرنا، وقد سُئل عنه أبو حيان فقال: «هناك ذكاء غالب، وذهن وقاد، ومتسع في قول النظم والنثر،
مع الكتابة البارعة في الحساب والبلاغة، وحفظ أيام الناس، وسماع المقالات، وتبصر في الآراء والديانات، وتصرف
في كل فن». وقد سُئل أبو حيان عن مذهب زيد بن رفاعة هذا فقال: «لا ينسب إلى شيء، ولا يعرف برهط؛ لجيشانه بكل شيء، وغليانه بكل باب،
ولاختلاف ما يبدو من بسطته ببيانه، وسطوته بلسانه، وقد أقام بالبصرة زمانًا طويلًا، وصادف بها جماعة جامعة
لأصناف العلم، وأنواع الصناعة». وهذا القول يبين مهارة إخوان الصفاء، وتبحرهم في علومهم، وعدم اقتصارهم على مذهب معين.

وقد ظنَّ قوم أن من بين إخوان الصفاء هؤلاء أبا العلاء المعري، وأبا حيان التوحيدي، وابن الراوندي.

أمَّا أبو العلاء فلأنه لما ذهب إلى بغداد رأى هناك مجمعًا فلسفيًّا خاصًّا، يجتمع يوم الجمعة من كل أسبوع بدار عبد السلام البصري،
أمين مكتبة سابور بن أردشير. وهذا هو النظام الموضوع لإخوان الصفاء، فإن أتباعهم مأمورون أن يجتمعوا كل أسبوع
للمدارسة والمذاكرة، فالمعقول أن يكون المجتمعون هم أتباع إخوان الصفاء، وقد قال أبوالعلاء نفسه:

تهيجُ أشواقي عروبة:
?
إنها
إليك زوتني عن حضورٍ بمجمَع

ويقول في موضع آخر:

كم بلدةٍ فارقتُها ومعاشر
يذرون من أسفٍ عليَّ دموعا
وإذا أضاعتني الخطوبُ فلن أرى
لودادِ إخوان الصفاء مُضيعا
خاللت توديعَ الأصادق للنَّوى
فمتى أودع خلِّي التوديعا

غير أننا نرى كلمة إخوان الصفاء هنا في أبيات أبي العلاء ليست تنطبق تمامًا على هؤلاء الجماعة؛ ولكنه وصف عام لكل أصدقائه وإخوانه،
أمَّا المجمع فلا نستبعد أنه هو مجمع فرع إخوان الصفاء، غير أننا نرى أن أبا العلاء قد قطع صلته بالعالم، وبالجمعيات
منذ عاد إلى بغداد كسير النفس، كاسف البال، رهين المحبسين، وتدل عيشتُه بالمعرَّة بعد ذلك على نوع من المعيشة الانفرادية القاسية التي
لا تسمح بأن يكون عضوًا في جماعة.

وأمَّا أبو حيان، فقد كان الظنُّ أنه من هذه الجماعة؛ لأنه عرف بعض أسماء الجماعة الأصلية، وعرفنا بهم، ولأنه كإخوان الصفاء يؤلف في
الصداقة، ويشيد بذكرها، شأن إخوان الصفاء، لولا أنه — كما رأينا — يعيب رسائل إخوان الصفاء بالتقصير والتلفيق،
فهل هو يقول ذلك تقية، أو بناء على اعتقاد؟ … لم نتأكد بعد من ذلك.

وأمَّا ابن الراوندي فلشهرته بالجرأة والزندقة.

وهذه الجمعية السرية وضعت لنفسها منهجًا دقيقًا، فكانت ترسل رسلها إلى من تتوسم فيهم الخير من كل البلاد، وتدعوهم إلى الدخول في جماعتهم،
وتوجه اهتمامًا كبيرًا إلى الشبان؛ لعلمهم أن الشبان أقرب إلى قبول الدعوة من الشيوخ، وأنهم بجانب ذلك أشد
سواعد، وأقوى منَّة.

وهم يطلبون من أتباعهم في أي قطر يعينوا وقتًا دوريًّا يجتمعون فيه، ويتذاكرون العلم، وشئون الإخوان، يقولون: «ينبغي لإخواننا — أيدهم
الله — حيث كانوا من البلاد أن يكون لهم مجلس خاص يجتمعون فيه في أوقات معلومة، لا يداخلهم فيه غيرهم، يتذاكرون
فيه علومهم، ويتحاورون فيه أسرارهم، وينبغي أن تكون مذاكراتهم أكثرها في علم النفس، والحس والمحسوس، والعقل والمعقول، والنظر
والبحث عن أسرار الكتب الإلهية، والتنزيلات النبوية، ومعاني ما تضمنتها موضوعات الشريعة، وينبغي أيضًا أن يتذاكروا
العلوم والرياضيات الأربع، أعني: العدد، والهندسة، والتنجيم، والتأليف «الموسيقى».
?

وكانوا يرتبون أعضاء الجماعة مراتب أربعًا حسب تفرقهم في القوى العقلية والسن، فالمرتبة الأولى هم الذين أتموا خمس عشرة سنة من العمر،
فتنبهت فيهم القوة العاقلة، وهم يتميزون بصفاء جوهر النفس، وجودة القبول، وسرعة الميل إلى التصوف. والثانية:
الإخوان الأخيار الفضلاء، وهم الذين بلغوا ثلاثين سنة، وميزتهم مراعاة الإخوان، وسخاء النفس، وإعطاء الفيض، والشفقة والرحمة، والتحنن
على الإخوان. والطبقة الثالثة: الإخوان الفضلاء الكرام، وهم الذين بلغوا أشدهم، وبلغوا أربعين سنة، فتنبهت
فيهم القوة الناموسية، الواردة بعد مولد الجسد بأربعين سنة.

والطبقة الرابعة: هم الذين بلغوا الخمسين، والمقصود من هذه الدرجة هو المقصود من جميع رياضات النفس، وفيها تبلغ النفس من القوة منزلة
تشاهد فيها الحق عيانًا، وتتصل بملكوت السماوات، وتدرك حقائق القيامة والبعث والحساب، ومجاورة الرحمن.

وهم ينصحون الرسل بنصائح دقيقة فيقولون: «ينبغي لإخواننا — أيدهم الله — حيث كانوا في البلاد إذا أراد أحدهم
أن يتخذ صديقًا مجددًا، أو أخًا مستأنفًا أن يعتبر أحواله، ويتعرف أخباره، ويجرب أخلاقه، ويسأله عن مذهبه واعتقاده؛ ليعلم هل يصلح للصداقة،
وصفاء المودة، وحقيقة الأخوة أم لا؟ … وأن ينتقده كما ينتقد الدراهم والدنانير، والأرضين الطيبة التربة، للزرع
والغرس، وكما ينتقد أبناء الدنيا في أمر التزويج، وشراء المماليك».
?

وكان أمامهم في تأليف هذه الرسائل منهجان: الأول: أن يكلفوا الأخصائيين بأن يجمع كل أخصائييهم مادة رسالته ومعلوماتها، ثم يكون المحرر
واحدًا، ولكن عيب هذه الطريقة أن المحرر ما لم يكن أخصائيًا في العلم الذي يحرره لا يحسنه، فكيف يكتب في النجوم
من لم يكن فلكيَّا. والمنهج الثاني: أن يكثر المحررون، فيكتب كل محرر رسالة أو أكثر في اختصاصه، ونرجح أن يكون المنهج الثاني هو الذي
اتبعوه، بدليل اختلاف الأساليب، وبدليل تعدد الحكايات والإشارات، ولو كان المؤلف واحدًا لأحال عليها ولم يعدِّدها.


نقول هذا وإن كان الشَّهْرَزُوري في كتابه «نزهة الأرواح» يقول: «إن ألفاظ رسائل إخوان الصفاء هي للمقدسي، فلا نظن ذلك صحيحًا، فلو
كانت لمؤلف واحد لم يكن فيها هذا التكرار المعيب».

ثم بنوا رسائلهم على الرموز، فالصلاة والزكاة، والصوم والحج، والبعث ويوم القيامة، ومحمد وعلي، وغير ذلك كلها رموز إلى أشياء معنوية.


وحملهم على كتابة هذه الرسائل أن لهم أتباعًا متفرقين في البلاد يحتاجون إلى تعليمهم، ولو كانوا كلهم بينهم ما احتاجوا إلى ذلك، وألفوا
على هذا النمط إحدى وخمسين رسالة، في الرياضيات، والإلهيات، والأخلاق، وغير ذلك، وكانوا عادة يتعاطفون مع القارئ،
ويخاطبونه في رفق ودعة، ويخاطبونه دائمًا: بيا أيها الأخ، أو أيها الأخ الفاضل، ويدعون له، ويحببونه في المطالعة.

وهم عادة عندما يختمون رسالة يبشرون بموضوع الرسالة التي تليها، وفي أول كل رسالة ينوهون بالرسالة التي قبلها.

وذكروا أنهم بعد أن يتموا هذه الرسائل، سيذكرون رسالة ثانية وخمسين يضعون فيها خلاصة كل الرسائل، ويحلون فيها رموزها، ولكنها ليست مطبوعة
في هذه الرسائل؛ إنما طبعت رسالة في الشام اسمها «الرسالة الجامعة»،
?
وقد نسبت إلى المَجرِيطي الأندلسي، وقد وصلني منها الجزء الأول، ولما يصلني الثاني، وبقراءتي له تبينت أن هذه الرسالة الجامعة ليست
للمجريطي هذا، وإنما هي الرسالة التي يعِدُ بها إخوان الصفاء، فقد لخصوا فيها رسائلهم؛ وحلوا فيها رموزهم؛
وربما يتضح ذلك أكثر إذا قرأت الجزء الثاني.

ما الغرض من هذه الرسائل؟ أسياسي هو، أم شيعي إمامي، أم شيعي قرمطي، أم غير ذلك؟ احتار الباحثون عند إجابتهم على هذا السؤال — نعم:
إن في بعض مواضعها إشارات إلى التشيع، ولذلك نسبها بعضهم إلى جعفر الصادق الإمام المعروف.

وقال الإمام ابن تيمية — في فتاويه عند الكلام على الباطنية الإسماعيلية: «إنهم يبنون قولهم على مذهب المتفلسفة، كما فعل أصحاب رسائل
إخوان الصفاء»، ونرى فيها شواهد على هذا التشيع، مثل قولهم في أهل البيت: «وهذه الولاية المخصوصة لأهل بيت
الرسالة، لا يحتاجون فيها إلى مدبرين غيرهم، وإلى علماء سواهم، ولا يطلع الناس على أسرارهم».
?
ويقولون في موضع آخر: «واعلم يا أخي أن البيت الذي فيه سر الخلافة، وعلم النبوة، هو البيت الذي وسموا أهله بالسحر العظيم؛ لما يظهر
منه من الآيات، ويعلمونه من المعجزات، فلم يجد أعداؤهم حالًا يضعون بها من منازلهم، لما عجزوا عن العمل بمثل
ما يعملونه، وجهلوا العلم الذي يعلمونه، إلا أن قالوا: إنهم سحرة، وإن لهم أعوانًا من الجن يمدونهم بذلك، وهيهات؛ حيل بينهم وبين ما
يشتهون، إن هو إلا علم إلهي، وتأييد رباني، تنزل به ملائكه كرام كاتبون، وحفظة حاسبون، يلقونه بأمر الله، على
من اصطفاه من خلقه، وارتضاه لخلافته في أرضه».
?
وفي موضع آخر أوردوا حديثًا فيه تشيع مثل: «قيل: يا رسول الله، من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال: نعم، من قالها مخلصًا دخل الجنة.
قيل له: وما إخلاصها؟ قال: معرفة حدودها، وأداء حقوقها. فقيل: يا رسول الله، ما معرفة حدودها، وأداء حقوقها؟
فقال: نعم، أنا مدينة العلم، وعليّ بابها، فمن أراد ما في المدينة، فليأت الباب فيرشدهم إلى من يشرح لهم ذلك».
?

إلى كثير من أمثال ذلك، فكل من يقرأ مثل هذه النصوص، يفهم أنهم من الشيعة، خصوصًا وأنهم قسموا أتباعهم طبقات كطبقات الشيعة، وأمروا
دعاتهم أن يتلطفوا مع المدعو، وأن يخاطبوا كل مدعو بحسب ظروفه، شأن دعاة الشيعة.

ولكن نراهم في موضع آخر، ينكرون نظرية المهدي المنتظر، مع العلم بأنها أساس من أسس الشيعة، فكيف يكونون شيعة، وهم ينكرون ذلك؟ وقد عدوا
من الآراء الفاسدة من يعتقد أن إمامه مختف خوف مخالفيه، قالوا: «واعلم أن صاحب هذا الرأي يبقى طول عمره منتظرًا
لخروج إمامه، متمنيًا لمجيئه، مستعجلًا لظهوره، ثم يفني عمره، ويموت بحسرة وغصة، لا يرى إمامه».
?
فهذا يقضي أنهم ليسوا بشيعة صرف.

ويؤيد ذلك أن الأستاذ السيد محسن العاملي صاحب أعيان الشيعة مع اجتهاده في ترجمة من ينسب إلى التشيع، قال عند الكلام عليهم: «وكيفما
كان فلم يتحقق انتساب إخوان الصفاء إلى التشيع، ولا أنهم من موضوع كتابنا، وإنما ذكرناهم لنسبة بعض الناس لهم
إلى ذلك».

ونستخلص من كل ذلك أنهم جماعة متخيرون، يتخيرون من كل دين ومذهب ما يناسب عقليتهم، لا يتورعون من اقتباس من النصرانية، واليهودية، ووثنيي
اليونان، والفرس، والهند، وما يرون أنه معقول، فمن قال: إنهم سنيون سنية تامة فقد أخطأ، ومن قال: إنهم شيعة
شيعة تامة فقد أخطأ، ولكنهم من غير شك ميولهم شيعية.

ثم هل لهم غاية سياسية؟

الذي يظهر لي أنهم أومأوا إلى انحلال الدولة العباسية، وعدم صلاحيتها، إذ قالوا في إحدى رسائلهم: «إن كل دولة لها وقت منه تبتدئ، وغاية
إليها ترتقي، وحد إليه تنتهي، فإذا بلغت إلى أقصى غاياتها، ومنتهي نهاياتها، تسارع إليها الانحطاط والنقصان،
وبدا في أهلها الشؤم والخذلان، واستأنف الآخرون «المعارضون» القوة والنشاط، والظهور والانبساط … هكذا حكم الزمان في دولة أهل الخير،
ودولة أهل الشر، تارة تكون الدولة والقوة، وظهور الأفعال في العالم لأهل الخير، وتارة تكون لأهل الشر، وقد
نرى أنه قد تناهت دولة أهل الشر، وظهرت قوتهم، وكثرت أفعالهم في هذا الزمان.

وليس بعد الزيادة إلا الانحطاط والنقصان، واعلم يا أخي أن دولة أهل الخير يبدأ أولها من قوم علماء، حكماء، خيار، فضلاء، يجمعون على
رأي واحد، ويتفقون على مذهب واحد، ودين واحد، ويعقدون بينهم عهدًا وميثاقًا ألا يتجادلوا، ولا يتقاعدوا عن
نصرة بعضهم بعضًا، بل يكونون كرجل واحد في جميع أمورهم، وكنفس واحدة في جميع تدبيرهم، فيما يقصدون من نصرة الدين، وطلب الآخرة، لا يبتغون
سوى وجه الله، فهل لك في أن ترغب في صحبة إخوان لك نصحاء هذه صفتهم؟».
??
وقد حكوا مرة أنهم يؤملون «تجديد ملك في المملكة، وانتقال الدولة من أمة إلى أمة، ويشيرون إلى أنه وقع اختيارهم على رجل تتحقق فيه الشروط،
ولكن لم يتم مرادهم».
??

وأظن أنهم يشيرون بذلك إلى عضد الدولة ابن بويه، فقد اتسع ملكه في زمان إخوان الصفاء، وارتقب الناس زيادة سلطانه، فلا يبعد أن يكون
هو أملهم، وهو يحقق غرضهم، من نواح متعددة، فهو شيعي معتدل، لا كالفاطميين في مصر، فإنهم شيعة متطرفون، وهو
واسع الاطلاع في اللغة والأدب والفلك، حتى كان يناقش أستاذه أبا علي الفارسي في النحو، فيفحمه، وهو يشارك في العلوم الأخرى، وهو رجل
فيه جوانب خير كثيرة، بنى مستشفى، وأنفق عليه أموالًا طائلة، وهو الذي يقول فيه المتنبي لما قصده:

وقد رأيتُ الملوك قاطبة
وسِرت حتى رأيتُ مولاها
ومن مناياهم براحته
يأمرها فيهم وينهاها

وفيه يقول:

فقلت إذا رأيتُ أبا شجاع
سَلوتُ عن العباد وذا المكان
فإن الناس والدنيا طريق
إلى من ماله في الناس فاني

ويقول فيه آخر:

لقيته فرأيت الناس في رجل
والدهر في ساعة والأرض في دار

… إلخ.

ولكن مع هذا المجد كله كانت له هنوات ربما جعلته في نظر إخوان الصفاء أخيرًا ليس المثل الأعلى للملوك.

من كل ذلك نستنتج:
list of 3 items
(?) أنهم يعتقدون أن دولة زمانهم آخذة في الانحطاط، وأنها صائرة إلى الزوال، وهي الدولة العباسية التي تسيطر في زمنهم على
البصرة وما حولها.

(?) أنهم يرتقبون حكومة تشبه الحكومة التي دعا إليها أفلاطون فيما مضى، من تولية الفلاسفة، فهم عقلاء الأمة، ويجب أن يكونوا
حكامها.

(?) يظهر أيضًا أنهم ليسوا راضين عن حكومة الشيعة الفاطميين؛ لأن لهم بعض عقائد فاسدة في نظرهم، كالإمام المختفي، ولجور
بعضهم كبعض الخلفاء العباسيين.
list end

يستنتج من كل ذلك أنهم يريدون حكومة عادلة كل العدل، يكون على رأسها علماء صلحاء، أخيار، يتخذون العدل فيها عليهم وعلى أتباعهم، وهم
في كل مناسبة يشيدون بذكر العلم والمعرفة «والنظر في جميع الموجودات، والبحث عن مبادئها، وعلة وجدانها، ومراتب
نظامها، والكشف عن كيفية ارتباط معلولاتها»،
??
«وأن عبادة الله ليس كلها صلاة وصومًا، بل عمارة الدين والدنيا»،
??
«بل العبادة الشرعية ليست مقصودة لذاتها، بل هي إشارات إلى غاية قصوى»،
??
«والنجاة لا تكون بالعبادة والأخلاق فقط؛ بل بالإحاطة بالعلوم والمعارف أيضًا».
??

فهم يتشددون في كل مناسبة في المطالبة بالعلم والمعرفة، فمذهبهم الأساسي العلم والمعرفة أولًا؛ لأنهم على مذهب سقراط في أن الفضيلة
هي المعرفة، وهذه المعرفة ينشأ عنها جودة الأخلاق، وصلاح الدين والدنيا … إلخ.

هذه على ما يظهر هي غايتهم، نشر علم ومعرفة لا حدود لهما، والعمل على ذلك بكل الوسائل، ثم إقامة حكومة على رأسها صفوة هؤلاء العلماء،
ثم تطبيق هذا العلم والمعرفة على الحياة الفردية والاجتماعية العملية.

ثم للوصول إلى ذلك لا بد من سرية حتى يقووا، وتقية كتقية الشيعة، حتى لا يضطهدوا إلى أن يكون لهم السلطان، وفي يدهم الأمر.

وكان لهم الحق في ذلك، فمع سريتهم وتقيتهم، نقم عليهم، ورُموا الزندقة من العلماء المتزمتين، وأُحرقت رسائلهم في بغداد، ولكن علمنا
الزمان أن اضطهاد الأفكار إرهاص للخلود.

ولنذكر الآن بعض آرائهم في فروع مختلفة، لقد أرادوا أن يلفقوا مذهبهم من كل المذاهب، إسلامية كانت أو نصرانية، أو وثنية، ولذلك كان
من أنبيائهم نوح وإبراهيم، وسقراط وأفلاطون، وزرادُشت وعيسى، ومحمد، وعلي … إلخ. وهم يعتقدون أن الفلسفة أرقى
من الدين، فقد حكى أبو حيان أنه ألح على المقدس أحد جماعة إخوان الصفاء في مسألة، فلما أحرج قال: «إن الشريعة طب المرضى، والفلسفة طب
الأصحاء»،
??
يريد بذلك أن الأنبياء يطبون المرضى حتى لا يزيد مرضهم، وحتى يزول المرض بالعافية، أمَّا الفلاسفة فإنهم يحفظون الصحة على أصحابها
حتى لا يعتريهم مرض، ولا شك أن مدبر الصحيح خير من مدبر المريض، وبعبارة أخرى: إن ظاهر الشريعة إنما يصلح للعامة،
أمَّا الغذاء للنفوس القوية، فيكون بالنظر الفلسفي العميق.
وقالوا: «إن الجسم غايته الموت»،
??
ومعنى الموت عروج نفس الإنسان إلى الحياة الروحية الخالصة، وهذا إنما يكون لمن تفلسف في حياته الأرضية، أما من عاشوا في الأساطير والخرافات،
فشأنهم شأن البهائم، وقد أخذوا هذا المعنى عن متأخري اليونان، وعن اليهود والنصارى، وعن مذاهب الفرس والهنود.

وهم يقسمون النشاط العقلي إلى علوم وصناعات، والعلم هو صورة المعلوم في نفس العالم، وأما الصناعة فهي إخراج الصانع الصورة التي في فكره،
ووضعها في الهيولي، وعندهم أن المعرفة تأتي من طرق ثلاث:
list of 3 items
(?) طريق الحواس الخمس، وهو أول الطرق، ومنه تنشأ جمهرة علوم الإنسان، وفي ذلك يشترك الناس كلهم.

(?) طريق العقل، وبه يتميز الإنسان عن سائر الحيوانات.

(?)
طريق البرهان الذي ينفرد به قوم من العلماء دون قوم.
??
list end

وعندهم أن النفس عند ولادتها لم تكن تعرف شيئًا ألبتة؛ لقوله تعالى: وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ
شَيْئًا، ولا تعرف النفس شيئًا إلا بتوسط الجسد، وهي نظرية تخالف نظرية أفلاطون التي تقول: «إن النفس كانت تعرف كل الأشياء قبل
حلولها في الجسد، وإنما معرفتها في الدنيا تذكرها، فإذا رأت شيئًا في عالمنا، تذكرت ما رأته في عالمها الأعلى قبل
هبوطها إلى الأرض، واتصالها بالجسد». وعلى هذه النظرية جاءت عينية ابن سينا:

هبطت إليك من المحل الأرفع
ورقاء ذات تدلل وتمنع

ويجب على الإنسان في نظرهم ألا يحصل المعارف مرة واحدة، بل على دفعات؛ لأن بعض المعارف أصعب من بعض، والنفس لا تستطيع الارتقاء في مدارج
معرفة الله، معرفة صحيحة، إلا بالزهد، والانصراف عن الدنيا، والقيام بالأعمال الصالحة.

وعندهم أن يبتدئ المعلم بعلوم اللغة واللسان والأدب فتلك أسهل، ثم يتلقى علوم الدين، ومذاهب الكلام، فإذا أتقن ذلك درس الفلسفة مبتدئًا
بالرياضيات، وأصحاب إخوان الصفاء يعرضون للرياضيات على طريقة الهنود تارة، وعلى مذهب فيثاغورس الجديد مرة أخرى،
مع الإمعان في الرموز، وتقديس بعض الأعداد، كعدد ?، ومن أجل ذلك كانت حروف الهجاء ثمانية وعشرين؛ لأنها حاصل ضرب ? × ?.

واعتقدوا في الكواكب أنها أجسام نورانية عاقلة كمذهب اليونانيين القدماء، وأنها أرقى في عقلها من الإنسان، وأن للنجوم تأثيرات قوية
في العالم الأرضي، وهذه النجوم تؤثر أحيانًا بالسعد، وأحيانًا بالنحس، فالمشترى والزهرة والشمس تؤثر أحيانًا
بالسعد، وأحيانًا بالنحس، فالمشترى والزهرة والشمس تؤثر بالسعد، وزحل والمريخ والقمر تؤثر بالنحس، وعطارد يؤثر بالنحس والسعد جميعًا،
وطول أعمار الناس، أو قصرها خاضع لهذه التأثيرات إلخ إلخ. وهذه هي عقائد القرون الوسطى، طال فيها الجدل إلى
يومنا هذا.

وفي المنطق ساروا على مذهب فُورفوريُوس مؤلف إيساغوجي، وقلما زادوا فيه شيئًا من عندهم، فعندهم الألفاظ الخمسة التي وضعها، وهي: الجنس،
والنوع، والفصل، والخاص، والعرض العام، غير أنهم زادوا عليها لفظًا سادسًا وهو الشخص، وقالوا: إن الجنس والنوع
والشخص تدل على الأعيان، وأما الفصل والخاصة والعرض فتدل على المعاني، وعرضوا في المنطق للمقولات العشر، أولها الجوهر، والتسعة الأخرى
أعراض له، وقالوا: إن هناك مناهج منطقية، وهي: التحليل، والحد، والبرهان، فالتحليل منهج المبتدئين؛ لأنه يوضح
الأمور الجزئية المحسوسة، أما الحد والبرهان، فبهما تعرف الأشياء المعقولة، وقالوا: إن كل شيء في هذا العالم إما أن يكون هيولي أو
صورة، وهيولي الأشياء كلها واحدة، وإنما تختلف بالصورة، وهذا الكلام أشبه بما يقوله العلماء المحدثون من أن
ذرات الأشياء كلها واحدة، وأنها عبارة عن كهربائية موجبة وسالبة، وأن الخلاف بينها خلاف في الكمية لا في الكيفية، فذرات
النحاس مثل ذرات الحديد، مثل ذرات الذهب، فلو أضفنا إلى ذرات النحاس ما ينقصها عن ذرات الذهب كانت ذهبًا، ولذلك قال إخوان
الصفاء بإمكان تحويل المعادن إلى الذهب، وهو الذي يسمونه كيمياء.

وأفاضوا طويلًا في النفس الإنسانية، لأنهم كانوا يعتمدون عليها، وقالوا: إنها فيض صادر عن النفس الكلية، ونفس الطفل في أول أمرها كصحيفة
بيضاء، تتناول المعلومات عن طريق الحواس الخمس، وتجمعها، فإذا كبر دفع هذه المعلومات إلى القوى المفكرة، ثم
إلى الحافظة، والقوة التي تعبر عن النفس بالألفاظ تسمى القوة الناطقة، وللإنسان قوى خمس باطنة تساوي قوى الجسم الخمس الظاهرة، وهي المتخيلة
في الأمام، ثم المفكرة وسط الدماغ، ثم الحافظة في مؤخرة الدماغ، ثم الذاكرة، ثم القوة الناطقة.

وقد أكدوا أنهم متدينون؛ ولكن غايتهم فلسفة الدين، وتحصيل كل المعاني، قالوا: «وبالجملة، ينبغي لإخواننا — أيدهم الله — ألا يعادوا
علمًا من العلوم، أو يهجروا كتابًا من الكتب، ولا يتعصبوا على مذهب من المذاهب؛ لأن رأينا ومذهبنا يستغرق المذاهب
كلها، ويجمع العلوم كلها».
??
ولذلك يصح أن تعدهم مسلمين؛ ولكنهم مسلمون متسامحون لا بأس أن يأخذوا من اليهودية والنصرانية والوثنية، كما يصح أن يأخذوا من السُّنية
والشيعة، وكلما قدر الإنسان على مزج العلم بالفلسفة بالدين كان أرقى، فإذا بلغت النفس منتهاها، كانت في مصاف
الملائكة المقربين، وصار مقامها فوق دين العامة الموروث، وفوق الرسوم، والصور الحسية، وهم يرون أن الصور الحسية التي صوَّرها القرآن
من نعيم في الجنة، وما فيها من حور عين، وأنهار من عسل مصفى، وأن أهلها على الأرائك متكئون، وما في النار من
عذاب، كلما نضجت جلودُهم بدلناهم جلودًا غيرها، ونحو ذلك، إنما هي صورة رمزية، وأن هناك دينًا عقليًّا فوق الأديان كلها، وأن
الاعتقاد أن الله يغضب ويعذب بالنار أمور لا يقبلها العقل، وأن النفس الجاهلة تلقى جهنمها في هذه الدنيا، وأن النفس
العاقلة تلقى جنتها في هذه الدنيا أيضًا، وأن البعث هو مفارقة النفس للجسم، والقيامة هي مفارقة النفس الكلية للعالم،
ورجوعها إلى الله.
??

وهم في الأخلاق يرون الدعوة إلى الروحانية، والزهد، والعمل يكون فاضلًا إذا صدر عن الروية العقلية، وهم كالمتصوفة يرون أن أرقى أنواع
الفضائل هي المحبة، وإذا بلغت غايتها فنيت في الله المحبوب الأول.

وتظهر على صورة الصبر والرضا عن جميع الخلق، وهذا الحب يطمئن النفس، ويحرر القلب، ويبعث على الرضا بكل ما في هذه الدنيا.

وهم يقولون كأرسطو بنظرية الأوساط؛ أي أن كل فضيلة وسط بين رذيلتين، فالشجاعة وسط بين الجبن والتهور، والاقتصاد المالي وسط بين البخل
والإسراف، والعدل وسط بين الظلم والانظلام.

وهم يبخسون الجسم حقه، ويقولون: إن الإنسان في الحقيقة هو النفس، أما الجسم فثوب ظاهري، والمثل الأعلى للرجل الكامل أن يكون «فارسي
النسب، عربي الدين، عراقي الأدب، عبراني المخبر، مسيحي المنهج، شامي النسك، يوناني العلم، هندي البصيرة، صوفي
السيرة، ملكي الأخلاق، رباني الرأي، إلهي المعرفة».
??
ورأوا أن البيئة الطبيعية والاجتماعية تؤثر في الإنسان، فاختلاف لغات الإنسان، وألوانهم، وأخلاقهم، وصورهم متأثرة ببيئتهم، وأن الأجرام
السماوية من ضمن البيئة، فهي تؤثر في الأقطار المختلفة تأثيرًا مختلفًا، وخصوصًا الشمس، ومن أجل هذا كان بعض
الأقاليم، وهو الإقليم الرابع الأوسط هو إقليم الأنبياء والحكماء؛ لأنه وسط بين الثلاثة الجنوبية، والثلاثة الشمالية،
وأهل الأقاليم الأخرى ناقصون عن طبيعة الأفضل.
ولهم في المرأة رأي سيئ، وأن لهن وظيفتين فقط، الإنسال، وأن يكن أزواجًا للذين لا يستطيعون التعفف، وعلى الجملة وظيفة المرأة أن تطيع
زوجها، وتقر في بيتها وتتعفف، وهي لا تصلح للنظر في العلوم، ولا للتفكير في أمر الدين، وقالوا: «اعلم يا أخي
أن هذا الرأي والاعتقاد جيد للنساء والصبيان، والجهال والعوام، ومن لا ينظر في حقائق العلوم لا يعرفها».
??
ويقولون في موضع آخر: «ولا يليق بالعقلاء أن يعتقدوا هذه العقائد فضلًا عن الحكماء، بل النساء والجهال والصبيان»، وربما كان ما نراه
في لزوميات أبي العلاء من الحملة على المرأة وفسادها، وطلب قصرها على منزلها دون القراءة والكتابة، ورميها
بالاعتقاد في الخرافات والأوهام؛ نتيجة للقسم الأول من حياة أبي العلاء، حينما كان على الأرجح يدين بتعاليم إخوان الصفاء.

ثم إنه من أروع رسائلهم رسالة «الحيوان والإنسان»، فقد استغلوا الرمزية على نمط كتاب «كليلة ودمنة»، وكالوا للإنسان الشتائم أشكالًا
وألوانًا، وخلاصة هذه الرسالة أنه انعقدت محكمة لمحاكمة الإنسان أمام محكمة الجنِّ، اتهم فيها الإنسانُ ببطشه
وظلمه، فالإنسان أول أمره كان يأوي في رءوس الجبال والتلال، وفي المغارات والكهوف؛ خوفًا من كثرة السباع والوحوش، وكان يأكل من ثمر
الأشجار، وبقول الأرض، وحبوب النبات، ويستتر بأوراق الشجر من الحر والبرد، ثم تَحضَّر فبنى المدنَ والقرى والقصور،
ثم أخذ يُسخر الأنعام من البقر والغنم والجمال، ومن الخيل والبغال والحمير، وقيدها وألجمها، وصرفها في مآربها من الركوب
والحمل، وأتعبها في استخدامها، وكلَّفها أكثر من طاقتها، ومنعها من التصرف في مآربها؛ بعد أن كانت حرة في الجبال والآجام
والغياط، تذهب وتجيء حيثما أرادت في طلب مراعيها، ومشاربها، ومصالحها.

وشمَّر ابن آدم في طلبها بأنواع من الحيل، والقنص، والشباك، والفخاخ، واعتقد أنها عبيد له، هربت منه، وخلعت الطاعة وعصته.

واتفق أن ولي أمر المسلمين من الجنِّ يقال له: بيراشست الحكيم، وحدث أن طرحت العاصفة في وقت من الأوقات مركبًا من سفن البحر إلى ساحل
الجزيرة التي يسكنها هذا الملك، وكان في المركب قوم من التجار والصناع وأغنياء الناس، فخرجوا إلى تلك الجزيرة،
وفتنوا بما فيها من الفواكه والبقول والرياحين، وصادقوا ما فيها من البهائم والطيور، والسباع والوحوش، والهوام والحشرات، في ألفة لا
يشوبها تنافر ولا شقاق.

واستطاب الناس المقام في تلك الجزيرة، وأخذوا يتعرضون لما فيها من الحيوانات؛ ليسخروها فيركوبها، ويحملوا عليها أثقالهم، فنفرت منهم
وهربت، فخرج الناس في طلبها لاعتقادهم أنها عبيد خرجت عن طاعتهم، فلما رأت الحيوانات رغبة الإنسان في استبعادها،
جمعت زعماءها وخطباءها، وذهبت إلى ملك الجن، وشكت إليه ما لقيت من جَور بني آدم، فعقدت المحاكمة، وتكلم زعيمُ كل صنف من أصناف الحيوانات،
باتهام الإنسان بظلمه وعنته، فدافع الإنسانُ أول الأمر بأن الله تعالى أباح له ذلك، فقال: وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا
? لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ
وَحِينَ تَسْرَحُونَ وقال: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً. وقال: لِتَسْتَوُوا عَلَى?
ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ. فقال زعيم البغال: أيها الملك،
ليس في شيء مما قرأ هذا الإنسي دلالة على ما زعموا أنهم أرباب ونحن عبيد؛ إنما هي آيات تذكار بنعمة الله عليهم،
فقال: سخرها لكم، كما قال سخر الشمس والقمر، والسحاب والرياح. ووقف الثعبان يتحدث عن الحشرات والهوام، وقال: إن أكثرها صُمٌّ بُكم عُمي،
بلا يَدين ولا رجلين، ولا جناحين، ولا منقار ولا مخلب، ولا ريش على أبدانها، ولا شعر ولا وبر ولا صوف، وإن
أكثرها عراة حفاة، ضعفاء فقراء مساكين، بلا حيلة ولا حول ولا قوة؛ ومع ذلك فالإنسان هاجمها حيث كانت، وقتلها أينما وجدها. ورقَّ قلبُ
الثعبان، فدمعت عيناه من الحزن … وهكذا أنطق مؤلف الرسالة قول زعيم كل صنف باتهام الإنسان بالظلم والعنت.

وكان قد حضر في المحاكمة وفود من الأمم، وتطرق من هذا بإنطاق زعيم كل أُمَّة، ويجعل الجني يعقب على قول زعيم الأمة بما في تعداد مفاخرها
بتعداد معايبها، ويندمج في ثنايا هذه المحاكمة طُرف لطيفة في الفلسفة، وطبائع الحيوان.

ومن الأسف أن المحاكمة لم تنته إلى حكم، بل كانت مفاوضات لا نتيجة لها، واتهامات لا غاية لها … وهي تستحق القراءة لما فيها من المتعة
الفنية والفكرية.
??

وقد ألَّف إخوان الصفاء رسائلهم كلها بالعربية، وإن كان بعضهم فارسيًّا صميمًا، شأنهم في ذلك شأن ابن سينا الفارسي، والفارابي التركي،
وعلي بن رين من مازندران بطبرستان، وكما فعل محمد بن زكريا الرازي، وهو من الري قرب طهران، والسبب في ذلك أن
العربية أصبحت لغة العلم، والفلسفة كاللاتينية، بالنسبة للغات الأوروبية الحديثة، ولأن اللغة العربية أطوع في الصياغة، وأكثر مرونة
في الاشتقاق، وأقدر على الاصطلاحات، كما أوضح ذلك البيروني في بعض كتبه.

وهناك جماعة أخرى كانت في بغداد أيضًا، كان على رأسها الأستاذ الكبير أبو سليمان المنطقي، وكانت في بغداد بجانب فرع إخوان الصفاء، ولم
يكن منهجها كمنهج إخوان الصفاء، فلم يكونوا رجال دعوة وتبشير، ولا ذوي مطامع ومطامح، وإن لم يكونوا يؤلفون
رسائل أو كتبًا، إنما كل همهم أن يجتمعوا في بيت رئيسهم للمتعة العقلية وكفى. ويجتمع في بيت الرئيس كثير ممن ينتسب من أهل الحكمة والفلسفة
من مسلمين، ووثنيين، ونصارى، ويهود، مثل: ابن زرعة، وابن الخمار، وابن السمح، والقومسي، ومسكويه، ويحيى بن
عدي، وعيسى بن علي، وأبي حيان التوحيدي، وغيرهم.

وكان أبو سليمان هذا رئيسهم، وجامع شملهم، يثيرون المسائل في مجلسه حيثما اتفق من سياسية، واجتماعية، ولغوية، ودينية، وكل يبدي رأيه،
والكلمة الأخيرة لأبي سليمان.

وقد دَوَّن أبو حيان محاضر بعض هذه المجالس في كتابه «المقابسات»، ويصف أبو حيان هذا الرئيس بقوله: «كان أبو سليمان أدقهم نظرًا، وأقعرهم
غوصًا، وأصفاهم فكرًا، وأظفرهم بالدرر، وأوقفهم على الغرر، مع تقطع في العبارة؛ ولكنه ناشئة من العجمة، وقلة
نظر في الكتب، وفرط استبداد بالخاطر، وحسن استنباط للعويص، وجرأة على تفسير الرمز، وبخل بما عنده من هذا الكنز». وهذا تحليل دقيق من
أبي حيان لشخصية أبي سليمان؛ فهو قوي الفكر، ألكن العبارة، وهو يعتمد على قوة عقله، أكثر مما يعتمد على النقل
من المؤلفات، وهو واثق بصدق رأيه، أكثر مما يثق بما يقول غيره، وهو بخيل بعلمه، لا يذكر بعضه إلا للخاصة إذا دعت الدواعي، ولعل من بخله
بعلمه قلة تأليفه، وقد دعته الدواعي أن يقيم رهين بيته، فهو أعور العين، مصاب بالبرص، مشوه الخلق، يقول فيه
الشاعر:

أبو سليمان عالم فطن
ما هو في علمه بمنتقص
لكن تطيرت عند رؤيته
من عور موحش ومن برص
وبابنه مثل ما بوالده
وهذه قصة من القصص

وكان فقيرًا يمده عضد الدولة من الحين بعد الحين بنفحة قليلة مالية يسد بها رمقه، وكان مما يثار في مجلسه مثلًا موقف الناس من الوحي
ومن العقل، فيقول: «إن أساس الأديان أن الله تعالى شاء أن يتصل بخلقه عن طريق رسله، فأوحى إليهم بتعاليم الدين،
علمًا منه بقصور العقل البشري، وضيق مجاله، فالعقل يستطيع إدراك المادة وقوانينها، ولكن لا يستطيع إدراك ما وراء ذلك من عالم الغيب،
وهذا هو ما بينه الأنبياء».

وكان في أيام أبي سليمان أربع نزعات حول هذا الموضوع؛ نزعة تُحكِّم العقل في الدين، كما فعل زيد بن رفاعة، ومحمد بن أبي بكر الرازي،
وإخوان الصفاء، ونزعة تحكِّم الدين في العقل والفلسفة، فيعرضون نظريات الفلسفة على الدين، فما وافق منها الدين
قبل، وإلا رد، وذلك شأن كبار المتكلمين، ونزعة ثالثة آمنت بالفلسفة، وأرادت أن تؤمن بالدين، فأوَّلت الدين على وفق الفلسفة، كالكندي
والفارابي، ونزعة رابعة تفصل بين الدين والفلسفة، فلكل منطق ونفوذ، مثل: أبي سليمان هذا، فقد قال: إن منهج
الدين يخالف منهج الفلسفة … إلى آخر ما قال، وكثيرًا ما كانت تثار في مجلس أبي سليمان مسائل نفسية، كالبحث في النفس، وأن الإنسان جسم
ونفس، وهما عنصران متباينان، فالجسم له أبعاد ثلاثة، والنفس لا أبعاد لها، وهي جوهر بسيط لا يجزأ، ولا يدرك
بحاسة من الحواس الخمس، ولا يعتريه فتور، ولا ملال، وهي تخالف الجسم في قبولها للصور المختلفة من جنس واحد في وقت واحد، والإنسان يريد
أن يعرف النفس، ولكن لا يعرف النفس إلا بالنفس.

ويقول أبو حيان: إن أبا سليمان كان إذا تكلم في النفس أفاض، وأتى بالعجب العجاب، ويتكلم أحيانًا في الأخلاق بانيًا تحديدها وموضوعاتها
على معرفته الواسعة بالنفس، ويتكلم أحيانًا في السياسة، ككلامه عندما شكا ابن سعد أن الوزير البويهي شكا من
كثر كلام الناس في السياسة، ومحاولتهم معرفة كل صغيرة وكبيرة يضعها الوزراء والأمراء، فرد على ذلك ردًّا لطيفًا، ومن مثل ما حكى
أمامه من أن كسرى لما تقلد الملك عكف على الصبوح والغبوق، فكتب إليه وزيره رقعة يقول فيها: «إن في إدمان الملك
ضررًا على الرعية، ونرجو تخفيف ذلك، والنظر في أمر المملكة»؛ فوقّع كسرى على نفس الرقعة: «إذا كانت سبلنا آمنة، وسيرتنا
عادلة، والدنيا باستقامتنا عامرة، وعمالنا بالحق عاملون، فَلِمَ نمنع فرحة عاجلة؟»، فعلق أبو سليمان على هذا الخبر: لقد
أخطأ كسرى من وجوه، أولًا: أن الإدمان إفراط، والإفراط مذموم. ثانيًا: أنه جهل أن أمن السبل، وعدل السيرة،
وعمارة الدنيا، والعمل بالحق ما لم يوكل بها الطرف الساهر، ولم تحط بالعناية التامة، ولم تحفظ بالاهتمام الجالب لدوام النظام، دبَّ
إليها النقص. وثالثًا: أن الزمان أعز من أن يبذل في الأكل والشرب، والتلذذ والتمتع، فإن في تكميل النفس الناطقة
باكتساب الرشد لها، ما يستوعب أضعاف العمر، فكيف إذا كان العمر قصيرًا. ورابعًا: أن الخاصة والعامة إذا وقف على استهتاره باللذات، وانهماكه
في طلب الشهوات، قلدته وقلَّت هيبتها وحشمتها منه، وارتفاع الحشمة باعث على الوثبة، والوثبة غير مأمونة من
الهلكة، وما خلا الملك من طامع راصد قط». يقول أبو حيان: وكان أبو سليمان إذا تكلم في السياسة عجب سامعوه منه، وسألوه أن يؤلف
لهم فيها.

وقد حلل في «المقابسات» أخلاق عضد الدولة تحليلًا دقيقًا، يدل على العلم والجرأة، ويقول أيضًا: «إنه كان يأتيه أصحابه بالصفحة من كلام
الصوفية أو كلام اليونان، ثم يملي من عنده خيرًا منها، ومع هذا كله فكان مشغوفًا بسماع الغناء، وكان يخرج بعض
أيام الربيع إلى البساتين مع بعض أصحابه، ومعهم مطرب أو مطربة».

على كل حال، كان أبو سليمان شخصية ممتازة تركت دويًّا كبيرًا في محيطه، وفي زمنه، وكان بيته مقصد العلماء ليلًا ونهارًا، يقرأ عليه
أبو حيان كتاب «النفس» لأرسطو، ويعرض عليه علماء آخرون ما غمض عليهم، وفي ظني أنه أقدر من ابن سينا، والفارابي،
وابن رشد، وأمثالهم، وأن له ميزة عليهم، هي اعتماده على تفكيره أكثر من اعتماده على النقل، ولكن كان ينقصه أمران:
list of 2 items
(?) تأليفاته الكثيرة التي تخلد ذكره.

(?) عنايته بتقعيد القواعد، ووضع الكليات التي تبين مذهبه، ولعل بؤسه وفقره كانا يمنعانه من القدرة على العلم والتأليف،
فهو لم يجد رواجًا لبضاعته فأتلفها.
list end

هذا عضد الدولة يحن عليه بمائة دينار، وماذا تفعل المائة في أكل وشرب وأجرة بيت تجمعت عليه منذ شهور؟ ويوسط أبا حيان عند ابن سعدان
لعطفه عليه، فيعِد ثم يتلكأ، على أن الأمر شأنه كشأننا في زماننا، بعض الناس ليست له قدرة على التأليف، ولكن
له قدرة على تكوين الرجال بحسن أحاديثه، وبعض الرجال يربي الأجيال القادمة بحسن تأليفه، ولله في خلقه شئون.

يقول الأستاذ مدكور: «وقد عرض الباحثون في القرن الرابع الهجري، وعدوه العصر الذهبي في تاريخ الدراسات العقلية الإسلامية، فاستقام لعلم
الكلام أمره، بعد محنة خلق القرآن، واسترد اعتباره على يدي الأشعري، وسما التصوف إلى القمة، فانتقل من النسك
والزهادة، إلى شرح أحوال النفس، ومقامات العارفين، والقول بالاتحاد، ونزول اللاهوت في الناسوت، كما كان يذهب الحلاج، وأخذت الفلسفة
الإسلامية تستكمل أسسها ومبادئها بما أضافه إليها الفارابي من عمق وتحديد، وتوفيق وتنسيق، وبلغ الطب غايته،
فلم يقف عند ما دونه بقراط وجالينوس، بل شاء الرازي أن يغذيه بتجاربه الشخصية، ودرسه المستقل، وخطا الفلك والرياضة خطوات
فسيحة، ويكفي أن يُذكر البيروني ومؤلفاته للتدليل عليهما».

ويمكن أن يقال بوجه عام: إذا كان المسلمون في القرنين الثاني والثالث للهجرة، قد شغلوا بنقل العلوم الأجنبية وتفهمها، فإنهم كانوا في
القرن الرابع يدرسون بأنفسهم لأنفسهم، وانتقلوا من الجمع والتحصيل إلى الإنتاج الشخصي، وقد استوعبت ترجمتهم
آثار الثقافات الأخرى، الفلسفية، والعلمية الهامة، على اختلافها؛ من يونانية، وفارسية، وهندية، وإذا قصرنا حديثنا على الفلسفة، أمكننا
أن نلاحظ أن العرب إلى جانب ما وصلهم من شذرات عن الفلاسفة السابقين لسقراط، ترجموا أهم المحاورات الأفلاطونية،
وهي الجمهورية والنواميس، وطيماوس، والسُّوفيسط، وبولوطيقي، وفادن، ودفاع سقراط، وكانت العناية بأرسطو بالغة، فبحثوا عن
مؤلفاته، وترجموها في عناية تامة، وتوفر لهم بها عدد غير قليل، وخلط بها بعض مؤلفات موضوعة نسبت إليه خطأ.

ولكي يفهم المعلم الأول فهمًا حقًّا، كان لا بدَّ لهم أن يستعينوا بشراح من المشائين الأول، كفاوفراسطس، والإسكندر الإفروديسي، وقد
ترجم لهما أكثر من شرح، وخاصة الثاني الذي كان له أثر واضح في بعض النظريات الفلسفية الإسلامية، وكان ابن سينا
يعتد بآرائه اعتدادًا كبيرًا، ويسميه «فاضل المتأخرين»، وإلى جانب الإسكندر هذا ينبغي أن نضع شرَّاح مدرسة الإسكندرية، وفي مقدمتهم
فورفوريوس، وساميسقيوس، وسميليقيوس، ويحيى النحوي، فترجم كثير من شروحهم، وكان أكثرهم في العالم الإسلامي أشد
عمقًا، أحيانًا من أثر المشائين الأوَل.

نقلت هذه الكتب والشروح إلى العربية، وتداولها مفكرو الإسلام فيما بينهم، وكثر تداولها، ومناقشاتها، والتعليق عليها في القرن الرابع
الهجري» ا.?.

وأزيد على ذلك فأقول: إن عنايتهم في القرن الرابع بالعلوم الدينية واللغوية كانت أقوى من عنايتهم بالعلوم الرياضية، والفلسفية لسببين:

list of 2 items
الأول: أن الباعث على العلوم الدينية كان دينيًّا، وهو أقوى من الباعث على الفلسفة، وعنايتهم بالعلوم اللغوية؛ لأنها
تخدم الدين أولًا، ولأنها أثر من آثار أسلافهم، ونتيجة لبيئاتهم.
والثاني: أن المستعدين للتفلسف، والصبر على لغة الفلسفة، وفهم غوامضها، والتفكير في موضوعاتها أقل في كل أمة من الباحثين
في اللغة والدين؛ لأن الفلسفة لا تناسب إلا الخاصة.
list end
وهنا يصح لنا أن نتساءل: هل الفلسفة الإسلامية أصيلة، أم هي ترديد للفلسفة اليونانية؟ لقد اختلف المستشرقون في هذا اختلافًا كبيرًا،
فذهب بعضهم إلى الرأي الأول، منهم الفيلسوف «تِنمان»، فقد قال: «يكاد يكون أرسطو مع شراحه هو الذي استرعى أنظار
العرب، وقد تلقوا جملة ما ألَّفه أرسطو، ولكنهم تلقوها على الحقيقة عن تراجم ناقصة جدًّا، بواسطة خادعة هي المذهب الأفلاطوني الحديث؛
ولكن وقفت في سبيل تقدمهم في الفلسفة عدة عقبات، وهي:
list of 4 items
(?) كتابهم المقدس الذي يعوق النظر الحر.

(?) حزب أهل السُّنَّة، وهو حزب قوي متمسك بالنصوص.

(?) أنهم لم يلبثوا أن جعلوا لأرسطو سلطانًا مستبدًّا على عقولهم.

(?) ما في طبيعتهم القومية من ميل إلى التأثر بالأوهام.
list end

من أجل ذلك لم يستطيعوا أن يصنعوا أكثر من شرحهم لمذهب أرسطو، وتطبيقه على قواعد دينهم الذي يتطلب إيمانًا أعمى، وكثيرًا ما أضعفوا
مذهب أرسطو وشوهوه … على أن الآثار الفلسفية العربية لما تدرس إلا دراسة ضئيلة جدًّا، لا تجعل علمنا بها مستكملًا،
بينما يرى بعضهم كَدِيبور أن الفلسفة الإسلامية أصيلة، وإن كانت استمدت فيما استمدت من اليونان، أو من الفلسفة
اليونانية، ويرى رينان أن الفلسفة إنما يصلح لها العقل الآري لا السامي.

وكل هذا خلط، فليس كتاب الله يقيد حرية المسلمين في التفكير، كما أنه ليس هناك حدود فاصلة أثبتها العلم بين الآريين والساميين كما قال
رينان.

ولئن كانت الفلسفة الإسلامية متأثرة بالفلسفة اليونانية قليلًا أو كثيرًا على اختلاف الأقوال، فإن الأصالة ظاهرة عند المسلمين في شيئين
واضحين: في أصول الفقه، وفي علم الكلام، فأصول الفقه يحتوي على أفكار أصيلة في اللغات، ودلالة الكلام، وفلسفة
التشريع، وقد وضعه الشافعي، وأَّلف فيه كتابًا سماه «الرسالة»، تكلم فيه على منزلة القرآن من الدين، فالقرآن هو تبيان لكل شئون الدين،
وقد أوضح في الرسالة المراتب الخمس للبيان في القرآن، مع التطبيق عليها، ثم أبان أن السُّنَّة تخصص الكتاب،
ثم عقد عنوانًا سماه «العلل في الاحاديث»، ذكر فيه ما يكون بين الأحاديث من خلاف بسبب أن بعضها ناسخ ومنسوخ، وبسبب الغلط في
الأحاديث، وبيَّن منشأ الغلط، ثم تكلم عن الناسخ والمنسوخ من الأحاديث، ثم تكلم عن النهي وأقسامه إلخ.

وقد توسع الفقهاء فيما بعد في علم الأصول هذا، وأدخلوا عليه أبوابًا لم تكن، فكان بذلك فلسفة إسلامية أصيلة رائعة، وعلم الكلام مملوء
بالإلهيات.

نعم، إنه أخذ بعض أصوله من الفلسفة اليونانية، ولكن حوَّرها بما يتفق والإسلام، وزاد عليها كثيرًا، فيكاد يعد فلسفة أصيلة.

نعم، إن أصول الفقه، وعلم الكلام لم تشتمل على الرياضيات والطبيعيات؛ فهذه يصح أن تنسب في جوهرها لا في تفاصيلها إلى الفلسفة اليونانية.


ومهما اختلف الناس في أصالة العرب في الفلسفة الإسلامية، ومقدار تجديدهم في الفلسفة اليونانية، فلن ينكر أحد أصالة العرب في الحكم،
فإن لهم حكمًا أصيلة منذ جاهليتهم، والفرق بين الحكم والفلسفة أن الحكم عبارة عن تركيز التجارب اليومية في
جملة أو جمل، وهي أنسب لذوقهم، فقد شغف العرب بحب الإيجاز، وصوغ التجارب في «برشامة»، ونلاحظ أن الذي يقوله الأوروبيون في رواية طويلة
في مئات من الصفحات يقوله العربي في حكمة وجيزة.

فقد قرأت لبرنارد شو رواية طويلة، مضمونها أن جماعة من قُطَّاع الطريق خرجوا على سيارة، فقال قطاع الطريق: من أنتم؟ قالوا: نحن سراق
الفقراء. فقال قطاع الطريق: ونحن سراق الأغنياء. وقرأتُ لرجل عباسي شاهد حاكمًا يقطع يد سارق فقال: «سارقُ
السرِّ يقطع سارقَ العلانية».

ومن قديم عرف العرب حكم لقمان، وحكاها القرآن الكريم، واشتهر في الجاهلية بالحكم أكثم بن صيفي، وزهير بن أبي سلمى في قوله: ومن ومن
إلخ. ورويت عن النبيِّ ? في الإسلام حكم كثيرة مثل: «اليدُ العليا خيرٌ من اليد السفلى — وما أملق تاجر صدوق
— خير المال عين ساهرة لعين نائمة — رأس العقل بعد الإيمان مداواة الناس» إلخ … كما اشتهر في الإسلام الأحنف بن قيس، والحسن
البصري، فلهما حكم كثيرة مشهورة.

ولما نقلت الثقافات الأجنبية إلى العرب نقلوا الحكم أيضًا، وعنوا بها، واستساغوها أكثر مما استساغوا الفلسفة؛ لأنها أقرب إلى عقول الأوساط،
وهي أشبه ما تكون بالأمثال التي اعتادوها، كالذي نرى في كتاب «جاويدان خرد»، الذي نشر حديثًا باسم «الحكمة
الخالدة»، والذي عرَّبه قديمًا الحسن بن سهل، وأبو علي مسكويه، وقد اشتهر بعد الذين ذكرناهم بالحكم عبد الله بن المقفع في كتبه «الأدب
الصغير، والأدب الكبير، والدرة اليتيمة».

كما اشتهر بعد ذلك في الحكم الجاحظ في بعض كتبه، مثل قوله: «احذر كل الحذر أن يختدعك الشيطان عن الحزم، فيمثل لك التواني في صورة التوكل،
ويسلبك الحذر، بإحالتك على القدر، فإن الله — عزَّ وجلَّ — إنما أمرنا بالتوكل عند انقطاع الحيل، والتسليم
للقضاء بعد الإعذار». كما اشتهر بالحكم الفارابي، فله وصايا كثيرة أوضح من فلسفته الغامضة، مثل قوله: «كل واحد من الناس متى رجع إلى
نفسه، وتأمل أحواله، وأحوال غيره من أفناء الناس، وجد نفسه في رتبة يشركه فيها طائفة منهم، ووجد فوق رتبته
طائفة هم أعلى منه منزلة، ووجد طائفة دونها هم أوضع منه؛ لأن الملك الأعظم، وإن وجد نفسه في محل لا يرى لأحد من الناس في زمانه منزلة
أعلى من منزلته، فإنه إذا تأمل حاله، وجد فيهم من يفضل عليه بنوع من الفضيلة؛ إذ ليس في أجزاء العالم ما هو
كامل من جميع الجهات، وكذلك الوضيع الخامل الذكر، يجد من هو دونه بنوع من الضعف». ويقول: «إن لكل شخص من أشخاص الناس قوتين:
إحداهما عاقلة، والأخرى بهيمية، ولكل واحدة منهما إرادة واختيار، وهو كالواقف بينهما، ولكل واحدة منهما نزاع غالب»
إلخ إلخ.

وقد حكى له جاويدان خرد هذا نحو عشرين صفحة من الحكم، كما اشتهرت بالحكم مدرسة أبي سليمان المنطقي من مثل ما حكاه أبو حيان التوحيدي
في كتابه «المقابسات»، وما حكاه أبو حيان لنفسه في كتبه الكثيرة، ومن مثل ما كتبه جاويدان خرد أيضًا لأبي الحسن
العامري، إذ روى له نحو خمس وعشرين صفحة من الحكم، والعامري هذا هو أبو الحسن محمد بن يوسف العامري، فيلسوف مشهور، حدَّثنا
عنه كثيرًا أبو حيان التوحيدي في كتبه، مثل قوله: «سل واهب العقل إضاءة العقل، وابدأ بالأول في إيثار الأولى، واعرف
الأولى بإيثار الأول — أشرف أبواب النظر، ما أفاد تمييز الفناء من البقاء — من لم يعقل العقل، ويستضئ بنوره فقد صيره حجة
عليه لا له — ليس الكمال في اقتناء النعم؛ بل الكمال في إضافة النعم — الجهل مع العفة خير من العلم مع الفسوق — لن يسعد
العبد بالعيش الفاضل، إلا أن يكون مستنكفًا من أن يكون سكونه إلى المال الممهد، والمجد المؤثل أقوى من سكونه
إلى واهب المال، ومؤثل المجد» إلخ.

وربما كان هذا النوع أعني الحكمة ظل ينمو على مر السنين، فقد زاد عن نتاج القرن الرابع، فكل عصر يزيد هذه الثروة — يزيدها بعض الشعراء
كالمتنبي، وأبي فراس في شعرهما، وحتى العوام كانوا قادرين على إنتاجه بأمثالهم العامية، وقصصهم الحكيمة. فلنا
الحق فيما يظهر أن نستثني هذا النوع من أنواع العلوم التي وقفت عند القرن الرابع الهجري.

هوامش
(?)
انظر: المدينة الفاضلة، والسياسات المدنية.
(?)
عروبة: هي يوم الجمعة.
(?)
ج? من الرسائل ص???.
(?)
جزء ? ص???، ???.
(?)
طبعها الأستاذ جميل صليبا في دمشق من مجموعات المجمع العلمي بها.
(?)
جزء ? من الرسائل ص???.
(?)
جزء من الرسائل ص???.
(?)
جزء ? من الرسائل ص???.
(?)
ج? ص??.
(??)
ج? ص??? من الرسائل.
(??)
ج? ص??? من الرسائل.
(??)
ج? ص??? من الرسائل.
(??)
ج? ص???.
(??)
ج? ص???.
(??)
ج? ص???.
(??)
ج? ص??.
(??)
ج? ص??.
(??)
ج? ص???، ج? ص???، ج? ص???.
(??)
ج? ص???.
(??)
انظر: ج? ص???.
(??)
انظر: ج? ص???.
(??)
ج? ص???.
(??)
ج? ص???.
الفصل السادس

الأخلاق

كانت الأخلاق من أول عهد الإسلام مبنية على الدين، فالصبر حميد؛ لأن الله تعالى يقول: إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ، اصْبِرُوا وَصَابِرُوا،
والعدل مطلوب؛ لقوله تعالى: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى?، وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى? أَلَّا تَعْدِلُوا،
وكان بجانب ذلك حكم وأمثال وصلت إلى العرب من تجارب الزمان.

فلما دخل كثير من الفرس في الإسلام، وكانت لهم ثروة كبيرة من الحكم والأمثال في جميع مرافق الحياة نقلوها إلى العربية، وكان على رأس هؤلاء
ابن المقفع، فقد نقل حكم الفرس وأمثالهم، وقصصهم، والقصص الرمزية التي تشير إلى الأخلاق ككليلة ودمنة، وملأ اللغة العربية
بهذه الجمل اللطيفة الرشيقة التي تدل على عقل واسع، وتجربة ناضجة، هذه حكم في الأخلاق الفردية، وهذه حكم في الأخلاق الاجتماعية، وهذه حكم
في السياسة، وفي الملك، وما يلزمهما، وفي البلاط، وما يتصل به كرسالة الصحابة التي يعنى بها صحابة الملك أو الخليفة،
أو بعبارة أخرى بلاطه.

ثم حدث بعد ذلك أن نقلت كتب اليونان إلى اللغة العربية، فتدُوولت فيما بين المسلمين، وكان من هذه الكتب كتب في الأخلاق ككتاب «الأخلاق»
لأرسطو وغيره، فهضمها المسلمون، وأرادوا بعد ذلك أن ينقلوها، أو يحذوا حذوها، ويفلسفوا الأخلاق، ومنهم من من يعمل في
الأخلاق ما عمل بعض الفلاسفة في الفلسفة؛ إذ عرضوا علم الأخلاق هذا على الإسلام، فما لم يقبله الإسلام رفضوه، وما قبله تقبلوه، ومزجوا ذلك
بالدين.

ولعل أشهر المؤلفين في الأخلاق في عصرنا هذا ابن مسكويه، ومحمد بن أبي بكر الرازي، وإخوان الصفاء، فابن مسكويه — أو مسكويه فقط كما يرجحه
أكثرهم — هو أحمد بن محمد بن يعقوب، وهو أصل مجوسي، وقد تبحر في الأخلاق الفارسية لفارسيته، وفي الأخلاق اليونانية
لثقافته بها، صحب أولًا الوزير المهلبي في أيام شبابه ولازمه.

وقد مكنته هذه الصحبة من معرفته بالطبقة الأرستقراطية، وطبقة بعض الأدباء، ومعرفته بالناس، ثم اتصل بخدمة الملك عضد الدولة، وكان خازنًا
لمكتبته، كاتمًا لأسراره، رسولًا إلى نظرائه، ويظهر أنه عُني من الفلسفة اليونانية بالناحية العملية من الأخلاق، وما
إليها، وقصر في الإلهيات، ومن أجل ذلك وصفه أبو حيان في «الإمتاع والمؤانسة» بأنه «فقير بين أغنياء، وعيي بين أبيناء لأنه شاذ؛ وإنما أعطيته
فيه هذه الأيام صفو الشرح لإيساغوجي، وقاطيغورياس، فلم يكن له فيهما حظ؛ لأنه كان مشغولًا بطلب الكيمياء، مفتونًا بكتب
أبي زكريا، وجابر بن حيان»، وقد عاب عليه أنه كان في الري مع أبي الحسن العامري، وهو ما هو علمًا وفلسفة، فلم ينتفع منه، وعابه ابن سينا
في بعض كتبه بأنه شرح له مسألة فلسفية، ثم أعادها عليه، فلم يفهمها، ودفع إليه مرة جوزة كانت في يده، وقال له: امسح
هذه، أي أخرج مساحتها، فألقى إليه مسكويه أوراقًا، وقال له: أصلح بهذه أخلاقك؛ مما يدل على أن مسكويه كان متجهًا إلى الناحية الخلقية
لا الإلهية، فعابوه على ذلك من غير حق.

وشاء الله أن ينبغ في الأشياء التي هو مستعد لها، وقد ألَّف في الأخلاق كتبًا كثيرة مثل: «تهذيب الأخلاق»، و«الفوز الأصغر»، وكتاب «جاويدان
خرد» بمعنى العقل الخالد، إلى غير ذلك من كتب تدور كلها حول الأخلاق.

وكانت مصادره في الأخلاق:
list of 4 items
(?) الفلسفة اليونانية.

(?) الكتاب والسُّنة.

(?) تعاليم الفرس، وحكمهم.

(?) تجاربه الشخصية؛ فقد عمر طويلًا، وكان في شبابه منغمسًا في الحياة، مستمتعًا بها، ثم كان صديقًا للوزير المهلبي، ومن جلسائه،
والوزير المهلبي هو ما هو في ترفه ونعيمه، ينفق ما يشاء على الثلج، والورد، والشراب، ثم كان
من أتباع عضد الدولة، ومصاحبًا له في سفره وإقامته، ومشتغلًا بالكيمياء، يخالط المشتغلين بها من صادقين ودجالين، ثم عُمِّر
طويلًا حتى بلغ نحو المائة، كل هذا مزجه مزجًا غريبًا، وأخرج من هذا المزيج كتبه في الأخلاق.
list end

وكان أيضًا قد اطلع على فلسفة الكندي والفارابي، ففلسف الأخلاق بعد أن كانت حكمًا؛ وعني بمعرفة النفس، وقرأ فيها كثيرًا، وحلَّلها كثيرًا،
وبنى فلسفته الأخلاقية على العلم بالأمور النفسية أيضًا، واطلع في الأخلاق على آراء أفلاطون، وأرسطو، وجالينوس، واتبع
مذهب أرسطو في نظرية «الأوساط» أيضًا التي شرحناها في إخوان الصفاء.

وبدأ بالكلام في ماهية النفس؛ وعنده أن النفس جوهر بسيط غير محسوس لحاسة من الحواس، تدرك وجود ذاتها بذاتها، وتعلم أنها
تعلم، وأنها تعمل، وهي ليست جسمًا، والدليل على ذلك أنها تقبل صور الأشياء المتضادة، فتقبل معنى الأبيض والأسود، ومعنى الشجاعة والجبن،
مع أن الجسم لا يقبل في وقت واحد إلا شيئًا واحدًا كالسواد أو البياض، والنفس بطبيعتها تواقة إلى المعرفة، بل هي تكذب
الحواس، وتميز منها الصادق والكاذب، وهي وحدة يكون فيها العقل والعاقل والمعقول شيئًا واحدًا، ويعرف الخير بأنه ما به يبلغ الكائن المريد
غاية وجوده، والناس مختلفون في الاستعداد للأخلاق؛ فمن الناس من هم أخيار بطبعهم، وهم قليل، ولا يتقبلون الشر بحال.


ومن الناس من هم أشرار بطبعهم، وهم كثير، ولا يستطيعون أن يصدر عنهم الخير ألبتة، وقوم لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، مستعدون لأن ينتقلوا
إلى الخير أو الشر بالتربية، وله نظرة صوفية: أن الله هو الخير المطلق، والأخيار جميعًا يسعون في الوصول إليه، وهو
يفرق بين الخير والسعادة، فالخير هو الذي يقصده الكل للشوق إليه، وهو الخير العام للناس من حيث هم ناس، أما السعادة فهي خير ما لواحد ما،
والإنسان يكون سعيدًا إذا تحققت مقتضيات طبيعته.

ويرى أن أساس الفضائل هي محبة الإنسان كافة، وبدون هذه المحبة لا تقوم جماعة قط، والإنسان لا يبلغ كماله إلا مع أبناء جنسه، وبمعونتهم.


وهذه المحبة لا تظهر آثارها إلا في جماعة أو مدينة، فإذا كان الرجل معتزلًا أو راهبًا ناسكًا لا نستطيع أن نحكم على أعماله بالخير أو الشر،
وهو في هذا يقول كما قال إخوان الصفاء، وله كلام طويل في تحليل المحبة، وتقسيمها إلى صداقة، ومودة، وعشق، ويبين أسبابها
ودرجاتها، ومدة بقائها، وهي أنواع: أرقاها محبة العبد لخالقه، ثم محبة الحكماء بعضهم لبعض، ثم محبة عامة الناس. وكان الكلام في المحبة شائعًا
في هذا العصر، يتداوله الصوفية، والفلاسفة، والأدباء، ويؤلف فيه أبو حيان «الصداقة والصديق» إلى غير ذلك.

واجتهد في أن يوفق بين المذاهب اليونانية المختلفة، ودين الإسلام، وهو من حين لآخر يعرج على النفس، ويزيدها إيضاحًا، مما يدل
على تبحره في علم النفس، وله أحيانًا كلام في الأخلاق يشبه كلام ابن المقفع؛ ولذلك عُني بكتاب «جاويدان خرد» الذي ترجم بعضه
الحسن بن سهل، وترجم بعضه الآخر مسكويه، مثل قوله: «إذا آنستك السلامة فاستوحش من العطب، وإذا فرحت للعافية فاحزن للبلاء؛
وإذا بسطك الأمل فاقبض نفسك بقرب الأجل، الحيلة خير من الشدة، والتأني أفضل من العجلة، والجهل في الحرب خير من العقل، والتفكير هناك
في العاقبة مادة الجزع … إلخ إلخ».

وله مع أبي حيان كتاب «الهوامل والشوامل»، وهو عبارة عن أسئلة من أبي حيان، وأجوبة من مسكويه، وهو إذا تعرض لمسألة خلقية أو نفسية أفاض
فيها؛ وكان شيعيًّا بحكم خدمته للوزراء والملوك الشيعيين؛ ولذلك نرى في ثنايا كلامه في الكتاب آثارًا شيعية، وإن كانت
مختفية وراء المظاهر. ومما يدل على كثرة تجاربه الخاصة والعامة، أو بعبارة أخرى الفردية والجماعية، أنه في الفردية ألَّف كتاب «تهذيب الأخلاق»،
وفي الجماعية ألَّف كتاب «تجارب الأمم» الذي سيأتي ذكره، وقد كان على ما يظهر رجلًا فاضلًا نبيلًا، خصوصًا في آخر أيامه.
وقد أثرت عنه وصية أوصى بها من يأتي بعده، تعد من خير الوصايا، تدل على أنه كان حي الضمير، يحاسب نفسه، ويتمنى الخير والتهذيب لمن
يأتي بعده. جرى فيها على وصية قس بن ساعدة ولقمان، وغير ذلك مما أثر عن الحكماء، ولا نطيل بذكرها؛ فهي مبثوثة في الكتب؛
وروي له شعر كان فيه متأثرًا بمبادئه الخلقية، وكتابته في الأخلاق، مثل:

لا يعجبنك حسنُ القصر تنزله
فضيلة الشمس ليست في منازلها
لو زيدت الشمس في أبراجها مائة
ما زاد ذلك شيئًا في فضائلها

ويقول:

والناس في العين أشباه وبينهمُ
ما بين عامر بيت الله والخرب
في العود ما يقرن المسك الذكي به
طيبًا، وفيه لقى مُلقَى مع الحطب
لا تطيلوا المال من حول ومن حِيل
فربما جاء مطلوب بلا طلب

ويقول:

ولقد نفضت بهذه الدنيـ
ـا يدي وحسمت دائي
ماذا يغرني الزما
ن وقد قضيتُ به قضائي

ويعتب على أبي العباس الغني فيقول:

ما كان أغنى أبا العباس عن شره
إلى لحوم سباع كن في الأجم
إني وإن كنت لا أرضى الخنا لفمي
ولا أحط لقول فاحش هممي
لا يستريح إلي القول أحوجه
حر السكوت إلى الترويح بالنسم

… إلخ.

وعلى الجملة، فقد نقل الأخلاق نقلة جديرة بفلسفتها؛ وإن كان شاركه في ذلك العمل غيره، مثل: محمد بن أبي بكر الرازي، وإخوان الصفا — لقد
بدأ قبله الجاحظ في فلسفة الأخلاق، كما فعل في رسالة «الحاسد والمحسود»، وكما فعل في تحليل نفس أحمد بن عبد الوهاب،
وكالذي نجده من حين إلى حين في بعض رسائله، وفي كتاب «الحيوان»، ولكن مزية مسكويه أنه وضع للأخلاق نظامًا شاملًا، وفلسفة كلية، أما الجاحظ
وأمثاله فنتف هنا، ونتف هناك من غير تبويب، ولا ترتيب.

ولقد كان مسكويه — على ما يظهر — متدينًا يحافظ على العقائد الإسلامية في أثناء كتابته، ولا يقبل من الفلسفة اليونانية، والفلسفة الوثنية
على العموم إلا ما يتفق والإسلام.

والرازي هذا من الرجال المعدودين في قوة العقل، وكِبر الأثر، ولد في الري، ويقول الشهرزوري: «إنه اشتغل بالكيمياء حتى أثرت العقاقير المستعملة
في عينيه، وذهب إلى طبيب ليعالجهما، ففرض عليه خمسمائة دينار، فدفعها إليه، وأدرك ما في الطب من مكسب، فقال: «هذا هو
الكيمياء لا ما ذهبت إليه».

ثم اشتغل بالطب حتى تقدم على من سبقه من الأطباء، وبلغ الغاية في فحص البول، ومرضى الجدري والحصبة، قالوا: إنه كان شيخًا كبير الرأس، مسفط
الوجه، وكان يجلس للتعليم بعظمة، ودونه التلاميذ، وكان كريمًا متفضلًا بارًّا بالفقراء، وكان يجري عليهم الجرايات الواسعة،
وقد ألَّف للمنصور كتابًا في الطب الجسماني، ثم ألَّف على نمطه كتابًا في الطب الروحاني، ويعني بالطب الروحاني، الأخلاق، واعتمد الفرنج
كثيرًا على كتابه في الطب المسمى ? «الحاوي»، وترجم له بالفرنسية رسالة في الحصوة في المثانة والكُليتين، وترجم له
إلى الألمانية رسائل كثيرة، وله شعر عليه طابع الفلسفة، كشعر أبي العلاء، وابن الشبل البغدادي، مثل قوله:

لعمري ما أدري وقد أَذِنَ البلا
بعاجل تِرحالي إلى أين تَرحالي
وأين محل الروح بعد خروجِه
من الهيكل المنحل والجسد البالي

وكان يعتقد في النشوء، والارتقاء العلمي، وأنه أرقى من أرسطو وجالينوس، وسيخلفه من يكون أرقى منه على مر الزمان.

وقد قالوا: إنه اعتقد بعض العقائد الشاذة من أستاذيه البلخي، وعليّ بن رَيَن، وقالوا: إن الحلاج قد اعتقد بعض آراء فلسفية له، وقد نقده
الفارابي، وابن الهيثم في بعض آرائه، وقد ترجم له البيروني ترجمة وافية.

ويظهر أنه كان من العقليين الذين يؤمنون بالله، وينكرون النبوة، فقد رويت لنا مناقشة حادة بينه وبين أبي حاتم الرازي، يستفاد منها إنكاره
للنبوة، ورد أبي حاتم عليه، ولذلك نرى أن مسكويه يدعم نظرياته في الأخلاق بالآيات القرآنية، والأحاديث النبوية؛ على
حين أن الرازي هذا يعتمد في كتابته في الأخلاق على العقل البحت، وربما كان لهذا السبب بدأ مسكويه في كتابه «تهذيب الأخلاق» في بحث في النفس
وقيمتها، بينما بدأ الرازي في البحث في العقل وقيمته.

وإذ كانت أبحاثه عقلية محضة، وأبحاث المعتزلة عقلية دينية، فقد نقدهم كثيرًا، كما لم يرض عن إخوان الصفاء؛ لأنهم فلاسفة دينيون أيضًا، وهو
فيلسوف محض، وقد غذت أقواله المتطرفة في النبوة، القرامطة من المسلمين، والملاحدة من النصارى، وقالوا: إنه ألف كتاب
اسمه «نقض النبوة» يذكر فيه أن النبوات أضرت الناس، في كسلهم، وعاداتهم السيئة، وضيق عقولهم، وأنها هي السبب في العداوة بين الناس، وإثارة
الحروب بينهم.

ومن أجل ذلك كان المتدينون أعداء للفلسفة، وأن أمثال أفلاطون، وأرسطو، وإقليدس أفادوا الإنسانية أكثر من الأنبياء إلخ إلخ.

والذي يهمنا هنا نظراته الخلقية، فقد أسس الأخلاق على العلم كمسكويه، وزاد عليه أنه في كتابه — كما قلنا — عقلي لا نقلي.

ومن أحسن ما في كتابه بحث طويل عميق في اللذة والألم، وهو يرى أنهما أساس الفضائل والرذائل، وقد سبق بمئات السنين في ذلك بنتام، وجون استوارت
مِل في تأسيس مذهب المنفعة على اللذة والألم.

فعندهما وعنده أن الفضيلة إنما عدت فضيلة لرجحان منافعها على مضارها، أو بعبارة أخرى رجحان ما ينتج عنها من اللذائذ، على ما ينتج عنها من
الآلام، والرذيلة بالعكس، وفضيلة تفضل فضيلة لكثرة لذائذها، وعمل يفضل عملًا، بما ينتج عنه من لذائذه.

وليست للفضيلة، ولا للرذيلة قيمة ذاتية، وعند الرازي أنه ليس هناك لذة إيجابية، وإنما اللذة عدم الألم، فالجوع مثلًا مؤلم، والأكل لذيذ؛
لأنه يضيع ألم الجوع، وهكذا: إذا نحن حللنا كل لذة، وجدناها عبارة عن دفع ألم.

وله في العادات رأى لطيف أيضًا، فيقول: «ينبغي أن يحتفظ بالعادات، ويجري مجازيها، إلا أن تكون مفرطة في الرداءة، فإذا كانت كذلك، فلينتقل
عنها قليلًا قليلًا بالتدرج منها، وليحذر أن تجري العادة، وتتأكد بلزوم طعام أو شراب أو اجتنابهما، أو بنوم، أو بحركة،
فإنها إذا تأكدت هذا التأكد، عظم الضرر من الإخلال بها، وليعتد الإنسان أن يمرن نفسه على لقاء الحر والبرد، والحركة والأغذية التي لا بد
له منها، وتبديل أوقات النوم واليقظة» إلخ إلخ.

وبعد أن ذكر مجمل الأخلاق ذكر تفاصيلها، عاقدًا فصلًا لكل فضيلة أو رذيلة، فمثلًا: فصل في قمع الهوى، وفي تعرف الرجل عيوب نفسه، وفي دفع
العشق والإلف، وفي دفع العجب والحسد والغضب، وفي إطراح الكذب، وفي إطراخ البخل، إلخ. ولعلمه بالجسم، وتشريحه استطاع
أن يشرح أثر الرذيلة في الجسم فيقول مثلًا في قمع الهوى: «إن أول فضل للناس على البهائم هو ملكة الإرادة، وإطلاق الفعل بعد الروية؛ وذلك
أن البهائم واقفة عند ما تدعوها إليه الطباع، وذلك أنك لا تجد بهيمة تمسك عن أن تتناول ما تغتذي به مع حاجتها إليه،
وفضل الإنسان في ذم الطبع، فمن أراد أن يزين نفسه، ويكمل لها هذه القضية، فقد رام أمرًا صعبًا شديدًا، ويحتاج أن يوطن نفسه على مجاهدة
الهوى، ومجادلته، ومخالفته.

والهوى والطباع يدعوان أبدًا إلى اتباع اللذات الحاضرة، وإيثارها من غير فكر، ولا روية في عاقبة؛ لأنهما لا يريان إلا حالتهما التي هما
فيها لا غير» إلخ.

ويقول مثلًا في تعرف الإنسان عيوب نفسه: «إن كل واحد منا لا يمكنه مع الهوى، ومحبة نفسه أن ينظر بعين العقل الخالصة المحضة إلى خلائقه وسيرته،
وينبغي أن يسند الرجل أمره إلى رجل عاقل كثير اللزوم له، والكون معه، ويسأله ويضرع إليه، ويؤكد عليه أن يخبره بكل ما
يعرف فيه من المعايب، ويعلمه أن ذلك أحب الأشياء إليه، فإذا أخذ الرجل المشرف يخبره، ولم يظهر له اغتمامًا، بل أظهر له سرورًا بما يستمع،
وتشوقًا إلى ما لم يستمع، وينبغي أن يستخير، ويتحسس ما يقوله فيه جيرانه، ومعاملوه، وإخوانه، وبماذا يمدحونه، وبماذا
يعيبونه». وقد كتب في هذا المعنى جاكينوس كتابًا عنوانه: أن الأخيار ينتفعون بأعدائهم، ويعيب العشق، والمبالغة فيه، فإن العقلاء إذا
رأوا آلام العشاق نفروا منه، وأنه لا يغرق فيه إلا الخنِثُون من الرجال، والرذلون، والفرار، والمترفون، ولا سيما إن أكثروا
النظر في قصص العشاق، ورواية الرفيق الغزل من الشعر، وسماع الشجي من الغناء والألحان، واللذة التي يتصورها العشاق، وسائر من
كلف بشيء، وغرم به، كالعشاق للرياسة، والتملك، وهي أن ينالوا المطلوب مع عظم ذلك في أنفسهم، ولو فكروا في وعورة هذا الطريق وخشونته،
ومهاويه ومهالكه، لمرَّ عليهم ما حلا، وصغر عندهم ما يحتاجون في جنب مقاساته ومكافحته.

والعشاق يجاوزون البهائم في عدم ضبط النفس، وذم الهوى، وهم لا ينالون من ملاذهم شيئًا إلا بعد أن يمسهم الهمُّ والجهل، ويأخذ منهم، وأما
احتجاجهم بكثرة من عشق من الأدباء والشعراء، فحجة واهية؛ لأن الشعر والفصاحة والأدب، ليست أشياء لا تكون إلا مع كمال
العقل والحكمة، بل قد تكون مع نقصهما، فالعشاق قد يكونون من أهل النفس في عقولهم وحكمتهم، وأما قولهم: إن العشق يدعو إلى النظافة واللباقة،
والهيئة والزينة، فما يسمح بجمال الجسد، مع قبح النفس، وهل يحتاج إلى الجمال الجسماني، ويجتهد فيه إلا النساء، وذوو
الحنف من الرجال»، ويقول في الحسد: «إن الحسد يتولد من اجتماع البخل والشره؛ والحاسد هو من اغتم من خير يناله غيره؛ من حيث لا مضرة عليه
منه ألبتة، ومن الغريب أنا نرى الرجل الغريب يملك أهل بلد ما، ولا يكادون يجدون في أنفسهم كراهة لذلك، ثم يملكهم رجل
من بلدهم، فلا يكاد أن يتخلص ولا واحد منهم من كراهته، وقد كان الرجل المالك القريب لهم أرأف بهم، وأنظر إليهم من المالك الغريب.
وإنما يؤتى الناس في هذا الباب من فرط محبتهم لأنفسهم، فمن أجل حب الرجل لنفسه يجب أن يكون سابقًا لا مسبوقًا، فإذا هو رأى
من كان بالأمس معه سابقًا له اليوم، مقدمًا عليه، اغتم لذلك، واشتد عليه سبقه إياه، ولذلك يكثر التحاسد بين الأقرباء
والمعاشرين والمعارف». ويعقد فصلًا للاتصال الجنسي يرى فيه أنه يضعف البصر، ويهد البدن، ويقلقه، ويسرع بالشيخوخة والهرم، ويضر بالدماغ
والأعصاب، ويسقط القوة ويوهنها، «وهو كلام طبيب»، وله ضراوة شديدة كضراوة سائر الملاذ، بل أقوى وأشد منها، والإقلال
منها يحفظ على الجسد رطوبته، فتطول مدة النشوء والنماء، وتبطئ الشيخوخة والجفاف، فينبغي للعاقل أن يذم نفسه عنها، ويمنعها منه، ويجاهدها
على ذلك؛ لئلا تغرى به، وتَضرَى عليه إلخ.

ويختم الكتاب بالكلام على فلسفة الموت، والخوف منه، فيقول: إن علاج الخوف منه، هي أن تقنع النفس أنها تصير بعد الموت إلى ما أصلح لها مما
كانت فيه؛ لأن الإنسان لا يناله بعد الموت شيء من الأذى ألبتة؛ لأن الأذى حسي، والحس ليس إلا للحي، وهو في حال حياته
مغمور بالأذى، فالحالة التي لا أذى فيها أصلح من الحالة التي فيها الأذى، فالموت إذًا أصلح للإنسان من الحياة، فإن قيل: «إن الإنسان وإن
كان يصيبه الأذى في الحياة، فإنه يناله من اللذات ما ليس يناله في حال موته، فنقول له: إن الميت ليس بضره ألا ينال
اللذت؛ لأن الحي هو الذي يحتاج إلى اللذة، دون الميت»، وقد أطال في ذلك.

وقد سقنا هذه الأمثلة لنبين منها منهجه في التأليف، وأسلوبه في التعبير، ومنحاه في الإدلاء بالحجج.

وقد وضع رسالة سماها «السيرة الفلسفية»، رسم فيها المثل الأعلى لأخلاق الفيلسوف.

وأما إخوان الصفاء فتكاد الأخلاق عندهم تشبه الأخلاق عند مسكويه، وعند الرازي، وعندهم أن الأخلاق نوعان: أخلاق فردية، وأخلاق جماعية، فالأخلاق
الفردية يقولون: إنها تعرف بالعقل، فما أمرنا الله به فهو خير، وما نهانا عنه فهو شر، ويرون أن لبعض الناس عقولًا يعرفون
بها الخير ويأتونه، والقبيح ويبعدون عنه، وهؤلاء هم الحكماء والفلاسفة، أما غيرهم فقد يرى الخير ولا يفعله، والشر ويأتي به، وأرقى أنواع
الأخلاق عندهم فعل الخير للخير، لا من أجل أي نفع عاجل أو آجل، كما يقول الصوفية، قالوا: أما الأخيار، فهم الذين يعملون
ما رسم لهم في النواميس الإلهية، ويفعلون ما أوجبته العقول السليمة، ولا يطلبون على ذلك عوضًا، من جر منفعة إلى أجسادهم، أو دفع
مضرة عنها، فعند ذلك يقال لهم: أخيار على الإطلاق، وأنهم من أبناء الآخرة، ويقولون في العادة: «يجب أن تعود نفسك عمل الخير؛
لأنه خير لا تريد بفعلك عوضًا، ولا يحملك على فعله خوف، فمتى فعلت لطلب المكافأة، لم يكن عملك خيرًا، وكذلك إذا أردت من عمل
الخير، الذكر والاسم، كنت منافقًا، والمنافق لا يستأهل أن يكون في جوار الروحانيين».

ويقولون كما أشرنا قبل: «إن الفضيلة وسط بين الإفراط والتفريط، وإن الفضائل من مواهب، هي من أخلاق الملائكة»، ويجعلون للإرادة والرياضة
قسطًا كبيرًا في نيل الفضائل، أما الأخلاق الاجتماعية، فعمادها البيئة، والمجتمع، وقد قالوا: إن من البيئة الأجرام
السماوية، فلها تأثير كبير في الإنسان وأعماله، وبعض هذه التأثيرات خير أو شر، وقد قسموا الأقاليم إلى أقسام، وجعلوا كل إقليم له أثر في
طباع الناس وأخلاقهم، وخير الناس من كان إقليمه أعدل إقليم، والناس يحتفلون من يوم الولادة، فأولاد ملوك، وأولاد تجار،
وأولاد الفقراء والمساكين، وكل هؤلاء يتأثرون تأثرًا كبيرًا بطبقتهم.

والناس محتاجون إلى التعاون، ولذلك شاع بين الناس: الإنسان مدني بالطبع، والإنسان مشتق من الأنس، لا من النسيان، قالوا: إن الإنسان الواحد
لا يقدر أن يعيش وحده، إلا عيشًا نكدًا؛ لأنه محتاج إلى طيب العيش، مع إحكام صنائع شتى، ولا يمكن الإنسان الواحد أن
يبلغها كلها؛ لأن العمر قصير، والصنائع كثيرة، فمن أجل هذا، اجتمع في كل مدينة، أو قرية أناس كثيرون لمعاونة بعضهم بعضًا، وقد أوجبت الحكمة
الإلهية، والعناية الربانية، أن يشتغل جماعة منهم بإحكام الصناعات، وجماعة في التجارب، وجماعة في تدبير السياسات إلخ.


ومما يؤثر في الأخلاق الاجتماعية الدولة، وقد ذكرنا قبل رأيهم في الدولة، وأن لكل دولة عمرًا محدودًا، وأنها تنهار في آخر أيامها، وتؤثر
في أهلها أثرًا سيئًا، وأنهم يؤملون قيام دولة رؤساؤها أهل خير، حتى ينصلح الشعب بهم، ويرون أن الدين والدولة لا يفترقان،
والناس محتاجون في صلاح أمرهم إلى ملك، ولا بد لهم من سلطان يملكهم ويرأسهم، ويحكم بينهم فيما يختلفون فيه ويتنازعون، ويمنع الظالم القوي
من التعدي على الضعيف المظلوم، وتأمن من خوفه السبل.
?
وقد يكون الملك نفسه جائرًا، ومع ذلك فلا مندوحة عن قبول حكمه، ولكن عمره يكون عادة قصيرًا؛ لأن الله قاصم كل جبار عنيد، ومهلك كل مارد
معتد، وهو ينصف المظلوم من الظالم
?
والسياسات أنواع؛ سياسة خاصة، وهي معرفة كل إنسان كيفية تدبير منزله، أو أمر معيشته إلخ، وسياسة ذاتية، وهي معرفة كل إنسان نفسه وأخلاقه،
وتفقد أفعاله وأقاويله في حال شهوته وغضبه ورضاه، والنظر في جميع أموره، ثم تنقسم إلى قسمين: سياسة جسمانية، وهي تدبير
الجسم، وحفظ العافية عليه، وسياسة نفسانية، وهي السياسة التي يحتاج إليها في معاشرة الناس، ومراقبة نفسه إلخ إلخ.

فترى من هذا أنهم نقلوا الأخلاق أيضًا إلى علم ذي أبواب وفصول، ونراهم في الحقيقة أيضًا قد مزجوا بين العقل والدين، وبين الأخلاق، والنفس،
والاجتماع، والاقتصاد، شأنهم في ذلك شأن أهل القرون الوسطى جميعًا، وكانت كلها فروعًا من فروع الفلسفة، حتى الطب كان
أحد فروعها، ثم أخذت العلوم تنفصل عن الفلسفة، فعلم خاص بالنفس، وعلم خاص بالاجتماع، وعلم خاص بالأخلاق.

وعلى الجملة، كان لمسكويه، والرازي، وإخوان الصفاء فضل في نقل الأخلاق من نصائح أدبية إلى علم بأصول، كما فعل الفرنج اليوم، ولكن الفروق
بين هؤلاء الثلاثة فروق دقيقة، لا نري فيها مذاهب، كالذي نراه اليوم بين مذهب المنفعة، ومذهب اللقانة، ومذهب النشوء
والارتقاء إلخ. فقد كان مصدرهم كله الفلسفة اليونانية، غاية الأمر أن منهم من مزجها بالدين كإخوان الصفاء ومسكويه، ومنهم من حكَّم فيها
العقل فقط غير ناظر إلى الدين كالرازي.

وعلى الجملة، فهناك منحيان للأخلاق: أحدهما الجمل الخلقية، والأمثال والقصص، كقصص كليلة ودمنة، وقد مهر في هذا النوع الأحنف بن قيس، والحسن
البصري، وابن المقفع، وغيرهم، ونوع أسس على العلم خصوصًا بعد نقل الفلسفة اليونانية، ? «تهذيب الأخلاق» لمسكويه، وقد
شاهدت في حياتي هذين النوعين، فكان يدرس لنا الأخلاق أستاذ من دار العلوم يدرس لنا «أدب الدنيا والدين»، وهو على نمط الحكم والأمثال، ثم
درس لنا أستاذ متشبع بالثقافة الإنجليزية، فدرس لنا كتاب الأخلاق لماكنزي، وهو يعرض النظريات المختلفة في الأخلاق وأسسها،
ثم يبني عليها دراسة الفضائل مفصلة، ودرس لنا أيضًا كتاب «مذهب المنفعة» لجون استوارت مل، ومذهب «النشوء والارتقاء» لسبنسر، ونحو
ذلك، فهذان المنحيان ظلا يعملان في العصور المختلفة، وربما كان الغزالي جامعًا بين المذهبين في كتابه «الإحياء»، فهو يبدأ
الكلام في كل فضيلة أو رذيلة بالآيات والأحاديث، وما روي عن كبار الصحابة والتابعين، ثم يتبع ذلك بالتحليل النفسي للفضائل
والرذائل.

وقد جمع بين المذهبين، كما حاول الجمع بين الفقه والتصوف، وبين الفلسفة والدين، وكثير من الأخلاق من النوع الأول عبرت عنه أشعار، كما فعل
المتنبي وأبو نواس في حكمهما، وسايرهما من جاء بعدهما.

ومن الملاحظ أن المنحى الأول يسير إلى المنحى الثاني، ومن ظواهر المنحى الأول اعتماده على الدين كثيرًا، وعلى الحكم الدينية، وأما المنحى
الثاني فيميل إلى الاعتماد على العقل كثيرًا، ولكل فضل؛ فالمنحى الأول يستقبل من الجماهير استقبالًا حسنًا لاعتماده
على الدين … والدين في أعماق كل نفس تقريبًا، والمنحى الثاني يستقبل استقبالًا حسنًا من الفلاسفة وأمثالهم؛ لأنهم يميلون إلى استناد كل
شيء على المبرر العقلي …

هوامش
(?)
ج? ص???.
(?)
ج? ص???.
الفصل السابع

في العلوم
ونعني بالعلوم ما يسمى عند الفرنج SCIENCES كالرياضيات، والطبيعيات، والكيمياء، ونحوها، وقد عنيت طائفة بها، وتقدمت تقدمًا كبيرًا في هذا
القرن الرابع، وتفاخر الملوك والأمراء بها، وزينوا أقطارهم بها، فجبريل بن بختيشوع في العراق، وابن الهيثم في العراق ومصر، وعلي بن رضوان
في مصر، وابن البيطار النباتي وغيرهم، وألفوا في ذلك الكتب الكثيرة للأمراء، كما فعل الرازي في كتابه «المنصوري» باسم
المنصور بن إسحاق، و«التاجي»، وكما فعل سعيد بن هبة الله الذي ألَّف كتابه «المغني في الطب» للمقتدي بأمر الله، ونقرأ كتاب «الفهرست» لابن
النديم، و«كشف الظنون»، فترى فيهما مئات الكتب في العلوم. وكانت الرقعة الإسلامية مجالًا للعلماء من كل جنس ودين، من
نصارى ويهود ووثنيين، وكان بعض الأطباء مثلًا ذوي اختصاص كالكحالين، والجراحين، والفاصدين، ومن يعالج النساء، إلخ، حتى كان بعضهم
من النساء، وكانوا كاليوم يعنون بفحص البول، وجس النبض، والاستدلال منهما على نوع المرض، واستفاد الأطباء المسلمون من اليونان،
والفرس، والهنود، والكلدان، واخترع بعضهم ما خالف به أطباء اليونان كمعالجتهم الفالج والاسترخاء بالأدوية الباردة بدل
ما كان يستعمل عند اليونان من الأدوية الحارة، واستخدم أطباء المسلمين المرقد «البنج» في الطب، وتوسعوا في الكي، واستعملوا صبَّ الماء
البارد في أحوال النزيف، وكانوا أول من نظم الصيدلة، وتوسع فيها، واستجلبوا العقاقير من مختلف البلاد، وأنشئوا الحوانيت
لها، وكان اشتغالهم بتحويل المعادن إلى ذهب سببًا في وقوفهم على كثير من المواد الكيماوية، فاستحضروا ماء الفضة المسمى «حامض النتريك»،
وزيت الزاج، المسمى «حامض الكبريتيك»، واكتشفوا البوتاسا، وروح النوشادر وملحه، وحجر جهم المسمى «نترات الفضة»، والسليماني
المسمى «كلوريد الزئبق»، وغير ذلك من المركبات والعناصر، واكتشفوا مادة إذا طلي بها الخشب لم يحترق، وعرفوا الترشيح، والتقطير، والتصعيد،
والبلورة، والتذويب، واستخدم مثلًا ابن الهيثم علمه بالكيمياء، والطبيعة في المخترعات الميكانيكية، واشتغلوا بعلم الفلك،
وبدءوا فيه بالتنجيم، ثم قلبوه إلى علم، فصنع الخوارزمي مثلًا زيجًا جمع فيه بين مذاهب الهند والفرس والروم، وزاد في
ذلك أبوابًا. وجاء البتاني فصنع زيجًا آخر، عُرف بالزيج الصابي، وجاء بعد ذلك في القرن الرابع والخامس أبو الوفاء البوزجاني والبيروني،
فاخترعا كثيرًا من الآلات الفلكية، استخدموها في المراصد، وفي مصر أنشئ مرصد على جبل المقطم عُرف بالمرصد الحاكمي؛
نسبةً إلى الحاكم بأمر الله.

واشتغلوا بالحساب، والجبر، والهندسة، بعدما نقلوا عن اليونانية بعض كتبها، واشتهرت كتب الخوارزمي في الجبر والمقابلة، حتى يظن بعضهم كلمة
«اللوغارتم» محرَّفة عن الخوارزمي، وألَّف أبو حنيفة الدينوري كتابًا عظيمًا في النباتات، وصفها وصفًا دقيقًا — ولكن
والحق يقال — كان اشتغالهم بالعلوم أقل من اشتغالهم بالآداب، كما سنفصل ذلك في الخاتمة — إن شاء الله.

فأما ابن الهيثم فهو نموذج للعالم الإسلامي في القرون الوسطى، كما أنه نموذج لما زاد فلاسفة المسلمين على اليونانيين، وهو الحسن أبو علي
بن الحسن بن الهيثم، ولد حوالي سنة ????، وكان أول أمره بالبصرة، وعني بتحصيل العلم والفلسفة في عصره من هندسة، ومخروطات،
وجبر، وحساب مثلثات، وأرتماطيقا، وما يتصل بها من نظريات هندسية، وميكانيكا، ومراكز الأثقال، ورفع الأثقال، وأخذ يدرس كل ما وقعت عليه يداه
من كتب متقدمة، ولم يكتف بقراءة الكتب الفلسفية، بل عني بتلخيصها، والتصنيف فيها، ويقول: «أنا ما مدت لي الحياة باذلًا
جهدي، فمستفرغًا قوتي، إلا متوخيًا أمورًا ثلاثة: إفادة من يطلب الحق، ويؤثره في حياتي، وبعد مماتي، والارتياض بهذه الأمور، وجعله
ذخيرة وعدة لزمان الشيخوخة، وأوان الهرم». وقد ألَّف في هذه المواضيع العلمية عشرات من الكتب، بلغ ما يتعلق منها بموضوعات
الفلسفة، والعلم الطبيعي ثلاثة وأربعين كتابًا، وما يتعلق منها بالرياضة والعلم التعليمي خمسة وعشرين، أورد أسماءها ابن
أبي أصيبعة في كتابه «طبقات الأطباء».

ولم يكتف بالتلخيص، بل تحرر من التقيد بآراء السابقين، فأدلى بآرائه الشخصية، فألَّف مثلًا كتابًا في الرد على يحيى النحوي، واستقل أيضًا
في الرياضة، وزاد في برهانها وتصحيحها، ورد الخطأ فيها، واستخدم علمه في أمور إسلامية في كتابه «في سمت القبلة».

وأهم ما امتاز به معرفة نظريات الرياضة، ومن أهم مميزاته تطبيق علمه الرياضي والهندسي على العمل، فيروي ابن القفطي أن الحاكم بأمر الله
الفاطمي بلغه نبأ ابن الهيثم، وعلو مقامه في العلم التعليمي، وما يقوله ابن الهيثم من أنه لو كان بمصر لعمل في نيلها
عملًا يحصل به النفع في كل حالة من حالاته، فقد بلغني أنه ينحدر من موضع عال، وهو في طرف الإقليم المصري، فاستدعاه الحاكم، وأرسل إليه أموالًا
وهدايا. وخرج الحاكمُ نفسه لاستقباله خارج مدينة القاهرة، وأكرم وفادته، وأمر بإكرام مثواه، فلما استراح طالبه بما
قال في أمر النيل، وأرسله إلى أعلى النيل مع جماعة من الصناع، فلما وصل إلى الشلال، لم يجده، كما بلغه من قبل، موضعًا عاليًا ينحدر منه
الماء، ولم يجد الأمر متفقًا وفكرته التي خطرت له، فعاد إلى القاهرة وهو في أشد حالات الخجل والانخذال، واعتذر إلى
الحاكم، فقبل الحاكمُ عذره، وولاه منصبًا من مناصب الدولة، فتولاه وهو كاره له؛ لأنه لم يكن يحب المناصب، ثم ادعى الجنون، حتى
مات الحاكم، وتوفي بالقاهرة في أواخر سنة ثلاثين وأربعمائة، واستفاد الناس منه كثيرًا، وكان — رحمه الله — متين الخُلُق، جميل
التواضع، مع علمه وفضله، يقول ابن أبي أصيبعة: «إنه كان فاضل النفس، وافر التزهد، محبًّا للخير».
?

وابن الهيثم يبحث في مسائل قد نظن أنها لم تبحث في عصره، مثل وصوله إلى نتائج باهرة في علم الضوء، وامتداد الضوء على السماوات المستقيمة،
وفي الأضواء العرضية والمنعكسة، وامتزاج الألوان، وانعكاس الضوء وانعطافه إلخ.

وأمَّا البوزجاني فقد اشتهر بالرياضة، وله فضل في تقدم العلوم الرياضية، وهو محمد بن محمد بن يحيى بن إسماعيل، ولد في بوزجان سنة ????،
وانتقل إلى بغداد في سن العشرين، وتوفي سنة ????، وقد اشتهر كثيرًا في علمي الفلك والرياضيات، وله فيها مؤلفات، يقول
بعض الإفرنج: «إن له في الهندسة استخراجات غريبة، لم يسبق إليها، وله كذلك مبتكرات في الأوتار». وكُتب في الجبر، وزاد على بحوث الخوارزمي،
وكتب في العلاقة بين الهندسة والجبر، وله بحوث قيمة في المثلثات، وأدخل تجديدات على القطاع، وعلى يده تقدمت نظريات
المثلثات.

ويظهر لي أنه هو الذي أورده أبو حيان التوحيدي في كتابه «الإمتاع والمؤانسة»، وأن أبا الوفاء طلب منه أن يؤلف له كتابًا يذكر له فيه ما
دار بينه وبين ابن سعدون من أحاديث وسمر؛ فألَّفه له.

واشتهر في أوائل القرن الرابع أيضًا الخازن، وهو محمد بن حسن أبو جعفر. ويقولون: إنه أول من حوَّل المعادلات التكعيبية بواسطة قطوع المخروط،
وله بحوث كثيرة في المثلثات.

واشتهر في هذا العصر أبو عبد الله البتاني في الفلك والرياضيات، وكان من أقدر علماء الرصد، ولد في بتان من ناحية حرَّان سنة ????، وتوفي
سنة ????، وكان له باع طويل في الهندسة، وهيئة الأفلاك، وحساب النجوم، وله مؤلفات عدة أهمها زيجه المسمى «زيج الصابي»،
وهو أصح الأزياج، وقد ترجم إلى اللاتينية، وطبع بروما سنة ????م، وفيه بعض صور قيمة.
?

وأما الخازن، فقد غمر، ولم يعرف كثيرًا؛ لأنه اختلط اسمه بابن الهيثم لقرب التشابه بين اسميهما بالحروف اللاتينية، فاسم الأول: الهازم،
واسم الثاني: الكازن.

واشتهر أيضًا في العلم أمية بن أبي الصلت، كما اشتهر بالشعر، وقد حكى عنه ابن أبي أصيبعة في «طبقات الأطباء» شيئًا كنا نظنه من أفكار العصر
الحديث، وهي فكرة رفع المراكب الغارقة من قعر البحار، فقد حكى عنه أن مركبًا مملوءًا بالنحاس غرق قريبًا من الإسكندرية،
فعزم أبو الصلت على رفعه، فاجتمع بالأفضل أمير الجيوش — ملك الإسكندرية — وباحثه بما جال في خاطره، وطلب منه أن يهيئ له ما أراد، فأحضر
الأفضل لأبي الصلت الآلات اللازمة، ولما تهيأت وضعها في مركب عظيم، هي موازاة المركب الذي غرق، وأرسى إليه حبالًا مبرومة
من الإبريسم؛ إذ لم تكن الحبال القوية المصنوعة من الأسلاك المعدنية معروفة، فأمر قومًا لهم خبرة في البحر أن يغوصوا، ويوثقوا ربط
الحبال بالمركب الغارق، وكان قد صنع آلات بأشكال هندسية؛ لرفع الأثقال في المركب الذي هم فيه، وأمر الجماعة بما يفعلونه
في تلك الآلات، ولم يزل شأنهم ذلك، والحبال ترتفع إليهم أوَّلًا فأوَّلًا، وتنطوي على دواليب بين أيديهم، حتى بان لهم المركب
الذي كان قد غرق، وارتفع إلى قريب من سطح الماء، ثم عند ذلك انقطعت الحبال، وهبط راجعًا إلى قعر البحر، ولقد تلطف أبو الصلت جدًّا
فيما صنعه، وفي التحيل لرفع المركب، إلا أن القدر لم يساعده، وحنق عليه الملك لما غرقه من الآلات، وأمر بحبسه، وبقي
في الاعتقال إلى أن شفع فيه بعض الأعيان، فأطلق، وكان إلى علمه شاعرًا رقيقًا، شعر في الهيئة التي مهر فيها.

كذلك اشتهر في الرياضيات عمر الخيَّام الأديب المعروف، وقد انعزل عن الناس، وانعكف على البحث بالدراسة، وألَّف في الجبر والفلك، واستعمل
كثيرًا من المعادلات التي لم تكن معروفة من قبل، وربط بين الجبر والهندسة، وقسم المعادلات إلى أقسام متنوعة، وحصرها.


ووجد في كتب الخيام قانون لحل المعادلة ذات الدرجة الثانية، وله براعة أيضًا في الفلك، حتى إن السلطان ملك شاه دعاه لمساعدته في تعديل التقويم
السنوي.

ومما ساعد العرب على التوسع في العلوم أنهم حينما فتحوا بلاد فارس والشام، رأوا فيها خزائن من العلوم اليونانية، قد نقلت إلى اللغة السريانية،
فنقلوها إلى اللغة العربية، وخاصة ما لم يكن نقل من قبل، ثم أخذوا يدرسونها، وساروا بها إلى الأمام، بل لم يكتفوا بالنقل
عن السريانية، فتعلم بعضهم اللغة اليونانية، والدليل على ذلك المعاجم للغة اليونانية والعربية.

وكانوا في كل مدينة كبيرة يحلونها ينشئون فيها المكتبات والمختبرات والآلات، وزادوا على العلوم اليونانية تجاربهم الشخصية من استخراج المجهول
من المعلوم، والعلل من المعلول، وعدم التسليم لما لا يثبت من غير تجربة، كما نجد ذلك من قديم في كتاب «الحيوان» للجاحظ،
فهو يخطئ أرسطو في مسائل كثيرة، وربما فضل عليه عربيًّا بدويًّا.

وعرف العرب تركيب النار اليونانية واستخدموها، وقذفوا بها في شتى الطرق، وألقوا بها الرعب في قلوب الصليبيين، وربما كانوا هم مخترعي البارود،
كما قال ذلك كثير من المستشرقين.

فقد ذكر بعض المؤرخين أن أول معركة استعمل فيها البارود كانت على يد الأمير يعقوب حين حاصر مدينة المهدية سنة ????م. قالوا: «فضرب أسوارها
بمختلف الآلات والقنابل، وضربها بآلات لم يرها الناس من قبل، فكانت كل واحدة منها ترمي قذائف كبيرة من الحجارة، وقنابل
من الحديد، وتسقط في وسط المدينة»، وقد روي أن بعض الإنجليز شاهد ذلك، فنقل هذا الاختراع إلى بلادهم فورًا.

هذا إلى كتب العرب الكثيرة في النباتات، وفي المعادن، واستخدموا النباتات في الطب، وزرعوا النباتات الطبية، وترجمت اكثر كتب الرازي إلى
اللغة اللاتينية، وكانت كتبه مع كتب ابن سينا أساسًا للتدريس في الجامعات الأوروبية، واشتهر أبو القاسم القرطبي بالجراحة،
ووصف عملية سحق الحصاة في المثانة وإخراجها.

وأنشأ العرب في ذلك العصر وقبله كثيرًا من المارستانات، واكتشف الأطباء كثيرًا من النباتات التي في بلادهم لم يكن يعرفها اليونان، وعرفوا
الكاويات والفتائل، والبنج الذي سموه «المرقد»، وقالوا: «إن هناك عمليات جراحية، تحتاج لتنويم المريض؛ حتى يفقد وعيه
وحواسه».

وعلى الجملة، فقد مهر العرب في العلوم من حساب وجبر وهندسة، وفلك، وميكانيكا، وأخذوا علوم اليونان والهنود، ودلتهم تجربة حياتهم الخاصة
على اكتشاف أشياء لم تكن معروفة عند اليونان، وقد اعترف كثير من المستشرقين العدول بابتكاراتهم أشياء كثيرة، لم يعرفها
اليونان ولا الهنود؛ أمَّا الذين غمطوهم حقهم فقد حملهم على ذلك تعصبهم ضدهم.

ثم أصاب العلماء من بعدُ، ما أصاب الأدب، فلم ينبغ بعد هذا القرن إلا القليل النادر، مثل: الطوسي الذي مهر في الفلك، وشهر بالرصد، وإدخاله
بعض الأعمال الهندسية التي لم تعرف من قبله، وأوضح الطوسي كثيرًا من النظريات الفلكية، وأصلح كتاب المجسطي، وحرره،
وكتاب «الأكر»، ومثل ابن الهائم الذي اشتهر بالرياضيات، وشاع اسمه في مصر والشام، وألف في الجبر، وفي ضرب أعداد خاصة في أعداد أخرى، من
غير إجراء عمليات الضرب، كقوله: «إن كل عدد يضرب في خمسة عشر أو مائة وخمسين، أو ألف وخمسمائة، يضاف عليه مثل نصفه،
ويضرب حاصل الجمع في عشرة في الأول، ومائة في الثاني، وألف في الثالث». وقد بعثهم على المهارة في الرياضة حل مسائل معقدة في
الميراث، ومهارتهم في الفلك حاجة الامراء إلى الرصد، عدا ما يجد الرياضي والفلكي من اللذة الذاتية، فالقول بأن العرب لم يخرجوا
عما رسمه لهم اليونان والهنود والفرس قول جائر، والله لم يُعقم العقل العربي، ولم يقصر الإنتاج على العقل اليوناني أو
الهندي؛ بل جعل الأمر مشتركا كخيرات البلاد، وجمال أهلها، وحسن مقدرتها.

غاية الأمر، أن الخلف لم يحسن استخدام ما تركه السلف؛ إنما أحسنه الغربيون فكانوا يُنقِّبون عن كتب العرب، ويترجمها من أتقن العربية، ويبنون
عليها كما اعترف بذلك كثير ممن استفاد منهم، ولما جاءت النهضة الحديثة، اقتبسنا منها على أنها من صنع الأوروبيين، وأن
آباءنا لا دخل لهم فيها، وهكذا الشأن في كل نوع من الثقافة.

هوامش
(?)
انظر: الكتاب القيم الذي وضعه الأستاذ مصطفى نظيف عن الحسن بن الهيثم.
(?)
انظر: كتاب تراث العرب العلمي في الرياضيات والفلك، للأستاذ قدري حافظ طوقان.
الفصل الثامن

التاريخ والجغرافيا
التاريخ

من قديم والعرب تعنى بالتاريخ، لا تاريخها وحدها؛ بل بتاريخ الأمم قبلها، فيحدثوننا أنهم كانوا يقرءون أخبار الفرس، وبعد مجيء الإسلام
شجَّع ما في القرآن من قصص على تتبع ما في القرآن من قصص الأنبياء، كآدم ونوح — عليهما السلام — كما أن القرآن
روى أحاديث كثيرة تاريخية، كقصة حرب الفرس مع الروم، فاشتاقت نفُوسهم للتوسع في فهم هذه الآيات، وقد اتجهوا في التاريخ إلى جمع
الأخبار، فحققوا الأماكن والأحوال التي كُتبت بها الآيات، أو قيلت فيها الأحاديث، وحملتهم أيضًا مسألة ضرب الخراج
على البلاد، واختلاف المؤرخين في شأنها: هل فتحت عنوة أو صلحًا، كما فعل البلاذري المتوفى سنة ????، وعني الخلفاء
برواية تواريخ الملوك في الأمم المختلفة، وعدوا قراءتها عظة، واكتساب تجربة، وشاع بين الناس «علم الملوك والنسب والخبر، وعلم أصحاب
الحروب، وكتب الأيام والسير، وعلم الكتاب والحساب»؛ وإذ كانوا يرون أن التاريخ يفيد الفطنة، وحسن التجربة،
حكى صاحب كتاب «تجارب الأمم» أن الخليفة المكتفي طلب من وزيره كتبًا يلهو بها، ويقطع بمطالعتها زمانه، فتقدم الوزير إلى النواب بتحصيل
ذلك، وعرضه عليه، قبل حمله إلى الخليفة، فجاءوه ببعض الكتب، وفيها شيء مما جرى في الأيام السالفة من وقائع
الملوك، وأخبار الوزراء، ومعرفة التحيل في استخراج الأموال، فلما رآها الوزير غضب، وقال: لنوابه: «والله إنكم أشد الناس عداوة لي،
أنا قلت لكم: حصلوا له كتبًا يلهو بها، ويشتغل بها عني وعن غيري، فقد حصلتم له ما يعرفه مصارع الوزراء، ويوجد
له الطريق إلى استخراج الأموال، ويعرفه خراب البلاد من عمارتها. ردوها، وحصلوا له كتبًا فيها حكايات تلهيه، وأشعار
تطربه».

ولا تخلو كتب التاريخ من تملق للخلفاء المعاصرين، ففي الدولة العباسية تملق المؤرخون للعباسيين، وبالغوا في عظمة عبد الله بن عباس وهكذا،
روى أبو إسحاق الصابي «أن عضد الدولة بن بويه أمره أن يؤلف له كتابًا في أخبار الدولة الديلمية، فألَّف له
تاريخًا سماه «التاجي»، فاتفق وهو يؤلفه أن دخل عليه صديق له، فسأله عما يعمله، فقال: أباطيل أنمقها، وأكاذيب ألفقها».

وإذا كان المؤرخ ذا مذهب ديني معروف ظهر ذلك في تاريخه، كما فعل صاحب الفخري في كتابه، إذ كان شيعيًّا، وإذا كان سُنيًّا تحامل على
الشيعة، والعكس؛ اللهم إلا القليل النادر الذي يحكمه الدين والضمير، كالبلاذري والطبري.

ثم كثير من هؤلاء المؤرخين يؤخذ عليهم عدم تحرجهم من الألفاظ البذيئة، والأقوال الجارحة إلا القليل منهم كابن خلكان.

وفي هذا العصر تقدم التاريخ، وأصبح له منهج مرسوم بعد أن كان خبرًا هنا وخبرًا هناك، والمؤرخون في هذا العصر كثيرون، نكتفي منهم بثلاثة
عظام: محمد بن جرير الطبري، والمسعودي، ومسكويه، وكلهم كتبوا حسب السنين، لا حسب الموضوع، فإذا حدثت جملة حوادث
مختلفة في أماكن مختلفة، كان الذي يجمع بينها سَنَة حدوثها، لا موضوعها، وهو من غير شك نظر بدائي، مرت به الأمم المختلفة من شرقية
وغربية.

فأما ابن جرير، فقد مضت ترجمته كمفسر، ونتعرض له الآن كمؤرخ، ولد في آمل، إحدى قرى طبرستان، وبدأ دراسته مبكرًا، حتى قالوا: إنه حفظ
القرآن وهو ابن سبع، ثم بعد أن تعلم على أبيه رحل إلى الري، ثم إلى بغداد.

وكان ينوي الأخذ عن أحمد بن حنبل، لولا أن ابن حنبل مات قبل وصوله إلى بغداد، وعزم على السفر إلى مصر، ولكن عرَّج في طريقه على إحدى
بلاد الشام، ودرس بها الحديث، ثم سافر بعد ذلك إلى مصر، ثم رجع إلى بغداد.

والحق إنه كان مثقفًا ثقافة واسعة وعميقة، هو في التفسير حجة، وفي التاريخ حجة، وفي الفقه حجة، وهو مع علمه الواسع قوي الخلق، لا يحيد
عن قول ما يعتقده حقًّا، ولو رُجم بالحجارة، ولو تألَّب الناس عليه جميعًا.

والإنسان يعجب من برنامج تفسيره الذي يبلغ ثلاثين جزءًا، وتاريخه الذي يبلغ ثلاثة عشر جزءًا: كيف وجد الزمن، وكيف استطاع التأليف، ولكن
يفسر ذلك حبُّه الأصيل للعلم، وعزوفه عن الدنيا ومباهجها، وهو يرفض وظيفة تُعرض عليه، ومالًا يُقدَّم له، وحتى
الشعر كان فيه أدبيًا كبيرًا، وكان — كما قالوا — نحويًّا صرفيًّا رياضيًّا، دارسًا للطب.

ولم يقبل عقله الواسع أن يتبع مذهبًا معينًا، فاجتهد أن يكون له مذهب خاص، ولو عادى فقهاء المذاهب الأخرى، وخصوصًا الحنابلة.

جمع الطبري مواده من الأحاديث، وأقوال من قبله من المؤرخين، مع التحري الشديد لصدق ما يجمع، وقد مكنته فارسيته الأصلية من أن يطلع اطلاعًا
واسعًا على أخبار الأمم.

نعم، إن كثيرًا من تاريخ الأمم القديمة ليس إلا خرافات وأوهامًا، ولكن عذره في ذلك أن هذا هو ما كان معدودًا في وقته، وليس له من الوثائق
ما يستطيع أن يذكر به التاريخ الصحيح، وقد وصل إلينا كتابه «تاريخ الرسل والملوك»، فقد قالوا: إنه كان طويلًا،
ولكنه رأى الناس لا يصبرون على قراءته، فاختصره في هذا الذي بين أيدينا، وقد وصله إلى آخر حياته سنة ????، وهو أحسن ما يكون إذا
تعرَّض لتاريخ الفرس، وتاريخ الإسلام؛ لأنَّ المواد عنده غزيرة، ثم أكمله بعض تلاميذه.

والطبري يروي عن الحادثة الواحدة آراء كثيرة فيها، متأثرًا بمنهجه التفسيري، فهو في كل آية ينقل آراء الصحابة والتابعين فيها، ولكنه
كان ذا رأي ناضج، فهو يستطيع أن يرجح بعض الآراء على بعض، وقد عُني الناس بتاريخه كثيرًا، حتى ليكاد يكون عماد
كل مؤرخ بعده، ودليل العناية به أنه ترجم من قديم إلى اللغة الفارسية، ووضع له ذيول مختلفة. وله كتاب آخر في تاريخ الرجال الذين ورد
ذكرهم في أحاديثه، وكما اعتمد على كتب من قبله، اعتمد أيضًا على الأحاديث الشفوية من الناس الذين يوثق بهم
كأبي مِحنف، وعمر بن شبَّة، وسيف بن عمر، وابن طيفور، وغيرهم. ويظهر أنه بعد جمعه هذه الوثائق والأخبار رتبها وألَّفها، وكتابه هذا
مع أنه تاريخي في أصله، فالقارئ له يقف على ثروة كبيرة في الأدب؛ لأنه في حكايته للروايات المختلفة يقصها في
لغةٍ رصينة، بليغة، غاية في القوة.

وهو جريء في قول الحقِّ، يتعرض لذكر أشياء قد لايرضى عنها العباسيون أنفسهم، وهم الخلفاء ذوو السلطة، وإن أخذنا عليه شيئًا فهو أنه
يكثر من ذكر الحروب، والوقائع الحربية، وسيَر الخلفاء، ولا يعرض إلا لمامًا لذكر الأحاديث الاجتماعية، والمسائل
الاقتصادية.

وقد طمح كثير قبله إلى كتاب في التاريخ العام، ولكن ذلك لم يتسن لأحد غير الطبري، فقد ألَّف بعضهم كتبًا في التاريخ الخاص، كما فعل
وهب بن منبه في تاريخ اليمن، وكما فعل حمزة الأصفهاني في تاريخ الفرس، وكما فعل بعضهم في تاريخ السيرة النبوية،
وكما فعلوا في تاريخ قبائل العرب فيما سموه «الأيام».

أمَّا التأليف في التاريخ العام، فلم يقدر أحد عليه، وجرَّد الطبري نفسه لذلك، فنظر إلى التاريخ نظرة عامة منذ الخليقة إلى آخر حياته،
وقد ساعده على ذلك ما كتبه محمد بن إسحاق؛ فكان واسع العلم بالسيرة، وبالمغازي، واعتمد في كثير من أقواله على
كثير من العبريين كوهب بن منبه، كما اعتمد على السيرة التي وضعها أبان بن عثمان بن عفان، وعاصم بن عمر بن قتادة، وابن شهاب الزهري،
وغيرهم، كما ساعده وجوده في العراق، وكانت الثقافة فيه واسعة، وكان لعلماء الحديث فضل كبير في تدوين الأحاديث
المتعلقة بالمغازي والسيرة. وكان لابن شهاب الزهري الفضل في المقارنة والتوفيق بينهما، ووضعها في نسق واحد.

وقد غلبت على الطبري طريقة المحدثين، فهو يروي الحادثة عن جملة من الرواة، ويترك للقارئ اختيار أحسن الآراء كما فعل في التفسير، وكان
ممن أخذ عنهم الإمام الشافعي؛ نقل عنه بواسطة تلاميذه كيونس بن عبد الأعلى المصري المتوفى سنة ????.

وهذه الطريقة التي اتبعها الطبري في التاريخ بالرواية عن مالك بن أنس، كما روى عن الأوزاعي هي نفس الطريقة التي اتبعها في التفسير،
وأخذ فقه الشافعي عن الربيع بن سليمان المرادي المصري المتوفى سنة ????، كما أخذ فقه الإمام أبي حنيفة وأصحابه
من كبار رجال المذهب كالحسن بن زياد اللؤلؤي، وكما اعتمد في كتابة التاريخ على الصحف، والمؤلفات قبله، اعتمد أيضًا على الروايات التي
أخذها عن شيوخه، وخصوصًا في السنين الأخيرة من كتابه، فيقول مثلًا: ذكر لي بعض أصحابي، أو ذكر لي جماعة من
أصحابنا، أو أخبرني جماعة من أهل الخبرة، أو ذكر هذه القصة بعض أصحابنا عمن حدثه أنه حضر.

وإذا ذكر روايات كثيرة عن حادثة أتبعها بمثل قوله: قال أبو جعفر: «واختلف السلف من أهل العلم فيه — ذكر من قال ذلك — فقال بعضهم … وقال
آخرون … وأحيانًا يقول: والصحيح عندنا ذلك … أو: وأنا أشك في ذلك»، وإذ كان الطبري محدِّثًا وفقيهًا، فقد أثر
ذلك في كتابه.

وأمَّا المسعودي، فكان ذا منحى آخر يغاير منحى الطبري، ولكل فضل، فألَّف لنا المسعودي كتابي «مروج الذهب»، و«التنبيه والإشراف»، وضاعت
له كتب كثيرة، وهو ليس مؤرخًا فقط؛ بل هو مؤرخ وجغرافي معًا، فهو رحَّالة سائح، ولد في بغداد من عائلة عربية،
ورحل وهو شاب إلى فارس، ثم إلى الهند، وزار «مُلتان»، والمنصورة، وصحب بعض التجار في سفرهم في بحر الصين، ورجع إلى زنجبار، ثم رجع إلى
عمان، ثم سافر إلى قزوين، وطبريا، وفلسطين، ثم زار أنطاكيا، وساح في بعض بلاد سورية، ثم عاد إلى البصرة، ثم
عاد إلى سوريا، ورُئي بعد ذلك في الفسطاط، وهكذا كان لا يستريح من الأسفار.

ولم تكن أسفاره للنزهة؛ بل كانت لمعرفة الأقطار وأخبارها، وإذا قارنا بينه وبين المقدسي والبيروني وجدناهما أدق وأعمق.

ويدل كتابه على معرفة واسعة باللغة، والعادات، والتقاليد، والأدب، والأخلاق، والسياسة، يقول في أول كتابه «مروج الذهب»: «إننا صنفنا
كتابنا في أخبار الزمان، وقدَّمنا القول فيه في هيئة الأرض، ومدنها، وعجائبها، وبحارها، وأغوارها، وجبالها،
وأنهارها، وبدائع معادنها … ثم أتبعنا ذلك بأخبار الملوك الغابرة، والأمم الدائرة … ثم أتبعناه بكتابنا الأوسط في الأخبار على التاريخ،
ومن درج في السنين الماضية … ونعتذر من تقصير إن كان، ونتنصل من إغفال، أو عرض لما قد شاب خواطرنا، وغمر قلوبنا
من تقاذف الأسفار، وقطع القفار، تارة على متن البحر، وتارة على ظهر البر، مستعملين بدائع الأمم بالمشاهدة، عارفين خواص
الأقاليم بالمعاينة، فتارة بأقصى خراسان، وتارة بأواسط أرمينيا، وأذربيجان، وطورًا بالعراق، وطورًا بالشام، فسيري في الآفاق
سُرَى الشمس في الإشراق كما قال بعضهم:

تيمم أقطار البلاد فتارة
لدى شرقها الأقصى وطورًا إلى الغرب
سُرى الشمس لا ينفك تقذفه النَّوى
إلى أُفُقٍ ناء يقصر بالركب

وفاوضنا أصناف الملوك على تغاير أخلاقهم، وتباين هممهم، وتباعد دارهم».

وهكذا يصف متاعبه في رحلاته، ودقته في أخلاقه، واطلاعه الواسع على ما أُلِّف من قبله، وتعديد كتبه التاريخية والجغرافية.

ويمتاز المسعودي في كتبه بالتفاته الكثير إلى الأمور الاجتماعية، كبحثه في ديانات العرب، وآرائها في الكيمياء، والهواتف، والقيان، والزجر،
والسانح، والبارح، ومقارنته بين العجم والعرب إلخ إلخ.

وعند كل ملك يذكر طرفًا من أخباره الخاصة، وسيرته الداخلية، وملامحه، وتقاطيع وجهه إلخ؛ مما لا نجد له نظيرًا في الكتب الأخرى، فهو
مؤرخ مسلَّح من الوثائق التي تلزم المؤرخ.

وأمَّا مسكويه — أو ابن مسكويه — فلم يُعْن بالرحلات، كما عني الطبري والمسعودي؛ ولكن نوع معيشته، وتقلباته في حياته، وفارسيته الأصيلة،
ودراسته للفلسفة اليونانية، واشتغاله بالكيمياء، ومعاشرته للوزير المهلبي، ومخالطته لعضد الدولة، وابن العميد،
وما حصل له من أزمات سياسية؛ كل ذلك جعل منه رجلًا مجربًا حقًّا، وقد خلَّف لنا من ذلك كتابه «تجارب الأمم»، يقصد منه إلى أن ما
جرى على الأمم التي قبلنا، والملوك، والناس عبارة عن درس وعظ وإرشاد؛ ولذلك يلتفت إلى ما لا يلتفت إليه غيره،
ويقف عند أمير صغير قد يكون منه درس كبير؛ كالذي يحكي لنا أن الأتراك كانوا يتعمدون أن يتخيروا من الخلفاء العباسيين
حَدِيثي السن، أو من فيهم بله وغفلة، أو من يعكفون على الملاهي، ثم يتعمدون ألا يطلعوه على كتاب جدي؛ حتى لا يحاسبهم على
أعمالهم، ونحو ذلك من طُرف لطيفة.

ولذلك كان له منحى خاص غير منحى الطبري والمسعودي، والقارئ له يستفيد منه فوائد كثيرة.

وكان ذا شغف بالأمور السياسية والاجتماعية، ومن آثاره التي وصلت إلينا كتاب «جاويدان خُرد»، ومعناه العقل الأزلي، وهو كتاب ألَّفه العلماء
القدماء بالفارسية، يشتمل على حكم وآداب، عني به مسكويه، فأتم ترجمته التي بدأ بها الحسن بن سهل، ولخصه.

وقد أعجب به لأن فيه نظرات دقيقة في السياسة والاجتماع، كتوصية أحد ملوك الفرس لولده، وللملوك من خلفه: «أخرج الطمع عن قلبك تحل القيد
من رجلك، الظالم نادم وإن مدحه قومه، والمظلوم سالم وإن ذمه، والمقتنع غني وإن جاع وعري، والحريص فقير وإن
ملك الدنيا، من ظلم من الملوك فقد خرج من كرم المُلك والحرية، وصار إلى دناءة الشره والنقيصة، والشبه بالعبيد والرعية، استظهِرْعلى
من دونك بالفضل، وعلى نظرائك بالإنصاف، وعلى من فوقك بالإجلال، يقول المسيح — عليه السلام: بماذا نَفَع امرؤ
نفسه؟ باعها بجمع ما في الدنيا، ثم ترك ما باعها به ميراثًا لغيره».

وقد اختار فيه: حكمًا للفرس، وحكمًا لليونان، وحكمًا للعرب، إلى غير ذلك، فالظاهر أن مسكويه كان شغوفًا بالفضائل، شديد البحث عن خفايا
السياسة، يرى أنه محتاج إلى ذلك لمعونة من حوله من الملوك والوزراء، وليكمل نفسه إذا كان يريد أن يحلي نفسه
بكل فضيلة يعرفها، ولا أظن ابن حيان وقد ذمَّه إلا حاقدًا عليه؛ إذ كان يرى نفسه عالمًا فاضلًا، وهو مع ذلك محروم حتى من الرزق الضروري،
فهو ينقم على كل من ناله خير، وخصوصًا إذا كان من ينقم عليه دونه عِلمًا.

على كل حال، إن التاريخ وإن تقدم في هذا العصر، فقد كان لا يزال فيه عيبان كبيران:
list of 2 items
الأول: سيره في الأكثر حسب السنين لا حسب الموضوع.
الثاني: الاعتماد على الجزئيات لا على الكليات؛ يضاف إلى ذلك أنه كان في نظرهم سير الحروب والملوك والانتصارات، أهم
من سير الشعوب والحياة الاجتماعية؛ ولذلك يتعب المؤرخ الحديث كثيرًا إذا أراد
أن يؤرخ مسألة اجتماعية، فهو مضطر أن يغربل كثيرًا ليعثر في آخر أمره على درر.
list end

الجغرافيا

في هذا العصر حُبِّب إلى الناس الهجرة من بلادهم، والاطلاع على البلاد الأخرى، شأن الأمم القوية في أيام عزها، أما الأمم الضعيفة فتحب
مكانها، وتلتصق بأرضها، ولا تهتم بحياة غير حياتها، وكان يحمل على حب الهجرة شيئان: التجارة، والعلم؛ أما التجارة،
فقد راجت في هذا القرن، وقام علماء الرحلات يضعون كتب الدليل لهذه الرحلات، وقامت الحكومات لبناء رباطات ينزل فيها المسافرون،
ويتزودون منها، وكانت في أصل وضعها نقطًا عسكرية لحفظ الحدود، من أن يتسرب إليها الأعداء، أو نقطًا بريدية، ثم أضافوا
إليها غرضًا آخر، وهو معونة التجار، وكتب الدليل هذه ككتب الدليل اليوم، تبين المسافات بين البلاد، وأخلاق الأمم
وعاداتهم، واعتقاداتهم، وما عندهم من أنواع السلع والمصنوعات، والحاصلات الزراعية، وما اعتادوه من مكاييل، ومقاييس، وأوزان، وأسماء
المشهورين من الناس في كل قطر.

ومن أحسن ما ألف في هذا العصر كتاب «أحسن التقاسيم في معرفة أحوال الأقاليم» للبَشَّاري المشهور بالمقدسي، فقد قطع — كما يقول — ألفي
فرسخ، وسافر إلى الصين وسرانديب، وككتاب «الأعلاق النفسية» لابن رُستَه، «والمسالك والممالك» للإصطخري، و«الممالك»
للبكري، و«المسالك والممالك» لابن خُردَاذَبَة، و«البلدان» لابن الفقيه، إلى غير ذلك.

وأسس المسلمون في أيام عزهم مراكز تجارية يحضر إليها التجار بسلعهم وأموالهم من مختلف الأقطار، وبها السماسرة يبيعون ويشترون في مختلف
الأقطار، وكان هناك صيارفة المال، ولهم وكلاء، يصرفون الصكوك، ويحررون الحوالات لوكلائهم في الأقطار الأخرى،
وكان من أهم تلك المراكز جاوة، وكانت مركزًا للبضائع الصينية، وَعَدَنُ، وكازرون، والعريش.

وذهبوا إلى بلاد روسيا، وبلغوا كوتاهية، وذهبوا إلى أقصى السودان، وذهبوا إلى التتر لجلب جلود السَّمُّور، ووصلوا إلى كانتون، وحيثما
وصلوا إلى بلد تعلموا لغتها وعاداتها، ونشروا لغتهم ودينهم، واختلطوا مع أهلها بالزواج.

وحكى لنا المسعودي في تاريخه قصصًا كثيرة عن حال هؤلاء الرحالة، كابن وهبان، الذي كان غنيًّا كبيرًا، وتاجرًا عظيمًا، وكان من أهل البصرة،
فرحل إلى سيراف، ورحل منها إلى الهند، ومنها إلى بلاد الصين، وأعمل الحيلة حتى قابل ملكها، وقد عاد فحدث أهلها
بما رأى، وحث أهله على الرحلات، وتنظيم التجارات، وقد كانت لهم رحلات بحرية كالرحلات البرية، فأنشئوا المراكب الكبيرة للملاحة في البحر
الأبيض، وكانت مراكبهم شراعية.

ويحدثوننا أن المركب تحمل بضعة آلاف راكب، وفيها حوانيت للبيع، وكانوا أحيانًا يستحضرون أخشاب السفن من البندقية، وفيها غواصون لسد
الثقوب من الحبشة، وبحارون لتنظيف السفن، والمحافظة عليها وخدمتها، وفيها الحمام الزاجل لإرسال الأخبار.

وقال المسعودي: إنه قد ركب عدة من البحار، كبحر الصين والروم، وأصابه فيها من الأهوال ما لا يحصى كثرة، فلم يجد أهول من بحر الزِّنج،
وكانت أقصى ما تصل إليه المراكب في هذا البحر موزَنبيه.

ومع أهوال البحار والبر تحملوا المشقات، حكى الإدريسي أنه في القرن الرابع «خرج جماعة من مدينة لشبونة، كلهم أبناء عم، وأنشئوا مركبًا،
وتزودوا فيه، ثم ركبوا بحر الظلمات واقتحموه؛ ليعرفوا ما فيه من الأخبار والعجائب، وليعرفوا إلى أين انتهاؤه،
وهم يسمون المغرَّرين».

ويظهر أنهم وصلوا إلى أمريكا؛ لأنها نهاية بحر الظلمات هذا، وهو المحيط الأطلنطي.

وأما العلم، فلم تكن كتب الحديث قد تم تكوينها، فكان العلماء يرحلون إلى الأقطار المختلفة يتلقون الحديث من أهلها، حتى ربما رحلوا المسافات
البعيدة لرواية حديث واحد، وكان لا يعتد بعالم محدث أخذ حديثه من الكتب، ويسمونه الصحفي، أي أنه أخذ حديثه
عن الصحف، ويفتخر العالم بكثرة مشايخه.

وهذا البيروني أصله خوارزم، وكان أهل بلده يسمونه الغريب؛ لطول غربته، بعد أن مهر في علوم اليونان الرياضية والهندسية، ثم أكب على ما
للهند من تلك العلوم، وقارن ما عند الهنود بما عند اليونان، وأبان عيوب هؤلاء وهؤلاء، كما درس حالة الهند الاجتماعية،
وألف فيها … إلخ.

وكان المقدسي أعجوبة الأعاجيب، كما يحدثنا هو عن نفسه، دعاه إلى التأليف في الجغرافيا أنه عز عليه أن يرى غيره قد اخترع في العلوم وهو
لم يخترع، فاتجه إلى جهة لم يتجهها أحد من قبله، قال: «رأيت أن أقصد علمًا أغفلوه، وأتفرد بفن لم يذكروه».
ويعني بذلك: أن ينص على اختلاف أهل البلدان في كلامهم، وأصواتهم، وألسنتهم، وألوانهم، ومذاهبهم، ومكاييلهم وموازينهم، ونفوذهم، وصفة
طعامهم وشرابهم، ومعرفة مفاخرهم وعيوبهم، ومراكز السعة والخصب، ومواضع الضيق والجدب، وقال: «إن هذا علم لا
بد منه للتاجر والمسافر، والملوك والكبراء، والقضاة والفقهاء».

نعم، إن بعضهم سبقه إلى ذلك، ولكنهم قصروا فكتبوا ما سمعوا، ومنهم من اقتصر على المدن المشهورة، ووضع لنفسه خطة: أن يرحل إلى الأقطار
الإسلامية، ويشاهدها بنفسه، فإذا دخل بلدة، درسها أتم درس، وعلى حد تعبير: ذاق هواءها، ووزن ماءها، ولقي علماءها،
وخدم ملوكها، وجالس القضاة والفقهاء، واختلف إلى الأدباء والقراء، وخالط الزهاد والمتصوفين، وحضر مجالس القصاصين، وتاجر فيها، وعاشر
أهلها، ومسح إقليمها، ودار على تخومها، وفتش عن مذاهب سكانها، ودقق النظر في ألسنتهم وألوانهم».

وعلى الجملة، فلم يألُ الرجل جهدًا أن يحقق أغراضه النبيلة، قال: «ولم أترك شيئًا مما يلحق المسافرين، إلا وقد أخذت منه نصيبي، فتفقهتُ
وتأدبت، وتزهدت وتعبدت، وفقهت وأدبت، وخطبت على المنابر، وأذنت على المنائر، وأممت في المساجد، واختلفت إلى
المدارس، وتكلمت في المجالس، وأكلت مع الصوفية الهرائس، ومع الخانقائيين الثرائد، ومع النواتي العصائد، وطردت في الليالي من المساجد،
وتهت في الصحاري، وسحت في البراري، وصدقت في الورع زمانًا، وأكلت الحرام عيانًا، وصحبت عُبَّاد جبال لبنان،
وخالطت حينًا السلطان، وملكت العبيد، وحملت على رأسي بالزنبيل، وأشرفت مرارًا على الغرق، وقطع على قوافلنا الطرق، وصاحبت في الطرق
الفساق، وبعت البضائع في الأسواق، وسُجنت في الحُبوس، وأخذت على أني جاسوس، وكم نلت العز والرفعة، ودبر في قتلي
غير مرة، ورميت بالبدع، واتهمت بالطمع، وذهب لي في هذه الأسفار فوق عشرة آلاف درهم، ولم تبق رخصة مذهب إلا وقد استعملتها، وما
سرتُ في جادة، وبيني وبين مدينة عشرة فراسخ، إلا فارقت القافلة، وانفلت إليها لأنظرها، فكم بين من قاسى من الألباب،
وبين من صنف كتابه في الرفاهية، ووضعه على السماع؟».

أما ما لم يشاهده، فكان برنامجه فيه كما قال: «أن يسأل ذوي العقول من الناس، ومن لم يعرف بالغفلة والالتباس، وأن يسأل عن الشيء الواحد
جماعة مختلفة، فما اتفقوا عليه أخذه، وما اختلفوا فيه نبذه، وما حكوه ولم يقبله عقله أسنده إلى من رواه، أو
قال فيه زعموا، وحلاه بالخرائط الملونة. وقد ساح في جزيرة العرب، والعراق، والشام، ومصر، والمغرب، ثم في بلاد فارس، والسند، والهند،
ولخص آراءه في هذه البلاد كلها، فقال: أظرف الأقاليم العراق، وهو أخف على القلب، وأحد للذهن، وبه تكون النفس
أطيب، والخاطر أدق، وأغزرها فواكه، وأكثرها علماء، وأجِلّة المشرق «الدولة السامانية»، وأكثرها صوفًا وقزًّا الديلم «جرجان
وطبرستان»، وأجودها ألبانًا وأعسالًا، وألذها أخبازًا، وأمكنها زعفرانًا الجبال «إقليم يشمل الري، وهمذان، وأصفهان،
وقاشان»، وأسفلها قومًا، وشرهم أصلًا وفصلًا خوزستان، وأحلاها ثمورًا، وأوطؤها قومًا كِرمان، وأكثرها فانيدًا،
وأغزازًا، ومِسكًا السند، وأكيسها قومًا وتجارًا فارس، وأشدها حرًّا وقحطًا جزيرة العرب، وأكثرها بركات، وصالحين، وزهادًا، ومشاهد
الشام، وأكثرها عبادًا، وقراء، وأموالًا، ومتجرًا، وحبوبًا مصر.

ولم أر أطمع من أهل مكة، ولا أفقه من أهل يثرب، ولا أعف من أهل بيت المقدس، ولا آدب من أهل هراة، ولا أذهن من أهل الري، ولا أصح موازين
من أهل الكوفة، ولا أحسن من أهل حمص، ولا أشرب للخمور من أهل بعلبك ومصر».

ولما جاء مصر أعجب بالفسطاط، وقال: إنه لم ير في الأمصار آهل منه، وليس في الإسلام أكبر مجالس من جامعه، وقد أعجب بأطعمتها وحلواها،
وكثرة بقولها، وفواكهها، ونغمة أهلها بالقرآن، ودهش من كثرة المراكب في النيل، ومن كثرة المصلين في المساجد،
ولكن لم تعجبه كثرة البراغيث فيها، وعدم عناية المسلمين بالنظافة، وازدحام مساكنهم بالسكان، وكثرة اختلافهم، وشرب الخمور، وانتشار
الفجور، وكثرة السباب، وقال: «إن أهل الشام يعيبون على أهل مصر ثلاثة أشياء: أن مطرهم الندا، وطيرهم الحدا،
وكلامهم رخو مثل النسا».

ومن أكثر ما امتاز به التفاته في جميع ما دخله من البلاد إلى اللهجات واللغات والأساليب، واختلاف الأقاليم في استعمال بعض الكلمات في
قطر دون آخر.

وحكي عن قصة بعض ملوك خراسان إذ جمع رجالًا من خمس كور خراسان، فلما حضروا تكلموا جميعًا، فقال عن السجستاني: هذا لسان يصلح للقتال،
والنيسابوري يصلح للتقاضي، والماروزي يصلح للوزارة، والبلخي يصلح لكتابة الرسائل، أما لسان هراة فيصلح للكنيف.


ويحكى أن كل بلد تغير أسماء الأعلام على شكل خاص، ففي فارس يقولون بدلًا من علي: علكا، ومن حَسن: حسكا، ومن أحمد: حمكا، للتلميح، وفي
همدان يقولون: بدلًا من أحمد: أحمدلا، ومن محمد: محمدلا، ومن عائشة: عِشلا. وفي ساوة يقولون في أبي العباس:
أبو العباسان، وفي حسن: حسنان، وفي جعفر: جعفران، وهكذا.

وعلى الجملة، فقد كان دقيق الوصف، حسن الالتفات إلى دقائق الأمور، ومن أجل ذلك أفادنا فوائد كثيرة، ونكتفي به عن أمثاله فهو خيرهم.


والعرب منذ اتصلوا بالعالم الخارجي أثبتوا أنهم مرنون قابلون لمسايرة الحضارات المختلفة، وأقلمتها، وأنهم أذكياء ذوو حيوية، وخيال فسيح،
وقد كان العرب في هذا العصر في غاية من النشاط، وحسن الرحلات، كوّنوا علائق تجارية في أقصى الأرض، فكوّنوا
علائق بالصين، وبعض البقاع الروسية، وبعض مجاهل إفريقيا، ولم تمنعهم صعوبة المواصلات، وسوء الاستعدادات من الرحلات إلى أقصى البلاد،
فسياحة التاجر سليمان لبلاد الصين، ورحلته من سيراف الواقعة على الخليج الفارسي، وقطعه المحيط الهندي، حتى
يبلغ شواطئ الصين معروفة مشهورة، وقد قضى المسعودي خمسًا وعشرين سنة من حياته يطوف في أرجاء الأرض، وهو وصاف للآفاق، يصف
أحوال الأمم في عهده، ويذكر نِحَلَهم، وعوائدهم، ويصف البلدان، والجبال، والبحار، والممالك، والدول. وجاء ابن حوقل بعد
أن تمت رحلات المسعودي، فعمل رحلات أخرى، وقال: «قد عملت كتابي هذا في صفة أشكال الأرض، ومقدارها في الطول
والعرض، وأقاليم البلدان، ومحل الغامر منها والعمران، من جميع بلاد الإسلام، بتفصيل مدنها، وتقسيم ما تفرد بالأعمال المجموعة إليها،
وقد جلعت لكل قطعة أفردتها تصويرًا، وشكلًا يحكي موضع ذلك الإقليم، ثم ذكرت ما يحيط به من الأماكن والبقاع،
وما في أضعافها من المدن والأصقاع، وما لها من القوانين والارتفاع، وما فيها من الأنهار والبحار، وما يشتمل عليه ذلك الإقليم من وجوه
الأموال والجبايات، والأعشار والخراجات، والمسافات في الطرقات … إلخ».

وقد رافق البيروني الذي سبق ذكره السلطان محمود الغزنوي في حملته على الهند، فنشر ما شاهده في بلاد السند، وشمال الهند، وحاول أن يصحح
طريقة تلك البلاد، مستندًا على حسابه الفلكي، وجاء بعده أبو الحسن، فجاب الأرض من شمال إفريقيا إلى مصر، وعين
مواضع واحد وأربعين مركزًا تعيينًا فلكيًا، فهم وإن اتخذوا اليونان والرومان أدلاء لهم في علم الجغرافيا فقد فاقوا أساتذتهم، وزادوا
عليهم، وصححوا لبطليموس مواضع المدن الكبيرة التي كانت قد غلط في تعيينها، مع صعوبة التحديد؛ إذ لم يكن عندهم
آلات كافية، فلم تزد أغلاطهم على درجتين، بينما بطليموس كان يغلط أحيانًا نحو ?? درجة.

وجاء الإصطخري، وكان معاصرًا للمسعودي، فألَّف كتابًا في إحصاء ما في الولايات من أنهار، ومدن، وجبال، وغير ذلك.

وغامر الإدريسي مغامرات خطيرة، واشتهر بخريطته التي تحتوي على منابع النيل، والبحيرات الاستوائية، إلى كثير غيرهم، حتى إن أبا الفداء
ذكر أسماء ستين عالمًا جغرافيًّا من الذين ظهروا قبله، وأبدع ما كان لهم ربطهم الجغرافيا بالفلك، وهي نظرة
كان يظن أنها نظرة حديثة.
الفصل التاسع

وسائل العلوم

نريد بوسائل العلوم الوساطات التي كانت تتخذ لنشر العلم، وتعين عليه، وأهم ذلك المكتبات، ومناهج الدراسة، والرحلات، والوراقة، والخط، وسنتكلم
كلمة عن كل منها.

فأما المكتبات، فإن الدولة الإسلامية لما تقسمت أقسامًا كثيرة، واستقل كل قسم تنافس أمراء هذه الدول في كل ما من شأنه تجميل دولهم، من الحرف
الدقيقة، ونتائج الفنون الجميلة، والشعراء، والعلماء، والفلاسفة، وغير ذلك، حتى إذا ظهرت حرفة جميلة تسابق هؤلاء الأمراء
في اقتنائها، وتاريخ المتنبي مثلًا يدلنا على هذه المسابقة.

فسيف الدولة يحرص عليه؛ لأنه له بمثابة جريدة اليوم تشيد بذكره، ولما وصل إلى كافور بمصر حرص عليه، ولما وصل إلى عضد الدولة اعتزّ به، وكان
من موضوع هذه المسابقات المكتبات، فكل أمير كان له مكتبة عظيمة يفتخر بها، ويسعى في تنميتها، ويحدثوننا أن الحكم صاحب
الأندلس بعث رجالًا إلى جميع بلاد الشرق؛ ليشتروا له الكتب عند أول ظهورها، فقالوا: إن فهرس مكتبته كان يتألف من أربعة وعشرين كرّاسة، كل
كرّاسة عشرون ورقة، ولم يكن في تلك الكراسات إلا أسماء الكتب.

وفي الدولة الفاطمية كان الخليفة العزيز بالله، المتوفى سنة ???? يقتني الكتب، ويحفظها في مكتبته، وذكر عنده كتاب «العين» للخليل بن أحمد،
فأمر خزان دفاتره فأخرجوا من خزائنه نيفًا وثلاثين نسخة؛ منها نسخة بخط المؤلف، وحمل إليه رجل نسخة من تاريخ الطبري
اشتراها بمائة دينار، فأمر العزيز الخزان فأخرجوا ما ينيف على عشرين نسخة، منها نسخة بخط الطبري، وذكر عنده كتاب «الجمهرة» لابن دريد، فأخرجوا
من الخزانة مائة نسخة.
?
وصف المقدسي خزانة كتب عضد الدولة، فقال: «إنها حجرة على حدة، عليها وكيل، وخازن، ومشرف من عدول البلد، ولم يبق كتاب صنف إلى
وقت عضد الدولة من أنواع العلوم إلا وحصله فيها، وهي أزج طويل، في صُفةٍ كبيرة، فيه خزائن من كل وجه، وقد ألصق إلى جميع حيطان
الأزج والخزائن بيوتًا طولها قامة، في عرض ثلاثة أذرع من الخشب المزوَّق، عليها أبواب تنحدر من فوق، والدفاتر منضَّدة على
الرفوف، لكل نوع بيوت، وفهرستات، فيها أسامي الكتب، لا يدخلها إلا كل وجيه».
?

ونحن نعلم أن خازن هذه الخزانة كان ابن مسكويه، وهو ما هو في العلم، وسعة الاطلاع.

وكان لسيف الدولة خزانة كتب كبيرة، عليها الخالِدِيَّان، وهما الشاعران المشهوران.

ويحدثنا المعري في «رسالة الغفران» أنه وهو في بغداد كان يزور مكتبة أردَشير، وكان على المكتبة فتاة سوداء تعير الكتب، وتحضرها
إلى كثير من أمثال ذلك، وهذا إلى أن كثيرًا من الأغنياء والوزراء كانت لهم مكتبات خاصة كابن العميد وزير عضد الدولة، كان له
مكتبة، فلما نكب حمد الله كثيرًا على أنه بقيت له مكتبته؛ لأنها أهم شيء عنده.

وكان ابن مسكويه في بعض الأوقات خازنًا لمكتبته، وكان فيها كل علم، وكل نوع من أنواع الحكم والآداب، يحمل على مائة وقر، وكان كذلك للصاحب
بن عباد مكتبة، حتى إنه لما استدعاه السلطان نوح بن منصور الساماني ليوليه وزارته، كان مما اعتذر به أن عنده من كتب
العلم ما يحمل على أربعمائة جمل أو أكثر، وكان فهرس كتبه يقع في عشرة مجلدات.

وحكوا أن علي بن يحيى المنجم كان ممن جالس الخلفاء، وكانت له خزانة كتب عظيمة في ضيعته، وسماها خزانة الحكمة، وكان يقصدها الناس من كل بلد،
فيقيمون فيها ويتعلمون، والكتب مبذولة لهم، والصيانة مشتملة عليهم، والنفقة في ذلك من مال علي بن يحيى.

وحكوا أن أبا معشر المنجم المشهور قدم من خراسان يريد الحكمة، وهو لا يحسن كبير شيء من النجوم، فلما وصفت له هذه الخزانة ورآها، هاله أمرها،
وأقام بها، وأضرب عن الحج، وتعلم فيها علم النجوم، وقالوا: إن القاضي أبا مطرّف الأندلسي جمع من الكتب ما لم يجمعه
أحد من أهل عصره في الأندلس، وكان له ستَّة ورَّاقين ينسخون له دائمًا، وكان متى علم بكتاب حسن عند أحد من الناس، طلبه ليشتريه منه، وبالغ
في ثمنه، وكان لا يُعير كتابًا من أصوله ألبتة، فإذا سأله أحد ذلك، وألحف عليه، أعطاه للناسخ فنسخه، وقابله، ودفعه
إلى المستعير.

فيستفاد من هذا وأمثاله أنه كان هناك مكتبات كثيرة في جميع الأقطار يغشاها الناس، ويتعلمون منها، حتى كان من العادات المأثورة أن كل جامع
كبير يكون من مكملاته مكتبة كبيرة.

وإذا نحن علمنا أنه لم يكن في ذلك العصر مطابع، وإنما هناك مؤلفون يؤلفون، ونُسَّاخ ينسخون، أدركنا ما يقتضيه عمل مكتبة من الجهد العظيم،
والمال الوفير.

ولم تكن المكتبة مقصورة على الكتب، بل كانت أحيانًا مجتمعًا يجتمع فيه طلَّاب العلم والعلماء، ويتداولون فيما بينهم المسائل العلمية … وهذا
ما جعل هذا العصر يزخر بالعلم والعلماء.

وكان بجانب هذه المكتبات العامة مكتبات خاصة لكل عالم تشمل على الكتب التي يحتاج إليها، فالغني منهم يطلب من النساخين أن ينسخوا له الكتب
التي يريدها؛ والفقير ينسخ بنفسه.

ورووا عن السِّجستاني المحدث أنه كان له كُمٌّ واسع، وكم ضيق، فسئل عن ذلك، فقال: «الواسع للكتب، والآخر لا أحتاج إليه».

وروي عن أحد علماء أصبهان الأغنياء، أنه أنفق في شراء كتبه ثلاثمائة ألف درهم، وقالوا: إن أبا يوسف القزويني المعتزلي دخل بغداد، ومعه عشرة
جمال عليها كتب، وتفنن بعضهم في تجليد الكتب، وزخرفتها، والعناية بخطها، وأحيانًا تحلى بالذهب. ويتنافس رواة الكتب
فيما كتبه كبار الخطاطين كابن مقلة، وابن البَّواب، ومن ذلك الحين ظهرت وقفيات على المكتبات، وعلى من يغشاها من فقراء القراء، كما فعل العزيز
بالله الخليفة الفاطمي؛ إذ أجرى ألف دينار كل شهر على جماعة من أهل العلم، والورَّاقين، والمجلدين.

وكاتب المكتبات على وجه العموم تزوّد بالحبر والورق، وبعض الأغنياء يتبرع بذلك حسبة لوجه الله، حتى يحكي ابن خلكان أنه في إحدى مدارس نيسابور
كان يوجد خمسمائة دواة معدة لمن يريد أن يكتب في المكتبة، ووجدت وثيقة مما ينفق على مكتبة في القاهرة، وهي دار العلم
التي انشأها الحاكم بأمر الله، فإذا فيها:

table with 2 columns and 11 rows
دينار  
??
للورق 
??
للخازن 
??
للفراشين 
??
للناظر في الورق، والحبر، والأقلام 
??
لمرمَّة الكتب 
??
ثمن ماء 
??
حصر 
?
لبود للفرش في الشتاء 
?
طنافس 
?
لمرمَّة الستارة
table end

أما طرق التعليم، فكانت مختلفة، منها مكاتب، أو كتاتيب للتعليم الابتدائي، وقد عقد ابن خلدون فصلًا في تعليم الأطفال، واختلاف مذاهب الأمصار
الإسلامية في طرقه، يستفاد منه أن المشارقة كانوا يبدءون بتعليم القرآن، حتى يرسخ في قلوبهم أول ما يرسخ ويجعلون عماد
تعليمهم القرآن والكتابة.

أما أهل الأندلس، فمذهبهم تعليم القرآن والكتابة، ثم يخلطون في تعليمهم للولدان رواية الشعر في الغالب، والترسل، وأخذهم بقوانين العربية
وحفظها، وتجويد الخط والكتابة، إلى أن يخرج الولد من عمر البلوغ إلى الشبيبة، وقد شَدا بعض الشيء في العربية، والشعر،
والبَصَر بهما، فبعد ذلك يعيدون النظر في القرآن ويتفهمونه.

وقد روى ابن خلدون عن أبي بكر بن العربي في رحلته أنه يرى رأيًا يذهب فيه إلى البدء في تعليم الحساب، واللغة، والشعر، ثم بعد أن يتقدم في
ذلك يبدأ في تعليم القرآن لتكون قراءته لهم على فهم، ثم يقول: «ويا غفلة أهل بلادنا، في أن يؤخذ الصغير بكتاب الله
في أول أمره، ويتعب في أمر غيره أهم منه»، ونهى أن يخلط في التعليم عِلمان إلا أن يكون المتعلم قابلًا لذلك لجودة الفهم والنشاط، ومنها
مدارس، ومجالس للتعليم العالي.

وقد ذكر المقدسي أنه أحصى في المسجد الجامع بالقاهرة وقت العشاء مائة وعشرين مجلسًا من مجالس العلم، وربما كانت هذه المجالس أشبه ما تكون
بحلقات الدراسة في الجامع الأزهر لكل شيخ عمود، وكان جامع المنصور ببغداد أشهر مركز للتعليم في المملكة الإسلامية،
لا يمنع الناس حر ولا برد، حتى حكوا في سنة ???? أن الهواء برد بردًا شديدًا ببغداد، وتساقط الثلج، فجلس أبو ذكْرة في وسط دِجلة على الجليد،
وأمْلى الحديث.

وكان من أكبر العلماء على مذهب داود الظاهري إبراهيم بن محمد نفطويه، وكان يجلس إلى أسطوانة بجامع المنصور، خمسين سنة لم يغير محله منها،
وبعض هذه الحلقات كان للفقه، وبعضها للنحو والصرف، وبعضها للغة، وبعضها للتاريخ، قالوا: وكان الفقهاء أكثر العلماء
تلاميذ؛ لأن الفقه يؤهل أصحابه لتولي مناصب يتعيَّشون منها، وكانت أشهر الطرق طريقة الإملاء؛ ولذلك سمي بعض الكتب بالأمالي، كأمالي القالي،
وأمالي الزجاج، وأمالي المرتضى.

يجلس الأستاذ وحوله الطلبة فيملي عليهم من علمه، ورووا أن الجبائي المعتزلي أملى مائة ألف ورقة وخمسين، وما رئي ينظر في كتاب، وكان للمشايخ
طرق مختلفة، فمنهم من يملي من عقله، وهو الذي يتحكم فيما يمليه، وما لا يمليه، كأمالي القالي، ومنهم من وثق بنفسه لدرجة
أنه يترك الدرس للظروف، فالطلبة هم الذين يسألون، وهو يجيب على أسئلتهم، وكان المستملي يكتب أول الدرس: «مجلس أملاه شيخنا فلان، في جامع
كذا، يوم كذا».

وشاعت هذه الطريقة في مجالس المتكلمين، فلما جاء القرن الرابع غلبت طريقة ثالثة، وهي قراءة الكتب القديمة وشرحها، فهذا يقرأ كتاب سيبويه،
وهذا يقرأ كتابًا في تفسير القرآن للفراء، وهذا يقرأ مجموعة من أشعار الهذليين، وهذا يقرأ كتابًا في الحديث، وهكذا.
ومن طريف ما يروى لنا أن أبا عمرو المطرف ألف كتابًا في اللغة اسمه «الياقوت»، قال: إنه ابتدأه يوم الخميس لليلة بقيت من المحرم سنة ????،
أملاه على الطلبة في جامع المنصور ببغداد ارتجالًا من غير كتاب ولا دستور، ومضى في الإملاء مجلسًا مجلسًا إلى أن انتهى
إلى آخره، ثم رأى الزيادة فيه، فزاد أضعاف ما أملى، وكتب هذه الزيادة أحد تلاميذه، ثم قرأه عليه أبو إسحاق الطبري، وسمعه الناس، ثم زاد
فيه بعد ذلك، وقرئ عليه بالزيادة يوم الثلاثاء لثلاث بقين من ذي القعدة سنة ????، وفرغ منه في ربيع الثاني سنة ????،
وأحضر جميع النسخ التي كتبت فقورنت، ثم زاد المؤلف بعد ذلك أشياء أخرى، كتبها محمد بن وهب، ثم جمع الناس، ووعدهم بعرض الكتاب
وتقريره، وألا يكون بعدها زيادة.

وعلى الجملة، فقد كانت المساجد والمكتبات والمكاتب هي أمكنة الدراسة.

هذا عدا المجالس الخاصة في بيوت العلماء والوزراء، كمجلس أبي سليمان المنطقي في بيته، والوزير المهلبي في بيته، والوزير ابن سعدان في بيته،
يجتمع العلماء أو الأدباء مع رئيسهم، ويفتتح الرئيس المجلس بمسألة حيثما اتفق لغوية أو أدبية، أو نفسية، أو اجتماعية،
فيجيب من حضر من العلماء، ثم يتركون الحديث على سجيته يتشعب إلى أن ينتهي المجلس، ويعلمنا أبو حيان في ذلك العصر طريقة أخرى للاستفادة،
كالتي اتبعها أبو حيان مع ابن مسكويه، فقد بعث أبو حيان إلى ابن مسكويه بكتاب يشتمل على جملة أسئلة، مما احتار فيها:
بعضها لغوي، وبعضها ديني، وبعضها أخلاقي، وبعضها اجتماعي، ووضع هذه الأسئلة في كتاب سماه «الهوامل»، والهوامل: هي الإبل المهملة
السائمة، فرد عليه ابن مسكويه بكتاب يجيب فيه على أسئلته سؤالًا سؤالًا، وسماه: «الشوامل»، كأنه شمل الهوامل وضبطها، فهذه
طريقة أيضًا في التعليم، تدل على اهتمام المعلمين بأسئلة طلبتهم، وإعداد الأجوبة على أسئلتهم، كالدروس التي تلقى في المسجد،
كما يدلنا ابن مسكويه على أنه كان يهتم بهؤلاء الطلبة.

ويستطرد أحيانًا بالتنبيه على ضعف خُلُق الطالب، ومعالجته حسبما يراه، ويدلنا أبو حيان أيضًا في كتابه «المقابسات» على ما كان يثار في مجلس
أبي سليمان من مناظرات، ومجادلات في أنواع المشاكل التي كانت تعرض لهم، وكان يغلب على كل أستاذ ناحيته الخاصة، فتغلب
على أبي سليمان الناحية الفقهية، وتغلب على الوزير المهلبي الناحية الفنية والأدبية، وتغلب على الفقهاء الناحية الفقهية، وعلى المحدثين
ناحية الحديث، وعلى مجالس الصوفية ناحية التصوف، وهكذا من ثروة زاخرة متنوعة، يصورها لنا «المقابسات»، وما رُوي في
ترجمة الوزير المهلبي، وما يروي من مجالس الصوفية … إلخ.

وأحيانًا يكون العلم بطريق المراسلة، فيشتهر عالم بفن، أو فنون في الأقطار الإسلامية، فتأتيه الرسائل من جميع الأقطار، تسأله في مسائل هامة،
في التفسير، أو النحو، أو الفقه، فيجيب الأستاذ بأجوبة مختلفة، كالذي روي لنا عن أسئلة عديدة وردت على السيرافي من
ملوك الأقطار، يسأل فيها عن مسائل في النحو، والصرف، والتفسير، وكما روي لنا عن أسئلة وردت من داعي الدعاة من مصر على أبي العلاء المعري،
تسأله: لم كان نباتيًّا، وحرَّم على نفسه أكل الحيوان، وقد أحله الله؟ … إلخ. فأسئلة وأجوبة، ومجالس خاصة، وحلقات العلماء
في المساجد، وكتاتيب ومكتبات مفتوحة يتلاقى فيها العلماء والطلاب، ويتساءلون ويتجاوبون، كل هذه كونت حركات شديدة عنيفة في نشر
العلم، وإخراج عدد كبير من العلماء، وربما لم يساوهم عصر آخر من العصور، ويتصل بذلك ما شاع في هذا العصر، والذي قبله من نمط
«الإجازة العلمية»، وربما كان أول من اتبع ذلك المحدثون؛ للدلالة على ثقتهم، وهي أن يجيز ثقة من الثقات لغيره بأن يروي عنه
حديثًا أو كتابًا، ثم يعطيه مستندًا كتابيًّا على ذلك. وتسابق علماء الحديث في أخذ هذه الإجازات عن شيوخهم، فكان الطلبة إذا سمعوا
حديثًا استكتبوا الشيخ إجازة، وكان الناس ينتهزون فرصة اجتماعهم بالعلماء ليقرءوا عليهم تصانيفهم، أو تصانيف غيرهم،
ويفتخرون بأخذ كتابة منه، وكان العلماء قسمين: قسمًا يتشدد فلا يعطي إجازة إلا من سمع عليه، ووثق به. وقسمًا متساهلًا يجيز كل من أراد
الإجازة، ولو لم يسمع منه، حتى كان بعض العلماء قبل وفاته يجيز جميع مسلمي عصره في رواية الأحاديث التي كان يعرفها،
وتفننوا في الإجازة حتى جعلوها شعرًا، كالذي ورد في ديوان صفي الدين الحلي، واستمر هذا إلى عهد قريب منا، فقد روي أن السلطان عبد الحميد
أخذ إجازات في الحديث من المرتضى الزبيري صاحب كتاب «تاج العروس».

وكانت العلاقة بين الأستاذ وتلاميذه علاقة الأب بابنه، فكان الطالب يخدم أستاذه، وقد سمعنا في عهدنا ممن شاهدناهم ان الطالب يغسل يد أستاذه،
بل ويعد له حماره عند ركوبه، ويجري وراء الحمار، فكذلك كانت العلاقة في العصر الذي نؤرخه.

وكثيرًا ما كانت تحدث علاقات مصاهرة بين الأستاذ وتلميذه، وربما زاد ذلك الصوفية، فقد طلبوا من المريد أن يكون بين أستاذه كالريشة في مهاب
الريح، وفي كتاب «وفيات الأعيان» قصص كثيرة من هذا القبيل.

وقد رووا أن أبا الزناد كان يذهب إلى مسجد المدينة محاطًا بتلاميذه كأنه ملك، ويؤخذ من مجموع ما روي أنه لم يكن هناك منهج خاص، بل كان للأستاذ
مطلق الحرية يتكلم كما يشاء في أي موضوع شاء.

وكان أكثر المعلمين يعلمون بأجر، وقد رأينا قبلُ أن المبرد كان يتقاضى أجرًا على تعليمه، وأن الزجاج كان يعطيه درهمًا كل يوم، وربما كان
علماء اللغة والنحو أكثر الناس استحلالًا للأجر، أما المحدثون فكثيرًا ما كانوا يحدثون لوجه الله، وكان الفلَّاح الذي
يعطي ابنه لمعلم يضمن لمعلّمه قوته.

على كل حال، انتشرت المجالس على اختلاف أنواعها — في البيوت، وفي المساجد — في الأدب، وفي الفلسفة، وكان بعض الأمراء والوزراء ذا ولع شديد
بالعلم ومدارسته؛ فأحيوا هذه العادة وشجعوها، وساعد على انتشارها الخلاف الذي كان بين المذاهب المختلفة من شيعة وسنية،
فرأوا أن هذه المجالس تقوم مقام الجرائد اليوم في نشر الدعوة، فما أكثر ما عقد الفاطميون مجالس للدعوة، وما أكثر مما رد عليهم السنيون.
مثال ذلك: ما كان من الوزير الفاطمي يعقوب بن كلِّس، فقد عقد مجلسًا للمناظرة في الفقه، والأدب، والشعر، وعلم الكلام،
وكان أصله يهوديًّا، ومثقفًا ثقافة واسعة، كثير المال، يصرفه في خدمة العلم، ونشطت حركة المناظرة والجدل حتى وضع لذلك علم
سُمي علم آداب البحث والمناظرة، وكان يحضر هذه المجالس بعض أهل الأديان الأخرى، فنرى في مجلس أبي سليمان المنطقي يحيى بن عدي النصراني،
وغيره من أهل الأديان، ورووا أن يوحنا بن ماسويه كان يعقد مجلسًا في بغداد، فيحضره العلماء على اختلاف مذاهبهم من فلاسفة،
وأطباء، وأدباء، ومتكلمين، وكان لأبي حامد الإسفرائيني مجلس، قالوا: إنه يحضره ثلاثمائة فقيه، هذا غير مجالس الطرب مما كانت تتداول فيها
الخمور، وتتناشد فيها الأشعار، وتغمر بالأزهار، ويستحضر فيها الثلج بكثرة للشراب، كالذي رُوي عن الوزير المهلبي؛ إذ
كان يحضر فيه مثل أبي الفرج الأصفهاني، وابن مسكويه أيام استهتاره وشبابه؛ وغيرهما، وقد ذكرنا قبل ما كان من إخوان الصفاء، وانتشارهم
في البلاد، ونصح الرؤساء لأتباعهم أن يعقدوا مجالس خاصة كل أسبوع مرة، أو كل اثني عشر يومًا مرة، يتذاكرون فيها شئون
العلم، ويتدارسون فيها مراحل الدعوة.

ويظهر لما كثرت المناظرات والجدل لم تخل المناظرة من نزاع وهجاء وسباب، مما يجب أن تتنزه عنه المساجد، ففكروا في أبنية خاصة تقام فيها هذه
المناظرات، وتنتقل إليها حركة التعليم، فكانت المدارس.

نعم، كانت الكتاتيب منتشرة في المدن والقرى حتى من عهد الرسالة؛ ولكن الدراسة العالية هي التي لم يكن لها مدارس خاصة؛ وإنما كانت تُقام
في الجوامع — كما ذكرنا — إلى هذا العصر، وقد ذكر بعضهم أن أول من بنى مدرسة للعلماء هو نظام الملك في النصف الثاني
من القرن الخامس، ولكن ثبت أنه قبل ذلك وجدت مدارس كان من أولها مدارس نيسابور، يقول الحاكم النيسابوري المؤرخ: إن أول مدرسة هي التي بنيت
لمعاصري أبو إسحاق الإسفرائيني المتوفى سنة ???? في نيسابور، وبُنيت مدرسة أخرى لابن فورك، ويقولون: إن أبا بكر البستي
المتوفى سنة ???? بنى لأهل العلم مدرسة على باب داره، ووقف عليها جملة من ماله الكثير؛ وكان هذا الرجل من كبار المدرسين والمناظرين
بنيسابور، وكان في المجالس الكبيرة يجلس الأستاذ على مقعد مرتفع ليُسمِع المحاضرين، ثم إن المعيد يعيد كلام الأستاذ حتى
يسمعه من كان بعيدًا عنه، كل هذا حدث قبل نظام الملك، أما مدرسة نظام الملك قد ضمت الكثيرين من كبار العلماء، كالغزالي وغيره،
ويحكي الغزالي أن من أسباب اعتزاله التدريس ما غلب على أهل عصره من حب الجدل والمناظرة، وأنهم لا يقصدون من هذه المناظرة وجه
الله والوصول إلى الحق، وإنما يرومون التعاظم، وحب الغلبة، والسيطرة على نظرائهم؛ مما بعثه على هجر المدرسة، واللجوء
إلى التصوف … ثم تتابعت المدارس على هذا المنوال …

ومن الخطأ أن نظن أن حالة العلماء في ذلك العصر كحالة عصرنا اليوم، فإن المطبعة في عصرنا قد قلبت الأوضاع، وجعلت العلم
ديموقراطيًّا، وجعلت الشعوب هي التي تكافئ العلماء؛ أما في ذلك العصر فلم تكن مطابع، وإنما الكتاب العظيم ينسخ الوراقون منه عشر نسخ،
أو خمسين، أو مائة، لا تسمن ولا تغني من جوع، فلم يكن التأليف مصدر ثروة، إنما مصدر ثروة العلماء والأدباء هو اتصالهم
بالخلفاء والأمراء، أما من لم يتصل بهم، وبعد عنهم، فمصيره الفقر، إلا أن يكون ذا ثروة موروثة.

هذا أبو العلاء المعري يعيش طول السنة على ثلاثين دينارًا كانت وقفًا عليه، ويُنتدبُ بعضهم للتعليم الخاص، ولكن هذا لا يُجزئ
… فالذين اتصلوا بالخلفاء والأمراء سعدوا واطمأنوا على رزقهم، كابن دريد المتوفى سنة ????، إذ أجرى الخليفة المقتدر عليه خمسين
دينارًا في كل شهر، وسيف الدولة بن حمدان أجرى على الفارابي أربعة دراهم في كل يوم؛ لأنه فيلسوف، أما المتنبي فمنح
الآلاف … ويحكون أن أبا بكر البصري كان يبيع الصبغَ بنفسه، أو يعمله في الحانوت ليستطيع أن يتعيش، وكان حانوته مجمع الحفاظ والمحدثين، وأن
أبا العباس الخياط الفقيه الشافعي المصري المتوفى سنة ???? كان واسع المعرفة بالفقه، وكان قوته وكسبه من خياطته، فكان
يخيط قميصًا في جمعة بدرهم، ودانقين، ينفقها في طعامه وكسوته، وكان هناك عالم آخر في مصر أيضًا يقتات مما يبيع من
الخلع. ويقول ابن فارس اللغوي المشهور:

إذا كلفت في حاجة مرسلًا
وأنت بها كلف مغرم
فأرسل حكيمًا ولا توصه
وذاك الحكيم هو الدرهم

وكان فقيرًا فيقول:

يا ليت لي ألف دينار موجهة
وأن حظي منها فلس فلَّاسِ
قالوا: فما لك منها؟ قلت: يخدمني
لها ومن أجلها الحمقى من الناسِ

على كل حال، فلم يكن من العلماء والأدباء من يستطيع العيش الرغد إلا من موائد الأغنياء، وإلا من كان يتكسب من غير علمه وأدبه كتجارته أو
صناعته، ومن عدا ذلك فقير مدقع، خصوصًا إذا كان عزيز النفس، أو لا يحسن الملق كأبي حيان التوحيدي.

وساعد على انتشار العلم ما أدخل على الخطِّ من تحسينات، فقد كان الناس قبل هذا العصر يكتبون الخط الكوفي، وهو خط صعب معقد مؤسس على زوايا
قائمة، وكان زيادة على ذلك غامضًا، فالألف إذا جاءت حرف مد في وسط الكلمة حذفت ولم تكتب، كالكتاب، تكتب هكذا «الكِتَبُ»،
حتى جاء ابن مقلة المتوفى سنة ???? فنقل الخط نقلة جديدة، وغير الخط الكوفي إلى الخط النسخي، ووضع للخط النسخي قاعدة جميلة.

وربما كان هذا سببًا في سهولة النسخ، وكثرة كتبه.

وساعد أيضًا على انتشار الكتابة كثرة الورق، ويسمونه «الكاغد»، فقد كانوا يكتبون على الجلود والقراطيس، والورق الصيني، حتى جاء جعفر بن
يحيى البرمكي، فشجع صناعة الورق، وكثر في عصرنا هذا كثرة جعلته رخيصًا، فكان يستجلب الورق من مصر، ومن سمرقند، وغيرهما؛
مما مكن العلماء والوراقين من كثرة الكتابة، وحرفة الوراقة كانت منتشرة، إذ كانت تقوم مقام المطابع اليوم، وأحيانًا يكون بعض الوراقين علماء،
دعاهم الفقر إلى احتراف الوراقة، كياقوت الحموي، وأبي حيان التوحيدي. وكانت حرفة شاقة، تذهب فيها الأعين، وكان مما
سبب الخصومة بين الصاحب ابن عباد وأبي حيان التوحيدي أن الصاحب كلفه أن ينسخ له كتبًا كثيرة، استكثرها أبو حيان، ولحفظ المحدثين صحة
الأحاديث المنسوخة كانوا ينسخون كتب الأحاديث بأنفسهم.

وكان الفقر يضطر بعض الناس إلى احتراف الوراقة على كره منهم، وكان أبو بكر الدقاق يعول والدته وزوجته، وبنتًا من الوراقة.

وحكي عن أبي زكريا يحيى بن عدي المتوفى سنة ???? وهو نصراني على المذهب اليعقوبي أنه نسخ بخطه نسختين من تفسير الطبري، وأنه كان يكتب في
اليوم والليلة مائة ورقة، وكان بنيسابور ورَّاق اسمه أبو حاتم، ورَّق بها خمسين سنة، وهو القائل:

إن الوراقة حرفة مذمومةٌ
محرومة عيشي بها زمنُ
إن عشت وليس لي أكلٌ
أو متُّ مت وليس لي كفنُ

ومن الطريف أن حكى وراق أنه نام ليلة فرأى في المنام كأن القيامة قامت، وحوسب، وأدخل الجنة، فلما دخل الباب استلقى على قفاه، ووضع إحدى
رجليه على الأخرى، وقال: «آه، والله استرحت من النسخ».

هوامش
(?)
المقريزي ج? ص???.
(?)
المقدسي ص???.
الفصل العاشر

الفن
إن فنَّ كل أمَّة يتأثر بأمور:
list of 3 items
(?) الذوق العام للأمة.

(?) التقليد للأمم المختلفة، خصوصًا الأمم التي حكمتها كفرس، أو روم، أو غير ذلك.

(?) الدين الذي تعتنقه الأمة، فبعض الأديان تميل إلى شيء، وتنصرف عن شيء.
list end

وكان العرب في جاهليتهم بدائيين في ثقافتهم، منتقلين في حياتهم، وهذا التنقل والبدائية جعلاهم غير مترفين في حياتهم وأدواتهم، وغير ملتفتين
إلى الجمال الفني، فكانت حتى معبوداتهم من اللات والعزى، وغيرهما معبودات بسيطة الشكل، بل قد يعبدون حجرًا على طبيعته
الأصلية، وما كان عندهم من فن فهو — حتى اسمه — مستعار من الأمم الأخرى، فكلمة نجار، وأسلحة، وصانع مأخوذة من اللغة الآرامية، وكلمة مصحف،
وشباك، وسوار، وحداد مأخوذة من اللغة الحبشية، وما ورد من الفن في الشعر فبدائي أيضًا، كتشبيه عمرو بن كلثوم في معلقته
أرجل امرأة جميلة بأعمدة من الرخام، وصدرها بقطعة من العاج، وحتى لما احتاجوا إلى إصلاح الكعبة، اعتمدوا على أناس من الأمم الأخرى،
فقالوا: إنهم اعتمدوا في إصلاحها على نجار رومي صادف أن كان على ظهر سفينة مارة بجدة، ساعده صانع قبطي، فلما جاء الإسلام،
وفتح المسلمون البلاد المتحضرة من فرس وروم رأوا ما عندهم من الفنون فتأثروا بها، ودعاهم الترف إلى أن يتذوقوها، ويقلدوها،
حتى الشعر تأثر بهذا الفن، كقول رجل في العهد الأموي على ما أظن:

بيضاء باكرها النعيم فصاغها
بلباقة فأدقَّها وأجلَّها

وكان من أثر هذه الفتوح، وغِنَى الدولة الإسلامية، ووضع المسلمين أيديهم على القصور الفخمة، والمعابد العظيمة، والتحف النادرة، أن تحضَّروا
هم أيضًا، وأخذوا ينشئون الفنون الجميلة، كالمسجد الأموي، وما فيه من زينة تدل على استعانة الأمويين بغيرهم ممن سبقوهم
إلى هذه الفنون، وكالقصور الجميلة التي بناها الخلفاء الأمويون في صحراء الشام، واكتُشفت حديثا، فدلت على تقدم كبير في الفن، حتى إذا جاءت
الدولة العباسية عظم غناها، وغنم تأثرها بالفن، فبنيت بغداد بناء فنيًّا، وبنيت فيها القصور الفخمة للخلفاء والأمراء
والأعيان.

وكان أثاثها من فراش، ورياش جميلًا فخمًا، يناسب جمال القصور وفخامتها. ويحدثنا ابن بشار عن كأس صورت عليه تصاوير لكسرى، يعلم من هذه التصاوير
مقدار ما يوضع في الكأس من الخمر، وما يمزج بها من الماء … إلخ.

ومن الحق أن نقول: إن الإسلام حارب الأصنام والتماثيل، وأمعن في محاربتها، وشنع على عبَّادها، وكسَّر ما كان منها في الكعبة، وكرّه في التصوير
والمصورين، فلم ينمُ التصوير والتمثيل في الإسلام نموًّا كافيًا، ولكن الطبيعة البشرية، وحبّها الشديد للفنِّ، حاولت
دائمًا أن تجد لها منفذًا، فرأينا المسلمين يجوِّدون ما شاءوا في الخط، لما حُرموا التصوير، وفي الزَّار والذكر، لما حرموا الرقص، وفي الغناء
بالقرآن لما حرموا الغناء، وهكذا.

ولذلك نراهم يصورون الأشجار والحيوانات، ويتحرجون من رسم الأشخاص، وبجانب ذلك اجتهدوا في الفنون الأخرى، كالصياغة، والحرف الأخرى.

ولما دخل الإسلام كثير من المتحضرين من الفرس والروم، وكان لهم ذوق نام في الفنون، ابتدءوا يقلدون ماضيهم القديم في الإسلام الجديد. وفي
القرن الرابع ظهرت الصورة المجسمة للحيوانات، ولكنها كانت بعيدة عن الطبيعة. وربما منع المسلمين من التقدم في التصوير
الشخصي نهي الإسلام عن التصوير، محافظة على عقيدة الوحدانية المطلقة، والناس لا يزالون حديثي عهد بالوثنية، خصوصًا وقد كان منتشرًا فيهم
عبادة الأبطال والصالحين.

وجاء في الحديث عن عائشة «أن النبي ? لم يكن يترك في بيته شيئًا فيه تصاليب إلا نقضه».
?
وروى البخاري «أن النبي ? لما رأى الصور التي في البيت، لم يدخل حتى أمر بها فمحيت، ورأى صورة إبراهيم وإسماعيل بأيديهما الأزلام فقال:
قاتلهم الله، والله إن استقسما بالأزلام قط».

وقال النووي: قال أصحابنا، وغيرهم من العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم، وهو من الكبائر؛ لأنه متوعد عليه بالوعيد الشديد،
سواء ما كان في ثوب، أو بساط، أو درهم، أو دينار، أو إناء، أو حائط.

وأما تصوير صورة الشجر، وجبال الأرض، وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان، فليس بحرام، وقال بعضهم: إنما ينهى عن تصوير ما كان له ظل، ولا بأس
بالصورة التي ليس لها ظل. وعن عائشة: «أنها نصبت سِترًا وفيه تصاوير، فدخل رسول الله ?، فنزعها، قالت: فقطعته وسادتين،
فكان يرتفق عليهما»؛ كأنه كان يجيز ذلك إذا امتُهن الشيء الذي فيه تصاوير، كأن استخدم في سجادة أو نحوها. وقال رسول الله: «أتاني جبريل
فقال: إني كنت أتيتك الليلة، فلم يمنعني أن أدخل البيت الذي أنت فيه، إلا أنه كان فيه تمثال رجل»، وعن ابن عمر أن رسول
الله ? قال: «الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم».

وإنما كان يباح تصوير الشجر، وما لا نفس له، وفي الحديث أيضًا: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا تمثال». والغرض من كل هذا الخوف من
عبادة التصاوير، والأوثان، والتماثيل، والأبطال والصالحين، خصوصًا والناس قريبو عهد بهذه العبادة، وقد اختلف العلماء
في ذلك، فقالوا: إن التحريم على الإطلاق، وقال آخرون: إنه تحريم لعِلَّة، وإذا زالت العلة زال التحريم.

وعلى كل حال، أثر هذا في المسلمين، فامتنعوا إلا قليلًا عن تصوير الإنسان والحيوان، وأباحوا تصوير الأشجار، والمناظر الطبيعية، ولذلك نبغوا
في فن العمارة، وتفننوا في الجمادات كدواة وأبواب، ومشربيات، ونحو ذلك، ومع ذلك فقد مهر قوم من المسلمين في تصوير الأشخاص
والحيوان، كما فعل بعض الفرس، حتى لقد سمعتُ محاضرة ألقاها بعض المستشرقين عن مصحف فارسي مصور صورت فيه مثلًا صورة يوسف وزليخا …
إلخ.

ونما في هذا القرن تطعيم الأدوات والأواني المختلفة مثل: الخزف، والقاشاني، والنحاس، والخشب، بمواد ثمينة كالعاج، والصدف، وتزيينها برسوم
مختلفة.

ورأى المسلمون ان يحوِّروا الرسوم المحرمة إلى نقوش غير محرمة، كرسوم هندسية ونباتية، وكثر ذلك في الدولة السلجوقية.

ووجدت عمائر كثيرة قد دخل فيها فن الزخرف، وإذا كان القرآن مقدسًا مبجلًا معظمًا، دار كثير من الفن حول المصاحف، من كتابة جميلة للمصحف،
على ورق جميل، وتجليده بالجلد الفاخر، وتذهيبه وتحليته، كذلك بعث الدين على الإشادة بالحياة الأخرى، فكان من أثر ذلك
بناء المقابر، وزخرفتها، وبناء الأضرحة فوقها … إلخ.

وقد زين المسلمون المحاريب بالنقش بالجص، وكلما أمعنوا في الترف أمعنوا في الزينة الفنية بعد أن كانوا يعيشون في الصدر الأول عيشة بسيطة
ساذجة، ووجدناهم يستخدمون الذهب المذاب في طلاء الأواني الخزفية، وفي النحاس؛ ولكن على العموم لم يبلغوا في تزيين المساجد
ما بلغه المسيحيون من الأرثُوذُكس، والكاثوليك في تزيين كنائسهم.

وبعد أن تحرر العرب من المؤثرات الأجنبية، وهضموا فنونها، صار لنقوشهم وعمارتهم طابع خاص، حتى لا يمكن نسبتها لغيرهم، فابتدعوا فنًّا جديدًا.


حتى في التحف الصغيرة كالدواة، والخنجر، ونقوش الغمد، وجلد القرآن، وأصبح لها طابع خاص، غير ما كان عند غيرهم، وليس يضرهم اقتباس فنها من
الأمم الأخرى، إنما يضرهم وقوفهم عند تقليدهم المحض، وهو ما لم يفعلوه، فالعرب أنشئوا في سرعة حضارة جديدة، وفنًّا
جديدًا، مختلفين عن الحضارات والفنون التي قبلهما، حتى إن الحكام الذين قهروا العرب، وأرغموهم لحكمهم، كالتتار وغيرهم، اعتنقوا دينهم، وأسسوا
حضارتهم عليها، وكانت الحضارة الإسلامية، والفنون الإسلامية ذات أثر عظيم في العالم غربية وشرقية، ولا فرق بين أن يكون
منشئو الحضارة عربًا، أو فرسًا، أو مغاربة، فكلها حضارة إسلامية، فليس يعود فضل العرب إلى أنهم نقلوا الفنون والعلوم
اليونانية، بل إنهم زادوا عليها من مخترعاتهم ومبتكراتهم.

هوامش
(?)
روى هذا الحديث البخاري، وأبو داود، وأحمد، والنسائي، مع خلاف بسيط في الألفاظ.
الفصل الحادي عشر

التجارة، والصناعة، والزراعة

نشطت الحركة التجارية في القرن الرابع الهجري نشاطًا عجيبًا، سواء في البر، أو في البحر، وهذا ما وسَّع أفق الناس الجغرافي، وحسنت سمعة
التجار المسلمين في المعاملات، وضرب بهم المثل، حتى النساء اشتركن في هذه الحركة التجارية، فقد ذكروا أنه في بلاد فارس
الشمالية كانت حركة البيع في المنازل، وكان اللائي يبعن هن النساء.

وكانت بغداد والإسكندرية تتحكم في الأسواق والأسعار، وكان اليهود مشتهرين ببيع الرقيق، وكانوا يستحضرونه من النواحي الشمالية، ويتاجرون
فيه، وكان التجار — على العموم — يركبون الجمال إلى السويس، ويُعدّون البحر الأحمر، ثم يعبرون الصحراء ثانية إلى جُدَّة،
أو يبحرون إلى الخليج الفارسي، والهند، والصين، أو يرحلون إلى أنطاكية، إلى الفرات، إلى بغداد، إلى فارس، واضطرتهم التجارة إلى معرفة لغات
كثيرة من فارسية، وإسبانية، وصينية، وكانوا يستحضرون من كل بلد خير ما فيه، ويبيعونه في البلاد الفقيرة إليه، وبعض
التجار الكبار كانوا يُعملون الحيل في الاتصال بملوك الأقطار، وإنشاء علاقات معهم لتسهيل الشئون التجارية، فيحكى أن بعض التجار المسلمين
اتصلوا بملوك الصين، وأن بعض تجار اليونان والفرس اتصلوا بملك سيلان.

ولكثرة الأعمال التجارية، وصعوبة نقل الأموال، وخطورتها عرفوا الحوالات المالية، وسمَّوها «السُّوفتجة»، وناصر خسرو تسلم صكًّا من تاجر
بأسوان بخمسة آلاف درهم، معنونًا بوكيل تاجر في عيذاب ليتسلَّمه منه، وكان في الصك: «أعط ناصرًا كل ما يطلبه، وقيِّد
الحساب عليه».

ويحكي ابن حوقَل أنه رأى صكًّا باثنين وأربعين ألف دينار لتاجر في سِدِنمَاسة؛ مما يدل على اهتدائهم إلى المعاملات التجارية بطريق الصكوك،
وكان الصرَّافون والوكلاء يقومون مقام البنوك.

وقد عدّت في ذلك الوقت أسماء كثيرة من التجار المشهورين بالغِنَى، واشتهر كل قطر ببعض السلع، وكان التجار الماهرون ينقلون السلع من مكان
إلى مكان، حسب المهارة التجارية، ومن أجل هذه الحركة وجدت أماكن للمبيت والاستراحة في كل مرحلة تجارية، وكانت هذه الأماكن
تستخدم لمبيت التجار، ورباطات للمجاهدين، وأمكنة لعمال البريد، وهكذا.

ولم يكن نشاطهم في البحر بأقلَّ من نشاطهم في البر، ومن هذه الحركات نشأت أسطورة «السندباد البحري»، وكان أهم بحار المسلمين في التجارة
هو البحر الأبيض المتوسط، والمحيط الهندي، فكانوا ينقلون التجارة على الجمال إلى السويس، ثم إلى الحجاز، ثم إلى المحيط
الهندي؛ وكانوا يقطعون على الجمال الصحراء من الخَرمَا، إلى القُلزُم، أو البحر الأحمر في سبعة أيام، واستخدموا لهذه الرحلات البحرية المراكب
الشراعية الكبيرة، حتى حكوا أن بعض المراكب كانت تعمل آلافًا من الناس، ومعهم كثير من السلع التجارية، وقالوا: إن سُفُن
البحر الأبيض كانت أكبر من سفن المحيط، وكانت البصرة أهم ميناء يُبحر منه التجار إلى أنحاء العالم، وكان نجاح هؤلاء التجار مشجعًا
لأمثالهم على أن يشتغلوا في التجارة، ويربحوا منها. وكتاب «ألف ليلة وليلة» مملوء بالقصص عن هؤلاء التجار، وغيابهم وطول
أسفارهم، وكانت الصين وروسيا ميدانًا فسيحًا لهذه التجارات.

وقد أثَّرت حركة التجار الواسعة هذه في الحياة العامة للشعب، سواء في الحركة الاقتصادية أو الاجتماعية، فمن الناحية الاقتصادية كانت التجارة
مصدر ثروة لعدد كبير من الناس، وأتباعهم، وأتباع أتباعهم، ومن الناحية الاجتماعية ملأت التجارة البيوت بالرقيق من مختلف
الأصناف، وتأثير الرقيق في الحالة الاجتماعية لا يخفى، وربطت التجارة بين الأقطار الإسلامية ربطًا محكمًا، وقلما كان يخلو ركب من التجار
من أن يصحبهم بعض العلماء يطلبون العلم، وخصوصًا الحديث، وحببت التجارة إلى الناس كثرة المغامرات، واكتساب اللذائذ
من المخاطرات، وكانوا كلما اجتازوا مخاطرة، واطمأنوا عَنَّ لهم أن يبدءوا مخاطرة جديدة، كالذي يصوره لنا «السندباد البحري»، بل
إن هذه التجارة كانت تغذي الفقهاء بالمسائل الكثيرة التي تعرض للتجَّار، ولم تكن معروفة من قبلُ، كالذي نرى في كتب الفقه من
الكلام على السوفتجة، والسَّلَم، والمزارعة، ونحو ذلك.

وكان بعض الأرقَّاء يأبِقُون مع ركب التجارة، فكثر قول الفقهاء في إباق العبيد، وهكذا. فأعمال التجار، وما يصادفونه في حياتهم كانت مبعث
أسئلة توجَّه للفقهاء ليبحثوها، ويجيبوا عنها؛ بل تعرضت رحلة التجار لإثارة مسائل تتعلق بالعبادات، فإنهم لما رحلوا
إلى الشمال البعيد، ورأوا مدنًا تستمر الشمس طالعة فيها أشهرًا، وتغيب أشهرًا، سألوا عن حكم الصيام في هذه البلاد، وأوقات الصلوات، وهكذا،
ولكن مع الأسف لم يتعرض الفقهاء لتاريخ الحوادث التي أثارت هذه الأبحاث، بل تكلَّموا عنها مجردة عن أي اعتبار آخر،
ومن غير ربطها بما كان يحدث، ولذلك كانت جافة، ولو ربطت بهذه الأحداث لكانت لطيفة مستساغة.

وهذه التجارة أشاعت في الناس خُلُق الاستقلال، وجعلتهم أفضل من العلماء والأدباء الذين لا يجدون رزقهم، إلا من فُتات الأمراء، فالتاجر كان
ينشأ صغيرًا، ويغامر حتى يكسب الكثير، وبعضهم كان يكسب مائة وعشرين ألف دينار، أو أكثر.

هذا هو الكسب المادي، أما الكسب المعنوي فاللذة الحادثة من رؤية بلاد قد يخالف دينها دينه، وتخالف عوائدها عوائده، ولا بأس أن تغرق المركب
يومًا ببضاعته، فيحمد الله على السلامة، ويبدأ من جديد، وهكذا.

وأما الصناعة، فقد ازدهرت في هذا العصر، وذلك بفضل تقدم العلوم كما شرحنا، فاستخدموا ما اكتشفوا من العلوم، وما عرفوه من علوم اليونان،
وما اقتبسوه من الأمم الأخرى في ترقية صناعتهم، وكانت المدن الكبرى في البلاد الإسلامية تنقسم الصناعات الكبرى، كصناعة
المنسوجات، والورق في مصر، وصناعة الورق أيضًا في سمرقند، والبسط والسجاجيد في فارس … إلخ. واشتهرت صناعة النسيج في مصر في تنِّيس، وكانت
تصنع من الكتان والحرير، وكانت الأقمشة التنِّيسية بيضاء، أما اليمنية فمنقوشة كأزهار الربيع.

واشتهرت في تنِّيس مدينة تسمى «الدّيبق»، وإليها ينسب القماش المسمى بالديبقي، وربما بلغ الثوب الديبقي مائة دينار، وفيها كانت تصنع المنسوجات
للخليفة البغدادي، ولا يدخل فيه من الغزل غير أوقيتين، وينسج باقيه بالذهب بصناعة محكمة، لا تحوج إلى تفصيل، ولا خياطة،
وتبلغ قيمته نحو ألف دينار، وكانت تنّيس وحدها سنة ???? تصدّر إلى العراق من الأقمشة ما يبلغ ?? ألف دينار إلى ??، وكانت تصدر تنّيس أيضًا
ثيابًا رقيقة جيدة، كأنها المنخل، يسمى بالقصب، وكان هذا القصب يلون، ويعمل عمائم للرجال، وكان النساء في مصر يغزلن
الكتان في منزلهن، كما يفعل أهل سويسرا في صناعة الساعات، وقلدت فارس مصر في صنع ثياب الكتَّان، وخصوصًا مدينة كازارون، فكانوا يبلُّون
الكتان في البرك، ويغسلون خيوطه في نهر يسمى نهر الرهبان، وكان من خصائص هذا النهر تبييض خيوط الكتَّان، ولا يغسل فيه
إلا بتصريح من الأمير. ولم يشتهر القطن كثيرًا في هذا الزمان، واشتهرت مرو بصناعة نسيج القطن، فكانت تنتج ملابس ثقيلة؛ حتى إن
المتنبي يسميها «لباس القرود».

وانتشرت صناعة الحرير، وأعظم مصانع الحرير في ذلك العصر كانت بفارس، أخذها الفرس عن الروم، واشتهرت خوزستان بذلك، وكانت الطنافس التي تفرش
على الأرض تصنع بالعراق في مدينة الحِيرة، وقد استمدت صناعتها من الروم، واشتهرت صناعة الحصر في كل البلاد الإسلامية.


وكان المصريون يصنعونها من البرد، كما اشتهرت صناعة ماء الورد، وأهم ما تصنع فيه مدينة «جور» لشهرتها بالورد الجوري، وينقل من جور إلى سائر
البلدان كالمغرب، والأندلس، ومصر، واليمن، وبلاد الهند، والصين، ومما قدَّم الصناعة في القرن الرابع اكتشافهم قوة المياه،
واستخدامهم لها في إدارة الطواحين؛ كما أن أهل البصرة استخدموا حركة المد والجزر، فأنشئوا عليها الأرحية؛ ذلك أن الجزر والمد يحدثان
عندهم مرتين في كل يوم وليلة، ففي أثناء المد يدخل الماء الأنهار، وفي أثناء الجزر ينحسر الماء، فعمدوا إلى أرحية أقاموها
على أفواه الأنهار، أما الجهات التي ليس بها أنهار، فكانوا يستعملون الدواب في إدارة الطواحين.

وقد اشتهرت مطاحن الموصل، فكانت تصنع من الخشب والحديد، وتسمى الواحدة منها عربة، وبعض الطواحين يستخدم فيه شدة هبوب الريح، حتى كان من
دقَّتهم تنظيم سرعتها بواسطة منافذ تغلق وتفتح.

وقد نقل المصريون صناعة الورق عن الصين، ولكن تقدموا فيها بواسطة تنقيته مما كان يعلق به من ورق التوت ونحوه، وانتشرت صناعته في دمشق، وطبرية،
وطرابلس، وسمرقند، ولولا كثرته ما انتشرت العلوم انتشارها في هذا العصر، واشتهرت حران بصناعة آلات الفلك، كالإصطرلاب،
وبصناعة الموازين الصحيحة؛ واشتهرت المقدس بصناعة السبح؛ لكثرة الزوَّار.

وأما الزراعة، فاشتهرت في هذا العصر، حتى ربما أمكن العالم الإسلامي أن يكفي نفسه، فكانت العراق تكثر من زراعة الحنطة، والهند من الأرز،
وفلسطين ومصر من القلقاس، واشتهرت في البلدان كلها زراعة الكروم، واشتهرت زراعة العنب في اليمن، وهو كثير الأصناف،
يجود كل صنف منه في بلد. واشتهرت في هذا العصر فاكهتان، وهما: الأترجّ، والنارنج، وكانت هاتان الفاكهتان نادرتين في هذا العصر، وقد جلبتا
من الهند إلى عمان، والبصرة، والعراق، والشام، واشتهرت زراعة البطيخ، واشتهر شمال فارس بجودة الفاكهة، حتى بلغ أن كان
البطيخ يقدّد، ويحمل إلى العراق، وعلا شأن الرمان؛ وكان أحسن التفاح في ذلك العصر تفاح الشام، حتى كان مضرب المثل في الحسن، ويحدثنا
الثعالبي في «لطائف المعارف» بأنه كان يحمل إلى الخلفاء في كل سنة منه ثلاثون ألف تفاحة.

واشتهر في العراق، والحجاز، ومصر تصدير مقادير كبيرة من الثمر، وكان الناس في مصر يستخدمون زيت المصابيح، من جذور البنجر واللفت، ويسمونه
الزيت الحار، ولحاجتهم إلى السكر كان يزرع في كثير من البلدان، وعملوا المربات، والفواكه المحفوظة، وملحوا السمك، وأكلوا
نوعًا من الطين الأخضر كالسلق، كانوا يستعملونه بعد الأكل، يجلب من نيسابور، ويسمى بالنُّقل، وكان الرطل منه ربما يباع في مصر بدينار.

وعلى الجملة، كانت الزراعة والصناعة والتجارة متعاونة، يُمدّ بعضها بعضًا، ولكثرة عدد الأهالي نمت هذه العناصر الثلاثة في ذلك العصر، حتى
ليحكي بعضهم أشياء عنها قد لا يصدقها العقل، وربما كانت الزراعة هي العنصر الوحيد الذي لم يتغير في الشرق إلى اليوم،
فلا يزالون يستعملون آلات الزرع العتيقة من ساقية، وشادوف، وطمبور، ونحو ذلك مما كان يستعمله قدماء المصريين.

قد تغيرت التجارة والصناعة كثيرًا عن قبل، ولكن الزراعة لم تتغير كثيرًا عما كانت، إلا عند القليل الذين استعملوا الآلات الحديثة.
الفصل الثاني عشر

القضاء والإدارة

من قديم وكبار الفقهاء يكرهون تولي القضاء، كالذي روي عن مالك، وأبي حنيفة من كراهية تحمل المسئولية، وخوفًا من الحيد ولو قيد شعرة عن العدل،
إنما يتولاها من أكره عليها، أو كان شرهًا يحب المال، ويقوي ضميره على تحمل المسئولية، وكانت أكبر مشكلة في زماننا،
وقبله اختلاط الاختصاص بين الوالي والقاضي، فكلاهما يرجو توسيع الاختصاص، وكثيرًا ما اصطدما، فمثلًا: تزوَّجت امرأة رجلًا ليس بكفء لها،
كحادثة الشيخ علي مع بنت السادات، وأنكر وليها الزواج، وطلب من القاضي فسخه، فامتنع، فذهب أهلها إلى الأمير، فأمر القاضي
بالفسخ، فامتنع أيضًا، ثم فرق الأمير بينهما، وسبب ذلك الاختلاط بين سلطة القضاء، وسلطة التنفيذ. وكان القاضي يتولى سلطانه من قبل
الخليفة، وكان كثير من القضاة ذوي عظمة وجلال، حتى يُحضروا الولاة في مجالسهم إذا احتاج الأمر، ويحكون عن القاضي ابن حربويه
الذي توفى سنة ???? أنه كان آخر من ركب إليه الأمراء، وكان لا يقوم للأمير إذا حضر، وكان عزيز النفس، عدلًا، حتى إن مؤنسًا
الوالي الكبير مرض، فأرسل إلى القاضي يطلب شهودًا، يشعرهم أنه أوصى بوقف على جهة من جهات الخير، فقال القاضي: لا أفعل حتى يثبت
عندي أنه حر، وكتب إلى الخليفة المقتدر يسأله إذا كان قد أعتقه، ولما وصل الكتاب أبى القاضي إلا أن يشهد عدلان أنه كتاب
أمير المؤمنين، وكان ابن حربويه هذا مثلًا عاليًا للقاضي، فلا يفعل أمام الجمهور ما يحط من كرامته، وكان لا يتقيد بمذهب من المذاهب،
بل يجتهد. ومن القضاة العظام في هذا العصر أبو حامد الإسفرائيني قاضي بغداد المتوفى سنة ????، كتب إلى الخليفة يقول
له: «اعلم أنك لست بقادر على عزلي عن ولايتي التي ولانيها الله تعالى، وأنا أقدر أن أكتب إلى خراسان بكلمتين أو ثلاث، أعزلك عن خلافتك»،
حتى لقد كان بعضهم من القوة، بحيث يستطيع أن يأمر بسجن أمير أو وزير، وكان من أعظم القضاة في ذلك العصر أبو الحسن بن
أبي الشوارب، فكان قاضيًا عادلًا مهيبًا، وكان قاضي البصرة سنة ????.

ولم تكن عرفت المحكمة، ولكن عرفوا أن القضاء يجب أن يكون مباحًا للجمهور، فكان القضاة يجلسون في المسجد، أو على بابه، أو في دار القاضي،
ويتقدم المتقاضون برقاع فيها اسم المدّعي، والمدّعى عليه، وهي المسماة اليوم «عريضة الدعوى»، ويعطونها للكاتب، وإذا
حضر القاضي دفعها إليه، فيفصل فيها كلها أو بعضها، وإذا لم يستطع أجَّل ما لم يستطعه إلى الغد، ويحكون أن إبراهيم بن الجراح كان مكروهًا
من المصريين، فكان يقضي في داره، ولما ولي هارون بن عبد الله قضاء مصر جعل مجلسه في الشتاء في مقدم المسجد، واستدبر
القبلة، وأسنده ظهره بالجدار، واتخذ مجلسه في الصيف في صحن المسجد، واستمرَّ الحال على ذلك إلى منتصف القرن الثالث الهجري، فمنع
الخليفة المعتضد من جلوس القاضي في المسجد، ولكن هذا النهي لم ينفَّذ، وكره أبو العلاء المعري في عصره سيرة القضاة، والشهود
المسمَّون بالعدول، فقال:

في البدو خرّاب أذواد مسوَّمة
وفي الجوامع والأسواق خرّاب
فهؤلاء تسموا بالعدول أو التجـ
ـار واسم أولاك القوم أعراب

ويعني بمن في الجوامع: القضاة، والشهود، ويقول في موضع آخر:

عدولٌ لهم ظُلم الضعيف سجيةٌ
يسمَّون أعراب القرى والجوامعِ

وكان الفقهاء أولًا يكرهون أن يأخذوا أجرًا في نظير قضائهم، ثم عين لهم أجر قليل، فكان ابن حجيرة في مصر يتقاضى مائتي دينار في السنة، وكان
عبد الرحمن بن سالم قاضي مصر أيضًا يتقاضى عشرين دنيارًا في الشهر.

وكان بعض القضاة يتجر بجانب منصبه ليعيش عيشة محترمة، وقد رفع العباسيون ماهيَّة القضاة، فكان مرتب عبد الله بن لهيعة ثلاثين دينارًا في
الشهر، وفي عصر المأمون، جعل للفضل بن غانم مائة وثمانية وستين دينارًا في الشهر، ويقول الرحالة ناصر خسرو: «إن مرتب
قاضي القضاة في مصر ألفا دينار في الشهر» … إلخ.

وقد انحطَّ القضاء على توالي الأزمان، فقلَّ أن ترى قاضيًا محترمًا مهيبًا وقورًا، كالذي كنت تراه من قبل.

أما الإدارة، فكان على رأسها الخلفاء، وقد رأيت من قبل كيف انحطَّت رتبهم، واستبد بهم الوزراء، كما انحطت ثقافتهم؛ لأن الوزراء كانوا يكرهون
خليفة مثقفًا.

ويحكي صاحب كتاب العلوم أن الوزير أبا أحمد العباس بن الحسن كان راكبًا، ومعه أحد الكتَّاب الأربعة الذين يتولّون الدواوين، فشاوره فيمن
يرشح للخلافة بعد المعتضد، وكان الوزير يميل إلى ابن المعتز، فأجابه الكاتب: إنه يجب ألا يولَّى في هذا الأمر من عرف
دار هذا، ونعمة هذا، وبستان هذا، ومن لقي الناس ولقوه، وعرف الأمور، وحنَّكته التجارب. قال له الوزير: صدقت، فمن نقلّد؟ فأشار الكاتب عليه
بجعفر بن المعتضد، وقال: إنه صغير، لا يدري أين هو، وعامة سروره أن يصرف من المكتب، فعمل الوزير على تقليده، وكان صبيًّا
في الثالثة عشرة من عمره، وهكذا حتى كانوا يفتشون الكتب التي يقرؤها المرشح للخلافة؛ لئلا تكون فيها منفعة، بل تكون لهوًا صرفًا،
كالسندباد البحري، وألف ليلة وليلة، فما أكره الوزراء للخلفاء المتعلمين، ولذلك ضعف شأن متولي الإدارة، وكانت دواوين كثيرة،
لكل ولاية ديوان يدير شئونها، حتى وحَّد المعتضد هذه الدواوين، وجعل منها ديوانًا واحدًا أسماه «ديوان الدار» له ثلاثة
فروع: ديوان المشرق، وديوان المغرب، وديوان السواد، أي العراق، ولم تكن العدالة مرعيَّة، فكثرت المصادرات، بل كثر التعدي على الأرواح،
ولم يعد أحد يأمن على نفسه، وعلى ماله حتى الخليفة، فكم صودر، وكم سلبت أمواله، أو سلمت عينه، وفشا في هذا العصر أخذ
المسائل الإدارية كالقضاء التزامًا يلتزمون المرفق العام للخليفة، ثم يستبدون بمن يليهم. يقول ابن المعتز:

أفما ترى بلدًا أقمت به
أعلى مساكن أهله خُصّ
وولاتُه نَبَطٌ زنادقةٌ
ملأى البطون، وأهله حُمص

وتهافت أرباب الدواوين على الألقاب، وقد كانت العادة من قبلُ أن يكتب للناس من فلان إلى فلان، ففي أول القرن الرابع كان يخاطب الوزراء والكبراء
بيا سيدنا ومولانا، وكان ابن سعدان يخاطب الوزير ابن عباد، بالصاحب الجليل، ويخاطب الصاحب ابن سعدان بالأستاذ مولاي
ورئيسي، ثم زادت الألقاب، حتى قال الخوارزمي:

ما لي رأيتُ بني العباس قد فتحوا
من الكُنى ومن الألقاب أبوابا
ولقّبوا رجالا، لو عاش أولهم
ما كان يرضى به للحُشِّ بوَّابا
قلَّ الدراهمُ في كفَّي خليفتنا
هذا، فأنفق في الأقوام ألقابا

ولقَّبوا المارودي القاضي بلقب «أقضى القضاة»، وزادت الألقاب فيما بعدُ زيادة كبيرة، وتشكلت بالشكل التركي، وزادت حتى فقدت قيمتها.

وكانت الإدارة المالية سيئة جدًّا؛ لأنها شديدة الحساسية، يُحلّها مليم، ويعدّلها مليم؛ وذلك لأنها كانت سيئة في دخلها، تعتمد كثيرًا على
المصادرات التي شرحناها من قبلُ، وفي خرجها إذ كثرت النفقات للإسراف في الترف، كما بينا، وكانت جباية الأموال غير عادلة،
ولا دقيقة.

ويروي لنا المؤرخون أن بعض الملاك يبيعون أرضهم بيعًا صوريًّا لأولاد الأمراء ليقل الخراج عليهم، وبدأت ميزانية الدولة تنحط، ويزيد الخرج
على الدخل، فكان مقدار الميزانية حسب ما وصلنا في عهد المقتدر على حسب تقدير الوزير المشهور علي بن عيسى نحو ?????
???? دينارًا، أضاعها كلها الخليفة المقتدر، كما أضاع ما تجمع عنده من الخلفاء قبله؛ وذلك بسبب كثرة الجند، وشغبهم، ومطالبتهم بالزيادة،
حتى اضطر أن يبيع دياره، وفرشه، وآنية الذهب التي عنده، وبلغ من فقر بيت المال في أيام المطيع لله سنة ???? أن باع
ثيابه، وأنقاض داره؛ ليدفع ??? ألف درهم طلبت منه للجند في أثناء الفتنة ببغداد.

والسبب في قلة الدخل أن كثيرًا من الممالك انفصلت عن الدولة العباسية واستقلت، كإفريقيا، وخراسان، ومصر، وفارس، وما وراء النهر، وكلها كانت
تدر مالًا كثيرًا على الدولة في بغداد. وتململ الناس في عصرنا هذا من كثرة الضرائب، فبدأ الخلفاء يخفضونها من عهد المأمون،
ونقصت الجزية، وكانت موردًا كبيرًا للمال بسبب اندفاع الناس إلى الدخول في الإسلام، وكان العهد عهد إقطاع، وهو عهد ظالم، كالذي شاهدناه
في عصرنا، وزاد الطين بلة إفراط الخلفاء، ومن إليهم في أسباب الترف، فانغمسوا في اقتناء الجواري من كل الأصناف، واتخذوا
الفرش من الخز والديباج والحرير، والمسامير من الفضة، وأكثروا من المتنزهات، والقصور، والمدن، ومجالس البيوت، وتأنقوا في
الطعام واللباس تقليدًا للفرس، وتحوَّل الغِنَى من الخلفاء إلى النساء والخدم والقواد، حتى حكى صاحب المستطرف أنه كان بين رياش أم
المستعين بساط أنفقت على صنعه ??? مليون دينار — على ما يقولون — فيه نقوش على أشكال الحيوانات والطيور، أجسامًا من
الذهب، وعيونها من الجواهر، حتى ليذكروا أن شاعرًا مدح امرأة فأعطته دُرًّا قوّم بعشرين ألف دينار، وكثر الإعطاء للمداح من الشعراء، كما
يحدثنا صاحب الأغاني، حتى لا يكاد الإنسان يصدق ما يحكيه من العطاء لكثرته.

وكثر الإعطاء من المال للوزراء والقضاة والقوَّاد، حتى بلغت ماهية الحسين بن علي الماذراني والي مصر في أول القرن الرابع ???? دينار في
الشهر؛ هذا عدا ما يفرضه الخلفاء لأنفسهم وأهليهم، خصوصًا وقد منعوا السلطة، فصارت في يد وزرائهم من الأتراك.

والحق أن الإدراة المالية إذا اختلت اختل تبعًا لها كل شيء، من علم، وتجارة، وزراعة، وصناعة، فعجيب أن يزهر العلم في هذا العصر، حتى يبلغ
ذروته، ويختل النظام المالي، وهذا يدلنا على أنه قد تختل السياسة، ويختل المال، ويزهر العلم؛ لأن اختلال السياسة، واختلال
المال لا يظهران إلا بعد عهد طويل.

وكان من أهم المصالح الإدارية مصلحة البريد، وقد عني بها المسلمون من العهد الأموي، كما عُني به العباسيون، وكانت مصلحة البريد تقوم بوظائف
أكثر مما تقوم به مصلحة البريد اليوم، فكانت تقوم بما تقوم به اليوم مصلحة المخابرات؛ إذ كان رجال البريد مكلفين بإخبار
الخلفاء بكل حركة يقوم بها كبار العمَّال؛ حتى يتأهبوا لها، ولذلك يروى أن طاهرًا أمير خراسان، وأول من انفصل عن الدول، وأسس الدولة الطاهرية
قطع الخطبة للمأمون على المنبر؛ وكلمه في ذلك صاحب البريد، فاعتذر بأنه نسيان منه، وتقدم إليه ألا يكتب للخليفة، وتكرر
منه ذلك ثلاث مرات، فقال له صاحب البريد: إن كتب التجار لا تنقطع عن بغداد، وإن اتصل هذا الخبر بأمير المؤمنين من غيري لم آمن
أن يكون سبب زوال نعمتي، فقال: اكتب إليه. وكان الخلفاء لا يحجبون صاحب البريد، ولو جاء في نصف الليل، علمًّا منهم بأن مبادرة
الأمور في أوائلها خير من الانتظار عليها.

ولذلك قال المنصور: «ما أحوجني أن يكون على بابي أربعة نفر، لا يكون على بابي أعف منهم، أما أحدهم فقاض لا تأخذه في الله لومة لائم، والثاني:
صاحب شرطة ينصف الضعيف من القوي، والثالث: صاحب خراج يستقصي، ولا يظلم الرعية، والرابع: صاحب بريد يكتب خبر هؤلاء على
الصحة». ولذلك كان العمال يخافون من صاحب البريد، ويعتبرونه جاسوسًا عليهم عند الخليفة، وأحيانًا يجعل الخلفاء بينهم وبين أصحاب البريد
رموزًا، أشبه ما تكون بالشفرة اليوم، حتى لا تقع في يد العامل، فيعرف محتوياتها، هذا ما يتعلق بالخلفاء، يضاف إلى ذلك
مكاتبات الناس، وأحيانًا ينتهز بعض الناس فرصة البريد، فيركبون معه؛ لأن ذلك آمن لهم، وفي بعض الأحيان كانت ميزانية البريد ?????? دينار
في السنة.

أما وسائل البريد، فكانت أمورًا كثيرة:
list of 6 items
(?) الجمال والأفراس، وربما كان المقصود بالجمال هو ما يسمى الآن «الهجين»؛ لسرعة سيره، وربما بلغت قافلة البريد أربعين أو
خمسين جملًا، وقد أعدت للبريد شبكة من الطرق، تشبه شبكة القطارات اليوم.

(?) السفن في البحار، وقد يستعملان معًا.

(?) الرجال العداءون، وخاصة في المدن الكبيرة كبغداد.

(?) الحمام الزاجل؛ فيربطون ورقة، ويعلّقونها بعد تمرين الحمام على السير على مواقع يعلمونها.

(?) أحيانًا يستعملون سهمًا يضعون فيها قصبة فيها ورق، ثم يطلقونها، فيستلمها آخر، ويفعل بها مثل ذلك.

(?) وأحيانًا يستعملون ماء النهر فيضعون فيه الخرائط من الجلد، مكتوبًا عليها اسم صاحبها.
list end

وأحيانًا يستعمل البريد لحمل بعض الناس الذين يأمر الخليفة بإحضارهم، وكانت توضع في أعناق الدواب سلاسل وأجراس تسمعها المدينة، فتعرف أن
البريد حضر، ويسمونها عادة «قعقعة البريد»، وكانت تقسم الطرق إلى مراحل، وفي كل مرحلة فندق كبير ينزل فيه عمال البريد
ليرتبوا شئونهم فيه، وهكذا إلى أقصى المملكة الإسلامية.

وقد أدت مصلحة البريد هذه خدمات كبيرة إلى المملكة الإسلامية من مثل قمع الفتن، ومنع المشاكل من الحدوث بسبب التأهب لها، وكثيرًا ما حملت
العلماء من مكان إلى مكان ليحصّلوا العلم، والتاريخ مملوء بذلك.

وهناك عمّال آخرون لحفظ طرق البريد، وإمدادها بالأفراس، أو الإبل الملاح، وحماةٌ يحمونها من القطاع والسُّراق.
خاتمة

من هذا نرى أن الحركة العلمية في القرن الرابع كانت على أشد ما يكون، وأنه لم يشهد مثلها القرن الذي قبلها، ولا الذي بعدها، وأنه لم يخل
فرع من فروع العلم المعروفة في زمنهم من علماء يبحثون فيه ويوسعونه، وأن الفقر كان نصيب العلماء إلا من اتصل بالقصور،
وأنه رغم انحطاط السياسة لم يتأثر العلم بها، فكان العلم والسياسة في ذلك الزمان ككفَّتي ميزان رجحت إحداهما، وهي كفة العلم، وشالت الأخرى،
وهي كفة السياسة، وربما كان السبب في ذلك أن السياسة تحتاج إلى زمن طويل، حتى يظهر أثر ضعفها في الحياة العامة، وهذا
ما كان لأنها أثرت في العلم أثرًا سيئًا في القرون التي بعد هذا القرن، بل ربما كانت السياسة في قرننا هذا سببًا غير مباشر لرقي العلم
من جهتين: الأولى: أن العلماء لما رأوا سوء السياسة، وظلمها، وعنتها، واضطرابها، كرهوها، وانصرفوا إلى العلم، وهو الملجأ
الآمن المطمئن، حتى كان بعضهم يأنف كل الأنفة أن يتصل بأمير أو وزير، ويتعفف عن زيارة السلطان وأعوانه، ويفضل العيش
النَّكد مع السلامة، على العيش الرغد مع الخوف، والثانية: اتخاذ الأمراء، والوزراء العلماءَ زينة يزينون بها مملكتهم، فلفت ذلك نظر بعض
الناس أن يتعلّموا ليتصلوا بهم، وينتفعوا مما في أيديهم، فكان هذا السبب سببًا في كثرة العلم، سواء المعرِضون عن الولاة،
أو المقربون إليهم.

ونرى أنه في هذا العصر زاد التصوف، ونما وازدهر، وذلك لجملة أسباب:
list of 3 items
(?) الارتقاء الطبيعي مع مرور الزمن.

(?) فساد الدنيا، فحمل بعض الناس على أن يتركوها لأصحابها، ويطلبوا الله والآخرة.

(?) ما كان من قيام الفقهاء على الصوفية، وتحريض الأمراء على التنكيل بهم، كالذي رأينا من قصة غلام الخليل والحلاج، فدعا إلى
ذلك إلى اضطهاد الصوفية، والناس دائمًا أعطف ما يكونون على المضطهد، والفكرة إذا اضطهدت كان
اضطهادها علامة حياتها.
list end

ورأينا في هذا العصر كثرة المذاهب، وكثرة الاحتكاكات بينها، كالاحتكاك بين المذاهب الفقهية المختلفة، والاحتكاك بين الشيعة والسنية، والاحتكاك
بين الفقهاء والصوفية، والاحتكاك بين المحدثين والفلاسفة، وهذه الاحتكاكات المختلفة سببت نشاطًا عجيبًا في الحركة العلمية؛
إذ كان كل فريق يرى أن يتسلح أمام الخصوم بكل الوسائل ليتغلب عليهم.

ولعلّ ذلك كان من الأسباب التي روجت الفلسفة اليونانية بين المسلمين؛ لأن منطقها أقوى سلاح يتسلح به.

وربما كان هذا العصر خاتمة العلم الإسلامي، نعم كان بعده علم، ولكن ليس إلا ترديدًا لعلم القرن الرابع.

وربما كان السبب في ذلك إقفال باب الاجتهاد في هذا العصر، فشمل الخمود والجمود كل علم، وكل أدب، وانتشر في العلماء قلة الثقة بأنفسهم، وزعمهم
أن ليس للآخرين ما كان للأولين، وربما كان من الأسباب أيضًا السياسة الفاسدة بعد أن طال زمنها، ووصل تأثيرها السيئ
إلى العلم، ثم جاءت نكبة التَّتار، فذهبت بالبقية الباقية من هذه الحركة العلمية.

ومما يؤسف له أن نرى العلماء في ذلك العصر الزاهر انطووا على أنفسهم، وتركوا الظالمين من غير أن يقفوا في سبيلهم، ولم يستطيعوا أن يضحوا،
فيجهروا بالحق أمام الظالمين، والأدباء الذين ارتفع صوتهم ارتفعوا بمدح الظالم لا بردعه، وتحريضه لا قمعه، ولم يكن
عندهم شعور بأنهم مسئولون عن ظلم الظالم، والصوفية الذين كانوا مظنة الجهر بالحق انطووا أيضًا على أنفسهم، وغسلوا أيديهم من هذا العالم،
والوعاظ الذين كانوا يعظون، كانوا يعظون الشعب بتحمّل الظلم، ولا يعظون الظالم بالارتداع عن الظلم …!

وكان إحساس الناس بالظلم والعدل ليس إحساسًا مرهفًا، بل قد يعدون الظلم فضيلة، فنحن نرى أن الزجاج النحوي المشهور كان يفرض جعلًا على أصحاب
المظالم؛ ليرفع الرقاع إلى الوزير، والوزير هو الذي مكنه من ذلك، والناس يصفونه بالصلاح والتقوى، والشعراء يمدحون إذا
أعطوا، ويهجون إذا لم يعطوا، وقلَّ أن يمدحوا أميرًا بالعدل، أو يهجوه للظلم، والقصيدة في المدح أو الهجاء يصلح أن تنطبق على كل أحد سواء
من استحق المدح أو الذم، وليس فيها تحليل دقيق لنفسية الممدوح أو المهجو.

والناس يحترمون العالم ويوقرونه؛ لأنه زهد فيما في أيديهم، لا لأنه سعى في خيرهم أو كشف الغمَّة عنهم.

على كل حال، لو سار العلم على طول الخط، كما سار في القرن الرابع الهجري؛ لكان شأننا غير شأننا اليوم، ولكان منا المخترعون المبتكرون، ولكن
الجمود من جانب، والظلم من جانب؛ أماتا النفوس، وجعلا اليقظة صعبة.

ثم من الأسف أيضًا أن أقبل الناس كثيرًا على النظريات المجردة، أكثر من إقبالهم على العمليات المجربة، مما نرى في مثل فلسفة الفارابي، والإمعان
فيما وراء الطبيعة التي هي عبارة عن خيال في خيال، فأما نَمَط أمثال ابن الهيثم في ابتكاراته، فقد مات تقريبًا.

وانصب الأدب في قوالب هي عبارة عن زينة لفظية، لا معنى غزير، ووقفوا عند المنهج الذي رسمه من قبلهم، فلا وزن يخترع، ولا نوع يبتكر، إلا
أنواعًا سخيفة كالغزل بالمذكر الذي اخترعه أبو نواس، او الفحش الفاجر الذي أفاض فيه ابن حجاج، وابن سكرة، أو استجداء
وحيل لكسب، كالذي اخترعه بديع الزمان، والحريري.

وغلب منهج المحدثين في كل شيء، بما فيه من خير أو شر، فما فيه من الخير، هو الدقة في الرواية، ونقد الرواة، والحرص على السند والإجازة،
والشر في الاعتماد على النقل دون العقل، وتقديس ما في الكتب، وتخريج عبارات المؤلفين، وإن كانت تصرخ بالخطأ إلى غير
ذلك، وظل هذا المنهج يُعمل به في الأوساط الشرقية، وأخيرًا فقد ظل العالم الإسلامي طوال القرون العديدة يتغذى بعلم القرن الرابع، وأدبه،
ومنهج علمائه إلى اليوم.

ونرى من كل هذا العلم العربي، وإن شئت فقل الإسلامي، بلغ في هذا العصر ذروته، وكان مظهره مصداقًا لما قلنا من قبل، من أن العلم ليس بضروري
أن يلازم السياسة في رقيها وانحطاطها، فقد ترتقي السياسة، وينحط العلم، وقد يكون العكس كما ذكرنا، والسبب في الارتقاء
يعود إلى:
list of 3 items
(?) امتزاج العلوم والثقافات لم يكن تمَّ نضجه إلا في عصرنا هذا.

(?) أن العلماء المسلمين وجدوا أساسًا صالحًا، فكان من نشاطهم أن بنوا عليه.

(?) أن المعتزلة كانت فرقة جادة مفكرة، أثمرت ثمارها في هذا العصر، ولكن مع الأسف لم يمض هذا العصر حتى أخذ نجمهم في الأفول،
وبحر العلوم في الانحسار.
list end

ولذلك أيضًا أسباب عكسية:
list of 4 items
أولًا: غزوة التتار، وما أعقبته من تخريب ودمار، حتى أهلكت الأنفس، وأُغرقت الكتب.
وثانيًا: سد باب الاجتهاد لما رأى العلماء أنهم عاجزون عن بلوغ شأو من قبلهم، وكان كل ما يأملون أن يسيروا على منهجهم،
ويجروا على منوالهم.
وثالثًا: اضطهاد المعتزلة على يد المتوكل ومن بعده، حتى خفت صوتهم، وقد كانوا دعاة الحرية والتفكير، والتحذير من الخرافات
والأوهام، وغلبهم المحدثون، وهم دعاة النقل، والرواية، والوقوف عند النص.
ورابعًا: غلبة الأتراك، وهم — والحق يقال — عنصر لم يكن مثقفًا ثقافة تامة، ولا مشجعًا للثقافة، وقد كانت العصور الماضية
على العموم يعتمد علماؤها وأدباؤها على الولاة والأمراء الذين يفهمون علمهم وأدبهم،
فلما عزَّ من يفهم، لم يتشجع العلماء على أن يظهروا علمهم، فظللنا من آخر القرن الرابع تقريبًا، ونحن في عماء، ومصداق ذلك
ما نراه من الموسوعات «كالمسالك والممالك»، و«صبح الأعشى»، و«نهاية الأدب»، فكلها
تقريبًا ليست إلا جمعًا لأشتات المتشابهات من غير تجديد.
list end

ومن ملاحظتنا أن الأدب قد نما وترعرع أكثر من العلم بالمعنى الدقيق، فقد بلغ الأدب ذروته، وكانت الفوضى السياسية التي بدأت من قديم تعمل
عملها، وتظهر نتائجها؛ وكان الأدب في الجاهلية أسلوبًا أكثر منه موضوعًا، وكان في العصر الأموي أدب أحزاب أكثر منه
أدب أمة، وجاء العصر العباسي الأول ثم الثاني، فانتقلت معاني الفرس، والهنود، وفلسفة اليونان إلى اللغة العربية، وكانت غذاء صالحًا للأدب،
وجاء أمثال ابن المقفع، والجاحظ، وجعلوا للأدب موضوعًا، وجعلوا له أسلوبًا، وجاء بشار وأبو نواس، فعبرا التعبير الصادق
عن الحياة الاجتماعية الجميلة، لا الحياة الجاهلية القديمة، وجرى الشعراء على أثرهما، فلما جاء القرن الرابع، كان قد نضج كل ذلك، وأخذ
الكتاب والشعراء يدخلون المعاني الجديدة في الأدب الجديد، فكان النثر والشعر يعبران تعبيرًا صادقًا عنه في الغالب. هذا
إلى أن كثرة الأموال في الدولة، وعيشة الترف والنعيم عَدَتِ الأدب، فأخذ هو الآخر، يتزين ليعجب المترفين، وأخذ ما كان يُبنى على
الذوق الفطري من نقد يتحول إلى علم ذي قوانين، وكان القرن الرابع نهاية المطاف.

إنك لتقرأ تاريخ كثير من الأدباء فتراهم نكبوا؛ لأنهم ناصروا بعض البويهيين، فلما انتصر عليهم خصومهم، أُهينو أشد أنواع الإهانة، وابن سينا
الفيلسوف الكبير لعبت به السياسة لعبًا كبيرًا حتى فرَّ أحيانًا، وإذا كان الخلفاء والأمراء يقتلون أحيانًا، وتُسمل
أعينهم أحيانًا، ويستجدون الناس على أبواب المساجد أحيانًا، فما بالك بالعلماء والأدباء؟ إن هؤلاء كلهم لو عاشوا في جو هادئ لأنتجوا خيرًا
مما أنتجوا، ولاستفاد الناس منهم أكثر مما استفادوا، فسلسلة الاضطرابات السياسية قطعت سلسلة العلم والأدب، فقد ظلا
نائمين خادمين إلى النهضة الحديثة، حتى لو أننا فقدنا نتاج القرون الماضية من القرن الخامس إلى عصر النهضة لم نكن فقدنا كثيرًا.

والعلم والأدب عادة في أشد الحاجة إلى هدوء بال، وطمأنينة نفس، وراحة في الرزق، فما لم توجد هذه الثلاثة لا يستوي لهما طريق، ولا يؤمل لهما
نجاح، شأنهما شأن الزهرة الناعمة؛ إذا عصفت بها العواصف، ولم تُرو في أوقاتها ذبلت، أو ضعفت.

وقد أخرج هذا العصر كثيرًا من الأمراء والوزراء الذين شجعوا الحركة العلمية، إما لرغبتهم في العلم، وإما لتزيين مجالسهم بالعلماء، كما تزين
بالتحف الطريفة؛ ذلك أنهم فيما مضى من العصور العباسية، كانت بغداد وحدها هي مقصد العلماء، والشعراء، والأدباء؛ لأنها
عاصمة المملكة الإسلامية كلها، فلم يك ينبغ نابغ في أي قطر، ويحب أن يشتهر إلا ويقصد بغداد لينال هذه الشهرة.

فلما انقسمت الدولة الإسلامية إلى دول ودويلات صغيرة، تعددت العواصم، وتعددت رحلات العلماء والأدباء، فمنهم من كان يقصد القاهرة، ومنهم
من كان يقصد حلب، ومنهم من كان يقصد الري، أو شيراز، أو بغداد، أو غيرها من البلاد، وكانت هذه المدن تتنافس في اجتذابها
للعلماء، واشتهر في هذا العصر من الأمراء البويهيون في العراق، والفاطميون في القاهرة، والحمدانيون في حلب والجزيرة، والسامانيون فيما وراء
النهر، وكل هؤلاء قربوا العلماء والأدباء إليهم، وأنفقوا على العلوم العربية، والآداب العربية، حتى إن بني بويه مع
فارسيتهم، شجَّعوا اللغة العربية، والأدب العربي أكثر مما شجعوا الأدب الفارسي، واللغة الفارسية. ومن غريب أمرهم أنهم عدوا البلاغة وسيلة
الوزارة؛ ذلك لأن الأدباء كانوا هم السياسيين، يتثقفون في السياسة ثقافة عامة مع الأدب، ولم تكن السياسة قد أصبحت علمًا
كما هو اليوم، إنما كانت تدرك بالذوق الفطري، وتستفاد من التجارب، ومن كتب التاريخ؛ لهذا رأينا من أشهر الوزراء ابن
العميد، والوزير المهلبي، والصاحب ابن عباد، وفي القاهرة يعقوب بن كلس، وغيرهم، وكلهم علماء أدباء، ولذلك تجد في كتبهم ورسائلهم كثيرًا
من المعلومات السياسية العامة، فابن العميد كان أديبًا كبيرًا، وله مذهب في الأدب معروف، مؤسس على السجع والجناس، وسائر
أنواع البديع، وله كذلك شهرة كبيرة في السياسة، وقصده الناس والعلماء من كل ناحية، فهو يملي عليهم، ويقترح على الأدباء موضوعات يقولون فيها
الشعر. وهذا الوزير المهلبي كان فقيرًا وبائسًا، وكان من قوله:

ألا موتٌ يُباعُ فأشتريه
فهذا العيش ما لا خَيرَ فيه
ألا موت لذيذُ الطعم يأتي
يخلصني من العيش الكريه
إذا أبصرتُ قبرًا من بعيد
وددت لو أنني مما يليهِ
ألا رحم المهيمِنُ نفس حُر
تصدَّق بالوفاة على أخيه

فلما ظهر أدبه استوزر، وعاش عيشة مترفة ناعمة، وكان يُجلس الأدباء والشعراء في مجلسه، ومن جلسائه أبو الفرج الأصفهاني، وهذا الصاحب ابن
عباد يقول الشعر وينقده، ويقود حركة فكرية رائعة، ومن حبه للعلم والأدب أنه كان يرسل إلى بغداد كل عام خمسة آلاف دينار
تفرَّق في الأدباء والفقهاء، وكان يطمح أن يتملك العراق، فيستكتب أبا إسحاق الصابي.

وهذا ابن سعدان، كان وزير صمصام الدولة، وكان يأنس بالفلسفة أكثر مما يأنس بالأدب، وكان من جلسائه أبو حيان التوحيدي، وتدل أسئلته التي
كان يسألها أبا حيان في النفس وخلودها، ونحو ذلك على أنه ذو عقلية فلسفية، وكان يعتز بجلسائه، ويفتخر بأنهم خير من
ندماء المهلبي، فكان من جلسائه عيسى بن زرعة النصراني المتفلسف، وابن عُبيد الكاتب، وابن حجاج الشاعر، وأبو الوفاء المهندس، ومسكويه، وأبو
القاسم الأهوازي، وبهرام بن أردشير، وكان يقول: «ما لهذه الجماعة بالعراق شكل ولا نظير، وإنهم لأعيان أهل الفضل، وسادة
ذوي العقل، وإذا خلا العراق منهم خلا من الحكمة المروية، والأدب الغزير، وهل عند ابن عباد إلا صاحب الجدل الذين يشغبون
ويحمقون؟»
?
وهذا سابور بن أردشير، وزير بهاء الدولة البويهي، كان كاتبًا سديدًا، جمع كثيرًا من الشعراء كغيره من الوزراء كالسُّلَامي، والببغاء، والنامي،
والحاتمي.

ومن العجيب أن آل بويه هؤلاء شُهروا بالظلم، وكثرة المصادرة للأموال، والنهب من الأغنياء، حتى إنا نجد بعض الرسائل التي وصلت إلينا من هذا
العهد البويهي مملوءة بالشكوى من الظلم، فيقول الصابي مثلًا في بختيار البويهي: «فما زال بختيار يسيء الاختيار، ويتنكب
الصواب، ويتجنب الإصلاح، ويمزق الأموال، ويعرض الدولة للزوال، ويهرج الأولياء أشد الإهراج، ويحملهم على أعوج المنهاج، ويخرب الأوطان، ويشتت
الأقران، ويقتل الكُفاة، ويستكفي الغُواة؛ إلى أن بلغ من فاسد سيرته، وضال طريقته، أن استكتب محمد بن بقية، المحيط
بكل خلة دنية»، وربما كان هذا الوصف ينطبق على أكثر البويهيين وعمالهم.

ويقول أبو بكر الخوارزمي في وصف سيرة حاكم: «فما زال يفتح علينا أبواب المظالم، ويحتلب فينا ضرع الدنانير والدراهم، ويسير في بلادنا سيرة
لا يسيرها السِّنور في الغار، ولا يستجيزها المسلمون في الكفار، حتى افتقر الأغنياء، وانكشف الفقراء، وحتى ترك الدِّهقان
ضيعته، وجحد صاحب الغَلَّة غلَّته، وحتى نشَّف الزرع والضرع، وأهلك الحرث والنسل، وحتى أخرب البلاد، بل أخرب العباد، وحتى شوَّق إلى الآخرة
أهل الدنيا، وحبب الفقر إلى أهل الغِنَى … والله ما الذئب في الغنم بالقياس إليه إلا من المصلحين، ولا السوس في الخز
في الصيف عنده إلا من المحسنين»، ويصف بديع الزمان الهمذاني أحد قضاتهم فيقول: «يا للرجال، وأين الرجال؟ ولي القضاء من لا يملك من
آلاته غير السباب، ولا يعرب من أدواته غير الاختذال، وما رأيك في سوس لا يقع إلا في صوف الأيتام، وجراد لا يسقط إلا على
الزرع الحرام، ولص لا ينتقب إلا على خزانة الأوقاف». ويقول بعض الشعراء:

إن شئت أن تبصر أعجوبة
من جور أحكام أبي السائب
فاعمد من الليل إلى صُرة
وقرر الأمر مع الحاجب
حتى ترى مروان يقضي له
على عليِّ بن أبي طالب

ومع ذلك؛ كانوا يغدقون على العلماء إغداقًا كبيرًا، فهم على الجملة نهابون وهّابون.

فإن نحن تجاوزنا بني بويه في العراق، وما حوله وجدنا في القاهرة الفاطميين الذين شجعوا العلم والأدب أكبر تشجيع، فهذا الحاكم بأمر الله
ينشئ «دار الحكمة»، وهؤلاء العلماء يجتهدون في كل أنواع العلوم، وهذا وزيرهم — مثلًا — يعقوب بن كلس الذي كان من أصل
يهودي وأسلم، قال فيه ابن خلكان: «كان يحب أهل العلم، ويجمع عنده العلماء، ورتب لنفسه مجلسًا في كل ليلة جمعة، يقرأ فيه مصنفاته على الناس،
ويحضره القراء والفقهاء، والنحاة، وغيرهم من وجوه الدولة، فإذا فرغ من مجلسه قام الشعراء ينشدونه المدائح، وكان في
داره قوم يكتبون القرآن، وآخرون يكتبون كتب الحديث، والفقه، والأدب، حتى الطب، وكان يقيم كل يوم خوانًا لخاصته من أهل العلم والكتابة، وخاصة
أتباعه»، ولعل خير ما يمثل ميلهم إلى العلم بناؤهم للأزهر الخالد إلى اليوم.

وهذا سيف الدولة في حلب والجزيرة، كان مجلسه مملوءًا بالشعراء والأدباء، وفيه بعض الفلاسفة كالفارابي، وبعض النحويين كابن خالويه.

وكان أيضًا حاكمًا ظالمًا كالبويهيين، سهل له قاضيه كل مظلمة، حتى قال القاضي يومًا: «من هلك فلسيف الدولة ما ملك»، فكان سيف الدولة أيضًا
نهابًّا وهّابًا، يصادر الناس في أموالهم، ليمنحها للمتنبي وأمثاله، فيصوغون له قلائد المدح؛ وينطبق عليه الحديث: «ليتها
ما زنت، ولا تصدَّقت».

لهذا كله أنتج القرن الرابع هذا كثيرًا من العلماء في كل علم، مثل: إبراهيم المروزي، والقدوري، والطحاوي، وابن السريج في الفقه، والدارقطني،
والنيسابوري، وغيرهما في الحديث؛ وأبي على الفارسي، وابن دريد، والنحاس، وابن فارس، وابن جني، والزجاج، وابن درستويه،
وابن السراج في النحو واللغة؛ والمتنبي، وأبي فراس، والناشئ، والنامي، وابن حجاج، وابن سكّرة، وابن طباطبا، والخالديين في الشعر، وأبي
هلال الصّابي، والخوارزمي، وجحظة البرمكي، وبديع الزمان الهمذاني، وعلي بن عبد العزيز الجرجاني في الأدب؛ والطبري وابن
زولاق، والشابشتي، والمسبِّحي في التاريخ، وابن جنزابة، والإصطخري، وغيرهما في الجغرافية، وابن مقلة في الخط، والجبَّائي،
والحسن الأشعري، والكعبي، والبلخي في علم الكلام، وابن نباتة في الخطابة، فكل هؤلاء نشطت حركتهم، وكثر علمهم وأدبهم، مما لا أظن
أن عصرًا من العصور أخرج مثلهم، حتى جاءت الحركة الحديثة التي نشأت من الاحتكاك بالأجانب، والاقتباس من مدينة تغاير
المدينة الإسلامية في كل ناحية من نواحي العلم والفن والحضارة، فأخذنا عنهم، وسرنا سيرهم، وتفتحت عيوننا بعض الشيء، فأخذنا نُغربل القديم
وننقده بأعيننا الجديدة، وصار أمامنا مدينتان مختلفتان: لعل المدينة الغربية منهما أوفر علمًا بمعنى العلم الحديث،
وعلى أثر ذلك بدأت الحياة العلمية في الشرق تدب من جديد، وأمامها مادة وفيرة من المدنية الإسلامية، ومادة وفيرة من المدنية الغربية.

والمتأمل فيما يجري يرى أننا متجهون إلى اقتباس العلم والمخترعات بقدر كبير من المدنية الغربية، ومقتبسون الروحانية، والتصوف، والأسلوب،
ونحو ذلك من المدنية الإسلامية؛ فنحن نمثل في الحقيقة الإسكندرية أيام كانت تقتبس من الشرق دينه، وروحانيته، وإلهامه،
ومن اليونانية طبيعتها، وكيمياءها، وطبها، ونحو ذلك، أو كما فعل المسلمون في العصر العباسي الأول؛ إذ أخذوا الثقافة الهندية، والفارسية،
واليونانية، والرومانية، ومزجوها بعضها ببعض، وكوَّنوا ثقافة هي مزيج من كل ذلك، وصدق التعبير المشهور: «التاريخ يعيد
نفسه»، ولكن قد يختلف شكل الإعادة حسب اختلاف الهيئات والظروف، وحقيقة الجوهر لا تختلف.

ونحن نؤمل أن العالم يسير إلى الأمام على العموم، قد تختلف بعض الأمم فتموت، وقد تتخلف بعض الأمم في بعض النواحي؛ ولكن العالم في جملته
يسير إلى الأمام دائمًا؛ فعالم اليوم خير من عالم الأمس، قد كان العالم محكومًا بحفنة من الملوك المستبدين، لا يرعون
للشعوب حقًّا، وكانت تكفي الكلمة لقتل من شاءوا، ومصادرة من شاءوا — كما رأينا — ثم أصبح للشعوب حقوق، وللشعوب قوة،
تعزل بها، وتولي، وتشرع، ولم يصل العالم إلى منتهاه بعدُ، فلا تزال فيه حفنة من قادة السياسة تقوم مقام الملوك، تعلن الحرب، وتخرب الممالك،
ونحو ذلك، من أفعال سيئة، ولكن العالم سيتقدم، والعلم سيتقدم، والنظريات الغامضة ستتضح، ويفهم العالم في المستقبل القوانين
التي تحكم العالم، والحقوق التي لهم على رؤسائهم، وستكون الشعوب هي التي تتحكَّم في أمورها، وترعى مصالحها … قد يكون ذلك قريبًا، وقد
يكون بعيدًا، ولكنه سيحدث على كل حال.

وهناك مسألة أخرى، وهي النظر إلى نوع ما شاع بين المسلمين كما رأينا من عظمة الثقافة الأدبية، دون العلمية، ونعني بالثقافة الأدبية، الأدبية
بالمعنى الواسع الذي استعملت فيه كلمة الآداب، فتشمل الدراسة الأدبية، الشعر والنثر، والجغرافيا والتاريخ، وآداب اللغات؛
كما نعني بالثقافة العلمية المعنى الذي استعملت فيه كلمة كلية العلوم، من طبيعة وكيمياء، ورياضة، وجيولوجيا، ونحوها.

والناظر في هذا العصر الذي نؤرخه، والذي قبله وبعده، يرى طغيان الثقافة الأدبية على الثقافة العلمية، وعناية الشعوب بالآداب أكثر من العلوم،
ومصداق ذلك أننا لو دخلنا مكتبة عربية رأينا ما يساوي واحدًا في المائة منها علمًا، والباقي أدبًا، فلو حصرنا كتب التراجم
مثل ابن خلكان، وجدنا أن أكثره أدباء، بالمعنى الواسع، وأقله علماء، خصوصًا إذا ضممنا المفسرين، والمحدثين، والفقهاء إلى باب الأدب، فنجد
مئات الأدباء، بينهم قليل من أمثال ابن الهيثم، وأبي الوفاء البوزجاني.

نعم، إن لكل نوع من هذين النوعين مزايا وعيوبًا، فمن ميزات الثقافة الأدبية توسيع الذهن، وتربية العواطف، وفهم الحياة الاجتماعية على وجهها،
ومن أضرارها عمومها، وعدم دقتها، واستعداد من يتثقف بها الجدل، وقدرته عليه، واستطاعته إقامة البرهان على الشيء ونقيضه.


ومزية الثقافة العلمية التحديد والدقة، إذ كلها تقريبًا مثل: ? + ? = ?، أو مضاعفات ذلك. ومن ميزاتها أن أصحابها لا يقبلون الجدل الكثير،
فالمسألة إما صحيحة، وإما خطأ، وليس هنالك وسط، ومن عيوبها خلوها من العواطف، واقتصار أصحابها على دائرة معينة لا يسبحون
في غيرها إلا إذا تثقفوا ثقافة أدبية، ولذلك ترى أنه إذا تزحزحوا عنها قيد شعرة، كانوا أشبه بالعوام.

والثقافتان معًا لازمتان لكل أمة؛ إذ لا يمكن أن تخلو أمة حية من ثقافة أدبية تغذي العواطف، وثقافة علمية تغذي العقل.

وقد حرصت كل الأمم تقريبًا على أن يكون لها كلية آداب، وكلية علوم، كلية آداب تحيي النثر والشعر، وتدرس التاريخ اتِّعاظًا بالماضي، والجغرافيا
لمعرفة شئون العالم؛ وكلية علوم تضبط الذهن، وتقوي العقل.

وربما كان السبب في غلبة الميل إلى الأدب أكثر من العلم أن الأدباء بطبيعة أدبهم، وبطبيعة طول لسانهم كانوا أقرب إلى قلوب الملوك والأمراء،
يمدحونهم، ويتزلفون إليهم، بينما رجال العلم لا يستطيعون أن يفعلوا شيئًا من ذلك، إذ هم قصيرو اللسان لا يتكلمون إلا
بقدر … هذا إلى أن الأدباء عادة أقدر على السمر اللطيف، والحديث الممتع، والنكت الطريفة، على حين أن العلماء متزمتون، غير قادرين على المرح
والنكت.

وكان ذلك تقريبًا ظاهرًا في كل العصور الإسلامية من مبدأ عصر الإسلام إلى قرب عهدنا بقليل، فلما جاءت المدنية الحديثة، وكانت قد أسست أكبر
ما يكون على العلم، وعلى الاختراعات والصناعات اقتبسنا منها، ونحونا نحوها.

نعم، إن المدنية الحديثة لم تهمل الأدب، ولكنها مع ذلك قوَّمت العلوم تقويمًا كبيرًا، فأخذنا نؤسس حياتنا على العلم أيضًا، حتى لا يكون
عالة على غيرهم، وكان من نتيجة كثرة عنايتهم بالأدب كثرة كلامهم، وكثرة جدلهم، حتى لا يتناسب محصول فعلهم مع محصول
كلامهم، ومجالسهم مملوءة بالجدل والمناقشة، ومشروعاتهم مملوءة بالبحث النظري من غير نتيجة.

بل نرى أن اتجاه الغربيين إلى العلوم، وتوسعهم فيها جعلهم يلونون أدبهم بلون العلم، وكان دائمًا لأدبهم موضوع، على عكس ما نرى، ما نرى عند
الخوارزمي، والعماد الأصفهاني، والقاضي الفاضل من كلام كثير لا موضوع له.

بل أظن أن الثقافة الأدبية تجعل صاحبها أقدر على الميوعة في الأخلاق، والقدرة على التأويل، وكما قال البوصيري في إحدى قصائده:

وما أخشى على أموال مصر
سوى من معشر يتأولونا

ونحن لو درسنا الشرق لرأينا فيه من الكفايات ما يكفي العلم والأدب جميعًا، فالجو الذي أخرج ابن الهيثم يستطيع أن يخرج أمثاله من العلماء
لولا أن الشعب لظروفه وجَّه ناشئيه إلى الأدب، ولو وجِّهوا إلى العلم، لكانوا بحسن استعدادهم نابغين، فعلى الشرق الآن
عبء ثقيل هو أن يعوض عن القصور في العلم فيما مضى، النهوض بالعلم في الحاضر، ونحن إن فعلنا ذلك ملئت كتب تراجمنا بالعلماء والأدباء على
السواء، والله الموفَّق.

هوامش
(?)
انظر: الإمتاع والمؤانسة، والصداقة والصديق لأبي حيان.
المراجع
list of 74 items
نفح الطيب.

دائرة المعارف الإسلامية.

المكتبة الأندلسية.

بغية الوعاة في أخبار النحاة: السيوطي.

مقدمة ابن خلدون.

المُغرِب: لابن سعيد.

العقد الفريد وما إليه: لجبريل جبور.

الأمالي لأبي علي القالي.

الشعر الأندلسي: للأستاذ نيكل.

مطمح الأنفس.

قلائد العقيان: للفتح بن خاقان.

تاريخ ابن عذارَى.

المعجب في أخبار المغرب: لعبد الواحد المراكشي.

أخبار الحكماء: للقفطي.

طبقات الأطباء: لابن أبي أصيبعة.

ابن رشد وفلسفته: للأستاذ فرح أنطون.

الأغاني: لأبي الفرج الأصفهاني.

العقد الفريد: لابن عبد ربه.

بحوث في تاريخ إسبانيا: لدوزي.

الفصل في الملل والنحل: لابن حزم.

الملل والنحل: للشهرستاني.

الفتوحات المكية: لابن عربي.

العواصم من القواصم: لأبي بكر بن العربي.

تاريخ الموسيقى العربية: لريبيرا.

بداية المجتهد ونهاية المقتصد: لابن رشد.

الفكر السامي في الفقه الإسلامي: الحجوي.

تاريخ الفقه الإسلامي: للشيخ الخضري.

تهافت الفلاسفة: للغزالي.

تهافت التهافت: لابن رشد.

فصل المقال فيما بين الشريعة والفلسفة من الاتصال: لابن رشد.

الإمتاع والمؤانسة: لأبي حيان التوحيدي.

الجمهورية: لأفلاطون.

حي بن يقظان: لابن طفيل.

رحلة ابن جبير.

رحلة ابن بطوطة.

روبنسن كروسو.

الزهرة: لابن داود.

طوق الحمامة: لابن حزم.

تراث الإسلام: ترجمة لجنة الجامعيين.

الحلل السندسية: لشكيب أرسلان.

شرح المقامات للحريري: للشريعتي.

سراج الملوك: الطرطوشي.

وفيات الأعيان: لابن خلكان.

فوات الوفيات.

بلاغة العرب في الأندلس: للدكتور أحمد ضيف.

النثر الفني: للدكتور زكي مبارك.

المخصص: لابن سيده.

تاريخ الفلسفة في الإسلام: ترجمة الأستاذ أبي ريدة.

ديوان ابن زيدون.

ديوان ابن هانئ.

الإحاطة في أخبار غرناطة: للسان الدين بن الخطيب.

معجم الأنساب والأسرات الحاكمة: لزانباور، ترجمة للدكتور زكي حسن وآخرين.

الذخيرة: لابن بسام.

الجامعة: لمسلمة المجريطي.

التوابع والزوابع: لابن شهيد.

تاريخ العرب: لبروكلمان.

الأخلاق والسير: لابن حزم.

ابن حزم: للأستاذ سعيد الأفغاني، ومعه كتاب فضائل الصحابة لابن حزم أيضًا.

الرسالة الهزلية، والرسالة الجدية: لابن زيدون.

شرح قصيدة ابن بدرون: لابن عبدون.

أطلس فني: لآثار الحمراء.

سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون.

قصة الأندلس: لِلينْ بول.

رسائل مخطوطة: لابن سبعين.

رسالة الشعوبية: لابن غرسية.

تاريخ الآداب الأندلسية: للمؤلف آسين بلاثيوس، ترجمة الدكتور حسين مؤنس.

رواية آخر بني سراج وذيلها: لشكيب أرسلان.

الإحكام في أصول الأحكام: لابن حزم.

المكتبة الجغرافية.

جذوة المقتبس: للحميدي.

أزهار الرياض: للمقري.

الروض المعطار.

نهاية الأندلس: للأستاذ محمد عبد الله عنان.

تاريخ إسبانيا المسلمة: لدوزي بالإنجليزية.
list end