Advertisement

ظهر الإسلام ج3

ظهر الإسلام ج3

الجزء الثالث
الحياة العقلية في الأندلس
مقدمة
بقلم  أحمد  أمين

بسم الله الرحمن الرحيم

من أول ظهور الجزء الأول من «ضحى الإسلام»، وعدت القراء بتخصيص جزء «للأندلس»، وانتهى ضحى الإسلام من غير أن يكون فيه شيء عنها؛ لأنها
لم تكن ازدهرت في عصر ضحى الإسلام، فلما جاء ظهر الإسلام يؤرِّخ القرن الرابع الهجري، رأيت الفرصة سانحة لتأريخ
الحياة العقلية في الأندلس، ولكن لم أكتفِ بتأريخها في القرن الرابع وحده، بل رأيت أن حضارتها وحياتها العقلية تكاد تكون وحدة،
ففضلت في شأنها أن أنهج منهجًا جديدًا، فلا ألتزم القرن الرابع، بل أؤرخ حياتها العقلية متسلسلة من وقت فتح المسلمين
لها إلى وقت خروجهم منها؛ أي: نحو ثمانية قرون، حتى تكون كلها مربوطة برباط واحد، معروضة عرضًا واحدًا.

وكان أمامي أن أؤرخها تأريخًا أفقيًّا، أو تأريخًا رأسيًّا؛ بمعنى أن أؤرخ الحياة العقلية في كل عصر، ثم أتبع ذلك بالعصر الذي بعده
وهكذا، أو أن أؤرخ كل علم من مبدأ ظهوره في الأندلس وكيف تدرج، حتى آخر أمره فيها، ففضلت الطريق الثاني؛ لأنه
أنسب.

ولم يكن قصدي أن أؤرخ الحياة السياسية؛ لأن مهنتي هي الحياة العقلية لا السياسية، وذلك شأني في كل أجزاء السلسلة، فلم أتعرض لشرح الحياة
السياسية والاجتماعية إلا بالقدر الذي يلقي ضوءًا على الحياة العقلية، خصوصًا وأن أكثر ما رأيت من الكتب التي
ألفت في الأندلس عربية أو إفرنجية كانت تدور حول السياسة، فإن زادت شيئًا ففصل أو فصلان فقط في شرح الحياة الفكرية، فكانت
الحاجة إلى شرح الحياة العقلية أمس، والعناية بها أوجب.

فأقدم الكتاب على هذا النحو للقراء راجيًا منهم — لا كما كان يقول السابقون — أن يغضُّوا الطرف عمَّا فيه من عيوب، بل أن يقيدوها ويشرحوها
ويبينوها لي حتى أتدارك ما لا يخلو منه مؤلف من خطأ. فالحياة العلمية في كل فرع إنما تحيا بالنقد، وتتقدم بتمحيص
الآراء، وإظهار العيوب، وحسن التوجيه.

وهذا رجاء أرجوه في كتابي هذا، وفي كل كتبي، فما أردت إلا الحق.

ويبقى عليَّ من هذه السلسلة في القرن الرابع الهجري، وهو الذي عنونته ? «ظهر الإسلام» الجزء الرابع والأخير من المذاهب الدينية وتطورها.


والله أسأل أن يعينني عليه كما أعانني على سوابقه.

القاهرة
?? ربيع الثاني سنة ?????
?? ديسمبر سنة ????م
الفصل الأول

الحياة الاجتماعية في الأندلس

في سنة (???) أرسل موسى بن نصير عاملًا على إفريقيا فعزم على فتح الأندلس، وأرسل طارق بن زياد البربري الأصل لمباشرة الفتح أول الأمر، فعبر
طارق البحر بقصد فتح الأندلس، وكان حُسن سمعة العرب في الفتح وشجاعتهم واستماتتهم في نشر الدعوة سببًا في انتصارهم،
يضاف إلى ذلك سوء حكم الإسبانيين وما بين ولاتهم من ضغائن وإحن، وتمَّم موسى بن نصير ما بدأه طارق.

وقد كان الفاتحون من قبائل العرب المختلفة، فمنهم العدنانيون من هاشميين وأمويين، ومنهم اليمنيون كقبيلة كهلان والأزد، وانضم إلى هؤلاء
في الفتح مصريون وشاميون وعراقيون وجمع كبير من البربر. وقد امتزج هؤلاء جميعًا ببعض أهل البلاد من قوط وإسبانيين وغيرهم
إما بالمصادفة أو بالمصاهرة، ولكن مع الأسف أنه ما لبثت العصبية القديمة التي كانت ظاهرة في المشرق أن عملت عملها في المغرب، فكان إذا ولي
الأمر قيسي نكل باليمنيين وقرَّب المضريين، وإذا ولي الأمر يمني نكَّل بالقيسيين وأعلى شأن اليمنيين، حتى سالت الدماء
في كل مقاطعة، وحتى اصطلحوا أخيرًا على أن تكون الولاية في القيسية سنة، وفي اليمنية سنة.

وكل يوم نسمع واليًا هزم وواليًا نصِّب حتى بلغ عدد الولاة نحو أربعين واليًا في مدة وجيرة.

على كل حال كانت العناصر التي سادت الأندلس أربعة:
list of 4 items
(?) العرب: وكانوا يحسون إحساسًا قويًّا بأرستقراطيتهم لغلبتهم على الإسبانيين والبربر وإدخالهم في الإسلام، وبلغتهم التي تفوق
غيرها.

(?) البربر: وهم يشاركون العرب في البداوة والإسلام والعصبية القبلية والشجاعة؛ ولذلك وجد منهم العرب الأمرَّين عند فتحهم للمغرب.

(?) الإسبان: وهم مسيحيون كاثوليك، يرون أن البربر والعرب دخلاء عليهم وأنهم أحق بملك بلادهم.

(?) المسلمون المولَّدون من تزاوج العرب بالبربر، أو العرب بالإسبانيات والصقالبة، وكان لذلك سبب كبير، وهو أن الجيش الفاتح
كان من الرجال النازحين من الشرق الذين قطعوا مسافات بعيدة حتى وصلوا إلى الأندلس، فكان طبيعيًّا
ألا يرحل معهم عدد كبير من النساء، فاضطرتهم الحاجة إلى أن يتزوَّجوا من الإسبانيات أو من البربر ويستولدوهن. وقد خرج من هذا
الازدواج بين عربي وبربرية، أو عربي وإسبانية جيل جديد مولَّد، يشبه ما كان في الشرق من تزاوج
بين عربي وفارسية، وقد عرف المولدون من النساء الإسبانيات بالذكاء والشجاعة والجمال، وكان لهم في تاريخ الأندلس تاريخ
طويل.
list end

وقد حبَّب العرب في هذا الزواج ما عرف عن الإسبانيات والبربريات من جمال وبياض بشرة، واصفرار شعر وزرقة عيون، وهي صفات يحبها العربي كثيرًا؛
لأنها جديدة عليه.

وقد دخل كثير من أهل البلاد في الإسلام وتكلموا العربية، وتعصبوا لها ضد لغتهم وديانتهم، ولما رأى العرب والبرابرة الأندلس أعجبوا بها،
وافتتنوا بمحاسنها حتى قال قائلهم:

إن للجنة بالأندلس
مُجْتَلَى مرأى وريَّا نَفَس
فَسَنا صُبْحَتِها من شَنَبٍ
ودجى ظلمتها من لعس
فإذا ما هبت الريح صبًا
صحت وا شوقي إلى الأندلس

ويقول آخر:

وليس في غيرها بالعيش منتفع
ولا تقوم بحق الأنس صهباء
وكيف لا يذهب الأبصار رؤيتها
وكل روض بها في الوشْي صنعاء
أنهارها فضة والمسك تربتها
والخزُّ روضتها والدر حصباء
وللهواء بها لطف يرِق به
من لا يرق وتبدو منه أهواء
فيها خلعت عِذاري ما بها عوض
فهي الرياض وكل الأرض صهباء

وقد وصف لسان الدين بن الخطيب عرب غرناطة وبرابرها وصفًا ينطبق على جميع عرب الأندلس تقريبًا وبرابرتهم، خصوصًا بعد مضي زمن من بدء الفتح،
فقال: «أحوال هذا القطر في الدين وصلاح العقائد أحوال سُنة … صورهم حسنة، وأنوفهم معدلة غير حادة، وشعورهم سود مرسلة،
وقدودهم متوسطة معتدلة إلى القصر، وألوانهم زهر مُشْربة بحمرة، وألسنتهم فصيحة عربية، يتخللها إعراب كثير، وتغلب عليهم الإمالة … ولباسهم
الغالب على طرقاتهم الفاشي بينهم المِلَفُّ المصبوغ شتاء … فتبصرهم في المساجد أيام الجُمع كأنهم الأزهار المفتحة في
البطاح الكريمة، وأنسابهم العربية ظاهرة، يكثر فيها القرشي، والفهري، والأموي، والأنصاري، والأوسي، والقحطاني، والحميري، والمخزومي،
والتَّنُوخي، والغسَّاني، والأزدي، والقيسي … إلخ.

وجندهم صنفان: أندلسي وبربري، والأندلسي منهم يقودهم رئيس من القرابة، وحصيُّ من شيوخ
?
المماليك … وزيهم في القديم شبه زي أقيالهم وأضدادهم من جيرانهم الفرنج، إسباغ الدروع، وتعليق الترس، واتخاذ عراض الأسنة … إلخ، والبربري
يرجع إلى قبائله المرينية، والزنانية … إلخ، والعمائم تقل في زي هذه الحضرة، إلا ما شذَّ في شيوخهم وقضاتهم وعلمائهم
… ومواسمهم متوسطة، وأعيادهم حسنة، مائلة إلى الاقتصاد، والغنى بمدينتهم فاشٍ، وقُوتُهم الغالب البرُّ الطيب عامة العام، وربما اقتات في
فصل الشتاء الضعفة والبوادي والفعَلة في الفلاحة والذرة العربية، وفواكههم اليابسة متعددة، يدخرون العنب سليمًا من
الفساد إلى شطر العام، إلى غير ذلك من التين والزبيب والتفاح والرمان والقَسْطل
?
والجوز واللوز إلى غير ذلك مما لا ينفد ولا ينقطع إلا مدة. وصرفهم فضة خالصة وذهب إبريز … وعلى عهدنا في شق — يعني من النقود الفضية: لا
إله إلا الله، محمد رسول الله، وفي شق: لا غالب إلا الله … ودينارهم في شق منه: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ، إلى بِيَدِكَ الْخَيْرُ؛
ويستدير به قوله تعالى: وَإِلَ?هُكُمْ إِلَ?هٌ وَاحِدٌ لَّا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَ?نُ الرَّحِيمُ (البقرة: ???). وفي شق اسم
الأمير، ويستدير به: لا غالب إلا الله.
وعادة أهل المدينة البروز إلى الفحوص
?
بأولادهم وعيالهم، معوِّلين في ذلك على شهامتهم وأسلحتهم … وحريمهم حريم جميل، موصوف بالحسن، وتنعم الجسوم، واسترسال الشعور، ونقاء الثغور،
وطيب النشر، وخفة الحركات، ونبل الكلام، وحسن المجاورة، إلا أن الطول يندر فيهن. وقد يبلغن في التفنن في الزينة، والمظاهرة
بين المصبَّغات، والتنافس بالذهبيات والديباجيات، والتماجن في أشكال الحلي إلى غاية».

لهذا اختلف أهل الأندلس عن أهل الشرق، فبيئة الأندلس الطبيعية والاجتماعية مختلفة عن بيئة الشرق في كثير من الشئون، وبذلك اختلف النتاج
الأندلسي عن النتاج المشرقي.

على كل حال ظلت ولاية الأندلس ولاية تابعة للخلافة الأموية في دمشق، يرسل الخلفاء الأمويون الوالي على الأندلس من قِبَلهم، أو يرسل والي
إفريقيا واليًا تابعًا لهم إلى الأندلس، وظل الحال كذلك حتى سقطت الدولة الأموية، وتتبع الخليفة العباسي السفاح بني
أمية يقتلهم وينكل بهم، ففر حفيد لهشام بن عبد الملك، وهو عبد الرحمن الملقب بالداخل وبصقر قريش إلى الأندلس، وانتهز فرصة الخلاف بين القيسية
واليمنية فتغلب على الولاة، وبايعه الناس بالإمارة وجعل قرطبة عاصمة إمارته، ولم يسلم من ثورة عدد كبير عليه، من عرب
وبربر، حتى شارلمان مؤسس الإمبراطورية الفرنجية الكبيرة، أراد أن يتقرب إلى هارون الرشيد بالتنكيل بعبد الرحمن، وبالفعل بعث جنده
غازيًا الأندلس ولكنه لم ينجح، فردَّ عبد الرحمن جنوده، ونزلت بشارلمان هزيمة كبيرة في عودته، وشاء الحظ أن تطول مدة عبد
الرحمن الداخل فاستطاع أن يؤسس دولته على أسس متينة ثابتة الأركان، كما فعل أبو جعفر المنصور في الدولة العباسية، وخدم بهذا
أبناءه من بعده، فلما مات سلَّم لابنه هشام دولة قوية يؤيدها جيش قوي، ولكن لم يستطع عبد الرحمن الداخل، ولا أبناؤه من بعده، أن
يقضوا قضاءً تامًّا على الإسبانيين في جزء من الشمال، فظلوا شوكة في جنب المسلمين، يتحركون ويحاربون كلما سنحت لهم
الفرصة، ينهزمون مرة وينتصرون مرة، حتى تم لهم النصر أخيرًا. وظلت الإمارة الأموية في الأندلس حتى جاء عبد الرحمن الناصر، فتجرأ ولقب نفسه
أمير المؤمنين، ونقل عبد الرحمن هذا مظاهر الترف والنعيم التي كانت في الدولة العباسية إلى الأندلس، وتبعه بعد ذلك
في تدعيم الترف أبناؤه خصوصًا على يد زرياب، واستطاع عبد الرحمن الناصر أن يصبح أعظم الأمراء الأمويين في إسبانيا، وشاء له الحظ أن يحكم
خمسين سنة، أمكنه فيها أن ينشر السلام في البلاد، ويرضي الخاصة والعامة، وفي عهده حاول الفاطميون أن ينشروا تعاليمهم،
ويثيروا البلاد لينشروا مذهبهم الفاطمي، فلم يمكنهم من ذلك، وقضى على مؤامرتهم.

وقلد عبد الرحمن الناصر الخليفة العباسي المعتصم، فإن المعتصم أنشأ جيشًا من الأتراك يعتمد عليه لما تعب من العرب، فكذلك أنشأ عبد الرحمن
الناصر جيشًا من المماليك يوطد به سلطته، ولكن المماليك هنا كانوا يسمون الصقالبة، وهو اسم كانوا يطلقونه على أسرى
الحرب من جميع البلاد الأوربية، وعلى من وقع من أيدي المسلمين من الرقيق، وذلك أن تجارة الرقيق كانت منتشرة، وكان بعض البيزنطيين يقدمون
للمسلمين في الأندلس أنواعًا أخرى من الرقيق من غزواتهم لشواطئ البحر الأسود، وكانت هناك إلى ذلك كله مراكب لقرصان
إسبانيين يغزون السواحل، ويصيدون بعض الناس، ويبيعونهم في سوق الرقيق بالأندلس، وكان اليهود أهم من يقوم بتجارة الرقيق هذه.

وعظمت منزلة الصقالبة كثيرًا، كما عظم الأتراك في عهد المعتصم ومن بعده، حتى كان كثير منهم من الأرستقراطيين في المال والجاه، وكان عبد
الرحمن الناصر يثق بهم أكثر مما يثق بالعرب والبربر، حتى لقد يعهد بقيادة جيش كبير إلى صِقِلِّبي. ومن أجل هدوء البلاد
وطمأنينتها وطول عهد عبد الرحمن استطاعت الحضارة الأندلسية أن تزهو وتزدهر، حتى كانت قرطبة تفوق كثيرًا من مدن أوربا، وازدهرت التجارة والزراعة،
حتى بلغ دَخْل الدولة السنوي من طريق الضرائب والمكوس في عهد عبد الرحمن الناصر ?? مليون دينار، ويقول الأستاذ بروفنسال:
إنها بلغت فيما بعد ?? مليونًا، والدينار لا يصح أن يقارن بالجنيه اليوم؛ لأن قيمة كل منهما إنما هي في قدرته على الشراء، وكانت قدرة الدينار
إذ ذاك أكبر، وربما كان وصف العمارة التي أنشئت في عهد عبد الرحمن من أكبر الدلائل على حضارته، كالأوصاف البديعية التي
وصفوا بها مدينة الزهراء التي بناها عبد الرحمن هذا، وأسماها باسم جارية حَظِيَّة عنده. قالوا: إنه عمل في بنائها عشرة آلاف عامل
في خمس وعشرين سنة. وبُني فيها قصر للخليفة ومنازل للموظفين، إلى البساتين والقاعات من الذهب والرخام ذي الألوان المتعددة،
وبجانب هذه الحضارة المادية كانت الحضارة الفكرية من شعر وفلسفة وتصوف وحركات دينية وعلمية، وسيأتي وصفها فيما بعد.

وبعد أن ضعفت الدولة الأموية في الأندلس جاءت الدولية العامرية، فزلزلت البيت الأموي، ولولا قوة شخصية ابن أبي عامر، وطفولة الأموي المرشح
للخلافة، وألاعيب أمِّه لظل الناس متمسكين بالبيت الأموي مدة طويلة.

ثم تفتَّتَت الدولة الأندلسية وتغلب عليها ملوك الطوائف، فكل ملك ثار في بلد، واستولى عليها، فتعددت الملوك، وتفرق أهل البلاد، وأصبح في
كل بلد أمير ومنبر، حتى أهل البيت الواحد انقسموا فيما بينهم، ولم يمكنوا الحاكم من الاستمرار، فبعضهم ينزل الأمير
عن عرشه، ويستولي هو، وبعضهم يحالف ملوك إسبانيا ضد الأمراء من أهل بيته، حتى انتهى كل هذا إلى خروجهم جميعًا من الأندلس، وسقوطها في يد
الإسبانيين بعد حكم دام نحو ثمانية قرون.

وقد حاول أمراء المغرب من مرابطين وموحدين أن يعيدوا الأندلس إلى الوحدة والترابط، ولكن مع الأسف سرعان ما ضعفوا أيضًا. ولم يكونوا من سعة
الأفق والعراقة في المدنية والحضارة، بحيث يستطيعون أن يحكموا الأندلس طويلًا، فزلزلت الأرض من تحتهم، فسقطوا وزال
ملكهم سريعًا، وخلفهم دويلات صغيرة كانت أعجز من أن تقاوم الإسبانيين وتقف أمامهم، فانهزموا تباعًا إلى أن رحلوا أخيرًا من غرناطة، وتركوا
الديار تنعي من بناها.

نعود إلى ما كنا فيه فنقول: إن العرب والبربر الفاتحين تغلبوا على الإسبانيين ولم يتغلبوا بالسيف وحده، بل كذلك تغلبوا أيضًا بروحهم ولغتهم
ودينهم، حتى دخل كثير من الإسبانيين في الإسلام، وتقمَّصوا النفسية العربية، ونسوا لغتهم اللاتينية، وتعاليمهم النصرانية،
وتعددت شكوى القسِّيسين من أن الإسبانيين ينسون دينهم ولغتهم، ويقبلون على الإسلام ولغته. ولعل من أسباب ذلك أن اللغة العربية كانت فضلًا
عن أنها لغة الفاتحين تزخر بالعلوم والمعارف التي افتقرت إليها لغتهم.

وعرفت للأندلسيين صفات خاصة، فمثلًا اشتهروا بالنظافة، حتى إن بعضهم ليفضل أن يكون نظيفًا في ملبسه ومأكله ولو بسيطًا، عن أن يأكل أكلًا
فخمًا قذرًا، وقد اعتادوا أن يسيروا في الشوارع ورءوسهم عارية، حتى لقد ترى القاضي أو المفتي وهو عاري الرأس، ويندر
أن يتعمم، واعتادوا أيضًا أن يلبسوا البياض عند الحداد، وقال القائل:

يقولون: البياض لباس حزن
بأندلس فقلت: من الصواب
ألم تَرَني لبست بياض شعري
لأني قد حزنت على الشباب

وكان الأندلسيون شديدي التعصب لبلادهم، تلحظ ذلك في تراجم علمائهم، فهذا يلقب بالمالقي، وهذا بالبلنسي، وهذا بالغرناطي، أو بالشاطبي، أو
الجيَّني، أو نحو ذلك، كما كان الحال في الشرق مثل: البغدادي، والبخاري، والهمذاني، والبصري، والواسطي، وكانوا يميلون
في كلامهم إلى الإمالة، حتى ليقولون في كتاب: كِتيب تقريبًا، كلغة أهل حَمَاة وحلب.

ويحدثنا ابن خلدون وأبو بكر بن العربي أن للأندلسيين طريقة في التعليم غير طريقة أهل الشرق، فإنهم في المشرق يحفظون القرآن أولًا قبل أن
يستطيع الصبي فهم معناه، ثم يعلمون اللغة العربية، وعيب هذه الطريقة أن الحافظ للقرآن من غير معنًى عرضة لفهم المعاني
الخاطئة التي قد تبقى في ذهنه على مر الأيام، أما في الأندلس فيعلمون اللغة أولًا، ثم يحفظون القرآن بعد القدرة على الفهم، وعيب هذه الطريقة
التعرض لأن يتخلف بعض المتعلمين عن حفظ القرآن أو يتعلمون العلوم العربية، ثم ينقطعون عن التعلم؛ ولذلك نصح بعضهم أن
يحفظ الطفل القرآن أول الأمر ولو من غير فهم ثم يتعلم العلوم العربية، ثم يعود إلى القرآن ثانية وقد استطاع الفهم.

وشهروا بعلو الهمة حتى لقد يفرطون في ذلك فيطمح كثير منهم أن يكونوا ملوكًا فتنشب الفوضى في البلاد، كما اشتهروا بالرغبة في العلم، حتى
لقد وضع ابن حزم رسالة فضل علماء الأندلس، وعاب على أهل الأندلس تقصيرهم في تخليد أخبار علمائهم ومآثر فضائلهم مع كثرتهم،
ووفور أدبائهم، وجلالة ملوكهم، وقد تُدُورِكَ هذا فألف بعده كثير من كتب تراجم علماء الأندلس وأدبائها، وما أكثرهم، وقد عد في رساله هذه
الكتب المؤلفة في الحديث وفي الناسخ والمنسوخ، وكتب الفقه المؤلفة على مذهب الإمام مالك، وفي اللغة ككتاب «البارع»
و«المقصور والمهموز»، وكتاب «الأفعال» لابن القوطية، وفضل كتاب «الأمالي» على كتاب «الكامل» للمبرد؛ لأنه أكثر لغة وشعرًا، وكتاب «الحدائق»
لأبي عمر أحمد بن فرج على كتاب «الزهرة» لابن داود، وكتاب «التشبيهات»، وكتب ألفت مقصورة على شعراء الأندلس، كالكتب
التي ألفت مقصورة على شعراء المشرق، كما ألفوا كتبًا كثيرة في التاريخ.

وقال ابن حزم أيضًا: «إنه رأى كتبًا في الفلسفة لسعيد بن فتحون السَّرقُسْطِي، ولأبي عبد الله المذحِجِي، وفي الطب لابن الهيثم في الخواص
والسموم والعقاقير ما لا يقل عن كتب المشرق». وقد اعترف بأن الأندلسيين في الحساب والهندسة لم يجاروا المشرقيين. قال:
«وأما علم الكلام فإن بلادنا وإن كانت لم تتجاذب فيها الفِصَل، ولا اختلفت فيها النِّحل؛ لذلك قلَّ تصرفهم في هذا الباب. وقد كان فيهم قوم
يذهبون إلى الاعتزال ويؤلفون على أصوله». وقال: «وبلدنا هذا على بعده من ينبوع العلم ونأيه من مَحِلة العلماء، فإن
له من تآليف أهله، ما إن طُلب مثلها بفارس والأهواز وديار مضر، لم يوجد، ولو لم يكن لنا من فحول الشعراء إلا ابن درَّاج القَسْطَلِي، لما
تأخر عن شأو بشَّار وحبيب والمتنبي، وكيف ولنا معه فحول آخرون؟» وعلى كل حال فصاحب البيت أدرى بما فيه، وابن حزم رجل
واسع الاطلاع، صادق الحكم.

وخلاصة رأي ابن حزم: أن الأندلسيين لا يقلون عن المشرقيين في سائر العلوم، ما عدا علم الكلام، لقصر نفسهم في الجدل، وإلا في الحساب والهندسة.
والضعف في علم الكلام لا يضيرهم؛ لأنه في المشرق ملأ العقول آراء لا طائل تحتها، وعلم الناس السفسطة، ولعل سبب انتشاره
في المشرق دون الأندلس أن المشارقة من قديم ورثوا آراء قديمة عن زرادشت، ومَزدك وغيرهما، وعن فلاسفة الهند والصين والفرس، حتى وصل بهم الجدل
إلى آراء غريبة. أما الأندلسيون فلم يكن لديهم هذا الميراث الثقيل، وأما قصورهم في الحساب والهندسة، فقلة استعداد في
الغالب، كالذي نراه عند أرسطو، والجاحظ، وابن سينا، وأخيرًا السيوطي، فقد اعترف السيوطي بأنه لا يحسن حل المسائل الحسابية ولو
كانت بسيطة.

وأما الشُّقندي فله رسالة أخرى تعصب فيها للأندلسيين على طول الخط في كل علم وفن، فقال: «إن الإجماع حصل على فضل الأندلس، وقد نشأ فيهم
من الفضلاء والأدباء والشعراء ما اشتهر في الآفاق إلى أن ذهبوا، وذهبت أخبارهم، ودرسوا ودرست آثارهم.

جمال ذي الأرض كانوا في الحياة وهم
بعد الممات جمال الكُتب والسِّيَر

وليس منهم إلا من بذل وسعه في المكارم، وكان من ملوكهم العلماء: المنصور بن أبي عامر، وبنو عبَّاد، وبنو صُمادح، وبنو الأفطس، وبنو ذي النون،
وبنو هود. ومن أعظم ما يحكى عنهم أن أبا غالب اللغوي ألف كتابًا فبُذل له فيه ألف دينار فقال: «كتاب ألَّفْته لينتفع
به الناس، لا يصح أن آخذ عليه أجرًا» … وكان لبني عبَّاد من الحنو على الأدب ما لم يقم به بنو حمدان في حلب، وكانوا هم وبنوهم ووزراؤهم
صدورًا في بلاغتي النظم والنثر، مشاركين في فنون العلم، ولم يكن لغيرهم في الفقه مثل: عبد الملك بن حبيب، وأبي الوليد
الباجي، وأبي بكر بن العرب، وأبي الوليد بن رشد؛ وليس في المشرق في الحفظ مثل ابن حزم الذي زهد في الوزارة ومال إلى رتبة العلم، ورآها
فوق كل رتبة، ولا مثل ابن عبد البر، وليس في حفَّاظ اللغة كابن سيده، صاحب كتاب المحكم، ولا في النحو مثل: أبي محمد
بن السيد، وأبي علي الشلوبيني، ولا في علم الفلسفة كابن باجة، ولا في علم النجوم كالمقتدر بن هود، ولا في الطب مثل ابن طفيل،
ومثل بني زهر، ولا في الأدب كابن عبد ربه صاحب العِقد، ولا في تخليد مآثر قومه كابن بسَّام صاحب الذخيرة، ولا في بلاغة النثر
كالفتح بن عبيد الله بن خاقان الذي إن مدح رفع، وإن ذم وضع؛ وقد ظهر له من ذلك كتاب القلائد، ولا في الشعر مثل المعتمد بن
عبَّاد، وقد ألف المظفر بن الأفطس ملك بَطليوس كتابًا في نحو مائة مجلد، ولم تشغله الحروب ولا المملكة عن همَّة الأدب. وليس في الوزراء
مثل ابن زيدون، ولا في الشعر مثل ابن درَّاج الذي قال فيه الثعالبي في اليتيمة: «إنه في الأندلس كالمتنبي في الشام»،
ثم عدَّد المعاني اللطيفة التي وردت على لسان الشعراء، ثم قال: «وهل في النساء من برعن في الأدب مثل ولادة صاحبة ابن زيدون، وزينب بنت زيادة؟»
ثم عدد فضائل البلاد الأندلسية، كإشبيلية، وقد قارن بين نهرها وبين نيل مصر، فقال: «هي غابة بلا أُسْد، ونهرها نيل
بلا تمساح، وليس لمثلها ما لها من أدوات الطرب، نعم في البلاد الأخرى مثلها، ولكن إشبيلية تفوقها، وأما قرطبة فكرسي المملكة في القديم،
ومركز العلم، ومنار التقى، ومحل التعظيم والتقدير. وبلاد جيّان أكثر البلاد زرعًا، وأصرمها أبطالًا، وأعظمها متعة؛
وأما غرناطة، فإنها دمشق بلاد الأندلس، ومسرح الأبصار، ومطمح الأنفس، ولم تخلُ من أشراف أماثل، وعلماء أكابر، وشعراء أفاضل، نبغ
فيها من الشواعر ما لا يحصى. وأما «مالقة» فقد جمعت بين منظر البر والبحر، وكثرة المراكب البحرية، وقد خصت بطيب الشراب، حتى
قيل لأحد الخلفاء، وقد أشرف على الموت: اسأل ربك المغفرة، فرفع يديه، وقال: رب، أسألك من جميع ما في الجنة، خمر مالقة،
وزبيب إشبيلية.

واشتهر أهل «المريَّة» باعتدال المزاج، ورقة البشرة، وحسن الوجوه والأخلاق، والحصى الملوَّن العجيب الذي يتزين به. واشتهر أهل «مُرْسِيَه»
بالصرامة والإباء والنواعير المطربة الألحان، والأطيار المغردة، والأزهار المنضدة، وكان أهل الأندلس يقصدونها لتجهيز
العروس. واشتهرت «بلنْسِيه» بكثرة بساتينها، وأن أهلها أصلح الناس مذهبًا، وأمتنهم دينًا … إلخ إلخ».

وعلى كل حال اشتهر أهل الأندلس بالعلم في كل ميدان، وكانوا يعجبون ببلادهم، ويفتخرون بها، كما اشتهروا بالجد في التحصيل، والرغبة في التفوق.


ومما لا شك فيه أن المنهج الذي سلكه ابن حزم، والشقندي، ليس منهجًا علميًّا دقيقًا، إنما هو كلام يقال، فمن الصعب جدًّا الحكم بأن فردًا
أذكى من فرد، فكيف الحكم بأن أمَّة أذكى من أمَّة، بل إنها أذكى من الأمم، ومسلكهما الذي سلكاه هما وغيرهما أنهما يحكمان
حكمًا كليًّا، ثم يستدلان عليه بمسألة جزئية، فيقولون: إن أهل الأندلس عرفوا بعلو الهمة، أو الاعتناء بالنظافة أو شدّة الحفظ والذكاء، ويستدلون
على ذلك بحادثة حدثت لرجل أو من رجل، فكيف يصح هذا في العقل؟ إنما المنهج الصحيح هو مثلًا في توزيع مقياس الذكاء على
الناشئين، وعمل ذلك في أمة أخرى، والمقارنة بينهما، ونحو ذلك؛ وبذا تطمئن النفس بعض الشيء عند النتيجة. أما القول جزافًا بأن
أمة أذكى والاستدلال بأن فلانًا ألف كتابًا قيِّمًا، فبرهان قاصر؛ ومحال أن تكون أمة كبيرة العدد، كالأمة الأندلسية لا ينتج منها
علماء أعلام، وأدباء فطاحل. كل ما في الأمر أنهما لم يأتيا ببرهان واضح حازم، وإنما أتيا بشيء أصح أن يستأنس به فقط.


وقد وصف المقدسي سيد الجغرافيين الأندلس في كتابه «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم»، ولكنه لم يذهب إليها، وإنما اعتمد في وصفه على السماع
من أهلها، ويقول عن الأندلس: «إنه إقليم جليل، كبير طويل، كثير النخل والزيتون، به مواضع الحر، ومعادن البرد، كثير
اليهود، جيد الهواء والماء … وأهل الأندلس على مذهب مالك، وقراءة نافع، وهم يقولون: لا نعرف إلا كتاب الله، وموطأ مالك، فإن ظهروا على حنفي
أو شافعي نفوه، وإن عثروا على معتزلي أو شيعي ربما قتلوه … يدخلون الحمامات بلا مآزر إلا القليل، وكل مصاحفهم ودفاترهم
في رقوق … وأهل الأندلس أحذق الناس في الوراقة، خطوطهم مدوَّرة … وبه تجارات تحمل من برقة ومن صقلية ومن فاس. وبالأندلس
السَّفَن
?
يتخذ منه مقابض للسيوف، ويقع إليهم من البحر المحيط عنبر كثير في وقت من السنة» … إلخ إلخ.

وقال الحِجَاري: «كانت قرطبة في الدولة المروانية قبة الإسلام، ومجتمع أعلام الأنام، بها استقر سرير الخلافة المروانية، وفيها تمخضت خلاصة
القبائل المعدية واليمانية، وإليها كانت الرحلة في الرواية، إذ كانت مركز الكرماء، ومعدن العلماء، وهي من الأندلس بمكان
الرأس من الجسد، ونهرها من أحسن الأنهار، مكتنف بديباج المروج، مطرز بالأزهار، تصدح في جنباته الأطيار، وتنْعَر النواعر … وإن كان قد أخنى
عليها الزمان، وغيَّر بهجة أوجهها الحسان … وسل الخورنق والسدير وغمدان».

ولما دخل الأندلس أمير الموحدين يوسف بن تاشفين، وأمعن النظر فيها وتأمل وصفها وحالها: قال: «إنها تشبه عقابًا مخالبه طليطلة، وصدره قلعة
رباح، ورأسه جيان، ومنقاره غرناطة، وجناحه الأيمن باسط إلى المغرب، وجناحه الأيسر باسط إلى المشرق».

وقد وصف الشريف الإدريسي الأندلس وصفًا مطوَّلًا نختصره فيما يأتي: قال: «إن الأندلس في ذاتها شكل مثلث بها يحيط بها البحر من جميع جهاتها
الثلاث … والأندلس طولها ألف ومائة ميل، وعرضها ستمائة ميل، وجزيرة الأندلس مقسومة من وسطها في الطول بجبل طويل … وفي
جنوب هذا الجبل تأتي مدينة طليطلة، وهي مركز لجميع بلاد الأندلس، وكانت في أيام الروم مدينة الملك، ومدارًا لولاتها … وما خلف الجبل في
جهة الشمال يسمى قشتالة».

وقد عدَّد هنا المدن، وذكر مواقعها، ومزايا كل مدينة، والبعد بين كل مدينة وأخرى بالمراحل أو الأيام، وأبدع ما وصف وصفه لمسجد قرطبة إذ
قال: «وفيها — أي: قرطبة — المسجد الجامع الذي ليس بمساجد المسلمين مثله بِنْيَة وتنميقًا، وطولًا وعرضًا، وطول هذا
الجامع مائة باع مرسلة، وعرضه ثمانون باعًا، ونصف مسقف، ونصفه صحن للهواء، وعدد قسِي مُسَقَّفه تسعة عشر قوسًا، وفيه من السواري ألف سارية،
وفيه ??? ثريَّا للوقيد أكبرها واحدة تحمل ألف مصباح، وأقلها تحمل ?? مصباحًا … وجميع خشب هذا المسجد من عيدان الصنوبر
الطرطوشي … وبين العمود والعمود ?? شبرًا، ولكل عمود منها رأس رخام، وقاعدة رخام … ولهذا المسجد الجامع قبلة يُعجز الواصفين وصفُها، وفيها
إتقان يُبهر العقول تنميقها، وكل ذلك من الفُسَيفِساء والمذهَّب والملون، مما بعث صاحب القسطنطينية إلى عبد الرحمن
الناصر، وعلى وجه المحراب أنواع كثيرة من التزيين والنقش، وفي عضادتي المحراب أربعة أعمدة، اثنان أخضران، واثنان لازورديَّان لا
تقوَّم بمال، وعلى رأس المحراب خُصَّة رخام قطعة واحدة مشبوكة محفورة، منمَّقة بأبدع التنميق، ومن الذهب واللازورد وسائر الألوان،
وعلى وجه المحراب مما استدار به حظيرة خشب بها من أنواع النقش كل غريبة، وعن يمين المحراب المنير الذي ليس بمعمور الأرض
مثله … صنع في نجارته ونقشه سبع سنين. وكان عدد صُنَّاعه ستة رجال غير من يخدمهم، وعن شمال المحراب بيت فيه عدد وطشوت ذهب وفضة، ومسك لوقيد
الشمع، في ليلة سبع وعشرين من رمضان. وفي هذا المخزن مصحف يرفعه رجلان لثقله فيه أربع أوراق من مصحف عثمان وفيه نقط
من دمه، وهذا المصحف يخرج في صبيحة كل يوم جمعة …

وفضائل أهل قرطبة أشهر من أن تذكر، ومناقبهم أظهر من أن تسطَّر، وإليهم الانتهاء في الثناء والبهاء، بل هم أعم البلاد، وأعيان العباد، ذكروا
بصحة المذهب، وطيب المكسب، وحسن الزيّ في الملابس والمراكب، وعلو الهمة في المجالس والمراتب، وجميل التخصص في المطاعم
والمشارب … ولم تخل قرطبة قَطُّ من أعلام العلماء، وسادات الفضلاء، وتجارها مياسير لهم أموال كثيرة وأحوال واسعة، ولهم مراتب سنية، وهمم
علية، وهي في ذاتها مدن خمس يتلو بعضها بعضًا. بين المدينة والمدينة سور حاجز، وفي كل مدينة ما يكفيها من الأسواق والفنادق،
والحمامات، وسائر الصناعات». وكل هذه الأخبار تعطينا صورة من صور الأندلس؛ مما يدل على حضارتها وثروتها، وجميل موقعها.


وإذا كانت البيئة الاجتماعية في الأندلس تتفق مع المشرق من نواحٍ غير النواحي التي تختلف فيها، ظهرت الشعوبية هنا وهناك، والسبب فيها واحد
وهو أن العرب تخلقوا بالأخلاق الأرستقراطية وشمخوا بأنوفهم على من عداهم؛ لأنهم ناشرو الدين وأصحاب اللَّسَن، وزعموا
أنهم خير الأمم، فاضطرت الأمم الأخرى أن تدافع عن نفسها بقولهم: إن لكل أمة مزايا وعيوبًا، وليست الفضائل كلها مقصورة على العرب، بل فيهم
بعضها، وفي غيرهم بعضها. وكان من ذلك في المشرق حركة جدال عنيف بين العلماء، ووجهت الأسئلة الكثيرة إليهم أي الأمم
أفضل؟ فوجهت مثلًا إلى ابن المقفع، وإلى أبي سليمان المنطقي وغيرهما، ووجد في الأندلس من يقول بالشعوبية من أشهرهم ابن غرسية، واسمه يدل
على أنه من أصل أجنبي.

وما لبث الأندلسيون بعد أن اختلط العرب بالإسبانيين وظهر نَشْء مولد بسبب التزاوج أن وجدت لهم لغة عامية بحكم صعوبة الإعراب، وأثر البيئة
في الألسنة والحناجر. فيحدثوننا أن أبا علي الشلوبيني كان نحويًّا كبيرًا، طبقت شهرته الآفاق في النحو ومع ذلك كان
لحَّانًا، وكان لا يكاد يُبين.

واشتهرت بعض البلاد بأنواع من الفواكه والصناعات، فقالوا: التين المالقي والزبيب المنكبي، ونحو ذلك. وبالأندلس مقاطع للرخام الأبيض الناصع
اللون والخمري، وفي البلدة المسماة (ناشرة) مقطع للعمد، واشتهرت المرية بحصاها الذي يشبه الدر في رونقه؛ وله ألوان
عجيبة. قال ابن سعيد: «اختصت المرية ومالقة ومرسيه بالموشى المذهَّب الذي يتعجب من صنعته أهل المشرق. و… وبالمرية ومالقة الزجاج الغريب
العجيب، وفخار مزجج مذهب، ويصنع بالأندلس نوع من المفضض المعروف بالمشرق بالفسيفساء، ونوع يبسط به في قاعات ديارهم
يعرف بالزليجي، يشبه المفضض، وهو ذو ألوان عديدة، يقيمونه مقام الرخام الملون، وفي إشبيلية من دقائق الصنائع ما يطول
ذكره، واشتهرت المرية أيضًا بأنها كانت مرسى للأسطول الإسلامي في الأندلس، وفيها دار للصناعة. قالوا: وكان في المرية ألف إلا ثلاثين فندقًا
مقيدة في ديوان الخراج».

وذكر ابن سعيد أيضًا أن الأرض الشمالية الغربية فيها المعادن السبعة، وأن أعظم معادن للذهب في الأندلس في جهة شنت ياقوب قاعدة الجلالقة
على البحر المحيط، وفي جهة قرطبة الفضة والنحاس في شمال الأندلس كثير، والصفر الذي يكاد يشبه الذهب، وغير ذلك من المعادن
المتفرقة في أماكنها … إلخ … إلخ.

وقد اعتاد الأندلسيون والشرق أيضًا ألا يحكموا أنفسهم بأنفسهم، ولا يعتمدوا على أنفسهم في النظام وتدبير الشئون، وإنما اعتادوا الاعتماد
على رجل قوي حازم يحكمهم ويقودهم. هذا في الأندلس، ومثله في الشرق؛ ولذلك نرى أن الأمور تستقيم ما دام على رأس المملكة
رجل قوي حازم، فإذا زال كان الاضطراب والفوضى، وكان هذا في الأندلس أقوى؛ لأن سكانها ذوو عناصر مختلفة، فهؤلاء العرب بقبائلها، وهؤلاء البربر،
وهؤلاء الصقالبة، وهؤلاء الإسبان، فما لم يثبت الحاكم كفايته للضغط على هذه العناصر المتباينة أخرجت هذه الشعوب كلها
أنيابها للفتنة والاضطراب، فضلًا عن اختلاف بعضهم وبعض في الدين بين نصراني كاثوليكي في الشمال ومسلم في الجنوب؛ ولهذا كان تاريخ
الأندلس حوادث متعاقبة تختلف في النظام والفوضى، فتستقر عند وجود الحاكم الحازم وتضطرب عند عدمه، والقارئ لتاريخهم يعجب من
ازدهار الحضارة والعلم في وسط هذا الاضطراب، ويفسر هذا شيئان:
list of 2 items
الأول: أن بعض الأمراء الحازمين حكموا مدة طويلة كخمسين سنة، أو نحو ذلك استقامت فيها الأمور وازدهرت فيها الحضارة والعلم؛
كعبد الرحمن الداخل، وعبد الرحمن الناصر، والمنصور بن أبي عامر ونحو ذلك.
والثاني: أنه يظهر أن العملاء أو بعضهم كانوا يكوِّنون لأنفسهم جوًّا هادئًا يسود فيه العلم، ويبتعدون فيه ما أمكن عن السياسة
رغم الفتن والقلاقل التي حولهم، وربما شهدت الأندلس أكثر من غيرها تحاسد الزعماء،
ووجود عدد كبير من العتاة من البربر والعرب والصقالبة والإسبان، وقليل من الأمراء من استطاع أن يصون وحدة المملكة مدة
طويلة، فإذا هدأت البلاد قليلًا كانت ثورة إما من زعيم يريد أن يتغلب، وإما من النصارى
في الشمال يريدون أن يسترجعوا بلادهم، وإما من بربر يحز في نفوسهم غلبة العرب، إلى غير ذلك.
list end

وكان للأندلسيين خطط لتنظيم أعمال الحكومة وهي التي نسميها التنظيم الإداري، فوظيفة القضاء عندهم أكبر الوظائف وأسماها لتعلقها بالدين؛
ولأن القضاة كانت لهم سلطة كبيرة، حتى ليستطيع القاضي إحضار الخليفة أو الأمير ليسمع كلامه، وعلى رأس القضاء قاضٍ كبير
كان يسمى قاضي الجماعة، وله الحق أن يأمر بالقتل على من استحق القتل من غير رجوع إلى السلطان، وهو الذي يحدُّ على الزنا وشرب الخمر، وكان
بجانب وظيفة القضاء وظيفة (الحسبة) يتولاها عالم وجيه فطن، وكان صاحب هذه الوظيفة يمر على الأسواق راكبًا، ومعه موازينه
وأعوانه، فيزن الخبز، ويمتحن الأسعار، ويراقب البطاقات على السلع إذ كانت البطاقات توضع على الخبز واللحم، وقد يرسل المحتسب إلى
البائع من يمتحنه سرًّا فإن عهدت عليه خيانة ضرب أولًا وجُرِّسَ، فإن لم يرتدع نُفي من البلد، وكان في كل بلد محافظ يطوف بالليل،
وكان المحافظون يسمون بالدَّرَّابين؛ لأن بلاد الأندلس لها دروب بأقفال تقفل عليها، ولكل زقاق خفير يخفره وسراج يعلق على
باب الزقاق، وكلب يحرسه وسلاح معد لوقت الحاجة … وأهل الأندلس من أكثر الناس محافظة على الشعائر الدينية والاستنكار لمن يعطلها، وهم
أكره ما يكونون للتسول، فإذا رأوا شخصًا صحيح الجسم قادرًا على العمل وهو يتسول، سَبُّوه ونصحوه بأن يبحث له عن صناعة
يرتزق منها … إلخ.

وكانت هناك وظائف كتابية، والكتابة عندهم على ضربين: كاتب الرسائل وكاتب الزمام. فكاتب الرسائل كاتب أديب، يتولى كتابة الرسائل الرسمية
وغير الرسمية. وأما كاتب الزمام فهو كاتب حسابي. وكانوا يلاحظون ألَّا يكون كاتب الزمام يهوديًّا ولا نصرانيًّا؛ لأن
عظماء الناس ووجوههم يحتاجون إليهم، وهم يأنفون أن يحتاج المسلم لمن ليس من دينه.

والشعر عندهم له حظ عظيم، والشعراء من ملوكهم وجاهة، والمجيدون منهم ينشدون في مجالس عظماء ملوكهم، ويوقع لهم بالصلات على أقدارهم … وإذا
كان الشخص بالأندلس نحويًّا أو شاعرًا، فإنه يعظم في نفسه لا محالة ويسخف، ويظهر العجب، عادة قد جبلوا عليها».
?

وكانت لهم عناية كبرى بالشرطة (البوليس) ورئيسهم يعرف بصاحب المدينة أو صاحب الليل. قالوا: وإذا كان عظيم القدر عند السلطان كان له القتل
لمن وجب عليه دون استئذان، كالذي للقاضي ولا يكون ذلك إلا نادرًا.

ومن الصعب تحديد عدد سكان الأندلس في العصور المختلفة. ويروي بعض المؤرخين أنهم كانوا في أيام الرومان بين ثلاثين وأربعين مليونًا، ولكن
ليس هناك وثائق تاريخية تؤكد ذلك، ولم نقف على عددهم في أيام العرب. وقالوا: «إن هذه السكة لدار ضربها ثلاثة آلاف درهم
وأربعمائة دينار»، وأيًّا ما كان فإن عدد السكان قد قلَّ لما انتصر الإسبانيون على المسلمين، وتفرق كثير منهم ورحلوا إلى المغرب والمشرق،
وسبب آخر لهبوط العدد، وهو اكتشاف أمريكا على يد الإسبان والبرتغال وهجرة كثير منهم إليها؛ حتى إنه في سنة (?????)
كان عدد السكان تسعة ملايين ومائة وستين ألفًا، وفي أوائل القرن الثامن عشر كانوا نحو عشرة ملايين، وبلغوا الآن اثنين وعشرين مليونًا
وثلاثمائة وثلاثين ألفًا. ومعدل كثافة السكان بالنسبة إلى مساحة الأرض هو أربعون نسمة في الكيلو متر المربع الواحد. وعلى
الجملة فهذا يعطينا فكرة ولو ساذجة عن سكان العرب في إسبانيا.

وتمتاز الأندلس بأنها كانت بدخول العرب والمغاربة فيها مسكن كثير من الأوربيين والأسيويين. فقد تجمع فيها العرب والبربر، كما تجمع فيها
الإسبانيون والفرنسيون ويهود أمم مختلفة؛ وبعبارة أخرى تجمع فيها العنصر السامي والعنصر الآري. وإسبانيا هي كذلك إلى
الآن، ولا عبرة بخروج العرب والبربر من بينهم، فإن دم العرب سرى في عروق الإسبان إلى الآن مما جعلهم أمة فيها العنصر الشرقي والعنصر الغربي،
ويظهر ذلك في لغتهم وموسيقاهم وعاداتهم وتقاليدهم. وقد يعلل السائحون ذلك بأنها أمة منعزلة عن سائر الأمم، ولكن التعليل
الصحيح أن في دمهم بقايا العرب والبربر، حتى إن المقاطعات البعيدة كأهل قشتالة لا يزال فيهم أثر الدم العربي والعادات العربية.

وقد تلاقى في الأندلس جملة أمم: الإيبيريون، والسلتيون، واللاتينيون، واليونانيون من العنصر الأوربي، والقرطاجنيون، والفينيقيون، واليهود
من العنصر الأسيوي؛ وطرأت على إسبانيا أمم جرمانية مثل: الفندال، والقوط، وهؤلاء القوط كانوا هم الطبقة السائدة عندما
فتحها العرب.

ولما جاء العرب دخلها آلاف منهم ومن البربر، وبذلك اختلطت فيها أوربا، وآسيا وإفريقيا وامتزجوا امتزاجًا غربيًّا؛ وهذا هو ما يمثلها حتى
الآن. والعنصر الأوربي، أو السلالة الآرية، هو العنصر الغالب على القسم الشمالي الغربي من الأندلس، وأجسامهم قوية وعضلاتهم
صلبة، وكانوا هم الشوكة الكبرى في جنب المسلمين أيام دولتهم، ومن هؤلاء القشتاليون الذين يعدون أنفسهم محرري البلاد، وفيهم حمية شديدة،
وتعصب قوي؛ ويشبههم في هذه الحمية أهل أراغون؛ ولذلك لما تزوج ملك قشتالة بملكة أرغون — أي: تزوج فرديناند بإيزابلا
— كان أهل المملكتين قوة كبيرة اجتاحت المسلمين، أما سكان جنوب الأندلس فيقول جوسه صاحب كتاب جغرافية إسبانيا والبرتغال:
«إنهم أهل ذكاء وجمال ومرح وترف، وبلاد الأندلس تتصل بأوربا ببرزخ، وهو جبال البرانس، وكثيرًا ما ذكر هذا الاسم في تاريخهم».

ويظهر أن نشأة العلوم في البيئات كلها كانت متشابهة أو متقاربة، فتبدأ الأرض جرداء لا نبات فيها، ثم تمهد الأرض، ثم توضع البذرة، وتسمد
بالغذاء الصالح، وتتعاهد بالسقي حتى تنمو، وبعد ذلك تثمر. هذا ما حدث للعلم في المشرق، وهذا بعينه ما حدث للعلم في
الأندلس.

لقد جاء الإسلام في المشرق، فمهد الأرض للنبات، ثم وضعت بذور العلوم الدينية من تفسير، وحديث، وسيرة، وتاريخ، ومضى على ذلك زمن طويل، تتطور
فيه هذه العلوم، ثم زادت الحضارة، وأُتي بالكتب من كل مكان، وترجم غير العربي إلى العربية، فعكف أهلها عليها يتفهمونها،
ثم هضموها، وأخرجوا نتاجًا عظيمًا، حتى في العلوم التي لم يكن لهم بها عهد، ومثل ذلك حدث في الأندلس، فقد دخل المسلمون الأندلس واصطدموا
بالإسبان، وكانت صدمة عنيفة أذهلت العقول من البحث في العلوم، وكثر بين المسلمين الخلاف بسبب العصبيات من يمنية ومضرية،
وانقسم اليمنيون أنفسهم إلى عصبيات، وكذلك المضريون. وكان الخلاف بين العرب والبرابرة، وبين العرب والإسبان مما لا يجعل للعلم مكانًا،
حتى إذا بدأت الأمور تهدأ، بدءوا يفكرون في العلم، وأول ما فكروا فيه الدين، وتلا ذلك بعد زمان العلوم الداخلية كالفلسفة
والرياضيات.

ولما هدءوا وفكروا في العلم كان لذلك وسائل كثيرة:
list of 3 items
(?) أن يُدعى قوم من المشرق إلى الأندلس فيملئُوها أدبًا ولغة، كما فعل أبو علي القالي، فقد كان مشرقيًّا، ورحل إلى الأندلس
بدعوة من أميرها، وكان قد تثقف ثقافة واسعة في المشرق، وأخذ كثيرًا عن شيوخه، وخاصة ابن دريد،
وكانت لابن دريد أخبار طريفة بعضها صحيح، وبعضها مصطنع، مثل وصايا الأعراب لأبنائهم وبناتهم، وما قيل فيها من كلام لطيف، خلقه
ابن دريد على الأرجح؛ ولذلك ينسب إليه أنه واضع أصول المقامات قبل بديع الزمان، وكان المشرقيون
قد قطعوا شوطًا بعيدًا في جمع اللغة، وجمع الأشعار، وأخذوا ينتقون منها المختارات المختلفة، كما فعل الأصمعي،
والمفضل الضبي، فحوى ذلك كله أبو علي القالي، وسافر بعلمه إلى الأندلس، وكان رجلًا عالمًا، وقورًا، حافظًا،
فنشر ما شاء الله أن ينشر في الأندلس، وأخذ يروي مختارات حيثما اتفق، ثم يشرح ما احتاج إلى الشرح
نظمًا كان أو نثرًا.

نعم إنه روي عنه أنه أرتج عليه حينما حاول أن يخطب أول أمره، كما أُخذ عليه أنه روى أول أمره بيتًا غير مستقيم الوزن، ولكن
يظهر أن اختصاصه كان في رواية ما تعلمه عن شيوخه في المشرق، ويكفي العالم نبوغه في ناحية واحدة
من النواحي لا في كل النواحي، كالذي روى عن صاعد وقد رحل من المشرق إلى الأندلس، أيضًا أنه أخطأ في وزن كلمة عويصة، وأخطأ
في فهم مسألة من كتاب سيبويه، وقد يكون ذلك صحيحًا، ولكن مهارته ونبوغه كانا في حسن بديهته
الأدبية، ورواياته الشعرية.

وانتشر علم أبي علي القالي وصاعد، بين تلاميذهما، ومن تلاميذهما إلى تلاميذهم، وهكذا، وكانا من أول من وضعا أساس الثقافة المشرقية
في الأندلس في اللغة والأدب.

ثم نشأت طائفة من أهل الأندلس نفسها تؤلف كما ألَّفا، كابن عبد ربه المالقي في العقد، فقد اختار زبدة أدب المشرقيين واعتمد
على كتبهم، وخصوصًا كتاب ابن قتيبة المسمى «عيون الأخبار» وبوَّبه تبويبًا أشبه بتبويبه، إلا
أنه سمى كل باب بنوع من الأحجار الكريمة، وجعله كالقلادة، وكان قصده منه أن ينقل إلى الأندلسيين أدب الشرقيين. وقد قال الصاحب
بن عبَّاد لما قرأه: «إن بضاعتنا ردت إلينا»؛ لأنه رأى فيه علوم المشرق التي يعرفها، وابن
عبد ربه معذور، والصاحب مخطئ، فإنه لم يرد جمع مختارات أدباء الأندلسيين كما فعل ابن بسام في الذخيرة، وإنما أراد
تعريف الأندلسيين بعلوم المشارقة.

(?) أما الوسيلة الثانية: فقد رحل بعض الأندلسيين إلى المشرق، وندبوا أنفسهم لتحصيل علم من علومه، والتبحر فيه، ثم الرجوع إلى
الأندلس لنشر ذلك العلم بين أهله. ومن خير الأمثلة على ذلك: يحيى بن يحيى الليثي، فقد رحل
إلى المدينة، وتتلمذ للإمام مالك، وأخذ عنه الموطأ، ولازمه، وخدمه كما سافر إلى مصر وأخذ من الليث بن سعد. وعبد الله بن وهب،
وعبد الرحمن بن القاسم، وكان يحيى معروفًا بالأمانة والدين، معظَّمًا عند الأمراء، متعففًا
عن الولايات، ثم نشر علمه في الأندلس، ومع تعففه عن القضاء أسند إليه اختيار القضاة، فكان يختار من كان على مذهب مالك،
وألف حوله مجلسًا يسمى مجلس الشورى، عين أعضاءه، ووكل إليهم أمر الفتيا، وإن كنا لم نعرف الكثير
عن نظام مجلس الشورى؛ لأنه لم يذكر في كتاب التاريخ إلا لمامًا. وكان عظيم الجاه، حتى قال أحد مؤرخيهم: «إنه
لم يُعْطَ أحد من أهل الأندلس منذ دخلها الإسلام ما أعطي يحيى من الحظوة، وعظم القدر، وجلالة الذكر، هذا
إلى صراحة في التزام الحق، وفي تنفيذ الحقوق، وإقامة الحدود».

ومثل ذلك كثير، فمنهم من رحل لتعلم الفقه، ومنهم من تعلم النحو، والصرف، والتفسير، والحديث والقراءات … إلخ. ويجد القارئ في
النفح ثبتًا طويلًا بأسماء من رحلوا من الأندلس إلى الشرق للتزود بالعلم، وبلغ من إقبالهم
على ذلك أن كان الشخص يعاب بأنه لم يرحل إلى الشرق.

ومن هؤلاء جميعًا ظهرت بعد ذلك طبقة من الأندلسيين أنفسهم يتقنون العلم، ويحملون عبء نشره، حتى نرى فيهم مثل ابن القوطية، وكنيته
تدل على أنه قوطي الأصل، وفي الحقيقة كانت جدته أميرة قوطية، وقد نبغ في اللغة حتى فاق كثيرًا
من المشرقيين، وألف لنا كتاب «الأفعال» وغيره من الكتب التي تدل على علمه وفضله، وأمثاله كثيرون في كل فرع من فروع
العلم كما سيأتي بيانه.

(?) جمع الكتب: ذلك أن الكتب أيضًا من أهم وسائل الحركة العلمية، وقد روي عن الأندلسيين أنهم أدركوا ذلك كل الإدراك، ومن أبرزهم
في ذلك الخليفة الحَكم الثاني المعروف بالمستنصر من خلفاء بني أمية في الأندلس، ملك من سنة
??? إلى سنة ????، فقد انتدب نفسه للعناية بالعلوم (واستجلب من بغداد ومصر وغيرهما من ديار المشرق والمغرب عيون التأليف والمصنفات
الغربية في العلوم القديمة والحديثة، وجمع منها ما كاد يضاهي ما جمعته ملوك بني العباس في
الأزمان الطويلة، وتهيأ له ذلك لفرط محبته في العلم، وبُعد همته في اكتساب الفضائل، وسمو نفسه إلى التشبه بأهل
الحكمة من الملوك، فكثر تحرك الناس في زمانه إلى قراءة كتب الأوائل، وتعلم مذاهبهم، حتى بلغت مكتبته الآلاف
من الكتب).
list end

على كل حال، كانت الأندلس والمشرق أشبه برقعة واحدة يسير فيها النمل ذهابًا وجيئة، وتتقابل النمال فتتسار، علماء يضيق بهم الشرق من الفاقة
فيرحلون إلى الغرب، وعلماء من الغرب يعوزهم العلم فيرحلون إلى الشرق، منهم من تقصر رحلته، فيكتفي بالرحلة إلى المغرب،
فإذا زاد شيئًا رحل إلى مصر، ومنهم من له جرأة ومقدرة على الرحلة الطويلة، فيرحلون إلى المغرب، ومصر، والشام، والعراق وما إلى ذلك، وهؤلاء
الرحالون كانوا يتبحرون في علوم مختلفة، فمنهم من يقصد في رحلته الفقه، والتفسير، والحديث، والقراءات وهم العدد الكثير،
أمثال عبد الملك بن حبيب السلمي، وقد كان فقيهًا مشهورًا، رحل إلى المشرق وجمع من الأحاديث ما شاء الله أن يجمع، وطوف في
البلاد ما شاء الله أن يطوف، ثم عاد وألَّف نحو ألف كتاب، وسمي عالم الأندلس، وكان علمه بحرًا يزخر، وألَّف في الفقه كتابًا مشهورًا
اسمه «الواضحة»، وربما قورن بيحيى بن يحيى الليثي الذي مَرَّ ذكره؛ ومثل القاضي أبي عبد الله محمد بن عيسى، ولي القضاء
بقرطبة بعد رحلة رحلها إلى المشرق، وكان يتغنى بالعراق، إذ حمد المقام به أيام طلبه للعلم؛ ومنهم القاضي منذر بن سعيد البلوطي، وكان لا
يخاف في الله لومة لائم، وقد وقف وقفة مشهورة، وهي وقفته أمام عبد الرحمن الناصر، لما أراد أن يشتري بيتًا لأيتام ليوسع
به قصره، فما زال يمانعه، حتى دفع فيه الناصر مبلغًا كبيرًا؛ وكالقاضي أبي بكر بن العربي، وبقي بن مخلد، وقاسم بن أصبغ.

ومنهم من طلب الفقه والكلام، كابن حزم العالم المشهور، ويرجح بعض المستشرقين أن أصله من جهة الأم إسباني، وقد كان واسع العلم، غلب عليه
المذهب الظاهري، فكان يدعو إليه ويدافع عنه، وله في الكلام باع واسع، ونَفَس طويل في الجدل، وكان أرستقراطي الأصل،
إذ كان أبوه وزيرًا، وكان هو نفسه وزيرًا فلم يعبأ بذلك، ولم يعبأ بالاضطهاد ممن اضطهده، ولا بنفيه، ويقولون: إنه خلف نحو أربعمائة مؤلف.
ولما أحرق المعتضد بن عباد كتبه بإشبيلية قال:

فإن تحرقوا القرطاس لم تحرقوا الذي
تضمنه القرطاس بل هو في صدري
يسير معي حيث استقلَّت ركائبي
وينزل إن أنزل ويدفن في قبري

وكان إلى علمه في الفقه والكلام أديبًا، قوي العاطفة، حسن التعبير عما في نفسه كالذي يدل عليه كتابه «طوق الحمامة».

ومنهم من رحل يطلب الأخلاق، وعلم السياسة، كابن أبي رندقة الطرطوشي، صاحب كتاب «سراج الملوك»، ومنهم من رحل في طلب الأدب كالشريشي وابن
عبد ربه صاحب العقد، ومنهم من رحل للتبحر في النحو والصرف كابن مالك صاحب الألفية، ومنهم من رحل للتصوف كمحيي الدين
بن عربي، وأبي العباس المرسي، وياقوت العرشي، ومنهم من رحل لطلب الفلسفة والعلوم الدخيلة كابن زهر.

وبعض هؤلاء الرحالين استقر في البلد الذي رحل إليه، فقد أعجبه فلم يعد إلى بلاده، ولكن الأكثر عاد إلى بلاده، وتحلى بصفة المعلم، ووضعوا
أيديهم في أيدي من رحل إليهم من المشرق، وكوَّنوا مدرسة واسعة، حدودها حدود الأندلس، فأخذوا يدرِّسون، ويؤلفون، ويترجمون،
وكانت هذه هي النواة الأولى التي أنتجت العلماء في الأندلس من كل صنف، وكانت هذه الرحلات منها وإليها، لها منفعة ومضرة؛ فمنفعتها أنها نشرت
العلم ما شاء أن ينشر، وكوَّنت علماء نابغين، ووسعت الثقافة بين الشعب الأندلسي، ولكن مضرتها أنها صبت العلم الأندلسي
في قالب يشبه القالب الشرقي، ولو نشأ بعيدًا عن التأثر الشرقي لرأينا علمًا مبتكرًا له منحى خاص، وهذا مع الأسف لم نره، فالجداول التي مر
بها العلم في المشرق، هي بعينها الجداول التي مر بها العلم في الأندلس، ولا نعثر على ابتكار إلا قليلًا، وكانت هذه
القوالب المشرقية أقوى من البيئة الأندلسية، فمع اختلاف بيئة الأندلس عن بيئة المشرق، سواء كانت بيئة طبيعية أو اجتماعية، كانت
قوالب المشرق العلمية أقوى من البيئة الأندلسية. وكما قلد علماء المشرق الأقدمين منهم، فساروا في نفس طريقهم، قلد الأندلسيون
علماء المشرق، فساروا في نفس الطريق؛ ولذلك نقرأ الكتب المؤلفة في الأندلس فكأنك تقرأ كتب المشرق في لغتها وأبوابها
وفصولها.

وربما كان الأدب مع تأثره أيضًا بالأدب المشرقي أميز من سائر العلوم في الابتكار؛ لأن الأدب يتأثر بالعواطف الشخصية، والحوادث المحلية أكثر
من تأثر العلم، ولكن حتى هذا مع الأسف كان الاختلاف فيه في الشكل لا في الجوهر، مثل شكل الموشحات، واللعب بالتشبيهات،
أما موضوعات شعرية أو نثرية لم تعرف عند المشرقيين، فهذا لم نره، وشأن العلم الأندلسي في ذلك شأن العلم والأدب في مصر، والمغرب، والشام،
فكلها قلدت العراق في علمه، وأدبه؛ حتى إنه لما عهد إلينا تدريس الأدب المصري في الجامعة، صرفنا زمنًا طويلًا في تعرف
الشخصية المصرية الأدبية، وما تمتاز به عن غيرها من الآداب. فلم نعثر إلا بعد جهد، ولم نعثر بعد الجهد إلا على القليل. فإن قلت: إن
العلم الإسلامي سار في طريق واحدة، وأهمل البيئات المختلفة لم تبعد عن الصواب؛ وربما كان السبب في ذلك أن الحياة الدينية
من فقه وتفسير وحديث اعتمدت على القرآن، فكان طبيعيًّا وقد اتحد المصدر، أن تتحد النتيجة أو تتقارب، فإذا وصلنا إلى العلوم
الدخيلة من فلسفة، وطب وتنجيم، وطبيعة، وكيمياء، وإلهيات، رأينا أنها اعتمدت هي الأخرى في الأندلس على الفلسفة اليونانية، والتعاليم
الهندية، وما إلى ذلك، إما عن الترجمات اليونانية إلى العربية مباشرة، وإما عن طريق ما ترجمه المشارقة، فاتحدت النتيجة
في العلوم الدخيلة أيضًا، ولو كانت الأصول التي اعتمد عليها مختلفة لاختلفت النتائج.

ثم كان من أسباب هذا الاتحاد أن العالم الإسلامي كله كان معتبرًا دارًا واحدة، فالعالم كله كما قال الفقهاء: «دار حرب ودار إسلام»، ودار
الإسلام كلها مشرقًا ومغربًا معتبرة وطنًا واحدًا للعلماء، فإذا رحل الأندلسيون إلى المشرق، أو رحل المشارقة إلى الأندلس
فإنما يرحلون في دارهم، وتحت جو واحد مشبع بالروح الإسلامية. وسواء من دخل من الفرس والهند في الإسلام، ومن دخل من الإسبان في الإسلام،
فهم إنما يستنشقون هواءً إسلاميًّا واحدًا، ويتكونون تحت تأثير لغة عربية واحدة.

إن العلماء المحدثين يجعلون أكبر المؤثرات في تكوين الأمم دينها ولغتها، ونظامها الاجتماعي الاقتصادي، وكانت هذه كلها في العالم الإسلامي
متقاربة، فلا بد أن تكون الحياة العقلية والعلمية والنفسية متقاربة. وتعجبني حكاية قرأتها أن الغزال الشاعر الأندلسي،
والسفير الأندلسي لدى بعض الأمم الأجنبية، لما رحل إلى العراق، وأسمع العراقيين شعره، فضَّلوا عليه شاعرهم أبا نواس مع أنهم فهموه حق الفهم،
ولكنهم قالوا: إنه وأمثاله من الأندلسيين لم يبلغوا في الشعر مبلغ أبي نواس فرد عليهم، وفي يوم من الأيام أتاهم بقطعة
من شعره، وقد نسبها إلى أبي نواس، فاستحسنوها، فقال لهم: إنما هي لي.
?

فهذه قصة تدل على تعصب كل من المشارقة والمغاربة لشعره، كما تدل على أن ما يقوله الأندلسي يفهمه المشرقي ويتذوقه، وما ينسب إلى المغربي
قد ينسب إلى المشرقي فتجوز نسبته.

وما دام المؤذنون يؤذنون في المساجد بألفاظ واحدة، فالصدى يكون واحدًا، وكذلك العلم والأدب.

وقد كان الأندلسيون يدينون بمذهب الأوزاعي، متأثرين في ذلك بالشاميين الذين كانوا في الجند الذي فتح الأندلس، إذ كان الأوزاعي بيروتيًّا،
وكان إمامًا كبيرًا، وفقيهًا معدودًا، ثم انتقلوا إلى مذهب الإمام مالك كما ذكرنا، ويظهر أن السبب في ذلك أمور:
list of 2 items
(?) أن مذهب مالك أقرب لمزاجهم، فهو يعتمد على الحديث وعلى إجماع أهل المدينة، أكثر مما يعتمد على القياس والعقل وهذا المنهج
أكثر ملاءمة وأوفق لعقلية الأندلسيين.

(?) أن رجالًا عظامًا كيحيى بن يحيى الليثي الذي ذكرناه من قبل تتلمذ لمالك في المدينة، وأخذ عنه، ومنحه الله من القوة والسلطان
ما مكَّنه من نشر مذهب مالك، وعهد إليه في اختيار القضاة فكان يختارهم على مذهبه.
list end

وقد تأثر الأندلسيون بمذهب مالك في الشدة والعصبية، ووقاهم الله ما كان في العراق وغيره من البلاد المشرقية في الخلاف المذهبي، كالذي كان
بين الشافعية والحنفية، والذي كان بين الشافعية والحنابلة. وربما كان هذا أيضًا سببًا في قلة الفرق الدينية، فلم يكن
بين الأندلسيين ما كان لأهل العراق من مذاهب مختلفة في العقائد كشيعة وخوارج، وغير ذلك، والسبب الأول في هذا أن العراق كان حتى قبل الإسلام
مملوءًا بالمذاهب المختلفة؛ كالمزدكية، والزرادشتية، ومذاهب الهنود في التناسخ ونحوه. فلما جاء الإسلام واستقر في العراق
ظهرت هذه المذاهب بلونها الأصلي أو بلون معدل، وتفرق من أجلها الناس إلى فرق كثيرة، ولعل من أسباب عدم ظهورها أيضًا في
الأندلس اتحادهم في اعتناق مذهب مالك، وهو مذهب سني يعتمد على الحديث، فلا حاجة للأمة التي تعتنقه إلى اعتناق غيره. نعم إنه ظهر في
الأندلس بعض الناس يعتنقون الاعتزال، وبعضهم يتشيعون، وبعضهم يعتنق مذهب الظاهرية، ولكن كان كل هؤلاء قليلين بالنسبة
لمن يعتنق مذهب مالك.

وكانت نساؤهم على العموم أشبه بنساء المشرق أكثرهن أميات، وفيهن الجواري اللائي يُحسنَّ الغناء والموسيقى، ويُبَعْنَ بعد أن يتعلمن بأثمان
غالية.

وكان يغلب على الحرائر من النساء الحجاب، كأهل المشرق، بل ربما كان حجابهن أعنف، ولكن يُتسامح في الحجاب مع الإماء والسراري؛ ولذلك لما
سفرت ولَّادة بنت المستكفي وجلست في مجلس الرجال، وشاركت في الشعر والأدب، وكانت أرستقراطية من البيت المالك، قوبل
سفورها بشيء من الاستغراب، وما حدث في المشرق حدث نظيره في المغرب، فقد رحلت إلى الأندلس فرقة من الجواري المشرقيات اللائي أُخِذْنَ من
إبراهيم الموصلي، واتخذن إمامهن زريابًا الذي سبقهن إلى الأندلس، فكوَّنَّ نواة لمجالس الغناء في الأندلس، وعلمن الفتيات
الأندلسيات الغناء والموسيقى والرقص، كما علم أبو علي القالي اللغة والنحو؛ ولذلك لم يخل عصر من عصور الأندلس فيما بعد من مغنيات أندلسيات
وموسيقيات، وراقصات، وكان هذا يشبه أن يكون تقليدًا في البيوت الأرستقراطية، وحتى في بيوت الأوساط، وتدل الحكايات الكثيرة
الأندلسية على أن الأندلسيين كانوا شغوفين بالسماع، حتى ليفضلون الضروري من العيش مع السماع، على العيش المترف مع الحرمان.

وكانت البيوت الأندلسية حتى القصور الملكية مملوءة بالحرائر والإماء من الإسبانيات وغيرهن، والبيت يتعدد فيه الأولاد من هؤلاء وهؤلاء، والبيوت
مملوءة بالحقد والنزاع بين الأحرار والإماء، ثم يسري ذلك إلى أولادهن، بل كثيرًا ما تدخلت النساء في السياسة، فكان
أهلهن إسبانيات مسيحيات، وتظاهرن بحب العروبة والإسلام، ولكنهن في الحقيقة لم ينسين نصرانيتهن، ولا إسبانيتهن، فكان بعضهن جاسوسات على
الخلفاء، ينقلن لقومهن دقائق الأمور، ويوقعن المسلمين في أشد أنواع الحرج.

وهن كالمشرقيات نبغ منهن عدد محصور في الأدب، مثل ولَّادة مع ابن زيدون، وأم الكرام بنت المعتصم، وحفصة بنت الحاج، واعتماد جارية المعتمد،
ونحوهن، فكان يعد في كل مدينة أندلسية أديبات مشهورات، يُعْدَدن شذوذًا في الحياة الاجتماعية العامة.

وبلغ من تأثيرهن أن قال بعض مؤرخي الإفرنج: إن عبد العزيز بن موسى بن نصير الذي استخلفه أبوه على الأندلس، قد تنصَّر من أجل امرأة، ولكن
الذي ذكره مؤرخو العرب يدل على أن عبد العزيز لم يتنصر، وبعيد ذلك حقًّا؛ لأن واليًا كبيرًا وابن فاتح عظيم يبعد أن
يغير دينه من أجل امرأة. وقد اشتهر المسلمون بالأندلس بعصبيتهم لدينهم، وصعوبة تحولهم إلى غيره، وهذا في العامة فضلًا عن الخاصة، والذي
ذكره المسلمون أن عبد العزيز تزوج زوجة الأمير لذُريق، وهو الذي فتح العرب في أيامه بلاد الأندلس، وقد صالحت على نفسها،
وأقامت على دينها إلى أن تزوجها عبد العزيز، فتمكنت منه تمكنًا كبيرًا، وتكنَّت بأم عاصم. ويقال: إنه سكن معها في كنيسة بإشبيلية، وهذا
بعيد أيضًا. ويقال: إنها قالت له: لِمَ لا يسجد لك أهل مملكتك، كما كان يسجد للذريق أهل مملكته؟ فقال لها: إن هذا حرام
في ديننا. فلم تقتنع منه بذلك، وفهم أنه إن لم يفعل ذلك نزل قدره عندها، مع أنه يحبها حبًّا جمًّا، فاتخذ بابًا صغيرًا قبالة
مجلسه، فإذا دخل عليه الناس اضطروا إلى الانحناء، وأفهمها أن ذلك كالسجود، ويقال: إنها قالت له: إن الملوك إذا لم يتوَّجوا فلا
مُلك لهم، فهل أعمل لك ما بقي عني من الجواهر والذهب تاجًا؟ فقال لها: ليس هذا في ديننا. فقالت له: من أين يعرف أهل بيتك
ما أنت عليه في خلوتك؟ فلم تزل به حتى فعل فرآه خلسة ومصادفة بعض الجند، فقالوا: تَنَصَّرَ. ثم هجموا عليه فقتلوه.

وعلى كل حال، فهذا يدل على تأثير الإسبانيات في أزواجهن من الأمراء، فكيف بمن دونهم؟ ومن الأدلة على ذلك ما حُكي عن عبد الرحمن الناصر أنه
بنى الزهراء على اسم حظية له، وأنفق فيها أموالًا لا تُحصى، وتفنن فيها ما شاء أن يتفنن، وقالوا: إن المعتمد بن عباد
تلقب بهذا اللقب من أجل جارية له إسبانية الأصل كانت تسمى اعتماد.

وقد حكى عبد الواحد المراكشي في كتابه «المعجب» أنه كان بمدينة قرطبة نحو ??? امرأة تكتب القرآن بالخط الكوفي، فكيف بغيرها؟

وكما عني الأندلسيون بالعلوم عنوا أيضًا بالفنون؛ ولقربهم من الفنون الإيطالية، والفنون الإسبانية والفرنسية، طبعت عمارتهم بطابع خاص غير
طابع الفنون المشرقية. وآثارهم الباقية في جميع مدن الأندلس تدل على عظمة ذوقهم، في قرطبة، وغرناطة، وطليطلة، وغيرها.
وقد بنى عبد الرحمن الناصر لجاريته الزهراء مدينة سماها كما ذكرنا باسمها، وجعلها متنزهًا ومسكنًا له ولحاشيته، ونقش صورتها على الباب،
وكان الأندلسيون يجلبون الصور والتماثيل من البلاد الأخرى كالقسطنطينية، وقلدوا بعض النقوش التي رأوها في كنائس إسبانيا
وصقلية، وروى بعض المؤرخين أن ثلاثة أعمدة في مسجد قرطبة كانت عليها نقوش وصور، كان على أحدها صورة عصا موسى، وعلى الثاني صورة
أهل الكهف، وعلى الثالث غراب نوح، وأكثروا من عمل الآنية والأثاث، ورسم الأشكال الهندسية العجيبة على الأبواب، وفي السقوف،
مما لا تزال آثاره باقية حتى اليوم، مع تفننهم العظيم في الموسيقى، والغناء، وربما كان الفضل الأول في ذلك لزرياب الذي قدم
من المشرق سنة (????)، فأجزل الخليفة عبد الرحمن بن الحكم العطاء له، وأسكنه، وأجرى عليه في كل شهر مائة دينار، وعلى من حضر معه
عشرين دينارًا لكل شخص. وقد زاد زرياب في العود وترًا خامسًا، وكان يحفظ الأصوات التي قبله، فقالوا: إنه كان يحفظ عشرة
آلاف صوت، وكان له جارية اسمها متعة، أدَّبها وعلَّمها، فصارت تحسن أغانيه، ومن رغبته الشديدة في الغناء والأصوات أنه كان يحلم بالصوت،
وكيفية توقيعه، فكان يقوم في الليل بعد أحلامه يسمعها لجواريه، حتى إذا حفظنها نام، ولم يكتفِ بتعليم الغناء، بل كان
له حظ عظيم من آداب اللياقة في مأكله وملبسه وعوائده، بثها في الأندلسيين، وأعجبوا بها حتى قلدوها، وإلى الآن ينسب نوع من الحلوى إليه في
الشرق ويسمونه «زلابيا»، والغالب أنه تحريف عن «زريابيا»، وقد عرف عنه أنه كان يقيم الولائم العظيمة يتفنن في ترتيبها،
وكان ذاك كله هو النواة الأولى في فخامة قصور الأمراء الأندلسيين وبيوت الأغنياء وأناقتهم.

وكان زرياب إلى ذلك كله مثقفًا ثقافة واسعة، فهو عالم في النجوم والجغرافيا والطبيعة والسياسة، وكان له خصوم أقوياء خصوصًا من الفقهاء،
وكان من خصومه المقتدر بن يحيى الغزال، فقد هجاه هجاءً مقذعًا، فنفاه عبد الرحمن الأوسط إلى العراق، ولولا أن خلفاء
زمانه أخذوا بيده ونصروه على خصومه لذهب ضحيتهم. ولرقة عواطف الأندلسيين أغرموا بالغزل، واستعانوا عليه بالموسيقى، والغناء والرقص، فكنت
تسمع في كثير من الأحياء حين تمر بالليل صوت الغناء والموسيقى في كثير من البيوت.

وكثر بجانب مجالس الغناء مجالس الأدب، وربما حضرها النساء أيضًا … قال بعضهم يصف مجلسًا:

وفتية كالنجوم حُسنًا
كلهم شاعر نبيل
منفذ الجانبين ماض
كأنه الصارم الثقيل
في مجلسه زانه التَّصابي
وطاردت وصفه العقول

ومن أعجب العجب ما رووه في صنعة الأندلسيين وفنهم عن عباس بن فرناس، فقد اخترع فن الطيران، وقالوا: إنه عمل آلة لها جناحان، فطار بها مسافة
لا بأس بها، وسقط عند النزول؛ لأنه لم يحسن تصميم الذيل عند النزول.

وقد أثرت الأندلس في العالم الأوربي بعلومها وفنونها أكثر مما أثر المشرق؛ لأنها قريبة من أوربا؛ ولأنه كان يقصدها كثير من الأوربيين، فيتثقفون
على العرب، ويتعلمون منهم، ويشاهدون حركاتهم، ويقلدونها في بلادهم. وكان كثير من اليهود يتعلمون العربية والعلوم والآداب
وينقلونها إلى أوساط أخرى؛ ولأن الأندلسيين غزوا جنوب فرنسا، وفتحوه إلى بلدة «بواتييه»، والأفكار سريعة الانتقال سرعة البرق، فلو قلنا:
إن الحضارة الأوربية طارت من على أكتاف الحضارة الإسلامية، وخاصة الأندلس، لم نكن بعيدين عن الصواب.

والتاريخ كل يوم يبين سلسلة من الأحداث يتشابه نتاجها مع نتاج العرب، ولا يجعل مجالًا للشك في أن أصولها مستمدة من العرب، في اللاهوت، وفي
القصص، وفي الطبيعة، والكيمياء، وفي الرياضة والهندسة، وغير ذلك. والعصبية الأوربية تحول كثيرًا بين الاعتراف بالحق،
ولكن التاريخ كفيل بكشف الحقيقة.

وكانت المدة الطويلة التي عاشتها الحضارة الأندلسية، إذ بلغت ثمانية قرون كفيلة بقوة الاحتكاك بين الشرق والغرب، واستفادة الغرب منها. هذا
مع ما عرف عن الأندلسيين من نزاع شديد على الخلافة وغيرها، وكثرة الثورات، والثوار، ولو أنه أتيح لها الاستقرار، وقَلَّ
هجوم الإسبانيين عليها كل حين، وخروجهم هم على أنفسهم لأتت بأضعاف ما أتت، واستفاد العالم من حضارتها أضعاف ما استفاد، ولكن لله في خلقه
شئون.

وفي الحق أن الأندلسيين كالمشرقيين أنتجوا في الأدب أكثر مما أنتجوا في العلوم، سواء النثر أو الشعر، وأكثروا من وصف الحياة الاجتماعية،
وما تستدعيه مجالس اللهو والغناء والشراب، والعلاقة بالنساء، والحروب، والقول في ألم الفراق، والرقص، والراقصات، والمناظر
الطبيعية، والملاحم في تاريخ الأندلس، وغير ذلك؛ ولكل هذا مع ما عرف من طبيعة العرب من كثرة القول وطواعية اللسان، مما جعلهم ينتجون من
الأدب أكثر مما ينتجون في العلوم الرياضية والطبيعية، وتقرأ تراجم علمائهم فترى كأن كل عالم شاعر، حتى الفلاسفة والفقهاء.
والطبيعة العربية في الأندلس كالطبيعة العربية في المشرق، ما هو إلا أن يتجه الذهن إلى شيء، حتى يدر القول، وينساب الكلام.

ولقد كانت واقعة «شارل مارتل» وقعة فاصلة بين المسلمين في الأندلس، والنصارى في أوربا. إذ لولا هزيمة المسلمين لتقدموا حتى فتحوا أوربا
كلها، واستفاد الفاتحون مما يرون من أخلاق وعادات وفنون، ولاستفاد الأوربيون من دين العرب ولغتهم وعلمهم، ولكان العالم
أشبه ما يكون بوحدة، ولكن شاء الله أن يقفوا عند هذا الحد؛ ورأى النصارى تمجيد «شارل مارتل»؛ لأنه حماهم من غزو العرب، واعتقدوا أنه لو
غلبهم المسلمون لما كانت نهضتهم، ولا استقلالهم، ولا علمهم، ولا فنهم.

ومن يدرينا؟ فالعالم كله ليس يتسع لسلطة واحدة، ولا لجنس واحد، واختلاف الناس إلى أجناس وشعوب وأديان يجعل الاحتكاك أتم، والصراع أشد، والتسابق
إلى الفضائل أقوى. ومن كل ذلك يكسب العالم رقيًّا وتقدمًا، ألا ترى أن الحروب على شدتها وويلاتها وكوارثها تسفر آخر
الأمر عن تقدم عظيم في العلوم والفنون، كما أسفرت الحرب الأخيرة عن تقدم في الطيران، والعقاقير الطبية، والعمليات الجراحية، والشئون الاقتصادية،
بل وفي كل مرفق من مرافق الحياة. والتجارب علمتنا أن ليس هناك خير محض، ولا شر محض، وأن الشر الكثير قد يأتي بخير كثير.


ولما تقسمت الدولة الأندلسية إلى طوائف، كانت ملوك كل مدينة تزهى بالعلماء، وتقربهم، وتعتقد أنهم أحسن دعاية لهم؛ وقد ساعد على ذلك أن البلاغة،
وإتقان الأدب، كانا أيضًا وسيلة للوزارة، كذلك كان الخلفاء في الأندلس في حاجة شديدة إلى الطب والتنجيم، فقربوا الأطباء
والمنجمين، وكان الطب والتنجيم المدخل إلى الفلسفة.

واشترك اليهود في الحياة الثقافية مشاركة فعالة، وكانوا منبثين في طول البلاد وعرضها، ومنهم من اشتغل بالطب، ومنهم من أمسك مالية الدولة
مثل «حَسْدَاي بن شَبْروط» الذي كان يسيطر على مالية الدولة في عهد عبد الرحمن الناصر، ومنهم من ارتقى إلى منزلة الوزارة
مثل «إسماعيل بن نَغْزِلَة» في ظل الأمير البربري «حَبَوس» في غرناطة، وكان لليهود تأثير كبير في مساعدة بعض الأمراء، وخذل بعضهم.

وأحيانًا يضيق المسلمون ذرعًا بسوء تصرفهم، وتعسفهم، فيضطهدونهم، وينكلون بهم.

وكانت المملكة الإسلامية بالنسبة للعلماء والرحالين كرقعة شطرنج، يذهبون فيها ويجيئون من غير مراقبة أو تشديد؛ لذلك سرعان ما رأينا علماء
من المشرق يذهبون إلى الأندلس، وعلماء من الأندلس يذهبون إلى المشرق، وهم لا يستقرون على حال واحدة وهم كلما حلوا في
بلدة استفادوا وأفادوا؛ ولذلك تجد في تراجم كثير من العلماء الرحلة من هنا إلى هناك، وبالعكس.

ولما ضعف شأن أمراء الأندلس بتفرقهم، وكثرة حروبهم، وغلبة النصارى عليهم، استنجدوا بأهل المغرب، فأولًا: استنجدوا بالمرابطين فكان في المغرب
قبيلة اسمها «لمتونة» إحدى قبائل صِنهاجة، وهي قبيلة ضاربة في الجنوب، حتى بلاد السنغال، ومسيطرة على الشعوب الزنجية
المجاورة، حتى آل أمر هذه القبيلة «ليوسف بن تاشْفين»، فلما استدعي لمعاونة الأندلسيين عدَّى البحر بجنوده، وصار إلى إشبيلية، فحارب
الإسبان وغلبهم، وتغلب على أكثر بلاد الأندلس، حتى لقد عزل الملوك المسلمين لضعفهم، وعدم قدرتهم على الدفاع عن بلادهم.
وكان يوسف بن تاشفين ذا نزعة دينية تخالف نزعة الغزالي، وكره منه إفراطه في الدعوة إلى محاسبة النفس، فأصدر قاضي قرطبة وزملاؤه
فتوى بأن الغزالي مبتدع زنديق، وعلى ذلك أحرقوا كتابه «إحياء علوم الدين» في قرطبة على مرأى من الشعب، وفرضت عقوبة الإعدام
على كل من يقرؤه، واضطهدوا اليهود حتى فَرَّ كثير منهم، ودعوا إلى تفسير جميع الآيات المجسمة للذات العلية، كوجه ربك،
ويداه مبسوطتان، تفسيرًا حرفيًّا، وسفهوا رأي المعتزلة في تأويل كل هذه الآيات.

ثم حدث أن رحل إلى بغداد رجل اسمه «محمد بن تومرت» من قبيلة (مصمودة) البربرية، ومن أبناء جبل السوس في الجنوب الغربي من مراكش، بعد أن
قضى مدة في قرطبة، شهد فيها إحراق كتب الغزالي، وقرأ فيها كتب ابن حزم، وفي بغداد وقف على تعاليم الأشعري واعتنقها،
فلما رجع إلى المغرب، أعلن حربًا شعواء على مذهب المرابطين في التجسيم، ودعا إلى التأويل والتنزيه، وقد عرف أتباعه بالموحدين، كما عرف أتباع
يوسف بن تاشفين بالمرابطين. واستولى هو على الأندلس، ونشر تعاليمه بين أفرادها.

قال في المعجب: «وفي عهد المرابطين عظم أمر الفقهاء؛ لأن أمراءهم لم يكونوا يقطعون أمرًا، ولا يبتون في صغير من الأمور ولا كبير، إلا بمحضر
أربعة من الفقهاء، فبلغ الفقهاء في أيامهم مبلغًا عظيمًا لم يبلغوا مثله في الصدر الأول من فتح الأندلس … فكثرت لذلك
أموالهم، واتسعت مكاسبهم. وفي ذلك يقول بعض الشعراء:

أهل الرياء لبِسْتُمو نامُوسَكم
كالذئب أدلج في الظلام العاتم
فملكتم الدنيا بمَذهب مالك
وقسمتم الأموال بابن القاسم
وركبتم شهب الدواب بأشهب
وبأصْبَغ صُبِغت لكم في العالم»
?
وفيه أيضًا: «أن الفقهاء قرروا في مجالس أمراء الموحدين تقبيح علم الكلام، وكراهة السلف له، وهجرهم من ظهر عليه شيء منه، وأنه بدعة من الدين،
وربما أدى أكثره إلى اختلال في العقائد، وكتبوا إلى البلاد بالتشديد في نبذ الخوض في شيء منه، وتوعد مَن وجد عنده شيء
من كتبه. ولما دخلت كتب الغزالي المغرب، أمر أمير المسلمين بإحراقها، وتقدم بالوعيد الشديد من سفك الدم واستئصال المال إلى من وجد عنده
شيء منها».
?
«ثم اختلت أحوالهم اختلالًا شديدًا، فظهرت في البلاد مناكير كثيرة، واستولى النساء على الأحوال وأسندت إليهن الأمور، وصارت كل امرأة من
أكابر لمتونة مشتملة على كل مفسد وشرير، وقاطع سبيل، وصاحب خمر وماخور. وأمير المسلمين في ذلك يتزيد تغافله، ويقوى
ضعفه، ويقنع باسم إمرة المسلمين».
?
«ولما رأى أعيان بلاد الأندلس ما ذكرناه من ضعف أحوال المرابطين، أخرجوا مَن كان عندهم من الولاة، وكادت الأندلس تعود إلى سيرتها الأولى،
وقام بغرب الأندلس دعاة فتن واستفزوا عقول الجهال واستمالوا قلوب العامة»،
??
فكان ذلك سببًا في دخول الموحدين، وحلولهم محل المرابطين، وكان زعيم الموحدين محمد بن تومرت، وفي أيامه انتشر الصالحون والمتبتلون وأهل
علم الحديث فقامت لهم سوق … وفي أيامه انقطع علم الفروع وخافه الفقهاء، وأمر بإحراق كتب المذهب … فأحرق منها جملة في
سائر البلاد. قال صاحب المعجب: «وقد شهدت ذلك وأنا بمدينة فاس، يؤتى منها بالأحمال، فتوضع ويطلق فيها النار، وتقدم إلى الناس في ترك الأشغال
بعلم الرأي، والخوض في شيء منه، وأمر جماعة ممن كانوا عنده من علماء المدينة بجمع أحاديث من المصنفات المشهورة في الأحاديث،
كالبخاري ومسلم، فجمعوا ما أمرهم بجمعه، فكان يمليه بنفسه على الناس، ويأخذهم بحفظه».
??

وفي عهد دولة الموحدين هذه ظهر ابن طفيل وابن رشد الفيلسوفان الكبيران، ولكن دولة الموحدين التي انتظمت الأندلس والمغرب إلى تخوم مصر، واتسعت
اتساعًا لم يكن له نظير من قبل أصابها الانحلال، وانغمس خلفاؤها في الترف، بينما كان الإسبان يقوَون شيئًا فشيئًا،
ويتسلطون على البلاد شيئًا فشيئًا. وأعقب المرابطين والموحدين في السيادة على غرناطة (بنو نصر) ويسمون بني الأحمر، وكان أجداد بني الأحمر
هؤلاء من قبل ملوكًا على سرقسطة، فتصدروا بعد خروج الموحدين لجهاد الإسبانيين، ولم يكونوا يقاومون النصارى وحدهم، بل
كانوا يقاوموا أيضًا بعض الملوك المسلمين الذين يهاجموهم، حتى اضطروا أخيرًا إلى أن يكونوا في حماية فردينند الثالث ملك قشتالة.
وازدهرت العلوم والآداب في عهد بني الأحمر، ومن أشهر رجالهم، وأكبر أدبائهم «لسان الدين بن الخطيب» الذي ألف فيه المقري نفح
الطيب، وكان ابن الخطيب وزيرًا لأحد ملوك بني الأحمر، وقد ألف كتبًا كثيرة، وهو الذي كانت بينه وبين ابن خلدون مكاتبات
وصداقة، عكرها التنافس بينهما؛ إذ كان ابن خلدون قد سفر لبني الأحمر إلى صاحب قشتالة ونجح في سفارته، فلما أحس بتغير قلب ابن الخطيب
هاجر ابن خلدون إلى إفريقيا ثم مصر. هذا إلى غير ابن الخطيب من العلماء والخطباء.

ثم كان من مفاخر بني الأحمر ظهور النابغتين المشهورين وهما: ابن بطوطة، وابن جبير. فابن جبير أبحر من جزيرة طريف إلى الإسكندرية ومكة، ولما
فرغ من حجه انقلب إلى العراق، فالموصل، فحلب، فدمشق، فعكه؛ ومن ثَمَّ ركب البحر إلى صقلية، وكان في القاهرة أيام صلاح
الدين، فوصف ما شاهده وصفًا دقيقًا، وكان من توفيق الله له أن طاف هذه البلاد والحضارة الإسلامية في أشد ازدهارها، فوصفه بحق يعد وصفًا
دقيقًا للحضارة الإسلامية في عهدها.

وابن بطوطة رحل، واستغرقت رحلته نحوًا من خمس وعشرين سنة، وطاف في أمصار فارس، وآسيا الصغرى، وشبه جزيرة القرم، ثم القسطنطينية، ثم الهند،
وشغل سنين منصب قاضٍ في دلهي، ووفق بعد إلى رحلة أخرى إلى الصين، فزار سوتُنْج وكانْتُون، ثم قفل إلى جزيرة العرب من
طريق سومَطْرا، حتى بلغ فارس، ثم رحل رحلة أخرى إلى بلاد الزنوج، واستقر بعدها في مراكش، وربما عُد زعيم الرحالين إذ لم يبلغ أحد مبلغه.


وبعد أن ازدهر بنو الأحمر في حروبهم وعلومهم وفنونهم، عدا عليهم الزمان، فأنزل أواخرهم من عروشهم، وأفقدهم سلطانهم، وماتوا في حسرة على
عزهم، وسطوتهم، وأبَّهتهم، وعظمتهم، وكانوا آخر من ملك بالأندلس. وذلك أنه لما فتح المسلمون الأندلس، تركوا جزءًا منها
في الشمال، في جبال البرانس، وكان جزءًا وعرًا، يسكنه بعض النصارى البدو الأجلاف، فتركهم المسلمون، ولم يعبئوا بهم، ولكن ظلوا يقوون شيئًا
فشيئًا، واستطاع هذا العدد القليل أن يضم حوله كثيرًا من نصارى إسبانيا، وفرنسا، وغيرهما، وكانوا يحمسونهم بإثارة العاطفة
الدينية، فكانوا شوكة دائمًا في جنب المسلمين، يخرجون عليهم من حين لآخر، وكانوا ينكمشون إذا أحسوا من الأمير الأندلسي قوة، كعبد الرحمن
الداخل، وعبد الرحمن الناصر، والمنصور بن أبي عامر، أما إذا شموا أية رائحة ضعف، فإنهم يعيثون في الأرض فسادًا، وظلوا
يقوون شيئًا فشيئًا، والمسلمون يضعفون شيئًا فشيئًا بتخاذلهم، وكل يوم تسقط في أيديهم إحدى المدن، حتى وقعت الأندلس كلها في
قبضة أيديهم. فهذا القسم الصغير الذي تركه المسلمون في الشمال استصغارًا لشأنه، ووعورة مسلكه، جر على المسلمين فيما بعد الوبال.


فالدولة الأندلسية كانت أشبه ما تكون بشجرة مقلوبة فروعها في الأرض، وجذورها في السماء، فجذورها أول ما عرفت الأندلس المسلمين هم الجنود
والولاة الذين كان يرسلهم الخلفاء الأمويون من بعد الفتح إلى دخول عبد الرحمن، وذلك من سنة ?? إلى سنة ????. وفي هذه
الفترة لم يكن تقررت في الأندلس قواعد الملك، ولا ثبتت جذوره، ولا وضع للثقافة منهج معروف، بل كانت نتفًا هنا أو هناك. وكانت تكثر الخلافات
بين العرب أنفسهم من يمنية ومضرية، وبين العرب والبربر من ناحية، والمولدين من ناحية أخرى؛ ولذلك كانت الإمارة مقلقة
مضطربة.

وجذع الشجرة هو الخلافة الأموية من عهد عبد الرحمن الداخل إلى سقوط الأمويين، ومجيء عصر الطوائف، والأمويون هم الذين وضعوا دعائم الدولة،
ووضعوا لها نظمًا ثابتة، ساروا عليها حياتهم، من أهمها وحدة البلاد، فلا يصح لداخلي ولا خارجي أن يقتطع جزءًا منها
إلا ما يضطرون إليه بحكم الانهزام في الحرب. ولما استقلوا عن العباسيين حافظوا على استقلال البلاد من أي تدخل داخلي أو أجنبي، ثم كان أمامهم
مطمح سعوا إليه، وهو أن تكون البلاد كلها مسلمة أولًا، مالكية المذهب ثانيًا. ثم لما كانوا من نسل الأمويين في الشرق،
وكانت دعامة الأمويين في الشام، وعاصمتهم في الشرق دمشق، وكان عدد كبير من الفاتحين من الشاميين آثروا نقل التقاليد الشامية إلى
الأندلس، وهي تخالف التقاليد العراقية، والتقاليد المصرية، والمدينية، وغيرها.

وقد مجَّدوا هذه التقاليد، حتى عرف أن من أراد الخروج عليهم خرج عليها، كما يفعل الخارجون على بني العباس بلبس البياض؛ ولذلك رأينا خارجين
عليهم يتخذون علامة خروجهم الخروج من مذهب مالك، أو الانضمام إلى العباسيين، أو محاولة الاستقلال، أو نحو ذلك. وكان
من أمجد أعمالهم اتجاههم نحو الثقافة، فعبد الرحمن الناصر مثلًا وضع فكرة انتداب العلماء من المشرق، والحكم ابنه وضع فكرة إنشاء مكتبة عظيمة
في الأندلس، وغيرهما وضع فكرة تشجيع العلماء وتقديرهم، وهكذا؛ ولذلك إذا أرَّخْنا الحياة الفكرية في الأندلس وجب أن
نسند الفضل الأكبر إلى الأمويين، فالحق أن ازدهار العلم أيام ملوك الطوائف يرجع إلى سببين هامين:
list of 2 items
(?) أن البذرة الأولى التي وضعها الأمويون نضجت فيما بعد في عهد الطوائف.

(?) أن انقسام الدولة في عهد ملوك الطوائف جعل الأمراء يتنافسون على تزيين إماراتهم بالعلم والأدب، كالذي حدث في المشرق عند
انقسام الدولة العباسية بين طولونية، وفاطمية، وحمدانية وغيرها. فهذان العاملان أكبر ما رأينا
في تنشيط الحركة العلمية في الأندلس، ولعل أصدق شاهد على ذلك نبوغ ابن حزم وابن شهيد في أواخر عهد الأمويين، وأوائل الدولة
العامرية، فالذي يستحق فضل ظهورهما هم الأمويون، وكلاهما معروف أنه كان له ميول أموية، وإن
ازدهر آخر وقته في عهد العامريين.
list end

أما فروع الشجرة فنجدها عند ملوك الطوائف، فقد كان جذر الشجرة قد تأسس ولم يبقَ إلا عامل عرضي، وهو تشجيع الملوك للحركة الثقافية، فهؤلاء
أمراء يميلون للأدب، كبني الأفطس، فتزدهر الآداب في عهدهم، وهؤلاء يميلون إلى الاجتهاد وحرية الفكر وحب الفلسفة فيزدهر
ذلك عندهم، وهؤلاء يميلون إلى الفقه فيزدهر الفقه، كبني جهور. وبذرة هذه الشجرة دخول الفاتحين، وحكم الولاة من قِبَل الأمويين والعباسيين
من سنة ?? إلى سنة ????، ثم تولاها ملوك أمويون من سنة ??? إلى سنة ????، ثم تولاها ملوك الطوائف، ومن أشهرهم بنو عباد
في إشبيلية، وبنو جَهْوَر في قرطبة، وبنو هود في سرقسطة، وبنو نصر في غرناطة، وبنو ذي النون في طليطلة، وظلت ملوك الطوائف هذه تسقط واحدة
بعد أخرى، وكان آخرها سقوط غرناطة، وانتهاء الأندلس سنة ????.

وقد توقع بعض المؤرخين والفقهاء سقوط الأندلس، لما رأى أن النصارى يزدادون قوةً وتوحدًا، والمسلمين يزدادون ضعفًا وتفرقًا، حتى إن ابن حيان
مؤرخ الأندلس الكبير توقع سقوط الأندلس من عهد بعيد، فإنه لما رأى سقوط بربشتر في يد النصارى في سنة ???? قال: «وقد
استشففنا
??
بشرح هذه الحالة الفادحة، مصائب جمة، مؤذنة بوشك القُلَعة
??
…» ولما سقطت طليطلة قال شاعرهم:
يا أهل أندلس شدوا رواحلكم
فما المقام بها إلا من الغلط
السلك يُنْثر من أطرافه وأرى
سلك الجزيرة منثورًا من الوسط
من جاور الشر لا يأمن بوائقه
كيف الحياة مع الحيات في سَفَط

وقد ساعد الإسبان دعوتهم النصرانية الواسعة وحماستهم الدينية لطرد المسلمين أعدائهم في الدين، واعتبارهم المسلمين دخلاء على البلاد يجب
طردهم منها، وإعادتها كما كانت. أما من ناحية المسلمين، فكانوا على العكس من ذلك متخاذلين، ينظر كل أمير إلى شخصه،
لا إلى المصلحة العامة، ولعلنا نستطيع أن نعرض على القارئ صفحة من مظاهر هذا:

فمثلًا كان ابن هود أميرًا على مرسية، ودعا إلى تحرير الأندلس من الموحدين والنصارى على السواء، وكان المأمون الموحدي أميرًا على بلنسية،
فوقع العداء بين ابن هود والمأمون، واضطر ابن هود أن يتحالف مع ملك قشتالة النصراني وأن يتنازل له في نظير ذلك عن عدد
من القواعد والحصون، وأن يتعهد بمنح النصارى في أرضه بعض الامتيازات. وكانت بلنسية في يد الموحدين، وتولى إمارتها أبو عبد الله محمد أخو
المأمون، وتلقب بالعادل، فلما رأى لجوء ابن هود إلى ملك قشتالة لجأ هو أيضًا إلى الاستغاثة بملك أرجوان، وتعهد له بأداء
الجزية، فلما رأى سخط شعبه عليه من أجل ذلك، التجأ إلى ملك أرجوان واعتنق النصرانية، وكذلك فعل أبو جميل الزيَّان أمير مرسية
إذا طلب حماية ملك قشتالة، ووقَّع معه عقد مهادنة، ولما ظهر بنو الأحمر في غرناطة واستولوا عليها، خاصم ابن الأحمر عتبة بن يحيى
المُغيلي، وكان المغيلي هذا يأمر بسب ابن الأحمر على المنابر، فوقع بين الخصمين قتال عنيد. ثم رأينا والي مرسية، ووالي
لقَنت وأريولة، وغيرها يعقدون الصلح مع ملك قشتالة على أن يعترفوا بطاعته، ويؤدوا له الجزية، وأن يظلوا في ظله، يحكمون ويستأثرون بموارد
بلادهم تحت حمايته، ولما كثرت المعارك بين ابن الأحمر، وملوك النصارى، وأمراء الولايات اضطر ابن الأحمر إلى لقاء ملك
قشتالة في معسكره وتقديم الطاعة له، وتأدية جزية له قدرها مائة وخمسون ألف قطعة من الذهب، واشترط ملك قشتالة على ابن الأحمر أن يعاونه في
حروبه ضد أعدائه، وأن يحضر المجلس النيابي لقشتالة مثل سائر الأمراء التابعين للعرش.

هذه صفحة صغيرة ترينا كيف كان الأمراء يعبثون في وقت الجد، وكيف كان العداء بين بعض الأمراء المسلمين وبعض، يجعلهم يهرعون إلى ملوك النصارى
يعاهدونهم، وينزلون لهم عن بعض أرضهم، ويؤدون لهم الجزية، والعدو يستخدم هذه المعاهدات والمخالفات في ضرب بعض المسلمين
بعضًا، ولم تقتصر هذه المأساة على فعل أمير واحد، بل قلد بعضهم بعضًا، وسار من العادات المألوفة أن الأمير المسلم إذا اضطر لجأ إلى ملك
من ملوك النصارى.

وحدث مرة أن تولى غرناطة الأمير إسماعيل من بني الأحمر، وانتصر في عدة مواقع، وسقط في يده كثير من المدن والقلاع. وكان من أكبر سبب نصرته
استعمال الحديد والنار من آلات قاذفة، تشبه المدافع كانت تدك الحصون، وتوقع الناس فتوحات له متعاقبة، فلما عاد مرة
من انتصار رائع قُتل بباب قصره غيلة بعد ثلاثة أيام من رجوعه؛ قتله ابن عمه؛ لأنه اختلف معه على فتاة رائعة الحسن، كانت من السبايا في إحدى
المواقع.

ثم حدث أن كان بلاط بني الأحمر في آخر أيامهم في أسوأ حالة، فمن ذلك أن أمير غرناطة وهو أبو الحسن تزوج بابنة عمه التي تسمى عائشة الحرة،
وكان من أشجع الناس وأذكاهم، وظل معها زمنًا طويلًا، وولدت منه ولدين، أكبرهما أبو عبد الله وهو الذي سقطت الأندلس
في عهده، والثاني أبو الحجاج يوسف، ولكن تزوَّج أبو الحسن هذا في آخر أيامه بفتاة جميلة نصرانية، اسمها ثريا، وكان اسمها النصراني إيزابيلا،
كانت قد أُسِرَتْ واتخذت مولاة في دار أبي الحسن، ثم تزوجها، وحظيت عنه، وفضلها على السيدة العجوز عائشة، وأولدها ولدين
أيضًا، وتدخلت في شئون الدولة، وعُرفت بالدهاء وسعة الحيلة، ولا نستبعد أنها كانت جاسوسة على البيت الغرناطي المالك للنصارى المحاربين؛
حنانًا إلى أصلها، وإن كنا لم نر نصًّا في ذلك. وأصبح البيت المالك بذلك قطعة من نار، الزوجة تكره ضرتها، وأولاد كل
زوجة يعادون أولاد الزوجة الأخرى، وما لبثت غرناطة نفسها أن انقسمت انقسام البيت المالك، حتى أصبح أبو عبد الله يعادي أباه،
ويعمل لمناهضته، وكذلك يفعل الأب، وكل يستنصر بملوك النصارى ليعاونوه على خصمه، فكيف بعد كل هذا الفساد تقوم مملكة؟

وزاد الطين بِلّة أن المسلمين كانوا قد أجادوا استعمال النفات وهي آلات تشبه المدفع في أبسط أشكاله، واستخدموه في حروب الصليبيين وأتقنه
الأندلسيون وأخذه الإسبانيون عنهم وزادوا في تحسينه، واتخذوه وسيلة فعالة لدك الحصون، فكان هذا قوة كبرى في انتصار
الإسبان إلى ضعف المسلمين وسوء تصرفهم، وفساد علاقاتهم.

يضاف إلى ذلك أن المسلمين بالأندلس استنجدوا بملوك المسلمين في أنحاء العالم من مغاربة ومصريين وأتراك، فلم يغيثوهم، ونظرت كل مملكة إلى
نفسها، والاقتصار على مشاكلها، بينما كان النصارى في إسبانيا وإيطاليا وفرنسا وغيرها يتعاونون على طرد المستعمرين من
الأندلس، وإعادتها مملكة نصرانية كما كانت، فاجتمعت الألفة والقوة والحماسة على الضعف والتفرق والتخاذل، فكانت النتيجة طبيعية، ولن تجد
لسنة الله تبديلًا.

فمثل هذه الأمور هي التي جعلت بعيدي النظر من أهل الأندلس يرون الخاتمة محققة، وهي طردهم من البلاد واستيلاء الإسبانيين عليها، وقد كان


هذه خلاصة وجيزة لحالة الأندلس الاجتماعية، وحياتها الفكرية، نفصلها فيما يأتي إن شاء الله.

هوامش
(?)
رجل معروف بالعقل.
(?)
أبو فروة.
(?)
الفحوص: جمع فحص، وهو المرعى يملكه فرد أو جماعة، ويستعمل في الجزائر ومراكش بمعنى الضاحية.
(?)
السفن: جلد متين كجلد التماسيح.
(?)
نفح الطيب (??/????) نقلًا عن ابن سعيد.
(?)
انظر: القصيدة والقصة في ترجمة الغزال.
(?)
انظر: المعجب ص???.
(?)
المصدر المذكور ص???.
(?)
المعجب ص???.
(??)
المصدر المذكور ص???.
(??)
المصدر المذكور ص???.
(??)
وردت هذه العبارة غامضة في الأصل هكذا «وقد أشفينا» بدل «استشففنا» و«جليلة» بدل «جمة»، ولم نفهم لهما معنى. واستشف الشيء: تبينه
من بعد.
(??)
القلعة: الضعيف إذ بطش به ولم يثبت.
الفصل الثاني

الحركة الدينية

بدأت العلوم الدينية في الأندلس بانتقال بعض الصحابة والتابعين حينما همَّ موسى بن نصير بغزو الأندلس وفتحها، فكان معه بعض الصحابة والتابعين؛
نذكر منهم: المُنَيْذر أو المنذر على اختلاف فيه، وهو صحابي، وممن دخلها من التابعين موسى بن نصير الفاتح، وعلي بن
رباح، وحَنَش بن عبد الله الصنعاني، كانوا جنودًا في الجيش الفاتح، وهم مع ذلك حملة علم، وربما كان حنش هذا أعلم التابعين، وهو من أصل يمني؛
كان من أصحاب علي بن أبي طالب، وخرج مع عبد الله بن الزبير على عبد الملك بن مروان، وكان أهل الأندلس يفخرون بوجوده
بينهم. وأما علي بن رباح فبصري تابعي، وكان له مكانة عند عبد العزيز بن مروان في المشرق.

هؤلاء وأمثالهم بذروا البذرة الأولى في العلوم الدينية في الأندلس، وكانت أشبه ببذرة المشرق، فكانت عبارة عن قرآن كريم يتلى ويحفظ ويقرأ
بالقراءات، وحديث يفسَّر عن النبي وعن الصحابة. والحديث يتضمن أحكامًا دينية، وأخبارًا عن سيرة الرسول وغزواته، وأعماله،
وأخبار أصحابه وآرائهم وروايتهم … إلخ. والثقافة الأولى في المشرق والمغرب فيها دين وفيها أخلاق، وفيها تاريخ، وفيها غير ذلك، وكانت هذه
الأقوال تنتشر انتشارًا كبيرًا، حتى لتترجم إلى اللغة البربرية، ويتثقف بها البرابرة والمولدون، وكان هذا عملًا جليلًا
قام به هؤلاء الصحابة والتابعون وكانوا يعدون الرعيل الأول. وأما الطبقة الثانية فمن أشهرهم رجال ثلاثة:
list of 3 items
(?) عبد الملك بن حبيب السلمي.

(?) يحيى بن يحيى الليثي.

(?) عيسى بن دينار.
list end

فأما عبد الملك بن حبيب، فله فضل نشر مذهب مالك في الأندلس، إذ كان مالكيًّا، وفي بعض الأقوال أنه لقي الإمام مالكًا وأخذ عنه وكان فقيهًا
عالمًا، ومعلمًا ممتازًا في إلقائه وسعة اطلاعه. وكان يقال في الأندلس: «فقيه الأندلس عيسى بن دينار، وعالمها عبد الملك
بن حبيب، وراويها يحيى بن يحيى». وقد كانت الثقافة العامة بين المتعلمين الفقه والأدب، ثم التخصص، فترى أكثر علماء الأندلس فقهاء أدباء
أولًا، ثم متخصصين، وهكذا كان عبد الملك هذا أديبًا مؤرخًا عالمًا باللغة والإعراب، له الأشعار الكثيرة، ثم متخصصًا
في الفقه.

نعم؛ طَعَن بعضهم في بعض أحاديثه، وقالوا: إن له غرائب لم يعرفها المحدثون، ولكن الأكثرين على توثيقه. وأما يحيى بن يحيى الليثي، فقد أتم
نشر مذهب الإمام مالك إذ كان رجلًا وقورًا مهيبًا ذا سلطة ونفوذ، فعمد إليه خلفاء الأندلس أن يختار هو القضاة وإذ كان
مالكيًّا كان لا يختار إلا المالكية، وإذ ملأ الناس حب الدنيا رغبوا في المذهب للمنصب. وأسس يحيى لقضاة الأندلس أسسًا متينة، فقد وضع نظام
القضاة، وسمِّي قاضي القضاة، وقاضي الجماعة، ورتب مجلسًا للشورى، وسمَّى أعضاءه، فكان إذا ترجم لشخص منهم كان من شرفه
أنه من رجال الشورى. ومن الأسف أننا لم نقف على النظام الدقيق لهذا المجلس إلا نتفًا هنا ونتفًا هناك، وكل ما نستطيع أن نقوله: إنه كان
ينظر في الفتيا وفي المشاكل الفقهية، ويبدي فيها رأيه. وكان عددهم في بعض الأزمان كما روى بعض المؤرخين ستة عشر، وأصل
يحيى هذا من البربر، خرج إلى مالك في المدينة، وتفقه عليه، وروى الموطأ عنه، وروايته مشهورة في الشرق كله، وسمع من غير مالك، فسمع
في مصر من الليث بن سعد، وفي مكة من سفيان بن عيينة، وعبد الله بن وهب، وعبد الرحمن بن قاسم العُتقي، وكان عفيفًا أمينًا،
فكان في الأندلس كأبي يوسف في المشرق، إلا أن يحيى تعفف عن القضاء، وعن المناصب الحكومية، فزادت قيمته.

ومما يدل على جلالته وجاهه أن الأمير عبد الرحمن الناصر، اتصل بجارية يحبها في رمضان ثم ندم على ما فعل ندمًا كبيرًا، فسأل يحيى عن الكفارة،
فقال له: تصوم شهرين متتابعين. فلما خرج قيل له: لِمَ لم تُفْت بمذهب مالك في التخيير بين الصوم وعتق رقبة، فقال: «لو
فتحنا له هذا الباب لسهل عليه أن يتصل كل يوم بجواريه، ثم يعتق رقبة، ولكن حملته على أصعب الأمرين؛ لئلا يعود». وقد اتهم بإثارة الشغب في
وقعة الرَّبَض المشهورة، ضد الأمير الحكم، ثم عفا عنه، وقد كان في الأندلس ملكًا غير متوج، ومات سنة ????.

وأما عيسى بن دينار فقد كان فقيهًا بارعًا، ومؤلفًا مكثرًا، ألف كتاب الهداية. ويقول ابن حزم: «إنه أرفع كتب جمعت في معناه على مذهب مالك،
وأجمعها للمعاني الفقهية على المذهب». وقال بعض المؤرخين: «إنه لم يكن أحد في وقته أعلم منه». وقد جمع بين الفقه والزهد،
وتولى قضاء طليطلة، ورأس الشورى بقرطبة، وعدوه أفقه من يحيى بن يحيى الليثي، وقد توفي سنة ???? على أشهر الأقوال.

وعلى الجملة: فقد كان هو وابن حبيب ويحيى أفراس رهان، كل له ميزته.

هؤلاء كانوا ناشري العلم الأولين في بلاد الأندلس، وجاء بعدهم طبقة أخرى قدمت العلم خطوة جديدة؛ من أشهرهم: قاسم بن أصبغ من أهل قرطبة،
فقد ساح بالقيروان وبمصر وبالعراق، ثم عاد إلى الأندلس بعلم كثير، وكان بصيرًا بالحديث والرجال، ألَّف كتابًا طويلًا
ثم اختصره، وسماه «المجتنى»، وقدمه للحَكَم المستنصر؛ وفيه من الحديث المسند ألفان وأربعمائة وتسعون حديثًا في سبعة أجزاء. فهو كذلك أكثر
من الحديث وصنفه على أبواب الفقه، وكان له الفضل في نشر العلم بالأندلس على هذه الطريقة، وله مصنف جليل القدر، احتوى
على بيان صحيح الحديث وغريبه، كما ألَّف في أحكام القرآن، وفي فضائل قريش، وفي الناسخ والمنسوخ، وقد ولد سنة ????.

وبَقِي بن مخلد، وقد ساعد أيضًا على تدعيم مذهب مالك، وكان واسع الاطلاع، وإنما قلنا: إنه نقل العلوم نقلة جديدة؛ لأنه جمع أحاديث كثيرة
كما فعل الإمام أحمد، وصنفها على حسب أبواب الفقه، وبيَّن الاستنباط منها، فكانت كتبه كتب حديث وفقه معًا. هذا إلى
سعة في التحصيل، فقد رووا أنه كان له مائتان وأربعة وثمانون شيخًا. ولما أراد ابن حزم أن يفخر بمن في الأندلس من علماء، كان بقيُّ هذا أحد
الذين افتخر بهم وعدَّه من مفاخرها. وقد ألَّف بقي هذا تفسيرًا كبيرًا اطلع عليه ابن حزم، وقال: «أقطع أنه لم يؤلف
في الإسلام مثل تفسيره، لا تفسير محمد بن جزير الطبري ولا غيره». وله كتاب في الحديث كبير، رتب فيه حديث كل صحابي على أبواب الفقه، فهو
مسند ومصنف، قال ابن حزم: «وما أعلم هذه الرتبة لأحد قبله، مع ثقته وضبطه وإتقانه، واحتفاله في الحديث». وله مصنف في
فتاوى الصحابة والتابعين. وعلى كل حال فقد كان دعامة من دعائم العلم في الأندلس.

وخطوة ثالثة: وهي التوسع في استنباط الأحكام من القرآن والأحاديث الصحيحة، وربما كان من خير من يمثل هذه الطبقة أبو عمر يوسف بن عبد البر،
فقد ألَّف كتابًا سماه «التمهيد»، وكان كتابًا واسعًا، ملأه بالكلام على فقه الحديث، وألَّف كتابًا كبيرًا سماه «الكافي
في الفقه» على مذهب مالك، قصره على ما بالفتى حاجة إليه؛ كما ألف كتابًا في الصحابة جليلًا اسمه «الاستيعاب» يترجم فيه لكل صحابي، ويورد
أخباره، فكان أول كتاب من نوعه قبل أن يؤلف ابن حجر العسقلاني كتابه «التهذيب».

فإذا خطونا خطوة أخرى، رأينا في المشرق أن الخلافات بين الفقهاء تصارعت وألَّفت الكتب المختلفة فيها، وجمع بعض الفقهاء المذاهب المختلفة
في كل مسألة، وألف في اختلاف الرأي كتب كثيرة، كما فعل الطبري في كتابه «اختلاف الفقهاء»، فانتقل هذا إلى الأندلس،
فرأينا مثلًا حفيد ابن رشد الفيلسوف يؤلف كتابًا في اختلاف المذاهب وعللها، ويسميه «بداية المجتهد ونهاية المقتصد».
?
ومن محاسن هذا الكتاب أنه يذكر الخلاف في كل مسألة حدث فيها الخلاف بين الفقهاء، ويرجع ذلك إلى سببه، ويضع قاعدة عامة فيقول: «إن أسباب
الاختلاف ستة؛ أحدها: تردد الألفاظ بين أن يكون اللفظ عامًّا يراد به الخاص، أو خاصًّا يراد به العام، أو عامًّا يراد
به العام، أو خاصًّا يراد به الخاص، وثانيها: الاشتراك الذي في الألفاظ كلفظ القرء الذي ينطلق على الطهر وعلى الحيض، ولفظ الأمر، هل يحمل
على اللزوم؛ أو على الندب، والسبب الثالث: اختلاف الإعراب، والرابع: تردد اللفظ بين حمله على الحقيقة، أو حمله على
نوع من أنواع المجاز، والخامس: عد اللفظ مطلقًا تارة ومقيدًا تارة أخرى، كإطلاق الرقبة على كل عبد، وقيد يقيد بالعبد المؤمن، والسادس:
التعارض بين القياسات أو الإقرارات، أو معارضة القياس للأفعال، أو نحو ذلك». وقد طبق هذا المبدأ على كل أنواع الخلاف
في الفقه تطبيقًا بديعًا. فكان هذا خطوة جديدة.

ولْنَسُقْ مثلًا في كيفية تطبيق هذا المبدأ، فهو مثلًا يعرض لمسألة قصر الصلاة في السفر، فيرى أن بعض الفقهاء حدد للسفر عدة أميال معينة،
وبعضهم أطلق السفر على كل سفر، فيقول: إن بعضهم راعى السبب العقلي في القصر، وهو المشقة الشديدة، وبعضهم وقف عند النص.
فكان هذا سبب خلاف، وهكذا في كل موضوع.

ثم كان أن اخترع الشافعي أصول علم الفقه كالذي عليه أكثر المؤرخين، فانتقل هذا إلى الأندلس، فألف فيه ابن حزم أصول الأحكام، وتبعه الشاطبي
في كتابه «الموافقات»، فنرى أن الشاطبي أخذ فكرة الأصول عن الشافعي وأمثاله، ولكنه بحث موضوعات لم يبحثها المشارقة،
وعرضها في أسلوب ألطف من الأسلوب الذي اتبعه المشارقة في كتابة الأصول، واستشهد أيضًا ببعض أحداث حدثت في الأندلس، وهكذا.

وأما علوم القراءات فقد نَمَت أيضًا في الأندلس، فالشاطبي
?
الذي ألَّف رسالته المسماة «حرز الأماني»، والتي تسمى بالشاطبية نسبة إليه قد اشتهرت في الشرق والغرب جميعًا، وأُخِذَتْ عمادًا للقراءات
في مختلف العصور والأقطار؛ كما عنوا بتفسير القرآن، واشتهر عندهم تفسير القرطبي،
?
وقد اتبع في تفسيره ذكر الآية، ثم يذكر ما فيها من اللغة ووجه الإعراب، والمعنى العام، وما يستنبط منها من أحكام … إلخ، وقد جمع فيه بين
المنهجين: منهج الرواية كالطبري، ومنهج الدراية كالزمخشري، وشاع الانتفاع به في العالم الإسلامي.
وكان عالم الأندلس الديني غير مدافع ابنَ حزم: فقد كان واسع الاطلاع، قوي النفَس في الجدل، متعدد نواحي النبوغ، لينًا، يهاجم من خالفه،
حتى يدخله في قمقم. يظن من يقرأ له علمًا أنه لا يحسن غير هذا العلم لمهارته فيه، فإذا هو كذلك يحسن كل علم تقريبًا،
فهو نابغة في الحديث، وفي علم الكلام، وفي التاريخ، وفي أصول الفقه، وفي الأدب. وقد ألف في ذلك تأليفات كلها قيمة، حتى في المنطق والفلسفة،
ولعله تعلم الجدل أول أمره، إذ نشأ شافعيًّا يناضل أهل المذاهب الأخرى، وقد اشتهر الشافعية بذلك، ثم انتقل إلى مذهب
الظاهرية بتأثير أستاذه الظاهري أبي الخيار؛ ولعل ما يوضح ما هو مذهب الظاهرية، ما كتبه هو نفسه، في كتابه أصول الفقه، المسمى «الإحكام
في أصول الأحكام»، وقد سلك فيه مسلكًا يدل على الابتكار، وتكلم في مسائل لم يتكلم فيها أهل المشرق من الظاهرية، ومن
خير ما فيه فصل في الدفاع عن الحجج العقلية، ووجوب الأخذ بها، وفصل آخر في معنى الصحابي، وأنه ليس كل من رأى النبي ?، وفصل في
كيفية ظهور اللغات، وفصل في معنى الظاهرية. وملخصه أن الظاهري لا يعتمد في استنباط الأحكام الشرعية على القياس، بل على النص،
وإذا كان النص مطلقًا أُخِذَ على إطلاقه، إلا إذا قيده نص آخر. واعتماد الظاهرية على النصوص فقط أسلمهم أحيانًا إلى بعض
المتناقضات، مثل: أنهم يوجبون غسل الإناء من ولوغ الكلب لوجود النص، ولا يغسلونه من ولوغ الخنزير لعدم نص في ذلك، وبينما يبيحون الرخص
في بعض المسائل، يشددون في بعضها الآخر، فهم مثلًا يجيزون للجُنُب قراءة القرآن والجلوس بالمسجد، وهم لم يشترطوا في
البيع صيغة خاصة كبعض المذاهب، وهذا يُسر ظاهر، ولكنهم أوجبوا غسل اليد ثلاثًا بعد النوم، وحكموا بنجاسة الماء الذي مسته يد مستيقظ لم
يغسل يده … إلخ.
?

وقد دافع عن هذا المذهب إلى أن مات، وقد تأثر ابن حزم إلى درجة كبيرة أيضًا بأستاذه أبي علي الفاسي، وكان كما قال ابن حزم عاقلًا عالمًا
عاملًا، متقدمًا في الصلاح والنسك. قال: «وما رأيت مثله علمًا وعملًا ودينًا وورعًا، فنفعني الله به كثيرًا، وقد علمت
منه موقع الإساءة وقبح المعاصي».

وقد تعلم ابن حزم الحديث وتبحر فيه، وقد اتبعه كثيرون على مذهبه الظاهري، وخرجوا من مذهب مالك إليه، كما أن كثيرين ضاقوا به ذرعًا، وأنكروا
عليه صراحته، وأعلنوا الحرب على كتبه، حتى بلغ بهم الغيظ أن أحرقوها علنًا في إشبيلية.

وقد وصف هو حالته واضطهاده من الخلفاء العامريين الذين أتوا بعد الأمويين، لميله السياسي إلى الأمويين، قال: «ثم شغلنا بعد قيام أمير المؤمنين
هشام بالنكبات، وباعتداء أرباب دولته، وامتُحنِّا بالاعتقال والتغريب، والإغرام الفادح، وأرذمت
?
الفتنة، وعمَّت الناس وخصتنا، إلى أن توفي أبي الوزير، رحمه الله».

وقال في موضع آخر: «ثم ضرب الدهر ضرباته، وأُجلينا عن منازلنا وتغلب علينا جند البربر، وخرجت عن قرطبة سنة ????، وتقلبت في الأمور … إلخ».
وظل يتلقى العذاب من خصومه السياسيين، وخصومه العلماء، والحق يقال: إن المذهب الظاهري، تغلغل في نفس ابن حزم، فلو قرأت
مذهبه وكتبه وجدت أمثلة من نظرة الظاهري، ووقوفه عند حرفية النصوص.

ويظهر أنه كان ضيق الصدر حسب مزاجه، حاد اللسان، يصك به معارضه، مما أثار عليه خصومه، ولم يخلفه في الدفاع عن الظاهرية إلا ابن تيمية فيما
بعد، وقد اختلف الناس في أصله، أكثر مؤرخي العرب يقولون: إن جده الأعلى كان نصرانيًّا وأسلم، وأن جده هذا كان مولى
فارسيًّا ليزيد بن أبي سفيان. وذهب ابن سعيد وتبعه بعض المستشرقين إلى أن جده الأعلى هذا كان من القوط الذي غزوا إسبانيا، وأقاموا فيها.
وأيًّا ما كان فقد كان أبوه وزيرًا للحاجب المنصور بن أبي عامر. فعاش عيشة أرستقراطية، وعني بابنه علي بن حزم، وعلمه
على يد كثير من المشايخ، ولكن نكبه ابن أبي عامر، ونكب معه أهل بيته فشُرِّدوا، ونفوا، وتحملوا العذاب بعد العز والترف، وتوفي والده سنة
????، وفارق ابن حزم قرطبة، وذهب إلى المرِيَّة، وعاش هناك في هدوء، مشتغلًا بالعلم والتأليف، ثم عادت دولتهم واختير
ابن حزم نفسه وزيرًا، ولكنه لم تطل وزارته، إذ نكبه سيده. وعكف أكثر وقته على التأليف حتى ذكر ابنه أنه ألف أربعمائة كتاب، قال صاعد: «كان
ابن حزم أجمع أهل الأندلس قاطبة لعلوم الإسلام وأوسعهم معرفة، مع توسعه في علم اللسان والبلاغة، والشعر، والسيرة، والأخبار».


وقال الذهبي: «وكان إليه المنتهى في الذكاء وحدة الذهن، وسعة العمل بالكتاب والسنة، والمذاهب والملل والنحل، والعربية والآداب، والمنطق
والشعر مع الصدق والديانة، والحشمة، والسؤدد والرياسة والثروة».

وقد قارب ابن حزم في عصره عبد الواحد المراكشي، فقال عنه: «إنه بعد أن استوزر نبذ الوزارة، واطَّرحها اختيارًا، وأقبل على قراءة العلوم،
وتقييد الآثار والسنن، فنال من ذلك ما لم ينل أحد قبله بالأندلس، ومبلغ تصانيفه في الفقه والحديث والأصول والنحل والملل
وغير ذلك من التاريخ والمُثُل، وكتب الأدب، والرد على المخالفين له، نحو من أربعمائة مجلد، تشتمل على قريب من ثمانين ألف ورقة. وهذا شيء
ما علمناه لأحد ممن كان في مدة الإسلام قبله، إلا ابن جرير الطبري، فإنه أكثر أهل الإسلام تصنيفًا … ومن أجود ما أحفظ
له بيتان قالهما في رجل نمَّام:

أَنَم في المرآة في كل ما درى
وأقطع بين الناس من قُضُب الهند
كأن المنايا والزمان تعلما
تحيُّله في القطع بين ذوي الوُد
وهو أشهر علماء الأندلس اليوم، وأكثرهم ذكرًا في مجالس الرؤساء، وعلى ألسنة العلماء، وذلك لمخالفته مذهب مالك بالغرب، واستبداده بعلم الظاهر،
ولم يشتهر به قبله عندنا أحد ممن علمنا، وقد كثر أهل مذهبه وأتباعه عندنا بالأندلس اليوم، أقول: وقد بقيت شهرته كبيرة
بعد وفاته وقد ماتت العداوات بموته، وظل موضع إجلال وتقدير من العلماء بعده».
?
واطلع الغزالي على كتاب له في أسماء الله الحسنى، فقال: «إنه يدل على عظم حفظه، وسيلان ذهنه»، وكل ما أخذوه عليه أنه طعن في كثير من العظماء
بلسان حاد لاذع، ومنحه الله طولًا في العمر فعاش اثنتين وسبعين سنة، إذ توفي سنة ????. ومن أهم تأليفه كتاب «الفِصَل
في الملل والنحل»،
?
فحكى المذاهب المختلفة في أهم العقائد وأهلها، وناقش كل فرقة من المخالفين له كالمعتزلة، والأشعرية، والشيعة، وغيرهم. ومكَّنه من ذلك أنه
لم يقلد طائفة معينة، بل قال ما يوحيه إليه اجتهاده هو، ومن خالفه في شيء هاجمه في شدة وقسوة. ومع أن الأشعري كاد يكون
مقدسًا في المشرق والمغرب، فابن حزم لم يعبأ به، وهاجمه مهاجمة عنيفة، كما هاجم الصوفية، ومن يعتقد في التنجيم، وفي
الأولياء.

ولم يكتفِ ابن حزم بمهاجمة أصحاب الفرق الإسلامية، بل هاجم اليهودية والنصرانية، واستغل العقيدة الإسلامية بأن التوراة والإنجيل حُرِّفا
عن أصلهما استغلالًا عظيمًا، وحاول بكل إمكانه أن يجد تناقضًا في كتبهم؛ ليبرر اتهامهم في تحريف النصوص.

ويظهر أنه ألَّف في ذلك رسالة خاصة، ثم أدمجت في الكتاب؛ كما تضمن الكتاب رسائل أخرى، وهذا ما سبب أن هذا الكتاب لم يخضع للمنهج المنطقي
الدقيق، والقارئ له يدهش من طول نفَسه، وقوة حجته، وسعد اطلاعه، وبلاغته التي قد تفوق بلاغة الغزالي في إحياء العلوم.
ومن مبتكرات ابن حزم في هذا الكتاب أنه أراد أن يستنبط من المذهب الظاهري الذي ذكرناه عقائد خاصة، مطبقة على هذا المذهب، والإنسان يعجب:
كيف استطاع ابن حزم — هذا الذي عاش عيشة مترفة في القصور وبين الجواري — أن يؤلف مثل هذه الكتب، وربما ساعده على ذلك
أنه كان ذا عقل لاقط يرى كل شيء، فيفهم سره، حتى دلال الجواري ومغازلتهن. وهاجم في كتابه القياس، والرأي، والاستحسان، والتقليد،
والتعليل، وله رسالة بهذا الاسم لا تزال مخطوطة. وقد قال المنصور من الموحدين عند وقوفه على قبره: «كل العلماء عيال على ابن
حزم». وقد صدق؛ فقلَّما نجد له نظيرًا، فقد شغل الناس في المشرق والمغرب بين مؤيد ومعارض.

وعلى الجملة، فقد قال فيه ابن حيان بحق: «إنه يصك معارضه صك الجندل»، فكان لا يأبه بمن يعارضه، عظيمًا أو غير عظيم، مبجلًا أو غير مبجل،
كالأشعري، وأبي حنيفة، ومالك وغيرهم. ومن الأقوال الشائعة أن قلم ابن حزم كسيف الحجاج، كلاهما ماضٍ حاد. وقد اعتذر
في بعض كتبه عن حدته بأنها كانت ترجع إلى مرض كان يلازمه؛ ولذلك كان محسدًا من فقهاء عصره من سنيين، وشيعة، ومعتزلة، يدسون له الدسائس عند
الملوك، حتى يُبْعد من القصور، وربما كان هذا نعمة؛ لأنه أتاح له أن يتحفنا بتآليفه العظيمة القيمة.

وقد قال الذهبي فيه: «وقد امتحن هذا الرجل وشدد عليه، وشرد عن وطنه، وجرت عليه أمور لطول لسانه، واستخفافه بالكبار، ووقوعه في أئمة الاجتهاد
بأقبح عبارة، وأفظ محاورة، وأمنع رد»، وظل صلبًا في مذهبه صلابة تستدعي الإعجاب. قال ابن حيان: «وأكثر معايبه عند المنصف
له جهله بسياسة العلم»، ويعني بسياسة العلم: الملاينة والرد في هدوء ووقار.

والحق عندنا أن ابن حزم كان موضع إعجاب في حرية رأيه ووقوفه عند النصوص، مهما خالفه الكبار، فليس يهمه رأي مالك أو أبي حنيفة في المسائل
الفقهية، ولا الأشعري ونحوه في العقيدة، أما ما يعاب عليه حقًّا، فهو طعنه في العلماء والكبار، بكل صراحة مع التجريح
الشديد. وقد وصل إلينا أخيرًا من تأليفاته رسالة في «المفاضلة بين الصحابة»،
?
وهي المسألة التي ثار فيها الخلاف الشديد بين الشيعة وأهل السنة.

والمطلع عليها يعجب لمنطقه الدقيق فيها، فهو يذكر أولًا معنى الفضل، وبم يتفاضل الصحابة كقاعدة للبحث مع الحجج المقنعة، العقلية والنقلية،
ثم يفاضل على هذا الأساس بين الصحابة بالدليل. وهو يدل على سعة اطلاع وكبر عقل.

على كل حال حرك عقول الأندلسيين بتآليفه ودعوته إلى المذهب الظاهري، وقد كان الأندلسيون مقلدين مذهب مالك من غير بحث، فكنت ترى في أكثر
مجالس العلماء من يؤيده، ومن يهاجمه، حتى اشترك في ذلك الأمراء أنفسهم، وربما كان أقواهم في الرد عليه والوقوف أمامه
الفقيه الأندلسي المشهور «أبو الوليد الباجي» وكان فقيهًا متكلمًا، ولي القضاء مدة، وأكثر من التصانيف، ورحل إلى الشرق، ولقي كثيرًا من
علمائه، وأخذ عنهم، وكان فقيرًا يعمل بيده ليعيش، وظل في الشرق نحو ثلاثة عشر عامًا يتبحر في العلوم، فلما قدم الأندلس،
وجد أن ابن حزم لطلاوة حديثه، وقوة حجته، وقد أمال إليه كثيرًا من الناس، وشكك بعضهم، ورأى أن أهل الأندلس ليس منهم من هو في قوة جدله،
فكلمه الأندلسيون في ذلك، وكانت له معهم مجالس مشهورة، في بعضها ينتصر ابن حزم، وفي بعضها ينتصر الباجي، فإذا انتصر
الباجي هلل الناس وكبروا.

وربما كان أكثر ما يدل على قيمة هذه المناظرة وقوة كلٍّ، وتفوق ابن حزم على الباجي حكاية صغيرة لطيفة، إذ قال الباجي لابن حزم: «أنا أعزم
منك همة في طلب العلم؛ لأنك طلبته وأنت معانٌ عليه: تسهر بمشكاة الذهب، وطلبته أنا وأنا أسهر بقنديل بائِت السُّوق،
فقال ابن حزم: هذا كلام عليك لا لك؛ لأنك إنما طلبت العلم، وأنت في تلك الحال، رجاء تبديلها بمثل حالي، وإنما طلبتُه في حين ما تعلمه وما
ذكرته، فلم أرج به إلا علو القدر العلمي في الدنيا والآخرة» فأفحمه.

وقد قال عياض العالم المشهور: «قال لي أصحاب الباجي: كان يخرج إلينا للإقراء وفي يده أثر المطرقة يحصل رزقه، إلى أن فشا علمه ونوَّهت الدنيا
به، وعظم جاهه، وأجزلت صِلاته، حتى مات عن مال وافر». ومن مثل ما كانت تدور عليه المناظرة بين الباجي وابن حزم حديث
روي، وهو أن النبي ? وقَّع على صلح الحديبية، فظاهر الحديث يدل على أن محمدًا — عليه الصلاة والسلام — كتب اسمه، والقرآن يقول: إنه نبي
أمي، فكيف التوفيق بين ذلك؟ أما ابن حزم فقال: إنه وقع كالظاهر، ولكن توقيعه لا ينفي أميته ككثير من الملوك يوقعون
بإمضاءاتهم وهم أميون، أما الباجي وغيره، فيؤوِّلون التوقيع.

ولنسق لك صورة مما كان يجرى بين الظاهرية وخصومهم، فأصحاب المذاهب يقولون للظاهرية: إنكم جامدون عند اللفظ، لا تنظرون للمعاني المقصودة
من روح التشريع، وكان الله ينعي على الكفار اقتصارهم على فهم ظواهر الدنيا، فقال: يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فكيف
بمن اقتصر على ظاهر الشريعة؟ فيقول الظاهرية: إن القصد من الشريعة هو التعبد، وظهور سر الامتثال، أما التعمق في القياس
والعلل، فيخرجها من حد التشريع الإلهي إلى التشريع الوضعي البشري.

نعم إن هناك عللًا للأحكام إذا نص عليها عملنا بها، أما إذا لم ينص عليها لم نستطع العمل بها. فمن أين يستفاد أن العلة في تحريم الربا هي
الاقتيات والادخار، أو الكيل والوزن كما يقول أهل القياس، ومن أين يستفاد من قوله — عليه السلام: «الولد للفراش» أنه
لو قال له الولي بحضرة الحاكم: زوجتك ابنتي وهو بأقصى الشرق، وهي بأقصى الغرب، فقال: قبلت هذا التزويج، وهي طالق ثلاثًا، ثم جاءت بولد لأكثر
من ستة أشهر: إنه ابنه؛ لأنها صارت فراشه. فنحن ننكر هذا التمثيل وهذا التشبيه، والله تعالى يقول: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ
فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ، ولم يقل: إلى آرائكم وأقيستكم. ويرد عليهم القياسيون بأن قوله: فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ لا
يمنع القياس؛ لأن ما قيس على كلام الله فهو حكم الله أيضًا. فالنظر إلى المقاصد وهي اللب واجب، وهكذا. واستمر الباجي
يناظر ابن حزم عهدًا طويلًا، والحرب بينهما سجال.

وكان ابن حزم كثير الاعتداد بنفسه، وقد نعى نفسه قبل وفاته فقال:

كأنك بالزُّوَّار لي قد تبادروا
وقيل لهم: أودى علي بن أحمد
فيا رب محزون هناك وضاحك
وكم أدمع تذرى وخذ مقدد
عفا الله عني يوم أرحل ظاعنًا
عن الأهل محمولًا إلى ضيق ملحدي
وأترك ما قد كنت مرتبطًا به
وألقى الذي أُنسيت دهرًا بمرصد
فوَا رَاحتي إن كان زادي مقدمًا
ويا نصبي إن كنت لم أتزود

ومما يدل على اعتداده بنفسه قوله:

قالوا: تحفظ فإن الناس قد كثرت
أقوالهم وأقاويل العدا محن
فقلت: هل عيبهم لي غير أنّيَ لا
أقول بالرأي إذ في رأيهم فِتَن
وأنني مولع بالنص لست إلى
سواه أنْحُو، ولا في نصره أهن
لا أنثني نحو آراء يقال بها
في الدين بل حسبي القرآن والسنن
يا برد ذا القول في قلبي وفي كبدي
ويا سروري به لو أنهم فَطِنوا
دعهم يعضوا على صم الحصى كمدًا
من مات من قوله عندي له كفن
إني لأعجب من شأني وشأنهم
وا حسرتا إنني بالناس ممتحَن
ما إن قصدت لأمر قط أطلبه
إلا وطارت به الأظعان والسفن
أما لهم شغُل عنِّي فيشغلهم
أو كلهم بي مشغول ومرتهن
كأن ذكري تسبيح به أُمِرُوا
فليس يغفل عني منهم لَسِن
إن غبت عن لحظهم ماجوا بغيظهم
حتى إذا رأوني طالعًا سكنوا
دعوا الفضول وهبوا للبيان لكي
يدري مقيم على الحسنى ومفتَتِن
وحسبي الله في بدء وفي عقِب
بذكره تدفع الغماء والإحن

وهي قصيدة تدل على مذهبه بالأخذ بالنص مع تصوير لطيف لحال أعدائه معه.

واستمرت هذه الحركة طويلًا، منهم من يكفره، ويحُذِّر منه العوام والسلاطين، ومنهم من يدس له الدسائس ويتهمه بالسياسة التي تغضب الأمير،
ومنهم من يقوِّله ما لم يقل. وفي ذلك يقول مخاطبًا لبعض أصحابه:

وخذني عصا موسى وهات جميعهم
ولو أنهم حيات ضال نضائد
يريغون في عيني عجائب جمة
وقد يتمنى الليث والليث رابض
ويرجون ما لا يبلغون كمثل ما
يرجِّي محالًا في الإمام الروافض

حتى بعض أهله حسدوه على فضله، وناصبوه العداء، وذو الفضل دائمًا محسود، وقد كان — رحمه الله — كما قال ابن حيان: «إذا حرك بالسؤال يتفجر
معه بحر علم لا تكدره الدلاء». وقد روض نفسه على ذلك، فكان يكثر من قوله تعالى: وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ. وقوله — عليه الصلاة والسلام:
«صل من قطعك، واعف عمن ظلمك»، وقول بعض الحكماء: «كفاك انتصارًا لمن تعرض لأذاك، إعراضك عنه»، ويقول هو:

فإني أبيت طلاب السباب
ونزهت عرضي عمَّا يعاب
فقل ما بدا لك من بعد ذا
وأكثِر فإن سكوتي خطاب

وقد نبع في تخريج المذهب الظاهري نبوغًا جعله إمامًا يقتدى به، حتى عد صاحب مذهب ظاهري، وعرف أتباعه بالحزمية، وكان له أتباع على هذا المذهب
مثل: ابن عبد البر المحدث، والحميدي المؤرخ، وقد مال إلى مذهبه ابن تومرت زعيم الموحدين. وقد انتصر مذهبه في المشرق
أيضًا، فاعتنق مذهبه ابن سيد الناس الإمام المصري، وقد أخذ بلون منه محيي الدين بن عربي الصوفي الكبير، وابن رشد الفيلسوف الكبير.

وظلت الحركة بعده بين مؤيد ومهاجم، حتى ظهر بعد قرن تقريبًا العالم المشهور أبو بكر بن العربي، وانتشر ذكره في المشرق كما انتشر في الأندلس،
وكان قد رحل إلى الشرق، وتتلمذ للإمام الغزالي في دمشق، فجاء إلى الأندلس موطنًا نفسه على مهاجمة تعاليم ابن حزم. وكان
لسِنًا قوي الحجة، فخلف أثرًا كبيرًا في الأندلس وغيرها.

وكان ابن الباجي يعمل على تفنيد مذهب الظاهرية، وكان يوفَّق أحيانًا، ولا يوفق أحيانًا، وكان واسع العلم، وقالوا: إن كل من رحل لم يأتِ
بمثل ما أتى به ابن العربي إلا الباجي. وكان متفننًا في المعارف كلها، مع خُلق متين، وقضاء صائب، والتزم الأمر بالمعروف،
والنهي عن المنكر، حتى أوذي في ذلك. قال فيه القاضي عياض: «إنه أقبل على نشر العلم وبثه، وكان فصيحًا حافظًا، كثير الملح، مليح المجالس».


ولنذكر بعض كلامه في الرد على ابن حزم قال: «وكان أول بدعة لقيت في رحلتي القول بالباطن، فلما عدت وجدت القول بالظاهر قد ملأ به المغرب
سخيف كان من بادية إشبيلية، يعرف بابن حزم نشأ وتعلق بمذهب الشافعي، ثم انتسب إلى داود، ثم خلع الكل، واستقل بنفسه،
وزعم أنه إمام الأمة، يضع ويرفع، ويحكم ويشرع، ينسب إلى دين الله ما ليس فيه، ويقول عن العلماء ما لم يقولوا، تنفيرًا للقلوب، وعضدته الرياسة
… فحين عودي من الرحلة ألفيت حضرتي منهم طافحة، ونار ضلالتهم لافحة» فنازلهم. ورمي ابن حزم بالسخف قول فيه إجحاف، وقد
أنصفه ابن حيان، والذهبي، وشكا ابن حزم نفسه من علماء وقته، فقال: «إن المثل السائر: أزهد الناس في عالم أهله»، وقرأت في الإنجيل أن عيسى
— عليه السلام — قال: «لا يفقد النبي حرمته إلا في بلده»، وكان يعتقد أن من سوء حظه أنه أندلسي، ولو كان مشرقيًّا لعرفوا
فضله، وشادوا بذكره، وكان له شأن آخر غير شأنه.

وقال ينعي أهل الأندلس: «إن الأندلس خصت بحسد أهلها للعالم الظاهر فيها، الماهر منهم، واستقلالهم كثير ما يأتي به، واستهجانهم حسناته، وتتبعهم
سقطاته، إن أجاد، قالوا: سارق مغير، ومنتحل مدعٍ، وإن توسط قالوا: غث بارد، وضعيف ساقط، وإن باكر الحيازة لقصب السبق،
قالوا: متى كان هذا؟ ومتى تعلم؟ وفي أي زمن قرأ؟ ولأمه الهبل، فإن تعرض لتأليف غُمز ولُمز، واستُشنع هين سقطه، وعظم يسير خطئه، وذهبت محاسنه،
وسترت فضائله، فتنكسر لذلك همته، وتقل نفسه، وتبرد حميته».

وهكذا عودي كثيرًا، وخوصم كثيرًا، وتألم كثيرًا، وإن كان ذلك كله قد أورثه تجارب دوَّنها في كتابة «الأخلاق».

وقد قرأت لابن العربي كتاب «العواصم من القواصم»،
?
فإذا هو كتاب يدخل على شخصية كبيرة لصاحبه، يروي لنا فيه مثلًا أنه لقي الغزالي في دمشق، ويدوِّن محضرًا لجلساته معه، وأحيانًا يوافقه
على ما يقوله، وأحيانًا يخالفه، ويذهب مثلًا فيه إلى أن الحسين بن علي — رضي الله عنه — خارج على إمام الجماعة يزيد
بن معاوية، ثائر عليه، وأنه إنما قُتل بشرع جده، ويروي لنا كيف كان الفرس يدخلون في الإسلام شعائرهم الدينية القديمة، فيذيعون التجمير في
المساجد للتبخير، وهي عادة فارسية قديمة أدخلوها على الإسلام من أثر عبادتهم للنار، وحكى له ابن خلدون طرفًا لطيفة
في مقدمته.

على كل حال كان حربًا على الظاهرية، وخصوصًا ابن حزم، ومع ذلك لم يستطع محو هذا المذهب، فظل بعده أيضًا، وعُد ابن العربي بحق خاتمة المحققين،
وكل من أتى بعده مقلد صغير، وانحط شأن العلوم الدينية، وضعف أمرها.

شأن الأندلسيين في ذلك شأن المشارقة، فالعالم الإسلامي كله وحدة، وهو يخضع لقوانين واحدة، فما حدث في قطر من أقطاره يحدث مثله في الأقطار
الأخرى غالبًا، فلما ضعف الفقه في المشرق ضعف في المغرب إلا أفرادًا قلائل، وقد ضعف الفقه في المشرق لعدم الاجتهاد
ولغلبة الأتراك، وغير ذلك من الأسباب التي ذكرناها في الجزء الثاني من ظهر الإسلام، وكتابنا يوم الإسلام، إذ أغلقوا باب الاجتهاد، أما في
الأندلس فقد داهمهم الإسبان، كما داهم الترك الشرق، فكانت العلل واحدة، إلا أفرادًا شواذ كانوا هنا وهناك، أعادوا مجد
الفقه الإسلامي في الأندلس، فلما أتى الموحدون بالأندلس أعادوا القول بالاجتهاد، ورأوا أن المختصرات الفقهية جنت على الفقه، فأرادوا إحياءه
بالرجوع إلى الكتاب والسنة، واستنباط الأحكام منهما، وعدم العمل بأي مذهب من المذاهب المعروفة، وذلك في حدود سنة ????،
وأمر عبد المؤمن بن علي الموحدي بإحراق كتب الفروع كلها؛ فخافه الفقهاء، وأمر جماعة ممن كانوا عنده من العلماء بجمع
الأحاديث من المصنفات العشرة المشهورة، ونشر هذا المجموع في الأندلس والمغرب.

قال بعضهم: «لما دخلت على أمير المؤمنين يعقوب وجدت بين يديه كتاب ابن يونس، فقال لي: يا أبا بكر، أنا أنظر في هذه الآراء المتشبعة التي
أحدثت في دين الله، فالمسألة فيها أربعة أقوال أو خمسة أو أكثر، فأي هذه الأقوال هي الحق؟ وأيها يجب أن يأخذ بها المقلد
يا أبا بكر؟! ليس إلا هذا، وأشار إلى المصحف، أو هذا وأشار إلى سنن أبي داود، أو هذا وأشار إلى السيف»، وأمر الفقهاء ألا يُفتوا إلا من
الكتاب أو السنة، وألا يقلدوا أحدًا، بل تكون أحكامهم بالاجتهاد، وسار الناس على هذه الطريقة، والتزموا ظاهر الكتاب
والسنة، وتحرروا في الاجتهاد، وكان من هؤلاء فقهاء على هذه الطريق مثل: أبي الخطاب، ومحيي الدين بن عربي، وغيرهما، وبذلك نصر الموحدون مذهب
الظاهرية ومنهم ابن حزم. ومن الأسف أن بني مَرِين لما جاءت دولتهم نقضت ذلك كله، وجددت كل الفروع، وأحيت كتب الفقه
على مذهب مالك من جديد.

وتاريخ الأندلس في ذلك التاريخ كتاريخ المشرق، إذ المدنية كلها واحدة.

وقد رُويت حوادث كثيرة لفقهاء أندلسيين تدل على صدقهم وإخلاصهم وظرفهم، وقد روينا من قبل حكاية يحيى بن يحيى الليثي الذي وقف أمام عبد الرحمن
الداخل، وألزمه بالصيام شهرين متتابعين، ومثل ممانعة القاضي الذي تقدم ذكره في استيلاء عبد الرحمن الناصر على بيت أيتام
حتى يدفع لهم أكثر من ثمنه، ومثل إضراب أبي عمر بن المكي الإشبيلي شهرين عن الفتوى لقتل ابن أبي عامر عبد الملك بن منذر البلُّوطي ظلمًا،
ومثل ما يروى أن قاضي قرطبة محمد بن عبد الله بن يحيى كان مارًّا بمدينة إلبيرة أيام قضائه فيها فرأى فتى يتمايل سكرًا،
فلما رأى القاضي أراد الفرار فخانته رجلاه، فاستند إلى الحائط، فلما دنا منه القاضي رفع الشاب رأسه، وأنشأ يقول:

ألا أيها القاضي الذي عم عدله
فأضحى به في العالمين فريدا
قرأت كتاب الله ألفين مرة
فلم أر فيه للشَّروب حدودا
فإن شئت أن تجلد فدونك منكبًا
صبورًا على ريب الزمان جليدا
وإن شئت أن تعفو تكن لك منة
تروح بها في العالمين حميدا
وإن أنت اخترت الحدود فإن لي
لسانًا على هجو الرجال حديدا

فلما سمع القاضي شعره، أعرض عنه ومضى لشأنه.

ومثل أن أبا إبراهيم التميمي القرطبي تخلَّف عن الحضور في وليمة دعاه إليها عبد الرحمن الناصر، وكان صديقًا لابنه الحاكم، فلما سُئِل في
ذلك رد فقال: إن من قبلك من الأمراء والخلفاء كانوا يستبقون من هذه الطبقة بقية لا يمتهنونها بما يشينها ويرد منها،
يستعدون بها لدينهم، ويتزينون بها عند رعايهم؛ ولهذا تخلَّفت. وأراد الناصر أن يدعوه هو وابنه الحكم فاعتذر أيضًا، وخاف أن الناس يقولون:
إنه يستجلب الدراهم بدعوة الخليفة وابنه. وفي ترجمته ما يعطينا شيئًا عن نظام الشورى عندهم، فقد قالوا: إن مجلس الشورى
كمل عدده به ستة عشر.

ومثل أن أحد القضاة لمح ما عليه ملوك الطوائف من تخاذل وافتراق رأي، فندب نفسه لجمع كلمتهم، والتوفيق بينهم، وجعلهم جبهة واحدة ضد العدو.


وأخيرًا لم يفلح في ذلك، فاستثقله الأمراء، وأيقن بالفشل، وكف عن سعيه … إلخ إلخ، فهذا يعطينا بعض الفكرة عن مجلس الشورى وقوة رجاله وعددهم
وأحيانًا ظرفهم.

ولما كثرت المذاهب من ظاهرية ومالكية ومن شيعة إلخ، كثر حبهم للجدل بعد أن كانوا منصرفين عنه، حتى حكى بعضهم أنهم كانوا كثيرًا ما يتجادلون
في مجلس العزاء، وسبب آخر لهذا الجدل وهو كثرته في المشرق، حتى ألَّف المشارقة علمًا سموه علم المناظرة أو أدب البحث،
وألَّفوا علمًا سموه علم «الخلافيات»، وقد نقل ذلك إلى الأندلس فازداد نشاطهم في البحث والمناظرة.

وقد رأينا أن تاريخ العلم كتاريخ الأفراد، له صبا وشباب وشيخوخة وهرم، فلما انتهى هؤلاء الأعلام كابن حزم، والباجي، وابن العربي، وصل العلم
إلى دور الهرم، فأصبح كالرجل الهرم، لا يقوى على المسير، حتى انتهى الفقه.

وهناك ناحية أخرى جديدة بالبحث في الحركة الدينية وهي ناحية التصوف، وكما نشأ التصوف في المشرق في القرن الثاني كذلك نشأ التصوف في الأندلس
في القرن الثاني بعد الفتح العربي؛ غير أن تصوف الشرق كان مزيجًا من تعاليم الإسلام وتعاليم الفرس والهند واليونان،
وتصوف الأندلس كان مزيجًا من تعاليم الإسلام وتعاليم الأفلاطونية الحديثة، والتعاليم اليونانية والرومانية، لا الفارسية ولا الهندية إلا
ما جاء من قِبَل المشرق؛ إذ كانت هذه التعاليم كلها هي التي تجاوز الأندلس. يضاف إلى ذلك أن الأندلسيين كان كثير منهم
برابرة، وكثير منهم أولاد مسيحيين متصوفين، وقد اشتهر البربر من قديم بأنهم أهل خيال واعتقاد بالمغيبات، وسرعة تصديق لمن يأتي لهم بدعاوى
غيبية، ولسنا ننسى ما لقيه العرب عند فتح المغرب من عناء وشدة قتال، وانتفاض على يد من تُدعى «الكاهنة» إذا التفوا
حولها فآمنوا بها، وأذاقوا العرب في الفتح الأمرَّين، وهذا يدل على الطبيعية البربرية. وإلى الآن في كثير من البلاد يأخذ
البرابرة سمعة قوية في فتح الكتاب، وفتح الكنوز، وقراءة الكف، والادعاء بمعرفة المغيبات، وهي أشياء من قبيل التصوف بعد أن يتدلى؛
ولذلك كله كبرت عند الأندلسيين حركة التصوف.

ولنسلسلها كما سلسلنا الفقه. فأول من علمنا تصوفه ابن مسرَّة، وهو محمد بن عبد الله بن مسرة، ولد سنة ????، وكان أبوه من قرطبة، وعرف أبوه
بالاعتزال، وكان الاعتزال في الأندلس قليلًا وغير مرغوب فيه، فاضطر أن يخفي ذلك على الناس، ومعروف أن الاعتزال يثير
بحث كثير من الإلهيات، ويتسلح أصحابه بالفلسفة اليونانية للدفاع عن الإسلام ضد النصرانية واليهودية كما رأينا في المشرق، فأورث ذلك كله
لابنه، ورأى أباه يُسِرُّ الاعتزال وما إليه، فأسرَّ هو أيضًا مذهبه؛ ولهذا اعتزل ابن مسرَّة الناس أيضًا قبل أن يبلغ
الثلاثين، والتجأ إلى جبل في قرطبة، يتحنث فيه، وجبال الأندلس عادة خضراء، تبهج النفس، وانضم إليه بعض أتباعه، وساعدته عزلته والمناظر
الطبيعية التي أمام بصره على سعة الخيال، وعمق التفكير، وظل أتباعه في الأندلس قرونًا طويلة، ومع ذلك لم يستطع هو وأتباعه
الكثيرون أن يحافظوا على السرية محافظة تامة، واتهم بالإلحاد، ففر من البلاد مدعيًا أنه يريد الحج، وظل خارج الأندلس، حتى
تولى عبد الرحمن الثالث الذي اشتهر بالتسامح وتأييد العلماء، وزادت تلاميذه بعدُ، ويظهر أنه كان يعتنق التقيَّة، فكان مظهره ورعًا
تقيًّا، وهو يبث التعاليم العميقة لأخص تلاميذه ومريديه. ولم نعرف له آثارًا نستدل منها على آرائه ومذهبه، ولكن مستشرقًا
إسبانيًّا عثر على بعض آرائه، وقال: إن كثيرًا من تعاليمه تشبه تعاليم أمبيدوقليس وهو فيلسوف يوناني مشهور، عدَّه المسلمون أول الحكماء
السبعة اليونانيين، ونسبت إليه كرامات كما تنسب إلى الصوفية، ولم يقتصر أثره على مسلمي الأندلس، بل أثر أيضًا في يهودها
ونصاراها.

وهنا نتساءل: هل بلغ تصوف الشرق ابن مسرة فتصوف، فيكون تصوف الغرب من تصوف الشرق، أو أن ميله الطبيعي ومزاجه، وتعاليم النصارى الإسبانيين
والفلاسفة اليونانيين أنتجت ابن مسرة هذا، فيكون التصوف الأندلسي مستقلًّا عن التصوف الشرقي؟ هذا سؤال صعب الجواب،
ليس بين أيدينا ما يكشف غموضه، خصوصًا وقد كان في الأندلس قبل الإسلام زهَّاد انقطعوا للعبادة.

على كل حال كان ابن مسرة أوَّلَ من نعرف في الأندلس من المتصوفة، وكان من تلاميذه فيما يروون الهاشمي، وهو أبو بكر محمد، أخذ عن ابن مسرة،
وأخذ عنه محيي الدين بن عربي، وكان متقشِّفًا زاهدًا، وإن لم نعرف له كتبًا، وقد عاصره صوفي كبير آخر، وهو أبو عبد
الله القرشي الهاشمي أيضًا، نسبوا إليه أقوالًا صوفية كثيرة مثل: «من لم يدخل في الأمور بلطف الأدب، لم يدرك مطلوبه منها. من لم يراع حقوق
الإخوان بترك حقوقه حرم بركة الصحبة … إلخ».

وقد مات سنة ???? بعد أن رحل إلى بيت القدس ودفن به — وكان الناس يتبركون به وبضريحه — والهاشمي هذا هو أحد أساتذة محيي الدين بن عربي.
وإذا وصلنا إلى محيي الدين، وصلنا إلى إمام كبير من أئمة التصوف، نثر نصوصه في الشرق والغرب، وهو محيي الدين أبو بكر
محمد بن على بن عربي الحاتمي الطائي، وهو عربي من نسل حاتم الطائي، ولد بمُرْسية بلد أبي العباس المرسي سنة ????، وقرأ القرآن وتعلم في
إشبيلية، تعلم القرآن والحديث، وأقام بإشبيلية نحو ثلاثين عامًا، ثم رحل إلى المشرق، وأخذ الحديث عن ابن عساكر والجوزي،
وساح في بغداد والموصل وبلاد الروم، واتسعت معارفه المتعددة. ومن الأسف أنه بعد أن رحل لم يعد إلى الأندلس ثانيًا، فقد توفي في دمشق، وقد
أعطي بلاغة في القول، وعمقًا في التفكير، وسعة في الخيال، وكلما نزل بلدًا اتصل بمتصوفيها، له النثر الكبير، والشعر
الكثير، لا يعبأ بمال، ولا جاه، وكان كثير الشَّطْح، كثير التأويل، وربما كانت له قصص كثيرة تبين منحاه في القول، فقد
قال:

يامن يراني ولا أراه
كم ذا أراه ولا يراني

فاعترض عليه، كيف لا يراه الله؟ فقال:

يا من يراني مجرمًا
ولا أراه آخذًا
كم ذا أراه منعمًا
ولا يراني لائذًا

وله كلام كثير من هذا القبيل، ظاهره الإلحاد، وباطنه الإسلام مع التأويل، واشتهر شهرة واسعة، وكانت شهرته تسبقه إلى كل مكان يحل فيه، وهو
متوكل على الله، ينتقل من بلد إلى بلد، فقيرًا زاهدًا، فيعطف عليه بعض الأغنياء، فيوزع ما يأخذه هنا وهناك، حتى لقد
أعطي مرة بيتًا يسكنه، وجاءه سائل يسأله: ويقول: شيء لله، فأعطاه البيت.

وهو من أكبر الناشزين بين الصوفية لفكرة وحدة الوجود، أي: إن الله والعالم شيء واحد، يختلفان في الصورة فقط، ولا يختلفان في الحقيقة، وأن
رؤية الأشياء مختلفة، كمنزل ورجل وشجرة ليس إلا أمرًا قضت به الضرورة، وليس إلا خداعًا من الحواس، ومطاوعة للعقل الإنساني
القاصر، فهو يشبه ما يقول من الفلاسفة المحدثون من أن كل شيء أساسه الذرَّة، وإنما تختلف الأشياء باختلاف النواة الذرية وكمية شحناتها
الكهربائية، وإلا فالحقيقة في الكل واحدة، وربما عبر عن هذا بقوله: «سبحان من خلق الأشياء وهو عينها»، فهو يعيِّن خالقًا
ومخلوقًا في الظاهر، ولكنها في الحقيقة شيء واحد. وهو شيء كما يقول لا يدرك بالعقل، بل بالقلب، وليس هناك خالق ومخلوق إلا في
الظاهر، وفي ذلك يقول:

يا خالق الأشياء في نفسه
أنت لما تخلقه جامع
تخلق ما لا ينتهي كونه
فيك فأنت الضيق الواسع

ومن ناحية الظاهر والحديث المألوف، هناك خالق ومخلوق، وحق وخلق، وظاهر وباطن، وأول وآخر. وعنده أن إقامة البرهان المنطقي لا يفيد في هذا
الباب، إنما يدل عليه الشعور، والرياضة، والذوق، ويرى أن كل المخلوقات من جماد ونبات، وحيوان وإنسان، خاضعة لهذا المعنى،
بمعنى أنها كلها تسير على مقتضى طبيعتها وحقيقتها، فالجماد يسكن أو يؤدي طبيعته الطبيعية، بحكم طبيعته، أو بعبارة أخرى: بحكم القانون الإلهي،
وكذلك الإنسان والحيوان؛ ولذلك لا يعوّل كثيرًا على تفرقة بين يهودية ونصرانية، ووثنية وإسلام، ويقول في ذلك:

لقد صار قلبي قابلًا كل صورة
فمرعًى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف
وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أنَّى توجَّهَت
ركائبه، فالحب ديني وإيماني

ولأن كل إنسان ميسر لما خلق له، وليس في باطن الأمر إلا الله، وهذا لا يمنع من أن الخلق يعشق الحق، فهي كلها اعتبارات، والشيء عادة يحن
إلى جنسه، ولولا ذلك ما كانت هذه الجاذبية المبعوثة في عالم الأرض والسماء، وقد تأثر بتعاليم الأفلاطونية الحديثة في
قوله: «بلحظات التجلي» فقد عرف عن أفلوطين زعيم هذا المذهب أن الحق تجلى له مرة، فكاد يُصْعق. والحقيقة عنده أن الأسماء المختلفة هي في
الواقع أسماء لمسمًّى واحد وهي الحقيقة الوجودية وضعت اصطلاحًا للفهم والتفاهم: وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا،
والله خلق آدم على صورته. والذي يقرأ كتابه «الفتوحات المكية» يعجب من سعة خياله، وقدرته على التعبير والتأويل، وربما
دل على مذهبه هذه القصيدة:

حقيقتي همت بها
وما رآها بصري
ولو رآها لغدا
قتيل ذاك الحَوَر
فعندما أبصرتها
صِرْت بحكم النظر
أبيت مسحورًا بها
أهيم حتى السحر
يا حذري من حذري
لو كان يُغني حذري
والله ما هيَّمني
جمال ذاك الخَفَر
في حسنها من ظبية
ترى بذات الحُمُر
إذا رنتْ أو عطفت
تسبي عقول البشر
كأنما أنفاسها
أعراف مسك عَطِر
كأنها شمس الضحى
في النور أو كالقمر
إن أسفرت أبرزها
نور صباح مسفر
أو سُدِلت غيَّبها
سواد ذاك الشَّعَر
يا قمرًا تحت دجى
خذي فؤادي وذري
عيني لكي أبصرك
إذ كان حظي نظري

وقد عرف في تاريخ ابن عربي أنه وهو في مكة أحب فتاة تسمى «نظام»، ألف فيها كتابه «ترجمان الأشواق» ظاهره عشق هذه الفتاة، وباطنه الله والفناء
فيه. ومثل ذلك ما رووه عن ابن الفارض في مصر.

وقد أكثر محيي الدين بن عربي في التأليف، حتى ألف في الأدب والتاريخ، فله ديوان أشعار، وتفسير قرآن، وكتاب في أسرار العلوم.

وإذ كان الناس عادة من طبيعتين مختلفتين ومزاجين متباينين، حتى إن علماء النفس يقسمونهم إلى هذين القسمين، كان النزاع دائمًا بين الحسِّيين
والمعنويِّين، بين أهل الظاهر والباطن، بين من مزاجه ذوقي، ومن مزاجه عقلي، بين من يأخذ بالظواهر، ومن لا تقنعه الظواهر،
بين أهل الكشف وأهل العقل، بين الفقهاء والمتصوفة … اختلف الناس في ابن عربي: هل هو مؤمن أشد الإيمان، أو ملحد أشد الإلحاد؟ فينعته بعضهم
بالعارف بالله، وقطب الله، وولي الله، وينعته آخرون بأنه زنديق وملحد، وتؤلف فيه التآليف الكثيرة، ويثور الخلاف حوله،
كما ثار في المشرق مثلًا بين الحلَّاج والفقهاء،
??
فكان ممن ناصره الفيروزأبادي صاحب القاموس، وكمال الدين الزُّمْلُكاني، والبُلقيني، وشهاب الدين السهروردي، وفخر الدين الرازي، وابن السبكي،
وغيرهم. وكان من الناقمين عليه ابن الخياط، والحافظ الذهبي، وابن تيمية، وابن إياس، والتفتازاني، وغيرهم.

وتشهد مصر في عهد الأيوبيين مشهدًا كبيرًا بين الفقهاء الذين ينكرون على الصوفيين نزعتهم، وعلى رأسهم ابن تيمية الحنبلي، وبين المتصوفة؛
ويؤلفون في الخلاف بين الطائفتين الكتب، وأخيرًا ألف كتاب «جلاء العينين في محاكمة الأحمدين».

قال ابن النجار: «اجتمعت بابن عربي في دمشق في رحلتي إليها، وكتبت عنه شيئًا من شعره، ونِعْمَ الشيخ هو، ذكر لي أنه دخل بغداد سنة ???،
فأقام بها اثني عشر يومًا، ثم دخلها ثانيًا مع الحُجاج سنة ???? وأنشدني بنفسه:

أيا حائرًا ما بين علم وشهوة
ليتصل، ما بين ضدين من وصل
ومن لم يكن يستنشق الريح لم يكن
يرى الفضل للمسك الفتيق على الزِّبْل

وسألته عن مولده فقال: ليلة الاثنين ?? رمضان سنة ??? بمرسية». وقال ابن مُسْدي: «إنه كان جميل الجملة والتفصيل، محصلًا لفنون العلم أخص
تحصيل، وله في الأدب الشأو الذي لا يلحق. سمع ببلاده من ابن زرقون، والحافظ ابن الجد، وأبي الوليد الحضرمي، وبسبتة
من أبي محمد بن عبد الله». وقال في حقه الذهبي: «إن له توسطًا في الكلام، وذكاءً وقوة خاطر، وحافظة، وتدقيقًا في التصوف، وتآليف جمة في
العرفان، لولا شطحه في كلامه وشعره، ولعل ذلك وقع منه حال سكره وغيبته، فيرجى له الخبر».

ومن نظم ابن عربي:

بين التذلل والتدلل نقطة
فيها يتيه العالم النحرير
هي نقطة الأكوان إن جازوتها
كنت الحكيم وعلمك الإكسير

وقوله:

يا درة بيضاء لاهوتية
قد ركبت صدفًا من الناسوت
جَهِل البسيطة قدْرَها لشقائهم
وتنافسوا في الدر والياقوت

ولعله يخاطب بذلك الإنسان.

وجاء في نفح الطيب أن المقريزي حكى في ترجمة عمر بن الفارض أن الشيخ محيي الدين بن عربي بعث إلى الفارض يستأذنه في شرح التائية، فأجابه:
«كتابك المسمى بالفتوحات المكية شرح لها». قالوا: «ولما صنف الفتوحات المكية كان يكتب كل يوم حيث كان، وحصلت له بدمشق
دنيا كثيرة، فما ادَّخر منها شيئًا»، وقال صفي الدين حسين في رسالته: «رأيت بدمشق الشيخ الإمام العارف محيي الدين بن عربي، وكان من أكبر
علماء الطريق، جمع بين سائر العلوم الكسبية، وما وقر له من العلوم الوهبية، ومنزلته شهيرة، وتصانيفه كثيرة، وقد غلب
عليه التوحيد علمًا وخلقًا وحالًا، لا يكترث بالوجود، مقبلًا كان أو معرضًا. وله علماء وأتباع، أرباب مواجيد وتصانيف، وكله بينه وبين
سيدي الأستاذ الخرَّاز إخاء ورفقة في السياحات». ومن نظمه:

لما تبَدَّى عارضاه في نَمَط
قيل: ظلام بضياء اختلط
وقيل: سطر الحسن في خديه خط
وقيل: نمل فوق عاج انبسط
وقيل: مسك فوق ورد قد نقط
وقال قوم: إنها اللام فقط

وقوله:

لك واللهِ منظر
قل فيه المشارك
إن يومًا ما نراك فيـ
ـه ليوم مبارك

وقوله:

ساءَلتَني عن لفظة لغوية
فأجبت مبتدئًا بغير تفكر
خاطبتَني متبسمًا فرأيتها
من نظم ثغرك في صحاح الجوهري

ويقول:

وعلمت أن من الحديد فؤاده
لما انتضى من مقلتيه مهندا
آنست من وجدي بجانب خده
نارًا ولكن ما وجدت بها هدَى

إلى كثير من شعره الذي ملئ به ديوانه وكتابه «الفتوحات المكية». وقد ألف السيوطي فيه كتابًا سماه «تنبيه الغبي على تنزيه ابن عربي»، وقد
روي أن بعضهم كفر ابن عربي في مجلس شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام، وقال فيه: إنه زنديق. ولم يرد عليه الشيخ،
فعُدَّ سكوته إقرارًا، ولكن فسر عز الدين موقفه هذا فيما بعد بأن مجلسه كان مجلس فقهاء، والفقهاء أشد الناس على المتصوفة.

وروى الشعراني أن ابن عربي وصف السلطان الذي يفتح القسطنطينية. وقال: إنها تفتح سنة كذا، فكان الأمر كما قال، وبينه وبين السلطان محمد الفاتح
نحو مائتي سنة؛ ولذلك بنى عليه قبة عظيمة، وتكية بالشام. وكانت وفاة ابن عربي سنة ???? بالصالحية بدمشق. وقال بعضهم:
«إن من يتسامح في كلام ابن عربي ويتأول، يسهل عليه المراء، وإن كان ممن يلتزم الظاهر، صعب عليه».

وقد نقده أهل الديار المصرية، وسعوا في إراقة دمه، فخلصه الله على يد الشيخ البُجَائي، فإنه تأول كلامه. ولما سأل البجائي ابن عربي عن بعض
ما ورد على لسانه قال له: «يا سيدي تلك شطحات في محل سُكْر، ولا عتب على سكران». ومما يدل على مذهبه قوله:

نبِّه على السر ولا تفُشِه
فالبوح بالسر له مقت
على الذي يبديه فاصبر به
واكتمه حتى يصل الوقت

وكان يقول ابن عربي: إن كل العالم مظاهر للألوهية، وكان يعتقد أنه رأى محمدًا ?، وأنه يعرف اسم الله الأعظم، ويعرف الكيمياء بالتنزيل لا بالتعليل. ومما
طبع من كتبه «الفتوحات المكية»، وديوان يسمى «ترجمان الأشواق»، وكتاب «محاضرات الأبرار»، وكتاب «فصوص الحكم»، و«مجموع الرسائل
الإلهية».

وأيًّا ما كان، فقد خلف محيي الدين بن عربي تراثًا يلعب بالأفكار والعقول إلى اليوم في الشرق وفي الغرب.

ومن أشهر متصوفة الأندلس ابن سبعين وكان أديبًا صوفيًّا متفلسفًا متزهدًا متقشفًا، وهو من خريجي مرسية كمحيي الدين بن عربي وأبي العباس
المرسي، وقد كان تلاميذه يعتقدون أنه ليس له نظير في العلم اللدني، وكان مشهورًا بحبه الإيثار، وعطفه على الإنسانية
كلها ومحبته لأعدائه، وبيته كان بيت عز ومجد في بلاد المغرب وهو بيت علوي، وقد زهد في رياسة أهل بيته وتركها لإخوته، وقد قالوا: إنه ألف
كتابًا اسمه «بدء العارف» وسنه خمس عشرة سنة. ولثقافته الأدبية كان يؤدي ما عنده من المعاني أداءً حسنًا، ويروون أن
ابن هود الأمير المشهور تعاقد مع طاغية النصارى، فلم يفِ الطاغية بعهده فاضطر ابن هود إلى مخاطبة البابا، وأرسل ابن سبعين سفيرًا
عنه إلى روما.

وذكر ابن خلدون في تاريخه أن السلطان المستنصر ملك إفريقيا بايعه أهل مكة، وخطبوا له بعرفة، وأرسلوا له رسالة بتنصيبه، قال: وهي من إنشاء
ابن سبعين، وقد ذكرها ابن خلدون بجملتها وهي طويلة بليغة، وهو يشير في هذه الرسالة إلى أن المستنصر هو المهدي المنتظر.
وكان لابن سبعين أتباع كثيرون يتحمسون له، وله تأليفات كثيرة ورسائل كثيرة، ونشأ تَرِفًا موقرًا، وكان وسيمًا جميلًا، ملوكي البزَّة، عزيز
النفس، قليل التصنع، آية من الآيات في الإيثار والجود بما في يده.

وقد اشتهر ابن سبعين حتى وصلت أخباره كما يقولون البابا في روما، وقد ذكروا أن الإمبراطور فردريك الثاني النرماني ملك صقلية عرضت له بعض
مسائل فلسفية، عرضها على كثير من علماء المسيحيين والمسلمين فلم يتصدَّ للرد عليها ردًّا شافيًا أعجب فردريك مثل رد
ابن سبعين. وكانت الأسئلة هي:
list of 3 items
(?) ما هو المقصود من العلم بالله؟ وما مقدماته؟

(?) ما معنى المقولات؟ وكيف تستخدم في العلوم؟ وما عددها؟

(?) ما الدليل على خلود النفس؟
list end

وإجابة ابن سبعين في رسالة لا تزال محفوظة إلى اليوم، وهي تدل على اطلاع ابن سبعين على ما ترجم من الفلسفة اليونانية. وله شطحات ورموز على
نحو طريقة ابن عربي في نظرية وحدة الوجود. ونقل عبد الرءوف المُناوي: أن ابن سبعين كان له سلوك عجيب على طريق أهل الوحدة،
وله في علم الحروف والأسماء اليد الطولى. ومن أقواله التي تروى عنه في تلاميذه: «عليكم بالاستقامة على الطريق، وقدموا فرض الشريعة على
الحقيقة ولا تفرقوا بينهما من الأسماء المترادفة، واكفروا بالحقيقة التي في زمانكم هذا وقولوا عليها وعلى أهلها اللعنة».


وقد ذكر المرحوم السيد محمد رشيد رضا عن ابن سبعين أنه قال: لقد حجر ابن آمنة واسعًا بقوله: لا نبي بعدي، وهو كالذي يقوله القاديانية اليوم،
وهو يشير من طرف خفي بهذا القول — إن صح — إلى أنه بلغ حد النبوة، وهي نزعة موجودة عند كثير من الصوفية، بل منهم من
اعتقد أن الولاية أرقى من النبوة، وقد انقسم الناس فيه أقسامًا شأنهم في ذلك شأنهم مع كبار المتصوفة كابن عربي، وابن الفارض. فمن تمسك بظاهر
الشرع أنكر كل هذه الشطحات وأنكر نزعة الصوفية؛ كما فعل ابن تيمية مع محيي الدين بن عربي؛ ومنهم من يضع الصوفية فوق
الفقهاء والعلماء والفلاسفة، فيؤمن بهم ويلتمس بركتهم، كالسيوطي والمقري وأمثالهما، ومنهم من يذهب مذهب التحفظ كالذهبي في تاريخه، فمثلًا
يقول في ابن سبعين: «كان ابن سبعين من زهاد الفلاسفة، ومن القائلين: بوحدة الوجود، له تصانيف وأتباع، يقدمهم يوم القيامة».
وفي رأينا أن كتبه ورسائله لا تزال تحتاج إلى دراسة عميقة لمعرفة قيمته ومنحاه.
??

وخلفه قوم كثيرون من الصوفيين في الأندلس، حتى لا يكاد يخلو عصر من عصور الأندلس من الصوفية؛ من أشهرهم أبو العباس المرسي، وهو صاحب المقام
المشهور في الإسكندرية، والمرسي نسبة إلى مرسية، وهي أيضًا بلد محيي الدين بن عربي، قالوا: إنه كان يكرم الناس على
نحو رتبهم عند الله؛ حتى إنه ربما دخل عليه مطيع فلا يحفل به، وربما دخل عليه عاصٍ فأكرمه؛ لأن ذلك الطائع أتى وهو متكثر بعمله ناظر لفعله،
وذلك العاصي دخل متواضعًا لمعصيته، ذليلًا لمخالفته، وكان شديد الكراهية للوسواس في الصلاة. قالوا: إن له كلامًا بديعًا
في تفسير القرآن كقوله في الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (الفاتحة: ?): «علم الله عجز خلقه عن حمده، فحمد
نفسه بنفسه في أزله، فلما خلق الخلق اقتضى منهم أن يحمدوه بحمده … إلخ»، ويقول: «التقوى في كتاب الله على أقسام: تقوى النار، قال تعالى:
وَاتَّقُوا النَّارَ، وتقوى اليوم الآخر، قال: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ، وتقوى الربوبية، قال: اتَّقُوا رَبَّكُمُ،
وتقوى الألوهية، وتقوى الله، وتقوى الإنِّيَّة قال: وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ، وقال عند سماعه قول رسول
الله ?: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر». «أي: أنا أفتخر بالسيادة، وإنما الفخر لي بالعبودية لله. ولما سمع قول سمنون المحب:

وليس لي في سواك حظ
فكيفما شئت فاختبرني

قال: كان الأولى أن يقول: «فكيفما شئت فاعف عني»، إذ طلب العفو أولى من طلب الاختبار. وقال: «الزاهد جاء من الدنيا إلى الآخرة، والعراف
جاء من الآخرة إلى الدنيا»، وهكذا له كثير من الأقوال. وألف فيه تلميذه ابن عطاء الله كتابًا يذكر فيه فضائله وكراماته.


وممن نعرفهم من المتأخرين أحمد بن فاس، كان شيخًا من المتصوفة، ادَّعى أنه المهدي المنتظر، واستولى على بعض البلاد، وكان في أيام الموحدين،
وقتله أحد أتباعه، وألف كتابًا سماه «خلع النعلين في التصوف».

والذى نلاحظه أن الحركات علمية كانت أو أدبية، تتلون حسب ميول الأمراء، فإذا كان البيت الحاكم متصوفًا، ساد التصوف، أو متفلسفًا انتشر التفلسف.
وقد شاهدنا أن أسرة جاءت تميل إلى الغزالي، فحيِيَتْ كتبه، ومجد شخصه، وجاءت أسرة أخرى تخالفه، فأحرقت كتبه، وأعلنت
كراهيته.

على كل حال لم ينقطع التصوف في أي زمان كان، ولكن لم يبلغ شأنه كما بلغ على يد محيي الدين بن عربي، وانتقل أكثره إلى تخريف وتدجيل كما كان
الحال في الشرق.

ويطول القول لو عددنا أسماء المتصوفة كلها في الأندلس وترجمنا لهم، وأبنَّا عيوبهم ومزاياهم. فلنكتفِ بهذا القدر.

هوامش
(?)
طبع في مصر سنة ?????.
(?)
وهو غير الشاطبي الذي ألَّف في الأصول.
(?)
وهو الذي تطبعه دار الكتب الآن.
(?)
ابن حزم للأستاذ سعيد الأفغاني.
(?)
اشتدَّت.
(?)
المعجب ص??? وما بعدها. ونشير هنا إلى أننا نرى بعض نصوصه غامضة أو مطولة؛ مما يحملنا على أن نذكرها بشيء من التصرف.
(?)
نشر في ليدن ثم في مصر.
(?)
طبعت في دمشق.
(?)
طبع في الجزائر.
(??)
انظر: ظهر الإسلام، ج?.
(??)
لابن سبعين جملة رسائل مكتوبة بالخط المغربي الدقيق في مكتبة تيمور باشا في القاهرة في جزأين كبيرين.
الفصل الثالث

الحركة النحوية واللغوية والتأليف الأدبي

نذكر في هذا الفصل حركة اللغة والنحو والصرف في الأندلس، وكلها علوم رواية، أكثر منها علوم دراية. ولا بد أن العرب الفاتحين من عهد موسى
بن نصير إلى عهد الخليفة الناصر، كانوا ينقلون في البلاد ما عرفوه في الشام من لغة وأشعار ونحوها، إذ كان بعضهم من
غير شك مثقفين، يتناقلون الأشعار وأيام العرب والأخبار في سمرهم، إنما لم يكن ذلك علمًا منظمًا، حتى جاء عبد الرحمن الناصر فطمح أن يقوي
مملكته بما قوَّى به العباسيون دولتهم. وكان من أسباب قوة العباسيين العلم والشعر والأدب، وغير ذلك، فأراد أن يقلدهم،
ورأى أن ليس عنده معلمون كبار ينشرون الثقافة العربية بين أهل الأندلس، فقرر أن يندب لذلك بعض أهل المشرق، وبعد تفكير طويل رأى أن أصلحهم
أبو علي القالي، إذ كان أبوه مولى لعبد الملك بن مروان الأموي، فيكون أموي النزعة كعبد الرحمن الناصر، فاستدعاه إلى
قرطبة، وأمر ابنه الحكم باستقباله مع طائفة من أعيان البلد، فاستقبل أحسن استقبال.

وكان أبو علي هذا قد نشأ في بغداد، وتعلم على شيوخها، وجد في التحصيل، فحصل الحديث، واللغة، والأدب، والنحو، والصرف. من مشايخ مشهورين كالهَرَوي
في الحديث، وابن درَستويه أحد النحاة المشهورين والأدباء المعروفين، والزجَّاج أحد تلامذة المبرد، والأخفش الصغير،
وهو أيضًا تلميذ المبرد، ونَفْطويه، وابن السرَّاج، وابن الأنباري، وابن أبي الأزهر، وابن قتيبة وغيرهم، ووعى أكثر علمهم، وأقام في بغداد
خمسًا وعشرين سنة يحصِّل مع الجد، حتى أتقن هذه العلوم. وعرف بين الأندلسيين بسعة الاطلاع في العلم والرواية، وطول
الباع في اللغة وفنونها، قال ابن الفرضي: «فسمع الناس منه، وقرءوا عليه كتب اللغة، والأخبار، والأمالي، وعظمت استفادتهم
منه».

ويكاد المؤرخون يجمعون على أنه كان أحفظ أهل زمانه، وساعد على الانتفاع به ذكاء أهل الأندلس، وقوة حفظهم. لقد كان أبو علي القالي يروي أنه
في طريقه إلى الأندلس نزل المغرب، فكان كُلَّمَا أمعن في المغرب من تونس إلى طنجة يرى أهله يقلُّون في الذكاء تدريجيًّا،
فحزَر أن أهل الأندلس يكونون من أغبى الناس على هذا القياس، فخاب ظنه ورآهم من أذكى الناس. وربما كان له فضل كبير في حب الحكم بن عبد الرحمن
الناصر للعلم، إذ كان أبو علي أستاذه؛ ولذلك جمع الحكم في الأندلس مكتبة عظيمة ذكرناها من قبل. ومن أشهر كتبه كتاب
الأمالي ونوادره. قال ابن حزم: كتاب نوادر أبي علي وهو «ذيل الأمالي» مبارٍ لكتاب «الكامل» الذي جمعه المبرد.

ولئن كان كتاب المبرد أكثر نحوًا وخبرًا، فإن كتاب أبي علي أكثر لغةً وشعرًا. وله غير كتاب «الأمالي» كتاب «الممدود
والمقصور»، وكتاب «الإبل ونتاجها»، وكتاب «حلى الإنسان»، وكتاب «فعلت وأفعلت»، وكتاب «تفسير المعلقات السبع»، وكتاب «البارع في اللغة»
رتبه على حروف المعجم. قالوا: إنه نحو ثلاثة آلاف ورقة. وقالوا: إنه لم يؤلف مثله.

وقد ظلَّ في قرطبة يبث علمه إلى وفاته سنة ????، وقد علمنا أنه رحل إلى الأندلس سنة ????، فتكون مدة إقامته في الأندلس، ونشره
علمه ?? سنة، وهي مدة لا يستهان بها. ويظهر أنه تأثر كثيرًا بشيخه ابن دريد، فإنه يروي عنه كثيرًا بعض القطع الأدبية، وكان ابن
دريد هذا لا يتحرج من أن يخترع حديثًا لأعرابي وأعرابية، أو حتى قصيدة من القصائد؛ شأنه في ذلك شأن الروائيين اليوم،
ولكنه يرويها على أنها حقيقة وقعت، وقصده منها التعليم أكثر من أن يكون قصده التاريخ، ولكن أبا علي القالي أخذها كما يأخذ الحديث على
أنها حقائق تاريخية. وطريقته في «الأمالي» أنه يذكر نصًّا من النصوص؛ آية قرآنية، أو حديثًا، أو خبرًا، أو قصيدة، ويراعي
في اختيار كل قطعة أن تكون مشتملة على لفظ غريب، أو ألفاظ غريبة، ثم بعد رواية النص يشرح الغريب شرحًا دقيقًا، فمثلًا يسوق الآية: وَغَدَوْا
عَلَى? حَرْدٍ قَادِرِينَ، ثم يأخذ في شرح كلمة حَرْدٍ وعلى هذا القياس. ويظهر أيضًا أنه كان يعد موضوعًا خاصًّا في ذهنه لكل درس؛ درس في
ترتيب أسنان الإبل وأسمائها، ودرس في تفسير كلمة أَمَر، وإيراد آية: وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً
أَمَرْنَا إلخ، ودرس في قصيدة ذي الإصبع العدواني، التي منها:

يا عمرو إلا تدع شتمي ومنقصتي
… … … إلخ

وتفسير ما ورد فيها من الغريب، وهكذا.

وقد فات ابن حزم أن يلاحظ أيضًا أن كتاب «الأمالي» أخف روحًا من كتاب «الكامل»، وأن أبا علي القالي حدد مقصده من الكتاب أن يكون أدبًا محتويًا
على غريب يشرحه، ولم يخرج عن ذلك.

وكان يعاصره تقريبًا ويؤدي نفس الغرض، ابن عبد ربه، فقد ألَّف كتابه «العِقد»؛ لينقل إلى أهل الأندلس معارف المشارقة، غاية الأمر أن ابن
عبد ربه أندلسي صميم من مالَقَه، وأبا علي القالي مشرقي رحل إلى الأندلس؛ وكتاب «الأمالي» أدب يُعني بالغريب، وكتاب
«العِقد» يُعنى بالأخبار والسير والطرائف والظرائف من كل باب، وإن شئت فقل: إن كتاب «الأمالي» لفظي، و«العِقد» معنوي، وربما كان هذا سببه
أن ابن عبده ربه أديب يشرب ويحب ويسمع الغناء، ويقول الشعر الظريف في الغزل وفي الشراب وغير ذلك، أما أبو علي فعالم
فقط في اللغة والأدب.

وقد كان ابن عبد ربه متعدد النواحي، تعلم النحو والعَروض والفقه والتاريخ والأدب، وكان قد تعلم في أهل بلده، وكان قد نضج العلم فيه بعض
الشيء، ثم رحل إلى مصر وغيرها وأخذ علمها، ثم وضع برنامجًا أن ينقل ما علم إلى أهل بلده.

وقد اقتبس ابن عبد ربه كثيرًا من أسلاف له، وإن كان قد قصر في نسبة كل قول إلى قائله، شأن كثير من علماء المشرق، حتى لقد ينقل الأصل من
أصوله عن مصدر، فيظن القارئ أنه أخذه منه مباشرة، مع أنه يكون قد نقله عمن نقل عن الأصل من غير نسبة إلى من نقل عنه.
فمثلًا ينقل قطعة على أنها من كليلة ودمنة مباشرة، مع أنه قد يكون نقلها بالواسطة عن ابن قتيبة عن كليلة ودمنة، وكذلك شأنه فيما ينقل عن
التوراة والإنجيل ونحو ذلك.

وقد تخيل كتابه عِقدًا منظومًا يحتوي على خمس وعشرين حبة من جهة، وخمس وعشرين حبة من جهة أخرى، وفي وسطها كلها واسطة العقد، وسمَّى كل باب
من الأبواب التي في ناحية باسم حَجَر كريم، كأن يقول: اللؤلؤة في السلطان، الزبرجدة في الأجواد، الياقوتة في العلم
والأدب، ثم يسمي الباب الذي يقابلها بنفس التسمية مع إضافة كلمة «الثانية» فيقول: اللؤلؤة الثانية في الفكاهات والملح، الزبرجدة الثانية
في طبائع الإنسان، الياقوتة الثانية في الألحان، وهكذا.

وجعل واسطة العِقد في الخطب، وبالضرورة لم يكن هناك واسطة عقد إلا واحدة، والكتاب كان يسمى عند الأقدمين «العقد» فقط، ويظهر أنه لما ألف
أديب كتابًا سماه «العقد الفريد في الملك السعيد» سرت إلى الناس كلمة الفريد، فضموها إلى عقد ابن عبد ربه؛ ولذلك نرى
اسمه عند قدماء المؤلفين كابن حزم وأمثاله «العقد» فقط.

وكان من أشهر من استقى منه «العقد» كتاب ابن قتيبة «عيون الأخبار»، فهو ينقل عنه كثيرًا، ويقلده في ترتيب الأبواب، كما اقتبس من كتاب الجاحظ،
كاقتباسه منه «باب العتاب، واستنجاز الوعد، والاعتذار، والموالي والعرب»، واقتبس من المبرد في كتابيه «الكامل والروضة»،
ومع اقتباسه منهما واستفادته طعن المبرد في الصميم إذ قال عنه: إنه لم يختر لكل شاعر إلا أبرد ما وجد له، حتى انتهى إلى الحسن بن هانئ «أبي
نواس»، فأبو نواس قلما يأتي ببيت ضعيف، لدقة فطنته، وعذوبة ألفاظه، فيأتي المبرد فيروي له أبياتًا، لا ندري من أين
وقع عليها، كما اقتبس ابن عبد ربه من ابن المقفع في كتابيه «كليلة ودمنة» و«الدرة اليتيمة»، وأخذ شيئًا من كتاب سيبويه، ومن طبقات ابن سلام،
ومن بعض كتب أبي عبيدة، ومن ابن هشام في السيرة، ومن ابن وحشية في النبات إلى غير ذلك، حتى لقد يأخذ من التوراة والإنجيل،
ومن دواوين الشعراء.

وربما كان يعتقد أن رواية الأدب ليس ينبغي أن يتزمَّت فيها، كرواية الحديث، فنراه يروي أشياء لم تثبت تاريخيًّا، ولم ينقلها الثقات، كوفود
العرب على كسرى ونحو ذلك، وأحيانًا يعارض ما يختاره بشعره هو على أنه خير مما روى. وقد كان مقرَّبًا إلى عبد الرحمن
الناصر، فنظم فيه ملحمة طويلة لطيفة على قلة الملاحم في الأدب العربي، تبلغ أكثر من أربعمائة بيت، وإذ كانت الملحمة في سيرة عبد الرحمن
الناصر، وهو بالضرورة أموي، فقد سار فيها على مذهب الأمويين، فعدَّ الخلفاء الراشدين مثلًا أربعة: أبا بكر، وعمر، وعثمان،
ومعاوية، وحذف عليًّا من أرجوزته، ثم وصل الخلفاء الأمويين في الشرق بالأمراء الأمويين في الأندلس؛ ولذلك عابه بعض العلماء، إذ كتب مثلًا
منذر بن سعيد البلوطي الإمام المشهور على هامش الأرجوزة، البيتين الآتيين:

أَوَما عليٌّ — لا برحت ملعَّنًا
يا ابن الخبيثة — عندكم بإمام؟
رب الكساء وخير آل محمد
داني الولاء مقدَّم الإسلام

ومن عدم تدقيقه في الأخبار روايته شيئًا من الأوهام، فيقول عن رجل مثلًا: إنه عاش ثلاثمائة سنة أو مائة وتسعين سنة، وبعد أن عاش هذه المدة
اسودَّ شعره، وقد نبتت له أضراس إلى غير ذلك. كما أن كثيرًا مما رواه عن الحيوان لم يصح علميًّا.

ومن مزايا العِقد أن مؤلفه ابن عبد ربه قوي في النثر والشعر، تظهر قوة نثره في الفرش الذي يفرشه أمام كل باب، فهو فرش لطيف بليغ، وتظهر
قدرته الشعرية في معارضته لما يختار أحيانًا بشعر لطيف له. وقد روي عنه أنه كان يعيش أول أمره عيشة الأديب المستهتر،
مر مرة على قصر فيه غناء فطارت نفسه وهام بالغناء وقال في ذلك قولًا لطيفًا؛ ومن أجل ذلك يبرِّر في الكتاب سماع الغناء ويرد على من حرَّمه،
كما يظهر أنه كان يشرب الخمر وخصوصًا النبيذ؛ ولذلك يميل من طرف خفي في كتابه إلى تأييد الرأي القائل بالحل. ويقولون:
إنه في آخر أيامه تاب، وشعر في الزهد والورع والتقوى، على نحو ما شعر في اللهو والغزل.

والكتاب يفيدنا تاريخيًّا أيضًا، كما يفيدنا أدبيًّا في تعريفنا بأشياء كثيرة عن عادات الأندلس وتقاليدها، ونظرة الأندلسيين إلى اليهود
والنصارى، كما يدلنا على حروب الناصر واحدة بعد أخرى في أي سنة، ونحو ذلك.

وإذا قارنَّا بين ما كتبه ابن قتيبة في الشعوبية، وما كتبه ابن عبد ربه، رأينا ابن عبد ربه أعدل رأيًا، وأصدق حكمًا، ومن ظرفه أنه أكثر
في كتابه هذا من الفكاهات والمُلَح، والنوادر والقصص، فيروي للأشعب وللممرورين. وفي الأجوبة المسكتة أشياء لطيفة ظريفة
مسلية، فهو أقرب إلى الجد من ألف ليلة، ولكنه مَسلٍّ مثلها؛ ولذلك ذاع بين الأدباء. وقد قلنا: إنه لم يكن متزمِّتًا كالمحدثين، وبعض الأدباء
كصاحب الأغاني فلم يملأ كتابه بالأسانيد كما فعل هؤلاء؛ ولذلك انتشر كتابه انتشارًا كبيرًا في الشرق والغرب، فهو يتنقل
من شعر إلى نثر إلى قصة إلى فكاهة إلى مَثَل، حتى لا يمل قارئه بحال. ويظهر أنه قد دُسَّ عليه بعد وفاته أشياء لم يقلها، وإنما
رأى القارئ أشياء حدثت بعد وفاته، فأراد أن يكمل بها الكتاب.

على كل حال انتفع الناس بهذا الكتاب أكثر مما انتفعوا بغيره لخفة روحه، وسهولة مأخذه، وكثرة تنقلاته من باب إلى باب. فكما انتفع الناس بالأمالي،
ومؤلفه شرقي رحل إلى الأندلس، انتفعوا بالعقد، ومؤلفه أندلس رحل إلى المشرق.

وقد قلنا من قبل: أن ليس أبو علي أول من بذر البذرة، فقد بذرها العرب والبرابرة فاتحو الأندلس، وإنما أبو علي نمَّاها، ونظم تعليمها، وربما
كانت هناك كتب من المشرق تتسرب إلى المغرب، فيأخذ منها الأندلسيون أدبهم، والدليل على ذلك ابن القوطية أبو بكر محمد
بن عمر، وسمي ابن القوطية نسبة إلى القوط، وهم الذين غزو الإسبان من قبل؛ لأن أحد أجداده تزوج من أميرة إسبانية بنت ملك من ملوك القوط،
كانت ذهبت إلى دمشق، ووفدت على هشام بن عبد الملك متظلمه من عمها، فتزوجت عناك من عربي كان جدًّا لابن القوطية، وأرسل
مع الحملة التي ذهبت لفتح الأندلس.

وكان ابن القوطية هذا عالمًا كبيرًا من علماء العربية، وصحب أبا علي القالي، وقدمه أبو علي إلى الحكم الثاني الخليفة قائلًا: إنه علم أهل
بلاده. وكان ابن القوطية لغويًّا كبيرًا، ونحويًّا كبيرًا، وشاعرًا، ومؤرخًا، يفد عليه الناس للاستفادة منه. مات سنة
???? بعد أن ألف كتاب «الأفعال»، وكتاب «فعلت وأفعلت»،
?
فهذا يدل على أن العلم باللغة والمحو أقدم من القالي، وبالفعل قد روي أن ابن القوطية أخذ العلم باللغة والنحو على رجل يسمى الزبيدي، وآخر
يسمي سعيد بن جبير، وهما لا شك معلمان بالأندلس قبل القالي.
وكان ممن تتلمذ لأبي علي القالي أبو بكر الزبيدي، وهو نحوي مشهور، ألف كتاب «مختصر العين»، وألف «أخبار النحويين»،
?
ورتبَ نحويّي الأندلس على طبقات.

على كل حال كان المؤلفون في اللغة والأدب كثيرين، ونعني بالأدب هنا الأدب التأليفي، أما الأدب الإنشائي فسنتكلم عليه في الباب الآتي إن
شاء الله.

فمن أشهر من ألَّف في الأدب من الأندلسيين «الشريشي» الذي شرح مقامات الحريري شرحًا لطيفًا. وقد انتقلت المقامات من الشرق إلى الأندلس،
فأقبل الأندلسيون عليها، وافتتنوا بها، وأثرت فيهم أثرًا كبيرًا، فمنهم من قلدها ووضع مقامات على نمطها، كالأزدي المتوفى
سنة ????.

والحق أنه كان شرحًا وافيًا؛ إذ كان مؤلفه جمَّاعًا للفوائد، واسع الاطلاع، وما شرح مقامات الحريري أحد بعده إلا استفاد منه، حتى دوزي في
شرحه اعتمد عليه، وقد عرف هذا الكتاب بالدقة في الشرح وامتلائه بالفوائد، واتخاذ المقامات تكأة لرواية الأخبار.

وممن ألَّف أيضًا في اللغة والأدب ابن السيد البَطليوسي مؤلف كتاب «الاقتضاب في شرح أدب الكتَّاب» لابن قتيبة، كما ألف شروحًا على كتب أدبية
مختلفة، ومثل البكري الذي ألَّف كتاب «التنبيه على أغلاط الرواة» وغيرهم. على كل حال نقل هؤلاء وأمثالهم الأدب القديم
من دواوين وغير دواوين، وشرحوها وقدموها لأمتهم، حتى لم يكد يبقى شيء لم يطلعوا عليه.

كما كان من أهم مؤلفي اللغة من الأندلسيين ابن سِيده، وهو أبو الحسن علي بن إسماعيل، وكان ضريرًا، وكان أبوه على علم باللغة فأخذ عنه، وقد
ألَّف مؤلفات كثيرة لم يبق منها فيما نعلم إلا كتاب «المخصص»
?
في سبعة عشر جزءًا، ألَّفه على حسب المعاني، لا على حسب الألفاظ، فالألفاظ التي تتعلق بالمائدة وما يتصل بها وضعت في مكان واحد، وهي فكرة
سبقه إليها الثعالبي في فقه اللغة، ولكن ابن سيده وسعها وجعلها في سبعة عشر جزءًا بدل جزء واحد للثعالبي. والظاهر أنه
رتب «المخصص» حسب الإنسان وأعضائه وأجزائه، ثم ما يتصل به، الأقرب فالأقرب، ثم كتاب «المحكم والمحيط الأعظم» وهو معجم كبير في اللغة، رتبت
فيه الكلمات حسب حروف الحلق، كما فعل الخليل في «العين»، وابن دريد في «الجمهرة»، وقد مات سنة ????.

وممن اشتهر في اللغة أيضًا الأعلم الشنتمري، وكانت له ميزة أخرى غير جمع اللغة، وهي حفظه لأشعار العرب، وعنايته بضبطها، وقد استفاد منه
كثيرون من أهل الأندلس، وكانوا يرحلون إليه، وسمي الأعلم؛ لأنه كان مشقوق الشفة العليا، والشنتمري نسبة إلى شَنتِمارية
مدينة في غربي الأندلس، وقد شرح دواوين كثيرة، ويكاد يكون اختصاصه في ذلك، وتوفي سنة ????.

وممن اشتهر من الأندلسيين أبو الحجاج بن يوسف ابن الشيخ البلوي المالقي، ألف كتابًا في جزأين كبيرين وضعه لابنه وسماه «ألف باء»، وهو موسوعة
كبيرة، تكلم فيها في الحساب والطبيعة والنبات والحيوان والإنسان وعلم الاجتماع والشريعة والأديان وفقه اللغة ومخارج
الحروف والنحو والصرف والشعر والحكايات والأساطير، حتى لو رتب على حسب حروف الهجاء لكان دائرة معارف عجيبة. وقد رحل إلى الشرق ووصف فيه
أشياء كثيرة كمنارة الإسكندرية وصفًا دقيقًا. وعاش من سنة ???? إلى سنة ????.

أما النحو فقد بدأ في الأندلس، كما بدأ في المشرق عبارة عن قطعة مختارة فيها لفظ غريب يشرح، ومشكلة نحوية توضَّح، على النحو الذي نراه في
«أمالي» القالي، و«الكامل» للمبرد، ثم ألفوا نحوًا في مسائل جزئية، كما فعل أبو علي القالي نفسه في «فعلت وأفعلت» و«المقصور
والممدود»، وكما فعل ابن القوطية في كتابه «الأفعال»، فلما انتقل إلى الأندلس كتاب الكسائي وسيبويه، ألف الأندلسيون في النحو من حيث هو
كل يشمل جميع الأبواب، وكان أشهر كتب النحو في أيام ابن حزم تفسير الحوفي لكتاب الكسائي.

وكان من الأندلسيين أبو علي الشلوبيني،
?
وكان إمامًا في النحو، يجله تلاميذه ويغالون في فضله، ألَّف كتبًا في النحو مثل: كتاب «التوطئة»، ولد بإشبيلية سنة ????، وتوفي سنة ????.


ونبغ في النحو بعد الشلوبيني نحويان شهيران هما ابن خروف وابن عصفور، ولهما في كتب النحو آراء ينفردان بها، فأما ابن خروف فمن إشبيلية،
وكان إمام أهل زمانه في العربية في الأندلس، له شرح على كتاب سيبويه وشرح لكتاب الجمل وغير ذلك من الكتب، وكان إلى
علمه أديبًا لطيفًا كثيرًا ما تلاعب باسمه، فكتب مرة لقاضي القضاة يستعفيه من الإشراف على عمل؛ لأن بوَّابه اسمه السيد وهو الذئب فقال:


مولاي، مولاي أجرني فقد
أصبحت في دار الأسى والحتوف
وليس لي صبر على منزل
بوابه السيد وجدي خروف

ومن شعره اللطيف في صبي مليح:

أقاضي المسلمين حكمت حكمًا
أتى وجه الزمان به عبوسا
حبست على الدراهم
?
ذا جمال
ولم تحبسه إذ سلب النفوسا

ولما رأى نيل مصر قال فيه:

ما أعجب النيل، وما أحلى شمائله
في ضفتيه من الأشجار أدواح
من جنة الخلد فيَّاض على ترع
تهب فيها هبوب الريح أرواح
?
ليست زيادته ماء كما زعموا
وإنما هي أرزاق وأرواح

ومات سنة ????.

وأما ابن عصفور فإشبيلي الأصل أيضًا، حمل لواء العربية بالأندلس بعد أستاذه أبي علي الشلوبيني، ودرس العربية في بلاد أندلسية مختلفة، في
إشبيلية وشريش ومالقة ولورقة ومرسية، وألَّف كتبًا كثيرة في النحو والصرف، وقد أخذ عليه ابنه أنه كان مستهترًا يغشى
مجالس الشراب ويتهتك فيها، ومات سنة ????.

وجاء بعد ذلك ابن مالك وهو جمال الدين محمد بن عبد الله، ولد ببلدة جيَّان إحدى مدن الأندلس حوالي سنة ????، وأخذ عن نحويِّيها، وأخذ عن
أبي علي الشلوبيني، ثم رحل إلى مصر ودمشق، وأخذ العلوم الشرعية وتبحر فيها، وقد اشتهر شهرة سيبويه. وأهم ميزة ابن مالك
أنه ربط قواعد النحو ربطًا محكمًا، وبسطها كما يتجلى ذلك بالنظر في ألفيته وقواعده، والقواعد التي ذكرها سيبويه في كتابه، وقد ألف الألفية.
ونالت حظوة كبيرة، حتى حفظها أكثر المتعلمين في الشرق والغرب إلى اليوم، ومن مؤلفاته: الكافية والشافية، والتسهيل،
ولامية الأفعال، والمفتاح في أبنية الأفعال، وتحفة الموجود في المقصور والممدود، والأعلام في مثلث الكلام، وإيجاز التعريف بعلم التصريف،
ورسالة في المترادفات، والاعتداد في الفرق بين الزاي والصاد، ومنظومة في ?? بيتًا في الأفعال الثلاثية المعتلة بالواو
أو الياء، نقلها السيوطي في كتابه «المزهر». وقد تتلمذ له كثيرون في الشرق والمغرب، كابن النحاس المصري، والفقيه المشهور النووي،
والمحدِّث المشهور اليوُنيني، وغيرهم. وقد رزق الحظوة في تآليفه، واستفاد منه كثيرون، ودوَّى اسمه في الأندلس وفي المشرق،
ومات سنة ????.

فإن قلنا: إنه نظَّم نحو سيبويه، ووضَّحه، وفصَّله، وقربه إلى الناس، وعمَّمه لم نكن بعيدين عن الصواب، وكان إمامًا في القراءات وعالمًا
بها، واسع العلم باللغة. قال الصَّفَدي: «أخبرني أبو الثناء محمود قال: ذكر ابن مالك يومًا ما انفرد به صاحب المحكم
عن الأزهري في اللغة، وهذا أمر معجز؛ لأنه يحتاج إلى معرفة جميع ما في الكتابين»، وكان في النحو والتصريف لا يُشق لُجُّه، وكان واسع الاطلاع
على أشعار العرب التي يستشهد بها على النحو واللغة، حاضر البديهة في الاستشهاد، وكان مذهبه أن يستشهد بالقرآن، فإن
لم يكن فيه شاهد، استشهد بالحديث، فإن لم يكن استشهد بأشعار العرب. وكان نظم الشعر عليه سهلًا، رجزه وطويله، وأكثر من التآليف في أبواب
مختلفة، وكان مشهورًا بنظم الضوابط التي تسهل الأمور الصعبة على المتعلمين، فينظم مثلًا في المقصور والممدود، وفيما
ورد بالضاد والظاء، وفي ترتيب خيل السباق، ونحو ذلك. وكان — رحمه الله — كثير المطالعة، سريع المراجعة، لا يكتب شيئًا من محفوظه، حتى يراجعه
في محله، وقد أخذ عليه أبو حيان «أنه لم يلازم المشايخ، ولم يصحبهم طويلًا، وإنما أخذ أكثر علمه من الكتب والاطلاع
عليها؛ ولذلك كان ينفر من المنازعة والمباحثة والمراجعة. وهذا شأن من يقرأ بنفسه، ويأخذ العلم من الصحف بفهمه»، مع أنه قرأ على
جملة من المشايخ كأبي علي الشلوبيني، وثابت بن خيار.

وربما عُدَّ من أكبر علماء النحو في الأندلس أبو حيان الغرناطي، وهو لغوي عربي، ولد من أصل بربري سنة ????، وتنقل في البلاد بعد أن تعلم
على علماء الأندلس، وكان ظاهريًّا على مذهب ابن حزم، وكان نحويًّا مفسرًا محدثًا شاعرًا.

وبلغت مصنفاته في العلوم المختلفة نحو ?? كتابًا لم يصلنا منها إلا نحو عشرة، وأهميته أنه كان لغويًّا بمعنى أنه يعرف لغات كثيرة، فألف
كتابًا في الفارسية، وآخر في اللغة التركية، والمصنفان موجودان إلى اليوم، وهما عظيما القيمة، كما ألف كتابًا في اللغة
الحبشية، وتوفي بالقاهرة سنة ????، ولكن كما قلنا من قبل: إن هؤلاء النحويين جميعهم كانوا يدورون في فلك سيبويه، فإن اجتهد أحد كابن مالك
وأبي حيان، فكالذي نسميه في الفقه اجتهاد مذهب لا اجتهادًا مطلقًا. فقد وضع الخليل وتلميذه سيبويه بناء في النحو قوي
الدعائم لم يسهل هزه ولا نقضه، إنما الذي خرج واجتهد اجتهادًا مطلقًا هو ابن مضاء الأندلسي القرطبي، وقد كان أيام الموحدين، فقد كان
الموحدون هؤلاء مجتهدين، لم يرضوا عن مذاهب الفقه المختلفة. وقد كان عبد المؤمن بن علي الذي يعد المؤسس الحقيقي لدولة
الموحدين «مؤثرًا لأهل العلم، محبًّا لهم، محسنًا إليهم، يستدعيهم من البلاد إلى الكَوْن عنده، والجوار بحضرته، ويجري عليهم
الأرزاق الواسعة، ويظهر التنويه بهم والإعظام»، ويقول فيه بعضهم: «إنه كان فقيهًا عالمًا بالأصول والجدل والحديث، مشاركًا في كثير
من العلوم الدينية والدنيوية».

وكان مَن بعده من أبنائه متعلمين تعلمًا واسعًا، وحسب هذه الدولة فخرًا أنها أنجبت ابن طفيل، وابن زُهر، وابن رشد، إذ أفسحت صدرها للفلسفة.
يقول ابن خلكان في أحد ملوك الموحدين: «إنه أمر برفض فروع الفقه، كما أمر الفقهاء بألا يُفْتوا إلا بالكتاب والسنة،
ولا يقلدون أحدًا من الأئمة المجتهدين، بل تكون أحكامهم بما يؤدي إليه اجتهادهم»، وأمر بإحراق كتب المذاهب، والآراء تُعدى، فلما شُرِّع
الاجتهاد في الفقه، ظهر مجتهد يريد هدم كتاب سيبويه، كما اجتهد قوم في هدم المذاهب الأربعة، ووضع مذهب جديد في النحو.
فالفلسفة تحرِّر العقول، والأخذ بالكتاب والسنة يعطل المذاهب، وابن مضاء يريد أن يهدم مذهب سيبويه، وألف في ذلك ثلاثة كتب: المشرق في
النحو، وتنزيه القرآن عمَّا لا يليق بالبيان، والرد على النحاة. وفي هذه الكتب الثلاثة على ما يظهر رد على نحو سيبيويه
وأنصاره، والنظر إلى نحو جديد.

لقد كان نحو سيبويه مبنيًّا على نظرية العامل، فلا يُرفع فاعل إلا بعامل، ولا تنصب كلمة إلا بعامل، ولا تجر إلا بعامل، فإن لم يكن العامل
ظاهرًا، فهو عامل مؤول، فنادى ابن مضاء بأن الذي يصنع الظواهر النحوية في الكلمات من رفع ونصب وجر، إنما هو المتكلم
نفسه، لا ما يزعمه النحاة من الأفعال وما شاكلها، وقد أشار ابن جني في الخصائص إلى هذه النظرية، ولكن ابن مضاء وسَّعها وأوضحها. وقد جرَّت
النحويين نظرية العامل وتأويله إن كان محذوفًا إلى علل وأقيسة، وأحيانًا تكون مقبولة، وأحيانًا تكون غير مقبولة. وكان
يريد ابن مضاء إنشاء نحو جديد على أساس جديد، ولكن يكفيه فخرًا أنه هدم وإن لم يبْن، فكان النحو محتاجًا إلى يد جديدة، تبني بناءً جديدًا
بعد هدم القديم. وفي كتابه الذي نشر حديثًا ما يشير إلى أحجار قيمة توضع في البناء الجديد، ولكن مع الأسف كانت دعوته
إلى نحو جديد، كدعوة أبي نواس في الشرق إلى شعر جديد، فكلتاهما كُتبت ولم تتحقق.

على كل حال كان ابن مضاء داعيًا دعوة جديدة، متأثرًا فيها بالدعوة إلى اجتهاد الفقهاء، كما أنه متأثر بمذهب الظاهرية، فنظريات العوامل تحتاج
إلى تأويل كبير، والظاهرين أكثر ما يكرهون التأويل، وقد أسس كتابه هذا «الرد على النحاة»
?
بعد قراءة طويلة في النحو، فقد قرأ كتاب سيبويه، وشرح السيرافي عليه … وهو يرى أن الناس ضلوا بالنحو القديم، باتباعهم نظرية العامل فيقول:
«قصدي من هذا الكتاب أن أحذف من النحو ما يستغني النحوي عنه، وأنبِّه على ما أجمع على الخطأ فيه، فمن ذلك دعاؤهم أن
النصب والخفض والجزم لا تكون إلا بعامل لفظي … فقالوا في ضرب زيد عمرًا: إن الرَفع الذي في زيد، والنصب الذي في عمرو، إنما أحدثه ضرب، وذلك
بيِّن الفساد. وقد صرح بخلاف ذلك ابن جِنِّي وغيره … وفي الحقيقة ومحصول الحديث أن العمل من الرفع والنصب والجر والجزم،
إنما هو للمتكلم نفسه لا لشيء غيره». وقال: «ربما ظن شخص أن معاني هذه العوامل هي العاملة، ويرد ذلك بأن العامل أو الفاعل إما أن يفعل
بإرادة كالإنسان والحيوان، وإما أن يفعل بالطبع كما تحرق النار، ويبرد الماء، والعامل في النحو ليس فاعلًا بالإرادة
ولا بالطبع. وإذًا فتصور النحاة له بأنه عامل أو فاعل تصوُّر واهم».

ويبين سخف النحويين في تأويل عامل إذا لم يوجد، فيقول: «إن النحويين يقولون في يا عبد الله: أدعو عبد الله، مع أن المعنيين مختلفان، فأدعو
عبد الله جملة خبرية، ويا عبد الله جملة إنشائية، ويقولون في: إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ (الانشقاق: ?)، إذا انشقت
السماء انشقت، وهو كلام واهم». ويقول في موضع آخر: «إن إجماع النحاة على ذلك ليس حجة علينا، مهما اتفق البصريون والكوفيون
على ذلك». ويهاجم فكرة الضمائر المستترة، فإن النحاة يقولون في مثل زيد ضارب عَمْرًا: إن في ضارب ضميرًا مستترًا تقديره هو فاعل. ويقول:
إن ضارب تدل على الصفة وصاحبها، فلا داعي للتأويل. كما هاجم العلل النحوية غير العلة الأولى، فإذا قلت: إن الفاعل مرفوع
فهذه هي العلة الأولى وقد أقرها، أما أنه مرفوع؛ لأنه عمدة فقد رفضه ابن مضاء. ومن الأسف أن الناس لم يأخذوا بقوله، وعادوا سريعًا إلى نحو
سيبويه.

وابن مضاء هذا رجل عظيم النسب، عظيم المنصب، فقد كان قاضي القضاة في عهد الموحدين، وكان عظيم الجاه عندهم، فهو وحده الذي ثار على نحو المشرق
كما ثار كثير غيره على فقه المشرق.

ويطول بنا القول لو ترجمنا لنحويي الأندلس واحدًا فواحدًا، وأنت إذا قرأت كتاب «بغية الوعاة في أخبار النحاة» وجدت في كل صفحة تقريبًا واحدًا
فأكثر من نحاة الأندلس: فلنكتفِ بما ذكرنا.

هوامش
(?)
نشره الأستاذ جويدي.
(?)
منه نسخة خطية في دار الكتب.
(?)
طبع في مصر في سبعة عشر جزءًا، ووقف على طبعه المرحوم الأستاذ الشنقيطي، أما الحكم فلم يطبع إلى الآن.
(?)
الشلوبيني كما في المغرب لابن سعيد نسبة إلى شلوبين بلدة من أعمال قرطبة، وهذا أصح مما ذهب إليه ابن خلكان من أن الشلوبين بمعنى
الأشقر الأبيض بلسان أهل الأندلس.
(?)
أي: من أجل الدراهم.
(?)
هي الرياح.
(?)
نشره الدكتور شوقي ضيف.
الفصل الرابع

الحركة الأدبية
الشعر والنثر
نريد بالحركة الأدبية مظاهر الأدب الإنشائي
?
من شعر ونثر، وقصص ونحو ذلك. ونلاحظ في الحركة الأدبية ما يأتي:
list of 2 items
(?) أن الثقافة الأدبية في الأندلس كانت تكاد تكون عامة بين المثقفين، فلا نكاد نقرأ ترجمة لفقيه، أو أمير، أو متصوف، إلا نجد
له شعرًا، البيتين أو المقطوعتين أو أكثر.

(?) ما وضع العرب أرجلهم في الأندلس حتى صبغوها بالصبغة العربية، ونقلوا معيشتها إلى معيشة عربية في عاداتها وتقاليدها، ومن
ذلك أدبها. فالعربي حيثما حلَّ ذكر أوطانه، وحنَّ إليها. وكانت السنون الأولى بعد الفتح سِنِي
دهشة وتخمُّر، فالبلاد غريبة عن العرب، والمناظر مختلفة عن مناظر الصحراء، وعادات البلاد وتقاليدها تختلف عن عادات الصحراء
وتقاليدها، فهم يحتاجون إلى زمن يتأقلمون فيه لمواجهة هذه الحالة الجديدة؛ ولذلك نراهم لم
يقولوا الشعر كثيرًا كما كانوا يقولونه في جزيرة العرب، أو في الشام، شأنهم في ذلك شأن العرب الفاتحين لمصر، فقد رأى الفاتحون
من العرب النيل، وهو يفوق ألف مرة غدرانهم، والأهرام التي تفضل ألف مرة خيامهم ومساكنهم، وشاهدوا
الوديان الخضراء، والمراعي الخصبة، والمياه المتدفقة. وكل ذلك كان حريًّا أن ينتج أدبًا غزيرًا، وشعرًا كثيرًا،
ولكنهم لم يفعلوا، وقلَّما نجد شعرًا روي عنهم في العصر الأول للفتح، بل إن الشعر الذي روي كان يأتي على
ألسنة الوفود الذين يأتون مصر من الخارج لعبد العزيز بن مروان وأمثاله، وهو أمر غريب حقًّا في الأندلس
ومصر، حتى ظننت أن العربي أول أمره لا يشعر إلا في بيئته.
list end

على كل حال نجد في العصور الأولى في الأندلس قبل عبد الرحمن الداخل شعرًا قليلًا، وأدبًا شحيحًا، تقتضيه المناسبات، أو المسامرات، أو تحرك
العواطف تحركًا وقتيًّا لسبب من الأسباب.

مثل ذلك ما روي عن طارق بن زياد فاتح الأندلس أنه قال:

ركبنا سفينًا بالمجاز معبرا
عسى أن يكون الله منا قد اشترى
نفوسًا وأموالًا وأهلًا بجنة
إذا ما اشتهينا الشيء فيها تيسَّرا
ولسنا نبالي كيف سالت نفوسنا
إذا نحن أدركنا الذي كان أجدرا

ومثل ما روي عن عبد الرحمن الداخل، وقد رأى نخلة وحيدة منفردة، فقال:

تبدَّت لنا وسط الرُّصافة نخلة
تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل
فقلت: شبيهي في التغرب والنوى
وطول التنائي عن بَنِيَّ وعن أهلي
نشأت بأرض أنت فيها غريبة
فمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي
سقَتْك غوادي المزن في المنتأى الذي
يسُحُّ ويستَمْري السماكين بالوَجْل

وقول الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل:

رأيت صدوع الأرض بالسيف راقعا
وقِدْمًا لأَمْتَ الشعب مذ كنت يافعا
فسائل ثغوري هل بها اليوم ثغرة
أبادرها مستنضِيَ السيف دارعا
تُنبِّئك أني لم أكن في قِرَاعهم
بوانٍ، وقِدْمًا كنت بالسيف قارعا
وأني إذ حادوا جزاعًا من الرَّدَى
فلم أك ذا حيد من الموت جازعا
حميت ذماري فانتهبت ذمارهم
ومن لا يحامي ظل خزيان ضارعا
ولما تساقينا سجال حروبنا
سقيتُهم سمًّا من الموت ناقعا
وهل زدت أن وفيتهم صاع قرضهم
فوافوا مَنايا قُدِّرت ومصارعا
فهاك بلادي إنني قد تركتها
مهادًا ولم أترك عليها منازعا

ومثل قول الأمير عبد الله بن عبد الرحمن بن الحكم:

ويْلي على شادنٍ كحيل
في مثله يخلع العِذار
كأنما وجْنتاه ورد
خالطه النَّور والبهار
قضيب بان إذا تَثَنَّى
يدير طرفًا به احورار
فصفو ودِّي عليه وقْفٌ
ما اطَّرد الليل والنهار

ومثل قول زرياب:

عُلِّقْتُها ريحانة
هيفاء عاطرة نضيره
بين السمينة والهزيـ
ـلة والطويلة والقصيره
لله أيام لنا
سلفت على دير المطيره
لا عيب فيها للمتيَّـ
ـم غير أن كانت يسيره

وقول عبد الرحمن الناصر:

كيف وأنى لمن يناجي
من لوعة الشوق ما أناجي
يطمع أن يستريح وقتًا
أو يقتل الراح بالمزاج
كنت كما علمت ألهو
إذ أنا مما شكوت ناجي
فصرت للعين في علاج
طم وأربى على العلاج
الورد مما يزيد حزني
ويبعث السَّوسن اهتياجي
لا ترجُ ما أردت شيئًا
أو يأذن الهم بانفراج

… إلخ إلخ.

ولم نعثر فيما قرأنا على أديب يتخصص للأدب في هذه الفترة؛ خصوصًا وأن هذه الأيام الأولى كانت أيام فتن واضطرابات بين العرب والبربر الفاتحين،
والإسبان المفتوحين، بل وبين العرب أنفسهم؛ فهذا عدناني يتعصب لعدنانيته، وهذا قحطاني يتعصب لقحطانيته، وهذا بينه وبين
الوالي عداوة شخصية فينتهز الفرصة فيقتله وهكذا، وهؤلاء لا يمكن تأريخ أدبهم.
list of 1 items
(?) من الصعب أن نطبق ما ذهبنا إليه من قبل من تدرج «الحركة الدينية واللغوية والنحوية» على الأدب وتطورها تطورًا منطقيًّا،
فإن الأدب في ظاهره لا يخضع لهذا القانون، فقد يأتي قرن ينبغ فيه أدباء وشعراء كثيرون بارزون
لأسباب مختلفة، ثم يعقبه قرن خمود يخلو من الأدب البارز، ثم يعقبه أدب غزير، ونبوغ عظيم، تعمل في ذلك عوامل كثيرة، وعبقريات
لا تعرف كيف نضجت ولا كيف نبغت؛ فأولى بنا أن نخضع لهذا القانون، ونكتفي بذكر الأدباء من ناثرين
وشاعرين، ونبيِّن قيمة أدب كل منهم مع عرض شيء من مختاراتهم نبرهن بها على ما نقول. ولنترك الأدباء الذين يتخذون
أدبهم على هامش فقههم أو علمهم أو نحوهم، ولنكتفِ بذكر من غلب عليه الأدب فكان حرفته ووظيفته والظاهرة
العظمى في حياته.
list end

(?) الشعر والشعراء

نلاحظ أن العالم الإسلامي كله من أندلس ومصر وشام وعراق … إلخ، كان أشبه ما يكون بجسم موصل جيد للكهرباء، فما تملأ جزءًا منه بشحنة
كهربائية حتى تسري في الجسم كله ويتأثر بها.

كان الشعر الجاهلي يمتاز بصدق العاطفة وجزالة التعبير، والاقتصار على مشاهدات ما عندهم من جمل وصحراء وجبال ووديان وغدران … إلخ، وكانت
لهم تقاليد مرْعيَّة في الشعر من البدء بالغزل، والبكاء على الأطلال، ثم الانتقال منه إلى الغرض الذي يقصد
إليه الشاعر من مديح ونحوه، واستمر ذلك في العصر الإسلامي الأول، فكان هذا الوضع أكبر مؤثر للعرب الفاتحين للأندلس إذا قالوا الشعر؛
لأن هذا كل ما وصل إليهم، ثم تطور الشعر آخر الدولة الأموية لغزل عمر بن أبي ربيعة، وخمريات الوليد بن يزيد،
فانتقل ذلك أيضًا إليهم، فلما جاء العصر العباسي تطورت الحياة الاجتماعية وتطور معها الشعر، فهذا بشار بن برد يعد مجددًا، وأهم معنى
للتجديد أنه أقلمَ الشعر بالبيئة الاجتماعية مثل قوله:

عسر النساء إلى مياسرة
… … … إلخ

وقوله هو، أو أبي نواس، يصب الكأس ومقدار ما فيها من الخمر، ومقدار ما يصف فيها من الماء إلى نحو ذلك؛ وجاء أبو نواس فملأ الجو غزلًا
بالمذكر، وتحليلًا دقيقًا للخمر وتشبياتها، وشاربيها وندمائها، وغير ذلك. ثم جاء أبو تمام فأفرط في البديع،
وجاء المتنبي فملأ شعره جزالة وقوة بدوية، وتقييدًا للحروب الصليبية، وحلَّى شعره بالحكمة إلى غير ذلك. ثم جاء مثل أبي العلاء فقال
في معايب زمنه وأهله، من ملوك وأمراء وقضاة، ونساء ووعاظ ومنجمين، ونحو ذلك. وجاء مثل ابن حجاج وابن سكرة فملأوا
أشعارهم بالهزل والمجون والسخرية إلى غير ذلك كل هذا انتقل إلى الأندلس بسرعة الشرارة الكهربائية، فكان مثلًا لهم يحتذونه
ويسيرون على منواله.

ونلاحظ أن الشعر العربي جميعه كان أدبًا رومانتيكيًّا، أو كما يقولون شعرًا غنائيًّا، ونعني بالرومانتيكية أنها تعنى بالخيالات الواسعة
والعواطف الهائجة، والألفاظ الجميلة أكثر مما تعنى بالأفكار الذهنية العميقة، والمعاني الدقيقة. والشعر العربي
أيضًا له تقاليد خاصة من التزام لبحور لا تتجاوز ستة عشر، وقافية تلتزم في كل القصيدة، وموضوعات خاصة من مديح ونسيب ورثاء إلى غير ذلك
مما يظهر من الأبواب التي وضعها أبو تمام، واختار شعر العرب على وفقها في كتابه الحماسة.

فانتقل كل ذلك إلى الأندلس وكان عمادهم في شعرهم، ولكن الأندلس بلاد الإسبان من قديم، وهم كانوا يقولون الشعر متأثرين باللاتينية وبالآداب
اليونانية والرومانية، ولها منحى آخر غير منحى العرب، فلما امتزج العرب بالإسبان — إذ كان الأولون يتزوجون
من الآخرين، وأنتج هذا الامتزاج مُوَلَّدِين، فيهم أثر من الدم العربي وأثر من الدم الإسباني؛ وخير مثل لذلك الوالي عبد العزيز بن موسى
بن نصير، فقد تزوج أميرة من الأمراء الإسبانيين، وأيضًا لما امتزج العرب بالإسبان بالسكنى والمعاملة والاشتراك
في البيئة الطبيعية والاجتماعية — ظهر ذلك في الشعر، كما ظهر في المولدين، فكنت ترى شعرًا أندلسيًّا شرقي النسيج، ولكن فيه
خيوط دقيقة إسبانية، ويحتاج تحليل هذا وذاك إلى حس مرهف، ونظر دقيق، ومعلومات واسعة. وأيًّا ما كان، فشعراء الأندلس
في نظرنا لم يفلحوا كثيرًا في استقلالهم عن الشرق، وابتكارهم، وتجديدهم، كما لم يفلح في ذلك اللغويون، والنحويون
والصرفيون.

ولذلك لو أغمضنا أعيننا وجهلنا قائل القصيدة أهو شرقي أم أندلسي، لم نكد نحكم حكمًا صحيحًا جازمًا على الشاعر أغربي هو أم شرقي؛ ولذلك
كثيرًا ما تنسب بعض الأبيات إلى أندلسي، وينسبها بعينها بعضهم إلى مشرقي، لعدم التميز الواضح، حتى عند الخبراء.
وربما كان مصداق ذلك ما حكي أن الشاعر الأندلسي الملقب بالغزال، وجد في بغداد في جماعة من المثقفين، فأنشدهم شعرًا لنفسه، وادعى أنه
لأبي نواس لعظم قدر أبي نواس عندهم، فصدقوه، ثم قال لهم: إنها لي، ولو كانت شخصية الأندلس واضحة في شعر أهلها،
لصعب نسبة أبيات أندلسية إلى شاعر شرقي؛ غاية ما عندهم من فروق:
list of 3 items
(?) أن الطبيعة الأندلسية الجميلة مكنتهم من أن يقولوا كثيرًا في شعر الطبيعة. وهذا لم يكن معدومًا في المشرق، فإن الصنوبري
مثلًا وهو الشاعر الحلبي خلف لنا ديوانًا كله تقريبًا في ذلك.

(?) أن لهم أحيانًا أخيلة ذهنية ولعبًا بالمعاني يكاد يكون خاصًّا بهم، وقد يفوقون فيها المشارقة. وهذا ما أولعوا به كل
الولع، حتى إنه لما وقفوا على شعر المتنبي لم يقلدوه في قوة معانيه، وبديع حِكَمه،
وقوة شاعريته، وثورة نفسه، إنما أخذوا منه أسلوبه، وفخامة تعبيراته، وعمق خيالاته، كما فعل ابن هانئ الأندلسي. فنحن نأسف
إذ نرى الأندلسيين اقتصروا على أوزان الشرق، وموضوعات الشعر في الشرق، واتخذوا أخيلة
الشرق أساسًا، ومعانيه دعامة، فالمديح هو المديح، والغزَل هو الغزل، وشعر الزهد هو شعر الزهد. وكان الأمل أن يبتكروا
غير هذا؛ خصوصًا وأن بيئتهم أغنى، واتصالهم بالعالم الأوربي غير اتصال المشارقة بالعالم
الفارسي أو الهندي أو التركي. فما بالهم اتخذوا نفس القوالب، وصبوا فيها عصارة ذهنهم، وبديع خيالاتهم.
وعندنا أنهم لو تحرروا من ذلك؛ لأتوا بالعجب في القصة، في القصائد غير الموحدة الأبيات، في ترتيب الأبيات
ترتيبًا منطقيًّا حسب المعاني، في الاعتماد على وحي النفس أكثر من الاعتماد على العادات
المألوفة، والتقاليد الموروثة، حتى لنرى مادح الناصر كمادح الرشيد، وتشبيب ابن عبد ربه، كتشبيب أبي نواس، وحتى نرى
في الشرق والغرب شاعرًا يعرف أن ممدوحه ظالم للرعية، نهَّاب لأموالها، سفاك لدمائها،
ثم يمدحه بالعدل والجود وأصالة الرأي نظير نفحة من المال ينفحه بها. والأمثلة على ذلك كثيرة هنا وهناك.

(?) انفراد الأندلسيين في ابتكار الموشَّحات والأزجال، خضوعًا لحكم الظروف، وسيأتي توضيح ذلك عند الكلام في الموشحات، وأيضًا
استكثارهم من المقطعات التي تصف أشياء كثيرة كوصف العاصفة، وبركة فيها سلاحف، وباذنجان،
وجمال الخال، وفرس أصفر، ورداء أحمر، ووصف الليل، وغلام خياط، ووصف معركة، وملابس حداد، وقوس، ونهر، ومشهد
حب، ومجلس شراب … إلخ؛ مما يطول ذكره.
list end

ونحن لا نستطيع أن نترجم لكل شاعر لأنهم كثيرون، وقلما يخلو مترجم له من شعر، سواء كان أميرًا، أو وزيرًا، أو قاضيًا، أو عينًا من الأعيان.
فلنكتفِ بذكر من شهر بالشعر، وتخصص له، وعُرف به.

وربما كان من طليعة الشعراء الذين احترفوا الشعر يحيى الغزال، ولُقِّب بالغزال لحسن شكله؛ ولذلك ضبطناه بهذا الضبط، وكانوا يلقبونه
بشاعر الأندلس، وقد رأينا هذا اللقب مُنِح لكثير من الشعراء؛ فابن شهيد شاعر الأندلس، والرَّمادي شاعر الأندلس،
ويحيى الغزال شاعر الأندلس، وتعليل ذلك، إما أن أصحاب التراجم كانوا يُفْرطون في منح هذا اللقب فيطلقونه على كثيرين، ناسين في كل
واحد ما قالوه في مواضع أخرى، وأما أنهم أرادوا به شاعر الأندلس في وقته. فالغزال شاعر الأندلس في وقته، وابن
شهيد في وقته، وهكذا. أو أن كلمة شاعر الأندلس لا يراد بها شاعر الأندلس الأوحد، كما يتبادر إلى الذهن، ولكن تدل على
أن صاحبها شاعر أندلسي كبير.

وكان يُعرف الغزال إلى جانب شعره بأنه حكيم، ومعنى حكيم أنه يحسن التصرف في الأمور، وفي الكلام، وإذا فوجئ بكلام خطير، عرف كيف يرد
عليه، ويخلص من المأزق، ولهذه الخصلة كان سفيرًا لخلفاء الأندلس لدى بعض الدول الأجنبية، سَفَر لخمسة من الخلفاء
الأمويين، أولهم عبد الرحمن الثاني، وآخرهم محمد بن عبد الرحمن بن الحكم. وفي ذلك يقول:

أدركتُ بالمضر ملوكًا أربعهْ
وخامسًا هذا الذي نحن معهْ

ويظهر أنه وقع عليه الاختيار ليكون سفيرًا لاتصافه بجملة صفات؛ منها حسن الشكل، ومنها حضور البديهة، ومنها صواب الرأي. وأشهر سفارته
كانت في أيام عبد الرحمن الأوسط وهو عبد الرحمن بن الحكم، ففي أيامه سَفَر لملك الروم، ويظهر أنه ملك القسطنطينية،
ونراه سفر مرة أخرى عند ملك الدانمرك، ذلك أنه خرج في عهد النرمانيين، بعض أهل النرويج، في مراكب كثيرة على شكل قرصنة، وغزوا شواطئ
الأندلس، حتى وصلوا جليقية، فتصدى لهم ملك أشتوريش هو وقومه وأحرقوا لهم — كما يقول ابن عذارى في تاريخه —
سبعين سفينة، فهربوا وساروا بحذاء الساحل الغربي للأندلس، وظهروا أمام إشبونة، فكتب عامل عبد الرحمن الأوسط إليه يقول له: إن
أربعة وخمسين مركبًا من مراكب المجوس ظهرت على الساحل. فكتب إليه عبد الرحمن بالتحفظ، ولكن أهل إشبونة لم ينتظروا،
بل حاربوهم، وهزموهم، وأرغموهم على العودة بسفنهم.

وعلى العموم فقد أوقعوا الرعب في غرب الأندلس بكثرة قتلهم، ونهبهم، وسلبهم، وإحراقهم، وقد كانوا سببًا في إنشاء عبد الرحمن أسطولًا
كبيرًا ليدفع أذاهم، وأخيرًا وبعد حروب طويلة، وبعد أن قُتل منهم كثيرون طلبوا الصلح، فأجابهم عبد الرحمن إلى
ذلك، وأرسل الغزال هذا سفيرًا لهذا السبب إلى ملك الدانمرك. ويظهر أن الغزال وصحبه لاقوا عناءً شديدًا من البحر، فقد هاج بهم. وقد وصف
الغزال هذا الهياج بقوله:

قال لي صحبي وصِرنا
بين موج كالجبال
وتولتنا رياح
من دبُور وشمال
شقَّت القلعين وانبتَّـ
ـت عر ىتلك الحبال
وتمطَّى ملك المو
ت إلينا عن حيال
فرأينا الموت رأي الـ
ـعين حالًا بعد حال
لم يكن للقوم فينا
يا رفيقي رأس مال

ولكنه على كل حال وصل سالمًا، وقد تلقاهم ملك الدانمرك لقاءً حسنًا، وأنزلهم منزلة كرامة، وقابلهم بعد يومين، واشترط الغزال ألا يسجد
له، وأن لا يخرجه عن شيء من عاداته، فأجابه إلى ذلك. وقد حمل معه كتابًا من الأمير عبد الرحمن وهدية. وتقول
المصادر العربية: إنه أغرم بحب امرأة الملك وهي أغرمت بحبه، وأنه قال فيها الأبيات التي نذكرها فيما يأتي، وكان الغزال مع كهولته وسيمًا
جميلًا. «وقد سمَّى النرمانيين مجوسًا؛ لأنهم كانوا مجوسًا قبل أن يتنصروا». ويقولون: إنه لما أنشدها شعره
سُرَّت منه لما ترجم لها، وأمرته بالخضاب ففعل. ثم عاد بعد أن نجح في سفارته. ولم نعرف أحدًا سفر إلى هذه الجهات إلا ما كان من يحيى
الغزال.

وعُمِّر ما شاء الله طويلًا، فعاش إلى أربع وتسعين سنة، كان يقول فيها الشعر، ويظهر أنه مع حكمته كان غزِلًا، ولوعًا بالنساء والخمر،
يقول فيهما الشعر مع فكاهة لطيفة، كقوله في الهجاء:

سألت في النوم أبي آدمًا
فقلت والقلب به وامِق
أبنك بالله أبو حازم
صلَّى عليك المَلِك الخالق

وكقوله في مقابر الأغنياء والفقراء مما فيه حكمة:

أرى أهل اليسار إذا تُوفُّوا
بنوا تلك المقابر بالصخور
أبوا إلا مباهاة وفخرًا
على الفقراء حتى في القبور
فإن يكن التفاضل في دراها
فإن العدل فيها في القعور
رضيت بمن تأنَّق في بناء
فبالغ فيه، تصريف الدهور
ألمَّا يبصروا ما خرَّبته الد?
ـور من المدائن والقصور
لعمر أبيهم لو أبصروها
لما عرفوا الغني من الفقير
ولا عرفوا العبيد من الموالي
ولا عرفوا الإناث من الذكور
ولا من كان يلبس ثوب صوف
من البدن المباشر للحرير
إذا أكل الثرى هذا وهذا
فما فضل الكبير على الحقير؟

•••

لا ومن أعْمَل المطايا إليه
كل من يَرْتَجي إليه نصيبا
ما أرى ها هنا من الناس إلا
ثعلبًا يطلب الدجاج وديبا
أو شيئًا بالقط ألقى بعينيـ
ـه إلى فارة يريد الوثوبا

•••

قالت: أحبك قلت: كاذبة
غري بذا من ليس ينتقد
هذا كلام لست أقبله
الشيخ ليس يحبه أحد
سيان قولك ذا وقولك إنمـ
ـا الريح نعقدُها فتنعقد
أو أن تقولي: النار باردة
أو أن تقولي الماء يتَّقد

فهذا شعر يظهر فيه أثر ما اتصف به من الحكمة. أما ما يظهر فيه أثر لهوِه فقوله:

ولما رأيت الشَّرب أكْدَت سماؤهم
تأبَّطتُ زقي واحتسبت عنائي
فلما أتيت الحان ناديت ربها
فثاب خفيف الروح نحو ندائي
فليل هجوع العين إلا تعلَّة
على وجل مني ومن نظرائي
فقلت: أذقنيها، فلما أذاقها
طرحتُ عليه ربْطَتي وردائي
وقلت: أعرْني بذلة أستتر بها
بذلتُ فيها طلاق نسائي
فوالله ما برَّت يميني ولا وفَت
له غير أني ضامن بوفائي
فأُبْتُ إلى صحبي ولم أك آيبًا
فكلٌّ يفديني وحق فدائي

ويروى أنه لما سافر إلى بغداد وجدهم يعجبون جدًّا بشعر أبي نواس، ولا يعجبهم غيره من أهل الأندلس، فنسب هذه القصيدة إلى أبي نواس، وأسمعهم
إياها، فأعجبوا بها ثم عرفهم أنها له، وهي التي تقدمت في قوله:

ولما رأيت الشَّرب أكدت سماؤهم.
والحق أنهم خدعوا أنفسهم بالإعجاب بها، إعجابهم بشعر أبي نواس؛ لأنها أقل قيمة من شعره. وكم خدع الناس بالأسماء، ولما سافر إلى ملك
الدانمرك — كما ذكرنا — استملح الملكة فأعجب بها وأعجبت به.
?
وكان اسمها: تودا. وقال في ذلك:
كلفت يا قلبي هوًى متعبًا
غالبت منه الضيغم الأغلبا
إني تعلقت مجوسيَّة
تأبى لشمس الحسن أن تغربا
?
أقصى بلاد الله في حيث لا
يلقي إليه ذاهب مذهبا
يا تُودُ يا رود الشباب التي
تطلع من أزرارها الكوكبا
يا بأبي الشخص الذي لا أرى
أحلى على قلبي ولا أعذبا
إن قلت يومًا: إن عيني رأت
مشبهه لم أعد أن أكذبا
قالت: أرى فوْدَيْه قد نوَّرا
دعابة توجب أن أدعبا
قلت لها: ما باله إنه
قد ينتج المُهْر كذا أشهبا
فاستضحكت عجبًا بقولي لها
وإنما قلت لكي تعجبا

ويريد بالمجوسية النصرانية، وقال فيها:

بكرت تحسن لي سواد خضابي
فكأن ذاك أعادني لشبابي
ما الشَّيب عندي والخضاب لواصف
إلا كشمس جللت بضباب
تخفى قليلًا ثم يُقشِعها الصبا
فيصير ما سترت به لذهاب
لا تنكري وضح المشيب، فإنما
هو زهرة الأفهام والألباب

وله:

كم جفاني ورمت أدعو عليه
فتوقفت ثم ناديت قائل
لا شفى الله لحظه من سقام
وأراني عِذَاره وهو سائل

ويقول في الخسوف:

شأن الخسوف البدر بعد جماله
فكأنه ماء عليه غُثاء
أو مثل مرآة لخود قد قضت
نظرًا بها، فعلا الجلاء غشاء

وله من قصيدة عتاب:

ولقد كسبت بكم عُلًا لكنها
صارت بأقوال الوشاة هباء
فغدوت من بين الصحابة أجربًا
كل يحاذر مني الأعداء
لو لم يكن قيد لما فتكت ظُبًا
أنت الذي سيرتهم أعداء

… إلخ.

أحبابنا عودوا علينا عودة
ما منكم بعد التفرق مرغب
كم ذا أداريكم بنفسي جاهدًا
وكأنما أرضيكم كي تغضبوا
وأريد بعدًا ما اقتربت إليكم
كالسهم أبعد ما يُرى إذ يقرب
وأجوب نحوكم المنازل جاهدًا
ومع اجتهادي فاتني ما أطلب
كالبدر أقطع منزلًا في منزل
فإذا انتهيت إلى ذُرَاكم أغرب

•••

أنا شاعر أهوى التخلي دون ما
زوجٍ لكيما تخلص الأفكار
لو كنت ذا زوج لكنت منغَّصًا
في كل حين رزقها أمتار
كم قائل: قد ضاع شرخ شبابه
ما ضيعته بطالة وعقار
إذ لم أزل في العلم أجهد دائمًا
حتى تأتَّت هذه الأفكار
مهما أرُمْ من دون زوج لم أكن
كلَّا ورزقي دائمًا مدرار
وإذا خرجت لنزهة هُنِّيتُها
لا ضيعة ضاعت ولا تذكار

وهي تدلنا على أنه لم يكن متزوجًا على الأقل إلى إنشاء هذه القصيدة، وأنه صرف وقته في تحصيل العلم وتحصيل اللذة:

ما كنت أحب أن أضيع وأنت في الد
نيا وأن أمسِي غريبًا مُعسرَا
أنا مثل سهم سوف يرجع بعدما
أقصاه راميه المجيد ليخبرا

… إلخ، وقوله:

يا واطئ النَّرجس ما تستحي
أن تطأ الأعين بالأرجُل؟

هذا عرض صغير لشعره، ونرى فيه أنه يمتاز ببعد الخيال، وحسن التشبيه، وأنه صادق التعبير عن نفسه، يلون كثيرًا من شعره بالحكمة اللطيفة.


وعلى كل حال، فليس شعره إعجازًا، بل إرهاصًا لابن عبد ربه، ومن بعده.

(?-?) ابن عبد ربه
هو شاعر عبد الرحمن الناصر، وقد ذكرنا ترجمته فيما سبق،
?
والذي يهمنا هنا هو أدبه الإنشائي، ومن الأسف أننا لم نعثر له على ديوان، وكل ما نعرف له أبيات في كتب الأدب هنا وهناك، وأبيات
في عقده من نظمه عارض بها من حكى لهم، فقال مثلًا:
أنت دائي وَفِي يديك دوائي
يا شفائي من الجَوَى وبلائي
إن قلبي بحب من لا أُسمِّي
في غناء، أَعظِم به من غناء
كيف لا، كيف أن ألذ بعيش
مات صبري به، ومات عزائي
أيها اللائمون ماذا عليكم
أن تعيشوا، وأن أموت بدائي
ليس من مات فاستراح بميت
إنما الميت ميِّت الأحياء

ويقول:

ما لليلى تبدَّلت
بعدنا ود غيرنا
أرهقتنا ملامة
بعد إيضاح عذرنا

وقال في فتاة أخرى:

ذات دل وشاحها قلق
من خمور وحجلها شرق
بزت الشمس نورها وحباها
لحظ عينيه شادن خرق
ذهب خدها يذوب حياءً
وسوى ذاك كله ورق

ويقول:

ودَّعتني بزفرة واعتناق
ثم نادت: متى يكون التلاقي
وتصدَّت فأشرق الصبح منها
بين تلك الجيوب والأطواق
يا سقيم الجفون من غير سقم
بين عينيك مصرع العشاق
إن يوم الفراق أفظع يوم
ليتني مت قبل يوم الفراق

ويقول:

هيَّج العين دواعي سقمي
وكسا جسمي ثوب الألم
أيها البين أقِلني مرَّة
فإذا عُدت فقد حل دمي
يا خلي الذرع نم في غبطَة
إن من فارقته لم ينم
ولقد هاج لقلبي سقمًا
ذكر من لو شاء داوى سقمي

ويقول معارضًا قصيدة مسلم بن الوليد:

أديرا عليَّ الراح لا تشربا قبلي
أتَقْتلني ظلمًا، وتجحدني قتلِي؟
وقد قام من عينيك لي شاهدا عَدْل
أطلاب ذَحلي ليس بي غير شادن
بعينيه سحر فاطلبوا عنده ذحْلي
?
أغارَ على قلبي فلما أتيته
أطالبه فيه أغار على عقلي
بنفسي التي ضنت برد سلامها
ولو سألت قتلي وهبت لها قتلي
إذا جئتها صدت حياءً بوجهها
فيعجبني هجر ألذ من الوصل
وإن حكمت جارت عليَّ بحكمها
ولكن ذاك الجور أشهى من العدْل
كتمت الهوى جهدي، فحرَّده الأسى
بماء البكاء، هذا يخُط، وذا يُملي
وأحببت فيها العذْل حبًّا لذكرها
فلا شيء أشهى في فؤادي من العذل
أقول لقلبي كلما ضامه الأسى
إذا ما أتيت العز فاصبر على الذل
برأيك لا رأيي تعرضت للهوى
وأمرك لا أمري، وفعلك لا فعلي
وجدت الهوى نصلًا من الموت مغْمَدًا
فجرَّدته، ثم اتكيْت على النصل
فإن تك مقتولًا على غير ريبة
فأنت الذي عرَّضت نفسك للقتل

وقد أعجب هو نفسه بهذه القصيدة فقال في العقد: «فمن نظر في سهولة هذا الشعر، مع بديع معناه، ورقة طبعه، لم يفضل شعر مسلم عنده إلا
بفضل التقدم».

ويقول:

أعطيتُه ما سألا
حكمته لو عدَلا
وهبته روحي فما
أدري به ما فعلا؟
أسلمته في يده
عيشه أم قتلا؟
قلبي به في شغُل
لا مل ذاك الشغلا
قيده الحب كما
قيد راعٍ جملا

وقال:

لعمْري لقد باعدت غير مباعدي
كما أنني قرَّبت غير مقربي
بنفسي بدر أخمد البدر نوره
وشمس متى تبدو إلى الشمس تغرب
لو انَّ امرأ القيس بن حجر بدت له
لما قال: مُرًّا بي على أم جندب

وقال:

مُحِب طوَى كشحًا على الزفرات
وإنسان عين خاض في غمرات
فيا من بعينيه سقامي وصحتي
ومن في يديه ميتَتي وحياتي
بحبك عاشرت الهموم صبابة
كأني لها ترب وهن لداتي
فخدِّي أرض للدموع ومقلتي
سماء لها تنهل بالعبرات

•••

أدعو عليك فلا دعاء يسمع
يا من يضر بناظريه وينفع
للورد حين ليس يطلع دونه
والورد عندك كل حين يطلع
لم تنصدع كبدي عليك لضعفها
لكنها ذابت فما تتصدع
من لي بأجرد ما يبين لسانه
خجلًا، وسيف جفونه ما يقلع
منع الكلام سوى إشارة مقلة
منها يكلمني وعنها يسمع

•••

بزمام الهوى أمُتُّ إليه
وبحكم العقار أقضي عليه
بأبي من زها عليَّ بوجهٍ
كاد يدمي لما نظرت إليه
ناول الكاس واستمال بلحظ
فسقتْني عيناه قبل يديه

وله في أبواب الشعر التقليدية الأخرى الشيء الكثير من مديح وهجاء ووصف ورثاء، فيقول في الهجاء:

ما بال بابك محروسًا ببوَّاب
يحميه من طارق يأتي ومنتاب
لا يحتجب وجهك الممقوت عن أحد
فالمقت يحجبه من غير حجاب
فاعزل عن الباب من قد ظل يحجبه
فإن وجهك طِلَّسْمٌ على الباب

وكان كثيرًا ما يمزج الهجاء بالسخرية:

رجاء دون أقربه السحاب
ووعدٌ مثل ما لمع السراب
ودهر سادت العبدان فيه
وعاثت في جوانبه الذئاب
وأيام خلت من كل خير
ودنيا قد تدرعها الكلاب
كلاب لو سألتهم ترابًا
لقالوا: عندنا انقطع التراب

وفي الوصف يقول في روضة:

وروضة عقدت أيدي الربيع بها
نورًا بنور، وتزويجًا بتزويج
بمُلْقِح من سواديها وملقحة
وناتج من غواديها ومنتوج
توشحت بملاة غير مُلْحَمَة
من نورها ورداء غير منسوج
فألبست خلل الموشي زهرتها
وجلَّلتها بأنماط الديابيج

وقال يمدح القائد أبا العباس:

الله جرد للندى والباس
سيفًا فقلده أبا العباس
ملك إذا استقبلت عرة وجهه
قبض الرجاء إليك روح الياس
وبه عليك من الحياء سكينة
ومحبة تجري مع الأنفاس
وإذا أحب الله يومًا عبده
ألقى عليه محبة للناس

ويمدح آخر بأنه سهل اللفظ، حسن الكلام، وهو يدل على رأيه في البلاغة:

قول كأن فرنده
شحذ على ذهن اللبيب
لا يشمئز على اللسا
ن ولا يشذ على القلوب
لم يَغْل في شنع اللغا
ت ولا يوحش بالغريب
سيف تقلد مثله
عطف القضيب على القضيب
هذا تُحَزُّ به الرِّقَا
ب وذا تُحَزُّ به الخطوب

وله شعر كثير في مدح عبد الرحمن الناصر؛ إذ كان شاعره، مثل:

يا ابن الخلائف إن المُزن لو علمت
نداك ما كان منها الماء ثجاجا
والحرب لو علمت بأسًا تصول به
ما هيجت من جبال الدين أهياجا
في نصف شهر تركت الأرض ساكنة
من بعد ما كان فيها الطير قد ماجا
وجدت في الخبر المأثور منصلتًا
من الخلائف خراجًا وولاجًا
تُملا بك الأرض عدلًا مثلما ملئت
جورًا، وتوضح للمعروف منهاجا
يا بدر ظلمتها، يا شمس صبحتها
يا ليث حوْمَتِها، إن هائج هاجا
إن الخلافة لن ترضى ولا رضيت
حتى عقدت لها في رأسك التاجا

ويقول في مدحه أيضًا:

بدَا الهلال جديدًا
والملك غض جديد
يا نعمة الله زيدي
إن كان فيه مزيد

•••

يا ابن الخلائف والعُلا للمعتلي
والجود يعرف فضله للمفضِل
نوَّهت بالخلفاء بل أهملتهم
حتى كأن نبيلهم لم ينبل
أذكَرْت، لا أنسَيْت ما ذكر الألى
من فعلهم فكأنه لم يفعل
وأتيت آخرهم وشأوك فَائِتٌ
للآخرين ومدرِك للأول
الآن سُمِّيَتِ الخلافة باسمها
كالبدر يقرن بالسماك الأعزل
تأبى فعالك أن تُقِر لآخر
منهم وجودك أن يكون لأول

وله أرجوزة في مدح الخليفة الناصر أيضًا وقعت في نحو أربعمائة وخمسين بيتًا وصف فيها حروبه وغزواته، وتاريخ كل غزوة، وهي تخالف
الملاحم القديمة كالإلياذة، بأنها أشبه ما تكون بالتاريخ المنظوم، ليس فيها خيال ولا افتخار، ولا شيء
من ذلك، مثل قوله:

وبعدها غزاة ثِنْتَي عشره
وكم بها من خبرة وعبره
غزا الإمام حوله كتائب
كالبدر محفوفًا به الكواكب

وفي أولها يقول:

فالحمد لله على نعمائه
حمدًا كثيرًا وعلى آلائه
يا مَلكًا ذلت له الملوك
ليس له في ملكه شريك
ثبت لعبد الله حسن نيته
واعطفه بالفضل على رعيته

وقد جاء بعده من الأندلسيين أيضًا أبو طالب عبد الجبار فنظم أرجوزة خيرًا من أرجوزته، إذ كانت أطول وأشمل، وليست مجرد سرد لحوادث،
بل مزجت بمعلومات كثيرة، فيها مثلًا الأدلة على وجود الله، والحث على التفكر في العالم، والكلام على
بدء الخليقة وسير الخلفاء الأربعة، وبني أميَّة، وبني أمية في الأندلس، وملوك الطوائف، ودولة المرابطين، بدأها بقوله:

أبدأ باسم الله في الترجيز
رب الأنام الملِك العزيز
ثم بذكر المصطفى محمد
صلى عليه الله طول الأبد

وبعده:

والحمد لمبتدع السماء
والأرض ذي الآلاء والنعماء
سبحانه من خالق جبار
يعلم ما في البر والبحار

ويقول في التفكر في الملكوت:

يا من يُجيل فكره للعبره
في كل موضوع له بالفكره
انظر إلى الموات والنبات
والحيوان نظر استثبات
كيف ترى التكوين فيها مائلا
ينبيك أن لقواها فاعلا
يؤلف الأربعة العناصرا
يمنع من أضدادها التنافرا

فإذا وصل إلى أبي بكر مثلًا قال:

فاستُخلِف الصديق ثاني اثنين
ذاك أبو بكر بغير مَيْن
جرَّد في جهاد أهل الردَّةْ
ولم يكن يرضى بغير الشدَّةْ
ثم توفاه الإله راضيا
وكان في ذات الإله ماضيا

إلى أن يقول في المرابطين:

فإذا أراد الله نصر الدين
استصرخ الناس ابن تاشفين
فجاءهم كالصبح في إثر غسق
مستدركًا لما تبقى من رمق
وافَى أبو يعقوب كالعُقاب
فجرد السيف عن القِراب
ووصل السير إلى الزلاقهْ
وساقه ليومها ما ساقهْ
لله در مثلها من وقعة
قامت بنصر الدين يوم الجمعة

وهي أرجوزة طويلة أقرب إلى الملحمة من أرجوزة ابن عبد ربه، وقد أثبتها كلها ابن بسَّام في الذخيرة.

ومن شعر ابن عبد ربه أنه أحب فعزم محبوبه على الرحيل، فأتت السماء بمطر جودٍ حال بينه وبين السفر فقال:

هلَّا ابتكرت لبين أنت مبتكر
هيهات يأبى عليك الله والقدر
ما زلت أبكي حِذَار البين ملتهفًا
حتى رثا لي فيك الريح والمطر
يا بردة من حيا مُزْن على كبدٍ
نيرانها بقليل الشوق تستعر
آليْتُ ألا أرى شمسًا ولا قمرًا
حتى أراك، فأنت الشمس والقمر

وقد حكى أنه وقف تحت روشن لبعض الرؤساء، وقد سمع غناء حسنًا، فُرش بماء، فمال إلى مسجد قريب وطلب بعض ألواح الصبيان فكتب فيها:


يا من يضن بصوت الطائر الغرد
ما كنت أحسب هذا البخل في أحد
لو أن أسماع أهل الأرض قاطبة
أصغت إلى الصوت لم ينقص ولم يزد
فلا تضِنَّ على سمعي تقلده
صوتًا يجول مجال الروح في الجسد
لو كان زرياب حيًّا ثم أُسمِعه
لذاب من حسد أو مات من كمد
أما النبيذ فإني لست أشربه
ولست آتيك إلا كِسرَتي بيدي

وقد كان له أشعار كثيرة سماها المُمحِّصات؛ لأنه نقض فيها كل قطعة قالها في الصبا والغزل بقطعة في المواعظ والزهد، فقال: إنه محَّصها
بها؛ كالتوبة منه، والندم عليها، فمثلًا محَّص القطعة الرائية التي مضت ومطلعها: هلَّا ابتكرت لبين
أنت مُبْتكر … إلخ برائية أخرى قال فيها:

يا قادرًا ليس يعفو حين يقتدر
ماذا الذي بعد شيب الرأس تنتظر
عايِن بقلبك إن العين غافلة
عن الحقيقة واعلم أنها سَقَر
سوداء تزفر من غيظ إذا زفرت
للظالمين فلا تُبقي ولا تذر
لو لم يكن لك غير الموت موعظة
لكان فيه عن اللذات مُزْدَجر
إن الذين اشتروا دنيا بآخرة
وشقوة بنعيم، ساء ما تجروا
أنت المقول له ما قلت مبتدئًا
«هلا ابتكرت لبين أنت مبتكر؟»

ومن شعره السائر قوله:

الجسم في بلد والروح في بلد
يا وحشة الروح بل يا غربة الجسد
إن تبكِ عينك لي يا من كلفت به
من رحمة فهما سهمان في كبدي

وقد عُمِّر حتى بلغ الثانية والثمانين فقال:

كِلاني لما بي عاذليَّ كفاني
طويت زماني برهة وطواني
بليت وأبلتني الليالي بكرِّها
وصرفان للأيام معتوران
وما لي لا أبلى لسبعين حجة
وعشر أتت من بعدها سنتان
فلا تسألاني عن تباريح علتي
ودونكما مني الذي ترياني
وإني بحمد الله راجٍ لفضله
ولي من ضمان الله خير ضمان
ولست أبالي من تباريح علتي
إذا كان عقلي باقيًا ولساني
هما ما هما في كل حال تُلِمُّ بي
فذا صارمي فيها وذاك سناني

وقد ذكر المؤرخون أنه مات في تلك السنة عن إحدى وثمانين سنة وثمانية أشهر وثمانية أيام. وقد حكى الحميدي أنه رأى شعره مجموعًا في
نيِّفٍ وعشرين جزءًا جمع للحكم بن عبد الرحمن الناصر.

ويظهر أنه كان في شبابه ماجنًا لاهيًا شاربًا غزلًا، فلما كبرت سنه زهد، وأصبح إمامه في الشعر ليس صريع الغواني مسلم بن الوليد
في غزليَّاته، ولا أبا نواس في خمرياته، إنما إمامه أبو العتاهية في زهده وورعه، وخوفه وتقواه، فيقول
مثلًا:

بادر إلى التوبة الخلصاء مبتدئًا
والموت ويحك لم يمدد إليك يدا
وارقب من الله وعدًا ليس يخلفه
لا بد لله من إنجار ما وعدا

•••

يا ويلنا من موقف ما به
أخوف من أن يعدل الحاكم
أُبارز الله بعصيانه
وليس لي من دونه راحم
يا رب غفرانك عن مذنب
أسرف إلا أنه نادم

•••

أتلهو بين باطيَة وزير
وأنت من الهلاك على شفير
فيا من غره أمل طويل
يؤديه إلى أجل قصير
أتفرح والمنية كل يوم
تريك مكان قبرك في القبور
هي الدنيا فإن سرتك يومًا
فإن الحزن عاقبة السرور
ستسلب كل ما جمعت منها
كعارية ترد إلى المعير
وتعتاض اليقين من التَّظني
ودار الحق من دار الغرور

وله جملة من الشعر في العقد وفي يتيمة الدهر، وفي تاريخ ابن الفرضي، فنراه في شعره مقيدًا نفسه بموضوعات الشعر الشرقية، لا يخرج
عنها، وببحور الشعر المأثورة وقوافيه، لا يخرج عنها أيضًا، ونراه يعارض المشارقة ويسير في ركابهم،
ويجتهد ما استطاع أن يأخذ معانيهم، ويزيد عليها، ويختار في كل نوع من الشعر إمامًا من المشارقة، فطورًا إمامه الغواني، وطورًا أبو
نواس، وطورًا أبو العتاهية وغيرهم. لم يتحرر تحررًا كافيًا، ولم يُصغ إلى قلبه فقط، وقد روي أن له
شيئًا جديدًا عن المشرق، هي موشحاته، ولكنه أيضًا يقلد فيه من سبقه من الوشاحين الأندلسيين، ولعل له شعرًا يستقل فيه بنفسه لم يصل
إلينا، إذ كان له — كما يقولون — ديوان كبير يتألف من أجزاء. فحكمنا الذي نصدره على ما بين أيدينا
حكم ناقص، يحتاج إلى استقصاء أكثر، أما ما بين أيدينا، فشعره العاطفي من غزل وزهد وهجاء، شعر جيد العاطفة، قوي الخيال،
رصين الأسلوب، وإن كان يسقط أحيانًا في بعض أساليبه، وبعض ألفاظه، فكلمة مقلة بدل عين ليست كلمة شعرية، وبعض
الكلمات فسرت قسرًا على أن تكمل القافية، ومعانيه لطيفة جيدة؛ أما كلامه في المديح، فمتكلف ليس فيه عاطفة،
إنما هو صادر عن رغبة في عرض من أعراض الدنيا، وأرجوزته ليست بذات خطر شعري، وأظن أننا لو عددناه من الطبقة الثانية في
الشعراء أجمعين، لم نعْدُ الصواب، ونعني بالطبقات تقسيم الشعراء حسب الجودة، لا حسب التواريخ، وأجودهم
أعلاهم، وأيًّا ما كان، فقد أفسح المجال لمن يأتي بعده، أن يحتذي أو يفوق عليه.

كان الغزال وابن عبد ربه من شعراء الدولة الأموية في الأندلس، وغيرهم من شعرائها كثير.

استمر حكم الأمويين في الأندلس، ما استقامت أمورهم، وحكمها في أول أمرها خلفاء عظماء، مثل: عبد الرحمن الداخل، وعبد الرحمن الناصر،
والحكم، وأمثالهم، ولكن خلف من بعدهم خلف ضعيفو النفوس، ينغمسون في الشهوات، ففسد أمرهم. وأخذت الدولة
الأموية في الضعة، وعمل على ذلك عوامل كثيرة؛ منها ما كان يوقعه الخلفاء وعمالهم على الناس من مظالم، ومنها أن الدولة الأموية في
الأندلس عملت ما عمله الخلفاء في بغداد، هؤلاء اعتمدوا على الأتراك وملَّكوهم كل سلطة، فكانوا وبالًا
عليهم، وهؤلاء الأندلسيون اعتمدوا على الصقالبة، وهي كلمة تجمع أسرى الحروب من الإفرنج، وما كان يأخذه القراصنة
من الأهالي الأوربيين، فكان هؤلاء بعد حين قوة كبيرة في الدولة تعيث في الأرض فسادًا، ومنها أن عنصر البربر كان متعبًا،
يتحين الفرصة دائمًا للوثوب على الدولة، والرغبة في الاستقلال … يضاف إلى ذلك أن النصارى في إسبانيا
وفرنسا كانوا ينظرون إلى المسلمين من عرب وبربر على أنهم أعداء دين، وغزاة فاتحون، ودخلاء غاصبون، فما يحس قوم منهم بقوة إلا ويهجمون
على المسلمين حيثما استطاعوا، فيقلقون راحتهم؛ وكل ذلك أضعف الدولة من غير شك.

وزاد الطين بلة أن ولي آخر الأمر هشام بن الحكم، وكان طفلًا في نحو العاشرة من عمره، بويع بالخلافة، وعينت أمه «صبح» وصية عليه،
وهي نصرانية نافارية، ذات شخصية قوية، استطاعت أن تبسط سلطانها على زوجها الحكم، وتتدخل في شئون الدولة،
مع قوته وعظمته، فلما وجدت ابنها هشامًا طفلًا صغيرًا، أعلى ذلك من شأن سلطانها بمعاونة صاحبها جعفر المُصْحفي، ولكن سرعان ما ظهر
في الأفق رجل اسمه محمد بن عبد الله بن أبي عامر، من أصل عربي قح، كان جده من العرب الوافدين على الأندلس
مع طارق بن زياد.

دَرس ابن أبي عامر هذا دراسة واسعة على نمط الدراسات في الأندلس، واتخذته «صبح» هذه كاتبًا لها أول الأمر، قبل وفاة زوجها الحكم،
وعُيِّن في بعض الأوقات رئيسًا للزكاة وللمواريث، ثم توثقت الصلة بينه وبين «صبح» وتمكَّن في قلبها،
وتمكنت في قلبه، فعيَّنته حاجبًا — أي: رئيس وزارة — وأطلقت يده في الحكم، فتسلم كل أعمال الخلافة، وحجر على هشام، فلم يسمح له
إلا باللهو واللعب، ومغازلة النساء، حتى ينهار، ولكن لَغِطَ الناس كثيرًا، فهم قد ألفوا البيت الأموي
وأطاعوه قرونًا، والناس عبيد الإلف لا يرضون أن يغيروا من استعبدهم، ولو ظلمهم. فعمل المنصور بن أبي عامر كثيرًا في إغداق
الأموال، وقتل منافسيه أو تشريدهم، وتنظيم الجيش، عن عرب وبربر، حتى جنَّد فرقة من النصارى، وسيرهم في محاربة
أهل دينهم، ووضع خطة جديدة، وهي أنه لا ينتظر الإسبان ليهاجموا البلاد، بل يبدأ هو بالهجوم، واتخذ سِمَة الملك،
وضربت باسمه النقود، ودُعي له على المنابر، وأمر أن يحيا تحية الملوك، ووفقه الله في الحروب، فانتصر في نحو خمسين
غزوة. ومن غير شك إذا غضضنا النظر عن ألاعيبه مع «صبح» وحجره على الخليفة، واختيار الخلافة لنفسه،
رأينا أنه رجلًا عظيمًا، استطاع أن يتغلب على كل العقبات، وساس البلاد نحو عشرين سنة.

وقد سقنا هذه الأحداث التاريخية؛ لأنها كانت ذات أثر فعال في الشعر، فالخلافة الأموية لما ضعفت ضعف الشعر، كضعفه لما ضعفت الدولة
العباسية، فلما جاءت الدولة العامرية، ورأت أن تستعين بالشعراء في تحويل أنظار الشعب عن الملوك الأمويين،
والاعتماد عليهم في تحسين سمعتهم، وتمجيد ذكرهم، خصوصًا وقد أغدق عليهم ابن أبي عامر المال الجزيل — علا شأن الشعر بعد
ضعفه، وقد روي أنه كان يستعين بالشعراء في إعلاء شأنه، ويأخذ معه طائفة منهم في غزواته. فعاد شأن الشعر رفيعًا
كما كان في عهد الدولة الأموية أيام عِزِّهَا، ورأينا أمثال ابن شُهَيْد، وابن حزم، وابن دراج — وحكى المقري أن
الشعراء اجتمعوا مرة لمديح المنصور، وكان فيهم الرمادي الشاعر الكبير فأعطاه، ثم سأله: كيف عطائي لك؟ قال الرمادي:
«أعطيتني فوق قدري ودون قدرك». فغضب المنصور، فلما خرج الرمادي، كان في المجلس من يحسده على مكانه،
فوقع فيه، وعابه، فنهره المنصور، وأحقَّه فيما قال، وقال: واللهِ لو حكمته في بيوت الأموال لرأيت أنها لا ترجع ما تكلم به ذرَّة،
وأنبه على ذلك، ثم أمر أن يرد الرمادي وطلب منه أن يعيد ما قال، وزاد في عطائه، والتفت إلى العائبين
عليه، وقال: العجب من قوم يقولون: الابتعاد عن الشعراء أولى من الاقتراب. نعم، ذلك لمن ليس له مفاخر يريد تخليدها، ولا أياد يرغب
في نشرها، فأين الذي قيل فيه:

إنما الدنيا أبو دُلَفِ
بين باديهِ ومحتضره
فإذا ولَّى أبو دلف
ولت الدنيا على أثره
لقد كان في الإسلام أكرم منه، ولكن خلدته الأمداح، وخصته بمفاخر عصره.
?
قال في المعجب: «إن المنصور بن أبي عامر كان يعقد طول أيام مملكته في كل أسبوع مجلسًا، يجتمع فيه أهل العلم للمناظرة بحضرته، ما
كان مقيمًا بقرطبة، وكان كثير الغزوات، وملأ الأندلس غناءً، وسبيًا من بنات الروم وأولادهم ونسائهم،
وفي أيامه غالى الناس بالأندلس فيما يجهزون به بناتهم من الثياب والحلي والدروع، وذلك لرخص أثمان بنات الروم، فكان الناس يرغبون
في بناتهم بما يجهزونهن به مما ذكرنا، ولولا ذلك لم يتزوج أحد حرة؛ بلغني أنه نودي على ابنة عظيم من
عظماء الروم بقرطبة، وكانت ذات جمال رائع، فلم تساوِ أكثر من عشرين دينارًا».
?
وقد روى لنا في موضع آخر مثلًا من أمثلة هذه المناظرات، فقال مثلًا: «إن أبا العلاء صاعدًا سأل جماعة من أهل الأدب في مجلس المنصور
بن أبي عامر عن قول الشماخ:
دار الفتاة التي كنا نقول لها
يا ظبْية عُطُلًا حسَّانة الجيد
تدني الحمامة منها وهي لاهية
من يانع المرد قِنْوان العناقيد

ما هي الحمامة؟ قالوا: هي الحمامة تنزل على غصن الأراكة أو الكرمة، فتنفضه، فتتمكن الظبية منه فترعاه، فأنكر ذلك عليهم صاعد وقال:
إن الحمامة في هذا البيت هي المرأة، وهي اسم من أسمائها، فأراد أن هذه الجارية المشبهة بالظبية، إذا
نظرت في المرآة أدْنَت المرآة من شعرها الذي هو كقنون العناقيد من يانع الكرم أو المرد فرأته»، وهذا يعطينا مثلًا من أمثلة ما
كان يجري في مجلس ابن أبي عامر من المناظرات.

ولما مات المنصور تولى الإمارة من بعده ابنه إلى باقي أسرته، وسميت دولتهم الدولة العامرية.

ومع كل ما تقدم ظل قوم طول مدة دولتهم يدبرون المكائد لإسقاط العامريين وإعادة الأمويين؛ ولذلك كانت أكبر تهمة يتهم بها الرجل أعداءه
عند المنصور وأولاده، أنه أموي، أو أن له ميلًا أمويًّا، أو أنه يعمل مع المتآمرين لإرجاع الدولة الأموية،
وأخيرًا رجعت الدولة الأموية إلى حين، ولكن لم تدُم طويلًا.

وإتمامًا لهذا نقول: إنه أثناء هذه الفتن في قرطبة، وإشبيلية كان هناك رجل اسمه «ابن جهور» لم يدخل في فتن الناس، فلفت أنظارهم
فساروا إليه، يطلبون توليته قرطبة، فرفض أولًا، ثم قبل على شرط أن يكوِّن حوله مجلسًا شوريًّا لا يقطع
أمرًا دونه. وسار سيرًا عادلًا، وكسر دِنَانَ الخمر، وغسل يده من مال الدولة، فوكَّل عليه من يحفظه، وظل في مسكنه، ولم يرضَ أن
ينتقل إلى مساكن الخلفاء قبله، ورفع المظالم عن الناس، وكلما ورد عليه طلب خاص حوله على مجلس الشورى
للنظر فيه، وحسَّن العلاقة بينه وبين الممالك المجاورة، وظل هو الآخر يخشى من الدسائس التي تريد عودة البيت
الأموي.

وفي هذا العهد تفرَّقت الأندلس بعد الخلافة الأموية والدولة العامرية، وتفرق أهلها شيعًا، وقام في كل ناحية أمير دولة، وسمِّي هذا
العهد لأجل ذلك «عهد ملوك الطوائف». قال ابن حزم: «كانت طرطوشة وسرقُسطة ولاردة في يد بني هود، وبلنسية
في يد عبد العزيز، والثغر — أي: ما فوق طليطلة من جهة الشمال — في يد بني زرين، وطليطلة في يد ذي النون، وقرطبة في أيدي أبناء جهور،
وإشبيلية في يد بني عباد، ومالقة والجزيرة الخضراء في يد بني برزال من البربر، ودانيه والجزائر الشرقية
في يد مجاهد العامري، وبطليوس ولشبونة وشَنتَرين في يد بني الأفطس».

وكل هذه الأحداث والاضطرابات والفتن كان لها دخل كبير في سيرة الشعراء الذين سنتكلم عنهم، كابن درَّاج القسطلي، وابن شُهيد، وابن
حزم، وابن زيدون. وسنلقى في سيرهم كلهم أحداثًا وأشعارًا، لا نستطيع أن نفهمها إلا بفهمنا هذا الوضع
السياسي.

(?-?) ابن درَّاج القسطلي

هو أبو عمر أحمد بن محمد، ولد سنة ???? ومات سنة ????، يعد من كبار شعراء الأندلس، أو أكبر شاعر في عصره. وقد قال تلميذه ابن حزم:
«إنه في المغرب، كالمتنبي في المشرق». واشتهرت هذه الجملة، فكانت على لسان كل من ترجم له. ووصل شعره
إلى المشرق، فمدحه الثعالبي في اليتيمة وقال هذا القول.

والحق أنه كان هناك بذور في الأندلس مشرقية مختلفة الأنواع، فأخذ كل شاعر أندلسي البذرة التي تناسبه، وامتصَّت من نفسه كل ما يناسبها،
هذا يألف شعر أبي نواس فيقلده، وهذا يألف شعر المتنبي فيحاكيه، وهذا يألف شعر العباس بن الأحنف فيتشبه
به. وكان ابن درَّاج هذا على رأس أربعين شاعرًا تقريبًا يمدحون المنصور بن أبي عامر، ويأخذهم معه في غزواته، فكان أيضًا ممن مدحه،
وكان في ديوان الإنشاء له، وشعره تقريبًا كله أو أكثره فيما وصل إلينا مديح ابن درَّاج المنصور ومن
بعده ومن بعده، وهذا أيضًا وجه شبه آخر، وهو من أصل بربري، ولد في قسطلة من أعمال البرتغال.

وكان للمنصور بن أبي عامر مجلس تتبارى فيه الشعراء، فكان هو من أعظمهم، وإن شئت فقل: أعظمهم، وكما حُسد المتنبي حسد هو، واتهموه
بأنه سرَّاق لمعاني غيره، فرد عليهم بقدرته على الارتجال فيما يقترح عليه. ومن أحسن قصائده قصيدة قالها
عند فتح المنصور «شَنْتِيَاقُوب»، وقد مدحها مدحًا كبيرًا ابن حزم.

وبعد موت المنصور بن أبي عامر كان شاعر البلاط لابنه المظفر، وبسقوط الدولة العامرية اتصل ببقايا الدولة الأموية التي عادت من بعد،
ثم رأيناه يذهب إلى بَلَنْسِية، ثم سرقُسطة، ويمدح أميرها المنذر بن يحيى الذي آواه وأكرمه، وبقي عنده
حتى مات؛ ومدحه أيضًا ابن خلدون في مقدمته، وعده من كبار أدباء الأندلس. والحق أن شعره كما سترى يشبه شعر المتنبي في المظهر دون
المخبر، فشعر المتنبي في مظهره أسلوب فخم قوي، تسمعه كأنه قعقعة سلاح، ومكنته قدرته على أن يأتي بألفاظ
جزلة، وأساليب عربية يستطيع أن يرغمها على التقديم والتأخير، والذكر والحذف … إلخ. ولكم لم يكن لابن درَّاج قوة
المتنبي في المعاني الذهنية الدقيقة، ولا حِكَمه الرفيعة، إنما هو تلميذ المتنبي في فخامة شكله. وهي مدرسة كان على
رأسها ابن درَّاج، ومن تلاميذها ابن شهيد، وابن هانئ، وقد قال المعرِّي في ابن هانئ: «إن شعر ابن هانئ يشبه
رحًى تطحن قرونًا» أي: أنه قعقعة ولا طحن، أو طحن من غير جدوى.

وفي الحقيقة أنك إذا قرأت شعر هؤلاء الثلاثة أدركت أن شعرهم من رأسهم، على حين أنك تشعر أن شعر الغزال وابن زيدون الذي سيأتي بعد
وأمثالهما من قبلهم لا من رأسهم. وفرق بين الصوت القوي الأقرع الذي يخرج من الرأس، وبين الصوت الحنون
الذي يخرج من القلب. ومن السهل تقسيم الشعر الأندلسي، بل والشعر العربي عامة إلى مدارس: فهؤلاء الثلاثة مدرسة، وابن عبد ربه والغزال
وابن زيدون مدرسة أخرى.

وقد روي أن لابن درَّاج ديوانًا من جزأين ولكن مع الأسف لم يصل إلينا، وقد روى لنا صاحب نفح الطيب قطعتين في المديح، وشاد بذكرهما،
أولاهما:

ألم تعْلَمي أن الثواء هو التَّوَى
?
وأن بيوت العاجزين قبور
وأن خطيرات المهالك ضمَّن
لراكبها أن الجزاء خطير
تخوِّفني طول السفار وإنه
بتقبيل كفِّ العامري جدير
مُجِير الهدى والدِّين من كل ملحِد
وليس عليه للضلال مجير
تلاقت عليه من تميم ويَعْرُب
شموس تلاقَى في العُلا ويدور
هم يستقلون الحياة لراغب
ويستصغرون الخطب وهو كبير
ولَّما توافوا للسلام ورفعت
عن الشمس في أفق الشروق ستور
وقد قام من زرق الأسنة دونها
صفوف ومن بيض السيوف سطور
رأوا طاعة الرحمن كيف اعتزازها
وآيات صنع الله كيف تنير
وكيف استوى بالبر والبحر مجلس
وقام بعبء الراسيات سرير
فجاءوا عجالًا والقلوب خوافق
وولَّوْا بطاء والنواظر صور
يقولون والإجلال يخرس ألسُنًا
وحارت عيون مِلئها وصدور
لقد حاط أعلام الهدى بك حائط
وقدر فيك المكرمات قدير

•••

قالت وقد مزج الفراق مدامعًا
بمدامع وترائبًا بترائب
أتفرق حتى بمنزل غربة
أم نحن للأيام نهبة ناهب
ولئن جنيت عليك نزحة راحل
فأنا الزعيم لها بفرحة آيب
هل أبصرت عيناك بدرًا طالعًا
في الأفق إلا من هلال غارب

قال ابن شهيد وهو من هو: «الفرق بين ابن درَّاج وغيره، أن ابن درَّاج مطبوع النظام، شديد أسر الكلام، زاد في أشعاره من الدليل على
العلم بالخبر واللغة والمثل، وما تراه من حوْكه للكلام، وملكه لأحرار الألفاظ، وسعة صدره، وجيشة بحره،
وصحة قدرته على البديع، وطول طلقه في الوصف، وبغيته للمعنى وترديده، وتلاعبه به وتكريره، وراحته بما يتعب الناس، وسعة نفسه
فيما يضيق الأنفاس».

ومن شدة متابعته للمتنبي أنه رأى المتنبي يمدح ابن العميد فيقول:

مَنْ مبلغ الأعراب أني بعدها
جالست رسطاليس والإسكندرا
ولقيت بطليموس دارس كتبه
متبدِّيًا في ملكه متحضرا
ولقيت كل الفاضلين كأنما
رد الإله نفوسهم والأعصُرا

فقال ابن درَّاج:

أبنيَّ لا تذهب بنفسك حسرة
عن غول رحلي منجدًا أو مغورا
فلئن تركت الليل فوقي داجيًا
فلقد لقيت الصبح بعدك أزهرا
وحللت أرضًا بدلت حصباؤها
ذهبًا يرف لناظريَّ وجوهرا
ولتعلم الأملاك أني بعدها
ألفيت «كل الصيد في جوف الفرا»
ورمى عليَّ رداءه من دونهم
ملك تخير للعُلا فتخيرا
كلَّا وقد أنست من هود هدًى
ولقيت يغرب في القيول وحِمْيرا
وأصبْتُ في سبأ مورِّث ملكها
يسبي الملوك ولا يدُب له الضَّرا
فكأنما تابعت تبَّع رافعًا
أعلامه ملِكًا يدين له الورَى
وحطَطْت رحلي بين ناري حاتم
أيام يقري موسرًا أو معسرا
وأتيت نجدك وهو يرفع منبرًا
للدين والدنيا ويخفض منبرا
تلك البدور تتابعت وخلفتها
سعيًا فكنت الجوهر المتخيرا

فترى من هذا محاكاته للمتنبي في الوزن والقافية، وتقليده له في أسلوبه ومعانيه، وقد وصف الأسطول وصفًا لطيفًا إذ قال:

إليك شحنَّا الفلك تهوي كأنها
وقد ذُعِرَت من مغرب الشمس غِرْبان
على لجج خضر إذا هبت الصبا
ترامى بنا فيها ثبير وثهلان
موائل ترغى في ذراها موائلًا
كما عُبِدت في الجاهلية أوثان
يُردِّدن في الأحشاء حر مصائب
تزيد ظلامًا ليلها وهي نيران
إذا غيض ماء البحر منها مدَدْنه
بدمع عيون تمتريهن أشجان
وإن سكنت عنها الرياح جرى بها
زفير إلى ذكرى الأحبة حنان
يقلن وموج البحر والهم والدجى
تموج بما فيها عيون وآذان
ألا هل إلى الدنيا معاد وهل لنا
سوى البحر قبر أو سوى الماء أكفان؟

… إلخ.

وحتى هذا الوصف الجميل للأسطول إنما ورد أثناء مدحه للأمير، وكذلك وصفه لأشياء أخرى، فهو قد جنى على نفسه بتوجيهها إلى المديح فقط،
والمديح غالبًا لا ينبع من القلب وإنما ينبع من غريزة الطمع؛ وحتى الأسطول والإشادة به، كان أولى أن
يُشاد بعظمته، لا أنه من نتاج أمير؛ بل لأنه دليل على عظمة الأمة وقوتها، واعتزازها بأدوات القتال المتنوعة.
?

(?-?) ابن هانئ الأندلسي

يلقب بابن هانئ الأندلسي تمييزًا له عن ابن هانئ المشرق وهو أبو نواس، وقد ولد في قرية من قرى إشبيلية بالأندلس نحو سنة ????، وعدَّه
بعضهم أشعر شعراء الأندلس من المتقدمين والمتاخرين، وقال عليه: إنه متنبي المغرب، وهو من أصل أزدي
يمني، حتى قالوا: إنه من نسل المهلب بن أبي صفرة، وهو كذلك أزدي؛ ولذلك توصف قصائده بأنها أزدية يمنية. اتصل بصاحب إشبيلية أول
أمره فأكرمه، وأقام معه زمانًا، ثم غضب الناس عليه لاتهامهم إياه بالفلسفة، ويظهر ذلك من مزجه الدعوة
الفاطمية في شعره بشيء من التفلسف، وكانت الفلسفة في جوه مكروهة. والظاهر أنهم نقموا عليه دعوته الفاطمية، وهم ذوو نزعة
أموية، وتعددت نقمتهم عليه إلى ملك إشبيلية فأشار عليه بالمغيب عن البلدة مدة ينسى فيها خبره، فخرج إلى المغرب،
ولقي القائد جوهرًا، ومدحه فأعطاه مائتي درهم، فاستقلها.

وأخيرًا بلغت مقدرته الشعرية المعز لدين الله فاتح مصر، فبالغ في إكرامه، ورأى أنه إن فتح مصر احتاج إليه كثيرًا في مدحه وإعلاء
شأنه، كما يحتاج الفاتحون عادة إلى الجرائد، فأكرمه إكرامًا عظيمًا، وأهدى إليه تحفًا كثيرة، وأقام
له قصرًا في القيروان، ودعاه إلى أن يسافر معه في فتح مصر، فطلب أن يتخلف قليلًا حتى يعدل أمره، ويصطحب أهله، فلما وصل إلى برقة
أضافه شخص من أهلها، ثم عربدوا عليه فقتلوه وهو سكران، وقيل: إنه وجد في ساقية من سواقي برقة مقتولًا.
ويظهر أن دعاة الأمويين خافوا من دعوته الشيعية الفاطمية، وكرهوا ذلك منه فقتلوه، وذلك سنة ????، فيكون عمره إذ ذاك نحو
اثنتين وأربعين سنة.

وقد أجمع المؤرخون على أنه من فحول الشعراء، قال ابن الخطيب: «كان ابن هانئ من فحول الشعراء، لا يدرك شأوه، ولا يشق غباره، مع المشاركة
في العلوم». وقال ابن شرف: «إنه نجدي الكلام، سردي النظام، وإذا ظهرت معانيه في جزالة مبانيه، رمى
بها عن منجنيق لا يؤثر في النفيق. وله غزل معَدِّيٌّ
??
لا عُذري … كان في دينه في أسفل منزلة، ولو عقل ما ضاقت عليه معاني الشعر، حتى يستعين عليه بالكفر». ويقول ابن رشيق في تعداد أصناف
الشعراء: «وفرقة أصحاب جلبة وقعقعة بلا طائل معنى، إلا القليل النادر، كأبي القاسم ابن هانئ ومن جرى
مجراه، فإنه يقول أول مذهبته:
أصاخت فقالت: وقع أجرد شيظم
وشامت فقالت: لمع أبيض مِخْذَم
وما ذعرت إلا بجرس حليها
ولا رمقَت إلا بُرى في مُخَدَّم
??

وليس تحت هذا كله إلا الفساد وخلاف المراد. وما الذي يفيدنا أن تكون هذه المنسوب بها لبست حليها فتوهمته بعد الإصاخة والرمق وقع
فرس، أو لمع سيف».

والحق أن شعره فخم ضخم مملوء بالقعقعة، جاهلي الأسلوب، يشبه في ذلك المتنبي، غير أن المتنبي أدق معنى، وابن هانئ أطول نفَسًا. وسميت
قصيدته هذه مذهَّبة؛ لأنه أنشأها على نحو معلقة عنترة، وكانت المعلقات تسمى المذهبات. وقال فيه فون
كريمر الألماني: «إنه قوي البيان، كثير التمثيل، جيد الألفاظ، حسن الوصف، لا يقدر على مسايرته في هذا الوصف إلا القليل».
وأكثر شعره في مدح الفاطميين، وإشاعة محامدهم، ومن قرأه شعره يرى أنه فيه خصائص:
list of 5 items
(?) أن من فهم كلامه بعد التعب، تلذذ من شعره، وأعجب بفنه.

(?) طول نفسه، فهو يتعرض للمعنى حتى يصفيه، شأن ابن الرومي لولا كثرة غريبه.

(?) عنايته بالمقابلة بين الشطر الأول، والشطر الثاني في كثير من أبياته مثل قوله:

ففي ناظري عن سواكم عمى
وفي أذني عن سواكم صمم
ولا كل ما في أكف ندًى
ولا كل ما أنوف شمم
فما فارق البشر لما اكفهر
ولا نسي العفو لما انتقم
(?) شبه شعره بالشعر الجاهلي في القوة، ومتانة السبك، وقدرة استخدام الألفاظ، وبساطة المعاني عند فهمها.

(?) اتصال شعره اتصالًا كبيرًا بالدين، إذ كانت دعوته فاطمية فكان متأثرًا بتعاليمهم، معتمدًا نشرها بين قرائه. ويقع
أحيانًا على معانٍ كثيرة عرض لها المتنبي، فمثلًا يقول المتنبي:

كل حِلْم أتى بغير اقتدار
حجة لاجئ إليها اللئام
ويقول ابن هانئ:

وكل أناة في المواطن سؤدد
ولا كأناة من قدير محكم
ويقول ابن هانئ:

وإذا خامر الهوى قلب صب
فعليه لكل عين دليل
ويقول ابن هانئ:

ألم يبْد سر الحب أن من الضنا
رقيبًا وإن لم يهتك السر هاتك؟
ويقول المتنبي:

يكاد من صحة العزيمة ما
يفعل قبل الفعال ينفعل
ويقول ابن هانئ:

عرفت في كل صنع الله عارفة
فما تهم بأمر غير منفعل
list end

والقارئ لديوانه يرى تعالم الشيعة مبثوثة فيه، فشروط الدعوة والإمام المعصوم، وحقه في الخلافة، وبطلان الدعوة العباسية، وكل الاصطلاحات
الإسماعيلية مبثوثة في ديوانه، فهو يضفي على الممدوحين من الخلفاء صفة التقديس تقريبًا، فيقول مثلًا:


وما هو إلا أن يُشير بلحظه
فتمخر فلك أو تهز مقانيب
??

•••

هو علة الدنيا ومن خلقت له
ولعلةٍ ما كانت الأشياء
من صفو ماء الوحي وهي محاجة
من حوضه الينبوع وهو شفاء

واتبع تعاليم الشيعة في القول بتقديس الإمام، وأن فيه قبسًا من نور الله:

هذا أمين الله بين عباده
وبلاده إن عدت الأمناء

•••

هو الوارث الأرض عن أبوين
أب مصطفى وأب مرتضى

•••

بالله من سبب بالله متصل
وظل عدل على الآفاق ممدود
هذا الشفيع لأمةٍ تأتي به
وجدوده لجدودها شفعاء

وهم يقولون بعصمة الإمام:

من كان سيما القدس فوق جبينه
فأنا الضمين بأنه لا يجهل

•••

مؤيد باختيار الله يصحبه
وليس فيما أراه الله من خلل

والإمام قد عصمه الله، وهو مظهر من نور الله:

وما كُنْه هذا النور نور جبينه
ولكن نور الله فيه مشارك

•••

وبذا تلقى آدم من ربه
عفوًا وفاء ليونس اليقطين

•••

لو كان علمك بالإله مقسمًا
في الناس ما بعث الإله رسولا

•••

لو كان لفظك فيهم ما أنـ
ـزل القرآن والتوراة والإنجيلا
هذا ضمير النشأة الأولى التي
بدأ الإلهُ وغيبها المكنون
من أجل هذا قدر المقدور في
أُمِّ الكتاب وكون التكوين

ويقول:

تالله لو كانت الأنواء تشبهه
ما مر بؤس على الدنيا ولا قنط
أبدى الزمان لنا من نور طلعته
عن دولة ما بها وهن ولا سقط
إمام عدل وفى في كل ناحية
كما قضوْا في الإمام العدل واشترطوا
قد بان بالفضل عن ماضٍ ومؤتنف
كالعقد عن طرفيه بفضل الوسط
لا يغتدي فرحًا بالماء يجمعه
ولا يبيت بدنيا وهو مغتبط
إن الملوك وإن قيست إليك معًا
فأنت من كثرةٍ بَحْرٌ وَهُمْ نُقَطُ

ويقول:

ولم أجد الإنسان إلا ابن سعيه
ومن كان أسمى كان بالمجد أجدرا

ويقول:

فليس لمن لا يرتقي النجم همَّة
وليس لمن لا يستفيد الغنى عُذر

ويقول:

صدق الفناء وكذَّب العمر
وجلا العظات وبالغ النذر
إنَّا وفي آمال أنفسنا
طول وفي أعمارنا قصر
لنرى بأعيننا مصارعنا
لو كانت الألباب تعتبر

ويصور ابن هانئ مجلسًا من مجالس الشراب أحسن تصوير في قصيدته المعروفة بقصيدة النجوم فيقول:

أليلتنا إذ أرسلت واردًا وحفا
وبتنا نرى الجوزاء في أذنها شنفا
??
وبات لنا ساق يقوم على الدجى
بشمعة نجم لا تقط ولا تطفا
??
أغن غضيض خفف اللين قده
وأثقلت الصهباء أجفانه الوطفا
??
ولم يبق إرعاش المُدام له يدًا
ولم يبق إعتاق التثني له عطفا
??
يقولون: حقف فوقه خيزرانة
أما يعرفون الخيزرانة والحقفا
??
جعلنا حشايانا ثياب مدامنا
وقدَّت لنا الظلماء من جلدها لُحفا
??
فمن كبد تدني إلى كبد هوى
ومن شفة توحي إلى شفة رشفا
??
بعيشك نبَّه كأسه وجفونه
فقد نبه الإبريق من بعد ما أغفى
??
وقد فكت الظلماء بعض قيودها
وقد قام جيش الليل للفجر واصطفَّا
??
وولت نجوم للثريا كأنها
خواتيم تبدو في بنان يد تخفى
??

ومما استحسنوا له:

ولما التقت ألحاظنا ووشاتنا
وأعلن سر الوشي ما الوشي كاتم
تأوه إنسي من القدر ناشج
فأسعد وحشي من السدر باغم
??
مؤيد العزم في الجلى إذا طرقت
مندد السمع في النادي إذا نودي
??
لكل صوت مجال في مسامعه
غير العنيفين من لوم وتفنيد
??
وعند ذي التاج بيض مكرمات وما
عندي له غير تمجيد وتحميد
أتبعته فكري حتى إذا بلغت
غاياتها بين تصويب وتصعيد
??
رأيت موضع برهان يبين وما
رأيت موضع تكييف وتحديد
??

ومن محاسن قوله:

أبني العوالي السَّمْهَرية والسُّيو
ف المشرفية والعديد الأكبر
??
من منكم الملك المطاع كأنه
تحت السوابغ تبع في حِمْيَر
كل الملوك من السروج سواقط
إلا الملك فوق ظهر الأشقر

ومما يتغنى له قوله:

فتكات طرفك أم سيوف أبيك
وكئوس خمر أم مراشف فيك
??
أجلاد مرهفة وفتك محاجر
ما أنت راحمة ولا أهلوك
يا بنت ذي السيف الطويل نجاده
أكذا يجوز الحكم في ناديك
??
قد كان يدعوني خيالك طارقًا
حتى دعاني بالقنا داعيك
عيناك أم مغناك موعدنا وفي
وادي الكرى نلقاك أو واديك
منعوك من سنة الكرى وسروا فلو
عثروا بطيف طارق ظنوك
??
ودعوك نشوى ما سقوك مدامة
فإذا تثنى عطفك اتهموك
حسبوا التكحل في جفونك حلية
تالله ما بأكفهم كحلوك
??
وقد عد له الأدباء مزايا وعيوبًا، فمن مزاياه:
list of 3 items
(?) قوة بيانه وجودة كلامه وشدة تأثره في سامعيه، إذا فهما معانيه.

(?) شعره جزل السبك، مليح التأليف، حتى إنك لو سمعت المصراع الأول، تكاد تحزر المصراع الثاني.

(?) شعره مطبوع تلمح فيه الجزالة التي في الشعر الجاهلي.
list end

أما عيوبه:
list of 2 items
(?) فكثرة استعماله للغريب من الألفاظ، مثل: اطلخلَم الأمر، وارْجَحَن الشباب، وتغشْمَرَت، وتكعْكَعَت.

(?) أن شعره أحيانًا كثير الجلبة، قليل المعنى، كما ذكر ابن رشيق.
list end

(?-?) ابن شُهَيد وابن حزم

كانا متعاصرين، وكان صديقين، وكانا وزيرين، وكان يعملان للدولة العامرية، وكان ذوي ميول أموية، مكنت من الدسائس لهما، وكانا في
الشعر وسطًا، ولعب الحب بهما معًا. فأما ابن شهيد، فقد قعد به عن الجودة في الشعر تفوقه في النثر،
فهو في الشعر أضعف منه في النثر، وقلَّما نجد في التاريخ من مَلَك ناصية النوعين، وبرز في القولين، فغاية الأديب أن يكون قويًّا
في أحدهما، وسطًا في الآخر، وقد اشتهر ابن شهيد بفصوله ورسائله وروايته «التوابع والزوابع»، وسيأتي
الكلام عليها في النثر. وقد شعر في المديح والوصف والغزل، حتى خافت جاريته منه مرة أن يتغزل فيها فيفضحها، واشتهر بالنادرة
اللطيفة الحلوة، ورووا أنه أصيب بالصمم فمنعه ذلك عن الاشتغال بالسياسة.

قال فيه ابن حيان: «كان ابن شهيد يبلغ المعنى، ولا يطيل سفر الكلام … والعجب منه أنه كان يدعو قريحته إلى ما شاء من نظمه ونثره
في بديهته ورويته، فيقول الكلام كما يريد، من غير اقتناء لما كتب، ولا اعتناء بالطلب، ولا رسوخ في
الأدب، فإنه لم يوجد له فيما بلغنا بعد موته كتاب يستعين به على صناعته، ويشحذ من طبعه، إلا ما لا قدر له، فزاد ذلك في عجائبه،
وإعجاز بدائعه. وكان في تنميق الهزل والنادرة الحارة أقدر منه على سائر ذلك، وشعره حسن عن أهل النقد،
وله رسائل كثيرة في فنون الفكاهة، وأنواع التعريض، والأهزال. وكان في سرعة البديهة وحضور الجواب وحدته آية من آيات الله، «مع
هواه الشديد»
??
وعدم تقصيره في ارتكاب أي قبيحة، من أصح الناس رأيًا لمن استشاره، وأضلهم عنه في ذاته، وكان له في الكرم والجود انهماك، حتى شارف
الإملاق».

فمن شعره:

كَلِفْت بالحب حتى لو دنا أجلي
لما وجدت لطعم الموت من ألم
وعاقني كرمي عمَّن ولهت به
ويلي من الحب أو ويلي من الكرم
??

وقوله:

أصباح شيم أم برق بدا
أم سنا المحبوب أورى زندا
هب من مَرْقده منكسرًا
مسبلًا للكُم مرخ للرِّدا
يمسح النعسة من عيني رُشا
صائدًا في كل يوم أسدا
فهو من دل عراه زُبْدة
من صريح لم يخالط زبدا
قلت: هب لي يا حبيبي قبلة
تشف من عمك تبريح الصدا
فانثنى يهتزم من منكبه
مائلًا لطفًا وأعطاني اليدا
كلما كلمني قبَّلته
فهو إمَّا قال قولًا رٌدِّدا
كاد أن يرجع من لثمي له
واكتشاف الثغر منه أدردا
شربت أعطافه ماء الصبا
وسقاه الحسن حتى عربدا

ويقول في وصف عاصفة:

وقد فغرت فاها دجى كل زهرة
إلى كل ضرع للغمامة حافل
ومرت جيوش المزن رهوًا كأنها
عساكر زنج مذهبات المناصل

وقد طلب منه أن يجيز قول الشاعر: «مرض الجفون ولثغة في المنطق».

فقال بديهة:

مرض الجفون ولثغة في المنطق
سيَّان جرا عشق من لم يعشق
من لي بألثغ لا يزال حديثه
يذكي على الأكباد جمرة محرق
ينبي فيَنْبو في الكلام لسانه
فكأنه من خمر عينيه سقي
لا ينعش الألفاظ من عثراتها
ولو أنها كتبت له في مهرق

وقال يتغزل:

مر بي في فلك من ربرب
قمر مبتسم عن شنب
زينوا أعلاه بالدر كما
ثقلوا أسفله بالكتب
فازدهتني أريحيَّات الصبا
واستخفتني دواعي طربي
فتعرَّضت لتسليم له
فإذا التياه لا يعبأ بي
قال هذا العبد من دلله:
ما الذي أمنه من غضبي؟
يا ظُبا لحظي خذي لي رأسه
فهو لا شك من أهل الريب
فانبرت ألحاظه تطلبني
وأنا قدَّامها في الهرب
لو تراني وأنا ألطفه
وأداريه مداراة الصبي
خلته جبار قوم مردوا
وأنا في لطف الوعظ نبي

ويقول في وصف وقعة:

سقيا لأسد تساقي الموت أنفسها
وتلبس الصبر في يوم الوغى حلقا
قامت بنصرك لما قام مرتجلًا
خطيب جودك فيها ينثر الورقا
سريت تقدم جيش النصر متخذًا
سبل المجرة في إثر العلا طرقا
في ظل ليل من الماذي معتكر
يجلو إلى الخيل منه وجهك الفلقا
وصفح قرن غداة الروع يكتبه
من الظبا فلم لا يعرف المشقا
أجريت للزنج فوق النهر نهر دم
حتى استحال سماء جللت شفقا
وساعد الفلك الأعلى بقتلهم
حتى غدا الفلك بالناجي به غرقا

إلخ … إلخ.

وله من قصيدة:

فريق العدا من حد عزمك يفرق
وبالدهر مما خاف بطشك أولق
عجبت لمن يعتد دونك جنة
وسهمك سعد والقضاء مفوِّق
ومن يبتني بيتًا ليقطع دونه
ممر رياح النصر وهو الخَورْنق
توهم فيه الرُّعْن حصنًا فزرته
بأرعن فيه مرعد الموت مبرق
وحولك أسياف من السعد تُنْتَضَى
وفوقك أعلام من النصر تخفق
بأبيض مسود الدِّلاص كأنه
شهاب عليه من دجى الليل يلمق
وخيل تمشَّى للوغى بجفونها
إذا جعلت بالمرتقى الصعب تزلق

ويقول وقد أزمع على الخروج من قرطبة:

أرى أعينًا ترنو إليَّ كأنما
تساور منها جانبي أراقم
أدور فلا أعتام غير محارب
وأسعى فلا ألقى امرأ لي يسالم
ويجلب لي فهمي ضروريًّا من الأذى
وأشقى امرئ في قرية الجهل عالم
وأوجع مظلوم لقلب وذي حجا
فتًى عربي تزدريه أعاجم
سلام عليكم لا تحية شاكر
ولكن شجى تنسد منه الحلاقم
وما قرعت سني عليكم ندامة
وأوشك غدا أن يقرع السن نادم
عليكم بداري فاهدموها دعائما
ففي الأرض بناءون لي ودعائم
لئن أخرجتني عنكم شر عصبة
ففي الأرض إخوان عليَّ أكارم

وفيها يقول:

ولما فشا بالدمع من سر وجدنا
إلى كاشحينا ما القلوب كواتم
أمرنا بإمساك الدموع جفوننا
ليشجى بما تطوي عذول ولائم
فظلَّت دموع العين حيرى كأنها
جلال مآقينا لآل توائم
أبى دمعنا يجري مخافة شامت
فنظمه بين المحاجر ناظم
وراق الهوى منا عيون كريمة
تبسمْن حتى ما تروق المباسم

وقد مرض ابن شهيد في آخر أيامه وأصيب بالفالج في سنة ????، فمنعه عن الحركة والتقلب، وكان أولًا يمشي على عصا، واعتمادًا على إنسان،
إلى ما قبل وفاته بعشرين يومًا، فإنه صار حجرًا لا يبرح ولا يتقلب، ولا يحتمل أن يحرك.

وفي ذلك يقول:

أنوح على نفسي وأندُبُ نبلها
إذا أنا في الضراء أزمعت قتلها
رضيت قضاء الله في كل حالة
عليَّ وأحكامًا تيقنت عدلها
أظل قعيد الدار تجنبني العصا
على ضعف ساق أوهن السقم وجلها
ألا رب خصم قد كفيت وكربة
كشفت ودار كنت في المحل وَبْلَها
ورب قريض كالجريض بعثه
إلى خطبة لا ينكر الجمع فضلها
فمن مبلغ الفتيان أن أخاهم
أخو فتكة شنعاء ما كان شكلها
عليكم سلام من فتًى عضه الرَّدى
ولم ينس عينًا أثبتت فيه نبلها
يبين وكف الموت يخلع نفسه
وداخلها حب يهون ثكلها

وكتب للفقيه ابن حزم في مرضه الذي مات به قال:

ولما رأيت العيش ولَّى برأسه
وأيقنت أن الموت لا شك لاحقي
تمنيت أني ساكن في غيابة
بأعلى مهب الريح في رأس شاهق
خليلي من ذاق المنية مرة
فقد ذقتها خمسين: قولة صادق
كأني وقد حان ارتحالي لم أفز
قديمًا من الدنيا بلمحة بارق
فمن مبلغ عني ابن حزم وكان لي
يدًا في مُلِمَّاتي وعند مضايقي
عليك سلام الله إني مفارق
وحسبك زادًا من حبيب مفارق
فلا تنس تأتيني إذا ما فقدتني
وتذكر أيامي وفضل خلائقي
فلي في ادِّكاري بعد موتي راحة
فلا تمنعونيها عُلالة زاهق
وإني لأرجو الله فيما تقدمت
ذنوبي مما درَى من حقائقي

وأما ابن حزم فقد عاقه عن بلوغ الغاية في شعره كثرة علمه وفقهه، فالأسلوب العلمي الفقهي غلب عليه فنجد له معاني لطيفة جدًّا، ولكنها
في أسلوبها تتلون بألوان أساليب الفقهاء، كالذي لاحظه ابن خلدون من أنه هو قعد به عن الشعر حفظه المتون،
وذكر أن فقيهًا شعر فقال:

لم أدر حين وقفت بالأطلال
ما الفرق بين جديدها والبالي

فقال: إن التعبير ? «ما الفرق» بين كذا وكذا، أشبه بتعبير الفقهاء، وقد تربى ابن حزم تربية عالية، فأبوه كان وزيرًا عظيمًا، تسرح
في داره الفتيات الجميلات من المغربيات، ومن فتيات الحروب المأسورات، وكان يُحضر له المعلمين والمعلمات،
حتى روى أنه أحفظته القرآن جارية في القصر، كما أحضر له بعض مشاهير شيوخ العلم. فوقع بين رغبتين: رغبة في العلم والدين والتقى،
ورغبة في مغازلة الجواري والسير مع الهوى، والجمع بينهما كالجمع بين الماء والنار، ولكن يظهر أنه استطاع
الجمع بينهما، فحمَّله ذلك من العذاب ألوانًا، وأكثر شعره الذي بلغنا ما كان في كتابه «طوق الحمامة» يصف في
خلجات نفسه، وضناه من حبه، نثرًا ونظمًا.

والقارئ لشعره يرى أنه صادق العاطفة، لطيف المعاني الذهنية، بعيد الخيال، ولكنه مقصر بعض الشيء في الأسلوب، وهو معذور في ذلك، فالذي
يؤلف «الفصل في الملل والنحل»، و«الإحكام في أصول الأحكام» وما إلى ذلك من مئات الكتب الشرعية، ليس
من السهل عليه أن يبلغ القمة في الشعر. وقد عُدَّ عند كثير من الناس أعلم أهل الأندلس، ولكن لم يعدوه أشعرهم. وكان ابن حيان دقيقًا
في قوله: «إن شعره حسن» من غير طنطنة ولا فخفخة كعادته في وصف الشعراء الكبار.

وحدثت له حادثتان أثرتا في حياته، وفي شاعريته الأولى: حُبُّه كالذي ذكرنا، والثانية: ما كان من اتهامه في عهد الدولة العامرية
بأنه يعمل لإعادة الخلافة الأموية.

وقد كان العداء بين العامريين والأمويين في الغرب، كالعداء بين العلويين والعباسيين في الشرق، فعزل عن الوزارة من أجل ذلك، وعُذِّبَ،
وأهين، ونُفي، وخرِّبت دياره، وزال عنه النعيم الذي كان يعيش فيه، فكان ذلك نقمة عليه، ونعمة على العلم
والأدب، ومن مزايا نشأته في بيت العز، وتمكنه من نفسه، ونزعته إلى الزهد، أنه لم يهن نفسه في شعره بمديح مفرط، أو غزل فاجر، إنما
قال الشعر استجابة لخلجات نفسه، أو تفريجًا لهمه، أو إرضاءً لفنه، أو إرضاءً لخاطرة خطرت له. وله قصيدة
لطيفة قوية بلغة مائة وأربعين بيتًا، أجاب بها ملك الروم عن رسالة أرسلها إلى المسلمين، يهددهم
ويتوعدهم.
??

ونشأته العلمية حمته من اللعب بالألفاظ، والإطالة في القول، وتفكيره الخلقي، وتجاربه الاجتماعية، أنطقاه بالحكم، مثل:

أفعال كل امرئ تُنْبي بعنصره
والعين تغنيك عن أن تطلب الأثَرَا
وهل ترى قط دِقْلَى أنبتت عنبًا
أو تذْخر النخل في أوكارها الصَّبرا؟

وقد امتلأ كتابه «طوق الحمامة» بالنثر والشعر الذي يمليه عليه حبه، مع دعابة أحيانًا كقوله:

وذي عَذَل في من سباني حسنه
يطيل ملامي في الهوى ويقول
أَمِن أجل وجه لاح لم تر غيره
ولم تدر كيف الجسم أنت عليل
فقلت له: أسرفت في اللوم فاتَّئد
فعندي ردٌّ لو أشاء طويل
أم تر أني ظاهري وأنني
على ما أرى حتى يقوم دليل؟

وتجد في هذه القطعة مصداق ما قلناه «فعندي رد طويل» تعبير علماء الكلام، والبيت الأخير ينضح بذلك. ويقول:

لئن أصبحت مرتحلًا بجسمي
فقلبي عندكم أبدًا مقيم
ولكن للعيان لطيف معنى
له سأل المعاينة الكليم

وهو أيضًا نضح للثقافة الدينية، وخصوصًا البيت الثاني. ويقول:

لا تلمني لأن سبقة حظ
فات إدراكها ذوي الألباب
يسبق الكلب وثبة الليث في العد
ويعلون النخال فوق اللباب

فقوله: «لأن» في هذه الأبيات تعبير فقهي. ويقول:

لي خلتان أذاقاني الأسى جُرَعا
ونغَّصا عيشتي واستهلكا جلدي
كلتاهما تطَّبيني
??
نحو جبلتها
كالصيد ينشب بين الذئب والأسد
وفاء صدق فما فارقت ذا مقة
فزال حزني عليه آخر الأبد
وعزة لا يحل الضيم ساحتها
صرامة منه بالأموال والولد

فترى في هذه القطعة التقسيم المنطقي الذي يتبعه العالم، وقل أن يسلكه الشاعر. ويقول:

جعلت اليأس لي حصنًا ودرعًا
فلم ألبس ثياب المستضام
وأكثر من جميع الناس عندي
يسير صانني دون الأنام
إذا ما صح لي ديني وعرضي
فلست لما تولى ذا اهتمام
تولى الأمس والغد لست أدري
أأدركه ففيما ذا اهتمامي؟

فالشطرة الأخيرة علمية أكثر منها شعرية، وكذلك قوله: «فلست لما تولى ذا اهتمام».

وأحيانًا يسمو بشعره فيما وراء الطبيعة كقوله:

أَمِن عالم الأملاك أنت أم إنسي
أَبِنْ لي: فقد أزرى بتمييزي العي
أرى هيئة إنسية غير أنه
إذا أُعمل التفكير فالجرم علوي
تبارك من سوَّى مذاهب خلْقِه
على أنك النور الأنيق الطبيعي
ولا شك عندي أنك الروح ساقه
إلينا مثال في النفوس اتصالي
??
عدمنا دليلًا في حدوثك شاهدًا
نقيس عليه غير أنك مرئي
ولولا وقوع العين في الكون لم نقل
سوى أنك العقل الرفيع الحقيقي

ومن قوله، وهو يدل على عاطفة حارة مشبوبة أضناها الحب:

وددت بأن القلب شق بمدية
وأدخلت فيه ثم يطبق في صدري
فأصبحت فيه لا تحلين غيره
إلى مقتضى يوم القيامة والحشر
تعيشين فيه ما حييت فإن أمت
سكنت شغاف القلب في ظلم القبر

فهذا القول صادق العاطفة، وهو ترجمة صحيحة لمشاعره، ولكن قوله: «إلى مقتضى يوم القيامة والحشر» تعبير ديني.

وعلى الجملة فهو شاعر عالم، طغى علمه على شعره.

انظر قوله:

ودادي لك الباقي على حسب كونه
تناهى فلم ينقص بشيء ولم يزد
وليست له غير الإرادة علة
ولا سبب حاشاه يعلمه أحد
إن ما وجدنا الشيء علة نفسه
فذاك وجود ليس يفنى على الأبد
وإما وجدناه لشيء خلافه
فإعدامه في عدمنا ما له وجد

وقوله:

ما على النصر في الأعداء نعرفها
وعلة الفر منهم أن يفرونا
إلا نزاع نفوس الناس قاطبة
إليك يا لؤلؤًا في الناس مكنونا
من كنت قدامه لا ينثني أبدًا
فهم إلى نورك الصَّعَّاد يعشونا
ومن تكن خلقه فالنفس تصرفه
إليك طوعًا فهم دأبًا يكرونا

وقوله:

أرعى النجوم كأنني كلِّفت أن
أرعى جميع ثبوتها
??
والخنس
فكأنها والليل نيران الجوى
قد أضرمت في فكرتي من حندس
وكأنني أمسيت حارس روضة
خضراء وشح نبتها بالنرجس
لو عاش بطليموس أيقن أنني
أقوى الورى في رصد جري
??
الكنس

وقال على عادة الشعراء المتماجنين:

خلوت بها والراح ثالثة لنا
وجنح ظلام الليل قد مد واتَّلج
فتاة عدمت العيش إلا بقربها
فهل في ابتغاء العيش ويحك من حرج؟
كأني وهي والكأس والخمر والدجى
ثرى وحيا والدر والتبر والثبج
??

•••

وصفوك لي حتى إذا أبصرت ما
وصفوا علمت أنه هذيان
فالطبل جلد فارغ وطنينه
يرتاع منه ويفرق الإنسان
يعيبونها عندي بشقرة شعرها
فقلت لهم: هذا الذي زانها عندي
يعيبون لون النور والتبر ضلة
لرأي جهول في الغواية ممتد
وهل عاب لون النرجس الغض
ولون النجوم الزاهرات على البعد
وأبعد خلق الله من كل حكمة
مفضل جرم فاحم اللون مسود
به وصفت ألوان أهل جهنم
ولبسة باكٍ مثكل الأهل محتد
??
ومذ لاحت الرايات سودًا تيقنت
نفوس الورى أن لا سبيل إلى الرشد
??

فتعبيراته كلها مقتبسة من الفقه والكلام والمنطق، وإلهيات الفلسفة، فيصعب علينا أن نعده من الشعراء الخالصين، وإن امتاز بصدق الشعور،
وصدق التعبير، وجمال الخيال. وسيأتي مقامه في النثر عند الكلام على النثر.

إلى هنا كان الشعر قد بلغ حدًّا كبيرًا من الرقي في عهد الأمويين والعامريين، وسبب ذلك أن الأمويين والعامريين كانوا يجزلون العطاء
ويقدرون قيمة الشعراء في الدعوة لهم، حتى كانوا يحملون الشعراء على السفر معهم في غزواتهم، وسبب آخر،
وهو أن آخر عهد الأمويين، ومدة العامريين كانت عهود فتن واضطرابات، والفتن والاضطرابات تحرك المشاعر، وأذكر أن ابن سلام في طبقاته
قال عن قبيلة من القبائل: إنها لم تقل شعرًا؛ لأنها لم تكن قبيلة محاربة … هذا إلى طبيعة الأندلسيين
الشعرية، فيكاد يكون كل مثقف، ولو ثقافة بسيطة شاعرًا. وقد قال الأندلسيون في كل فن وباب مقلدين في ذلك المشرق من الزهد
والوصف والرثاء والغزل … إلخ. فإذا نحن وصلنا إلى عصر ملوك الطوائف رأينا الشعر قد نما وكثر أيضًا؛ بسبب أن
المملكة قد انقسمت إلى إمارات كثيرة، يحكم كل قسم منها أمير، وكان بين الأمراء تنافس على التعمير والعلم، ومن
ذلك الشعر؛ ولذلك وجد شعراء لا يقلون شأنًا عن السابقين، إن لم يفوقوهم أحيانًا، أمثال: ابن زيدون وابن عباد وابن سهل
الإسرائيلي وغيرهم. وربما عمل في تكوينهم أكثر من الأولين أنهم انتفعوا بمن سبقهم، فقد خلفوا ثروة
كبيرة من الأخيلة والأساليب والمعاني؛ يضاف إلى ذلك أنه ما كاد يظهر شاعر في المشرق إلا وينقل شعره سريعًا إلى المغرب ثم يقلد،
ويدهش الإنسان لهذه السرعة، فقد كانت حركات الرحلات شديدة قوية، مع صعوبة المواصلات، وكان الحج موسمًا
تتلاقى فيه العلماء والأدباء، فيتناقلون كتبهم، فكان الشعر في عهد الطوائف أرقى منه على ما يظهر في العهود التي كانت قبلهم، وإن
كان الأندلسيون من الناحية السياسية والحربية أضعف.

وشاهد هذا العصر تغلب النصارى الإسبان على بلاد الأندلس، بلدًا فبلدًا، فإذا حل النصارى بلدًا هجرها أهلها، ورثوها بشعرهم، فوجد
عندنا في الأندلس ما لا نجده في الشرق إلا نادرًا من رثاء البلاد رثاءً قويًّا يدل على عاطفة مشبوبة،
ولكن هناك ظاهرة أخرى، وهي أن الحروب بين الإسبان والأوربيين عمومًا وبين المسلمين لم تنقطع، فيكاد يكون في كل سنة حرب ووقائع،
تشيب لها النواصي، ولكن مع الأسف كمية الشعر التي رويت في هذا الباب أقل مما يلزم كشأن المسلمين في
الحروب الصليبية، وفي حروب صلاح الدين وخلفائه، فقل الشعر العربي في هذا المعنى. ولعل السبب في ذلك أن الأولين لم يشعروا كثيرًا
في باب الحروب، وشعرهم كان شعرًا تقليديًّا، فلما رأوا أن من قبلهم لم يشعروا كثيرًا في هذه المعاني،
لم يشعروا هم أيضًا كثيرًا، والواقع أن حروب الأندلس، وحروب الصليبيين، كان يجب أن تغذي الشعراء بما يصوغون من
قصائد.

(?-?) ابن زيدون

هو أحب شعراء الأندلس إلى نفسي، وأقربهم إلى قلبي، ويظهر أنه استصفى غزل العباس بن الأحنف، ومسلم بن الوليد، وغيرهما، وأخذ ديباجة
البحتري، وحُسن سبكه، ونصاعة أسلوبه، وأخذ طول نفس ابن الرومي وتدفقه حتى يأتي على آخر المعنى الذي
يرده. وقد حدثت له حادثتان ألهبتا قلبه، وجعلتاه يشعر من قلبه، لا من رأسه؛ أولاهما: حبه لولَّادة، فقد هام في حبها، وجرب كل أنواع
التجارب في الحب من لذة وصال، وألم فراق، وأحاديث نفس، وغيرة من عذول … إلخ. وثانيتهما: كثرة حساده
وتآمرهم عليه، ووضع الدسائس له عند الأمير المقرب إليه، حتى سجنه، فذاق ألوانًا من العذاب في سجنه، وكانت له قدرة على
صياغة أدق المشاعر في شعر جميل، وأسلوب جذاب، ومع هذا لم يخلُ من قول الشعر الرقيق في الموضوع التقليدي الذي
هو المديح.

وقد رويت له مدائح كثيرة لأمراء كثيرين، وهو أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن أحمد بن غالب المخزومي، من نسل أحد أفراد قبيلة مخزوم
الذين رحلوا إلى الأندلس أيام الفتح، وكان أبوه مشهورًا بأنه فقيه أديب، فأورث ابنه حبه الأدب. وقد
ولد ابن زيدون في قرطبة سنة ????، ومات في إشبيلية سنة ????، ومع أنه تعلم الشعر ممن ذكرنا من الشعراء، فهناك خيوط يظهر فيها أثر
بيئته.

ويدل شعره على أنه واسع الاطلاع على شعر المشرق، وشعر من قبله من الأندلسيين واستفادته من كل ذلك، مع احتفاظه بشخصيته. وقد أخذ
عن عالمين كبيرين في الأندلس، هما أبو بكر مسلم بن أحمد بن اللبانة، وأبو بكر بن ذكوان، وقد لفت نظر
الناس إلى شعره منذ شبابه.

وشاء حظه أن يقع في حب ولَّادة بنت الخليفة المستكفي، وقد كان المستكفي هذا فاجرًا، مستهترًا، سيئ الحكم، قَلَّ ماله فأحب أن يرضي
الناس بوعوده، وبما يوزعه من ألقاب، حتى زهد الناس فيها، وخلف بنتًا اسمها ولَّادة، خلفها من مولاة
له إسبانية، وكانت ولادة هذه بيضاء اللون، حمراء الشعر، زرقاء العينين، لا تلتزم الحجاب المعتاد للنساء فاتخذت في بيتها ناديًا
(صالونًا) يجتمع فيه الأدباء من شاعرين وناثرين، وتسمع منهم، ويسمعون منها. وكانت هي الأخرى قادرة
على الشعر، وكانت حادة المزاج، قاسية، صريحة، فما أن رآها ابن زيدون وجالسها، حتى ملأت قلبه. وقد وصفها ابن بسَّام في الذخيرة بقوله:
«كانت في نساء أهل زمانها، واحدة أقرانها، حضور شاهد، وحرارة أوابد، وحسن منظر ومخبر، وحلاوة مورد
ومصدر، وكان مجلسها بقرطبة منتدى لأحرار المصْر، وقناؤها ملعبًا لجياد النظم والنثر، يعشو أهل الأدب إلى ضوء غرتها، ويتهالك
أفراد الشعراء والكتاب على حلاوة عشرتها، إلى سهولة حجابها، وكثرة منتابها، تخلط ذلك بعلو نصاب، وكرم
أنساب، وطهارة أثواب، على أنها — سمح الله لها وتغمد زللها — اطَّرحت التحصيل، وأوجدت إلى القول فيها السبيل؛ لقلة
مبالاتها، ومجاهرتها بلذاتها، كتبت — فيما زعموا — على أحد عاتقي ثوبها:

أنا والله أصلح للمعالي
وأمشي مشيتي وأتيهُ تيها

وكتبت على الآخر:

وأُمكن عاشقي من صحن خدي
وأعطي قبلتي من يشتهيها»

ولسنا نظن كما قال ابن بسام أنها كانت على طهارة أثواب، وقد وصف ابن زيدون ليلة معها من ليالي شبابه فقال: «وبِتنا بليلة نجني أقحوان
الثغور، ونقطف رمان الصدور، فلما انفصلت عنها صباحًا أنشدتها:

ودع الصبر محب ودعك
ذائع من سره ما استودعك
يقرع السن على أن لم يكن
زاد في تلك الخطا إذ شيعك
يا أخا البدر سناء وسنى
حفظ الله زمانًا أطلعك
إن يطل بعدك ليلي فلَكَمْ
بت أشكو قصر الليل معك

فكانت ولَّادة في حياتها ومنتدياتها أشبه بعلية بنت المهدي في المشرق، وقد بدأ حب ابن زيدون لها، وعلاقته بها في سنة ????؛ أي:
وهو في سن التاسعة والعشرين بعد سقوط الدولة الأموية، وولاية أبي الحزم بن جهور على قرطبة، وكان ابن
زيدون مقربًا من ابن جهور، يشغل عنده منصبًا عاليًا، ولكن سرعان ما تغير عليه قلب ابن جهور، وأودعه في السجن، وأجرى عليه أنواعًا
من العذاب. ولكن ما تهمة ابن زيدون؟

الغالب على الظن أنه طمح لأن يكون أميرًا، فليس هو أقل ممن وثبوا على إمارات الأندلس، واستولوا عليها. وهو شاب حسيب نسيب، مملوء
قوةً، أديب كبير، فما يمنعه أن يكون كابن جهور، وابن عباد، وابن الأفطس، وأمثالهم، فلما سجن اجتمع
له في سجنه الغرام بولَّادة، وحزنه على نفسه في السجن، وبلوغه أن ابن عبدوس وزير ابن جهور الغني الكبير يغازل ولَّادة بدله، ويريد
أن يحل محله، كما بلغه أن ولَّادة من ناحيتها استجابت له، أعرضت عن ابن زيدون؛ كل هذا مع دقة مشاعره،
جعله يلتهب نارًا، فهو يشعر في كل هذه المعاني، طورًا بألمه في الفراق، وطورًا في عتاب ابن جهور، وغير ذلك، فلئن
كان سجنه نقمة عليه، فقد كان نعمة على الأدب. ويظهر أنه في هذه الآونة قال في ولَّادة:

متى أبثك ما بي
يا راحتي وعذابي
متى ينوب لساني
في شرحه عن كتابي
الله يعلم أني
أصبت فيك لما بي
فلا يطيب طعامي
ولا يسوغ شرابي
يا فتنة المتعزي
وحجة المتصابي
الشمس أنت توارت
عن ناظري بالحجاب
ما البدر شف سناه
على رقيق السحاب
إلا كوجهك لَّما
أضاء تحت نقاب

ويقول أيضًا:

ألا هل لنا من بعد هذا التفرق
سبيل، فيشكو كل حب بما لقي
وقد كنت أوقات التزور في الشتا
أبيت على جمر من الشوق محرق
فكيف وقد أمسيت في حال قطعة
لقد عجل المقدور ما كنت أتقي
تمر الليالي لا أرى البين ينقضي
ولا الصبر من رق التشوق معتقي
سقى الله أرضًا قد غدت لك منزلًا
بكل سكوب هاطل الوبل مغدق

ويقول:

شحطنا وما بالدار نأي ولا شحط
وشط بمن نهوى المزار وما شطوا
وأما الكرى مذ لم أزركم فهاجر
زيارته غب وإلمامه فرط
إذا ما كتاب الوجد أشكل سطره
فمن زفرتي شكل ومن عبرتي نقط
مئون من الأيام خمس قطعتها
أسيرًا وإن لم يبدُ شد ولا قحط
بلغت المدى إذ قصروا فقلوبهم
مكامن أضغان أساودها رقط
فررت فإن قالوا: الفرار إرابة
فقد فر موسى حين هم به القبط

ويقول:

فديتكِ ليس لي قلب فأسلو
ولا نفس فآنف إن جفيت
فإن يكن الهوى داءً مميتًا
لمن يهوى فإني مستميت
أسر عليك عتبًا ليس يلقى
وأضمر فيك غيظًا لا يبيت
وما ردي على الواشين إلا
رضيت بحب قاتلتي رضيت

•••

أنَّى أضيع عهدك
أم كيف أخلف وعدك
وقد رأتك الأماني
رضا فلم تتعدَّك
يا ليت ما لك عندي
من الهوى لي عندك
وطال ليلك بعدي
كطول ليلي بعدك
سلي حياتي أهبها
فلست أمك ردك
الدهر عبدي لما
أصبحت في الحب عبدك

ولما كان ابن زيدون مكلوم الفؤاد، معذب القلب بالحب، أجاد في الرثاء كلما أجاد في الغزل، ورأى الرثاء وسيلةً من وسائل دموعه، فله
في ديوانه قصائد جيدة في الرثاء، منها رثاء في أستاذه القاضي أبي بكر بن ذكوان وكان قاضيًا عدلًا،
مطلعه:

انظر لحال السر وكيف تحال
والدولة العلياء كيف تدال
من سر لما عاش قل متاعه
فالعيش نوم والسرور خيال

ويقول فيها:

نقصت حياتك حين فضلك كامل
هلا استضيف إلى الكمال كمال
من للقضاء يعز في أثنائه
إيضاح مشكلة لها إشكال
من لليتيم تتابعت أرزاؤه
هلك الأب الجاني وضاع المال
هيهات لا عهد كعهدك عائد
إذ أنت في وجه الزمان جمال

ورثى أبا الحزم بن جهور بقصيدة مطلعها:

ألم تر أن الشمس قد ضمها القبر
وأن قد كفانا فقدها القمر البدر

وقال في رثاء أم أبي الوليد بن جهور قصيدة مطلعها:

هو الدهر فاصبر للذي أحدث الدهر
فمن شيم الأحرار في مثلها الصبر
فإن أنثت فالنفس أنثى نفيسة
إذ الجسم لا يسمو بتذكيره ذكر
حصان إذا التقوى استبدت بذكرها
فمن صالح الأعمال يستوضح الدهر

إلخ … إلخ.

ومن مشهور قصائده التي عارضها كثير من الشعراء من بعده، فلم يبلغوا مبلغه، قوله:

أضحى التنائي بديلًا من تدانينا
وناب عن طيب لقيانا تجافينا
ألا
??
وقد حان صبح البين صبحنا
حينٌ فقام لنا للحين ناعينا
من مبلغ الملبسينا بانتزاحهم
حزنًا مع الدهر لا يبلى ويبلينا
إن الزمان الذي ما زال يضحكنا
أنسًا بقربهم قد عاد يبكينا
غيظ العدا من تساقينا الهوى فدعوا
بأن نغص فقال الدهر: آمينا
فانحل ما كان معقودًا بأنفسنا
وانْبَتَّ ما كان موصولًا بأيدينا
وقد نكون وما يُخشى تفرقنا
فاليوم نحن وما يرجى تلاقينا
يا ليت شعري ولم نعتب أعاديكم
هل نال حظًّا من العتبى أعادينا؟
بِنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا
شوقًا إليكم ولا جفت مآقينا
تكاد حين تناجيكم ضمائرنا
يقضي علينا الأسى لولا تأسينا
حالت لفقدكم أيامنا فغدت
سودًا وكانت بكم بيضًا ليالينا

… إلخ. وكلها على هذا النمط من الجمال.

وله أشعار من نوع آخر غير النمط التقليدي كقوله:

سقى الله أطلال الأحبة بالحمى
وحالك عليها ثوب وشْي منمنما
وأطلع فيها للأزاهر أنجما
فكم رفلت فيها الخرائد كالدمى
إذ العيش غض والزمان غلام
أهيم بجبار يعز وأخضع
شذا المسك من أردانه يتضوَّع
إذا جئت أشكوه الجوى ليس يسمع
فما أنا في شيء من الوصل أطمع
ولا أن يزور المقلتين منام
قضيب من الريحان أثمر بالبدر
لواحظ عينيه ملئن من السحر
وديباج خديه حكى رونق الخمر
وألفاظ في النطق كاللؤلؤ النثر
وريقته في الارتشاف مُدام

ومن قوله أيضًا على النمط المأثور:

يجوز على قلبي هوًى ويجير
ويأمرني: إن الحبيب أمير
أغار عليه من لحاظي صيانة
وأكرمه: إن المحب غيور
أخِفُّ إلى لقيا الحبيب وإنني
لعمرك في جلي الأمور وقور

وقال:

رعى الله من يصلي فؤادي بحبه
سعيرًا وعيني منه في جَنَّة الخلد
غزالية العينين شمسية السنا
كثيبية الرِّدفين غصنية القد
شكوت إليها حبها بمدامعي
وعلمتها ما قد لقيت من الوجد
فجادت وما كادت عليَّ بخدها
وقد ينبع الماء النمير من الصَّلْد
فقلت لها: هاتي ثناياك إنني
أفضل نوَّار الأقاحي على الورد
وميلي على جسمي فانثنت
تعيد الذي أملت منها كما تبدي
فيا ساعةً ما كان أقصر وقتها
لديَّ تقضَّت غير مذمومة العهد

وله يتغزل في ولَّادة أيضًا:

يا نازحات وضمير القلب مثواه
أنستك دنياك عبدًا أنت مولاه
ألهتك عنه فكاهات تلذُّ بها
فليس يجري ببال منك ذكراه
علَّ الليالي تبقيني إلى أمل
الدهر يعلم والأيام معناه

ويقول:

غريب بأقصى الشرق يشكو معصبًا
يحملها منه السلام إلى الغرب
فما ضر أنفاس الصَّبا في احتمالها
سلام فتى يهديه جسم إلى قلب

وحدث أن كان لولَّادة جارية سوداء تغني لها، وربما كانت إرثًا من قصر أبيها، فغازل ابن زيدون هذه الجارية السوداء، فاغتاظت ولَّادة
غيظًا شديدًا، وربما فعل ابن زيدون هذا ليثير فيها غريزة الغيرة، فقالت:

لو كنت تنصف في الهوى ما بيننا
لم تهوَ جاريتي ولم تتخير
وتركت غصنًا مثمرًا بجماله
وجنحت للغصن الذي لم يثمر
ولقد علمت بأنني بدر السما
لكن ولعت لشوقتي بالمشتري

وربما اتصلت ولَّادة هي الأخرى بابن عبدوس انتقامًا منه، وإثارة لغيرته، جزاءً وفاقًا.

ولما علم ابن زيدون أن ابن عبدوس اتصل بها، قال فيه:

أكرم بولَّادة ذخرًا لمدَّخر
لو فرَّقت بين بيطار وعطار
قالوا: أبو عامر أضحى يلم بها
قلت: الفراشة قد تدنو من النار
عيرتمونا بأن قد صار يخلفنا
فيمن نحب وما في ذاك من عار
أكل شهي أصبنا من أطايبه
بعضًا، وبعضًا صفحنا عنه للفار

والظاهر أنها لم تكن تحب ابن عبدوس كابن زيدون، وإنما بهرها ابن عبدوس بماله، أو حدث ما جعلها تغيظ ابن زيدون في التظاهر بحب ابن
عبدوس.

على كل حال بقي في السجن على حسب قوله نحو خمسمائة يوم، أي: سنة ونصف تقريبًا، وزارته أمه يومًا في السجن، فبكت وأثارت شجونه، فقال
في ذلك قصيدته الجميلة التي مطلعها:

ألم يأن أن يبكي الغمام على مثلي
ويطلب ثأري البرق منصلِتَ النصل
وهل أقامت أنجم الليل مأتمًا
لتندب في الآفاق ما ضاع من نثلي
??

ومنها:

ولو أنني أسطيع كي أُرْضِيَ اليدا
شريت ببعض الحلم حظًّا من الجهل

وفيها يخاطب أمه فيقول:

أقِلِّي بكاءً لست أول حرة
طوت بالأسى كشحًا على مضض
وفي أم موسى عبرة أن رمت به
إلى اليم في التابوت فاعتبري واسلي
لعل المليك المجمل الصنع قادرًا
له بعد يأس سوف يجمل صنعًا لي
??

ثم استرسل في عتاب ابن جهور. ولكن يظهر أن التهمة التي اتهم بها كانت لم تحتمل الشك، فقد تركه ابن جهور في السجن، وكان لا يفارقه
حب ولَّادة، فبعث إليها بقصيدة طويلة يقول فيها:

إني ذكرتُكِ بالزهراء مشتاقًا
والأفق طلق ومرأى الأرض قد راقا
وللنسيم اعتلال في أصائله
كأنه رق لي فاعتل إشفاقًا
والروض عن مائه الفضِّيِّ مبتسم
كما شققت عن اللَّبَّات أطواقا
??
كل يهيج لنا ذكرَى تشوقنا
إليك لم يعد عنها الصدر أن ضاقا
لا سكن الله قلبًا عن ذكركم
فلم يطر بجناح الشوق خفاقا
فالآن أحمد ما كنا لعهدكم
سلوتم وبقينا نحن عشاقا

وبعثها إليها فلم ترد عليه، واستشفع بأستاذه الذي ذكرناه قبل، وهو أبو بكر مسلم بن أحمد، ورجاه أن يتوسط له عن ابن جهور، وبعث إليه
بقصيدة مرَّ بعضها ويقول فيها:

عليك أبا بكر بكَرْتُ بهمَّة
لها الخطر العالي وإن نالها الحط
أبى بعدما هيل التراب على أبي
ورهطي فذا حين لم يعبق لي رهط
ولولاك لم تقدح زناد قريحتي
فينتهب الظلماء من نارها سقط

•••

أتدنو قطوف الجنتين لمعشر
وغايتي السدر القليل أو الخمط

•••

يولونني عُرض الكراهة والقِلَى
وما دهرهم إلا النفاسة والغمط
وقد وسموني بالتي لست أهلها
ولم يُمْنَ أمثالي بأمثالها قط

•••

وإني لراج أن تعود كبدئها
لي الشيمة الزهراء والخلق السَّبْط
فما لك لا تختصُّني بشفاعة
يلوح على دهري لميسمها علط
??

ويظهر أن تدخل أستاذه قد نجح، فقد رأيناه عاد إلى البلاط، ونراه بعد ذلك يمدح ابن جهور، ولكن لم نر ولَّادة قد عادت إلى صداقتها
القديمة لابن زيدون، بل نرى أنها انسحبت بعد ذلك من الميدان الأدبي، وعاشت سنين في بيت ابن عبدوس،
ورأينا بعد ذلك أن أبا الوليد بن جهور بعد أن مات أبوه وتولى هو مكانه، قد أشفق على ابن زيدون من ضناه في الحب، فأرسله سفيرًا عنه
إلى بعض أمراء الأندلس، لعله ينسى حبه.

ثم إن الزمان الذي يشيب كل شاب، ويهرم كل فتًى وفتاة، ويميت كل حي، قد عدا على ولَّادة، فأذهبها نضرة شبابها، ونظرت فإذا هي في
الثمانين من عمرها من غير زواج، ولكنها كانت خليلة هذا أو ذاك.

ونظرت أيضًا فرأت أن حرارتها في الحب قد هدأت، وأن من كانوا يحبونها لم يعودوا يتشببون بها؛ لأن الناس إنما كان يعجبهم فيها شبابها،
فإذا ولَّى الشباب ولَّى الحب، وسلا ابن زيدون، وسلا ابن عبدوس، وعاشت هي بذكريات أمسها لا بيومها.


وقد روَوْا أن ولَّادة أخذت على ابن زيدون بعض معايب كانت تقصها على الوسطاء، وتعتذر بها عن نَبْوَتِهَا عنه. ولسنا نبرئ ابن زيدون
من كل عيب، فلا بد له من عيوب فيه حالت بينه وبين استمرار ولَّادة في حبه، وكثرة الناقمين عليه من
أصحابه. والناس يخلطون كثيرًا في الصفات فينسبون إلى النابغة في ناحية كمالًا في النواحي الأخرى، وهذا غير صحيح، فقد يكون
زعيمًا كبيرًا، أو شاعرًا عظيمًا في نواحٍ خاصة، على حين أنه ساقط كل السقوط في نواحٍ أخرى، بل قد تكون
نقطة قوته نامية على حساب ضعفه في النواحي الأخرى، كالأعمى ينمو سمعه على حساب بصره. ولعل مترجمي ابن زيدون
قد وقعوا في هذا الخطأ، فجندوا أنفسهم للدفاع عنه في كل منقصة تنسب إليه، ولعل خصومه كانوا محقين في توجيه اللوم له على
بعض تصرفاته، ولكن لعلنا لم نظفر بأشعار ابن زيدون الجميلة إلا لما فيه من مزايا وعيوب، وأي الناس تصفو
مشاربه؟!

ولما استطال ابن زيدون مدة سجنه، كتب إلى أبي الوليد بن جهور أن يستشفع له عند أبيه أبي الحزم، فعفا عنه، ثم لما مات أبو الحزم
وتولى مكانه ابنه أبو الوليد قربه إليه، ولكن سرعان ما سمع أبو الوليد لأقوال وشاة ابن زيدون؛ وهمَّ
بإعادته إلى السجن، فخاف ابن زيدون إذ كان قد ذاق مرارة السجن، واعتزم أن يفرَّ من قرطبة إلى إشبيلية، حيث كان يحكمها المعتضد بن
عباد، ولم يشأ أن يفر مفاجأة، فراسل أصدقاءه هناك، والمعتضد نفسه، فوعدوه أن يستقبلوه استقبالًا حسنًا،
ففر إليها، وصادف أن كان وقت نزوله عيد الأضحى، فجاشت نفسه بالشعر فقال:

خليلي لا فطر يسُرُّ ولا أضحى
فما حال من أمسى مشوقًا كما أضحى

وظل مدة المعتضد بن عباد مكرمًا معززًا، ولما مات المعتضد رثاه رثاءً طويلًا في قصيدة مطلعها:

أعبَّاد يا أوفى الملوك لقد عدا
عليك زمان من سجيَّته الغدر

وكذلك كان شأنه مع ابنه المعتضد بن عباد. ثم إن حسَّاد ابن زيدون نشطوا من جديد، كشأنهم معه في كل بلد حلَّ فيه، فأرادوا أن يغيروا
عليه قلب المعتضد بن عباد، فكانوا يرمون الرُّقع، ويقصدون القصائد في تحذيره من ابن زيدون، فلم يأبه
لهم، ولم يسمع لكلامهم، فلما يئسوا من ذلك أوعزوا إلى ابن عباد أن يرسل ابن زيدون في جيش لإخماد فتنة حتى يستريحوا منه، وقالوا
لابن عباد: إن له من الشجاعة والفتوة، وحب الناس له ما يجعله أهلًا لذلك. فسمع لكلامهم، فأمره بالسفر
مع الجيش مع أنه كان مريضًا، فخضع للأمر، وسافر، وعاد فلم يلبث إلا قليلًا حتى مات رحمه الله … ولابن زيدون ناحية نثرية
بديعة سنتكلم عنها في النثر.

(?-?) ابن عبَّاد

أسرة بني عباد أسرة تنتمي إلى النعمان بن المنذر اللخمي، آخر ملوك الحيرة، الملقب بماء السماء، وكثيرًا ما كان يمدحه الشعراء بماء
السماء، مستخدمين الاسم والمعنى، وأفرادها يعتزون بالانتساب إليها، وقد كانوا أشهر ملوك الطوائف، فملكوا
إشبيلية وقرطبة، وفيهم يقول القائل:

مِن بني النذرين وهو انتساب
زاد في فخرهم بنو عباد
فتية لم تلد سواها المعالي
والمعالي قليلة الأولاد

عرفوا بالفقه والأدب والشجاعة وعلو الهمة، وكان المعتضد أبو المعتمد شاعرًا، ولكنه دون ابنه المعتمد.

وقد تجمعت للمعتمد أسباب كثيرة ألهبت عواطفه، على اختلاف أنواعها، فهو محب شرِّيب تلعب به عواطف الحب، ثم تلهبها الخمر، ومن ناحية
أخرى يعتز أحيانًا في ملكه، فتمدحه الشعراء ويلهبون عنده عواطف المجد والفخر؛ ومن ناحية يفقد ولديه
في الحروب، وكانا شابين ماجدين، فتثور عنده عاطفة الحزن، وأخيرًا يذهب عنه عزه وملكه، فيذل بعد العزة، ويهون بعد العلو، ويفتقر
بعد الغنى، وينظر لحاله من جميع النواحي، فيرثى لها، ويبكي عليها بكاءً مرًّا، كل هذه الأسباب إذا
اجتمعت في شاعر، أنطقته بخير الأقوال، وهو في شعره هذا لا يتملق بمديح، ولا يتزلف لسلطان، إنما يشعر لنفسه، فحياته شعره، وشعره
حياته.

ويمكن تقسيم حياته إلى ثلاث فترات:
list of 1 items
(?) حياته الأولى في شبابه، تغمرها مجالس الأنس: خمر ونساء، ومجالس أنس وأدب، وحرب أحيانًا. وهذا قبل أن يتولَّى الملك.
وفي هذه الفترة كان يسير مرة مع صديقه الشاعر الكبير ابن عمَّار على شاطئ
نهر، فخطر على بال ابن عبَّاد شطر بيت وهو:

صنع الريح من الماء زرد
… … … …
list end

ثم أُرتج عليه فام يستطع إكماله، فقال لابن عمار: أَجِزْ. فأُرتج عليه أيضًا، فسمع جارية وراءه تقول:

… … … …
يا له درعًا منيعًا لو جمد

وفي رواية أخرى:

… … … …
أي درع لقتال لو جمد

فالتفت وراءه، فرأى فتاة أعجب بجمالها، وبحسن بديهتها، وكان مولاة يظهر أنها أسرت في الحروب، أو مولَّدة، فسأل عن اسمها، فقيل:
إن اسمها «اعتماد»، وكان سيدها يسمى «رُميْك بن الحجاج» فاشتراها منه، وأحبها وملأت قلبه، وشغلت جزءًا
كبيرًا من حياته، وتسمى «اعتماد الرُّميْكيَّة». وقد أنجب منها بعض أبنائه فشاركته في نعيمه وبؤسه، ويحكون أنها رغبت مرة أن تسير
في طين كعادتها قديمًا، فعمل لها ابن عباد وحلًا من مسك وعنبر وكافور، تدليلًا لها، فلما غضبت مرة
كعادة النساء أيام بؤسه وقالت له: «لم أنل منك يوم سرور»، رد عليها وقال: «ولا يوم الطين؟» فخجلت وسكتت.

على كل حال كانت هذه فترة مرح وسرور وترف ونعيم.
list of 1 items
(?)
ثم تولى المُلك، فزاد ترفه ونعيمه وعظمته ومسئوليته، وقصده الناس من كل فج، واتسع ملكه اتساعًا كبيرًا، فضم قرطبة إلى
إشبيلية، وفي ذلك الحين قالوا: إنه لم يقف بباب أحد من الشعراء ما وقف ببابه.
ثم عدا عليه الزمان الذي لا يرحم، فجاءت فترة قوي فيها ملك الإسبان، حتى وضع الجزية على ابن عباد. وأخيرًا
لما أحس ملك الإسبان بقوته رفض أن يأخذ الجزية، وأرسل رسولًا إليه، فضرب ابن عباد
الرسول، وقتل من معه، وقال كلمته المشهورة: «لأن أكون راعي جمل عند يوسف بن تاشفين،
??
خير من أكون قائدًا كبيرًا عند الأذفونش».
list end

أحس الناس في ذلك الوقت الخطر الداهم عليهم من الإسبانيين، حتى قال قائلهم:

حثوا رواحلكم يأهل أندلس
فما المُقام بها إلا من الغلط
السلك ينثر من أطرافه وأرى
سلك الجزيرة منثورًا من الوسط
من جاور الشر لم يأمن عواقبه
كيف الحياة مع الحيات في سَفَط
فلما سمع رجال الأندلس، أعيانها وفقهاؤها بذلك، اجتمعوا وقالوا: هذه مدن الإسلام قد تغلب عليها الفرنج، وملوكنا يقاتل بعضهم بعضًا،
وإن استمر الحال على هذا المنوال ملك الفرنج جميع البلاد، وجاءوا إلى القاضي عبد الله بن محمد بن أدهم،
وفاوضوه فيما نزل بالمسلمين، وتشاوروا فيما يفعلون، وآخر ما اجتمع عليه رأيهم أن يكتبوا إلى يوسف بن تاشفين ملك الملثمين «المرابطين»
بالمغرب يستنجدونه، فاجتمع القاضي بالمعتمد، وأخبره بما جرى، فوافق على أنه مصلحة، وقال له: تمضي إليه
بنفسك، فكتب القاضي إليه، فما لبث ابن تاشفين أن خرج مسرعًا إلى مدينة «سبتة» وعبر هو وعسكره إلى الجزيرة الخضراء، وهي
مدينة في بر الأندلس، وأرسل إلى جيوشه أن يلحقوا به، وكتب إلى ابن عباد بذلك، ووقعت وقعة كبيرة بين ابن تاشفين
ومن تبعه من رجال الأندلس، وبين الأذْقونش، وهي الوقعة المشهورة بوقعة الزلاقة، وفيها انهزم الإسبانيون ومن
معهم بعد قتال شديد، وكان ذلك في سنة ????، واتخذ هذا عامًا مشهورًا يؤرخون به، فيقولون: «عام الزلاقة». وحارب مع ابن
تاشفين ابن عبَّاد، وأبلى بلاءً حسنًا، وجرح مرارًا، وتعرض للموت مرارًا.
??
وكان المظنون أن يرحل ابن تاشفين عن الأندلس نهائيًّا بعد انتصاره ويعود إلى بلاده، ولكن أطمعه أصحابه في البلاد فسمع لقولهم بعد
أن رأى ثروتها ونضارتها، وكثرة مالها، وربما فكر أيضًا من ناحية صلاح المسلمين، فرأى أن البلاد مقسَّمة
إلى أمراء لا رابطة بينهم، وأنهم بهذا الوضع لا يستطيعون أن يصدوا الإسبانيين، وأن القوة في الوحدة؛ فعزم أن يزيل ملوك الطوائف،
ويضع يده على البلاد. وأيًّا ما كان فقد رحل يوسف بن تاشفين، ثم عاد إلى الأندلس ببرْبَرِه الأجلاف،
وأزال ملوك الطوائف، ومن بينهم المعتمد بن عباد.
list of 1 items
(?) قاتل ابن عباد أشد قتال، دفاعًا عن بلاده، حتى اضطربت إشبيلية اضطرابًا خرج الناس معه من منازلهم، وبعضهم ألقى
نفسه في البحر. وفي ذلك يقول:

لما تماسكت الدموع
وتنهنه القلب الصديع
قالوا: الخضوع سياسة
فليبدُ منك لهم خضوع
وألذ من طعم الخضو
ع على فمي السم النقيع
إن تستلب عني الدُّنا
ملكي وتسلمني الدموع
فالقلب بين ضلوعه
لم تسلم القلب الضُّلوع
لم أستلب شرف الطبا
ع أيسلب الشرف الرفيع
قد رمت يوم نزالهم
ألا تحصِّنني الدروع
وبرزت ليس سوى القميـ
ـص عن الحشا شيءٌ دفوع
وبذلت نفسي كي تسيـ
ـل إذا يسيل بها النجيع
أجلي تأخر لم يكن
بهواي ذلي والخشوع
ما سرت قط إلى القتا
ل وكان من أملي الرجوع
شيم الألى أنا منهم
والأصل تتبعه الفروع
list end

وشنت الغارة في البلد، ولم يترك البربر لأحد من أهلها ثبدًا ولا لبدًا، وانتُهِبت قصور المعتمد نهبًا قبيحًا، وأُخذ هو وأهله ووضعوا
في السفن، وكان له ولدان؛ المعتمد بالله، والراضي بالله، وكانا بمعقلين من معاقل الأندلس المشهورة،
لو شاءا أن يمتنعا بهما، لم يصل أحد إليهما، فضيق على المعتمد بن عباد، وأُثقل بالحديد، ليكتب لابنيه بأن يسلِّما، فلما أكثر
أبوهما من ذلك استسلما، ثم قتلا غيلة. وللمعتمد شعر كثير في رثاء ولديه هذين، كقوله:

يقولون صبر لا سبيل إلى الصبر
سأبكي وأبكي ما تطاول من عمري
هوى الكوكبان الفتح ثم شقيقه
يزيد فهل بعد الكواكب من صبر
أفتح لقد فتحت لي باب رحمة
كما بيزيد الله قد زاد في أجري
هوَى بكما المقدار عني ولم أمت
وأُدْعَى وفيًّا! قد نكصت إلى الغدر
تولَّيتما والسن بعد صغيرة
ولم تلبث الأيام أن صغرت قدري
فلو عدتما لاخترتما العود في الثرى
إذا أنتما أبصرتماني في الأسر
يعيد على سمعي الحديد نشيجه
ثقيلًا، فتبكي العين بالحس والنَّقْر
معي الأخوات الهالكات عليكما
وأمكما الثكلى المضرمة الصدر
فتبكي بدمع ليس للقطر مثله
وتزجرها التقوى فتُصغي إلى الزجر
أبا خالد أورثتني البث خالدًا
أبا النصر مذ ودعت ودَّعني نصري
??
وقبلكما ما أودع القلب حسرة
تجدَّد طول الدهر، ثُكل أبي عمرو
??

ولما انهزم ابن عباد، وخرج بجواريه وأمواله، أخذ الناس يبكون بدموع غزار عندما علموا بخروجه، وقال في ذلك الشاعر المشهور ابن اللَّبَّابة
قصيدة مطلعها:

تبكي السماء بدمع رائح غادي
على البهاليل من أبناء عبَّاد

ومنها:

يا ضيف أفقَر بيت المكرُمات فخذ
في ضم رحلك واجمع فضلة الزاد

وقال ابن حَمْدِيس:

ولما رحلتم بالندى في أكفِّكم
وقلقل رضوى منكم وثبير
رفعتُ لساني ? «القيامة قد دنت»
فهذي الجبال الراسيات تسير

وأُخرج من ملكه، ووضع في بلدة تسمى «أغماتْ» قرب مراكش، وقال في ذلك أبو بكر الداني وهو ابن اللبانة أيضًا:

لكل شيء من الأشياء ميقات
وللمنى من مناياهن غايات
والدهر في صبغة الحرباء منغمس
ألوان حالاته فيها استحالات
ونحن من لعب الشطرنج في يده
وربما قمرت بالبيدق الشاة
انفض يديك من الدنيا وساكنها
فالأرض قد أقفرت والناس قد ماتوا
وملء لعالمها الأرضي قد كتمت
سريرة العالم العلوي أغمات

فكان في أسره فقيرًا معذبًا، وما زال حاله يسوء حتى أصبح في عيشة ضنك … مر العيد عليه مرة، فذكر ما هو فيه من بؤس، وما كان فيه
من عز، فقال:

فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا
فساءك العيد في أغمات مأسورا
ترى بناتك في الأطمار جائعة
يغزلن للناس لا يملكن قطميرا
برزن نحوك للتسليم خاشعة
أبصارهن حسيرات مكاسيرا
يطأن في الطين والأقدام حافية
كأنها لم تطأ مسكًا وكافورا
قد كان دهرك إن تأمره ممتثلًا
فردك الدهر منهيًّا ومأمورا
من بات بعدك في ملك يسر به
فإنما بات بالأحلام مغروا

وثقلت عليه القيود مرة، وعضَّت ساقيه، فقال:

قيدي: أما تعلمني مسلمًا
أبيت أن تُشفق أو ترحما
دمي شراب لك واللحم قد
أكلته! لا تهشم الأعظما
يبصرني فيك أبو هاشم
فينثني والقلب قد هشما
ارحم طفيلًا طائشًا لبه
لم يخش أن يأتيك مسترحما
وارحم أخيَّات له مثله
جرعتهن السم والعلقما
منهن من يفهم شيئًا فقد
خفنا عليه للبكاء العمى
والغير لا يفهم شيئًا فما
يفتح إلا لرضاع فما

والغريب أن الشعراء لم يخجلوا أن يسألوه وهو على تلك الحال فقال:

سألوا اليسير من الأسير وإنه
بسؤالهم لأحق منهم فاعجب
لولا الحياء وعزة لخْمِيَّة
طَيَّ الحشا لحكاهم في المطلب

وهكذا كان كل شيء يذكره بماضيه، فيُشعر فيه، وشعره كله صادق، إن كان في لهوه وعزه فشعره عزة ولهو، وإن مات بعض أولاده فشعره رثاء
وحنين، وإن وقف فارسًا في موقف البطولة فشعره بطولة، وإن أُسر وسجن فشعره بكاء وحزن وذكر لماضٍ، وكلها
أدب صادق حي، يستطيع القارئ أن يلحظ هذه الفترات كلها في شعره، فهو ظل له. فإن رأيت غزلًا هادئًا، وحبًّا صادقًا، فذلك في الفترة
الأولى، مثل قوله:

فتكت مقلتاه بالقلب مني
وبكت مقلتاي شوقًا إليه
فحكى لحظه لنا سيف عبَّا
د ولحظي له سحاب يديه

وقوله:

كتبت وعندي من فراقك ما عندي
وفي كبدي ما فيه من لوعة الوجد
وما خطت الأقلام إلا وأدمعي
تخُط سطور الشوق في صفحة الخد
ولولا طلاب المجد زرتك طيه
عميدًا كما زار النَّدى ورق الورد

ومثل قوله:

ولقد شربت الراح يسطع نورها
والليل قد مد الظلام رداء
حتى تبدَّى البدر في جوزائه
ملكًا تناهى بهجة وبهاء
وتناهضت زهر النجوم يحفه
لألاؤها فاستكمل اللألاء
لما أراد تنزُّها في غربه
جعل المظلة فوقه الجوزاء
وترى الكواكب كالمواكب حوله
رفعت ثرياها عليه لواء
وحكيته في الأرض بين مواكب
وكواعب جمعت سنا وسناء
إن نشرت تلك الدروع حنادسًا
ملأت لنا هذي الكئوس ضياء
وإذا تغنت هذه في مزهر
لم تأل تلك على التَّريك غناء

وقوله:

يا صفوتي من البشر
يا كوكبًا، بل يا قمر
يا غصنة إذا مشت
يا رشأ إذا نظر
يا نفس الروضة قد
هبَّت لها ريح سحر
يا رَّبة اللحظ الذي
شد وثاقًا إذ فتر
متى أداوي بندا
ي السمع مني والبصر
ما بفؤادي من جوًى
بما بفيك من خصَر

وإذا رأيت شعره فخرًا وشممًا مملوءًا حماسة أو رثاءً فذلك في الفترة الثانية، وإذا رأيت بكاءً على الماضي، ومقارنة بين ماضٍ زاهر،
وحاضر بائس فاعلم أن هذا ظل للفترة الثالثة كقوله:

قُبِّح الدهر فماذا صنعا
كلما أعطى نفيسًا نزعا
قد هوى ظلمًا بمن عادته
أن ينادي كل من يهوى «لَعَا»
راح لا يملك إلا دعوة
جبر الله العفاة الضيَّعا

وقوله:

بكيت إلى سرب القطا إذا مَرَرْن بي
سوارح لا سجن يعوق ولا كبل
ولم يك والله المعيد حسادة
ولكن حنينًا أن شكلي لها شكل

•••

لنفسي إلى لُقْيا الحمام تشوُّق
سوائي بحب العيش في ساقه حجل
ألا عصم الله القطا في فراخها
فإن فراخي خانها الماء والظل

وقوله:

كنت حلف النَّدا ورب السماح
وحبيب النفوس والأرواح
إذ بيميني للبذل يوم العطايا
ولقبْض الأرواح يوْم الكفاح

•••

وأنا اليوم رهن أسر وفقر
مستباح الحِمَى مهيض الجناح
لا أجيب الصريخ إن حضر النا
س ولا المعتفين يوم السماح
عاد بشري الذي عهدت عبوسًا
شغلتني الأشجان عن أراحي
فالتماحي إلى العيون كريه
ولقد كان نزهة اللَّماح

… إلخ.

وشعره من روح شعر ابن زيدون، وقد كانا متعاصرين، وكان ابن زيدون يمدح ابن عبَّاد، فلئن كان ابن عباد أرفع شأنًا وأعلى نفْسًا فابن
زيدون أغزر معنًى، وأطول نفَسًا.

وتبعة ابن تاشفين قوية على كل حال، فمهما كانت الأسباب التي حملت على إزالة ملوك الطوائف، سواء كانت أسبابًا وضيعة كحبه لمال الأندلس
وخيراتها، أو كانت أسبابًا شريفة كتوحيد المملكة ضد أعدائه، فقد كان يستطيع أن يحبس ابن عباد في قصر
فخم يليق به، من غير قيود وأغلال، ويجري عليه من الرزق ما يكفيه عن سعة. وبذلك يضمن تحصيل رغبته، ويخفف من وقع الألم عن ابن عباد،
ولكنه بدوي جلف، لا يفهم كثيرًا معنى الإنسانية.

وقد كان حول ابن عبَّاد شعراء كثيرون يمدحون ويلهون معه، وهو فيهم كالبدر حوله الهالة، من أشهرهم ابن عمَّار، وابن زيدون وابن اللبَّانة،
والحصري، وابن حمديس الصقلي، وعلي بن حصن وغيرهم. فابن عمار شاعر كبير، ويظهر أنه نشأ نشأة فقيرة في
شِلْب وقرطبة، أخذ يتجول في بلاد الأندلس، يمدحهم وينال منهم، حتى حط رحاله عند المعتمد بن عباد، فوجد منه ابن عباد أنيسًا لطيفًا،
وسميرًا وأديبًا، يشعر فيما يشعر فيه ابن عباد، غاية الأمر أن ابن عمار خضع لنشأته الفقيرة، فكان لا
يأمن الدهر، ولا يطمئن إليه، ولكنه مع ذلك كان يشارك ابن عباد في التِهام المسرات، فأخذ يمدحه ويقول فيه مثلًا:

أدر الزجاجة فالنسيم قد انبرى
والنجم قد صرف العنان عن السُّرَى
والصبح قد أهدى لنا كافوره
لما استرد الليل منَّا العنبرا
والروض كالحسنا كساه زهره
وشيًا وقلده نداه الجوهرا
أو كالغلام زها بورد رياضه
خجلًا وتاه بآسِهِنَّ معذَّرا
روض كأن النهر فيه معصم
صاف أطَل على رداء أخضرا
وتهزُّه ريح الصبا فتخاله
سيف ابن عباد يبدِّد عسكرا
ملك إذا ازدحم الملوك بمورد
ونحاه لا يردون حتى يصدرا

كان المعتمد بن عباد واليًا أول الأمر على إشبيلية من قِبَل أبيه المعتضد، فصاحبه ابن عمار، وحضه على الإسراف في الترف والنعيم،
واللهو والمجون، فلما علم المعتضد بذلك أراد أن يصرفه عن ابنه، حتى يلتفت إلى أمور الولاية، فنفاه
عن إشبيلية، فلما مات المعتضد وصار الأمر للمعتمد استقدمه إلى غرناطة وجعله شاعره كما كان، وجعله وزيرًا له، ولكن يظهر أنه كان
طموحًا وكان شجاعًا غازيًا، ويظهر أنه قد حدثته نفسه أن يحل محل سيده ابن عباد، فاتهموه بأنه يدبر
الدسائس لذلك، وكان له أعداء في البلاط يدسون له ويدس لهم كابن زيدون. وأخيرًا وبعد جملة حوادث غضب عليه الأمير ابن عباد
وقتله. وله شعر كثير مبثوث في كتب الأدب يدل على عظيم شاعريته وانتحائه منحى أميره. ولم يكن ابن عباد فيما
يظهر متجنيًا، فقد عثر على قصيدة لابن عمار عنيفة جدًّا ذم فيها المعتمد وآله وزوجه، ويظهر أن بلاط الأمراء
كعادته مملوء بالدسائس والأكاذيب والفتن، وهذا الذي وقع لابن عمار وقع قريبًا منه لابن زيدون كما ذكرنا ذلك من قبل.

وأما ابن اللبانة فكان شاعرًا كبيرًا، وكان أستاذًا لابن زيدون. وأكبر ما يؤثر عنه في هذه الكارثة أنه وصف وصفًا مؤثرًا رحيل ابن
عباد لما وقع أسيرًا في يد المرابطين ونفيت أسرته، قال:

حموا حريمهم حتى إذا غلبوا
سيقوا على نسق في حبل مرتاد
وأنزلوا عن متون الشهب واحتملوا
فُويْق دُهْم لتلك الخيل أنداد
وعيث في كل طوق من دروعهم
فصيغ منهن أغلال لأجياد
والناس قد ملئوا العبرين واعتبروا
من لؤلؤ طافيات فوق أزياد
حط القناع فلم تستر مخدَّرة
ومزقت أوجه تمزيق أبراد
حان الوداع فضجت كل صارخة
وصارخ من مُفَدَّاة ومن فادي
سارت سفائنهم والنوم يصحبها
كأنها إبل يحدو بها الحادي
كم سال في الماء من دمع وكم حملت
تلك القطائع من قطعات أكباد
من لي بكم يا بني ماء السماء إذا
ماء السماء أبى سقيًا حشا الصادي

وأما الحصري فهو صاحب «زهر الآداب» المشهور، وقد أُخذ عليه أنه استجدى ابن عباد من منفاه، وكان فقيرًا، فأخذت ابن عباد أريحيته
وبعث إليه بكل ما معه، وبعث مع ذلك بقطعة يعتذر فيها عن قلة ما منحه. واستبشع مؤرخو الأدب فعلة الحصري
وقالوا: «إنه جرى مع المعتمد على سوء عادته، من قُبح الكُدية، وإفراط الإلحاف».

وأما ابن حمديس فصقلي الأصل، ولد حوالي سنة ???? في سرقوسة بصقلية، واشتهر بالشعر من صغره، ولما سقطت صقلية في يد النورمانديين
سنة ???? فرَّ ابن حمديس إلى الأندلس، وكان شاعرًا في بلاط المعتمد أيام كان أميرًا على إشبيلية، فلما
أصيب ابن عباد بالمحنة وفَى له ابن حمديس، وعاش معه. وله ديوان شعر كبير، نشره «أَمَارِي» وهو يمثل حياته حينما عاش في صقلية،
وحينما كان في بلاط ابن عباد في إشبيلية، وحين كان مع ابن عباد في سجنه.

أما علي بن حصن فهو شاعر يمثل خاصة شعراء الأندلس في التكلُّف في الاستعارة والاصطناع في التشبيه، كقوله يصف فرخ حمام:

وما هاجني إلا ابن ورقاء هاتف
على فنن بين الجزيرة والنهر
مُفَستَق طوقٍ لازَوَرْدي كلكلٍ
موشَّى الطَّلا أحوى القوادم والظهر
أدار على الياقوت أجفان لؤلؤ
وصاغ من العقيان طوقًا على الثغر
جديد شبا المنقار داجٍ كأنه
شبا قلم من فضة مُد في حبر
توسد من فرع الأراك أريكة
ونام على طي الجناح مع النحر
ولما رأى دمعي مراقًا أرابه
بكائي فاستولى على الغصن النضر
وحث جناحيه وصفق طائرًا
وطار بقلبي حيث طار ولا أدري

وهو نوع من الشعر لا أحبه؛ لأنه لا يدل على عاطفة صادقة، وإنما يدل على لعب بهلوانية.

وعلى الجملة فقد كان ابن عباد أيام نعيمه وأيام بؤسه نعمة على الأدب بما قاله في وصف مشاعره، وبما قاله الأدباء فيه.

(?-?) ابن سهل

هو إبراهيم بن سهل الإسرائيلي، كان إسرائيليًّا فأسلم وتعلم العلم عن رجال الأندلس، وكانت حلقات العلم شائعة بين المسلمين والنصارى
واليهود، لا يحجب عنها من أراد، فمن أساتيذه مثلًا أبو علي الشلوبيني، واشتهر ابن سهل بهوى يهودي اسمه
موسى، كاد يخصص فيه كل شعره، فأعاد لنا ذكرى أبي نواس في شعره في المذكر، غير أن ابن سهل كان أسهل لفظًا، وأحسن معنًى، أما أبو
نواس فكان أجزل لفظًا، وأمرح في غزله نفسًا، وكان أبو نواس متعدد النواحي، يقول في المديح وفي الرثاء
وفي غزل المذكر والمؤنث، وفي الزهد. أما هذا فشعره كله تقريبًا في غزله في محبوبه موسى، وهو في الرقة كابن زيدون. وقد قالوا:
إنه أحب بعد ذلك فتى اسمه محمد، وقال في التورية في ذلك:

تركت هوى موسى لحب محمد
ولولا هدى الرحمن ما كنت أهتدي
وما عن قِلى منِّي تركت وإنما
شريعة موسى عُطِّلت بمحمد

ومن شعره:

ردوا على طرفي النوم الذي سلبا
وخبروني بقلبي أيةً ذهبا
علمت لما رضيت الحب منزلة
أن المنام على عينيَّ قد غضبا
إني له عن دمي المسفوك معتذر
أقول حملته في سفكه تعبا
نفسي تلذ الأسى فيد وتألفه
هل تعلمون لنفسي في الجوى نسبا
قالوا: عهدناك من أهل الرشاد فما
أغواك؟ قلت: اطلبوا في لحظه السببا
من صاغه الله من ماء الحياة وقد
أجرى بقيته في ثغره شنبا
كم ليلة بتُّها والنجم يشهد لي
رهين شوق إذا غالبته غلبا
مردِّدا في الدجى لهفًا ولو نطقت
نجومها رددت من حالتي عجبا
ماذا ترى في محب ما ذكرت له
إلا بكى أو شكا أو حَنَّ أو طربا؟

وقوله:

كأن الحال في وجنات موسى
سواد العتب في نور الوداد
أخط لصدغه في الحسن واوًا
قنقطة خاله بعض المداد
لواحظه محيرة ولكن
بها اهتدت الشجون إلى فؤادي

وقوله:

بكيت على النهر أخفي الدموع
فعرَّضها لونها للظهور
وقفت سُحيرًا وغالبت شوقي
ونادى الأسى حسنه: مَن مجير؟
أنار وقد نفحت زفرتي
فصار الغدو كوقت الهجير
أموسى: تَهنَّ نعيم الكرى
فليلي بعدك ليل ضرير

وقوله:

سل في الظلام أخاك البدر عن سهري
تدري النجوم كما تدري الورى خبري
أبيت أسجع بالشكوى وأشرب من
بين الرياض وبين الكاس والوتر
بعض المحاسن يهوى بعضها، عجبًا
تأملوا كيف هام الغنج بالخفر
إن تقصني فنفار جاء من رشأ
أو تضنني فمحاق جاء من قمر

وقال:

وإني لثوب الحزن أجدر لابس
وموسى لثوب الحسن أحسن مرتدي
تأمل لظى شوقي وموسى يشبُّها
«تجد خير نار عندها خير موقد»
إذا ما رنا شزرًا فقل: لحظ أحور
وإن يلو إعراضًا فصفحة أغيد
وعذَّب بالي أنعم الله باله
وسهَّدني، لا ذاق طعم التسهد
شكوت فجاءوا بالطبيب وإنما
طبيب سقامي في لواحظ مسعد

إلى أن يقول:

وكان الهوى ما بين عينيك كامنًا
كمون المنايا في الحسام المهند
أظل ويومي فيك هجر ووحشة
ويومي بحمد الله أحسن من غدي
وصالك أشهى من معاودة الصبا
وأطيب من عيش الزمان الممهد
عليك فطمت العين من لذة الكرى
وأخرجت قلبي طيب النفس من يدي

ويقول:

يقولون: لو قبَّلته لاشتفى الجوى
أيطمع في التقبيل من يعشق البدرا
ولو غفل الواشي لقبلت نعله
أنزهه أن أذكر الجِيد والثغرا
وما أنا من يستحمل
??
الريح سره
أغار حفاظًا أن أذيع له سرَّا
إذا فئة العذال جاءت بسحرها
ففي وجه موسى آية تبطل السحر

وقال فيه موشحات أيضًا ربما تذكر بعضها بعد، وقد مات غريقًا سنة ???? قبل سقوط الأندلس بقليل، وشعره يدل على أن الأندلس انهارت
سياسيًّا بتفرق أهلها وأمرائها، ولكن لم تسقط أدبيًّا.

(?-?) ابن قُزْمان

هو شاعر من نوع آخر. لئن كان الذين سبقوا شعروا لخلفاء وأمراء ووزراء وعلماء، أو شعروا لأنفسهم من غزل ونسيب ونحو ذلك فابن قزمان
شعر للشعب، وقد رأى أن يطرب الناس بالزجل والموشحات، فقال في ذلك شعرًا، وجال به في الآفاق، فنراه
في إشبيلية وقرطبة وبلنسية وغير ذلك من البلاد، ويظهر أنه كان من صميم الشعب، وإن كان بعض المترجمين لقبه بالوزير، فيظهر أن أكثر
من واحد لُقب بابن قزمان. وإذ كان ديوانه باللهجة الشعبية، ولهجة الأندلس تخالف بقية اللهجات، كان
فهم ديوانه عسيرًا. يضاف إلى ذلك أن الأزجال والموشحات وأدب الشعب على العموم ليس كالأدب الكلاسيكي، وديوانه طرفة من
الطرف الشعبية، لولا أن لغته الدارجة صعبة الفهم علينا؛ لأن فيها تعبيرات أندلسية تخالف ما لنا، وهذا عيب اللغة
الدارجة، فلئن كانت اللغة الفصحى قدرًا شائعًا بين المتكلمين باللغة العربية في جميع الأقطار، فاللغة
الدارجة لهجة محلية قلَّ أن يفهمها إلا أهلها. وهذا الديوان يخرج عن حد الوقار كديوان ابن حجاج وابن سكرة، يشيع فيه الفحش والعبث
ولا يخضع لأي نوع من أنواع المنطق، ولما استحسنها الشعب لانسجامها مع ذوقه شاعت بينهم، وترفعت عنه
الفئة المهذبة المثقفة.

والأدب الشعبي يُسمع أحسن مما يقرأ؛ لذلك صعبت قطع كثيرة في ديوانه عن أن تفهم. وقد عُني بعض المستشرقين بشعره كثيرًا؛ لأن شعره
أكثر دلالة على حالات الشعب من الشعر الكلاسيكي. والغالب أنه كتب باللغة القرطبية وهو مجال دراسة طويلة
لمن يريد أن يدرس الزجل والموشحات، وتدل أشعاره على فقره وتعبه في الحياة، ومجاهدته في تحصيل العيش، ولا يزال ديوانه المنشور موضع
دراسات كثيرة من نواحٍ مختلفة مع التصحيح والتعليق، وعلى يده تقدم الزجل والموشحات، ويظهر من ديوانه
أنه مثقف ثقافة أدبية، فهو يذكر أسماء كثيرة من الشعراء وهو يذكرنا بزجَّالي مصر الأدباء، أمثال النجار، والقوصي.

ومن قوله:

يملك الفارس رمحًا بيد
وأنا أمسك فيها قصبه
فكلانا بطل في حربه
إن الأقلام رماح الكتبه

وطلب منه صديق أن يدعوه إلى مجلس مؤانسة فقال:

أتى من المجد أمر لا مرد له
نمشي على الرأس فيه لا على قدم
رقز
??
ورقص وما أحببت من ملح
عندي وأكثر ما تدريه من شيمي
حتى يكون كلام الحاضرين بها
عند الصباح وما بالعهد من قدم
«يا ليلة السفح هلَّا عدت ثانية
سقى زمانك هطَّال من الدِّيم»
??

ويقول:

لا تطمئن إلى أحد
واحذر وشمر واستعد
فالكل كلب مؤسد
إلا إذا وجدوا أسد

وهو عادة يخلط المديح بالغزل، بالطلب، بالفكاهة، وهكذا. وسنأتي أمثلة من زجله وموشحاته عند الكلام على الزجل والموشحات.

هذا الذي ذكرنا يمثل إلا شعر الشعراء الذي تخصصوا للشعر، مع أن جزءًا كبيرًا من الشعر صدر عن جماعة غير متخصصين له، لا بد أن نضيف
نموذجًا منه، فمثلًا يقول أحدهم في ساقية:

لله دولاب يفيض بسلسل
في جنة قد أينعت أفنانا
أضحت تطارحه الحمائم شجوها
فيجيبها ويرجع الألحانا
وكأنه دنف أطاف بمعهد
يبكي ويسأل فيه عمن بانا
ضاقت مجاري جفنه عن دمعه
فتفتقت أضلاعه أجفانا

ويقول آخر في زجاجة سوداء:

سأشكو إلى الندمان أمر زجاجة
تردت بثوب حالك اللون أسحم
صببت بها شمس المدامة بيننا
فتغرب في جنح من الليل مظلم
وتجحد أنوا الحمَيَّا بلونها
كقلب حسود جاحد يد منعم

ويقول آخر في الخال:

ألُوَّامي على كلفي بيَحيَى
متى من حبه أرجو سراحا
وبين الخد والشفتين خال
كزنجي أتى روضًا صباحا
تحير في جناه فليس يدري
أيجني الورد أم يجني الأقاحا

ويقول آخر في مشهد حب:

يا حسنه والحسن بعض صفاته
والسحر مقصور على حركاته
بدر لو انَّ البدر قيل له: اقترح
أملًا، لقال: أكون من هالاته
وإذا هلال الأفق قابل شخصه
أبصرته كالشكل في مرآته
والخال ينقط في صحيفة خذه
ما خط فيها الصدغ من نوناته
صاحبته والليل يدني تحته
نارين من نفسي ومن وجناته
وضممته ضم البخيل لماله
أحنو عليه من جميع جهاته
أو ثقته في ساعدي؛ لأنه
ظبيٌ أخاف عليه من فلتاته
وأبى عفافي أن أقَبِّل ثغره
والقلب مطوي على جمراته
فاعجب لملتهب الجوانح غلة
يشكو الظما والماء في لهواته

وقال آخر في وصف الحبيب:

وُضعتْ في الزجاج فالتهبت
وكسته ثوبًا من اللهب
وعلا فوقها الحباب فلم
تبصر العين مثل ذا العجب
ضرم النار فوقه برد
كائن عنه منه في النسم

وقال آخر في وصف زورق:

وسابح بان لا تُثنى قوائمه
كالصقر ينحط مذعورًا لثعبان
كأنه مقلة للجو شاخصة
ومن مجاذيفه أهداب أجفان

… إلخ.

فكان غير الشعراء الرسميين يتظرَّفون بذكر ما يعرض من مناظر، وفي مجالس الأنس وفي الغزل، لا في المديح وأمثاله، مما تركوه للشعراء
الرسميين. وهذا الذي فعله غير الرسميين أقرب إلى معنى الشعر. وعلى العموم فهو يكمل الصورة التي للشعر
الأندلسي.

(?) الموشحات والأزجال

بقي الشعر في الأندلس مقلِّدًا للشعر الكلاسيكي في الشرق، ثم سبق الأندلسُ إلى نوع طريف من الشعر الشعبي، هو الموشحات والأزجال، لا
يقصدون منهما إلى المثقفين وحدهم، بل يقصدون بهما الشعب كله، عالمه وعاميه، ولا يزال البحث مستمرًّا في علة
ذلك، وسبب ظهوره، وهل كان اختراعه عربيًّا بحتًا، أو متأثرًا بآداب أخرى مجاورة. على كل حال تمتاز الموشحات بطابع مخصوص من الأوزان
والتقاطيع، غير الأنواع المألوفة في الشعر القديم.

وقد عقد ابن خلود فصلًا دقيقًا في مقدمته في الشعر، تعرَّض فيه للموشحات والأزجال، ملخص ما قاله: إنهم في الموشحات «ينظمونها أسماطًا
أسماطًا، وأغصانًا أغصانًا، ينْسُبون فيها ويمدحون، كما يُفعل في القصائد، وقد استظرفها الناس وجملة الخاصة
والكافة، لسهولة تناولها، وقرب طريقها، وكان المخترع لها في جزيرة الأندلس مقدِّم بن معافى القبْري، من شعراء الأمير عبد الله بن محمد،
وأخذ عنه ذلك ابن عبد ربه صاحب العقد، ثم برع في هذا الشأن بعدهما عبادة القزاز، شاعر المعتصم بن صُماح، ثم
جاءت الحلبَة التي كانت في أيام الملثمين «المرابطين» فظهرت لهم البدائع».

ولنذكر بعض الأمثلة من هذه الموشحات:

موشحة منسوبة لابن زهر:

أيها الساقي إليك المشتكى
قد دعوناك وإن لم تسمع
ونديمٍ همتُ في غرته
ويشرب الراح من راحته
كلما استيقظ من سكرته
جذب الزق إليه واتكا
وسقاني أربعًا في أربع
ما لعيني عشِيَتْ بالنظر
أنكرَت بعدك ضوء القمر
فإذا ما شئت فاسمع خبري
عشيَت عيناي من طول البكا
وبكى بعضي على بعضي معي
غصن بانٍ مال من حيث التَوَى
بات من يهواه من فرط الجوى
خفق الأحشاء موهون القوى
كلما فكر في البين بكى
ويحه يبكي لما لم يقع
ليس لي صبر ولا لي جلد
يا لقومي عَذَلوا واجتهدوا
أنكروا دعواي مما أجد
مثل حالي حقه أن يشتكي
كمد اليأس وذل الطمع
كبدٌ حرَّى ودمعٌ يكف
يذرف الدمع ولا ينذرف
أيها المعرض عما أصف
قد نما حبي بقلبي وزكا
لا تخل في الحب أني مدَّعي

ولابن سهل الإسرائيلي الأندلسي:

هل دَرى ظبي الحِمَا أن قد حِميَ
قلب صب حله من مكنس
فهو في حر وخفق مثلما
لعبت ريح الصبا بالقبس
يا بدورًا أشرقت يوم النوَى
غررًا تسلك بي نهج الغرر
ما لنفسي في الهوى ذنب سوى
منكم الحسنى ومن عيني النظر
أجتني اللذات مكلوم الجوى
والتداني من حبيبي بالفكر
كلمات أشكوه وجدي بَسَمَا
كالرُّبا بالعارض المنبجس
إذ يقيم القطر فيها مأتمًا
وهي من بهجتها في عرس

… إلخ.

وقال لسان الدين بن الخطيب:

جادك الغيث إذا الغيث همَى
يا زمان الوصل بالأندلس
لم يكن وصلك إلا حُلُمًا
في الكرى أو خِلْسة المختلس

•••

إذ يقود الدهر أشتات المُنى
ينقل الخطو على ما يرسم
زمرًا بين فرادى وثنى
مثلما يدعو الوفود الموسم
والحيا قد جلَّل الروض سَني
فثغور الروض عنه تبسِم
ورَوَى النعمان عن ماء السما
كيف يروي مالك عن أنس
فكساه الحسن ثوبًا مُعْلَما
يزدَهي عنه بأبهى ملبس

ولأبي بكر الأبيض الوشَّاح:

ما لذَّ لي شرب راح
مما أباد القلوبا
على رياض الأقاح
يمشي لنا مُستريبا
لولا هضيم الوشاح
يا لحظه رد نوبا
إذا أسا في الصباح
ويا لماه الشَّنيبا
أو في الأصيل
برِّد غليل
أضحى يقول:
صب عليل
ما للشمول
لا يستحيل
لطمت خدي
فيه عن عهدي
وللشمال
ولا يزال
هبَّت فمال
في كل حال
هبت اعتدال
يرجو الوصال
ضمه بردي
وهو في الصَّد

وقد انتقل فن الموشحات والأزجال من الأندلس إلى سائر البلاد الشرقية، وكل نظمه بلغته لاختلاف اللغات الدارجة في الأمصار، فإن أزجال
ابن قزمان وموشحات الأندلس كانت تروى في جميع البلاد. قال ابن سعيد: ورأيت أزجال ابن قزمان مروية ببغداد أكثر
مما رأيتها بحواضر المغرب، فاشتهر في تونس مثلًا مَدْغلِّيس، فقال في زجله:

ورَذاذ دِقْ ينزل
وشعاع الشمس يضرب
فترى الواحد يفضَّض
وترى الآخر يذَهَّب
والنبات يشرب ويسكر
والغصون ترقُص وتطرب
وتريد تيجي إلينا
ثم تستِحيي وتهرب

ووضع ابن سنا الملك المصري موشحة أولها:

حبيبي ارفع حجاب النور
عن العذار
ننظر المسك على الكافور
في جُلَّنار
كلِّلي يا سحب تيجان الربا بالحلي
واجعلي سوارها منعطف الجدول

وقال أحد أهل فاس:

المال زينة الدنيا وعز النفوس
يبهي وجوهًا ليس هي باهيهْ
فها كل من هو كثير الفلوس
ولَّوه الكلام والرتبة العاليهْ
يكبَّروا من كُتُر ماله ولو كان صغيرْ
ويصغروا عزيز القوم إذا يفتقر
من ذا ينطبق صدري ومن ذا يغير
وكاد ينفقع لولا الرجوع للقدر
حتى يلتجي من هو في قومه كبير
لمن لا أصل عندُو ولا لو خطر

وعلى أساس الزجل هذا اخترع عامة بغداد فنًّا من الشعر سمَّوه المواليا، وتبعهم في ذلك أهل مصر والقاهرة. قال:

ناديتها ومشيبي قد طواني طي
جودي عليَّ بقُبْلة في الهوى يا مي
قالت وقد كَوت داخل فؤادي كي:
ما ظن ذا القُطْن يغشى فم من هو حي

ومنها:

عيني التي كنت أرعاكم بها باتت
ترعى النجوم، وبالتسهيد اقتاتت
وأسهم البين صابتني ولا فاتت
وسلوتي عظم الله أجركم ماتت

… إلخ.

وهنا ملاحظات نذكرها على فن التوشيح والزجل:
list of 4 items
(?) أن طبيعة التوشيح والزجل تجعلهما يُسمعان أحسن مما يقرآن، وبعبارة أخرى يقوِّمان بالأذن أكثر مما يقوِّمان بالعين؛
وذلك لأنها في كثير من الأحيان يعوَّض فيها نقص الوزن بمد الحرف أو قصره أو غنته أو
نحو ذلك. فهذه كلها تعوض في زيادة حرف أو نقصان حرف، فكانت تسمع خيرًا مما تقرأ.

(?) تخضع الموشحات والأزجال لخصائص كل بلدة؛ لأن اللغة العربية الفصحى عامة في جميع الشعوب العربية. أما اللغة الدارجة
فخاصة بكل قطر؛ ولذلك نرى أن الشعر الكلاسيكي قلَّ أن يفرق بينه باختلاف الأقطار،
أما الموشحات والأزجال فخاضعة لألفاظ كل قطر وأساليبه؛ ولهذا كان من الصعب أن يفهم قطر زجل القطر الآخر أو موشحاته؛ ولهذا
أيضًا صعب علينا مثلًا أن نفهم ديوان ابن قزمان؛ لأن اللغة الأندلسية الدارجة تختلف
عن اللغة المصرية الدارجة.

(?) أخطأ المؤلفون الأرستقراطيون في احتقار الموشحات والأزجال؛ لأنها شعبية، واعتذر المقري عن إيراد بعض ذلك في كتبه، فقال
في كتابه «أزهار الرياض»: «كأن بمنتقد ليس له خير، يسدد سهام الاعتراض ويتولى كبره،
ويقول: ما لنا وإدخال الهزل في معرض الجد الصُّراح، وما الذي أحوجنا إلى ذكر هذا المنحى، والأليق كرحه كل الاطِّراح؟»
وأجاب عن ذلك بأنه من باب ترويح القلب، والعون على الجد، واستشهد بقول القائل:

قل للأحبة والحديث شجون:
ما ضر أن شاب الوقار مجون
مع أنَّا نلاحظ أن الموشحات والأزجال فيها من البلاغة والاستعارات والمجازات ما لا يقل عمَّا في اللغة الفصحى، وليست
كلها هزلًا ومجونًا، بل قد يكون فيها جد ووعظ ودعوة إلى أخلاق عالية، عدا ما فيها من
بلاغة. فنحن لا ننقد المقري ولا ابن خلدون وأمثالهما بروايتهم هذا الضرب من الأدب، بل ننقد غيرهم لعدم
روايته، والسكوت عنه، فإذا كان للأرستقراطيين متعة في الأدب الأرستقراطي، فللشعب حق في أن يستمتع بأزجاله
وموشحاته. ومؤرخ الأدب لا يصح أن يغفل هذا الضرب منه؛ لأن فيه خيرًا كثيرًا. وقد اقتصر
جامعو المختارات على الفنون الجميلة كأنها وحدها هي الأدب.

على أن الأدب بمعناه الواسع أشمل من ذلك، فمقدمة ابن خلدون أدب، وسراج الملوك للطرطوشي أدب، والموشحات والأزجال أدب، وشعر
التصوف أدب، فاقتصارهم في الاختيار على الغزل والمديح ونحوهما باللغة الفصحى جعل كثيرًا
من الناس يرمون الأدب العربي بالقصور، ولو وسعوا اختيارهم لأبانوا غنى الأدب العربي وتعدد مناحيه.

والواقع أن الأدب الشعبي يحتاج إلى تأريخ كأدب اللغة الفصحى، كيف نشأ وكيف تطور، وله مناحٍ كثيرة تحتاج إلى التأريخ كالفكاهة
والأمثال العامية، وكيف نبعت وانتشرت، والأزجال والموشحات وخصائص كل قطر فيها. ومع
الأسف لم يؤرخ ذلك تأريخًا شاملًا من مبدئه إلى منتهاه.
??
(?) الفرق بين الموشحة والزجل: أن الموشحة باللغة الفصحى إلا قليلًا، وأما الزجل فهو باللغة الدارجة. وكان للأندلسيين لغة
خاصة هي خليط من اللغة العربية والبربرية والإسبانية، وإن شئت فقل: واللاتينية، والأزجال
في أغلب الأحيان متبذلة وخصوصًا أزجال ابن قزمان، ليس فيها أي تحفُّظ أو احتشام، فيها ما يجري بين الماجنين في الملاهي،
وفيها فحش مخجل، والغالب أنها كانت لشهرتها وملاءمتها لروح الشعب تقال جماعيًّا، على
العود والطنبور والدف، في الشوارع وفي الأندية الشعبية، وفي دور الملاهي؛ ولأن أزجاله وأزجال غيره على هذه الحال،
صعب فهمها، حتى لنرى أحيانًا في ابن قزمان بعض عبارات عربية وبعض عبارات إسبانية، فالإسبانية
مثل قوله في بعض زجله:

مَخْشَلْ دِشُولْ، وهي مأخوذة من الإسبانية mijell des sol، بمعنى: خد كأنه الشمس.
??
list end

على كل حال ابتكر الأندلسيون فن الموشحات والأزجال في أوربا، وهذا يضاف إلى تأثير الأندلسيين في الغرب، وقد دعاهم إلى ذلك ما أحسوا
من ثقل القيود في الشعر الفصيح، من أوزان ووحدة قافية وقيود إعراب، فجاءت نوبة هاجوا فيها على هذه الأوضاع
كما هاج أبو نواس على بكاء الأطلال، وكما هاج الموحدون على التقليد في الفقه والنحو وغير ذلك.

غاية الأمر أن دعوة كل هؤلاء ضاعت، فعاد أبو نواس يبكي الأطلال كما بكوا، ويشعر الشعر الجاهلي كما شعروا، وعاد النحو إلى تقدير العوامل،
وعاد الموحدون إلى اضطهاد الفلاسفة بعد أن قربوهم إليهم. أما الموشحات والأزجال فقد نجحت؛ لأن الناس استجابوا
إليها في حماسة، إذ رأوها تعفيهم من القيود، وتحررهم من التزام قافية واحدة، وتسمح لهم باستعمال الكلمات العامية، والتعبيرات العامية
الظريفة، وتحررهم من قيود الإعراب؛ ولذلك كانت البدع الشائع. كما امتازت الموشحات والأزجال بأنها تتبع النغمات
الموسيقية، لا التفاعيل العروضية؛ ولذلك تجدهم يزيدون كلمات لحفظ الوزن، مثل: يا لَلَلِّي، ونحو ذلك، وبذلك ربطوا بين الشعر
والغناء والرقص، كما هو العادة في نشأة هذه الفنون.

قال ابن سنا الملك في دار الطراز: «ليس للموشحات عروض إلا التلحين، ولا ضربٌ إلا الضرب، ولا أوتار إلا الملاوي، وأكثرها مبني على الأرْغُن»،
وتحرروا أيضًا من التقيد بستة عشر بحرًا، فقالوا من الأوزان ما شاءوا أن يقولوا، فالأذن الموسيقية هي الحكم،
لا أبحر الخليل.

قال ابن سنا الملك أيضًا في هذا الكتاب: إنه حاول حصر أوزان الموشحات فأخفق، «وكنت أردت أن أقيم للموشحات عروضًا يكون دفترًا لحسابها،
وميزانًا لأوتارها، فعز ذلك وأعوز لخروجها عن الحصر، وانفلاتها من الكف».

وتعددت قوافي الموشحة، حتى بلغت العشرات، لما رأوا أن التزام القافية لا يترك وراءه إلا السآمة والملل، كالنغمة الواحدة تكرر مرارًا،
وخرجوا عن أعاريض الشعر المعروفة، حتى قال ابن بسام صاحب الذخيرة: «إن أكثر الموشحات على غير أعاريض الشعراء،
وعلى أشطار، كما أن أكثرها على الأعاريض المهملة غير المستعملة، وقد أخذ واضع الموشحة اللفظ العامي والعجمي، وسماه المركز، ووضع عليه
موشحة دون تضمين ولا أغصان». وامتازت الموشحات والأزجال بالسهولة، وهذه هي التي أكسبتها الحياة، فمن أراد في
الموشحة أو الزجل أن يتقعر كان سخيفًا، قال ابن حردون: «ما الموشح بالموشح، حتى يكون عاريًا على التكلف»، ولم يتورع الخاصة عن الاشتراك
في التأليف في الموشحات والأزجال، فرويت لنا موشحات عن الطبيب ابن زهر، والفيلسوف ابن باجة، والوزير الخطير
لسان الدين بن الخطيب. ومما قاله ابن خلدون في بحثه: «وأما أهل الأندلس فلما كثر الشعر في قطرهم، وتهذبت مناحيه وفنونه، وبلغ
التنسيق فيه الغاية، استحدث المتأخرون منهم فنًّا منه، وسموه بالموشح» … إلى آخر ما ذكرناه من هذا البحث في صدر الكلام
عن الموشحات.

وكان أول من برع بعد «مقدَّم» و«ابن عبد ربه» في هذا الشعر هو عبادة القزاز، إذ قال:

بدر تم شمس ضحى
غصن نقا مسك شم
ما أتم ما أوضحا
ما أورقا ما أنم
لا جرم من لمحا
قد عشقا قد حرم

ثم جاءت حلبة في مدة الملثمين فظهرت لهم البدائع، وفرسان حلبتهم الأعمى التُّطِيلي، وله من الموشحات قوله:

كيف السبيل إلى
صبري وفي العالم
أشجان
والركب وسط الفلا
بالخُرَّد النواعم
قد بانوا

وذكروا أن جماعة من الموشحين اجتمعوا في مجلس بإشبيلية، وكان كل واحد قد صنع موشحة وتأنق فيها، فتقدم الأعمى التطيلي للإنشاد، فلما
افتتح موشحته المشهورة بقوله:

ضاحك عن جمان
سافر عن بدر
ضاق عنه الزمان
وحواه صدري

مزق الباقون موشحاتهم، ولابن بقي موشحه مطلعها:

أما ترى أحمد
في مجده العالي
لا يُلحق
أطلعه المغرب
فأرنا مثله
يا مشرق

ولما شاع فن التوشيح في أهل الأندلس، وأخذ به الجمهور لسلاسته، وتنميق كلامه، وتصريح أجزائه، نسجت العامة من أهل الأمصار على منواله،
ونظموا على طريقته بلغتهم الحضرية، من غير أن يلتزموا فيه إعرابًا، واستحدثوا فنًّا سمَّوه بالزجل … وأول من
أبدع في هذه الطريقة الزجلية أبو بكر بن قزمان، وهو إمام الزجالين على الإطلاق، ولقبوه شيخ الصناعة. يقول وقد خرج إلى متنزه مع بعض
أصحابه، فجلسوا تحت عريش، وأمامهم تمثال أسد من رخام يخرج الماء من فيه على صفائح من حجر:

وعريش قد قام على دكان
بحال رواق
وأسد قد ابتلع ثعبان
في غلظ ساق
وفتح فمو بحال إنسان
به الفُواق
وانطلق يجري على الصفاح
وألقى الصياح

… إلخ.

وتبعه بعده كثيرون من الزجالين.
??
وليست الأزجال إلا موشحات تقال بلغة عامية، وإنما أكثرنا من نماذج الموشحات والأزجال لنبين كثرة أشكالها، واختلاف أوزانها.

من كل ما عرضنا من شعر الشعراء الرسميين والوشاحين والزجالين نرى مصداق ما قلنا من أن الشعر الأندلسي جرى مجرى الشعر المشرقي، من مديح
وهجاء ونسيب ورثاء … إلخ، وأنه كما حذا المشرقيون حذو الجاهليين في الموضوعات والأساليب، حذا الأندلسيون حذو
المشارقة. غاية الأمر أن شعراء الأندلس اختلفوا فيمن يقلدون من شعراء المشرق، كل حسب مزاجه، فمنهم من يقلد أبا نواس، ومنهم من يقلد
المتنبي ونحو ذلك. وكانت القصيدة، سواء عند الأندلسيين والمشارقة على النمط الجاهلي، من بدء بالنسيب، وانتقال
منه إلى وصف الشاعر لرحلته، ثم الانتقال إلى المديح، وقد يجعلون في النسيب أيضًا أبياتًا خمرية، جرى على هذا المنوال شعراء الجاهلية،
ثم الشعراء الإسلاميون، ثم الأندلسيون، وكل قصدهم هو استجداء الممدوحين. ويمتاز شاعر عن شاعر، بحسن تخلصه من
الرحلة إلى المديح؛ ولذلك اشتهرت في الأندلس النونية في مدح إدريس بن يحيى بن حمود التي مطلعها:

قد بدا لي وضح الصبح المبين
فاسقِنيها قبل تكبير الأذين
اسقنيها مزة مشمولة
لبثت في دنِّها بضع سنين

وظل على هذا المنول إلى أن وصل للمديح فقال:

وكأن الشمس لما أشرقت
فانثَنَت عنها عيون الناظرين
وجه إدريس بن يحيى بن علي
ابن حمود أمير المؤمنين

… إلخ … إلخ.

وربما كان من الإنصاف لأهل الأندلس أنهم فاقوا شعراء الشرق في وصغ الطبيعة خاصة، وفي الوصف عامة، وربما كان هذا أثرًا من جمال بيئتهم
الطبيعية. ونلاحظ أيضًا أن الأندلسيين قصروا على المشرقيين في الحكم والزهد.

وهناك نوع آخر فاق فيه الأندلسيون المشارقة، وهو البكاء على البلاد، فما سقطت بلدة، أو أشفت على السقوط حتى قالوا فيها شعرًا قويًّا
حزينًا، وربما كان من خير الأمثلة على ذلك قصيدة ابن عبدون، ومطلعها:

الدهر يفجع بعد العين بالأثر
فما البكاء على الأشباح والصور
أنهاك أنهاك لا آلوك معذرة
عن نومة بين ناب الليث والظفر
فالدهر حرب وإن أبدى مسالمة
والسود والبيض مثل البيض والسُّمر

وقد استطاع أن يذكر فيها مصائب الزمان، ونوائب الحدثان، وكل ما جرى من مصائب للأمراء والأعيان، مما جعلها سجلًّا تاريخيًّا للمصائب،
وقلده فيها كثيرون، وشرحها ابن بدرون.

ومثل قصيدة أبي البقاء الرُّندي في رثاء الأندلس وغلبة النصارى على قواعدها، ومطلعها:

لكل شيء إذا ما تم نقصان
فلا يغر بطيب العيش إنسان

وهي أقل من الأولى بلاغة وعظمة، وفيها يطلب من المسلمين أن يسرعوا إلى إنجاد الأندلس التي كادت تسقط. ولكنها كانت صرخة في وادٍ، فلم
ينقذ الأندلس أحد كما لم ينقذ فيما بعد فلسطين أحد.

ثم لهم المقطَّعات اللطيفة في موضوعات طريفة، مثَّلنا ببعضها فيما سبق.

ومع تعداد كل هذه الميزات لا يزال التقليد عليهم غالبًا، وربما كان خير مقياس للتقليد والابتكار، أن أساس التشبيهات عند الشرقيين والأندلسيين
يكاد يكون واحدًا. غاية الأمر أن الأندلسيين قد يتفوقون في إجادة التشبيه وتزويقه، واللعب فيه، ولكن أساس التشبيه
واحد، وهو التشبيه الشرقي.

(?) النثر الفني

تطوَّر النثر العربي في الشرق تطورًا كبيرًا، بحيث يمكننا أن نقسمه إلى خمس مراحل: المرحلة الأولى يمثلها أقوال الخلفاء الأربعة، والخلفاء
والأمراء الأمويين، والمرحلة الثانية يمثلها عبد الحميد الكاتب، والثالثة عبد الله بن المقفع، والرابعة الجاحظ،
والخامسة ابن العميد، ولكل مرحلة من هذه خصائص. وعلى العموم، فالذوق العربي في مراحله المختلفة يحب في النثر الفني السجع، وخصوصًا
ما وافق الطبع، فإن لم يكن سجع، فهو يحب المزاوجة، مثل المؤمنين، وعظيم؛ لأن عنده الحاسة الموسيقية نامية، فأذنه
تَسْتَعيض عن السجع بالمزاوجة، وهذا فاشٍ في كل العصور، ولكن حدث له ما حدث للشعر، فبعد أن كان الشعر الجاهلي مثلًا
يتزين ببعض أنواع البديع يأتي عفوًا، أغرقه أبو تمام ومن بعده في البديع المتصنع، فكذلك النثر بدأ فيه سجع مطبوع، أو مزاوجة
مطبوعة من غير التزام، وختمه ابن العميد بالسجع الملتزم، والتكلف المصطنع.

فأما المرحلة الأولى التي يمثلها أقوال الخلفاء والأمراء، ففيها سجع أحيانًا من غير تكلف، وأحيانًا مزاوجة، وأحيانًا استرسال.

ومن خصائص هذا العصر الجمل المتقطعة من غير رابطة يربطها، وإلى ذلك إيجاز تام من غير إشباع للمعنى وتوليد للأفكار، حتى ليصعب عليك إذا
سئلت أن تحدد موضوع الكلام، مع جمال في المعنى واللفظ.

وقد نشأ هذا من الطبيعة العربية، تحب الجمال وتأنس به، وتلهج بذكره، ويدل على ذلك غزلهم، والبكاء حتى على أطلالهم، وإلفهم لأوطانهم،
ونحو ذلك، فهم يحبون البلاغة ويعتبرونها أقوى ملكة، ويفخرون بها، ويعجبون بفنها. ولأمر كان أهم معجزة للإسلام
المعجزة التي تأتي من الناحية الفنية أو من ناحية البلاغة (القرآن)، وقد تأثرت بلاغة هذا العصر به أثرًا كبيرًا، واحتذوه وزينوا به
كلامهم، فنحن نرى أن أسلوب النثر كان أسلوبًا يزينه السجع والمزاوجة، ويعتمد على الجمل القصار، وتوضع الجمل
في إطار محكم، ويؤتى بالجملة، ثم يوضع لِفْق لها من جملة تشبهها أو تقاربها. حتى جاء عبد الحميد الكاتب وهو من أصل فارسي، فأطنب
في موضوع الكتابة، وفصله وجعل من الكتابة موضوعًا يشرحه ويولده، حتى يأتي على آخره، وضع أنماطًا للكتابة في الشئون
الخاصة بتدبير الملك، ولم يلتزم السجع كذلك، وإن أتى في كتابته عرضًا، ونظرته إلى الكتابة تستفاد بوضوح من رسالته إلى
الكُتَّاب، وهذا يسلمنا إلى مرحلة ابن المقفع، فقد عني ببسط المعاني وتأكيدها، وتكرير الجمل المتقاربة في معناها، وعني بالتحليل
النفسي، والتجارب الأخلاقية، ولم يعن بالسجع إلا ما جاء عفوًا، وله فضل كبير في تطويع اللغة للمعاني المستحدثة،
والمدنية الواسعة.

وجاء بعد ذلك الجاحظ، فأسهب في الكلام وأطنب، ونوَّع موضوعات الأدب، وجعل كل شيء يصلح لأن يكون أدبًا، من معلِّمين، وجوارٍ، ولصوص،
وحسدة إلى غير ذلك، وكان قلمه طيِّعًا، فوسَّع معاني الأدب في كل نواحيه، ولولا أنه كان مرحًا فكهًا مستطردًا
لمُلَّ. ثم جاء بعده ابن العميد ومدرسته، فالتزم السجع وأمعن فيه، ولم يخرج عنه، وقصر الجمل لتؤدي مهمة السجع، وملأ كتابته بأنواع البديع،
حتى أصبحت كتابته كقطعة من الفن المعماري المملوءة بالتزاويق.

كل هذا الذي في المشرق كان مثله في الأندلس، وكان الانتقال من فن إلى فن يكاد يكون متبعًا نفس التطور الذي حدث في المشرق، فقد رأينا
المكاتبات التي تصدر عن الأمراء الأولين وعن صدور الخلفاء الأمويين تشبه تلك التي كانت تصدر عن الخلفاء الأمويين
في المشرق، ثم تحولت بعض الشيء إلى تحليل نفسي، وغزارة معنى كالذي عند ابن المقفع على يد ابن حزم الأندلسي، ثم كان ما يشبه أسلوب الجاحظ
عند العلماء الذين رحلوا من المشرق إلى الأندلس، أمثال صاعد بن الحسن البغدادي، فقد كانت كتابته أشبه ما تكون
بكتابة الجاحظ من تلاعب بالمعاني وغزارة فيها، من غير التزام سجع، كقوله من رسالة له يستعطف فيها الوزير أبا جعفر ليشفع عند الخليفة
للوزير عبد الله بن مسلمة لما نكب: «لمَّا جمع الله طوائف الفضل عليك، وأذْلَقَ بك الألسن، وأرهف فيك الخواطر،
ورفرف عليك طير الآمال، ونُفِضَت إليك علائق الرجال، لم أجد لابن مسلمة، حين عضه الثِّقاف، وضاق به الخناق، وانقطع به
الرجاء، وكبا به الدهر، ملجأ غيرك. فعطفك على والهٍ نبهه النحس من سِنَة السعد، وأيقظته الآفات رقدة الغفلة، ورشقته سهام
الزمان بصنوف الامتهان، حتى لقب المنية أمنية، وسمى الموت فوتة … إلخ».

ورأيناهم وقد طلع عليهم بديع الزمان والحريري، وأمثالها يقلدونهم ويجرون على منوالهم، ويصنعون رسائل ومقامات تشبه رسائلهم ومقاماتهم
كابن شهيد في التوابع والزوابع. ثم لما بلغتهم صنعة ابن العميد ومدرسته رحبوا بها كل ترحيب؛ لأنها وافقت أذواقهم،
حتى التزموها في رسائلهم الخاصة، وكتبهم المؤلفة، فإذا نحن قرأنا لابن بسام في الذخيرة أو لابن حيان في تاريخه، أو في قلائد العقيان
ومطمع الأنفس في ملح الأندلس، رأينا سجعًا ملتزمًا قل أن يشذ، ورأيناهم يحتذون حذو «الفيْح القُسِّي في الفتح
القدسي» للعماد الأصفهاني ونحو ذلك. غاية الأمر أنه كان لهم أنواع من الابتكار سبقوا بها المشرق كما سننبه عند الكلام تفصيلًا على
بعض الناثرين.

وكثير من الأدباء كان يجمع بين النثر والشعر، وكان عند الأدباء ملكة لطيفة يميزون بها بين الموضوعات التي تصلح للشعر والتي تصلح للنثر،
فهم يشعرون حين تهيم عواطفهم، ويحسون أنهم في حاجة إلى تعبير وجداني يغذيها، ويلجئون إلى النثر عندما يكون
الموضوع أميل إلى العقل. وشاع عند الأندلسيين الوصف الدقيق لنفوس الكبراء والأمراء، والقواد عند مديحهم، كما نبغوا في المناظرات الخيالية
كالمناظرة بين السيف والقلم، والمناظرة بين بلاد الأندلس، كما كاتبوا في الابتهالات ومناسك الحج. وكانوا أحيانًا
يخلعون على النثر من الأخيلة والسجع ما يجعله أقرب أن يكون شعرًا منثورًا. وقد امتازوا بالإطناب كما امتاز المشارقة
بالإيجاز. وسيظهر كثير من هذه الخصائص عند كلامنا على الكُتَّاب الناثرين تفصيلًا.

(?-?) ابن عبد ربه
ذكرنا قبل
??
ابن عبد ربه مؤلفًا لكتاب كبير في الأدب وهو العقد، وعرضنا لشيء من شعره،
??
وهو أيضًا ناثر كبير تتجلى قوته في النثر في فرش الكتب التي قدمها بين يدي أبواب كتابه، فقد تصنع فيها ما شاءت له الصنعة، وجوَّد
ما شاء له التجويد، ونراه فيه قد يسجع، ولكن لا يلتزم السجع، فإذا فاته السجع عمد إلى المزواج، فاستغنى
به السجع، وهو أشبه ما يكون برجل يلبس طقمًا خاصًّا عند المقابلات الرسمية، فلا يترك الكلام على سجيته، وإنما يتعمَّل
له ويتصنَّع، فمثلًا يقول في أول كتاب الياقوتة في العلم والأدب: «قد مضى قولنا في مخاطبة الملوك ومقاماتهم،
وما تفنَّنوا فيه من بديع حكمهم، والتزلف إليهم بحسن التواصل، ولطيف المعاني، وبارع منطقهم، واختلاف
مذاهبهم. ونحن قائلون بحمد الله في العلم والأدب، فإنهما القطبان اللذان عليهما مدار الدين والدنيا، وفرق ما بين الإنسان وسائر
الحيوان، وما بين الطبيعة الملكية والطبيعة البهيمية، وهما مادة العقل، وسراج البدن، ونور القلب، وعماد
الروح، وقد جعل الله لطيف قدرته، وعظيم سلطانه بعض الأشياء عمدًا لبعض، ومتولدًا من بعض، فإجالة الوهم فيما تدركه الحواس، تبعث
خواطر الذكر، وخواطر الذكر تنبه روية الفكر، وروية الفكر تثير مكامن الإرادة، والإرادة تحكم أسباب
العمل … والعلم علمان علم حُمِل، وعلم استعمل. فما حُمِل منه ضر، وما استعمل منه نفع … وقليل العلم يستعمله العقل، خير من
كثيره يحفظه القلب».

ويقول في أول باب الأمثال: «والأمثال وَشْيُ الكلام وجوهر اللفظ، وحَلْي المعاني والتي تخيرتها العرب، وقدمتها العجم، ونطق بها
في كل زمان وعلى كل لسان، فهي أبقى من الشعر، وأشرف من الخطابة، لم يسر شيء مسيرها، ولا عم عمومها،
حتى قيل: أَسْيَرُ من مثل، وقال الشاعر:

ما أنت إلا مثل سائر
يعرفه الجاهل والخابر

وقد ضرب الله الأمثال في كتابه، وضربها رسول الله في كلامه … إلخ». فهو يذكرنا في ذلك من حيث أسلوبه وغزارة معانيه، واستعماله للمزاوجة
أحيانًا، والسجع أحيانًا بالجاحظ في كل ذلك.

(?-?) ابن برد

من أشهر كُتَّاب الأندلس، ويلقب بأبي حفص بن برد، وكان هناك ابنا برد أحدهما يلقب بالأكبر، والثاني بالأصغر، لم يعرف من أخباره
— أي: الأصغر — إلا القليل، والذين ترجموا لابن برد الأكبر وصفوه بأنه كاتب بليغ، وأنه غُذِّي بالأدب،
وعلا إلى أسمى الرتب، وقد اعتز به حفيده فقال:

من شاء خُبري فأنا ابن بُرْد
حدُّ حسامي قطعة من حدي
وأرفع الناس بناء جدي
من نظم الألفاظ نظم العقد
ونقد الكلام حق النقد
وكف بالأقلام أيدي الأسُد

وربما كان من أسباب شهرته أنه كان رئيس ديوان الإنشاء للمكتفي، ومن آثاره في هذا المنصب ما قاله فيمن يجب أن يشغل هذه الوظيفة.
ومن الأسف أننا لم نعثر على كتاباته الإخوانية، ولا بد أن يكون له منها الكثير، وإنما بقي لنا بعض
كتبه الديوانية. ويظهر من أخلاقه أنه كان موظفًا مطيعًا، يؤمر فيأتمر، ويكتب لأميره المعاني التي يريدها منه؛ كما كان يفعل القاضي
الفاضل لصلاح الدين. وقد كتب أخيرًا لابن أبي عامر وأولاده، فمن أقواله على لسان المظفر بن أبي عامر:
«ومن أعجب العجب، ما يجترئ عليه بعض خدمتنا من نبذ عهودنا، ولا أحسب الذي غرَّهم بنا، إلا ما وهبه الله لنا من القدرة من الحلم
والكظم، وقد كانت سجية غالية، وخَليقة لازمة».

وقد روى ابن بسَّام في كتابه الذخيرة بعض كتبه، وهو الذي وضع العهد الذي تنازل فيه هشام المؤيد لعبد الرحمن بن المنصور عن الملك،
ويقول فيه:

بعد اطِّراح الهوى، والتحري للحق … لم يجد أحدًا أجدر أن يوليه عهده، ويفوِّض إليه الخلافة بعده، لفضل نفسه، وكرم خِيمه،
وشرف مرتبته وعلو منصبه، مع تقاه وعفافه ومعرفته وحزمه ونقاوته، من المأمون الغيب،
الناصح الجيب، عبد الرحمن بن منصور.

وقد توفي ابن برد هذا سنة ???? بعد أن عاش نحو ثمانين سنة.

ونرى من هذا أن كتابته التي وصلت إلينا أشبه بكتابة رؤساء دواوين الإنشاء في مصر، وهم الذين روى القلقشندي أمثلة لهم في صبح الأعشى
وغيره.

(?-?) ابن شُهَيْد وابن حزم
ذكرنا ابن حزم قبلُ عالمًا دينيًّا
??
وشاعرًا وابن شُهَيْد شاعرًا،
??
ونذكرهما هنا ناثرين، فابن شُهَيْد كاتب كبير، ويظهر أنه كان من بيت كبير، ولكن منعه صممه عن البقاء في الوزارة. ومن مجموع رسائله
نرى أنه كاتب قدير مبتكر، قد رويت له رسائل كثيرة تدل على قدرته الكتابية والخيالية، وله رسائل أشبه
بالمقامات، ومن أشهرها رسالة «التوابع والزوابع» وهي رسالة مشهورة، ومعنى التوابع: الجن تصحب الإنسان، كالقرين والقرينة؛
والزوابع: العواصف، وتستعمل الزوبعة أيضًا بمعنى رئيس الجن. وسماها بهذا الاسم؛ لأن الرسالة وضعت لبيان آراء
ابن شهيد في الكُتَّاب والأدباء والمشكلات الأدبية، على لسان الجن. وأشبه ما يكون بها رسالة الغفران لأبي
العلاء.

وقد ظن قوم أن التوابع والزوابع وضعت تقليدًا لرسالة الغفران، ورأى بعض الباحثين من المستشرقين أن العكس هو الصحيح، وأن أبا العلاء
هو الذي قلد ابن شهيد، ورجَّح أن التوابع والزوابع أُلِّفت قبل رسالة الغفران بنحو عشرين سنة؛ وذلك
لأن ابن شهيد ذكر في رسالته ما يدل على أنه ألفها في عهد المستعين، وهو سليمان بن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر، وكانت
مدة حكم المستعين هذا من سنة ???? إلى ????، كما نعلم أن أبا العلاء ألَّف رسالة الغفران ردًّا على
ابن القارح. وكان أبو العلاء قد بلغ نحو السبعين، كما تدل عليه فقرة في الرسالة نفسها، فيكون كتب رسالته حوالي سنة ????،
وعلى هذا تكون رسالة التوابع والزوابع كتبت قبلها بنحو ?? سنة، وقد أخذ أبو العلاء الفكرة وطبقها تطبيقًا
لطيفًا، ونحا بها نحوًا يخالف بعض الشيء رسالة ابن شهيد، وإن كان أساس الفكرة عند ابن شهيد، وأبي العلاء، ودانتي
واحدًا.

وقد روى ابن بسَّام في الذخيرة أكثر هذه الرسالة. وقد حشا ابن شهيد رسالته هذه بالمُلَح والتعبيرات اللطيفة، فجنِّيه مثلًا أطلعه
على بركة فيه أوز، فيقول في وصفها: «أوزة بيضاء شهلاء، في مثل جثمان النعامة، كأنما ذُرَّ عليها الكافور،
أو لبست غلالة من دِمقْس الحرير … في ظهرها صفاء، تُثنِي سالفتها، وتكسر حدقتها، وتُلَوْلِب فترى الحسن مستعارًا منها،
والشكل مأخوذًا عنها».

وقد أنطق الجن في هذه الرسالة بكل آرائه في الأدباء والشعراء، وأصدقائه وأعدائه، وآرائه في الأدب وفي السجع، وغير ذلك، فمثلًا ينطق
الجني بقوله في أعدائه: «عدمت ببلدي فرسان الكلام، ودُهيت بغباوة أهل الزمان … ويصيح الجني: إنا لله
ذهبت العرب بكلامها، ارمهم بسجع الكهان، فعسى أن ينفعك عندهم، ويطير لك ذكرًا فيهم. وما أراك مع ذلك إلا ثقيل الوطأة عليهم، كريه
المجيء إليهم». وأحيانًا يمدح نفسه فيقول له الجني مثلًا: «إن لسجعك موضعًا من القلب، ومكانًا من النفس،
وقد أغرته من طبعك، وحلاوة لفظك، وطلاوة سوقك، ما أزال أفَنَه، ورفع غبنه، وقد بلغنا أنك لا تجارَى في أبناء جنسك، ولا
يُمَلُّ من الطعن عليك، والاعتراض لك … إلخ».

ويظهر من مجموعة ما نقل عنه أنه كان واسع الاطلاع، غزير المعاني والخيال، ولكن إذا نحن قارنَّاه ببديع الزمان وابتكاراته، كان بديع
الزمان أخف روحًا، وأرشق لفظًا ومعنًى.

وقد أثرت عن ابن شهيد أقوال في البلاغة والنقد تدل على ذوقه ومنهجه، نسوق هنا بعضًا منها: من ذلك أنه يرى أن البلاغة لا تكون إلا
إذا وهب الأديب ملكة بيانية، فإن لم يوهبها لم ينفعه نحو ولا صرف ولا بلاغة. وقد جَّرب ذلك في شابين
أحدهما مسلم والآخر يهودي. فالتمرين على الأدب جعل اليهودي أقرب إلى أن يكون أديبًا، لما عنده من استعداد. فالمسلم لم يستطع ذلك؛
لأنه ليس له استعداد موهوب. ويقول: إن للخطباء والكُتَّاب شياطين، وإنه صادف في أرض الجن شيطان الجاحظ،
وشيطان بديع الزمان، وشيطان عبد الحميد، وهو يعيب على لسان الجني التزام السجع، فالجني يخاطب ابن شهيد بقوله: «إنك لخطيب، وحائك
للكلام مجيد، لولا أنك مغرم بالسجع، فكلامك لا نثر ولا نظم». وقد روي عنه أنه خاف في آخر حياته من
الموت كثيرًا، واستودع إخوانه بقوله:

أستودع الله إخواني وعِشرتهم
وكل خِرْق إلى العلياء سبَّاق

… إلخ.

وأوصى أن يكتب على قبره: «بسم الله الرحمن الرحيم، قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (ص: ??، ??)، هذا
قبر أحمد بن عبد الملك بن شهيد المذنب، مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده
ورسوله، وأن الجنة حق، والنار حق، والبعث حق، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ
مَن فِي الْقُبُورِ (الحج: ?)».

وأما ابن حزم الناثر، فأكبر أثر أدبي له في النثر كتابه «طوق الحمامة» فهو كتاب فذ، ترجم فيه لنفسه، ودوَّن خلجاتها، مما يدل على
أنه كان حييَّ النفس، دقيق الحس، وقد علمنا أن أباه كان وزيرًا كبيرًا، وأنه هو نفسه كان وزيرًا خطيرًا،
حتى كُنَّ هُنَّ اللائي علمنه القرآن، فلما شب أحب، ولوَّعه الحب وذاق ألم الضنى، ودون كل ذلك في كتابه «طوق الحمامة» وشرح لنا
فيه حبه أول ما لقي، فقال: «إني أحببت في صباي جارية لي شقراء الشعر، فما استحسنت من ذلك الوقت سوداء
الشعر، ولو أنه على الشمس، أو على الحسن نفسه، وإني لأجد هذا في أصل تركيبي من ذلك الوقت، ولا تواتيني نفسي على سواها، ولا تحب
غيره البتة، وهذا العارض بعينه عرض لأبي رضي الله عنه».

ويذكر لنا أن خلفاء بني مروان كانوا يحبون الشقر من النساء، حتى أتى أغلبهم أشقر أشهل، نزَّاعًا إلى أمه. ويحدثنا عن فاجعة له بحبيبة
حلت من قلبه أسمى محل، فظل ابن حزم بعدها يطيب له عيش، ولا يجد عنها سلوى، وقد أثرت في نفسه أبلغ الأثر،
حتى ما كاد ينتفع بنفسه بعد، وحتى فاضت قريحته بمقطوعة من أصدق الشعر. ويقول: «إن محبوبته ماتت فأقام بعدها سبعة أشهر لا
يتجرد عن ثيابه، ولا تجف له دمعة، مع جمود عينه، وإنه ما سلاها حتى مر عليه خمس عشرة سنة، ولم يطب له عيش
بعدها، ولا نسي ذكرها».

ويخبرنا عن محبوبة أخرى لم تستجب له، وبقي متسعَّرًا عليها سنين طويلة، ثم برد فجأة حين رأى محبوبته هذه بعد غياب وقد غاض جمالها،
وهو يصف غير الحب أيضًا النكبات التي نزلت به وبقومه، فقد كان هو وأبوه مواليَيْن للأمويين، فلما جاء
المنصور بن أبي عامر وأراد محو آثار الأمويين، اضطُهد وأُهين وعذب. ويقول في هذه الرسالة: «إننا امتُحنا بالاعتقال والتغريب،
والإغرام الفادح والاستتار، وأرزمت
??
الفتنة وألقَت باعها، وعمت الناس وخصَّتْنا، وأجلينا عن منازلنا، وتقلبت بي الأمور إلى الخروج عن قرطبة، وسكني مدينة المرية،
واعتُقلنا أشهرًا، وأخبرني بعض الواردين من قرطبة أنه رأى دورنا وقد انمحت رسومها، وطمست أعلامها، وخفيت
معاهدها، وغيَّرها البلى، وصارت صحارى مجدبة بعد العمران، وفيافي موحشة بعد الأنس، وخرائب منقطعة بعد الحسن، وشعابًا
مفزعة بعد الأمن، ومأوى للذئاب، وعازف للغيلان، وملاعب للجان، ومكامن للوحوش … فكأن تلك المحاريب المنمَّقة،
والمقاصير المزيَّنة، التي كانت تشرق إشراق الشمس، ويجلو الهموم حسن منظرها، تؤذن بفناء الدنيا، وتريك
عواقب أهلها، وتخبرك عما يصير إليه كل من تراه قائمًا فيها، وتزهد في طلبها، بعد أن طالما زهدت في تركها».

وعلى الجملة فقد ملأ طوق الحمامة بتجاربه في حبه، وأحاديث نفسه، وما اعتراه من فتن، وما أصيب به من محن، وملأه شعرًا ونثرًا، أما
شعره فقد بيَّنَّا قبل رأينا في قيمته. وأما نثره فقيمته في صراحة معناه وغزارته، لا في ناحيته الفنية،
فهو من حيث تأليفه في الحب من أول الناس وأسبقهم إلى قيد منازع الحب. نعم قد سبقه إلى التأليف في ذلك محمد بن داود الظاهري أيضًا
في كتابه الزهرة، ولكن ابن حزم تفوَّق عليه فكان كتابه «طوق الحمامة» أبرع وأثمن وأوفى.

ومما يدل على لوعته في الحب وتقديره للوصال قوله: «ولقد جرَّبت اللذات على تصرفها، وأدركت الحظوظ على اختلافها، فما للدنو من السلطان،
ولا المال المستفاد، ولا الوجود بعد العدم، ولا الأوبة بعد طول الغيبة، ولا الأمن بعد الخوف من الموقع
في النفس ما للوصل، لا سيما بعد طول الامتناع، وطول الهجر، حتى يتأجَّج عليه الجوى، ويتوقد لهيب الشوق، وتنصرم نار الرجاء، وما
ازدها النبات بعد غب القطر، ولا إشراق الأزاهير بعد إقلاع السحاب … ولا خرير المياه المتخللة لأفانين
النوار، ولا تألق القصور البيض قد أحدقت بها الرياض الخضر، بأحسن من وصل حبيب، فقد رُضيت أخلاقه، وحمدت غرائزه، وتقابلت
في الحسن أوصافه».

ويؤخذ من كلامه أنه قد مضى عليه زمان أحب فيه حبًّا عذريًّا، صوره تصويرًا لطيفًا، ودل فيه على عاطفة نبيلة رفيعة، حتى لقد يكفيه
من محبوبه، شعوره بسلامة الحبيب، وتقبيله أثره، والتراب الذي وطئه.

وروعة ابن حزم في تعدد مناحيه من دين وفقه وأصول وشعر وتأليف في الغرام، وغير ذلك، أكثر من روعته في فن الأدب وحده.

(?-?) ابن زيدون
??

لابن زيدون ناحية نثرية بجانب ناحيته الشعرية، ومن أهم نثره رسالتان شهيرتان: إحداهما رسالته الهزلية كتبها يسخر من منافسه في حب
ولَّادة، وهو ابن عبدوس، فهو يؤنبه أحيانًا، وينسب إليه سخرية كل حادث عظيم في الدنيا أحيانًا، ويقول
فيها: «أما بعد، أيها المصاب بعقله، المورَّط بجهله، البيِّن سقطه، الفاحش غلطه، العاثر في ذيل اغتراره، الأعمى عن شمس نهاره،
الساقط سقوط الذباب على الشراب، المتهافت تهافت الفراش في الشهاب! فإن العجب أكذب، ومعرفة المرء نفسه
أصوب، وإنك راسلتني مستهديًا من صلتي ما صَفِرَت منه أيدي أمثالك، متصديًا من خُلَّتي لما قُرعت دونه أنوف أشكالك،
مرسلًا خليلتك مرتادة، مستعملًا عشيقتك قوَّادة، كاذبًا نفسك أنك ستنزل عنها إليه، وتخلف بعدها عليه … زاعمة أن
المروءة لفظ أنت معناه، والإنسانية أنت جسمه وهَيولاه، قاطعة أنك انفردت بالجمال، واستأثرت بالكمال … حتى
خيَّلت أن يوسف — عليه السلام — حاسنك فغضضت منه، وأن امرأة العزيز رأتك فسلَتْ عنه، وأن قارون أصاب بعض ما كنزت، والنَّطف
عثر على فضل ما ركزت، وكسرى حمل غاشيتك، وقيصر رعى ماشيتك … وأن مالك بن نويرة إنما أردف لك، وعروة
بن جعفر إنما رحل إليك … وإياس بن معاوية إنما استضاء بمصباح ذكائك، وسحبان إنما تكلم بلسانك … وأن الحجاج تقلد ولاية العراق بجدك،
وقتيبة فتح ما وراء النهر بسعدك، والمهلب أوهن شوكة الأزارقة بيدك، وأن أفلاطون أورد على أرسطاطاليس
ما نقل عنك، وبطليموس سوَّى الإصطرلاب بتدبيرك، وصوَّر الكرة على تقديرك» … إلخ.

وهو في هذه الرسالة يذكرنا برسالة التربيع والتدوير التي كتبها الجاحظ في السخرية بأحد كُتَّاب عصره، وهو أحمد بن عبد الوهاب، فهو
فيها يهزأ بجسمه وينسب إليه سخرية علم كل شيء، إلا أن رسالة ابن زيدون أدق وأوفى وألذع، وهي تدل على
علم واسع بأحداث التاريخ، وقدرة فائقة في التهكم بها على غريمه.

وأما الرسالة الجدية فهي رسالة كتبها وهو في السجن لابن جهور، يعتب ويستعطف ويبرأ مما اتُّهِمَ به، وأسلوبها أيضًا في غاية القوة،
يذكرنا بعض معانيها بمعاني علي بن الجهم، وقد سجن هو أيضًا فأرسل يستعتب ويتعزى ويعتذر. يقول ابن زيدون
فيها: «يا مولاي وسيدي، الذي ودادي له، واعتمادي عليه، واعتدادي به … ومن أبقاه الله ماضي حد العزم، واري زند الأمل … إن
سلبتني لباس نعمائك، وعطَّلتني من حلى إيناسك … ونفضت مني كف حياطتك، وغضضت عني طرف حمايتك، بعد أن نظر الأعمى
إلى تأميلي لك، وسمع الأصم ثنائي عليك، فلا غرو، قد يغص بالماء شاربه، ويقتل الدواء المستشفي به، ويؤتى الحذر من
مأمنه، وتكون منية المتمني في أمنيته …

كل المصائب قد تمر على الفتى
وتهون غير شماتة الأعداء

هل أنا إلا يد أدماها سوارها، وجبين غض به إكليله … هذا العتب محمود عواقبه، وهذه النَّبْوَةُ غمرة ثم تنجلي، وهذه النكبة سحابة
صيف عن قليل تقشع … وأعود فأقول: ما هذا الذنب الذي لم يسعه عفوك، والجهل الذي لم يأتِ من ورائه حلمك


إلا يكن ذنب فعدلك واسع
أو كان لي ذنب ففضلك أوسع

حنانيك، قد بلغ السيل الزُّبى، ونالني ما حسبي به وكفى، وما أراني إلا أمرت بالسجود لآدم فأبيت واستكبرت، وقال لي نوح: اركب معنا،
فقلت: سآوي إلى جبل يعصمني من الماء، وأمرت ببناء الصرح لعلِّي أطلع إلى إله موسى، وعكفت على العجل،
واعتديت في السَّبت، وتعاطيت فعقرت، وشربت من النهر الذي ابْتُلِيَتْ به جيوش طالوت، وقُدْتُ الفيل لأبرهة … ونفرت إلى العير ببدر،
وانخذلت بثلث الناس يوم أحد … إلخ.

وعلى الجملة، فرسالتاه سواء الهزلية أو الجدية، تدلَّان على باع طويل في كتابة النثر، ومقدرة فائقة في تنويع الأساليب، وغزارة المعاني،
فإذا أضيفت هذه الموهبة النثرية إلى موهبته الشعرية، عثرنا فيه على أديب بارع في الشعر والنثر، وقلَّ
أن يجتمعا في أديب.

(?-?) ابن أبي الخصال

لا يفوتنا هنا أن نذكر كلمة عن كاتب كبير من أواخر كُتَّاب الأندلس، وهو ابن أبي الخصال: كان من قرية من قري جَيَّان، وكان يلقَّب
برئيس كُتَّاب الأندلس، وكان صديقًا لابن عبدون وابن بسام. قال فيه صاحب المعجب: «هو آخر الكُتَّاب
وأحد من انتهى إليه علم الأدب، وله مع ذلك في علم القرآن والحديث والأثر وما يتعلق بهذه العلوم الباع الأرحب، واليد الطولى». وقد
روي لنا أنه ألَّف كتابًا اسمه «سراج الأدب» لم يصل مع الأسف إلينا، وقد روى له القلقشندي في «صبح
الأعشى» جملة كثيرة متفرقة من رسائله ومن شعره، من أرادها فلينظرها هناك.

(?-?) ابن الخطيب
هو لسان الدين بن الخطيب، وهو وزير مشهور، من أجله ألَّف المقري الكتاب الكبير «نفح الطيب وغصن الأندلس الرطيب في ترجمة لسان الدين
بن الخطيب» في أربعة أجزاء كبار، ذكر فيها الأندلس وما جرى لها من مبتدئها ومنتهاها، ولسان الدين وشيوخه
ورسائله … إلخ. فكان الكِتَاب نعمةً من آثار ابن الخطيب. وقد ولد لسان الدين بمدينة غرناطة في سنة ????، وكان أبوه ذا شأن
عظيم عند ملوك بني الأحمر، فربَّاه تربية دقيقة واسعة، علَّمه الطب والفلسفة والأدب والفقه والتفسير والحديث،
فكان عالمًا أديبًا. وقد ألف في ذلك، وقالوا: إنه أصيب بالأرق، فاستعان بالتأليف عليه، وكان واسع بالتاريخ،
وألَّف في علماء غرناطة كتابه «الإحاطة».
??
وله رسائل أدبية وسياسية تتصف بالإطناب والتزام السجع حتى تمل، وابتُلي كما ابتلي غيره من علماء الأندلس بالحسد من خصومه، ودس
الدسائس له، حتى اتهم في دينه بالزندقة، وقوله في كتبه أشياء لا يقرها الدين. ولعب في السياسة كثيرًا
حتى احترق بها، واتخذت الزندقة ذريعة للنيل منه.

وأخيرًا أفتى الفقهاء بقتله، فخُنِق في سجنه، وألَّف كتبًا كثيرة، وكان صديقًا لابن خلدون بعض الوقت، ثم فسد ما بينهما. وتمتاز
رسائله بدقة الوصف، وغزارة المعنى، مثال ذلك ما كتبه في استدعاء إمداد، وحض على الجهاد: «أيها الناس،
رحمكم الله تعالى، إخوانكم المسلمون بالأندلس قد دهم العدو ساحته، ورام الكفر استباحته، ورجفت أحزاب الطواغيت إليهم، ومد الصليب
ذراعيه عليهم، وأيديكم بعزة الله أقوى، وأنتم المؤمنون أهل البر والتقوى، وهو دينكم فانصروه، وجواركم
القريب فلا تخفروه، وسبيل الرشد قد وضح فلتبصروه. الجهادَ الجهادَ فقد تعين، فالجارَ الجارَ، فقد قرر الشرع حقه وبيَّن، الله
اللهَ في الإسلام، اللهَ الله في أمة محمد — عليه السلام — الله اللهَ في المساجد المعمورة بذكر الله،
الله اللهَ في وطن الجهاد في سبيل الله. قد استغاث بكم الدين فأغيثوه، وقد تأكد عهد الله وحاشاكم أن تنكثوه. أعينوا
إخوانكم بما أمكن من الإعانة، أعانكم الله عند الشدائد، جددوا عوائد الخير، يصل الله تعالى لكم جميل العوائد،
صِلُوا رحم الكلمة، واسُوا بأنفسكم وأموالكم تلك الطوائف المسلمة: كتاب الله بين أيديكم، وألسنة الآيات
تناديكم، وسنة رسول الله قائمة فيكم، والله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى? تِجَارَةٍ
تُنجِيكُم.

ماذا يكون جوابكم لنبيكم
وطريق هذا العذر غير ممهد
إن قال: لِم فرَّطتم في أمتي
وتركتموهم للعدو المعتدي
تالله لو أن العقوبة لم تخف
لكفا الحيا من وجه ذاك السيد

اللهم اعطف علينا قلوب العباد، اللهم بُثَّ لنا الحمية في البلاد، اللهم دافع عن الحريم والضعيف والأولاد، اللهم انصرنا على أعدائك
بأحبائك وأوليائك، يا خير الناصرين» … إلخ.

ويقول مثلًا في ترجمة ابن عبد ربه صاحب العقد: «عالم ساد بالعلم ورأس، واقتبس به من الحظوة ما اقتبس، وشهر بالأندلس حتى صار إلى
المشرق ذكره، واستطار شَرَر الذكاء فكره … وكانت له عناية بالعمل وثقة، ورواية متَّسقة، وأما الأدب
فهو كان حجته، وبه غمرت الأفهام لجته، مع صيانة وورع، وديانة ورد ماءها فكَرَع، وله التأليف المشهور الذي سماه بالعقد، وحماه عن
عثرات النقد؛ لأنه أبرزه مثقف القناة، مرهف الشباة، تقصر عنه ثواقب الألباب، وتبصر السحر منه في كل
باب، وله شعر انتهى منتهاه وتجاوز سماك الإحسان وسماه … إلخ».

وله مقامة في السياسة على نحو مقامات الحريري بناها على أن هارون الرشيد ضاق صدره يومًا، فطلب أن يُحضر إليه من يُعثر عليه، فحُشر
له بعض القوم، وكان منهم رجل غريب المنظر؛ فسأله الرشيد عن أصله وفنِّه، فقال: إنه فارسي وفنه الحكمة،
فسأله عن السياسة فأبدع فيها حتى انتصف الليل، ثم استدعى عودًا وظل يغني عليه حتى أنام الحاضرين كلهم، وخرج فلم يعثر له على
خبر.

وقد تعرَّض في هذه المقامة إلى الرعية والسلطان والوزير والجند والعمال والولد والخدم والحرم، فقال في الرعية: «رعيتك ودائع الله
قِبَلك، ومرآة العدل الذي عليه جَبَلَك، ولا تصل إلى ضبطهم إلا بإعانة الله التي وهب لك. وأفضل ما
استدعيت به عونه فيهم، وكفايته التي تكفيهم، تقويم نفسك عند قصد تقويمهم، ورضاك بالسهر لتنويمهم، وحراسة كهلهم وربيعهم، والترفع
عن تضييعهم، وأخذ كل طبقة بما عليها وما لها، أخذًا يحوط ما لها، ويحفظ عليها كمالها، حتى تستشعر عليتها
رأفتك وحنانك، وتعرف أوساطها في النصب امتنانك، وتحذر سِفلتها سنانك … وامنع أغنياءها من البطر والبطالة، والنظر في شبهات
الدين بالتمشدق والإطالة، وحدِّد البخل على أهل اليسار، والسخاء على أُولي الإعسار».

وقال للسلطان: «واعلم يا أمير المؤمنين سدد الله سهمك لأغراض خلافته، وعصمك من الزمان وآفته، أنك في مجلس الفصل، ومباشرة الفرع
من ملكك والأصل … فلتكن قدرتك وقفًا على الاتصاف بالعدل والإنصاف، واحكم بالسوية، واجنح بتدبيرك إلى
حسن الروية، وخف أن تقعد بك أناتك عن حزم تعيَّن، أو تستفزك العجلة في أمر لم يتبين، وأطع الحجة ما توجَّهت إليك، ولا تحفل بها
إذا كانت عليك، فانقيادك إليها أحسن من ظفرك، والحق أجدى من نَفَرك … واحرص على أن لا ينقضي مجلس جلسته،
أو زمن اختلسته، إلا وقد أحرزت فضيلة زائدة، أو وثقت منه في معادك بفائدة … والمال نعمة الله، فلا تجعله ذريعة إلى خلافه،
وتجمع بالشهوات بين إتلافك وإتلافه».

وقال في الوزير: «والوزير الصالح أفضل عددك، وأوصل مددك … وليكن الوزير معروفًا بالإخلاص لدولتك، معقود الرضا والغضب برضاك وصَوْلتك،
زاهدًا عمَّا في يديك، مؤثرًا لكل ما يَزْلف لديك، بعيد الهمة، راعيًا للأذمَّة، رحيب الصدر، رفيع
القدر، معروف البيت، نبيه الحي والميت، مؤثرًا للعدل والإصلاح، دَرِيًّا بحمل السلاح، جادًّا عند لهوك، متيقظًا في حال سهودك …
إلخ».

وقد استقى هذه الأمور كلها من تجاربه، إذ كان وزيرًا، وكان مطلعًا على التواريخ، وخصوصًا تاريخ بلاده، وقال في الإحاطة في ترجمة
ابن خلدون إذ كان صديقًا له، بعد أن ذكره نسبه: «رجل فاضل، حسن الخُلُق، جم الفضائل، باهر الخِصَل،
رفيع القدر، ظاهر الحياء، أصيل المجد، وقور المجلس، خاصِّيُّ الزي، عالي الهمة، عزوف عن الضيم، صعب المقادة، قوي الجأش، طامح لقُنَن
الرياسة، متقدم في فنون عقلية ونقلية، متعدد المزايا، سديد البحث، كثير الحفظ، صحيح التصور، باع الحظ،
حسن العشرة، مبذول المشاركة … مُغْفِل التحفظ ممَّا يريب، وقع من أجل ذلك في محنة فلم يخشع ولم يتوسل، وأباد
المكسوب في سبيل النفقه»
??
… ولما استقر ابن خلدون في الحضرة، جرت بيني وبينه مكاتبات، وأقطعها الظرف جانبه، وأوضح الأدب مذاهبه … فمن ذلك ما خاطبته به وقد
تسرى — أي: ابن خلدون — جارية رومية اسمها هند صبيحة الابتناء بها، وقد أطال في هذا الكتاب فيما يتخيله
من سرور ابن خلدون بالابتناء بها، وقضاء ليلة سعيدة معها بالتفصيل والتصريح، من غير إجمال ولا إيماء. «وقد شرح ابن خلدون
البردة شرحًا بديعًا، دل به على انفساح ذرعه، وتفنن إدراكه، وغزارة حفظه، ولخص كثيرًا من كتب ابن رشد، ولخص
محصل الإمام فخر الدين الرازي، وألف كتابًا في الحساب».

ويظهر أنه كتب هذه الترجمة قبل أن يؤلِّف ابن خلدون كتابه التاريخي الذي اشتهر به، وقد ذكر ابن خلدون في بعض كتبه «لسان الدين»
وأثنى عليه ولكنه قال: «إنه لما كان بالأندلس، وحَظِيَ عند السلطان أبي عبد الله، شم من ابن الخطيب
رائحة الانقباض، فقوَّض الرحال، ولم يرضَ عن الإقامة بحال. ولعبت بكرته صوالجة الأقدار، حتى حل بالقاهرة المعزِّيَّة، واتخذها خير
دار … إلخ».

ومن نثر ابن الخطيب مثلًا قوله في تقلب الأحوال بالعظماء ما رآه من أمرائه أو سمعه عن ابن حزم وأمثاله: «بينما ترى الدَّست عظيم
الزحام، والموكب شديد الالتحام، والوزعة تشير والأبواب يقرعها البشير، والسرور قد شمل الأهل والعشير،
والأطراف تلثمها الأشراف، والطاعة يشهرها الاعتراف، والرايات تعقد، والأعطيات تنقد، إذ رأيت الأبواب مهجورة، والدسوت لا
مؤمَّلة ولا مزورة، والحركات قد سكنت، وأيدي الإدالة قد تمكنت، فكأنما لم يسمُر سامر، ولا نهى ناهٍ ولا أمر
آمر، ما أشبه الليلة بالبارحة، والغادية بالرائحة، إنما مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ
أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ (الكهف:
??)».

وقال في الحب على طريقة المتصوفة: «المحبة رقة، ثم فكرة مسترقة، ثم ذوق يطير به شوق، ثم وَجَل لا يبقى معه طوق، ثم لا تحت ولا فوق:


أينما كنت لا أخلف رحلًا
من رآني فقد رآني ورحلي

الهوى هوان، وَحِمَامٌ له ألوان، دمع ساجم، ووجد هاجم، وهيام لا يبرح، ثم وراءه ما لا يُشرح.

قال: بمن جن؟ وهل في الورى
ما يبعث الخبل سوى حبه؟

من اقتحم بحر الهوى هوى، لا تدخل في بحر الهوى حتى تشاور صبرك، وتجاور قبرك … الهوى طريق، ولسلوكه فريق، الزاد سر مكتوم، ووفاء
معلوم.

وللميادين أبطال لها خلقوا
وللدواوين حُسَّاب وكُتَّاب

الحب حَجٌّ ثان، لا يثني نفس المريد عنه ثان، طريقه التجريد، وزاده الذكر، وطوافه المعرفة، وإفاضته الفناء، فَإِذَا
أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ»
(البقرة: ???). الغرام صعب المرام، والدخول فيه حرام، ما لم يكن فيه شرط كرام. مَنْ عرف ما أخذ، هان
عليه ما ترك، وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ (القصص: ??). ظهر الهوى طريقًا سهلًا، فكثر
التائهون جهلًا.

إذ لم يكن عون من الله للفتى
أتته الرزايا من وجوه الفوائد»

وله كتب كثيرة نحا فيها نحو المتصوفة، فله مثلًا كتاب اسمه «المحاضرات»، وهو عبارة عن جمل مختارة من أقوال مشاهير المتصوفة، وله
المواعظ الصوفية اللطيفة، ثم له إلى جانب ذلك كتب في الأدب. قال المقري: «إن كتبه الآن في المغرب قبلة
أرباب الإنشاء، التي إليها يصلُّون، وسوق دُرَرهم النفيسة التي يزينون بها صدور طروسهم ويحلون، وخصوصًا كتابه «ريحانة الكُتَّاب،
ونجعة المنتاب»، فإنه وإن تعددت مجلداته، على فن الإنشاء والكتابة مقصور».

وكما برز ابن الخطيب في النثر، فقد برز في الشعر، فله الشعر الكثير، وله الموشحات اللطيفة، والأزجال الظريفة، وهي لا تقل شأنًا
عن قيمته في النثر.

فالذي يظهر لنا أن الثقافة الأندلسية من أولها في الأندلس إلى آخرها قد صفيت، وتقطرت في لسان الدين بن الخطيب في تعدد مناحيه، وسعة
علمه، وكثرة إنتاجه. ولعل هذا المعنى هو الذي شعر به المقري فألَّف فيه كتابه «نفح الطيب» وفيه كل
ثقافة الأندلس، وسماه باسمه كأنما هو هي.

(?-?) ابن خلدون

وقد عددناه من كُتَّاب الأندلس، وإن عاش أكثر حياته في بلاد المغرب وفي مصر؛ لأنه أندلسي الأصل، فهو من إشبيلية، من أصل عربي يمني،
وهو إن ولد في تونس، فقد درس على علماء أندلسيين وأقام في الأندلس زمنًا، وهو مع ابن الخطيب يتوِّجان
الحركة الثقافية الأندلسية، وهما يمتازان بسعة الاطلاع وكثرة العلم وتنوعه، ولكن ابن خلدون يمتاز بالعمق في التفكير السياسي
الاجتماعي، وابن الخطيب يمتاز بأدبه بالمعنى الواسع.

وقد سفر ابن خلدون إلى الملك بدْرُو في إشبيلية سنة ????، فأعجب بدرو بعقله، وطلب منه أن يقيم في بلده في نظير أن يرد عليه أموال
أسرته فاعتذر. وكما قلنا من قبل: إنه صحب ابن الخطيب نحو سنتين، ثم تعكَّر الجو بينهما. وابن خلدون
من العلماء القلائل من المسلمين الذين ابتكروا ولم يقلدوا، فهو واضع أساس علم الاجتماع بمقدمته، وإن كان أكمله علماء الإفرنج لا
العرب، وقد تعرض لطبائع البشر وأسباب تغيرها، وقيام الدول وأن لها عمرًا كعمر الأفراد، كل ذلك في عمق.
ومن أبدع نظراته نظرته إلى التاريخ وأنه يجب أن ينبني على تعليل الحوادث، ومعرفة أسرارها ومطابقاتها لقانون السبب والمسبب،
ولا يصح أن يبنى التاريخ على مجرد النقل إذا خالف العقل. والمؤرخ محتاج إلى معارف متنوعة وحسن نظر وتثبت
تؤدي به إلى الحق، وتنكب به عن المزلات والمغالط.

وفي قسم من المقدمة أرَّخ العلوم الإسلامية كلها تأريخ خبير عالم، وأسلوبه فيها أسلوب رزين لم يعمد فيه إلى فخفخة السجع الكاذب،
ولا إلى الإطناب الممل. فإذا كان عند البلاغيين ثلاثة أنواع؛ إيجاز وإطناب ومساواة، فإن أسلوبه ينطبق
على المساواة، فاللفظ بقدر المعنى لا أكثر ولا أقل. وقد تقلب في مناصب سياسية كثيرة من سفارة وقضاء، ويظهر أنه كان حسن الحديث،
قوي التأثير في النفوس، فقد رأينا أنه لما سفر إلى بدرو وأعجبه وقربه إليه، ومرة ثانية لما سفر إلى
تيمورلنك بدمشق، وتيمورلنك هو القاسي الجبار الفاتك، دخل ابن خلدون في مزاجه، ودعاه إلى أن يقيم معه، فرأى ابن خلدون من
الحيلة أن لا يرفض، ولكنه قال: إنه يذهب ليحضر أهله ويعود، فذهب ولم يعد، كما يظهر أنه خبير بنفسية من يخاطبه
ولو كان من غير جنسه، فإذا حدثه استلب عقله، وعرف من أين تؤكل الكتف.

ولكن هناك ظاهرة أخرى في حياة ابن خلدون وهي النفور منه، وتنحيته عن المنصب بعد أن يعين فيه، وعداؤه بعد الصداقة. وقد رأينا أن
ابن الخطيب عاداه بعد أن صادقه، وأنه تولى مناصب خطيرة في تونس ثم عزل، وولي منصب قاضي القضاة في القاهرة
ست مرات، يعزل ثم يولى ثم يعزل ثم يولى. وقد يفسر هذا إما بصلابته في رأيه فليس يلين، وإما بأنه محسَّد لفضله، فإذا رئي منه كثرة
الصلابة في الحق، واعتداده بنفسه، حرض ذلك غيره ممن هم أقل منه على الدس له، والنيل منه كما يظهر أنه
صريح، يقول ما يعتقده من الحق، ولم آلم الناس كقوله: إن العرب إذا نزلوا بلدة أسرع إليها الخراب، وإن أكثر العلماء من
الموالي لا من العرب ونحو ذلك، كما أنه كان في قضائه يحكم بين الناس بالعدل ولو أغضب في ذلك ملوك زمانه وأمراءه.
ولا نبرئه من حدة في المزاج وسرعة في الانفعال، كما لا نبرئه من جمود في العواطف، فقد غرقت زوجته وأولاده في
البحر، ثم لا نراه يبكي لذلك، ولا يتحسر عليهم، بكاءً أو تحسرًا يتناسب مع الفجيعة.

ومقدمته كاملة مصقولة. أما تاريخه فمهوَّش لم يصقل، ولم يسر فيه على القواعد التي وضعها في مقدمته. ويظهر أن الزمن لم يمهله حتى
يحقق كل مطالبه. ومن الأمثلة على أسلوبه وتفكيره قوله في الفرق بين البدو والحضر مثلًا: «إن أهل الحضر
ألقوا جنوبهم على مهاد الرحلة والدعة، وانغمسوا في النعيم والترف، ووكلوا أمرهم في المدافعة عن أموالهم وأنفسهم إلى واليهم
والحاكم الذي يسوسهم، والحامية التي تولت حراستهم، واستناموا إلى الأسوار التي تحوطهم، والحرز الذي يحول
دونهم، فلا تهيجهم هيعة، ولا ينفر لهم صيد، فهم قارُّون آمنون، قد ألقوا السلاح، وتوالت على ذلك منهم الأجيال، وتنزلوا
منزلة النساء والولدان … حتى صار ذلك خُلقًا يتنزل منزلة الطبيعة».

«وأهل البدو لتفردهم عن المجتمع، وتوحشهم في الضواحي، وبعدهم عن الحامية، وانتباذهم عن الأسوار والأبواب قائمون بالمدافعة عن أنفسهم
لا يكلونها إلى سواهم، ولا يتقون فيها بغيرهم، فهم دائمًا يحملون السلاح، ويتلفتون عن كل جانب في الطريق،
ويتجافون عن الهجوع إلا غرارًا في المجالس، وعلى الرحال وفوق الأقتاب، ويتوجسون للنبآت والهيْعات، ويتفردون في الفقر والبيداء،
مُدلين ببأسهم، واثقين بأنفسهم، قد صار لهم البأس خُلُقًا، والشجاعة سجية، يرجعون إليها متى دعاهم
داعٍ، أو استنفرهم صارخ».

نعم: إن المقدمة لها أصول من كتب عربية كسراج الملوك للطرطوشي، وكتب مترجمة عن اليونانية، ولكن إذا قارن الإنسان بينها وبين ما
كتب ابن خلدون وجده ابتكر فيها وزاد عليها، وأخرجها مخرجًا جديدًا — قد يظهر بعض خطئه في نظريات قالها
إذا نحن نظرنا إليها على ضوء ما وصل إليه علم الاجتماع الحديث، ولكن مَن من الناس لا يخطئ، ولا يصحح قوله؟ خصوصًا وقد مرت على
أقواله أجيال، وكفاه فخرًا أنه أدرك في زمانه ما لم يدركوه إلا بعد قرون طويلة، وتعد مقدمته وتاريخه
من غير شك تدوينًا يكاد يكون تامًّا للحضارة الإسلامية.

وله كتب أخرى في علم الكلام وفي التصوف ولكنها كلها لا تبلغ مبلغ مقدمته. وعلى الجملة، فابن الخطيب وابن خلدون جمعا في شخصهما ما
وصل إليه العلم العربي في الشرق قبلهما، ثم هضماه وعرضاه عرضًا وافيًا، كل حسب استعداده وميوله، ابن
الخطيب في الأدب والتصوف والتاريخ، وابن خلدون في التاريخ والاجتماع، وقلَّ أن يكون هناك علم عربي لم يتعرضا له إجمالًا أو تفصيلًا،
ونكاد نقول: إن العلم والأدب والتاريخ تحجرت بعدهما إلى أن أتت النهضة الحديثة.

(?) أثر النساء في الأدب
كان للنساء أثر كبير في الأدب من ناحيتين:
list of 2 items
(?) ناحية ما لهن من جمال وفتنة حرَّكا نفوس الأدباء للغزل والنسيب.

(?) أنه كان منهن الأديبات اللاتي ساهمن في الحركة الأدبية بما أنتجن من أدب، وكان هذا هو الشأن في المشرق، فكان كذلك في
المغرب، غاية الأمر أن النساء الجميلات الأديبات كن في المشرق فارسيات أو بربريات
أو تركيات، وكن في الأندلس إسبانيات أو أوربيات من أسرى الحروب، فكن يسكنَّ قصور الخلفاء والأمراء والأغنياء، ويعلمن الأدب
فيخرج منهم أديبات. وأول ما بلغنا من النساء الأديبات ما روي عن جملة من النساء القادمات
من المشرق على الأندلس، وذلك أن الخطة التي وضعها الخلفاء الأمويون بالأندلس كانت نقل ما تُزين به قصور
الخلفاء من أمويين وعباسيين، فرأوا أن قصور الخلفاء تزين بالشعراء واللغويين والفتيات المغنيات، فأوفدوا
لإحضار كل ذلك من المشرق، حتى يوجدوا نواة في الأندلس تثمر فيما بعد. فكما استوفدوا أبا علي
القالي اللغوي المشهور، وصاعدًا وغيرهما، استوفدوا أيضًا جواري من المشرق للغناء والأدب، فذهبت إليهم فرقة ممن
نشأن في المدينة أو في بغداد، كما تذهب الفرق المصرية اليوم إلى الشام أو العراق، وكان
ممن ذهب إلى الأندلس في أول العهد عايدة، وكانت من خريجات المدينة، وكانت جارية سوداء حالكة اللون، وكذلك «فَضْل»
المدنيَّة، وكانت حاذقة في الغناء، وأصلها من جواري إحدى بنات هارون الرشيد، واشتراها
عبد الرحمن الداخل، ومنهن «قمر» وكانت أديبة تعرف صوغ الألحان، واشتهرت بالظرف والأدب والجمال، ولا ننسى هنا ذكر الجواري
اللائي علمهن زرياب كما أسلفنا من قبل.
list end

كل هؤلاء وأمثالهن علمن بعض نساء الأندلس الغناء والألحان والأدب، فنشأ بعدهن جيل جديد من نساء أهل الأندلس يغنين ويقلن الشعر، كالذي
رأينا من ولَّادة مع ابن زيدون، وكان لولَّادة هذه صاحبة اسمها «مهجة» القرطبية، اشتهرت بجمالها وأحبتها ولَّادة،
ولازمت تأديبها، وكانت من أخف النساء روحًا، ثم وقع بينها وبين ولَّادة ما يقع بين الفتيات الجميلات عادة، كما اشتهر من النساء الأديبات
«اعتماد» جارية المعتمد وقد تقدم ذكرها، وبثينة بنت المعتمد، وحفصة بنت حمدون، و«غاية المنى»، و«نزهون»، والغرناطية
وغيرهن، كل أولئك ملأن كتب الأدب شعرًا ونكتًا وأحداثًا استوجبت غزلًا كثيرًا، وعتابًا كثيرًا، وملاحاة كثيرة، وعلى
الجملة فقد كُنَّ سببًا في الحياة الأدبية بجانب السبب الآخر، وهو عطاء الأمراء ورغبتهم في المديح والثناء، وكانا هما السببين
في الحياة الأدبية في الشرق والغرب على السواء.

وعلى الجملة فنحن إذا نظرنا إلى الحياة الأدبية في الأندلس رأينا خطوطها الرئيسية تشبه تمامًا الخطوط الرئيسية في المشرق، سواء من حيث
الموضوعات الأدبية، أو من حيث الأوزان العروضية أو من حيث البواعث النفسية. ولم يكن شيء يظهر في المشرق حتى
يكون له صدى في الأندلس، يؤلف الثعالبي يتيمة الدهر في ترجمة الشعراء ترجمة مسجوعة، فيقلده ابن بسَّام في الأندلس، ونرى هذا الشاعر
الأندلسي كالغزال يقلد أبا نواس، وابن زيدون يقلد البحتري، وابن هانئ يقلد المتنبي، وصاعدًا يقلد الجاحظ، وابن
الخطيب يقلد ابن العميد، وجواري الأندلس يقلدن جواري المدينة وبغداد وهكذا؛ ولهذا قلنا: إن الخطوط الرئيسية تكاد تكون
واحدة في الشرق والأندلس إلا خيوطًا ضعيفة قليلة يظهر فيها أثر الأندلس. فإن قلنا: إن الأدب العربي نهر جارٍ، فالأندلس رافد
من روافده؛ لا نهر مستقل موازٍ له. وبعبارة أخرى: فالأندلسيون وسعوا النهر الأصلي، ولم ينشئوا نهرًا جديدًا.


ولئن دمغ الأدب الجاهلي الأدب المشرقي، فالأدب المشرقي مع الأدب الأندلسي، وكان الظن أن يؤثر الأدب الإسباني والفرنسي أثرًا غير تأثير
الأدب الفارسي واليوناني في المشرق، ولكن حدث أن تأثر الأندلسيون بالمشرق أكثر من تأثرهم بالإسبانيين لوحدة
اللغة وحدة الدين، والخلاصة أن الأندلسيين في أدبهم وسعوا الإنتاج أكثر مما نوَّعوه، فبدل أن ينتجوا باءً بجانب الألف وهو الأدب المشرقي،
أنتجوا ألفًا أخرى تتشابه مع الأولى في الموضوع والوزن والقافية والسجع ونحو ذلك. وكأنهم كانوا يحسون مركب
النقص بالنسبة لأدباء المشرق، فكملوه بمجاراتهم بدعوى التفوق عليهم، ولكنهم لم يتفوقوا، والظاهر أن تيار المشرق كان قويًّا حتى
استحوذ على أدب المغرب، ولم يسمح له بالخروج عنه، وكان شأن الأدب في ذلك شأن الفقه والتصوف واللغة والفلسفة وسائر
فروع العلم.

نذكر هذا بعد أن قرأنا كثيرًا من آثار الأندلسيين، وقد دخلنا في بحث الموضوع، ونحن نعتقد أننا قادمون على شيء جديد مبتكر، فإذا نحن
أمام ثروة كبيرة مقلدة، وقد حدث لنا هذا مرة أخرى عندما دسنا الأدب المصري، وكنا نظن أن المصرية ستتضح في فروع
العلوم والآداب، وأن سنكون أمام شخصية تنتج من الأدب أنواعًا جديدة غير التي أنتجها العراق، فلم نَرَ بعد الدرس هذا الرأي، اللهم إلا
مسحة خفيفة عارضة كالمسحة التي رأيناها في الأندلس، ولعل الزمن يظهر هذا لمن بعدنا أكثر مما ظهر لنا.

هوامش
(?)
أما الأدب التأليفي فقد مَرَّ في الباب الذي قبله.
(?)
نسبت كتب العرب هذه الحادثة إلى إمبراطورة القسطنطينية، ويظهر أنهم خلطوا بين إمبراطور القسطنطينية وملك الدانمرك.
(?)
أي: أنها لحسنها تقوم مقام الشمس فلا تغرب.
(?)
انظر: فصل «الحركة الدينية».
(?)
الذحل: الثأر.
(?)
انظر: الحكاية بطولها في الجزء الثاني من نفح الطيب، الطبعة الأميرية.
(?)
ص?? من المعجب المطبوع في القاهرة.
(?)
الثواء: الإقامة. والتوى: أي إن البقاء في مكان واحد خمود وهلاك.
(?)
انظر: جملة أخرى صالحة من شعره في يتيمة الدهر للثعالبي والذخيرة لابن بسام.
(??)
نسبة إلى معد وهو اسم ممدوحه المعز لدين الله.
(??)
أصاخت: أصغت. والشيظم: الطويل الجسيم من الناس والخيل والإبل. والمخدم: القاطع من السيوف. والجرس:
الصوت الخفي. والبرى والبرين، جمع برة وهي كل حلقة من سوار وقرط وخلخال.
وهي أيضًا حلقة تجعل في أنف البعير، والمخدَّم: موضع الخلخال من الرِّجل. والمعنى: أن
العشيقة المتزوجة التي بجانب زوجها أو حارسها إذا أحست بأن عاشقها واصل إليها
وعازم على قتال بعلها وهي تعلم أن عاشقها شجاع قوي، عندما تسمع صوت حليها تتوهمه وقع
أرجل فرس، وإذا نظرت إلى خلخالها تخيلته لمع سيف، فصور الشاعر صورة فزعها تصويرًا
لطيفًا؛ لأن الخائف يتخيل ما لا حقيقة له. أخذ ذلك من قول جرير:
ما زلت تحسب كل شيء بعدهم
خيلًا تكر عليهم ورجالا
وقول المتنبي:
يرون من الذعر صوت الرياح
صهيل الجياد وخفق البنود
(??)
انظر: ديوان ابن هانئ، نشر الدكتور زاهد علي.
(??)
الوارد من الشعر: الطويل المترسل، ووحف الشعر والنبات وحفا: كثف واسْوَدَّ. والشنف: القرط الأعلى،
والمعنى: جعل الليل امرأة وظلامه شعر رأسها الطويل، وجعل الجوزاء
شنفها في أذنها.
(??)
قط القلم والفتيلة: قطع رأسه عرضًا. وعلى الدجى بمعنى في الدجى؛ أي: بات لنا ساقٍ يسقينا الخمر في
الليل المظلم الذي لا ضوء فيه إلا ضوء نجم كأنه شمعة، لا تحتاج إلى
القط ولا الطفي. وكانوا يشربون الخمر في أواخر الليل حين يختلط ظلامه بنور الصبح.
(??)
الأغن: ذو الغنة، وهو صوت من اللهاة والأنف، والغضيض: الطرف الفاتر المسترخي الأجفان، والصهباء:
الخمر. والوطف جمع أوطف، من الوطف وهو: كثرة شعر الحاجبين والعينين،
والمعنى أن الساقي ليس من العرب، بل من قوم في لسانهم غنة وقد اشتهر الفرس بتجارة
الخمر.
(??)
المُدام: الخمر. وأعنت عليه: أدخل عليه مشقة شديدة. والعطف: الجنب. والمعنى: يصف شدة ارتعاش يد الساقي
وتمايل جنبه، كأنه فقد توازنه.
(??)
الحقف: ما اعوَجَّ من الرمل واستطال، والجمع: أحقاف، والمعنى: شبه ردف الساقي بكثيب رمل، لكبره، كما شبه
قده الأعلى بخيزرانة، لدقته واستوائه، والمراد أن هذا الكثيب
والغصن أحسن من الكثيب والغصن المعروفين.
(??)
الحشايا: الفراش المحشو بالقطن ونحوه، إذا ملئت، وقَدَّ الشيء: قطعه مستأصلًا. واللحف جمع لحاف ككتب
وكتاب. والمعنى: لم يكن عند الشراب فراش نضطجع عليه، ولا لحاف نلتحف
به، فجعلنا الثوب الذي شربنا فيه الخمر فراشنا، والظلام الذي قضينا فيه الليل لحافنا، أي: إنا
قضينا الليل في شرب بلا فراش ولا لحاف.
(??)
الرشف: مص الماء بالشفتين. أي: أن الخمر تقرب حب كبد إلى كبد، وتبلغ خبر رشف من شفة إلى شفة. يعني أن شراب
الخمر بعضهم أحباء بعض.
(??)
غفا الرجل: نام نومًا خفيفًا، وهو يخاطب نديمه فيقول: بحقك نبه الساقي من سكرة الخمر، واحمله على
إدارة الكأس، فقد انكشفت أفواه الأباريق عمَّا كان عليها من فدام.
(??)
جعل الفجر والليل جيشين يقاتل أحدهما الآخر، هذا بضوئه وذاك بظلامه، فانهزم الظلام وغلب الضوء.
(??)
أي: غربت نجوم الثريا، وكانت كخواتم في بنان يد خفية، أي: كانت كخواتم بلا بنان يد.
(??)
الوشي: الحلية على الثياب. وتأوه: شكى وتوجع، والناشج من غص بالبكاء في حلقه من غير انتحاب. ونشيج
القِدر: غليانها، والسدر: شجرة النبق، وباغم أي: لا ينطق بوضوح. والمعنى
لما اجتمعنا نحن والواشة معًا، واطلعوا على سر حبنا المكتوم تأوه على حبنا ناشج من
القِدر، وأعانه على تأوهه ظبي باغم من السدر.
(??)
الجلى: الخطب العظيم. والتنديد: رفع الصوت. والمعنى: عزمه مؤيد من الله في كل خطب جليل، وسمعه حديد إلى صوت
من ناداه، ولو كان مشغولًا بأهل مجلسه.
(??)
فنده: خطأه، والمعنى أنه يسمع كل صوت إلا صوتين: لوم اللائمين، وتفنيد المفندين.
(??)
صعد في الجبل: رقي، وصعد في النظر وصوبه، نظر إلى أعلاي وأسفلي.
(??)
كيفه، فتكيف، أي: جعل له كيفية.
(??)
السمهرية: الرماح.
(??)
المراشف: جمع مرشف وهو الشفة. ورشف الماء: مصه بشفتيه. والمحاجر: العيون. والمعنى أنه يشك فيما
أصابه، هل هو من سيوف أبيك الماضية، أو نظرات عينيك الفاتكة، وهل ما
أصابه أيضًا من كئوس خمر أم من مراشف فيها، لقرب أثرهما بعضه من بعضه.
(??)
المعنى: أتجمعين عليَّ إصابة بسهام عينيك وفتك محاجرك، أما عندك رحمة.
(??)
السِّنة: الوسن وهو فتور يتقدم النوم، يسأل الشاعر عن موعد لقاء معشوقته ويقول: إنهم منعوا طيفك أن
يزورنا ليلًا، حتى إنهم لو عثروا في سيرهم على طيف طارق لظنوه طيفك
فمنعوه عنا.
(??)
المعنى: أن حسنك طبيعي لا صناعي، فتثنيك من رقة خصرك، وقد أخطئوا فظنوه من أثر شرب الخمر، وتكحلك
طبيعي في عينيك، فظنوه من صنع صانع.
(??)
هذه الزيادة مستفادة من النص.
(??)
أو بمعنى الواو.
(??)
انظرها في الجزء الثاني من طبقات الشافعية للسبكي.
(??)
اطَّبى: ادَّعى: والجبلة: الطبيعة.
(??)
في هذا البيت يتبع نظرية أفلاطون في المثال.
(??)
الثبوت: النجوم الثوابت، والخنس: الكواكب السيارة.
(??)
سير النجوم.
(??)
الثرى: التراب، والحيا: المطر، والدر: اللؤلؤ، والتبر: الذهب، والثبج: الخرز الأسود،
(??)
أي: حزين يلبس الحداد.
(??)
يشير إلى العباسيين عند محاربة الأمويين وقد اتخذ العباسيون شعارهم الراية السوداء.
(??)
بمعنى هلا.
(??)
النثل: ما جمعه الإنسان في حياته من جاه ومال ومنصب … إلخ.
(??)
أي لعل الملك حال كونه قادرًا على صنع جميل سوف يعمل على خلاصي.
(??)
اللبات: موضع القلادة من الصدر.
(??)
العلط: الوشم عرضًا في العنق.
(??)
كان ابن تاشفين ملك المغرب إذ ذاك.
(??)
انظر: ابن خلكان.
(??)
أبو خالد، هو ابنه يزيد، وأبو النصر: هو ابنه الآخر الفتح.
(??)
أبو عمرو هذا هو ابن ثالث له قُتل في قرطبة في فتنة ابن عكاشة.
(??)
يستحمل: بمعنى يحمّل.
(??)
الرقز: ضرب من الرقص.
(??)
هذا البيت للشريف الرضي.
(??)
انظر: مادة فكاهة وأدب شعبي وترجمة البهاء زهير وابن دانيال وما يتعلق بذلك في كتابنا «قاموس العادات والتقاليد
والتعبيرات المصرية».
(??)
انظر: البحث الذي وضعه الدكتور عبد العزيز الإهواني.
(??)
لابن قزمان ديوان مطبوع يرجع إليه من شاء، وقد كتب فيه بعض المستشرقين أبحاثًا مستفيضة.
(??)
انظر: «الحركة التأليفية».
(??)
انظر: «الحركة النحوية واللغوية والتأليف الأدبي» وما بعدها.
(??)
انظر «الحركة التأليفية».
(??)
انظر «الشعر والشعراء».
(??)
اشتدت.
(??)
انظر: «ابن زيدون الشاعر».
(??)
طبع منه في مصر جزءان، ولم يطبع الثالث، ومع ذلك فالجزءان لم يطبعا طبعة علمية دقيقة ولا مستوفية.
(??)
تصرفنا هنا تصرفًا قليلًا في بعض التعبيرات.
الفصل الخامس

الحركة الفلسفية والعلمية

يظهر أن منشأ الفلسفة في الأندلس كمنشئها في المشرق، فقد نشأت الفلسفة في المشرق من الطب والتنجيم لعناية الخلفاء بهما، إذ كانوا يحتاجون
إليهما كثيرًا، وكان بعضهم يؤمن بالتنجيم، وبما سيحدث في الكون، وكان من الموظفين الرسميين أطباء ومنجمون، وكان الطب
والتنجيم عند اليونان فرعين من فروع الفلسفة، كالطبيعيات والإلهيات، وكذلك كان الشأن في الأندلس. فقد احتاج الخلفاء الأولون إلى أطباء يداوونهم،
خصوصًا أن الترف وكثرة الأكل أضعفا أجسامهم، وكان بعضهم يؤمن بالتنجيم. والاشتغال بالطب والتنجيم يُسلم إلى الفلسفة؛
لأن الطب — كما هو معروف — يحتاج إلى معرفة النباتات وخصائصها، والعقاقير وما إليها، وهو المسمَّى «بالأقرباذين»، ومتى سار الطبيب في
ذلك، احتاج إلى المنطق لمعرفة الأقيسة والاستنتاجات الصحيحة في معالجة الأمراض، ومتى اتصل بذلك، اتصل بجالينوس وأفلاطون
وأرسطاطاليس، فاتصل بالفلسفة اليونانية. كذلك من اشتغل بالنجوم اتصل ببطليموس، ورأى نفسه محتاجًا إلى رياضة دقيقة، وهندسة
عميقة، فاتصل بأقليدس وفيثاغورس، ثم اتصل بأفلاطون وأرسطو كذلك.

ولذلك نرى الفلاسفة الأندلسيين الأولين أطباء فقط، مثل: الكرماني، وأبي جعفر أحمد بن خميس، وحمدين بن أبان، أو منجمين مثل: ابن السمينة،
ومسلمة بن أحمد المجريطي، والزهراوي وغيرهم. وقد أعانهم على التفلسف عوامل مختلفة:
list of 3 items
الأولى: أنه رحل إلى الأندلس في أول عهدها بعض البغداديين، فعلَّموا أهل الأندلس ما وصل إليه أهل بغداد في الطب، كالذي
روي عن إسحاق بن عمران، وأنه كان بغدادي الأصل، وكان طبيبًا مشهورًا، إلى كثير غيره،
وأنه رحل إلى الأندلس.
والثاني: أن الحَكَم كما قدمنا نقل كثيرًا من الكتب، ومنها الكتب الفلسفية التي ترجمت عن اليونانية، ولم يظهر كتاب عظيم
في الفلسفة إلا وينقل فورًا إلى الأندلس؛ كالذي حدثنا ابن أبي أصيبعة من أن الكرماني من
أهل قرطبة رحل إلى المشرق، وجلب معه عند عودته إلى الأندلس رسائل إخوان الصفاء.
والثالث: أن العلاقات كانت تحسن في بعض الأحيان بين خلفاء بني أمية الأندلسيين وبين القسطنطينية، فهؤلاء الأخيرون يهدون
إلى خلفاء بني أمية بعض الكتب الفلسفية والأدبية. ومن أظرف ما كتب في ذلك ما ذكره
ابن جلجل من أن «كتاب ديسقوريدس» في النبات كان قد ترجم ببغداد أيام المتوكل، ترجمه إسْطَفَنْ بن باسيل من اليونانية إلى
العربية، وصحح الترجمة حنين بن إسحاق. وقد وضع إسْطَفَنْ للكلمات اليونانية أسماء
عربية للنباتات التي يعرف لها اسمًا عربيًّا، وما لم يعرفه تركه. وورد هذا الكتاب إلى الأندلس أيام عبد الرحمن الناصر،
وانتفع الناس بالمعروف منه، فلما اتصل عبد الرحمن بأرمانيوس ملك القسطنطينية نحو سنة
???? أهداه أرمانيوس هدايا عظيمة، منها كتاب ديسقوريدس مصوَّرًا، وكان الكتاب مكتوبًا بالإغريقي الذي هو
اليوناني، كما أهدى إليه كتاب هيروسيس في القصص والتاريخ، وقال له أرمانيوس: «إن ديسقوريدس لا تُجتنى
إلا برجل يحسن اللسان اليوناني، ويعرف أشخاص تلك الأدوية. وأما كتاب هيروسيس فعندك في بلدك من
اللاتينيين من يقرءوه باللسان اللاتيني، وينقله إلى اللسان العربي. فقال عبد الرحمن الناصر: إنه ليس عنده من
يقرأ اللسان الإغريقي، وسأل الملك أن يبعث إليه رجلًا يتكلم الإغريقية ليعلم عبيدًا له.
فبعث إليه أرمانيوس راهبًا كان يسمى نيقولا، فوصل إلى قرطبة سنة ????، فعلمهم ما جُهل من أسماء عقاقير ديسقوريدس،
وحظي نيقولا الراهب عند عبد الرحمن الناصر، وفسَّر للناس العقاقير المجهولة، وتتلمذ
له كثير من الأطباء».
list end

فهذه العوامل كلها عملت في تكوين طبقة كانت تشتغل بالطب والتنجيم أولًا، ثم بمناسبة تغلغلهم في كتب اليونانيين اتصلت الأجيال التي أتت بعد
الفلسفة على عمومها، والحق أن أهل الأندلس تلقوا الطب والتنجيم قبولًا حسنًا، ولكن لم يتلقوا الإلهيات هذا القبول الحسن؛
لميلهم إلى الفقه المتزمِّت، وتشددهم في التفسير والحديث وما إلى ذلك فقط؛ ولذلك لم يسلم فيلسوف خرج عن الطب والتنجيم إلى الفلسفة من رَمْي
له بالزندقة والكفر والإلحاد، وطلب توقيع العقوبات الشديدة عليه كالإعدام. ويكاد تاريخ الفلاسفة الأندلسيين يكون سلسلة
اتهامات من هذا القبيل إلى آخرهم، كالذي حدث لابن باجة وابن رشد، وأخيرًا لابن الخطيب.

وقد أخذ الطب والتنجيم يتبلوران إلى فلسفة مدة سنين، حتى ظفرنا بالفلاسفة الحقيقيين، وسنقتصر على ذكر أشهرهم على التتابع.

ويظهر أن الاشتغال بالفلسفة كان منوَّعًا إلى نوعين: نوع أميل إلى التصوف منه إلى الفلسفة البحتة، وهؤلاء اتبعوا من الفلاسفة أفلوطين، وربما
عددنا من أوائلهم ابن مسرَّة، وقد ذكرنا المشتغلين بالتصوف متسلسلين في الحركة الدينية فانظرهم هناك.

ومن هذه المدرسة كان ابن سبعين، وهي تعتمد على الذوق والكشف ومراقبة النفس أكثر مما تعتمد على العقل والمنطق ومقدمات القياس ونتائجه.

والنوع الثاني: من اشتغلوا بالفلسفة الصرفة على النحو الذي سار عليه أرسطو، وربما عددنا من أولهم بمعنى الكلمة «ابن باجة» وهو بعينه المعروف
بابن الصائغ، وقد وصف ابن طفيل الأندلسي حالة الفلسفة في بلده وحالة ابن الصائغ الفيلسوف وصف خبير، فقال: «إن هذا العلم
— الفلسفة — أندر من الكبريت الأحمر، ولا سيما في هذا الصقع — يعني: صقع الأندلس — الذي نحن فيه؛ لأنه — أي: هذا العلم — من الغرابة في
حد لا يظفر باليسير منه إلا الفرد بعد الفرد، ومن ظفر بشيء منه لم يكلم الناس إلا رمزًا، فإن الملة الحنيفية والشريعة
المحمدية قد منعت من الخوض فيه وحذرت منه … ولا تظنَّنَّ أن أحدًا من أهل الأندلس كتب فيه شيئًا فيه كفاية، وذلك أن من نشأ بالأندلس من
أهل الفطرة الفائقة، قبل شيوع علم المنطق والفلسفة فيها، قطعوا أعمارهم بعلوم التعاليم والرياضيات، وبلغوا فيها مبلغًا
رفيعًا، ولم يقدروا على أكثر من ذلك … ثم خلف من بعدهم خلف زادوا عليهم بشيء من علم المنطق، فنظروا فيه، ولم يفض بهم إلى حقيقة
الكمال، فكان فيهم من قال:

برَّح بي أن علوم الورى
اثنان ما إن فيهما من مزيد
حقيقة يعجز تحصيلها
وباطل تحصيله ما يفيد
ثم خلف من بعدهم خلف آخر أحذق منهم نظرًا، وأقرب إلى الحقيقة، ولم يكن فيهم أثقب ذهنًا، ولا أصح نظرًا، ولا أصدق رؤية من أبي بكر من الصائغ،
?
غير أنه شغلته الدنيا، حتى اخترمته المنية قبل ظهور خزائن علمه، وبث خفايا حكمته، وأكثر ما وجد له من التآليف «نوعان: كتب مخرومة من أواخرها،
ككتابه في النفس وتدبير المتوحد، وما كتبه في المنطق وعلم الطبيعة. وكاملة وهي كتب وجيزة ورسائل مقتبسة».
?
وترتيب عبارته في بعض المواضع على غير الطريق، ولو اتسع له الوقت مال لتبديلها، فهذا حال ما وصل إلينا من علم هذا الرجل، ونحن لم نلق شخصه».


وابن باجة هذا كما يظهر من كلام ابن طفيل من أكبر مفكري عصره، ولكن مع الأسف لم تصلنا أكثر مؤلفاته، على أنه روي أن له كتبًا في المنطق
لم تتم موجودة في مكتبة الأسكوريال.

ومن أهم ما وصل إلينا من تآليفه رسالة الوداع، وكتاب «تدبير المتوحد»، فأما رسالة الوداع فقد أبان فيها فضل المعرفة وفضل التأمل الفلسفي،
وأنهما وحدهما يؤديان بالإنسان إلى معرفة الطبيعة، ويعينانه على تعرف نفسه ويوصلانه إلى العقل الفعال، كما يتعرض فيها
للنفس الإنسانية ونهايتها … إلخ.

وأما كتاب تدبير المتوحد، ومعنى المتوحد «النبتة تنبت من تلقاء نفسها، وتنتحي ناحية وحدها»، فإنه تعرَّض فيه للمدينة ووصفها على نحو مختصر
من جمهورية أفلاطون. وعنده أن المدينة الفاضلة هذه قد خلت من صناعة الطب وصناعة القضاء؛ لأن أهلها لا يمرضون لاغتذائهم
بالأغذية الصحيحة، ولعدلهم في تصرفاتهم، فأهلها صحاح الأبدان، عادلو الأحكام، وذكر أنه في هذه المدينة الفاضلة أعطي كل إنسان ما هو مستعد
له.

وهو يقسم أعمال الإنسان إلى أعمال اضطرارية كالهُوي من فوق، والاحتراق إذا مسته النار، وبعض أعماله يشترك فيها مع النبات، وبعضها يشترك
مع الحيوان. وأما الأفعال الإنسانية الخاصة، فهي ما تصدر عنه بإرادته. وقلما يوجد العمل البهيمي إلا ممزوجًا بالإنسان،
وتوسع في تقسيم الأعمال الإنسانية، حسب التعبيرات الفلسفية المعهودة، ومما يناسب اسم الكتاب «تدبير المتوحد»، أنه نصح بالبعد عن الناس ورأى
الخير في أن المتوحد يعيش وحده حتى ولو اضطرته الظروف أن يكون مقيمًا وسط الجماعة؛ لأن الغاية القصوى للإنسان الكامل
هي إعمال العقل والتأمل، وهي لا تأتي إلا بالدرس والفكر، ولا يكون ذلك إلا بالتوحد، ومن رأيه أن هناك عقلًا واحدًا كليًّا، اقتبس كل فرد
منه قبسة تختلف كبرًا وصغرًا، وربما كانت هذه الفكرة من الأسس التي بنيت عليها فكرة وحدة الوجود.

وقد ترجمت «رسالة الوداع» التي ذكرناها إلى العبرية، وفيها أبان عن العقل الأول، وبحث في الغاية الحقيقية من وجود الإنسان، والغاية من العلم،
وهي القرب من الله، والاتصال بالعقل الفعَّال الذي يفيض منه، وفي هذه الرسالة آراء في اتحاد النفوس أخذها منه ابن رشد،
وسمَّاها رسالة الوداع؛ لأن ابن باجة كان على سفر طويل، فكتبها لصديق من أصدقائه ليترك له آراءه إذا قُدِّر أن لا يلتقيا. وفي هذه الرسالة
بحث في قيمة المعرفة على نحو ما نراه في كتاب الشفاء لابن سينا.

وقد ولد ابن باجة هذا في سر سرقُسطة في آخر القرن الخامس الهجري، في دولة المرابطين. وقد كانت الغلبة في الناس لأهل الحديث المتشددين، أما
الفلاسفة فكانوا عرضة للاضطهاد أو القتل، إلا فترات قصيرة كان فيها بعض الأمراء يميل إلى الفلسفة، فيقرب إليه الفلاسفة،
وصادف أن كان منهم حاكم سرقسطة فاتخذ ابن باجة جليسًا له ووزيرًا، وكان ابن باجة على علم واسع بالرياضة والفلك والموسيقى والطب، فاضطهده
المتزمِّتُون ورموه بالزندقة والإلحاد، وكان قد وصل إلى الأندلس كتب فلاسفة الشرق، وخاصة الفارابي وابن سينا والغزالي،
فانتفع بكتبهم، وكانت فلسفته كما هو الشأن في أول كل شيء فلسفة لا شاملة ولا كاملة، وهو يتفق في آرائه في المنطق والطبيعة وما
بعد الطبيعة مع مذهب الفارابي، ويرى أن الهيولى لا يمكن أن توجد مجردة عن الصورة، أما الصورة فيمكن أن تتجرد من الهيولى، والإنسان
يتدرج درجات متتالية، حتى يصل إلى ما هو إلهي، ويتدرج من الجزئيات إلى الكليات والإنسان يبلغ الرتبة العليا بتنمية
العقل تنمية حرة خالصة من القيود، والفعل الحر الاختياري هو الذي يصدر بعد الفكرة والروية، أي: إنه فعل شعر فاعله بغاية يقصدها منه. فالطفل
قد يكسر شيئًا لا لغاية، ولكن العاقل يستطيع أن يفعل الفعل لغاية يقصد إليها … إلخ.

وله قصائد لونت بفلسفته مثل قوله:

يا باكيًا فرقة الأحباب عن شَحَط
هلَّا بكيت فراق الروح للبدن
نور تردد في طين إلى أجل
فانحاز عوًّا وخلى الطين للكفن
يا شد ما افترقا من بعدما اعتلقا
أظنها هدنة كانت على دخن
إن لم يكن في رضا الله اجتماعهما
فيا لها صفقة تمت على غَبَن

وهذا القول أشبه «بِعَيْنيَّة» ابن سينا في النفس. وقوله:

ما كل من شم نال رائحة
للناس في ذا تباين عجب
قوم لهم فكرة تجول بهم
بين المعاني أولئك النجب
وفرقة في القشور قد وقفوا
وليس يدرون لب ما طلبوا
لا يتعدى امرؤ جبلَّته
قد قسمت في الطبيعة الرتب

وكانت تفد إليه العلماء من جميع الأقطار. ويقول صاحب المعجب: إنه هو الذي نبَّه الناس على قدر ابن رشد ولفت إليه الأنظار، ومن ذلك الحين
عرفوه، ونبه قدره عندهم.

وقدر رأى أن الإنسان إذا ارتقى بلغ في ارتقائه أن يتصل بالله، وتنكشف له الحقائق، ويشعر من ذلك بلذة أكبر من كل لذة، ويحدث ذلك للإنسان
في لحظات تجلٍّ، وهي نظرية صرح بها أفلوطين، واعتنقها كثير من النصارى والمسلمين في القرون الوسطى؛ كابن طفيل وابن
رشد والغزالي وابن عربي وأمثالهم. وقد جعلها ابن طفيل هي غاية الغايات في رسالته حيِّ بن يقظان، وقال: إنه وصل إلى هذه الدرجة أولًا على
فترات طويلة ثم على فترات قصيرة.

ويظهر أنه كان عالمًا بالطب والرياضة والفلسفة، وأن ميزته سعة معارفه أكثر من سعة ابتكاره. وقد رووا أنه وُزِّر حوالي عشرين سنة لأبي بكر
بن إبراهيم صهر علي بن يوسف بن تاشفين رئيس المرابطين، كما رووا أنه ذهب آخر حياته إلى فاس حيث وقع فريسة لأعدائه،
حتى قالوا: إنه سُمَّ حوالي سنة ????، وأنه كان ممن دبر هذه المؤامرة عليه الطبيب ابن زهر. وغريب أن يقع فيلسوف فريسة لفيلسوف آخر. وكان
أساس اتهامه الإلحاد والخروج عن الدين، وكان يكرهه الفتح بن خاقان صاحب قلائد العقيان؛ ولذلك لما ترجم له في هذا الكتاب
رماه فيه بكل نقيصة إذ قال: «هو رَمَد عين الدين، وكمد نفوس المهتدين، اشتهر سخفًا وجنونًا، وهجر مفروضًا ومسنونًا، فما يتشرع، ولا يأخذ
في غير الأضاليل ولا يشرع. الإساءة إليه أجدى من الإحسان، والبهيمة عنده أهدى من الإنسان، نظر في تلك التعاليم، وفكر
في أجرام الأفلاك وحدود الأقاليم، ورفض كتاب الله الحكيم العليم، واقتصر على الهيئة، وأنكر أن تكون منه إلى الله فيئة، وحكم للكواكب
بالتدبير، واجترأ على الله اللطيف الخبير، وقصر عمره على طرب ولهو، واستشعر كل كبر وزهو، وأقام سوق الموسيقى، وهام بحادي
القطار وَسَقَى فهو يعكف على سماع التلاحين، ويقف عليه كل حين». وكلامه يمثل نظرة عوام الأندلس إلى الفلاسفة.

وعلى العكس من ذلك قال علي بن عبد العزيز عنه: «إنه كان في ثقافة الذهن، ولطف الغوص على تلك المعاني الجميلة الشريفة الدقيقة، أعجوبة دهره،
ونادرة الفك في زمانه». ويظهر أن الفتح بن خاقان إنما ذمه هذا الذم لأشياء شخصية وقعت بينهما، مع أنه كان قد مدحه قبل
ذلك مدحًا كبيرًا سنرويه في ترجمة الفتح مما يدل على عدم تحري الصدق وقول الحق.

وقد قال ابن أبي أصيبعة في طبقات الأطباء: «إنما انتُهجت سبل النظر في هذه العلوم — يعني: العلوم الفلسفية — بهذا الحبر — يعني: ابن باجة
— وبمالك بن وهيب الإشبيلي، فإنهما كانا متعاصرين، غير أن مالكًا لم يقيد عنه إلا قليل نَزْر، في أول الصناعة الذهنية،
وأضرب الرجل — يعني: ابن باجة — عن النظر ظاهرًا في هذه العلوم، وعن التكلم فيها لما لحقه من المطالبات في دمه بسببها، وأقبل على العلوم
الشرعية فرأس فيها، وله تعاليق في الهندسة وعلم الهيئة تدل على نبوغه في هذا الفن. وأما العلم الإلهي فلم يوجد في تعاليمه
شيء مخصوص به اختصاصًا تامًّا، إلا نزعات تستقرأ من قوله في رسالة الوداع».

ويحكي ابن أبي أصيبعة أنه كان من جملة تلاميذ ابن باجة أبو الوليد بن رشد، وقد عدد كتبًا لابن باجة من تآليفه الضائعة مثل شرح كتاب «السماع
الطبيعي» لأرسطاطاليس، وشرح لبعض كتاب «الآثار العلوية»، وله أيضًا شرح لبعض كتاب «الكون» وكتاب «الحيوان والنبات»
في اتصال العقل بالإنسان، وكتاب «النفس» وهو تعليق على كتاب الفارابي «في الصناعة الذهنية»، وفصول قليلة في السياسة المدنية … إلخ. والله
أعلم.

بنو زُهْر

من أشهر فلاسفة الأندلس بنو زهر، وهم سلسلة من العلماء والأطباء ظهروا في الأندلس ستة في نَسَق، أولهم وهو الجد الأعلى أبو بكر محمد
بن مروان بن زهر، وقد اشتهر بالفقه والأدب، ومات سنة ???? ثم ابنه أبو مروان عبد الملك بن محمد بن زهر، وكما
اشتهر أبوه بالفقه والأدب اشتهر هو بالطب، وقد تنقل بين القاهرة والأندلس، واتصل ببلاط أمير دانية واسمه مجاهد، وعين طبيبًا خاصًّا
له، ومات عن ثروة كبيرة، قال القاضي صاعد فيه: إنه رحل إلى المشرق، ودخل القيروان ومصر، وتطبَّب هناك زمنًا
طويلًا، ثم رجع إلى الأندلس، وله في الطب آراء شاذة.

ثم ابنه أبو العلاء واشتغل أيضًا بالطب وأخذه عن أبيه، ورويت له عجائب في تشخيص الأمراض، واتصل بأمراء بني عباد، ثم انضم إلى يوسف بن
تاشفين، ثم ابنه أبو مروان بن أبي العلاء، ويسمَّى عادة بأبي مروان بن زهر، ولد حوالي سنة ????، وتعلم الطب
على أبيه، وابتكر أشياء كثيرة في الأقرباذين، وقد كان صديقًا لابن رشد، ولما ألف ابن رشد كتابه في كليات الطلب أوعز إلى صديقه هذا أن
يؤلف كتابًا في الجزئيات حتى يكمل بعضهما بعضًا. ولأمر خفي اضطهده علي بن يوسف بن تاشفين ثم سجنه، ولعل ذلك
كان إرضاء للعوام لما نقموا عليه اشتغاله في الفلسفة. وله كتاب اسمه «الاقتصاد في إصلاح الأنفس والأجساد»، وكان طبه كثيرًا ما يعتمد
عليه الطب الأوربي، ومن ابتكاراته وصف للأورام الحيزومية والتغذية الصناعية عن طريق الحلق.

ثم ابنه أبو بكر محمد بن عبد الملك، خلف رسالة في طب العيون، وقد كان طبيبًا ليعقوب بن يوسف، فقربه إليه، ثم ابنه أبو محمد عبد الله،
وكان طبيبًا ماهرًا أيضًا، واتصل ببلاط الموحدين، وتوفي شابًّا بالسم كأبيه ولم يكن يلغ خمسة وعشرين عامًا.


فهذه الأسرة كما ترى، أسرة برزت في الطب واشتهرت بالفلسفة، ولكن مع الأسف لم نعرف الكثير عن فلسفتهم. ونصل بعد ذلك إلى ابن طفيل.

ابن طفيل
كان طبيبًا في دولة الموحدين فاشتغل في بلاطهم، وهو الذي قدَّم إلى هذا البلاط ابن رشد، وكان ابن طفيل أسن منه، وهو أيضًا الذي حبب
إلى ابن رشد تلبية رغبة الخليفة في شرح كتب أرسطو، وابن رشد حلَّ محله لما طَعَن ابن طفيل في السن. وقد مات
ابن طفيل سنة ????، ولم يعرف له إلا رسالة حي بن يقظان،
?
مع أنه تنسب إليه آراء في الفلك. وقد ألف هذه الرسالة مقتبسًا الفكرة والاسم من ابن سينا، وإن كانت قصته أروع، وتأثر فيها بالأفلاطونية
الحديثة، بنى فكرته فيها على إنسان وُجِدَ منذ طفولته في جزيرة نائية ليس فيها أحد من الناس فأرضعته غزالة،
وكان هذا الطفل موهوبًا قادرًا على التفكير العميق، استطاع بعقله شيئًا فشيئًا أن يعرف الكون ويشرح جسم الإنسان ويعرف
أسراره، وأن يعرف النار وفوائدها، وأخيرًا استطاع أن يعرف الله. ولما تقابل مع رجل في الجزيرة كان تديَّن بشريعة نبي واستطاعا
أن يتفاهما، عرض كل ما عنده على الآخر، وتبين أنهما متفقان في الأصول دلالة على أن الدين لا يخالف العقل.

وفي الرسالة لفتات لطيفة، منها: أن الإنسان إذا ارتقى اتصل بالله ورأى ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، كما ذكرنا
ذلك في ابن باجة، وقد تقدم في حياته كثيرًا بقوة عقله، فاستطاع حتى أن يبدل أوراق الشجر التي كان يلبسها بجلد
نسر، واستطاع أن يفهم معنى الموت لما ماتت أمه الغزالة، واهتدى إلى غزل الصوف، وصنع الإبر، والبناء، كما اهتدى إلى صيد الحيوانات وتربية
الدواجن، واستنتج من تبخُّر الماء فكرة الهيولى والصورة، وتحول الصور بعضها إلى بعض، واكتشف أيضًا فوائد النار
ومضارها، ثم فكر في السماء كما فكر في الأرض.

وهناك مثلًا يدل على دقة ملاحظته. قال في اكتشاف النار ما يأتي: «واتفق في بعض الأحيان أن انقدحت نار في أجمة قلخ
?
على سبيل المحاكة، فلما بصر بها رأى منظرًا هاله، وخلقًا لم يعتده قبل، فوقف يتعجب منها مليًّا، وما يزال يدنو منها شيئًا فشيئًا،
فرأى ما للنار من الضوء الثاقب، والفعل الغالب، حتى لا تعلق بشيء إلا أتت عليه، وأحالته إلى نفسها، فحمله العجب
منها، وبما ركب الله في طباعه من الجرأة والقوة على أن يمد يده إليها، فأراد أن يأخذ منها شيئًا، فلما باشرها أحرقت يده، فلم يستطع
القبض عليها، فاهتدى إلى أن يأخذ قبسًا لم تستولِ النار على جميعه فأخذ بطرفه السليم والنار في طرفه الآخر،
فتأتَّى له ذلك وحمله إلى موضعه الذي كان يأوي إليه، وكان قد خلا في جحر استحسنه للسكنى قبل ذلك، ثم ما زال يمد تلك النار بالحشيش
والحطب، ويتعهدها ليلًا استحسانًا لها وتعجبًا منها، وكان يزيد أنسه بها ليلًا؛ لأنها كانت تقوم له مقام الشمس
في الضياء والدفء، فعظم بها ولوعه واعتقد أنها أفضل الأشياء التي لديه، وكان دائمًا يراها تتحرك إلى جهة فوق، وتطلب العلو،
فغلب على ظنه أنها من جملة الجواهر السماوية التي كان يشاهدها.
وكان يختبر قوتها في جميع الأشياء بأن يلقيها فيها فيراها مستولية عليها، إما بسرعة وإما ببطء بحسب قوة استعداد الجسم الذي كان يلقيه
للاحتراق أو ضعفه. وكان من جملة ما ألقى فيها على سبيل الاختيار لقوتها شيء من أصناف الحيوانات البحرية كان
قد ألقاه البحر إلى ساحله، فلما أنضجت ذلك الحيوان، وسطع قتاره،
?
تحركت شهوته، فأكل منه شيئًا فاستطابه، فاعتاد ذلك أكل اللحم، فعرف الحيلة في صيد البر والبحر حتى مهر في ذلك».
وبهذه المناسبة تقول: إنه هو والفلاسفة المسلمون والفلاسفة اليونانيون من قبل كانوا يرون أن الأجسام السماوية من نجوم وكواكب، وسماء
وأجسام شفافة طاهرة أرقى في الحياة من الإنسان، وأنها في رقيها وسط بين الله والناس؛ وأنها أهل لأن يقتدي بها
الإنسان، وأنها طبقات بعضها فوق بعض، وأنها أفلاك عشرة وسمَّوها العقول العشرة، وكل عقل يحكم ما تحته، ويحكم بما فوقه، ثم الفلك الأخير
من ناحية الأرض يتحكم فيها وفي شئون أهلها، ومما قاله في ذلك ابن طفيل: «إن التشبُّه بالأجسام السماوية على
ثلاثة أضرب:
list of 3 items
فالضرب الأول: أن لها أوصافًا بالإضافة إلى ما تحتها من عالم الكون والفساد، وهي ما تعطيه إياه من التسخين بالذات او
التبريد بالعرض والإضاءة والتلطيف والتكثيف إلى سائر ما تفعل.
والضرب الثاني: أن لها أوصافًا في ذاتها، مثل كونها شفافة ونيِّرة وطاهرة، ومتنزهة عن الكدر وضروب الرجس، ومتحركة بالاستدارة،
بعضها على مركز نفسها، وبعضها على مركز غيرها.
والضرب الثالث: أوصاف لها بالإضافة إلى الموجود الواجب الوجود، مثل كونها تشاهده مشاهدة دائمة ولا تعرض عنه وتتشوق
إليه، وتتصرف بحكمه، ولا تتحرك إلا بمشيئته».
list end

فجعل «حي بن يقظان» يتشبه بها، ففي الضرب الأول متى وقع بصره على نبات قد حجبه عن الشمس حاجب أو تعلق به نبات آخر يؤذيه أو عطش عطشًا
يكاد يفسده أزال عنه ذلك الحاجب … وتعهده بالسقي ما أمكنه، ومتى وقع بصره على حيوان قد أرهقه ضبع أو نشب به
ناشب أو تعلق به شوك، أو سقط في عينيه أو أذنيه شيء يؤذيه، او مسَّه ظمأ أو جوع تكفل بإزالة ذلك كله وأطعمه وأسقاه، ومتى وقع بصره على
ماء يسيل إلى سقي نبات أو حيوان وقد عاقه عن ممره ذلك عائق، من حجر سقط فيه، أو جرف انهار عليه، أزال ذلك كله
عنه، وما زال ينعم في هذا النوع من ضروب التشبه حتى بلغ به الغاية … إلخ إلخ.

وعلى الجملة فقد كانت قصة غريب لطيفة، فيها المعاني الفلسفية العميقة، والخيالات القصصية اللطيفة، صاغ ذلك كله في عبارة أدبية رفيعة
جزلة، قلدها بعض أهل المشرق والمغرب. ولما انطفأ سراجه خلفه ابن رشد، وكانت الفلسفة قد نضجت، ووسائلها قد توفرت،
وفلسفة ابن باجة وابن طفيل قد وصلت وهضمت، ووصلت إلى الأندلس أيضًا رسائل إخوان الصفاء، وكُتُب الفارابي وابن سينا الفلسفة، وردَّ
الغزالي على الفلاسفة في كتابه تهافت الفلاسفة، فأمكن من كل ذلك ظهور ابن رشد كفيلسوف ناضج، يحمل علم الفلسفة
في الأندلس، وفيما جاورها من الأمم، ويصبح بحق فيلسوف الأندلس بلا مراء.

ابن رشد
لابن رشد أسرة طيبة تشبه أسرة ابن زُهر، من حيث إن الأب الأول كان فقيهًا، والذي يلاحظ أنه كان من مداخل الفلسفة الفقه لسببين:
list of 2 items
الأول: أن الفقه والاشتغال به والبحث عن استنباط الأحكام يُعلِّم العمق، ودراسة الفلسفة دراسة عميقة.
والثاني: أن الفلسفة لما كانت مكروهة في الأوساط الشعبية الأندلسية كان الفقه ستارًا يتخذه الفلاسفة، حتى لا يرموا
بالزندقة.
list end

وعلى الجملة فقد كان الجد الأول هو أبو الوليد محمد بن رشد، كان قاضيًا لقرطبة على مذهب الإمام مالك، وتوجد مجموعة من فتاويه في كتاب
خطي للآن، وقد سفر للسلطان في المغرب ونجح في سفارته، وكان موضع السفارة نقل ألوف من نصارى الأندلس إلى طرابلس
لاتقاء شرِّهم، وقد خلف هذا الجد ابنًا اسمه أحمد، وهو أبو فيلسوفنا الكبير. وقد ولد ابن رشد الفيلسوف في قرطبة سنة ????، وأخذ يتعلم
الشريعة من فقه وأصول وكلام، ثم التفت إلى الطب فدرسه ومهر فيه. ويقول ابن أبي أصيبعة: إنه درس الطب والفلسفة
على ابن باجة، وسرعان ما انتقل من الطب إلى الفلسفة، ولكن لم يشأ أن يظهر بالفلسفة، حتى لا يتهم في العقيدة، وقد قربه
وحماه الخليفة الموحدي، وهو الأمير يوسف الذي خلف عبد المؤمن.

وقد قال ابن رشد: «لما دخلت على أمير المؤمنين وجدت ابن طفيل في مجلسه، فابتدأ يذكر شرف أسرتي وقدم عهدها، وأثنى عليَّ ثناءً لا أستحقه.
ولما التفت إليَّ الأمير سألني عن اسمي واسم أبي واسم أسرتي وبادرني بالسؤال: ماذا يعتقد الفلاسفة في الكون؟
أهو قديم أزلي أو محدث، فداخلني الوجل عند هذا السؤال وأخذت ألتمس عذرًا لأتخلص من الجواب، فأنكرت أنني اشتغلت بالفلسفة وما كنت عالمًا
أن ابن طفيل اتفق مع أمير المؤمنين على تجربتي، فلما رأى الأمير اضطرابي التفت إلى ابن طفيل، وصار يباحثه في
هذا الموضوع، فروى كل ما قاله فيه أرسطو وأفلاطون وغيرهما من الفلاسفة، وأردفها بردود المتكلمين عليها، فاطمأنت نفسي حينئذٍ،
ولكني عجبت مما بدا من الأمير من الذكاء وقوة الذاكرة التي ندر وجودها حتى عند العلماء المنقطعين إلى هذه المسائل،
وبعد الفراغ من الكلام جرأني عليه؛ ليرى مبلغ علمي في ذلك الموضوع، فاجترأت وأخذت أتكلم، وعند خروجي من مجلسه منحني
مالًا وخلعة سنية ودابة للركوب».

ومن هذا الوقت صار ابن رشد من أحب الناس للأمير يوسف، وقد حدثونا أن الأمير هو الذي طلب من ابن رشد شرح فلسفة أرسطو؛ لأنه رآها غامضة.
وقد ولَّاه الأمير قضاء إشبيلية سنة ????، وفيها شرح قسمًا من أقسام فلسفة أرسطو، وهو قسم الحيوان، ثم رأيناه
سنة ???? في قرطبة يشرح شرحه الطويل على أرسطو، وطالما شكا من الوظيفة؛ لأنها تحرمه التفرغ للتأليف. وقد ولي طبَّ الأمير بعد ابن طفيل،
وعهد إليه رياسة القضاء في قرطبة، ولئن كان ابن سينا شغلته السياسة عن التفرغ للفلسفة، فابن رشد شغله القضاء
وطب الأمير عن ذلك أيضًا، ومات الأمير يوسف، وخلفه الأمير يعقوب، فقربه إليه أيضًا، ولكن بدأ الوشاة والمنافسون يرمون ابن
رشد بأنه زنديق يجحد القرآن، ويعرِّض بالخلافة، وكتب مرة على كتابه يصف المنصور بأنه أمير البرَّين، فحرَّفوها إلى أمير
البربر، وقد أعرض الأمير يعقوب عن سماع هذه الوشايات أولًا، ولكنه أمام هياج الشعب وحب التقرب إليه تنكر لابن رشد،
فاستدعى ابن رشد وامتحنه وأخلى سبيله، وكان الطلبة ينتظرونه، فهنأوه بنجاته وعدم إصغاء الأمير إلى الوشايات فيه، وتقريب الأمير
إليه فقال: «والله إن هذا ليس مما يستوجب الهناء، فقد قربني دفعة واحدة أكثر مما كنت أؤمل»، ثم اتهموه بما
ذكرنا.

وزاد الأمر سوءًا أنه قد شاع عند العامة في وقت من الأوقات حصول أرباح شديدة تهلك الحرث والنسل، وأنها تكون كالرياح التي أرسلت على
عاد، فروي عن ابن رشد أنه قال: «والله وجود قوم عاد ما كان حقًّا، فكيف سبب هلاكهم؟» ولو صحت هذه الجملة عن
ابن رشد لكان معناها أنه يعتقد أن عادًا وقصته أسطورة، فهاج عليه العوام وقالوا: إنه ينكر القرآن. وزيادة على ذلك أنهم فتشوا في كتبه
الفلسفية، وأخذوا منها ما ينافي الدين، فأمر الأمير بمحاكمته. فكان ابن رشد في ذلك صريحًا صادقًا، فلم يتزلف
للأمير، وشهد الجلسة الكبرى لمحاكمته، وكتبوا بأنه مرق من الدين واستوجب ما لعن الله به الضالين، وخالف عقائد المؤمنين، ومع ذلك فلم
يحكم فيه الأمير السيف، بل نفاه إلى قرية قريبة من قرطبة، سكانها من اليهود، وأذيع في العامة المنشور التالي:


قد كان في سالف الدهر قوم خاضوا في بحور الأوهام … فخلدوا في العالم صحفًا ما لها من خلاف، مسودة المعاني والأوراق، بُعدها
من الشريعة بُعد المشرقين، وتباينها تباين الثقلين، يؤمنون بأن العقل ميزانها، والحق برهانها،
وهم يتشيعون في القضية فرقًا، ويسيرون فيها شواكل وطرقًا … يخادعون الله والذين آمنوا وما يخادعون إلا أنفسهم وما يشعرون …
فكانوا عليها أضر من أهل الكتاب، وأبعد عن الرجعة إلى الله والمآب … فاحذروا — وفقكم الله
— هذه الشريعة على الإيمان حذركم من السموم السارية في الأبدان.

ووقع مع ابن رشد في الاتهام أبو جعفر الذهبي وغيره، وتفرق عن ابن رشد تلامذته لما وجدوه يضطهد. وقد روي عن ابن رشد في هذا الموقف أنه
قال: «أعظم ما طرأ عليَّ في النكبة أني دخلت أنا وولدي عبد الله مسجدًا بقرطبة وقد حانت صلاة العصر، فثار علينا
بعض سفلة العامة، فأخرجونا منه». ثم إن الأمير عفا عنه، ويظهر أن ذلك كان بعد أن هدأت العامة، ولكن لم يعِش بعد العفو طويلًا، فتوفي
سنة ???? وله من العمر خمسة وسبعون، وكان قد استدعي إلى مراكش فمات بها، ثم حمل إلى قرطبة ودفن بها، وأصيبت
الأندلس بوفاة عبد الملك بن زهر، وابن البيطار، وابن رشد وكلهم علماء عظام في الفلسفة، فأقفرت البلاد منهم، وكان موتهم بعد موت
ابن زهر وابن طفيل إنذارًا بأفول شمس الفلسفة.

وأهم وظيفة لابن رشد أنه شارح فلسفة أرسطو كلها تقريبًا فقد ندبه الأمير الموحدي، وانتدب هو نفسه لشرح كتب أرسطو، وقد وضع على هذه الكتب
ثلاثة شروح؛ صغير ومتوسط وكبير، وتخصص لذلك، وكان يعجب بأرسطو إعجابًا شديدًا، ويعده المثل الأعلى للإنسان،
ويشيد بذكره في كل مناسبة، فيقول مثلًا في مقدمة كتابه الطبيعيات: «إن مؤلف هذا الكتاب هو أرسطو، وهو أعقل أهل اليونان، وأكثرهم حكمة،
وواضع علوم المنطق والطبيعيات وما وراء الطبيعة ومتممها، وقد قلت: إنه واضعها؛ لأن جميع الكتب التي وضعت قبله
في هذه العلوم غير جديرة بالذكر بإزاء كتبه، وقلت: إنه متممها؛ لأن جمع الفلاسفة الذين عاشوا منذ ذلك الزمن إلى اليوم، أي:
مدة ألف وخمسمائة سنة، لم يستطيعوا زيادة شيء على وضعه، ولا وجدوا خطأ فيه، فلا ريب في أن اجتماع هذا العلم في إنسان
واحد أمر غريب عجيب، يوجب تسميته ملكًا إلهيًّا لا بشرًا؛ ولذلك كان القدماء يسمونه أرسطو الإلهي».

وقال في موضع آخر: «إننا نحمد الله كثيرًا؛ لأنه قدر الكمال لهذا الرجل ووضعه في درجة لم يبلغها أحد غيره من البشر في جميع الأزمان،
وربما كان الباري مشيرًا إليه بما قال في كتابه القرآن: قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ
مَن يَشَاءُ». وقال في موضع آخر: «إن برهان أرسطو لهو الحق المبين». ويمكننا أن نقول عنه: «إن العناية الإلهية
أرسلته إلينا لتعليمنا ما يمكن علمه». كل هذا يدل على أنه كان يقدره تقديرًا كبيرًا؛ ولذلك لم يخرج عنه إلا في القليل النادر، فهو
أخلص له من ابن سينا مثلًا الذي خالف منطق أرسطو وخطَّأه، وألف منطق المشرقين حتى إن ابن رشد كان إذا بدا له
ما يخالفه فيه يحكي قول أرسطو ويلقي تبعته عليه.

وقد تأثر جدًّا بطريقة تفسير القرآن والحديث، فكان يذكر أرسطو، ثم يعقبه بالشرح، وقد راعى في هذا طريقة التعليم التي كان يتبعها أهل
زمنه، والتي حكاها ابن خلدون في مقدمته من أن المعلمين كانوا يبدءون مع الطلبة الشيء مختصرًا، ثم يقرءونه بعد
ذلك وسطًا، ثم يقرءونه مبسوطًا؛ وقد حكى لنا ابن أبي أصيبعة أن ابن رشد شرح أكثر كتب أرسطو من منطق وطبيعة وما بعد الطبيعة ونبات وحيوان
وغير ذلك. ومن مظاهر تقديسه لأرسطو أنه كان يرد على ابن سينا والفارابي والغزالي حين يخرجون عليه، ووقف طويلًا
في الرد على «الشفاء» لابن سينا، «وتهافت الفلاسفة» للغزالي، وأثار مسائل هامة أثارها علماء الكلام في الإسلام، كما أثارتها فلسفة
أرسطو. وكان المتكلمون كالمعتزلة والسُّنِّية أثاروا مسائل على نحو خاص، ثم أثارها الفلاسفة المسلمون على نحو
آخر، والفرق بين منهج المتكلمين ومنهج الفلاسفة أن المتكلمين مؤمنون داعون إلى الإسلام، اخضعوا آراء اليونان ومذاهبهم
لحكم الإسلام، أما الفلاسفة فخضعوا هم للفلسفة، ودخلوا في بحث الموضوع مجردًا عن أي اعتبار؛ ولذلك لم يعجبهم منهج المتكلمين.


كان أهم ما بحث فيه المتكلمون والفلاسفة وجود الكون: هل هو أزلي أو حادث؟ وكيف نشأ الكون المتعدد عن الإله الواحد؟ وما علاقة الله بالكون؟
ثم البحث بين السبب والمسبب، فعند المتكلمين أن المادة محدثة غير أزلية، والله هو الذي أوجد الأجسام وعوارضها
بعد أن لم تكن موجودة، ولا يوصف بالأزلية إلا الله، والله أوجد الكون من العدم البحت، وتكاد تُجمِع الأديان كلها على هذا الرأي.

وقد انقسم المتكلمون بعد اتفاقهم على هذا إلى قسمين: فالقدرية وهم المعتزلة قالوا: إن الخالق وضع للكون نظامًا، وأودع في المخلوقين
قُوًى تصدر عنها آثارها بطريق التوليد والسببية، وقد أوجب على نفسه هذه القوانين مراعاةً لصالح البشرية وجعلها
لا تتخلف؛ ولذلك لم يطمئنوا إلى المعجزات، كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص؛ لأنها تخالف هذه القوانين، والفرقة الأخرى من المتكلمين
ترى أن السبب لا يصدر عن المسبب، وإنما يصدر المسبب عن الله عند وجود السبب، فالأكل لا يوجد الشبع، وإنما الله
هو الذي يُشبع عند وجود الأكل، والنار لا تحرق ولكن يُحرق اللهُ عند وجود النار. وسبب قولهم ذلك: إنكار نسبة الإيجاد إلى شيء غير الله.
وقالوا: إن الأسباب لا بد منها في صدور السبب، إلا أن الذي يخلق المسببات ويعطيها الوجود عند استكمالها هو
الله تعالى، وليس الله بملزم بها.

وعلى ذلك تفهم المعجزات بسهولة، فلم يحرق إبراهيم مع وجود النار؛ لأن الله لم يخلق الإحراق، وهو الذي يشفي من يشاء، ويُمرض من يشاء
كما يرى، فيخلق الشيء عند وجود السبب أو لا يخلقه. وعلى الجملة فنفوا أن تكون الأسباب هي الموجبة للمسببات.
والفلاسفة يذهبون مذهب المعتزلة من ربط الأسباب بالمسببات، وأن المسبب يصدر عن السبب، وقد قال ابن رشد بوجود واجب الوجود، المنزه عن
المادة والماديات، وتبع أرسطو في قوله: بوجود عقول مجردة عن المادة، وهي المسماة بالعقول العشرة، فالعقل الأول
جوهر مجرد عن المادة، وهو أول صادر عن الله واجب الوجود، وقد صدر عنه الفلك التاسع، ثم عقل آخر هو العقل الثاني، وعن هذا الثاني
صدر الفلك الثامن وهكذا. ويسمون العقل العاشر بالعقل الفعال، أو العقل الفياض للكون، وكل عقل يؤثر فيما بعده،
وما بعده يؤثر فيما بعده وهكذا. فكل ما يصدر في عالمنا يصدر عن هذه الأفلاك مسلسلًا إلى العقل الفعَّال. والذي حملهم على ذلك
قولهم: إن الله واحد من جميع الوجوه، والواحد من كل وجه لا يصدر عنه إلا الواحد، فيلزم ألا يصدر عن الواجب الواحد
إلا واحد وهو العقل، وكل عقل يفعل فيما بعده. والأسباب والمسببات وارتباط بعضها ببعض داخلة في علم الله، وهي تصدر
عنه على حسب ترتيبها في العلم … إلخ.

ويرى ابن رشد تبعًا لفلسفة أرسطو أن نفس الإنسان — أي: النفس الناطقة — جوهر مجرد عن المادة، لا هو جسم ولا حالٌّ في جسم، وإنما له
علاقة ما بالجسم، يدبره ويصرفه، كما يتصرف الملك في المدينة وهو خارج عنها، والنفس الإنسانية قابلة للارتقاء
على أربع مراتب أطال في ذكرها، ومعنى رقيِّها ارتفاع النفس بقواها عن ظلمة الطبيعة بما يكون لها من الاستعداد، وانجذابها نحو العالم
الأعلى، فتشرق فيها المعلومات.

وقد جرَّد ابن رشد نفسه للدفاع عن هذه الآراء والرد على مخالفها، ومن شنَّع عليها كالغزالي في تهافت الفلاسفة، وتعصب ابن رشد لمنطق
أرسطو، واعتقد أنه لا يستطيع الإنسان أن يصل إلى الحق إلا به، ورقي الإنسان تابع لمقدار معرفته بالمنطق. وقد
فضل فلسفة أرسطو على كلام المتكلمين، وقد عدَّ ابن رشد خارجًا عن السنن الإسلامي في ثلاثة آراء:
list of 3 items
(?) قوله بقدم العالم ونظام العقول الذي شرحناه وصدور كل عقل عما قبله.

(?) ارتباط المسببات بالأسباب على وجه لا يسمح المعجزات.

(?) قوله ببقاء الكليات وحدها، وفناء الجزئيات، وعلى هذا المبدأ فسر المعاد. فالنفس الفردية الجزئية تفنى، وإنما الذي يخلد
ويبقى ويجري عليه المعاد، هو النفس الإنسانية الكلية، وتوضيح ذلك أن الفرد إذا مات
تحلل جسمه إلى عالم الأجسام، واتصلت نفسه الفردية بالنفس الكلية، وهذا يجعل فهم الثواب والعقاب للأفراد صعبًا؛ إذ ليس هناك
وجود للنفس الفردية، نعم: إن لابن رشد قولًا آخر بوجود النفس الفردية وخلودها، ولكن
يظهر أنه ساير فيه الجمهور أكثر من أنه كان يعتقده، فكان له رأي فلسفي لنفسه وللمتفلسفة غير رأيه الذي يجاري
فيه الجمهور، ويساعد على فهم النفس الكلية قوله: إن العقل لا يتجزأ على عدد الأفراد، وإنه واحد
في سقراط وأفلاطون، وإذ كان لا من حيث العقل؛ لأن العقل لا يتجزأ، وعلى العموم فالذي يبقى بعد الموت على
رأيه الأخير، هو الحياة الإنسانية الكلية، لا الحياة الفردية. وعلى هذا يكون من الصعب على رأيه فهم
ما جاء به الدين من الحشر والبعث والعقاب.
list end

والذي يفهم من ثنايا كتاباته في هذا الموضوع أنه يرى أن الدين شرع للخاصة والعامة، والفلسفة للخاصة وحدهم. ولما كانت العامة لا يمكن
أن يحملهم على الإتيان بالفضائل وتجنب الرذائل، إلا الاعتقاد بالثواب والعقاب والبعث ومسئولية كل فرد في الآخرة
عمَّا يصدر عنه من أعمال، كان الدين آتيًا بذاك للمصلحة العامة، أما الخاصة من الفلاسفة فيأتون بالفضائل، ويتجنبون الرذائل لذاتها.
وقد دلهم البحث الفلسفي على أن الخلود هو للنفس الكلية لا الجزئية.

ومن ظريف ما يروى في هذا الباب ما رواه جمال الدين مؤلف كتاب تاريخ الفلاسفة، وقد كان من تلاميذ ابن رشد، قال: «كنت صديقًا حميمًا لابن
يَهوذا، ففي ذات يوم قلت له: إذا كانت النفس تحيا بعد مفارقة الجسد، وتبقى قادرة على معرفة الأشياء الخارجية،
فَعِدني وعدًا صادقًا أنك إذا مت قبلي، تخبرني بما هنالك، وأعدك أني إذا مت قبلك أفعل ذلك، فوعدني بهذا، ثم إنه مات، ومرت بضع سنوات
ولم يظهر لي. قال جمال الدين: ولكنني في ليلة رأيته في الحلم، فقلت له: أيها الطبيب، أما وعدتني بأن تأتيني
بعد الموت وتطلعني على ما جرى لك؟ فضحك وأدار عني وجهه. فقلت له: لا أتركك حتى تخبرني، فقال: إن العام عاد إلى العام، والخاص داخل في
الخاص. ففهمت منه ما يريد أن يقول، وهو أن النفس التي هي جوهر عام، قد عادت إلى الجوهر العام، والجسد الذي
هو عنصر خاص قد عاد إلى الأرض التي هي مستقر العنصر الخاص، ثم انتبهت وأنا أعجب بلطف جوابه».
?
وقد عني ابن رشد في فلسفته بالتوفيق بين الدين والفلسفة، فكان يؤول في الدين حتى يتمشَّى مع الفلسفة، وألَّف في ذلك كتابين:
list of 2 items
الأول: فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال.
والثاني: الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة. وفيهما وقف موقفًا وسطًا في عقيدة القضاء والقدر، وقد رمى في كتابه
«تهافت التهافت» الغزالي بأنه سوفسطائي يساير الجماهير، وانتقد كذلك من قبله
من ابن سينا والفارابي، ورماهما بالقصور أحيانًا، والغموض أحيانًا أخرى.
list end

والحق أن حكماء المسلمين انقسموا في هذا الموضوع — الشريعة والفلسفة — إلى ثلاثة أقسام، فأكثر فلاسفة المسلمين كإخوان الصفاء وابن سينا
وابن رشد، رأوا أن يوفِّقوا بين الفلسفة والشريعة، فإذا رأوا نصًّا في الدين ظاهره لا يناسب النظريات الفلسفية
أوَّلوه تأويلًا قريبًا أو بعيدًا، وبعضهم كالغزالي رأى أن ما أتت به الشريعة حق، وما أتت به الفلسفة مما يخالف الشريعة باطل مثل قدم
المادة، ونكران بعث الأجساد؛ ولذلك كفرهم في كتابه «تهافت الفلاسفة»، وقسم ثالث رأى أن النظريات الفلسفية صحيحة
وتعاليم الدين صحيحة كذلك، والتوفيق سخافة، وإنما الواجب أن يكون لكل منهما منطقة نفوذ، فالدين مقبول فيما هو من اختصاصه،
كالخلق والحياة بعد الموت والثواب والعقاب الفرديين واليوم الآخر ونحو ذلك، ونظريات الفلسفة تقبل في الطبيعيات والكيماويات
والمنطق ونحو ذلك، وليس يصح أن يعتدي أحدهما على الآخر، وأشهر من قال بذلك أبو سليمان المنطقي، كما حكاه عنه
أبو حيان التوحيدي في كتاب الإمتاع والمؤانسة. ونحن أميل إلى هذا الرأي، فلا حرج أن يدخل المسلم المسجد ليؤدي شعائر الدين كما وردت،
ثم يخرج منه إلى المعمل ليختبر فيه المواد الطبيعية، والنظريات العلمية. وهذا ما يفعله فلاسفة النصارى المتدينون.


ومن ظريف ما يتصل بابن رشد وفلسفته أيضًا ما حكى محيي الدين بن عربي في الفتوحات قال: «دخلت يومًا بقرطبة على قاضيها أبي الوليد بن
رشد، وكان يرغب في لقائي لما سمع بي، وبلغه ما فتح الله عليَّ في خلوتي، وكان يظهر التعجب مما سمع، فبعثني
والدي إليه في حاجة قصدًا منه حتى يجتمع بي، فإنه كان من أصدقائه، وأنا صبي ما بقل وجهي، ولا طرَّ شاربي، فلما دخلت عليه قام من مكانه
إليَّ محبة وإعظامًا، فعانقني وقال لي: نعم؟ فقلت له: نعم. فزاد فرحه بي لفهمي عنه، ثم استشعرت بما أفرَحه
من ذلك فقلت له: لا. فانقبض وتغيَّر لونه وشك فيما عنده، وقال: كيف وجدتم الأمر في الكشف والفيض الإلهي، هل هو ما أعطاه النظر؟ قلت
له: نعم ولا، وبين نعم ولا تطير الأرواح، فاصفر لونه، وقعد يحوقل، وعرف ما أشرت به إليه».

وقد كان بعض أصحابنا يستبعد هذه الملاقاة لتقدم ابن رشد في التاريخ، ولكن رأينا أن ابن عربي ولد سنة ????، أي: قبل وفاة ابن رشد بخمسة
وثلاثين عامًا، إذ مات ابن رشد حوالي سنة ????، فيمكن أن يراه وهو في الخامسة والعشرين أو الثلاثين أو قبل
ذلك، خصوصًا أنه يقول: إنه قابله قبل أن يبقل وجهه، ويطر شاربه، ولكن الأسئلة والأجوبة غريبة. فما معنى لا؟ وما معنى نعم؟ وكيف يتفاهمان
بهذه الرموز؟ وسؤاله الأول، وإجابة محيي الدين بنعم، وفرح ابن رشد بذلك ربما كان يريد أن يسأل: هل الفلسفة
والأدلة العقلية والاعتماد على المنطق يوصل إلى الحقيقة؟ وهي نفس الطريقة التي جرى عليها ابن رشد، فلما قال له ابن عربي: نعم،
فرح، ولكنه ما لبث أن قال: لا، فانقبض ابن رشد وتغيَّر، ولعل ابن عربي يقال: لا، إيماء إلى أن الطريقة العقلية ليست
خير الطرق في معرفة الحقيقة، وإنما خير الطرق عنده هو الرياضة النفسية التي توصل إلى كشف الحقيقة، حتى لكأنها تُرى
بالعين. وربما دلَّ على ذلك مذهب ابن عربي أن الكشف والفيض الإلهي، يعطيان أكثر مما يعطي النظر.

ومعنى قول ابن عربي: نعم ولا، وبين نعم ولا تطير الأرواح أن الطريق النظري والكشفي كُلٌّ يوصل إلى الحقيقة، ولكن شتان بين ما يعطيه
البرهان العقلي، وما يعطيه الكشف، فالبرهان العقلي يعطي الاقتناع، وأما الكشف فكأنما صاحبه يرى بالعين، وشتان
ما بينهما، وإشارته إلى أن بين نعم ولا تطير الأرواح معناها فيما يظهر أن بين من ينكر الكشف ويستند إلى الظاهر فقط كالفقهاء، وبين القائلين:
بنعم، أي: المؤمنين بالكشف بالصوفية خلافًا شديدًا أهدرت فيه الأرواح، كما أهدرت روح الحلاج والسُّهْرَوَرْدِي،
ويذكرنا هذا بالحكاية التي تروى عن الجدل بين ابن سينا وأبي سعيد بن أبي الخير. غاية الفرق أن هذه القصة رموز خفية، وأما
تلك فكلام واضح.
?

وقد كان عبد الواحد المراكشي قريب العهد من ابن رشد، ولقد لقي بعض تلاميذه، فروايته عنه أقرب إلى الحقيقة، وقد ذكر أن لغضب الأمير الموحدي
على ابن رشد سببين: سبب ظاهر، وسبب باطن. فأما السبب الظاهر وهو أكبر الأسباب فإنه كان يشرح كتاب الحيوان لأرسطو
فقال فيه عند ذكر الزرافة، وكيف تتولد، وبأي أرض تنشأ: «وقد رأيتها عند ملك البربر» جاريًا في ذلك على طريقة العلماء في الإخبار عن
ملوك الأمم وأسماء الأقاليم، غير ملتفت إلى ما يتعاطاه خدمة الملوك ومُتَحَيِّلو الكتاب، من الإطراء والتقريظ،
فكان هذا مما أحنقهم عليه، غير أنهم لم يظهروا ذلك، وفي الحق أنها كانت من أبي الوليد بن رشد غفلة، واستمر الأمر
على ذلك إلى أن استحكم ما في النفوس، ثم إن قومًا ممن يناوئون ابن رشد من أهل قرطبة أخذوا تلك التلاخيص التي كان يكتبها ابن رشد،
فوجدوا فيها بخطه حاكيًا عن بعض قدماء الفلاسفة، أن الزُّهرة أحد الآلهة، فسأله السلطان: أخَطُّك هذا؟ فأنكر
ابن رشد، فأمر الأمير بإخراجه على حال سيئة، وإبعاد من يتكلم في شيء من هذه العلوم (الفلسفة)، وهذا هو السبب الظاهر …

ثم لما رجع إلى مراكش جنح ثانية إلى الفلسفة، واستدعى ابن رشد إلى مراكش، وأحسن إليه وعفا عنه، ولم يلبث ابن رشد أن مرض مرضه الذي مات
بسببه في آخر سنة ????، وقد ناهز الثمانين.
?
ولكن يظهر أن الأمير أبا يوسف هذا كان ينوي غزوة وكان لا بد فيها من تملق العامة، فكان مما تملق به اضطهاده للفيلسوف والفلسفة التي
يكرهها العامة، فلما انتصر وانتهت الغزوة، ولم يعد في حاجة إلى تملق العامة، عاد يعطف على الفيلسوف.

وإذا كانت الفلسفة اليونانية تعرضت للمسائل العلمية والاجتماعية، وخصوصًا أفلاطون في جمهوريته، فقد تعرض لها ابن رشد أيضًا، فنص على
كراهيته للاستبداد العسكري، والإقطاعات العسكرية، ورأى أنه لا اختلاف بين الرجال والنساء في الطبع، وإنما هو
اختلاف في الكم؛ أي: إن طبيعة النساء تشبه طبيعة الرجال، ولكنهن أضعف منهم في الأعمال. والدليل على ذلك مقدرتهن على جميع أعمال الرجال،
كالحرب والفلسفة وغيرهما، ولكنهن لا يبلغن فيها مبلغ الرجال. ومن أظرف آرائه أنه يرى في الموسيقى أن يكون مؤلف
القطعة الموسيقية رجلًا، والموقِّع أو المغني امرأة. وقد كان ابن رشد يستشهد على صحة قوله بإناث الكلاب، فهي تستطيع أن تحرس
الغنم حراسة تامة كحراسة الذكور، وألمح إلى سوء الوضع الذي وضعت فيه المرأة في الشرق من عدم تمكينها لإظهار قواها،
كأنها لم تخلق إلا للولادة وإرضاع الأطفال.

وعلى الجملة فقد كان ابن رشد أمينًا مخلصًا لأرسطو، وإن كان يخرج عليه أحيانًا إما لداعي الدين أو لتفكيره الخاص الذي تنتجه بيئته.


وقد كان من تلاميذ ابن رشد بعض اليهود إذ كانوا يستمعون إليه في حلقته، فلما مات ابن رشد نشر هؤلاء اليهود فلسفته، وترجموا أكثرها إلى
العبرية، وانتشرت فلسفة ابن رشد في المدارس والجامعات، وعارضها رجال الدين اليهودي والمسيحي، ولما اضطهدوا
في الأندلس فروا إلى فرنسا … وكانوا عددًا كبيرًا شاركوا في الثقافة الأندلسية مشاركة كبيرة، وكانوا منتشرين قبل الفتح الإسلامي في
البلاد بين القوط، واستخدمهم هؤلاء القوط في الوظائف المالية، ولما فتح العرب الأندلس استخدموهم، وكان طبيب
عبد الرحمن الثالث يهوديًّا، اسمه «حسادي بن شبروط»، بل بلغ بعضهم — مثل إسماعيل بن نعزلَّة
?
— منصب الوزارة في عهد الأمير حبوس في غرناطة، وبعضهم نشر في الأندلس القصص اليهودي بجانب القصص العربي، فلما أخذوا عن ابن رشد فلسفته
نشروها في أوربا، فترجموا شروح ابن رشد لأرسطو على اللاتينية، ومن أشهر من فعل ذلك ميخائيل الإسكتلندي سنة
????، ونشاط اليهود والنصارى في نقل فلسفة ابن رشد وشروحه على أرسطو هي التي فتحت لأوربا الباب أمام الفلسفة اليونانية. وكان من
أكبر زعماء اليهود الذي يتثقفوا ثقافة فلسفية موسى بن ميمون، وقد كان معاصرًا لابن رشد، وإن كان ابن رشد أسن منه
بنحو عشر سنوات، فقد ولد ابن ميمون سنة ????م بقرطبة، وقد حدث أن كان اليهود في قرطْبة قد نشروا نفوذهم ولكن كان
كبراؤهم يصانعون المسلمين، فخلف من بعدهم خلف من اليهود لم يصانعوا المسلمين، فسخط المسلمون عليهم، واستثارهم شاعر معروف اسمه
أبو إسحاق الإلبيري، فقال في قصيدة:
ولا نرفع الضغط عن رهطه
??
فقد كنزوا كل عِلْق ثمين
وفَرِّق عراهم وخذ مالهم
فأنت أحق بما يجمعون
ولا تحسبن قتلهم غدْرَة
بل الغدر في تركهم يعبثون
فقد نكثوا عهدنا عندهم
فكيف نُلام على الناكثين
وكيف تكون لنا همة
ونحن خمول وهم ظاهرون

فثار عليهم المسلمون وقتلوا منهم وخيَّروا الباقين بين الإسلام وبين الرحلة من البلاد.

على كل حال كان موسى بن ميمون في هذه الظروف التعسة وسنه ثلاث عشرة سنة، وقد تعلم على أبيه إذ كان قاضيًا في المحاكم اليهودية، فلما
خُيِّر اختار الرحيل عن الأندلس، فرحل هو وأسرته إلى فلسطين ونزلوا عكا، ثم انتقلوا إلى بيت المقدس، ثم انتقلوا
أخيرًا إلى الفسطاط في مصر. وكان موسى يترفَّع عن أن يتكسب بعمله الديني، فاشتغل بالطب واشتهر به، واتصل عن طريقه بالقاضي الفاضل وزير
صلاح الدين، ونجح في طبِّه نجاحًا كبيرًا، فكان يقصده الناس من كل ناحية. وقد كتب ابن ميمون كتبًا كثيرة أكثرها
بالعربية وأقلها بالعبرية، وأقبل الناس من يهود ومسلمين على دراسة كتبه الفلسفية والطبية. ومما زاد في انتشارها في أوربا
ترجمتها إلى اللغة اللاتينية، وأهم كتبه كتابه «دلالة الحائرين» ويعني بالحائرين الذين حاروا في قضايا كثيرة بين العقل
والدين، وهي مسألة عالجها كثير من الفلاسفة المسلمين، كابن رشد وابن سينا وابن باجة. ومن رأي ابن ميمون أنه لا
تناقض بين العلم والدين، ما دام ينظر إليهما نظرة سمحة واسعة تجعل الدين قابلًا للتأويل.

وكما كانت له كتب فلسفية من هذا القبيل كانت له كتب دينية يهودية من جمع النصوص والروايات. وقد هاج المسلمون عليه في مصر؛ لأنه كان
قد أسلم مدة في قرطبة خوفًا من القتل، فلما أمن في مصر عاد إلى دينه، فاتهموه بانه مرتد، ولكن قال القاضي الفاضل:
إنه أُكْرِهَ على الإسلام، فلا يعد مسلمًا صحيحًا فلا يكون مرتدًّا، وبذلك نجا. وله رسائل كتبها إلى أصحابه باللغة العربية تشتمل على
مسائل شخصية، ومسائل فلسفية، ومسائل دينية، انتشرت كذلك بين اليهود انتشارًا كبيرًا، ولولا ازدحام الناس عليه
لمعالجتهم فعاقوه من التفرغ للتأليف لأنتج أكثر مما أنتج. وعلى الجملة، فقد كان علمًا من أعلام اليهود الذين نشروا
الفلسفة الإسلامية في أوربا.

وكان نقل فلسفة ابن رشد وأرسطو سببًا في هياج الكنيسة على المشتغلين بالفلسفة، حتى إن الكنيسة حرمت الاشتغال بهذه النظريات الفلسفية
في القرن الثالث عشر الميلادي. وهذه الحركة العنيفة بين الكنيسة وأحرار الفكر كانت من الأسباب التي حملت بعض
الناس على الخروج على الكنيسة، وسبَّبَت في أوربا النهضة الحديثة، وجعلت بعض الفلاسفة كبيكون ينتقد الفلسفة القديمة، وفلسفة أرسطو بوجه
خاص، ويدعو إلى عدم الخضوع لأرسطو خضوعًا تامًّا، كما يدعو إلى إنزاله من عرشه، وتحكيم العقل في كل ما يعرض
عليه، وعدم الإيمان بشيء مهما كان قائله إلا ما دلت عليه المشاهدة والتجربة. ومن ذلك الحين أخذ العقل البشري يفكر على هذا المنهج
الجديد.

وكان من أنصار ابن رشد فردريك الثاني إمبراطور ألمانيا، فقد كان سندًا لمترجمي فلسفي ابن رشد في أوربا، وكان الإمبراطور نفسه يعرف اللغة
العربية، تعلمها على عربي في صقلية، وكان في بلاطه حركة نشطة من يهود يشتغلون بترجمة الفلسفة العربية، وخصوصًا
فلسفة ابن رشد، وفلكيون يشتغلون بالرصد بملابسهم البغدادية، وكان ينصر تعاليهم على الكنيسة، ومع ذلك لم يمنعه هذا من اشتراكه في
الحروب الصليبية ضد العرب؛ لأنه كان يرى أن العلم شيء والسياسة شيء. وكره من رجال الدين المسيحي حتى كانوا يلقِّبونه
بالدجال الذي روي عنه أنه سيقاوم الديانة المسيحية. على كل حال ظهر رجال عظام مثل فردريك هذا، ومثل جولتيه، دعوا
إلى تحرير العقل من سلطة رجال الكنيسة، وتبعهم غيرهم حتى تم لهم الانتصار …

وبعد: فهل كان ابن رشد مؤمنًا؟ يشك بعض المستشرقين في إيمانه، ونحن نرى أنه كان مؤمنًا إيمان الفلاسفة، فللمحدثين إيمان، وللمتكلمين
إيمان، وللفلاسفة إيمان، إيمان المحدثين إيمان بكل ما ورد في الآثار من غير شك، ولا نقد عقلي، وإيمان المتكلمين
وخاصة المعتزلة إيمان بتأويل الآثار إلى ما ينطبق مع العقل، وقد قرأت بالأمس حكاية لطيفة في كتاب البصائر والذخائر لأبي حيان التوحيدي
خلاصتها أن موسى — عليه السلام — كان يعتب على آدم في أنه أتى بخطيئة، فأخرج نفسه وذريته من الجنة، فقال له
آدم: ألم تعلم أن إتياني بالمعصية وخروجي من الجنة كان بقضاء الله وقدره، فكيف تعتب عليَّ؟ وعلق أبو حيان بأن المتكلمين إذا
قرءوا مثل هذه الآثار، حصلت لهم قشعريرة، وسببها أنهم كانوا يقولون بقدرة الإنسان على أعمال نفسه؛ ولذلك يكون مسئولًا
عنها. وفي هذا الحديث ما يشعر بأنه مضطر، ولا يمكن مع هذا تفسير المسئولية، ثم قال: إن ثلثي أعمال الدين يقبل فيها
ما ورد من الآثار من غير حاجة إلى إعمال العقل، وهذا هو إيمان المحدثين.

أما الفلاسفة فإيمانهم من جنس آخر، وأعتقد أن ابن رشد وأمثاله من الفارابي وابن سينا وابن طفيل، كانوا يؤمنون بالله، كإيمان أستاذهم
أرسطو بالله، وكانوا يؤمنون بالنبوة بمعنى غير ما يؤمن به العامة، ويرون أن الدين أتى لجمهور الناس، أما الخاصة
من الفلاسفة فإنهم يضبطهم عقلهم أكثر ما يضبطهم الدين. وقد عبر عن ذلك ابن طفيل في كتابه حي بن يقظان تعبيرًا واضحًا دقيقًا، فإن حيًّا
لما قابل أبسال، وكان أبسال متعلمًا تعاليم نبي، وملتزمًا شرائعه، تعجب من بعض ما عرض عليه أبسال من التعاليم
التي جاءت على لسان النبي، تعجب مثلًا من أمر الدين بشعائر معينة، كصلاة في الصبح وصلاة في الظهر، وزكاة للأموال مما يقتضي جواز
ادخار الأموال، ونحو ذلك من شعائر، وكان حي قد أداه عقله إلى عدم التزام الشعائر في أوقاتها، ولجوئه إلى الله
كلما دعته إلى ذلك نفسه، كما أداه عقله إلى الزهد في الدنيا والتقلل من المال وعدم الاقتناء، واقتصاره على ما يسد
حاجته الضرورية، وأراد أن يذهب إلى جزيرة الناس ويعظهم بأفكاره هو تكملة لأفكار النبي، فغضب عليه الناس وتبين أن الأنبياء بتعاليمهم
كانوا أعرف بطبائع البشر، وأن الدين لم يأتِ للصفوة فقط.

فهذا يدل على أن الفلاسفة يعطون لعقلوهم حرية التفكير، وعرض أوامر الدين على العقل وتحكيم العقل فيه، واستخدام التأويل ما سمح لهم التأويل.
وقد ينظرون إلى النبوة على أنها أمر يمكنهم الوصول إليه، أو إلى قريب منه بعقولهم واجتهادهم؛ ولذلك لم يقدسوا
أوامرهم تقديسًا كبيرًا كما يقدسه الجمهور، بل صرح بعضهم بأنهم غير ملزمين بالأوامر الدينية كما يلزم الجمهور. وفي أقوال ابن رشد وابن
سينا ما يشير إلى ذلك، وإن كانوا يستعملون التقية خوفًا من إيذاء الجمهور لهم.

لقد روي عن ابن رشد أشياء يأباها جمهور الناس، كالذي روي عنه في أن عادًا لم يثبت وجودها مع نص القرآن عليها. ولعله يذهب في ذلك إلى
أن قصد القرآن العظة، وقد روي في القرآن أن عادًا أهلكوا بريح صرصرٍ عاتية، فموضع العظة أن قصة عاد الذين يتناقل
الناس أخبارهم، يتناقلون هلاكهم بالريح، تكفي لتكون موعظة للناس، سواء ثبت وجودهم حقيقة أو لا. وهذا مذهب قوم من المتطرفين يرون أن
القصد أولًا وآخرًا هو الموعظة، ولو كانت الموعظة مبنية على إشاعة، وهو ما يرضى عنه جمهور المؤمنين. وروي عنه
أيضًا أنه حكى أن الزهرة إله، وهذا سهل التأويل؛ لأنه كان يحكي آراء اليونان في ذلك، وبعيد أن يكون هذا مذهب ابن رشد.

على كل حال نعتقد أن ابن رشد يؤمن بالله ورسوله إيمانًا خاضعًا لسلطان العقل، وليس يؤمن بالأثر على إطلاقه، ودعوى بعض المستشرقين بعدم
إيمانه لم يقم عليها دليل مقنع، والله أعلم.

وعلى الجملة، كان اشتغال العرب بالفلسفة في بغداد وما حولها سببًا في اشتغال الأندلسيين بها، كابن رشد وابن طفيل … ثم كانت الخطوة الثانية
وهي انتقال الفلسفة اليونانية من الأندلس إلى أوربا قبل أن ينهض الأوربيون ويأخذوا الفلسفة اليونانية من أصولها.


ولذلك نلاحظ هذا الترتيب الزمني، فأول ما اشتغل العرب بالفلسفة اليونانية وظهر فيهم الكندي وأمثاله، كان بعد نحو قرنين اثنين من ظهور
الإسلام، إذ كان العراق مقرًّا للفلاسفة من قديم، ومقرًّا لترجمة الفلسفة اليونانية عن طريق السريان، ثم من
السريان إلى العرب. ولكن لم تظهر الفلسفة في الأندلس إلا في النصف الأخير من القرن الرابع، حتى انتقلت الفلسفة من العراق إلى الأندلس،
ولكن في نظير ذلك تأخرت حياة الفلسفة في الأندلس بعدما ماتت في المشرق؛ لأن الغزالي وأمثاله في المشرق استطاعوا
أن يخمدوا صوت الفلسفة فيه، ولكن استطاع فلاسفة الأندلس أن يستمروا في إحياء الفلسفة، ويردوا على الغزالي وأمثاله؛ ولذلك بقيت
الفلسفة في الأندلس بعد موتها تقريبًا في المشرق.

وإذا نحن تصورنا الحياة الفلسفية العربية مصباحًا، فأول ما أضاء في المشرق، ثم أخذ منه قبس فأشعل مصباحًا آخر في الأندلس، ثم أخذ من
هذا الأخير قبس فأشعل مصباح الفلسفة في أوربا. ويظهر أن شهرة ابن رشد الكبيرة التي غطَّت على شهرة ابن سينا
والفارابي في أوربا ترجع إلى أمور:
list of 3 items
(?) قوة شخصية ابن رشد.

(?) تلمذة اليهود له، ونشاطهم في نشر مذهبه.

(?) استعداد الوسط النصراني واليهودي إذ ذاك للتفلسف، وحاجتهم إليه بعد أن بالغ رجال الدين في الحجر على حرية الفقه، فكانت
حركة ابن رشد رد فعل قوية.
list end

ومنذ سنين؛ أي: حوالي سنة ????م وجدت حركة في مصر كان زعيماها الأستاذ فرح أنطون والأستاذ الشيخ محمد عبده، إذ كان الأول قد نشر في
مجلته «الجامعة» خلاصة فلسفة ابن رشد كما عرضها الأستاذ رينان، وروى اضطهاد المسلمين له في الأندلس ونحو ذلك،
فانبرى له الأستاذ الشيخ محمد عبده يبين أن الإسلام ينادي بالحرية الفكرية إلى آخر حد، ولا يضطهد الفلسفة، وأنه صدر من المسيحيين اضطهاد
للفلسفة والفلاسفة أكثر مما صدر من المسلمين، ولم يكن هناك داعٍ لذلك كله، فعامة المسلمين اضطهدوا الفلاسفة،
وكرهوا الفلسفة، وكذلك عامة النصارى، وليس يهم أيهما كان أكثر اضطهادًا. والحق أن الإسلام والنصرانية بريئان من تحمل هذه
المسئولية، وإنما يحملها المسلمون لا الإسلام، والنصارى لا النصرانية، ونبش التاريخ لا يفيد كثيرًا، إنما الذي يفيد حمل
الناس على التسامح، حتى يسير البحث عن الحقيقة في مجرًى صافٍ هادئ لا اضطهاد فيه ولا كبت.

وهناك نوع من الفلسفة لا يتبع فلسفة اليونان، وهو الفلسفة الخلقية التي أتى بها ابن حزم، فلم يسلك سبيل ابن رشد في حكايته لفلسفة أرسطو
الأخلاقية في كتابه المسمَّى «نيقوماخوس»، وإنما هي فلسفة أخلاقية مستمدة من تجاربه الخاصة. فقد كان وزيرًا
وابن وزير، تسرح في قصوره الجواري الحسان، ويحب ويكره، ويوالي ويعادي، ويتصل بالخلفاء والأمراء اتصال محاسنة أحيانًا، واضطهاد أحيانًا
أخرى، ويرتفع إلى السماء حينًا، وينخفض إلى الحضيض حينًا، ويلاقي العلماء والجُهَّال والأمراء العادلين والظالمين،
ويكتوي بالحب أحيانًا، ويذوق لذة الوصال وألم الهجران، ويهجو العلماء ويهجونه، ويدعو إلى مذهب الظاهرية، فيناهضه رجال
المالكية بقوة … كل هذا أكسبه تجارب كثيرة، وكان حادَّ الذهن مرهف الحس، كثير الاطلاع، فاستفاد من كل ذلك تجارب ركزها في
حكم، وألَّف فيها كتاب الأخلاق والسِّير.

نعم، إنه تأثر بالفلسفة اليونانية في الأخلاق، كما يدل عليه كتابه مثل اعتناقه نظرية الأوساط لأرسطو، أي: أن كل فضيلة وسط بين رذيلتين:
الإفراط والتفريط، ولكن هذا لا يذكر بجانب تفكيره الشخصي، وتجاربه الشخصية، ونحن نسوق أمثلة على هذا، فمثلًا
حاول أن يجعل للأخلاق كلها من فضائل ورذائل أساسًا، وبعد طول تفكير استطاع أن يجد هذا الأساس وهو «طَرْد الهم»، وأن الناس كلهم استووا
في استحسانه واتخاذه باعثًا على كل الأعمال، وإليه يعود كل غرض غيره، سواء في ذلك المتدين وغير المتدين، ومن
يريد الخير ومن لا يريده، ومن يؤثر الخمول ومن يريد بُعد الصيت، وعد ذلك اكتشافًا عظيمًا. وكل الناس إنما تطلب بأعمالها طرد
الهم، فالذين يطلبون المال، يطلبونه لطرد الهم، وكذلك الذين يطلبون الصَّيت، ومن يطلب العلم، إنما يطلبه لطرد هم الجهل،
ومن أكل ومن شرب ومن لبس، إنما يفعل ذلك لطرد هم الجوع والعطش والعُرْي، وهكذا أرجع كل الأعمال الإنسانية إلى طرد
الهم في أشكاله المختلفة. وهذا يذكرنا بما تفعله بنتام وجون استوارت مل في جعلهما كل البواعث على العمل طلب اللذة ودفع الألم.


كذلك من لطائفه بحثه في الحب وأنواعه، فعنده أن الحب جنس واحد مختلف الأنواع، وإنما اختلف الحب باختلاف الأغراض، وقد تنوَّع الحب من
حب للأب، وحب للابن والقرابة والصديق، وحب للسلطان وللحسن، وللمأمول وللمعشوق، فهذه كلها جنس واحد تنوعت على
اختلاف الطمع فيما ينال من المحبوب. وقد رأينا من مات أسفًا على ولده، كما يموت العاشق أسفًا على معشوقه، وبلغنا من شهق من خوف الله
ومحبته فمات، ونجد المرء يغار على سلطانه وعلى صديقه، كما يغار على زوجته، وكما يغار العاشق على معشوقه، فكل
أنواع الحب من وادٍ واحد، وتسير سيرًا متشابهًا، ويزيد الحب بالمجالسة، والمحادثة والمزاورة، واستمر في ذلك حتى حلل الحب تحليلًا
دقيقًا، وكثيرًا ما تقتبس فقرة أو فقرات من هذا الكتاب تتخذ مبدأ مثل ما فعلت «الجريدة» من اقتباسها في أول كل
عدد من أعدادها قول ابن حزم: «من حقق النظر وراض نفسه على السكون إلى الحقائق، وإن آلمتها في أول صدمة، كان اغتباطه بذم
الناس إياه، أشد وأكثر من اغتباطه بمدحهم إياه»؛ «لأن مدحهم إياه إن كان بحق وبلغه مدحهم له، أثر ذلك فيه العجب، فأفسد
بذلك فضائله، وإن كان بباطل فبلغه فسره، فقد صار سرورًا بالكذب، وهذا نقص شديد. وأما ذم الناس إياه، فإن كان بحق
فبلغه فربما كان ذلك سببًا في تجنبه ما يعاب عليه، وهذا حظ عظيم لا يزهد فيه إلا كل ناقص وإن كان بباطل وبلغه قصير، اكتسب فضلًا
زائدًا بالحلم والصبر».

ويقول: «الناس فيما يعانون كالماشي في الفلاة، كلما قطع أرضًا بدت له أرضون، وكلما قضى المرء سببًا، جَدَّت له أسباب»، «صدق من قال:
إن العاقل معذَّب في الدنيا، وصدق من قال: إن العاقل فيها مستريح، فأما تعذُّبه فيما يرى من انتشار الباطل
وغلبة دولته، وبما يحال بينه وبينه من إظهار الحق، وأما راحته فترفعه عن كل ما يهتم به سائر الناس من فضول الدنيا»، وكان يقول: «فُرض
على الناس تعلم الخير والعمل به، فمن جمع الأمرين فقد استوفى الفضيلتين معًا، ومن علمه ولم يعمل به فقد أحسن
في التعليم وأساء في ترك العمل. قال ابن حزم: فاعترض عليَّ إنسان سمع مني ذلك، وقال: كان الحسن — يريد الحسن البصري — إذا نهى عن شيء
لا يأتيه أصلًا، وإذا أمر بشيء كان شديد الأخذ به، وقال آخر: إن أبا الأسود الدؤلي قال:

لا تنه عن خلق وتأتي مثله
عار عليك إذا فعلت عظيم

فقلت: أن أبا الأسود إنما قصد بالإنكار المجيء بما نهى عنه المرء، وأنه يتضاعف قبحه منه بنهيه عنه، لا أن من كان يعمل شيئًا قبيحًا
لا يصح له أن ينهى عنه، فهذا شيء وهذا شيء، وأما حكاية الحسن فقد صح عنه أنه سمع إنسانًا يقول: لا يجب أن ينهى
عن الشر إلا لمن لا يفعله، قال الحسن: ود إبليس لو ظفر منَّا بهذه حتى لا ينهى أحد عن منكر، ولا يأمر بمعروف، قال ابن حزم: وهذا قولنا
آنفًا، وقد صدق الحسن».

وفي الكتاب كثير من النظرات الصائبة والحكمة البالغة، نتيجة لتجاربه الخاصة. نعم، إنه لا بد أن يكون قد نظر إلى ابن المقفع في الدرة
اليتيمة والأدب الكبير والأدب الصغير، ولكن ابن المقفع في كتبه كان نتيجة تجارب الفرس التي اطلع عليها، وكان
ابن حزم ينقل نتيجة تجاربه الشخصية.

ومن الفلسفة العلمية التأليف في السياسة الاجتماعية، كما فعل الطرطوشي مثلًا في كتابه «سراج الملوك»، والطرطوشي نسبة إلى طرطوشة من
بلاد الأندلس، وقد تتلمذ لابن حزم والباجي، ويحكمون عنه أنه كان عالمًا عاملًا، زاهدًا ورعًا، ديِّنًا متقشفًا،
متقللًا من الدنيا راضيًا منها باليسير.

ويهمنا منه هنا أنه ألَّف كتابًا اسمه «سراج الملوك» وهو سياسة وعظية، أكثر منه دراسة نظرية، فلم تكن السياسة في زمنه قد أصبحت علمًا
له قواعد ونظريات، وإذ لم يكن الطرطوشي قد تقلد مناصب حكومية كالوزارة ونحوها، كانت تجاربه في هذا الباب قليلة،
وهي إلى المواعظ أقرب منه إلى تقعيد القواعد، وقد استفاد من اطلاعه الواسع على كتب التاريخ وكتب الحديث؛ ولذلك يُضمِّن كتابه كثيرًا
من الأحداث التي قرأها، والحِكَم التي رواها، وأحيانًا يتأثر بمثل كتب الأحكام السلطانية، ككتاب «الأحكام السلطانية»
للماوردي، فيسير سيره، كما أنه أحيانًا يروي ما حكي له عن ملوك الأندلس وأمرائها وأخبارهم، وقد رتبه ترتيبًا دقيقًا:
الباب الأول في مواعظ الملوك … والثامن في منافع السلطان ومضارِّه، والتاسع في منزلة السلطان من رعيته، والحادي عشر في الخصال
التي هي قواعد السلطان، ثم باب فيما يهدم الدولة، وفي حاجة السلطان إلى العلم، وفي الوزراء وصفاتهم، وفي خصال
الأمير والمأمور، وما تكره الرعية من السلطان ومعنى «كما تكونوا يولَّى عليكم»، وعلاقة السلطان بالجند، وجبايته للخراج، وعلاقته
ببيت المال، وتدوين الدواوين، وأحكام أهل الذمة، والحروب وغير ذلك، فقد تعرض لموضوعات غاية في الأهمية، إن
كان عالجها كما قلنا بالآثار لا بالرأي، والكتاب من غير شك يدل على سعة اطلاع ولطف نظر، قال في مقدمته:

إنني لما نظرت في سير الأمم الماضية، والملوك الخالية، وما وضعوه من السياسات في تدير الدول، والتزموه من القوانين في حفظ النِّحل،
وجدت ذلك نوعين: أحكامًا وسياسات»، وقد ذكر أيضًا أنه ألَّف هذا الكتاب للمأمون البطائحي الوزير
الفاطمي وأهداه إليه. وفيه أشياء كثيرة تأثَّر فيها من وجوده بالأندلس، فعند كلامه مثلًا على الحروب وتدبيرها وحيلها
وأحكامها ذكر خبر وقعة وادي لكَّة التي قلت فيها لُذَريق واحتز رأسه، وفيه حكاية عن نظام جيش المنصور
وقيادته والقضاء في أيامه، وفيه أخبار عن وقوف الفقهاء في وجه السلطان وحدهم من سلطانه. ويستفاد من مجمع ما
ذكره عن الحرب، كيف كانت ترتَّب الجيوش في الأندلس.

ويظهر لي أنه كان مصدرًا من مصادر ابن خلدون في مقدمته، وأن ابن خلدون فلسف أقواله، وأخضعها للعقل. وقد مات الطرطوشي سنة ????،
ويظهر أنه كان متزمتًا، فهو ينظر إلى اليهود والنصارى نظرة متعصبة، حتى ليحرم على نفسه أكل
الجبن الرومي؛ لأنها صنعت في بلادهم.

وأما الحركة العلمية فنعني بها ما يقابل الحركة الأدبية أي: scientific mouvement من رياضة وطبيعة وكيمياء ونبات وحيوان وفلك،
وعلى الجملة فكل ما تبحث فيه «كليات» العلوم اليوم. وقد كانت هذه العلوم داخلة في الفلسفة، ثم
انفصلت عنها في العصر الحديث كما انفصل مثلًا علم النفس، وكما انفصل حديثًا علم الاجتماع، وأصبحت الفلسفة قاصرة على جذور
الشجرة بعد أن انفصل عنها فروعها. وقد رأينا في الشرق أن الحركات المختلفة ظهرت على الترتيب
الآتي: الحركة الأدبية، وبدأت في العصر الجاهلي واستمرت على الزمن، ثم الحركة الدينية، وقد ظهرت بظهور الإسلام، ثم الحركة
الكلامية، وقد ظهرت في آخر العصر الأموي وأول العباسي، ثم الحركة الفلسفية والحركة العلمية،
وهذا ما حدث في الأندلس بالضبط. فتاريخ الحركة الأدبية يعاصر الفتح العربي، ثم الحركة الدينية بعد ذلك بقليل،
ثم الحركة الفلسفية نشأت نشوءًا خافتًا في أيام الحكم، ومنها الحركة العلمية.
ويظهر أن من أول من لفت النظر إلى الحركة العلمية مسلمة المجريطي من أهل قرطبة، قال صاعد في كتاب تعريف طبقات الأمم: «إن مسلمة
كان إمام الرياضيين بالأندلس في وقته، وأعلم من كان قبله بعلم الأفلاك، وحركات النجوم، وكانت
له عناية بأرصاد الكواكب، وشغف بتفهم كتاب بطليموس المعروف بالمجسطي، وله كتاب حسن في تمام علم العدد المعروف عندنا
بالمعادلات، وكتاب اختصر فيه تعديل الكوكب من زيج البتاني، وغُني بزيج محمد بن موسى الخوارزمي»، وقد
توفي مسلمة سنة ????، والشيء المهم أيضًا أنه ربى تلاميذ كثيرين كانوا نواةً صالحة في هذه العلوم، مثل: ابن
السمح وابن الصفّار، والزهراوي والكرماني وابن خلدون.
??

فهؤلاء كلهم اشتغلوا في العلوم، فابن السمح مثلًا اشتهر بعلم الحساب والهندسة والهيئة، وشرح كتاب أقليدس في الهندسة، وله كتابان
في الأسطرلاب، ومات سنة ????. وابن الصفار كذلك كان ماهرًا في علم الحساب والهندسة والعلوم،
وله زيج مختصر على مذهب السِّندهند. والكرماني كان ماهرًا في الهندسة، ورحل إلى الشرق في طلبها، ثم عاد إلى الأندلس، وصار
لا يشق غباره في فك غامضها، وتبين مشكلها، ومن ناحية أخرى اشتهر الغافقي وهو أبو جعفر أحمد
بن محمد بعلم الأدوية المفردة، والنباتات ومنافعها وخواصها وأعيانها ومعرفة أسمائها. قال ابن أصيبعة: «إن كتابه
في الأدوية المفردة لا نظير له في الجودة، ولا شبيه له في معناه، قد استقصى فيه ما ذكره ديسقوريدس وجالينوس،
ثم ذكر بعد قوليهما ما تجدد للمتأخرين من الكلام في الأدوية المفردة، فجاء كتابه جامعًا لما قاله
الأفاضل في الأدوية المفردة، ودستورًا يرجع إليه فيما يحتاج إلى تصحيحه منها.

ويظهر أن كتابه هذا كان عمادًا لما ألفه ابن البيطار في كتابه «المفردات». فقد أصلح في كتاب الغافقي وزاد عليه ما اكتشف بعده، وكلاهما
كان معتمدًا على كتاب ديسقوريدس، ومصححًا له وزائدًا فيه. وابن البيطار هذا من أشهر علماء النبات والأعشاب،
وأصله من مالقة، ولد في الربع الأخير من القرن السادس الهجري، وقد كان محبًّا للعلم، فكان يجوب البلاد يمتحن الأعشاب ويصفها ويذكر فوائدها،
وألَّف كتابين أحدهما يعتمد على ما ذكره ديسقوريدس وزاد عليه وهو المشهور بمفردات ابن البيطار، وكتاب آخر مبني
على تجاربه الخاصة، وهو يشتمل على علاجات بسيطة مستمدة من المعدن والنبات والحيوان، وقد رحل إلى مصر في دراسة الأعشاب،
في عهد الملك الكامل الأيوبي، وعيّنه رئيسًا للعَشَّابين، وكان ابن أبي أصيبعة تلميذًا لابن البيطار، وصحبه في الكشف عن
النباتات في منطقة دمشق، وقد توفي ابن البيطار في دمشق سنة ????. ويظهر من تاريخه أنه كان محبًّا لموضوعه متفانيًا
فيه.

يقول ابن أبي أصيبعة: «وأول اجتماعي به كان بدمشق في سنة ????، ورأيت من حسن عشرته وكمال مروءته وطيب أعراقه وجودة أخلاقه، وكرم نفسه
ما يفوق الوصف ويتعجب منه، ولقد شاهدت معه في ظاهر دمشق كثيرًا من النبات في مواضعه، وقرأت عليه أيضًا تفسيره
لأسماء أدوية كتاب ديسقوريدس، فكنت أجد من غزارة علمه ودرايته وفهمه شيئًا كثيرًا جدًّا، وكنت أحضر عدة من الكتب المؤلفة في الأدوية
المفردة، مثل: كتاب ديسقوريدس وجالينوس والغافقي … فكان يذكر أولًا ما قاله ديسقوريدس في كتابه باللفظ اليوناني
على ما قد صححه في بلاد الروم، ثم يذكر جملة ما قاله ديسقوريدس من نعته وصفته وأفعاله، وما يتعلق بذلك، ويذكر أيضًا جملًا من أقوال
المتأخرين وما اختلفوا فيه، ومواضع الغلط والاشتباه الذي وقع لبعضهم في نعته، فكنت أراجع تلك الكتب معه، ولا
أجده يغادر شيئًا مما فيها».

ونوع آخر يمثله أمية بن أبي الصلت، وقد كان مجيدًا من نواحٍ متعددة فهو من ناحية يجيد الميكانيكا، يدل على ذلك ما حكى ابن أبي أصيبعة
من أن مركبًا محمَّلة بالنحاس غرقت في ميناء الإسكندرية، فعمل أمية تصميمًا أن يخرج المركب محمله بنحاسها من
قاع البحر، وكان تصميمه ناجحًا لم يخطئ فيه. وصرف الملك الأفضل ابن أمير الجيوش مبالغ طائلة في صنع الآلات التي رسمها، ولكن خان أمية
التوفيق إذ قطعت حبال الإبْرَيْسم التي تشد المركب الغاطسة المحملة بالنحاس، فعادت إلى قاع البحر ثانية، وغضب
الملك واعتقله حتى تشفع فيه بعض الأعيان. وكان إلى جانب ذلك أوحد أهل زمنه في العلوم الرياضية وفي علم الموسيقى واللعب على
العود، وأصله من بلد اسمها «دانية» شرقي الأندلس. ومع تفوقه في العلوم المختلفة كان أديبًا شاعرًا، يقول الشعر الرقيق
المُمَلْغَم بعلمه، كقوله في وصف الأسطرلاب، وهو آلة الرصد المعروفة:

أفضل ما استصحب النبيل فلا
تعدل به في المقام والسفر
جِرمٌ إذا ما التمست قيمته
جل على التِّبر وهو من صفر
مختصر وهو إذ تفتشه
عن ملح العلم غير مختصر
ذو مقلة يستبين ما رمقت
عن صائب اللحظ صادق النظر
تحمله وهو حامل فلكًا
لو لم يدر بالبنان لم يدر
مسكنه الأرض وهو ينبئنا
على جل ما في السماء من خبر
أبدعه رب فكرة بعدت
في اللطف عن أن تقاس بالفكر
فاستوجب الشكر والثناء له
من كل ذي فطنة من البشر
فهو لذي اللهب شاهد عجب
على اختلاف العقول والفِطر
وأن هذي الجسوم بائنة
بقدر ما أعطيت من الصور

ونوع آخر من الاشتغال بالعلم يمثله العباس بن فرناس، وذلك أنه خطرت له فكرة أن يطير كما يطير الطير، يصنع جناحين يطير بهما، وهي فكرة
سابقة لزمانها؛ لأن الطيران إنما نجح بعد التقدم في صنع الآلات، واكتشاف البنزين، وما هو أخف من البنزين، أما
الاعتماد على الأجنحة فقط فمصيره الفشل لا محالة. قال فيه صاحب نفح الطيب: «إن أبا القاسم عباس بن فرناس أول من استنبط بالأندلس صناعة
الزجاج من الحجارة، وأول من فك الموسيقى وصنع الآلة المعروفة بالمثقال؛ ليعرف الأوقات على غير رسم ومثال، واحتال
في تطيير جثمانه، وكسا نفسه بالريش، ومد له جناحين، وطار في الجو مسافة بعيدة، ولكنه لم يحسن الاحتيال في وقوعه، فتأذى في مؤخره،
ولم يدر أن الطائر إنما يقع على زمكه، ولم يعمل له ذنبًا … وصنع في بيته هيئة السماء، وجعل للناظر فيها النجوم
والغيوم والبروق والرعود». فهذا كله إن صدق دل على شخص غريب حقًّا، نابغة حقًّا. والله أعلم.

هوامش
(?)
هو المشهور بابن باجة.
(?)
وردت هذه العبارة في كتاب حي بن يقظان لابن طفيل، وقد أصلحناها لاضطرابها في الأصل.
(?)
انظر: رسالتنا «حي بن يقظان» نشر دار المعارف.
(?)
القلخ: القصب الأجوف.
(?)
القتار: رائحة الشواء.
(?)
من كتاب ابن رشد وفلسفته للأستاذ فرح أنطون.
(?)
خلاصة هذه القصة أن ابن سينا وأبا سعيد بن أبي الخير تلاقيا ومكثا أيامًا، وتلاميذ كل ينتظرون صاحبهم؛ ليعرفوا ما تم بينهما،
فلما سئل ابن سينا عن رأيه في أبي سعيد قال: ما أعرفه يراه، ولما سئل أبو سعيد قال: ما أراه
يعرفه. والفرق بين الرؤية والمعرفة أن الرؤية هي الكشف الصوفي، والمعرفة هي النظر الفلسفي.
(?)
انظر: ص??? من المعجب وما بعدها.
(?)
وردت هذه الكلمة على أشكال مختلفة: نغرلة، ونفرلة، ونحن نرجح نغرلة.
(??)
الضمير يعود إلى موسى بن نغرلة، والخطاب للأمير باديس بن حبوس.
(??)
هو غير ابن خلدون المشهور.
الفصل السادس

التاريخ والجغرافيا
التاريخ

أولع الأندلسيون كما أولع المشرقيون بتاريخ بلادهم وملوكهم وحوادثهم، وتراجم علمائهم وأدبائهم، والراحلين من بلادهم والوافدين عليها.
ويظهر أن الاشتغال بالحديث كان هو الذي أسلم إلى الاشتغال بالتاريخ، فكان المحدثون يجمعون أحاديث من كل نوع،
بعضها يتصل بالعبادات والمعاملات، وبعضها يتصل بسير النبي ? والصحابة، فأسلم ذلك أولًا إلى جمع سيرة النبي، ثم أسلمهم شيئًا فشيئًا إلى
كتابة التاريخ.

ويظهر أن من أوائل مؤرخي الأندلس ابن حبيب الذي ذكرنا خبره في الحركة الدينية، وربما عدَّ أقدم مؤرخي الأندلس، وقد عاش في إلبيرة وقرطبة
أول أمره، ثم رحل إلى المشرق ودرس على شيوخه الحديث وما إليه والفقه المالكي، فأكسبته هذه الدراسة توسعًا في
فهم التاريخ، فألَّف في كل فروع العلوم ومنها التاريخ العام، وسمَّى كتابه «التاريخ» وهو أشبه ما يكون بتاريخ الطبري، فيتكلم في ابتداء
خلق الدنيا والسموات والبحار والجبال والجنة والنار وآدم وحواء، وما كان من أمرهما مع إبليس، ثم ذكر الأنبياء
نبيًّا نبيًّا؛ لأن ذلك يعد تفسيرًا لآيات الأنبياء في القرآن. وهذا القسم من تاريخ ابن حبيب مملوء بالأساطير والإسرائيليات التي
تروي عن مثل وهب بن منبه وكعب الأحبار. فلما وصل في التاريخ إلى الأندلس وذكر فتحها كان كذلك مملوءًا بالأساطير
كرؤيا طارق بن زياد، وطلسم لذريق، وخبر المائدة، والكنوز التي عثروا عليها من ذهب وفضة وياقوت وزمرد … إلخ.
?

ونجد بعد ذلك تاريخ ابن القوطية الذي ذكره في الحركة النحوية واللغوية؛ ولهذا الكتاب قيمة من ناحية خاصة، وهي تفسيره لحوادث إسبانية
لم يكن يعرفها العرب، واسم كتابه «تاريخ افتتاح الأندلس»، وقد قالوا: إنه كان رجلًا متدينًا جميلًا وطال عمره
ونفع الله به الناس، وقد عثر على هذا الكتاب ونشر، وفيه صبغة فقهية مالكية، وميل إلى أصوله من القوط مما يخالف فيه المؤرخين الآخرين.


ثم نجد بعده عريب بن سعد المتوفى سنة ????، وكان من أصل قرطبي نصراني أسلم آباؤه، وكان سعد هذا كاتبًا عند الحكم المستنصر، وقد اختصر
تاريخ الطبري وزاد عليه أخبار المغرب والأندلس، وله ذيل مطبوع لتاريخ الطبري، وجاء بعده سيد مؤرخي الأندلس
ابن حيان.

وكان ابن حيان هذا من كُتَّاب المنصور بن أبي عامر، وكان أديبًا ماهرًا، إلى جانب أنه مؤرخ كبير، وقد ضاعت أكثر كتبه، ولم يبق منها
إلا بقايا من كتابيه «المقتبس» و«المتين»؛ فأما «المقتبس» فيقع في عشرة أجزاء، لم يبقَ منها إلا ثلاثة، وكلها
في تاريخ الأندلس من أول فتحها على يد طارق إلى زمن المؤلف. وأما «المتين» فقالوا: إنه يقع في ?? جزءًا، لم يبقَ منه إلا فقر في بعض
الكتب كالذخيرة لابن بسام. وقد وصفه المؤرخون والمترجمون له بأنه كان صادق الرواية، جميل الأسلوب، جزل التعبير،
ولو بقيت كتبه لكشفت نواحي كثيرة من النواحي الغامضة في تاريخ الأندلس.

ولئن كان كثيرون من مؤرخي المسلمين يتحرجون من ذكر معايب الشخص، ويكتفون بمدائحه ويجرون حسب الحديث المشهور: «اذكروا محاسن موتاكم»،
فكان ابن حيان في منتهى الصراحة، يذكر المحاسن ولا يتعفف عن ذكر المساوئ، ولا يومئ إليها إيماءً، بل يقولها
في جرأة وشدة حتى إن بعض المؤرخين تبرأ إلى الله من قوله. وكان إذا أراد أن يقتبس شيئًا من ذلك حذف اسم المؤرخ له واكتفى بالتكنية عنه
بفلان، ولم يسلم من لسانه حتى العظماء، فيذكر مثلًا عن الأمير المنذر فضائله ثم يعقب ذلك بنقائصه، فيقول: إنه
كان شديد البخل، ويأخذ عليه الاستهانة بدماء الناس والإسراع إلى سفكها، حتى ولديه وإخوته وصحابته ورعيته وأخذه في ذلك بالظنة، ومع
أنه — كما قلنا — من كُتَّاب المنصور بن أبي عامر، لم يتحرج من أن يتناول بالهجاء ولو من بعيد هذه الأسرة، وأن
يأسف على زوال الدولة الأموية في الأندلس، ويبكي على ما كان للدولة الأموية من البهجة، وما حل محلها من دولة بربرية ليس
لها ما للأموية من جلال وقدم.

وَلْنَسُقْ بعض الأمثلة للدلالة على صراحته وشدة نقده: «فلان معدن من معادن الجهل والأفن والغباوة، وحجة الله في الرزق، واستظهر — لما
رأى الناس فيه من شدة وطأة المجاعة — بما شاء من ادِّخَار القوت والطعام … وولي المظالم صدر اكتهاله:

ومن المظالم أن وليـ
ـت على المظالم يا فزاره»

ويقول: «ومضى فلان فأُدْرج في جنَنِه غير فقيد، لم تبكِ عليه غير نفسه، إذ لم يكن لغيره نصيب في خيره؛ لأنه كان جَهْم المحيا، باسِرَ
اللقاء، مُشَنَّأ إلى الورى، شكس الجبلة، كز الخلقة».

ويقول في ابن باشة: «كان هدَّام القصو، مُبَوِّر المعمور، وكان من التبحبح في اللؤم والالتحاف للشؤم، مع دناءة الأصل والفزع وتنكب السداد،
وتَقَبُّل الفاسد، على ثَبَج عظيم، بيده بادت قصور بني أمية الرفيعة، ودرست آثارهم البديعة، وحُطَّت أعلامهم
المنيعة، قدمه ابن السقاء مدبر قرطبة لجمع آلات ما هدم من القصور المعطلة، فاغتدى عليها أعظم آفة، يبيع أشياء جليلة القدر، رفيعة القيمة،
في طريق الأمانة، ولم يَكُ مأمونًا على باقة بقل، فعاث فيها عياث النار في يبيس العرفج، وباع آلاتها من رفيع
المرمر، ومثمَّن العم ونُضار الخشب، وخالص النحاس، وصافي الحديد والرصاص، بيع الإدبار. ولم يزل ينفق ما غل بمرأى ومسمع في أبواب
الباطل، حُمِلت عنه في التبذير نوادر، تشهد بأن الدار ليست بدار مثوبة ولا جزاء. وكانت رُسُل الأملاك تأتيه لشراء
تلك الآلات بأغلى الأثمان، فيبذلها هو في أنواع الضلالات … إلخ».

وقد قال عن نفسه: إنه أولع بالتاريخ من صغره وشغف به حبًّا، وأعد لهذا الأمر عدته. وربما مكَّن له من الصراحة أنه كما قال كان يؤلف
هذا الكتاب لنفسه ويخبِّئه لابنه، ثم غير رأيه فنشره في الناس. ويقول ابن بسام: «إنه مرَى سحابه فصاب، وأخطأ
التوفيق وما أصاب، إذ جاء أكثر كلامه كما قال ابن الرومي:

مهما تقل فسهام منك مرسلة
وفوك قوسُك والأعراض أغراض
وما تكلمت إلا قلت فاحشة
كأن فكيك للأعراض مقراض

ومن علم أن كلامه من عمله، أقل إلَّا فيما ينفعه، ومن اعتقد أنه مسئول عما يقول، وكُتب عليه ما يَكتب، لم يستفرغ المجهود في القول،
فضلًا عن أن يثلب:

فلا تكتب بكفك غير شيء
يسرك في القيامة أن تراه

مع ذلك فقد كان سهمًا لا يُنْمى رميُّه، وبحرًا لا يُنْكش آذِيُّه، لو قلب الماء لما نقع، أو تعرض لابن ذكاء ما سطع، يتناول الأحساب
قد رسخت في التخوم، وأنافت على النجوم، فيضع منارها، ويطمس أنوارها، بلفظ أحسن من لقاء الحبيب عند العُوَّد.
فرب شامخ بأنفه، ثانٍ من عطفه، قد مر في كتابه ينصل جرده لوضع حسبه، وخلده أحدوثة باقية في عقبه فيرده ورود الظمآن الرَّنَق، ويلبسه
لبس العريان الخلق».

ونحن إلى مذهب ابن حيان أميل. فالمؤرخ عليه أن يتحرى الصق في المدح والذم، والنافع والضار، أما اقتصاره على المدح دون الذم، فتقصير
في رواية الحقيقة، وقوله لنصف الحق، وليس الرجل المشهور في التاريخ ملكًا لنفسه، بل أصبح ملكًا لشعبه، يشرح
المؤرخ الحصيف كما يشرح الطبيب المريض، فنحن مع ابن حيان لا ابن بسام. وكثيرًا ما ضقت ذرعًا بالمؤرخين لا يذكرون إلا المحامد، ويغضون
الطرف عن المفاسد، بل قد يخلقون المدائح خلقًا وإن لم يصح نسبتها إليهم حقًّا. وهذا إن جاز للشاعر المستجدي،
فلا يجوز للمؤرخ الثَّبْت المتحرِّي للصواب. غاية الأمر أننا نخالف ابن حيان في أنه يعبر عن مذامِّ الشخص تعبيرًا صارخًا ليس فيه رقة
ولا ذوق ولا إيماء، والحق إن عُري من ثيابه تعرَّى من جماله.

ولئن تفوَّق ابن حيان بتاريخه الشامل للسياسة، والأحداث الاجتماعية، وتراجم بعض الأفراد، فقد تخصَّص مؤرخ آخر لتراجم علماء الأندلس،
وهو «ابن الفَرَضي»، وهو أبو الوليد عبد الله محمد المعروف بابن الفرضي، من مشاهير المحدثين والمؤرِّخين، ولد
في قرطبة سنة ????، ودرس الفقه والحديث والأدب والتاريخ في قرطبة، وحج وانتهز فرصة الحج، ورحل إلى بلاد كثيرة: القيروان والقاهرة ومكة
والمدينة، ولما عاد إلى الأندلس درَّس بها مدة طويلة، وولي القضاء في بلنسية، وقُتل بداره سنة ???? أيام ثورة
البربر، واشتهر بعلمه في فن الحديث، وعلم الرجال والأدب، واطَّلع على كتب كثيرة في رحلاته، ومن مؤلفاته كتاب نُشر ضمن
سلسلة المكتبة الأندلسية، وهو الكتاب الذي كمَّله ابن بشكوال وهو المسمَّى «تاريخ علماء الأندلس».

ونبغ قريبًا من هذا العصر في التاريخ أيضًا الحافظ الحميدي، وقد ولد أبوه بقرطبة، وولد هو بالجزيرة، وقرأ العلوم الدينية من فقه وحديث،
وسمع من ابن عبد البر وابن حزم، ولازم هذا الأخير وقرأ عليه مصنَّفاته كلها، ورحل إلى مصر ودمشق، وروى عن الخطيب
البغدادي، وذهب إلى واسط، ثم رجع إلى بغداد وصار يأخذ العلم والأدب عن أهلهما، وقال بعض من رآه: «لم تَرَ عيناي مثل أبي عبد الله
الحميدي، في فضله ونبله، ونزاهة نفسه، وغزارة علمه، وحرصه على نشر العلم وبثه في أهله»، وقد وصل إلينا من تآليفه
كتابه «جذوة المقتبس في أخبار علماء الأندلس»،
?
لخَّص فيه كتاب المقتبس لابن حيان الذي ذكرناه من قبل. وكان مثال العالمِ الذي ينقطع عن العالَم ليتفرَّغ للعلم، توفي في بغداد سنة
????.

ثم اشتهر من مؤرخي الأندلس ابن بشكوال، وكان أيضًا من المحدثين والمؤرخين معًا، ولد في قرطبة سنة ????، وقد اتَّسعت أولًا معارفه بالحديث،
ومن ثَمَّ اتسع علمه بتاريخ بلاده، وقد استفاد كثيرًا من أساتذته العظام أمثال أبي بكر بن العربي. وقالوا:
إنه كان آخر أقطاب المحدثين في الأندلس، وأنه ألف نحو خمسين مؤلفًا. ولم يبقَ منه كتبه التاريخية إلا كتابه «الصلة في تاريخ أئمَّة
الأندلس»، وهو تتمة لكتاب ابن الفرضي السابق الذكر، وهو يدلُّ دلالة واضحة على سعة اطلاعه ووفرة علمه.

فإذا تخطَّينا نحو بعض العصور عثرنا من المؤرخين على ابن الأبَّار، وهو أيضًا محدث ومؤرِّخ، ولد في بلنسية سنة ????، وظل أكثر من عشرين
عامًا يتتلمذ لأبي الربيع بن سالم أعظم محدثي الأندلس في عصره. وقد ألف كتابًا سماه «التكملة لكتاب الصلة»،
فيكون لنا مجموعة متسلسلة في أخبار العلماء، كتاب ابن الفرضي والصلة لابن بشكوال، وتكملة الصلة لابن الأبار. ولما أحس باضطراب الأمر
في بلنسية هاجر منها إلى تونس واشتغل بالتدريس بها، وقد استقبله أمير تونس استقبالًا حسنًا أول الأمر، ولكنه
انقلب عليه أخيرًا وصادر كتبه، فوجد فيها هجاءً للسلطان أغضبه، حتى إنه لما مات في السجن أمر فأحرق رفاته. وقد بقي من
مؤلفاته كتاب «تكملة الصلة، والحلة السيراء».

هناك مؤرخون عُنُوا بتراجم طائفة خاصة، فبعضهم كان يُعنى بتراجم المحدثين كابن عبد البر الذي ألَّف كتاب «الاستيعاب»، وبعضهم عني بتراجم
الأدباء، ومن أشهر هؤلاء ابن بسام الذي ألف كتابه العظيم «الذخيرة»،
?
وقد وضعه على نمط كتاب «اليتيمة» للثعالبي، وقلده في سجعه واستعارته ومجازاته وإن لم يلتزم السجع دائمًا. وقد قسم كتابه إلى أقسام
أربعة كالثعالبي في اليتيمة، فقسم لقرطبة وما يحيط بها، وقسم لإشبيلية وما يحيط بها، وقسم لبلنسية وما يحيط
بها، وقسم للملمِّين بالأندلس والطارئين عليها، وهو يعرض لتاريخ الملوك والوزراء والأمراء عرضًا دقيقًا، ويزن آثارهم وزنًا صحيحًا،
وقد اعتمد في ناحيته التاريخية على ابن حيان إذ رأى أنه أعرف منه بالتاريخ، وأنه أصح منه نظرًا، وبذلك نقل
إلينا في كتابه «الذخيرة» جملة صالحة من أقوال ابن حيان المفقود أصلها.

وقد نشأ في بيت حسب ونسب في شنترين، ولكن من الأسف أن هذه البلدة وقعت في يد النصارى، واستولوا على كل أملاكه، فخرج منها صفر اليدين.
وفي ذلك يقول: «وعلم الله أن هذا الكتاب لم يصدر إلا عن صدر مكلوم الأحْناء، وفكر خامد الذكاء، بين جهر متلوِّن
تلوُّن الحرباء، لانتباذي من شنترين، قاصية الغرب، مغلول الغَرْب، مروع السِّرب، بعد أن استنفد الطريف والتلاد، وأتى على الظاهر والباطن
النفَّاد، بتواتر طوائف الروم علينا في عُقر ذلك الإقليم، وقد كنا غنينا هنالك بكرم الانتساب عن سوء الاكتساب،
واجتزأنا بمذخور العناد عن التقلب في البلاد، إلى أن نثر علينا الروم ذلك النظام، «ولو تُرك القطا ليلًا لنام»، وحين اشتد
الهول هنالك، اقتحمت بمن معي المسالك، على مهامِهَ تكذب فيها العين الأذن، وتُستشعر المِحَن:

مَهَامِه لم تصحب بها الذئب نفسه
ولا حملت فيها الغراب قوادمه
خلصت خلوص الزبرقان
?
من سراره، وفزت فوز القدح عند قماره، فوصلت حمص
?
بنفس قد تقطعت شعاعًا، وذهب أكثرها التياعًا، «وليتني عشت منها بالذي فضلا» فتغربت بها سنوات، أتبوَّا منها ظل الغمامة، وأعيا بالتحول
عنها عي الحمامة، ولا أُنس إلا الانفراد، ولا تبلغ إلا بفضلة الزاد. والأدب بها أقل من الوفاء، وحامله أضيع
من قمر الشتاء، وقيمة كل أحد ما له، وأسوأ كل بلد جهاله. حسْب المرء أن يسلم وفرُه وإن ثلم قدره، وأن تكثر فضته وذهبه وإن قل دينه
وحسبه».

ويقول في سبب تأليفه هذا الكتاب: إنه رأى في الأندلس «قومًا هم ما هم، طيب مكاسر، وصفاء جواهر، وعذوبة موارد ومصادر، لعبوا بأطراف الكلام
المشقق، لعب الدُّجَى بجفون المؤرق … نثر لو رآه البديع لنسي اسمه، أو اجتلاه ابن هلال لولَّاه حكمه، ونظم
لو سمعه كثير ما نسب ولا مدح، أو تتبَّعه جرول ما عوى ولا نبح، إلا أن أهل هذا الأفق أبوا إلا متابعة أهل المشرق، يرجعون إلى أخبارهم
المعتادة، رجوع الحديث إلى قتادة، حتى لو نعق بتلك الآفاق غراب، أو طن بأقصى الشام والعراق ذباب، لجثَوْا على
هذا صنمًا، وتلَوْا ذلك كتابًا مُحكمًا، وأخبارهم الباهرة، وأشعارهم السائرة، لا يعمر بها جنان ولا خلد، ولا يصرف فيها
لسان ولا يد، فغاظني منهم ذلك، وأنفت مما هنالك، وأخذت نفسي بجمع ما وجدت من حسنات دهري، وتتبع محاسن أهل بلدي وعصري، غيرة
لهذا الأفق الغريب، أن تعود بدوره أهلة، وتصبح بحاره ثمادًا مضمحلة، مع كثرة أدبائه، ووفور علمائه. وقديمًا
ضيعوا العلم وأهله، ويا رُبَّ محسن مات إحسانه قبله. وليت شعري: من قصر العلم على بعض الزمان، وخص أهل المشرق بالإحسان».

وهو يدل على شكواه من أهل الأندلس من أنهم ينظرون إلى النتاج المشرقي نظرة إعجاب ولو كان تافهًا، وإلى نتاج بلادهم نظرة احتقار ولو
كان نابهًا. وهو يدل أيضًا على أن أهل الأندلس كان عندهم مركب نقص أمام المشارقة، كالذي عند الشرق اليوم أمام
الغرب. وقد حكى لنا هذا أيضًا ابن حزم في رسالته في فضل الأندلس، فشكا من أن كثيرًا من علماء الأندلس وأدبائه، قلَّت قيمتهم في نظر
الأندلسيين؛ لأنهم من وطنهم، ولو كانوا من المشرق، لأعلوا شأنهم وزيد في قدرهم. وقديمًا قالوا: «زامر الحي
لا يطرب»، و«أزهد الناس في عالم أهله».

وكان قريع ابن بسَّام في بابه الفتح بن خاقان، ولد بقرية قريبة من غرناطة، وكان فقيرًا وليس الفقر عيبًا، ولكنه كان أيضًا وضيعًا، مدمنًا
للخمر، مسرفًا في تعاطيها، يتردد في البلاد لينشد أمثاله من متعاطي الخمور، ويطلب الصلة، وأسوأ ما فيه أنه
كان يمدح أو يذم، تبعًا لهذا العطاء أو الضَّن، فمن أعطاه مدحه ومن حرمه قدحه، وأحيانًا يمدح الشخص ويذمه، تبعًا لصلته الشخصية.

فابن بسام في الذخيرة يفوقه بمراحل، من ناحية تحريه للتاريخ الصحيح، وبذله المدح والذم تبعًا لصفات الممدوح أو المذموم لا لعلاقته الشخصية،
ومن شر ما وقع فيه الفتح بن خاقان تصرفه مع ابن باجة، فقد مدحه مدحًا صعد به السماء، ثم ذمَّه ذمًّا نزل به
إلى الحضيض لحسن العلاقة بينهما أولًا وسوئها أخيرًا، فإذا نظرنا إلى أسلوب الذخيرة وأسلوب الفتح، وجدنا أن أسلوب الذخيرة أقرب إلى
نفوسنا، فهو لا يلتزم السجع كما يفعل الفتح بن خاقان، وأسلوب الفتح هذا أجوف، يلعب بالألفاظ والاستعارات لعب
البهلوان.

وقد ألَّف الفتح كتابين مشهورين «مطمح النفس ومسرح التأنس»، والثاني: «قلائد العقيان ومحاسن الأعيان»، فأما المطمح فذكر أعيان الأندلس،
ومن اشتهر بكرم والظرف. أما القلائد فقد تعرض لمحاسن الرؤساء وأبنائهم، مع ذكر نماذج من مستعذب أقوالهم، وفيه
تراجم تشترك مع تراجم المطمح. ومن أمثلة كتابته قوله في ذم ابن باجة وقد ذكرناه عند الكلام عليه في الفلسفة، ونذكر هنا مدحه فيه، للدلالة
على أسلوبه، وعلى أنه يبني تراجمه من مدح أو ذم على اعتبارات شخصية، من غير تحرٍّ لصدق، أو التزام لحق، كأنه
يرى أن المسألة مسألة ألفاظ جوفاء، واستعارات خيالية، وتزويقات لفظية.

قال في ابن باجة: «نور فهم ساطع، وبرهان علم لكل حجة قاطع، تتوجت بعصره الأعصار، وتأرجت من طيب ذكره الأمصار، وقام وزن المعارف واعتدل،
ومال للأفهام فَنَنًا وتهدَّل، وعطل بالبرهان التقليد، وحقق بعد عدمه الاختراع والتوليد. إذا قدح زند فهمه،
أورى بشررٍ للجهل محرق، وإن طما بحر خاطره، فهو لكل شيء مغرق؛ مع نزاهة النفس وصونها، وبعد الفاسد من كونها، والتحقيق الذي هو للإيمان
شقيق، والجد الذي يخلق العمود وهو مستجد، وله أدب يود عطارد أن يلتحفه، ومذهب يتمنى المشتري أن يعرفه، ونظم
تعشقه اللبات والنحور، وتدعيه مع نطاسة جوهرها البحور»، وقد مات الفتح ميتة شنيعة إذ وجد مخنوقًا في فندق في درب من دروب مراكش سنة
????.

ومثل ما فعله ابن سعيد؛ فقد ألَّف كتابًا ضخمًا في ترجمة كل نبهاء الأندلس من أمراء ووزراء وقضاة وشعراء، وسماه «المغرب في حُلا أهل
المغرب»،
?
ومن اللطيف أن أسرة ابن سعيد هذا تداولت تأليفه في مدة تبلغ نحو ??? سنة، كلما أتى رجل من الأسرة كمَّل عمل أسلافه. وقد ذكر أن السبب
في تأليفه أن أبا عبد الله الحجاري وفد على عبد الملك بن سعيد صاحب قلعة بني سعيد بالقرب من غرناطة سنة ????،
فأعجبته منه معرفته أدباء الأندلس، وما لهم من طرائف الشعر والنثر، وصنف له الحجاري كتاب «المسهب في غرائب المغرب»، فلما اطلع عليه
عبد الملك بن سعيد أعجبه الكتاب، وأضاف إليه ما طالعه من الكتب والتقطه من الأفواه، وبعد أن فرغ منه وضع كتابًا
على منهجه سماه «المشرق في حلا أهل المشرق»، واضطر ذلك المؤلفين إلى أن يرحلوا إلى المشرق؛ ليجمعوا مادة هذا الكتاب. وطريقتهم في
التأليف كما ذكر أحدهم قال: «كلٌّ من التصنيفين مرتبة على البلاد، متى ذكر بلد، ذكرت كُوَره، وأتكلم عليه وعلى
كل كورة منه، وأبتدئ بكرسي مملكتها، وقاعدة ولايتها، بحسب مبلغ علمي، من إعلام بمكانها بالأقاليم ومن بناها، وما يحف بها
من نهر أو منزه أو خاصة معدنية أو نباتية، ومن تداول عليها من أبناء الملوك أولي التواريخ التي لا يجب إغفالها، ثم نأخذ
في الطبقات واحدة بعد واحدة، وهي خمس: طبقة الأمراء، وطبقة الرؤساء، وطبقة العلماء، وطبقة الشعراء، وطبقة اللفيف،
والطبقات الأولى مخصوصة بمن له نظم من أولي الخطط المذكورة … وطبقة اللفيف مخصوصة بمن ليس له نظم من أي صنف كان، ممن لا يجب إغفاله،
وفيها من النوادر والمضحكات ما يكون كالإحماض».

وقد سمَّى كل جزء يتصل ببلد اسمًا خاصًّا مقلدًا في ذلك ابن عبد ربه فيما صنع في العقد، فمثلًا كتاب «الحلة المذهبة في حلى مملكة قرطبة»،
وكتاب «الفردوس في حلى مملكة بطليوس»، وكتاب «الخلب في حلى مملكة شلب»، وكتاب «النفحة المندلية في حلى المملكة
الطليطلية» … إلخ.

وأخيرًا ألف لسان الدين بن الخطيب كتابه «الإحاطة في أخبار غرناطة» ترجم فيه لكل علماء غرناطة وفضلائها ترجمة أدبية يسودها السجع.

ونلاحظ أن التاريخ سواء كان تاريخًا سياسيًّا أو تراجم رجال متأثر من ناحية المؤلفين بعلم الحديث ومنهجه أكثر من المشرق. والسبب في
ذلك:
list of 3 items
(?) أن منهج التعليم في الأندلس كان منهجًا دقيقًا شديدًا، يسوده فقه الإمام مالك وما ينبغي عليه من حديث وتفسير، فكان
الاشتغال بالفقه والحديث يسلمهم غالبًا من ترجمة رجال الحديث إلى ترجمة رجال العلم
والأدب؛ ولذلك نرى أكثر المؤرخين فقهاء أشبه ما يكونون بالطبري في المشرق. فقد كان فقيهًا مؤرخًا، ولكن قلَّ أن نجد بالأندلس
مثل: المسعودي واليعقوبي وأبي الفدا من مؤرخي المشرق غير الفقهاء.

(?) ربما نلاحظ أن التاريخ الأندلسي اتصل بالأدب أكثر مما اتصل المؤرِّخ الشرقي به، وسبب ذلك أن أكثر المؤرخين الأندلسيين
كانوا أدباء شاعرين أو ناثرين، وسبب آخر وهو أن عواطف الأندلسيين نحو بلادهم كانت
أقوى، فكلما سقطت بلدة في يد النصارى رثاها الأدباء وحلل وقائعها المؤرخون. فمثلًا لما سقطت طليطلة وكانت أول ما سقط،
تكلموا عن سقوطها كثيرًا، وحللوا أسباب سقوطها تحليلًا كبيرًا. وكذلك لما سقطت بلنسية
استغاثوا بصاحب إفريقيا أبي زكريا بن أبي حفص، وقال قائلهم القصيدة المشهورة:

أدرك بخيلك خيل الله أندلسا
إن السبيل إلى منجاتها درسا
يا لجزيرة أضحى أهلها جزرًا
للحادثات وأمسى حدها نفسا
تقاسم الروم لا نالت مقاسهم
إلا عقائلها المحجوبة الأنسا
وفي بلنسية منها وقرطبة
ما ينسف النفس أو ما ينزف النفسا
مدائن حلها الإشراك مبتسمًا
جذلان وارتحل الإيمان مبتئسا
وهي قصيدة قوية طويلة تفيض بكاءً. وأخيرًا سقطت الأندلس كلها، فقيل في رثائها الكثير، ومن أحسنه:

لكل شيء إذا ما تم نقصان
فلا يغر بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما شاهدتها دول
من سره زمنه ساءته أزمان
تبكي الحنيفية السمحاء من أسف
كما بكى لفراق الإلف هيمان
على ديار من الإسلام خالية
قد أقفرت ولها بالكفر عمران
حيث المساجد قد صارت كنائس ما
فيهن إلا نواقيس وصلبان
حتى المحاريب تبكي وهي جامدة
حتى المنابر ترثي وهي عيدان
يا غافلًا وله في الدهر موعظة
إن كنت في سنة فالدهر يقظان
يا من لذلة قوم بعد عزهم
أحال حالهم كفر وطغيان
بالأمس كانوا ملوكًا في منازلهم
واليوم هم في بلاد الكفر عبدان
فلو تراهم حيارى لا دليل لهم
عليهم من ثياب الذل ألوان
ولو رأيت بكاهم عند بيعتهم
لهالك الأمر واستهوتك أحزان
ويختمها بهذا البيت:

لمثل هذا يذوب القلب من كمد
إن كان في القلب إسلام وإيمان
لقد رأينا مدنًا في الشرق تتساقط تساقط أوراق الشجر، تستوجب الرثاء والبكاء، كما سقطت بغداد في يد التتار، وأزالوا كل ما
فيها من مظاهر مدنية وحضارة، وفعل التتار فيها ما لا يقل عما فعله الإسبانيون في الأندلس،
وغزا هولاكو وتيمورلنك ونحوهما بلاد الشام، وأسقطوها بلدًا بلدًا، فما رأينا عاطفة قوية، ولا رثاءً صارخًا ولا
أدبًا رقيقًا ولا تاريخًا مسجلًا، كالذي رأيناه في الأندلس، فإن قلنا: إن هذه الناحية في التاريخ
الأندلسي أقوى وأشد، لم نبعد عن الصواب.

(?) رأينا في الأندلس أيضًا صنفًا من التاريخ لم نجده كثيرًا في الشرق. قد رأينا في ترجمة ابن عبد ربه أنه وضع ملحمة في
أعمال عبد الرحمن الناصر وغزواته مؤرخة بالسنين، ورأينا ملحمة أخرى لأبي طالب عبد
الغفار مما لم نجد له نظيرًا في الشرق، نعم: رأينا أرجوزة مطولة لابن المعتز في تسجيل الأحداث في زمانه، ولكن قصيدة ابن
المعتز في باب الاجتماع أدخل، وملحمة ابن عبد ربه وأبي طالب في باب التأريخ أدخل.
والله أعلم.
list end

الجغرافيا

جمع بعض العلماء في كتبه بين معلومات تاريخية ومعلومات في صميم الجغرافيا، ومن أشهر هؤلاء ابن حيان السابق الذكر، فإنه يرد في ثنايا
كلامه التاريخي وصفٌ جغرافي كقوله في بعض كتبه:

ابتدأ الناصر ببناء الزهراء اول يوم سنة ????، وجعل طولها من شرق إلى غرب ???? ذراعًا، وتكسيرها ??????، وكان يثيب على كل رخامة
كبيرة أو صغيرة عشرة دنانير، سوى ما كان يلزم على قطعها ونقلها ومئونة حملها، وجلب إليها الرخام
الأبيض من المرية، والمجزع من رية، والوردي والأخضر من إفريقيا، والحوض المنقوش المذهَّب من الشام، وقيل: من القسطنطينية،
وفيه نقوش وتماثيل وصور على صور الإنسان، وليس له قيمة — أي: لا يقوَّم — … فأمر الناصر بنصبه
في وسط المجلس الشرقي المعروف بالمؤنس، ونصب عليه اثني عشر تمثالًا، وبنى في قصرها المجلس المسمَّى بقصر الخلافة،
وكان سمكه من الذهب والرخام الغليظ الصافي لونه، المتلونة أجناسه، كانت حيطان هذا المجلس مثل ذلك، وجعلت
في وسطه اليتيمة التي أتحف الناصر بها إليون ملك القسطنطينية، وكانت قرامد هذا القصر من الذهب والفضة، وهذا
المجلس في وسطه صهريج عظيم مملوء بالزئبق، وكان في كل جانب من هذا المجلس ثمانية أبواب قد انعقدت على حنايا
من العاج والأبنوس المرصع بالذهب وأصناف الجواهر، قامت على سوار من الرخام الملون، والبلور
الصافي، وكانت الشمس تدخل الأبواب، فيضرب شعاعها في صدر المجلس وحيطانه، فيصير من ذلك نور يأخذ بالأبصار، وكان الناصر إذا
أراد أن يفزع أحدًا من مجلسه أومأ إلى أحد صقالبته، فيحرك ذلك الزئبق، فيظهر في المجلس كلمعان
البرق في النور، ويأخذ بمجامع القلوب، وبها من المرمر والعمد كثير، وأحدق بها البساتين، وفيها يقول الشاعر:

وقفت بالزهراء مستعبرًا
معتبرًا أندب أشتاتا
فقلت: يا زهرا ألا فارجعي
فقالت: وهل يرجع من ماتا
فلم أزل أَبكي وأُبكي بها
هيهات يغني الدمع هيهاتا
كأنما آثار مَن قد مضى
نوادب يندبن أمواتا»

واخترعوا طريقة لطيفة لإظهار محاسن كل مدينة، وهي طريقة إقامة مناظرة بين المدن الأندلسية المختلفة تفخر بنفسها، وتظهر مزاياها
التي لا توجد في مدن أخرى، وترد الثانية عليها، كما روي أن مالقة قامت فقالت: «لي البحر العجاج؛
والسبل الفجاج، والجنات الأثيرة، والفواكه الكثيرة، ولدي من البهجة ما يستغني به الحمام عن الهديل، ولا تجنح الأنفس الرقاق
الحواشي إلى تعويض عنه وتبديل … فقامت مرسية وقالت: أمامي تتعاطون الفخر، وبحضرة الدر تنفقون
الصخر، إن عدَّت المفاخر فلي منها الأول والآخر، أين أوشالكم من بحري، وخرزكم من لؤلؤ نحري، وجعجعتكم من نفثات
سحري، فلي الروض النضير، والمرأى الذي ما له نظير، فأبنائي فيه في الجنة الدنيوية مودعون، يتنعمون فيها
يأخذون ويدعون، ولهم فيها ما تشتهي أنفسهم ولهم فيها ما يدَّعون … فقامت بلنسية وقالت: فيم الجدال
والقراع؟ وعلام الاستهام والاقتراع؟ وإلام التعريض والتصريح، وتحت الرغوة اللبن الصريح؟ … فلي المحاسن الشامخة الأعلام،
والجنات التي تلقي إليها الآفاق يد الاستسلام، وبرصافتي وجسري أعارض مدينة السلام … فأنا حيث
لا تدركون … إلخ.

وهكذا قامت كل مدينة تفتخر بما عندها، وتعتب على غيرها في شكل أدبي لطيف.

وكان من أشهر جغرافيي الأندلس وأقدمهم البكري، وهو عبد الله بن عبد العزيز بن محمد بن أيوب. ومن حسن الحظ أن آثاره في الجغرافيا لا
تزال بين أيدينا إلى اليوم، ? «معجم ما استعجم». وقد ازدهر اسمه في النصف الثاني من القرن الخامس، وسمِّي البكري
نسبة إلى قبيلة بكر إذ كان من نسلهم. ولقد ذهب إلى قرطبة وتعلم فيها، وكانت قرطبة إذ ذاك في حكم بني جهور، وفي قرطبة أتم البكري تعلمه
على مشاهير العلماء في ذلك العصر، ثم دخل البكري في خدمة أمير المرية، وهناك يحدثنا التاريخ أنه سمع بعض المحاضرات
من المؤرخ الجغرافي المشهور ابن حيان. وقد أوفد أمير المرية البكري إلى أمير الموحدين للاستعانة به، فنجح في سفارته. وقد ألَّف
كتبًا كثيرة بعضها أدبي وبعضها جغرافي أدبي كتعليقاته على أمالي القالي، وشرحه لأمثال أبي عبيد. أما في الجغرافيا
فمن أشهر كتبه كتاب «معجم ما استعجم»،
?
وهو يذكر اسم البلدة ويروي أشهر ما لها وما ورد من الشعر فيها في دقة وعناية، ويضبطها ضبطًا صحيحًا، وكان من بين ما تعرض له «الأندلس»،
وله أيضًا كتاب «المسالك والممالك»، وقد وصل إلينا منه بعض قطع، جمعه من أقوال من تقدمه من المؤرخين، من كتب
لم تصل إلينا، ضم فيه نتفًا من التاريخ، إلى نتف من الجغرافيا، وتعرض — عدا الأندلس — إلى جغرافيا إفريقيا ومصر والعراق وما وراء
النهر.

وعلى الجملة فكان علمًا عظيمًا من أعلام الجغرافيين الأندلسيين.

واشتهر كذلك في الجغرافيا الشريف الإدريسي، وربما كان أكبر جغرافيي المسلمين ويعرف عنه الأوربيون كثيرًا، وهو أبو عبد الله محمد بن
محمد، ويسمَّى بالشريف لنسبته إلى الحسن، وأحيانًا يلقب بالقرطبي. والسبب في معرفة الأوربيين له أنه اتصل ببلاط
روجر الألماني ملك صقلية، وقربه إليه وحط رحاله عنده، بعد رحلات طويلة في ممالك مختلفة. وكان روجر هذا يشجعه على التأليف في الجغرافيا
ورسم الخطط له؛ ولذلك قد يسمَّى الشريف الإدريس الصقلي. وألَّف في الجغرافيا كتابه المشهور «نزهة المشتاق في
ذكر الأمصار والأقطار والبلدان والجزر والمدائن والآفاق»، وشحنه بالخرائط اللازمة التي تزيد عن الأربعين خريطة، وكان أعظم كتاب
في الجغرافيا في زمنه؛ ولذلك ترجم إلى اللغة اللاتينية وطُبع.

وفي الحقيقة أن من قرأ الكتاب استدل منه على معرفة واسعة بالبلاد وخبرة تامة بمواقعها وميزاتها، ونباتها وحيوانها، وغير ذلك مما يعجب
منه القارئ، ويتصل بالجغرافيا أكبر اتصال الرحلات، وقد كان في المشرق رحالون كثيرون أفضلهم المقدسي، وكان في
الأندلس أيضًا رحالون كثيرون، وربما كان الأندلسيون أقدر على الرحلة لما يغلب عليهم من الدروشة والتصوف، فكانوا يجدون سهولة كبيرة في
التنقل والإقامة في البلاد التي ينزلونها، ويُستقبلون استقبالًا حسنًا في الرباطات والخانقاهات، ومن أشهر رحالي
الأندلس ابن جبير وابن بطوطه، فابن جبير أبو الحسين محمد، ولد ببلنسية سنة ????، ودرس الفقه والحديث في شاطبة، ثم حج فذهب
من غرناطة إلى سبتة عن طريق جزيرة طريف، ومن سبتة ركب البحر إلى الإسكندرية، ثم مرَّ بالقاهرة، فقوص فعيذاب فجدة، وفي
رجوعه رحل إلى العراق فزار بغداد والكوفة والموصل، ورحل إلى الشام فزار حلب ودمشق، وركب البحر من عكا إلى صقلية، ومن
صقلية عاد إلى غرناطة، ورحل بعد ذلك رحلتين إلى المشرق: أولاهما من سنة ???? إلى ????، والثانية سنة ????. ويظهر أنه كان
ينوي الرحلة بعيدًا ولكنه لما وصل إلى الإسكندرية مات. وقد ملئت رحلته بالفوائد فهو يذكر العلماء الذين رآهم
ويصفهم، والوعاظ وطريقة وعظهم، والمكَّاسين وطريقة أخذهم للضرائب، هذا عدا وصف المدن أو البلاد التي كان يمر بها.

وعلى الجملة فكتابه أوفى رحلة وصورة اجتماعية وجغرافية للبلاد التي مَرَّ بها، حتى إن الإفرنج اهتموا كثيرًا بالقسم من رحلته الذي دوَّن
فيه حالة صقلية في عهد وليم الصالح، وترجموا نصه وعلقوا عليه.

وكان مثقفًا دقيق الملاحظة، بليغًا في الوصف، فمثلًا يقول وقد أتى شهر رمضان عليه وهو في مكة: «وكان صيام أهل مكة يوم الأحد بدعوى في
رؤية الهلال لم تصح، لكن أمضى الأمير ذلك، ووقع الإيذان بالصوم بضرب دبادبه لموافقته مذهبه، ومذهب شيعته العلويين
ومن إليهم؛ لأنهم يرون صيام يوم الشك فرضًا. ووقع الاحتفال في المسجد الحرام لهذا الشهر من تجديد الحصر، وتكثير الشمع والمشاعل وغير
ذلك من الآلات، حتى تلألأ الحرم نورًا، وسطع ضياء، وتفرقت الأئمة لإقامة التراويح فرقًا» إلخ من وصف مفصل دقيق.


ويقول لما وصل بغداد: «هذه المدينة العتيقة، وإن لم تزل حضرة الخلافة العباسية، قد ذهب أكثر رسمها ولم يبقَ منها إلا شهير اسمها، وهي
بالإضافة إلى ما كانت عليه قبل إنحاء الحوادث الطامس، أو تمثال الخيال الشاخص، فلا حسن فيها يستوقف البصر،
ويستدعي من المستوفز العقلة والنظر … وأما أهلها فلا تكاد تلقى منهم إلا من يتصنع التواضع رياءً، ويذهب بنفسه عجبًا وكبرياءً. يزدرون
الغرباء، ويظهرون لمن دونهم الأنفة والإباء، ويستصغرون عمَّن سواهم الأحاديث والأنباء … إلخ».

ويلي ابن جبير في الزمن ابن بطوطة، وقد ضبطه ابن خلدون في نسخته بضم الباء، وكثيرًا ما يلقب بالطنجي؛ لأنه ولد بطنجة سنة ????، ولكن
أهله كانوا بالأندلس، ومنهم من تولى القضاء ببعض مدنها، وكان أكثر دروشة في سفره من ابن جبير. بدأ رحلته بالحج
إلى مكة عن طريق شمالي إفريقيا فمصر فالبحر الأحمر، ولمَّا لم يجد الطريق أمامه مفتوحًا، عاد ووصل إلى مكة عن طريق الشام وفلسطين، ومن
مكة وصل إلى العراق، ثم زار بلاد فارس والموصل وديار بكر، ثم زار مكة للمرة الثانية، وقضى فيها عامين، ورحل
رحلة ثالثة إلى جنوب بلاد العرب، فإفريقيا الشرقية، ورحل منها إلى الخليج الفارسي، ثم عاد إلى آسيا الصغرى وبلاد القرم عن طريق مصر
والشام، وزار القسطنطينية في حاشية الأميرة اليونانية زوجة السلطان محمد أوزْبِك، واخترق خوارزم وبخارى وأفغانستان،
ثم رحل إلى الهند وولي القضاء في دلهي، وسار في بعثة سياسية إلى الصين فوصل إلى جزائر مولديف، ومنها سافر إلى
الصين عن طريق سيلان والبنغال والهند الأقصى.

ثم رحل إلى بلاد العرب عن طريق جزيرة سوماطرة، فترى من هذه حبه الكثير للتجوال، وكان في كل بلدة ينزلها يختلط بأهلها وبأميرها، وكثيرًا
ما يتزوج منها مما يسهل له وصف مناظرها، وشرح عوائدها، وكان يهتم اهتمامًا كبيرًا برجال الدين؛ ولذلك يعد كتابه
وصفًا شاملًا للحياة الاجتماعية في عصره، كما يدل وصفه على كيفية تصوره للمسائل.

وقد أفادتنا رحلته ورحلة ابن جبير فوائد أكثر مما أفادتنا كتب التاريخ المؤلفة في عصرهما؛ لأن تاريخهما تاريخ حي، يعنى بالحياة الحية
أكثر مما يعنى بالحروب والفتوح والجنود وعددها وغلبتها … إلخ.

ومما يتصل بالرحلات ما ذكره الشريف الإدريسى عن الإخوة المغررين من أنهم: «خرجوا من أشبونة أولًا إلى ناحية الغرب، وساروا «في البحر»
اثني عشر يومًا، فلم يجدوا شيئًا، فانعطفوا إلى ناحية الجنوب، فساروا اثني عشر يومًا أخرى، فوصلوا إلى جزيرة
لم يجدوا فيها إلا غنمًا لحومها مُرَّة لا تؤكل، فانعطفوا أيضًا إلى الجنوب، وساروا اثني عشر يومًا إلى أن وصلوا إلى جزيرة وجدوا فيها
بشرًا، وأُخِذوا إلى أمير الجزيرة وجرى معهم ما جرى».

والذي يظهر من هذا أنهم وصلوا أولًا إلى جزيرة بين أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية، وقد سار في نفس الطريق كولمبس، ولا شك أنه وقف
على رحلة هؤلاء الإخوة واستفاد مما ورد عنهم. ويظهر أن قول الإدريسي: أنهم ساروا مسافة اثني عشر يومًا حتى
وصلوا ما وصلوا إليه ليس بدقيق؛ فإن المسافة تقطع في المراكب الشراعية في أطول من هذا، ومما يروى أن كولمبس قد اطلع على كتب كثيرة قبل
رحلته، منها ما أخذه عن العرب كما ورد في دائرة المعارف الفرنسية، فهم بهذا كانوا أسبق في اكتشاف أمريكا، لولا
سوء الظروف التي منعت من نجاحهم.

هوامش
(?)
وقد عثر على هذا الكتاب ولا يزال موجودًا في مكتبة أكسفورد في إنجلترا. ويقول من اطلع عليه: إنه ليس له قيمة تاريخية كبيرة.
(?)
طبع من عهد قريب في مصر.
(?)
طبعت منه الجامعة المصرية إلى وقتنا ثلاثة أجزاء.
(?)
الزبرقان: البدر.
(?)
بلدة في الأندلس سميت باسم حمص الشام.
(?)
نشر بعض أجزائه الدكتور شوقي ضيف في مصر
(?)
طبع في أوربا ومصر.
الفصل السابع

الحركة الفنية

عرفت إسبانيا بأنها مركز لآثار كثيرة، وحضارات قديمة متوالية؛ ولذلك كانت مدرسة يدرس فيها الفنانون الفنون المختلفة للحضارات المختلفة.


وقد مكن لها من ذلك ما قلنا من توالي الحضارات عليها، وقربها من إيطاليا وفرنسا المعروفتين بالذوق الفني. فالعرب لما كانوا بالأندلس استفادوا
من فنية هاتين المملكتين، وهضموا ما استفادوا وأخرجوه على نحو جديد، استطاعوا به أن يعيدوا الجميل لمن اقتبسوا منهم.
لقد توالى على الأندلس الرومان والقوط والعرب والإسبان، فأما الرومان فكانوا ذوي مهارة فنية عظيمة، وأعظم ما خلفوه كان في بلدة ماردة، إذ
كانت عاصمة لوزيتانيا، فخلفوا فيها كوبري «جسرًا» كانت له واحد وثمانون حَنِيَّة أو باكية، وخلفوا فيها قناتين مغلقتين،
وملهى للتمثيل، وملعبًا عامًّا، وهيكلًا للمريخ تحول فيما بعد كنيسة، وقوس نصر، وخلفوا في طركونة عدة هياكل وملهى للتمثيل وملعبًا
وحمامات، وجميعها من أفخم المباني الرومانية. وفي بلدة شقوبية خلفوا قناة مغلقة طولها ??? مترًا، منها ??? مركبة على دورين
من الحنايا الواحد فوق الآخر، وعدد قناطرها ??? قنطرة.

وأما القوط فخلفوا أكثر ما خلفوا كنائس، منها كنيسة سانميسكال في أوبيط، وكنيسة شانتمرية. وقبيل دخول العرب الأندلس مالوا في فنهم إلى المتانة
والرصانة دون الزخرف، وبنوا في مدينة برغش كنيسة كبرى تحتوي على أنماط البناء في الأعصر الثلاثة الأخيرة، ويقال: إنها
أبدع كنيسة في إسبانيا بناها يوحنا الكولوني، وكانوا يميلون إلى نوعين أخيرًا قللا من بهجة الفن: الأول جعل موضع خاص في وسط الكنيسة للأحبار
والقسيسين ممَّا أخل بجمال الهندسة، والثاني ميلهم إلى تقليل النور في الكنائس، فكانت أبنيتهم تستدعي الظلمة لا النور،
على العكس من البناء العربي، فهو يحب النور ويكره الظلمة.

وأما أبنية العرب فكثيرة، وربما كان أعظمها مسجد قرطبة، من حيث جماله وسعته، فهو لا يفوقه في السعة إلا المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وربما
ساوى مسجد ابن طولون في القاهرة، وقد تُوسِّع فيه على ممر الزمان، فكان كلما كثر العمران وزاد السكان توسعوا فيه. حتى
لقد قالوا: إن قسمي المسجد، القسم المسقوف والصحن السماوي يسعان نحو ثمانين ألف مصلٍّ. وقد زين هذا المسجد بالنقش والفسيفساء، مما يدل على
أن الأندلسيين أخذوا هذا الفن من البيزنطيين وحسنوه وأتقنوه، وقد تفننوا في الخرط والنحت والنقش والزينة مما جعل لهم
أسلوبًا خاصًّا بهم يفهمه الفنان. وقد بدئ في بناء المسجد سنة ???? وأخذت بعض عمده من الأبنية الرومانية القديمة، ولما كان
الرواق عظيم الحجم، كان من المناسب أن يكون سقفه عاليًا، يفوق ارتفاعه ارتفاع العمد، ففكروا في أن يبنوا أقواسًا على العمد تمكن
من ارتفاع السقف، وقد تفننوا في بناء مساجد كثيرة من الآجُر على نمط جميل، ومن أجمل أبنية العرب في الأندلس قصر الحمراء،
شيده بنو الأحمر في غرناطة، وفيه أبنية غاية في الجمال، كوحش السباع، وحوش الريحان، وقاعة السفراء، وقاعة بني سراج، وقاعة الحكم. وأجمل
ما في هذه القاعات الأعمدة الرخامية والنقوش البديعة بالجص، والكتابات العربية التي تتكرر فيها: «لا غالب إلا الله،
وعز لمولانا أبي عبد الله»، ولا تزال هذه الحمراء إلى اليوم زينة إسبانيا، ومقصد السائحين والفنانين.

ولما تغلب الإسبانيون على المسلمين وجدت طائفة من المسلمين يسمون المدجنين، وهي كلمة تطلق على الذين دخلوا تحت حكم الإسبان بعد سقوطها في
أيديهم، وفضلوا البقاء في بلادهم، كانوا في أول أمرهم يتسامح معهم في الإتيان بشعائر دينهم، والظهور بمظهر الإسلام،
ولكن ضغط القسس على الولاة فحرموا عليهم إقامة شعائر دينهم، وأكثروا عليهم من الأغلال والضرائب والرقابة. هؤلاء المدجنون كانوا يجمعون بين
ما اقتبسوه من الفن الإيطالي والصنعة القوطية والطراز العربي. وكان البناءون من المدجنين ومن الإيطاليين ومن الهولنديين،
يطوفون في البلاد ويشتركون في بناء الكنائس والأديار، وخلفوا من ذلك كثيرًا، ووجدت في الأندلس تماثيل كثيرة، ولكن الغالب أنها من صناعة
الإيطاليين، وبعضها قديم يرجع إلى زمن الرومان.

ولم يكن العرب مقلدين فقط، بل استفادوا من العمارات التي شاهدوها في الشرق، وزاد ذوقهم إرهافًا لما نزلوا بالأندلس حيث الطبيعة جميلة، وحيث
البلاد مفتوحة بآثارها أمامهم، فخلطوا هذا بذاك، وأنتجوا نتاجًا جديدًا كان عليه طابعهم، خصوصًا وأن العرب في الأندلس
قَوِيُّو الملاحظة، حسنو الذوق، سرعان ما يهضمون ويخرجون ما هضموه كأنه شيء جديد.

ولهم في الفنون المختلفة مجال، فأولًا: العمارة، وأكبر ما يمتازون به العقود في البناء، فنرى أنهم شغفوا بهذا النحو من العمارة، وبنوا على
أساسه مساجدهم وقصورهم. نعم إن هذه العقود كانت معروفة في إسبانيا من قبل، ولكنهم أدخلوا عليها تحسينات كثيرة، حتى
كأنها من وضعهم، وتوسعوا في تقويس الجوانب، وسدوا نصف فتحة العقد في بعض الأحيان، وابتكروا طريقة عمل الأقبية التي تقوم على عقود متقاطعة
وأدوار متعارضة، وانتشرت هذه الطريقة في المدن الأندلسية على اختلافها، وزادوا على ذلك مهارة في أشغال الخشب والرسم
عليه رسومًا هندسية، والخزف والمنسوجات، فبرعوا في تزيين السقوف بالأشكال الهندسية، والألوان البديعة، ممَّا لم يكن له نظير، كما برعوا
في صنع القاشاني، وتزيين المقاعد العامة به، وكان للفخار الأندلسي بريق متألق كالذهب، وقد أخذوه من القسطنطينية أولًا،
ثم أدخلوا عليها تحسينات كثيرة، وزاد في جماله ما كتبوا عليه من الكلمات العربية بالحروف الكوفية. وكان لكل أمير شارة خاصة، وهي
المسماة «رنْكا» زينوا بها أمتعتهم وكتبهم وغير ذلك، وكان لهم صبر طويل على إخراج الأدوات الجميلة، فلا مانع عند الصانع أن
يصرف السنين في إخراج تحفة فنية كصندوق خشبي مكفَّت، أو دواة جميلة مكفتة، ودلهم ذوقهم على استخدام الكتابة العربية في
التجميل والزخرفة أو بيت من الشعر أو دعاء بالعافية، أو ذكر أوصاف لمن تعمل له التحفة، وقد ينتهي ذلك بكتابة الصانع اسمه، وأكثروا من
استعمال ذلك حتى على المقابر، كما مهروا في صناعة الزجاج الملون والنقش والكتابة عليه.

ولما كان الدين الإسلامي يمنع من إقامة التماثيل وتصوير الأبطال، عمدوا إلى تجميل الخط، وتصوير أوراق الأشجار، أو تحلية الشيء المصنوع بالأشكال
الهندسية، حتى صناعة النسيج مهروا فيها، وسرت منهم إلى أوربا فيما بعد. وقد كان عندهم نوع من القماش يقال له: العتابي،
نسبة إلى عتاب، واشتهر هذا النوع في فرنسا وسمي في لسانهم «تابي»، وعرف بهذا الاسم في أوربا كلها. وهناك نوع من الأقمشة القطنية يعرف باسم
«ديميتي» ويقولون في اشتقاقه: إنه من اليونانية من دي بمعنى اثنين وميتوس بمعنى خيط؛ لأن هذا القماش كان ينسج من أول
أمره في خيطين، ولكن تظن السيدة دي فونْشَيَر أنه نسبة إلى دمياط، إذ كان هذا النوع مشهورًا عندهم.

وقد قلد الصناعُ من الفرنج العربَ في فنهم تقليدًا دقيقًا، ومن ألطف ما يروى في ذلك أن بعض الصناع الأوربيين كانوا يقلدون الخط العربي على
أنه رسم من الرسوم من غير أن يعرفوا قراءته، فحدث أن ملك مرسية واسمه «أوفا» صك نقودًا محفوظًا بعضها في المتحف البريطاني،
وقد كتب على قطعة النقود اسم الملك باللغة اللاتينية وحوله كتابة عربية فيها: «لا إله إلا الله، محمد رسول الله» على أنها مجرد نقش، من
غير أن يتنبه الصانع إلى أن ذلك يخالف التعاليم المسيحية، وعثر على صليب إيرلندي مطلي بالبرونز اللامع، كتب في وسطه
على الزجاج بالخط الكوفي عبارة «بسم الله»، ففي هذين المثلين دليل على أن الفن العربي كان يغزو الفن الأوربي، ويحمل الفنانين على تقاليد
العرب حتى في كتابتهم على أنها من التصوير.

وبلغ الفن الإسلامي في الأندلس درجة عالية، رغم أن الإسلام يحرم الصور والتماثيل؛ لأنها تعيد إلى الذهن عهد الوثنية الأولى، والإسلام يريد
أن يجتثَّها من أساسها؛ ولذلك كان كثير من المتدينين قد يصورون الحيوان والنبات لبعد احتمال عبادتهما، ولكن لا يصورون
الإنسان لاحتمال عبادته؛ ولذلك وجهوا همهم إلى الزخارف والنقوش والصور الهندسية من ذلك أنهم زينوا مثلًا قصور الزهراء بأسد عظيم الصورة،
بالغ الروعة، قد طلي بالذهب، ووضع مكان العينين جوهرتان لهما ضوء خاطف، قد أقيم على بحيرة، يجوز الماء منه إلى مؤخره
من قناة تحمل إليه الماء العذب على حنايا معقودة، فيدفع الماء إلى البحيرة.
?
ومن ذلك أيضًا ما روي من أن الناصر صنع حوضًا لاستحمامه أقيم عليه تماثيل من الذهب الأحمر، مرصعة بالدر النفيس مما صنع بدار الصناعة بقرطبة
— تمثال أسد إلى جانبه غزال، ثم تمساح، يقابله ثعبان وعقاب وفيل. وفي الجانبين حمامة، وشاهين وطاوس، ودجاجة، وديك،
وحدأة، ونسر، وكلها مرصعة بالجوهر النفيس، يخرج الماء من أفواهها.
?

فترى من ذلك أنهم تفننوا في اتخاذ التماثيل من الحيوان دون الإنسان، ومع هذا نجد في الرواية أحيانًا ما يخالف هذا، فقد ذكروا أن الناصر
هذا أمر أن تنقش صورة جاريته الزهراء على باب القصر المسمَّى باسمها، وملئت أبهاء الزهراء بتماثيل وصور بشرية، مما
يعد ظاهرة جديدة في الفن الإسلامي. وإلى الآن توجد في إسبانيا بمتحف قرطبة آثار فنية رائعة تشهد بحسن ذوقهم، ومهارة فنهم، ومن ألطف الأمور
أن نرى فن الشعر يخدم فنون النحت والتصوير والتمثيل، كما خدم فن الموسيقى فن الشعر، وكلها من وادٍ واحد. فيروي المقري
أنه كان في حمام بإشبيلية تمثال بديع الصنع قال فيه الشاعر:

ودُمية مرمر تزهو بجِيد
تناهى في التورُّد والبياض
لها ولدٌ ولم تعرف خليلًا
ولا ألمت بأوجاع المخاض
ونعلم أنها حجر ولكن
تُتَيِّمُنا بألحاظٍ مِرَاض

فهذا غزل في تمثال، وهو يدلنا على أن التمثال كان من رخام أبيض مشوب بحمرة، كما يدل عليه قوله: «تناهى في التورد والبياض».

ويدل أيضًا على أن التمثال تمثال امرأة بجانبها ولدها، إذ يقول: «لها ولد ولم تعرف خليلًا». وربما دلنا على خروج الأندلس على العادة المألوفة
عن المسلمين في عدم تصوير التماثيل الإنسانية. فضغط البيئة كان أقوى عليهم من تعاليم الدين، وربما تأوَّلوا ذلك بأن
الخوف على المسلمين من عبادة الأصنام والأبطال قد أمن جانبه، فلم يبقَ محل لتحريمه، وإلى ذلك ذهب بعض الفقهاء. وكان أزهى العصور الفنية
عصر عبد الرحمن الناصر، وعصر بني الأحمر في غرناطة، فلما جاء المرابطون والموحدون هبطت درجة الفن لما يغلب عليهم من
البداوة، وعدم إرهاف ذوقهم الفني؛ ولذلك يكفيهم فخرًا أنهم أبقوا على ما بقي، ولو لم ينشئوا جديدًا:

لا تعجبن من هالك كيف ثوى
بل فاعجبن من سالم كيف نجا

ولما تغلب الإسبان على الأندلس طمسوا كثيرًا من الكتابات العربية التي على المساجد والقصور، وكان العرب مولعين بذلك، حتى لقد كتبوا على
أثر فني سورة الفتح بأكملها، وأراد الإسبانيون بذلك أن يمحوا آثار العرب، ولكنهم أخيرًا لما أحسوا برغبة السائحين والفنانين
في رؤية هذه النقوش العربية أخذوا يزيلون الجص عن الكتابة، وكلما عثروا على كتابة عربية عدوا اكتشافها كنزًا.

ولا ننسى بعد ذلك تأثر إسبانيا بالموسيقى العربية، فكان عددٌ من حكام قشتالة يستخدمون مهندسين من المدجنين، ويستمتعون إلى موسيقيين منهم،
وحتى الآن لا يزال الشرقيون يرون الموسيقى الإسبانية أقرب إلى آذانهم، وتتفتح لها قلوبهم أكثر من الموسيقى الفرنسية
أو الإنجليزية او الألمانية. والسبب في ذلك واضح، وهو أن الموسيقى الإسبانية مطعَّمة بالموسيقى الشرقية بواسطة مسلمي الأندلس.

وأخيرًا ضغط القسس على فرديناند وإيزابلا، فطردا كثيرًا من المسلمين إلى خارج بلاد الأندلس، فخسروا بذلك خسارة كبيرة في التجارة والصناعة
والفنون، وضحوا بمصالح إسبانيا من أجل إرضاء طائفة من القسس، حتى قال بعضهم: «إن إسبانيا ضحت بحريتها وعظمتها كشعب
في سبيل الكاثوليكية».

وقال آخر: «لما مات الإسلام في الأندلس كان موته تسميمًا لإسبانيا».

ولم يلبث فرديناند وإيزابلا أن اخترمهما هذا السم، فبدآ يتركان التسامح الذي درج عليه ملوك قشتالة وأرغونة، وسيطرت عليهما النزعات الكنسية
وميولها، حتى بلغت بهما إلى التعصب والسخف، واقتفى أثرهما مَن تبعهما من الملوك، وبذلك قضوا على زهرة الفكر الذي خلفه
الإسلام لإسبانيا.

وكان من منافذ الفن الإسلامي إلى أوربا صقلية، فقد حكمها المسلمون مدة طويلة، وازدهرت علومهم وفنونهم فيها، فلما انتهت دولة المسلمين، وقبض
عليها المسيحيون من النرمانديين وغيرهم، واقتبسوا أيضًا كثيرًا من الثقافة العربية والفن العربي، حتى يرووا أن روجر
النرماندي كلف الشريف الإدريسي أن يعمل له كرة يرسم عليها شكل الأرض إلى كثير من أمثال ذلك، فإذا أضفنا إلى هذين العاملين — وهما الأندلس
وصقلية — الحروب الصليبية في الشرق، وما كان فيها من اختلاط مكَّن كلًّا من الطرفين أن يعرف ما عند الآخر ويستفيد منه،
فقد وضعنا أيدينا على أسباب انتقال الثقافة من الشرق إلى الغرب.

تأثر الأندلس وتأثيرها

الحق أن الأندلس كانت كمحطات الإذاعة الرئيسية، فيها آلات للاستقبال وآلات للإذاعة، فأما أولًا فقد استقبلت كل ما أرادت من المشرق،
وذلك بواسطة تُجَّار الكتب وبواسطة الأمراء الذين كانوا يريدون أن يزهروا دولتهم، بنقل كتب المشرق إلى مكاتبهم
ثم إباحتها للجماهير، وبالحج وما كان يكثر التلاقي فيه والحديث عن الأدب والعلم والكتب وتبادل كل ذلك. ثم بسرعة الانتقالات وسهولتها،
فكانت رقعة العالم الإسلامي كوادي النمل، كل يوم تجد من يجيء ومن يروح؛ ولذلك كان العالم الإسلامي كله كأنه
قطر واحد لا أقطار متعددة؛ ثم شيء آخر، وهو أن بيوت الأمراء والوزراء حتى والأوساط كانت مملوءة بالرقيق، وهذا الرقيق منه الإسباني
والفرنسي، وأسرى الحرب من أمم مختلفة، وهم يسمون كل ذلك الصقالبة، والإسلام يبيح الاتصال بملك اليمين والتزوج
بهن، والخلفاء والأمراء منهم من تزوج فعلًا بهن، وهؤلاء الأرقاء من رجال ونساء لعبوا دورًا كبيرًا في الحياة الاجتماعية
الأندلسية، قد كانوا ينقلون أفكار الأوربيين إذ كان بعضهم من الخاصة، وكانوا ينقلون عادات أممهم وتقاليدها، ومن تعلم اللغة
العربية منهم كان ينقل الأفكار والأقاصيص الأوربية باللغة العربية. وانقسمت البيوت إلى قسمين؛ قسم من أولاد
السراري، وقسم من أولاد الحرائر، والأولاد تبعًا لأمَّهاتهم ينقسمون أيضًا على قسمين: قسم يتعصب لأمه السَّرية، وقسم يتعصب لأمه الحرة،
وكثيرًا ما وقع القتال في المملكة بسبب تعصب كل فرد.

وليلاحظ أن انتقال الأفكار في غاية الخفاء والسهولة، فقد يخالط أندلسي رجلًا أوربيًّا في جلسة عادية، فتنتقل أفكار كل من هذا إلى ذاك،
ومن ذاك إلى هذا، وقد يرحل أندلسي فيقرأ كتابًا شرقيًّا أو يتتلمذ على أستاذ شرقي، ثم يقدم الأندلسي إلى بلاده،
فيلقي في أرض الأندلس البذور التي سمعها، والبذور تتأقلم بالبيئة. وشاهد ذلك في الأدب وكل فرع من فروع العلم والفلسفة وغير ذلك؛ ولذلك
كان من العسير جدًّا أن ترد النسيج الأندلسي إلى خيوط شرقية أو خيوط أوربية أو خيوط مبتكرة. فهذا ما لا يستطيعه
إنسان إذا أراد الجزم والتحديد، وإنما كل ما يستطيعه الشك والظن؛ ولذلك يعجبني جدًّا رأي القاضي عبد العزيز الجرحاني في
«الوساطة بين المتنبي وخصومه»، إذ جعل الحكم على معنى بيت من الشعر بأنه مسروق أو غير مسروق شيئًا في منتهى الصعوبة؛ لأن
الحكم يتطلب معرفة تامة بكل المعاني الماضية، ثم احتمال أن يتسرب معنى من هذه المعاني إلى قائل البيت الأخير وهذا
عادة مستحيل. وكذلك ما نحن فيه.

هذا ما يصح أن يقال في الاستقبال. أما شأن الإذاعة فقد كان هناك نوعان من الموجات، نوع ذهب إلى الشرق، وربما كان أصله أيضًا من الشرق،
ولكنه صبغ بالصبغة الأندلسية، ونوع من الموجات ذهب إلى أوربا كبعض الأدب، وكثير من الفلسفة وخاصة فلسفة ابن
رشد وبعض العلوم كالرياضة والهندسة وغير ذلك؛ ولذلك كان من قال: إن النهضة الأوربية طارت أول ما طارت من على عاتق العرب، لم يبعد عن
الصواب. فالمتحررون من النصارى بسبب فلسفة ابن رشد، وقيامهم في وجه الكنيسة سبَّب وجود طائفة تدعو إلى حرية
الفكر والنهضة الحديثة. ومن ناحية أخرى فإن الأوربيين عندما عرفوا الآثار اليونانية والرومانية عرفوها أول الأمر عن طريق نقلهم
للآثار العربية، وبعد ذلك اشتاقوا أن يعرفوا الآثار اليونانية والرومانية في أصولها، فالشوق الذي كان عندهم إنما
بثه العرب فيهم.

نعم إن المشرق استطاع أن يذيع بعض الشيء في أوربا عن طريق الحروب الصليبية أحيانًا، ولكن ذلك كله ليس بشيء إذا قيس بتأثير الأندلسيين
في أوربا.

لقد اختلف علماء الإسبان في مقدار انتفاعهم بمسلمي الأندلس، حتى أنكرها بعضهم نكرانًا تامًّا، وقالوا: إذا أردنا معرفة أصل أي شيء إسباني،
فلننظره عند اليونان والرومان لا عند العرب. بل قال بعضهم: إن حكم المسلمين للأندلس أخَّر تقدم الإسبانيين،
ولولا ذلك لنهضوا نهضة فرنسا وإنجلترا وألمانيا وغيرها. فليس من فرق إلا حكم المسلمين لهم والتطاحن الشديد بينهم وبينهم مدة ثمانية
قرون كاملة، لا يهدأ لأحد منهما بال. ولكن من حسن الحظ أن هذا ليس مذهب الجميع، بل من الإسبانيين من يرى من
الحق أن حكم المسلمين للأندلس حلقة في سلسلة تاريخ الأندلس، وأن المسلمين رقوا الأندلس أثناء حكمهم في العلوم والحضارة. حتى إذا
قيست إسبانيا بغيرها من الأمم كانت أرقى منها. بل ما لنا نذهب بعيدًا، وقد قلنا: إنه لولا فلسفة المسلمين في الأندلس
وانتشارها في أوربا لما نهضت أوربا هذه النهضة، بل تأخرت قرونًا، فكيف بإسبانيا إذا لم يكن حكمها المسلمون هذه
القرون؟

ومن حين لآخر نسمع عن أشخاص يقومون ليدَّعوا أن المسلمين في الأندلس لا فضل لهم على الإطلاق. وهذه عصبية لا تخدم الحق، ولكن تخدم النزعة
الدينية المتزمَّتة. والزمان كفيل بإظهار الحقيقة بعد البحث. وتأخر إسبانيا — إذا عدت متأخرة — ليس سببه حكم
العرب لهم، بل سببه على الأرجح إبعاد العرب عنها، وقد كانت في يدهم الزراعة والصناعة والتجارة، فلما أخرجوا انحطَّت البلاد بسبب
خروجهم، ووقفت الأعمال الهامة التي كانوا يقومون بها، ولم يستطع نصارى الإسبان أن يحلوا محل المسلمين في أعمالهم.


هذا إجمال نفصله فيما يلي:

يخطئ من يظن أن الأندلس كانت مسكونة بالعرب والبربر وحدهم، فقد كانت في الواقع مسكونة بهما، وبعدد كبير من الإسبان، والأمم الأوربية،
ممن دخلوا في الإسلام أو أسروا في الحروب، ونساء بِعن رقيقات واستولدهن العرب والبربر، فكانوا جيلًا مسلمًا
جديدًا يتكاثر مع الزمان. والشأن في ذلك شأن المشرق تمامًا. وكذلك يخطئ من يظن أن بغداد والعراق كانتا مسكونتين بالعرب وحدهم، بل
كانتا مسكونتين بأسرى الأمم المختلفة، والنساء الرقيقات المأسورات، والعبيد والإماء الذين يباعون في الأسواق
وغير ذلك. كل هذا من شأنه أن يجعل الساكنين كأنهم صُبُّوا في بوتقة، ومزجوا على النار مزجًا تامًّا، فأخذ كل من كل، وكانت
النتيجة خليطًا فيه عناصر إسبانية أو أوربية، وعناصر عربية أو بربرية. وكان الشأن في ذلك كالماء الحار يخلط بماء بارد
فيكون الناتج ماء لا حارًّا ولا باردًا. إن كان ذلك كذلك في الشئون المعنوية من أفكار وآداب، وعلوم وفلسفة، فلا
عجب إذًا أن نرى ألفاظًا عربية كثيرة تسربت إلى الإسبانيين والبرتغاليين، كما أن ألفاظًا إسبانية وبرتغالية دخلت العربية، كما
يظهر ذلك على الأخص في ديوان ابن قزمان.

وقد كانت كل أمة تقدم للآخرين خير ما عندها وأسوأ ما عندها، فقدم العرب مزاياهم، من تسامح وحب للأدب، وحياة فيها مروءة ونبل، كما قدموا
أسوأ ما عندهم من عصبية للقبيلة، وحب للظهور والفخفخة، ورغبة في التسرِّي، وغير ذلك. وقدم الإسبان كذلك خير
ما عندهم وأسوأ ما عندهم، وكان المتولد من هذا الاختلاط حائزًا لصفات خاصة، فهو ذكيٌّ متديِّن متطرِّف.

من أجل هذا الامتزاج رأينا كما ذكرنا الألفاظ العربية تدخل اللغة الإسبانية والبرتغالية، مثل: الخزانة، الجبَّة، الدكان، القاضي، البراءة،
المخزن، القطران، والطاقة، إلى كثير من أسماء الأشياء.

وكان للأندلسيين تقريبًا لغتان: لغة فصحى يتكلم بها المثقفون الأرستقراطيون، ولغة شعبية يتكلم بها الشعب في لهجة خاصة، ولعلها أيضًا
تكون خاصة بكل مدينة، وهي لغة الشارع والبيوت، ومن أجل ذلك لما اخترعت الموشحات والأزجال نجحت نجاحًا باهرًا،
لأنها وجدت استجابتها من الشعب، إذ رآها أقرب إلى التعبير عمَّا في نفسه، وألطف من اللغة الفصحى وأظرف وأحسن في التوقيع على الآلات
الموسيقية، وأنسب للمتجولين الذين يُنشدون الأغاني يتكسبون بها. وكما تأثرت اللغة الإسبانية والبرتغالية بالعربية،
تأثرت العادات والتقاليد والفنون.

فالموسيقى العربية انتشرت بين سكان الإسبان في الشمال، حتى اسم العود وهو آلة الغناء العربي انتقل أيضًا، وحتى «يا ليل يا عين» انتقلت
كذلك.

وقد أفسحت الأمم الأوربية صدرها للحضارة العربية والعلم العربي، واستطاعت أن تفرق بين العلم والسياسة، فبينما كانوا يحاربون المسلمين
سياسيًّا، كانوا يفسحون صدروهم للعلماء المسلمين ثقافيًّا. فالتاريخ يدلنا على أن عددًا من حكام قشتالة كانوا
يحيطون أنفسهم بعلماء مسلمين، ويستخدمون مهندسين مسلمين، ويستمعون إلى موسيقيين مسلمين. وربما كان إمبراطور الألمان الذي ذكرناه في
فلسفة ابن رشد مثالًا صالحًا على تفرقتهم بين السياسة والعلم. ولولا إلحاح القسس في مصادرة المسلمين والتنكيل
بهم، وإجبارهم على التنصر لاستفادوا من المسلمين فوائد أكبر مما استفادوا.

لقد بدأ فرديناند وإيزابلا يعاملان المسلمين معاملةً حسنة بعد سقوط البلاد في أيديهما، تبعًا لتقاليدهما المتوارثة في التسامح. ولكن
بعد سبعة أعوام من سقوط البلاد، وبسبب إلحاح القسس والضغط على المسيحيين في سوء معاملة المسلمين، اضطر فرديناند
وإيزابلا أن يهجرا تسامحهما، ويخيِّرا المسلمين في الأندلس بين التنصُّر والخروج من البلاد، فآثر نحو نصف مليون مسلم الخروج؛ وبخروجهم
انحطَّت الزراعة والصناعة انحطاطًا كبيرًا، وكادت الأعمال تقف.

ومرَّت قرون على الإسبان حتى استطاعوا أن يقوموا بالأعباء التي كان يقوم بها المسلمون. فهل بعد هذا كله يصح أن يقال: إن امتلاك المسلمين
للأندلس كان كارثة على إسبانيا؟

لقد رأينا تأثير المسلمين في أوربا، فيُتَرْجَمُ ألف ليلة وليلة مرات عديدة، ويُتَسَلَّى به، ويُقْتَبَسُ منه، وتُنْقَلُ قصة حي بن
يقظان لابن طفيل إلى كثير من اللغات الأوربية، وتكون ذات تأثير على المثقفين من الأوربيين، كتأثير ألف ليلة
على الشعب. فهذه أدلة مادية على استفادة أوربا من المسلمين، كما أننا نرى أن الأدب الأوربي ظهرت فيه نزعة جديدة على أثر انتشار الأدب
الأندلسي العربي بين الأوربيين، ويظن الكثيرون أن هذه الظاهرة نشأت من الاقتباس من الأدب العربي، الذي تظهر
فيه الرومانتيكية البالغة في الغزل الرقيق والرثاء الباكي ونحو ذلك.

هذا عدا التأثير الفلسفي الذي أَثَّرَتْهُ الأندلس في أوربا والذي ذكرناه في أثر فلسفة ابن رشد، فقد كانت فلسفته مشعلًا يسار به في
جميع أنحاء البلاد. نعم إن الحضارة الأوربية استمدت حضارتها وثقافتها على الوجه الأكمل من كتب اليونان والرومان
أنفسهم، ولكنهم في الحق لم يلتفتوا إلى المصادر اليونانية والرومانية؛ إلا لأن العرب — بفلسفة ابن رشد وشروحه على أرسطو وأمثال ذلك
— فتحوا شهيتهم لقراءة الكتب اليونانية والرومانية في أصولها، والذي يشك في ذلك يجب أن يقارن بين قرطبة وإشبيلية
وغرناطة وغيرها من مدن الأندلس في أيام ازدهارها، وبين المدن الأوربية في ذلك الزمن. وليكن منصفًا في المقارنة: أيها كان أرقى علمًا،
وأحسن حضارة، وأسمى تقدمًا؟ هل يساوره شك في أن الأولى كانت كلها أرقى من الثانية، وأن بعض المؤرخين شبَّه
مدن الأندلس وسائر الممالك الأوربية فينا، بين بلاد البلقان كلها.

ومما استوجب النظر ظهور الموشحات والأزجال في الأندلس، ثم ظهور شعر يشبهه عند الإسبانيين في الشمال، وفي مقاطعة بروفانس في جنوب فرنسا،
وسمي هذا النوع عندهم التروبادور. ويمتاز هذا الشعر بأنه شعر عاطفي يوقع على الآلات الموسيقية، ويقصدون به
البيوت الأرستقراطية، والبلاط الملوكي. وقد اختلف المستشرقون والباحثون كثيرًا في منشأ هذا الشعر: هل هم أخذوه عن مسلمي الأندلس، أم
إنه تطوُّر للشعر عندهم تطورًا طبيعيًّا؟ والأرجح عند كثير منهم أنه مأخوذ من مسلمي الأندلس؛ لأن الشبه في
الموضوعات واحد، وبعض أوزان هذا الشعر الإفرنجي يساوي أوزان الموشحات والأزجال العربية، مما لم يكن للأوربيين معرفة به من قبل، كما
أنهم اختلفوا في اشتقاق الكلمة، فذهب بعضهم إلى أنه مأخوذ من trouvere بمعنى ابتدع، وفي ظني أنه أصله «دور
طرب». وإذ كان الإفرنج يقدمون الصفة على الموصوف والمضاف إليه على المضاف قالوا: طرب دور، وسهل تحريفها إلى ترو بادور.

وقد عرف العالم الإسلامي المدارس من قديم، ومنها ما كانت مدارس كبيرة تشبه الجامعات، كالجامع الأزهر والمدرسة النظامية والمستنصرية
وغيرها، وقد انتقلت صورة هذه الجامعات إلى الأندلس، ثم رأينا صورها تظهر في أوربا، ويتشابه شكلها جميعًا، من
طرق تدريس ومَنْحِ إجازات وتقسيم العلوم إلى فروع ونحو ذلك، بل أكثر من ذلك كان بعض الجامعات الأوربية يعتني اعتناءً كبيرًا باللغة
العربية ومنتجاتها، ويصرح بعضهم بأن من لم يثقف ثقافة عربية فليس بمثقَّف. ومن الراجح أن الحديث يكون مقتبسًا
من القديم حتى تشابهت الصور. غاية الأمر أن ما عرف عن أوربا الحديثة من التنظيم والدقة فيه، وإدخال التحسينات الممكنة، جعل الجامعات
الأوربية اليوم هي موضع أنظار الشرقيين، حتى كأنها نَبْت أيديهم، ومثل ذلك مثل القطن يأخذونه من الشرق خامًا،
ويردُّونه نسجًا جميلًا، كأن لا صلة بينه وبين أصله، وحتى النرد والشطرنج اقتبسهما العرب من الفرس وأدخلوا عليهما التحسينات،
ثم انتقلت اللعبتان بما فيهما من تحسين إلى أوربا مع الاحتفاظ ببعض الأسماء العربية، وتوجد مخطوطة لألفونسو الحكيم
فيها رسم لعبة شطرنج معقدة، يمارس اللعبَ عليها بعضُ المسلمين، ولم تكن اللعبة بحالتها معروفة عند الأوربيين من
قبل.

وكما انتفع الأندلسيون بعلوم المشرق ومنتجاته، ونفعوا أوربا بعلومهم ومنتجاتهم، كذلك ردوا الجميل للمشارقة، فكان خير المنتجات الأندلسية
شائعًا في الشرق، ومصدر علم لهم، فكم انتفع المشارقة بالعقد وظرفه، والمخصص والمحكم ومنهجهما في اللغة، وابن
رشد وفلسفته، والموشحات وطرافتها، ما لا يمكن أن يعد ولا يحصى؛ ولذلك قلنا: إن الأندلس بعدما نضجت على يد الشرق ردت للشرق جميله.
فلو لم تقم الحضارة الأندلسية بعلومها وفنونها وآدابها ثمانية قرون، تعمل جاهدة في خدمة العلم والأدب لتغير تاريخ
العلم الإسلامي.

هوامش
(?)
انظر: نفح الطيب ج?.
(?)
المصدر السابق.
خاتمة

فتح العرب الأندلس وظلوا فيها ثمانية قرون، وهم من يوم حلولهم بها قد بذروا بذور قوتهم وضعفهم، فمن يوم أن حلوا فيها ظهرت العصبية اليمنية
والمضرية، ووقع النزاع بين الفريقين، حتى جاء عبد الرحمن الداخل، فاتخذت العصبية لونًا آخر، فقد تعصب لفريق دون فريق،
ووجد في الأندلس من يعمل لحساب الدولة العباسية في بغداد ضد الأمويين في الأندلس، وثارت من أجل ذلك فتن أضعفت خلفاء الأندلس، ثم جاءت الدولة
العامرية، فعملت على إسقاط الدولة الأموية، وانقسم مسلمو الأندلس إلى متعصب للأمويين، ومتعصب للعامريين، ثم انفرط عقد
الأندلس وحكمها ملوك الطوائف، فكل من كان قادرًا قفز إلى بلد وتغلب عليها، وأصبح أميرًا.

كل هذا أثَّر في الأندلس من الداخل وحَلَّ عراها، والإسبانيون الذين في شمالي الأندلس لم يَنْسَوْا أبدًا منذ عهد الفتح أنَّ بينهم وبين
المسلمين ثأر، وأنه لا بد أن يتغلبوا عليهم، وكلٌّ يدَّعي أنهم المؤمنون، وأن عدوهم هم الكافرون، وطوبى للمؤمن إذا
جاهد ضد الكافر، فكانت الحرب بين الفريقين سلسلة لا تنتهي، وكانت سجالًا، يوم لهؤلاء ويوم لهؤلاء، ونصارى الإسبان يعتمدون من الخارج على
كل المسيحيين في أوربا وعلى رأسهم البابا، ومسلمو الأندلس يعتمدون أيضًا من الخارج على المرابطين والموحدين في المغرب،
بل وعلى صلاح الدين وبايَزِيد. ولكن كانت نجدة أوربا المسيحية للإسبانيين أشد وأبقى، فما لبثوا أن تغلَّبوا. وزاد الأمر سوءًا أن
ولاة المسلمين كانوا ينقسمون على أنفسهم، فوالي قرطبة يعادي والي إشبيلية وهكذا. بل إن بيت الإمارة الواحد كان منشقًّا على
نفسه، بحكم انحلال البيت باختلاف الأمهات بين حرائر وسراري، واختلاف السراري إلى أصول متعددة، فكان من نتيجة ذلك أن البيت
إذا انشق التجأ بعض المسلمين إلى أمراء النصارى — كما ذكرنا — يستنجدونهم على عدوهم من أقاربهم، والعدو ينتفع بنصرة هذا على ذاك،
أو ذاك على هذا. وفي تاريخ الأندلس أمثلة كثيرة من هذا القبيل.

نعم إن بعض النصارى وقع في مثل هذه المحنة، فالتجأ بعضهم إلى أمراء المسلمين يستعينون بهم ضد أهلهم وذويهم، ولكن ذلك لم يكن بالكثرة ولا
بالقسوة التي نشاهدها في العداء بين المسلمين بعضهم وبعض.

قلنا: إن المسلمين منذ الفتح كانوا يحملون أسباب قوتهم وضعفهم، فهم أمجاد أذكياء، شمُّ الأنوف، كرام شجعان ولكنهم فرديون لا اجتماعيون،
عنجهيون لا مطيعون، تغلب فيهم الفخفخة وحب اللذائذ، على الجد والصرامة، فلما اختلطت هذه المزايا بتلك المعايب، أنتج
هذا الامتزاج حضارة رائعة، وسقوطًا شنيعًا. وكان سقوط الأندلس أول حادثِ فشلٍ من نوعه للمسلمين، فبكوا كثيرًا ورثوا بلادهم كثيرًا، وذلُّوا
كثيرًا، واشرأبوا إلى أن يعيدوا مملكتهم إلى حوزتهم طويلًا، ولكن هيهات!

لقد كان بكاء أبي عبد الله آخر ملوك غرناطة بكاءً حارًّا شديدًا، وقد صدق إذ قال: «دعوا دمًا ضيَّعه أهله».

لقد توقع كثير من العلماء والفقهاء والحكماء هذه النتيجة البائسة، فكانوا تارة يحاولون أن يوفقوا بين المتخاصمين، وتارة يحاولون أن يستنجدوا
بما وراء الأندلس، وتارة بنقل بعض الخارجين من الإسبانيين من الإسبان إلى المغرب اتقاءً لشَرِّهم. ولكن ذلك كله لم
ينجح؛ لأن عوامل السقوط داخليًّا وخارجيًّا كانت أشد من عوامل الالتئام، فسقطت تَنْعِي مَنْ بناها، وخلفت ثروة كبيرة ذابت فيما بعد، ولم
ينفع البكاء والعويل، إذ ماذا تنفع العواطف أمام السيف والنار.

وسنَّة الله في خلقه أن الضعيف على أي شكل كان، يذهب هباءً أمام القوة كائنة ما كانت، والشاعر العربي كان حكيمًا إذ يقول:

تعوي الذئاب على من لا كلاب له
وتتَّقي صولة المستأسد الضاري