Advertisement

عجائب الآثار 002



[ عجائب الآثار - الجبرتي ]
الكتاب : تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار
المؤلف : عبد الرحمن بن حسن الجبرتي
الناشر : دار الجيل - بيروت
عدد الأجزاء : 3 الصادق صلى الله عليه و سلم ... واني وان كنت ابن آدم صورة ... فلي فيه معنى شاهد بالأبوة ...
فان آدم له أب من حيث النسبة الظاهرة وهو أب لآدم من حيث النسبة الباطنة لانه نائب عنه في الارسال ومنبأ بخده في الانزال ولم يستمد من الحضرة العلية الا بواسطته ولذلك لما توسل به قبلت توبته وزادت محبته ولم يجعل مهر حواء سوى الصلاة والسلام عليه كما ورد ذلك كله وهو من المعلوم ضرورة
فظهر بهذا ان هذه النسبة أعظم من تلك لترتب الثمرة عليها
ثم سار في طريقة القوم اتم سير حتى لقنه الاستاذ الاسم الثاني والثالث
ومن حين أخذ عليه العهد لم يقع منه في حق الشيخ الا كمال الادب والصدق التام وهو الذي قدمه وبه ساد أهل عصره
فمن ذلك انه كان لا يتكلم في مجلسه أصلا الا اذا سأله فانه يجيبه على قدر السؤال ولم يزل يستعمل ذلك معه حتى اذن له بالتكلم في مجلسه في بعض رحلاته الى القاهرة وسببه انه لما رأى اقبال الناس عليه وتوجههم اليه قال له انبسط الى الناس واستقبلهم لان يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم
ومما اتفق له ان شيخه المذكور قال له مرة تعال الليلة مع الجماعة واذكروا عندنا في البيت
فلما دخل الليل نزل شتاء ومطر شديد فلم يتخلف وذهب حافيا والمطر يسكب عليه وهو يخوض في الوحل فقال له كيف جئت في هذه الحالة
فقال يا سيدي امرتمونا بالمجيء ولم تقيدوه بعذر وايضا لا عذر والحالة هذه لا مكان المجيء وان كنت حافيا
فقال له احسنت هذا أول قدم في الكمال الى غير ذلك
ولما علم الشيخ صدق حاله وحسن فعاله قدمه على خلفائه وأولاده حسن ولائه ودعاه بالاخ الصادق ومنحه اسرارا واراه عيون الحقائق وكيفية تلقين الذكر واخذ العهد كما وجد بخط الاستاذ يظهر ثبت عبد الله بن سالم البصري ما نصه
(1/343)

هذه صورة أخذ العهد ارسلها اليه السيد البكري الصديقي الخلوتي حين أذنه باخذ العهود على طريقة السادة الخلوتية
ونص ما كتب كيفية المبايعة للنفس الطائعة ان يجلس المريد بين يدي الاستاذ ويلصق ركبته بركبته والشيخ مستقبل القبلة ويقرأ الفاتحة ويضع يده اليمنى في يده مسلما له نفسه مستمدا من امداده ويقول له قل معي استغفر الله العظيم ثلاث مرات ويتعوذ ويقرأ آية التحريم يا ايها الذين آمنوا توبوا الى الله توبة نصوحا الى قدير ثم يقرأ آية المبايعة التي في الفتح ليزول الإشتباه وهي إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله اقتداء برسول الله صلى الله عليه و سلم الى قوله تعالى عظيما ثم يقرأ فاتحة الكتاب ويدعو الله لنفسه وللآخذ بالتوفيق ويوصيه بالقيام باوراد الطريق والدوام على ذوق اهل هذا الفريق وعرض الخواطر وقص الرؤيات العواطر واذا وقعت الاشارة بتلقين الاسم الثاني لقنه ليبلغ الاماني
وفتح له باب توحيد الافعال اذ لا غيره فعال وفي الثالث توحيد الاسماء ليشهد السر الاسمى وفي الرابع توحيد الصفات ليدرجه الى اعلى الصفات وفي الخامس توحيد الذات ليحظى باوفر اللذات وفي السادس والسابع يكمل له التوابع
ونسأل الله تعالى الهداية والرعاية والعناية والدراية والحمد لله رب العالمين انتهى
هذا ما كتب بخطه الشريف
قال ورأيت أيضا بظهر الثبت المذكور ما نصه
ثم رأيت في الفتوحات الالهية في نفع ارواح الذوات الانسانية وهو كتاب نحو كراس لشيخ الاسلام زكريا الانصاري ما نصه اذا اراد الشيخ ان ياخذ العهد على المريد فليتطهر وليأمره بالتطهر من الحدث والخبث ليتهيا لقبول ما يلقيه اليه من الشروط في الطريق ويتوجه الى الله تعالى ويسأله القبول لهما ويتوسل اليه في ذلك بمحمد صلى الله عليه و سلم لانه الواسطة بينه وبين خلفه ويضع يده اليمنى على يد المريد اليمنى بان يضع رحته على راحته ويقبض ابهامه باصابعه ويتعوذ
(1/344)

ويبسمل ثم يقول الحمد لله رب العالمين استغفر الله العظيم الذي لا اله الا هو الحي القيوم واتوب اليه وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ويقول المريد بعده مثل ما قال
ثم يقول اللهم اني اشهدك وأشهد ملائكتك وأنبياءك ورسلك وأولياءك اني قد قبلته شيخنا في الله ومرشدا وداعيا إليه ثم يقول الشيخ اللهم إني اشهدك واشهد ملائكتك وأنبياءك إني قد قبلته ولدا في الله فاقبله واقبل عليه وكن له ولا تكن عليه
ثم يدعو كأن يقول اللهم اصلحنا وأصلح بنا واهدنا واهد بنا وارشدنا وارشد بنا اللهم ارنا الحق حقا والهمنا اتباعه وارنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه اللهم اقطع عنا كل قاطع بقطعنا عنك ولا تقطعنا عنك ولا تشغلنا بغيرك عنك انتهى
قلت والمراتب السبعة التي اشار اليها السيد في الكيفية المتقدمة هي مراتب الاسماء السبعة وللنفس في كل مرتبة منها مرتبة باسم خاص دال عليها الاسم الاول لا اله الا الله وتسمى النفس فيه أمارة والثاني الله وتسمى النفس فيه لوامة والثالث هو وتسمى النفس فيه ملهمة والرابع حق وهو اول قدم يحله المريد من الولاية كما مرت الاشارة اليه وتسمى النفس فيه مطمئنة الخامس حي وتسمى النفس فيه راضية والسا دس قيوم وتسمى النفس فيه مرضية والسابع قهار وتسمى النفس فيه كاملة وهو غاية التلقين
وكلها ما عدا الاول منها تلقن في الاذن اليمنى الا السابع ففي اليسري وتلقينها بحسب ما يراه الشيخ من احوال المريدين افعال واقوال وعالم مثال
واعلم ان سلسلة القوم هذه في كيفية اخذ العهد والتلقين مروية عن النبي صلى الله عليه و سلم وهو يرويه عن جبريل وهو يرويه عن الله عز و جل
وفي بعض الروايات روايته عن رؤساء الملائكة الاربع والنبي صلى الله عليه و سلم لقن عليا رضي الله عنه وصورة ذلك كما في ريحان القلوب في التوصل الى المحبوب لسيدي
(1/345)

يوسف العجمي ان عليا سأل رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال يا رسول الله دلني على اقرب الطرق الى الله تعالى
فقال يا علي عليك بمداومة ذكر الله في الخلوات
فقال علي رضي الله عنه هذا فضيلة الذكر وكل الناس ذاكرون
فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم يا علي لا تقوم الساعة وعلى وجه الارض من يقول الله
فقال علي كيف اذكر يا رسول الله
قال غمض عينيك واسمع مني ثلاث مرات ثم قل انت ثلاث مرات وانا اسمع
فقال النبي صلى الله عليه و سلم لا اله الا الله ثلاث مرات مغمضا عينيه رافعا صوته وعلي يسمع ثم قال علي لا اله الا الله ثلاث مرات مغمضا عينيه رافعا صوته والنبي صلى الله عليه و سلم يسمع
ثم لقن علي الحسن البصري رضي الله عنهما على الصحيح عند اهل السلسلة الاخيار من المحدثين
قال الجاحظ السيوطي الراجح ان البصري اخذ عن علي ومثله عن الضياء المقدسي ومن المقرر في الاصول أن المثبت مقدم على النافي ثم لقن الحسن البصري حبيبا العجمي وهو لقن داود الطائي وهو لقن معروفا الكرخي وهو لقن سريا السقطي وهو لقن أبا القاسم سيد الطائفتين الجنيد البغدادي وعنه تفرقت سائر الطرق المشهورة في الاسلام
ثم لقن الجنيد ممشاد الدينوري وهو لقن محمد الدينوري وهو لقن القاضي وجيه الدين وهو لقن عمر البكري وهو لقن ابا النجيب السهروردي وهو لقن قطب الدين الابهري وهو لقن محمد النجاشي وهو لقن شهاب الدين الشيرازي وهو لقن جلال الدين التبريزي وهو لقن إبراهيم الكيلاني وهو لقن اخي محمد الخلوتي واليه نسبة اهل الطريق وهو لقن بير عمر الخلوتي وهو لقن اخي بيرام الخلوتي وهو لقن عز الدين الخلوتي وهو لقن صدر الدين الخيالي وهو لقن يحيى الشرواني صاحب ورد الستار وهو لقن بير محمد الارزنجاني وهو لقن جلبي سلطان المشهور بجلبي خليفة وهو لقن خير التوقادي وهو لقن
(1/346)

شعبان القسطموني وهو لقن اسمعيل الجورومي وهو المدفون في باب الصغير في بيت المقدس عند مرقد سيدي بلال الحبشي وهو لقن سيدي علي افندي قره باش اي اسود الرأس باللغة التركية واليه نسبة طريقنا كما مر وهو لقن مصطفى افندي ولده وخلفاؤه كما قال السيد الصديقي اربعمائة ونيف واربعون خليفة وهو لقن عبد اللطيف بن حسام الدين الحلبي وهو لقن شمس الطريقة وبرهان الحقيقة السيد مصطفى بن كمال الدين البكري الصديقي وهو لقن قطب رحاها ومقصد سرها ونجواها شيخنا الشيخ محمد الحفناوي وهو لقن وخلف اشياخا كثيرة منهم بركة المسلمين وكهف الواصلين الصوفي الصائم القائم العابد الزاهد الشيخ محمد السمنودي المعروف بالمنير شيخ القراء والمحدثين وصدر الفقهاء والمتكلمين
من مناقبه الحميدة صيام الدهر مع عدم التكلف لذلك وقيام الليل يقرأ في كل ركعة ثلث القرآن وربما نصفه او جميعه في كل ركعة هذا ورده دائما صيفا وشتاء فتى وشيخا يافعا ومنها تواضعه وخموله وعدم رؤية نفسه ويبرأ من ان تنسب اليه منقبة وسيأتي باقي ترجمته في وفاته
ومنهم علامة وقته واوانه الولي الصوفي الشيخ حسن الشيبيني ثم القوى طلب العلم وبرع فيه وفاق على أقرانه ثم جذبته ايدي العناية الى الشيخ فاخذ عليه العهد ولقنه اسماء الطريق السبعة على حسب سلوكه في سيره ثنم البسه التاج واجازه باخذ العهود والتلقين والتسليك وصار خليفة محضا فادار مجالس الذكر ودعا الناس اليها من سائر الاقطار وفتح الله عليه باب العرفان حتى صار ينطق باسرار القرآن
ومنهم العالم النحرير الصوفي الصالح السلك الراجح الشيخ محمد السنهوري ثم الفوى طلب العلم حتى صار من اهل الافتاء والتدريس وانتصب للتأكيد والتأسيس ثم دعته سعادة حضرة القوم فسلك مع
(1/347)

المجاهدة وحسن السيرة على يد الاستاذ حتى لقنه الاسماء السبعة والبسه التاج واقامة خليفة يهدي لاقوم منهاج ثم اذن له في التوجه الى بلده فتوجه اليها وربي بها المريدين وادار مجالس الاذكار بتلك البقاع وعم به في الوجود الانتفاع
ومنهم البحر الزاخر حائز مراتب المفاخر الولي الرباني والصوفي في العالم الانساني الشيخ محمد الزعيري اشتغل بالعلم حتى برع وصار قدوة لكل مفتدي وجذوة لمن لا يهتدي ثم سلك على يد الاستاذ فاخذ عليه العهد ولقنه الاسماء على حسب سيره وسلوكه ثم خلفه والبسه التاج واجازه بالتلقين والتسليك
ومنهم الحبر العلامة والبحر الفهامة شيخ الافتاء والتدريس الشيخ خضر رسلان اشتغل على الشيخ مدة مديدة ولازمه شديدة واخذ عليه العهد في طريق الخلوتية حتى تلقن الاسماء والبسه الشيخ التاج وصار خليفة مجازا باخذ العهود والتسليك
ومنهم الشيخ الصوفي الولي صاحب الكرامات والايادي والمكرمات شيخنا الشيخ محمود الكردي اخذ على الشيخ العهد والطريق ولقنه الاسماء فكان محمود الإفعال معروفاة بالكمال ثم البسه التاج وصار خليفة واجازه بالتلقين والتسليك فارشد الناس وازال عن قلوبهم الوسواس
وهو مشهور البركة يعتقده الخاص والعام كثير الرؤية لرسول الله صلى الله عليه و سلم ومن كراماته انه متى اراد رؤية النبي صلى الله عليه و سلم رآه
وله مكاشفات عجبية نفعنا الله بحبه ولا حجبنا عن قربه وهو الذي قام للارشاد والتسليك بعد انتقال شيخه وسلك على يده كثير وخلفوه من بعده منهم الشيخ الصالح الصوفي والشيخ محمد السقاط والشيخ العلامة شيخ الاسلام والمسلمين مولانا الشيخ عبد الله الشرقاوي شيخ الجامع الازهر الآن والإمام الاوحد
(1/348)

الشيخ محمد بدير الذي هو الآن بالقدس الشريف والمشار اليه في التسليك بتلك الديار والشيخ الصالح الناجح ابراهيم الحلبي الحنفي والسيد الاجل العلامة والرحالة الفهامة السيد عبد القادر الطرابلسي الحنفي والشيخ الامام العمدة الهمام الشيخ عمر البابلي وغيرهم ادام الله النفع بوجودهم
ومنهم العالم الالمعي الفهامة بقية السلف والخليفة ونعم الخلف الشيخ محمد سبط الاستاذ المترجم أطال الله بقاءه
ومنهم الشيخ الفهامة الاديب الاريب واللوذعي النجيب الشيخ محمد البلناوي الشهير بالدمنهوري الشافعي
ومنهم الشيخ الصوفي القدوة الشيخ احمد الغزالي تلقن منه الاسماء وتخلف عنه والبسه التاج وأجازه بالتلقين والتسليك
ومنهم العالم العامل الشيخ احمد القحافي الانصاري اخذ العهد وانتظم في سلك اهل الطريق وتلقن الاسماء وصار خليفة مجازا فارشد الناس وافتتح مجالس الاذكار
ومنهم تاج الملة وانسان عين المجد من غير علة ذو النسب الباذخ والشرف الرفيع الشانح السيد علي القناوي تلقن الاسماء والبس التاج وصار خليفة حقا ومجازا بالتلقين والتسليك فادار مجالس الاذكار واشرقت به الانوار
ومنهم العلامة العامل والفهامة الواصل الفاضل الشيخ سليمان المنوفي نزيل طندتا وارشده وخلفه والبسه التاج واجازه فسلك وأرشد وله أحوال عجيبة
ومنهم الصوفي الصالح الشيخ حسن السخاوي نزيل طندتا ايضا لقنه وخلفه والبسه التاج فدعا الناس لاقوم منهاج
ومنهم علامة الانام الشيخ محمد الرشيدي الملقب بشعير لقنه وخلفه واجازه فكثر نفعه
(1/349)

ومنهم العلامة الاوحد ومن على مثله الخناصر تعقد الشيخ يوسف الرشيدي الملقب بالشيال رحل ايضا اليه فتلقن منه وسلك على يديه حتى صار خليفة والبسه التاج وأجازه بالتلقين والتسليك ورجع الى بلاده باوفر زاد وادار مجالس الذكر واكثر المراقبة والفكر حتى كثرت اتباعه وعم انتفاعه
ومنهم العمدة المقدم الهمام الناسك السالك الشيخ محمد الشهير بالسقالقنه واجازه بالتلقين والتسليك فكثر نفعه وطاب صنعه
ومنهم فريد دهره وعالم عصره معدن الفضل والكمال قطب الجمال والجلال الشيخ باكير افندي لقنه والبسه التاج وأجازه بالتلقين والتسليك
ومنهم بدر الطريق وشمس افق التحقيق العالم العلامة والصوفي الفهامة الشيخ محمد الفشني لقنه وخلفه والبسه التاج فاخذ العهود ولقن وسلك وفاق في سائر الآفاق وتقدم في الخلاف والوفاق
ومنهم العالم العامل والشهم الماهر الكامل الشيخ عبد الكريم المسيري الشهير بالزيات تلقن العهد والاسماء حسب سلوكه وسيره واجيز باخذ العهود والتلقين والتسليك فزاد نورا على نور وحبي بلذة الطاعة والحبور
ومنهم شيخ الفروع والاصول الجامع بين المعقول والمنقول علامة الزمان والحامل في وقته لواء العرفان الشيخ احمد العدوي الملقب بدر دير جذبته العناية الى نادي الهداية فجاء الى الشيخ وطلب منه تلقين الذكر فلقنه وسار أحسن سير وسلك احسن سلوك حتى صار خليفة باخذ العهود والتلقين والتسليك مع المجاهدة والعمل المرضي وسيأتي في وفياتهم تتمة تراجمهم رضي الله عنهم
ومنهم أيضا الشيخ العلامة الولي الصوفي الشيخ محمد الرشيدي الشهير بالمعصراوي
ومنهم الامام الجامع والولي الصوفي النافع مولاي احمد الصقلي المغربي تلقن وتخلفه وأجيز باخذ العهود والتلقين والتسليك
(1/350)

ومنهم الامجد العامل بعمله والمزدري السحر بفهمه الشيخ سليمان البتراوي ثم الانصاري
ومنهم الصالح العامل الفهامة العابد الزاهد الشيخ اسمعيل اليمني تلقن وسلك مع التقى والعفاف والملازمة الشديدة والخدمة الاكيدة وحسن المجاهدة
ومنهم النحرير الكامل واللوذعي الفاضل مؤلف المجموع الشيخ حسن بن علي المكي المعروف بشمه الناظم الناثر الحاوي الخير المتكاثر وغير هؤلاء ممن لم نعرف كثير
في ذكر رحلة الاستاذ المترجم الى بيت المقدس
وهو انه لما اذن له السيد البكري بأخذ العهود وتلقين الذكر لم يقع له تسليك أحد في هذه الطريقة إنما كان شغله وتوجهه كله الى العلم واقرائه لكن ذلك بجسمه واما قلبه فلم يكن الا عند شيخه السيد الصديقي ولم يزل كذلك الى عام تسع واربعين
فحن جسمه الى زيارة شيخه وانشد لسان حاله ... أخذتم فؤادي وهو بعضى فما الذي ... يضركم لو كان عندكم الكل ...
فارسل اليه السيد يدعوه لزيارته فهام إذ فهم رمز اشارته وتعلقت نفسه بالرحيل فترك الاقراء والتدريس وتقشف وسافر الى أن وصل بالقرب من بيت المقدس
فقيل له اذا دخلت بيت المقدس فادخل من الباب الفلاني وصل ركعتين وزر محل كذا فقال لهم انا جئت قاصدا بيت المقدس وما جئت قاصدا الا أستاذي فلا أدخل الا من بابه ولا أصلي الا في بيته
فعجبوا له فبلغ السيد كلامه فكان سببا لاقباله عليه وامداده ثم سار حتى دخل بيت المقدس فتوجه الى بيت الاستاذ فقابله بالرحب والسعة وأفرد له مكانا ثم أخذ في المجاهدة من الصلاة والصوم والذكر
(1/351)

والعزلة والخلوة قال فبينما انا جالس في الخلوة اذا بداع يدعوني اليه فجئت اليه فوجدت بين يديه مائدة فقال انت صائم قلت نعم فقال كل فامتثلت امره واكلت فقال اسمع ما اقول لك ان كان مرادك صوما وصلاة وجهادا او رياضة فليكن ذلك في بلدك واما عندنا فلا تشتغل بغيرنا ولا تقيد اوقاتك بما تروم من المجاهدة وانما يكون ذلك بحسب الاستطاعة وكل واشرب وانبسط قال فامتثلت اشارته ومكثت عنده اربعة اشهر كأنها ساعة غير اني لم افارقه قط خلوة وجلوة ومنحه في هذه المدة الاسرار وخلع عليه خلع القبول وتوجه بتاج العرفان واشهد مشاهد الجمع الاول والثاني وفرق له فرق الفرق الثاني فحاز من التداني اسرار المثاني ثم لما انقضت المدة واراد العود الى القاهرة ودعه وما ودعه وسافر حتى وصل الى غزة فبلغ خبره امير تلك القرية وكانت الطريق مخيفة فوجه مع قافلة ببيرقين من العسكر فساروا فلقيهم في أثناء الطريق اعراب فخاوفوهم فقالوا لاهل القافلة لا تخافوا فلسنا من قطاع الطريق وان كنا منهم فلا نقدر نكلمكم وهذا معكم واشاروا الى الشيخ ولم يزالوا سائرين حتى انتهوا الى مكان في اثناء الطريق بعد مجاوزة العريش بنحو يومين فقيل لهم ان طريقكم هذا غير مأمون الخطر ثم تشاوروا فقال لهم اعراب ذلك المكان نحن نسير معكم ونسلك بكم طريقا غير هذا لكن اجعلوا لنا قدرا من الدراهم نأخذه منكم اذا وصلتم الى بلبيس فتوقف الركب أجمعه فقال الاستاذ انا ادفع لكم هذا القدر هنالك فقالوا لا سبيل الى ذلك كيف تدفع انت وليس لك في القفل شيء والله ما نأخذ منك شيئا الا ان ضمنت اهل القافلة فقبل ذلك فاتفق الرأي على دفع الدراهم من ارباب التجارات بضمانة الشيخ فضمنهم وساروا حتى وصلوا الى بلبيس ثم منها الى القاهرة فسرت به أتم سرور وأقبل عليه الناس من حينئذ أتم قبول ودانت لطاعته الرقاب واخذ العهود على العالم
(1/352)

وادار مجالس الاذكار بالليل والنهار واحيا طريق القوم بعد دروسها وأنقذ من ورطة الجهل مهجا من عي نفوسها فبلغ هدية الاقطار كلها وصار في كثير من قرى مصر نقيب وخليفة وتلامذة واتباع يذكرون الله تعالى ولم يزل امره في ازدياد وانتشار حتى بلغ سائر اقطار الارض
وسار الكبار والصغار والنساء والرجال يذكرون الله تعالى بطريقته وصار خليفة الوقت وقطبه ولم يبق ولي من اهل عصره الا اذعن له وحين تصدى للتسليك واخذ العهود اقبل عليه الناس من كل فج وكان في بدء الامر لا يأخذون الا بالاستخارة والاستشارة وكتابة اسمائهم ونحو ذلك فكثر الناس عليه وكثر الطلب فأخبر شيخه السيد الصديقي بذلك فقال له لا تمنع احدا يأخذ عنك ولو نصرانيا من غير شرط واسلم على يديه خلق كثير من النصارى واول من اخذ عنه الطريق وسلك على يديه الولي الصوفي العالم العلامة المرشد الشيخ احمد البناء الفوي ثم تلاه من ذكر وغيرهم وكان استاذه السيد يثني عليه ويمدحه ويراسله نظما ونثرا ويترجمه بالاخ ولولا رآه قسيما له في الحال ما صدر عنه ذلك المقال حتى انه قال له يوما اني اخشى من دعائكم لي بالاخ لانه خلاف عادة الاشياخ مع المريدين فقال له لا تخش من شيء وامتدحه اشياخه ومعاصروه وتلامذته
توفي رضي الله عنه يوم السبت قبل الظهر سابع عشري ربيع الاول سنة 1181 ودفن يوم الاحد بعد ان صلي عليه في الازهر في مشهد عظيم جدا وكان يوم هول كبير وكان بين وفاته ووفاة الاستاذ الملوي ثلاثة عشر يوما ومن ذلك التاريخ ابتدأ نزول البلاء واختلال احوال الديار المصرية وظهر مصداق قول الراغب ان وجوده امان على اهل مصر من نزول البلاء وهذا من المشاهد المحسوس وذلك انه لم يكن في الناس من يصدع بالحق ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويقيم الهدى فسد نظام العالم وتنافرت القلوب ومتى تنافرت القلوب نزل البلاء ومن المعلوم المقرر ان صلاح
(1/353)

الامة بالعلماء والملوك وصلاح الملوك تابع لصلاح العلماء وفساد اللازم بفساد الملزوم فما بالك بفقده والرحى لا تدور بدون قطبها وقد كان رحمه الله قطب رحى الديار المصرية ولا يتم امر من امور الدولة وغيرها الا باطلاعه واذنه ولما شرع الأمراء القائمون بمصر في اخراج التجاريد لعلي بك وصالح بك واستأذنوه فمنعهم من ذلك وزجرهم وشنع عليهم ولم يأذن بذلك كما تقدم وعلموا انه لا يتم قصدهم بدون ذاك فاشغلوا الاستاذ وسموه فعند ذلك لم يجدوا مانعا ولا رادعا وأخرجوا التجاريد وآل الامر لخذلانهم وهلاكهم والتمثيل بهم وملك علي بك وفعل ما بدا له فلم يجد رادعا أيضا ونزل البلاء حينئذ بالبلاد المصرية والشامية والحجازية ولم يزل يتضاعف حتى عم الدنيا وأقطار الارض فهذا هو السر الظاهري وهو لا شك تابع للباطني وهو القيام بحق وراثه النبوة وكمال المتابعة وتمهيد القواعد واقامة اعلام الهدى والاسلام واحكام مباني التقوى لانهم امناء الله في العالم وخلاصة بني آدم اولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون
ومات شمس الكمال ابو محمد الشيخ عبد الوهاب بن زين الدين بن عبد الوهاب بن الشيخ نور بن بايزيد شهاب الدين احمد بن القطب سيدي محمد بن أبي المفاخر داود الشربيني بمصر ونقلوا جسده الى شريين ودفن عند جده سامحه الله وتجاوز عن سيآته وتولى بعده في خلافتهم أخوه الشيخ محمد ولهما أخ ثالث اسمه علي وكانت وفاة المترجم ليلة الاحد غرة ذي القعدة سنة 1181
ومات الشيخ الامام العلامة المتقن المتفنن الفقيه الاصولي النحوي الشيخ محمد بن محمد بن موسى العبيدي الفارسي الشافعي واصله من فارسكور أخذ عن الشيخ علي قايتباي والشيخ الدفري والبشبيشي والنفراوي وكان آية في المعارف والزهد والورع والتصوف وكان
(1/354)

يلقي دروسا بجامع قوصون على طريقة الشيخ العزيزي والدمياطي وبآخراته توجه الى الحجاز وجاور به سنة والقى هناك دروسا وانتفع به جماعة ومات بمكة وكان له مشهد عظيم ودفن عند السيدة خديجة رضي الله عنها
ومات الشيخ الامام العلامة مفيد الطالبين الشيخ احمد ابو عامر النفراوي المالكي أخذ الفقه عن الشيخ سالم النفراوي والشيخ البليدي والطحلاوي والمعقول عنهم وعن الشيخ الملوي والحفني والشيخ عيسى البراوي وبرع في المعقول والمنقول ودرس وافاد وانتفع به الطلبة وكان درسه حافلا وله حظوة في كثرة الطلبة والتلاميذ توفي سنة 1181
ومات الامير حسن بك جوجو وجن علي بك وهما من مماليك ابراهيم كتخدا وكان حسن مذبذبا ومنافقا بين خشداشينه يوالي هؤلاء ظاهرا وينافق الآخرين سرا وتعصب مع حسين بك وخليل بك حتى أخرجوا علي بك الى النوسات ثم صار يراسله سرا ويعلمه باحوالهم وأسرارهم الى أن تحول الى قبلي وانضم الى صالح بك فأخذ يستميل متكلمي الوجاقلية الى أن كانوا يكتبون لاغراضهم بقبلي ويرسلون المكاتبات في داخل افصاب الدخان وغيرها وهو مع من بمصر في الحركات والسكنات الى أن حضر علي بك وصالح بك وكان هو ناصبا وطاقة معهم جهة البساتين فلما أرادوا الارتحال استمر مكانه وتخلف عنهم وبقي مع علي بك بمصر يشار اليه ويرى لنفسه المنة عليه وربما حدثته بالامارة دونه وتحقق علي بك انه لا يتمكن من اغراضه وتمهيد الامر لنفسه ما دام حسن بك موجودا فكتم امره واخذ يدبر على قتله
فبيت مع اتباعه محمد بك وايوب بك وخشداشينهم وتوافقوا على اغتياله فلما كان ليلة الثلاثاء ثامن من شهر رجب حضر حسن بك المذكور وكذا خشداشه جن علي بك وسمرا معه حصة من الليل ثم ركبا فركب صحبتهما محمد
(1/355)

بك وايوب بك ومماليكهما واغتالوهما في اثناء الطريق كما تقدم
ومات الامير رضوان جربجي الرزاز وأصله مملوك حسن كتخدا ابن الامير خليل أغا وأصل خليل أغا هذا شاب تركي خردجي يبيع الخردة دخل يوما من بيت لاجين بك الذي عند السويقة المعروفة بسويقة لاجين وهو بيت عبد الرحمن أغا المتخرب الآن وكان ينفذ من الجهتين فرآه لاجين بك فمال قلبه اليه ونظر فيه بالفراسة مخايل النجابة فدعاه للمقام عنده في خدمته فأجاب لذلك واستمر في خدمته مدة وترقى عنده ثم عينه لسد جسر شرمساح ووعده بالاكرام ان هو اجتهد في سده على ما ينبغي فنزل اليه وساعدته العناية حتى سده وأحكمه ورجع ثم عينه لجبي الخراج وكان لا يحصل له الخراج الا بالمشقة وتبقى البواقي على البواقي القديمة في كل سنة فلما نزل وكان في اوان حصاد الارز فوزن من المزارعين شعير الارز من المال الجديد والبواقي اولا باول وشطب جميع ذلك من غير ضرر ولا أذية وجمعه وخزنه واتفق انه غلا ثمنه في تلك السنة غلوا زائدا عن المعتاد فباعه بمبلغ عظيم ورجع لسيده بصناديق المال فقال لا أخذ الا حقي واما الربح فهو لك فأخذ قدر ماله واعطاه الباقي فذهب واشترى لمخدومه جارية مليحة واهداها له فلم يقبلها وردها اليه وأعطى له البيت الذي بلتبانة ونزل له عن طصفة وكفرها ومنية تمامه وصار من الامراء المعدودين فولد لخليل هذا حسن كتخدا ومصطفى كتخدا كانا أميرين كبيرين معدودين بمصر ومماليكه صالح كتخدا وعبد الله جربجي وابراهيم جربجي وغيرهم ومن مماليكه حسن حسين جربجي المعروف بالفحل ورضوان جربجي هذا المترجم وغيرهما أكثر من المائة أمير
وكان رضوان جربجي هذا من الامراء الخيرين الدينين له مكارم أخلاق وبر ومعروف ولما نفي علي بك عبد الرحمن كتخدا نفاه أيضا وأخرجه من مصر
ثم ان علي بك ذهب
(1/356)

يوما عند سليمان أغا كتخدا الجاويشية فعاتبه على نفي رضوان جربجي فقال له علي بك تعاتبني على نفي رضوان جربجي ولا تعاتبني على نفي ابنك عبد الرحمن كتخدا فقال ابني المذكور منافق يسعى في اثارة الفتن ويلقي بين الناس فهو يستاهل واما هذا فهو انسان طيب وما علمنا عليه ما تشينه في دينه ولا دنياه فقال نرده لاجل خاطرك وخاطره ورده ولم يزل في سيادته حتى مات على فراشه سادس جمادى الاولى في هذه السنة والله سبحانه وتعالى أعلم
سنة اثنتين وثمانين ومائة والف
استهل شهر المحرم بيوم الاربعاء في ثانية سافرت التجريدة المعينة الى بحري بسبب الامراء المتقدم ذكرهم وهم حسين بك وخليل بك ومن معهم وقد بذل جهده علي بك حتى شهل أمرها ولوازمها في أسرع وقت وسافرت يوم الخميس وأميرها وسر عسكرها محمد بك ابو الذهب
فلما وصلوا الى ناحية دجوة وجدوهم عدوا الى مسجد الخضر فعدوا خلفهم فوجدوهم ذهبوا الى طندتا وكرنكوا بها فتبعوهم الى هناك واحاطوا بالبلدة من كل جهة ووقع الحرب بينهم في منتصف شهر المحرم فلم يزل الحرب قائما بين الفريقين حتى فرغ ما عندهم من الجبخانة والبارود فعند ذلك أرسلوا الى محمد بك وطلبوا منه الامان فأعطاهم الامان وارتفع الحرب من بين الفريقين
وكاتبهم محمد بك وخادعهم والتزم لهم باجراء الصلح بينهم وبين مخدومه علي بك فانخدعوا له وصدقوه وانحلت عزائمهم واختلفت آراؤهم
وسكن الحال تلك الليلة ثم ان محمد بك أرسل في ثاني يوم الى حسين بك يستدعيه ليعمل معه مشورة فحضر عنده بمفرده وصحبته خليل بك السكران تابعة فقط
فلما وصلوا الى مجلسه ودخلوا اليه فلم يجدوه فعندما استقر بهما الجلوس دخل عليهما جماعة وقتلوهما وحضر في أثرهما
(1/357)

حسن بك شبكة ولم يعلم ما جرى لسيده فلما قرب من المكان أحس قلبه بالشر فاراد الرجوع فعاقه رجل سائس يسمى مرزوق وضربه بنبوت فوقع الى الارض فلحقه بعض الجند واحتز رأسه فلما علم بذلك خليل بك الكبير ومن معه ذهبوا الى ضريح سيدي أحمد البدوي والتجأوا الى قبره واشتد بهم الخوف وعلموا انهم لاحقون باخوانهم فلما فعلوا ذلك لم يقتلوهم وأرسل محمد بك يستشير سيده في أمر خليل بك ومن معه فأمر بنفيه الى ثغر سكندرية وخنقوه بعد ذلك بها
ورجع محمد بك وصالح بك والتجريدة ودخلوا المدينة من باب النصر في موكب عظيم وامامهم الرؤوس محمولة في صوان من فضة وعدتها ستة رؤوس وهي رأس حسين بك وخليل بك السكران وحسن بك شبكة وحمزة بك واسمعيل بك أبي مدفع سليمان أغا الوالي وذلك يوم الجمعة سابع عشر المحرم
وفي يوم الثلاثاء رابع عشر صفر حضر نجاب الحج واطمأن الناس وفي يوم الجمعة سابع عشره وصل الحجاج بالسلامة ودخلوا المدينة وامير الحاج خليل بك بلغيه وسر الناس بسلامة الحجاج وكانوا يظنون تعبهم بسبب هذه الحركات والوقائع
وفي ثامن عشر صفر اخرج علي بك جملة من الامراء من مصر ونفى بعضهم الى الصعيد وبعضهم الى الحجاز وارسل البعض الى الفيوم وفيهم محمد كتخدا تابع عبد الله كتخدا وقرا حسن كتخدا وعبد الله كتخدا تابع مصطفى باش اختيار مستحفظان وسليمان جاويش ومحمد كتخدا الجردلي وحسن افندي الباقرجي وبعض أوده باشية وعلي جربجي وعلي افندي الشريف جمليان
وفيه صرف علي بك مواجب الجامكية
وفيه ارسل علي بك وقبض على أولاد سعد الخادم بضريح سيدي احمد البدوي وصادرهم وأخذ منهم اموالا عظيمة لا يقدر قدرها
(1/358)

وأخرجهم من البلدة ومنعهم من سكناها ومن خدمة المقام الاحمدي وأرسل الحاج حسن عبد المعطي وقيده بالسدنة عوضا عن المذكورين وشرع في بناء الجامع والقبة والسبيل والقيسارية العظيمة وأبطل منها مظالم أولاد الخادم والحمل والنشالين والحرمية والعيارين وضمان البغايا والخواطيء وغير ذلك
وفي تاسع شهر ربيع الاول حضر قابجي من الديار الرومية بمرسوم وقفطان وسيف لعلي بك من الدولة وفيه وصلت الاخبار بموت خليل بك الكبير بثغر سكندرية مخنوقا
وفي يوم السبت ثاني عشرة نزل الباشا الى بيت علي بك باستدعائه فتغدى عنده وقدم له تقادم وهدايا
وفي يوم الاحد ثامن عشر ربيع الاخر اجتمع الامراء بمنزل علي بك على العادة وفيهم صالح بك وقد كان علي بك بيت مع اتباعه على قتل صالح بك فلما انقضى المجلس وركب صالح بك ركب معه محمد بك وايوب بك ورضوان بك واحمد بك بشناق المعروف بالجرار وحسن بك العبداوي وعلي بك الطنطاوي واحدق الجميع بصالح بك ومن خلفهم الجند والمماليك والطوائف فلما وصلوا الى مضيق الطريق عند المفارق بسويقة عصفور تأخر محمد بك ومن معه عن صالح بك قليلا واحدث له محمد بك حماقة مع سائسه وسحب سيفه من غمده سريعا وضرب صالح بك وسحب الآخرون سيوفهم ما عدا احمد بك بشناق وكملوا قتلته ووقع طريحا على الارض ورمح الجماعة الضاربون وطوائفهم الى القلعة وعندما رأوا مماليك صالح بك واتباعه ما نزل بسيدهم خرجوا على وجوههم ولما استقر الجماعة القاتلون بالقلعة وجلسوا مع بعضهم يتحدثون عاتبوا أحمد بك بشناق في عدم ضربه معهم صالح بك وقالوا له لماذا لم تجرد سيفك وتضرب مثلنا فقل بل ضربت معكم فكذبوه
(1/359)

فقال له بعضهم أرنا سيفك فامتنع وقال ان سيفي لا يخرج من غمده لاجل الفرجة ثم ستوا وأخذ في نفسه منهم وعلم انهم سيخبرون سيدهم بذلك فلا يأمن غائلته وذلك ان احمد بك هذا لم يكن مملوكا لعلي بك وانما كان اصله من بلاد بشناق حضر الى مصر في جملة اتباع علي باشا الحكيم عندما كان واليا على مصر في سنة 1169
فاقام في خدمته الى سنة 1171
وتلبس صالح بك بامارة الحج في ذلك التاريخ فاستأذن احمد بك المذكور علي باشا في الحج واذن له فحج مع صالح بك واكرمه واحبه والبسه زي المصريين ورجع صحبته وتنقلت به الاحوال وخدم عند عبدالله بك علي ثم خدم عند علي بك فأعجبه شجاعته وفروسيته فرقاه في المناصب حتى قلده الصنجقية وصار من الامراء المعدودين
فلم يزل يراعي منة صالح السابقة عليه فلما عزم علي بك على خيانة صالح بك السابقة وغدره خصصه بالذكر وأوصاه ان يكون اول ضارب فيه لما يعلمه في من العصبية له فقيل له ان احمد بك اسر ذلك الى صالح بك وحذره غدر علي بك اياه فلم يصدقه لما بينهما من العهود والايمان والمواثيق ولم يحصل منه ما يوجب ذلك ولم يعارضه في شيء ولم ينكر عليه فعلا
فلما اختلى صالح بك بعلي بك اشار البه بما بلغه فحلف له علي بك بان ذلك نفاق من المخبر ولم يعلم من هو فلما حصل ما حصل ورأى مراقبة الجماعة له ومناقشتهم له عند استقرارهم بالقلعة تخيل وداخله الوهم وتحقق في ظنه تجسم القضية فلما نزلوا من القلعة وانصرفوا الى منازلهم تفكر تلك الليلة وخرج من مصر وذهب الى الاسكندرية وأوصى حريمه بكتمان امره ما امكنهم حتى يتباعد عن مصر فلما تأخر حضوره بمنزل علي بيك وركوبه سألوا عنه فقيل له انه متوعك فحضر اليه في ثاني يوم محمد بيك ليعوده وطلب الدخول اليه فلم يمكنهم منعه فدخل الى محل
(1/360)

مبيته فلم يجده في فراشه فسأل عنه حريمه فقالوا لا نعلم له محلا ولم يأذن لاحد بالدخول عليه وفتشوا عليه فلم يجدوه وارسل علي بيك عبد الرحمن آغا وامره بالتفتيش عليه وقتله فاحاط بالبيت وفتش عليه في البيت والخطة فلم يجده وهو قد كان هرب ليلة الواقعة في صورة جزائرلي مغربي وقصقص لحيته وسعى بمفرده الى شلقان وسافر الى بحري ووصل السعاة بخبره لعلي بيك بانه بالاسكندرية فارسل بالقبض عليه فوجدوه نزل بالقبطانة واحتمى بها وكان من امره ما كان بعد ذلك كما سيأتي وهو احمد باشا الجزار الشهير الذكر الذي تملك عكا وتولى الشام وامارة الحج الشامي وطار صيته في الممالك
وفيه عين علي بيك تجريدة على سويلم بن حبيب وعرب الجزيرة فنزل محمد بيك بتجريدة الى عرب الجزيرة وايوب بيك الى سويلم فلما ذهب ايوب بيك الى دجوة فلم يجد بها احدا وكان سويلم بائتا في سند نهور وباقي الحبابية متفرقين في البلاد فلما وصله الخبر ركب من سند نهور وهرب بمن معه الى البحيرة والتجأ الى الهنادي
ونهبوا دوائره ومواشيه وحضروا بالمنهوبات الى مصر واحتج عليه بسبب واقعة حسين بيك وخليل بيك لما اتيا الى دجوة بعد واقعة الديرس والجراح قدم لهم التقادم وساعدهم بالكلف والذبائح ونحو ذلك والغرض الباطني اجتهاده في ازالة اصحاب المظاهر كائنا ما كان
وفي يوم الاثنين تاسع عشرة امر علي بك باخراج علي كتخدا الخربطلي منفيا وكذلك يوسف كتخدا مملوكه ونفي حسن افندي درب الشمسي واخوته الى السويس ليذهبوا الى الحجاز وسليمان كتخدا الجلفي وعثمان كتخدا عزبان المنفوخ وكان خليل بك الاسيوطي بالشرقية فلما سمع بقتل صالح بك هرب الى غزة
وفي يوم الاحد خامس جمادى الاولى طلع علي بك الى القلعة وقلد
(1/361)

ثلاثة صناجق من اتباعه وكذلك وجاقلية وقلد ايوب بك تابعه ولاية جرجا وحسن بك رضوان امير حج وقلد الوالي وفي جمادى الآخرة قلد إسمعيل بك الدفتروارية وصرف المواجب في ذلك اليوم
وفي منتصف شهر رجب وصل آغا من الديار الرومية وعلى يده مرسوم بطلب عسكر للسفر فاجتمعوا بالديوان وقرأوا المرسوم وكان علي بك احضر سليمان بك الشابوري من نفيه بناحية المنصورة وكان منفيا هناك من سنة 1172
وفي يوم الثلاثاء عملوا الديوان بالقلعة ولبسوا سليمان بك الشابوري امير السفر الموجه الى الروم واخذوا في تشهيله وسافر محمد بك ابو الذهب بتجريدة ومعه جملة من الصناجق والمقاتلين لمنابذة شيخ العرب همام فلما قربوا من بلاده ترددت بيتهم الرسل واصطلحوا معه على أن يكون لشيخ العرب همام من حدود برديس ولا يتعدى حمكه لما بعدها
واتفقوا على ذلك ثم بلغ شيخ العرب انه ولد لمحمد بك مولود فارسل له بالتجاوز عن برديس ايضا انعاما منه للمولود ورجع محمد بك ومن معه الى مصر
وفيه قبض علي بك على الشيخ احمد الكتبي المعروف بالسقط وضربه علقة قوية وامر بنفيه الى قبرص فلما نزل الى البحر الرومي ذهب الىا اسلامبول وصاهر حسن افندي قطه مسكين النجم واقام هناك الى أن مات وكان المذكور من دهاة العالم يسعى في القضايا والدعاوى يحيى الباطل ويبطل الحق بحسن سبكه وتداخله
وفي سابع عشرة حصلت قلقة من جهة والي مصر محمد باشا وكان اراد ان يحدث حركة فوشي به كتخداه عبد الله بك الى علي بك فاصبحوا وملكوا الابواب والرميلة والمحجر وحوالي القلعة وأمروه بالنزول فنزل من باب الميدان الى بيت احمد بك كشك واجلسوا عنده الحرسجية
(1/362)

وفي يوم الاحد غرة شعبان تقلد علي بك قائمقامية عوضا عن الباشا
وفي يوم الخميس أرسل علي بك عبد الرحمن اغا مستحفظان الى رجل من الاجناد يسمى اسمعيل اغا من القاسمية وامره بقتله وكان اسمعيل هذا منفيا جهة بحري وحضر الى مصر قبل ذلك وأقام ببيته جهة الصليبة
وكان مشهورا بالشجاعة والفروسية والاقدام فلما وصل الاغا حذاء بيته وطلبه ونظر الى الاغا واقفا باتباعه ينتظره علم انه يطلبه ليقتله كغيره لانه تقدم قتله لاناس كثيرة على هذا النسق بأمر علي بك فامتنع من النزول واغلق بابه ولم يكن عنده احد سوى زوجته وهي ايضا جارية تركية
وعمر بندقيته وقرابينته وضرب عليهم فلم يستطيعوا العبور اليه من الباب وصارت زوجته تعمر له وهو يضرب حتى قتل منهم أناسا وانجرح كذلك واستمر على ذلك يومين وهو يحارب وحده
وتكاثروا عليه وقتلوا من اتباعه وهو ممتنع عليهم الى ان فرغ منه البارود والرصاص ونادوه بالامان فصدقهم ونزل من الدرج فوقف له شخص وضربه وهو نازل من الدرج وتكاثروا عليه وقتلوه وقطعوا رأسه ظلما رحمه الله تعالى
وفي تاسع عشره صرفت المواجب على الناس والفقراء
وفي ثامن عشرينه خرج موكب السفر الموجه الى الروم في تجمل زائد
وفي عاشر رمضان قبض علي بك على المعلم اسحق اليهودي معلم الديوان ببولاق وأخذ منه اربعين الف محبوب ذهب وضربه حتى مات وكذلك صادر اناسا كثيرة في اموالهم من التجار مثل العشوبي والكمين وغيرهما وهو الذي ابتدع المصادرات وسلب الاموال من مبادي ظهوره واقتدى به من بعده
وفي شوال هيأ علي بك هدية حافلة وخيولا مصرية جيادا وارسلها الى اسلامبول للسلطان ورجال الدولة وكان المتسفر بذلك ابراهيم
(1/363)

أغا سراج باشا وكتب مكاتبات الى الدولة ورجالها والتمس من الشيخ الوالد أن يكتب له ايضا مكاتبات لما يعتقده من قبول كلامه واشارته عندهم ومضمون ذلك الشكوى من عثمان بك بن العظم والي الشام وطلب عزله عنها بسبب انضمام بعض المصريين المطرودين اليه ومعاونته لهم وطلب منه ان يرسل من طرفه اناسا مخصوصين فأرسل الشيخ عبد الرحمن العريشي ومحمد افندي البردلي فسافروا مع الهدية وغرضه بذلك وضع قدمه بالقطر الشامي ايضا
وفي ثاني عشر ذي القعدة رسم بنفي جماعة من الامراء ايضا وفيهم ابراهيم اغا الساعي اختيارية متفرقة واسمعيل افندي جاويشان وخليل أغا باش جاويشان جمليان وباشجاويش تفكجيان ومحمد افندي جراكسة ورضوان والزعفراني فارسل منهم الى دمياط ورشيد واسكندرية وقبلي وأخذ منهم دراهم قبل خروجهم واستولى على بلادهم وفرقها في اتباعه وكانت هذه طريقته فيمن يخرجه يستصفي اموالهم أولا ثم يخرجهم ويأخذ بلادهم واقطاعهم فيفرقها على مماليكه واتباعه الذين يؤمرهم في مكانهم ونفى ايضا ابراهيم كتخدا جدك وابنه محمدا الى رشيد وكان ابراهيم هذا كتخدا ثم عزله وولاه الحسبة فلما نفاه ولى مكانه في الحسبة مصطفى اغا والله اعلم
من مات في هذه السنة
ومات الامام الفقيه المحدث الاصولي المتكلم شيخ الاسلام وعمدة الانام الشيخ احمد بن الحسن بن عبد الكريم بن محمد بن يوسف بن كريم الدين الكريمي الحالدي الشافعي الازهري الشهير بالجوهري وانما قيل له الجوهري لان والده كان يبيع الجوهر فعرف به ولد بمصر سنة 1096 واشتغل بالعلم وجد في تحصيله حتى فاق أهل عصره ودرس بالازهر وأفتى نحو ستين سنة مشايخه كثيرون منهم الشهاب احمد بن الفقيه
(1/364)

ورضوان الطوخي امام الجامع الازهر والشيخ منصور المنوفي والشهاب أحمد الخليلي والشيخ عبد ربه الديوي والشيخ عبد الرؤوف البشبيشي والشيخ محمد ابو العز العجمي والشيخ محمد الاطفيحي والشيخ عبد الجواد المخلي الشافعيون والشيخ محمد السجلماسي والشيخ أحمد الننراوي ! والشيخ سليمان الحصيني والشيخ عبدالله الكنكسي الشيخ محمد الصغير الورزازي وابن زكري والشيخ احمد الهشتوكي والشيخ سليمان الشبرخيتي والسيد عبد القادر المغربي ومحمد القسطنطيني ومحمد النشرتي المالكيون ورحل الى الحرمين في سنة 1120 فسمع من البصري والنخلي في سنة 1124 ثم في سنة 1130 وحمل في هذه الرحلات علوما جمة اجازه مولاي الطيب بن مولاي عبد الله الشريف الحسيني وجعله خليفة بمصر وله شيوخ كثيرون غير من ذكرت وقد وجدت في بعض اجازاته تفصيل ما سمعه من شيوحه ما نصه على البصري والنخلي أوائل الكتب الستة والاجازة العامة مع حديث الرحمة بشرطه وعلى الاطفيحي بعض كتب الفقه والحديث والتصوف والاجازة العامة وعلى السجلماسي في سنة 1126 الكبرى للسنوسي ومختصرة المنطقي وشرحه وبعض تلخيص القزويني وأول البخاري الى كتاب الغسل وبعض الحكم العطائية وأجازه علي بن زكري أوائل الستة وأجازه وعلى الكنكسي الصحيح بطرفيه وشرح العقائد للسعد وعقائد السنوسي وشروحها وشرح التسهيل لابن مالك الى آخره وشرح الالفية للمكوي والمطول بتمامه وشرح التلخيص وعلى الهشتوكي الاجازة بسائرها وعلى النفراوي شرح التلخيص مرارا وشرح الفية المصطلح وشرح الورقات وعلي الديوي شرح المنهج لشيخ الاسلام مرارا وشرح التحرير وشرح القية ابن الهائم وشرح التلخيص وشرح ابن عقيل على الالفية وشرح الجزرية وعلى المنوفي جمع الجوامع وشرحه للمحلى وشرح التلخيص
(1/365)

وعلى ابن الفقيه شرح التحرير وشرح الخضيب مرارا وشرح العقائد النسفية وشرح التلخيص والخبيصي وعلى الطوخي شرح الخطيب وابن قاسم مرارا وشرح الجوهرة لعبد السلام وعلي الخليفي البخاري وشرح التلخيص والاشموني والعصام وشرح الورقات وعلي الحصيني شرح الكبرى للسنوسي بتمامه وعلى الشبرخيتي شرح الرحبية وشرح الاجرومية وغيرهما وعلى الورزازي شرح الكبرى بتمامه مرارا وشرح الصغرى وشرح مختصر السنوسي والتفسير وغيره وعلي البشبيشي المنهج مرارا وجمع الجوامع مرارا والتلخيص والفية المصطلح والشمائل وشرح التحرير لزكريا وغيره هذا نص ما وجدته بخطه
واجتمع بالقطب سيدي احمد بن ناصر فأجازه لفظا وكتابه وممن أجازه أبو المواهب البكري واحمد البناء وأبو السعود الدنجيهي وعبد الحي الشرنبلالي ومحمد بن عبد الرحمن المليجي وفي الحرمين عمر بن عبد الكريم الخلخالي حضر دروسه وسمع منه المسلسل بالاولية بشرطه وتوجه بآخرته الحرمين باهله وعياله وألقى الدروس وانتفع به الواردون ثم عاد الى مصر فانجمع عن الناس وانقطع في منزله يزار ويتبرك به وله تآليف منها منقذة العبيد عن ربقة التقليد في التوحيد وحاشية علي عبد السلام ورسالة في الاولية وأخرى في حياة الانبياء في قبورهم وأخرى في الغرائق وغيرها وكانت وفاته وقت الغروب يوم الاربعاء ثامن جمادى الاولى وجهز بصباحه وصلي عليه بالجامع الازهر بمشهد حافل ودفن بالزاوية القادرية داخل درب شمس الدولة رحمه الله
ومات الامام العلامة والحبر الفهامة الفقيه الدراكة الاصولي النحوي شيخ الاسلام وعمدة ذوي الافهام الشيخ عيسى بن احمد بن عيسى بن محمد الزبيري البراوي الشافعي الازهري ورد الجامع وهو
(1/366)

صغير فقرأ العلم على مشايخ وقته وتفقه على الشيخ مصطفى العزيزي وابن الفقيه وحضر دروس الملوي والجوهري والبشبراوي وانجب وشهد له بالفضل أهل عصره وقرأ الدروس في الفقه واحدقت به الطلبة واتسعت حلقته واشتهر بحفظ الفروع الفقهية حتى لقب بالشافعي الصغير لكثرة استحضاره في الفقه وجودة تقريره وانتفع به طلبة العصر طبقة بعد طبقة وصاروا مدرسين وروى الحديث عن الشيخ محمد الدفري وكان حسن الاعتقاد في الشيخ عبد الوهاب العفيفي وفي سائر الصلحاء
وله مؤلفات مقبولة منها حاشية على شرح الجوهرة في التوحيد وشرح على الجامع الصغير للسيوطي في مجلد يذكر في كل حديث ما يتعلق بالفقه خاصة ولا زال يملي ويفيد ويدرس ويعيد حتى توفي سحر ليلة الاثنين رابع رجب وجهز في صباحه وصلي عليه بالازهر بمشهد حافل ودفن بالمجاورين وبني على قبره مزار ومقام واستقر مكانه في التصدر والتدريس ابنه العلامة الشيخ احمد ولازم حضوره تلامذة ابيه رحمه الله
ومات الامام العلامة الفقيه واللوذعي الذكي النبيه عمدة المحققين ومفتي المسلمين حسن بن نور الدين المقدسي الحنفي الازهري تفقه على شيخ وقته الشيخ سليمان المنصوري والشيخ محمد عبد العزيزي الزيادي وحضر دروس الشيخ مصطفى العزيزي والسيد علي الضرير والملوي والجوهري والحفني والبليدي وغيرهم ودرس بالجامع الازهر في حياة شيوخه ولما بنى الامير عثمان كتخدا مسجده بالازبكية جعله خطيبا واماما به وسكن في منزل قرب الجامع وراج أمره ولما شعر فتوى الحنفية بموت الشيخ سليمان المنصوري جعل شيخ الحنفية بعناية عبد الرحمن كتخدا وكان له به الفة ثم ابتنى منزلا نفيسا مشرفا على بركة الازبكية بمساعدة بعض الامراء واشتهر امره ودرس بعدة
(1/367)

أماكن كالصرغقشية المشروطة لشيخ الحنفية والمدرسة المحمودية والشيخ مطهر وغيرها والف متنا في فقه المذهب ذكر فيه الراجح من الاقوال واقتنى كتبا نفيسة بديعة الامثال وكان عنده ذوق والفة ولطافة وأخلاق مهذبة توفي يوم الجمعة ثامن عشر جمادى الآخرة
ومات الامام العلامة احد أذكياء العصر ونجباء الدهر الشيخ محمد ابن بدر الدين الشافعي سبط الشمس الشرنبابلي ولد قبل القرن بقليل وأجازه جده وحضر بنفسه على شيوخ وقته كالشيخ عبد ربه الديوي والشيخ مصطفى العزيزي وسيدي عبد الله الكنكسي والسيد علي الحنفي والشيخ الملوي في آخرين وباحث وناصل والف وأفاد ولزمه سليقة في الشعر جيدة وكلامه موجود بين ايدي الناس وله ميل لعلم اللغة ومعرفة بالانساب غير انه كان كثير الوقيعة في الشيخ محي الدين ابن عربي قدس الله سره والف عدة رسائل في الرد عليه وكان يباحث بعض اهل العلم فيما يتعلق بذلك فينصحونه ويمنعونه من الكلام في ذلك فيعترف تارة وينكر أخرى ولا يثبت على اعترافه وبلغني انه الف مرة رسالة في الرد عليه في ليلة من الليالي ونام فاحترق منزله بالنار واحترقت تلك الرسالة من جملة ما احترق من الكتب ومع ذلك فلم يرجع عما كان عليه من التعصب وربما تعصب لمذهبه فيتكلم في بعض مسائل مع الحنفية ويرتب عليها أسئلة ويغض عنهم ولما كان عليه مما ذكر لم يخل حاله عن ضيق وهيئته عن رثاثة توفي المترجم في المحرم افتتاح السنة وصلي عليه بالازهر ودفن بالقرافة عند جده لامه رحمه الله تعالى
ومات الجناب الامجد والملاذ الاوحد حامل لواء علم المجد وناشره وجالب متاع الفضل وتاجره السيد أحمد بن اسمعيل بن محمد أبو الامداد سبط بني الوفي والده وجده من أمراء مصر وكذا اخوه لابيه محمد وكل منهم قد تولى الامارة والمترجم أمه هي ابنة الاستاذ سيدي
(1/368)

عبد الخالق بن وفي ولد بمصر ونشأ في حجر أبويه في عفاف وحشمة وأبهة وأحبه الناس لمكان جده لامه المشار اليه مع جذب فيه وصلاح وتولى نقابة السادة الاشراف سنة 1168 ثم تولى الخلافة الوفائية بعد وفاة السيد ابي هادي فنزل عن النقابة للسيد محمد افندي الصديقي وقنع بخلافة بيتهم وكان انسانا حسنا بهيا ذا تؤدة ووقار وفيه قابلية لادراك الامور الدقيقة والاعمال الرياضية وهو الذي حمل الشيخ مصطفى الخياط الفلكي على حساب حركة الكواكب الثابتة وأطوالها وعروضها ودرجات ممرها ومطالعها لما بعد الرصد الجديد الى تاريخ وقته وهي من مآثره مستمرة المنفعة لمدة من السنين واقتنى كثيرا من الآلات الهندسية الادوات الرسمية رغب فيها وحصلها بالاثمان الغالية وهو الذي أنشأ المكان اللطيف المرتفع بدارهم المجاور للقاعة الكبيرة المعروفة بأم الافراح المطل على الشارع المسلوك وما به من الرواشن المطلة على حوش المنزل والطريق وما به من الخزائن والخورنقات والرفارف والشرفات والرفوف الدقيقة الصنعة وغير ذلك وهو الذي كنى الفقير بابي العزم وذلك في سنة 1177 برحاب اجدادهم يوم المولد النبوي المعتاد وتوفي في سابع المحرم سنة تاريخه وصلي عليه بالجامع الازهر بمشهد حافل ودفن بتربة اجدادهم نفعنا الله بهم وامدنا من أمدادهم
وتولى الخلافة بعده مسك ختامهم ومهبط وحي اسرارهم نادرة الدهر وغرة وجه العصر الامام العلامة واللوذعي الفهامة من مصابيح فضله مشارق الانوار السيد شمس الدين محمد ابو الانوار نسأل الله لحضرته طول البقاء ودوام العز والارتقاء آمين
ومات الامام العلامة الفقيه النبيه شيخ الاسلام وعمدة الانام الشيخ عبد الرؤوف بن محمد بن عبد الرحمن بن احمد السجيني الشافعي الازهري شيخ الازهر وكنيته ابو الجود اخذ عن عمه الشمس السجيني
(1/369)

ولازمه وبه تخرج وبعد وفاته درس المنهج موضعه وتولى مشيخة الازهر بعد الشيخ الحفني وسار فيها بشهامة وصرامة الا انه لم تطل مدته وتوفي رابع عشر شوال وصلي عليه بالازهر ودفن بجوار عمه باعلى البستان واتفق انه وقعت له حادثة قبل ولايته على مشيخة الجامع بمدة وهي التي كانت سببا لاشتهار ذكره بمصر وذلك ان شخصا من تجار خان الخليلي تشاجر مع رجل خادم فضربه ذلك الخادم وفر من امامه فتبعه هو وآخرون من ابناء جنسه فدخل الى بيت الشيخ المترجم فاضل خلفه وضربه برصاصة فاصابت شخصا من اقارب الشيخ يسمى السيد احمد فمات وهرب الضارب فطلبوه فامتنع عليهم وتعصب معه اهل خطته وابناء جنسه فاهتم الشيخ عبد الرؤوف وجمع المشايخ والقاضي وحضر اليهم جماعة من امراء الوجاقلية وانضم اليهم الكثير من العامة وثارت فتنة أغلق الناس فيها الاسواق والحوانيت واعتصم اهل خان الخليلي بدائرتهم واحاط الناس بهم من كل جهة وحضر اهل بولاق واهل مصر القديمة وقتل بين الفريقين عدة اشخاص واستمر الحال على ذلك اسبوعا ثم حضر علي بك ايضا وذلك في مبادي امره قبل خروجه منفيا واجتمعوا بالمحكمة الكبرى وامتلأ حوش القاضي بالغوغاء والعامة وانحط الامر على الصلح وانفض الجمع ونودي في صبحها بالامان وفتح الحوانيت والبيع والشراء وسكن الحال
ومات الشيخ الصالح الخير الجواد احمد بن صلاح الدين الدنجيهي الدمياطي شيخ المتبولية والناظر على اوقافها كان رجلا رئيسا محتشما صاحب احسان وبر ومكارم اخلاق وكان ظلا ظليلا على الثغر يأوي اليه الواردون فيكرمهم ويواجههم بالطلاقة والبشر التام مع الاعانة والانعام ومنزله مجمع للاحباب ومورد لائتناس الاصحاب وتوفي يوم السبت ثاني عشر ذي الحجة عن ثمانين سنة تقريبا
(1/370)

ومات الامام الفاضل احد المتصدرين بجامع بن طولون الشيخ احمد ابن احمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عامر العطاشي الفيومي الشافعي كان له معرفة في الفقه والمعقول والادب بلغني انه كان يخبر عن نفسه انه يحفظ اثني عشر الف بيت من شواهد العربية وغيرها وادرك الاشياخ المتقدمين واخذ عنهم وكان انسانا حسنا منور الوجه والسيبة ولديه فوائد ونوادر مات في سادس جمادى الثانية عن نيف وثمانين سنة تقريبا غفر الله له
ومات الامير خليل بك القازدغلي اصله من مماليك ابراهيم كتخدا القازدغلي وتقلد الامارة والصنجقية بعد موت سيده وبعد قتل حسين بك المعروف بالصابونجي وظهر شأنه في أيام علي بك الغزاوي وتقلد الدفتردارية ولما سافر علي بك اميرا بالحج في سنة ثلاث وسبعين جعله وكيلا عنه في رياسة البلد ومشيختها وحصل ما حصل من تعصبهم على علي بك وهروبه الى غزة كما تقدم وتقلبت الاحوال فلما نفي علي بك جن في المرة الثانية كان هو المتعين للامارة مع مشاركة حسين بك كشكش فلما وصل علي بك وصالح بك على الصورة المتقدمة هرب المترجم مع حسين بك وباقي جماعتهم الى جهة الشام ورجعوا في صورة هائلة وجرد عليهم علي بك وكانت الغلبة لهم على المصريين فلم يجسراو على الهجوم كما فعل علي بك وصالح بك
فلو قدر الله لهم ذلك كان هو الرأي فجهز علي بك على الفور تجريدة عظيمة وعليهم محمد بك ابو الذهب وخشداشينه فخرجوا اليهم وعدوا خلفهم ولحقوهم الى طندتا فحاصروهم بها وحصل ما حصل من قتل حسين بك ومن معه والتجأ المترجم الى ضريح سيدي احمد البلدوي فلم يقتلوه اكراما لصاحب الضريح
وارسل محمد بك يخبر مخدومه ويستشيره في أمره فارسل اليه بتأمينه وارساله الى ثغر سكندرية ثم ارسل بقتله فقتلوه بالثغر خنقا ودفن هناك
وكان اميرا جليلا ذا عقل ورياسة واما الظلم فهو قدر مشترك في الجميع
(1/371)

ومات ايضا الامير حسين بك كشكش القازدغلي وهو ايضا من مماليك ابراهيم كتخدا وهو احد من تآمر في حياة استاذه وكان بطلا شجاعا مقداما مشهورا بالفروسية وتقلد امارة الحج اربع مرات آخرها سنة 1176 ورجع اوائل سنة 1177 ووقع له مع العرب ما تقدم الالماع به في الحوادث السابقة واخافهم وهابوه حتى كانوا يخوفون بذكره اطفالهم وكذلك عربان الاقاليم المصرية
وكان اسمر جهوري الصوت عظيم اللحية يخالطها الشيب يميل طبعه الى المزاح والخدعة واذا لم يجد من يمازحه في حال ركوبه وسيره مازح سواسه وخدمه وضاحكهم
وسمعته مرة يقول لبعضهم مثلا سائرا ونحو ذلك
وكان له ابن يسمى فيض الله كريم العين فكان يكنى به
قتل المترجم بطندتا واتى برأسه الى مصر كما تقدم ودفن هناك وقبره ظاهر مشهور ودفن ايضا معه مملوكه حسن بيك شبكة وخليل بيك السكران وكانا ايضا يشبهان سيدهما في الشجاعة والخلاعة
ومات الامير الكبير الشهير صالح بك القاسمي وأصله مملوك مصطفى بك المعروف بالفرد ولما مات سيده تقلد الامارة عوضه وجيش عليه خشداشينه واشتهر ذكره وتقلد امارة الحج في سنة 1172 كما تقدم في ولاية علي باشا الحكيم وسار أحسن سير ولبسته الرياسة والامارة والتزم ببلاد أسياده واقطاعاتهم القبلية هو وخشداشينه واتباعهم وصار لهم نماء عظيم وامتزجوا بهوارة الصعيد وطباعهم ولغتهم ووكله شيخ العرب همام في اموره بمصر وأنشأ داره العظيمة المواجهة للكبش ولم يكن لها نظير بمصر
ولما نما أمر علي بك ونفي عبد الرحمن كتخدا الى السويس كان المترجم هو المتسفر عليه وأرسل خلفه فرمانا بنفيه الى غزة ثم نقل منها الى رشيد ثم ذهب من هناك الى الصعيد من ناحية البحيرة واقام بالمنية وتحصن بها وجرى ما جرى من توجيه المحاربين اليه وخروج
(1/372)

علي بك منفيا وذهابه الى قبلي وانضمامه الى المذكور كما تقدم بعد الايمان والعهود والمواثيق وحضوره معه الى مصر على الصورة المذكورة آنفا وقد ركن اليه وصدق مواثيقه ولم يخرج عن مزاجه ولا ما يأمر به مثقال ذرة وباشر قتال حسين بك كشكش وخليل بك ومن معهما مع محمد بك كما ذكر آنفا كل ذلك في مرضاة علي بك وحسن ظنه فيه ووفائه بعهده الى ان غدر به وخانه وقتله كما ذكر
وخرجت عشيرته وأتباه من مصر على وجوههم منهم من ذهب الى الصعيد ومنهم من ذهب الى جهة بحري
وكان أميرا جليلا مهيبا لين العريكة يميل بطبعه الى الخير ويكره الظلم سليم الصدر ليس فيه حقد ولا يتطلع لما في أيدي الناس والفلاحين ويغلق ما عليه وعلى أتباعه وخشداشينه من المال والغلال الميرية كيلا وعينا سنة بسنة وقورا محتشما كثير الحياء وكانت احدى ثناياه مقلوعة فاذا تكلم مع أحد جعل طرف سبابته على فمه ليسترها حياء من ظهورها حتى صار ذلك عادة له
ولما بلغ شيخ العرب همام موته اغتم عليه غما شديدا وكان يحبه محبة اكيدة وجعله وكيله في جميع مهماته وبعلقاته بمصر ويسدد له ما عليه من الاموال الميرية والغلال
ولما قتل الامير صالح بك أقام مرميا تجاه الفرن الذي هناك حصة ثم أخذوه في تابوت الى داره وغسلوه وكفنوه ودفنوه بالقرافة رحمه الله
ومات وحيد دهره في المفاخر وفريد عصره في المآثر نخبة السلالة الهاشمية وطراز العصابة المصطفوية السيد جعفر بن محمد البيتي السقاف باعلوي الحسيني أديب جزيرة الحجاز ولد بمكة وبها أخذ عن النخلي والبصري وأجيز بالتدريس فدرس وأفاد
واجتمع إذ ذاك بالسيد عبد الرحمن العيدروس وكل منهما أخذ عن صاحبه وتنقلت به الاحوال فولي كتابة الينبع ثم وزارة المدينة وصار اماما في الادب يشار اليه بالبنان وكلامه العذب يتناقله الركبان وله ديوان شعر جمعه لنفسه
(1/373)

وله مدائح وقصائد وغزليات كلها غرر محشوة بالبلاغة تدل على غزارة علمه وسعة اطلاعه
توفي بهذه السنة بالمدينة المنورة
سنة ثلاث وثمانين ومائة والف
فيها في المحرم أخرج علي بك عثمان اغا الوكيل من مصر منفيا الى جهة الشام وكذلك احمد أغا اغات الجوالي وأغات الضربخانة الى جهة الروم
وكان أحمد أغا هذا رجلا عظيما ذا غنية كبيرة وثروة زائدة فصادره علي بك في ماله وامره بالخروج من مصر فاحضر المطربازية والدلالين والتجار وأخرج متاعه وذخائره وباعها بسوق المزاد بينهم فبيع موجوده من أمتعة وثياب وجواهر وتحف واسلحة وكتب واشياء نفيسة وهو ينظر اليها ويتحسر ثم سافر الى جهة الاسكندرية
وفيها توفي محمد باشا الذي كان بقصر عبد الرحمن كتخدا بشاطيء النيل ولعله مات مسموعا ودفن بالقرافة الصغرى عند مدافن الباشوات بالقرب من الامام الشافعي
ونزل الحج ودخل الى مصر مع امير الحاج خليل بك بلغيا في امن وأمان
ووصل باشا من طريق البر وطلع الامراء الى العادلية لملاقاته ونصبوا خيامهم ودخل بالموكب وذلك في شهر صفر
وفيها أرسل علي بك تجريدة الى سويلم بن حبيب والهنادي بالبحيرة ثم نقل منها الى المحلة الكبرى فاقام سنين
وفيها ارسل علي بك تجريدة الى سويلم بن حبيب والهنادي بالبحبر وباش التجربدة اسمعيل بك وذلك ان ابن حبيب لما رحل من دجوة وذهب الى البحيرة وانضم الى عرب الهنادي وكان المتولي على كشوفية البحيرة عبدالله بك تابع علي بك فحاربوه وحاربهم حتى قتل عبد الله بك المذكور في المعركة ونهبوا متاعة ووطاقه وكان احمد بك بشناق لما خرج من مصر هاربا بعد قتل صالح بك كما تقدم ذهب الى الروم فصادف
(1/374)

هناك جماعة من الهربانين ومنهم يحيى السكري وعلي أغا المعمار وعلي بك الملط وغيرهم وزيفوا بسبب المغرضين لعلي بك بدار السلطنة فنزلوا في مركبين الى درنة فوصلوها متفرقين
فالتي وصلت اولا بها يحيى السكري وعلي المعمار والملط فركبوا عندما وصلوا الى درنة وذهبوا الى الصعيد ووصلت المركب الأخرى بعد أيام وبها أحمد بك بشناق فطلع الى عند الهنادي
فلما وصل اسمعيل بك ومن معة بالتجريدة فتحاربوا مع الحبايبة والهنادي ومعهم أحمد بك بشناق ثلاثة أيام وكان سويلم بن حبيب منعزلا في خيمة صغيرة عند امرأة بدوية بعيدا عن المعركة فذهب بعض العرب وعرف الامراء بمكانة فكبسوه وقتلوه وقطعوا رأسة ورفعوها على رمح واشتهر ذلك
فارتفع الحرب من بين الفريقين وتفرق الهنادي وعرب الجزيرة والصوالحة وغيرهم وراحت كسرة على الجميع ولم يقم لهم قائم من ذلك اليوم
وتغيب أحمد بك بشناق فلم يظهر الا بعد مدة ببلاد الشام
وفيها تقلد أيوب بك على منصب جرجا وخرج مسافرا ومعه عدة كبيرة من العساكر والاجناد فوصلوا الى قرب اسيوط فوردت الاخبار باجتماع الامراء المنفيين وتملكهم اسيوط وتحصنهم بها وكان من أمرهم انه لما ذهب محمد بك أبو الذهب الى جهة قبلي لمنابذة شيخ العرب همام كما تقدم وجرى بينهما الصلح على ان يكون لهمام من حدود برديس وتم الامر على ذلك بشرط ان تطرد المصريين الذين عندك ولا تبقي منهم احدا بدائرتك
فجمعهم وأخبرهم بذلك وقال لهم اذهبوا الى اسيوط واملكوها قبل كل شيء فان فعلتم ذلك كان لكم بها قوة ومنعة وأنا امدكم بعد ذلك بالمال والرجال فاستصوبوا رأيه وبادروا وذهبوا الى اسيوط وكان بها عبد الرحمن كاشف من طرف علي بك وذو الفقار كاشف
(1/375)

وقد كانوا حصنوا البلدة وجهاتها وبنوا كرانك والبوابة وركب عليها المدافع فتحيل ليلا وزحفوا الى البوابة ومعهم انخاخ وأحطاب جعلوا فيها الكبريت والزيت وأشعلوها وأحرقوا الباب وهجموا على البلدة فلم يكن له بهم طاقة لكثرتهم وهم جماعة صالح بك وباقي القاسمية وجماعة الخشاب وجماعة الفلاح وجماعة مناو ويحيى السكري وسليمان الجلفي وحسن كاشف ترك وحسن بك ابو كرش ومحمد بك الماوردي وعبد الرحمن كاشف من خشداشين صالح بك وكان من الشجعان ومحمد كتخدا الجلفي وعلي بك الملط تابع خليل بك وجماعة كشكش وغيرهم ومعهم كبار الهوارة واهالي الصعيد
فملكوا اسيوط وتحصنوا بها وهرب من كان فيها ووردت الاخبار بذلك الى علي بك فعين للسفر ابراهيم بلغيا ومحمد بك أبا شنب وعلي بك الطنطاوي ومن كل وجاق جماعة وعساكر ومغاربة وأرسل الى خليل بك القاسمي المعروف بالاسيوطي فاحضره من غزة وطلع هو وابراهيم بك تابع محمد بك بعساكر أيضا وعزل الباشا وأنزله وحبسه ببيت ايواظ يك عند الزير المعلق ثم سافر محمد بك ابو الذهب ورضوان بك وعدة من الامراء والصناجق وضم اليهم ما جمعه وجلبه من العساكر المختلفة الاجناس من دلاة ودروز ومتاولة وشوام
وسافر الجميع برا وبحرا حتى وصلوا الى أيوب بك وهو يرسل خلفهم في كل يوم بالامداد والجبخانات والذخيرة والبقسماط وذهب الجميع الى أن وصلوا قرب اسيوط ونصبوا عرضيهم عند جزيرة منقباط وتحققوا وصول محمد بك ومن معه وفرحوا بذلك لانهم كانوا رأوا في زايرجات الرمل سقوطه في المعركة
ثم أجمعوا رأيهم على ان يدهموهم آخر الليل فركبوا في ساعة معلومة وسار بهم الدليل في طوق الجبل وقصدوا النزول من محل كذا على ناحية كذا من العرضي فتاه وضل بهم الدليل حتى تجاوزوا
(1/376)

المكان المقصود بساعتين واخذوا جهة العرضى فوجدوه قبليهم بذلك المقدار وعلموا فوات القصد وان القوم متى علموا حصولهم خلفهم ملكوا البلدة من غير مانع قبل رجوعهم من المكان الذي اتوا منه فما وسعهم الا الذهاب اليهم ومصادمتهم على أي وجه كان فلم يصلوهم الا بعد طلوع النهار
وتبقظ القوم واستعدوا لهم فالتطموا معهم وهم قليلون بالنسبة اليهم ووقع العرب واشتد الجلاد وبذلوا جهدهم في الحرب ويصرخ الكثير منهم بقوله اين محمد بك فبرز اليهم محمد بك أبو شنب وهو يقول أنا محمد بك
فقصدوه وقاتلوه وقاتلهم حتى قتل وسقط جواد يحيى السكري فلم يزل يقاتل ويدافع حصة طويلة حتى تكاثروا علية وقتلوة وعبد الرحمن كاشف القاسمي يحارب بمدفع يضربة وهو على كتفة
وانجلت الحرب عن هزيمتهم ونصرة المصريين عليهم وذلك عند جبانة اسيوط
فتشتتوا في الجهات وانضموا الى كبار الهوارة وملك المصريون اسيوط ودفنوا القتلى ومحمد بك أبا شنب
واغتم محمد بك ابو الذهب لموته وفرح لوقوع الزايرجة عليه ومفاداته لة لأنه كان يعلم ذلك أيضا
وأقاموا بأسيوط اياما ثم ارتحلوا الى قبلي بقصد محاربة همام والهوارة
واجتمع كبار الهوارة مع من انضم اليهم من الأمراء المهزومين فراسل محمد بك اسمعيل أبا عبد الله وهو ابن عم همام واستماله ومناه وواعده برياسة بلاد الصعيد عوضا عن شيخ العرب همام حتى ركن الى قوله وصدق تمويهاته وتقاعس وتثبط عن القتال وخذل طوائفه
ولما بلغ شيخ العرب همام ما حصل ورأى فشل القوم خرج من فرشوط وبعد عنها مسافة ثلاثة ايام ومات مكمودا مقهورا ووصل محمد بك ومن معه الى فرشوط فلم يجدوا مانعا فملكوها ونهبوا واخذوا جميع ما كان بدوائر همام وأقاربة واتباعه من ذخائر وأموال وغلال
وزالت دولة شيخ العرب همام من بلاد الصعيد من ذلك التاريخ كانها
(1/377)

لم يكن ورجع الأمراء الى مصر ومحمد بك أبو الذهب وصحبته درويش ابن شيخ العرب همام
فانه لما مات أبوه وانكسر ظهر القوم بموته وعلموا انهم لا نجاح لهم بعده أشاروا على ابنه بمقابلة محمد بك وانفصلوا عنه وتفرقوا في الجهات
فمنهم من ذهب الى درنه ومنهم من ذهب الى الروم ومنهم من ذهب الى الشام
وقابل درويش بن همام محمد بك وحضر صحبته الى مصر وأسكنه في مكان بالرحبة المقابلة لبيته وصار يركب ويذهب لزيارة المشاهد ويتفرج على مصر ويتفرج عليه الناس ويعدون خلفه وأمامه لينظروا ذاته
وكان وجيها طويلا أبيض اللون اسود اللحية جميل الصورة ثم ان علي بك أعطاه بلاد فرشوط والوقف بشفاعة محمد بك
وذهب الى وطنه فلم يحسن السير والتدبير وأخذ امره في الانحلال وحاله في الاضمحلال وارسل من طالبه بالاموال والذخائر فاخذوا ما وجدوه
وحضر الى مصر والتجأ الى محمد بك فاكرمه وانزله بمنزل بجواره فلم يزل مقيما به حتى خرج محمد بك من مصر مغاضبا لاستاذه فلحق به الى الصعيد وخلص الاقليم المصري بحري
وقبلي الى علي بك وأتباعه فشرع في قتل المنفيين الذين أخرجهم الى البنادر مثل دمياط ورشيد والاسكندرية والمنصورة فكان يرسل اليهم ويخنقهم واحدا بعد واحد فخنق علي كتخدا الخربطلي برشيد وحمزة بك تابع خليل بك بزفتا وقتلوا معه سليمان أغا الوالي وإسمعيل بك أبا مدفع بالمنصورة وعثمان بك تابع خليل بك هرب الى مركب البيليك فحماه وذهب الى اسلامبول ومات هناك ونفى أيضا جماعة واخرجهم من مصر وفيهم سليمان كتخدا المشهدي وابراهيم أفندي جمليان
ومات الباشا المنفصل بالبيت الذي نزل فيه ولحق بمن قبله
ومما اتفق ان علي بك صلى الجمعة في اوائل شهر رمضان بجامع الداودية فخطب الشيخ عبد ربه ودعا للسلطان ثم دعا لعلي بك
فلما
(1/378)

انقضت الصلاة وقام علي بك يريد الانصراف احضر الخطيب وكان رجلا من اهل العلم يغلب عليه البله والصلاح فقال له من امرك بالدعاء باسمي على المنبر أقيل لك اني سلطان فقال نعم انت سلطان وانا ادعو لك
فاظهر الغيظ وامر بضربه فبطحوه وضربوه بالعصي فقام بعد ذلك متألما من الضرب وركب حمارا وذهب الى داره ثم ان علي بك ارسل اليه في ثاني يوم بدراهم وكسوة واستسمحه
من مات في هذه السنة من العلماء والامراء
مات الامام الولي الصالح المعتقد المجذوب العالم العامل الشيخ علي ابن حجازي بن محمد البيومي الشافعي الخلوتي ثم الاحمدي ولد تقريبا سنة 1108 حفظ القرآن في صغره وطلب العلم وحضر دروس الاشياخ وسمع الحديث والمسلسلات على عمر بن عبد السلام التطاوني وتلقن الخلوتية من السيد حسين الدمرداشي العادلي وسلك بها مدة ثم اخذ طريق الاحمدية عن جماعة ثم حصل له جذب ومالت اليه القلوب وصار للناس فيه اعتقاد عظيم
وانجذبت اليه الارواح ومشى كثير من الخلق على طريقته واذكاره وصار له اتباع ومريدون وكان يسكن الحسينية ويعقد حلق الذكر في مسجد الظاهر خارج الحسينية وكان يقيم به هو وجماعته لقربه من بيته وكان ذا واردات وفيوضات واحواله غريبة
والف كتبا عديدة منها شرح الجامع الصغير وشرح الحكم لابن عطاء الله السكندري وشرح الانسان الكامل للجيلي وله مؤلفات في طريق القوم خصوصا في طريق الخلوتية الدمرداشية الفه سنة 1144 وشرح الاربعين النووية ورسالة في الحدود وشرح على الصيغة الاحمدية وشرح على الصيغة المطلسمة وله كلام عال في التصوف واذا تكلم افصح في البيان واتى بما يبهر الاعيلان وكان يلبس قميصا ابيض وطاقية بيضاء
(1/379)

ويعتم عليها بقطعة شملة حمراء لا يزيد على ذلك شتاء وصيفا وكان لا يخرج من بيته الا في كل اسبوع مرة لزيارة المشهد الحسيني وهو على بغلة واتباعه بين يديه وخلفه يعلنون بالتوحيد والذكر وربما جلس شهورا لا يجتمع باحد من الناس
وكانت له كرامات ظاهرة
ولما كان يعقد الذكر بالمشهد الحسيني في كل يوم ثلاثاء ويأتي بجماعته على الصفة المذكورة ويذكرون في الصحن الى الضحوة الكبرى قامت عليه العلماء وانكروا ما يحصل من التلوث في الجامع من اقدام جماعته اذ غالبهم كانوا يأتون حفاة ويرفعون اصواتهم بالشدة وكاد ان يتم لهم منعه بواسطة بعض الامراء فانبرى لهم الشيخ الشبراوي وكان شديد الحب في المجاذيب وانتصر له وقال للباشا والامراء هذا الرجل من كبار العلماء والاولياء فلا ينبغي التعرض له
وحينئذ امره الشيخ بان يعقد درسا بالجامع الازهر فقرأ في الطيبرسية الاربعين النووية وحضره غالب العلماء وقرر لهم ما بهر عقولهم فسكتوا عنه وخمدت نار الفتنة
ومن كلامه في آخر رسالة الخلوتية ما نصه فمن منن الله علي وكرمه أني رأيت الشيخ دمرداش في السماء وقال لي لا تخف في الدنيا ولا في الآخرة وكنت ارى النبي صلى الله عليه و سلم في الخلوة في المولد فقال لي في بعض السنين لا تخف في الدنيا ولا في الآخرة ورأيته يقول لابي بكر رضي الله عنه اسع بنا نطل على زاوية الشيخ دمرداش وجاءا حتى دخلا في الخلوة ووقفا عندي وأنا اقول الله الله وحصل لي في الخلوة وهم في رؤية النبي صلى الله عليه و سلم فرأيت الشيخ الكبير يقول لي عند ضريحه مد يدك الى النبي صلى الله عليه و سلم فهو حاضر عندي
ورأيته في خلوة الكردي يعني الشيخ شرف الدين المدفون بالحسينية بين اليقظة والنوم وأنا جالس فانتبهت فرأيت النور قد ملأ المحل فخرجت منها هائما فحاشني بعض من كان في المحل فوقفت عند الشيخ ولم أقدر
(1/380)

على العود الى الخلوة من الهيبة الى آخر الليل
وتبسم في وجهي مرة واعطاني خاتما وقال لي والذي نفسي بيده في غد يظهر ما كان مني وما كان منك
ومن كراماته انه كان يتوب العصاة من قطاع الطريق ويردهم عن حالهم فيصيرون مريدين له وذا سمعته من الثقات ومنهم من صار من السالكين وكان تارة يربطهم بسلسلة عظيمة من حديد في عمدان مسجد الظاهر وتارة بالشوق في رقبتهم يؤدبهم بما يقتضيه رأيه
وكان اذا ركب ساروا خلفه بالاسلحة والعصي وكانت عليه مهابة الملوك
واذا ورد المشهد الحسيني يغلب عليه الوجد في الذكر حتى يصير كالوحش النافر في غاية القوة فاذا جلس بعد الذكر تراه في غاية الضعف
وكان الجالس يرى وجهه تارة كالوحش وتارة كالعجل وتارة كالغزال
ولما كان بمصر مصطفى باشا مال اليه واعتقده وزاره فقال له انك ستطلب الى الصدارة في الوقت الفلاني فكان كما قال له الشيخ
فلما ولي الصدارة بعث الى مصر وبنى له المسجد المعروف به بالحسينية وسبيلا وكتابا وقمة وبداخلها مدفن للشيخ علي على يد الامير عثمان أغا وكيل دار السعادة ولما مات خرجوا بجنازته وصلي عليه بالازهر في مشهد عظيم ودفن بالقبر الذي بني له بداخل القبة بالمسجد المذكور
ومات علامة وقته واوانه الآخذ من كمية البلاغة بعنانه والولي الصوفي من صفا فصوفي الشيخ حسن الشيبيني ثم الفوي رحل من بلدته فوة الى الجامع الازهر فطلب العلم وأخذ عن الشيخ الديربي فجعله ممليا عليه في الدرس حتى قرأ الاشموني والمختصر ونحو ذلك واخبر عن نفسه كان ملازما لولي من أولياء الله تعالى فحين تعلقت نفسه بالمجيء الى الجامع الازهر توجه مع هذا الولي لزيارة ثغر دمياط
ثم اشتغل بالفقه وغيره من أصول ومنطق ومعان وبيان وتفسير وحديث وغير ذلك حتى فاق على أقرانه وصار علامة زمانه
ثم اخذ عن الشيخ الحفني الطريق
(1/381)

وتلقن الاسماء وسار على حسب سلوكه وسيره والبسه التاج واجازه باخذ العهود والتلقين والتسليك وصار خليفة محضا فادار مجالس الاذكار ودعا الناس اليها في سائر الاقطار وفتح الله عليه باب العرفان حتى صار ينطق باسرار القرآن ويتكلم في الحقائق
نقل عن الشيخ الحفني انه ورد عليه منه مكتوب فقال الحمد لله الذي جعل في اتباعه من هو كمحيي الدين ابن العربي
توفي رحمه الله تعالى في هذه السنة وخلف ولده السيد احمد موجود في الاحياء بارك الله فيه
وممن أخذ عنه صاحبنا العمدة العلامة الصالح السيد علي المعروف بزيادة الرشيدي وهو خليفة الخلوتية الآن بثغر رشيد نفع الله به
ومات الجناب المبجل الفريد الكاتب الماهر المنشيء البليغ المجيد محمد أفندي بن اسمعيل السكندري العارف بالالسنة الثلاثة العربية والفارسية والتركية وكان لديه محاورات ولطائف ادبية وميل شديد الى علم اللغة وبحث عن الادوات المتعلقة به ورسائله في الالسن الثلاثة غاية في الفصاحة مع حسن حظ ووفور حظ ومهابة عند الامراء وقبول عند الخواص ووالده كان اسرائيليا فاسلم وحسن اسلامه وتولى مناصب جليلة بالثغر وله هناك شهرة فولد هذا هناك وهذبه وادبه حتى صار الى ما صار واستقر بمصر وما زالت له املاك هناك وقرابة رايته يأتي لزيارة الشيخ الوالد وقد اكتهل وتناهى في السن وابقى الدهر في زواياه خبايا مستحسنة
ورأيت بخط يده كتاب بهارستان لمولانا جامي قد احسن في كتابته واتقن في سياقه ومجموعا فيه النوادر من اشعار الالسن الثلاثة
وبالجملة لم يكن في عصره من يدانية في الفنون التي كان تجمل بها
وقد ذكره الاديب الشيخ عبد الله الادكاري في بضاعة الاريب واثنى على محاسنه وكانت بينهما الفة تامة ومصافاة ومصادقة ومحاورات ادبية
فان المترجم كان أوحد عصره ووحيد مصره لم يدانيه في مجموعة
(1/382)

الفضائل احد ولم يزل حميد المسغى جميل السيرة بهيا وقورا مهيبا عند الامراء والوزراء حتى وافاه الحمام في يوم الجمعة حادي عشر المحرم من السنة
ومات الاستاذ العارف سيدي علي بن العربي بن علي العربي الفاسي المصري الشهير بالسقاط ولد بفاس وقرأ على والده وعلى العلامة محمد ابن أحمد بن العربي بن الحاج الفاسي سمع منه الاحياء جميعا بقراءة ولد عمه النبيه الكاتب ابي عبد الله محمد بن الطيب بن محمد بن علي السقاط وعلى ولده ابي العباس احمد بن محمد العربي ابن الحاج وعلى سيدي محمد بن عبد السلام البناني كتب العربية والمعقول والبيان ولما ورد مصر حاجا لازمه فقرأ عليه بلفظه من الصحيح الى الزكاة والشمايل بطرفيه بالجامع الازهر وكثيرا من المسلسلات والكتب التي تضمنتها فهرست ابن غازي قراءة بحث وتفهيم واجازه حينئذ باواسط جمادى الثانية سنة 1143 وجاور بمكة فسمع على البصري الصحيح كاملا ومسلما بفوت وجميع الموطأ رواية يحيى بن يحيى وذلك خلف المقام المالكي عند باب ابراهيم واجازه وعلى النخلي اوائل الكتب الستة واجازه وعاد الى مصر فقرأ على الشيخ ابراهيم الفيومي اوائل البخاري وعلى احمد بن احمد الغرقاوي واجازه وعلى عمر بن عبد السلام التطاوني جميع الصحيح وقطعة من البيضاوي بجامع الغوري سنة 1136 وجميع المنح البادية في الاسانيد العالية واضافه على الاسودين وشابكه وصافحه وناوله السبحة واجازه بسائر السلسلات وعلى محمد القسطنطيني رسالة ابن ابي زيد برواق المغاربة وعلى محمد بن زكري شرحه على الحكم بجامع الغوري وعلى سيدي محمد الزرقاني كتاب الموطأ من باب العتق الى آخره واجازه به يوم ختمه وذلك ثامن شعبان سنة 1113
وروى حديث الرحمة عن سيدي السيد مصطفى البكري في سنة 1160
(1/383)

واجازه ابن الميت في العموم واجتمع به شيخنا السيد مرتضى في منزل السيد علي المقدسي كان قد اتى اليه لمقابلة المنح البادية على نسخته وشاركهما في المقابلة واحبه وباسطه وشافهه بالإجازة العامة وكان انسانا مستأنسا بالوحدة منجمعا عن الناس محبا للانفراد غامضا مخفيا ولا زال كذلك حتى توفي في آواخر جمادى الاولى سنة 1183 ودفن بالزاوية بالقرب من الفحامين
ومات الجناب الاجل والكهف الاظل الجليل المعظم والملاذ المفخم الاصيلي الملكي ملجأ الفقراء والامراء ومحط رجال الفضلاء والكبراء شيخ العرب الامير شرف الدولة همام بن يوسف بن احمد بن محمد بن همام بن صبيح بن سيبيه الهوراي عظيم بلاد الصعيد ومن كان خيره وبره يعم القريب والبعيد وقد جمع فيه من الكمال ما ليس فيه لغيره مثال تنزل بحرم سعادته قوافل الاسفار وتلقى عنده عصى التسيار واخباره غنية عن البيان مسطرة في صحف الامكان منها انه اذا نزل بساحته الوفود والضيفان تلقاهم الخدم وانزلوهم في اماكن معدة لامثالهم واحضروا لهم الاحتياجات واللوازم من السكر وشمع العسل والاواني وغير ذلك ثم مرتب الاطعمة في الغداء والعشاء والفطور في الصباح والمربيات والحلوى مدة اقامتهم لمن يعرف ومن لا يعرف
فان أقاموا على ذلك شهورا لا يختل نظامهم ولا ينقص راتبهم والا قضوا اشغالهم على اتم مرادهم وزادهم اكراما وانصرفوا شاكرين وان كان الوافد ممن يرتجى البر والاحسان اكرمه واعطاه وبلغه اضعاف ما يترجاه
ومن الناس من كان يذهب اليه في كل سنة ويرجع بكفاية عامة وهذا شأنه في كل من كان من الناس
وأما اذا كان الوافد عليه من اهل الفضائل او ذوي البيوت قابلة بمزيد الاحترام وحياة بجزيل الانعام وكان ينعم بالجواري والعبيد والسكر والغلال والثمر والسمن والعسل واذا
(1/384)

ورد عليه انسان ورآه مرة وغاب عنه سنين ثم نظره وخاطبه عرفه وتذكره ولا ينساه
وحاله فيما ذكر من الضيفان والوافدين والمسترفدين أمر مستمر على الدوام لا ينقطع أبدا
وكان الفراشون والخدم يهيئون أمر الفطور من طلوع الفجر فلا يفرغون من ذلك الا ضحوة النهار ثم يشرعون في أمر الغداء من الضحوة الكبرى الى قريب العصر ثم يبتدئون في أمر العشاء وهكذا
وعنده من الجواري والسراري والمماليك والعبيد شيء كثير ويطلب في كل سنة دفتر الارقاء ويسأل عن مقدار من مات منهم فان وجده خمسمائة أو أربعمائة استبش وانشرح وان وجده ثلثمائة او اقل او نحو ذلك اغتم وانقبض خاطره ورأى ان ربما كانت في اعظم من ذلك وكان له برسم زراعة قصب السكر وشركة فقط اثنا عشر ألف ثور وهذا بخلاف المعد للحرث ودراس الغلال والسواقي والطواحين والجواميس والابقار الحلابة وغير ذلك
واما شون الغلال وحواصل السكر والتمر بأنواعه والعجوة فشيء لا يعد ولا يحد وكان الانسان الغريب اذا رأى شون الغلال من البعد ظنها مزارع مرتفعة لطول مكث الغلال وكثرتها فينزل عليها ماء المطر ويختلط بالتراب فتنبت وتصير خضرا كأنها مزروعة وكان عنده من الأجناد والقواسة واكثرهم من بقايا القاسمية انضموا اليه وانتسبوا له وهم عدة وافرة وتزوجوا وتوالدوا وتخلقوا باخلاق تلك البلاد ولغاتهم وله دواوين وعدة كتبة من الأقباط والمستوفيين والمحاسبين لا يبطل شغلهم ولا حسابهم ولا كتابتهم ليلا ونهارا ويجلس معهم حصة من الليل الى الثلث الاخير بمجلسه الداخل بحاسب ويملي ويأمر بكتابة مراسيم ومكاتبات
لا يعزب عن فكره شيء قل ولاجل ثم يدخل الى الحريم فينام حصة لطيفة ثم يقوم الى الصلاة
واذا جلس مجلسا عاما وضع بجانبه فنجانا فيه قطنة وماء ورد فاذا قرب
(1/385)

منه بعض الاجلاف وتحادثوا معه وانصرفوا مسح بتلك القطنة عينيه وشمها بانفه حذرا من رائحتهم وصنانهم
وكان له صلات واغداقات وغلال يرسلها للعلماء وارباب المظاهر بمصر في كل سنة
وكان ظلا ظليلا بارض مصر ولما ارتحل لزيارته شيخنا السيد محمد مرتضى وعرف فضله اكرمه اكراما كثيرا وانعم عليه بغلال وسكر وجوار وعبيد وكذلك كان فعله مع امثاله من أهل العلم والمزايا
ولم يزل هذا شأنه حتى ظهر امر علي بك وحصل ما تقدم شرحه من وقائعه من خشداشينه وذهابه الى الصعيد وصلحه مع صالح بك وانضمامه اليه وكان المترجم صديقا لصالح بك وعشيرته فامدهما بالمال والرجال مراعاة لسعي صالح بك حتى تم لهما الامر وغدر علي بك بصالح بك وخرجت رجاله واتباعه الى الصعيد واعلموه بما اوقعه بهم علي بك فاغتم على فقد صالح بك غما شديدا
وحمله ذلك على ان اشار عليهم بذهابهم الى اسيوط وتملكهم اياها فانها باب الصعيد فذهبوا اليها مع جملة المنفيين من مصر والمطرودين كما تقدم وامدهم شيخ العرب المترجم حتى ملكوها واخرجوا من كان بها واستوحش منه علي بك بسبب ذلك وتابع ارسال التجاريد وقدر الله بخذلان القبالي ورجوعهم الى قبلي على تلك الصورة فعند ذلك علم همام انه لم يبق مطلوبا لهم سواه وخصوصا مع ما وقع من فشل كبار الهوارة وآقاربه ونفاقهم عليه فلم يسعه الا الارتحال من فرشوط وتركها بما فيها من الخيرات وذهب الى جهة اسنا فمات في ثامن شعبان من السنة ودفن في بلدة تسمى قمولة فقضى عليه بها رحمه الله
وخلف من الاولاد الذكور ثلاثة وهم درويش وشاهين وعبد الكريم
ولما مات انكسرت نفوس الامراء ثم ان اكابر الهوارة قدموا ابنه درويشا لكونه اكبر اخوته واشاروا عليه بمقابلة محمد بك ففعل
واما الامراء فنهم من اخذ أمانا من محمد بك وقابله وانضم اليه ومنهم من ذهب الى ناحية
(1/386)

درنه ونزل البحر وسافر الى الشام والروم ومنهم من انزوى الى الهوارة بالصعيد
وحضر درويش صحبة محمد بك الى مصر وقابل علي بك واعطاه بلاد فرشوط ورجع مكرما الى بلاده
فلم يحسن السير ولم يفلح واول ما بدأ في احكامه انه صار يقبض على خدم ابيه واتباعه ويعاقبهم ويسلب اموالهم وقبض على رجل يسمى زعيتر وكيل البصل المرتب لمطابخ أبيه فأخذ منه أموالا عظيمة في عدة ايام على مرار اخذ منه في دفعة من الدفعات من جنس الذهب البندقي أربعين الفا وكذلك من يصنع البرد للجواري السود والعبيد وذلك خلاف وكلاء الغلال والاقصاب والسكر والسمن والعسل والتمر والشمع والزيت والبن والشركاء في المزارع
ووصلت اخباره بذلك الى علي بك فعين عليه احمد كتخدا وسافر اليه بعدة من الاجناد والمماليك وطالبه بالاموال حتى قبض منه مقادير عظيمة ورجع بها الى مخدومه واقتدى به بعد ذلك محمد بك في أيام امارته واخذ منه جملة وكذلك اتباعه من بعده حتى اخرجوا ما في دورهم من المتاع والاواني والنحاس قناطير مقنطرة ثم تتبعوا الحفر لاجل استخراج الخبايا حتى هدموا الدور والمجالس ونبشوها واخربوها وحضر درويش المذكور بآخرة الى مصر جاليا عن وطنه ولم يزل بها حتى مات كآحاد الناس
واستمر شاهين وعبد الكريم يزرعان بارض الوقف اسوة المزارعين ويتعيشون حتى ماتا
فاما شاهين فقتله مراد بك في سنة 1214 ايام الفرنسيس لامور نقمها عليه وخلف ولدا يدعى محمدا
واما عبد الكريم فانه مات على فراشه قريبا من ذلك التاريخ وترك ولدا يدعى هماما دون البلوغ يوصف بالنجابة حسبما نقل الينا من السفار
وكاتبني وكاتبته في بعض المقتضيات ورأيت ابن عمه محمد المكذور حين اتى الى مصر بعد ذهاب الفرنسيس وتردد عندي مرارا وسبحان من يرث الارض ومن عليها وهو خير الوارثين
(1/387)

ومات الجناب الكبير والمقدام الشهير من سرت بذكره الركبان وطار صيته بكل مكان الفارس الضرغام النجيب شيخ العرب سويلم بن حبيب من اكابر عظماء مشايخ العرب بالقليوبية ومسكنهم دجوة على شاطيء البحر وهو كبير نصف سعد مثل أبيه حبيب بن احمد وليس لهم اصل مذكور في قبائل العرب وانما اشتهروا بالفروسية والشجاعة
وحبيب هذا اصله من شطب قرية قريبة من اسيوط ولما مات حبيب خلف ولديه سالما وسويلما وكان سالم أكبر من اخيه وهو الذي تولى الرياسة بعد ابيه واشتهر بالفروسية وعظم امره وطار صيته وكثرت جنوده وفرسانه ورحاله وخيوله واطاعته جميع المقادم وكبار القبائل ونفذت كلمته فيهم وعظمت صولته عليهم وامتثلوا امره ونهيه ولا يفعلون شيئا بدون اشارته ومشورته
صار له خفارة البرين الشرقي والغربي من ابتداء بولاق الى رشيد ودمياط
وكان هو وفرسه مقوما على انفراده بالف خيال
وكان ظهور حبيب هذا في اوائل القرن
واتفق له ولابنه سالم هذا وقائع وامور مع اسمعيل بك ابن ايواظ وغيره لا بأس يذكر بعضها في ترجمته منها ان في سنة 1125 ارسل حبيب ولده سالما الى خيول الامير اسمعيل بك ابن ايواظ وهجم عليها بالمربع وجم معارفها واذنابها وتركها وذهب ولم ياخذ منها شيئا
وذلك باغراء بعض الناس مثل قيطاس بك وخلافه
وكانت الخيول بالغيط جهة القليوبية
وحضر اميرا خور واخبر مخدومه فاغتاظ لذلك وعزم على الركوب عليه فلاطفه يوسف بك الجزار حتى سكن غيظه ثم احضر حسنا ابا دفية زعيم مصر سابقا من القاسمية مشهور بالشجاعة وجعلوه قائمقام الامانة فسافر بجبخانة ومدفعين وصحبته طوائف ورجال وامره بان يطلب شر حبيب وان قدر على قتله فليفعل
وكتب مكاتبات للنواحي بان يكونوا مطيعين للمذكور فلم يزل حتى نزل في غيط برسيم عند ساقية خراب وعمل هناك متراسا
(1/388)

ووضع المدفعين وغطاهما بلباد واقام رصد خيالة بالطريق واذا بسالم بن حبيب ركب في عبيده ورجاله متوجهين الى الجزيرة فنزل بطريقه بغيط الاوسية فحضر الخيالة الرصد الى الامير حسن ابي دفية واخبروه فركب برجاله وابقى عند المدافع عشرة من السجمانية واوصاهم بانهم اذا انهزموا من القوم فانهم يرمون بالمدفعين سواء ففعلوا ذلك بعدما لاقاهم ورمى منهم رجالا ووقع منهم ايضا عند رمي المدافع والرصاص ثلاثة عشر خيالا واخذوا منهم نحو ستة قلائع
ورجع سالم بن حبيب بمن بقي من طائفته الى ابيه وعرفه بما وقع له مع الامير حسن ابي دفية فارسل الى عرب الجزيرة فاحضر منهم فرسانا كثيرة وكذلك من اقليم المنوفية وركب الجميع قاصدين مناوشته
ووصلته أخبار ذلك فركب بمن معه وفعل كالأول وركب مبحرا وانعطف عليهم وحاربهم فرمى منهم فرسانا فانهزموا امامه
فوقف مكانه فرجعت عليه العرب والعبيد فانهزم امامهم فرمحوا خلفه طمعا منهم حتى وصل المدافع فرموا بهم واتبعوهم بطلق الرصاص فولوا هاربين وسقط من عرب الجزيرة وغيرها عدة فرسان
واخذوا منهم خيولا وسلاحا وحضرت نساؤهم ورفعوا القتلى ورجع سالم الى ابيه وعرفه بما جرى عليهم من حرقهم وقتل فرسانهم فارسل حبيب الى قيطاس بك يقول له انك اغريتنا بابن ايواظ وتولد من ذلك انه وجه علينا قائمقامه حرقنا بالنار وقتل منا اجاويد
فأرسل اليه مكاتبة خطابا للقصاصين بمعاونته ومساعدته فحضر اليه منهم عدة فرسان ضاربي نار وجمع اليه عربان الجزيرة وخيالة كثيرة من المنوفية وركب حبيب واولاده وجموعه الى جسر الناحية ونزل هناك وارسل اولاده بخيول يطلبون شر ابي دفية
واذا ركب عليهم انهزموا امامه حتى يصلوا الى محل رباطهم بالجسر ففعلوا ذلك الى ان وصلوا الى الجسر فضربت القصاصة بنادقهم طلقا واحدا فرموا نحو ثلاثين جنديا من الكبار والذي ما اصيب في بدنه
(1/389)

اصيب حصانه وردت عليهم الخيول وانهزم الامير حسن ابو دفية بمن بقي معه الى دار الاوسية فاخذت العرب الخيول الشاردة وعروا الغز ورموهم في مقطع من الجسر وارسل العبيد اتوابا لجراريف وجرفوا عليهم التراب من غير غسل ولا تكفين
ورجع الى بلده وخلص ثأره وزيادة وحضرت الاجناد الى مصر واخبروا الصنجق بما وقع لهم مع حبيب واولاده فعزل الامير حسن ابا دفية من قائمقاميته وولى خلافه واخذ فرمانا بضرب حبيب واولاده وركب عليهم من البر والبحر ووصلت النذيرة الى حبيب فرمى مدافع ابي دفية البحر ووضع النحاس في اشناف والقاها ايضا في البحر
وقيل ان حبيب قبل هذه الواقعة بايام احضر ستة قناديل وعمرها بعدما عاير فتائلها وزنها بالميزان عيارا واحدا وكتب على كل قنديل ورقة باسمه واسم اخيه واولاده واسم ابن ايواظ واسرجها دفعة واحدة فانطفأ الذي باسمه اولا ثم انطفأ قنديل ابن ايواظ ثم قناديل اخيه واولاده شيئا بعد شيء
فقال انا اموت في دولة ابن ايواظ
ولما وصل اليه الخبر بحركة ابن ايواظ وركوبه عليه فركب باخيه واولاده وخرجوا هاربين ووصل ابن ايواظ الى دجوة ورمحوا على دواويرهم ورموا الرصاص وكانت المراكب وصلت الى البر الغربي تجاه دجوة ورسوا هناك وموعدهم سماع البنادق
فعند ذلك عدوا الى البر الشرقي وطلعوا اليه
فامر ابن ايواظ بهدم دواوير الحبايبة فهدموها بالقزم والفؤوس وانشأ كفرا بعيدا عن البحر بساقيه وحوض دواب وجامع وميضاة وطاحونين وجمع اهل البلد فعمروا مساكنهم في الكفر وسموه كفر الغلبة
ورجع الامير اسمعيل بك الى مصر واخذ الغز والاجناد ابقارا وعجولا واغناما وجواميس وامتعة وفرشا واخشابا شيئا كثيرا ووسقوه في المراكب وحضروا به من البر ايضا الى مصر
وكتب مكاتبات الى سائر القبائل من العربان بتحذيرهم من قبولهم حبيبا
(1/390)

واولاده وان لا ينجمع عليه احد ولا يأويه فلم يسعهم الا انهم ذهبوا عند عرب غزة فاكرموهم ولم يزل بها حتى مات وحضر سالم ابنه بعد ذلك الى قليوب ببيت الشواربي شيخ الناحية سرا واخذله مكاتبة من ابراهيم بك ابي شنب خطابا الى ابن وافي المغربي بأن يوطن اولاد حبيب عنده حتى يأخذ لهم اجازة من استاذهم فارسل احضر عمه واخاه سويلما وعدوا الى الجبل الغربي وساروا عند ابن وافي شيخ المغاربة فرحب بهم وضرب لهم بيوت شعر واقاموا بها الى سنة 1130 فمات ابراهيم بك ابو شنب وكان يؤاسي اولاد حبيب ويرسل لهم وصولات بغلال يأخذونها من بلاده القبلية
فلما مات في الفصل ضاقت معيشتهم فحضر سالم بن حبيب من عند ابن وافي خفية وذلك قبل طلوع ابن ايواظ بالحج سنة احدى وثلاثين ودخل بيت السيد محمد دمرداش وسلم عليه وعرفه بنفسه فرحب به وشكا له حال غربته وبات عنده تلك الليلة واخذه في الصباح الى ابن ايواظ فدخل عليه وقبل يده ووقف فقال السيد محمد للصنجق عرفت هذا الذي قبل يدك
قال لا
قال هذا الذي جم أذناب خيولك
قال سالم
قال لبيك
قال اتيت بيتي ولم تخف قال له نعم اتيت بكفني اما ان تنتقم واما ان تعفو فأننا ضقنا من الغربة وها انا بين يديك
فقال له مرحبا بك احضر اهلك وعيالك وعمر في الكفر واتق الله تعالى وعليكم الامان
وامر له بكسوة وشال وكتب له أمانا وارسل به عبده
وركب سالم وذهب عند ابراهيم الشواربي بقليوب فاقام عنده حتى وصل العبد بالامان الى عمه واخيه في بني سويف فحملوا وركبوا وساروا الى قليوب ونزلوا بدار اوسية الكفر حتى بنوا لهم دواوير واماكن ومساكن واتتهم العرنبية ومشايخ البلاد ومقادمها للسلام والهدايا والتقادم
فاقام على ذلك حتى تولى محمد بك ابن اسمعيل بك امير الحاج فأخذ منه اجازة بعمار البلد الذي على البحر
(1/391)

وشرع في تعمير الدور العظيمة والبساتين والسواقي والمعاصر والجوامع وذلك سنة 1134 واستقام حال سالم واشتهر ذكره وعظم صيته واستولى على خفارة البرين ونفذت كلمته بالبلاد البحرية من بولاق الى البغازين وصارت المراكب والرؤساء تحت حكمة وضرب عليها الضرائب والعوائد الشهرية والسنوية وانشأ الدواوير الواسعة والبستان الكبير بشاطيء النيل وكان عظيما جدا وعليه عدة سواق وغرس به اصناف النخيل والاشجار المتنوعة فكانت ثماره وفاكهته وعنبه تجتني بطول السنة واحضر لها الخولة من الشام ورشيد وغير ذلك
ولما وقعت الوقائع بين ذي الفقار بك ومحمد بك جركس المتقدم ذكرها وحضر جركس بمن معه من اللموم الى قرب المنشية وخرجت اليه عساكر مصر وارسلوا الى سالم بن حبيب فجمع العربان وحضر بفرسانه وعبيده الى ناحية الشيمي وحارب مع الأجناد المصرية حتى قتل سليمان بك في المعركة وولى جركس ورجعت التجريدة وتبعه سالم بن حبيب والأسباهية وذهبوا خلفه فعدى الشرق فعدوا خلفه وطلعت تجريدة اخرى من مصر فتلاقوا معهم وتحاربوا مع محمد بك جركس فكانت بينهم وقعة عظيمة فكانت الهزيمة على جركس وحصل ما حصل من وقوع جركس في الروبة وموته ودفنوه بناحية شرونه كما تقدم ورجع سالم بن حبيب بما غنمه في تلك الوقائع الى بلده واشتهر امره واشترى السراري البيض ولم يزل حتى توفي سنة 1151 وخلف ولدا يسمى عليا اشتهر ايضا بالفروسية والنجابة والشجاعة ولما مات سالم ترأس عوضه أخوه سويلم في مشيخة نصف سعد فسار بشهامة واشتهر ذكره وعظم صيته في الاقليم المصري زيادة عن أخيه سالم ووسع الدواوير والمجالس ولما سافر الامير عثمان بك الفقاري بالحج ورجع سنة احدى وخمسين المذكورة فارسل
(1/392)

هدية الى سويلم المذكور وارسل له الآخر التقادم ثم ان الامير عثمان بك تغير خاطره على سويلم لسبب من الاسباب فركب عليه على حين غفلة ليلا وتعالى به الدليل ونزل على دجوة طلوع الشمس وكان الجاسوس سبق اليهم وعرفهم بركوب الصنجق عليهم فخرجوا من الدور ووقفوا على ظهور خيولهم بالغيط بعيدا عن البلد فلما حضر الصنجق ورمح على دورهم ورمى الطوائف بالرصاص فلم يجدوا أحدا
فلم يتعرض لنهب شيء ومنع الغز والطوائف عن اخذ شيء وبلغ خبر ركوب الصنجق عمر بك رضوان وابراهيم بك فركبا خلفه حتى وصلا اليه وسلما عليه فعرفهما انه لم يجدهم بالبلد فركب عمر بك وأخذ صحبته مملوكين فقط وسار نحو الغيط فرآهم واقفين على ظهور الخيل فلما عاينوه وعرفوه نزلوا عن الخيل وسلموا عليه فقال لهم لاي شيء تهربون من استاذكم وعرفهم انه اتى بقصد النزهة وأحضر صحبته علي بن سالم فقابل به الامير وقبل يده ورجع الى دواره وأحضر اشياء كثيرة من انواع المآكل حتى اكتفى الجميع
وعزموا عليهم تلك الليلة فبات الصنجق وباقي الامراء وذبح لهم اغناما كثيرة وعجلين جاموس وتعشى الجميع واخرجوا لهم في الصباح شيئا كثيرا من انواع الفطورات ثم قدم لهم خيولا صافنات وركبوا ورجعوا الى منازلهم ولما هرب ابراهيم بك قطامش في ايام محمد راغب باشا وكان سويلم مركونا عليه فجمع سويلم عرب بلي وضرب ناحية شبرا المعدية فوصل الخبر الى ابراهيم جاويش القازدغلي فأخذ فرمانا بضرب ناحية دجوة والخروج من حق اولاد حبيب فعين عليم ثلاثة صناجق وهم عثمان بك ابو يوسف واحمد بك كشك وآخر ووصلتهم النذيرة بذلك فوزعوا دبشهم وحريمهم في البلاد وركبوا خيولهم ونزلوا في الغيط ونزلت لهم التجريدة ومعهم الجبخانة والمحاربون وهجموا على البلد فوجدوها خالية
ولما رأى الحبايبة كثرة التجريدة فوسعوا وذهبوا الى ناحية
(1/393)

الجبل الشرقي وارسل ابراهيم جاويش الى عثمان بك ابي سيف امير التجريدة بانه ينادي في البلاد عليهم ولم يدع احدا منهم ينزل الريف فركب عثمان بك وطاف بالبلاد يتجسس عليهم وظفر لهم بقومانية وذخيرة ذاهبة اليهم من الريف على الجمال فحجزها واخذها وذلك مرتين ورجع عثمان بك ومن معه الى مصر وصحبتهم ما وجدوه للحبايبة في البلاد من مواش وسكر وعسل واخشاب وهدموا جانبا من بيوتهم وكان علي بن سالم لم يذهب مع سويلم الى الجيل بل اخذ عياله وذهب عند اولاد فودة فلما سمع بالتقريظ على اصحاب الدرك فأتى الى مصر ودخل الى بيت ابراهيم جاويش وعرفه بنفسه وطلب منه الامان فعفا عنه بشرط ان لا يقرب دجوة ويسكن في اي بلد شاء يزرع مثل الناس ثم ان سويلما ومن معه ارسلوا الى حسين بك الخشاب بان يأخذ لهم امانا من ابراهيم جاويش ففعل وقبل شفاعة حسين بك بشرط ابطال حماية المراكب واذية بلاد الناس ويكفيهم الخفارة التي اخذوها بالقوة واستخلص لهم المواشي التي كان جمعها عثمان بك ابو سيف واستقر سويلم كما كان بدجوة وبنى له دورا عظيما ومقاعد مرتفعة شاهقة في العلو يحمل سقوفها عدة اعمدة وعليها بوائك مقوصرة ترى من مسافة بعيدة في البر والبحر وبها عدة مجالس ومخادع ولواوين وفسحات علوية وسفلية وجميعه مفروش بالبلاط الكدان وبنى بداخل ذلك الدوار مسجدا ومصلى وبداخل حوش الدوار مساطب ومنايف لاجناس الناس الآفاقية وغيرهم وبنى تحت ذلك الدوار بشاطيء النيل رصيفا متينا ومساطب يجلس عليها في بعض الاوقات وانشأ عدة مراكب تسمى الخرجات ولها شرفات وقلوع عظيمة وعليها رجال غلاظ شداد فاذا مرت بهم سفينة صاعدة أو حادرة صرخ عليها أولئك الرجال قائلين البرفان امتثلوا وحضروا وأخذوا منهم ما أحبوه من حمل السفينة وبضائع التجار وان
(1/394)

تلكأوا في الحضور قاطعوا عليهم بالخرجات في أسرع وقت وأحضروهم صاغرين وأخذوا منهم أضعاف ما كان يؤخذ منهم لو حضروا طائعين من أول الامر وكان له قواعد واغراض وركائز واناس من الامراء وأعوانهم بمصر يراسلهم ويهاديهم فيذبون عنه ولا يسمعون فيه شكوى وله عدة من العبيد السود التجارية الفرسان ملازمين له مع كل واحد حرمدان مقلدية ملآن بالدنانير الذهب وكان لا يبيت في داره ويأتي في الغالب بعد الثلث الاخير فيدخل الى حريمه جصة ثم يخرج بعد الفجر فيعمل ديوانا ويحضر بين يديه عدة من الكتبة ويتقدم اليه ارباب الحاجات ما بين مشايخ بلاد واجناد وملتزمين وعرب وفلاحين وغير ذلك والجميع وقوف بين يديه والكتاب يكتبون الاوراق والمراسلات الى النواحي وغالب بلاد القليوبية والشرقية تحت حمايته وحماية أقاربه وأولاده ولهم فيها الشركاء والزروع والدواوير الواسعة المعروفة بهم والمميزة عن غيرها بالعظم والضخامة ولا يقدر ملتزم ولا قائمقام على تنفيذ امر مع فلاحيه الا باشارته أو باشارة من البلد في حمايته من اقاربه وكذلك مشايخ البلاد مع استاذيهم وكان لهم طرائق واوضاع في الملابس والمطاعم فيقول الناس سرج حبايبي وشال حبايبي ومركوب حبايبي الى غير ذلك وكان مع شدة مراسه وقوة بأسه يكرم الضيفان ويحب العلماء وارباب الفضائل ويأنس بهم ويتكلم معهم في المسائل ويؤاسيهم ويهاديهم وخصوصا ارباب المظاهر وكان انسانا حسنا وجيها محتشما مقتصرا على حاله وشأنه ملازما على قراءة الاوراد والمذاكرة ويحب اهل الفضل والصلاح ويتبرك بهم وبدعائهم وترددنا عليه وتردد الينا بمصر كثيرا وبلونا منه خيرا وحسن عشرة وكان معه أخوه شيخ العرب محمد علي مثل حاله ويزيد عنه الانجماع عن الناس لغير ما يعنيه ويعانيه في خاصة نفسه وكان ابوهما على نزل بقليوب بدار فيحاء وكان حسن الخلق والخلق وله حشم واتباع
(1/395)

كثيرة وله هيبة عندهم وكان طيب السيرة فصيحا مفوها في حفظه أشعار ونوادر ولديه معرفة وكان يفهم المعنى ويحقق الالفاظ ويطالع الكتب ومقامات الحريري ونحو ذلك
ومات الامير المبجل علي كتخدا مستحفظان الخربطلي وهو من مماليك احمد كتخدا الخربطلي الذي جدد جامع الفاكهاني الذي بخط العقادين وصرف عليه من ماله مائة كيس وذلك في سنة 1148 واصله من بناء الفائز بالله الفاطمي وكان اتمامه في حادي عشر شوال من السنة المذكورة وكان المباشر على عمارته عثمان جلبي شيخ طائفة العقادين الرومي وفي تلك السنة ألبس مملوكه المترجم على أودة باشه الضلمة وجعله ناظرا ووصيا ومات سيده في واقعة محمد بك الدفتردار في جملة الاحد عشر اميرا المتقدم بيانهم وعمل جاويش في الباب ثم عمل كتخدا واشتهر ذكره بعد انقضاء دولة عثمان بك الغفاري واستقلال ابراهيم كتخدا ورضوان كتخدا الجلفي بامارة مصر وزوج ابنته لعلي بك الغزاوي وعمل لها فرحا عظيما ببركة الرطلي عدة ايام كانت من مقترحات مصر وبعد انقضاء ايام الفرح زفت العروس في زفة عظيمة اجتمع العالم من الرجال والنساء والصبيان للفرجة عليها ودخل بها علي بك المذكور وولد له منها حسن جلبي المشهور وانشأ علي كتخدا المترجم داره العظيمة برأس عطفة خشقدم جهة الباطنية وداره المطلة على بركة الرطلي والقصر على الخليج الناصري والقباب المعروفة به وغير ذلك ونفاه علي بك الى جهة قبلي كما تقدم فلما ذهب علي بك الى قبلي صالحه وانضوى اليه وكان هو السفير بينه وبين صالح بك في الصلح وبذل جهده في ذلك هو وخليل بك الاسيوطي حتى أتموه على الوجه المتقدم وحضر صحبته علي بك الى مصر وسكن بداره وأقبلت عليه الناس وقصدوه في الدعاوى والشكاوى وامن جانب علي بك واعتقد صداقته
(1/396)

وظن انه قلده منته فلم يلبث الا أياما واخرجه منفيا الى رشيد ثم ارسل من خنقه هناك وكان اميرا جليلا وجيها جميل الصورة واسع العينين أبيض اللحية ضخما مهاب الشكل بهي الطلعة ودفن هناك
ومات الامير محمد بك ابو شنب وهو من مماليك علي بك وقتل في معركة اسيوط كما تقدم ودفن هناك وكان من الشجعان المعروفين
سنة اربع وثمانين ومائة والف
فيها ورد على علي بك الشريف عبد الله من اشراف مكة وكان من أمره انه وقع بينه وبين ابن عمه الشريف احمد اخي الشريف مساعد منازعة في امارة مكة بعد وفاة الشريف مساعد فتغلب عليه الشريف احمد واستقل بالامارة وخرج الشريف عبد الله هاربا وذهب الى ملك الروم واستنجد به فكتب له مكاتبات لعلي بك بالمعونة والوصية والقيام معه وحضر الى مصر بتلك المكاتبات في السنة الماضية وكان علي بك مشتغلا بتمهيد القطر المصري ووافق ذلك غرضه الباطني وهو طمعه في الاستيلاء على الممالك فانزله في مكان وأكرمه ورتب له كفايته واقام بمصر حتى تمم اغراضه بالقطر وخلص له قبلي وبحري وقتل من قتله وأخرج من أخرجه فالتفت عند ذلك الى مقاصده البعيده وامر بتجهيز الذخائر والاقامات وعمل البقسماط الكثير حتى ملأوا منه المخازن ببولاق ومصر القديمة والقصور البرانية وبيوت الامراء المنافي الخالية ثم عبوا ذلك وارسل مع باقي الاحتياجات واللوازم من الدقيق والسمن والزيت والعسل والسكر والاجبان في البر والبحر واستكتب اصناف العساكر اتراكا ومغاربة وشواما ومتاولة ودروزا وحضارمة ويمانية وسودانا وحبوشا ودلاة وغير ذلك وارسل منهم طوائف في المقدمات
(1/397)

والمشاة أنزلوهم من القلزم وصحبتهم الجبخانات والمدافع وآلات الحرب وخرجت التجريدة في شهر صفر بعد دخول الحجاج في تجمل زائد ومهيأ عظيم وساري عسكرها محمد بك ابو الذهب وصحبته حسن بك ومصطفى بك وخلافهم
وفي ثاني عشرين ربيع الاول وردت الاخبار من الاقطار الحجازية بوقوع حرابة عظيمة بين المصريين وعرب الينبع وخلافهم من قبائل العربان والاشراف ووقعت الهزيمة على المذكورين وقتل وزير الينبع المتولي من طرف شريف مكة وقتل معه خلائق كثيرة
وفي تاسع شهر ربيع الاخر وصل نجاب الى مصر من الديار الحجازية وأخبر بدخول محمد بك ومن معه الى مكة وانهزام الشريف احمد وخروجه هاربا ونهب المصريين دار الشريف ومن يلوذ به واخذوا منها أشياء كثيرة من امتعة وجواهر واموال لها قدر وجلس الشريف عبد الله في امارة مكة ونزل حسن بك الى بندر جدة وتولى امارتها عوضا عن الباشا الذي تولاها من طرف ملك الروم ولذلك عرف بالجداوي واقام محمد بك اياما بمكة ثم عزل على المسير والرجوع الى مصر ووصلت الاخبار والبشائر بذلك وأرسلت اليه الملاقاة بالعقبة وخلافها فلما ورد الخبر بوصوله الى العقبة وخرجت الامراء الى بركة الحاج والدار الحمراء لانتظار قدومه فوصل في اوائل شهر رجب ودخل الى مصر في ثامنه في موكب عظيم وأتت اليه العلماء والاعيان للسلام وقصدته الشعراء بالقصائد والتهاني
وفي منصف رجب المذكور عزل علي بك عبد الرحمن اغا مستحفظان وقلد عوضه سليم اغا الوالي وقلد عوض الوالي موسى أغا من اتباعه وأمر عبد الرحمن اغا بالسفر الى ناحية غزة وهي اول حركاته الى جهة
(1/398)

الشام وأمره بقتل سليط شيخ عربان غزة فلم يتحيل عليه حتى قتله هو واخوته وأولاده وكان سليط هذا من العصاة العتاة له سير وأخبار
وفيه زاد اهتمام علي بك بالتحرك على جهة الشام واستكثر من جمع طوائف العساكر وعمل البقسماط والبارود والذخائر والمؤن وآلات الحرب وامر بسفر تجريدة وأميرها اسمعيل بك وصحبته علي بك الطنطاوي وعلي بك الحبشي فبرزوا الى جهة العادلية وخرجوا بما معهم من طوائف العسكر والمماليك والاحمال والخيام والجبخانات والعربات والضوبة وقرب الماء الكثيرة على الجمال والكرارات والمطابخ والطبول والرمور والنقاقير وغير ذلك فلما تكامل خروجهم اقاموا بالادلية اياما حتى قضوا لوازمهم وارتحلوا وسافروا الى جهة الشام
وفي حادي عشرينة برزت تجريدة اخرى وعليها سليمان بك وعمر كاشف وحملة كثيرة من العساكر فنزلوا من طريق البحر على دمياط
وفي عاشر شهر القعدة وردت اخبار من جهة الشام واشيع وقوع حرابات بينهم وبين حكام الشام وأولاد العظم
وفي منصفه خرجت تجريدة اخرى وسافرت على طريق البر على النسق
وفي سابع عشره طلب علي بك حسن اغا تابع الوكيل والروزنامجي وباش قلفة واسمعيل اغا الزعيم وآخرون وصادروهم في نحو اربعمائة كيس بعد ما عوفهم اياما
وفي اواخره عمل علي بك دراهم على القرى وقرر على كل بلد مائة ريال وثلاثمائة ريال حق طريق فضجت الناس من ذلك وطلب من النصارى القبط مائة الف ريال ومن اليهود اربعين الفا وقبضت جميعها في اسرع وقت
(1/399)

من مات في هذه السنة
مات الشيخ العمدة الفاضل الكامل الاديب الماهر الناظم الناثر الشيخ عبد الله بن عبد الله بن سلامة الادكاوي المصري الشافعي الشهير بالمؤذن ولد بادكو وهي قرية قرب رشيد سنة 1104 كما اخبر من لفظه وبها حفظ القران وورد الى مصر فحضر دروس علماء عصره وادرك الطبقة الاولى واشتهر بفن الادب وانضوى الى فخر الادباء في عصره السيد على افندي برهان زاده نقيب الساده الاشراف فأنزله عنده في اكرام واحتفل به وكفاه المؤنة من كل وجه وصار يعاطيه كؤوس الآداب ويصافيه بمطارحة أشهى من ارتشاف الرضاب وحج بصحبته بيت الله الحرام وزار قبر نبيه عليه الصلاة و السلام وذلك سنة 1147 وعاد الى مصر واقبل على تحصيل الفنون الادبية فنظم ونثر ومهر وبهر ورحل الى رشيد وفوة والاسكندرية مرارا واجتمع على اعيان كل منها وطارحهم ومدحهم وفي سنة تسع وثمانين من نظمه بيتين بخطه في جدار جامع بن نصر الله بقوة تاريخ كتابتهما سنة خمس واربعين وبعد وفاة السيد النقيب تزوج وصار صاحب عيال وتنقلت به الاحوال وصار يتأسف على ما سلف من عيشه الماضي في ظل ذلك السيد قدس سره فلجأ الى أستاذ عصره الشيخ الشبراوي ولازمه واعتنى به وصار لا ينفك عنه ومدحه بغرر قصائده وكان يعترف بفضله ويحترمه ولما توفي انتقل الى شيخ وقته الشمس الحفني فلازمه سفرا وحضرا ومدحه بغرر قصائده فحصلت له العناية والاعانة وواساه بما به حصلت الكفاية والصيانة وله تصانيف كلها غرر ونظم نظامه عقود الدرر فمنها الدرة الفريدة والمنح الربانية في تفسير آيات الحكم العرفانية والقصيدة للزدية في مدح خير البرية ألفها لعلي باشا الجكيم ومختصر شرح بانت سعاد للسيوطي والفوائح الجنانية في المدائح الرضوانية جمع فيها اشعار
(1/400)

المادحين للمذكور ثم أورد خاتمتها ماله من الامداح فيه نظما ونثرا وهداية المتهومين في كذب المنجمين والنزهة الزهية بتضمين الرحبية نقلها من الفرائض الى الغزل وعقود الدرر في أوزان الابحر الستة عشر التزم في كل بيت منها الاقتباسات الشريفة والدر الثمين في محاسن التضمين وبضاعة الاريب في شعر الغريب وذيلها بذيل يحكي دمية القصر وله المقامة التصحيفية والمقامة القمذية في المجون وله تخميس بانت سعاد صدرها بخطبة بديعة وجعلها تأليفا مستقلا وديوانه المشهور على حروف التهجي وغير ذلك وقد كتب بخطه الفائق كثيرا من الكتب الكبار ودواوين الاشعار وكل عدة اشياء من غرائب الاسفار رأيت من ذلك كثيرا وقاعدة خطه بين اهل مصر مشهورة لا تخفى ورأيت مما كتب كثيرا فمن الدواوين ديوان حسان رضي الله عنه رأيته بخطه وقد أبدع في تنميقه وكتب على حواشيه شرح الالفاظ الغريبة ونزهة الالباب الجامع لفنون الآداب وله مطارحات لطيفة مع شعراء عصره والواردين على مصر ولم يزل على حاله حتى صار أوحد زمانه وفريد عصره وأوانه ولما توفي الاستاذ الحفني اضمحل حاله ولعب بلباله واعترته الامراض ونصب روض عزه وغاض وتعلل مدة ايام حتى وافاه الحمام في نهار الخميس خامس جمادى الاولى من السنة واخرج بصباحه وصلى عليه بالازهر ودفن بالمجاورين فسرب تربة الشيخ الحفني وفي سنة ثلاث وسبعين ومائة والف لما اختلفت خدام المشهد النفيسي وكبيرهم اذ ذاك الشيخ عبد اللطيف في امر العنز وذلك انهم أظهروا عنزا صغيرة مدرة زعموا ان جماعة من الاسرى ببلاد الافرنج توسلوا بالسيدة نفيسة واحضروا تلك العنز وعزموا على ذبحها في ليلة يجتمعون فيها يذكرون ويدعون ويتوسلون في خلاصهم ونجاتهم من الاسر فاطلع عليم الكافر فزجوهم وسبهم ومنعهم من ذبح العنز وبات تلك الليلة فرأى رؤيا هالته
(1/401)

فلما اصبح اعتقهم واطلقهم واعطاهم دراهم وصرفهم مكرمين ونزلوا في مركب وحضروا الى مصر وصحبتهم تلك العنز وذهبوا الى المشهد النفيسي بتلك العنز وذكروا في تلك العنز غير ذلك من اختلاقهم وخورهم كقولهم انهم يوم كذا اصبحوا فوجدوها عند المقام او فوق المنارة وسمعوها تتكلم أو ان السيدة تكلمت واوصت عليها وسمع الشيخ المذكور كلامها من داخل القبر وابرزها للناس واجلسها بجانبه ويقول للناس ما يقوله من الكذب والخرافات التي يستجلب بها الدنيا وتسامع الناس بذلك فأقبل الرجال والنساء من كل فج لزيارة تلك العنزة وأتوا اليها بالندور والهدايا وعرفهم انها لا تأكل الا قلب اللوز والفستق وتشرب ماء الورد والسكر المكرر ونحو ذلك فأتوه باصناف ذلك بالقناطير وعمل النساء للعنز القلائد الذهب والاطواق والحلي ونحو ذلك وافتتنوا بها وشاع خبرها في بيوت الامراء وأكابر النساء وارسلن على قدر مقامهن من النذور والهدايا وذهبن لزيارتها ومشاهدتها وازدحمن عليها فارسل عبد الرحمن كتخدا الى الشيخ عبد اللطيف المذكور والتمس منه حضوره اليه بتلك العنز ليتبرك بها هو وحريمه فركب المذكور بغلته وتلك العنز في حجره ومعه طبول وزمور وبيارق ومشايخ وحوله الجسم الغفير من الناس ودخل بها بيت الامير المذكور على تلك الصورة وصعد بها الى مجلسه وعنده الكثير من الامراء والاعيان فزارها وتملس بها ثم أمر بادخالها الى الحريم ليتبركن بها وقد كان أوصى الكلارجي قبل حضوره بذبحها وطبخها فلما أخذوها ليذهبوا بها الى جهة الحريم ادخلوها الى المطبخ وذبحوها وطبخها قيمة وحضر الغداء وتلك العنز في ضمنه فوضعوها بين ايديهم واكلوا منها والشيخ عبد اللطيف كذلك صار يأكل منها والكتخدا يقول كل يا شيخ عبد اللطيف من هذا للرميس السيمن فيأكل منها ويقول والله انه طيب ومستو ونفيس وهو لا يعلم
(1/402)

انه عنزه وهم يتغامزون ويضحكون فلما فرغوا من الاكل وشربوا القهوة وطلب الشيخ العنز فعرفه الامير انها هي التي كانت بين يديه في الصحن وأكلها فبهت فبكته الامير ووبخه وامره بالانصراف وان يوضع جلد العنز على عمامته ويذهب به كما جاء بجمعيته وبين يديه الطبول والاشاير ووكل به من اوصله محله على تلك الصورة ولم يزل المترجم حتى تلعل بالامراض والاسقام واضمحل منه الجسم والقوى بالآلام حتى وافاه الحمام في يوم الخميس خامس جمادى الاولى من السنة رحمه الله وابنه العلامة السيد احمد المعروف بكتيكت مفتي الشافعية بثغر سكندرية والسيد هلال الكتبي توفيا بعده بسنين والشيخ صالح الصحاف موجود مع الاحياء أعانه الله على وقته
ومات الامام الفصيح البارع الفقيه الشيخ جعفر بن حسن بن عبد الكريم ابن محمد بن رسول الحسيني البرزنجي المدني مفتي الشافعية بها ولد بالمدينة وأخذ عن والده والشيخ محمد حيوة السندي وأجازه السيد مصطفى البكري وكان يقرأ دروس الفقه داخل باب السلام وكان عجيبا في حسن الالقاء والتقرير ومعرفة فروع المذهب تولى الافتاء والخطابة مدة تزيد على عشرين سنة كان قوالا بالحق امارا بالمعروف واجتمع به الشيخ سليمان بن يحيى شيخ المشايخ وذكره في رحلته وأثنى عليه وله مؤلفات منها البر العاجل باجابة الشيخ محمد غافل والقبض اللطيف باجابة نائب الشرع الشريف وفتح الرحمن على أجوبة السيد رمضان توفي في شهور هذه السنة قيل مسموما والله اعلم
ومات الولي العارف احد المجاذيب الصادقين الاستاذ الشيخ احمد ابن حسن النشرتي الشهير بالعريان كان من ارباب الاحوال والكرامات ولد في اول القرن وكان اول امره الصحو ثم غلب عليه السكر فأدركه المحو وكانت له في بدايته امور غريبة وكان كل من دخل عليه زائرا
(1/403)

يضربه بالجريد وكان ملازما للحج في كل سنة ويذهب الى موالد سيدي احمد البدوي المعتادة وكان اميا لا يقرأ ولا يكتب واذا قرأ قارىء بين يديه وغلط يقول له قف فانك غلطت وكان رجلا جلاليا يلبس الثياب الخشنة وهي جبة صوف وعمامة صوف حمراء يعتم بها على لبدة من صوف ويركب بغلة سريعة العدو وملبسه دائما على هذه الصفة شتاء وصيفا وكان شهير الذكر يعتقده الخاصة والعامة وتأتي الامراء والاعيان لزيارته والتبرك به ويأخذ منهم دراهم كثيرة ينفقها على الفقراء المجتمعين عليه وانشأ مسجده تجاه الزاهد جوار داره وبنى بجواره صهريجا وعمل لنفسه مدفنا وكذلك لاهله وأقاربه واتباعه واتحد به شيخنا السيد أحمد العروسي واختص به اختصاصا زائدا فكان لا يفارقه سفرا ولا حضرا وزوجه احدى بناته وهي ام أولاده وبشره بمشيخة الجامع الازهر والرئاسة فعادت عليه بركته وتحققت بشارته وكان مشهورا بالاستشراف على الخواطر توفي رحمه الله في منتصف ربيع الاول وصلى عليه بالازهر ودفن بقبره الذي اعده لنفسه في مسجده نفعنا الله به وبعباده الصالحين
ومات الفقيه الصالح الشيخ علي بن احمد بن عبد اللطيف البشبيشي الشافعي روى عن ابيه عن البابلي توفي في غاية ربيع الثاني من السنة
ومات الشيخ المبجل الصالح المفضل الدرويش الشيخ احمد المولوي شيخ المولوية بتكية المظفر وكان انسانا حسنا لا باس به مقبلا على شأنه منجمعا عن خلطة كثير من الناس الا بحسب الدواعي توفي في سابع عشرين ربيع الآخر من السنة ولم يخلف بعده مثله
ومات المقدام الخير الكريم صاحب الهمة العالية والمروءة التامة شمس الدين حمودة شيخ ناحية برمة بالمنوفية اخذ عن الشيخ الحفني وكان كثير الاعتقاد فيه والاكرام له ولاتباعه وله حب في اهل الخير واعتقاد
(1/404)

في اهل الصلاح ويكرم الوافدين والضيفان
وكان جميل الصورة طويلا مهيبا حسن الملبس والمركب
توفي يوم الخميس حادي عشر رجب من السنة وخلف اولادا منهم محمد الحفني الذي سماه على اسم الشيخ لمحبته فيه واحمد وشمس الدين
ومات بقية السلف ونتيجة الخلف الشيخ احمد سبط الاستاذ الشيخ عبد الوهاب الشعراني وشيخ السجادة كان انسانا حسنا وقورا مالكا منهج الاحتشام والكمال منجما عن خلطة الناس الا بقدر الحاجة
توفي يوم السبت ثامن صفر من السنة وخلف ولده سيدي عبد الرحمن مراهقا تولى بعده على السجادة مع مشاركة قريبة الشيخ احمد الذي تزوج بوالدته
ومات الامام العلامة الفقيه الصالح الناسك صائم الدهر الشيخ محمد الشوبري الحنفي تفقه على الشيخ الاسقاطي والشيخ سعودي وبعد وفاة المذكورين لازم الشيخ الوالد وتلقى عنه كثيرا وكان انسانا حسنا وجيها لا يتداخل فيما لا يعنيه مقبلا على شأنه صائم الدهر وملازما لداره بعد حضور درسه وكان بيته بقنطرة الامير حسين مطلا على الخليج
سنة خمس وثمانين ومائة والف
اخرج علي بك تجريدة عظيمة وسر عسكرها واميرها محمد بك ابو الذهب وايوب بك ورضوان بك وغيرهم كشاف وارباب مناصب ومماليكهم وطوائفهم واتباعهم وعساكر كثيرة من المغاربة والترك والهنود واليمانية والمتاولة وخرجوا في تجمل زائد واستعداد عظيم ومهيأ كبير ومعهم الطبول والزمور والذخائر والاحمال والخيام والمطابخ والكرارات والمدافع والجيخانات ومدافع الزنبلك على الجمال وأجناس العالم الوفا مؤلفة وكذلك أنزلوا الاحتياجات والاثقال وشحنوا بها السفن
(1/405)

وسافرت من طريق دمياط في البحر
فلما وصلوا الى الديار الشامية فحاصروا يافا وضيقوا عليها حتى ملكوها بعد أيام كثيرة ثم توجهوا الى باقي المدن والقرى وحاربهم النواب والولاة وهزموهم وقتلوهم وفروا من وجوههم واستولوا على المماليك الشامية الى حد حلب ووردت البشائر بذلك فنودي بالزينة فزينت مصر وبولاق ومصر العتيقة زينة عظيمة ثلاثة أيام بلياليها وتفاخروا في ذلك الى الغاية وعملت وقدات واحمال قناديل وشموع بالاسواق وسائر الجهات وعملوا ولائم ومغاني وآلات وطبولا وشنكا وحراقات وغير ذلك وذلك في شهر ربيع اول من السنة
وتعاظم علي بك في نفسه ولم يكتف فارسل الى محمد بك يأمره بتقليد الامراء والمناصب والولايات على البلاد التي افتتحوها وملكوها وان يستمر في سيره ويتعدى الحدود ويستولي على المماليك الى حيث شاء وهو يتابع اليه ارسال الامدادات واللوازم والاحتياجات
ولا يثنون عنانهم عما يامرهم به
فعند ذلك جمع محمد بك امراءه وخشداشينه الكبار في خلوة وعرض عليهم الاوامر فضاقت نفوسهم وسئموا الحرب والقتال والغربة وذلك ما في نفس محمد بك أيضا
ثم قال لهم ما تقولون قالوا وما الذي تقوله والرأي لك فانت كبيرنا ونحن تحت أمرك واشارتك ولا نخالفك فيما تأمر به
فقال ربما يكون رأيي مخالفا لامر استاذنا
قالوا ولو مخالفا لامره فنحن جميعا لا نخرج عن امرك واشارتك فقال لا أقول لكم شيئا حتى نتحالف جميعا ونتعاهد على الرأي الذي يكون بيننا
ففعلوا ذلك وتعاهدوا وحلفوا على السيف والكتاب
ثم انه قال لهم ان أستاذكم يريد ان تقطعوا اعماركم في الغربة والحرب والاسفار والبعد عن الاوطان وكلما فرغنا من شيء فتح علينا غيره فرأيي ان نكون على قلب رجل واحد ونرجع الى مصر ولا نذهب الى جهة من الجهات وقد فرغنا من خدمتنا وان كان يريد غير ذلك من المماليك يولي
(1/406)

امراء غيرنا ويرسلهم الى ما يريد ونحن يكفينا هذا القدر ونرتاح في بيوتنا وعند عيالنا
فقالوا جميعا ونحن على رايك
واصبحوا راحلين وطالبين الى مصر فحضروا في أواخر شهر رجب على خلاف مراد مخدومهم وبقي الامر على السكوت
ثم ان علي بك قلد ايوب بك امارة جرجا وقضى اشغاله وسافر الى الصعيد بطائفته واتباعه
وانقضى شهر شعبان ورمضان وعلي بك مصمم على رجوع محمد بك الى جهة الشام وذلك مصمم على خلاف ذلك
وبدت بينهما الوحشة الباطنية
فلما كان ليلة رابع شهر شوال بيت علي بك مع علي بك الطنطاوي وخلافه واتفق معهم على غدر محمد بك فركبوا عليه ليلا واحاطوا بداره ووقفت له العساكر بالاسلحة في الطرق فركب في خاصته وخرج من بينهم وذهب الى ناحية البساتين وارتحل الى الصعيد
فحضر اليه بعض الامراء أصحاب المناصب وعلي كاشف تابع سليمان افندي كاشف شرق أولاد يحيى وقدموا له ما معهم من الخيام والمال والاحتياجات
ولم يزل في سيره حتى وصل الى جرجا واجتمع عليه أيوب بك خشداشه وأظهر به المصافاة والمؤاخاة وقدم له هدايا وخيولا وخياما فلم يلبث الا وقد أحضر عيون محمد بك الذين أرصدهم بالطريق رجلا ومعه مكاتبة من علي بك خطابا لايوب بك يأمره ويستحثه على عمل الحيلة وقتل محمد بك باي وجه أمكنه ويعده امارته وبلاده وغير ذلك
فلما قرأ المراسلة وفهم مضمونها أكرم الرجل وقال له تذهب اليه بالكتاب وأثنى بجوابه ولك مزيد الاكرام فذهب ذلك الساعي واوصل الكتاب الى أيوب بك وطلب منه رد الجواب وأعطاه الجواب وذكر فيه أنه مجتهد في تتميم الغرض ومترقب حصول الفرصة
فحضر به الى محمد بك
فعند ذلك استعد محمد بك وتحقق خيانته ونفاقه فاتفق مع خاصته وامرائه بالاستعداد والوثوب وانه اذا حضر اليه أيوب بك أخذ أرباب المناصب نظراءهم وتحفظوا عليهم
فلما حضر في
(1/407)

صبحها أيوب بك جلس معه في خلوة وأخذ كل من الخازندار والكتخدا والجوخدار والسلحدار نظراءهم من جماعة محمد بك ثم قال محمد بك يخاطب أيوب بك يا هل ترى نحن مستمرون على الاخوة والمصافاة والصداقة والعهد واليمين الذي تعاقدنا عليه بالشام قال نعم وزيادة
قال ومن نكث ذلك وخان اليمين ونقض العهد قال يقطع لسانه الذي حلف به ويده التي وضعها على المصحف
فعند ذلك قال له بلغني أنه أتاك كتاب من أستاذنا علي بك
فجمد ذلك فقال لعل ذلك صحيح وكتبت له الجواب أيضا
قال لم يكن ذلك ابدا ولو اتاني منه جواب لأطلعتك عليه ولا يصح اني أكتمه عنك أو أرد له جوابا
فعند ذلك أخرج له الجواب من جيبه وأحضر اليه ذلك الرسول فسقط في يده وأخذ ينتنصل ببادر العذر
فعند ذلك قال له حينئذ لا تصح مرافقتك معي وقم فأذهب الى سيدك وأمر بالقبض عليه وأنزلوه الى المركب وأحاط بوطاقه وأسبابه وتفرقت عنه جموعه
فلما صار وحيدا في قبضته أحضر عبد الرحمن أغا وكان إذ ذاك بناحية قبلي وانضم الى محمد بك فقال له اذهب الى أيوب بك واقطع يده ولسانه كما حكم على نفسه بذلك
فأخذ معه المشاعلي وحضر اليه في السفينة وقطعوا يمينه ثم شبكوا في لسانه سنارة وجذبوه ليقطعوه فتخلص منهم والقى بنفسه الى البحر فغرق ومات
وكان قصد محمد بك أن يفعل به ذلك ويرسله على هذه الصورة الى سيده بمصر
ثم انهم أخرجوه وغسلوه وكفنوه ودفنوه
فعندما وقع ذلك أقبلت الامراء والاجناد المتفرقون بالاقاليم على محمد بك وتحققوا عند ذلك الخلاف بينه وبين سيده وقد كانوا متجمعين عن الحضور اليه ويظنون خلاف ذلك
وحضر اليه جميع المنافي وأتباع القاسمية والهوارة الذين شردهم علي بك وسلب نعمتهم فانعم عليهم واكرمهم وتلقاهم بالبشاشة والمحبة واعتذر لهم وواساهم وقلدهم الخدم
(1/408)

والمناصب وهم أيضا تقيدوا بخدمته وبذلوا جهدهم في طاعته
ووصلت الاخبار بذلك الى مصر وحضر اليه كثير من مماليك أيوب بك واتباعه سوى من انضم منهم والتجأ الى محمد بك واتباعه فعند ذلك نزل بعلي بك من القهر والغيظ المكظوم ما لا يوصف وشرع في تشهيل تجريدة عظيمة وأميرها وسر عسكرها اسمعيل بك واحتفل بها احتفالا كثيرا وامر بجمع أصناف العساكر واجتهد في تنجيز أمرها في أسرع وقت وسافروا برا وبحرا في اواخر ذي القعدة
فلما التقى الجمعان خامر اسمعيل بك وانضم بمن معه من الجموع الى محمد بك وصاروا حزبا واحدا ورجع الذين لم يميلوا وهم القليل الى مصر
فعند ذلك اشتد الامر بعلي بك ولاحت على دولته لوائح الزوال وكاد يموت من الغيظ والقهر وقلد سبع صناجق والكل مزلقون وسماهم أهل مصر السبع بنات وهم مصطفى بك وحسن بك ومراد بك وحمزة بك ويحيى بك وخليل بك كوسه ومصطفى بك اود باشه وعمل لهم برقا وداقما ولوازم وطبلخانات في يومين وضم اليهم عساكر وطوائف ومماليك وأتباعا وبرز بنفسه الى جهة البساتين وشرع في تشهيل تجريدة أخرى وأميرها علي بك الطنطاوي وأخرج الجبخانات والمدافع الكثيرة وأمر بعمل متاريش من البحر الى جهة الجبل وانقضت السنة
من مات في هذه السنة ممن له ذكر
مات الامام الفقيه الصالح الخير الشيخ علي بن صالح ابن موسى بن احمد بن عمارة الشاوري المالكي مفتي فرشوط قرأ بالازهر العلوم ولازم العلامة الشيخ علي العدوي وتفقه عليه وسمع الحديث من الشيخ أحمد ابن مصطفى السكندري وغيره ورجع الى فرشوط فولي افتاء المالكية بها فسار فيها سيرا مقتصدا ولما ورد عليه الشيخ ابن الطيب راجعا من الروم تلقى عنه شيئا من الكتب وأجازه وكان لشيخ العرب همام بن يوسف في حقه عناية شديدة وصحبة أكيدة وكانت شفاعات العلماء مقبولة
(1/409)

عنده بعناية ولذلك راج امره واشتهر ذكره وطار صيته
وكان حسن المذاكرة والمحاورة محتشما في نفسه مجملا في ملابسه وجيها معتبرا في الاعين
والف شيخنا السيد محمد مرتضى باسمه نشق الغوالي من المرويات العوالي وذلك ايام رحلته الى فرشوط ونزوله عنده ورفع من شأنه عند شيخ العرب واكرمه اكراما كثيرا ولما تغيرت احوال الصعيد قدم الى مصر مع ابن مخدومه وما زال بها حتى توجه الى طندتا وكان يعتريه حصر البول فيجلس اياما وهو ملازم للفراش فزار وعاد
توفي يوم دخوله الى بولاق نهار الثلاثاء ثالث عشر شعبان من السنة وكان يوما مطير اذا رعد وبرق فوصل خبره الى الجامع الازهر فخرج اليه الشيخ علي الصعيدي وكثير من العلماء وتخلف من تخلف لذلك العذر فجهزوه هناك وكفنوه وأتوا به الى الازهر وأراد الشيخ الصعيدي دفنه في مدفن عبد الرحمن كتخدا لصعوبة الذهاب به الى القرافة ثم دفنوه بالمجاورين بجانب تربة الشيخ الصعيدي التي دفن فيها
ومات الفقية الفاضل العلامة الشيخ علي بن عبد الرحمن بن سليمان ابن عيسى بن سليمان الخطيب الجديمي العدوي المالكي الازهري الشهير بالخرائطي ولد في اول القرن الجامع الازهر فحضر دروس جامعة من فضلاء العصر ولازم بلدية الشيخ علي الصعيدي ملازمة كلية ودرس بالازهر ونفع الطلبة وكان انسانا حسنا منور الشيبة ذا خلق حسن وتودد وبشساشة ومروءة كاملة له ميل تام في علم الحديث ويتأسف على فوات اشتغاله به ويحب كلام السلف ويتأمل في معانيه مع سلامة الاعتقاد وكثرة الاخلاص
توفي عشية يوم الاربعاء ثاني المحرم افتتاح سنة 1185
ومات الامام العلامة الفاضل المحقق الدراك المتفنن الشيخ محمد ابن اسمعيل بن محمد بن إسمعيل بن خضر النقراوي المالكي وكان والده من اهل العلم والصلاح والزهد عن جانب عظيم وعمر كثيرا حتى جاوز المائة
(1/410)

وانحنى ظهره وتوفي سنة 1178
تربى المترجم في حجر ابيه وحفظ القران والمتون وحضر دروس الشيخ سالم النقراوي والشيخ خليل المالكي وغيرهما وتفقه وحضر المعقول على كثير من الفضلاء ومهر وانجب درس وكان جيد الحافظة قوي الفهم والغوص على عويصات المسائل ودقائق العلوم مستحضرا للمسائل الفقهية والعقلية ولما بلغ المنتهى في العلوم المشهورة تاقت نفسه للعلوم الحكمية والرياضية فاحضره والده للشيخ الوالد سنة 1171 والتمس منه مطالعته عليه فأجابه الى ذلك ورحب به وكان عمره اذ ذاك نيفا وعشرين سنة
ولما رأى ما فيه من الذكاء والنجابة والقوة الاستعدادية والجد في الطلب اغتبط به كثيرا وصرف اليه همته وأقبل عليه بكليته وأعطاه مفتاح خزانة بالمنزل يضع فيها كتبه ومتاعه واشترى له حمارا ورتب له مصروفا وكسوة ولازمه ليلا ونهارا ذهابا وايابا حتى اشتهر بنسبته اليه فكان يرسله في مهماته واسراره الى اكابر مصر واعيانها مثل علي بك وعبد الرحمن كتخدا وغيرهما فيحسن الخطاب والجواب مع الحشمة وحسن المخاطبة مع معرفتهم بفضله وعلمه وكانوا يكرمونه
ومدحهم بقصائد لم أعثر على شيء منها للاهمال وطول العهد فكان لا يذهب الى داره الا في النادر بعد حصة من الليل ويرجع في الفجر وينزل إلى الجامع بعد طلوع النهار فيقرأ درسين ثم يعود في الصخوة الكبرى فيقيم الى العصر فيذهب الى الجامع فيقرأ درسا في المعقول ثم يعود
وهكذا كان دأبه الى أن مات
تلقى عنه فن الميقات والهيئة والهندسة وهداية الحكمة وشرحها القاضي زاده والجغميني والمبادي والغابات والمقاصد في أقل زمن مع التحقيق والتدقيق وحضر عليه المطول والمواقف والزيلعي في الفقه برواق الجبرت بالازهر وغير ذلك كل ذلك بقراءته وعانى علم الاوفاق وتلقاه عن الشيخ المرحوم حتى أدرك أسراره وأقبلت عليه روحانيته
وأجازه الملوي والجوهري
(1/411)

والحنفي والعفيفي وغيرهم ولما نفي علي بك الى النوسات أرسل الى الشيخ فطلب منه أشياء يرسلها اليه مع المترجم فأرسله اليه وأقام عنده أياما ورجع من غير أن يعلم أحد بذهابه ورجوعه وكان يكتب الخط الجيد وجوده على الشيخ أحمد حجاج المعروف بابي العز
وكتب بخطه كثيرا وألف حاشيه على شرح العصام على السمرقندية وأجوبة عن الاسئلة الخمسة التي أوردها الشيخ أحمد الدمنهوري على علماء العصر وأعطاها الى علي بك وقال له أعطها للعلماء الذين يترددون عليك يجيبوني عنها ان كانوا يزعمون انهم علماء فاعطاها علي بك للشيخ الوالد وأخبره بمقابلة الشيخ الدمنهوري فقال له هذه وان كانت من عويصات المسائل يجيب عنها ولدنا الشيخ محمد النقراوي
والخسة الاسئلة المذكورة الاول في ابطال الجزء الذي لا يتجزأ
ا الثاني في قول ابن سينا ذات الله نفس الوجود المطلق ما معناه
الثالث في قول أبي منصور الماتريدي معرفة الله واجبة بالعقل مع ان المجهول من كل وجه يستحيل طلبه
الرابع في قول البرجلي ان من مات من المسلمين لسنا نتحقق موته على الاسلام
الخامس في الإستثناء في الكلمة المشرقة هل هو متصل أو منفصل
فأجاب عنها بأجوبة منطوية على مطارح الانظار دلت على رسوخه وسعة اطلاعه وغوصه ومعرفته بدقائق كلام أذكياء الحكماء والمتكلمين وفضلاء الاشعرية والماتريدية
وعانى الرسم فرسم عدة بسائط ومنحرفات وحسب كثيرا من الاصول والدساتير وتصدى لتعليم الطلبة الذين كانوا يردون من الآفاق لطلب العلوم الغريبة وكتب شرحا على متن نور الايضاح في الفقه الحنفي باسم الامير عبد الرحمن كتخدا وله رسالة سماها الطراز المذهب في بيان معنى المذهب وهي عبارة عن جواب على سؤال ورد من ثغر سكندرية نظما وكان له سليقة جيدة في النثر والنظم ولما ورد الى مصر محمد أفندي سعيد قاضيا في سنة 1181 امتدحه بقصيدة بليغة لم أعثر
(1/412)

عليها وكان به حدة طبيعة وهي التي كانت سببا لموته وهو انه حصل بينه وبين الشيخ البجرمي منافسة فشكاه الى الشيخ الدمنهوري وهو إذ ذاك الشيخ الجامع فارسل اليه فلما حضر عنده في مجلسه بالازهر فتحامل عليه فقام من عنده وقد أثر فيه القهر ومرض أياما وتوفي في شهر جمادى الثانية من السنة
واغتم عليه الشيخ المرحومي غما شديدا وتأثر لفراقه وحزن لموته وتوعك أياما بسبب ذلك
ومات الامام الفقيه العلامة المفتي الشيخ ابراهيم بن الشيخ عبد الله الشرقاوي الشافعي تفقه على علماء عصره وحضر دروس الاشياخ المتقدمين كالملوي والحفني والبراوي والشيخ أحمد رزة والشيخ عطية الاجهوري وأنجب في الاصول والفروع الفقهية وتصدر ودرس وانقطع والافتاء والقضاء بين المتخاصمين من اهل القرى للافادة واكثرهم من أهل بلاده وكان لا يفارق محل درسه بالازهر من الشروق الى الغروب
وانفرد بالافتاء مدة طويلة على مذهبه وقلما يرى فتوى وليس عليها جوابه
ولم يزل هذا دأبه حتى تعلل أياما وتوفي ثالث ربيع الثاني من السنة
ومات أحد أذكياء العصر ونجباء الدهر من جمع متفرقات الفضائل وحاز أنواع الفواضل الصالح الرحلة الشيخ علي بن محمد الجزائرلي المعروف بابن الترجمان ولد بالجزائر سنة 1100 وكان ينتمي الى الشرف وزاحم العلماء بمناكبه في تحصيل انواع العلوم واجازه الشيخ سيدي محمد المنور التلمساني رحمه الله ودخل الروم مرارا وحظي بارباب الدولة واتى الى مصر وابتنى بها دارا حسنة قرب الازهر وكان يخبر عن نفسه انه لا يستغنى عن الجماع في كل يوم فلذلك ما كان يخلو عن امرأة او اثنتين حتى في أسفاره
ولما ورد الامير احمد اغا امينا على دار الضرب بمصر المحروسة الذي صار فيما بعد
(1/413)

باشا كان مختصا بصحبته لا يفارقه ليلا ولا نهارا وله عليه اغداقات جميلة وهو حسن العشرة يعرف في لسانهم قليلا وتوجه الى دار السلطنة وكانت اذ ذاك حركة السفر الى الجهاد كتب هذا عرضحالا الى السلطان مصطفى صورته ان من قرأ استغاثة ابي مدين الغوت في صف الجهاد حصلت النصرة
وقدمه الى السلطان فاستحسن ان يكون صاحب هذا العرض هو الذي يتوجه بنفسه ويقرأ هذه الاستغاثة تبركا ففاجاءه الامر من حيث لا يحتسب واخذ في الحال وكتب مع المجاهدين وتوجه رغما عن انفه ووصل الى معسكر المسلمين وصار يقرأ فقدر الله الهزيمة على المسلمين لسوء تدبير امراء العسكر فاسر مع من اسر وذهب به الى بلاد موسقو وبقي اسيرا مده ولم يغثه احد بخلاصه منهم لاشتغال الناس بما هو اهم حتى توفي هناك شهيدا غريبا في هذه السنة رحمه الله
ومات الشيخ الصالح العلامة علي الفيومي المالكي شيخ رواق أهل بلاده حضر دروس الشيخ ابراهيم الفيومي وشيخنا الشيخ علي الصعيدي ودرس برواقهم وكان سريع الادراك متين الفهم له في على الكلام باع طويل
وتزوج ابنة الشيخ احمد الحماقي الحنفي وتوفي ثاني شهر رمضان من السنة ودفن بالمجاورين
ومات الشيخ الفاضل الصالح علي الشيبني الشافعي نزيل جرجا قرأ على جماعة من مشايخ عصره وتكمل في العربية والفقه وتوجه الى الصعيد فخالط أولاد تمام من الهوارة في بيج القرمون فأحبوه وسكن عندهم مدة ثم سكن جرجا
وكان يتردد أحيانا الى مصر وكان كثير الاجتماع بصهرنا علي أفندي درويش المكتب وكان يحكي لي عنه أشياء كثيرة من مآثره من الصلاح والعلم وحسن المعاشرة ومعرفة التجويد ووجوه القراءات
فلما تغيرت أحوال الصعيد اتى المترجم الى مصر وكان
(1/414)

حسن المذاكرة والمرافقة مع مداومة الذكر وتلاوة القرآن غالبا
توفي تاسع عشر رمضان في بيت بعض احبابه بعلة البطن وصلى عليه الشيخ احمد بن محمد الراشدي ودفن بالمجاورين
ومات العمدة الفاضل اللغوي الماهر المنشىء الاديب الشيخ عبد الله ابن منصور التلباني الشافعي المعروف بكاتب المقاطعة وهو بن أخت الشيخ المعمر أحمد بن شعبان الزعبلي ولد سنة 1098 تقريبا وأدرك الطبقة الاولى من الشيوخ العزيزي والعشماوي والنفراوى
وكانت له معرفة تامة بعلم اللغة والقراءة واقتنى كتبا نفيسة في سائر الفنون وكان سموحا باعارتها لاهلها وكان يعرف مظنات المسائل في الكتب
وكان الاشياخ يجلونه ويعرفونه مقامه ولما دخل الشيخ ابن الطيب أحبه واغتبط به وبصحبته وحصل حاشيته على القاموس في مجلدين حافلين استكتابا وقرظ على شرح البديعية لعلي بن تاج الدين القلعي ذكر فيه من نوع وسع الاطلاع له
ولم يزل حتى فأجاته المنون في ثالث عشرين شعبان من السنة وصلي عليه بالجامع الازهر ودفن شرقي مقام سيدي عبد الله المتوفي بالمجاورين رحمه الله
ومات الامير الجليل ابراهيم افندي الهياتم جمليان مطعونا في نهار الاربع ثالث عشرين المحرم من السنة
سنة ست وثمانين ومائة وألف
فيها في المحرم خرج علي بك الى جهة البساتين كما تقدم في أواخر العام الماضي وعمل متاريس ونصب عليها المدافع من البحر الى الجبل واجتهد في تشهيل تجريدة وأميرها علي بك الطنطاوي وصحبته باقي الامراء الذين قلدهم والعسكر فعدوا في منتصفه لمحاربة محمد بك أبي الذهب واسمعيل بك ومن معهما
وكانوا سائرين يريدون مصر فتلاقوا
(1/415)

معهم عند بياضة ووقعت بينهم معركة قوية ظهر فيها فضل القاسمية وخصوصا أباع صالح بك وعلي أغا المعمار ووقعت الهزيمة على عسكر علي بك وساق خلفهم القبالي مسافة فمانعوا عن أنفسهم وعدوا على دير الطين وكان علي بك مقيما به فلما حصل ما حصل اشتد القهر بالمذكور وتحير في أمره وأظهر التجلد وأمر بالاستعداد وترتيب المدافع وأقام الى آخر النهار وتفرق عنه غالب عساكره من المغاربة وغيرهم
وحضر محمد بك الى البر المقابل لعلي بك ونصب صيوانه وخيامه تجاهه فتفكر علي بك في أمره وركب عند الغروب وسار الى جهة مصر ودخل من باب القرافة وطلع الى باب العزب فأقام به حصة من الليل
وأشيع بالمدينة ان مراده المحاصرة بالقلعة
ثم انه ركب الى داره وحمل حموله وأمواله وخرج من مصر وذهب الى جهة الشام وذلك ليلة الخامس والعشرين من شهر المحرم وصحبته علي بك الطنطاوي وباقي صناجقه ومماليكه وأتباعه وطوائفه
فلما أصبح يوم الخميس سادس عشرينه عدى محمد بك الى بر مصر وأوقدوا النار في ذلك اليوم في الدير بعد ما نهبوه ودخل محمد بك الى مصر وصار أميرها ونادى أصحاب الشرطة على اتباعه بان لا أحد ياؤيهم ولا يتاويهم فكاننت مدة غيبته سبعين يوما
وأرسل عبد الرحمن اغا مستحفظان الى عبد الله كتخدا الباشا فذهب اليه بداره وقبض عليه وقطع رأسه ونادى بابطال المعاملة التي ضربها المذكور بيد رزق النصراني وهي قروش مفرد ومجوز وقطع صغار تصرف بعشرة أنصاف وخمسة انصاف ونصف قرش
وكان أكثرها نحاسا وعليها علامة علي بك
وأما من مات في هذه السنة من العظماء
فمات السيد الامام العلامة الفقيه المحدث الفهامة الحسيب النسيب السيد علي بن موسى بن مصطفى بن محمد بن شمس الدين بن
(1/416)

محب الدين بن كريم الدين بن بهاء الدين داود بن سليمان بن شمس الدين ابن بهاء الدين داود الكبير بن عبد الحفيظ بن أبي الوفاء محمد البدري ابن أبي الحسن علي بن شهاب الدين أحمد بن بهاء الدين داود بن عبد الحافظ ابن محمد بن بدر ساكن وادي النسور بن يوسف بن بدران بن يعقوب بن مطر بن زكي الدين سالم بن محمد بن محمد بن زيد بن حسن بن السيد عريض المرتضى الاكبر ابن الامام زيد الشهيد ابن الامام علي زين العابدين ابن السيد الشهيد الامام الحسين ابن الامام علي بن أبي طالب الحسيني المقدسي الأزهري المصري ويعرف بابن النقيب لأن جدوده تولوا النقابة ببيت المقدس ولد تقريبا سنة 1125 بيت المقدس وبها نشأ وقرأ القرآن على الشيخ مصطفى الاعرج المصري والشيخ موسى كبيبة علي عود ومحمد بن نسبة الفضلي المكي وأخذ العلم عن عم أمه صاحب الكرامات حسين العلمي نزيل لد وأبي بكر بن أحمد العلمي مفتي القدس والشيخ عبد المعطي الخليلي ووصل الى الشام فحضر دروس الشيخ أحمد المتيتي والشيخ اسمعيل العجلوني والشيخ عبد الغني النابلسي واجتمع على الشيخ صالح البشيري الآخذ عن الخضر عليه السلام وعامر ابن نعير وأحمد القطناني ومصطفى بن عمر والدمشقي
وكان من الابدال وأحمد النحلاوي وكان من أرباب الكشف ومحمد بن عميرة الدمشقي وعمران الدمشقي وزيد اليعبداوي وخليفة بن علي اليعبداوي ورضوان الزاوى وأحمد الصفدي المجذوب والشيخ مصطفى بن سوار ودخل حماة فأخذ عن القطب السيد يس القادري وحلب فأخذ بها عن أحمد البني وعبد الرحمن السمان كلاهما من تلاميذ الشيخ أحمد الكتبي وعن الشيخ محمد بن هلال الرامهداني والشيخ عبد الكريم الشرباتي وعاد الى بيت المقدس فاجتمع بالشيخ عبد الغني النابلسي أيضا وبالسيد مصطفى البكري بحلب حين كان راجعا من بغداد فأخذ عنه الطريقة ورغبة
(1/417)

في مصر فوردها وحضر على الشمس السجيني ومصطفى العزيزي والسيد علي الضرير الحفني وأحمد بن مصطفى الصباغ والشهابين الملوي والجوهري والشمس الحنفي وأحمد العماوي وشيخ المذهب سليمان المنصوري وأجازه سيدي يوسف بن ناصر الدرعي وأحمد العربي وأحمد بن عبد اللطيف زروق وسيدي محمد العياشي الاطروش والشيخ ابن الطيب في آخرين ورأس في المذهب وتمهر في الفنون ودرس بالمشهد الحسيني في التفسير والفقه والحديث واشتهر أمره وطار صيته
وكان فقيها في المذهب بارعا في معرفة فنونه عارفا بأصوله وفروعه ويستنبط الاحكام بجودة ذهنه وحسن حافظته ويكتب على الفتاوى برائق لفظه
وكانت له في النثر طريقة غريبة لا يتكلف في الاسجاع واذا سئل عن مسألة كتب عليها الجواب أحسن من الروض جاد به الغمام وأغزر من الوبل ساعده نوء النعام
ويكتب في الترسل على سجية بادرة وفكرة على السرعة صاددة وكان ذا جود وسخاء وكرم ومرؤة ووفاء لا يدخل في يده شىء من متاع الدنيا الا وبذله لسائليه وأغدق به على معتفيه وكان منزله الذي قرب المشهد الحسيني مورد الآملين ومحطا لرجال الوافدين مع رغبته في الخيل المنسوبة وحسن معرفته لانسابها وعزوه لاربابها وكان اصطبله دائما لا يخلو من اثنين أو ثلاثة يركب عليها في شرائها لمعرفته بالفروسية في رمي السهام واستعمال السلاح واللعب بالرماح وغير ذلك
ولما ضاق عليه منزله لكثرة الوفاد عليه ولكثرة ميله الى ربط الخيول انتقل الى منزل واسع بالحسينية في طرف البلد بناء على ان الاطراف مساكن الاشراف فسكنه وعمر فيه وفي الزاوية التي قرب بيته وصرف عليها مالا كثيرا
وفي سنة 1177 استخار الله تعالى في التوجه الى دار السلطنة لامور اوجبت رحلته اليها منها انه ركبت عليه الديون وكثر مطالبوها وضاق
(1/418)

صدره من عدم مساعدة الوقت له وكان اذ ذاك محل تدريسه بالمشهد الحسيني وعزم عبد الرحمن كتخدا على هدمة وانشائه على هذه الصورة ورأي أن هذه البطالة تستمر أشهرا فوجد فرصة وتوجه اليها وقرأ دروسا في الحديث في عدة جوامع واشتهر هناك بالمحدث وأقبلت عليه الناس أفواجا للتلقي واحبته الامراء وأرباب الدولة وصارت له هناك وجاهة
الا انه كان في درسه ينتقل تارة الى الرد العنيف على أرباب الاموال والاكابر وملوك الزمان وينسبهم الى الجور والعدوان وانحرافهم عن الحق فوشي به الحاسدون فبرز الامر بخروجه من البلد وكان قد تزوج هناك فعاد الى مصر
فلما وصل الى بولاق ذهب اليه جماعة من الفضلاء واستقبلوه
واستقر في منزله وعاد الى دروسه في المشهد وذلك سنة 1183 ولم يترك عادته المألوفة من اكرام الضيوف وبذل المعروف وكان لا يصبر على الجماع وعنده ثلاث نسوة شامية ومصرية ورومية واذا خرج الى الخلاء أو بعض المنتزهات أخذ صحبته من يريدها منهن ونصب لها خيمة وألف الاغتسال مدة اقامته يوما أو يومين أو اكثر
واتفق له في آخر أمره انه ذهب عند محمد بك أبي الذهب وكان في ضائقة فحادثه الامير على سبيل المباسطة وقال له كيف رأيت أهل اسلامبول فقال لم يبق باسلامبول ولا بمصر خير ولا يكرمون الاشرار الخلق وأما أهل العلم والاشراف فانهم يموتون جوعا
ففهم الامير تعريضه وامر له بمائة الف نصف فضة من الضربخانة فقضى منها بعض ديونه وأنفق باقيها على الفقراء وعاش بعدها أربعين يوما وتعلل بخراج أياما واحضروا له رجلا يهوديا فقصده بمشتر قيل انه مسموم فكان سببا لموته
وتوفي عصر يوم الاحد سادس شهر شعبان من السنة وجهز في صبح يوم الاثنين وصلى عليه بالازهر في مشهد حافل ودفن بمقبرة باب النصر على أكمة هناك
ولما أحضر له الناس من الاعيان
(1/419)

عدة أكفان وكل منهم يريد أن لا يوضع الا في كفنه فاخذوا من كل كفن قطعة وكفنوه في مجموع ذلك جبرا لخواطرهم
وأعطى الامير محمد بك لاخيه مولانا السيد بدر الدين عندما أخبره بموته خمسمائة ريال لتجهيزه ولوازمه
وجلس مكانه في الدار أخوه السيد بدر المذكور وتصدره مكانه لاملاء درس الحديث النبوي بمسجد المشهد الحسيني وأقبلت عليه الناس والاعيان ومشى على قدم أخيه وسار سيرا حسنا وجرى على نسقه وطبيعته في مكارم الاخلاق واطعام الطعام واكرام الضيفان والتردد الى الاعيان والامراء والسعي في حوائج الناس والتصدي لاهل حارته وخطته في دعاويهم وفصل خصوماتهم وصلحهم والذب عنهم ومدافعة المتعدى عليهم ولو من الامراء والحكام في شكاويهم وتشاجرهم وقضاياهم حتى صار مرجعا وملجأ لهم في أمورهم ومقاصدهم وصار له وجاهة ومنزلة في قلوبهم ويخشون جانبه وصولته عليهم
ثم انه هدم الزاوية وما بجانبها وأنشأها مسجدا نفيسا لطيفا وعمل به منبرا وخطبة ورتب به اماما وخطيبا وخادما وجعل بجانبه ميضاه ومصلى لطيفة يسلك اليهما من باب مستقل وبها كراسي راحة وأنشأ بجانب المسجد دارا نفيسة وانتقل اليها بعياله وترك الدار التي كانت سكنه مع اخيه لانها كانت بالاجرة وبنى لاخيه ضريحا بداخل ذلك المسجد ونقله اليه وذلك سنة 1205
فلما كانت الحوداث في سنة 1213 واستيلاء الفرنسيس على الديار المصرية وقيام سكان الجهة الشرقية من أهلى البلد وهي القومة الاولى التي قتل فيها دبوي قائمقام تحركت في السيد بدر الدين المذكور الحمية وجمع جموعه من اهل الحسينية والجهات البرانية وانتبذ لمحاربة الافرنج ومقاتلتهم وبذل جهده في ذلك
فلما ظهر الافرنج على المسلمين لم يسع المذكور الاقامة وخرج فارا الى جهة البلاد الشامية وبيت المقدس وفحص عنه الافرنج وبثوا خلفه الجواسيس
(1/420)

فلم يدركوه فعند ذلك نهبوا داره ودهموا منها طرفا وكل تخريبها أوباش الناحية وخربوا المسجد وصارت في ضمن الاماكن التي خربها الفرنسيس بهدم ما حول السور من الابنية ثم في الواقعة الكبيرة الثانية عندما حضر الوزير والعساكر الرومية ورجعوا بعد نقض الصلح بدون طائل كما يأتي تفصيل ذلك
فلما حضروا ثانيا بمعونة الانكليز وتم الامر وسافر الفرنسيس الى بلادهم ورجع المذكور الى مصر وشاهد ما حصل لداره ومسجده من التخريب أخذ في اسباب تعميرهما وتجديدهما حتى أعادهما أحسن مما كانا عليه قبل ذلك وسكن بها وهو الآن بتاريخ كتابة هذا المجموع سنة 1220 قاطن بها ومحله مجمع شمل المحبين ومحط رحال القاصدين بارك الله فيه
ومات الفقيه المفنن العلامة الشيخ علي ين شمس الدين بن محمد بن زهران بن علي الشافعي الرشيدي الشهير بالخضري ولد بالثغر سنة أربع وعشرين وأمه آمنة بنت الحاج عامر بن أحمد العراقي وأمها صالحة بنت الشريف الشريف الحاج علي زعيتر أحد أعيان التجار برشيد حفظ المترجم الزبد والخلاصة وسبيل السعادة والمنهج الى الديات والجزرية والجوهرة وسمع على الشيخ يوسف القشاشي الجزرية وابن عقيل والقطر وعلى الشيخ عبد الله بن مرعي الشافعي في شوال سنة احدى واربعين جمع الجوامع والمنهج وألقى منه دروسا بحضرته ومختصر السعد واللقاني على جوهرته وشرح ابنه عبد السلام والمناوي على الشمائل والبخاري وابن حجر على الاربعين والمواهب وعلى الشمس محمد بن عمر الزهيرى معظم البخارى دراية والمواهب وابن عقيل والاشموني على الخلاصة وجمع الجوامع والمصنف على أم البراهين ونصف النفراوي على الرسالة والبيضاوي الى قوله تعالى واذا وقع القول فكلمه بعد موته
وفي سنة ثمان وثلاثين وفد على الثغر الشيخ عطية الاجهوري فقرأ
(1/421)

عليه العصام في الاستعارات مع الحفيد وعلى الشيخ محمد الادكاوي شرح السيوطي على الخلاصة والشنشوري على الرحبية والتحرير لشيخ الاسلام ثم قدم الجامع الازهر سنة ثلاث وأربعين فجاور ثلاث سنوات فسمع على الشيخ مصطفى العزيزي شرح المنهج مرتين والخطيب والشمائل واجازه بالافتاء والتدريس في رجب سنة ست وأربعين وكان به بارا رحيما شفوقا بمنزلة الوالد حتى بعد الوفاة وجرت له معه وقائع كثيرة تدل على حسن توجهه له دون غيره من الطلبة
وسمع على السيد علي الحنفي الضرير الاشموني وجمع الجوامع والمغني وبعض المنفرجة والقسطلاني على البخاري وتصريف العزى على الشمس محمد الدلجي المغني كله قراءة بحث والخطيب وجمع الجوامع وعلى الشيخ علي قايتباي الخطيب فقط وعلى الشيخ الحفني الخطيب والمنهج وجمع الجوامع والاشموني ومختصر السعد وألفية المصطلح ومعراج الغيطي وعلى أخيه الشيخ يوسف الاشموني والمختصر ورسالة الوضع وعلى الشيخ عطية الاجهوري المنهج والمختصر والسلم وعلى أحمد الشبراملسي الشافعي المختصر والتجرير وبعض العصام ومنظومة في أقسام الحديث الضعيف وعلى الشيخ محمد السجيني الشمائل وموضع من المنهج وأجازه الشيخ الشبراوي بالكتب الستة بعد أن سمع عليه بعضا منها ورجع عن فتواه مرتين في وقفين وعلى الشيخ أحمد بن سابق الزعبلي المنهج كله مرتين وعلى الشيخ أحمد المكودى كبرى السنوسي وبعض مختصره دراية وعلى الشيخ محمد المنور التلمساني شيخ المكودى المذكور أم البراهين دراية وعلى الشيخ أحمد العماوي المالكي بعض سنن أبي داود وجمع الجوامع والمغني والازهرية
ولما رجع الى الثغر لازم الشيخ شمس الدين الغوى خطيب جامع المحلي فسرد عليه معظم متن الزبد والمنهج وشرحه والشنشورى ومتن العباب وهو
(1/422)

الذي عرفه به وبطريق تركيب الفتاوى أسئلة وأجوبة
وكان يقول لا بد للمبتلي بالافتاء من العباب لوضوحه واستيعابه
وأجازه الشيخ شلبي البرلسي والشيخ عبد الدائم بن أحمد المالكي وأحمد بن أحمد بن قاسم الوني
وله مؤلفات جليلة منها شرح لقطة العجلان وحاشية على شرح الاربعين النووية للشبشيرى أجاد فيها كل الاجادة وقد رأيت كلا منهما بالثغر عند ولده السيد أحمد توفي في خامس عشرين شعبان من السنة
ومات الشاب الصالح والنجيب الاريب الفالح العلامة المستعد النبيه الذكي الشيخ محمد بن عبد الواحد بن عبد الخالق البناني أبوه وجده وعمه من أعيان التجار والثروة بمصر نشأ في عفة وصلاح وحفظ القرآن والمتون وحبب اليه طلب العلم فتقشف لذلك وتجرد ولازم الحضور والطلب ودأب واجتهد في التحصيل وسهر الليل وكان له حافظة جيدة وفهم حاد وقوة استعدادية وقابلية فأدرك في الزمن اليسير ما لم يدركه غيره في الزمن الكثير ولازم شيخنا الشيخ محمد الجناحي المعروف بالشافعي ملازمة كلية وتلقى عنه غالب تحصيله في الفقه والمعقول والمنطق والاستعارات والمعاني والبيان والفرائض والحساب وشباك ابن الهاثم وغير ذلك وحضر دروس الشيخ الصعيدي والدردير وغيرهم حتى مهر وأنجب ودرس واشتهر بالفضل وعمل الختوم وحضره أشياخ العصر وشهدوا بفضله وغزارة علمه وانتظم في عداد أكابر المحصلين والمفيدين والمستفيدين ولم يزل هذا حاله حتى وافاه الحمام وانمحق بدره عند التمام ومات مطعونا في هذه السنة وهو مقتبل الشبيبة لم يجاوز الثلاثين عوضه الله الجنة وهو ابن عم الامام العلامة الشيخ مصطفى بن محمد بن عبد الخالق من أعيان العلماء المشاهير بمصر الآن بارك الله فيه
ومات الفقيه الفاضل المحقق الشيخ أحمد بن أحمد الحمامي الشافعي
(1/423)

الازهري ولد بمصر واشتغل بالعلم من صغره ومال بكليته اليه وحبب اليه مجالسة أهله فلازم الشيخ عيسى البراوى حتى مهر وتفقه عليه وحضر دروس الشمس الحفني والشيخ علي الصعيدي وغيرهما واجازوه وحج في سنة خمس وثمانين مرافقا لشيخنا الشيخ مصطفى الطائي ورجعا الى مصر وتصدر للتدريس والافتاء في حياة شيوخه ودرس وأفاد
وكان أكثر ملازمته لزاوية الشيخ الخضرى ويقرأ درسا بالصرغتمشية وانتفع به جماعة وله حاشية على الشيخ عبد السلام مفيدة وأخرى على الجامع الصغير للسيوطي لم تتم وكان ذا صلاح وورع وخشية من الله وسكون ووقار
توفي يوم الاربعاء تاسع ربيع الاول من السنة ودفن ثاني يوم بمشهد عظيم بالقرب من السادة المالكية
ومات الامام الصوفي العارف المعمر الشيخ علي بن محمد بن محمد بن أحمد بن عبد القدوس ابن القطب شمس الدين محمد الشناوي الروحي الاحمدي المعروف ببندق ولد قبل القرن وأخذ عن عميه محمد العالم وعلي المصرى وهما عن عمهما الشمس محمد بن عبد القدوس الشهير بالدناطي عن ابن عمه الشهاب الخامي ومسكنهم بمحلة روح وهو شيخ مشايخ الاحمدية في عصره
وانتهت اليه الرياسة في زمنه وعاش كثيرا حتى جاوز المائة ممتعا بالحواس وكان له خلوة في سطح منزله ولها كوة مستقبلة طندتا بين يديها فضاء واسع يرى منها آثار طندتا وهو مستقبل القبلة في حال جلوسه ونومه ونظره الى تلك الكوة
وأخبرني أولاده انه هكذا هو مستمر على هذه الطريقة من مدة طويلة
توفي في أوائل جمادى الاولى من السنة واجتمع بمشهده غالب أهل البلاد من المشايخ والاعيان والصلحاء من الآفاق والسيد محمد مجاهد الاحمدي والشيخ محمد الموجه والسيد أحمد تقي الدين وغيرهم ودفن عند أسلافه بمحلة روح
(1/424)

ومات الامير خليل بك ابن ابراهيم بك بلفيا تقلد الامارة والصنجقية بعد موت والده وفتح بيتهم وأحيا ما آثرهم وكان أهلا للامارة ومحلا للرئاسة وتقلد امارة الحج في سنة احدى وثمانين ورجع في أمن وسخاء وطلع أيضا في السنة الثانية ومات بالحجاز ورجع بالحج أخوه عبد الرحمن أغا بلفيا
ومات الاجل المكرم الرئيس محمد تابع المرحوم محمد أوده باشه طبال مستحفظان ميسو الجداوى وهو زوج الجدة أم المرحوم الولد تزوج بها بعد موت الجد في سنة 1114 وقطن بها ببندر جدة وأولدها حسينا ومحمدا وتوفي سنة أربع وخمسين عن ولديه المذكورين وأخيهما محمود من أبيهما وعتقائه ومنهم المترجم قرباه ابن سيدة وهو العم حسين فأنجب وعانى التجارة ورئاسة المراكب الكبار ببحر القلزم حتى صار من أعيان النواخيد الكبار واشتهر صيته وذكره وكثر ماله وبنى دارا بمصر بجوار المدارس الصالحية واشترى المماليك والعبيد والجوارى وصار له داربمصر وبجدة ولم يزل حتى توفي بالشام وهو راجع الى مصر ووصل نعيه في سابع عشرين ربيع الثاني رحمه الله
ومات الخواجا الصالح المعمر الحاج محمد بن عبد العزيز البندارى وكان انسانا حسنا وهو الذي عمر العمارة والمساكن بطندتا واشتهرت به
توفي في غرة ربيع أول بعد تعلل رحمه الله تعالى
سنة سبع وثمانين ومائة وألف
فيها تواترت الاخبار والارجافات بمجيء علي بك من البلاد الشامية بجنود الشام وأولاد الظاهر عمر فتهيأ محمد بك للقائه وبرز خيامه الى جهة العادلية ونصب الصيوان الكبير هناك وهو صيوان صالح بك وهو في غاية العظم والاتساع والعلو والارتفاع وجميعه بدوائره من جوخ
(1/425)

صاية وبطانته بالاطلس الاحمر وطلائعه وعساكره من نحاس أصفر مموه بالذهب
فأقام يومين حتى تكامل خروج العسكر ووصل الخبر بوصول علي بك بجنوده الى الصالحية فارتحل محمد بك في خامس شهر صفر فالتقيا بالصالحية وتحاربا فكانت الهزيمة على علي بك واصابته جراحة في وجهه فسقط عن جواده فاحتاطوا به وحملوه الى مخيم محمد بك وخرج اليه وتلقاه وقبل يده وحمله من تحت ابطه حتى أجلسه بصيوانه
وقتل علي بك الطنطاوي وسليمان كتخدا وعمر جاويش وغيرهم وذلك يوم الجمعة ثامن شهر ضفر ووصل خبر ذلك الى مصر في صبح يوم السبت وحضروا الى مصر وأنزل محمد بك أستاذه في منزله الكائن بالازبكية بدرب عبد الحق وأجرى عليه الاطباء لمداواة جراحاته
وفي خامس عشر صفر وصل الحجاج ودخلوا الى مصر وأمير الحج ابراهيم بك محمد
وفي تلك الليلة توفي الامير علي بك بعد وصوله بسبعة أيام قيل انه سم في جراحاته فغسل وكفن ودفنوه عند اسلافه بالقرافة
وفي سابع عشر ربيع الاول وصل الوزير خليل باشا والي مصر واطلع الى القلعة في موكب عظيم وذلك يوم الخميس تاسع عشرة وضربوا له مدافع وشنكا من الابراج
وكان وصوله من طريق دمياط فعمل الديوان وخلع الخلع
ومات في هذه السنة الشيخ الامام الصالح العلامة المفيد الشيخ أحمد ابن الشيخ شهاب الدين أحمد بن الحسن الجوهرى الخادلى الشافعي ولد بمصر سنة 1132 وبها نشأ وسمع الكثير من والده ومن شيخ الكل الشهاب الملوى وآخرين
وتصدر في حياة أبيه للتدريس وحج معه وجاور سنة وكان انسنا حسنا ذا مودة وبر وشهامة ومروءة تامة واخلاق لطيفة
توفي بعد ان تعلل أياما في حادي عشري ربيع الاول وصلي
(1/426)

عليه بالجامع الازهر بمشهد حافل ودفن مع والده بالزاوية القادرية بدرب شمس الدولة
ومات المبجل المفضل الامام العارف صاحب المعارف علي بن محمد بن القطب الكامل السيد محمد مراد الحسيني البخاري الاصل الدمشقي الحنفي ويعرف بالمرادى نسبة لجده المذكور ولد بدمشق وأخذ عن أبيه وغيره من العلماء كعلي بن صادق الداغستاني وغيره وكان انسانا عظيم الشأن ساطع البرهان طيب الاعراق كريم الاخلاق منزله مأوى القاصدين ومحط رجال الواردين وهو والد خليل أفندي المفتي بدمشق نزل عنده السيد العيدروس فأكرمه وبره ولم يزل حتى توفي في هذه السنة
وتوفي بعده بشهرين أيضا أخوه حسين أفندي المرادى رحمهما الله
ومات الماهر الاديب الشاعر الكاتب المنشىء الشيخ ابراهيم بن محمد سعيد بن جعفر الحسني الادريسي المنوفي المكي الشافعي ولد في آخر القرن الحادى عشر بمكة وأخذ عن كبار العلماء كالبصرى والنخلي وتاج الدين القلعي والعجمي ثم من الطبقة التي تليه مثل علي السخاوى وابن عقيلة في آخرين من الواردين على الحرمين من آفاق البلاد واعلى ما عنده اجازة الشيخ ابراهيم الكوراني له وله شعر نفيس وقد جمع في ديوان وبينه وبين السيد جعفر البيثي والسيد العيدروس مخاطبات ومحاورات ودخل الهند بسفارة صاحب مكة فأكرم وعاد الى مكة وولي كتابة السر لملكها وكان يكاتب رجال الدولة على لسانه على إختلاف طبقاتهم وكان قلمه كلسانه سيالا وربما شرع في كتابة سورة من القرآن وهو يتلو سورة أخرى بقدرها فلا يغلط في كتابته ولا في قراءته حتى تتما معا وهذا من أعجب ما سمعت
وكان له مهارة ومعرفة في علم الطب واما انشاآته فاليها المنتهي في العذوبة وتناسب القوافي
وأما في نظمه فهو فريد عصره لا يجاريه فيه مجار ولا يطاوله مطاول
(1/427)

ومات البارع المقرىء المجود المحدث الشيخ عبد القادر بن خليل بن عبد الله الرومي المدني المعروف بكدك زاده ولد بالمدينة سنة 1140 وبها نشأ وحفظ القرآن وجوده على شيخ القراء شمس الدين محمد السجاعي نزيل المدينة تلميذ البقرى الكبير وحفظ الشاطبية واشتغل بالعلم على علماء بلده والواردين عليه سمع اكثر كتب الحديث على الشيخين ابن الطيب ومحمد حياة بقراءته عليهما في الاكثر ولازم الشيخ ابن الطيب ملازمة كلية حتى صار معيدا لدروسه وكان حسن النغمة طيب الاداء ولي الخطابة والامامة بالروضة المطهرة وكان اذا تقدم الى المحراب في الصلوات الجهرية تزدحم عليه الخلق لسماع القرآن منه ثم ورد الى مصر فأدرك الشيخ المعمر داود بن سلمان الخربتاى فتلقى منه أشياء واجازه وذلك في سنة 1168 وحضر الشيخ الملوى والجوهرى والحفني والبليدى وحمل عنهم الكثير وتزوج ثم توجه الى الروم ثم عاد الى المدينة فلم يقر له بها قرار ثم أتى الى مصر ودار على الشيوخ البقية ثانيا وأخذ عنهم وأحبه السيد اسمعل بن مصطفى الكماخي وصار يجلس عنده أياما في منزله الملاصق لجامع قوصون فشرع في أخذ خطابته له فاشترى له الوظيفة فخطب به على طريقة المدينة وازدحمت عليه الناس وراج أمره وتزوج ثم توجه الى الروم وباع الوظيفة وانخلع عما كان عليه وجلس هناك مدة وسمع السلطان قراءته في بعض المواضع في حالة التبديل فأحب أن يكون اماما لديه وكاد أن يتم فاحس امام السلطان بذلك فدعاه الى منزله وسقاه شيئا مما يفسد الصوت حسدا عليه فلما أحس بذلك خرج فارا فعاد الى مصر واشتغل بالحديث وشرع في عمل المعجم لشيوخه الذين أدركهم في بلده وفي رحلاته الى البلاد
ودخل حلب فاجتمع بالشيخ أبي المواهب القادرى وقرأ عليه شيئا من الصحيح وأجازه واخذ عن السيد المعمر ابراهيم بن محمد الطرابلسي النقيب ومن
(1/428)

درويش مصطفى الملقي ودخل طرابلس الشام وأخذ الاجازة من الشيخ عبد القادر الشكعاوي ودخل خادم ( احدى قرى الروم ) فاجتمع بالشيخ المعروف بمفتي خادم ورام ان يسمع منه الآولية فلم يجد عنده اسنادا وانما هو من أهل المعقول فقط ورجع الى مصر فاجتمع بشيخنا السيد مرتضى وتلقى عنه الحديث واهتم في جمع رجاله وتمهر في الاسناد وجمع من ذلك شيئا كثيرا في مسودات بخطه ثم عاد الى الحريمن ومنهما الى ارض اليمن فاجتمع بمن بقي من الشيوخ وأخذ عنهم ودخل صنعاء ومدح كلا من الوزير والامام بقصيدة فأكرم بها واجتمع على علمائها وتلقى عنهم وصار بينه وبين الشيخ أحمد قاطن أحد علمائها محاورات ثم دخل كوكيان فاجتمع على فريد عصره السيد عبد القادر بن أحمد الحسني من بيت الائمة ودخل شبام فأجتمع على السيد ابراهيم بن عيسى الحسني واللحية فأجتمع بها على الشيخ عيسى زريق وذلك في سنة 1185 وعاد الى مصر بالفوائد الغزار وبما حمل في طول غيبته من النوادر والاسرار وفي هذه الخطرات التي ذكرت دخل الصعيد من طريق القصير واجتمع على مشايخ عربان الهوارة ومدحهم بقصائد طنانة وأكرموه وله ديوان جمع فيه شعره وما مدح به الآكابر والاولياء وكان عنده مسودة بخطه وهذا قبل أن يسافر الى الشام والروم واليمن والصعيد فقد تحصل له في هذه السفرات كلام كثير مفرق لم يلحقه بالديوان وكان كلما نزل في موضع ينشيء فيه قصيدة غريبة في بابها وكان يغوص على المعاني بفكرة الثاقب فيستخرجها ويكسوها حلة الالفاظ ويبرزها أعجوبة تلعب بالعقول وتعمل عمل الشمول فلله دره من بليغ لم يبلغ معاصروه شأوه ولو اقام في موضع كغيره لاطلع ضياه ولكنه الف الغربة وهانت عنده الكربة فلم ينال بخشن ولا لين ولم يكترث بصعب ولا هين وأجازه الشيخ محمد السفاريني أجازه طويلة في خمسة
(1/429)

كراريس فيها فوائد جمة
ولم يزل تتنقل به الاحوال حتى سافر الى القدس الشريف فمكث هناك قليلا وزار المشاهد الكرام ومراقد الانبياء عليهم الصلاة والسلام ثم ارتحل الى نابلس فنزل في دار السيد موسى التميمي وهو اذ ذاك قاضي البلد فأكرمه وآواه واحترمه
ومرض اياما وانتقل الى رحمة الله تعالى في سلخ جمادى الثانية منها ووصل نعيه الى مصر وكانت معه كتبه وما جمعه في سفره من شعره والعجم الذي جمعه في الشيوخ والاجراء والاماني التي حصلها وضاع ذلك جميعه ولله في خلقه ما أراد
ومات العمدة الشاب الصالح الشيخ محمد بن حسن الجزايرلي ثم المدني الحنفي الازهري ولد بمكة اذ كان والده يتجر بالحرمين في حدود الستين وقدم به الى مصر فلازم الشيخ حسن المقدسي مفتي الحنفية ملازمة كلية وانضوى اليه فقرأ عليه المتون الفقهية ودرجه في أدنى زمن الى معرفة طرق الفتوى حتى كان معيدا لدروسه وكاتبا لسؤالاته وربما كتب على الفتوى بأذن شيخه
وفي أثناء حضر في المعقول على الشيخ الصعيدي والشيخ البيلي والشيخ محمد الامير وغيرهما من مشايخ الوقت وحصل طرفا من العلوم وصارت له الشهرة في الجملة وأعطاه شيخه تدريس الحديث بالصرغتمشية فكان في كل جمعة يقرأ فيه البخاري وزوجه امرأة موسرة لها بيت بالازبكية
وبعد وفاة شيخه تصدر لللاقراء في محله وصار ممن يشار اليه ولم يزل حتى مات في عنفوان شبابه في هذه السنة ويقال ان زوجته سمته
ومات الامير الكبير علي بك الشهير صاحب الوقائع المذكورة والحوادث المشهورة وهو مملوك ابراهيم كتخدا تابع سليمان جاويش تابع مصطفى كتخدا القازدغلي تقلد الامارة والصنجقية بعد موت استاذه في سنة 1168 وكان قوي المراس شديد الشكيمة عظيم الهمة لا يرضى لنفسه
(1/430)

بدون السلطنة العظمى والرياسة الكبرى لا يميل لسوى الجد ولا يحب اللهو ولا المزح ولا الهزل ويحب معالي الامور من صغره
واتفق ان بعض ولاة الامور تشاوروا في تقليده الامارة فنقل اليه مجلسهم وذكر له مساعدة فلان وممانعة فلان فقال انا لا اتقلد الامارة الا بسيفي لا بمعونة أحد
ولم يزل يرقى في مدارج الصعود حتى عظم شأنه وانتشر صيته ونما ذكره وكان يلقب بجن علي ولقب أيضا ببلوط قبان وانضم الى عبد الرحمن كتخدا واظهر له خلوص المحبة واغثر هو ايضا به وظن صحة خلوصه فركن اليه وعضده وساعده ونوه بشأنه ليقوى به على نظرائه من الاختيارية والمتكلمين
واتفق انه وقع بين أحمد جاويش المجنون تابعه وبين أهل وجاقة حادثة نقموا عليه فيها وأوجبوا عليه النفي بحسب قوانينهم واصطلاحهم واعرضوا الامر على عبد الرحمن كتخدا استاذه فعارض في ذلك ولم يسلم لهم في نفي أحمد جاويش ورأى ذلك نقصا في حقه فتلطف به بعضهم وترجوا في اخراجه ولو الى ناحية ترسا بالجيزة أياما قليلة مراعاة وحرمة للوجاق فلم يرض وحنق واحتد
فلما كان في اليوم الثاني واجتمع عليه الامراء والاعيان على عادتهم قال لهم أيها الامراء من انا اجابه الجميع بقولهم أنت استاذنا وابن استاذنا وصاحب ولائنا
قال اذا أمرت فيكم بامر تنفذوه وتطيعوه قالوا نعم
قال علي بك هذا يكون أميرنا وشيخ بلدنا ومن بعد هذا اليوم يكون الديوان والجمعية بداره وانا أول من اطاعه وآخر من عصى عليه
فلم يسعهم الا قبول ذلك بالسمع والطاعة وأصبح راكبا الى بيت علي بك وتحول الديوان والجمعية اليه من ذلك اليوم واستفحل أمره ولم يمض على ذلك الا مدة يسيرة حتى أخرج أحمد جاويش المذكور وحسن كتخدا الشعرواي وسليمان بك الشابوري كما تقدم ثم غدر به أيضا واخرجه الى الحجاز من طريق السويس وأرسل معه صالح بك ليوصله الى ساحل
(1/431)

القلزم فلما شيعه هناك أرسل بنفي صالح بك الى غزة ثم رد الى رشيد ومنها ذهب الى منية ابن خصيب وتحصن بها وجرد عليه المترجم التجاريد ولم يزل ممتنعا بها حتى تعصب على المترجم خشداشينه واخرجوه منفيا الى النوسات ثم وجهوه الى السويس بعد قتل حسن بك الأزبكاوى ثم منها الى الجهة القبلية بعد قتل عثمان بك الجرجاوى وانضم الى صالح بك وتعاقد معه وحضر معه الى مصر وقتل الرؤساء من أقرانه ثم غدر بصالح بك أيضا كما تقدم مجمل ذلك ثم نفى باقي الأعيان وفرق جمعهم في القرى والبلدان وتتبعهم خنقا وقتلا وأبادهم فرعا وأصلا وافنى باقيهم بالتشريد وجلوا عن أوطانهم الى كل مكان بعيد واستأصل كبار خشداشينة وقبيلته واقصى صغارهم عن ساحته وسدته
واخرب البيوت القديمة واخرم القوانين الجسيمة والعوائد المرتبة والرواتب التي من سالف الدهر كانت منظمة وقتل الرجال واستصفى الأموال وحارب كبار العربان والبوادي وعرب الجزيرة والهنادي واعاظم الشجعان ومقادم البلدان وشتت شملهم وفرق جمعهم واستكثر من شراء المماليك وجمع العسكر من سائر الأجناس واستخلص بلاد الصعيد وقهر رجالها الصناديد ولم يزل يمهد لنفسه حتى خلص له ولأتباعه الأقليم من الأسكندرية الى أسوان ثم جرد عساكره الى البلاد الحجازية ونفذ اغراضه بها ثم التفت الى البلاد الشامية وتابع إرسال البعوث والسرايا والتجاريد اليها وقتل عظماءها وكبراءها وولاتها واستولت اتباعه على البلاد الشامية حتى أنهم أقاموا في حصار يافا أربعة اشهر حتى ملكوها وعمر قلاع الاسكندرية ودمياط وحصنها بعساكره ومنع ورود الولاة العثمانيين وكان يطلع كتب الاخبار والتواريخ وسير الملوك المصرية ويقول لبعض خاصته ان ملوك مصر كانوا مثلنا مماليك الاكراد مثل السلطان بيبرس والسلطان قلاوون وأولادهم وكذلك ملوك الجراكسة وهم مماليك بني
(1/432)

قلاون الى آخرهم كانوا كذلك وهؤلاء العثمانية أخذوها بالتغلب ونفاق أهلها
وينوه ويشير بمثل هذا القول بما في ضميره وسريرته ولو لم يخنه مملوكه محمد بك لرد الامور الى أصولها وكان لا يجالس الا أهل الوقار والحشمة والمسنين مثل محمد افندي كاتب كبير الينكجرية ومصطفى افندي توكلي وعبد الله كتخدا محمد باشا الراقم ومرتضى أغا وأحمد افندي يجالسونه بالنوبة في اوقات مخصوصة مع غاية التحرز في الخطاب والمسامرة بوجيز القول وكاتب انشائه العربي الشيخ محمد الهلباوي الدمنهوري وكاتبه الرومى مصطفى افندي الاشقر ونعمان افندي وهو منجمه أيضا ويجل من العلماء المرحوم الوالد والشيخ أحمد الدمنهوري والشيخ على العدوى والشيخ أحمد الحماقي وكاتبه القبطي المعلم رزق بلغ في ايامه من العظمة ما لم يبلغه قبطي فيما رأينا ومن مسقاته كرع المعلم ابراهيم الجوهرى وأدرك ما أدركه بعده في ايام محمد بك واتباعه من بعده وتتبع المفسدين والذين يتداخلون في القضايا والدعاوى ويتحيلون على ابطال الحقوق بأخذ الرشوات والجعالات وعاقبهم بالضرب الشديد والاهانة والقتل والنفي الى البلاد البعيدة
ولم يراع في ذلك أحدا سواء كان متعمما أو فقيها أو قاضيا أو كاتبا أو غير ذلك بمصر أو غيرها من البناذر والقرى وكذلك المفسدون وقطاع الطريق من العرب وأهل الحوف والزم أرباب الادراك والمقادم بحفظ نواحيهم وما في حوزهم وحدودهم وعاقب الكبار بجناية الصغار فأمنت السبل وانكفت أولاد الحرام وانكمشوا عن قبائحهم وايذائهم بحيث ان الشخص كان يسافر بمفرده ليلا راكبا أو ماشيا ومعه حمل الدراهم والدنانير الى أي جهة ويبيت في الغيط أو البرية آمنا مطمئنا لا يرى مكروها أبدا
وكان عظيم الهيبة اتفق لاناس ماتوا فرقا من هيبته وكثيرا من كان تأخذه الرعدة بمجرد المثول بين يديه فيقول له هون
(1/433)

عليك ويلاطفه حتى ترجع له نفسه ثم يخاطبه فيما طلبه بصدده وكان صحيح الفراسة شديد الحذق يفهم ملخص الدعوى الطويلة بين المتخاصمين ولا يحتاج في التفهيم الى ترجمان أو من يقرأ له الصكوك والوثائق بل يقرأها ويفهم مضمونها ثم يمضيها أو يمزقها
وألبس سراجينه قواويق فتلى بالفاء من جوخ أصفر تمييزا لهم عن غيرهم من سراجين امرائه ولم يزل منفردا في سلطنة مصر لا يشاركه مشارك في رأيه ولا في احكامه وامرؤها وحكامها مماليكه وأتباعه فلم يقنع بما أعطاه مولاه وخوله من ملك بحريها وقبليها الذي افتخرت به الملوك والفراعنة على غيرها من الملوك وشرهت نفسه وغرته أمانيه وتطلبت نفسه الزيادة وسعة المملكة وكلف امراءه الاسفار وفتح البلاد حتى ضاقت أنفسهم وشموا الحروب والغربة والبعد عن الوطن فخالف عليه كبير امرائه محمد بك ورجع بعد فتح البلاد الشامية بدون استئذان منه واستوحش كل من الآخر فوثب عليه وفر منه الى الصعيد وكان ما كان من رجوعه بمن انضم اليه وخامر معه وكانت وكانت الغلبة له على مخدومه وفر منه الى الشام وجند الجنود وقصد العود لمملكته ومحل سيادته فوصل الى الصالحية
وخرج اليه محمد بك وتلاقيا واصيب المترجم بجراحة في وجهه واخذ أسيرا وقتل من قتل من امرائه ورجع محمد بك وصحبته مخدومه المذكور محمولا في تخت فأنزلوه في داره بدرب عبد الحق فأقام سبعة أيام ومات والله أعلم بكيفية موته
وكان ذلك في منتصف شهر صفر من السنة
فغسل وكفن وخرجوا بجنازته وصلى عليه بمصلى المؤمنين في مشهد حافل ودفن بتربة استاذه ابراهيم كتخدا بالقرافة الصغرى بجوار الامام الشافعي ومدفنهم مشهور هناك وبواجهته سبيل يعلوه قصر مفتح الجوانب
ومن مآثره العمارة العظيمة بطندتا وهي المسجد الجامع والقبة على مقام سيدي أحمد
(1/434)

البدوي رضى الله عنه والمكاتب والميضأة الكبيرة والحنفيات وكراسي الراحة المتسعة والمنارتان العظيمتان والسبيل المواجه للقبة والقيسارية العظيمة النافذة من الجهتين وما بها من الحوانيت للتجار وسميت هناك بالغورية لنزول تجار أهل الغورية بمصر في حاونيتها أيام مواسم الموالد المعتادة لبيع الاقمشة والطرابيش والعصائب وكان المشد على تلك العمارة المعلم حسن عبد المعطي وكان من الرجال أصحاب الهمم وولاه سدانة الضريح عوضا عن أولاد سعد الخادم لسوء سيرتهم وظلمهم فنكبهم المترجم واخذ ما امكنه أخذه من مالهم وهو شيء كثير وأنفقه في هذه العمارة ووقف عليها أوقافا ورتب بالمسجد عدة من الفقهاء والمدرسين والطلبة والمجاورين وجعل لهم خبزا وجرايات وشوربة في كل يوم وجدد أيضا قبة الامام الشافعي رضي الله عنه وكشف ما عليها من الرصاص القديم من أيام الملك الكامل الايوبي في القرن الخامس وقد تشعت وصدىء لطول الزمان فجدد ما تحته من خشب القبة البالي بغيره من الخشب النقي الحديث ثم جعلوا عليه صفائح الرصاص المسبوك الجديد المثبت بالمسامير العظيمة وهو عمل كثير
وجدد نقوش القبة من داخل بالذهب واللازورد والاصباغ وكتب بافريزها تاريخا منظوما صالح افندى
وهدم أيضا الميضاة التي كانت من عمارة عبد الرحمن كتخدا وكانت صغيرة مثمنة الاركان ووسعها وعمل عوضها هذه الميضأة الكبيرة وهي مربعة مستطيلة متسعة وبجانبها حنفية وبزابيز يصب منها الماء وحول الميضاة كراسي راحة بحيضان متسعة تجري مياهها الى بعضها وماؤها شديد الملوحة
ومن انشائه أيضا العمارة العظيمة التي أنشأها بشاطىء النيل ببولاق حيث دكك الحطب تحت ربع الخرنوب وهي عبارة عن قيسارية عظمية بباين بين يسلك منها من يجري الى قبلي وبالعكس وخانا عظيما يعلوه مساكن من الجهتين وبخارجه حوانيت وشونه غلال حيث مجرى النيل ومسجد متوسط
(1/435)

فحفروا اساس جميع هذه العمارة حتى بلغوا الماء ثم بنوا لها خنازير مثل المنارات من الاحجار والدبش والمؤن وغاصوا بها في ذلك الخندق حتى استقرت على الارض الصحيحة ثم ردموا ذلك الخندق المحتوي على تلك الخنازير بالمؤن ولاحجار واستعلوا عليه بعد ذلك بالبناء المحكم بالحجر النحيت وعقدوا العقود والقواصر والاعمدة والاخشاب المتينة
وكان العمل في ذلك سنة خمس وثمانين
ومات المترجم قبل اتمامها وبناء أعاليها
وكانت هذه العمارة من أشام العمائر لان النيل انحسر بسببها عن ساحل بولاق وبطل تياره واندفع الى ناحية انبابة ولم تزل الارض تعلو والاتربة تزيد فيما بين زاوية تلك العمارة الى شون الغلال ويزيد نموها في كل سنة حتى صار لا يركبها الماء الا في سنين الغرق
ثم فحش الامر وبنى الناس دورا وقهاري في بحري العمارة وسبحوا الى جهة قرب الماء مغربين والقوا أتربة العمائر وما يحفرونه حول ذلك واقتدى بهم الترابة وغيرهم ولم يجدوا مانعا ولا رادعا وكلما فعلوا ذلك هرب الماء وضعف جريانه وربت الارض وعلت وزادت حتى صارت كيمانا تنقبض النفوس من رؤيتها
وتمتلىء المنافس من عجاجها وخصوصا في وقت الهجير
بعد ان كانت نزهة للناظرين
ولقد ادركنا فيمل قبل ذلك تيارا لنيل يندفع من ناحية بولاق التكرور الى تلك الجهة ويمر بقوته تحت جدران الدور والوكائل القبلية وساحل الشون ووكالة الابزار وخضرة البصل وجامع السنانية وربع الخرنوب الى الجيعانية وينعطف الى قصر الحلي والشيخ فرج صيفا وشتاء ولا يعوقه عائق ولا يقدر أحد أن يرمي بساحل النيل شيئاا من التراب فان اطلع الحاكم على ذلك نكل به أو بخفير تلك الناحية وهذا شيء قد تودع منه ومن امثاله وأخر من أدركنا فيه هذا الالتفات والتفقد للامور الجزئية التي يترتب بزيادتها الضرر العام عبد الرحمن أغا مستحفظان فانه كان يحذو طريق الحكام السالفين الى
(1/436)

ان ضعفت شوكته بتآمر الاصاغر وقيد حكمه بعد الاطلاق وترك هذا الامر ونسي بموته وتقليد الاغاشم وتضاعف الحال حتى ان بعض الطرق الموصلة الى بولاق سدت بتراكم الاتربة التي يلقيها أهل الاطارف خارج الدروب ولا يجدون من يمنعهم أو يردعهم وقدرت علو الارض بسبب هذه العمارة زيادة عن أربع قامات فاننا كنا نعد درج وكالة الابزاريين من ناحية البحر عندما كنا ساكنين بها قبل هذه العمارة نيفا وعشرين درجة وكذلك سلم قيطون بيت الشيخ عبد الله القمري وقد غابت جميعها تحت الارض وغطتها الاتربة ولله عاقبة الامور
ومن إنشاء المترجم داره المطلة على بركة الازبكية بدرب عبد الحق التي بها والحوض والساقية والطاحون بجوارها وهي الان مسكن الست نفيسة
وبالجملة فأخبار المترجم ووقائعه وسيرته لو جمعت من مبدأ أمره الى اخره لكان مجلدات وقد ذكرنا فيما تقدم لمعا من ذلك بحسب الاقتضاء مما استحضره الذهن القاصر والفكر المشوش الفاتر بتراكم الهموم وكثرة الغموم وتزايد المحن واخطلاط الفتن واختلال الدول وارتفاع السفل ولعل العود يخضر بعد الذبول ويقطع النجم بعد الافول او يبسم الدهر بعد كشارة أنيابه أو يلحظنا من نظره المتغابي في أيابه ... زمن كاحلام تقضى بعده ... زمن نعلل فيه بالأحلام ...
ولله في خلقه من قديم الزمان عادة وانتظار الفرج عبادة نسأله انقشاع المصائب وحسن العواقب
ومات سلطان الزمان السلطان مصطفى بن احمد خان تولى السلطنة في سنة 1171 فكانت مدة سلطنته ست عشرة سنة وكانت له عناية ومعرفة بالعلوم الرياضية والنجومية ويكرم أرباب المعارف
وكان يراسل المرحوم الوالد والشيخ أحمد الدمنهوري ويهاديهما ويرسل اليهما الصلات والكتب وأرسل مرة الى الشيخ الوالد ثلاثة كتب مكلفة من
(1/437)

خزانته وهي كتاب القهستاني الكبير وفتاوى انقروي ونور العين في اصلاح جامع الفصولين كلاهما في الفقه الحنفي وله مؤلف في الفن دقيق ينسب اليه
وتولى بعده السطان عبد الحميد خان جعل الله ايامه سعيدة
ومات الامير علي بك الشهير بالطنطاوي وهو من مماليك عي بك المذكور وكان من الشجعان المعروفين والفرسان المشهورين ولم ينافق على سيده مع المنافقين ولم يمرق مع المارقين ولم يزل مع مخدومه فيما وجهه اليه حتى قتل بالصالحية بين يديه
ومات الرئيس المبجل الامير اسماعيل افندي الروزنامجي رئيس الكتبة بمصر وكان انسانا حسنا منور الوجه والشيبة ضابطا محررا خيرا أصيب بوجع عينيه فوعده الحاج سليمان الحكاك بشيء من الكحل وأودعه في ورقه وضعها في طي عمامته وكان بها ورقة أخرى فيها شيء من السليماني لم يتذكرها وهو أبيض والكحل أيضا ابيض فلما حضر عندما خرج الورقة التي بها السليماني من عمامته وأعطاها له وأمره أن يكتحل منها وقت النوم يظنها إنها ورقة الكحل ثم انصرف الى داره
فلما نزع عمامته وقتا النوم رأى ورقة الكحل وتذكر عند ذلك الاخرى فلم يمكنه الذهاب والتدارك ليلا لبعد المكان وفوات الوقت والمسكين صلى العشاء واكتحل من الورقة فزال بصره في الحال واستمر مكفوفا الى ان مات سحر ليلة الاحد سادس عشر ذي الحجة من آخر السنة وصلي عليه من الغد بسبيل المؤمنين ودفن بقبره الذي أعده لنفسه بالقرب من بن أبي جمرة عوضه الله الجنة
ومات الرجل الصالح الامير مراد أغا تابع قيطاس بك القطامشي وكان منجمعا عن الناس راضيا بحاله قانعا بمعيشته ملازما على حضور الجماعة والصلوات في المسجد
توفي يوم الاربعاء سابع عشرين شوال وصلي عليه بمصلى أيوب بك ودفن بالقرافة عند الطحاوي
(1/438)

ومات الامير حسن كتخدا مستحفظان القازدغلي الملقب بقرا وكان من الامراء الكبار أصحاب الحل والعقد بمصر في الزمن السابق وانقطع في بيته عن المقارشة والتداخل في الامور وكان مريضا بمرض الاكلة في فمه ولذلك تركه علي بك واهمله حتى مات يوم الثلاثاء ثالث عشر ذي القعدة من السنة عن ذلك المرض وورم في رجليه أيضا ودفن في يومه ذلك بالقرافة
ومات أيضا مصطفى أفندي الاشقر كاتب ديوان علي بك خنقه خليل باشا بالقلعة في سابع عشرين جمادى الاولى بموجب مرسوم من الدولة حضر بطلب رأسه ورأس عبدالله كتخذا ونعمان أفندي ومرتضي أغا فوجد محمد بك امضى الامر في عبد الله كتخدا وقطع رأسه في منزله بيد عبد الرحمن أغا ونعمان افندي ذهب الى الحجاز اثر موت علي بك وكذلك مرتضى أغا اختفى وتغيب وذهب من مصر ولم يعلم له مكان واستمر المترجم فطلبه الباشا فلما حضر اليه أمر بخنقه فخنقوه وسلخوا رأسه ودفنوه بالقرافة وأخذ موجوداته الباشا الى الميرى
ومات الاجل المبجل المجيد الضابط الماهر اسمعيل بن عبد الرحمن الرومي الاصل ثم المصري المكتب الملقب بالوهبي شيخ الخطاطين بمصر كتب الخط وجوده على شيخ عصره السيد محمد النورى وبرع واجتهد واشتغل قليلا بالعلم وكتب بيده المصاحف مرارا
واما نسخ الدلائل والاحزاب والاوراد السبعة فمما لا يحصى كثرة وكان انسانا حسنا بشوشا محبا للناس فيه مكارم الاخلاق وطيب النفس كتب عليه غالب من بمصر من أهل الكتابة وكان صاحب نقش وهمة عالية
وكان يلي منصب سيده في الخدمة العسكرية وكتب عدة ألواح كبار وتوجه بها باشارة بعض امراء مصر الى المدينة المنورة
فعلقها في المواجهة الشريفة بيده ونال بهذه الزيارة الشريفة والخدمة المنيفة سرورا وشرفا
ولما كانت سنة
(1/439)

أتى الامر من صاحب الدولة بتوجيه بعض عساكر مصرية تقوية للمجهادين فكان هو من جملة المعينين فيهم رئيسا في طائفتهم فتوجه الى الاسكندرية وركب منها الى الروم وابلى في تلك السفرة بلاء حسنا
وبعد مدة اذن لهم بالانصراف فعاد الى مصر وقد وهنت قواه واعترته الامراض وزاد شكواه وهو مع ذلك يكتب ويفيد ويجيز ويعيد ويحضر مجالس أهل الخط على عادته
وجلس ملازما لفراشه مدة حتى وافاه الحمام ليلة الاحد سادس عشر ذي الحجة فجهز وصلى عليه بمشهد حافل في مصلى المؤمنين ودفن عند ابن أبي جمرة قرب العياشي في قبر كان أعده لنفسه منذ مدة ولم يخلف بعده مثله رحمه الله
سنة ثمان وثمانين ومائة وألف
استهلت ووالي مصر خليل باشا محجور عليه ليس له في الولاية الا الاسم والعلامة على الاوراق والتصرف الكلي للامير الكبير محمد بك أبي الذهب والامراء واعيان الدولة مماليكه واشرافاته والوقت في هدوء وسكون وامن والاحكام في الجملة مرضية والاسعار رخية وفي الناس بقية وستائر الحياء عليهم مرخية شعر ... ماالدهر في حال السكون بساكن ... ولكنه مستجمع لو ثوب ...
ومات في هذه السنة الامام العلامة والتحرير الفهامة حامل لواء العلوم على كاهل فضله ومحرر دقائق المنطوق والمفهوم بتحريره ونقله من تكلحت بحبره عيون الفتوى وتشنفت المسامع بما عنه يروى وارتفع من حضيض التقليد الى ذرا الفضائل وسابق في حلبة العلوم فحاز قصب الفواضل الروض النضير الذي ليس له في سائر العلوم نظير وهو في فقه النعمان الجامع الكبير عمدة الانام وفيلسوف الاسلام سيدى ووالدي بدر الملة أبي التدائي حسن بن برهان الدين ابراهيم ابن
(1/440)

الشيخ العلامة حسن ابن الشيخ نور الدين علي بن الوالي الصالح شمس الدين محمد بن الشيخ زين الدين عبد الرحمن الزيلعي الجبرتي العقيلي الحنفي وبلاد الجبرت هي بلاد الزيلع باراضي الحبشة تحت حكم الخطي ملك الحبشة وهم عدة بلاد معروفة تسكنها هذه الطائفة وهم المسلمون بذلك الاقليم ويتمذهبون بمذهب الحنفي والشافعي لا غير وينسبون الى سيدنا اسلم بن عقيل بن أبي طالب وكان اميرهم في عهد النبي صلى الله عليه و سلم النجاشي المشهور الذي آمن به ولم يره وصلى عليه النبي صلى الله عليه و سلم صلاة الغيبة كما هو مشهور في كتب الاحاديث وهم قوم يغلب عليهم التقشف والصلاح ويأتون من بلادهم بقصد الحج والمجاورة في طلب العلم ويحجون مشاة ولهم رواق بالمدينة المنورة ورواق بمكة المشرفة ورواق بالجامع الازهر بمصر وللحافظ المقريزي مؤلف في أخبار بلادهم وتفصيل احوالهم ونسبهم
ومنهم القطب الكبير والمعتقد الشهير الشيخ اسمعيل بن سودكين الجبرتي تلميذ الشيخ ابن العربي ويسمى قطب اليمن والشيخ عبد الله الذي ترجمه الحافظ السيوطي في حسن المحاضرة وهو الذي كان يعتقده الملك الظاهر برقوق واوصى عند موته بأن يدفن تحت قدمه بالصحراء ومنهم الولي العارف الشيخ علي الجبرتي الذي كان يعتقده السلطان الاشرف قايتباي وارتحل الى بحيرة ادكو فيما بين رشيد والاسكندرية وبنى هناك مسجدا عظيما ووقف عليه عدة أماكن وقيعان وأنوال حياكة وبساتين ونخيل كثيرة وهو موجود الى الآن عامر بذكر الله والصلاة وهو تحت نظر الفقير الا أن غالب اماكنه زحفت عليها الرمال وطمستها وغابت تحتها وفيه الى الآن بقية صالحة
وبنى ايضا مسجدا شرقي عمارة السلطان قايتباي ودفن به وقد خرب وانطمست معالمه ولم يبق الا مدفنه وحوله حائط منهدم من غير باب ولا سقف وقبره ظاهر مكشوف يزار وللناس فيه اعتقاد عظيم
(1/441)

ومن كراماته التي أكرمه الله بها انه يرى على قبره في بعض الليالي المظلمة نور مثل القنديل المستنير يري ذلك سكان العمارة وغيرهم وهو أمر مشهور ومنها أن السفار وقوافل الاعراب ينزلون بأحمالهم حول قبره في الحوطة ويتركونها من غير حارس ليالي وأياما آمنين فلا يتعدى عليها سارق البتة ويعتقدون العطب للجاني في بدنه أو ماله وهو أمر مشهور ايضا مقرر في اذهانهم الى الآن
ومنهم الامام الحجة المجتهد الفقيه الاصولي الجدلي صاحب التصحيح والترجيح فخر الدين أبي عمر وعثمان الحنفي الزيلعي شارح الكنز المسمى بتبيين الحقائق شرح كنز الدقائق المدفون بحوطة سيدي عقبة بن عامر الجهني والشيخ الزيلعي الشافعي المدفون بالقرافة الكبرى وغير هؤلاء كثير ببلادهم وبأرض الحجاز ومصر والقصد بذلك التعريف بالنسبة قال تعالى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا أن اكرمكم عند الله اتقاكم
والنجاشي أول من آمن بالنبي صلى الله عليه و سلم من الملوك ولم يره وأسلم على يد ابن عمه جعفر بن أبي طالب وزوجه أم حبيبة رضي الله عنها وجهزها من عنده وأرسلها للنبي صلى الله عليه و سلم من الحبشة الى المدينة ومن أراد الاطلاع على أخبار النجاشي رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه و سلم وهداياه الى النبي صلى الله عليه و سلم وهدايا النبي اليه وبعض أخبار الحبشة وما رد فيهم من الآيات الاحاديث والاثار فلينظر في كتاب الطراز المنقوش في محاسن الحبوش للامام العلامة علاء الدين محمد بن عبد الله البخاري خطيب المدينة المنورة ورفع شأن الحبشان للعلامة جلال الدين السيوطي وتنوير الغبش في فضائلي السودان والحبش لابن الجوزي وفي تفسير البغوى اخرج أبو داود عن عائشة رضي الله عنها قالت لما مات النجاشي كنا نحدث انه لا يزال يرى على قبره نور وفي أزهار العروش في من عرف اسمه من الصحابة الحبوش ومن عبيدة صلى الله عليه و سلم
(1/442)

ومنهم أحد كبار المجاهدين والمهاجرين بلال بن رباح مؤذن رسول الله صلى الله عليه و سلم ومولى أبي بكر الصديق وهو أول من اذن في الاسلام وأول من ثوب في الفجر كما في الاوائل للسيوطي وكان خازن رسول الله صلى الله عليه و سلم على بيت المال كما في تهذيب الاسماء واللغات وكان يبدل الشين بالسين فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم في شأنه شين بلال سين عندي وعند الله
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول كان أبو بكر سيدنا واعتق سيدنا يعنى بلالا
وروى عنه كثير من كبار الصحابة ومنهم أبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود وابن عمر واسامة بن زيد وجابر وأبو سعيد الخدري وكعب بن عرفجة والبراء ابن عازب وغيرهم وجماعة من التابعين رضي الله عنهم اجمعين
ومنهم شقران بضم الشين المعجمة مولى رسول الله صلى الله عليه و سلم واما خدامه من الحبشة الاحرار فكثيرون وكذلك الصحابيات من امائه واهل بيته
ومنهم ام ايمن ذات الهجرتين وهي مرضعته وحاضنته وحليمة السعدية وثويبة وبركة جارية ام حبيبة وبريرة مولاة عائشة رصى الله عنها وتبعة جارية ام هانىء بنت ابي طالب وغفرة وسعيرة كذلك عبيد الصحابة
ومنهم مهجع بكسر الميم وفتح الجيم مولى عمر بن الخطاب وهو اول من استشهد ببدر وكان من المهاجرين الاولين وعده النبي صلى الله عليه و سلم من سادات اهل الجنة وقال في شأنه يوم قتل سيد الشهداء مهجع وهو اول من يدعى الى باب الجنة من هذه الامة
ومنهم اسلم مولى عمر بن الخطاب وايمن الحبشي المكي والد عبد الواحد ابن ايمن وبسار مولى المغيرة بن شعبة اخرج الحسن بن محمد الخلال في كرامات الاولياء عن أبي هريرة رضى الله عنه قال دخلت على النبي صلى الله عليه و سلم فقال لي يا أبا هريرة يدخل علي الساعة
(1/443)

من هذا الباب رجل من اجل السبعة الذين يدفع الله عز و جل عن أهل الارض بهم الاذى
فاذا حبشى قد طلع من ذلك الباب أقرع أجدع على رأسه جرة فيها ماء
فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم يا ابا هريرة هو هذا
ثم قال مرحبا بيسار ثلاث مرات وكان يرش المسجد ويكنسه ومات في عهده صلى الله عليه و سلم
واما الصحابة الاحرار من الجيوش الاخيار الذين كانوا يخدمون الرسول واصحابه واهل بيته فكثيرون جدا لا يمكن استيعابهم في هذا الاستطراد ضبطا وعددا وكذلك ابناء الحبشات من قريش من الصحابة والتابعين وأهل البيت الطاهرين والخلفاء العباسيين ومن ولد بأرض الحبشة من الصحابة من الحبشان مثل صفوان ابن امية بن خلف الجمحي وعمرو ابن العاص وغيرهما مثل عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وهو أول مولود في الاسلام بأرض الحبشة بالاتفاق وكان يسمى بحر الجود وأخباره في السخاء والكرم مشهورة والحرث بن حاطب الصحابي ومحمد بن حاطب وعمرو بن أبي سلمة وفي الجيوش أخلاق لطيفة وشمائل ظريفة وفيهم الحذق والفطانة ولطافة الطباع وصفاء القلوب لكونهم من جنس لقمان الحكيم وهم أجناس منهم السحرتي والامحرى وهم أحسن أجناس الحبوش الموصوفين بالصباحة والملاحة والفصاحة والسماحة والنعومة في الخد والرشاقة في القد ولله در الشيخ العلامة القاضي عبد البر ابن الشحنة الحنفي حيث يقول ... حبشية سألتها عن جنسها ... فتبسمت عن در ثغر جوهري ... فطفقت أسأل عن نعومة ما خفى ... قالت فما تبغيه جنسى أمحرى ...
والامحرية تفوق على السحرتية باللطف والظرف والسحرتية تفوق على الامحرية بالشدة والعنف فبينهما عموم وخصوص مطلق وقيل ان النجاشي منهم رضى الله عنه ويقال ان بني أرفدة الذين لعبوا بحرابهم
(1/444)

بين يدي رسول الله صلى الله عليه و سلم وفازوا بخطابه أعني قوله لهم دونكم يا بني ارفدة منهم ويقرب من هذين النوعين نوعان آخران نوع الدموات وبلين ونوعان آخران وهما قمو وقتر ونوع آخر يسمى ازاره
عود وانعطاف
ان الشيخ عبد الرحمن وهو الجد السابع لجامعه واليه ينتهي علمنا بالاجداد هو الذي ارتحل من بلاده ووصل الينا خبره سلفا عن خلف فقدم من طريق البحر الى جدة وانتقل الى مكة فجاور بها
وحج مرارا وذهب أيضا الى المدينة المنورة فجاور بها سنتين ولقي من لقي بالحرمين من الاشياخ وتلقى عنهم ثم رجع الى جدة وحضر الى مصر من طريق القلزم فدخل الى الجامع الازهر في أوائل العاشر وجاور بالرواق ولازم حضور الاشياخ واجتهد في التحصيل وتولى شيخا على الرواق والتكلم على طائفته وتزوج وولد له
فلما مات خلف ولده الشيخ شمس الدين محمد ونشأ على قدم الصلاح والاشتغال بطلب العلم وتولى مشيخة الرواق كوالده وانجب وقرأ دروسا في الفقه والمعقول بالرواق وكان على غاية من الصلاح وملازمة الجماعة والسنن ولا يبيت عند عياله ليلة أو ليلتين في الجمعة وغالب لياليه يبيتها بالرواق لاجل الاشتغال بالمطالعة اول الليل على السهارة والتهجد آخره
ومما اتفق له وعد من كراماته أن السراج انطفأ في بعض الليالي الشتوية فايقظ النقيب ليسرج له سراجا فقام من نومه متكرها وأخذ قنديلا وذهب ليسرجه فلما عاد به وقرب من الرواق رأى نورا فستر ذلك القنديل ونظر اليه من بعد لينظر من أين أتاه الاسراج فوجده يطالع في الكراس وهو في يده اليسار وسبابة يده اليمنى رافعها وهي تضىء مثل الشمعة المستنيرة ويطالع في نورها
ثم دخل النقيب بالقنديل فاختفى ذلك الضوء وعلم الشيخ ذلك من النقيب فعاتبه على التجسس وأشار اليه بكتمان سره ولم يعش الشيخ بعد ذلك الا قليلا
(1/445)

وتوفي الى رحمة الله تعالى
وخلف ابنه الشيخ علي فنشأ أيضا على قدم اسلافه في ملازمة العلم والعمل وصار له شهرة وتزوج بزينب بنت الامام العلامة القاضي عبد الرحمن الجويني ولم يزل مواظبا على شأنه وطريقة اسلافه حتى توفي وخلف ولديه الامام العلامة الشيخ حسن الذي تقدم ذكر تجرمته المتوفي سنة 1097 وأخاه الشبخ عبد الرحمن ومات في حياة أخيه سنة 1086 وكان لزينب الجوينية اماكن جارية في ملكها وقفتها على ولدي زوجها المذكورين
ولما توفي الشيخ حسن أعقب الجد ابراهيم وضيعا فكفلته والدته الحاجة مريم بنت الشيخ العمدة الضابط محمد بن عمر المنزلي الانصاري فنشأ أيضا نشوءا صالحا حتى بلغ الحلم فزوجوه بستيتة بنت عبد الوهاب أفندي الدلجي في سنة 1108 وبنى بها في تلك السنة وحملت بالمترجم وولدته في سنة عشر ومائة وألف ومات والده وعمره شهر واحد وسن والده اذ ذاك ست عشرة سنة فربته والدته بكفالة جدته أم أبيه المذكورة وصاية الامام العلامة الشيخ محمد النشرتي وقرروه في مشيخة الرواق كأسلافه والمتكلم عند الوصي المذكور فتربى في حجورهم حتى ترعرع وحفظ القرآن وعمره عشر سنين واشتغل بحفظ المتون فحفظ الالفية والجوهرة ومتن كنز الدقائق في الفقه ومتن السلم والرحبية ومنظومة ابن الشحنة في الفرائض وغير ذلك
واتفق له في أثناء ذلك وهو ابن ثلاث عشرة سنة أنه مر مع خادمه بطريق الازهر فنظر شيخ مقبل منور الوجه والشيبة وعليه جلالة ووقار طاعن في السن والناس يزدحمون على تقبيل يده ويتبركون به فسأل عنه وعرف أنه ابن الشيخ الشرنبلالي فتقدم اليه ليقبل يده كغيره فنظر اليه الشيخ وتوسمه وقبض على يده وقال من يكون هذا الغلام ومن أبوه فعرفوه عنه فتبسم وقال عرفته بالشبه
ثم وقف وقال اسمع يا ولدي أنا قرأت على جدك وهو قرأ على والدي وأحب أن تقرأ علي شيئا وأجيزك وتتصل بيننا سلسلة
(1/446)

الاسناد وتلحق الاحفاد بالاجداد
فامتثل اشارته ولازم الحضور عنده في كل يوم وقرأ عليه متن نور الايضاح تأليف والده في العبادات وكتب له الاجازة ونصها الحمد لله الذي أنعم على عبده بتوفيقه وأرشده الى سواء طريقه وأذاقه حلاوة التفقه في دينه وتمام تحقيقه وأشهد ان لا اله الا الله وحده لا سريك له المنعم بلطائف الانعام وعظيمه ودقيقه وأشهد أن سيدنا وسيدنا محمد صلى الله عليه و سلم عبده ورسوله الهادي الى الخير الكامل والجبر الشامل فأصبح كل أحد مغمورا في بحر فضله وجوده محفوظا من كيد الشيطان وجنوده وتعويقه وعلى آله الاطهار وصحابته الاخيار
وبعد فقد حضر لدى الولد النجيب الموفق اللبيب الفطن الماهر الذكي الباهر سليل العلماء الاعلام نتيجة الفضلاء العظام نور الدين حسن بن برهان الدين ابراهيم بن العلامة مفتي المسلمين وامام المحققين الشيخ حسن الجبرتي الحنفي رحم الله اسلافه وبارك فيه وقرأ على متن نور الايضاح من أوله الى آخره تأليف والدي المندرج الى رحمة الله تعالى سيدي وسندى الامام العلامة الشيخ حسن ابن عمار الشرنبلالي وأجزته أن يروى ذلك عني وجميع ما يجوز لي روايته اجازة عامة كما أجازني به وتفقه ابي حنيفة النعمان رضى الله عنه كما تلقى ذلك هو عن الشيخ علي المقدسي شارح نظم الكنز عن العلامة الشلبي شارح الكنز عن القاضي عبد البر بن الشحنة عن المحقق الكمال بن الهمام عن سراج الدين قارىء الهداية عن علاء الدين السيرامي عن السيد جلال الدين شارح الهداية عن علاء الدين بن عبد العزيز البخاري عن حافظ الدين صاحب الكنز عن شمس الأئمة الكردري عن برهان الدين صاحب الهداية عن فخر الإسلام البزدوى عن شمس الائمة السرخسي عن شمس الائمة الحلواني عن القاضي ابن علي النسفي عن الامام محمد بن الفضل البخاري عن عبد الله السند موني عن الامير عبد الله بن أبي حفص
(1/447)

البخاري عن أبيه المذكور عن الامام محمد بن الحسن الشيباني عن الامام أبي يوسف عن الامام الاعظم أبي حنيفة النعمان بن ثابت رضى الله عنه عن الامام حماد بن سليمان عن ابراهيم النخعي عن الامام علقمة عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه و سلم عن أمين الوحي جبريل عليه السلام عن الله عز و جل
واوصى الولد الاعز بالتقوى ومراقبة الله في السر والنجوى والله تعالى يوقفه وينفع به وبعلومه ويهدينا واياه لما كان عليه السلف الصالح في اسساس الدين ورسومه
قال ذلك الفقير الى الله تعالى حسن بن حسن الشرنبلالي الحنفي في ثالث ربيع الاول من سنة 1123 وتوفي الشيخ في آخر تلك السنة وقد جاوز التسعين
واشتغل المترجم واجتهد في طلب العلوم وحضر اشياخ العصر وتفقه على الامام العلامة السيد علي السيواسي الضرير وحضر عليه شرح الكنز للعيني والدر المختار وكتاب الاشباه والنظائر لابن نجيم وشرح المنار لابن نجيم وشرح المنار لابن فرشتة وشرح التحرير للكمال بن الهمام وشرح جمع الجوامع ومختصر السعد وعلى العلامة الشيخ أحمد التونسي المعروف بالدقدوسي الحنفي شرح الكنز للعلامة الزيلعي والدرر لملاخسرو والسيد علي السراجية في الفرائض وشرح منظومة بن الشحنة في الفرائض والشنشورى على الرحبية والتلخيص ومتن الحكم وشرح التحفة وعلى الشيخ علي العقدي الحنفي ملا مسكين على الكنز ومتن الهداية والسراجية والمنار والنزهة في علم الغبار والقلصادى ومنظومة ابن الهائم وعلى الفقيه محمد بن عبد العزيز الزيادى الحنفي ملتقى الابحر وفتح القدير والحكم لابن عطاء والقدورى وعقود الجمان في المعاني والبيان وايساغوجي وعلى الشيخ الفقيد المحدث الشهاب احمد بن مصطفى الاسكندري الشهير بالصياغ شرح الكبرى وام البراهين وشرح العقائد والمواقف وشرح المقاصد للسعد والكشاف والبيضاوى والشمائل والصحيحين رواية ودراية والاربعين
(1/448)

النووية والمشارق والقطب على الشمسية والمواهب اللدنية وشرح النخبة وعلى الشيخ منصور المنوفي شرح ابن عقيل على الالفية والشيخ خالد على الآجرومية والازهرية والتوضيح وشرح تصريف العزى وشرح التلمسانية والخبيصي على التهذيب وشيخ الاسلام على الخزرجية وعلى الشيخ عيد النمرسي شرح الورقات والسمرقندية وآداب البحث والعضدية والعصام على السمرقندية وعلم الجبر والمقابلة والعروض واعمال المناسخات والكسورات والاعداد الصم والغربال والمساحة والحساب وعلى الشيخ شلبي البرانسي تلخيص المفتاح والمطول والتجريد وعلى الشيخ محمد السجيني الضرير المكودى على الالفية والفاكهي وشرح الشذور وملاجامي وشرح مختصر ابن الحاجب والمطول وعلى الشيخ احمد العمادى شرح الجوهرة لعبد السلام والسكتاني على الصغرى وشرح مختصر السنوسي والكافي ونوادر الاصول والجامع الصغير وشرح المقاصد وعلى الشيخ حسن المدابغي الاشموني على الالفية وشرح المراح وقواعد الاعراب والمغنى وعلى الشيخ الملوى شرحه على السلم وشرح معراج الغيظي وأوضح المسالك وأوائل الكتب الستة والمسلسلات والمسندات وحضر ايضا دروس الشيخ عبد الرؤف البشبيشي وأبو العز العجمي وغيرهما وجد في التحصيل حتى فاق أهل عصره وباحث وناضل ودرس بالرواق في الفقه والمعقول وبالسنانية ببولاق
وكان لجدته أم أبيه مكان مشرف على النيل بربع الخرنوب عندما كان النيل ملاصقا لسدته فساكنها مدة فكان يغدو الى الجامع ثم يعود الى بولاق وله حاصل بربع الخرنوب يجلس فيه حصة ثم يعود الى السنانية فيملي هناك درسا ثم احترق ذلك المنزل بما فيه وتلف فيه اشياء كثيرة من المتاع والصيني القديم فانتقلت الى مصر وكانوا يذهبون الى مكان لها بمصر العتيقة في ايام النيل بقصد النزهة وهي التي أعانته على تحصيل العلوم اشتغاله بالعلم كان يعاني التجارة
(1/449)

والبيع والشراء والمشاركة والمضاربة والمقايضة وكانت جدته ذات غنية وثروة ولها أملاك وعقارات ووقفت عليه أماكن ومنها الوكالة بالصنادقية والحوانيت بجوارها وبالغورية ومرجوش ومنزل بجوار المدرسة الاقبغاوية ورتبت في وقفها عدة خيرات ومكتب لاقراء أيتام المسلمين بالحانوت المواجه للوكالة المذكورة وربعة تقرأ في كل يوم وختمات في ليالي المواسم وقصعتي تريد في كل ليلة من ليالي رمضان وثلاث جواميس تفرق على الفقهاء والايتام والفقراء في عيد الاضحية
وتزوج بجدته المذكورة بعد موت جده الامير علي أغا باش اخيتار متفرقة المعروف بالطورى وتزوج المترجم بابنته وله حكم قلاع الطور والسويس والمويلح وكانت اذ ذاك عامرة وبها المرابطون ويصرف عليهم العلوفات والاحتياجات
ولما مات علي أغا المذكور سنة سبع وثلاثين تقلد ذلك بعده المترجم مدة مع كونه في عداد العلماء وربي معتوقية عثمان وعليا ولم يزالا في كنفه حتى مات بعد مدة طويلة وأرسل خادما له يسعى سليمان الحصافي جربجيا على قلعة المويلح فقتلوه هناك فتكدر لذلك وترك هذا الامر وأعرض عنه وأقبل على شأنه من الاشتغال وماتت زوجته بنت الامير علي أغا المذكور في حياة ابيها فتزوج ببنت رمضان جلبي بن يوسف المعروف بالخشاب تابع كور محمد وهم بيت مجد وثروة ببولاق ولهم املاك وعقارات وأوقاف ومن ذلك وكالة الكتان وربع وحوانيت تجاه جامع الزردكاش وبيت كبير بساحل النيل وآخره تجاه جامع مزره جربجي وهو سكن رمضان جلبي المذكور وكان انسانا حسنا رقيق الحاشية وفيه فضيلة وسليفة جيدة
ومات رمضان جلبي المذكور سنة 1139 واستمرت ابنته في عصمة المترجم حتى ماتت في المحرم سنة 1182 وعمرها ستون سنة
وكانت من الصالحات الخيرات المصونات وحجت صحبته في سنة احدى وخمسين وكانت به بارة وله مطيعة
ومن جملة برهالة وطاعتها أنها كانت تشتري له من
(1/450)

السراري الحسان من مالها وتنظمهن بالحلي والملابس وتقدمهن اليه وتعتقد حصول الاجر والثواب لها بذلك وكان يتزوج عليها كثيرا من الحرائر ويشتري الجوارى فلا تتأثر من ذلك ولا يحصل عندها ما يحصل في النساء من الغيرة
ومن الوقائع الغريبة انه لما حج المترجم في سنة ست وخمسين واجتمع به الشيخ عمر الحلبي بمكة الوصي بان يشترى جارية بيضاء تكون بكرا دون البلوغ وصفتها كذا وكذا فلما عاد من الحج طلب من اليسرجية الجوارى لينقى منهن المطلوب فلم يزل حتى وقع على الغرض فاشتراها وأدخلها عند زوجته المذكورة حتى يرسلها مع من أوصاه بارسالها صحبته
فلما حضر وقت السفر أخبرها بذلك لتعمل لهم ما يجب من الزوادة ونحو ذلك فقالت له اني أحببت هذه الوصية حبا شديدا ولا أقدر على فراقها وليس لي أولاد وقد جعلتها مثل ابنتي والجارية بكت ايضا وقالت لا أفارق سيدتي ولا اذهب من عندها أبدا
فقال وكيف يكون العمل قالت ادفع ثمنها من عندى واشتر أنت غيرها ففعل
ثم انها اعتقتها وعقدت له عليها وجهزتها وفرشت لها مكانا على حدتها وبنى بها في سنة خمس وستين وكانت لا تقدر على فراقها ساعة مع كونها صارت ضرتها وولدت له أولادا
فلما كان في سنة اثنين وثمانين المذكورة مرضت الجارية فمرضت فقامت الجارية في ضحوة النهار فنظرت الى مولاتها وكانت في حالة غطوسها فبكت وزاد بها الحال وماتت تلك الليلة فأضجعوها بجانبها فاستيقظت مولاتها آخر الليل وحبستها بيدها وصارت تقول ان قلبي يحدثني انها ماتت ورأيت في منامي ماا يدل على ذلك فلما تحققت ذلك قامت وجلست وهي تقول لا حياة لي بعدها وصارت تبكي وتنتحب حتى طلع النهار وشرعوا في تشهيلها وتجهيزها وغسلوها بين يديها وشالوا جنازتها ورجعت الى فراشها ودخلت في سكرات الموت وماتت آخر النهار وخرجوا بجنازتها أيضا في اليوم الثاني
وهذا من أعجب ما شاهدته
(1/451)

ورأيته ووعيته وكان سني اذ ذاك أربع عشرة سنة
واشتغل المترجم في أيام اشتغاله بتجويد الخط فكتب على عبد الله أفندي الانيس وحسن أفندي الضيائي طريقة الثلث والنسخ حتى أحكم ذلك وأجازه الكتبة وأذنوه ان يكتب الاذن على اصطلاحهم ثم جود في التعليق على أحمد أفندي الهندى النقاش لفصوص الخواتم حتى أحكم ذلك وغلب على خطه طريقته ومشى عليها وكتب الديواني والقرمة وحفظ الشاهدى واللسان الفارسى والتركي حتى ان كثيرا من الاعاجم والاتراك يعتقدون ان أصله من بلادهم لفصاحته في التكلم بلسانهم ولغتهم
وفي سنة اربع واربعين اشتغل بالرياضيات فقرأ على الشيخ محمد النجاحي رقائق الحقائق للسبط المارديني والمجيب والمقنطر ونتيجة اللادقي والرضوانية والدرلابن المجدى ومنحرفات السبط والى هنا انتهت معرفة الشيخ النجاحي
وعند ذلك انفتح له الباب وانكشف عنه الحجاب وعرف السمت والأرتفاع والتقاسم والأرباع والميل الثاني والأول والأصل الحقيقي والمعدل وخالط أرباب المعارف وكل من كان من بحر الفن غارف وحل الرموز وفتح الكنوز واستخرج نتائج الدر اليتيم والتعديل والتقويم وحقق اشكال الوسايط في المنحرفات والبسائط والزيج والمحلولات وحركات التداوير والنطاقات والتسهيل والتقريب والحل والتركيب والسهام والظلال ودقائق الأعمال وانتهت اليه الرياسة في الصناعة واذعنت له أهل المعرفة بالطاعة وسلم له عطارد وجمشيد الراصد وناظره المشترى وشهد له الطوسي والأبهري وتبوأ من ذلك العلم مكانا عليا وزاحم بمنكبه العيوق والثريا وقدم القدوة العلامة والحكيم الفهامة الشيخ حسام الدين الهندي وكان متضلعا من العلوم الرياضية والمعارف الحكمية والفلسفية فنزل بمسجد في مصر القديمة واجتمع عليه بعض الطلبة مثل الشيخ الوسمي والشيخ أحمد الدمنهوري وتلقوا عنه أشياء في الهيئة فبلغ خبره المترجم
(1/452)

فذهب اليه للاخذ عنه فاغتبط به الشيخ وأحبه وأقبل بكليته عليه فلم يزل به حتى نقله الى داره وافرد له مكانا وأكرم نزله وقام باوده وطالع عليه الجغميني وقاضي زاده عليه والتبصرة والتذكرة وهداية الحكمة لأثير الدين الأبهري وما عليها من المواد والشروح مثل السيد والمبيدي قراءة بحث وتحقيق وأشكال التأسيس في الهندسة وتحرير اقليدس والمتوسطات والمبادي والغايات والأكر وعلم الأرتماطيقي وجغرافيا وعلم المساحة وغير ذلك
ثم أراد أن يلقنه على الصنعة الألهية وكان من الواصلين فيها فغالطه عن ذلك وأبت نفسه الأشتغال بسوى العلوم المهذبة للنفس وكان يحكي عنه امورا وعبارات واشارات تشعر بأنه كان من الكمل الواصلي في كل شيء ولم يزل عنده حتى عزم على الرحلة وسافر الى بلاده
وقدم الى مصر الأمام العلامة الشيخ محمد الغلاني الكشناوى وسكن بدرب الأتراك فأجتمع عليه المترجم وتلقى عنه علم الأوفاق وقرأ عليه شرح منظومة الجزنائية للقوصاني والدر والترياق والمرجانية في خصوص المخمس الخالي الوسط والأصول والضوابط والوفق المئيني وعلم التكسير للحروف وغير ذلك وسافر الشيخ الى الحج وجاور هناك فلما رجع أنزله عنده وصحبته زوجته وجواره وعبيده وكمل عنده غالب مؤلفاته ولم يزل حتى مات كما تقدم ذكر ذلك في ترجمته ولقي المترجم في حجاته الشيخ النخلي وعبدالله بن سالم البصري وعمر بن أحمد ابن عقيل المكي والشيخ محمد حياة السندي الكوراني وأبو الحسن السندى والسيد محمد السقاف وغيرهم وتلقى عنهم واجازوه وتلقوا هم أيضا عنه ولقنه الشيخ أبو الحسن السندى طريق السادة النقشبندية والأسماء الأدريسية
وهذه صورة اجازة الشيخ عمر ابن أحمد بن عقيل ومن خطه نقلت بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين
(1/453)

اصطفى خصوصا أفضل أنبيائه وعترته الطاهرين وصحابته أجمعين وبعد فان مما تطابقت عليه النصوص وتوافقت عليه ألسنة العموم والخصوص أن الباحث عن ألسنة الغراء لأتباع هدى سيد الأنبياء الموجب لمحبة ذي الآلاء والنعماء هو الفائز بالقدح المعلى والمرفوع الى المقام الأعلى ومن المعلوم أنه لم يبق في زماننا ما يتداول منها الا التعلل برسوم الأسناد بعد انتقال أهل المنزل والناد فذو الهمة هو الذي يثابر على تحصيل أعلاه وينافس في فهم متنه ويفحص عن معناه ويناقش في رجاله الذين عليهم مغناه الا وهو الشيخ الأجل الراقي بعزمه المتين من العلم والعمل الى أعلى محل سيدنا واستاذنا الشيخ حسن المرحوم ابراهيم بن الشيخ حسن الجبرتي أمده الله بالمدد الألهي فطلب من هذا الفقير أن أجيزه فلما لم أجد بدا من الأمتثال قلت سائلا التوفيق في الاول والفعال أجزت مولانا الشيخ حسن المذكور المنوه بذكره أعلى السطور أجزل الله تعالى له الاجور ما يجوز لي وعني روايته من مقروء ومسموع وأصول وفروع بشرطه المعتبر من تقوى الله والصيانة وضبط الالفاظ وسير الرجال والديانة حسبما أجازني بذلك شيوخ أكابر عدة هم في الشدائد عدة ومنهم بل من أجلهم سيدي وجدى لامي بعد أن قرأت عليه جانبا كبيرا من كتب الحديث وغيره قراءة تحقيق وتدقيق وغيره من الشيوخ أهل التوفيق وقد سمع مولانا الشيخ حسن منى أوائل البخارى ومسلم وأبي داود والنسائي والترمذى وابن ماجه والموطأ فليروعني المجاز المذكور متى شاء مما اتصلت بي روايته متى أراد رفع سند أو كتاب لمن هو من أهل الدراية وهو دام أنسه وزكا قدسه في غنية عن ذلك ولكن جرت العادة بأخذ الاكابر عن الاصاغر تكثيرا لسوادنا فهي سنة الاوائل والاواخر
وكذلك اجرت له بالصلاة المشهورة النفع بهذه الصيغة اللهم صل على سيدنا محمد وآله كما لا نهاية لكمالك وعد كماله حسبما أجازني بها ملانا الشيخ طاهر
(1/454)

ابن الملا ابراهيم الكوراني عن شيخه الشيخ حسن المنوفي مفتي الحنفية بالمدينة سابقا عن شيخه مولانا الشيخ علي الشبراملسي عن بعض اجلاء شيوخه وأمره أن يصلي بها بين المغرب والعشاء بلا عدد معين وبالمواظبة عليها يظهر نتائج فتحها خصوصا لمبتغى هذا العلم المجد في طلبه من ذويه نفعه الله تعالى بالعلم وجعله من أهليه وقد أجزت الشيخ المذكور ضاعف الله تعالى له الاجور بالاسماء الاربعينية الادريسية السهروردية بقراءتها واقرائها لخل صادق ان وجد كما أجازني بذلك جملة من الشيوخ وقد اتصل سندي بها أيضا عن مولانا وسيدنا الامجد مولانا الشيخ احمد بن محمد النخلي أنزل عليه شآبيب الرحمة والغفران الواحد العلي وهو يرويها عن الشيخ حجازي الديربي عن الشيخ شهاب الدين أحمد بن علي الخامي الشناوي وأجازه شيخه أيضا بشرحها للشيخ عثمان النحراوى قال الشيخ عثمان أجازني بالاسماء الادريسية العظام الشيخ كمال الدين السوداني وهو يرويها عن شيخه أبي المواهب أحمد الشناوى عن السيد صبغة الله أحمد عن السيد وجيه الدين العلوى عن الحاج حميد الشهير بالشيخ محمد الغوث عن الحاج حصور عن أبي الفتح هدية الله سيرمست عن الشيخ قاضن الستارى عن الشيخ ركن الدين صينوورى عن الشيخ يابوتاج الدين عن السيد جلال الدين البخارى عن الشيخ ركن الدين أبي الفتح عن الشيخ صدر الدين أبي الفضل عن الشيخ أبي البركات بهاء الدين زكريا عن شيخ الشيوخ شهاب الدين السهروردى عن سيدي وجيه الدين المعروف بعمويه عن الشيخ أحمد اسود الدينوري عن الشيخ ممشاد الدينوري عن الشيخ أبي القاسم الجنيد البغدادى عن خاله سرى السقطى عن الشيخ معروف الكرخي عن الشيخ داود الطائي عن الشيخ حبيب العجمي عن سيد التابعين حسن البصري عن امام المشارق والمغارب سيدنا علي بن ابي طالب عن
(1/455)

سيدنا ومولانا سيد الخلق حبيب الحق عبده ورسوله وحبيبه وصفيه وخليله النبي الرسول الحاوى لجميع الكمالات الاصلية والفرعية الجامع لكل الصفات السنية والمراتب العلية المبعوث لكل الخلق المتخصص بالقرب من العالم الحق سيد الكونين والثقلين والفريقين من عرب ومن عجم محمد صلى الله عليه و سلم قال ذلك بفمه وكتبه بقلمه أسير ذنبه عمر بن أحمد بن عقيل السقاف باعلوى حفيد مولانا الشيخ عبد الله ابن سالم البصري عفا الله تعالى عنهم أجمعين سائلا من الشيخ المذكور ان لا ينساني وأصولي ومشايخي في الدين وجميع أقاربي من صالح الدعوات في خلواته وجلواته وحركاته وسكناته وأوصيه بما أوصي به نفسي وسائر المسلمين من ملازمة التقوى وكمال الاستعداد واتباع سبيل الهدى والرشاد واسأل الله تعالى الكريم المنان أن يوفقني واياه والمسلمين لصالح القول والعمل ويجنبنا الخطأ والزلل ويجعلنا من العلماء العاملين والهداة الراشدين وان يميتنا على سنة سيد المرسلين صلى الله عليه و سلم وعلى آله وصحابته أجمعين في كل وقت وحين
وللمترجم أشياخ غير هؤلاء كثيرون اجتمع بهم وتلقى عنهم وشاركهم وشاركوه مثل علي أفندي الداغستاني والشيخ عبد ربه سليمان بن أحمد الفشتالي الفاسي والشيخ عبد اللطيف الشامي والجمال يوسف الكلارجي والشيخ رمضان الخوانكي والشيخ محمد النشيلي والشيخ عمر الحلبي والشيخ حسين عبد الشكور المكي والشيخ ابراهيم الزمزمي وحسن أفندي قطعة مسكين واحمد افندي الكرتلي والاستاذ عبد الخالق بن وفي وكان خصيصا به واجازه بالاحزاب وهو الذي كناه بأبي التداني وألبسه التاج الوفائي والسيد مصطفى العيدروس وولده السيد عبد الرحمن والسيد عبد الله العيدروسي والشيخ علي بندق الشناوى الاحمدى وكثير من المشايخ الازهرية مثل السيد محمد البنوفرى والشيخ عمر الاسقاطي والشيخ احمد الجوهرى والشيخ أحمد
(1/456)

الدلجي بن خال المترجم والشيخ أحمد الراشدى والشيخ ابراهيم الحلبي صاحب حاشية الدر والسيد سعودى محشي ملا مسكين وغيرهم من الآكابر والاخيار وأهل الاسرار والانوار حتى كمل في المعارف والفنون ورمقته بالاجلال العيون وعلا شأنه على علماء الزمان وتميز بين الاقران واذعنت له أهل الاذواق وشاع ذكره في الآفاق ووفدت عليه الطلاب البلدانية والواردون من النواحي الآفاقية وأتوا اليه من كل فج يسعون لميقاته ولزموا الطواف بكعبة فضله والوقوف بعرفاته فمنهم من ينفر بعد اتمام نسكه وبلوغ امنيته ومنهم من يواظب على الاعتكاف بساحته وكان رحمه الله عذب المورد للطالبين طلق المحيا للورادين يكرم كل من أم حماه ويبلغ الراجي مناه والمقتفى جدواه والراغب أقصى مرماه مع البشاشة والطلاقة وسعة الصدر والرياقة وعدم رؤية المنة على المحتدى ومسامحة الجاهل والمعتدى مع حسن الاخلاق والصفات التي سجدت لها الخناصر كأنها آيات سجدات وكانت ذاته جامعة للفضائل والفواضل منزهة عن النقائص والرذائل وقورا محتشما مهيبا في الاعين معظما في النفوس محبوبا للقلوب لا يعادى أحدا ولا يخاصم على الدنيا فلذلك لا تجد من يكرهه ولا من ينقم عليه في شيء من الاشياء وأما مكارم الاخلاق والحلم والصفح والتواضع والقناعة وشرف النفس وكظم الغيظ والانبساط الى الجليل والحقير كل ذلك سجيته وطبعه من غير تكلف لذلك ولا يرى لنفسه مقاما أصلا ولا يعرف التصنع في الامور ولا دعوى علم ولا معرفة ولا مشيخة على التلاميذ والطلبة ولا يرضى التعاظم ولا تقبيل اليد وله منزلة عظيمة في قلوب الآكابر والامراء والوزراء والاعيان ويسعون اليه ويذهب اليهم لبعض المقتضيات والشفاعات ويرسل اليهم فلا يردون شفاعته ولا يتوانون في حاجة يتكلم فيها وله عندهم محبة ومنزلة في قلوبهم زيادة عن نظرائه من الاشياخ لمعرفته
(1/457)

بلسانهم ولغتهم واصطلاحهم ورغبتهم فيما يعلمونه فيه من المزايا والاسرار والمعارف المختص بها دون غيره وخصوصا أكابر العثمانيين والوزراء وأهل العلوم والفضلاء منهم مثل علي باشا ابن الحكيم وراغب باشا وأحمد باشا الكور وغيرهم ويأتون اليه أحيانا في التبديل
وأكرموه وهادوه كل ذلك مع العفة والعزة وعدم التطلع لشيء من أسباب الدنيا بوظيفة أو مرتب أو فائظ أو نحو ذلك
وكان بينه وبين الامير عثمان بك ذي الفقار صحبة ومحبة وحج في أيام امارته على الحج مرافقا له ثلاث مرات من ماله وصلب حاله ولم يصله منه سوى ما كان يرسله اليه على سبيل الهدية وكان منزل سكنه الذي بالصنادقية ضيقا من أسفل وكثير الدرج فعالجه ابراهيم كتخدا على أن يشترى له أو يبني له دارا واسعة فلم يقبل وكذلك عبد الرحمن كتخدا وكان له ثلاثة مساكن أحدها هذا المنزل بالقرب من الازهر وآخر بالابزارية بشاطىء النيل ومنزل زوجته القديمة تجاه جامع مرزه
وفي كل منزل زوجة وسرار وخدم فكان ينتقل فيها مع أصحابه وتلامذته وكان يقتني المماليك والعبيد والجوارى البيض والحبوش والسود ومات له من الاولاد نيف وأربعون ولدا ذكورا واناثا كلهم دون البلوغ ولم يعش له من الاولاد سوى الحقير وكان يرى الاشتغال بغير العلم من العبثيات واذا أتاه طالب فرح به وأقبل عليه ورغبه وأكرمه وخصوصا اذا كان غريبا وربما دعاه للمحاورة عنده وصار من جملة عياله ومنهم من أقام عشرين عاما قياما ونياما لا يتكلف الى شىء من أمر معاشه حتى غسل ثيابه من غير ملل ولا ضجر
وانجب عليه كثير من علماء وقته المحققين طبقة بعد طبقة مثل الشيخ احمد الراشدى والشيخ ابراهيم الحلبي والشيخ مصطفى أبي الاتقان الخياط والسيد قاسم التونسي والشيخ العلامة احمد العروسي والشيخ ابراهيم الصيحاني المغربي والطبقة الاخيرة التي ادركناها مثل الشيخ ابي الحسن
(1/458)

القلعي والشيخ عبد الرحمن البناني
وأما الملازمون له فهم الشيخ محمد ابن اسمعيل النفراوي والشيخ محمد الصبان والشيخ محمد عرفة الدسوقي والشيخ محمد الامير والشيخ محمد الشافعي الجناجي المالكي والشيخ مصطفى الريس البولاقي والشيخ محمد الشوبري والشيخ عبد الرحمن العريشي والشيخ محمد الفرماوى وهؤلاء كانوا المختصين به الملازمين عنده ليلا ونهارا وخصوصا الشيخ محمد النفراوى والصبان ومحمود أفندي النيشي والفرماوى والشيخ محمد الامير والشيخ محمد عرفة فانهم كانوا بمنزلة أولاده خصوصا الاولين فانهما كانا لا يقارفانه الا وقت اقراء دروسهما وكان يباسط اخصاءه منهم ويمازحهم ويروحهم بالمناسبات والادبيات والنوادر والابيات الشعرية والمواليات والمجونيات والحكايات اللطيفة والنكات الظريفة وينتقلون صحبته في منازل بولاق ومواطن النزهة فيقطعون الاوقات ويشغلونها حصة في مدارسة العلم وأخرى في مطارحات المسائل وأخرى للمفاكهة والمباسطة والنوادر الادبية
ومن الملازمين على الترداد عليه والاخذ عنه الشيخ محمد الجوهرى والشيخ سالم القيرواني ومحمد أفندي مفتي الجزائر والسيد محمد الدمرداش وولداه السيد عثمان والسيد محمد
وممن تلقى عنه شيخ الشيوخ الشيخ علي العدوى تلقى شرح الزيلعي على الكنز في الفقه الحنفي وكثيرا من المسائل الحكمية
ولما قرأ كتاب المواقف فكان يناقشه في بعض المسائل محققو الطلبة فيتوقف في تصويرها لهم فيقوم من حلقته ويقول لهم اصبروا مكانكم حتى اذهب الى من هو أعرف مني بذلك وأعود اليكم
ويأتي الى المترجم فيصورها له بأسهل عبارة ويقوم في الحال فيرجع الى درسه ويحققها لهم وهذا من أعظم الديانة والانصاف
وقد تكرر منه ذلك غير مرة وكان يقول عنه لم نر ولم نسمع من توغل في علم الحكمة والفلسفة وزاد ايمانه الا هو رحم الله الجميع
وممن تلقى عنه من أشياخ
(1/459)

العصر العلامة الشيخ محمد المصليحي والعلامة الشيخ حسن الجداوي والشيخ محمد المسودى والشيخ أحمد بن يونس والشيخ محمد الهلباوى والشيخ أحمد السجاعي لازمه كثيرا وأخذ عنه في الهيئة والفلكيات والهداية وألف في ذلك متونا وشروحا وحواشي
وأما من تلقى عنه من الآفاقيين وأهالي بلاد الروم والشام وداغستان والمغاربة والحجازيين فلا يحصون واجل الحجازيين الشيخ ابراهيم الزمزمي
وأما ما اجتمع عنده وما اقتناه من الكتب في سائر العلوم فكثير جدا قلما اجتمع ما يقاربها في الكثرة عند غيره من العلماء أو غيرهم
وكان سموحا باعارتها وتغييرها للطلبة وذلك كان السبب في اتلاف اكثرها وتخريمها وضياعها حتى انه كان أعد محلا في المنزل ووضع فيه نسخا من الكتب المستعملة التي يتداول علماء الازهر قراءتها للطلبة مثل الاشموني وابن عقيل والشيخ خالد وشروحه والازهرية وشروحها والشذور وكذلك من كتب التوحيد مثل شروح الجوهرة والهدهدى وشرح السنوسية والكبرى والصغرى وكتب المنطق والاستعارات والمعاني وكذلك كتب الحديث والتفسير والفقه في المذاهب وغير ذلك فكانوا يأتون الى ذلك المكان ويأخذون ويغيرون وينقلون من غير استئذان فمنهم من يأخذ الكتاب ولا يرده ومنهم من يهمل التغيير فتضيع الكراريس ومنهم من يسافر ويتركها عند غيره ومنهم من يهمل آخر الكتاب ويتفق ان الاثنين والثلاثة يشتركون في الكتاب الواحد والنسخة الواحدة ولا بد من حصول التلف من أحدهم ولا بد من حصول الضياع والتلف في كل سنة وخصوصا في اواخر الكتب عندما تفتر هممهم
وأكثر الناس منحرفو الطباع معوجو الاوضاع
واقتنى أيضا كتبا نفيسة خلاف المتداولة وأرسل اليه السلطان مصطفى نسخا من خزائنه وكذلك اكابر الدولة بالروم ومصر وباشة تونس والجزائر واجتمع لديه من كتب الاعاجم مثل الكلستان وديوان حافظ
(1/460)

وشاه نامه وتواريخ العجم وكليله ودمنه ويوسف زليخا وغير ذلك وبها من التشاويه والتصاوير البديعة الصنعة الغريبة الشكل وكذلك الآلات الفلكية من الكرات النحاس التي كان اعتنى بوضعها حسن افندي الروزنامجي بيد رضوان افندى الفلكي كما تقدم في ترجمتها
ولما مات حسن أفندي المذكور اشترى جميعها من تركته وكذلك غيرها من الآلات الارتفاعية والميالات وحبق الارصاد والاسطرلابات والارباع والعدد الهندسية وأدوات غالب الصنائع مثل التجارين والخراطين والحدادين والسمكرية والمجلدين والنقاشين والصواغ وآلات الرسم والتقاسيم ويجتمع به كل متقن وعارف في صناعته مثل حسن أفندي الساعاتي وكان ساكنا عنده وعابدين أفندي الساعاتي وعلي افندي رضوان وكان من ارباب المعارف في كل شيء ومحمد افندى الاسكندراني والشيخ محمد الاقفالي وابراهيم السكاكيني والشيخ محمد الزبداني وكان فريدا في صناعة التراكيب والتقاطير واستخراج المياه والادهان وغير هؤلاء ممن رأيت ومن لم أر وحضر اليه طلاب من الافرنج وقراوا عليه علم الهندسة وذلك سنة تسع وخمسين وأهدوا له من صنائعهم وآلاتهم اشياء نفيسة وذهبوا الى بلادهم ونشروا بها ذلك العلم من ذلك الوقت وأخرجوه من القوة الى الفعل واستخرجوا به الصنائع البديعة مثل طواحين الهواء وجر الاثقال واستنباط المياه وغير ذلك
وفي أيام اشتغاله بالرسم رسم ما لا يحصى من المنحرفات والمزاول على الرخامات والبلاط الكذان ونصبها في اماكن كثيرة ومساجد شهيرة مثل الازهر والاشرفية وقوصون ومشهد الامام الشافعي والسادات
وفي الآثار منها ثلاثة واحدة باعلى القصر وأخرى على البوابة وأخرى عظيمة بسطح الجامع بقى منها قطعة وكسر باقيها فراشو الامراء الذين كانوا ينزلون هناك للنزاهة ليمسحوا بها صواني الاطعمة الصفر وكذلك بورد ان بالتماس مصطفى أغا الورداني
(1/461)

وكذلك بحوش مدفن الرزازين بالتماس رضوان جرجبي الرزاز رحمه الله ولما تمهر الآخذون عنه والملازمون عنده ترك الاشتغال بذلك واحال الطلاب عليهم فاذا كان الطالب من أبناء العرب تقيد بتلميذه الشيخ محمد ابن اسمعيل النفراوى وان كان من الاعاجم والاتراك تقيد بمحمود افندي النيشي
واشتغل هو بمدارسة الفقه واقرائه ومراجعة الفتاوى والتحرى في الفروع الفقهية والمسائل الخلاقية وانكب عليه الناس يستفتونه في وقائعهم ودعاويهم
وتقرر في اذهانهم تحرية الحق والنصوص حتى ان القضاة لا يثقون الا بفتواه دون غيره وتقيد للمراجعة عنده الشيخ عبد الرحمن العريشي فانفتحت قريحته وراج أمره وترشح بعده للافتاء
وكان المترجم لا يعتني بالتأليف الا في بعض التحقيقات المهمة منها نزهة العينين في زاكاة المعدنين ورفع الاشكال بظهور العشر في العشر في غالب الاشكال والاقوال المعربة عن أحوال الاشربة وكشف اللثام عن وجوه مخدرات النصف الاول من ذوى الارحام والوشي المجمل في النسب المحمل والقول الصائب في الحكم على الغائب وبلوغ الآمال في كيفية الاستقبال والجداول البهية برياض الخزرجية في علم العروض واصلاح الاسفار عن وجوه بعض مخدرات الدر المختار ومآخذ الضبط في اعتراض الشرط على الشرط والنسمات الفيحية على الرسالة الفتحية والعجالة على أعدل آلة وحقائق الدقائق على دقائق الحقائق واخصر المختصرات على ربع المقنطرات والثمرات المجنية من أبواب الفتحية والمفصحة فيما يتعلق بالاسطحة والدر الثمين في علم الموازين وحاشية على شرح فاضي زادة على الجغميني لم تكمل وحاشية على الدر المختار لم تكمل ومناسك الحج وغير ذلك جواش وتقييدات على العصام والحفيد والمطول والمواقف والهداية في الحكمة والبرزنجي على قاضي زاده وأمثلة وبراهين هندسية شتى
وماله من الرسومات المخترعة
(1/462)

والآلات النافعة المبتدعة ومنها الآلة المربعة لمعرفة الجهات والسمت والانحرافات باسهل ماخذو أقرب طريق والدائرة التاريخية وبركار الدرجة
واتفق انه في سنة اثنتين وسبعين وقع الخلل في الموازين والقبابين وجهل أمر وضعها ورسمها وبعد تحديدها وريحها ومشيلها واستخراج رمامينها وظهر فيها الخطأ واختلفت مقادير الموزونات وترتب على ذلك ضياع الحقوق وتلاف الاموال وفسد على الصناع تقليدهم الذى درجوا عليه فعند ذلك تحركت همة المترجم لتصحيح ذلك وأحضر الصناع لذلك من الحدادين والسباكين وحرر المثاقيل والصنج الكبار والصغار والقرسطونات ورسمها بطريق الاستخراج على أصل العلم العملي والوضع الهندسي وصرف على ذلك أموالا من عنده ابتغاء لوجه الله ثم أحضر كبار القبانية والوزانين مثل الشيخ علي خليل والسيد منصور والشيخ علي حسن والشيخ حسن ربيع وغيرهم وبين لهم ما هم عليه من الخطأ وعرفهم طريق الصواب في ذلك وأطلعهم على سر الوضع والصنعة ومكنونها واحضروا العدد وأصلحوا منها ما يمكن اصلاحه وابطلوا ما تقدم وضعه وفسدت لقمه ومراكزه وقيدوا بصناعة ذلك الاسطى مراد الحداد ومحمد ابن عثمان حتى تحررت الموازين وانضبط امرها وانصلح شأنها
وسرت في الناس العدالة الشرعية المأمورين باقامتها واستمر العمل في ذلك أشهرا وهذا هو السبب الحامل له على تصنيف الكتاب المذكور وهذا هو ثمرة العلم ونتيجة المعرفة والحكمة المشار اليها بقوله تعالى يؤتي الحكمة من يشاء
ولما وصل الى مصر الشيخ ابراهيم بن أبي البركات العباسي البغدادي الشهير بابن السويدى في سنة 1175 وكان اماما فاضلا فصيحا مفوها ينظم الشعر بالاملاء ارتجالا في أي قافية من أى بحر من غير تكلف فأنزله المترجم واكرمه واغتبط به وصار يتنقل صحبته مع الجماعة بمنازل بولاق والمنتزهات
واتفق انه تمرض أياما فأقام بمنزل بولاق
(1/463)

المشرف على النيل فقيد به من يعوله ويخدمه ويعلل مزاجه فكان كلما اختلى بنفسه وهبت عليه النسمات الشمالية والنفحات البحرية أخذ القلم ببنانه ونقش على أخشابه وحيطانه فكتب نحو العشرين قصيدة على مواقف عديدة كلها مدائح في المذكور والرياض والزهور والكوثر والسلسبيل وجريان النيل وتركت بحالها وذهبت كغيرها
وفي سنة تسع وسبعين توفي ولده أخي لابي أبو الفلاح علي وقد بلغ من العمر اثنتي عشرة سنة
فحزن عليه وانقبض خاطره وانحرف مزاجه وتوالت عليه النوازل وأوجاع المفاصل وترك الذهاب الى بولاق وغيرها ونقل العيال من هناك ولازم البيت الذي بالصنادقية واقتصر عليه وفتر عن الحركة الا في النادر
وصار يملي الدروس بالمنزل ويكتب على الفتاوى ويراجع المسائل الشرعية والقضايا الحكمية مع الديانة والتحرى والمراجعة والإستنباط والقياس الصحيح ومراعاة الأصول والقواعد ومطارحات التحقيقات والفوائد وتلقي الوافدين وإكرام الواردين وإطعام الطعام وتبليغ القاصد المرام ومراعاة الأقارب والأجانب مع البشاشة ولين الجانب وسعة الصدر وحسن الاخلاق مع الخلان والاصحاب والرفاق ويخدم بنفسه جلاسه ولا يمل معهم ايناسه ولا يبخل بالموجود ولا يتكلف المفقود ولا يتصنع في أحواله ولا يتمشدق في أقواله ويلاحظ السنة في أفعاله
ومن أخلاقه انه كان يجلس بآخر المجلس على اى هيئة كان بعمامة وبدونها ويلبس أى شيء كان ويتحزم ولو بكنار الجوخ أو قطعة خرقة او شال كشميرى أو محزم ولا ينام على فراش ممهد بل ينام كيفما اتفق وكان أكثر نومه وهو جالس وله مع الله جانب كبير كثير الذكر دائم المراقبة والفكر ينام أول الليل ويقوم آخره فيصلي ما تيسر من النوافل والوتر ثم يشتغل بالذكر حتى يطلع الفجر فيصلي الصبح ويجلس كذلك الى طلوع الشمس فيضطجع قليلا أو ينام وهو جالس مستندا وهذا دأبه
(1/464)

على الدوام
ويحاذر الرياء ما أمكن وكان يصوم رجب وشعبان ورمضان ولا يقول اني صائم وربما ذهب الى بعض الاعيان أو دعي الى وليمة فيأتون اليه بالقهوة والشربات فلا يرد ذلك بل يأخذها ويوهم الشرب وكذلك الاكل ويضايع ذلك بالمؤانسة والمباسطة مع صاحب المكان والجالسين
وكان مع مسايرته للناس وبشاشته ومخاطبته لهم على قدر عقولهم عظيم الهيبة في نفوسهم وقورا محتشما ذا جلال وجمال
وسمعت مرة شيخنا سيدي الشيخ محمودا الكردى يقول أنا عندما كنت أراه داخلا في دهليز الجامع يداخلني منه هيبة عظيمة وأدخل الى رواقنا وانظر اليه من داخل واسأل المجاورين عنه فيقولون لي هذا الشيخ الجبرتي فأتعجب لما يداخلني من هيبته دون غيره من الاشياخ فلما تكرر على ذلك أخبرت الاستاذ الحفني فتبسم وقال لي نعم انه صاحب اسرار
وكان مربوع القامة ضخم الكراديس ابيض اللون عظيم اللحية منور الشيبة واسع العينين غزير شعر الحاجبين وجيه الطلعة يهابه كل من يراه ويود أنه لا يصرف نظره عن جميل محياه
ولم يزل على طريقته المفيدة وأفعاله الحميدة الى أن آذنت شمسه بالزوال وغربت بعد ما طلعت من مشرق الاقبال وتعلل اثني عشر يوما بالهيضة الصفراوية فكان كلما تناول شيئا قذفته معدته عندما يريد الاضطجاع الى ان اقتصر على المشروبات فقط وهو مع ذلك لا يصلي الا من قيام
ولم يغب عن حواسه وكان ذكره في هذه المدة يقرأ الصمدية مرة ثم يصلي على النبي صلى الله عليه و سلم بالصيغة السنوسية كذلك ثم الاسم العشرين من الاسماء الادريسية وهو يا رحيم كل صريخ ومكروب وغياثه ومعاذه هكذا كان دأبه ليلا ونهارا حتى توفى يوم الثلاثاء قبيل الزوال غرة شهر صفر من السنة وجهز في صبحة يوم الاربعاء وصلي عليه بالازهر بمشهد حافل جدا ودفن عند اسلافه بتربة الصحراء بجوار الشمس البابلي والخطيب
(1/465)

الشربيني ومات وله من العمر سبع وسبعون سنة
ومات الامام العلامة الفقيه المعمر الشيخ احمد بن محمد الحماقي الحنفي كان أبوه من كبار علماء الشافعية فتحنف هذا بأذن الامام الشافعي والشيخ احمد البنوفرى والشيخ سليمان المنصورى وغيرهم وتصدر رضي الله عنه لرؤيا رآها وكان يخبر بها من لفظه وتلقى عن أئمة عصره كالشيخ أحمد الدقدوسي والشيخ علي العقدي ومحمد عبد العزيز الزيادى والشيخ احمد البنوفرى والشيخ سليمان المنصورى وغيرهم وتصدر للاقراء والتدريس بالجامع الازهر مدة سنين ثم تولى مشيخة افتاء الحنفية بعد موت الشيخ حسن المقدسي
وكان انسانا حسنا دمث الاخلاق حسن العشرة صافي الطوية عارفا بفروع المذهب لين الجانب لا يتحاشى الجلوس في الاسواق والقهاوى وكان اخوانه من أهل العلم ينقمون عليه في ذلك فلا يبالي باعتراضهم ولم يزل حتى توفي في سحر ليلة الجمعة خامس عشرى صفر من السنة رحمه الله
ومات الامام الفقيه العلامة المحدث الفرضي الاصولي الورع الزاهد الصالح الشيخ أحمد بن محمد بن محمد بن شاهين الراشدى الشافعي الازهري ولد بالراشدية قرية بالغربية سنة 1118 وبها نشأ وحفظ القرآن وجوده وقدم الازهر فتفقه على الشيخ مصطفى العزيزى والشيخ مصطفى العشماوى وأخذ الحساب والفرائض عن الشيخ محمد الغمرى وسمع الكتب الستة على الشيخ عيد النمرسي بطرفيها وبعضها على الشيخ عبد الوهاب الطندتاوى وسيدى محمد الصغير وله شيوخ كثيرون
ورافق الشيخ الوالد وعاشره مدة طويلة وتلقى عنه وهو احد اصحابه من الطبقة الاولى ولم يزل محافظا على وده وتردده ومؤانسته ويتذكر الازمان السالفة والايام الماضية وله شيوخ كثيرون
وكان من جملة محفوظاته البهجة الوردية وقد انفرد في عصره بذلك واعتنى بالكتب الستة كتابة ومقابلة وتصحيحا وكان حسن التلاوة للقرآن حلو الاداء مع معرفته
(1/466)

باصول الموسيقي ولذلك ناطت به رغبة الامراء فصلى اماما بالامير محمد بك ابن اسمعيل بك مع كمال العفة والوقار والانجماع عن الناس حتى ان كثير منهم يود أن يسمع منه حزبا من القرآن فلا يمكنه ذلك ثم اقلع عن ذلك واقبل على افادة الناس فقرأ المنهج مرارا وابن حجر على المنهاج مرارا وكان يتقنه ويحل مشكلاته بكمال التؤدة والسكينة فاستمر مدة يقرأ دروسه بمدرسة السنانية قرب الازهر ثم انتقل الى زاوية قرب المشهد الحسيني وكان تقرير مثل سلاسل الذهب في حسن السبك وقد انتفع به كثير من الاعلام ولما بنى المرحوم محمد بك ابو الذهب المدرسة تجاه الجامع الازهر في هذه السنة راوده ان يكون خطيبا بها فامتنع فالح عليه وارسل له صرة فيها دنانير لها صورة فأبى ان يقبل ذلك ورده فالح عليه فلما اكثر عليه خطب بها أول جمعة وألبسه فروة سمور وأعطاه صرة فيها دنانير فقبلها كرها ورجع الى منزله محموما يقال فيما بلغني انه طلب من الله ان لا يخطب بعد ذلك فانقطع في منزله مريضا الى أن توفي ليلة الثلاثاء ثاني شوال من السنة وجهز ثاني يوم وصلى عليه بالازهر في مشهد حافل ودفن بالقرافة الصغرى تجاه قبة أبي جعفر الطمحاوى ولم يخلف بعده في جمع الفضائل مثله
وكان صفته نحيف البدن منور الوجه والشيبة ناتىء الجبهة ولا يلبس زى الفقهاء ولا العمامة الكبيرة بل يلبس قاووقا لطيفا فتلي ويركب بغلة وعليها سلخ شاة أزرق
وأخذ كتبه الامير محمد بك ووقفها في كتبخانته التي جعلها بمدرسته وكان لها جرم وكلها صحيحة مخدومة وسرق غالبها
ومات الشيخ الصالح سعد بن محمد بن عبد الله الشنواني حصل في مباديه شيئا كثيرا من العلوم ومال الى فن الادب فمهر فيه وتنزل قاضيا في محكمة باب الشعرية بمصر وكان انسانا حسنا بينه وبين الفضلاء مخاطبات ومحاورات وشعره حسن مقبول وله قصائد ومدائح في الاولياء وغيرهم
(1/467)

أحسن فيها ولم أعثر على شيء منها وجدد له شيخنا السيد مرتضى نسبة الى الشيخ شهاب الدين العراقي دفين شنوان
توفي يوم السبت خامس جمادى الثانية من السنة وقد جاوز السبعين رحمه الله
ومات العلامة الفقيه الصالح الدين الشيخ علي بن حسن المالكي الازهري قرأ على الشيخ على العدوى وبه تخرج وحضر غيره من الاشياخ ومهر في الفقه والمعقول وألقى دروسا بالازهر ونفع الطلبة وكان ملازما على قراءة الكتب النافعة للمبتدئين مثل أبي الحسن وابن تركي والعشماوية في الفقه وفي النحو الشيخ خالد والازهرية والشذور وحلقة درسه عظيمة جدا وكان لسانه أبدا متحركا بذكرى الله
توفي ليلة الخميس منتصف ربيع الاول من السنة ودفن بالمجاورين
ومات الشيخ الامام المحدث البارع الزاهد الصوفي محمد بن أحمد ابن سالم ابو عبد الله السفاريتي النابلسي الحنبلي ولد كما وجد بخطه سنة 1114 تقريبا بسفارين وقرأ القرآن في سنة احدى وثلاثين في نابلس واشتغل بالعلم قليلا وارتحل الى دمشق سنة ثلاث وثلاثين ومكث بها قدر خمس سنوات فقرأ بها على الشيخ عبد القادر التغلبي دليل الطالب للشيخ مرعي الحنبلي من أوله الى آخره قراءة تحقيق والاقناع للشيخ موسى الحجازي وحضره في الجامع الصغير للسيوطي بين العشائين وغيره مما كان يقرأ عليه في سائر أنواع العلوم وذاكره في عدة مباحث من شرحه على الدليل فمنها ما رجع عنها ومنها ما لم يرجع لوجود الاصول التي نقل منها وكان يكرمه ويقدمه على غيره وأجازه بما في ضمن ثبته الذي خرجه له الشيخ محمد بن عبد الرحمن الغزى في سنة خمس وثلاثين وعلى الشيخ عبد الغني النابلسي الاربعين النووية وثلاثيات البخارى والامام أحمد وحضر دروسه في تفسير القاضي وتفسيره الذي صنفه في علم التصوف وأجازه عموما بسائر ما يجوز له وبمصنفاته كلها
(1/468)

وكتب له اجازة مطولة وذكر فيها مصنفاته وعلى الشيخ عبد الرحمن المجلد ثلاثيات البخارى وحضر دروسه العامة وأجازه وعلى الشيخ عبد السلام ابن محمد الكاملي بعض كتب الحديث وشيئا من رسائل اخوان الصفا وعلى ملا الياس الكوراتي كتب المعقول وعلى الشيخ اسمعيل بن محمد العجلوني الصحيح بطرفيه مع مراجعة شروحه الموجودة في كل رجب وشعبان ورمضان من كل سنة مدة أقامته بدمشق وثلاثيات البخارى وبعض ثلاثيات أحمد وشيئا من الجامع الصغير شرحه للمناوى والعلقمي وشيئا من الجامع الكبير وبعضا من كتاب الاحياء مع مراجعة تخريج أحاديثه للزين العراقي والاندلسية في العروض مع مطالعة بعض شروحها وبعضا من شرح شذور الذهب وشرح رسالة الوضع مع حاشيته التي ألفها وحاشية ملا الياس وأجازه بكل ذلك وبما يجوز له روايته وعلى الشيخ أحمد بن علي المنيني شرح جمع الجوامع للمحلى وشرح الكافية لملا جامي وشرح القطر للفاكهي وحضر دروسه للصحيح وشرحه على منظومة الخصائص الصغرى للسيوطي وقد أجازه بكل ذلك أجازة مطولة كتبها بخطه وعلى الشيخ محمد بن عبد الرحمن الغزى بعضا من شرح ألفية العراقي لزكريا وأول سنن أبي داود وعلى قريبه الشيخ احمد الغزى غالب الصحيح بالجامع الاموى بحضرة جملة من كبار شيوخ المذاهب الاربعة وعلى الشيخ مصطفى بن سوار أول صحيح مسلم وعلى حامد أفندي مفتي الشام المسلسل بالاولية وثلاثيات البخارى وبعض ثلاثيات أحمد وحج سنة ثمان وأربعين فسمع بالمدينة على الشيخ محمد حياة المسلسل بالاولية وأوائل الكتب الستة وتفقه على شيخ المذهب مصطفى بن عبد الحق اللبدى وطه بن أحمد اللبدى ومصطفى بن يوسف الكرمي وعبد الرحيم الكرمي والشيخ المعمر السيد هاشم الحنبلي والشيخ محمد السلقيني وغيرهم ومن شيوخه الشيخ
(1/469)

محمد الخليلي سمع عليه اشياء والشيخ عبد الله البصروى سمع عليه ثلاثيات أحمد مع المقابلة بالاصل المصحح والشيخ محمد الدقاق أدركه بالمدينة وقرأ عليه أشياء واجتمع بالسيد مصطفى البكرى فلازمه وقرأ عليه مصنفاته وأجازه بما له وكتب له بذلك وله شيوخ اخر غير من ذكرت وله مؤلفات منها شرح عمدة الاحكام للحافظ عبد الغني في مجلدين وشرح ثلاثيات أحمد في مجلد ضخم وشرح نونية الصرصرى الحنبلي سماه معارج الانوار في سيرة النبي المختار وبحر الوفا في سيرة النبي المصطفى وغذاء الالباب في شرح منظومة الآداب والبحور الزاخرة في علوم الآخرة وشرح الدرة المضية في اعتقاد الفرقة الاثرية ولوائح الانوار السنية في شرح منظومة أبي بكر بن أبي داود الحائية وكان المترجم شيخا ذا شيبة منورة مهيبا جميل الشكل ناصرا للسنة قامعا للبدعة قوالا بالحق مقبلا على شأنه مداوما على قيام الليل في المسجد ملازما على نشر علوم الحديث محبا في أهله ولا زال يملي ويفيد ويجيز من سنة ثمان وأربعين الى أن توفي يوم الاثنين ثامن شوال من هذه السنة بنابلس وجهز وصلي عليه بالجامع الكبير ودفن بالمقبرة الزاركنية وكثر الاسف عليه ولم يخلف بعده مثله رحمه الله رحمة واسعة
ومات العمدة المبجل الفاضل الشيخ احمد بن محمد بن عبد السلام الشرفي المغربي الاصل المصرى المولد وكان والده شيخا على رواق المغاربة بالجامع الازهر ومن شيوخ الشيخ احمد الدمنهوري وولده هذا كان له معرفة بعلم الميقات ومشاركة حسنة وفيه صداقة ود وحسن عشرة مع الاخوان ومكارم اخلاق ويدعو الناس والعلماء في المولد النبوي الى بيته بالازبكية ويقدم لهم الموائد والحلوى وشراب السكر وكان لديه فوائد ومآثر حسنة توفي سابع ربيع الاول من السنة وقد جاوز السبعين رحمه الله
(1/470)

ومات العمدة الفاضل الشيخ زين الدين قاسم العبادي الحنفي تفقه على الشيخ سليمان المنصورى والشيخ أحمد بن عمر الاسقاطي الى أن صار يقرأ درسا في المذهب ولم يزل ملازما شأنه حتى توفي ثالث عشر الحجة من السنة وقد ناهز الثمانين رحمه الله
ومات العمدة المعمر الشيخ عبد الله الموقت بجامع قوصون وكان يعرف بالطويل وكان انسانا صالحا ناسكا ورعا توفي فجأة في الحمام ثاني عشر الحجة عن سبع وثمانين سنة
ومات العمدة الفاضل الاديب الماهر الشيخ علي بن احمد بن عبد الرحمن ابن محمد بن عامر العطشي الفيومي الشافعي وهو أخو الشيخ احمد العطشي وكان له مذاكرة حسنة وحضر على الشيخ الحفني وغيره وكان نعم الرجل توفي في جمادى الآخرة
ومات السيد الشريف المعمر محمد بن حسن بن محمد الحسني الوفائي باش جاويش السادة الاشراف أخذ عن الشيخ المعمر يوسف الطولوني وكان يحكي عنه حكايات مستحسنة وغرائب وكان متقيدا بالسيد محمد أبي هادى الوفائي في أيام نقابته على الاشراف ولديه فضيلة وفوائد توفي في هذه السنة عن نحو ثمانين سنة
ومات الشيخ الصالح سليمان بن داود بن سليمان بن أحمد الخربتاوي وكان من أهل المروءة والدين توفي ثامن عشرى المحرم من السنة في عشر الثمانين
ومات الجناب المكرم الامير أحمد أغا البارودي وهو من مماليك ابراهيم كتخدا القازدغلي وتزوج بأبنته التي من بنت البارودي وسكن معها في بيتهم المشهور خارج باب سعادة والخرق وولد له منها أولاد ذكور واناث ومنهم صاحبنا ابراهيم جلبي وعلي ومصطفى وهو أستاذ محمد أغا الآتي ذكره ذكره
تقلد المترجم في أيام علي بك مناصب جليلة مثل
(1/471)

أغاوية المتفرقة وكتخدا الجاويشية وكان انسانا حسنا صافي الباطن لا يميل طبعه لسوى عمل الخير ويحب أهل العلم وممارستهم وكان له ميل عظيم واعتقاد حسن في المرحوم الشيخ الوالد ويزوره في كل جمعة مع غاية الادب والامتثال ومما شاهدته من كمال أدبه وشدة اعتقاده وحبه أنه صادفه مرة بالطريق وهو إذ ذاك كتخدا الجاويشية وهو راكب في أبهته وأتباعه والشيخ راكب على بغلته فعندما رآه ترجل ونزل عن جواده وقبل يده فأنكر عليه فعله واستعظمه واستحى منه والتمس منه أن يقيد به بعض الطلبة ليقرئه شيئا من الفقه والدين فقيد به الشيخ عبد الرحمن العريشي فكان يذهب اليه ويطالع له القدورى وغيره وكان يكرمه ويواسيه ولم يزل على حسن حالته حتى توفي في سابع جمادى الاولى من السنة وكان له في منزله خلوة ينفرد فيها بنفسه ويخلع ثياب الابهة ويلبس كساء صوف أحمر على بدنه ويأخذ سبحة كبيرة يذكر ربه عليها
ومات الامير الصالح خليل أغا مملوك الامير عثمان بك الكبير تابع ذي الفقار وهو استاذ الامير علي خليل توفي ببلد له بالفيوم وجيء به ميتا في عشية نهار السبت حادى عشرين جمادى الثانية من السنة فغسل وكفن ودفن بالقرافة وكان انسانا دينا خيرا محبا للعلماء والصلحاء
ومات الامير اسمعيل أفندي تابع المرحوم الشريف محمد أغا كاتب البيورلدى وكان انسانا خيرا صالحا توفي يوم الاحد ثاني عشرين جمادى الثانية
ومات السيد المعمر الشريف عبد اللطيف أفندي نقيب الاشراف بالقدس وابن نقبائها عن تسعين سنة تقريبا وولى بعده أكبر أولاده السيد عبد الله أفندي رحمه الله
ومات الامير المبجل محمد أفندي جاوجان ميسو وكان حافظ لكتاب الله موفقا وفيه فضيلة وفصاحة ويحب العلماء والاشراف ويحسن اليهم
(1/472)

توفي ليلة الاثنين عشرين ربيع الاول وصلى عليه بالازهر ودفن بالمجاورين
ومات الامير مصطفى بك الصيداوى تابع الامير علي بك القازدغلي
وكان سبب موته انه خرج الى الخلاء جهة قصر العيني وركض جواده فسقط عنه ومات لوقته وحمل الى منزله بدرب الحجر وجهز وكفن ودفن بالقرافة وذلك في منتصف ربيع الاول من السنة
ومات الامير علي أغا ابو قوره من جماعة الوكيل سادس عشر ربيع الاول سنة تاريخه
ومات الامير محمد أفندي الزاملي كاتب قلم الغربية وكان صاحب بشاشة وتودد وحسن اخلاق
توفي في رابع عشرين صفر من السنة وخلف ولده حسن أفندي قلفة الغربية الآتي ذكره في سنة 1202
ومات الخواجا المكرم الحاج محمد عرفات الغزاوي التاجر وهو والد عبد الله ومصطفى
توفي يوم الثلاثاء ثامن صفر من السنة والله تعالى أعلم
سنة تسع وثممانين ومائة وألف
فيها عزم محمد بك أبو الذهب على السفر والتوجه الى البلاد الشامية بقصد محابة الظاهر عمر واستخلاص ما بيده من البلاد فبرز خيامه الى العادلية وفرق الاموال والتراحيل على الامراء والعساكر والمماليك واستعد لذلك استعدادا عظيما في البحر والبر وأنزل بالمراكب الذخيرة والجبخانة والمدافع والقنابل والمدفع الكبير المسمى بأبو مايلة الذى كان سبكه في العام الماضي
وسافر بجموعه وعساكره في أوائل المحرم وأخذ صحبته مراد بك وابراهيم بك طنان واسمعيل بك تابع اسمعيل بك الكبير لا غير وترك بمصر ابراهيم بك وجعله عوضا عنه في امارة مصر واسمعيل بك وباقي الامراء والباشا الذي بالقلعة وهو مصطفى باشا
(1/473)

النابلسي وارباب العكاكيز والخدم والوجاقلية
ولم يزل في سيره حتى وصل الى جهة غزة وارتجت البلاد لوروده ولم يقف أحد في وجهه وتحصن أهل يافا بها وكذلك الظاهر عمر تحصن بعكا فلما وصل الى يافا حاصرها وضيق على أهلها وامتنعوا هم ايضا عليه وحاربوه من داخل وحاربهم من خارج ورمى عليهم بالمدافع والمكاحل والقنابر عدة أيام وليالي فكانوا يصعدون الى أعلى السور ويسبون المصريين وأميرهم سبا قبيحا
فلم يزالوا بالحرب عليها حتى نقبوا أسوارها وهجموا عليها من كل ناحية وملكوها عنوة ونهبوها وقبضوا على أهلها وربطوهم في الحبال والجنازير وسبوا النساء والصبيان وقتلوا منهم مقتلة عظيمة
ثم جمعوا الاسرى خارج البلد ودوروا فيهم السيف وقتلوهم عن آخرهم ولم يميزوا بين الشريف والنصراني واليهودي والعالم والجاهل والعامي والسوقي ولا بين الظالم والمظلوم وربما عوقب من لا جنى وبنوا من رؤوس القتلى عدة صوامع ووجوهها بارزة تنسف عليها الاتربة والرياح والزوابع ثم ارتحل عنها طالبا عكا فلما بلغ الظاهر عمر ما وقع بيافا اشتد خوفه وخرج من عكا هاربا وتركها وحصونها فوصل اليها محمد بك ودخلها من غير مانع وأذعنت له باقي البلاد ودخلوا تحت طاعته وخافوا سطوته وداخل محمد بك من الغرور والفرح مالا مزيد عليه وما آل به الى الموت والهلاك
وأرسل بالبشائر الى مصر والامراء بالزينة فنودى بذلك وزينت مصر وبولاق والقاهرة وخارجها زينة عظيمة وعمل بها وقدات وشنكات وحراقات وأفراح ثلاثة أيام بلياليها وذلك في أوائل ربيع الثاني
فعند انقضاء ذلك ورد الخبر بموت محمد بك واستمر في كل يوم يفشو الخبر وينمو ويزيد ويتناقل ويتأكد حتى وردت السعاة بتصحيح ذلك وشاع في الناس وصاروا يتعجبون ويتلون قوله تعالى حتى اذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فاذا هم مبلسون
(1/474)

وذلك انه لما تم له الامر وملك البلاد المصرية والشامية واذعن الجميع لطاعته وقد ارسل اسمعيل أغا اخا علي بيك الغزاوى الى اسلامبول يطلب امرية مصر والشام وأرسل صحبته أموالا وهدايا فأجيب الى ذلك وأعطوه التقاليد والخلع والبرق والداقم وأرسل له المراسلات والبشائر بتمام الامر فوافاه ذلك يوم دخوله عكا فامتلأ فرحا وحم بدنه في الحال فأقام محموما ثلاثة أيام ومات ليلة الرابع ثامن ربيع الثاني
ووافى خبر موته اسمعيل آغا عندما تهيأ ونزل في المراكب يريد المسير الى مخدومه فانتقض الامر وردت التقاليد وباقي الاشياء
ولما تم له أمر يافا وعكا وباقي البلاد والثغور فرح الامراء والاجناد الذين بصحبته برجوعهم الى مصر وصاروا متشوقين للرحيل والرجوع الى الاوطان
فاجتمعوا اليه في اليوم الذي نزل به ما نزل في ليلته فتبين لهم من كلامه عدم العود وانه يريد تقليدهم المناصب والاحكام بالديار الشامية وبلاد السواحل وأمرهم بارسال المكاتبات الى بيوتهم وعيالهم بالبشارات بما فتح الله عليهم وما سيفتح لهم ويطمنوهم ويطلبوا احتياجاتهم ولوازمهم المحتاجين اليها من مصر
فعند ذلك اغتموا وعلموا انهم لا براح لهم وان أمله غير هذا وذهب كل الى مخيمه يفكر في أمره قال الناقل وأقمنا على ذلك الثلاثة ايام التي تمرض فيها وأكثرنا لا يعلم بمرضه ولا يدخل اليه الا بعض خواصه ولا يذكرون ذلك الا بقولهم في اليوم الثالث انه منحرف المزاج
فلما كان في صبح الليلة التي مات بها نظرنا الى صيوانه وقد انهدم ركنه وأولاد الخزنة في حركة ثم زاد الحال وجردوا على بعضهم السلاح بسبب المال وظهر أمر موته وارتبك العرضي وحضر مراد بيك فصدهم وكفهم عن بعضهم وجمع كبراءهم وتشاوروا في أمرهم وأرضى خواطرهم خوفا من وقوع الفشل فيهم وتشتتهم في بلاد الغربة وطمع الشاميين وشماتتهم فيهم
واتفق رأيهم على الرحيل وأخذوا رمة سيدهم صحبتهم
(1/475)

ولما تحقق عندهم انهم ان دفنوه هناك في بعض المواضع أخرجه أهل البلاد ونبشوه وأحرقوه فغسلوه وكفنوه ولفوه في المشمعات ووضعوه في عربة وارتحلوا به طالبين الديار المصرية
فوصلوا في ستة عشر يوما ليلة الرابع والعشرين من شهر ربيع الثاني أواخر النهار فأرداوا دفنه بالقرافة
وحضر الشيخ الصعيدي فأشار بدفنه في مدرسته تجاه الازهر فحفروا له قبرا في الليوان الصغير الشرقي وبنوه ليلا ولما أصبح النهار عملوا له مشهدا وخرجوا بجنازته من بيته الذي بقوصون ومشى امامه المشايخ والعلماء والامراء وجميع الاحزاب والاوراد وأطفال المكاتب وأمام نعشه مجامر العنبر والعود سترا على رائحته ونتنه حتى وصلوا به الى مدفنه وعملوا عنده ختمات وقراءات وصدقات عدة ليال وأيام نحو أربعين يوما
واستقرأ تباعه امراء ورئيسهم ابراهيم بيك ومراد بيك وباقيهم الذين أمرهم في حياته ومات عنهم يوسف بيك واحمد بيك الكلارجي ومصطفى بيك الكبير وأيوب بيك الكبير وذو الفقار بيك ومحمد بيك طبال ورضوان بيك والذين تأمروا بعده أيوب بك الدفتردار وسليمان بيك الاغا وابراهيم بيك الوالي وأيوب بيك الصغير وقاسم بيك الموسقو وعثمان بيك الشرقاوى ومراد بيك الصغير وسليم بيك أبو دياب ولاجين بيك وسيأتي ذكر أخبارهم
من مات في هذه السنة من الاعيان
مات الامام الهمام شيخ مشايخ الاسلام عالم العلماء الاعلام امام المحققين وعمدة المدققين الشيخ علي بن أحمد بن مكرم الله الصعيدى العدوى المالكي ولد ببني عدى كما أخبر عن نفسه سنة 1112 ويقال له أيضا المنفيسي لان أصوله منها وقدم الى مصر وحضر دروس المشايخ كالشيخ عبد الوهاب الملوى والشيخ شلبي البرلسي والشيخ سالم النفراوى
(1/476)

والشيخ عبد الله المغربي والسيد محمد السلموني ثلاثتهم عن الخرشي وأقرانه وكسيدي محمد الصغير والشيخ ابراهيم الفيومي ومحمد بن زكريا والشيخ محمد السجبيني والشيخ ابراهيم شعيب المالكي والشيخ أحمد الملوى والشيخ احمد الديربي والشيخ عيد النمرسي والشيخ مصطفى العزيزى والشيخ محمد العشماوى والشيخ محمد ابن يوسف والشيخ أحمد الاسقاطي والبقرى والعماوى والسيد علي السيواسي والمدابغي والدفرى والبليدى والحفني وآخرين وبآخرة تلقن الطريقة الاحمدية عن الشيخ على بن محمد الشناوى ودرس بالازهر وغيره
وقد بارك الله في أصحابه طبقة بعد طبقة كما هو مشاهد وكان يحكي عن نفسه أنه طالما كان يبيت بالجوع في مبدأ اشتغاله بالعلم وكان لا يقدر على ثمن الورق ومع ذلك ان وجد شيئا تصدق به
وقد تكررت له بشارات حسنة مناما ويقظة وله مؤلفات دالة على فضله منها حاشية على ابن تركي وأخرى على الزرقاني على العزية وأخرى على شرح أبي الحسن على الرسالة في مجلدين ضخمين وأخرى على الخرشي وأخرى على شرح الزرقاني على المختصر وأخرى على الهدهدى على الصغرى وحاشيتان على عبد السلام على الجوهرة كبرى وصغرى وأخرى على الاخضرى على السلم وأخرى على بن عبد الحق على بسملة شيخ الاسلام وأخرى على شرح شيخ الاسلام على الفية المصطلح للعراقي وغير ذلك
وكان قبل ظهوره لم تكن المالكية تعرف الحواشي على شروح كتبهم الفقهية فهو أول من خدم تلك الكتب بها وله شرح على خطبة كتاب امداد الفتاح على نور الايضاح في مذهب الحنفية للشيخ الشرنبلالي وكان رحمه الله شديد الشكمية في الدين يصدع بالحق ويأمر بالمعروف واقامة الشريعة ويحب الاجتهاد في طلب العلم ويكره سفاسف الامور وينهى عن شرب الدخان ويمنع من شربه بحضرته وبحضرة اهل العلم
(1/477)

تعظيما لهم
واذا دخل منزل من منازل الامراء ورأى من يشرب الدخان شنع عليه وكسر آلته ولو كانت في يد كبير الامراء
وشاع عنه ذلك وعرف في جميع الخاص والعام وتركوه بحضرته فكانوا عندما يرونه مقبلا منن بعيد نبه بعضهم بعضا ورفعوا شبكاتهم وأقصابهم واخفوها عنه وان رأى شيئا منها أنكر عليهم ووبخهم وعنفهم وزجرهم حتى ان علي بك في أيام امارته كان اذا دخل عليه في حاجة أو شفاعة أخبروه قبل وصوله الى مجلسه فيرفع الشبك من يده ويخفوه من وجهه وذلك مع عتوه وتجبره وتكبره
واتفق انه دخل عليه في بعض الاوقات فتلقاه على عادته وقبل يده وجلس فسكت الامير مفكرا في أمر من الامور فظن الشيخ اعراضه عنه فأخذته الحدة وقال مخاطبا له باللغة الصعيدية يامين يامين هو غضبك ورضاك على حد سواء بل غضبك خير من رضاك
وكرر ذلك وقام قائما وهو يأخذ بخاطره ويقول انا لم أغضب من شيء ويستعطفه
فلم يجبه ولم يجلس ثانيا وخرج ذاهبا
ثم سأل علي بك عن القضية التي أتى بسببها فأخبروه فأمر بقضائها
واستمر الشيخ منقطعا عن الدخول اليه مدة حتى ركب في ليلة من ليالي رمضان مع الشيخ الوالد في حاجة عند بعض الامراء ومرا ببيت علي بك فقال له ادخل بنا نسلم عليه فقال يا شيخنا أنا لا ادخل فقال لا بد من دخولك معي
فلم تسعه مخالفته وانسر بذلك علي بك تلك الليلة سرورا كثيرا
ولما مات علي بك واستقل محمد بك أبو الذهب بامارة مصر كان يجل من شأنه ويحبه ولا يرد شفاعته في شيء أبدا وكل من تعسر عليه قضاء حاجة ذهب الى الشيخ وأنهى اليه قصته فيكتبها مع غيرها في قائمة حتى تمتلىء الورقة ثم يذهب الى الامير بعد يومين أو ثلاثة فعندما يستقر في الجلوس يخرج القائمة من جيبه ويقص ما فيها من القصص والدعاوى واحدة بعد واحدة ويأمره بقضاء كل منها والامير لا يخالفه ولا ينقبض
(1/478)

خاطره في شيء من ذلك
ولما بنى الامير المذكور مدرسته كان المترجم هو المتعين في التدريس بها داخل القبة على الكرسي وابتدأ بها البخارى وحضره كبار المدرسين فيها وغيرهم ولم يترك درسه بالازهر ولا بالبرديكية
وكان يقرأ قبل ذلك بمسجد الغريب عند باب البرقية في وظيفة جعلها له الامير عبد الرحمن كتخدا وكذلك وظيفة بعد الجمعة بجامع مرزه ببولاق
وكان على قدم السلف في الاشتغال والقناعة وشرف النفس وعدم التصنع والتقوى ولا يركب الا الحمار ويؤاسي أهله واقاربه ويرسل الى فقرائهم ببلده الصلات والاكسية والبز والطرح للنساء والعصائب والمداسات وغير ذلك
ولم يزل مواظبا على الاقراء والافادة حتى تمرض بخراج في ظهره اياما قليلة وتوفي في عاشر رجب من السنة وصلي عليه بالازهر بمشهد عظيم ودفن بالبستان بالقرافة الكبرى رحمه الله ولم يخلف بعده مثله ولم أعثر على شيء من مراثيه
ومات الامام العلامة الفقيه الصالح الشيخ احمد بن عيسى بن احمد ابن عيسى بن محمد الزبيرى البراوى الشافعي ولد بمصر وبها نشأ وحفظ القرآن والمتون وتفقه على والده وغيره وحضر المعقول وتمهر وأنجب ودرس في حياة والده وبعد وفاته تصدر للتدريس في محله وحضره طلبة أبيه واتسعت حلقة درسه مثل أبيه واشتهر ذكره وانتظم في عداد العلماء
وكان نعم الرجل شهامة وصرامة وفيه صداقة وحب للاخوان
توفي بطندتا ليلة الاربعاء ثالث شهر ربيع الاول فجأة اذ كان ذهب للزيارة المعتادة وجيء به الى مصر فغسل في بيته وكفن وصلي عليه بالجامع الازهر ودفن بتربة والده بالمجاورين
ومات الامام الفاضل المسن الشيخ أحمد بن رجب بن محمد البقرى الشافعي المقرى حضر دروس كل من الشيخ المدابغي والحفني ولازم الاول كثيرا فسمع منه البخاري بطرفيه والسيرة الشامية كلها وكتب
(1/479)

بخطه الكثير من الكتب الكبار وكان سريع الفهم وافر العلم كثير التلاوة للقرآن مواظبا على قيام الليل سفرا وحضرا ويحفظ أورادا كثيرة واحزابا ويجيز بها وكان يحفظ غالب السيرة ويسردها من حفظه ونعم الرجل كان متانة ومهابة
توفي وهو متوجه الى الحج في منزله النخل آخر يوم من شوال من السنة ودفن هناك
ومات عالم المدينة ورئيسها الشيخ محمد بن عبد الكريم السمان ولد بالمدينة ونشأ في حجر والده واشتغل يسيرا بالعلم وأرسله والده الى مصر في سنة 1174 فتلقته تلامذة أبيه بالاكرام وعقد حلقة الذكر بالمشهد الجسيني وأقبلت عليه الناس ثم توجه الى المدينة
ولما توفي والده أقيم شيخا في محله ولم يزل على طريقته حتى مات في رابع الحجة من السنة عن ثمانين سنة
ومات العلامة المعمر الصالح الشيخ احمد الخليلي الشامي أحد المدرسين بالازهر تلقى عن أشياخ عصره ودرس وأفاد وكان به انتفاع للطلبة تام عام وألف اعراب الآجرومية وغيره
توفي في عاشر صفر من السنة
ومات الامير الكبير محمد بك أبو الذهب تابع علي بك الشهير اشتراه استاذه في سنة خمس وسبعين فأقام مع أولاد الخزنة أياما قليلة وكان اذ ذاك اسمعيل بك خازندار فلما أمر اسمعيل بك قلده الخازندارية مكانه وطلع مع مخدومه الى الحج ورجع أوائل سنة ثمان وسبعين وتامر في تلك السنة وتقلد الصنجقية وعرف بأبي الذهب
وسبب تلقبه بذلك انه لما لبس الخلعة بالقلعة صار يفرق البقاشيش ذهبا وفي حال ركوبه ومروره جعل ينثر الذهب على الفقراء والجعيدية حتى دخل الى منزله فعرف بذلك لانه لم يتقدم نظيره لغيره ممن تقلد الامريات واشتهر عنه هذا اللقب وشاع وسمع عن نفسه شهرته بذلك فكان لا يضع في جيبه الا الذهب ولا يعطي الا الذهب ويقول أناا أبو الذهب فلا أمسك
(1/480)

الا الذهب
وعظم شأنه في زمن قليل ونوه مخدومه بذكره وعينه في المهمات الكبيرة والوقائع الشهيرة وكان سعيد الحركات مؤيد العزمات لم يعهد عليه الخذلان في مصاف قط وقد تقدمت أخباره ووقائعه في أيام استاذه علي بك وبعده واستكثر من شراء المماليك والعبيد حتى اجتمع عنده في الزمن القليل مالا يتفق لغيره في الزمن الكثير وتقلدوا المناصب والامريات
فلما تمهدت البلاد بسعده المقرون ببأس استاذ خالف عليه وضم المشردين وغمرهم بالاحسان واستمال بواقي أركان الدولة واستلين الجميع جانبه وجنحوا اليه وأحبوه وأعانوه وتعصبوا له وقاتلوا بين يديه حتى أراحوا علي بك وخرج هاربا من مصر الى الشام واستقر المترجم بمصر وساس الامور وقلد المناصب وجبى الاموال والغلال وراسل الدولة العثمانية واظهر لهم الطاعة وقلد مملوكه ابراهيم بك امارة الحج تلك السنة وصرف العلائف وعوائد العربان وأرسل الغلال للحرمين والصرر وتحرك علي بك للرجوع الى مصر وجيش الجيوش فلم يهتم المترجم لذلك وكاد له كيدا بان جمع القرانصة والذين يظن فيهم النفاق وأسر اليهم ان يراسلوا علي بك ويستعجلوه في الحضور ويثقوا مساوىء للمترجم ومنفرات ويعدوه بالمخامرة معه والقيام بنصرته متى حضر وأرسلوها اليه بالشريطة السرية
فراج عليه ذلك واعتقد صحته وأرسل إليهم بالجوابات وأعادوا له الرسالة كذلك باطلاع مخدومهم واشارته فعند ذلك قوى عزم علي بك على الحضور وأقبل بجنوده الى جهة الديار المصرية فخرج اليه المترجم ولاقاه بالصالحية وأحضره أسيرا كما تقدم
ومات بعد أيام قليلة وانقضى أمره وارتاح المترجم من قبله وجمع باقي الامراء المطرودين والمشردين وأكرمهم واستخدمهم وواساهم واستوزرهم وقلدهم المناصب ورد اليهم بلادهم وعوائدهم واستعبدهم بالاحسان والعطايا واستبدلهم العز بعد الذل والهوان وراحة الاوطان بعد الغربة والتشريد والهجاج
(1/481)

في البلدان
فثبتت دولته وارتاحت النواحي من الشرور والتجاريد وهابته العربان وقطاع الطريق وأولاد الحرام وأمنت السبل وسلكت الطرق بالقوافل والبضائع ووصلت المجلوبات من الجهات القبلية والبحرية بالتجارات والمبيعات
وحضر والي مصر خليل باشا وطلع الى القلعة على العادة القديمة وحضر للمترجم من الدولة المرسومات والخطابات ووصل اليه سيف وخلعة فلبس ذلك في الديوان في أبهة عظيمة وعظم شأنه وانفرد بامارة مصر
واستقام أمره وأهمل أمر اتباع استاذه علي بك وأقام أكثرهم بمصر بطالا
وحضر الى مصر مصطفى باشا النابلسي من أولاد العضم والتجأ اليه فأكرم نزله ورتب له الرواتب وكاتب الدولة وصالح عليه وطلب له ولاية مصر فأجيب الى ذلك ووصلت اليه التقاليد والداقم في ربيع الثاني سنة ثمان وثمانين
ووجه خليل باشا الى ولاية جدة وسافر من القلزم في جمادى الثانية وتوفي هناك وفي اواخر سنة سبع وثمانين
شرع في بناء مدرسته التي تجاه الجامع الازهر وكان محلها رباع متخربة فاشتراها من اربابها وهدمها وأمر ببنائها على هذه الصفة وهي على أرنيك جامع السنانية الكائن بشاطىء النيل ببولاق
فرتب لنقل الاتربة وحمل الجير والرماد والطين عدة كبيرة من قطارات البغال وكذلك الجمال لشيل الاحجار العظيمة كل حجر واحد على جمل وطحنوا لها الجبس الحلواني المصيص ورموا أساسها في أوائل شهر الحجة ختام السنة المذكورة ولما تم عقد قبتها العظيمة وما حولها من القباب المعقودة على اللواوين وبيضوها ونقشوا داخل القبة بالالوان والاصباغ وعمل لها شبابيك عظيمة كلها من النحاس الاصفر المصنوع وعمل بظاهرها فسحة مفروشة بالرخام المرمر وبوسطها حنفية وحولها مساكن لمتصوفة الاتراك وبداخلها عدة كراسي راحة وكذلك بدورها العلوى وباسفل من ذلك ميضاة عظيمة تمتلىء بالماء من نوفرة بوسطها تصب في صحن
(1/482)

كبير من الرخام المصنوع نقلوه اليها من بعض الاماكن القديمة ويفيض منه فيملأ الميضاة وحول الميضاة عدة كراسي راحة وأنشأ ساقية لذلك فحفروها وخرج ماؤها حلوا فعد ذلك ايضا من سعده مع ان جميع الآبار والسواقي التي بتلك الخطة ماؤها في غاية الملوحة وأنشأ سفل ذلك صهريجا عظيما يملأ في كل سنة من ماء النيل وحوضا عظيما لسقي الدواب وعمل بأعلى الميضاة ثلاثة أماكن برسم جلوس المفتين الثلاثة يجلسون بها حصة من النهار لافادة الناس بعد املاء الدروس وقرر فيها الشيخ أحمد الدردير مفتي المالكية والشيخ عبد الرحمن العريشي مفتي الحنفية والشيخ حسن الكفراوي مفتي الشافعية
ولما تم البناء فرشت جميعها بالحصر ومن فوقها الابسطة الرومي من داخل وخارج حتى فرجات الشبابيك ومساكن الطباق
ولما استقر جلوس المفتين المذكورين بالثلاثة اماكن التي اعدت لهم أضربهم الرائحة الصاعدة اليهم من المراحيض التي من أسفل واعلموا الامير بذلك فأمر بابطالها وبنوا خلافها بعيدا عنها وتقرر في خطابتها الشيخ أحمد الراشدى وغالب المدرسين بالازهر مثل الشيخ علي الصعيدي مدرس البخارى والشيخ أحمد الدردير والشيخ محمد الامير والشيخ عبد الرحمن العريشي والشيخ حسن الكفراوى والشيخ أحمد يونس والشيخ أحمد السمنودى والشيخ علي الشنويهي والشيخ عبد الله اللبان والشيخ محمد الحفناوى والشيخ محمد الطحلاوى والشيخ حسن الجداوى والشيخ أبي الحسن القلعي والشيخ البيلي والشيخ محمد الحريرى والشيخ منصور المنصورى والشيخ أحمد جاد الله والشيخ محمد المصيلحي ودرسا ليحيى أفندي شيخ الاتراك
وتقرر السيد عباس اماما راتبا بها وفي وظيفة التوقيت الشيخ محمد الصبان وجعل بهاى خزانة كتب محمد أفندى حافظ وينوب عنه الشيخ محمد الشافعي الجناحي ورتب للمدرسين الكبار في كل يوم مائة وخمسين
(1/483)

نصفا فضة ولمن دونهم خمسون وكذلك للطلبة منهم من له عشرة انصاف في كل يوم ومنهم من له أكثر وأقل ويقدر عدد الدراهم أرداب من البر في كل سنة
ولما انتهى أمرها وصلى بها الجمعة في شهر شعبان سنة ثمان وثمانين حضر الامير المذكور واجتمع المشايخ والطلبة وأرباب الوظائف وصلوا بها الجمعة وبعد انقضاء الصلاة جلس الشيخ الصعيدي على الكرسي وأملى حديث من بني لله مسجدا ولو كفحص قطاة بنى الله له بيت في الجنة
فلما انقضى ذلك أحضرت الخلع والفراوى فالبس الشيخ الصعيدى والشيخ الراشدى الخطيب والمفتين الثلاثة فراوى سمور وباقي المدرسين فراوى نافا بيضاء وانعم في ذلك اليوم على الخدمة والمؤذنين وفرق عليهم الذهب والبقاشيش وتنافس الفقهاء والاشياخ والطلبة وتحاسدوا وتفاتنوا ووقف على ذلك امانة قويسنا وغيرها والحوانيت التي أسفل المدرسة ولم يصرف ذلك الا سنة واحدة فان المترجم سافر في أوائل سنة تسع وثمانين الى البلاد الشامية كما تقدم ومات هناك ورجعوا برمته وتآمر اتباعه وتقاسموا البلاد فيما بينهم ومن جملتها امانة قويسنا الموقوفة فبرد أمر المدرسة وعوضوا عن ذلك الوكالة التي أنشأها علي بك ببولاق لمصرف أجرة الخدمة وعليق الاثوار بعد ما أضعفوا المعاليم ونقصوها ووزعوا عليهم ذلك الايراد القليل ولم يزل الحال يتناقص ويضعف حتى بطل منها غالب الوظائف والخدم الى ان بطل التوقيت والاذان بل والصلاة في أكثر الاوقات وأخلق فرشها وبسطها وعتقت وبليت وسرق بعضها وأغلق أحد أبوابها المواجه للقبوة الموصل للمشهد الحسيني بل أغلقت جميعها شهورا مع كون الامراء أصحاب الحل والعقد اتباع الواقف ومماليكه لكن لما فقدت منهم القابلية واستولى عليهم الطمع والتفاخر والتنافس والتغاضي خوف الفشل وتفرق الكلمة من الانحراف عن الاوضاع ظهر الخلل في كل شيء حتى في الامور
(1/484)

الموجبة لنظام دولتهم واقامة ناموسهم كما يتضح ذلك فيما بعد
وبالجملة فان المترجم كان آخر من أدركنا من الامراء المصريين شهامة وصرامة وسعدا وخرما وعزما وحكما وسماحة وحلما وكان قريبا للخير يحب العلماء والصلحاء ويميل بطبعه اليهم ويعتقد فيهم ويعظمهم وينصت لكلامهم ويعطيهم العطايا الجزيلة ويكره المخالفين للدين ولم يشتهر عنه شيء من الموبقات والمحرمات ولا ما يشينه في دينه أو يخل بمروءته بهي الطلعة جميل الصورة أبيض اللون معتدل القامة والبدن مسترسل اللحية مهاب الشكل وقورا محتشما قليل الكلام والالتفات ليس بمهدا ولا خوار ولا عجول مبجلا في ركوبه وجلوسه يباشر الاحكام بنفسه ولولا ما فعله آخرا من الاسراف في قتل أهل يافا باشارة وزرائه لكانت حسناته أكثر من سيآته
ولم يتفق لامير مثله في كثرة المماليك وظهور شأنهم في المدة اليسيرة وعظم أمرهم بعده وانحرفت طباعهم عن قبول العدالة ومالوا الى طرق الجهالة واشتروا المماليك فنشؤا على طرائقهم وزادوا عن سوابقهم وألفوا المظالم وظنوها مغانم وتمادوا على الجور وتلاحقوا في البغي على الفور الى ان حصل ما حصل ونزل بهم وبالناس ما نزل
وسيتلى عليك من ذلك أنباء وأخبار وما حل بالاقليم بسببهم من الخراب والدمار والله تعالى أعلم
سنة تسعين ومائة وألف
كان سلطان العصر فيها السلطان عبد الحميد بن أحمد خان العثماني ووالي مصر الوزير محمد باشا عزت الكبير وأمراؤها ابراهيم بيك ومراد بيك مملوكا محمد بيك أبي الذهب وخشداشينهما أيوب بيك الكبير ويوسف بيك أمير الحاج ومصطفى بيك الكبير وأحمد بيك الكلارجي وأيوب بيك الصغير ومحمد بيك طبل وحسن بيك سوق السلاح وذو الفقار
(1/485)

بيك ولاجين بيك ومصطفى بيك الصغير وعثمان بيك الشرقاوى وخليل بيك الابراهيمي ومن البيوت القديمة حسن بيك قصبة رضوان ورضوان بيك بلفيا وابراهيم بيك طبان وعبد الرحمن بيك عثمان الجرجاوى وسليمان بيك الشابورى وبقايا اختيارية الوجاقات مثل أحمد باشجاويش اآرنؤد واحمد جاويش المجنون واسمعيل أفندى الخلوتي وسليمان البرديسي وحسن أفندى درب الشمسي وعبد الرحمن أغا مجرم ومحمد أغا محرم وأحمد كتخدا المعروف بوزير وأحمد كتخدا الفلاح وباقي جماعة الفلاح وابراهيم كتخدا مناو وغيرهم والامرا والنهي للامراء المحمدية المتقدم ذكرهم وكبيرهم وشيخ البلد ابراهيم بيك ولا ينفذ أمر بدون اطلاع قسيمة مراد بيك واسمعيل بيك الكبير متنزه ومنعكف في بيته وقانع بايراده وبلاده ومنزو عن التداخل فيهم من موت سيدهم وعمر داره التي بالازبكية وأقام بها
وفيها في يوم الخميس سابع شهر صفر وصل الحج الى مصر ودخل الركب وأمير الحاج يوسف بيك
وفي ليلة الجمعة تاسع صفر وقع حريق بالازبكية وذلك في نصف الليل بخطة الساكت احترق فيها عدة بيوت عظام وكان شيئا مهولا ثم انها عمرت في أقرب وقت والذي لم يقدر على العمارة باع أرضه فاشتراها القادر وعمرها فعمر رضوان بيك بلفيا دارا عظيمة وكذلك الخواجا السيد عمر غراب والسيد أحمد عبد السلام والحاج محمود محرم بحيث انه لم يأت النيل القابل الا وهي أحسن وأبهج مما كانت عليه
وفيها سقط ربع بسوق الغورية ومات فيه عدة كثيرة من الناس تحت الردم ثم ان عبد الرحمن أغا مستحفظان اخذ تلك الاماكن من أربابها شراء وأنشأ الحوانيت والربع علوها والوكالة المعروفة الآن بوكالة الزيت
(1/486)

والبوابة التي يسلك منها من السوق
وفيها حضر جماعة من الهنود ومعهم فيل صغير ذهبوا به الى قصر العيني وادخلوه بالاسطبل الكبير وهرع الناس للفرجة عليه ووقف الخدم على ابواب القصر يأخذون من المتفرجين دراهم وكذلك سواسة الهنود جمعوا بسببه دراهم كثيرة وصار الناس يأتون اليه بالكعك وقصب السكر ويتفرجون على مصه في القصب وتناوله بخرطومه وكان الهنود بخاطبونه بلسانهم ويفهم كلامهم واذا احضروه بين يدي كبير كلموه فيبرك على يديه ويشير بالسلام بخرطومه
وفيها في شهر رمضان تعصب مراد بيك وتغير خاطره على ابراهيم بيك طنان ونفاه الى المحلة الكبيرة وفرق بلاده على من أحب ولم يبق له الا القليل
وفيها شرع الامير اسمعيل بك في عمل مهم لزواج ابنه وهي من زوجته هانم بنت سيدهم ابراهيم كتخدا الذي كان تزوجها في سنة أربع وسبعين بالمهم المذكور في حوادث تلك السنة وكان ذلك المهم في اوائل شهر ذي الحجة وكان قبل هذا المهم حصل بينه وبين مراد بك منازعة ومخاصمة وسببها ان مراد بك اراد ان يأخذ من اسمعيل بك السرور وراس الخليج فوقع بينهما مشاحنة ومخاصمة كاد يتولد منها فتنة فسعى في الصلح بينهما ابراهيم بك فاصطلحا على غل وشرع في اثر ذلك اسمعيل بك في عمل الفرح فاجتمعوا يوم العقد في وليمة عظيمة ووقف مراد بك وفرق المحارم والمناديل على الحاضرين وهو يطوف بنفسه على اقدامه وعمل المهم اياما كثيرة ونزل محمد باشا عزت باستدعاء الى بيت اسمعيل بك وعندما وصل الى حارة قوصول نزل الامراء باسرهم مشاة على اقدامهم لملاقاته فمشوا جميعا امامه على اقدامهم وبأيديهم المباخر والقماقم ولم
(1/487)

يزالوا كذلك حتى طلع الى المجلس ووقفوا في خدمته مثل المماليك حتى انقضى الطعام والشربات وقدموا له الهدايا والتقادم والخيول الكثيرة المسمومة ولما انقضت ايام الولائم زفوا العروس الى زوجها ابراهيم أغا الذي صنجقه إسمعيل بك وهو خازنداره ومملوكه ويسمونه قشطة وكانت هذه الزفة من المواكب الجليلة ومشى فيها الفيل وعليه خلعة جوخ احمر فكان ذلك من النوادر
ومات في هذه السنة الفقية المتفنن العلامة الشيخ احمد بن محمد ابن محمد السجاعي الشافعي لازهرى ولد بالسجاعية قرب المحلة وقدم الازهر صغيرا فحضر دروس الشيخ العزيزي والشيخ محمد السجيني والشيخ عبده الديوى والسيد علي الضرير فقهر ودرس وأفتى وألف وكان ملازما على زيارة قبور الاولياء ويحيي الليالي بقراءة القرآن مع صلاح وديانة وولاية وجذب وله مع الله حال غريب وهو والد الشيخ الاوحد احمد الآتي ذكره في تاريخ موته
توفي المترجم رحمه الله تعالى في عصر يوم الاربعاء ثامن عشرين ذي القعدة
ومات الشيخ الامام الفقية العلامة الشيخ عطية بن عطية الاجهورى الشافعي البرهاني الضرير ولد بأجهور الورد احدى قرى مصر وقدم مصر فحضر دروس الشيخ العشماوى والشيخ مصطفى العزيزى وتفقه عليها وعلى غيرهما واتقن في الاصول وسمع الحديث ومهر في الآلات وأنجب ودرس المنهج والتحرير مرارا وكذا جمع الجوامع بمسجد الشيخ مطهر وله في أسباب النزول مؤلف حسن في بابه جامع لما تشتت من أبوابه وحاشية على الجلالين مفيدة وكذلك حاشية على شرح الزرفاني على البيقونية في مصطلح الحديث وغير ذلك وقد حضر عليه غالب علماء مصر الموجودين واعترفوا بفضله وأنجبوا ببركته وكان يتأنى في تقريره ويكرر الالقاء مرارا مراعاة للمستملين الذين يكتبون ما يقوله ولما بنى
(1/488)

المرحوم عبد الرحمن كتخدا هذا الجامع المعروف الآن بالشيخ مطهر الذي كان أصله مدرسة للحنفية وكانت تعرف بالسيوفيين بنى للمترجم بيتا بدهليزها وسكن فيه بعياله وأولاده
توفي في أواخر رمضان
ومات الشيخ الفاضل النجيب أحمد بن محمد بن العجمي الشافعي كان شابا فهيما دراكا ذا حفظ جيد حضر على علماء العصر وحصل المعقول والمنقول وأدرك جانبا من العلوم والمعارف ودرس وأملي ولو عاش لانتظم في سلك أعاظم العلماء ولكن اخترمته المنية في يوم الاثنين حادي عشرين جمادى الآخرة
ومات الشيخ الصالح الورع الناسك أحمد بن نور الدين المقدسي الحنفي امام جامع قجماس وخطيبه بالدرب الاحمر وهو أخو الشيخ حسن المقدسي مفتي السادة الحنفية شارك أخاه الشيخ حسنا المذكور في شيوخه واشتغل بالعلم وكان شيخا وقورا بهى الشكل مقبلا على شأنه منجمعا عن الناس
توفي ليلة الاثنين سادس عشر ربيع الاول
ومات الفقيه الفاضل الشيخ ابراهيم بن خليل الصيحاني الغزى الحنفي ولد بغزة وبها نشأ وقرأ بعض المتون على فضلاء بلده وورد الجامع الازهر فحضر الدروس ولازم المرحوم الوالد حسنا الجبرتي وتلقى عنه الفقه وبعض العلوم الغريبة ثم عاد الى غزة وتولى الافتاء بالمذهب وكان يرسل الى الوالد في كل سنة جانبا من الموز المر في غلق مقدار عشرين رطلا فنخرج دهنه ونرفعه في الزجاج لنفع الناس في الدهن ومعالجات بعض الامراض والجروحات ولم يزل على ذلك حتى ارتحل الى دمشق وتولى أمانة الفتوى بعد الشيخ عبد الشافعي فسار أحسن سير
وتوفي بها في هذه السنة في عشر التسعين رحمه الله
ومات الفقيه الفاضل الصالح الشيخ علي بن محمد بن نصر بن هيكل
(1/489)

ابن جامع الشنويهي تفقه على جماعة من فضلاء العصر وكان يحضر درس الحديث في كل جمعة على السيد البليدى ودرس بالازهر وانتفع به الطلبة وكان مشهورا بمعرفة الفروع الفقهية وكان درسه حافلا جدا وله حظ في كثرة الطلبة وكان الاشياخ يتضايقون من حلقة درسه فيطردونه من المقصورة فيخرج الى الصحن فتملأ حلقة درسه صحن الجامع وفي بعض الاحيان ينتقل الى مدرسة السنانية بجماعته وكان يخطب بجامع الاشرفية بالوراقين وخطبته لطيفة مختصرة وقرأ المنهج مرارا وكان شديد الشكيمة على نهج السلف الاول لا يعرف التصنع وكان يخبر عن نفسه انه كان كثير الرؤيا للنبي صلى الله عليه و سلم انه لما تنزل مدرسا في المحمدية من جملة الجماعة انقطع عنه ذلك وكان يبكي ويتأسف لذلك
توفي في ثامن عشر شعبان وأملى نسبه على الدكة الى سيدنا علي رضي الله عنه
ومات الامير الكبير الشهير عثمان بك الفقارى باسلامبول في هذه السنة وكان مدة غربته ببرصا واسلامبول نيفا وأربعا وثلاثين سنة وقد تقدم ذكره وذكر مبدأ أمره وظهوره وسبب خروجه من مصر ما يغنى عن اعادة بعضه وهو أمر مشهور والى الآن بين الناس مذكور حتى انهم جعلوا سنة خروجه تاريخا يؤرخون به وفياتهم ومواليدهم فيقولون ولد فلان سنة خروج عثمان بك ومات فلان بعد خروج عثمان بك بسنة أو شهر مثلا
ومات الامير عبد الرحمن كتخدا وهو بن حسن جاويش القازدغلي أستاذ سليمان جاويش أستاذ ابراهيم كتخدا مولى جميع الامراء المصريين الموجودين الآن
وخبره ومبدأ اقبال الدنيا عليه انه لما مات عثمان كتخدا القازدغلي واستولى سليمان جاويش الجوخدار على موجوده ولم يعط المترجم الذي هو ابن سيد أستاذه شيئا ولم يجد من ينصفه في ايصال حقه من طائفة باب الينكجرية حسدا منهم وميلا لاهوائهم واغراضهم فحنق منهم وخرج من بابهم وانتقل الى وجاق العزب وحلف انه لا يرجع الى
(1/490)

وجاق الينكجرية ما دام سليمان جاويش الجوخدار حيا وبر في قسمه فانه لما مات سليمان جاويش ببركة الحاج سنة 1152 كما تقدم بادر سليمان كتخدا الجاويشية زوج أم عبد الرحمن كتخدا واستأذن عثمان بك في تقليد عبد الرحمن جاويش السردارية عوضا عن سليمان جاويش لانه وارثه ومولاه وأحضروه ليلا وقلدوه ذلك وأحضر الكاتب والدفاتر وتسلم مفاتيح الخشخانات والتركة بأجمعها وكان شيئا يجل عن الوصف وكذلك تقاسيط البلاد ولم تطمع نفس عثمان بك لشيء من ذلك وأخذ المترجم غرضه من باب العزب ورجع الى باب الينكجرية ونما امره من حينئذ وحج صحبة عثمان بك في سنة خمس وخمسين وأقام هناك الى سنة احدى وستين فحضر مع الحجاج وتولى كتخدا الوقت سنتين وشرع في بناء المساجد وعمل الخيرات وابطال المنكرات فأبطل خمامير حارة اليهود فأول عماراته بعد رجوعه السبيل والكتاب الذي يعلوه بين القصرين وجاء في غاية الظرف وأحسن المباني وأنشأ جامع المغاربة وعمل عند بابه سبيلا وكتابا وميضاة تفتح بطول النهار وأنشأ تجاه باب الفتوح مسجدا ظريفا بمنارة وصهريج وكتاب ومدفن السيدة السطوحية وأنشأ بالقرب من تربة لازبكية سقاية وحوضا لسقي الدواب ويعلوه كتاب وفي الحطابة كذلك وعند جامع الدشطوطي كذلك وأنشأ وزاد في مقصورة الجامع الازهر مقدار النصف طولا وعرضا يشتمل على خمسين عامودا من الرخام تحمل مثلها من البوائك المقوصرة المرتفعة المتسعة من الحجر المنحوت وسقف اعلاها بالخشب النفي وبنى به محرابا جديدا ومنبرا وأنشأ له بابا عظيما جهة حارة كتامة وبنى باعلاه مكتبا بقناطر معقودة على أعمدة أعمدة من الرخام لتعليم الايتام من أطفال المسلمين القرآن وبداخله رحبة متسعة وصهريج عظيم وسقاية لشرب العطاش المارين وعمل لنفسه مدفنا بتلك الرحبة وعليه قبة معقودة وتركيبة من رخام بديعة الصنعة وبها أيضا
(1/491)

رواق مخصوص بمجاورى الصعائدة لطلب العلم يسلك اليه من تلك الرحبة بدرج يصعد منه الى الرواق وبه مرافق ومنافع ومطبخ ومخادع وخزائن كتب وبنى بجانب ذلك الباب منارة وأنشأ بابا آخر جهة مطبخ الجامع وعليه منارة ايضا
وبنى المدرسة الطيبرسية وأنشأها نشوأ جديدا وجعلها مع مدرسة الآقبغاوية المقابلة لها من داخل الباب الكبير الذى أنشأه خارجهما جهة القبو الموصل للمشهد الحسيني وخان الجراكسة وهو عبارة عن بابين عظيمين كل باب بمصراعين وعلى يمينهما منارة وفوقه مكتب ايضا وبداخله على يمين السالك بظاهر الطيبرسية ميضاة وأنشأ لها ساقية لخصوص اجراء الماء اليها وبداخل باب الميضاة درج يصعد منه للمنارة ورواق البغداديين والهنود فجاء هذا الباب وما بداخله من الطيبرسية والآقبغاوية والاورقة من أحسن المباني في العظم والوجاهة والفخامة وعمل عند باب القبة الصهريج والمقصورة الكبيرة التي بها ضريح شيخ الاسلام زكريا الانصاري فيما بين المسجد ودهليز القبة وفرش طريق القبة بالرخام الملون يسلك اليه الدهليز طويل متسع وعليه بوابة كبيرة من داخل الدهليز البراني وعلى لدهليز البرااني من كلتا الجهتين بوابتان
وعمر أيضا المشهد النفيسي ومسجده وبنى الصهريج على هذه الهيئة الموجودة وجعل لزيارة النساء طريقا بخلاف طريق الرجال
وبنى أيضا مشهد السيدة زينب بقناطر السباع ومشهد السيدة سكينة بخط الخليفة والمشهد المعروف بالسيدة عائشة بالقرب من باب القرافة والسيدة فاطمة والسيدة رقية والجامع والرباط بحارة عابدين وكذلك مشهد أبي السعود الجارحي على الصفة التي هو عليها الآن ومسجد شرف الدين الكردى بالحسينية
ومسجدا بخط الموسكى وبنى للشيخ الحفني دارا بجوار ذلك المسجد وينفذ اليه من داخل
وعمر المدرسة السيوفية المعروفة بالشيخ مطهر بخطبات الزهومة وبنى
(1/492)

لوالدته بها مدفنا
وأنشأ خارج باب القرافة حوضا وسقاية وصهريجا وجدد المارستان المنصورى وهدم أعلى القبة الكبيرة المنصورية والقبة التي كانت بأعلى الفسحة من خارج ولم يعد عمارتهما بل سقف قبة المدفن فقط وترك الاخرى مكشوفة ورتب له خيرات وأخبازا زيادة على البقايا القديمة ولما عزم على ترميمه وعمارته أراد ان يحتاط بجهات وقفه فلم يجد له كتاب وقف ولا دفترا وكانت كتب أوقافه ودفاتره في داخل خزانة المكتب فاحترقت بما فيها من كتب العلم والمصاحف ونسخ الوقفيات والدفاتر ووقفه يشتمل على وقف الملك المنصور قلاون الكبير الاصلي ووقف ولده الملك الناصر محمد ووقف بن الناصر أبي الفدا اسمعيل بل وغير ذلك من مرتبات الملوك من أولادهم ثم أنه وجد دفترا من دفاتر الشطب المستجدة عند بعض المباشرين وذلك بعد الفحص والتفتيش فاستدل به على بعض الجهات المحتكرة
وللمترجم عمائر كثيرة وقناطر وجسور في بلاد الارياف وبلاد الحجاز حين كان مجاورا هناك
وبنى القناطر بطندتا في الطريق الموصلة الى محلة مرحوم والقنطرة الجديدة الموصلة الى حارة عابدين من ناحية الخلوتي على الخليج وقنطرة بناحية الموسكى ورتب للعميان الفقراء الاكسية الصوف المسماة بالزعابيط فيفرق عليهم جملة كثيرة من ذلك عند دخول الشتاء في كل سنة فيأتون الى داره أفواجا في أيام معلومة ويعودون مسرورين بتلك الكساوى وكذلك المؤذنون يفرق عليهم جملة من الاجرامات الطولونية يرتدون بها وقت التسبيح في ليالي الشتاء وكذلك يفرق جملة من الحبر المحلاوى والبر الصعيدى والملايات والاخفاف والبوابيج القيصرلي على النساء الفقيرات والارامل ويخرج عند بيته في ليالي رمضان وقت الافطار عدة من القصاع الكبار المملوءة بالثريد المسقي بمرق اللحم والسمن للفقراء المجتمعين ويفرق عليهم النقيب هبر اللحم النضيج فيعطى لكل فقير جعله وحصته في يده
(1/493)

وعندما يفرغون من الاكل يعطى لكل واحد منهم رغيفين ونصفي فضة برسم سحوره الى غير ذلك
ومن عمائره القصر الكبير المعروف به بشاطىء النيل فيما بين بولاق ومصر القديمة وكان قصرا عظيما من الابنية الملوكية وقد هدم في سنة 1205 بيد الشيخ علي بن حسن مباشرا لوقف وبيعت أنقاضه وأخشابه ومات المباشر المذكور بعد ذلك بنحو ثلاثة أشهر
ومن عمائره أيضا دار سكنه بحارة عابدين وكانت من الدور العظيمة المحكمة الوضع والاتقان لا يماثلها دار بمصر في حسنها وزخرفة مجالسها وما بها من النقوش والرخام والقيشاني والذهب المموه واللازورد وأنواع الاصباغ وبديع الصنعة والتأنق والبهجة وغرس بها بستانا بديعا بداخله قاعة متسعة مربعة الاركان بوسطها فسقية مفروشة بالرخام البديع الصنعة وأركانها مركبة على أعمدة من الرخام الابيض وغير ذلك من العمارات حتى اشتهر ذكره بذلك وسمى بصاحب الخيرات والعمائر في مصر والشام والروم وعدة المساجد التي أنشأها وجددها وأقيمت فيها الخطبة والجمعة والجماعة ثمانية عشر مسجدا وذلك خلاف الزوايا والاسبلة والسقايات والمكاتب والاحواض والقناطر والمربوط للنساء الفقيرات والمنقطعات
وكان له في هندسة الابنية وحسن وضع العمائر ملكة يقتدر بها على ما يروعه من الوضع من غير مباشرة ولا مشاهدة
ولو لم يكن له من المآثر الا ما أنشأ بالجامع الازهر من الزيادة والعمارة التي تقصر عنها همم الملوك لكفاه ذلك وأيضا المشهد الحسيني ومسجده والزيني والنفيسي وضم لوقفه ثلاث قرى من بلاد الارز بناحية رشيد وهي تفينة وديبي وحصة كتامة وجعل ايرادها وما يتحصل من غلة أرزها لمصارف الخيرات وطعام الفقراء والمنقطعين وزاد في طعام المجاورين بالازهر ومطبخهم الهريسة في يومي الاثنين والخميس وقد تعطل غالب ذلك في هذا التاريخ الذى نحن فيه لغاية سنة 1220 بسبب استيلاء الخراب وتوالي المحن وتعطل الاسباب
ولم يزل
(1/494)

هذا شأنه الى ان استفحل أمر علي بك وأخرجه منفيا الى الحجاز وذلك في أوائل شهر القعدة 1178 فأقام بالحجاز اثنتي عشرة سنة فلما سافر يوسف بك أميرا بالحاج في السنة الماضية صمم على احضاره صحبته الى مصر فأحضره في تختروان وذلك في سابع شهر صفر سنة 1190 وقد استولى عليه العي والهرم وكرب الغربة فدخل الى بيته مريضا فأقام احد عشر يوما ومات فغسلوه وكفنوه وخرجوا بجنازته في مشهد حافل حضره العلماء والامراء والتجار ومؤذنو المساجد وأولاد المكاتب التي أنشأها ورتب لهم فيها الكساوى والمعاليم في كل سنة وصلوا عليه بالازهر ودفن بمدفنه الذى أعده لنفسه بالازهر عند الباب القبلي
ولم يخلف بعده مثله رحمه الله
ومن مساويه قبول الرشا والتحيل على مصادرة بعض الاغنياء في اموالهم واقتدى به في ذلك غيره حتى صارت سنة مقررة وطريقة مسلوكة ليست منكرة وكذلك المصالحة على تركات الاغنياء التي لها وارث ومن سيآته العظيمة التي طار شررها وتضاعف ضررها وعم الاقليم خرابها وتعدى إلى جميع الدنيا هبابها معاضدته لعلي بك ليقوى به على أرباب الرئاسة فلم يزل يلقي بينهم الفتن ويغرى بعضهم على بعض ويسلط عليهم علي بك المذكور حتى أضعف شوكات الاقوياء وأكد العداوة بين الاصفياء واشتد ساعد علي بك فعند ذلك التفت اليه وكلب بنابه عليه واخرجه من مصر وأبعده عن وطنه فلم يجد عند ذلك من يدافع عنه وأقام هذه المدة في مكة غريبا وحيدا وأخرج أيضا في اليوم الذي أخرجه فيه نيفا وعشرين اميرا من الاختيارية كما تقدم
فعند ذلك خلا لعلي بك وخشداشينه الجو فماضوا وأفرخوا وامتد شرهم الى الآن الذي نحن فيه كما سيتلى عليك بعضه فهو الذي كان السبب بتقدير الله تعالى في ظهور أمرهم فلو لم يكن له من المساوىء الا هذه لكفاه ولما رجع من الحجاز متمرضا ذهب اليه ابراهيم بك ومراد بك وباقي خشداشينهم
(1/495)

ليعودوه ولم يكن رآهم قبل ذلك فكان من وصيته لهم كونوا مع بعضكم واضبطوا أمركم ولا تداخلوا الاعادى بينكم
وهذا بدل عن قوله أوصيكم بتقوى الله تعالى وتجنبوا الظلم وافعلوا الخير فان الدنيا زائلة وانظروا حالي ومالي أو نحو ذلك هكذا أخبرني من كان حاضرا في ذلك الوقت وكان سليط اللسان ويتصنع الحماقة فغفر الله لنا وله رأيته مرة وانا اذ ذاك في سن التمييز قبل ان ينفي الى الحجاز وهو ماش في جنازة مربوع القامة أبيض اللون مسترسل اللحية ويغلب عليها البياض مترفها في ملبسه معجبا بنفسه يشار اليه بالبنان
( سنة احدى وتسعين ومائة وألف )
فيها في أوائل شهر ربيع الاول ورد أغا من الديار الرومية بطلب عساكر لسفر العجم فأجتمع الامراء وتشاوروا في ذلك فاتفق رأيهم على احضار ابراهيم بك طنان فأحضروه من المحلة وقلدوه امارة ذلك
وفيها في أوائل شهر جمادى الاولى وقعت حادثة في طائفة المغاربة المجاورين بالجامع الازهر وذلك انه آل اليهم مكان موقوف وحجد واضع اليد ذلك والتجأ الى بعض الامراء وكتبوا فتوى في شأن ذلك واختلفوا في ثبوت الوقف بالاشاعة ثم أقاموا الدعاوى في المحكمة وثبت الحق للمغاربة ووقع بينهم منازعات وعزلوا شيخهم وولوا آخر وكان المندفع في الخصومة واللسانة شيخا منهم يسمى الشيخ عباس والامير الملتجىء اليه الخصم يوسف بك فلما ترافعوا وظهر الحق على خلاف غرض الامير حنق لذلك ونسبهم الى ارتكاب الباطل فأرسل من طرفه من يقبض على الشيخ عباس المذكور من بين المجاورين فطردوا المعينين وشتموهم وأخبروا الشيخ أحمد الدردير فكتب مراسلة الى يوسف بك تتضمن عدم تعرضه لاهل العلم ومعاندة الحكم الشرعي
(1/496)

وأرسلها صحبة الشيخ عبد الرحمن الفرنوى وآخرين فعندما وصلوا اليه وأعطوه التذكرة نهرهم وأمر بالقبض عليهم وسجنهم بالحبس
ووصل الخبر الى الشيخ الدردير وأهل الجامع فأجتمعوا في صبحها وأبطلوا الدروس والاذان والصلوات وقفلوا أبواب الجامع وجلس المشايخ بالقبلة القديمة وطلع الصغار على المنارات يكثرون الصياح والدعاء على الامراء
وأغلق أهل الاسواق القريبة الحوانيت وبلغ الامراء ذلك فأرسلوا الى يوسف بك فأطلق المسجونين وأرسل ابراهيم بك من طرفه ابراهيم أغابيت المال فلم يأخذ جوابا وحضر الاغا الى الغورية ونزل هناك ونادى بالامان وأمر بفتح الحوانيت فبلغ مجاورى المغاربة ذلك فذهب اليه طائفة منهم وتبعهم بعض العوام وبأيديهم العصي والمسلوق وضربوا اتباع الآغا ورجموه بالاحجار فركب عليهم وأشهر فيهم السلاح هو ومماليكه فقتل من مجاورى المغاربة ثلاثة انفار وانجرح منهم كذلك ومن العامة
وذهب الأنما ورجع الفريق الآخر وبقي المهرج الى ثاني يوم فحضر اسمعيل بك والشيخ السادات وعلي أغا كتخدا الجاويشية وحسن أغا اغات المتفرقة والترجمان وحسن أفندي كاتب حوالة وغيرهم فنزلوا الاشرفية وأرسلوا الى أهل الجامع تذكرة بانفضاض الجمع وتمام المطلوب
وكان ذلك عند الغروب فلم يرضوا بمجرد الوعد وطلبوا الجامكية والجراية فركبوا ورجعوا وأصبح يوم الأربعاء والحال على ما هو عليه وإسمعيل بك مظهر الإهتمام لنصرة أهل الازهر فحضر مع الشيخ السادات وجلسوا بالجامع المؤيدى وأرسلوا للمشايخ تذكرة صحبة الشيخ ابراهيم السندوبي ملخصها ان اسمعيل بك تكفل بقضاء أشغال المشايخ وقضاء حوايجهم وقبول فتواهم وصرف جماكيهم وجراياتهم وذلك بضمان الشيخ السادات له فلما حضر الشيخ ابراهيم بالتذكرة وقرأها الشيخ عبد الرحمن العريشي جهارا وهو
(1/497)

قائم على أقدامه
فلما سمعوها أكثروا من الهرج واللغط وترددت الارساليات والذهاب والمجيء بطول النهار ثم اصطلحوا وفتحوا الجامع في آخر النهار وأرسلوا لهم في يوم الخميس جانبا من دراهم الجامكية
ومن جملة ما اشترطوه في الصلح عدم مرور الاغا والوالي والمحتسب من حارة الازهر وغير ذلك شروط لم ينفذ منها شيء
وعمل ابراهيم بك ناظرا على الجامع عوضا عن الاغا وأرسل من طرفه جنديا للمطبخ وسكن الاضطراب
وبعد مضي أربعة من هذه الحادثة مر الاغا وبعده الوالي كذلك فارسل المشايخ الى ابراهيم بك يخبروه فقال ان الطريق يمر بها البر والفاجر ولا يستغني الحكام عن المرور
وفي أوائله أيضا أحضر مراد بك شخصا يقال له سليمان كاشف من أتباع يوسف بك وضربه علقة بالنبابيت لسبب من الاسباب فحقدها عليه يوسف بك واستوحش من طرفه
وفي ثاني عشر جمادى الثانية قبض الاغا على انسان شريف من أولاد البلد يسمى حسن المدابغي وضربه حتى مات وسبب ذلك أنه كان في جملة من خرج على الاغا بالغورية يوم فتنة الجامع وكان انسانا لا بأس به
وفي ليلة الجمعة رابع عشر جامدى الثانية خرج اسمعيل بك جهة العادلية مغضبا وسبب ذلك ان مراد بك زاد في العسف والتعدى خصوصا في طرف اسمعيل بك وابراهيم بك يسعى بينهما في الصلح واجتمعوا في آخر مجلس عند ابراهيم بك فتكلم اسمعيل بك كلاما مفحما وقال انا تارك لكم مصر وامارتها وجاعلكم مثل أولادى ولا أريد الا المعيشة وراحة السر وأنتم لا تراعون لي حقا وأمثال ذلك من الكلام
فحضر في هذه الايام الى اسمعيل بك مركب غلال فأرسل مراد بك وأخذ ما فيها وعلم ان اسمعيل بك يغتاظ لذلك ثم اتفق مع بعض اغراضه انهم يركبون من الغد الى اسمعيل بك ويدخلون عليه في بيته ويقتلونه فعلم اسمعيل
(1/498)

بك بذلك فركب في الصباح وخرج الى العادلية بعد أن عزل بيته وحريمه ليلا وجلس بالاشبكية وركب مراد بك ذاهبا الى اسمعيل بك فوجده قد خرج الى الاشبكية وكان ابراهيم بك طلع الى قصر العيني فذهب الى مراد بك ولما أشيع خروج اسمعيل بك ركب يوسف بك وخرج اليه وتبعه محمد بك طبل وحسن بك وابراهيم بك طنان وذو الفقار بك وغيرهم
ووصل الخبر الى ابراهيم بك ومراد بك ومن انضم اليهم فركبوا وحضروا الى القلعة وملكوا الابواب وامتلأت الرميلة والميدان بعساكرهم وصحبتهم أحمد بك الكلارجي ولاجين بك وأيوب بك ورضوان بك وخليل بك ومصطفى بك واضطربت المدينة وأغلق الناس الدكاكين واستمروا على ذلك يوم السبت ويوم الاحد ويوم الاثنين ويوم الثلاثاء وتسحب من أهل القلعة جماعة خرجوا الى اسمعيل بك ويوسف بك ومن معهما وهم اسمعيل اغا أخو علي بك الغزاوى وأخوه سليم أغا وعبد الرحمن اغا اغات الينكجرية سابقا فأرسل اهل القلعة ابراهيم اغا الوالي فجلس بباب النصر واغلق الباب ونزل الباشا الى باب العزب
فحضر قاسم كتخدا عزبان أمين البحرين وعبد الرحمن أغا وصحبتهم جماعة الى باب النصر وفتحوا الباب وطردوا الوالي وذلك في يوم الاثنين وملكوا باب النصر فأرسلوا اليهم طائفة من عسكر المغاربة فضربوا عليهم بالرصاص وحمل عليهم الآخرون فشتتوهم ورجعوا الى خلف وقتل من المغاربة انفارا وانجرح منهم كذلك وانتشر البرانيون حوالي جهات مصر وذهب منهم طائفة الى جهة بولاق وفيهم محمد بك طبل فوجدوا طائفة من الكشاف والاجناد حضروا الى بولاق لاجل العليق والتبن فوقعت بينهم وقعة فأنهزموا الى قصر عبد الرحمن كتخدا وأخذ اولئك العليق والتبن وطلع منهم طائفة الى الجبل واشتد الحال وعظمت الفتنة فأراد الباشا اجراء الصلح فأرسل أيوب أغا ورجع بجواب عدم رضاهم بالصلح ثم ارسل اليهم أحمد
(1/499)

جاويش المجنون فذهب ولم يرجع والتف عليهم فأرسل الباشا ولده وكتخداه سعيد بك مرارا
ثم دخل في يوم الاربعاء عبد الرحمن أغا من باب النصر وشق من وسط المدينة وامامه المنادى ينادى على الناس برفع بضائعهم من الحوانيت فرفع الناس بواقي بضائعهم من الدكاكين ولم يزل سائرا حتى وصل الى باب زويلة ونزل بجامع المؤيد وجلس به مقدار ساعتين ورتب عسكرا هناك على السقائف والاسبلة ثم ركب راجعا وعاد وصحبته ابراهيم بك الطناني ومعهم عدة اجناد وعساكر وخرجوا من باب زويلة الى الدرب الاحمر الى جامع المرداني فجلسوا عنده الى بعد الظهر ثم زحفوا الى التبانة الى قرب المحجر وعملوا هناك متاريس ورتبوا بها جماعة وكذلك ناحية سويقة العزى فنزل اليهم جماعة من القلعة وتراموا بالرصاص وقطعوا الطرق على من بالقلعة إلى بعد العصر فنزل اليهم خيالة مدرعين فحمل عليهم عسكر المغاربة فوقع منهم أربعة خيالة وانجرح لاجين بك فحملوه الى بيته في شنف وقتل أنفار من عسكر المغاربة وولى القلعاوية الى جهة القلعة وبعد الغروب انفصل عنهم عسكر المغاربة ونكسوا أعلامهم وحضروا عند أجناسهم والتفوا عليهم ولاحت لوائح الخذلان على من بالقلعة ودخل عليهم الليل وانكف الفريقان
وأصبح يوم الخميس فدخل الكثير من البرانيين الى المدينة شيئا فشيئا وربطوا في جميع الجهات حتى انحصروا بالقلعة وأخذوا ينقبون عليهم فلما شاهدوا الغلب فيهم نزلوا من باب الميدان وذهبوا جهة البساتين الى الصعيد فتخلف عنهم أحمد بك الكلارجي وأيوب بك وابراهيم بك أوده باشه ولاجين بك مجروح وخرج المتخلفون الى اسمعيل بك ويوسف بك وطلبوا منهما الامان وانضموا اليهم
وعندما أشيع نزول ابراهيم بك ومراد بك من القلعة هجم المرابطون بالمحجر وسوق السلاح على الرميلة ونهبوا خيامهم وعازقهم الذى بها وبالميدان حتى جمال الباشا وخيول الدلاة
(1/500)

وذلك يوم الخميس قبل العصر بنصف ساعة فدخل اسمعيل بك ويوسف بك بعد العصر من ذلك اليوم من باب النصر وتوجهوا الى بيوتهم وأصبح يوم الجمعة فشق عبد الرحمن أغا ونادى بالامان والبيع والشراء وراق الحال
ولما كان يوم الاحد ثاني عشرين جمادى الثانية طلعوا الى الديوان فخلع الباشا على اسمعيل بك ويوسف بك خلعتي سمور واستقر اسمعيل بك شيخ البلد ومدبر الدولة وقلدوا حسن بك الجداوى صنجقا كما كان وكانت الصنجقية مرفوعة عنه من موت سيده علي بك وكذلك رضوان بك قرابة علي بك قلدوه صنجقية وقلدوا اسمعيل أغا أخا علي بك الغزاوى صنجقية أيضا وسكن ببيت إبراهيم بك الكبير وقلدوا سليمان كاشف من اتباع يوسف بك وهو الذى كان ضربه علقة مراد بك بالنبوت كما تقدم صنجقية ولقبه الناس أبا نبوت وقلدوا أيضا سليم كاشف من اتباع اسمعيل بك صنجقية وقلدوا عبد الرحمن أغا أغاوية مستحفظان كما كان ومحمد كاشف والى الشرطة
وفي عشية ذلك اليوم انزلوا سليمان أغا مستحفظان الى بولاق وانزلوه في مكرب منفيا الى دمياط بعدما صودر في نحو اربعين ألف ريال
وفي يوم الثلاثاء خامس عشرينه انزلوا ايضا سليمان كتخدا مستحفظان وعثمان كتخدا باش اختيار مستحفظان المعروف يأبي مساوق والامير عبد الله أغا وانزلوهم الى المراكب ثم حصل عنهم العفو فردوهم الى بيوتهم
وفي ذلك اليوم طلعوا الى الديوان فقلدوا ذا الفقار بك دفتردار عوضا عن رضوان بك بلفيا وذلك باشارة يوسف بك لكونه كان مع مراد بك وابراهيم بك حتى انه اراد أن يسلب نعمته فمنعه عنه اسمعيل بك
وفي يوم الاربعاء ثاني شهر رجب حضر عند يوسف بك حسن بك
(1/501)

الجداوى وصحبته اسمعيل بك الصغير وهو اخو علي بك الغزاوى وسليم بك الاسماعيلي وعبد الرحمن بك العلوى فجلسوا معه ساعة لطيفة بالمقعد المطل على البركة فجلس حسن بك امامه وكان جالسا على الدكة المرتفعة عن المرتبة وجلس تحت شماله على المرتبة اسمعيل بك الصغير وسليم بك وعبد الرحمن بك استمر واقفا وحادثوه في شىء وتناجوا مع بعضهم وتأخر عنهم الواقفون من المماليك والاجناد فسحب عبد الرحمن بك النمشاة وضرب بها يوسف بك فأراد ان يهم قائما فداس على ملوطة اسمعيل بك فوقع على ظهره فنزلوا عليه بالسيوف وضربوا في وجوه الواقفين طلق بارود فهربوا الى خلف الضاربون من القيطون وركبوا وذهبوا الى اسمعيل بك فركب في تلك الساعة وطلع الى القلعة وأرسل اسمعيل كتخدا عزبان الى الباشا وكان بقصر العيني بقصد التنزه فركب من هناك وطلع الى القلعة وجلس بباب العزب صحبة اسمعيل بك فلما بلغ الامراء الذين هم خشداشين يوسف بك ركبوا وخرجوا من المدينة وذهبوا الى قبلي وهم احمد بك الكلارجي وذو الفقار بك ورضوان بك الجرجاوى فركب خلفهم طائفة فلم يدركوهم وارسلوا الى محمد بك طبل فكرنك في بيته ونصب له مدافع وابى من الخروج لانه صار من المذبذبين
فلما وقع منه ذلك ذهب اليه حسن بك سوق السلاح وأخذه بالامان الى اسمعيل بك بعدما نزل الى بيته فأمره ان يأخذه عنده في بيته فلما اصبح استأذنه في زيارة الامام الشافعي فأذن له فركب الى جهة القرافة وذهب الى جهة الصعيد
وانقضت الفتنة ودفن يوسف بك
وفي يوم الخميس طلعوا الى الديوان فخلع الباشا على اسمعيل بك الكبير فروة سمور وأقره على مشيخة البلد وقلدوا حسن بك قصبة رضوان امارة الحج عوضا عن يوسف بك وقلدوا عبد الرحمن بك العلوى صنجقا كما كان وقلدوا ابراهيم أغا خازندار واسمعيل بك الذى زوجه ابنته
(1/502)

صنجقية وتلقب بابراهيم بك قشطة وسكن ببيت محمد بك وقلدوا حسين أغا خازندار اسمعيل بك سابقا صنجقية أيضا وسكن ببيت أحمد بك الكلارجي وقلدوا كاشفين أيضا لاسمعيل بك يسمى كل واحد منهما بعثمان صنجقين وسكن أحدهما ببيت مصطفى بك الذى كان سكن محمد بك طبل وهو على بركة الفيل حيث جامع أزبك اليوسفي وهو الذى يسمى بعثمان بك طبل وعثمان الثاني وهو الذي لقب بقفا الثور وسكن ببيت ذى الفقار المقابل لبيت بلفيا وقلدوا علي أغا جوخدار اسمعيل بك صنجقية أيضا وسكن ببيت مراد بك عند الكبش وهو ببيت صالح بك الكبير وكان يسكنه سليمان بك أبو نبوت اليوسفي
وأما بيت يوسف بك فسكن به سليم بك وقلدوا يوسف آغا من اتباع إسمعيل بك واليا ونفوا أيوب بك وسليمان بك الى المنصورة
وفي صبحها يوم الجمعة رابع شهر رجب الفرد الموافق لرابع مسرى القبطي نودى بوفاء النيل ونزل الباشا صبح يوم السبت وكسر السد على العادة وجرى الماء في الخليج وعاد الباشا الى القلعة
وفي سابعة اتفقوا على ارسال تجريدة الى الصعيد وسر عسكرها إسمعيل بك الصغير وعينوا للتوجه صحبته حسن بك الجداوي وابراهيم بك الطناني وسليم بك الطناني وسليم بك الاسمعيلي وابراهيم بك أوده باشا وحسن بك الشرقاوى المعروف بسوق السلاح وقاسم كتخدا عزبان وعلي أغا المعمار وكان غائبا بالمنية فلما قبل الجماعة تخلص وترك أحواله وغلامه وحضر الى مصر وصحبته طائفة من الهوارة والعربان فلما حضر أرادوا أن يقلدوه صنجقية فأمتنع من ذلك وشرعوا في تشهيل التجريدة وطلبوا طلبا عظيما وصرف الباشا ألف كيس من الخزينة لنفقة العسكر وخلعوا على الهوارة ومشايخ العربان ووعدوهم بالخير
وفيه جاءت الاخبار بان علي بك السروجي ساق خلف محمد بك طبل فلحقه عند مكان تجاه
(1/503)

البدرشين واحتاط به العربان وقتلوا مماليكه وشرد من نجا منهم وتفرق ونهبوا ما معه وعروه وسلموه لكاشف هناك من اتباع اسمعيل بك فوقع في عرضه وعرض مشايخ البلد فألبسوه حوائج وهربوه وصحبته اثنان من الاجناد فلما حضر علي بك السروجي أخبره العرب بما حصل فأخذ ذلك الكاشف وحضر صحبته الى اسمعيل بك فضرب الكاشف عقلة ونفاه
وفيه ورد الخبر أيضا عن ذي الفقار بك بان العرب عروه أيضا فهرب فلحقوه وأرادوا قتله فألقى نفسه في البحر بفرسه وغرق ومات
وفي يوم الاثنين رابع عشر رجب برزت عساكر التجريدة الى جهة البساتين
وفي يوم الخميس خرج أيضا غالب الامراء وبرزوا خيامهم
وفي يوم الجمعة ثامن عشر رجب سافرت التجريدة برا وبحرا
وفي يوم السبت سادس عشرين رجب وصلت الاخبار بان التجريدة تلاقت مع الامراء القبالي ووقع بينهم معركة قوية فكانت الهزيمة على التجرية
فلما وصلت هذه الاخبار اضطرب إسمعيل بك وتخبل غزله وكذلك أمراؤه ودخل في يومها الاجناد مشتتين مهزومين وكانت الوقعة يوم الجمعة في بياضة من أعمال الشرق فكبسوهم على حين غفلة وقت الفجر فركب علي أغا المعمار وقاسم كتخدا عزبان وابراهيم بك طنان فحاربوا جهدهم فأصيب علي اغا وقاسم كتخدا ووقعت خيولهما وذلك بعد أن ساق علي أغا وصحبته رضوان اغا طنان وقصد مراد بك وضربه رضوان في وجهه بالسيف فلمحه خليل بك كوسه الابراهيمي وضرب علي أغا بالقرابينة فأصابته في عنقه ووقع فرسه وسقط ميتا
فلما قتل هذان الاميران ولي ابراهيم بك طنان فأنهزم بقية الامراء لانه لم يكن فيهم أشجع من هؤلاء الثلاثة وباقيهم ليس له دربة في الحرب وسر عسكر مقصوب
(1/504)

ومريض واحتاط الامراء القبليون بخيامهم وحملاتهم ومراكبهم بما فيها وكانت نيفا وخمسمائة مركب وكان كبير العسكر في قنجة صغيرة فلما عاين الكسرة أسرع في الانحدار وكذلك بعض الامراء انحدروا معه وباقيهم وصلوا في البر على هيئة شنيعة وكان اسمعيل بك بمصر القديمة ينتظر امراء التجريدة
فلما حصل ذلك نزل الباشا في يوم الاحد وخرج الى الآثار وجلس مع الصنجق ونادوا بالنفير العام فخرج القاضي والمشايخ والتجار وأرباب الصنائع والمغاربة وأهل الحارات والعصب وغلقت الاسواق
وخرج الناس في يوم الاثنين حتى ملأوا الفضاء فلما عاين ذلك اسمعيل بك وعلم انهم يحتاجون الى مصروف ومأكل وأكثرهم فقراء وذلك غاية لا تدرك أشار على تجار المغاربة والالضاشات بالمكث ورجع بقية العامة وأرباب الحرف ومشايخ الاشاير والفقراء من اهل الزوايا والبيوت ووصل القبليون الى حلوان وطمعوا في أخذ مصر بعد الكسرة قبل الاستعداد ثانيا
وفي يوم الاثنين أرسل اسمعيل بك عدة من الاجناد وأصحبهم عسكر المغاربة ومعهم الجبخانة والمدافع فنصبوا المتاريس ما بين التبين وحلوان تجاه الاخصام وركب في ليلتها اسمعيل بك وامراؤه وأجناده وأحضر الباشا قليون رومي من دمياط ورئيسه يسمى حسن الغاوى مشهور بمعرفة الحرب في البحر يشتمل ذلك القليون على خمسة وعشرين مدفعا فأقلع به ليلا تجاه العسكر وارتفع حتى تجاوز مراكبهم وضرب بالمدافع على وطاقهم في البر وعلى مراكبهم في البحر وساق جميع المراكب بما فيها ووقع المصاف واشتد الجلاد بين الفريقين فكان بينهم وقعة قوية وقتل فيها من أولئك رضوان بك الجرجاوى وخليل بك كوسه الابراهيمي وخازنداره وكشاف وأجناد ووقعت على القبالي الهزيمة ولم يظهر مراد بك في هذه المعركة بسبب جراحته
ثم هجموا على وطاقهم وخيامهم ونهبوها ونزل محمد بك طبل بفرسه الى البحر وغرق ومات
ورجع ابراهيم بك ومراد
(1/505)

بك وهو مجروح ومصطفى بك وأحمد بك الكلارجي وأتباعهم وذهبوا الى قبلى وساقوا خلفهم فلم يدركوهم
ودخل اسمعيل بك والامراء والاجناد والعسكر الى مصر منصورين مؤيدين وكانت هذه النصرة بخلاف المظنون وكان رجوعهم يوم الاربعاء غرة شهر شعبان
وفي ليلة السبت رابع شعبان حضر كاشف وصحبته جملة من المماليك وكان هذا الكاشف مأسورا عند القبالي فلما انهزموا أذنوا له بالرجوع الى بيته وانضم اليه عدة مماليك ماتت أسيادهم فلما حضروا عند اسمعيل بك فرقهم على الامراء
وفي سابعه أحضروا رمة علي أغا المعمار الى بيته فغسلوه وكفنوه وصلوا عليه في مشهد حافل ودفنوه بالقرافة
وفيه تقلد حسن بك الجداوى ولاية جرجا وجاءت الاخبار بان القبليين استقروا بشرق أولاد يحيى
وفي آخر شعبان سافر حسن بك الجداوى الى جرجا وصحبته كشاف الولايات وحكام الاقاليم فضج لنزولهم ساحل البحر بسبب أخذهم المراكب
وفي منتصف شهر رمضان ولدت امرأة مولودا يشبه خلقة الفيل مثل وجهه وآذانه وله نابان خارجان من فمه وأبوه رجل جمال وامرأته لما رأت الفيل وكانت في أشهر وحامها نقلت شبهه في ولدها وأخذه الناس يتفرجون عليه في البيوت والازقة
وفي يوم الجمعة تاسع عشرين شهر رمضان ركب أمراء اسمعيل بك وصناجقه وعساكره في آخر الليل واحتاطوا ببيت اسمعيل بك الصغير أخي علي بك الغزاوى فركب في مماليكه وخاصته وخرج من البيت فوجدوا الطرق كلها مسدودة بالعسكر والاجناد فدخل من عطفة الفرن يريد الفرار وخرج على جهة قنطرة عمر شاه فوجد العسكر والاجناد أمامه وخلفه
(1/506)

فصار يقاتلهم ويتخلص منهم من عطفة الى عطفة حتى وصل الى عطفة البيدق وأصيب بسيف على عاتقه وسقطت عمامته وصار مكشوف الرأس الى أن وصل الى تجاه درب عبد الحق بالازبكية فلاقاه عثمان بك أحد صناجق اسمعيل بك فرده وسقط واحتاطوا به فنزل على دكان في أسوأ حال مكشوف الرأس والدم خارج من كركه فعصبوا رأسه بعمامة رجل جمال وأخذه عثمان بك الى بيته وتركه وذهب الى سيدة فأخبره فخلع عليه فروة وفرسا مرختا وأرسلوا اليه الوالي فخنقه ووضعوه في تابوت وأرسلوه الى بيته الصغير فبات به ميتا وأخرجوه في صبحها في مشهد ودفنوه
وكان اسمعيل بك قد استوحش منه وظهر عليه في أحكامه وأوامره وكلما أبرم شيئا عارضه فيه
وازدحم الناس على بيته وأقبلت اليه أرباب الخصومات والدعاوى وصار له عزوة كبيرة وانضم اليه كشاف واختيارية وحدثته نفسه بالانفراد وتخيل منه اسمعيل بك فتركه وما يفعله واظهر انه مرمود في عينيه وانقطع بالحريم من اول شهر رمضان ثم سافر في اواخره في النيل لزيارة سيدى احمد البدوى ثم رجع وبيت مع اتباعه ومن يثق به وقاموا عليه وقتلوه كما ذكر
ولما انقضى امره شرع اسمعيل بك في ابعاد ونفي من كان يلوذ به وينتمي اليه فأنزلوا ابراهيم بك بلفيا ومحمد اغا الترجمان وعلي كتخدا الفلاح وبعض كشاف الى بولاق وأراد قتل اخيه سليم آغا المعروف بتمرلنك فأقتدى نفسه بثلاثين ألف ريال ثم نفوه ثالث شوال ونفى ابراهيم بك بلفيا الى المحلة
وفي تلك الايام قرر اسمعيل بك على كل بلد من القرى ثلثمائة ريال وهي أول سيآته
وفي يوم الاحد ثاني عشرين شوال عملوا موكب المحمل وأمير الحاج حسن بك رضوان
(1/507)

وفي يوم الخميس رابع ذي القعدة تقلد عبد الرحمن بك عثمان صنجقية وكانت مرفوعة عنه وكذلك علي بك
وفي يوم الاثنين ثامنه سافرت تجريدة لجهة الصعيد للامراء القبالي لانهم تقووا واستولوا على البلاد وقبضوا الخراج وملكوا من جرجا الى فوق وحسن بك أمير الصعيد مقيم وليس فيه قدرة على مقاومتهم ومنعوا ورود الغلال حتى غلا سعرها فعينوا لهم التجريدة وسر عسكرها رضوان بك وعلي الجوخدار وسليم بك وابراهيم بك طنان وحسن بك سوق السلاح
وفي يوم الاحد حادى عشرين القعدة خرج اسمعيل بك الى ناحية دير الطين وعزم على التوجه الى قبلي بنفسه وأرسل الباشا فرماتات لسائر الامراء والوجاقلية وأمرهم جميعا فخرجوا جمعيا ونصبوا وطاقاتهم عند المعادى ونزل الباشا وجلس بقصر العيني وطلبوا طلبا عظيما
وفي يوم الجمعة عدى اسمعيل بك الى البر الثاني وترك بمصر عبد الرحمن اغا مستحفظان كتخدا ورضوان بك بلفيا وعثمان بك طبل وابراهيم بك قشطة صهره وحسين بك ومقادم الابواب لحفظ البلد فكان المقادم يدورون بالطوف في الجهات ليلا ونهارا مع هدوء سر الناس وسكون الحال في مدة غياب الجميع
وفي سادس شهر الحجة وصلت مكاتبات من اسمعيل بك ومن الامراء الذين بصحبته بانهم وصلوا الى المنية فلم يجدوا بها أحدا من القبليين وانهم في أسيوط ومعهم اسمعيل أبو علي من كبار الهوارة
وفي سابع عشرة حضر الوجاقلية الذين بالتجريدة وحضر ايضا أيوب اغا وكان عند القبالي فحضر عند اسمعيل بك بامان واستأذنه في التوجه الى بيته ليرى عياله فأذن له وأرسله صحبة الوجاقلية وسبب رجوع الوجاقلية لما رأى اسمعيل بك بعد الامراء وأراد ان يذهب خلفهم فأمرهم بالرجوع للتخفيف وانقضت هذه السنة
(1/508)

من مات في هذه السنة من الاعيان
مات الشريف الصالح المرشد الواصل السيد محمد هاشم الاسيوطي ولد بأسيوط وبيتهم يعرف ببيت فاضل نشأ ببلده على قدم الخير والصلاح وحضر دروس الشيخ حسن الجديرى ثم ورد الى مصر فحضر دروس كل من الشيخ محمد البليدى والشيخ محمد الشماوى والشيخ عطية الاجهورى وأخذ الطريق على الشيخ عبد الوهاب العفيفي وكان منقطعا للعبادة متقشفا متواضعا وكان غالب جلوسه بالاشرفية ومسجد الشيخ مطهر
وكان لا يزاحم الناس ولا يداخلهم في احوال دنياهم ولهم فيه اعتقاد عظيم ويذهبون لزيارته ويقتبسون من اشارته واستخارته ويتبركون بأجازته في الاوراد والاسماء
ويسافر لزيارة سيدى أحمد البدوى ثم يعود الى خلوته وربما مكث عند بعض اصدقائه اياما بقصد البعد عن الناس عندما يعلمون استقراره بالخلوة ويزدحمون على زيارته وكان نعم الرجل سمتا وورعا
توفي في سابع شعبان في بيته بالازبكية وصلوا عليه بالازهر ودفن بالمجاورين رحمه الله
ومات الشيخ الامام الاديب الفاضل الفقيه أحد العلماء الاعلام الشيخ محمد بن ابراهيم العوفي المالكي لازم الشمس الحفني وأخاه الشيخ يوسف وحضر دروس الشيخ علي العدوى والشيخ عيسى البراوى وأفتى ودرس
وكان شافعي المذهب فسعى فيه جماعة عند الشيخ الحفني فأحضره وأثبت عليه بخطه ما نقل عنه فتوعده فلحق بالشيخ علي العدوى وانتقل لمذهب مالك وكان رحمه الله عالما محصلا بحاثا متفننا غير عسر البديهة شاعرا ماجنا خليعا ومع ذلك كانت حلقة درسه تزيد على الثلثمائة في الازهر
مات رحمه الله مفلوجا وحين أصابه المرض رجع الى مذهب الشافعي وقرأ ابن قاسم بمسجد قريب من منزله ويحمله الطلبة الى المسجد فيقرأ وهو
(1/509)

يتلعثم لتعقد لسانه بالفالج مع ما كان فيه من الفصاحة أولا ثم برىء يسيرا ولم يلبث أن عاوده المرض وتوفي الى رحمة الله تعالى
ومات الاديب الماهر الشيخ رمضان بن محمد المنصورى الاحمدى الشهير بالحمامي سبط آل الباز ولد بالمنصورة وقرأ المتون على مشايخ بلده وانزوى الى شيخ الادب محمد المنصورى الشاعر فرقاه في الشعر وهذبه وبه تخرج وورد الى مصر مرارا وسمعنا من قصائده وكلامه الكثير وله قصائد سنية في المدائح الاحمدية تنشد في الجموع
وبينه وبين الاديب قاسم وعبد القادر المدني محاورات ومداعبات واخبر انه ورد الحرمين من مدة ومدح كلا من الشريف والوزير وأكابر الاعيان بقصائد طنانة كان ينشد منها جملة مستكثرة مما يدل على سعة باعه في الفصاحة
ولم يزل فقيرا مملقا يشكو الزمان واهليه ويذم جني بنيه وبآخرة تزوج امرأة موسرة بمصر وتوجه بها الى مكة فأتاه الحمام وهو في ثغر جدة في سنة تاريخه
ومات الامير يوسف بك الكبير وهو من امراء محمد بك الذهب أقره في سنة ست وثمانين وزوجه باخته وشرع في بناء ولده على بركة الفيل داخل درب الحمام تجاه جامع الماس وكان يسلك اليها من هذا الدرب ومن طرق الشيخ الظلام وكان هذا الدرب كثير العطف ضيق المسالك فأخذ بيوته بعضها شراء وبعضها غصبا وجعلها طريقا واسعة وعليها بوابة عظيمة
واراد ان يجعل امام باب داره رحبة متسعة فعارضه جامع خير بك حديد فعزم على هدمه ونقله الى آخر الرحبة واستمر يعمر في تلك الدار نحو خمس سنوات
واخذ بيت الداودية الذى بجواره وهدمه جميعه وادخله فيها وصرف في تلك الدار اموالا عظيمة فكان يبني الجهة منها حتى يتمها بعد تبليطها وترخيمها بالرخام الدقي الخردة المحكم الصنعة والسقوف والاخشاب والرواشن له شيطانه فيهدمها الى آخرها ويبنيها ثانيا على وضع آخر
(1/510)

وهكذا كان دأبه واتفق انه ورد اليه من بلاده القبلية ثمانون الف اردب غلال فوزعها بأسرها على الموانة في ثمن الجبس والجير والاحجار والاخشاب والحديد وغير ذلك
وكان فيه حدة زائدة وتخليط في الامور والحركات ولا يستقر بالمجلس بل يقوم ويقعد ويصرخ ويروق حاله في بعض الاوقات فيظهر فيه بعض انسانية ثم يتغير ويتعكر من ادنى شيء
ولما مات سيده محمد بك وتولى امارة الحج ازداد عتوا وعسفا وانحرافا خصوصا مع طائفة الفقهاء والمتعممين لامور نقمها عليهم منها ان شيخا يسمى الشيخ احمد صادومة وكان رجلا مسنا ذا شيبة وهيبة واصله من سمنود وله شهرة عظيمة وباع طويل في الروحانيات وتحريك الجمادات والسميات ويكلم الجن ويخاطبهم مشافهة ويظهرهم للعيان كما اخبرني عنه من شاهده وللناس اختلاف في شأنه وكان للشيخ الكفراوى به التئام وعشرة ومحبة اكيدة واعتقاد عظيم ويخبر عنه انه من الاولياء وارباب الاحوال والمكاشفات بل يقول انه هو الفرد الجامع ونوه بشأنه عند الامراء وخصوصا محمد بك أبا الذهب فراج حال كل منهما بالآخر
فاتفق ان الامير المذكور اختلى بمحظيته فرأى على سوأتها كتابة فسألها عن ذلك وتهددها بالقتل فأخبرته ان المرأة الفلانية ذهبت بها الى هذا الشيخ وهو الذى كتب لها ذلك ليحببها الى سيدها فنزل في الحال وأرسل فقبض على الشيخ صادومة المذكور وأمر بقتله والقائه في البحر ففعلوا به ذلك وأرسل الى داره فاحتاط بما فيها فأخرجوا منها أشياء كثيرة وتماثيل ومنها تمثال من قطيفة على هيئة الذكر فأحضروا له تلك الاشياء فصار يريها للجالسين عنده والمترددين عليه من الامراء وغيرهم ووضع ذلك التمثال بجانبه على الوسادة فيأخذه بيده ويشير لمن يجلس معه ويتعجبون ويضحكون وعزل الشيخ حسن الكفراوى من افتاء الشافعية ورفع عنه وظيفة المحمدية وأحضر الشيخ أحمد بن يوسف الخليفي وخلع عليه وألبسه فروة وقرره في ذلك عوضا
(1/511)

عن الشيخ الكفراوى
واتفق أيضا ان الشيخ عبد الباقي ابن الشيخ عبد الوهاب العفيفي طلق على زوج بنت أخيه في غيابه على يد الشيخ حسن الجداوى المالكي على قاعدة مذهبه وزوجها من آخر وحضر زوجها من الفيوم وذهب الى ذلك الامير وشكا له الشيخ عبد الباقي في فطلبه فوجده غائبا في منية عفيف فأرسل اليه اعوانا أهانوه وقبضوا عليه ووضعوا الحديد في رقبته ورجليه وأحضروه في صورة منكرة وحبسه في حاصل أرباب الجرائم من الفلاحين
فركب الشيخ علي الصعيدي العدوى والشيخ الجداوى وجماعة كثيرة من المتعممين وذهبوا اليه وخاطبه الشيخ الصعيدي فقال له هذا قول في مذهب المالكية معمول به فقال من يقول ان المرأة تطلق زوجها اذا غاب عنها وعندها ما تنفقه وما تصرفه ووكيله يعطيها ما تطلبه ثم يأتي من غيبته فيجدها مع غيره
فقالوا له نحن أعلم بالاحكام الشرعية
فقال لو رأيت الشيخ الذي فسخ النكاح
فقال الشيخ الجداوى أنا الذي فسخت النكاح على قاعدة مذهبي
فقام على أقدامه وصرخ وقال والله أكسر رأسك
فصرخ عليه الشيخ علي الصعيدي وسبه وقال له لعنك الله ولعن اليسرجي الذي جاء بك ومن باعك ومن اشتراك ومن جعلك اميرا
فتوسط بينهم الحاضرون من الامراء يسكنون حدته وحدتهم وأحضروا الشيخ عبد الباقي من الحبس فأخذوه وخرجوا وهم يسبونه وهو يسمعهم
واتفق أيضا ان الشيخ عبد الرحمن العريشي لما توفي صهره الشيخ أحمد المعروف بالسقط وجعله القاضي وصيا على اولاده وتركته وكان عليه ديون كثيرة اثبتها اربابها بالمحكمة واستوفوها واخذ عليهم صكوكا بذلك ذهبت زوجة المتوفي الى يوسف بك بعد ذلك بنحو ست سنوات وذكرت له ان الشيخ عبد الرحمن انتهب ميراث زوجها وتواطا مع ارباب الديون وقاسمهم فيما اخذوه فأحضر الشيخ عبد الرحمن وكان اذ ذاك مفتي الحنفية وطالبه بأحضار المخلفات او قيمتها فعرفه انه وزعها
(1/512)

على ارباب الديون وقسم الباقي بين الورثة وانقضى امرها وابرز له الصكوك والحجج ودفتر القسام فلم يقبل وفاتحه في عدة مجالس وهو مصر على قوله وطلبه للتركة
ثم احضره يوما وجبسه عند الخازندار فركب شيخ السادات اليه وكلمه في امره وطلبه من محبسه
فلما علم الشيخ عبد الرحمن حضور شيخ السادات هناك رمى عمامته وفراجته وتطور وصرخ وخرج يعدو مسرعا ونزل الى الحوش صارخا بأعلى صوته وهو مكشوف الرأس فلما عاينه يوسف بك وهو يفعل ذلك احتد الآخر وكان جالسا مع شيخ السادات في المقعد المطل على الحوش فقام على اقدامه وصار يصرخ على خدمه ويقول امسكوه اقتلوه ونحو ذلك وشيخ السادات يقول له اى شيء هذا الفعل اجلس يا مبارك وارسل اليه تابعه الشيخ ابراهيم السندوبي فنزل اليه والبسه عمامته وفراجته ونزل الشيخ فركب وأخذه صحبته الى داره وتلافوا القضية وسكتوها ثم حصل منه ما حصل في الدعوى المتقدمة وما ترتب عليها من الفتنة وقفل الجامع وقتل الانفس وثقل أمره على مراد بك واضمر له السوء فلما سافر أميرا بالحج في السنة الماضية قصد مراد بك اغتياله أو نفيه عند رجوعه بالحج واتفق مع أمرائه وضايع القضية وسافر الى جهة الغريبة والمنوفية وعسف في البلاد ويريد أن يجعل عوده على نصف الشهر في أوان رجوع الحج
ووصل الخبر الى يوسف بك فأستعجل الحضور فصار يجعل كل مرحلتين في مرحلة حتى وصل محترسا في سابع صفر حضور مراد بك من سرحته وعندما قرب وصول مراد بك الى دخول مصر ركب يوسف بك في مماليكه وطوائفه وعدده وخرج الى خارج البلد فسعى ابراهيم بك بينهما وصالحهما واستمرت بينهما المنافرة القلبية من حينئذ الى أن حصل ما حصل وانضم الى اسمعيل بك ثم قتله اسمعيل بك بيد حسن بك واسمعيل بك الصغير كما تقدم
(1/513)

ومات الامير أغا المعمار وهو من مماليك مصطفى بك المعروف بالقرد وخشداش صالح بك الكبير وكان من الابطال المعروفين والشجعان المعدودين فلما قتل كبيرهم صالح بك استمر في بلاد قبلي على ما يتعلق به من الالتزام ويدفع ما عليه من المال والغلال الى أن استوحش محمد بك أبو الذهب من سيده علي بك وخرج الى الصعيد وقتل خشداشه أيوب بك وتحقق الاجانب بذلك صحة العداوة فأقبلوا على محمد بك من كل جانب برجالهم وأموالهم ومنهم علي أغا المذكور وكان ضخما عظيم الخلقة جهورى الصوت شهما يصدع بالكلام فأنس به محمد بك واكرمه واجتهد هو في نصرته ومناصحته وجمع اليه الامراء والاجناد المنفيين والمطرودين الذين شتتهم علي بك وقتل أسيادهم وكبار الهوارة الذين قهرهم علي بك أيضا واستولى على بلادهم مثل أولادهم وأولاد نصير واولاد وافي واسمعيل أبي علي وابي عبد الله وغيرهم وحضر معه الجميع الى جهة مصر كما تقدم
ولما وصلوا الى تجاه التبين وأبرج لهم علي بك التجريدة وأميرها علي بك الطنطاوى خرج علي اغا هذا الى الحرب هو ومن معه وبأيديهم مساوق غلاظ قصيرة ولها جلب حديد وفي طرفها أزيد من قبضة بها مسامير متينة محددة الرؤوس الى خارج يضربون بها خوذة الفارس ضربة واحدة فتنخسف في دماغه وكانت هذه من مبتكرات المترجم حتى أنه سمى بأبي الجلب
ولما خلصت امارة مصر الى محمد بك جعل كتخداه اسمعيل أغا أخا علي بك الغزاوى المذكور فنقم عليه امورا فأهمله وأحضر علي أغا هذا وخلع عليه وجعله كتخداه فسار في الناس سيرا حسنا ويقضي حوائج الناس من غير تطلع الى شيء ويقول الحق ولو على مخدومه وكان مخدومه أيضا يحبه ويرجع الى رأيه في الامور لما تحققه فيه من المناصحة وعدم الميل الى هوى النفس وعرض الدنيا وكان يجب أهل العلم والفضل والقرآن ويميل بكليته اليهم مع لين الجانب والتواضع وعدم الانفة
ولما
(1/514)

أنشأ محمد بك مدرسته المحمدية تجاه الازهر وقرر فيها الدروس كان يحضر معنا المترجم على شيخنا الشيخ علي العدوى في صحيح البخارى مع الملازمة واتخذ لنفسه خلوة بالمدرسة المذكورة يستريح فيها وتأتيه أرباب الحوايج فيقضي لهم أشغالهم وكان يلم بحضرة الشيخ محمد حفيد الاستاذ الحفني ويحبه وأخذ عنه طريق السادة الخلوتية وحضر دروسه مع المودة وحسن العشرة ويحضر ختوم دروس المشايخ ويقرأ عشرا من القرآن بأعلى صوته عند تمام المجلس ومملوكه حسن أغا الذى زوجه ابنته واشتهر بعده وحج المترجم في السنة الماضية في هيئة جليلة وآثار جميلة
وتوفي في وقعة بياضة قتيلا كما تقدم
ومات الامير اسمعيل بك الصغير وهو اخو علي بك الغزاوى وهم خمسة أخوة علي بك واسمعيل بك هذا وسليم أنما المعروف بتمرلنك وعثمان وأحمد ولما تأمر علي بك كان اخوته الاربعة باسلامبول مماليك عند بشير أغا القزلار واعتقهم وتسامعوا بامارة أخيهم بمصر فحضر اليه اسمعيل وأحمد وسليم واستمر عثمان باسلامبول وأقام اسمعيل وسليم وأحمد بمصر وعمل اسمعيل كتخدا عند أخيه علي بك وعمل سليم خازندار عند ابراهيم كتخدا أياما ثم قامت عليه مماليكه وعزلوه لكونه أجنبيا منهم وصار لهم امرة وبيوت والتزام
وتزوج اسمعيل بهانم ابنة رضوان كتخدا الجلفي وهي المسماة بفاطمة هانم وذلك أن رضوان كتخدا كان عقد لها على مملوكه علي أغا الذي قلده الصنجقية ولم يدخل بها ولما خرج رضوان كتخدا وخرج معه علي المذكور فيمن خرج كما تقدم وذهب الى بغداد أرسل يطلبها اليه من مصر وارسل لها مع وكيله عشرة آلاف دينار واشياء فلم يسلموا في ارسالها وكتبوا فتوى بفسخ النكاح على قاعدة مذهب مالك وتزوجها اسمعيل أغا هذا وظهر ذكره بها وسكن بها في دار أبيها العظيمة بالازبكية وصار من أرباب الوجاهة
فلما استقل محمد بك أبو الذهب بملك مصر
(1/515)

بعد سيده استوزره وجعله كتخداه مدة واراد أن يتزوج بالست سلن محظية رضوان كتخدا وكان تزوج بها أخوه علي بك ومات عنها فصرفه مخدومه محمد بك ابو الذهب وعرفه انها ربما امتنعت عليه مراعاة لها ثم ابنة سيدها فركب محمد بك واتى عند علي أغا كتخدا الجاويشية المجاور لسكنها بدرب السادات وارسل اليها علي أغا فلم يمكنها الامتناع فعقد عليها وماتت هانم بعد ذلك وباع بيت الازبكية لمخدومه محمد بك وبنى داره المجاورة لبيت الصابونجي وصرف عليها اموالا كثيرة واضاف اليها البيت الذى عند باب الهواء المعروف ببيت المرحوم من الشرايبية
وسكنها مدة وزوجه محمد بك سرية من سراريه أيضا ثم باع تلك الدار لايوب بك الكبير وسكنها
ولما سافر محمد بك الى الشام ومحاربة الظاهر عمر ارسل المترجم من هناك الى اسلامبول بهدايا واموال للدولة ومكاتبات بطلب ولاية مصر والشام وأجيب الى ذلك
وكتب له التقليد واعطوه رقم الوزارة وتم الامر وأراد المسير بذلك الى محمد بك فورد الخبر بموته فبطل ذلك ورجع المترجم الى مصر وأقام بها في ثروة الى أن حصلت الوحشة بين اسمعيل بك ويوسف بك والجماعة المحمدية وكانت الغلبة عليهم فقلده اسمعيل بك الصنجقية وقدمه في الامور ونوه بشأنه وأوهمه انه يريد تفويض الامور اليه لما يعلمه فيه من العقل والرئاسة فاغتر بذلك وباشر قتل يوسف بك هو وحسن بك الجداوى كما تقدم وظن ان الوقت صفا له
فأندفع في الرئاسة وازدحمت الرؤوس عليه واخذ في النقض والابرام فعاجله اسمعيل بك وأحاطوا به وقتلوه كما ذكر وكان ذا دهاء ومعرفة وفيه صلابة وقوة جنان وخرم مع التواضع وتهذيب الاخلاق وكان يحب أهل العلم ويكره النصارى كراهة شديدة وتصدى لاذيتهم ايام كتخدائية لمحمد بك وكتب في حقهم فتاوى بنقضهم العهد وخروجهم عن طرائفهم التي أخذ عليهم بها من ايام سيدنا عمر رضي الله عنه ونادى عليهم ومنعهم
(1/516)

من ركوب الحمير ولبسهم الملابس الفاخرة وشرائهم الجوارى والعبيد واستخدامهم المسلمين وتقنع نسائهم بالبراقع البيض ونحو ذلك
وكذلك فعل معهم مثل ذلك عندما تلبس بالصنجقية وكان له اعتقاد عظيم في الشيخ محمد الجوهرى ويسعى بكليته في قضاء اشغاله وحوايجه وكان لا بأس به
ومات الامير قاسم كتخدا عزبان وكان من مماليك محمد بك أبي الذهب وتقلد كتخدائية العزب وأمين البحرين وكان بطلا شجاعا موصوفا ومال عن خشداشيته كراهة منه لافعالهم حتى خرج الى محاربتهم وقتل غفر الله له
سنة اثنتين وتسعين ومائة والف
في يوم الخميس سابع المحرم حضر اسمعيل كتخدا عزبان وبعض صناجق اسمعيل بك وفي يوم السبت تاسعه وصل اسمعيل بك وعدى من معادى الخبيرى ودخل الى مصر وذهب الى بيته وكثر الهرج في الناس بسبب حضوره ومن وصل قبله على هذه الصورة
ثم تبين الامر بأن حسن بك الجداوى وخشداشينه وهم رضوان بك وعبد الرحمن بك وسليمان كتخدا وتبعهم حسن بك سوق السلاح واحمد بك شنن وجماعة الفلاح بأسرهم وكشاف ومماليك واجناد ومغاربة خامر الجميع على اسمعيل بك والتفوا على ابراهيم بك ومراد بك ومن معهم فعند ذلك ركب اسمعيل بك بمن معه وطلب مصر حتى وصلها في أسرع وقت وهو في اشد ما يكون من القهر والغيظ
وأصبح يوم الاربعاء فأرسل اسمعيل بك ومنع المعادى من التعدية
وفي يوم الاثنين طلعوا الى القلعة وعملوا ديوانا عند الباشا وحضر الموجودون من الامراء والوجاقلية والمشايخ وتشاوروا في هذا الشأن فلم يستقر الرأى على شيء ونزلوا الى بيوتهم وشرعوا في توزيع امتعتهم
(1/517)

وتعزيل بيوتهم واضطربت احوالهم وطلب اسمعيل بك تجار اليها والمباشرين وطلب منهم دراهم سلفة فدخل عليه الخبيرى واخبره بان الجماعة القبليين وصلت اوائلهم الى البساتين وبعضهم وصل الى بر الجيزة بالبر الآخر
فلما تحقق ذلك أمر بالتحميل وخرجوا من مصر شيئا فشيئا من بعد العصر الى رابع ساعة من الليل ونزلوا بالعادلية وذلك ليلة الثلاثاء رابع عشر المحرم وهم اسمعيل بك وصناجقه ابراهيم بك قشطة وحسين بك وعثمان بك طبل وعثمان بك قفا الثور وعلي بك الجوخدار وسليم بك وابراهيم بك طنان وابراهيم أوده باشه وعبد الرحمن اغا مستحفظان واسمعيل كتخدا عزبان ويوسف اغا الوالي وغيرهم وباتت الناس في وجل
واصبح يوم الثلاثاء واشيع خروجهم ووقع النهب في بيوتهم وركبوا في صبح ذلك اليوم وذهبوا الى جهة الشام فكانت مدة امارة اسمعيل بك واتباعه على مصر في هذه المرة ستة اشهر واياما بما فيها من ايام سفره الى قبلي وجوعه
وعدى مراد بك ومصطفى بك وآخرون في ذلك اليوم وكذلك ابراهيم اغا الوالي الذى كان في ايامهم وشق المدينة ونادى بالامان وارسل ابراهيم بك يطلب من الباشا فرمانا بالاذن بالدخول فكتب لهم الباشا فرمانا وأرسله صحبة ولده وكتخدائه وهو سعيد بك
فدخل بقية الامراء يوم الاربعاء ما عدا ابراهيم بك فانه بات بقصر العيني ودخل يوم الخميس الى داره وصحبته اسمعيل ابو علي كبير من كبار الهوارة
وفي يوم الاحد ثامن عشرة طلعوا الى الديوان وقابلوا الباشا وخلع عليهم القدوم ونزلوا الى بيوتهم
وفي يوم الخميس حادى عشرينه طلعوا ايضا الى الديوان فخلع الباشا على ابراهيم بك واستقر في مشيخة البلد كما كان واستقر احمد بك شنن صنجقا كما كان وتقلد عثمان اغا خازندار ابراهيم بك صنجقية وهو الذى عرف بالاشقر وقلدوا مصطفى كاشف المنوفية صنجقية ايضا وعلي كاشف
(1/518)

أغات مستحفظان وموسى اغا من جماعة علي بك واليا كما كان ايام سيده
وفي أواخره وردت اخبار بان اسمعيل بك ومن معه وصلوا الى غزة واستقر المذكورون بمصر علوية ومحمدية والعلوية شامخة على المحمدية ويرون المنة لانفسهم عليهم والفضيلة لهم بمخامرتهم معهم ولولا ذلك ما دخلوا الى مصر ولا يمكن المحمدية التصرف في شيء الا بأذنهم ورأيهم بحيث صاروا كالمحجوز عليهم لا يأكلون الا ما فضل عنهم
وفي يوم الخميس ثامن من جمادى الاولى حضر الى مصر ابراهيم بك أوده باشه من غزة مفارقا لاسمعيل بك وقد كان أرسل قبل وصوله يستأذن في الحضور فأذنوا له وحضر وجلس في بيته وتخيل منه رضوان بك وقصد نفيه فالتجأ الى مراد بك وانضم اليه
فلما كان يوم السبت سابع عشر جمادى الاولى ركب مراد بك وخرج الى مرمى النشاب منتفخا من القهر مفكرا في أمره مع العلوية فحضر اليه عبد الرحمن بك وعلي بك الحبشي من العلوية فعندما أراد عبد الرحمن بك القيام عاجله مراد بك ومن معه وقتلوه وفر علي بك الحبشي وغطى رأسه بفوقانيته وانزوى في شجر الجميز فلم يروه
فلما ذهبوا ركب وسار مسرعا حتى دخل على حسن بك الجداوى في بيته وركب مراد بك وذهب الى بيته
واجتمع على حسن بك اغراضه وعشيرته وأحمد بك شنن وسليمان كتخدا وموسى اغا الوالي وحسن بك رضوان امير الحاج وحسن بك سوق السلاح وابراهيم بك بلفيا وكرنكوا في بيت حسن بك الجداوى بالداودية وعملوا متاريس في ناحية باب زويلة وناحية باب الخرق والسروجية والقنطرة الجديدة
واجتمع على مراد بك خشداشينه وعشيرته وهم مصطفى بك الكبير ومصطفى بك الصغير وأحمد بك الكلارجي وركب ابراهيم بك من قبة العزب وطلع الى القلعة وملك الابواب وضرب المدافع على بيت حسن بك الجداوى ووقع الحرب بينهم بطول نهار يوم السبت وغلقت الاسواق والحوانيت
(1/519)

وباتوا على ذلك ليلة الاحد ويوم الاحد والضرب من الفريقين في الازقة والحارات رصاص ومدافع وقرابين ويزحفون على بعضهم تارة ويتأخرون اخرى وينقبون البيوت على بعضهم
فحصل الضرر للبيوت الواقعة في حيزهم من النهب والحرق والقتل
ثم ان المحمدية تسلق منهم طائفة من الخليج وطلعوا من عند جامع الحين من بين المتاريس وفتحوا بيت عبد الرحمن أغا من ظاهرة وملكوه وركبوا عليه المدافع وضربوا على بيت الجداوى فعند ذلك عاين العلوية الغلب فركبوا وخرجوا من باب زويلة الى باب النصر والمحمدية خلفهم شاهرين السيوف يخجون بالخيل فلما خرجوا الى الخلاء التقوا معهم فقتل حسن بك رضوان أمير الحاج وأحمد بك شنن وابراهيم بك بلفيا المعروف بشلاق وغيرهم اجناد وكشاف ومماليك وفر حسن بك الجداوى ورضوان بك وكان ذلك وقت القائلة من يوم الاحد وكان يوما شديد الحر
ولم يقتل أحد من المحمديين سوى مصطفى بك الكبير اصابته رصاصة في كتفه انقطع بسببها أياما ثم شفى
وأما حسن بك ورضوان بك فهربا في طائفة قليلة وخرج عليهما العربان فقاتلوهما قتالا شديدا وتفرقا من بعضهما وتخلص رضوان بك وذهب في خاصته الى شيبين الكوم
وأما حسن بك الجداوى فلم تزل العرب تحاوره حتى أضعفوه وتفرق من حوله وشيخ العرب سعد صحصاح يتبعه ثم حلق عليه رتعة شيخ عرب بلي فتقنطر به الحصان في مبلة كتان فقبضوا عليه وأخذوا سلاحه وعروه وكتفوه وصفعه رتيمة على قفاه ووجهه ثم سحبوه بينهم ماشيا على اقدامه وهو حاف وأرسلوا الى الامراء بمصر يخبرونهم بالقبض عليه وكان السيد ابراهيم شيخ بلقس لما بلغه ذلك ركب اليه وخلصه من تلك الحالة وفك كتافه وألبسه ثيابا وأعطاه دراهم ودنانير
فلما بلغ الخبر ابراهيم بك ومراد بك أرسلوا له كاشفا فلما حضر اليه وواجهه لاطفه ثم دخل الى مصر وسار الى بولاق ودخل الى بيت الشيخ
(1/520)

أحمد الدمنهوري فركب جماعة كثيرة من المحمدية وذهبوا الى بولاق وطلبوه فامتنع من اجابتهم فلم يجسروا على أخذه قهرا من بيت الشيخ فداخله الوهم وطلع الى السطح ونط الى سطح آخر ولم يزل حتى نزل بالقرب من وكالة الكتان فصادف بعض المماليك فضربه وأخذ حصانه وركبه وذهب رامحا بمفرده واشيع هروبه فركبت الاجناد وحلقوا عليه الطرق فصار يقاتل من يدركه ولم يجد طريقا مسلوكا الى الخلاء فدخل المدينة وذهب الى بيت ابراهيم بك فوجده جالسا مع مراد بك فاستجار بابراهيم بك فأجاره وأمنه ومكث في بيته خمسة أيام وهو كالمختل في عقله مما قاساه من معاينة الموت مرارا
ثم رسموا له أن يذهب الى جدة وأرسلوه الى السويس في يوم الاربعاء ثامن عشرين جمادى الاولى في محفة
فلما انزل بالمركب أمر الريس أن يذهب به الى القصير فامتنع فأراد قتله فذهب بالمركب الى القصير فطلع الى الصعيد وأما حسن بك سوق السلاح فانه التجأ الى حريم ابراهيم بك وعلي بك الحبشي وسليمان كتخدا دخلا الى مقام سيدي عبد الوهاب الشعراني وحمزة بك ذهب الى بيته لكونه كان بطالا فلم يداخله الرعب كغيره وهرب موسى أغا الوالي الى شبرا
ثم أنهم رسموا بنفي علي بك الحبشي وحسن بك وسليمان كتخدا الى رشيد وأحضروا موسى أغا الوالي الى بيته بشفاعة علي أغا مستحفظان وأرسلوا لرضوان بك الاذن بالاقامة في شيبين وبنى له بها قصرا على البحر وجلس فيه وانقضت هذه الحادثة الشنيعة
وفي يوم الخميس غاية جمادى الاولى عملوا ديوانا بالقلعة وقلدوا ايوب بك الكبير صنجقية وكان اسمعيل بك رفعها عنه ونفاه الى دمياط ثم نقله الى طندتا فلما رجع خداشينه مع العلوية طلبوه الى مصر وأرادوا رد صنجقيته فلم يرض حسن بك الجداوى فأقام بمصر معزولا حتى
(1/521)

وقعت هذه الحادثة فرجع كما كان
وقلدوا أيوب بك كاشف خازندار محمد بك أبي الذهب كما كان صنجقية أيضا وعرف بك الصعيد وقلدوا سليمان بك أبا نبوت صنجقية أيضا كما كان وقلدوا ابراهيم أغا الوالي سابقا صنجقية وركبوا في مواكبهم الى بيوتهم وضربت لهم الطبلخانات
وفي يوم الخميس سابع جمادى الثانية طلعوا الى الديوان وقلدوا سليمان أغا مستحفظان سابقا صنجقية وقلدوا يحيى أغا خازندار مراد بك صنجقية أيضا وقلدوا على أغا خازندار ابراهيم بك صنجقية أيضا وهو الذى عرف بعلي بك أباظة
وفيه حضر الى مصر سليمان كتخدا الشرايبي كتخدا اسمعيل بك وعلى يده مكاتبة من اسمعيل بك مضمونها يريد الاذن يالتوجه الى أخميم أو الى السرور رأس الخليج يقيم هناك ويبقى ابراهيم بك قشطة بمصر رهينة ويكون وكيله في تعلقاته وقبض فائظه والصلح أحسن وأولى فعملوا ديوانا واحضروا المشايخ والقاضي وعرضوا عليهم تلك المكاتبة وتشاوروا في ذلك فانحط الرأى بان يرسلوا له جوابا بالسفر الى جدة من السويس ويطلقوا له في كل سنة اربعين كيسا وستة آلاف اردب غلال وحبوب وان يرسل ابراهيم بك صهره كما قال الى مصر ويكون وكيلا عنه ومن بصحبته من الامراء يحضرون الى مصر بالامان ويقيمون برشيد ودمياط والمنصورة ونحو ذلك وارسلوا المكاتبة صحبة سليم كاشف تمرلنك اخي اسمعيل بك المقتول وآخرين
وفيه رسموا بنفي ابراهيم بك أوده باشه وسليمان كتخدا الشرايبي وكان اشيع تقليد ابراهيم بك الصنجقية في ذلك اليوم وتهيأ لذلك وحضر في الصباح عند ابراهيم بك فلما دخل رأى عنده مراد بك فاختليا معه فأخرج ابراهيم بك من جيبه مكتوبا مسكوه عليه من اسمعيل
(1/522)

بك خطابا له مضمونه انه بلغنا ما صنعت في ايقاع الفتنة بين الجماعة وهلاك الطائفة الخائنة وفيه ان يأخذ من الرجل المعهود كذا من النقود يوزعها على جهات كناها له وربنا يجمعنا في خير
فلما تناوله من ابراهيم بك وقرأه قال في الجواب كل منكم لا يجهل مكايد اسمعيل بك وانكر ذلك بالكلية
فلم يقبلوا عذره ولم يصدقوه وقام وذهب الى بيته
فأرسلوا خلفه محمد كتخدا اباظة فأخذه وصحبته مملوكين فقط ونزل به الى بولاق ونفوه الى رشيد وكذلك نفوا سليمان كتخدا الشرايبي واحتاطوا بموجود ابراهيم بك
وفي يوم الاثنين حادى عشر جمادى الثانية وصل ابراهيم باشا والي جدة وذهب الى العادلية وجلس هناك بالقصر حتى شهلوه وسفروه الى السويس بعد ما ذهبوا اليه وودعوه وكان سفره يوم الاحد سابع عشر جمادى الثانية
وفي ذلك اليوم حضر جماعة من الاجناد من ناحية غزة من الذين كانوا بصحبة اسمعيل بك
وفي يوم الثلاثاء تاسع عشرة ركب الامراء وطلعوا الى باب الينكجرية والعزب وارسلوا الى الباشا كتخدا الجاويشية واغات المتفرقة والترجمان وكاتب حوالة وبعض الاختيارية يأمرونه بالنزول الى بيت حسن بك الجداوى وهو بيت الداودية
فلما قالوا له ذلك طلعوا الى حوش الديوان واجتمعوا به حتى امتلأ منهم فارتعب الباشا منهم فركب من ساعته ونزل من القلعة الى بيت الداودية واحضروا الجمال وعزلوا متاعه في ذلك اليوم فكانت مدة ولايته سنتين وثلاثة أشهر
وفي يوم الجمعة حادى عشرين شهر رجب الموافق لعاشر مسري القبطي كان وفاء النيل المبارك
وفي يوم الاثنين ثاني عشرين شهر شعبان حضر من اخبر ان جماعة من الاجناد حضروا من ناحية غزة وصحبتهم عبد الرحمن اغا مستحفظان
(1/523)

على الهجن ومروا من خلف الجرة وذهبوا الى قبلي وتخلف عنهم عبد الرحمن أغا في حلوان لغرض من الاغراض ينتظره من مصر فركب من ساعته مراد بك في عدة وذهبوا الى حلوان ليلا على حين غفلة واحتاطوا بها وبدار الاوسية وقبضوا على عبد الرحمن اغا وقطعوا رأسه ورجع مراد بك وشق المدينة والرأس أمامه على رمح ثم أحضروا جثته الى بيته الصغير بالكعكيين وغسلوه وكفنوه وخرجوا بجنازته وصلوا عليه بالمارداني
ثم الحقوا به الرأس في الرميلة ودفنوه بالقرافة
ومضى أمره وزاد النيل في هذه السنة زيادة مفرطة حتى انقطعت الطرقات من كل ناحية واستمر الى آخر توت
وفي اواخر رمضان هرب رضوان بك على من شيبين الكوم وذهب الى قبلي فلما فعل ذلك عينوا ابراهيم بك الوالي فنزل الى رشيد وقبض على علي بك الحبشي وسليمان كتخدا وقتلهما وأما ابراهيم بك أوده باشه فهرب الى القبطان واستجار به
وفي تاسع عشر شوال خرج المحمل والحجاج صحبة أمير الحاج رضوان بك بلفيا وسافر من البركة في يوم الثلاثاء سابع عشرين شوال
وفيه جاءت الاخبار بورود اسمعيل باشا والي مصر الى سكندرية
وفي يوم الخميس تاسع عشرين شوال ركب محمد باشا عزت من الداودية وذهب الى قصر العيني ليسافر
وفي يوم الاثنين ثالث ذى القعدة نزل الباشا في المراكب وسافر الى بحرى
وفي منتصف شهر القعدة المذكور نزل أرباب العكاكيز وهم علي أغا كتخدا جاوجان واغات المتفرقة والترجمان وكاتب حوالة وأرباب الخدم وسافروا لملاقاة الباشا الجديد
(1/524)

من مات في هذه السنة من أعيان العلماء والمشاهير
مات الشيخ الامام العلامة المتفنن اوحد الزمان وفريد الاوان أحمد ابن عبد المنعم بن يوسف بن صيام الدمنهورى المذاهبي الازهرى ولد بدمنهور الغريبة سنة 1101 وقدم الازهر وهو صغير يتيم لم يكلفه أحد فاشتغل بالعلم وجال في تحصيله واجتهد في تكميله وأجازه علماء المذاهب الاربعة وكانت له حافظة ومعرفة في فنون غريبة وتآليف وأفتى على المذاهب الاربعة ولكن لم ينتفع بعلمه ولا بتصانيفه لبخله في بذله لاهله ولغير أهله وربما يبيح في بعض الاحيان لبعض الغرباء فوائد نافعة وكان له دروس في المشهد الحسيني في رمضان يخلطها بالحكايات وبما وقع له حتى يذهب الوقت
وولي مشيخة الجامع الازهر بعد وفاة الشيخ الحفني وهابته الامراء لكونه كان قوالا للحق إمارا بالمعروف سمحا بما عنده من الدنيا
وقصدته الملوك من الاطراف وهادته بهدايا فاخرة وسائر ولاة مصر من طرف الدولة كانوا يحترمونه وكان شهير الصيت عظيم الهيبة منجمعا عن المجالس والجمعيات
وحج سنة 1177 مع الركب المصرى واتى رئيس مكة وعلماؤها لزيارته وعاد الى مصر
وتوفي يوم الاحد عاشر شهر رجب من السنة المذكورة وكان مسكنه ببولاق وصلي عليه بالازهر بمشهد حافل جدا وقرىء نسبه الى أبي محمد البطل الغازى ودفن بالبستان وكان آخر من أدركنا من المتقدمين
ومات الامام العلامة المحقق والفهامة المدقق شيخنا الشيخ مصطفى ابن محمد بن يونس الطائي الحنفي ولد بمصر سنة 1138 وتفقه على والده وبه تخرج وبعد وفاة والده تصدر في مواضعه ودرس وافتى وكان اماما ثبتا متقنا مستحضرا مشاركا في العلوم والرياضيات فرضيا حيسوبا وله مؤلفات كثيرة في فنون شتى تدل على رسوخه وكتب شرحا على الشمائل
(1/525)

وحاشية على الاشموني اجاد فيها وكان رأسا في العلوم والمعارف توفي في هذه السنة رحمه الله تعالى
ومات سيدي ابو مفلح احمد بن ابي الفوز بن الشهاب أحمد بن أبي العز محمد بن العجمي ويعرف بالشيشيني وكان كاتب الكني بمنزل السادات الوقائية وكان انسانا حسنا بهيا ذا تودد ومرؤة وعنده كتب جيدة يعير منها لمن يثق به للمطالعة والمراجعة
توفي يوم السبت آخر المحرم
ومات شيخنا الامام القطب وجيه الدين أبو المراحم عبد الرحمن الحسيني العلوى العيدروسي التريمي نزيل مصر ولد بعد الغروب ليلة الثلاثاء تاسع صفر سنة 1135 ووالده مصطفى بن شيخ بن علي زين العابدين ابن عبد الله بن شيخ بن عبد الله بن شيخ بن القطب الاكبر عبد الله العيدروس بن أبي بكر السكران بن القطب عبد الرحمن السقاف ابن محمد مولى الدويلة بن علي بن علوى بن محمد مقدم التربة بتريم ابن علي بن محمد بن علي بن علوى بن محمد بن علوى بن عبد الله بن أحمد العراقي بن عيسى النقيب بن محمد بن علي بن جعفر الصادق بن محمد ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وأمه فاطمة ابنة عبد الله الباهر ابن مصطفى بن زين العابدين العيدروس نشأ على عفة وصلاح في حجر والده وجده وأجازه والده وجده وألبساه الخرقة وصافحاه وتفقه على السيد وجيه الدين عبد الرحمن بن عبد الله بلفقيه وأجازه بمروياته
وفي سنة 1153 توجه صحبة والده الى الهند فنزلا بندر الشحر واجتمع بالسيد عبد الله بن عمر المحضار العيدروس فتلقن منه الذكر وصافحه وشابكه وألبسه الخرقة وأجازه اجازة مطلقة مع والده ووصلا بندر سورت واجتمع بأخيه السيد عبد الله الباصر وزارا من بها من القرابة والاولياء ودخلا مدينة بروج فزارا محضار الهند السيد أحمد بن الشيخ العيدروس
(1/526)

وذلك ليلة النصف من شعبان سنة واحد وستين
ثم رجعا الى سورت وتوجه والده الى تريم وترك المترجم عند أخيه وخاله زين العابدين ابن العيدروس
وفي أثنناء ذلك رجع الى بلاد جادة وظهرت له في هذه السفرة كرامات عدة ثم رجع الى سورت وأخذ اذ ذاك من السيد مصطفى ابن عمر العيدروس والحسين بن عبد الرحمن بن محمد العيدروس والسيد محمد فضل الله العيدروس اجازة السلاسل والطرق وألبسه الخرقة ومحمد فاخر العباسي والسيد غلام علي الحسيني والسيد غلام حيدر الحسيني والبارع المحدث حافظ يوسف السورتي والعلامة عزيز الله الهندى والعلامة غياث الدين الكوكبي وغيرهم وركب من سورت الى اليمن فدخل تريم وجدد العهد بذوى رحمه وتوجه منها الى مكة للحج وكانت الوقفة نهار الجمعة
ثم زار جده صلى الله عليه و سلم وأخذ هناك عن الشيخ محمد حياة السندى وأبي الحسن السندى وابراهيم بن قيض الله السندى والسيد جعفر بن محمد البيتي ومحمد الداغستاني ورجع الى مكة فأخذ عن الشيخ السند السيد عمر بن أحمد وابن الطيب وعبد الله ابن سهل وعبد الله بن سليمان ما جرمي وعبد الله بن جعفر مدهور ومحمد باقشير ثم ذهب الى الطائف وزار الحبر بن عباس ومدحه بقصائد واجتمع اذ ذاك بالشيخ السيد عبد الله ميرغني وصار بينهما الود الذى لا يوصف
وفي سنة ثمان وخمسين أذن له بالتوجه الى مصر فنزل الى جدة وركب منها الى السويس ومصر هرعت اليه اكابر مصر من العلماء والصلحاء وأرباب السجاجيد والامراء وصارت له معهم المطارحات والمذاكرات ما هو مذكور في رحلته وجمع حواسه لنشر الفضائل واخلاها عن السوى وهرعت اليه الفضلاء للاخذ والتلقي وتلقي هو عن كل من الشيخ الملوى والجوهرى والحفني واخيه يوسف وهم تلقوا عنه تبركا وصار أوحد وقته حالا وقالا مع تنويه الفضلاء به وخضعت له أكابر الامراء على اختلاف طبقاتهم
(1/527)

وصار مقبول الشفاعة عندهم لا ترد رسائله ولا يرد سائله وطار صيته في المشرق والمغرب
وفي اثناء هذه المدة تعددت له رحلات الى الصعيد الاعلى والى طندتا والى دمياط والى رشيد واسكندرية وفوة وديروط واجتمع بالسيد علي الشاذلي وكل منهما أخذ عن صاحبه
وزار سيدى ابراهيم الدسوقي وله في كل هؤلاء قصائد طنانة
ثم سافر الى الشام فتوجه الى غزة ونابلس ونزل بدمشق ببيت الجناب حسين افندى المرادى وهرعت اليه علماء الشام وأدباؤها وخاطبوه بمدائح واجتمع بالوزير عثمان باشا في ليلة مولد النبي صلى الله عليه و سلم في بيت السيد علي افندى المرادى ثم رجع الى بيت المقدس وزار وعاد الى مصر وتوجه الى الصعيد ثم عاد الى مصر وزار السيد البدوى ثم ذهب الى دمياط
كعادته في كل مرة ثم رجع الى مصر ثم توجه الى رشيد ثم الاسكندرية ومنها الى اسلامبول فحصل له بها غاية الحظ والقبول ومدح بقصائد وهرعت اليه الناس أفواجا ورتب له في جوالي مصر كل يوم قرشان ولم يمكث بها الا نحو أربعين يوما وركب منها الى بيروت ثم الى صيدا ثم الى قبرص ثم الى دمياط وذلك غاية شعبان سنة تسعين
ثم دخل المنصورة وبات بها ليلة ثم دخل مصر في سابع عشر رمضان
وكان مدة مكثه في الهند عشرة أعوام وحج سبع عشرة مرة منها ثلاث بالجمعة وسفره من الحجاز الى مصر ثلاث مرات وللصعيد ست مرات ولدمياط ثمان مرات
ولم يزل يعلو ويرقى الى ان توفي ليلة الثلاثاء ثاني عشر محرم من هذه السنة وخرجوا بجنازته من بيته الذى تحت قلعة الكبش بمشهد حافل وصلي عليه بالجامع الازهر وقرىء نسبه على الدكة وصلي عليه اماما الشيخ أحمد الدردير ودفن بمقام ولي الله العتريس تجاه مشهد السيدة زينب ورثي بمرات كثيرة ربما يأتي ذكرها في تراجم العصريين ولم يخلف بعده مثله رحمه الله
ومات الوجيه المبجل عبد السلام أفندى بن أحمد الازرجاني مدرس
(1/528)

المحمودية كان اماما فاضلا محققا له معرفة بالاصول قرأ العلوم ببلاده وأتقن في المعقول والمنقول وقدم مصر ومكث بها مدة ولما كمل بناء المدرسة المحمودية بالحبانية تقرر مدرسا فيها وكان يقرأ فيها الدرر لمنلاخسرو وتفسير البيضاوي ويورد ابحاثا نفيسة
وكان في لسانه جبسة وفي تقريره عسر وبأخرة تولى امامتها وتكلف في حفظ بعض القرآن وجوده على الشيخ عبد الرحمن الاجهوري المقرىء وابتنى منزلا نفيسا بالقرب من الخلوتي وكان له تعلق بالرياضيات وقرأ على المرحوم الوالد أشياء من ذلك واقتنى آلات فلكية نفيسة بيعت في تركته
مات بعد أن تعلل بالحصبة اياما في يوم الثلاثاء سادس جمادى الاولى من السنة ولم يخلف بعده في المحمودية مثله وجاهة وصرامة واحتشاما وفضيلة رحمه الله
ومات الامام العلامة والحبر الفهامة الشيخ أحمد بن عيسى بن أحمد ابن عيسى بن محمد الزبيرى الشافعي البراوى ولد بمصر وبها نشأ وقرأ الكثيرى على والده وبه تفقه وحضر دروس مشايخ الوقت في المعقول والمنقول وتمهروا نجب وعد من ارباب الفضائل
ولما توفي والده أجلس مكانه بالجامع الازهر واجتمع عليه طلبة أبيه وغيرهم واستمرت حلقة درس والده على ما هي عليها من العظم والجلالة والرونق وافادة الطلبة وكان نعم الرجل صلاحا وصرامة
توفي بطندتا في ليلة الاربعاء ثالث شهر ربيع الاول فجأة وجيء به الى مصر فغسل في بيته وصلي عليه بالازهر ودفن عند والده بتربة المجاورين رحمه الله
ومات الوجيه المبجل بقية السلف سيدى عامر بن الشيخ عبد الله الشبراوى تربى في عز ودلال وسيادة ورفاهية وكان نبيلا الا انه لم يلتفت الى تحصيل المعارف والعلوم ومع ذلك كان يقتني الكتب النفيسة ويبذل فيها الرغائب واستكتب عدة كتب بخط المرحوم الشيخ حسن الشغراوى المكتب وهو في غاية الحسن والنورانية
ومن ذلك مقامات الحريرى
(1/529)

وشروحها للزمزمي وغيره وجلدها وذهبها ونقشوا اسمه في البصمات المطبوعة في نقش الجلود بالذهب وعندى بعض على هذه الصورة ورسم باسمه الشيخ محمد النشيلي عدة آلات فلكية وارباع وبسائط وغير ذلك واعتنى بتحريرها واتقانها وأعطاه في نظير ذلك فوق مأموله وحوى من كل شيء أظرفه وأحسنه من ان الذى يرى ذاته يظنه غليظ الطبع
توفي رحمه الله يوم الجمعة تاسع عشرين المحرم من السنة
ومات العلامة الفقيه الفاضل الشيخ محمد سعيد بن محمد صفر ابن محمد بن أمين المدني الحنفي نزيل مكة والمدرس بحرمها تفقه على جماعة من فضلاء مكة وسمع الحديث على الشيخ محمد بن عقيلة والشيخ تاج الدين القلعي وطبقتهما وبالمدينة على الشيخ أبي الحسن السندى الكبير وغيره وكان حسن التقرير لما يمليه في دروسه حضره السيد العيدروس في بعض دروسه وأثنى عليه
وفي آخر عمره كف بصره حزنا على فقد ولده
وكان من نجباء عصره أرسله الى الروم وكان زوجا لابنة الشيخ ابن الطيب فغرق في البحر
وفي أثناء سنة 1174 ورد مصر ثم توجه الى الروم على طريق حلب فقرأ هناك شيئا من الحديث وحضره علماؤها ومنهم الشيخ السيد أحمد بن محمد الحلوى وذكره في جملة شيوخه واثنى عليه ورجع الى الحرمين وقطن بالمدينة المنورة
ومن مؤلفاته الاربعة أنهار في مدح النبي المختار صلى الله عليه و سلم وله قصيدة مدح بها الشيخ العيدروس
ولما حج الشيخ أحمد الحلوى في سنة تسعين اجتمع به بالمدينة المنورة وذاكره بالعهد القديم فهش له وبش واستجاز منه ثانيا فأجازه ولم يزل على حاله المرضية من عبادة وافادة حتى توفي في هذه السنة رحمه الله تعالى
ومات الامير عبد الرحمن أغا أغات مستحفظان وهو من مماليك ابراهيم كتخدا وتقلد الاغاوية في سنة سبعين كما تقدم واستمر فيها الى
(1/530)

سنة تسع وسبعين
فلما نفي علي بك النفية الاخيرة عزله خليل بك وحسين بك وقلدوا عوضه قاسم أغا فلما رجع علي بك ولاه ثانيا وتقلد قاسم أغا صنجقا فاستمر فيها الى سنة ثلاث وثمانين فعزله وقلد عوضه سليم أغا الوالي وقلد موسى أغا واليا عوضا عن سليم المذكور وكلاهما من مماليكه
وأرسل المترجم الى غزة حاكما وأمره أن يتحيل على سليط
ويقتله
وكان رجلا ذا سطوة عظيمة وفجور فلم يزل يعمل الحيلة عليه حتى قتله في داره وأرسل برأسه الى علي بك بمصر وهي أول نكتة تمت لعلي بك بالشام وبها طمع في استخلاص الشام فلما حصلت الوحشة بين محمد بك وسيده علي بك انضوى الى محمد بك
فلما استبد بالامر قلده أيضا الاغاوية فاستمر فيها مدته
ولما مات محمد بك انحرف عليه مراد بك وعزله وولى عوضه سليمان أغا وذلك في سنة تسعين ولما وقعت المنافرة بين اسمعيل بك والمحمدية انضم الى اسمعيل بك ويوسف بك واجتهد في نصرتهما وصار يكر ويفر ويجمع الناس ويعمل المتاريس ويعضد المتاريس ويعمل الحيل والمخادعات ويذهب ويجيء الليل والنهار حتى تم الامر وهرب ابراهيم بك ومراد بك واستقر اسمعيل بك ويوسف بك فقلداه الاغاوية أيضا فاستمر فيها مدته فلما خرج اسمعيل بك الى الصعيد محاربا للمحمديين تركه فاستقل بأحكامها وكذلك مدة غياب محمد بك بالشام
فلما خان العلوية اسمعيل بك وانضموا الى المحمدية ورجع اسمعيل بك على تلك الصورة كما ذكر خرج معه الى الشام الى ان تفرق أمرهم فأراد التحول الى جهة قبلي فأنضم معه كثير من الاجناد والمماليك وساروا الى أن وصلوا قريبا من العادلية فأرسل مملوكا له أسود ليأتيه بلوازم من داره ويأتيه بحلوان فانه ينتظره هناك وحلوان كانت في التزامه وعدى مع الجماعة من خلف الجبل ونزلوا بحلوان وركبوا وساروا وتخلف هو عنهم للقضاء المقدر ينتظر خادمه فبات
(1/531)

هناك
وحضر بعض العرب وأخبر مراد بك فأرسل الرصد لذلك العبد وركب هو في الحال وأتاه الرصد بالعبد في طريق ذهابه فأستخبره فأعلمه بالحقيقة بعد التنكر فسار مستعجلا الى ان أتى حلوان واحتاط بها وهجمت طوائفه على دوار الاوسية وأخذوه قبضا باليد وعروه ثيابه حتى السراويل وسحبوه بينهم عريانا مكشوف الرأس والسوأتين وأحضروه بين يدي مراد بك فلما وقعت عينيه عليه أمر بقطع يديه وسلموه لسواس الخيل يصفعونه ويضربونه على وجهه ثم قطعوا رقبته حزا بسكين ويقولون له انظر قرص البرغوث يذكرونه قوله لمن كان يقتله لا تخف يا ولدى انما هي كقرصة البرغوث ليسكن روع المقتول على سبيل الملاطفة
فكانوا يقولون ذلك على سبيل التبكيت
ودخل مراد بك في صبحها برأسه امامه على رمح ودفن كما ذكر ولم يأت بعده في منصبه من يدانيه في سياسة الاحكام والقضايا والتحيلات على المتهومين حتى يقروا بذنوبهم وكان نقمة الله على المعاكيس وخصوصا الخدم الأتراك المعروفين بالمسراجين
واتفق له في مبادى ولايته انه تكرر منه اذيتهم فشكوا منه الى حسين بك المقتول فخاطبه في شأنهم فقال له هؤلاء أقبح خلق الله وأضرهم على المسلمين وأكثرهم نصارى ويعملون أنفسهم مسلمين ويخدمونكم ليتوصلوا بذلك الى ايذاء المسلمين وان شككت في قولي أعطني اذنا بالكشف عليهم لا ميز المختون من غيره
فقال له الصنجق
افعل ما بدا لك
فلما كان في ثاني يوم هرب معظم سراجين الصنجق ولم يتخلف منهم الا من كان مسلما ومختونا وهو القليل فتعجب حسين بك من فطانته ومن ذلك الوقت لم يعارضه في شيء يفعله وكذلك علي بك ومحمد بك
ولما خالف محمد بك على سيده وانفصل عنه وذهب الى قبلي وانضم اليه خشداشة أيوب بك وتعاقدا وتحالفا على المصحف والسيف ونكث ايوب بك العهدوقضى محمد بك عليه بقطع يده ولسانه ارسل اليه عبد الرحمن
(1/532)

أغا هذا ففعل به ذلك ولما حضر اليه ليمثل به ودخل اليه وصحبته الجلاد وصار يقول للجلاد ارفق بسيدي ولا نؤلمه ونحو ذلك
ولما ملك محمد بك ودخل مصر أرسله الى عبد الله بك كتخدا الباشا الذى خامر على سيده وانضم الى علي بك فذهب اليه وقيض عليه ورمى عنقه في وسط بيته ورجع برأسه الى مخدومه وباشر الحسبة مدة مع الاغاوية
وكان السوقة يحبونه وتولى ناظرا على الجامع الازهر مدة وكان يحب العلماء ويتأدب مع أهل العلم ويقبل شفاعاتهم وله دهقنة وتبصر في الامور وعنده قوة فراسة وشدة حزم حتى غلب القضاء على حزمة عفا الله عنه
ومات الامير عبد الرحمن بك وهو من مماليك علي بك وصناجقة الذين أمرهم ورقاهم فهو خشداش محمد بك ابي الذهب وحسن بك الجداوي وأيوب بك ورضوان بك وغيرهم
وكان موصوفا بالشجاعة والاقدام فلما انقضت أيام علي بك وظهر أمر محمد بك خمل ذكره مع خشدشينه الى أن حصلت الحادثة بين المحمديين واسمعيل بك فرد لهم امرياتهم الا عبد الرحمن هذا فبقى على حاله مع كونه ظاهر الذكر
فلما كان يوم قتل يوسف بك وكان هو أول ضارب فيه
وهرب في ذلك اليوم من بقى من المحمدية وأخرج باقيهم منفيين ردوا له صنجقيته كما كان ثم طلع مع خشداشينه لمحاربتهم بقبلي ثم والسوا على اسمعيل بك وانضموا اليهم ودخلوا معهم الى مصر كما ذكر
ثم وقع بينهم التحاقد والتزاحم على انفاذ الامر والنهي وكان اعظم المتحاقدين عليهم مراد بك وهم له كذلك وتخيل الفريقان من بعضهم البعض ودخل المحمدية الخوف الشديد من الطلوية الى أن صاروا لا يستقرون في بيوتهم فلازموا الخروج الى خارج المدينة والمبيت بالقصور
وخرج ابراهيم بك واتباعه الى جهة العادلية ومراد بك واتباعه الى جهة مصر القديمة
فلما كان يوم السبت سابع عشر جمادى الاولى اصبح مراد بك منتفخ الاوداج من القهر فاختلى مع من
(1/533)

يركن اليهم من خاصته وقال لهم اني عازم في هذا اليوم على طلب الشر مع الجماعة
وقالوا وكيف نفعل
قال نذهب الى مرمى النشاب ولا بد أن يأتينا منهم من يأتي فكل من حضر عندنا منهم قتلناه ويكون ما يكون بعد ذلك
ثم ركب ونزل بمصاطب النشاب وجلس ساعة فحضر اليه عبد الرحمن بك المذكور وعلي بك الحبشي فجلسا معه حصة ومراد بك يكرر لاتباعه الاشارة بضربهما وهم يهابون ذلك ففطن له سلحدار عبد الرحمن بك فغمز سيده برجله فهم بالقيام فابتدره مراد بك وسحب بالته وضربه في رأسه فسحب الآخر بالته واراد ان يضربه فألقى بنفسه من فوق المصطبة الى اسفل وعاجل أتباع عبد الرحمن بك وقتلوه
وفي وقت الكبكبة غطى علي بك الحبشي رأسه بجوخته واختفى في شجر الجميز وركب في الحال مراد بك وجمع عشيرته وأرسل الى ابراهيم بك فحضر من القبة الى القلعة وكان ما ذكر واستمر عبد الرحمن بك مرميا بالمصطبة حتى حضر اليه اتباعه وشالوه ودفنوه بالقرافة
ومات الامير أحمد بك شنن واصله مملوك الشيخ محمد شنن المالكي شيخ الازهر فحصل بينه وبين ابن سيده وحشة ففارقه ودخل في سلك الجندية وخدم علي بك واحبه ورقاه وأمره الى أن قلده كتخدا الجاويشية فلم يزل منسوبا اليه ومنضما الى اتباعه
وتقلد الصنجقية وصاهره حسن بك الجداوى وتزوج بأبنته وبنى لها البيت بدرب سعادة ولم يزل حتى قتل في هذه الواقعة وكان فيه لين جانب ظاهري ويعظم اهل العلم ويظهر لهم المحبة والتواضع
ومات الامير ابراهيم بك طنان وهو من مماليك حسن افندي مملوك ابراهيم أفندي المسلماني وكانوا عدة وعزوة معروفين ومشهورين في البيوت القديمة ومنهم مصطفى جربجي وأحمد جربجي
ثم لما ظهر أمر علي بك انتسبوا اليه وخرجوا مع محمد بك عندما ذهب لمحاربة خليل بك
(1/534)

وحسين بك كشكش ومن معهم بناحية المنصورة فوقع في المقتلة احمد جربجي المذكور وأعجب بهم محمد بك في تلك الواقعة فأحبهم وضمهم اليه ولازموه في الأسفار والحروبات
ولما خالف علي سيده علي بك وهرب الى الصعيد خرجوا معه كذلك ومات مصطفى جربجي على فراشه بمصر أيام علي بك وصار كبيرهم والمشار اليه فيهم ابراهيم جربجي
فلما محمد بك وتعين في رياسة مصر قلده صنجقا ونوه بشأنه وانعم عليه واعطاه بلادا مضافة الى بلاده منها سندبيس ومنية حلفة وباقي الامانة
وكان عسوفا ظالما الفلاحين لا يرحمهم وله مقدم من أقبح خليقة الله من منية حلفة فيغرى بالفلاحين ويسجنهم ويعذبهم ويستخلص لمخدومه منهم الاموال ظلما وعداونا
فلما حصلت تلك الحادثة وهرب ابراهيم بك المذكور مع اسمعيل بك اجتمع الفلاحون على ذلك المقدم وقتلوه وحرقوه بالنار
وكان ابراهيم بك هذا ملازما على زيارة ضرائح الاولياء في كل جمعة يركب بعد صلاة الصبح الى القرافة ويزور قبور البستان وقبور اسلافه ثم يذهب الى زيارة الشافعي ويخرج منه ماشيا فيزور الليث وما جاوزهما من المشاهد المعروفة كيحيى الشييه والسادات الثعالبة والعز وابن حجر وابن جماعة وابن ابي جمرة وغير ذلك وكان هذا دأبه في كل جمعة
ولما وقعت الحوادث خرج مع اسمعيل بك الى غزة فلما سافر اسمعيل بك ونزل البحر تخلف عنه ومات ببعض ضياع الشام وظهر له بمصر ودائع اموال لها صورة
ومات الامير ابراهيم بك بلفيا المعروف بشلاق وهو مملوك عبد الرحمن أغا بلفيا بن ابراهيم بك وعبد الرحمن أغا هذا هو أخو خليل بك
وكان علي بك ضمه اليه وأعجبه شجاعته فقلده صنجقا وصار من جملة صناجقه وامرائه ومحسوبا منهم
فلما حصلت هذه الحادثة كان فيهم وقتل معهم
ومات الامير الكبير حسن بك رضوان أمير الحاج وهو مملوك عمر بك بن حسين رضوان تقلد الصنجقية بعد موت سيده وجلس في بيته
(1/535)

وطلع اميرا بالحج سنة ثمان وسبعين وتسع وسبعين وعمل دفتردار مصر ثم عزل عنها وطلع بالحج في سنة احدى وثمانين وسنة اثنتين وثمانين وقلد رضوان بك مملوكه صنجقا
فلما تملك علي بك نفى رضوان بك هذا فيمن نفاهم في سنة واحد وثمانين ثم رده ثم نفاه مع سيده بعد رجوعه من الحج في سنة ثلاث وثمانين الى مسجد وصيف ثم نقل الى المحلة الكبرى فأقام بها الى سنة احدى وتسعين فكانت مدة اقامته بالمحلة نحو ثمان سنين
فلما تملك اسمعيل بك احضره الى مصر وقلده امارة الحج سنة واحد وتسعين كما ذكر فلما انضم العلوية الى المحمدية ورجعوا الى مصر وهرب اسمعيل بك بمن معه الى الشام لم يخرج معه وبقي بمصر لكونه ليس من قبيلتهم وانضوى الى العلوية كغيره لظنهم نجاحهم فوقع لهم ما وقع وقتل مع احمد بك شنن بشير او أوتوا بهما الى بيوتهما وكل منهما ملفوف في قطعة خيمة ودفن حسن بك المذكور عليه رحمة الله وكان أميرا جليلا مهذبا كريم الاخلاق لين الجانب يحب اهل الصلاح والعلم وعاشر بالمحلة صاحبنا الفاضل اللبيب الاديب الشيخ شمس الدين السمربائي الفرغلي واحبه واغتبط به كثيرا واكرمه وحجزه عنده مدة اقامته بالمحلة ومنعه عن الذهاب الى بلده الا لزيارة عياله فقط في بعض الاحيان ثم يعود اليه سريعا ويستوحش لغيابه عنه فكان لا يأتنس الا به
وللشيخ شمس الدين فيه مدائح ومقامات وقصائد
سنة ثلاث وتسعين والف
في يوم السبت خامس المحرم وصل الى مصر اسمعيل باشا والي مصر وبات ببر انبابة ليلة السبت المذكور وركب الامراء في صبحها وقابلوه
(1/536)

ورجعوا وعدى الآخر وركب الى العادلية وجلس بالقصر وتولى أمر السماط مصطفى بك الصغير
وفي يوم الثلاثاء من المحرم ركب الباشا بالموكب ودخل من باب النصر وشق القاهرة وطلع الى القلعة وعملوا له شنكا ومدافع ووصل الخبر بنزول اسمعيل بك الى البحر وسفره من الشام الى الروم وغاب أمره
وفي أواخر شهر ربيع الاول وقعت حادثة بالجامع الازهر بين طائفة الشوام وطائفة الاتراك بين المغرب والعشاء فهجم الشوام على الاتراك وضربوهم فقتلوا منهم شخصا وجرحوا منهم جماعة فلما أصبحوا ذهب الاتراك الى ابراهيم بك وأخبروه بذلك فطلب الشيخ عبد الرحمن العريشي مفتي الحنفية والمتكلم على طائفة الشوام وسأله عن ذلك فأخبره عن أسماء جماعة وكتبهم في ورقة وعرفه ان القاتلين تغيبوا وهربوا ومتى ظهروا أحضرهم اليه ولما توجه من عنده تفحص ابراهيم بك عن مسميات الاسماء فلم يجد لهم حقيقة فأرسل الى الشيخ احمد العروسي شيخ الازهر وأحضر بقية المشايخ وطلب الشيخ عبد الرحمن فتغيب ولم يجدوه فاغتاظ ابراهيم بك ومراد بك وعزلوه عن الافتاء وأحضروا الشيخ محمد الحريرى وألبسوه خلعة ليكون مفتي الحنفية عوضا عن الشيخ عبد الرحمن وحثوا خلفه بالطلب ليخرجوه من البلدة منفيا فشفع فيه شيخ السادات وهرب طائفة الشوام بأجمعهم وسمر الاغا رواقهم ونادوا عليهم
واستمر الامر على ذلك اياما ثم منعوا المجادلة والطبرية من دخول الرواق ويقطع من خبزهم مائة رغيف تعطى للاتراك دية المقتول وكتب بذلك محضر باتفاق المشايخ والامراء وفتحوا الرواق ومرض الشيخ العريشي من قهره وتوفي رابع جمادى الاولى
وفي أواخر شهر جمادى الثانية توفي الشيخ محمد عبادة المالكي
(1/537)

وفيهه جاءت الاخبار بان حسن بك ورضوان بك قوى أمرهم وجمعوا جموعا وحضروا الى دجرجا والتف عليهم أولاد همام والجعافرة واسمعيل ابو علي فتجهز مراد بك وسافر قبله أيوب بك الصغير ثم سافر هو أيضا فلما قربوا من دجرجا ولى القبالي وصعدوا الى فوق فأقام مراد بك في دجرجا الى أوائل رجب وقبض على اسمعيل أبي علي وقتله ونهب ماله وعبيده وفرق بلاده على كشافه وجماعته
وفي منتصف شهر رجب ظهر بمصر وضواحيها مرض سموه بأبي الركب وفشا في الناس قاطبة حتى الاطفال وهو عبارة عن حمى ومقدار شدته ثلاثة أيام وقد يزيد على ذلك وينقص بحسب اختلاف الامزجة ويحدث وجعا في المفاصل والركب والاطراف ويوقف حركة الاصابع وبعض ورم ويبقى أثره اكثر من شهر ويأتي الشخص على غفلة فيسخن البدن ويضرب على الانسان دماغه وركبه ويذهب بالعرق والحمام وهو من الحوادث الغريبة
وفي عشرين رجب وصل مراد بك من ناحية قبلي وصحبته منهوبات وأبقار وأغنام كثيرة
وفي يوم الجمعة ثاني عشرينه الموافق لثاني شهر مسرى القبطي وفا النيل المبارك ثم زاد في ليلتها زيادة كثيرة حتى علا على السد وجرى الماء في الخليج بنفسه وأصبح الناس فوجدوا الخليج جاريا وفيه المراكب فلم تحصل الجمعية ولم ينزل الباشا على العادة
وفي أواخر شهر شعبان وصل الى مصر قابجي باشا وبيده أوامر بعزل اسمعيل باشا عن مصر ويتوجه الى جدة وان ابراهيم باشا والي جدة يأتي الى مصر وفرمان آخر بطلب الخزينة
وفي شهر شوال وصلت الاخبار بموت علي بك السروجي وحسن بك سوق السلاح بغزة
(1/538)

وفي يوم الخميس ثامن عشر شوال عمل موكب المحمل وخرج الحجاج وأمير الحاج مراد بك وخرج في موكب عظيم وطلب كثير وتفاخر وماجت مصر وهاجت في أيام خروج الحج بسبب الاطلاب وجمع الاموال وطلب الجمال والبغال والحمير وغصبوا بغال الناس ومن وجدوه راكبا على بغلة أنزلوه عنها وأخذوها منه قهرا فان كان من الناس المعتبرين أعطوه ثمنها والا فلا وغلت أسعارها جدا ولم يعهد حج مثل هذه السنة في كل شيء
وسافر فيه خلائق كثيرة من سائر الاجناس وسافر صحبة مراد بك اربع صناجق وهم عبد الرحمن بك عثمان وسليمان بك الشابورى وعلي بك المالطي وذو الفقار بك وأمراء واغوات وغير ذلك أكابر كثيرة وأعيان وتجار
وفيه حضر واحد أغا وعلى يده تقرير لاسمعيل باشا على مصر كما كان وكان لما أتاه العزل نزل من القلعة في غرة رمضان وصام رمضان في مصر العتيقة
ولما انقضى رمضان تحول الى العادلية ليتوجه الى السويس ويذهب الى جدة حسب الاوامر السابقة فقدر الله بموت ابراهيم باشا وحضر التقرير له بالولاية ثانيا فركب في يوم الاثنين سادس القعدة وطلع الى القلعة من باب الجبل
من مات في هذه السنة من الاعيان
مات الشيخ الفقيه الامام الفاضل شيخنا الشيخ عبد الرحمن بن عمر العريشي الحنفي الازهرى ولد بقلعة العريش من اعمال غزة وبها نشأ وحفظ بعض المتون ولما مر عليه الشيخ العرف السيد منصور السرميني في بلده وجده متيقظا نبيها وفيه قوة استعدادية وحافظة جيدة فأخذه صحبته في صورة معين في الخدمة وورد معه مصر فكان ملازما له لا يفارقه وأذن له بالحضور في الازهر فكان يحضر دروس الشيخ أحمد البيلي وغيره في النحو والمعقول
ولما توجه السيد المشار اليه الى البلاد تركه
(1/539)

ليشتغل بالعلم فلازم الشيخ أحمد السليماني ملازمة جيدة وحضر عليه غالب الكتب المستعملة في المذهب وحضر دروس الشيخ الصعيدى والشيخ الحفني ولقنه الذكر وأجازه والبسه التاج الخلوتي
ثم اجتمع بالمرحوم الوالد حسن الجبرتي ولازمه كلية ودرجة في الفتوى ومراجعة الاصول والفروع وأعانه على ذلك وجد ان الكتب الغريبة عند المرحوم فترونق ونوه بشأنه وعرفه الناس وتولى مشيخة رواق الشوام وبه تخرج الحقير في الفقه
فأول ما حضرت عليه متن نور الايضاح للعلامة الشرنبلالي ثم متن الكنز وشرحه لملا مسكين والدر المختار شرح تنوير الابصار ومقدار النصف من الدرر وشرح السيد علي السراجية في الفرائض
وكان له قوة حافظة وجودة فهم وحسن ناطقة فيقرر ما يطالعه من المواد عن ظهر قلبه من حفظه بفصاحة من غير تلعثم ولا تركيز
وحج في سنة تسع وسبعين من القلزم منفردا متقشفا وأدرك بالحرمين الاخيار وعاد إلى مصر وحصلت له جذبة في سنة ست وثمانين وترك عياله وانسلخ عن حاله وصار يأوى الى الزوايا والمساجد ويلقي دروسا من الشفاء وطرق القوم وكلام سيدي محي الدين والغزالي
ثم تراجع قليلا وعاد الى حالته الاولى ولما توفي مفتي الحنفية الشيخ أحمد الحماقي تعين المترجم في الافتاء وعظم صيته وتميز على أقرانه واشترى دارا حسنة بالقرب من الجامع الازهر وهي التي كانت سكن الشيخ الحفني في السابق وتعرف بدار القطرسي
وتردد الاكابر والاعيان اليه وانكبت عليه اصحاب الدعاوى والمستفتون وصار له خدم واتباع وفراشون وغير ذلك
وسافر الى اسلامبول بعد موت الامير محمد بك لقضاء بعض الاغراض وقرأ هناك كتاب الشفاء ورجع الى مصر وكان كريم النفس سمحا بما في يده يحب اطعام الطعام ويعمل عزائم للامراء ويخلع عليهم الخلع ولما زاد انحطاط الشيخ أحمد الدمنهورى وتبين قرب وفاته وفراغ اجله تاقت نفس المترجم
(1/540)

لمشيخة الازهر اذ هي أعظم مناصب العلماء فاحب الاستيلاء عليها والتوصل اليها بكيفية وطريقة فحضر مع شيخ البلد ابراهيم بك الى الجامع الازهر وجمع الفقهاء والمشايخ وعرفهم ان الشيخ أحمد الدمنهورى اقامه وكيلا عنه وبعد ايام توفي الشيخ الدمنهورى فتعين هو للمشيخة بتلك الطريقة وساعده استمالة الامراء وكبار الاشياخ والشيخ أبو الانوار السادات وما مهده معهم في تلك الايام وكاد يتم الامر فأنتدب لنقض ذلك بعض الشافعية الخاملين وذهبوا الى الشيخ محمد الجوهرى وساعدهم وركب معهم الى بيت الشيخ البكرى وجمعوا عليهم جملة من أكابر الشافعية مثل الشيخ أحمد العروسي والشيخ احمد السمنودى والشيخ حسن الكفراوى وغيرهم وكتبوا عرضحال الى الامراء مضمونه ان مشيخة الازهر من مناصب الشافعية وليس للحنفية فيها قديم عهد أبدا وخصوصا اذا كان آفاقيا وليس من أهل البلدة
فان الشيخ عبد الرحمن كذلك وموجود في العلماء الشافعية من هو أهل لذلك في العلم والسن وانهم اتفقوا على ان يكون المتعين لذلك الشيخ أحمد العروسي وختم الحاضرون على ذلك العرضحال وأرسلوه الى ابراهيم بك ومراد بك فتوقفوا وأبوا وثارت فيهم العصبية وشددوا في عدم النقض ورجع الجواب للمشايخ بذلك فقاموا على ساق وشدد الشيخ محمد الجوهري في ذلك وركبوا بأجمعهم وخرجوا الى القرافة وجلسوا بجامع الامام الشافعي وباتوا به
وكان ذلك ليلة الجمعة واجتماع الناس للزيارة فهرعت الناس واجتمع الكثير من العامة ينظرون فيما يؤول اليه هذا الامر وكان للامراء اعتقاد وميل للشيخ محمد بن الجوهرى وكذلك نساؤهم وأغواتهم بسبب تعففه عنهم وعدم دخول بيوتهم ورد صلاتهم وتميزه بذلك عن جميع المتعممين
فسعى أكثرهم في انفاذ غرضه وراجعوا مراد بك وأوهموه حصول العطب له ولهم أو ثوران فتنة في البلد وحضر اليهم علي
(1/541)

أغا كتخدا الجاويشة وحاججهم وحاججوه ثم قام وتوجه وحضر مراد بك أيضا للزيارة فكلمه الشيخ محمد وقال لا بد من فروة تلبسها للشيخ العروسي وهو يكون شيخا على الشافعية وذاك شيخا على الحنفية كما ان الشيخ أحمد الدردير شيخ المالكية والبلد بلد الامام الشافعي وقد جئنا اليه وهو يأمرك بذلك وان خالفت يخشى عليك
فما وسعه الا أنه أحضر فروة وألبسها للشيخ العروسي عند باب المقصورة وركب مراد بك متوجها وركب المشايخ وبينهم الشيخ العروسي وذهبوا الى ابراهيم بك ولم يكن الامراء رأوا الشيخ العروسي ولا عرفوه قبل ذلك فجلسوا مقدار مسافة شرب القهوة وقاموا متوجهين ولم يتكلم ابراهيم بك بكلمة
فذهب الشيخ العروسي الى بيته وهو بيت نسيبه الشيخ أحمد العريان واجتمع عليه الناس وأخذ شأنه في الظهور
واحتد العريشي وذهب الى الشيخ السادات والامراء فألبسوه فروة أيضا فتفاقم الامر وصاروا حزبين وتعصب للمترجم طائفة الشوام للجنسية وطائفة المغاربة لانضمام شيخهم الشيخ أبي الحسن القلعي معه من أول الامر وتوعدوا من كان مع الفرقة الاخرى وحذروهم ووقفوا لمنعهم من دخول الجامع وابن الجوهرى يسوس القضية ويستميل الامراء وكبار المشايخ الذين كانوا مع العريشي مثل الشيخ الدردير والشيخ أحمد يونس وغيرهم واستمر الأمر على ذلك نحو سبعة أشهر الى ان اسعفت العروسي العناية ووقعت الحادثة المذكورة بين الشوام والاتراك واحتد الامراء الاتراك للجنسية وأكدوا في طلب المحاققة وتصدى العريشي للشوام المذب عنهم وحصل منه ما حصل لاجل خلاصهم
فعند ذلك انطلقت عليه الالسن وأصبح الصديق عدوا وانحرف عنه الامراء وطلبوه فاختفى وعين لطلبه الوالي واتباع الشرطة وعزلوه من الافتاء أيضا
وحضر الاغا وصحبته الشيخ العروسي الى الجامع للقبض على الشوام فأختفوا وفروا وغابوا عن الاعين فأغلقوا
(1/542)

رواقهم وسمروه أياما ثم اصطلحوا على الكيفية المذكورة آنفا وظهر العروسي من ذلك اليوم وثبتت مشيخته ورياسته وخمل العريشي وأمروه بلزوم بيته ولا يقارش في شيء ولا يتداخل في أمر فعند ذلك اختلى بنفسه وأقبل على العبادة والذكر وقراءة القرآن ونزلت له نزلة في أنثييه من القهر فأشاروا عليه بالفصد وفصدوه فازداد تألمه وتوفي ليلة الخميس سابع جمادى الاولى من السنة وجهز بصباحه وصلي عليه بالازهر في مشهد حافل وحضره مراد بك وكثير من الامراء وعلي أغا كتخدا الجاويشية ودفن برحاب السادة الوقائية وذلك بعد الحادثة بتسعة وثلاثين يوما رحمه الله تعالى
ومن آثاره رسالة ألفها في سر الكنى باسم السيد أبي الانوار بن وفي أجاد فيها ووصلت الى زبيد وكتب عليها الشيخ عبد الخالق بن الزين حاشية وقرظ عليها الشيخ العروسي والشيخ الصبان وله غير ذلك
ومات الشريف السيد قاسم بن محمد التونسي كان اماما في الفنون وله يد طولى في العلوم الخارجة مثل الطب والحرف وكان معه وظيفة تدريس الطب بالبيمارستان المنصورى وتولى مشيخة رواق المغاربة مرتين والاولى استمر فيها مدة وفي تلك المدة حصلت الفتن ثم عزل عنها وأعاد الدروس في مدرسة السيوفيين المعروفة الآن بالشيخ مطهر وله تقريظ على المدائح الرضوانية جمع الشيخ الاكاوى أحسن فيها وكان ذا شهامة وصرامة في الدين صعبا في خلقه وربما أهان بعض طائفة النصارى عند معارضتهم له في الطريق وأهين بسبب ذلك من طرف بعض الامراء وتحزبت له العلماء وكادت ان تكون فتنة عظيمة ولكن الله سلم
توفي بعد ان تعلل كثيرا وهو متولي مشيخة رواقهم وهي المرة الثانية وكان له باع في النظم والنثر فممنها مدائحه في الامير رضوان كتخدا الجلفي له فيه عدة قصائد فرائد مذكورة في الفوائح الجنانية
(1/543)

ومات الامام الفهامة الالمعي الاديب واللوذعي النجيب الشيخ محمد لهباوى الشهير بالدمنهورى اشتغل بالعلم حتى صار اماما يقتدى به ثم اشتغل بالطريق وتلقن الاسماء وأخذت عليه العهود وصار خليفة مجازا بالتلقين والتسليك وحصل به النفع
وكان فقيها دراكا فصيحا مفوها أديبا شاعرا له باع طويل في النظم والنثر والانشاء ولما تملك علي بك بعد موت شيخه الحفني طلبه اليه وجعله كاتب انشائه ومراسلاته وأكرمه اكراما كثيرا ومدحة بقصائد ولم يزل منضويا اليه مدة دولته
ومات السيد قاسم بن محمد بن محمد علي بن أحمد بن عامر بن عبد الله ابن جبريل بن كامل بن حسن بن عبد الرحمن بن عثمان بن رمضان بن شعبان ابن أحمد بن رمضان بن محمد بن القطب أبي الحسن علي بن محمد ابن أبي تراب علي بن أبي عبد الله الحسين بن ابراهيم بن محمد بن أحمد ابن محمد بن محمد بن أبي جعفر محمد بن الحسن بن الحسن بن اسمعيل الديباج بن ابراهيم بن الحسن المثني بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب أحد الاشراف الصحيحي النسب بمصر فجده أبو جعفر يعرف بالثج لثجثجة في لسانه وحفيده الحسين بن ابراهيم يعرف بأبن بنت الروبدى وحفيده علي بن محمد مدفون بالصعيد في بلد يقال له دمشاو باشم والمترجم هو والد السيدين الجليلين اسمعيل وابراهيم المتقدم ذكرهما صحح هذا النسب شيخنا السيد محمد مرتضى كما ترى وكان حمام البابا في ملكه مما خلفه له سلقه فكان يجلس فيه وكان شيخا مهيبا معمرا منور الشيبة كريم الاخلاق متعففا مقبلا على شأنه رحمه الله تعالى
ومات الامام العارف الصوفي الزاهد أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي ابن سعيد بن حم الكتاني السوسي ثم التونسي ولد بتونس ونشأ في حجر والده في عفة وصلاح وعفاف وديانة وقرأ عليه وعلى شيخ الجماعة سيدى محمد الغرباوى وعلى آخرين وتكمل في العلوم والمعارف مع صفاء
(1/544)

ذهنه وسرعة ادراكه وتوقد خاطره وكمال حافظته وكان والده يحبه ويعتمد على ما يقوله في تحرير نقله ويصرح بذلك في اثناء درسه
وقد بلغ المترجم من الصلاح والتقوى الى الغاية واشتهر أمره في بلاد افريقية اشتهارا كليا حتى أحبه الصغير والكبير وكان منفردا عن الناس منقبضا عن مجالسهم فلا يخرج عن محله الا لزيارة ولي أو في العيدين لزيارة والده وكان المرحوم علي باشا والي تونس فيه اعتقاد عظيم وعرض عليه الدنيا مرارا فلم يقبلها وعرضت عليه تولية المدارس التي كانت بيد والده فأعرض عنها وتركها لمن يتولاها وعكف نفسه على مذاكرة العلوم مع خواص أصحابه ومطالعة الكتب الغريبة واجتمع عنده منها شيء كثير وكان يرسل في كل سنة قائمة الى شيخنا السيد مرتضى فيشتري له مطلوبه وكان يكاتبه ويراسله كثيرا
ومات الفقيه الاديب الماهر أحمد بن عبد الله بن سلامة الادكاوى نزيل الاسكندرية وأمه شريفة من ذرية السيد عيسى بن نجم خفير بحر البرلس كان حسن المحاورة ولديه فضل ويحفظ كثيرا من الاشياء منها المقامات الحريرية وغيرها من دواوين الشعر
وناب عن القضاء في الثغر مدة وكان يتردد الى مصر احيانا وجمع عدة دواوين شعرية من المتقدمين والمتأخرين نحو المائتين وطالع كثيرا منها مما لم يملكه
ولم يزل على حالة مرضية حتى توفي بالثغر سنة تاريخه
ومات الشيخ الصالح المعمر خالد أفندى بن يوسف الديار بكرلي الواعظ كان يعظ الاتراك بمكة على الكرسي ثم ورد مصر ولازم حضور الاشياخ بمصر والوعظ للاتراك وحضر معنا كثيرا على شيخنا السيد محمد مرتضى في دروس الصحيح بجامع شيجون في سنة 1190 وفي الامالي والشمائل في جامع أبي محمود الحنفي وأخبر انه دخل دمشق وحضر دروس الشيخ اسمعيل العجلوني وأجازه وأدرك جلة الاشياخ بديار
(1/545)

بكر والرها وازروم
وكان رجلا صالحا منكسرا وله مرأى حسنة ولا زال على طريقته في الحب والملازمة حتى مرض أياما وانقطع في بيته ومات في رابع جمادى الاولى
ومات الشيخ الفقيه الكامل والنجيب الفاضل أحد العلماء الاعلام واوحد فضلاء الانام الشيخ محمد بن عبادة بن برى العدوى ينتهي نسبه الى علي علي أبي صالح المدفون بالعلوة في بني عدي قدم الى مصر سنة 1164 وجاور بالازهر وحفظ المتون ثم حضر شيوخ الوقت ولازم دروس علماء العصر ومهر في الفنون وتفقه على علماء مذهبه من المالكية مثل الشيخ علي العدوى والشيخ عمر الطحلاوى والشيخ خليل والشيخ الدردير والبيلي وأخذ المعقولات عن شيخه الشيخ علي العدوى الصعيدى وغيره ولازمه ملازمة كلية وانتسب اليه حسا ومعنى وصار من نجباء تلامذته ودرس الكتب الكبار في الفقه والمعقول ونوه الشيخ بفضله وأمر الطلبة بالاخذ عنه وصار له باع طويل وذهن وقاد وقلم سيال وفصاحة في اللسان والتقرير وصواب في التحرير وقوة استعداد واستحضار وسليفة
ومن تآليفه حاشية على شذور الذهب لابن هشام متداولة بأيدى الطلبة نافعة وحاشية على مولد النبي صلى الله عليه و سلم للغيطي وابن حجر والهدهدى وحاشية على شرح بن جماعة في مصطلح الحديث وحاشية عجيبة على جمع الجوامع وعلى السعد والقطب وعلى ابي الحسن وحاشية على شرح الخرشي وعلى فضائل رمضان وكتابة محررة على الورقات والرسالة العضدية وعلى آداب البحث والاستعارات
ولم يزل يملي ويقرىء ويفيد ويحرر ويجيد حتى وافاه الحمام وتوفي في أواخر ششهر جمادى الثانية من السنة بعد ان تعلل بعلة الاستسقاء سنين وكان يقرأ ليالي المواسم مثل نصف شعبان والمعراج وفضائل رمضان وغير ذلك نيابة عن شيخه الشيخ
(1/546)

علي الصعيدى العدوى ويجتمع بدرسه الجم الكثير من طلبة العلم والعامة رحمه الله
ومات الامير علي بك السروجي وهو من مماليك ابراهيم كتخدا واشرافات علي بك أمره وقلده الصنجقية بعد موت سيدهم ولقب بالسروجي لكونه كان ساكنا بخط السروجية
ولما أمره علي بك هو وأيوب بك مملوكه ركب معهما الى بيت خليل بك بلفيا وخطب لعلي بك هذا اخت خليل بك وهي ابنة ابراهيم بلفيا الكبير وعقد عقده عليها ثم خطب لايوب بك ابنة خليل بك وعقد للاخرى على أيوب بك في ذلك المجلس وشربوا الشربات وفرقوا المحارم والهدايا وانصرفوا وعملوا العرس بعد أن جهزهما بما يليق بأمثالهما وزفوا واحدة بعد أخرى الى الزوج
ولما حصلت الوحشة بين المحمدية واسمعيل بك انضم الى اسمعيل بك لكونه خشداشه وخرج الى الشام صحبته فلما سافر اسمعيل بك الى الديار الرومية تخلف المترجم مع من تخلف ومات ببعض ضياع الشام كما ذكر
ومات أيضا الامير حسن بك المعروف بسوق السلاح لسكنه في تلك الخطة ببيت الست البدوية وأصله مملوك صفية جارية الشيخ أبي المواهب البكرى وكان بن أخيها فأشترته واستمر في خدمة الشيخ أبي المواهب الى أن مات فسلك في طريق الاجناد وخدم علي بك الى أن جعله كاشفا في جهة من الجهات القبلية فأقام بها الى أن خالف محمد بك على سيده علي بك وذهب الى قبلي واجتمعت عليه الكشاف والاجناد وكان حسن هذا من جملة من حضر اليه بماله ونواله وخيامه وحضر محمد بك الى مصر وملكها من سيده علي بك
ولم يزل حسن هذا في خدمة محمد بك أبي الذهب فرقاه في الخدم والمناصب وصنجقه ولم يزل في الامارة مدة محمد بك وأتباعه الى أن خرج مع من خرج صحبة اسمعيل بك ومات ببعض ضياع الشام والله الموفق
(1/547)

سنة أربع وتسعين ومائة وألف
فيها في يوم الخميس حادى عشر صفر دخل الحجاج الى مصر وامير الحاج مراد بك ووقف لهم االعريان في الصفرة والجديدة وحصروا الحجاج بين الجبال وحاربوهم نحو عشر ساعات ومات كثير من الناس والغزو الاجناد ونهبت بضائع وأحمال كثيرة وكذلك من الجمال والدواب والعرب بأعلى الجبال والحج أسفل كل ذلك والحج سائر
وفي يوم الخميس ثالث شهر رجب اجتمع الأمراء وارسلوا الى الباشا أرباب العكاكيز وأمروه بالنزول من القلعة معزولا فركب في الحال ونزل الى مصر العتيقة ونقلوا عزاله ومتاعه في ذلك اليوم واستلموا منه الضربخانة وعمل ابراهيم بك قائمقام مصر
فكانت مدة ولاية اسمعيل باشا في هذه المرة ثمانية أشهر تنقص ثلاثة أيام وكان أصله رئيس الكتاب باسلامبول من أرباب الأقلام
وكان مراد بك هذا أصله من مماليكه فباعه لبعض التجار في معارضة وحضر الى مصر ولم يزل حتى صار أميرها
وحضر سيده هذا في أيام امارته وهو الذي عزله من ولايته ولكن كان يتأدب معه ويهابه كثيرا ويذكر سيادة عليه وكان هذا الباشا أعوج العنق للغاية وكان قد خرج له خراج فعالجه بالقطع فعجزت العروق وقصرت فاعوج عنقه وصارت لحيته عند صدره ولا يقدر على الألتفات الا بكليته الا أنه كان رئيسا عاقلا صاحب طبيعة ويحب المؤانسة والمسامرة
ولما حضر الى مصر وسمع باوصاف شيخنا الشيخ محمود الكردى أحبه واعتقده وأرسل له هدية وأخذ عليه العهد بواسطة صديقنا نعمان افندى وكان به آنسا وقلده أمين الضربخانة
ولما أخذ العهد على الشيخ اقلع عن استعمال البرش والقاه بظروفه وقلل من استعمال الدخان
وكان عنده
(1/548)

أصناف الطيور المليحة الأصوات وعمل بستانا لطيفا في الفسحة التي كانت بداخل السراية زرع بها أصناف الزهور والغراس والورود والياسمين والفل وبوسطه قبة على أعمدة لطيفة من الرخام وحولها حاجز من السلك النحاس الرفيع الاصفر وبداخلها كثير من عصافير القنارية وعمل لهم أوكارا يأوون اليها ويطيرون صاعدين هابطين بداخل القبة ويطرب لاصواتهم اللطيفة وانغامهم العذبة وذلك خلاف ما في الاقفاص المعلقة في المجالس وتلك الاقفاص كلها بديعة الشكل والصنعة
ولما أنزلوه على هذه الصورة انتهب الخدم تلك الطيور والاقفاص وصاروا يبيعونها في أسواق المدينة على الناس
وفي يوم الجمعة عاشر شعبان الموافق لسابع مسرى القبطي أوفى النيل المبارك وكسر السد في صبحها يوم السبت بحضرة ابراهيم بك قائمقام مصر والامراء
وفي أواخر شعبان شرع الامراء في تجهيز تجريدة وسفرها الى جهة قبلي لاستفحال امر حسن بك ورضوان بك فانه انضم اليهم كثير من الاجناد وغيرهم وذب اليهم جماعة اسمعيل بك وهم ابراهيم بك قشطة وعلي بك الجوخدار وحسين بك وسليم بك من خلف الجبل فعندما تحققوا ذلك أخذوا في تجهيز تجريدة وأميرها مراد بك وصحبته سليمان بك ابو نبوت وعثمان بك الاشقر ولاجين بك ويحيى بك وطلبوا الاحتياجات واللوازم وحصل منهم الضرر وطلب مراد بك الاموال من التجار وغيرهم مصادرة وجمعوا المراكب وعطلوا الاسباب وبرزوا بخيامهم الى جهة البساتين
وفيه حضر من الديار الرومية أمير اخور وعلى يده تقرير لاسمعيل باشا على السنة الجديدة فوجده معزولا وأنزلوه في بيت بسويقه العزى
وفي يوم الخميس عشرين شوال وكان خروج المحمل والحجاج صحبة أمير الحج مصطفى بك الصغير
(1/549)

من مات في هذه السنة
مات السيد الاجل الوجيه الفاضل السيد محمد بن عثمان بن محمد بن عبد الرحيم بن محمد بن عبد الرحيم بن مصطفى بن القطب الكبير سيدى محمد دمرداش الخلوتي ولد بزاوية جدة ونشأ بها ولما توفي والده السيد عثمان جلس مكانه في خلافتهم وسار سيرا حسنا مع الابهة والوقار وتردد الافاضل اليه على عادة اسلافه
وكان يعاني طلب العلم مع الرفاهية وبعض الخلاعة ولازم المرحوم الوالد هو وأولاده السيد عثمان والسيد محمد المتولي الا آن في مطالعة الفقه الحنفي وغيره في كل يوم بالمنزل ويحضرون أيضا بالازهر وعلى الاشياخ المترددين عليهم بالزاوية مثل الشيخ محمد الامير والشيخ محمد العروسي والشيخ محمد بن اسمعيل النفراوى والشيخ محمد عرفة الدسوقي وغيرهم وكان انسانا حسن العشرة والمودة
توفي في رابع عشر رمضان من السنة ودفن بزاويتهم عند اسلافهم
ومات الفقيه النبيه المتقن المتفنن الاصولي النحوى المعقولي الجدلي الشيخ مصطفى المعروف بالريس البولاقي الحنفي كان في الاصل شافعي المذهب ثم تحنف وتفقه على الشيخ الاسقاطي والسيد سعودى والدلجي وحضر المعقولات على الشيخ علي الصعيدي والشيخ علي قايتباى والاسكندراني وكان ملازما للسيد سعودى فلما توفي لازم ولده السيد ابراهيم ولم تطل أيامه فلما مات لازم الشيخ الوالد حسن الجبرتي ملازمة كلية في المدينة وبولاق وكان يحبه لنجابته واستحضاره ونوه بشأنه ولاحظه بأنظاره واخذ له تدريس الحنفية بجامع السنانية وجامع الواسطي وعاونه في امور من الاحكام العامة ببولاق حتى اشتهر ذكره بها وعظم شأنه عند أهلها وصار بيته مثل المحكمة في القضايا والدعاوى
(1/550)

والمناكحات والخصومات وكان فيه شهامة وقوة جنان وصلابة رحمه الله تعالى وعفا عنه
ومات الوالي الصالح الفاضل الشيخ عبد الله بن محمد بن حسين السندى نزيل المدينة المنورة المشهور بجمعة حضر دروس الشيخ محمد حياة السندى وغيره من الواردين وجاور بالمدينة نحوا من أربعين سنة وانتفع به طلبة المدينة واشتهرت بركنه
فكل من قرأ عليه شيئا فتح الله عليه وصار من العلماء وكان ذا كرم ومروءة وحياء وشفقة توفي في هذه السنة
ومات الشيخ الصالح الوجيه احمد بن عبد الله الرومي الاصل المصري المكتب الخطاط الملقب بالشكرى جود الخط على جماعة من المشاهير ومهر فيه حتى برع وأجيز وأجاز على طريقتهم ونسخ بيده عدة مصاحف ودلائل الخيرات وغير ذلك وانتفع به الناس انتفاعا عاما واشتهر خطه في الآفاق واجاز لجماعة وكان وجيها منور الشيبة يلوح عليه سيما الصلاح والتقوى نظيف الثياب حسن الاخلاق مهذبا متواضعا
توفي عشية يوم الاربعاء ثالث جمادى الاولى من السنة وصلي عليه بالازهر ودفن بالقرافة رحمه الله تعالى
سنة خمس وتسعين ومائة والف
في منتصف المحرم قبض ابراهيم بك على ابراهيم أغا ببيت المال المعروف بالمسلماني وضربه بالنبابيت حتى مات وأمر بالقائه في بحر النيل فالقوه وأخرجه عياله بعد أيام من عند شبر افاتوا به الى بيته وغسلوه وكفنوه ودفنوه ولم يعلم لذلك سبب
وفي يوم السبت سادس عشر صفر نزل الحجاج ودخلوا الى مصر صحبة المحمل وامير الحاج مصطفى بك في يوم الثلاثاء تاسع عشرة
وفيه جاءت الاخباريات اسمعيل بك وصل من الديار الرومية الى ادرنه
(1/551)

وطلع من هناك ولم يزل يتحيل حتى خلص الى الصعيد وانضم الى حسن بك ورضوان بك وباقي الجماعة
وفي اواخر شهر صفر وصلت الاخبار من ناحية قبلي بان مراد بك خنق ابراهيم بك أوده باشا قيل انه اتهمه بمكاتبات الى اسمعيل بك وحبس جماعة آخرين خلافه
وفيه وصلت الاخبار بورود باشا الى ثغر سكندرية واليا على مصر وهو محمد باشا ملك
وفي سادس جمادى الاولى وصل مراد بك ومن معه الى مصر وصحبته ابراهيم بك قشطة صهر اسمعيل بك وسليم بك أحد صناجق اسمعيل بك بعد ما عقد الصلح بينه وبينهم وأحضر هؤلاء صحبته رهائن واعطى لاسمعيل بك اخميم واعمالها وحسن بك قنا وقوص واعمالها ورضوان بك اسنا ولما تم الصلح بينه وبينهم على ذلك أرسل لهم هدايا وتقادم وأحضر صحبته من ذكر فكانت مدة غيابه ثمانية أشهر وأياما ولم يقع بينهم مناوشات ولا حرب بل كانوا يتقدمون بتقدمه ويتأخرون بتأخره حتى تم ما تم
وفي منتصف شهر جمادى الاولى سافر علي أغا كتخدا الجاويشية وأغات المتفرقة والترجمان وباقي أرباب الخدم لملاقاة الباشا
وفي غرة شهر رجب وصل الباشا الى بر انبابه وبات هناك وعدت الامراء في صبحها للسلام عليه ثم ركب الى العادلية
وفي يوم الاثنين ركب الباشا بالموكب من العادلية ودخل باب النصر وشق من وسط المدينة وطلع الى القلعة وضربوا له المدافع من باب الينكجرية وكان وجيها جليلا منور الوجه والشيبة
وفي يوم الخميس عملوا الديوان وحضر الامراء والمشايخ وقرىء التقليد بحضرتهم وخلع على الجميع الخلع المعتادة
(1/552)

وفي يوم الاحد المبارك ليلة النصف من شعبان الموافق لاول مسرى القبطي كان وفاء النيل المبارك ونزل الباشا وكسروا السد بحضرته على العادة صبح يوم الاثنين
من مات في هذه السنة من الائمة والاعيان
توفي شيخنا الامام العارف كعبة كل ناسك عمدة الواصلين وقدوة السالكين صاحب الكرامات الظاهرة والاشارات الباهرة شيخنا وأستاذننا الشيخ محمود الكردي الخلوتي حضر الى مصر متجردا مجاهدا مجتهدا في الوصول الى مولاه زاهدا كل ما سوأه فأخذ العهد وتلقن الذكر من الاستاذ شمس الدين الحفني وقطع الاسماء وتنزلت عليه الاسرار وسطعت على غرته الانوار وأفيض على نفسه القدسية انواع العلوم المدنية
وله رسالة في الحكم ذكر ان سبب تأليفه لها انه رأى الشيخ محي الدين العربي رضي الله عنه في المنام أعطاه مفتاحا وقال له افتح الخزانة
فاستيقظ وهي تدور على لسانه ويرد على قلبه انه يكتبها
قال فكنت كلما صرفت الوارد عني عاد الي فعلمت أنه أمر الهي فكتبتها في لمحة يسيرة من غير تكلف كأنما هي تملي على لساني من قلبي وقد شرحها خليفته شيخ الاسلام والمسلمين سيدي الشيخ عبد الله الشرقاوي شيخ الجامع الازهر شرحا لطيفا جامعا مانعا استخرج به من كنوز معانيها ما اخفاها فلم يغادر صغيرة ولا كبيرة الا أحصاها وشرحها أيضا أحد خلفائه الاستاذ العلامة السيد عبد القادر بن عبد اللطيف الرافعي البيارى العمرى الحنفي الطرابلسي شكر الله صنيعهما ذكر في اولها ترجمة الاستاذ كما سمعه من لفظه ان مولده ببلدة صاقص من بلاد كوران ونشأ في المجاهدة وهو ابن خمسة عشرة سنة صائم الدهر محيي الليل كله في مسجد ببلدته معروف حتى اشتهر أمره وقصده الناس بالزيارة فهجر ذلك المكان وصار
(1/553)

يأوى الخراب خارج بلدته بحيث لا يشعر به أحد
وأخبرني غير مرة انه كان لا يغمه بالليل الا سماع صوت الديكة لانذارها بطلوع النهار لما يجده في ليله من المواهب والاسرار
وكان جل نومه في النهار وكثيرا ما كان يجتمع بالخضر عليه السلام فيراه بمجرد ما ينام فيذكر الله معه حتى يستيقظ
وكان لا يفتر عن ذكر الله لا نوما ولا يقظة
وقال مرة جميع ما في كتب احياء العلوم للغزالي عملت به قبل ان أطالعه فلما طالعته حمدت الله تعالى على توفيقه اياى وتوليته تعليمي من غير معلم
وكان كثير التقشف من الدنيا يأكل خبز الشعير وفي بيته يصنع خاص دقيق البر وكثيرا ما كان يلومه أخوه على ذلك وكان أخوه الكبير كثير اللوم له على ما يفعله من مجاهداته وتقشفاته
ولما مات والده ترك ما يخصه من ارثه لهم وكان والده كثير المال والخير وعليق دوابه في كل ليلة اكثر من نصف غرارة من الشعير
ولما صار عمره ثمان عشرة سنة رأى في منامه الشيخ محمد الحفناوى فقيل له هذا شيخك فتعلق قلبه به وقصده بالرحلة حتى قدم مصر واجتمع به وأخذ عنه الطريق الخلوتية وسلك على يديه بعد ان كان على طريقة القصيرى رضي الله عنه
وقال له في مبدأ أمره يا سيدي اني أسلك على يديك ولكن لا أقدر على ترك أوراد الشيخ علي القصيرى فأقرأ اوراده واسلك طريقتك
فأجابه الشيخ الى ذلك ولم يشدد عليه في ترك أوراد الشيخ القصيرى لما عرفه من صدقه من المذكور فلازمه مدة طويلة ولقنه اسماء الطريقة السبعة في قطع مقاماتها وكتب له اجازة عظيمة شهد له فيها بالكمال والترقي في مقامات الرجال وأذن له بالارشاد وتربية المريدين
فكان الشيخ في آخر أمره اذا أراد أحد ان يأخذ عنه الطريق يرسله الى الشيخ محمود ويقول لغالب جماعته عليكم بالشيخ محمود فاني لولا اعلم من نفوسكم ما أعلم لامرتكم كلكم بالاخذ عنه والانقياد اليه
ولما قدم شيخ شيخه السيد مصطفى البكرى لازمه وأخذ
(1/554)

عنه كثيرا من علم الحقائق وكان كثير الحب فيه فلما رآه لا يقرأ أوراد الطريقة الخلوتية ويقتصر على أوراد القصيرى عاتبه في ذلك وقال له أيليق بك ان تسلك على ايدينا وتقرأ أوراد غيرنا اما ان تقرأ أورادنا واما ان تتركنا
فقال يا سيدي أنتم جعلكم الله رحمة للعالمين وأنا اخاف من الشيخ القصيرى ان تركت أوراده وشيء لازمته في صغرى لا أحب ان اتركه في كبرى
فقال له السيد البكرى استخر الله وانظر ماذا ترى لعل الله يشرح صدرك
قال فاستخرت الله العظيم ونمت فرأيت النبي صلى الله عليه و سلم والقصيرى عن يمينه والسيد البكرى عن يساره وانا تجاههم فقال القصيرى للرسول صلى الله عليه و سلم يا رسول الله أليست طريقتي على طريقتك اليست اورادي مقتبسة من أنوارك فلم يأمر السيد البكرى هذا بترك أورادى فقال السيد البكرى يا رسول الله رجل سلك على أيدينا وتولينا تربيته أيحسن منه ان يقرأ أوراد غيرنا ويهجر أورادنا فقال الرسول عليه السلام لهما اعملا فيه القرعة واستيقظ الشيخ من منامه فأخبر السيد البكرى فقال له السيد معنى القرعة انشراح صدرك انظره واعمل به قال الشيخ رضي الله عنه ثم بعد ليلة وأكثر رأيت سيدى أبا بكر الصديق رضي الله عنه في المنام وهو يقول لي يا محمود خليك مع ولدى السيد مصطفى ورأى ورد سحر الذى ألفه المذكور مكتوبا بين السماء والارض بالنور المجسم كل حرف منه مثل الجبل فشرح الله بعد ذلك صدره ولازم أوراد السيد البكرى وأخذ من أوراد القصيرى ما استطاع
وأخبر رضي الله عنه انه رأى حضرة الرسول صلى الله عليه و سلم في بعض المرائي وكان جمع الفقراء في ليلة مباركة وذكر الله تعالى بهم الى الفجر وكان معه شىء قليل من الدنيا فورد على قلبه وارد زهد ففرق ما كان معه على المذكورين وفي أثناء ذلك صرخ من بين الجاعة صارخ يقول الله بحال قوى فلما فرغوا قال للشيخ يا سيدى سمعت هاتفا
(1/555)

يقول يا شيخ محمود ليلتك قبلت عند الله تعالى قال ثم اني بعدما صليت الفجر نمت فرأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لي يا شيخ محمود ليلتك قبلت عند الله تعالى وهات يدك حتى أجازيك فأخذ صلى الله عليه و سلم بيد الشيخ والسيد البكرى حاضر بالمجلس فأخذ يده ووضع يده الشريفة بين يديهما وقال أريد ان أخاوى بينك وبين السيد البكرى وأتخاوى معكما الناجي منا يأخذ بيد أخيه فأستيقظ فرحا بذلك فلم يلبث الا يسيرا ورسول السيد البكرى يطلبه فتوضأ وذهب الى زيارته وكان من عادته انه يزوره كل يوم ولا يدخل عليه الا على طهارة فلما رآه قال له ما أبطاك اليوم عن زيارتنا فقال له يا سيدي سهرنا البارحة الليل كله فنمت فتأخرت عنكم فقال له السيد هل من بشارة أو اشارة فقلت يا سيدى البشارة عندكم فقال قل ما رأيت قال متعجبت من ذلك وقلت يا سيدي رأيت كذا وكذا فقال يا ملا محمود منامك حق وهذه مبشرة لنا ولك فانه صلى الله عليه و سلم ناج قطعا ونحن ببركته ناجون ومناقبه رضي الله عنه كثيرة لا تحصر
وكان كثير المرأى لرسول الله صلى الله عليه و سلم قل ما تمر به ليلة الا ويراه فيها وكثيرا ما يرى رب العزة في المنام ورآه مرة يقول له يا محمود اني احبك وأحب من يحبك فكان رضي الله عنه يقول من أحبني دخل الجنة
وقد أذن لي أن اتكلم بذلك واما مجاهداته فالديمة المدرار كما قالت عائشة رضي الله عنها في جنابه صلى الله عليه و سلم كان عمله ديمة وأيكم يستطيع عمل رسول الله صلى الله عليه و سلم
وبلغ من مجاهداته رضي الله عنه انه لما ضعف عن القيام في الصلاة لعدم تماسكه بنفسه صنع له خشبة قائمة يستند عليها ولم يدع صلاة النقل قائما فضلا عن الفرض ولم يدع صلاة الليل والوظائف التي عليه مرتبة في حال من الاحوال وكان لا ينام من الليل الا قليلا وكان ربما يمضي عليه الليل وهو يبكي وربما تمر عليه الليلة كلها وهو يردد
(1/556)

آية من كتاب الله تعالى
وكثيرا ما كان يقتصر على الخبز والزيت ويؤكل في بيته خواص الاطعمة وكان غالب أكله الرز بالزيت وتارة بالسمن البقرى وقل ما تراه في خلوته أو مع اصحابه الا وهو مشغول في وظائف اوراد
وقال لي مرة ربما أكون مع أولادى ألاعبهم وأضاحكهم وقلبي في العالم العلوى في السماء الدنيا أو الثانية او الثالثة او العرش وكثيرا ما كان تفيض على قلبه معرفة الحق سبحانه وتعالى فيجعل يبكي ولا يشعر به جليسه
وقلت يوما للعارف بالله تعالى خليفته سيدى محمد بدير القدسي من كرامات الاستاذ انه لا يسمع شيئا من العلم الا حفظه ولا يزول من ذهنه ولو بعد حين فقال لي رضي الله عنه بل الذي يعد من كرامات الشيخ انه لا يسمع شيئا من العلم النافع الا ويعمل به في نفسه ويداوم عليه
فقلت صدقت هذا والله حاله وكنت مرة أسمعته رياض الرياحين لليافعي فلما أكملته قال لي بمحضر من أصحابه هل يوجد الآن مثل هؤلاء الرجال المذكورين في هذا الكتاب تكون لهم الكرامات فقال له بعض الحاضرين الخير موجود يا سيدى في أمة الرسول عليه الصلاة و السلام فقال الشيخ قد وقع لي في الطريق أبلغ من ذلك واحكي لكم عما وقع لي في ليلتي هذه كنت قاعدا أقرأ في أورادي فعطشت وكان الزمن مصيفا والوقت حارا وأم الاولاد نائمة فكرهت ان اوقظها شفقة عليها فما استتم هذا الخاطر حتى رأيت الهواء قد تجسم لي ماء حتى صرت كأني في غدير من الماء وما زال يعلو حتى وصل الى فمي فشربت ماء لم أشرب مثله ثم انه هبط حتى لم يبق قطرة ماء ولم يبتل مني شيء
وبردت ليلة في ليالي الشتاء بردا شديدا وأنا قاعد أقرأ في وردى وقد سقط عني حرامي الذي أتغطى به وكان اذا سقط عنه غطاؤه لا يستطيع أن يرفعه بيده لضعف يده قال فأردت ان أوقظ أم الاولاد فأخذتني الشفقة عليها فما تم هذا الخاطر حتى رأيت كانونا عظيما ملآنا من الجمر وضع بين يدى وبقى
(1/557)

عندي حتى دفىء بدني وغلب وهج النار علي فقلت في سرى هذه النار حسية أم هي خيال فقربت أصبعي منها فلذعتني فعلمت أنها كرامة من الله تعالى ثم رفعت
والحاصل ان مناقبه رضي الله عنه لا تكاد تنحصر وكان لكلامه وقع في النفوس عظيم اذا تكلم كأنما كلماته خرزات نظمن في جيد حسناء لا ينطق الا بحكمة أو موعظة أو مسائل دينية او حكاية تتضمن جوابا عن سؤال يسأله بعض الحاضرين بقلبه ولا تكاد تسمع في مجلسه ذكر أحد بسوء وكان كثير الشفقة والرحمة على خلق الله لا سيما أرباب الذنوب والمعاصي كثير التواضع كثير الاحسان للفقراء والمساكين لا يمسك من الدنيا شيئا جميع ما يأيتة ينفقة في طاعة الله
ما امسك بيده درهما ولا دينار قط آخذا بالورع في جميع أموره ليس له هم الا أمور الآخرة لا يهتم لشأن الدنيا أقبلت أو أدبرت كفاه الله مؤنة الدنيا عنده خادم يقبض ما يأتي له من الدنيا ويصرف عليه فلا يزيد ذلك على حاجته ولا ينقص شيئا قال السيد شارح الرسالة خدمته نحو عشر سنوات ما رأيته ارتكب صغيرة قط وللاستاذ رضي الله عنه رسالة سماها السلوك لابناء الملوك وهي صورة مكتوب من املائه أرسله الى رجل من أعيان المغرب يقال له ابن الظريف وكان الشيخ رضي الله عنه ارسل له جوابا عن مكاتبة أرسلها فأرسل مراسلة أخرى والتمس الجواب ويكون متضمنا بعض النصائح فأملى تلك المراسلة فبلغت نحو ستة كراريس وصارت كتابا عظيم النفع سارت به الركبان وانتفع به القاصي والداني وكتب عليه كثير من العلماء وكانت وفاة الاستاذ رضي الله عنه ثالث المحرم من هذه السنة وتولى غسله الشيخ سليمان الجمل وصلي عليه بالازهر ودفن بالصحراء بجوار شيخه السيد مصطفى البكرى رضي الله عنهما
ومات الاديب الماهر واللبيب الشاعر الشيخ علي بن عنتر الرشيدى كان
(1/558)

متضلعا فصيحا مفوها له موشحات ومقاطيع كثيرة ونظم البحور الستة عشر كلها بالاقتباس منها قوله في الطويل ... أطلت الجفا فأسمح بوصلك يا رشا ... ولا تبدلن وعد الكئيب بضده ... فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن ... ولا تحسبن الله مخلف وعده ...
وقال في المديد ومنه الاكتفاء ... في مديد الهجر قال اللواحي ... دع هواه فالغرام جنون ... فاعلاتن فاعلن فاعلاتن ... واصطبر عن حبه قلت كونوا ...
وقال في الرجز ... كملت محاسن منيتي فهديت في ... روض غدا في وجنتيه نضيرا ... متفاعلن متفاعلن متفاعلن ... وكفى بربك هاديا ونصيرا ...
وقال في الرجر ... ارجزفاني في هوى حلو اللما ... مسى الورى أضحيت صبا هائما ... مستفعلن مستفعلن مستفعلن ... ان قل صبرى قال صبرى وما ...
وقال في الوافر ... بوافر لوعتي صل يا غزالي ... فكل متيم فان وبالي ... مفاعلتن مفاعلتن فعولن ... ويبقى وجه ربك ذو الجلال ...
وقال في البسيط ... بسطت في شادن حلو اللما غزلى ... وقلت جدلي بوصل منك يا أملي ... مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن ... فقال لي خلق الانسان من عجل ...
وقال في الرمل ... قد رملت الوصف فيه قائلا ... مذبدا الهندى من أهدا به ... فاعلاتن فاعلاتن فاعلن ... قل هو الرحمن آمنا به
(1/559)

وقال في الخفيف ... خفف الهجر عن فؤاد كليم ... وامل كاس الوصال لي يانديمي ... فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن ... وتوكل على العزيز الرحيم ...
وله ديوان شعر مشهور ولم يزل حتى مات بالثغر في ربيع الاول من السنة
ومات الشيخ الصالح الدين بقية السلف ونتيجة الحلف الشيخ أحمد ابن محمد بن أحمد بن عبد المنعم بن أبي السرور والبكرى الشافعي شيخ سجادة البكرية بمصر كان صاحب همة ومروءة وديانة وعفاف ومحبة وانصاف وتولى بعد موته أبيه فسار سيرا وسطا مع صفاء الباطن وكان الغالب عليه الجذب والصلاح والسلوك على طريق أهل الفلاح مع أوراد وأذكار يشتغل بها توفي يوم السبت ثاني عشر ربيع الثاني من السنة وصلي عليه بالجامع الازهر بمشهد حافل ودفن اسلافه قرب مقام الامام الشافعي رضي الله عنه
ومات الامام الفصيح المعتقد الشهير الذكر الشيخ ابراهيم بن محمد ابن عبد السلام الرئيس الزمزمي المكي الشافعي مؤقت حرم الله الامين ولد بمكة سنة 1110 وسمع من ابن عقيلة وعمر بن احمد بن عقيل والشيخ سالم البصري والشيخ عطاء الله المصري وابن الطيب وحضر على الشيخ أحمد الاشبولي الجامع الصغير وغيره واخذ عن السيد عبد الله ميرغني ومن الواردين من أطراف البلاد كالشيخ عبد الله الشبراوى والشيخ عمر الدعوجي والشيخ أحمد الجوهرى واجازه شيخنا السيد عبد الرحمن العيدروس بالذكر على طريقة السادة النقشبندية وألف بأسمه رسالة سماها البيان والتعليم لمتبع ملة ابراهيم ذكر فيها سنده وأجازه السيد مصطفى البكرى في الخلوتية وجعله خليفته في فتح مجالس الذكر وفي
(1/560)

ورد سحر ولازم المرحوم الوالد حسن الجبرتي سنة مجاورته بممكة وهي سنة خمس وخمسين ملازمة كلية وأخذ عنه علم الفلك والاوفاق والاستخراجات والرسم وغير ذلك ومهر في ذلك واقتنى كتبا نفيسة في سائر العلوم بددها أولاده من بعده وباعوها بأبخس الاثمان
وكان عنده من جملة كتبه زيج الراصد الغيبك السمرقندى نسخة شريفة بخط العجم في غاية الجودة والصحة والاتقان وعليها تقييدات وتحريرات وفوائد شريفة لا يسمح الدهر بمثل تلك النسخة وكنت كثيرا ما أسمع من المرحوم الوالد ذكرها ومدحتها ونسخة الوالد مكتوب عليها بخط رستم شاه ما نصه قد اشترينا هذا الكتاب في دار سلطنة هراة بأثنى عشر ألف دينار
وتحت ذلك اسمه وختمه
فلما كان في سنة ست وتسعين ورد علينا بعض الحجاج الجزائرية وسألني عن كتب يشتريها من جملتها الزيج المذكور وأرغبني في زيادة الثمن فلم تسمح نفسي بشيء من ذلك ثم سافر الى الحج ورجع وأتاني ومع خادمه رزمة كبيرة فوضعها بين أيدينا وفتحها وأخرج منها نسخة الزيج المذكورة وفرجني عليها وقال أيهما أحسن نسختك التي ضننت بها أو هذه
وكنت لم أرها قبل ذلك فرأيتها شقيقتها وتزيد عنها في الحسن بصغر حجمها وكثرة التقييدات بهامشها وطيارات كثيرة بداخلها في المسائل المعضلة مثل التسييرات والانتهاءات والنمودارات وغير ذلك وجميعها بحسن الخط والوضع فرأيتها المخدرة التي كشف عنها القناع وانما هي المعشوقة بالسماع فقلت له كيف وصلت الى هذه اليتيمة وما مقدار ما دفعته فيها من المهر والقيمة
فأخبرني انه اشتراها من ابن الشيخ بعشرين ريالا وكتاب المجسطي وكتاب التبصرة وشرح التذكرة ونسخة البارع في غاية الجودة وزيج ابن الشاطر وغير ذلك من الكتب التي لا توجد في خزائن الملوك وكلها بمثل ذلك الثمن البخس
فقضيت أسفا واخذ الجميع مع ما أخذ وذهب الى بلاده
وهكذا حال
(1/561)

الدنيا ولم يزل المترجم على حالة حميدة واشتهر أمره في الآفاق وعرف بالصلاح والفضل وأتته الهدايا والمراسلات من جميع الاطراف والجهات حتى لحق بربه عز و جل سابع عشر ربيع الاول من السنة
ومات الشيخ الفاضل الصالح أحمد بن محمد الباقاني الشافعي النابلسي سمع الاولية من محمد بن محمد الخليلي ورافق الشيخ السفاريني في بعض شيوخه من اهل البلد وأجازه السيد مصطفى البكرى في الورد والطريقة ورد مصر أيام تولية المرحوم مصطفى باشا طوقان وكان له مذاكرة حسنة وورع وصلاح وعبادة وانتفع به الطلبة في بلاده ثم عاد الى بلاده فتوفي في ثالث جمادى الثانية
ومات الاجل المفوه الشريف الفاضل السيد حسين بن شرف الدين ابن زين العابدين بن علاء الدين بن شرف الدين بن موسى بن يعقوب ابن شرف الدين بن يوسف بن شرف الدين بن عبد الله بن أحمد ابي ثور ابن عبد الله بن محمد بن عبد الجبار الثورى المقدسي الحنفي جده الاعلى أحمد بن عبد الله دخل حين فتح بيت المقدس راكبا على ثور فعرف بأبي ثور وأقطعه الملك العزيز عثمان بن يوسف بن ايوب ديرمار يقوص وبه دفن وذلك في سنة خمسمائة وأربعة وتسعين وجده الادنى زين العابدين أمه الشريفة راضية بنت السيد محب الدين محمد بن كريم الدين عبد الكريم ابن داود بن سليمان بن محمد بن داود بن عبد الحافظ بن أبي الوفاء محمد بن يوسف بن بدران بن يعقوب بن مطر بن السيد زكي الدين سالم الحسيني الوفائي البدرى المقدسي ومن هنا جاء لحفيده المترجم الشرف وهي أخت الجد الرابع للسيد علي المقدسي ويعرف المترجم أيضا بالعسيلي وكأنه من طرف الامهات ولد ببيت المقدس وبها نشأ وقرأ شيئا من المبادىء ثم ارتحل الى دمشق فحضر دروس الشيخ اسمعيل العجلوني
(1/562)

ولازمه وأجازه بمروياته وجود الخط على مستعد زاده فمهر فيه وكتب بخطه اشياء ودخل مصر ونزل في رواق الشوام بالازهر واقبل على تحصيل العلم والمعارف فحضر دروس مشايخ الوقت كالشبراوى والحفني والجوهرى ولازم السيد البليدى واستكتب حاشية على البيضاوى وسافر الى الحرمين وجاور بهما وأخذ عن الشيخ محمد حياة والشيخ ابن الطيب ثم قدم مصر وتوجه منها لدار ملك الروم وأدرك بها بعض ما يروم وعاشر الاكابر وعرف اللسان وصار منظورا اليه عند الاعيان ثم قدم مصر مع بعض أمراء الدولة في أثناء سنة 1172 وانضوى الى الشيخ السيد محمد أبي هادى بن وفا وكان صغير السن فألفه وأحبه وادبه وصار يذاكره بالعلم واتحد معه حتى صار مشارا اليه في الامور معولا عليه في المهمات
ولما تولى نقابة السادة الاشراف مضافة الى خلافة الوفائية كان هو كالكتخدا له في أحواله معتمدا عليه في أفعاله وأقواله وداوم على ذلك برهة من الزمان وهو نافذ الكلمة مسموع المقال حسن الحركات والاحوال الى أن توفي الشيخ المشار اليه فضاقت مصر عليه فتوجه الى دار السلطة وقطنها واتخذها دارا وسكنها وأقبل على الافادة ونشر العلوم بالاعادة
وبلغني انه كتب في تلك الايام شرحا على بعض متون الفقه في مذهب الامام وصار مرجع الخواص والعوام مقبولا بالشفاعة عند أرباب الدولة حتى وافاه الحمام في هذه السنة رحمه الله وكان اودع جملة من كتبه بمصر فأرسل بوقفها برواق الشوام فوضعوها في خزانة لنفع الطلبة
ومات الفقيه العلامة الصالح المعمر الشيخ عبد الله بن خزام أبو الطوع الفيومي وغيره وقدم الجامع الازهر فأخذ عن فضلاء عصره وهو احد من يشار اليه في بلده بالفضل وتولى الافتاء فسار بغاية التحرى وبلغني من تواضعه انه كان يأتي اليه احد العوام فيقول له حاجتي في بلد
(1/563)

كذا فقم معي تقضيها
فيطيعه ويذهب معه الميلين والثلاثة ويقضيها وقد تكرر ذلك منه وكان له في كل يوم صدقات الخبز على الفقراء والمساكين يفرقها عليهم بيده ولا يشمئز وكانت له معرفة تامة في علم المذهب وغيره من الفنون الغريبة كالفلك والهيئة والميقات وعند آلات لذلك
وكان انسانا حسنا جامعا لادوات الفضائل
توفي يوم الجمعة حادى عشر ربيع الثاني من السنة ولم يخلف بعده مثله
ومات الفاضل الصالح الشيخ علي بن محمد الحباك الشافعي الشاذلي تفقه على الشيخ عيسى البراوى وبه تخرج وأخذ الطريقة الشاذلية عن الشيخ محمد كشك واليه انتسب ولما توفي جعل شيخا على المريدين وسار فيهم سيرا مليحا
وكان يصلي اماما بزاوية بقلعة الجبل وكان شيخا حسن العشرة لطيف المجاورة طارحا للنكات متواضعا وقد صارت له مريديون وأتباع خاصة غير أتباع شيخه توفي في يوم الاثنين ثالث عشرين شعبان من السنة
ومات من الامراء الامير ابراهيم بك أوده باشه خنقه مراد بك عفا الله عنه والمسلمين
سنة ست وتسعين ومائة والف
فيها في صفر نزل مراد بك وسرح بالاقاليم البحرية وطاف البلاد بالشرقية وطلب منهم اموالا وفرض عليهم مقادير من المال عظيمة وكلفا وحق طرق معينين وغير ذلك مالا يوصف ثم نزل الى الغربية وفعل بها كذلك ثم الى المنوفية
وفي منتصف شعبان ورد اغا بطلب محمد باشا ملك الى الباب ليتولى الصدارة فنزل من القلعة الى قصر العيني واقام بقية شهر شعبان ونزل في غرة رمضان وسافر الى سكندرية
فكانت مدة ولايته ثلاثة عشر
(1/564)

شهرا ونصفا
وهاداه الامراء ولم يحاسبوه على شيء ونزل في غاية الاعزاز والاكرام وكان من افاضل العلماء متضلعا من سائر الفنون ويحب المذاكرة والمباحثة والمسامرة واخبار التورايخ وحكايات الصالحين وكلام القوم وكان طاعنا في السن منور الشيبة متواضعا وحضر الباشا الجديد في اواسط رمضان ونزل اليه الملاقاة وحضر الى مصر في عاشر شوال وطلعوه قصر العيني فبات به وركب بالموكب في صبحها ومر من جهة الصليبة وطلع الى القلعة وذلك على خلاف العادة
وفيه جاءت الاخبار على أيدى السفار الواصلين من اسلامبول بانه وقع بها حريق عظيم لم يسمع بمثله واحترق منها نحو الثلاثة ارباع واحترق خلق كثير في ضمن الحريق وكان أمرا مهولا وبعد ذلك حصل بها فتنة أيضا ونفوا الوزير عزت محمد باشا وبعض رجال الدولة
وفي ليلة السبت ثامن عشر القعدة هرب سليم بيك وابراهيم بيك قشطة وتبعهم جماعة كثيرة نحو الثمانين فخرجوا ليلا على الهجن وجرائد الخيل وذهبوا الى الصعيد وأصبح الخبر شائعا بذلك فأرتبك ابراهيم بيك ومراد بيك ونادى الاغا والوالي بترك الناس المشي من بعد العشاء
من توفي في هذه السنة من الاعيان
توفي الاستاذ الوجيه العظيم السيد محمد افندى البكرى الصديقي نقيب السادة الاشراف بالديار المصرية كان وجيها مبجلا محتشما سار في نقابة الاشراف سيرا حسنا مع الامارة وسلوك الانصاف وعدم الاعتساف ولما توفي ابن عمه الشيخ احمد شيخ السجادة البكرية تولاها بعده بأجماع الخاص والعام مضافة لنقابة الاشراف فحاز المنصبين وكمل له الشرفان
ولم يقم في ذلك الا نحو سنة ونصف
وتوفي يوم السبت عاشر شعبان فحضر مراد بيك الى منزله وخلع على ولده السيد محمد
(1/565)

افندى ما كان على والده من مشيخة السجادة البكرية ونقابة الاشراف وجهز وكفن وخرجوا بجنازته من بيتهم بالازبكية وصلوا عليه بالجامع الازهر في مشهد حافل ودفن بمشهد اجداده بالقرافة
ومات الشريف العفيف الوفي الصديق محمد بن زين بأحسن جمل الليل الحسيني باعلوى التريمي الاصل نزيل الحرمين سكن بهما مدة واتصل بخدمة الشيخ القطيب السمد الشيخ باعبود فلوحظ بأنظاره وكان يحترمه ويعترف بمقامه ويحكي عن بعض مكاشفاته ووارداته وصحب كلا من القطب السيد عبد الله مدهر وعارفة وقتها الشريفة فاطمة العلوية والشيخ محمد ابن عبد الكريم السمان والشيخ عبد الله ميرغني وجماعة كثيرين من السادة والواردين على الحرمين من الافاضل وله محاورة لطيفة ولديه محفوظة ومعرفة بدقائق علم الطب وسليقة في التصوف
ورد الى مصر سنة 1181 هو عائد من الروم واجتمع بافاضلها وعاشر شيخنا السيد محمد مرتضى وأفاده وأرشده الى امور مهمة وسافر صحبته لزيارة الشهداء بدمياط ولاقاه أهلها بالاحترام
ثم توجه الى الحرمين الشريفين واقام هناك واجتمع به الشيخ محمد الجوهرى وآخاه في الصحبة وكان مع ما أعطى من الفضائل يتجر بالبضائع الهندية ويتعلل بما يتحصل منها وبآخرة سافر الى الديار الهندية وبها توفي في هذه السنة
ومات العمدة الفاضل واللوذعي الكامل الرحلة الدراكة بقية السلف الورع الصالح الزاهد الشيخ موسى بن داود الشيخوني الحنفي امام جامع شيبون وخطيبه وخازن كتبه وكان انسانا حسنا عظيم النفس منور الشيبة ضخم البدن فقيها مستحضرا المناسبات مهذب النفس لين الجانب تقيا معتقدا ولما توقف الامير أحمد باشجاويش كتبه التي جمعها وضعها بخزانة كتب الوقف تحت يد المترجم لاعتقاده فيه الديانة والصيانة رحمهما الله تعالى
(1/566)

سنة سبع وتسعين ومائة والف
فيها تسحب ايضا جماعة من الكشاف والمماليك وذهبوا الى قبلي فشرعوا في تجهيز تجريدة وعزم مراد بك على السفر وأخذ في تجهيز اللوازم فطلب الاموال فقبضوا على كثير من مساتير الناس والتجار والمتسببين وحبسوهم وصادروهم في اموالهم وسلبوا ما بأيديهم
فجمعوا من المال ما جاوز الحد ولا يدخل تحت العد
وفي منتصف ربيع الآخر برز مراد بك للسفر وأخرج خيامه الى جهة البساتين وخرج صحبته الامير لاجين بك وعثمان بك الشرقاوى وعثمان بك الاشقر وسليمان بك أبو نبوت وكشافهم ومماليكهم وطوائفهم وسافروا بعد ايام
وفي أواخر جمادى الثانية وردت الاخبار بان رضوان بيك قرابة علي بك حضر الى مراد بك وانضم اليه فلما فعل ذلك انكسرت قلوب الآخرين وانخذلوا ورجعوا القهقرى ورجع مراد بك أيضا الى مصر في منتصف شهر رجب وترك هناك مصطفى بك وعثمان بك الشرقاوى وعثمان بك الاشقر
وفي يوم الخميس سادس عشرين رجب اتفق مراد بك وابراهيم بك على نفي جماعة من خشداشينهم وهم ابراهيم بك الوالي وأيوب بك الصغير وسليمان بك الاغا ورسموا لايوب بك أن يذهب الى المنصورة فأبى وامتنع من الخروج فذهب اليه حسن كتخدا الجربان كتخدا مراد بك واحتال عليه فركب وخرج الى غيظ مهمشة ثم سافر الى المنصورة
واما ابراهيم بك الوالي فركب بطوائفه ومماليكه وعدى الى بر الجيزة فركب خلفه علي بك اباظة ولاجين بك وحجزوا هجنه وجماله عند المعادى وعدوا خلفه فأدركوه عند الاهرام فأحتالوا عليه وردوه الى قصر العيني ثم سفروه الى ناحية السرو
(1/567)

ورأس الخليج
واما سليمان بك فانه كان غائبا بأقليم الغربية والمنوفية يجمع من الفلاحين فردا وأموالا ومظالم فلما بلغه الخبر رجع الى منوف فحضر اليه المعينون لنفيه وأمروه بالذهاب الى المحلة الكبرى فركب بجماعته واتباعه فوصل الى مسجد الخضر فاجتمع بأخيه ابراهيم بك الوالي هناك فأخذه صحبته وذهبا الى جهة البحيرة
وفي يوم الاحد غاية شهر رجب طلع الامراء الى الديوان وقلدوا خمسة من اغوات الكشاف صناجق وهم عبد الرحمن خازندار ابراهيم بك سابقا وقاسم أغا كاشف المنوفية سابقا وعرف بالموسقو وهو من مماليك محمد بك واشراق ابراهيم بك وحسين كاشف وعرف بالشفت بمعنى اليهودى وعثمان كاشف ومصطفى كاشف السلحدار وهؤلاء الثلاثة من طرف مراد بك
وفي شهر شعبان وردت الاخبار من ثغر سكندرية بوصول باشا الى الثغر واسمه محمد باشا السلحدار واليا على مصر فنزل الباشا القديم من القلعة الى القصر بشاطىء النيل
وفي أواخر شعبان وصل سلحدار الباشا الجديد بخلعة قائمقامية لابراهيم بك
وفيه وصلت الاخبار بأن سليمان بك وابراهيم بك رجعوا من ناحية البحيرة الى طندتا وجلسوا هناك وأرسلوا جوابات الى الامراء بمصر بذلك وانهم يطلبون أن يعينوا لهم ما يتعيشون به
وفيه أرسلوا خلعة الى عثمان بك الشرقاوى بان يستقر حاكما بجرجا زطلبوا مصطفى بك وسليمان بك أبا نبوت وعثمان بك الاشقر للحضور الى مصر فحضروا واستقر عثمان بك الشرقاوى بجرجا
وفي غرة رمضان هرب سليمان بك الاغا وابراهيم بك الوالي من طندتا وعدوا الى شرقية بلبيس ومروا من خلف الجبل وذهبوا الى جهة الصعيد
(1/568)

رجع علي كتخدا ويحيى كتخدا وسليمان بك الى مصر بالحملة والجمال وبعض مماليك وأجناد
وفي أواخر رمضان هرب أيضا أيوب بك من المنصورة وذهب الى الصعيد أيضا وتواترت الأخبار بأنهم اجتمعوا مع بعضهم واتفقوا على العصيان فأرسلوا لهم محمد كتخدا أباظة واحمد اغا جمليان وطلبوهم الى الصلح ويعينون لهم أماكن يقيمون بها ويرسلون لهم احتياجاتهم فأتوا ذلك فطلبوا عثمان بك الشرقاوى ومصطفى بك للحضور فامتنعا أيضا وقالا لا نحضر ولا نصلح الا ان رجع اخواننا رجعنا معهم ويردون لهم امرياتهم وبلادهم وبيوتهم ويعطلوا من صنجوقه وامروه عوضهم
فلما حضر الجواب بذلك شرعوا في تجهيز تجريدة وأخذوا يفتشون أماكن الامراء المذكورين فأخذوا ما وجدوه بمنزل مصطفى بك واتهموا أناسا بأمانات وودائع لمصطفى بك وعثمان بك الشرقاوى منهم الدالي ابراهيم وغيره فجمعوا بهذه النكتة أموالا كثيرة حقا وباطلا
وفي يوم الخميس عشرين شهر شوال كان خروج المحمل والحجاج وأمير الحاج مصطفى بك الكبير ولما انقضى أمر الحج برزوا للتجريدة وأميرها ابراهيم بك الكبير وجمعوا المراكب وحجزوها من أربابها وعطلوا أسباب التجار والمسافرين وجمعوا الاموال كما تقدم من المصادرات والملتزمين والفلاحين وغير ذلك وكان أمرا مهولا أيضا وبعد أيام وصل الخبر بان ابراهيم بك ضمنهم للصلح واصطلح معهم وانه واصل صحبتهم جميعا
وفي سادس عشر ذى القعدة حضر ابراهيم بك ووصل بعده الجماعة ودخلوا الى مصر وسكنوا في بيوت صغار ما عدا عثمان بك ومصطفى بك فانهم نزلوا في بيوتهم وحضر صحبتهم أيضا علي بك وحسين بك الاسماعيلية فلم يعجب مراد بك ما فعله ابراهيم بك ولكن اسره في نفسه ولم يظهره
(1/569)

وركب للسلام على ابراهيم بك فقط في الخلاء ولم يذهب الى أحد من القادمين وسكن الحال على ذلك أياما وشرع ابراهيم بك في اجراء الصلح وصفاء الخاطر بينهم وبين مراد بك وأمرهم بالذهاب اليه فذهبوا اليه وسلموا عليه ثم ركب هو الآخر اليهم ما عدا الثلاثة المعزولين وكل ذلك وهو ينقل في متاع بيته وتعزيل ما فيه ثم إنه ركب في يوم الجمعة وعدى الى جزيرة الذهب وتبعه كشافه وطوائفه وأرسل الى بولاق واخذ منها الارز والغلة والشعير والبقسماط وغير ذلك فأرسل له ابراهيم بك لاجين بك وسليمان بك أبا نبوت ليردوه عن ذلك فنهرهم وطردهم فرجعوا ثم انه عدى الى ناحية الشرق وذهب الى قبلي وتبعه اغراضه وأتباعه وحملته من البر والبحر
وفي هذه السنة قصر مد النيل وانهبط قبل الصليبة بسرعة فشرقت الاراضي القبلية والبحرية وعزت الغلال بسبب ذلك وبسبب نهب الامراء وانقطاع الوارد من الجهة القبلية وشطح سعر القمح الى عشرة ريالات الاردب واشتد جوع الفقراء
ووصل مراد بك الى بني سويف وأقام هناك وقطع الطريق على المسافرين ونهبوا كل ما مر بهم في المراكب الصاعدة والهابطة
من مات في هذه السنة من الاعيان
توفي الفقيه النبيه العمدة الفاضل حاوى أنواع الفضائل الشيخ أحمد ابن الشيخ الصالح شهاب الدين أحمد بن محمد السجاعي الشافعي الازهري ولد بمصر ونشأ بها وقرأ على والده وعلى كثير من مشايخ الوقت وتصدر للتدريس في حياة أبيه وبعد موته في مواضعه وصار من اعيان العلماء وشارك في كل علم وتميز بالعلوم الغربية ولازم الوالد وأخذ عنه علم الحكمة والهداية وشرحها للقاضي زاده قراءة بحث وتحقيق
(1/570)

والجغميني ولقط الجواهر والمجيب والمقنطر وشرح اشكال التأسيس وغير ذلك وله في تلك الفنون تعاليق ورسائل مفيدة وله براعة في التأليف ومعرفة باللغة وحافظة في الفقه
ومن تأليفه شرح على دلائل الخيرات كالحاشية مفيد وشرح على اسماء الله الحسنى قرظ عليه الشيخ عبد الله الادكاوى رحمه الله تعالى هذا وكان ممن منحه الله أسرارها وأظهر أنوارها فأوضح من معانيها ما خفي ومنح طلابها كنزا يتنافس في مثله انبل الفضلاء وافضل النبلاء احمد الاسم محمود الصفات على الفعل حسن القول والذات نجل العلم العلامة العمدة الفهامة كعبة الافضال وقبلة الاجلال من تقصر عن تعداد محاسنه ولو طولت باعي مولانا الشيخ احمد السجاعي حفظ الله عليه نجله الرشيد واراه منه ما يسر القريب والبعيد وحين لمحت عيني ما كتب مما حقه ان يرقم بدل الحبر بالذهب عوذته بالله من عين كل حسود وعملت انه ان شاء الله تعالى سيسود وتطأ اخمصه اعناق الاسود
وسمع المترجم معنا كثيرا على شيخنا السيد محمد مرتضى من الامالي وعدة مجالس من البخارى وجزء بن شاهد الجيش والعوالي المروية عن احمد عن الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر المسماة بسلسلة الذهب وغير ذلك
ومن فوائد المترجم انه رأى في المنام قائلا يقول له من قال كل يوم يا الله يا جبار يا قهار يا شديد البطش ثلثمائة وستين مرة أمن من الطاعون
توفي ليلة الاثنين سادس عشر صفر من السنة بعد ان تعلل بالاستسقاء وصلي عليه بالغد بالجامع الازهر ودفن عند أبيه بالبستان رحمه الله تعالى
ومات الشيخ الصالح الناسك الصوفي الزاهد سيدي احمد بن علي ابن جميل الجعفرى الجزولي السوسي من ولد جعفر الطيار ولد بالسوس واشتغل بالعلم قليلا على علماء بلاده ثم ورد الى مصر في 1182 فحج ورجع وقرأ معنا على الشيخ الوالد كثيرا من الرياضيات مع مشاركة
(1/571)

سيدى محمد وسيدى أبي بكر ولدى الشيخ التاودى بن سودة حين وردا مع ابيهما في تلك السنة للحج والشيخ سالم القيرواني ثم غلب عليه الجذب فساح وذهب الى الروم مجاهدا وأصيب بجراحات في بدنه وعولج حتى برأ وتعلم اللغة التركية وعرضت عليه الدنيا فلم يقبلها والغالب عليه اخفاء الحال
وورد الى مصر في سنة احدى وتسعين وتزوج بمصر وأقام بها مع كمال العفة والديانة وسلامة الباطن والانجماع عن الناس مع صفاء الخاطر والذوق المتين والميل الى كتب الشيخ الاكبر والشعراني وزيارة القرافتين في كل جمعة على قدميه
أحببت لقاء الله تعالى توفي في ثالث ربيع الاول من السنة ودفن بالقرافة رحمه الله تعالى
ومات العمدة العلامة والحبر الفهامة قدوة المتصدرين ونخبة المفهمين النبيه المتفنن الشيخ محمد بن ابراهيم بن يوسف الهيتمي السجيني الشافعي الازهري الشهير بأبي الارشاد ولد سنة 1154 وحفظ القرآن وتفقه على الشيخ المدابغي والبراوى والشيخ عبدالله السجيني وحضر دروس الشيخ الصعيدي وغيره وأجاز أشياخ العصر وافتى ودرس وتولى مشيخة رواق الشراقوة بالازهر بعد وفاة خاله الشيخ عبدالرؤوف واشتهر ذكره وانتظم في عداد المشايخ المشار اليهم بالازهر وفي الجمعيات والمجالس عند الامراء ونظار الازهر وفي الاخبار وله مؤلفات في الفنون وكتب حاشية على الخطيب على أبي شجاع الا أنها لم تكمل ورسائل في مستصعبات المسائل بالمنهج وصنف رسالة تتعلق بنداء المؤمنين بعضهم بعضا في الجنة
توفي في أواخر القعدة
ومات الامام الهمام العلامة المقدام المتقن المتفنن المفيد الشيخ يوسف الشهير برزة الشافعي الازهرى أحد العلماء المحصلين والاجلاء المفيدين تفقه على الشيخ العلامة الشيخ أحمد رزة واليه انتسب وبه اشتهر وحضر على كل من الشيخ الحفناوى والشيخ أحمد البجرمي والشيخ عيسى
(1/572)

البراوى ودرس الفقه والمعقول بالازهر وأفاد وأفتى وصار في عداد المتصدرين المشار اليهم مع الانجماع والحشمة والكمال والرئاسة وحسن الحال ولم يتداخل كغيره في الامور المخلة
ولم يزل مقبلا على شأنه حتى توفي في عاشر جمادى الاولى من السنة
ومات الشيخ الصالح الورع علي بن عبد الله مولى الامير بشير جلبه مولاه من بلاد الروم وحبب اليه السلوك فلازم الشيخ الحفني ملازمة كلية وأخذ عنه الطريق وحضر دروسه وسمع الصحيح على السيد مرتضى بتمامة في منزله بدرب الميضاة بالصليبة وكذلك مسلم وأبو داود وغير ذلك من الاجزاء الحديثة ومسلسلات بن عقيلة بشروطها وغالبها بقراءة السيد حسين الشيخوني
وكان انسانا حلو المعاشرة كثير التودد لطيف الصحبة مكرما محسنا خيرا له بر وصدقات خفية توفي في يوم الاحد تاسع عشرين رجب بعد ان تعلل بالفتق عن كبر وصلي عليه بسبيل المؤمنين ودفن بالقرب من شيخنا محمود الكردى بالصحراء
وكان منور الوجه والشيبة وعليه جلالة ووقار وهيبة يلوح عليه سيما الصلاح والتقوى رحمه الله تعالى
ومات الشيخ الصالح عيسى بن أحمد القهاوى الوقاد بالمشهد الحسيني وخادم النعال بالموضع المذكور كان رجلا مسنا سخيا بما يملك مطعاما للواردين من الغرباء المنقطعين وأدرك جماعة من الصالحين وكان يحكي لنا عليهم امورا غريبة وله مع الله حال وفي فهم كلام القوم وذوق حسن وللناس فيه اعتقاد عظيم
وفي أخرة أعجزة الهرم والقعود فتوجه الى طندتا في آخر ربيع الثاني ومكث هناك برحاب سيدي احمد البدوى الى أن توفي يوم الاربعاء ثاني عشر جمادى الثانية ودفن عند مقام الولي الصالح سيدي عز الدين خارج البلد في موضع كان أعده السيد محمد مجاهد لنفسه فلم يتفق دفنه فيه
(1/573)

ومات العلامة الفاضل المحدث الصوفي الشيخ أحمد بن أحمد بن احمد ابن جمعة البجيرمي الشافعي قرأ على أبيه وحضر درس العشماوى والعزيزى والجوهرى والشيخ أحمد سابق والحفني وآخرون ودرس واكب على اقراء الحديث وألف في الفن وانتفع به الناس وكان يسكن في خانقاه سعيد السعداء مع سكون الاخلاق والانجماع عن الناس وملازمة محله ولا زال يفيد ويسمع حتى وافاه الحمام في يوم الجمعة ثاني رمضان وكانت جنازته خفيفة لاشتغال الناس بالصيام وكان يخبر عن والده ان جنازته كانت خفيفة رحمه الله
ومات الفاضل المبجل سيدى عيسى جلبي بن محمود بن عثمان ابن مرتضى القفطانجي الحنفي المصرى ولد بمصر ونشأ صالحا في عفاف وصلاح وديانة وملازمة لحضور دروس الاشياخ وتفقه على فضلاء وقته مثل الشيخ الوالد والشيخ حسن المقدسي وأخذ العربية والكلام عن الشيخ محمد الامير والشيخ أحمد البيلي وغيرهما واقتنى كتبا نفيسة وكان منزله موردا للفضلاء وكان يعزم عليهم ويعمل لهم الضيافات في كل عام ببستان خارج مصر يعرف ببستان القفطانجي ورثه عن آبائه وكان نعم الرجل مودة وصيانة رحمه الله تعالى وسامحه
سنة ثمان وتسعين ومائة والف
فيها في المحرم سافر مراد بك الى منية بن خصيب مغضبا وجلس هناك
وفيه حضر الى مصر محمد باشا والي مصر فأنزلوه بقصر عبد الرحمن كتخدا بشاطىء النيل فأقام به يومين ثم عملوا له موكبا وطلع الى القلعة من تحت الربع على الدرب الأحمر
وفي منتصفه اتفق رأى ابراهيم بك والامراء الذين معه على ارسال محمد افندى البكرى والشيخ أبي الانوار شيخ السادات والشيخ أحمد
(1/574)

العروسي شيخ الازهر الى مراد بك ليأخذوا خاطره ويطلبوه للصلح مع خشداشينه ويرجع اليهم ويقبلوا شروطه ما عدا اخراج احد من خشداشينهم
فلما سافروا اليه وواجهوه وكلموه في الصلح تعلل باعذار واخبر انه لم يخرج من مصر الا هروبا خوفا على نفسه فانه تحقق عنده توافقهم على غدره فان ضمنتهم وحلفتم لي بالايمان انه لا يحصل لي منهم ضرر وافقتكم على الصلح والا فدعوني بعيدا عنهم
فقالوا له لسنا نطلع على القلوب حتى نحلف ونضمن ولكن الذى نظنه ونعتقده عدم وقوع ذلك بينكم لانكم اخوة ومقصودنا الراحة فيكم وبراحتكم ترتاح الناس وتأمن السبل فأظهر الامتثال ووعد بالحضور بعد ايام وقال لهم اذا وصلتم الى بني سويف ترسلون لي عثمان بك الشرقاوى وأيوب بك الدفتردار لاشترط عليهم شروطي فان قبلوها توجهت معهم والا عرفت خلاصي معهم
وانفصلوا عنه على ذلك وودعوه وسافروا وحضروا الى مصر في ليلة الجمعة ثالث عشرين شهر صفر
وفي ذلك اليوم وصل الحجاج الى مصر ودخل أمير الحج مصطفى بك بالمحمل في يوم الاحد
وفي يوم السبت مستهل ربيع الاول خرج الامراء الى ناحية معادي الخبير وحضر مراد بك الى بر الجيزة وصحبته جمع كبير من الغز والاجناد والعربان والغوغاء من أهل الصعيد والهوارة ونصبوا خيامهم ووطاقهم قبالتهم في البر الآخر فأرسل اليه ابراهيم بك عبد الرحمن بك عثمان وسليمان بك الشابورى وآخرين في مركب فلما عدوا اليه لم يأذن لهم في مقابلته وطردهم ونزل ايضا كتخدا الباشا وصحبته اسمعيل افندى الخلوتي في مراكب أخرى ليتوجهوا اليه ايضا لجريان الصلح فلما توسطوا البحر ووافق رجوع الاولين ضربوا عليهم بالمدافع فكادت تغرق بهم السفن ورجعوا وهم لا يصدقون بالنجاة
فلما رأى ذلك ابراهيم بك ونظر امتناعه
(1/575)

عن الصلح وضربه بالمدافع امر هو الآخر بضرب المدافع عليهم نظير فعالهم
وكثر الرمي بينهم من الجهتين على بعضهم البعض وامتنع كل من الفريقين عن التعدية الى الجهة الاخرى وحجزوا المعادى من الطرفين
واستمر الحال بينهم على ذلك من أول الشهر الى عشرين منه واشتد الكرب والضنك على الناس وأهل البلاد وانقطعت الطرق القبلية والبحرية برا وبحرا وكثر تعدى المفسدين وغلت الاسعار وشح وجود الغلال وزادت أسعارها
وفي تلك المدة كثر عبث المفسدين وأفحش جماعة مراد بك في النهب والسلب في بر الجيزة وأكلوا الزروعات ولم يتركوا على وجه الارض عودا اخضر وعين لقبض الاموال من الجهات وغرامات الفلاحبن وظن الناس حصول الظفر لمراد بك واشتد خوف الامراء بمصر منه
وتحدث الناس بعزم ابراهيم بك على الهروب فلما كان ليلة الخميس المذكور أرسل ابراهيم بك المذكور خمسة من الصناجق وهم سليمان بك الاغا وسليمان ابو نبوت وعثمان بك الاشقر وابراهيم بك الوالى وايوب بك فعدوا الى البر الآخر بالقرب من أنبابه ليلا وساروا مشاة فصادفوا طابورا فضربوا عليهم بالبندق فانهزموا منهم وملكوا مكانهم وذلك بالقرب من بولاق التكرور كل ذلك والرمى بالمدافع متصل من عرضى ابراهيم بك ثم عدى خلفهم جماعة اخرى ومعهم مدفعان وتقدموا قليلا من عرضى مراد بك وضربوا على العرضى بالمدفعين فلم يجبهم احدا فباتوا على ذلك وهم على غاية من الحذر والخوف
وتتابع بهم طوائفهم وخيولهم فلما ظهر نور النهار نظروا فوجدوا العرضى خاليا وليس بة احد وارتحل مراد بك ليلا وترك بعض اثقالة ومدافعة فذهبوا الى العرضى وأخذوا ما وجدوه وجلسوا مكانة ونهب اوباشة المراكب التى كانت محجوزة للناس
وعدى ابراهيم بك وتتابعوا فى التعدية وركبوا خلفهم الى الشيمى فلم يجدوا احدا فأقاموا هناك السبت والاثنين والثلاثاء ورجع ابراهيم بك
(1/576)

وبقية الامراء الى مصر ودخلوا بيوتهم
وانقضت هذة الفتنة الكذابة على غير طائل ولم يقع بينهم مصاف ولا مقاتلة وهرب مراد بك وذهب بمن معة يهلكون الزرع حصادا ويسعون فى الارض فسادا
وفي أواخر شهر جمادى الاولى اتفق رأى ابراهيم بك على طلب الصلح مع مراد بك فسافر لذلك لاجين بك وعلي أغا كتخدا جاووجان وسبب ذلك ان عثمان بك الشرقاوى وأيوب بك ومصطفى بك وسليمان بك وابراهيم بك الوالي تحزبوا مع بعضهم واخذوا ينقضون على ابراهيم بك الكبير واستخفوا بشأنه وقعدوا له كل مرصد وتخيل منهم وتحزر وجرت مشاجرة بين أيوب بك أغا كتخدا جاوجان بحضرة ابراهيم بك وسبه وشتمه وأمسك عمامته وحل قولانه وقال له ليس هذا المنصب مخلدا عليك فاغتاظ ابراهيم بك لذلك وكتمه في نفسه وعز عليه علي أغا لانه كان بينه وبينه محبة أكيدة ولا يقدر على فراقه فشرع في اجراء الصلح بينه وبين مراد بك فاجتمع اليه الامراء وتكلموا معه فقال نصطلح مع أخينا أولى من التشاحن ونزيل الغل بيننا لاجل راحتنا وراحة الناس ويكون كواحد منا وان حصل منه خلل أكون انا وأنتم عليه
وتحالفوا على ذلك وسافر لاجين بك وعلي أغا وبعد أيام حضر حسن كتخدا الجريان كتخدا مراد بك الى مصر واجتمع بابراهيم بك ورجع ثانيا وارسل ابراهيم بك صحبته ولده مرزوق بك طفلا ومعه الدادة والمرضعة فلما وصلوا الى مراد بك أجاب بالصلح وقدم لمرزوق بك هدية وتقادم ومن جملتها بقرة ولابنتها رأسان
وفي عاشر رجب حضر مرزوق بك وصحبته حسن كتخدا الجريان فأوصله الى أبيه ورجع ثانيا الى مراد بك وشاع الخبر بقدوم مراد بك وعمل مصطفى بك وليمة وعزم من بصحبته واحضر لهم آلات الطرب واستمروا على ذلك الى آخر النهار
(1/577)

وفي ثاني يوم اجتمعوا عند ابراهيم بك وقالوا له كيف يكون قدوم مراد بك ولعله لا يستقيم حاله معنا فقال لهم حتى يأتي فان استقام معنا فيها والا اكون انا وأنتم عليه
فتحالفوا وتعاهدوا واكدوا المواثيق
فلما كان يوم الجمعة وصل مراد بك الى غمازة فركب ابراهيم بك على حين غفلة وقت القائلة في جماعته وطائفته وخرج الى ناحية البساتين ورجع من الليل وطلع الى القلعة وملك الابواب ومدرسة السلطان حسن والرميلة والصليبة والتبانة وأرسل الى الأمراء الخمسة يأمرهم بالخروج من مصر وعين لهم اماكن يذهبون اليها فمنهم من يذهب الى دمياط ومنهم من يذهب الى المنصورة وفارسكور فامتنعوا من الخروج واتفقوا على الكرنكة والخلاف ثم لم يجدوا لهم خلاصا بسبب ان ابراهيم بك ملك القلعة وجهاتها ومراد بك واصل يوم تاريخه وصحبته السواد الاعظم من العساكر والعربان ثم انهم ركبوا وخرجوا بجمعيتهم الى ناحية القليوبية ووصل مراد بك لزيارة الامام الشافعي فعندما بلغه خبر خروجهم ذهب من فوره من خلف القلعة ونزل على الصحراء واسرع في السير حتى وصل الى قناطر ابي المنجا ونزل هناك وارسل خلفهم جماعة فلحقوهم عند شبرا شهاب وادركهم مراد بك والتطموا معهم فتقنطر مراد بك بفرسه فلحقوه واركبوه غيره فعند ذلك ولى راجعا وانجرح بينهم جماعة قلائل واصيب سليمان بك برصاصة نفذت من كتفه ولم يمت ورجع مراد بك ومن معه الى مصر على غير طائل وذهب الامراء الخمسة المذكورون وعدوا على وردان وكان بصحبتهم رجل من كبار العرب يقال له طرهونة يدلهم على الطريق الموصلة الى جهة قبلي فسار بهم في طريق مقفرة ليس بها ماء ولا حشيش يوما وليلة حتى كادوا يهلكون من العطش وتأخر عنهم اناس من طوائفهم وانقطعوا عنهم شيئا فشيئا الى ان وصلوا الى ناحية سقارة فرأوا أنفسهم بالقرب من الاهرام فضاق خناقهم وظنوا الوقوع
(1/578)

فأحضروا الهجن وارادوا الركوب عليها والهروب ويتركوا اثقالهم فقامت عليهم طوائفهم وقالوا لهم كيف تذهبون وتتركونا مشتتين
وصار كل من قدر على خطف شيء أخذه وهرب فسكنوا عن الركوب وانتقلوا من مكانهم الى مكان آخر
وفي وقت الكبكبة ركب مملوك من مماليكهم وحضر الى مراد بك وكان بالروضة فاعلمه الخبر فأرسل جماعة الى الموضع الذى ذكره له فلم يجدوا أحدا فرجعوا واغتم اهل مصر لذهابهم الى جهة قبلي لما يترتب على ذلك من التعب وقطع الجالب مع وجود القحط والغلاء
وبات الناس في غم شديد
فلما طلع نهار يوم الاربعاء حادى عشرين رجب شاع الخبر بالقبض عليهم وكان من أمرهم انهم لما وصلوا الى ناحية الاهرام ووجدوا أنفسهم مقابلين البلد أحضروا الدليل وقالوا له انظر لنا طريقا تسلك منه فركب لينظر في الطريق وذهب الى مراد بك وأخبره بمكانهم فأرسل لهم جماعة فلما نظروهم مقبلين عليهم ركبوا الهجن وتركوا اثقالهم وولوا هاربين وكانوا كمنوا لهم كمينا فخرج عليهم ذلك الكمين ومسكوا بزمامهم من غير رفع سلاح ولا قتال وحضروا بهم الى مراد بك بجزيرة الذهب فباتوا عنده ولما أصبح النهار أحضر لهم مراد بك مراكب وأنزل كل امير في مركب وصحبته خمسة مماليك وبعض خدام وسافروا الى جهة بحرى فذهبوا بعثمان بك وأيوب بك الى المنصورة ومصطفى بك الى فارسكور وابراهيم بك الوالي الى طندتا واما سليمان بك فاستمر ببولاق التكرور حتى برأ جرحه
وفي منتصف شهر رمضان اتفق الامراء المنفيون على الرهوب الى قبلي فأرسلوا الى ابراهيم بك الوالي ليأتي اليهم من طندتا وكذلك الى مصطفى بك من فارسكور وتواعدوا على يوم معلوم بينهم فحضر ابراهيم بك الى عثمان بك وايوب بك خفية في المنصورة وأما مصطفى بك فإنه نزل في المراكب وعدى الى البر الشرقي بعد الغروب وركب
(1/579)

وسافر فركب خلفه رجل يسمى طه شيخ فارسكور وكان بينه وبين مصطفى بك خرازة وأخذ صحبته رجلا يسمى الاشقر في نحو ثلثمائة فارس وعدوا خلفه فلحقوه آخر الليل والطريق ضيقة بين البحر والارز المزروع فلم يمكنهم الهروب ولا القتال
فأراد الصنجق ان يذهب بمفرده فدخل في الارز بفرسه فانغرز في الطين فقبضوا عليه هو وجماعته فعروهم وأخذوا ما كان معهم وساقوهم مشاة الى البحر وانزلوهم المراكب وردوهم الى مكانهم محتفظين عليهم
وارسلوا الخبر الى مصر بذلك
واما الجماعة الذين في المنصورة فانهم انتظروا مصطفى بك في الميعاد فلم يأتهم ووصلهم الخبر بما وقع له فركب عثمان بك وابراهيم بك وساروا وتخلف ايوب بك المنصورة فلما قربوا من مصر سبقتهم الرسل الى سليمان بك فركب من الجيزة وذهب اليهما وذهبوا الى قبلي وارسل مراد بك محمد كاشف الالفي وايوب كاشف فأخذا مصطفى بك من فارسكور وتوجها به الى ثغر سكندرية وسجنوه بالبرج الكبير
وعرف من اجل ذلك بالاسكندراني
واحضروا ايوب بك الى مصر واسكنوه في بيت صغير وبعد ايام ردوه الى بيته الكبير وردوا له الصنجقية ايضا في منتصف شوال
وفي يوم الاثنين سادس شهر شوال الموافق التاسع عشر مسرى القبطي كان وفاء النيل المبارك ونزل الباشا يوم الثلاثاء في عربة وكسر السد على العادة
وفي يوم الاثنين حادى عشرين شوال كان خروج المحمل صحبة امير الحاج مصطفى بك الكبير في موكب حقير جدا بالنسبة للمواكب المتقدمة ثم ذهب الى البركة في يوم الخميس وقد كان تأخر له مبلغ من مال الصرة وخلافها فطلب ذلك من ابراهيم بك فأحاله على مراد بك من الميرى الذى طرفه وطرف اتباعه واحال عليه امير الحاج وركب من البركة راجعا الى مصر وتركه واياه فلم يسع مراد بك الا الدفع وتشهيل الحج وعاد الى مصر
(1/580)

وخرج الى قصره بالروضة وارسل الى الجماعة الذين بالوجه القبلي فلما علم ابراهيم بك بذلك ارسل اليه يستعطفه وترددت بينهما الرسل من العصر الى بعد العشاء ونظر ابراهيم بك فلم يجد عنده احدا من خشداشينه
واجتمه واكلهم على مراد بك فضاق صدره وركب الى الرميلة فوقف بها ساعة حتى أرسل الحملة صحبة عثمان بك الأشقر وعلي بك أباظة وصبر حتى ساروا وتقدموا عليه مسافة ثم سار نحو الجبل وذهب الى قبلي وصحبته علي اغا كتخدا الجاويشية وعلي أغا مستحفظان والمحتسب وصناجقه الاربعة فلما بلغ مراد بك ركوبه وذهابه ركب خلفهم حصة من الليل ثم رجع الى مصر واصبح منفردا بها وقلد قائد اغا اغات مستحفظان وصالح اغا الوالي القديم وجعله كتخدا الجاويشية وحسن اغا كتخدا ومصطفى بك محتسب وأرسل الى محمد كاشف الالفي ليحضر مصطفى بك من محبسه بثغر اسكندرية ونادى بالامان في البلد وزيادة وزن الخبز وأمر باخراج الغلال المخزونة لتباع على الناس
وفي ليلة الثلاثاء خامس القعدة حضر مصطفى بك ونزل في بيته اميرا وصنجقا على عادته كما كان
وفيه قلد مراد بك مملوكه محمد كاشف الألفي صنجقا مصطفى كاشف وصنجقا الاخميمي صنجقا أيضا
وفي يوم الاحد سابع عشر القعدة حضر عثمان بك الشرقاوى وسليمان بك الاغا وابراهيم بك الوالي وسليمان بك أبو نبوت وكان مراد بك أرسل يستدعيهم كما تقدم
فلما حضروا الى مصر سكنوا بيوتهم كما كانوا على امارتهم
وفي اواخره وصل واحد أغا من الدولة وبيده مقرر للباشا على السنة الجديدة فطلب الباشا الامراء لقراءاته عليهم فلم يطلع منهم أحد واهمل ذلك مراد بك ولم يلتفت اليه
(1/581)

وفي يوم الجمعة رابع عشر الحجة رسم مراد بك بنفي رضوان بك قرابة علي بك الكبير الذى كان خامر على اسمعيل بك وحسن بك الجداوى وحضر مصر صحبة مراد بك كما تقدم وانضم اليه وصار من خاصته فلما خرج ابراهيم بك من مصر اشيع انه يريد صلحه مع اسمعيل بك وحسن بك بك فصار رضوان بك كالجملة المعترضة فرسم مراد بك بنفيه فسافر من ليلته الى الاسكندرية
وفي يوم السبت خامس عشرة أرسل مراد بك الى الباشا وأمره بالنزول فأنزلوه الى قصر العيني معزولا وتولى مراد بك قائم مقام وعلق الستور على بابه فكانت ولاية هذا الباشا احد عشر شهرا سوى الخمسة أشهر التي أقامها بثغر سكندرية وكانت أيامه كلها شدائد ومحنا وغلاء
وفي أواخر شهر الحجة شرع مراد بك في اجراء الصلح بينه وبين ابراهيم بك فأرسل له سليمان بك الاغا والشيخ أحمد الدردير ومرزوق بك ولده فتهيأوا وسافروا في يوم السبت ثامن عشرينه
وانقضت هذه السنة كالتي قبلها في الشدة والغلاء وقصور النيل والفتن المستمرة وتواتر المصادرات والمظالم من الامراء وانتشار أتباعهم في النواحي لجبي الاموال من القرى والبلدان واحداث أنواع المظالم ويسمونها مال الجهات ودفع المظالم والفردة حتى أهلكوا الفلاحين وضاق ذرعهم واشتد كربهم وطفشوا من بلادهم فحولوا الطلب على الملتزمين وبعثوا لهم المعينين في بيوتهم فاحتاج مساتير الناس لبيع أمتعتهم ودورهم ومواشيهم بسبب ذلك مع ما هم فيه من المصادرات الخارجة عن ذلك وتتبع من يشم فيه رائحة الغنى فيؤخذ ويحبس ويكلف بطلب اضعاف ما يقدر عليه وتوالى طلب السلف من تجار البن والبهار عن المكوسات المستقيلة
ولما تحقق التجار عدم الرد استعوضوا خساراتهم من زيادة الاسعار ثم مدوا أيديهم الى المواريث فاذا مات الميت أحاطوا بموجوده
(1/582)

سواء كان له وارث أولا
وصار بيت المال من جملة المناصب التي يتولاها شرار الناس بجملة من المال يقوم بدفعه في كل شهر ولا يعارض فيما يفعل في الجزئيات وأما الكليات فيختص بها الامير
فحل بالناس مالا يوصف من أنواع البلاء الا من تداركه الله برحمته او اختلس شيئا من حقه فان اشتهروا عليه عوقب على استخراجه
وفسدت النيات وتغيرت القلوب ونفرت الطباع وكثر الحسد والحقد في الناس لبعضهم البعض فيتتبع الشخص عورات اخيه ويدلي به الى الظلم حتى خرب الاقليم وانقطعت الطرق وعربدت أولاد الحرام وفقد الامن ومنعت السبل الا بالخفارة وركوب الغرر وجلت الفلاحون من بلادهم من الشراقي والظلم وانتشروا في المدينة بنسائهم وأولادهم يصيحون من الجوع ويأكلون ما يتساقط في الطرقات من قشور البطيخ وغيره فلا يجد الزبال شيئا يكنسه من ذلك واشتد بهم الحال حتى أكلوا الميتات من الخيل والحمير والجمال فاذا خرج حمار ميت تزاحموا عليه وقطعوه وأخذوه ومنهم من يأكله نيئا من شدة الجوع ومات الكثير من الفقراء بالجوع
هذا والغلاء مستمر والاسعار في الشدة وعز الدرهم والدينار من أيدى الناس وقل التعامل الا فيما يؤكل وصار سمر الناس وحديثهم في المجالس ذكر المآكل والقمح والسمن ونحو ذلك لاغير ولولا لطف الله تعالى ومجيء الغلال من نواحي الشام والروم لهلكت أهل مصر من الجوع
وبلغ الاردب من القمح ألفا وثلثمائة نصف فضة والفول والشعير قريبا من ذلك وأما بقية الحبوب والابزار فقل ان توجد
واستمر ساحل الغلة خاليا من الغلال بطول السنة والشون كذلك مقفولة وارزاق الناس وعلائفهم مقطوعة وضاع الناس بين صلحهم وغبنهم وخروج طائفة ورجوع الاخرى ومن خرج الى جهة قبض أموالها وغلالها
وإذا سئل المستقر في شيء تعلل بما ذكر
ومحصل هذه الافاعيل بحسب الظن الغالب انها حيل على سلب الاموال والبلاد
(1/583)

وفخاخ ينصبونها ليصيدوا بها اسمعيل بك
وفي أواخره وصلت مكاتبة من الديار الحجازية عن الشريف سرور ووكلاء التجار خطابا للامراء والعلماء بسبب منع غلال الحرمين وغلال المتجر وحضور المراكب مصبرة بالاتربة والشكوى من زيادة المكوسات عن الحد فلما حضرت قرىء بعضها وتغوفل عنها وبقي الامر على ذلك
رجع لخبر العجلة التي لها رأسان
وهو انه لما أرسل ابراهيم بك ولده مرزوق بك غلاما صغيرا لمصالحة الامير مراد بك واعطاه هدية ومن جملتها بقرة وخلفها عجلة برأسين وحضر بهما الى مصر وشاع خبرها فذهبت بصحبة أخينا وصديقنا مولانا السيد اسمعيل الوهبي الشهير بالخشاب فوصلنا الى بيت ام مرزوق بك الذى بحارة عابدين ودخلنا الى اسطبل مع بعض السواس فرأينا بقرة مصفرة اللون مبياض وابنتها خلفها سوداء ولها رأسان كاملتا الاعضاء وهي تأكل بفم احدى الرأسين وتشتر بفم الرأس الثانية فتعجبنا من عجيب صنع الله وبديع خلقته فكانت من العجائب الغريبة المؤرخة
من مات في هذه السنة من أعيان الناس
مات الشيخ الفقيه الصالح المشارك الشيخ درويش بن محمد بن محمد ابن عبد السلام البوتيجي الحنفي نزيل مصر حضر دروس كل من الشيخ محمد ابي السعود والشيخ سليمان المنصورى والشيخ محمد الدلجي وغيرهم وتميز في معرفة فروع الفقه وافتى ودرس وكان انسانا حسنا لا بأس به توفي في هذه السنة
ومات العمدة العلامة والرحلة الفهامة المفوه المتكلم المتفقه النحوى الاصولي الشيخ عبد الله بن أحمد المعروف باللبان الشافعي الازهرى احد
(1/584)

المتصدرين في العلماء الازهرية حضر أشياخ الوقت كالملوى والجوهري والحفني والصعيدي والعشماوي والدفرى وتمهر في الفقه والمعقول وقرأ الدروس وختم الختوم وتنزل اياما عند الامير ابراهيم كتخذا القازدغلي واشتهر ذكره في الناس وعند الامراء بسبب ذلك وتحمل حاله وكان فصيحا ملسانا مفوها يخشى من سلاطة لسانه في المجالس العلمية والعرفية
وسافر مرة الى اسلامبول في بعض الارساليات وذلك سنة ست وثمانين عندما خرج علي بك من مصر ودخل محمد بك وكان بصحبة أحمد باشجاويش أرنؤد
ومات الامام العلامة الشيخ عبد الرحمن جاد الله البناني المغربي وبنانه قرية من قرى منستير بافريقية ورد الى مصر وجاور بالجامع الازهر وحضر دروس الشيخ الصعيدي والشيخ يوسف الحفني والسيد محمد البليدى وغيرهم من أشياخ العصر ومهر في المعقول وألف حاشية على جمع الجوامع اختصر فيها سياق بن قاسم وانتفع بها الطلبة ودرس برواق المغاربة وأخذ الحديث عن الشيخ أحمد الاسكندرى وغيره وتولى مشيخة رواقهم مرارا بعد عزل السيد قاسم التونسي وبعد عزل الشيخ أبي الحسن القلعي فسار فيها سيرا حسنا
ولم يتزوج حتى مات
ومن آثاره ما كتبه على المقامة التصحيفية للشيخ عبد الله الادكاوى
ولم يزل مواظبا على التدريس ونفع الطلبة حتى تعلل أياما وتوفي ليلة الثلاثاء ختام شهر صفر
ومات الشيخ الفاضل العلامة عبد الرحمن بن حسن بن عمر الاجهورى المالكي المقرى سبط القطب الخضيرى أخذ علم الاداء عن كل من الشيخ محمد بن علي السراجي اجازة في سنة 1156 وعن الشيخ عبد ربه ابن محمد السجاعي اجازة في سنة أربع وخمسين وعن شمس الدين السجاعي فس سنة ثلاث وخمسين وعن عبد الله بن محمد بن يوسف القسطنطيني جود عليه الى قوله المفلحون بطريقة الشاطبية والتيسير بقلعة الجبل حين
(1/585)

ورد مصر حاجا في سنة ثلاث وخمسين وعلى الشيخ أحمد بن السماح البقرى والشهاب الاسقاطي وآخرين وأخذ العلوم عن الشبراوى والعماوى والسجيني والشهاب النفراوى وعبد الوهاب الطندتاوى والشمس الحفني وأخيه الشيخ يوسف والشيخ الملوى وسمع الحديث من الشيخ محمد الدفرى والشيخ أحمد الاسكندراني ومحمد بن محمد الدقاق واجازه الجوهرى في الاحزاب الشاذلية وكذا يوسف بن ناصر واجازه السيد مصطفى البكرى في الخلوتية والاوراد السرية ودخل الشام فسمع الاولية على الشيخ اسمعيل العجلوني وسمع عليه الحديث وأخذ فن القراءات على الشيخ مصطفى الخليجي ومكث هناك مدة ودخل حلب فسمع من جماعة وعاد الى مصر فحضر على السيد البليدى في تفسير البيضاوى بالازهر وبالاشرفية وكان السيد يعتني به ويعرف مقامه
وله سليقة تامة في الشعر وله مؤلفات منها الملتاذ في الاربعة الشواذ ورسالة في وصف أعضاء المحجوب نظما ونثرا وشرح تشنيف السمع ببعض لطائف الوضع للشيخ العيدروس شرحين كاملين قرظ عليهما علماء عصره
ولا زال يملي ويفيد ويدرس ويجيد ودرس بالازهر مدة في أنواع الفنون واتقن العربية والاصول والقراءات وشارك في غيرها وعين للتدريس في السنانية ببولاق فكان يقرأ فيها الجامع الصغير ويكتب على أطراف النسخة من تقاريره المبتكرة ما لو جمع لكان شرحا حسنا
وتوفي المترجم رحمه الله تعالى في سابع عشرين رجب
ومات الاجل المبجل والعمدة المفضل الحسيب النسيب السيد محمد ابن احمد بن عبد اللطيف بن محمد بن تاج العارفين بن أحمد بن عمر ابن أبي بكر بن محمد بن أحمد بن علي بن حسين بن محمد بن شرشيق بن محمد ابن عبد العزيز بن عبد القادر الحسيني الجيلي المصرى ويعرف بأبن بنت الجيزى من بيت العز والسيادة والكرامة والمجادة جدهم تاج العارفين
(1/586)

تولى الكتابة بباب النقابة ولا زالت في ولده مضافة لمشيخة السادة القادرية ومنزلهم بالسبع قاعات ظاهر الموسكي مشهور بالثروة والعز وكان المترجم اشتغل بالعلم حتى أدرك منه حظا وافرا وصار له ملكة يقتدر بها على استحضار النكات والمسائل والفروع وكان ذا وجاهة وهيبة واحتشام وانجماع عن الناس ولهم منزل ببركة جناق يذهبون اليه في ايام النيل وبعض الاحيان للنزاهة توفي رحمه الله تعالى في هذه السنة وتولى منصبه أخوه السيد عبد الخالق
ومات السيد الفاضل السالك على بن عمر بن محمد بن علي بن احمد ابن عبد الله بن حسن بن احمد بن يوسف بن ابراهيم بن احمد ابن ابي بكر بن سليمان بن يعقوب بن محمد بن القطب سيدى عبد الرحيم القناوى الشريف الحسيني ولد بقنا وقدم مصر وتلقن الطريقة عن الاستاذ الحفني ثم حبب اليه السياحة فورد الحرمين وركب من جدة الى سورت ومنها الى البصرة وبغداد وزار من بهما من المشاهد الكرام ثم دخل المشهد فزار امير المؤنين علي بن ابي طالب رضي الله عنه ثم دخل جراسان ومنها الى غزنين وكابل وقندهار واجتمع بالسلطان احمد شاه فأكرمه واجزل له العطاء ثم عاد الى الحرمين وركب من هناك الى بحر سيلان فوصل الى بنارس واجتمع بسلطانها وذهب الى بلاد جاوة ثم رجع الى الحرمين ثم سار الى اليمن ودخل صنعاء واجتمع بأمامها ودخل زبيد واجتمع بمشايخها واخذ عنهم واستأنسوا به وصار يعقد لهم حلق الذكر على طريقته وأكرموه ثم عاد الى الحرمين ثم الى مصر وذلك سنة اثنتين وثمانين وكانت مدة غيبته نحو عشرين سنة
ثم توجه في آخر هذه السنة الى الصعيد واجتمع بشيخ العرب همام رحمه الله تعالى فأكرمه اكراما زائدا ودخل قنا فزار جده ووصل رحمة ومكث هناك شهورا ثم رجع الى مصر وتوجه الى الحرمين من
(1/587)

القلزم وسافر الى اليمن وطلع الى صنعاء ثم عاد الى كوكبان وكان امامها اذ ذاك العلامة السيد ابراهيم بن احمد الحسيني وانتظم حاله وراج أمره وشاع ذكره وتلقن منه الطريقة جماعة من أهل زبيد واستمال بحسن مذاكرته ومداراته طائغة من الزيدية ببلدة تسمى زمرمر
وهي بلدة باليمن بالجبال وهم لا يعرفون الذكر ولا يقولون بطرق الصوفية فلم يزل بهم حتى أحبوه واقام حلقة الذكر عندهم وأكرموه ثم رجع من هناك الى جدة وركب من القلزم الى السويس
ووصل مصر سنة اربع وتسعين فنزل بالجمالية فذهبت اليه بصحبته شيخنا السيد مرتضى وسلمنا عليه وكنت أسمع به ولم أره قبل ذلك اليوم فرأيت منه كمال المودة وحسن المعاشرة وتمام المروءة وطيب المفاكهة وسمعت منه أخبار رحلته الاخيرة وترددنا عليه وتردد علينا كثيرا وكان ينزل في بعض الاحيان الى بولاق ويقيم أياما بزاوية علي بك يصحبة العلامة الشيخ مصطفى الصاوى والشيخ بدوى الهيتمي وحضر الى منزلي ببولاق مرارا باستدعاء وبدون استدعاء ثم تزوج بمصر واتى اليه ولده السيد مصطفى من البلاد زائرا وما زال على حاله في عبادة وحسن توجه الى الله مع طيب معاشرة وملازمة الاذكار صحبة العلماء الاخيار حتى تمرض بعلة الاستسقاء مدة حتى توفي ليلة الثلاثاء غرة جمادى الاولى من السنة وصلي عليه بالازهر ودفن بالقرافة بين يدى شيخه الحفني
وكان ابنه غائبا فحضر بعد مدة من موته فلم يحصل من ميراثه الا شيئا نزرا وذهب ما جمعه في سفر الله حيث ذهب
ومات الوجيه النبيل والجيلي الاصيل السيد حسين باشيجاويش الاشراف بن ابراهيم كتخدا تفكجيان بن مصطفى افندى الخطاط كان انسانا حسنا جامعا للفضائل واللطف والمزايا واقتنى كتبا كثيرة في الفنون وخصوصا في التاريخ وكان مألوف الطباع ودودا شريف النفس
(1/588)

مهذب الاخلاق فلم يخلف بعده مثله رحمه الله تعالى
ومات الامير محمد كتخدا أباظة وأصله من مماليك محمد جربجي الصابونجي ولما مات سيده كما تقدم تركه صغيرا فخدم ببيتهم ثم عند حسين بك المقتول ولم يزل ينمو ويترقى في الخدم حتى تقلد كتخدائية محمد بك أبي الذهب فسار فيها بشهامة وصرامة ولم يزل مبجلا بعده في أيام مماليكه معدودا من الامراء وله عزوة مماليك واتباع حتى تعلل ومات في هذه السنة
ومات التاجر الخير الصدوق الصالح الحاج عمر بن عبد الوهاب الطرابلسي الاصل الدمياطي سكن دمياط مدة وهو يتجر واختص بالشيخ الحفني فكان يأتي اليه في كل عام يزوره ويراسله بالهدايا ويكرم من يأتي من طرفه وكان منزله مأوى الوافدين من كل جهة ويقوم بواجب اكرامهم وكان من عادته انه لا يأكل مع الضيوف قط انما يخدم عليهم ما داموا يأكلون ثم يأكل مع الخدم وهذا من كمال التواضع والمروءة
واذا قرب شهر رمضان وفد عليه كثير من مجاورى رواق الشوام بالازهر وغيره فيقيمون عنده حتى ينقضي شهر الصوم في الاكرام ثم يصلهم بعد ذلك بنفقة وكساوى ويعودون من عنده مجبورين
وفي سنة ثلاث وثمانين حصلت له قضية مع بعض اهل الذمة التجار بالثغر فتطاول عليه الذمي وسبه فحضر الى مصر وأخبر الشيخ الحفني فكتبوا له سؤالا في فتوى وكتب عليه الشيخ جوابا وأرسله الى الشيخ الوالد فكتب عليه جوابا وأطنب فيه ونقل من الفتاوى الخيرية جوابا عن سؤال رفع للشيخ خير الدين الرملي في مثل هذه الحادثة بحرق الذمي ونحو ذلك وحضر ذلك النصراني في اثر حضور الحاج عمر خوفا على نفسه وكان اذ ذاك شوكة الاسلام قوية فأشتغل مع جماعة الشيخ بمعونة كبار النصارى بمصر بعد ان تحققوا حصول الانتقام وفتنوهم بالمال فأدخلوا على
(1/589)

الشيخ شكوكا وسبكوا الدعوى في قالب آخر وذلك انه لم يسبه بالالفاظ التي ادعاها الحاج عمر وانه بعد التسابب صالحه وسامحه وغيروا صورة السؤال الاول بذلك واحضروه الى الوالد فامتنع من الكتابة عليه فعاد به الشيخ حسن الكفراوى فحلف لا يكتب عليه ثانيا ابدا وتغير خاطر الحاج عمر من طرف الشيخ واختل اعتقاده فيه وسافر الى دمياط ولم يبلغ قصده من النصراني ومات الشيخ بعد هذه الحادثة بقليل
وانتهت رياسة مصر الى علي بك وارتفع شأن النصارى في ايامه بكاتبه المعلم رزق والمعلم ابراهيم الجوهرى فعملوا على نفي المترجم من دمياط فأرسلوا له من قبض عليه في شهر رمضان ونهبوا امواله من حواصله وداره ووضعوا في رقبته ورجليه القيد وانزلوه مهانا عريانا مع نسائه واولاده في مركب وارسلوه الى طرابلس الشام فاستمر بها الى ان زالت دولة علي بك واستقل بامارة مصر محمد بك وأظهر الميل الى نصرة الاسلام فكلم السيد نجم الدين الغزى محمد بك في شأن رجوعه الى دمياط فكان ان يجيب لذلك وكنت حاضرا في ذلك المجلس والمعلم مخاييل الجمل والمعلم يوسف بيطار وقوف أسفل السدلة يغمزان الامير بالاشارة في عدم الاجابة لانه من المفسدين بالثغر ويكون السبب في تعطيل الجمارك فسوف السيد نجم الدين بعد أن كان قرب من الاجابة
فلما تغيرت الدولة وتنوسيت القضية وصار الحاج عمر كأنه لم يكن شيئا مذكورا رجع الى الثغر وورد علينا مصر وقد تقهقر حاله وذهبت نضارته وصار شيخا هرما ثم رجع الى الثغر واستمر به حتى توفي في السنة وكان له مع الله حال يداوم على الاذكار ويكثر من صلاة التطوع ولا يشتغل الا بما يهمه رحمه الله تعالى
ومات الامير الجليل ابراهيم كتخدا البركاوى وأصله مملوك يوسف كتخدا عزبان البركاوى نشأ في سيادة سيده وتولى في مناصب وجاقهم
(1/590)

وقرأ القرآن في صغره وجود الخط وحبب اليه العلم وأهله
ولما مات سيده كان هو المتعين في رئاسة بيتهم دون خشداشينه لرئاسته وشهامته ففتح بيت سيده وانضم اليه خشداشينه واتباعه واشترى المماليك ودربهم في الآداب والقراءة وتجويد الخط وأدرك محاسن الزمن الماضي
وكان بيته مأوى الفضلاء وأهل المعارف والمزايا والخطاطين واقتنى كتبا كثيرة جدا في كل فن وعلم حتى ان الكتاب المعدوم اذا احتيج اليه لا يوجد الا عنده ويعير للناس ما يرومونه من الكتب للانتفاع في المطالعة والنقل وبآخره اعتكف في بيته ولازم حاله وقطع أوقاته في تلاوة القرآن والمطالعة وصلاة النوافل الى ان توفي في هذه السنة وتبردت كتبه وذخائره رحمه الله تعالى
سنة تسع وتسعين ومائة وألف
استهل العام بيوم الاثنين فكان الفال بالمنطق واخذت الاشياء في الانحلال قليلا
وفي سابعه جاءت الاخبار بان الجماعة المتوجهين لابراهيم بك في شأن الصلح وهم الشيخ الدردير وسليمان بك الآغا ومرزوق جلبي اجتمعوا بابراهيم فتكلموا معه في شأن ذلك فأجاب بشروط منها ان يكون هو على عادته امير البلد وعلى أغا كتخدا الجاويشية على منصبه
فلما وصل الرسول بالمكاتبة جمع مراد بك الامراء وعرفهم ذلك فأجابوا بالسمع والطاعة وكتبوا جواب الرسالة وارسلوها صحبه الذى حضر بها
وسافر ايضا احمد بك الكلارجي وسليم اغا امين البحرين في حادى عشرة
وفي عشرينه وصلت الاخبار بان ابراهيم بك نقض الصلح الذى حصل وقيل أن صلحه كان مداهنة لاغراض لا تتم له بدون ذلك فلما تمت احتج باشياء اخر ونقض ذلك
(1/591)

وفي سادس صفر حضر الشيخ الدردير واخبر بما ذكر وان سليمان بك وسليم اغا استمروا معه
وفي منتصفه وصل الحجاج مع امير الحاج مصطفى بك وحصل للحجاج في هذه السنة مشقة عظيمة من الغلاء وقيام العربان بسبب عوائدهم القديمة والجديدة ولم يزوروا المدينة المنورة على صاحبها افضل الصلاة وازكى السلام لمنع السبل وهلك عالم كثير من الناس والبهائم من الجوع وانقطع منهم جانب عظيم
ومنهم من نزل في المراكب الى القلزم وحضر من السويس الى القصير ولم يبق الا امير الحج واتباعه ووقفت العربان لحجاج المغاربة في سطح العقبة وحصروهم هناك ونهبوهم وقتلوهم عن آخرهم ولم ينج منهم الا نحو عشرة انفار
وفي اثناء نزول الحج وخروج الامراء لملاقاة امير الحج هرب ابراهيم بك الوالي وهو اخو سليمان بك الاغا وذهب الى اخيه بالمنية وذهب صحبته من كان بمصر من اتباع اخيه وسكن الحال اياما
وفي اواخر شهر صفر سافر ايوب بك الكبير وايوب بك الصغير بسبب تجديد الصلح فلما وصلوا الى بني سويف حضر اليهم سليمان بك الاغا وعثمان بك الاشقر باستدعاء منهم ثم اجاب ابراهيم بك الى الصلح ورجعوا جميعا الى المنية
وفي اوائل ربيع الاول حضر حسن اغا بيت المال بمكاتبات بذلك وفي اثر ذلك حضر ايوب بك الصغير وعثمان بك الاشقر فقابلا مراد بك وقدم مراد بك لعثمان بك تقادم ثم رجع ايوب بك الى المنية ثانيا
وفي يوم الاثنين رابع ربيع الثاني وصل ابراهيم بك الكبير ومن معه من الامراء الى معادى الخبيرى بالبر الغربي فعدى اليه مراد بك وباقي الامراء والوجاقلية والمشايخ وسلموا عليه ورجعوا الى مصر وعدى في أثرهم ابراهيم بك ثم حضر ابراهيم بك في يوم الثلاثاء الى مصر
(1/592)

ودخل الى بيته وحضر اليه في عصريتها مراد بك في بيته وجلس معه حصة طويلة
وفي يوم الاحد عاشره عمل الديوان وحضرت لابراهيم بك الخلع من الباشا فلبسها بحضرة مراد بك والامراء والمشايخ وعند ذلك قام مراد بك وقبل يده وكذلك بقية الامراء وتقلد علي أغا كتخدا الجاويشية كما كان وتقلد علي أغا اغات مستحفظان كما كان فاغتاظ لذلك قائد أغا الذي كان ولاه مراد بك وحصل له قلق عظيم وصار يترامى على الامراء ويقع عليهم في رجوع منصبه وصار يقول ان لم يردوا الى منصبي والا قتلت علي أغا
وصمم ابراهيم بك على عدم عزل علي أغا واستوحش علي أغا وخاف على نفسه من قائد أغا ثم ان ابراهيم بك قال ان عزل علي أغا لا يتولاها قائد أغا أبدا
ثم انهم لبسوا سليما أغا امين البحرين وقطع منها امل قائد أغا وما وسعه الا السكوت
وفي منتصف جمادى الآخرة خرج عثمان بك المذكور بمماليكه وأجناده مسافرا الى الصعيد بنفسه ولم يسمع لقولهم ولم يلبس تقليدا لذلك على العادة فأرسلوا له جماعة ليردوه فأبى من الرجوع
وفيه كثر الموت بالطاعون وكذلك الحميات ونسي الناس أمر الغلاء
وفي يوم الخميس مات علي بك أباظة الابراهيمي فأنزعج عليه ابراهيم بك وكان الامراء خرجوا بأجمعهم الى ناحية قصر العيني ومصر القديمة خوفا من ذلك
فلما مات علي بك وكثير من مماليكهم داخلهم الرعب ورجعوا الى بيوتهم
وفي يوم الاحد طلعوا الى القلعة وخلعوا علي لاجين وجعلوه حاكم جرجا ورجع ابراهيم بك الى بيته أيضا وكان ابراهيم بك اذ ذاك قائمقام
وفيه مات أيضا سليمان بك ابو نبوت بالطاعون
وفي منتصف رجب خف أمر الطاعون
(1/593)

وفي منتصف شعبان ورد الخبر بوصول باش مصر الجديد الى ثغر سكندرية وكذلك باش جدة ووقع قبل ورودهما بأيام فتنة بالاسكندرية بين أهل البلد وأغات القلعة والسردار بسبب قتيل من أهل البلد قتله بعض أتباع السردار فثار العامة وقبضوا على السردار وأهانوه وجرسوه على حمار وحلقوا نصف لحيته وطافوا به البلد وهو مشكوف الرأس وهم يضربونه ويصعفونه بالنعالات
وفيه أيضا وقعت فتنة بين عربان البحيرة وحضر منهم جماعة الى ابراهيم بك وطلبوا منه الاعانة على أخصامهم فكلم مراد بك في ذلك فركب مراد بك وأخذهم صحبته ونزل الى البحيرة فتواطأ معه الاخصام ورشوه سرا فركب ليلا وهجم على المستعينين به وهم في غفلة مطمئنين فقتل منهم جماعة كثيرة ونهب مواشيهم وابلهم واغنامهم ثم رجع الى مصر بالغنائم
وفي غاية شعبان حضر باشة جدة الى ساحل بولاق فركب علي أغا كتخدا الجاويشية وارباب العكاكيز وقابلوه وركبوا صحبته الى العادلية ليسافر الى السويس
وفي غرة رمضان ثارت فقراء المجاورين والقاطنين بالازهر وقفلوا أبواب الجامع ومنعوا منه الصلوات
وكان ذلك يوم الجمعة فلم يصل فيه ذلك اليوم وكذلك أغلقوا مدرسة محمد بك المجاورة له ومسجد المشهد الحسيني وخرج العميان والمجاورون يرمحون بالاسواق ويخطفون ما يجدونه من الخبز وغيره وتبعهم في ذلك الجعيدية وأراذل السوقة
وسبب ذلك قطع رواتبهم واخبازهم المعتادة واستمروا على ذلك الى بعد العشاء فحضر سليم أغا أغات مستحفظان الى مدرسة الاشرفية وأرسل الى مشايخ الاروقة والمشار اليهم في السفاهة وتكلم معهم ووعددهم والتزم لهم باجراء رواتبهم فقبلوا منه ذلك وفتحوا المساجد
(1/594)

وفي يوم الاحد ثامن شهر شوال الموافق لتاسع مسرى القبطي كان وفاء النيل المبارك وكانت زيادته كلها في هذه التسعة ايام فقط ولم يزد قبل ذلك واستمر بطول شهر أبيب وماؤه أخضر فلما كان أول شهر مسرى زاد في ليلة واحدة أكثر من ثلاثة أذرع واستمرت دفعات الزيادة حتى اوفى أذرع الوفاء يوم التاسع وفيه وقع جسر بحر أبي المنجا بالقلوبية فعينوا له أميرا فأخذ معه جملة أخشاب ونزل وصحبته ابن ابي الشوارب شيخ قليوب وجمعوا الفلاحين ودقوا له أوتاد عظيمة وغرقوا به نحو خمسة مراكب واستمروا في معالجة سده مدة أيام فلم ينجع من ذلك شيء وكذلك وقع ببحر مويس
وفي يوم الخميس خرج أمين الحاج مصطفى بك بالمحمل والحجاج وذلك ثاني عشر شوال
وفي يوم الاثنين ثامن عشر القعدة سافر كتخدا الجاويشية وصحبته أرباب الخدم الى الاسكندرية لملاقاة الباشا والله تعالى اعلم
من مات في هذه السنة ممن له ذكر
مات الشيخ الامام العارف المتفنن المقرىء المجود الضابط الماهر المعمر الشيخ محمد بن حسن بن محمد بن أحمد جمال الدين بن بدر الدين الشافعي الاحمدى ثم الخلوتي السمنودى الازهرى المعروف بالمنير ولد بسمنود سنة 1099 وحفظ القرآن وبعض المتون وقدم الجامع الازهر وعمره عشرون سنة فجود القرآن على الامام المقرىء علي بن محسن الرملي وتفقه على جماعة منهم الشيخ شمس الدين محمد السجيمي والشيخ علي أبي الصفا الشنواني وسمع الحديث على أبي حامد البديرى وابي عبد الله محمد بن محمد الخليلي وأجازه في سنة 1132 وأجازه كذلك الشيخ محمد عقيلة في آخرين وأخذ الطريقة ببلده على سيدى
(1/595)

علي زنفل الاحمدى ولما ورد مصر اجتمع بالسيد مصطفى البكرى فلقنه طريقة الخلوتية وانضوى الى الشيخ شمس الدين محمد الحفني فقصر نظره عليه واستقام به عهده فأحياه ونور قلبه واستفاض منه فلم يكن ينتسب في التصوف الا اليه
وحصل جملة من الفنون الغريبة كالزايرجة والاوفاق على عدة من الرجال وكان ينزل وفق المائة في المائة وهو المعروف بالمئيني ويتنافس الامراء والملوك لاخذه منه وأحدث فيه طرقا غريبة غير ما ذكره أهل الفن وقد قرأ القرآن مدة وانتفع به الطلبة وقرأ الحديث
وكان سنده عاليا فتنبه بعض الطلبة في الاواخر فأكثروا الاخذ عنه
وكان صعبا في الاجازة لا يجيز أحدا الا اذا قرأ عليه الكتاب الذى يطلب الاجازة فيه بثمامه ولا يرى الاجازة المطلقة ولا المراسلة حتى ان جماعة من اهالي البلاد البعيدة أرسلوا يطلبون منه الاجازة فلم يرض بذلك وهذه الطريقة في مثل هذه الازمان عسرة جدا
وفي أواخره انتهى اليه الشأن وأشير اليه بالبنان وذهبت شهرته في الآفاق وأتته الهدايا من الروم والشام والعراق وكف بصره وانقطع الى الذكر والتدريس في منزله بالقرب من قننطرة لموسكى داخل العطفة بسويقة الصاحب ولازم الصوم نحو ستين عاما ووفدت عليه الناس من كل جهة وعمر حتى الحق الاحفاد بالاجداد واجاز وخلف وربما كتب الاجازات نظما على هيئة اجازات الصوفية لتلامذتهم في الطريق ولم يزل يبدى ويعيد ويعقد حلق الذكر ويفيد الى ان وافاه الاجل المحتوم في هذه السنة وجهز وكفن وصلي عليه بالازهر في مشهد حافل وأعيد الى الزاوية الملاصقة لمنزله وكثر عليه الاسف
ومات الشيخ الإمام الفاضل الصالح علي بن علي بن علي بن علي ابن مطاوع العزيزى الشافعي الازهرى أدرك الطبقة الاولى من المشايخ كالشيخ مصطفى العزيزى والشيخ محمد السحيمي والدفرى والملوى
(1/596)

واضرابهم وتفقه ودرس بالجامع الازهر وانتفع به الطلبة وقرأ دروسا بمشهد شمس الدين الحنفي وكان يسكن في بولاق ويأتي كل يوم الى مصر لالقاء الدروس
وكان انسانا حسنا صبورا محتسبا فصيحا مفوها له اعتقاد في اهل الله
توفي تاسع ربيع الثاني سنة تسع وتسعين هذه
ومات الامام الصالح الناسك المجود السيد علي بن محمد الغوصي البدرى الرفاعي المعروف بالقراء وهو والد صاحبنا العلامة السيد حسن البدرى ولد بمصر وحفظ القرآن وجوده على شيخ القراء شهاب الدين أحمد بن عمر الاسقاطي وبه تخرج واقرأ القرآن بالسبعة كثيرا بالجامع الازهر وبرواق الاروام وانتفع به الطلبة طبقة بعد طبقة
وكان لع معرفة ببعض الاسرار والروحانيات وغير ذلك
ومات الاختيار المفضل المبجل علي بن عبد الله الرومي الاصل مولى درويش أغا المعروف الآن بمحرم افندى باش اختيار وجاق الجاويشية كان لكونه خدم عنده وهو صغير اشتغل بالخط وجوده على المرحوم حسن الضيائي وعبد الله الانبس وادرك الطبقة منهم ومهر فيه وانجب ولم يكونا اجازاه فعمل له مجلسا في منزل المرحوم علي أغا وكيل دار السعادة واجتمع فيه ارباب الفن من الخطاطين واجازه حسن افندى الرشدى مولى علي أغا المشار اليه وكان يوما مشهودا
ولقب بدرويش وكتب بخطه كثيرا وحج سنة 1171 واجتمع بالحرمين على الافاضل وتلقى منهم اشياء وعاد الى مصر واجتمع بأديب عصره محمد بن عمر الخوانكي أحد تلامذة الشهاب الخفاجي فتعلق بعناية بالادب وصار في محفوظيته جملة من أشعاره وقصائده وجملة من قصائد الارجاني وجملة من المقامات الحريرية وعني بحفظ القرآن فحفظه على كبره وتعب فيه وحفظ أسماء أهل بدر وكان دائما يتلوها
ولاجله ألف شيخنا السيد محمد مرتضى شرح الصدر في شرح أسماء اهل بدر في عشرين كراسا والتفتيش في
(1/597)

معنى لفظ درويش كراسا
ولازم المذكور منذ قدم مصر وسمع عليه مجالس من الصحيح والمسلسل بالاسودين وبالعيد والشمائل والامالي وجود عليه شيخنا المذكور في الخط وقد صاهرت المترجم وتزوجت بربيبته في أواخر سنة خمس وتسعين برغبة منه وهي أم الولد خليل فتح الله عليه ولما حصلت النسابة والمصاهرة حولته بعياله الى منزلي لتعب الوقت وتعطيل أسباب المعايش
ولما عاشرته بلوت منه خيرا ودينا وصلاحا وكان لا ينام من الليل الا قليلا ويتبتل الى مولاه تبتيلا فيصلي ما تيسر من النوافل ثم يكمل بتلاوة القرآن المرتلة مع التدبر لمعاني الآيات المنزلة وكان حسن السمت نظيف الثياب عظيم الشيبة منور الوجه وجيه الطلعة مهيب الشكل سليم الطوية مقبول الروحانية ملازما على حضور الجماعة حريصا على ادراك الفضائل
توفي في جمادى الاولى عن نيف وتسعين سنة ولم تهن قواه ولم يسقط له سن ويكسر اللوز باسنانه ودفناه بجوار الامام ابي جعفر الطحاوى لانه كان ناظرا عليه رحمه الله
ومات الاستاذ الفاضل والمستعد الكامل ذو النفحات والاشارات السيد علي بن عبد الله بن أحمد العلوى الحنفي سبط آل عمر صاحبنا ومرشدنا ووالده أصله من توقاد وولد
هو في مصر سنة 1173 وعانى الفنون ومهر وانجب في كل شيء عاناه في أقل زمن بحيث انه اذا توجهت همته لعلم من العلوم الصعبة وطالع فيه أدركه وأظهر مخبئاته وثمراته وألف فيه وأظهر عجائب أسراره ومعانيه في زمن قليل وكان حاد الذهن جدا دراكا قوى الحافظة يحفظ كل شيء سمعه أومر عليه ببصره ولازم في مبتدأ أمره شيخنا السيد محمد مرتضى كثيرا وقرأ عليه الفصيح لثعلب وفقه اللغة للثعالبي وأدب الكاتب لابن قتيبة في مجالس دراية وسمع منه كثيرا من شرحه على القاموس وكتب عنه بيده اجزاء كثيرة وقرأ عليه الصحيح في اثنى عشر مجلسا في رمضان سنة ثمان وثمانين وسمع عليه
(1/598)

أيضا الصحيح مرة ثانية مشاركا مع الجماعة مناوبة في القراءة في أربع مجالس ومدة القراءة من طلوع الشمس الى بعد كل عصر وصحيح مسلم في ستة مجالس مناوبة بمنزل الشيخ بخان الصاغة وكتب الامالي والطباق وضبط الاسماء وقلد خط الصلاح الصفدى في وضعه فأدركه وقرأ عليه أيضا المقامات الحريرية ورسائل في التصريف وغير ذلك مما لا يدخل تحت الضبط لكثرته
وسمع المسلسل بالعيد وبالاسودين التمر والماء
وسمع عليه أوائل الكتب الستة والمعاجم والمسانيد في سنة تسعين بمنهل شيخه مع الجماعة وجزء نبيط بن شريط الاشجعي وبلدانيات السلفي وبلدانيات بن عساكر واحاديث عاشوراء تخريج المنذرى واحاديث يوم عرفة تخريج بن فهد وعوالي بن مالك وثلاثيات البخارى والدارمي وجزأ فيه أخبار الصبيان والخلعيات بتمامها وهي عشرون جزءا وعرف المترجم العالي من النازل واجتمع بشيخنا السيد العيدروس وقربه وادناه ولازمه وقرأ عليه أشياء من كتب الصوفية ومال اليه وصار ينطق بالشعر وأقبل على الادب والتصوف ولا زال كذلك حتى صار يتكلم بكلام عال
والف كتابا في علم الاوفاق في كراريس لطيفة على نسق عجيب مفيد وامتزج بالروحانية حتى اني رأيته ينزل الوفق في الكاغد ويضعه على راحة كفه فيرتعش ويلتف ببعضه ثم ينبسط بنفسه كما كان واذا أخذه غيره ووضعه على مثل وضعه لا يتحرك ابدا
ومارس في علم الرمل اياما فأدرك منتهاه واستخرج منه مالا يستخرج الممارس فيه سنين من الضمير والمدة وغير ذلك في أسرع وقت وألف فيه كتابا لخص فيه قواعده من غير مشقة
ومارس في الفلكيات مع سليمان أفندى كنباذ وصنف فيه وفي غيره
وبآخرة انجمع عن خلطة الناس واقبل على ربه وكان قد تزوج بامرأة وكانت تؤذيه وتشتمه وربما كانت تضربه وهو صابر عليها مقبل على شأنه وألف أورادا واحزابا واسماء على طريقة الاسماء
(1/599)

السهروردية عجيبة المشرب بنفس عال غريب وصار يتكلم بكلام لا يطرق الاسماع نظيره ولم يزل على ذلك حتى تعلل ولحق بربه وتوفي في سادس ربيع الاول من السنة وأعقب ولدا من تلك المرأة التي كان تزوج بها وبالجملة والانصاف انه كان من آيات الله الباهرة
ودفن بالقرافة بتربة علي أغا صالح رضي الله عنا وعنه ورحمنا أجمعين
ومات الشيخ الفقيه الدراكة العلامة السيد سليمان بن طه بن ابي العباس الحريثي الشافعي المقرى الشهير بالاكراشي وهي قرية شرقي مصر وحفظ القرآن وقدم الجامع الازهر وطلب العلم وحضر الاشياخ وجود القرآن على الشيخ مصطفى العزيزى خادم النعال بمشهد الشيدة سكينة واعاده بالعشر على الشيخ عبد الرحمن الاجهوزى المقرى واجازه في محفل عظيم في جامع ألماس وسمع وحضر دروس فضلاء وقته ومهر في فقه المذهب ودرس في جامع الماس وغيره وسمع من شيخنا السيد مرتضى المسلسل وبالاولية بشرطه والمسلسل بالعيد وبالمحبة وبالقسم وبقراءة الفاتحة في نفس واحد وبالالباس والتحكيم وسمع الصيحين بطرفيهما في جماعة بجامع شيخون بالصليبة وسمع اجزاء البلدانيات للحافظ أبي طاهر السلفي وجزء النيل وجزء يوم عرفة ويوم عاشوراء وغير ذلك
وله تآليف وجمعيات ورسائل في علوم شتى
ولما اجتمع بشيخنا المذكور ورأى ملازمة السيد علي المترجم آنفا به في أكثر أوقاته ونظر نجابته وما فيه من قوة الفهم والاستعداد لامه على ملازمته للسيد وانقطاعه عن بقية العلوم وقال له هذا شيء سهل يمكن تحصيله في زمن قليل وقد قرأت وحصلت ما فيه الكفاية والاولى ان تشغل بعض الزمن بتحصيل المعقولات وغيرها فان مثلك لا يقتصر على فن من الفنون والاقتصار ضياع
فقبل منه واشتغل عليه وعلى غيره وانقطع بسبب الاشتغال عن كثرة الترداد على الشيخ كعادته وعلم ذلك فأنحرف على كل منهما
(1/600)

وبالخصوص على السيد علي وصعب عليه جدا وأدى ذلك الى الانقطاع الكلي
ولما مات الشيخ العزيزى تنزل المترجم في مشيخة القراء بمقام السيدة نفيسة رضي الله عنها وكان انسانا حسنا جامعا للفضائل وحضر معنا الهداية في فقه الحنفية على شيخنا المرحوم العلامة الشيخ مصطفى الطائي الحنفي وكان يناقش في بعض المسائل المخالفة لمذهبه الى ان وافاه الحمام في هذه السنة رحمه الله
ومات أوحد الفضلاء وأعظم النبلاء العلامة المحقق والفهامة المدقق الفقيه النبيه الاصولي المعقولي المنطقي الشيخ أبو الحسن بن عمر القلعي ابن علي المغربي المالكي قدم الى مصر في سنة 1154 وكان لديه استعداد وقابلية وحضر اشياخ الوقت مثل البليدى والملوى والجوهرى والحفني والشيخ الصعيدى واتحد بالشيخ الوالد وزوجه زوجة مملوكه مصطفى بعد وفاته وهي خديجة معتوقة المرحوم الخواجا المعروف بمدينة واقامت معه نحو الاربعين سنة حتى كبر سنها وهرمت وتسرى عليها مرتين ولما حضر المرحوم محمد باشا راغب واليا على مصر اجتمع به ومارسه وأحبه وشرح رسالته التي ألفها في علم العروض والقوافي ولما عزل راغب وذهب الى دار السلطنة وتولى الصدارة سافر اليه المترجم فأجله وأكرمه ورتب له جامكية بالضربخانة بمصر ورجع الى مصر وتولى مشيخة رواق المغاربة ثلاث مرات بشهامة وصرامة زائدة
وسبب عزله في المرة الوسطى ان بعض المغاربة تشاجر مع الشيخ علي الشنويهي وانتصر هو للمغاربة لحمية الجنسية ونهر الشيخ علي فذهب الشيخ علي واشتكاه الى علي بك في ايام امارته فأحضره علي بك فتطاول على الشيخ علي بحضرة الامير وادعى الشيخ علي بانه لطمه على وجهه في الجامع فكذبه المترجم فحلف الشيخ علي بالله على ذلك فقال له المترجم احلف بالطلاق فاغتاظ منه الامير علي بك وصرفهما وارسل في الحال واحضر الشيخ عبد الرحمن
(1/601)

البناني وولاه مشيخة الرواق وعزل الشيخ أبا الحسن وانكسف باله لذلك ثم اعيد بعد مدة الى المشيخة وكان وافر الحرمة نافذ الكلمة معدودا من المشايخ الكبار مهاب الشكل منور الشيبة مترفها في ملبسه ومأكله يعلوه حشمة وجلالة ووقار اذا مر راكبا او ماشيا قام الناس اليه وبادروا الى تقبيل يده حتى صار ذلك لهم عادة وطبيعة لازمة يرون وجوبها عليهم
وللمترجم تأليفات وتقييدات وحواش نافعة منها حاشية على الاخضرى على سلمه وحاشية على رسالة العلامة محمد أفندى الكرماني في علم الكلام في غاية الدقة تدل على رسوخه في علم المنطق والجدل والمعاني والبيان والمعقولات وشرح على ديباجه شرح العقيدة المسماة بأم البراهين للامام السنوسي وله كتاب ذيل الفوائد وفرائد الزوائد على كتاب الفوائد والصلاة والعوائد وخواص الآيات والمجريات التي تلقاها من أفواه الاشياخ وكتاب في خواص سورة يس وغير ذلك
وأخذ عن المرحوم الوالد كثيرا من الحكميات والمواقف والهداية للابهرى والهيئة والهندسة
ولم يزل مواظبا على تردده عليه وزيارته في الجمعة مرتين أو ثلاثة ويراعي له حق المشيخة والصحبة في حياته وبعدها وكان سليم الباطن مع ما فيه من الحدة الى أن توفي في ربيع الاول من هذه السنة رحمه الله
ومات الشيخ المعتقد عبد الله بن ابراهيم بن أخي الشيخ الكبير المعروف بالموافي الشافعي السندوبي الرفاعي نزيل المنصورة ولد ببلدة منية سندوب سنة 1140 وحفظ القرآن وبعض المتون وقدم المنصورة فمكث تحت حيازة عمه في عفة وصلاح وحضر دروس الشيخ أحمد الجالي وأخيه محمد الجالي وانتفع بهما في فقه المذهب فلما توفي عمه في سنة احدى وستين اجلس مكانه في زاويته التي أنشأها عمه في مؤخر الجامع الكبير بالمنصورة وسلك على نهجه في أحياء الليالي بالذكر وتلاوة القرآن وكان يختم في كل يوم وليلة مرة وربى التلاميذ وصارت
(1/602)

له شهرة زائدة مع الانجماع عن الناس لا يقوم لاحد ولا يدخل دار احد وفيه الاستئناس وعنده فوائد يذاكر بها ويشتغل دائما بالمطالعة والمذاكرة واعتقده الخاص والعام
ولما سافرنا الى دمياط سنة تسع وثمانين وجزنا بالمنصورة وطلعناها ذهبنا الى جامعها الكبير ودخلنا اليه في حجرته فوجدته جالسا على فراش عال بمفرده بجانب ضريح عمه وهو رجل نير بشوش فرحب بنا وفرح بقدومنا وأحضر لنا طبقا فيه قراقيش وكعك وشريك وخبز يابس ولبن وبوسطة دقة وجبن فأكلنا ما تيسر وسقانا قهوة في فنجان كبير وتحدث معنا ساعة ودعا لنا بخير وودعناه وسافرنا في الوقت
ولم أره غير هذه المرة
وهو انسان حسن جامع للفضائل توفي في السنة ولم يخلف بعده مثله
ومات السيد الامام العلامة الفقيه النبيه السيد مصطفى بن أحمد ابن محمد البنوفرى الحنفي أخذ الفقه عن والده وعن السيد محمد ابي السعود والشيخ محمد الدلجي والشيخ الزيادى وغيرهم وحضر المعقول على علماء العصر كالشيخ عيسى البراوى وغيره ودرس في محل والده بالقرب من رواق الشوام الا انه لم يكن له حظ في الطلبة فكان يأتي كل يوم الجامع ويجلس وحده ساعة ثم يقوم ويذهب الى بيته بسويقة العزى وكان لا يعرف التصنع وفيه جذب ويعود المرضى كثير الاغنياء والفقراء توفي في السنة رحمه الله
ومات العلامة المتقن والفهامة المتفنن احد الاعلام الرواسخ وشيخ المشايخ الفقيه النحوى الاصولي المعقولي المنطقي ذو المعاني والبيان وحلال المشكلات باتقان الصالح لقانع الورع الزاهد الشيخ محمد ابن محمد بن محمد بن محمد بن مصطفى بن خاطر الفرماوى الازهرى الشافعي البهوتي نسبة الى قبيلة البهتة جهة الشرق ولد بمصر رباه والده وحفظ القرآن والمتون وحضر على أشياخ العصر الملوى والجوهرى والطحلاوى
(1/603)

والبراوى والبليدى والصعيدى والشيخ علي قايتباى والمدابغي والاجهورى وأنجب في الفقه والمعقول ودرس وأفاد الطلبة واشتهر بالفتوح على كل من أخذ عنه حتى صار له المشيخة على غالب أهل العلم من الطبقة الثانية
وكان مهذب النفس جدا لين الجانب متواضعا منكسر النفس لا يرى لنفسه مقاما يجلس حيث ينتهي به المجلس ولا يتداخل فيما لا يعنيه مقبلا على شأنه ملازما على الاشتغال والافادة والمطالعة
ومما اتفق له انه قرأ البخارى والمنهج صبيحة النهار والقطب على الشمسية في الضحوة والاشموني وقت الظهر وابن عقيل بعد العصر والشنشورى بعد المغرب كل ذلك في آن واحد ويحضره في ذلك جل الافاضل وهذا لم يتفق لغيره من أقرانه ولم يزل على حالته حتى توفي في آخر يوم من رجب من السنة وخلف ولده العمدة الفاضل الصالح الشيخ مصطفى على قدم والده واسلافه من الافادة وملازمة الاقراء أعانه الله على وقته ونفع به
ومات الشيخ الامام العلامة والنحرير الفهامة محمد بن عبد ربه ابن علي العزيزى الشهير بأبن الست ولد سنة 1118 بمصر وسبب تسميته بأبن الست أن والدته كانت سرية رومية اشتراها أبوه وأولدها اياه وكان قد تزوج بحرائر كثيرة فلم يلدن الا الاناث حتى قيل انه ولد له نحو ثمانين بنتا فأشترى أم ولده هذا فولدته ذكرا ولم تلد غيره ففرح به كثيرا ورباه في عز ورفاهية وقرأ القرآن مع الشيخ علي العدوى في مكتب واحد فلذلك اعتشر بالمالكية وصار مالكي المذهب
ولما ترعرع أراد الانتقال الى مذهب الامام الشافعي رضي الله عنه فرأى الشافعي في المنام وأشار عليه بعدم الانتقال فاستمر مالكي المذهب وتفقه على الشيخ سالم النفراوى واللقاني والشبراملسي وسمع على الشيخ عبد ابن علي النمرسي المسلسل بالاولية وأوائل الكتب الستة وسنن النسائي الصغرى المسماة بالمجتبي والمسلسل بالمصافحة والمشابكة والسبحة وغير
(1/604)

ذلك وأخذ عليه أيضا ملا عصام على السمرقندية وشرح رسالة الوضع وشرح الجزرية لشيخ الاسلام وأوائل تفسير القاضي البيضاوى مع البحث والتدقيق وأجازه بما يجوز له وعنه روايته بشرطه وأخذ المعقول عن الشيخ أحمد الملوى والشيخ عبده الديوى والشيخ الاطفيحي والخليفي وأخذ طريق الشاذلية عن الشيخ أحمد الجوهرى والشيخ الملوى وهما اخذاها عن سيدى عبد الله بن محمد المغربي القصرى الكنكسي
وكان المترجم على قدم السلف لا يتداخل في أمور الدنيا ولا يتفاخر في ملبس ولا يركب دابة ولا يدخل بيت أمير ولا يشتغل بغير العلم ومدارسته ويشهد له معاصروه بالفضل واتقان العلوم والديانة
وسمعت منه المسلسل بالاولية وأجازني بمسموعاته ومروياته وتلقيت عنه دائرة الشاذلي وأجازني بوضعها ورسمها ونقطة مركزها كل ذلك في مجلس واحد بمنزلي ببولاق بشاطىء النيل سنة 1190
وكان يجيئني ويودني ويقول لي أنت ابن خالتي لكون والدتي ووالدته من السرارى
وصنف حاشية على الزرقاني على العزية وهي مستعملة بأيدى الطلبة وديباجة وخاتمه على أبي الحسن على الرسالة وخاتمة على شرح الخرشي وديباجة على أيساغوجي في المنطق وحاشية علي الحفيد على العصام وتكملة على العشماوية وشرحا على آية الكرسي وشرحا على الحوضية في التوحيد ولم يزل مقبلا على شأنه وحاله حتى توفي في هذه السنة عن أربع وثمانين سنة رحمه الله تعالى
ومات السيد الاجل المبجل السيد أحمد بن عبد الفتاح بن طه ابن عبد الرزاق الحسيني الحموى القادرى ولد أبوه السيد عبد الفتاح بحماه وارتحل بكريميه رقية وفاطمة ابنة السيد طه فزوج الاولى باحد أعيان مصر بن حسين الشمسي وهي أم أولاده حسن وحسين وعثمان ومحمود ورضوان وتزوجت السيدة فاطمة بعلي أفندى البكرى أخي سيدى
(1/605)

بكرى الصديقي فأولدها محمد أفندى نقيب السادة الاشراف وهو والد محمد أفندى الاخير وأقام والده السيد عبد الفتاح بمصر مدة وتنزل في بعض المناصب ثم توجه الى ملك الروم فأكرمه ووجه له بعناية بعض الاعيان نقابة الاشارف بمصر وحضر الى مصر وقرىء المرسوم الوارد بذلك وكاد أن يتم له الامر فلم يمكن من ذلك بتقوية بعض الامراء وحنقوا عليه حيث توجه من مصر الى الروم خفية ولم يأخذ منهم عرضا وجعل له شيء معلوم من بيت النقابة وبقي ممنوعا عنها
وكان سيدا محتشما فصيح اللسان بهي الشكل وتزوج ببنت سيدى مكي الوارثي وولد له منها السيد أحمد المترجم وتربى في العز والرفاهية ببيتهم المعروف بهم بالازبكية بخط الساكت وكان انسانا حسنا مترفها في مأكله وملبسه منجمعا عن الناس الا لمقتضيات لا بد له منها
توفي رحمه الله في هذه السنة ولم يعقب
ومات الشيخ الصالح الماهر الموفق علي بن خليل شيخ القبان بمصر وكان ماهرا في علم الحساب وممعرفة الموازين والقرسطون المعروف بالقبان ودقائقه وصناعته ولما عني المرحوم الوالد أمر الموازين وتصحيحها وتحريرها في سنة اثنتين وسبعين وصنف في ذلك العقد الثمين فيما يتعلق بالموازين طالعه عليه وتلقاه عنه مع مشاركة الشيخ حسن بن ربيع البولاقي واتقنا ذلك وتميزا به دون أهل فنهما
وكان المترجم انسانا بشوشا منور الشيبة ولديه آداب ونوادر ومناسبات وحج مرارا او أثرى وتمول ثم تقهقر حاله ولزم بيته الى ان توفي في هذا العام ولم يخلف بعده مثله
ومات الشريف الحسيب النسيب السيد مصطفى بن السيد عبد الرحمن العيدروس وهو مقتبل الشيبية وصلي عليه بالازهر ودفن عند والده بمقام العتريس تجاه مشهد السيدة زينب وكانت وفاته رابع عشرين ربيع
(1/606)

الاول من السنة رحمه الله
سنة مائتين وألف
كان اول المحرم يوم الجمعة وفي ذلك اليوم وصل الباشا الجديد الى برانبابة واسمه محمد باشا يكن فبات ليلة الجمعة هناك وفي الصباح ذهب اليه الامراء وسلموا عليه على العادة وعدوا به الى قصر العيني فجلس هناك الى يوم الاثنين رابعه وركب بالموكب وشق من الصليبة وطلع الى القلعة واستبشر الناس بقدومه
وفي يوم الخميس ثاني عشر صفر حضر مبشر الحاج بمكاتيب العقبة وأخبر أن الحجاج لم يزوروا المدينة أيضا في هذه السنة مثل العام الماضي بسبب طمع أمير الحاج في عدم دفع العوائد للعربان وصرة المدينة وأن أحمد باشا أمير الحاج الشامي اكد عليه في الذهاب وأنعم عليه بجملة من المال والعليق والذخيرة فاعتل بان الامراء بمصر لم يوفوا له العوائد ولا الصرة في العام الماضي وهذا العام واستمر على امتناعه
وحضر الشريف سرور شريف مكة وكلمه بحضرة أحمد باشا وقال اذا كان كذلك فنكتب عرض محضر ونخبر السلطان بتقصير الامراء وتضع عليه خطك وختمك وللسلطان النظر بعد ذلك
فأجاب الى ذلك ووضع خطه وختمه وحضر اليهم الجاويش في صبحها فخلعوا عليه كالعادة ورجع بالملاقاة وخرج الامراء في ثاني يوم الى خارج باجمعهم ونصبوا خيامهم
وفي يوم الاثنين وصل الحجاج ودخلوا الى مصر ونزل أمير الحج بالجنبلاطية بباب النصر ولم ينزل بالحصوة اولا على العادة وركب في يوم الثلاثاء ودخل بالمحمل بموكب دون المعتاد وسلم المحمل الى الباشا
وفي يوم الاربعاء اجتمع الامراء ببيت ابراهيم بك وأحضروا مصطفى بك أمير الحج وتشاجر معه ابراهيم بك ومراد بك بسبب هذه الفعلة
(1/607)

وكتابة العرضحال وادعوا انه تسلم جميع الحمائل وطلبوا منه حساب ذلك واستمروا على ذلك الى قرب المساء
ثم ان مراد بك أخذ أمير الحاج الى بيته فبات عنده وفي صبحها حضر ابراهيم بك عند مراد بك وأخذ أمير الحاج الى بيته ووضعه في مكان محجورا عليه وأمر الكتاب بحسابه فحاسبوه فاستقر في طرفه مائة الف ريال وثلاثة آلاف وذلك خلاف ما على طرفه من الميرى
وفي يوم الجمعة طلع ابراهيم بك الى القلعة واخبر الباشا بما حصل وانه حبسه حتى توفي ما استقر بذمته فاستمر أياما وصالح وذهب الى بيته مكرما
وفي ذلك اليوم بعد صلاة الجمعة ضج مجاورو الازهر بسبب أخبازهم وقفلوا ابواب الجامع فحضر اليهم سليم أغا والتزم لهم باجراء رواتبهم بكرة تاريخه فسكنوا وفتحوا الجامع وانتظروا ثاني يوم فلم يأتهم شيء فأغلقوه ثانيا وصعدوا على المنارات يصيحون فحضر سليم أغا بعد العصر ونجز لهم بعض المطلوبات وأجرى لهم الجراية أناما ثم انقطع ذلك وتكرر الغلق والفتح مرارا
وفي ليلة خروج الامراء الى ملاقاة الحجاج ركب مصطفى بك الاسكندرى وأحمد بك الكلارجي وذهبا الى جهة الصعيد والتفا على عثمان بك الشرقاوى ولاجين بك وتقاسموا الجهات والبلاد وافحشوا في ظلم العباد
وفي منتصف ربيع الاول شرع مراد بك في السفر الى جهة بحرى بقصد القبض على رسلان والنجار قطاع الطريق فسافر وسمع بحضوره المذكوران فهربا فأحضر بن حبيب وابن حمد وابن فودة وألزمهم باحضارهما فأعتذروا اليه فحبسهم ثم أطلقهم على مال وذلك بيت القصيد وأخذ منهم رهائن ثم سار الى طملوها وطالب أهلها برسلان
(1/608)

ثم نهب القرية وسلب أموال أهلها وسبى نساءهم وأولادهم ثم أمر بهدمها وحرقها عن آخرها ولم يزل ناصبا وطاقه عليها حتى أتى على آخرها هدما وحرقا وجرفها بالجراريف حتى محوا أثرها وسووها بالارض وفرق كشافه في مدة اقامته عليها في البلاد والجهات لجبي الاموال وقرر على القرى ما سولته له نفسه ومنع من الشفاعة وبث المعينين لطلب الكلف الخارجة عن المعقول فاذا استوفوها طلبوا حق طرقهم فاذا استوفوها طلبوا المقرر وكل ذلك طلبا حثيثا والا أحرقوا البلدة ونهبوها عن آخرها ولم يزل في سيره على هذا النسق حتى وصل الى رشيد فقرر على أهلها جملة كبيرة من المال وعلى التجار وبياعي الارز فهرب غالب أهلها وعين على اسكندرية صالح أغا كتخدا الجاويشية سابقا وقرر له حق طريقه حمسة آلاف ريال وطلب من أهل البلد مائة ألف ريال وأمر بهدم الكنائس فلما وصل الى اسكندرية هربت تجارها الى المراكب وكذلك غالب النصارى فلم يجد الا قنصل الموسقو فقال أنا أدفع لكم المطلوب بشرط ان يكون بموجب فرمان من الباشا أحاسب به سلطانكم فانكف عن ذلك وصالحوه على كراء طريقه ورجع وارتحل مراد بك من رشيد
ولما وصل الى جميجون هدمها عن آخرها وهدم أيضا كفرد سوق واستمر هو ومن معه يعبثون بالاقاليم والبلاد حتى أخربوها واتلفوا الزروعات الى غرة جمادى الاولى
فوصلت الاخبار بقدومه الى زنكلون ثم ثنى عنانه وعرج على جهة الشرق يفعل بها فعله بالمنوفية والغربية واما صناجقه الذين تركهم بمصر فانهم تسلطوا على مصادرات الناس في أموالهم وخصوصا حسين بك المعروف بشفت بمعنى يهودى فانه تسلط على هجم البيوت ونهبها بأدنى شبهة
وفي عصرية يوم الخميس المذكور ركب حسين بك المذكور بجنوده وذهب الى الحسينية وهجم على دار شخص يسمى احمد سالم الجزار
(1/609)

متولي رياسة دراويش الشيخ البيومي ونهبه حتى مصاغ النساء والفراش ورجع والناس تنظر اليه
وفي عصريتها أرسل جماعة من سراجينه بطلب الخواجا محمود ابن حسن محرم فلاطفهم وارضاهم بدراهم وركب الى ابراهيم بك فأرسل له كتخداه وكتخدا الجاويشية فتلطفوا به وأخذوا خاطره وصرفوه عنه وعبى له الخواجا هدية بعد ذلك وقدمها اليه
وفي صبحها يوم الجمعة ثارت جماعة من اهالي الحسينية بسبب ما حصل في أمسه من حسين بك وحضروا الى الجامع الازهر ومعهم طبول والتف عليهم جماعة كثيرة من اوباش العامة والجعيدية وبأيديهم نبابيت ومساوق وذهبوا الى الشيخ الدردير فوافقهم وساعدهم بالكلام وقال لهم انا معكم فخرجوا من نواحي الجامع وقفلوا أبوابه وطلع منهم طائفة على أعلى المنارات يصيحون ويضربون بالطبول وانتشروا بالاسواق في حالة منكرة واغلقوا الحوانيت
وقال لهم الشيخ الدردير في غد نجمع أهالي الاطراف والحارات وبولاق ومصر القديمة وأركب معكم وننهب بيوتهم كما ينهبون بيوتنا ونموت شهداء أو ينصرنا الله عليهم فلما كان بعد المغرب حضر سليم أغا مستحفظان ومحمد كتخدا ارنؤد الجلفي كتخدا ابراهيم بك وجلسوا في الغورية ثم ذهبوا الى الشيخ الدردير وتكلموا معه وخافوا من تضاعف الحال وقالوا للشيخ اكتب لنا قائمة بالمنهوبات ونأتي بها من محل ما تكون
واتفقوا على ذلك وقرأوا الفاتحة وانصرفوا وركب الشيخ في صبحها الى ابراهيم بك وأرسل الى حسين بك فأحضره بالمجلس وكلمه في ذلك فقال في الجواب كلنا نهابون أنت تنهب ومراد بك ينهب وأنا أنهب كذلك
وانفض المجلس وبردت القضية
وفي عقبها بأيام قليلة حضر من ناحية قبلي سفينة وبها تمر وسمن
(1/610)

وخلافه فأرسل سليمان بك الاغا وأخذ ما فيها جميعه وادعى إن له عند أولاد وافي مالا منكسرا ولم يكن ذلك لاولاد وافي وانما هو لجماعة يتسببون فيه من مجاورى الصعايدة وغيرهم فتعصب مجاورو الصعايدة وأبطلوا دروس المدرسين وركب الشيخ الدردير والشيخ العروسي والشيخ محمد المصيلحي وآخرون وذهبوا الى بيت ابراهيم بك وتكلموا معه بحضرة سليمان بك كلاما كثيرا مفحما
فاحتج سليمان بك بأن ذلك متاع أولاد وافي وأنا أخذته بقيمته من أصل مالي عندهم فقالوا هذا لم يكن لهم وانما هؤلاء ربابه ناس فقراء فان كان لك عند أولاد وافي شيء فخذه منهم فرد بعضه وذهب بعضه
وفي يوم الجمعة عاشر جمادى الاولى قدم مراد بك من ناحية الشرق ودخل في ليلتها من المنهوبات من الجمال والاغنام والابقار والجواميس وغير ذلك كثير يجل عن الحصر
وفيه سافر أيوب بك الى ناحية قبلي لمصالحة الامراء الغضاب وهم مصطفى بك وأحمد بك الكلارجي وعثمان بك الشرقاوى ولاجين بك لانهم بلغوا قصدهم من البلاد وظلم العباد
وفي منتصف جمادى الثانية حضر عثمان بك الشرقاوى من ناحية قبلي
وفيه أنعم مراد بك على بعض كشافه بفردة دراهم على بلاد المنوفية كل بلد مائة وخمسون ريالا
وفيه اجتمع الناس بطندتا لعمل مولد سيدى أحمد البدوى المعتاد المعروف بمولد الشرنبابلية وحضر كاشف الغربية والمنوفية على جارى العادة وكاشف الغربية من طرف ابراهيم بك الوالي المولى امير الحاج فحصل منه عسف وجعل على كل جمل يباع في سوق المولد نصف ريال فرانسة فاغار اعوان الكاشف على بعض الاشراف وأخذوا جمالهم
(1/611)

وكان ذلك في آخر أيام المولد فذهبوا الى الشيخ الدردير وكان هناك بقصد الزيارة وشكوا اليه ما حل بهم فأمر الشيخ بعض اتباعه بالذهاب اليه فامتنع الجماعة من مخاطبة ذلك الكاشف فركب الشيخ بنفسه وتبعه جماعة كثيرة من العامة
فلما وصل الى خيمة كتخدا الكاشف دعاه فحضر اليه والشيخ راكب على بغلته فكلمه ووبخه وقال له أنتم ما تخافون من الله
ففي أثناء كلام الشيخ لكتخدا الكاشف هجم على الكتخدا رجل من عامة الناس وضربه بنبوت فلما عاين خدامه ضرب سيدهم هجموا على العامة بنبابيتهم وعصيهم وقبضوا على السيد أحمد الصافي تابع الشيخ وضربوه عدة نبابيت
وهاجت الناس على بعضهم ووقع النهب في الخيم وفي البلد ونهبت عدة دكاكين وأسرع الشيخ في الرجوع إلى محله وراق الحال بعد ذلك وركب كاشف المنوفية وهو من جماعة ابراهيم بك الكبير وحضر الى كاشف الغربية وأخذه وحضر به الى الشيخ وأخذوا بخاطره وصالحوه ونادوا بالامان
وانفض المولد ورجع الناس الى اوطانهم وكذلك الشيخ الدردير فلما استقر بمنزله حضر اليه ابراهيم بك الوالي وأخذ بخاطره أيضا وكذلك براهيم بك الكبير وكتخدا الجاويشية
وفي سابع عشرة ركب حسين بك الشفت وقت القائلة وحضر الى بيت صغير بسوق الماطيين وصحبته امرأة فصعد اليه ونقب في حائط وأخرج منه برمة مملوءة ذهبا فأخذها وذهب وخبر ذلك ان هذا البيت كان لرجل زيات في السنين الخالية فاجتمع لديه هذه الدنانير فوضعها في برمة من الفخار وافرج لها نقبا في كتف الحائط ووضعها فيه وبنى عليها وسواها بالجبس
وكانت هذه المرأة ابنة صغيرة تنظر اليه ومات ذلك الرجل وبيعت الدار بعد مدة ووقفها الذى اشتراها وتداولت الاعوام وآل البيت الى وقف المشهد الحسيني وسكنه الناس بالاجرة ومضى
(1/612)

على ذلك نحو الاربعين عاما وتلك المرأة تتخيل ذلك في ذهنها وتكتمه ولا يمكنها الوصول الى ذلك المكان بنفسها وقلت ذات يدها واحتاجت فذهبت الى حريم حسين بك المذكور وعرفتهن القضية واخبر الامير بذلك فقال لعل بعض الساكنين أخذها فقالت لا يعرفها أحد غيرى
فأرسل الى ساكن الدار واحضره وقال له أخل دارك في غد وانتظرني ولا تفزع من شيء ففعل الرجل وحضر الصنجق وصحبته المرأة فارته الموضع فنقبوه وأخرجوا منه تلك البرمة وأعطي صاحب المكان احسانا وركب وصاحب المكان يتعجب وركب أيضا قبل ذلك وذهب الى بيت رجل يقال له الشيخ عبد الباقي أبو قليطة ليلا وأخذ منه صندوقا مودعا عنده امانة لنصر ابن شديد البدوى شيخ عرب الحويطات يقال ان فيه شيئا كثيرا من الذهب العين وغيره وهجم ايضا على بيت بالقرب من المشهد الحسيني في وقت القائلة وكان ذلك البيت مقفولا وصاحبه غائب فخلع الباب وطلع اليه وأخذه منه عشرة اكياس مملوءة ذهبا وخرج وأغلق الباب كما كان وركب هو ومماليكه والاكياس في أحضانهم على قرابيس سروج الخيل وهو بجملتهم يحمل كيسا امامه والناس تنظرهم
وفي هذا الشهر ثقب الشطار حاصلا في وكالة المسايرة التي بباب الشعرية وكان بظاهر الحاصل المذكور قهوة متخربة فتسلق اليها بعض الحرامية ونقبوا الحاصل وأخذوا منه صندوقا في داخله اثنا عشر ألف بندقي عنها ثلاثون ألف ريال في ذلك الوقت وفيه من غير جنس البندقي ايضا ذهب ودراهم وثياب حرير وطرح النساء المحلاوى التي يقال لها الحبر
وبعد أيام قبضوا على رجلين أحدهما فطاطرى والآخر مخللاتي بتعريف الخفراء بعد حبسهم ومعاقبتهم فأخذوا منهما شيئا واستمرا محبوسين
وفي عشرينه حضر أيوب بك ولاجين بك وأحمد بك من ناحية قبلي
(1/613)

ودخلوا بيوتهم بالمنهوبات والمواشي وتأخر مصطفى بك
وفي يوم الثلاثاء سابع عشرينه هبت رياح عاصفة جنوبية نسفت رمالا واتربة مع غيم مطبق وأظلم منها الجو واستمرت من الظهر الى الغروب
وفي يوم الخميس تاسع عشرينه حضر مصطفى بك أيضا
وفي غرة شهر رجب عزم مراد بك على التوجه الى سد خليج منوف المعروف بالفرعونية وكان منذ سنين لم يحبس واندفع اليه الشرقي حتى تهور وشرق بسببه بحر دمياط وتعطلت مزارع الارز
وفيه وصلت الاخبار من ثغر الاسكندرية بانه ورد اليها مركب البيليك وذلك على خلاف العادة وذلك ان مراكب البيليكات لا تخرج الا بعد روز خضر ثم حضره عقيبة أيضا قليون آخر وفيه احمد باشا والي جدة ثم تعقبهما آخر وفيه غلال كثيرة نقلوها الى الثغر وشرعوا في عملها بقسهاطا فكثر اللغط بمصر بسبب ذلك
وفي عاشره ورد ططرى من البر وقابجي من البحر ومعهما مكاتبات قرئت بالديوان يوم الخميس ثاني عشرة مضمونها طلب الخزائن المنكسرة وتشهيل مرتبات الحرمين من الغلال والصرر في السنين الماضية واللوم على عدم زيارة المدينة
وفيه الحث والوعد والوعيد والامر بصرف العلوفات وغلال الانبار
وفيه المهلة ثلاثون يوما
فكثر لغط الناس والقال والقيل واشيع ورود مراكب أخر الى ثغر سكندرية وأن حسن باشا القبطان واصل أيضا في أثر ذلك وصحبته عساكر محاربون
وفيه حضر معلم ديوان الاسكندرية قيل انه هرب ليلا ثم ان ابراهيم بك أرسل يستحث مراد بك في الحضور من سد الفرعونية ثم بعث اليه علي أغا كتخدا جاووجان والمعلم ابراهيم الجوهرى وسليمان اغا الحنفي وحسن كتخدا الجربان وحسن افندي شقبون كاتب الحوالة سابقا وأفندى الديوان حالا فأحضروه الى مصر في يوم الثلاثاء ولم يتم سد الترعة
(1/614)

بعد ان غرق فيها عدة مراكب ومراسي حديد وأخشاب أخذوها من أربابها من غير ثمن وفرد على البلاد الاموال وقبض أكثرها وذهب ذلك جميعه من غير فائدة
ثم ان الامراء عملوا جمعيات وديوانا ببيت ابراهيم بك وتشاوروا في تنجيز الاوامر
وفي أثناء ذلك تشحطت الغلال وارتفع القمح من السواحل والعرصات وغلا سعره وقل وجوده حتى امتنع بيع الخبز من الاسواق واغلقت الطواجين
فنزل سليم اغا وهجم المخازن واخرج الغلال وضرب القماحين والمتسببين ومنعهم من زيادة الاسعار فظهر القمح والخبز بالاسواق وراق الحال وسكنت الاقاويل
وفي هذا الشهر أعني شهر رجب حصلت عدة حريقات منها حريقتان في ليلة واحدة
احداهما بالازبكية واخرى بخطتنا بالصنادقية
وظهرت النار من دكان رجل صناديقي وهي مشحونة بالاخشاب والصناديق المدهونة عند خان الجلاية فرعت النار في الاخشاب ووجت في ساعة واحدة وتعلقت بشبابيك الدور وذلك بعد حصة من الليل وهاج الناس والسكان وأسرعوا بالهدم وصب المياه وأحضر الوالي القصارين حتى طفئت
وفيه أيضا من الحوادث المستهجنة أن امرأة تعلقت برجل من المجاذيب يقال له الشيخ علي البكرى مشهور ومعتقد عند العوام وهو رجل طويل حليق اللحية يمشي عريانا واحيانا يلبس قميصا وطاقية
ويمشي حافيا فصارت هذه المرأة تمشي خلفه أينما توجه وهي بازارها وتخلط في ألفاظها وتدخل معه الى البيوت وتطلع الحريمات واعتقدها النساء وهادوها بالدراهم والملابس وأشاعوا ان الشيخ لحظها وجذبها وصارت من الاولياء ثم ارتقت في درجات الجذب وثقلت عليها الشربة فكشفت وجهها ولبست ملابس كالرجال ولازمته أينما توجه ويتبعهما الاطفال والصغار وهوام العوام ومنهم من اقتدى بهما ايضا ونزع ثيابه وتخجل في مشيه وقالوا انه اعترض على الشيخ والمرأة فجذبه الشيخ ايضا
(1/615)

وأن الشيخ لمسه فصار من الاولياء
وزاد الحال وكثر خلفهم أوباش الناس والصغار وصاروا يخطفون اشياء من الاسواق ويصير لهم في مرورهم ضجة عظيمة واذا جلس الشيخ في مكان وقف الجميع وازدحم الناس للفرجة عليه وتصعد المرأة على دكان أو علوة وتتكلم بفاحش القول ساعة بالعربي ومرة بالتركي والناس تنصت لها ويقبلون يدها ويتبركون بها وبعضهم يضحك ومنهم من يقول الله الله وبعضهم يقول دستور يا أسيادى وبعضهم يقول لا تعترض بشيء
فمر الشيخ في بعض الاوقات على مثل هذه الصورة والضجة ودخلوا من باب بيت القاضي الذى من ناحية بين القصرين وبتلك العكفة سكن بعض الاجناد يقال له جعفر كاشف فقبض على الشيخ وادخله الى داره ومعه المرأة وباقي المجاذيب فأجلسه وأحضر له شيئا يأكله وطرد الناس عنه وأدخل المرأة والمجاذيب الى الحبس وأطلق الشيخ لحال سبيله وأخرج المرأة والمجاذيب فضربهم وعزرهم ثم أرسل المرأة الى المارستان وربطها عند المجانين وأطلق باقي المجاذيب بعد ان استغاثوا وتابوا ولبسوا ثيابهم وطارت الشربة من رؤوسهم وأصبح الناس يتحدثون بقصتهم
واستمرت المرأة محبوسة بالمارستان حتى حدثت الحوادث فخرجت وصارت شيخة على انفرادها ويعتقدها الناس والنساء وجمعت عليها الجمعيات وموالد واشباه ذلك
وفيه ورد الخبر من الديار الشامية بحصول طاعون عظيم في بلادهم حصل عندهم ايضا قحط وغلاء في الاسعار
وفي يوم الثلاثاء ثاني شهر شعبان ركب سليم أغا في عصريته الى جامع السلطان حسن بن قلاون الذى بسوق السلاح وأحضر معه فعلة وفتح باب المسجد المسدود وهو الباب الكبير الذى من ناحية سوق السلاح فهدموا الدكاكين التي حدثت أسفله والبناء الذى بصدر الباب وكان
(1/616)

مدة سده في هذه المرة احدى وخمسين سنة وكان سببها المقتلة التي قتل فيها الاحد عشر اميرا ببيت محمد بك الدفتردار في سنة تسع وأربعين وتقدم ذكرها في أول التاريخ
وسبب فتحه ان بعض اهل الخطة تذاكر مع الاغا في شأنه واعلمه بحصول المشقة على الناس المصلين في الدخول اليه من باب الرميلة وربما فاتهم حضور الجماعة في مسافة الذهاب وان الاسباب التي سد الباب من أجلها قد زالت وانقضت ونسيت فاستأذن سليم أغا ابراهيم بك ومراد بك في فتحه فأذنا له ففتحه وصنع له بابا جديدا عظيما وبنى له سلالم ومصاطب واحضر نظاره وأمرهم بالصرف عليه ويأتي هو في كل يوم يباشر العمل بنفسه وعمروا ما تشعث منه ونظفوا حيطانه ورخامه وظهر بعد الخفاء وازدحم الناس للصلاة فيه وأتوا اليه من الاماكن البعيدة
وفي يوم الجمعة خامسة توفي مصطفى بك المرادى المجنون
وفي عشرين شعبان كثر الارجاف بمجيء مراكب الاسكندرية وعساكر وغير ذلك
وفي يوم السبت خامس رمضان حضر واحد أغا من الديار الرومية وعلى يده مكاتبة بالحث على المطلوبات المتقدم ذكرها فطلع الامراء الى القلعة ليلا واجتمعوا بالباشا وتكلموا مع بعضهم كلاما كثيرا وقال مراد بك للباشا ليس لكم عندنا الا حساب أمهلونا الى بعد رمضان وحاسبنا على جميع ما هو في طرفنا نورده وأرسل الى من وصل الاسكندرية يرجعون الى حيث كانوا والا فلا نشهل حجا ولا صرة ولا ندفع شيئا
وهذا آخر الكلام كل ذلك وابراهيم بك يلاطف كلا منهما ثم اتفقوا على كتابة عرضحال من الوجاقلية والمشايخ ويذكر فيه انهم أقلعوا وتابوا ورجعوا عن المخالفة والظلم والطريق التي ارتكبوها وعليهم القيام باللوازم وقرروا على أنفسهم مصلحة يقومون بدفعها لقبطان باشا والوزير
(1/617)

وباشة جدة وقدرها ثلثمائة وخمسون كيسا وقاموا على ذلك ونزلوا الى بيوتهم
وفي ليلة الاثنين جمع ابراهيم بك المشايخ وأخبرهم بذلك الاتفاق وشرعوا في كتابة العرضحالات أحدها للدولة وآخر لقبطان باشا بالمهلة حتى يأتي الجواب وآخر لباشة جدة الذى في الاسكندرية
وفي صبحها وردت مكاتبة من أحمد باشا الجزار يخبر فيها بالحركة والتحذير واخبار بورود مراكب أخرى باسكندرية ومراكب وصلت الى دمياط فزار اللغط والقال والقيل
وفيه ركب سليم أغا مستحفظان ونادى في الاسواق على الاروام والقليونجية والاتراك بانهم يسافرون الى بلادهم ومن وجد منهم بعد ثلاثة أيام قتل
وفيه اتفق رأى ابراهيم بك ومراد بك انهم يرسلون لاجين بك ومصطفى بك السلحدار الى رشيد لاجل المحافظة والاتفاق مع عرب الهنادى ويطلبون أحمد باشا والي جدة ليأتي الى مصر ويذهب الى منصبه
فسافر وافي ليلة الخميس عاشر رمضان
وفي تلك الليلة ركب ابراهيم بك بعد الافطار وذهب الى مراد بك وجلس معه ساعة ثم ركبا جميعا وطلعا الى القلعة وطلع أيضا المشايخ باستدعاء من الامراء وهم الشيخ البكرى والشيخ السادات والشيخ العروسي والشيخ الدردير والشيخ الحريرى وقابلوا الباشا وعرضوا عليه العرضحالات
وكان المنشي لبعضها الشيخ مصطفى الصاوى وغيره فأعجبهم انشاء الشيخ مصطفى وامروا بتغيير ما كان من انشاء غيره
وانخضع مراد بك في تلك الليلة للباشا جدا وقبل أتكه وركبتيه ويقول له يا سلطانم نحن في عرضك في تسكين هذا الامر ودفعه عنا ونقوم بما علينا ونرتب الامور وننظم الاحوال على القوانين القديمة
فقال الباشا ومن يضمنكم ويتكفل
(1/618)

بكم قال أنا الضامن لذلك ثم ضماني على المشايخ والاختيارية
وفي ليلة الاحد ثالث عشرة وصلت الاخبار بوصول حسن باشا القبطان الى ثغر الاسكندرية وكان وصوله يوم الخميس عاشره قبل العصر وصحبته عدة مراكب فزاد الاضطراب وكثر اللغط
فتمموا أمر العرضحالات وأرسلوها صحبة سلحدار الباشا والططرى وواحد أغا ودفعوا لكل فرد منهم ألف ريال وسافروا من يومهم
وفيه وردت الاخبار بان مشايخ عرب الهنادى والبحيرة ذهبوا الى الاسكندرية وقابلوا أحمد باشا الجداوى فألبسهم خلعا وأعطاهم دراهم وكذلك أهل دمنهور
وفيه حضر صدقات من مولاى محمد صاحب المغرب ففرقت على فقراء الازهر وخدمة الاضرحة والمشايخ المفتين والشيخ البكرى والشيخ السادات والعمريين على يد الباشا بموجب قائمة ومكاتبة
وفي يوم الثلاثاء حضر مصطفى جربجي باش سراجين مراد بك سابقا وسردار ثغر رشيد حالا وكان السبب في حضوره انه حضرت الى رشيد أحد القباطين وصحبته عدة وافرة من العسكر فطلع الى بيت السردار المذكور وأعطاه مكاتبة من حسن باشا خطابا للامراء بمصر وامره بالتوجه بها فحضر بتلك المكاتبة مضمونها التطمين ببعض ألفاظ
وفيه اتفق رأى الامراء على ارسال جماعة من العلماء والوجاقلية الى حسن باشا فتعين لذلك الشيخ أحمد العروسي والشيخ محمد الامير والشيخ محمد الحريري ومن الوجاقلية اسمعيل افندى الخلوتي وابراهيم أغا الورداني وذهب صحبتهم أيضا سليمان بك الشابورى وارسلوا صحبتهم مائة فرد بن ومائة قنطار سكر وعشر بقج ثياب هندية وتفاصيل وعودا وعنبرا وغير ذلك فسافروا في يوم الجمعة ثامن عشر رمضان على انهم يجتمعون به ويكلمونه ويسألونه عن مراده ومقصده ويذكرون
(1/619)

له امتثالهم وطاعتهم وعدم مخالفتهم ورجوعهم عما سلف من افاعيلهم ويذكرونه حال الرعية وما توجبه الفتن من الضرر والتلف
وفي يوم السبت حضر تفكجي باشا من طرف حسن باشا وذهب الى ابراهيم بك وأفطر معه وخلع عليه خلعة سمور وأعطاه مكاتبات وكان صحبته محمد أفندى حافظ من طرف ابراهيم بك ارسله الامراء قبل بأيام عندما بلغهم خبر القادمين ليستوعب الاحوال ثم ان ذلك التفكجي جلس مع ابراهيم بك حصة من الليل وذهب الى محله وحضر علي أغا كتخدا الجاويشية فركب مع ابراهيم بك وطلعا الى الباشا في سادس ساعة من الليل ثم نزلا وسافر التفكجي في صبحها وصحبته الحافظ
وكان فيما جاء به ذلك التفكجي طلب ابراهيم بك أمير الحاج فلم يرض بالذهاب وكان لاجين بك ومصطفى بك لما سافرا للمحافظة بعد التوبة بيومين فعلوا أفاعيلهم بالبلاد وطلبوا الكلف وحرقوا وردان فضجت أهالي البلاد وذهبوا الى عرضي حسن باشا وشكوا ما نزل بهم فأخذ بخواطرهم وكتب لهم فرمانا برفع الخراج عنهم سنتين وأرسل مع ذلك التفكجي العتاب واللوم في شأن ذلك
وفي تلك الليلة ذهب سليم أغا الى ناحية باب الشعرية وقبض على الحافظ اسحق وأخذه على صورة أرباب الجرائم من أسافل الناس وذهب به الى بولاق فلحقه مصطفى بك الاسكندراني ورده
وفي يوم الاثنين وصلت الاخبار بورود حسن باشا الى ثغر رشيد يوم الاربعاء سادس عشرة وانه كتب عدة فرمانات بالعربي وارسلها الى مشايخ البلاد وأكابر العربان والمقادم وحق طريق المعينين بالفرمانات ثلاثون نصفا فضة لا غير وذلك من نوع الخداع والتحيل وجذب القلوب ومثل قولهم انهم يقرروا مال الفدان سبعة أنصاف ونصف نصف حتى كادت الناس تطير من الفرح وخصوصا الفلاحين لما سمعوا ذلك
وانه
(1/620)

يرفع الظلم ويمشي على قانون دفتر السلطان سليمان وغير ذلك
وكان الناس يجهلون أحكامهم فمالت جميع القلوب اليهم وانحرفت عن الامراء المصرية وتمنوا سرعة زوالهم
وصورة ذلك الفرمان وهو الذي أرسل الى أولاد حبيب من جملة ما أرسل صدر هذا الفرمان الشريف الواجب القبول والتشريف من ديوان حضرة الوزير المعظم والدستور المكرم عالي الهمم وناصر المظلوم على من ظلم مولانا العزيز غازى حسن باشا ساري عسكر السفر البحري المنصور حالا ودونانمة همايون أيدت سيادته السنية وزادت رتبته العلية الى مشايخ العرب أولاد حبيب بناحية دجوة وفقهم الله تعالى نعرفكم انه بلغ حضرة مولانا السلطان نصره الله ما هو واقع بالقطر المصرى من الجور والظلم للفقراء وكافة الناس وان سبب هذا خائنون الدين ابراهيم بك ومراد بك واتباعها فتعينا بخط شريف من حضرة مولانا السلطان أيده الله بعساكر منصورة بحرا لدفع الظلم ولايقاع الانتقام من المذكورين وتعين عليهم عساكر منصورة برا يسارى عسكر عليهم من حضرة مولانا السلطان نصره الله وقد وصلنا الى ثغر اسكندرية ثم الى رشيد في سادس عشر رمضان فحررنا لكم هذا الفرمان لتحضروا تقابلونا وترجعوا الى أوطانكم مجبورين مسرورين ان شاء الله تعالى فحين وصوله اليكم تعملوا به وتعتمدوه والحذر ثم الحذر من المخالفة وقد عرفناكم
ثم ان الامراء زاد قلقهم واجتمعوا في ليلتها ببيت ابراهيم بك وعملوا بينهم مشورة في هذا الامر الذى دهمهم وتحققوا اتساع الخرق والنيل آخذ في الزيادة فعند ذلك تجاهروا بالمخالفة وعزموا على المحاربة واتفق الرأى على تشهيل تجريدة وأميرها مراد بك فيذهبون الى جهة فوة ويمنعون الطريق ويرسلون الى حسن باشا مكاتبات بتحرير الحساب والقيام بغلاق المطلوب ويرجع من حيث أتى
فان امتثل والا حاربناه وهذا آخر الكلام
ثم جمعوا المراكب وعبوا
(1/621)

الذخيرة والبقسماط وذلك كله في يوم الثلاثاء والاربعاء ونقلوا عزالهم ومتاعهم من البيوت الكبار الى اماكن لهم صغار جهة المشهد الحسيني والشنواني والازهر وعطلوا القناديل والتعاليق المعدة لمهرجان رمضان وزاد الارجاف وكثر اللغط ولاحت عليهم لوائح الخذلان ورخص أسعار الغلال بسبب بيعهم الغلال المخزونة عندهم
وفي يوم الخميس رابع عشرينه خرج مراد بك والامراء المسافرون معه الى ناحية بولاق وبرزوا خيامهم وعدوا في ليلتها الى برانبابة ونصبوا وطاقهم هناك
وتعين للسفر صحبة مراد بك مصطفى بك الداوودية الذى عرف بالاسكندراني ومحمد بك الالفي وحسين بك الشفت ويحيى بك وسليمان بك الاغا وعثمان بك الشرقاوى وعثمان بك الاشقر وركب ابراهيم بك بعد المغرب وذهب اليهم وأخذ بخاطرهم ورجع فأقاموا في برانبابة يوم الجمعة حتى تكامل خروج العسكر وأخذ مراد بك ما احتاجه من ملائل الحج جمالا وبقسماطا وغيره حتى الذى قبض من مال الصرة وأرسلوا في ليلتها على أغا كتخدا الجاويشية وسليمان أغا الحنفي الى الباشا وطلبوا منه الدراهم التي كانوا استخلصوها من مصطفى بك أمير الحاج وأودهوها عند الباشا فدفعها لهم بتمامها
وفي يوم السبت سادس عشرينه سافر مراد بك من برانبابة وأصحب ليكون سفيرا بينه وبين قبطان باشا وفي ليلة الإثنين ثامن عشرينه مسافر مصطفى بك الكبير أيضا ولحق بمراد بك
وفي ليلة الثلاثاء حضر المشايخ ومن معهم من ثغر رشيد فوصلوا الى بولاق بعد العشاء وباتوا هناك وذهبوا الى بيوتهم في الصباح
فأخبروا انهم اجتمعوا على حسن باشا ثلاث مرات الاولى للسلام فقابلهم بالاجلال والتعظيم وأمر لهم بمكان نزلوا فيه ورتب لهم ما يكفيهم من
(1/622)

الطعام المهيأ في الافطار والسحور ودعاهم في ثاني يوم وكلمهم كلمات قليلة وقال له الشيخ العروسي يا مولانا رعية مصر قوم ضعاف وبيوت الامراء مختلطة ببيوت الناس
فقال لا تخشوا من شيء فان أول ما أوصاني مولانا السلطان أوصاني بالرعية وقال ان الرعية وداعة الله عندى وانا استودعتك ما أودعنيه الله تعالى
فدعوا له بخير ثم قال كيف ترضون أن يملككم مملوكان كافران وترضونهم حكاما عليكم يسومونكم العذاب والظلم لماذا لم تجتمعوا عليهم وتخرجوهم من بينكم
فأجابه اسمعيل أفندى الخلوتي بقوله يا سلطانم هؤلاء عصبة شديد والباس ويد واحدة
فغضب من قوله ونهره وقال تخوفني ببأسهم فاستدرك وقال انما أعني بذلك انفسنا لانهم بظلم أضعفوا الناس
ثم أمرهم بالانصراف
واجتمعوا عليه مرة ثالثة بعد صلاة الجمعة فأستأذنوه في السفر ثم تركهم يومين وكتب لهم مكاتبات وسلمها ليد سليمان بك الشابورى وأمرهم بالانصراف فودعوه وساروا وأخفيت تلك المكاتبات
وفي غاية رمضان أرسل الباشا عدة أوراق الى افراد المشايخ وذكر انها وردت من صدر الدولة وأما العرضحالات التي أرسلوها صحبة السلحدار والططرى فانهما لما وصلا الى اسكندرية واطلع عليها حسن باشا حجزها ومنع المراسلة الى اسلامبول وقال أنا دستور مكرم والامر مفوض الي في أمر مصر
وسأل السلحدار عن الاوراق التي من صدر الدولة هل أرسلها الباشا الى أربابها فأخبره انه خاف من اظارها فاشتد غضبه على الباشا وسبه بقوله خائن منافق
فلما رجع السلحدار في تاريخه واخبر الباشا فعند ذلك ارسلها كما تقدم
وفي ثاني شوال اشيع مراد بك ملك مدينة فوة وهرب من بها من العسكر ووقع بينهم مقتلة عظيمة وانه اخذ المراكب التي وجدها على ساحلها ثم ظهر صحة ذلك
(1/623)

وفي يوم السبت نزلت الكسوة من القلعة على العادة الى المشهد الحسيني وركب ابراهيم بك الكبير وابراهيم بك امير الحاج الى قراميدان ونزل الباشا كذلك واكد على امير الحاج في التشهيل فأعتذر اليه بتعطيل الاسباب فوعده بالمساعدة
وفي يوم الاحد اشاعوا اشاعة مثل الاولى مصطنعة واظهروا البشر والسرور وركب ابراهيم بك في ذلك اليوم وذهب الى الشيخ البكرى وعيد عليه ثم الى الشيخ العروسي والشيخ الدردير وصار يحكي لهم
وتصاغر في نفسه جدا واوصاهم على المحافظة وكف الرعية عن امر يحدثوه او قومة او حركة في مثل هذا الوقت فانه كأنه يخاف ذلك جدا وخصوصا لما اشيع امر الفرمانات التي ارسلها الباشا للمشايخ وتسامع بها الناس وفي وقت ركوب ابراهيم بك من بيت الشيخ البكرى حصلت زعجة عظيمة ببركة الأزبكية وسببها أن مملوكا أسود ضرب رجلا من زراع الملقاتى فجرحه فوقع الصياح من رفقائه واجتمع عليهم خلق كثير من الاوباش وزاد الحال حتى امتلأت البركة من المخلوقات وكل منهم يسأل عن الخبر من الآخر ويختلقون انواعا من الاكاذيب
فلما رجع ابراهيم بك الى داره ارسل من طرد الناس وفحصوا عن اصل القضية وفتشوا على الضارب فلم يجدوه فأخذوا المضروب فطيبوا خاطره واعطوه دراهم
وفيه ارسل مراد بك بطلب ذخيرة وبقسماط وركب ايوب بك الصغير وذهب الى مصر العتيقة وعثمان بك الطنيرجي الى بولاق ونزلوا جملة مدافع ومنها الغضبان وابو مايلة وكان ايوب هذا متمرضا مدة شهور ومنقطعا في الحريم فغرق وشفي في ساعة واحدة
وفي يوم الاثنين كان مولد السيد احمد البدوى ببولاق وكراء مشايخ الاشاير المراكب ليسافروا فيها فأخذوها بأجمعها لاجل الذخيرة والمدافع
(1/624)

ووسقوها وارسلوا منها جملة
وفي ليلة الثلاثاء حضرت مراكب من مراكب الغائبين وفيها مماليك ومجاريح واجناد واخبروا بكسرة مراد بك ومن معه واصبح الخبر شائعا في المدينة وثبت ذلك ورجعت المراكب بما فيها واخبروا عما وقع وهو انه لما وصل مراد بك الى الرحمانية عدى سليمان بك الاغا وعثمان بك الشرقاوى والالفي الى البر الشرقي فحصل بينهم اختلاف وغضب بعضهم ورجع القهقرى فكان ذلك اول الفشل
ثم تقدموا الى محلة العلويين فأخلوا منها الاورام فدخلوا اليها وملكوها وارسلوا الى مراد بك يطلبون منه الامداد فأمر بعض الامراء بالتعدية اليهم فامتنعوا وقالوا نحن لا نفارقك ونموت تحت اقدامك فحنق منهم وارسل عوضهم جماعة من العرب ثم ركبوا وقصدوا ان يتقدموا الى فوة فوجدوا امامهم طائفة من العسكر ناصبين متاريس فلم يمكنهم التقدم لوعر الطريق وضيق الجسر وكثرة القنى ومزارع الارز فتراموا بالبنادق فرمح سليمان بك فعثر بقناة وسقط فحصلت فيهم ضجة وظنوها كسرة فرجعوا القهقرى ودخل الرعب في قلوبهم ورجعت عليهم العرب ينهبونهم
فعدوا الى البر الآخر وكان مراد بك مستقرا في مكان توصل اليه من طريق ضيقة لاتسع الا الفارس بمفرده فاشاروا عليه بالانتقال من ذلك المكان وداخلهم الخوف وتخيلوا تخيلات
وما زالوا في نقض وابرام الى الليل ثم أمر بالاتحال فحملوا حملاتهم ورجعوا القهقرى وما زالوا في سيرهم وأشيع فيهم الانهزام وتطايرت الاخبار بالكسرة وتيقن الناس ان هذا أمر الهي ليس بفعل فاعل
وفي ذلك اليوم حصلت كرشة من ناحية الصاغة وسببها عبد مملوك أراد الركوب على حمار بعض المكارية فازدحموا عليه الحمارة ورمحوا خلفه فصارت كرشة ورمحت الصغار فاغلقوا الدكاكين بالاشرفية
(1/625)

والغورية والعقادين وغير ذلك ثم تبين ان لا شيء ففتح الناس الدكاكين
وفي ذلك اليوم حضر أناس من المماليك مجاريح وزاد الارجاف فنزل الباشا وقت الغروب الى باب العزب واراد ابراهيم بك ان يملك أبواب القلعة فلم يتمكن من ذلك
وأرسل الباشا فطلب القاضي والمشايخ فطلع البعض وتأخر البعض إلى الصباح وبات السيد عند الباشا ذكرها بعد ذلك الباشا لحسن باشا وشكره عليها واحبه وذهب للسلام عليه عند قدومه دون غيره من بقية المشايخ فلما أصبح نهار الاربعاء طلعوا بأجمعهم وكذلك جماعة الوجاقلية ونصب الباشا البيرق على باب العزب ونزل جاويش مستحفظان وجاويش العزب وامامهم القابجية والمناداة على الالضاشات وغيرهم وكل من كان طائعا لله وللسلطان يأتي تحت البيرق فطلع عليه جميع الالضاشات والتجار واهل خان الخليلي وعامة الناس وظهرت الناس المخفيون والمستضعفون والذين أنحلهم الدهر والذى لم يجد ثياب زيه استعار ثيابا وسلاحا حتى امتلأت الرميلة وقراميدان من الخلائق وأرسل محمد باشا يستحث حسن باشا في سرعة القدوم ويخبره بما حصل وكان قصد حسن باشا التأخر حتى يسافر الحاج وتأتي العساكر البرية فاقتضى الحال ولزم الامر في عدم التأخر
وأما ابراهيم بك فانه اشتغل في نقل عزاله ومتاعه بطول الليل في بيوته الصغار فلم يترك الا فرش مجلسه الذى هو جالس فيه ثم انه جلس ساعة وركب الى قصر العيني وجلس به
وأما ابراهيم بك أمير الحج فانه طلع الى باب العزب وطلب الامان فأرسل له الباشا فرمانا بالامان واذن له في الدخول وكذلك حضر أيوب بك الكبير وأيوب بك الصغير وكتخدا الجاويشية وسليمان بك الشابورى وعبد الرحمن بك وعثمان وأحمد جاويش المجنون ومحمد كتخدا أزنور ومحمد كتخدا اباظة وجماعة كثيرة من الغز والاجناد وكذلك رضوان بك بلغيا فكان كل من حضر لطلب الامان فان كان من الامراء الكبار فانه يقف عند الباب ويطرقه ويطلب الامان ويستمر
(1/626)

واقفا حتى يأتيه فرمان الامان ويؤذن له في الدخول من غير سلاح وان كان من الاصاغر فانه يستمر بالرميلة أو قراميدان أو يجلس على المساطب
فلما تكامل حضور الجميع أبرز الباشا خطا شريفا وقرأه عليهم وفيه المأمورات المتقدم ذكرها وطلب ابراهيم بك ومراد بك فقط وتأمين كل من يطلب الامان
واستمر امير الحج على منصبه ثم انه خلع على حسن كاشف تابع حسن بك قصبة رضوان وقلده أغاة مستحفظان وخلع على محمد كتخدا أزثور وقلده الزعامة وقلد محمد كتخدا اباظة أمين احتساب ونزلوا الى المدينة ونادوا بالامان والبيع والشراء وكذلك نزل الأمراء إلى دورهم ما عدا إبراهيم بك أمير الحاج فإن الباشا عوقه عنده ذلك اليوم
وكذلك اذنوا للناس بالتوجه الى اماكنهم بشرط الاستعداد والاجابة وقت الطلب ولم يتأخر الا المحافظون على الابواب
واما مراد بك فانه حضر الى برانبابة واستمر هناك ذلك اليوم ثم ذهب في الليل الى جزيرة الذهب وركب ابراهيم بك ليلا وذهب الى الآثار
وفي عصر ذلك اليوم نزل الآغا ونبه على الناس بالطلوع الى الابواب
وفيه حضر سليمان بك الاغا وطلب الامان فأعطوه فرمان الامان وذهب الى بيته وأصبح يوم الخميس فنزلت القابجية ونبهت على الناس بالطلوع فطلعوا واجتمعت الخلائق زيادة على اليوم الاول وحضر أهالي بولاق ونزل الاغا فنادى بالامن والامان
وفي ذلك اليوم قبل العصر ركب عثمان خازندار مراد بك سابقا وذهب الى سيده وكان من جملة من أخذ فرمانا بالامان فلما نزل الى داره أخذ ما يحتاجه وذهب فلما بلغ الباشا هروبه اغتاظ من فعله
ثم ان الباشا تخيل من ابراهيم بك امير الحاج فأمره بالنزول الى بيته فنزل الى جامع السلطان حسن وجلس به فأرسل له الباشا بالذهاب الى منزله
(1/627)

فذهب
وفي صباح ثاني يوم ركب سليمان بك وأيوب بك الكبير والصغير وخرجوا الى مضرب النشاب وركب ابراهيم بك أمير الحاج وذهب الى بولاق واحب ان يأخذ الجمال من المناخ فمنعه عسكر المغاربة ثم ذهب عند رفقائه بمضرب النشاب فلما بلغ الباشا ذلك أرسل لهم فرمانا بالعودة فطردوا الرسول ومزقوا الفرمان وأقاموا بالمصاطب حتى اجتمعت عليهم طوائفهم وركبوا ولحقوا بأخوانهم فلما حصل ذلك اضطربت البلد وتوهموا صعودهم على الجبل بالمدافع ويضربوا على القلعة وغير ذلك من التوهمات وركب قائد أغا بعد صلاة الجمعة وعلي أغا خازندار مراد بك سابقا وصحبتهم جملة من المماليك والعسكر وهم بالطرابيش وبيدهم مكاحل البندق والقرابينات وفتائلها موقودة فوصلوا الى الرميلة فضربوا عليهم مدفعين فرجعوا الى ناحية الصليبة ونزلوا الى باب زويلة ومروا على الغورية والاشرفية وبين القصرين وطلعوا من باب النصر وامامهم المناداة أمان واطمئنان حكم ما رسم ابراهيم بك ومراد بك وحكم الباشا بطال فلما سمع الناس ذلك ورأوه على تلك الصورة انزعجوا واغلقوا الدكاكين المفتوحة وهاجت الناس وحاصوا حيصة عظيمة وكثر فيهم للغط
ولما بلغ الباشا هروب المذكورين حصن القلعة والمحمودية والسلطان حسن وأرسل الاغا فنادى على الالضاشات بالطلوع الى القلعة
وفي تلك الليلة ضرب المنسر كفر الطماعين ونهبوا منه عدة أماكن وقتل بينهم اشخاص وانقطعت الطرق حتى الى بولاق ومصر القديمة وصارت التعرية من عند رصيف الخشاب
وفي يوم السبت ركب ابراهيم بك وحسين بك وأتوا الى المناخ أيضا وأرادوا أخذ الجمال فمنعهم المغاربة وقيل أخذوا منهم جملة وعربدوا في ذلك اليوم عربدة عظيمة من كل ناحية وارسل الباشا قبل المغرب فطلب
(1/628)

تجار المغاربة فأجتمعوا وطلعوا بعد العشاء وباتوا بالسبيل الذى في رأس الرميلة وشدد الباشا في اجتماع الالضاشات ومن ينتسب للوجاقات فقيل له ان منهم من لا يملك قوت يومه وسبب تفرقهم الجوع وعدم النفقة فطلب أغات مستحفظان وأعطاه أربعة آلاف ريال لينفقها فيهم
وفيه عدى مراد بك من جزيرة الذهب الى الآثار وكان ابراهيم بك ركب الى حلوان وضربها وأحرقها بسبب ان أهل حلوان نهبوا مركبا من مراكبه ولما عدى مراد بك الى البر الشرقي أرسل الى ابراهيم بك فحضر اليه واصطلح معه لان ابراهيم بك كان مغتاظا منه بسبب سفرته وكسرته فان ذلك كان على غير مراد ابراهيم بك وكان قصده انهم يستمرون مجتمعين ومنضمين واذا وصل القبطان اخلوا من وجهه ان لم يقدروا على دفعه أو مصالحته وتركوا له البلد ومصيره الرجوع الى بلاده فيعودون بعد ذلك باى طريق كان
وكان ذلك هو الرأى فلم يمتثل مراد بك وأخذ في أسباب الخروج والمحاربةة ولم يحصل من ذلك الا ضياع المال والفشل والانهزام الذى لا حقيقة له وكان الكائن
ولما اصطلحا تفرقت طوائفهما يعبثون في الجهات وبخطفون ما يجدونه في طريقهم من جمال السقائين وحمير الفلاحين وبعضهم جلس في مرمى النشاب وبعضهم جهة بولاق ونهبوا نحو عشرين مركبا كانت راسية عند الشيخ عثمان وأخذوا ما كان فيها من الغلال والسمن والاغنام والتمر والعسل والزيت
وفي يوم الاحد حادى عشرة زاد تنطيطهم وهجومهم على البلد من كل ناحية ويدخلون احزابا ومتفرقين ودخل قائد أغا وأتى الى بيته الذى كان سكن فيه وسكنه بعده حسن أغا المتولي وهو بيت قصبة رضوان فوجد بابه مغلوقا فأراد كسره بالبلط فأعياه وخاف من طارق فذهب الى باب آخر من ناحية القربية فضرب عليه الحراس بنادق فرجع بقهره يخطف كل ما صادفه ولم يزالوا على هذه الفعال الى بعد الظهر من ذلك اليوم
(1/629)

واشتد الكرب وضاق خناق الناس وتعطلت أسبابهم ووقع الصياح في أطراف الحارات من الحرامية والسراق والمناسر نهارا والاغا والوألي والمحتسب مقيمون بالقلعة لا يجسرون على النزول منها الى المدينة وتوقع كل الناس نهب البلد من أوباشها
وكل ذلك والمآكل موجودة والغلال معرمة كثيرة بالرقع ورخصت أسعارها والاخباز كثيرة وكذلك أنواع الكعك والفطير وأشيع وصول مراكب القبطان الى شلقان ففرح الناس وطلعوا المنارات والاسطحة العالية ينظرون الى البحر فلم يروا شيئا
فأشتد الانتظار وزاغت الابصار فلما كان بعد العصر سمع صوت مدافع على بعد ومدافع ضربت من القلعة ففرحوا واستبشروا وحصل بعض الاطمئنان وصعدوا ايضا على المنارات فرأوا عدة مراكب ونقاير وصلت الى قرب ساحل بولاق ففرح الناس وحصل فيهم ضجيج وكان مراد بك وجماعة من صناجقة وامرائه قد ذهبوا الى بولاق وشرعوا في عمل متاريس جهة السبتية واحضروا جملة مدافع على عجل وجمعوا الاخشاب وحطب الذرة وافرادا وغيرها فوردت مراكب الاروام قبل اتمامهم ذلك فتركوا العمل وركبوا في الوقت ورجعوا
وضجت الناس وصرخت الصبيان وزغرتت النساء وكسروا عجل المدافع
وفي هذا اليوم أرسل الامراء مكاتبة الى المشايخ والوجاقات يتوسلون بهم في الصلح وانهم يتوبون ويعودون الى الطاعة فقرئت تلك المكاتبات بحضرة الباشا فقال الباشا سبحان الله كم يتوبون ويعودون ولكن اكتبوا لهم جوابا معلقا على حضور قبطان باشا
فكتبوه وأرسلوه
وفي وقت العشاء من ليلة الاثنين وصل حسن باشا القبطان الى ساحل بولاق وضربوا مدافع لقدومه واستبشر الناس وفرحوا وظنوا انه مهدى الزمان فبات في مراكبه الى الصباح يوم الاثنين ثاني عشر شوال وطلع
(1/630)

بعض اتباعه الى القلعة وقابلوا الباشا ثم ان حسن باشا ركب من بولاق وحضر الى مصر من ناحية باب الخرق ودخل الى بيت ابراهيم بك وجلس فيه وصحبته اتباعه وعسكره وخلفه الشيخ الاترم المغربي ومعه طائفة من المغاربة فدخل بهم الى بيت يحيى بك
وراق الحال وفتحت أبواب القلعة واطمأن الناس ونزل من بالقلعة الى دورهم وشاع الخبر بذهاب الامراء المصرية الى جهة قبلي من خلف الجبل فسافر خلفهم عدة مراكب وفيها طائفة من العسكر واستولوا على مراكب من مراكبهم وأرسلوها الى ساحل بولاق وأنقذ حسن باشا رسلا الى اسمعيل بك وحسن بك الجداوى يطلبهما للحضور الى مصر
وفيه خرجت جماعة من العسكر ففتحوا عدة بيوت من بيوت الامراء ونهبوها وتبعهم في ذلك الجعيدية وغيرهم فلما بلغ القبطان ذلك أرسل الى الوالي والآغا وامرهم بمنع ذلك وقتل من يفعله ولو من أتباعه
ثم ركب بنفسه وطاف البلد وقتل نحو ستة أشخاص من العسكر وغيرهم وجد معهم منهوبات فأنكفوا عن النهب
ثم نزل على باب زويلة وشق من الغورية ودخل من عطفة الخراطين على باب الازهر وذهب الى المشهد الحسيني فزاره ونظر الى الكسوة ثم ركب وذهب الى بيت الشيخ البكرى بالازبكية فجلس عنده ساعة وأمر بتسمير بيت ابراهيم بك الذى بالازبكية وبيت أيوب بك الكبير وبيت مراد بك
ثم ذهب الى بولاق ورجع بعد الغروب الى المنزل وحضر عنده محمد باشا مخفيا واختلى معه ساعة
وفي يوم الثلاثاء ذهب اليه مشايخ الازهر وسلموا عليه وكذلك التجار وشكوا اليه ظلم الامراء فوعدهم بخير واعتذر اليهم باشتغاله بمهمات الحج وضيق الوقت وتعطل أسبابه
وفيه عمل الباشا الديوان وقلد حسن أغا مستحفظان صنجقية وخلع
(1/631)

على علي بك جركس الاسماعيلي صنجقية كما كان في أيام سيده اسمعيل بك وخلع على غيطاس كاشف تابع صالح بك صنجقيه وخلع على قاسم كاشف تابع أبي صنجقية أيضا وخلع على مراد كاشف تابع حسن بك الازبكاوى صنجقية وخلع على محمد كاشف تابع حسين بك كشكش صنجقية وقلد محمد أغا ارنؤد الوالي أغات الجمليان وقلد موسى أغا الوالي تابع علي بك اغات تفكجية وخلع على باكير أغا تابع محمود بك وجعله أغات مستحفظان وخلع على عثمان أغا الجلفي وقلده الزعامة عوضا عن محمد آغا ولما تكامل لبسهم التفت اليهم الباشا ونصحهم وحذرهم وقال للوجاقلية الزموا طرائقكم وقوانينكم القديمة ولا تدخلوا بيوت الامراء الصناجق الا لمقتضى واكتبوا قوائمكم بتعلقاتكم وعوائدكم أمضيها لكم
ثم قاموا وانصرفوا الى بيوتهم ونزل الآغا وامامه المناداة بالتركي والعرببي بالامان على اتباع الامراء المتوارين والمخفيين وكل ذلك تدبير وترتيب الاختيارية وقلدوا من كل بيت أميرا لئلا يتعصوا لانفسهم ولا تتحد أغراضهم
وفيه أرسل حسن باشا إلى نواب القضاء وأمرهم ان يذهبوا الى بيوت الامراء ويكتبوا ما يجدونه من متروكاتهم ويودعوه في مكان من البيت ويختمون عيه ففعلوا ذلك
وفي تلك الليلة وردت خمس مراكب رومية وضربوا مدافع وأجيبوا بمثلها من القلعة
وفي يوم الاربعاء ركب حسن باشا وذهب الى بولاق وهو بزى الدلاة وعلى رأسه هيئة قلبق من جلد السمور ولابس عباءة بطراز ذهب وكان قبل ذلك يركب بهيئته المعتادة وهي هيئة القباطين وهي فوقانية جوخ صاية بدلاية حرير على صدره وعلى رأسه طربوش كبير يعمم بشال أحمر وفي وسطه سكينة كبيرة وبيده مخصرة لطيفة هيئة حربة بطرفها
(1/632)

مشعب حديد على رسم الجلالة
وفيه نادى الاغا على كل من كان سراجا بطالا أو فلاحا أو قواسا بطالا يسافر الى بلده ومن وجد بعد ثلاثة أيام يستحق العقوبة
وفيه أيضا نودى على طائفة النصارى بان لا يركبوا الدواب ولا يستخدموا المسلمين ولا يشتروا الجوارى والعبيد ومن كان عنده شيء من ذلك باعه أو أعتقه وان يلزموا زيهم الاصلي من شد الزنار والزنوط
وفيه ارسل حسن باشا الى القاضي وأمره بالكشف عن جميع ما أوقفه المعلم ابراهيم الجوهرى على الديور والكنائس من أطيان ورزق وأملاك والمقصود من ذلك كله استجلاب الدراهم والمصالح
وفي يوم الخميس نودى على طائفة النصارى بالامان وعدم التعرض لهم بالايذاء وسببه تسلط العامة والصغار عليهم
وفيه كثر تعدى العساكر على أهل الحرف كالقهوجية والحمامية والمزينين والخياطين وغيرهم فيأتي احدهم الى الحمامي أو القهوجي أو الخياط ويقلع سلاحه ويعلقه ويرسم ركنه في ورقة أو على باب دكان وكأنه صيره شريكه وفي حمايته ويذهب حيث شاء أو يجلس متى شاء ثم يحاسبه ويقاسمه في المكسب وهذه عادتهم اذا ملكوا بلدة ذهب كل دى حرفة الى حرفته التي كان يحترفها في بلده ويشارك البلدى فيها فثقل على أهل البلدة هذه الفعلة لتكلفهم مالا ألفوه ولا عرفوه
وفيه أجلسوا عى أبواب المدينة رجلا أوده باشا ومعه طائفة من العسكر نحو الثلاثين أو العشرين
وفيه اعني يوم الخميس الموافق لسادس مسرى القبطي نودى بوفاء النيل فأرسل حسن باشا في صبح يوم الجمعة كتخداه والوالي فكسر السد على حين غفلة وجرى الماء في الخليج ولم يعمل له موسم ولا مهرجان مثل العادة بسبب القلقة وعدم انتظام الاحوال والخوف من هجوم الامراء
(1/633)

المصرية فانهم مقيمين جهة حلوان
وفيه نودى بتوقير الاشراف واحترامهم ورفع شكواهم الى نقيب الاشراف وكذلك المنسوبون الى الابواب ترفع الى وجاقة وان كان من أولاد البلد فالى الشرع الشريف
وفيه مرت جماعة من العسكر على سوق الغورية فخطفوا من الدكاكين امتعة واقمشة فهاجت أهل الدكاكين والناس المارون وأغلقوا الحوانيت وثارت كرشة الى باب زويلة وصادف مرور الوالي فقبض على ثلاثة أنفار منهم واستخلص ما بأيديهم وهرب الباقون وكان الوالي والاغا كل منهما صحبته ضابطان من جنس العسكر
وفيه نودى بمنع القواسة وأسافل الناس من لبس الشيلان الكشميرى والتختم أيضا
وفيه وصلت مراكب القباطين الواردين من جهة دمياط الى ساحل بولاق وفيهم اسمعيل كتخدا حسن باشا فضربت لهم مدافع من القلعة
وفيه قبضوا على ثلاثة من العسكر أفسدوا بالنساء بناحية الرميلة فرفعوا أمرهم وأمر الخطافين الى القبطان فأمر بقتلهم فضربوا اعناق ثلاثة منهم بالرميلة وثلاثة في جهات متفرقة
وفيه نودى بأبطال شركة العسكر لاهل الحرف ومن أتاه عسكرى يشاركه أو أخذ شيئا بغير حق فليمسك ويضرب وتوثق أكتافه ويؤتى به الى الحاكم وحضر الوالي وصحبته الجاويش وقبض على من وجده منهم بالحمامات والقهاوى وطردهم وزجرهم وذلك بسبب تشكي الناس فلما حصل ذلك اطمأنوا وارتاحوا منهم
وفيه عدى الامراء الى البر الغربي
وفي يوم السبت خلعوا على محمد بك تابع الجرف وجعلوه كاشفا على البحيرة
(1/634)

وفيه جاء الخبر عن الامراء ان جماعة من العرب نحو الالف اتفقوا انهم يكبسون عليهم ليلا ويقتلونهم وينهبونهم فذهب رجل من العرب واخبرهم بذلك الاتفاق فأخلوا من خيامهم وركبوا خيولهم وكمنوا بمرآى من وطاقهم فلما جاءت العربان وجدوا الخيام خالية فأشتغلوا بالنهب فكبس عليهم الامراء من كمينهم فلم ينج من العرب الا من طال عمره
وفيه نودى على طائفة النساء ان لا يجلسن على حوانيت الصياغ ولا في الاسواق الا بقدر الحاجة
وفي يوم الاحد عملوا الديوان وقلدوا مراد بك أمير الحاج وسماه حسن باشا محمدا كراهة في اسم مراد بك فصار يكتب في الامضاء محمد بك حسن وكان هذا اليوم هو ثاني يوم ميعاد خروج المحمل من مصر فان معتادة في هذه العصور سابع عشر شوال
وفي يوم الثلاثاء كتبت فرمانات لشيخ العرب أحمد بن حبيب بخفر البرين والموارد من بولاق الى حد دمياط ورشيد على عادة اسلافه وكان ذلك مرفوعا عنهم من أيام علي بك ونودى له بذلك على ساحل بولاق
وفيه أخرجت خبايا وودائع للامراء من بيوتهم الصغار لهم ولاتباعهم وختم ايضا على أماكن وتركت على ما فيها ووقع التفتيش والفحص على غيرها وطلبوا الخفراء فجمعوهم وحبسوهم ليدلوا على الاماكن التي في العطف والحارات وطلبت زوجة ابراهيم بك وحبست في بيت كتخدا الجاويشية هي وضرتها ام مرزوق بك حتى صالحا بجملة من المال والمصاغ خلاف ما أخذ من المستودعات عند الناس وطولبت زليخا زوجة ابراهيم بك بالتاج الجوهر وغيره وطلبت زوجة مراد بك فاختفت وطلب من السيد البكرى ودائع مراد بك فسلمها
وفي يوم الخميس عمل الباشا ديوانا وخلع على علي آغا كتخدا الجاويشية وقلده صنجيقا ودفتردار وشيخ البلد ومشير الدولة فصار
(1/635)

صاحب الحل والعقد واليه المرجع في جميع الامور الكلية والجزئية وقلد محمد أغا الترجمان وجعله كتخدا الجاويشية عوضا عن المذكور وخلع على سليمان بك الشابورى وقلده صنجقا كما كان أيضا في الدهور السالفة وخلع على محمد كتخدا ابن اباظة المحتسب وجعله ترجمانا عوضا عن محمد أغا الترجمان وخلع على أحمد أنما بن ميلاد وجعله محتسبا عوضا عن بن اباظه
وفي يوم الجمعة ركب المشايخ الى حسن باشا وتشفعوا عنده في زوجة ابراهيم بك وذلك باشارة علي بك الدفتردار فأجابهم بقوله تدفع ما على زوجها للسلطان وتخلص أزواجهن لهم مدة سنين ينهبون البلاد ويأكلون أموال السلطان والرعية وقد خرجوا من مصر على خيولهم وتركوا الاموال عند النساء فان دفعن ما على ازواجهن تركت سبيلهن والا اذقناهن العذاب
وانفض المجلس وقاموا وذهبوا
وفيه ورد الخبر عن الامراء انهم ذهبوا الى اسيوط واقاموا بها
وفي يوم السبت حصل التشديد والتفتيش والفحص عن الودائع ونودى في الاسواق بان كل من عنده وديعة او شيء من متاع الامراء الخارجين ولا يظهر ولا يقر عليه في مدة ثلاثة ايام قتل من غير معاودة ان ظهر بعد ذلك
وفيه طلب حسن باشا من التجار المسلمين والافرنج والاقباط دراهم سلفة لتشهيل لوازم الحج وكتب لهم وثائق وأجلهم ثلاثين يوما ففردوها على افرادهم بحسب حال كل تاجر وجمعوها
وفيه حصلت كائنة على بن عياد المغربي ببولاق وقتله اسمعيل كتخدا حسن باشا
وفيه نادوا على النساء بالمنع من النزول في مراكب الخليج والازبكية وبركة الرطلي
(1/636)

وفيه كتبوا مكاتبات من حسن باشا ومحمد باشا الوالي والمشايخ والوجاقات خطابا لاسمعيل بك وحسن بك الجداوى باستعجالهم للحضور الى مصر
وفي يوم الاحد خامس عشرينه نودى على النساء ان لا يخرجن الى الاسواق ومن خرجت بعد اليوم شنقت فلم ينتهين
وفيه أحضر حسن باشا المطربازية واليسرجية واخرج جوارى ابراهيم بك وباقي الامراء بيضا وسودا وحبوشا ونودى عليهن بالبيع والمزاد في حوش البيت فبيعوا بأبخس الاثمان على العثمانية وعسكرهم وفي ذلك عبرة لمن يعتبر
وفي يوم الاثنين أحضروا أيضا عدة جوار من بيوت الامراء ومن مستودعات كن مودعات وأخذوا جوارى عثمان بك الشرقاوى من بيته ومحظيته التي في بيته الذى عند جيضان المصلى فأخرجوها بيد القلبونجية وكذلك جوارى ايوب بك الصغير وما في بيوت سليمان اغا الحنفي من جوار وامتعة وكذلك بيوت غيره من الامراء واحاطوا بعدة بيوت بدرب الميضاة بالصليبة وطيلون ودرب الحمام وحارا المغاربة وغيرهم في عدة اخطاط فيها ودائع وأغلال فأخذوا بعضها وختموا على باقيها وأحضروا الجوارى بين يدى حسن باشا فأمر ببيعهن وكذلك امر ببيع اولاد ابراهيم بك مرزوق وعديله والتشديد على زوجاته ثم ان شيخ السادات ركب الى الشيخ أحمد الدردير وأرسلوا الى الشيخ أحمد العروسي والشيخ محمد الحريرى فحضروا وتشاوروا في هذا الامر ثم ركبوا وطلعوا الى القلعة وكلموا محمد باشا وطلبوا منه أن يتكلم مع قبطان باشا فقال لهم ليس لي قدرة على منعه ولكن اذهبوا اليه واشفعوا عنده
فالتمسوا منه المساعدة فأجابهم وقال اسبقوني وأنا أكون في اثركم فلما دخلوا على القبطان وحضر أيضا محمد باشا وخاطبوه في شأن ذلك وكان المخاطب له شيخ السادات فقال له انا سررنا بقدومك
(1/637)

الى مصر لما ظنناه فيك من الانصاف والعدل وان مولانا السلطان أرسلك الى مصر لاقامة الشريعة ومنع الظلم وهذا الفعل لا يجوز ولا يحل بيع الاحرار وأمهات الاولاد ونحو ذلك من الكلام فاغتاظ وأحضر افندى ديوانه وقال اكتب أسماء هؤلاء لارسل الى السلطان واخبره بمعارضتهم لاوامره ثم التفت اليهم وقال أنا أسافر من عندكم والسلطان يرسل لكم خلافي فتنظروا فعله أما كفاكم أني في كل يوم أقتل من عساكرى طائفة على أيسر شيء مراعاة وشفقة ولو كان غيري لنظرتم فعل العسكر في البيوت والاسواق والناس
فقالوا له انما نحن شافعون والواجب علينا قول الحق
وقاموا من عنده وخرجوا وتغير خاطره من ذلك الوقت على شيخ السادات
وفيه قبض اسمعيل كتخدا حسن باشا على الحاج سليمان بن ساسي التاجر وجماعة من طيلون وألزمه بخمسمائة كيس فولول واعتذر بعجزه عن ذلك فلم يقبل ولطمه على وجهه وشدد عليه فراجعوه وتشفعوا فيه الى أن قررها مائة كيس فحلف انه لا يملك الا ثلثمائة فرق بن وليس له غيرها فأرسل وختم عليها في حواصلها واستمر في الاعتقال حتى غلق المائة كيس على نفسه منها خمسون ومثلها على الطولونية وسبب ذلك حادثة ابن عياد لانهم أولاد بلاده
وفي يوم الثلاثاء سابع عشرينه كان خروج المحمل صحبة أمير الحاج محمد بك المبدول بالموكب على العادة ما عدا طائفة الينكجرية والعزب خوفا من اختلاط العثمانية بهم وحضر حسن باشا القبطان الى مدرسة الغورية لاجل الفرجة والمشاهدة ولم يزل جالسا حتى مر الموكب والمحمل
ولما مرت عليه طوائف الاشاير فكانت تقف الطائفة منهم تحت الشباك ويقرأون الفاتحة فيرسل لهم ألف نصف فضة في قرطاس ولما انقضى امر ذلك ركب بجماعة قليلة وازدحمت الناس للفرجة عليه وكان لابسا على
(1/638)

هيئة ملوك العجم وعلى رأسه تاج من ذهب مزرد مخروط الشكل وعليه عصابة لطيفة من حرير مرصعة بالجوهر ولها ذوائب على آذانه وحواجبه وعليه عباءة لطخ قصب أصفر
وفي يوم الاربعاء نودى على النصارى واليهود بان يغيروا أسماءهم التي على أسماء الانبياء كأبراهيم وموسى وعيسى ويوسف واسحق وأن يحضروا جميع ما عندهم من الجوارى والعبيد وان لم يفعلوا وقع التفتيش على ذلك في دورهم واماكنهم فصالحوا على ذلك بمال فحصل العفو وأذنوا لهم في أن يبيعوا ما عندهم من الجوارى والعبيد ويقبضوا اثمانهم لانفسهم ولا يستخدموا المسلمين فأخرجوا ما عندهم وباعوا بعضه وأودعوه عند معارفهم من المسلمين
وفيه حضر مبشر بتقرير الباشا على السنة الجديدة
وفيه حضر القاضي الجديد الى بولاق
وفي يوم الخميس أرسل حسن باشا القبطان جملة من العسكر البحرية وصحبتهم اسمعيل كتخدا الى عرب البحيرة لكونهم خامروا مع المصرلية ووقع الخلف بينهم وبين قبيلتهم ثم حضروا مع أخصامهم بين يدى القبطان واصطلحوا ثم نكثوا وتحاربوا مع بعضهم فحضر الفرقة الاولى واستنجدوا بحسن باشا فأرسل لهم اسمعيل كتخدا بطائفة من العسكر في المراكب فهربوا ورجع اسمعيل كتخدا ومن معه على الفور
وفي يوم الجمعة غاية شوال وصلت العساكر البرية صحبة عابدى باشا ودرويش باشا الى بركة الحج وكان أمير الحاج مقيما بالحجاج بالعادلية ولم يذهبوا الى البركة على العادة بسبب قدوم هؤلاء
وفي يوم السبت غرة القعدة ارتحل الحجاج من العادلية وحضر عابدى باشا ودرويش باشا الى العادلية وخرج حسن باشا الى ملاقاتهم ودخلت طوائف عساكرهما الى المدينة وهم بهيئات مختلفة وأشكال منكرة وراكبون
(1/639)

خيولا واكاديش كأمثال دواب الطواحين وعلى ظهورها لبابيد شبه البراذع متصلة بكفل الاكديش وبعضهم بطراطير سود طوال شبه الدلاة والبعض معمم ببوشية ملونة مفشولة على طربوش واسع كبير مخيط عليه قطعة قماش لابسها في دماغه والطربوش مقلوب على قفاء مثل حزمة البراطيش وهم لابسون زنوط وبشوت محزمين عليها وصورهم بشعة وعقائدهم مختلفة وأشكالهم شتى وأجناسهم متفرقة ما بين اكراد ولاوند ودروز وشوام
ولكن لم يحصل منهم ايذاء لاحد واذا اشتروا شيئا أخذوه بالمصلحة فياتوا بالخيام عند سبيل قيماز تلك الليلة
وفي يوم الاحد ركب عابدى باشا ودرويش باشا وذهبوا الى البساتين من خارج البلد فمروا بالصحراء وباب الوزير وأجروا عليهم الرواتب من الخبز واللحم والارز والسمن وغيره
وفيه نودى على النصارى بأحضار ما عندهم من الجوارى والعبيد ساعة تاريخه ثم نزلت العساكر وهجمت على بيوت النصارى واستخرجوا ما فيها فكان شيئا كثيرا وأحضروهم الى القبطان فأخرجوهم الى المزاد وباعوهم واشترى غالبهم العسكر وصاروا يبيعونهم على الناس بالمرابحة فاذا أراد انسان ان يشترى جارية ذهب الى بيت الباشا وطلب مطلوبة فيعرض عليه الجوارى من مكان عند باب الحريم فاذا أعجبته جارية أو أكثر حضر صاحبها الذى اشتراها فيخبره برأس ماله ويقول له وأنا آخذ مكسي كذا فلا يزيد ولا ينقص فان أعجبه الثمن دفعه والا تركها وذهب
ثم وقع التشديد على ذلك واحضروا الدلالين والنخاسين القدم والجدد واستدلوا منهم على المبيوعات
وفيه القبطان المهندسين ليستخبر منهم عن الخبايا والدفائن التي صنعوها في البيوت وغيرها
وفيه يوم الاثنين أمر القبطان الامراء والصناجق والوجاقلية ان يذهبوا للسلام على عابدى باشا ودرويش باشا فذهب الصناجق أولا بسائر
(1/640)

أتباعهم وطوائفهم وتلاهم الوجاقلية فسلموا ورجعوا من البساتين وكلاهما في جمع كثير
وفي يوم الثلاثاء رابعه حضر عابدى عند القبطان وسلم عليه ثم طلع الى القلعة وسلم على محمد باشا المتولي ثم نزل وخرج الى مخيمه بالبساتين
وفيه قرر على بيوت النصارى الذين خرجوا بصحبة الامراء المصرية مبلغ دراهم مجموع متفرقها خمسة وسبعون الف ريال
وفيه أمر أيضا باحصاء بيوت جميع النصارى ودورهم وما هو في ملكهم وان يكتب جميع ذلك في قوائم ويقرر عليها أجرة مثلها في العام وان يكشف في السجل على ما هو جار في املاكهم
ثم قرر عليهم أيضا خمسمائة كيس فوزعوها على أفرادهم فحصل لفقرائهم الضرر الزائد وقيل انهم حسبوا لهم الجوارى المأخوذة منهم من اصل ذلك على كل رأس أربعون ريالا
وقرر أيضا على كل شخص دينارا جزية العال كالدون وذلك خارج عن الجزية الديوانية المقررة
وفي يوم الخميس عمل محمد باشا ديوانا وخلع على مصطفى اغا تابع حسن أغا تابع عثمان أغا وكيل دار السعادة سابقا وقلده وكيل دار السعادة كأستاذ أستاذه وكانت شاغرة من أيام علي بك
وفيه أيضا سمحوا في جمرك البهار والسلخانة لباب الينكجرية كما كان قديما وكان ذلك مرفوعا عنهم من أيام ظهور علي بك
وفيه انتقل عابدى باشا ودرويش باشا من ناحية البساتين الى قصر العيني بشاطىء النيل وجلسوا هناك
وفيه دفع قبطان بعض دراهم السلفة التي كان اقترضها من التجار فدفع ما للافرنج وجانبا لتجار المغاربة ووعدهم بغلاق الباقي
وفيه قبض القبطان على راهب من رهبان النصارى واستخلص منه
(1/641)

صندوقا من ودائع النصارى
وفيه أيضا قبض على شخص من الاجناد من بيته بخشقدم واخرجوا من داره زلعتين مسدودتين كل واحدة منهما يرفعها ثمانية من الرجال العتالين بالآلة لا يعلم ما فيها
وفي يوم الجمعة عمل شيخ السادات عزومة لحسن باشا عند تربة أجداده بالقرافة
وفيه حضر قاصد من طرف اسمعيل بك وعلى يده مكاتبات من المذكور يخبر فيها بانه وصل الى دجرجا وقصده الاقامة هناك لاجل المحافظة في تلك الجهة حتى تسافر العسكر فاذا التقوا مع الامراء وكسروهم وهزموهم يكون هو ومن معه في أقفيتهم وقت الحرب ومانعا عند الهزيمة
وفي يوم السبت قبض القبطان على المعلم واصف وحبسه وضربه وطالبه بالاموال وواصف هذا أحد الكتاب المباشرين المشهورين ويعرف الايراد والمصاريف وعنده نسخ من دفاتر الروزنامة ويحفظ الكليات والجزئيات ولا يخفى عن ذهنه شيء من ذلك ويعرف التركي
وفي يوم الاحد تاسعه قبض على بعض نساء المعلم ابراهيم الجوهرى من بيت حسن أغا كتخدا علي بك امين احتساب سابقا فأقرت على خبايا اخرجوا منها أمتعة وأواني ذهب وفضة وسروجا وغير ذلك
وفي يوم الاثنين حصلت جمعية بالمحكمة بسبب جمرك البهار وذلك ان ابراهيم بك شيخ البلد اخذ من التجار في العام الماضي مبلغا كبيرا من حساب الباشا وذلك قبل حضوره من ثغر سكندرية فلما حضر دفعوا له البواقي وحاسبهم وطالبهم بذلك المبلغ فماطلوا ووعدوه الى حضور المراكب فلما حضرت المراكب في أوائل شهر رمضان من هذه السنة أحضرهم وطالبهم فلم يزالوا يستوفونه ويعتذرون له وذلك خوفا من ابراهيم بك ويعيدون القول على ابراهيم بك فيقول لهم لا تفضحوني
(1/642)

ويلاطفهم ويداهنهم كما هي عادته والباشا يطالبهم فلما ضاق خناقهم أخبروه ان ابراهيم بك يطلب ذلك ويقول أنا محتاج لذلك في هذا الوقت ووالدى الباشا يمهل وانا أحاسبه به بعد ذلك ولم يخبروه أنه أخذه فلم يرض ولم يقبل وصار يرسل الى ابراهيم بك يشكو له من التجار ومطلهم فيرسل إبراهيم بك مع رسوله معينين من سراجينه يقولون للتجار ادفعوا مطلوبات الباشا فاذا حضر اليه التجار تملق لهم ويقول اشتروا لحيتي واشتروني فلم يزل التجار في حيرة بينهما وقصد ابراهيم بك ان التجار يدفعون ذلك القدر ثانيا الى الباشا وهم يثاقلونه خوفا من ان يقهرهم في الدفع
ثم حصلت الحركات المذكورة وحضور القبطان وخروج ابراهيم بك واخوانه فبقي الامر على السكوت
فلما راق الحال واطمأن الباشا أرسل يطالب التجار بالمبلغ وهو أربعة وأربعون الف ريال فرانسة فعند ذلك أفصحوا له عن حقيقة الامر وانهم دفعوا ذلك لابراهيم بك قبل حضوره الى مصر فاشتد غيظه وقال ومن أمركم بذلك ولا يلزموني ولا بد من أخذ عوائدى على الكامل
ثم انهم ذهبوا الى حسن باشا واستجاروا به فأمرهم أن يترافعوا الى الشرع فأجتمعوا يوم الاحد في المحكمة واقام الباشا من جهته وكيلا وأرسله صحبة أنفار من الوجاقلية واجتمعت التجار حتى ملأوا المحكمة وطلبوا حضور العلماء فلم يحضروا وانفض المجلس بغير تمام ثم حضر التجار في ثاني يوم وحضر العلماء ولم يحضر وكيل الباشا ثم ابرز التجار رجعة بختم ابراهيم بك وتسلمه المبلغ مؤرخة في ثاني عشر شعبان ايام قائمقاميته ووكالته عن الباشا وابرزوا فتاوى أيضا وسئل العلماء فأجابوهم بقولهم حيث ان الباشا أرسل فرمانا لابراهيم بك أن يكون قائما مقامه ووكيلا عنه الى حين حضوره فيكون فعل الوكيل كالاصيل وتخلص ذمة التجار وليس للباشا مطالبتهم ومطالبته على ابراهيم بك على ان ذلك ليس حقا شرعيا
وكتب القاضي
(1/643)

اعلاما بذلك وأرسله الى الباشا وانفض المجلس على دماغ الباشا
وفي يوم الخميس تعين للسفر عدة من العساكر البحرية في المراكب ولحقت بالمراكب السابقة
وفي يوم الجمعة حضر أحمد باشا والي جدة الذى كان مقيما بثغر الاسكندرية الى ثغر بولاق فذهب لملاقاته على بك الدفتردار وكتخدا الجاويشية وأرباب الخدم فركب صحبتهم وتوجه الى ناحية العادلية وجلس هناك بالقصر
وفي يوم السبت حضر حسن باشا وعابدى باشا ودرويش باشا الى بيت الشيخ البكرى بالازبكية باستدعاء وجلسوا هناك الى العصر وقدم لهم تقادم وهدايا وحضروا اليه في مراكب من الخليج
وفي يوم الاحد احضروا عند حسن باشا رجلا من الاجناد يسمى رشوان كاشف من مماليك محمد بك أبي الذهب فأمر برمي عنقه ففعلوا به ذلك وعلقوا رأسه قبالة باب البيت
قيل ان سبب ذلك انه كان بجرجا أيام الحركة فلما خرج رفقاؤه حضر الى مصر وطلب الامان فأمنوه ولم يزل بمصر الى هذا الوقت فحدثته نفسه بالهروب الى قبلي فركب جواده وخرج فقبض عليه المحافظون وأحضروه الى حسن باشا فأمر برمي عنقه وقيل ان السبب غير ذلك
وفيه وصلت مراسلة من كبير العساكر البحرية واخبروا انهم وقع بينهم وبين الامراء القبالي لطمة ورموا على بعضهم مدافع وقنابر من المراكب فانتقل المصريون من مكانهم وترافعوا جهة الجبانة وصار البلد حائلا بين الفريقين وساحل أسيوط طرد لا يحمل المراكب ومن الناحية الاخرى جزيرة تعوقهم عن التقرب اليهم
وصوروا صورة ذلك وهيئته في كاغد لاجل المشاهدة وارسلوها مع الرسول
وفيه عمل الديوان بالقلعة وتقلد قاسم بك أبو سيف ولاية جرجا وسارى
(1/644)

عسكر التجريدة المعينة صحبة عابدى باشا ودرويش باشا ومعهم من الصناجق ايضا علي بك جركس الاسمعيلي وغيطاس بك الصالحي ومحمد بك كشكش ومن الوجاقلية خمسمائة نفر وأخذوا في التجهيز والسفر
وفي يوم الاثنين سابع عشر حضر الى ساحل بولاق آغا من الديار الرومية وهو أمير اخور وعلى يده مثالات وخلع وهو جواب عن الرسالة بالاخبار الحاصلة وخروج الامراء فركب أغات مستحفظان ومن له عادة بالركوب لملاقاته وطلع حسن باشا وعابدى باشا وأحمد باشا الجداوى ودرويش باشا والامراء والصناجق والوجاقات والقاضي والمشايخ واجتمعوا بالقلعة وحضر الاغا من بولاق بالموكب والنوبة خلفه وبقية الاغوات وهم يحملون بقجا على أيديهم والمكاتبات في اكياس حرير على صدورهم ولما دخلوا باب الديوان قام الباشوات والامراء على أقدامهم وتلقوهم ثم بدأوا بقراءة المرسوم المخاطب به حسن باشا فقرأوه ومضمونه التبجيل والتعظيم لحسن باشا وحسن الثناء عليه بما فعله من حسن السياسة والوصية على الرعية وصرف العلائف والغلال
وفيه ذكر اسمعيل بك وحسن بك والتحريض والتأكيد على القتل والانتقام من العصاة ولما فرغوا من قراءة ذلك أخرجوا الخلعة المخصوصة به فلبسها وهي فروة سمور وقفطان أصفر مقصب مفرق الاكمام فلبسه من فوق وسيف مجوهر تقلد به ثم قرأوا المرسوم الثاني وهو خطاب لمحمد باشا يكن المتولي ومعه الخطاب للقاضي والعلماء والامراء والوجاقلية والثناء على الجميع والنسق المتقدم في المرسوم السابق
ثم لبس الخلعة المخصوصة به وهي فروة وقفطان ثم قرأوا المرسوم الثالث وهو خطاب لاحمد باشا والي جده بمثل ذلك ولبس خلعته أيضا وهي فروة وقفطان
ثم قرىء المرسوم الرابع وفيه الخطاب لعابدى باشا ومضمونه ما تقدم ولبس أيضا خلعته وفروته
ثم قرىء المرسوم الخامس ومضمونه الخطاب
(1/645)

لدرويش باشا وذكر ما تقدم ولبس خلعته وهي فروة على بنش لانه بطوخين ثم مرسوم بالخطاب لعلي بك الدفتردار ومضمونه الثناء عليه من عدم التأخر عن الاجابة والنسق
ثم فرمان ثان وهو خطاب لامير الحاج والوصية بتعلقات الحج
فما فرغوا من ذلك الا بعد الظهر ثم ضربوا مدافع كثيرة ودخلوا الى داخل وجلسوا مع بعضهم ساعة ثم ركبوا ونزلوا الى أماكنهم
وكان ديوانا عظيما وجمعية كبيرة لم تعهد قبل ذلك ولم يتفق انه اجتمع في ديوان خمسة باشوات في آن واحد
وفي يوم الاربعاء تاسع عشره عمل الباشا ديوانا وخلع على باكير آغا مستحفظان وقلده صنجقا وخلع على عثمان أغا الوالي وقلده اغات مستحفظان عوضا عن باكير أغا
وفي يوم الخميس خلع الباشا على اسمعيل كاشف من اتباع كشكش وقلده واليا عوضا عن عثمان أغا المذكور وأقر احمد افندى الصفائي في وظيفته روزنامجي افندى على عادته وكانوا عزموا على عزله وأرادوا نصب غيره فلم يتهيأ ذلك
وفيه وصل ابراهيم كاشف من طرف اسمعيل بك وحسن بك واخبر بقدومهما وأنهما وصلا الى شرق أولاد يحيى وأرسلا يستأذنان في المقام هناك بالجمعية حتى تصل العساكر المعينة فيكونوا معهم فلم يجبه حسن باشا الى ذلك وحثه على الحضور فيقابله ثم يتوجه من مصر ثانيا
ثم أجيب الى المقام حتى تأتيهم العساكر وأخبر أيضا ان الامراء القبليين لم يزالوا مقيمين بساحل أسيوط على رأس المجرور وبنوا هناك متاريس ونصبوا مدافع وأن المراكب راسية تجاههم ولا تستطيع السير في ذلك المجرور الا باللبان لقوة التيار ومواجهة الريح للمراكب
وفيه استعفى علي بك جركس الاسماعيلي من السفر فأعفي وعين عوضه حسن بك رضوان وانفق حسن باشا على العسكر فاعطى لكل أمير خمسة
(1/646)

عشر ألف ريال وللوجاقلية سبعة عشر الف ريال وأنفق عابدى باشا في عسكره النفقة ايضا فاعطى لكل عسكرى خمسة عشر قرشا فغضبت طائفة الدلاة واجتمعوا بأسرهم وخرجوا الى العادلية يريدون الرجوع الى بلادهم وحصل في وقت خروجهم زعجة في الناس واغلقت الحوانيت ولم يعرفوا ما الخبر
ولما بلغ حسن باشا خبرهم ركب بعسكره وخرج يريد قتلهم وخرج معه المصريون وركب عابدى باشا ايضا ولحق به عند قصر قايماز وكان هناك احمد باشا الجداوى فنزل اليه ايضا واجتمعوا اليه واستعطفوا خاطره وسكنوا غضبه وارسلوا الى جماعة الدلاة فأسترضوهم وزادوا لهم في نفقتهم وجعلوا لكل نفر اربعين قرشا وردوهم الى الطاعة
ورجع حسن باشا وعابدى باشا الى اماكنهم قبيل الغروب
وفي صبح ذلك اليوم سافر اسمعيل كتخدا بطائفة من العسكر في البحر الى جهة قبلي
وفيه اعني يوم الخميس اخرجوا جملة غلال من حواصل بيوت الامراء الخارجين فأخرجوا من بيت ايوب بك الكبير وبيت احمد اغا الجملية وسليمان بك الاغا وغيرهم
وفيه ايضا اخذت عدة ودائع من عدة اماكن وتشاجر رجل جندى مع خادمه وضربه وطرده ولم يدفع له اجرته فذهب ذلك الخادم الى حسن باشا ورفع اليه قصته وذكر له ان عنده صندوقا مملوءا من الذهب من ودائع الغائبين فأرسل صحبته طائفة من العسكر فدلهم على مكانه فأخرجوه وحملوه الى حسن باشا وامثال ذلك
وفي يوم الجمعة فتحوا بيت المعلم ابراهيم الجوهرى وباعوا ما فيه وكان شيئا كثيرا من فرش ومصاغ واوان وغير ذلك
وفي يوم السبت برز عابدى باشا ودرويش باشا واخرجوا خيامهما الى البساتين قاصدين السفر
(1/647)

وفيه ركب علي بك الدفتردار وذهب الى بولاق وفتح الحواصل واخرج منها الغلال لاجل البقسماط والعليق
وفي يوم الاحد نودى على الغز والاجناد والاتباع البطالين ان يخدموا عند الامراء
وفي يوم الاثنين سافر عابدى باشا ودرويش باشا واخرجوا خيامهما الى البساتين واخرج الامراء الصناجق خيامهم ونصبوا مكان المرتحلين
وفيه حضر باشا من ناحية الشام وهو امير كبير من امراء شين اغلي وصحبته نحو الف عسكري فنزل بهم بالعادلية يومه ذلك
وفي يوم الثلاثاء دخلت عساكر المذكور الى القاهرة وأميرهم توجه الى ناحية البساتين من نواحي باب الوزير
وفي يوم الخميس سافر أمير شين اغلي بعساكره الى جهة قبلي
وفي يوم السبت ثامن عشرين القعدة نودى بفرمان بمنع زفاف الاطفال للختان في يوم الجمعة بالطبول وسبب ذلك ان حسن باشا صلى بجامع المؤيد الذى بباب زويلة فعند ما شرع الخطيب في الخطبة واذا بضجة عظيمة وطبول مزعجة فقال الباشا ما هذا فأخبروه بذلك فأمر بمنع ذلك في مثل هذا الوقت
وفي غرة الحجة اشيعت أخبار وروايات ووقائع بين الفريقين وان جماعة من القبالي حضروا بأمان عند اسمعيل بك
وفي يوم الثلاثاء ثاني شهر الحجة حضر الى مصر فيض الله افندى رئيس الكتاب فتوجه الى حسن باشا فتلقاه بالاجلال والتعظيم وقابله من أول المجلس ثم طلع الى القلعة وقابل محمد باشا أيضا ثم نزل الى دار أعدت له ثم انتقل الى دار بالقلعة عند قصر يوسف
وفي يوم الخميس حضر اغا وعلى يده تقرير لمحمد باشا على السنة الجديدة فركب من بولاق الى العادلية وخرج اليه ارباب الخدم والدفتردار
(1/648)

واغات مستحفظات وأغات العزب والوجاقلية ودخل بموكب عظيم من باب النصر وشق القاهرة وطلع الى القلعة
وفي يوم السبت نودى بان من كانت له دعوة وانقضت حكومتها في الايام السابقة لاتعاد ولا تسمع ثانيا وسبب ذلك تسلط الناس على بعضهم في التداعي
وفيه ردت السلفة التي كانت أخذت من تجار المغاربة وهي آخر السلف المدفوعة
وفي يوم الاربعاء عاشر الحجة كان عيد النحر وفيه وردت أخبار من الجهة القبلية بوقوع مقتلة عظيمة بين الفريقين وقتل من المصرلية عمر كاشف الشرقية وحسن كاشف وسليمان كاشف ثم انحازت العسكر الى المراكب ورجع الامراء الى وطاقهم فأغنم حسن باشا لتمادى أمرهم وكان يرجو انقضاءه قبل دخول الشتاء ويأخذ رؤسهم ويرجع بهم الى سلطانه قبل هبوط النيل لسير المراكب الرومية حتى انه منع من فتح الترع التي من عادتها الفتح بعد الصليب كبحر أبي المنجاومويس والفريقين خوفا من نقض الماء فتتعوق المراكب الكبار
وفيه حضر واحد ططرى وعلى يده مرسوم فطلب حسن باشا محمد باشا المتولي فنزل اليه وجمع الديوان عنده فقرأ عليهم ذلك المرسوم وحاصله الحث والتشديد والاجتهاد في قتل العصاة والفحص عن أموالهم وموجوداتهم والانتقام ممن تكون عنده وديعة ولا يظهرها وعدم التفريط في ذلك وطلب حلوان عن البلاد فائظ ثلاث سنوات
وفي اواخر الحجة ارسل عابدى باشا مكاتبة حضرت له من الامراء القبالي وهي جواب عن رسالتهم وهي باللغة التركية وحاصل ما فهمته من ذلك انكم تخاطبونا بالكفرة والمشركين والظلمة والعصاة واننا بحمد الله تعالى موحدون واسلامنا صحيح وحججنا ببيت الله الحرام وتكفير
(1/649)

المؤمن كفر ولسنا عصاة ولا مخالفين وما خرجنا من مصر عجزا ولا جبنا عن الحرب الا طاعة للسلطان ولنائبه فانه أمرنا بالخروج حتى تسكن الفتن وحقنا للدماء ووعدنا انه يسعى لنا في الصلح فخرجنا لاجل ذلك ولم نرض باشهار السلاح في وجوهكم وتركنا بيوتنا وحريمنا في عرض السلطان ففعلتم بهم ما فعلتم ونهبتم اموالنا وبيوتنا وهتكتم اعراضنا وبعتم اولادنا واحرارنا وامهات اولادنا وهذا الفعل ما سمعنا ببه ولا في بلاد الكفر وما كفاكم ذلك حتى ارسلتم خلفنا العساكر يخرجونا عن بلاد الله وتهددونا بكثرتكم وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بأذن الله وان عساكر مصر أمرها في الحرب والشجاعة مشهور في سائر الاقاليم والايام بيننا
وكان الاولى لكم الاجتهاد والهمة في خلاص البلاد التي غصبها منكم الكفار واستولوا عليها مثل بلاد القرم والودن واسمعيل بك وغير ذلك
وامثال هذا القول وتخشين الكلام تارة وتليينه اخرى وفي ضمن ذلك آيات واحاديث وضرب امثال وغير ذلك
فأجابهم عابدى باشا ونقض عليهم ونسب كاتبهم الى الجهل بصناعة الانشاء وغير ذلك مما يطول شرحه وانقضت هذه السنة وما وقع بها من الحوادث الغريبة
من مات في هذه السنة
توفي الشيخ العلامة المحقق والفهامة المدقق شيخنا الشيخ محمد ابن موسى الجناجي المعروف الشافعي وهو مالكي المذهب احد العلماء المعدودين والجهابذة المشهورين تلقى عن مشايخ عصره ولازم الشيخ الصعيدى ملازمة كلية وصار مقرئه ومعيدا لدروسه وأخذ عن الشيخ خليل المغربي والسيد البليدى وحضر على الشيخ يوسف الحفني والملوى وتمهر في المعقول والمنقول ودرس الكتب المشهورة الدقيقة مثل المغني لابن هشام والاشموني والفاكهي والسعد وغير ذلك واخذ علم الصرف عن بعض علماء الاروام وعلم الحساب والجبر والمقابلة وشباك بن الهائم
(1/650)

عن الشيخ حسين المحلاوى واشتهر فضله في ذلك والف فيها رسائل وله في تحويل النقود بعضها الى بعض رسالة نفيسة تدل على براعته وغوصه في علم الحساب وكان له دقائق وجودة استحضار في استخراج المجهولات واعمال الكسورات والقسمة والجذورات وغير ذلك من قسمة المواريث والمناسخات والاعداد الصم والحل والموازين ما انفرد به عن نظائره
وكتب على نسخة الخرشي التي في حوزه حواشي وهوامش مما تلقاه ولخصه من التقارير التي سمعها من افواه اشياخه ما لو جرد لكان حاشية ضخمة في غاية الدقة وكذلك باقي كتبه وله عدة رسائل في فنون شتى وكتب حاشية على شرح العقائد ومات قبل اتمامها كتب منها نيفا وثمانين كراسا
وتلقى عنه كثير من اعيان علماء العصر ولازموا المطالعة عليه مثل العلامة الشيخ محمد الامير والعلامة الشيخ محمد عرفة الدسوقي والمرحوم الشيخ محمد البناني واجتمع بالمرحوم الوالد سنة ست وسبعين واستمر مواظبا لنا في كل يوم وواظب الفقير في اقرائي القرآن وحفظه فأحفظني من شورى الى مريم وينسخ للوالد ما يريد من الكتب الصغيرة الحجم
ولم يزل على حاله معنا في الحب والمودة وحسن العشرة الى آخر يوم من عمره وحضرت عليه في مبادى الحضور الملوى على السلم وشرح السمرقندية في الاستعارات والفاكهي على القطر في دروس حافلة بالازهر والسخاوية والنزهة في الحساب خاصة بالمنزل وكان مهذب الاخلاق جدا متواضعا لا يعرف الكبر ولا التصنع اصلا ويلبس اى شيء كان من الثياب الناعمة والخشنة ويذهب بحماره الى جهة بولاق ويشترى البرسيم ويحمله عليه ويركب فوقه ويحمل طبق العجين الى الفرن على رأسه ويذهب في حوائج اخوانه
ولما بنى محمد بك ابو الذهب مسجده تجاه الازهر تقرر في وظيفة خزن الكتب نيابة عن محمد افندى حافظ مضافة الى وظيفة تدريس مع المشايخ المقررين فلازم
(1/651)

التقييد بها وينوب عنه اخوه الشيخ حسن في غيابه وكان اخوه هذا ينسخ اجزاء القرآن بخط حسن في غاية السرعة ويتحدث مع الناس وهو يكتب من حفظه ولا يغلط
ولم يزل المترجم يملي ويفيد ويبدى ويعيد مقبلا على شأنه ملحوظا بين أقرانه حتى وافاه الحمام في سابع عشرين جمادى الثانية من السنة مطعونا وصلي عليه بالازهر في مشهد حافل ودفن بتربة المجاورين
ومات الامام الفاضل المحدث الفقيه البارع السيد محمد بن أحمد ابن محمد أفضل صفي الدين أبو الفضل الحسيني الشهير بالبخارى ولد تقريبا سنة 1160 وقرأ على فضلاء عصره وتكمل في المعقول والمنقول وورد الى اليمن حاجا في سنة ثلاث وسبعين فسمع بالنجائي السيد عبد الرحمن ابن أحمد باعيديد وذاكر معه في الفقه والحديث ثم ورد زبيد فأدرك الشيخ المسند محمد بن علاء الدين المزجاجي فسمع منه أشياء وكذلك من السيد سليمان بن يحيى وغيرهما ثم حج وزار واجتمع بالشيخ محمد ابن عبد الكريم السمان فأحب طريقته ولازمه ملازمة كلية واجازه فيها وورد الينبع فجلس فيه مدة وأحبه أهله
وورد مصر سنة 1182 واجتمع بعلمائها وذاكر بانصاف وتؤده وكمال معرفة ولم يصف له الوقت فتوجه الى الصعيد فمكث في نواحي جرجا مدة وقرأ عليه هناك بعض الافراد في أشياء ثم رجع الى مصر سنة سبع وثمانين وسافر منها الى بيت المقدس فأكرم بها وزار الخليل وأحبه اهل بلده فزوجوه
ثم أتى الى مصر سنة ثمان وثمانين واجتمعت حواسه في الجملة ثم ذهب الى نابلس واجتمع بالشيخ السفاريني فسمع عليه أشياء وأجازه وأحبه وكان المترجم قد اتقن معتقد الحنابلة فكان يلقيه لهم بأحسن تقرير مع التأييد ودفع ما يرد على أقوالهم من الاشكالات بحسن بيان والبلد أكثر أهله حنابلة فرفعوا شأنه وعظم عندهم مقداره
ثم ورده مصر سنة تسعين واجتمع
(1/652)

بشيخنا السيد مرتضى لمعرفة سابقة بينهما وكان ذلك في مبادى طنطنة شيخنا المذكور فنوه بشأنه وكان يأتي الى درسه بشيخون فيجلسه بجانبه ويأمر الحاضرين بالاخذ عنه ويجله ويعظمه فراج أمره بذلك فأقام بمصر سنة في وكالة بالجمالية واشتهر ذكره عند كثير من الاعيان بسبب مدح شيخنا المذكور فيه وحثهم على اكرامه فهادوه بالملابس وغيرها ثم عزل على السفر الى نابلس فهرعوا اليه وزودوه بالدراهم واللوازم وأداوت السفر وشيعوه بالاكرام وسافر الى نابلس ثم الى دمشق وأخذ عنه علماؤها واحترموه واعترفوا بفضله
وكان انسانا مجموع الفضائل رأسا في فن الحديث يعرف فيه معرفة جيدة لا نعلم من يدانيه في هذا العصر يعد شيخنا المذكور واسع الاطلاع على متعلقاته مع ما عنده من جودة الحفظ والفهم السريع وادراك المعاني الغريبة وحسن الايراد للمسائل الفقهية والحديثية
ثم عاد الى نابلس وسافر بأهله الى الخليل فأراد ان يسكن بها فلم يصف له الوقت ولم ينتظم له حال لضيق معاش اهل البلد فعاد الى نابلس في شعبان وبها توفي سحر ليلة الاحد سابع عشرين رمضان من السنة مطعونا بعد ان تعلل يوما وليلة ودفن بالزاركية قرب الشيخ السفاريني وتأسف عليه الناس وحزنوا عليه جدا وانقطع الفن من تلك البلاد بموته رحمه الله وعوض في شبابه الجنة ولم يخلف الا ابنة صغيرة وله مؤلفات في فن الحديث
ومات العمدة المبجل الفقيه الوجيه والحبر اللوذعي النبيه السيد نجم الدين بن صالح بن أحمد بن محمد بن صالح بن محمد بن عبد الله التمرتاشي الغزى الحنفي قدم الى مصر في حدود الستين وحضر على مشايخ الوقت وتفقه وقرأ في المعقولات والمنقولات وتضلع ببعض العلوم ثم شغف بأسباب الدنيا وتعاطى بعض التجارات وسافر الى اسلامبول وتداخل في سلك القضاء ورجع الى مصر ومعه نيابة قضاء أبيار بالمنوفية
(1/653)

ومرسومات بنظارات أوقاف فأقام بأبيار قاضيا بضع وعشر سنين وهو يشترى نيابتها كل دور وابتدع فيها الكشف على الاوقاف القديمة والمساجد الخربة التي بالولاية وحساب الواضعين أيديهم على ارزاقها وأطيانها حتى جمع من ذلك أموالا ثم رجع الى مصر واشترى دارا عظيمة بدرب قرمز بين القصرين واشترى المماليك والعبيد والجوارى وترونق حاله واشتهر أمره وركب الخيول المسومة وصار في عدادا لوجها وكان يحمل معه دائما متن تنوير الابصار يراجع فيه المسائل ويكتب على هامشه الوقائع والنوادر الفقهية
ثم تولى نيابة القضاء بمصر في سنة ست وثمانين فأزدادت وجاهته وانتشر صيته وابتكر في نيابته أمورا منها تحليف الشهود وغير ذلك ثم سافر الى اسلامبول في سنة اثنتين وتسعين وعاد
ثم سافر في سنة تسع وتسعين واجتمع هناك بحسن باشا ووشى اليه أمر مصر وسهل له امرها وامراءها حتى جسره على القدوم اليها وحضر صحبته الى ثغر اسكندرية وكان بينه وبين نعمان افندى قاضي الثغر كراهة باطنية فوشى به عند حسن باشا حتى عزله من وظيفة القضاء وقلدهم للمترجم وكاد ان يبطش بنعمان افندى فهرب منه الى رشيد ولم يلبث المترجم أن أصابه الفالج ومات سابع عشرين رمضان عن نيف وتسعين سنة
ونقم عليه بعد ذلك حسن باشا أمورا وعلم براءة نعمان أفندى مما نسبه اليه وأحضر نعمان أفندى وأكرمه ورد له منصبه وأجله وأكرمه وصاحبه مدة اقامته بمصر ورجع معه الى اسلامبول وجعله منجم باشا
وكانت له يد طولى في علم النجامة ثم نفاه بعد ذلك الى اماصيه بسبب توسطه مع صالح أغا للامراء المصريين كما ذكر في موضعه
وخلف المترجم ابنه صالح جلبي الموجود الآن ومملوكه علي أفندى الذى كان يتولى نيابات القضاء في المحلة ومنوف وغيرهما
ومات الشيخ الصالح احمد بن عيسى بن عبد الصمد بن احمد بن فتيح
(1/654)

ابن حجازى القطب السيد علي تقي الدين دفين رأس الخليج بن فتح ابن عبد العزيز بن عيسى بن نجم خفير بحر البرلس الحسيني الخليجي الاحمدى البرهاني الشريف الشهير بأبي حامد ولد برأس الخليج وحفظ القرآن وبعض المتون ثم حبب اليه السلوك في طريق الله تعالى فترك العلائق وانجمع عن الناس واختار السياحة مع ملازمته لزيارة المشاهد والاولياء والحضور في موالدهم المعتادة
وكان الاغلب في سياحته سواحل بحر البرلس ما بين رشيد ودمياط على قدم التجريد
ووقعت له في أثناء ذلك اشارات واجتمع فيها باكابر أهل الله تعالى وكان يحكي عنهم أمورا غريبة من خوارق العادات وأقام مدة يطوى الصيام ويلازم القيام واجتمع في سياحته ببلاد الشرق على صلحاء ذلك العصر ورافق السيد محمد ابن مجاهد في غالب حالاته فكانا كالروح في جسد وله مكارم اخلاق ينفق في موالد كل من القطبين السيد البدوى والسيد الدسوقي أموالا هائلة ويفرق في تلك الايام على الواردين ما يحتاجون اليه من المآكل والمشارب وكان كلما ورد الى مصر يزور السادة العلماء ويتلقى عنهم وهم يحبونه ويعتقدون فيه منهم الشيخ الدمياطي وشمس الدين الحنفي وغيرهما وكان له شيخنا السيد مرتضى مزيد اختصاص وألف بأسمه رسالة المناشي والصفين وشرح له خطبة الشيخ محمد البحيرى البرهاني على تفسير سورة يونس وبأسمه أيضا كتب له تفسيرا مستقلا على سورة يونس على لسان القوم وصل فيه الى قوله تعالى واجعلوا بيتكم قبلة وذلك في أيام سياحته معه وكمله بعد ذلك
وفي سنة 1199 ورد الى مصر لامر اقتضى فنزل في المشهد الحسيني وفرش له على الدكة وجلس معه مدة وتمرض اشهرا بورم في رجليه حتى كان في اول المحرم من هذه السنة زاد به الحال فعزم على الذهاب الى فوة
فلما نزل الى بولاق وركب السفينة وافاه الحمام وأجاب مولاه بسلام وذلك في يوم عاشوراء
(1/655)

وذهب به اتباعه الى فوة بوصية منه وغسل هناك ودفن بزاوية قرب بيته وعمل عليه مقام يزار
ومات الشيخ الفاضل النبيه اللوذعي الذكي المفوه الناظم الشاعر اللبيب الشيخ محمد المعروف بشبانه كان من نوادر الوقت اشتغل بالمعقول وحضر على أشياخ العصر فأنجب وعانى علم العروض ونظم الشعر وأجاد القوافي وداعب أهل عصره من الشعراء وغيرهم واشتهر بينهم وأذعنوا لفضله الا ان سليقته في الهجو أجود من المدح
ومات الاجل المركم احمد بن عياد المغربي الجربي كان من أعيان اهل تونس وتولى بها الدواوين واثرى فوقع بينه وبين اسمعيل كتخدا حمودة باشة تونس أمور أوجبت جلاءه عنها فنزل في مركب بأهله وأولاده وماله وحضر الى اسكندرية فلما علم به القبطان اراد القبض عليه وأخذ أمواله فشفع فيه نعمان افندى قاضي الثغر وكان له محبة مع القبطان فأفرج عنه فأهدى بن عياد لنعمان أفندى الف دينار في نظير شفاعته كما اخبرني بذلك نعمان افندى المذكور
ثم حضر الى مصر وسكن بولاق بشاطيء النيل بجوار دارنا التي كانت لنا هناك وذلك في سنة اثنتين وتسعين ومعه ابنه صغيرا ونحو اثنتي عشرة سرية من السرارى الحسان طوال الاجسام وهن لابسات ملابس الجزائر بهيئة بديعة تفتن الناسك وكذلك عدة من الغلمان المماليك كأنما أفرغ الجميع في قالب الجمال وهم الجميع بذلك الزى
وصحبته أيضا صناديق كثيرة وتحائف وامتعة فأقام بذلك المكان منجمعا عن الناس لا يخرج من البيت قط ولا يخالط أحدا من أهل البلدة ولا يعاشر الا بعض افراد من أبناء جنسه يأتونه في النادر فأقام نحو ثمان سنوات ومات اكثر جواريه ومماليكه وعبيده وخرج بعده من تونس اسمعيل كتخدا ايضا فارا من حموده باشا ابن علي باشا وحضر الى مصر وحج ورجع الى اسلامبول واتصل بحسن باشا
(1/656)

ولازمه فاستوزره وجعله كتخدا
فلما حضر حسن باشا الى مصر أرسل اليه بن عياد تقدمة وهدية فقبلها وحضر أيضا في أثره اسمعيل كتخداه المذكور فأغراه به لما في نفسه منه من سابق العداوة والظلم كمين في النفس القوة نظهره والضعف يخفيه فأرسل حسن باشا يطلب ابن عياد للحضور اليه بامان فاعتذر وامتنع فسكت عنه اياما ثم ارسل يستقرض منه مالا فأبى ان يدفع شيئا ورد الرسل أقبح رد فرجعوا وأخبروا اسمعيل كتخدا وكان بخان الشرايبي بسبب المطلوب من التجار فحنق لذلك وتحرك كامن قلبه من العداوة السابقة وركب في الحال وذهب الى بولاق ودخل الى بيته وناداه فأجابه بأحسن الجواب وأبى ان ينزل اليه وامتنع في حريمه وقال له أما كفاك اني تركت لك تونس حتى أتيتني الى هنا
وضرب عليه بنادق الرصاص فقتل من أتباعه شخصين فهجم عليه اسمعيل كتخدا وطلعوا اليه وتكاثروا عليه وقتلوه وقطع رأسه وأراد قتل ولده أيضا فوقعت عليه أمه فتركوه وأخرجوا جثته خارج الزقاق فألقوها في طريق المارة واخرجوا نساءه وخدمه واحتاطوا بالبيت وختموا عليه 2
(1/657)

سنةأحدى ومائتين وألف
في يوم الاثنين سابع المحرم حضر اسمعيل بك في تجريدة إلى مصر فركب بمفرده وهو ملثم بمنديل وحضر عند حسن باشا وقابله وهو أول اجتماعه به وجلس معه مقدار درجتين لا غير واستأذنه في القيام فخلع عليه فروة سمور وقام وذهب إلى بيت مملوكه علي بك جركس وهو بيت ايوب بك الصغير الذي في الحبانية وكان السبب في حضوره على هذه الصورة انه في يوم الخميس ثالث المحرم التقوا مع الأمراء القبليين واتفقوا معهم عند المنشية فكان بينهم وقعة عظيمة وقتل من الفريقين جملة كبيرة وأبلى فيها المصريون البحرية والقبلية مع بعضهم وتنحت عنهم العساكر العمثانية ناحية وهجمت القبالي وألقوا بأنفسهم في نار الحرب وطلب كل غريم غريمه ثم اندفعت العثمانية مع البحرية وظهر من شجاعة عابدي باشا ما تحدث به الفريقان في شجاعته وأصيب اسمعيل بك برشة رصاص دخلت في فمه وطلعت من خده فولى منهزما والقى نفسه في البحر وركب في قنجة وحضر إلى مصر على الفور ولم يدر ماذا جرى بعده فلما حضر على هذه الصورة وأشيع وقوع الكسرة والهزيمة على التجريدة اضطربت الأقاويل واختلفت الروايات وكثرت الأكاذيب وارتج العثمانيون
(2/5)

وأرسل حسن باشا الرسل لاحضار العساكر التي بالاسكندرية وكذلك ارسل إلى بلاد الروم
وفي يوم السبت ثاني عشرة حضر حسن بك الجداوي وجماعة من الرجاقات والعساكر فذهب حسن بك إلى حسن باشا وقابله وقد أصيب بسيف على يده فخلع عليه فروة ثم ذهب إلى بيته القديم وهو بيت الداودية وكذلك حضر بقية الامراء الصناجق وأصيب قاسم بك بضربة جرحت أنفه وكذلك حضر عابدي باشا وطلع إلى قصر العيني وأقام به
وفيه حضر ططرى وعلى يده مرسوم بعزل محمد باشا عن ولاية مصر وولاية عابدي باشا مكانه وان محمد باشا يتوجه إلى ولاية ديار بكر عوضا عن عابدي باشا فشرع عابدي باشا في نقل عزاله إلى بولاق فتحدث الناس ان ذلك من فعل حسن باشا لان بينهما أمورا باطنية
وفي يوم الاثنين عمل حسن باشا ديوانا في بيته اجتمع فيه جميع الامراء والصناجق والمشايخ وألبس إسمعيل بك خلعة وجعله شيخ البلد وكبيرها وألبس حسن بك خلعة وقلده أمير الحاج فخرجوا من مجلسه وهم كاظمون لغيظهم هذا واسمعيل بك متململ من جرحه والسيد عثمان الحمامي يعالجه وأخرج من عنقه ست عشرة زردة من زرد الزرخ فان الرصاص لما أصابه منعه الزرخ من الغوص في الجسد فغاص نفس الزرد فأخرجه السيد عثمان بالالة واحدة بعد واحدة بغاية المشقة والالم ثم عالجه بالادهان والمراهم حتى برىء في ايام قليلة
وفيه حضر إلى اسمعيل بك رجل بدوي وأخبر ان الجماعة القبليين زحفوا إلى يجري ووصلت أوائلهم إلىبني سويف وأخبر أنه مات منهم مصطفى بك الداودية ومصطفى بك السلحدار وعلي أغا خازندار مراد بك سابقا ونحو خمسة عشر اميرا من الكشاف وان نفوسهم قويت على الحرب
وفي يوم الثلاثاء حضر اسمعيل أغا كمشيش وكان ممن تخلف في الأسر
(2/6)

عند القلبين فأفرجوا عنه وأرسلوا معه مكاتبة يذكرون فيها طلب الصلح وتوبتهم السابقة واستعدادهم للحرب إن لم يجابوا في ذلك
وفي يوم الأربعاء نزل محمد باشا من القلعة وذهب إلى بولاق
وفي يوم الخميس نودي على النفر والالضاشات والاجناد والمماليك بان يتبع كل شخص متبوعه وبابه ومن وجد بعد ثلاثة أيام بطالا ولم يكن معه ورقة يستحق العقوبة وكذلك حضور الغائبين بالأرياف
وفيه أخذ أحمد القبطان المعروف بحمامجي أوغلي المراكب الرومية التي بقيت في النيل وجملة نقاير وصعد بهم إلى ناحية دير الطين قريبا من التبين وشرعوا في عمل متاريس وحفر خنادق هناك ونقلوا جملة مدافع ايضا وكان أشيع طلوع عابدي باشا إلى القلعة في ذلك اليوم فلم يطلع وحضر عند حسن باشا وتكلم معه كلاما كثيرا وقال كيف أطلع وأتسلطن في هذا الوقت والاعداء زاحفون على البلاد وأولاد أخي قتلوا في حربهم ولا أطلع حتى آخذ بثأرهم أو أموت ثم قام من عنده ورجع إلى قصر العيني
وفيه سافر عمر كاشف الشعراوي لملاقاة الحجاج الى القلزم وحضرت مكاتيب الجبل على العادة القديمة وأخبروا بالامن والراحة
وفي يوم الجمعة خرج رضوان بك بلغيا وسليمان الشابوري وعبد الرحمن بك عثمان وبرزوا خيامهم ناحية البساتين
وفيه عمل حسن باشا ديوانا وخلع على ثلاثة أشخاص من امراء حسن بك الجداوي وقلدهم صناجق وهم شاهين وعلي وعثمان
وفيه حضر إلى مصر ذو الفقار الخشاب كاشف الفيوم المعروف بأبي سعدة
وفي يوم السبت خرج غالب الأمراء إلى ناحية البساتين وورد الخبر عن القبليين انهم لم يزالوا مقيمين في ناحية بني سويف
وفيه أنفق حسن باشا ثلث النفقة على العسكر فأعطى اسمعيل بك عشرين ألف دينار وحسن بك خمسة عشر ألفا ولكل صنجق عشرة آلاف
(2/7)

ولكل طائفة وجاق أربعة الاف فاستقل الينكجرية حصتهم وكتبوا لهم عرضحال يطلبون الزيادة في نفقتهم
وفيه طلب حسن باشا دراهم سلفة من التجار فوزعوها على أفرادهم فحصل لفقرائهم الضرر وهرب أكثرهم وأغلقوا حوانيتهم وحواصلهم فصاروا يسمرونها وكذلك البيوت وطلبوا ايضا الخيول والبغال والحمير وكبسوا البيوت والاماكن لاستخراجها وعزت الخيول جدا وغلت أثمانها
وفي يوم الاثنين قبض حسن باشا على اسمعيل اغا كمشيش المتقدم ذكره وأمره بقتله وأخرجوه من بين يديه وعلى رأسه دفية فشفع فيه الوجاقلية فعفا عنه من القتل وسجنوه وسبب ذلك أنه أحضر صحبته عدة مكاتيب سرا خطابا لبعض أنفار فظهروا على ذلك فوقع له ما وقع
وفيه عمل حسن باشا ديوانا عظيما جمع فيه الأمراء والاعيان وقرأوا مكاتبات أرسلها القبليون يطلبون الصلح والامان ويذكرون العابدي باشا ما نهب له في المعركة وأن يرسل قائمة بذلك ويردون له ما ضاع بتمامه فقال عابدي باشا لحسن بك الجداوي ما تقول في هذا الكلام قال أقول لا نأخذه إلا بالسيف كما أخذوه منا بالسيف وانفض الديوان ووقع الاتفاق على ان يكتبوا لهم جوابا عن رسالتهم ملخصة إن كان قصدهم الصلح والامان وقبول التوبة فانهم يجابون إلى ذلك ويحضر إبراهيم بك ومراد بك ويأخذ لهم حضرة القبطان أمانا شافيا من مولانا السلطان اينما يريدون في غير الأقليم المصري يتعيشون فيها بعيالهم واولادهم وما شاؤوا من مماليكهم واتباعهم واما بقية الامراء فإن شاؤوا حضروا إلى مصر وأقاموا بها وكانوا من جملة عسكر السلطان وان شاؤوا عينوا لهم أماكن من الجهات القبلية يقيمون بها وان أبوا ذلك فليستعدوا للحرب والقتال
وفي يوم الثلاثاء قبض حسن باشا على عمر كاشف الذي سكنه بالشيخ الظلام وعلي محمد أغا البارودي وأمر بحبسهما عند اسمعيل بك وسبب
(2/8)

ذلك المكاتبات التي تقدم ذكرها مع اسمعيل آغا كمشيش
وفي يوم الأربعاء سافر محمد آفندي مكتوبجي حسن باشا بالمكاتبة إلى القبليين
وفي يوم الخيس نزل الاغا والجاويشية ونادوا على جميع الالضاشات بالذهاب إلى بولاق ليسافروا في المراكب صحبة الوجاقلية وكل من بات في بيته إستحق العقوبة وطاف الاغا عليهم يخرجهم من أماكنهم ويقف على الخانات ويسأل على من بها منهم ويأمرهم بالخروج فأغلق الناس حوانيتهم وبطل سوق خان الخليلي في ذلك اليوم وخرج منهم جماعة ذهبوا إلى بولاق ومنهم من طلع إلى الابواب حسب الامر وحصل لفقرائهم كرب شديد لكونهم لم يأخذوا نفقة بل رسموا لهم انهم يأكلون على سماط بلكهم ويعلقون على دوابهم وطعامهم البقسماط والارز والعدس لا غير وذلك لعزة اللحم وعدم وجوده فان اللحم الضاني بالمدينة بثلاثة عشر نصف فضة ان وجد والجاموسي بثمانية انصاف وزاد سعر الغلة بعد الانحطاط وكذلك السمن والزيت
وفي يوم الاحد سابع عشرينه حضر محمد افندي المكتوبجي من عند الجماعة وصحبته علي أغا مستحفظان بجواب الرسالة السابق ذكرها فأخبر أنهم ممتثلون لجميع ما يؤمرون به ما عدا السفر إلى غير مصر فان فراق الوطن صعب ويذكر عنهم انه لم يشق عليهم شيء أعظم من تمكن أخصامهم من البلاد أعني اسمعيل بك وحسن بك وذلك هو السبب الحامل لهم على القدوم والمحاربة فإن لم يقبل منهم ذلك فالقصد ان يبرز لحربهم أخصامهم دون العساكر العثمانية فتكون الغلبة لنا او علينا فان كانت علينا وظفروا بنا استحقوا الامارة دوننا وان كانت لنا وظفرنا بهم فالامر لكم بعد ذلك ان شئتم قبلتم توبتنا ورددتم لنا مناصبنا وشرطتم علينا شروطكم فقمنا بها قياما لا نتحول عنه ابدا ما بقينا وأن شئتم وجهتمونا
(2/9)

إلى أي جهة امتثلنا ذلك فلما ذكرا ذلك لحسن باشا قال لعلي أغا أنا ما جئت إلى مصر لا عمل لهم على قدر عقولهم وانما السلطان امرني بما أمرت به فان كانوا مطيعين فليمتثلوا الأمر والا فسيلقون وبال عصيانهم وكتب لعلي أغا جوابا بذلك وخلع عليه فروة سمور وسافر من وقته ورجع إلى أصحابه وصحبته شخص من طرف الباشا ولما ذهب إليهم محمد افندي المكتوبجي انعموا عليه واكرموه واعطاه مراد بك خاصة ألف ريال فجعل يثني عليهم ويمدح مكارم اخلاقهم
واستهل شهر صفر الخير اوله يوم الخميس فيه حضرت خزينة حسن باشا من ثغر اسكندرية فدفع باقي النفقة للعسكر والامراء
وفيه وصل الخبر ان الامراء القبالي زحفوا إلى بحري ووصلت اوائلهم إلى بر الجيزة وآخرهم بالرقق وفردوا الكلف على بلاد الجيزة
وفيه طلب إسماعيل بك دراهم سلفة من التجار فاعتذروا بقلة الموجود بأيديهم وأغنياؤهم جلوا إلى الحجاز ولم يدفعوا له شيئا وادعى على تجار البن بمبلغ دراهم باقي حساب من مدته السابقة فصالحوه عنها بأربعة آلاف دينار
وفي يوم الجمعة نودى على المحمدية المقيمين بمصر أنهم يذهبون إلى اسمعيل بك ويقابلونه سواء كان جنديا أو اميرا أو مملوكا ومن تأخر استحق العقوبة وقبض على أنفار منهم وسجنوا بالقلعة وختم على دورهم من جملتهم جعفر كاشف الساكن عند بيت القاضي من ناحية بين القصرين
وفي تلك الليلة أعني ليلة الاحد وقعت حادثة لشخص من الاجناد يقال له اسمعيل كاشف أبو الشراميط بيته في عطفة بخط الخيمية قتله مماليكه وسبب ذلك على ما سمعنا تقصيره في حقهم وفي تصرفه عدة حصص جارية في التزامه فكتب تقاسيطها بتمامها باسم زوجته ولم يكتب لهم شيئا من ذلك وكان جبارا ظالما معدودا في جملة كشاف مراد بك فلما حصلت المناداة على المحمدية ذهب إلى اسمعيل بك وقابله فطرده وأمره
(2/10)

بلزوم بيته وأن لا يخرج منه فذهب إلى بتيه وارسل إلى اسمعيل بك حصانين بعددهما أحدهما مركوبه والثاني لاحد مماليكه وأرسل معهما درعين على سبيل التقدمة والهدية ليستميل خاطره وكان مملوكه صاحب الحصان غائبا في شغل فلما حضر لم يجد الجواد فسأل عنه فأخبره خشداشه بصورة الحال فدخل إلى سيده وسأله فنهره وشتمه فخرج مقهورا وجلس يتحدث مع رفيقه فقالوا لبعضهم هذا الرجل سيدنا لا نرى منه إلا الاذى ولا نرى منه احسانا ولاحلاوة لسان كذلك الحصص كتبها لزوجته ولم يفعل معنا خيرا عاجلا ولا آجلا وحملهم الغيظ على انهم دخلوا عليه بعد العشاء وقتلوه فصرخت زوجته من أعلى ونزلت إليهم فقتلوها ايضا هي وجاريتها فسمعت الجيران وكثر العائط وحضر الوالي فوقف المملوكان وضربا عليه بنادق الرصاص ونقبا بيوت الجيران ونطا منها فلم يزل حتى قبض عليهما وقتلهما على رأس العطفة وأصبح الخبر شائعا بين الناس بذلك
وفي يوم الأحد المذكور حضر نجاب الحج وأخبر ان العرب وقفت للحجاج في طريق المدينة وحاربوهم سبعة أيام وانجرح امير الحاج وقتل غالب أتباعه وخازنداره ومن الحجاج نحو الثلث ونهبوا غالب حمولهم بسبب عوائدهم القديمة
وفي يوم الاثنين شق الاغا وأمامه المنادى يقول أن إبراهيم بك ومراد بك مطرودا السلطان ومن كان مختفيا او غائبا وأراد الظهور أو الحضور فليظهر أو يحضر وعليه الامان ولا بأس عليه ومن خالف فلا يلومن الا نفسه
وفيه انتقل عساكر القليونجية وعدوا إلى البر الغربي ونصبوا هناك متاريس وأما الأمراء القبليون فانهم اخرجوا أثقالهم من المراكب وطلعوها بأجمعها إلى البر وتركوا المراكب ذهبت إلى حال سبيلها وانحازوا جميعا
(2/11)

عند الأهرام
وفي يوم الثلاثاء نودي على جميع الالضاشات بالخروج إلى الوطاق وكذلك المقيمون بالقلعة فتكدر الناس لذلك واختفوا في الدور ولبس كثير منهم ملابس الفقهاء والمجاورين وسبب ذلك عدم قدرتهم على الخروج من غير مصرف فإذا خرج فقير الحال لا يجد ما يأكله ولا ما ينفقه عياله في غيبته ولا يفيده إلا مقاساة الجوع والبرد والغربة والمشقة
وفي يوم الاحد حادي عشره نزل الحجاج ودخلوا مصر على حين غفلة وهم في أسوأ حال من العري والجوع ونهبت جميع أحمال أمير الحاج وأحمال التجار وجمالهم وأثقالهم وأمتعتهم واسر العرب جميع النساء بالاحمال وكان أمرا شنيعا جدا ثم ان الحجاج استغاثوا بأحمد باشا الجزار أمير الحاج الشامي فتكلم مع العرب في أمر النساء فأحضروهن عرايا ليس عليهن إلا القمصان وأجلسوهن جميعا في مكان وخرجت الناس افواجا فكل من وجد امرأته أو أخته أو أمه او بنته وعرفها اشتراها ممن هي في اسره وصارت المرأة من نساء العرب تسوق الاربعة من الجمال والخمسة باحمالها فلا تجد مانعا وسبب ذلك كله رعونة أمير الحاج فأنه لما اراد أن يتوجه بالحجاج إلى المدينة ارسل إلى العرب فحضر إليه جماعة من أكابرهم فدفع لهم عوائد سنتين وقسط البواقي على السنين المستقبلة بموجب الفرمان وحجز عنده اربعة أشخاص رهائن فبدا له أن كواهم بالنار في وجوههم فبلغ ذلك أصحابهم فقعدوا للحجاج في الطريق فبلغ أمير الحاج ذلك فذهب من طريق أخرى فوجدهم رابطين فيها ايضا فقاتلوه قتالا هينا ففر هاربا وترك الحجاج والعرب فنهبوا حملته وقتلوا مماليكه ولم يبق معه إلا القليل فهرب بمن بقي معه واختفى عن الحجاج ثلاثة أيام ولم يره أحد وفعلت العرب في الحجاج ما فعلوه واخذوا ما أخذوه فلم ينج منهم إلا من طال عمره وسلم نفسه او افتداها
(2/12)

إلى غير ذلك وأخذوا المحمل ايضا ولم يردوه
وفي يوم الاثنين ثاني عشرة هجمت القبليون على المتاريس وأرادوا ان يملكوها في غفلة آخر الليل لعلمهم ان الامراء والباشا ذهبوا إلى مصر واشتغلوا بالحجاج وكان حسن باشا ذلك اليوم لما بلغه حضور الحجاج ركب من فوره وذهب إلى العادلية فقابل أمير الحاج ورجع من ليلته إلى الوطاق فلما هجموا على المتاريس كان المتترسون مستيقظين فضربوا عليهم المدافع من البر والبحر من الفجر إلى شروق الشمس فرجعوا إلى مكانهم من غير طائل ثم هجموا ايضا يوم الثلاثاء بعد الظهر فضربوا عليهم ورجعوا
وفي يوم الاربعاء ركب الامراء القبليون وحملوا أحمالهم وصعدوا إلى دهشور وجلسوا هناك وحضر منهم جماعة من الاجناد بأمان وانضموا إلى البحريين
وفي أواخره امر حسن باشا بمحاسبة محمد باشا المعزول فذهب إليه ارباب الخدم والعكاكيز واختيارية الوجاقات والافندية وذهبوا إليه ببولاق وتحاسبوا معه ودققوا عليه في الحساب فطلع عليه ألف ومائتان وخمسة وعشرون كيسا فطلب أن يخصم منها باقي عوائده التي بذمم الامراء وغيرهم فعرفوا حسن باشا عن ذلك فلم يقبل وقال ان كان له شيء عند أحد يأخذه منه ولا بد من احضار الدراهم التي طلعت عليه فإني محتاج إلى ذلك في المصاريف اللازمة للعسكر فشددوا عليه في الطلب فضاق خناقه واعتذر وبكي وكتب على نفسه تمسكا بذلك واستوحشا من بعضهما فسعى فيض الله أفندي الرئيس بينهما في ازالة ذلك ثم ذهب محمد باشا إلى حسن باشا واجتمع معه في قصر الآثار
وفيه حضرت مكاتبة من القبالي يطلبون الأمان وأن يعينوا لهم أماكن في الجهة القبلية يقيمون بها ويعيشون هناك فأجيبوا إلى ذلك ويختاروا
(2/13)

مكانا يريدونه بشرط أن يكونوا جماعة قليلة ويحضر باقي الأمراء والعسكر إلى مصر بالامان فلم يرضوا بالافتراق ولم يجابوا إلا بمثل الجواب الأول واستقروا ناحية بني سويف ورجعت عنهم عرب الهنادي وفارقوهم
واستهل ربيع الأول بيوم الجمعة فيه حضر ططرى من الدولة وعلى يده مثال لحسن باشا بان يقيم بمصر ولا يخرج مع العساكر بل يستمر محافظا في المدينة فتحقق الناس اقامته عدم سفره
وفيه شرع حسن باشا في عمل شر كفلك فشرعوا في عمله على ساحل بولاق تجاه الديوان وهو عبارة عن متريز مصنوع من أخشاب ممتدة على مقصات من خشب وهي قطع مفصلات يجمعها أغربة من جديد وعلى تلك المدادات عدة حراب حديد مستمرة عليها محددة الأطراف وبين كل مقصين سفل الأخشاب الممتدة مدفع موضوع على شبه بسطة من الخشب ومساحة ذلك نحو اربعمائة وخمسين ذراعا وهو يوضع على هيئات مختلفة مربعا ومدورا والعسكر من داخله متحصنين به وإذا هجمت عليه الخيول رشقت بها تلك الحرب
وفي يوم الاثنين رابعه ركبت طوائف العسكر والوجاقات ومروا بنظامهم من تحت قصر الآثار وحسن باشا ينظرهم فأعجبه نظامهم وترتيبهم وحسن زيهم ثم تتابعوا في التعدية
وفي ليلة الخميس رابع عشرة كسف جرم القمر جميعه وكان ابتداؤه من رابع ساعة إلى ثامن ساعة من الليل
وفي منتصفة حضرت عساكر من الاضات مثل قبرس وقرمان وغير ذلك وجاء الخبر عن الامراء القبالي انهم وصلوا إلى أسيوط وتخلف عنهم جملة من المماليك والاتباع في نواحي المنية وغيرها فمنهم من حضر إلى مصر ومنهم من اختفى في البلاد
(2/14)

وفيه اشتكت الناس من غلاء الاسعار وتكلم الشيخ العروسي مع حسن باشا بسبب ذلك وقال له في زمن العصاة كان الامراء ينهبون ويأخذون الاشياء من غير ثمن والحمد لله هذا الامر ارتفع من مصر بوجودكم وما عرفنا موجب الغلاء أي شيء فقال أنا لا اعرف اصطلاح بلادكم وتشاور مع الاختيارية في شأن ذلك فوقع الاتفاق على عمل جميعة في باب الينكجرية واحضار الاغا والمحتسب والمعلمين ويعملون تسعيرة وينادون بها ومن خالف او احتكر شيئا قتل فلما كان يوم السبت سادس عشرة اجتمعوا في باب مستحفظان وحضر الشيخ العروسي ايضا واتفقوا على تسعيرة في الخبز واللحم والسمن وغير ذلك وركب الاغا وبجنبه المحتبسب ونادوا في الاسواق فجعلوا اللحم الضاني بثمانية انصاف وكان بعشرة والجاموسي ستة بعد سبعة والسمن المسلي بثمانية عشر والزبد بأربعة عشر والخبز عشر آواق بنصف فضة وهكذا فعزت الاشياء وقل وجود اللحم وإذا وجد كان في غاية الرداء مع ما فيه من العظم والكبد والفشة والكرشة
وفي أواخره وصل الخبر بان رضوان بك قرابة علي بك الكبير المنافق وعلي بك الملط وعثمان بك وجماعة علوية حضروا إلى عرضي التجريدة وأخذوا الأمان من اسمعيل بك وعابدي باشا وانهم قادمون إلى مصر وإن القبالي استقروا بوادي طحطأ مكانهم الاول الذي قاتلوا فيه
شهر ربيع الثاني في يوم الخميس خامسه وصل المذكور إلى مصر وقابلوا حسن باشا وتوجهوا إلى بيوتهم
وفي يوم الاحد ثامنه ضربوا مدافع كثيرة وقت الضحى وكان أشيع في أمسه ان التجريدة نصرت وقتل من القبالي اناس كثيرة فلما سمعت الناس تلك المدافع ظنوا تحقيق ذلك وكثرت الاكاذيب والاقاويل ثم تبين ان لا شيء وانها بسبب رجوع بعض مراكب رومية من ناحية الفشن بسبب
(2/15)

قلة ماء النيل ومن عادتهم انهم إذا وصلوا للمرساة ضربوا مدافع فيجابوا بمثلها
وفي منتصفه حضر محمد كتخدا الاشقر بسبب تجهيز ذخيرة ولوازم ومصاريف فهيئت وأرسلت وكذلك قبل ذلك مرارا كثيرة وأخبر ان التجريدة وصلت إلى دجرجا وإن القبالي ارتحلوا منها وصعدوا إلى قوق وتباعدوا عن البلد نحو ست ساعات ثم انقطعت الأخبار
واستهل شهر جمادى الأولى فيه زاد قلق حسن باشا بسبب تأخر الجوابات وطول المدة
وفيه عين حسن باشا على محمد باشا برشيد وشدد عليه في طلب الدراهم وضايقوه حتى باع امتعته وحوايجه وغلق ما عليه وتوفيت زوجته فحزن عليها حزنا شديدا مع ماهو فيه من الكرب ولم يفده من فعائله وهمته التي فعلها بمصر عند قدوم حسن باشا شيء وجازاه بعد ذلك بأقبح المجازاة فأنه لولا أفاعيله وتمويهاته وأكاذيبه ما تمكن حسن باشا من دخول مصر فأنه كان يعظم الأمر على الأمراء المصريين ويهول تهويلات كثيرة عليهم وعلى المشايخ واختيارية الوجاقات ويقول اياكم والعناد وإياكم ان توقعوا حربا فانكم تخربون بلادكم وتكونون سببا في هلاك أهلها فأنه بلغني أنه تعين مع حسن باشا كذا كذا الفا من الجنس الفلاني وكذا كذا ألفا من جنس العسكر الفلاني وانهم متأخرون في الحضور عنه تحت الاحتياج وكذلك في عساكر البر الواصلة من الجهة الشامية ومعهم ثمانون ألف ثور ومائة ألف جاموس برسم جر المدافع وفي المدافع ما يصحبه خمسون ثورا ونحو ذلك حتى ادخل عليهم الوهم وظنوا صدقة وانحلت عرا الناس عنهم وخصوصا بما منا هم به من اقامة العدل ومنع الظلم والجور وغير ذلك حتى جذب قلوب العالم وتحولوا عن الامراء وتمنوا زوالهم في أسرع وقت وهيج الناس وأثارهم قبل وصول حسن
(2/16)

باشا وملك القلعة ومهد له الأمور فجزاه بعد تمكنه بالخذلان والعزل والحساب والتدقيق وغير ذلك
وفي يوم الاربعا ثالثه ورد نجاب وصحبته مكتوب من عابدي باشا إلى حسن باشا وأخبر بوقوع الحرب بين الفريقين في يوم الجمعة ثامن عشرين الآخر عند الأمير ضرار وكانت الهزيمة على القبالي ولكن بعد أن كسروا الجردة مرتين وهجموا على شركفلك فضربوا عليهم من داخله بالمدافع والبنادق وقتل لاجين بك عند شركفلك وقتل الكثير من عرب الهنادى وقبض على كبيرهم اسيرا ومات من المصاحبين للعسكر ذو الفقار الخشاب وجماعة من الوجاقلية منهم على جربجي المشهدي وكانت الحرب بينهم نحو ست ساعات وكانت وقعة عظيمة وقتل من الفريقين مالا يحصى وكان حضور هذا النحاب علىالفور من غير تحقيق فلما ورد ذلك سر الباشا سرورا كثيرا وأمر بعمل شنك فضربوا مدافع كثيرة من قصر العيني والقلعة وضربوا النوبة السلطانية في برج القلعة وكذلك نوبة حسن باشا تحت القصر وأرسل المبشرين إلى الأعيان كالشيخ البكري والشيخ السادات وأكابر الوجاقات وحضروا جميعا للتهنئة
وفي سادسة حضرت عدة مكاتبات من امراء التجريد فأخبروا فيها بتلك الواقعة وان القبالي صعدوا بعد الهزيمة إلى عقبة الهو على جرائد الخيل فلم يصعدوا خلفهم لصعوبة المسلك على الأجمال والاثقال وانهم منتظرون حضور مراكبهم وما فيها من الذخيرة فيحملوا لاحمال ويسيرون بأجمعهم خلفهم من الطريق المستقيم التي توصل إلى خلف العقبة واخبروا ايضا انهم استولوا على حملاتهم ومتاعهم حتى بيع الجمل وعليه النقاقير بخمسة ريال ونحو ذلك
(2/17)

من الحوادث في هذه الأيام
وقوع الموت الذريع في الابقار حتى صارت تتساقط في الطرقات ومات لابن بسيوني غازي بناحية سنديون خاصة مائة وستون ثورا وقس على ذلك
وفي عاشره طلب الباشا حوضا ليعمله حنفية فأخبره الحاضرون وعرفوه بالحوض الذي تحت الكبش المعروف بالحوض المرصود فأمر بأحضاره فأرسلوا إليه الرجال والحمالين وأرادوا رفعه من مكانه فأزدحمت عليه الناس من الرجال والنساء لما تسامعوا بذلك لينظروا ما شاع وثبت في أذهانهم من ان تحته كنزا وهو مرصود على شيء من العجائب او نحو ذلك وان الباشا يريد الكشف عن امره فلما حصل ذلك الازدحام ووجده الحمالون ثقيلا جدا وهم لا يعرفون صناعة جر الاثقال وحركوه عن مكانه يسيرا وبلغ الباشا ما حصل من ازدحام العامة امر بتركه فتركوه ومضوا فذهب العامة في أكاذيبهم كل مذهب فمنهم من يقول انهم لما حركوه وأرادوا جره رجع بنفسه ثانيا ومنهم من يقول غير ذلك من السخافات
وفي يوم الثلاثاء سادس عشرة وصل نيف وثلاثون رأسا من قتلى القبليين فألقوهم عند باب القلعة بالرميلة على سرير من جريد النخل وأبقوهم ثلاثة ايام ثم دفنوهم ووجد فيهم راس عزوز كتخدا عزبان
وفي ذلك اليوم امر الباشا بشنق رجلين من الغيطانية تشاجرا مع طائفة من العسكر وضرباهم وأخذا سلاحهم ورفعت الشكوى إلى الباشا فأمر بشنق الغيطانية ظلما على الشجرة التي عند القنطرة فيما بين طريق مصر القديمة وطريق الناصرية
وفي يوم الاثنين ثاني عشرينه نظر أصحاب الدرك عدة هجانة مرت من ناحية الجبل معهم أمتعة وثياب مرسلة إلى القبالي من نسائهم فركبوا
(2/18)

خلفهم فلم يدركوهم واشاعوا انهم قبضوا عليهم من غير اصل ووصل خبرهم حسن باشا فاغتاظ من الاغا والوالي وأمرهما بالذهاب إلى بيوتهم ويسمرونها عليهن ففعلوا ذلك وقبضوا على الاغوات الطواشية والسقائين وحصلت ضجة في البلد بين الظهر والعصر بسبب ذلك وفرت زوجة إبراهيم بك إلى بيت شيخ السادات ثم أن رضوان بك قرابة علي بك تشفع في تسمير البيوت فقبلت شفاعته وأرسل لمعادي الخبيري والجيزة ومنعهم من التعدية وحجزهم إلى البر الشرقي
وفي يوم الثلاثاء وردت نجابة وعلى أيديهم مكاتبات من عابدي باشا يخبر فيها بأن يحيى بك وحسن كتخدا الجربان حضرا اليه بأمان وخلع عليهم فراوي وصحبتهم عدة من الكشاف والمماليك وذلك بعد أن وصلوا الى اسنا وان القبالي ذهبوا إلى ناحية ابريم فتخلف عنهم المذكورون
وفي يوم الخميس سادس عشرينه حضر اسمعيل القبطان وكان بصحبته حمامجي أوغلي وأخبر ان العسكر العثمانية ملكوا أسوان وأن الأمراء القبالي ذهبوا الى ابريم وانهم في أسوأ حال من العري والجوع وغالب مماليكهم لابسون الزعابيط مثل الفلاحين وتخلف عنهم كثير من اتباعهم فمنهم من حضر الى عابدي باشا بأمان ومنهم من تشتت في البلاد ومنهم من قتله الفلاحون وغير ذلك من المبالغات
وفي يوم الاثنين خلع حسن باشا علي رضوان بك العلوي وقلده كشوفية الغربية وقلد علي بك الملط كشوفية المنوفية وقرر لهما على كل بلد اربعة آلاف نصف قضة ونزلا إلى طندتا لاجل خفارة مولد السيد أحمد البدوي
وفي هذا الشهر عمت البلوى بموت الابقار والثيران في سائر الاقليم البحري ووصل إلى مصر حتى انها صارت تتساقط في الطرقات وغيطان المرعى وجافت الارض منه فمنها ما يدركونه بالذبح ومنها ما يموت
(2/19)

ورخص سعر اللحم البقري جدا لكثرته حتى صار يباع بمصر آخر النهار كل رطلين بنصف فضة مع كونه سمينا غير هزيل وعافته الناس وبعضهم كان يخاف من أكله وأما الأرياف فكان يباع فيها بالاحمال وبيعت البقرة بما خلعها بدينار وكثر عويل الفلاحين وبكاؤهم على البهائم وعرفوا بموتها قدر نعمتها وغلا سعر السمن واللبن والاجبان بسبب ذلك لقلتها
شهر جمادى الآخرة استهل بيوم الاربعاء وكان ذلك يوم النوروز السلطاني وانتقال الشمس لبرج الحمل
وفي يوم الاثنين سافر حمامجي اوغلي بالجوابات إلى الجهة القبلية وفيها الامر بحضور عابدي باشا واسمعيل بك وباقي الامراء إلى مصر وان حسن بك ومحمد بك المبدول ويحيى بك يقيمون باسنا محافظين
وفي يوم الخميس سادس عشره نودي على النساء أن لا يخرجن إلى موسم الخماسين المعروف عند القبط بشم النسيم وذلك يوم الاثنين صبيحة عيدهم
وفي عشرينه نودي بأبطال المعامله بالذهب الفندقلي الجديد واستمرت المناداة على النساء في عدم خروجهن إلى الاسواق وسبب ذلك وقائعهن مع العسكر منها انهم وجدوا ببيت يوسف بك سكن حمامجي اوغلي نحو سبعين امرأة مقتولة ومدفونة بالاسطبلات ومن النساء من لعبت على العسكر وأخذت ثيابه وأمثال ذلك فنودي عليهن بسبب ذلك فتضرر المحترفات منهن مثل البلانات والدايات وبياعات الغزل والقطن والكتان ثم حصل الاطلاق وسومحن في الخروج
وفي خامس عشرينه حضرت نجابة من قبلي وحضر ايضا حمامجي اوغلي وأخبروا ان الباشا والامراء وصلوا إلى دجرجا
شهر رجب الفرد استهل بيوم الخميس فيه قبض حسن باشا على احمد قبودان المعروف بحمامجي اوغلي وحبسه وحبس ايضا تابعه عثمان
(2/20)

التوقتلي كان يسعى معه في الخبائث وكذلك رجل يقال له مصطفى خوجة
وفي يوم الخميس سابعه نودي على النساء انهن إذا خرجن لحاجة يخرجن في كمالهن ولا يلبسن الحبرات الصندل ولا الإفرنجي ولا يربطن على رؤوسهن العمائم المعروفة بالقازدغلية وذلك من مبتدعات نساء القازدغلية وذلك أنهن يربطن الشاشيات الملونة المعروفة بالمدورات ويجعلنها شبه الكعك ويملنها على جباههن معقوصات بطريقة معلومة لهن وصار لهن نساء يتولين صناعة ذلك بأجرة على قدر مقام صاحبتها ومنهن من تعطي الصانعة لذلك دينارا أو أكثر أو اقل وفعل ذلك جميع النساء حتى الجواري السود
وفي يوم الاحد حادي عشرة حضر عابدي باشا واسمعيل بك وعلي بك الدفتردار ورضوان بك بلفيا وحسن بك رضوان ومحمد بك كشكش وعبد الرحمن بك عثمان وسليمان بك الشابوري وباقي الوجاقلية إلى مصر وذهبوا إلى بيوتهم وبات الباشا في مصر القديمة
وفي صبحها يوم الاثنين ركب عابدي باشا وطلع إلى القلعة من غير موكب وطلع من جهة الصليبة وذلك قبل آذان الظهر بنحو خمس درجات فلما استقر بها ضربوا له مدافع من الابراج وبعد انقضاء المدافع ارعدت السماء رعودا متتابعة إلى العصر وأمطرت مطرا غزيرا وذلك رابع عشرين برموده القبطي وتاسع عشر نيسان الرومي وأما حسن بك الجداوي فانه تخلف بقنا هو واتباعه وكذلك عثمان بك وسليم بك الاسماعيلي باسنا وعلي بك جركس بارمنت وعثمان بك وشاهين بك الحسيني ويحيى بك باكير بك ومحمد بك المبذول كذلك تخلفوا متفرقين في البنادر لاجل المحافظة وقاسم بك أبو سيف في منصبه بدجرجا وأراد الباشا واسمعيل بك ان يبقوا طائفة من الوجاقلية ومعهم طائفة من العسكر فأبوا وقالوا حتى نذهب إلى مصر ونعدل حالنا وبعد ذلك نأتي
(2/21)

وفي ذلك اليوم وصل الخبر بان القبالي رجعوا إلى اسوان وشرعوا في التعدية إلى أسنا فأرسل اسمعيل بك الى الاختيارية فحضروا عنده بعد العصر وتكلموا في شأن ذلك بحضرة علي بك ايضا وكذلك اجتمعوا في صبحها يوم الثلاثاء وانفصل المجسر كالاول
وفي أواخره وصل الخبر انهم زحفوا إلى بحرى وان حسن بك تأخر عنهم
شهر شعبان المكرم في اوائله جاء الخبر انهم وصلوا إلى دجرجا وان حسن بك والامراء وصدوا في التأخر إلى المنية وعملت جمعيات ودواوين بسبب ذلك وشرعوا في طلوع تجريدة ثم وقع الاختلاف بين الباشا والامراء واستقر الأمر بينهم في الرأي أن يراسلوهم في الصلح وانهم يقيمون في البلاد التي كانت بيد اسمعيل بك وحسن بك ويرسلوا أيوب بك الكبير والصغير وعثمان بك الاشقر وعثمان بك المرادي يكونوا بمصر رهائن وكتبوا بذلك مكاتبات وأرسلوها صحبة محمد افندي المكتوبجي وسليمان كاشف قنبور والشيخ سليمان الفيومي
وفيه قررت المظالم على البلاد وهي المعروفة برفع المظالم وكان حسن باشا عندما قدم إلى مصر أبطلها وكتب برفعها فرمانات إلى البلاد فلما حضر اسمعيل بك حسن له اعادتها فأعيدت وسموها التحرير وكتب بها فرمانات وعينت بها المعينون وتفرقوا في الجهات والاقاليم بطلبها مع ما يتبعها من الكلف وحق الطرق وغيرها فدهى الفلاحون وأهل القرى بهذه الداهية ثانيا على ما هم فيه من موت البهائم وهياف الزرع وسلاطة الفيران الكثيرة على غيطان الغلة والمقاثي وغيرها وما هم فيه من تكلف المشاق الطارىء عليهم ايضا بسبب موت البهائم في الدراس وادارة السواقي بأيديهم وعوافيهم أو بالحمير أو الخيل أو الجمال لمن عنده مقدرة على شرائها وغلت أثمانها بسبب ذلك إلى الغاية فتغيرت قلوب الخلق جميعا على حسن باشا وخاب ظنهم فيه وتمنوا زواله وفشا شر جماعته وعساكره
(2/22)

القليونجية في الناس وزاد فسقهم وشرهم وطمعهم وانتهكوا حرمةالمصر وأهله إلى الغاية
وفي خامسه يوم الاربعاء توفي أحمد كتخدا المجنون وقلدوا مكانه في كتخدائية مستحفظان رضوان جاويش تابعه عوضا عنه
وفيه قتل عثمان التوقتلي بالرميلة رفيق حمامجي اوغلي بعد ان عوقب بانواع العذاب مدة حبسه واستصفيت منه جميع الاموال التي كان يملكها واختلسها ودل على غيرها حمامجي اوغلي واستمر حمامجي اوغلي في الترسيم
وفيه قبض على سراج متوجه إلى قبلي ومعه دراهم وامتعة وغير ذلك فأخذت منه ورمي عنقه ظلما بالرميلة
واستهل شعر رمضان المعظم بيوم الاحد فيه اختصرت الامراء من وقدة القناديل في البيوت عن العادة وعبى اسمعيل بك هدية جليلة وأرسلها الى حسن باشا وهي سبع فروق وخمسون تفصيلة هندي عال مختلفة الاجناس وأربعة آلاف تصفية دنانير نقد مطروقة وجملة من بخور العود والعنبر وغير ذلك فأعطى للشيالين على سبيل الانعام أربعة عشر قرشا رومية عنها خمسمائة وستون نصفا فضة
وفي يوم الثلاثاء عاشره حضر المحمل صحبة رجل من الاشراف وذلك انه لما وقع للحجاج من العربان ما وقع في العام الماضي ونهبوا الحجاج وأخذوا المحمل بقي عندهم إلى أن جيش عليهم الشريف سرور وحاربهم وقاتلهم قتالا شديدا وأفنى منهم خلائق لا تحصى واستخلص منهم المحمل وأرسله إلى مصر صحبة ذلك الشريف وقيل ان الشريف الذي حضر به هو الذي افتداه من العرب باربعمائة ريال فرانسة فلما حضر خرج إلى ملاقاته الاشاير والمحملدارية وارباب الوظائف ودخلوا به من باب النصر وامامه الاشاير والطبول والزمور وذلك الشريف راكب امامه ايضا
(2/23)

وفي ذلك اليوم بعد اذان العصر بساعتين وقعت حادثة مهولة مزعجة يخط البندقانيين وذلك ان رجلا عطارا يسمى أحمد ميلاد وحانوته تجاه خان البهار اشترى جانب بارود انكليزي من الفرنج في برميلين وبطة ووضعها في داخل الحانوت فحضر إليه جماعة من اهل الينبع وساوموه على جانب بارود وطلبوا منه شيئا اليروه ويجربوه فأحضر البطة وصب منها شيئا في المنقد الذي يعد فيه الدراهم ووضعوه على قطعة كاغد واحضروا قطعة يدك وطيروا ذلك البارود عن الكاغد فأعجبهم ومن خصوصية البارود الانكليزي إذا وضع منه شيء على كاغد وطير فالنار لا تؤثر في الكاغد ثم رموا بالقطعة اليدك على مصطبة الحانوت وشرع يزن لهم وهم يضعونه في ظرفهم ويتساقط فيما بين ذلك من حباته وانتشر بعضها إلىناحية اليدك وهم لا يشعرون فاشتعلت تلك الحبات واتصلت بما في أيديهم وبالبطة ففرقعت مثل المدفع العظيم واتصلت النار بذينك البرميلين كذلك فارتفع عقد الحانوت وما جاوره بما على تلك العقود من الابنية والبيوت والربع والطباق في الهواء والتهبت بأجمعها نارا وسقطت بمن فيها من السكان على من كان اسفلها من الناس الواقفين والمارين وصارت كوما يظن من لم يكن رآه قبل ذلك انه له مائة عام وذلك كله في طرفة عين بحيث ان الواقف في ذلك السوق او المار لم يمكنه الفرار والبعيد أصيب في بعض أعضائه اما من النار او الردم وكان السوق في ذلك الوقت مزدحما بالناس خصوصا وعصرية رمضان وذلك السوق مشتمل على غالب حوائج الناس وبه حوانيت العطارين والزياتين والقبانية والصيارف وبياعي الكنافة والقطائف والبطيخ والعبدلاوي ودكاكين المزينين والقهاوي وغالب جيران تلك الجهة وسكان السبع قاعات وشمس الدولة يأتون في تلك الحصة ويجلسون على الحوانيت لاجل التسلي والحاصل ان كل من كان حاصلا بتلك البقعة في ذلك الوقت سواء كان عاليا او متسفلا او مارا او واقفا لحاجة او جالسا اصيب البتة وكان ذلك
(2/24)

العطار يبيع غالب الاصناف من رصاص وقصدير ونحاس وكحل وكبريت وعنده موازين شبه الجلل فلما اشتعل ذلك البارود صارت تلك الجلل وقطع الرصاص والكحل والمغناطيس تتطاير مثل جلل المدافع حتى أحرقت واجهة الربع المقابل لها وكان خان البهار مقفولا متخربا وبابه كبير مسماري فصدمه بعض الجلل وكسر واشتعل بالنار واتصل بالطباق التي تعلو ذلك الخان ووقعت ضجة عظيمة وكل من كان قريبا وسلم أسرع يطلب الفرار والنجاة وما يدري أي شيء القضية فلما وقعت تلك الضجة وصرخت النساء من كل جهة وانزعجت الناس انزعاجا شديدا وارتجت الارض واتصلت الرجة إلى نواحي الأزهر والمشهد الحسيني ظنوها زلزلة وشرع تجار خان الحمزاوي في نقل بضائعهم من الحواصل فان النار تطايرت اليه من ظاهره وحضرالاغا والوالي فتسلم الاغا جهة الحمزاوي وتسلم الوالي جهة شمس الدولة وتتبعوا النار حتى أخمدوها وختموا على دكاكين الناس التي بذلك لخط وارسلوا ختموا بيت احمد ميلاد الذي خرجت النار من حانوته بعد ان أخرجوا منه النساء ثم أفرجوا عنهم بأمراسمعيل بك وأحضروا في صبحها نحو المائتين فاعل وشرعوا في نبش الأتربة وإخراج القتلى وأخذ ما يجدونه من الاسباب والامتعة وما في داخل الحوانيت من البضائع والنقود وما سقط من الدور من فرش وأوان ومصاغ النساء وغير ذلك شيئا كثيرا حتى الحوانيت التي لم يصبها الهدم فتحوها وأخذوا ما فيها وأصحابها ينظرون ومن طلب شيئا من متاعه يقال له هو عندنا حتى تثبته هذا إذا كان صاحبه ممن يخاطب ويصغى إليه وقيامه قائمة ومن يقرأ ومن يسمع ووقفت اتباعهم بالنبابيت من كل جهة يطرودن الناس ولا يمكنون احدا من أخذ شيء جملة كافية وأما القتلى فإن من كان في السوق او قريبا من تلك الحانوت والنار فإنه احترق ومن كان في العلو من الطباق انهرس ومنهم من احترق بعضه وانهرس باقيه وإذا ظهر وكان عليه شيء أو معه شيء أخذوه وان كانت امرأة
(2/25)

جردوها وأخدوا حليها ومصاغها ثم لا يمكنون أقاربهم من أخذهم إلا بدراهم يأخذونها وكأنما فتح لهم باب الغنيمة ولما كشفوا عن أحمد ميلاد وحانوته وجدوه تمزق واحترق وصار قطعا مثل الفحم فجمعوا منه ست قطع وأخذوا شيئا كثيرا من حانوته ودراهم وودائع كانت أسفل الحانوت لم تصبها النار وكتم عليها الردم والتراب وكذلك حانوت رجل زيات انهدم على صاحبه فكشفوا عنه وأخرجوه ميتا وأخذوا من حانوته مبلغ دراهم وكذلك من بيت صباغ الحرير بجوار الحمزاوي انهدمت داره ايضا وأخذوا ما فيها ومن جملتها صندوق ضمنه دراهم لها صورة ونحو ذلك واستمر الحال على ذلك اربعة ايام في حفر ونبش واخراج قتلى وجنائز وبلغت القتلى التي أخرجت نيفا عن مائة نفس وذلك خلاف من بقي تحت الردم منهم امام الزاوية المجاورة لذلك فأنها انخسفت ايضا على الإمام وبقى تحت الردم ولم يجدوا بقية اعضاء احمد ميلاد وفقدوا دماغه فجمعوا اعضاءه ووضعوها في كيس قماش ودفنوه وسدوا على تلك الخطة من الجهتين وتركوها كما هي مدة ايام ونظفت وعمرت بعد ذلك فكانت هذه الحادثة من أعظم الحوادث المزعجة
وفي يوم الخميس حضر الرسل من عند القبليين وحضر أيوب بك الكبير رهينة عن المماليك المحمدية وعثمان بك الطنبرجي عن مراد بك وعبد الرحمن بك عن إبراهيم بك فذهبوا إلى حسن باشا وقابلوه وكذلك قابلوا عابدي باشا ثم اجتمع الأمراء عند حسن باشا وتكلموا في شأن هؤلاء الجماعة وقالوا هؤلاء ليسوا المطلوبين ولم يأت الا أيوب بك الكبير من المطلوبين و 4 لم يأت عثمان بك الأشقر وأيوب بك الصغير فاتفق الرأي على أعادة الجواب فكتبوا جوابات اخرى وأرسلوها صحبة سلحدار حسن باشا
وفي هذا الشهر اخذت القرصان ثلاثة غلايين وفيها اناس من اتباع
(2/26)

الدولة وأعيانها ووصل الخبر بوقوع حريق عظيم ببندر جدة وتوفي احمد باشا واليها وعبى علي بك الدفتردار كساوى للأمراء فأرسل إلى اسمعيل بك وحسن بك الجداوي ورضوان بك وباقي الصنادق والامراء حتى لحريمهم وأتباعهم وارسل ايضا لطائفة الفقهاء وفتح السفر لجهة الموسقو وتقليد باكير قبطان باشا قائمقام عن حسن باشا
وفي منتصفه وقعت حادثة بثغر بولاق بين طائفة الفليونجية والفلاحين باعة البطيخ وذلك ان شخصا قليونجيا ساوم على بطيخة وأعطاه دون ثمنها فامتنع وتشاجر معه فوكزه العسكري بسكين فزعق الفلاح على شيعته وزعق الاخر على رفقائه فاجتمع الفريقان ووقع بينهم مقتله كبيرة قتل فيها من الفلاحين نحو ثلاثين انسانا ومن القليونجية نحو أربعة
وفي يوم الأحد ثاني عشرينه قررت تفريدة على بلاد الارياف أعلى وأوسط وادنى الاعلى خمسة وعشرون الف نصف فضة والأوسط سبعة عشر ألف والادنى تسعة آلاف وذلك خلاف ما يتبعها من الكلف وحق الطرق
وفيه رفعوا خفارة البحرين عن بن حبيب وكذلك الموارد والتزم بها رضوان بك على خمسين كيسا يقوم بها في كل سنة لطرف الميري وسبب ذلك منافسة وقعت بينه وبين بن حبيب فأنه لما تولى المنوفية ومر على دجوة أرسل له بن حبيب تقدمة فاستقلها ثم أرسل إليه بعد ارتحاله من الناحية يطلب منه جمالا وأشياء فامتنع بن حبيب فأرسل يطلبه ليقابله فلم يذهب إليه واعتذر ولما رجع نزل اليه ابنه علي بالضيافة فعاتبه علىامتناع أبيه من مقابلته وأضمر له في نفسه وتكلم معه حسن باشا في رفع ذلك عنهم والتزم بالقدر المذكور وطريقة العثمانية الميل إلى الدنيا بأي وجه كان فأخرج فرمانا بذلك
وفي ثاني شوال برزت الامراء المعينون لجمع الفردة وهم سليم بك الاسماعيلي للغربية وشاهين بك الحسيني لأقليم المنصورة علي بك
(2/27)

الحسيني لاقليم المنوفية ومحمد بك كشكش للشرقية وعثمان بك الحسيني للجيزة وعثمان كاشف الإسماعيلي للفيوم ويوسف كاشف الاسماعيلي للبهنسا وأحمد كاشف للجيزة
وفي ثامنة حضر سلحدار الباشا وسليمان كاشف قنبور المسافران بالجوابات إلى الأمراء القبليين وذلك انهم أرسلوا بطلب بلاد أخرى زيادة على ما عينوا لهم وقالوا ان هذه البلاد لا تكفينا فأمر لهم حسن باشا بخمسة بلاد اخرى فقال اسمعيل بك اطلبوا منهم حلوانها فقال اسمعيل كاشف قنبور اجعلوا ما أخذ من بيوتهم في نظير الحلوان فقال كذلك
وفي عاشره حضر قاصد من الحجاز بمراسلة من الشريف سرور يخبر فيها بعصيان عرب جرب وغيرهم وقعودهم على الطريق ومنعهم السبيل
ويحتاج أن أمير الحاج يكون في قوة واستعداد وان الحرب قائمة بينهم وبين الشريف وخرج إليهم في نحو خمسة عشر الفا وفي منتصفه كمل عمارة التكية المجاورة لقصر العيني المعروفة بتكية البكتاشية وخبرها ان هذه التكية موقوفة على طائفة من الاعجام المعروفين بالبكتاشية وكانت قد تلاشى أمرها وآلت إلى الخراب وصارت في غاية من القذارة ومات شيخها وتنازع مشيختها رجل أصله من سراجين مراد بك وغلام يدعي أنه من ذرية مشايخها المقبورين فغلب على الغلام ذلك الرجل لانتسابه إلى الامراء وسافر إلى اسكندرية فصادف مجيء حسن باشا واجتمع به وهو بهيئة الدراويش وهم يميلون لذلك النوع وصار من اخصائه لكونه من أهل عقيدته وحضر صحبته إلى مصر وصار له ذكر وشهرة ويقال له الدرويش صالح فشرع في تعمير التكية المذكورة من رشوات مناصب المكوس التي توسط لاربابها مع حسن باشا فعمرها وبنى اسوارها وأسوار الغيطان الموقوفة عليها المحيطة بها وأنشأ بها صهريجا في فسحة القبة ورتب لها تراتيب ومطبخا وأنشأ خارجها مصلى
(2/28)

باسم حسن باشا فلما تم ذلك عمل وليمة ودعا جميع الأمراء فحصل عندهم وسوسة واعتدوا وركبوا بعد العصر بجميع مماليكهم واتباعهم وهم بالاسلحة متحذرين فمد لهم سماطا وجلسوا عليه واوهموا الأكل لظنهم الطعام مسموما وقاموا وتفرقوا في خارج القصر والمراكب وعمل شنك وحرافة نفوط وبارود ظنوا غرابته ثم ركبوا في حصة من الليل وذهبوا إلى بيوتهم
وفي يوم الخميس رابع عشرينه خرج المحمل وأمير الحجاج غيطاس بك في موكب محتقر بدون الينكجرية والعزب مثل العام الماضي فخرجوا إلى الحصوة وأقاموا هناك ولم يذهبوا إلى البركة
وفي يوم الثلاثاء غايته ارتحل الحجاج من الحصوة إلى البركة بعد العصر وارتحلوا في ضحوة يوم الأربعاء غرة شهر القعدة
شهر القعدة الحرام في ثالثه يوم الجمعة الموافق لثالث عشر مسرى القبطي أو في النيل المبارك أذرعه ونودى بذلك وعمل الشنك وركب حسن باشا في صبحها وكسروا السد بحضرته وجرى الماء في الخليج ولم يحضر عابدي باشا لمرضه
وفي سادسه نودى على المماليك ان لا يركبوا من بيوت أسيادهم منفردين ابدا فترك ذلك في جملة المتروكات وتزوج المماليك وصار لهم بيوت وخدم ويركبون ويغدون ويروحون ويشربون الدخان وهم راكبون في الشارع الأعظم وفي أيديهم شبكات الدخان من غير انكار وهم في الرق ولا يخطر ببالهم خروجهم عن الادب لعدم انكار أسيادهم وترخيصهم لهم في الامور فإذا مات بعض الأعيان بادر أحد المماليك إلى سيده الأمير صاحب الشوكة وقبل يده وطلب منه ان ينعم عليه بزوجة الميت فيجيبه إلى ذلك ثم تراه ركب في الوقت والساعة ذهب إلى بيت المتوفي ولو قبل خروج جنازته ونزل في البيت وجلس فيه وتصرف في تعلقاته وحازه وملكه بما فيه وأقام بمجلس الرجال ينتظر انقضاء العدة ويأمر وينهي
(2/29)