Advertisement

ظهر الإسلام ج4

ظهر الإسلام ج4

الجزء الرابع
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم

وعدت عند ظهور الجزء الأول من هذه السلسلة — وهو الخاص بالحياة العقلية في الأندلس من فتح العرب لها إلى خروجهم منها، وتكلمت فيه عن الحركات
الدينية، واللغوية، والنحوية، والأدبية، والفلسفية، والتاريخية، والفنية — أن أكتب الجزء الرابع والأخير في المذاهب الدينية
وتطورها، وسألت الله أن يعينني عليه كما أعانني على سوابقه، ولم يخيب الله سؤالي؛ إذ انقطعت لكتابته حتى أنجزته، جاريًا على النسق عينه الذي
نهجته في الجزء الأول والثاني والثالث.

تكلمت في الجزء الأول عن وصف الحياة الاجتماعية في القرن الرابع، إذ لا يمكن فهم الحياة العقلية إلا بفهم بيئتها التي نشأت فيها، والعوامل التي
ساعدت عليها، وطبيعة الناس الذين أنتجوها، كما تعرضت لوصف مراكز الحياة العقلية في مصر، والشام، والعراق، وجنوب فارس، وخراسان،
وما وراء النهر، والحركات العلمية والأدبية التي ظهرت في كل إقليم، وأشهر رجالها.

وتكلمت في الجزء الثاني عن تاريخ العلوم، والآداب، والفنون في القرن الرابع الهجري، كالتفسير، والحديث، والفقه، والتصوف، واللغة، والأدب، والنحو،
والصرف، والبلاغة، والفلسفة، والأخلاق، والتاريخ، والجغرافيا، والفنون المختلفة.

أما الجزء الثالث، فأفردته للأندلس ليكون وحدة مستقلة بذاته، ولم أكتف في ذلك الجزء بتأريخ القرن الرابع وحده، بل رأيت أن حضارتها وحياتها العقلية
تكاد تكون وحدة، ففضَّلت في شأنها أن أنهج منهجًا جديدًا، فلا ألتزم القرن الرابع، بل أؤرخ حياتها متسلسلة من وقت فتح المسلمين
لها إلى وقت خروجهم منها، أي نحو ثمانية قرون.

وقد رأيت أن أنهج في الجزء الرابع هذا المنهج، فلا أقف عند القرن الرابع، وبخاصة لأن العقائد والمذاهب ليست كالآداب، والعلوم، والفنون سريعة
التغير والتطور. وتكلمت عن المذاهب الرئيسية من معتزلة، وأشاعرة، وشيعة، وسنة، ومتصوفة، وقد أفردت للمتصوفة بابًا خاصًّا، مع
أنهم ليسوا فرقة إسلامية لاستشهار أمورهم، وقوة أثرهم في العقيدة الإسلامية، وبخاصة بعد القرن الرابع.

وإذا كنت قد بدأت بالاعتزال في المقدمة؛ فذلك أني أريد أن يكون هذا الجزء مترابطًا لا يحتاج قارئه أن يرجع إلى «ضحى الإسلام» لمعرفة تفصيل هذا
المذهب ونشأته، وبذلك يكون هذا الكتاب عرضًا عامًّا للعقيدة الدينية في شتى صورها عند المسلمين منذ ظهور الإسلام حتى العصور
المتأخرة.

والله أسأل أن يحسن ختامنا مع ختام هذا الجزء على دينه الذي ارتضاه، وأن يعيد إلى المسلمين وحدتهم، ويقرب شقة الخلف بين مذاهبهم، ويرفع من شأنهم،
ويجدد مجدهم إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ (النحل: ???).
تمهيد

نضج علم الكلام في العصر العباسي الأول والثاني، وكان الفضل الأكبر في نضوجه للمعتزلة، فإنهم وقفوا أنفسهم موقف الدفاع عن الإسلام، وكان مركزهم
في الغالب في العراق، وفي البصرة، أو بغداد، أو الكوفة. وكان العراق محطًّا للثقافات المختلفة، والديانات المختلفة؛ إذ كان
موردًا لكثير من الفرس، والهنود، والسريان، والنصارى، واليهود، فكان كثير من أجداد العراقيين أو آبائهم يعتنقون قبل الإسلام ديانات مختلفة،
فلما أسلموا كانت آراؤهم ومعتقداتهم عالقة في ذهنهم كلها أو بعضها، ولم يكن الإسلام عند كثير منهم إلا طلاءً ظاهرًا.

كان ينتشر في فارس والهند مجوس، اعتقدوا بوجود إلهين:
list of 2 items
أحدهما: النور، أو يزدان، وهو مبدأ الخير كله.
والثاني: الظلمة أو أهرمن، وهو مبدأ الشر كله.
list end

وهما إلهان متماثلان في القوة أزليان متعاندان، أحيانًا يغلب النور، وأحيانًا تغلب الظلمة.

وقد انقسم هؤلاء إلى فرق كثيرة بحسب تعاليمهم، عدَّها ابن خلدون ثمانية، فهؤلاء لما انتقلوا إلى بغداد دعوا إلى دياناتهم، إما صراحةً، وإما
تحت ستار الإسلام. ولذلك نرى خصوصًا في العصر العباسي الأول أناسًا كثيرين يتهمون بهذه الثنوية،
?
ويحاكمون، وقد يقتلون.

ومثل هؤلاء البراهمة في الهند، وكان عددهم كثيرًا، وكان بينهم من يقول بالتناسخ، وهم كذلك متفرعون إلى فروع مختلفة، ويقولون بآلهة متعددة، وعلى
رأسهم الإله الكبير «برهم»، وبجانب هؤلاء البوذيون، والكونفوشيوسيون، ولهم تعاليم تغاير ما تقدم.

يضاف إلى ذلك أنه كان ينزح إلى العراق جماعة من النصارى أتوا من الشام وغيرها، وكانت النصرانية قد انقسمت حول طبيعة المسيح: هل هو ذات واحدة،
أو له طبيعتان: طبيعة لاهوتية، وطبيعة ناسوتية، أو اتحد فيه اللاهوت والناسوت … إلخ.

وتعددت المجامع للفصل في هذه الخلافات، كما اختلفت اليهودية إلى مذاهب متعددة.

كل هذه المذاهب صبَّت في العراق، ودعا إليها الداعون، وتشكلت بأشكال مختلفة، واصطبغ بعضها بصبغة إسلامية. وتقرأ المذاهب المختلفة في ذلك العصر
فيأخذك العجب من كثرتها وتنوعها. وكان كثير من أصحاب هذه المذاهب قد تثقفوا بالفلسفة اليونانية، فأخذ كل فريق يستخدم هذه الفلسفة
في تدعيم ديانته، فلما جاء المعتزلة يدرون على هذه المذاهب، وينتصرون للإسلام اضطروا أن يتفلسفوا هم أيضًا؛ ليتسلحوا بما تسلح بهم خصومهم، ولذلك
اتسع علم الكلام اتساعًا عجيبًا، ومما زاد في سعته أنه شمل أشياء كثيرة لا تتعلق بالعقائد حسب ما كان يُظنَّ، بل نرى أنه اشتمل
على أربعة أقسام كبار: قسم الإلهيات، مثل: البحث في الله، وذاته، وصفاته، وأفعاله، وأنبيائه، ورسله، ونحو ذلك. وهذا معقول أن
يكون في صميم علم الكلام.

أما القسم الثاني فهو في الطبيعة والكيمياء أدخل مثل الجوهر والعرض، والجزء الذي لا يتجزأ، والحركة، والسكون، والكمون، والطفرة، والتداخل، والألوان،
والطعوم، والروائح، ونحو ذلك.

والقسم الثالث قسم سياسي محض صبغه علم الكلام صبغة دينية كالكلام في أيهما أفضل وأحق بالخلافة: عليّ، أم أبو بكر وعمر؟ وكلامهم في العلويين
والعباسيين، والفاضل والمفضول، وشروط الإمامة ونحو ذلك.

وهذه كلها أمور سياسية كان يصح أن تبحث على ضوء العقل بعيدة عن الدين.

والقسم الرابع: عقلي خلقي، كالبحث في الخير والشر، والاستطاعة والاختيار، والتحسين والتقبيح العقليين، وإعجاز القرآن، والإجماع والقياس، كل
هذا وأمثاله جعل علم الكلام يشتمل على مسائل لا حدَّ لها؛ فإذا أنت قرأت كتابًا ? «المواقف»، أو ? «الفرق بين الفرق»، أو ?
«الملل والنحل»، رأيت مناحي مختلفة، واتجاهات مختلفة.

ومع كثرتها وتشعبها يمكننا تقسيم الفرق الرئيسية إلى خمسة أقسام:
list of 5 items
(?) المعتزلة.

(?) أهل السنة.

(?) الشيعة.

(?) الخوارج.

(?) المرجئة.
list end

وسنفصل الكلام على كل منها، ما عدا الخوارج والمرجئة؛ لأن أصحابها انقرضوا، وماتت مذاهبهم في القرن الرابع الذي نتحدث عنه، وقد كتبنا عن الخوارج
والمرجئة في «ضحى الإسلام» بالتفصيل.

هوامش
(?)
ذكر البغدادي في «الفَرْق بين الفِرَق» أن «البرامكة قد زينوا للرشيد أن يتخذ في جوف الكعبة مجمرة يتبخر عليها العود أبدًا، فعلم الرشيد
أنهم أرادوا من ذلك عبادة النار في الكعبة، وأن تصير الكعبة بيت النار، فكان ذلك أحد أسباب قبض الرشيد على
البرامكة.» الفرق ص??? طبعة عزت العطار، ????.
المعتزلة
الفصل الأول

ظهور المعتزلة
رأينا المعتزلة يكوِّنون جماعة مترابطة تتعاون على الدعوة إلى الإسلام، والدفاع عنه، ومهاجمة من يخالفهم، وهم يتزاوجون فيما بينهم، ويتجاورون
في مساكنهم، وإذا ثبت عن أحد منهم أنه خرج عن مبادئهم الأساسية نفوه وطردوه من زمرتهم، كما حدث منهم مع ابن حائط، فقد
كان كبيرًا من كبراء المعتزلة، وكان من كبار أصحاب النظام، ثم روي عنه أنه يقول بتفضيل المسيح على محمد، ولقد سعت به المعتزلة عند الخليفة
الواثق، وأخبرته بإلحاده، فأمر ابن أبي دؤاد أن ينظر في أمره، وأن يقيم حكم الله فيه، فمات في ذلك الوقت، وكذلك فعلت
المعتزلة بفضل الحذاء، فقد كان أيضًا معتزلّيًّا نظاميًّا، إلى أن صدر منه ما أخذوه عليه؛ فطردته ونفته،
?
وكما فعلت مع ابن الراوندي كما سيجيء.

وكان مبدؤهم أول أمرهم البعد عن السياسة، والتفرغ لعبادتهم ودعوتهم، ولذلك لما انتُقِد المنصور في حدوث الجور والظلم في الدولة، دعا عمرو
بن عبيد المعتزلي وفرقته إلى أن يتعاونوا معه في تدبير الدولة فأبوا، ولكنهم تحولوا عن هذا المبدأ بعد ذلك، وانغمسوا
في السياسة، وصاروا وزراء وعمالًا، وأطلق المأمون، والمعتصم، والواثق أيديهم في السياسة، فنكلوا بخصومهم، وأذاقوا الناس العذاب إذا هم لم
يقولوا بخلق القرآن، وأقاموا في البلاد ضجة ليس لها مثيل من محاكم تقام، ويعرض فيها على العلماء والقضاة القول بخلق
القرآن، فمن لم يقل عُذِّب وأهين.

وسمّى المؤرخون هذه الفترة بمحنة خلق القرآن، وكانت سطوتهم في ذلك قد بلغت الذروة، فلما بلغوها أخذوا ينحدرون عنها.

وجاء المتوكل فرأى نارًا تتقد في كل مكان، وامتحانات ومحاكمات، وضربًا ونفيًا وتشريدًا، والرأي العام ساخط على هذه الحالة، ومن لم يقل بخلق
القرآن، وتحمل العذاب عدّ بطلًا؛ فأراد الخليفة المتوكل أن يحتضن الرأي العام، وأن يكسب تأييده، فأبطل القول بخلق القرآن،
وأبطل الامتحانات، والمحاكمات، ونصر المُحَدثين. وعلى الجملة فقد انضم إلى المعسكر الآخر معسكر غير المعتزلة، وأكثر الناس عبيد السلطة،
فما إن رأوا تحول السلطة عن المعتزلة حتى هجروهم، وأصبح القول بالاعتزال يحدث في الغالب سرًّا بعد أن كان جهرًا، ويتطلب
شجاعة كبيرة، وجرأة شديدة، ولذلك قل عدد المعتزلة، وعدد رؤسائها.

يضاف إلى ذلك أنه وجدت عوامل أخرى تهاجم المعتزلة من فقهاء، ومحدثين، وروافض، ونصارى، ويهود، وتجمع هؤلاء ضدهم، حتى إن بعض من كان معهم
خرج عليهم، كما سنرى في الكلام على أبي الحسن الأشعري.

هوامش
(?)
الانتصار ص???–???، حيث تجد قصة ابن حائط والحذاء كاملة.
الفصل الثاني

تطور المعتزلة
وقد تطورت تعاليم المعتزلة على مدى العصور، وعلى يد نوابغ أهل المذهب، فكان كلما أتى نابغة زاد في تعاليمها وعمّقها، فمذهب المعتزلة في
الحقيقة ورث تعاليمه من جَهْم؛
?
ولذلك يلقب المعتزلة بالجهمية.

وجهم هذا هو جهم بن صفوان، وقد ظهر بترمذ في آخر الدولة الأموية، ثم انتقل المذهب إلى بلخ، وكان جهم هذا صديقًا لمقاتل بن سليمان العمدة
المشهور في تفسير القرآن، وكان جَهم متصلًا اتصالًا شديدًا أيضًا بالحارث بن سريج عظيم الأزد بخراسان، وقد شوَّهت سمعة
الجهم والحارث بن سريج تشويهًا كبيرًا، خصوصًا على يد المحدثين، وعلى يد الساسة؛ لأنهما أعلنا الثورة على الدولة الأموية، وطالباها بالعمل
بالكتاب والسنة والشورى.

وأرادت الدولة الأموية أن تعطيهما مالًا كثيرًا لقاء سكوتهما عنها فأبيا، وألحا في طلب العدل، وكانا من أول الخارجين عليها، وتكوين الجيوش
ضدها في الحركة التي انتهت بسقوط الدولة الأموية، كما يؤخذ من كتب التاريخ، ولكنهما — كما يظهر — لم يكونا على علم
كبير بالحديث، وإنما كانا عقليّين في تفكيرهما، فهاجمهما رجال الحديث، وشوَّهوا سمعتهما، ومن سوء الحظ أنهما قُتلا في عهد مروان بن محمد
آخر الدولة الأموية.

ثم جاءت الدولة العباسية، وجاء الجهمية بشكل جديد هو المعتزلة، وكانت خلاصة مذهب جهم القول بنفي التشبيه، وتأويل الآيات التي وردت مما تشعر
بالتشبيه، كيد الله، ووجهه سبحانه وتعالى.

ومن أقواله أيضًا نفي صفات الله كالعلم والقدرة، وقوله: إن صفاته عين ذاته، أي أنه ليس قادرًا بقدرة غير ذاته، ولا مريدًا بإرادة غير ذاته.


وأرجعوا الصفات كلها إلى ذاته، ورأوا أن ذلك أدل على التنزيه، واقتضاهم ذلك القول بأن الله لا يرى حقيقة في الآخرة، ولا
يتكلم حقيقةً، وإنما كل هذه مجازات، كما قالوا بخلق القرآن، وذلك أنهم قالوا: إن بعض الآيات والأحاديث إذا أخذت على ظاهرها أفادت
التشبيه بصفات المخلوقين وهو مستحيل، والله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (الشورى: ??).

وهي تعاليم — كما ترى — تطرقت إلى المعتزلة، وتطورت، ودعوا إليها، ومن هذا نرى أن هؤلاء الجهمية وجهة نظر محترمة، ولكنهم لما خرجوا على
الأمويين شنَّع هؤلاء عليهم، ورموهم بأنهم دهريون، مع أن الدهريين هم الملحدون، ولا إلحاد عند الجهميين، وإنما هم طلاب
عدل.

ثم لما لم يكونوا من أهل الحديث، ولم يتبعوا بعضه شنّع عليهم المحدثون أيضًا، وكان ذلك هو الشأن مع المعتزلة ورثة الجهمية.

جاء المعتزلة بعد ذلك، وقالوا بخلاصة ما قال به الجهمية، وانتشرت الفلسفة في العراق؛ فدخل كثير منها في الاعتزال، وكان خصوم المعتزلة من
أهل المذاهب، والديانات يجادلونهم في بعض العقائد والآراء، فيرد عليهم المعتزلة، وتكون الردود ضمن الاعتزال.

وعمرو بن عبيد هو الذي صَفَّى مذهب الجهمية، وقوَّى حججه، وجاء بعده أبو الهذيل العلاف، وكان ذا علم واسع، واطلاع على الفلسفة، فزاد كثيرًا
في تعاليم المعتزلة، وكان فصيحًا بليغًا، رد على الدهرية ردودًا كثيرة، وتكلم في التوحيد كلامًا حسنًا، وتكلم في التولد
وفي الاستطاعة، وقال: إن الأرض لا تخلو في كل عصر من العصور من أئمة مجتهدين، يعرفون الحق، ويدعون إليه.

وجاء بعده النَّظام فتناول مسائل كثيرة عُدَّت من مسائل الاعتزال، فرد كثيرًا على شبه الملحدين وعلى من يعتقدون بالنور والظلمة، وتكلم في
الجزء الذي لا يتجزأ، وطبائع الأجسام، وفي اتصال الشكل بالشكل، وفي الألوان، والطعوم، والروائح، ونفى قدرة الله على
الظلم، وتكلم في إعجاز القرآن، وفي القياس والإجماع، وشرَّح في جرأة أعمال الصحابة، ونسب إلى بعضهم الخطأ.

وتكلم بصراحة في الفاضل والمفضول، وأيهم أصاب سياسيًّا، وأيهم أخطأ، وطالب بعرض الأحاديث على العقل، ونفْي ما لم يقبله العقل منها، وتوسع
في درس طبائع الحيوان، وكان قد تكلم فيها قبله ثمامة بن الأشرس، وبشر بن المعتمر؛ فزاد على قولهما.

وبالجملة فقد أدخل في باب الاعتزال مسائل كثيرة، بعضها سياسي، وبعضها فقهي، وبعضها أصولي، وبعضها طبيعي.

وجاء بعده الجاحظ، وكان لسان المعتزلة في عصره، فرد على المشبّهة، وتكلم في إعجاز القرآن، وألف في الاحتجاج للنبوة، ونصرة الرسالة، وفي
الطبائع، مع اعتماده على التجارب دون النظريات، وتكلم في الخلود في الآخرة.

وجاء بعده جعفر بن حرب؛
?
فخالف أستاذه أبا الهذيل العلاف في بعض آرائه، وتكلم في علم الله، وفي أحداث التاريخ المتعلقة بالصحابة، كالكلام في عثمان، وطلحة، والزبير،
كما عاصره وصاحبه عيسى بن الهيثم الصوفي.

ومن أشهر هذه الطبقة من المعتزلة أبو مجالد، وقد وصفه ابن الخياط بأنه: «رجل جمع العلم بالحديث، والفقه، والكلام، وتفسير القرآن مع حسن
بيان، وفصاحة لسان، وإظهار للحق، والدعاء إليه، والقصص به أيام حياته، والصبر على الأذى في الله، حتى لحق به، رحمه
الله …»، ثم قال: «وما رأيت أحدًا قط كان أغلظ على من صدّق بالنجوم منه.»

ثم جاء بعدهم الطبقة الثامنة، وهم الذين كانوا في عصرنا الذي نؤرخه، وأعني بهم من مات في النصف الأخير من القرن الثالث الهجري، أو القرن
الرابع، وكان منهم أبو علي الجُبائي المتوفى سنة ????، وأبو القاسم عبد الله البلخي الكعبي المتوفى سنة ????، وأبو
مضر بن أبي الوليد بن أحمد بن أبي دؤاد، فهؤلاء كلهم زادوا في مسائل الاعتزال، وردوا على مخالفيهم.

وحدث حادث جدير بالنظر، وهو أن المعتزلة لما ذهبت دولتهم على يد المتوكل تنمَّر الناس لهم، ونالوا منهم، فنصب الجاحظ نفسه للدفاع عنهم،
وألّف كتابًا سماه «فضائل المعتزلة»، ولم يكن الكتاب كله في بيان الفضائل، بل تعرض لمسائل أخرى، كالرد على ألد خصومهم،
وهم «الرافضة»، ولكن حدث أن جاء رجل اسمه «ابن الراوندي»، تثقف على يد المعتزلة حتى مهر في الاعتزال، ولكن خرج على المعتزلة في بعض تعاليمهم
الأساسية؛ فطردوه من زمرتهم، وكان فقيرًا بائسًا يحقد على الجاهل غناه مع بؤس أمثاله من العلماء، ويقول:

كما عاقلٍ أعيت مذاهبه
وجاهل جاهل تلقاه مرزوقًا
هذا الذي ترك الأوهام حائرة
وصيَّر العالم النِّحْرِير زنديقًا

فلما طرده المعتزلة، وتنكروا له، ورأى أن الدولة ليست لهم، بل هي عليهم، تنكر هو أيضًا؛ فوضع ثقافته، وبلاغته في يد خصومهم يؤلّف لهم، فألف
لليهود ضد المسلمين، وألف للرافضة ضد المعتزلة، وكان مما ألّفه ابن الراوندي هذا كتاب «فضائح المعتزلة»، شنع عليهم
فيها تشنيعًا كبيرًا، ونسب إليهم أحيانًا ما لم يقولوه.

وابن الراوندي هذا فارسي، من نواحي أصبهان، سكن بغداد، وعرف بمذهب الاعتزال، ثم اتهم بالإلحاد والزندقة، وعرف بالحذق، ومعرفة دقائق علم
الكلام وجليله، وألف كتبًا كثيرة، ككتاب «التاج»، يحتج فيه على قدم العالم، وكتاب «الزمردة»، يحتج فيه على بطلان الرسالة.
ونسبوا إليه أنه قال: «إنا نجد في كلام أكثم بن صيفي شيئًا أحسن من: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (الكوثر: ?).

ومما قاله استهزاء بوصف الجنة عند سماعه أن فيها أنهارًا من لبن: «أنه لا يكاد يشتهيه إلا الجائع»، وقال: «من تخيل أنه في الجنة يلبس الإستبرق،
ويشرب الحليب والزنجبيل صار كعروس الأكراد والنبط.»

ونخشى أن تكون هذه الأشياء مما وضعها عليه خصومه من المعتزلة لما خرج عليهم. فانبرى أبو الحسين بن الخياط المعتزلي فألف كتابًا في الرد
عليه سماه «الانتصار»، ومعنى الانتصار: الانتصار للمعتزلة ضد ابن الراوندي، ومن حسن الحظ أن الكتاب بقي لنا إلى اليوم،
وقد نهج في هذا الكتاب منهجًا يحكي فيه قول ابن الراوندي، ثم يعقب قوله بالنقض له، فمثلًا يقول ابن الراوندي: «إن الرافضة لو نظرت في الكلام
— يقصد علم الكلام — لوجدت في مقالات المعتزلة من فاحش الخطأ، وعظيم الكفر ما يربي قليله على عظيم كفر اليهود والنصارى.»
فرد عليه ابن الخياط يقول: «أما جملة قول المعتزلة الذي يشتمل على جماعتها فليس يمكنك عيبه، ولا الطعن عليه؛ لأن الأمة بأسرها تصدق
المعتزلة في أصولها التي تعتقدها، وتدين بها، وهو أن الله واحد ليس كمثله شيء، لا تدركه الأبصار، ولا تحيط به الأقطار،
وأنه لا يحول ولا يزول، ولا يتغير ولا ينتقل، وأنه الأول والآخر والظاهر والباطن، وأنه في السماء إله، وفي الأرض إله، وأنه أقرب
إلينا من حبل الوريد، مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى? ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ (المجادلة: ?) لعباده، وأنه لا يحب
الفساد، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يريد ظلمًا للعالمين؛ وأن خير الخلق أطوعهم له، وأنه الصادق في أخباره، الموفي
بوعده ووعيده، وأن الجنة دار المتقين، والنار دار الفاسقين، وهذه الأقاويل الأمة مجمعة عليها، ومصدقة قول المعتزلة فيها.»

وهكذا سار على هذا النمط، وقد انتفع بالكتاب كثيرًا البغدادي في كتابه «الفرق بين الفرق»، والشهرستاني في «الملل والنحل»، وغير ذلك من الكتب،
فنسبوا للمعتزلة ما قاله ابن الراوندي، وشنعوا على المعتزلة من غير تحقيق.

ثم إن كل إمام كبير من أئمة المعتزلة كانت له أقوال في مسائل خاصة غير أصول الاعتزال، وتبعه عليها بعض تلاميذه، فانقسم المعتزلة إلى فرق،
أو إلى مدارس؛ نسبةً إلى رئيسهم، مثل: الواصلية نسبة إلى واصل بن عطاء، والهذيلية نسبة إلى أبي الهذيل العلاف، والنظامية
نسبة إلى إبراهيم بن سيار النظام، والجاحظية نسبة إلى الجاحظ، والخياطية، والكعبية، والجبائية … إلخ.

ونحن نورد أمثلة مما كانوا يتباحثون فيه وفقًا للمجموعات الأربع التي ذكرناها من قبل؛ إذ حصرنا أقوالهم تقريبًا في الإلهيات، والطبيعيات،
والفقه، والأصول، والحديث، وتشريح أعمال الصحابة، ومن هو أحق بالإمامة.

(?) في الإلهيات

بحثوا كثيرًا في أفعال العباد، فقال أهل السنة: إن أفعال العباد مخلوقة خلقها الله في الفاعلين لها، أما أكثر المعتزلة فقد قالوا: إن
أفعال العباد محدثة، خلقها فاعلوها، ولم يخلقها الله.

وقال الجاحظ من المعتزلة: «إن أفعال العباد تنسب إلى العباد مجازًا، وإنما هي أفعال الطبيعة تظهر فيهم، إلا الإرادة فإنها فعل الإنسان،
ونظير ذلك فعل النار للإحراق، وفعل الثلج للتبريد، وفعل المسهل للإسهال.» وكأنه يريد أن أفعال الإنسان كما
يقول بعض الفلاسفة في عصرنا نتيجة حتمية طبيعية للبيئة والوراثة، وأن الإنسان لا يمكنه أن يفعل غير ما فعل، فمن كان في وسط مهذب متعلم
صدرت عنه أفعال خاصة غير التي تصدر في بيئة أخرى وهكذا.

وإنما استثنى الجاحظ الإرادة؛ لأنها — على ما أظن — هي الصفة الخادعة؛ إذ يظن الإنسان أنه يريد ما يفعل خداعًا، مع أنه يفعل ما يراد
منه ليس إلا.

ودار الجدل كثيرًا حول هذه المسألة، وكلٌّ يستدل على ما يقول، فأما من قال: إن أفعال العباد هي أفعال الله، فاستدل بنصوص القرآن، وببراهين
عقلية؛ فمن النصوص قول الله — عز وجل — في القرآن: هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ (فاطر: ?)، وقوله: وَالَّذِينَ
يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (النحل: ??) وَلَا يَمْلِكُونَ
لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (الفرقان:
?)، وقوله: أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ? أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (النحل: ??)، وقوله تعالى: هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي
مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ (لقمان: ??) ومعنى هذا أن الله خلق كل ما في العالم، وأن من، دونه لا يخلق شيئًا، فلو كان
الله خالقًا لبعض الأشياء، والناس خالقين لبعضها لكانوا شركاء في الخلق، فنتج من ذلك أنه لا يخلق شيئًا غير
الله. وقال تعالى: وَالله خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (الصافات: ??). ومما استدلوا به أن كل المسلمين
يعتقدون أن الله تعالى إله العالم، ورب كل شيء، ومن المحال أن يكون الله إلهًا لما لم يخلق.

أما المعتزلة فقد استدلوا بقوله تعالى: فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا
مِنْ عِندِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا (البقرة: ??)، وقوله: لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ
وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ (آل عمران:
??)، وقوله: فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (المؤمنون: ??)، مما يدل على أن هناك خالقًا غيره،
كالإنسان يخلق أفعال نفسه، وقوله مخاطبًا للكافرين: وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا (العنكبوت: ??)، واستدلوا ببعض الحجج العقلية أيضًا.

وقالوا: لو كان الله خالق أعمال العباد لاقتضى ذلك أنه يغضب مما خلق ويكرهه، ولا يرضى ما فعل وما دبّر.

وقالوا: إن كل من فعل شيئًا فهو مسمّى به، ومنسوب إليه، فلو خلق الله الخطأ والكذب والظلم والكفر، لنسب كل ذلك إليه، تعالى الله عن
ذلك.

ومن حججهم أيضًا: أنه إذا كانت أفعال العباد لله، فهذه الأعمال تنقسم قسمين: أعمال صالحة، وأعمال سيئة، ولا معنى للإثابة والعقاب ما
دام العبد لم يفعلها، وإنما فعلها الله، فإذا أثابنا فقد أثابنا على ما فعل، وإن عذبنا فقد عذبنا على ما فعل،
وهذا لا يستقيم في العقل.

هذه هي أصول احتجاجات الطرفين، وكانت النتيجة أن كل من أدلى من أحد الفريقين بحجة ردَّ الآخر عليه بما ينقضها، ولهذا تعددت الأقوال
والبراهين والردود إلى ما لا نهاية لها مما لا يخرج عن هذا.

وفي الحقيقة أن في القرآن لمحة من هذا، ولمحة من ذلك، فلما جاء المفسرون انقسموا هذين القسمين، فمن اعتقد أن أفعال العباد منسوبة إلى
الله أوَّل ما ورد مما يفيد غير ذلك من الآيات، والعكس، ولهذا كانت تفاسير أهل السنة تخالف تفاسير المعتزلة.


وكل من الطائفتين يحذّر الآخر من اتجاهاته، فمثلًا: قال الله تعالى: سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ
لَا يُؤْمِنُونَ (البقرة: ?)، وقال: خَتَمَ الله عَلَى? قُلُوبِهِمْ (البقرة: ?)، أي لا يؤمنون لأجل الختم، أي
أن سبب امتناعهم عن الإيمان هو ختم الله على قلوبهم.

وظاهر الآية يدل على أنهم ليسوا مختارين، ولو كانوا مختارين لآمنوا، فأوّل المعتزلة الآية، وقالوا: منعهم الله الإخلاص الموجب لقبول
العمل، فكانوا كمن يمنع دخول الإيمان قلبه بالختم عليه. وهكذا تجد في تفسير الزمخشري كثيرًا من هذه التأويلات.


ولما حار الأشاعرة بين هذه الأدلة قالوا: ? «الكَسْب»، أي أن الله تعالى يخلق أعمال العبد، وليس للإنسان فيها إلا الكسب.

فقال لهم المعتزلة: ما هذا الكسب؟ أهو عمل من أعمال الإنسان؛ فيكون الله خلقه أيضًا، أو هو ليس عملًا من أعمال الإنسان فلا حاجة إليه؟!


وقد أثارت مسألة أفعال العباد مسائل كثيرة تولدت عنها، فكانت موضع بحث بينهم، فمثلًا: هناك مسألة التولّد؛ ومعنى التولد: نشوء عمل من
عمل، مثل: أن يضرب رجل آخر، فيتولد من الضرب الموت، أو يتولد منه الألم، أو يخلط شخص طعامًا بطعام، فيتولد
منهما طعام سامٌّ مميت.

فلما قال أهل السنة بأن كل أفعال العبد من خلق الله لم يكونوا بحاجة إلى القول بالتولد؛ فالكل من فعل الله. ولما قالت المعتزلة: إن
الإنسان يخلق أفعال نفسه، ويُسأل عنها ويُحاسب عليها قالوا بالتولد، وأن الإنسان مسئول عما تولّد من عمله.


ومن البحوث التي ترتبت حول هذه المسألة أيضًا البحث في الاستطاعة ما هي؟ وهل تكون قبل الفعل، أو مع الفعل، أو قبله ومعه؟

فَفَرَّق المعتزلة بين الاستطاعة والمستطيع، إلا أنَّ منهم من أخطأ فجعلهما شيئًا واحدًا، ولما قالوا: إن أعمال الإنسان من صنعه، قالوا
الاستطاعة فعل الله — عز وجل — وأن أحدًا لا يفعل خيرًا ولا شرًّا إلا بقوة أعطاه الله إياها.

وقال جمهور المعتزلة أيضًا: إن الاستطاعة هي سلامة الجوارح، وارتفاع الموانع، وأنهما معًا يكونان قبل الفعل، كما لا بد أن يكونا مع
الفعل. وما لم توجد صحة الجوارح وارتفاع الموانع لا يوجد الفعل، ولا يكون المرء مخاطبًا مكلفًا مأمورًا منهيًّا.


وساقهم البحث إلى التساؤل عن الكافر المأمور بالإيمان، أهو مأمور بما لا يستطيع أم بما يستطيع؟ كما بحثوا فيما ورد في القرآن كثيرًا
من الهدى والضلال، فلما قالوا: بأن العبد يخلق أفعال نفسه، قالوا: إنَّ معنى الهدى ليس إلا إنارة الطريق أمام
العبد، وليس من مستلزمات إنارة الطريق أن يسير الإنسان فيه، فقد يستنير الطريق أمامه، ولكنه يمشي في الظلام، بدليل قوله تعالى: وَأَمَّا
ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى? عَلَى الْهُدَى? (فصلت: ??)، وقوله سبحانه: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن
نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ
إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (الإنسان: ?–?)، فهذا دليل على أن الهداية لا توجب أن يسير الشخص في الطريق المستقيم.

وقال خصومهم: إن من هداه الله اهتدى، ومن أضلّه ضلَّ، بدليل قوله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا
الله وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ،فهذا دليل على أنّ الذين هداهم الله بعض الناس لا كلهم، وهم الذين ساروا في الطريق المستقيم، وقال
تعالى: إِن تَحْرِصْ عَلَى? هُدَاهُمْ فَإِنَّ الله لَا يَهْدِي مَن يُضِلُّ (النحل: ??)، وقال تعالى: مَن
يُضْلِلِ الله فَلَا هَادِيَ لَهُ (الأعراف: ???)، وقال: فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ? وَمَن
يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ (الأنعام: ???)
فأخبر بذلك أن الذين هداهم الله غير الذين أضلهم، ووفق خصومهم بين آيات القرآن، فقالوا: إنه هدى ثمود فلم يهتدوا، وهدى الناس
كلهم السبيل، ثم هم بعد ذلك إما شاكرون وإما كافرون.

وفي آيات أخرى أنه هدى قومًا، فلم يهتدوا، ولم يهد آخرين فضلّوا، فالتوفيق بين الآيات يوجب أن الهدى نوعان: نوع أعطاه الله جميع الناس،
وهو إنارة السبيل أمامهم، وهذا الهدى هو الذي استعمله في آية ثمود، أي أنه دلهم على الطاعات والمعاصي، وعرَّفهم
ما يسخطه، وما يرضيه.

وهدى آخر بمعنى التوفيق، والعون على الخير، والتيسير له، وهذا الهدى هو الذي منحه الله للمهتدين، ومنعه الكفار.

والذي دعا المعتزلة إلى هذا: قولهم الأساسي بخلق الإنسان أفعال نفسه، وأن الله لم يحمل المؤمن على الإيمان، ولا الكافر على الكفر، بل
هو فعل ذلك باختياره، ولذلك كان هناك معنى للثواب والعقاب.

وهكذا أثاروا مسائل كثيرة من هذا القبيل.

(?) في الأصوليات
ومن أهم مبادئهم الدعوة إلى سلطان العقل، فهم يقدسونه تقديسًا عظيمًا؛ ولذلك مظاهر كبيرة في تعاليمهم، من ذلك:
list of 6 items
(أ) كثير منهم حصروا المعجزات في دائرة ضيقة، فالنظَّام مثلًا يكاد يقصر القول بالمعجزات على القرآن، وينكر انشقاق القمر،
ويقول: إنه لو كان صحيحًا لكان شيئًا عامًّا يشهده كل الناس المعاصرين له، ويخالف
رواية ابن مسعود في ذلك، كما ينكر نبع الماء من بين أصابع النبي ?.

(ب) ينكر كرامة الأولياء، وينكر الحكايات الواردة في ذلك؛ لأنه يرى أن هناك قانونًا طبيعيًّا كتب الله على نفسه اتباعه
إلا عند ضرورة المعجزات. قالوا: فلا نؤمن بتغير القوانين الطبيعية إلا بالبرهان القاطع.

(جـ) أنكر المعتزلة رؤية الجن كما يروي العامة، بل كانوا يؤنبون من اعتقد بها، أو اعتقد رؤيتها، أو حكى مشاهدة أعمالها.

(د)
فسروا السحر بأنه لعب الساحر بعين المسحور أو بخياله؛ فالساحر لا يقلب حقائق الأشياء بدليل قوله تعالى: سَحَرُوا أَعْيُنَ
النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ (الأعراف: ???) فليس للساحر قدرة على قلب الحقائق، وإنما له قدرة على قلب أوهام الرائي.
(هـ) أثاروا مسألة على جانب كبير من الأهمية من هذا الباب أيضًا، وهي مسألة التحسين والتقبيح العقليين، وملخصها أنهم تساءلوا:
هل العقل قادر وحده على أن يعرف أن الشيء حسن أو قبيح؟ فقالوا هم بذلك، أي أن العقل
يمكنه وحده أن يدرك حسن الشيء أو قبحه، وأن يرى أن إنقاذ الغرقى والهلكى، وشكر المنعم، والصدق حسنة بطبعها، وأضدادها قبيحة.
قالوا: نعم، إن هناك أشياء لا يدرك حسنها إلا بالشرع، كالصلاة في أوقاتها، وعدد ركعاتها،
والمسح على الخفين، ونحو ذلك، أما أصول المسائل، كالصدق، والكذب، والعدل، والظلم، ونحوها، فيمكن إدراكها
بالعقل.

أما مخالفوهم فقالوا: إذا لم يرد شرع فلا يتميز فعل عن فعل، ولا يمكن أن يعرف أحسن هو أم قبيح.

واحتج المعتزلة بأن الناس كلهم … متدينين وغير متدينين … متفقون على أشياء أنها حسنة، وأشياء أنها قبيحة. وقالوا: إن من
استوى عنده أن يصدق ويكذب فضَّل الصدق إنْ كان فاضلًا، وأن الرجل الغنيّ الوجيه الذي
ليس له رغبة في مال، ولا جاه لو رأى مشرفًا على الهلاك أنقذه، ولو لم يعتنق دينًا، إلى غير ذلك من البراهين.

وبناءً على ذلك تساءلوا: هل الجاهليون قبل الإسلام مسئولون عن أعمالهم التي يدركها العقل، كالصدق، والكذب، والقتل، والعدل،
أو غير مسئولين …؟ فمن قال: إن العقل يدرك ذلك كله، ولو لم يرد فيه شرع جعلهم مسئولين،
ومن لم يقل بذلك جعلهم غير مسئولين … ومن ذلك اختلافهم أيضًا في شكر المنعم: هل هو واجب عقلًا أو شرعًا؟؟
فالمعتزلة قالوا: إنه يجب شكر المنعم عقلًا، والذين يقولون بالتحسين والتقبيح الشرعيين فقط أنكروا
وجوب شكر المنعم عقلًا.

(و)
حكّموا العقل حتى في الحديث، فهم لقولهم بسلطان العقل كانوا يعرضون الحديث على العقل، فما قبله العقل قبلوه، وما لم يقبله
لم يقبلوه، وربما كان أصرحهم في ذلك النظام، فقد حكى الجاحظ
?
مثلًا عنه ما معناه: أنه لما روي له حديث أن النبي ? أمر بقتل الكلاب، واستحياء السنانير، والحديث عن السنانير: «أنهن
من الطوافات عليكم»، لم يؤمن بهذا الحديث، وقال: إن السنور ليس له كبير نفع، وإنه كثير الأذى، وإن الكلب أنفع منه،
فليس الحديث صحيحًا، أما إن كان الحديث يقبله العقل، فالنظَّام يقبله، فإن عارضه العقل،
ولم يجد له تأويلًا، ولا سببًا فإنه لا يقبله كما يستخلص من كلام ابن قتيبة في كتابه «تأويل مختلف
الحديث». وكل هذه الفروع مبنية على أساس القول بسلطان العقل، ولهذا أباحوا لأنفسهم أن يفسروا القرآن بالعقل؛
اعتمادًا على معرفتهم باللغة، وأساليب القرآن وروحه، كما فعل الزمخشري في الكشّاف، أما
غير المعتزلة فأكثر اعتمادهم في التفسير على المنقول من الرواية.
list end

حتى في باب اللغة والنحو كانوا يميلون إلى العقل، فزعيم القائلين بالقياس، واستعمال ما لم يرو العرب قياسًا على ما رواه — وذلك من غير
شك يحتاج إلى قوة عقلية لا مجرد رواية — هو أبو علي الفارسي، وتلميذه ابن جني، وهما من المعتزلة.

(?) في الطبيعيات

أما آراؤهم في الأبحاث الطبيعية، فمثل أقوالهم في الروائح، والطعوم، والضوء؛ فقد أثار النظام أسئلة، وعرض آراء في ذلك: هل المشمومات،
والطعوم، والأضواء أجسام أو أعراض؟ وهو يقول: إنها أجسام لا أعراض، بمعنى: أننا نشم الوردة لانبعاث ذرات صغيرة
منها تلامس غدد الأنف؛ فيحدث الشم. وفي الطعوم كالسكر والملح تذوب ذرات منها، وتتصل بغدد الذوق؛ فيحصل الذوق بالحلاوة، أو الملوحة.
وكذلك قال في الضوء، أي أن الشيء المرئي تنبعث منه ذرات تأتي إلى العين فتدرك بياض الشيء أو سواده، وهكذا.


والإنسان يعجب أولًا من سعة عقلهم في التفكير، وثانيًا من دخول هذه المباحث في علم الكلام. وقد أقر العلم الحديث نظرية النظام هذه في
المشمومات؛ فهو يقول: إننا نشم رائحة الوردة الجميلة بناءً على ذرات انبعثت من الورد، فلامست الخيشوم، وإنا
إنما نتذوق حلاوة الشيء، أو مرارته بناءً على ذوبان ذرات تلامس غُدَدَ الذوق، فإذا لم تتحلل الذرات كالحصى أو الماس مثلًا لم ندرك لها
ذوقًا.

أما العلم الحديث، فيخالف النظام في نظريته في الضوء، فليست تنبعث ذرات إلى العين — كما يقول — فيدرك بياض الشيء أو سواده، ولكن علة
رؤية اللون أبيض أو أزرق هي أن كل لون يتشرب ألوان الطيف ما عدا اللون الذي يرى، فالأحمر مثلًا يتشرب ألوان
الطيف كلها ما عدا الحمرة، فتصل إلى العين عن طريق الموجات. فترى هذه المسائل الطبيعية أو الفيزيقية، كالبحث في الطعوم، والروائح، والألوان،
ما دخلها في الدين، وعلم الكلام؟ والظاهر لنا أن الذي ألجأ إليها المناقشات الدينية، فمثلًا: لما تعرّضوا لخلق
الأفعال تساءلوا: هل خلق الله الجسم والعرض، أو خلق الجسم، وليس العرض إلا صفة من صفاته؟ فجرّهم ذلك إلى البحث في الروائح
مثلًا، هل هي أجسام، أو هي أعراض تابعة للأجسام؟ فلم يتكلموا فيها كما يتكلم علماء الطبيعة اليوم، إنما تكلموا فيها
لأنها متصلة بعقيدة من العقائد الدينية من قريب أو من بعيد، وهكذا شأنهم في كل ما تكلموا فيه من أمور الطبيعة حسب ما
نعتقد.

والواقع أن المعتزلة في علم الكلام لم يكن موقفهم كموقف منْ يؤلّف كتابًا فيختار مناهجه، ويرتب أبوابه، إنما كانوا يتكلمون في المسائل
حسب ما تقتضيه الأحوال من مهاجمتهم لخصومهم، أو مهاجمة خصومهم لهم، أو نحو ذلك، كالجيش في القتال، قد يضطر
إلى عمل لم يكن رَسَم خطته من قبل، ولكن اضطره إليه حركة من حركات خصومه.

إلى جانب ذلك نراهم تعرضوا لمسائل تكاد تكون سوفسطائية مثل: الإلهُ قادر على الظلم أو لا؟ هل الجنة موجودة اليوم أو لا؟ هل قدرة الله
تتعلق بالمحال؟ هل الكافر قادر على الإيمان، والمؤمن قادر على الكفر؟ إلى كثير من أمثال ذلك. وكان من قولهم،
وقول خصومهم أن تكوَّن علم الكلام؛ فعلم الكلام وليد أقوال المعتزلة وخصومهم، حتى أهل السنة وأئمتهم كأبي الحسن الأشعري ما كانوا يبحثون
مسائلهم لولا أبحاث المعتزلة، كما سنبين ذلك في الكلام على أبي الحسن الأشعري.

والظاهر أن هذه الحركة الكلامية كانت في منتهى النشاط في الدوائر العلمية، كما نرى ذلك في حركة خلق القرآن، وفي المناظرات في مجالس
الخلفاء، وفي المساجد، وفي الشوارع، وفي الجنائز، وكانت كل هذه الأشياء تأخذ من أزمانهم وعقولهم الوقت الطويل،
والمجهود الكبير، فلما جاء المتوكل، واضطهد المعتزلة، وأزال دعوتهم، خفت صوت علم الكلام بعض الشيء، ومَنْ كان معتزليًّا رجع عن اعتزاله
أحيانًا، وتستر أحيانًا، إلا من كان جريئًا لا يتصل بالدولة من قريب أو من بعيد، أو كان في حمى دولة تكره الاعتزال،
كما سنبينه بعد.

(?) في المسائل السياسية

وأما المجموعة الرابعة، وهي المسائل السياسية؛ فقد تعرضوا للإمامة، ومن هو أحق بها، وتعرضوا للأحداث السياسية كواقعة الجَمَل، ومقتل
عثمان، والخلاف بين علي ومعاوية، وشرّحوها كلها تشريحًا دقيقًا. وكان المعتزلة مختلفين في ذلك، فمنهم من قال
بأفضلية عليّ، واستحقاقه الخلافة لمجموع صفات فيه، ولكنهم قالوا ذلك باعتدال؛ فعرفوا لأبي بكر وعمر مزاياهما، وقالوا بصحة خلافتهما،
وإن كان الأوْلى غير ذلك، فكانوا بذلك قريبين من الشيعة، بعيدين عن الروافض، وهم الذين رفضوا القول بإمامة
أبي بكر وعمر، وتبرءوا منهما، ومن أجل ذلك نرى بعض الناس شيعيًّا معتزليًّا معًا، وبعض المعتزلة قال بغير ذلك؛ فكان معتزليًّا لا
شيعيًّا. ونحن ننقل الآن بعض أقوالهم الدالة على مذاهبهم.

(?-?) في الإمامة

لقد بحثوا في الإمامة، ومعنى الإمامة: الولاية على المسلمين، والمعتزلة يوافقون المتكلمين الآخرين، ما عدا أتباع نَجْدة من الخوارج،
إذ يقول المعتزلة وغيرهم بوجوب انقياد الأمة لإمام عادل، يقيم فيهم أحكام الله، ويسوسهم بأحكام الشريعة،
بدليل قوله تعالى: وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ (النساء: ??) ولأن من طبيعة الناس أن، يَزَعَهم السطان أكثر
مما يزعهم القرآن، فلا بد من وال تُسْنَدُ إليه الأحكام في الأموال، والزواج، والطلاق، ومنع الظالم،
وإنصاف المظلوم … إلخ، وخيرٌ أن يكون الإمام واحدًا حتى لا يتنازعا، ولا بد أن يكون فاضلًا، عالمًا، حسن السياسة، قادرًا على التنفيذ.
وبعد ذلك اختلف المعتزلة فيما بينهم، فقال بعضهم بتفضيل أبي بكر وعمر على عليّ، وخالفوا بذلك الشيعة،
وقال بعضهم بأفضلية عليّ؛ فوافقوا بذلك الشيعة. فقُدَماء المعتزلة من البصريين كعمرو بن عُبَيد، وإبراهيم النظام، والجاحظ،
وثمامة بن الأشرس، قالوا: إن أبا بكر أفضل من عليّ، وجعلوا ترتيب الخلفاء الأربعة في الفضل كترتيبهم في
الخلافة. وقال البغداديون من المعتزلة كبشر بن المعتمر، وأبي جعفر الإسكافي، وأبي الحسين الخياط، وأبي القاسم البلخي،
والجبائي: إنَّ عليًّا أفضل من أبي بكر، فكانوا في ذلك كالشيعة. ولكن سواء منهم من قدم أبا بكر، أو قدم عليًّا،
فقد كانوا معتدلين في حكمهم إذ يقولون: سواء كان أبو بكر أفضل، أو علي أفضل، فالبيعة لأبي بكر وعمر كانت
بيعة صحيحة، قالوا: ألا ترى أن البلد قد يكون فيه فقيهان، أحدهما أعلم من الآخر بطبقات كثيرة، فيجعل السلطان الأنقص علمًا
منهما قاضيًا؛ فيتألم الأعظم، وينفث أحيانًا بالشكوى، فلا يكون ذلك طعنًا في القاضي الثاني، ولا حكمًا
بأنه غير صالح، وهذا أمر مركوز في طبائع البشر، ومجبول في أصل الغريزة والفطرة، فأصحابنا لمّا أحسنوا الظن بالصحابة، وحملوا ما
وقع منهم على وجه الصواب، وأنهم نظروا إلى مصلحة الإسلام، وخافوا فتنة لا تقتصر على ذهاب الخلافة،
فعدلوا عن الأفضل الأشرف الأحق إلى فاضل آخر فعقدوا له، كان ذلك عقدًا صحيحًا، وقالوا: إنه كان يجب على عليّ أن يعذر الصحابة الذين
بايعوا أبا بكر في العدول عنه، ويعلم أن عقدهم لغيره هو المصلحة للإسلام، فلا يشكوا منهم، ولا يتوجّد
عليهم.

ثم إن المعتزلة فيما بينهم تنازعوا تنازعًا شديدًا في أفضلية أبي بكر أو علي، ونسوق هنا مثلًا لما كان بينهم من جدل، وذلك هو الجدل
بين الجاحظ والإسكافي، وكلاهما معتزلي.

يقول الجاحظ في كتابه المشهور بكتاب «العثمانية»: إن أبا بكر أسلم وهو ابن أربعين سنة، وعليًّا أسلم ولم يبلغ الحُلُمَ، فكان إسلام
أبي بكر أفضل، وهو أول من أسلم على أصح الروايات، وعليّ أسلم وهو حدث غرير، وطفل صغير، فلم نستطع أن
نلحق إسلامه بإسلام البالغين؛ لأن المقلِّلَ قال: إن عليًّا أسلم وهو ابن خمس سنين، والمكثر زعم أنه أسلم وهو ابن تسع سنين. وأيّا
كان فإسلام الكبير الناضج الذي يفقه معنى الإسلام خير من إسلام الصبي.

وقد رد عليه الإسكافي في ذلك بأنه لم يكن طفلًا يوم أسلم، ودعوى أنه أسلم وهو طفل دعوى غير مقبولة، والإسلام والإيمان والكفر، والطاعة
والمعصية إنما تقع على البالغين دون الأطفال، بدليل عرض النبي — عليه السلام — وهو لا يعرضه على صبي.


وقال الجاحظ: لو أن عليًّا كان بالغًا حين أسلم، لكان إسلام أبي بكر أفضل؛ لأن إسلام المتقدم في السن الذي يعاني مئونة الروية،
واضطراب النفس، ومشقة الانتقال من دين قد طال الفهم له، خير من إسلام من نشأ في بيئة إسلامية، ولم
يعان مثل ما عانى أبو بكر.

قال الإسكافي: إنَّ عليًّا لم يولد في دار الإسلام، ولا غُذِّي في حجر الإيمان، وإنما استضافه رسول الله إلى نفسه سَنَةَ القحط،
والمجاعة، وعمره يومئذ ثمان سنين، فمكث معه سبع سنين حتى أتى النبي الوحي، وهو بالغ، كامل العقل، فأسلم
بعد مشاهدة المعجزة، وبعد إعمال النظر والفكر، فإنْ كان عليٌّ أجابه فإنما أجابه عن نظر، ورؤية معجزة. وقد كان أبو بكر قبل إسلامه
رئيسًا معروفًا، يجتمع إليه كثير من أهل مكة، فينشدون الأشعار، ويتذاكرون الأخبار، وقد سافر إلى البلدان،
ووصلت إليه الأخبار، وعرف دعوى الكهَنة، وحِيَل السحرة، ومن كان كذلك كان انكشاف الأمور له أظهر، والإسلام عليه أسهل،
والخواطر على قلبه أقل. وكل ذلك عَوْنٌ لأبي بكر على الإسلام، ولذلك لما قال النبي: أتيت بيت المقدس، سأله أبو
بكر عن المسجد، ومواضعه؛ فصدَّقه، وبان له أمره، وخفّت مئونته.

أما عليّ فقد خُلّي وعقله، وأُلْجئ إلى نظره مع صغر سنّه، واعتلاج الخواطر على قلبه، والغالب على أمثاله وأقرانه حب اللعب واللهو،
فآمن بما ظهر له من دلائل الدعوة، ولم يتأخر إسلامه، فقهر شهوته، وغالب خواطره. وخرج من عادته، وعظم
استنباطه، ورجح فضله، ولم يأخذ من الدنيا بنصيب، ولا تنعم فيها بنعيم، وحمى نفسه عن الهوى، وكسر شِرَّةَ حداثته بالتقوى.

واحتج الجاحظ بأنه كان لعلي ظهرٌ يحميه كأبي طالب وبني هاشم، ولم يكن لأبي بكر شيء من ذلك. وردّ الإسكافي بأنه لو كان ذلك صحيحًا
لأضعف ذلك من نبوّة رسول الله ?؛ لأن أبا طالب ظَهْرُه، وبني هاشم ردؤه.

قال الجاحظ: ولأبي بكر فضيلة في إسلامه: أنه كان قبل إسلامه كثير الصَّديق، عريض الجاه، ذا يسار وغنى، يعظَّم لماله، ويستفاد من
رأيه، فخرج من عز الغِنى، وكثرة الصديق إلى ذلّ الفاقة، وعجز الوحدة. وهذا غير إسلام من لا عزَّ له،
ولا جاه له. وزِدْ عليه أن عليّ بن أبي طالب إن لم يكن قد شهره سنّه، فقد شهره نسبه، وموضعه من بين هاشم، فليس تَيْم في بعد الصيت
كهاشم، ولا أبو قحافة كأبي طالب.

قال أصحاب علي: إنكم تُثْبتون لأبي بكر فضيلة صحبة الرسول ? من مكة إلى يثرب، ودخوله معه في الغار، وقلتم: إنه كان شريكه في الهجرة،
وأنيسه في الوحشة، فأين هذه من صحبة علي — عليه السلام — له في خلوته، وحيث لا يجد أنيسًا غيره في
ليله ونهاره أيام مقامه بمكة يعبد الله معه سرًّا، ويتكلف له الحاجة جهرًا، ويخدمه كالعبد يخدم مولاه، ويشفق عليه ويحوطه.
ولئن صحب أبو بكر رسول الله في رحلته، فإن عليًّا نام موضع رسول الله حين أراد الهجرة، ولولا أن رسول الله
? علم أنه أهل لذلك لما أهَّلَه له، ولو كان عنده نقص في صبره، أو في شجاعته، أو في مناصحته لابن عمه لما
اختاره لذلك، وقد كان لعليّ أن يعتلّ بعلّة، أو نحو ذلك.

وقد عقد الجاحظ فصلًا طويلًا بين مبيت عليّ موضع الرسول، وبين مبيت أبي بكر في الغار، وردّ عليه الإسكافي ردًّا طويلًا، ثم أطال
الجاحظ في ذكر فضائل لأبي بكر من شجاعة، وسخاء بالمال، وغير ذلك، فرد عليه الإسكافي بالموازنة بين
شجاعة أبي بكر، وعلي، وموقف هذا وموقف ذاك … إلخ. كما جرهم ذلك إلى البحث في صحة إمامة المفضول، وسبب ذلك: أن الروافض قالوا بوجود
نص من النبي على خلافة علي؛ لأنه أفضل الصحابة، فتولية من هو أقل منه فضلًا باطلة. فقال جمهور المعتزلة:
إن ولاية المفضول صحيحة، ولذلك كانت ولاية أبي بكر، وعمر، وعثمان صحيحة، حتى ولو كان عليّ أفضل منهم.

واستدلوا بجملة أدلة: منها أن أبا بكر قال يوم السقيفة: «قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين …» يعني أبا عبيدة، وعمر، وأبو بكر أفضل
منهما، ولم يقل أحد من المسلمين إذ ذاك إنه لا يحل في الدين ذلك، ودعت الأنصار إلى بيعة سعد بن عبادة،
ولا شك أن غيره في المسلمين مَنْ هو أفضل منه. ولما عهد عمر إلى ستة رجال كان جائزًا بالضرورة أن يكون بعضهم أفضل من بعض، فإذا
وقع الاختيار على المفضول كان تنفيذًا لقول عمر. وقد سلَّم الحسن الأمر إلى معاوية، وهو يعتقد من غير
شك أنَّه خيرٌ منه، فقالوا: إن الصحابة تفرقوا في البلدان وهم كثير. فتقييد الإمامة بالأفضل تعجيز، خصوصًا أن الصحابة تفرقوا في
البلاد من أقصى السند إلى أقصى الأندلس إلى أقصى اليمن، إلى أقصى أرمينية وأذربيجان وخراسان، فكيف
يعرف حالهم، ثم كيف يعرف أفضلهم، ثم نحن لو سئلنا عن معارفنا وأصحابنا: أيهم أفضل؟ لصعب الجواب، والرسول ? قد قلّد
كثيرًا من الصحابة كثيرًا من البلدان، فاستعمل على اليمن معاذ بن جبل، وأبا موسى الأشعري، وخالد بن الوليد، وعلى
عمان عمرو بن العاص، وعلى نجران أبا سفيان، وعلى مكة عتاب بن أسيد، وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص، وعلى
البحرين العلاء بن الحضرمي.

ولا خلاف في أن كثيرًا من الصحابة أفضل منهم كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير. وأيضًا فإن الفضائل كثيرة، منها العفة
عما في أيدي الناس، ومنها الشجاعة والإقدام، ومنها الحزم والبت في الأمور، وقلّما تجتمع هذه الصفات
الفاضلة في أحد، فقد يكون بعضها في بعض، وبعضها في البعض الآخر، ففي أيها يراعى الفضل؟

وفي الحقيقة للولاية صفات لا بد منها في الوالي، كالسياسة، وحسن تدبير الأمور، وقد يكون شخص أفضل من نواحٍ أخرى كثيرة غير هذه،
ثم لا يصلح أن يكون واليًا، فلا بد لاستقامة الأمور من القول بصحة إمامة المفضول حتى تسير الأمور ولا
تتعطل.

(?-?) جواز خطأ الصحابة

وقد وضع المعتزلة لأنفسهم مبدأ هامًّا جدًّا، وهو أن الصحابة ليسوا معصومين، وأن الخطأ يجوز عليهم، سواء في ذلك كبيرهم وصغيرهم،
وقد مكنهم هذا المبدأ من الحرية في نقد أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، كما مكنهم من تحليل الأحداث التاريخية،
عكس ما قاله أهل السنة من الكف عن نقد الصحابة بالإجمال.

وقد استدل المعتزلة على ذلك بما كان من نقد الصحابة بعضهم لبعض، حتى لقد يبلغ النقد أحيانًا مبلغ السباب، فلما عهد أبو بكر بالخلافة
لعمر قال طلحة: «ماذا تقول لربك إذا سألك عن عباده، وقد وليت عليهم فظًّا غليظًا؟» فهل قول طلحة هذا
إلا طعن في عمر. وقد روي أنه كان بين أبيّ بن كعب وعبد الله بن مسعود سباب شديد. وروي أن عثمان قال لعبد الرحمن بن عوف: يا منافق،
فقال عبد الرحمن: «ما كنت أرى أن أعيش حتى يقول لي عثمان يا منافق … والله لو استقبلت من أمري ما استدبرت،
ما ولَّيت عثمان شسع نعلي … اللهم إن عثمان قد أبى أن يقيم كتابك، فافعل به وافعل.» وروي أن عثمان قال لعليٍّ في كلام دار
بينهما: «أبو بكر وعمر خير منك. فقال عليٌّ: كذبتَ، أنا خير منك ومنهما، عبدتُ الله قبلهما، وعبدته بعدهما.»
وقد أنكرت عائشة على أبي سلمة قوله في عِدَّة المتوفّى عنها زوجها وهي حامل. وروى بعض الصحابة عن النبي أنه قال:
«الشؤم في ثلاثة: المرأة، والدار، والفَرَس»؛ فأنكرت عائشة ذلك، وكذَّبت الراوي، وقالت: إنه إنما قال — عليه السلام
— ذلك حكاية عن غيره. وروى بعض الصحابة أن النبي قال: «التاجر فاجر»؛ فأنكرت عائشة ذلك، وكذَّبت الراوي،
وقالت: إنما قال ذلك في تاجر دلَّس. وأنكر قوم من الأنصار رواية أبي بكر: «الأئمة من قريش»، وقالوا: «إنه اختلق هذه الكلمة».
وباع معاوية أوانيَ ذهب وفضة بأكثر من وزنها، فقال له أبو الدرداء: سمعتُ رسول الله ينهى عن ذلك، فقال
معاوية: أما أنا فلا أرى به بأسًا. فقال أبو الدرداء: «من عذيري من معاوية، أخبره عن الرسول وهو يخبرني عن رأيه … والله لا أساكنك
بأرض أبدًا.» وقال علي لعمر، وقد أفتاه الصحابة في مسألة، وأجمعوا عليها: «إن كانوا راقبوك فقد غشوك،
وإنْ كان هذا جهد رأيهم فقد أخطئوا.» وأنكرت الصحابة على أبي موسى قوله: «إن النوم لا ينقض الوضوء.» ولم يصدقوا الخبر
المروي عن رسول الله: «أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم.» وقالوا: هذا يوجب أن يكون أهل الشام في صفين
على هُدًى، وكيف يكون ذلك؟ وكان يجب أن يكون عمرو بن العاص ومعاوية اللذان كانا يلعنان عليًّا وولديه على هدى. وقد
كان في الصحابة من يشرب الخمر كأبي محجن الثقفي، ومن يرتد عن الإسلام كطليحة بن خويلد، وإنما هذا الحديث من موضوعات
متعصبة الأموية، فإنَّ لهم مَنْ ينصرهم بلسانه، وبوضعه الأحاديث إذا عجز عن نصرهم بالسيف.

وقال: إنه يجوز الخطأ على الصحابة بدليل أن جماعة من كبار الصحابة حاصروا عثمان وهذا خطأ، وهذا المغيرة بن شعبة، وهو من الصحابة
ادُّعِيَ عليه بالزنا، وشهد عليه قوم بذلك، فلم ينكر ذلك عمر، ولا قال هذا محال؛ لأن هذا صحابي. وقدامة
بن مظعون لما شرب الخمر في أيام عمر أقام عليه الحدّ، وهو رجل من علية الصحابة من أهل بدر المشهود لهم بالجنة، فلم يرد عمر الشهادة،
ولا درأ عنه الحد، وقد ضرب عمر أيضًا ابنه حَدًّا فمات، وكان ممن عاصر رسول الله، ولم تمنعه معاصرته
له من إقامة الحدّ عليه. وهذا عليّ يقول: ما حدَّثني أحد بحديث عن رسول الله ? إلا استحلفته عليه، واستحلافه
عليه معناه اتهامه بالكذب، وما استثنى أحدًا من المسلمين إلا أبا بكر، وقد صرح غير مرة بتكذيب أبي هريرة، وقال: لا أحد
أكذب من هذا الأوسيِّ على رسول الله ?.

وقال أبو بكر في مرضه الذي مات فيه: وددت أني لم أكشف بيت فاطمة، ولو كان أغلق على حرب. فندم، والندم لا يكون إلا عن ذنب. وقد تأخر
عليّ عن البيعة لأبي بكر ستة أشهر إلى أن ماتت فاطمة، فإن كان مصيبًا فأبو بكر على خطأ في انتصابه
على الخلافة، وإن كان أبو بكر مصيبًا فعليٌّ على الخطأ في تأخره عن البيعة. وقال أبو بكر في مرض موته: «لما استخلفت عليكم خيركم
في نفسي — يعني عمر — فكلكم ورم أنفه، يريد أن يكون الأمر له لما رأيتم الدنيا قد جاءت، أما والله
لنتخذن ستائر الديباج، ونضائد الحرير.» وهذا طعن في الصحابة إذ نسبهم لحَسَدِ عمر. وكان بين أُبيّ بن كعب وعبد الله بن مسعود
سباب كثير، حتى نفى كل واحد منهما الآخر عن أبيه. وروى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: «كنت عند
عروة بن الزبير فتذاكرنا: كم أقام النبي بمكة بعد الوحي، فقال عروة: أقام عشر سنين، فقلت: كان ابن عباس يقول: ثلاث عشرة
سنة. فقال: كذب ابن عباس». وقال ابن عباس: المتعة حلال، فقال له جبير بن مطعم: كان عمر ينهى عنها، فقال: يا
عدوَّ نفسه، من ههنا ضللتم، أحدثكم عن رسول الله ?، وتحدثني عن عمر؟!

وسَبُّ بعض الصحابة لبعضٍ، وقدح بعضهم لبعض في المسائل الفقهية أكثر من أن يحصى … مثل قول ابن عباس، وهو يرد على زيد مذهبه العول
في الفرائض: «من شاء باهلته إن الذي أحصى رمل عالج عددًا أعدل من أن يجعل في مال نصفًا ونصفًا وثلثًا،
هذان النصفان قد ذهبا بالمال، فأين موضع الثلث؟؟» وقال عليّ في أمهات الأولاد، وهو على المنبر، كان رأيي ورأي عمر أن لا يُبَعْنَ،
وأنا أرى الآن بيعهن، فقام إليه أبو عبيدة السلماني، فقال: «رأيك في الجماعة أحب إلينا من رأيك في
الفرقة.»

وكان أبو بكر يقضي القضاء فينقضه عليه أصاغر الصحابة، كبلال وصُهَيب وغيرهما. وقيل لابن عباس: إن عبد الله بن الزبير يزعم أن موسى
صاحب الخضر ليس موسى بني إسرائيل. فقال: كذب عدو الله. وطعن ابن عباس في أبي هريرة إذ يروي أنَّ رسول
الله قال: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخلن يده في الإناء حتى يتوضأ»، وقال: فما نصنع بالمهراس؟! وقال ابن عباس: ألا يتقي
الله زيد بن ثابت، يجعل ابن الابن ابنًا، ولا يجعل أب الأب أبًا؟ وقال جرير بن كليب: رأيت عمر ينهى
عن المتعة، وعليًّا يأمر بها، فقلت: إن بينكما لشرًّا، فقال عليّ: ليس بيننا إلا الخير، ولكن أخيرنا أتبعنا للدين. قالوا:
فكيف يصح أن يقول رسول الله: «أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم»؟ قلنا لهم: إن هذا من موضوعات متعصِّبة
الأموية، فإن لهم من ينصرهم بلسانه، وبوضعه الأحاديث إذا عجز عن نصرهم بالسيف. ومثل هذا: «خير القرون قرني»،
ومما يدل على بطلانه أن القرن الذي جاء بعده بخمسين سنة شر قرون الدنيا، وهو أحد القرون الذي ذكره النص، فهو القرن الذي
قتل فيه الحسين، وحوصرت فيه مكة، ونقضت فيه الكعبة، وشربت الخلفاء، والقائمون مقامهم والمنتصبون في
منصب النبوة الخمور، وارتكبوا الفجور، كما جرى ليزيد بن معاوية، والوليد بن يزيد، وأُريقت الدماء الحرام، وقتل المسلمون وسُبِيَ
الحريم، واستعبد أبناء المهاجرين والأنصار، ونقش على أيديهم كما ينقش في أيدي الروم، وذلك في خلافة
عبد الملك بن مروان والحجاج، وإذا تأملت كتب التاريخ وجدت أن الخمسين سنة التالية كلها لا خير فيها، ولا في رؤسائها، ولا أمرائها،
فكيف يصح الخبر، ولو كان هذا صحيحًا، وأنَّ الصحابة لا يخطئون لما احتاجت عائشة إلى نزول براءتها من
السماء، بل كان الرسول من أول الأمر يعلم كذب أهل الإفك، وصفوان بن المعطل من الصحابة، فكان ينبغي أن لا يضيق صدر رسول الله ?،
ولا يحمل الهم والغم الشديدين، وكان يقول: صفوان من الصحابة، وعائشة من الصحابة، والمعصية منهما ممتنعة.

قالوا: وقد كان التابعون يسلكون في الصحابة هذا المسلك، وينقدون بعضهم، ويحكمون بعصيان بعضهم، وإنما قدّسهم العامة بعد ذلك، وكيف
نقول: إن الصحابة لا يجوز عليهم الخطأ، والله تعالى يقول لنبيه: لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (الزمر:
??) وِفَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى? فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّه (ص:
??).
?

وقد نفّذ المعتزلة هذا المبدأ بالفعل، فقد روي عن النظام من ذلك الشيء الكثير. وقال الجاحظ في كتابه المعروف بالتوحيد: «إن أبا
هريرة ليس بثقة في الرواية»، وانتقد عمر بن عبد العزيز في بعض أعماله، وقد فتح هذا أيام المعتزلة بابًا
واسعًا، فقالوا أقوالًا كثيرة تحرَّج عنها غيرهم، فمثلًا: أنكر النظام الإجماع، وقال: إنه ليس بحجة، وجرَّه ذلك إلى القول بعيوب
الصحابة، ولم يتورع عن الطعن الشديد اللهجة.

والحق أيضًا أن المعتزلة تألفت منهم في ذلك فرق، ففرق تنتقد حسبما تعتقد، وفرقٌ ترُد على النقد حسبما تعتقد أيضًا، والكل أحرار،
فمثلًا نقد بعضهم أبا بكر نقودًا كثيرة، وردّ بعضهم عليها، ونقدوا عمر، وعثمان، وعليًّا، وردَّ الآخرون
عليهم، ووقفوا عند قول عمر: «إن بيعة أبي بكر كانت فلتة.» فهل معنى فلتة زلّة وخطيئة؟ وقال أبو علي الجبائي المعتزلي: «إنها ليست
بمعنى زلّة، وإنما بمعنى بغتة، يريد عمر أنها حصلت فجأة، ولكن الله تعالى دفع شرها، ولذلك قال عمر:
فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه، وهذا تحذير عن أن يبايع الناس من غير مشاورة.»

وقد جرّهم ذلك إلى تعمق في التحليل النفسي، للكراهة مثلًا التي بين عائشة وعليّ، وعائشة وفاطمة، ولم كانت العرب تكره أن يكون عليٌّ
خليفة؟ إلى أشياء كثيرة من هذا القبيل.

(?-?) المقارنة بين سياسة عمر، وسياسة علي

ووقفوا عند المقارنة بين سياسة عمر وسياسة علي، ولِمَ كانت سياسةُ عمر ناجحةً وسياسة عليّ فاشلة، ولِمَ قال الناس: إن عمر كان أسوس،
وإن عليًّا كان أعلم؛ بل قالوا إن معاوية كان أسوس من عليّ، وأصحّ تدبيرًا. وقالوا: إن النجاح في السياسة
لا يمكن إلا إذا كان السائس يعمل برأيه أحيانًا، وبما يرى فيه صلاح ملكه، وتمهيد أمره، وتوطيد قاعدته، سواء وافق الشريعة، أو لم
يوافقها، وإلا لم ينتظم أمره.

وعمر كان مجتهدًا يعمل بالقياس والاستحسان، ويرى تخصيص النص بالرأي، ويكيد لخصومه، ويأمر أمراءه بالكيد والحيلة، ويؤدب بالدِرَّة،
ويصفح عن قوم اجترموا، كل ذلك بقوة اجتهاده، وما يؤديه إليه نظره.

هذه كانت سياسته، أما عليّ فكان يقف مع النصوص والظواهر، ولا يتعداها إلى الاجتهاد والأقيسة، ولا يضع، ولا يرفع إلا بالكتاب والنص،
فاختلفت طريقتاهما في الخلافة والسياسة. وعمر كان شديدًا، وعليّ كان كثير الحلم، فازدادت خلافة عمر
قوة، وازدادت خلافة عليّ خلافًا. زد على ذلك ما حدث من الفتن الكثيرة أيام عليّ من فتنة قتل عثمان، وفتنة الجمل، وفتنة صفّين،
فشتان بين الخلافتين فيما يعود إلى انتظام المملكة.

وقد رُدَّ على هذا القول بأن الرسول ? كان يلتزم الدين بالضرورة، ويدبر أموره وفقًا للدين، ولم يكن الخلاف عليه كالخلاف على عليّ،
ولم يكن اتباعه للدين سببًا في ضعف سياسته.

وأجابوا بأن النبي كان يتصرف عن وحي، والله يقول: لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ الله
(النساء: ???) قالوا: وليس بصحيح أن الناس لم يختلفوا على رسول الله كما اختلفوا على عليّ؛ فالقرآن مملوء بذكر المنافقين
والشكوى منهم، والتألم من أذاهم. وكثير من المسلمين التووا عليه في الحروب، وكثير نازعوا في الأنفال، وطلبوها
لأنفسهم، وكرهوا لقاء العدو، وقال الله فيهم: كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ
(الأنفال: ?) وعلى الجملة، ففي القرآن كثير من الشكوى من المنافقين وغيرهم، فلئن كان عمر ومعاوية أسوس من عليّ، فسببُ ذلك
حريتهم أمام الدين حيث يتقيد عليٌّ بنصوص الدين.

(?-?) العداء بين عائشة وعليّ

وحلّلوا العداء بين عائشة من جهة، وعليّ وفاطمة من جهة أخرى، فقال بعضهم: أول بدء هذه العداوة أن رسول الله ? تزوج عائشة عقب موت
خديجة فأقامها مقامها، وفاطمة هي ابنة خديجة. ومعلوم أن ابنة الرجل إذا ماتت أمها، وتزوج أبوها أخرى
كان بينها وبين المرأة كدر وبغض؛ لأن الزوجة تنفس عليها ميل الأب إليها، والبنت تكره ميل أبيها إلى امرأة غير أمها. وكان
رسول الله ? يُظهر حب عائشة فيزداد ما عند فاطمة، ويكرم فاطمة إكرامًا شديدًا، فيزيد ما عند عائشة. وكان
رسول الله يقول عن فاطمة: «إنه يؤذيني ما يؤذيها، ويغضبني ما يغضبها.» فيزيد ذلك من غيظ عائشة، فلما تزوج
عليّ فاطمة بالطبيعة تُسِرُّ إليه ما في نفسها من عائشة، كما أن عائشة كانت تُسرُّ إلى أبيها أبي بكر ما في نفسها من فاطمة؛
ولذلك لم تحسن الصلة أيضًا بين عليّ وأبي بكر. ولما حدثت حادثة الإفك قال عليّ للنبي ? لما استشاره:
إن النساء غيرها كثير، وقد جرت العادة أن الناس لا يتورَّعون عن نقل أحاديث هذا إلى ذاك، أو هذه إلى تلك، بل ربما يزيدون عليها
ما يوسّع شقة الخلاف.

كل ذلك زاد من بغض كل لصاحبه، ثم إن فاطمة ولدت أولادًا كثيرة بنين وبنات، ولم تلد عائشة ولدًا، وكان رسول الله يقيم بني فاطمة
مقام بنيه، والزوجة إذا حرمت الولد لم تحب أولاد بنت زوجها، وحدث أن رسول الله سدّ باب أبي بكر إلى
المسجد، وفتح باب عليّ، فعمل ذلك في نفسها، وحدث أيضًا أنْ وُلِدَ لرسول الله ? إبراهيم من مارية، فأظهر عليٌّ السرور بذلك
كثيرًا، غيظًا في عائشة، وكان عليّ يتعصب لمارية، ويقول بأمرها عند رسول الله، فكان ذلك يوغر صدر عائشة،
ثم مات إبراهيم فأبطنت فاطمة وعلي الشماتة، وإن أظهرا كآبة …

وهكذا من التحليلات الدقيقة التي قامت مقام ما يفعله علماء النفس اليوم في تعليل الحوادث من جهة، ومن جهة أخرى تدل على أن كثيرًا
من المعتزلة شرحوا الحوادث بين كبار الصحابة، حتى في امرأة النبي ?، كما يشرحون الحوادث العادية من
غير فرق.

هذه أمثلة مختلفة من الاتجاهات التي كان يتجهها المعتزلة: فأمور ميتافيزيقية، وأمور فيزيقية، وأمور في الفقه والحديث والأصول، وأمور
في السياسة، وقد كان يمكن أن تكون الأمور السياسية أبحاثًا خارجة عن الدين كما تبحث المسائل السياسية
اليوم، ولكنهم ألصقوها بالدين بالحكم على الموافق منهم لآرائهم بالصلاح والتقوى، والمخالف لآرائهم بالفسوق والعصيان. وكثيرًا
ما كانوا إذا تعرضوا لعمل من أعمال الصحابة حكموا بعصيانه، أو بعدم عصيانه، وبأنه يستحق الجنة أو النار،
وبأن عمله يوافق الدين أو يخالفه، وسلك خصومهم مسلكهم، فكان من ذلك أن اصطبغت الأمور السياسية بالصبغة الدينية.

هوامش
(?)
في كتاب «الانتصار» أن الجهم موحد، وليس معتزليًّا، وإن إضافته العامة إليهم، وقد تبرأ المعتزلة منه على لسان بشر بن المعتمر —
وقيل عن الجهمية: إنهم من الجبرية — وقد فصَّل القول عن الجهمية والمعتزلة جمال الدين القاسمي في كتابه،
طبع المنار سنة ?????، وفيه يذهب إلى أن المعتزلة تطورت عن الجهمية.
(?)
توفي بعد سنة ????، وله كتاب في تكفير النظام بإبطاله الجزء الذي لا يتجزأ (انظر الفرق بين الفرق — ص??).
(?)
انظر الحيوان للجاحظ، ج? ص??? طبعة عبد السلام هارون.
(?)
انظر في ذلك ابن أبي الحديد على شرح نهج البلاغة ج? ص??? وما بعدها.
الفصل الثالث

بين الشيعة والمعتزلة

اختلف الشيعة والمعتزلة في الأجل، فقالوا: لو لم يقتل القاتل المقتول، هل كان يجوز أن يبقيه الله تعالى؟ فقال أبو الهذيل العلاف بموته لو
لم يقتله القاتل، وليس يجوز أن يكون الله تعالى قد أجّل أجله، ثم يقتل قبل بلوغه، أو يخترم دونه، ولا أن يتأخر عما
أجّل له. وحجته في ذلك توبيخ الله المنافقين على قولهم: لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا (آل عمران: ???)، فقال تعالى:
لقُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (آل عمران: ???)؛ فدلّ على أنهم لو تجنبوا
مصارع القتل لم يكونوا ليدرءوا ذلك الموت عنهم. وقالت الأشعرية والجهمية والجبرية: إنها آجال مضروبة محدودة، وإذا أجّل الأجل، وكان في المعلوم
أن بعض الناس يقتل، وجب وقوع القتل منه لا محالة، وليس يقدر القاتل على الامتناع عن قتله.

وقال قوم من معتزلة البغداديين بالقطع على حياته لو لم يقتله قاتل، وهذا عكس ما ذهب إليه أبو الهذيل، ومن والاه. قالوا: لو لم
يمت المقتول في ذلك الوقت إذا لم يقتله القاتل، لما كان القاتل مسيئًا إليه إذ لم يفوّت عليه حياة، لو لم يبطلها لبقيت، لما
كان القاتل مسيئًا إليه إذ لم يفوّت عليه حياة، لو لم يبطلها لبقيت، ولما استحق القود، ولكان ذابح الشاه بغير إذن مالكها قد
أحسن إلى مالكها؛ لأنه لو لم يكن قد ذبحها ماتت فلم ينتفع بلحمها. قالوا: فإذا قال لنا: فهل تقولون إنه قطع عليه عمره؟ قلنا: إن
الزمان الذي كان يعيش فيه لو لم يقتله القاتل، لا يسمى عمرًا إلا على سبيل المجاز، وإنا نقطع على أنه إن لم يقتل لمات.
وقال قدماء الشيعة: الآجال تزيد وتنقص، ومعنى الأجل الوقت الذي علم الله تعالى أن الإنسان يموت فيه إن لم يقتل قبل ذلك، أو لم يفعل
فعلًا يستحق به الزيادة أو النقصان في عمره. قالوا: وربما يقتل الإنسان الذي صرف له من الأجل خمسون سنة وهو ابن عشرين،
وربما يفعل من الأفعال ما يستحق به الزيادة فيبلغ به مائة سنة، أو يستحق به النقص فيموت وهو ابن ثلاثين سنة. قالوا: فمما يقتضي الزيادة
صلة الرحم، ومما يقتضي النقيصة الزنا، وعقوق الوالدين. قالوا: ومما يدل على ذلك قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي
الْأَلْبَابِ (البقرة: ???)؛ فحكم سبحانه بأن إثبات القصاص مما يمنع القاتل عن القتل؛ فتدوم حياة المقتول، فلو كان المقتول يموت لو لم يقتله
القاتل، ما كان في إثبات القصاص حياة، وأما إلزام القاتل القود والغرامة فلأنّا لا نقطع بموت المقتول لو لم يقتل، بل يجوز
أن يبقى.

ويرى المعتزلة أيضًا أن لملك الموت أعوانًا تقبض الأرواح بحكم النيابة عنه، ولولا ذلك لتعذر عليه، وهو جسم أن يقبض روحين في وقتٍ واحد،
أحدهما في المشرق، والآخر في المغرب؛ لأن الجسم الواحد لا يكون في مكانين في وقت واحد. ولا يبعد أن يكون الحفظة الكاتبون
هم القابضون للأرواح عند انقضاء الأجل، وإنما يكون ذلك في الوقت الذي يأذن الله تعالى به، وهو حضور الأجل، فألزموا أن يغوص الملك مع الفريق
ليقبض روحه تحت الماء، وقالوا: ليس بمستحيل أن يتخلل الملك الماء في مسامّه، فإن فيه مسامّ ومنافذ.
الفصل الرابع

رجال المعتزلة في دور الضعف

وفي دور ضعف المعتزلة، وذهاب دولتهم ظهر أعلام قلائل كانوا أكفاء لرفع راية الاعتزال.

نذكر منهم: أبا القاسم البلخي، وأحيانًا يلقب بالكعبي، وقد كان رأس طائفة من المعتزلة يقال لهم الكعبية، وله مقالات كثيرة في الاعتزال،
ومات سنة ????.

ومنهم التنوخي، وقد تلقب بهذا اللقب أكثر من واحد، وكلهم معتزلة.

ومنهم أبو علي الجبائي، وهو أستاذ أبي الحسن الأشعري إمام أهل السنة، كان رئيس المعتزلة نسبة إلى جبي من أعمال خوزستان، مات سنة ????، وقد
ردّ أيضًا على ابن الراوندي، ولما خرج الأشعري ردّ عليه، ولكن مع الأسف لم يصلنا شيء من ذلك، ولا من تفسيره للقرآن
على مذهب الاعتزال، وأظن أن الزمخشري قد استفاد منه بعد في تفسيره، وكثيرًا ما يخلط الناس بينه وبين ابنه أبي هاشم الجبائي، وقد كان أيضًا
عالمًا كبيرًا من علماء المعتزلة، وإليه تنسب فرقة معتزلية تسمى «البهشمية» نسبةً إلى أبي هاشم، وقد انتشرت كثيرًا
في الريّ، وما حولها بسبب تأييد الصاحب ابن عباد الوزير البويهي له.

ولما ضعفت الدولة العباسية، واختل نظامها، جاءت الدولة البويهية، وذلك أن الخليفة العباسي المستكفي جعل أحمد بن بويه أميرًا للأمراء، وأنعم
عليه بلقب معز الدولة، وكان يدّعي الانتساب إلى ملوك ساسان؛ فتسلط هو وإخوته على الخلفاء، يعزلونهم إن شاءوا، ويبقونهم
إن شاءوا، ووسعوا سلطانهم فأخذوا أصبهان وشيراز، حتى بلغوا الأهواز، وألّفوا دولة اتخذوا عاصمتها شيراز. والذي يهمنا هنا أن دولة بني بويه
كانت دولة شيعية تتظاهر بشعائر الشيعة جهارًا، وتحتفل بالأعياد الشيعية، كإقامة المناحة في عاشوراء حدادًا على الحسين،
وتحتفل بعيد الغدير، إلى غير ذلك …

وكان أهم أمرائهم وألمعهم عضد الدولة، وقد كان يقيم في شيراز، ولكن لم يمنعه ذلك من إصلاح بغداد، وإنشاء عدد كبير فيها من المساجد والمستشفيات.
ومما خدم به التشيع إنشاؤه مشهد عليّ، وقد كان يرعى العلم والأدب، وينفق فيهما الأموال الكثيرة، وإذ كانت دولة بني
بويه شيعية كما ذكرنا، وكان قسم كبير من المعتزلة شيعيًّا أيضًا، أفسحت الدولة البويهية صدرها للمعتزلة، فوجدنا الاعتزال يترعرع فيها، فابن
العميد الذي كان واليًا للبويهيين على إقليم الريّ كان معتزليًّا.
الفصل الخامس

القاضي عبد الجبار
وابن عباد أعظم وزراء البويهيين كان معتزليًّا أيضًا، وكان يقرب العلماء والأدباء، وقالوا: إنه كان يرسل إلى بغداد كل سنة خمسة آلاف دينار
لتفرق على الفقراء، وأهل الأدب، وكان هو نفسه عالمًا أديبًا حتى ألّف في اللغة معجمًا كبيرًا يقع في سبع مجلدات سماه
«المحيط»، كما كان محدِّثًا، كما ألف في إمامة عليّ بن أبي طالب، وقد عين المعتزلي الكبير عبد الجبار قاضي القضاة له، وجاء في رسائل الصاحب
العهد الذي عهد به الصاحب إليه، وجاء فيه: «هذا ما عهد مؤيد الدولة إلى عبد الجبار بن أحمد، ولّاه قضاء القضاة بالريِّ،
وقَزْوين، وسُهْرورد، وقُمْ، وما يجري معها، ويتصل بها، علمًا بما لديه من علم يهتدى بأضوائه، وورع يستسقى بأنوائه، وكفاية
يكتنفها الحلم والحجي، وأمانة يبعثها النسك والتقى، وموقع في علية أهل الدين ترمقه النواظر، ومكان من صفوة المسلمين تعقده الخناصر.»
وبعد أن أمره باتباع الكتاب والسنة والإجماع، قال: «وإذا عرض في الأحكام ما يعضل استخراجه، ويستبهم رتاجه، فليتبين
ويتئد، وليفكر ويجتهد، ويستشر أماثل العلماء ويستحدّ، ويأخذ من آراء الفقهاء، ولا يستبدّ، حتى إذا وضحت له القضية أكمل فضل الاستشارة، بيمن
الاستخارة، وأمضى من الحكم، ما يأمن فيه مصارع الظلم، وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي وَمَن لَّمْ
يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (المائدة: ??) إذا اشتجرت، والألحاظ إذا تصرّفت، والألفاظ
إذا جرت، بين الغني المثري، والفقير المقوى، والقوي الموقر، والضعيف المستحقر، فليس بالثراء تشرف المنازل وترتفع، ولا بالإقواء تضعف الوسائل
وتضع. وبعد فكل عباد الله يسعهم فضله، ومشرع في حكم الله، يشملهم عدله: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ ? إِنَّ الله عَلِيمٌ
خَبِيرٌ (الحجرات: ??).
?
وتدل الرسائل على أن الصاحب بن عباد كان يعزّ القاضي عبد الجبار ويوقره، ويواليه بالكتابة على تشيّع واعتزال عُرِفا عن البويهية.
وقد ألف عبد الجبار كتبًا كثيرة وصل إلينا: «شرح الأصول الخمسة عند المعتزلة» في أجزاء عدة شرحًا مستفيضًا مسهبًا، يبين أصول المعتزلة ونظراتهم
في إسهاب،
?
ونقلت عنه أقوال كثيرة كان يحاج بها الشريف المرتضى.
وقد كان الشريف المرتضى نقيب الطالبين ببغداد، وكان عالمًا كبيرًا، بقيت لنا من تآليفه «أمالي المرتضى — الغرر والدرر — الشيب والشباب»،
وكان شيعيًّا على مذهب الإمامية.
?

وكان يرى في الإمامة، وفي تفسير أعمال الصحابة ما يوافق مذهبه، وكان قاضي القضاة عبد الجبار شيعيًّا معتزليًّا، ومعنى هذا أنه أقل تعصبًا
للتشيع، وأكثر تحكيمًا للعقل؛ لذلك جرى بين العالمين الكبيرين جدال طويل في مسائل كثيرة نسوق أمثلة منها. وأنت إذا
رأيت في الكتب كلامًا يسند إلى النقيب فهو الشريف المرتضى، فإن أسند إلى قاضي القضاة فهو عبد الجبار.

وربما صورنا أصول الخلاف بين الشريف المرتضى، وعبد الجبار في كلمة صغيرة، وهي أن الشريف المرتضى لما كان شيخًا للإمامية في عصره، كان يرى
بطبيعة الحال أنَّ هناك نصًّا من النبي ? على استخلافه لعلي، لا من طريق الكفاية وحدها، بل إن النبي ? نَصَّ عليه بالاسم، بل إن الخلافة
فيه، وفي أبنائه من فاطمة من بعده. وإذ كان عليّ معيَّنًا بالاسم، فأبو بكر وعمر مغتصبان حقه، ظالمان له، وذلك عكس الزيدية
من الشيعة؛ إذ كانوا يرون أن النبي عيَّنه بالوصف لا بالشخص، فهم يعتقدون صحة إمامتهما، وأن خلافتهما صحيحة، وكثير من المعتزلة
على هذا الرأي؛ إذ كانوا قد قالوا بصحة إمامة المفضول كما ذكرنا من قبل؛ فكان الشريف المرتضى من الرأي الأول القائل
ببطلان إمامة أبي بكر وعمر وعثمان، وكان للقاضي عبد الجبار من الرأي الثاني القائل بصحة إمامة المفضول.

وطبيعي أنّ الإمامية — ومنهم الشريف المرتضى — لم تتحرج من نقد أبي بكر وعمر وعثمان، وتفسير الأحداث التاريخية وفق مذهبهم، كما أن من الطبيعي
دفاع القاضي عبد الجبار عنهم، والرد على مطاعن الإمامية؛ فقامت بذلك ثورة عنيفة بين العالمين.

قال الإمامية: إن الرسول ? نص على إمارة عليّ نصًّا صريحًا جليًّا غير نَصِّ يوم الغدير،
?
فإنه كان تلميحًا، بل إنه نَصّ عليه بالخلافة، وبإمرة المؤمنين، وأمر المسلمين أن يسلموا عليه بها، وصرح لهم في كثير من المقامات بأنه
خليفة عليهم من بعده، وأمرهم بالسمع والطاعة له. أما الشيعة من المعتزلة فتقول: إنه إن لم يكن هناك نص صريح مقطوع به،
وإن يكن شيء فتلميح وإيماء يحتمل الدلالة عليه، ويحتمل غيرها.

ومن المؤسف أنه قد اختُلِقت أحاديث كثيرة زادت في شناعة الموقف، كإسنادهم أن عمر ضرب فاطمة بالسوط، وضغطها بين الباب والجدار حتى صاحت:
«يا أبتاه»، وأنه هدد عليًّا بالقتل إن لم يبايع، إلى آخر الأحداث التي لم تثبت تاريخيًّا.

أما المعتزلة فقالوا: إنه لو كان هناك نص صريح لا يحتمل الشك ما تجرأ جمهور الصحابة على مخالفته، ولكان عليٌّ نفسه عند مخالفتهم له قد ذكَّرهم
بهذا النص؛ فعدلوا عن مبايعة غيره، بل لو كان هذا النص موجودًا ما بايع عليّ غيره، وكانت مبايعته لأبي بكر وعمر وعثمان
خطأ منه، خصوصًا أنه لم يصلنا خبر عن أن أحدًا من هؤلاء أكرهه إكراهًا شرعيًّا، وكل ما في الأمر أن كثيرًا من الصحابة عرفوا مزايا
علي من شجاعةٍ وعلمٍ، ونحو ذلك، ولكن لاعتبارات دينية واجتماعية ومصلحية فضلوا أن يبايعوا أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان، فلما
جاء دور علي لم يتأخروا عن مبايعته.

ولما لم يعجب الإمامية هذا الكلام وجهوا نقودًا كثيرة إلى من سبق عليًّا من الأئمة. فمثلًا: ثارت ضجة كبيرة حول مسألة «فدك»، وهي قرية اختلف
عليها أبو بكر من ناحية، وعلي وفاطمة من ناحية أخرى، وهي قطعة من الأرض كانت مما أفاء الله على رسول الله، فدخلت في
ملكه ومات عنها، فهل تورث أو لا تورث؟ وإن وُرثت ففاطمة أحق بها، ووجهة نظر أبي بكر أنه علم أن رسول الله ? قال: «نحن معشر الأنبياء لا
نورث، ما تركنا صدقة.» وكان رسول الله يتصدق بغَلتها، فكان أبو بكر يصنع فيها ما كان يصنع رسول الله، وجاء عمر فعمل
ما كان يعمل أبو بكر. وفاطمة وعلي كانت وجهة نظرهما أن المال مال النبي، وأنه يعود عليهما بالإرث، وقد أنصفهما أبو بكر إذ رُويَ أنه قال
لفاطمة: «أنت عندي صادقة أمينة، إن كان رسول الله ? عَهِد إليك في ذلك عهدًا أو وعدك به وعدًا صدقتك، وسلمته لك، فقالت:
لم يعهد إليّ في ذلك بشيء، ولكن الله تعالى يقول: يُوصِيكُمُ الله فِي أَوْلَادِكُمْ (النساء: ??) فقال أبو بكر: أشهد لقد كان رول الله
صلى الله عليه وسلم يقول: «إنا معاشر الأنبياء لا نورث»، ثم اتسعت شقة الخلاف بين، فقال أبو بكر: أشهد لقد كان رسول
الله ? يقول: «إنا معاشر الأنبياء لا نورث»، ثم اتسعت شقة الخلاف بين الرأيين، واتهموا أبا بكر بالخطيئة، واتهموا عمر بممالأة أبي بكر،
وشغلت الحادثة الناس زمنًا طويلًا حتى أتت إلى عبد الجبار وخصومه، فقال عبد الجبار: «إن الخبر الذي احتج به أبو بكر
هو: نحن معاشر الأنبياء لا نورث، لم يقتصر على روايته هو وحده، بل استشهد عليه عمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن
بن عوف؛ فشهدوا كلهم به، فكان لا يحلُّ لأبي بكر وقد صار الأمر إليه أن يقسم التركة ميراثًا فيعطي فاطمة حقها، حتى
لقد روي أن فاطمة لما سمعت شهادة هؤلاء الشهود كفّت، ولكن بعض الشيعة تعصب لها أكثر من نفسها، فقالوا: قال الله:وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ
(النمل: ??)؛ فهذا نبي ورث، فرد الآخرون عليهم بأنه ورثه العلم والحكمة، لكنه لم يورثه المال، وقد صمم أبو بكر وعمر
على رأيهما. هذه خلاصة وجيزة لهذه الحادثة.

وماتت فاطمة وعلي وأبو بكر وعمر، فلا ندري معنى لأن يبقى الخلاف قائمًا بعد مرور نحو ثلاثة قرون، بل إلى الآن، ويدخل الأمر في الدين، وتنقسم
المذاهب المختلفة، بل من العجيب أن تستمر إلى يومنا هذا مع التناحر والتخاصم.

نعم، إننا نفهم أن تكون المسألة مما يصح أن يعرض له المؤرخون اليوم وأمس وغدًا، شأنها في ذلك شأن المسائل التاريخية، أما أن تكون سببًا
للتنافر والتخاصم بعد زوال أصحابها بقرون، فأمر يدعو إلى العجب.

وقس على هذا كثيرًا من المسائل التي من هذا القبيل.

بعد هذا نعرض لمَثَلٍ من نقد الشيعة الإمامية لأبي بكر؛
?
فقد نقدوه بأنه هو وعمر كانا من جيش أسامة الذي أرسله النبي ? للغزو، وقد تأخرا عن السير معه، فتأخُّرُهما يقتضي مخالفة للرسول، فأجاب قاضي
القضاة بأن أبا بكر لم يثبت أنه كان في جيش أسامة، والمسألة مسألة مصالح عامة، وقد اختير أبو بكر ليكون أمير المؤمنين، فالمصلحة تقتضي
بقاءه لتيسير الأمور، وإلا ساءت حال المسلمين … وقد استأذن أسامة في أن يبقى معه عمر ليعينه.

ونقدوا أبا بكر أيضًا في قصة خالد بن الوليد، وأن خالدًا قتل مالك بن نويرة، وتزوج امرأته في ليلته، ثم إن أبا بكر ترك إقامة الحَدّ عليه،
وإيقاع العقوبة عليه، وقال أبو بكر: «إن خالدًا سيف من سيوف الله سله الله على أعدائه، فلا أعاقبه، مع أن الله تعالى
قد أوجب القَوَدَ»، واعتُذِر عن أبي بكر بأنّ خالدًا قد اعتذر لأبي بكر عن خطئه، وقد قبل أبو بكر عذره لجليل أعماله. قال المرتضى: «إن أبا
بكر لا يملك العفو في الحدود؛ لأنها حق الله، فالعفو عنه تغافل عن أمره، وإقرار له على الخطأ الذي وقع فيه.»

ونقدوا أبا بكر أيضًا في أنه استخلف عمر، مع أن النبي ? لم يستخلف، خصوصًا أنه روي عن أبي بكر أن رسول الله لم يستخلف، وقد أجيب عنه بأنّ
كونَ رسول الله لم يستخلف لا يدل على تحريم الاستخلاف، كما أن النبي لم يركب الفيل، فلا يدل على تحريم ركوب الفيلة،
وقد رأى أبو بكر المصلحة في ذلك، وخاف من حصول الخلاف بين الصحابة بعد وفاته على من يكون إمامًا، فبَتَّ في الأمر باستخلاف عمر.

ونقدوه أيضًا بأنه سمى نفسه خليفة رسول الله، مع اعترافه بأنه لم يستخلفه. وأجاب قاضي القضاة: بأن الصحابة سموه خليفة رسول الله؛ لاستخلافه
إياه على الصلاة عند موته، إلخ … وهذا إن دل على النشاط الفكري، وحرية الرأي، فإنه يدل مع الأسف على الفرقة الشديدة
وعدم توجههم إلى الناحية العملية التي تصلح بها أمور المسلمين.

ومثل ذلك أيضًا ما طعنوا به عمر في مسألة الشورى عند موته، فقد روي أنه قال: «لا أدري ما أصنع بأمة محمد؟ قال له ابن عباس: لم تهتم وأنت
تجد من تستخلفه عليهم؟ قال: أصاحبكم؟ — يعني عليًّا — قلت: نعم. هو لها أهل في قرابته من رسول الله وصهره، وفي سابقته
وبلائه. قال عمر: إن فيه بطالة وفكاهة. قال ابن عباس: قلت: فأين أنت من طلحة؟ قال عمر: فأين الزهو والنخوة؟ قلت: فعبد الرحمن بن عوف. قال
عمر: هو رجل صالح على ضعفٍ فيه، قلت فسعد؟ قال: ذاك صاحب منقب وقتال، لا يقوم بقرية لو حمل أمرها. قلت: فالزبير. قال:
وعقة لقس، مؤمن الرضا، كافر الغضب، شحيح … وإن هذا الأمر لا يصلح إلا لقوي في غير عنف رفيق في غير ضعف، جواد في غير سرف. قلت: فأين أنت
عن عثمان؟ قال: لو وُليها لحمل بني أبي معيط على رقاب الناس …»

ونحن نشك في هذا الحديث لأسلوبه، ومع كل ذلك فالمعنى صحيح، وهو أن عمر جعل الأمر في هؤلاء الستة لحيرته في أيهم أصلح للإمامة، فطعن المرتضى
عليه من وجوه: فأولًا: ذم كل واحد بأن ذكر فيه طعنًا، ثم أهّله للخلافة، ثانيًا: قال: إن اجتمع علي وعثمان، فالقول
ما قالاه، وإن صاروا ثلاثة، فالقول للذين فيهم عبد الرحمن … قال المرتضى: إنما قال عمر ذلك لعلمه بأن عليًّا وعثمان لا يجتمعان، وأن عبد
الرحمن لا يكاد يعدل بالأمر عن عثمان لقرابته منه، وقال: إنه أمر بضرب أعناقهم إن تأخروا عن البيعة فوق ثلاثة أيام،
وهم لم يأتوا أمرًا يستوجب القتل، وقد أجاب عبد الجبار أن عمر إنما فعل ذلك؛ لأنه لم ير في نظره رجلًا كاملًا حتى يسند الخلافة إليه، فرشح
أصلحهم لها، وثانيًا: إنما رجح الجانب الذي فيه عبد الرحمن؛ لأنه أزهدهم في الخلافة، فأسند إليه الاختيار. ثالثًا:
قوله: إن عثمان وعليًّا لا يجتمعان، وأن عبد الرحمن يميل إلى عثمان قلة دين، لا يصح أن تسند إلى عبد الرحمن بمجرد الرأي.
ورابعًا: أمره بقتل من تخلف ليس بثابت صحته، ولو صح لكان عمر معذورًا، لأنه يئول بالأمة إلى الشقاق.

هذا ملخص صغير جدًّا مما دار بين المرتضى وعبد الجبار.
?

هوامش
(?)
انظر رسائل الصاحب بن عباد التي نشرها الدكتور عبد الوهاب عزام، والدكتور شوقي ضيف.
(?)
توجد منه نسخة مصورة في الإدارة الثقافية في الجامعة العربية، ونسخ أخرى في أماكن أخرى أيضًا، وهذا كتاب يجب نشره لقيمته.
(?)
انظر الكلام على الإمامية في الجزء الثالث من ضحى الإسلام.
(?)
حديث خم، كان بعد انصراف النبي من حجة الوداع، حيث نادى في الناس: «ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ فقالوا:
اللهم نعم. فقال من كنت مولاه فهذا علي مولاه …» وهناك أحاديث أخرى مثل: «علي مني بمنزلة هارون من موسى.» ومثل: «إني
تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي» … إلخ.
(?)
نقل ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج? ص??? وما بعدها ما أوردت قاضي القضاة في المغني من المطاعن التي طعن بها في أبي بكر،
وجواب قاضي القضاة عنها، واعتراض المرتضى في الشافي على قاضي القضاة، ونذكر ما عندنا في ذلك …
(?)
إن أردت التفصيل فارجع إلى شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد في مواضع متفرقة (ج? ص???–???).
الفصل السادس

الزمخشري
ثم جاء بعد ذلك الزمخشري،
?
وإذا نحن وصلنا إليه، وإلى عبد الجبار فقد وصلنا إلى خلاصة مجهود المعتزلة، وأبحاثهم في أربعة قرون تقريبًا، وهو أبو القاسم محمود بن عمر
الخوارزمي الزمخشري،
?
وهو إمام كبير في التفسير والنحو واللغة، مؤلف تآليف عظيمة في كل ذلك، ففي اللغة والبلاغة «أساس البلاغة»، و«المستقصى في الأمثال»، و«الفائق
في غريب الحديث»، و«مقدمة الأدب»، وفي النحو «المفصل»، و«الأنموذج»، و«المفرد المؤلف»، وله كتاب «الرائض في علم الفرائض»،
وله «أطواق الذهب في المواعظ»، إلى غير ذلك من الكتب القيمة، وكلها فيه جدة وابتكار، وأعظمها تفسير الكشاف المشهور.

وقد اشتهر الزمخشري في عصره، ومدحه الشعراء والأدباء، وطلب العلماء أن يعطيهم الإجازة في رواية كتبه. ومن لطيف ذلك أن الحافظ أبا الطاهر
السّلَفي كتب إليه من الإسكندرية يستجيزه، وكان الزمخشري مجاورًا بمكة، قضى فيها زمنًا طويلًا، وسكن في دار قريبة من
الكعبة، واستفاد في أثناء ذلك فوائد كثيرة، فكتب إليه الزمخشري جوابًا طويلًا يشبه خطاب أبي العلاء لابن القارح، يقول فيه: «ما مثلي مع
أعلام العلماء إلا كمثل السُّها مع مصابيح السماء … والجهام الصُّفْر والرِّهام مع الغوادي الغامرة للقيعان والآكام،
والسُّكيت المخلَّف مع خيل السِّباق، والبُغاث مع الطير العَنَاق … وما التلقيب بالعلاّمة، إلا شبه الرقم بالعلامة، والعلم مدينة أحد بابيها
الدراية، والثاني الرواية، وأنا في كلا البابين ذو بضاعة مزجاة، ظلّي فيها أقلص من ظل حصاة، أمَّا الرواية فحديثة الميلاد،
قريبة الإسناد، لم تستند إلى علماء نحارير، ولا إلى أعلام مشاهير، وأما الدراية فثمد لا يبلغ أفواها، وبَرْض ما يبل شفاها …
ولا يغرنكم قول فلان وفلان فيَّ … (وعدَّد قومًا من الشعراء والأدباء)، فإنّ ذلك اغترار منهم بالظاهر المموَّه، وجهل بالباطن المشوّه،
ولعل الذي غرهم مني ما رأوا من حسن النصح للمسلمين، وإيصال الشفقة إلى المستفيدين، وقطع المطامع عنهم، وإضافة المبارّ
والصنائع عليهم، وعزة النفس، والذَّب بها عن السفاسف الدنيَّات، والإقبال على خويصتي، والإعراض عما لا يعنيني، فجللت في عيونهم، وغلطوا
فيّ، ونسبوني إلى ما لست منه في قبيل ولا دبير».

وإنما سقنا هذه الفقرة أولًا: للدلالة على أسلوبه؛ وثانيًا: لأنه شهر بين الخاصة من قومه بالعلم، حتى استجازوه. وثالثًا: لدلالتها على أنه
كان عزيز النفس، محبًّا للخير، كافًّا على ما لا يعنيه، مقبلًا على شأنه، وهو مع ذلك يتستر وراء هذه القطعة بالاعتداد
بنفسه، إذ يقول في بعض شعره:

سَهَرِي لتنقيح العلوم ألذُّ لي
من وصل غانيةٍ وطول عناق
وتمايلي طَربًا لحلّ عويصةٍ
أشْهَى وأحلى من مدامة ساقي
وصرير أقلامي على أوراقها
أحلى من الدوكاء والعشاق
?
وألذ من نَقْرِ الفتاة لدفِّها
نَقْرِي لأنْفي الرمل عن أوراقي
أأبيت سهران الدجى وتبيته
نومًا وتبغي بعد ذاك لحاقي؟
والذي يهمنا هنا الكلام عن تفسيره واعتزاله، وكان يجاهر بمذهبه، ويدونه في كتبه، ويصرح به في مجالسه، وكان إذا قصد صاحبًا له
استأذن عليه في الدخول، ويقول لمن يأخذ له الإذن: قل له: «أبو القاسم المعتزلي بالباب»، وقد بذل مجهودًا كبيرًا، وتحمل عناء
شاقًّا في سبيل تفسير الآيات القرآنية على مقتضى مذهب الاعتزال من الأصول الخمسة، وهي: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد،
والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
?
فمثلًا: إن في القرآن الكريم آيات ظاهرها يدل على الاختيار، وأن العبد يخلق أفعال نفسه، وآيات ظاهرها أن الله خالق كل شيء، والتوفيق بينهما
متعب جدًّا، وقد حار في ذلك كل المتكلمين، وقالوا: إنّ هذا من الأسرار التي لا يمكننا الوصول إليها، وإن عقلنا البشري
لا يستطيع إدراك سرها، وإن كان الصوفية من أمثال محيي الدين بن عربي، والغزالي رأوا أنهم أدركوا ذلك عن طريق الكشف.

على كل حال تعب الزمخشري كثيرًا في التوفيق، وتفسير الآيات على هذه الأصول، والتعاليم المعتزلية الأخرى، كنَفْي السحر، وأنه ليس قلبًا لطبائع
الأشياء، وإنما هو لعب بأعين الناظرين وعقولهم، وعدم رؤية الجن، وغير ذلك، ونسوق الآن أمثلة تدل على مقدار ما فعل،
فأول ذلك مثلًا: أنه بدأ كتابه «الكشاف» بقوله: الحمد لله الذي خلق القرآن على مذهبي في الاعتزال، ثم غيرت فيما بعد بالحمد لله الذي أنزل
القرآن، ومثلًا: قال تعالى: خَتَمَ الله عَلَى? قُلُوبِهِمْ وَعَلَى? سَمْعِهِمْ ? وَعَلَى? أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ
(البقرة: ?)، وظاهرها أنه تعالى حجر على قلوبهم، فلا يستطيعون بعد الإيمان، هذا الظاهر ضد ما يقوله المعتزلة في اختيار
العبد في خلق أفعال نفسه فقال: إنه لا ختم على القلوب، ولا على الأسماع، ولا تغشية على الأبصار على الحقيقة، وإنما هو من باب المجاز، ويحتمل
أن يكون من كلا نوعيه، وهما الاستعارة والتمثيل: أما الاستعارة فأن تجعل قلوبهم لأن الحق لا ينفذ فيها، ولا يخلص إلى
ضمائرها من قبل إعراضهم عنه.. واستكبارهم عن قبوله واعتقاده كأنها مستوثق منها بالختم، وأبصارهم لأنها لا تجتلي آيات الله المعروضة،
كأنما غطي عليها، إلخ …

وثانيًا: لما جاء إلى آية: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ ? وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ
رَمَى? (الأنفال: ??)، كان ظاهرها أن أفعال العباد كلها منسوبة إلى الله في الواقع، وليست نسبتها إلى الله إلا نسبة إلى
الظاهر، فجاء الزمخشري، فأوَّل الآية أيضًا إذ قال: إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم، ولكن الله قتلهم؛ لأنه هو
الذي أنزل الملائكة، وألقى الرعب في قلوبهم، وشاء النصر والظفر، وقوّى قلوبكم، وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ الله رَمَى?
(الأنفال: ??)، يعنى أنَّ الرمية التي رميتها لم ترمها أنت على الحقيقة؛ لأنك لو رميتها لم يبلغ أثرها إلا ما يبلغ أثر رمية البشر، ولكنها
كانت رمية الله حيث أثرت ذلك الأثر العظيم، فأثبت الرمية لرسول الله؛ لأن صورتها وجدت منه، ونفاها عنه؛ لأن أثرها الذي
لا يطيقه البشر فعل الله، وهكذا … أول الآيات كلها من هذا القبيل على مذهب الاعتزال.

ولما وصل الزمخشري إلى قوله تعالى: إِنَّ الله لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَ?لِكَ لِمَن يَشَاءُ (النساء:
??)، فسرها على مذهب المعتزلة؛ فوقف عند الجملة الأولى: إِنَّ لله لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وجعل لمن يشاء
متعلقًا فقط به يغفر ما دون ذلك؛ فهو لا يغفر الشرك مطلقًا، ويغفر ما دون ذلك لمن تاب: بخلاف السُّنيّة فقد قالوا: إن الله يغفر
ما دون الشرك لمن يشاء، ولو من غير توبة. وتقييد المعتزلة، مغفرة ما دون ذلك بالتوبة مما لا دليل عليه، وقد قال الزمخشري:
إنها لو لم تقيد بالتوبة لزم إغراء الله تعالى العبد بالمعصية، والإغراء بذلك قبيح يستحيل على الله.

وقال الزمخشري في قوله تعالى: أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لَّا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ (الأعراف:
???) إن المراد من الآية توبيخ أولئك الورثة على إثباتهم القول بالمغفرة مع إصرارهم على ما هم فيه. وعن ابن عباس رضي الله عنه أنهم وبّخوا
على إيجابهم على الله غفران الذنوب التي لا يزالون يعودون إليها، ولا يتوبون منها. وعرّض الزمخشري في تفسيره بأهل السنة،
وزعم أن مذهبهم هو مذهب اليهود بعينه، حيث جوزوا غفران الذنوب من غير توبة.

وكذلك أول آيات الحسد في مثل قوله تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِن شَرِّ
غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (الفلق:
?–?) لا بالتعاويذ ونحوها، ولكن من طريق إيقاع الشقاق، وبث الأخبار لإفساد النفوس، إلى غير ذلك.

وفي نظري أن هذا كله وضع مقلوب، فبدل أن يطبق المبادئ، ويخضع القرآن لها، كان يجب أن يطبق القرآن، ويخضع المبادئ له، ولكن هذا كانت طريقته.


وإذ كان إيمان الزمخشري إيمانًا جدليًّا، وأعني بالإيمان الجدلي الإيمان عن طريق المنطق، والمقدمات، والنتائج، والقياس، فقد أنكر ما يقوله
الصوفية في شأن الحب، فالصوفية يقولون في حب الله كما يقول المحبون من البشر بعضهم في بعض، وحتى إنهم استعاروا في حبهم
ألفاظ الغزل، وشعر الغزليين من الشعراء، كأبي نواس، ومسلم بن وليد، وذكروا الوصال والهجران، والغناء في المحبوب، ونحو ذلك، وقالوا في ذلك
الشيء الكثير، ننقل لك بعضًا منه؛ من ذلك: قول أبي عبد الرحمن السلمي: «المحبة أن تغار على محبوبك أن يحبه غيرك»، وقالوا:
«المحبة سكر لا يصحوا صاحبه إلا بمشاهدة محبوبه»، ثم السكر الذي يحصل عند المشاهدة لا يوصف، وأنشدوا:

فأسْكَرَ القَوْمَ دَوْرُ كأسٍ
وكان سُكْرِي من المُدِيرِ

وقالوا: «الشوق احتياج القلب إلى لقاء المحبوب، وعلى قدر المحبة يكون الشوق.» وقيل لبعض الصوفية: هل تشتاق إليه؟ فقال: إنما الشوق إلى غائب،
وهو حاضر لا يغيب … إلخ إلخ.

وقالوا: إن الحب ينقسم إلى ثلاثة أقسام؛ الأول: محبة العوام، وهي الحب للإحسان، وقد جبلت القلوب على محبة من أحسن إليها، وهو حب يتغير،
وهو حب الذين يطلبون أجرًا على ما يعملون، وفيه يقول أبو الطيب:

وما أنا بالباغي على الحبِّ رشوةً
ضعيفُ هَوًى يُرْجى عليه ثوابُ

القسم الثاني: محبة الخواص، الذين يحبون الله إجلالًا وإعظامًا، ولأنه أهلٌ لذلك، وإلى هذا أشار النبي بقوله: نعم العبد صهيب، لو لم يخف
الله لم يعصه.

وقالت رابعة العدوية:

أحبك حبّين حبُّ الهَوَى
وحُبٌّ لأنك أهلٌ لذاكا

وهذا الحب لا يتغير لبقاء الجمال والجلال.

والقسم الثالث: محبة خواص الخواص، وهو الحب الناشئ من الجذبة الإلهية، وأهل هذه المحبة هم المستعدون لكمال المعرفة، وحقيقتها: أن يفنى المحب
في المحبوب، وربما بقي صاحبها حيران سكران، لا هو حيّ فيرجى، ولا ميت فيبكى. وفي مثل ذلك يقول الشاعر:

يقولون إن الحب كالنار في الحَشَا
ألا كذبوا فالنار تَذْكو وتَخْمَدُ
وما هو إلا جذوةٌ مسَّ عودها
ندى فهْي لا تذكو ولا تتوقَّدُ

ومحبة الرب لهذه الأقسام هي فيما يتعلق بالعوام الرحمة، وكأنه قال لهم: اتبعوني بالأعمال الصالحة أرحمكم، وتعلقت بالخواص من حيث الفضل،
وكأن الله قال لهم: اتبعوني بمكارم الأخلاق أخصكم بتجلي الجمال عليكم. وتعلقت بخواص الخواص من حيث الجذبة، فكأن الله
قال لهم: اتبعوني ببذل الجود، أخصكم بجذبي لكم.

وقالوا: والقطرة من هذه المحبة تغني عن الغدير.

وفي سكرة منها ولو عُمْرُ ساعةٍ
ترى الدهر عبدًا طائعًا ولي الحكم

إلى كثير من مثل هذه الأقوال …

والزمخشري وأمثاله من المعتزلة لا يؤمنون بشيء من ذلك، ويرون أن الحب بهذا المعنى لا يكون إلا بين الأشخاص الماديين، ولا يمكن أن يكون بين
العبد والله، إنما المحبة من العبد الطاعة، ومن الله الثواب. وعلى هذا درج الزمخشري في تفسيره، واستنكر ما ذهب إليه
الصوفية في كثير في تفسيره لآيات الحب. وطبيعي أن يكون هناك خلاف بين المؤمن بعقله، والمؤمن بقلبه.

على كل حال، كان الزمخشري قويًّا كل القوة في تفسيره لبلاغته، وبيان بلاغة القرآن وإعجازه، وتمكنه من اللغة والأساليب، حتى إنَّ أهل السنة
لم يستطيعوا أن يتخلوا عنه، بل انتفعوا به، واستخدمه كل المفسرين الذين أتوا بعده تقريبًا في علمنا. وقد ألف ابن المنير
الإسكندري المالكي قاضي الإسكندرية، المتوفى سنة ????، كتابًا ضمنه التنبيه على ما في الكشاف من الاعتزال، وناقشه، وردّ عليه، أو فسّر الآيات
الدالة على الاعتزال في نظر الزمخشري بتفسير آخر كما يفهمه أهل السنة.

وعلى الجملة، فقد كاد يكون الزمخشري آخر فحل من الفحول الذين دافعوا عن الاعتزال، فلم يأت بعده من يسابقه، أو يجاريه.

هوامش
(?)
ولد الزمخشري ????، وتوفي ????، في زمخشر إحدى قرى خوارزم، واسمه جار الله أبو القاسم محمود بن عمر، لقب نفسه «جار الله» حين أقام
بالحجاز مجاورًا للبيت العتيق.
(?)
راجع كتابنا ظهر الإسلام الجزء الثاني.
(?)
نغمتان في الموسيقى.
(?)
انظر تفصيل ذلك في الجزء الثالث من ضحى الإسلام.
الفصل السابع

أدب المعتزلة

وقد خلّف المعتزلة للعالم العربي أدبًا كثيرًا، ونستعمل هنا كلمة أدب بالمعني الواسع، فتفاسير للقرآن، وتحاليل للأحداث التاريخية، وملء
الهواء بالمناظرات التي لا حدّ لها، كالمناظرات في خلق القرآن إلى دراسات للحيوان لدلالته على قدرة الله، إلى شعر ومراسلات،
إلى إثارات للعقول، ويكفيهم فخرًا في الأدب صحيفة بشر بن المعتمر في البلاغة، وما ألَّفه الجاحظ في موضوعات كثيرة لم يكن يستطيع أن يؤلف
فيها لولا الاعتزال، إلى أدب البويهيين، والصاحب بن عباد، وابن العميد، ومن كان في بلاطهما من الأدباء، إلى مناقشات
القاضي عبد الجبار إلى أدب الزمخشري. ولكن مع الأسف أنه لما دالت دولة المعتزلة، وكُرِهوا من عامة العلماء اختفت أيضًا كتبهم إلا القليل،
وأصبح الناس يتقربون إلى الله بإحراقها، بل إنا نعدُّ من أدب المعتزلة ما قيل في هجائهم وسبِّهم؛ إذ لو لم يدعوا دعواتهم
ما هجوا، ومن أمثلة ذلك: ما كتبه فيهم بديع الزمان الهمذاني في إحدى مقاماته، واسمها «المقامة المارستانية».

وسماها المارستانية؛ لأنه تصوّر رجلًا مجنونًا في مستشفى المجاذيب دخل عليه رجلان: عيسي بن هشام، ومعتزلي اسمه أبو داود العسكري، فأخذ هذا
المجنون يشتم المعتزلي، ويهجوه، ويسفه آراءه، فمثلًا يقول له: «إن الخيرة لله لا لعبده»، وذلك خلاف ما يقوله المعتزلة
من أن العبد مختار مطلق في أفعاله، وليس لإرادة الله دخل فيها. ويقول له: إنكم يا معتزلة
?
تقولون: «خالق الظلم ظالم، أفلا تقولون: خالق الهلك هالك؟»؛ ذلك لأن المعتزلة يقولون: إن الله لو كان خالقًا لأفعال العبد، وفي الناس من
يقع منهم الظلم، لكان الله خالقًا للظلم، ولو كان خالقًا للظلم كان ظالمًا؛ فرد عليهم بقوله: إن الله خالق فناء العالم،
وفناء الأفراد، فعلى قياسكم يكون خالق الإفناء فانيًا، تعالى الله عن ذلك.
ويقول: «إنَّ إبليس خير منكم؛ إذْ يقول: رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي، فأقرَّ بالإغواء، وأنكرتم، وآمن وكفرتم …»، وتقولون:
«إن العبد يختار أفعال نفسه، والمختار لا يبعج بطنه، ولا يفقأ عينه، ولا يرمي من حالق ابنه»، أي إنه إذا كان مختارًا ما صدرت
عنه هذه الأفعال، ثم قال: «فليحزنكم أن القرآن بغيضكم، وأن الحديث يغيظكم، وإذا سمعتم: مَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَا
هَادِيَ لَهُ (الأعراف: ???)، وإذا سمعتم: زُويت
?
لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها، جحدتم»؛ وذلك لأن أكثر المعتزلة ينكرون الإسراء والمعراج إلا بالروح. ثم إذا قيل: عرضت عليّ الجنة حتى
هممت أن أقطف ثمارها، وعرضت عليّ النار حتى اتقيت حرّها بيدي، أنغضتم رءوسكم، ولويتم أعناقكم. وإن قيل: عذاب القبر،
تطيرتم. وإن قيل: الصراط، تفاخرتم؛ وذلك لأن أكثر المعتزلة ينكرون وجود الجنة والنار اليوم، كما ينكرون عذاب القبر بآلام حسية، وإنما هي
— كما يقولون — بآلام نفسية، كما ينكرون عذاب الصراط بالمعنى المادي، ويقولون: «إنه عبارة عن طريق الحق»، ثم يسبّهم
«بأنهم خبث الحديث»؛ لأنهم اعتزلوا حديث الناس لما سمعوا حديث الحسن البصري، فسماهم من أجل ذلك خبث الحديث، كما سبّهم بأنهم «مخانيث
الخوارج»، والمخانيث: جمع مخناث، كالمخنث؛ وذلك لأنهم اتفقوا مع الخوارج في تفسيق بعض الناس الذين حكّموا أبا موسى الأشعري،
ولم يكن من رأيهم التحكيم، ولكن الخوارج كان من رأيهم قتال من حكموا بتضليله، وأما المعتزلة فلا يرون القتال، فالمعتزلة
بالنسبة للخوارج كالمخانيث من الرجال … إلخ.

والذي يظهر أن بديع الزمان حكى لنا صورة من أقوال الناس في عصره ضد المعتزلة لما زالت دولتهم؛ فكان خصومهم يقولون عليهم مثل ما حكى بديع
الزمان، وأن بديع الزمان أديب فقط، لا هو فيلسوف، ولا متكلم، وذلك شأن بعض أدبائنا اليوم كحافظ، وشوقي، يتلقفون الآراء
من العلماء الدارسين، ويصرفونها في شكل شعري جميل، وربما كان بديع الزمان ماكرًا مخادعًا؛ إذ سمى المقامة مارستانية، وجعل سبهم على لسان
مجنون، كأن المعتزلة لا يسبهم إلا مجنون.

وكان من ضمن أدباء المعتزلة قوم من أحرار النحويين دعوا إلى القياس في اللغة، ومن أعلامهم أبو علي الفارسي، وتلميذه ابن جني، وكلاهما معتزلي؛
فكان يقول أبو علي: «ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب، فإذا عربت العرب لفظة أعجمية أجريت عليها أحكام الإعراب،
وعددتها من كلام العرب، وأجزت الاشتقاق منها، كما عرب العرب لفظة الدرهم، واشتقوا منه دُرْهمت الخُبَّازي صار وزنها كالدراهم، وقالوا: رجل
مُدَرْهِم، أي كثرت دراهمه.»

وكان يقول: «لو شاء شاعر أو ساجع أن يبني بإلحاق لام الكلمة اسمًا أو فعلًا لجاز له، ولكان ذلك من كلام العرب، وذلك نحو قولك: خرجج أكرم
من ذخلل، وضربب زيد عمرًا، ومررت برجل ضربب، ونحو ذلك. فقال له تلميذه ابن جني: أفترتجل اللغة ارتجالًا؟ قال: ليس بارتجال،
ولكنه مقيس على كلامهم؛ فهو إذن من كلامهم … ألا ترى أنك تقول: طاي الخشكنان من كلام العرب، وإن لم تكن العرب تكلمت به هكذا.»

وأما ابن جني، فقد نحا في كتابه الخصائص منحى جديدًا طريفًا يدل على تذوقه اللغة، وتوسعه فيها، رأى الفقهاء وضعوا للفقه أصولًا، والمتكلمين
وضعوا لعلم الكلام أصولًا، فأراد أن يضع للغة أصولًا، وكان له فضل فيما سماه «الاشتقاق الكبير»، ويعني به أصول الكلمة،
وتقليبها على وجوهها المختلفة، واستخراج التباديل، والتوافيق منها، كأن تأخذ كلمة «كلم»، وتحولها إلى ملك، ومكل، ولكم، وكمل، ولمك، وتمعن
النظر فيها لتنظر هل هذه الحروف إذا جمعت كلها دلت على شيء واحد، وترى أن هذه الحروف إذا جمعت دلت على القوة. ومما
يؤسف له أن مدرسة القياس هذه لم تستمر في سيرها؛ فقد نكبت عندما نكبت المعتزلة.

كان المعتزلي يتباهى باعتزاله، ويفتخر به، قال صاحب الحور العين: «إن المعتزلة ينظرون إلى جميع المذاهب كما تنظر ملائكة السماء إلى أهل
الأرض مثلًا، ولهم من التصانيف الموضوعات، والكتب المؤلفات في دقائق التوحيد والعدل، والتنزيه لله — عز وجل — ما لا
يقوم به سواهم، ولا يوجد لغيرهم، ولا يحيط به علمًا لكثرته إلا الله، عز وجل. وكل متكلم بعدهم يغترف من بحارهم، ويمشي على آثارهم، ولهم
في معرفة المقالات والمذاهب المبدعات تحصيل عظيم، وحفظ عجيب، وغرض بعيد لا يقدر عليه غيرهم، ينقدون المذاهب كما ينقد
الصيارف الدنانير والدراهم.»
?

وقد أخذ مصباح المعتزلة يخبو شيئًا فشيئًا إلى أن انطفأ، وأصبح القول بالاعتزال سرًّا بعد أن كان جهرًا؛ ولذلك أسباب سنذكرها عند الكلام
على الأشعري، إن شاء الله.

هوامش
(?)
في الأصل: وأنتم يا مجوس هذه الأمة … إلخ، يريد بمجوس هذه الأمة المعتزلة.
(?)
حديث الرسول: «وزويت لي الأرض»: أي جمعت.
(?)
الحور العين، تأليف الأمير أبي سعيد نشوان بن سعيد بن نشوان اليمني الحميري، والرسالة مطبوعة في مصر ????، ص???.
أهل السنة
الفصل الأول

الأشاعرة

عرف هذا الاسم منذ أن جاء أبو الحسن الأشعري البصري، والأشعري هذا ربيب المعتزلة؛ فقد تربى عليهم، وأخذ الكلام منهم، وقد روى السبكي في
طبقات الشافعية: «أنه قام على الاعتزال أربعين سنة، حتى صار للمعتزلة إمامًا.» وقال الحسين بن محمد العسكري: «كان الأشعري
تلميذًا للجبائي، وكان صاحب نظر، وذا إقدام على الخصوم، وكان الجبائي صاحب تصنيف وقلم، إلا أنه لم يكن قويًّا في المناظرة، فكان إذا عرضت
مناظرة قال للأشعري: نب عني.»

فنحن إذا أنصفنا قلنا: إن مذهبه هو مذهب المعتزلة معدلًا في بعض مسائله، ولكنه استطاع أن يحول كثيرًا من الناس من الاعتزال إلى مذهبه الجديد،
ونجح في ذلك إلى حد كبير.

علمنا أنه نشأ معتزليًّا، ولكنه تحول. قال بعضهم: إنه رأى رؤيا جعلته يعدل عن الاعتزال، وهذا لا يقنع. وقالوا: إنه اعتكف في بيته طويلًا،
ثم أعلن عدوله عن الاعتزال. وإن صح ذلك فمعناه: أنه ظلّ يفكر طويلًا في أصول الاعتزال، فلما لم يرضه بعضها عدل عن الاعتزال،
يضاف إلى ذلك أنه ناظر أستاذه أبا علي الجبائي في بعض المسائل، وقالوا: إنه انتصر عليه — كما سنذكر — فكان ذلك من الأسباب التي دعته إلى
ترك الاعتزال. وفي نظري أنه انتصر على المعتزلة لأسباب:
list of 5 items
(?) أن الناس كانوا قد ملوا كثرة المناظرات، والمماحكات، والمحن التي شهدوها، أو سمعوا بها في محنة خلق القرآن، فكرهوا هذه
الطائفة التي سببت لهم كل هذه المشاكل، وأخذ كثير منهم بأزْر من يجابههم.

(?) أن أبا الحسن — على ما يظهر من ترجمته — كان جدلًا قوي الحجّة، فلفت الأنظار إليه، وكان أيضًا معروفًا بالصلاح والتقوى،
وحسن المظهر، مما جذب نفوس الناس إليه، ووجدوا فيه الشخص الذي يلقون حملهم عليه إذا عدلوا
عن الاعتزال.

(?) أن السلطات الحكومية من عهد المتوكل قد تخلت عن نصرة المعتزلة، وأغلب الناس يمالئون الحكومة أينما كانت، ويخافون أن يعتنقوا
مذهبًا لا ترضاه، فهربوا من الاعتزال إلى من يهاجم الاعتزال.

(?) رزق أبو الحسن الأشعري بأتباع أقوياء، أخذوا مذهبه، ودعوا إليه، ودعموه بالأدلة والبراهين، أمثال: إمام الحرمين، والإسفراييني،
والباقلاني؛ فكان كل عالم من هؤلاء العلماء لمنزلته العظيمة يرغب الناس في الدخول في مذهب
الأشعري، ويبعدهم عن الاعتزال.

(?) سقطت الدولة البويهية الشيعية، وجاء عقبها الدولة السلجوقية التركية السنية، وكانت دولة قوية تنصر السنية بالعقلية التركية،
ورزق ملكها ألب أرسلان بالوزير العظيم «نظام الملك»، وكان في الدولة السلجوقية يشبه ابن العميد،
وابن عباد في الدولة البويهية، هذان ينصران التشيع والاعتزال، وهذا ينصر السنية، وقد كان نظام الملك هذا مثقفًا ثقافة
واسعة، عالمًا، سياسيًّا، حكيمًا، حتى إنه طلب إلى رجال عصره أن يؤلف كل منهم كتابًا يشرح فيه كيف
يتصور أن تكون الحكومة العادلة؛ فألف هو كتاب «سياسة نامة»، وألف في هذا الموضوع الرحالة المشهور «ناصر خسرو»،
كما ألّف في ذلك «عمر الخيام».
list end

ومن جليل أعماله أنه أنشأ مدارس كثيرة من أشهرها المدرسة النظامية، ومدرسة في نيسابور، ومدرسة في هراة، إلى مدارس أخرى، وحشر في هذه المدارس
العلماء العظام أمثال أبي حامد الغزالي يدرسون على مذهب أهل السنة؛ فانتشر مذهبهم في كل الأنحاء، وكانت النتيجة الطبيعية
لهذا أن يخمد التشيع والاعتزال.

ومع هذا فلم يخل الأشعري في أول أمره من ساخطين عليه، مهاجمين له حتى لم يتورع بعضهم من أن يسلقه بألسنة حداد، وقد تجمع ضدّه المعتزلة لما
خرج عليهم، فألفوا الكتب ضده، وفنّدوا مذهبه، كذلك فعل الذين خالفوه في بعض آرائه، مثل ابن حزم الأندلسي، فلم يتورع
أن يقول فيه أقذع الأقوال، وممن لم يكن يؤمن به — على ما يظهر — الإمام المذهبي.

اعتكف الأشعري في بيته ?? يومًا يفكر في كل ما تعلم عن المعتزلة. قالوا: «ثم خرج إلى الجامع، وصعد المنبر، وقال: معاشر الناس، إنما تغيبت
عنكم هذه المدة لأني نظرت، فتكافأت عندي الأدلة، ولم يترجّح عندي شيء على شيء، فاستهديت الله فهداني إلى اعتقاد ما
أودعته في كتبي هذه، وانخلعت من جميع ما كنت أعتقده، كما انخلعت من ثوبي هذا، وانخلع من ثوب كان عليه، ورمى به.»

وأول ما بلغنا من شكه وخروجه أنه ناظر أستاذه الجبائي، فقال الأشعري له: ما قولك في ثلاثة: مؤمن، وكافر، وصبي؟ فقال الجبائي: المؤمن من
أهل الدرجات، والكافر من أهل الهلكات والصبي من أهل النجاة. فقال الأشعري: فإن أراد الصبي أن يرقى إلى أهل الدرجات
هل يمكن؟ قال الجبائي: لا، يقال له: إنما المؤمن إنما نال هذه الدرجة بالطاعة، وليس لك مثلها، قال الأشعري: فإن قال: التقصير ليس مني، فلو
أحييتني كنت عملت من الطاعات كعمل المؤمن، قال الجبائي: يقول له الله: كنت أعلم أنك لو بقيت لعصيت ولعوقبت، فراعيت
مصلحتك، وأمتك قبل أن تنتهي إلى سن التكليف … قال الأشعري: فلو قال الكافر: يا رب علمت حاله كما علمت حالي، فهلا راعيت مصلحتي مثله؟ فانقطع
الجبائي.» وهذه المناظرة مبنية على قول المعتزلة: إن الله تعالى يجب عليه مراعاة الأصلح للعبد، فناقشه الأشعري في هذا
المبدأ.

ورووا مناظرة أخرى له، خلاصتها: أن رجلًا سأل الجبائي: هل يجوز أن يسمى الله عاقلًا؟ فقال الجبائي: لا؛ لأن العقل مشتق من العقال، والعقال
بمعنى المانع، والمنع في حق الله محال. فقال الأشعري للجبائي: فعلى قياسك لا يسمّى الله تعالى حكيمًا؛ لأن هذا الاسم
مشتق من حكمة اللجام، وهي الحديدة المانعة للدابة عن الخروج، ويشهد لذلك قول حسان:

فنحكم بالقوافي من هَجَانا
ونضرب حين تختلط الدماءُ

بمعنى نمنع بالقوافي من هجانا.

وقال آخر:

أبني حنيفة حكّموا سفهاءكم
إني أخاف عليكمُ أن أغضبا

أي امنعوا سفهاءكم، فإذا كان اللفظ مشتقًّا من المنع، والمنع على الله محال، لزمك أن تمنع إطلاق «حكيمًا» عليه تعالى، فلم يجد الجبائي جوابًا،
وسأل الأشعري: ما تقول أنت؟ قال: أجيز حكيمًا، ولا أجيز عاقلًا … لأن طريقي في مأخذ أسماء الله السماع الشرعي، لا القياس
اللغوي، فأطلقت حكيمًا، لأن الشرع أطلقه، ومنعت عاقلًا، لأن الشرع منعه، ولو أطلقه الشرع لأطلقته، وهكذا سار الجدل بينهما حتى انفصل عنه
الأشعري، وعن الاعتزال.

(?) انتصار الأشاعرة

لم تسر الأمور بعد ذلك سيرًا هادئًا بسبب ما تمكن في الناس من الاعتزال، فكنا نرى مناظرات بين العلماء، وحيرةً واضطرابًا بين الناس،
فمثلًا: يروون أنه «اجتمع أبو إسحاق الإسفراييني الأشعري، والقاضي عبد الجبار المعتزلي، فقال عبد الجبار في
ابتداء جلوسه للمناظرة: سبحان من تنزّه عن الفحشاء، فقال الإسفراييني: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء. فقال عبد الجبار: فيشاء
ربنا أن يعصى؟ فقال الإسفراييني: أيعصى ربنا قهرًا؟ فقال عبد الجبار: أفرأيت أن منعني الهدى، وقضى عليّ بالردى،
أحسن إليَّ أم أساء؟ فقال الإسفراييني: إنْ كان منعك ما هو لك فقد أساء، وإن منعك ما هو له، فيختص برحمته من يشاء. فانقطع عبد
الجبار … وهذه المناظرة مبنية على أن المعتزلة تقول: إنَّ الله لم يرد الكفر من الكافر، بل تركه يفعل ما يشاء باختياره.
والأشعري ومَنْ تبعه يقولون: إن الله خالق أفعال العباد.

وأحيانًا تشتد الخصومة، كالذي روى أن السلطان السلجوقي طغرل بك كان له وزير اسمه الكندري، وكان شيعيًّا معتزليًّا متعصبًا للتشيع، وكان
يعقد في داره مجالس للمناظرة، كما كانت دور غيره أيضًا مكانًا للمناظرة، فأوعز للسلطان طغرل بك بلعن المبتدعة
على المنابر، ودس عنده أن الأشعرية من ضمن المبتدعة، واتخذ ذلك ذريعة إلى إهانة أتباع أبي الحسن، ومنعهم من الوعظ والتدريس، وعزلهم
من خطبة الجامع، واستعان بالحنفية على الشافعية، وأكثر الشافعية أشعرية، حتى حكى بعضهم أن اضطهاد الأشاعرة
في هذه الحادثة يشبه اضطهاد الأمويين للعلويين. وفي هذه الفتنة أمر طغرل بك بسبب هذه الدسائس أن يقبض على كثير من كبراء الأشعرية كإمام
الحرمين، وأبي القاسم القشيري، وأبي سهل بن الموفّق. ولما قرئ الكاتب بنفيهم تحرشت بهم العامة والأوباش، وقد
حبس بعضهم، وهرب بعضهم. وكان ممن هرب إمام الحرمين، فقد هرب إلى الحجاز، ولم تخمد هذه الفتنة إلا بتغير الأحوال؛ فقد قتل
الكندري وخلف ألب أرسلان طغرل بك.

ومما يدل على هلع الناس وفزعهم ما نرى في هذا العصر من استفتاءات من الناس للعلماء الذين يثقون بهم، وعقد المجامع لإصدار الفتاوى، مثل
الفتوى التي صدرت من القشيري يشكو مما أصاب أهل السنة، ويحكي ما نالهم من المحنة. والفتوى التي صدرت من الحافظ
البيهقي … ونحن نسوق مثلًا نص سؤال للعلماء، وجواب عليه مما يدل على الحيرة.. فمثلًا: استفتى بعض أهل بغداد بعض العلماء فقالوا: ما
قول السادة الأئمة الأجلة في قوم اجتمعوا على لعن فرقة الأشعري وتكفيرهم، ما الذي يجب عليهم؟ فأجاب قاضي القضاة
أبو عبد الله الدامغاني الحنفي بقوله: «إنه قد ابتدع وارتكب ما لا يجوز، وعلى الناظر في الأمور — أعز الله أنصاره — الإكثار عليه،
وتأديبه بما يرتدع به هو وأمثاله عن ارتكاب مثله.» ووقع على الكتاب الدامغاني هذا. وبعد ذلك كتب أبو إسحاق الشيرازي
فتوى أخرى يقول فيها: الأشعرية أعيان أهل السنة، ونصّار الشيعة انتصبوا للرد على المبتدعة من القدرية والرافضة وغيرهم،
فمن طعن فيهم فقد طعن على أهل السنة، وإذا رفع أمر من يفعل ذلك إلى الناظر في أمر المسلمين وجب عليه تأديبه بما يرتدع به
كل أحد، ومثل هذا كان كثيرًا.

ومن الفتاوى فتوى القشيري يقول فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم، اتفق أصحاب الحديث أن أبا الحسن الأشعري كان إمامًا من أئمة أصحاب الحديث،
ومذهبة مذهب أصحاب الحديث، تكلم في أصول الديانات على طريقة أهل السنة، ورد على المخالفين من أهل الزيغ والبدع،
وكان على المعتزلة والروافض والمبتدعين من أهل القبلة، والخارجين عن الملة سيفًا مسلولًا، ومَنْ طعن فيه، أو قدح، أو لعنه، أو سبّه
فقد بسط لسان السوء في جميع أهل السنة»، بذلنا خطوطنا طائعين بذلك في هذا الدرج في ذي القعدة سنة ست وثلاثين
وأربعمائة، كتبه عبد الكريم ابن هواز القشيري، ووقّع على هذا الكتاب أيضًا تحته الخبازي، وكتب الجويني وغيرهما.
?
وكتب عبد الجبار الإسفراييني مثل هذا بالفارسية كتابًا هذا تفسيره: «إن أبا الحسن الأشعري كان إمامًا، ولما أنزل الله — عز وجل — قوله:
يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ (المائدة: ??) أشار المصطفى إلى أبي موسى الأشعري».
?

ومن هذا القبيل أيضًا ما حصل من التآليف في ذلك العصر وبعده، فقد ألّفت الرسائل في الطعن في أبي الحسن الأشعري، كما ألفت الكتب والرسائل
في الدفاع عنه، فمن ألف في الدفاع عنه ابن عساكر الإمام الكبير، فقد ألف كتابًا سماه «تبيين كذب المفتري فيما
نسب إلى الأمام أبي الحسن الأشعري»، وكل هذا يدل على حركة واسعة النطاق كانت بين خصوم أبي الحسن الأشعري ومؤيديه.

وكما قلنا من قبل: إن أبا الحسن الأشعري قد رزق أتباعًا كثيرين من العلماء الأقوياء من شافعية، ومالكية، وحنفية، وحنبلية. فمن الآخذين
عنه: أبو إسحاق الإسفراييني، والشيخ أبو بكر القفال، والحافظ الجرجاني، والشيخ أبو محمد الطبري العراقي، وأكثرهم
جالسه، وأخذ عنه شفاهًا، ثم جاءت بعد هؤلاء طبقة ثانية من الصعلوكي والداراني، وأبو بكر الباقلاني، وأبو بكر بن فورك.

ومن الطبقة الثالثة: أبو الحسن السكري، وأبو منصور النيسابوري، وأبو منصور البغدادي، والحافظ الهروي، وغيرهم … ومن الرابعة: الخطيب
البغدادي، وأبو القاسم القشيري، وإمام الحرمين. ومن الخامسة: الغزالي، وفخر الإسلام الشاشي، وأبو نصر القشيري،
وابن عساكر، والسمعاني، وأبو طاهر السلفي. ومن السادسة: فخر الدين الرازي، وسيف الدين الآمدي، وعز الدين بن عبد السلام، وابن الحاجب
المالكي، إلى كثير غيرهم … وكل هؤلاء تبايعوا على نصرة مذهبه، مع علو مكانتهم، وسعة نفوذهم، مما آل أخيرًا
إلى انتشار المذهب، وخفوت خصومه.

(?) المسائل الأساسية في مذهبه، والتي خالف فيها المعتزلة
(?-?) الخلاف على الصفات

كل المسلمين يقولون بالتوحيد، بل إنّ عنوان دين الإسلام هو «لا إله إلا الله»، ولكن المعتزلة فلسفوا هذا التوحيد، وبحثوه بحثًا
كلاميًّا، وعمّقوه تعميقًا جدليًّا، فمثلًا قالوا: إن كثيرًا من الآيات والأحاديث تنسب إلى الله القدرة،
والإرادة، والعلم، والحياة، والكلام، فهل هذه الصفات عين ذاته، أو غير ذاته، أو لا عين ولا غير؟ وهي مسألة تَحَرّج العلماء قبلهم
عن الخوض فيها. فلما قالوا: هم بالتوحيد من جميع جهاته، فإنّ حقيقته تعالى أحدية من كل وجه، لا كثرة
فيها بوجه من الوجوه؛ إذ لو كانت هذه الصفات غير ذاته، لكانت مركبةً، ولو كانت مركبة لاحتاج كل جزء
إلى الأجزاء الأخرى. وأيضًا لو كان هناك صفات غير الذات لكانت قديمة قدم الذات، ولتعددت القدماء، وليس قديمًا إلا أن يكون إلهًا،
فلو كان هناك صفات قديمة لتعددت الآلهة، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا. فقالوا: إنه تعالى حيّ عالم
قدير، مريد بذاته، لا بِعِلْم وقدرة وحياة زائدة على ذلك، إذ لو كان عالمًا بعلم زائد، ومتصفًا بهذه الصفات كلها؛
لأنها زائدة على ذاته — كما هو الحال في الإنسان — لكان هناك صفة وموصوف، وحامل ومحمول، وهذه صفة الجسمية، والله
تعالى منزه عن الجسمية، فكان زعيمهم أبو الهذيل العلاف يقول: «إنه عالم بعلم هو هو، وقادر بقدرة هي
هو، وحي بحياة هي هو، وإنما اختلف التعبير لغرض، فإذا قلت عالم، أثبتّ لله علمًا هو ذاته، ونفيت عن ذاته الجهل
إلخ.»

ويقول النظام مثلًا: إن صفات الله إنما هي صفات سلبية، لا تقتضي للذات شيئًا زائدًا عليها، فإذا قلت: إنه عالم أثبتَّ لله علمًا
هو ذاته، ونفيت عن ذاته الجهل، ودللت على أن هناك معلومات منكشفة لذاته، وإذا قلت قادر أثبت لله قدرة
هي ذاته، ونفيت عن ذاته العجز، ودللت على أن هناك مقدورًا له وهكذا. وقال بعض المعتزلة: إنَّ هذه صفات الغرض منها إفادة الناس معانيها،
فإذا قلنا عالم، فالغرض منه إفادة الناس علمًا بأنه لا يجهل، وكذلك بقية الصفات.

فلما جاء الأشعري كان من أهم ما خالف فيه المعتزلة قوله بإثبات هذه الصفات لله؛ فإثبات العلم والقدرة والإرادة له تدل على وجود
هذه الصفات متميزة؛ لأنه لا معنى لكلمة عالم إلا أنه ذو علم، ولا لقادر إلا أنه ذو قدرة، والدليل على
ذلك أننا إذا قلنا: إنه عالم قادر، فإما أن يكون المفهومان من الصفتين واحدًا أو مغايرًا، فإن كانا شيئًا واحدًا وجب أن
يعلم بقادريته، ويقدر بعالميته، وليس الأمر كذلك؛ فوجب أن يكون هناك صفة علم وقدرة مختلفين.

وقال أيضًا: إنَّ إسناد العلم والقدرة إليه تعالى، إما أن يرجع إلى اللفظ المجرد، وإما إلى تغير الصفات، والرجوع إلى اللفظ المجرد
باطل، لأن العقل يقضي باختلاف مفهومين معقولين، أعني أنه يقضي باختلاف مفهوم قادر عن مفهوم عالم، فتعين
أن تكون هناك صفتان قائمتان بنفسيهما غير ذاته؛ فألجأه ذلك إلى أن يقول: «إن الله تعالى عالمٌ بعلم، قادرٌ بقدرة، حيّ بحياة، مريد
بإرادة، متكلم بكلام، سميع بسمع، بصير ببصر، وهذا الصفات أزلية قديمة قائمة بذاته تعالى، لا هي هو
ولا هي غيره.» قال: «وعلمه يتعلق بجميع المعلومات، وقدرته تتعلق بجميع المقدورات، وإرادته تتعلق بجميع
ما يقبل الاختصاص.»

ومن هنا نشأ الخلاف في مسألة خلق القرآن، فالأشعري يقول: إن الألفاظ المنزلة على لسان الملائكة إلى الأنبياء دلالات على الكلام
الأزلي، والدلالة مخلوقة محدثة، والمدلول قديم أزلي، والمعتزلة لما لم يقولوا بصفة زائدة على الذات
قالوا: ليس هناك كلام إلا هذه الألفاظ المنزلة على لسان الملائكة وهي مخلوقة.

والناظر إلى هذا الخلاف يرى أنّ كلًّا من المعتزلة والأشعرية جاوزوا حدَّهم، ودخلوا في سفسطات لا طائل تحتها، وليس العقل البشري
بمستطيع شيئًا من ذلك. إننا لا نستطيع أن نقول بالنسبة لأنفسنا: إن كنا علمنا غير ذاتنا، وقدرتنا غير
ذاتنا، أو هي هي، فكيف نستطيع أن نقول ذلك في الله، إن عقولنا ضعيفة لا تصلح إلا لخدمتنا في الوصول إلى أغراضنا في الحياة الواقعية،
ومحاولة الوقوف على هذه الموضوعات ليست في متناول العقل البشري؛ إن العقل البشري لا يستطيع أن يدرك
حقيقة أي شيء إدراكًا تامًّا، وكل ما يستطيع أن يدركه هو بعض صفاته.

إننا لا نستطيع أن ندرك «ماذا»، ولكن قد نستطيع بعد الجهد أن ندرك «كيف»، فلا نستطيع أن ندرك كُنْه الكهرباء ما هي، ولا الجاذبية،
ولا المغناطيسية، ولا كُنْه الضوء ولا الحرارة، ولا كنه أي شيء من هذا القبيل، وكل الذي نستطيعه أن
ندرك كيف نستخدم الكهرباء، والمغناطيسية، والجاذبية، فكيف يشرئب المتكلمون إلى البحث في أنّ صفات الله هي عين ذاته، أو غير ذاته،
ثم يصلون فيها إلى قرار؟ هذا فوق عقل البشر، وفوق قدرتهم، ولعل الباحث في هذا شأنه شأن من يبحث عن
نجم دقيق في السماء، ثم يعثر في حجر أمامه، بل ذلك أدق.

إذن فالكلام في هذا الموضوع سواء من المعتزلة أو الأشعرية أو الشيعة سفسطة لا توصل إلى نتيجة، وأقوال بهلوانية ليس لها إلا أشكال
لفظية منطقية، ولا حقيقة وراءها. وما كان أغناهم كلهم عن ذلك، ولو فعلوا لوفروا زمانهم ومجهودهم، ولكنها
شراهة العقل. وكان المتقدمون من الصحابة والتابعين أصح نظرًا، وأصدق تصرفًا، إذْ امتنعوا أن يدخلوا هذا الباب الذي لا يوصّل،
وقالوا: إن الله تعالى ليس كمثله شيء، ولا يشبهه شيء، ورأينا أن الله يقول: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ
اسْتَوَى?(طه: ?)، وفي الحديث عن الله تعالى: خَلَقْتُ بِيَدَيَّ (ص: ??)، ونحو ذلك، فنؤمن بها ولا نؤولها، ونكل أمرها إلى
الله، أما الغلو، وأما التأويل فلسنا مكلفين بهما. وقال مالك بن أنس عند سؤاله عن الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ
اسْتَوَى? (طه: ?): الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. ومثل ذلك ما قال أحمد
بن حنبل، وسفيان الثوري.

(?-?) العدل

ثم قول المعتزلة بالعدل، أي عدل الله تعالى، وقد عدّوا هذا جزءًا مهمًّا من أصول المعتزلة؛ حتى كانوا يسمون أنفسهم أهل العدل والتوحيد
… وقد وضعوا لهذه الفكرة نظامًا شاملًا، فأولًا: قالوا: بأن في الأشياء حُسْنًا وقبحًا ذاتيين يستطيع
العقل معرفتهما، وهو مسئول عن ذلك قبل الرسالة وبعد الرسالة، ففي العدل والصدق والشجاعة أوصاف ذاتية يمكن العقل معرفتها. وثانيًا
إن الله خلق العالم وهو يسيّره إلى غاية؛ لأن أعمال الحكماء يقصد منها غايته، والله أحكم الحكماء.


وثالثًا: متى كان الله عدلًا، وهو يحاسب الناس على أعمالهم ويجازيهم، فلا بد أن يكون الإنسان حرّ التصرف في أن يكون مسئولًا عن
عمله؛ فأعمال العباد مخلوقة لهم، وفي قدرة العباد أن يفعلوها وأن يتركوها من غير دخل لإرادة الله،
ولولا ذلك ما كان التكليف، إذ لو لم يكن قادرًا على الفعل وعدمه، ما صحّ أن يقال له افعل ولا تفعل، ولا مدح بفعل ولا ذم بترك، ولا
كان للأنبياء معنى، وهي مسألة شائكة حيَّرت أهل الأديان من يهود ونصارى ومسلمين، كما حيرت الفلاسفة
من قبل.

ولما جاء الإسلام رأينا أنّ هذه المسائل تثار ثم تخمد، ولا يتوسع فيها؛ فيروى أن عمرو بن العاص، وهو في أول الإسلام قال مرة أمام
أبي موسي الأشعري: «أين أجد أحدًا أحاكم إليه ربي؟» فقال له أبو موسى: «أنا ذلك المتحاكم إليه.» قال
عمرو: «أو يُقَدّر عليّ شيئًا ثم يعذبني عليه؟ قال أبو موسى: نعم … قال عمرو: ولم؟ قال: لأنه لا يظلمك.»

وجاء المعتزلة ووسّعوا هذا البحث وفلسفوه، واتخذوا جانب الإرادة، ورأوا أن آيات القرآن بعضها يؤيدهم، وبعضها ضدهم، فساروا في آيات
التأييد على وجوهها، وأولو الآيات التي هي ضدّهم. فلما جاء دور أبي الحسن الأشعري طلع برأي جديد فقال:
إنّ الله هو خالق أفعال العباد، وهو مريد كل ما يصدر منهم من خير أو شر، فعلمه تعالى وإرادته وقدرته متعلقة بجميع أفعال العباد،
ولو قلتم: إن ذلك — إذا كان — تكليف بما لا يطاق، إذ لا يقدر العبد أن يخرج عما أريد منه، قال الأشعرية:
أن لا مانع من تكليف ما لا يطاق … وإذا كان العبد يحس بقدرته، فقدرته لا تأثير لها في خلق الأحداث، ولكن الله تعالى أجرى
سنته أن يخلق الشيء عند القدرة الحادثة من العبد، فإذا أراد العبد شيئًا، وعزم عليه، وتجرد له خلقه الله،
غير أن للعبد شيئًا يسمى «كسبًا»، وقد فسروا هذا الكسب بأنه: «الاقتران العاديّ بين قدرة العبد والفعل»، فالله
يخلق الفعل عند قدرة العبد وإرادته، لا بقدرة العبد وإرادته، وهذا الاقتران هو الكسب … وبعبارة أوضح: أن الكسب هو الشعور
بالاختيار، ولذلك كانت مسألة الكسب من أهم المسائل عند الأشعرية، وعليها يقع العقاب أو الثواب، وقد
ناقشه في ذلك ابن حزم فقال: خبرنا عن هذا الكسب، هل هو مخلوق للعبد أو هو مخلوق لله؟ فإنْ كان مخلوقًا للعبد فقد أثبت للعبد خلقًا،
وهو ما تنكره، وإن كان لله لم تفعل شيئًا. وهو كلام صحيح، ولذلك أكثر الأشعرية في هذا الكسب من غير
أن يصلوا إلى نتيجة واضحة، وجاء بعد الأشعري مَنْ عرض لهذا الأمر بتفسيرٍ آخر فقال: إن نفي القدرة عن العبد شيء يأباه العقل، فلا
بد إذن من نسبة فعل العبد إلى قدرته حقيقة على أنه محدث للعمل، وخالق له. والإنسان كما يحس من نفسه
القدرة يحس من نفسه أيضًا عدم الاستقلال، فالفعل يستند وجوده إلى قدرة العبد، والقدرة يستند وجودها إلى سبب آخر، وإذا احتاج
الأمر استند هذا السبب إلى سبب آخر حتى ينتهي إلى مسبب الأسباب وهو الله، وفي رأيي أن هذا رجوع إلى قول
المعتزلة بالتواء.

على كل حال، يميل الأشعرية إلى التوسط بين الجبر والاختيار، وأن الله يوجد القدرة والإرادة في العبد، وقدرة العبد وإرادته لهما
مدخل في فعله، فجميع المخلوقات من فعل الله، بعضها بلا واسطة، وبعضها بواسطة، وكون العبد يتوسط هو
موضوع المسئولية والمؤاخذة.

كما خالف الأشعرية في هذا الباب المعتزلة في أن الله تعالى يريد الكائنات كلها من خيرٍ وشر وإيمان وكفر، وقد دخلوا مع المعتزلة
في نقاشٍ طويل خصوصًا في مسألة الكفر من الكافر. قالت المعتزلة: إن الله لا يريد كفر الكافر، وإلا
لما أمره به، ولو كان الكفر مرادًا لوجب الرضا به، والله لا يرضى لعباده الكفر. وأجابت الأشعرية بأن الأمر ينفك عن الإرادة، كالأمر
الذي يصدره من يريد اختبار المأمور، والطاعة موافقة الأمر، وهو غير الإرادة، والرضا إذا نسب إلى الله
تعالى فمعناه الثواب، أو ترك الاعتراض عليه، إلخ …

وربما كان من أهم مسائل الخلاف بين المعتزلة والأشعرية اختلاف تصورهما لعدل الله، فالمعتزلة يقولون: إن الله كتب على نفسه العدل،
فلا بد أن يعمل العمل لحكمة، ولا بد أن يسير العمل لغاية، ولا بد أن يكون عادلًا مع المطيع والعاصي،
والمؤمن والكافر، فلا بد أن يكون العبد حرًّا في العمل يعمل إذا شاء، ويترك إذا شاء، ولا بد أن يثيب الله المطيع، ويعاقب العاصي.


أما الأشعرية فعمادهم أن الله لا يُسْأل عما يفعل، وإطاعة المطيع تَفَضُّل، وعقاب العاصي مقدر، وليس الله ملزمًا في عمله بغاية،
… إلخ.

وربما كانت نقطة الخطأ عند المعتزلة ومن تابعهم، تصورهم عدل الله كما يتصورون عدل الحاكم من البشر كخليفة أو سلطان، فطبقوا عدل
هؤلاء على عدل الله تعالى، وفاتهم أن العدل تختلف معانيه، حتى باختلاف الناس أنفسهم؛ فالعدل في نظر
الإنسان الراقي غير العدل في نظر الرجل البدائي، وقد كان أرسطو يرى الرق عدلًا، ونحن اليوم نراه ظلمًا صارخًا، فما بالنا نحاول
أن ندرك عدل الله وعقولنا لا تستطيع؟ إن نظرنا للعدل يتصل ببيئتنا، والعدل عند النظر إلى البيئة غير
العدل عند النظر إلى الدنيا كلها، والله تعالى يحكم العالم كله، وهو في عدله ينظر إلى العالم كله، وليست الأرض وسكانها إلا هنة
من هنات العالم؛ فنحن بالنسبة إلى الله ننظر كما تنظر النملة في محيطها الصغير، فكيف نحكم على عدل
الله، ونحن لا ندرك شؤون هذا الكون ومخلوقاته، فضلًا عن أننا لا ندرك منه عدل الله وسائر صفاته، فالغلطة هنا كالغلطة هناك
التي شرحناها عند الكلام على صفات الله.

(?-?) الوعد والوعيد

ومن أصول المعتزلة قولهم بالوعد والوعيد، فمن مات كافرًا أو مصرًّا على كبيرة من الكبائر، فهو مخلد في النار أبدًا، ومن مات مؤمنًا
دخل الجنة أبدًا، فخالف في ذلك الأشعري وأصحابه فلم يخلّدوا في النار إلا الكفار، والله قادر على أن
يغفر لمن يشاء، وتبع ذلك قول الأشعري بالشفاعة، وأساس فكرتهم أن الله مالك لخلقه، يفعل ما يشاء، ويحكم بما يريد، فلو أدخل
الخلائق بأجمعهم الجنة لم يكن حيفًا، ولو أدخلهم النار لم يكن جورًا ولا ظلمًا؛ إذ الظلم أو الجور هو التصرف
فيما لا يملكه المتصرف، أو وضع الشيء في غير موضعه، وهو المالك المطلق، فلا يتصور منه ظلم، ولا ينسب إليه
جور.

قال إمام الحرمين في كتاب «الإرشاد»: «إذا ثبت جواز الغفران، وقد شهدت له شواهد من الكتاب والسنة، فيترتب على ذلك تشفيع الشفعاء،
وحط أوزار المجرمين بشفاعتهم.

فمذهب أهل الحق أن الشفاعة حق، وقد أنكرها منكرو الغفران، ومَنْ جَوَّز الصفح والعفو بدءًا من الله تعالى، فلا يمنع الشفاعة …»


ويذهب الأشعري في كتابه «اللمع» في تفسير الوعد والوعيد مذهبًا آخر، ويفسر قوله تعالى: وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي
جَحِيمٍُ (الانفطار: ??)، وغير ذلك من الآيات، بأن الكلام قد يقع على الكل كما يقع على البعض، واللغة تجيز ذلك،
كما يقول القائل: جاءني جيراني، وإن لم يأت جميعهم.

(?-?) رؤية الله في الآخرة

قال المعتزلة بعدم رؤية الله في الآخرة لقوله تعالى: لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ (الأنعام: ???)، وخالفهم الأشعري فقال: إن الله
تعالى يُرى في الآخرة بدليل قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى? رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (القيامة:
??، ??).

قال المعتزلة: إنَّ الرؤية تتطلب أن يكون المرئي في جهة وفي مكان وصورة، واتصال شعاع، وكل ذلك مستحيل على الله.
وقالت الأشاعرة: إنَّ كل موجود يصح أن يُرى، والمصحح للرؤية هو موجود، والله تعالى موجود فيصح أن يُرى، ثم قيود الجهة
والمكان، واتصال الشعاع إنما هو شأن الرؤية في الدنيا، وما يدرينا كيف نكون في الآخرة، وعلى أي وضع
نتخيل رؤية الباري، وفي رأينا أن مذهب الأشاعرة في ذلك أصح.

وقد أجمع الأشاعرة على جواز رؤية الله في الآخرة، وجعلوا ذلك من جملة اعتقاد أهل السنة، قال الإسفراييني في «التبصير»: «وأن تعلم
أن القديم سبحانه يُرى وتجوز رؤيته بالأبصار؛ لأن ما لا تصح رؤيته لم يتقرر وجوده كالمعدوم، وكل ما
صح وجوده جازت رؤيته كسائر الموجودات، ودلائل هذه المسألة في كتاب الله كثيرة، منها قوله تعالى: تَحِيَّتُهُمْ
يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ (الأحزاب: ??)، واللقاء إذا أطلق في اللغة وقع على الرؤية، خصوصًا حيث لا يجوز فيه التلاقي
بالذوات، والتماس بينها، وقد ورد في تفسير الآية الخاصة بموسى: قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ? قَالَ لَن
تَرَانِي (الأعراف: ???) أنه لو لم تكن الرؤية جائزة لكان لا يتمناها مَنْ هو موصوف بالنبوة. وأيضًا فإنه سبحانه
قال في جوابه: لَن تَرَانِي، ولم يقل: لن أرى، وفيه دليل على أنه يصح أن يرى …

(?-?) خلق الأفعال

وكان من أهم المسائل التي خالف فيها الأشاعرة المعتزلة مسألة «خلق الأفعال»، فالمعتزلة قالوا: إن الإنسان يخلق أفعال نفسه، ولذلك
يُسْأل عنها، وتكون مثوبته وعقوبته عليها عدلًا، فجاء الأشعرية فقالوا: إن للعبد قدرة مؤثرة بإذن الله
تعالى، وإن له اختيارًا، ولكنه مجبور على اختياره، وقدرته ليست مؤثرة أصلًا، بل هي كاليد الشلاء، فنفوا الاختيار عن العبد،
وهذا هو الذي يتفق مع أن الله يخلق ما يشاء.

ومن أدق مسائل الاختلاف بين الأشاعرة والمعتزلة الآية التي علقت بالمشيئة مثل: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ
اللهُ (الإنسان: ??)، ومثل قوله: قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى? أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى?
آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ (الزخرف: ??) جعل الزمخشري هذه الآية دليلًا على أن الله لم يشأ الكفر
من الكافر، وكَفَّر أهل السنة القائلين بأن المقدورات كلها بمشيئة الله، ووجه ذلك أن الكفار لما ادعوا أنه تعالى شاء منهم الكفر
حيث قالوا: لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم ( الزخرف: ??) … إلخ، أي لو شاء — جل جلاله
— أن نترك عبادة الأصنام لتركناها، فرد الله عليهم، وأبطل اعتقادهم بقوله: مَّا لَهُم بِذَ?لِكَ مِنْ عِلْمٍ (الزخرف: ??)، فلزم
حقيقة خلافه، وهو عين ما ذهب إليه، ويلزمه كفر القائلين بأن قوله تعالى في صورة الزخرف: جَعَلُوا لَهُ مِنْ
عِبَادِهِ جُزْءًا (الزخرف: ??)؛ فيكون ما تضمنته كفرًا آخر، ويلزمه كفر القائلين بأن الكل بمشيئتة، وقال بعض الجبرية:
إن كفرهم بذلك لأنهم قالوه على سبيل الاستهزاء، ورده الزمخشري بأن السياق لا يدل على أنهم قالوا مستهزئين،
وحيث بطل أنهم قالوها على طريق الهزء وجب أن يكونوا جادين.

هذا إلى مسائل في الخلاف بين الأشعرية والمعتزلة لا نطيل بذكرها، كخلافهم في الشفاعة ينكرها المعتزلة، ويقرها أهل السنة، وكالصراط
والميزان والحوْض، يقول المعتزلة: إنها معان رمزية، ويقول أهل السنة: إنها حقائق واقعية … إلخ.

(?) الغزالي والرازي

جاء عالمان كبيران قويا مذهب الأشعري، وزادا في انتشاره، هما أبو حامد الغزالي، وفخر الدين الرازي، فقد كان لهما مقام كبير عند المسلمين،
وتأليفات كثيرة، استقبلت بالقبول.

(?-?) أبو حامد الغزالي

فأما أبو حامد الغزالي فقد كان أعجميًّا من طوس، جيد الأسلوب، متدفق التعبير، وإن كان يلحن أحيانًا، ولد بطوس سنة ???? من أبوين
فقيرين، وتكفل به وبالقليل من مال أبيه رجل صوفي أوصى إليه به أبوه، فعلمه شيئًا من التصوف، فلما فرغ
ماله التحق طالبًا ليصيب شيئًا من الرزق الذي كان يصرف للطلبة، وتعلّم الفقه حتى كان أفْقَه أقرانه، وإمام أهل زمانه، وكان
تلميذًا لإمام الحرمين يأخذ عنه قواعد العقائد، ولازمه مدة طويلة، فلما مات إمام الحرمين خرج الغزالي قاصدًا
نظام الملك الوزير السلجوقي، وكان له مجلس يحضره العلماء يتناظرون فيه، فظهر عليهم، وولاه نظام الملك التدريس في
مدرسته ببغداد، فذهب إليها سنة ???? واشتهر اسمه، وعظم جاهه، ثم كان يعتريه الشكّ هذه المدة فيما يعمله، ثم زهد في
منصبه وجاهه، وحجّ سنة ????، ورجع من الحج إلى دمشق، واعتكف بمنارة الجامع نحو عشر سنين يفكر ويقرأ ويكتب،
وأخيرًا زهد في العلوم وتصوّف.

على كل حال، كانت له نواحي ثقافات عديدة واسعة، تثقف في الفقه وأصول الفقه، وألف فيهما، وتثقف بالفلسفة، وقرأ كثيرًا من كتب ابن
سينا، ورسائل إخوان الصفاء، ثم قرأ التعاليم الباطنية، ورد عليها، وبكل ذلك تأثرت نفسه، فلما أخرج
كتاب «الإحياء» ظهرت فيه نزعات الفقه والتصوف والفلسفة مجتمعة، ممزوجة مزجًا غريبًا.

والذي يهمنا أنه كان شافعيًّا أشعريًّا، وقد وسّع مذهب الأشعري، وزاد فيه من ناحيتين: من ناحية موضوعاته،
ومن ناحية معالجته للبراهين معالجة فلسفية على نمط جدل المنطق اليوناني؛ فصبغ العقيدة الأشعرية بصبغتين: صبغة فلسفية، وصبغة
صوفية، وكان له أثر كبير في المسلمين حتى ليذهب بعض المستشرقين إلى أن الإسلام كما يتصوره كثير من
الناس هو الإسلام بالصبغة الغزالية، وقد كتب على منهج الأشعرية كتبًا ورسائل في العقيدة التي يجب أن يعتنقها أهل السنة منها رسالة
صغيرة تحوي أهم العقائد سماها «عقيدة أهل السنة»،
?
و«الرسالة القديمة»، نقتطف منها بعض المقتطفات:

الحمد لله المبدئ المعيد، الفعال لما يريد، ذي العرش المجيد، والبطش الشديد، وهو في ذاته واحد لا شريك له، فرد لا مثل له،
صمد لا ضدّ له، منفرد لا ند له، واحد قديم لا أول له، أزلي لا بداية له، مستمر الوجود
لا آخر له … ليس بجسم مصوّر، ولا بجوهر محدود مقدَّر، لا يماثل الأجسام لا في التقدير، ولا في قبول الأجسام، ليس
بجوهر، ولا تحله الجواهر، ولا بعرض، ولا تحله الأعراض … لا يحده المقدار، ولا تحويه الأقطار،
ولا تحيط به الجهات، ولا تكتنفه الأرضون، ولا السموات، وإنه مستوٍ على العرش على الوجه الذي قاله،
وبالمعنى الذي أراده، استواء منزهًا عن المحاسّة والاستقرار … وهو فوق العرش والسماء، وفوق كل شيء إلى
تخوم الثرى فوقيّة لا تزيده قربًا إلى العرش والسماء، كما تزيده بعدًا عن الأرض والثرى … قريب
من كل موجود، وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد، وهو على كل شيءٍ شهيد، إذ لا يماثل قربه قرب الأجسام، كما
لا تماثل ذاته ذات الأجسام … وأنه لا يحل في شيء، وأنه لا يحلّ فيه شيء — تعالى عن أن
يحويه مكان —كما تقدّس عن أن يحده زمان، بل كان قبل أن خلق الزمان والمكان وهو الآن على ما عليه كان … وهو تعالى حيّ
قادر، جبار قاهر، لا يعتريه قصور ولا عجز، ولا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يعارضه فناء
ولا موت … وهو المنفرد بالخلق والاختراع، المتوحد بالإيجاد والإبداع، خلق الخلق وأعمالهم، وقدّر أرزاقهم وآجالهم، لا يشذ
عن قبضته مقدور، ولا يعزب عن قدرته تصاريف الأمور … وهو عالم بجميع المعلومات، محيط
بما يجري من تخوم الأرضين إلى أعلى السموات، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، بل يعلم دبيب
النملة السوداء على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، ويدرك حركة الذر في جو الهواء، وهو تعالى
مريد للكائنات؛ مدبّر للحادثات، فلا يجري في الملك والملكوت قليل أو كثير، صغير أو كبير، خير أو شر،
نفع أو ضرّ، إيمان أو كفر، عرفان أو نكر، إلا بقضائه وقدره وحكمه، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، لا
يخرج عن مشيئته ناظر، ولا فلتة خاطر، ولو اجتمع الإنس والجن والملائكة والشياطين على أن يحركوا في
العالم ذرة، أو يسكنوها دون إرادته ومشيئته لعجزوا عن ذلك، وإرادته قائمة بذاته في جملة صفاته … وهو —
سبحانه وتعالى — لا موجود سواه إلا وهو حادث بفعل، وإنه حكيم في أفعاله، عادل في أقضيته لا يقاس
عدله بعدل العباد، إذ العبد يتصور منه الظلم بتصرفه في ملك غيره، ولا يتصور الظلم من الله، فإنه لا يصادف
لغيره مالكًا، حتى يكون تصرفه فيه ظلمًا … وهو متفضل بالخلق والاختراع والتكليف لا عن
وجوب، ومتطول بالإنعام والإصلاح لا عن لزوم، فله الفضل والإحسان، والنعمة والامتنان؛ إذ كان قادرًا على أن يصب على
عباده أنواع العذاب، ويبتليهم بضروب الآلام والأوصاب، ولو فعل ذلك لكان منه عدلًا،
ولم يكن منه قبيحًا ولا ظلمًا، وهو يثيب عباده المؤمنين على الطاعات بحكم الكرم والوعد لا بحكم الاستحقاق واللزوم له؛ إذ
لا يجب عليه لأحد فعل، ولا يتصور منه ظلم.

والله قد أرسل الرسل، وأرسل محمدًا ? خاتمًا للنبيين، ناسخًا لما قبله من شرائع اليهود والنصارى والصابئين، وأيده
بالمعجزات الظاهرة، والآيات الباهرة، كانشقاق القمر، وتسبيح الحصى، وإنطاق العجماء، وما
تفجر من بين أصابعه من الماء، ومن آياته الظاهرة القرآن العظيم الذي تحدى به العرب، فإنهم مع تميزهم في
الفصاحة والبلاغة لم يقدروا على معارضته، ثم يجب الإيمان بالسمعيات كالحشر والنشر، وقد ورد بها الشرع،
ومعناه الإعادة بعد الإفناء، وذلك مقدور لله تعالى كابتداء الإنشاء، وسؤال الملكين، وعذاب القبر
والميزان، والله يحدث في صحائف الأعمال وزنًا بحسب درجات الأعمال عند الله … والإيمان بالصراط، وهو جسر ممدود
على متن جهنم أدق من الشعرة، وأحد من السيف … والجنة والنار مخلوقتان … والإمام الحق
بعد رسول الله ? أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي رضي الله عنهم، ولم يكن لرسول الله نص على إمام أصلًا، فلم يكن أبو
بكر إمامًا إلا بالاختيار والبيعة … واعتقاد أهل السنة تزكية جميع الصحابة، والثناء
عليهم، كما أثنى الله ورسوله عليهم.

وما جرى بين معاوية وعلي كان مبنيًّا على الاجتهاد، لا منازعة من معاوية على الإمامة إذ ظن عليّ رضي الله عنه أن تسليم
قتلة عثمان مع كثرة عشائرهم واختلاطهم بالعسكر يؤدي إلى اضطراب أمر الإمامة في بدايتها،
فرأى التأخير أصوب، ورأى معاوية أن تأخير أمرهم مع عظيم جنايتهم يوجب الإغراء بالأئمة، ويعرض الدماء للسفك، وقد قال
العلماء: كل مجتهد مصيب … وإن فضل الصحابة على حسب ترتيبهم في الخلافة، إذ حقيقة الفضل
ما هو فضل عند الله عز وجل، وذلك لا يطلع عليه إلا رسول الله، وقد ورد في الثناء على جميعهم آيات وأخبار
كثيرة … إلخ إلخ.

ومن أراد الاتساع فليرجع إلى الرسالتين.

(?-?) فخر الدين الرازي

وأما الفخر الرازي، فهو محمد بن عمر التيمي البكري. وهو كذلك فارسي كالغزالي، وهو مثله أيضًا في قوة الحجة، وفصاحة اللسان، والقدرة
على البرهان، وكثرة التأليف في علم الكلام، وقد حارب كل المذاهب ما عدا مذهب أهل السنة. يضاف إلى ذلك
ما كان له من عظم الجاه، وسعة الثراء، يقال: إنه ملك من الذهب العين ثمانين ألف دينار، وغير ذلك من الأمتعة، والمراكب،
والأثاث.

ولد سنة ????، ودرس علوم الدين، والفلسفة، والفقه، وكانت له اليد الطولى في اللسانين العربي والفارسي، يعظ بهما على السواء، وتفسيره
القرآن الكريم، وكتبه المختلفة العربية تدل على سعة اطلاعه، سافر إلى خوارزم بعدما مهر في العلوم،
فرأى بها جماعات من المعتزلة ناظرهم فاضطهدوه حتى خرج عنهم.

ألف تصانيف كثيرة في التفسير وفي الكلام، وقد وسَّع كالغزالي مذهب الأشعري، ودافع عنه، وعلى الجملة كانا دعامتين من أكبر دعائم
الأشعري، وقد وردت إلينا بعض كتبه كالتفسير، وتأسيس التقديس، وغيرهما، وهي تدل على تدفق، وسعة نظر،
وقوة برهان.

ومع ذلك وصل هو والغزالي إلى نتيجة واحدة، وهي التقليل من قيمة علم الكلام، فقال الفخر الرازي في وصيته التي وضعها في آخر أيامه:
«ولقد اختبرت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية؛ فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في
القرآن؛ لأنه يسعى في تسليم العظمة، والجلال لله، ويمنع عن التعمق في إيراد المعارضات والمناقضات، وما ذاك إلا للعلم بأن العقول
البشرية تتلاشى في تلك المضايق العميقة، والمناهج الخفية.

فلهذا أقول: كل ما ثبت بالدلائل الظاهرة من وجوب وجوده، ووحدته، وبراءته عن الشركاء، فذلك هو الذي أقول به، وألقى الله به، وأمَّا
ما ينتهي الأمر فيه إلى الدقة والغموض، فكل ما ورد في القرآن، والصحاح المتعين للمعنى الواحد، فهو
كما قال، والذي لم يكن كذلك أقول يا إله العالمين، إني أرى الخلق مطبقين على أنك أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين،
?
وكذلك قال:
نهاية إقدام العقول عقالُ
وأكثر سَعْيِ العالمين ضلالُ
وأرواحنا في وحشةٍ من جسومنا
وحاصل دنيانا أذًى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا
سوى أنْ جَمَعْنَا فيه قيلَ وقالوا

وللغزالي موقف يشبه هذا الموقف في قيمة علم الكلام، نعرض له فيما بعد.

هوامش
(?)
انظر الكتاب والتوقيعات كاملة في كتاب تبيين كذب المفترى لابن عساكر. مطبعة التوفي، دمشق ????? — ص???–???.
(?)
وهم قوم أبي الحسن الأشعري إذ هم من نسله. ص??? المرجع السابق.
(?)
طبعتها مشيخة علماء الإسكندرية بناء على ما قرره مجلس إدارة الأزهر من تدريس هاتين الرسالتين للسنة الأولى والثانية لطلاب
العلوم الدينية في معاهدها الإسلامية.
(?)
يظهر أن في هذه العبارة غموضًا، والظاهر أن معناها: أن ما ورد في القرآن والأحاديث الصحيحة، وكان له معنى واحد اعتقد هذا
المعنى، وسار عليه، وأما ما غمض وخفي، وكان له أكثر من معنى تركه من غير تشقيق، وتأويل،
واكتفى بالحكم على الله بأنه أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين. وقيل: إنه رجع عن مذهب الكلام في آخر حياته إلى طريقة
السلف، وتسليم ما ورد على وجه المراد اللائق بجلال الله تعالى، ومما يذكر عنه قوله: من
لزم مذهب العجائز كان هو الفائز.
الفصل الثاني

الماتريدية

هناك فرع من فروع أهل السنة يوازي فرع الأشعري، وهو فرع الماتريدية، وتنسب الماتريدية إلى أبي منصور الماتريدي، وهو كذلك أعجمي من سمرقند.
ولئن كان الأشعري شافعيًّا، فقد كان الماتريدي حنفيًّا، ولذلك ربما كانت الخلافات القليلة بين الأشعري والماتريدي ترجع
إلى خلافات بين الشافعي، وأبي حنيفة في أصولهما؛ ولذلك كان أكثر أتباع الماتريدية حنفية، وأتباع الأشعري شافعية، وقد كان أبو منصور الماتريدي
مُعَاصرًا للأشعري، هذا في سمرقند، وذاك في البصرة، وكان عصرهما مليئًا بالحركات الدينية، فكان فيه مثلًا الحركات الصوفية،
ورجال التصوف الكبار أمثال أبي يزيد البسطامي المتوفى سنة ????، والجنيد، والحلاج، كما نشطت فيه حركات التشيع، وكانت
حركة الاعتزال في آخر أيامها، وكان لكل مذهب علماء يؤيدونه، ويأخذون بناصره، ظهر الأشعري في البصرة، ومات نحو سنة ????، وظهر الماتريدي
في سمرقند، ومات سنة ????، ولا نعلم الكثير من حياة الماتريدي، وإنْ كنا نعلم الكثير عن مذهبه.

لقد اتفق الماتريدي والأشعري على كثير من المسائل الأساسية التي يمكن استنتاجها مما لخصناه من عقيدة الغزالي، وقد ألفت كتب كثيرة، وملخصات
بعضها يشرح مذهب الماتريدي، كالعقائد النسفية لنجم الدين النسفي، وبعضها يشرح عقيدة الأشعري كالسنوسية والجوهرة، وقد
ألفت كتب في حصر المسائل التي اختلف فيها الماتريدي والأشعري، ربما أوصلها بعضهم إلى أربعين مسألة.

والناظر إليها يرى أنها ليست بذات خطر كبير، مثل: هل البقاء هو الوجود أو غيره؟ ومثل: هل الوجود زائد عن الذات أم عينها؟ وكاختلافهم في
تفسير صفة القدرة، والإرادة، والكلام، وفي تفسير لزوم الحكمة في أفعاله تعالى، وهل العفو عن الكافر يجوز، وهل الإيمان
بالله واجب بالعقل أم لا، وما حقيقة الإيمان، وهل الإيمان يزيد وينقص، وهل الإيمان والإسلام واحد أم لا؟ وهل السعادة والشقاوة تتبدلان على
الإنسان أم لا؟ إلى آخر هذه المسائل التي لا تعد من الأركان، ونسوق أمثلة على جدالهم في هذا: فمثلًا: اختلفوا في معنى
القضاء والقدر، فقال الماتريدية: إن القدر هو تحديد الله أزلًا كل شيء بحدّه الذي سيوجد به من نفعٍ، وما يحيط به من زمانٍ ومكان،
والقضاء الفعل عند التنفيذ. وقال الأشاعرة: إنَّ القضاء إرادة الله الأزلية المقتضية لنظام الموجودات على ترتيب خاص، والقدر
تعلق تلك الإرادة بالأشياء في أوقاتها المخصوصة، احتجّ الماتريدية بقوله تعالى: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ
تَقْدِيرًا (الفرقان: ?)، أي قدَّر كل شيء تقديرًا يوافق الحكمة فخلقه، وفي الحديث: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق
السموات والأرض.» أي عيّن وقدر مقاديرهم قبل خلقهم، ثم يخلق كل شيء، ويوجده في الوقت الذي قدر أن يخلقه فيه، وهذا هو القدر.

واحتج الأشاعرة بما روي في الصحيح من أن رجلين من مُزَينة قالا: يا رسول الله، أرأيت ما يعمل الناس ويكدحون فيه، أشيء قضي عليهم، وقضي فيهم
من قدر سبق، أم فيما يستقبلون؟ فقال: «لا، بل شيء قضي عليهم … إلخ.»

وأرى أنَّ الخلاف بينهم يشبه أن يكون لفظيًّا …

ومَثَلٌ آخر اختلافهم في الإيمان، يقول الماتريدية إنه تعالى لو لم يبعث للناس رسولًا لوجب عليهم بعقولهم معرفته تعالى، ومعرفة وحدانيته،
واتصافه بما يليق، وكونه مُحْدثًا للعالم، كما روي ذلك عن أبي حنيفة، وذهب مشايخ الأشاعرة إلى أنه لا يجب إيمان، ولا
يحرم كفر قبل البعث، احتج الماتريدية بقوله تعالى: أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (نوح: ?)؛ حيث تدل على أن حجة الإيمان
تلزم الخلق قبل أن يأتيهم النذير؛ لأنها لو كانت لا تلزمهم لكانوا في أمنٍ من نزول العذاب بهم قبل أن يأتيهم النذير، فلا
يخوفون بنزول العذاب بهم قبل أن ينذروا، فلما خوّفوا بنزول العذاب بهم قبل أن يأتيهم دلّ على أن الحجة لازمة عليهم، وأن الله تعالى
يعذبهم لتركهم التوحيد، وإن لم يرسل إليهم الرسل، واستدل الأشعرية على قولهم بقوله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى? نَبْعَثَ رَسُولًا
(الإسراء: ??)؛ حيث نفى العذاب مطلقًا قبل وصول الشرع. وقد أجابت الماتريدية بأن الآية محمولة على عذاب الاستئصال،
ونفي وقوعه قبل بعث الرسول لدلالة سياقها، وهو قوله تعالى: وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا (الإسراء:
??)، كما اختلفوا في هذا الموضوع نفسه في حقيقة الإيمان، فقال الماتريدية: الإيمان: الإقرار والتصديق، أي أنَّ الإقرار شطر منه،
وركن من أركانه. وقال الأشعري: إن النطق بالشهادتين من القادر شرط في الإيمان، ولكنه خارج عن ماهيته التي هي التصديق. واستدل
الماتريدية بأن الإيمان لغةً: التصديق، والتصديق كما يكون بالقلب يكون باللسان، فيكون كل من التصديق القلبي، والتصديق
اللساني ركنًا في مفهوم الإيمان. واستدل الأشعري على قوله بقول الله تعالى: أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ (المجادلة: ??)،
وقوله: وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ (النحل: ???)، فهذه الآيات تدل على أنَّ محل الإيمان هو القلب، فيدل
على أن الإيمان هو التصديق القلبي فقط.

واختلفوا في المتشابهات، وأساس اختلافهم قراءتهم لقوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ ? وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا (آل عمران: ?)، فالماتريدية يقفون عند قوله: وَمَا يَعْلَمُ
تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ (آل عمران: ?) أليق ببلاغة النظم؛ لأنه لما ذكر أنَّ من القرآن متشابهات جعل الناظرين فيه فريقين: الزائغين
عن الطريق، والراسخين في العلم. وجعل اتباع المتشابه حظ الزائغين بقوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ
مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ? وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ (آل عمران:
?)، وجعل في مقابل ذلك اعتقاد الحق مع العجز عن إدراك حظ الراسخين بقوله: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ
آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا (آل عمران: ?)، ولو عطف وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ على الله لكان قوله
تعالى: يَقُولُونَ كلامًا مبتدأ حذف مبتدؤه، أي يَقُولُونَ، والحذف خلاف الأصل.

ومثلًا: اختلفوا في أن الذكورة هل هي شرط النبوة أو لا، فقال الماتريدية: إن الذكورة شرط النبوة. وقال الأشعرية: إنها ليست شرطًا، بل صحت
نبوة النساء. استدل الماتريدية بقوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ
(النحل: ??)، فيدل هذا على أن الإرسال إنما كان للرجال، وذلك ينفي نبوّة المرأة، واحتج الأشاعرة بقوله تعالى: وَأَوْحَيْنَا إِلَى? أُمِّ
مُوسَى? (القصص: ?)؛ حيث دل على أنه وقع الإيحاء إليها، والإيحاء من خصائص الأنبياء. ورد الماتريدية بأن الوحي هنا
بمعناه الواسع وهو الإلهام، وذلك حتى كان ذلك إلى النحل، فقال تعالى: وَأَوْحَى? رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ (النحل: ??)، فمعنى آية أم موسى
أنه أوقع في قلبها عزيمة أن تلقيه في التابوت، ثم تقذف التابوت في اليم … إلى مثل هذه المسائل.

والذي يقارن بين العقائد النسفية، والرسائل المؤلفة على مذهب الأشعري يرى كثيرًا من هذا الخلاف، فارجع إليه إن شئت التفصيل.
?

ونحن لو دققنا النظر في الخلاف بين الأشعرية والماتريدية وجدنا لون الاعتزال أظهر في الأشعرية بحكم تتلمذ الأشعري للمعتزلة عهدًا طويلًا،
كالذي ذكرنا من قبل مثل إدراك الإيمان بالعقل، والمسئولية حتى قبل ورود الشرع.

وقد انتصر للمذهب الماتريدي كثير من علماء الحنفية مثل: فخر الإسلام البزدوي، والتفتازاني، والنسفي، وابن الهمام، إلى غيرهم، ولكنهم لم
يبلغوا — والحق يقال — مبلغ أتباع الأشعري؛ فرجح مذهب الأشعري، وزاد انتشاره، وكثر أتباعه.

هوامش
(?)
انظر أيضًا «نظم الفرائد وجمع الفوائد» لشيخ زاده … وانظر أيضًا «إشارات المرام من عبارات الإمام»، لكمال الدين البياضي الحنفي
— مطبعة مصطفى الحلبي ????.
الفصل الثالث

السنة تصبح مذهبًا رسميًّا

وقد سمّي الأشعري وأتباعه والماتريدي وأتباعه بأهل السنة، وقد استعملت كلمة «أهل» بدل النسبة، فقالوا: أهل السنة أي السنيين، وقد يسمون
أيضًا الأثرية نسبة إلى الأثر، وهو الحديث. وسمى المعتزلة أنفسهم أهل العدل والتوحيد، وسمي المبتدعة أهل الأهواء، وسمي
اليهود والنصارى أهل الكتاب، والقرآن الكريم سمى أصحاب الكهف أهل الكهف.

والسنة في أهل السنة تحتمل أحد معنيين؛ إما أن تكون السنة بمعنى الطريقة، أي أنَّ أهل السنة اتبعوا طريقة الصحابة والتابعين في تسليمهم
بالمتشابهات من غير خوض دقيق في معانيها، بل تركوا علمها إلى الله، وإما أن تكون السنة بمعنى الحديث، أي إنهم يؤمنون
بصحيح الحديث، ويقرونه من غير تحرّز كثير، وتأويل كثير كما يفعل المعتزلة.

واسم أهل السنة كان يطلق على جماعة من قبل الأشعري والماتريدي، وقد حُكي لنا أن جماعة كان يطلق عليها أهل السنة، وكانت تناهض المعتزلة قبل
الأشعري، ولما جاء الأشعري، وتعلم على المعتزلة اطلع أيضًا على مذهب أهل السنة، وتردد كثيرًا في أي الفريقين أصح، ثم
أعلن انضمامه إلى أهل السنة، وخروجه على المعتزلة.

كان للحكومات دخل كبير في نصرة مذهب أهل السنة، والحكومات عادة إذا كانت قوية، وأيدت مذهبًا من المذاهب تبعه الناس بالتقليد، وظل سائدًا
إلى أن تدول الدولة. نذكر من بين هذه الحكومات التي أيدت أهل السنة الأيوبية في مصر والشام، وعلى رأسها صلاح الدين،
ودولة الموحدين، وعلى رأسها محمد بن تومرت، والدولة الغزنوية.

أما الدولة الأيوبية، وعلى رأسها صلاح الدين فقد أطاحت بالدولة الفاطمية الشيعية، وكانت قد تغلغت بشيعيتها في كل الحياة الاجتماعية المصرية
والشامية، فيؤذّن على المآذن الأذان الشيعي من «حيّ على خير العمل»، ورجال الدولة يدعون بالمذهب الشيعي، وعلى رأسهم
داعي الدعاة، والأعياد، والمحافل تقام بالمراسيم الشيعية، والعلوم تدرس على مذهب الشيعة من تفسير وحديث وفقه، ومن وُجِد عنده موطأ مالك
عذّب، فجاء صلاح الدين يعاونه وزيره القاضي الفاضل، وأزال الدولة الفاطمية، وأحل محلها المذاهب السنية، وبنى المدارس
يدرّس فيها مذهب الشافعي ومالك، وأزال الخلافة الفاطمية، وخطب للخليفة العباسي في بغداد. ولتغلغل المذهب الفاطمي، وإلفِ الناس للدولة الفاطمية،
تردّد أن يخطب للخليفة العباسي، وأحجم كثير من الخطباء أن ينفذوا هذا الأمر لولا جرأة بعضهم على ذلك، فلم يحرك المصريون
ساكنًا فجرأ ذلك صلاح الدين على المضي في سبيله، بل إن صلاح الدين كتب منشورًا يحرم فيه الجدل حول خلق القرآن وكلام الله،
كالذي كان يثيره المعتزلة، وجاء في هذا المنشور: «خرج أمرنا إلى كل قائم في خفّ، أو قاعد في أمام أو خلف ألا يتكلم في الحرف بصوت،
ولا في الصوت بحرف؛
?
فمن يتكلم بعدها كان الجدير بالتكليم فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ
يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. وسأل النواب القبض على مخالفي هذا الخطاب، وبسط العذاب، ولا يسمع لمتفقه في ذلك تحيير جواب،
ولا يقال عن هذا الذنب تاب، وليعلم بقراءة هذا الأمر على المنابر، ليعلم به الحاضر والبادي، ويستوي فيه البادي والحاضر
وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (الأحزاب: ?)، والظاهر أنه من إنشاء القاضي الفاضل؛ لأنه بأسلوبه
أشبه.

وعلى الجملة فقد عادت مصر والشام فاصطبغا بالصبغة السنية بعد أن اصطبغا بالصبغة الشيعية، وخصوصًا في علمهما، وثقافاتهما، وتدينهما.

وأما دولة الموحدين في المغرب والأندلس، فقد كان رئيسها محمد بن تومرت قد رحل إلى المشرق، وحضر فيه دروس الدين، وتتلمذ على الإمام الغزالي،
فلما تملك وأنشأ دولة الموحدين حمل الناس على اتباع مذهب الأشاعرة، حسبما فسره له أستاذه الغزالي.
?

وقد كانت كتب الغزالي وأمثاله محرمةً في عهد المرابطين، حتى لقد أحرق كتاب «إحياء علوم الدين» للغزالي، فلما جاء الموحدون أعادوا له مجده.


أما الدولة الغزنوية، فكانت دولة تركية، وكان أعظم من ظهر فيها محمود الغزنوي بن سبكتكين، وكانت عاصمة البلاد غزنة في الهند، وقد غزا محمود
الهند نحو سبع عشرة غزوة أدت إلى الاستيلاء على البنجاب، وعاصمتها لاهور، وعلى ملتان، وعلى بعض السِّند، وامتد سلطانه
غربًا إلى العراق العجمي، وفيه الريّ، وأصفهان، وأخرج منه الشيعة البويهيين، واعترف محمود بالخليفة العباسي القادر كما فعل صلاح الدين،
وبذلك انتصر العنصر التركي على العنصر الإيراني، وإذا كان أكثر الفرس شيعة، فإن أكثر الترك سنية، وقد ازدهر العلم في
عهده على المذهب السني، ومن مشاهير علمائه العتبي المؤرخ، والعالم المشهور البيروني، والشاعر الفردوسي، وهم يحكون أن محمود الغزنوي كان
حنفيًّا، ثم انتقل إلى مذهب الشافعي على يد الفقيه الشافعي الكبير «القفّال».

ومن هذا يظهر أن الدولة الإسلامية كانت تتعاقب عقائدها بتعاقب حكوماتها، فإذا انتصرت الحكومة سياسيًّا، وكانت شيعية — أو بعبارة أخرى فارسية
— حملت الناس على التشيع كالدولة الفاطمية والبويهية، وإذا انتصر الأتراك أو الأكراد، وكانوا سنيين حملوا الناس على
اتباع مذاهبهم.

وأهل السنة من أشاعرة وماتريدية يقولون: إنهم لم يأتوا بشيء جديد، وإنما اتبعوا في مذاهبهم مذهب السلف، ومذهب السلف يعني مذهب الصحابة والتابعين،
وحقيقته أنها إذا وردت آية متشابهة أو حديث آمنوا به على عمومه وصدّقوه، وتركوا علمه إلى الله، ولم يخوضوا في تفسير
معناه، ولم يتصرفوا فيه بتأويل، ولا زيادة، ولا نقصان، فإذا سمع مثلًا نسبة اليد إلى الله والإصبع، وقوله: إن الله خمّر طينة آدم بيده،
«وإن قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن»، قال: إني أعلم أن الأصابع واليد تتركب من لحم وعظم وعصب، واللحم والعظم
والعصب جسم، وأنا أؤمن بأن الله ليس بجسم ولا عرض، فيد الله وأصابعه منزهة عن الجسمية، وأترك العلم بها وبمعانيها لله ولرسوله. وإذا سمع
حديث: «إني رأيت ربي في أحسن صورة» قال: إن الصورة يراد بها الهيئة الحاصلة في الأجسام، والله تعالى منزه عن ذلك، وإن
الصورة في حق الله لا تطلق على هذا المعنى الماديّ. وإذا سمع: «إن الله تعالى ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا» قال: إن النزول
في العادة يطلق على جسمٍ عال نزل من أعلى إلى أسفل، وهذا محال على الله، وإنما نترك تفسيره إلى الله ورسوله.

ومن أهل السنة كالأشاعرة — كما ذكرنا من قبل — مَنْ سمح لنفسه إذا كان عالمًا متخصصًا أن يؤول ذلك كله، فيفسر اليد بالقدرة، ويفسر بقية
الآيات على هذا النحو من التأويل، وقد روي عن بعض السلف مثل هذه التأويلات، وتوسع فيها المعتزلة إلى آخر حد.

على كل حال، امتلأ جو العالم الإسلامي بالكلام، فيما نسميه «علم الكلام»، وكثر الجدال، وكثرت المناظرات إلى حد غريب، وأثيرت الفتنة، وتدخلت
السياسة، واعتنقت الحكومات مذهبًا من المذاهب فنصرته، واعتنقت حكومات أخرى مذاهب أخرى فنصرتها، وتقاتلت السيوف كما
تقاتلت الألسنة، وانتهى الأمر بأن شك بعض العلماء في قيمة علم الكلام، فألف الغزالي مثلًا كتاب «إلجام العوام عن علم الكلام»، ورأى فيه
أن الإيمان بالبرهان يتدرج أنواعًا، فأرقاها وأعلاها أن يؤمن الإنسان، ويصدق تصديقًا جازمًا بناء على برهان حاز كل
شروطه، وتقصى المقدمات كلمة فكلمة، وتبعها درجة فدرجة، حتى جلاها وصفاها، ثم أوصلته إلى نتيجة آمن بها كل الإيمان، وهذا عادة لا
يحصل إلا لقليل من العلماء الراسخين في العلم.

الثاني: أن يركن المؤمن إلى صحة ما يقول العلماء من غير بحث في كل كلمة أو مقدمة، ويليها أن يصدق المؤمن بالأدلة الخطابية، كما يحدث في
المحاورات والمخاطبات التي تجري بها العادة، وذلك إيمان كثير من الناس.

وأقل من هذا التصديق بمجرد السماع ممن حصل فيه الاعتقاد لكثرة ثناء الخلق عليه، كمن يحسن الظن في أبيه وأستاذه؛ فيعتقد اعتقادًا جازمًا
في أخباره إذا أخبره بخبر ميت، أو حضور غائب.

ويلي هذا في الرتبة الإيمان بقول القائل لوجود قرائن تدل على صحته، كمن علم أن فلانًا مريض، ثم سمع خبرًا ممن يثق بصدقه أنه
مات، فعلمه بمرضه قرينة على صحة الخبر … إلخ، وخرج من هذا إلى نتيجة أن العوام، وجمهور الناس ليس لهم من سعة العقل، وعمق الثقافة
وسعتها ما يستطيعون به الإيمان بناء على البرهان الصحيح الذي يقتضيه علم الكلام، ومن أجل هذا ألف كتابه «إلجام العوام
عن علم الكلام»، بل إن هذه البراهين تضرهم وتشككهم؛ لأنهم لا يحسنون استخدام البراهين على وجوهها الصحيحة، فلا يعرفون مقدمة صغرى ولا كبرى،
ولا شروط القياس الصحيح، ونحو ذلك.

فأولى بهم الدرجات الأخرى من الاعتقاد، خصوصًا وأن القرآن الكريم لم يتبع في الدعوة إلى الإيمان هذه الطرق المنطقية، بل دعا بلفت النظر
إلى آيات الله في الكون، وما يتطلبه ذلك من شعور القلب واهتزازه، مثل: أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ
خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (الغاشية: ??، ??) … إلخ، ومثل: وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ
أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ (الروم: ??) الآيات. والدعوى إلى النظر في السماء والأرض، وإرسال الرياح والغيث
… إلخ إلخ، فهذه الطريقة تفيد الناس أكثر مما تفيدهم الطريقة المنطقية الجدلية الكلامية.

على أن الغزالي نفسه وهو عالم كبير مع تمرسه بالقواعد المنطقية في كتب الفقه والفلسفة، واستعراضه المذاهب المختلفة من تشيع واعتزال وأهل
السنة، كل ذلك لم يجعله يطمئن إلى الإيمان الصحيح الذي يرتضيه، إنما جعله يؤمن ويطمئن بالرياضة النفسية، وتفتح قلبه
للتصوف والكشف، وإصغائه إلى صوت قلبه لا عقله.

وقد تقسمت البلاد الفرق المختلفة، فقد كان أكثر شيعة العراق معتزلة، وكذلك شيعة الهند، والشام، والبلاد الفارسية، وانتشرت الزيدية في اليمن،
وهم يتفقون مع المعتزلة في كثير من الأصول، وانتشر مذهب السلف، وإن شئت فقل: السنية في بلاد نجد، ثم هناك طوائف سنية
في الهند، والعراق، والحجاز، والشام، ومصر. وأخيرًا كان السواد الأعظم من البلاد الإسبانية أشعريين، ولنا هنا ملحوظتان:
list of 2 items
الأولى: أن البلاد وقد تقسمتها الفرق المختلفة، وكثر الجدال بين أهلها، كان كثير من العلماء غير دقيق في نقل مذهب المخالفين،
وأول ما رأينا ذلك رأيناه في كتاب «الانتصار»؛ إذ نقل ابن الراوندي أشياء كثيرة عن
المعتزلة، وكذّبه فيها الخياط المعتزلي، ثم رأينا كثيرًا من الكتب ? «الفَرق بين الفِرق» للبغدادي، تنسب إلى المعتزلة ما
حكاه ابن الرواندي عن المعتزلة وكذبه فيه الخياط. كما نسبوا إلى المعتزلة القول بإنكار
عذاب القبر، مع أنهم لم ينكروه، وإنما أوّلوه بأنه معنوي لا حسي، وفرق كبير بين الاثنين.فالكتب مملوءة بالادعاءات على المذاهب
المختلفة من غير تمحيص، معتزلة ينسبون إلى الشيعة ما لم يقولوا، وسنية ينسبون إلى الشيعة
والمعتزلة ما لم يقولوا، وهكذا.

وقد عدّوا الفخر الرازي من أدق من ينقل رأي المخالف ويمحصه، ويحدد نقط الخلاف، كما يظهر في كتابه «تأسيس التقديس».

والملاحظة الثانية: شدة التعصب بين الشافعية والحنفية، وبين الماتريدية والأشعرية، وبين أهل السنة والمعتزلة والشيعة، وقد
كان ذلك عاملًا كبيرًا من عوامل ضعف المسلمين، والذي يقرأ المقدسي في رحلته، وياقوت في معجم
البلدان، ويرى صدق هذا القول من تخريب بلاد، وقتل نفوس، وشدة فتن وهياج، وكل فرقة لا تتعفف عن تكفير الأخرى،
حتى لو صدقنا قول بعضهم في بعض لخرج المسلمون كافرين.
list end

وكنت وأنا طالب أقرأ في كتاب «مسلم الثبوت»، فإذا قال صاحبه: «وقالت المعتزلة» لم يزد الشارح على قوله: «لعنهم الله»، مع أن المعتزلة مع
بعض أغلاطهم قاموا بدور كبير في نصرة الإسلام، والدفاع عنه، وحتى تسمية كتبهم تدل على كثير من الحقد والغضب، مثل: كتاب
«الصواعق المحرقة»، وكتاب «حز القلاصم»، وكم شنّع المحدثون على الجَهْمية، وهو اسم كان في الأول يطلق على أتباع جهم بن صفوان الذي ظهر في
الدولة الأموية، ثم أطلقوه على المعتزلة لاتفاقهم مع الجهمية في توحد ذاته تعالى، ونفي الصفات، وقولهم: إنّ الصفات
هي الذات، وبعد أن شنعوا عليهم كفروهم.

ومن أمثلة هذا التعصب: ما حكى السبكي في طبقات الشافعية أنّ الصاحب بن عباد عرض على محمد بن الحسن البحّاث القضاء على شرط أن يتمذهب بمذهبه،
أي الاعتزال؛ فامتنع، وقال: لا أبيع الدين بالدنيا. قال: وهذا مما يستنكر من مثل الصاحب، وهو ما هو. ويقول الجاحظ:
«وعبتم علينا إكفارنا إياكم، وأنتم أسرع الناس إلى إكفارنا.» مما يدل على ما بين الفرق من العداء، وسرعة الرمي بالكفر. ويقول في موضعٍ آخر:
«ونحن لم نكفر إلا من أوسعناه حجة، ولم نتهم إلا أهل التهمة، وليس كشف المتهم من التجسس، ولا امتحان الظنين من هتك
الأستار، ولو كان كل كشف هتكًا، وكل امتحان تجسسًا لكان القاضي أهتك الناس بستر، وأشدّ الناس كشفًا لعورة.» وما ظنك بقوم كفروا الغزالي،
وأحرقوا كتاب «الإحياء»، وكثيرًا ما كان يدعو التعصب إلى التعصب، وحرارة القتال إلى حرارة القتال.

ومن نعم الله أن كثيرًا من كبار العلماء كانوا لا يرون هذا الرأي، ولا يكفّرون أحدًا من أهل القبلة يؤيدون مذهبهم، ويعذرون مخالفيهم، كالغزالي،
والفخر الرازي، وصاحب كتاب «العلم الشامخ»، وابن تيمية وأمثالهم.

قال أحمد بن المختار الرازي في كتابه «حجج القرآن»: «ما من فرقة إلا ولها حجة من الكتاب، وما من طائفة إلا وفيها علماء نحارير فضلاء لهم
في عقائدهم مصنفات، وفي قواعدهم مؤلفات، وكل منهم يؤول دليل صاحبه على حسب عقيدته، ووفق مذهبه، وما منهم من أحد إلا
ويعتقد أنه المحق، وأن مخالفه في ضلالٍ بعيد، وكُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ، وقد دافع في كتابه هذا عن الفرق
المختلفة، وعذرها؛ لأنها اعتمدت في مذهبها على نصوص من القرآن والسنة، ونهى من يكفّر أهل القبلة، أو يعيّر طائفة بالقلّة، أو
يخرجهم ببدعة عن الملّة»، وقال ابن تيمية: «إن الكفر يكون بتكذيب الرسول ? فيما جاء به، أو الامتناع عن متابعته»، وعقد
فصلًا في تخطئة مَنْ فرق المسلمين بالتكفير.

ولما رأى الغزالي ما انتشر في أهل عصره من التعصب، حتى رمي هو نفسه بالكفر، ألّف كتابه «فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة»، ودعا فيه إلى
التسامح على أوسع وجه، وقال صاحب «العلم الشامخ»: «إنّ الخلاف والتعصب والتحزب هو الذي حمل سيوف بعض المسلمين على بعض
وحلل دماءهم، وأموالهم، وأعراضهم، وحرّف الكتاب والسنة، ثم صيرّهما كالعدم بسد باب الاجتهاد …» وقال أيضًا: «ثم ترتب على الافتراق تقويم
كلّ لعمود الشقاق، وصار كل منهم إنما يعتز بمن مال إليه من الملوك على خصمه.» وقال الأشعري نفسه في أول كتابه «مقالات
الإسلاميين»: «اختلف المسلمون بعد نبيهم في أشياء ضلّل فيها بعضهم بعضًا، وتبرأ بعضهم من بعض، فصاروا فرقًا متباينة إلا أنَّ
الإسلام يجمعهم فيعمُّهم.»

وكان كبار العلماء لا يتحرجون من الاستعانة في العلم بأصحاب الرأي المخالف، فقد روى الغزالي في «المستصفى» أن عليًّا رضي الله عنه استأذنه
قضاة البصرة بأن يقبلوا شهادة أهل البصرة من الخوارج وغيرهم، فأمرهم بقبولها كما كان يقبلها قبل حربهم له؛ لأنهم حاربوا
على تأويل، وفي ردّ شهادتهم تعصب، وتجديد خلاف، ثم إنَّ الشيخين — البخاري ومسلمًا — لم يحجما عن قبول المعتزلة، وغيرهم في رواية الحديث،
مع تصلب الشيخين في الرواة وتحرّيهما، وعدّ ابن حجر أسماء كثير من المعتزلة، والمرجئة، والشيعة، والخوارج، وغيرهم ممن
خرّج له الشيخان، أو أحدهما.

ويعجبني قول صاحب «العلم الشامخ»: «إني لست بمعتزلي، ولا أشعري، ولا أرضى بغير الانتساب إلى الإسلام، وصاحب الشريعة ? وأعدّ الجميع إخوانًا،
وأحسبهم على الحق أعوانًا.» وهو قول حق أؤيده فيه كل التأييد.

ولئن كان التسامح في زمانهم واجبًا، فهو في زماننا أوجب لسببين:
list of 2 items
الأول: أن كثيرًا من أسباب الخلاف كان تاريخيًّا، وقد أصبح في ذمة التاريخ كالخلاف في أي الصحابة أفضل، والخلاف فيما علمه
الصحابة في حروبهم وسيرهم، وقد انقضى كل هذا ودفن في التاريخ، فما لنا نفتح صفحة طواها
الله؟!
والثاني: أن المسلمين اليوم أحوج ما يكون إلى الوحدة؛ لوقوعهم في مشاكل أمام أوروبا، وأمام أنفسهم، لا ينقذهم منها إلا
وحدتهم، وليس أسر لعدوهم من فرقتهم، فما بالنا نسيء إلى أنفسنا بفرقتنا، ونفرح العدو
بشتاتنا … والله تعالى يقول: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ? وَاذْكُرُوا
نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم
بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا (آل عمران: ???).
list end

هوامش
(?)
يريد عدم الخوض في حروف القرآن، وصون القارئ، وأن المقروء كلام الله أولًا، ونحو ذلك مما كان يثيره المعتزلة.
(?)
انظر الجزء الثالث من ظهر الإسلام عند الكلام على الموحدين.
الشيعة
الفصل الأول

الشيعة
?

كانت فرق الشيعة فرقًا كبيرة، يعتنقها عدد كثير من المسلمين، ويتجادل علماؤهم مع المعتزلة وأهل السنة جدالًا طويلًا، حكى عنه المؤرخون كثيرًا،
وكانت هذه الفرق تختلف غلوًّا واعتدالًا.

ومن أشد الخصومات ما كان بين المعتزلة والروافض؛ لما روي من أن جماعة كثيرة جاءت زيد بن علي لتبايعه، وألحُّوا عليه في قبول البيعة، ومحاربة
بني مروان، فلما أراد زيد أن يجاهر بالأمر جاء إليه بعض رؤسائهم، وقالوا له: «ما قولك في أبي بكر وعمر؟ قال زيد: رحمهما
الله، وغفر لهما، ما سمعت أحدًا من أهل بيتي يتبرأ منهما، ولا يقول فيهما إلا خيرًا، وأشد ما أقول: إنا كنا أحق بسلطان رسول الله ? من الناس
أجمعين، وإن القوم استأثروا علينا، ودفعونا عنه، ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفرًا، قد ولّوا فعدلوا في الناس، وعملوا بالكتاب
والسنة.» فلم تعجبهم هذه الأجوبة، فنكثوا عن البيعة له ورفضوه، فقال زيد: «رفضتموني في أشد ساعات الحاجة!» فسموا بالروافض عند
ذلك. وقد يسمون بالرافضة أيضًا، وهو اسم مكروه، وهناك طوائف غير الرافضة بعضهم أكثر غلوًّا، وبعضهم أكثر اعتدالًا، ومن أعدلهم
الزيدية.

هوامش
(?)
انظر فجر الإسلام والجزء الثالث من ضحى الإسلام للمؤلف.
الفصل الثاني

الإمامة

كذلك من أعدلهم مَنْ جمع بين الشيعة والاعتزال، أهم اختلافهم كان على مسألة الإمامة، هل الأحق بخلافة المسلمين أبو بكر وعمر وعثمان؟ فقال
أهل السنة: إن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة، وإنهم لم يظلموا عليًّا، ولم يغتصبوا منه الخلافة، وإن أكثر الصحابة
كانوا أعلم بظروفهم، وأعلم بأخلاق بعضهم؛ فاختاروا أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان؛ لأنهم رأوا أنّ ذلك أنفع للمسلمين. وذهبت الشيعة إلى أن
عليًّا أولى بالخلافة؛ لأن النبي ? نصّ على ذلك، ولأن فيه من المزايا ما ليس في غيره.

ومن أجل أن الإمامة أهم شيء في الخلاف، وقد عدوها أصلًا من أصول الدين سميت طائفة كبيرة بالإمامية، وهم يرون أن الإمامة في عليّ أولًا،
ثم في أبنائه على التعيين واحدًا بعد واحد، وأن الإيمان بالإمام، ومعرفته أصل من أصول الدين، وقد دعاهم احترام الأئمة،
وإجلالهم إلى القول بعصمتهم، والحق أن ظاهر القرآن لا يقول بعصمة الأنبياء مثل: وَعَصَى? آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى? (طه:
???)، وعَبَسَ وَتَوَلَّى? * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى? (عبس: ?، ?) فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ (الكهف:
?)،ولهذا لما قال الشيعة بعصمة الأئمة اضطروا أن يقولوا بعصمة الأنبياء أيضًا، وفشت هذه العقيدة في المسلمين الآخرين، وربما كان
الفخر الرازي من أسبق القائلين بعصمة الأنبياء.

ويقول المجلسي في كتابه «حياة القلوب»: «وهم — أي الأئمة — معصومون من الذنوب صغيرها وكبيرها، فلا يقع منهم ذنب أصلًا، لا عمدًا، ولا نسيانًا،
ولا سهوًا، ولا غير ذلك. ولا يقع منهم ذنب قبل نبوتهم، حتى ولا في دور طفولتهم. ويستند الشيعة في ذلك إلى قوله تعالى
لإبراهيم: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا (البقرة: ???)، قال: وَمِن ذُرِّيَّتِي (البقرة: ???)، ثم قال:
لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ، قالوا: فنعلم من ذلك أن كل مذنب فاسق ظالم، فلا يصلح للإمامة … قالوا: ولا
يصلح للإمامة من كان يعبد الأصنام، أو أشرك بالله لحظة واحدة، حتى وإن صار مسلمًا بعد ذلك، وقد قال تعالى: إِنَّ
الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (لقمان: ??)، وكذلك لا يكون إمامًا من ارتكب حرامًا صغيرًا كان أم كبيرًا، حتى ولو تاب بعد ذلك، فإنه لا يأمر
بإقامة الحد من وجب إقامة الحد عليه، فوجب أن يكون الإمام معصومًا، ويستدل الشيعة على ذلك بأحاديث كثيرة، وقد يفلسفون
هذه العصمة كالذي يقول المجلسي: «واعلم أنَّ القائلين بالعصمة قد اختلفوا في المعصوم: هل هو قادر على فعل المعصية أم لا؟ فالذين قالوا
بأنه غير قادر قالوا: إنَّ في بدنه أو في نفسه خاصة تقتضي أن يكون الإقدام على ارتكاب المعصية محالًا، وقال بعضهم: إن
العصمة ملكة نفسانية لا يصدر عنها أية معصية، ويقول بعضهم: إن العصمة لطف من الله بالنسبة للعبد، فلا يجد العبد في هذا
اللطف داعيًا لترك الطاعة، وارتكاب المعصية.»

وقد يستدلون بقوله تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (الأحزاب:
??).

وأهم فرق الإمامية فرقة تسمى «الاثنى عشرية»، وسميت بذلك لأنها تقول باثني عشر إمامًا، أولهم عليّ، عكس فرقة أخرى تسمّى السبعية؛ لأنها
تقف عند الإمام السابع وهو إسماعيل، ولذلك يسمون الإسماعيلية، وبعد إسماعيل أتت أئمة مستورة.

والظاهر أنه غلب عليهم الاعتقاد بالإرث، أي أنَّ النبي ? يورث، أي يورث في روحانيته، كما يورث الناس في أموالهم، حتى تجادل في ذلك الشعراء.
فقال دعبل الشاعر الشيعي:

أرى فَيْئَهُمْ في غيرهم متقسِّمًا
وأيديهم من فيئهم صفرات
همُ أهل ميراث النبي إذا اعتزوا
وهم خيرُ قادات وخير حماة

ويقول منصور النمري من شعراء العباسيين:

يا أيها الناس لا تعزب حلومُكمُ
ولا تُضِفكم إلى أكنافها البِدَعُ
العمّ أولى من ابن العم فاستمعوا
قول النصيحة؛ إن الحق مستمَعُ
وقد وضع ابن المعتز العباسي قصيدة في أحقية أولاد العباس، ورد عليه تميم بن المعز الفاطمي
?
على قافيتها.
ويظهر أن الإمامة في نظر الشيعة تطورت مع التاريخ، فقد كانت كلمة إمام وإمامة تطلق بالمعنى الإسلامي المعروف، فإذا قال بعض الصحابة: إنّ
الإمام هو أبو بكر وعمر، وقال الشيعة: إن الإمام هو عليّ، كانوا يفهمون من ذلك أن الإمام بمعنى الرياسة والتقدم، كالإمام
في الصلاة، ولكن يظهر أنَّ الكلمة تطورت بعد ذلك إلى معنى آخر، وهو أن في الإمام معنًى روحيًّا، فالإمام له صلة روحية بالله على نحو أقل
من الصلة الروحية بين الله والأنبياء. جاء في كتاب «الكافي» للكليني، وهو من أوثق مصادرهم: «كتب الحسن بن العباس المعروفي
إلى الرضا: جعلت فداك! أخبرني ما الفرق بين الرسول والإمام والنبي؟ فكتب أو قال: الفرق بين الرسول والنبي والإمام أنَّ الرسول هو الذي
ينزل عليه جبريل، فيراه ويسمع كلامه، وينزل عليه الوحي، وربما رآه في منامه نحو رؤيا إبراهيم، والنبي ربما سمع الكلام،
وربما رأى الشخص ولم يسمع، والإمام هو الذي يسمع الكلام ولا يرى الشخص.»
?
فالإمام بهذا المعنى يوحى إليه … قالوا: «والله أعظم من أن يترك الأرض بغير إمامٍ عادل، إنْ زاد المؤمنون شيئًا ردّهم، وإن نقصوا شيئًا
أتمه لهم، وهو حجة على عباده، ولا تبقى الأرض بغير إمام … حجّة لله على عباده، ولو لم يبق في الأرض إلا رجلان لكان
أحدهما الحجّة، وكان هو الإمام.» وفيه أيضًا: «ومن لا يعرف الله — عز وجل — ولا يعرف الإمام منا أهل البيت، فإنما يعرف ويعبد غير الله.»
?
قال أبو جعفر: نحن خزّان علم الله، ونحن تراجمة وحي الله، ونحن الحجة البالغة على من دون السماء، ومن فوق الأرض، والأئمة نور الله الذي
قال فيه تعالى: فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا (التغابن: ?)، ونور الإمام في قلوب المؤمنين أنور من الشمس
المضيئة بالنهار، ويحجب الله نورهم عمّن يشاء؛ فتظلم قلوبهم،
?
بل زادوا على ذلك فقالوا: إن الله خلق العالم لأجلهم، وإنه قد فوّض أمور الناس إليهم، وإنه بوجودهم ثبتت الأرض والسماء، وبيمنهم رزق الورى،
وأنه يجب أن يكون في كل زمان منهم، وإنه من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة الجاهلية.

جاء في الكافي عن الصادق: «إن الأرض كلها لنا.» وروى عبد الله بن بكر الأرجاني عن الصادق قال: قلت جعلت فداك: فهل يرى الإمام ما بين المشرق
والمغرب؟ قال: يا ابن بكر، فكيف يكون حجة على ما بين قطريها، وهو لا يراهم، ولا يحكم فيهم؟ إلى كثير من أمثال ذلك في
الكافي وغيره.

وقد فسروا: أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ (النساء: ??) بأنها نزلت في عليّ، ورووا: «أوصيكم
بكتاب الله وأهل بيتي؛ فإني سألت الله عز وجل ألا يفرّق بينهما حتى يوردهما الحوض، فأعطاني ذلك.»

فنرى من هذا أن عقيدة الصحابة، وأهل السنة والمعتزلة في الإمام تخالف عقيدة الشيعة، الأولون لا يقدسون الإمام، ولا يرون أنه معصوم، ويرون
أنه قد يخطئ؛ فيجب رده إلى الصواب، بل وقد يرتكب الكبائر فيجب رده، وأما الشيعة فيرون أن فيه صلة بالله، وأنه معصوم،
وأنه لا يخطئ، وفرقٌ كبير بين الاثنين.

وأنا أرى أن الحق مع الأولين، وأن الاعتقاد بعصمة الإمام، وروحانيته، وتقديسه تشل العقول، وتجرِّئ الإمام على العبث بالرعية. وقد كان الصحابة
يخطِّئون الأئمة في بعض تصرفاتهم، ويخالف بعضهم بعضًا، فهذا عمر انتقد تصرف أبي بكر مع خالد، وهذا عليّ خالف عمر في
بعض المسائل، والصحابة أنفسهم منهم من خطّأ عليًّا نفسه في بعض تصرفاته.

وعلى الجملة، فكانوا ينظرون إلى الإمام على أنه مخلوق كسائر الناس يصدر عنه الخطأ والصواب، فإذا أخطأ وجب تقويمه، وهكذا سير الأمم الآن
في تقويم ملوكهم، وردهم إلى الصواب إن أخطأوا، ونحن نقول ذلك اتباعًا للحق والعقل، لا نصرة لمذهب على مذهب.

الإمام جعفر الصادق

ويظهر أنّ أول من أسبغ هذا المعنى على الإمام، هو الإمام جعفر الصادق، فإنه كان من أوسع الناس علمًا واطلاعًا، عاش من سنة ??? إلى سنة
????، وقد لقب بالصادق لصدقه، وقد كانت أمه من نسل أبي بكر الصديق، فأثر ذلك في اعتداله. وقد نفعه أنه رأى
من قبله من الأئمة احترق بالسياسة فابتعد عنها … قال فيه الشهرستاني، وهو غير شيعي: «وهو ذو علم غزير في الدين، وأدب كامل في الحكمة،
وزهد بالغ في الدنيا، وورع تام عن الشهوات، وقد أقام بالمدينة مدة يفيد الشيعة المنتمين إليه، ويفيض على الموالين
له أسرار العلوم، ثم دخل العراق، وأقام بها مدة ما تعرّض للإمامة قط، ولا نازع أحدًا في الخلافة، ثم غرق في بحر المعرفة،
لم يطمع في شطّ، ومن تعلَّى إلى ذروة الحقيقة لم يخف من حطّ، وقد قيل: من أنس بالله توحَّش عن الناس، ومن استأنس بغير
الله نهبه الوسواس، وهو من جانب الأب ينتسب إلى شجرة النبوة، ومن جانب الأم ينتسب إلى أبي بكر، ومع ذلك لم يسلم من
إيذاء أبي جعفر المنصور له، وقد كان له بستان جميل في المدينة يستقبل فيه الناس على اختلاف مذاهبهم. ويرون أنه كان من تلامذته
أبو حنيفة، ومالك بن أنس الفقيهان الشهيران، وواصل بن عطاء المعتزلي، وجابر بن حيان الكيماوي، وبعض الناس ينكر
هذا. وله أقوالًا في الإرادة، وفي القدر، كقوله في الإرادة: «إن الله أراد بنا شيئًا، وأراد منا شيئًا، فما أراده بنا طواه عنا، وما
أراده منا أظهره لنا، فما بالنا نشتغل بما أراده بنا عما أراده منا؟!» وقال في القدر: هو أمران «لا جبر، وتفويض»،
وهما مسألتان مما تكلم فيهما المتكلمون كثيرًا كما رأينا، وله أقوال كثيرة منثورة في الكتب تدل على حكمته، وبعد نظره، وسعة علمه،
وإنما قلنا: إنه لوَّن معنى الإيمان لونًا خاصًّا لما روي عنه من بعض الأقوال التي تدل على أن الله جعل لمحمد
نورًا، ثم تنقل هذا النور إلى أهل بيته، كالذي ذكره المسعودي من حديث نسبه الإمام جعفر إلى الإمام عليّ جاء فيه: «إن الله
أتاح نورًا من نوره، فلمع ونزع قبسًا من ضيائه فسطع … ثم اجتمع النور في وسط تلك الصورة الخفية، فوافق ذلك صورة نبينا
محمد، فقال الله — عز وجل: أنت المختار المنتخب، وعندك مستودع نوري، وكنوز هدايتي، من أجلك أسطع البطحاء، وأموّج
الماء، وأرفع السماء، وأنصب أهل بيتك للهداية، وأوتيهم من مكنون علمي ما لا يشكل به عليهم دقيق، ولا يغيب عنهم به خفي، وأجعلهم حجتي
على بريتي، والمنبهين على قدرتي ووحدانيتي …» ونحو ذلك من الأقوال المنسوبة إليهم، فكل هذا جعلنا ننسب إلى
الإمام جعفر الصادق صبغته للإمام صبغة جديدة لم نكن نعرفها من قبل.

وكان لجعفر الصادق أولاد كثيرون، منهم إسماعيل، وكان هو الأكبر وهو المعين للإمامة بعد أبيه. ولكن حدث أن مات إسماعيل قبل موت أبيه،
فأحدث ذلك خلافًا كثيرًا عند الشيعة، وكان هو السابع، فرأت فرقة أنَّ إسماعيل هذا كان آخر الأئمة، ومنهم من
أنكر موته، وقال: إنه غاب، وإنه سيعود، وإنه لم يمت حقيقةً، بل حجبه الله إلى الوقت الذي يقتضي ظهوره، ويسمى هؤلاء بالسبعية؛ لوقوفهم
في الإمامة عند هذا، ويسمون أيضًا بالإسماعيلية نسبة إلى إسماعيل هذا، وهو قول غريب.

وبعضهم يقول: إنه مات حقيقةً، وإن الإمامة انتقلت بعده إلى أخيه موسى الكاظم، وساقت هذه الفرقة الإمامة بعد ذلك إلى اثني عشر إمامًا،
ومن أجل ذلك يسمون الشيعة الاثنى عشرية، ثم القرامطة، والفاطميون، والحشاشون إسماعيلية الهند وإيران وآسيا
الوسطى، كلها طوائف سبعية، أو بعبارة أخرى إسماعيلية، ولكل إمام من هؤلاء الأئمة تاريخ طويل، لا يهمنا هنا، فليرجع إليه من شاء، إنما
الذي يهمنا ما يتعلق بعقيدة الإمام.

وكان الإمام الحادي عشر هو الحسن العسكري، وقد وُلد سنة ???? كما يقول الكليني، وكان يلقَّب بالصامت، والهادي، والرفيع، والزكي، والنقي،
ولكن الذي غلب عليه هو العسكري، وقد حمله أبوه وهو صغير إلى سامرَّا في عهد المتوكل، وتعلَّم هناك، وعرف أنه
كان يتكلم لغات كثيرة: الهندية، والتركية، والفارسية. وقد مات الحسن العسكري هذا سنة ???? في عهد المعتمد العباسي، وقد خلف الإمام
الثاني عشر، واسمه محمد سنة ??? أو سنة ??? في سامرَّا، ومات عنه وهو ابن أربع سنين أو خمس، وقد تغيب هذا الإمام
الثاني عشر، ولم يظهر للناس، وأطلق عليه الإمام المنتظر، والمهدي، وصاحب الزمان، وقالوا: إن الله حجبه عن عيون الناس،
وإنه حيٌّ بإذن الله، وقد رآه بعضهم بين وقت وآخر، وهو يكاتب الناس، ويتصرف في أمور شيعته،
?
وإن هذا الإمام الغائب سيرجع … إلخ إلخ.
ولما كان لا بد من شخص يُرجع إليه في النوازل، قالوا: إنّ له وكيلًا ينوب عنه، وهو عثمان بن سعيد، فلما مات خلفه وكيل آخر، وهكذا إلى
أربعة،
?
وقد شجعت هذه الفكرة القائمين بالحركات السياسية، والطامحين إلى الملك إلى ادعاء كثير أنه المهدي المنتظر.
?

والمفكر في هذا يعجب لأمرين: أحدهما: تولية الإمامة لطفل في الرابعة، أو الخامسة من عمره، مع أنّ الإمامة منصب عظيم يشرف على أمور المسلمين
لا بدّ له من رجل ناضج قادر على تحمل المسئولية، عارف بأمور الدين، ومشاكل الدنيا، والطفل الصغير لا يستطيع
ذلك مهما أوتي من النبوغ، وربما دعاهم إلى ذلك فكرتهم في أن لكل إمام نورانية إلهية يتوارثها خلف عن سلف، وهي نظرية تحتاج إلى مناقشة،
ونحن نرى حتى فيما بين أيدينا أنّ في نسل الأشراف من هو نبيل كل النبل، عظيم كل العظمة، ومن هو فاجر داعر،
وتلك سنة الله في خلقه، فقد يخرج العالم جاهلًا، والجاهل عالمًا، والمتدين فاجرًا، والفاجر ديِّنًا، كما نرى فعلًا في الحكومات
الشيعية من فاطمية وإسماعيلية من كان لا يصلح للإمامة مطلقًا بدلالة التاريخ، كما هو الشأن في الخلافة السنية.


والأمر الثاني: دعواهم في هذا الطفل أنه خفيُّ لا يظهر، وإنما يظهر عند حاجة الزمان إليه، وقد جرهم ذلك إلى القول بطول عمر الإمام الغائب،
مع أنّ سنة الله في خلقه تحديد أعمار الإنسان.

وقد جرى ذلك على الأنبياء أنفسهم، فلم يعمر النبي محمدًا إلا ثلاثًا وستين سنة، كما جرى على عليّ، والحسن، والحسين، ولم نعلم أحدًا
في التاريخ الظاهر عمّر أكثر من مائة سنة إلا قليلًا.

وعلى كل حال، فلم يعمّر أحد أبدًا، وقد دعا قولهم بغيبة الإمام الثاني عشر هذا إلى قول بعضهم: إنه لم يوجد، وإن الإمام العسكري مات
من غير عقب، وإن دعوى الطفل هذه من صنع الوكلاء طمعًا في المال الذي يجبى من سائر الأقطار لأئمة الشيعة.

هوامش
(?)
انظر القصيدتين في الديوانين.
(?)
الكافي ص??.
(?)
الكافي ص??.
(?)
الكافي ص??.
(?)
بحار الأنوار للمجلسي.
(?)
انظر بحار الأنوار للمجلسي.
(?)
انظر كتابنا المهدي والمهدية.
الفصل الثالث

اتفاق الشيعة والمعتزلة
وكثير من الشيعة يتفقون في العقيدة مع المعتزلة؛ إذ كان كثير منهم شيعة ومعتزلة في وقت واحد؛ وذلك في مثل تأويل بعض الآيات في القرآن، ومثل
عدم رؤية الله في الدنيا والآخرة اعتمادًا على قوله تعالى: لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ
(الأنعام: ???)، ولكنهم قد يخالفون المعتزلة في بعض الأشياء مثل: قول الشيعة بشفاعة الأنبياء والأئمة، وقد كان المعتزلة
يستندون في عدم الشفاعة إلى قوله تعالى: وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا، وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ
وِزْرَ أُخْرَى? (الأنعام: ???)، وحمل المعتزلة على ذلك إيمانهم التام بالمسئولية الشخصية، وأن كل شخص مسئول عن عمله، وخالفهم أهل
السنة في ذلك، وزاد الشيعة في شفاعة الأئمة، ورووا عن الإمام الباقر أن رسول الله ? قال: «يا علي، إذا جاء يوم القيامة جلسنا أنا وأنت وجبريل
على الصراط، فلا يمر أحد عليه إلا وبيده براءة من نار جهنم بولايتك»، وكان من مستلزمات ذلك الزيارات الكثيرة للأولياء،
والاستشفاع بهم، والدعاء عندهم، من ذلك مثلًا: «السلام على الذين من والاهم فقد والى الله، ومن عاداهم فقد عادى الله، ومن عرفهم فقد عرف
الله، ومن جهلهم فقد جهل الله، ومن اعتصم بهم فقد اعتصم بالله، ومن تخلى عنهم فقد تخلى عن الله. أشهد الله أني سلم
لمن سالمهم، وحرب لمن حاربهم، ومؤمن بسركم وعلانيتكم، مفوّض في ذلك كله إليكم، لعن الله عدو آل محمد من الجن والإنس، من الأولين
والآخرين، وأبرأ إلى الله منه، وصلى الله على سيدنا محمد، وآله الطاهرين.»
?
وفيما عدا ذلك هناك اختلافات بين الشيعة وأهل السنة في الفروع.
?

هوامش
(?)
وقفة الزائرين للمجلسي.
(?)
انظرها في الجزء الثالث من ضحى الإسلام.
الفصل الرابع

تأييد الحكومات للشيعة

وكما أن أهل السنة أيدتهم حكومات كالذي ذكرنا من قبل، فالتشيع قد أيدته حكومات أخرى، كالدولة البويهية في العراق وما حوله، والدولة الفاطمية
في مصر والشام والمغرب، وما يؤسف له أن النزاع بين هذه الحكومات السنية والشيعية لم يقتصر على المناظرة والجدل الكلامي،
بل تعدى إلى القتال بالسيف، وبذل الدماء أنهارًا، فكم سفك من الدماء في ادعاء المهدية، كالذي بذل في دعوى عبيد الله الفاطمي من أئمة
الإسماعيلية في فتح أفريقيا، ومصر حتى أسس دولته، إلى كثير غيره من المهديين، إلى مهدي السودان، ثم ما كان من هجوم التتار
ومصيبتهم العظمى في التقتيل والتخريب؛ مما جعل مؤرخي الإسلام يصرخون عند كتابة حوادثها، فإنه كان من أسبابها الكبيرة الخلاف
بين الشيعة والسنية.

قال الخميسي: «نهب التتار سواد آمد وارزن، وميافارقين، وقصدوا مدينة أسعرد، فقاتلهم أهلها فبذل لهم التتار الأمان؛ فوثقوا منه، واستسلموا،
فلما تمكن التتار منهم بذلوا فيهم السيف فقتلوهم، حتى كادوا يأتون عليهم، فلم يسلم منهم إلا من اختفى، وقليل ما هم،
وساروا في البلاد لا مانع لسيفهم، ولا أحد يقف بين أيديهم، فوصلوا إلى ماردين فنهبوها … ثم وصلوا إلى نصيبين، والجزيرة فأقاموا عليها بعض
نهار، ونهبوا سوادها، وقتلوا من ظفروا به، وقيل: إن الرجل الواحد منهم كان يدخل القرية، أو العزبة، أو الدرب، وفيه
جمع كثير من الناس لا يزال يقتلهم واحدًا بعد واحد لا يتجاسر أحد أن يمد يده إلى ذلك الفارس، واستولوا على أرضهم، ولم يقف في
وجوهم فارس، وهذه مصائب وحوادث لم ير الناس من قديم الزمان وحديثه ما يقاربها. وفي سنة ستة وخمسين وستمائة وصل الطاغية هولاكو
إلى بغداد بجيوشه، وبالكرج، وبعسكر الموصل، فانكسر المسلمون أمامه لقلتهم، ونزل قائده على بغداد من غربيها، وهولاكو من
شرقيها، ثم خرج الخليفة المستعصم لتلقيه في أعيان دولته، وأكابر الوقت فضربت رقاب الجميع، وقتلوا الخليفة، ورفسوه حتى مات، ودخلت التتار
بغداد واقتسموها، وكلّ أخذ ناحية، وبقي السيف يعمل أربعة وثلاثين يومًا، وقلّ من سلم؛ فبلغت القتلى ألف ألف وثمانمائة
وزيادة، فعند ذلك نادوا بالأمان.»

وكان مجيء هولاكو فيما يقال بدعوة الوزير ابن العلقمي الرافضي إذ كان يعتقد أن هولاكو سيقتل المعتصم، ويعود إلى حال سبيله، وعندئذ يتمكن
الوزير من نقل الخلافة إلى العلويين.

ثم ما كان مثلًا بين الدولة العثمانية لما قامت في الآستانة، وما حولها، وبين الصفويين في إيران، وما حولها سنة ??? فإن السلطان سليمًا
لما بلغه أن كثيرًا من رعايا الدولة العثمانية يتمذهب بالمذهب الشيعي على أيدي دراويش بثهم الشاه إسماعيل الصفوي، عزم
على محاربتهم، فأعلن الحرب على الشاه إسماعيل، وما زال الجيش العثماني يتقدم من مدينة إلى مدينة حتى وصل إلى سيواس، وأحصى جيشه فبلغ ???
ألف جندي، ترك جزءًا منه للمحافظة على الطريق يبلغ نحو أربعين ألفًا، وتقدم هو بالباقي، وتقدم إلى مدينة تبريز، فخرج
إليه الشاه إسماعيل الصفوي، ووقف أمام السلطان سليم العثماني، وكان الجيشان في العدد سواءً تقريبًا، وكان في الجيش الإيراني طائفة من الخيالة،
وفرق تلبس الزرد، وفرقة من طوائف الفدائية، وقتل من الفريقين عدد كبير، واستولى العثمانيون على مضارب الفرس، وما كان
معهم من الذخائر والأدوات، وجرح الشاه إسماعيل، وسقط عن جواده، ودخل السلطان سليم تبريز، وقد قتل من الفرس وحدهم في تلك
المواقع نحو أربعين ألفًا، ومن ذلك أيضًا ما فعلته الفرقة الفدائية الإسماعيلية من قتل ونهب، وما فعلته جماعة القرامطة، إلى كثير من
أمثال ذلك.

فلو نظرنا إلى النفوس والجهود والأموال التي أتلفت بين طوائف المسلمين، وخصوصًا الشيعة والسنية، وما جرى للشيعة من عهد عليّ، وخلفائه مما
يشرحه كتاب «مقاتل الطالبيين» لأبي الفرج الأصفهاني صاحب الأغاني، وما جاء في كتب التاريخ بعده أخذنا العجب، وأدركنا
أن هذه القوى التي بذلت بين المسلمين كانت تكفي في سهولة لطرد الصليبيين، وكفّهم عن العبث بالبلاد، وكان الكف عن قتالهم فيما بينهم يكفي
لإصلاح حالة المسلمين اجتماعيًّا واقتصاديًّا إصلاحًا ليس له نظير، ولكن هكذا قدر، وهكذا كان، فضاعت المجهودات عبثًا،
بل ضاعت في التخريف والتبديد من عصر الخلفاء الراشدين إلى اليوم، ولو تدبر الفريقان لرأوا أن الخلاف كان أكثره على مسائل أصبحت في ذمة
التاريخ، ولم يصبح للخصومة عليها معنى، ولكن ماذا نعمل، والعقول ضيقة، وفي الناس من يثير الخصومات كسبًا للمال، وحفظًا
لمنزلته في أسرته، أو شهوة للحكم.
الفصل الخامس

عواطف أهل الشيعة

ولئن أمعن المتكلمون من المعتزلة والسنية في الحجج العقلية، والقوانين الدقيقة المنطقية، فقد غلبت على الشيعة العواطف، لقد أحبوا آل البيت
حبًّا عاطفيًّا، وكرهوا جدًّا من عاداهم، وتأثروا تأثرًا شديدًا ممن عذبهم، أو قتلهم، أو حبسهم، ولم يكتفوا بالعواطف
المجردة، بل أرادوا الانتقام ممن عذبهم، وحاولوا مرارًا قلب حكمهم، وهذه كلها شأن العواطف، أما مقدمة صغرى وكبرى، وقياس، وأشكال قياس، فهذه
صبغة المعتزلة والسنية، ولكل طابعه.

دعت هذه العواطف عند الشيعة، وتعظيم الأولياء، وفكرة الاستشفاع بهم إلى مظهر واضح ربما تأثر به المسلمون جميعًا، وهو إقامة الأضرحة، والعناية
بها وتزيينها، وزيارتها، والاستشفاع بها، وكثرة الدعوات عندها، وتمني الدفن بجوارها، وإن كانت هذه العادات عند السنيين
والمسلمين فهي عند الشيعة أقوى، وربما كانت هي الأساس، من ذلك مثلًا مشهد الإمام علي بالنجف، وهو يبعد عن الكوفة نحو أربعة أميال، قد حشد
فيه من قديم الفن الفارسي من خط جميل، وقاشاني، وتحف فنية ذهبية، وغير ذلك، والزائر لهذا المشهد يرى ساحات واسعة ملئت
بالقبور كما يرى مئات القباب المختلفة الألوان، وقد سلم هذا المشهد من تخريب هولاكو؛ لأن الشيعة كانت قد ساعدته ليستعينوا به على
السنية الذين كانوا قد آذوهم، يقول ابن بطوطة في رحلته: «ثم رحلنا، فنزلنا من مشهد علي بن أبي طالب بالنجف، وهي مدينة حسنة
… وأهل هذه المدينة كلهم رافضة … وحيطان هذه الروضة منقوشة بالقاشاني، والقبة مفروشة بأنواع البسط من الحرير وسواه، وبها
قناديل الذهب والفضة … وفي المدينة خزانة كبيرة تجمع بها النذور من الناس في بلاد العراق وغيرها، من يصيبه المرض ينذر للروضة نذرًا
إذا برئ … وهذه الروضة ظهرت لها كرامات.»

وقد وردت أحاديث كثيرة عن الأئمة الشيعيين في فضل زيارة قبر علي، كالذي رواه جعفر الصادق أنه قال: «من زار أمير المؤمنين عارفًا بحقه غير
متجبر، ولا متكبر، كتب الله له أجر مائة شهيد، وغفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.» وأتى رجل الإمام الصادق، وأخبره
أنه لم يزر أمير المؤمنين فقال له: «بئس ما صنعت لولا أنك من شيعتنا ما نظرت إليك، ألا تزور من يزوره الله والملائكة، ويزوره الأنبياء،
ويزوره المؤمنون. قال: جعلت فداك، ما علمت ذلك، قال: فاعلم أن أمير المؤمنين أفضل عند الله من الأئمة كلهم، وله ثواب
أعمالهم، وعلى أعمالهم فضلوا.»
?

وعلى الزائر حين يزور أن يتلو دعاء الزيارة وهو: «السلام عليك يا ولي الله، يا حجة الله، يا خليفة الله، يا عمود الدين، يا وارث النبيين،
يا قسيم الجنة والنار، يا صاحب العصا والميسم، يا أمير المؤمنين: أشهد أنك كلمة التقى، وباب الهدى، والأصل الثابت،
والجبل الراسخ، والطريق الحق؛ أشهد أنك حجة الله على خلقه، وشاهده على عباده، وأمينه على علمه، ومستودع أسراره، ومعدن حكمته، وأخو رسوله،
أشهد أنك أول مظلوم، وأول من غصب حقه، فصبر وانتظر، لعن الله من ظلمك، وغصب حقك وعاداك، لعنة عظيمة يلعنه بها كل ملك
كريم، ونبي مرسل، ومؤمن صادق، ورحمة الله عليك يا أمير المؤمنين، وعلى روحك وجسدك … إلخ.» وهم يروون دعاءً مخصوصًا دعا به أحد الأئمة،
وهذا الحديث يرينا مقدار أثر الإمام جعفر الصادق في تلوين التشيع وأثره.

ومن أشهر المشاهد والمزارات كربلاء على بعد ثلاثة أميال من بغداد، وفيها مشهد الحسين، وهي من أعظم المزارات وأفخمها، وأحفلها بالتحف والمذهبات،
يقول فيها ابن بطوطة.. «والعتبة الشريفة، وهي من الفضة، وعلى الضريح المقدس قناديل الذهب والفضة، وعلى الأبواب أستار
الحرير، وكم يكرر الزائرون مأساة الحسين … وهم يروون الروايات الغريبة عن فضل هذا المكان المقدس تتلألأ قبته المغشاة بالذهب إذا طلعت عليه
الشمس.»

كذلك يرى من دخل بغداد من الشمال أو الغرب المآذن الذهبية الأربعة فوق مشهد الكاظمية، كما يرى الشيعة يقصدون هذه المشاهد، ويستشفعون بها،
ويدعون عندها.

وقد كان البناء قديمًا، وجدده الشاه إسماعيل الأول، أما تذهيب القبتين فأمر به الشاه أغا محمد، وأصلحت إحدى القباب، وكسيت المنائر بالذهب،
وهم يضعون لزيارتهم شروطًا فيقولون: «إذا أردت زيارة قبر موسى الكاظم، وقبر محمد بن علي بن موسى فاغتسل وتنظف، وتعطر،
والبس ثوبيك الطاهرين، ثم قل عند قبر الإمام موسى: السلام عليك يا وليَّ الله، يا حجة الله، يا نور الله … أتيتك زائرًا عارفًا بحقك، معاديًا
لأعدائك، مواليًا لأوليائك، فاشفع لي عند ربك يا مولاي.»
?

والذي يرى المشاهد العديدة في القاهرة كمشهد الحسين، والسيدة زينب، والسيدة نفيسة، وغيرها يرى أنها صورة مصغرة جدًّا للمشاهد في النجف،
وكربلاء، والكاظمية.

وللشيعة كتب في الحديث تتميز بالرواية عن الأئمة، وعن رجال الشيعة يعتمدون عليها الشيعيون، كما يعتمد السنيون على كتب الصحاح، من أشهرها
كتاب الكافي للكليني، وهو أول هؤلاء المحدثين، وأعلاهم منزلة، ألّف كتابه الكافي في علم الدين، ويحتوي على ?? ألف حديث،
وقسمها إلى أحاديث صحيحة، وحسنة، وموثقة، وقوية، وضعيفة،
?
وقد مات الكليني في بغداد سنة ???? أو ??. ومن المؤلفين في الحديث أيضًا الصدوق القمي الملقب بابن بابويه، وهو يحتوي على أربعة آلاف وأربعمائة
وستة وتسعين حديثًا، ومن المؤلفين في الحديث أيضًا الطوسي، وينسب إليه التأثير الكبير في الدعوة إلى الشيعة، وقد كان
له تلاميذ كثيرون، وقد ولد الطوسي سنة ???? في طوس، وجاء بغداد وعمره ثلاث وعشرون سنة، ثم هاجر إلى النجف، وله كتب كثيرة في الحديث،
وأصول الدين، والفقه، والتراجم، والناظر إليها يعلم صبغتها بالصبغة الشيعية، وربما اختلفت في ترتيبها عن ترتيب الصحاح
السنية، هذا عدا أن لهم مجتهدين وفقهاء عنوا بالفقه الشيعي، وفيه بعض مخالفات للفقه السني، إن شئت فانظر إلى كتاب «بحر
الأنوار»، وعلى العموم فقد كانت لهم خلافات في العقيدة، وفي الحديث، وفي الفقه، ولمجتهديهم قوة على الرأي العام الشيعي، وتبجيل وتقديس
أكثر مما لعلماء أهل السنة، وكثيرًا ما تدخلوا في الأمور السياسية، وعطّلوا بعض المشاريع السياسية، وقد حاول بعض الولاة
الشيعيين أن يحدّ من سلطانهم فلم ينجح.

هوامش
(?)
المجلسي.
(?)
هذه الأدعية ومئات أمثالها في تحفة الزائرين للمجلسي.
(?)
طبع هذا الكتاب في طهران.
الفصل السادس

بعض فرق للشيعة

نتجت من الشيعة فرق كثيرة لعبت أدوارًا هامة في التاريخ، كالإسماعيلية، والقرامطة، والزنج، والزيدية، لا بأس أن نذكر كلمة عن كل منها.

أولًا: الإسماعيلية

ذكرنا قبل أن الإسماعيلية نسبة إلى الإمام إسماعيل، وهو الإمام السابع، وهم يقفون عنده، ولذلك يسمى أتباعه بالسبعية، وقد يطلق على بعضهم
الحشاشون؛ لأنه أثر عندهم استعمال الحشيش في دعوتهم، وقد يلقب بعضهم أيضًا بالفدائيين.

وقد كانت هذه الفرقة قوة كبيرة لعبت دورًا كبيرًا في تاريخ الإسلام، وكان تؤلف حزبًا كبيرًا متآلفًا مطيعًا، ومن أول رؤسائهم عبد الله
بن ميمون القدّاح، وله أتباع كثيرون، ويمتاز هو ورؤساء حزبه بأنهم كانوا في غاية المكر والدهاء، وضعوا أسسًا
ومبادئ لجمعية سرية على أدق نظام عرفه التاريخ إلى اليوم، يرمي إلى شيئين هامين:
list of 2 items
الأول: استغلال الاستياء من الدولة العباسية على أي نحو كان، وتوحيد الصفوف لإزالتها، وإحلال فرقتهم محلها؛ ومخاطبة
كل باللغة التي تناسبه، والأغراض التي تناسبه.
والثاني: ترتيبهم الدعوات إلى مذهبهم ترتيبًا محكمًا على حسب استعداد الناس، فللجماهير تعاليم، وللخاصة تعاليم، ولخاصة
الخاصة تعاليم، ولا يعلم الأدنى تعاليم الأعلى؛
?
فهم رتبوا الدعوات بحسب الاستعدادات، ولا يعلم أسرار الجمعية إلا رؤساؤها، وزعماؤها القليلون.
list end
وربما تطورت في ذلك مع الزمن، فقد بدأت الإسماعيلية فرقة شيعية معتدلة أكبر خصائصها أنها تدين بالأئمة السبعة الأولى وحدهم، ثم تطورت
مع الزمن، ودخلت فيها تعاليم كثيرة مختلفة، وتقسمت إلى طوائف، لكل طائفة عمل خاص، فطائفة الفدائيين، وطائفة
للقيام بالدعوة، وهكذا … ثم كان زعماؤها في غاية المهارة في معرفة نفوس من يدعونهم، فيعرفون كيف يخاطبون العرب، والعجم، والكرد، والأتراك،
كما يعرفون كيف يخاطبون الجمهور غير المتعلمين، والمثقفين، والفلاسفة … الخ، والذي يعرف أسرار الجمعية، وأغراضها
عدد قليل جدًّا، ولا يصلون إلى درجة الزعامة إلا بعد أن يمروا بدرجات يمتحنون في كل درجة منها امتحانًا قاسيًا، ثم يحلفون الأيمان
المغلظة على الوفاء بتعليمهم، وقد حكى أبو المنصور البغدادي في «الفرق بين الفرق» صورة اليمين فقال: «وأما أيمانهم
فإن داعيهم يقول: جعلت على نفسك عهد الله، وميثاقه، وذمته، وذمة رسله، وما أخذ الله من النبيين من عهد وميثاق أن
تستر ما تسمعه مني، وما تعلمه من أمري، ومن أمر الإمام الذي هو صاحب زمانك، وأمر أشياعه وأتباعه في هذا البلد، وفي سائر البلدان،
وأمر المطيعين له من الذكور والإناث، فلا تظهر من ذلك قليلًا، ولا كثيرًا، ولا تظهر شيئًا يدل عليه من كتابة
أو إشارة إلا ما أذن لك فيه الإمام صاحب الزمان، أو أذن لك في إظهاره المأذون له في دعوته، فتعمل في ذلك حينئذ بمقدار ما يؤذن لك فيه.
وقد جعلت على نفسك الوفاء بذلك في حالتي الرضا والغضب، والرغبة والرهبة، وجعلت على نفسك أن تمنعني، وجميع من
أسميه لك مما تمنع منه نفسك لعهد الله تعالى عليك، وميثاقه، وذمته، وذمة رسله، وتنصحهم نصحًا ظاهرًا وباطنًا، وألا تخون الإمام وأولياءه،
وأهل دعوته في أنفسهم، ولا في أموالهم، وأنك لا تتأول في هذه الأيمان تأويلًا، ولا تعتقد ما يحلّها، فإنك إن
فعلت شيئًا من ذلك فأنت بريء من الله ورسله وملائكته، وجميع ما أنزله الله من كتبه، وإنك إن خالفت في شيء مما ذكرناه لك
فلله عليك أن تحج إلى بيته مائة حجة ماشيًا نذرًا واجبًا، وكل ما تملكه في الوقت الذي أنت فيه صدقة على الفقراء والمساكين،
وكل مملوك يكون في ملكك يوم تخالف فيه أو بعده يكون حرًّا، وكل امرأة لك الآن، أو يوم مخالفتك، أو تتزوجها
بعد ذلك تكون طالقًا منك ثلاث طلقات … والله تعالى الشاهد على نيتك، وعقد ضميرك فيما حفلت به، فيقول المحلف: نعم.»
?
فكان الرجل إذا انتدب لأي مهمة نفذها بكل دقة مهما تطلبت من التضحية، كما نرى في تاريخ الفدائيين، وكما يرى في تاريخ حادثة الرجل الذي
انتدب لقتل نظام الملك فقتله.

وكان للفدائيين من الإسماعيلية حصن حصين بقلعة تسمى ألّموت، أي عش العقاب، في الشمال الشرقي من قزوين، وكانت مركز الحشاشين يدرب فيها
الأتباع على الطاعة والفداء، بناها حسن الداعي إلى الحق العلوي سنة ????، وقد اشتهرت أيام الحسن الصباح إذ
أرعبت الأمراء والحكام، وخوفتهم من الاغتيال على يد أتباعه، وقد تلقى تعليمه عن فاطميين في مصر، وكان يدّعي أنه من نسل ملوك حمير، وقد
عرف أنه كان في مصر يعادي الفاطميين سنة ????، وقد رويت حكاية عن صداقته لعمر الخيام، ونظام الملك، وأحد أتباعه
قتل نظام الملك بخنجر، واستمرت القلعة قوية مرعبة بعد موته بمدة من الزمان، ثم سقطت بعد ذلك.

وكانوا يشككون من دخل مذهبهم في عقائدهم الأصلية، ومبادئهم السياسية، والأدبية، والاجتماعية، ويفهمونه أن مذهب الجمعية هو العلم الصحيح،
وقد نجحوا في أغلب دعواتهم عند أكثر الناس، ولم تخطئ فراستهم إلا قليلًا، والقارئ للكتب التي ألفت من المخالفين
لهم كالغزالي والبغدادي، يجب أن يحذر من أقوالهم التي لا تمثلهم تمامًا لما فيها من بعض المبالغات.

وقد كان الإسماعيلية يؤولون الآيات والأحاديث تأويلًا غير ما يدل عليه ظاهرها، ولذلك سمّوا بالباطنية، وذلك كالتأويلات التي نراها في
رسائل إخوان الصفاء، كالبعث والنشور، وخلود النفس، ونحو ذلك، فكلها لها معنى باطني.

هذا مبدؤهم الديني: تأويل لكل ما ورد به الشرع، ووراء ذلك كانت لهم مبادئ سياسية واجتماعية، فمبدؤهم السياسي أن يطوحوا بالدولة العباسية
وخلفائها، وأن يحلّوا محلهم الأئمة الشيعية، وقد نجحوا في ذلك إلى حد كبير، فإنْ لم تنجح وسائلهم السلمية،
فلا بأس أن تستعمل الوسائل الحربية. ويظهر أيضًا أنَّ من أغراضهم الاجتماعية إزالة المظالم التي كان يرتكبها العباسيون، وأمراؤهم وتوزيع
العدل بين الناس، وهذا مقصد نبيل حقًّا، ولكن يظهر لي أنه لما أتيحت لهم الفرص، وحلّ الشيعة محل العباسيين
في بعض الممالك، لم يطبقوا العدل تطبيقًا دقيقًا، بل وقع بعضهم في مثل ما وقع فيه العباسيون، وقد دعاهم موقفهم، واستجلاب الناس لهم
إلى أن ينشروا الدعوة إلى الإخاء بين الناس بقطع النظر عن الخلاف في الجنسية، أو الطبقة، أو الدين، فإنَّ هذا
من غير شك يرغب في قبول دعوتهم، خصوصًا وقد تعلموا أنه مما أفسد الأمر على بني أمية، وعلى بني العباس عصبيتهم الشديدة، وقد
جعلهم هذا ينشرون دعوتهم بين أهل الأديان المختلفة، والطبقات المختلفة، والأحزاب المختلفة.

وقد جرأ انتشار مذهبهم على أقوال لا تقرها السنية، كأشعار أبي العلاء في اللزوميات، وبعض أشعار ابن هانئ الأندلسي، وكقول الصاحب بن
عباد:

دخول النار في حب الوصيّ
وفي تفضيل أبناء النبي
أحبُّ إليّ من جنات عدن
أخلدها بتيم أو عديّ
?

وأبو العلاء وإن لم يكن شيعيًّا، فقد تسربت إليه بعض آراء الشيعة، وينسب إلى أحدهم أنه قال:

وما الخير إلا كماء السما
ء حلال فقدست من مذهب
وقد أدرك بنو العباس، ومن تبعهم خطر هذه الحركات عليهم، فهاجموهم وانتقموا منهم، يقول عماد الدين الهمذاني: «إنّ أحد أمراء خراسان قتل
في مدة قليلة أكثر من مائة ألف من الباطنية، وبنى من رءوسهم بالري منارًا أذّن عليه المؤذنون.» وفي كتاب الفرق
أن محمود بن سبكتكين سلطان غزنة قتل في مدينة مولتان من أرض الهند الألوف، وقطع أيدي ألف منهم، وباد بذلك نصراء الباطنية من تلك
الناحية.
?

ومن هذا الاضطهاد، والهجوم العباسي كانت وسائلهم، واضطهادهم مبعثًا لتغلغلهم في كل مرفق من مرافق الحياة، فلم تجد عملًا من الأعمال
إلا وتجد خلايا من خلاياهم تعمل لبث دعوتهم، أو إفساد الحكم على العباسيين، وقد كادوا يقضون على دولة العباسيين
لولا أنه دخل عنصر جديد انضم إلى العباسيين في الدفاع عنهم، وهو العنصر التركي، فقد شارك العباسيين في السنية، والفتك بالإسماعيلية
حتى ألجأهم إلى الفرار للجبال والبلاد البعيدة، ومع هذا كله لم تنمح الإسماعيلية، بل ظلت تنبسط وتنقبض، وتضيق
وتتسع حسب الظروف حتى يومنا هذا، وربما اتخذت أسماء مختلفة كالبابية، والبهائية، والدروز، وغيرها.

ثانيًا: القرامطة

هي فرقة من فرق الإسماعيلية، كان مركزها في أول الأمر مدينة واسط بين الكوفة والبصرة وما حولها، وكان يسكن هذه البلاد خليط من العرب،
والنبط، والسودان، وأكثرهم كانوا فقراء مستائين من حكومتهم، ومن أصحاب الأراضي الذين يستغلونها … ولهذا لبّوا
دعوة القرامطة.

واشتهر من أول الدعاة حمدان القرمطي، وقد عرفت الدعوة باسمه، وقد كان حمدان هذا أكّارًا بسيطًا بعثه أحد كبار دعاة العلوية ليدعو نيابةً
عنه في تلك البلاد، فبنى مركزًا جديدًا للدعوة الإسماعيلية قرب الكوفة، سماه دار الهجرة، واتخذه مكانًا للدعوة
والوعظ، فدخل في دعوته كثير من الناس، وقد فرض الضرائب على أتباعه يصرف منها على الفقراء والتأسيسات، وقد روي عنه أنه جمع من أتباعه
أموالًا كثيرة، وزّعها على المحتاجين من القرامطة، حتى لم يبق بينهم فقير، ولذلك يمكن أن يعدوا من أول الجمعيات
الاشتراكية، وكان دعاتهم يدعون إلى مؤاخاة الناس على اختلاف دياناتهم، وطبقاتهم، وأجناسهم … وتحمس الأتباع لهذه الدعوة،
وانتشرت دعوة القرامطة من واسط إلى كثير من البلاد العربية المجاورة لها، والبعيدة عنها، حتى وصلت إلى جنوبي جزيرة العرب.


وجاء زعيم اسمه أبو سعيد الجنّابي، فأنشأ فرعًا كبيرًا في بلاد الأحساء من بلاد البحرين، وتعاونت الفروع كلها للعمل ضد الخلافة العباسية،
واتبعها قوم في السر حتى في بغداد مركز الخلافة، وحتى في بلاط الخليفة نفسه يمدون رؤساءهم بالمعلومات، ويبثون
الدعوة إليها سرًّا، وكانوا ينتهزون من الفرص التي تضع من شأن العباسيين كتصرفاتهم السيئة أحيانًا، وضعف من يلي الأمر من خلفائهم، فإذا
أحسوا ضعفًا نشطوا في الدعوة، وخرجوا على الدولة.

فلما انتشرت الدعوة في البحرين انتشارًا كبيرًا في عهد الخليفة المعتضد أرسل جيشًا لمقاومة الحركة، ولكن جيش الخليفة انكسر، وأسر قائده،
وتبددت جنوده، وقتل من وقع في الأسر منهم، وقد استولى الثوار القرامطة على مدينة حجر عاصمة البحرين، كما استولوا
على اليمامة، وعلى عمان، ولما قاد الحركة القرمطية أبو طاهر سليمان وسّع نفوذه، وكان يزحف تارةً على البصرة وبغداد، وطورًا إلى
الحجاز، وكان ينتصر في كل غزواته تقريبًا، وقد دخل أبو طاهر هذا مكة، وسلب الكعبة، وقتل الحجاج. ويحدثنا المؤرخون
أن الذين قتلهم القرامطة في تلك السنة من الحجاج نحو ثلاثة آلاف غير الذين ماتوا من الجوع، وغير من وقع أسيرًا، وكان
من بين من أسر الأزهري اللغوي العالم المشهور، وقد غنم أبو طاهر ملايين الدنانير إذ ذاك، وأرسل جزءًا منها إلى الإمام الشيعي،
وأنفق الباقي على أتباعه، وكان للقرامطة جواسيس يبلّغون رؤساءهم كل حركة من العباسيين، وخاف الناس منهم جدًّا،
خصوصًا لقطعهم الطرق على السابلة، وعجزت الخلافة العباسية عن كحب جماحهم.

وقد زحف القرامطة على البصرة، ونهبوها سنة ???? حتى ضج الناس، وشملهم الرعب، ونسبوا انتصارهم إلى قوى روحية تساعدهم، والحق أن قوتهم
كانت في قوة إيمانهم بعقيدتهم مما يدعوهم إلى ثباتهم، بينما خصومهم لا يحاربون عن عقيدة، وقد هاجم القرامطة
مكة مرة أخرى، ودخلها أبو طاهر، وأصحابه يقتلون أهلها، ومن كان فيها من الحجاج، حتى من تعلق فيها بأستار الكعبة، وهدم زمزم، وفرش بالقتلى
المسجد، وأقام بمكة ستة أيام، وهو يحرّض أصحابه على القتل، وينتقل من مكان إلى مكان، ويقول: «أجهزوا على الكفار،
وعبدة الأحجار.» وأقام أبو طاهر وأصحابه اثني عشر يومًا يقتلون وينهبون، ويأتون من الأفعال ما تقشعر منه الأبدان، فهل هذا يحقق
ما كانوا يقولونه من أنهم يريدون القضاء على الدولة العباسية لنشر العدل والأمن بين الرعية؟!

وكان من جملة ما نهبه القرامطة من مكة الحجر الأسود، وبقي هذا الحجر في الأحساء ملقى في إحدى زوايا المدينة مهجورًا إلى سنة ????؛ حيث
ردّه القرامطة بأمر من المنصور الفاطمي.

مضت سنة على هذه الحوادث الأليمة، والخلافة لم تستطع تعقبهم، ولا تأديبهم، فلما رأى القرامطة ضعف الخلافة، زحف أبو طاهر مرة أخرى على
الكوفة واحتلها، واضطر الخليفة أن يعقد معه هدنة، ويؤدي له مائة وعشرين ألف دينار كل سنة.

ثم توفي أبو طاهر سنة ????، فاكتفى خلفاء أبي طاهر بما فتحوه من البلاد، ولم يعودوا يتطلعون إلى فتوحات جديدة، وسبب آخر أنه كان قد
سقطت الدولة العباسية في يد بني بويه الشيعيين، فصادقوهم، وأحسنوا الصلات بينهم.

ثالثًا: الزنج

ومن هذا القبيل أيضًا ما عرف التاريخ بثورة الزنج، وكان لها شأن كبير في تاريخ المسلمين.

ظهر صاحب الزنج هذا في فرات البصرة سنة ????، وهو رجل زعم أنه عليّ بن محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي
طالب، وبعض العلويين ينكر نسبته إليهم. وقد كان في هذه البقعة عدد كبير من الزنج الذين كانوا يكسحون السباخ
في البصرة. وقد استغل زعيم الزنج هذا استياءهم من عملهم، وكراهيتهم لأصحاب رءوس الأموال، وكراهيتهم للحكم العباسي الذي يقر هذا العمل،
فالتفوا حوله، وكان متصلًا بحاشية السلطان يطلعونه سرًّا على الأمور، وكان فصيحًا خطيبًا يؤثر في سامعيه، حتى
اجتمع له عدد كبير منهم. وانتشر أتباعه في الأحساء، وما حولها، وادّعى الولاية، وأنه يلهم بما يعمل، وما لا يعمل. وما زال يحبّب
الناس في مذهبه، وخاصةً الغلمان، ويمني أتباعه، ويعدهم حتى اتبعه عدد كبير، ثم تأتيه الأموال من أتباعه، ويفرقها
عليهم.

ولما قوي أمره، وتمكن من نهب كثير من الأموال والمراكب البحرية التي تحمل أموالًا كثيرة للتجارة، هجم على البصرة، وأوقع القتل في أهلها،
وأمر الزنوج بوضع السيف فيهم، وأوقع بذلك الرعب في البلاد، واستخفى من سَلِم من أهل البصرة في آبار الدور،
فكانوا يظهرون ليلًا، ويطلبون الكلاب فيذبحونها ويأكلونها، ويأكلون الفئران والسنانير، وصار إذا مات الواحد منهم أكلوه. وظل الزنج على
ذلك سنين وتغلبوا على البطيحة وواصف وخربوهما، حتى إنه أخيرًا جمع أبو العباس بن أبي أحمد جمعًا كثيرًا، ونشبت
حرب بين الفريقين؛ فهزمت الزنج، وأعملت فيهم السيوف، واختفى من فرّ منهم حتى زال أمرهم.

كل هذا يرينا صورة مصغرة مما حدث في تاريخ المسلمين من المكايد والمذابح والمقاتل، والناظر إلى حقيقة الأمر يرى أن الخلاف بين هؤلاء
وهؤلاء مبني على شهوة الحكم، وعلى نزاع في مسائل تاريخية ذهب زمنها. والذي يرى هذه الفتن والضحايا التي ذكرنا
بعضها يعجب من بقاء الدول الإسلامية بعد هذا، ولولا أن أساسها متين جدًّا ما بقيت، لا أمام الصليبيين، ولا أمام غيرهم. فمن العجيب أن
تبقى كل هذه النكبات، وقد أدرك المأمون هذا العناء الذي يلاقيه الطرفان من عباسيين وعلويين، فأراد أن يستريح
ويجعل الأمر بعده إلى إمام العلويين؛ ظانًّا أن الخلاف ينقطع بذلك، ولكن ما علم أفراد البيت العباسي بذلك حتى ثاروا وزاد
الخلاف بدل أن ينحسم، وحتى اضطر المأمون أخيرًا إلى الرجوع عن فكرته.

رابعًا: الزيدية

ومن فرق الشيعة الزيدية، وهم من أعدل الفرق؛ لأنهم يرون أن عليًّا أحق بالخلافة من أبي بكر وعمر، ولكن أما وقد اجتمع أكثر الصحابة على
بيعة أبي بكر وعمر، فلا بد أن يعترف بإمامتهما؛ لأن الصحابة إذ ذاك قدروا الظروف المحيطة بهم.

ولم يجوّز الزيدية التستر والاختفاء، ولذلك كان كثير من أئمتهم يخرجون فيقتلون، ولهذا خرج زيد بن علي فقتل وصلب، وقام بالإمامة ابنه
يحيى بن زيد، ومضى إلى خراسان، واجتمعت عليه جماعة كثيرة؛ فقتل أيضًا وصلب. وقد فوض الأمر بعد إلى محمد وإبراهيم
الإمام، وخرجا بالمدينة، وسار إبراهيم إلى البصرة فقتلا أيضًا، وتوالى أئمتهم من بعده، وجروا على صحة إمامة أبي بكر وعمر، وقالوا بجواز
ولاية المفضول.

وقد تتلمذ الإمام زيد لواصل بن عطاء إمام المعتزلة في الأصول، ولذلك اقترب مذهب الزيدية من الاعتزال، يقول الشهرستاني: وصارت أصحابه
كلهم معتزلة.

ولذلك يختلف الزيدية في بعض المسائل عن سائر الشيعة، ولاعتدالهم لم يكن لهم حركات عنيفة في التاريخ الإسلامي.

وقد استطاع أحد زعمائهم، واسمه القاسم سنة ????م أن يطرد الوالي التركي من اليمن، ويؤسس إمامة زيدية، ثم انتصر الأتراك سنة ????م، فأصبحت
ولاية تركية إلى أن قام الإمام يحيى سنة ????م، ولكن الأتراك لم يعترفوا باستلال حكومة الإمام حتى سنة ????م،
ولم ينسحب الأتراك بالكلية من اليمن حتى السنة الأخيرة من الحرب العالمية الأولى، ومملكة اليمن الآن مملكة زيدية.

وللزيدية مؤلفات في الأصول، والحديث، والفقه خاصة بهم، من أئمتهم المتأخرين المشهورين الإمام الشوكاني، صاحب التآليف الكثيرة في الأصول
والفقه.

هوامش
(?)
انظر خطط المقريزي.
(?)
الفرق بين الفرق ص???، وقد ذكر اليمين في بعض كتب الإسماعيلية نفسها.
(?)
يشير بتيم إلى أبي بكر التيمي، وبعدي إلى عمر العدوي.
(?)
الفرق ص???.
الفصل السابع

الدولة الفاطمية

وقد أتيحت الفرص للشيعة أن يحكموا، ومن أبرز ذلك الدولة الفاطمية في المغرب ومصر والشام، وبقاؤها في الحكم مدة طويلة. والحق أنهم أقاموا
ملكًا كبيرًا مترامي الأطراف، وقد بثوا الروح القومية في مصر حتى شعروا بأنها دولة مستقلة، ولما زار البلاد ناصر خسرو
وصف البلاد وصفًا يدل على حضارة فائقة.

وأداروا البلاد على نظام يشبه النظام الفارسي القديم، وشجعوا العلم والأدب والفن تشجيعًا كبيرًا، كما أسسوا دور الكتب الكثيرة، ولا تزال
أبنيتهم مضرب المثل في عظم العمارة الإسلامية، وكذلك ما وصل إلينا من تحفهم الدقيقة، ولكن طالما كان الشيعيون ينعون
على العباسيين ترفهم، وإفراطهم في الملاهي، والملذات، وتعصبهم الشديد عليهم، فلما ملكوا هم، وملك زملاؤهم بنو بويه العراق، وما حولها، لم
نجد في الحكم فرقًا كبيرًا، فالإسراف في الترف هو الإسراف في الترف، والظلم أحيانًا هو الظلم، والتعصب هنا كالتعصب
هناك، فإن تعصب الأمويون والعباسيون فهاجموا، فقد تعصب العلويون والبويهيون والإسماعيليون فانتقموا؛ حتى صح قول القائل:

فلا تحسبَنْ هندًا لها الغدر وحدها
سِجيَّةُ نفسٍ كل غانيةٍ هِنْدُ

نعم، إن هنا وهناك في هذا الجانب أو ذاك، بعض رؤساء اشتهروا بالعدل والتقوى، ولكن بجانبهم آخرون هنا وهنا أيضًا اشتهروا بالظلم. ولم ينفع
صاحب الزمان المختفي المعصوم في أن يرد الظالم عن ظلمه، لقد كان سيف الدولة ابن حمدان الشيعي نهابًا وهّابًا، فكان
يولّي قاضيًا، فيقول القاضي: «من هلك فلسيف الدولة ما ملك.»

ولذلك مع حكم الدولة الفاطمية المصريين طويلًا لم يستطيعوا أن يُشَيِّعوا المصريين تمامًا، فاستطاع صلاح الدين أن يردهم إلى السنية في سهولة.
ويحدثنا المؤرخون أن الظاهر وهو الخليفة الفاطمي كان شابًّا يحب الملاهي، وينغمس في النعيم، حتى اغتصب الملك منه وزيره
الكردي ابن السّلار، كما يحدثونا أن مدة حكمهم، وهي نحو القرنين، ونصف قد امتلأت بالدسائس، والخصومات، وساءت أحوال الشعب لتعاقب المجاعات
والمحن، وازداد الفقر في سني القحط، وقلّت الموارد؛ فازدادت الضرائب، وكثرت المصادرات. وتقرأ الخطط للمقريزي فترى ما
كان في قصور الخلفاء من تحف وخدم وجواهر، بينما كان الشعب في بؤس، فالحال هنا كالحال هناك، وغاية الأمر أن الحكم الشيعي
يستند إلى إمام معصوم لا يقبل النقد، والحكم السنّي يستند إلى خليفة غير معصوم، معرض للخطأ والصواب، قابل للنقد.
الفصل الثامن

الأدب الشيعي

كان للشيعة دولتان ضخمتان: الدولة الفاطمية في المغرب ومصر والشام، والدولة البويهية في فارس والعراق. وكان لكلٍّ حضارة ضخمة فيها شعر،
وفيها فن، وفيها علم؛ فكان للدولة الفاطمية شعر كثير، من مبدأ ابن هانئ الذي ملأ شعره مديحًا في خلفاء الدولة الفاطمية،
والخلفاء يجزلون له العطاء، وهم يفرطون في المديح له حتى يخرجوا بهم إلى صف الآلهة، وقلده الشعراء بعده، فمن شعره مثلًا:

لي صارم وهو شيعيّ كحامله
يكاد يسبق كراتي إلى البطل
إذا المعز معزّ الدين سلّطه
لم يرتقب بالمنايا مدّة الأجل

ويقول:

هو علة الدنيا ومن خلقت له
ولعلّة ما كانت الأشياء
فعنت لك الأبصار وانقادت لك ال
أقدار واستحيت لك الأنواء
لا تسألنَّ عن الزمان فإنه
في راحتيك يدور حيث تشاء

ويقول:

تدعوه منتقمًا عزيزًا قادرًا
غفّار موبقة الذنوب صفوحا
أقسمت لولا أن دعيت خليفة
لدعيت من بعد المسيح مسيحا
شهدتْ بمفخرك السمواتُ العلا
وتنزّل القرآن فيك مسيحا

ويقول:

ما شئت لا ما شاءت الأقدار
فاحكم فأنت الواحد القهار
وكأنما أنت النبي محمد
وكأنما أنصارك الأنصار
هذا الذي تجدي شفاعته غدًا
حقًّا وتَخْمَد إذ تراه النار

وهكذا جاء الشعراء بعده فاتبعوه، وأفرطوا في مديح الخلفاء، واستمروا على ذلك إلى أن كان آخرهم عمارة اليمني.

وبين ابن هانئ وعمارة شعراء لا يحصون عدًّا، كتميم بن المعز، وكلهم على نمط ابن هانئ في المديح، كالذي يقول أبو الحسن علي بن محمد الأخفض
في الخليفة الآمر:

إلى ذروة المجد العلائي إنه
إلى ذروة النور الإلهي ينسب

ويقول في مدح الخليفة الحافظ:

بشر في العين إلا أنه
من طريق العقل نور وهدى
جلّ أن تدركه أعيننا
وتعالى أن تراه جسدا

فإذا نحن تجاوزنا الشعراء، وجدنا المجالس تموج بالحركة الثقافية من أول عهد النعمان داعي الدعاة، وقد كان يجلس للدرس والمحاضرة إلى عهد
يعقوب بن كلس، فقد كان يعقد درسًا في بيته كل أسبوع، يقرأ عليهم مؤلفاته، وخصص ديوانًا من بيته لكل طائفة من الأدباء
والعلماء.

وأنشأ الفاطميون خزائن الكتب، وشجعوا نقلها، والعناية بها، ووقفوا الأوقاف على استنساخها، حتى كانت دار الحكمة تموج بالناسخين والمطالعين.
فإن نحن تجاوزنا إلى الطُّرَف الفنية التي كانت تملأ القصور، والتي يدل عليها ما أخرج من القصور أيام صلاح الدين، وما
بيع منها أخذنا العجب من ذلك، هذا إلى احتفالاتهم بالأعياد، وإقامة الولائم في عيد الفطر، وفي الأضحى … إلخ. وعلى الجملة، فقد خلفوا حضارة
تعتني بالعلم، والأدب، والفن إلى آخر مدى.

وأما الدولة البويهية، فقد كانت كذلك معتنية بالعلم والأدب، لقد بدأت حياتها تتعصب للأدب الفارسي، ولكن ما لبثت أن تثقفت الثقافة العربية،
وتعصبت لها، ونبغ من ملوكهم من كان يشارك العلماء والشعراء في شعرهم وأدبهم، مثل: عضد الدولة البويهي، وكان وزراء استنّوا
سنتهم، وعنوا بالأدب، على رأسهم هؤلاء الأقطاب الأربعة: ابن العميد، والصاحب بن عباد، والوزير المهلبي، وابن سعدان. وقد كان كلّ عظيم الجاه،
يقصد إليه الأدباء والعلماء، وكان لكل ميزة، كان الصاحب بن عباد ميزته الأدب البحت، وهو في مجالسه يعلم الأدباء بالنقد،
ويقترح عليهم نَظْم الشعر في موضوعات معينة، أو إجازة بعض الأبيات، وابن العميد كانت ميزته العلم والأدب، ويضم إليه طائفة من
المتخصصين في هذا، وابن سعدان كان يعنى بالفلسفة، ويجالس الفلاسفة أمثال: أبي حيان التوحيدي، ويثير في مجالسه مسائل فلسفية، والوزير
المهلبي كان يعنى بالأدب الصرف، وفي التأليف في الأدب، ومن جلسائه أبو الفرج الأصفهاني، وله ألّف كتابه الأغاني، والقاضي
التنوخي وغيرهم، هؤلاء ملأوا الدنيا علمًا وأدبًا.

ومن الآثار الأدبية الشيعية أشعار الشريف الرضي، وما في ديوانه مما يتعلق بالتشيع كثير، وكان يدور في فلكه مهيار الديلمي، فيقول القصائد
الشيعية العديدة.

وكانت مقاتل الطالبيين، واضطهادهم باعثًا لأدباء الشيعة على النّوح والبكاء والعويل الذي لا ينفد، كالذي يقول الناشئ:

بني أحمد قلبي لكم يتقطّع
بمثل مصابي فيكم ليس يسمع
عجبت لكم تفنون قتلًا بسيفكم
ويسطو عليكم من لكم كان يسمع
كأن رسول الله أوصى بقتلكم
وأجسامكم في كلِّ أرض توزّع

وللناشئ هذا بائية مشهورة جدًّا في البكاء والنحيب، مطلعها:

رجائي بعيد والممات قريب
ويخطئ ظنّي والمنون تصيب

وكان له أشعار كثيرة لا تحصى في النواح والبكاء.

وللصاحب بن عباد نحو عشرة آلاف بيت في مناقب أهل البيت، والتبرؤ من أعدائهم، ومما ينسب إليه قوله وهو من أفظع الهجاء:

قالت تحبُ معاويه
قلت اسكتي يا زانيه
قالت أسأت جوابنا
فأعدت قولي ثانيه
يا زانية يا ابنة ألفي زانيه
أأحبُّ من شتَم الوصيَّ علانيه
فعلى يزيدٍ لعنة
وعلى أبيه ثمانيه

ومن شعر مهيار الديلمي في ذلك:

وقائل لي عليٌّ كان وارثه
بالنصِّ منه فهل أعطوه أو منعوا
فقلت كانت هناك لست أذكرها
يجزي بها الله أقوامًا بما صنعوا
هُمُ رجال إذا سمَّيْتهم عُرفوا
لهم وجوه من الشحناء تمتقع
ما زلت مذ يفعت سني ألوذ بكم
حتى محا حقكم شكي فأنجع

وله في رثاء الحسين:

مصابي على بعد داري بهم
مصاب الأليف في فقْد الأليف
وليس صديقي غير الخيرين
ليوم الحسين وغير الأسوف
قتيل به ثار غل النفوس
كما فغر الجرح حك القروف
نسوا جده عند عهد قريب
وتالده مع حق طريف

وممن تشيع من كبار الكتاب أبو بكر الخوارزمي، كان شيعيًّا متعصبًا لأهل البيت، صريحًا في مواجهته لهم، مسلطًا قلمه على خصومهم. وللتشيع
هذا أثر قوي في رسائله، فهو لا يترك فرصة دون أن يستغلها في هجاء خصومه، أو مدح رؤساء الشيعة، أو إظهار التوجع والتفجع
لما أصاب أهل البيت من ظلم وقتل وغصب. فإذا كتب رسالة إلى جماعة الشيعة في نيسابور أسهب وأطال فيما أصاب أنصار الشيعة من قتل، وتشريد، ومنحة،
وبلاء أيام الأمويين والعباسيين بأسلوب تسوده نغمة الحزن والكآبة، فيقول: «وأنتم ونحن — أصلحنا الله وإياكم — عصابة
لم يرض الله لنا الدنيا، فذخرنا للدار الأخرى، ورغب بنا عن الثواب العاجل، فأعدّ لنا الثواب الآجل، وقسمنا قسمين: قسمًا مات شهيدًا، وقسمًا
عاش شهيدًا، فالحي يحسد الميت على ما صار إليه، ولا يرغب بنفسه عما جرى إليه. قال أمير المؤمنين: المحن إلى شيعتنا
أسرع من الماء إلى الخدور، فإذا كنا شيعة أئمتنا في الفرائض والسنن، ومتبعي آثارهم في كل قبيح وحسن؛ فينبغي أن نتبع آثارهم في
المحن. غُصبت سيدتنا فاطمة ميراث أبيها يوم الثقيفة، وأخّر أمير المؤمنين عن الخلافة، وسُمَّ الحسن سرًّا.» وعلى هذا النحو يمضي
في رسالته معددًا مصائب الشيعة، هاجيًا آل مروان، وآل الزبير، وبني العباس هجاء لاذعًا عنيفًا.

وتتابع الشيعة على هذا المنوال، فألف ابن أبي الحديد شارح نهج البلاغة قصائد سبعًا كالمعلقات السبع، سماها «القصائد السبع العلوية»، الأولى:
في ذكر فتح خيبر، والثانية: في ذكر فتح مكة، والثالثة: في وصف النبي، والرابعة: في واقعة الجمل، والخامسة: في وصف علي،
والسادسة: في وصفه أيضًا ومدحه، والسابعة: في أوصافه. فمثلًا يقول في وصفه:

ولقد بكيت لقتل آل محمد
بالطف حتى كل عضو مدمع
وحريم آل محمد بين العدا
نهب تقاسمه اللئام الرّضع
تالله لا أنسى الحسين وشلوهُ
تحت السنابك بالعراء موزع
متلفعًا حمر الثياب وفي غد
بالخضر من فردوسه يتلفّع
تطأ السنابك صدره وجبينه
والأرض ترتجف خيفة وتضعضع
لهفي على تلك الدماء تراق في
أيدي أميَّة عنوة وتضيَّع

… إلخ إلخ.

وعلى الجملة، فالثروة الأدبية التي تركها الشيعة في العويل والبكاء، ومدح الخلفاء ثروة كبيرة. وإذا نحن قلنا: الأدب الشيعي، فهو بعينه أدب
معتزلي؛ لأن الأدب البويهي كان أدبًا شيعيًّا معتزليًّا.

الصوفية
الفصل الأول

نشأة التصوف
التصوف
?
نزعة من النزعات، لا فرقة مستقلة كالمعتزلة، والشيعة، وأهل السنة، ولذلك يصح أن يكون الرجل معتزليًّا وصوفيًّا، أو شيعيًّا وصوفيًّا، أو
سنيًّا وصوفيًّا، بل قد يكون نصرانيًّا أو يهوديًّا أو بوذيًّا وهو متصوف،
?
وهذا لا يمنعنا من عقد فصل لهم كما فعل الفخر الرازي من قبل.
ومن المؤلفين مَنْ يجعل الصوفية طائفة من أهل السنة، قال ابن السبكي في شرح عقيدة ابن الحاجب: «اعلم أن أهل السنة والجماعة كلهم قد اتفقوا
على معتقد فيما يجب ويجوز ويستحيل، وإن اختلفوا في الطرق والمبادئ الموصلة لذلك، وبالجملة فهم بالاستقراء ثلاث طوائف:

list of 3 items
الأولى: أهل الحديث، ومعتمد مبادئهم الأدلة السمعية: الكتاب، والسنة، والإجماع.
الثانية: أهل النظر العقلي، وهم الأشعرية، والحنفية، وشيخ الأشعرية أبو الحسن الأشعري، وشيخ الحنفية أبو منصور الماتريدي،
وهم متفقون في المبادئ العقلية في كل مطلب يتوقف السمع عليه.
الثالثة: أهل الوجدان والكشف، وهم الصوفية، ومبادئهم مبادئ أهل النظر والحديث في البداية، والكف والإلهام في النهاية».
list end

وقد اختلف الناس في نسبة الكلمة: هل هي من الصُفَّة، أو من الصفاء، أو من «سوفيا»، وهي باليونانية بمعنى الحكمة، أو من الصوف، ونحن نرجح
أنها نسبة إلى الصوف؛ لأنهم في أول أمرهم كانت هذه الفرقة تلبس الصوف اخشيشانًا وزهادة، كما نرجح أنها كانت ترتكن في
أول أمرها على أساس إسلامي، فركنا التصوف أول ما ظهرا هما: الزهادة، وحب الله. وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تزهّد في الدنيا، وتقلل من
شأنها مثل:أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى? زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (التكاثر: ?، ?)، والْمَالُ
وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (الكهف: ??)، ووَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ
مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ (الكهف: ??) الآية. ووجد رجال كثيرون من أول الإسلام عرفوا بالزهادة كرجال الصفة، وأبي
ذر الغفاري، ووجد بعد ذلك الحسن البصري، وقد كان إمامًا كبيرًا أثرت عنه الأقوال الكثيرة في ذم الدنيا، والخوف من الله، وكان حزينًا حزنًا
مفرطًا، حتى قالوا: إنه كان دائمًا كأنه عائد من جنازة، ولكن كل هؤلاء لم يطلق عليهم متصوفون بالمعنى الذي عرف بعد،
وحتى الحسن البصري هذا لم يترجمه القشيري في رسالته التي ترجم فيها للصوفية.

والركن الثاني في التصوف هو الحب الإلهي، وفي القرآن: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ (البقرة: ???)، وفي الحديث: «نعم العبد صهيب!
لو لم يخف الله لم يعصه.» فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ (المائدة: ??)، ولكن لما
فتحت الفتوح الإسلامية، واختلطت الثقافات المختلفة، وكانت تموج في المملكة الإسلامية الفلسفة اليونانية، وخاصة الأفلاطونية الحديثة، والنصرانية،
والبوذية، والزرادشتية، وجدنا أن هذا الزهد، وهذا الحب الإلهي يتفلسفان، وتتسرب إلى التصوف بعض تعليمات من كل هذا.

فالفلسفة اليونانية كانت منتشرة في الشرق منذ فتوح الإسكندر، وكان لها مدرسة في حزّان، وهي التي تسمّت بالصابئة، وقد ترجموا كتبًا يونانية
كثيرة إلى السريانية، ثم إلى العربية.

كما كان هناك فلسفة هندية وفارسية، وإن كانت فلسفتهم أقل انتشارًا من الفلسفة اليونانية، وكان للهند مدرسة في جنديسابور كانت تدرس فيها
علوم اليونان، والهند على السواء.

كل هذه كانت تتسرب منها تعاليم إلى التصوف بعد عصره الأول.

هوامش
(?)
تعرضنا للتصوف في الجزء الثاني من ظهر الإسلام، وكان غرضنا منه توضيح النزاع بين الفقهاء والمتصوفة، ونريد هنا تأريخ التصوف، فليعذرنا
القارئ إذا وجد بعض أشياء قليلة تتكرر.
(?)
وبالفعل وجدت في العصر الحديث جمعية صوفية برئاسة عناية الله خان، تجمع بين أديان مختلفة، وتصدر مجلة صوفية كل ثلاثة شهور.
الفصل الثاني

ما هو التصوف؟
وبعد، فما هو التصوف …؟ ربما كان ابن خلدون خير من أوضح معناه فقال:

وأصلها — أي طريقة التصوف — العكوف على العبادة، والانقطاع إلى الله، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد
فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومالٍ وجاه، والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة، وكان ذلك عامًّا في الصحابة والسلف،
فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني، وما بعده، وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا، اختص المقبلون
على العبادة باسم الصوفية …» ثم قال: «ثم لها آداب مخصوصة، واصطلاحات من ألفاظ تدور بينهم؛ إذ الأوضاع اللغوية إنما هي للمعاني
المتعارفة، فإذا عرض من المعاني ما هو غير متعارف اصطلحنا في التعبير عنه بلفظ متيسر فهمه منه … وصار
علم الشريعة على صنفين: صنف مخصوص بالفقهاء وأهل الفتيا، وصنف مخصوص بالقوم في الكلام في المجاهدة، ومحاسبة النفس عليها، والأذواق،
والمواجيد العارضة في طريقها، وكيفية الترقي منها من ذوقٍ إلى ذوق … ثم إنَّ هذه المجاهدة والخلوة
والذكر يتبعها غالبًا كشف حجاب الحس، والاطلاع على عوالم من أمر الله، ليس لصاحب الحس إدراك شيء منها … وسبب هذا الكشف أنَّ الروح
إذا رجع عن الحس الظاهر إلى الباطن، ضعفت أحوال الحس، وقويت أحوال الروح، وغلب سلطانه … ولا
يزال في نمو وتزيد إلى أن يصير شهودًا بعد أن كان علمًا.

وقد وفق ابن خلدون في إرجاع عناصر التصوف إلى أربعة:
list of 4 items
(?) الكلام في المجاهدات، وما يحصل من الأذواق والمواجيد، ومحاسبة النفس على الأعمال.

(?) الكلام في الكشف، والحقيقة المدركة من عالم الغيب.

(?) التصرفات في العوالم، والأكوان، وأنواع الكرامات.

(?) ألفاظ موهمة الظاهر نطق بها أئمة القوم، فتعرف بالشطحات تستشكل ظواهرها، فمنكر لها، ومستحسن، ومتأول.
list end

والتصوف يعتمد على الذوق والمواجيد أكثر مما يعتمد على المنطق، والعقل في نظرهم أداة غير صالحة، إن استطاع إدراك ظواهر الأشياء فهو لا يصلح
مطلقًا في استكناه الحقيقة؛ لأن العقل لا يعرف إلا ما يقع عليه الحس، أي لا يعرف الأشياء إلا في ظواهرها، أما الأشياء
في حقائقها، وكنه وجودها فمن وراء طاقته أبدًا. والصوفية تمتاز بتمجيد الله، والخوف منه، والإحساس العميق بضعف النفس، والخضوع التام لإرادة
الله القوية، والاعتقاد التام بوحدانيته.

وبعضهم عرَّفه بوصف المتصوف، فقال رويم البغدادي: «التصوف مبني على خصال: التمسك بالفقر والافتقار، والتحقق بالبذل، وترك الغرض والاختيار».


وقال الكرخي: «التصوف هو الأخذ بالحقائق، واليأس مما في أيدي الخلائق»، وقال الجنيد: «أن تكون مع الله بلا علاقة»، وقال ذو النون: «أن لا
تملك شيئًا، ولا يملكك شيء»، وقيل للحصري: «مَنْ الصوفي عندك …؟ فقال: الذي لا تقلّه الأرض، ولا تظلّه السماء».
?

ومن أول ما ظهر من فلسفة المعاني الصوفية فلسفة الحب في قول رابعة العدوية:

أحبك حبين حبّ الهوى
وحبًّا لأنك أهل لذاكا
فأمَّا الذي هو حبّ الهوى
فشغل بذكرك عمن سواكا
وأما الذي أنت أهل له
فكشفك لي الحجب حتى أراكا
فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي
ولكن لك الحمد في ذا وذاكا

قال الغزالي في الإحياء: «ولعلها أرادت بحبّ الهوى حبّ الله لإحسانه إليها، وإنعامه عليها بحظوظ العاجلة، وأرادت بحبه لما هو أهل له الحب
لجماله وجلاله الذي انكشف لها، وهو أعلى الحبّين وأقواهما»، ولذة مطالعة جمال الربوبية هي التي عبر عنها رسول الله؛
حيث قال حاكيًا عن ربه: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر.»

وقد روي لها في الحب أيضًا قولها:

إني جعلتك في الفؤاد محدثي
وأبحت جسمي من أراد جلوسي
فالجسم مني للجليس مؤانس
وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي

وقد تدفق بعدها كلام الصوفية في الحب تدفقًا عظيمًا.

ورابعة العدوية هذه — كما تدل نسبتها — عربية الأصل، كانت من أعيان عصرها، ومات أبوها وهي صغيرة، وحدثت مجاعة بالبصرة بيعت أمةً بسببها،
وقد حمدها سيدها لكثرة صلاتها، وسهرها الليل. وقد ماتت سنة ????، فهي عربية الأصل، ولذلك نرجح أن فلسفتها للحب كانت
مزاجًا، ونتيجة إفراطها في العبادة والزهد، هذا إلى طبيعتها النسائية. وقد ذكر القشيري في رسالته أنها كانت تقول في مناجاتها: «إلهي تحرق
بالنار قلبًا يحبك؟» فهتف بها هاتف يقول: «ما كنا نفعل هذا، فلا تظني بنا ظن السوء.» وقد روي أنها قابلت الحسن البصري
وسمعت منه، والذي يقارن بينهما يرى أن الحسن كان مغمورًا بنزعة الخوف، وأما هي فكانت مغمورة بنزعة الحب، ولا شك أنَّ نزعة الحب أرقى بكثير
من نزعة الخوف.

قد يجوز أن يكون من أتى بعدها قد تأثر بمعاني الحب التي قيلت في الثقافات المختلفة، أما هي فما نظن أنها تأثرت بذلك، وإنما هي موجدة وجدتها
في نفسها فغنت لها غناءً بهيجًا، كالموجدة التي كانت عند الخنساء؛ فغنّت لها طويلًا غناءً حزينًا.

وعند نشوء التصوف في القرن الثاني يظهر أنه لم يكن هناك جامعة تجمعهم، ولا أمكنة خاصة يؤدون فيها شعائرهم، إنما كانوا أفرادًا متفرقين،
قد يكون لبعض منهم تلاميذ، وكان كثير منهم يرتحل ويتلو القرآن، ويكثر من ذكر الله، ونرى في هذا الطور أبا يزيد البسطامي
يكثر من الكلام في الاتصال بالله، والتفكير فيه، ويبدأ بفكرة كانت من أركان الصوفية فيما بعد، وهي فكرة الفناء في الله، وأبو يزيد هذا فارسي،
وفكرة الفناء كانت في الديانة البوذية من قديم، وهي تسمى عندهم «نرفانا».

وفكرة الفناء كثيرة الشيوع في كلام الصوفية، وهي على درجات، وذات مظاهر، فالمظهر الأول: تغير أخلاقي في الروح تنحلّ معه الرغبات والشهوات،
والثاني: انصراف الذهن عن كل الموجودات إلى التفكير في الله، والمظهر الأول نفسي، والثاني عقلي، ثم انعدام كل تفكير
إرادي، والتفكير في الله من غير وعي، وآخر درجاته انعدام النفس بالبقاء مع الله. ويصف السريُّ السقطي مَنْ وصل إلى هذه الحالة بقوله: «إنه
لو ضرب بسيف على وجهه لما شعر به.»

وربما كان من العناصر التي تسربت إلى التصوف أيضًا عنصر النصرانية، فقد رويت أحاديث كثيرة عن تلاقي بعض الصوفية برهبان نصارى، مثل ما رواه
المبرد في الكامل، وملخصه أنَّ راهبين قدما من الشام إلى البصرة، عرض أحدهما على الآخر أن يذهبا لزيارة الحسن البصري؛
لأنَّ حياته كحياة المسيح.

وهناك روايات كثيرة عن صوفية نزلوا أديار النصارى، كما رووا آيات من الإنجيل، ويروون أن المسيح — عليه السلام — مرّ بثلاثة قد نحلت أجسامهم،
واصفرت وجوههم، فسألهم: ما جاء بكم هنا؟ قالوا: خوفًا من النار. فقال لهم: إنكم لا تخافون مخلوقًا، ثم مر بثلاثة آخرين
أشد ضعفًا، وأكثر اصفرارًا؛ فسألهم ما سأل الأولين، فقالوا: شوقًا إلى الجنة. قال لهم: رغبتم في شيء مخلوق. وأخيرًا مر بثلاثة في غاية النحول
والاصفرار، فسألهم ما سأل الأولين، فقالوا: محبة الله، فقال المسيح: أنتم أقرب الناس إلى الله. ويعدّون ما أخذه الصوفية
من المسيحية: لبس الصوف؛ إذ كان كثير من الرهبان يلبسونه، والكلام في حب الله.

ومن العناصر التي يعدّونها أيضًا أصلًا للصوفية الأفلاطونية الحديثة، فقد ترجمت لها كتب كثيرة إلى السريانية، ومن السريانية إلى العربية،
وتنسب معظم الأفلاطونية الحديثة إلى أفلوطين الذي نشأ في مصر، ثم ذهب إلى روما في القرن الثالث الميلادي، وله كتاب
التاسوعات الذي نقل بعضه إلى اللغة العربية بعنوان الأثولوجيا، أي الربوبية، نقله عبد المسيح بن ناعمة الحمصي، وأصلحه لأحمد بن المعتصم
بالله أبو يوسف يعقوب الكندي، وانتفع بهذا الكتاب ابن سينا، وشرحه، وهو يعتقد خطأ أنه لأرسطو، ويقول أفلوطين في ذلك
الكتاب: «إني ربما خلوت بنفسي، وخلعت بدني جانبًا، وصرت كأني جوهر متجرد بلا بدن، فأكون داخلًا في ذاتي، راجعًا إليها، خارجًا من سائر الأشياء؛
فأكون العلم والعالم والمعلوم جميعًا، فأرى في ذاتي من الحسن والبهاء والضياء ما أبقى له متعجبًا بهتًا …» وقد كانت
هذه الفلسفة منتشرة في مصر؛ حيث تعلمها ذو النون المصري المتصوف الكبير. ومما ينسبون تسربه إلى الصوفية منها: الفيض، وانبثاق النور،
والتجلي، وغير ذلك؛ فالبوذية، والنصرانية، والأفلاطونية الحديثة قد تسربت منها تعاليم إلى التصوف، وإن كان الأصل الأصيل
لمتصوفة المسلمين الإسلام.

دخلت فكرة الفناء من البوذية عن طريق أبي يزيد البسطامي، ودخل غيرها عن طريق غيره، هكذا قال كثير من المستشرقين، وربما كان الخلاف الشديد
بينهم في مقدار العناصر التي تسربت، فبعضهم يزيد من العنصر النصراني، وبعضهم يزيد من العنصر الأفلاطوني الحديث، وبعضهم
من البوذية.

ويحق لنا أن نتساءل: هل وجود فكرة في إحدى هذه الأمم، ثم وجودها بعد ذلك في المتصوفة دليل على أنها أخذت عنها؟ فإذا وجد الفناء في البوذية،
ثم وجدت فكرة الفناء في الصوفية، هل يكون هذا دليلًا على أخذ الآخرين من الأولين؟ قد يكون هذا نوعًا من التفكير الذي
يدعو إلى الشك لا الجزم، خصوصًا وأن هناك موانع كثيرة من هذا الرأي مثل: أنَّ رابعة العدوية امرأة عربية لم يثبت لنا أنها ثقفت ثقافة أجنبية،
وهي أول من تكلم في الحب الإلهي، فمن أين وصل إليها الحب النصراني؟ ثم إنّ الاتجاهات المتحدة والأمزجة المتحدة تنتج
نتائج متحدة، قد لا نعجب بها إذا وجدنا النتائج العقلية متحدة في العالم؛ لأنَّ عقول الناس في العالم متشابهة، وهي تسير
على قوانين منطقية واحدة من مقدمات مشروطة بشروط، وأنواع من القياس، أمَّا العواطف فمختلفة كثيرًا عند الناس، ومع ذلك لما اتحد الصوفيون
في طريقة رياضة النفس والمجاهدة، والأخذ على المشايخ رأيناهم تقاربوا في النتائج، ورأينا الصوفيّ العراقي يفهم الصوفيّ
الأندلسي، والعكس، ومحيي الدين بن عربي الأندلسي، استطاع أن يفهم الحلاّج العراقي، وهكذا، أفبعد هذا نستطيع أن نجزم بتسرب بعض العناصر المختلفة
إلى التصوف؟ وإن هذا في نظري يشبه ما ملئت به كتب الأدب العربي من السرقات الشعرية، فهم يقولون: إنَّ معنى هذا البيت
مسروق من معنى هذا البيت، ولا نستطيع أن نجزم بذلك إلا إذا اتحدت ألفاظ البيتين أو أكثر، أما المعاني فهي شائعة في كل الأجواء، قد يقع
عليها اثنان أو أكثر، ويصوغها كل من غير سرقة، وقد أنصف في ذلك القاضي عبد العزيز الجرجاني في الوساطة، فحصر السرقة
في حدود ضيقة، وكذلك نقول.

هوامش
(?)
تجد هذه التعاريف في الرسالة القشيرية، وفي كتاب «اللمع».
الفصل الثالث

تطور الصوفية

على كل حال، بدأ التصوف في القرن الثاني، ثم تطور على مدى القرون، فهذا مما لا شك فيه، ويمكننا إدراك هذا التطور إذا نحن قارنّا بين نصوص
رويت عن المتصوفة الأولين، وبين نصوص رويت بعدهم، ثم عمن بعدهم وهكذا، وقرأنا ذلك في مثل كتاب «الرسالة القشيرية»،
و«تذكرة الألباب»، فنجد أن النصوص في العصور الأولى واضحة جلية، ثم تطوّرت فدخل فيها ما لم يكن وهكذا.

يفسر ذلك المستشرقون باتصال الصوفية بأهل الديانات الأخرى، ونقول: نحن باحتمال أن ذلك نشأ من التطور الطبيعي، كما تطور الزهد الإسلامي الأول
الذي كان عند أهل الصُّفَّة إلى زهد مفلسف، كزهد الحسن البصري، وكما تطور الحب من حب بسيط كالذي عند صهيب إلى حب مفلسف
كالذي عند رابعة العدوية.

على الجملة، كان إبراهيم بن الأدهم، وداود الطائي، والفضيل بن عياض، وشقيق البلخي، وكلهم توفّوا في القرن الثاني الهجري، يكاد لا ينكر أحد
أنهم صوفية إسلاميون، ثم نرى بعد ذلك في القرن الثالث أن التصوف زادت فلسفته، كالأقوال المنسوبة إلى معروف الكرخي المتوفى
سنة ????، ويصفونه بأنه رجل غلب عليه الشوق إلى الله، ويقول تلميذه سري السقطي: «إن محبة الله شيء لا يكتسب بالتعلم، وإنما هي هبة
من الله وفضل.» ثم يزيد التصوف عمقًا في مثل أقوال ابن سليمان الداراني المتوفى سنة ????، وذي النون المصري
?
المتوفى سنة ????.

هوامش
(?)
انظر ترجمته في الجزء الثاني من ظهر الإسلام.
الفصل الرابع

ذو النون المصري

وهو أيضًا شخصية غريبة، فهو مصري من إخميم، يقال إنه نوبيّ، وتدل أقواله على أنه مثقف ثقافة واسعة، اشتهر بالكيمياء، والكيمياء في ذلك العصر
كانت مشوبة بشعوذة السحر، فكانت النتائج الكيميائية التي ننظر إليها اليوم هادئين ينظر إليها فيما مضى على أنها نوع
من الكرامات. وقد روي عنه أنه شُغِف بالتجوال في البرابي، وادعاء أنه يقرأ خطوطها الهيروغليفية، وأن هذه الكتابات مملوءة بالسحر والحكمة،
وكان يدّعي أنه يقرؤها، ويدل ما نقل إلينا عنه من قراءتها أنه لم يقرأها حقًّا، كما قرأها شامبليون بعد اكتشاف حجر
رشيد، وإنما قرأها من خياله وأوهامه. على كل حال، له تأثير كبير في نقل التصوف من حالٍ إلى حال، وينسب إليه إدخال الكلام في المقامات والأحوال
في الصوفية، وقد شغلت جزءًا كبيرًا منها؛ فللصوفية كلام طويل في الأحوال والمقامات التي وضع فكرتها ذو النون، خلاصتها:
أن طريق الوصول إلى الله شاق عسير، يجب أن يتدرج فيه المريد في مراحل يسلم بعضها إلى بعض، ولذلك سمّوا السير في الطريق سفرًا
وحجًّا، وسمّوا السائر سالكًا، وهذه المراحل المتعددة تسمى بالمقامات، وقد جعلها الطوسي صاحب كتاب «اللمع»، وهو من أقدم الكتب
الصوفية سبعًا، كل واحدة تُسْلم إلى ما بعدها، وهي مقام التوبة والورع والزهد، والفقر والصبر والتوكل والرضا، فالتوبة
هي الشعور بالخطيئة، والعزم الأكيد على الإقلاع عنها، وإذا لم يستطع المريد ذلك، فعليه أن يتوب مرة تلو مرة، إلى أن يتوب الله عليه،
حتى يرووا أن أحدهم كرر عملية التوبة سبعين مرة. ويضاف إلى الشعور بالخطيئة، والعزم على تركها عدم التفكير فيها؛ إذ
الشغل الشاغل هو الله تعالى، وبعد التوبة يجب أن يتبع الطالب مرشدًا، أو شيخًا يطيعه طاعة عمياء. ويحتقر المتصوفة مَنْ يسير في الطريق من
غير مرشد، ويقولون: إنه أشبه ما يكون ببستان ليس له بستاني، فهو لا يثمر ثمرًا صالحًا، أما الورع فهو تخصيص الطالب
نفسه لعبادة الله، وخدمة الإنسان في السنة الأولى، وعبادة الله، والانصراف عن الدنيا في السنة الثانية، والانصراف عن اللذات الشهوانية،
والمشاغل الدنيوية بالتأمل في الله في السنة الثالثة، ثم الزهد والفقر، فالزهد في الملذات الدنيوية، والفكر عنها، والعيشة
عيشة الفقراء ولو كان صاحبه غنيًّا، ثم الصبر، وفيه يعذب السالك نفسه؛ لأنها أمّارة بالسوء، والنبي ? يقول: «أعدى أعدائك نفسك التي
بين جنبيك.» ثم مقام التوكل يجعل الإنسان نفسه آلة في يد الخالق يديرها كيف شاء، ثم مقام الرضا والطمأنينة، وراحة النفس،
والسلام الروحي؛ ولذلك يستعينون على هذا المقام بالغناء، والموسيقى، والرقص، وتكرار لا إله إلا الله، أو الله الله، إلى أن
يكلّ لسانه، ويشعر أنه إنما ينطق بقلبه، ولست أدري هل الاتفاق في الدرجات، وجعلها سبعًا متفقة مع الدعوة الفاطمية، وتدرجها إلى
سبع أيضًا: أيهما أخذ من الآخر؟؟

هذه هي المقامات، أما الأحوال فعدّوا منها التأمل، والقرب، والمحبة، والخوف، والرجاء، والشوق، والأنس، والطمأنينة، والمشاهدة، والتعين،
وهم يقولون: إن المقامات يتوصل إليها بمجهود الشخص، أما الأحوال فموهبة من الله لا حكم للإنسان عليها، وهذا معنى قولهم:
الأحوال مواهب، والمقامات مكاسب.

على كل حال، لم تكن الصوفية في القرن الثاني قد تكونت كمجموعة تربط بينها روابط متينة، إنما كانت جماعة متفرقة في البلدان، وقد يكون لكل
شيخ صوفي تلاميذه الخاصة به.

وجاء بعده سريّ السقطي المتوفى سنة ????، قالوا: إنه أول من تكلم ببغداد في الحقائق الإلهية والتوحيد، وجاء بعده الجنيد البغدادي المتوفى
سنة ????، قالوا: إنه أول من صاغ المعاني الصوفية، وكتب في شرحها، وزاد التصوف في القرن الرابع نظامًا من ناحيتيه:
النظرية، والعملية.

ويلاحظ أن الصوفيين الأولين كانوا مع تصوفهم يلتزمون أداء الشعائر في أوقاتها، ثم ظهرت نزعة عند بعضهم بعدم التدقيق في تأدية الشعائر، كأنَّ
العلاقة الصوفية بين المتصوف والله تجعل في حلّ من التزامها.
الفصل الخامس

وحدة الوجود
ومما شاع في المتصوفة من قديم القول بوحدة الوجود، وهي مسألة في منتهى الدقة، ربما جمعها تفسيرها بأن المحب يفنى في محبوبه، ويحب بكل قلبه
حتى لا يكون هناك فرق بين محب ومحبوب، وفي القرآن آيات أمعن فيها المتصوفة ففهموها على مذهبهم، مثل: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
(القصص: ??)، وكُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (الرحمن: ??)، وفَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ (البقرة:
???)، ووَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ (البقرة: ???)، وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ
حَبْلِ الْوَرِيدِ (ق: ??)؛ فكان الإمعانُ في ذلك، والغلو فيه سببًا في أقوال المتصوفة في هذا الباب، ثم كان الحب العذري، والأدب الذي
أثاره مجنون ليلى، وجميل بثينة، وكثير عزة، وفيه أبيات تدل على فناء المحبِّ في المحبوب، حتى يبلغ أن يكون المحبوب هو
المحب. وسبب ثالث: وهو ما ذهب إليه الشيعة من أن الأئمة وعلى رأسهم عليٌّ فيهم روحانية إلهية، بها استحقوا أن يكونوا أئمة، وأن
يكونوا معصومين، ثم أتى بعد ذلك الغلو في الفناء، أي فناء المحب في المحبوب، حتى لا يرى شيئًا إلا هو، وكلما تقدم الزمن رأينا
أثرًا من ذلك في مثل بعض أقوال أبي يزيد البسطامي، وبعد ذلك رأينا ذلك واضحًا في الحلاج
?
من مثل قوله: «أنا الحق، وما في الجبة إلا الله»، ولكن يظهر أن الحلاّج كان يقول بالحلول، أي حلول الله في الإنسان، أي أنه هو والله شيء
واحد، كما يقول بعض النصارى في امتزاج الطبيعة الإلهية بالطبيعة الناسوتية، كما يمتزج الماء بالخمر، كقوله: «دع الخليقة
لتكون أنت هو، وهو أنت»، وبالفعل وجد في بعض تعبيراته كلمة الناسوت واللاهوت كالتعبيرات النصرانية.

أما وحدة الوجود، فمعنى آخر تجلى فيما بعد في ابن العربي وابن الفارض، وابن سبعين، والعفيف التلمساني وغيره، حتى إن هؤلاء لم يفهموها فهمًا
واحدًا، بل بينهم خلاف ولو بسيط.

وينكر ابن الفارض الحلول، كالذي ذهب إليه الحلاج، ولذلك يقول في تائيته:

متى حِلْتُ عن قولي أنا هي أو أقل
وحاشا لمثلي أنها فيَّ حلت
وفي الصحو بعد المحو لم أك غيرها
وذاتي بذاتي إذ تحلت تجلت

ولذلك وصفوا مذهب ابن الفارض بالاتحاد، كما وصفوا مذهب ابن عربي بوحدة الوجود، والقول بالاتحاد قريب من القول بوحدة الوجود، على خلاف بينهما
يسير.

ومعنى القول بوحدة الوجود: أن العالم والله شيء واحد. وبيان ذلك أنَّ المتكلمين والفلاسفة مثلًا يرون الوجود وجودين: واجب الوجود، وممكن
الوجود، فواجب الوجود ما كان وجوده لذاته، وممكن الوجود ما وجد لسبب، والأول أزلي أبدي، والثاني محدث فان، وهذا القول
يقول باثنينية الوجود، أي الله والعالم، فالله خالق، والعالم مخلوق، والله مُدَبِّر، والعالم مدبر، وليس الله حالًّا في العالم، وإنما هو
خالقه ومدبّره، والله بيده الخير والشر، يثيب الناس ويعاقبهم؛ جزاء لما كانوا يعملون، تهمه أعمال الناس، وتسره التضحية.


أما مذهب الحلول، فيرى أن الله والعالم امتزجا، وأن الله والقوة الداخلية الفاعلية في العالم مترادفان، وأما أصحاب وحدة الوجود فيقولون:
إنه ليس في العالم وجودان، بل وجود واحد، والله هو العالم، والعالم هو الله، ولذلك يسمّى مذهبهم بالواحديّة، ويسميه
ابن تيمية بمذهب «الاتحاد»، أي الاتحاد بين الله والعالم.

وقد كان انكساغوراس، وأرسطاطاليس، والرواقيون اثنينيين، وجاءت الأديان من يهودية ونصرانية وإسلام، فأيدت الإثنينية. فالله والعالم، والخالق
والمخلوق، والروح والمادة، عنصران اثنان لا عنصر واحد. أما الواحدية فتقول بأن العالم والله، أو المادة والروح، أو
الخالق والمخلوق شيء واحد، وهذا واضح جدًّا في كلام ابن عربي، فمن تعبيراتهم: «أن ذاته وذات الله قد أصبحتا ذاتًا واحدة»، وقد تجلى هذا
المعنى في القرن السادس والسابع الهجريين في حياة ابن الفارض وابن عربي،
?
وليست مظاهر العالم المختلفة إلا مظاهر لله تعالى، أي ليس لله وجود إلا الوجود القائم بالمخلوقات، وليس هناك غيره ولا سواه، وأن العبد
إنما يشهد السوى ما دام محجوبًا، فإذا انكشف الحجاب رأى أنه لا أثر للغيرية ولا للكثرة، وعاين الرائي عين المرئي، والمشاهد
عين المشهود، ولهم في ذلك كلام كثير، وشطحات بعيدة المدى.

وقد تختلف تعبيراتهم باختلاف منازعهم، فتعبيرات الفلاسفة القائلين بوحدة الوجود كالسهروردي غير التعبيرات التي يقولها شاعر أديب يقول بوحدة
الوجود كابن الفارض، ولأن هذا الكلام وهذا المذهب صعب إدراكه على العقل اعتمدوا هم على الذوق والكشف، ولما كان كلامهم
قد لا يرضي العامة استعملوا كلمات وتعبيرات الغزل المادي من سكر وخمر، ووصال وهجران، إلى غير ذلك، حتى لقد يصعب على القارئ إذا لم يعرف
قائل الأبيات أن يعرف إن كانت هذه الأبيات صوفية أو نواسية.

وقد علقوا أهمية كبيرة على الذوق، وقالوا: إنه لا يحسن التصوف إلا من كان ذا ذوق يناله بالرياضة والمجاهدة، ويقومه أكثر مما يقوّم النظر
العقلي، والدليل المنطقي، والذوق يوصّل إلى الكشف، أما النظر العقلي فيوصّل إلى العلم، والفرق بين مَنْ يرى بذوقه،
ومن يقتنع بعقله كالفرق بين من يرى بعينه، ومن يصدق غيره من قوله. ولذلك اختلفت أساليب الصوفية عن أساليب العلماء في طرق المعرفة، فإذا
عول الفلاسفة على العقل، فإنما يعوِّل المتصوفة على القلب، يقول أحد الصوفية: «إنَّ السالك في سبيل الله أحد ثلاثة:
عابد يعبد الله رغبةً في الجنة، وفيلسوف يعتمد على براهينه، وهو لا يصل إلى الله، وعارف يصل إلى الله بوجده، وهو خير الناس.» ولهم في المعرفة
أيضًا كلام كثير.

هوامش
(?)
انظر ترجمة الحلاج في الجزء الثاني من ظهر الإسلام.
(?)
وفي اللغة الإنجليزية كلمتان مختلفتان، إحداهما تدل على الحلول وهي كلمة “Infusion”، والأخرى تدل على وحدة الوجود كمذهب ابن عربي،
وابن الفارض، وهي “Pantheism”، أما الاتحاد فهو “Unification”.
الفصل السادس

التسامح الديني

وإذْ قال كثير منهم بوحدة الوجود كانوا أسمح الناس في اختلاف الأديان، فالاختلاف بين الأديان إنما هو اختلاف في المظاهر، أما من حيث الحقيقة
والجوهر فكل تسلك طريقًا إلى الله، والغاية واحدة، والاختلاف في الوسائل لا يهم ما دامت الغاية واحدة، وهي حب إله واحد،
ولابن عربي وجلال الدين الرومي أشعار كثيرة في هذا المعنى، وكذلك في بعض أبيات تائية ابن الفارض خصوصًا في التائية الكبرى، وقالوا: إن كل
دين وإن اختلف في مظهره عن الدين الآخر، فإنما يكشف عن ناحية معينة من نواحي الحق، فالإيمان والكفر لا يختلفان اختلافًا
جوهريًّا، واليهود، والنصارى، والمجوس، وعبدة الأصنام متفقون في عبادة إله واحد، والقرآن والتوراة والإنجيل منتظمون في سلك واحد،
هو سلك التنظيم الإلهي … إلخ؛ مما يجعلهم أرحب أهل الأديان صدرًا.
الفصل السابع

الغزالي
فإذا جاء القرن الخامس الهجري رأينا شخصية كبيرة لها لون خاص غير الألوان السابقة كان لها تأثير كبير في المحيط الإسلامي، بل وفي غيره،
وهي شخصية الغزالي، فهو ذو شخصية طبيعية ممتازة، ثم هو مثقف ثقافة واسعة يعرف كثيرًا من الفلسفة، وتعاليم المتشيعة،
أو بعبارةٍ أخرى: مذهب الباطنية، والفقه الشافعي، والتصوف، ثم هو بعد أن جمع ذلك كله كانت له قدرة فائقة على التعبير، كما يدل عليه كتاب
الإحياء. كانت قبله حروب هائلة بين الفقهاء والصوفية،
?
وخصوصًا بين الصوفية والأشعرية، فجاء الغزالي يصالح بين الفريقين، ويرضي كثيرًا من الفقهاء عن التصوف، وكثيرًا من المتصوفة عن الفقهاء.
كان في الأصل مدرسًا في مدرسة نظام الملك ببغداد، وقد ولد بطوس سنة ????، وأوصاه أبوه بالصوفية ورجالها، فلما ترعرع
درس الفقه، وتلقى العلم في جرجان فنيسابور، وكان من شيوخه خليفة أبي الحسن الأشعري إمام الحرمين أبو المعالي الجويني، وكانت مدرسة نظام
الملك وقصره الفخم تموجان بالعلماء والفقهاء.

وقد نال الغزالي شهرة واسعة في الفقه والمناظرة؛ إذ كانت له مواقف جادل فيها العلماء، وتغلب عليهم، فأخذ يزهى بمقدرته، ويومًا نظر إلى حالته،
فرأى غرورًا كاذبًا، وحياة مظاهر لا قيمة لها، فتردد طويلًا، هل يبقى على هذه الحالة التافهة، أو يهجرها ويدع ما لا
قيمة له إلى ما له قيمة، وأخيرًا قرر السفر إلى الحجاز، وتطليق ما هو فيه، والميل إلى الزهد والورع. ويروي في كتابه «المنقذ من الضلال»
أنه غادر بغداد إلى الشام، ثم إلى مكة، فلما عاد من الحجاز عرج على الشام، وأقام فيه نحو عشر سنوات معتكفًا يصلي ويصوم،
ويدون فيها علومه، ومن ذلك كتابه «الإحياء»، ثم رجع إلى بلده طوس، وقد امتلأ علمًا وزهدًا وورعًا، وكان يقرأ القرآن، ويتبتل إلى
الله، ثم ألح عليه فخر الملك ابن نظام الملك أن يكون أستاذًا في المدرسة النظامية فقبل، ثم عاوده الحنين إلى الاعتكاف فهجر
التدريس، وذهب إلى بلده.

والظاهر من سيرته أنه كان نهمًا في تحصيل العلم، لم يدع بابًا يظن أنه يوصله إلى معرفة الحقيقة إلا طَرقه، ولم تعجبه الفلسفة، ولا الفقه
المجرد من الروح، ولا تعاليم الباطنية، وإنما اطمأن أخيرًا إلى التصوف فأحبه، وركن إليه، وكان لكتبه وتعاليمه أثر كبير
في حياة المسلمين، بدليل تاريخ المسلمين قبله وبعده، ومن أهم مظاهر ذلك:
list of 6 items
(?) أن الفقهاء كانوا يعتمدون على ظواهر الشعائر من وضوء وصلاة، وعدد ركعات، ونحو ذلك، فجاء هو فبثّ فيها الروح، وجعلها كما
كانت في الحال الأول في صدر الإسلام أهم أركانها، فالصلاة ليست مجرد حركات، وإنما هي ذلك مع
خشوع القلب.

(?) كان المتصوفة قد ارتكنوا إلى الحب الإلهي فسكنوا واطمأنوا، وبعضهم لم يلتزم التزامًا دقيقًا بالواجبات الدينية، فجاء الغزالي
وأعاد إلى النفوس الخوف من الله على طريقة الحسن البصري.

(?) وبجانب ذلك حبب التصوف إلى الناس، وأقر الاعتقاد بالمكاشفة، وأنها تصل بالمعرفة إلى ما لم يصل إليه العقل، ونراه في الإحياء
في كثير من المواضع يقف في شرحه عند حد، ثم يقول: إن ما وراء ذلك لا يدرك إلا بالكشف، ولا
تستطيع أن تعبر عنه اللغة.

(?) وافق الصوفية على القول بكرامة الأولياء، وإتيانهم بخوارق العادات.

(?) فلسف الدين، فإذا قرأت أي باب من الأبواب، حتى ما تعرض له الفقهاء كالعبادات والمعاملات رأيته يعرضها عرضًا غير عرضهم،
فعرضهم جاف كالقوانين، وعرضه لطيف جذاب كالقطعة الأدبية، بل هو نفسه في كتب الفقه جاف كالفقهاء،
وفي كتاب الإحياء، ونحوه لطيف كالأدباء.

(?) قرر أن الإيمان عن طريق الكشف لا عن طريق الفلسفة هو الطريق إلى الله، وطريق الكشف الرياضة والمجاهدة.
list end

من أجل ذلك كله جرف العالم الإسلامي إلى اتجاهه، فأصبحنا نرى أن الناس لا ينظرون إلى المتصوفة نظرًا شذرًا كما كانوا يفعلون، ولعله من ذلك
الحين اعترف أهل السنة بالكرامات والأولياء.

قلنا: إنَّ الغزالي ربما أثر في غير المحيط الإسلامي، فقد ترجمت بعض كتبه إلى اللغة اللاتينية في القرون الوسطى، وانتفع اليهودية بفلسفته،
فاستخدموا كتابيه «التهافت، والمقاصد» في ردهم على الفلاسفة.

وقد بحث في كتابه «الإحياء» في العلم، وقواعد العقائد، وأحوال المعيشة، وآداب الاجتماع، ورياضة النفس، وعجائب القلب، وأخيرًا بحث في التعليمات
الصوفية كالتوبة والصبر والمحبة. وعلى الجملة، فقد قسمه إلى أربعة أرباع: ربع العبادات، وربع في العادات، وربع في المهلكات،
وربع في المنجيات.

وكما عقد الغزالي في التصوف الصلة بينه وبين الله، عقد الصلة بينه وبين النبي ?، وذكر ذلك في فصل خاص من فصول المنقذ وقال: «فإن جميع حركاتهم وسكناتهم في
ظاهرهم وباطنهم مقتبسة من نور مشكاة النبوة، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به … وبالجملة، فمن لم يرزق
منه شيئًا بالذوق فليس يدرك من حقيقة النبوة إلا الاسم. وكرامات الأولياء هي على التحقيق بدايات الأنبياء، وكان ذلك أول حال
رسول الله ? حين أقبل إلى جبل حراء؛ حيث كان يخلو فيه بربه ويتعبد.» وقد ألّف كتابًا اسمه «مشكاة الأنوار»، شرح فيه آية اللهُ
نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (النور: ??)، وفيه يذكر شيئًا عن موجود يسميه «المطاع»، يعتبره خليفة الله، والمعبر
الأعلى للعالم، ويقول: إنَّ نسبته إلى الوجود الحق — أي الله — كنسبة الشمس إلى النور المحض، أو نسبة الجمر إلى جوهر
النار الصرف.

قال الأستاذ نيكولسن: «ولا شك أنه يريد بالمطاع الأمر الإلهي الوارد ذكره في القرآن، أعني الأمر الإلهي الذي به تنفذ
الإرادة الإلهية في العالم، ويتلقى عنه الأنبياء وحيهم، وبعبارة أخرى: فالمطاع هو الموجود الذي عن أمره تتحرك الأفلاك، وقد قيل: إن المطاع
هذا المراد به القطب رأس الصوفية، ولكن هذا بعيد؛ لأن الغزالي لا يقول بنظرية القطبية الصحيحة، أمَّا أنا فأميل إلى
القول بأن المطاع يمثل الصورة المثالية التي يسمونها الحقيقة المحمدية، أو الروح المحمدي، أو الإنسان السماوي الذي خلقه الله على صورته،
ويعتبرونه قوة كونية يتوقف عليها نظام العالم وحفظه.»
?

وهذه النظرية — أي نظرية المطاع، أو الروح المحمدية — هي التي شرحها فيما بعد شرحًا وافيًا عبد الكريم الجيلي أو الجيلاني في كتابه «الإنسان
الكامل»، وسنتكلم عنه في القسم الثاني.

وعلى الجملة، فيظهر لي أنَّ الإسلام في العصور المتأخرة عن الغزالي كان متأثرًا بتعاليم الغزالي وكتبه.

هوامش
(?)
انظر في ذلك الجزء الثاني من ظهر الإسلام.
(?)
انظر كتاب «في التصوف الإسلامي» الذي نشره الدكتور أبو العلا عفيفي، ترجمة لدراسات مختلفة في التصوف قام بها الأستاذ نيكولسن.
الفصل الثامن

القطب
ولا بد أن نذكر أن من أهم تعاليم الصوفية التي كان لها أثر في تاريخ المسلمين القول بالقطب، وهم يقولون: «إنَّ القطب هو أكمل إنسان ممكن
في مقام الفردية، أو هو الواحد الذي هو موضع نظر الله في كل زمان، عليه تدور أحوال الخلق، وهو يسري في الكون، وأعيانه
الباطنة والظاهرة سريان الروح في الجسد، ويفيض روح الحياة على الكون الأعلى والأسفل: فهو من الكائنات بمثابة المهيمن عليها، المكلّف بحفظها
ورعايتها، وأنه ليظل كذلك طول حياته حتى يقبضه الله فيخلفه واحد من الأولياء الثلاثة الذين دونه في المرتبة، وهم الأوتاد
الذين كانوا من قبل أبدالًا، ويبلغ عددهم الأربعين، ويسمى القطب غوثًا باعتبار التجاء الملهوف إليه. وقد يطلق القطب على قطب الأقطاب،
وهو سابق في وجوده على وجود هؤلاء الأقطاب، وعلى وجود كل ما في عالم الغيب والشهادة، وهو بهذا المعنى لم يتلق القطبية
عن قطب آخر سبقه من قبل، فصار قطبًا بعد أن كان وتدًا، ولكنه واحد منذ القدم لم يتقدم عليه قطب آخر، ولم يلحقه قطب آخر بهذا
المعنى الذي لا يدل إلا على حقيقة واحدة هي الحقيقة المحمدية.»
?

هذه هي حركة التصوف مجملة إلى نهاية القرن الخامس الهجري، وسنتحدث عن الصوفية في القرون التي أتت بعد في القسم الثاني من هذا الكتاب.

هوامش
(?)
انظر ابن الفارض والحب الإلهي للدكتور محمد مصطفى حلمي ص???.
الفصل التاسع

الأدب الصوفي

للصوفية أدب غزير، له خصائص تخالف الأدب الآخر، وقد بدأ من أوائل القرن الثاني الهجري، واستمر في العصور بعده، ومن خصائصه: السموّ الروحي،
والمعاني النفسية العميقة، والخضوع التام لإرادة الله القوية، وبُعْد الخيال والشطحات، كما يتصف بالغموض والمعاني الرمزية.


وقد كان الأدب الصوفي نتاجًا لجنسين مختلفين: الجنس السامي، ويمثله الأدب الصوفي العربي، والجنس الآري، ويمثله الأدب الصوفي الفارسي، وبين
الجنسين اختلاف كبير في التصوف، والإنتاج، والمزاج. ومع كراهيتنا لإرجاع الخصائص إلى الجنس، فإننا نقر إلى حدٍّ ما
أن الساميين بحكم نشأتهم أقوياء الحس في الغالب، ضعاف الخيال، بينما الآريون واسعو الخيال، كبر في أذهانهم جلال القوى الطبيعية؛ لأنهم نشئوا
في أقطار ذات مناظر طبيعية جميلة، جلية، فخمة، غريبة، وهم أقدر على وصف خلجات النفوس، والساميون أقدر على تشبيه ظواهر
الأشياء.

والتصوف السامي كله وَلَهٌ، وحنين، وإخلاصٌ، وحيرة مصدرها الإعجاب والحب والعاطفة، والسامي يحب فيحس عذاب الحب أو نعيمه إلى درجة بعيدة،
وقد يبالغ في هذا وذاك، ثم يخرج عذاب نفسه، أو نعيمها شعرًا سلسًا، دافقًا، مملوءًا بالسخط والضجر، والألم، والأنين،
والاطمئنان إلى هذا الألم والحنين:

أشكو وأشكر فعله
فاعجب لشاك منه شاكر

فهذه عاطفة صادقة امتلأت بالحب، وأورثت الشكوى والألم، ثم إن النفس عن كل هذا راضية، بل هي تسمو إلى أرفع منازل التضحية، وتجود
بالحياة في سبيل هذا الغرام، وحرصًا عليه.

إن الغرام هو الحياة فمت به
صبًّا فحقك أن تموت وتعذرا
وفي هذا يختلف الأدب في التصوف السامي عن الأدب في التصوف الآري، فليس من طبيعة العربي أن يندمج في الطبيعة، ويفنى فيها كغيره من أبناء
الهند وفارس، وهو كغيره من الساميين تعوزه القدرة على استخراج الكليات من الجزئيات، فأدبه يدرك الأشياء تفصيلًا، ولكن
لا يدركها إدراكًا كليًّا موحّدًا، ينظر إلى كل شيء على حدة تقريبًا، فهو ينظر إلى كل شجرة جزئية في البستان، ولكن يصعب عليه أن ينظر إلى
البستان ككل، ووحدة قصيدته البيت، وكل بيت مستقل بنفسه تقريبًا، وليس للقصيدة وحدة، وشعره يعبّر عن نفسه تعبيرًا موسيقيًّا
صحيحًا بأساليب موزونة برَّاقة كله حياة، ولكنها حياة يحدُّها الزمان والمكان، ولا طاقة له أن يسمو بفكرة فوق الزمان والمكان.
?

أما الأدب في التصوف الآري فكله غرام وحب، ولكنه حب مزج فيه العاطفة بالفلسفة، يبدأ التصوف عندهم بالفهم والإدراك، ثم التفلسف، أما السامي
فيبدأ بالشعور، ولا يلزم أن يكون هناك شيء آخر.

ومن أجل ذلك كان التصوف مجالًا لفهم الفرق بين الطبيعتين والمزاجين، والأدب الصوفي يسلك طريق المكاشفة في إدراك الحقائق، ولما كان الأدب
الصوفي يتنازعه القلب والعقل، وكلاهما له طريقة خاصة به، فأحدهما يسير في طريق المنطق، والآخر يحاول أن يتجنبه، وقع
الأدب الصوفي في الغموض، وهو على العموم أدب عبوس شديد مرير، وأدب عاطفة حارة، وشعور حاد، وقد أضفى عليه جمال الموضوع جمالًا في الوزن،
وحسنًا في التوقيع، والنغم الموسيقي، والخيال فيه بعيد، واسع كله روعة وجلال، سجعه لطيف، وموسيقاه رنَّانة، وكثيرًا
ما يعتمد على المحسنات البديعية، والتزويق اللفظي استعانة بذلك على تسهيل المعاني العميقة، والأفكار المعقدة، يتعب غموضه، فما وضح
منه كان غاية في الرقة والجمال، وهو غني في ألفاظه وأساليبه، هائم مع الروح في عالم اللانهاية، وحائر على الدوام، لا يستقر
حتى يفنى في هيامه.

ومن الأسف أن الأدب العربي لم يوله الاهتمام الكافي بعرض نماذج منه على الناس، واكتفوا بالأدب المادي إن صحَّ هذا التعبير، والمستشرقون
في عرضهم للأدب عنوا بسلسلة تاريخية أكثر مما عنوا بموضوعه وفنه، وفضلًا عن ذلك فالكتب التي ألِّفت في التصوف نفسه
تحتاج إلى غربلة، وغرقت فيه حبَّات الدر في بحار من الكرامات والمعجزات.

هوامش
(?)
انظر براون في كاتبه «الأدب الفارسي».
الفصل العاشر

أطوار الأدب الصوفي

والأدب الصوفي يمكن أن يقال إنه تطور في ثلاثة أطوار: الطور الأول يبدأ من ظهور الإسلام، وينتهي في أواسط القرن الثاني للهجرة، وكل ما بين
أيدينا منه طائفة كبيرة من الحكم، والمواعظ الدينية، والأخلاق تحث على كثير من الفضائل، وتدعو إلى التسليم بأحكام الله
ومقاديره، وإلى الزهد والتقشف، وكثرة العبادة والورع، وعلى العموم هي تصور لنا عقيدة هذا العصر من البساطة والحيرة.

والطور الثاني يبدأ من أواسط القرن الثاني الهجري إلى القرن الرابع، وهنا يبدو ظهور آثار التلقيح بين الجنس العربي، والأجناس الأخرى، وفيه
يظهر اتساع أفق التفكير اللاهوتي، وتبدأ العقائد تستقر في النفوس على أثر نمو علم الكلام، وفيه يظهر عنصر جديد من الفلسفة.


والأدب الصوفي في طوريه الأول والثاني أغلبه نثر، وإن ظهر الشعر قليلًا في طوره الثاني، وفي الطور الثاني هذا يبدأ تكوّن الاصطلاحات الصوفية
والشطحات.

أما الطور الثالث فيستمر حتى نهاية القرن السابع، وأواسط القرن الثامن، وهو العصر الذهبي في الأدب الصوفي، غَنِيٌّ في شعره، غني في فلسفته،
شعره من أغنى ضروب الشعر وأرقاها، وهو سلس واضح وإن غمض أحيانًا، وفلسفته من أعمق أنواع الفلسفة الإلهية وأدقها، ومعانيه
في نهاية السمو، تقرؤها فتحسب أنك تقرأ معاني رقيقة عارية لا ثوب لها من الألفاظ، خياله رائع يسبح بك في عالم كله جمال، عواطفه صادقة يعرضها
عليك كأنها كتاب إلهي تقلبه أنامل الملائكة، يقدّس الشعراء فيه الحب، ولا بد أن يكون الإنسان هائمًا أيضًا مسلحًا بكثير
من الأذواق والمواجيد، والحالات التي يعتقدها المتصوفون حتى يسايرهم في الفهم.
الفصل الحادي عشر

الأدعية والابتهالات
والأدب الصوفي متنوع تنوع الأدب الماديّ، ففيه حكم، وفيه قصص كثيرة، وفيه شعر، وهو يهتم بمواضع خاصة يكثر فيها القول مثل: الحب، والمناجاة،
والورع، والتقوى، وعدم الاهتمام بالرزق، وصفات أولياء الله العارفين، وذم الدنيا، والزهد في شؤونها. ولنسق الآن أمثلة
منها:
list of 5 items
(?) من دعاء ذي النون المصري: «اللهم إنَّ الحول حولك، والطول طولك، ولك في خلقك مدد وقوّة وحول، وأنت الفَعَّال لما تشاء،
لا العجز والجهل يطارحانك، ولا النقصان والزيادة يحيلانك، لا يحد قدرتك أحد، ولا يشغلك شأن
عن شأن.»

وله أيضًا: «اللهم اجعل العيون منا فوَّارات بالعبرات، والصدور منا محشوة بالعبر والحرقات، واجعل قلوبنا غواصة في موج قرع أبواب
السماوات، تائهة من خوفك في البوادي والفلوات، افتح لأبصارنا بابًا إلى معرفتك، ولمعرفتنا
أفهامًا إلى النظر في نور حكمتك، يا حبيب قلوب الوالهين، ومنتهى رغبة الراغبين، اللهم تقبل ما مننت به علينا من الإسلام
والإيمان، ولا تمنعنا عفوك عن السؤال، فإنا إليك آيبون، ومن الإصرار على معصيتك تائبون.»

ومن أدعية معروف الكرخي: «حسبي الله لديني، حسبي الله لدنياي، حسبي الله الكريم لما أهمني، حسبي الله الحكيم القوي لمن بغى
عليّ، حسبي الله الشديد لمن كادني بسوء، حسبي الله الرحيم عند الموت، حسبي الله الرءوف عند
المساءلة في القبر، حسبي الله الكريم عند الحساب، حسبي الله اللطيف عند الميزان، حسبي الله القدير عند الصراط، حسبي الله لا
إله إلا هو، عليه توكلت وهو رب العرش العظيم.»

ومن دعاء ليوسف بن الحسين: «اللهم إنا نبات نعمك، فلا تجعلنا حصائد نقمك، اللهم أعطنا ما تريده منا، يا من أعطانا الإيمان من
غير سؤال لا تمنعنا عفوك مع السؤال، فإنا إليك آيبون، ومن الإصرار على معصيتك تائبون.»

ومن دعاء للجنيد: «اللهم إني أسألك يا خير السامعين، وبجودك ومجدك يا أكرم الأكرمين، وبكرمك وفضلك يا أسمح السامحين، أسألك
سؤال خاضع خاشع متذلل متواضع ضارع، اشتدت إليك فاقته، وعظمت فيما عندك رغبته، وعلم ألا يكون
شيء إلا بمشيئتك، ولا يشفع شافع إليك إلا من بعد إذنك … إلهي وسيدي وسندي، أنا بك عائذ لائذ مستغيث مستنجد.»

(?) كتب الشبلي إلى الجنيد: «يا أبا القاسم، ما تقول في حال علا فظهر، وظهر فقهر وبهر، فاستناخ واستقر، فالشواهد منطمسة، والأوهام
حنسة، والألسنة خرسة، والعلوم مندرسة، ولو تكاتفت الخليقة على من هذا حاله، لم يزده ذلك إلا
توحشًا، ولو أقبلت إليه تعطفًا، لم يزده ذلك إلا تبعدًا.»

(?) ومن كلامهم في عدم الاهتمام بالرزق: «إن جماعة دخلوا على الجنيد فاستأذنوه في طلب الرزق، فقال: إنْ علمتم أي موضع هو فاطلبوه،
قالوا: فنسأل الله تعالى ذلك. قال: إن علمتم أنه ينساكم فذكّروه؛ قالوا: فندخل البيت ونتوكل،
وننتظر ما يكون. فقال: التوكل على التجربة شك. قالوا: فما الحيلة؟ قال: ترك الحيلة.» وقال بعض العارفين: «من سأل الله الدنيا
فإنما سأله طول الوقوف بين يديه»، وقالوا: «مَثَل الدنيا وأهلها كقوم ركبوا سفينة فانتهت بهم
إلى جزيرة، فأمرهم الملّاح بالخروج لقضاء الحاجة، وحذّرهم المقام، وخوَّفهم مرور السفينة فتفرقوا في نواحي
الجزيرة؛ فقضى بعضهم حاجته، وبادر إلى السفينة، فصادف المكان خاليًا، فأخذ أوسع الأماكن وألينها، وأوفقها لمراده،
وبعضهم أطال الوقوف إلى الجزيرة ينظر أزهارها وأنوارها، وغياضها، ونغمات طيورها، وأحجارها،
وجواهرها، ومعادنها، ثم تنبّه لخطر فوات السفينة، فرجع إليها فلم يصادف إلا مكانًا ضيقًا حرجًا، فاستقر فيه، وبعضهم أكبَّ
على تلك الأصداف والأحجار، واستصحب منها جملة، فجاء إلى السفينة فلم يجد إلا مكانًا ضيقًا،
وزاده ما حمله ضيقًا، وصار ثقيلًا عليه، ولم تطعه نفسه على رميه، فحمله على عنقه ورأسه، وبعضهم شغل بالأنوار والغيض، ونسي
السفينة، ولم يبلغه نداء الملّاح لانشغاله بأكل الثمار، فتركته السفينة وعاش خائفًا على نفسه
من السباع والحيات، وبعضهم سمع أخيرًا نداء الملاح فعاد مثقلًا بما معه فلم يجد في السفينة موضعًا واسعًا، أو
ضيقًا فبقي على الشط حتى مات جوعًا … وبعضهم وبعضهم وبعضهم من صنوف الركاب المختلفين، وهذه حالة الخلق إلا
من عصمه الله.»

(?)
ومن أدباء المتصوفة الذين لم ينالوا حظهم في الشهرة: النفّري وهو محمد بن عبد الجبار نسبة إلى نفّر بلدة كانت في جنوب العراق،
ثم خربت … وقد مات سنة ????، وهو من صوفية القرن الرابع. وقد خلّف لنا كتابين صغيرين من خير
الكتب، وهما: «المواقف»، و«المخاطبات»،
?
والمخاطبات مفهومة، وهي مخاطبته لله — عز وجل — وابتهالاته إليه، والمواقف وقفاته أمام الله،
وموافقة الله معه حسب أحواله، وقد تكلم في كل موقف بما يناسبه، فموقف العز، وموقف القرب، وموقف الكبرياء، وموقف الرفق، وهكذا
… ولنسق أمثلة من كل منهما:
قال في موقف العز: «أوقفني في العز وقال لي: لا يستقل به من دوني شيء،
?
ولا يصلح من دوني لشيء، وأنا العزيز الذي لا يستطاع مجاورته، ولا ترام مداومته، أظهرت الظاهر وأنا أظهر منه، فما يدركني
قربه، ولا يهتدي إليَّ وجوده، وأخفيت الباطن وأنا أخفى منه، فما يقوم عليَّ دليله، ولا يصح إليَّ
سبيله، وقال لي: لولاي ما أبصرت العيون نواظرها، ولا رجعت الأسماع بمسامعها. وقال لي: لو أبديت لغة العزّ
لخطفت الأفهام خطف المناجل، ودرست المعارف درس الزمان، عصفت عليها الرياح العواصف … وقال لي: إن من أعد معارفه
لو أبديت له لسان الجبروت لأنكر ما عرف، ولمار مور السماء يوم تمور السماء للقائي مورًا … إلخ»،
وقال في موقف الأدب: «أوقفني في الأدب، وقال لي: طلبك مني وأنت لا تراني عبادة، وطلبك مني وأنت تراني استهزاء … وقال
لي: رأس المعرفة حفظ حالك التي لا تقسمك … وقال لي: كلّ ما جمعك على المعرفة فهو من المعرفة.
وقال لي: إن انتسبت فأنت لما انتسبت إليه لا لي … وإن كنت لسبب فأنت للسبب لا لي … وقال لي: آليت لا أقبلك وأنت ذو سبب أو
نسب».
وجعل موقفًا سماه موقف «استوى الكشف والحجاب»، قال لي: «أنا ناظرك، وأحب أن تنظر إلي؛ نفسك حجابك، وعلمك حجابك، ومعرفتك حجابك،
وأسماؤك حجابك، وتعرفي إليك حجابك، فأخرج من قلبك كل شيء، وأخرج من قلبك العلم بكل شيء، وذكر
كل شيء … وفرِّغ قلبك لي لتنظر إليَّ، ولا تغلب علي.»

ومن أمثلة المخاطبات: «يا عبد … أي عارض عرض لك فلم ترني فيه فإنك من غيبتي لا منه … يا عبد، أنا أرأف من الرأفة، وأرحم من
الرحمة … يا عبد، إذا بدوت لك فلا غنى ولا فقر … يا عبد، اشترني بما سرك وساءك، يفنى الثمن
ويبقى المبتاع … يا عبد، اهدم ما بنيته بيدك قبل أن أهدمه بيدي … يا عبد، إذا رأيتني فلا والد يستجرك، ولا ولد يستعطفك … يا
عبد، الغيبة ألا تراني في شيء، والرؤية أن تراني في كل شيء … يا عبد، الكشف جنة الجنة، والغطاء
نار النار.»

وهكذا نخرج من هذه الأمثلة على لفظ جميل، وأسلوب لطيف، ومعنى غامض. وقد رووا أن له قصيدة صوفية كبيرة، شرحها عفيف الدين التلمساني
الصوفي أيضًا.

(?) وأوضح منه وأبلغ ابتهالات أبي حيان التوحيدي وقد كان صوفيًّا، ومات سنة ????.

ومن أمثلتها: قوله: «اللهم إني أبرأ من الثقة إلا بك، ومن الأمل إلا فيك، ومن التسليم إلا لك، ومن التوكل إلا عليك، ومن الطلب
إلا منك، ومن الرضا إلا عنك … أسألك أن تجعل الإخلاص قرين عقيدتي، والشكر على نعمك شعاري ودثاري،
والنظر إلى ملكوتك دأبي وديدني، والانقياد لك شأني وشغلي، والخوف منك أمني وإيماني، واللّياذ بذكرك بهجتي وسروري … اللهم
إني أسألك خفايا لطفك، وفواتح توفيقك، ومألوف برّك، وعوائد إحسانك، وأسألك القناعة برزقك، والرضا
بحكمك، والنزاهة عن محظورك، والورع في شبهاتك … اللهم اجمع من أمري شمله، وانظم من شأني شتيته، واحرسني عند
الغنى من البطر، وعند الفقر من الضجر، وعند الكفاية من الغفلة، وعند الحاجة من الحسرة، وعند الطلب من الخيبة،
وعند البحث من الاعتراض عليك، أسألك أن تجعل صدري خزانة توحيدك، ولساني مفتاح تمجيدك، وجوارحي خدم
طاعتك، فإنه لا عز إلا في الذل لك، ولا غنى إلا في الفقر إليك، ولا أمن إلا في الخوف منك، اللهم إليك نشكو قسوة قلوبنا،
وغلّ صدورنا، وفتنة أنفسنا، وطموح أبصارنا، ورفث ألسنتنا، وسخف أحلامنا، وسوء أعمالنا … اللهم
أطب عيشنا بنعمتك، وأرح أرواحنا من كد الأمل في خلقك، وخذ بأزمتنا إلى بابك … اللهم أنت الظاهر الذي لا يجحدك إلا زايلته
الطمأنينة، وأوحشه القنوط، وتردد بين رجاء قد ناء عنه التوفيق، وأمل قد حفّت به الخيبة. اللهم
إني أسألك جدًّا مقرونًا بالتوفيق، وعلمًا بريئًا من الجهل، وعملًا عريًّا من الرياء، وقولًا موشحًا بالصواب،
وحالة دائرة مع الحق، وفطنة عقل مضروبة في سلامة صدر، وراحة جسم راجعة إلى روح بال، وسكون نفس … اللهم اجعل
غدونا إليك مقرونًا بالتوكل عليك، ورواحنا عنك موصولًا بالنجاح إليك، ولا تخلنا من يد تستوعب الشكر، ومن
شكر يمتري خلق المزيد، ومن مزيد يسبق اقتراح المقترض، وصنع يفوق ذرع الطالبين … اللهم احجز بيننا وبين كل ما
دل على غيرك، انقلنا من مواطن العجز مرتقيًا بنا إلى شرفات العز، فقد استحوذ الشيطان، وخبثت النفس،
وساءت العادة، وكثر الصادفون عنك، وقلّ الداعون إليك، وقلّ المراعون لأمرك، وفقد الواقفون عند حدودك، وخلت ديار الحق
من سكانها، وبيع دينك بيع الخلق … اللهم فأعد نضارة دينك، وامدد علينا ظلّ توفيقك … اللهم
إنا بك نعزّ، كما أنا بغيرك نذلّ، وإياك نرجو، كما أنّا من غيرك نيأس … اللهم إنك تملك العالم كله وما بعده وما قبله، ولك فيه
تصاريف القدرة، وخفيَّات الحكمة، ونوافذ الإرادة، ولك فيه ما لا ندريه مما تخفيه، ولا تبديه،
جللت عن الإجلال، وعظمت عن التعظيم، فكن عند ظننا بك … وحقق رجاءنا فيك، فما خالفناك جرأةً عليك، ولا عصيناك تقحّمًا في سخطك،
ولا اتبعنا هوانا استهزاءً بأمرك ونهيك، ولكن غلبت علينا جواذب الطينة التي عجنتنا بها، وبذور
الفطرة التي أنبتنا منها، فلسنا ندعي حجة، ولكن نسألك رأفة، إنك أهل ذلك، وأنت على كل شيءٍ قدير.»
?
هذه لغة أسلس، وأوضح وأبلغ.
list end

هوامش
(?)
نشرهما الأستاذ آربري على نفقة جمعية جب وطبعهما في دار الكتب.
(?)
أي عز الله — سبحانه وتعالى …
(?)
انظرها بطولها في شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ج? ص?? وما بعدها.
الفصل الثاني عشر

من الشعر الصوفي

وكما كان لهم نثر جميل، وقصص قصير لطيف، لهم أيضًا شعر جميل، مثل:

يا بني النقص والغير
وبني الضعف والخور
وبني البعد في الطبا
ع على القرب في الصور
أين من كان قبلكم
من ذوي اللبس والخط
سائلوا عنهم المدا
ئن واستبحثوا الخبر
سبقونا إلى الرحيـ
ـل وإنا لبالأثر
من مضى عبرة لنا
وغدًا نحن المعتبر
إن للموت أخذة
تسبق اللمح بالبصر
رحم الله مسلمًا
ذكر الموت فازدجر
رحم الله مؤمنًا
خاف فاستشعر الحذر

ومن قولهم:

فلا والله ما وصل ابن سينا
ولا رجعا بشيء بعد بحث
ولا أغنى ذكاء أبي الحسين
وتدقيق سوى خفي حنين
أمولاي قد أحرقت قلبي فلا تكن
غدًا محرقًا بالنار من كان يهواكا
أتجمع لي نارين نار محبة
ونار عذاب؛ أنت أرحم من ذاكا
والله ما آسى من الدنيا على
مال ولا ولد ولا سلطان
بل في صميم القلب مني حسرة
تبقى معي وتلف في أكفاني
إني أراك بباطني لا ظاهري
فالحسن مشغلة عن العرفان
إذا فكرت فيك يحير عقلي
وألحق بالمجانين الكبار
وأصفو تارة فيشوب ذهني
ويقدح خاطري كشواظ نار
سألتك باسمك المكتوب ألا
فككت النفس من رق الإسار
يا سرّ سر يدق حتى
يخفى على وهم كل حيّ
وظاهر باطن تجلى
من كل شيء لكل شيء
لعمري ما استودعت سري سرها
سوانا حذارًا أن تشيع السرائر
ولا لاحظته مقلتاي بلحظة
فتشهد نجوانا العيون النواظر
ولكن جعلت الوهم بيني وبينه
رسولًا فأدى ما تكن الضمائر
حقًّا أقول لقد كلفتني شططا
حملي هواك وصبري، إنّ ذا لعجيب
جمعت شيئين في قلبي له خطر
نوعين ضدين تبريد وتلهيب
نهاني حيائي منك أن أكتم الهوى
وأغنيتني بالفهم عنك من الكشف
تلطفت في أمري فأبديت شاهدي
إلى غائبي، واللطف يدرك باللطف
تراءيت لي بالغيب حتى كأنما
تبشرني بالغيب أنك في الكفّ
أراك وبي من هيبتي لك وحشة
فتؤنسني باللطف منك والعطف
وتحيي محبًّا أنت في الحب حتفه
وذا عجب كون الحياة مع الحتف
ولو أن الرقاد دنا لطرفي
جلدت جفونها بالدمع جلدا

فأجابه آخر:

ولكني أقول حييت حقًّا
إذا الوجد المبرح منك يهدا
وإن حل الرقاد بجفن عيني
رقدت إجابة لك لا لأهدا
لي سكرتان وللندمان واحدة
شيء خصصت به من بينهم وحدي
سكران سكر هوى وسكر مدامة
فمتى يفيق فتى به سكران
عجبت لمن يقول ذكرت ربي
فهل أنسى فأذكر ما نسيت
أموت إذا ذكرتك ثم أحيا
ولولا حسن ظنّي ما حييت
فأحيا بالمنى وأموت شوقًا
فكم أحيا عليك وكم أموت
شربت الحب كأسًا بعد كأس
فما نفد الشراب ولا رويت
يا أيها البرق الذي يلمع
من أي أكناف السما تسطع
يا ذا الذي زارا وما زارا
كأنه مقتبس نارا
مرَّ بباب الدار مستعجلًا
ما ضرَّه لو دخل الدارا
كأن رقيبًا منك يرعى خواطري
وآخر يرعى ناظري ولساني
فما رمقت عيناي بعدك منظرا
يسوءك إلا قلت قد رمقاني
ولا بدرت من في دونك لفظة
لغيرك إلا قلت قد سمعاني
وإخوان صدق قد سئمت حديثهم
وأمسكت عنهم ناظري ولساني
وما الزهد أسلى عنهم غير أنني
وجدتك مشهودي بكلّ مكاني
أفكر ما أقول إذا افترقتا
وأحكم دائبًا حجج المقال
فأنساها إذا نحن التقينا
وأنطق حين أنطق بالمحال
لو أن ما بي على صخر لأنحله
فكيف يحمله خلق من الطين
أنا إن متّ فالهوى حشو قلبي
وبداء الهوى يموت الكرام
بكت عيني غداة العين دمعًا
وأخرى بالبكا بخلت علينا
فعاقبت التي بخلت بدمع
بأن غمضتها يوم التقينا
نحن في أكمل السرور ولكن
ليس إلا بكم يتم السرور
عيب ما نحن فيه يا أهل ودّي
أنكم غيّب ونحن حضور
بحقّ الهوى يا أهل ودّي تفهموا
لسان وجود بالوجود غريب
حرام على قلب تعرَّض للهوى
يكون لغير الحق فيه نصيب
ليس في القلب والفؤاد جميعًا
موضع فارغ يراه الحبيب
هو سؤلي ومنيتي وحبيبي
وبه ما حييت عيش يطيب
وإذا ما السقام حل بقلبي
لم أجد غيره للسقم طبيب
سقى الله المدينة من محلّ
لباب الماء والنّطف العذاب
وجاد على البقيع وساكنيه
ضيَّ الذيل ملآن الوطاب
فلو بخل الصِّحاب على ثراها
لذابت فوقها قطع الشراب
سقاك فكم ظمئت إليك شوقًا
على عدواء داري واقترابي
غرست لأهل الحبِّ غصنًا من الهوى
ولم يك يدري ما الهوى أحد قبلي
فأورق أغصانًا وأينع صبوة
وأعقب لي مرًّا من السما للمحل
وكلُّ جميع العاشقين هواهم
إذا نسبوه كان من ذلك الأصل
ومن كان في طول الهوى ذاق سلوة
فإني من ليلي لها غير ذائق
وأكثر شيء نلته من وصالها
أماني لم تصدق كلمحة بادق
إن كنت سائلًا عن خالص المنن
وعن تآلف ذات النفس بالبدن
وعن تشبثها بالحظ مذ ألفت
أدرانها فغدت تشكو من العطن
وعن بواعثها بالطبع مائلة
تهوى بشهرتها في ظلمة الشجن
وعن حقيقتها في أصل معدنها
لا ينثني وصفها منها إلى وثن
وعن تنزلها في حكمها ولها
علم يفرّقها في القبح والحسن
فاسمع هديت علومًا عَزَّ سالكها
على البيان ولا يغررك ذو لسن
قصدًا إلى الحق لا تخفى شواهدها
قامت حقائقها بالأصل والفنن
يا سائلي عن علوم ليس يدركها
ذو فكرة بفهوم لا ولا فطن
خذها إليك بحق لست جاهله
والأمر مطلع والحق قيّدني
على الحقيقة خذ علم الأمور ولا
تحجبك صورتها في عالم الوطن
ففطرة النفس سر لا يحيط به
عقل تقيّد بالأوهام والدّرن

وقد تنقل الشعر الصوفي في أطوار كثيرة كما تطور النثر، وكانت ذروته عند ابن عربي، وابن الفارض في الشعر العربي، وجلال الدين الرومي في الشعر
الفارسي. وسنتكلم عن ذلك في القسم الأخير من هذا الكتاب، إن شاء الله.

ولهم في الأدب نوع لطيف، وهو المكاتبات بين كبارهم، ويقولون: «العلم كله نصفان: نصفه سؤال، ونصفه جواب.»

وكتب أبو سعيد الخرّاز إلى أبي العباس حمد بن عطاء:

يا أبا العباس: أتعرف لي رجلًا قد كملت طهارته، وبرئ من آثار نفسه، موقوفًا مع الحق بالحق للحق، من حيث أوقفه الحق … فإن عرفت لي
هذا فدلّني عليه، حتى إن قبلني كنت له خادمًا.

وكتب عمرو بن عثمان المكي كتابًا إلى جماعة الصوفية ببغداد، فكان منه: «إنكم لم تصلوا إلى حقيقة الحق، حتى تجاوزوا تلك الطرقات المنطمسة،
وتسلكوا تلك المفاوز المهلكة». وكان الجنيد حاضرًا قراءة المكاتبة، فقال: «ليت شعري من الداخل فيها؟» وقال أبو محمد
الجريري: «ليت شعري من الخارج منها؟»

ومرض رجل من أصحاب ذو النون، فكتب إليه أن ادع الله لي، فكتب إليه ذو النون: «يا أخي، سألتني أن أدعو الله لك أن يزيل عنك الغم، واعلم يا
أخي أن المرض والعلة يأنس بها أهل الصفاء، وأصحاب الهمم … ومن لم يعدّ البلاء نعمة فليس من الحكماء، فليكن معك يا أخي
من الله حياء يمنعك من الشكوى والسلام …» وكتب رجل إلى ذي النون أيضًا: «آنسك الله تعالى بقربه»، فكتب ذو النون: «أوحشك الله من قربه؛ فإنه
إذا آنسك بقربه فهو قدرك، وإذا أوحشك من قربه فهو قدره، ولا نهاية لقدره حتى يتركك ملهوفًا إليه.»

وكتب يوسف بن الحسين إلى بعض الصوفية: «أشكو إليك ركوني إلى الدنيا، وما أجد في طبعي من الأخلاق التي لست أرضاها من نفسي لنفسي»، فكتب إليه:
«وصل كتابك، وفهمت ما ذكرت، ومخاطبتك شريكك في شكواك، ونظيرك في بلواك، فإن رأيت أن تديم الدعاء، وقرع الباب، فإنه
من قرع الباب، ولم يعجز عن القرع دخل.»

وكتب صوفي إلى صوفي يسأله عما يؤديه إلى إصلاح نفسه، فكتب إليه: «إن فساد نفسي قد شغلني عن صلاحك، ولست أجد نفسي لسفرها … والسلام.»

ثم لهم كلام غامض يحتاج إلى تفسير وتأويل، قام بهذا التفسير الخلف لأفراد السلف، من أمثلة ذلك: قال النوري: «مكاشفات العيون بالأبصار، ومكاشفات
القلوب بالاتصال، والشطح كلام يترجمه اللسان عن وجد يفيض عن معدنه.»

ثم لهم كلام في غاية الغموض أشبه ما يكون بما يسمى اليوم «الأدب الرمزي»، يفسره كلٌّ بما يتراءى له مثل قول أبي سعيد الخرَّاز يصف رجلًا
صوفيًا: «هو عبد موقوف مع الحق بالحق للحق»، يعني موقوف مع الله «بالله لله». ويقول أبو علي السندي: «كنت في حال منّي
بي لي، ثم صرت في حال منه به له»، ومعنى ذلك: أن العبد يكون ناظرًا إلى أفعاله، ويضيف إلى نفسه أفعاله، فإذا غلبت على قلبه أنوار المعرفة،
يرى جميع الأشياء من الله قائمة بالله، معلومة لله، مردودة إلى الله.

وقال أبو زيد البسطامي: «ليس بليس»، يعني: قد غابت الأشياء الحاضرة، وتلفت الأشياء، فليس يوجد شيء ولا يحس، وهو الذي يسميه قوم الفناء،
والفناء عن الفناء.

ويقول الشبلي: «يا دهشا كله»، معناه: كل شيء مع الحلق دهش كله كالذي قال:

إنّ من هواه قد أدهشني
لا خلوت الدهر من ذاك الدهش

وكان الشبلي يقول أيضًا: «تاهت الخليقة في العلم، وتاه العلم في الاسم، وتاه الاسم في الذات» إلخ إلخ …

وربما كان هذا من أوضح ما غمض من أقوالهم.
تذييل
في تاريخ الحركات العلمية والأدبية والمذاهب الدينية من القرن السادس حتى النهضة الحديثة

تمهيد

يكاد يكون العلم والأدب والفن قد انتهى في العالم العربي بانتهاء القرن الخامس وربما وجد شيء في القرن السادس الهجري من الابتكار والتجديد،
أما بعد ذلك من ابتداء القرن السابع إلى النهضة الحديثة فيكاد يكون ترديدًا لما فات، وجمعًا لمتفرق، أو تفريقًا
لمجتمع، إلا في القليل النادر الذي سنذكره في هذا القسم.

وهنا نتساءل: هل عقمت الولّادة عن ولادة المبتكر المجدد، أم أصيب الناس بالغباء بعد الذكاء؟ والحق أن ليس شيء من ذلك، وإنما هي التربية:
فربّ الذكي تربيةَ غباءٍ يكن غبيًّا، وربّ الغبي تربية ذكاءٍ يخرج خير ما عنده. وأنت إذا أخذت مصباحًا كهربائيًّا
قوته خمسون، ولكن لم تنظفه مما عليه من غبار، وما لم تلمعه وتهيئه تهيئة حسنة، كان خيرًا منه مصباح قوته خمس وعشرون أعدّ كل
الإعداد، فالولادة لم تعقم، ولكن غلبت على عقول من تلدهم التربية والظروف، فما السبب في ذلك؟

يظهر لي أنَّ السبب أمور:
list of 5 items
أولًا: أنَّ العنصر العربي الذي ينتج النتاج العربي قد اختفى تقريبًا، وغلب عليه العنصر الفارسي والتركي. قد كان العنصر
الفارسي أول الأمر يتثقف الثقافة العربية؛ حتى يخرج ثقافته هو الفارسية إلى
ثقافة عربية، كما فعل عبد الحميد الكاتب، وعبد الله بن المقفع وأمثالهما، وكما فعل البرامكة، أما بعد ذلك فقد
أخذ الفرس يتعصبون للغاتهم وثقافتهم، وأعرض كثير منهم عن التثقف بالثقافة العربية
كحال بني بويه الفارسيين، فقد كانوا يتعصبون للفارسية، إلا القليل النادر الذي يتقن العربية مثل
عضد الدولة. وخلف الترك الفرس، فكانوا أبعد عن العربية، وعن الثقافة العربية، خصوصًا وأنَّ العلم
والأدب العربيين كانا أرستقراطيين لا شعبيين، فالعلماء والأدباء يقصدون إلى بلاط
الأمراء والولاة، والقواد يتكسبون منهم؛ إذ لا يستطيعون أن يتكسبوا من الشعب. فلما استعجم هؤلاء الولاة والأمراء،
ولم يفهموا علم العلماء، ولا أدب الأدباء انحط شأن العلم والأدب، ولكن لا
بد أن نلاحظ ملاحظة دقيقة، وهي أنَّ العلم والأدب ظلا مزدهرين بعد تغلّب الفرس والترك والأعاجم، وذلك بقوة الدفعة لا
بقوتهم هم؛ إذ العلم والأدب لا يموتان سريعًا، ولكن يحتضران في زمن طويل،
وهذا هو الذي يفسر استمرار النهضة العلمية والأدبية في القرن الخامس، وشيء منهما في القرن السادس، وبعد ذلك تَمَّ
الاختصار.
ثانيًا: كان المعتزلة حاملي لواء النهضة الفكرية، من أقوى مبادئهم: القول بسلطان العقل، حتى الحديث نفسه يعرض على العقل
ليحكم بصحته أو وضعه، وصحة العقائد الدينية البحتة تعرض أيضًا على العقل،
وتفسر تفسيرًا عقليًّا، ويحتج لها احتجاج عقلي، كما رأينا من قبل، وهذا في العادة هو الذي يُسْلِم للنهضة. وعلى
العكس منهم كان المحدثون الذين يقولون بسلطة النقل، وعندهم أنَّ قوة السند مقدمة
على معقولية المتن، فلما جاء المتوكل ونصر المحدِّثين على المعتزلة، وأدخل المعتزلة في جُحر بيوتهم
سياسيًّا، وجاء الأشعري، وزاد في قمعهم دينيًّا حرم العالم الإٍسلامي المنهج العقلي، وتبعوا
المنهج النقلي، وأصبح منهج المحدثين هو منهج التربية السائد في العالم الإسلامي كله.
وطبيعي أنَّ المنهج النقلي لا يعد للتجديد والابتكار، وإنما يعدّ لرواية الخلف عن السلف، وكلما تقدم الزمن
زاد عبء السلف على أكتاف الخلف، فشلَّ من ابتكارهم.
ثالثًا: هجوم التتر على العالم الإسلامي، وكان هجومًا مُخَرِّبًا مدمرًا من قوم لم ترقهم الحضارة، ولم تهذبهم الثقافة،
شداد غلاظ لا يفهمون معنى العاطفة، ولا تلين قلوبهم للرحمة، أحب منظر إليهم
الدم ينهار، أو الآثار العظيمة تصبح شعلة من نار، كان بأسهم بينهم، فجمعهم جنكيز خان؛ فأزال خلافهم، ووحد
كلمتهم، فاتجهوا نحو الشرق الأقصى يفتحونه، فلما أتموا ذلك هجموا على المملكة الإسلامية
فيما وراء النهر، فاستولوا على مملكة «شاه خوارزم»، ثم اكتسحوا بجيوشهم خراسان وفارس، يخرّبون
الحضارات، ويذبحون الناس حتى جاء هولاكو حفيد جنكيز خان، فاتجه إلى الدولة العباسية سنة ????،
وعرج على قلعة ألموت عش الإسماعيلية التي ذكرناها من قبل ففتحها، وأخذها منهم، وقتل من
فيها، ثم استولى على الريّ، ثم قصد بغداد سنة ????، وكان الخلاف فيها فظيعًا بين السنية والشيعة، فظن
الوزير العلقمي الشيعي أنه يغنم غنمًا كبيرًا للشيعة إذا هو مكَّن للتتار من
الاستيلاء على بغداد، وزلزلة الأرض تحت أرجل الخليفة المستعصم، فلما هجم هولاكو استولى على بغداد، وأباح بغداد أربعين
يومًا لجنوده، وقتل منها — كما يقول — بعض المؤرخين أكثر من مليون وثمانمائة
ألف، وخرب عمرانها، ورمى كتبها في نهر دجلة. وكانت هذه العمارات نتيجة حضارة قرون، والكتب نتيجة ثقافة قرون،
والحضارات والعلوم إنما تبنى على ما قبلها، وتؤسس على ما سبقها، وهي كالماء للنبات
الغض، فإذا حُرِم النبات الغض الماء ذبل، وجَفَّ بعد قليل، وكذلك كان العلم والحضارة الإسلاميان،
هذا فضلًا عما أصيبت به الثقافة من نكبات للعلماء، فإنْ بقي شيء من العلم فقليل يكفي للتقليد،
ولا يبعث التجديد. يقول الخميسي: وفي سنة خمس وخمسين وستمائة ثارت فتنة مهولة ببغداد
بين السنية والرافضة من الشيعة، أدت إلى نهب عظيم وخراب، وقتل عدة من الرافضة؛ فغضب لها، وتنمر ابن العلقمي
الوزير، وجسَّر التتار على العراق ليشتفي من السنية.وما كاد العالم الإسلامي يفيق من نكبته، ويسترد بعض قوته حتى
جاء تيمورلنك فأكمل ما عصف به أجداده جنكيز خان وهولاكو، واجتاز بقية آسيا الصغرى،
وأكثر القتل والتخريب والفساد، وأرعب الناس، وأفسد الشام، وكانت قد استعصت على من قبله، وخربها فيما
خرب، وقتل علماءها فيمن قتل، ومات سنة ???? بعد أن أكمل خنق البلاد.

فهل نعجب بعد ذلك إذا هدأت النهضة، وخمد العقل؟؟

رابعًا: وسبب رابع: هو ما انتشر بين المسلمين من عصبية حادة، مذهبية وطائفية: ففقهاء ضد الصوفية، وصوفية ضد الفقهاء،
ومعتزلة ضد السنية، وسنية ضد المعتزلة، وشيعة ضد السنية، وسنية ضد الشيعة،
وشافعية ضد الحنفية، وحنابلة ضد غيرهم ممن شرحنا بعضه من قبل. ومن المؤسف أن هذه الخلافات لم تقتصر على الخاصة من
العلماء، بل أشركوا فيها العوام، والعوام عادة ضيقو العقل، عديمو التسامح،
فكانت البلوى من ذلك كبيرة، والنتيجة فظيعة.
خامسًا: لما رأى العلماء ما حدث بالبلاد من خراب، وللعلم والعلماء من نكبات، ضعفت هممهم بالطبيعة، وانكسرت نفوسهم،
فبعد أن كانوا يطمحون إلى شيء في العلم جديد أصبحوا يحمدون الله أن استطاعوا
أن يحتفظوا بالقديم، وهذا هو الذي سمي «إقفال باب الاجتهاد»، فلم يكن هناك باب مفتوح أقفل، ولا مجمع من العلماء
تجادلوا فيه، ثم قرروا محضرًا كتبوا فيه ذلك، لا لا، ولا شيء من ذلك، إنما
هي حالة نفسية اعترتهم لم يأملوا معها في جديد، وكل أملهم انحصر في المحافظة على القديم، فاجتهدوا كل الجهد أن يحتفظوا
بالبقية الباقية يرددونها ويكررونها، ويشرحونها أو يختصرونها؛ فانقلب المجتهد
المطلق إلى مجتهد مذهب، والمؤلف المبتكر إلى مؤلف مفسر، ومن خرج عن الطريق المرسوم ولو قليلًا كان ملحدًا
زنديقًا، فإن بدر شيء يعد ذا قيمة فواحة خضراء وسط صحراء جرداء على ضعف الواحة، وقلة
سكانها، وضآلة خيراتها. وسنعرض في هذا القسم من الكتاب إلى وصف هذه الواحات، وما فيها من
خيرات.
list end

تأليف الموسوعات

كل هذه الأسباب قد عاقت الحركة العلمية، وأماتت النهضة الثقافية، حتى كان الزمان الذي يسمح بعشرات من فطاحل العلماء في وقت واحد لم
يعد يسمح إلا بواحد بعد واحد في عصور متباعدة. وكان من نتيجة ذلك أن انتقلت زعامة الحركة العلمية من العراق
إلى مصر؛ لأنَّ مصر قد حماها الله من التخريب التتري، وعاشت عيشة هادئة نسبية، والعلم لا يترعرع إلا في ظل الهدوء والأمان.

وكان من أهم مظاهر سيادة التقليد وعدم الاجتهاد تحول التأليف العلمي لكتب مبتكرة إلى التأليف في الموسوعات؛ لأن طبيعة الموسوعات جمعٌ
لمتفرق، وهي تحتاج إلى جدّ وصبر أكثر مما تحتاج إلى كبر عقل، فرأينا مثلًا أبا المظفر الأبيوردي
?
الشاعر المشهور يؤلف كتابًا في طبقات العلوم، يفرد لكل علم طبقة، وقد توفي سنة ????، ويؤلف علي ابن عقيل البغدادي الحنبلي كتابًا في
أنواع العلوم في ??? مجلدًا. ويقول الرازي: «إنه وقع له منه مائة وخمسون مجلدًا»، وألف فخر الدين الرازي المتوفى
سنة ???? كتاب «حدائق الأنوار في حقائق الأسرار» شرح فيه نحو ستين علمًا.
والذي تبقى لنا من الجهود المصرية من كتب الموسوعات ثلاث موسوعات عظيمة، أولها كتاب «نهاية الأرب» للنويري، الذي ألفه في ثلاثين مجلدًا
في زمن الملك الناصر محمد بن قلاوون، ورتبه على خمسة فنون:
list of 5 items
(?) في السماء والآثار العلوية، والأرض والعالم السفلي، ويشتمل على خمسة أقسام.

(?) في الإنسان، وما يتعلق به، ويشتمل على خمسة أقسام.

(?) في الحيوان الصامت، ويشتمل على خمسة أقسام.

(?) في النبات، ويشتمل على أربعة أقسام، وذيله بقسم خامس في طبّ النبات.

(?) في التاريخ، ويشتمل على خمسة أقسام، وقد مات النويري سنة ????.
list end

وكذلك فعل القلقشندي إذ ألّف كتابًا سماه «صبح الأعشى» في أربعة عشر جزءًا، والقلقشندي هذا نسبة إلى قلقشندة بلدة في مديرية القليوبية،
وقد عني فيه بما يحتاج إليه الكُتَّاب، إذْ كان هو رئيسًا لديوان الكتاب.

وألف ابن فضل الله العُمري، وكان معاصرًا للنويري موسوعته المسماة «مسالك الأبصار» في التاريخ والجغرافيا والتراجم، يقع في أكثر من
عشرين جزءًا، ومن نعم الله أن وصلت إلينا هذه الكتب كلها، واستفاد العالم منها، وكانت مصدرًا للأدباء والعلماء،
وحفظت لنا ثروة كبيرة من آثار الأقدمين.

وكتاب النويري أوسع موضوعًا، وكتاب العمري أوسع في الجغرافيا والتاريخ، وكتاب القلقشندي ألصق بالكتابة وأدواتها ولوازمها. هذا إلى موسوعات
خاصة، ككتاب «حياة الحيوان» للدميري المتوفى سنة ????، يقول في أوله:

هذا كتاب لم يسألني أحد تصنيفه، وإنما دعاني إلى ذلك أنه وقع في بعض الدروس ذكر مالك الحزين، والذبح المنحوس، فحصل بذلك ما
يشبه حرب البسوس؛ فاستخرت الله سبحانه في وضع كتاب في هذا الشأن، ورتبته على حروف المعجم.

وقد انتقد الناس تأليفه هذا الكتاب مع أنه فقيه محقق في العلوم الدينية لا في علم الحيوان.

كما ألفوا جمع الأمثال، وتوسعوا في جمعها عما سبقهم، وهكذا، ولو أنهم جاءتهم فكرة ترتيب المسائل على حسب الحروف الأبجدية لكان كل كتاب
من هذه الكتب الثلاثة يصح أن يكون دائرة معارف واسعة.

وربما كان من خير الأمثلة على ما نقول ما فعله السكاكي في كتابه «مفتاح العلوم»؛ فقد ركز على جملة علوم ومنها
البلاغة، ولخصها مِنْ كتب مَنْ قبله ككتاب دلائل الإعجاز، وأسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجاني، وقد أفقدها في تلخيصه روحها.

ثم تتابع على مفتاح العلوم التلخيص، وتلخيص التلخيص، حتى صارت على يد سعد الدين التفتازاني حجرًا جامدًا.

ولعل من الخير أن نذكر ملاحظاتنا على كل فن وحده.

(?) أولًا: الأدب

ربما كان الأدب والفن على العموم أكثر الأشياء تأثرًا بالبيئة، والبيئة المصرية خضعت بعد سقوط بغداد للمماليك، واستمرت تحت حكمهم إلى
سنة ????، وفي عهد المماليك انتقلت الخلافة أيضًا من بغداد إلى القاهرة على يد السلطان بيبرس، وفي عهد المماليك
نحي العرب عن السياسة وعن الجندية، فانصرفوا إلى الزراعة والصناعة، وكسب العيش، وجعلت الأمور السياسية والحربية بيد المماليك، وفي هذا
من غير شك إضعافٌ للنفسية العربية، وإسلام لهم إلى الخمود، فكان هذا عاملًا كبيرًا من عوامل انحطاطهم.

ولكن من ناحية أخرى كان المماليك لا يتعصبون للغة أجنبية؛ إذ كانوا من مقاطعات مختلفة، ذوات لغات مختلفة، واضطروا إلى أن يتعلموا العربية
كسبًا للرأي العام، كما اضطروا إلى أن يقربوا العلماء؛ لأن العلماء كانوا هم الواسطة بين الشعب والسلاطين،
ولكن كانت لغتهم التي كانوا يتكلمون بها هي اللغة العامية لا العربية الفصحى؛ لصعوبة الفصحى، وعدم تداولها إلا بين العلماء؛ ولهذا فشا
في هذا العصر أدب اللغة العامية من قصص عاميّ وزجل، والظاهر أنه لما هاجر الفارون إلى مصر من عراقيين وشاميين
وأندلسيين هضمتهم مصر، وأثرت فيهم أكثر مما أثروا فيها، وهي مزية كبيرة معروفة لمصر، حتى إنها لتهضم الفاتحين، وربما زاد الحال
سوءًا استيلاء العثمانيين على مصر بعد المماليك في سنة ????، فقد تقهقرت العلوم والآداب تقهقرًا فظيعًا بسبب أمور:

list of 3 items
(?) أخذ الكتاب والعلماء والصناع، وإرسالهم إلى القسطنطينية، وكان ذلك زبدة الحضارة الإسلامية المصرية.

(?) إحلال اللغة التركية في الدواوين الرسمية محل اللغة العربية.

(?) تحويل مصر إلى ولاية عثمانية بعد أن كانت سلطنة مستقلة، وتبع ذلك أن الولاة الذين كانوا يعينون من قبل السلطان العثماني
كانوا يعينون إلى أمد، ويجتهدون في هذه الفترة أن يقتنوا لا أن يعدلوا وأن ينهبوا
لا أن يهبوا، يضاف إلى ذلك ما عرف عنهم من التعصب والتعاظم.
list end

كل هذا أثر في الحركة العلمية، وفي الأدب على وجه الخصوص أثرًا سيئًا حتى لقد قل أن نجد نتاجًا يتذوق.

ونجد الأدب منذ عهد الدولة الأيوبية، وقبله أدبًا يغرق في السجع والزينة البديعية على نمط مدرسة العماد الأصفهاني، وابن العميد، وابن
عباد، والقاضي الفاضل.

والسبب في ذلك أن المقصد الذي كان يقصده الأدباء من أدبهم هو الملوك والأمراء، وهؤلاء إنما تقدم لهم في الماديات الطرف الجميلة الصنع،
المزخرفة والمزركشة، والمملوءة باللآلئ، فكان لزامًا أن يكون الأدب على هذا النحو، فبدل اللآلئ المحسنات البديعية،
وبدل الزركشة السجع، ولم يكن الشعب ذا قيمة ولا مال حتى يتجه إليه الأدباء، ولو اتجهوا إليه لكان سهلًا بسيطًا مجردًا من
الزينة.

ثم قد يظن ظان أن الكتابة الأدبية المسجوعة والمحلاة بالبديع أصعب من الكتابة الفنية المرسلة غير المحلاة، وهذا خطأ محض؛ فالواقع أن
الذي يلجئ إلى السجع والبديع الفقر في المعنى، فإذا عدم الأديب المعنى الغزير عوّض الأديب عن ذلك اللعب البهلواني
الخارجي، ولكن لو وجد معنى غزير لكفى هذا المعنى بغزارته أن يكون جميلًا متى عبر عنه تعبيرًا مرسلًا فيه جمال البساطة، ألا ترى أن الحسناء
يكفيها في الجمال أي حلية ولو بسيطة، بل يغنيها جمالها عن كل حلية، وأن القبيحة تحاول محاولة كبيرة أن تخفي
قبحها بالغلو في زينتها، وهيهات مع ذلك أن تساوي الجميلة من غير حلية. وفي رأيي أن ابن خلدون الكاتب المرسل غير المتأنق أبلغ من
القاضي الفاضل، والسبب في ذلك أنه وجد معنى غزيرًا، فعبر عنه تعبيرًا بسيطًا، والقاضي الفاضل لم يجد معنى غزيرًا
فهوش بالسجع والبديع.

(?-?) صفي الدين الحلي

وقد يكون صفي الدين الحلي أول من يطالعنا في هذا العصر، وفيه مسحة خفيفة من التجديد، وهو عراقي الأصل، اسمه عبد العزيز بن سرايا،
ولد بالحلّة من مدن الفرات سنة ????، وخدم الدولة الأرتقية نسبة إلى أرتق أحد مماليك السلطان ملك شاه
السلجوقي، ثم جلبته القاهرة فيمن جلبت، فوصل إليها سنة ???? في زمن السلطان الملك الناصر ابن قلاوون، ومدحه بقصيدة مطلعها:

أسبلن من فوق النهود ذوائبا
فتركن حبّات القلوب ذوائبا

وحتى في هذه القصيدة يقلد أبا الطيب المتنبي في قصيدته التي مطلعها:

تأبى الشموس الجانحات غواربا
اللابسات من الحرير جلاببا

غاية الفرق إمعان صفي الدين في الجناس بين ذوائبا وذوائبا، ومن إمعانه في البديع، مثلًا: إنشاؤه قصائد سميت «الأرتقيات» في مدح
الملك المنصور بن أرتق صاحب ماردين، وهي تسع وعشرون قصيدة بعدد أحرف الهجاء، يلتزم في كل قصيدة حرفًا
يبدأ كل بيت به، وينتهي به.

ومن أمثلة شعره الذي يتلاعب فيه بالبديع ما قاله في التضحية:

وحق الهوى ما حلت يومًا عن الهوى
ولكنه نجمي في المحبة قد هوى
ومن كنت أرجو وصله، قتلي نوى
وأضنى فؤادي بالقطحية والنوى

•••

ليس في الهوى عجب
إن أصابني نصب
«حامل الهوى تعب
يستخفه الطرب»

والبيت الأخير لأبي نواس ضمنه صفي الدين الحلي. وترى الإمعان في الجناس بين الهوى والهوى، ونوى والنوى.


ويرد أحيانًا في شعره بعض تعبيرات تكاد تكون عامية، كقوله في المفاضلة بين الورد والزنبق:

فامتعض الزنبق من قوله
وقال للأزهار يا رفقتي
يكون هذا الجيش بي محدقًا
ويضحك الورد على شيبتي

فالمناداة بيا رفقتي، ويضحك الورد على شيبتي، تعبيرات تكاد تكون عامية، وفي الغالب يكون قد أخذها من القاهرة لما أقام بها، وربما
عدَّ من خير تجديدات صرخته في الذين يستعملون الألفاظ الغريبة، يقصدون إليها، ويتباهون باستعمالها
فيقول:

إنما الحيزبون والدردبيس
والطخا والنقاخ العلطبيس
لغة تنفر المسامع منها
جين تروى وتشمئز النفوس
وقبيح أن يذكر النافر الوحـ
ـشي منها ويترك المأنوس
أين قولي هذا كئيب قديم
ومقالي عقنقل قدموس
خلّ للأصمعي جوب الفيافي
في نشاف
?
تخف فيه الرءوس
إنما هذه القلوب حديد
ولذيذ الألفاظ مغناطيس

فهو يدعو إلى هجرة الألفاظ الوحشية، واستعمال المأنوس من الألفاظ، ولئن جاز للأصمعي الإغراب، فلا يجوز لمن أتى بعده في عصر مختلف
كل الاختلاف إلا الإيضاح، وهي دعوة صحيحة تقيد بها، واستعملها غالبًا.

ومما ابتكره صفي الدين إنشاء بديعية في مدح الرسول ? ضمنها كل أنواع البديع المعروفة في زمنه، ومطلعها:

إن جئت سلمًا فسل عن جيرة العلم
وأقر السلام على عرب بذي سلم

وجعل في كل بيت نوعًا من أنواع البديع، ثم أنشأ معاصره ابن نباتة مثله بديعته التي مطالعها:

صحا القلب لولا نسمة تتخطر
ولمعة برق بالفضا تتسعر

وجاء عز الدين الموصلي بعد ذلك سنة ????؛ فزاد على ذلك أن جعل البيت من القصيدة يحمل اسم النوع البديعي، وأولها:

براعة تستهلّ الدّمع في العلم
عبارة عن نداء المفرد العلم

وتبعه ابن حجة الحموي سنة ????؛ فأنشأ بديعيته على هذا المنوال، ومطلعها:

لي في ابتدا مدحكم يا عرب ذي سلم
براعة تستهل الدمع في العلم

وهكذا تدفق الشعراء في هذا الباب؛ لأنه ناسب دروشة الشعر.

(?-?) شعر للتسلية

ووجد شعراء بعد ذلك قالوا في المعاني التي سبقهم بها الشعراء، وأكثروا من المقطعات التي تصف الأشياء العارضة كسقوط مئذنة، وقتل
زنديق، ووصف سجادة، ووصف سبحة. وتوالى على ذلك الشعراء أمثال الشاب الظريف، وسراج الدين الوراق، وابن
الوردي، وغيرهم. وكان الذي يهمهم في ذلك النكتة كالتي نسمعها اليوم وكلما وفق الشاعر إلى النكتة أكثر كان بالشعر أشهر، مثل:

لقد أصبحت ذا عمر عجيب
أقضي فيه بالإنكار وقتي
من أولاد خمس حول أم
فواقرباه من خمس وست

ومثل:

تركت المال والجاها
لأهل القدر والقدره
فحسبي من حمى كسره
وحسبي من غنى كسره

ومثل:

وكنت أخا سعدى فأصبحت عمّها
فهيهات لي جدّ بتقبيل خالها

… إلخ.

وكثر اتهام الشعراء بعضهم لبعض بالسرقات، وأكثروا فيها الكلام، ويعجبني في ذلك قول محيي الدين بن تميم:

أطالع كل ديوان أراه
ولم أزجر عن التضمين طيري
أضمّن كل بيت فيه معنى
فشعري نصفه من شعر غيري

وأظن أن قوله بالنصف يحابي فيه نفسه.

ومن ظريف ما حدث في ذلك أن صلاح الدين الصفدي الشاعر بالشام لما أغار على معاني جمال الدين بن نباتة في مصر، ولم يترك له معنى إلا
أخذه، اضطر ابن نباتة أن يؤلف كتابًا يجمع فيه هذه السرقات سماه «خبز الشعير»، واستهله بقوله: رَبِّ
اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا (نوح: ??)، ومما ورد في هذا الكتاب
من أمثلة السرقة قول ابن نباتة:

بروحي طيب الأنفاس ألمي
ملئ الحسن حالي الوجنتين
له خالان في دينار خدّ
تباع له القلوب بحبتين

فقال الصَّفدي:

بروحي خده المحمر أضحت
عليه شامةٌ شرط المحبّه
كأن الحسن يعشقه قديمًا
فنقطعه بدينار وحبّه

فقال ابن نباتة: لا إله إلا الله، سرق الصلاح من الحبتين حبّة.

وممن اشتهر بالشعر البوصيري، وسبب اشتهاره بالشعر مدائحه النبوية، كالبردة والهمزية، وقد اشتهرت البردة، وأعجب بها الناس حتى أصبحت
نموذجًا في المدائح النبوية، والهمزية التي مطلعها:

كيف ترقى رقيك الأنبياء
يا سماء ما طاولتها سماء

والناظر في شعره يرى أنه في المدائح النبوية أرقى مما له من غيرها من قصائد لجلال موضوعها، وسمو روحها، وشبوب عواطفه فيها، أما
غيرها من الشعر فخفيف فاتر.

ومع هذا، فقد كانت حالة الشعر في أيام المماليك خيرًا منها في العهد العثماني، كأن الانحطاط في الشعر والأدب حدث على درجات.

(?-?) القصص والنثر

ومن ضروب الأدب في ذلك العصر القصص، وربما كان القصص الشعبي أحسن حظًّا؛ لأنه وجد استجابة له من الشعب، ومن آثار ذلك ما حدث من
الزيادات على ألف ليلة وليلة في عهد الحروب الصليبية والمماليك، كقصة معروف وزوجته فاطمة، فإن حوادثها
تدل على أنها وضعت أخيرًا، وكقصة أبي قير وأبي صير، فإنها من أحدث ما كتب، وبعض القصص تظهر فيها خصائص اللغة العامية الشامية، والبعض
تظهر فيها خصائص المصرية. ومثل ذلك قصة عنترة، وقد ظلت تتداول على الألسنة عهدًا طويلًا، وقد ألفها
القُصَّاص في أزمنة مختلفة، بعضها ألف في عهد الخليفة الفاطمي العزيز بالله، وبعضها ألف في القرن السادس الهجري. وألف
ليلة وليلة وقصة عنترة أوسع خيالًا من مقامات الحريري، وأدخل في باب الفن، وإن لم تكن مثلها في البلاغة. وسيرة
عنترة من أكبر القصص العربية، وينقصها جودة الحبكة، حتى إنك لو حذفت جزءًا منها ما شعرت بالخلل، كما ينقصها جودة
الخيال، فخيالاتها ليست قوية، ومؤلفها قصير النفس، كثير الانتقال، لا يسير في خطة إلا تحول عنها، وشرع في غيرها،
فإن قلنا: إن العرب لم يحسنوا القصص الطويل كما أحسنوا الحكايات القصيرة، والمقامات، والأحاديث، كأحاديث ابن
دريد التي رواها القالي في الأمالي، لم نبعد عن الصواب.

وأما النثر، فقد انقسم في هذا العصر إلى قسمين: نثر رسمي، كالكتب التي تخرج من الدواوين، وكان لذلك ديوان خاص اسمه ديوان الإنشاء،
يرأسه أكبر من عُرف بالأدب، ويختار رئيسه ممن عرف بالسياسة وبالأدب معًا؛ لاحتياجه إليهما، وقد تولى
هذا المنصب فخر الدين بن لقمان، ثم محيي الدين بن عبد الظاهر، ثم ابنه فتح الدين، وعلاء الدين بن الأثير، وشهاب الدين الحلّي،
وابن فضل الله العمري، والقلقشندي؛ وقد وردت من هؤلاء مكاتيب كثيرة عدت نموذجًا، وتحروا فيها الدقة
في الألقاب، والمحافظة على الأسلوب، وهي مملوءة بالسجع، وأنواع البديع كما وصفنا من قبل.

والنوع الثاني: ما يسمى بالإخوانيات، كمكاتبة الأصحاب للأصحاب في الثناء والاستهداء، أو الإهداء، ونحو ذلك، وكلها قد استوت مع الشعر
في الإغراق في البديع، لا ينقصها في ذلك إلا الوزن، حتى في تقديم الغزل أول الموضوعات، وقد اشتهر في
ذلك كثيرون، ومن خير الأمثلة على ذلك كتاب «نسيم الصبا» لبدر الدين الحلبي، وهو فصول نحو الثلاثين في أصل الطبيعة والأخلاق والأدب
وفصول العام إلخ. وهو مظهر من مظاهر النثر الفني في ذلك العصر.

(?-?) ابن خلدون

ولا نريد أن نطيل في ترجمة الناثرين من هذا القبيل، وإنما نقف وقفة عند سيد هؤلاء الأدباء وهو ابن خلدون، وقد يعد عجيبًا أن نعده
أديبًا كبيرًا، ومن قبلنا لمن يعدوه في هذا الباب، وإنما عدوه مؤلفًا اجتماعيًّا. ونحن نعده أديبًا
كبيرًا أيضًا؛ لأنه نموذج للأدب الذي نرتضيه، غزارة في المعنى، وبساطة في الأسلوب، وأسلوبه من النوع الذي يعدونه في البلاغة مساواة،
لا إيجاز ولا إطناب، فالعبارة على قدر المعنى.

وكما تطور النثر بعبد الحميد الكاتب تطورًا جديدًا، عماده الإطناب، وبسط الأسلوب، وتطور عند الجاحظ بجعله كل شيء موضوعًا للأدب،
تطور على يد ابن خلدون بجعله مسائل الاجتماع موضوعًا للأدب.

وأهم ما اشتهر به مقدمته، وهي في الفلسفة، والتاريخ، والاجتماع،
?
من أهم ما فيها كلامه عن طبيعة العمران، وقد تكلم فيه فيما يعرض له من بدو وحضر، وكسب ومعاش، وصنائع وعلوم، وأثر الهواء في أخلاق
البشر، وأن أجيال البدو والحضر طبيعية، وأن البدو أقدم من الحضر، وأن الأمم الوحشية أقدر على التغلب
مما سواها، وأن من عوائق المدن حصول الترف، والانغماس في النعيم، وأنه إذا كانت الأمة وحشية كان ملكها أوسع، وأن
المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب … إلخ.

وتكلم في العلوم وأصنافها، والتعليم وطرقه، وقد نقده بعضهم بأنه لم يطبق نظرياته التي وسعها في مقدمته على كتابه التاريخ، فهو فيه
لم يحقق التحقيق الذي طالب به. وعلى كل حال، فقد نحا منحى جديدًا لم نعرف أنه سبق إليه.

ومما يمتاز به التزامه المنطق في كلامه، فهو يذكر النظرية، ثم يأخذ في شرحها، ثم يأخذ في التدليل عليها، حتى كأنها نظرية هندسية.


ومن المؤسف أن الشرق انطوى على نفسه، ولم يعد له صلة بالعالم الغربي منذ انتهاء القرون الصليبية، وقد بدأ العالم الغربي يستعد للنهضة،
ولكن لم تدر ماذا كان يصنع، ولو درينا لأسسنا نحن أيضًا نهضة جديدة.

والحركات العلمية والأدبية عادة إنما تنهض بدخول عناصر جديدة فيها، تشع الحياة كما حدث في عهد الأمويين، إذ دخلت عناصر جديدة على
الأدب العربي، وعلى العالم العربي فحيي من جديد، وكما حدث في عهد العباسيين إذ تسربت إلى العلم العربي،
والأدب العربي الثقافات الهندية والفارسية واليونانية فنشط من جديد، بل وكما حدث في عصرنا هذا؛ إذ تسربت الثقافات الأجنبية إلى
العلم والأدب العربيين، فاتجها اتجاهًا جديدًا، فلما حرم الشرق من اطلاعه على الآداب الأجنبية، والعلوم
الأجنبية أصابه الركود، وظل راكدًا عصورًا طويلة إلى أن أتاه المدد في النهضة الحديثة.

(?) ثانيًا: اللغة، والنحو والصرف
(?-?) اللغة

أما اللغة، فكان عمل المتأخرين فيها ليس إلا جمعًا لمن سبقهم، أو اختصارًا في التعبير، أمَّا جديدًا فلا، وأشهر معاجم اللغة التي
ألفت في هذا العصر كتاب «لسان العرب» لابن منظور، وقد ألفه في عشرين مجلدًا، جمع فيه كتاب التهذيب
للأزهري، والمحكم لابن سيده، والصحاح للجوهري، والجمهرة لابن دريد، والنهاية لابن الأثير. وقد قال في مقدمته: «وإني لم أقصد سوى
حفظ هذه اللغة العربية، وضبط فضلها؛ إذ عليها مدار أحكام الكتاب العزيز والسنة النبوية. وذلك لما رأيته
قد غلب في هذا الأوان من اختلاف الألسنة والألوان، حتى لقد أصبح اللحن في الكلام يعد لحنًا مردودًا، وصار النطق
بالعربية من المعايب معدودًا …» وهو من غير شك عمل ضخم، وجمع لمادة كان يصعب جمعها، وهو كتاب أدب بجانب أنه كتاب لغة؛
لما يشتمل عليه من نصوص وافية، ولكن إذا نحن نظرنا فيه إلى الابتكار، لم نجده.

وكذلك فعل صاحب القاموس المحيط وهو مجد الدين الفيروزآبادي، وقد ولد بكازرون إحدى بلاد فارس، وتعلم في واسط وبغداد ودمشق، ورحل
إلى مصر، ثم إلى آسيا الصغرى، ولقي تيمورلنك في شيراز، ثم رحل إلى اليمن، فتلقاه سلطانها بالقبول،
وعينه قاضي القضاة حتى مات.

ولقي كتابه القاموس شهرة كبيرة حتى سمى الناس كل كتاب في اللغة «قاموسًا»، وهي شهرة أكثر مما يستحق؛ إذ كل ميزته اختصاره الشديد
المخل، ومحاولته التمييز بين الواوي واليائي، ونصه على صيغة المؤنث، وما عدا ذلك لا شيء.

وربما عد السيوطي أكبر مظهر للخصائص التي ذكرناها، فهو مؤلف كثير التأليف، كثير الجمع، قليل الابتكار، ألف في التفسير، والحديث،
واللغة، والفقه، والنحو، والمعاني والبيان والبديع، حتى لقد عدّ من تأليفه ثلاثمائة كتاب.

وقد اتهمه رجال عصره كثيرًا بأنه يأخذ من تآليف غيره، ويحوّرها، وينسبها إلى نفسه، حتى لقد تنازع هو والقسطلاني على كتاب «المواهب
اللدنية» لأيهما هو، وكلٌّ يدعيه، وأخيرًا نحاه السلطان طومان باي من منصبه لكثرة أعدائه، وادعائهم
كثرة سرقاته.

نعم، إنَّ حركة التأليف كانت قوية في عصر المماليك، والعصر العثماني، حتى ليعجزنا حصر ما ألف في ذلك العصر، ولكنها قوية من حيث
العدد لا من حيث القيمة، فلا تكاد تستطيع أن تعدّ كثيرًا من أمثال مقدمة ابن خلدون.

(?-?) النحو والصرف

وأمَّا النحو والصرف، فقد استمرا على النحو الذي وضعه سيبويه في الكتاب، وجرى على الأصول المألوفة في ذلك الزمان، وكل ما رأينا
هو شرح لغامض، أو اختصار لمطوّل.

أما الأسس التي بني عليها النحو، مثل بنائه على العامل، فلم يتغير منه شيء. نعم، حاول ابن مضاء الأندلسي أن يغير ذلك، ولكنه هدم
ولم يبن.
?
وجاء في هذا العصر الذي نتحدث عنه علمان كبيران في النحو هما ابن مالك وابن هشام، فابن مالك أكثر تعقيد القواعد وتنظيمها، وجمع
متفرقها على أساس سيبويه.
?

وأما ابن هشام، فكما قال عنه ابن خلدون: إنه «استوفى أحكام الإعراب مجمله ومفصله، وتكلم عن الحروف والمفردات، والجمل، وحذف ما في
الصناعة — صناعة النحو — من المتكرر في أكثر أبوابها … وأشار إلى نكت إعراب القرآن كلها، وضبطها بأبواب
وفصول وقواعد انتظمت سائرها، فوقفنا منه على علم جم، يشهد بعلو قدره في هذه الصناعة، ووفور بضاعته منها»، وهو كابن مالك منظم لا
مجدّد.

(?) ثالثًا: الفقه

وأما الفقه، فقد نبغ كثير من الفقهاء في كل مذهب، ولكن نلاحظ أن الاجتهاد الذي أقفل بابه، ظلت فيه بقايا ينتفع بها بعض الفقهاء، فيروي
مثلًا عن بعض الفقهاء أنه كانت لهم أحكام في بعض مسائل اجتهدوا فيها حسب الكتاب والسنة، وخرجوا فيها عن المذاهب
الأربعة، وما زال يضيق شيئًا فشيئًا بتوالي الزمان حتى سد الباب سدًّا محكمًا، ولم يبق إلا أن يقلّد كل الكبار من مشايخ مذهبه.

إنا نرى مثلًا أن ابن تيمية قال بعدم جواز التوسل بالميت ولو نبيًّا، وإن الطلاق الثلاث في لفظ واحد يقع طلقة واحدة، على غير ما يقول
أتباع المذاهب.

وقد قال النووي: «إن المجتهد المطلق لم يوجد منذ القرن الرابع، وكان الفقهاء مجتهدين اجتهادًا مقيدًا، أي أنَّ لهم ملكة يستنبطون بها
المسائل من الكتاب والسنة، والإجماع والقياس، ولكنهم مقيدون بقواعد مذهب إمامهم، واستمر هذا إلى القرن الخامس،
ومن أمثال هؤلاء العلماء اللخمي والمازري،
?
ومحيي الدين بن عربي، وابن رشد، والقاضي عياض، وإن كان الأخير من علماء القرن السادس، ثم ضعف الاجتهاد بعض الشيء، وأصبح المجتهدون
مجتهدي فتوى، أي أنه إذا عرض عليهم أمر كان فيه قولان أو أكثر رجحوا أحد الأقوال حسب حججه كابن الحاجب. وهذه
الطبقة انتهت أواسط القرن السابع، ولم يبق بعدها إلا المقلدون تقليدًا محضًا، فلا يستطيعون أن يأخذوا بكتاب أو سنة، بل يأخذون
بأقوال المتقدمين، وبعض الفقهاء كان يفتي لأهل مذهبين فأكثر، كابن دقيق العيد، فكان متمكنًا من مذهب مالك والشافعي،
يفتي كل من يريد الفتوى على مذهبه من مالكي وشافعي.

ثم إن المقلدين حجروا على الفكر والفتيا، وقالوا: لم يبق في الأرض عالم منذ العصور المتقدمة، وليس لأحد أن يختار بعد أبي حنيفة، وأبي
يوسف، وزفر، ومحمد بن الحسن من أصحاب أبي حنيفة، ولا مالك والشافعي وأصحابهم، وقالوا: لا يحل لأحد بعد هؤلاء
الأئمة أن يستنبط الأحكام من كتاب الله، ولا من سنة رسوله، وأحالوا أن يوجد مجتهد يستطيع استنباط الأحكام من الكتاب والسنة.

لم يدع من مضى للذي غبر
فضل علم سوى أخذه بالأثر

وقالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمةٍ، وإنا على آثارهم مقتدون، مع أن الأحاديث جمعت، وتحصيل العلوم سهل، وأقوال من تقدم عرضت، فأصبح الاجتهاد
اليوم أيسر مما كان، ولكنها النفوس صغرت، والهمم اضمحلت، وربما كان اليمن بحكم مذهبه الزّيدي أكثر تسامحًا
في الاجتهاد، حتى إن الإمام الشوكاني اليمني ادعى لنفسه الاجتهاد المستقل، وقاومه بعض أهل اليمن، وقالوا: إنه خرق الإجماع؛ فتألّب الزيدية
عليه، وقيل: إنهم عادوا فسلموا له، وأذعنوا لما رأوا من علمه.

(?-?) منزلة علماء الدين
ومما يجب أن نشير إليه أن علماء الدين كانوا في تلك العصور: عصر المماليك، وعصر العثمانيين، موضع إجلال واحترام من الشعب؛ لأنهم
كانوا واسطة بين الشعب والسلاطين، حتى كان العلماء، وخاصة الفقهاء كأنهم ملوك غير متوجين، نضرب لذلك
مثلًا: العز بن عبد السلام في مصر؛ فقد كان فقيهًا ممتازًا، وكان مسموع الكلمة، ورعًا تقيًّا، شجاعًا قويًّا، سليط اللسان،
لقب سلطان العلماء، وقد جاء إلى القاهرة من الشام في عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب، فولاه خطابة جامع
عمرو بن العاص في مصر والقضاء، وله مواقف رائعة، من ذلك: أنه طلع إلى القلعة في يوم عيد فشاهد العسكر مصطفين، وشاهد
السلطان وما فيه من الأبهة، وقد خرج على قومه في زينته على عادة سلاطين مصر، وأخذت الأمراء تقبل الأرض بين يدي
السلطان، فالتفت الشيخ العز إلى السلطان وناداه: يا أيوب! ما حجتك عند الله إذا قال لك: ألم أبوئ لك ملك
مصر، ثم تبيح الخمور؟ فقال السلطان: هل جرى هذا؟ فقال: نعم، الحانة الفلانية تباع فيها الخمور، وغيرها من المنكرات، وأنت
تتقلب في نعمة هذه المملكة؛ يناديه كذلك بأعلى صوته، والعساكر واقفون، فقال: يا سيدي، هذا ما عملته
أنا، إنما كان من أبي، ورسم السلطان بإبطال تلك الحانات،
?
وقد سئل في ذلك فقال: إني رأيته في تلك العظمة، فرأيت أن أهينه لئلا تكبر عليه نفسه فتؤذيه. وله مواقف كثيرة من هذا القبيل، حتى
إنه لما مات قال السلطان: إني لم أشعر بلذة الملك إلا لما مات العزّ.

ومثل ذلك مواقف لابن دقيق العيد والنووي، فهؤلاء كانت شهرتهم في قولهم الحق، وتمسكهم به، وعدم خشيتهم من الملوك اعتمادًا على تعلق
الشعب بهم، إنما كانوا في الفقه مجتهدي مذهب أو مذهبين، لا مجتهدين مطلقين. ولما تقدم الزمن أصبحنا
لا نرى مجتهدًا مطلقًا، ولا مجتهد مذهب، وكل همهم الأخذ من الكتب، وترجيح ما رجحوه. ومما أصيب به الفقه اتجاه العلماء إلى المختصرات،
فكل عالم يرى أن يختصر ما قبله، ومن الغريب أنَّ عالمًا يأتي فيختصر، ثم يأتي عالم آخر فيشرح ما اختصره،
حتى تكون لنا من ذلك ما هو أطول من المطولات.

ولم نكسب من ذلك إلا المجهود الضائع، وكل يوم يمر يزداد الحال سوءًا وركودًا.

يقول ابن خلدون: «ذهب كثير من المتأخرين إلى اختصار الطرق، والإنحاء في العلوم، يولعون بها … وحشوا القليل منها بالمعاني الكثيرة،
وصار ذلك مخلًّا بالبلاغة، وعسِرًا على الفهم، وربما عمدوا إلى الكتب الأمهات المطولة في الفنون فاختصروها
تقريبًا للحفظ، كما فعل ابن الحاجب في الفقه، وابن مالك في النحو، وهو فساد في التعليم، وفيه إخلال بالتحصيل، وذلك لأنَّ فيه
تلخيصًا على المبتدئ، بإلقاء الغايات من العلم عليه، وهو لم يستعد لقبولها بعد، ثم فيه مع ذلك شغل كبير
على المتعلم بتتبع ألفاظ الاختصار العويصة للفهم بتزاحم المعاني عليها، وصعوبة استخراج المسائل من بينها؛ لأن ألفاظ
المختصرات صعبة عويصة، ينقطع فهمها حظ صالح من الوقت، ثم بعد ذلك فالملكة الحاصلة من التعليم على تلك المختصرات
ملكة قاصرة عن الملكات التي تحصل من الموضوعات البسيطة.

(?) رابعًا: التاريخ

الحق أن المتأخرين لم يهملوا التاريخ، بل أتموا السلسلة التي بدأها أسلافهم، حتى لم يخل عصر من العصور من مؤرخين يؤرخون حاضرهم، ويربطونه
بماضيهم، ونوّعوا التاريخ كما نوّعه من قبلهم من تراجم رجال إلى تاريخ مدن، إلى تاريخ الدول خاصة، إلى تاريخ
عام.

فمن مؤرخي التراجم ابن خلكان، وهو من أوائل المؤلفين في هذه العصور، ترجم فيه للمشهورين من رجال العلم والأدب، والصناعة والمال غير
الصحابة والخلفاء، واجتهد في تحرّي الحقائق بعين نافذة، في لغة سليمة بسيطة، متوقّيًا قدر الإمكان ألفاظ الفجور،
وقد احتوى نحو ??? ترجمة، وعني أشد العناية بتحقيق سنة وفاة كل مترجم، ومن أجل ذلك سمّى كتابه «وفيات الأعيان»، وربما ترك مشهورًا من
مشاهير رجال العلم والأدب؛ لأنه لم يتحقق من تاريخ وفاته، وربما كان كتابه على هذا النحو أول كتاب من نوعه.
وقد مات ابن خلكان سنة ????، وقد ذيّل هذا الكتاب ابن شاكر الكتبي المتوفى سنة ????، ترجم فيه لبعض من تركه ابن خلكان، وزاد فيه من
جاء بعده إلى عصره، وسماه: «فوات الوفيات».

وألف ابن طباطبا نزيل الموصل في عهد فخر الدين عيسى كتابًا نسبه إليه، وسماه «الفخري»، وقد عرض فيه لتاريخ الدولة الإسلامية من أول
عهدها إلى آخر الدولة العباسية، وقد عني فيه بالأسلوب، ودقة التعبير، وحسن السبك، كما كانت له نظرات دقيقة
في شئون السياسة العامة، وقواعد كلية يستشهد عليها بالأحداث الإسلامية الجزئية، وأتم ابن طباطبا تأليف كتابه في الموصل سنة ????، وقد
كان شيعيًّا فلوَّن تاريخه باللون الشيعي.

كما ألف أبو الفداء أمير حماة من قبل الملك الناصر كتابه الذي اعتمد فيه على تاريخ الطبري، وابن الأثير، وزاد عليهما إلى عصره، ولذلك
كانت مزيته في تاريخ الفترة الأخيرة التي كانت بعد ابن الأثير، وكتابه «مختصر تاريخ البشر» مشهور، وقد ولد
سنة ????، وتوفي سنة ????.

واشتهر بالتراجم، وخاصة تراجم المحدثين شمس الدين الذهبي، وقد ولد في دمشق، ورحل إلى بلاد كثيرة يلقى علماءها، ويؤرخ لهم، ويعدّل بعضهم،
ويجرح بعضهم. وأشهر كتبه «طبقات الحفاظ» في تراجم رجال الحديث، وكتاب «تاريخ الإسلام»، كما كان من أكبر رجال
التراجم خليل بن أيبك الصفدي، وقد اشتهر بكتابه الواسع في التراجم المسمى «الوافي بالوفيات» في ست وعشرين جزءًا.

ثم ابن كثير المتوفى ????، وقد ألف كتابًا كبيرًا سماه «البداية والنهاية» بدأه ببدء الخليقة، وانتهى إلى ????، وكان من المؤرخين في
هذا العصر ابن الفرات المصري المولود سنة ????، وله كتاب كبير في جملة أجزاء، وأهمية كتابه في أنه مرجع عظيم
القيمة في الحروب الصليبية، وتوفي ابن الفرات سنة ????.

ثم ابن خلدون، وقد أسس في مقدمته أصول علم التاريخ، ومكنته حياته ومناصبه الكبيرة، وسفارته بين الملوك من الاطلاع على بواطن الأمور،
وربط الأحداث بعضها ببعض، ومعرفة أسبابها ونتائجها، وقد استطاع من هذا كله أن يستنتج من الجزئيات كليات ونظريات،
يطبقها على الأحداث، وقد كتب هذا التاريخ سنة ???? أولًا، ثم أخذ ينقحه طول حياته.

وجاء بعده تلميذه المقريزي، أصله من بعلبك، وتحول والده إلى القاهرة، وقد كتب كتبًا كثيرة في التاريخ، ألف في تاريخ الفسطاط، وفي الدولة
الفاطمية، وفي المماليك، وفي سيرة النبي ?، كما ألف في مسائل خاصة كتاريخ الأزمات الاقتصادية، والأوبئة، ونحو
ذلك، ومن أشهر كتبه: خطط مصر المسمى «المواعظ والاعتبار»، وهو واسع الاطلاع، كثير النقل، وأحيانًا ينقل من غير عزو، قليل
النقد، ومع هذا ترك لنا ثروة من المعلومات قيمة، ما كان يمكننا الوصول إليها لولاه، وقد استفاد كثيرًا من نظرات أستاذه
ابن خلدون.

وألف ابن عرب شاه الذي عاش من سنة ???? إلى ???? كتابًا في تيمورلنك اسمه «عجائب المقدور في أخبار تيمور»، وهو دمشقي الأصل، أخذ أسيرًا
في غزو تيمورلنك للشام، وأرسل إلى سمرقند، ورحل من سمرقند إلى خوارزم، وغيرها من البلاد، فاستفاد من ذلك كله،
واستطاع أن يؤلف كتابه هذا في أخبار تيمور، كما ألف كتابًا اسمه «فاكهة الخلفاء، ومفاكهة الظرفاء»، وهو كتاب في السياسة الرمزية ككتاب
«كليلة ودمنة» كما يقول حاجي خليفة؛ لأنه يتضمن حكايات على ألسنة الوحوش.

وألف أبو المحاسن ابن تغري بردي المتوفى سنة ???? كتابه «النجوم الزاهرة في أخبار مصر والقاهرة»، مرتبًا حسب السنين من فتح العرب لمصر
إلى سنة ????، أي ????م.

وكتب المقري المتوفى ???? هجرية كتابه «نفح الطيب في ترجمة لسان الدين ابن الخطاب»، وهو قسمان، القسم الأول: في تاريخ الأندلس ورجالها،
والثاني: في ترجمة لسان الدين بن الخطيب ومشايخه، ومن يتصل به، وفي الكتاب معلومات قيمة عن الأندلس.

فنرى من هذا النشاط الكبير الذي نشطه المسلمون في التأليف في التاريخ على أنواع، وهناك كتب كثيرة غير التي ذكرناها قد ألفت في التاريخ
موجزة وموسعة. وقد أكثروا فيه للذته، وسهولته نسبيًّا.

(?) خامسًا: التصوف

ربما كان التصوف هو الفرع الوحيد الذي نما بعد سقوط بغداد أكثر مما كان قبلها. ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أن التصوف لا يحتاج إلى عقل
كبير، وبحث كثير، بل هو بالقلب والشعور أعلق، ولذلك كانت دائرته أوسع، ولأن الناس فقدوا الدنيا، فتطلعوا إلى
الآخرة، ويئسوا من العدالة الاجتماعية في الأرض؛ فأمّلوها في السماء، ولم يجرءوا أن يثوروا في وجوه الحكام يطالبونهم بتحقيق العدل،
فقنعوا بالسلامة، وضعفت عقولهم عن تمييز الحق من الباطل، وملئوها بالخرافات والأوهام. ولم تتجرد طبيعتهم من
حب اللهو؛ فأدخلوه في التصوف، فكان فيه الغناء والموسيقى، والرقص وألعاب البهلوان، وعجزوا عن ربط المسببات بالأسباب؛ فهرعوا
إلى المتصوفة يمنحونهم البركة، ويستقضون منهم حوائجهم، ويقرعون بهم أبواب السماء، فامتلأت البلاد بأرباب الطرق، ومشايخ
الصوفية، ومدعي الولاية. وعلى الجملة، فكان في الحياة الصوفية ما يرضي النفوس ويطمئنها ويسليها.

ثم كان أن منحت البلاد متصوفين كبارًا جمعوا بين القدرة التصوفية، والملكة الأدبية، فغزوا الناس بتصوفهم وشعرهم أمثال ابن عربي، وابن
الفارض في اللغة العربية، وجلال الدين الرومي في اللغة الفارسية.

(?-?) فكرة الإنسان الكامل
رأينا في هذه العصور أنه يكثر الكلام في الحقيقة المحمدية، وتصويرها صورة غريبة حقًّا، وهي بعيدة جدًّا عن الصفة التي يصفه بها
القرآن، والتي يصفه بها الصحابة، وكبار التابعين، فالقرآن يصف النبي بأنه بشر تجري عليه كل صفات البشر،
فهو يعبس ويتولى أن جاءه الأعمى، وهو مخلوق تجري عليه أحكام الموت، إلى آخر الأوصاف؛ فجاء التصوف فغير هذه الصورة، فقالوا بأزلية
الوجود المحمدي، وقالوا: إن أول شيء خلقه الله هو الروح المحمدي، أو النور المحمدي الذي ظهر بصورة
آدم، وفي صورة الأنبياء بعد ذلك، ثم استمر يظهر بعد ذلك في عليٍّ وأبنائه كما يقول الشيعة، والصوفية يقولون: إن النور المحمدي
هو الروح الإلهي الذي نفخ الله منه في آدم. ويقولون: إن الحقيقة المحمدية هي مبدأ الحياة، ومركزها في
العالم، وهي بهذا المعنى روح كل شيء وحياته، وهي الواسطة بين الله وعباده، والمنبع الذي يفيض منه على العارفين معرفتهم
بالله إلخ … وسموا محمدًا بهذا المعنى «الإنسان الكامل»،
?
وقد ألف في ذلك عبد الكريم الجيلي أو الجيلاني كتابًا سماه «الإنسان الكامل في معرفة الأوائل والأواخر»، قال في مقدمته: «لما كان
كمال الإنسان في العلم بالله، وفضله على جنسه بقدر ما اكتسب من فحواه، ألفت كتابًا باهر التحقيق، ظاهر
الإتقان والتدقيق. وقد كنت أسست الكتاب على الكشف الصريح، وأيدت مسائله بالخير الصحيح»، ثم يقول: إنه مزقه بعد ما
كتبه، ثم أمره الحق إبرازه ففعل، إلى آخر ما قاله.

ومن كلامه يتبين أنَّ الإنسان الكامل الذي هو روح محمد كائن في الأنبياء من آدم إلى محمد، وفي الأولياء والصالحين.

ويقول: «إن الإنسان الكامل هذا هو القطب الذي تدور عليه أفلاك الوجود من أوله إلى آخره، وهو واحد منذ كان الوجود أبد الآبدين، واسمه
الأصلي محمد، وكنيته أبو القاسم، ووصفه عبد الله، ولقبه شمس الدين، وله في كل زمان اسم يليق به ويقول:
«إن الإنسان الكامل مقابل لجميع الحقائق الوجودية، فيقابل الحقائق العلوية بلطافته، والسفلية بكثافته، وأول ما يبدو له في الحقائق
الخلفية هو العرش، ويراه بقلبه، ثم يقابل الكرسي فسدرة المنتهى، ثم يقابل العلم الأعلى بعقله، واللوح
المحفوظ بنفسه، والعناصر بطبعه، والهيولى بقابليته.

والإنسان الكامل نسخة من الله كما قال رسول الله: «خلق الله آدم على صورته.» والإنسان الكامل أيضًا مرآة الحق؛ لأن الحق أوجب على
نفسه ألا ترى أسماؤه وصفاته إلا في الإنسان الكامل، وهو معنى قوله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ
(الأحزاب: ??) … إلخ. وكما خلق الله على صورته خلقت الدنيا على صورة الإنسان، وكان الله قبل أن يخلق
الخلق في نفسه، وكانت الموجودات مستهلكة فيه، ولم يكن له ظهور في شيء من الوجود، وفي ذلك يقول في الحديث القدسي: «كنت كنزًا مخفيًّا،
فأحببت أن أعرف فبي عرفوني».

ويقول: «لما أراد الله إيجاد هذا العالم نظر إلى حقيقة الحقائق، وإن شئت قلت: إلى الياقوتة البيضاء التي هي أصل الوجود بنظر الكمال،
فذابت، وذهبت ماء، ثم نظر إليها بنظر العظمة؛ فتموجت كما تموج الأرياح في البحار، فانفهقت كثائفها
بعضها في بعض، كما ينفهق الزبد من البحر، فخلق الله من ذلك المنفهق سبع طباق الأرض، ثم خلق سكان كل طبقة من جنس أرضها، ثم صعدت
لطائف ذلك الماء كما يصعد البخار من البحار، ففتقها الله سبع سموات، وخلق ملائكة كل سماء من جنسها،
ثم صيَّر الله ذلك الماء سبعة أبحر محيطة بالعالم، فهذا أصل الوجود جميعه».
?

فأسلوب الكتاب — كما ترى — عويص غامض لا يستطيع أن يفهمه الإنسان بعقله.

وللجيلاني هذا قصيدة تسمى «النوادر العينية في البوادر الغيبية»، ضمنها نظرية الإنسان الكامل في خمسمائة وأربعة وثلاثين بيتًا منها:


تجلى حبيبي في مرائي جماله
ففي كل مرأى للحبيب طلائع
فلما تبدى حسنه متنوعا
تسمى بأسماء فهن مطالع

ومنها:

تجليت في الأشياء حين خلقتها
فها هي ميطت عنك فيها البراقع

ومنها:

فلا تشك محجوبًا برؤية حسنه
من الذات أنت الذات أنت المجامع
فعينك شاهدها بمحتد أصلها
فإن عليها للجمال لوامع
… إلخ.
??

وقد لعبت نظرية الإنسان الكامل هذه، والحقيقة المحمدية، والروح المحمدية دورًا كبيرًا في التصوف.

(?-?) ابن العربي وابن الفارض

أولهما: محيي الدين محمد بن علي، يلقب أحيانًا بالحاتمي، ويكنى بابن العربي، وأهل المشرق يكنونه ابن عربي للتفرقة بينه وبين أبي
بكر بن العربي، وأما في الأندلس فيكنونه ابن العربي، وقد ولد سنة ???? في مرسيه، وتعلم أول تعلمه في
إشبيلية، ثم ارتحل إلى المشرق حاجًّا، ولم يعد بعدها إلى الأندلس. وأقام في الحجاز مدة طويلة، ثم دخل مصر ورحل إلى بغداد والموصل
وبلاد الروم، وكان ذلك في عهد الحروب الصليبية، وأثر عنه أنه كان يحرض المسلمين على الجهاد.

وقد ألف في التصوف تآليف كثيرة من شعرٍ ونثر، من أشهرها «الفتوحات المكية»، و«فصوص الحكم»، و«ترجمان الأشواق»، ولقب عند كثير من
الناس بلقب «الشيخ الأكبر»، وقد أودع في كتابه «الفتوحات المكية» أكثر نظراته التصوفية، وقسَّمه إلى
ستة فصول، أولها في المعرفة، وثانيها في المعاملات، وثالثها في الأحوال، ورابعها في المنازل، والخامس في المغازلات، وآخرها
المقامات، وكان يقول: إن ما يكتبه يأتي إليه بطريق الوحي في حالة الغيبوبة والمجاهدة.

ومن الغريب أنه كان على مذهب الظاهرية في الفقه، وكتاباته من أعمق الباطنية في التصوف، وقد قال: إن هذه الموجودات مكونة من صورة
وروح، وعنده أن الصورة هي التي سماها أرسطو «مادة»، والروح ما سماها أرسطو «صورة». وأعلى هذه المقامات
أو الصور هو الإنسان لما أودع فيه من القوى التي تتجلى فيها صفات الله وأسماؤه، فهو كالمرآة تنعكس عنها حقيقة الله وذاته، وله
أقوال كثيرة في المواجيد والفناء.

ويروى عن ابن عربي أنه وقع يومًا عن حماره، فرضّت رجله، فجاءوا ليعالجوه، فقال: أمهلوني، فأمهلوه يسيرًا، ثم أذن لهم فعالجوه، فقيل
له في ذلك فقال: راجعت كتاب الله تعالى فوجدت خبر هذه الحادثة في صورة الفاتحة. ومن ذلك ترى ما للصوفية
من تصورات عجيبة، وخيالات بعيدة، ومثل ذلك: استخراج بعضهم من الفاتحة أيضًا أسماء سلاطين آل عثمان، وأحوالهم، ومدة سلطتهم، إلى
ما شاء الله تعالى من الزمان.

وأما ابن الفارض فهو عمر الملقب بشرف الدين، وهو حموي الأصل، ولد في القاهرة سنة ????/????م، وتوفي سنة ????، ولقب بسلطان العاشقين
وكان ميالًا إلى العزلة والزهد، وتعود الذهاب كل يوم إلى جبل المقطم، وقد بلغ الغاية في قصائده التي
جمعت في ديوانه، وهو أشعر من محيي الدين، وشعره كشعر عصره مملوء بالمحسنات البديعية، والاستعارات، والمجازات، كما تعرض كثيرًا
للمصطلحات الصوفية من حب وهوى، وشوق وسكر وصحو، ومن أشهر شعره: التائية الكبرى، وهي المسماة «نظم السلوك»،
وقد أودع فيها كل مبادئه الصوفية.

وقد عرف عنه أنه يهيم بالجمال حيثما وجده من جمال طبيعة إلى جمال أصوات، ويصاب بالغيبوبة عند رؤيته، فيتواجد ويغيب عن نفسه ويرقص،
يحب الخلوة والتقشف، والبعد عن الناس، والزهد في حطام الدنيا.

وقد جمع شعره في ديوان، وقد شرح ديوانه كثير من المتصوفة، فتأثروا بمحيطه، وشرحوه شرحًا صوفيًّا، وقد حلل
الأستاذ نيكولسن تائيته الكبرى
??
فقال: «يتكلم ابن الفارض في هذه القصيدة بلسان الصوفي الذي وصل إلى مقام الاتحاد، ويخاطب في أوائلها أحد أصحابه فيذكر عهده الأول
بالحب الإلهي، وما عاناه فيه من شدائد وعقبات، ويشرح كيفية سعيه إلى تفريج الهم عن نفسه ببثه ذلك الحب
إلى المحبوب:
ولم أحك في حبيبك حالي تبرما
بها لاضطرابٍ بل لتنفيس كربتي
ويحسن إظهار التجلد للعدا
ويقبح غير العجز عند الأحبة
ويمنعني شكواي حسن تَصَبُّري
ولو أشك للأعداء ما بي لأشكت
وعقبي اصطباري في هواك حميدة
عليكِ ولكن عنك غير حميدة
وما حلّ بي من محنة فهو منحة
وقد سلمت من حلّ عّقد عزيمتي

ثم يشير إلى الآيات القرآنية: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى?
أَنفُسِهِمْ (الأعراف: ???) إلخ …»، وهي الآية التي يسميها الصوفية آية العهد.

ويقول ابن الفارض: «إنه أخذ ذلك العهد قبل أن تتلبس نفسه بطينة جسده»، ويقول: إن رؤيته المحبوب ليس إلا رؤيته لنفسه، وحبه إياه
ليس إلا حبه لنفسه، وإن الحب الخالص ليس إلا الفناء في المحبوب:

حليفُ غرام أنتَ لكن بنفسه
وإبقاك وصْفًا منك بعضُ أدلّتي
فلم تهوَني ما لم تكن فيَّ فانيًا
ولم تَفنَ ما لم تُجتَلى فيك صورتي
هو الحب إن لم تقض لم تقض مأربًا
من الحب فاختر ذاك أو خلِّ خُلّتي

وهو يصف الفناء بأنه الحال التي تتجرد فيها النفس عن رغباتها وميولها وبواعثها بحيث تتعطل إرادتها وتموت،
فإذا ماتت الإرادة أصبحت النفس طوع الإرادة الإلهية:

كلانا مصلٍّ واحِدٌ ساجدٌ إلى
حقيقته بالجمع في كل سجدة
وما كان لي صلّى سواي ولم تكن
صلاتي لغيري في أدا كل ركعة

ويقول: «إن أعلى درجات الصوفي الاتحاد مع الله؛ حيث ينعدم الفرق بين الخالق والمخلوق وفي سكر الفناء يغيب الصوفي عن جميع صفاته
وآثاره … إلخ.»

وقد اتجه شراح التائية الكبرى إلى شرحها حسب نظرية ابن عربي في وحدة الوجود.

ولابن الفارض قصائد أجمل من التائية الكبرى من حيث الفن، مثل قصيدته اليائية الطويلة:

سائق الأظعان يطوي البيد طيّ
منْعِما عَرِّج على كثبان طَيْ
وتلطّفْ واجر ذكري عندهُمْ
عَلّهُمْ أن ينظروا عطفًا إلي
قل تركتُ الصبَّ فيكم شَبَحًا
ما له مما براه الشوق في
خافيًا عَن عائدٍ لاحَ كما
لاح في بُرْدّيْهِ بعدَ النَّشر طي
كهلال الشك لولا أنه
أنَّ عيني عيْنَهُ لم تتأي
… إلخ.
??
وفي الديوان أبيات رائعة من الناحية الفنية.
وبعد: فهل كان ابن الفارض وابن عربي على مذهب واحد في مذهب وحدة الوجود، أي أن الله والعالم شيء واحد؟ ذهب كثير إلى ذلك ومنهم بعض
المستشرقين، وربما استندوا إلى شيئين:
list of 2 items
(?) ما حكاه المقريزي من أن ابن عربي بعث إلى ابن الفارض يطلب منه أن يضع شرحًا على التائية الكبرى فقال له: إن كتابك
الفتوحات الملكية شرح لها.

(?) أن كل الذين شرحوا التائية أغرقوها بنظريات ابن عربي في وحدة الوجود، ولكن يظهر أن بين ابن عربي وابن الفارض فرقًا
كبيرًا؛ فابن الفارض شاعر متصوف، يسمو في حبه إلى أن يفنى في محبوبه وهو الله،
فلا يرى في الوجود ولا نفسه شيئًا غير الله. وكما قال الأستاذ نللينو: «لم يكن ابن الفارض فيلسوفًا من فلاسفة
وحدة الوجود، بل كان شاعرًا صوفيًّا، ليست قصيدته التائية الكبرى إلا تعبيرًا عن
ذوقه الشخصي الذي كان سبيله إلى اتحاد بالذات الإلهية تارة، وبالحقيقة المحمدية تارة أخرى، أما وحدة
الوجود عند ابن عربي فوحدة فلسفية، مزج فيها الدين بالفلسفة مزجًا غريبًا ليس له نظير».
list end

وفرق كبير بين شاعرية ابن الفارض، وإحساسه بفنائه في محبوبه، واتحاده به وبين فلسفة ابن عربي ومذهبه في أن الله والعالم شيء واحد،
فمن الخطأ دعوى أنَّ كليهما يقول بوحدة الوجود، والفرق دقيق بين حلول الحلاّج، والحب الإلهي عند ابن
الفارض، ووحدة الوجود عند ابن عربي.

على كل حال ملئ جو مصر والشام وغيرهما بالكلام الصوفي، والشعر الصوفي. وطلع عليهم شيء جديد لم يكن في الحسبان، فوقفوا أمامه حيارى:
أيصدقون أم يكذبون؟! وهذا التصوف الذي لابن عربي وابن الفارض يحتاج إلى نوع من المزاج الخاص، فمن لم
يكن له هذا المزاج، لم يفهمه ولم يتذوقه، بل وربما استنكره، وكذلك كان مؤيدون كل التأييد، ومعارضون كل المعارضة. وكانت إذ ذاك معركة
حامية بين المؤيدين والمعارضين، كالمعركة التي كانت في عهد الحلاج،
??
وكان زعيم المعارضين ابن تيمية، فقد رزقه الله بيانًا وافيًا، وبرهانًا قويًّا، ورأى أنَّ هؤلاء الصوفية أتوا في الدين بشيء جديد
ليس من جنس كلام الله ولا رسوله ولا الصحابة، وأنهم قالوا بالاتحاد على أشكال مختلفة، فهاجمهم هجومًا
عنيفًا، وألف في ذلك رسائل؛ فأنكر عليهم الرقص والسماع، ونقدهم كلهم من ابن الفارض، وابن عربي، وابن سبعين، والحلاج،
وعفيف الدين التلمساني، وسلط عليهم لسانه وقلمه، ورماهم بالكفر والضلال، وقال: إن ما أتوا به أعظم مما قالته
اليهود والنصارى.

ومن أقواله في ذلك: «إن الاتحاد بين الخالق والمخلوق ممتنع؛ لأن الخالق والمخلوق إن اتحدا، فإما أن يكونا بعد الاتحاد اثنين كما
كانا قبله، وهذا تعدد وليس باتحاد، وإما أن يستحيلا إلى شيء ثالث، كما يتحد الماء واللبن والنار والحديد،
ونحو ذلك من تشبيهات الفرق النصرانية، فيلزم عن ذلك أن يكون الخالق قد استحال، وتبدلت حقيقته كسائر ما يتحد مع غيره، وهذا ممتنع
على الله؛ إذ الاستحالة تقتضي عدم ما كان موجودًا، والله تعالى واجب للوجود بذاته، وصفاته اللازمة
له التي هي كمال، والتي إذا عدمت كان ذلك نقصًا، يتنزه الله عنه …» إلى آخر ما ذكره من البراهين، ومناقشتهم بالعقل، مع أن
أقوالهم ناشئة من الشعور، كمناقشة العقل للحب، كالذي يقول:

بني الحب على الجور فلو
أنصف المحبوب فيه لسمج
ليس يستحسن في شرح الهوى
عاشق يحسن تأليف الحجج

وألف ملّا علي القاري رسالة في وحدة الوجود، رمى فيها ابن عربي بالزندقة، وقال: إنه كفر بأربع وعشرين دعوة، منها قوله: إنَّ الإنسان
من الله بمثابة البؤبؤ من العين، وعلى هذا يكون الله مفتقرًا رؤية خلقه، ورؤية نفسه إلى الإنسان، وكذلك
قوله: نحن الفرق التي نصف بها الله، فإذا نحن تأملنا في حقيقته كنا في الحقيقة نتأمل في حقيقتنا، والله حين ينظر في شئوننا يكون
ناظرًا في شئونه، وتاليًا قوله: إنّ الله هو عين المخلوقات، ثم قوله: إن كل الاعتقادات الدينية صحيحة؛
لأن كل طائفة فيها شيء من طبيعة الله فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ (البقرة: ???)، وقوله: «إنَّ الأولياء خير من الأنبياء، والولاية هي العنصر
الدائم السامي في النبوة، وادعى محيي الدين أنه خاتم الأولياء، كما أن محمدًا خاتم الأنبياء … إلخ.

ومن الطاعنين عليهم ابن حجر العسقلاني، فقد قال حين توفي سنة ???? في ابن الفارض: «ينعق بالاتحاد الصريح في شعره، وهذه بلية عظيمة،
فتدبر نظمه ولا تستعجل …. وما ثم إلا زي الصوفية، وإشارات مجملة، وتحت الزي والعباءة فلسفة وأفاعي،
فقد نصحتك والله الموعد.»

وكذلك من الطاعنين عليهم البقاعي المتوفى سنة ???? وقد ألف كتابين في تكفير ابن عربي وابن الفارض، وهما «تنبيه الغبي على تكفير
ابن عربي»، و«تحذير العباد من أهل العناد ببدعة الاتحاد»، وكان شديد الطعن عليهما.

وممن طعن عليهما أيضًا عضد الدين الإيجي صاحب المواقف، فقال عن ابن عربي: «إنه كان كذابًا حشاشًا كأوغاد الأوباش، ولقد تبعه في
ذلك ابن الفارض، ولا يخفى على الأقل أن شعره من الخيالات المتناقضة الحاصلة من الحشيش؛ إذ عندهم أن
وجود الكائنات هو الله تعالى، فإذًا الكل هو الله تعالى، فلا نبي، ولا رسول، ولا مرسل، ولا مرسل إليه».

ويروي المقبلي صاحب العلم الشامخ أن ابن خلدون يقول بإيمان المتصوفة الأولين، وبتكفير الصوفية المتأخرين، ويرى إحراق كتبهم لما
فيها من الضلال.

هؤلاء أهم الطاعنين عليهم، أما المؤيدون لهم فكثيرون، وكان هجوم الفقهاء سببًا في قتل صلاح الدين السهرودي كما قتل الحلاج، ولكن
نجا ابن عربي، وابن الفارض من القتل؛ فيظهر أن السياسة كانت تستغل أقوال الفقهاء لقتل خصومهم، فإذا
رضيت السياسة عنهم حمتهم ولم تقتلهم.

(?-?) الشعراني

وزاد بعد ذلك سيل التصوف في العالم الإسلامي، ومن أشهر من جاء بعدهما الشعراني، ولكنه كان صوفيًّا مدروشًا، وقد اختصر «الفتوحات
المكية» لابن عربي في كتاب سماه «لوافح الأنوار القدسية المنتقاة من الفتوحات المكية»، ثم اختصر هذا
المختصر، وسماه «الكبريت الأحمر من علوم الشيخ الأكبر»، وكان أيضًا لوجوده في ذلك العصر ضجة كبيرة من مؤيدين له، وناقمين عليه،
ولأنه حمل على العلماء حملة شديدة، ولكي ينجو بنفسه أمر بإطاعة الولاة والقوانين، مع أنه كان يؤمن
بظلم الحكام ويشعر بالظلم الذي يقع على الفلاح فيقول: «كان الفلاح عند موته يترك شيئًا من الدراهم لأولاده، ولكنه الآن لا يستطيع
إلى ذلك سبيلًا، بل هو يبيع الحاصلات والبقرة والثوب لتسديد ما عليه من الضرائب، وإذا لم يسدد ضرب
وسجن»، ويقول: «إنا لا نقتني الأراضي ولا الممتلكات؛ لأن ما يدفع عليها من الضرائب يفوق ثمنها وما تنتجه». ومن هجمات
العلماء عليه كان لا يخرج كتابًا إلا إذا رضي عنه العلماء وأقروه، كما حكى ذلك عن نفسه، وبذل مجهودًا كبيرًا
في التوفيق بين عقائد أهل الكشف، وعقائد أهل الفكر، ودافع عن ابن عربي كثيرًا، وأوَّل أقواله التي ظاهرها الكفر
والإلحاد.

وانقلبت بعد ذلك الصوفية إلى دروشة، ومعنى درويش في الفارسية: الفقير المسكين. وانحط التصوف كثيرًا حتى قال بعضهم: كان التصوف حالًا
فصار مالًا، وكان احتسابًا فصار اكتسابًا، وكان استتارًا، فصار اشتهارًا، وكان اتباعًا للسلف فصار
ابتياعًا للعلف، وكان عمارة للصدور فصار عمارة للغرور، وكان تعففًا فصار تكلفًا، وكان تخلقًا فصار تملقًا، وكان سقمًا، فصار لقمًا،
وكان قناعة، فصار فجاعة، وكان تجريدًا، فصار ثريدًا»، وكثرت التكايا والزوايا والطرق، وفيها كان الشيوخ
لهم سلطة كبيرة على المريدين، يأمرونهم أن يكونوا كالريشة في مهب الريح، وكان لكل نوع من هذه الطوائف أذكار
وأوراد، وامتزجت هذه الطرق بالشعوذة والاحتيال.

(?-?) جلال الدين الرومي

وهنا لا بد من كلمة عن مولانا جلال الدين الرومي، فإنه ذو أثر عظيم في التصوف الفارسي، وهو صاحب كتاب «المثنوي» الذي قال فيه الصوفي
الكبير عبد الرحمن الجامي: «إن كنت عالمًا بالمعرفة فدع اللفظ، واقصد المعنى. إن المثنوي هو القرآن
في اللسان الفارسي، وماذا أقول في وصف هذا العظيم؟ لم يكن نبيًّا، ولكنه أوتي الكتاب»، وقد عني المستشرقون بجلال الدين وشعره،
ونقلوه إلى لغاتهم.

وقد كان جلال الدين معلمًا دينيًّا، ولكنه قابل الصوفي الكبير تبريزي، فأثر فيه، وقطعه للتصوف.

والمثنوي منظومة صوفية فلسفية عظيمة، تحوي ????? بيت، وهو قويّ البيان، فياض الخيال، بارع التصوير، حتى لينظم القصة القصيرة في
مئات الأبيات. وقلبه مفعم بالعشق الإلهي، مستغرق فيه كقوله: «أفكر في القافية، وحبيبي يقول: لا تفكر
إلا في رؤيتي، ما الحق فتفكر فيه، إنه الشوق في جدار البستان، إني أمحق القول والحق والصوت لأناجيك بغير هذه الثلاث.»

ويقص أحيانًا قصة، ويجعلها مدار كلامه وتصوفه، كقصة الأسد والوحوش، وهي من قصص كليلة ودمنة، ولكن جلال الدين الرومي أخذها فتصرف
فيها، وتوسل بها في عرض آرائه، كقوله: «رأى الأسد نفسه في عتوّ، فلم يعرف نفسه من العدو، حسب العدوّ
صورة نفسه، فسلّ سيفه على رأسه، كم من ظلم تراه في غيرك، وإنما فيه صورة طبعك، أنت لا ترى في نفسك هذا السوء، وإلا رأيت نفسك المشنوء،
إنما تحمل على نفسك أيها الغافل، كما حمل على نفسه الأسد الجاهل، فإذا بلغت قعر طبعك علمت هذه الدناءة
في خلقك»، ويقول: «المؤمن مرآة أخيه، خبر عن الرسول نرويه، وضعت على عينك زجاجة زرقاء، فازرقت أمامك الأرض والسماء، إن
يكن ازرق زجاج كوّتك، ازرق ضوء الشمس في نظرك، لا تعم فهذا اللون منك بدًّا، فالح نفسك إذًا، ولا تلح أحدًا
… إلخ.»
??
ومن عباراته: «يا من هو عزاء النفس في ساعة الغم والحزن، يا من فيه غناء الروح عند مرارة الفقر والعوز، يا من نحوه أولّي وجهي في
عبادتي لما يطوف بي منه من طائف لا يلحقه الخيال، وغيبة العقل لو أني حييت ملكًا لا يبلى، أو أن كنزًا
خفيًّا فتح لي من كل ما في الوجود، لسجدت لك روحي، ووضعت وجهي في الثرى، وصحت قائلًا: ليس لي مراد غير حبك، هلم هلم إنك غير واجد
صديقًا مثلي، وأين بمثلي حبيب في جميع الوجود، هلم هلم، ولا تقضي العمر في حيرة، فليس لمالك سوق غير
ذاك، كأنك واد مقفر ماحل، وكأنني مطر، بل كأنك بلد الخراب، وكأنني بناء، لولا عبادة الإنسان إياي ما أحس للسعادة طعمًا، فإن
العبادة مطلع شمس السعادة.»
??

خاتمة

استعرضنا في هذا الكتاب استعراضًا بسيطًا للمعتزلة في عصرهم الثاني، وما تعرضوا له من مسائل، وكيف زال سلطانهم بعد أن حكموا البلاد
سنين، وكيف أن الأشاعرة اكتسحوهم. ورأينا أن الأشاعرة أنفسهم كانوا متأثرين لدرجة كبيرة بالمسائل التي أثارها
المعتزلة، وأن الحرب بين الأشاعرة والمعتزلة بدأت عنيفة، ثم كان النصر للأشاعرة، وظلّ كذلك إلى اليوم.

وربما كان من ملاحظاتنا أنَّ أكثر البحوث من المعتزلة والأشاعرة كان فيما وراء الطبيعة، والبحث فيما وراء الطبيعة قلَّ أن يسلم إلى
نتيجة … فكيف ندرك أن صفات الله غير ذاته، أو هي ذاته، ونحن لا ندرك ذلك من أنفسنا التي بين جنوبنا، وكيف ندرك
الفروق الدقيقة بين علم الله وقدرته وإرادته؟ فهذه كلها مسائل بحثت عند أرسطو وقبل أرسطو، ثم بحثت بعد ذلك في الإسلام والنصرانية واليهودية،
وهي هي لم تتقدم كثيرًا، من أجل ذلك ثار الغزالي، وفخر الدين الرازي في علم الكلام، وطلبوا تجنيبه العوام.


ثم رأينا تعاليم الشيعة، وكيف دافعوا عنها بقوة، وكيف أنّ كثيرًا منهم ضحّوا بأنفسهم في سبيلها، وكانوا يخرجون على العباسيين فيقتلون
أو يسجنون، وكيف أن التشيع تطور، فبدأ بأحقية عليّ في الخلافة هو وأولاده، ثم بدأ على يد جعفر الصادق يأخذ
شكل تقديس الأئمة، ثم عرضت فكرة الاختفاء والغيبة، وتبعها المهدي المنتظر، وما كان لذلك من آثار كبيرة في تاريخ المسلمين.

وأخيرًا عرضنا للصوفية، وهي منحى جديد غير منحى المتكلمين، فإذا كان اعتماد المتكلمين على المنطق والعقل، فاعتماد المتصوفة على الذوق
والقلب، وإذا كانت نتيجة الاعتماد على المنطق والعقل هو الإيمان بالبرهان المنطقي، فالاعتماد على الذوق والقلب
نتيجته الكشف.

وقد كانت كل هذه الحركات قوية عنيفة تتدافع ولا تتهادن، وتتقابل ولا تتسالم، فمؤرخو الإسلام لا يقتصرون على تسجيل الوقائع الحربية،
وإنما يضيفون إليها الوقائع الاعتقادية والطائفية، وإذا نحن صفينا الحساب كما يفعل التجار عند انتهاء مرحلة
كبيرة من مراحل تجارتهم ليعرفوا ماذا كسبوا وماذا خسروا، رأينا أننا كسبنا حركة العقول، وتمرينها على البحث، وكسبنا المران على الجدل
كما كسبنا من وراء هذا الجدل وضوح المسائل المتجادل فيها، بعد أن تناولها كل من جهته، وكسبنا تربية كثير من
العلماء في هذه الأجواء من النشاط، ولكننا خسرنا الحب والألفة بما ذاع من الإحن والبغضاء بين الطوائف المختلفة حتى بلغت حد
القتل الكثير، وخسرنا قوى كانت تنفع لو تجمعت، فلما تفرقت فنيت.

وهذه القوى لو كانت وجهت وجهة خيرٍ لأنتجت نتاجًا باهرًا، فلما وجهت وجهة شر ضاعت، وأظن أن ما خسرناه أكثر مما كسبناه، وليس أدل على
ذلك من حال المسلمين اليوم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

ملحق المرجئة والخوارج

أوضحنا في الجزء الثالث من ضحى الإسلام مذهب المرجئة والخوارج، ولم يكن لهما كبير خطر بعد عصرهما الأول، إلا أنَّ ابن حزم عقد في كتابه
«الفصل في الملل والنحل» فصلًا سماه «شنع المرجئة»، والذي يقرؤه يرى أنَّ المرجئة من أوسع المذاهب صدرًا، لا
تسرع إلى التكفير، عكس الخوارج الذين يكفرون كل من عداهم.

يقول ابن حزم: إن المرجئة طائفتان: طائفة تقول: إنَّ الإيمان قول باللسان، وأخرى تقول: بأن الإيمان عمل قلبي، وإن أعلن الكفر بلسانه،
وإن عبد الأوثان، وإن لزم اليهودية والنصرانية، فهو مؤمن كامل الإيمان عن الله، يستحق دخول الجنة … وقالت طائفة
منهم: من آمن بالله وكفر بالنبي ? فهو مؤمن كافر معًا، ليس مؤمنًا على الإطلاق، ولا كافرًا على الإطلاق. وقال مقاتل بن سليمان، وكان
من كبار المرجئة: لا يضر مع الإيمان سيئة جلت أو قلت، ولا ينفع مع الشرك حسنة أصلًا، ومن أجل توسعهم في الإيمان
قالوا: إن الإمام إذا أخطأ لم تزل إمامته، وتجب طاعته، وتجوز الصلاة وراءه، ولم نعلم في التاريخ قيام حكومة كان شعارها
الإرجاء.

أما الخوارج، فقد مرت تعاليمهم من قبل، ومر الكلام على بعض حروبهم وآدابهم،
??
ونقول هنا: إن الإباضيين منهم، وقد كانت لهم حكومة في شمال إفريقيا، وقد قامت ثورتهم في حكم مروان بن محمد بزعامة عبد الله بن يحيى
طالب الحق، وأبي حمزة. وقد خضعت أيضًا حضر موت لسلطان الخوارج، وقد شبت ثورة في عمان، فقمعها حازم بن خزيمة.


وعلى الجملة، فقد حكمت عمان، وجزء من شمال إفريقيا بالإباضية، ولها مذاهب فكرية في العقائد والشرائع تخالف تعاليم الشيعة والسنة، وقد
اختلفوا أيضًا فيما بينهم، وخاصة في شمال إفريقيا إلى فرق. ولقد حكمت أسرة إباضية تنتسب إلى رستمية في تاهرت
أكثر من مائة وثلاثين عامًا، إلى أن أزالتهم الدولة الفاطمية. ولما سقطت تاهرت في أيدي الفاطميين تفرق شمل الإباضيين في صحراء تونس
والجزائر، وفي جربا، ولا يزالون فيها إلى اليوم.

ولهم كتب في الفقه والحديث على مذهبهم، ويعتقدون أنهم وحدهم الفرقة الناجية، وليس بضروري أن يكون الإمام من قريش، بل يكفي أن يكون صالحًا
ورعًا، وأن يحكم طبقًا للقرآن والسنة، ولن يرى الله في الجنة، والثواب والعقاب في الآخرة أبديان، والله يغفر
الصغائر، أما الكبائر فلا تمحوها إلا التوبة.

وقد اشتهر إباضيو الجزائر بالمحافظة على الفضائل الخلقية، وهم ولا يختلطون بأهل السنة كثيرًا؛ وإنما يختلط بهم بعضهم مع بعض.
??

وعلى الجملة، فلم يكن لهم خطر كبير في التاريخ بعد العصر العباسي الثاني.

هوامش
(?)
ذكرت دائرة المعارف أنه ولد في أبيورد من أعمال خراسان، وتوفي مسمومًا عام ????، لا عام ??? كما قال ابن خلكان، وله مصنفات
في اللغة والتاريخ والأنساب، وقد استعان بها المقدسي.
(?)
النشاف: الحجارة السود.
(?)
انظر ترجمة ابن خلدون في الجزء الثالث من ظهر الإسلام.
(?)
انظر ابن مضاء في كتابنا الجزء الثالث من ظهر الإسلام.
(?)
انظر ترجمة ابن مالك في كتابنا الجزء الثالث من ظهر الإسلام.
(?)
أبو عبد الله المازري الفقيه المالكي شرح صحيح مسلم شرحًا جيدًا؛ وعليه بنى القاضي عياض كتاب الإكمال؛ توفي ????.
(?)
انظر طبقات الشافعية.
(?)
انظر نيكولسن (في التصوف الإسلامي) الذي ترجمه الدكتور أبو العلا عفيفي.
(?)
الإنسان الكامل ج? ص?? — المطبعة الأزهرية سنة ????.
(??)
والقصيدة بأكملها في المتحف البريطاني.
(??)
انظر كتاب (في التصوف الإسلامي) الذي عربه الدكتور أبو العلا عفيفي.
(??)
أنَّ: فعل ماض من الأنين، والعين الأولى هي المبصرة، والعين الثانية هي الذات، أي رأيته كهلال الشك لخفائه.
(??)
انظرها في كتابنا ظهر الإسلام الجزء الثاني.
(??)
منقولة من فصول من المثنوي لجلال الدين الرومي، ترجمها وقدم لها الدكتور عبد الوهاب عزام.
(??)
من اختيار الأستاذ نيكولسن، ومن تعريب الدكتور أبو العلا عفيفي.
(??)
انظر الجزء الثالث من ضحى الإسلام.
(??)
انظر دائرة المعارف الإسلامية الجزء الأول.