Advertisement

عجائب الآثار 005



[ عجائب الآثار - الجبرتي ]
الكتاب : تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار
المؤلف : عبد الرحمن بن حسن الجبرتي
الناشر : دار الجيل - بيروت
عدد الأجزاء : 3 عادتهم يسهرونها مع ليال قبلها الى الصباح اغلقوا الحوانيت واطفؤا القناديل من بعد اذان العشاء وذهبوا الى دورهم
وفيه قرروا فردة غلال على البلاد قمح وشعير وتين اعلى واوسط وادنى إلا على خمسة عشر أردبا وخمسة عشر حمل تين والأوسط عشرة والأدنى خمسة على أن اقليم القليوبية لم يبق به الا خمسة وعشرون قرية فيها بعض سكان والباقي خراب ليس فيها ديار ولا نافخ نار ومجموع المطلوب ثمانية ألاف اردب خلاف التين وذلك برسم ترحيلة علي باشا الى الينبع ثم قرروا فردة اخرى كذلك أيضا وقدرها ألف وخمسمائة كيس رومية
وفي يوم الجمعة رابعه جمع الباشا المشايخ في ديوان خاص بسبب مكتوب حضر من الامراء المصريين خطابا للمشايخ مضمونه انهم يسعون بينهم وبين الباشا فيما يكون فيه الراحة للبلاد والعباد وانه يخرج هذه العساكر فانهم إن داموا بالإقليم كملوا خرابه وهتكوه بأفاعيلهم وظلمهم وفسقهم وطلب العلوفات التي لا يفي ببعضها خراج الاقليم واما نحن فاننا مطيعون السلطنة وخدامون بلا جامكية ولا علوفة وإن لم يفعل ذلك يعطينا جهة قبلي تتعيش فيها وان ارادوا الحرب فليخرجوا الناس بعيدا عن الابنية ويحاربونا في الميدان والله يعطي النصر لمن يشاء الى اخر ما قالوه فقال الباشا للمشايخ اكتبوا لهم يأخذوا جهة أسنا ومقبلا فقالوا نحن لا نكتب شيئا اكتبوا لهم مثل ما تعوفون وانفض المجلس
وفيه عزم جماعة من اكابر العسكر على السفر الى بلادهم وهم احمد بك رفيق محمد علي وصادق آغا وخلافهما واخذوا في تشهيل انفسهم وبيع متاعهم ونزلوا الى بولاق عند عمر آغا ونزل محمد علي لوداعهم ببيت عمر أغا فاجتمع العسكر واحاطوا بهم ومنعوهم من السفر قائلين لهم اعطونا علوفاتنا المنكسرة والا عطلناكم ولا ندعكم تسافرن باموال مصر ومنهوباتها فأخذوا خواطرهم ووعدوهم على ايام وامتنعوا من السفر
(3/26)

وفي يوم الثلاثاء ثامنه تقلد شخص من العثمانيين الزعاعة عوضا عن علي أغا الذي تولى باشة السفر للينبع
وفي عاشره اجتمع العسكر وطلبوا علوفاتهم من الباشا فدفعوا للارنؤد جامكية شهر
وفي ليلة الجمعة حادي عشر جمادي الأولى الموافق لثاني عشر مسرى القبطي اوفى النيل المبارك سبعة عشر ذراعا وكسر سد الخليج في صبح يوم السبت يحضر الباشا والقاضي ومحمد علي وباقي كبارالعسكر وجميع العسكر وكان جمعا مهولا وضرب الجميع بنادقهم وجرى الماء بالخليج وركبوا القوارب والمراكب ودخلوا فيه وهم يضربون بالبنادق وكذلك من كان منهم بالقواطين والبيوت وكان الموسم خاصا بهم دون اولاد البلد وخلافهم وكذلك سكنوا بيوت الخليج مع قحابهم من النساء ومات في ذلك اليوم عدة اشخاص نساء ورجالا اصيبوا من بنادقهم ومما وقع انه اصيب شخص من اولاد البلد برصاصة منهم ومات وحضر اهله يصرخون وارادوا اخذه ليواروه فمنعهم الوالي وطلب منهم ثلاثة آلاف درهم فضة ولم يمكنهم من شيله حتى صالحوه على ألف وخمسمائة وكذلك من كان منهم بالقواطين والبيوت واذن لهم في اخذه ومواراته ونظر بعضهم الى اعلى بيوت الخليج فرأى امرأة جالسة في الطاقة فضربها برصاصة فاصابتها في دماغها وماتت من ساعتها وغير ذلك مما لم تتحقق اخباره
وفي يوم الاحد ثالث عشرة خرج علي باشا الوالي المسافر الى الينبع خارج البلد واقام جهة العادلية وارتحل يوم السبت تاسع عشرة ومعه مائة عسكري لاغير وذهب الى جهة السويس
وفيه ارسل الباشا الى المشايخ والوجاقلية وتكلم معهم في توزيع فردة على اهل مصر لغلاق جامكية العسكر فدفعوا بما امكنهم من المدافعة فقال هذا الذي نطلبه انما نأخذه على سبيل القرض ثم نرده اليهم فقالوا
(3/27)

له لم يبق بايدي الناس ما يقرضونه ويكفي الناس ما هم فيه من الغلاء ووقف الحال وغير ذلك فالتفت الى الوجاقلية وقال كيف يكون العمل فقال ايوب كتخدا نعمل جمعية مع السيد احمد المحروقي ويحصل خير فركن الباشا على ذلك ثم اجتمعوا مع المذكور واتفقوا انهم يطلبونها بكيفية ليس فيها شناعة ولا بشاعة وهي انهم قرروا على الوجاقلية قدرا من الاكياس وكتبوا بها تنابية باسماء اشخاص منها ما جعلوا عليه عشرين كيسا وعشرة وخمسة واقل واكثر وكذلك وزعوا على اشخاص من تجار البن وخان الخليلي ومغاربة اغراب واهل الغورية وخلافهم من تراخي في الدفع قبضوا عليه واودعوه في اضيق الحبوس ووضعوا الحديد في يديه ورجليه ورقبته ومنهم من يوقفونه على قدميه والجنزير مربوط بالسقف وارسلوا العسكر الى بيوتهم فجلسوا بها يأكلون ويسكرون ويطلبون من النساء المصروف خلاف الاكل الذي يطلبونه ويشتهونه وهو ثمن الشراب والدخان والفاكهة بل ويأتون بالقحاب معهم ويضربون بالبندق والرصاص بطول الليل والنهار وامثال ذلك
وفي يوم الخميس رابع عشرينة ارسل الباشا عسكرا فقبض على الامير علي المدني صهر ابن الشيخ الجوهري وحبسه فركب اليه المشايخ وكلموه في شأنه وقالوا أنه رجل وجاقلي من خيار الناس وما السبب في القبض عليه وما ذنبه الموجب لذلك فقال انه رجل قبيح ولي عليه دعوة شرعية وإذا كان من خيار الناس وم الوجاقلية لأي شيء يعمل كتخدا عند صالح بك الألفي وانه عند هروب مخدومه من الشرقية اخذ ما كان معه من المال على اربعة جمال ودخل بها الى داره وعندي بينة تشهد عليه بذلك فأنا اطالبه بالمال الذي عنده وقاموا ونزلوا من غير طائل
وفي يوم السبت سادس عشرينه توفى الشيخ موسى الشرقاوي الشافعي وكان من اعيان العلماء الشافعية
وفي يوم الاثنين ثامن عشرينة احضروا المحمل من السويس فنزل
(3/28)

كتخدا الباشا والآغا والوالي واكابر العسكر وعدة كبيرة من العسكر وعملوا له الموكب وشقوا به البلد وخلفه الطبل والزمر
وفي اواخره وصلت قوافل البن من السويس فحجزها الباشا واخذها وأعطى اصحاب البن وثائق بثمن البن لاجل ووكل في بيعه وحول به العسكر يأخذونه من اصل علوفاتهم فبلغ ثمن المحجوز تسعمائة كيس وانهمك المشترون على الشراء ومنعوا القبانية من الوزن الا بحضور المقيدين بذلك وانقضى هذا الشهر وحوادثه وما وقع فيه من عكوسات العسكر من الخطف والقتل والدعاوي الكذب وشهاداتهم الزور لبعضهم فيما يدعونه وتواطئهم على ذلك فيكتب له عرضحال ويشكو انه عصبه في مدة سابقة قبل ذلك طلق منه زوجته قهرا بعد أن كان صرف عليها مبلغ دراهم كثيرة في المهر والنفقة والكسوة ويكتبون له عليه علامة الباشا ويأخذ صحبته اشخاصا معينين من اقرانه فيسحبون المدعي عليه الى المحكمة فلا يثبت عليه ذلك فيكتب له القاضي اعلاما بعدم صحة الدعوى بدراهم يدفعها على ذلك الاعلام فيذهبون الى ديوان الباشا ويخبرون الكتخدا ببطلان الدعوى ويطلعون على الاعلام بحضرة الخصم وهو يظن البراح والخلاص من تلك الدعوة الباطلة فيقول الكتخدا للخصم اعط المباشرين خدمتهم خمسة اكياس واذهب وامثال ذلك فان وحد شافعا او مغيثا توسط له او تشفع في تخفيف ذلك قليلا او ضمنه او دفع عنه وانقذه والا حبس كغيره وذاق في الحبس انواع العذاب حتى يدفع ما قرره عليه الكتخدا واتفق أن جماعة من سكان المحجر شكوا نظار جامع وسبيل ومدرسة متخربة من ايام الفرنسيس ومعطلة الشعائر والايراد فامر الكتخدا باحضار النظار وهم ناس فقراء وعواجز وسالهم فأخبروا بتعطيل الايراد فأحضروا مباشرين الاوقاف فحاسبوهم فلم يطلع عليهم شيء فقال الكتخدا اعطوا المباشرين خدمتهم فلما فرغوا من ذلك بعد مشقة عظيمة قالوا هاتوا محصول الخزينة فقالوا وما يكون محصول الخزينة قالوا
(3/29)

ثلاثون كيسا على كل ناظر عشرة اكياس فبهت الجماعة وتحيروا في امرهم ولم يعلموا ما يقولون وفي الحال جذبوهم الى الحبس وفيهم رجل من جماعة المشهدية عاجز لا يقدر على القيام فسعى عليه حريمة وخشداشينة وصالحوا عليه بكيسين وخلصوه واما الاثنان الاخران فاستمر في الحبس والحديد مدة طويلة وامثال ذلك
وفي او آخره افرجوا عن السيد علي المدني بعد ما قرروا عليه اربعة آلاف ريال خلاف البراني وامثال ذلك كثير
شهر جمادي الثانية سنة
استهل بيوم الخميس في حضرة القاضي الجديد الى جهة بولاق وركب في يوم الجمعة فطلع الى القلعة وسلم على الباشا ورجع الى المحكمة وكان عندما وصل الى رشيد ارسل الى الباشا ليامر له بعمارة المحكمة فأمر الباشا اصحابها بالعمارة وامرهم بالاجتهاد في ذلك
وفيه فقد اللحم وشح وجوده وكذلك السكر والعسل واما العسل الابيض فبلغ الرطل خمسين نصفا إن وجد لعدم الوارد من ناحية قبلي وقلة المرعى بالجهة البحرية واستقر الألفي الكبير جهة اللاهون وبقية الجماعة جهة المنية واسيوط وعثمان بك حسن بجبل الطير بالبر الشرقي
وفي خمسه اشيع سفر محمد علي الى بلاده وكذلك احمد بك وغيرهم من اكابرهم وشرعوا في بيع جمالهم وبلادهم ومتاعهم وكثر لغط الناس بسبب ذلك وكثر افساد العساكر وخطفهم واغلق اهل الاسواق الدكاكين وخاف الناس المرور وتطيروا منهم وخصوصا الانكشارية
وفي يوم الثلاثاء سادسه مر محمد علي وخلفه عدة كبيرة من العسكر وهو ماش على اقدامه كذلك حسن بك اخو طاهر باشا وعابدي بك واغات الإنكشارية والوالي وجلس منهم جماعة جهة الغورية وخان الخليلي ساعة ثم ذهبوا وكأنهم يطمنون الناس وامام بعضهم المناداة بالتركي بالامن والامان وفتح الدكاكين وكل من تعرض لكم اقتلوه وفي اثر
(3/30)

مرورهم وقع الخطف والتعرية
وفي ذلك اليوم اواخر النهار مرت مركبان فيهما عسكر ارنؤد بالخليج المرخم ومعهم امراة وبتلك الجهة عسكر انكشارية ساكنون ببيت المجنون فضربوا عليهم رصاصا من الشبابيك فقتل منهم جماعة وهرب من نجا او عرف العوم فتحزب الارنؤد وجاء منهم طائفة لذلك البيت فلم يجدوا به احدا فارسل محمد علي الى حسن بك وتكلم معه في شأن ذلك
وفي صبحها يوم الاربعاء قتلوا ثلاثة وقيل خمسة ناحية الموسكي يقال انه بسبب تلك الحادثة وقيل بسبب اخر
وفيه سافر جماعة من العسكر واخذوا المراكب وارسلوا الى اسكندرية ودمياط ورشيد وغيرها بطلب المراكب فشحت المراكب ووقف حال المسافرين وتعطلوا عن الرواح والمجئ وغلا سعر القمح والسمن وعدم اللحم وكذلك باقي الاسباب والمأكولات زيادة عن الواقع واذا وصلت مراكب نزل في المراكب الكبيرة الخمسة انفار او العشرة والحال انها تسع المائة وساروا ينهبون في طريقهم ما يصادفونه من المسافرين ويقتلونهم ويطلبون من البلاد الكلف والمأكل وغير ذلك
وفي يوم السبت سابع عشرة سافر احمد بك وعلي بك اخو طاهر باشا
وفيه قلد الباشا سلحداره ولاية جرجا وبرز خيامه جهة دير العدوية
وفي يوم الخميس ثاني عشرينه وصلت مراكب من الشلنبات الحربية فضربوا لها مدافع من القلعة
وفي يوم الاحد تعدى جماعة من العسكر وخطفوا عمائم الناس واتفق أن الشيخ ابراهيم السجيني مر من جهة الداودية وهو راكب بهيئته فأخذوا طيلسانة من على كتفه وعمامة تابعه وقتلوا من بعضهم انفارا
وفي يوم الاثنين نزل الآغا ونادى على العسكر بالخروج والسفر الى التجريدة وكل من كان مسافر الى بلاده فليسافر
(3/31)

وفيه هربت زوجة عثمان بك البرديسي مع العرب الى زوجها بقبلى فلما بلغ الخبر الباشا احضر اخاها والمحروقي وسألهما عنها فقالا لم نعلم بهروبها فعوق اخاها عنده ثم اطلقه بشفاعة المحروقي
شهر رجب الفرد سنة
استهل بيوم السبت فيه انتقل العسكر المسافرون من دير العدوية الى ناحية طرا وسافر قبل ذلك بأيام كاشف بني سويف ويقال له محمد افندي
وفي يومي الاثنين والثلاثاء نادى الاغاوات التبديل بخروج العسكر المسافرين وكثر اذى العسكر للناس وخطفوا الحمير وتعطلت اشغال الناس في السعي الى مصالحهم ونقل بضائعهم
وفي يوم الاربعاء سافرت التجريدة برا وبحرا وتأخر محمد علي عن السفر الى بلاده كما كان اشيع ذلك واشتهر انه مسافر الى الجهة قبلى وورد الخبر باستقرار كاشف بني سويف بها ولم يكن بها احد من المصرلية
وفي يوم الاحد تاسعه نزل الباشا الى وليمة عرس مدعوا ببيت السيد محمد بن الدواخلي بحارة الجعيدية وكفر الطماعين ونزل في حال مروره ببيت السيد عمر افندي نقيب الاشراف فجلس عنده ساعة وقدم له حصانين
وفي حادي عشرة نزل الباشا في التبديل ومر من سوق السمكرية فرأى عسكريا يشترى كوز صفيح فاعطاه خمسة انصاف فابى السمكري الا بعشرة فأبى ولم يدفع له الا خمسة فرآه الباشا فقال له اعطة ثمنه فقال له وايش علاقتك وهو لم يعرفه فقال له اما تخاف من الباشا فقال الباشا على زبي فضربه الباشا وقتله ومضى
وفي يوم الاثنين سابع عشرة احضروا اربعة رؤس وضعوها تجاه باب زويلة واشاعوا انهم من مقتلة وقعت بينهم وبين القبالي واشاعوا انه بعد يومين تصل وردت رؤوس كثيرة ووصل أيضا جملة اسرى طلعوا بهم الى القلعة
(3/32)

وفي يوم الاربعاء طلع محمد علي الى القلعة فخلع عليه الباشا فروة سمور على سفره الى قبلي وبرز بوطاقه الى خارج
وفي يوم الاربعاء سادس عشرينه اتهموا قادري أغا بانه يكاتب الامراء المصرية القبالى ومنعوه من السفر الى قبلى وامروه بأن يسافر الى بلاده فركب في عسكره وذهب الى بولاق وفتح وكالة علي بك الجديدة ودخل فيها بعسكره وامتنع بها وانضم اليه كثير من العسكر فحضر اليه محمد علي وكلمهم وكذلك حضر اليهم الباشا ببولاق فلم يمتثلوا وقالوا لا نسافر ولا نذهب الا بمرادنا واعطونا المنكسر من علوفاتنا فتركوهم ونادوا على خبازين بولاق لا يبيعون عليهم الخبز ولا المأكولات فأرسل قادري أغا الى المحتسب وقال له نحن نأخذ العيش بثمنه فان منعتموه من الاسواق طلعنا الى البيوت واخذنا ما فيها من الخبز ويترتب على ذلك ما يترتب من الافساد فاخبروا الباشا بذلك فأطلقوا لهم بيع الخبز وغيره واستمر على ذلك اياما
وفيه شرعوا في تحرير فردة على البلاد وكتبوا دفاترها الاعلي ثمانون ألف فضة ودون ذلك ويتبعها على كل بلد جملان وسمن واغنام وقمح وتبن وشعير
وفي اواخره حصلت نوة وتتابع مرور الغيوم وحصل رعد هائل ودخل الليل فكثر الرعد والبرق وتبعه المطر ثم حضر اناس بعد ايام من جهة شرقية بلبيس واخبروا انه نزل بناحية مشتول صواعق اهلكت نحو العشرين من بني ادم وابقارا واغناما وعميت اعين اشخاص من الناس
وفي هذا الشهر شرعوا في عمل كسوة الكعبة بيد السيد احمد المحروقي فقيد بها وكيله بذلك وشرعوا في عملها في بيت الملا بحارة المقاصيص
شهر شعبان سنة
استهل بيوم الاحد في رابعة حضر لحسن بك طوخان وطلع الى القلعة
(3/33)

ونزل الى الباشا ولبس خلعة من خلع الباشا قاووقا وركب ونزل من القلعة وامامه الجاويشية والسعادة والملازمون وضربت له النوبة بمعنى انه صار عوضا عن اخيه
وفي يوم الخميس نزل قادري أغا ومن معه من العسكر في المراكب وسافر جهة بحري وسافر خلفهم عدة من الدلاة
وفيه اشيع ابطال الفردة في هذا الوقت ثم قرروا مطلوبات دون ذلك وفي يوم الخميس ثاني عشرة نودي بخروج العسكر الى السفر لجهة قبلي ولا يتأخر منهم من كان مسافرا فشرعوا في الخروج وقضاء حوائجهم وصاروا يخطفون حمير الناس والجمال
وفي يوم الجمعة وصل قاصد من الديار الرومية وعلى يده فرمان جواب من مراسلة للباشا بارسال باشة الينبع لمحافظتها من الوهابيين وانه اعطاه ذخيرة شهرين وبان يرسل اليه ما يحتاجه من الذخيرة وكذلك محمد باشا والي جدة يعطي له ما يحتاجه من الذخيرة لاجل حفظ الحرمين والوصية برعية مصر ودفع الخالفين وامثال ذلك فعمل الباشا الديوان في ذلك اليوم وقرأوا الفرمان وضربوا عدة مدافع
وفيه مات الشيخ حجاب
وفي يوم السبت رابع عشرة سافر محمد علي
وفيه هرب علي كاشف السلحدار الألفي ومن بمصر من جماعته فلما وصل الخبر الى الباشا ارسل الى بيوتهم فلم يجد فيها احدا فسمروها وقبضوا على الجيران ونهبوا بعض البيوت
وفي سابع عشره سافر حسن باشا أيضا ونادوا على العسكر بالخروج
وفي تاسع عشره حضر طائفة من الدلاة نحو المائتين وخمسين نفرا فانزلهم الباشا بقصر العيني
وفي يوم الثلاثاء المذكور سابع عشرة عمل السيد احمد المحروقي وليمة ودعا الباشا الى داره فنزل اليه تغدى عنده وجلس نحو ساعتين ثم
(3/34)

ركب وطلع الى القلعة فأرسل المحروقي خلفه هدية عظيمة وهي بقج قماش هندي وتفاصيل ومصوغات مجوهرة وشمعدانات فضة وذهب وتحائف وخيول له ولكبار اتباعه صحبة ولده وترجمانه وكتخداه وخلع عليهم الباشا فراوى سمور
وفي يوم الاحد ثاني عشرينة توفي السيد احمد المحروقي فجأة وكان جالسا مع اصحابه حصة من الليل فأخذته رعدة فدثروه ومات في الحال في سادس ساعة من الليل فسبحان الحي الذي لايموت وركب ابنه وطلع الى الباشا فوعده الباشا بخير وارسل القاضي وديوان افندي وختم على بيته وحواصله ثم حضروا في ثاني يوم فضبطوا موجوداته وكتبوها في دفاتر واودعوها في مكان وختموا عليها وارسلوا علم ذلك الى الدولة صحبة صالحة افندي وكان على اهبة السفر فعوقوه حتى حرروا ذلك وسافر في يوم الجمعة سابع عشرينة
وفي يوم الاربعاء خامس عشرينه احضروا احدى وعشرين راسا لايعلم ماهي وهي متغيرة محشوة بالتبن وشاعوا انها من ناحية المنية وانهم حاربوا عليها وملكوها ولم يظهرلذلك اثر بين
وفي يوم السبت ثامن عشرينه البس الباشا ابن السيد المحروقي فروة سمور وقفطانا على دار الضرب وعلى ما كان ابوه عليه من خدمة الدولة والالتزام ونزل من القلعة صحبة القاضي الى المحكمة ثم رجع الى بيته
وفي ذلك اليوم بعد العصر وقع ربع بجوار حمام المصبغة جهة الكعكبيين على الحمام فهدم ليوان المسلخ فمات من به من النساء والاطفال والبنات ثلاثة عشر وخرج الاحياء من داخله وهن عرايا ينفضن غبرات الاتربة والموت وحضر الاغا والوالي ومنعوا من رفع القتلى الا بدراهم ونهبوا متاع النساء وقبضوا على الشيخ محمد العجمي مباشر وقف الغوري ليلا وازعجوه لان ثلث الحمام جار في الوقف والحال أن الحمام لم يسقط وانما هدمه ما سقط عليه وكذلك طلبوا ملاك
(3/35)

الربع وهم الشيخ عمر الغرياني وشركاؤه فذهبوا الى بيت الشيخ الشرقاوي والتجؤا اليه ثم أن القاضي كلم الباشا في امر المردومين وذكر له طلب الحاكم دراهم على رفعهم واجتماع مصيبتين على اهليهم والتمس منه ابطال ذلك الامر فكتب فرمانا بمنع ذلك ونودي به في البلدة وسجل
وفي ليلة الاثنين عمل موسم الرؤية لثبوت هلال رمضان وركب المحتسب ومشايخ الحرف على العادة من بيت القاضي ولم يثبت الهلال تلك الليلة و نودي انه من شعبان وانقضى شهر شعبان وقادري أغا عاص جهة شابور في قرية وصالح أغا ومن معه من العساكر مستمرون على حصاره وصحبتهم اخلاط من العربان وجلا اهل شابور عنها وخرجوا على وجوههم مما نزل بهم من النهب وطلب الكلف وغير ذلك من العاصي منهم والطائع فإن كلا من الفريقين تسلطوا على نهب البلاد وطلب الكلف وغيرها واذا مرت بهم مركب نهبوها واخذوا ما فيها فامتنع ورود المراكب وزاد الغلاء وامتنع وجود السمن واذا وجد بيع العشرة ارطال بخمسائة نصف فضة وستمائة ولا يوجد وبيع الرطل من البصل في بعض الايام بثمانية انصاف والاردب الفول بثمانية عشر ريالا والقمح بستة عشر ريالا والرطل الشمع الدهن بأربعين نصفا والشيرج بخمسة وثلاثين نصفا واما زيت الزيتون فنادر الوجود وقس على ذلك
شهر رمضان سنة
استهل بيوم الثلاثاء في ثانية حضر صالح أغا الذي كان يحاصر قادري أغا وضربوا له مدافع وتحقق أن قادري طلب امانا فارسلوا مع من معه الى دمياط وذلك بعد أن ضيقوا عليه وحضر اليه كاشف البحيرة وضايقه من الجهة الاخرى وفرغت ذخيرته فعند ذلك ارسل الى كاشف البحيرة فامنه
وفي سابعة وصل جماعة من الانكليز الى مصر وهم نحو سبعة عشر
(3/36)

شخصا وفيهم فسيال كبير وآخر كان بصحبة علي باشا الطرابلسي
وفي عاشره سافر صالح أغا الى جهة بحرى قيل ليأتي بجانم افندي الدفتر دار فإنه لم يزل عاصيا عن الحضور الى مصر
وفيه ركب الباشا في التبديل ونزل من جهة التبانة فوجد في طريقة عسكريا ياخذ حمل تبن من صاحبه قهرا فكلمه وهو لم يعرفه فاغلظ في الجواب فقتله ثم نزل الى جهة باب الشعرية وخرج على ناحية قناطر الاوز فوجد جماعة من العسكر غاصبين قصعة زبدة من رجل فلاح وهو يصيح فادركهم وهم سبعة وفيهم شخص ابن بلد امرد لابس ملابس العسكر فأمر بقتلهم فقبضوا على ثلاثة منهم وفيهم ابن البلد وقتلوهم وهرب الباقون ثم نزل الى ناحية قنطرة الدكة وقتل شخصين أيضا وبناحية بولاق كذلك وبالجملة فقتل في ذلك اليوم نيفا وعشرين شخصا واراد بذلك الاخافة فانكف العسكر عن الايذاء قليلا وتواجد السمن وبعض الاشياء مع غلو الثمن
وفيه تواترت الاخبار بوقوع حرب بين العسكر والامراء المصريين في المنية وقتل من الامراء صالح بك الألفي ومراد بك من الصناجق الجدد المقلدين الامارة خارج مصر وهو زوج امرأة قاسم بك وخزندار البرديسي سابقا موسقو ولم تزل الحرب قائمة بين الفريقين وارسلوا بطلب ذخيرة علوفة فارسلوا لهم بقسما طا وغيره
وفي عشرينه حضر الى الباشا بعض الرواد واخبره أن طائفة من عرب اولاد علي نزلوا ناحية الاهرام بالجيزة وهم مارون يريدون الذهاب الى ناحية قبلي فركب في عسكره اليهم فوجدهم قد ارتحلوا ووجد هناك قبيلة يقال لهم الجوابيص نازلين بنجعهم هناك وهم جماعة مرابطون من خيار العرب لم يعهد منهم ضرر ولا اذية لاحد فقتل منهم جماعة ونهب نجعهم وجمالهم واغنامهم واحضر صحبته عدة اشخاص منهم وعدى الى مصر بمنهو باتهم وقد باع الاغنام والمعز للجزارين قهرا وكذلك الجمال
(3/37)

باعوا منها جملة بالرميلة
وفي سادس عشرينه نهب العربان قافلة التجار الواصلة من السويس وهي نيف واربعة ألاف جمل من البن والبهار والقماش واصيب فيها كثير من فقراء التجار وسلبت اموالهم واصبحو لا ايملكون شيئا
وفيه حضر صالح أغا وصحبته جانم افندي الدفتردار فأسكنه الباشا بالقلعة وذكر جانم افندي المذكور ومن معه للباشا انهم رأوا هلال رمضان ليلة الاثنين صاموه بالاسكندرية ذلك اليوم وكذلك صاموه في رشيد وقوة وغالب بلاد بحرى وحضر أيضا الشيخ سليمان الفيومي قبل ذلك بأيام وحكى ذلك فلم يعمل به القاضي وقال أن رؤى الهلال ليلة الاربعاء افطرنا وان لم يرفهو من رمضان فلما كان بعد عصر ذلك اليوم ضربت مدافع من القلعة فاشتبه على الناس الامر وذهب جماعة الى القاضي وساله وسألوه فقال لا علم لي بذلك وارسل في المساء جماعة من اتباعه وباش كاتب الي منارة المارستان فصعدوا اليها وطلع معهم اخرون وترقبوا رؤية الهلال فلم يروه واخبروا القاضي بذلك فأمر بالصوم ونادوا به واوقدوا المنارات والقناديل وصلوا التراويح بالمساجد وتحقق الناس الصيام من الغد فلما كان بعد العشاءالأخيرة ضربت مدافع كثيرة من القلعة وسواريخ وشنك فوقع الارتباك فأرسل القاضي ينادي بالصوم وذكروا أن هذا المسموع شنك لأخبار وردت بملك المنية وحضر المبشر بذلك لابن السيد احمد المحروقي وخلع عليه خلعة وكذلك بقية الاعيان وبعد حصة مر الوالي ينادي بالفطر والعيد فزاد الارتباك وركب بعض المشايخ الى القاضي وساله فاخبر انه لم يامر بذلك ولم يثبت لديه رؤية الهلال وان غدا من رمضان فخرجوا من عنده يقولون ذلك للناس ويامرونهم بالصوم وانحط الامر على ذلك وطافت المسحرون على العادة فلما كان في سادس ساعة من الليل ارسل الباشا الى القاضي وطلبه فطلع اليه فعرفه بشهادة الجماعة الواصلين من بحري واحضرهم بين يديه فشهدوا برؤية هلال اول الشهر
(3/38)

ليلة الاثنين وهم نحو العشرين شخصا فما وسع القاضي الا قبول شهادتهم وخصوصا لكونهم اتراكا ونزل القاضي ينادي بالفطر ويأمر بطفي القناديل من المنارات واصبح كثير من الناس لاعلم له بما حصل اخرا في جوف الليل وبالجملة فكانت هذه الحادثة من النوادر وتبين أن خبر المنية لا اصل له بل هو من جملة اختلاقاتهم وانقضى شهر رمضان وكان لا بأس به في قصر النهار لانه كان في غاية الانقلاب الشتوي والراحة بسبب غياب العسكر وقلتهم بالبلدة وبعدهم ولم يحصل فيه من الكدورات العامة خصوصا على الفقراء سوى غلاء الاسعار في كل شئ كما تقدم ذكر ذلك في شعبان
شهر شوال
استهل بيوم الابعاء في ثالثه سافر السيد محمد بن المحروقي وجرجس الجوهري ومعهما جملة من العسكر الى جهة القليوبية بسبب القافلة المنهوبة
وفي سادسه طلبوا مال الميري عن سنة عشرين معجلة بسبب تشهيل الحج وكتبوا التنابية بطلب النصف حالا وعينوا بها عساكر عثمانية وجاويشية وشفاسية فدهى الملتزمون بذلك مع أن اكثرهم افلس وباق عليهم بواق من سنة تاريخه وما قبلها لخراب البلاد وتتابع الطلب والفرد والتعايين والشكاوي والتساويف ووقوف العربان بسائر النواحي وتعطيل المراكب عن السفر لعدم الامن وغصبهم ما يرد من السفائن والمعاشات ليرسلوا فيها الذخيرة والعسكر والجبخانة معونة للمحاربين على المنية
وفي عاشرة طلبوا طائفة من المزينين وارسلوهم الى قبلي لمداواة الجرحى
وفيه تواترت الاخبار بحصول مقتلة عظيمة بين المتحاربين وان العسكر حملوا على المنية حملة قوية من البر والبحر وملكوا جهة منها وحضر المبشرون بذلك ليلة الاربعاء اواخر رمضان كما تقدم وعملوا الشنك لذلك الخبر فورد بعد ذلك بنحو ساعتين برجوع الاخصام ثانيا ومقاتلتهم
(3/39)

حتى هزموهم واجلوهم عن ذلك وذلك هو الحامل على المغالطة والمناداة في سابع ساعة بثبوت العيد وافطار الناس ذلك اليوم
وفي يوم السبت ثامن عشرة نزل الباشا الى قراميدان وحضر القاضي والدفترادار وامير الحاج فسلمه الباشا المحمل ونزلوا بقطع الكسوة امام امير الحاج وركب امامه الاغا والوالي والمحتسب وناظر الكسوة بهيئة محتقرة من غير نظام ولا ترتيب ومن خلفهم المحمل على جمل صغير اعرج
وفيه ارسل العسكر يطلبون العلوفة والمعونة فعمل الباشا فردة على الاعيان وعلى اتباعه وجمع لهم خمسمائة كيس وعين للسفر بذلك صالح أغا وعدة عساكر وجبخانة وذخيرة
وفي عشرينة رجع ابن المحروقي وجرجس الجوهري واحضرا معهما بعض احمال قليلة بعد ما صرفا اضعافها في مصالح وكساوي للعرب وغير ذلك
وفيه ورد الخبر بوصول دفتردار جديد الى ثغر سكندرية وهو احمد افندي الذي كان بمصر سابقا وعمل قبطانا بالسويس في ايام محمد باشا وشريف افندي فكتب الباشا عوضا للدولة بانهم راضون على جانم افندي الدفتردار وان اهل البلد ارتاحوا عليه وطلبوا ابقاءه دون غيره وختم عليه القاضي والمشايخ والاختيارية وبعثوه الى الدولة وارسلوا الى الدفتردار الواصل بعدم المجئ ويذهب الى قبرص حتى يرجع الجواب فاستمر بإسكندرية
وفي اواخره تواترت الاخبار بان جماعة من الامراء القبالى ومن معهم من العربان حضروا الى ناحية الفشن وحضر أيضا كاشف الفيوم مجروحا ومعه بعض عسكر ودلاة في هيئة وتتابع ورود كثير من افراد العسكر الى مصر واشيع انتقالهم من امام المنية الى البر الشرقي بعد وقائع كثيرة ومحاربات
(3/40)

وفي يوم الخميس غايته برز امير الحاج المسافر بالمحمل وخرج الى خارج ومعه الصرة او ماتيسر منها وعين للسفر معه عثمان أغا الذي كان كتخدا محمد باشا بجماعة من العسكر لاجل المحافظة ليوصلوه الى السويس ويسافر من القلزم مثل عام اول
وفيه ورد الخبر بضياع ثلاث داوات بالقلزم وانها تلفت بالقرب من الحساني وتلف بها كثيرا من اموال التجار وصرر النقود وكان بها قاضي المدينة احمد افندي المنفصل عن قضاء مصر فغرق وطلعت اولاده ورجعوا الى مصر بعد ايام وسافروا الى بلادهم
وورد الخبر بان القبليين قتلوا حسين بك المعروف باليهودي بعد أن تحققوا خيانته ومخامرته وانقضى هذا الشهر
شهر القعدة الحرام سنة
استهل بيوم الجمعة فيه قرر الباشا فردة على البلاد فجعل على كل بلد من البلاد العال مائة ألف فضة والدون ستين الفا وعين لذلك ذا الفقار كتخدا الألفي على الغربية وعلي كاشف الصابونجي علىالمنوفية وحسن أغا نجاتي المحتسب على الدقهلية وذلك خلاف ما تقرر على البنادر من عشرين كيسا وثلاثين وخمسين ومائة واقل واكثر
وفي ليلة الجمعة ثامنة حضروا بعلي أغا يحيى المعروف بالسبع قاعات ميتا من سملوط وقد كانوا ارسلوه ليكون كتخدا لحسن بك اخي طاهر باشا وكان المحروقي ارسله الى بشبيش فتوعك هناك فطلب الباشا رجلا من الرؤساء يجعله كتخدا لحسن بك فأشاروا عليه بعلي أغا هذا فطلبه من المحروقي فارسل بإحضاره فحضر في اليوم الذي مات فيه المحروقي وسافر بعد ايام الى قبلي فزاد به المرض هناك ومات بسملوط فاحضروه الى مصر بعد موته بخمسة ايام وخرجوا بجنازته في يوم الجمعة من بيته المجاور لبيت المحروقي وصلوا عليه بالأزهر ودفن الى رحمة الله تعالى
وفي ثاني عشرة علقوا ثلاثة رؤوس بباب زويلة لايدري احد من هم
(3/41)

وفي خامس عشرة تواترت الاخبار بوقوع حرب بين العسكر والأمراء القبالي وملك العسكر جهة من المنية بعدما اصطدموا عليها من البر والبحر فوصل الاخصام وحالوا بينهم وبين عسكرهم والمتاريس واجلوهم وقتل من قتل بين الفريقين واحترق عدة مراكب من مراكب العسكر وما فيها من المتاع والجبخانة وارسلوا بطلب ذخيرة وجبخانة وثياب وغير ذلك وانتشر عسكر القبليين الى جهة بحري حتى وصلوا الى زاوية المصلوب و حاصروا من في بوش والفشن وبني سويف وكذلك من بالفيوم وشرع الباشا واجتهد في تجهيز المطلوبات وتسهيل الاحتياجات وفيه حضرت سعاة من ثغر سكندرية واخبروا بورود عدة مراكب انكلزيه الى المينا وسألوا اهل الثغر عن مراكب فرنسيس وردت المينا ام لا ثم قضوا بعض اشغالهم وذهبوا
وفي ليلة الاربعاء رابع عشرة وقعت حادثة وهو أن كاشفا من اكابر الارنؤد سكن ببيت ابن السكري الذي بالقرب من الحلوجي ويتردد عليه رجل من المنتسبين الى الفقهاء يسمى الشيخ احمد البراني خبيث الافعال يصلي اماما بالمذكور فرأى ما رابه منه مع فراشة فضربه بالخنجر والنبا بيت حتى ظن هلاكه واخرجه اتباعه وحملوه الى منزله في خامس ساعة من الليل وبه بعض رمق ومات بعد ذلك واخبر المشايخ بذلك ورفع القتيل الى المحكمة وتغيب القاتل وامتنع المشايخ من حضور الجامع والتدريس بسبب ذلك وبسبب اولاد سعد الخادم سدنة ضريح سيدي احمد البدوي وقد كانوا شكوا بعضهم وتعين بسبب ذلك كاشف علي احمد بن الخادم وهجم داره وقبض على بناته ونسائه ونبشوا داره وفحروا ارضها للتفتيش على المال وطالت قصتهم من اواخر الشهر الماضي لوقت تاريخه وتكلم المشايخ مرارا مع الباشا في امرهم وهو يغالط طمعا في المال وقد كان سمع تهمتهم بكثرة المال وان محمد باشا خسر واخذ منهم سابقا في ايام ولايته مائة وخمسة وثمانين ألف ريال خلاف حق الطريق وذلك من
(3/42)

مصطفى الخادم وهو الذي يكشو الان قسمه ويقول انه هو الذي شكاني وتسبب في مصادرتي وهو مثلي في الايراد وعنده مثل ما عندي فلما حضروا الدار وفتشوا وقرروا نساءه واتباعه فلم يظهر له شئ قادرجوا هذه القضية في دعوة المقتول وامتنعوا من حضورهم الازهر واشيع امتناعهم من التدريس والافتاء فحضر اليهم سعيد أغا الوكيل وتلطف بهم وطلب منهم تسكين هذه الفتنة وانه يتكفل بتمام المطلوب واستمر الحال على ذلك الى يوم الثلاثاء تاسع عشرة فحضر كتخدا الباشا وسعيد أغا وصالح أغا الى بيت الشيخ الشرقاوي واجتمع هناك الكثير من المتعممين وتكلموا كثيرا ورمحوا المراتب وقالوا لابد من حضور الخصم القاتل والمرافعة معه الى الشرع ورفع الظلم عن اولاد الخادم وعن الفلاحين وامثال ذلك وهم يقولون في الجواب سمعا وطاعة في كل ما تأمرون به وانقضى المجلس على ذلك وذهبوا حيث اتوا فلما كان العصر من ذلك اليوم حضر سعيد أغا وصحبته القاتل الى المحكمة وارسلوا الى المشايخ فحضروا بالمجلس واقيمت الدعوى وحضر ابن المقتول وادعى بقتل ابيه وذكر انه اخبر قبل خروج روحه أن القاتل له الكاشف صاحب المنزل فسئل فانكر ذلك وقال انه كان اماما عنده يصلي به الاوقات وانه لم يات الينا تلك الليلة التي حصل له فيها هذه الحادث فطلب القاضي من ابن المقتول بينة تشهد بقول ابيه فلم يجدوا الا شخصا سمع من المقتول ذلك القول وافتى المالكي انه يعتبر قول المقتول في مثل ذلك لانه في حالة يستحيل عليه فيها الكذب وذلك نص مذهبهم ولا بد من بينة تشهد على قوله فطلب القاضي الشطر الثاني فلم يوجد على أن هناك من كان حاضرا بالمجلس وقت الضرب ومشاهدا للحادثة وكتم الشهادة خوفا على نفسه وانفض المجلس واهمل الامر حتى يأتوا بالبينة
وفي يوم الاحد عزم على السفر محمد افندي حاكم اسنا سابقا بمراكب الذخيرة والجبخانة واللوازم وصحبته عدة من العساكر لخفارتها
(3/43)

شهر الحجة الحارم اختتام سنة
استهل بيوم الاحد في سابعه وردت اخبار بوقوع حرب بين العسكر والمصريين القبليين وهو أن العسكر حملوا على المنية حملة عظيمة في غفلة وملكوها فاجتمعت عليهم الغز والعربان وكبسوا عليهم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة واخرجوهم منها واجلوهم عنها ثانيا وذلك في سابع عشرين القعدة
وفي يوم الاحد ثامنه طلع يوسف افندي الذي كان تولى نقابة الاشراف في ايام محمد باشا ثم عزل عنها الى القلعة فقبض عليه صالح أغا قوش وضربه ضربا مبرحا واهانه اهانة زائدة وانزلوه اواخر النهار وحبسوه ببيت عمر افندي النقيب ثم تشفع فيه الشيخ السادات فافرجوا عنه تلك الليلة وذهب الى داره ليلا وذلك بسبب دعوى تصدر فيها المذكور وتكلم كلاما في حق الباشا فحقدوا عليه ذلك وفعلوا معه ما فعلوا ولم ينتطح فيها عنزان
وفي ثالث عشرة طلع المشايخ الى الباشا يهنئونه بالعيد فأخرج لهم ورقة حضرت اليه من محمد افندي حاكم اسنا سابقا الذي سافر بالذخيرة انفا واستمر ببني سويف ولم يقدر على الذهاب الى قبلي ومضمون تلك الورقة أن البرديسي قتل الالفي غيلة ولم يكن لهذا الكلام صحة
وفيه وردت اخبار بقدوم طائفة من الدلاة على طر يق الشام وبالغوافي عددهم فيقولون اثنا عشر ألف واكثر وانهم وصلوا على الصالحية وانهم طالبون علوفة وذخيرة فشرعوا في تشهيل ملاقاة للمذكورين وطلبوا من تجار البهار خمسمائة كيس وزعوها وشرعوا في جمعها
وفيه وصلت طائفة من القبالي والعرب الى بلاد الجيزة وطلبوا من البلاد دراهم وكلفا ومن عصى عليهم من البلاد ضربوه وعدى كتخدا الباشا وجملة من العساكر الى بر الجيزة وشرعوا في تحصينها وعملوا بها متاريس وتردد الكتخدا في النزول والتعدية الى هناك والرجوع ثم
(3/44)

انه عدى في رابع عشرة واقام هناك واحضروا ثلاثة رؤوس من العرب في ذلك اليوم وفي يوم الجمعة رجح الكتخدا واشيع رجوع المذكورين
وفيه قرروا فردة اخرى على البلاد لاجل عسكر الدلاة القادمين وجعلوا على كل بلد عشرين اردب فول و عشرين خروفا وعشرين رطل سمن وعشرين رطل بن وعشرة قناطير عيش وربع اردب وسدس ارز ابيض ومثله برغل وكلفة المطبخ ألف فضة وذلك خلاف حق الطريق والاستعجالات المتتابعة وكلها بمقررات وحق الطرقات
وفي يوم الاربعاء ثامن عشرة حضر ططرى من ناحية قبلي واخبر أن العسكر دخلوا الى المنية وملكوها فضربوا مدافع كثيرة من القلعة وعملوا شنكا واظهر العثمانية واغراضهم الفرح والسرور وكأنهم ملكوا مالطة وبالغوا في الاخبار والروايات الكذب في القتلى وغير ذلك والحال أن الاخصام خرجوا منها وزحموها ولم يبقوا بها ما ينقره الطير ولم يقع بينهم كبير قتال بل أن العسكر لما دهموها من الناحية القبلية ولم يكن بها الا القليل من المصريين وباقيهم خارجها من الناحية الاخرى فتحاربوا مع من بها وهزموهم فولى اصحابهم وتركوهم بالبلدة فدخلوها فلم يجدوا بها شيئا
وفي يوم الخميس وصل اغات المقرر وهو عبد اسود وطلع الى القلعة بموكب وعملوا له شنكا ومدافع وقرأوا المقرر في ذلك اليوم بحضرة الجمع
وفي يوم الاحد ثاني عشرينه وصلت طائفة من العرب بناحية الجيزة فوصل الخبر الى الكاشف الذي بها وهو دملي عثمان كاشف الذي قتل الشيخ احمد البراني المتقدم ذكره فانه بعد تلك الحادثة قلدوه كشوفية الجيزة وذهب اليها واقام بها فلما بلغه ذلك ركب على الفور في نحو خمسة وعشرين خيالا ورمحوا عليهم فانهزموا امامهم فطمع فيهم وذهب خلفهم الى ناحية برنشت فخرج عليه كمين آخر واحتاطوا به وقتلوه
(3/45)

وقطعوا رأسه وستة انفار معه وذهبوا برؤوسهم على مزاريق واقتص الله منه فكان بينه وبين قتله للمذكور دون الشهر وكان مشهورا فيهم بالشجاعة والاقدام
وفيه اجتهدوا في تشهيل علوفة وذخيرة وجبخانة وسفروها مع جملة من العسكر نحو الخمسمائة في يوم الاثنين ثالث عشرينه
وفي يوم الاربعاء خامس عشرينه وصل الدلاة الى الخانكة فحضر منهم طائفة ودخلوا الى مصر فردوهم الى اصحابهم حتى يكونوا بصحبتهم في الدخول
وفي يوم الخميس نزل كتخدا الباشا وصالح اغاقوش وخرجوا الى جهة العادلية لملاقاة الدلاة المذكورين وكبيرهم يقال له ابن كور عبدالله
وفي يوم الجمعة دخل الدلاة المذكورين وصحبتهم الكتخدا وصالح اغاقوش وكاشف الشرقية وكاشف القليوبية وطوائف العسكر ومعهم نقاقير وطبول وهم نحو الالفين وخمسمائة اجناس مختلفة واشكال مجتمعة فذهبوا الى ناحية مصر القديمة ونواحي الاثار وانقضت السنة وما حصل بها من الغلاء وتتابع المظالم والفرد على البلاد واحداث الباشا له مرتبات وشهريات على جميع البلاد والقبض على افراد الناس بادنى شبهة وطلب الاموال منهم وحبسهم واشتد الضنك في آخر السنة وعدم القمح والفول والشعير وغلا ثمن كل شىء ولولا اللطف على الخلائق بوجود الذرة حتى لم يبق بالرقع والعرصات سواه واستمرت سواحل الغلال خالية من الغلة هذا العام من العام الماضي وبطول هذه السنة امتنع الوارد من الجهة القبلية ومع ذلك اللطف حاصل من المولى جل شأنه ولم يقع قحط ولا موت من الجوع كما رأينا في الغلوات السابقة من عدم الخبز في الاسواق وخطف اطباق العيش والعكعك واكل القشور وما يتساقط في الطرقات من قشور الخضروات وغير ذلك
واما من مات في هذه السنة من الاعيان
فقد مات العمدة العلامة والنحرير الفهامة الفقيه النبيه الاصولي النحوي
(3/46)

المنطقي الشيخ موسى السرسي الشافعي اصله من سرس الليانة بالمنوفية وحضر الى الازهر ولازم الاستفادة وحضور الاشياخ من الطبقة الثانية كالشيخ عطية الاجهوري والشيخ عيسى البراوي والشيخ محمد الفرموي وغيرهم وتمهروا نجب في المعقولات والمنقولات واقراء الدروس وافاد الطلبة وانطوى الشيخ حسن الكفراوي مدة ورافقه في الافتاء والقضايا ثم الى شيخنا الشيخ احمد العروسي وصار من خاصة ملازميه وتخلق باخلاقه وألزم أولاده بحضور دروسه المعقولية وغيرها دون غيره لحسن القائه وجودة تفهيمه وتقريره واشتهر ذكره وراش جناحه وراج امره بانتسابه للشيخ المذكور واشترى املاكا واقتنى عقارا بمصر وببلده سرس ومنوف ومزارع وطواحين ومعاصر واشترى دار نفيسة بدرب عبد الحق بالازبكية وعدد الأزواج واشترى الجواري والعبيد والحبشيات الحسان وكان حلو المفاكهة حسن المعاشرة عذب الكلام مهذب النفس جميل الاخلاق ودودا قليل الادعاء محبا لاخوانه مستحضرا للفروع الفقهية وكان يكتب على غالب الفتاوى عن لسان الشيخ العروسي ويعتمده في النقول والاجوبة عن المسائل الغامضة والفروع المشكلة وله كتابات وتحقيقات ولم يزل مشتغلا بشأنه حتى تعلل اياما بدار بميدان القطن مطلة على الخليج وتوفي يوم السبت سادس عشرين جمادى الاولى من السنة
ومات الجناب المكرم والمشير المفخم الوزير الكبير والدستور الشهير احمد باشا الشهير بالجزار واصله من بلاد البشناق وخدم عند المرحوم علي باشا حكيم اوغلي وعمل عنده شفاسيا وحضر صحبته الى مصر في ولايته الثانية سنة احدى وسبعين ومائة والف فتشوقت نفسه الى الحج واستأذن مخدومه فأذن له في ذلك واوصى عليه امير الحاج اذ ذاك صالح بك القاسمي فأخذه صحبته واكرمه وواساه رعاية لخاطر علي باشا ورجع معه الى مصر فوجد مخدومه قد انفصل من ولاية مصر وسافر
(3/47)

الى الديار الرومية ووصل نعيه بعد اربعة اشهر من ذهابه فاستمر المترجم بمصر وتزيا بزي المصريين وخدم عند عبدالله بك تابع علي بك بلوط قبان وتعلم الفروسية على طريق الاجناد المصرية فارسل علي بك عبدالله بك بتجريدة الى عرب البحيرة فقتلوه فرجع المترجم مع باقي اصحابه الى مصر فقلده علي بك كشوفية البحيرة وقال له ارجع الى الذين قتلوا استاذك وخلص ثأره فذهب اليهم وخادعهم واحتال عليهم وجمعهم في مكان وقتلهم وهم نيف وسبعون كبيرا وبذلك سمي الجزار ورجع منصورا واحبه علي بك لنجابته وشجاعته وتنقل عنده في الخدم والمناصب والامريات ثم قلده الصنجقية وصار من جملة امرائه ولما خرج علي بك منفيا خرج صحبته ورافقه في الغربة والتنقلات والوقائع ولم يزل حتى رجع علي بك وصحبته صالح بك من الجهة القبلية وقتل خشداشينه وغيرهم ثم عزم على غدر صالح بك واسر بذلك الى خاصته ومنهم المترجم فلم يسهل به ذلك وتذكر ما بينه وبين صالح بك من المعروف السابق فأسر به اليه وحذره فلما اختلى صالح بك بعلي بك عرض له بذلك فحلف له علي بك انه باق على مصافاته وكذب المخبر الى أن كان ما كان من قتلهم وغدرهم لصالح بك كما تقدم واحجام المكترجم وتاخره عن مشاركته لهم في دمه ومناقشتهم له بعد الانفصال فتجسم له الامر فتنكر وخرج هاربا من مصر في صورة شخص جزائرلي وتفقده علي بك واحاط بداره وكان يسكن ببيت شكر فره بالقرب من جامع ازبك اليوسفي فلم يجدوه وسار المذكور الى الاسكندرية وسافر الى الروم ثم رجع الى البحيرة واقام بعرب الهنادي وتزوج هناك ولما ارسل علي بك التجاريد الى ابن حبيب والهنادي حارب المترجم معهم ثم سار الى بلاد الشام فاستمر هناك في هجاج وتنقلات ومحاربات واشترى مماليك واجتمع لديه عصبة واشتهر امره في تلك النواحي ولم يزل على ذلك الى أن مات الظاهر عمر في سنة تسع وثمانين ومائة والف ووصل حسن باشا الجزائرلي الى عكا فطلب من
(3/48)

يكون كفؤا للاقامة بحصتها فذكروا له المترجم فاستدعاه وقلده الوزارة واعطاه الاطواخ والبيرق واقام بحصن عكا وعمر اسوارها وقلاعها وانشا بها البستان والمسجد واتخذ له جندا كثيفا واستكثر من شراء المماليك واغار على تلك النواحي وحارب جبل الدروز مرارا وغنم منهم اموالا عظيمة ودخلوا في طاعته وضرب عليهم وعلى غيرهم الضرائب وجبيت اليه الاموال من كل ناحية حتى ملأ الخزائن وكنز الكنوز وصار يصانع اهل الدولة ورجال السلطنة ويتابع ارسال الهدايا والاموال اليهم وتقلد ولاية بلاد الشام وولى على البلاد نوابا وحكاما من طرفه وطلع بالحج لشامي مرارا واخاف النواحي وعاقب على الذنب الصغير بالقتل والحبس والتمثيل وقطع الآناف والآذان والاطراف ولم يغفر زلة عالم لعلمه اوذى جاه لوجاهته وسلب النعم عن كثير جدا من ذوى النعم واستأصل اموالهم ومات في محبسه مالا يحصى من الاعيان والعلماء وغيرهم ومنهم من اطال حبسه سنين حتى مات واتفق انه استراب من بعض سراريه ومماليكه فقتل من قويت فيه الشبهة وحرقهم ونفى الباقي الجميع ذكورا واناثا بعد أن مثل بهم وقطع آنافهم واخرجهم من عكا وطردهم وشردهم وسخط على من اواهم او تاواهم ولو في اقصى البلاد وحضر الكثير منهم الى مصر وخدموا عند الامراء وانضوى نحو العشرين شخصا منهم وخدموا عند علي بك كتخدا الجاويشية فلما بلغ المترجم ذلك تغير خاطره من طرفه وقطع حبل وداده بعد أن كان يراسله ويواصله دون غيره من امراء مصر وكان ذلك سبب استيحاشه منه الى أن مات ولما فعل بهم ذلك تعصب عليه مملوكاه سليم باشا الكبير وسليمان باشا الصغير وهو الموجود الآن وانضم اليهما المتآمرون من خشداشينهما وغيرهم غيظا على ما فعله بخشداشينهم وعلمهم بوحدته وانفراده وحاصروه بعكا ولم يكن معه الا القليل من العساكر البرانيين والفعلة والصناع الذين يستعملهم في البناء فألبسهم طراطير مثل الدلاة واصعدهم الى الاسوار مع الرماة والطبجية وورآهم المخالفون عليه فتعجبوا وقالوا انه يستخدم الجن
(3/49)

وكبس عليهم في غفلة من الليل وحاربهم وظهر عليهم واذعنوا لطاعته وتفرق عنهم المساعدون لهم ثم تتبعهم واقتص منهم وكاد البلاد وقهر العباد ونصبت الدولة فخاخا لصيده مرارا فلم يتمكنوا من ذلك فلم يسعهم بعد ذلك الا مسالمته ومسايرته وثبت قدمه وطار صيته في جميع الممالك الاسلامية والقرانات الافرنجية والثغور واشتهر ذكره وراسله ملوك النواحي وارسلهم وهادوه وهابوه وبنى عدة صهاريج وملأها بالزيت والسمن والعسل والسيرج والارز وانواع الغلة وزرع ببستانه سائر اصناف الفواكه والنخيل والاعناب الكثيرة وجدد دولته ثانيا واشترى مماليك وجواري بدلا عن الذين ابادهم بالجملة فكان من غرائب الدهر واخباره لا يفي القلم بتسطيرها ولا يسعف الفكر بتذكارها ولو جمع بعضها جاءت مجلدات ولو ولم يكن له من المناقب الااستظهاره على الفرنساوية وثباته في محاربتهم له اكثر من شهرين لم يغفل فيها لحظة لكفاه وكان يقول أن الفرنساوية لو اجتهدوا في ازالة جبل عظيم لازالوا في اسرع وقت وقد تقدم بعض خبر ذلك في محله وكان يقول انا المنتظر وانا احمد المذكور في الجفور الذي يظهر بين القصرين واستخرج له الكثير من الذين يدعون معرفة الاستخراج عبارات تأيلات ورموزا واشارات ويقولون المراد بالقصرين مكانان جهة الشام او المحملان او نحو ذلك من الوساوس ولم يزل حتى توفي في آخر هذا العام على فراشه وكان سليمان باشا تابعه غائب بالحجاز في امارة الحج الشامي فلما علم انه مفارق الدنيا احضر اسماعيل باشا والي مرعش وكان في محبسه يتوقع منه المكروه في كل وقت فأقامه وكيلا عنه الى حضور سليمان باشا من الحج واعطاه الدفاتر وعرفه بعلوفة العسكر واوصاه فلما انقضى نحبه ودفنوه صرف النفقة واتفق مع طه الكردي وصالح الدولة وتحصن بعكا وحضر سليمان باشا فامتنعا عليه ولم يمكنه الدخول اليها فاستمر اسمعيل باشا الى أن اخرجه اتباع المترجمع بحيلة وملكوا سليمان باشا بعد امور لم تحقق كيفيتها وذلك
(3/50)

في السنة التالية
ومات عين الاعيان ونادرة الزمان شاه بندر التجار والمرتقى بهمته الى سنام الفخار النبيه النجيب والحسيب النسيب السيد احمد بن احمد الشهير بالمحروقي الحريري كان والده حريريا بسوق العنبريين بمصر وكان رجلا صالحا منور الشيبة معروفا بصدق اللهجة والديانة والامانة بين اقرانه وولد له المترجم فكان يدعو له كثير في صلاته وسائر تحركاته فلما ترعرع خالط الناس وكتب وحسب وكان على غاية من الحذق والنباهة واخذ واعطي وباع واشترى وشارك وتداخل مع التجار وحاسب على الالوف واتحد بالسيد احمد بن عبدالسلام وسافر معه الى الحجاز واحبه وامتزج به امتزاجا كليا بحيث صارا كالتوأمين او روح حلت بدنين ومات عمدة التجار العرايشي وهو بالحجاز وهو اخو السيد احمد بن عبدالسلام في تلك السنة فاحرز مخلفاته وامواله ودفاتر شركائه فتقيد المترجم بمحاسبة التجار والشركاء والوكلاء ومحاققتهم فوفر عليه لكوكا من الأموال واستأنف الشركات والمعوضات وعد ذلك من سعادة مقدم المترجم ومرافقته له ورجع صحبته الى مصر وزادت محبته له ورغبته فيه وكان لابن عبدالسلام شهرة ووصلة بأكابر الأمراء كأبيه وخصوصا مراد بك فيقضى له ولامرائه لوازمهم اللازمة لهم ولأتباعهم واحتياجاتهم من التفاصيل والاقمشة الهندية وغيرها وينوب عنه المترجم في غالب اوقاته وحركاته ولشدة امتزاج الطبيعة بينهما صار يحاكيه في الفاظه ولغته وجميع اصطلاحاته في الحركات والسكنات والخطرات واشتهر ذكره به عند التجار والأعيان والأمراء واتحدا بمحمد أغا البارودى كتخدا مراد بك اتحاد زائدا واتحفاه بالجرايا وخصصاه بالمزايا فراج به عند مخدومه شأنهما وارتفع بالزيادة قدرهما ولما تأمر اسمعيل بك واستوزر أيضا البارودي استمر حالهما كذلك بل واكثر الى أن حصل الطاعون ومات به السيد احمد بن عبدالسلام في شعبان فاستقر المترجم في مظهره ومنصبه شاه بندر التجار بواسطة
(3/51)

البارودي أيضا وسعايته وسعادة طالعه وسكن داره العظيمة التى عمرها بجوار الفحامين محل دكة الحسبة القديم وتزوج بزوجاته واستولى على حواصله ومخازنه واستقل بها من غير شريك ولا وارث وعند ذلك زادت شهرته وعظم شانه ووجاهته ونفذت كلمته على اقرانه ولم يزل طالعه يسمو وسعده يزيد وينمو وعاد مراد بك والامراء والمصريون بعد موت اسمعيل بك وانقلاب دولته الى امارة مصر فاختص بخدمته وقضاء سائر اشغاله وكذلك ابراهيم بك وباقي الامراء وقدم لهم الهدايا والظرائف وواسى الجميع اعلاهم وادونهم بحسن الصنع حتى جذب اليه قلوب الجميع ونافس الرجال وانعطعفت اليه الآمال وعامل تجار النواحي والأمصار من سائر الجهات والاقطار واشتهر ذكره بالأراضي الحجازية وكذا بالبلاد الشامية والرومية واعتمدوه وكاتبوه وارسلوه واودعوه الودائع واصناف التجارات والبضائع وزوج ولده السيد محمد وعمل له مها ! عظيما افتخر فيه الى الغاية ودعا الأمراء والأكابر والأعيان وارسل اليه ابراهيم بك ومراد بك الهدايا العظيمة المحملة على الجمال الكثيرة وكذلك باقي الأمراء ومعها الأجراس التي لها رنة تسمع من البعد ويقدمها جمل عليه طبل نقارية وذلك خلاف هدايا التجار وعظماء الناس والنصارى الأروام والأقباط الكتبة وتجار الافرنج والأتراك والشوام والمغاربة وغيرهم وخلع الخلع الكثيرة واعطى البقاشيش والإنعامات والكساوي ولا يشغله امر عن اخر يمضيه او غرض ينفذه ويقضيه كما قيل اخو عزمات لايريد على الذي يهم به من مفظع الأمر صاحبا اذا هم القى بين عينيه عزمة فكب عن ذكر العواقب جانبا
وحج في سنة اثنتي عشرة ومائتين والف وخرج في تجمل زائد وجمال كثيرة وتختروانات ومواهي ومسطحات وفراشين وخدم وهجن وبغال وخيول وكان يوم خروجه يوما مشهودا اجتمع الكثير من العامة والنساء وجلسوا بالطريق للفرجة عليه ومن خرج معه لتشييعه ووداعه
(3/52)

من الأعيان والتجار الراكبين والراجلين معه منهم وبأيديهم البنادق والأسلحة وغير ذلك وبعث بالبضائع والذخائر والقومانية والأحمال الثقيلة على طريق البحر لمرساة الينبع وجدة وعند رجوع الركب وصل الفرنساوية الى بر مصر ووصلهم الخبر بذلك وارسل ابراهيم بك الى صالح بك امير الحاج يطلبه مع الحجاج الى بلبيس كما تقدم وذهب بصحبتهم المترجم وجرى عليه ما ذكر من نهب العرب متاعه وحموله وكان شيئا كثيرا حتى ما عليه من الثياب وانحصر بطريق القرين فلم يجد عند ذلك بدا من مواجهة الفرنساوية فذهب الى سارى عسكر بونابارته وقابله فرحب به واكرمه ولامه على فراره وركونه للماليك فاعتذر اليه بجهل الحال فقبل عذره واجتهد له في تحصيل المنهوبات وارسل في طلب المتعدين واستخلص ما امكن استخلاصه له ولغيره وارسلهم الى مصر واصحب معهم عدة من العساكر لخفارتهم ويقدمهم طلبهم وهم مشاة بالاسلحة بين ايديهم حتى ادخلوهم الى بيوتهم ولما رجع ساري عسكر الى مصر تردد عليه واحله محل القبول وارتاح اليه في لوازمه وتصدى للأمور وقضايا التجارة وصار مرعى الجانب عنده ويقبل شفاعته ويفصل القوانين بين يديه ويدي اكابرهم ولما رتبوا الديوان تعين من الرؤساء فيه وكاتبوا التجار واهل الحجاز وشريف مكة بواسطته واستمر على ذلك حتى سافر بونابارته ووصل بعد ذلك عرضي العثمانية والأمراء المصرية فخرج فيمن خرج لملاقاتهم وحصل بعد ذلك ما حصل من نقض الصلح والحروب واجتهد المترجم في ايام الحرب وساعد وتصدى بكل همته وصرف اموالا جمة في المهمات والمؤن الى أن كان ما كان من ظهور الفرنساوية وخروج المحاربين من مصر ورجوعهم فلم يسعه الا الخروج معهم والجلاء عن مصر فنهب الفرنساوية داره وما يتعلق به ولما استقر يوسف باشا الوزير جهة الشام انسة المترجم وعاضده واجتهد في حوائجه واقترض الأموال وكاتب التجار وبذل همته وساعده بمالا يدخل تحت
(3/53)

طوق البشر ويراسل خواصه بمصر سرا فيطالعونه بالأخبار والأسرار الى أن حصل العثمانيون بمصر فصار المترجم هو المشار اليه في الدولة والتزم بالاقتطاعات والبلاد وحضر الوزير الى داره وقدم اليه التقادم والهدايا وباشر الأمور العظيمة والقضايا الجسيمة وما يتعلق بالدولة والدواوين والمهمات السلطانية وازدحم الناس ببابه وكثرت عليه الأتباع والأعوان والقواسة والفراشون وعساكر رومية ومترجمون وكلارجية ووكلاء وحضرت مشايخ البلاد والفلاحون الكثيرة بالهدايا والتقادم والأغنام والجمال والخيول وضاقت داره بهم فاتخذ دورا بجواره وانزل بها الوافدين وجعل بها مضايف وحبوسا وغير ذلك
ولما قصد يوسف باشا الوزير السفر من مصر وكله على تعلقاته وخصوصياته وحضر محمد باشا خسرو فاختص به أيضا اختصاصا كليا وسلم اليه المقاليد الكلية والجزئية وجعله امير الضربخانة وزادت صولته وشهرته وطار صيته واتسعت دائرته وصار بمنزلة شيخ البلد بل اعظم ونفدت اوامره في الاقليم المصري والرومي والحجازي والشامي ودرك من العز والجاه والعظمة مال يتفق لامثالة من اولاد البلد وكان ديوان بيته اعظم الدواوين بمصر وتغرب وجهاء الناس لخدمته والوصول لسدته ووهب واعطى وراعى جانب كل من انتمى اليه واغدق عليه وكان يرسل الكساوي في رمضان للاعيان والفقهاء والتجار وفيها الشالات الكشميري ويهب المواهب وينعم الانعامات ويهادي احبابه ويسعفهم ويواسيهم في المهمات وعمل عدة اعراس وولائم وزار محمد باشا المذكور في داره مرتين او ثلاثة باستدعاء وقدم له التقادم والهدايا والتحاليف والرخوت المثمنة والخيول والتعابي من الاقمشة الهندية والمقصبات ولما ثارت العسكر على محمد باشا وخرج فارا كان بصحبته في ذلك الوقت فركب ايضا يريد الفرار معه واختلف بينهما الطرق فصادفه طائفة من العسكر فقبضوا عليه وعروا ثيابه وثياب ولده ومن معه واخذوا منه جوهرا
(3/54)

كثيرا ونقودا ومتعا فلحقه عمر بك الارنؤدي الساكن ببولاق وادركه وخلصه من ايديهم واخذه الى داره وحماه وقابل به محمد علي وغيره وذهب الى داره واستقر بها الى أن انقضت الفتنة وظهر طاهر باشا فساس امره معه حتى قتل وحضر الأمراء المصريون فتداخل معهم وقدم لهم وهاداهم واتحد بهم وبعثمان بك البرديسي فأبقوه على حالته ونجز مطلوبات الجميع ولم يتضعضع للمزعجات ولم يتقهقر من المفزعات حتى انهم لما ارادوا تقليد الستة عشر صنجاقافي يوم احضره البرديسي تلك الليلة واخبره بما اتفقوا عليه ووجده مشغول البال متحيرا في ملزوماتهم فهون عليه الأمر وسهله وقضى له جميع المطلوبات واللوازم للستة عشر اميرا في تلك الليلة وما اصبح النهار الا وجميع المطلوبات من خيول ورخوت وفراوي وكساوي ومزر كشات وذهب وفضة برسم الإنعامات والبقاشيش ومصروف الجيب حاضر لديه بين يديه حتى تعجب هو والحاضرون من ذلك وقال له مثلك من يخدم الملوك واعطاه في ذلك اليوم فارسكور زيادة عما بيده ولما ثارت العسكر على الأمراء المصريين واخرجوهم من مصر واحضروا حمد باشا خورشيد من سكندرية وقلدوه ولاية مصر وكان كبعض الأغوات مختصر الحال هياله رقم الوزارة والرخوت والخلع واللوازم في اسرع وقت واقرب مدة ولم يزل شأنه في الترفع والصعود وطالعه مقارنا للسعود وحاله مشهور وذكر منشور حتى فاجاته المنية وحالت بينه وبين الامنية وذلك انه لما دعا الباشا في يوم الثلاثاء سابع عشر شهر شعبان نزل الى داره وتغدى عنده واقام نحو ساعتين ثم ركب وطلع الى القلعة فارسل في اثره هدية جليلة صحبة ولده والسيد احمد الملاترجمانة وهي بفج قماش هندي وتفاصيل ومصوغات مجوهرة وشمعدانات فضة وتحايف وخيول مرختة وبدونها برسمة ورسم كبار اتباعه ومضى على ذلك خمسة ايام فلما كان ليلة الأحد ثاني عشرين شعبان المذكور جلس حصة من الليل مع اصحابه يحادثهم ويملي الكتبة والمراسلات والحسابات فأخذته رعدة وقال
(3/55)

اني اجد بردا فدثروه ساعة ثم ارادوا ايقاظه ليدخل الى حريمه فحركوه فوجدوه خالصا قد فارق الدنيا من تلك الساعة التي دثروه فيها فكتلوا امره حتى ركب ولده السيد محمد الى الباشا في طلوع النهار واخبره ثم رجع الى داره وحضر ديوان افندي والقاضي وختموا على خزانته وحواصله واشهروا موته وجهزوه وكفنوه وصلوا عليه بالأزهر في مشهد حافل ثم رجعوا به الى زاوية العربي تجاه داره ودفنوه مع السيد احمد بن عبد السلام وانقضى امره ثم أن الباشا البس ولده السيد محمد فروة وقفطانا على الضر بخانة وما كان عليه والده من خدمة الدولة والالتزام ونزل من القلعة صحبة القاضي ثم ذهب الى داره بارك الله فيه واعانه علىلا وقته
ومات الأمير المبجل على أغا يحيى واصله مملوك يحيى كاشف تابع احمد بك السكري الذي كان كتخدا عند عثمان بك الفقاري الكبير المتقدم ذكرهما ولما ظهر علي بك وارسل محمد بك ومن معه الى جهة قبلى بعد قتل صالح بك كان الأمير يحيى في جملة الأمراء الذين كانو بأسيوط ووقع لهم ما تقدم ذكره من الهزيمة وتشتتوا في البلاد فذهب الأمير يحيى الى اسلامبول وصحبته مملوكة المترجم واقام هناك الى أن مات فحضر الامير على تابعه الى مصر في ايام محمد بك وتزوج ببنت استاذه وسكن بحارة السبع قاعات واشتهر بها وعمل كتخدا عند سليمان أغا الوالي الى أن تقلد سليمان أغا المذكور اغاوية مستحفظان فصار المترجم مقبولا عند ويتوسط للناس عنده في القضايا والدعاوي واشتهر ذكره من حينئذ وارتاح الناس عليه في غالب المقتضيات وباشر فصل الحكومات بنفسه وكان قليل الطمع لبن الجانب ولما تقلد مخدومه الصنجقية في الأمور الجسيمة عند الأمراء ولما حضر حسن باشا وخرج مخدومه من مصر مع من خرج وظهر شأن اسمعيل بك والعلويين استوزره حسن بك الجداوي وعظم امره
(3/56)

أيضا في ايامه مع مباشرته لوازم مخدومه الاول وقضاء اشغاله سرا واشترى دار مصطفى أغا الجراكسة التي بجوار العربي بالقرب من الفحامين وانتقل من السبع قاعات وسكن بها وسافر مرارا الى الجهة القبلية سفيرا بين الأمراء البحرية والقبلية في المراسلات والمصالحات وكذلك في بعض المقتضيات بالبلاد البحرية ولم يزل وافر الحرمة حتى كانت دولة العثمانيين ونما امر السيد احمد المحروقي فانضوى اليه لقرب داره منه فقيده ببعض الخدم وجبي الأموال من البلاد الجسيمة فأرسله قبل موته الى جهة بشبيش فمرض بها فلما تأمر حسن بك اخو طاهر باشا على التجريدة الموجهة الى ناحية قبلى طلبوا رجلا من المصريين يكون رئيسا عاقلا يكون كتخدا فأشاروا على المترجم فطلبه الباشا من السيد احمد المحروقي فارسل اليه بالحضور فوصل في اليوم الذي توفي فيه المحروقي فاقام اياما حتى قضى اشغاله وسافر وهو متوعك وتوفي بسملوط في ثالث القعدة وحضر برمته في ليلة الجمعة ثامنه وخرجوا بجنازته من بيته وصلوا عليه بالازهر ودفنوه بالقرافة رحمه الله تعالى وغفر له
واستهلت سنة عشرين ومائتين والف
فكان ابتداء المحرم يوم الإثنين ولما نزل الدلاة جهة البساتين وتلك النواحي فأكلوا زروعات الناس ونهبوا دورابدير الطين وطلبوا علوفات زائدة رتب لهم الباشا الجرايات والعليق والجامكية وقدرها ستمائة كيس في كل شهر
وفي ثامنه سافر اناس كثيرة لزيارة مولد سيدي احمد البدوي المعتاد وسافر أيضا الشيخ الشرقاوي وحضر هناك كاشف الغربية وحصل منه قبائح كثيرة وقبض على خلائق كثيرة وبلصهم وحبسهم وخوزق اناسا كثيرة من غير ذنب ولا يقبل شفاعة احد في شئ
وفيه اشيع قدوم محمد علي وحسن باشا الى مصر وذلك انهما لما
(3/57)

سمعا بوصول طائفة الدلاة وان احمد باشا ارسل اليهم وطلبهم ليتعاضد بهم ويقوي بهم ساعده على الارنؤدية عزموا على الرجوع الى مصر ليتلافوا امرهم قبل استفحال الامر
وفي يوم الخميس حادي عشره طلب الباشا المشايخ وعمر افندي النقيب والوجا قليلة وارباب الديوان فلما اجتمعوا قال لهم أن محمد علي وحسن باشا راجعان من قبلي من غير اذن وطالبان شرافاما لن يرجعا من حيث اتيا ويقاتلا المماليك واما أن يذهبا الى بلادهما او اعطيهما ولايات ومناصب في غير اراضي مصر ومعي امر من السلطان ووكيل مفوض ودستور مكرم اعزل من اشاء واولي من اشاء واعطي من اشاء وامنع من اشاء ثم اخرج من جيبه ورقة صغيرة في كيس حرير اخضر واخبرهم انها بخط السلطان بماذكر فانتم تكونون معي وتقيمون عندي صحبة كبار الوجاقلية فقالوا له أن الشيخ الشرقاوي والشيخ البكري والشيخ المهدي غائبون عن مصر فقال نرسل لهم بالحضور فكتبوا لهم اوراقا من الباشا وارسلوها اليهم مع السعاة يستعجلونهم للحضور ثم اتفقوا على أن يبيت عنده بالقلعة في كل ليلة اثنان من المتعممين واثنان من الوجاقلية واعدو لهم مكانا بالضربخانة وامر بان يذهب الدلاة والعسكر الباقية الى ناحية طرا الجيزة واخذوا مدافع وجبخانة ووصل محمد علي وحسن باشا الى ناحية طرا ومعهم عساكرهم فلم يجسر الدلاتية على مما نعتهم وكادلهم محمد علي مكايد منها انه ارسل اليهم يقول انما جئنا في طلب العلائف ولسنا مخالفين ولا معاندين فقال الدلاتية لبعضهم اذا كان الأمر كذلك فلاوجه للتعرض لهم واخلوا من طريقهم ودخل الكثير من طوائف عساكرهم ورجع الدلاتية الى اماكنهم بدير الطين وقصر العيني والآثار ونزل كتخدا الباشا وعمر بك الأرنؤدي فتكلما مع الدلاتية فقالوا أن القوم لم يكن عندهم خلاف ولاتعدوا اذا كنتم تمنعون وتحاربون من يطلب حقه فكذلك تفعلون معنا اذا خدمناكم زمنا ثم طلبنا علائفنا فرجع الكتخدا وعمر بك الارنؤدي
(3/58)

وتتابع دخول اولئك في كل يوم طائفة بعد اخرى وسكنوا الدور والبيوت
وفي يوم الاربعاء ذهب اليهم سعيد اغا وقابجي باشا الأسودان وسلما على محمد علي وحسن باشا ثم رجعا
وفي يوم الجمعة تاسع عشره دخل محمد علي بعد العصر وذهب الى بيته بالازبكية ودخل حسن باشا في صبحها ودخلت طوائفهم واخذوا الحمير والبغال وجمال السقائين لينقلوا عليها متاعهم ودخلوا البيوت وازعجوا السكان واخرجوهم من مساكنهم وفتحوا البيوت المسدودة وكثرت اخلاطهم بالاسواق ومنع الباشا المشايخ والوجاقلية من الذهاب الى محمد علي والسلام عليه واستمر الامر على القلقلة واللقلقة والتوحش واخذ محمد علي في التدابير على احمد باشا وخلعه
شهر صفر الخير سنة
استهل بيوم الاربعاء والامر على ما هو عليه وسعيد أغا ساع ومجتهد في اجراء الصلح ويركب تارة الى الباشا وتارة الى محمد علي والى حسن باشا ويطلع من المشايخ في كل ليلة اثنان وكذلك اثنان من الوجاقلية يبيتون لمكان في دار الضرب وينزلون في الصباح ولم يعقل لذلك معنى وفي كل وقت يقع التشاحن بين افراد العسكر في الطرقات ويقتلون بعضهم بعضا وحضر سليمان كاشف البواب ومر من خلف الجيزة وذهب الى جهة وردان وطلب الاموال من البلاد والكلف وعدى خازنداره الى بر المنوفية ومعه عدة كثيرة من العربان بطلب الاموال من البلاد ومن عصى عليهم من البلاد ضربوهم ونهبوهم وحرقوا اجرانهم وكاشف المنوفية داخل منوف لا يقدر على الخروج الى خارج وحضر أيضا محمد بك الألفي الى ناحية أبي صير الملق وانتشرت طوائفه وعربانه بأقليم الجيزة ومصر مشحونة باخلاط العسكر واجناسهم المختلفة داخل المدينة وخارجها والدالاتية جهة مصر القديمة وقصر العيني والآثار ودير الطين يأكلون
(3/59)

الزروعات ويخطفون ما يجدونه مع الفلاحين والمارين ويأخذون ما معهم ويخطفون النساء والاولاد بل ويلوطون في الرجال الاختيارية
وفي اوله حضر سكان مصر القديمة نساء ورجالا الى جهة الجامع الازهر يشكون ويستخبثون من افعال الدالاتية ويخبرون أن الدالاتية قد اخرجوهم من مساكنهم واوطانهم قهرا عنهم ولم يتركوهم ياخذون ثيابهم ومتاعهم بل ومنعوا النساء أيضا عندهم وما خلص منهم الا من تسلق ونط من الحيطان وحضروا على هذه الصورة فركب المشايخ الى الباشا وخاطبوه في امرهم فكتب فرمانا خطابا للدالاتية بالخروج من الدور وتركها الى اصحابها فلم يمتثلوا ولم يسمعوا ذلك وخوطب الباشا ثانيا واخبروه بعصيانهم فقال انهم مقيمون ثلاثة ايام ثم يسافرون وزاد الضجيج والجمع فاجتمع المشايخ في صبحها يوم الخميس بالازهر وتركوا قراءة الدروس وخرجت سربة من الاولاد الصغار يصرخون بالاسواق ويأمرون الناس بغلق الحوانيت وحصل بالبلدة ضجة ووصل الخبر الى الباشا بذلك فأرسل كتخداه الى الازهر فلم يجد به احدا وكان المشايخ انتقلوا بعد الظهر الى بيوتهم لاغراض نفسانية وفشل مستمر فيهم فلما لم ير احدا ذهب الى بيت الشيخ الشرقاوي وحضر هناك السيد عمر افندي وخلافهفكلموه واوهموه ثم قام وانصرف وفي حال خروجه رجمه الاولاد بالحجارة وسبوه وشتموه وبقي الامر على السكوت الى يوم الجمعة عاشرة والمشايخ تاركون الحضور الى الازهر وغالب الاسواق والدكاكين مغلقة واللغط والوسوسة دائران وبطل طلوع الماشيخ والوجاقلية ومبيتهم بالقلعة وفي ذلك اليوم نزل احمد باشا من القلعة ودخل بيت سعيد أغا وذلك انه ورد قاصد من اسلامبول وعلى يده تقليد لمحمد علي بولاية جدة فامتنع من طلوع القلعة فوقع الاتفاق علىان الباشا ينزل الى بيت سعيد أغا ويخلع على محمد علي هناك فلما حضر الباشا هناك وحضر محمد علي وحسن باشا واخوه عابدي بك وتقلد محمد
(3/60)

علي باشا ولاية جدة ولبس فروة وقاووقا وخرج يريد الركوب ثارت عليه العسكر وطلبوا منه العلوفة فقال لهم ها هو الباشا عندكم وركب هو وذهب الى داره بالازبكية وصار يفرق وينثر الذهب بطول الطريق ثم أن العسكر ساروا الى احمد باشا ومنعوه من الركوب فلم يزل الى بعد الغروب فلاطفهم حسن باشا ووعدهم ثم ذهب مع حسن باشا الى داره واشيع في المدينة حبسه وفرح الناس وباتوا مسرورين فلما طلع النهار يوم السبت تبين انه طلع ثانيا الى القلعة في اخر الليل وطلع صحبته عابدي بك فاغتم الناس ثانيا
وفي ذلك اليوم طلب الباشا من ابن المحروقي وجرجس الجوهري الفي كيس اشيع انه عازم على عمل فردة على اهل البلد وطلب اجرة الاملاك بموجب قوائم الفرنساوية
وفيه ركب الدلاة وذهبوا الى قليوب ودخلوها واستولوا عليها وعلى دورها وربطوا خيولهم على اجرانها وطلبوا من اهلها النفقات والكلف وعملوا على الدور دراهم يطلبونها منهم في كل يوم وقرروا على دار شيخ البلد الشواربي كل يوم مائة قرش وحبسوا حريمهم عن الخروج وكان الشواربي بمصر فوصل اليه الخبر بذلك واستمروا على ذلك حتى اخذوا النساء والبنات والاولاد وصاروا يبيعونهم فيما بينهم وبعد ايام ارسل اليهم محمد علي وقرر لهم الكلف على البلاد فصاروا يقبضونها ومن عصى عليهم ضربوه ونهبوه وارسلوا الى بلدة يقال لها أبو الغيط فامتنعت عليهم وخرج اهلها ودفنوا متاعهم بالجزيرة المقابلة للقرية فركبوا عليهم وحاربوهم فقتل من الفلاحين زيادة عن مائة شخص ودلهم بعض الناس من الفلاحين على خباياهم بالجزيرة فذهبوا اليها واستخرجوها وكانت اشياء كثيرة والامر لله وحده لاشريك له والمشايخ تاركون الحضور الى الازهر وغالب الاسواق والدكاكين مغلقة وبطل طلوع المشايخ والوجاقلية ومبيتهم بالقلعة فحضر الاغا الى نواحي الازهر ونادى بالامان وفتح الدكاكين
(3/61)

في العصر فقال الناس واي شئ حصل من الامان وهو يريد سلب الفقراء وياخذ اجر مساكنهم ويعمل عليهم غرامات وباتوا في هرج ومرج فلما اصبح يوم الاحد ثاني عشرة ركب المشايخ الى بيت القاضي واجتمع به الكثير من المتعممين والعامة والاطفال حتى امتلا الحوش والمقعد بالناس وصرخوا بقولهم شرع الله بيننا وبين هذا الباشا الظالم ومن الاولاد من يقول يا لطيف ومنهم من يقول يارب يامتجلي اهلك العثملي ومنهم من يقول حسبنا الله ونعم الوكيل وغير ذلك وطلبوا من القاضي أن يرسل باحضار المتكلمين في الدولة لمجلس الشرع فارسل الى سعيد أغا الوكيل وبشير أغا الذي حضر قبل تاريخه وعثمان أغا قبي كتخدا والدفتردار والشمعدانجي فحضر الجميع واتفقوا على كتابة عرضحال بالمطلوبات ففعلوا ذلك وذكروا فيه تعدي طوائف العسكر والايذاء منهم للناس واخراجهم من مساكنهم والمظالم والفرد وقبض مال الميري المعجل وحق طرق المباشرين ومصادرة الناس بالدعاوي الكاذبة وغير ذلك واخذوه معهم ووعدوه برد الجواب في ثاني يوم وفي تلك الليلة ارسل الباشا مراسلة الى القاضي يرفق فيها الجواب ويظهر الامتثال ويطلب حضوره الية من الغد مع العلماء ليعمل معهم مشورة فلما وصلته التذكرة حضر بها الى السيد عمر افندي واستشاروا في الذهاب ثم اتفقوا على عدم التوجه اليه وغلب على ظنهم انها منه خديعة وفي عزمه شئ اخر لانه حضر بعد ذلك من اخبرهم انه كان اعد اشخاصا لإغتيالهم في الطريق وينسب ذلك الفعل لاوباش العسكر أن لو عوتب بعد ذلك
فلما اصبحوا يوم الإثنين اجتمعوا ببيت القاضي وكذلك اجتمع الكثير من العامة فمنعوهم من الدخول الى بيت القاضي وقفلوا بابيه وحضر اليهم ايضا سعيد أغا والجماعة وركب الجميع وذهبوا الى محمد علي وقالو له انا لا نريد هذا الباشا حاكما علينا ولابد من عزله من الولاية فقال ومن تريدونه يكون واليا قالوا له لانرضى الا بك وتكون واليا علينا
(3/62)

بشروطنا لما نتوسمه فيك من العدالة والخير فامتنع اولا ثم رضي واحضروا له كركا وعليه قفطان وقام اليه السيد عمر والشيخ الشرقاوي فألبساه له وذلك وقت العصر ونادوا بذلك في تلك الليلة في المدينة وارسلوا الى احمد باشا الخبر بذلك فقال اني مولى من طرف السلطان فلا اعزل بأمر الفلاحين ولا انزل من القلعة الا بامر من السلطنة واصبح الناس وتجمعوا أيضا فركب المشايخ ومعهم الجم الغفير من العامة وبايديهم الاسلحة والعصي وذهبوا الى بركة الازبكية حتى ملؤها وارسل الباشا الى مصر لعتيقة فحمل جمالا من البقسماط والذخيرة والجبخانة واخذ غلاله من عرصة الرميلة وطلع عمر بك الانؤدي الساكن ببولاق عند الباشا بالقلعة ثم أن محمد علي باشا والمشايخ كتبوا مراسلة الى عمر بك وصالح أغا قوش المعضدين لاحمد باشا المخلوع يذكرون لهما ما اجتمع عليه رأي الجمهور من عزل الباشا ولاينبغي مخالفتهم وعنادهم لما يترتب على ذلك من الفساد العظيم وخراب الإقليم فأرسلا يقولان في الجواب ارونا سندا شرعيا في ذلك فاجتمع المشايخ في يوم الخميس سادس عشرة ببيت القاضي ونظموا سؤالا وكتب عليه المفتون وارسلوه اليهم فلم يتعقلوا ذلك واستمروا على خلافهم وعنادهم ونزل كثير من اتباع الباشا بثيابهم الى المدينة وانحل عنه طائفة الينكجرية ولم يبق معه الا طوائف الارنؤد المغرضون لصالح أغا قوش وعمر أغا
وفي هذه الايام حضر محمد بك الألفي ومن معه من امرائه وعربانه وانتشروا جهة الجيزة واستقر الألفي بالمنصورية قرب الاهرام وانتشرت اتباعه الى الجسر الاسود وارسل مكاتبه الى السيد عمر افندي والشيخ الشرقاوي ومحمد علي باشا يطلب له جهة يستقر فيها هو واتباعه فكتبوا له بان يختار له جهة يرتاح فيها ويتانى حتى تسكن الفتنة القائمة بمصر واستمر احمد باشا المخلوع ومن معه على الخلاف والعناد وعدم النزول من القلعة ويقول لا انزل حتى يأتيني امر من السلطان الذي ولاني وارسل
(3/63)

تذكرة الى القاضي يذكر فيها ان العسكر الذين عنده بالقلعة لهم جامكية منكسرة في المدة الماضية وانهم كانوا محولين على مال الجهات ورفع المظالم سنة تاريخه معجلا فتقبضونها وترسلونها وتعينوا لنا ولهم خراجا ومصاريف الى حين حضور جواب من الدولة وليس في اقامتنا بالقلعة ضرر او خراب على الرعية فاننا لانريد اضرارهم فاجابه القاضي بقوله اما ما كان من الجامكية المحولة فإنها لازمة عليكم من ايراد المدة التي قبضتموها في المدة السابقة ومن قبيل ما ذكرتموه من عدم ضرر الرعية فإن اقامتكم بالقلعة هو عين الضرر فإنه حضر يوم تاريخه نحو الاربعين ألف نفس بالمحكمة وطالبون نزولكم او محاربتكم فلا يمكننا دفع قيام هذا الجمهور وهذا اخر المراسلات بيننا وبينكم والسلام فأجابوه بمعنى الجواب الاول واجتهد السيد عمر افندي النقيب وحرض الناس على الاجتماع والاستعداد وركب هو المشايخ الى بيت محمد علي باشا ومعهم الكثير من المشايخ والعامة والوجاقلية والكل بالاسلحة والعصي والنبابيت ولازموا السهر بالليل في الشوارع والحارات ويسرحون احزابا وطوائف ومعهم المشاعل ويطوفون بالجهات والنواحي وجهات السور ثم اتفقوا على محاصرة القلعة فأرسل محمد علي باشا عساكره في جهات الرميلة والحطابة والطرق النافذة مثل باب القرافة والحصرية وطريق الصليبية وناحية بيت اقبردي وجلسوا بالمحمودية والسلطان حسن وعملوا متاريس في تلك الجهات وذلك في تاسع عشرة ومنعوا من يطلع ومن ينزل من القلعة واغلق اهل القلعة الابواب ووقفوا على الاسوار يبكت بعضهم بعضا بالكلام ويترامون بالبنادق وصعدوا على منارة السلطان حسن يرمون منها الى القلعة
وفي يوم الابعاء ثاني عشرينه ركب السيد عمر افندي والمشايخ ومعهم جمع كثيرة من الناس الى الأزبكية وبعد ركوبهم حضر الجمع الكثير من العامة والعصب وطوائف الأجناد والوجاقلية وعصب النواحي واهل
(3/64)

الحسينية والعطوف والقرافة والرميلة والحطابة والصليبة وجميع الجهات ومعهم الطبول والبيارق حتى غصت بهم الازقة فحضروا الى جهات الجامع الازهر ثم رجعوا الى الازبكية ولحقوا بالمشايخ وخرج المشايخ من عند محمد علي باشا وذهبوا الى حسن بك اخي طاهر باشا ثم رجعوا واستمر الحال على ذلك الى ليلة الجمعة فنزل بين المغرب والعشاء عدة من العسكر كبيرة فتحوا باب القلعة بالرميلة وارادوا الهجوم على المتاريس فتابعوا عليهم بالرمي فلم يزالوا يترامون الى بعد العشاء الأخيرة ثم رجعوا وعند ما سمع الناس صوت الرمي ذهبوا ارسالا الى جهات المتاريس ثم عادوا بعد رجوع المذكورين الى القلعة كل ذلك وحسن باشا طاهر ومن معه من الارنؤد يراعون من بالقلعة من اجناسهم لان غالبهم منهم فلما كان يوم الجمعة رابع عشرينه طلع عابدي بك اخو حسن باشا الى القلعة ونزل عمر بك وامروا برفع المتاريس وتفرق من بها واشيع نزول الباشا من الغد وبات الناس على ذلك ليلة السبت وهم على ماهم عليه من التجمع والسروح والحيرة
وفي صبح يوم السبت مر ثلاثة من العسكر الجمان بناحية مرجوش فصادفوا غلاما حماميا من اللاونجية خرج ليشتري قهوة فارادوا اخذه ففر منهم فضربوه برصاصة وقتلوه وذلك في صلاة الحنفي فتبعهم الناس فواصلوا الى النحاسين وعطفوا على خان الخليلي وارادوا الخلوص الى جهة المشهدالحسيني فأغلقوا في وجوههم البوابة فضربوا على المتبعين لهم فقتلوا شخصا وجرحوا اخر وخرجوا من القبو الى ناحية الصنادقية وفرغ ما معهم من البارود فطلعوا الى ربع وكالة الشبراوي فاجتمع الناس وكسروا باب الربع فنزلوا يريدون الهروب فقتلهم الناس وذهبت ارواحهم الى النار
وفي ذلك اليوم ركب السيد عمر افندي في قلة من الناس وذهب الى بيت حسن بك اخي طاهر باشا وكان هناك عمر بك الذي نزل من القلعة
(3/65)

فوقع بينه وبين السيد عمر مناقشة في الكلام طويلة ومن جملة ما قال كيف تزلون من ولا السلطان عليكم وقد قال الله تعالى اطيعو الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم فقال له اولو الأمر العلماء وحملة الشريعة والسلطان العادل وهذا رجل ظالم وجرت العادة من قديم الزمان أن اهل البلد يعزلون الولاة وهذا شئ من زمان حتى الخليفة والسلطان اذا سار فيهم بالجور فإنهم يعزلونه ويخلعونه ثم قال وكيف تحصرونا وتمنعون عنا الماء والاكل وتقاتلونا نحن كفرة حتى تفعلوا معنا ذلك قال نعم قد افتى العلماء والقاضي بجواز قتالكم ومحاربتكم لانكم عصاة فقال أن القاضي هذا كافر فقال اذا كان قاضيكم كافرا فكيف بكم وحاشاه الله من ذلك انه رجل شرعي لايميل عن الحق وانفصل المجلس على ذلك وخاطبه الشيخ السادات في مثل ذلك فلم يتحول عن الخلاف والعناد هذا الأمر مستمر من اجتماع الناس وسهرهم وطوافهم بالليل واتخاذهم الاسلحة والنبابيت حتى أن الفقير من العامة كان يبيع ملبوسه او يستدين ويشتري به سلاحا وحضرت عربان كثيرة من نواحي الشرق وغيره
وفي يوم الاثنين ركب السيد عمر وصحبته الوجاقلية وامامه الناس بالاسلحة والعدد والاجناد واهل خان الخليلي والمغاربة شئ كثير جدا ومعهم بيارق ولهم جلبة وازدحام بحيث كان اولهم بالموسكي واخرهم جهة الازهر وانفصل الامر على رجوع عمر بك الى القلعة ونزول عابدي بك بعد أن فضوا اشغالهم وعبوا ذخيرتهم واحتياجهم من الماء والزاد والغنم ليلا ونهارا في مدة الثلاثة ايام المذكورة وقد كانوا اشرفوا على طلب الامان وتبين انهم انما فعلوا ذلك من باب المكر والخديعة واتفق الحال على اعادة المحاصرة وصعد المغرضون الى القلعة ونزل اشخاص من المغرضين لاهل البلد اليهم ورجع السيد عمر الى منزله واخذ في اسباب الاحاطة بالقلعة كالاول وذلك بعد العشاء ليلة الثلاثاء ووقع الاهتمام في صبحها بذلك وجمعوا الفعلة والعربجية وشرعوا في طلوع طائفة من العسكر
(3/66)

والعرب وغيرهم الى الجبل واصعدوا مدافع ورتبوا عدة جمال لنقل الأحتياجات والخبز وروايا الماء تطلع وتنزل في كل يوم مرتين وطلع اليهم الكثير من باعة الخبز والكعك والقهاوي وغير ذلك
شهر ربيع الاول استهل بيوم الخميس سنة والامر على ذلك مستمر من تجمع الناس وسهرهم بالليل في سائر الأخطاط
وفي ليلة الثلاثاء سادسه تحرك العسكر وطلبوا العلوفة من محمد علي فقال لهم ليس لكم عندي علوفة حتى ينزل احمد باشا من القلعة ونحاسبه وتاخذوا علائفكم منه فلم يمتثلوا وتركوا المتاريس التي حوالي القلعة فتفرقوا وذهبوا فذهب جماعة من الرعية وتترسوا مواضعهم
وفي ليلة الخميس ثامنه حضرت طائفة من العسكر الساكنين بناحية المظفر وقت الغروب وضربوا على من بالمتاريس من الاجناد والرعية على حين غفلة وخطفوا عمائم واسلحة واجلوهم عن المتراس وجلسوا به فتسامع اهل الرميلة فاجتمعوا وحضروا اليهم وكبيرهم حجاج الخضري واسمعيل جودة وهجموا عليهم وقتلوا منهم انفارا وانحاز باقيهم الى الوكالة فاغلقوها عليهم فحضر ذو الفقار كتخدا ودافع عنهم واخرجهم ثم ارسل الى محمد علي وامره بالهرب من تلك الجهة
وفي يوم الجمعة قتل العسكر شخصا بناحية المظفر واخر بناحية قنطرة الامير حسين
وفي يوم السبت عاشرة حصل من بعض افراد العسكر قبائح وقتلوا بعض انفار وحمارين وبغلين وقبض العامة أيضا على اشخاص منهم وقتلوا منه ايضا وحضر طائفة من الارنؤد وملكوا سبيل اسكندر بباب الخرق و حضر أيضا طائفة ببيت السيد عمر افندي النقيب فقام فيهم الحرس الواقفون عند باب بالبيت فهرب منهم طائفة خيالة ودخل منهم البعض فحجزوهم ووقع في الناس هوزعات وكرشات ثم احضر حسن أغا نجاتي المحتسب وامر الافندي بالمناداة فمر وامامه المنادي يقول حسبما رسم السيد عمر الافندي
(3/67)

والعلماء لجميع الرعايا بأن يأخذوا حذرهم واسلحتهم ويحترسوا في اماكنهم واخطاطهم واذا تعرض لهم عسكري بإذية قابلوه بمثلها والا فلا يتعرضوا له واخذ الناس يعلمون متاريس في رؤس الاخطاط ثم تركوا ذلك وحضر أيضا شخص من طرف محمد علي ونادى بمثل ذلك ومعه أيضا شخص ينادي بالتركي بمعنى ذلك
وفي الليلة الماضية حضر كتخدا محمد علي ليلا ومعه فرمان ارسله احمد باشا المخلوع الى الدلاة يطلبهم للحضور ويذكر لهم انه يجب عليهم معاونته صيانة لعرض السلطنة واقامة لناموسها وناموس الدين وان الفلاحين محاصرونه ومانعون عنه الاكل والشرب فلما وصل ذلك الفرمان اليهم يقلبون ارسلوه الى محمد علي وارسله محمد علي الى السيد عمر افندي النقيب
وفي يوم الاحد حادي عشرة وقعت ايضا مناوشات وتعدى بعض العسكر ودخلوا باب زويلة ووصلوا الى العقادين فخرجت عليهم طائفة المغاربة وغيرهم فتترس منهم جماعة بجامع الفاكهاني فحصروهم به وقبضوا على نحو العشرة انفار فاخذهم السيد محمد المحروقي ودافع عنهم العامة وقتل من الفريقين بعض انفار وحضر عابدي بك وطلبهم فسلموهم اليه ورجع
وفي تلك الليلة أيضا ذهب جماعة من العسكر الى جهة الرميلة يطلبون انفارا منهم ساكنين بتلك الناحية اخذ اهل الرميلة سلاحهم وحبسوهم عندهم فذهبت امراة من المتزوجات بهم فأخبرتهم فحضر منهم طائفة اواخر النهار وطلبوهم فلم يسلموا فيهم وحاربوهم وهزموهم الى جهة الصليبة وقتل بينهم انفار ورجع العسكر واختلطت القضية واشتبه امرها على اهل البلد فلا يعرف كلا الفريقين الصاحب من العدو فتارة يتشابك العسكر مع اهل البلد وكذلك اهل البلد معهم وتارة يتشابك فرقة منهم مع الكائنين بالقلعة وتارة الفريقان يساعد بعضهم بعضا واذا وقع بين الكائنين بنواحي الرميلة مع
(3/68)

العسكر فرح من بالقلعة واغروا اولاد البلد بهم ومنهم من يغري العسكر على اولاد البلد ويقولون لهم بلسانهم وبالعربي اضربوا الفلاحين ونحو ذلك وبالجملة فهي قضية مشكلة بين اوباش مختلفة وطباع معوجه منحرفة ومضت ليالي المولد الشريف ولم يشعر بها احد
وفيه حضر كبار الدلاة فخلع عليهم محمد علي باشا خلعا وكساوي وسافروا ثم ارتحلوا من قليوب يريدون الذهاب الى محاربة الالفي واتباعه ومن معهم من العرب فإنهم افحشوا في نهب البلاد ونهب الاموال مالم يسمع بمثله ولم يتقدم نظيره فساروا على البلاد والقرى يأخذون الكلف وينهبون ويقتلون ويفسقون في النساء والاولاد ولم يذهبوا الى ما وجهوا اليه
وفي ليلة الاربعاء رابع عشرة حضر كتخدا محمد علي وجرجس الجوهري الى بيت السيد عمر وحضر أيضا الشيخ الشرقاوي والشيخ الامير والقاضي وتشاوروا على امر و رأي رآه محمد علي باشا واما علي باشا السلحدار الذي جهة مصر القديمة فانه اخذ في استمالة العسكر وفتنتهم وانضم اليه كثير منهم ووعدهم بعلائفهم وصار يراسل احمد باشا سرا ويرسل اليه الخبز واللحم والسكر والذخيرة على الجمال من باب صغير فتحوه من عرب اليسار من داخل
وفي لية السبت اجمع راي علي باشا السلحدار على مكيدة يصنعها وهو انه يركب فيمن معه ويهجم على المتاريس من جهة الصليبة وارسل الى مخدومه يعلمه بذلك وانه اذا هجم من تلك الناحية يساعده هو من القلعة برمي المدافع والقنابر على البلد والمتاريس فتنزعج الناس ويتم لهم ما مكروه وكتب رجب أغا وسليمان أغا وهما كبيرا عسكر علي باشا المذكور تذكرة عن عندهما خطابا للسيد عمر افندي النقيب وباقي المشايخ مضمونها انهما يريدان الحضور الى جهة القلعة ويسعيان في امر يكون فيه الراحة للفريقين وتسكين الفتنة ويلتمسان من المخاطبين انهم يرسلون الى من بالمتاريس
(3/69)

من العامة بان يخلوا لهما طريقا ولا يتعرضون لهما فحضر الى السيد عمر افندي النقيب من اخبره بذلك الاتفاق بعد الفجر قبل حضور التذكرة فأرسل الى من بالنواحي والجهات وايقظهم وحذرهم فاستعدوا وانتظروا وراقبوا النواحي فنظروا الى ناحية القرافة فرأوا الجمال التي تحمل الذخيرة الواصلة من علي باشا الى القلعة ومعها انفار من الخدم والعسكر وعدتهم ستون جملا فخرج عليهم حجاج الخضري ومن معه من اهالي الرميلة فضربوهم وحاربوهم واخذوا منهم تلك الجمال وقتلوا شخصين من العسكر وقبضوا على ثلاثة وحضروا بهم وبرؤوس المقتولين الى بيت السيد عمر فارسلهم الى محمد علي باشا فامر بقتل الاخرين فلما رأى من بالقلعة ذلك فعندها رموا بالمدافع والقنابر على البلد وبيت محمد علي وحسن باشا وجهة الازهر ولم يزالوا يراسلون الرمي من اول النهار الى بعد الظهر فلم ينزعج اهل البلد من ذلك لما الفوه من ايام الفرنسيس وحروبهم السابقة ثم رموا كذلك من العشاء الى سادس ساعة من الليل فلم يجبهم احد لم يرموا عليهم شيئا من الجبل مع استعدادهم لذلك واصبحوا يوم الاحد فواصلوا الرمي بطول النهار وكذلك ليلة الاثنين ويوم الاثنين هذا
وفي كل ليلة يطلع الى الجبل اربعة عشر جملا تحمل قرب الماء على كل بعير اربع قرب وستة اقفاص خبز على ثلاثة جمال نقلتين في كل يوم واصعدوا جبخانة وجللا وقنابر وضربوا عليهم في ذلك اليوم ضربا قليلا واستر ذلك ليلة الثلاثاء ويوم الثلاثاء فأكثروا الرمي وسقطت قنابر وجلل في عدة اماكن مع الضرر القليل وباتوا على ذلك ليلة الاربعاء ويومه وليلة الخميس ويومه الى اخر النهار وبطل الرمي تلك الليلة فقال الناس انهم تركوا ذلك احتراما لليلة الجمعة
وفي تلك الليلة حضر جماعة من اهل الاطارف ليلا وحرقوا باب الجبل واوقدوا فيه النار فظن اهل الجبل أن اهل القلعة يريدون الخروج فضربوا
(3/70)

عليهم مدافع فتنبه من بالقلعة واسرعوا الى جهة باب الجبل وضربوا بالرصاص فلما تحقق من بالجبل القضية رموا عليهم أيضا وتسامع الناس كثرة ضرب الرصاص فلم يعلموا الحقيقة ورجع من اتى الى الباب من غير طائل فلما طلع النهار ظهر الامر
وفي اليوم الثاني بعد الظهر تسلق جماعة من العسكر القلعاوية على سلالم صنعوها من حبال ونزلوا الى جهة المحجر لاخذ شئ من الاكل والشرب وهم نحو العشرين فتنبه الناس لهم واجتمعوا بالخطة واخذوا ما اخذوه من اهل الدور من الخبز والدقيق وقرب الماء وصعدوا من حيث اتوا واعادوا الرمي بالمدافع والقنابر من عصر يوم الجمعة وليلة السبت واستمروا على ذلك وسقط بسبب ذلك حيطان وبعض من ابنية الدور وخرج كثير من الناس وبعدوا عن جهات الضرب وخصوصا جهة الازهر وذهبوا الى ناحية الحسينية والاطارف وخرجت النساء هاربات الى تلك النواحي وبولاق وانزعجوا من اوطانهم
وفي يوم الاحد ارسل كتخدا محمد علي باشا الى السيد عمر واشار عليه بارسال العتالين والشيالين الى ناحية قلعة الفرنساوية التي بقنطرة الليمون لرفع المدفع الكبير الذي هناك وارسلوا اشخاصا من الانكليز يتقيدون بذلك فجمعوا الرجال والابقار وذهبوا الى هناك واحضروه واخرجوه من باب البرقية يريدون وضعه عند باب الوزير حيث مجرى السيل ليرموا به على برج القلعة واستمروا في جره يومين
وفي ذلك اليوم نزل أيضا ستة اشخاص يريدون اخذ الماء من صهريج جهة الحطابة فضرب عليهم من هناك من المتترسين فهربوا وطلعوا من حيث نزلوا
وفي ليلة الثلاثاء نصبوا المدفع المذكور وضربوا به وضربوا أيضا من اعلى الجبل ومن بالقلعة يضربون على البلد يواصلون الضرب بالمدافع والقنابر والبنبات الكبار والآلات المحرقة واستمروا على ذلك الى ليلة
(3/71)

الجمعة الاخرى فسكن الرمي تلك الليلة واصيب كثير من الدور والحيطان والابنية واصابت اشخاصا قتلتهم ووزن بعض البنبات فبلغ وزنها بما فيها قنطارين
شهر ربيع الثاني سنة
استهل بيوم الجمعة فيه وردت اخبار من ثغر سكندرية بورود قابجي وهو صالح أغا الذي كان سابقا بمصر ببيت رضوان كتخدا ابراهيم بك وعلى يده جوابات بالراحة فحصلت ضجة في الناس وفرحوا ورمحوا بطول ذلك اليوم وعملوا شنكا تلك اليلة التي هي ليلة السبت ورموا سواريخ في سائر النواحي وضربوا بنادق وقرابين بالازبكية وخارج باب الفتوح وباب النصر والمدافع التي على ابراج الابواب ولما سمع من بالقلعة ومن بمصر القديمة ظنوا أن العساكر الذين في قلوبهم مرض تحاربوا مع اهل البلد فرموا من القلعة بالمدافع والنيب ! وحضر علي باشا ومن معه من جهة مصر القديمة ونزل من القلعة طائفة من العسكر جهة عرب اليسار وتترسوا هناك فاجتمع عليهم حجاج واهل الرميلة ومن معهم من عسكر محمد علي وتحاربوا مع المتترسين والواصلين وضربوا من القلعة على محاربيهم وعلى اهل البلد وكذلك من بالجبل ومن بالذنجزية يضربون على القلعة المدافع والسواريخ ونزل أيضا طائفة وهجموا على الذنجزية وارادوا سد فلوة المدع الكبير فضربوا عليهم وقتل كبيرهم ومعه اخر واخذوا سلاحهما ورؤسهما واحضروهما الى السيد عمر وحصل بالبلدة تلك الليلة من ضرب النار من كل ناحية ماهو عجيب من المستغربات واختلط الشنك بالحرب وصار الضرب من الجبل على القلعة بالبنب والمدافع والسواريخ وكذلك من القلعة على البلدة وعلى الذنجرية ومنها على القلعة والمحاربين مع بعضهم البعض والشنك من كل جهة واجتماع الناس والعامة بالاخطاط والنواحي وضربوا طبولا ومزامير ونقرزانات وكانت ليلة من الغرائب واصبحوا على الحال الذي هم عليه من الرمي وبالمدافع والبنب
(3/72)

وفي
يوم الاحد سافرت انفار من الوجاقلية وغيرهم لملاقاة صالح أغا وصحبتهم طائفة من العسكر ارسلها محمد علي باشا في مركب لخفارته وقد كانوا اتفقوا على سفر بعض المتعممين ثم بطل ذلك وارسل السيد عمر افندي باشجاويش والسيد عثمان البكري وسلحدار محمد علي والخواجه عمر المطيلي وبكتاش واحمد اوده باشا
وفي ليلة الثلاثاء اشيع وصول القابجي الى بولاق ليلا فخرج كثير من العامة لملاقاته افواجا واصطفوا في الاسواق للفرجة عليه واستمروا على ذلك الرج بطول النهار ولم يصل احد ثم تبين عدم وصوله وانه وصل الى ثغر رشيد وفي ذلك اليوم وقت الشروق حصلت زلزلة عظيمة ورتجت الارض نحو اربع درجات
وفي يوم الاربعاء سافر جماعة من المتعممين وهم السيد محمد الدواخلي وابن الشيخ الامير والشيخ بدوي الهيثمي وابن الشيخ العروسي واستمر الحال على ذلك اليوم ويو الخميس والجمعة ولم يبطل رمي المدافع والبنب ليلا ونهارا في غالب الاوقات ماعدا ليلة الجمعة ويومها الى العصر
وفي ليلة الاثنين وصل الخبر بوصول القابجي الى قليوب وانه طلع الى بر فوة وسار من هناك وحضر في ذلك اليوم المشايخ الذين كانوا ذهبوا لملاقاته فلما اشيع ذلك اجتمع الناس وطوائف العامة وخرجوا من اخر الليل وهم بالاسلحة والعدد والطبول الى خارج باب النصر ووقفوا بالشوارع والسقائف للفرجة وكذلك النساء والصبيان وازدحموا ازدحاما زائدا ووصل الاغا المذكور وصحبته سلحدار الوزير الى زاوية دمرداش ونزلا هناك وعمل لهما اسمعيل الطبجي الفطور فاكلاه وشربا القهوة وركبا وانجرت الطوائف والغوغاء من العامة وهم يضربون بالبنادق والقرابين والمدافع من اعلى سور باب النصر والفتوح واستمر مرورهم نحو ثلاث ساعات وخرج كتخدا محمد علي واكابر الارنؤد وطائفة من العسكر كبيرة والوجاقلية وكثير من الفقهاء العاملين رؤس العصب واهالي
(3/73)

بولاق ومصر القديمة والنواحي والجهات مثل اهل باب الشعرية والحسينية والعطوف وخط الخليفة والقرافتين والرميلة والحطابة والحبالة وكبيرهم حجاج الخضري وبيده سيف مسلول وكذلك ابن شمعة شيخ الجزارين وخلافه ومعهم طبول وزمور والمدافع والقنابر والبنبات نازلة من القلعة فلم يزالوا سائرين الى أن وصلوا الى الازبكية فنزلوا بيت محمد علي باشا وحضر المشايخ والاعيان وقرؤا المرسوم الذي معه ومضمونه الخطاب لمحمد علي باشا والي جدة سابقا ووالي مصر حالا من ابتداء عشرين ربيع اول حيث رضي بذلك العلماء والرعية وان احمد باشا معزول عن مصر وان يتوجه الى سكندرية بالاعزاز والاكرام حتى يأتيه الامر بالتوجه الى بعض الولايات وسكن صالح أغا القابجي المذكور ببيت الخواجا محمود حسن بالازبكية وسكن السلحدار عند السيد محمد بن المحروقي
وفي يوم الثلاثاء ركب السيد عمر في حمع كثير من العسكر من اولاد البلد والمغاربة والصعائدة والاتراك والكل بالاسلحة وذهب الى عند علي باشا وجلس عنده حصة وذهب الى القابجي وسلم عليه وذهب الى السلحدار أيضا وسلم عليه ورجع
وفيه بطل الرمي من القلعة وكذلك ابطلوا الرمي عليها من الجبل والذنجزية مع بقاء المحاصرة والمتاريس حول القلعة من الجهات ومنع الواصل اليهم واستمرار من بالجبل ويطلع اليهم في كل يوم الجمال الحاملة للخبز وقرب الماء واللوازم واما الدلاة فاستقروا بمحلة أبي علي وطلبوا الفرد والكلف من البلاد ووصل محمد بك الألفي الى دمنهور البحيرة فتمنعوا عليه فحاصر البلد وضرب عليها وضربوا عليه اياما كثيرة
وفيه وقع بباب الشعرية مناوشة بين العسكر واولاد البلد بسبب سكن البيوت كذلك جهة باب اللوق وبولاق ومصر القديمة وقتل بينهم انفار وقتل ايضا المتكلم بمصر القديمة وحصلت زعجات في الناس
وفي يوم الاربعاء مر بعض اولاد البلد بجهة الخرنفش فضربه بعض
(3/74)

عسكر حجو الساكن ببيت شاهين كاشف فقتله فثارات اهل الناحية وتضاربوا بالرصاص واجتمع العسكر بتلك الناحية ودخلوا من حارة النصارى النافذه من بين السورين وصعدوا الى البيوت ونقبوا نقوبا وصاروا يضربون على الناس من الطيقان واحتمع الناس وانزعجوا وبنوا متاريس عند رأس الخرنفش ومرجوش وناحية الباسطية براس الدرب وتحاربوا وقتل بينهم أشخاص من الفريقين ونهب العسكر وعدة دور وتسلقوا على بيت حسن بك مملوك عثمان الحمامي الحكيم وذبحوه ونهبوا بيته الذي برأس الخرنفش وكذلك رجل زيات وعبد صالح أغا الجلفي وحسن ابن كاتب الخردة وكانت واقعة شنيعة استمرت الى العصر وحضر الاغا وكتخدا محمد علي فلم تسكن الفتنة وحضر أيضا اسمعيل الطبجي ثم سكن الحال بعد اضطراب شديد وبات الناس على ذلك وسبب هذه الحادثة أن لرجلا عسكريا اشترى من رجل خدرجي ملاعق ثم ردها من الغد فلم يرض وتسابا فضربه العسكري فصاح الخدرجي وقال ما يحل من الله يضرب النصراني الشريف فاجتمع عليه الناس وقبضوا عليه وسحبوه الى بيت النقيب فلما قربوا من البيت ضربوه وقتلوه واخرجوه الى تل البرقية ورموه هناك فحصل بسب ذلك ما ذكر
وفيه ارسلوا صورة المكاتبة الواردة مع صالح أغا الى الباشا فلم يمتثل وامتنع من النزول وقال انا متول بخطوط شريفة واوامر منيفة ولا انعزل بورقة مثل هذه وطلب الاجتماع بصالح أغا السلحدار يخاطبهم مشافهة وينظر في كلامهم وكيفية مجيئهم فلم يرضوا بطلوع المذكورين اليه
وفي يوم الخميس وقع بين حجاج الخضري والعسكر مقاتلة جهة طيلون وقتل بينهم اشخاص
وفيه تواترت الاخبار بقدوم الامراء المصريين القبليين الى جهة مصر
وفيه اجتمع الشيخ الشرقاوي والشيخ الامير وغالب المتعممين وقالوا ايش هذا الحال وما تداخلنا في هذا الامر والفتن واتفقوا أنهم يتباعدون
(3/75)

عن الفتنة وينادون بالامان وان الناس يفتحون حوانيتهم ويجلسون بها وكذلك يفتحون ابواب الجامع الازهر ويتقيدون بقراءة الدروس وحضور الطلبة وركبوا الى محمد علي وقالوا له انت صرت حاكم البلدة والرعية ليس لهم مقارشة في عزل الباشا ونزوله من القلعة وقد اتاك الامر فنفذه كيف شئت واخبروه برأيهم فأجابهم الى ذلك وركب الاغا وصحبته بعض المتعممين ونادوا في المدينة بالامن والامان والبيع والشراء وان الناس يتركون حمل الاسلحة بالنهار واذا وقع من بعض العسكر قباحة رفعوا امره الى محمد علي وان كان من الرعية رفعوه الى بيت السيد عمر النقيب واذا دخل الليل حملوا الاسلحة وسهروا في اخطاطهم على العادة وتحفظوا على اماكنهم فلما سمع الناس ذلك انكروه وقالوا ايش هذا الكلام حينئذ نصير طعمة للعسكر بالنهار وخفراء بالليل والله لانترك حمل اسلحتنا ولا نمتثل لهذا الكلام ولا هذه المناداة ومر الاغا ببعض العامة المتسلحين فقبض عليهم واخذ سلاحهم فازدادوا قهرا وباتوا على ذلك واجتمعوا عند السيد عمر النقيب وراجعوه في ذلك فاعتذر واخبر بان هذا الامر على خلاف مراده
وفي ليلة الجمعة المذكور حصل خسوف قمر كلي وكان ابتداؤه من بعد العشاء الاخيرة بنصف ساعة وانجلى في سابع ساعة واصبح يوم الجمعة فحضر عند السيد عمر كتخدا بك وعابدي بك في جمع من العسكر وجلسوا عنده ساعة وذكروا له أن في عصرها يرسلون الى الباشا الكائن بالقلعة ويجتمعون عليه بالنزول فان ابى حدوا في قتاله ومحاربته وذكروا انه مماليئ الامراء القبالي وهو الذي ارسل بحضورهم ومطمعهم في المملكة فلزم الاجتهاد في انزاله من القلعة ثم يتفرغون لمحاربة القادمين ويخرجون اليهم بالعساكر ثم قاموا من عنده وذهبوا الى بيت القاضي وحضر حجو أغا الذي كان يحارب بالخرنفش فرجع صحبته كتخذا بك عند السيد عمر ليأخذ بخاطره وصحبته طائفة من العسكر فوقفوا متفرقين ودخل منهم طائفة الى بيت الشيخ الشرقاوي وباقيهم بالشارع وتجمع
(3/76)

حولهم اهالي البلد بالاسلحة فاتفق بينهم انطلاق بندقية اما خطأ او قصدا فهاجت الناس وماجت واجتمعوا من كل ناحية وخرج جاويشية النقابة الى نواحي الدائرة ينادون في الناس ويقولون عليكم ببيت السيد عمر النقيب يا مسلمين انجدوا اخوانكم وحصلت من تلك البندقية التي انطلقت فزعة عظيمة وصاح السيد عمر على الناس من الشباك يامرهم بالسكون والهجوع فلم يسمعوا له ونزل الى اسفل ووقف بباب داره يصيح بالناس فلا يزدادون الا خباطا واقبلوا طوائف من كل جهة فصار يأمرهم بالمرور والخروج إلى جهة باب البرقية ولم يزالوا على ذلك الى بعد صلاة الجمعة حتى سكن الحال واقام جحو والكتخدا حتى تغديا مع السيد عمر وركبا وذهبا ونودي في عصر ذلك اليوم بالامان وفتح الحوانيت والبيع والشراء ولا يرفعون معهم السلاح بل يحملونه معهم في حوانيتهم تحذرا من غدر العسكر وفتحوا ابواب الازهر
وفي يوم السبت فتح الناس بعض الحوانيت ونزل المشايخ الى الجامع الازهر وقراوا بعض الدروس ففترت همم الناس ورموا الاسلحة واخذوا يسبون المشايخ ويشتمونهم لتخذيلهم اياهم وشمخ عليهم العسكر وشرعوا في اذيتهم وتعرضوا لقتلهم وضاراره
وفي يوم الاحد قتلوا اشخاصا في جهات متفرقة وضج الناس واغلقوا الدكاكين وكثرت شكاويهم واقلقوا السيد عمر النقيب وهو يعتذر اليهم ويقول لهم اذهبوا الى الشيخ الشرقاوي والشيخ الامير فهما اللذان امرا الناس برمي السلاح فلما زادت الشكوى نادوا في الناس بالعود الى حمل السلاح والتحذر
وفيه وصل الامراء القبليون الى قرب الجيزة وعدى منهم طائفة الى البر الشرقي جهة دير الطين والبساتين وهم عباس بك ومحمد بك المنفوخ ورشوان كاشف وهدموا قلاع طرا وساووها بالارض
وفي يوم الاثنين ركب محمد علي وخرج الى جهة مصر القديمة وصحبته
(3/77)

حسن باشا واخوه عابدي بك فنزل بقصر بليفه واقاموا الى العصر وخرج كثير من العسكر الى ناحية مصر القديمة ثم ركب محمد علي وحسن باشا واخوه في اخر النهار وساقوا الى جهة البساتين ومعهم العساكر افواجا فلما قربوا من الامراء المصريين تقهقروا الى خلف ورجعوا الى جهة قبلي وقيل عدوا إلي بر الجيزة وانضم اليهم علي باشا الذي بالجيزة واستمر محمد علي ومن معه بمصر القديمة وتراموا بالمدافع
وفي يوم الثلاثاء حضر أيضا جماعة من القبليين الى الجيزة وتراموا بالمدافع والبنب من البرين ذلك اليوم وليلة الاربعاء
وفيه عدى طائفة الدلاة الكائنين بالبر الغربي وانضم اليهم المقيمون بجزيرة بدران وحضروا الى بولاق وهجموا وهجموا على البيوت واخرجوا سكانها قهرا عنهم وازعجوهم من اوطانهم وسكنوها وربطوا خيولهم بخانات التجارة ووكالة الزيت فحضر الكثير من اهالي بولاق الى بيت السيد عمر وتظلموا وتشكوا فارسل الى كتخدا بك يمنعهم من ذلك فلم يمتنعوا واستمروا على فعلهم وقبائحهم
وفيه طلب محمد علي باشا دراهم سلفة من النصارى والتجار وقرروا فردة على البلاد والبنادر وهي اول طلبة طلبها بعد راسته
وفيه ارسلوا بنائين وخمسمائة فاعل لبناء ما تهدم من حصون طرا
وفي يوم الخميس حادي عشرينه وردت اخبار بوصول قبطان باشا الى ثغر سكندرية وابى قير وصحبته مراكب كثيرة لايعلم المرسون اخبار من بها فاجتمع المشايخ واتفقوا على كتابة عرضحال يرسلونه اليه مع بعض المتعممين ثم اختلف ! اراؤهم في ذلك فلما كان يوم الاثنين ورد الخبر بورود سلحدار قبطان المذكور الى شلقان فاعرضوا عن ذلك
وفيه وقع بين طائفة من العسكر الكائنين ببولاق واهل البلد مناوشة بسبب نقب البيوت وقتل بينهم انفار واستظهر عليهم اهل بولاق
وفي يوم الثلاثاء وصل السلحدار الى بولاق وركب من هناك الى
(3/78)

المكان الذي اعد له وصحبته مكاتبة الى احمد باشا المخلوع ومضمونها الامر بالنزول من القلعة ساعة وصل الجواب اليه من غير تأخير وحضوره الى الاسكندرية وجواب اخر الى محمد علي بابقائه في القائمقامية حيث ارتضاه الكافة والعلماء والوصية بالسلوك والرفق بالرعية والكلام المحفوظ المعتاد الذي لا اصل له وان يقلد من قبله باشا على عسكر يعين ارساله الى البلاد الحجازية ويسهل له جميع احتياجاته من الجبخانة وسائر الاحتياجات واللوازم فأرسلوا الى احمد باشا المخلوع بجوابه فقال حتى يطلع الى السلحدار الواصل ويخاطبني مشافهة
وفي صبح يوم الاربعاء قبض المحافظون على خيال مقبل من جهة مصر القديمة يريد الطلوع الى القلعة من اخر النهار وجدوا معه اوراقا فاخذوه الى محمد علي باشا فوجدوا في ضمنها خطابا الى الباشا المخلوع من علي باشا وياسين بك الكائنين بالجيزة مضمونها انه في صبح يوم الجمعة نطلق من الجيزة سبعة سواريخ تكون اشارة بيننا وبينكم فعندما ترونها تضربون بالمدافع والبنب على بيت محمد علي ونحن نعدي الى مصر القديمة ويصل البرديسي من خلف الجبل الى جهة العادلية وياتي باقي المصريين من ناحية طرا ويقوم من بالبلدة على من فيها فشيغلون الجهات ويتم المرام بذلك فلما اطلع محمد علي على ذلك وكان القاضي حاضرا عنده اشتد غيظه على ذلك الرجل ووجده من الاكراد فاستجار بالقاضي فلم يجره وامر به فاخذوه وقتلوه ورموه ببركة الازبكية
وفي يوم الخميس احضروا سبعة رؤوس وعلقوها على السبيل المواجه لباب زويلة ذكروا انها من ناحية دمنهور وعلى احدها ورقة مكتوبة انها راس شاهين بك الألفي واخرى سلحداره وهي متغيرة جدا ومحشوة تبنا ولا يظهر لها خلق ولم يكن لذلك صحة
وفيه اخبر الاخباريون بأن الألفي ارتحل من دمنهور ولم ينل منها غرضه وانه كبس على سليمان كاشف البواب ونهب ما معه وقيل انه قتل
(3/79)

وفي رواية وقع الى البحر وهرب باقي اتباعه الى جهة المنوات في اسوأ حال واخذ منه شيئا كثيرا وهو ما جمعه في هذه السرحة وذلك خلاف ما جمعه في العام الماضي عندما كان كاشفا بمنوف ومن ذلك انه لما قتل موسى خالدا اخذ منه مالا كثيرا وذلك خلاف ما دل عليه من خباياه
وفي تلك لليلة طلع السلحدار المذكور وصحبته صالح أغا القابجي الذي وصل قبله الى القلعة واجتمع بأحمد باشا المخلوع وتكلما معه فقال انا لست بعاص ولا مخالف للأوامر وانما لصالح أغا وعمر أغا علائف نحو خمسمائة كيس باقية ولم يبق عندي شئ سوى ما على جسدي من الثياب وقد اخذ العسكر المحاربون موجوداتي جميعا فاذا طيبتم خواطرهما نزلت في الحال فنزلا بذلك الجواب ثم ترددوا في الكلام والعقدو الابرام ولم يحسن السكوت على شئ
وفيه وصل الامراء القبالي الى حلوان وعلي بك ايوب دخل الى الجيزة صحبة من بها وسليمان بك خارجها
وفي يوم الجمعة عدى ياسين بك من الجيزة الى متاريس الروضة ولم يكن بها سوى الطبجية فطلعوا اليهم وقبضوا على بعضهم واخذوا منهم ثلاثة مدافع وسددوا فالية المدفع الكبير وآخر رموه الى البحر فثارت رجة بمصر القديمة والروضة وضربوا بالمدافع والرصاص ورجع الواصلون من الجيزة الى اماكنهم وحضر الألفي الى جهة الطرانة
وفيه حضر صالح أغا القابجي الى السيد عمر النقيب واخبره انهم تواعدوا مع احمد باشا في عصر غد من يوم السبت اما أن ينزل او يستمر على عصيانه فلما كان يوم السبت في الميعاد افرجوا عن ضعفاء الرعية الكائنين بالقلعة وكذلك النساء بعدما اخذوا ما معهم من الامتعة والثياب وابقوا عندهم الشبان والاقوياء للمعاونة في الاشغال واظهروا المخالفة وامتنعوا من النزول وباتوا على ذلك وكثر اللغط في الناس وانقضى شهر ربيع الثاني على ذلك
(3/80)

شهر جمادي الاول سنة
استهل بيوم الاحد فيه ضربوا ثلاثة مدافع من القلعة وقت الشروق وكانها اشارة وعلامة لاصحابهم
وفي يوم الاثنين سبح جماعة من الجيزة الى جهة انبابة وكان ببولاق طائفة من العسكر يترامحون بجهة ديوان العشور فضربوا عليهم مدافع فحصل ببولاق ضجة وركب محمد علي باشا اواخر النهار وذهب الى بولاق ونزل ببيت عمر بك الارنؤدي ووضب جملة من العسكر وعدوا ليلا وطلعوا ناحية بشتيل وحضروا الى جهة انبابة يوم الثلاثاء وتحاربوا مع من بها حتى اجلوهم عنها وعملوا هناك متاريس في مقابلتهم واستمروا على ذلك يتضاربون بالمدافع
وفي يوم السبت سابعه طلع بشير أغا القابجي وصالح أغا السلحدار الى القلعة وتكلموا مع احمد باشا ومن معه وقد كانت وردت مكاتبات من قبطان باشا في امر احمد باشا ثم نزلوا وصحبتهم كتخدا احمد باشا الى بيت سعيد أغا الوكيل وركبوا معه الى بيت محمد علي باشا واختلوا مع بعضهم ثم طلع صالح أغا واربعة من عظمائهم ثم نزلوا ثم طلعوا وترددوا في الذهاب والاياب ومراددة الخطاب وبات الكتخدا اسفل وطلب القلعاويون شروطا وعلائفهم الماضية وغير ذلك وانتهى الكلام بينهم على نزول احمد باشا المخلوع في يوم الاثنين وتسليم القلعة و الجبخانة
واصبح يوم الاثنين فطلبوا جمالا لحمل اثقالهم فارسلوا الى السيد عمر فجمع لهم من جمال الشواغرية مائتي جمل فنقلوا عليها متاعهم وفرشهم وانزل الباشا حريمه الى بيت مصطفى أغا الوكيل ونزل كثير من عساكرهم وخدمهم وهم متغيروا الصور وذهب اكثرهم بعزالهم الى بولاق ونهبوا بيوت الرعايا التي بالقلعة واخذوا ما وجدوه فيها من المتاع وطلع حسن أغا سر ششمة بجملة من العسكر الى القلعة انقضى ذلك اليوم ولم ينقض نزولهم وحضر الوالي أيضا وقت العشاء الى بيت السيد عمر وطلب
(3/81)

خمسين جملا فلم يتيسر الا بعضها
واصبح يوم الثلاثاء فأنزلوا باقي متاعهم ونزل الباشا المخلوع من باب الجبل في رابع ساعة من النهار على جهة باب النصر ومر من خارجه الى جهة الخروبي وذهب الى بولاق وصحبته كتخدا محمد علي باشا وعمر بك وصالح أغا قوش وانزل صحبته مدافع تعوق بعضها عند الذنجرية لضعف الاكاديش وسكن بيت السيد عمر النقيب وسكن صالح أغا ببيت شيخ السادات وذلك عاشر جمادي الاولى واطمأن الناس بعض الاطمئنان مع بقاء التحرز وارسل السيد عمر فنادي تلك الليلة باستمرار الناس على التحرز والسهر وضبط الجهات فان القوم لا امان لهم وانحشروا في داخل المدينة والوكائل والبيوت ولا يتركون قبائحهم واما الامراء المصرلية فانهم وصلوا الى البين واجتمعوا هناك ما عدا علي بك ايوب وسليمان بك وعباس بك فانهم بالجيزة مع علي باشا وياسين بك واما الدالاتية الانجاس فانهم مستمرون على النهب البلاد وسلب الاموال واذية العباد ونهبوا كاشف الغربية وهجموا على سمنود وهي مدينة عظيمة فنهبوا بيوتها واسواقها واخذوا مافيها من الودائع والاموال وسبوا النساء وفعلوا فعالا شنيعة تقشعر منها الابدان ثم انتقلوا الى المحلة الكبرى وهم الان بها واما محمد بك الألفي فانه حاصر دمنهور مدة مديدة فلم يتمكن منها ثم ارتحل عنها ورجع مقبلا ووصل الى ناحية الطرانة واما قبطان باشا فانه لم يزل مقيما على ساحل أبي قير
وفي يوم الخميس وصلت الاخبار بذهاب قبطان باشا الى الاسكندرية وفي يوم الاحد خامس عشره نزل احمد باشا المخلوع الى المراكب من بولاق وسافر الى جهة بحري بعياله واتباعه المختصين به وتخلف عنه كتخداه وعمر بك وصالح قوش والدفتر دار وكثير من اتباعه ولم يسهل بهم مفارقة ارض مصر وغنائمها مع انهم مجتهدون في خرابها
وفيه وصل الألفي الكبير والصغير الى بر الجيزة
(3/82)

وفي يوم الاثنين اتفق جماعة من الارنؤد وقصدوا الذهاب الى بر الجيزة فوصل خبرهم الى محمد علي باشا فارسل اليهم عسكرا ومعهم حجوا فلحقهم عند المعادي بحرى بولاق فقتلوا منهم نحو عشرين وهرب باقيهم وتفرقوا
وفيه بنى حجاج الخضري حائطا وبوابة على الرميلة عند عرصات الغلة
وفي يوم الاربعاء سابع عشره قبض محمد علي باشا على جرجس الجوهري ومعه جماعة من الاقباط فحبسهم ببيت كتخداه وطلب حسابه من ابتداء سنة خمس عشرة واحضر المعلم غالي الذي كان كاتب الألفي بالصعيد والبسه منصبه في رآسه الاقباط وكذلك خلع علي السيد محمد ابن المحروقي خلع الاستمرار على ماكان عليه ابوه من امانة الضربخانة وغيرها
وفي تلك الليلة قتل شخص كبير بيكبابشي تحت بيت الباشا بالازبكية ضربوا لموته مدفعا وذلك لامر نقموه عليه
وفيه سافر كتخدا بك الى جهة المنوفية وقبض على كاشفها واخذ ما معه من الاموال التي جمعها من منهوبات البلاد ودل على ودائعه واخذها أيضا ووجد له غلالا كثيرة ومواشي وغير ذلك
وفي يوم الجمعة عشرينه الموافق لحادي عشر مسرى اوفي النيل المبارك اذرعه ونودى بذلك واشيع في ذلك اليوم وصول فرقة من الامراء المصريين من خلف الجبل وبات الناس مستعدين للفرجة على موسم الخليج على العادة فأمر الباشا باخراج الخيام والنظام الى ناحية الجسر وعمل الحراقة ثم امر بكسر السد ليلا فما طلع النهار الا والماء يجري في الخليج ولم يذهب الباشا ولا القاضي ولا احد من الناس ولم يشعروا بذلك وكان قد بلغه ورود الامراء فتأخر عن الخروج وهم ظنوا خروجه مع العسكر الى خارج المدينة وفي وقت الشروق من ذلك اليوم وصل طائفة من الامراء الى ناحية المذبح وكسروا بوابة الحسينية ودخلوا من باب الفتوح
(3/83)

في كبكبة عظيمة وخلفهم نقاقير كثيرة وجمال واحمال فشقوا من بين القصرين حتى وصلوا الى الاشرفية وشخص لهم الناس وضجوا بالسلام عليهم وبقولهم نهار مبارك وسعيد والحمد لله على السلامة وشخص الناس وبهتوا وخمنوا التخامين فلما وصلوا عطفة الخراطين افترقوا فرقتين فدخل عثمان بك وحسن وشاهين بك المرادي واحمد كاشف سليم وعباس بك وغيرهم كشاف واجناد ومماليك وعبيد كثيرة نحو الالف وخلف كل طائفة نقاقير وهجن وبايديهم البنادق والسيوف والاسلحة ومروا بالجامع الازهر وذهبوا الى بيت السيد عمر والشيخ الشرقاوي وفامتنع السيد عمر من مقابلتهم فدخلوا الى بيت الشيخ الشرقاوي وحضر عندهم السيد عمر فطلبوا منهم النجدة وقيام الرعية فقالو لهم هذا لايصح ولم يكن بيننا وبينكم موعد ولا استعداد والاولى ذهابكم والا احاطت بنا وبكم العساكر وقتلونا معكم فعند ذلك ركبوا وخرجوا من باب البرقية وبعد خروجهم حضر في اثرهم حسن بك الارنؤدي في عدة وافرة من العسكر وهم مشاة وخرج خلفهم فوجدهم خرجوا الى الخلاء فرجع على اثره واما الفرقة الاخرى فانهم وصلوا الى باب زويلة وتقدموا قليلا الى جهة الدرب الاحمر فضرب عليهم العسكر الساكنون هناك بالرصاص فرجعوا القهقري الى داخل باب زويلة وارادوا الدخول الى جامع المؤيد والكرنكة بتلك الناحية فضرب عليهم المغاربة والمرابطون هناك فاصيب منهم اشخاص وقوى جأش العسكر الذين جهة الدرب الاحمر لما سمعوا ضرب الرصاص وتنبه غيرهم أيضا واجتمعوا لمعاونتهم وانصرع منهم ثلاثة اشخاص وقعوا الى الارض فلما عاينوا ذلك ولوا الادبار وتبعهم العسكر يضربون في اقفيتهم فلم يزالوا في سيرهم الى النحاسين وقد اغلق الناس بوابة الكعكبين وكذلك بوابة الخراطين وبوابة البندقانيين وكان حجو الساكن بالخرنفش عند ما سمع بدخولهم لحقه الفزع والخوف فخرج من بيته بعسكره يريد الفرار وخرج من عطفة الخرنفش وذهب الى
(3/84)

جهة باب لظنه انه لايمكنه الخروج من باب الفتوح الذي دخلوا منه فلما وصل الى باب النصر وجده مغلقا وامتنع المرابطون عليه من فتحه فعاد على اثره وذهب الى باب الفتوح فلم يجد به احدا فطمأن حينئذ وعلم سوء رأيهم فاغلقه واجلس عنده جماعة من اتباعه ورجع على اثره الى جهة بين القصرين فصادف اديار الجماعة والعسكر في اقفيتهم بالرصاص فعند ذلك قوي جأشه وضرب في وجههم هو ومن معه من العسكر فاختبل القوم وسقط في ايديهم وعلموا انه قد احيط بهم فنزلوا عن خيولهم ودخل منهم جماعة كثيرة جامع البرقوقية وذهب منهم طائفة كبيرة بخيولهم نحو المائة الى جهة باب النصر فوجدوه مغلقا فنزلوا أيضا عن خيولهم ودخلوا العطوف ونطوا من السور الى الخلاء وتفرق منهم جماعة اختفوا في الجهات وبعض الوكائل والبيوت ولما انحصر الذين دخلوا جامع البرقوقية واغلقوا على انفسهم الباب احتطت بهم العسكر واحرقوا الباب وتسور أيضا عليهم جماعة من العطفة التي بظاهر البرقوقية وقبضوا عليهم وعروهم ثيابهم واخذوا ما معهم من الذهب والنقود والاسلحة المثمنة وذبحوا منهم نحو الخمسين مثل الاغنام وسحبوا نحو ذلك العدد بالحياة وهم عرايا مكشوفوا الرؤوس حفاة الاقدام موثوقوا الايدي يضربونهم ويصفعونهم على اقفيتهم ووجوههم ويسبونهم ويشتمونهم ويسحبونهم على وجوههم حتى ذهبوا بهم وبرؤوس القتلى الى بيت الباشا بالازبكية وكان قد استعد للفرار وتحير في امره ونزل الى اسفل يريد الركوب واذا بالعسكر داخلون عليه ومعهم الرؤوس والاسرى في ايديهم فعند ذلك سكن جاشه وامتلا فرحا ولما مثل بين يديه احمد بك تابع البرديسي الذي كان اميرا بدمياط وحسن شبكة ومن معهما قال لاحمد بك يا احمد بك وقعت في الشرك فطلب ماء فحلوا كتافه واتوه بماء يشرب فنظر لمن حوله وخطف يقطانا من وسط بعض الواقفين وهاج فيهم واراد قتل محمد علي باشا وقتل انفارا فقام الباشا وهرب الى فوق وتكاثروا عليه وقتلوه
(3/85)

ووضعوا باقي الجماعة في جنازير وفي ارجلهم القيود وربطوهم بالحوش وهم على الحالة التي حضروا فيها من العرى والحقارة والذلة
وفي ثاني يوم احضروا الجزارين وامروهم بسلخ الرؤوس بين يدي المعتقلين وهم ينظرون الى ذلك واحضروا جماعة من الاسكافية فحشوها تبنا وخيطوها
وفي ليلة الاثنين خرج عابدي بك بعساكر الارنؤد برا وبحرا الى جهة طرا فالتقى مع من بها من المصريين وكان بها ابراهيم بك والكبير وابنه مرزوق بك وامراؤهم فقتل من عسكر الارنؤد عدة كبيرة وولوا منهزمين وحضروا الى مصر وغرق من مراكبهم مركبان في ليلة الثلاثاء
وفي تلك الليلة قتلوا المعتقلين ما عدا حسن شبكة ومعه اثنان قيل انهم عملوا على انفسهم ثلثمائة كيس فابقوهم وقتلوا الباقي قتلا شنيعا وعذبوهم في القتل من اول الليل الى اخره ثم قطعوا رؤوسهم وحشوها تبنا ووسقوها في مركب وارسولها الى سكندرية وعدتهم ثلاثة وثمانون راسا وفيهم من غير جنسهم واناس جربجية ملتزمون واختيارية التجواوا اليهم وراففوهم في الحضور وبعثوا من يوصلهم الى اسلامبول وكتبوا في المراسلة انهم حاربوهم وقاتلوهم وحاصروهم حتى افنوهم واستأصلوهم ولم يبقوا منهم باقية وهذه الرؤوس رؤوس اعيانهم واكابرهم فكان عدة من قتل في هذه الحادثة من المعروفين المنصبين مراد بك تابع عثمان بك حسن وقبطان بك تابع البرديسي وسليم بك الغربية واحمد بك الدمياطي وعلي بك تابع خليل بك ونحو الخمسة والعشرين من مماليكهم واتباعهم ونجا حسن بك شبكة واثنان معه دون اتباعة وباقيهم اشخاص مجهولة فيهم فرنساوية وارنؤدية ولم يتفق للامراء المصرية اقبح ولا اشنع من هذه الحادثة وربط الله على قلوبهم واعمى ابصارهم وغل ايديهم
وفي يوم الاربعاء حضر طائفة الدلاة الى ناحية الخانكة بعدما طافوا اقليم الغربية والمنوفية والشرقية والدقهلية وفعلوا افعالا شنيعة من النهب
(3/86)

والسلب والقتل والاسر والفسق وما لايسطر ولايذكر ولا يمكن الاحاطة ببعضه
وفيه افرجوا عن جرجس الجوهري ومن معه على اربعة ألاف وثمانمائة كيس وان يبقى على حاله فشرع في توزيعها على باقي الاقباط وعلى نفسه وعلى كبرائهم وصيارفهم ماعدا فلتيوس وغالي وحولت عليه التحاويل وحصل لهم كرب شديد وضج فقراؤهم واستغاثوا
وفي يوم الجمعة خرج عدة كبيرة من العسكر الى ناحية الشرق لمحاربة الدلاة واميرهم عمر بك تابع عثمان بك الاشقر ومحمد بك البدول وكثير من الاجناد المصرية وحسن باشا الارنؤدي
وفي يوم السبت رجع القرابة المشاة وذهب الخيالة خلفهم متباعدين عنهم بمرحلة فكان شأنهم أن الدلاة المذكورين اذا وردوا القرية نهبوها واخذوا ما وجدوه فيها واخذوا الاولاد والبنات وارتحلوا فياتي خلفهم العرب التابعون خلفهم فيطلبون الكلف والعليق وينهبون أيضا ما امكنهم ثم يرتحلون أيضا خلفهم فتنزل بعدهم التجريدة فيفعلون اقبح من الفريقين من النهب والسلب حتى ثياب النساء واخذ الدلاة من عرب العائد خمسائة جمل وذهبوا على طريق رأس الوادي وفيه ورد الخبر بوصول كتخدا بك الى منوف وقبض على كاشفها واخذ منه ماجمعه ثم انه فرد على البلاد التي وحد بها بعض العمار اموالا من ألف ريال فأزيد وحصر ذلك في قائمة وهي نحو الستين بلدا وارسل يستأذن في ذلك ويطلب عدم الرفع عن شئ منها ليحصل قدرا يستعان على علائف العسكر وجماكيهم وليكمل خراب الاقليم وانقضى شهر جماي الاولى
شهر جمادي الثانية سنة
استهل بيوم الاثنين في ثانية وصل ولدا محمد علي باشا الى ساحل بولاق فركب اغوات الباشا واستقبلوهما واحضروهما الى الازبكية وعملوا لهما شنكا تلك الليلة
(3/87)

وفي ثالثة طلع محمد عليباشا الى القلعة واجلس ابنه الكبير بها وضربوا له في ذلك الوقت مدافع
وفي رابعة رجع عابدي بك ومن بصحبته من المصرلية من جهة الشرق وقد وصلوا خلف الدلاة الى حد العائد ثم رجعوا وذهب الدلاة الى جهة الشام بما معهم من المال والغنائم والجمال والاحمال وعدتها اكثر من الاربعة ألاف جمل وما نهبوه من البلاد واسروه من النساء والصبيان وغير ذلك وكانوا من نقمة الله على خلقه ولم يحصل من مجيئهم وذهابهم الا زيادة الضرر ولم يحصل للباشا المخلوع الذي استدعاهم لنصرته الا الخذلان وكان في عزمه وظنه انهم يصيرون اعوانه وانصاره ويستعين بهم وبطائفة الينكجرية على ازالة الطائفة الاخرى فانتحس بقدومهم واورثه الله ذلهم وتخلوا عنه وخذلوه وضاع عليه ما صرفه عليهم في استدعائهم وملاقاتهم وخلعهم وتقدماتهم ومصارفهم وعلائفهم وخرجهم ولم ينفعوه بنافعة بل كانوا من الضرر الصرف عليه وعلى الاقليم وكان كلما خوطب وعوقب في امر او فعل يقول اصبروا حتى تأتي الدلاتية ويحصل بعد ذلك النظام فلم يحصل بوصولهم الا الفساد وانتقضت دولتة وانعست قضيته
وفيه شرعوا في عمل دفتر فردة على البلاد التي بقي فيها بعض الرمق
وفي خامسة حضر كتخدابك ليلا واشار بابطال ذلك الدفتر لما فيه من الاشاعة والشناعة واتفق مع الباشا والمتكلمين انه يفعل ذلك باجتهادة ورايه ورجع في تلك الليلة وشرع في التحصيل مع الجور والعسف الزائد كما هو شأنهم
وفيه سافر أيضا جانم افندي الدفتر دار وسافر صحبته قابجي باشا الاسود المسمى بشير أغا
وفيه سافر بعض كبرائهم الى جهة السويس ليأتي بالمحمل
وفي يوم الجمعة ورد احمد افندي من سكندرية وهو الذي كان اتى بالدفتردارية في العام السابق ومنعه احمد باشا خورشيد من الورود
(3/88)

وكتبوا في شانه عرضحال من الشايخ والوجاقلية بمنعه وابقاء جانم افندي واستمر بالاسكندرية الى هذا الوقت وحضر الان بمراسلة من قبطان باشا واحضر صحبته تقرير السعيد أغا على الوكالة وابقائه على ما هو عليه ونظر الخاصكية لسليمان أغا حافظ
وفي يوم الاحد رابع عشره تغيب جرجس الجوهري فيقال انه هرب ولم يظهر خبره وطلب محمد علي فلتيوس وغالي وجرجس الطويل
لطويل وفي يوم الاثنين حضر محمد كتخدا الألفي بجواب من مخدومه وقابل محمد علي باشا وذهب الى بيته لقضاء اشغاله
وفيه وصلت القافلة والمحمل واراد الباشا نهب قافلة التجار فصالحوا على احمالهم بالف كيس ودخل المحمل في ذلك اليوم صحبة المسفر
وفيه طلب الباشا حسن أغا نجاتي المحتسب والامير ابراهيم الرزاز وطلب أن يقلد حسن أغا كتخدا الحج والامير ابراهيم ديودار بشرط أن يكلفا انفسهما من مالهما فاعتذرا بعدم قدرتهم على ذلك فحبسهما وطلب من كل واحد منهما خمسمائة كيس وعزل حسن أغا وقلد عوضه اخر يسمى قاضي اوغلي على الحسبة
وفي يوم الثلاثاء ظهر الخبر عن جرجس الجوهري بانه ركب من دير مصر العتيقة وذهب الى الامراء المصرين بناحية التين
وفي يوم الاربعاء سابع عشرة توفي الشيخ محمد الحريري مفتي الحنفية
وفي يوم الجمعة تاسع عشرة توفي حسن افندي ابن عثمان الاماحي الخطاط
وفيه قلدوا علي جلبي بن احمد كتخدا على كشوفية القليوبية ولبس القفطان وركب بالملازمين
وفيه سافر محمد كتخدا الألفي عائدا الى مخدومه وذهب صحبته السلحدار وموسى البارودي
(3/89)

وفي عشرينه تقلد الحسبة شخص يقال له عبدالله قاضي اوغلي وكذلك تقلد قبله بايام ابراهيم الحسيني الزعامة وهو حليق اللحية وتقلد محمد من مماليك اسمعيل بك ويعرف بالالفي وهو زوج هانم ابنة بنت اسمعيل بك أغاوية مستحفظان
وفيه افرجوا عن حسن أغا المحتسب وابراهيم الرزاز وقرروا على الاول خمسة وستين كيسا وعلى الثاني خمسة عشر كيسا يقومان بدفعها
وفيه انزلوا قوائم على البلاد والحصص التي كانت تحت التزام جرجس الجوهري الى المزاد فاشتراها القادرون والراغبون
وفي حادي عشرينه قلدوا ياسين بك كشوفية بنى سويف والفيوم وكذلك لبسوا كاشفا على منفلوط وغيرها
وفي اواخره حضر محمد كتخدا الألفي والسلحدار وذكرا مطلوبات الألفي وهو انه يطلب كشوفية الفيوم وبني سويف والجيزة والبحيرة وماءتي بلد التزام وانه يأتي الجيزة ويقيم بها ويكون تحت طاعة محمد علي باشا وتشاوروا في ذلك اياما واما باقي الامراء المصرليين فانهم انتقلوا من مكانهم وترفعوا الى جهة قبلي بناحية بياضة ثم اتفق الرأي على أن يعطوهم من فوق جرجا وينزل بها الحاكم المولى عليها من العثمانية وان المصرين القبالي اقتسموا بينهم البلاد ويقومون بدفع المال والغلال الميرية وكل ذلك لا اصل له ولا حقيقة من الطرفين وكتبوا للالفي مكاتبات بذلك وان يكون في ضمنهم
وفي اواخره أيضا احتاج محمد علي باشا الى باقي علوفة العسكر فتكلم مع المشايخ في ذلك واخبرهم بان العسكر باق لهم ثلاثة ألاف كيس لا نعرف لتحصيلها طريقة فانظروا رأيكم في ذلك وكيف يكون العمل ولم يبق الا هذه النوبة ومن هذا الوقت اذا قبض العسكر باقي علائفهم سافروا الى بلادهم ولم يبق منهم الا المحتاج اليهم وارباب المناصب ولا ياخذون بعد ذلك علائف فكثر التروي في ذلك ولغط الناس
(3/90)

بالفردة وتقرير اموال على اهل البلد وانحط الامر بعد ذلك على قبض ثلث الفائظ من الحصص والالتزام فضج الناس وقالوا هذه تصير عادة ولم يبق للناس معايش فقال نكتب فرمانا ونلتزم بعدم عود ذلك ثانيا ونرقم فيه لعن الله من يفعلها مرة اخرى ونحو ذلك من التمويهات الكاذبة الى أن رضى الناس واستقر امرها وشرعوا في تحريرها وطلبها
شهر رجب الفرد سنة
استهل بيوم الاربعاء وفي حادي عشره سافر محمد كتخدا الألفي بالجواب المتقدم الى مخدومه بعد أن قضى اشغاله واحتياجاته من امتعة وخيام وسروج وغير ذلك وخرج ياسين بك وباقي الكشاف المسافرون الى الجيزة وطلبوا المراكب حتى عز وجودها وامتنع ورودها من الجهة البحرية
وفي ثالث عشره سافر المذكورون بعساكرهم وسافر أيضا علي باشا سلحدار احمد باشا خورشيد المنفصل الى الاسكندرية واما قبطان باشا فإنه لم يزل بثغر سكندرية
وفي منتصفه برز طاهر باشا الذاهب الى البلاد الحجازية بعساكره الى خارج باب النصر
وفيه وردت الاخبار بان الوهابيين استولوا على المدينة المنورة على ساكنها افضل الصلاة واتم التسليم بعد حصارها نحو سنة ونصف من غير حرب بل تحلقوا حولها وقطعوا عنها الوارد وبلغ الاردب الحنطة بها مائة ريال فرانسة فلما اشتد بهم الضيق سلموها ودخلها الواهبييون ولم يحدثوا بها حدثا غير منع المنكرات وشرب التنباك في الاسواق وهدم القباب ما عدا قبة الرسول صى الله عليه وسلم
وفي تاسع عشره وقع بالازبكية معركة بين العسكر قتل بها واحد من اعيانها واثنان آخران ورجل سائس وبغل وفرس وحمار
وفي خامس عشرينه ورد الخبر بسفر القبطان واحمد باشا خورشيد
(3/91)

من ثغر سكندرية
وفيه حضر اهل رشيد يشتكون الى السيد عمر النقيب والمشايخ ويذكرون أن محمد على باشا ارسل يطلب منهم اربعين ألف ريال فرانسة على ثلاثة عشر نفرا من التجار بقائمة
وفيه حضر محمود بك الذي كان بالمنية وتواترت الاخبار بوصول الغز المصريين الى اسيوط وملكوها واما الألفي فانه جهة الفيوم ووقع بينه وبين جماعة ياسين بك محاربة وظهر عليهم وارسل ياسين بك يطلب عسكرا وذخيرة
وفي خامس عشرينه ركب المشايخ والسيد عمر النقيب الى محمد علي وترجوا عنده في اهل رشيد فاستقرت غرامتهم على عشرين ألف فرانسة وسافروا على ذلك واخذوا في تحصيلها
وفيه طلب بترك الدير واحتجوا عليه بهروب جرجس الجوهري وانحط الامر على المصالحة بمائة واربعين كيسا وزعها النصارى على بعضهم ودفعوها
شهر شعبان سنة
استهل بيوم الجمعة فيه امر محمد علي باشا برفع حصص الالتزام التي على النساء وكتبوا قوائم مزادها وانحط الامر على المصالحات بقدر حالهن وغير ذلك امور كثيرة وجزئيات وتحيلات على استنضاح الاموال لا يمكن ضبطها
وفي اواخره زوج محمد علي حسن الشماشرجي تابعه ببنت سليم كاشف الاسيوطي وهي بنت عبدالرحمن بك تابع عثمان بك الجرجاوي وهي ربيبة احمد كاشف تابع سليم كاشف المذكور فعقدوا عقدهم وعلموا لها مهما ببيت امها هانم بحارة عابدين واحتفل بذلك محمد علي وامر بان يعمل لها زفة مثل زفف الامراء المتقدمين ونبهوا على ارباب الحرف فعملوا لهم عربات وملاعيب وسخريات قاموا بكلفها من مالهم الموزع على افرادهم
(3/92)

وداروا بأزفة يوم الخميس غاية شعبان وحضر محمد علي الى مدرسة العورية مع اولاده ليرى ذلك وعمل له السيد محمد المحروقي ضيافة في ذلك اليوم واحضر اليه الغداء بالمدرسة ولما انقضى امر الزفة شرعوا في عمل موكب المحتسب ومشايخ الحرف لرؤية رمضان وحضروا الى بيت القاضي ولم يثبت الهلال تلك الليلة وانقضى شهر شعبان
واستهل شهر رمضان بيوم السبت 1220
وفي هذا اليوم شح وجود اللحم وغلا سعره لعدم المواشي وتوالى الظلم والعسف والفرد والكلف على القرى والبلاد حتى بلغ الرطل اللحم الجفيط الهزيل خمسة وعشرين نصفا أن وجد والجاموسي اثني عشر نصفا وامتنع وجود الضاني بالاسواق بالكلية رأسا ولما استهل رمضان انكب الناس على من يوجد من الجزارين اللحم الخشن وكذلك شح وجود السمن وعدم بالكلية واذا وجد منه شىء خطفه العسكر وذهبوا به الى سوق انبابة يوم السبت اول رمضان ونهبوا ما وجدوه مع الفلاحين من الزبد والجبن وغير ذلك وزاد فحشهم وقبحهم وتسلطهم على ايذاء الناس وكثروا بالبلد وانحشروا من كل جهة وتسلطوا على تزوج النساء قهرا اللاتي مات ازواجها من الامراء المصرلية ومن ابت عليهم اخدوا ما بيدها من الالتزام والايراد واخرجوها من دارها ونهبوا متاعها فما يسمعها الا الاجابة والرضا بالقضاء وتزوج بعضهم بزوجة حسن بك الجداوي وهي بنت احمد بك شنن وامثالها ولم ينفعهن الهروب ولا الاختفاء ولا الالتجاء وتزيوا بزي المصريين في ملابسهم وركبوا الخيول المسومة بالسروج المذهبة والقلاعيات والرخوت المكلفة واحدق بهم الخدم والاتباع والقواسة والسواس والمقدمون ووصل كل صعلوك منهم لما لا يخطر على باله او يتوهمه أن يتخيله ولا في عالم الرؤيا مع انحراف الطبع والجهل المركب وعمى البصيرة والفظاظة والقساوة والتجارى وعدم الدين والحياء والخشية والمروءة ومنهم من تزوج الاثنتين والثلاث وصار له عدة دور
(3/93)

وفيه تواترت الاخبار بما حصل لياسين بك وانه بعد انهزامه هرب بجماعة قليلة وذهب عند سليمان بك المرادي وانضم اليه
وفي ثالث عشره نهبوا بيت ياسين بك المذكور واخذوا ما فيه ونفوا محمد افندي اباه وانزلوه في مركب وذهبوا به الى بحرى وقيل انهم قتلوه
وفيه وردت الاخبار بانه غرق بمينا الاسكندرية احد عشر غليونا من الكبار وذلك انه في اواخر شعبان هبت رياح غربية عاصفة ليلا فقطعت مراسي المراكب ودفعتها الرياح الى البر فانكسرت وتلف ما فيها من الاموال والانفس ولم ينج منها الا القليل وكذلك تلف ثمان واربعون مركبا واصلة من بلاد الشام الى دمياط ببضائع التجار
وفيه حضر جماعة من الألفية الى بر الجيزة وطلبوا كلفا من اقليم الجيزة وقبضوها ورجعوا الى الفيوم ومضى في اثرهم عربان اولاد علي من ناحية البحيرة وعاثوا باراضي الجيزة فعينوا لهم طاهر باشا الذي كان مسافرا الى بلاد الحجاز وخرج بعساكره وخيامه وموكبه الى خارج باب النصر ونصب وطاقة وصار يضرب في كل ليلة مدافعه وطلبه ونوبته واستمر مقيما على ذلك نحو ثلاثة شهور وهم يجمعون له الأموال ويفردون الفرد على الأقاليم ويقولون برسم تشهير العسكر المسافر للخوارج واستخلاص البلاد الحجازية من ايديهم ولم يزالوا يحتجون بعدم اخذ النفقة وفي كل يوم يتسللون شيئا بعد شىء ويدخلون الى المدينة ويتفرقون الى الجهات حتى لم يبق منهم الا القليل ثم انهم ارتحلوا من مخيمهم بحجة العرب وطردهم من الجيزة فلما عادوا الى الجيزة دخلوا الى دورها وسكنوها غصبا عن اهلها واستولوا على فراشهم ومتاعهم ولم يخرج منهم احد للعرب ولم يتعدوا خارج السور وبطل امر السفرة المذكورة
وفي تاسع عشره ارسل محمد علي من قبض على الاغا الشمعدانجي وعثمان أغا كتخذا بك سابقا وقت المغرب وانزلوهما الى بولاق في مركب وذهبوا بهما يقال انهم قتلوهما ومعهما اثنان أيضا من كبار العسكر ولم
(3/94)

يعلم سبب ذلك وانزلوا حصصهم في المزاد
وفيه فتحوا طلب الميري من الملتزمين عن سنة احدى وعشرين مع أن سنة تاريخه لم يستحق منها الثلث وكانوا فتحوها معجلة لقدر الاضتياج وقبضوا نصفها وطلبوا النصف الاخر بعد اربعة اشهر واما هذا فطلبوها بالكامل قبل اوانها بسنة وخصوصا في شهر رمضان مع الناس فيه من ضيق المعاش وغلو الاسعار في كل شىء بل وعدم وجود الاقوات ووقوف العسكر خارج المدينة يخطفون ما ياتي به الفلاحون من السمن والجبن والتبن والبيض وغير ذلك ومن دونهم العرب ومثل ذلك في البحر والمراكب حتى امتنع وجود المجلوبات برا وبحرا وطلبوا المراكب لسفر العساكر بالتجاريد فتسامع القادمون فوقفوا عن القدوم خوفا من النهب والتسخير ولم يبق بسواحل البحر مركب ولا قارب وبطل ديوان العشور ووصل سعر العشرة ارطال السمن ستمائة نصف فضه ان وجد والعشرة من البيض بخمسة عشر فضة أن وجد والدجاجة بأربعين نصفا والرطل الصابون بستين نصفا ولم يزل يتزايد حتى وصل الرطل الى مائة وعشرين والراوية الماء باربعين نصفا والرطل القشطة بستين نصفا والرطل من السمك الطري بستة عشر نصفا والقديد المملوح بعشرة انصاف وقد كان يباع بنصفين وبالعدد من غير وزن والحوت الفسيخ باربعين نصفا وقس على ذلك
وفي عشرينه رجع خازندار طاهر باشا الى جهة العادلية ثانيا ومعه جملة من العسكر وصاروا يضربون في كل ليلة مدفعين واستمر طاهر باشا بالجيزة
وفيه كتب محمد علي باشا مكاتبة الى الامراء القبالي وارسل بها مصطفى أغا الوكيل وعلي كاشف الصابونجي ليصطلحوا على امر
وفيه وصل أيضا جماعة من الألفية الى جهة سقارة وبلاد الجيزة وطلبوا منها كلفة ودراهم فامر محمد علي بخروج العساكر فتلكؤا واحتجوا بطلب العلوفة فعزم على الخروج بنفسه فلما كان ليلة الاربعاء سادس عشرينه
(3/95)

طلب كبار العساكر وركب معهم الى مصر القديمة وشرعوا في التعدية بطول الليل وهم محمد علي وعسكره وخواصه وعابدي بك وعمر بك وصالح قوش والدلاة وكبيرهم وعلي كاشف الذي تزوج بنت شنن واتباعه في تجمل وكبير الدلاة وطائفته وركب الجميع وقت الشروق وبرزوا الى الفضاء وانفرد كل كبير بعسكره خمسة طوابير وستة ونظروا على البعد منهم فرأوا خيالة من العربان وغيرهم متفرقين كل جماعة في ناحية فحمل كل طابور على جماعة منهم فانهزموا امامهم فساقوا خلفهم فخرج عليهم كمائن من خلفهم ووقع بينهم الضراب وحمل علي كاشف وآخر يقال له اوزى في جماعتهم فراوه مجملا فظنوه محمد علي فاحتاطوا به وتكاثروا عليه واخذوه اسيرا هو ومن ومعه وفر من نجا منهم ووقعت فيهم الهزيمة ورجع الجميع القهقري وعدوا الى بر مصر من غير تأخير وذهب من الارنؤد طائفة الى الاخصام وانضموا اليهم
وفي هذه الايام وقع بين اهل الازهر منافسات بسبب امور واغراض نفسانية يطول شرحها وتحزبوا حزبين حزب مع الشيخ عبدالله الشرقاوي وحزب مع الشيخ محمد الامير وهم الاكثر وجعلوا الامير ناظرا على الجامع وكتبوا له تقريرا بذلك من القاضي وختم عليه المشايخ والشيخ السادات والسيد عمر افندي النقيب وكانت النظارة شاغرة من ايام الفرنسيس وكان يتقلدها احد الامراء فلما خرج الامراء من مصر صارت تابعة للمشيخة لوقت تاريخه فانفعل لذلك الشيخ الشرقاوي ولما فعلوا ذلك اجتهد الشيخ الامير في النظر لخدمة الجامع بنفسه وبابنه واحضر الخدمة وكنسوا الجامع وغسلوا صحنه ومسحوه وفرشوا المقصورة بالحصر الجدد وعلقوا قناديل البوائك وصار كل يوم يقف على الخدمة ويأمرهم بالتنظيف وغسل الميضاة والمراحيض وامر بغلق الابواب من بعد صلاة العشاء ما عدا الباب الكبير ورتبوا له بوابا وطردوا من يبيت به من الاغراب الذين يتلفون بالحصر ويلوثونها ببولهم وغائطهم ونحو ذلك
(3/96)

وفي غايتة ليلة الاحد التي هي ليلة العيد عدى طائفة من العسكر الى بر الجيزة وانضموا الى الاخصام وحصل في العسكر ارتجاج واختلافات وعملوا شنكا في تلك الليلة في الازبكية بعدما اثبتوا هلال شوال بعد العشاء الاخيرة وقد كانوا اسرجوا المساجد وصلوا التراويح ثم اطفؤا المنارات في ثالث ساعة من الليل
شهر شوال سنة
استهل بيوم الاحد المذكور وجميع الامور مرتبكة والحال على ما هو عليه من الاضطراب ولم يحصل في شهر رمضان للناس جمع حواس ولا حظوظ ولا امن وانكف الناس عن المرور في الشوارع ليلا خوفا من اذية العسكر وفي كل وقت يسمع الانسان اخبار ونكات وقبائح من افاعيلهم من الخطف والقتل وأذية الناس
وفي رابعه قلدوا مناصب كشوفات الاقاليم وتهيؤا للذهاب وعملوا قوائم فرد ومظالم على البلاد خلاف ما تقدم وخلاف ما ياخذه الكشاف لانفسهم وما يأخذونه قبل نزولهم وذلك انه عندما يترشح الشخص منهم لتقليد المنصب يرسل من طرفه معينين الى الاقليم الذي سيتولي عليه باوراق البشارات وحق طرق باسم المعينين اما عشرين الفا او اكثر او اقل فاذا قبضوا ذلك اتبعوها باوراق اخرى ويسمونها اوراق تقبيل اليد وفيها مثل ذلك واكثر او اقل ثم كذلك اوراق لبس القفطان ونحو ذلك وقد يتفق بعد ذلك جميعه انه يتولى خلافه ويستأنف العمل الى غير ذلك هذا وكتخذا بك مستمر في سرحاته بالاقاليم وجمع الاموال والعسف والجور مرة بالمنوفية ومرة بالغربية ومرة بالشرقية ولا يقرر الا الاكياس من الشهريات والمغارم وحق الطرق والاستعجالات المترادفة مما لا يحيط به دفتر ولا كتاب
وفي ثامنه توفي ابراهيم افندي كاتب البهار وترك ولدا صغيرا فقلدوا مملوكه حسنا في منصبه وكيلا عن ولده
وفي هذه الايام كثر تحرك العسكر والمناداة عليهم بالخروج الى نواحي
(3/97)

طرا والجيزة وذلك بسبب أن بعض الالفية عدى الى ناحية الشرق واخذوا كلفا من البلاد وبعضهم وصل الى وردان بالبر الغربي
وفي عاشره حضر جملة من الدالاتية وغيرهم من ناحية الشام فمنهم من حضر في البحر على دمياط ومنهم من حضر في البر وعدى طاهر باشا الذي كان مسافرا على جدة
وفيه أيضا سافرت القافلة المتوجهة الى السويس وصحبتها نحو المائتين من العسكر وعليهم كبير من طرف طاهر باشا بدلا عنه وسافر صحبتهم حسن افندي القاضى المنفصل ليكون قاضيا بمكة حسب القانون
وفي خامس عشره وصلت قوافل التجار من السويس فأرسل محمد علي وفتح الحواصل واراد اخذ بضائع التجار وفروق البن فانزعج التجار بوكائل الجمالية وغيرها وذلك بعد أن دفعوا عشورها ونو لونها واجرها وما جعلوه عليها من المغرم السابقة وانحط الامر على المصالحة عن كل فرق خمسون ريالا ولم ينتطح في ذلك شاتان
وفي حادي وعشرينه حضر كتخدا بك الى مصر بعدما جمع الاموال من الاقاليم وفعل ما فعله من الفرد والمظالم الخارجة عن الحد
وفي يوم الاربعاء خامس وعشرينه توفي عثمان افندي العباسي
شهر ذي القعدة سنة
واستهل بيوم الثلاثاء والاجتهاد حاصل بخروج العسكر للتجريد في كل يوم ونصبوا عرضيهم ببر الجيزة وناحية طرا من ابتداء شعبان كما تقدم وفي كل يوم يخرجون طوائف ويعودون كذلك
وفي يوم الأربعاء تاسعه حضر مصطفى أغا الوكيل وعلي كاشف الصابونجي وعلي جاويش الفلاح الذين كانوا تواجهوا الى قبلي لاجل الصلح وحضر صحبتهم نيف وثلاثون مركبا من السفار والمتسببين فيها غلال وادهان وجلود وتمر وغير ذلك ولم يعلم حقيقة ما حصل
وفي يوم الجمعة حادي عشره نودى على العسكر بالخروج من الغد
(3/98)

بالتركي والعربي والتحذير من التأخير
وفي يوم الاحد رجع مصطفى أغا بجواب ثانيا هجانا من طريق البر
وفي يوم الاثنين رابع عشرة اخرجوا المحمل والكسوة وعين للسفر بهما من القلزم مصطفى جاويش العنتبلي ومعه صراف الصرة دفعوا له ربعها وثمنها وهذا لم يتفق نظيره
وفي يوم الثلاثاء خامس عشره ورد نحو السبعين ططريا ومعهم البشارة لمحمد علي باشا بوصول الاطواخ الى رودس ووصل معهم أيضا مراسيم بمنصب الدفتردارية الى سكندرية في ايام احمد باشا خورشيد وجانم افندى الدفتردار ومنعوه عنها وكتبوا في شأنه عرضا للدولة بعدم قبوله وان اهل البلد راضون على جانم افندي فلما حصل ما حصل لخورشيد باشا وعزل عن مصر وعزل أيضا جانم افندي حضر أيضا احمد افندي المذكور بمراسيم اخر وفيها الوكالة لسعيد أغا مجددة له ونظر الخاصكية لحافظ سليمان واستمر من ذلك الوقت بمصر فوصل اليه الامر بتقليد الدفتردارية وكان حسن افندي الروزنامجي هو المتقلد لذلك فلما كان يوم الخميس سابع عشره اجتمع بديوان محمد علي صالح أغا قابجي باشا وسعيد أغا ونقيب الاشراف وبعض المشايخ ولبس احمد افندي خلعة الدفتردارية وشرطوا عليه انه لا يحدث حوادث كغيره فان حصل منه شىء عزلوه وعرضوا في شأنه وقبل ذلك على نفسه
وفي يوم الجمعة ثامن عشره ارتحلت القافلة وصحبتها الكسوة والمحمل اواخر النهار من ناحية قايت باي بالصحراء وذهبوا الى جهة السويس ليسافروا من القلزم
وفيه وصلت الاخبار بان بونابارته كبير الفرنسيس ركب في جمع كبير واغار على بلاد النمساوية وحاربهم حربا عظيما وظهر عليهم وملك تختهم وقلاعهم وطلب ملكهم بعد خروجه من حصونه فأعاده لمملكته بعد
(3/99)

ما شرط عليه شروطه وملك غير ذلك من القرانات والحصون ثم سار الى بلاد الموسقو ووقع بينه وبينهم هدنة على ثلاثة اشهر
وفي اليوم الاربعاء ثالث عشرينه خرج حسن باشا طاهر الى ناحية مصر القديمة
وفي يوم السبت سادس عشرينه حضر مبشرون بحصول مقتلة عظيمة وانهم اخدوا من الاخصام جملة عسكر اسرى ورؤوس فضربوا مدافع لذلك واظهروا السرور
وفي يوم الاحد وصلت الرؤوس والاسرى وهى احدى وعشرون رأسا وذراع مقطع وسبعة عشر اسيرا ليس فيهم من يعرف ولا من جنس الاجناد وغالبهم فلاحون فاعطى محمد علي لكل اسير نصف دينار واطلقهم ووضعوا الرؤوس والذراع عند باب زويلة
وفيه وصلت القافلة من السويس ووصل أيضا صحبتهم جنرال من الانكليز راكب في تخت وحملته ومتاعه على نحو سبعين جملا فذهب عند قنصلهم فلما كان يوم الاربعاء غايته ركب في التخت وذهب عند محمد علي بالازبكية فتلقاه وعمل له شنكا ومدافع وقدم له هدية وتقادم ثم رجع الى مكانه
شهر ذى الحجة الحرام سنة
استهل بيوم الخميس فيه حضر مصطفى أعا الوكيل وعلي كاشف الصابونجي من الجهة القبلية وقد تقدم انهما ذهبا وعادا ثم رجعا ثانيا على الهجن لتقرير الصلح ثم رجعا ولم يظهر اثر لذلك الصلح وحكى الناس عنهما أن المذكورين لما ذهبا الى اسيوط وجدا ابراهيم بك قد انتقل الى ناحية طحطا واجتمعا بعثمان بك حسن البرديسي فلم يرضيا بالتوجيه الذي وجه به اليهم وهو من حدود جرجا وقالا لا يكفينا الامن حدود المنية فان الفرنساوية كانوا اعطوا حكم البلاد القبلية من حدود المنية لمراد بك بمفرده فكيف انه يكفينا نحن الجميع من جرجا وشرطوا
(3/100)

أيضا انه استقر الصلح على مطلوبهم لابد من اخلاء الاقليم من هذه العساكر الذين لايتحصل منهم الا الضرر والخراب والدمار والفساد ولايبقى الباشا منهم الا مقدار الفي عسكري وقالوا انه أيضا اذا لم يعطنا مطلوبنا فهو لايستغني عن اناس من العسكر يقيمون بالبلاد التي يبخل علينا بها فنحن اولى له واحسن منهم ونقوم بما على البلاد من المال والغلال وعند ذلك يحصل الامن وتسير المسافرون في المراكب وترد المتاجر والغلال ويحصل لنا وله الراحة واما اذا استمر الحال على هذا المنوال فانه لم يزل متعبا من كثرة العسكر ونفقاتهم وكذلك سائر البلاد على انه أن لم يرض بذلك فهاهي البلاد بايدينا والامر مستمر معنا ومعهم على التعب والنصب
وفي رابعه ورد الخبر بأن جماعة من كبار العسكر وفيهم سليمان أغا الارنؤدي الذي تولى كسوفية منفلوط ومعهم عدة وافرة من العسكر عدوا من المنية الى البر الشرقي بالمطاهرة بسبب ما عندهم من القحط وعدم الاقوات لاحاطة المصريين بهم فلما دخلوا الى بلدة المطاهرة وملكوها وصل اليهم بعض الامراء والاجناد المصرية واحاطوا بهم وحاربوهم ايام حتى ظهروا عليهم وقتلوا منهم وهرب من هرب وهو القليل واسروا الباقي وفيهم سليمان أغا المذكور فالتجاء الى بعض الاجناد فحماه من القتل وقابل به كبار الامراء فانعموا عليه بكسوة ودراهم وسلاح واقام معهم اياما ثم استأذنهم للعود وحضر الى مصر وجلس بداره
وفيه ورد الخبر أيضا بموت الامير بشتك بك المعروف بالالفي الصغير مبطونا
وفيه أيضا حضر حجاج الخضري الرميلاتي الى مصر وقد كان خرج من مصر بعد حادثة خورشيد باشا خوفا من العسكر وذهب الى بلدة بالمنوات ثم ذهب عند الألفي واقام في معسكره الى هذا الوقت ثم أن الألفي طرده لنكتة حصلت منه فرجع الى بلده وارسل الى السيد عمر فكتب له
(3/101)

امانا من الباشا فحضر بذلك الامان وقابل الباشا وخلع عليه ونادوا له في خطته بانه على ما هو عليه في حرفته وصناعته ووجاهته بين اقرانه فصار يمشي في المدينة وبصحبته عسكري ملازم له
وفي يوم الجمعة تاسعه كان يوم الوقوف بعرفة وفي ذلك اليوم ركب محمد علي بالابهة الكاملة وصلى الجمعة بالمشهد الحسيني ولم يركب من وقت ولايته بالهيئة الا في هذا اليوم وفي عصر تلك الليلة ضربوا عدة مدافع من القلعة اعلاما بالعيد وكذلك في صبحها وفي كل وقت من لاوقت الخمسة مدة ايام التشريق
وفي رابع عشره حضر جاههين بك الألفي ومعه طوائف من العربان الى اقليم الجيزة واخذوا الكلف واغناما من البلاد ودراهم واشيع بذلك وامروا بخروج العساكر اليهم وركب محمد علي باشا في يوم الخميس وخرج الى ناحية بولاق وانزلوا من القلعة جبخانة ومدافع وطفقوا يخطفون الحمير من الاسواق أن وجدوها وعدى طائفة من العساكر الخيالة الى بر الجيزة وعدى طاهر باشا الى بر انبابة وصحبته عساكر كثيرة وازعجوا أهل القرية وخرجوهم من دورهم وسكنوا بها واطلقوا دوابهم وخيولهم على المزارع فأكلوها بأجمعها ولم يبقوا منها ولا عودا اخضر في ايام قليلة
وفيه اختفى حجاج الخضري أيضا بسبب ما داخله من الوهم والخوف من العسكر
وفي عشرينه شرع عساكر حسن باشا في التعدية من ناحية معادي الخبيري الى البر الاخر
وفي يوم الاحد خامس عشرينه عدى حسن باشا أيضا
وفي يوم الاثنين نودي في الاسواق على العساكر الذين لم يكونوا في قوائم العسكر الذين يقال لهم السير بالسفر والخروج الى بلادهم ومن وجد منهم بعد ثلاثة ايام قتل وكذلك كتبوا فرمانات وارسولها الى
(3/102)

البلاد بمعنى ذلك ومن كان من اهل البلد او المغاربة او الاتراك بصورة العسكر ومتزييا بزيهم فلينزع ذلك وليرجع الى زيه الاول
وفيه أيضا نودي على المعاملة الناقصة لاتقبض الا بنقص ميزانها لان المعاملة فحش نقصها جدا وخصوصا الذهب البندقي الذي كان احسن اصناف العملة في الوزن والعيار والجودة فان العسكر تسلطوا عليه بالقص فيقصون من المشخص الواحد مقدار الربع او اكثر او اقل ويدفعونه في المشتروات ولايقدر المتسبب على رده او طلب ارش نقصه وكذلك الصيرفي لايقدر على رده او وزنه وقتل بذلك قتلى كثيرة واغلق الصيارف حوانيتهم وامتنعوا من الوزن خوفا من شرهم وكذلك نودي على التعامل في بيع البن بالريال المعاملة وهو تسعون نصفا وقد كان الاصطلاح في بيع البن بالفرانسة فقط وبلغ صرف الفرانسة مائة وثمانين نصفا ضعف الاول وعز وجوده لرغبة الناس فيه لسلامته من الغش والنقص لان جميع معاملة الكفار قولة السير هكذا في نسخ وفي بعض النسخ القبسير ولم نقف بعد المراجعة عليها كذ بهامش النسخة المطبوعة سالمة من الغش والنقص بخلاف معاملات المسلمين فإن الغالب على جميعها الزيف والخلط والغش والنقص فلما انطبعوا على ذلك ونظروا الى معاملات الكفار وسلامتها تسلطوا عليها بالقطع والتنقيص والتقصيص تتميما للغش والخسران والانحراف عن جميع الاديان وقال صلى الله عليه و سلم الدين المعاملة ومن غشنا فليس منا فيأخذون الريالات الفرانسة الى دار الضرب ويسبكونها ويزيدون عليها ثلاثة ارباعها تحاسا ! ويضربنونها قروشا يتعاملون بها ثم ينكشف حالها في مدة يسيرة وتصير نحاسا احمر من اقبح المعاملات شكلا ووضعا لافرق بينها وبين الفلوس النحاس التي كانت تصرف بالارطال في الدول المصرية السابقة في الكم والكيف بل تلك اجمل من هذه في الشكل وقد شاهدنا كثيرا منها وعليها اسماء الملوك المتقدمين ووزن الواحد منها نصف اوقية وكان الدرهم المتعامل به اذ ذاك من
(3/103)

الفضة الخالصة على وزن الدرهم الشرعي ستة عشر قيراطا ويصرف بثلاثة ارطال من الفلوس النحاس فيكون صرف الدرهم الواحد اثنين وسبعين فلسا تستعمل في جميع المشتروات والمرتبات والمعاليم واللوازم للبيوت والجزئيات والمحروقات فلما زالت الدولة القلوونية وظهرت دولة الحراكسة واستقر الملك المؤيد شيخ في سلطنة مصر وبدا الاختلال اختصر الدرهم المتعامل به وجعله نصف درهم وهو ثمانية قراريط وسمي نصف مؤيدي ولم تزل تتناقص حتى صارت في اخر الدولة الجركسية اقل من ربع الدرهم واختل امر الفلوس النحاس والمرتبات والوظائف بالاوقاف المشروط فيها صرف المعاليم بالفلوس ولم يزل الحال يختل ويضعف بسبب الجور والطمع والغش وغباوة اولي الامر وعمي بصائهم عن المصالح العامة التي بها قوام النظام حتى تلاشى امر الدراهم جدا في الوزن والعيار وصار الدرهم المعبر عنه بالنصف اقل من العشر للدرهم وفيه من الفضة الخالصة نحو الربع فيكون في النصف الذي هو الان بدل الدرهم الاصلي من الفضة الخالصة اقل من ربع العشر فيكون في النصف الواحد من معاملتنا الان الذي وزنه خمس قمحات قيراط وربع ثلث قيراط من الفضة وذلك بدل عن ستة عشر قيراطا وهو الدرهم الاصلي الخالص فانظروا الى هذا الخسران الخفي الذي انمحقت به البركة في كل شئ فان الدرهم الفضة الان صار بمنزلة الفلس النحاس القديم فتأمل واحسب تجد الامر كذلك فاذا فرضنا أن انسانا اكتسب ألف درهم من دراهمنا هذه فكأنه اكتبسب خمسة وعشرين لاغير وهو ربع عشرها على انه اذا حسبنا قيمة الخمسة وعشرين في وقتنا هذا عن كل درهم ثلاثون نصفا فانها تبلغ سبعمائة وخمسين ويذهب الباقي وهو مائتان وخمسون هدرا واما الذهب فإن الدينار كان وزنه في الزمن الاول مثقالا من الذهب الخالص ثم صار في الدولة الفاطمية وما بعدها عشرين قيراطا وكان يصرف بثلاثين درهما من الفضة فلما نقص الدرهم زاد صرف الدينار الى أن استقر وزن الدينار
(3/104)

في اوائل القرن الماضي ثلاثة عشر قيراطا ونصفا ويصرف بتسعين نصفا وهو المعبر عنه بالاشرفي والطرلي المعروف بالفندقلي يصرف بمائة وكانا جيدين في العيار وكذلك الانصاف العددية كانت اذذاك جيدة العيار والوزن وكان الريال يصرف بخمسين نصفا والريال الكلب باثنين واربعين نصفا ثم صار الدينار وهو المحبوب الجنزرلي بمائة وخمسين والفندقلي بمائة وعشرين والفرانسة بستين ثم حدث المحبوب الزر في ايام السلطان احمد بدلا عن الجنزرلي وغلا صرف الجنزرلي وكان في وزن المشخص وعياره ووزن الزر ثلاثة عشر قيراطا ونصف الى أن زاد الاختلال في ايام علي بك والمعلم رزق واستيلائه على دار الضرب والقروش واستعمل ضرب القروش واستكثر منها وزاد في غشها لكثرة المصاريف على العساكر والتجاريد والنفقات واستقر الاشرفي المعروف بالزر بمائة وعشرة والطرلي بمائة وستة واربعين والمشخص بمائتين والريال الفرانسة بخمسة وثمانين مدة من ايام علي بك وفحش وجود القروش المفردة وضعفها واجزاؤها حتى لم يبق بأيدي الناس من التعامل الا هي وعز باقي الاصناف المذكورة وطلبت للسبك والادخار صياغة الحلي فترقت في الصارفة والابدال فلما زالت دولة علي بيك وتملك محمد بك أبو الذهب نادى بابطال تلك القروش بأنواعها رأسا فخسر الناس خسارة عظيمة من اموالهم وباعوها بالارطال للسبك واقتصروا على ضرب الانصاف العددية والمحبوب الزر والنصفيات لاغير ونقصوا من وزنها وعيارها ونقصت فيمنها وغلت في المصارفة وزاد الحال بتوالي الحوادث والمحن والغلاء والغرامات وضيق المعاش وكساد البضائع وتساهلوا في زيادة المصارفة وخصوصا في ثمن السلع والمبايعات وخلاص الحقوق من المماطلين واقترن بذلك تغافل الحكام وجورهم وعدم التفاتهم لمصالح الرعية وطمعهم وتركهم النظر في العواقب الى أن تجاوزت في وقتنا هذا الحدود وبلغت في المصارفة اكثر من الضعف وصار صرف المحبوب مائتين وخمسة بل وعشرة والريال
(3/105)

الفرانسة بمائة وخمسة وسبعين بل وثمانين والمشخص البندقي بأربعمائة واكثر والمجر بثلثمائة وستين والفندقلي بثلثمائة وعشرين وهو الجديد ويزيد القديم لجودة عياره عن الجديد وتتفاوت المثلية في المحبوب بجودة العيار فاذا ابدل السلمي الموجود الان بالمحمودي زيد في مصارفته اربعون نصفا واكثر بحسب الرغبة والاحتياج ويتفاوت أيضا المحمودي بمثله فيزيد أبو وردة عن الراغب ويزيد الراغب عن الذي فيه حرف العين ويكون المحبوبان في تحويل المعاملة بدلا عن المشخص الواحد مع أن وزنهما سبعة وعشرون قيراطا ووزن المشخص ثمانية عشر قيراطا فالتفاوت بينهما تسعة قراريط وهي مافيه من الخلط وغير ذلك مما يطول شرحه ويعسر تحقيقه وضبطه ولم يزل امر المعاملة وزيادة صرفها واتلاف نقودها واضطرابها مستمر او كل قليل ينادون عليها مناداة بحسب اغراضهم لا نسمع ولا تقبل ولا يلتفت اليها لأن اصل الكدر منبعث عنهم ومنحدر عن مجراة خبائثم وفسادهم
وفي اخره اذن الباشا لولده الكبير بالذهاب لزيارة سيدي احمد البدوي رضي الله عنه بطندتا وعين صحبته اتباعا وعسكرا وهجنا وقرر دراهم على البلاد ألف ريال فما دونها خلاف الكلف وكذلك سافر حريمات ورئيسهن حريم مصطفى أغا الوكيل في هيئة لم يسبق مثلها في تختروانات وعربات ومواهي واحمال وجمال وعسكر وخدم وفراسين وفرضوا لهن أيضا مقررات على البلاد وكلفا ونحو ذلك واظن أن هذه المحدثات من اهوال القيامة
وانقضت السنة وما حصل فيها من الحوادث والانذارات
ومات فيها الامام العلامة والبحر الفهامة صدر المدرسين وعمدة المحققين مفتي الحنفية بالديار المصرية الشيخ محمد عبد المعطي ابن الشيخ احمد الحريري الحنفي ولد سنة ثلاث واربعين ومائة والف ونشا في عفة وصلاح وحفظ القرآن وجوده وحفظ المتون وحضر اشياخ العصر وجود الخط
(3/106)

وكان ينسخ بالأجرة وكتب كتبا كثيرة وخطه في غاية الصحة والجودة وغالبها في الادبيات كالريحانة وخبايا الزوايا وخزانة الادب والتي بخطة من ذلك في غاية الحسن والقبول وكان شافعي المذهب ثم تحنف وحضر على اشياخ المذهب مثل الشيخ محمد الدلجي والشيخ محمد العدوى ولازم الشيخ حسن المقدسي ملازمة كلية وانتسب اليه وعرف به وحضر عليه وتلقى عنه غالب الكتب المشهورة في المذهب وحضر باقي العلوم على الشيخ الملوى والحفني والشيخ علي العدوي وغيرهم وكان يكتب الاجوبة على الفتاوى عن لسانه ولما توفي شيخه المذكور تقرر مكانه في وظيفة الخطابة والامامة بجامع عثمان كتخدا بالازبكية وسكن بالدار المشروطة له بها السكنى برحاب الجامع المذكور وكانت خطبه في غاية الخفة والاختصار ولوعظه وقع في النفوس لخلوه عن التصنع ولما مات الشيخ احمد الدمنهوري في سنة اثنتين وتسعين ومائة والف وحصل ما حصل للشيخ عبدالرحمن العريشي كما تقدم تعين المترجم لمشيخة الحنفية والفتوى عوضا عن المذكور قبل وفاته بأيام قليلة وكان اهلا لذلك وكفالة وسار فيها سيرا حسنا بحشمة واشتهر ذكره وقصدته الناس للفتوى والافادة واقبلت عليه الدنيا وسكن دارا مشرفة على الازبكية جارية في وقف عثمان كتخدا واشترى أيضا دارا نفيسة بالجودرية واسكنها لغيره بالاجرة وانحصرت فيه وظائف مشيخة الحنفية كالتدريس في مدرسة المحمودية والصرغتمشية والمحمدية وغيرها فكان يباشر الاقراء بنفسه في بعضها والبعض ولده العلامة الشيخ إبراهيم ولم يزل يقرئي ويملي ويفيد حتى في حال انقطاعه وذلك انه لما مات احمد أغا غانم وحصل بين عتقائه منازعة ثم اتفقوا على تحكيم المترجم بينهم والتمسوا منه أن يذهب صحبتهم الى قوة ليصلح بينهم فلما ذهب الى بولاق واراد النزول في السفينة اعتمد على بعض الواقفين فعثرت رجله فقبض ذلك الرجل على معصمه فانكسر عظمه لنحافة جسمه فعادوا به الى
(3/107)

داره واحضروا له من عالجه حتى برىء بعد شهور وفرحوا بعافيته ودعاه بعض احبابه بناحية قناطر السباع فركب وذهب اليه وكانت اول ركباته بعد برئه فلما طلع الى المجلس واراد الصعود الى مرتبه الجلوس زلقت رجله فانكسر عظم ساقه وتكدر الحاضرون وحملوه وذهبوا به الى داره واحضروا له المعالج فلم يحسن المعالجة وتألم تألما كثيرا واستمر ملازما للفراش نحو سبع سنوات ثم توفي يوم الاربعاء سابع عشر رجب من السنة عن سبع وسبعين سنة ودفن بتربة الأزبكية وتعين بعده في المشيخة والافتاء ولده المحقق العلامة المستعد الشيخ ابراهيم ادام الله النفع بحياته وحفظ عليه اولاده
ومات الاجل الامثل المفوه المنشىء النبيه الفصيح المتكلم عثمان افندي ابن سعد العباسي الانصاري من ولد آخر الخلفاء العباسية بمصر المتوكل على الله ووالده يعرف بالانصاري من جهة النساء من بيت السيادة والخلافة ولد بمصر وبها نشأ واشتغل بالعلم على فضلاء الوقت ومهر في الفنون بذكائه وعانى الحساب والنجوم فأخذ منها حظا ونزل كاتب سر في ديوان بعض الامراء ولامه بعض محبيه في ذلك فاعتذر انه انما قدم عليه صيانة لبعض بلاده وضياعه التى استولت عليها ايدي الظلمة فلا محيد له عن عشرتهم واجتمع بشيخنا الشيخ محمود الكردي واراد السلوك في طريق الخلوتية وترك شرب الدخان ولازمه كثيرا وتلقن الاسم الاول والاوراد واقلع عما كان عليه حتى لاحت عليه انوار ملازمته واعتقده جدا وبعد وفاة الاستاذ رجع الى حالته وشرب الدخان ثم ولى خليفة على غلال الحرمين فباشرها بشهامة ثم ولي روزنامة مصر بصرامة وقوة مراس وشدة ومخادعة وراج امره واتسع حاله وزادت حشمته وذلك بعد عزل احمد افندي أبي كلبة وقبل وفاة السيد محمد افندي الكماخي الروزنامجي وثقل امره على باقي الكتبة والناس فاوغروا عليه وعزلوه فضاق صدره وزاد قلقه وحدث فيه بعض رعونة وتردد لمشاهد الاولياء في الليل والنهار
(3/108)

يبتهل ويدعو ويفرق خبزا ودراهم وياوى اليه المجاذيب والذين يدعون الصلاح والولاية فيكرمهم برهة ويرون له مرائي ومنامات واخباريات فيزداد هوسه ثم لما يطول الحال ينقطع عنهم ويبدلهم بآخرين وهكذا كان ينام مع بعضهم في الحريم ويترجم بعضهم بمكاشفات وشطحيات ويقول فلان يطلع على خطرات القلوب وفلان يصعد الى السماء ومن كرامات فلان كذا ثم يرجع عن ذلك ولما مات السيد محمد عيد في كتابة الروزنامة أيضا استمر بها ثمانية عشر شهر وكانت اعادته في سنة ثمان بعد المائتين ثم انحرف عليه ابراهيم بك الكبير وعزله وكان يظن أن الامر يؤل اليه فلم يتم له ذلك واحضر ابراهيم بك السيد ابراهيم ابن اخي المتوفي وقلده ذلك فعندها ايس المترجم منها واختلفت الامور بحدوث الفتن وتقلب الدول والاحوال ولازم شأنه وبيته بعد رجوعه من هجرته الى الشام في حادثة الفرنسيس واعترته الامراض واجتمعت لديه كتب كثيرة في سائر العلوم وبيعت بأسرها في تركته توفي يوم الاربعاء خامس عشرين شوال من السنة
ومات العمدة الامام الصالح الناسك العلامة والبحر الفهامة الشيخ محمد ابن سيرين بن محمد بن محمود ابن جيش الشافعي المقدسي ولد في حدود الستين وقدم به والده الى مصر فقرأ القرآن واشتغل بالعلم وحضر دروس الشيخ عيسى البراوي فتفقه عليه وحلت عليه انظاره وحصل طرفا جيدا من العلوم على الشيخ عطية الاجهورى ولازمه ملازمة كلية وبعد وفاة شيخه اشتغل بالحديث فسمع صحيح مسلم علي الشيخ احمد الراشدي واتصل بشيخنا محمود الكردي فلقنه الذكر ولازمه وحصلت له منه الانوار وانجمع عن الناس ولاحت عليه لوائح النجابة والبسه التاج وجعله من جملة خلفاء الخلوتية وامره بالتوجه الى بيت المقدس فقدمه وسكن بالحرم وصار يذاكر الطلبة بالعلوم ويعقد حلقة الذكر وله فهم جيد مع حدة الذهن واقبلت عليه الناس بالمحبة ونشر له القبول عند الامراء والوزراء
(3/109)

وقبلت شفاعته مع الانجماع عنهم وعدم قبول هداياهم واخبرني بعض من صحبه انه يفهم من كلام الشيخ ابن العربي ويقرره تقريرا جيدا ويميل الى سماعه وحج من بيت المقدس واصيب في العقبة بجراحة في عضده وسلب ما عليه وتحمل تلك المشقات ورجع الى مصر فزار شيخه الشيخ محمود وجلس مدة ثم اذن له بالرجوع الى بلده وسمع اشياء كثيرة في مبادي عمره واقتبس من الاشياخ فوائد جمة حتى قبل اشتغاله بالعلم وفي سنة ( 1182 ) كتب الى شيخنا السيد مرتضى يستجيزه فكتب له اسانيده العالية في كراسة وسماها قلنسوة التاج وقد تقدم ذكرها في ترجمة السيد مرتضى ولم يزل يملي ويفيد ويدرس ويعيد واشتهر ذكره في الآفاق وانعقد على اعتقاده وانفراده الاتفاق وسطعت انواره وعمت اسراره وانتشرت في الكون اخباره وازدحمت على سدته زواره الى أن جاب الداعي ونعته النواعي وذلك سابع عشرين شهر شعبان من السنة ولم يخلف بعده مثله وبه ختمت دائرة المسلكين من الخلوتية ورجال السادة الصوفية وحسن به ختم هذا الجزء الثالث من كتاب عجائب الآثار في التراجم والاخبار لغاية سنة عشرين ومائتين والف من الهجرة النبوية على صاحبها افضل الصلاة والسلام وسنقيد ان شاء الله تعالى ما يتجدد بعدها من الحوادث من ابتداء سنة احدى وعشرين التي نحن بها الان أن امتد الاجل واسعف الامل ونرجو من الكريم المتعال صلاح الاحوال وانقشاع الهموم وصلاح العموم انه على كل شىء قدير وبالاجابة جدير والله اعلم
سنة احدى وعشرين ومائتين والف
استهل شهر المحرم بيوم الخميس حسابا ويوم السبت هلال ووافق ذلك انتقال الشمس لبرج الحمل فاتحدت السنة القمرية والشمسية وهو يوم النوروز السلطاني واول سنة الفرس وهو التاريخ الجلالي اليزدجردي وتاريخهم في هذه السنة ألف ومائة وستة وسبعون وكان طالع التحويل الواقع في يوم الجمعة في خامس ساعة ونصف من النهار سبع درجات
(3/110)

ونصفا من برج السرطان وصاحبه في حين العاشر منصرف عن تربيع المشتري ومقارنة عطارد والمشتري في السابع والمريخ مع الزهرة في العاشر وهي رجعة كيوان في الرابع وهو دليل على ثبات دولة القائم وتعب الرعية والحكم لله العلي الكبير
وفي ثالثه في ليلة الثلاثاء وصل الى بولاق قابجي وعلى يده تقرير لمحمد علي باشا بولايته بمصر وصحبة التقرير خلعة وهي فروة سمور فلما اصبح النهار عمل محمد علي باشا ديوانا بمنزله بالازبكية وحضر السيد عمر النقيب والمشايخ والاعيان وحضر ذلك الاغا من بولاق في موكب ودخل من باب النصر وشق من وسط المدينة وامامه الاغا والوالي والمحتسب والاغوات والجاويشية وخلفه النوبة التركية فلما وصلوا الى بات الخرق عطفوا على جهة الازبكية فلما قرىء التقليد ضربوا مدافع كثيرة من الازبكية والقلعة وعملوا تلك الليلة شنكا وحراقات ونفوطا وسواريخ كثيرة وطبولا وزمورا بالازبكية
وفي سابعه وصلت الاخبار بوقوع حروب بين العساكر والعربان والامراء المصرية بناحية جزيرة الهواء وقتل شخص من كبار العسكر يسمى كور يوسف وغيره ووصل الى مصر عدة جرحى وهرب من العسكر طائفة وانضموا الى الامراء المصريين وارسل حسن باشا يستنجد الباشا بارسال عساكر اليه وفي ذلك اليوم نادوا في الاسواق بعدم المشي في الاسواق من اذان العشاء وخرج كتخدا بك الى بولاق في آخر النهار ونصب وطاقه ببرانبابة وخرج سليمان أغا بجملة من العسكر وذهب الى ناحية طرا
وفي ثامنه عدى كتخدا بك الى البر الغربي وانتقل طاهر باشا الى الجيزة واقام بها محافظا
وفيه امر الباشا بجمع الاجناد المصرية والجاقلية وامرهم بالتعدية الى البر الغربي وكان تخوف من اقامتهم بالمدينة وقال لهم من اراد منكم
(3/111)

الذهاب الى الاخصام فليذهب والا يستمر معنا
وفي هذه الايام كان مولد سيدي احمد البدوي والجمع بطندتا المعروف بمولد الشرنبابابة وهرع غالب اهل البلد بالذهاب اليه واكثروا الجمال والحمير بأغلى الأجرة لان ذلك صار عند اهل الاقليم موسما وعيدا لا يتخلفون عنه اما للزيارة او للتجارة او للنزاهة او للفسوق ويجتمع به العالم الاكبر واهالي الاقليم البحري والقبلي وخرج اكثر اهالي البلد بحمولهم فكان الواقفون على الابواب يفتشون الاحمال فوجدوا مع بعضهم اشياء من اسباب الاجناد المصرية وملابسهم ونحو ذلك فوقع بسبب ذلك ايذاء لمن وجدوا معه شيئا من ذلك لباقي الناس ضرر بنبش متاعهم فكان من الناس من ياخذ معه اشخاصا من العسكر من طرف الاغا يسلكونهم للخروج من غير تفتيش ويمنعون المتقيدين بالابواب عن التعرض لهم ونبش متاعهم واحمالهم
وفي تاسعه وصل الخبر بان عابدين بك لما بلغه خروج الألفي من الفيوم ذهب اليها صحبة الدلاة فلم يجد بها احدا فدخلها وارسل المبشرين الى مصر بإنه ملك الفيوم فضربوا مدافع لذلك وانبث المبشرون يطوفون على بيوت الاعيان يبشرونهم بذلك ويأخذون على ذلك الدراهم والبقاشيش ثم لما بلغ عابدين بك ما حصل لاخيه حسن باشا من الهزيمة رجع اليه واقام معه ناحية الرقق
وفي عاشره وصل الألفي الى ناحية كرداسة وانتشرت عساكره وعربانه باقليم الجيزة فلم يخرج لهم احد من الجيزة مع كونهم بمراى منهم ويسمعون نقاقيرهم وطبولهم ووطء حوافر خيولهم
وفيه ارسل الألفي مكتوبا خطابا الى السيد عمر افندي مكرم النقيب والمشايخ مضمونة نخبركم أن سبب حضورنا الى هذه الجهة انما هو لطلب القوت والمعاش فان الجهة التى كنا بها لم يبق فيها شىء يكفينا ويكفي من معنا من الجيش والاجناد ونرجو من مراحم افندينا بشفاعتكم أن ينعم
(3/112)

علينا بما نتعيش به كما رجونا منه في السابق فلما كان في صبحها يوم الاثنين حادي عشرة ركب السيد عمر الى الباشا واخبره بذلك واطلعه على المراسلة فقال ومن اتى به قال له تابع مصطفى كاشف المورلي وقد ترك متبوعه بالبر الآخر فقال له اكتب له بالحضور حتى نتروى معه مشافهة وفي ذلك الوقت حضر الى الباشا من اخبره بان طائفة من المصريين وجيوشهم وصلوا الى برانبابة فخرج اليهم طائفة من العسكر الرابطين هناك وتحاربوا معهم بسوق الغنم ووقع بينهم بعض قتلى وجرحى فركب من فوره وذهب الى بولاق فنزل بالساحل وجلس هناك ساعة ثم ركب عائدا الى داره بعد أن منع من تعدية المراكب الى برانبابة ثم امرهم بالتعدية لربما احتاجوها وكان كذلك فإنهم رجعوا مهزومين فلو لم يجدوا المعادي لحصل لهم هول كبير
وفي يوم الثلاثاء حضر مصطفى كاشف المورلي المرسل من طرف الألفي وصحبته علي جربجي بن موسى الجيزاوي الى بيت السيد عمر فركب صحبته الى الباشا وكتبوا له جوابا ورجع من ليلته ثم حضر في يوم الخميس رابع عشره بجواب آخر ومضمونه اننا ارسلنا لكم نرجو منكم أن تسعوا بيننا بما فيه الراحة لنا ولكم وللفقراء والمساكين واهالي القرى فاجبتمونا بأننا نتعدى على القرى ونطلب منهم المغارم ونرعى زرعهم وننهب مواشيهم والحال انه والله العظيم ونبيه الكريم ان هذا الامر لم يكن على قصدنا ومرادنا مطلقا وانما الموجب لحضورنا الى هذا الطرف ضيق الحال والمقتضى للجمعية التى نصحبها من العربان وغيرهم ارسال التجاريد والعساكر علينا فلازم لنا أن نجمع الينا من يساعدنا في المدافعة عن انفسنا فهم يجمعون اصناف العساكر من الاقطار الرومية والمصرية لمحاربتنا وقتالنا وهم كذلك ينهبون البلاد والعباد للانفاق عليهم ونحن كذلك نجمع الينا من يساعدنا في المنع ونفعل كفعلهم لننفق على من حولنا من المساعدين لنا وكل ذلك يؤدى الى الخراب والدمار وظلم الفقراء والقصد
(3/113)

منكم بل الواجب عليكم السعي في راحة الفريقين وهو أن يكفوا الحرب ويفرزوا لنا جهة نرتاح فيها فان ارض الله واسعة تسعنا وتسعهم ويعطونا عهدا بكفالة بعض من نعتمد عليه من عندنا وعندهم ويكتب بذلك محضر لصاحب الدولة وننتظر رجوع الجواب وعند وصوله يكون العمل بمقتضاه فعند ذلك اقتضى الرأي أن يقطعوه اقليم الجيزة وكتبوا له جوابا بذلك من غير عقد ولا عهد ولا كفالة كما اشار وسلموا الجواب لمصطفى كاشف ورجع به وفي اثناء ذلك طلب اجناد الألفي كلفا من بلد برطيس وام دينار ومنية عقبة فامتنعوا عليهم فضربوهم وحاربوهم ونهبوهم وسبب ذلك أن العساكر الاتراك اغروهم وارسلوا يقولون لهم اذا طلبوا منكم كلفة او دراهم لا تدفعوا لهم واطردوهم وحاربوهم ونهبوهم واذا سمعنا حربكم معهم اتيناكم وساعدناكم فاغتروا بذلك وصدقوهم فلما حصل لهم ما حصل لم يسعفوهم ولم يخرجوا من اوكارهم حتى جرى عليهم المقدور
وفي يوم السبت ثالث عشرينة كتب الباشا مراسيم وارسلها الى كشاف الاقاليم والكائنين بالبلاد من الاجناد المصرية بان يجتمعوا باسرهم ويذهبوا الى ساحل السبكية للمحافظة عليها من وصول الأخصام اليها ولمنعهم من تعدية البحر اليها لانهم اذا حصلوا بها تعدى شرهم الى بلاد المنوفية بأسرها واشيع عزم الباشا على الركوب بنفسه وذهابه الى تلك الجهة ويكون سيره على طريق القليوبية ويلحق بهم وكتخدا بك وطاهر باشا يسيران على الساحل الغربي تجاههم ثم بطل ذلك وارسل الى حسن باشا سرششمة بان يحضر بمن معه من العسكر من عند حسن باشا طاهر من ناحية بني سويف وكذلك عساكر كور يوسف الذي قتل في المعركة كما ذكر
وفي ذلك اليوم وصل رسول أيضا من عند الالفي بكاتبات واجتمع بالسيد عمر النقيب والمكاتبات خطاب له ولبقية المشايخ وللباشا ولسعيد أغا دار السعادة وصالح بك القابجي بمعنى ما تقدم صحبة احمد أبي ذهب
(3/114)

العطار فكتبوا له جوابا بالمعنى الاول واعادوا الرسول واصحبوه ببعض المتعممين وهو السيد احمد الشتيوي ناظر جامع الباسطية وكل ذلك امور صورية وملاعبات من الطرفين لاحقيقة لها
وفي يوم الثلاثاء وصل الجماعة المذكورون الذين استدعاهم الباشا بعساكرهم وخلع الباشا على احد كبارهم عوضا عن كور يوسف المقتول
وفيه وصل الخبر بان طائفة من الاجناد المصرية ومن يصحبهم من العربان عدوا الى بر السبكية ولم يمنعهم المحافظون بل هربوا من وجوههم فامر الباشا بسفر العساكر وطلب دراهم سلفة من الاعيان لاجل نفقة العساكر وفرضوا على البلاد ثلاث ألاف كيس ويكون على العال منها مائة ألف فضة وفيها الاوسط والدون
وفي يوم الخميس نودي في الاسواق بخروج العساكر
وفي يوم السبت سافر طاهر باشا الى منوف على جرائد الخيل وسافر بعده كتخدا بالحملة واحتاجوا الى جمال فاخذوا جمال السقائين والشواغرية
وفيه حضر عمر بك الارنؤدي من ناحية بني سويف واخبر الواردون من الناحية أن رجب أغا وطائفة من العسكر خامروا عليه وانضموا الى الامراء القبليين وهم نحو الستمائة فعند ذلك حضر عمر بك المذكور في تطريده ليبرئ نفسه من ذلك وحضر أيضا محو كبير العسكر المحاصرين بالمنية يطلب علوفة للعسكر
وفيه اراد كتخدا بك وهو المعروف بدبوس اوغلي أن يركب من انبابة وحمل احماله ليسير الى جهة بحرى فثارت عليه العسكر وطالبوه بعلائفهم وسفهوا عليه ومنعوه من الركوب فأراد التعدية الى بر بولاق فمنعوه أيضا وجذبوا لحيته فأقام يومه وليلته ثم قال لهم وما الفائدة في مكثي معكم دعوني اذهب الى الباشا واسعى في مطلوبكم ولم يزل حتى تخلص منهم وعدى الى مصر ولم يرجع اليهم
(3/115)

وفي يوم السبت الذي هو غايته وصلت عساكر الدلاة الذين كانوا بناحية بني سويف والفيوم الى برانبابة وضربوا لهم مدافع لوصولهم
وفيه ارسل كبار العسكر الذين بناحية منوف مكاتبة الى الباشا يذكرون أن العساكر يطلبون مرتبات وارز وسمن فانهم لا يحاربون ولا يقاتلون بالجوع
وفي هذه الايام وصل الكثير من العساكر القبلية ودخلوا البلد وكثروا بها
وفي هذا الايام أيضا وصلت الاخبار من الديار الحجازية بمسالمة الشريف غالب للوهابيين وذلك لشدة ما حصل لهم من المضايقة الشديدة وقطع الجالب عنهم من كل ناحية حتى وصل ثمن الاردب المصري من الارز خمسمائة ريال والاردب البر ثلثمائة وعشرة وقس على ذلك السمن والعسل وغير ذلك فلم يسع الشريف الا مسالمتهم والدخول في طاعتهم وسلوك طريقتهم واخذا العهد على دعاتهم وكبيرهم بداخل الكعبة وامر بمنع المنكرات والتجاهر بها وشرب الاراجيل بالتنباك في المسعى وبين الصفا والمروة بالملازمة على الصلوات في الجماعة ودفع الزكاة وترك لبس الحرير والمقصبات وابطال المكوس والمظالم وكانوا خرجوا عن الحدود في ذلك حتى أن الميت يأخذون عليه خمسة فرانسة وعشرة بحسب حالة وان لم يدفع اهله القدر الذي يتقرر عليه فلا يقدرون على رفعه ودفنه ولايتقرب اليه الغاسل ليغسله حتى يأتيه الاذن وغير ذلك من البدع والمكوس والمظالم التي احدثوها على المبيعات والمشتروات على البائع والمشتري ومصادرات الناس في اموالهم ودورهم فيكون الشخص من سائر الناس جالسا بداره فما يشعر على حين غفلة منه الا ولاعوان يأمرونه بإخلاء الدار وخروجه منها ويقولون أن سيد الجميع محتاج اليها فاما أن يخرج منها جملة وتصير من املاك الشريف واما أن يصالح عليها بمقدار ثمنها او اقل او اكثر فعاهده على ترك ذلك كله واتباع ما امر الله تعالى به في كتابه
(3/116)

العزيز من اخلاص التوحيد لله واتباع سنة الرسول عليه الصلاة و السلام وما كان عليه الخلفاء الراشدون والصحابة والتابعون والائمة المجتهدون الى اخر القرن الثالث وترك ما حدث في الناس من الالتجاء لغير الله من المخلوقين الاحياء والاموات في الشدائد والمهمات وما احدثوه من بناء القباب على القبور والتصاوير والزخارف وتقبيل الاعتاب والخضوع والتذلل والمناداة والطواف والنذور والذبح والقربان عمل الاعياد والمواسم لها واجتماع اصناف الخلائق واختلاط النساء بالرجال وباقي الاشياء التي فيا شركة المخلوقين مع الخالق في توحيد الالوهية التي بعثت الرسل الى مقاتلة من خالفها ليكون الدين كله لله فعاهده على منع ذلك كله وعلى هدم القباب المبنية على القبور والاضرحة لانها من الامور المحدثة التي لم تكن في عهده بعد المناظرة مع علماء تلك الناحية واقامة الحجة عليهم بالادلة القطعية التي لا تقبل التأويل من الكتب والسنة واذعانهم لذلك فعند ذلك امنت السبل وسلكت الطرق بين مكة والمدينة وبين مكة وجدة والطائف وانحلت الاسعار وكثر وجود المطعومات وما يجلبه عربان الشرق الى الحرمين من الغلال والاغنام والاسمان والاعسال حتى بيع الاردب من الحنطة بأربع ريالات واستمر الشريف غالب يأخذ العشور من التجار واذا نوقش في ذلك يقول هؤلاء مشركون وانا اخذ من المشركين لا من الموحدين
شهر صفر الخير
استهل بيوم الاحد فيه سافر محو بك الى جهة المنية وفيه ورد من اسلامبول شخص قابجي وعلى يديه مرسومات بالجمارك وغيرها ومنها ضبط ترك الموتى المقتولين والمقبورين وكذلك تركه السيد احمد المحروقي واخر يسمى الشريف محمد البرلي والقصد تحصيل الدراهم باي حجة كانت ووصل أيضا اخر متعين لجمرك الاسكندرية وآخر لدمياط ولرشيد أيضا
(3/117)

وفيه عزم الباشا على السفر لمحاربة الألفي واشيع عنه ذلك وانزلوا مدافع من القلعة وجبخانة وآلات حربية
وفي رابعه قوى عزمه على ذلك واشيع انه مسافر يوم السبت واشار على السيد عمر افندي النقيب بان ينوب عنه ويكون قائما مقامه في الاحكام مدة غيابه فلم يقبل السيد عمر ذلك وامتنع ثم فترت همته عن ذلك وتبين انها ايهامات لا اصل لها
وفي يوم الخميس ارسل الباشا الى الخانات والوكائل اعوانا فختموا على حواصل التجار بما في داخلها من البن والبهار وذلك بعد أن امنهم وقبض منهم عشورها ومكوسها بالسويس فلما وصلت القافلة واستقرت البضائع بالحواصل فعل بهم ذلك ثم صالحوا وافرج عنهم
وفيه ورد الخبر بأن الألفي ارتحل من ناحية الجسر الاسود والطرانة وقصد جهة البحيرة
في يوم السبت ركب صالح أغا قابجي باشا ونزل الى بولاق ليسافر الى الديار الرومية فركب لوداعه الباشا وسعيد أغا والسيد عمر النقيب فيشيعوه الى بولاق حتى نزل الى المراكب وخلع عليه الباشا فروة سمور مثمنة بعد أن وفاه خدمته وهاداه بهدايا واصحب معه هدايا للدولة واربابها وعرفه بقضايا واغراض يتممها له هناك وودعوه ورجعوا الى بيوتهم بعد الغروب
وفي يوم الثلاثاء عاشره سافر صالح أغا السلحدار الى جهة بحري على طريق المنوفية وصحبته عساكر وقرروا له مقادير من الاكياس على كل بلد من البلاد الرائجة عشرون كيسا فما فوقها وما دونها ومن كل صنف مقادير أيضا
وفيه فرضوا أيضا على البلاد غلال قمح وفول وشعير كل بلد عشرون اردبا فما فوقها وما دونها وهذه ثالث فرضة ابتدعت من الغلال على البلاد في هذه الدولة
(3/118)

وفيه ورد الخبر بإن الألفي توجه الى ناحية دمنهور البحيرة يوم الاربعاء رابعه وانهم امتنعوا عليه فحاصرهم لانهم استعدوا لذلك والبلد منضافة الى السيد عمر النقيب فكان يرسل اليهم ويحذرهم منه ويرسل اليهم ويمدهم بآلات الحرب والبارود ويحرضهم على الاستعداد للحرب فحصنوا البلدة وبنوا سورها وجعلوا فيها ابراجا وبدنات وركبوا عليها المدافع الكثيرة واحضروا لهم ما يحتاجون اليه من الذخيرة والجبخانة وما يكفيهم سنة وحفروا حولها خنادق وهي في موقعها مرتفعة
وفيه عزل الباشا محمد أغا كتخدا بك من كتخدائية بسبب امور نقمها عليه وحبسه وطلب منه ألف كيس وقلد في الكتخدائية خازنداره وهو المعروف بدبوس اوغلي
وفي ليلة الاحد ثامنه عدى ساري عسكر الى بر انبابه بوطاقه وهو دبوس اوغلي الكتخدا المذكور وذلك في اواخر النهار وضربوا مدافع كثيرة لتعديته واخذ العسكر في تشهيل امورهم ولوازمهم وانفق عليهم الباشا نفقة هذا والطلب والتوزيع بالاكياس مستمر لا ينقطع عن اعيان الناس والتجار والافندية الكتبة وجماعة الضربخانة والملتزمين بالجمارك وكل من كان له ادنى علاقة او خدمة او تجارة او صنعة ظاهرة او فائظ او له شهرة قديمة او من مساتير الناس وغالب الاحيان المحصل لذلك والقاضي فيه السيد عمر افندي النقيب وقد حكمت عليه الصورة التى ظهر فيها وانعكس الحال والوضع وساءت الظنون والأمر لله وحده
وفي يوم الخميس تاسع عشره ارتحل عرضى التجريدة من انبابه وذهبوا الى جهة الوراريق
وفي هذه الايام كان بين مشايخ العلم منافسات ومنافرات ومحاسدات وذلك من اوائل شهر رمضان وتعصبات بسبب مشيخة الجامع ونظر اوقافه واوقاف عبدالرحمن كتخدا فاتفق أن الشيخ عبدالرحمن السجيني ابن الشيخ عبدالرؤوف عمل وليمة ودعاهم اليها فاجتمعوا في ذلك اليوم وتصالحوا في الظاهر
(3/119)

وفي يوم الاثنين هبت رياح جنوبية حارة واثارت غبارا وزوابع ولواقح ثم غيمت السماء غيما متقطعا وارعدت وامطرت فكان الغبار والزوابع والشمس طالعة والمطر نزل وذلك بعد العصر وحصل مثل ذلك أيضا في يوم الثلاثاء ولكن بعد الظهر
وفي تلك الليلة بعد الغروب خرج الباشا محمد افندي المنفصل عن الكتخدائية منفيا الى جهة دمياط واصحب معه عدة من العسكر ذهبوا به من طريق البر
وفي اواخره رجعت عساكر من الارنؤد وكانوا كثيرين ونزلوا ببولاق ومصر القديمة وغالبهم الذين كانوا بصحبته حسن باشا طاهر واخيه عابدين بك وسبب رجوعهم انهم طلبوا علائفهم من حسن باشا وكان قد ظهر له فيهم المخامرة عليه وميلهم الى الاخصام فامتنع من دفع علائفهم وقال لهم اذهبوا الى مصر واطلبوا علائفكم من الباشا وارسل اليه يعرفه بحالهم ونفاقهم فلما تراسلوا في الحضور منعهم الباشا من الدخول الى البلد ووعدهم بايصال علائفهم اليهم وهم خارج المدينة وبعد أن يقبضوا مالهم يعودون الى مرابطهم كما كانوا فأقاموا بناحية بولاق وارسل الباشا فجمع عربان الحويطات والعائد وغيرهم فاقاموا بناحية شبرا ومنية السيرج وهم جملة كبيرة استمروا في تجمعهم اربعة ايام وارسل الى الاجناد والجربجية وامثالهم المقيمين بمصر وامر بان يتهيئوا ويقضوا اشغالهم ويخرجوا صحبة حسن أغا الشماشيرجي فمن كان منهم ذا مقدرة وعنده حصان يركبه او جمل يحمل عليه متاعه خرج بنفسه والا اخرج بدلا عنه واعطاه مصروفه واحتياجاته ولوازمه وبرزوا الى خارج ثم ارسل الى العساكر المذكورين يأمر كبارهم بالسفر الى بلادهم فامتنعوا وقالوا لا نسافر حتى نقبض المنكسر لنا من علائفنا فعند ذلك دس الى اصاغرهم من خدعهم واستمالهم حتى تفرقوا في خدمة المستوطنين ولم يبق مع كبارهم المعاندين الا القليل فلم يسعهم بعد ذلك الا الامتثال وارتحلوا في غايته من بولاق وسافر معهم
(3/120)

الشماشيرجي المذكور ومن بصحبته من المصريين وحولهم العربان وساروا على طريق دمياط وهو اثنان وخمسون شخصا من كبار طائفة الارنؤود وحصل العرب في مدة تجمعهم مالاخير فيه وكذلك في مدة اقامتهم من الخطف والتعرية وقطع الطريق على المسافرين
شهر ربيع الاول سنة
استهل بيوم الثلاثاء وفي ليلة الاحد سادسه حصل رعد كثير وبرق بين المغرب والعشاء بدون مطر والغيم قليل متقطع وذلك سابع عشر بشنس وثاني عشر ايار والشمس في ثالث درجة من برج الجوزاء وذلك من النوادر في مثل هذا الوقت
وفي يوم الاحد المذكور ضربوا مدافع من القلعة لبشارة وردت من الجهة القبلية وذلك أن رجب أغا وياسين بك اللذين انضما الى الامراء المصرية القبليين عملا متاريس بحرى المنية ليمنعا من يصل اليها من مراكب الذخيرة فلما سافر محبوك بمراكب الذخيرة ووصل الى حسن باشا طاهر ببنى سويف اصحب معه عابدين بك وعدة من العسكر في عدة مراكب فلما وصلوا الى محل المتاريس تراموا بالمدافع والرصاص واقتحموا المرور وساعدهم الريح فخلصوا الى المنية وطلعوا اليها ودخلها عابدين بك وقتل فيما بينهم اشخاص وارسلوا بذلك المبشرين فاخبروا بذلك وبالغوا في الاخبار وان ياسين بك قتل هو وخلافة ورأسه واصله مع رؤوس كثيرة فعلموا لذلك شنكا وضربت مدافع كثيرة ولم يكن لقتل ياسين بك صحة ثم وصل محو بك وابن وافي وقد نزلا في شكترية لها عدة مقاديف ودفعوا في قوة التيار حتى وصلوا الى مصر ولم يصل معهم رؤس كما اخبر المبشرون
وفيه قرر فرضة على البلاد وهي دارهم وغلال وعينوا لذلك كاشفا فسافروا معه عدة من العسكر وصحبتهم نقاقير وسافر أيضا خازندار الباشا بلبيس وأخذ صحبته اكثر رفقائه واصحابه من اولاد البلد فسافروا على حين غفلة الى ناحية الدقهلية
(3/121)

وفي عاشره وصلت الاخبار بان الألفي ارتحل من البحيرة ورجع الى ناحية وردان وعدي الى جزيرة السبكية وهرب من كان مرابطا من الاجناد المصرية وغيرهم وطلبوا من اهالي السبكية دراهم وغلالا وفر غالب اهلها منها وجلوا عنها وتفرقوا في بلاد المنوفية
وفي ثاني عشره يوم الجمعة عمل المولد النبوي ونصبوا بالازبكية صواري تجاه بيت الباشا والشيخ محمد سعيد البكري وقد سكن بدار مطلة على البركة داخل درب عبدالحق واقام هناك ليالي المولد اظهارا لبعض الرسوم
وفيه علقوا تسعة رؤوس على السبيل المواجه لباب زويلة ذكروا انها من قتلى دمنهور وهي رؤوس مجهولة ووضعوا بجانبهم بيرقين ملطخين بالدماء
وفيه طلب الباشا دراهم سلفة من الملتزمين والتجار وغيرهم بموجب دفتر احمد باشا خورشيد الذي كان قبضها في عام اول قبل القومة والخرابة فعينوا مقاديرها وعينوا بطلها المعينين بالطلب الحثيث من غير مهلة ومن لم يجدوه بأن كان غائبا او متغيبا دخلوا داره وطلبوا اهله او جاره او شريكه فضاق ذرع الناس وذهبوا افواجا الى السيد عمر افندي النقيب فيتضجر ويتأسف ويتلقن ! ويهون عليهم الامر وربما سعى في التخفيف عن البعض بقدر الامكان وقد تورط في الدعوة
وفيه سافر السيد محمد المحروقي الى سد ترعة الفرعونية وذلك أن الترعة المذكورة لما اجتهد في سدها المصريون في سنة اثنتي عشرة ومائتين والف كما تقدم فانفتحت من محل آخر ينفذ الى ناحية الترعة المسماة بالفيض وكان ذلك بإشارة ايوب بك الصغير لعدم انقطاع الماء عن ري بلاده فتهورت أيضا هذه الناحية واتسعت وقوى اندفاع الماء اليها في مدة هذه السنين حتى جف البحر الغربى والشرقي وتغير ماء النيل في الناحية الشرقية وظهرت فيه الملوحة من حدود المنصورة وتعطلت مزارع الارز وشرقت بلاد البحر الشرقي وشربوا الاجاج ومياه الآبار والسواقي وكثر
(3/122)

تشكي اهالي البلاد فحصل العزم على سدها في هذا العام وتقيد بذلك السيد محمد المحروقي وذو الفقار كتخدا وطلبوا المراكب لنقل الاحجار من الجبل وذهب ذو الفقار الى جهة السد وجمع العمال والفلاحين وسيقت اليه المراكب المملوءة بالاحجار من اول شهر صفر الى وقت تاريخه وجبوا الاموال من البلاد لاجل النفقة على ذلك ثم سافر السيد المحروقي أيضا وبذل جهده ورموا بها من الاحجار ما يضيق به الفضاء من الكثرة وتعطل بسبب ذلك المسافرون لقلة المراكب وجفاف البحر الغربي والخوف من السلوك فيه من قطاع الطريق والعربان فكانت المراكب المعاشات التى تأتي بالسفار وبضائع التجار يأتون بشحناتهم الى حد السد ومحل العمل والشغل فيرسون هناك ثم ينقلون ما بها من الشحنة والبضائع الى البر وينقلونها الى السفن والقوارب التى تنقل الاحجار ويأتون بها الى ساحل بولاق فيخرجون ما فيها الى البر وتذهب تلك السفن والقوارب الى اشغالها في نقل الحجر ولا يخفى ما يحصل في البضائع من الاتلاف والضياع والسرقة وزيادة الكلف والاجر وغير ذلك وطال امد هذا الامر
وفي اواخره نزل الباشا للكشف على الترعة فغاب يومين وليلتين ثم عاد الى مصر
شهر ربيع الثاني سنة
فيه وردت سعادة من الاسكندرية واخبروا بورود اربع مراكب وفيها عساكر من النظام الجديد وصحبتهم ططريات وبعض اشخاص من الانكليز ومعهم مكاتبة خطابا الى الألفي وبشارة بالرضا والعفو للامراء المصرية من الدولة بشفاعة الانكليز فلما وصلوا اليه بناحية حوش ابن عيسى بالبحيرة سر بقدومهم وعمل لهم شنكا وضرب لهم مدافع كثيرة ثم شهلهم وارسلهم الى الامراء القبليين وصحبتهم احد صناجقة وهو امين بك ومحمد كاشف تابع ابراهيم بك الكبير ثم إنه ارسل عدة مكاتبات بذلك الخبر الى المشايخ وغيرهم بمصر وكذلك الى مشايخ العربان مثل الحويطات والعائد
(3/123)

وشيخ الجزيرة وباقي المشاهير فأحضر ابن شديد وابن شعير الاوراق التى اتتهم من الالفي الى الباشا وفيها نعلمكم أن محمد علي باشا ربما ارتحل الى ناحية السويس فلا تحملوا اثقاله وان فعلتم ذلك فلا نقبل لكم عذرا ولما سمع الباشا ذلك قال انه مجنون وكذاب
وفيه فتح الباشا الطلب بفائظ البلاد والحصص من الملتزمين والفلاحين وامر الروزنامجي وطائفته بتحرير ذلك عن السنة القابلة فضج الملتزمون وترددوا الى السيد عمر النقيب والمشايخ فخاطبوا الباشا فاعتذر اليهم باحتياج الحال والمصاريف ثم استقر الحال على قبض ثلاثة ارباع النصف على الملتزمين والربع على الفلاحين وان يحسب الريال في القبض منهم بثلاثة وثمانين نصفا ويقبضه باثنين وتسعين وعلى كل مائة ريال خمسة انصاف حق طريق سواء كان القبض من الملتزم عن حصته في المصر او بيد المعينين من طرف الكاشف في الناحية واذا كان التوجيه بالطلب من كاشف الناحية كانت اشنع في التغريم والكلف لترادف الارسال وتكرار حق الطريق
وفي سادسه حضر احمد كاشف سليم من الجهة القبلية وسبب حضوره أن الباشا لما بلغته هذه الاخبار ارسل الامراء القبليين يستدعي منهم بعض عقلائهم مثل احمد أغا شويكار وسليم أغا مستحفظان ليتشاور معهم في الامر فلم يجب واحد منهم الى الحضور ثم اتفقوا على ارسال احمد كاشف لكونه ليس معدودا من افرادهم وبينه وبين الباشا نسب لان ربيبته تحت حسن الشماشيرجي فحضر واختلى به الباشا مرارا ثم امره بالعود فسافر في يوم الثلاثاء رابع عشره واصحب معه هدية الى ابراهيم بك والبرديسي وعثمان بك حسن وغيرهم من الامراء وهي عدد خيول وقلاعيات وثياب وامتعة وغير ذلك
وفي سادسه أيضا قبض الباشا على ابراهيم أغا الوالي وحبسه مع ارباب الجرائم وسبب ذلك أن البصاصين شاهدوا حمولا فيها ثياب من ملابس الاجناد اعدها بعض تجار النصارى ليرسلها الى جهة قبلي لتباع
(3/124)

على اجناد الامراء المصريين ومماليكهم ويربح فيها وسئل الحاملون لها فأخبروا أن اربابها فعلوا ذلك باطلاع الوالي المذكور على مصلحة اخذها منهم ووصل خبر ذلك الى الباشا فاحضره وقبض عليه وحبسه ثم اطلقه بعد ايام على مصلحة تقررت عليه بشفاعة امراة من القهارمة المتقربين وعاد الى منصبه واخذت البضاعة وضاعت على اصحابها وغرموهم زيادة على ذلك غرامة وكذلك تهم الذي حجزها بانه اختلس منها اشياء وحبس واخذت منه مصلحة فتحصل من هذه القضية جملة من المال مع انها في خلال المراسلة والمهاداة ونودى بعد ذلك بان من اراد أن يرسل شيئا او متجرا ولو الى السويس فليستأذن على ذلك ويأخذ به ورقة من باب الباشا فان لم يفعل وضاع عليه فالوم عليه
وفي يوم الثلاثاء رابع عشره ورد ساعي وصحبته مكتوب من حاكم الاسكندرية خطابا الى الدفتردار يخبره بوصول قبطان باشا الى الثغر وفي اثره واصل باشا متولى على مصر واسمه موسى باشا وصحبتهم مراكب بها عساكر من الصنف الذي يسمى النظام الجديد وكان ورود القبطان الى الثغر ليلة الجمعة عاشره وطلعوا الى البر بالاسكندرية يوم السبت حادى عشره فلما قرأ الدفتردار الورقة ارسل الى السيد عمر النقيب فحضر اليه وركب صحبته للباشا واختليا معه ساعة ثم فارقاه ولما بلغ الألفي ورود هذه الدونانمة وحضرت اليه المبشرون وهو بالبحيرة امتلأ فرحا وارسل عدة مكاتبات الى مصر صحبة السعادة فقبضوا على السعاة وحضروا بهم الى الباشا فأخفاها ووصل غيرها الى اربابها على غير يد السعاة وصورتها الاخبار بحضور الدونائمة صحبة قبطان باشا والنظام الجديد وولاية موسى باشا على مصر وانفصال محمد علي باشا عن الولاية وان مولانا السلطان عفى عن الامراء المصريين وان يكونوا كعادتهم في امارة مصر واحكامها والباشا المتولى ببستقر بالقلعة كعادته وان محمد علي باشا يخرج من مصر ويتوجه الى ولايته التى تقلدها وهي ولاية سلانيك وان حضرة
(3/125)

قبطان باشا ارسل يستدعي اخواننا الامراء من ناحية قبلي فالله يسهل بحضورهم فتكونون مطمئنين الخاطر واعلموا اخوانكم من الاولداشات والرعية بان يضبطوا انفسهم ويكونوا مع العلماء في الطاعة وما بعد ذلك الا الراحة والخير والسلام
وفي يوم الجمعة سابع عشره ورد قاصد من طرف قبودان باشا الى بولاق فأرسل اليه الباشا من قابله واركبه وحضر به الى بيت الباشا واراد أن ينزله بمنزل الدفتردار فاستعفى الدفتردار من نزوله عنده فأنزلوه ببيت الروزنامجي واقام يوم السبت والاحد ولم يظهر ما دار بينهما ثم سافر في يوم الاثنين وذهب صحبته سليم المعروف بقبي لركخسي وشرع الباشا في عمل آلات حرب وجلل ومدافع وجمعوا الحدادين بالقلعة واصعدوا بنبات كثيرة واحتياجات ومهمات الى القلعة وظهر منه علامات العصيان وعدم الامتثال وجمع اليه كبار العسكر وشاورهم وتناجى معهم فوافقوه على ذلك لان مامن احد منهم الا وصار له عدة بيوت وزوجات والتزام بلاد وسيادة لم يتخيلها ولم تخطر بذهنه ولا بفكره ولا يسهل به الانسلاخ عنها والخروج منها ولو خرجت روحه واخبر المخبر أن الألفي ارسل هدية الى قبودان باشا وفيها ثلاثون حصانا منها عشرة برخوتها ومن الغنم اربعة آلاف راس وجملة ابقار وجواميس ومائة جمل محملة بالذخيرة وغير ذلك من النقود والثياب والاقمشة برسمه ورسم كبار اتباعه ثم أن الباشا احضر السيد عمر والخاصة وعرفهم بصورة الامر الوارد بعزله وولاية موسى باشا وان الامراء المصريين عرضوا للسلطنة في طلب العفو وعودهم الى امرياتهم وخروج العساكر التى افسدت الاقليم عن ارض مصر وشرطوا على انفسهم القيام بخدمة الدولة والحرمين الشريفين وارسال غلالها ودفع الخزينة وتأمين البلاد فحصل عنهم الرضا واجيبوا الى سؤالهم على هذه الشروط وان المشايخ والعلماء يتكفلون بهم ويضمنون عهدهم بذلك فاعملوا فكركم ورأيكم في ذلك ثم انفصلوا من مجلسه
(3/126)

وفيه ارسل الباشا فجمع الاخشاب التى وجدها ببولاق في الشوادر والحواصل والوكائل وطلعوا جميع ذلك الى القلعة لعمل العربات والعجل برسم المدافع والقنابر
وفي يوم الثلاثاء حادى وعشرينه كان مولد المشهد الحسيني المعتاد وحضر الباشا لزيارة المشهد ودعاه شيخ السادات وهو الناظر على المشهد والمتقيد لعمل ذلك فدخل اليه وتغدى عنده ثم ركب وعاد الى داره واكثر من الركوب والطواف بشوارع المدينة والطلوع الى القلعة والنزول منها والذهاب الى بولاق وهو لابس برنسا
وفي يوم الخميس ثالث عشرينه حضر ديوان افندي وعبدالله أغا بكتاش الترجمان عند السيد عمر ومعهما صورة عرض يكتب عن لسان المشايخ الى الدولة في شأن هذه الحادثة فتناجوا مع بعضهم حصة من النهار ثم ركبا وحضرا في ثاني يوم عند الشيخ عبدالله الشرقاوي وامروا المشايخ بتنظيم العرضحال وترصيعه ووضع اسمائهم وختومهم عليه ليرسله الباشا الى الدولة فلم تسعهم المخالفة ونظموا صورته ثم بيضوه في كاغد كبير
وفي ليلة الاثنين ثالث عشرينه وصل شاكر أغا السلحدار الوزير الى بولاق فتلقوه واركبوه الى بيت الباشا فلما اصبح النهار ارسلوا ارواقا وصلت صحبة السلحدار المذكور احداها خطابا للمشايخ واخرى الى شيخ السادات وثالثة الى السيد عمر النقيب وكلها على نسق واحد وهي من قبدون باشا وعليها الختم الكبير وهي بالعربي وفرمان رابع باللغة التركية خطابا للجميع ومضمون الكل الاخبار بعزل محمد علي باشا عن ولاية مصر وولايته سلانيك وولاية السيد موسى باشا المنفصل عنها مصر وان يكون الجميع تحت الطاعة والامتثال للأوامر والاجتهاد في المعاونة وتشهيل محمد علي باشا فيما يحتاج اليه من السفن ولوازم السفر ليتوجه هو وحسن باشا والي جرجا من طريق دمياط بالاعزاز والاكرام وصحبتهما جميع العساكر من غير تأخير حسب الاوامر السلطانية ثم انهم اجتمعوا في عصر
(3/127)

ذلك اليوم بمنزل السيد عمر وركبوا الى الباشا فلما استقروا بالمجلس قال لهم وصلت اليكم المراسلات الواردة صحبة السلحدار قالوا نعم قال ما رأيكم في ذلك قال الشيخ البرقاوي ليس رأى والرأي ما تراه ونحن الجميع على رأيك فقال لهم في غد ابعث اليكم صورة تكتبونها في رد الجواب وارسل اليهم من الغد صورة مضمونها أن الاوامر الشريفة وصلت الينا وتلقيناها بالطاعة والامتثال الا أن اهل مصر ورعيتها قوم ضعاف وربما عصت العساكر عن الخروج فيحصل لاهل البلدة الضرر وخراب الدور وهتك الحرمات وانتم اهل للشفقة والرحمة والتلطف ونحو ذلك من التزويقات والتمويهات واصدروها اليه في اثناء ذلك محمد علي باشا آخذ في الاهتمام والتشهيل واظهار الحركة والخروج لمحاربة الألفي وبرزت العساكر الى ناحية بولاق وخارج البلدة وعدوا بالخيام الى البر الغربي وتقدم الى مشايخ الحارات بالتعريف على كل من كان متصفا بالجندية ويكتبوا اسماءهم ومحل سكنهم ففعلوا ذلك ثم كتب لهم أوراق بالامر بالخروج وعليها ختم الباشا ومسطور في ورقة الامر بأن المأمور يصحب معه شخصين او ثلاثة على أن اكثرهم لا يملك حمارا يركبه ولا ما يحمل عليه متاعه ولا ما يصرفه على نفسه فضلا عن غيره وكذلك امر الوجاقلية جليلهم وحقيرهم بالخروج للمحاربة
وفيه شرع الباشا في تقرير فرضة على البلاد البحرية وهي القليوبية والمنوفية والغربية والدقهلية والمزاحمتين الى آخر مجرى النيل ورتبوها اعلى وادنى واوسط وهي غلال الاعلى ثلاثون اردبا وثلاثون رأسا من الغنم واردب ارز وثلاثون رطلا من الجبن ومن السمن كذلك وغير هذه الاصناف كالتبن والجلة وغير ذلك والاوسط عشرون اردبا وما يتبعها مما ذكر والادنى اثنا عشر ومع ذلك القبض والطلب مستمر في فائظ الملتزمين بعضه من ذواتهم وبعضه من فلاحيهم مع ما يتبع ذلك من حق الطرق والخدم وتوالي الاستعجالات
وفي ليلة الثلاثاء ثامن عشرينه سافر شاكر أغا السلحدار بالأجوبة
(3/128)

شهر جمادى الاولى سنة
استهل بيوم الخميس في ثانيه احترق معمل البارود بناحية المدابغ فحصل منه رجة عظيمة وصوت هائل مثل المدفع العظيم سمعه القريب والبعيد ومات به اشخاص ويقال انهم رموا بنبة من القلعة بقصد التجربة على جهة بولاق فسقطت في المعمل المذكور وحصل ما ذكر
وفي ثالثه يوم السبت وقت الزوال ركب الباشا من داره يريد السفر لمحاربة الألفي ونزل الى بولاق وعدى الى بر انبابة لتجهيز العرضى وارسل اوراقا لتجمع العربان وعين لذلك حسن أغا محرم وعلي كاشف الشرقية
وفي ليلة الاثنين خامسه حضر سليم أغا قابجي كتخدا الذي تقدم سفره صحبة سعيد أغا كتخدا البوابين مرسلا الى قبودان باشا من طرف محمد علي باشا فرجع بجواب الرسالة ومحصلها أن القبودان لم يقبل هذه الاعذار ولا ما نمقوه من التمويهات التي لا اصل لها ولا بد من تنفيذ الاوامر وسفر الباشا ونزوله هو وحسن باشا وعساكرهما وخروجهم من مصر وذهابهم الى ناحية دمياط وسفرهم الى الجهة المأمورين بالذهاب اليها ولا شىء غير ذلك ابدا
وفي ليلة الخميس ثامنه حضر علي كاشف الشرقية وذلك انه تقنطر من فوق جواده وكسرت رجله واحضره محمولا
وفي يوم الخميس المذكور وصل الكثير من طوائف عرب الحويطات ونصف حرام من ناحية شبرا الى بولاق وضربوا لحضورهم مدافع
وفيه ركب طوائف الدلاتية وتقدموا الى جهة بحري واشيع ركوب محمد علي باشا وذلك اليوم فلم يركب
وفي ثاثي عشره ورد خبر بوصول موسى باشا الى ثغر سكندرية يوم الاحد حادي عشرة والمذكور ارسل من طرفه قاصدا وعلى يده مرسوم خطابا لاحمد افندي الدفتردار بان يكون قائما مقامه ويأمره بضبط الايراد والمصرف فلم يقبل الدفتردار ذلك وقال لم يكن بيدي قبض ولا صرف
(3/129)

ولا علاقة لي بذلك
وفي يوم الاحد طاقت ! جماعة قواسة على بيوت الاعيان يبشرونهم بأن العساكر الكائنين بناحية الرحمانية ركبوا على عرضى الألفي ووقعت بينهم مقتلة كبيرة وقتلوا منه جملة فيهم اربع صناجق ونهبوا منه زيادة عن ثمانمائة جمل بأحمالها وعدة هجن محملة بالاموال ورجعت العساكر ومعهم نحو الثمانين رأسا ومائة اسير وغير ذلك وان الألفي هرب بمفرده الى ناحية الجبل وقيل الى الاسكندرية فكانوا يطوفون على الاعيان بهذا الكلام ويأخذون منهم البقاشيش ثم ظهر أن هذا الكلام لا اصل له وتبين أن طائفة من العرب يقال لهم الجوابيض وهم طائفة مرابطون ليس يقع منهم اذية ولا ضرر لاحد مطلقا نزلوا بالجبل بتلك الناحية فدهمهم العسكر وخطفوا منهم ابلا واغناما وقتل فيما بينهم انفار من الفريقين لمدافعتهم عن انفسهم
وفي ذلك اليوم أيضا ركب حسن أغا الشماشيرجي الى المنصورية قرية بالجيزة ومعه طائفة من العسكر وهي بالقرب من الاهرام فضربوا القرية ونهبوا منها اغناما ومواشي واحضروها الى العرضي بإنبابة وحضر خلفهم اصحاب الاغنام وفيهم نساء يصرخن ويصحن وصادف ذلك أن السيد عمر النقيب عدى الى العرضى فشاهدهم على هذه الحالة فكلم الباشا في شأنهم فأمر بأن برد الاغنام التي للنساء والفقراء الصارخين وذهبوا بالباقي للمطابخ
وفي ثاني عشره وردت الاخبار بأن العساكر الكائنين بالرحمانية ومرقص رجعوا الى النجيلة ونصبوا عرضيهم هناك وحضر الألفي تجاههم فركبوا لمحاربته وكانوا جمعا عظيما فركب الألفي بجيوشه وحاربهم ووقع بينه وبينهم وقعة عظيمة انجلت عن نصرته عليهم وانهزام العسكر وقتل من الدلاة وغيرهم مقتلة عظيمة ولم يزالوا في هزيمتهم الى البحر والقوا بأنفسهم فيه وامتلأ البحر من طراطير الدلاتية وهرب كتخدا بك وطاهر باشا الى بر المنوفية وعدوا في المراكب واستولى الألفي وجيوشه على خيولهم
(3/130)

وخيامهم وحملاتهم وجبخانتهم وارسل برؤوس القتلى والاسرى الى القبودان واشيع خبر هذه الواقعة في الناس وتحدثوا بها وانزعج الباشا والعسكر انزعاجا عظيما وعدى الى بر بولاق وطاف الوالي واصحاب الدرك ينادون على العساكر بالخروج الى العرضى ويكتبون اسماءهم وحضر الباشا الى داره واكثر من الركوب والذهاب والمجىء والطواف حول المدينة والشوارع ويذهب الى بولاق ومصر القديمة ويرجع ليلا ونهارا وهو راكب رهوانا تارة او فرسا او بغلة ومرتد ببرنس ابيض مثل المغاربة والعسكر امامه وخلفه ووصل مجاريح كثيرة واخبروا بالواقعة المذكورة ومات من جماعة الألفي احمد بك الهنداوي فقط وانجرح امين بك وغيره جرح سلامة
وفي يوم الاربعاء حادي عشرينه وصلت العساكر المهزومة وكبراؤهم الى بولاق وفيهم مجاريح كثيرة وهم في اسوأ حال فمنعهم الباشا من طلوع البر وردهم بمراكبهم الى بر انبابة واستمروا هناك الى اخر النهار وهم عدد كثير وقد انضاف اليهم من كان ببر المنوفيه ولم يحضر المعركة لما داخلهم من الخوف ثم انهم طلعوا الى بولاق وانتشروا في النواحي وذهب منهم الكثير الى مصر القديمة وحضر كثير منهم ودخلوا المدينة ودخلوا البيوت وازعجوا كثيرا من الناس والساكنين بناحية قناطر السباع وسويقة واللالا والناصرية وغير ذلك من النواحي واخرجوهم من دورهم وقد كانت الناس استراحت منهم مدة غيابهم
وفي يوم الاربعاء ثامن عشرينه الموافق لثامن مسرى القبطي اوفي النيل اذرعه وركب الباشا في صبيحة يوم الخميس الى قنطرة السد وحضر القاضي والسيد عمر النقيب وكسر الجسر بحضرتهم وجرى الماء في الخليج جريانا ضعيفا بسبب علو ارضه وعدم تنظيفه من الاتربة المتراكمة فيه ويقال انهم فتحوه قبل الوفاء لاشتغال بال الباشا وتطيره وخوفه من حادثة تحدث في مثل يوم هذا الجمع وخصوصا وقد وصل الى بر الجيزة الكثير من اجناد الألفي
(3/131)

شهر جمادي الآخرة سنة
استهل بيوم السبت في سادسه حضر طاهر باشا الى بر انبابة ونصب خيامه هناك وعدى هو في قلة الى بولاق وذهب الى داره بالأزبكية وكان من امره انه لما حصلت له الهزيمة فذهب الى المنوفية وقد اغتاظ عليه الباشا وارسل يقول له لاتريني وجهك بعد الذي حصل وترددت بينهما الرسل ثم ارسل اليه يأمره بالذهاب الى رشيد فذهب الى فوة ثم حضر شاهين بك الألفي الى الرحمانية فأرسل الباش الى طاهر باشا يأمره بالذهاب الى شاهين بك ويطرده من الرحمانية فذهب اليه في المراكب فضرب عليه شاهين بك بالمدافع فكسر بعض مراكبه فرجع على اثره وركب من البر حتى عدى بحر الرحمانية ثم حضر الى مصر ووصل بعده الكثير من العسكر فأمرهم الباشا بالعود فعاد الكثير منهم في المراكب وحضر ايضا اسمعيل أغا الطوبجي كاشف المنوفية وقد داخل الجميع الخوف من الألفي وأما الألفي فإنه بعد انفصال الحرب من النجيلة رجع الى حصار دمنهور وذلك بعد أن ذهب اعيانها الى قبودان باشا وقابلوه وامنهم ورجعوا على امانة فافترقوا فرقتين فرقة منهم اطمأنت ورضيت بالامان والاخرى لم تطمئن بذلك وارسلوا الى السيد عمر والباشا فرجع اليهم الجواب يأمرونهم باستمرارهم على الممانعة ومحاربة من يأتي لحربهم فامتثلوا ذلك وتبعتهم الفرقة الاخرى وارسل اليهم القبودان يدعوهم الى الطاعة ويضمن لهم عدم تعدي الألفي عليهم فلم يرضوا بذلك فعند ذلك استفتى العلماء في جواز حربهم حتى يذعنوا للطاعة فأفتوه بذلك فعند ذلك ارسل الى الألفي يأمره بحربهم فحاصرهم وحاربهم واستمر ذلك
وفي يوم الجمعة سابعه ورد الخبر بموت الكاشف الذي بدمنهور
وفي يوم الخميس ثالث عشره وصلت قافلة من السويس وصحبتها المحمل فأدخلوه وشقوا به من المدينة وخلفه طبل وزمر وامامه اكابر العسكر واولاد الباشا ومصطفى جاويش المتسفر عليه ولقد اخبرني مصطفى
(3/132)

جاويش المذكور انه لما ذهب الى مكة وكان الوهابي حضر الى الحج واجتمع به فقال له الوهابي ماهذه العويدات التي تأتون بها وتعظمونها بينكم يشير بذلك القول الى المحمل فقال له جرت العادة من قديم الزمان بها يجعلونها علامة واشارة لاجتماع الحجاج فقال لاتفعلوا ذلك ولا تأتوا به بعد هذه المرة وان اتيتم به مرة اخرى فإني اكسره
وفي ليلة الاربعاء حضر الافندي المكتوبجي من طرف القبودان الى بولاق فأرسل اليه الباشا حصانا فركبه وحضر الى بيت الباشا بالازبكية في صبح يوم الاربعاء المذكور فأحضر الباشا الدفتردار وسعيد أغا واختلوا مع بعضهم ولم يعلم مادار بينهم
وفي يوم الخميس عشرينه ارتحل من بالجيزة من الامراء المصريين وعدتهم ستة من المتآمرين الجدد الذين امرهم الألفي فذهبوا عند استاذهم بناحية دمنهور ونزلوا بالقرب منه
وفي خامس عشرينه مر سليمان أغا صالح من ناحية الجيزة راجعا من عند الامراء القبالى وصحبته هدايا من طرفهم للقبودان وفيها خيول وعبيد وطواشية وسكر ولم يجيبوا على الحضور لممانعة عثمان بك البرديسي وحقده الكامن للالفي ولكون هذه الحركة وهي مجئ القبودان وموسى باشا باجتهاده وسفارته وتدبيره كما سيتلى عليك فيما بعد وفيه ظهرت فحوى النتيجة القياسية وانعكاس القضية وهو أن القبودان لما لم يجد في المصرلية الاسعاف وتحقق ماهم عليه من التنافر والخلاف وتكررت ما بينه وبين الفريقين المراسلات والمكاتبات فعند ذلك استأنف مع محمد علي باشا المصادقة وعلم أن الاروج له معه الموافقة فارسل اليه المكتوبجي واستوثق منه والتزم له باضعاف ماوعد به من الكذابين معجلا ومؤجلا على ممر السنين والالتزام بجميع المأمورات والعدول عن المخالفات فوقع الاتفاق على قدر معلوم وارسل الى محمد علي باشا يأمره بكتابة عرضحال خلاف الاولين ويرسله صحبة ولده علي يد القبودان فعند ذلك لخصوا عرضحال
(3/133)

وختم عليه الاشياخ والاختيارية والوجاقلية وارسله صحبة ابنه ابراهيم بك واصحب معه هدية حافلة وخيولا واقمشة هندية وغير ذلك وتلفت طبخة الألفي والتدابير ولم تسعفه المقادير
وفي هذه الايام تخاصم عرب الحويطات والعيايدة وتجمع الفريقان حول المدينة وتحاربوا مع بعضهم مرارا وانقطعت السبل بسبب ذلك وانتصر الباشا للحويطات وخرج بسببهم الى العادلية ثم رجع ثم انهم اجتمعوا عند السيد عمر النقيب واصلح بينهم
شهر رجب سنة
استهل بيوم الاحد فيه وصل القاضي الجديد ويسمى عارف افندي وهو ابن الوزير خليل باشا المقتول وانفصل محمد افندي سعيد حفيد علي باشا المعروف بحكيم اوغلي وكان انسانا لابأس به مهذبا في نفسه وسافر الى قضاء المدينة المنورة من القلزم بصحبة القافلة
وفي يوم الجمعة سادسه سافر ابراهيم بك بن الباشا بالهدية وسافر بصحبته محمد أغا لاظ الذي كان سلحدار محمد باشا خسروا
وفي يوم السبت ارسل الباشا الى الشيخ عبد الله الشرقاوي ترجمانه يأمره بلزوم داره وانه لايخرج منها ولا الى صلاة الجمعة وسبب ذلك امور وضغائن ومنافسات بينه وبين اخوانه كالسيد محمد الدواخلي والسيد سعيد الشامي وكذلك السيد عمر النقيب فأغروا به الباشا ففعل به ما ذكر فامتثل الامر ولم يجد ناصرا واهمل امره
وفيه توارت الاخبار بوقوع معركة عظيمة بين العسكر والالفي وذلك أن الألفي لم يزل محاصرا دمنهور وهم ممتنعون عليه الى الآن وسد خليج الاشرفيه ومنع الماء عن البحيرة والاسكندرية لضرورة مرور الماء من ناحية دمنهور ليعطل عليهم المراد من الحصار فأرسل الباشا بربر باشا الخازندار ومعه عثمان أغا ومعهما عدة كثيرة من العساكر في المراكب فوصلوا الى خليج الاشرفية من ناحية الرحمانية وعليه جماعة من الالفية فحاربوهم حتى
(3/134)

اجلوهم عنها وفتحوا فم الخليج فجرى فيه الماء ودخلوا فيه بمراكبهم فسد الالفية الخليج من اعلى عليهم وحضر شاهين بك فسد مع الالفية فم الخليج باعدال القطن والمشاق ثم فتحوه من اسفل فسال الماء في السبخ ونضب الماء من الخليج ووقفت السفن على الارض ووصلتهم الالفية فاوقعوا معهم وقعة عظيمة وذلك عند قرية يقال لها منية القران فانهزموا الى سنهور وتحصنوا بها فأحاطوا بهم واستمروا على محاربتهم حتى افترق الفريقان فيما بعد
وفيه أيضا وصلت الاخبار بإن ياسين بك لم يزل يحارب من بمدينة الفيوم حتى ملكها وقتل من بها ولم ينج منهم الا القليل وكانوا ارسلوا يستنجدون بارسال العسكر فلم يلحقوهم
وفيه وردت الاخبار من الجهة القبلية بأن الامراء المصريين اخلوا منفلوط وملوى وترفعوا الى اسيوط وجزيرة منقياط وتحصنوا بهما وذلك لما اخذ النيل في الزيادة وخشوا من ورود العساكر عليهم بتلك النواحي فلايمكنهم التحصن فيها فترفعوا الى اسيوط فلما فعلوا ذلك اشاعوا هروبهم وذكروا أن عادبدين بك وحسن بك حارباهم وطرداهم الى أن هربوا الى اسيوط ولما خلت تلك النواحي منهم رجع كاشف منفلوط وملوى وخلافهما الذين كانوا طردوهم في العام الماضي وفروا من مقاتلتهم
وفيه شرع الباشا في تجهيز عساكر وتسفيرهم الى جهة بحرى وقبلي وحجزوا المراكب للعسكر فانقطعت سبل المسافرين وذلك عندما اطمأن خاطره من قضية القبودان والعزل
وفيه شرع أيضا في تقرير فرضة عظيمة على البلاد والقرى والتجار ونصارى الاروام والاقباط والشوام ومساتير الناس ونساء الاعيان والملتزمين وغيرهم وقدرها ستة آلاف كيس وذلك برسم مصلحة القبودان وذكروا انها سلفة ستة ايام ثم ترد الى اربابها ولا صحة لذلك
وفي ليلة الاثنين وصل كتخدا القبودان الى ساحل بولاق فضربوا
(3/135)

لقدومه مدافع وعملوا له شنكا وارسل له في صبحها خيولا صحبة ابنه طوسون ومعهم اكابر الدولة والاغا والوالي والاغوات فركب في موكب عظيم ودخلوا به من باب النصر وشق من وسط المدينة وعمل الباشا الديوان واجتمع عنده السيد عمر والمشايخ المتصدرون ما عدا الشيخ عبد الله الشرقاوي ومن يلوذ به فسأل عليه القاضي وعلى من تاخر فقيل له الان يحضر ولعل الذي اخره ضعفه ومرضه ثم انهم انتظروا باقي الوجهاء وارسلوا لهم جملة مراسيل فلما حضروا قرأوا المرسوم الوارد صحبة الكتخدا المذكور ( ومضمونه ) ابقاء محمد علي باشا واستمراره على ولاية مصر حيث أن الخاصة والعامة راضية بأحكامه وعدله بشهادة العلماء واحتراف الناس وقبلنا رجاءهم وشهادتهم وانه يقوم بالشروط التي منها طلوع الحج ولوازم الحرمين وايصال العلائف والغلال لاربابها على النسق القديم وليس له تعلق بثغر رشيد ولا دمياط والاسكندرية فانه يكون ايرادها من الجمارك يضبط الى الترسخانة السلطانية بإسلامبول ومن الشروط أيضا أن يرضى خواطر الامراء المصريين ويمتنع من محاربتهم البلاد ويعطيهم جهات يتعيشون بها وهذا من قبيل تحلية البضاعة وانفض المجلس وضربوا مدافع كثيرة من القلعة والازبكية وبولاق واشيع عمل زينة بالبلدة وشرع الناس في اسبابها وبعضهم علق على داره تعاليق ثم بطل ذلك وطاف المبشرون من اتبعاهم على بيوت الاعيان لاخذ البقاشيش واذن الباشا بدخول المراكب الى الخليج والازبكية ثم عملوا شنكا وحراقات وسواريخ ثلاثة ايام بلياليها بالازبكية
شهر شعبان سنة
فيه تكلم القاضي مع الباشا في شأن الشيخ عبد الله الشرقاوي والافراج عنه ويأذن له في الركوب والخروج من داره حيث يريد فقال انا لاذنب لي في التحجير عليه وانما ذلك من تفاقمهم مع بعضهم فاستأذنه في مصالحتهم فاذن له في ذلك فعمل القاضي لهم وليمة ودعاهم وتغدوا عنده وصالحهم
(3/136)

وقرأوا بينهم الفاتحة وذهبوا الى دورهم والذي في القلب مستقر فيه
وفيه وردت الاخبار من الديار الرومية بقيام الرومنلي وتعصبهم على منع النظام الجديد والحوادث فوجهوا عليهم عسكر النظام فتلاقوا معهم وتحاربوا فكانت الهزيمة على النظام وهلك بينهم خلائق كثيرة ولم يزالوا في اثرهم حتى قربوا من دار السلطنة فترددت بينهم الرسل وصانعوهم وصالحوهم على شروط منها عزل اشخاص من مناصبهم ونفى آخرين ومنهم الوزير وشيخ الاسلام والكتخدا والدفتردار ومنع النظام والحوادث ورجوع الوجاقات على عادتهم وتقلد اغات الينكجرية الصدارة واشياء لم تثبت حقيقتها
وفيه حضر عابدين بك اخو حسن باشا من الجهة القبلية
وفي عاشره تواترت الاخبار بوقوع وقائع بالناحية القبلية واختلاف العساكر ورجوع من كل بناحية منفلوط وعصيان المقيمين بالمنية بسبب تأخر علائفهم ورجع حسن بك باشا الى ناحية المنية فضرب عليه من بها فانحدر الى بني سويف
وفيه حضر إسماعيل الطوبجى كاشف المنوفية باستدعاء فأرسله الباش بمال الى الجهة القبلية ليصالح العساكر
وفيح وردت الاخبار من ثغر الاسكندرية بسفر قبودان باشا وموسى باشا الى اسلامبول واخذ القبودان صحبته ابن محمد علي باشا وكان نزولهم وسفرهم في يوم السبت خامسه واستمر كتخدا القبودان بمصر متخلفا حتى يستغلق مال المصالحة
وفيه شرعوا في تقرير فرضة على البلاد أيضا
وفيه حضر محمود بك من ناحية قبلى
وفي سادس عشره سافر كتخدا القبودان بعدما استغلق المطلوب
وفيه وصل الى ثغر بولاق قابجي وعلى يده تقرير لمحمد علي باشا بالاستمرار على ولاية مصر وخلعة وسيف فأركبوه من بولاق الى الازبكية
(3/137)

في موكب حفل وشقوا به من وسط المدينة وحضر المشايخ والاعيان والاختيارية ونصب الباشا سحابة بحوش البيت للجمع والحضور وقرئت المرسومات وهما فرمانان احداهما يتضمن تقرير الباشا على ولاية مصر بقبول شفاعة اهل البلدة والمشايخ والاشراف والثاني يتضمن الاوامر السابقة وبإجراء لوازم الحرمين وطلوع الحج وارسال غلال الحرمين والوصية بالرعية وتشهيل غلال وقدرها ستة آلاف اردب وتسفيرها على طريق الشام معونة للعساكر المتوجهين للحجاز
وفيه الامر أيضا بعدم التعرض للامراء المصريين وراحتهم وعدم محاربتهم لانه تقدم العفو عنهم ونحو ذلك وانقضى المجلس وضربوا مدافع كثيرة من القلعة والازبكية
واستهل شهر رمضان بيوم الاربعاء سنة
وانقضى بخبر ولم يقع فيه من الحوادث سوى توالي الطلب والفرض والسلف التى لا ترد وتجريد العسكر الى محاربة الألفي واستمرار الألفي بالجيزة ومحاصرة دمنهور واستمرار اهل دمنهور على الممانعة وصبرهم على المحاصرة وعدم الطاعة مع متاركة المحاربة
وفيه ورد الخبر بموت عثمان بك البرديسي في اوائل رمضان بمنفلوط وكذلك سليم بك أبو دياب ببنى عدي
وفي اواخره تقدم محمد علي باشا الى السيد عمر النقيب بتوزيع جملة اكياس على اناس من مياسير الناس على سبيل السلفة
واستهل شهر شوال بيوم الجمعة سنة
ولم يقع في شهر رمضان هذا ارتباك في هلاله اولا وآخرا كما حصل فيما تقدم وكذلك حصل به سكون وطمأنينة من عربدة العساكر لولا توالي الطلب والسلف والدعاوي الباطلة في المدينة والارياف وعسف ارباب المناصب في القرى وعملوا شنكا للعيد بمدافع كثيرة في الاوقاف الخمسة ثلاثة ايام العيد
(3/138)

وفيه فتحوا طلب الميري على السنة القابلة وجدوا في التحصيل ووجهوا بالطلب العساكر والقواسة والاتراك بالعصي المفضضة وضيقوا على الملتزمين
وفي عاشره اخرج الباشا خياما ونصب عرضى بناحية شبرا ومنية السيرج والتمس من السيد عمر توزيع اربعمائة كيس برأيه ومعرفته فضاق صدره وشرع في توزيعها على التجار ومساتير الناس حيث لم يمكنه التخلف ولا التباعد عن ذلك
وفي يوم الجمعة ثاني عشرينه وصل حسن باشا طاهر من الجهة القبلية ودخل داره وخرج محمد على باشا الى جهة الحلى يريد السفر الى الألفي ووصلت عربان الألفي وعساكره الى بر الجيزة وطلبوا الكلف من البلاد
وفي يوم الاحد رابع عشرينه عدى محمد علي باشا الى بر انبابه
وفي يوم الاثنين خامس عشرينه عدى محمد علي باشا وغالب العسكر الى بولاق واشاعوا أن الاخصام هربوا من وجوههم فلم يذهبوا خلفهم بل رجعوا على اثرهم ونهبوا كفرحكيم وما جاوروه من القرى حتى اخذوا النساء والبنات والصبيان والمواشي ودخلوا بهم الى بولاق والقاهرة ويبيعونهم فيما بينهم من غير تحاش كانهم سبايا الكفار
واستهل شهر القعدة سنة بيوم السبت
ووصل الحجاج الطرابلسية وعدوا الى بر مصر
وفي يوم الاحد ثانيه وصلت قوافل الصعيد من ناحية الجبل وبها احمال كثيرة وبضائع مع عرب المعازة وغيرهم فركب الباشا ليلا وكبسهم على حين غفلة ونهبهم واخذ جمالهم واحمالهم ومتاعهم حتى اولاد العربان والنساء والبنات دخلوا بهم الى المدينة يقودونهم اسرى في ايديهم ويبيعونهم فيما بينهم كما فعلوا باهل كفر حكيم وما حوله
وفي ذلك اليوم ضربوا مدافع كثيرة من القلعة بورود اشخاص من
(3/139)

الططر ببشارة الى الباشا وتقريره على السنة الجديدة
وفي يوم السبت ثانيه اداروا كسوه الكعبة والمحمل وركب معها المتسفر عليها من القلزم وهو شخص يقال له محمود أغا الجزيري وركب امامه الاغا والوالي والمحتسب وطائفة الدلاة وكثير من العسكر
وفي يوم الاثنين عاشره وصلت الاخبار بوصول الألفي الى ناحية الاخصاص وانتشار جيوشه بإقليم الجيزة وكان الباشا معزوما ذلك اليوم عند سعودي الحناوي بسوق الزلط وحارة المقس وركب قبيل العصر وذهب الى بولاق وامر العساكر بالخروج ولا يتخلف احد لخامس ساعة من الليل وعدى بمن معه الى بر انبابه
وفي لية الاربعاء وقع بين الألفي والعسكر معركة وانحاز العسكر وتترسوا بداخل الكفور والبلاد ووصل منهم جرحى الى البلد واستمر الامر على ذلك وهم يهابون البروز الى الميدان واخصامهم لا يحاربون المتاريس والحيطان
وفي يوم الثلاثاء ثامن عشره ركب الألفي بجيوشه وتوجه الى ناحية قناطر شبر امنت فلما عاينهم الباشا ومن معه مارين ركب بعسكره من ناحية كفر حكيم وما حوله وساروا الى جهة الجيزة ونصب وطاقه بحريها وباتوا تلك الليلة وعملوا شنكا في صبحها وهم يشيعون هروب الألفي والحال انه مر في جيش كثيف وصورة هائلة وقد رتب جنوده وعساكره طوابير وبين يديه النظام الذي رتبه على هيئة عسكر الفرنسيس ومعهم طبول بكيفية خرعت عقولهم والباشا واقف بجيوشه ينظر اليه تارة بعينه وتارة بالنظارة ويقول هذا طهماز الزمان ويتعجب وقال لطائفة الدلاة تقدموا لمحاربته وانا اعطيكم كذا وكذا من المال فلم يجسروا على التقدم لما سبق لهم معه
وفي يوم الخميس حضر اشخاص من العرب الى الباشا واخبروه بأن الألفي قد مات يوم وصوله الى تلك المحطة وذلك ليلة الاربعاء تاسع
(3/140)

عشرة وقد نزل به خلط دموي فتقايا ثم مات وذلك بناحية المحرقة بالقرب من دهشور وان مماليكه اجتمعوا وامروا عليهم شاهين بك وذلك باشارة استاذهم وان طائفة اولاد علي انفصلوا عنهم ورجعوا الى بلادهم واخرين يطلبون الامان فاشتبه الحال وشاع الخبر وصارت الناس بين مصدق ومكذب واستمر الاشتباه والاضطراب اياما حتى أن الباشا خلع على ذلك المخبر بعد أن تحقق خبره فروة سمور وركب بها وشق من وسط المدينة والناس ما بين مصدق ومكذب ويظنون أن ذلك مكايده وتحيلاته لامور يدبرها الى أن حضر بعض الخدم الى دوره واخبروا بحقيقة الحال كما ذكر فعند ذلك زال الاشتباه وعد ذلك من تمام سعد محمد علي باشا الدنيوي حتى انه قال في مجلس خاصته الآن ملكت مصر ولما مات الألفي ارتحلت اجناده ومماليكه وامراؤه وارتفعوا الى ناحية قبلي
ثم أن الباشا ارسل الى امرائه مكاتبة يستميلهم ويطلبهم للصلح ويدعوهم للانضمام اليه ويعدهم أن يعطيهم فوق مأمولهم ونحو ذلك وارسل تلك المكاتبة صحبة قادري أغا الذي طرده الألفي ونفاه واخذ محمد علي باشا في الاهتمام والركوب واللحوق بهم وفي كل يوم ينادي على العسكر بالمدينة بالخروج وقوى نشاطهم ورفعوا رؤوسهم وسعوا في قضاء اشغالهم وخطفوا الجمال والحمير وحضر الباشا الى بيته بالازبكية وبات به ليلة الاحد وصرح بسفره يوم الخميس وخرج الى العرضى ثانيا وطلب السلف والمال ومضى الخميس والجمعة ولم يسافر
وفي ليلة السبت تاسع عشرينه نزل به حادر وتحرك عنده خلط وحصل له اسهال وقىء واشاع الناس موته يوم السبت وتناقلوه وكاد العسكر ينهبون العرضى ثم حصلت له افاقة وخرج السيد عمر والمشايخ للسلام عليه يوم الاحد ولينهؤه بالعافية وكذلك خرجوا لوداعه قبل ذلك مرارا
وفيه حضر قادري بجوابات الرسالة من امراء الألفي احدها للباشا وعليه ختم شاهين بك وباقي خشداشينه الكبار وآخر خطابا لمصطفى كاشف أغا
(3/141)

الوكيل وعلي كاشف الصابونجي ومن كان كاتبهم بالمعنى السابق يذكرون في جوابهم أن كان سيدهم قد مات وهو شخص واحد فقد خلف رجالا وامراءوهم على طريقة استاذهم في الشجاعة والرأي والتدبير ونحو ذلك وليس كل مدع تسلم له دعواه ومن امثال المغاربة ما كل حمراء لحمة ولا كل بيضاء شحمة وذكروا في الجواب أيضا انه أن اصطلح مع كبرائهم الكائنين بقبلي وهم ابراهيم بك الكبير وعثمان بك حسن وباقي امرائهما كنا مثلهم وان كان يريد صلحنا دونهم فيعطينا ما كان يطلبه استاذنا من الاقاليم ونحو ذلك
واستهل شهر ذي الحجة بيوم الاثنين سنة
وفيه ارتحل الباشا بالعرضى الى ساقية مكي بالجيزة متوجها لقبلي
وفيه طلبوا المراكب من كل ناحية وعز وجودها وامتنعت الواردون ومراكب المعاشات والتجارات مع استمرار الطلب للمغارم والسلف ونحو ذلك وفي منتصفه وردت مكاتبات من وزير الدولة العثمانية وفيها الخبر بوقوع الغزو بين العثماني والموسكوب والامر بالتيقظ والتحفظ وتحصين الثغور فربما اغاروا على بعضها على حين غفلة وكذلك وردت اخبار بمعنى ذلك من حاكم ازمير وحاكم رودس وان الانكليز معاونون لطائفة الموسكوب لاستمرار عداوتهم مع الفرنساوية لكون الفرانساوية متصادفين مع العثماني والخبر عن مجمل القضية أن بونابارته امير جيش الفرنساوية وعساكرهم خرجوا في العام الماضي واغاروا على القرانات والممالك الافرنجية واستولوا على النيمسة التى هي اعظم القرانات وبينهم وبين الموسكوب مصادقة ونسب فارسل الموسكوب جندا كثيفا مساعدة للنمساوية مع كبير من قرابة قرانهم فتلاقوا مع بونابارته بعد استيلائه على تخت النيمسة فهزمهم أيضا واسر عظماءهم وسار بجيوشه الى الروسية واستولى على عدة اساكل وكلما استولى على جهة قرر بها حكامها وشرط عليهم شروطه التى منها معاداة الانكليز ومنابذتهم وراسله العثماني
(3/142)

وراسله هو أيضا ورأى العثماني قوة بأسه فصادقه وارسل اليه من طرفه الجي الى اسلامبول فدخلها في ابهة عظيمة وانزلوه منزلا حسنا وارسل صحبته هدايا وقوبل بأعظم منها وكذلك ارسل الى خصوص بونابارته تحفا وهدايا وتاجا من الجوهر فعند ذلك انتبذ الموسكوب ونقض الهدنة بينه وبين العثماني وطلب المحاربة فخافه العثماني لما يعلمه منه من القوة والكثرة وسعى الانكليزي بينهما بالصلح واجتهد في ذلك حتى امضاه بشروط قبيحة وشرع اهل الاسكندرية في تحصين قلاعها وابراجها وكذلك أبو قير ارسل كتخدا بك من يتقيد ببناء قلعة بالبرلس وحصل لمصر قلق ولغط وغلت الاسعار في البضائع المجلوبه وعملوا جميعات ببيت كتخدا بك وببيت السيد عمر النقيب واتفقوا على ارسال تلك المراسلات الى محمد علي باشا بالجهة القبلية وصحبة ديوان افندي
وفي عشرينه اجتمعوا بالازهر لقراءة صحيح البخاري في اجزاء صغار
وفيه حضر ديوان افندي بمكاتبات وفيها طلب جماعة من الفقهاء ليسعوا في اجراء الصلح بين الامراء المصريين وبين الباشا فوقع الاتفاق على تعيين ثلاثة اشخاص وهم بن الشيخ الامير وابن الشيخ العروسي والسيد محمد الدواخلي فسافروا في يوم الاحد سادس عشرينه ووصلت الاخبار بان الانجليز حضروا في اثني عشر مركبا وعبروا بغاز اسلامبول وكانوا محترسين فضربوا عليهم بالمدافع من الجهتين فلم يكترثوا ولم يفزعوا ولم يتاخروا ولم يصب الضرب الا مركبا واحدة من الاثني عشر وعمروا ثلمتها في الحال ولم يزالوا سائرين حتى رسوا ببر اسلامبول فهاج كل اهلها وصرخوا وانزعجوا انزعاجا عظيما وايقنوا بأخذ الانكليز البلدة ولو ارادوا حرقها لاحرقوها عن آخرها فعند ذلك نزل اليهى السيد علي باشا القبطان وهو اخو علي باشا الذي كان اخذ يسيرا مع البرديسي من برج مغيزل برشيد فتكلم معهم وصالحهم وخرجوا من البغاز سالمين مغبوطين بعفوهم المقدرة وانقضت السنة بحوادثها
(3/143)

واما من مات بها من العلماء والامراء ممن له ذكر
مات العمدة الفاضل صدر المدرسين وعمدة المحققين الفقيه الورع الشيخ محمد الخشني الشافعي تخرج على الشيخ عطية الاجهوري وغيره من اشياخ العصر المتقدمين كالحفني والعدوي ومسكنه بخطة السيدة نفيسة ويأتي الى الازهر في كل يوم فيقرأ دروسه ثم يعود الى داره متقللا في معيشته منعزلا عن مخالطة غالب الناس وهو آخر الطبقة وتمرض شهورا بمنزله الذي بالمشهد النفيسي وكان دائما يسأل عن الشيخ سليمان البجيرمي وكان يقول لا اموت حتى يموت البجيرمي لانه راى النبى صلى الله عليه و سلم في المنام وقال له أنت آخر اقرانك موتا ولم يكن من اقرانه سوى البجيرمى فلذلك كان يسأل عنه ثم مات البرجيرمى بقرية تسمى مصطية ومات هو بعده بنحو ثلاثة اشهر وكان وفاته في يوم الاثنين خامس عشرين ذي الحجة ولم يحضروا بجنازته الى الازهر بل صلى عليه بالمشهد النفيسي ودفن هناك رحمة الله تعالى عليه
ومات الشيخ الفقيه المحدث خاتمة المحققين وعمدة المدققين بقية السلف وعمدة الخلف الشيخ سليمان بن محمد بن عمر البجيرمي الشافعي الازهري المنتهي نسبه الى الشيخ جمعة الزبدي المدفون ببجيرم نسبة الى زيدة بالقرب من منية بن خصيم وينتهي نسب الشيخ جمعة المذكور الى سيدي محمدي بن الحنفية ولد ببجيرم قرية من الغربية احدى وثلاثين ومائة والف وحضر الى مصر صغيرا دون البلوغ ورباه قريبه الشيخ موسى البجيرمي وحفظ القرآن ولازم الشيخ المذكور حتى تأهل لطلب العلوم وحضر على الشيخ العشماوي في الصحيحين وابى داود الترمذي والشفاء والمواهب وشرح المنهج لشيخ الاسلام وشرحي المنهاج لكل من الرملي وابن حجر وحضر دروس الشيخ الحنفي واجازه الملوي والجوهري والمدابغي واخذ عن الديربي وغيره وحضر أيضا دروس الشيخ علي الصعيدي والسيد البليدي وشارك كثيرا من الاشياخ كالشيخ عطية الاجهوري وغيره وكان
(3/144)

انسانا حسنا حميد الاخلاق منجمعا عن مخالطة الناس مقبلا على شأنه وقد انتفع اناس كثيرون وكف بصره سنينا وعمر وتجاوز المائة سنة ومن تاليفه بايدي الطلبة حاشية على المنهج واخرى على الخطيب وغير ذلك وقبل وفاته سافر الى مصطيه بالقرب من بجيرم فتوفي بها ليلة الاثنين وقت السحر ثالث عشر رمضان من السنة المذكورة ودفن هناك رحمة الله تعالى عليه
ومات الاجل العلامة الفاضل الفهامة فريد عصره علما وعملا ووحيد دهره تفصيلا وجملا الشيخ مصطفى العقباوي المالكي نسبة لمنية عقبة بالجيزة حضر الى الازهر صغيرا ولازم السيد حسنا البقلي ثم الشيخ محمد العقاد المالكي ثم الشيخ محمد عبادة العدوي ملازمه كلية حتى تمهر في مذهبه في المنقولات والمعقولات وحضر دروس اشياخ العصر كالشيخ الدردير والشيخ محمد البيلي والشيخ الامير وغيرهم وتصدر لالقاء الدروس وانتفع به الطلبة واشتهر فضله وكان انسانا حسن الاخلاق مقبلا على الافادة والاستفادة لا يتداخل فيما لا يعنيه ويأتيه من بلدته ما يكفيه قانعا متورعا متواضعا ومن مناقبه انه كان يحب افادة العوام حتى انه كان اذا ركب مع المكاري يعلمه عقائد التوحيد وفرائض الصلاة الى أن توفي يوم الخميس تاسع عشر جمادى الآخرة ولم يخلف بعده مثله رحمة الله تعالى وعفا عنا وعنه
ومات الاجل المعظم المبجل المحقق المدقق المفضل العالم العامل الفاضل الكامل الشيخ علي النجارى المعروف بالقباني الشافعي مذهبا المكي مولدا المدني اصلا ابن العالم الفاضل الشيخ احمد تقي الدين بن السيد تقي الدين المنتهي نسبه الى أبي سعيد الخدري وهو سعد بن مالك بن دينار بن تيم الله بن ثعلبة النجاري احد بطون الخزرج وينتهي نسب اخواله الى السيد احمد الناسك بن عبدالله ادريس بن عبدالله بن الحسن الانور ابن سيدنا الحسن السبط رضى الله تعالى عنه ولد المترجم بمكة سنة اربع وثلاثين
(3/145)

ومائة وقدم الى مصر مع ابيه واخيه السيد حسن سنة احدى وسبعين ومائة قليلة وصولهم مرض اخوه المذكور وتوفي صبح ثالث يوم فجزع والده لذلك جزعا شديدا وتشاءم به وعزم على السفر الى مكة ثانيا ولم يتيسر له ذلك الا اواخر شوال من السنة المذكورة وبقي المترجم واشتغل بتحصيل العلوم وشراء الكتب النافعة واستكتابها ومشاركة اشياخ العصر في الافادة والاستفادة مع مباشرة شغل تجارتهم من بيع الارساليات التى ترد اليه من اولاد اخيه من جدة ومكة وشراء ما يشترى وارساله لهم الى أن تمرض وانقطع ببيته الذي بخطة عابدين قريبا من الاستاذ الحنفي سنة تسع ومائتين وكان عالما ماهرا واديبا شاعرا تخرج على والده وعلى غيره بمكة وعلى كثير من اشياخ العصر المتقدمين كالشيخ العشماوي والشيخ الحنفي والشيخ العدوي وغيرهم وتخرج في الادب على والده وعلى الشيخ علي بن تاج الدين المكي وعلى الشيخ عبدالله الاتكاوي وغيرهم وله مؤلفات منها نفح الاكمام على منظومته في علم الكلام ومنها تقريره على الرملي وهو مجلد ضخم ومنها شرح بديعيته التى سماها مراقي الفرج في مدح عالي الدرج وله ديوان شعر صغير غالبه جيد وكان في مدة انقطاعه لا يشتغل بغير المطالعة وتحصيل الكتب الغريبة وقيد ولده السيد سلامة بأشغال تجارتهم وولده السيد احمد بملازمته واسماعه فيما يريد مطالعته وكانت داره في غالب الاوقات لا تخلوا من المترددين الى أن توفي ليلة السابع والعشرين من رجب من السنة المذكورة وعمره سبع وثمانون سنة وصلى عليه بالأزهر ودفن بمقبرة اخيه بباب الوزير وخلف ولديه المذكورين وكان وجيها لطيفا محبوبا للنفوس ورعا رحمة الله تعالى عليه
ومات صاحبنا الاجل المعظم والوجيه المكرم الامير ذو الفقار البكري نسبة ونسابة وهو مملوك السيد محمد بن علي افندي البكري الصديقي اشتراه سيده المذكور عام احدى وسبعين ومائة والف ورباه وادبه واعتقه وزوجه ابنته ونشأ في عز ورفاهية وسيادة وعفة وطيب خيم وعلو همة
(3/146)

ولما توفي سيده اتحد بولده السيد محمد افندي وهو اخو زوجته اتحادا كليا بحيث صارا كالاخوين لا يصبر احدهما عن الآخر ساعة واحدة وسكنهما واحد في بيتهم الكبير بالازبكية ولما توفي السيد محمد افندي اشتغل المترجم باسكني في الدار الى أن حضر الفرنساوية فخرج مع من خرج من مصر الى ناحية الشام ونهبت كتبه وداره ثم رجع بامان في ايام الفرنساوية فوجد الدار قد سكنها الفرنساوية فاشترى دارا غيرها بخطة عابدين وجدد بها نظامه ولما حصلت حادثة عسكر الاروام العثمانية مع الامراء المصريين التى خرج فيها ابراهيم بك والبرديسي وامراؤهم نهبت داره المذكورة أيضا فيما نهب فانتقل الى ناحية الازهر ثم سكن بحارة السبع قاعات بالاجرة واقتنى كتبا شراء واستكتابا وجمع عدة اجزاء متفرقة من تاريخ مرآة الزمان لابن الجوزي وخطط المقريزي وغيرها الى أن اخترمته المنية ومات فجأة يوم الثلاثاء في ثاني عشرين رجب من السنة قبيل الغروب وصلى عليه في صبحها بالازهر في مشهد حافل ودفن بتربة البكرية ظاهر قبة الامام الشافعي وكان انسانا حسنا محبوبا لجميع الناس وجيه الذات مليح الصفات حسن المفاكهة والمعاشرة متوقد القطنة ! صادق الفراسة ساكن الجأش وقورا ادوبا محتشما وخلف من بعده السيد محمد المعروف بالغزاوي المرزوق له من ابنة سيده المذكور ولكونه ولده بغرة حين كانوا بالشام انشأه الله انشاء صالحا وبارك فيه
ومات الامير الكبير والضرغام الشهير محمد بك الألفي المرادي جلبه بعض التجار الى مصر في سنة تسع وثمانين ومائة والف فاشتراه احمد جاويش المعروف بالمجنون فأقام في بيته اياما فلم تعجبه اوضاعه لكونه كان مماجنا سفيها ممازجا فطلب منه بيع نفسه فباعه لسليم أغا الغزاوي المعروف بتمرلنك فأقام عنده شهورا ثم اهداه الى مراد بك فاعطاه نظيره ألف اردب من الغلال فلذلك سمي الألفي وكان جميل الصورة فاحبه مراد بك وجعله جوخداره ثم اعتقه وجعله كاشفا بالشرقية وعمر دارا
(3/147)

بناحية الخطة المعروفة بالشيخ ضلام وانشأ هناك حماما بتلك الخطة عرفت به وكان صعب المراس قوي الشكيمة وكان بجواره علي أغا المعروف بالتوكلي فدخل عليه وتشفع عنده في امر فقبل رجاءه ثم نكث فحنق منه واحتد ودخل عليه في داره يغادره ويعاتبه فرد عليه بغلظة فأمر الخدم بضربه فبطحوه وضربوه بالعصي المعروفة بالنبابيت فتألم لذلك ومات بعد يومين فشكوه الى استاذه مراد بك فنفاه الى بحري فعسف بالبلاد مثل فوة ومطوبس وبارنبال ورشيد واخذ منهم ارزا واموالا فتشكوا منه الى استاذه وكان يعجبه ذلك وفي اثناء ذلك وقع الخلاف بمصر بين الامراء ونفوا سليمان بك الأغا واخاه ابراهيم بك ومصطفى بك كما ذكر ذلك فى محله وارسل اليه مراد بك وامره ان يتعين على مصطفى بك ويذهب به الى الاسكندرية منفيا ثم يعود هو الى مصر ففعل ورجع المتجرم الى مصر فعند ذلك قلدوه الصنجقية وذلك في سنة اثنتين وتسعين ومائة والف واشتهر بالفجور فخافته الناس وتحاموا شدته وسكن أيضا بدار بناحية قيصون وذلك عندما اتسعت دائرته وهدم داره القديمة أيضا ووسعها وانشأها انشاء جديدا واشترى المماليك الكثيرة وامر منهم امراء وكشافا فنشؤا على طبيعة استاذهم في التعدي والعسف والفجور ويخافون من تجبره عليهم والتزم باقطاع فرشوط وغيرها من البلاد القبلية ومن البلاد البحرية محلة دمنة ومليج وزوبر وغيرها وتقلد كشوفية شرقية بلبيس ونزل اليها وكان يغير على ما بتلك الناحية من اقطاعات وغيرها واخاف جميع عربان تلك الجهة وجميع قبائل الناحية ومنعهم من التعدى والجور على الفلاحين بتلك النواحي حتى خافه الكثير من العربان والقبائل وكانوا يخشونه وصادهم باشراك منهم وقبض على الكثير من كبرائهم وسحبهم في الجنازير وصادروهم في اموالهم ومواشيهم وفرض عليهم المغارم والجمال ولم يزل على حالته وسطوته الى أن حضر حسن باشا الجزايرلي الى مصر فخرج المترجم مع عشيرته الى ناحية قبلي ثم رجع معهم في
(3/148)

اواخر سنة خمس ومائتين بعد الالف بعد الطاعون الذي مات فيه اسمعيل بك وذلك بعد اقامتهم بالصعيد زيادة عن اربع سنوات ففى تلك المدة ترزن عقله وانهضمت نفسه وتعلق قلبه بمطالعة الكتب والنظر في جزيئات العلوم والفلكيات والهندسيات واشكال الرمل والزايرجات والاحكام النجومية والتقاويم ومنازل القمر وانوائها ويسأل عمن له المام بذلك فيطلبه ليستفيد منه واقتنى كتبا في انواع العلوم والتواريخ واعتكف بداره القديمة ورغب في الانفراد وترك الحالة الي كان عليها قبل ذلك واقتصر على مماليكة والاقطاعات التي بيده واستمر على ذلك مدة من الزمان فثقل هذا الامر على اهل دائرته وبدا يصغر في اعين خشداشينه ويضعف جانبه وطفقوا يباكتونه وتجاسروا عليه وطمعوا فيما لديه وتطلع ادونهم للترفع عليه فلم يسهل به ذلك واستعمل الامر الاوسط وسكن بدار احمد جاويش المجنون يدرب سعادة وعمر القصر الكبير بمصر القديمة بشاطئ النيل تجاه المقياس وانشأ أيضا قصرا فيما بين باب النصر والدمرداش وجعل غالب اقامته فيهما واكثر من شراء المماليك وصار يدفع فيهم الاموال الكثيرة للجلابين ويدفع لهم اموالا مقدما يشترونها بها وكذلك الجواري حتى اجتمع عنده نحو الالف مملوك خلاف الذي عند كشافه وهم نحو الاربعين كاشفا الواحد منهم دائرته قدر دائرة صنجق من الامراء السابقين وكل مدة قليلة يزوج من يختاره من مماليكه لمن تصلح له من الجواري ويجهزهم بالجهاز الفاخر ويسكنهم الدور الواسعة ويعطيهم الفائظ والمناصب وقلد كشوفية الشرقية لبعض مماليكه ترفعا لنفسه عن ذلك وينزل هو اليهم أيضا على سبيل التروح وبنى له قصرا خارج بلبيس وآخر بالدمامين واخمد شوكة عربان الشرق وجبى منهم الاموال والجمال واخمد ناموسهم الذي كان يغشى ابدان الفلاحين وارواحهم واضعف شوكتهم واخفى صولتهم وكان يقيم بناحية الشرق شهورا ثلاثة او اربعة ثم يعود الى مصر واصطنع قصرا من خشب مفصلا قطعا ويركب بشناكل واغربة متينة قوية
(3/149)

يحمل على عدة جمال فإذا اراد النزول في محطة تقدم الفراشون وركبوه خارج الصيوان فيصير مجلسا لطيفا يصعد اليه بثلاث درج مفروش بالطنافس والوسائد يسع ثمانية اشخاص وهو مسقوف وله شبابيك من الاربع جهات تفتح وتغلق بحسب الاختيار وحوله الاسرة من كل جانب وكل ذلك من داخل دهليز الصيوان وكان له داران بالازبكية احدهما كانت لرضوان بك بلغيا والاخرى للسيد احمد بن عبد السلام فبدا له في سنة اثنتي عشرة ومائتين والف أن ينشئ دارا عظيمة خلاف ذلك بالازبكية فاشترى قصر ابن السيد سعودي الذي بخطة الساكن فيما بينه وبين قنطرة الدكة من احمد أغا شويكار وهدمه واوقف في شيادته على العمارة كتخدا ذا الفقار ارسله قبل مجيئه من ناحية الشرقية ورسم له صورة وضعه في كاغد كبير فأقام جدرانه وحيطانه وحضر هو في اثناء ذلك فوجده قد اخطأ الرسم فاغتاظ وهدم غالب ذلك وهندسه على مقتضى عقله واجتهد في بنائه واوقف اربعة من كبار امرائه على تلك العمارة كل امير في جهة من جهاته الاربع يحثون الصناع ومعهم اكثر اتباعهم ومماليكهم وعملوا عدة قمن لحرق الاحجار وعمل النورة وكذلك ركب طواحين الجبس لطحنه وكل ذلك بجانب العمارة وقطعوا الاحجار الكبار ونقلوها في المراكب من طرا الى جنب العمارة بالازبكية ثم نشروها بالمناشير وألواحا كبارا لتبليط الارض وعمل الدرج والفسحات واحضروا لها الاخشاب المتنوعة من بولاق واسكندرية ورشيد ودمياط واشترى بيت حسن كتخدا الشعراوي المطل على بركة الرطلي من عتقائه وهدمه ونقل اخشابه وانقاضه الى العمارة وكذا نقلوا اليه انواع الرخام والاعمدة ولم يزل الاجتهاد في العمل تم على المنوال الذي اراده ولم يجعل له خرجات ولا حرمدانات بارزة عن اصل البناء ولا رواشن بل جعل ساذجا حرصا على المتانة وطول البقاء ثم ركبوا على فرجاتة المطلة على البركة والبستان والرجبة والشبابيك الخرط المصنعة وركبوا عليها شرائح الزجاج ووضع به النجف والاشياء والتحف
(3/150)

العظيمة التي اهداها اليه الافرنج وعملوا بقاعة الجلوس السفلى فسقية عظيمة بسلسبيل من الرخام قطعة واحدة ونوفرة كبيرة حولها نوفرات من الصفر يخرج الماء من افواهما وجعل بها حمامين علويا وسفليا وبنوا بدائر حوشه عدة كبيرة من الطباق السكني المماليك وجعله دوارا واحدا لما تم البناء والبياض والدهان فرشه بأنواع الفرش والوسائد والمساند والستائر المقصبات وجعل خلفه بستانا عظيما وانشأ به جملونا مستطيلا متسعا به دكك واعمدة وهو من الجهة البحرية ينتهي اخره الى الدور المتصلة بقنطرة الدكة واهدى اليه أيضا الافرنج فسقية رخام في غاية العظم فيها صورة اسماك مصورة يخرج من افواهها الماء جعلها بالبستان ونجز البناء والعمل وسكن بها هو وعياله وحريمه في اخر شهر شعبان من سنة اثنتي عشرة واستهل شهر رمضان فأوقدوا فيها الوقدات والاحمال الممتلئة بالقناديل بدائرة الحوش والرحبة الخارجة وكذلك بقاعة الجلوس احمال النجف والشموع والصحب والفنيارات الزجاج وازدحمت خيول الامراء ببابه فأقام على ذلك الى منتصف شهر رمضان وبداله السفر الى الشرقية فأبطلوا الوقدة واطفؤا السرج والشموع فكان ذلك فألا فكانت مدة سكناه به ستة عشر يوما بلياليها وانما اطنبنا في ذكر ذلك ليعتبر اولو الألباب ولايجتهد العاقل في تعمير الخراب وفي اثناء غيبته بالشرقية وصلت الفرنساوية الى الاسكندرية ثم الى مصر وجرى ما جرى سبق ذكره وذهب مع عشيرته الى قبلي وعند وصول الفرنساوية الى بر انبابة بالبر الغربي وتحاربوا مع المصريين ابلى المترجم وجنده في تلك الواقعة ويعمل معهم مكايد ويصطاد منهم بالمصايد ولما وصل عرضي الوزير الى وعدة اسرى واسد عظيم اصطاده في سروحه فشكره الوزير وخلع عليه الخلع السنية واقام بعرضية اياما ثم رجع الى ناحية مصر وذهب الى الصعيد ثم رجع الى الشام والفرنساوية يأخذون خبره ويرصدونه في الطرق ناحية الشام ذهب اليه وقابله وانعم عليه وكان معه رؤساء من الفرنساوية
(3/151)

فيزوغ منهم ويكبسهم في غفلاتهم وينال منهم ولما وصل الوزير وحصل انتقاص الصلح وانحصر المصريون والعثمانيون بداخل المدينة وقع له مع الفرنساوية الوقائع الهائلة فكان يكر ويفر هو وحسن بك الجداوي ويعمل الحيل والمكايد وقتل من كشافه في تلك الحروب رجال معدودة منهم اسمعيل كاشف المعروف بأبي قطية احترق هو وجنده ببيت احمد أغا شويكار الذي كان انشأه برصيف الخشاب وكانت الفرنساوية قد عملوا تحته لغم بارود في اسفل جدرانه ولم يعلم به احد فلما تترس فيه اسمعيل كاشف ومن معه ارسلوا من الهمه النار فالتهب على من فيه واحترقوا بأجمعهم وتطايروا في الهواء ولما اصطلح مراد بك مع الفرنساوية لم يوافقه على ذلك واعتزله ولما اشتد الامر بين الفريقين وشاطت طبخة العثمانيين ومن تبعهم طفق يسعى بين الفريقين في الصلح ويمشي مع رسل الفرنساوية في دخولهم بين العسكر وخروجهم ليمنع من يتعدى عليهم من اوباش العسكر خوفا من ازدياد الشر الى أن تم الصلح وخرج المترجم بلاء حسنا وقتل من كشافة ومماليكه عدة وافرة ولم يزل مدة اقامة الفرنساوية بمصر ينتقل في الجهات القبلية والبحرية والشرقية والغربية مع العثمانية الى نواحي الشام ثم رجع الى جهة الشرقية فيحارب من يصادفه من الفرنسيس ويقتل منهم فإذا جمعوا جيشهم واتوا لحربه لم يجدوه ويمر من خلف الجبل ويمر بالحاجز الى الصعيد فلا يعلم اين ذهب ثم يظهر بالبر الغربي ثم يسير مشرقا ويعود الى الشام وهكذا كان دأبه بطول السنة التي تخللت بين الصلحين الى أن نظم العثمانية امرهم وتاونوا بالانكليز ورجع الوزير على طريق البر وقبطان باشا بصحبة الانكليز من البحر فحضر المترجم وباقي الامراء واستقر الجميع بداخل مصر والانكليز ببر الجيزة وارتحلت الفرنساوية وخلت منهم مصر فعند ذلك قلق المترجم وداخله وسواس وفكر لانه كان صحيح النظر في عواقب الامور فكان لا يستقر له قرار ولم يدخل الى الحريم ولم يبت بداره الا ليلتين على
(3/152)

سجادة ومخدة في القاعة السفلى ولم يكن بها حريم
يقول الفقير ذهبت اليه مرة في ظرف اليومين فوجدته جالسا على السجادة فجلست معه ساعة فدخل عليه بعض امرائه يستأذنه في زواج احدى زوجات من مات من خشداشينة فنتر فيه وشتمه وطرده وقال لي انظر الى عقول هؤلاء المغفلين يظنون انهم استقروا بمصر ويتزوجوا ويتأهلوا مع أن جميع ما تقدم من حوادث الفرنسيس وغيرها اهون من الورطة التي نحن فيها الآن ولما اطلق الوزير لابراهيم بك الكبير التصرف والبسه خلعة وجعله شيخ البلد كعادته وان اوراق التصرفات في الاقطاعات والاطيان وغيرها تكون بختمه وعلامتة اغتر هو وباقي الامراء بذلك وازدحم الديوان ببيت ابراهيم بك المرادي وعثمان بك حسن والبرديسي وتناقلوا في الحديث فذكروا ملاطفة الوزير ومحبته لهم واقامته لناموسهم فقال المترجم لا تغتروا بذلك فإنما هي حيل ومكايد وكأنها تروج عليكم فانظروا في امركم وتفطنوا لما عساه يحصل فان سوء الظن من الحزم فقالوا له وما الذي يكون قال أن هؤلاء العثمانيين لهم السنين العديدة والازمان المديدة يتمنون نفوذ احكامهم وتملكهم لهذا الاقليم ومضت الاحقاب وامراء مصر قاهرون لهم وغالبون عليهم ليس لهم معهم الا مجرد الطاعة الظاهرة وخصوصا دولتنا الاخيرة وما كنا نفعله معهم من الاهانة ومنع الخزينة وعدم الامتثال لاوامرهم وكل ذلك مكمون في نفوسهم زيادة على ما جبلوا عليه من الطمع والخيانة والشره وقد ولجوا البلاد الان وملكوها على هذه الصورة وتأمروا علينا فلا يهون بهم أن يتركوها لنا كما كانت بأيدينا ويرجعوا الى بلادهم بعدما ذاقوا حلاوتها فدبروا رايكم وتيقظوا من غفلتكم فلما سمعوا منه ذلك صادق عليه بعضهم وقال بعضهم هذا من وساوسك وقال اخر هذا لايكون بعد ما كنا نقاتل معهم ثلاث سنوات واشهرا بأموالنا وانفسنا وهم لايعرفون طرائق البلاد ولاسياستها فلا غنى لهم عنا وقال آخر غير ذلك ثم قالوا له مارأيك الذي تراه فقال الرأي عندي أن قبلتموه
(3/153)

ان نعدي بأجمعنا الى بر الجيزة وننصب خيامنا هناك ونجعل الانكليز واسطة بيننا وبين الوزير والقبطان وتتمم الشروط التي نرتاح نحن وهم عليها بكفالة الانكليز ولا نرجع الى البر الشرقي ولا ندخل مصر حتى يخرجوا منها ويرجعوا الى بلادهم ويبقى منهم من يبقى مثل من يقلدونه الولاية والدفتردارية ونحو ذلك وكان ذلك هو الرأي ووافق عليه البعض ولم يوافق البعض الآخر وقال كيف ننابذهم ولم يظهر لنا منهم خيانة ونذهب الى الانكليز وهم اعداء الدين فيحكم العلماء بردتنا وخيانتنا لدولة الاسلام على انهم أن قصدوا بنا شيئا قمنا باجمعنا عليهم وفينا ولله الحمد الكفاية وعند ذلك تتوسط بيننا وبينهم الانكليز فنكون لنا المندوحة والعذر فقال المترجم اما الاستنكاف من الالتجاء للانكليز فان القوم لم يستنكفوا من ذلك واستعانوا بهم ولولا مساعدتهم لما ادركوا هذا المحصول ولا قدروا على اخراج الفرنساوية من البلاد وقد شاهدنا ما حصل في العام الماضي لما حضروا بدون الانكليز على أن هذا قياس مع الفارق فإن تلك مساعدة حرب واما هذه فهي وساطة مصلحة لاغير واما انتظار حصول المنابذة فقد لايمكن التدارك بعد الوقوع لامور والرأي لكم فسكتوا وتفرقوا على كتمان ما دار بينهم ولما لم يوافقوا المترجم على ما اشار به عليهم اخذ يدبر في خلاص نفسه فانضم الى محمود افندي رئيس الكتاب لقربه من الوزير وقبوله عنده واوهمه النصيحة للوزير بتحصيل مقادير عظيمة من الاموال من جهة الصعيد أن قلده الوزير امارة الصعيد فإنه يجمع له اموالا جمة من تركات الاغنياء الذين ماتوا بالطاعون في العام الماضي وخلافة ولم يكن لهم ورثة وغير ذلك من الجهات التي لا يحيط بها خلافه والمال والغلال الميرية فلما عرف الرئيس الوزير بذلك لم يكن بأسرع من اجابته لوجهين الاول طمعا في تحصيل المال والثاني لتفريق جمعهم فانهم كانوا يحسبون حسابه دون باقي الجماعة لكثرة جيشه وشدة احترازه فإنه كان اذا ذهب عند الوزير لايذهب في الغالب الا وحوله جميع جنوده
(3/154)

ومماليكه وعندما اجاب الوزير الى سفره كتب له فرمانا بإمارة الجهة القبلية واطلق له الاذن ورخص له في جميع ما يؤدي اليه اجتهاده من غير معارض وتمم الرئيس القصد وفي الوقت حضر المترجم فأخذ المرسوم ولبس الخلعة بنفسه وودع الوزير والرئيس وركب في الوقت والساعة وخرج مسافرا وجعل رئيس افندي وكيلا عنه وسفيرا بينه وبين الوزير بعدما اسكنه في داره ولم يشعر بذلك احد ولم ير للوزير وجها بعد ذلك وعندما اشيع ذلك حضر الى الوزير اعتراض عليه في هذه الغفلة واشار عليه بنقض ذلك فأرسل يستدعيه لامر تذكره على ظن تأخره فلم يدركوه الا وقد قطع مسافة بعيدة ورجعوا على غير طائل وذهب هو الى اسيوط وشرع في جبي الاموال وارسل للوزير دفعة من المال واغناما وعبيدا طواشية وغلالا ثم لم يمض على ذلك الا نحو ثلاثة شهور وسافر طائفة من الانكليز الى سكندرية وكذلك حسين باشا القبطان ونصبوا للمصريين الفخاخ وارسل القبطان يطلب طائفة منهم فأوقع بهم ما اوقع وقبض الوزير على من بمصر من الامراء وحبسهم وجرى ما هو مسطور في محله وعينوا على المترجم طاهر باشا بعساكر وحصلت المفاقمة وقتل من قتل والتجأ من بقي الى الانكليز ولم يندمل الجرح بعد تقريحه وذهب الجميع الى الناحية القبلية وارسلوا لهم التجاريد وتصدى المترجم لحروبهم ثم حضر الى ناحية بحرى ونزل بظاهر الجيزة وسار الى ناحية البحيرة بعد حروب ووقائع فاجتهد محمد باشا خسرو في اخراج تجريدة عظيمة وسارى عسكرها كتخدا وهو يوسف كتخدا بك وهي التجريدة التي سماها العوام تجريدة الحمير لانهم جمعوا من جملة ذلك حمير الحمارة والتراسين وحمير اللكاف والسقائين وعملوا على اهل بولاق ألف حمار وكذلك مصر ومصر القديمة وطفقوا يخطفون حمير الناس ويكبسون البيوت ويأخذون ما يجدونه وكان يأتي بعض معاكيس العسكر عند الدور ويضع احدهم فمه عند الباب ويقول زر فينهق الحمار فياخذونه فلما تم مرادهم من
(3/155)

جمع الحمير اللازمة لهم سافروا الى ناحية البحيرة فكانت بينهم واقعة عظيمة بمرأى من الانكليز وكانت الغلبة له على العسكر واخذ منهم جملة اسرى وانهزم الباقون شر هزيمة وحضروا الى مصر في اسوأ حال وهذه الكسرة كانت سببا لحصول الوحشة بين الباشا والعسكر فإنه غضب عليهم وامرهم بالخروج من مصر فطلبوا علائفهم فقال باي شئ تستحقون العلائف ولم يخرج من ايديكم شئ فامتنعوا من الخروج وكان المشار اليه فيهم محمد علي سرششمة فأراد الباشا اصطياده فلم يتمكن منه لشدة احتراسه فحاربه فدفع له ما ذكر في محله وخرج الباشا هاربا الى دمياط ومن ذلك الوقت ظهر اسم محمد علي ولم يزل ينموا ذكره بعد ذلك واما المترجم فإنه بعد كسرته للعسكر ذهب ناحية دمنهور وذهبت كشافه وامراؤه الى المنوفية والغربية والدقهلية وطلبوا منهم المال والكلف ثم رجعوا الى البحيرة ثم بعد هذه الوقائع سافر المترجم مع الانكليز الى بلادهم واختار من مماليكه خمسة عشر شخصا اخذهم صحبته واقام عوضه احد مماليكه المسمى بشتك بك وسمى الألفي الصغير وامره على مماليكه وامرائه وامرهم بطاعته واوصاه وصايا وسافر وغاب سنة وشهرا وبعض ايام لانه سافر في منتصف شهر شوال سنة سبع عشرة وحضر في اول شهر القعدة سنة ثمان عشرة وجرى في مدة غيابه من الحوادث التي تقدم من ذكرها ما يغني عن اعادتها من خروج محمد باشا خسرو وتولية طاهر باشا ثم قتله ودخول الامراء المصريين وتحكمهم بمصر سنة ثمان عشرة وتأمير صناجق من اتباع المترجم وما جرى بها من الوقائع بتقدير الله تعالى البارز بتدبير محمد علي ونفاقه وحيله فإنه سعى اولا في نقض دولة مخدومه محمد باشا خسرو بتواطئه مع طاهر باشا وخازنداره محمد باشا المحافظ للقلعة ثم الاغراء على طاهر باشا حتى قتل ثم معاونته للأمراء المصريين ودخولهم وتملكهم واظهار المساعدة الكلية لهم ومصادقتهم وخدمتهم ومعاونتهم والرمح في غفلتهم وخصوصا عثمان بك البرديسي
(3/156)

فإنه كان ممخرقا غشوما يحب الترؤس فأظهر له الصداقة والمؤاخاة والمصافاة حتى قضى منهم اغراضه من قتل الدفتردار والكتخدا وعلي باشا الطرابلسي ومحاربة محمد باشا واخذه اسيرا من دمياط واخيه السيد علي القبطان برشيد ونسبة جميع هذه الافعال والقبائح اليهم فلما انقضى ذلك كله لم يبق الا الألفي وجماعته والبرديسي الذي هو خشداشة يحقد عليه ويغار منه ويعلم انه اذا حضر لا يبقى له معه ذكر وتخمد انفاسه فيتناجيا ويتسارا في امر المترجم ويتذاكرا تعاظم وكيله وخشداشينة ونقضهم عليه ما يبرمونه مع غياب استاذهم فكيف بهم اذا حضر ويوهمة المساعدة والمعاضدة ويكون خادما له وعساكره جنده الى أن حضر المترجم فأوقعا به ما تقدم ذكره ونجا بنفسه واختفى عند عشيبة البدوي بالوادي فلما خلا الجو من الألفي وجماعته فأوقع محمد علي عند ذلك بالبرديسي وعشيرته ما اوقع وظهر بعد ذلك المترجم من اختفائه وذهب الى ناحية قبلي هو ومملوكه صالح بك واجتمعت عليه امراؤه واجناده واستفحل امره واصطلح مع عشيرته والبرديسي على مافي نفوسهما وما زال منجمعا عن مخالطتهم وجرى ما جرى من مجيئهم حوالي مصر وحروبهم مع العساكر في ايام خورشيد احمد باشا وانفصالهم عنها بدون طائل لتفاشلهم واختلاف آرائهم وفساد تدبيرهم ورجعوا الى ناحية قبلي ثم عادوا الى ناحية بحري بعد حروب ووقائع مع حسن باشا ومحمد علي وعساكرهم ثم لما حصلت المفاقمة بينهما وبين خورشيد احمد باشا وانتصر محمد علي بالسيد عمر مكرم النقيب والمشايخ والقاضي واهل البلدة والرعايا وهاجت الحروب بين الباشا واهل البلدة كما هو مذكور كانت الامراء المصريون بناحية التبين والمترجم منعزل عنهم بناحية الطرانة والسيد عمر يراسله ويعده ويذكر له بأن هذا القيام من اجلك واخراج هذه الاوباش ويعود الامر اليكم كما كان وانت المعني بذلك لظننا فيك الخير والصلاح والعدل فيصدق هذا القول ويساعده بارسال المال ليصرفه في مصالح المقاتلين والمحاربين ومحمد علي يداهن السيد عمر سرا ويتملق اليه
(3/157)

ويأتيه ويراسله ويأتي اليه في اواخر الليل وفي أواسواطه مترددا عليه في غالب اوقاته حتى تم له الامر بعد المعاهدة والمعاقدة والايمان الكاذبة على سيره بالعدل واقامة الاحكام والشرائع والاقلاع عن المظالم ولايفعل امرا الا بمشورته شورة العلماء وانه متى خالف الشروط عزلوه واخرجوه وهم قادرون على ذلك كما يفعلون الآن فيتورط المخاطب بذلك القول ويظن صحته وان كل الوقائع زلابية وكل ذلك سرا لم يشعر به خلافهم الى أن عقد السيد عمر مجلسا عند محمد علي واحضر المشايخ والاعيان وذكرلهم أن هذا الامر وهذه الحروب ما دامت على هذه الحالة لاتزداد الا فشلا ولا بد من تعيين شخص من جنس القوم للولاية فانظروا من تجدونه وتختارونه لهذا الامر ليكون قائم مقام حتى يتعين من طرف الدولة من يتعين فقال الجميع الرأي ما تراه فاشار الى محمد علي فأظهر التمنع وقال انا لااصلح لذلك ولست من الوزراء ولا من الامراء ولا من اكابر الدولة فقالوا جميعا قد اخترناك لذلك براي الجميع والكافة والعبرة ورضا اهل البلاد وفي الحال احضروا فروة البسوها له وباركوا له وهنؤه وجهروا يخلع خورشيد احمد باشا من الولاية واقامة المذكور في النيابة حتى يأتي المتولي او يأتي له تقرير بالولاية ونودي في المدينة بعزل الباشا واقامة محمد علي في النيابة الى أن كان ما هو مسطور قبل ذلك في محله فلما بلغ المترجم ذلك وكان ببر الجيزة ويراسل السيد عمر مكرم والمشايخ فانقبض خاطره ورجع الى البحيرة واراد دمنهور فامتنع عليه اهلها وحاربوه وحاربهم ولم ينل منهم غرضا والسيد عمر يقويهم ويمدهم ويرسل اليهم البارود وغيره من الاحتياجات وظهر للمترجم تلاعب السيد عمر مكرم معه وكأنه كان يقويه على نفسه فقبض على السفير الذي كان بينهما وحبسه وضربه واراد قتله ثم اطلقه ثم عاد الى بر الجيزة وسكنت الفتنة واستقر الامر لمحمد علي باشا وحضر قبطان باشا الى ساحل أبي قير ووصل سلحداره الى مصر وانزل احمد باشا المخلوع عن الولاية من القلعة الى بولاق ليسافر ومنع
(3/158)

محمد علي من الذهاب والمجئ الى المصريين واوقف أشخاصا برا وبحرا يرصدون من يأتي من قبلهم او يذهب اليهم بشئ من متاع وملبوس وسلاح وغير ذلك ومن عثروا عليه بشئ قبضوا عليه واخذوا ما معه وعاقبوه فامتنع الباعة والمتسببون وغيرهم من الذهاب اليه بشئ مطلقا فضاق خناق المترجم فاحتال بان ارسل محمد كتخداه يطلب الصلح مع الباشا فانسر لذلك وفرح واعتقد صحة ذلك وانعم على الكتخدا وعبي هدية جليلة لمخدومه من ملابس وفراوي واسلحة وخيام ونقود وغير ذلك وعندها قضى الكتخدا اشغاله من مطلوبات مخدومه واحتياجاته له ولأتباعة وامرائه ووسق مراكب وذهب بها جهارا من غير أن يتعرض له احد وذهب صحبته السلحدار وموسى البارودي وذكروا انه يطلب كشوفية الفيوم وبني سويف والجيزة والبحيرة ومائتي بلد من الغربية والمنوفية والدقهلية يستغل فائظها ويجعل اقامته بالجيزة ويكون تحت الطاعة فلم يرض الباشا بذلك وقال اننا صالحنا باقي الامراء واعطيناهم من حدود جرجا بالشروط التي شرطناها عليهم وهو داخل في ضمنهم فرجع محمد كتخدا له بالجواب بعد أن قضى اشغاله واحتياجاته ولوازمه من امتعة وخيام وسروج وغير ذلك وتمت حيلته وقضى اغراضه وذهب الى الفيوم وتحارب جنده مع جند ياسين بك وانخدل فيها ياسين بك ثم عاد شاهين بك الالفي بجند كثير بعد شهور الى بر الجيزة وخرج محمد علي باشا لمحاربته بنفسه فكانت له الغلبة وقتل في هذه الواقعة على كاشف الذي كان تزوج بزوجة حسن بك الجداوي وهي بنت حسن بك شنن رآه الاخصام منجملا فظنوه الباشا فأحاطوا به واخذوه اسيرا ثم قتلوه ورجع الباشا الى بر مصر واجتهد في تشهيل تجريدة اخرى وكل ذلك مع طول المدى
وفي اثناء ذلك مات بشنك بك المعروف بالالفي الصغير مبطونا بناحية قبلي ثم أن المترجم خرج من الفيوم في اوائل المحرم من السنة المذكوره
(3/159)

وكان حسن باشا طاهر بناحية جزيرة الهواء بمن معه من العسكر فكانت بينهما واقعة عظيمة انهزم فيها حسن باشا الى الرقق وادركه اخوه عابدين بك فأقام معه بالرفق كما تقدم وحضر الألفي الى بر الجيزة وانبابة وخرجت اليهم العساكر فكانت بينهم واقعة بسوق الغنم ظهر عليهم فيها أيضا ثم سار مبحرا وعدى من عسكره وجنده جملة الى السبكية فأخذوا منها ما اخذوه وعادوا الى استاذهم بالطرانة ثم انه انتقل راحلا الى البحيرة وحرب دمنهور ومحاصرتها وكانوا قد حصنوها غاية التحصين فلم يقدر عليها فعاد الى ناحية وردان ثم رجع الى حوش ابن عيسى لانه بلغه وصول مراكب وبها امين بك تابعه وعدة عساكر من النظام الجديد واشخاص من الانكليز لانه كان مع ماهو فيه من التنقلات والحروب يراسل الدولة والانكليز وارسل بالخصوص امين بك الى الانكليز فسعوا مع الدولة بمساعدته وحضروا اليه بمطلوبه فعمل لهم بحوش بن عيسى شنكا وارسلهم مع امين بك الى الامراء القبليين فلما بلغ محمد علي باشا ذلك راسل الامراء القبليين وداهنهم وارسل لهم الهدايا فراجت اموره عليهم مع مافي صدورهم من الغل للمترجم
وفي اثر ذلك حضر قبطان باشا الى الاسكندرية ووردت السعادة بخبر وروده وان بعده واصل موسى باشا واليا على مصر بالعفو عن المصريين وكان من خبر هذه القضية والسبب في حركة القبطان ارساليات الألفي للانكليز ومخاطبة الانكليز الدولة ووزيرها المسمى محمد باشا السلحدار واصله مملوك السلطان مصطفى ولا يخفى الميل الى الجنسية فاتفق انه اختلى بسليمان أغا تابع صالح بك الوكيل الذي كان يوسف باشا الوزير قلده سلحدارا وارسله الى اسلامبول وسأله عن المصريين هل بقي منهم غير الألفي فقال له جميع الرؤساء موجودون وعددهم له وهم ومماليكهم يبلغون الفين وزيادة فقال انى ارى تمليكهم ورجوعهم على شروط نشترطها عليهم اولى من تمادي العداوة بينهم وبين هذا الذي ظهر من العسكر وهو رجل
(3/160)

جاهل متحيل وهم لا يسهل بهم اجلاؤهم عن اوطانهم واولادهم وسيادتهم التى ورثوها عن اسلافهم فيتمادى الحال والحروب بينهم وبينه واحتياج الفريقين الى جمع العساكر وكثرة النفقات والعلائف والمصاريف فيجمعونها من أي وجه كان يؤدى ذلك الى خراب الاقليم فالاولى والمناسب صرف هذا المتغلب واخراجه وتولية خلافه فما رأيك في ذلك فقال له سليمان لا راى عندي في ذلك وخاف أن يكون كلامه له باطنا خلاف الظاهر وادرك منه ذلك فحلف له عند ذلك الوزير أن كلامه وخطابه له على ظاهره وحقيقته لكن لا بد من مصلحة للخزينة العامرة فقال له سليمان أغا اذا كان كذلك ابعثوا الى الألفي باحضار كتخداه محمد أغا لانه رجل يصلح للمخاطبة لمثل ذلك ففعل وحضر المذكور في اقرب وقت وتمموا الامر على مصلحة ألف وخمسمائة كيس كفلها محمد كتخدا المذكور يدفعها لقبطان باشا عند وصوله بيد سليمان أغا المذكور وكفالته أيضا لمحمد كتخدا بعد اتمام الشروط التى قررها له مخدومه ومن جملتها اطلاق بيع المماليك وشرائهم وجلب الجلابين لهم الى مصر كعادتهم فانهم كانوا منعوا ذلك من نحو ثلاث سنوات وغير ذلك وسافر كل من سليمان أغا الوكيل ومحمد كتخدا بصحبته قبودان باشا حتى طلعوا على ثغر سكندرية فركب صحبة سلحدار القبودان فتلاقوا مع المترجم بالبحيرة واعلموه بما حصل فامتلأ فرحا وسرورا وقال لسليمان أغا اذهب الى اخواننا بقبلي واعرض عليهم الامر ولا يخفى اننا الآن ثلاثة فرق كبيرنا ابراهيم بك وجماعته والمرادية وكبيرهم هناك عثمان بك البرديسي وانا واتباعي فيكون ما يخص كل طائفة خمسمائة كيس فإذا استلمت منهم الألف كيس ورجعت الى سلتك الخمسمائة كيس فركب المذكور وذهب اليهم واجتمع بهم واخبرهم بصورة الواقع وطلب منهم ذلك القدر فقال البرديسي حيث أن الألفي بلغ من قدره انه يخاطب الدول والقرانات ويراسلهم ويتمم اغراضه منهم ويولي الوزراء ويعزلهم بمراده ويتعين قبودان باشا في حاجته فهو يقوم بدفع المبلغ بتمامه لانه صار الآن
(3/161)

هو الكبير ونحن الجميع اتباع له وطوائف خلفه بما فيه والدنا وكبيرنا ابراهيم بك وعثمان بك حسن وخلافه فقال سليمان أغا هو على كل حال واحد منكم واخوكم ثم إنه اختلى مع ابراهيم بك الكبير وتكلم معه فقال ابراهيم لك انا ارضى بدخولي اي بيت كان واعيش ما بقي من عمري مع عيالي واولادي تحت امارة اي من كان من عشيرتنا اولى من هذا الشتات الذي نحن فيه ولكن كيف افعل في الرفيق المخالف وهذا الذي حصل لنا كله بسوء تدبيره ونحسه وعشت انا ومراد بك المدة الطويلة بعد موت استاذنا وانا اتغاضى عن افعاله وافعال اتباعه واسامحهم فى زلاتهم كل ذلك حذرا وخوفا من وقوع الشر والقتل والعداوة الى أن مات وخلف هؤلاء الجماعة المجانين وترأس البرديسي عليهم مع غياب اخيه الألفي وداخله الغرور وركن الى ابناء جنسه وصادفهم واغتر بهم وقطع رحمه وفعل بالالفي الذي هو خشداشه واخوه ما فعل ولا يستمع لنصح ناصح اولا وآخرا وما زال سليمان أغا يتفاوض معهم في ذلك اياما الى أن اتفق مع ابراهيم بك على دفع نصف المصلحة ويقوم المترجم بالنصف الثاني فقال سلموني القدر اذهب به واخبره بما حصل فقالوا حتى ترجع اليه وتعلمه وتطيب خاطره على ذلك لئلا يقبضه ثم يطالبنا بغيره فلما رجع اليه واخبره بما دار بينهم قال اما قولهم اني اكون امير عليهم فهذا لا يتصور ولا يصح انى اتعاظم على مثل والدي ابراهيم بك وعثمان بك حسن ولا على من هو في طبقتي من خشداشيني على أن هذا لا يعيبهم ولا ينقص مقدارهم بان يكون المتامر عليهم واحد منهم ومن جنسهم ولك امر لم يخطر لي ببال وارضى بادنى من ذلك ويأخذوا علي عهدا بما اشترطه على نفسي اننا اذا عدنا الى اوطاننا أن لا اداخلهم في شىء ولا اقارشهم في امر وان يكون كبيرنا والدنا ابراهيم بك على عادته ويسمحوا لي بإقامتي بالجيزة ولا اعارضهم في شىء واقنع بإيرادي الذي كان بيدي سابقا فانه يكفيني وان اعتقدوا غدري لهم في المستقبل بسبب ما فعلوه معي من قتلهم حسي بك
(3/162)

تابعي وتعصبهم وحرصهم على قتلي واعدامي انا واتباعي فبعض ما نحن فيه الان انساني ذلك كله فإن حسين بك المذكور مملوكي وليس هو أبي ولا ابني من صلبي وانما هو مملوكي اشتريته بالدراهم واشتري غيره ومملوكي مملوكهم وقد قتل لي عدة امراء ومماليك في الحروب فافرضه من جملتهم ولا يصيبني ويصيبهم الا ما قدر الله علينا وعلى أن الذي فعلوه بي لم يكن لسابق ذنب ولا جرم حصل مني في حقهم بل كنا جميعا اخوانا وتذكروا اشارتي عليهم السابقة في الالتجاء الى الانكليز وندموا على مخالفتي بعد الذي وقع لهم ورجعوا الي ثم اجمع رأيهم على سفري الى بلاد الانكليز فامتثلت ذلك وتجشمت المشاق وخاطرت بنفسي وسافرت اللا بلاد الانكلترة وقاسيت اهوال البحار سنة واشهرا كل ذلك لاجل راحتي وراحتهم وحصل ما حصل في غيابي ودخلوا مصر من غير قياس وبنوا قصورهم على غير اساس واطمأنوا الى عدوهم وتعاونوا به على هلاك صديقهم وبعد أن قضى غرضه منهم غدرهم واحاط بهم واخرجهم من البلدة واهانهم وشردهم واحتال عليهم ثانيا يوم قطع الخليج فراجت حيلته عليهم ايضا وارسلت اليهم فنصحتهم فاستغشوني وخالفوني ودخل الكثير منهم البلد وانحصروا في ازقتها وجرى عليهم ما جرى من القتل الشنيع والامر الفظيع ولم ينج الا من تخلف منهم او ذهب من غير الطريق ثم انه الان أيضا يرسلهم ويدهنهم ويهاديهم ويصالحهم ويثبطهم عما فيه النجاح لهم وما اظن ان الغفلة استحكمت فيهم الى هذا الحد فارجع اليهم وذكرهم بما سبق لهم من الوقائع فلعلهم ينتبهون من سكراتهم ويرسلون معك الثلثين او النصف الذي سمح به والدنا ابراهيم بك وهذا القدر ليس فيه كبير مشقة فانهم اذا وزعوا على كل امير عشرة اكياس وعلى كل كاشف خمسة اكياس وكل جندي او مملوك كيسا واحدا اجتمع المبلغ وزيادة وانا افعل مثل ذلك مع قومي والحمد لله ليسوا هم ولا نحن مفاليس وثمرة المال قضاء مصالح الدنيا وما نحن فيه الان من
(3/163)

اهم المصالح وقل لهم البذار قبل فوات الفرصة والخصم ليس بغافل ولا مهمل والعثمانيون عبيد الدرهم والدينار فلما فرغ من كلامه ودعه سليمان أغا ورجع الى قبلي فوجد الجماعة اصروا على عدم دفع شىء ورجع ابراهيم بك أيضا الى قولهم ورأيهم ولما ألقي لهم سليمان أغا العبارات التي قالها صاحبهم وانه يكون تحت امرهم ونهيهم ويرضى بادنى المعاش معهم ويسكن الجيزة الى آخر ما قال قالوا هذا والله كله كلام لا اصل له ولا ينسى ثاره وما فعلناه في حقه وحق اتباعه ولو انعزل عنا وسكن قلعة الجبل فهو الألفي الذي شاع ذكره في الآفاق ولا تخاطب الدولة غيره وقد كنا في غيبته لا نطيق عفريتا من عفاريته فكيف يكون هو وعفاريته الجميع ومن ينشئه خلافهم وداخلهم الحقد زاد وفي وساوسهم الشيطان فقال لهم سليمان أغا اقضوا شغلكم في هذا الحين حتى تنجلي عنكم الاعداء الاغراب ثم اقتلوه بعد ذلك وتستريحوا منه فقالوا هيهات بعد أن يظهر علينا فإنه يقتلنا واحدا بعد واحد ويخرجنا الى البلاد ثم يرسل يقتلنا وهو بعيد المكر فلانا من اليه مطلقا وغرهم الخصم بتمويهاته وارسل اليهم هدايا وخيولا وسروجا واقمشة هذا ورسل القبودان تذهب وتأتي بالمخاطبات والعرضحالات حتى تمموا الامر كما تقدم
وفي اثناء ذلك ينتظر القبودان جوابا كافيا وسلحداره مقيم أيضا عند المترجم والمترجم يشاغل القبودان بالهدايا والاغنام والذخيرة من الارز والغلال والسمن والعسل وغير ذلك الى أن رجع اليه سليمان أغا بخفي حنين محزونا مهموما متحيرا فيما وقع فيه من الورطة مكسوف البال مع القبودان ووزير الدولة وكيف يكون جوابه للمذكور والقبودان جعل في الابره خيطين ليتبع الاروج فلما وصل اليه سليمان أغا واخبره أن الجماعة القبليين لا راحة عندهم وامتنعوا من الدفع ومن الحضور وان المترجم يقوم بدفع القدر الذي يقدر عليه والذي يبقى ويتجمع عليه يقوم بدفعه فاغتاظ القبودان وقال انت تضحك على ذقني وذقن وزير الدولة وقد تحركت هذه الحركة على ظن أن الجماعة على قلب رجل واحد واذا حصل من المالك
(3/164)

للبلدة عصيان ومخالفة ولم يكن فيهم مكافأة لمقاومته ساعدناهم بجيش من النظام الجديد وغيره حتى انهم متنافرون ومتحاسدون ومبغضون فلا خير فيهم وصاحبك هذا لا يكفي في المقاومة وحده ويحتاج الى كثير
ولما ظهر لسليمان أغا الغيظ والتغير من القبودان خاف على نفسه أن يبطش به وعرف منه أن المانع له من ذلك غياب السلحدار عند المترجم لانه قال له واين سلحداري قال هو عند الألفي بالبحيرة فقال اذهب فأتني به واحضر صحبته وكان موسى باشا المتولي قد حضر أيضا فما صدق سليمان أغا بقوله ذلك وخلاصه من بين يديه فركب في الوقت وخرج من الاسكندرية فما هو الا أن بعد عنها مقدار غلوة الا والسلحدار قادم الى الاسكندرية فسأله الى اين يذهب فقال أن مخدومك ارسلني في شغل وها انا راجع اليكم وذهب عند المترجم ولم يرجع
وفي اثناء هذه الايام كان المترجم يحارب دمنهور وبعث اليه محمد علي باشا التجريدة العظيمة التي بذل فيها جهده وفيها جميع عساكر الدلاة وهاهر باشا ومن معه من عساكر الأرنؤد والأتراك وعسكر المحاربه فحاربهم وكسرهم وهزمهم شر هزيمة حتى القوا بانفسهم في البحر ورجعوا في اسوأ حال فلو تجاسر المترجم وتبعهم لهرب الباقون من البلدة وخرجوا جميعا على وجوههم من شدة ما داخلهم من الرعب ولكن لم يرد الله ذلك ولم يجسروا للخروج عليه بعد ذلك
ولما تنحت عنه عشيرته ولم يلبوا دعوته واتلفوا الطبخة وسافر القبودان وموسى باشا من ثغر الاسكندرية على الصورة المذكورةاستانف المترجم امرا اخر وراسل الانكليز يلتمس منهم المساعدة وان يرسلوا له طائفة من جنودهم ليقوى بهم على محاربة الخصم كما التمس منهم في العام الماضي فاعتذروا له بانهم صلح مع العثماني وليس في قانون الممالك اذا كانوا صلحا أن يتعدوا على المتصادقين معهم ولا يوجهون نحوها عساكر الا بأذن منهم او بإلتماس المساعدة في امر مهم فغاية ما يكون المكالمة والرتجي ففعلوا وحصل ما تقدم
(3/165)

ذكره ولم يتم الامر فلما خاطبهم بعد الذي جرى صادف ذلك وقوع الغرة بينهم وبين العثماني فأرسلوا الى المترجم يعدون بانفاذ ستة ألاف لمساعدته فأقام بالجيزة ينتظر حضورهم نحو ثلاثة شهور وكان ذلك اوان القيظ وليس ثم زرع ولا نبات فضاقت على جيوشهم الناحية وقد طال انتظاره للانكليز فتشكى العربان المجتمعون عليه وغيرهم لشدة ما هم فيه من الجهد وفي كل حين يعدهم بالفرج ويقول لهم اصبروا ولم يبق الا القليل فلما اشتد بهم الجهد اجتمعوا اليه فقالوا له اما أن تنتقل معنا الى ناحية قبلي فان ارض الله واسعة واما أن تاذن لنا في الرحيل في طلب القوت فما وسعه الا الرحيل مكظوما مقهورا من معاندة الدهر في بلوغ المآرب الاول مجىء القبودان وموسى باشا على هذه الهيئة والصورة ورجوعهما على غير طائل الثاني عدم ملكة دمنهور وكان قصده أن يجعلها معقلا ويقيم بها حتى تأتيه النجدة الثالث تأخر مجىء النجدة حتى قحطوا واضطروا الى الرحيل والرابع وهو اعظمها مجانبة اخوانه وعشيرته وخذلانهم له وامتناعهم عن الإنضمام اليه فارتحل من البحيرة بجيوشه ومن يصحبه من العربان حتى وصل الى الاخصاص فنادى محمد علي باشا على العساكر بالخروج ولا يتأخر منهم واحد فخرجوا افواجا ليلا ونهارا حتى وصلوا الى ساحل بولاق وعدوا الى بر انبابه وجيشوا بظاهرها وقد وصل المترجم الى كفر حكيم يوم الثلاثاء ثامن عشر القعدة وانتشرت جيوشه بالبر الغربي ناحية انبابة والجيزة وركب الباشا واصناف العساكر ووقفوا على ظهر خيولهم واصطفت الرجالة ببنادقهم واسلحتهم ومر المترجم في هيئة عظيمة هائلة وجيوش تسد الفضاء وهم مرتبون طوابير ومعهم طبول وصحبته قبائل العرب من اولاد على والهنادي وعربان الشرق في كبكة زائدة والباشا والعسكر وقوف ينظرون اليهم من بعيد وهو يتعجب ويقول هذا طهماز الزمان والا ايش يكون ثم يقول للدلاة والخيالة تقدموا وحاربوا وانا اعطيكم كذا وكذا من المال ويذكر لهم مقادير عظيمة ويرغبهم فلم يتجاسروا على الاقدام وصاروا
(3/166)

باهتين ومتعجبين ويتناجون فيما بينهم ويتشاورون في تقدمهم وتأخرهم وقد اصابوه بأعينهم ولم يزل سائرا حتى وصل الى قريب قناطر شبرامنت فنزل علي علوة هناك وجلس عليها وزاد به الهاجس والقهر ونظر الى جهة مصر وقال يا مصر انظري اولادك وهم حولك مشتتين متباعدين مشردين واستوطنك اجلاف الاتراك واليهود وارذل الارنؤد وصاروا يقبضون خراجك ويحاربون اولادك ويقاتلون ابطالك ويقاومون فرسانك ويهدمون دورك ويسكنون قصورك ويفسقون بولدانك وحورك ويطمسون بهجتك ونورك ولم يزل يردد هذا الكلام وامثاله وقد تحرك به خلط دموي وفي الحال تقايا دما وقال قضى الامر وخلصت مصر لمحمد علي وما ثم من ينازعه ويغالبه وجرى حكمه على المماليك المصرية فما اظن أن تقوم لهم راية بعد اليوم ثم انه احضر امراءه وامر عليهم شاهين بك واوصاه بخشداشينه واوصاهم به وان يحرصوا على دوام الالفة بينهم وترك التنازع الموجب للتفرق والتفاشل وان يحذروا من مخادعة عدوهم واوصاهم انه اذا مات يحملونه الى وادي البهنسا ويدفنونه بجوار قبور الشهداء فمات في تلك الليلة وهي ليلة الاربعاء تاسع عشر ذي القعدة فلما مات غسلوه وكفنوه وصلوا عليه وحملوه على بعير وارسلوه الى البهنسا ودفنوه هناك بجوار الشهداء وانقضى نحبه فسبحان من له سرمدية البقاء وفي الحال حضر المبشر الى محمد علي باشا وبشره بموت المترجم فلم يصدقه واستغرب ذلك وحبس البدوي الذي اتاه بالبشارة اربعة ايام وذلك لان اتباعه كانوا كتموا امر موته ولم يذيعوه في عرضيه والذي اشاع الخبر واتى بالبشارة رفيق البدوي الذي حمله على بعيره ولما ثبت موته عند الباشا امتلأ فرحا وسرورا وكذلك خاصته ورفعوا رؤوسهم واحضر ذلك المبشر فألبسه فروة سمور واعطاه مالا وامره أن يركب بتلك الخلعة ويشق بها من وسط المدينة ليراه اهل البلدة وشاع ذلك الخبر في الناس من وقت حضور المبشر وهم يكذبون ذلك الخبر ويقولون هذا من جملة تحيلاته فأنه لما سافر الى بلاد
(3/167)

الانكليز لم يعلم بسفره احد ولم يظهر سفره الا بعد مضي اشهر فلذلك امر الباشا ذلك المبشر أن يركب بالخلعة ويمر بها من وسط المدينة ومع ذلك استمروا في شكهم نحو شهرين حتى قويت عندهم القرائن بما حصل بعد ذلك فانه لما مات تفرقت قبائل العربان التي كانت متجمعة حوله وبعضهم ارسل يطلب امانا من الباشا وغير ذلك مما تقدم ذكره وخبره في ضمن ماتقدم وكان محمد علي باشا يقول مادام هذا الألفي موجودا لايهنأ لي عيش ومثالي انا وهو مثال بهلوانين بلعبان ! على الحبل لكن هو في رجليه قبقاب فلما اتاه المبشر بموته قال بعد أن تحقق ذلك الان طابت لي مصر وماعدت احسب لغيره حسابا
وكان المترجم اميرا جليلا مهيبا محتشما مدبرا بعيد الفكر في عواقب الامور صحيح الفراسة اذا نظر في سحنة انسان عرف حاله واخلاقه بمجرد النظر اليه قوي الشكيمة صعب المراس عظيم البأس ذا غيره حتى على من ينتمي اليه او ينسب الى طرفه يحب علو الهمة في كل شئ حتى أن التجار الذين يعاملهم في المشتروات لايساومهم ولا يفاصلهم في اثمانها بل يكتبون الاثمان بانفسهم كما يحبون ويريدون في قوائم وياخذها الكاتب ليعرضها عليه فيمضي عليها ولا ينظر فيها ويرى أن النظر في مثل ذلك او المحاققة فيه عيب ونقض يخل بالأمرية ولا تمضي السنة الا والجميع قد استوفوا حقوقهم ويستأنفوا احتياجات العام الجديد ولذلك راج حال المعاملين له رواجا عظيما لكثرة ربحهم عليه ومكاسبهم ومع ذلك يواسيهم في جملة احبابه والمنتسبين اليه بأرسال الغلال لمؤنه بيوتهم وعيالهم وكساوي العيد وينتصر لاتباعه ولمن انتمى اليه ويجب لهم رفعة القدر من غيرهم مع انه اذا حصل من احد منهم هفوة تخل بالمروءة عنفه وزجره فترى كشافة ومماليكه مع شدة مراسهم وقوة نفوسهم وصعوبتهم يخافونه خوفا شديدا ويهابون خطابه
ومن عجيب امره ومناقبه التي انفرد بها عن غيره امتثال جميع قبائل العربان الكائنين بالقطر المصري لامره وتسخيرهم وطاعتهم له لايخالفونه
(3/168)

في شئ وكان له معهم سياسة غريبة ومعرفة بأحوالهم وطبائعهم فكانما هو مربي فيهم او ابن خليفتهم او صاحب رسالتهم يقومون ويقعدون لامره مع انه يصادرهم في اموالهم وجمالهم ومواشيهم ويحبسهم ويطلقهم ويقتل منهم ومع ذلك لاينفرون منه وقد تزوج كثيرا من بناتهم فالتي تعجبه يبقيها حتى يقضي وطره منها والتي لا توافق مزاجه يسرحها الى اهلها ولم يبق في عصمته غير واحدة وهي التي أعجبته فمات عنها فلما بلغ العرب موته اجتمعت بنات العرب وصرن يندبنه بكلام عجيب تناقلته ارباب المغاني يغنون به على آلات اللهو المطربة وركبوا عليه ادوارا وقوافي وغير ذلك والعجب منه رحمه الله انه لما كان في دولتهم السابقة وينزل في كل سنة الى شرقية بلبيس ويتحكم في عربانها ويسومهم العذاب بالقبض عليهم ووضعهم في الزناجير ويتعاون على البعض منهم بالبعض الآخر وياخذ منهم الاموال والخيول والاباعر والاغنام ويفرض عليهم الفرض الزائدة ويمنعهم من التسلط على فلاحي البلاد ثم انه لما رجع من بلاد الانكليز وتعصب عليه البرديسي والعسكر واحاطوا به من كل جانب فاختفى منهم وهرب الى الوادي عند عشيبة البدوي فآواه واخفاه وكتم امره والبرديسي ومن معه يبالغون في الفحص والتفتيش وبذل الاموال والرغائب لمن يدل عليه او يآتي به فلم يطمعوا في شئ من ذلك ولم يفشوا سره وقيدوا بالطرق الموصلة له انفارا منهم تحرس الطريق من طارق يأتي على حين غفلة وهذا من العجائب حتى كان كثير من الناس يقولون انه يسخرهم او معه سر يسخرهم به فلما مات تفرق الجميع ولم يجتمعوا على احد بعده وذهبوا الى اماكنهم وبعضهم طلب من الباشا الامان واما مماليكه واتباعه فلم يفلحوا بعده وذهبوا الى الامراء القبليين فوجدوا طباعهم متنافرة عنهم ولم يحصل بينهم التئام ولا صفا كدر الفريقين من الآخر فانعزلوا عنهم الى أن جرى ما جرى من صلحهم مع الباشا واوقع بهم ما سيتلى عليك بعد أن شاء الله تعالى وبعد موت المترجم بنحوا الاربعين يوما وصلت نجدة الانكليز
(3/169)

الى ثغر الاسكندرية وطلعوا اليه فبلغهم عند ذلك موت المذكور فلم يسهل بهم الرجوع فأرسلوا رسلهم الى الجماعة المصريين ظانين أن فيهم اثر الهمة والنخوة يطلبونهم للحضور ويساعدهم الانكليز على ردهم لمملكتهم واوطانهم وكان محمد علي باشا حين ذاك بناحية قبلي يحاربهم فطلبهم للصلح معه وارسل اليهم بعض فقهاء الازهر وخادعهم وثبطهم فقعدوا عن الحركة وجرى ما جرى على طائفة الانكليز كما سيتلى عليك خبره ثم عليهم بعد ذلك وكان امر الله مفعولا
وكان للمترجم ولوع ورغبة في مطالعة الكتب خصوصا العلوم الغريبة مثل الجفريات والجغرافيا والاسطر نوميا والاحكام النجومية والمناظرات الفلكية وما تدل عليه من الحوادث الكونية ويعرف أيضا مواضع المنازل واسماءها وطبائعها والخمسة المتحيرة وحركات الثوابت ومواقعها كل ذلك بالنظر والمشاهدة والتلقي على طريقة العرب من غير مطالعة في كتب ولا حضور درس واذا طالع احد بحضرته في كتاب او اسمعه ناضلة مناضلة متضلع وناقشه مناقشة متطلع وله أيضا معرفة بالاشكال الرملية واستخراجات الضمائر بالقواعد الحرفية وكان له في ذلك اصابات ومنها ما اخبرني به بعض اتباعه انه لما وصل الى ثغر سكندرية راجعا من بلاد الانكليز رسم شكلا وتامل فيه وقطب وجهه ثم قال اني ارى حادثا في طريقنا وربما اني افترق منكم واغيب عنكم نحو اربعين يوما فلذلك احب أن يخفي امره ويأتي على حين غفلة وكان البرديسي قد اقام بالثغر رقيبا يوصل خبر وروده فلما وصل ارسل ذلك الرقيب ساعيا في الحال وكان ما ذكرناه في سياق التاريخ من غدرهم وقتلهم حسين بك أبو شاش بالبر الغربي وهروب بشتك بك من القصر وارسال العسكر لملاقاة المترجم على حين غفلة ليقتلوه وهروبه واختفاؤه ثم ظهوره واجتماعهم عليه بعد انقضاء تلك المدة او قريب منها وكان رحمه الله اذا سمع بانسان فيه معرفة بمثل هذه الاشياء احضره ومارسه فيها فإن رأى فيه فائدة او مزية اكرمه وواساه وصاحبه
(3/170)

وقربه اليه وادناه وكان له مع جلسائه مباسطة مع الحشمة والترفع عن الهذيان والمجون وكان غالب اقامته بقصوره التي عمرها خارج مصر وهو القصر الكبير بمصر القديمة تجاه المقياس بشاطئ النيل والقصر الآخر الكائن بالقرب من زاوية الدمرداش والقصر الذي بجانب قنطرة المغربي على الخليج الناصري وكان اذا خرج من داره لبعض تلك القصور لايمر من وسط المدينة واذا رجع كذلك فسئل عن سبب ذلك فقال استحي أن امر من وسط الاسواق واهل الحوانيت والمارة ينظرون الي وافرجهم على نفسي
وللمترجم اخبار وسير ووقائع لو سطرت لكانت سيرة مستقلة خصوصا وقائعه وسياحته ثلاث سنوات وثلاثة اشهر ايام اقام الفرنساوية بالقطر المصري ورحلته بعد ذلك الى بلاد الانكليز وغيابه بها سنة وشهورا وقد تهذبت اخلاقه بما اطلع عليه من عمارة بلادهم وحسن سياسة احكامهم وكثرة اموالهم ورفاهيتهم وصنائعهم وعدلهم في رعيتهم مع كفرهم بحيث لايوجد فيهم فقير ولا مسجد ولا ذو فاقة ولا محتاج وقد اهدوا له هدايا وجواهر وآلات فلكية واشكال هندسية واسطرلابات وكرات ونظارات وفيها ما اذا نظر الانسان فيها في الظلمة يرى اعيان الاشكال كما يراها في النور ومنها لخصوص النظر في الكواكب فيرى بها الانسان الكوكب الصغير عظيم الجرم وحوله عدة كواكب لاتدرك بالبصر الحديد ومن انواع الاسلحة الحربية اشياء كثيرة واهدوا له آلة موسيقى تشبه الصندوق بداخله اشكال تدور بحركات فيظهر منها اصوات مطربة على ايقاع الانغام وضروب الالحان وبها نشانات وعلامات لتبديل الانغام بحسب ما يشتهى السامع الى غير ذلك نهب ذلك جميعه العسكر الذين ارسلهم اليه البرديسي ليقتلوه وطفقوا يبيعونه في اسواق البلدة واغلبه تكسر وتلف وتبدد
واخبرني بعض من خرج لملاقاته عند منوف العليا انه لما طلع اليها وقابله سليمان بك البواب اخلى له الحمام في تلك الليلة وكان قد بلغه كافة افعاله بالمنوفية من العسف والتكاليف وكذا باقي اخوانه وافعالهم بالاقاليم فكان
(3/171)

مسامرتهم معه تلك الليلة في ذكر العدالة الموجبة لعمار البلاد ويقول لسليمان بك في التمثيل الانسان الذي يكون له ماشية يقتات هو وعياله من لبنها وسمنها وجبنها يلزمه أن يرفق بها في العلف حتى تدر وتسمن وتنتج له النتاج بخلاف ما اذا اجاعها واجحفها واتعبها واشقاها واضعفها حتى اذا ذبحها لايجد بها لحما ولا دهنا فقال هذا مااعتدناه وربينا عليه فقال أن اعطاني الله سيادة مصر والامارة في هذا القطر لامنعن هذه الوقائع واجري فيه العدل ليكثر خيره وتعمر بلاده وترتاح اهله ويكون احسن بلاد الله ولكن الاقليم المصري ليس له بخت ولا سعد واهله تراهم مختلفين في الاجناس متنافوي القلوب منحرفي الطباع فلم يمض على هذا الكلام الا بقية الليل وساعات من النهار حتى احاطوا به وفر هاربا و نجا بنفسه وجرى ما تقدم ذكره من اختفائه وظهوره وانتقاله الى الجهة القبلية واجتماع الجيوش عليه وحكمت عليه الصورة التي ظهر فيها وحصل له ما حصل
واخبرني من اجتمع عليه في البحيرة وسامره فقال يافلان والله يخيل لي أن اقتل نفسي ولكن لاتهون علي وقد صرت الان واحدا بين الوف من الاعداء وهؤلاء قومي وعشيرتي فعلوا بي ما فعلوا وتجنبوني وعادوني من غير جرم ولا ذنب سبق مني في حقهم واشقوني واشقوا انفسهم وملكوا البلاد لاعدائي واعدائهم وسعيت واجتهدت في مراضاتهم ومصالحتهم والنصح لهم فلم يزدهم ذلك الا نفورا وتباعدا عني ثم هذه الجنود ورئيسهم الذين ولجوا البلاد وذاقوا حلاوتها وشبعوا بعد جوعهم وترفهوا بعد ذلهم يجيشون علي ويحاربوني ويكيدوني ويقاتلوني ثم أن هؤلاء العربان المجتمعين علي اصانعهم واسوسهم واغاضبهم واراضيهم وكذلك جندي ومماليكي وكل منهم يطلب مني رياسة وامارة ويظنون بغفلتهم أن البلاد تحت حكمي ويظنون اني مقصر في حقهم فتارة اعاملهم باللطف وتارة ازجرهم بالعنف فانا بين الكل مثل الفريسة والجميع حولي مثل الكلاب الجياع يريدون نهشي واكلي وليس بيدي كنوز قارون فأنفق على هؤلاء
(3/172)

الجموع منها فيضطرني الحال الى التعدي على عباد الله واخذ اموالهم واكل مزارعهم ومواشيهم فان قدر الله لي بالظفر عوضت عليهم ذلك ورفقت بحالهم وان كانت الاخرى فالله يلطف بنا وبهم ولا بد أن يترجموا علينا ويسترضوا عن ظلمنا وجورنا بالنسبة لما يحل بهم بعدنا
وبالجملة فكان آخر من ادركنا من الامراء المصريين شهامة وصرامة ونظرا في عواقب الامور وكان وحيدا في نفسه فريدا في ابناء جنسه وبموته اضمحلت دولتهم وتفرقت جمعيتهم وانكسرت شوكتهم وزادت نفرتهم وما زالوا في نقص وادبار وذلة وهوان وصغار ولم تقم لهم بعده راية وانفرضوا وطردوا الى اقصى البلاد في النهاية
واما مماليكه وصناجقه فإنهم تركوا نصيحته ونسوا وصيته وانضموا الى عدوهم وصادقوه ولم يزل بهم حتى قتلهم وابادهم عن آخرهم كما سيتلى عليك خبر ذلك فيما بعد
وكانت صفة المترجم معتدل القامة ابيض اللون مشربا بحمرة جميل الصورة مدور اللحية اشقر الشعر وقد خطه الشيب مليح العينين مقرون الحاجبين معجبا بنفسه مترفها في زيه وملبسه كثير الفكر كتوما لايبيح بسر ولا لاعز احبابه الا انه لم يسعفه الدهر وجنى عليه بالقهر وخاب امله وانقضى اجله وخانه الزمان وذهب في خبر كان ومات وله من العمر نحو الخمسة والخمسين سنة غفر الله له
ومات الامير عثمان بك البرديسي المرادى وسمى البرديسي لانه تولى كشوفيه برديس بقبلي فعرف بذلك واشتهر به تقلد الامرية والصنجقية في سنة عشر ومائتين والف وتزوج ببنت احمد كتخدا علي وهي اخت علي كاشف الشرقية وعمل لها مهما وذلك قبل أن يتقلد الصنجقية وسكن بدار علي كتخدا الطويل بالازبكية واشتهر ذكره وصار معدودا من جملة الامراء ولما قتل عثمان بك البرديسي المرادي بساحل أبو قير ورجع من رجع الى قبلي كان الألفي الى بلاد الانكليز تعين المترجم بالرياسة على خشدشنية
(3/173)

مع مشاركة بشنك بك الذي عرف بالالفي الصغير فلما حضروا الى مصر سنة ثمان عشرة بعد خروج محمد باشا خسرو وقتل طاهر باشا انضم اليه محمد علي باشا وكان اذ ذاك سرششمة العساكر وتواخى معه وصادقه ورمح في ميدان غفلته وتحالفا وتعاهدا على المحبة والمصافاة وعدم خيانة احدهما للآخر وان يكون محمد علي باشا وعساكره الاروام اتباعا له وهو الامير المتبوع فانتفخ جأشه لانه كان طائش العقل مقتبل الشبيبة فاغتر بظاهر محمد علي باشا لانه حين عمل شغله في مخدومه محمد باشا وبعده طاهر باشا دعا الامراء المصريين وادخلهم الى مصر وانتسب الى ابراهيم بك الكبير لكونه رئيس القوم وكبيرهم وعين لابراهيم بك خرجا وعلوفة مثل اتباعه وسبره واختبره فلم ترج سلعته عليه ووجده حريصا على دوام التراحم والالفة والمحبة وعدم التفاشل في عشيرته وابناء جنسه متحرزا من وقوع ما يوجب التقاطع والتنافر في قبيلته فلما ايس منه مال عنه وانضم الى المترجم واستخفه واحتوى على عقله وصاحبه وصادقه وصار يختلي معه ويتعاقر معه الشراب ويسامره ويسايره حتى باح له بما في ضميره من الحقد لاخوانه وتطلب الانفراد بالرياسة فصار يقوى عزمه ويزيد في اغرائه ويعده بالمعاونة والمساعدة على اتمام قصده ولم يزل به حتى رسخ في ذهن المترجم نصحه وصدقه كل ذلك توصلا لما هو كامن في نفسه من اهلاك الجميع ثم اشار عليه ببناء ابراج حول داره التي سكن بها بالناصرية فلما اتمها اسكن بها طائفة من عساكره كأنهم محافظون لما عساه أن يكون ثم سار معه الى حرب محمد باشا خسروا بدمياط فحاربوه واتوا به اسيرا وحبسوه ثم فعلوا بالسيد علي القبطان مثل ذلك ثم كائنة علي باشا الطرابلسي وقتله وقدم تقدم خبر ذلك كله وجميعه ينسب فعله للمصريين ولم يبق الايقاع بينهم فكان وصول الألفي عقب ذلك فاوقعوا به وبجنده ما تقدم ذكره وتفاشلوا وتفرقوا بعد جمعهم وقلوا بعد الكثرة ثم اشار على المترجم المصادق الناصح بتفريق اكثر الجمع الباقي في النواحي والجهات البعض منهم لرصد الألفي والقبض
(3/174)

عليه وعلى جنده والبعض الاخر لظلم الفلاحين في البلاد ولم يبق بالمدينة غير المترجم وابراهيم بك الكبير وبعض امراء فعند ذلك سلط محمد علي العساكر بطلب علائفهم المنكسرة فعجزوا عنها فأراد المترجم أن يفرض على فقراء البلدة فرضة بعد أن استشار الاخ النصوح وطافت الكتاب في الحارات والازقة يكتبون اسماء الناس ودورهم ففزعوا وصرخوا في وجوه العسكر فقالوا نحن ليس لنا عندكم شئ ولا نرضى بذلك وعلائفنا عند امرائكم ونحن مساعدون لكم فعند ذلك قاموا على ساق وخرجت نساء الحارات وبأيديهم الدفوف يغنون ويقولون ايش تأخذ من تفليسي يا برديسي وصاروا يسخطون على المصريين ويترضون عن العسكر وفي الحال أحاطت العسكر ببيوت الامراء ولم يشعر البرديسي الا والعسكر الذين اقامهم بالابراج التي بناها حوله ليكونوا له عزا ومنعة يضربون عليه ويحاربونه ويريدون قتله وتسلقوا عليه فلم يسع الجميع الا الهروب والفرار وخرجوا خروج الضب من الوجار وذهب المترجم الى الصعيد مذؤما مدحورا مذموما مطرودا وجوزى مجازاة من ينتصر بعدوه ويعول عليه ويقص اجنحته برجليه وكالباحث عن حتفه بظلفه والجادع بظفره مارن انفه ولم يزل في هجاج وحروب كما سطر في السياق ولم ينتصر في معركة ولم يزل مصرا على معاداة اخيه الألفي وحاقدا عليه وعلى اتباعه حريصا على زلاته واعظمها قضية القبوداة وموسى باشا الى غير ذلك وكان ظالما غشوما طائشا سئ التدبير وقد اوجده الله جل جلاله وجعله سببا لزوال عزهم ودولتهم واختلال امرهم وخراب دورهم وهتك اعراضهم ومذاتهم وتشتيت جمعهم ولم يزل خبثه مرض ومات بمنفلوط ودفن هناك
ومات الامير بشتك بك وهو الملقب الألفي الصغير وهو مملوك محمد بك الألفي الكبير امره وجعله وكيلا عنه مدة غيابه في بلاد الانكليز وكان قبل ذلك سلحداره وامر كشافه ومماليكه وجنده بطاعته وامتثال امره فلما حضر الامراء المصريون في سنة ثمان عشرة اقام هو بقصر مراد بك بالجيزة
(3/175)

فلم يحسن السياسة وداخله الغرور واعجب بنفسه وشمخ على نظرائه وعلى اعمامه الذين هم خشداشون لاستاذه بل وعلى ابرهيم بك الكبير الذي هو بمنزلة جده وكان مراد بك الذي هو استاذ استاذه يراعي حقه ويتأدب معه ويقبل يده في مثل الاعياد ويقول هو اميرنا وكبيرنا وكذلك استاذ المترجم كان اذا دخل على ابرهيم بك قبل يده ولا يجلس بحضرته الا بعد أن يإذن له فلم يقتف المترجم في ذلك اسلافه بل سلك مسلك التعاظم والتكبر على الجميع واستعمل العسف في اموره مع الترفع على الجميع واذا عقدوا امرا بدونه حله او حلوا شيئا بدونه عقده فضاق لذلك خناق الجميع منه وكرهوه وكرهوا استاذه وكان هو من جملة اسباب نفورهم من استاذه وانحراف قلوبهم عنه فلما رجع استاذه وظهر من اختفائه وبلغه افعاله مقته وابعده ولم يزل ممقوتا عنده حتى مات مبطونا في حياة استاذه بناحية قبلي في تلك السنة
ومات غير هؤلاء ممن له ذكر مثل سليمان بك المعروف بابو دياب بناحية قبلي أيضا ومات أيضا احمد بك المعروف بالهنداوي الألفي في واقعة النجيلة ومات أيضا صالح بك الألفي وهو أيضا من تأمر في غياب استاذه من بلاد الانكليز كان هو متوليا كشوفية الشرقية وغائبا هناك فارسلوا له تجريدة ليقتلوه وكان بناحية شلشلمون فوصله الخبر فترك خيامه واحماله وانقاله وهرب واختفى فلما وقعت حادثة الامراء مع العسكر وخرجوا من مصر هاربين وظهر الألفي من الوادي ذهب اليه وامده بما معه من الاموال وذهب مع استاذه الى قبلي ولم يزل حتى مات أيضا في هذه السنة وغير اولئك كثير لم تحضرني اسماؤهم ولا وفاتهم
ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين ومائتين والف
وكان ابتداء المحرم يوم الاربعاء فيه وصل القابجي الذي على يده التقرير لمحمد علي باشا على ولاية مصر وطلع الى بولاق
وفيه وردت مكاتبات من جهة القبلية فيها انهم كبسوا على عرضي الالفية
(3/176)

وصحبتهم سليمان بك البواب وحاربوهم وهزموهم ونهبوا حملاتهم وقطعوا منهم عدة رؤوس وهي واصلة في طريق البحر وصادفت هذه البشارة مع بشارة ورود القابجي ووصوله فعمل لذلك شنك وضربت لذلك مدافع كثيرة من القلعة في كل وقت من الاوقات الخمسة ثلاثة ايام آخرها الجمعة ثم انه مضى عدة ايام ولم تحضر الرؤوس التي اخبروا عنها واختلفت الروايات في ذلك
وفي يوم الثلاثاء سابعه عملوا جمعية ببيت القاضي حضرها المشايخ والاعيان وذكروا انه لما وردت الاوامر بتحصين الثغور فأرسل الباشا سليمان أغا ومعه طائفة من العسكر وارسل الى اهالي الثغور والمحافظين عليها مكاتبات بأنهم أن كانوا يحتاجون الى عساكر فيرسل لهم الباشا عساكر زيادة على الذين ارسلهم فاجابوا بأن فيهم الكفاية ولا يحتاحون الى عساكر زيادة تأتيهم من مصر فانهم اذا كثروا في البلد تأتي منهم الفساد والافساد فعملوا هذه الجمعية لاثبات هذا القول والخلاص عهدة الباشا لئلا يتوجه عليه اللوم من السلطنة وينسب اليه التفريط
وفي تاسعه وردت مكاتبات مع السعادة من ثغر سكندرية وذلك يوم الخميس وقت العصر وفيها الاخبار بورود مراكب الانكليز وعدتها اثنان واربعون مركبا فيها عشرون قطعة كبارا والباقي صغار فطلبوا الحاكم والقنصل وتكلموا معهم وطلبوا الطلوع الى الثغر فقالوا لهم لانمكنكم من الطلوع الا بمرسوم سلطاني فقالوا لم يكن معنا مراسيم وانما مجيئنا لمحافظة الثغر من الفرنسيس فإنهم ربما طرقوا البلاد على حين غفلة وقد احضرنا صحبتنا خمسة آلاف من العسكر نقيمهم بالابراج لحفظ البلدة والقلعة والثغر فقالوا لهم لم يكن معنا اذن وقد اتتنا مراسيم بمنع كل من وصل عن الطلوع من أي جنس كان فقالوا لابد من ذلك فأما أن تسمحوا لنا في الطلوع بالرضا والتسليم واما بالقهر والحرب والمهلة في رد الجواب باحد الامرين اربعة وعشرون ساعة ثم تندمون على الممانعة فكتبوا بذلك
(3/177)

الى مصر فلما وصلت تلك المكاتبات اجتمع كتخدا بك وحسن باشا وبونابارته الخازندار وطاهر باشا والدفتردار والروزنامجي وباقي اعيانهم وذلك بعد الغروب وتشاوروا في ذلك ثم اجمع رأيهم على ارسال الخبر بذلك الى محمد علي باشا ويطلبونه للحضور هو ومن بصحبته من العساكر ليستعدوا لما هو اولى واحق بالاهتمام ففعلوا ذلك وانصرفوا الى منازلهم بعد حصة من الليل وارسلوا تلك المكاتبة اليه في صبح يوم الجمعة صحبة هجانين وشاع الخبر وكثر لغط الناس في ذلك ولما انقضت الابعة وعشرون ساعة التي جعلها الانكليز أجلا بينهم وبين اهل الاسكندرية وهم في الممانعةضربوا عليهم بالقنابر والمدافع الهائلة من البحر فهدموا جانبا من البرج الكبير وكذلك الابراج الصغار والسور فعند ذلك طلبوا الامان فرفعوا عنهم الضرب ودخلوا البلدة وذلك يوم الجمعة التالي
وفي ليلة الاثنين ثالث عشره وردت مكاتبة من رشيد بذلك الخبر على سبيل الاجمال من غير معرفة حقيقة الحال بل بالعلم بأنهم طلعوا الى الثغر ودخلوا البلدة وعدم علمهم بالكيفية وتغيب الحال واشتبه الامر
وفيه حضر قنصل الفرنساوية الى مصر وكان بالاسكندرية فلما وردت مراكب الانكليز انتقل الى رشيد فلما بلغه طلوعهم الى البر حضر الى مصر وذكر انه يريد السفر الى الشام هو وباقي الفرنساوية القاطنين بمصر
وفي ليلة الخميس سادس عشره وردت مكاتبة من الباشا يذكر فيها انه تحارب مع المصريين وظهر عليهم واخذ منهم اسيوط وقبض على انفار منهم وقتل في المعركة كثير من كشافهم ومماليكهم فعملوا في ذلك اليوم شنكا وضربوا مدافع كثيرة من القلعة والازبكية ثلاثة ايام في الاوقات الخمسة اخرها يوم السبت واشاعوا أيضا أن الاسكندرية ممتنعة على الانكليز وانهم طلعوا الى رأس التين والعجمي فخرج عليهم اهل البلاد والعساكر وحاربوهم واجلوهم عن البر ونزلوا الى المراكب مهزومين واحرقوا منهم مركبين وانه وصل اليهم عمارة العثمانيين والفرنساوية وحاربوهم في البحر
(3/178)

واحرقوا مراكبهم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة ولم يبق منهم الا القليل واستمر الامر في هذا الخلط القبلي والبحري عدة ايام ولم يأت من الاسكندرية سعاة ولا خبر صحيح
وفيه وصل الكثير من اهالي الفيوم ودخلوا الى مصر وهم في اسوأ حال من الشتات والعرى مما فعل بهم ياسين بك فخرجوا على وجوههم وجلوا عن اوطانهم ولم يمكنهم الخروج من بلادهم حتى ارتحل عنهم المذكور يريد الحضور الى ناحية مصر عندما بلغه خبر حضور الانكليز الى ثغر اسكندرية
وفي سابع عشره وصل ياسين بك المذكور الى ناحية دهشور وارسل مكاتبه خطابا للسيد عمر والقاضي وسعيد أغا يذكر فيها انه لما بلغه وصول الانكليز اخذته الحمية الاسلامية وحضر وصحبته ستة آلاف من العسكر ليرابط بهم بالجيزة او بقليوب ويجاهد في سبيل الله فكتبوا له اجوبة مضمونها أن كان حضوره بقصد الجهاد فينبغي أن يتقدم بمن معه الى الاسكندرية واذا حصل له النصر تكون له اليد البيضاء والمنقبة والذكر والشهرة الباقية فانه لافائدة باقامته بالجيزة او قليوب وخصوصا قليوب بالبر الشرقي وكان حسن باشا خرج بعرضيه في موكب الى ناحية الحلي قبل ذلك بايام ويرجع الى داره آخر النهار فيبيت بها ثم يخرج في الصباح وعساكره واوباشه ينتشرون بتلك النواحي يعبثون ويخطفون متاع الناس ومبيعات الفلاحين واهل بولاق وفي كل يوم يشيعون بانه مسافر الى الجهة البحيرة لمحاربة الانكليز فلما ورد خبر مجئ ياسين بك تاخر عن السفر وعملوا مشورة فاقتضى رأيهم أن حسن باشا يعدي الى البر الغربي ويقيم بالجيزة لئلا يأتي ياسين بك ويملكها فعدى حسن باشا في يوم الاثنين عشرينه واقام بها واعرض عن السفر الى جهة البحيرة
وفيه وردت الاخبار الصحيحة بأخذ الاسكندرية واستيلاء الانكليز عليها يوم الخميس المتقدم تاسع الشهر ودخلوها وملكوا الابراج يوم الاحد
(3/179)

صبيحة النهار وسكن ساري عسكرهم بوكالة القنصل وشرطوا مع اهالي البلد شروط منها انهم لايسكنون البيوت قهرا عن اصحابها بل بالمؤاجرة والتراضي ولايمتهنون المساجد ولايبطلون منها الشعائر الاسلامية واعطوا امين أغا الحاكم امانا على نفسه وعلى من معه من العسكر واذنوا لهم بالذهاب الى أي محمل ارادوه ومن كان له دين على الديوان ياخذ نصيبة حالا والنصف الثاني مؤجلا ومن اراد السفر في البحر من التجار وغيرهم فليسافر في خفارتهم الى أي جهة اراد ما عدا اسلامبول واما العرب غير واضحه وتونس وطرابلس ونحوها فمطلق السراح لاحرج ذهابا وايابا ومن شروطهم التي شرطوها مع اهل البلد انهم أن احتاجوا الى فومانية او مال ريكلفون اهل الاسكندرية بشئ من ذلك وان محكمة الاسلام تكون مفتوحة تحكم بشرائها ولا يكلفون اهل الاسلام بقيام دعواى عند الانكليز بين رضاهم والحمايات من أي بنديرة تكون مقبولة عند الانكليز الموجودين في الاسكندرية ويقيمون مأمونين رعاية لخاطر اهل الاسكندرية ولم يحصل لهم شئ من المكروه من كامل الوجوه حتى الفرنساوية والجمارك من كل الجهات على كل مائة اثنان ونصف وعلى ذلك انتهت الشروط وليعلم أن هذه الطائفة من الانكليز ومن انضم اليهم وعدتهم على ماقيل ستة آلاف لم تأت الى الثغر طمعا في اخذ مصر بل كان ورودهم ومجيئهم مساعدة ومعاونة للالفي على اخصامه باستدعائه لهم واستنجاده بهم قبل تاريخه وبسبب تأخرهم في المجئ لما بينهم وبين العثماني الصلح فلا يتعدون على ممالكه من غير ادنه لمحافظتهم على القوانين فلما وقعت العرة بينهم وبينه بما تقدم فعند ذلك انتهزوا الفرصة وارسلوا هذه الطائفة وكان الألفي ينتظر حضورهم بالبحيرة فلما طال عليه الانتظار وضاقت عليه البحيرة ارتحل بجيوشه مقبلا وقضى الله موتا بإقليم الجيزة وحضر الانكليز بعد ذلك الى الاسكندرية فوجدوه قد مات فلم يسعهم الرجوع فارسلوا الى الامراء القبليين يستدعونهم ليكونوا مساعدين لهم على عدوهم ويقولون
(3/180)

لهم انما جئنا الى بلادكم باستدعاء الألفي لمساعدته ومساعدتكم فوجدنا الألفي قد مات وهو شخص واحد منكم وانتم جميع فلا يكون عندكم تأخير في الحضو لقضاء شغلكم فإنكم لاتجدون فرصة بعد هذه وتندمون بعد ذلك أن تلكأتم فلما وصلتهم مراسلة الانكليز تفرق رايهم وكان عثمان بك حسن منعزلا عنهم وهو يدعي الورع وعنده جيش كبير فأرسلوا اليه يستدعونه فقال انا مسلم هاجرت وجاهدت وقاتلت في الفرنساوية والان اختم عملي والتجئ الى الافرنج وانتصر بهم على المسلمين انا لا افعل ذلك وعثمان بك يوسف كان بناحية الهو وكان الباشا يحارب الذين بناحية اسيوط وهم المرادية والابراهيمية والالفي والتقي معهم وانكسروا منه وقتل منهم اشخاصا فلما ورد عليه خبر الانكليز انفعل لذلك وداخله وهم كبير وارسل اليهم المشايخ وخلافهم يطلبهم للصلح وكان ما سيتلى عليك قريبا وما كان الا ما اراده المولى جل جلاله ومن تعسه الانكليز والقطر واهله الا أن يشاء الله
وفيه وصل مكتوب من محمد علي باشا بطلب مصطفى أغا الوكيل وعلي كاشف الصابونجي ليرسلهم الى الامراء القبالى فتراخوا في الذهاب لكونهم وجدوا تاريخ المكتوب حادي عشر الشهر فعلموا أن ذلك قبل تحقق خبر الانكليز ثم ورد منه مكتوب اخر يذكر فيه عزمه على الرجوع الى مصر قريبا فان العساكر يطالبونه بالعلائف ويأمرهم فيه بتحصيل ذلك وتنظيمه ليستلموها عند حصولهم بمصر يتجهزوا لمحاربة الانكليز
وفي ثالث عشرينه ورد مكتوب من اهالي دمنهور خطابا الى السيد عمر النقيب مضمونه انه لما دخلت المراكب الانكليزية الى سكندرية هرب من كان بها من العساكر وحضروا الى دمنهور فعندما شاهدهم الكاشف الكائن بدمنهور ومن معه من العسكر انزعجوا انزعاجا شديدا وعزموا على الخروج من دمنهور فخاطبهم اكابر الناحية قائلين لهم كيف تتركونا وتذهبوا
(3/181)

ولم تروا منا خلافا وقد كنا فيما تقدم من حروب الألفي من اعظم المساعدين لكم فكيف لا نساعد الآن بعضنا بعضا في حروب الانكليز فلم يستمعوا لقولهم لشدة ما داخلهم من الخوف وعبوا متاعهم واخرج الكاشف اثقاله وجبخانته ومدافعه وتركها وعدى وذهب الى فوة من ليلته ثم ارسل في ثاني يوم من اخذ الاثقال فهذا ما حصل اخبرناكم به واما بونابارته الخازندار الذي سافر لحرب الانكليز فإنه نزل على القليوبية وفعل ما امكنه وقدر عليه بالبلاد من السلب والنهب والجور والكلف والتساويف حتى وصل الى المنوفية وكذلك طاهر باشا الذي سافر في اثره واسمعيل كاشف المعروف بالطوبجي فرض على البلاد جمالا وخيولا وابقارا وغير ذلك ومن جملة افاعيلهم انهم يوزعون الاغنام المنهوبة على البلاد ويلزمونهم بعلفاها وكلفها ثم يطلبون اثمانها مضاعفة بما يضاف الى ذلك من حق طرق المعينين وامثال ذلك
وفي يوم الجمعة رابع عشرينه وردت اخبار من ثغر رشيد يذكرون بأن طائفة من الانكليز وصلت الى رشيد في صبح يوم الثلاثاء حادي عشرينه ودخلوا الى البلد وكان اهل البلدة ومن معهم من العساكر منتبهين ومستعدين بالازقة والعطف وطيقان البيوت فلما حصلوا بداخل البلدة ضربوا عليهم من كل ناحية فالقوا ما بايديهم من الاسلحة طولبوا الامان فلم يلتفتوا لذلك وقبضوا عليهم وذبحوا منهم جملة كثيرة واسروا الباقين وفر طائفة الى ناحية منهور وكان كاشفها عندما بلغه ما حصل برشيد اطمان خاطره ورجع الى ناحية ديبي ومحلة الامير وطلع بمن معه الى البر فصادف تلك الشرذمة فقتل بعضهم واخذ مابقي منهم اسرى وارسلوا السعاة الى مصر بالبشارة فضربوا مدافع وعملوا شنكا وخلع كتخدا بك على السعاة الواصلين واسرعت المبشرون من اتباع العثمانيين وهم القواسة الاتراك بالسعي الى بيوت الاعيان يبشرونهم ويأخذون منهم البقاشيش والخلع وصار الناس ما بين مصدق ومكذب فلما كان يوم الاحد سادس
(3/182)

عشرينه اشيع وصول رؤوس القتلى ومن معهم من الاسرى الى بولاق فهرع الناس بالذهاب للفرجة ووصل الكثير منهم الى ساحل بولاق وركب أيضا كبار العسكر ومعهم طوائفهم لملاقاتهم فطلعوا بهم الى البر وصحبتهم جماعة العسكر المتسرفين معهم فأتوا بهم من خارج مصر ودخلوا بهم من باب النصر وشقوا بهم من وسط المدينة وفيهم فسيال كبير وآخر كبير في السن وهما راكبان على حمارين والبقية مشاة في وسط العسكر ورؤوس القتلى معهم على نبابيت وقد تغيرت وانتنت رائحتها وعدتها اربعة عشر رأسا والاحياء خمسة وعشرون ولم يزالوا سائرين بهم الى بركة الازبكية وضربوا عند وصولهم شنكا ومدافع وطلعوا بالاحياءمع فسيالهم الى القلعة
وفيه نبه السيد عمر النقيب على الناس وامرهم بحمل السلاح والتأهب للجهاد في الانكليز حتى مجاورى الازهر وامرهم بترك حضور الدروس وكذلك امر المشايخ المدرسين بترك القاء الدروس
وفيه وصل عابدين بك وعمر بك واحمد أغا لاظ اوغلي من ناحية قبلي واشيع وصول الباشا بعد يومين
وفي يوم الاثنين وصل أيضا جملة من الرؤوس والاسرى الى بولاق فطلعوا بها على الرسم المذكور وعدتها مائة رأس واحد وعشرون راسا وثلاثة عشر اسيرا وفيهم جرحى ومات احدهم على بولاق فقطعوا رأسه ورشقوها مع الرؤوس وشقوا بها من وسط المدينة آخر النهار
وفي يوم الثلاثاء حصلت جمعية ببيت القاضي وحضر حسن باشا وعمر بك والدفتردار وكتخدا بك والسيد عمر النقيب والشيخ الشرقاوي والشيخ الامير وباقي المشايخ فتكلموا في شأن حادثة الانكلير والاستعداد لحربهم وقتالهم وطردهم فإنهم اعداء الدين والملة وقد صاروا ايضا اخصاما للسلطان فيجب على المسلمين دفعهم ويجب ايضا أن يكون الناس والعسكر على حال الالفة والشفقة والاتحاد وان يساعدوا بعضهم بعضا على دفع العدو ثم
(3/183)

تشاوروا في تحصين المدينة وحفر خنادق فقال بعضهم أن الانكليز لايأتون الا من البر الغربي والنيل حاجز بين الفريقين وان الفرنساوية كانوا اعلم بامر الحروب وانهم لم يحفروا الا الخندق المتصل من الباب الحديد الى البر فينبغي الاعتناء بإصلاحه ولو لم يكن كوضعهم واتقانهم اذ لايمكن فعل ذلك واتفقوا على ذلك
وفيه حضر مكتوب من ثغر رشيد عليه امضاء علي بك حاكم رشيد واحمد بك المعروف ببونابارته مؤرخ بيوم الجمعة رابع عشرينه يذكرون فيه أن الانكليز لما حضروا الى رشيد وحصل لهم ما حصل من القتل والاسر ورجعوا خائبين حصل لباقيهم غيظ عظيم وهم شارعون في الاستعداد للعود والمحاربة القصد أن تسعفونا وتمدونا بإرسال الرجال والمحاربين والاسلحة والجبخانة بسرعة وعجلة والا فلا لوم علينا بعد ذلك وقد اخبرناكم وعرفناكم بذلك فارسلوا في ذلك عدة من المقاتلين وكتبوا مكاتبات الى البلاد والعربان الكائنين ببلاد البحيرة يدعونهم للمحاربة والمجاهدة وكذلك ارسلوا في ثاني يوم عدة من العسكر
وفي يوم الاربعاء تاسع عشرينه ركب السيد عمر النقيب والقاضي والاعيان المتقدم ذكرهم ونزلوا الى ناحية بولاق لترتيب امر الخندق المذكور وصحبتهم قنصل الفرنساوية وهو الذي اشار عليهم بذلك وصحبتهم الجمع الكثير من الناس والاتباع والكل بالاسلحة
وفيه وصل المشايخ الثلاثة الذين كانوا ذهبوا لاجراء الصلح بين الباشا والامراء القبالى وذهبوا الى دورهم وكان من خبرهم انهم لما وصلوا الى الباشا بناحية ملوى استأذنوه في الذهاب فيما اتوا بسببه من السعي في الصلح فاستمهلهم وتركهم بناحية ملوى واستعد وذهب الى اسيوط واودع الجماعة بمنفلوط وتلاقى مع الامراء وحاربهم وظهر عليهم وقتل من الامراء في تلك المعركة سليمان بك المرادي المعروف بريحة بتشديد الياء وسليمان بك الاغا ورجع الامراء القبالى الى ناحية بحرى فعند ذلك حضر المشايخ
(3/184)

وكتب مكاتبات الى الامراء وارسلها صحبة المشايخ المذكورين الى الامراء وكانوا بالجانب الغربي بناحية ملوى فتفاوضوا معهم فيما اتوا بسببه من امر الصلح مع الباشا وكف الحروب فقالوا كم من مرة يراسلنا في الصلح ثم يغدر بنا ويحاربنا فاحتجوا عليهم بما لقنه لهم من مخالفتهم لاكثر الشروط التي كان اشترطها عليهم من ارسال الاموال الميرية والغلال وتعديهم على الحدود التي يحددها معهم في الشروط ثم انهم اختلوا مع بعضهم وتشاوروا فيما بينهم وكان عثمان بك حسن منعزلا عنهم بالبر الشرقي ولم يكن معهم في الحرب ولا في غيره وبعد انقضاء الحرب استعلى الى جهة قبلي وعثمان بك يوسف كان أيضا بناحية الهو والكوم الاحمر
وفي اثناء ذلك ورد علي باشا خبر الانكليز واخذهم الاسكندرية وارسلوا رسلهم الى الامراء القبالي فارتبك في امره وارسل الى المشايخ يستعجلهم في اجراء الصلح وقبولهم كل ما اشترطوه على الباشا ولايخالفهم في شيء يطلبونه ابدا ولما وصلتهم رسل الانكليز اختلفت آراؤهم وارسلوا الى عثمان بك حسن يخبرونه ويستدعونه للحضور فامتنع ونورع وقال انا لا انتصر بالكفار ووافقه على رأيه ذلك عثمان بك يوسف واختلفت آراء باقي الجماعة وهم ابراهيم بك الكبير وشاهين بك المرادي وشاهين بك الألفي وباقي امرائهم فاجتمعوا ثانيا بالمشايخ وقالوا لهم ما المراد بهذا الصلح فقالوا المراد منه راحة الطرفين ورفع الحروب واجتماع الكلمة ولا يخفاكم أن الانكليز تخاصمت مع سلطان الاسلام واغارت على ممالكه وطرقت ثغر سكندرية ودخلتها وقصدهم اخذ الاقليم المصري كما فعل الفرنساوية فقالوا انهم اتوا باستدعاء الالفي لنصرتنا ومساعدتنا فقالوا لاتصدقوا اقوالهم في ذلك واذا تملكوا البلاد لايبقون على احد من المسلمين وحالهم ليس كحال الفرنساوية فإن الفرنساوية لايتدينون بدين ويقولون بالحرية والتسوية واما هؤلاء الانكليز فإنهم نصارى على دينهم ولاتخفى عداوة الاديان ولايصح ولا ينبغي منكم الانتصار بالكفارعلى
(3/185)

المسلمين ولا الالتجاء اليهم وعظوهم وذكروا لهم الآيات القرآنية والاحاديث النبوية وان الله هداهم في طفولتهم واخرجهم من الظلمات الى النور وقد نشؤا في كفالة اسيادهم وتربوا في حجور الفقهاء وبين اظهر العلماء وقرأوا القرآن وتعلموا الشرائع وقطعوا ما مضى من اعمارهم في دين الاسلام واقامة الصلوات والحج والجهاد ثم يفسدون اعمالهم آخر الامر ويوادون من حاد الله ورسوله ويستعينون بهم على اخوانهم المسلمين ويملكونهم بلاد الاسلام يتحكمون في اهلها فالعياذ بالله من ذلك وكان بصحبة المشايخ مصطفى افندي كتخدا قاضى العسكر يكلمهم باللغة التركية ويترجم لهم ذلك وهو فصيح الكلام فقالوا كل ما قلتموه وابديتموه نعلمه ولو تحققنا الامن والصدق من مرسلكم ما حصل منا خلاف ولحاربنا وقاتلنا بين يديه ولكنه غدار لا يفي بعهد ولا بوعد ولا يبر في يمين ولا يصدق في قول وقد تقدم انه يصطلح معنا وفي اثر ذلك يأتي لحربنا ويقتلنا ويمنع عنا من يأتي الينا باحتياجاتنا من مصر ويعاقب على ذلك حتى من ياتي من الباعة والمتسببين الى الناحية التى نحن فيها ولا يخفاكم انه لما تى القبودان ومعه الاوامر بالرضا والعفو الكامل عنا والامر له بالخروج فلم يمتثل وارسل الينا وخدعنا وتحيل علينا بإرسال الهدايا وصدقناه واصطلحنا معه فلما تم له الامر غدر بنا وما مراده بصلحنا الا تأخرنا عن ذهابنا الى الانكليز فلا نذهب اليهم ولا نستعين بهم وان كان مراده يعطينا بلادا يصالحنا عليها فها هي البلاد بأيدينا وقد عمها الخراب باستمرار الحروب من الفريقين وقد تفرق شملنا وانهدمت دورنا ولم يبق لنا ما نأسف عليه او نتحمل المذلة من اجله وقد ماتت اخواننا ومماليكنا فنحن نستمر على ما نحن معه عليه حتى نموت عن آخرنا ويرتاح قلبه من جهتنا فقال لهم الجماعة هذه المرة هي الاخرى وليس بعدها شر ولا حرب بل بعدها الصداقة والمصافاة ويعطيكم كل ما طلبتموه من بلاد وغيرها فلو طلبتم من الإسكندرية الى اسوار لا يمنع ذلك بشرط أن تكونوا معنا
(3/186)

بالمساعدة في حرب الإنكليز ودفعهم عن البلاد وايضا تسيرون بأجمعكم من البر الغربي والباشا وعساكره من البر الشرقي وعند انقضاء امر الانكليز ورجوعكم الى بر الجيزة ينعقد مجلس الصلح بحضرة المشايخ الكبار والنقيب والوجاقلية واكابر العسكر وان شئتم عقدنا مجلس الصلح بالجيزة قبل التوجه لمحاربة الإنكليز ولا شر بعد ذلك ابدا فانخدعوا لذلك وكتبوا اجوبة ورجع بها مصطفىء افندي كتخدا القاضي وصحبته يحيى كاشف ثم رجع اليهم تانيا وسار الفريقان الى جهة مصر وحضر المشايخ وأخبروا بما حصل
وفيه شرعوا في حفر الخندق المذكور ووزعوا حفره على مياسير الناس واهل الوكاكل والحانات والتجار وأرباب الحرف والروزنامجي وجعلوا على البعض اجرة مائة رجل من الغعلة وعلى البعض اجرة خمسين وعشرين وكذلك اهل بولاق ونصارى ديوان المكس والنصارى الأروام والشوام والأقباط واشتروا المقاطف والغلفان ولم ترد هكذا القزم والات الحفر وشرعوا في بناء حائط مستدير اسفل تل قلعة السبتية
وفي يوم الخميس غايته ورد مكتوب من السيد حسن كريت نقيب الأشراف برشيد والمشار اليه بها يذكر فيه أن الانكليز لما وقع لهم ما وقع برشيد ورجعوا في هزيمتهم الى الإسكندرية استعدوا وحضروا الى ناحية الحماد قبلي رشيد ومعهم المدافع الهائلة والعدد ونصبوا متاريسهم من ساحل البحر الى الجبل عرضا وذلك ليلة الثلاثاء ثامن عشرينه فهذا ما حصل اخبرناكم به ونرجو الاسعاف والامداد بالرجال والجبخانة والعدة والعدد وعدم التأني والإهمال فلما وصل ذلك الجواب قرأه السيد عمر النقيب على الناس وحثهم على التأهب والخروج للجهاد فامتثلوا ولبسوا الأسلحة وجمع اليه طائفة المغاربة واتراك خان الخليلي وكثير من العدوية والأسيوطية واولاد البلد وركب في صبحها الى كتخدا بك واستأذنه في الذهاب فلم يرض وقال حتى يأتي افندينا الباشا ويرى رأيه في ذلك فسافر من سافر
(3/187)

وبقي من بقي وانقضى الشهر وحوادثه
وفي ورد الخبر بأن ركب الحاج الشامي رجع من منزله هدية ولم يحج في هذا العام وذلك انه لما وصل الى المنزلة المذكورة ارسل الوهابي الى عبد الله باشا امير الحاج يقول له تأت الا على الشرط الذي شرطناه عليك في العام الماضي وهو أن يأتي بدون المحمل وما يصحبهم من الطبل والزمر والاسلحة وكل ما كان مخالفا للشرع فلما سمعوا ذلك رجعوا من غير حج ولم يتركوا مناكيرهم
واستهل شهر صفر بيوم الجمعة سنة
فيه كتبوا مراسلة الى الأمراء القبالي وختم عليها كثير من مشايخ الازهر وغيرهم وأرسلوها اليهم
وفي يوم السبت ثانيه وردت مكاتبة أيضا من ثغر رشيد وعليها امضاء علي بك السنانكلي حاكم الثغر وطاهر باشا واحمد أغا المعروف ببونابارته بمعنى مكتوب السيد حسن السابق ويذكرون فيه أن الإنكليز ملكوا أيضا كوم الأفراح وابو منضور ويستعجلون النجدة
وفي تلك الليلة اعني ليلة الاحد وصل محمد علي باشا ودخل الى داره باللأزبكية في سادس ساعة من الليل وكان اشيع وصوله قبل ذلك اليوم وخرج السيد عمر النقيب والمشايخ والمحروقي لملاقاته يوم الجمعة فبعضهم ذهب الى الآثار وبات هناك وبعضهم بات بالقرافة بضريح الإمام الشافعي ورجعوا في ثاني يوم ولم يحصل لهم ملاقاة فلما طلع نهار ذلك اليوم واشيع حضوره الى داره ركب الجميع وذهبوا للسلام عليه ودار بينهم الكلام في امر الإنكليز فأظهر الإهتمام وامر كتخدا بك وحسن باشا بالخروج في ذلك اليوم فأخرجوا مطلوباتهم وعازتهم الى بولاق وسخط على اهل الإسكندرية والشيخ المسيري وامين أغا حيث مكنوا الإنكليز من الثغر وملكوهم البلدة ولم يقبل لهم عذرا في ذلك ثم قالوا له انا نخرج جميعا للجهاد مع الرعية والعسكر فقال ليس على رعية البلد خروج وانما عليهم المساعدة بالمال لعلائف العسكر وانقضى المجلس وركبوا الى دورهم
(3/188)

وفيه وصل حجاج المغاربة الى مصر من طريق البر واخبروا انهم حجوا وقضوا مناسكهم وان مسعود الوهابي وصل الى مكة بجيش كثيف وحج مع الناس بالأمن وعدم الضرر ورخاء الأسعار واحضر مصطفى جاويش امير الركب المصري وقال له ما هذه العويدات والطبول التي معكم يعني بالعويدات المحمل فقال هو اشارة وعلامة على اجتماع الناس بحسب عادتهم فقال لاتأت بذلك بعد هذا العام وان اتيت به احرقته وانه هدم القباب وقبة ادم وقباب ينبع والمدينة وابطل شرب التنباك والنارجيلة من الأسواق وبين الصفا والمروة وكذلك البدع
وفي وفي تلك الليلة ارسل الباشا وطلب السيد عمر في وقت العشاء الاخيرة والزمه بتحصيل ألف كيس لنفقة العسكر وان يوزعها بمعرفته
وفي يوم الاثنين رابعه دخلت طوائف العسكر الواصلين من الجهة القبلية الى المدينة وطلبوا سكنى البيوت كعادتهم ولم يرجعوا الى الدور التي كانو ساكنين بها واخربوها
و في يوم الثلاثاء وردت مكاتبة من رشيد وعليها امضاء السيد حسن كريت يخبر فيها بأن الإنكليز محتاطون بالثغر ومتحلقون حوله ويضربون على البلد بالمدافع والقنابر وقد تهدم الكثير من الدور والأبنية ومات كثير من الناس وقد ارسلنا لكم قبل تاريخه نطلب الإغاثة والنجدة فلم تسعفونا بإرسال شيء وما عفرنا لأي شيء هذا الحال وما هذا الإهمال فالله الله في الإسعاف فقد ضاق الخناق وبلغت القلوب الحناجر من توقع المكروه وملازمة المرابطة والسهر على المتاريس ونحو ذلك من الكلام وهي خطاب للسيد عمر النقيب والمشايخ ومؤرخة في ثاني شهر صفر
وفي و في ذلك اليوم اهتم الباشا وعزم على السفر بنفسه الى بولاق وركب صحبته حسن باشا وعابدين بك وعمر بك فسافروا في تلك الليلة
وفي و في يوم الأربعاء سافر أيضا حجوبك وخرج معه بعض المتطوعة من الأتراك وغيرهم تهيئوا واتفقوا مع المسافرين معهم وامدهم الكثير من
(3/189)

اخوانهم بالإحتياجات والذخيرة والمؤن ونصبوا لهم بيرقا وخرجوا و معهم طبل وزمر
وفي وفي يوم الجمعة ركب أيضا احمد أغا لاظ وشق بعساكره الذين كان بهم بالمنية وتداخل فيهم الكثير من اجناسهم وغيرهم من مغاربة واتراك بلدية ومر الجميع من وسط المدينة في عدة وافرة ويذهب الجميع الى بولاق يوهمون انهم مسافرون على قدم الإستعجال بهمة ونشاط واجتهاد فإذا وصلوا الى بولاق تفرقوا ويرجع الكثير منهم ويراهم الناس في اليوم الثاني والثالث بالمدينة ومن تقدم منهم وسافر بالفعل ذهب فريق منهم الى المنوفية وفريق الى الربية ليجمعوا في طريقهم من اهل البلاد والقرى ما تصل اليه قدرة عسفهم من المال والمغارم والكلف وخطف البهائم ورعي المزارع وخطف النساء والبنات والصبيان وغير ذلك
وفيه سافر أيضا حسن باشا طاهر وفيه نزل الدالاتية الى بولاق وكذلك الكثير من العسكر وحصل منهم الازعاج في اخذ الحمير والجمال قهرا من اصحابها ونزلوا بخيولهم على ريب البرسيم والغلال الطائبة الى بناحية بولاق غير واضحة بدران وخلافها فرعتها واكلتها بهائمهم في يوم واحد ثم انتقلوا الى ناحية منية السيرج وشبرا والزاوية الحمراء والمطرية والأميرية فأكلوا زروعات الجميع وخطفوا مواشيهم وفجروا بالنساء وافتضوا الأبكار ولاطوا بالغلمان واخذوهم وباعوهم فيما بينهم حتى باعوا البعض بسوق مسكة وغيره وهكذا تفعل المجاهدون ولشدة قهر الخلائق منهم وقبح افعالهم تمنوا مجيء الإفرنج من اي جنس كان وزوال هؤلاء الطوائف الخاسرة الذين ليس لهم ملة ولا شريعة ولا طريق يمشون عليها فكانوا يصرخون بذلك بمسمع منهم فيزداد حقدهم وعدواتهم ويقولون اهل هذه البلاد ليسوا مسلمين لأنهم يكرهوننا ويحبون النصارى ويتوعدونهم اذا خلصت لهم البلاد ولا ينظرون لقبح افعالهم
و في يوم الاثنين حادي عشرة حضر جماعة من الططر الذين من عادتهم
(3/190)

يأتون بالأخبار والبشارات بالمناصيب وقد وصلوا من طريق الشام يبشرون بولاية السيد علي باشا وعزل صالح قبودان عن رياسة الدونانمة ويذكرون انه خرج بالدونانمة التي تسمى بالعمارة وصحبته عدة مراكب فرنساوية قاصدين جهة مالطة ليقطعوا على الإنكليز الطرق وان هؤلاء الططر الواصلين لم يعلموا بورود الإنكليز الى الإسكندرية الا عند وصولهم صيدا وذكروا أن سبب عزل صالح القبودان أن الانكليز وردوا بوغاز اسلامبول بأثني عشر مركبا وقيل اربعة عشر وظلوا داخلين والمدافع تضرب عليهم من القلاع المتقابلة فلم يبالوا بذلك حتى حصلوا بداخل المينة تجاه البلد فانزعج اهالي البلد انزعاجا شديدا وصرخت النساء وهاجت المدينة وماجت باناسها ولو ضرب عليها الإنكليز لاحترقت عن اخرها لكنهم لم يفعلوا بل استمروا يومهم ورموا مراسيهم ثم اخذوها وولوا راجعين ولسان حالهم يقول ها نحن ولجنا بغازكم الذي تزعمون انه لا احد يقدر على عبوره وقدرنا عليكم وعفونا عنكم ولو شئنا اخذدار سلطنتكم لأخذناها او احرقناها وعندما فعلوا ذلك طلب السلطان قبودان باشا فوجدوه يتعاطى الشراب في بعض الاماكن فعند ذلك احضروا السيد علي وقلدوه رياسة الدونانمة ونزل الى الإنكليز وتكلم معهم الى أن خرجوا من البوغاز واخرجوا صالح قبودان منفيا الى بعض الجهات
وفي وفي ذلك اليوم طلع الباشا الى القلعة صحبته قنصل الفرنساوية يهندس معه الاماكن ومواطن الحصار والقنصل المذكور مظهر الإهتام والإجتهاد ويسهل الأمر ويبذل النصح ويكثر من الركوب والذهاب والإياب وامامه الخدم وبايديهم الحراب المفضضة وخلفه ترجمانه واتباعه
و فيه ارسل الأمراء القبليون جوابا عن جواب ارسل اليهم قبل ذلك وعليه ختوم كثيرة باستدعائهم واستعجالهم للحضور فأرسلوا هذا الجواب يعتذرون فيه بإن السبب في تأخرهم انهم لم يتكاملوا وأن اكثرهم متفرقون بالنواحي مثل عثمان بك حسن وغيره وانهم الى الآن لم يثبت عندهم حقيقة
(3/191)

الامر لأن من الثابت عندهم صداقة الإنكليز مع العثماني من قديم الزمان وان المراسيم التي وردت بالتحذير والتحفظ من الموسكوب ولم يذكر الانكليز فاتفق الحال بأن يرسلوا لهم جوابا بالحقيقة صحبة مصطفى افندي كتخدا القاضي ويصحب معه المراسيم التي وردت في شأن ذلك وفيها ذكر الإنكليز ومنابذتهم للدولة فسافر الكتخدا المذكور في صبحها اليهم وكانوا حضروا الى ناحية المنية واما ياسين بك فانه اذعن للصلح على أن يعطيه الباشا اربعمائة كيس بعد ترداد المراسلات بينه وبين الباشا ثم انه عدى الى ناحية شرق اطفيح وفرض عليهم الأموال الجسيمة وكان اهل تلك البلاد اجتمعوا بصول والبرنبل بمتاعهم واموالهم ومواشيهم فنزل عليهم وطلب منهم الأموال فعصوا عليه فأوقد فيهم النيران وحرق جرونهم ونهبهم
وفي عصر يوم الثلاثاء حضر جماعة من العرب وصحبتهم ثلاثة انفار من البرية واحضروهم الى مصر فمثلوا بين يدي الباشا وكلمهم ثم امر بطلوعهم الى القلعة وفيهم شخص كبير يقال انه من قباطينهم
و في يوم الخميس رابع عشرة عملوا ديوانا ببيت القاضي اجتمع فيه الدفتردار والمشايخ والوجاقلية هكذا وردت مرسوما تقدم حضوره قبل وصول الإنكليز الى الإسكندرية مضمونه ضبط تعلقات الإنكليز ومالهم من المال والودائع والشركات مع التجار بمصر والثغور
و في ذلك اليوم حضر شخصان من السعاة واخبرا بالنصر على الإنكليز و هزيمتهم وذلك انه اجتمع الجم الكثير من اهالي بلاد البحيرة وغيرها واهالي رشيد ومن معهم من المتطوعة والعساكر واهل دمنهور وصادف وصول كتخدا بك واسمعيل كاشف الطوبجي الى تلك الناحية فكان بين الفريقين مقتلة كبيرة و أسروا من الإنكليز طائفة وقطعوا منهم عدة رؤوس فخلع الباشا على الساعيين جوختين وفي اثر ذلك وصل أيضا شخصان من الأتراك بمكاتبات بتحقيق ذلك الخبر وبالغا في الأخبار وان الأنكليز انجلوا عن متاريس رشيد وابي منصور والحماد ولم تزل المقاتلون من اهل القرى
(3/192)

خلفهم الى أن توسطوا البرية وغنموا جبخاناتهم واسلحتهم ومدافعهم ومهراسين عظيمين وذكرا انه واصل خلفهم اسرى وهكذا وردت قتلى كثيرة في عدة مراكب وانه وصل معهما من جملة المتطوعين رجلان من اهل مكة التجار المقيمين بمصر كانا في الواقعة بنحو مائة من البدو والمغاربة وغيرهم ينفقان عليهم ويحرضانهم على القتال ويعينان المقاتلين من الأهالي بما في ايديهما ويقاتلان بانفسهما وبذلا جهدهما في ذلك وانهما بعد هزم الإنكليز وسلبهم فرقا ما غنماه ومابقي معهما من الأشياء على من خرج خلف الإنكليز وحضرا معهما وهما السيد احمد النجاري واخوه السيد سلامة فطلبهما الباشا وسألهما عن الخبر فأخبراه بخبر التركيين فانسر الباشا لذلك سرورا عظيما وشكر فعلهما وانعم عليهما وخلع عليهما ورتب لهما مرتبا ووعدهما بالاستخدام في مصالحه وخلع على ذينك التركيين فروتي سمور وحضرا بصحبة الساعيين الى منزل السيد عمر النقيب بعد الغروب وتعشوا عنده وطلبوا البقشيش وبعد أن اخذوه توسل التركيان به بأن يسعى لهما عند الباشا في انه ينعم عليهما بمناصب فوعدهما بذلك وترجى الباشا لهما يضاعف مرتبهما وضربوا في صبح ذلك اليوم مدافع كثيرة من القلعة والأزبكية وبولاق والجيزة و ذلك بين الظهر والعصر
و في يوم الجمعة خامس عشره حضروا باسرى وعدتهم تسعة عشر شخصا وعدة هكذا وردت فمروا بهم من وسط الشارع الأعظم واما الرؤوس فمروا بها من طريق باب الشعرية وعدتها نيف وثلاثون راسا موضوعة على نبابيت رشقوها بوسط بركة الازبكية مع الرؤس الاولى صفين على يمين السالك من باب الهواء الى وسط البركة وشماله
وفيه وفيه وصل ثلاث دوات من جدة الى ساحل السويس فيها اتراك وشوام واجناس اخرون وذكروا أن الوهابي نادى بعد انقضاء الحج أن لايأتي الى الحرمين بعد هذا العام من يكون حليق الذقن وتلافي المناداة قوله تعالى يا ايها الذين امنوا انما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعدعامهم
(3/193)

هذا واخرجوا هؤلاء الواصلين الى مصر
وفي وفي يوم السبت وصل أيضا تسعة اشخاص اسرى من الانكليز وفيهم فسيال
وفي يوم الأحد وصل أيضا نيف وستون وفيهم رأس واحد مقطوعة فمروا بهم على طريق باب النصر من وسط المدينة وهرع الناس للتفرج عليهم وبعد الظهر أيضا مروا بثلاثة وعشرين اسيرا وثمانية رؤوس وبعد العصر بثلاثة وعشرين راسا واربعة واربعين اسيرا من ناحية باب الشعرية وطلعوا بالجميع الى القلعة
وفي وفي يوم الاربعاء وصل الى ساحل بولاق مراكب وفيها اسرى وقتلى وجرحى فطلعوا بهم الى البر و ساروا بهم على طريق باب النصر وشقوا بهم من وسط المدينة الى الأزبكية فرشقوا الرؤس بالأزبكية مع الرؤس الأول وهي نحو المائة واثنين واربعين والأحياء والمجاريح نحو المائتين وعشرين فطلعوا بهم الى القلعة عند اخوانهم فكان مجموع الأسرى اربعمائة اسير وستة وستين اسيرا والرؤوس ثلثمائة ونيف واربعون وفي الأسرى نحو العشرين من فسيالاتهم وهذه الواقعة حصلت على غير قياس وصادف بناؤها على غير اساس وقد افسد الله رأي كل من طائفة الإنكليز والأمراء المصرية واهل الأقليم المصري لبروز ما كتبه وقدره في مكنون غيبه على اهل الاقليم من الدمار الحاصل وما سيكون بعد كما ستسمع به ويتلى عليك بعضه اما فساد رأي الإنكليز فلتعديهم الإسكندرية مع قلتهم وسماعهم بموت الألفي وتغريرهم بأنفسهم واما الأمراء المصريون فلا يخفى فساد رأيهم بحال واما اهالي الاقليم فلا نتصارهم لمن يضرهم ويسلب نعمهم وما اصاب من مصيبة فبما كسبت ايدي الناس وما اصابك من سيئة فمن نفسك ولم يخطر في الظن حصول هذه الواقع ولا أن الرعايا والعسكر لهم قدرة على حروب الإنكليز وخصوصا شهرتهم بإتقان الحروب وقد تقدم لك انهم هم الذين حاربوا الفرنساوية واخرجوهم من مصر
(3/194)

ولما شاع اخذهم الإسكندرية داخل العسكر والناس وهم عظيم وعزم اكثر العسكر على الفرار الى جهة الشام وشرعوا في قضاء اشغالهم واستخلاص اموالهم التي اعطوها للمتضايقين والمستقرضين بالربا وإبدال ما بأيديهم من الدراهم والقروش والفرانسة التي يثقل حملها بالذهب البندقي والمحبوب الزر لخفة حملها حتى انها زادت في المصارفة بسبب كثرة الطلب لها وبلغ صرف البندقي المشخص الناقص في الوزن اربعمائة وعشرين نصفا والزر مائتين وعشرين والفرانسة مائتين واستمرت تلك الزيادة بعد ذلك وسيزيد الأمر فحشاوسعوا في مشترى ادوات الارتحال والأمور اللازمة لسفر البر وفارق الكثير منهم النساء وباعوا ما عندهم من الفرش والأمتعة حتى أن محمد علي باشا لما بلغه حصولهم بالإسكندرية وكان يحارب المصريين ويشدد عليهم فعند ذلك انحلت عزائمه وارسل يصالحهم على مايريدونه ويطلبونه وثبت في يقنيه استيلاء الإنكليز على الديار المصرية وعزم على العود متلكئا في السير يظن سرعة ورودهم الى المدينة فيسير مشرقا على طريق الشام ويكون له عذر بغيبته في الجملة فلما وصلت الشرذمة الأولى من الإنكليز الى رشيد ودخلوها من غير مانع و حبسوا وحبسوا انفسهم فيها فقتلوا واسروا وهرب من هرب ووصلت الرؤوس والأسرى واسرعت المبشرون الى الباشا بالخبر فعند ذلك تراجعت اليه نفسه واسرع في الحضور وتراجعت نفوس العساكر وطمعوا عند ذلك في الإنكليز وتجاسروا عليهم وكذلك اهل البلاد قويت هممهم وتأهبوا للبروز والمحاربة واشتروا الأسلحة و نادوا على بعضهم بالجهاد وكثر المتطوعون ونصبوا لهم بيارق واعلاما وجمعوا من بعضهم دراهم وصرفوا على من انضم اليهم من الفقراء وخرجوا في مواكب وطبول وزمور فلما وصلوا الى متاريس الإنكليز دهموهم من كل ناحية على غير قوانين حروبهم وترتيبهم وصدقوا في الحملة عليهم والقوا انفسهم في النيران ولم يبالوا برميهم وهجموا عليهم واختلطوا بهم
(3/195)

وادهشوهم بالتكبير والصياح حتى ابطلوا رميهم ونيرانهم فألقوا سلاحهم وطلبوا الأمان فلم يلتفتوا لذلك وقبضوا عليهم وذبحوا الكثير منهم وحضروا بالأسرى والرؤوس على الصور المذكورة وفر الباقون الى من بقي بالإسكندرية وليت العامة شكروا على ذلك او نسب اليهم فعل بل نسب كل ذلك للباشا وعساكره وجوزيت العامة بضد الجزاء بعد ذلك ولما اصعدوا الأسرى الى القلعة طلع اليهم قنصل الفرنساوية و معه الأطباء لمعالجة الجرحى و مهد لهم اماكن وميز الكبار منهم والفسيالات في مكان يليق بهم وفرش لهم فرشات ورتب لهم تراتيب وصرف عليهم نفقات ولوزام واستمر يتعاهدهم في غالب الايام والجرائحية يترددون اليهم في كل يوم لمداواتهم كما هي عادة الإفرنج مع بعضهم اذا وقع في ايديهم جرحى من المحاربين لهم فعلوا بهم ذلك واكرموا الأسرى واما من وقع منهم في ايدي العسكر من المردان فإنهم اختصوا بهم والبسوهم من ملابسهم وباعوهم فيما بينهم ومنهم من احتال على الخلاص من يد الفاسق بحلية لطيفة فمن ذلك أن غلاما منهم قال للذي هو عنده أن لي بولصة عند قنصل الفرنساوية وهي مبلغ عشرون كيسا ففرح وقال له ارنيها فأخرج له ورقة بخطم وهولاء يعرف ما فيها فاخذها منه طمعا في احرازها لنفسه وذهب مسرعا الى القنصل واعطاها له فلما قرأها قال له لا اعطيك هذا البلغ الا بيد الباشا ويعطيني بذلك رجعة بختمه لتخلص ذمتي فلما صاروا بين يدي الباشا فأخبره القنصل فأمر بإحضار الغلام فلما حضر اليك سأله الباشا فقال اريد الخلاص منه واحتلت عليه بهذه الحيلة لاتوصل إليك فطيب الباشا خاطر العسكري بدراهم وارسل الغلام الى اصحابه بالقلعة ولما انقضى امر الحرب من ناحية رشيد وانجلت الإنكليز عنها ورجعوا الى الإسكندرية نزل الأتراك على الحماد وماجاورها واستباحوا اهلها ونساءها واموالها ومواشيها زاعمين انها صارت دار حرب بنزول الإنكليز عليها وتمكلها حتى أن بعض الظاهرين كلمهم في ذلك فرد عليه
(3/196)

بذلك الجواب فأرسلوا الى مصر بذلك وكتبوا في خصوص ذلك سؤالا وكتب عليه المفتون بالمنع وعدم الجواز وحتى يأتي الترياق من العراق يموت الملسوع ومن يقرا ومن يسمع وعلى انه لم يرجع طالب الفتوى بل اهملت عند المفتي وتركها المستفتي ثم احاطت العساكر ورؤساؤهم برشيد وضربوا على اهلها الضرائب وطلبوا منها الأموال والكلف الشاقة وأخذوا ما وجدوه بها من الأرز للعليق فخرج كبيرها السيد حسن كريت الى حسن باشا وكتخدا بك وتكلم معهما وشنع عليهما وقال اما كفانا ما وقع لنا من الحروب وهدم الدور وكلف العسكر ومساعدتهم ومحاربتنا معهم ومعكم وماقاسيناه من التعب والسهر وانفاق المال ونجازي منكم بعدها بهذا الأفاعيل فدعونا نخرج بأولادنا وعيالنا ولا نأخذ معنا شيئا ونترك لكم البلدة افعلوا بها ما شئتم فلاطفوه في الجواب وظهروا له الإهتمام بالمناداة والمنع وكتب المذكور أيضا مكاتبات بمعنى ذلك وارسلها الى الباشا والسيد عمر بمصر فكتبوا فرمانا وارسلوه اليهم بالكف والمنع وهيهات ولما وصل من وصل بالقبلي والأسرى انعم الباشا على الواصلين منهم بالخلع والبقاشيش والبسهم شلنجات فضة على رؤوسهم فازداد جبروتهم وتعديهم ولما رجع الإنكليز الى ناحية الإسكندرية قطعوا السد فسالت المياه وغرقت الأراضي حول الاسكندرية
وفي يوم الأحد سابع عشره وصل ياسين بك الى ناحية طراوحضر ابوه الى مصر ودخل كثير من اتباعه الى المدينة وهم لابسون زي المماليك المصرية
وفيه دفنوا رؤوس القتلى من الانكليز وكانوا قطعوا اذانهم ودبغوها وملحوها ليرسلوها الى اسلامبول
وفيه ارسل الباشا فسيالا كبيرا من الإنكليز الى الإسكندرية بدلا عن ابن اخي عمر بك وقد كان المذكور سافر الى الإسكندرية قبل الحادثة ليذهب الى بلاده بما معه من الأموال فعوقه الإنكليز فأرسلوا هذا
(3/197)

الفسيال ليرسلوا بدله ابن اخي عمر بك
وفي يوم الاثنين ثامن عشره وصلت خيام ياسين بك وحملاته ونصبوا وطاقة جهة شبرا ومينة السيرج
وفي سادس عشرينه وصل ياسين بك المذكور وصحبته سليمان أغا صالح وكيل دار السعادة سابقا وهو الذي كان باسلامبول وحضر بصحبته القبودان في الحادثة السابقة وتأخر عنه واستمر مع الألفي ثم مع امرائه بعد موته وكان الباشا قد ارسل له يستدعيه بأمان فأجاب الى الحضور بشرط أن يجري عليه الباشا مرتبة بالضربخانه وقدر ذلك ألف درهم في كل يوم فأجابه الى ذلك وحضر صحبته ياسين بك وقابلا الباشا وخلع عليهما خلعتي سمور ونزلا وركبا ولعبا مع اجنادهما بوسط البركة بالرماح وظهر من حسن رماحة سليمان أغا ما اعجب الباشا ومن حوله من الأتراك بل اصابوه باعينهم لأنه بعد انقضاء ذلك سار مع ياسين بك الى ناحية بولاق يترامحون ويتلاعبون فأخرج طبنجته بيده اليمنى والرمح في يده اليسرى وكان زنادها مرفوعا فانطلقت رصاصاتها وخرقت كفة اليسار القابض به على سرع الجواد ونفدت من الجهة الأخرى فرجع الى داره بجراحته واذن له برد حملته وذهب ياسين بك الى بولاق فبات بها في دار حسن الطويل بساحل النيل
وفيه سافر المتسفر بآذان قتلى الإنكليز وقد وضعوها في صندوق وسافر بها على طريق الشام وصحبته أيضا شخصان من اسرى فسيالات الإنكليز وكتبوا عرضا بصورة الحال من انشاء السيد اسمعيل الخشاب وبالغوافية
وفيه حضر اسمعيل كاشف الطوبجي من ناحية بحرى ليقضي بعض الأغراض ثم يعود
وفي يوم الخميس ثامن عشرينه سافر عمر بك تابع عثمان بك الأشقر وعلي كاشف بن احمد كتخدا الى ناحية القليوبية لأجل القبض على ايوب
(3/198)

فوده بسبب رجل يسمى زغلول ينسب اليه بأنه يقطع الطريق على المسافرين في البحر وكلما مرت بناحية مركب حاربها ونهب ما فيها من الضائع التجار واموالهم او انهم يفتدون انفسهم منه بما يرضيه من المال فكثر تشكي الناس منه فيرسلون الى ايوب فودة كبير الناحية فيتبرا منه فلما زاد الحال عينوا من ذكر للقبض عليه وقتله فبلغه الخبر فهرب من بلده ابناس فلما وصلوا الى محله فلم يجدوه فأحاطوا بموجوداته وغلاله وبهائمة وماله من المواشي والودائع بالبلاد فلما جرى ذلك حضر الى السيد عمر وصالح على نفسه بثلثمائة كيس ورجع الحال الى حاله وذلك خلاف ما اخذه المعينون من الكلف والمغارم من البلاد التي مروا عليها واقاموا فيها واحتجوا عليها
و فيه حضر الكثير من اهل رشيد بحريمهم واولادهم ورحلوا عنها الى مصر
و فيه حضر كتخدا القاضي من عند الامراء القبالي واخبر انهم محتاجون الى مراكب لحمل الغلال الميرية والذخيرة فهيأ الباشا عدة مراكب وارسلها اليهم ومع هذه الصورة واظهار المصالحة والمسالمة يمنعون ويحجزون من يذهب اليهم من دورهم بثياب ومتاع وكذلك يمنعون المتسببين والباعة الذين يذ 4 هبون بالمتاجر والأمتعة التي يبيعونها عليهم واذا وقعوا بشخص او غمزوا عليه عند الحاكم او صادفه بعض العيون المترقبة عليه قبضوا عليه ونهبوا ما معه وعاقبوه وحبسوه بل ونهبوا داره وغرموه ولا يغفر ذنبه ولا تقال عثرته ويتبرا منه كل من يعرفه وكذلك نبهوا على القلقات الذين يسمونهم الضوابط المتقيدين بابواب المدينة مثل باب النصر وباب الفتوح والبرقية والباب الحديد بمنع النساء عن الخروج خوفا من خروج النساء القبالي وذهابهن الى ازواجهن واتفق انهم قبضوا على شخص في هذه الأيام يريد السفر الى ناحية قبلي ومعه تليس ففتحوه فوجدوا بداخله مراكيب ونعالات مصرية ومغربية التي تسمى بالبلغ فقبضوا عليه واتهموه انه يريد الذهاب بذلك الى الامراء واتباعهم فنهبوا منه ذلك وغيره وقبضوا عليه وحبسوه واستمر
(3/199)

محبوسا وكذلك اتفق أن الوالي ذهب الى جهة القرافة وقبض على اشخاص من التربية الذين يدفنون الموتى واتهمهم بان بعض اتباع الأمراء القبالي يخرجون اليهم بالامتعة لاسيادهم ويخفونها عندهم بداخل القبور حتى يرسلوها الى اسيادهم في الغفلات وضربهم وهجم على دورهم فلم يجد بها شيئا واجتمع عليه خدام الأضرحة واهل القرافة وشنعوا عليه وكادوا يقتلونه فهرب منهم وحضروا في صبحها عند السيد عمر والمشايخ يشكون من الوالي وما فعله مع الحفارين ونحو ذلك فاعجب لهذا التناقض
وفيه وصل مكتوب من كبير الانكليز الذي بالإسكندرية مضمونه طلب اسماء الأسرى الإنكليز والوصية بهم واكرامهم كما هم يفعلون بالأسرى من العسكر فانهم لما دخلوا الى الأسكندرية اكرموا من كان بها منهم واذنوا لهم بالسفر بمتاعهم واحوالهم الى حيث شاؤا وكذلك من اخذوه اسيرا في حرابة رشيد
واستهل شهر ربيع الأول بيوم السبت سنة
فيه كتبوا لكبير الإنكليز جوابا عن رسالته
وفي يوم السبت خامس عشره حضر علي كاشف الكبير الألفي بكلام من طرف شاهين بك الألفي يعتذر عن التأخير الى هذا الوقت وانهم على صلحهم واتفاقهم الأول وحضورهم الى ناحية الجيزة وبات تلك الليلة في بيته بمصر ثم اقام ثلاثة ايام ورجع الى مرسله وصحبته سليمان أغا الوكيل
وفيه حضر عابدين بك اخو حسن باشا من ناحية بحري وحضر ايضا في اثره احمد أغا لاظ وغيره من ناحية بحري وذلك انهم ذهبوا خلف الإنكليز الى قرب معدية البحيرة فخرج عليهم طائفة الإنكليز من البر والبحر وضربوا عليهم مدافع ونيرانا كثيرة فولوا راجعين وحضروا الى مصر
وفيه حضر أيضا الفسيال الكبير الإنكليزي الذي كان ارسل بدلا عن ابن اخي عمر بك وقيل انه ابن اخي صالح قوش فلما وصل اليهم اجابوا
(3/200)

بأن المذكور سافر مع من سافر الى الروم بمتاعهم واموالهم قبل الواقعة حيث لم يكن المطلوب موجودا فلا وجه لإبقاء الإنكليزي المذكور فردوه بعد أن رفعوا منزلته ورتبته عندهم فلما رجع الى مصر خلى سبيله الباشا ولم يحبسه مع الأسرى بل اطلق له الأذن أيضا في الرجوع الى الإسكندرية او الى بلاده متى احب واختار
وفي منتصفه استوحش الباشا من ياسين بك وضاق خناقه منه وذلك انه لما حضر الى مصر وخلع عليه الباشا ودفع اليه ما كان وعده به من الأكياس وقدم له تقادم وانعامات على انه يسافر الى الاسكندرية لمحاربة الإنكليز وطلب مطالب كثيرة له ولأتباعه واخذ لهم الكساوى والسراويلات واخذ جميع ما كان عند جبجي باشا من الأقمشة والخيام والجبخانة والاحتياجات من القرب وروايا الماء ولوازم العسكر في سفر البر والافازة والمحاصرة الى غير ذلك وقلد اباه كشوفية الشرقية وخرج هو بعرضيه وخيامه الى ناحية الحلي ببولاق فانضم اليه الكثير من العسكر والدلاتية وغيرهم وصار كل من ذهب اليه يكتبه في جملة عسكره فاجتمع عليه كل عاص وازعر ومخالف وعاق وصرح بالخلاف وتطلعت نفسه للرياسة وكلما ارسل اليه الباشا يرده وينهاه عن فعله يعرض عن ذلك وداخله الغرور وانتشرت اوباشه يعبثون في النواحي وبث اكابر جنده في القرى والبلدان وعينهم لجمع الأموال والمغارم الخارجة عن المعقول ومن خالفهم نهبوا قريته واحرقوها واخذوا اهلها اسرى فعند ذلك اخذا الباشا في التدبير عليه واستمال العسكر المنضمين اليه وحل عرى رباطاته فلما كان في ليلة الأربعاء تاسع عشره امر العساكر الأرنؤد بالاجتماع والخروج الى ناحية بولاق فخرجوا بأجمعهم الى نواحي السبتية والخندق واحالوا بينه وبين بولاق ومصر
وفي ليلة السبت ركب الباشا بجنوده وخرج الى تلك الناحية وحصن ابواب المدينة بالعساكر وايقن الناس بوقوع الحرب بين الفريقين وارسل
(3/201)

الباشا الى ياسين يقول له أن تستمر على الطاعة وتطرد عنك هذه اللموم وتكون من جملة كبار العسكر والا تذهب الى بلادك والا فأنا واصل اليك ومحاربك فعند ذلك داخله الخوف وانحلت عزائم جيوشه وتفرق الكثير منهم فلما كان بعد الغروب طلب الركوب ولم يعلم عسكره اين يريد فركب الجميع وهم ثلاثة طوابير واشتبهت عليهم الطرق في ظلام الليل فسار هو بفريق منهم الى ناحية الجبل على طريق حلق الجرة وفرقة سارت الى ناحية بركة الحاج والثالثة ذهبت على طريق القليوبية وفيهم ابوه فلما علم الباشا بركوبهم ركب خلفهم وذهب خلف الطائفة التي توجهت الى ناحية البركة حصة فلما علموا انفرادهم عن اميرهم رجعوا متفرقين في النواحي ورجع الباشا الى داره ولم يزل ياسين بك في سيره حتى نزل بمن معه في التبين واستقر بها واما ابوه فإنه التجأ الى شيخ قليوب الشواربي فاخذ له امانا واحضر في ثاني يوم الى الباشا فألبسه فروة وامره أن يلحق بابنه فنزل الى بولاق ونزل في مركب مسافرا
وفي يوم الاثنين رابع عشرينه عين الباشا عسكرا ورؤساء عساكر وخيالة واصحب معهم شديدا وجملة من عرب الحويطات للحوق بياسين بك ومحاربته ولما نزل ياسين بك بناحية التبين نهب قرى الناحية بأسرها مثل التبين وحلوان وطرا والمعصرة والبساتين وفعلوا بها افاعيلهم الشنيعة من السلب والنهب واخذ النساء ونهب الأجران والغلال والأتبان والمواشي واخذ الكلف الشاقة ومن عجز عن شيء من مطلوابتها احرقوه بالنار
وفي يوم الخميس رجع العسكر والعربان الذين كانوا ذهبوا لمحاربة ياسين بك وذلك انهم لما قربوا من وطاقهم ارتحل الى صول والبرنيل فولوا راجعين وتمموا في ذهابهم وايابهم تدمير القرى
وفيه ورد قاصد قابجي من اسلامبول وعلى يده مرسوم بالبشارة بولاية السيد علي باشا قبودان الدونتمة وتاريخه نحو ثلاثة اشهر فضربوا لقدومه المدافع من القلعة
وفي يوم السبت عشرينه رجع سليمان أغا من قبلي الى مصر
(3/202)

واخبر بقرب قدوم الأمراء المصريين وان شاهين بك وصل الى زارية المصلوب وابراهيم بك جهة قمن العروس وانهم يستدعون اليهم مصطفى أغا الوكيل وعلي كاشف الصابونجي
واستهل شهر ربيع الثاني بيوم الإثنين
فيه سافر مصطفى أغا والصابونجي الى جهة قبلي وصحبتهما كتخدا القاضي
وفي سادسه وصل شخص ططري وعلى يده مرسوم فعمل الباشا ديوانا وقرأ المرسوم بحضرة الجمع مضمونه أن العرضى الهمايوني الموجه لحرب الموسكوب خرج من اسلامبول وذهب الى ناحية ادرنه وان العساكر سارت لمحاربة الأعداء ويذكرون فيه أن بشائر النصر حاصلة وقد وصل رؤوس قتلى واسرى كثيرة وانه بلغ الدولة ورود نحو الأربع عشرة قطعة من المراكب الى ثغر الإسكندرية وان الكائنين بالثغر تراخوا في حربهم حتى طلعوا الى الثغر فمن اللازم الإهتمام وخروج العساكر لحروبهم ودفعهم وطردهم على الثغر وقد ارسلنا البيورلديات الى سليمان باشا والي صيدا والى يوسف باشا والي الشام بتوجيهه العساكر الى مصر للمساعدة وان لزم الحال لحضور المذكورين لتمام المساعدة على دفع العدو الى اخر ما نمقوه وسطروه ومحل القصد من ورود هذه البيورلديات والفرمانات والاغوات والقبيجات انما هو جر المنفعة لهم بما ياخذونه من خدمهم وحق طريقهم من الدراهم والتقادم والهدايا فإن القادم منهم اذا ورد استعدوا لقدومه فإن كان ذا قدر ومنزلة اعدوا له منزلا يليق به ونظموه بالفرش والأدوات اللازمة وخصوصا اذا كان حضر في امر مهم او لتقرير المتولي على السنة الجديدة او بصحبته خلع الرضا وهدايا فإنه يقابل بالإعزاز الكبير ويشاع خبره قبل وروده الى الإسكندرية وتأتي المبشرون بورود من الططر قبل خروجه من دار السلطنة بنحو من شهر او شهرين وياخذون خدمتهم وبشارتهم بالاكياس واذا وصل هو ادخلوه في موكب جليل وعملوا له ديوانا ومدافع وشنكا وانزل في المنزل المعد له واقبلت عليه
(3/203)

التقادم والهدايا من المتولي واعيان دولته ورتب له الرواتب والمصاريف لماكله هو واتباعه لمطبخه وشراب حانته ايام مكثه شهرا او شهورا ثم يعطى من الاكياس قدرا عظيما وذلك خلاف هدايا الترحيلة من قدور الشربات المتنوعة والسكر المكرر وانواع الطيب كالعود والعنبر والأقمشة الهندية والمقصبات لنفسه ورجال دولته وان كان دون ذلك انزلوه بمنزل بعض الأعيان بأتباعه وخدمه ومتاعه في اعز مجلس و يقوم رب المنزل بمصروفهم ولوازمهم وكلفهم وما تستدعيه شهوات انفسهم ويرون أن لهم المنة عليه بنزولهم عنده ولا يرون له فضلا بل ذلك واجب عليه وفرض يلزمه القيام به مع التآمر عليه وعلى اتباعه ويمكث على ذلك شهورا حتى ياخذ خدمته ويقبض اكياسه وبعد ذلك كله يلزم صاحب المنزل أن يقدم له هدية ليخرج من عنده شاكرا ومثنيا عليه عند مخدومه واهل دولته قضية يحار العقل والنقل في تصورها
وفي يوم الأحد سابعه وصلت القافلة والحجاج من ناحية القلزم على مرسى السويس وحضر فيها اغوات الحرم والقاضي الذي توجه لقضاء المدينة وهو المعروف بسعد بك وكذلك خدام الحرم المكي وقد طردهم الوهابي جميعا واما القاضي المنفصل فنزل في مركب ولم يظهر خبره وقاضي مكة توجه بصحبة الشاميين واخبر الواصلون انهم منعوا من زيارة المدينة وان الوهابي اخذ كل ما كان في الحجرة النبوية من الذخائر والجواهر وحضر أيضا الذي كان اميرا على ركب الحجاج وصحبته مكاتبه من مسعود الوهابي ومكتوب من شريف مكة واخبروا انه امر بحرق المحمل واضطربت اخبار الإخباريين عن الوهابي بحسب الأغراض ومكاتبة الوهابي بمعنى الكلام السابق في نحو الكراسة وذكر فيها ما ينسبونه الناس اليه من الأقوال المخالفة لقواعد الشرع ويتبرأ عنها
و فيه ورد الخبر بإن ابراهيم بك وصل الى بني سويف وان شاهين بك ذهب الى الفيوم لاختلاف وقع بينهم وان امين بك واحمد بك الألفيين
(3/204)

ذهبا الى ناحية الإسكندرية للإنكليز
وفيه كمل تحرير دفاتر الفرضة والمظالم التي ابتدعوها في العام الماضي على القراريط واقطاعات الأراضي وكذلك اخذ نصف فائظ الملتزمين وعينوا المعينين لتحصيله من المزارعين وذلك خلاف ما فرضوه على البنادر من الأكياس الكثيرة المقادير
وفي ذلك اليوم ارسل الأغا والي الشرطة اتباعهما لأرباب الصنائع والحرف والبوابين بالوكائل والخانات يامرونهم بالحضور من الغد الى بيت القاضي فانزعجوا من ذلك ولم يعلموا لأي شيء هذا الطلب وهذه الجمعية وباتوا متفكرين ومتوهمين فلما اصبح يوم الإثنين واجتمع الناس ابرزوا لهم مرسوما قرئ عليهم بسبب زيادة صرف المعاملة وذلك أن الريال الفرانسة وصلت مصارفته الى مائتين وعشرة من الأنصاف العددية والمحبوب الى مائتين وعشرين واكثر والمشخص البندقي وصل الى اربعمائة واربعين فضة ونحو ذلك فلما قرأوا عليهم المرسوم وامروهم بعدم الزيادة وان يكون صرف الفرانسة بمائتين فقط والمحبوب بمائتين وعشرين فضة والبندقي بأربعمائة وعشرين فلما سمعوا ذلك قالوا نحن ليس لنا علاقة بذلك هذا امر منوط بالصيارف وانفض المجلس
وفيه وصلت مكاتبة من ابراهيم بك ومن الرسل مضمونها الاخبار بقدومهم وارسل ابراهيم بك يستدعي اليه ابنه الصغير وولد ابنته المسمى نور الدين ويطلب بعض لوازم وامتعة
وفي يوم السبت ثالث عشره سافر اولاد ابراهيم بك والمطلوبات التي ارسل بطلبها وصحبتهم فراشون وباعة ومتسببون وغير ذلك
وفي يوم الإثنين ورد سلحدار موسى باشا وعلى يده مرسوم بالعربي واخر بالتركي مضمونهما جواب رسالة ارسلت الى سليمان باشا بعكا بخبر حادثة الإنكليز ملخصها انه ورد علينا جواب من سليمان باشا يخبر فيه بوصول طائفة الإنكليز الى ثغر سكندرية ودخولهم اليها
(3/205)

بمخامرة اهلها ثم زحفهم الى رشيد وقد حاربتهم اهل البلاد والعساكر وقتلوا الكثير منهم واسروا منهم كذلك ونؤكد على محمد باشا والعلماء واكابر مصر بالاستعداد والمحافظة وتحصين الثغور مثل السويس والقصير ومحاربة الكفار واخراجهم وابعادهم عن الثغر وقد وجهنا لكل من سليمان باشا وجنج يوسف باشا بتوجيه ما تريدون من العساكر للمساعدة ونحو ذلك
وفيه احضروا اربعة رؤوس من الانكليز وخمسة اشخاص احياء فمروا بهم من وسط المدينة وذكروا أن كاشف دمنهور حارب ناحية الاسكندرية فقتل منهم واسر هؤلاء وقيل انهم كانوا يسيرون لبعض اشغالهم نواحي الريف فبلغ الكاشف خبرهم فاحاط بهم وفعل بهم ما فعل وارسلهم الى مصر وهم ليسوا من المعتبرين وكأنهم مالطية وقيل انهم سألوهم فقالوا نحن متسببون طلعنا ناحية أبي قير وتهنا عن الطريق فصادفونا ونحن تسعة لاغير فاخذونا وقتلوا منا من قتلوه وابقونا
وفيه وصلت مكاتبة من ابراهيم بك وأرسل الباشا اليهم جوابا صحبة انسان يسمى شريف أغا
وفي يوم الثلاثاء ثالث عشرينه وردت اخبار من ناحية الشام بأنه وقع اسلامبول فتنة بين الينكجرية والنظام الجديد وكانت الغلبة للينكجرية وعزلوا السلطان سليم وولوا السلطان مصطفى ابن عمه وهو ابن السلطان عبدالحميد بن احمد وخطب له ببلاد الشام
وفي يوم الخميس وصل ططري من طريق البر بتحقق ذلك الخبر وخطب الخطباء للسلطان مصطفى على منابر مصر وبلاد مصر وبولاق وذلك يوم الجمعه سادس عشرينه
وفي اواخره احدثوا طلب مال الأطيان المسموح الذي لمشايخ البلاد وحرروا به دفترا وشرعوا في تحصيله وهي حادثة لم يسبق مثلها اضرت بمشايخ البلاد وضيقت عليهم معايشهم ومضايفهم
(3/206)

وفيه كتبوا اوراقا للبلاد والأقاليم بالبشارة بتولية السلطان الجديد وعينوا بها المعينين وعليها حق الطرق مبالغ لها صورة وكل ذلك من التحيل على سلب اموال الناس
وفيه كتبوا مراسلة الى الأمراء القبليين بالصلح وارسلوا بها ثلاثة من الفقهاء وهم الشيخ سليمان الفيومي والشيخ ابراهيم السجيني والسيد محمد الدواخلي وذلك انه لما رجع شريف أغا الذي كان توجه اليهم بمراسلتهم ارسلوا يطلبون الشيخ الشرقاوي والشيخ الأمير والسيد عمر النقيب لإجراء الصلح على ايديهم فأرسلوا الثلاثة المذكورين بدلا عنهم
وفي هذه الأيام كثر خروج العساكر والدلاة وهم يعدون الى البر الغربي وعدى الباشا بحر النيل الى برانبابة واقام هناك اياما
واستهل شهر جمادي الأول سنة
فيه شرع الباشا في تعمير القلاع التى كانت انشأتها الفرنساوية خارج بولاق وعمل متاريس بناحية منية عقبة وغيرها ووزع على الجيارة جيرا كثيرا ووسق عدة مراكب وارسلها الى ناحية رشيد ليعمروا هناك سورا على البلد وابراجا وجمعوا البنائين والفعلة والنجارين وانزلوهم في المراكب قهرا
وفي منتصفه وصل الى مصر نحو الخمسمائة من الدلاتية اتوا من ناحية الشام ودخلوا الى المدينة
وفيه طلب الباشا من التجار نحو الألفي كيس على سبيل السلفة فوزعت على الأعيان وتجار البن واهل وكالة الصابون ووكالة التفاح ووكالة القرب وخلافها وحجزوا البضائع واجلسوا العساكر على الحواصل والوكائل يمنعون من يخرج من حاصله او مخزنه شيئا الا بقصد الدفع من اصل المطلوب منهم ثم اردفوا ذلك بمطلوبات من افراد الناس المساتير فيكون الإنسان جالسا في بيته فما يشعر الا والمعينون واصلون اليه وبيدهم بصلة الطلب اما خمسة اكياس او عشرة او اقل او اكثر فاما أن يدفعها ولا قبضوا
(3/207)

عليه وسحبوه الى السجن فيحبس ويعاقب حتى يتمم المطلوب منه فنزل بالناس امر عظيم وكرب جسيم
وفي الناس من كان تاجرا ووقف حاله بتوالي الفتن والمغرم وانقطاع الأسباب والأسفار وافلس وصار يتعيش بالكد والقرض وبيع متاعه واساس داره وعقاره واسمه باق في دفاتر التجار فما يشعر إلا والطلب لاحقة بنحو ما تقدم لكونه كان معروفا في التجار فيؤخذ ويحبس ويستغيث فلا يغاث ولا يجد شافعا ولا راحما وهذا الشيء خلاف الفرض المتوالية على البلاد والقرى في خصوص هذه الحادثة وكذلك على البنادر مقادير لها صورة وما يتبعها من حق طرق المعينين والمباشرين وتوالي مرور العساكر آناء الليل واطراف النهار بطلب الكلف واللوازم واشياء يكل القلم عن تسطيرها ويستحي الانسان من ذكرها ولا يمكن الوقوف على بعض جزئياتها حتى خربت القرى وافتقر اهلها وجلوا عنها فكان يجتمع اهل عدة من القرى في قرية واحدة بعيدة عنهم ثم يلحقها وبالهم فتخرب كذلك واما غالب بلاد السواحل فانها خربت وهرب اهلها وهدموا دورها ومساجدها واخذوا اخشابها ومن جملة افاعيلهم الشنيعة التي لم يطرق الأسماع نظيرها انهم قرروا فرضة من فرض المغارم على البلاد فكتبوا اوراقا وسموها بشارة الفرضة يتولاها بعض من يكون متطلعا لمنصب او منفعة ثم يرتب له خدما واعوانا ثم يسافر الى الاقليم المعين له وذلك قبل منصب الأصل وفي مقدمته يبعث اعوانه الى البلاد يبشرونهم بذلك ثم يقبضون مارسم لهم في الورقة من حق الطريق بحسب ما ادى اليه اجتهاده قليلا او كثيرا وهذه لم يسمع بما يقاربها في ملة ولا ظلم ولا جور وسمعت من بعض من له خبرة بذلك أن المغارم التى قررت على القرى بلغت سبعين ألف كيس وذلك خلاف المصادرات الخارجة
وفي اواخره قوى عزم الباشا على السفر لناحية الاسكندرية وامر باحضار اللوازم والخيام وما يحتاج اليه الحال من روايا الماء والقرب وباقي الأدوات
(3/208)

واستهل شهر جمادي الثانية بيوم الخميس سنة
وفي ثانيه وهو يوم الجمعة ركب الباشا الى بولاق وعدى الى ناحية برانبابة ونصبوا وطاقه هناك وخرجت طوائف العسكر الى ناحية بولاق وساحل البحر وطفقوا يأخذون ما يجدونه من البغال والحمير والجمال واستمروا على الدخول والخروج والذهاب والمجيء والرجوع والتعدية اياما وهم على ذلك النسق من خطف البهائم وامتنعت السقاؤن عن نقل الماء من البحر حتى شح الماء وغلا سعره وعطشت الناس وامتنع حمل البضائع
وفي ثالثه طلبوا أيضا خيول الطواحين لجر المدافع والعربات حتى تعطلت الطواحين عن طحن الدقيق ولما ذهبوا بها الى العرضي اختاروا منها جيادها واعطوا اربابها عن كل فرس خمسين قرشا وردوا البواقي لاصحابها
وفيه طلبوا أيضا دراهم من طائفة القبانية والحطابة وباعة السمك القديد المعروف بالفسيخ فكان القدر المطلوب من طائفة القبانية مائة وخمسين كيسا فأغلقوا حوانيتهم وهربوا والتجؤا الى الجامع الأزهر وكذلك الحطابة وغيرهم منهم من هرب ومنهم من إلتجأ الى السيد عمر واستمر كذلك ثلاثة ايام وركب السيد عمر وعدى الى الباشا وتشفع في الطوائف المذكورة فرفعوا عنهم غرامتهم وكتبوا لهم امانا بذلك
وفي خامسه حضر قابجي من طرف الإنكليز وصحبته اشخاص فأنزلهم الباشا في خيمة بمخيمه بإنبابة فرقدوا بها ليأخدوا لهم راحة وناموا فلما استيقظوا فلم يجدوا ثيابهم وسطا عليها السراق فشلحوهم فأرسلوا الى حارة الفرنساوية فأتوا لهم بثياب وقفوات لبسوها
وفي يوم السبت مع ليلة الأحد حادي عشره عمل الفرنساوية عيدا ومولدا بحارتهم وأولمو بينهم ولائم واوقدوا قناديل كثيرة تلك الليلة وحراقات نفوط وسواريخ وشنكا حصة من الليل وهو عبارة عن مولد بونابارته السنوي
وفي الثلاثاء ثالث عشره طلب الباشا حسين افندي الروزنامجي فعدى
(3/209)

اليه ببر انبابه فخلع الدفتردارية وحضر الى داره الجديد وهو بيت الهياتم بالقرب من قنطرة درب الجماميز وذهب اليه الناس يهنوئه وانفصل احمد افندي عاصم عن الدفتردارية
وفي يوم الخميس خامس عشره عمل الباشا شنكا بالبر الغربي بين المغرب والعشاء ولما اصبح امر بالإرتحال وتمهل حتى تكامل ارتحال العساكر فركب قريب الزوال الى المنصورة
وفي يوم الجمعة سادس عشره الموافق السادس مسرى القبطي اوفي النيل اذرعه وذلك بعد أن حصل في الناس ضجر وقلق بسبب تأخر الوفاء عدة ايام حتى رفعوا الغلال من العرصات وزادت اثمانها فلما حصل الوفاء اطمأن الناس وتراجعت اليهم انفسهم واظهروا الغلال في العرصات والرقع وركب كتحدا بك في صبح يوم السبت وكذلك القاضي وطوسون ابن الباشا والسيد عمر النقيب وكسر السد بحضرتهم وجرى الماء في الخليج
وفيه وصل قابجي الى ثغر الاسكندرية وحضر بد ذلك الى ثغر بولاق من طريق البر الى قبرص و تحرى الوصول إلى دمياطثم حضر إلى بولاق وقابل الباشا في طريقه ووصل على يد مسكة ضرب المعاملة الجديدة بالضربخانة باسم السلطان الجديد وكذلك الأمر بالخطبة والدعاء والأخبار برفع النظام الجديد وابطاله من اسلامبول ورجوع الوجاقات على قانونها الأول القديم ووصل في نيف وخمسين يوما فاجتمعوا في صبحها يوم الأحد بباب الباشا واحضروا الأغا بموكب ودخل من باب النصر وقريء الفرمان بحضرة الجمع وضربوا شنكا ومدافع من ابراج القلعة ثلاثة ايام في الأوقات الخمسة
ومن الحوادث انه ظهر في هذه الأيام رجل بناحية بنها العسل يدعى بالشيخ سليمان فأقام مدة في عشة بالغيظ واعتقد الناس الولاية والسلوك والجذب فاجتمع اليه الكثير من اهل القرى واكثرهم الأحداث ونصبوا له خيمةو كثر جمعه واقبلت عليه اهالي القرى بالنذور والهدايا
(3/210)

وصار يكتب الى النواحي اوراقا يستدعي منهم القمح والدقيق ويرسلها مع المريدين يقول فيها الذي نعلم به اهل القرية الفلانية حال وصول الورقة اليكم تدفعون لحاملها خمسة ارداب قمح او اقل او اكثر برسم طعام الفقراء وكراء طريق المعين ثلاثون رغيفا نحو ذلك فلا يتأخرون عن ارسال المطلوب في الحال وصار الذين حوله ينادون في تلك النواحي بقولهم لا ظلم اليوم ولا تعطوا الظلمة شيئا من المظالم التي يطلبونها منكم ومن اتاكم فاقتلوه فكان كل من ورد من العسكر المعينين الى تلك النواحي يطلب الكلف او الفرض التي يفرضونها فزعوا عليه وطردوه وان عاند قتلوه فثقل امره على الكشاف والعسكر وصار له عدة خيام واخصاص واجتمع لديه من المردان نحو المائة وستين امرد وغالبهم اولاد مشايخ البلاد وكان اذا بلغه أن بالبلد الفلانية غلاما وسيم الصورة ارسل يطلبه فيحضرونه اليه في الحال ولو كان ابن عظيم البلدة حتى صاروا يأتون اليه من غير طلب ولا يخفى حال الإقليم المصري في التقليد في كل شيء وهذا من جنس المردان وكذلك ذوو اللحى هم كثيرون أيضا وعمل للمردان عقودا من الخرز الملون في اعناقهم ولبعضهم اقراطا في آذانهم ثم أن شيخا من فقهاء الأزهر من اهالي بنها يقال له الشيخ عبدالله البنهاوي ادعى دعوى بطين مستأجرة من اراضي بنها كان لأسلافه وان الملتزمين بالقرية استولوا على ذلك الطين من غير حق لهم فيه بل باغراء بعض مشايخ القرية والمذكور به رعونة ولم يحسن سبك الجعالات والبراطيل للوسايط وارباب الأحكام واتباعهم ويظن في نفسه انه يقضي قضيته يقال المصنف اكراما لعلمه ودرسه فتخاصم مع الملتزمين ومشايخ بلده وانعقدت بسببه مجالس ولم يحصل منها شيء سوى التشنيع عليه من المشايخ الأزهرية والسيد عمر النقيب ثم كتب له عرضحال ورفع امره الى كتخدا بك والباشا فأمر الباشا بعقد مجلس بسببه بحضرة السيد عمر والمشايخ وقالوا للباشا انه غير محق وطردوه فسافر الى بلده وسافر
(3/211)

الباشا أيضا الى جهة البحيرة والإسكندرية فذهب الشيخ عبدالله المذكور الى الشيخ سليمان المذكور واغراه على الحضور الى مصر وانه متى وصل اجتمع عليه المشايخ واهل البلدة وقابلوه ويكون على يده الفتح والفتوح وحركته خساف العقول المحيطون به والمجتمعون حوله على المجيء الى مصر ويكون له شأن لأن ولايته اشتهرت بالمدينة ولهم فيه اعتقاد عظيم وحب جسيم ومن اوصاف ذلك الشيخ انه لا يتكلم الا بالذكر او الكلام النزر الذي لا بد منه ويتكلم في اكثر اوقاته بالإشارة ثم انه اذاع شياطينه وحضر برجاله وغلمانه و معه طبول وكاسات على طريق مشايخ اهل العصر والاوان الذين يحسبون انهم يحسنون صنعا ودخلوا الى المدينة على حين غفلة وبأيديهم فراقل يفرقعون بها فرقعة متتابعة وصياح وجلبة ومن خلفهم الغلمان والبدايات وشيخهم في وسطهم فما زالوا في سيرهم حتى دخلوا المشهد الحسيني وجلسوا بالمسجد يذكرون ودخل منهم طائفة الى بيت السيد عمر مكرم النقيب وهم يفرقعون بما في ايديهم من الفرقلات فأقاموا بالمسجد الى العصر ثم دعاهم انسان من الأجناد يقال له اسمعيل كاشف أبو مناخير له في الشيخ المذكور اعتقاد فذهبوا معه الى داره بعطفة عبدالله بك فعشاهم وباتوا عنده الى الصباح ولما طلع النهار ركب الشيخ بغلة ذلك الجندي وذهب بطائفته الى ضريح الامام الشافعي فجلس بالمسجد أيضا مع اتباعه يذكرون وبلغ خبره كتخدا بك وامثاله فكتب تذكرة وارسلها الى السيد عمر النقيب بطلب الشيخ المذكور ليتبركوا به واكد في الطلب وقصده أن يفتك به لقهرهم منه وعلم السيد عمر ما يراد به فارسل يقول له أن كتب من اهل الكرامة فأظهر سرك وكرامتك والا فاذهب وتغيب وكان صالح أغا قوج لما بلغه خبره ركب في عسكره وذهب الى مقام الشافعي واراد القبض عليه فخوفه الحاضرون وقالوا له لا ينبغي لك التعرض له في ذلك المكان فإذا خرج فدونك واياه فانتظره بقصر شويكار فتباطأ الشيخ الى قريب العصر واشاروا عليه بالخروج من الباب القبلي وتفرق
(3/212)

عنه الكثير من المجتمعين عليه فذهب الى مقام الليث بن سعد ثم سار من ناحية الجبل وذهب بداياته وغلمانه الى دار اسمعيل كاشف التى باتوا بها ولما سار الى ناحية الصحراء لحقه الحاج سعودي الحناوي واقتفى اثره وبلغه رسالة السيد عمر ورجع الى السيد عمر فوجد كتخدا بك ورجب أغا حضرا الى السيد عمر يسألانه عنه ولم يكتفوا بالطلب الأول فأخبرهما انه ذهب ولم تلحقه المراسيل فاغتاظوا وقالوا نرسل الى كاشف القليوبية بالقبض عليه اينما كان وانصرفوا ذاهبين وقصدت العساكر بيت اسمعيل كاشف أبو مناخير فقبضوا على الغلمان واخذوهم الى دورهم ولم ينج منهم الا من كان بعيدا وهرب وتغيب وتفرق اتباعه ذوو اللحى واما الشيخ فسار من طريق الصحراء حتى وصل إلى بهتيم وذهب الى نوب فعرف بمأنه الشيخ عبدالله زقزوق البنهاوي الذي كان اغراه على الحضور الى مصر ولما سقط في يده تبرأ عنه وذهب الى كتخدا بك وطلب له امانا واخبره انه متخف بضريح الإمام الشافعي فأعطاه امانا وذهب اليه واحضره من نوب فلما حضر عند الكتخدا قال له ارخ لحيتك واترك ما انت عليه واقم في بلدك واعطيك طينا تزرعه ولا تتعرض لأحد ولا احد يتعرض لك والشيخ ساكت لا يتكلم وصحبته اربعة انفار من تلاميذه هم الذين يخاطبون الكتخدا ويكلمونه ثم امر اشخاصا من العسكر فأخذوه وذهبوا به الى بولاق وانزلوه في مركب وانحدروا به ثم غابوا حصة وانقلبوا راجعين ثم بعد ذلك تبين انهم قتلوه والقوه في البحر الا واحدا من الأربعة القى بنفسه في البحر وسبح في الماء وطلع الى البر وهرب وانفض امره
وفيه ارسل الباشا وهو بالرحمانية يطلب شيخ دسوق فحضر اليه طائفة من العسكر فلما اتوا اليه امتنع وقال ما يريد الباشا مني اخبروني بطلبه وانا ادفعه أن كان غرامة او كلفة فقالوا لا ندري وانما امرنا بإحضارك فشاغلهم بالطعام والقهوة ووزع بمائمه وحريمه والذي يخاف عليه وفي الوقت وصلت مراكب وبها عساكر وطلعوا الى البر فركب شيخ البلد خيوله
(3/213)

وخيالته واستعد لحربهم وحاربهم وابلى معهم وقتل منهم عدة كبيرة ثم ولى هاربا فدخل العسكر إلى البلد ونهبوها وأخذوا ما وجدوا في دور اهلها وعبروا مقام السيد الدسوقي وذبحوا من وجدوه من المجاورين وفيهم من طلبة العلم العواجز
وفيه ركب كتخدا بك ومر على بيت الداودية وبه طائفة من الدلاة فرأى شخصا منهم يرجم دجاجة بحجر ليرميها من سطح دار اخرى فانتهره واراد ضربه فقامت عليه رفقاؤه الدالاتية وفزعوا عليه فولى هاربا منهم فعدوا خلفه ولم يزل رامحا هو واتباعه حتى وصل الى ناحية الأزبكية
واستهل شهر رجب بيوم الجمعة سنة
في رابعه وردت مكاتبات من الباشا بوقوع الصلح بينه وبين الإنكليز واتفقوا على خروجهم من الاسكندرية وخلوها ونزولهم منها اوأرسل يطلب الاسرى من الإنكليز
وفي عاشره ورد قابجي ويسمى نجيب افندي فوصل الى بولاق يوم الاثنين حادى عشره وكان وروده من ناحية دمياط فلما علم أن الباشا بناحية البحيرة ذهب اليه وقابله بدمنهور وبصحبته لخصوص الباشا قفطان وسيف وشلنج وخلع لكبار العسكر مثل حسن باشا وطاهر باشا وعابدين بك وعمر بك وصالح قوج فنزل ببيت محمد الطويل التتنجي ببولاق
وفيه نزلوا بالأسرى من الإنكليز الى المراكب ليسافروا الى الإسكندرية
وفي يوم الأربعاء ثالث عشره وصل المبشر بنزول الإنكليز من ثغر الإسكندرية الى المراكب ودخل اليها كتخدا بك ونزل بدار الشيخ المسيري واستمر الباشا مقيما عند السد
وفي يوم السبت سادس عشره ركب القابجي من بولاق بالموكب وشق من وسط المدينة وذهب الى بيت الباشا وضربوا لقدومه مدافع من القلعة
وفي يوم الأربعاء سابع عشرينه ولد لمحمد علي باشا مولود من حظيته وحضر المبشرون بنزول الإنكليز من الإسكندرية ودخول الباشا
(3/214)

بها فعملوا شنكا وضربوا مدافع من القلعة ثلاثة ايام في الأوقات الخمسة آخرها السبت
وفي يوم الخميس والجمعة والسبت وصلت عساكر كثيرة ودخلوا المدينة وطلبوا سكنى البيوت وازعجوا الناس واخرجوهم من اوطانهم وضجت الخلائق وحضر الكثير الى السيد عمر والمشايخ فكتبوا عرضا في شأن ذلك وارسلوه الى كتخدا بك فأظهر الإهتمام واحضر طائفة من كبار العسكر وكلمهم في ذلك وقال لهم كل من كان ساكنا قبل الخروج الى العرضى في دار فليرجع اليها ويسكنها ولا تعارضوا الناس في مساكنهم فلم يفد كلامه في ذلك شيئا لأن البيوت التى كانوا بها اخربوها وحرقوا اخشابها وتركوها كيمانا وذلك دأبهم
واستهل شهر شعبان بيوم السبت سنة
في ثالثه يوم الإثنين وصل الباشا الى ساحل بولاق فضربوا لقدومه مدافع من القلعة وعملوا له شنكا ثلاثة ايام واتفق أن الباشا في حال رجوعه من الإسكندرية نزل في سفينة صغيرة وصحبته حسن باشا طاهر وسليمان أغا الوكيل سابقا فانقلبت بهم واشرف ثلاثتهم على الغرق وتعلق بعضهم بحرف السفينة فلحقتهم مركب اخرى انقذتهم من الغرق وطلعوا سالمين وكان ذلك عند زفيتة
وفيه كتبوا أوراق البشارة بذهاب الانكليز وسفرهم من الاسكندرية وارسلوها الى البلاد والقرى وعليها حق الطريق اربعة ألاف والفين فضة وصورة ما حصل انه لما وصل الباشا الى ناحية الإسكندرية راسل الإنكليز وحضر اليه انفار منهم واختلى معهم ولم يعلم احد ما دار بينهم من الكلام وذهبوا من عنده واشيع الصلح وفرحت العسكر لانهم لما رأوا صورة المتاريس والطوابي والخنادق وجري المياه بين ذلك بالأوضاع المتقنة هالهم ذلك ثم حضر من عظمائهم اشخاص ولما علم الباشا بوصولهم رتب العساكر ونظم ديوانا وهيأه واوقف العساكر صفوفا يمنة ويسره وعندما
(3/215)

وصلوا ضربوا لهم مدافع كثيرة وشنكا وقدم لهم خيولا وهدايا واقمشة هندية وخلع عليهم خلعا وشيلانا كشميرية وغير ذلك ثم ركب معهم في قلة الى حيث منزلة ساري عسكرهم وكبيرهم فتلاقى معهم وقدم له الآخر هدايا وظرائف ثم ركب معه الى الإسكندرية وتسلم القلعة وذلك بعد دخول كتخدار بك بخمسة ايام وكان في اسرى الإنكليز انفار من عظمائهم فأحضرهم الباشا مع باقي الأسرى وتم الصلح على رد المذكورين على انهم لم يأتوا طمعا في البلاد كما تقدم ولما نزلوا بالمراكب لم يبعدوا عن الثغر إلا مسافة قليلة واستمروا يقطعون على المركب الواردين على الثغور وذلك لما بينهم وبين العثماني من المفاقمة
هذا ما كان من امر الإنكليز واما العساكر فإنهم افحشوا في التعدي على الناس وغصب البيوت من اصحابها فتأتي الطائفة منهم الى الدار المسكونة ويدخلونها من غير احتشام ولا اذن ويهجمون على سكن الحرم بحجة انهم يتفرجون على اعالي الدار فتصرخ النساء ويجتمع اهل الخطة ويكلمونهم فلا يلتفتون اليهم فيعالجونهم مرة بالملاطفة و أخرى بكثرة الجمع إن كان بهم قوة أو بمعونة ذي مقدرة و إذا انفصلوا فلا يخرجون من الدار الا بمصلحة او هدية لها قدر ويشترطون في ذلك الشيلان الكشميري فإذا احضروا لهم مطلوبهم فلا يعجب كبيرهم ويطلب خلافه احمر او اصفر واتفق أن بعضهم دخل عليه بينباشا بجماعته فلم يزل به حتى صالحه على شال يأخذه ويترك له داره فأتاه بشال اصفر فاظهر انه لا يريد الا الأحمر الدودة فلم يسعه الا الرضا واراد أن يرد الأصفر ويأتيه بالأحمر فحجزه وقال دعه حتى تأتتي بالأحمر ضمه إلى الاصفر و اخذ الإثنين ثم انصرف عنه وذلك خلاف ما يأخذونه من الدراهم فإذا انصرفوا وظن صاحب الدار انهم انجلوا عنه فيأتيه بعد يومين او ثلاثة خلافهم ويقع في ورطة اخرى مثل الأولى او اخف او اعظم منها وبعضهم يدخل الدار ويسكنها بالتحيل والملاطفة مع صاحب الدار فيقول له يا اخي يا حبيبي انا
(3/216)

معي ثلاثة انفار واربعة لا غير ونحن مسافرون بعد عشرة ايام والقصد أن تفسح لنا نقيم في محل الرجال وانت بحريمك في مكانهم اعلى الدار فيظن صدقهم ويرضى بذلك على تخوف وكره فيعبرون ويجلسون كما قالوا في محل الرجال ويربطون خيولهم في الحوش ويعلقون اسلحتهم ويقولون نحن صرنا ضيوفك فإذا اراد أن يرفع فرش المكان يقولون نحن نجلس على الحصير والبلاط واي شيء يصيب الفرش فيتركه حياء وقهرا ثم يطلبون الطعام والشراب فما يسعه الا أن يتكلف لهم ذلك في اوقاته ويستعملون الأواني ويطلبون ما يحتاجون اليه مثل الطشت والأبريق وغير ذلك ثم تأتيهم رفقاؤهم شيئا فشيئا ويدخلون ويخرجون وبأيديهم الأسلحة ويضيق عليهم المكان فيقولون لصاحب المكان اخل لنا محلا اخر في الدار فوق لرفقائنا فإن قال ليس عندنا محل اخر او قصر في مطلوب ابتداؤه بالقسوة فعند ذلك يعلم صاحب الدار انهم لا انفكاك لهم عن المكان وربما مضت العشرة ايام او اقل او اكثر وظهرت قبائحهم وقذروا المكان واحرقوا البسط والحصر بما يتساقط عليها من الجمر من شربهم النارجيلات والتنباك والدخان وشربوا الشراب وعربدوا وصرخوا وصفقوا وغنوا بلغاتهم المختلفة وفقعت رائحة العرقي في المنزل فيضيق صدر الرجل وصدر اهل بيته ويطيب خاطرهم على الخروج والنقلة فيطلبون لأنفسهم مسكنا ولو مشتركا عند اقاربهم ومعارفهم وتخرج النساء في غفلة بثيابهن وما يمكنهن حمله ثم يشرعون في اخراج المتاع والأواني والنحاس والفرش فيحجزونه منهم ويقولون اذا اخذتم ذلك فعلى اي شيء نجلس وفي اي شيء نطبخ وليس معنا فرش ولا نحاس والذي كان معنا استهلك منا في السفر والجهاد ودفع الكفار عنكم وانتم مستريحون في بيوتكم وعند حريمكم فيقع النزاع وينفصل الأمر بينهم وبين صاحب الدار اما بترك الدار بما فيها او بالمقاسمة والمصالحة بالترجي والوسايط ونحو ذلك وهذا الأمر يقع لأعيان الناس والمقيمين بالبلدة من الأمراء والأجناد
(3/217)

المصريين واتباعهم ونحوهم ثم انهم تعدوا الى الحارات والنواحي التى لم يتقدم لهم السكنى بها قبل ذلك مثل نواحي المشهد الحسيني وخلف الجامع المؤيدي والخرنفش والجمالية حتى ضاقت المساكن بالناس لقلتها وصار بعض المحتشمين اذا سكن بجواره عسكر يرتحل من داره ولو كانت ملكه بعد امن جوارهم وخوفا من شرهم وتسلقهم على الدار لأنهم يصعدون على الأسطح والحيطان ويتطلعون على من بجوارهم ويرمون بالبندقيات والطبنجات ومما اتفق أن كبيرا منهم دخل بطائفته الى منزل بعض الفقهاء المعتبرين وامره بالخروج منها ليسكن هو بها فأخبره انه من مشايخ العلم فلم يلتفت لقوله فتركه ولبس عمامته وركب بغلته وحضر إلى اخوانه المشايخ واستغاث بهم فركب معه جماعته منهم وذهبوا الى الدار ودخلوا اليها راكبين بغالهم فعندما شاهدهم العسكر وهم واصلون في كبكبة اخذوا اسلحتهم وسحبوا عليهم السيوف فرجع البعض هاربا وثبت الباقون ونزلوا عن بغالهم وخاطبوا كبيرهم وعرفوه انها دار العالم الكبير وهذا لا يناسب وان النصارى واليهود يكرمون قسسهم ورهبانهم وانتم اولى بذلك لأنكم مسلمون فقالوا لهم في الجواب انتم لستم بمسلمين لأنكم كنتم تتمنون تملك النصارى لبلادكم وتقولون انهم خير منا ونحن مسلمون ومجاهدون طردنا النصارى واخرجناهم من البلاد فنحن احق بالدور منكم ونحو ذلك من القول الشنيع ثم لم يزالوا في معالجتهم الى ثاني يوم ولم ينصرفوا عن الدار حتى دفعوا لهم مأتي قرش وشال كشمير لكبيرهم وفعل ذلك بعدة بيوت دخلها على هذه الصورة واخذ منها اكثر من ذلك ومنها دار اسمعيل افندي صاحب العيار بالضربخانة وهو رجل معتبر اخذ منه خمسمائة قرش وشال كشمير وفعل مثل ذلك بغيرهم هو وامثاله ولما اكثر الناس من التشكي للباشا وللكتخدا قال الكتخدا اناس قاتلوا وجاهدوا اشهرا واياما وقاسوا ما قاسوه في الحر والبرد والطل حتى طردوا عنكم الكفار واجلوهم عن بلاد افلا تسعونهم
(3/218)

في السكنى ونحو ذلك من القول
ولما انقضى هذا الامر واستقر الباشا واطمأن خاطره وخلص له الاقليم المصري وثغر الاسكندرية الذي كان خارجا عن حمهحتى قبل مجيء الإنكليز فإن الإسكندرية كانت خارجة عن حكمه فلما حصل مجيء الإنكليز وخروجهم صار الثغر في حكمه أيضا فاول ما بدأ به انه ابطل مسموح المشايخ والفقهاء معا في البلاد التى التزموا بها لأنه لما ابتدع المغارم والشهريات والفرض التى فرضها على القرى ومظالم الكشوفية جعل ذلك عاما على جميع الالتزامات والحصص التى بأيدي جميع الناس حتى اكابر العسكر واصاغرهم ما عدا البلاد والحصص التى للمشايخ خارجة عن ذلك ولا يؤخذ منها نصف الفائظ ولا ثلثه ولا ربعه وكذلك من ينتسب لهم او حتى يحتمي فيهم ويأخذون الجعالات والهدايا من اصحابها ومن فلاحيهم تحت حمايتها ونظير صيانتها واغتروا بذلك واعتقدوا دوامه واكثروا من شراء الحصص من اصحابها المنجاحين بدون القيمة وافتتنوا بالدنيا وهجروا مذاكرة المسائل ومدارسة العلم الا بمقدار حفظ الناموس مع ترك العمل بالكلية وصار بيت احدهم مثل بيت احد الأمراء الألوف الأقدمين واتخذوا الخدم والمقدمين واعوان واجروا الحبس والتعزيز والضرب بالفلقة والكرابيج المعروفة بزب الفيل واستخدموا كتبة الأقباط وقطاع الجرائم في الإرساليات للبلاد وقدروا حق طرق لأتباعهم وصارت لهم استعجالات وتحذيرات وانذارات عن تأخر المطلوب مع عدم سماع شكاوي الفلاحين ومخاصمتهم القديمة مع بعضهم بموجبات التحاسد والكراهية المجبولة والمركوزة في طباعهم الخبيثة وانقلب الوضع فيهم بضده وصار ديدنهم واجتماعهم ذكر الامور الدنيوية والحصص والالتزام وحساب الميري والفائظ والمضاف الرماية والمرافعات والمراسلات والتشكي والتنجي مع الأقباط واستدعاء عظمائهم في جمعياتهم وولائمهم والاعتناء بشأنهم والتفاخر بتردادهم والترداد عليهم والمهاداة فيما بينهم الى غير ذلك مما
(3/219)

يطول شرحه واوقع مع ذلك زيادة عما هو بينهم من التنافر والتحاسد والتحاقد على الرياسة والتفاقم والتكالب على سفاسف الأمور وحظوظ الأنفس على الأشياء الواهية مع ما جلبوا عليه من الشح والشكوى والإستجداء وفراغ الاعين والتطلع للأكل في ولائم الأغنياء والقراء و المعاتبة عليها إن لم يدعوا اليها والتعريض بالطلب واظهر الإحتياج لكثرة العيال والأتباع واتساع الدائرة وارتكابهم الأمور المخلة بالمروءة المسقطة للعدالة كالإجتماع في سماع الملاهي والأغاني والقيان والآلات المطربة واعطاء الجوائز والنقوط بمناداة الخلبوص وقوله واعلاماه في السامر وهو يقول في سامر الجمع بمسمع من النساء والرجال من عوام الناس وخواصهم برفع الصوت الذي يسمعه القاصى والداني وهو يخاطب رئيسةالمغاني ياستي حضرة شيخ الإسلام والمسلمين مفيد الطالبين الشيخ العلامة فلان منه كذا وكذا من النصفيات الذهب قدر مسماه كثير وجرمه قليل نتيجته التفاخر الكذب والإزدراء بمقام العلم بين العوام واوباش الناس الذين اقتدوا بهم في فعل المحرمات الواجب عليهم النهي عنها كل ذلك من غير احتشام ولا مبالاة مع التضاحك والقهقهة المسموعة من البعد في كل مجمع ومواظبتهم على الهزليات والمضحكات والفاظ الكتابة المعبر عنها عند اولاد البلد بالإنقاط والتنافس في الأحداث الى غير ذلك
وفيه فتحوا الطلب من الملتزمين ببواقي الميري على اربع سنوات ماضية
وفي عاشره فتحوا أيضا دفاتر الطلب بميري السنة القابلة ووجهوا الطلب بها الى العسكر فدهى الناس بدواه متوالية منها خراب القرى بتوالي المظالم والمغارم والكلف وحق الطرق والاستعجالات والتساويف والبشارات فكان اهل القرية النازل بها ذلك يتنقلون الى القرية المحمية لشيخ من الأشياخ وقد بطلت الحماية أيضا حينئذ ثم انزلوا بالبنادر مغارم عظيمة لها قدر من الأكياس الكثيرة وذلك عقب فرصة البشارة مثل
(3/220)

دمياط ورشيد والمحلة والمنصورة مائة كيس وخمسون كيسا ومائة وخمسون واكثر واقل
وفي اثناء ذلك قرروا أيضا فرضة غلال وسمن وشعير وفول على البلاد والقرى وان لم يجد المعينون للطلب شيئا من الدراهم عند الفلاحين اخذوا مواشيهم وابقارهم لتأتي اربابها ويدفعوا ما تقرر عليهم ويأخذوها ويتركونها بالجوع والعطش فعند ذلك يبيعونها على الجزارين ويرمونها عليهم قهرا بأقصى القيمة ويلزمونهم بإحضار الثمن فإن تراخوا وعجزوا شددوا عليهم بالحبس والضرب
وفي يوم الخميس ثالث عشره مر الباشا في ناحية سويقة العزى سائرا الى ناحية بيت بليغا وهناك المكتب فوق السبيل الذي بين الطريقين تجاه من يأتي من تلك الناحية فطلع الى ذلك المكتب شخصان من العسكر يرصدان الباشا في مروره فحيثما أتى مقابلا لذلك المكتب اطلقا في وجهه برودتين فأخطأتاه واصابت احدى الرصاصتين فرس فارس من الملازمين حوله فسقط ونزل الباشا عن جواده على مصطبة حانوت مغلقة وامر الخدم باحضار الكامنين بذلك المكتب فطلعوا اليهما وقبضوا عليهما ثم حضر كبيرهم من دار قريبة من ذلك المكان واعتذر الى الباشا بانهما مجنونان وسكرانان فأمره بإخراجهما وسفرهما من مصر وركب وذهب الى داره
وفي يوم الإثنين ثالث عشرينه اجتمع عسكر الأرنؤد والترك على بيت محمد علي باشا وطلبوا علائفهم فوعدهم بالدفع فقالوا لا نصبر وضربوا بنادق كثيرة ولم يزالوا واقفين ثم انصرفوا وتفرقوا وارتجت البلد وارسل السيد عمر الى اهل الغورية والعقادين والأسواق يأمرهم برفع بضائعهم من الحوانيت ففعلوا واغلقوها فلما كان قبيل الغروب وصل الى بيت الباشا طائفة الدلاتية وضربوا أيضا بنادق فضرب عليهم عسكر الباشا كذلك فقتل من الدلاة اربعة انفار وانجرح بعضهم فانكفوا ورجعوا وبات الناس متخوفين وخصوصا نواحي الأزهر وأغلقوا البوابات من بعد
(3/221)

الغروب وسهروا خلفها بالأسلحة ولم تفتح الا بعد طلوع الشمس واصبح يوم الثلاثاء والحال على ما هو عليه من الاضطراب ونقل الباشا امتعته الثمينة تلك الليلة الى القلعة وكذلك في ثاني يوم ثم انه طلع الى القلعة في ليلة الأربعاء وشيعه حسن باشا الى القلعة ورجع الى داره ويقال أن طائفة من العسكر الذين معه بالدار ارادوا غدره تلك الليلة وعلم ذلك منهم باشارة بعضهم لبعض رمزا فغالطهم وخرج مستخفيا من البيت ولم يعلم بخروجه الا بعض خواصه الملازمين له واكثرهم اقاربه وبلدياته ولما تحققوا خروجه من الدار وطلوعه الى القلعة صرف بونابارته الخازندار الحاضرين في الحال ونقل الأمتعة والخزينة في الحال وكذلك الخيول والسروج وخرجت عساكره يحملون ما بقي من المتاع والفرش والأواني الى القلعة واشيع في اللبلدة أن العساكر نهبوا بيت الباشا وزاد اللغط والاضطراب ولم يعلم احد من الناس حقيقة الحال حتى ولا كبار العسكر وزاد تخوف الناس من العسكر وحصل منهم عربدات وخطف عمائم وثياب وقتل اشخاص واصبح يوم الخميس وباب القلعة مفتوح والعساكر مرابطون وواقفون باسلحتهم وطلع افراد من كبار العسكر بدون طوائفهم ونزلوا واستمر الحال على ذلك يوم الجمعة والعسكر والناس في اضطراب وكل طائفة متخوفة من الأخرى والأرنؤد فرقتان فرقة تميل الى الأتراك وفرقة تميل الى جنسها والدلاة تميل الى الأتراك وتكره الأرنؤد وهم كذلك والناس متخوفة من الجميع ومنهم ومن يخشى من قيام الرعية ويظهر التودد لهم وقد صاروا مختلطين بهم في المساكن والحارات وتأهلوا وتزوجوا منهم
وفي يوم السبت طلع طائفة من المشايخ الى القلعة وتكلموا وتشاوروا في تسكين هذا الحال بأي وجه كان ثم نزلوا
وفي ليلة الأحد كانت رؤية هلال رمضان فلم يعمل الموسم المعتاد وهو الاجتماع ببيت القاضي وما يعمل به من الحراقة والنفوط والشنك وركوب
(3/222)

المحتسب ومشايخ الحرف والزمور والطبول واجتماع الناس للفرجة بالأسواق والشوارع وبيت القاضي فبطل ذلك كله ولم تثبت الرؤية تلك الليلة واصبح يوم الحد والناس مفطرون فلما كان وقت الضحوة نودي بالإمساك ولم تعلم
واستهل شهر رمضان بيوم الإثنين سنة
وفي ليلته بين العصر والمغرب ضربوا مدافع كثيرة من القلعة وأردفوا ذلك بالبنادق الكثيرة المتتابعة وكذلك العسكر الكائنون بالبلدة فعلوا كفعلهم من كل ناحية ومن اسطحة الدور والمساكن وكان شيئا هائلا واستمر ذلك الى بعد الغروب وذلك شنك لقدوم رمضان في دخوله وانقضائه
وفي رابعه انكشفت القضية عن طلب مبلغ الفي كيس بعد جمعيات ومشاورات تارة ببيت السيد عمر النقيب وتارة في امكنة اخرى كبيت السيد المحروقي وخلافه حتى رتبوا ذلك ونظموه فوزع منه جانب على رجال دائرة الباشا وجانب على المشايخ الملتزمين نظير مسموحهم في فرض حصصهم التى اكلوها وهي مبلغ مائتي كيس وزعت على القراريط على كل قيراط ثلاثة آلاف نصف فضة على سبيل القرض لأجل ان ترد او تحسب لهم في الكشوفات من رفع المظالم ومال الجهات يأخذونها من فلاحيهم وفرض من ذلك مبالغ على ارباب الحرف واهل الغورية ووكالة الصابون ووكالة القرب والتجار الآفاقية واستقر ديوان الطلب ببيت ابن الصاوي بما يتعلق بالفقهاء واسمعيل الطوبجي بالمطلوب من طائفة الأتراك واهل خان الخليلي والمرجع في الطلب والدفع والرفع الى السيد عمر النقيب واجتمع الكثير من اهل الحرفكالصرماتية و أمثالهم والتجؤا إلى الجامع الأزهر و أقاموا به ليالي واياما فلم ينفعهم ذلك وانبث المعينون بالطلب وبايديهم الأوراق بمقدار المبلغ المطلوب من الشخص وعليها حق الطريق وهم قواسة اتراك وعسكر ودلاة وقواسة بلدي ودهى الناس بهذه الداهية
(3/223)

في الشهر المبارك فيكون الإنسان نائما في بيته ومتفكرا في قوت عياله فيدهمه الطلب ويأتيه المعين قبل الشروق فيزعجه ويصرخ عليه بل ويطلع الى جهة حريمه فينتبه كالمفلوج من غير اصطباح ويلاطف المعين ويعده ويأخذ بخاطره ويدفع له كراء طريقة المرسوم له في الورقة المعين بها المبلغ المطلوب قبل كل شيء فما يفارقه الا ومعين آخر واصل اليه على النسق المتقدم وهكذا
وفيه حضر محمد كتخدا شاهين بك الألفي بجواب عن مراسلة ارسلها الباشا الى مخدومه فأقام اياما يتشاور مع الباشا في مصلحته مع شاهين بك وحصل الإتفاق على حضور شاهين بك الى الجزيرة ويتراضى مع الباشا على امر وسافر في ثاني عشره وصحبته صالح أغا السلحدار
وفي يوم الخميس ثامن عشره قصد الباشا نفي رجب أغا الأرنؤدي وارسل اليه يأمره بالخروج والسفر بعد أن قطع خرجه واعطاه علوفته فامتنع من الخروج وقال انا لي عنده خمسون كيسا ولا اسافر حتى اقبضها وذلك انه في حياة الألفي الكبير اتفق مع الباشا بأن يذهب عند الألفي وينضم اليه ويتحيل في اغتياله وقتله فان فعل ذلك وقتله وتمت حيلته عليه اعطاه خمسين كيسا فذهب عند الألفي والتجأ اليه واظهر انه راغب في خدمته وكره الباشا و ظلمه فرحب به وقبله واكرمه مع التحذر منه ظلما طال به الأمد ولم يتمكن من قصده رجع الى الباشا فلما امره بالذهاب اخذ يطالبه بالخمسين كيسا من فامتنع الباشا وقال جعلت له ذلك في نظير شيء يفعله لم يخرج من يده فعله فلا وجه لمطالبته به واستمر رجب أغا في عناده وذلك انه لا يهون بهم مفارقة مصر التى صاروا فيها امراء واكابر بعد أن كانوا يحتطبون في بلادهم ويتكسبون بالصنائع الدنيئة ثم انه جمع جيشه اليه من الأرنؤد بناحية سكنه وهو بيت حسن كتخدا الجربان بباب اللوق فأرسل اليه الباشا من يحاربه فحضر حسن أغا سرششمة من ناحية قنطرة باب الخرق وحضر أيضا الجم الكثير من الأتراك وكبرائهم من جهة المدابغ وعمل كل منهم متاريس من الجهتين وتقدموا
(3/224)

قليلا حتى قربوا من مساكن الأرنؤد تجاه بيت البارودي فلم يتجاسروا على الاقدام عليهم من الطريق بل دخلوا من البيوت التى في صفهم ونقبوا من بيت الى اخر حتى انتهوا الى اول منزل من مساكنهم فنقبوا البيت الذي يسكن به الشيخ محمد سعد البكري ونفذوا منه الى المنزل الذي بجواره ثم منه إلى منزل علي أغا الشعراوي الى بيت سيدي محمد واخيه سيدي محمود المعروف بابي دفية الملاصق لمسكن طائفة من الأرنؤد وعبثوا في الدورء وازعجوا اهلها بقبح افعالهم فإنهم عندما يدخلون في اول بيت يصعدون الى الحريم بصورة منكرة من غير دستور ولا استئذان وينقبون من مساكن الحريم العليا فيهدمون الحائط ويدخلون منها الى محل حريم الدار الأخرى وتصعد طائفة منهم الى السطح وهم يرمون بالبنادق في الهواء في حال مشيهم وسيرهم وهكذا ولا يخفى ما يحصل للنساء من الإنزعاج ويصرن يصرخن ويصحن بأطفالهن ويهربن الى الحارات الأخرى مثل حارة قواديس وناحية حارة عابدين بظاهر الدور المذكورة بغاية الخوف والرعب والمشقة وطفقت العساكر تنهب الأمتعة والثياب والفرش ويكسرون الصناديق ويأخذون ما في القدور من الأطعمة في نهار رمضان من غير احتشام ولقد شاهدت اثر قبح فعلهم ببيت أبي دفية المذكور من الصناديق المكسرة وانتشار حشو الوسائد والمراتب التى فتقوها واخذوا ظروفها ولم يسلم لأصحاب المساكن سوى ما كان لهم خارج دورهم وبعيدا عنها او وزعوه قبل الحادثة واصيب محمد افندي أبو دفية برصاصة اطلقها بعضهم من النقيب الذي نقب عليهم نفذت من كتفه وكذلك فعل العساكر التى اتت من ناحية المدابغ بالبيوت الأخرى واستمروا على هذه الأفعال ثلاثة ايام بلياليها فلما كان ليلة الاثنين ثاني عشرينه حضر عمر بك كبير الأرنؤد الساكن ببولاق و صالح قوج إلى رجب أنما المذكور و أركباه و أخذاه إلى بولاق وبطل الحرب بينهم ورفعوا المتاريس في صبحها وانكشفت الواقعة عن نهب البيوت ونقبها وازعاج
(3/225)

اهلها ومات فيما بينهم انفار قليلة وكذلك مات اناس وانجرح اناس من اهل البلد
وفي يوم السبت وصل شاهين بك الألفي إلى دهشور ووصل صحبته مراكب بها سفار وهدية من ابراهيم بك ومحمد بك المرادي المعروف بالمنفوخ برسم الباشا وهي نحو الثلاثين حصانا ومائة قنطار بن قهوة ومائة قنطار سكر واربع خصيان وعشرون جارية سوداء فلما وصل شاهين بك الى دهشور فحضر محمد كتخداه وعلي كاشف الكبير فأرسل الباشا اليه صحبتهما هدية ومعهما ولده وديوان افندي
وفي خامس عشرينه سافر رجب أغا وتخلف عنه كثير من عساكره واتباعه وذهب من ناحية دمياط
وفيه حضر ديوان افندي من دهشور وابن الباشا أيضا وخلع شاهين بك علي ابن الباشا فردة وقدم له تقدمة وسلاحا نفيسا انكليزيا
وفي ثاني عشرينه وصل شاهين بك الى شبرامنت وقد امر الباشا بأن يخلوا له الجيزة وينتقل منها الكاشف والعسكر فعدى الجميع الى البر الشرقي وتسلم علي كاشف الكبير الألفي القصر وما حوله وما به من الجبخانة والمدافع والات الحرب وغيرها
واستهل شهر شوال بيوم الثلاثاء سنة
ولم يعمل العسكر شنكهم تلك الليلة من رميهم الرصاص والبارود الكثير المزعج من سائر النواحي والبيوت والأسطحة لانقباض نفوسهم وانما ضربوا مدافع من القلعة مدة ثلاثة ايام العيد في الأوقات الخمسة
وفي خامسه اعتني الباشا بتعمير القصر لسكن شاهين بك بالجيزة وكان العسكر اخربوه وكذلك بيوت الجيزة ولم يتركوا بها دارا عامرة الا القليل فرسم الباشا للمعمارجية بعمارة القصر فجمعوا البنائين والنجارين والخراطين وحملوا الاخشاب من بولاق وغيرها وهدموا بيت أبي الشوارب واحضروا الجمال والحمير لنقل اخشابه وانقاضه واخرجوا منه اخشابا
(3/226)

عظيمة في غاية العظم ولاثخن ليس لها نظير في هذا الوقت والاوان
وفي سابعه حضر شاهين بك الى بر الجيزة وبات بالقصر وضربوا لقدومه مدافع كثيرة من الجيزة وعمل له علي جربجي موسى الجيزاوي وليمة وفرض مصروفها وكلفتها على اهل البلدة واعطاه الباشا اقليم الفيوم بتمامه التزاما و كشوفية و أطلق له فيها التصرف و أنعم عليه أيضا بثلاثين بلدة من إقليم البهنسامع وكشوفيتها وعشرة بلاد من بلاد الجيزة من البلاد التي ينتقيها ويختارها وتعجبه مع كشوفية الجيزة وكتب له بذلك تقاسيط ديوانية وضم له كشوفية البحيرة بتمامها الى حد الإسكندرية واطلق له التصرف في جميع ذلك ومرسوماته نافذة في سائر البر الغربي
وفي صبح يوم الأربعاء تاسعه ركب السيد عمر افندي النقيب والمشايخ وطلعوا الى القلعة باستدعاء ارسالية ارسلت اليهم في تلك الليلة فلما طلعوا الى القلعة ركب معهم ابن الباشا طوسون بك ونزل الجميع وساروا الى ناحية مصر القديمة وكان شاهين بك عدى الى البر الشرقي بطائفة من الكشاف والمماليك والهوارة فسلموا عليه وكان بصحبتهم طائفة من الدلاة ساروا امام القوم بطبلاتهم وسفافيرهم ومن خلفهم طائفة من الهوارة ومن خلفهم الكشاف والمماليك والسيد عمر النقيب والمشايخ ثم شاهين بك وبجانبه ابن الباشا وخلفهم الطوائف والأتباع والخدم وخلفهم النقاقير فساروا الى ناحية جهة القرافة وزاروا ضريح الإمام الشافعي ثم ركبوا وساروا الى القلعة وطلعوا من باب العزب الى سراية الديوان وانفصل عنهم المشايخ ونزلوا الى دورهم وقابلوا الباشا وسلم شاهين بك عليه فخلع عليه الباشا فروة سمور مثمنة وسيفا وخنجرا مجوهرا وتعابي وقدم له خيولا بسروجها وعزم عليه ابن الباشا فأذن له أن يتوجه صحبته الى سرايته فركب معه وتغدى عنده ثم ركب بصحبته ونزلا من القلعة وذهب عند حسن باشا فقابله أيضا وسلم عليه وخلع عليه أيضا و قدم له خيولا و ركب صحبتها و ذهبوا عند طاهر باشا ابن اخت الباشا فسلم عليه أيضا
(3/227)

وقدم له تقادم ثم ركب عائدا الى الجيزة وذهب الى مخيمه بسبرامنت واستمر مقيما بالمخيم حتى تمم عمارة القصر وتردد كشافهم واجنادهم الى بيوتهم بالمدينة فيبيتون الليلة والليلتين ويرجعون الى مخيمهم
وفيه قطع الباشا رواتب طوائف من الدلاة وامروا بالسفر الى بلادهم
وفي يوم الجمعة انتقل الألفية بعرضيهم وخيامهم الى بحري الجيزة
وفي يوم السبت ثاني عشره وصل اربعة من صناجق الألفية وهم احمد بك ونعمان بك وحسين بك ومراد بك فطلعوا الى القلعة وخلع عليهم الباشا فراوي و قلدهم سيوفا وقدم لهم تقادم ثم نزلوا إلى حسن باشا فسلموا عليه وخلع عليهم أيضا خلعا ثم ذهبوا الى بيت صالح أغا السلحدار فأقاموا عنده الى اواخر النهار ثم ذهبوا الى البيوت التى بها حريمهم فباتوا وذهبوا في الصباح الى الجيزة
وفي يوم الثلاثاء خامس عشره عملت وليمة وعقدوا لأحمد بك الألفي على عديلة هانم بنت ابراهيم بك الكبير والوكيل في العقد شيخ السادات وقبل عنه محمد كتخدا بوكالته عن احمد بك ودفع الصداق الباشا من عنده وقدره ثمانية ألاف ريال
وفيه اتفقوا على ارسال نعمان بك ومحمد كتخدا وعلي كاشف الصابونجي الى ابراهيم بك الكبير لإجراء الصلح
وفيه أيضا ارادوا اجراء عقد زينب هانم ابنة ابراهيم بك علي نعمان بك فامتنعت وقالت لا يكون ذلك الا عن اذن أبي وها هو مسافر اليه فليستاذنه ولا اخالف امره فأجيبت الى ذلك واراد شاهين بك أن يعقد لنفسه على زوجة حسين بك المقتول المعروف بالوشاش وهو خشداشه وهي ابنة السفطي فاستأذن الباشا فقال اني اريد أن ازوجك ابنتي وتكون صهري وهي واصلة عن قريب ارسلت بحضورها من بلدي قوله فإن تأخر حضورها جهزت لك سرية وزوجتك اياها
وفي يوم الأربعاء نزل الباشا من القلعة وذهب الى مضرب النشاب
(3/228)

واستدعى شاهين بك من الجيزة وعمل معه ميدانا وترامحوا وتسابقوا ولعبوا بالرماح والسيوف ثم طلع الجميع الى القلعة واستمر شاهين بك عند الباشا الى بعد الظهر ثم نزل مع نعمان بك الى بيت عديلة هانم فمكثا الى قبيل المغرب ثم ارسل اليهما الباشا فطلعا الى القلعة فباتا عنده ونزلا في الصباح و عديا الى الجيزة
قال الشاعر ... أمور تضحك السفهاء منها ... ويبكي من عواقبها اللبيب ...
وفيه تقلد حسن أغا سرششمه امارة دمياط عرضا عن احمد بك وتقلد عبدالله كاشف الدرندلي امارة المنصورة عوضا عن عزيز أغا
وفي يوم الأربعاء ثالث عشرينه وصل قابجي ومعه مرسومات يتضمن احدها التقرير لمحمد علي باشا على ولاية مصر واخر بالدفتردارية باسم ولده ابراهيم واخر بالعفو عن جميع العسكر جزاء عن اخراجهم الإنكليز من ثغر الإسكندرية واخر بالتأكيد في التشهيل والسفر لمحاربة الخوارج بالحجاز واستخلاص الحرمين والوصية بالرعية والتجار وصحبته أيضا خلع وشلنجات فأركبوه في موكب في صبح يوم الخميس وطلع الى القلعة وقرئت المراسيم المذكورة بحضرة الباشا والمشايخ وكبار العسكر وشاهين بك وخشداشينه الألفية وضربوا مدافع وشنكا
وفيه سافر ابراهيم بك ابن الباشا على طريق القليوبية وصحبته طائفة من مباشري الأقباط وفيهم جرجس الطويل وهو كبيرهم وافنديه من افندية الروزنامة وكتبة مسلمين للكشف على الأطيان التى رويت من ماء النيل والشرقي فأنزلوا بالقرى النوازل من الكلف وحق الطرقات وقرروا على كل فدان رواه النيل اربعمائة وخمسين نصف فضة تقبض للديوان وذلك خلاف ما للملتزم والمضاف والبراني وما يضاف الى ذلك من حق الطرق والكلف المتكررة
واستهل شهر ذي القعدة بيوم الأربعاء سنة
(3/229)

وفيه فرضوا على مساتير الناس سلف اكياس ويحسب لهم ما يؤخذ منهم من اصل ما يتقرر على حصصهم من المغارم في المستقبل وعينوا العساكر بطلبها فتغيب غالبهم وتوارى لعدم ما بأيديهم وخلو اكياسهم من المال والتجأ الكثير منهم الى ذوي الجاه ولازموا اعتابهم حتى شفعوا فيهم وكشفوا غمتهم
وفي عاشره ورد الخبر من الجهة القبلية بأن الأمراء المصريين تحاربوا مع ياسين بك بناحية المنية وذلك عن امر الباشا وهزموه فدخل الى المنية ونهبوا حملته ومتاعه
وفي اثر ذلك حضر أبو ياسين بك الى مصر وعينت عساكر الى جهة قبلي واميرها بونابارته الخازندار وتقدمهم سليمان بك الألفي في اخرين
وفي عشرينه تعين أيضا عدة عساكر الى ناحية بحري وفيهم عمر بك تابع الأشقر المصرلي لمحافظة رشيد وآخرين الى الأسكندرية ثم تعوق عمر بك عن السفر وسبب ذلك انه ورد قائد الإنكليز الى ثغر سكندرية واخبر بخروج عمارة الفرنسيس الى البحر بسيسيليه وربما استولوا عليها وكذلك مالطه فلما ورد هذا الخبر حضر البطروش قنصل الانكليز المقيم برشيد الى مصر بأهله وعياله
وفي اواخره جمعوا عدة كبيرة من البنائين والنجارين وارباب الأشغال لعمارة اسوار وقلاع الإسكندرية وابي قير والسواحل
واستهل شهر ذي الحجة بيوم الجمعة سنة
في ثاني عشره ورد الخبر بأن سليمان بك الألفي لما وصل الى المنية ونزل بفنائها خرج اليه ياسين بك بجموعه وعساكره وعربانه فوقع بينهما وقعة عظيمة وانهزم ياسين بك وولى هاربا الى المنية فتبعه سليمان بك في قلة وعدى الخندق خلفه فأصيب من كمين بداخل الخندق ووقع ميتا بعد أن نهب جميع متاع ياسين بك وجماله واثقاله وشتت جموعه وانحصر هو وعساكره وعربانه وما بقي منهم بداخل المنية وكانت الواقعة يوم الأربعاء
(3/230)

سادس الشهر فلما ورد الخبر بذلك على الباشا اظهر انه اغتم على سليمان بك وتأسف على موته واقام العزاء عليه خشداشينه بالجيزة وفي بيوتهم وطفق الباشا يلوم على جراءة المصريين واقدامهم وكيف أن سليمان بك يخاطر بنفسه ويلقي بنفسه من داخل الخندق ويقول انا ارسلت اليه احذره واقول له أن ينتظر بونابارته الخازندار ويرسل ياسين بك ويطلعه على ما بيده من المراسيم فان أبى وخالف ما في ضمنها فعند ذلك يجتمعون على حربه وتتقدم عسكر الأتراك لمعرفتهم وصبرهم على محاصرة الابنية فلم يستمع لما قلت له غرر بنفسه وايضا ينبغي لكبير الجيش التاخر عن عسكره فإن الكبير عبارة عن المدير الرئيس وبمصابه تنكسر قلوب قومه وهؤلاء القوم بخلاف ذلك يلقون بأنفسهم في المهالك ولما ارسل جماعة سليمان بك يخبرون بموت كبيرهم وانهم مجتعون على حالتهم ومقيمون بعرضهم ومحطتهم على المنية وانهم منتظرون من يقيمه الباشا رئيسا مكانه فعند ذلك ارسل الباشا الى شاهين بك يعزيه ويلتمس منه أن يختار من خشداشينه من يقلده الباشا امارة سليمان بك فتشاور شاهين بك مع خشداشينه فلم يرض احد من الكبار أن يتقلد ذلك ثم وقع اختيارهم على شخص من المماليك يسمى يحيى وارسلوه الى باشا فخلع عليه وامره بالسفر الى المنية فأخذ في قضاء اشغاله وعدى الى بر الجيزة
وفي منتصفه ورد الخبر بأن بونابارته الخازندار وصل الى المنية بعد الواقعة وياسين بك محصور بها فأرسل اليه يستدعيه الى الطاعة واطلعه على المكاتبات والمراسيم التي بيده من الباشا خطابا له وللأمراء الحاضرين والغائبين المصرية وفي ضمنها أن ابى ياسين بك عن الدخول في الطاعة واستمر على عناده وعصيانه فأن بونابارته والأمراء المصرية يحاربونه فعند ذلك نزل ياسين بك على حكم بونابارته وحضر عنده بعد أن استوثق منه الأمان ووصلت الأخبار بذلك الى مصر وخرجت العربان المحصورون بالمنية بعد أن صالحوا على انفسهم وفتحوا لهم طريقا وذهبوا الى اماكنهم
(3/231)

واستلم بونابارته المنية فأقام بها يومين وارتحل عنها وحضر الى مصر
وفي ليلة الثلاثاء تاسع عشره حضر ياسين بك الى ثغر بولاق وركب في صبحها وطلع الى القلعة فعوقه الباشا واراد قتله فتعصب له عمر بك الأرنؤدي وصالح قوج وغيرهما وطلعوا في يوم الجمعة وقد رتب الباشا عساكره وجنده واوقفهم بالأبواب الداخلة والخارجة وبين يديه وتكلم عمر بك وصالح أغا مع الباشا في امره وان يقيم بمصر فقال الباشا لا يمكن أن يقيم بمصر والساعة اقتله وانظر اي شيء يكون فلم يسع المتعصبين له الا الإمتثال ثم احضره وخلع عليه فروة وانعم عليه بأربعين كيسا ونزلوا بصحبته بعد الظهر الى بولاق وسافر الى دمياط ليذهب الى قبرص ومعه محافظون
وفي يوم الأحد حضر بونابارته الخازندار من المنية الى مصر وانقضت السنة واما من مات فيها ممن له ذكر فمات الشيخ العلامة بقية العلماء والفضلاء والصالحين الورع القانع الشيخ احمد بن علي بن محمد بن عبدالرحمن بن علاء الدين البرماوي الذهبي الشافعي الضرير ولد ببلده برما بالمنوفية سنة 1138 ونشأ بها وحفظ القرآن والمتون على الشيخ المعاصري ثم انتقل الى مصر فجاور بالمدرسة الشيخونية بالصليبة وتخرج في الحديث على الشيخ احمد البرماوي وحضر دروس مشايخ الأزهر كالشيخ محمد فهرس والشيخ علي قايتباوي والشيخ الدفري والشيخ سليمان الزيات والشيخ الملوي والشيخ المدابغي والشيخ الغنيمي و الشيخ محمد الحنفي و أخيه الشيخ يوسف و عبد الكريم الزيات والشيخ عمر الطحلاوي والشيخ سالم النفراوي والشيخ عمر الشنواني والشيخ احمد رزة والشيخ سليمان البسوسي والشيخ علي الصعيدي واقرأ الدروس وافاد الطلبة ولازم الإقراء وكان منجمعا عن الناس قانعا راضيا بما قسم له لا يزاحم على الدنيا ولا يتداخل في امورها واخبرني ولده العلامة الفاضل الشيخ مصطفى انه ولدا بصيرا فأصابه الجدري فطمس بصره في صغره فاخذه عم ابيه الشيخ صالح
(3/232)

الذهبي ودعا له فقال في دعائه اللهم كما اعميت بصره نور بصيرته فاستجاب الله دعاءه وكان قوي الإدراك ويمشي وحده من غير قائد ويركب من غير خادم ويذهب في حوائجه المسافة البعيدة ويأتي الى الأزهر ولا يخطيء الطريق وينتحي عما عساه يصيبه من راكب او جمل او حمار مقبل عليه او شيء معترض في طريقه اقوى من ذي بصر فكان يضرب به المثل في ذلك مع شدة التعجب كما قال القائل ما عماء العيون مثل عمى القلوب فهذا هو العمى والبلاء فعماء العيون تغميض عين وعماء القلوب فهو الشفاء ! ولم يزل ملازما على حالته من الإنجماع والإشتغال بالعلم والعمل به وتلاوة القرآن وقيام الليل فكان يقرأ كل ليلة نصف القرآن الى أن توفي يوم الثلاثاء حادي عشر ربيع الأول من هذه السنة وله من العمر اربع وثمانون سنة وصلي عليه بجامع ابن طولون ودفن بجوار المشهد المعروف بالسيدة سكينة رضى الله عنها بجانب الشيخ البرماوي رحمه الله وبارك في ولده الشيخ مصطفى واعانه على وقته ومات العمدة الفاضل حاوى الكمالات والفضائل الشيخ محمد بن يوسف ابن بنت الشيخ محمد بن سالم الحفناوي الشافعي ولد سنة 1163 وتربى في حجر جده وتخلق بأخلاقه وحفظ القرآن والألفية والمتون وحضر دروس جده واخي جده الشيخ يوسف الحفناوي وحضر اشياخ الوقت كالشيخ علي العدوى والشيخ احمد الدردير والشيخ عطية الاجهوري والشيخ عيسى البراوي وغيرهم وتمهر وانجب واخذ طريق الخلوتية عن جده ولقنه الأسماء ولما توفي جده القى الدروس في محله بالأزهر ونشأ من صغره على احسن طريقة وعفة نفس وتباعد عن سفاسف الأمور الدنيئة ولازم الإشتغال بالعلم وفتح بيت جده وعمل به ميعاد الذكر كعادته وكان عظيم النفس مع تهذيب الأخلاق والتبسيط مع الإخوان والممازحة مع تجنبه ما يخل بالمروءة وله بعض تعليقات وحواش وشعر مناسب ولم يزل على حالته الى أن توفي يوم السبت رابع شهر ربيع الأول من السنة وصلي عليه بالأزهر في مشهد حافل ودفن مع جده في تربة واحدة بمقبرة المجاورين
(3/233)

ولم يخلف ذكورا رحمه الله ومات الشيخ العلامة المفيد والتحرير المجيد محمد الحصافي الشافعي الفقيه النحوي الفرضي تلقى العلوم وحضر اشياخ الطبقة الأولى ودرس العلوم بالأزهر وافاد الطلبة وقرأ الكتب المفيدة وعاش طول عمره منعكفا في زوايا الخمول منعزلا عن الدنيا وهي منعزلة عنه راضيا بما قسم الله له قانعا بما يسره له مولاه لا يدعي في وليمة ولا ينهمك على شيء من امور الدنيا ولم يزل على حالته حتى توفي يوم الأثنين ثالث عشر شوال من السنة ومات العمدة المفضل الشيخ محمد عبدالفتاح المالكي من اهالي كفر حشاد بالمنوفية قدم من بلده صغيرا فجاور بالأزهر وحضر على اشياخ الوقت ولازم دروس الشيخ الامير وبه تخرج وتفقه عليه وعلى غيره من علماء المالكية وتمهر في المعقولات وانجب وصارت له ملكه واستحضار ثم سافر الى بلده واقام بها يفيد ويفتي ويرجعون اليه في قضاياهم ودعاويهم فيقضي بينهم ولا يقبل من احد جعالة ولا هدية فاشتهر ذكره بالاقليم واعتقدوا فيه الصلاح والعفة وانه لايقضي الا بالحق ولا يأخذ رشوة ولا جعالة ولا يجابي في الحق فامتثلوا لقضاياه واوامره فكان اذا قضى قاض من قضاة البلدان بين خصمين رجعا الى المترجم واعادا عليه دعواهما فان رأى القضاء صحيحا موافقا للشرع امضاه وامتثل الخصم الآخر ولا يمانع بعد ذلك ابدا ويذعن لما قضاه الشيخ لعلمه انه لا لغرض دنيوي والا اخبرهم أن الحق خلافه فيمتثل الخصم الآخر ولم يزل على حالته حتى كان المولد المعتاد بطندتا فذهب ابن الشيخ الأمير الى هناك فأتى لزيارة ابن شيخه ونزل في الدار التى هو نازل فيها فانهدمت الجهة التى هو بها وسقطت عليه فمات شهيدا مردوما ومعه ثلاثة انفار من اهالي قرية العكروت وذلك في اوائل شهر الحجة ولم يخلف بعده مثله رحمه الله
ومات الأمير سعيد أغا دار السعادة العثماني الحبشي قدم الى مصر بعد مجيء يوسف باشا الوزير في ابهة ونزل بدرب الجماميز في البيت الذي كان نزل به شريف افندي الدفتردار بعد انتقاله منه وفتح باب التفتيش على جهات اوقاف الحرمين وغيرها واخاف الناس وحضر اليه كتبة الأوقاف
(3/234)

وجلسوا لمقارفة الناس والتعنت عليهم بطلب السندات ويهولون عليهم بالأغا المذكور ويأخذون منهم المصالحات ثم ينهون اليه الأمر على حسب اغراضهم ويعطونه جزأ ويأخذون لأنفسهم الباقي ثم تنبه لذلك فطرد غالبهم وسدد على الباقين وتساهل مع الناس وكان رئيسا عاقلا معدودا في الرؤساء تعمل عنده الدواوين والاجتماعات في مهمات الامور والوقائع كما تقدم ذكر ذلك في مواضعه ثم انه تمرض بذات الرئة شهورا ومات في يوم الاثنين رابع شهر صفر ومات الامير سليمان بك المرادي وهو من الامراء الذين تأمروا بعد مراد بك وكان ظالما غشوما ويعرف بريحه بتشديد الياء كان اذا اراد قتل انسان ظلما يقول لأحد اعوانه خذه وريحه فيأخذه ويقتله ومات في واقعة اسيوط الاخيرة اخذت جلة المدفع دماغه وقطع ذراعه وعرفوا قتله بخاتمه الذي في إصبعه في ذراعه المقطوع ومات سليمان بك الألفي الذي قتل في واقعة ياسين بك بالمنية عند الخندق وغير هؤلاء والله اعلم
واستهلت سنة ثلاث وعشرين ومائتين والف
فكان اول المحرم يوم الاحد فيه برز القابجي المسمى بيانجي بك الى السفر على طريق البر وخرج الباشا لوداعه وهذا القابجي كان حضر بالأوامر بخروج العساكر للبلاد الحجازية وخلاص البلاد من ايدي الوهابية وفي مراسيمه التى حضر بها التأكيد والحث على ذلك فلم يزل الباشا يخادعه ويعده بإنفاذ الامر ويعرفه أن هذا الامر لا يتم بالعجلة ويحتاج الى استعداد كبير وانشاء مراكب في القلزم وغير ذلك من الاستعدادات وعمل الباشا ديوانا جمع فيه الدفتردار والمعلم غالي والسيد عمرو المشايخ وقال لهم لا يخفاكم أن الحرمين استولى عليها الوهابيون ومشوا احكامهم بها وقد وردت علينا الاوامر السلطانية المرة بعد المرة للخروج اليهم ومحاربتهم وجلائهم وطردهم عن الحرمين الشريفين ولا تخفى عنكم الحوادث والوقائع التى كانت سببا في التأخير عن المبادرة في امتثال الاوامر
(3/235)

والآن حصل الهدوء وحضر قابجي باشا بالتأكيد والحث على خروج العساكر وسفرهم وقد حسبنا المصاريف اللازمة في هذه الوقت فبلغت اربعة وعشرين ألف كيس فاعملوا رأيكم في تحصيلها فحصل ارتباك واضطراب وشاع ذلك في الناس وزاد بهم الوسواس ثم اتفقوا على كتابة عرضحال ليصحبه ذلك القابجي معه بصورة نمقوها
وفي سادسه حضر مرزوق بك وسليم بك المحرمجي وعلي كاشف الصابونجي المرسل فطلعوا الى القلعة وقابلوا الباشا وخلع على مرزوق بك والمحرمجي فروتين ونزلا الى دورهما ثم ترددوا وطلعوا ونزلوا وبلغوا رسائل الامراء القبليين وذكروا مطالبهم وشروطهم وشروط الباشا عليهم والاتفاق في تقرير الصلح والمصالحة عدة ايام
وفيه حضر عرب الهنادي والجهنة وصالحوا على انفسهم وان يرجعوا الى منازلهم بالبحيرة ويطردوا أولاد على وكانوا تغلبوا على الأقليم وحصل منهم الفساد والافساد وكانت مصالحتهم بيد شاهين بك الألفي وسافر معهم شاهين بك وخشداشينه ولم يبق بالجيزة سوى نعمان بك وذهبوا الى ناحية دمنهور وارتحل اولاد علي الى حوش ابن عيسى وذلك اواخر المحرم ثم أن شاهين بك ركب بمن معه وحاربهم ووقع بينهم مقتلة عظيمة وقتل فيها شخصان من كبار الاجناد الالفية وهما عثمان كاشف وآخر ونحو ستة مماليك وقتل جملة كثيرة من العرب وانكشف الحرب عن هزيمة العرب واسروا منهم نحو الاربعين وغنموا منهم غنائم كثيرة من اغنام وجمال وتفرقوا وتشتتوا وذهبوا الى ناحية قبلي والفيوم وذلك في شهر صفر في عاشره حضر شاهين بك الألفي وباقي الالفية
واستهل شهر ربيع الثاني سنة
وفي عشرينه ورد الخبر بموت شاهين بك المرادي فخلع الباشا على سليم بك المحرمجي وجعله كبيرا ورئيسا على المرادية عوضا عن شاهين بك وسافر الى قبلي
(3/236)

وفيه أيضا حضر امين بك الألفي من غيبته وكان مسافرا مع الانكليز الذين كانوا حضروا الى الاسكندرية ورشيد وحصل ما حصل فلم يزل غائبا حتى بلغه صلح خشداشينه مع الباشا فرجع وطلع على ردته فأرسلوا له الملاقاة والخيول واللوازم وحضر في التاريخ المذكور
وفيه زوج الباشا شاهين بك سرية انتقتها زوجة الباشا ونظمتها وفرش له سبعة مجالس بقصر الجيزة وجمعوا لذلك المنجدين وتقيد بتجهيز الشوار والاقمشة واللوازم الخواجا محمود حسن وكذلك زوج نعمان بك سرية اخرى وسكن بيت المشهدي بدرب الدليل بعد أن عمرت له الدار وفرشت على طرف الباشا وكذلك تزوج عمر بك بجارية من جواري الست نفيسة المرادية وجهزتها جهازا نفيسا من مالها وتزوج أيضا علي كاشف الكبير الألفي بزوجة استاذه
شهر جمادي الاول سنة
فيه سافر مرزوق بك بعد تقرير امر الصلح بينه وبين الامراء المصريين القبالي وقلد الباشا مرزوق بك ولاية جرجا وامارة الصعيد والبسه الخلعة وشرط عليه ارسال المال والغلال الميرية فعند ذلك اطمأنت الناس وسافرت السفار والمتسببون ووصل الى السواحل مراكب الغلال والاشياء التي تجلب من الجهة القبلية
واستهل شهر جمادى الثانية سنة
فيه قطع الباشا مرتب الدلاة الاغراب وأخرجهم وعزل كبيرهم الذي يسمى كردى بوالي الساكن ببولاق وقلد ذلك مصطفى بك من اقاربه وجعله كبيرا على طائفة الدلاتية الباقين وضم اليه طائفة من الاتراك البسهم طراطير وجعلهم دلاتية وسافر كردي بوالي لبلاده في منتصف الشهر وخرج صحبته عدة كبيرة من الدلاة
وفي اواخره وردت الاخبار من اسلامبول وذلك أن طائفة من الينكجرية تعصبت وقامت على السلطان سليم وعزلوه واجلسوه مكانه
(3/237)

السلطان مصطفى وابطلوا النظام الجديد وقتلوا دفتردار النظام الجديد وكتخدا الدولة ودفتردار الدولة وغيرهم وقطعوهم في آت ميدان بعد أن تغيبوا واختفوا في اماكن حتى في بيوت النصارى واستدلوا عليهم واحدا بعد واحد فكانوا يستحبون الامير منهم المترفه على صورة منكرة الى آت ميدان فيقتلونه وبعضهم قطعوه في الطريق وسكن الحال على سلطنة السلطان مصطفى بن عبدالحميد وكان السلطان سليم عندما احس بحركة الينكجرية ارسل يستنجد ويستدعي مصطفى باشا البيرقدار وكان يرشق بالروملي بمخيم العرضي المتعين على حرب الموسكوب ووصل خبر الواقعة الى من بالعرضى فأقام أيضا الينكجرية الفتنة بالعرضي وقتلوا آغات العرضي وخلافه عند مصطفى باشا المذكور وقد وصله مراسلة السلطان سليم فحركوا همته على القيام بنصرة السلطان سليم على الينكجرية فركب من العرضي في عدة وافرة وحضر الى اسلامبول وشق بجمعه وعسكره من وسطها في كبكبة حتى وصل الى باب السراية فوجده مغلقا فأراد كسره او حرقه الى أن فتحوه بالعنف وعبر الى داخل السراية وطلب السلطان سليم فعند ذلك ارسل السلطان مصطفى المتولي جماعة من خاصته فدخلوا على السلطان سليم في المكان الذي هو مختف به وقتلوه بالخناجر والسكاكين حتى مات واحضره ميتا الى مصطفى باشا البيرقدار وقالوا له ها هو السلطان سليم الذي تطلبه فلما رآه ميتا بكى وتأسف ثم انه عزل السلطان مصطفى واحضر محمودا اخاه بن عبدالحميد واجلسه على تخت الملك ونودى باسمه وكان ذلك يوم الخميس خامس جمادى الثانية من السنة وعمره ثلاث وعشرون سنة
ومات السلطان سليم وعمره احدى وخمسون سنة لأنه ولد سنة 1172 ومدة ولايته نحو العشرين سنة تنقص شهرا فلما وردت هذه الاخبار وتواترت في مكاتبات التجار والسفار خطب بعض الخطباء يوم الجمعة سادس عشرينه باسم السلطان محمود وبعضهم اطلق في الدعاء
(3/238)

ولم يذكر الاسم
وفيه قوى عزم الباشا على السفر الى جهة دمياط ورشيد والاسكندرية فطلب لوازم السفر ووعد بسفره بعد قطع الخليج وطفق يستعجل بالوفاء ويطلب ابن الرداء المقياسي ويسأله عن الوفاء ويقول اقطعوا جسر الخليج وفي غد او بعد غد فيقول تأمرونا بقطعه قبل الوفاء فيقول لا ويقول ليس الوفاء بأيدينا
فلما كان يوم السبت سابع عشرينه وخامس عشر مسرى القبطي نقص النيل نحو خمسة اصابع وانكشف الحجر الراقد الذي عند فم الخليج تحت الحجر القائم فضج الناس ورفعو الغلال من الرقع والعرصات والسواحل وانزعجت الخلائق بسبب شحة النيل في العام الماضي وهيفان الزرع وموع المظالم وخراب الريف وجلاء اهله واجتمع في ذلك اليوم المشايخ عند الباشا فقال لهم اعملوا استسقاء وامروا الفقراء والضعفاء والاطفال بالخروج الى الصحراء وادعوا الله فقال له الشيخ الشرقاوي ينبغي أن ترافقوا بالناس وترفعوا الظلم فقال انا لست بظالم وحدي وانتم اظلم منى فإني رفعت عن حصتكم الفرض والمغارم اكراما لكم وانتم تاخذونها من الفلاحين وعندي دفتر محرر فيه ما تحت ايديكم من الحصص بلغ الفي كيس ولا بد اني افحص عن ذلك وكل ما وجدته يأخذ الفرضة المرفوعة من فلاحيته ارفع الحصة عنه فقالوا له ذلك ثم اتفقوا على الخروج والتقيا في صبحها بجامع عمرو بن العاص لكونه محل الصحابة والسلف الصالح يصلون به صلاة الاستسقاء ويدعون الله ويستغفرونه ويتضرعون اليه في زيادة النيل وبالجملة ركب السيد عمر والمشايخ واهل الازهر وغيرهم والاطفال واجتمع عالم كثير وذهبوا الى الجامع المذكور بمصر القديمة فلما كان صبحها وتكامل الجمع صعد الشيخ جاد المولى على المنبر وخطب بعد أن صلى الاستسقاء ودعا الله وامن الناس على دعائه وحول رداءه ورجع الناس بعد صلاة الظهر وبات السيد عمر هناك
(3/239)

وفي تلك الليلة رجع الماء الى محل الزيادة الاولى واستتر الحجر الراقد بالماء
وفي يوم الاثنين خرجوا ايضا واشار بعض الناس باحضار النصارى أيضا فحضروا وحضر المعلم غالي ومن يصحبه من الكتبة الاقباط وجلسوا في ناحية من المسجد يشربون الدخان وانفض الجمع أيضا
وفي تلك الليلة التى هي ليلة الثلاثاء زاد الماء ونودى بالوفاء وفرح الناس وطفق النصارى يقولون أن الزيادة لم تحصل الا بخروجنا
فلما كانت ليلة الاربعاء طاف المنادون بالرايات الحمر ونادوا بالوفاء وعمل الشنك والوقدة تلك الليلة على العادة
وفي صبحها حضر الباشا والقاضي واجتمع الناس وكسروا السد وجرى الماء في الخليج جريانا ضعيفا لعلو ارض الخليج وعدم تنظيفه من الاتربة المتراكمة فيه من مدة سنين وكان ذلك يوم الاربعاء غرة شهر رجب وتاسع عشر مسرى القبطى
واستهل شهر رجب بيوم الاربعاء سنة في ثانية يوم الخميس وصل الى بولاق راغب افندي وهو اخو خليل افندي الرجائي الدفتردار المقتول على يده مرسوم باجراء الخطبة باسم السلطان محمد بن عبدالحميد وانزلوه ببيت ابن السباعي بالغورية وضربوا مدافع بالقلعة وشنكا ثلاثة ايام في الاوقات الخمسة وخطب الخطباء في صبحها بإسم السلطان محمود الدعاء له في جميع المساجد
وفي ليلة الاحد خامسه سافر محمد علي باشا الى بحري ونزل في المراكب وارسل قبل نزوله بأيام بتشهيل الاقامات والكلف على البلاد من كل صنف خمسة عشر واخلوا لمن معه بيوت البنادر مثل المنصورة ودمياط ورشيد والمحلة والاسكندرية وفرض الفرض والمغارم على البلاد على حكم القراريط التى كانوا ابتدعوها في العام الماضى على كل قيراط سبعة آلاف وسبعمائة نصف فضة وسماها كلفة الذخيرة وامر بكتابة دفتر لذلك فكتب
(3/240)

اليه الروزنامجي أن الخراب استولى على كثير من البلاد فلا يمكن تحصيل هذا الترتيب فأرسل من المنصورة يأمر بتحرير العمار بدفتر مستقل والخراب بدفتر آخر فلما فعل الروزنامجي ذلك ادخل فيها بلاد بها بعض الرمق لتخلص من الفرضة وفيها ما هو لنفسه فلما وصلت اليه امر بتوزيع ذلك الخراب على اولاده واتباعه واغراضه وعدتها مائة وستون بلدة وامر الروزنامجي بكتابة تقاسيطها بالاسماء التى عينها له فلم يمكن الروزنامجي أن يتلاقى ذلك فتظهر خيانته ووزعت وارتفعت عن اصحابها وكذلك حصل باقليم البحيرة لما عمها الخراب وتعطل خرابها وطلبوا الميري من الملتزمين فتظلموا واعتذروا بعموم الخراب فرفعوها عنهم وفرقها الباشا على اتباعه واستولوا عليها وطلبوا الفلاحين الشاردة والمتسحبة من البلاد الاخر وامروهم بسكناهم وزادوا في الطنبور نقمات وهو انهم صاروا ينتبعون اولاد البلد ارباب الصنائع الذين لهم نسبة قديمة بالقرى وذلك باغراء اتباعهم واعوانهم فيكون الشخص منهم جالسا في حانوته وصناعته فما يشعر الا والاعوان محيطون به ويطلبونه الى مخدومهم فإن امتنع او تلكأ سحبوه بالقهر وادخلوه الى الحبس وهو لا يعرف له ذنبا فيقول وما ذنبي فيقال له عليك مال الطين فيقول واي شيء يكون الطين فيقولون له طين فلاحتك من مدة سنين لم تدفعه وقدره كذا وكذا فيقول لا اعرف ذلك ولااعرف البلد ولا رأيتها في عمرى لا انا ولا أبي ولا جدي فيقال له الست فلانا الشيراوي الو الميناوي مثلا فيقول لهم هذه نسبة قديمة سرت الي من عمي او خالي او جدي فلا يقبل منه ويحبس ويضرب حتى يدفع ما الزموه به او يجد شافعا يصالح عليه وقد وقع ذلك لكثير من المتسببين والتجار وصناع الحرير وغيرهم ولم يزل الباشا في سيره حتى وصل الى دمياط وفرض على اهلها اكياسا واخذ من حكامها هدايا وتقادم ثم رجع الى سمنود وركب في البر الى المحلة وقبض ما فرضه عليها وهو خمسون كيسا نقصت سبعة اكياس عجزوا عنها بعد الحبس والعقاب وقدم له حاكمها ستين جملا
(3/241)

واربعين حصانا خلاف الاقمشة المحلاوية مثل الززدخانات والمقاطع الحرير وما يصنع بالمحلة من انواع الثياب والامتعة صناعة من بقي بها من الصناع ثم ارتحل عنها ورجع الى بحر منوف وذهب الى رشيد والاسكندرية ولما استقر بها اعبى هدية الى الدولة وارسل الى مصر فطلب عدة قناطير من البن والاقمشة الهندية وسبعمائة اردب ارز ابيض اخذت من بلاد الارز وارسل الهدية صحبة ابراهيم افندى المهردار وحضر اليه وهو بالاسكندرية قابجي من طرف مصطفى باشا البيرقدار الوزير برسالة ورجع بالجواب على اثره ولم يعلم ما دار بينهما
وفي منتصفه اعنى ! شعبان حضر محمد علي باشا من غيبته وطلع على ساحل بولاق ليلة الخميس خامس عشره وذهب الى داره بالازبكية ثم طلع في ثاني يوم الى القلعة وضربوا لحضوره مدافع
واستهل شهر رمضان بيوم الجمعة
فيه وردت الاخبار بحرق القمامة القدسية وظهر حريقها من كنيسة الاروام
وفيه سافر عدة من العسكر والدلاة وعمر بك الالفي ومعه طائفة من المماليك الى البحيرة بسبب عربان اولاد علي فإنهم كانوا بعد الحوادث المتقدمة نزلوا باقليم وشاركوا وزرعوا مثل ما كان عليه الهنادي والجهنة فلما اصطلح الالفية مع الباشا توسط شاهين بك في صلح الهنادى والجهنة على قدر وذلك لما كان بينهم وبين استاذه من النسابة ونزل صحبتهم الى البحيرة وغمرهم بأرضها كما كانوا اولاد وطرد اولاد علي وحاربهم ومكن الهنادي والجهنة ورجع الى الجيزة فراسل اولاد علي باشا بوساطة بعض اهل الدولة وعملوا للباشا مائة ألف ريال على رجوعهم للبحيرة واخراج الهنادي فأجابهم طمعا في المال فحنق اولئك وعصوا وحاربوا اولاد علي ونهبوا ونالوا منهم بعد أن كانوا ضيقوا عليهم وحصلت اختلافات وامتنع اولاد علي من دفع المال الذي قرروه على انفسهم واجتمعوا بحوش ابن عيسى فأرسل اليهم الباشا عمر بك المذكور ومن معه فحاربوهم مع الهنادي
(3/242)

فظهر عليهم اولاد علي وهزموهم وقتل من الدلاة اكثر من مائة وكذلك من العسكر ونحو الخمسة عشر من المماليك فأمر الباشا بسفر عساكر أيضا وصحبتهم نعمان بك وخلافه وسافرت طائفة من العرب الى ناحية الفيوم فأرسلوا لهم عدة من العسكر
وفي اواخره سافر أيضا شاهين بك وباقي الالفية خلاف احمد بك فإنه اقام بالجيزة
وفيه نودى على المعاملة بأن يكون صرف الريال الفرنسا بمائتين وعشرين وكان بلغ في مصارفته الى مائتين واربعين والمحبوب بمائتين وخمسين فنودى على صرفه بمائتين واربعين وذلك كله من عدم الفضة العددية بأيدي الناس والصيارف لتحكيرهم عليها ليأخذها تجار الشام بفرط في مصارفتها تضم للميري فيدور الشخص على صرف القرش الواحد فلا يجد صرفه الا بعد جهد شديد ويصرفه الصراف او خلافه للمضطر بنقص نصفين او ثلاثة
وفيه سافر أيضا حسن الشماشرجي ولحق بالمجردين
وفي اواخره ورد الخبر بأن محو بك كاشف البحيرة قبض على السيد حسين نقيب الاشراف بدمنهور واهانه وضربه وصادره واخذ منه الفي ريال بعد أن حلف انه لم يأت بها في مدة اربع وعشرين ساعة والا قتله فوقع في عرض النصارى المباشرين فدفعوها عنه حتى تخلص بالحياة وكذلك قبض على رجل من التجار وقرر عليه جملة كثيرة من المال فدفع الذي حصلته يده وبقي عليه باقي ما قرره عليه فلم يزل في حبسه حتى مات تحت العقوبة فطلب اهله رمته فحلف لا يعطيها لهم حتى يكون ابنه في الحبس مكانه
ومن الحوادث السماوية أن في سابع عشرين رمضان غيمت السماء بناحية الغربية والمحلة الكبرى وامطرت بردا في مقدار بيض الدجاج واكبر واصغر فهدمت دورا واصابت انعاما غير انها قتلت الدودة من الزرع البدري
(3/243)

واستهل شهر شوال بيوم الاحد سنة
وفي اواخره حضر شاهين بك الألفي من ناحية البحيرة وذلك بعد ارتحال اولاد علي من الاقليم
وفيه أيضا حضر سليمان كاشف البواب من ناحية قبلي وصحبته عدة من المماليك واربعة من الكشاف فقابل الباشا وخلع عليه وانزله ببيت طنان بسويقة العزى وسكن بها وحضر مطرودا من اخوانه المرادية
واستهل شهر القعدة بيوم الاثنين سنة
وفيه عزل الباشا السيد المحروقي عن نظارة الضربخانه ونصب بها شخصا من اقاربه
وفي ثالث عشره نزل والى الشرطة وامامه المناداة على ما يستقرضه الناس من العسكر بالربا والزيادة على أن يكون على كل كيس ستة عشر قرشا في كل شهر لا غير والكيس عشرون ألف نصف فضة وهو الكيس الرومي وذلك بسبب ما انكسر على المحتاجين والمضطرين من الناس من كثرة الربا لضيق المعاش وانقطاع المكاسب وغلو الاسعار وزيادة المكوس فيضطر الشخص الى الاستدانة فلا يجد من يداينه من اهل البلد فيستدين من احد العسكر ويحسب عليه على كل كيس خمسين قرشا في كل شهر واذا قصرت يد المديون عن الوفاء اضافوا الزيادة على الاصل وبطول الزمن تفحش الزيادة ويؤل الامر لكشف حال المديون وجرى ذلك على كثير من مساتير الناس وباعوا املاكهم ومتاعهم والبعض لما ضاق به الحال ولم يجد شيئا خرج هاربا وترك اهله وعياله خوفا من العسكري وما يلاقي منه وربما قتله فعرض بعض المديونين الى الباشا فامر بكتابة هذا البيور لدي ونزل به والي الشرطة ونادى به في الاسواق فعد ذلك من غرائب الحكام حيث ينادى على الربا جهارا في الاسواق من غير احتشام ولا مبالاة لأنهم لا يرون ذلك عيبا في عقيدتهم
(3/244)

وفي رابع عشرينه غضب الباشا على محو بك الكبير الذي كان كاشفا بالبحيرة ونفاه الى أبي قير واخذ امواله وانعم ببيته وهو بيت حسين أغا شنين بحارة عابدين وما بها من الخيل والجمال والجوار والخيام والمتاع على محو بك الصغير الاورفلي
واستهل شهر ذي الحجة بيوم الثلاثاء سنة
وفيه وصلت الاخبار من اسلامبول بوقوع فتنة عظيمة وانه لما حصل ما حصل في منتصف السنة من دخول مصطفى باشا البيرقدار على الصورة المذكورة وقتل السلطان سليم وتولية السلطان محمود وخذلان الينكجرية وقتلهم ونفيهم وتحكم مصطفى باشا في امور الدولة واستمر من بقي منهم تحت الحكم فاجمعوا امرهم ومكرا مكرهم وحذر بعضهم مصطفى باشا من المذكورين فلم يكترث بذلك واستهون امرهم واحتقر جانبهم وقال اي شيء هؤلاء منا ولري بمعنى انهم بياعون الفاكهة فكان حاله كما قيل فلا تحتقر كيد العدو فربما تموت الافاعي من سموم العقارب ثم انهم تحزبوا وحضروا الى سرايته على حين غفلة بعد السحور ليلة السابع والعشرين من رمضان وجماعته وطائفته متفرقون في اماكنهم فحرقوا باب السراية وكبسوا عليه فقتل من قتل من اتباعه وهرب من هرب على حمية واختفى مصطفى باشا في سرداب فلم يجدوه واوقعوا بالسراية الحرق والهدم والنهب وخاف السلطان لأن سراية الوزير بجانب السراية السلطانية ففتح باب السراية التى بناحية البحر وارسل يستعجل قاضى باشا بالحضور وكذلك قبطان باشا فحضرا الى السراية واشتد الحرب بين الفريقين واكثر الينكجرية من الحريق في البلدة حتى احرقوا منها جانبا كبيرا فلما عاين السلطان ذلك هاله وخاف من عموم حريق البلدة وهو ومن معه محصورون بالسراية يوما وليلة فلم يسعه الا تلافي الامر فراسل كبار الينكجرية وصالحهم وابطلوا الحرب وشرعوا في اطفاء الحريق وخرج قاضي باشا هاربا وكذلك قبودان باشا وهو عبدالله رامز افندي الذي كان في ايام الوزير بمصر ثم انهم
(3/245)

اخرجوا مصطفى باشا من المكان الذي اختفى فيه ميتا من تحت الردم وسحبوه من رجليه الى خارج وعلقوه في شجرة ومثلوا به واكثروا على رمته من السخرية وعند وقوع هذه الحادثة ومجيء قاضي الباشا وكان من اغراض السلطان مصطفى المنفصل فخاف السلطان أن قاضي باشا أن غلب على الينكجرية فيعزله ويولي اخاه ويرده الى السلطنة فقتل السلطان محمود اخاه مصطفى خنقا ثم لما سكن الحال عينوا على قاضي باشا وقتلوه وكذلك عبدالله افندي رامز قبودان باشا وكان مصطفى باشا البيرقدار هذا مشكور السيرة يحب اقامة العدل والوقت بخلاف ذلك
وفيه قوي الاهتمام بسد ترعة الفرعونية وتعين لذلك شخص يسمي عثمان السلانكلي الذي كان مباشرا على جسر الاسكندرية
وفي منتصفه سافر الباشا وصحبته حسن باشا لمباشرة الترعة التي يريدون سدها وامر بوسق الاحجار وافردوا لذلك عدة كثيرة من المراكب تشحن بالاحجار والاخشاب الكثيرة وترجع فارغة وتعود موسوقة في كل يوم مرة وامر بجمع الرجال من القرى للعمل
وفيه أيضا شرع الباشا في انشاء ابنية بساحل شبرا الشهيرة الآن بشبرا المكاسة واشيع أن قصده انشاء سواقي وعمائر وبساتين ومزارع واخذ في الاستيلاء على ما يحاذي ذلك من القرى والاطيان والرزق والاقطاعات من ساحل شبرا الى جهة بركة الحاج عرضا
وفي سابع عشره خرجت عساكر كثيرة الى البر الغربي بقصد الذهاب الى الفيوم صحبة شاهين بك والالفية بسبب اولاد علي الذين كانوا بالبحيرة
وفي ثاني عشرينه وصل واحد قابجي واشيع انه طلع من بولاق وذهب الى بيت الباشا وعلى يده مرسومان احدهما تقرير للباشا على ولاية مصر والثاني يذكر فيه أن يوسف باشا المعدني الصدر السابق تعين بالسفر على جهة الشام لتنظيم بلاد العرب والحجاز أن يقوم محمد علي باشا بلوازمه
(3/246)

وما يحتاج اليه من ادوات وذخير وغير ذلك ولم يظهر لذلك الكلام اثر ولما اصبح النهار وحضر القابجي في موكب الى بيت الباشا وحضر الاشياخ والاعيان وكان الباشا غائبا في الترعة كما تقدم وعوضه كتخدا بك واكابر دولتهم وقرئت المراسيم تحقق الخبر وانقضت السنة بحوادثها التى لا يمكن ضبط جزئياتها لعدم الوقوف على حقيقتها فمن الحوادث العامة توالي الفرض والمظالم المتوالية واحداث انواع المظالم على كل شىء والتزايد فيها واستمرار الغلاء في جميع اسعار المبيعات والمأكل والمشارب بسبب ذلك وفقر اهل القرى وبيعهم لمواشيهم في الغارم فقل اللحم والسمن والجبن واخذ مواشيهم واغنامهم من غير ثمن في الكلف ثم رميها على الجزارين بأغلى ثمن ولا يذبحونها الا في المذابح ويؤخذ منهم اسقاطها وجلودها ورؤوسها ورواتب الباشا واهل دولته ثم يذهبون بما يبقى لهم لحوانيتهم فتباع على اهل البلد بأغلى ثمن حتى يخلص للجزار رأس ماله واذا عثر المحتسب على جزار ذبح شاة اشتراها في غير المذبح قبض عليه واشهره واخذ ما في حانوته من اللحم من غير ثمن ثم يحبس ويضرب ويغرم مالا ولا يغفر ذنبه ويسمى خائنا وفلاتيا ومنها انقطاع الحج الشامي والمصري معتلين بمنع الوهابي الناس عن الحج والحال ليس كذلك فانه لم يمنع احدا يأتي الحج على الطريقة المشروعة وانما يمنع من يأتي بخلاف ذلك من البدع التى لا يجيزها الشرع مثل المحمل والطبل والزمر وحمل الاسلحة وقد وصل طائفة من حجاج المغاربة وحجوا ورجعوا في هذا العام وما قبله ولم يتعرض لهم احد بشيء ولما امتنعت قوافل الحج المصري والشامي وانقطع عن اهل المدينة ومكة ما كان يصل اليهم من الصدقات والعلائف والصرر التى كانوا يتعيشون منها خرجوا من اوطانهم باولادهم ونسائهم ولم يمكث الا الذي ليس له ايراد من ذلك واتوا الى مصر والشام ومنهم من ذهب الى اسلامبول يتشكون من الوهابي ويستغيثون بالدولة في خلاص الحرمين لتعود لهم الحالة التي كانوا عليها من اجراء الارزاق واتصال
(3/247)

الصلات والنيابات والخدم في الوظائف التى بأسماء رجال الدولة كالفراشة والكناسة ونحو ذلك ويذكرون أن الوهابي استولى على ما كان بالحجرة الشريفة من الذخائر والجواهر ونقلها واخذها فيرون أن اخذه لذلك من الكبائر العظام وهذه الاشياء ارسلها ووضعها خساف العقول من الاغنياء والملوك والسلاطين الاعاجم وغيرهم اما حرصا على الدنيا وكراهة أن يأخذها من يأتي بعدهم او لنوائب الزمان فتكون مدخرة ومحفوظة لوقت الاحتياج اليها فيستعان بها على الجهاد ودفع الاعداء فلما تقادمت عليها الازمنة وتوالت عليها السنين والاعوام الكثيرة وهي في الزيادة فارتدت معنى لاحقيقة وارتسم في الاذهان حرمة تناولها وانها صارت مالا للنبي صلى الله عليه و سلم فلا يجوز لأحد اخذها ولا انفاقها والنبي عليه الصلاة و السلام منزه عن ذلك ولم يدخر شيئا من عرض الدنيا في حياته وقد اعطاه الله الشرف الاعلى وهو الدعوة الى الله تعالى والنبوة والكتاب واختار أن يكون نبيا عبدا ولم يختر أن يكون نبيا ملكا
وثبت في الصحيحين وغيرهما انه قال اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا
وروى الترمذي بسنده عن أبي امامة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا قلت لا يارب ولكن اشبع يوما واجوع يوما او قال ثلاثا او نحو ذلك فإذا جعت تضرعت اليك وذكرتك واذا شعبت شكرتك وحمدتك ثم ان كانوا وضعوا هذه الذخائر والجواهر صدقة على الرسول ومحبة فيه فهو فاسد فهو لقول النبي صلى الله عليه و سلم أن الصدقة لا تنبغي لآل محمد انما هي اوساخ الناس ومنع بنى هاشم من تناول الصدقة وحرمها عليهم والمراد الانتفاع في حال الحياة لا بعدها فان المال اوجده المولى سبحانه وتعالى من امور الدنيا لا من امور الآخرة قال الله تعالى انما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الاموال والاولاد وهو من جملة السبعة
(3/248)

التى ذكرها الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز في قوله تعالى زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والانعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب فهذه السبعة تكون الخبائث والقبائح وليست هي في نفسها امورا مذمومة بل قد تكون معينة على الآخرة اذا صرفت في محلها
وعن مطرف عن ابيه قال اتيت رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو يقرا الهاكم التكاثر قال يقول ابن آدم مالي مالي فهل لك يا ابن ادم من مالك الا ما اكلت فافنيت او لبست فابليت او تصدقت فأمضيت الى غير ذلك ومحبة الرسول بتصديقه واتباع شريعته وسنته لا بمخالفة اوامره وكنز المال بحجرته وحرمان مستحقيه من الفقراء والمساكين وباقي الاصناف الثمانية وان قال المدخر اكنزها لنوائب الزمان ليستعان بها على مجاهدة الكفار والمشركين عند الحاجة اليها قلنا قد رأينا شدة احتياج ملوك زماننا واضطرارهم في مصالحات المتغلبين عليهم من قرانات الافرنج وخلو خزائنهم من الاموال التى افنوها بسوء تدبيرهم وتفاخرهم ورفاهيتهم فيصالحون المتغلبين بالمقادير العظيمة بكفالة احدى الفرق من الافرنج المسالمين لهم واحتالوا على تحصيل المال من رعاياهم بزيادة المكوس والمصادرات والطلبات والاستيلاء على الاموال بغير حق حتى افقروا تجارهم ورعاياهم ولم يأخذوا من هذه المدخرات شيئا بل ربما كان عندهم او عند خونداتهم جوهر نفيس من بقايا المدخرات فيرسلونه هدية الى الحجرة ولا ينتفعون به في مهماتهم فضلا عن اعطائه لمستحقه من المحتاجين واذا صار في ذلك المكان لا ينتفع به احد الا ما يختلسه العبيد الخصيون الذين يقال لهم اغوات الحرم والفقراء من اولاد الرسول واهل العلم والمحتاجون وابناء السبيل يموتون جوعا وهذه الذخائر محجور عليها وممنوعة منها الى أن حضر الوهابي واستولى على المدينة واخذ تلك الذخائر فيقال انه عبى اربعة سحاحير من الجواهر المحلاة بالالماس والياقوت
(3/249)

العظيمة القدر ومن ذلك اربع شمعدانات من الزمرد وبدل الشمعة قطعة الماس مستطيلة يضيء نورها في الظلام ونحو مائة سيف قراباتها ملبسة بالذهب الخالص ومنزل عليها الماس وياقوت ونصابها من الزمرد واليشم ونحو ذلك وسلاحها من الحديد الموصوف كل سيف منها لا قيمة له وعليها دمعات باسم الملوك والخلفاء السالفين وغير ذلك
ومنها أن الباشا عزم على عمارة المجراة التى تنقل الماء الى القلعة وقد خربت وتلاشى امرها وتهدمت قناطرها وبطل نقل الماء عليها من نحو عشرين سنة فقيد بعمارتها محمد افندي طبل ناظر المهمات فعمرها واجرى الماء بها في اواخر الشهر الماضي
ومنها احداث عدة مكوس على اصناف كثيرة منها على بضاعة اللبان عن كل قطعة ثلثمائة نصف فضة وكذلك على صنف الحناء عن كل مخلة عشرة انصاف وكذلك الموزونات كل مائة درهم اربعة دراهم على البائع درهمان وعلى المشتري درهمان وغير ذلك حوادث كثيرة لا نعلمها
واما من مات بها ممن له ذكر
فمات الاجل المبجل والمحترم المفضل السيد خليل البكري الصديقي ووالدته من ذرية شمس الدين الحنفي وهو اخو الشيخ احمد البكري الصديقي الذي كان متوليا على سجادتهم ولما مات اخوه لم يلها المترجم لما فيه من الرعونة وارتكابه امورا غير لائقة بل تولاها ابن عمه السيد محمد افندي مضافة لنقابة الاشراف فتنازع مع ابن عمه المذكور وقسموا البيت الذي هو مسكنهم بالازبكية نصفين وعمر منابه عمارة متقنة وزخرفة وانشأ فيه بستانا زرع فيه اصناف الاشجار والفواكه فلما توفي السيد محمد افندي تولى المترجم مشيخة السجادة وتولى نقابة الاشراف السيد عمر مكرم الاسيوطي فلما طرق البلاد الفرنساوية تداخل المترجم فيهم وخرج السيد عمر مع من خرج هاربا من الفرنساوية الى بلاد الشام وعرف المترجم الفرنساوية أن النقابة كانت لبيتهم وانهم غصبوها منه
(3/250)

فقلدوه اياها واستولى على وقفها وايرادها وانفرد بسكن البيت وصار له قبول عند الفرنساوية وجعلوه من اعاظم رؤساء الديوان الذي كانوا نظموه لاجراء الاحكام بين المسلمين فكان وافر الحرمة مسموع الكلمة مقبول الشفاعة عندهم فازدحم بيته بالدعاوى والشكاوى واجتمع عنده مماليك من مماليك الامراء المصرية الذين كانوا خائفين ومتغيبين وعدة خدم وقواسة ومقدم كبير وسراجين واجناد واستمر على ذلك الى أن حضر يوسف باشا الوزير في المرة الاولى التى انتقض فيها الصلح ووقعت الحروب في البلدة بين العثمانية والفرنساوية والامراء المصرية واهل البلدة فهجم على داره المتهورون من العامة ونهبوه وهتكوا حريمه وعروه عن ثيابه وسحبوه بينهم مكشوف الرأس من الازبكية الى وكالة ذى الفقار بالجمالية وبها عثمان كتخدا الدولة فشفع فيه الحاضرون واطلقوه بعد أن اشرف على الهلاك واخذه الخواجا احمد بن محرم الى داره واسكن روعه والبسه ثيابا واكرمه وبقي بداره الى أن انقضت ايام الفتنة وظهرت الفرنساوية على المحاربين لهم وخرجوا من البلدة واستقر بها الفرنساوية فعند ذلك ذهب اليهم وشكا لهم ما حل به بسبب موالاته لهم فعوضوا عليه ما نهب له ورجع الى الحالة التي كان عليها معهم وكانت داره اخربها النهابون فسكن ببيت البارودي بباب الخرق ثم انتقل منه الى بيت عبدالرحمن كتخدا القازدغلي بحارة عابدين وجدد بها عمارة وكان له ابنة خرجت عن طورها في ايام الفرنسيس فلما اشيع حضور الوزير والقبودان والانكليز وظهر على الفرنساوية الخروج من مصر فقتل ابنته المذكورة بيد حاكم الشرطة فلما استقرت العثمانية بالديار المصرية عزل المترجم عن نقابة الاشراف وتولاها السيد عمر مكرم كما كان قبل الفرنساوية ولما حضر محمد باشا خسرو انهى اليه الكارهون له بأنه مرتكب للموبقات ويعاقر الشراب وغير ذلك وأن ابنته كانت تذهب الى الفرنسيس بعلمه وانه قتلها خوفا وتبرئة لنفسه من الشهرة التى لا يمكنه سترها ولا يقبل عذره
(3/251)

فيها ولا التنصل منها وانه لايصلح لمشيخة سجادة السادة البكرية وعرفوه أن هناك شخصا من سلسلتهم يقال له الشيخ محمد سعد وهو من جملة اتباع المترجم ولكنه فقير لايملك شيئا ولا دابة بركبها فقال الباشا انا اواسيه واعطيه فاحضروه له بعد أن البسوه تاجا كبيرا وثيابا وهو رجل مبارك طاعن في السن فالبسه فروة سمور وقدم له حصانا معددا وقيد له ألف قرش وسكن دار بناحية باب الخرق وتريش حاله وخمل امر المترجم واشترى دارا بدرب الجماميز بعطفه الفرن وكان بظاهرها قطعة جنينة فاشتراها وغرس بها اشجارا وحسنها واتقنها وبنى له مجلسا مطلا عليها وبالاسفل مساطب ولواوين جلوس لطيفة واشترى دارين من دور الامراء المتقدمين بظاهر ذلك وهدمهما وبنى بانقاضهما واخشا بها وباع ما كان تحت يده من حصص الالتزام وسد بأثمانها ديونه واقتصر على ايراده فيما يخصه من وقف جده لامه الاستاذ الحنفي وتصدى لفاقمته واذيته انفار من المتظاهرين مثل السيد عمر مكرم النقيب والشيخ محمد وفا السادات وخلافهما حتى انه كان عقد لأبنه سيدي احمد على بنت المرحوم محمد افندي البكري فتعصبوا عليه بعد عزله من المشيخة والنقابة وابطلوا العقد وفسخوا النكاح ببيت القاضي وتسلط عليه من له دين او دعوى او مطالبة حتى بيعوه حصصه وكان قد اشترى مملوكا في ايام الفرنساوية جميل الصورة فلما حصل له ماحصل ادعى عليه البائع انه اخذه بدون القيمة ولم يدفع له الثمن فلم يثبت عليه ذلك وكان المملوك ذهب من عنده وتم الامر والمصالحة على ان عثمان بك المرادي اخذ ذلك المملوك لنفسه وقد تقدم ذكر قصته في الحوادث السابقة ولم يزل المترجم على حالة خموله حتى تحرك عليه داء الفتق ومات على حين غفلة في منتصف شهر ذي الحجة وصلى عليه بمسجد جده لامه الشيخ شمس الدين أبو محمد الحنفي ودفن عند اسلافه بمشهد السادة البكرية بالقرافة رحمه الله وعفا عنا وعنه
(3/252)

ومات الامير شاهين بك المرادي ويعرف بباب اللوق لأنه كان ساكنا هناك وهو من مماليك مراد بك واصله جركسي الجنس ولما اعتقه مراد بك انعم عليه بكشوفية اقليم الغربية ثم رجع الى مصر واقام بطالا متطلعا للامارة ويرى انه احق بها من غيره ولما رجع المصريون الى مصر بعد قتل طاهر باشا وكان الألفي غائبا ببلاد الانكليز انضم اليه عثمان بك البرديسي ووافقه على كراهة الألفي الباطنية وكان هو احد المباشرين والضاربين لحسين بك الوشاش بالبر الغربي ليلة خروجهم وتعديتهم لملاقاة الألفي ثم خرج من مصر مع عشيرته ولم يزل حتى مات في منتصف شهر ربيع الاول من السنة المذكوره والله اعلم
سنة اربع وعشرين ومائتين والف
استهل شهر المحرم بيوم الخميس وفي تلك الليلة اعني ليلة الجمعة ثانيه مرت سحابة سوداء مظلمة في وقت العشاء وحصل فيها رعد مزعج وبرق مستنير شديد اللمعان وامطرت في محلات قليلا وفي اخرى كثيرا ثم انجلت السماء سريعا فظهرت النجوم وبعد ايام اخبر الواردون من ناحية بلاد السماحات بالغربية انها امطرت بتلك الناحية في تلك الليلة بردا كبيرا وصغيرا والكبير في مقدار حجر الطاحون والصغير في مقدار بيض الدجاج وتهدمت منها دور وقتلت مواشي وآدمية واهلكت زروعا كثيرة
وفي يوم الاحد رابعه قتل الباشا حسين بن الخبيري وهو بترعه الفرعونية وارسل راسه الى مصر فعلقت بباب زويله
وفي اواخره حضر الباشا من ترعة الفرعونية وقد عجز عن سدها بعد أن بذل جهده وفرض الفرض العظيمة على البلاد واشغلوا المراكب في نقل الاحجار ليلا ونهارا والسيد محمد المحروقي متقيد لذلك ومقيم بمسجد الآثار لتشهيل الحجارين ووسقها بالمراكب وقطعها من الجبل قطعا وصخورا فكانوا يشقون الجبل بالغام البارود مثل عمل الافرنج وظهر في قطعهم كهوف ومغارات وتجاويف وتحدث الناس بذلك بانواع الاكاذيب والخرافات
(3/253)

كقولهم ظهر في الجبل باب من حديد وعليه اقفال ففتحوه ونظروا من داخله اشخاصا على خيول الى غير ذلك
وفيه حضر قاصد من قبودان باشا بطلب عوائده بالاسكندرية فقال له حاكم الاسكندرية ينبغي أن تذهب الى الباشا بالترعة وتقابله فذهب اليه وقابله عند السد فبات تلك الليلة واصبح ميتا فاخرجوه الى المقبرة ثم حضر قاصد آخر يخبر بوصول قابجي وعلى يده مرسومان احدهما الاخبار عن صلح الدولة مع الانكليز والموسكوب وانفتاح البحر وامن المسافرين والثاني الامر بالسفر والخروج الى فتح الحرمين وطرد الوهابية عنهما وان يوسف باشا الصدر السابق المعروف بالمعدن تعين بالسفر للحرمين على طريق الشام وكذلك سليمان باشا والي بغداد متعين أيضا بالسفر من ناحيته على الدرعية واحضر للباشا تقريرا بالولاية مجددا وخلعه وسيفا
واستهل شهر صفر بيوم السبت سنة
فيه حضر الآغا الواصل الى بولاق فركب لملاقاته آغات الينكجرية والوالي وارباب العكاكيز فأربكوه في موكب ودخلوا به من باب النصر وطلع الى القلعة وقرؤا المراسيم بحضرة الجمع وبعد الفراغ من قراءتها ضربوا مدافع وشنكا
وفي ذلك اليوم غيمت السماء بالسحاب وامطرت كثيرا ونزل مطر ببركة الحاج وجدوا فيه سمكا صغيرا من جنس السمك الذي يعرف بالقاروص وصار يتنطط على الارض واحضروا منه الى مصر وشاهدناه وهو في غاية البرودة
وفيه اهتم الباشا باخراج تجريدة الى الامراء القبليين وذلك انه تقدم بالارسال اليهم يطالبهم بالغلال والاموال الميرية المرار العديدة ويعدون ولا يوفون ووصل اليه من عندهم رضوان كتخدا البرديسي وهو بالترعة ومعه اجوبة وهدية وفيها خيول وجوار
(3/254)

وعبيد وسنكر وخصيان فاغتاظ الباشا من قال انا لست اطلب احسانهم وصدقاتهم حتى انهم يضحكون على ذقني بهذه الامور وحيث انهم لايرجعون عن الكامن في رؤوسهم فلا بد من خروجي اليهم ومحاربتهم وارسل الى من بمصر من الاكابر يأمرهم بالبراز والخروج فخرج حسن باشا وصالح أغا قوج وطاهر باشا واحمد بك والكثير من اعيانهم بعساكرهم وعدوا الى بر الجيزة ونصبوا وطاقهم وخيامهم ثم أن رضوان كتخدا لم يزل يلاطفه حتى توافق معه على وعد مقدار مسافة ذهاب الجواب ورجوعه اياما معدودة فلما حضر من الترعة اخذ في التشهيل والخروج فانتقلت العساكر الى البر الغربي واخذ يستحث في المطلوبات وخروج الخيام وجمع المراكب وسافر قبودان بولاق الى جهة بحرى لجمع المراكب وفرضوا على القرى غلالا وجمالا وذلك في عقب ما فرضه عليهم في مهمات الترعة المتقدمة وخلافها من بشارة القبطان والتقرير وما في ضمن ذلك من حق طرق المباشرين والمعينين مع ما الناس فيه من القحط والغلاء في الغلال وغيرها وعدم وجود الغلة والذين لايقدورن على تحصيل الغلة يلزمونهم بدفع ثمنها بأقصى القيمة بعد مصانعة المباشرين لذلك واعطائهم الرشوات وحضر أيضا نعمان سراج باشا من عند ابراهيم بك وقابل الباشا على الترعة فلم ينفع حضوره أيضا ولم يسمع له قول ورجع مزيفا
وفي خامسه حضر علي بك ايوب وصحبته اخر يقال له رضوان بك البرديسي فطلعا الى القلعة وتقابلا مع الباشا وانخضع له علي بك ايوب وقبل رجله وترجى عنده في عدم خروج التجريدة وكلمه في امر الغلال المنكسرة والجديدة وعلى انهم يقومون بدفع الغلال القديمة بالثمن والجديدة بالكيل وليس عندهم مخالفة والقصد الامهال الى حصاد الغلال فقال انهم اذا حصدوا الغلال اخذوها وفروا الى الجبال واستمر هذا القيل والقال نحو اربعة ايام ثم اشيع في ثامنه الصلح وفرح الناس
(3/255)

واستبشروا بذلك لما يترتب وما يحصل من الفساد واكل الزروعات وخراب البلدان فانهم اكلوا في الاربعة ايام التي ترددوا فيها بالجيزة نيفا وخمسمائة فدان ولما اشيع بالجهة القبلية خروج العساكر للتجريدة انزعجوا وايسوا من زروعاتهم وخرجوا من اوطانهم على وجوههم لا يدرون اين يذهبون بأولادهم ونسائهم وقصاعهم وتفرقوا في مصر والبلاد البحرية
وفي صبحها اعيد امر التجريدة واشيع خروج العساكر ثانيا فانقبضت النفوس ثانيا وباتوا في نكد وطلبت السلف من المساتير والملتزمين وكتبت الدفاتر وحولت الاكياس وانبثت المعينون للطلب
وفي عاشره بطل صبحها اعيد امر التجريدة وانقضى امر الصلح على شروط وهي انهم التزموا بثلث ما عليهم من غلال الميري وقدره مائة ألف اردب وسبعة آلاف اردب بعد مناقشات ومحققات والذي تولى المناقشات معهم مساعدا للباشا شاهين بك الألفي والموعد احد وثلاثون يوما وسافر علي بك ايوب ورضوان بك البزديسي واكرمهما الباشا وخلع عليهما
وفي حادي عشره قتل الباشا مصطفى آغا تابع حسن بك في قصبة رضوان ظلما وسبب ذلك انه لما نزل قبودان بولاق لجمع المراكب المطلوبه لسفر التجريدة فصادف شخصا من الارنؤد الذين يتسببون في بيع الغلال في مركب ومعه غلة وذلك عند قرية تسمى سهرجت فحجزه لياخذ منه السفينة فقال كيف تأخذها وفيها غلتي قال اخرج غلتك منها على البر واتركها فانها مطلوبه لمهمات الباشا فلم يرض وخاف على تبددها ولم يجد سفينة اخرى لأن جميع السفن مطلوبه مثلها وقال له عندما اصل بها الى مصر وانقل منها الغلة ارسل معي من ياخذها فقال القبودان لاسبيل الى ذلك وتشاجرا فحنق القبودان على الارنؤدي وسل عليه سيفه ليضربه فعاجله الارنؤدي وضربه بالطبنجة فقتله فاراد اتباع القبودان القبض عليه ففر منهم الى البلدة وبها جماعة من الدلاة معينون لقبض الفرضة فلجأ اليهم فمانعوا عنه وتنازع الفريقان وكان مصطفى أغا المذكور ملتزم البلدة هناك
(3/256)

وغائبا في بعض شؤونه فبلغه الخبر فحضر اليهم وخاف من وقوع قتل او شر يقع بالبلدة فيكون سببا لخراب الناحية فقال يا جماعة اذهبوا بنا الى الباشا ليرى رأيه فرضوا بذلك وحضر بصحبتهم والقاتل معهم وطلعوا الى ساحل بولاق فعندما وصلوا الى البر هرب القاتل وذهب عند عمر بك الارنؤدي الساكن ببولاق فتبعه الامير مصطفى المذكور فقال له عمر بك اذهب الى الباشا واخبره انه عندي وانت لا باس عليك ففعل فقال له الباشا ولأي شيء لم تحتفظ عليه وتتركه حتى يهرب فاعتذر بعدم قدرته على ذلك من الدلاتية الملتجيء اليهم وكأنهم هم الذين افلتوه فأمر بحبسه فأرسل الى عمر بك فحضر الى الباشا وترجى في اطلاقه فوعده انه في غد يطلقه اذا حضر القاتل فقال انه عند ازمير أغا وهو لايسلم فيه وركب الى داره فلما كان في الصباح امر بقتل الامير مصطفى المذكور فانزلوه الى الرميلة ورموا رقبته عند باب القلعة ظلما
وفي صبحها أيضا قتلوا شخصا من الدلاة بسبب هذه الحادثة
وفي ثاني يوم قتل الارنؤد شخصين من الدلاة أيضا
وفي يوم الخميس ثالث عشره ارسل الباشا وطلب الارنؤدي القاتل للقبودان من عمر بك وشدد في طلبه وقال ان لم يرسله وإلا احرقت عليه داره فامتنع من ارساله وجمع اليه طائفة الارنؤد وصالح أغا قوج جاره وركب الباشا وذهب الى ناحية الشيخ فرج وحصل ببولاق قلقة وانزعاج ثم ركب الباشا راجعا الى داره بالازبكية وقت الغروب كثرت الارجاف والقلقة بين الارنؤد والدلاتيه
وفي خامس عشره قتل الارنؤد شخصين من الدلاتيه أيضا جهة قناطر السباع ثم أن القاتل الذي قتل القبودان إلتجأ الى كبير من كبار الارنؤد فأرسل الباشا الى حسن باشا يطلب منه ذلك الكبير واكد في طلبه او انه يقطع رأس القاتل ويرسلها فكأنه فعل وارسل اليه براس ملفوفة في ملاية تسكينا لحدته وبردت القضية وسكنت الحدة وراحت على من راحت عليه
(3/257)

وفي اواخره امر الباشا بتحرير دفاتر فرضه الاطيان وزادوا فيها عن عام الشرقي الماضي الثلث وربطوها ورتبوها اربع مراتب تزيد كل ضريبة عن الاخرى مائة نصف فضة اعلاها يبلغ ثمانمائة نصف فضة على أن الفرضة الماضية بقي الكثير منها بالذمم لخراب القرى وعجزهم واختلى لتنظيم ذلك من الافندية والاقباط بجهات متباعدة الافندية بربع ايوب ببولاق والاقباط بدير مصر العتيقة حتى حرروا ذلك وتمموه ورتبوه في عدة ايام ووقع الطلب في جانب معجلا سموه الترويجة
وفيه امر الباشا عمر بك الارنؤدي بالسفر من مصر وقطع خرجه ورواتبه هو وعسكره فلم تسعه المخالفة وحاسب على المنكسر له ولعسكره من العلائف وكذلك حلوان البلاد التي في تصرفه فبلغ نحو ستمائة كيس وزعت على دائرة الباشا وخلافهم وكان الباشا ضبط جملة من حصص الناس واستولى عليها من بلاد القليوبية بحرى شبرا واختصها لنفسه فلما استولى على حصص غمر بك ودفع حلوانها وهي بالمنوفية والغربية والبحرية عوض بعض من يراعي جانبه من ذلك واخذ عمر بك ومن يلوذ به في تشهيل انفسهم وقضاء حوائجهم
واستهل شهر ربيع الاول سنة
فيه شرع السيد عمر مكرم نقيب الاشراف في عمل مهم لختان ابن ابنته ودعا الباشا والاعيان وارسلوا اليه الهدايا والتعابي وعمل له زفة يوم الاثنين سادس عشره مشى فيها ارباب الحرف والعربات والملاعيب وجمعيات وعصب صعايدة وخلافهم من اهالي بولاق والكفور والحسينية وغيرها من جميع الاصناف وطبول وزمور وجموع كثيرة فكان يوم مشهودا اكتريت فيه الاماكن للفرجة وكان هذا الفرح هو اخر طنطنة السيد عمر بمصر فانه حصل له عقيب ذلك ما سيتلى عليك قريبا من النفي والخروج من مصر
وفيه كمل سد ترعة الفرعونية واستمر العمل فيها وفي تأبيد السد بالاحجار والمشمعات والاتربة نحو ستة اشهر وصرف عليها من الاموال
(3/258)

مالا يحصى وجرى مجرى البحر الشرقي وغزر ماؤه وجرت فيه السفن من دمياط بعد أن كان مخاضه وملحت عذوبة النيل بما انعكس فيه وخالطه من ماء البحر الملح الى قبلي فارس كور واقام بالسد عمر بك تابع الاشقر لخفارته وتعهد الخلل وكتم الجسر من النشع والتنفيس وسكن هناك ولم يفارقه واستمر في هذه الوظيفة والخدمة ولم يقم بمصر
وفي هذا الشهر وما قبله تشحطت الغلال وغلا سعرها حتى بلغ الاردب القمح الفا وستمائة نصف فرضة وعز وجوده بالرقع والعرصات واما السواحل فلا يكاد يوجد بها شيء من الغلة بطول السنة ولولا لطف الله بوجود الذرة لهلكت الخلائق ومع ذلك استمرار المغارم والفرض حتى فرض الغلة عين وكذلك تبن وجمال وما ينضاف الى ذلك مما سمعته غير مرة مما يطول شرحه
وفيه نودي على صرف الفرانسة والمحبوب والمجر كما نودي في العام الماضي لأنه لما نودي بنقص صرفها ومضى نحو الشهر او الشهرين رجع الصرف الى ماكان عليه وزيادة فأعيد النداء كذلك وسيعود الخلاف ما دام الكرب والضيق بالناس على أن هذه المناداة والاوامر بالنقص والزيادة ليست من باب الشفقة على الناس ولا الرحمة وانما هي بحسب اغراضهم وزيادة طمعهم فإنه اذا توجهت المطالبات بالفرض والمغارم نودي بالنقص ليزيد الفرط وتتوفر لهم الزيادة ويحصل التشديد والمعاقبة على من يقبض بالزيادة من اهل الاسواق واذا كان الدفع من خزانتهم في علائف العسكر او لوازمهم الكبيرة قبضوها بأزيد من الزيادة التي نادوا عليها من غير مبالاة ولا احتشام تناقض مالنا الا السكوت عنه
وفي اواخره تواجدت الغلال وانحل سعرها وحضر الفلاحون ببدارى الغلة وانحط السعر والحمد لله
واستهل شهر ربيع الثاني سنة
في سادسه وردت مراسيم من الروم وبشارة بمولودة ولدت للسلطان
(3/259)

وسموها فاطمة وفي المراسيم الامر بالزينة فاقتضى الرأي أن يعملوا شنكا ومدافع من القلعة تضرب في الاوقات الخمسة سبعة ايام وهذا شئ لم يسمع بمثله فيما سبق أن يعملوا للانثى شنكا او زينة او يذكر ذلك مطلقا وانما يعمل ذلك للمولود الذكر من بدع الاعاجم
وفي يوم الثلاثاء ثامنه حضر من الامراء المصريين القبالي مرزوق بك ابن ابراهيم بك وسليم أغا مستحفظان وقاسم بك سلحدار مراد بك وعلي بك ايوب حسب الاتفاق المتقدم في تقرير الصلح ولكن لم يكن سليم أغا مذكورا في الحضور بل كان منجمعا وممتنعا عن التداخل في هذه الاحوال والسبب في حضوره أن زوجته توفيت من نحو نصف شهر فحضر لأجل تركتها ومتاعها ومتاعه الذي عندها وحصصها ولما حضر وجد الباشا استولى على ذلك واخذ المتاع والمصاغ والجواهر والعقار واخذ الحصص واخذ حلوانها وذلك بيد محمود بك الدويدار فلما حضر سليم اغا لم يجد شيئا لا دار ولا عقار ولا نافخ نار فنزل عند علي بك ايوب بمنزله بشمس الدولة فحضر اليه محمود بك الدويدار والترجمان واخذ بخاطره وطمناه واخبراه أن الباشا سيعوض عليه ماذهب منه وزيادة وزرعا له فوق السطوح فلم يسعه الى التسليم
وفيه سقط سقف القصر الذي انشأه الباشا بشبرا وشرعوا في تعمير ثانيا
وفيه وصل الخبر بحضور زوجة الباشا ام اولاده وابنه الصغير واسمه اسمعيل وابن بونابارته الخازندار وكثير من اقاربهم واهاليهم حضر الجميع من بلدهم قوله الى اسكندرية فانهم لما طابت لهم مصر واستوطنوها وسكنوها وتنعموا فيها ارسلوا الى اهاليهم واولادهم واقاربهم بالحضور فكانوا في كل وقت يأتون افواجا افواجا نساء ورجالا واطفالا فلما وصل خبر وصولهم الى اسكندرية سافر لملاقاتها ابنها ابراهيم بك الدفتردار وذلك حادي عشره
(3/260)

وفي ثالث عشره حضر المذكور قبل حضور الواصلين ولما وصلوا نزل الباشا لملاقاتهم الى بولاق
وفي يوم الاثنين رابع عشره نبهوا على جميع النساء والخوندات وكل من كانت لها اسم في الالتزام أن يركبن بأسرهن ويذهبن الى ملاقاة امراة الباشا ببولاق وذلك صبح يوم الاربعاء واعتذرت الست نفيسة المرادية بانها مريضة ولا تقدر على الحركة والخروج فلم يقبلوا لها عذرا فلما كان صبح يوم الاربعاء اجتمع السواد الاعظم من النساء بساحل بولاق على الحمارة المكارية وهم ازيد من خمسمائة مكاري حتى ركبت زوجة الباشا وساروا معها الى الازبكية وضربوا لوصولها وحلولها بمصر عدة مدافع كثيرة من القلعة والازبكية ثم وصلت الهدايا والتقادم واقبلت من كل ناحية الهدايا المختصة بالاولاد والمختصة بالنساء
واستهل شهر جمادي الاولى سنة 1224
في ثالثه يوم السبت نزل عمر بك الارنؤد الى المراكب من بيته من بولاق وسافر على طريق دمياط ليذهب الى بلاده وسافر معه نحو المائة وهم الذين جمعوا الاموال واجتمع لعمر بك المذكور من المال والنوال اشياء كثيرة عباها في صناديق كثيرة واخذها معه وذلك خلاف ما ارسله الى بلاده في دفعات قبل تاريخه
وفي يوم الخميس خامس عشره سافر علي بك ايوب وسليم أغا مستحفظان الى ناحية قبلي واستمر بمصر مرزوق بك وقاسم بك المرادي
وفيه طلب الباشا ألف كيس من المعلم غالي والزمه بها فوزعها على المباشرين والكتبه وجمعها في اقرب زمن
وفيه حضر سلحدار الوزير يوسف باشا وعلى يده مرسوم مضمونه طلب ما كان احدثه حين كان بمصر على اوراق الاقطاعات والفراغات وتقاسيط الالتزام الذي سموه قصر اليد وخرج القلم وجعل ايراد ذلك لنفسه فأرسل يطلب ذلك من تاريخ سنة 1217 سبعة عشر ومائتين والف الى وقت تاريخه
(3/261)

حسب قدر ذلك فبلغ نيفا واربعة آلاف كيس
وفيه شرعوا في تحرير دفتر بنصف فائظ الملتزمين ودفتر آخر بفرض مال على الرزق الاحباسية المرصدة على المساجد والاسبلة والخيرات وجهات البر والصدقات وكذلك اطيان الاوسية المختصة أيضا بالملتزمين وكتبو ا بذلك مراسيم الى القرى والبلاد وعينوا بها معينين وحق طرق من طرف كشاف الاقاليم بالكشف على الرزق المرصدة على المساجد والخيرات وتقدموا الى كل متصرف في شيء من هذه الاطيان وواضع عليها يده بأن يأتي بسنده الى الديوان ويجدد سنده ويقوي بمرسوم جديد وان تأخر عن الحضور في ظرف اربعين يوما يرفع عنه ذلك ويمكن منه غيره وذكروا في مرسوم الامر عله وحجه لم يطرق الاسماع نظيرها بانه اذا مات السلطان او عزل بطلت تواقيعه ومراسيمه وكذلك نوابه ويحتاج الى تجديد تواقيع من نواب المتولي الجديد ونحو ذلك ثم ليعلم أن هذه الارصادات والاطيان موضوعة من ايام الملك الناصر يوسف صلاح الدين الايوبي في القرن الخامس من مصاريف بيت المال ليصل الى المستحقين بعض استحقاقهم من بيت المال بسهولة ثم اقتدى به في ذلك الملوك والسلاطين والامراء الى وقتنا هذا فيبنون المساجد والتكايا والربط والخوانق والاسبله ويرصدون عليها اطيانا يخرجونها من زمام اوسيتهم فيستغل اخراجها او غلالها لتلك الجهة وكذلك يربطون على بعض الاشخاص من طلبة العلم والفقراء على وجه البر والصدقة ليتعيشوا بذلك ويستعينوا به على طلب العلم واذا مات المرصد عليه ذلك قرر القاضي او الناظر خلافه ممن يسحق ذلك وقيد اسمه في سجل القاضي ودفتر الديوان السلطاني عند الافندي المقيد بذلك الذي عرف بكاتب الرزق فيكتب له ذلك الافندي سندا بموجب التقرير يقال له الافراج ثم يضع عليه علامته ثم علامة الباشا والدفتردار ولكل اقليم من الاقاليم القبلية والبحرية دفتر مخصوص عليه طرة من خارج مكتوب فيها اسم ذلك الاقليم ليسهل الكشف والتحرير
(3/262)

والمراجعة عند الاشتباه وتحرير مقادير حصص ارباب الاستحقاقات ولم يزل ديوان الرزق الاحباسية محفوظا مضبوطا في جميع الدول المصرية جيلا بعد جيل لايتطرفه خلل الا ما ينزل عنه ارباب لشدة احتياجهم بالفراغ لبعض الملتزمين بقدر من الدراهم معجل ويقرر للمفرغ على نفسه قدرا مؤجلا دون القيمة الاصلية في نظير المعجل الذي دفعه للمفرغ ويسمونها حينئذ داخل الزمام لم تزل على ذلك بطول القرون الماضية وتملك الفرنساوية الديار المصرية فلم يتعرضوا الشيء من ذلك ولما حضر شريف افندي الدفتردار بعد دخول يوسف باشا الوزير ووجه الطلب على الملتزمين بأن يدفعوا للدولة حلوانا جديدا على النظام والنسق الذي ابتدعوه للتحيل على تحصيل المال بأي وجه زاعمين أن ارض مصر صارت دار حرب بتملك الفرنساوية وانهم استنقذوها منهم واستولوا عليها بإستيلاء جديد وصارت جميع اراضيها ملكا لهم فمن يريد الاستيلاء على شيء من ارض وغيرها فليشتره من نائب السلطان بمبلغ الحلوان الذي قدروه واطلعو على التقاسيط وفي بعضها ما رفع عنه الميري الذي يقبض للخزينة بأذن الولاة بعد المصالحات والتعويض من المصاريف والمصارف الميرية كالعلائف والغلال والبعض تمم ذلك بمراسيم سلطانية كما يقولون شريفة بحيث يصير الالتزام مثل الرزق الاحباسية ويسمونه خزينة بند ومنهم من ابقى على التزامه شيئا قليلا سموه مال الحماية فلم يسهل بهم ابطال ذلك بل جعل عليها الدفتردار الميري الذي كان مقيدا عليها او اقل او زيد بحسب واضع اليد واكرامه ان كان ممن يكرم وضمه الى مال الحماية الاصلي او المستجد فقط وضيع على الناس سعيهم وما بذلوه من مرتباتهم وعلائفهم التي وضعوها وقيدوها في نظير جعلها خزينة بند كما ذكر ثقتقيد لكتابة الاعلامات عبد الله افندي رامز القبودان وقاضي باشا وسمي في ذلك الوقت بكاتب الميري وتوجه نحوه الناس لأجل كتابة الاعلامات لثبوت رزقهم الاحباسية وتجديد سنداتها فتعنت عليهم بضروب من التعنت كأن
(3/263)

يطلب من صاحب العرضحال اثناب استحقاقه فاذا ثبت له لا يخلوا اما أن يكون ذلك بالفراغ او المحلول فيكلفه احضار السندات واوراق الفراغات القديمة فربما عدمت او بليت لتقادم السنين او تركها واضع اليد لاستغنائه عنها بالسند الجديد او كان القديم مشتملا على غير المفروغ عنه فيخصم بهامشه بالمنزول عنه ويبقى القديم عند صاحب الاصل فإن احضره اليه تعلل بشيء آخر واحتج بشبهة اخرى فاذا لم يبق له شبهة طالبه بحلوانها عن مقدار ايرادها ثلاث سنوات والا فخمس سنوات وذلك خلاف المصاريف فضج الناس واستغاثوا بشريف افندي الدفتردار فعزل عبد الله افندي رامز المذكور عن ذلك وقيد احد كتابه بكتابة الاعلامات وقرر على كل فدان عشرة انصاف فضة فما دونها يرسمها في السند الجديد وجعلها مال حماية وأوهم الناس أن مال الحماية يكون زيادة في تأكيد الاحباس وحماية له من تطرق الخلل فاستسهل الناس ذلك وشاع في الاقليم المصري فأقبل الناس من البلاد القبلية والبحرية لتجديد سنداتهم فطفقوا يكتبون السندات على نسق تقاسيط الالتزام لا على الوضع القديم ويعلم عليها الدفتردار فقط واما الصورة القديمة فكانت تكتب في كاغد كبير بخط غربي مجرد وعليها طرة بداخلها اسم والي مصر وممهورة بختمه الكبير وعليها علامة الدفتردار وبداخلها صورة اخرى تسمى التذكره مستطيلة على صورة التقسيط الفرمة ممهورة أيضا وعليها العلامة والختم وهي متضمنه ما في الكبيرة وعلى ذلك كان استمرار الحال الى هذا الاوان من قرون خلت ومدد مضت
وفيه أيضا حرروا دفتر الاقليم البحيرة بمساحة الطين الري والشراقي واضافوا اليه طين الاوسية والرزق وكتبوا بذلك مناشير واخرج المباشرون كشوفاتها بإسماء الملتزمين فضج الناس واجتمعوا الى مشايخ الازهر وتشكوا فوعدوهم بالتكلم في شأن ذلك بعد التثبت
وفيه قبض اغات التبديل على شخص من اهل العلم من اقارب السيد
(3/264)

حسن البقلي وحبسه فأرسل المشايخ يترجون في اطلاقة فلم يفعل وارسله الى القلعة
وفيه سعى محمد افندي طبل ناظر المهمات لصديقه السيد سلامه النجاري عند الباشا في انعام ووظيفة وسبب ذلك أن المذكور ارسل جملة طاقات من الاقمشة الهندية الغريبة المقصبة وغيرها وحصانا من اعظم خيول المصريين كان اشتراه منهم هدية الى محمد افندي المذكور فاقتضت مروأته انه اخذها وقدمها للباشا وقال له أن السيد سلامة احضر هذه الهدية لافندينا شكرا لانعامه السابق عليه فقبلها الباشا وانعم عليه بعشرة اكياس وامر محمد افندي بأن يجعله في وظيفة معه
وفيه أيضا شرعوا في تحرير دفتر بنصف فائظ الملتزمين بأنواع الاقمشة وباعة النعالات التي هي الصرم والبلغ وجعلوا عليها ختمية فلا يباع منها شيء حتى يعلم بيد الملتزم ويختم وعلى وضع الختم والعلامة قدر مقدر بحسب تلك البضاعة وثمنها فزاد الضجيج واللغط في الناس
وفي يوم السبت سابع عشره حضر المشايخ بالازهر على عادتهم لقراءة الدروس فحضر الكثير من النساء والعامة واهل المسجون وهم يصرخون ويستغيثون وابطلوا الدروس واجتمع المشايخ بالقبلة وارسلوا الى السيد عمر النقيب فحضر اليهم وجلس معهم ثم قاموا وذهبوا الى بيوتهم ثم اجتمعوا في ثاني يوم وكتبوا عرضحال الى الباشا يذكرون فيه المحدثات من المظالم والبدع وختم الامتعة وطلب مال الاوسية والرزق والمقاسمة في الفائظ وكذلك اخذ قريب البقلي وحبسه بلا ذنب وذلك بعد أن جلسوا مجلسا خاصا وتعاهدوا وتعاقدوا على الاتحاد وترك المنافرة وعند ذلك حضر ديوان افندي وقال الباشا يسلم عليكم ويسأل عن مطلوباتكم فعرفوه بما سطروه اجمالا وبينوه له تفصيلا فقال ينبغي ذهابكم اليه وتخاطبونه مشافهة بما تريدون وهو لايخالف اوامركم ولا يرد شفاعتكم وانما القصد أن تلاطفوه في الخطاب لانه شاب مغرور جاهل
(3/265)

وظالم غشوم ولا تقبل نفسه التحكم وربما حمله غروره على حصول ضرر بكم وعدم انفاذ الغرض فقالوا بلسان واحد لانذهب ابدا ما دام يفعل هذه الفعال فإن رجع عنها وامتنع عن احداث البدع والمظالم عن خلق الله رجعنا اليه وترددنا عليه كما كنا في السابق فاننا بايعناه على العدل لا على الظلم والجور فقال لهم ديوان افندي وانا قصدي أن تخاطبوه مشافهه ويحصل انفاذ الغرض فقالوا لانجتمع عليه ابدا ولا نثير فتنة بل نلزم بيوتنا ونقتصر على حالنا ونصبر على تقدير الله بنا وبغيرنا واخذ ديوان افندي العرضحال ووعدهم برد الجواب ثم بعد رجوعه اطلقوا قريب السيد حسن البقلي الذي كان محبوسا ولم يعلم ذلك ثم انتظروا عودة ديوان افندى فابطأ عليهم وتأخر عوده الى خامس يوم بعد الجمعية فاجتمع الشيخ المهدي والشيخ الدواخلي عند محمد افندي طبل ناظر المهمات وثلاثتهم في نفسهم للسيد عمر ما فيها وتناجوا مع بعضهم ثم انتقلوا في عصريتها وتفرقوا وحضر المهدي والدواخلي الى السيد عمر وأخبره ان محمد افندي ذكر لهم ان الباشا لم يطلب مال الاوسية ولا الرزق وقد كذب من نقل ذلك وقال انه يقول اني لااخالف اوامر المشايخ وعند اجتماعهم عليه ومواجهته يحصل كل المراد فقال السيد عمر اما انكاره طلب مال الرزق والاوسية فها هي اوراق من اوراق المباشرين عندي لبعض الملتزمين مشتمله على الفضة ونصف الفائظ ومال الاوسية والرزق واما الذهاب اليه فلا اذهب اليه ابدا وان كنتم تنقضون الايمان والعهد الذي وقع بيننا فالرأي لكم ثم انفض المجلس واخذ الباشا يدبر في تفريق جمعهم وخذلان السيد عمر لما في نفسه منه من عدم انفاد اغراضه ومعارضته له في غالب الامور ويخشى صولته ويعلم أن الرعية والعامة تحت امره ان شاء جمعهم وان شاء فرقهم وهو الذي قام بنصره وساعده واعانه وجمع الخاصة والعامة حتى ملكه الاقليم ويرى انه إن شاء فعل بنقيض ذلك فطفق يجمع اليه بعض افراد من اصحابه المظاهر ويختلي معه ويضحك اليه
(3/266)

فيغتر بذلك ويرى انه صار من المقربين وسيكون له شأن ان وافق ونصح فيفرغ له جراب حقده ويرشده بقدر اجتهاده لما فيه من المعاونه ثم في ليلتها حضر ديوان افندي وعبد الله بكتاش الترجمان وحضر المهدي والدواخلي الجميع عند السيد عمر وطال بينهم الكلام والمعالجة في طلوعهم ومقابلتهم الباشا ورقرق لذلك كل من المهدي والدواخلي والسيد عمر مصمم على الامتناع ثم قالوا لابد من كون الشيخ الامير معنا ولانذهب بدونه فاعتذر الشيخ الامير بانه متوعك ثم قام المهدي والدواخلي وخرجا صحبة ديوان افندي والترجمان وطلعوا الى القلعة وتقابلوا مع الباشا ودار بينهم الكلام وقال في كلامه انا لا ارد شفاعتكم ولا اقطع رجاءكم والواجب عليكم اذا رأيتم مني انحرافا أن تنصحوني وترشدوني ثم اخذ يلوم على السيد عمر في تخلفه وتعنته ويثني على البواقي وفي كل وقت يعاندني ويبطل احكامي ويخوفني بقيام الجمهور فقال الشيخ المهدي هو ليس الا بنا واذا خلا عنا فلا يسوي بشيء ان هو الا صاحب حرفة او جابي وقف يجمع الايراد ويصرفه على المستحقين فعند ذلك تبين قصد الباشا لهم ووافق ذلك ما في نفوسهم من الحقد للسيد عمر والشيخ الدواخلي حضوره نيابة عن الشيخ الشرقاوي وعن نفسه ثم تناجوا معه حصة وقاموا منصرفين مذبذبين ومظهرين خلاف ما هو كامن في نفوسهم من الحقد وحظوظ النفس غير مفكرين في العواقب وحضروا عند السيد عمر وهو ممتليء بالغيظ مما حصل من الشذوذ ونقض العهد فأخبروه بأن الباشا لم يحصل منه خلاف وقال انا لا ارد شفاعتكم ولكن نفسي لاتقبل التحكم والواجب عليكم اذا رأيتموني فعلت شيئا مخالفا أن تنصحوني وتشفعوا فأنا لا اردكم ولا امتنع من قبول نصحكم واما ما تفعلونه من التشنيع والاجتماع بالازهر فهذا لايناسب منكم وكأنكم تخوفوني بهذا الاجتماع وتهيج الشرور وقيام الرعية كما كنتم تفعلون في زمان المماليك فأنا لاافزع من ذلك وان حصل من الرعية امر ما فليس لهم عندي الا السيف
(3/267)

والانتقام فقلنا له هذا لايكون ونحن لانحب ثوران الفتن وانما اجتمعنا لاجل قراءة البخاري وندعو الله برفع الكرب ثم قال اريد أن تخبروني عمن انتبذ لهذا الامر ومن ابتدا بالخلف فغالطناه وانه وعدنا بابطال الدمغة وتضعيف الفائظ الى الربع بعد النصف وانكر الطلب بالاوسية والرزق من اقليم البحيرة ثم قاموا منصرفين وانفتح بينهم باب النفاق واستمر القال والقيل وكل حريص على حظ نفسه وزيادة شهرته وسمعته ومظهر خلاف ما في ضميره
واستهل شهر جمادي الثانية بيوم الجمعة سنة
فيه حضر ديوان افندي وعبد الله بكتاش الترجمان واجتمع المشايخ ببيت السد عمر وتكلموا في شأن الطلوع الى الباشا ومقابلته فحلف السيد عمر انه لايطلع اليه ولايجتمع به ولايرى له وجها الا اذا ابطل هذه الاحدوثات وقال أن جميع الناس يتهموني معه ويزعمون انه لايتجارأ على شيء يفعله الا بإتفاقي معه ويكفي ما مضى ومهما تقادم يتزايد الظلم والجور وتكلم كلاما كثيرا فلما لم يجبهم الى الذهاب وقالوا اذا يطلع المشايخ وارسلوا الشيخ الامير فاعتذر بأنه متوعك الجسم ولايقدر على الحركة ولا الركوب ثم اتفقوا على طلوع الشيخ عبد الله الشرقاوي والمهدي والدواخلي والفيومي وذلك على خلاف غرض السيد عمر وقد ظن انهم يمتنعون لامتناعه للعهد السابق والايمان فلما طلعوا الى الباشا وتكلموا معه وقد فهم كل منهم لغة الآخر الباطنية ثم ذاكروه في امر المحدثات فأخبرهم انه يرفع بدعة الدمغة وكذلك يرفع الطلب عن الاطيان والاوسية وتقرير ربع الفائظ وقاموا على ذلك ونزلوا الى بيت السيد عمر واخبروه بما حصل فقال واعجبكم ذلك قالوا ثلاث قال انه ارسل يخبرني بتقرير ربع المال الفائظ فلم ارض وابيت الا رفع ذلك بالكلية فإنه في العام السابق لما طلب احداث الربع قلت له هذه تصير سنة متبعة فحلف انها اثنين قوله قالوا قال الخ هكذا في جميع النسخ التي معنا
(3/268)

ولعله قالوا لا او نعم أو نحو ذلك كذا بهامش الاصل لاتكون بعد هذا العام ( ولعله قالوا او نعم او نحو ذلك كذا بهامش الاصل لاتكون بعد هذا العام ) وذلك لضرورة النفقة وان طلبها في المستقبل يكون ملعونا ومطرودا من رحمة الله وعاهدني على ذلك وهذا في علمكم كما لايخفاكم قالوا نعم واما قوله انه رفع الطلب عن الاوسية والرزق فلا اصل لذلك وهاهي اوراق البحيرة وجهوا بها الطلب فقالوا اننا ذكرنا له ذلك فأنكر وكابرناه بأوراق البحيرة الطلب فقال أن السبب في طلب ذلك من اقليم البحيرة خاصة وان الكشافين لما نزلوا للكشف على اراضي الري والشراقي ليقرروا عليها فرضة الاطيان حصل منهم الخيانة والتدليس فإذا كان في ارض البلدة خمسمائة فدان ري قالوا عليها مائة وسموا الباقي رزقا واوسية فقررت ذلك عقوبة لهم في نظيرته لبسهم وخيانتهم فقال السيد عمر وهل ذلك امر واجب فعله اليس هو مجرد جور وظلم احدثه في العام الماضي وهي فرضة الاطيان التي ادعى لزومها لاتمام العلوفة وحلف انه لايعود لمثلها فقد عاد وزاد وانتم توافقونه وتسايرونه ولا تصدونه ولاتصدعونه بكلمة وانا الذي صرت وحدي مخالف وشاذا ووجه عليهم اللوم في نقضهم العهد والايمان وانفض المجلس وتفرقت الاراء وراج سوق النفاق وتحركت حفائظ الحقد والحسد وكثر سعيهم وتناجيهم بالليل والنهار والباشا يراسل السيد عمر ويطلبه للحضور اليه والاجتماع به ويعده بانجاز ما يشر عليه به وارسل اليه كتخدا ليترفق به وذكر له أن الباشا يرتب له كيسا في كل يوم ويعطيه في هذا الحين ثلثمائة كيس خلاف ذلك فلم يقبل ولم يزل الباشا متعلق الخاطر بسببه ويتجسس ويتفحص عن احواله وعلى من يتردد عليه من كبار العسكر وربما اغرى به بعض الكبار فراسلوه سرا واظهروا له كراهتهم للباشا وانه ان انتبذ لمفاقمته ساعدوه وقاموا بنصرته عليه فلم يخف على السيد عمر مكرم ولم يزل مصمما وممتنعا عن الاجتماع به والامتثال اليه ويسخط عليه والمترددون أيضا ينقلون ويحرفون بحسب الاغراض والاهواء واتفق في اثناء ذلك أن الباشا امر بكتابة عرضحال
(3/269)

بسبب المطلوب لوزير الدولة وهي الاربعة آلاف كيس ويذكر فيه انها صرفت في المهمات منها ما صرف في سد ترعة الفرعونية ومبلغه ثمانمائة كيس وعلى تجاريد العساكر لمحاربة الامراء المصرية حتى دخلوا في الطاعة كذلك مبلغا عظيما وما صرف في عمارة القلعة والمجراة التي تنقل المياه اليها مبلغا ايضا وكذلك في حفر الخلجان والترع ونقص المال الميري بسبب شراقي البلاد ونحو ذلك وارسله الى السيد عمر ليضع خطه وختمه عليه فامتنع وقال اما ما صرفه على سد الترعة فان الذي جمعه وجباه من البلاد يزيد على ما صرفه اضعافا كثيرة واما غير ذلك فكله كذب لا اصل له وان وجد من يحاسبه على ما اخذ من القطر المصري من الفرض والمظالم لما وسعته الدفاتر فلما ردوا عليه واخبروه بذلك الكلام حنق واغتاظ في نفسه وطلبه للاجتماع به فامتنع فلما اكثر من التراسل قال ان كان ولا بد فاجتمع معه في بيت السادات واما طلوعي اليه فلا يكون فلما قيل له في ذلك ازداد حنقه وقال انه بلغ به أن يزدريني ويرذلني ويأمرني بالنزول من محل حكمي الى بيوت الناس
ولما اصبح يوم الاربعاء سابع عشرينه ركب الباشا وحضر الى بيت ولده ابراهيم بك الدفتردار وطلب القاضي والمشايخ المذكورين وارسل السيد عمر رسولا من طرفه ورسولا من طرف القاضي يطلبه للحضور ليتحاقق ويتشارع معه فرجعا واخبرا بأنه شرب دواء ولا يمكنه الحضور في هذا اليوم وكان قد احضر شيخ السادات الوفائية والشيخ الشرقاوي فعند ذلك احضر الباشا خلعة والبسها لشيخ السادات على نقابة الاشراف وامر بكتابة فرمان بخروج السيد عمر ونفيه من مصر يوم تاريخه فتشفع المشايخ في امهاله ثلاثة ايام حتى يقضي اشغاله فاجاب الى ذلك ثم سأله في أن يذهب الى بلده اسيوط فقال لايذهب الى اسيوط ويذهب اما الى سكندرية او دمياط فلما ورد الخبر على السيد عمر بذلك قال اما منصب النقابة فإني راغب عنه وزاهد فيه وليس فيه الا التعب واما النفي فهو غاية
(3/270)

مطلوبي وارتاح من هذه الورطة ولكن اريد أن يكون في بلدة لم تكن تحت حكمه اذا لم ياذن لي في الذهاب الى اسيوط فلياذن لي في الذهاب الطور او الى ورثه فعرفوا الباشا فلم يرض الا بذهابه الى دمياط ثم أن السيد عمر امر بأشجاويش أن يأخذه الجاويشية ويذهب بهم الى بيت السادات واخذ في اسباب السفر
وفي يوم الخميس ثامن عشرينه الموافق لخامس مسري القبطي اوفي النيل المبارك ونودي بالوفاء تلك الليلة وخرج الناس لاجل الفرجة والضيافات في الدور والمطلة على الخليج فلما كان آخر النهار برزت الاوامر بتأخير الموسم لليلة السبت بالروضة فبرد طعام اهل الولائم والضيافات وتضاعفت كلفهم ومصاريفهم وحصلت الجمعية ليلة السبت بالروضة وعند قنطرة السد وعملوا الحراقات والشنك وحضر الباشا واكابر دولته والقاضي وكسر السد بحضرتهم وجرى الماء في الخليج وانفض الجمع
وفي ذلك اليوم اعتنى السيد محمد المحروقي بأمر السيد عمر وذهب الى الباشا وكلمه واخبره بأنه اقامه وكيلا على اولاده وبتيه وتعلقاته فأجازه بذلك وقال هو آمن من كل شيء وانا لم ازل اراعي خاطره ولا افوته ثم ارسل السيد المحروقي فأحضر بن ابنه السيد عمر فقابل به الباشا وطمن خاطره ولكن قال لابد من سفره الى دمياط وعندما طلب السيد المحروقي الغلام الى الباشا اشيع في الناس وقوع الرضا وتناقل الناس ذلك وفرح اهل منزله وزغرطوا وسروا واستمروا على ذلك حتى رجع الغلام وتبين انه لاشيء فانقلب الفرح بالترح وتعين بالسفر صحبة السيد عمر كتخدا الألفي الى دمياط
واستهل شهر رجب بيوم الاحد سنة
فيه اجتمع المودعون للسيد عمر ثم حضر محمد كتخدا المذكور فعند وصوله قام السيد عمر وركب في الحال وخرج صحبته وشيعه الكثير من المتعممين وغيرهم وهم يتباكون حوله حزنا على فراقه وكذلك اغتم الناس
(3/271)

على سفره وخروجه من مصر لأنه كان ركنا وملجأ ومقصدا للناس ولتعصبه على نصرة الحق فسار الى بولاق ونزل في المركب وسافر من ليلته باتباعه وخدمه الذين يحتاج اليهم الى دمياط
وفي صبح ذلك اليوم حضر الشيخ المهدي عند الباشا وطلب وظائف السيد عمر فأنعم عليه الباشا بنظر اوقاف الامام الشافعي ونظر وقف سنان باشا ببولاق وحاسب على المنكسر له من الغلال مدة اربع سنوات فامر بدفعها له من خزينته نقدا وقدرها خمسة وعشرون كيسا وذلك في نظير اجتهاده في خيانة السيد عمر حتى اوقعوا به ما ذكر
وفيه تقيد الخواجا محمود حسن بزرجان باشا بعمارة القصر والمسجد الذي يعرف بالآثار النبوية فعمرها على وضعها القديم وقد كان آل الى الخراب
وفي يوم الثلاثاء خلع الباشا على ثلاثة من الاجناد المصرية المنسوبين لسليمان بك البواب وقلدهم صناجق وامراء الوقت وضم اليهم عساكر اتراك وارنؤد ليسافر الجميع الى الجهة القبلية بسبب عصيان الامراء المرادية وتوقفهم عن دفع المال والغلال وكذلك عين للسفر أيضا احمد أغا لاظ وصالح قوج وبونابارته وحسن باشا وعابدين بك فارتجت البلد وطلبوا المراكب فتعطل المسافرون الى الجهة القبلية والبحرية وكذلك امتنع مجيء الواصلين بالغلال والبضائع خوفا من التسخير وقد كان حصل بعض الاطمئنان وسلوك الطريق القبلية ووصول المراكب بالغلال والمجلوبات
وفي عاشره سافر احمد أغا لاظ وصالح قوج خرجوا بعساكرهم ونزلوا في المراكب وذهبوا الى قبلي
وفيه حضر محمد كتخدا الألفي من دمياط راجعا من تشييع السيد عمر ووصوله الى دمياط واستقراره بها
وفي يوم الخميس تاسع عشره سافر من كان متأخرا الى الجهة القبلية ولم يبق منهم احد
(3/272)

وفي ثالث عشرينه نادى منادي المعمار على ارباب الاشغال في العمائر من البنائين والحجارين والفعله بأن لايشتغلوا في عمارة احد من الناس كائنا من كان وان يجتمع الجميع في عمارة الباشا بناحية الجبل
وفي تاسع عشرينه وردت اخبار عن التجريدة ازعجت الباشا فاهتم اهتماما عظيما وقصد الذهاب بنفسه ونبه على جميع كبراء العساكر بالخروج وان لايتخلف منهم احد حتى اولاده ابراهيم بك الدفتردار وطوسون بك وانه هو المتقدم عنهم في الخروج في يوم الخميس واستعجل التشهيل والطلب وامر بتحرير دفتر فرضة ترويجة على اقليم المنوفيه والغربية والشرقية القليوبية وذكروا انها من اصل حساب الشهرية المبتدعة
وفيه تقلد حسن أغا الشماشرجي كشوفيه المنوفيه وارخى لحيته على ذلك
استهل شهر شعبان بيوم الثلاثاء سنة
فيه نمق مشايخ الوقت عرضحال في حق السيد عمر بأمر الباشا ليرسله صحبة السلحدار وذكروا فيه سبب عزله ونفيه عن مصر وعدوا له مثالب ومعايب وجنحا وذنوبا منها انه ادخل في دفتر الاشراف اسماء اشخاص ممن اسلم من القبط واليهو ومنها انه اخذ من الألفي في السابق مبلغا من المال ليملكه مصر في ايام فتنة احمد باشا خورشيد ومنها انه كاتب الامراء المصريين أيضا في وقت الفتنة حين كانوا بالقرب من مصر ليحضروا على حين غفلة في يوم قطع الخليج وحصل لهم ماحصل ونصر الله عليهم حضرة الباشا ومنها انه اراد ايقاع الفتن في العساكر لينقض دولة الباشا ويولي خلافه ويجمع عليه طوائف المخاربة والصعائدة واخلاط العوام وغير ذلك وذلك على حد من اعان ظالما سلط عليه وكتبوا عليه اسماء المشايخ وذهبوا به اليهم ليضعوا ختومهم عليه فامتنع البعض من ذلك وقال هذا كلام لا اصل له ووقع بينهم محاججات ولام الاعاظم الممتنعين على الامتناع وقالوا لهم انتم لستم بأروع منا واثبت لنفسه ورعا وحصل بينهم منافسات
(3/273)

ومخالفات ومقابحات ثم غيروا صورة العرضحال بأقل من التحامل الاول وكتب عليه بعض الممتنعين وكان من الممتنعين اولا وآخرا السيد احمد الطحطاوي الحنفي فزادوا في التحامل عليه وخصوصا شيخ السادات او الشيخ الامير وخلافهما واتفق انه دعى في وليمة عند الشيخ الشنواني بحارة خوشقدم وتأخر حضوره عنهم فصادفهم حال دخوله الى المجلس وهم خارجون فسلم عليهم ولم يصافحهم لما سبق منهم في حقه من الايذاء فتطاول عليه ابن الشيخ الامير ورفع صوته بتوبيخه وشتمه لكونه لم يقبل يد والده ويقول له في جملة كلامه اليس هو الا قليل الادب والحياء ثالث طبقة للشيخ الوالد ونحو ذلك
وفي ثالثه سافر الباشا الى الجهة القبلية وتبعه العساكر
وفي منتصفه خرجت الدلاة والارنؤد وباقي الاجناد والعسكر واقام الباشا كتخدا بك قائم مقامه واقام بالقلعة
وفيه اتفق الاشياخ والمتصدرون على عزل السيد احمد الطحطاوي من افتاء الحنفية واحضروا الشيخ حسين المنصوري وركبوا صحبته وطلعوا به الى القلعة بعد أن مهدوا القضية فالبس قائمقام الشيخ حسينا فروة ثم نزلوا ثم طاف للسلام عليهم وخلعوا هم عليه أيضا خلعهم فلما بلغ الخبر السيد احمد الطحطاوي طوى الخلع التي كانوا البسوها له عند ما تقلد الافتاء بعد موت الشيخ ابراهيم الحريري في جمادي الاولى بقرب عهد وارسلها لهم وكان الشيخ السادات البسه حين ذاك فروة فلما ردها عليه احتد وغتاظ واخذ يسبه ويذكر لجلسائه جرمه ويقول انظروا الى هذا كأنه يجعلني مثل الكلب الذي يعود في قيئه ونحو ذلك
واما السيد احمد فإنه اعتكف في داره لايخرج منها الا الى الشيخونية بجواره واعتزلهم وترك الخلطة بهم وتباعد عنهم وهم يبالغون في ذمه والحط عليه لكونه لم يوافقهم في شهادة الزور والحامل لهم على ذلك كله الحظوظ النفسانية والحسد مع أن السيد عمر كان ظلا ظليلا عليهم وعلى
(3/274)

اهل البلدة ويدافع ويرافع عنهم وعن غيرهم ولم تقم بعد خروجه من مصر راية ولم يزالوا بعده في انحطاط وانخفاض
واما السيد عمر فأن الذي وقع له بعض ما يستحقه ومن اعان ظالما سلط عليه ولايظلم ربك احدا
وفي ثالث عشره سافر حسن باشا وعساكر الارنؤد وتتابعوا في الخروج وتحدث الناس بروايات عن الباشا والامراء المصرين وصلحة معهم وان عثمان بك حسن ومحمود بك المنفوخ ومحمد بك الابراهيمي وصلوا عند الباشا وقابلوه وانه ارسل الى ابراهيم بك الكبير ولده طوسون باشا فتلقاه واكرمه وارسل هو أيضا ولده الصغير الى الباشا فأكرمه ووصل الى مصر بعض نساء حريمه وحريم الامراء
واستهل شهر رمضان بيوم الاربعاء سنة
وفي اواخره وصل طائفة من الدلاتية من ناحية الشام ودخلوا الى مصر وهم في حالة رثة كما حضر غيرهم وصحبتهم من المخنثين المعروفين بالخولات الذين يتكلمون بالكلام المؤنث ومعهم دفوف وطنابير
وفي اواخره حرروا دفتر الاطيان على ضريبة واحدة عن كل فدان خسمة ريالات غير البراني والخدم ولم يحصل في ذلك مراجعة ولا كلام ولا مرافعة في شيء كما وقع في العام الماضي والذي قبله في المراجعة بحسب الري والشراقي واما في هذه السنة فليس فيها شراقي فحسابها بالمساحة الكاملة لعموم الري فإن النيل في هذه السنة زاد زيادة مفرطة وعلا على الاعالي وتلف بزيادته المفرطة الدراوي والاقصاب بقبلي وكذلك غرق مزارع الارز والسمسم والقطن وجنائن كثيرة بالبحر الشرقي بسبب انسداد ترعة الفرعونية بتلك الناحية ولما تمموا تحرير الدفاتر على النسق المطلوب والباشا بقبلي وارسل بطلبها ليطلع عليها فسافر اليه بها المعلم غالي واخذ صحبته احمد افندي اليتيم من طرف الروزنامة وعبد الله بكتاش الترجمان فذهبوا اليه باسيوط واطلعوه عليها فحتم عليها وانقضى
(3/275)

شهر مضان
واستهل شهر شوال بيوم الخميس سنة
في ثالث عشرة حضر المعلم غالي واحمد افندي وبكتاش وغيرهم من غيبتهم وحضر أيضا في اثرهم المعلم جرجس الجوهري وقد تقدم انه خرج من مصر هاربا الى الجهة القبلية واختفى مدة ثم حضر بأمان الى الباشا وقابله واكرمه ولما حضر نزل في بيته الذي بحارة الونديك وفرشه له المعلم غالي وقام له بجميع لوازمه وذهب الناس مسلمهم ونصرانيهم وعالمهم وجاهلهم للسلام عليه
وفي يوم الثلاثاء عشرينه وصل الباشا على حين غفلة الى مصر في تطريدة وقد وصل من اسيوط الى ناحية مصر القديمة في ثلاثين ساعة وصحبته ابنه طوسون وبونابارته الخازندار وسليمان أغا الوكيل سابقا لاغير فركبوا حميرا متنكرين حتى وصلوا الى القلعة من ناحية الجبل وطلع من باب الجبل وعند طلوعه من السفينة امر ملاحيها أن لايذكروا لاحد وصوله حتى يسمعوا ضرب المدافع من القلعة ثم طلع الى سرايته ودخل الى الحريم فلم يشعروا به الا وهو بالحريم وعند ذلك امر بضرب المدافع واشيع حضوره فركب كتخدا بك وغيره مسرعين لملاقاته ثم بلغهم طلوعه الى القلعة فرجعوا على اثره وكان الخواجا محمود حسن البزرجان خرج لملاقاته قبل وصوله بثلاثة ايام الى ناحية الاثار واخرج معه مطابخ واغناما واستعد لقدومه استعدادا زائدا وذهب تعبه في الفارغ البطال ثم بعد وصول الباشا بثلاثة ايام وصلت طوائف العسكر وعظائمهم ومعهم المنهوبات من الغلال والاغنام والفحم والحطب والقلل وانواع التمر وغير ذلك حتى اخشاب الدور وابوابها
وفي يوم الاثنين وصل حسن باشا وطوائف الارنؤد وصالح قوج والدلاة والترك ووصل أيضا شاهين بك الألفي وصحبته محمد بك المنفوخ المرادي ومحمد بك الابراهيمي وهم الذين حضورا في هذه المرة
(3/276)

من المخالفين وقيل أن البواقي اخذوا مهلة لبعد التحضير واما ابراهيم بك تابع الاشقر ومحمد أغا تابع مراد بك الصغير وصحبتهما عساكر فذهبا الى ناحية السويس بسبب وصول طائفة من العربات قالوا انها من التابعة للوهابيين حضروا واقاموا عند بئر الماء ومنعوا السقيا منها
واستهل شهر ذي القعدة بيوم السبت سنة
وفيه حضر ابراهيم بك ابن الباشا وباقي العسكر وسكنوا الدور وازعجوا الناس واخرجوهم من مساكنهم ومنازلهم ببولاق ومصر وغيرهما واتفق أن بعض ذوي المكر من العسكر عندما اراد السفر الى جهة قبلي ارسل لصاحب الدار التي هو غاصبها وساكن فيها فأحضره وسلمه المفتاح وهو يقول له تسلم يا اخي دارك واسكنها بارك الله لك فيها وسامحني وابريء ذمتي فربما اني اموت ولاارجع ولان الكثير منهم تولى المناصب والامريات بالجهة القبلية وعندما يتسلم صاحب الدار داره يفرح بخلاصها ويشرع في عمارتها واعادة ما تهدم منها فيكلف نفسه ولو بالدين ويعمرها فما هو الا أن تمم العمارة والمرمة في مدة غيبتهم فما يشعر الا وصاحبه داخل عليه بحصانه وجمله وخدمه فما يسع الشخص الا الرحلة ويتركها لغريمه وقد وقع ذلك لكثير من الناس المغفلين
وفيه وصلت اخبار بأن عمارة الفرنساوية نزلت الى البحر وعدة مراكبهم مائتان وسبعة عشر مركبا محاربين لايعلم قصدهم أي جهة من الجهات وحضر ثلاثة اشخاص من الططر المعدين لتوصيل الاخبار وبيدهم مرسوم مضمونه الامر بالتحفظ على الثغور فعند ذلك امر الباشا بالاستعداد وخروج العساكر الى الثغور
وفي يوم السبت ثامنه سافر جملة من العسكر الى ناحية بحرى فسافر كبير منهم ومعه جملة من العسكر الى سكندرية وكذلك سافر خلافه الى رشيد والى دمياط وابي قير والبرلس
وفي ليلة الاثنين ثامن عشره ركب الباشا ليلا وخرج مسافرا الى
(3/277)

السويس ليكشف قلاع القلزم وقام له بالاحتياجات من احمال الماء والعليق والزوادة واللوازم السيد محمد المحروقي وكان خروجه ومن معه على الهجن
وفي ليلة الاحد رابع عشرينه حضر الباشا من السويس وكان وصوله ليلا وطلع الى القلعة
واستهل شهر ذي الحجة بيوم الاحد سنة
فيه شرع الباشا في انشاء مراكب ببحر القلزم فطلب الاخشاب الصالحة لذلك وارسل المعينين لقطع اشجار التوت والنبق من القطر المصري القبلي والبحري وغيرها من الاخشاب المجلوبة من الروم وجعل بساحل بولاق ترسخانة وورشات وجمعوا الصناع والنجارين والنشارين فيهيؤنها وتحمل اخشابا على الجمال ويركبها الصناع بالسويس سفينة ثم يقلفونها ويبيضونها ويلقونها في البحر فعملوا اربع سفائن كبار احداها تسمى الابريق وخلاف ذلك ادوات لحمل السفار والبضائع
ومن الحوادث في آخره أن امرأة ذهبت الى عرصة الغلة بباب الشعرية واشترت حنطة ودفعت في ثمنها قروشا فلما ذهبت نظروها ونقدوها فاذا هي من عمل الزغلية ثم عادت بعد ايام فاشترت الغلة ودفعت الثمن قروشا أيضا فذهب البائع معها الى الصيرفي فوجدها مزغولة مثل الاولى فعلموا انها الغريمة فقال لها الصيرفي من اين لك هذا فقالت من زوجي فقبضوا عليها واتوا بها الى الاغا فسألها الآغا عن زوجها فقالت هو عطار بسوق الازهر فأخذها الآغا وحضر بها الى بيت الشيخ الشرقاوي بعد العشاء واحضروا زوجها وسألوه فقال انا اخذتها من فلان تابع الشيخ الشرقاوي فانفعل الشيخ وقال ان يكن هو ابني فأنا برئ منه وطلبوه فتغيب واختفى واخذ الآغا المرأة وزوجها وقررهما فأقر الرجل وعرف عن عدة اشخاص يفعلون ذلك وفيهم من مجاوري الازهر فلم يزل يتجسس ويتفحص ويستدل على البعض بالبعض وقبض على اشخاص ومعهم العدد والالات
(3/278)

وحبسهم أيضا بالقلعة عند كتخدا بك وفر ناس من مجاوري الازهر من مصر لما قام بهم من الوهم وفي كل يوم يشاع بالتنكيل والتجريس للمقبوض عليهم وقتلهم ولم يزل الآغا يتجسس حتى جمعوا ست عشرة عدة وارسلوها الى بيت محمد افندي ناظر المهمات وسألوا الحدادين عمن اصطنع هذه العدد منكم فأنكروا وجحدوا وقالوا هذا من صناعة الشام ثم كسروها وابطلوها وطال امر المحبوسين والتفحص عن غيرهم فكان بعض المقبوض عليهم يعرف عن غيره او شريكه فكانت هذه الحادثة من اشنع الحوادث خصوصا بنسبتها لخطة الازهر فكان كل من اشتري شيئا ودفع الثمن للبائع قروشا ذهب بها الى الصيرفي لأن في ذاك الوقت لم يكن موجودا بايدي الناس خلافها وكانوا يقولون في ذهابهم الى الصيرفي لربما تكون ازهرية ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم وانقضت السنة بحوادثها التي منها ما ذكر
ومنها احداث بدعة المكس على النشوق وذلك أن بعض المتصدرين من نصارى الاروام انهى الى كتخدا بك امر النشوق وكثرة المستعملين له والدقاقين والباعة وانه اذا جمعت دقاقوه وصناعه في مكان واحد ويجعل عليهم مقادير ويلتزم به ويضبط رجاله وجمع ماله وايصاله الى الخزينه من يكون ناظرا وقيما عليه كغيره من اقلام المكوس التي يعبرون عنها بالجمارك فانه يتحصل من ذلك مال له صورة فلما سمع كتخدا بك ذلك انهاه الى مخدومه فأمر في الحال بكتابة فرمان بذلك واختار الذي جعلوه ناظرا على ذلك خانا بخطة بين الصورين ونادوا على جميع صناع النشوق وجمعوهم بذلك الخان ومنعوهم من جلوسهم بالاسواق والخطط المتفرقة والقيم على ذلك يشتري الدخان المعد لذلك من تجاره بثمن معلوم حدده لايزيد على ذلك ولايشتريه سواه وهو يبيعه على صناع النشوق بثمن حدده ولاينقص عنه ومن وجده باع شيئا من الدخان او اشتراه او سحق نشوقا خارجا عن ذلك الخان ولو لخاصة نفسه قبضوا عليه وعاقبوه
(3/279)

وغرموه مالا وعينوا معينين لجميع القرى والبلدان القبلية والبحرية ومعهم من ذلك الدخان فيأتون الى القرية ويطلبون مشايخها ويعطونهم قدرا موزونا ويلزمونهم بالثمن المعين بالمرسوم الذي بيدهم فيقول اهل القرية نحن لا نستعمل النشوق ولا نعرفه ولا يوجد عندنا من يصنعه وليس لنا به حاجة ولا نشتريه ولا نأخذه فيقال لهم ان لم تأخذوه فهاتوا ثمنه فإن اخذوه أو لم يأخذوه فهم ملزومون بدفع القدر المعين المرسوم ثم كراء طريق المعينين وكلفتهم وعليق دوابهم
ومنها أيضا النطرون فرقوه وفرضوه على القرى محتجين أيضا باحتياج الحياكة والقزازين اليه لغسل غزل الكتان وبياض قماشه ونحو ذلك واشنع من ذلك كله انهم ارادوا فعل مثل هذا في الشراب المسكر المعروف بالعرقي والزام اهل القرى باخذه ودفع ثمنه ان اخذوه او لم يأخذوه فقيل لهم في ذلك فقالوا ان شربه يقوى ابدانهم على اعمال الزرع والزراعة والحرث والكد في القطوة والنطالة والشادوف ثم بطل ذلك
ومنها أن الباشا شرع في عمل زلاقة تجاه باب القلعة المعروف بباب الجبل موصلة الى اعلى الجبل المقطم فجمعوا البنائين والحجارين والفعلة للعمل وحرقوا عدة قمينات للجير بجانب العمارة وطواحين للجبس ونودى بالمدينة على البنائين والفعلة بأن لا يشتغلوا في عمارة احد من الناس كائنا من كان ويجتمع الجميع في عمارة الباشا بالقلعة والجبل الى أن كمل عملها في السنة التالية طريقا واسعا منحدرا من الاعلى الى الاسفل ممتدا في المسافة سهلا في الطلوع الى الجبل او الانحدار منه بحيث يجوز عليه الماشي والراكب من غير مشقة ولا تعب كثير
واما من مات في هذه السنة ممن له ذكر مات العلامة المفيد والتحرير الفريد النبيه الشيخ ابراهيم ابن الشيخ محمد الحريري الحنفي مفتى مذهب السادات الحنفية كوالد تفقه على والده وحضر في المعقولات على اشياخ الوقت كالبيلي والدردير والصبان وغيرهم وانجب وتمهر
(3/280)

وصارت فيه ملكة جيدة واستحضار للفروع الفقهيه ولما مات والده في شهر رجب سنة عشرين ومائتين والف تقلد منصب والده في الافتاء وكان لها اهلا مع التحري والمراجعة في المسائل المشكلة والعفة والصيانة والديانة والتباعد عن الامور المخلة بالمروءة مواظبا لوظائفه ودروسه ملازما لداره الا ما دعته الضرورة اليه من المواساة وحضور المجالس مع ارباب المظاهر وكان مبتلى بضعف البصر وبآخرته اعتراه داء الباسور وقاسي منه شدة وانقطع بسببه عن الخروج من داره ووصف له حكيم بدمياط فسافر اليه لاجل ذلك وقصد تغيير الهواء وذلك باشارة نسيبه الشيخ المهدي وقاسى اهوالا في معالجته وقطعه بالآلة فلم ينجح ورجع الى مصر متزايد الالم ولم يزل ملازما للفراش حتى توفي الى رحمة الله سبحانه وتعالى في يوم الاثنين تاسع عشر جمادى الاولى من هذه السنة وصلى عليه بالازهر ودفن بمدرسة الشعبانية بحارة الدويداري ظاهر حارة كتامة المعروفة الآن بالعينية بالقرب من الجامع الازهر وخلف ولده النجيب الاديب سيدي محمد الملقب عبدالمعطي بارك الله فيه واعانه على وقته
ومات الامام العلامة والعمدة الفهامة شيخ الاسلام والمسلمين الشيخ عبدالمنعم ابن شيخ الاسلام السيخ احمد العماوي المالكي الازهري وهو من اهل القرن الثاني عشر تفقه على الشيخ الزهار وغيره من علماء مذهبه وحضر الاشياخ المتقدمين كالدفري والحنفي والصعيدي والشيخ سالم النفراوي والشيخ الصباغ السكندري والشيخ فارس وقرأ الدرس وانتفع به الطلبة ولم يزل ملازما على القاء الدروس بالازهر على طريقة المتقدمين مع العفة والديانة والانجماع عن الناس راضيا بحاله قانعا بمعيشته ليس بيده من التعلقات الدنيوية سوى النظر على ضريح سيدي أبي السعود أبي العشائر ولم يتجرأ على الفتيا مع اهليته لذلك وزيادة ولم تطمح نفسه لزخارف الدنيا وسفاسف الامور مع التجمل في الملبس والمركب واظهار الغنى وعدم التطلع لما في ايدي الناس ويصدع بالحق في
(3/281)

المجالس ولا يتردد الى بيوت الحكام والاكابر الا في النادر بقدر الضرورة مع الانفة والحشمة ولا يشكو ضرورة ولا حاجة ولا زمانا ولم يزل على حالته حتى مرض اياما وتوفي ليلة الخميس حادي عشر ذى القعدة عن اربع وثمانين سنة وخرجوا بجنازته من منزله الكائن بدرب الحلفاء بالقرب من باب البرقية فمروا بالجنازة على خطة الجمالية علي النحاسين على الاشرفية ودخلوا من جارة الخراطين الى الجامع الازهر وصلي عليه في مشهد حافل ودفن على والده بتربة المجاورين وخلف من الاولاد الذكور اربعة رجال ذوي لحى صلحاء وخطهم الشيب خلاف البنات رحمه الله وعفا عنا وعنه
ومات الفقيه النبيه الصالح الورع العالم المحقق الشيخ احمد الشهير ببرغوت المالكي ومولده بالبلدة المعروفة باليهودية بالبحيرة تفقه على اشياخ العصر ومهر في الفقه والمعقول واقرأ الدروس وانتفع به الكطلبة واشتهر ذكره بينهم وشهدوا بفضله وكان على حالة حسنة منجمعا عن الناس وراضيا بما قسمه له مولاه منكسر النفس متواضعا ولم يتزى بعمامة الفقهاء يمشي في حوائجه وتمرض بالزمانة مدة سنين يتعكز بعصاه ولم يقطع درسه ولا اماليه حتى توفي الى رحمه الله سبحانه وتعالى يوم الاربعاء خامس شهر صفر من السنة ودفن بتربة المجاورين رحمه الله
ومات العمدة النحرير والنبيل الشهير الشيخ سليمان الفيومي المالكي ولد بالفيوم وحضر الى مصر وحفظ القرآن وجاور برواق القيمة بالازهر وكان في اول عمره يمشي خلف حمار الشيخ الصعيدي وعليه دراعة صوف وشملة صفراء ثم حضر دروسه ودروس الشيخ الدردير وغيرهما واختلط مع المنشدين وكان له صوت شجي فيذهب مع المتذكرين الى بيوت الاعيان في الليالي فينشد الانشادات ويقرأ الاعشار فيعجبون به ويكرمونه زيادة على غيره واختلط ببعض الاعيان الذين يقال لهم البرقوقية من ذرية السلطان برقوق وهم نظار على اوقافه فراج امره وكثرت معارفه
(3/282)

بالاغوات الطواشية وبهم توصل الى نساء الامراء والسعي في حوائجهن وقضاياهن وصار له قبول زائد عندهن وعند ازواجهن وتجمل بالملابس وركب البغال واحدق به المحدقون وتزوج بامرأة بناحية قنظرة الامير حسين وسكن بدارها فماتت فورثها ولما مات الشيخ محمد العقاد تعين المترجم لمشيخة رواق القيمة وبنى له محمد بك المعروف بالمبدول دارا عظيمة بحارة عابدين واشتهر ذكره وعلا شأنه وطار صيته وسافر في بعض مقتضيات الامراء الى دار السلطنة وعاد الى مصر واقبلت عليه الهدايا من الامراء والحريمات والاغوات والاقباط وغيرهم واعتنوا بشأنه وزوجته الست زليخا زوجة ابراهيم بك الكبير ببنت عبدالله الرومي وتصرف في اوقاف ابيها ومنها عزب البر تجاه رشيد وغيرها فاشتهر بالبلاد القبلية والبحرية وكان مع قلة بضاعته في العلم مشاركا بسبب التداخل في القضايا وكان كريم النفس جدا يجود وما لديه قليل مع حسن المعاشرة والبشاشة والتواضع والمواساة للكبير والصغير والجليل والحقير وطعامه مبذول للواردين ومن اتى في منزله الى حاجة او زائر لا يمكنه من الذهاب حتى يغديه او يعشيه واذا اتاه مسترقد ولم يجد معه اشياء اقترض واعطاه فوق مأموله ولا يبخل بجاهه وسعيه على احد كائنا من كان بعوض وبدونه ومما اتفق له مرارا انه يركب من الصباح في حوائج الناس فلا يعود الا بعد العشاء الاخيرة فيلاقيه آخر ذو حاجة في نصف الطريق او آخره فينهي اليه قصته اما بشفاعة عند امير او خلاص مسجون او غير ذلك فيقف له ويستمع قصته وهو راكب فيقول له في غد نذهب اليه فان الوقت صار ليلا فيقول صاحب الحاجة هو في داره في هذا الوقت فيعود من طريقه مع صاحب الحاجة الى ذلك الامير ولو بعدت داره ويقضي حاجته ويعود بعد حصة من الليل وهكذا كان شأنه ولا ينتظر ولا يؤمل جعالة ولا اجرة نظير سعيه فان اتوه بشىء اخذه او هدية قبلها قلت او كثرت وشكرهم على ذلك فمالت اليه القلوب ووفدت اليه ذوو الحاجات من كل
(3/283)

ناحية فلا يرد احدا ويستقبلهم بالبشاشة وينزلهم في داره ويطعمهم ويكرمهم ويستمرون في ضيافته حتى يقضى حوائجهم ويزودهم ويرجعون الى اوطانهم مسرورين ومجبورين وشاكرين ثم يكافئونه بما امكنهم من المكافآت واذا وصلت اليه هدية وصادف وصولها حضوره بالمنزل فرق منها على من بمجلسه من الحاضرين فبذلك انجذبت اليه القلوب وساد على اقرانه ومعاصريه ولما حضر حسن باشا الجزايرلي الى مصر وارتحل الامراء المصريون الى الصعيد واحاط بدورهم وطلب الاموال من نسائهم وقبض على اولادهم وجواريهم وامهات اولادهم وانزلهم سوق المزاد التجأ الى المترجم الكثير من نساء الامراء الامراء الكبار فآواهن واجهد نفسه في السعي في حمايتهن والرفق بهن ومواساتهن مدة اقامة حسن باشا بمصر وبعدها في امارة اسمعيل بك فلما رجع ازواجهن بعد الطاعون الى امارتهم ازداد قدر المترجم عندهم وقبوله ومحبته ووجاهته واشتهر عندهم بعدم قبوله الرشوة ومكارم الاخلاق والديانة والتورع فكان يدخل الى بيت الامير ويعبر الى محل الحريم ويجلس معهن وينسرون بدخوله عندهن ويقولون زارنا ابونا الشيخ وشاورنا ابانا الشيخ فأشار علينا بكذا ونحو ذلك ولم يزل مع الجميع على هذه الحالة الى أن طرقت الفرنساوية البلاد المصرية واخرجوا منها الامراء وخرج النساء من بيوتهن وذهبن اليه افواجا افواجا حتى امتلأت داره وما حولها من الدور بالنساء فتصدي لهن المترجم وتداخل في الفرنساوية ودافع عنهن واقمن بداره شهورا واخذ امانا لكثير من الاجناد المصرية واحضرهم الى مصر واقاموا بداره ليلا ونهارا واحبه الفرنساوية أيضا وقبلوا شفاعاته ويحضرون الى داره ويعمل لهم الولائم وساس اموره معهم وقرروه في رؤساء الديوان الذي رتبوه لاجراء الاحكام بين المسلمين ولما نظموا امور القرى والبلدان المصرية على النسق الذي جعلوه رتبوا على مشايخ كل بلد شيخا ترجع امور البلدة ومشايخها اليه وشيخ المشايخ المترجم مضافا ذلك لمشيخة الديوان وحاكمهم
(3/284)

الكبير فرنساوي يسمى ابريزون فازدحمت داره بمشايخ البلدان فيأتون اليه افواجا ويذهبون افواجا وله مرتب خاص خلاف مرتب الديوان واستمر معهم في وجاهته الى أن انقضت ايامهم وسافروا الى بلادهم وحضرت العثمانية والوزير والمترجم في عداد العلماء والمتصدرين وافر الحرمة شهير الذكر بعيد الصيت مرعى الجانب مقبول القول عند الاكابر والاصاغر ولما قتل خليل افندي الرجائي الدفتردار وكتخدا بك في حادثة مقتل طاهر باشا التجأ اليه اخو الدفتردار وخازنداره وغيرهما وذهبوا الى داره واقاموا عنده فحماهم وواساهم حتى سافروا الى بلادهم ولم يزل على حالته حتى نزل به خلط بارد فأبطل شقه وعقد لسانه واستمر اياما وتوفي ليلة الاحد خامس عشر ذي الحجة وخرجوا بجنازته من بيته بحارة عابدين وصلى عليه بالازهر في مشهد عظيم جدا مثل مشاهد العلماء الكبار المتقدمين وربما كان جمع النساء خلفه كجمع الرجال في الكثرة ووجدوا عليه ديونا نحو العشرة آلاف ريال سامحه اصحابها ولم يخلف من الاولاد الا ابنتين رحمه الله وسامحه وعفا عنا وعنه آمين سنة خمس وعشرين ومائتين والف
واستهل المحرم بيوم الاثنين فيه وردت الاخبار من الديار الرومية بغلبة الموسكوب واستيلائهم على ممالك كثيرة وانه واقع باسلامبول شدة حصر وغلاء في الاسعار وتخوف وانهم يذيعون في الممالك بخلاف الواقع لأجل التطمين
وفي خامسه حضر ابراهيم افندي القابجي الذي كان توجه الى الدولة من مدة سابقة وعلى يده مراسيم بطلب ذخيرة وغلال وعملوا لقدومه شنكا ومدافع وطلع في موكب الى القلعة
وفيه رجع ديوان افندي من ناحية قبلي وصحبته احمد أغا شويكار فأقاما بمصر اياما ثم رجعا بجواب الى الامراء القبليين
وفي ليلة السبت ثالث عشره حصلت زلزلة عجيبة وارتجت منها
(3/285)

الجهات ثلاث درجات متواليات واستمرت نحو اربع دقائق فانزعج الناس منها من منامهم وصار لهم جلبة وقلقة وخرج الكثير من دورهم هاربين الى الازقة يريدون الخلاص الى الفضاء مع بعده عنهم وكان ذلك في اول الساعة السابعة من الليل واصبح الناس يتحدثون بها فيما بينهم وسقط بسببها بعض حيطان ودور قديمة وتشققت جدران وسقطت منارة بسوس ونصف منارة بام اخنان بالمنوفية وغير ذلك لا نعلمه
وفي عصر يوم السبت أيضا حصلت زلزلة ولكن دون الاولى فانزعج الناس منها أيضا وهاجوا ثم سكنوا ثم كثر لغط العالم بمعاودتها فمنهم من يقول ليلة الاربعاء ومنهم من اسنده لبعض النصاري واليهود وان رجلا نصرانيا ذهب الى الباشا واخبره بحصول ذلك واكد في قوله وقال له احبسني وان لم يظهر صدقي اقتلني وان الباشا حبسه حتى يمضي الوقت الذي عينه ليظهر صدقه من كذبه وكل ذلك من تخيلاتهم واختلافاتهم واكاذيبهم وما يعلم الغيب الا الله
وفي يوم الاحد رابع عشره امر الباشا بالاحتياط على بيوت عظماء الاقباط كالمعلم غالي والمعلم جرجس الطويل واخيه وفلتيوس وفرانسيكو وعدتهم سبعة فأحضروهم في صورة منكرة وسمروا دورهم واخذوا دفاترهم فلما حضروا بين يديه قال لهم اريد حسابكم بموجب دفاتركم هذه وامر بحبسهم فطلبوا منه الامان وان يأذن لهم في خطابه فأذن لهم فخاطبه المعلم غالي وخرجوا من بين يديه الى الحبس ثم قرر عليهم بواسطة حسين افندي الروزنامجي سبعة آلاف كيس بعد أن كان طلب منهم ثلاثين ألف كيس
وفي يوم الخميس ثامن عشره شاع في الناس حصول زلزلة تلك الليلة وهي ليلة الجمعة ويكون ذلك في نصف الليل فتأهب غالب الناس للطلوع بخارج البلد فخرجوا بنسائهم واولادهم الى شاطيء النيل ببولاق ونواحي
(3/286)

الشيخ قمر ووسط بركة الازبكية وغيرها كذلك خرج الكثير من العسكر أيضا ونصبوا خياما في وسط الرميلة وقراميدان والقرافتين وقاسوا تلك الليلة من البرد مالا يكيف ولا يوصف لان الشمس كانت ببرج الدلو وهو وسط الشتاء ولم يحصل شيء مما اشاعوه واذاعوه وتوهموه وتسلق العيارون والحرامية تلك الليلة على كثير من الدور والاماكن وفتشوها فلما اصبح يوم الجمعة كثر التشكي الى الحكام من ذلك فنادوا في الاسواق بأن لا احد يذكر امر الزلزلة وكل من خرج لذلك من داره عوقب فانكفوا وتركوا هذا اللفظ الفارغ
وفيه ظهر انفار يقفون بالليل بصحن الجامع الازهر فاذا قام انسان لحاجته منفردا اخذوا ما معه واشيع ذلك فاجتهد الشيخ المهدي في الفحص والقبض على فاعل ذلك الى أن عرفوا اشخاصهم ونسبهم وفيهم من هو من اولاد اصحاب المظاهر المتعممين فستروا امرهم واظهروا شخصا من رفقائهم ليس له شهرة واخرجوه من البلدة منفيا ونسبوا اليه الفعال وسينكشف ستر الفاعلين فيما بعد ويفتضحون بين العالم كما يأتي خبر ذلك في سنة سبع وعشرين وكذلك اخرجوا طائفة من القوادين والنساء الفواحش سكنوا بحارة الازهر واجتمعوا في اهله حتى أن اكابر الدولة وعساكرهم بل واهل البلد والسوقة جعلوا سمرهم وديدنهم ذكر الازهر واهله ونسبوا له كل رذيلة وقبيحة ويقولون نرى كل موبقة تظهر منه من اهله وبعد أن كان منبع الشريعة والعلم صار بعكس ذلك وقد ظهر منه قبل الزغلية والآن الحرامية وامور غير ذلك مخفية
وفيه طلب الباشا تمهيد الطريق الموصلة من القلعة الى الزلاقة التي انشأها طريقا يصعد منها الى الجبل المقطم السابق ذكرها واراد أن يفرض على الاخطاط والحارات رجالا للعمل بعدد مخصوص ومن اعتذر عن الخروج والمساعدة يفرض عليه بدلا عنه او قدرا من الدراهم يدفعها نظير البدل واشيع هذا الامر واستحضر الاوباش على الطبول والزمور كما كانوا
(3/287)

يفعلون في قضية عمارة محمد باشا وخسرو ثم أن الشيخ المهدم اجتمع بكتخدا بك وادخل عليه وهما أن محمد باشا خسرو لما فعل ذلك لم يتم له امر وعزل ولم تطل ايامه ونحن نطلب دوام دولتكم والاولى ترك هذا الامر فتركوا ذلك ولم يذكروه بعد
واستهل شهر صفر الخير بيوم الاربعاء سنة
فيه قلد الباشا خليل افندي النظر على الروزنامجي وكتابه وسموه كاتب الذمة اي ذمة الميري من الايراد والمصرف وكان ذلك عند فتح الطلب بالميري عن السنة الجديدة فلا يكتب تحويل ولا تنبيه ولا تذكره حتى يطلعوه عليها ويكتب عليها علامته فتكدر من ذلك الروزنامجي وباقي الكتبة وهذه اول دسيسة ادخلوها في الروزنامة وابتداء فضيحتها وكشف سرها وذلك بإغراء بعض الافندية الخاملين انهى اليهم أن الروزنامجي ومن معه من الكتاب يوفرون لانفسهم الكثير من الاموال الميرية ويتوسعون فيها وفي ذلك اجحاف بمال الخزينة وخليل افندي هذا كان كاتب الخزينة عند محمد باشا خسرو ولا يفيق من الشرب
وفيه طلب الباشا ثلاثة اشخاص من كتبة الاقباط الذين كانوا متقيدين بقياس الاراضي بالمنوفية وضربهم وحبسهم لكونه بلغه عنهم انهم اخذوا البراطيل والرشوات على قياس طين اراضي بعض البلاد ونقصوا من القياس فيما ارنوى من الطين وهي البدعة التى حدثت على الطين الري وسموها القياسة وقد تقدم ذكرها غير مرة وحررت في هذه السنة على الكامل لكثرة النيل وعموم الماء الاراضي على انه بقي الكثير من بلاد البحيرة وغيرها شراقي بسبب عدم حفر الترع وحبس الحبوس وتجسير الجسور واشتغال الفلاحين والملتزمين بالفرض والمظالم وعجزهم عن ذلك
وفي خامسه طلب الباشا كشاف الاقاليم وشرع في تقرير فرضة على البلاد بما يقتضيه نظره ونظر كشاف الاقاليم والمعلمين القبط فقرروا على اعلاها ثمانين كيسا والادنى خمسة عشر كيسا ولم يتقيد بتحرير ذلك
(3/288)

احد من الكتبة الذين يحررون ذلك بدفاتر ويوزعونها على مقتضى الحال ولم يعطوا بالمقادير اوراقا لملتزمي الحصص كما كانوا يفعلون قبل ذلك فإن الملتزم كان اذا بلغه تقرير فرضة تدارك امره وذهب الى ديوان الكتبة واخذ علم القدر المقرر على حصته وتكفل بها واخذ منهم مهلة باجل معلوم وكتب على نفسه وثيقة وابقاها عندهم ثم يجتهد في تحصيل المبلغ من فلاحيه وان لم يسعفوه في الدفع وحولوا عليه الطلب دفعه من عنده ان كان ذا مقدرة او استدانه ولو بالربا ثم يستوفيه بعد ذلك من الفلاحين شيئا فشيئا كل ذلك حرصا على راحة فلاحي حصته وتامينهم واستقرارهم في وطنهم ليحصل منهم المطلوب من المال الميري وبعض ما يقتاتون به هم وعيالهم وان لم يفعل ذلك تحول باستخلاص ذلك كاشف الناحية وعين على الناحية الاعوان بالطلب الحثيث وما ينضاف الى ذلك من حق طرق المعينين وكلفهم وان تأخر الدفع تكرر الارسال والطلب على النسق المشروح فيتضاعف الهم وربما ضاع في ذلك قدر الاصل المطلوب وزيادة عنه مرة او مرتين والذي يقبضونه يحسبونه بالفرط وهو في كل ريال عشرة انصاف فضة يسمونها ديواني فيقبض المباشر عن الريال تسعين نصفا فضة ويجعل التسعين ثمانين وذلك خلاف ما يقرره في اوراق الرسم من خدم المباشرين من كتبة القبط فينكشف حال الفلاح ويبيع ما عنده من الغلة والبهيمة ثم يفر من بلدته الى غيرها فيطلبه الملتزم ويبعث اليه المعينين من كاشف الناحية بحق طريق أيضا فربما اداه الحال ان كان خفيف العيال والحركة الى الفرار والخروج من الاقليم بالكلية وقد وقع ذلك حتى امتلأت البلاد الشامية والرومية من فلاحي قرى مصر الذين جلوا عنها وخرجوا منها وتغربوا عن اوطانهم من عظيم هول الجور واذا ضاق الحال بالملتزم وكتب له عرضحال يشكو حاله وحال بلده او حصته وضعف حالها ويرجو التخفيف وتجاسر وقدم عرضحاله الى الباشا يقال له هات التقسيط وخذ ثمن حصتك او بدلها او يعين له ترتيبا بقدر فائظها على بعض الجهات
(3/289)

الميرية من المكوس والجمارك التي احدثوها فان سلم سنده وكان ممن يراعى جانبه حول الى بعض الجهات المذكورة صورة والا اهمل امره وبعضهم باعها لهم بما انكسر عليه من مال الفرض وقد وقع ذلك الكثير من اصحاب الذمم المتعددة انكسر عليه مقادير عظيمة فنزل عن بعضها وخصموا له ثمنها من المنكسر عليه من الفرضة وبقي عليه الباقي يطالب به فان حدثت فرضة اخرى قبل غلاق الباقي وقعد بها وضمت الى الباقي وقصرت يده لعجز فلاحيه واستدان بالربا من العسكر تضاعف الحال وتوجه عليه الطلب من الجهتين فيضطر الى خلاص نفسه وينزل عما بقي تحت يده كالاول وقد يبقى عليه الكسر ويصبح فارغ اليد من الالتزام ومديونا وقد وقع ذلك لكثير كانوا اغنياء ذوي ثروة واصبحوا فقراء محتاجين من حيث لا يشعرون ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم
وفيه تحركت همم الامراء المصريين القبليين الى الحضور الى ناحية مصر بعد ترداد الرسل والمكاتبات وحضور ديوان افندي ورجوعه وحضور محمد بك النمفوخ ايضا وكل من حضر منهم انعم عليه الباشا والبسه الخلع ويقدم له التقادم ويعطيه المقادير العظيمة من الاكياس وقصده الباطني صيدهم حتى انه كان انعم على محمد بك المنفوخ بالتزام جمرك ديوان بولاق ثم عوضه عنه ستمائة كيس وغير ذلك
وفيه قلد الباشا نظر المهمات لصالح بن مصطفى كتخدا الرزاز ونقلوا ورشة الحدادين ومنافخهم وعددهم من بيت محمد افندي طبل الودنلي المعروف بناظر المهمات الى بيت صالح المذكور بناحية التبانة وكذلك العربجية وصناع الجلل والمدافع ونزعوا منه أيضا معمل البارود وكان تحت نظره وكذلك قاعة الفضة وجمرك اللبان وغيره
وفيه وصلت الاخبار من البلاد الرومية والشامية وغيرها بوقوع الزلزله في الوقت الذي حصلت فيه بمصر الا انها كانت اعظم واشد واطول مدة وحصل في بلاد كريت اتلافات كثيرة وهدمت اماكن ودورا كثيرة وهلك
(3/290)

كثير من الناس تحت الردم وخسفت اماكن وتكسر على ساحل مالطة عدة مراكب وحصل أيضا باللاذقية خسف وحكى الناقلون أن الارض انشقت في جهة من اللاذقية فظهر في اسفلها ابنيه انخسفت بها الارض قبل ذلك ثم انطبقت ثانيا
وفيه من الحوادث ما وقع ببيت المقدس وهو انه لما احترقت القمامة الكبرى كما تقدم ذكر حرقها في العام الماضي عرضوا الى الدولة فبرز الامر السلطاني باعادة بنائها وعينوا لذلك أغا قأبجي وعلى يده مرسوم شريف فحضر الى القدس وحصل الاجتهاد في تشهيل مهمات العمارة وشرعوا في البناء على وضع احسن من الاول وتوسعوا في مساحة جرمها وادخلوا فيها اماكن مجاورة لها واتقنوا البناء واتقانا عجيبا وجعلوا اسوارها وحيطانها بالحجر النحيت ونقلوا اليها من رخام المسجد الاقصى فقام بمنع ذلك جماعة من الاشراف الينكجرية وشنعوا على الآغا المعين وعلى كبار البلدة وتعصبوا حماية للدين قائلين أن الكنائس اذا خربت لا يجوز إعادتها الا بانقاضها ولا يجوز الاستعلاء بها ولا تشييدها ولا اخذ رخام الحرم القدسي ليوضع في الكنيسة وما نعوا في ذلك فأرسل ذلك الآغا المعين الى يوسف باشا يعرفه عن المعارضين لاوامر الدولة فأرسل يوسف باشا طائفة من عسكره في عدة وافرة فوصلوا من طريق الغور وهو مسلك موصل الى القدس قريب المسافة خلاف الطريق المعتاد فدهموا الجماعة المعارضين على حين غفلة وحاصروهم في دير وقتلوهم عن اخرهم وهم نيف وثلاثون نفرا وشيدوا القمامة كما ارادوا اعظم واضخم مما كانت عليه قبل حرقها فنسأل المولى السلامة في الدين
واستهل شهر ربيع الاول بيوم الخميس سنة
فيه وصل الامراء المصريون القبالي الى ناحية بني سويف وكثير من الاجناد الى مصر وترددت الى الرسل وحضر ديوان افندي ثم رجع ثانيا اليهم
(3/291)

وفيه امر الباشا الكتاب بعمل حساب حسين افندي الروزنامجي عن السنتين الماضيتين وهما سنة ثلاث وعشرين واربع وعشرين وذلك بإغراء البعض منهم فاستمروا في عمل الحساب ايام فزاد لحسين افندي مائة وثمانون كيسا فلم يعجب الباشا ذلك واستخونهم في عمل الحساب ثم الزمه بدفع اربعمائة كيس وقال انا كنت اريد منه ستمائة كيس وقد سامحته في مائتين في نظير الذي تأخر له وطلع في صبحها الى الباشا وخلع عليه فروة باستقراره في منصبه ونزل الى داره فلما كان بعد الغروب حضر اليه جماعة من العسكر في هيئة مزعجة ومعهم مشاعل وطلبوا الدفاتر وهم يقولون معزول معزول واخذوا الدفاتر وذهبوا وحولوا عليه الحوالات بطلب الاربعمائة كيس فاجتهد في تحصيلها ودفعها ثم ردوا له الدفاتر ثانيا
وفيه حصلت كائنة احمد افندي المعروف باليتيم من كتاب الروزنامة وذلك أن الباشا كان ببيت الازبكية فوصل اليه مكتوب من كاشف اقلم الدقهلية يعرفه فيه انه قاس قطعة ارض جارية في اقطاع احمد افندي المذكور فوجد مساحتها خلاف المقيد بدفتر المقياس الاول ومسقوط منها نحو الخمسمائة فدان وذلك من فعل المذكور ومخامرته مع النصارى الكتبه والمساحين لانهم يراعونه ويدلسون معه لأن دفاتر الروزنامة بيده فلما قرأ المكتوب امر في الحال بالقبض على احمد افندي وسجنه وكان السيد محمد المحروقي حاضرا وكذلك علي كاشف الكبير الألفي فترجيا عند الباشا واخبره بان المذكور مريض بالسرطان في رجله ولايقدر على حركتها واستأذنه السيد المحروقي بأن يأخذه الى داره فإن داره باب من ابوابه فأجابه الى ذلك وركب في الحال ولحق بالمعينين وكانوا قد وصلوا اليه وازعجوه فمنعهم عنه واخذه الى داره وراجع الباشا في امره فقرر عليه ثمانين كيسا بعد أن قال اني كنت اريد أن اقول ثلثمائة كيس فسبق لساني فقلت مائة كيس وقد تجاوزت لأجلك عن عشرين كيسا وهو يقدر على
(3/292)

اكثر من ذلك لأنه يفعل كذا وكذا وعدد اشياء تدل على انه ذو غنية كبيرة منها انه لما سافر الى الباشا بدفتر الفرضة الى ناحية اسيوط طلع الى البلدة في هيئة وصحبته فرش وسحاحير وبشخانات وكرارات وفراشون وخدم وكيلارجية ومصاحجبية والحكيم والمزين فلما شاهد الباشا هيئته سأل عنه وعن منصبه فقيل له انه جاجرت من كتبة الروزنامة فقال اذا كان جاجرت بمعنى تلميذ فكيف يكون باش جاجرت او قلفاوات الاقليم فضلا عن كبيرهم الروزنامجي واي شيء ذلك واسر ذلك في نفسه وطفق يسأل ويتجسس عن احوالهم لأنه من طبعه الحقد والحسد والتطلع لما في ايدي الناس ولما قلد خليل افندي كتابة الذمة في الروزنامة كما تقدم انضم اليه الكارهون للمذكورالذين كانوا خاملي الذكر بوجوده وتوصلوا الى باب الباشا وكتخدا بك وأنهوا فيه انه يتصرف في الاموال الميرية كما يختار وان حسين افندي الروزنامجي لا يخرج عن مراده واشارته وبيته مفتوح للضيفان ويجتمع عنده في كل ليلة عدة من الفقراء يثرد لهم الثريد في القصاع ويواسي الكثير من اهل العلم وغيرهم ويتعهد بكثير من الملتزمين بالفرض التي تقرر على حصصهم ويضمنها في حسابه ويصبر عليهم حتى يوفرها له في طول الزمن ونحو ذلك وكل ما ذكر دليل على سعة الحال والمقدرة واما الذنب الذي اخذه به فإن القدر المذكور من الطين كان من الموات فاتفق المذكور مع شركائه ملتزمي الناحية وجرفوه واحيوه واصلحوه بعد أن كان خرسا ومواتا لاينتفع به وجعلوه صالحا للزراعة وظن أن ذلك لايدخل في المساحة فاسقطه منها فوقع له ما وقع واسقطوا اسمه من كتاب الروزنامة ومنعوه منها وانقطع في داره وزاد به الم رجله
وفيه انحرف أيضا الباشا على الخواجا محمود حسن وعزله من الجمارك والبزرجانية واكل عليه المطلوب له وهو مبلغ الفان وخمسون كيسا
واستهل شهر ربيع الثاني بيوم السبت سنة
فيه وصلت الاخبار من البلاد الحجازية بنزول سيل عظيم حصل منه
(3/293)

ضرر كثير وهدم دورا كثيرة بمكة وجدة واتلف كثيرا من البضائع للتجار حكوا انه هدم بمكة خاصة ستمائة دار وكان ذلك في شهر صفر
وفيه وصل الامراء المصريون الى ناحية الرقق واوائلهم وصلوا الى دهشور وخرج اليهم الاتباع بالملاقاة من بيوتهم واحبابهم وذهب اليهم مصطفى أغا الوكيل وعلي كاشف الصابونجي وديوان افندي ثم الباشا ثم في اثرهم طوسون ابن الباشا وقدم له ابراهيم بك تقادم واقام بوطاقه اياما ثم رجعوا وكثر ترداد المراسلات والاختلافات في امر الشروط
وفي خامسه حضر عثمان بك يوسف وصحبته صنجق آخر فطلعا الى القلعة وقابلا الباشا ثم رجعا وحضرا في ثاني يوم كذلك فخلع عليهما خلعا واعطاهما اكياسا وارسل الى ابرهيم بك هدايا والى سليم بك المحرمجي المرادي ايضا
وفي يوم الثلاثاء حادي عشره وصل الجميع الى الجيزة ونصبوا وطاقهم خارج الجيزة وصحبتهم عربان وهوارة كثيرة وانتظروا أن الباشا يضرب لحضورهم مدافع فلم يفعل وقال ابراهيم بك سبحان الله ما هذا الاحتقار الم اكن امير مصر نيفا واربعين سنة وتقلدت قائمقامية ولايتها ووزارتها مرارا وبالآخرة صار من اتباعي واعطيه خرجه من كيلاري ثم احضر انا وباقي الامراء على صورة الصلح فلا يضرب لنا مدافع كما يفعل لحضور بعض الافرنج وتأثر من ذلك واشيع في الناس تعدية الباشا من الغد للسلام على ابراهيم بك فلم يثبت وظهر انه لم يفعل واصبح مبكرا الى شبرا وجلس في قصره وحضر اليه شاهين بك الألفي وفي سفينة ووقع بينهما مكالمات ورجع من عنده عائدا الى الجيزة منفعل الخاطر ثم ان الباشا عرض عساكره فاجتمع اليه الجميع وبدا اللغط وكثرت القلقة وعندما وصل شاهين بك الى ا الجيزة ازر حريمة واركبهن وارسلهن الى الفيوم ونقل متاعه وفرشه من قصر الجيزة في بقية اليوم وكسر المرايات وزجاج الشبابيك التي في مجالسه الخاصة ثم ركب في طوائفه واتباعه وخشداشينه
(3/294)

ومماليكه وذهب الى عرضي اخوانه وقبيلته ونصب خيامه ووطاقه بحذائهم واجتمع بهم وتصافى معهم وقد كان حضر اليه عبد الرحمن بك تابع عثمان بك المرادي المعروف بالطنبرجي وحول دماغه واتفق معه على الانضمام اليهم والخروج عن الباشا ففعل ما فعل وجعلوه رئيس الامراء المرادية
وفي ذلك اليوم عدى حسن باشا وصالح أغا قوج الى بر الجيزة وذهبا الى عرضي الامراء وسلما عليهم وتغديا عند شاهين بك وجرى بينهما وبين ابراهيم بك كلام كثير وقال له حسن باشا انكم وصلتم الى هنا لتمام الصلح على الشروط التي حصلت بينكم وبين الباشا والاتفاق الذي جرى بأسيوط ويكون تمامه عند وصولكم الى الجيزة واجتماعكم وقد حصل فقال له ابراهيم بك وما هي الشروط قال هي أن تدخلوا تحت حكمه وطاعته وهو يوليكم المناصب التي تريدونها بشرط أن تقوموا بدفع الفرض التي يقررها على النواحي والغلال الميرية والخراج وتعيين من يريده منكم صحبة العساكر الموجه الى البلاد الحجازية لفتح الحرمين وتكونوا معه امراء مطيعين وهو يعطيكم الامريات والانعامات الجزيلة ويعمر لكم ما تريدونه من الدور والقصور التي لكم ولاتباعكم على طرفه لايكلفكم بشيء من الاشياء وقد رايتم وسمعتم ما فعله من الاكرام والانعام على شاهين بك وما اعطاه من المماليك والجواري الحسان وشفاعاته عنده لاترد واطلق له التصرف في البر الغربي من رشيد الى الفيوم الى بني سويف والبهنسا مما هو تحت حكمه ويراعي بجانبه الى الغاية فقال له ابراهيم بك نعم انه فعل مع شاهين بك مالا تفعله الملوك فضلا عن الوزراء وليس ذلك لسابق معروف فعله شاهين بك معه ليستحق به ذلك بل هو لغرض سوء يكمنه في نفسه وشبكة يصطاد بها غيره فاننا سبرنا احواله وخيانته وشاهدنا ذلك في كثير ممن خدموه ونصحوا معه حتى ملكوه هذه المملكة قال ومن هم قال اولهم مخدومه محمد باشا خسرو ثم كتخداه وخازنداره عثمان أغا جنج الذي خامر معه وملك مع اخيه المرحوم طاهر
(3/295)

باشا القلعة واحرق سرايته ثم سلط الاتراك على طاهر باشا حتى قتلوه في داره واظهر موالاتنا وصداقتنا ومساعدتنا وصبر نفسه من عسكرنا واتحد بعثمان بك البرديسي واظهر له خلوص الصداقة والاخوة وعاهده بالايمان حتى اغراه على علي باشا الطرابلسي وجرى ما جرى عليه من القتل ونسب ذلك الينا ثم اشتغل معه على خيانته لاخيه الألفي واتباعه ثم سلط علينا العساكر يطلب العلوفة واشار على عثمان بك بطلب المال من الرعية حتى وقع لنا ما وقع وخرجنا من مصر على الصورة التي خرجنا عليها ام احضر احمد باشا خورشيد وولاه وزيرا وخرج هو لمحاربتنا ثم اتضح امره لاحمد باشا واراد الايقاع به فعجل العود الى مصر واوقع بينه وبين جنده حتى نفروا منه ونابذوه والقى الى السيد عمر والقاضي والمشايخ أن احمد باشا يرد الفتك بهم فهيجوا العامة والخاصة وجرى ما جرى من الحروب وحرق الدور وبذل السيد عمر جهده في النصح معه بما يظهره له من الحب والصداقة وراجت عليه احواله حتى تمكن امره وبلغ مراده واوقع به ما اوقع واخرجه من مصر وغربه عن وطنه ونقض العهود والمواثيق التي كانت بينه وبينه كما فعل بعمر بك وغيره وكل ذلك معلوم ومشاهد لكم ولغيركم فمن يأمن لهذا ويعقد معه صلحا واعلم يا ولدي اننا كنا بمصر نحو العشرة آلاف او اقل او اكثر ما بين مقدمي الوف وامراء وكشاف واكابر وجاقات ومماليك واجناد وطوائف وخدم واتباع مرفهي المعاش بانواع الملاذ كل امير مختص ومعتكف باقطاعه مع كثرة مصارفنا وانعامتنا على اتباعنا ومن ينتسب الينا واسمطة الجميع ممدودة في الاوقات المعهودة ولا نعرف عسكرا ولا علوفة عسكر والقرى والبلاد مطمئنة والفلاحون ومشايخ البلاد مرتاحون في اوطانهم ومضايفهم مفتوحة للواردين والضيفان مع ما كان يلزم علينا من المصارف الميرية ومرتبات الفقراء وخزينة السلطان وصرة الحرمين والحجاج وعوائد العربان وكلف الوزراء المتولين والاغوات والقابجية المعينين وخدمهم
(3/296)

والهدايا السلطانية وغير ذلك وافندينا ما كفاه ايراد الاقليم وما احدثه من الجمارك والمكوس وما قرره على القرى والبلدان من فرض المال والغلال والجمال والخيول والتعدي على الملتزمين ومقاسمتهم في فائظهم ومعاشهم وذلك خلاف مصادرات الناس والتجار في مصر وقراها والدعاوي والشكاوي والتزايد في الجمارك وما احدثه في الضربخانة من ضرب القروش النحاس واستغرقها اموال الناس بحيث صار ايراد كل قلم من اقلام المكوس بايراد اقليم من الاقاليم ويبخل علينا بما نتعيش به ونحن وعيالنا ومن بقي معنا من اتباعنا ومماليكنا بل وقصده صيدنا وهلاكنا عن اخرنا فقال حسن باشا حاش لله لم يكن ذلك ودائما يقول والدنا ابراهيم بك ولكن لايخفاكم أن الله اعطاه ولاية هذا القطر وهو يؤتى الملك من يشاء ولا ترضى نفسه من يخالف عليه او يشاركه بالقهر والاستيلاء فاذا صار الصلح ووقع الصفاء اعطاكم فوق ما مولكم فهز ابراهيم بك رأسه وقال صحيح يكون خيرا وانفض المجلس ورجع حسن باشا وصالح قوج وعديا الى بر مصر
وفي تلك الليلة خرج الجميع من كان بمصر من الامراء والاجناد المصرية بخيلهم وهجنهم ومتاعهم وعدوا الى بر الجيزة ولم يبق منهم الا القليل واجتمعوا مع بعضهم وقسموا الامر بينهم ثلاثة اقسام قسم للمرادية وكبيرهم شاهين بك وقسم للمحمدية وكبيرهم علي بك ايوب وقسم للابراهيمية وكبيرهم عثمان بك حسن وكتبوا مكاتبات وارسلوها الى مشايخ العربان لم اقف على مضمونها
وفي يوم الجمعة رابع عشره اوقفوا عساكر على ابواب المدينة يمنعون الخارجين من البلد حتى الخدم ومنعوا التعدية الى البر الغربي وجمعوا المراكب والمعادي الى البر الشرقي ونقلوا البضائع التي في مراكب التجار المعدة لسفر رشيد ودمياط المعروفة بالرواحل واخذوها اليهم وشرعوا في التعدية بطول يوم الجمعة والسبت وعدى الباشا آخر النهار دخل الى قصر
(3/297)

الجيزة الذي كان به شاهين بك وكذا عدوا بالخيام والمدافع والعربات والاثقال واجتمعت طوائف العسكر من الاتراك والارنؤد والدلاة والسجمان بالجيزة وتحققت المفاقمة والامراء المصرية خلف السور في مقابلتهم واستمروا على ذلك الى ثاني يوم والناس متوقعون حصول الحرب بين الفريقين ولم يحصل وانتقل المصرية وترفعوا الى قبلي الجيزة بناحية دهشور وزنين
وفي يوم الاثنين والثلاثاء انفق الباشا على العسكر وكان له مدة شهور لم ينفق عليهم
وفي ليلة الثلاثاء ركب الباشا ليلا وسافر الى ناحة كرداسة على جرائد الخيل ورجع في ثاني ليلة وكان سبب ركوبه انه بلغه أن طائفة من العربان مارين يريدون المصرية فأراد أن يقطع عليهم الطرق فلم يجد احدا وصادف نجعا مقيمين في محطة فنهب مواشيهم ورجع تعبا وانقطع عنه افراد من العسكر ومات بعضهم من العطش
وفي يوم الجمعة ارتحل المصرية وترفعوا الى ناحية جرزا الهوى بالقرب من الرقق
وفيه حضر مشايخ عربان اولاد علي للباشا فكساهم وخلع عليهم والبسهم شالات كشميري عدتها ثمان شالات وانعم عليهم بمائة وخمسين كيسا وحضر عند المصرية عربان الهنادي ومشايخهم وانضموا اليهم وفي يوم الاحد ثالث عشرينه عدى الباشا الى بر مصر وذهب الى بيته بالازبكية فبات به ليلتين ثم طلع في يوم الثلاثاء الى القلعة وقد تكدر طبعه من هذه الحادثة بعد أن حصلوا بالجيزة وكاد يتم قصده فيهم وخصوصا ما فعله شاهين بك الذي انفق عليه الوفا من الاموال ذهبت جميعها في الفارغ البطال
وفي هذه الايام اعني منتصف شهر بشنس القبطي زاد النيل زيادة ظاهرة اكثر من ذراع ونصف واستمر اياما ثم رجع الى حاله الاول وهذا
(3/298)

من جملة عجائب الوقت
واستهل شهر جمادي الاولى بيوم الاحد سنة 1225
فيه عمل الباشا ميدان رماحه بالجيزة فتقنطر به الحصان ووقع به الارض فأقاموه واصيب غلام من مماليكه برصاصة فمات ويقال أن الضارب لها كان قاصدا الباشا فأخطأته واصابت ذلك المملوك والاجل حصن
وفيه نبهوا على العسكر بالخروج فسعوا بالجد والعجلة في قضاء اشغالهم ولوازمهم وطفقوا يخطفون حمير الناس وجمالهم ومن يصادفونه ويقدرون عليه من اهل البلد وخلافهم ويقولن في غد مسافرون وراحلون لمحاربة المصريين والمصريون أيضا مستمرون في منزلتهم لم ينتقلوا عنها
وفي خامسه خرج حسن باشا وبرز خيامه بناحية الاثار وخرج ايضا محو بيك بعسكره وطوائفه ومعهم بيارق وسافر جملة عساكر في المراكب ليرابطوا في البنادر فأنها خالية ليس بها احد من المصريين وفي كل يوم يخرج عساكر ثم يرجعون الى المدينة وهم مستديمون على خطف الدواب وحمير البطيخ وجمال السقائين والباشا يعدي الى بر مصر في كل يومين او ثلاثة ويطلع الى القلعة ثم يعود الى مخيمه في الجيزة وامتنع سفر المسافرين قبلي وبحري
وفي يوم الثلاثاء سابع عشرة بلغ الباشا أن الامراء المرادية والابراهيمية وغالب المصرية لهم مراسلات ومعاملات مع السيد سلامة النجاري واخيه وابن اخيه وانه يرسل لهم جميع ما يلزم من اسلحة وامتعة وخلافها بواسطة بعض عملائهم من العربان خفية وانه اشترى جملة اسلحة وخيول وثياب وغيرها واخذ اشياء من بيوت بعضهم لاجل أن يرسل الجميع اليهم وان جميع ذلك موجود عند المذكور الآن ومن جملة ايام حضر رسول من عندهم بدارهم ومعه حصان نعمان بك وهو غنده ! أيضا فأمر بجلبه وحبسه وهجم منزله وضبط اوراقه وضبط ما يوجد بها ففعلوا ذلك وحبسوا معه ابن اخيه وازعجوهما وهجموا منزله فوجدوا فيه خمسة خيول وجملة
(3/299)

اسلحة فطغوا وبغوا ونهبوا متاعه وبددوا شمل كتب ابيه ولم يجدوا مكاتبات من الامراء القبالي ولا اثر لذلك بل انهم وجدوا جوابا من اخيه السيد احمد مضمونه اننا عند وصولنا الى مكة المشرفة اشترينا اربعة خيول نجدية بها العلامات التي افدتمونا عنها وهي مرسلة لكم عسى أن تفوزوا بتقديمها لافندينا ولما سئل عن الاسلحة والخيول التي عنده قال أن السلاح عندنا من قديم وله مدد ورؤيته تدل على ذلك واما الخيول فمنها اربعة احضرتها هدية لأفندينا وجاءت ضعيفة فأبقيتها عندي حتى تتقوى واقدمها اليه والحصان الخامس اشتريته لنفسي من رجل عميلنا اسمه عطوان احمد من اهالي كفر حكيم اخبرني انه اشتراه من ناحية صول ولما رأيت فيه علامات الجودة وجاءت الاربعة خيول تركت ركوبه وابقيته معها حتى اقدم الجميع لأفندينا فعند ذلك توجه محمد افندي طبل للباشا وفهمه براءة ذمة المذكور واخبره بما صار وما وجدوه وما قاله المذكور وسعى في ازالة هذه التهمة عنه وعرفه أن هذا الرجل مستقيم الاحوال وانه من وقت توظيفه معه لم ينظر عليه ما يخالف وصدق عليه الحاضرون فلما ظهر للباشا كذب التهمة وتحقق براءته وانه احضر هذه الخيول هدية له امر باطلاقه من السجن واسترجاع ما نهبته الاعوان من منزله وتخلق عليهم بسبب ذلك ثم امر بإحضاره واحضار الخيول المهداة له فقبلها منه ثم سأله عن علامات الجودة وما يحمد في الخيل وما يذم فيها فأجابه بأجوبة مفيدة استحسنها فأنعم عليه وضاعف مرتبه واحال عليه نظر مشتري الخيول
وفيه وصلت الاخبار بأن حسن باشا وصالح قوج وعابدين بك وعساكر الارنؤد وصلوا الى ناحية صول والبرنبل فوجدوا المصريين جعلوا متاريس ومدافع علي البر ليمنعوا مرور المراكب فحاربوهم حتى اجلوهم عنها وملكوا المتاريس وقتل رجل من الاجناد وهو الذي كان محافظا على المتاريس يقال له ابراهيم أغا سقط به الجرف الى البحر فأخذوه اليهم ومعه
(3/300)

آخر وقتلوهما وقطعوا رؤسهما وارسلوهما صحبة المبشرين الى الباشا فعلقوا الرأسين بباب زويلة ولما بلغ الامراء المصريين اخذ المتاريس تأهبوا وساروا من اول الليل وهي ليلة السبت رابع عشره مكمنين وكاتمين امرهم فدهموا الارنؤد من كل ناحية فوقع بينهم مقتله عظيمة واخذوا منهم عدة بالحياة واخذوا منهم اشياء وكان حسن باشا واخوه عابدين بك صعدا بمراكبهما الى قبلي المتاريس فاحترق من مراكب اخيه مركب والقى من فيها بأنفسهم الى البحر فمنهم من نجا ومنهم من غرق واما مراكب حسن باشا فإنه ساعدها الريح أيضا فسارت الى ناحية بني سويف ثم أن المصريين عدى منهم طائفة الى شرق اطفيح وانتقل بواقيهم راجعين الى ناحية الجيزة قريبا من عرضي الباشا
وفي ليلة الخميس تاسع عشره عدى الباشا الى بر مصر وطلع الى القلعة فلما كان الليل وصل طائفة من المصريين الى المرابطين لخفارة عرضي الباشا واحتاطوا بهم وساقوهم اليهم فانزعج العرضي وحصل فيهم غاغة فارسل طوسون باشا الى ابيه فركب ونزل من القلعة في سادس ساعة من الليل وعدى الى البر الغربي ومما سمعته أن الباشا عندما نزل المعدية وسار بها في البحر سمع واحدا يقول لآخر قدم حتى نقتل المصريين ونبدد شملهم ويكرر ذلك فأرسل الباشا مركبا وارسل بعض اتباعه بها لينظروا هذين الشخصين ولأي شيء نزلا البحر في هذا الوقت فلما ذهبوا الى الجهة التي سمع منها الصوت لم يجدوا احدا وتفحصوا عنهما فلم يجدوهما فاعتقد من له اعتقاد منهم انهما من الاولياء وان الباشا مساعد بأهل الباطن
وفي عشرينه ظهر التفاشل بين الامراء المصريين وتبين أن الذين كانوا عدوا الى البر الشرقي هم ثلاثة امراء من الالفية وهم نعمان بك وامين بك ويحيى بك وذلك انهم لما تصالحوا مع الباشا واميرهم شاهين بك وهو الرئيس المنظور اليه ومطلق التصرف في معظم البر الغربي والفيوم يتحكم
(3/301)

فيهم وفي طوائف العربان واهالي البلاد والفلاحين بما يريد وكذلك اموال المعادي بناحية الاخصاص وانبابة والخبيري وغير ذلك وهو شيء له قدر كبير وزاد فيهم أيضا اضعاف المعتاد فيأخذ جميع ذلك ويختص به وذلك خلاف انعامات الباشا عليه بالمئتين من الاكياس ويشترى المماليك والجواري الحسان ولا يدفع لهم ثمنا فيشكون الى الباشا فيدفعه الى اليسرجية من خزينته وهو منشرح الخاطر واخوانه يتأثرون لذلك وتاخذهم الغيرة ويطمعون في جانبه وهو يقصر في حقهم ولا يعطيهم الا النزر مع المن والتضجر وفيهم من هو اقدم منه هجرة ويرى في نفسه انه احق بالتقدم منه لما دنت وفاة استاذهم احضر شاهين بك وسلمه خزينته واوصاه بان يعطي لكل امير من خشداشينه سبعة آلاف مشخص ولم يعطهم وطفق كلما اعطاهم شئيا حسبه عليهم من الوصية حتى اذا اعطى اليلك والبنش لنعمان بك مثلا يعطيه له انقص من بنش امين بك نصف دراع ويقول هو قصير القامة ونحو ذلك فيحقدون ذلك عليه ويتشكون من خسته وتقصيره في حقهم ويعلم الباشا ذلك فلما نقض شاهين بك عهده وانضم الى المخالفين وخشداشينه المذكورون معه بالتنافر القلبي راسلهم الباشا سرا ووعدهم ومناهم بأنهم اذا حضروا اليه وفارقوا شاهين بك الخائن المقصر في حقهم انزلهم منزلة شاهين بك وزيادة واختص بهم اختصاصا كبيرا فمالت نفوسهم لذلك القول واعتقدوا بخسافة عقولهم صحته وانهم اذا رجعوا اليه هذه المرة ونبذوا المخالفين اعتقد صداقتهم وخلوصهم وزاد قدرهم ومنزلتهم عنده وتذكروا عند ذلك ما كانوا فيه مدة اقامتهم بمصر من التنعم والراحة في القصور التي عمروها بالجيزة والبيوت التي اتخذوها بداخل المدينة والرفاهية والفرش الوطيئة وتحركت غلمتهم للنساء والسراري التي انعم عليهم الباشا بها وقالوا مالنا والغربة وتعب الجسم والخاطر والانزعاج والجروب والالقاء بنفوسنا في المهالك وعدم الراحة في النوم واليقظة فردوا الجواب بالاجابة وتمنوا عليه أيضا ما حاك في نفوسهم بشرط طرح
(3/302)

المؤاخذة والعفوا الكامل بواسطة من يعتمد صدقه فاجابهم لكل ما سألوه وتمنوه بواسطة مصطفى كاشف المورلي وهو معدود سابقا منهم وانفصل عنهم وانتمى الى كتخدا بك وصار من اتباعه فعند ذلك شرعوا في مناكدة اخيهم شاهين بك ومفارقته وعقدوا معه مجلسا وقالوا له قاسمنا في ربع المملكة التي خصونا به في القسمة التي شرطوها فإننا شركاؤك فإن ابراهيم بك قسم مع جماعته وكذلك عثمان بك وعلي بك ايوب فقال لهم وما هو الذي ملكناه حتى اقاسمكم فيه فقالوا انت تجحف علينا وتختص بالشيء دوننا فإنك لما اصطلحنا معك مع الباشا وصرفك في البر الغربي اختصيت بإيراده وهو كذا وكذا دوننا ولم تشركنا معك في شيء ولولا أن الباشا كان يراعينا ويواسينا من عنده لمتنا جوعا فنحن لانرافقك ولانصحبك ولانحارب معك حتى تظهر لنا ما نقاتل معك عليه وتزايدوا معه في المكالمة والمعاتبة والمفاقمة ثم انفصلوا عنه ونقلوا خيامهم الى ناحية البحر واعتزلوه وفارقوا عرضي الجميع فلما علم بذلك ابراهيم بك الكبير تنكد خاطره وقال لاحول ولاقوة الا بالله العلي العظيم أي شئ هذا الفشل وخسافة العقل والتفرق بعد الالتئام والاجتماع وذهب اليهم ليصالحهم ويضمن لهم كل ما طلبوه وطمعوا فيه عند تملكهم وقال لهم ان كنتم محتاجين في هذا الوقت لمصرف انا اعطيكم من عندي عشرين ألف ريال اقسموها بينكم وعودوا لمضربكم معنا فامتنعوا من صلحهم مع شاهين بك فرجع ابراهيم بك يريد اخذ شاهين بك اليهم فامتنع من ذهابه اليهم وقال انا لست محتاجا اليهم وان ذهبوا قلدت امراء خلافهم وعندي من يصلح لذلك ويكون مطيعا لي دونهم فإن هؤلاء يرون انهم احق مني بالرياسة والجماعة شرعوا في التعدية وانتقلوا الى البر الشرقي وحال البحر بين الفريقين ووصل اليهم مصطفى كاشف المورلي بمرسوه الباشا واجتمعوا معه عند عبد الله أغا المقيم بناحية بني سويف وضرب لهم شنكا ومدافع ثم انهم عزموا على الحضور الى مصر فوصلوا في يوم الخميس خامس عشرينه وقابلوا الباشا وخلع عليهم
(3/303)

واعطاهم تقادم ورجعوا الى مضربهم ناحية الآثار وصحبتهم ستة عشر من كشافهم والجميع يزيدون عن المائتين وانعم عليهم الباشا بمائتي كيس لكل كبير من الاربعة عشرون كيسا ومائة وعشرون كيسا لبقيتهم واشتروا دورا واسعة وشرعوا في تعميرها وزخرفتها علىطرف الباشا فاشترى امين بك دار عثمان كتخدا المنفوخ بدرب سعادة من عتقائه ودفع له الباشا ثمنها وامر لكل امير منهم بسبعة آلاف ريال ليصرفها فيما يحتاج اليه في العمارة واللوازم وحولهم بذلك على المعلم غالي ولما تحقق شاهين بك انفصالهم قلد اربعة من اتباعه امرياتهم واعطاهم بيرقا وخيولا وضم لهم مماليك وطوائف وتمت حيلة الباشا التي احكمها بمكره وعند ذلك اشيع في الاقليم القبلي والبحري تفرقهم وتفاشلهم ورجع من كان عازما من القبائل والعربان عن الانضمام اليهم وطلبوا الامان من الباشا وحضروا اليه ودخلوا في طاعته وانعم عليهم وكساهم وكانت اهالي البلاد عندما حصلت هذه الحادثة عصت عن دفع الفرض والمغارم وطردوا المعينين وتعطل الحال وخصوصا عندما شاع غلبة المصريين على الارنؤد وتفرقت عنهم العربان الذين كانوا انضموا اليهم واطاع المخالف والعاصي والممانع وكلها اسباب لبروز المقدور والمستور في غيبه سبحانه وتعالى
وفي اواخره حضر كثير من عسكر الدلاة من الجهة الشامية وكذلك حضر اتراك من على ظهر البحر كثيرون
واستهل شهر جمادي الثانية بيوم الثلاثاء سنة
في ثالثه يوم الخميس قلد الباشا ديوان افندي نظر مهمات الحرمين والتأهب لسفر الحجاز لمحاربة الوهابية وسكن ببيت قصبة رضوان كل ذلك مع توجه الهمة والاستعداد لمحاربة الامراء المصريين والمذكورون بناحية قنطرة اللاهون
واما حسن باشا وصالح قوج وعابدين بك ومن معهم فإنهم صعدوا الى قبلي وملكوا البنادر الى حد جرجا واستقر دبوس اوغلي بمنية ابن خصيب
(3/304)

وفي يوم السبت خامسه ارتحل الباشا بعساكره من الجيزة وانتقل الى جزيرة الذهب ونودي في المدينة بخروج العساكر المقيمين بمصر ولا يختلف منهم احد فزاد تعديهم وخطفهم الحمير والجمال والرجال الفلاحين وغيرهم لتسخيرهم في خدمتهم وفي المراكب عوضا عن النوتيه والملاحين الذين هربوا وتركوا سفائنهم فكانوا يقبضون على كل من يصادفونه ويحبسونهم في الحواصل ببولاق واتفق انهم حبسوا نحو ستين نفرا في حاصل مظلم واغلقوه عليهم وتركوهم من غير اكل ولا شرب اياما حتى ماتوا عن آخرهم وانحدر قبطان بولاق واعوانه في طلب المراكب من بحر النيل فكانوا يقبضون على المراكب الواصلة الى مصر بالغلال والبضائع والسفار فيلقون شحنها التي لاحاجة لهم بها على شطوط الملق ويأتون بالمراكب الى بولاق والجيزة الا أن يعطوهم براطيل على تركهم الغلة بالمراكب حتى يصلوا بها الى ساحل بولاق فيخرجونها منها ثم يأخذون المركب وهكذا كان دأبهم بطول هذه المدة
وفي عاشره ارتحل الباشا من جزيرة الذهب يريد محاربة المصريين
وفي منتصفه ورد الخبر بأن حسين بك تابع حسين بك المعروف بالوشاش الألفي اراد الهروب والمجيء الى الباشا فقبض عليه شاهين بك واهانه وسلب نعمته وكتفه واركبه على جمل مغطى الرأس وارسله الى الواحات فاحتال وهرب وحضر الى عرضي الباشا فأكرمه وانعم عليه واعطاه خمسين كيسا واستمر عنده
وفي خامس عشرينه وصلت الاخبار بان الباشا ملك قناطر اللاهون وان المصريين ارتحلوا الى ناحية البهنسا ولم يقع بينهم كبير محاربة وان الباشا استولى على الفيوم وارسل الباشا هدايا لمن في سرايته ولكتخدا بك من ظرائف الفيوم مثل ماء الورد والعنب والفاكهة وغير ذلك واستولى على ماكان مودعا للمصريين من الغلال بالفيوم
وفي اواخره وصلت اخبار من ناحية الشام بأن طائفة من الوهابية
(3/305)

جردوا جيشا الى تلك الجهة فتوجه يوسف باشا الى المزيريب وحصن قلعتها واستعد اليهم بجيش وحاربوهم وطردوهم ثم اضطربت الاخبار واختلفت الاقوال
واستهل شهر رجب بيوم الخميس سنة
فيه وردت الاخبار بورود قزلا راغا من طرف الدولة وعلى يده اوامر وخلعة وسيف وخنجر لمحمد علي باشا وصحبته أيضا مهمات وآلات مراكب ولوازم حروب لسفر البلاد الحجازية ومحاربة الوهابية وهو يسمى عيسى أغا وانه طلع الى ثغر سكندرية
وفي يوم السبت عاشره الموافق لسادس مسرى القبطي اوفي النيل وحصلت الجمعية وحضر كتخدا بك القاضي وباقي الاعيان وكسر السد بحضرتهم في صبحها يوم الاحد وجرى الماء في الخليج
وفيه وصل الاغا شبرا وعملوا له هناك شنكا وحراقات وتعليقات قبالة القصر الذي انشأه الباشا بساحل شبرا وخرجوا لملاقاته في صبحها بعد ثلاث ليال في يوم الثلاثاء ثالث عشرة وعملوا له موكبا عظيما وطلع الى القلعة وضربوا عند طلوعه الى القلعة مدافع وهذا الآغا اسمر اللون حبشي مخصي لطيف الذات متعاظم في نفسه قليل الكلام وفي حال مروره كان بجانبه شخصان ينثران الذهب والفضة الاسلامبولي على الناس المتفرجين وحضر صحبته وصحبة اتباعه السكة الجديدة التي ضربت باسلامبول من الذهب والفضة وهي دراهم فضة خالصة سالمة من الغش زنة الدرهم منها درهم وزنى كامل ستة عشر قيراطا يصرف بخمسة وعشرين نصفا من الانصاف المعاملة العددية المستعملة في معاملة الناس الآن وكذلك قطعة مضروبة وزن درهمين بالدرهم الوزني تصرف بخمسين وكذلك قطة مضروبة وزنها اربعة دراهم وتصرف بمائة نصف وقطعة وزنها ثمانية دراهم وتصرف بمائتين وكذلك ذهب فندقلي اسلامي يصرف باربعمائة نصف واربعين نصفا ونصفه وربعه
(3/306)

وفي يوم الجمعة سادس عشره حضر الآغا المذكور الى المسجد الحسيني وصلى به الجمعة وخرج وهو يفرق على الفقراء والمستجدين ارباع الفنادقة واعطى خدمة الضريح وخدمة المسجد قروشا اسلامبولي في صرر اقل مافي الصرة الواحدة عشرة قروش
وفي يوم السبت سابع عشره عملوا ديوانا بالقلعة واحضروا خلعة وصلت صحبة الاغا المذكور ارسلها صحبة خازنداره والبسوها لابن الباشا وجعلوه باشا مير ميران وابن الباشا المذكور ولد مراهق صغير يسمى اسمعيل وضربوا شنكا ومدافع واشيع انه وصلت مبشرون من الجهة القبلية بنصرة الباشا على المصريين وارسلوا بذلك اوراقا للاعيان اخبروا فيها بوقوع الحرب بين الفريقين ليلة السبت او يوم السبت عاشر رجب
وفي ليلة الثلاثاء عشرينه ارسلوا تنابية الى المشايخ بالحضور من الغد لانفار عدوها ويكون حضورهم بالمشهد الحسيني فبات الناس في ارتياب وظنون وتخامين فلما اصبح اليوم حضر شيخ السادات وهو الناظر على اوقاف المشهد الى قبة المدفن وحضر الشيخ البكري واغلقوا باب القبة ومنعوا الناس من العبور بالمسجد متشوفين لثمرة هذا الاجتماع وكل من حضر من الاشياخ المشاهير استأذنوا له وادخلوه الى القبة وحضر الشيخ الامير والشيخ المهدي وتأخر حضور الشيخ الشرقاوي لكونه كان ببيت في بولاق ثم حضر الآغا المذكور ودخل الى القبة وصحبته ظرف من خشب ففتحه واخرج منه لوحا طوله ازيد من ذراعين في عرض ذراع ونصف مكتوب فيه البسملة بخط الثلث مموه بالذهب وهي بخط يد السلطان محمود وتحتها طرة العلامة السلطانية فعلقوه على مقصورة المقام وقرأوا الفاتحة ودعا السيد محمد المنزلاوي خطيب المسجد بدعوات للسلطان ولما فرغ دعا أيضا السيد بدر الدين المقدسي ثم خلع على المشايخ خلعا وفرق ذهبا ثم خرج الجميع وركبوا الى دورهم فكان هذا الجمع جمع
(3/307)

سخف لاغير
وفي يوم الجمعة ركب الآغا المذكور وذهب الى ضريح السادات غير واضحة بالقرافة صحبة الشيخ المتولي خلافتهم فزار مقابرهم وعلق هناك نوحا أيضا وفرق دراهم وخلع على الشيخ المذكور خلعه
ومن الحوادث البدعية من هذا القبيل أن عثمان أغا المتولي اغات مستحفظان سولت له نفسه عمارة مشهد الرأس وهو رأس زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم ويعرف هذا المشهد عند العامة بزين العابدين وبذلك اشتهر ويقصدونه بالزيارة صبح يوم الاحد فلما كانت الحوادث ومجيء الفرنسيس اهملوا ذلك وتخرب المشهد واهيلت عليه الاتربة فاجتهد عثمان أغا المذكور في تعمير ذلك فعمروه وزخرفه وبيضه وعمل به سترا وتاجا ليوضعا على المقام وارسل فنادى على اهل الطرق الشيطانية المعروفين بالاشاير وهم السوقة وارباب الحرف المرذولة الذين ينسبون انفسهم لارباب الضرائح المشهورين كالاحمدية والرفاعية والقادرية والبرهامية ونحو ذلك واكد في حضورهم قبل الجمع بأيام ثم انهم اجتمعوا في يوم الاحد خامس عشرينه بأنواع من الطبول والزمامير والبيارق والاعلام والشراميط والخرق الملونه والمصبغة ولهم انواع من الصياح والنياح والجلبة والصراخ الهائل حتى ملؤا النواحي والاسواق وانتظموا وساروا وهم يصيحون ويترددون ويتجاوبون بالصلوات والآيات التي يحرفونها وانواع التوسلات ومناداة اشياخهم أيضا المنتسبين اليهم بأسمائهم كقولهم برفع الصوت وضرب الطبلات وقولهم ياهو ياهو ياجباوي ويابدوي ويادسوقي ويابيومي ويصحبهم الكثير من الفقهاء والمتعممين والآغا المذكور راكب معهم والستر المصنوع مركب على اعواد وعليه العمامة مرفوعة بوسط الستر على خشب ومتحلقين حوله بالصياح والمقارع يمنعون ايدي الناس الذين يمدون ايديهم للتمسح والتبرك من الرجال والنساء والصبيان المتفرجين ويرمون
(3/308)

الخرق والطرح حتى انهم يرخونها من الطيقان بالحبال لتصل الى ذلك التمثال لينالوا جزأ من بركته ولم يزالوا سائرين به على هذا النمط والخلائق تزداد كثرة حتى وصلوا الى ذلك المشهد خارج البلدة بالقرب من كوم الجارح حيث المجراة وصنع في ذلك اليوم والليلة اطعمة واسمطة للمجتمعين وباتوا على ذلك الى ثاني يوم
وفيه بعث عيسى أغا الواصل نجيب افندي الى الباشا يخبره بحضوره وبالغرض الذي حضر من اجله ويستدعيه للمجيء
وفي يوم الجمعة غايته وردت اخبار بوقوع حرابة بين الباشا والمصريين وقتل بين الفريقين مقتلة عظيمة عند دلجة والبدرمان وكانت الغلبة للباشا على المصريين واخذوا منهم اسرى وحضر الى الباشا جماعة من الامراء الالفية بامان وهرب الباقون وصعدوا الى قبلي فعلموا لذلك اليوم شنكا ومدافع ثلاثة ايام كل يوم ثلاث مرات
واستهل شهر شعبان بيوم السبت سنة
فيه حضر الباشا وقت الغروب في تطريدة وصحبته جماعة قليلون وطلع من البحر من برطرا والمعيصرة وركب من هناك خيولا من خيول العرب وطلع الى القلعة على حين غفلة فضربوا في ذلك الوقت مدافع اعلاما بحضوره
وفي ثاني ليلة صعد اليه عيسى أغا المذكور عند الغروب وقابله وسلم عليه
وفي يوم الاثنين ثالثه عمل الباشا ديوانا وركب ذلك الآغا من بيت عثمان أغا الوكيل الكائن بدرب الجماميز في موكب وطلع الى القلعة وقرأ المرسوم الذي وصل صحبته بالمعنى السابق وهو الامر بالخروج الى الحجاز ولبس الباشا الخلعة والسيف بحضرة الجمع وضربوا مدافع كثيرة عقيب ذلك
وفيه وردت الاخبار بمجييء يوسف باشا والي الشام الى ثغر دمياط وكان
(3/309)

من خبر وروده على هذه الصورة انه لما ظهر امره واتته ولاية الشام فاقام العدل وابطل المظالم واستقامت احواله وشاع امر عدله النسبي في البلدن فتقل امره على غيره من الولاة واهل الدولة لمخالفته طرائقهم فقصودا عزله وقتله فارسلوا له ولوالي مصر اوامر بالخروج الى الحجاز فحصل التواني وفي اثناء ذلك حضر فرقة من العربان الوهابيين وخرج اليهم يوسف باشا المذكور وحصن المزيريب كما تقدم ورجع الى الشام وتفرقت الجموع ثم وصل عيسى أغا هذا وعلى يده مراسيم بولاية سليمان باشا على الشام وعزل يوسف باشا واشاعوا ذلك وخرج سليمان باشا تابع الجزار من عكا في جمع وخرج يوسف باشا بجموعه أيضا فتحاربا فانهزم يوسف باشا ونزل بالمزة واستعجل الرجوع الى الشام فقامت عليه عساكره ونهبوا متاعه وخرج سليمان باشا تابع الجزار من عكا وتفرقوا عنه فما وسعه الا الفرار وترك ثقله وامواله ونزل في مركب ومعه نحو الثلاثين نفرا وحضر الى مصر ملتجئا لواليها محمد علي باشا لأن بينهما صداقة ومراسلات فلما وصلت الاخبار بوصوله ارسل الى ملاقاته طاهر باشا وحضر صحبته الى مصر وانزله بمنزل مطل على بركة الازبكية وعين له ما يكفيه وارسل اليه هدايا وخيولا وما يحتاج اليه
وفي هذه الايام اختل سد ترعة الفرعونية وانفتح منه شرم واندفع فيه الماء فضج الناس وتعين لسدها ديوان افندي واخذ معه مراكب واحجارا واخشابا وغاب يومين ثم رجع واتسع الخرق واستمر عمر بك تابع الاشقر مقيما عليها لخفارتها وليمنع مرور المراكب ويقوي ردمها لئلا تنحرها المياه فيزداد اتساع الخرق
وفي هذه الايام توقفت زيادة النيل فكان يزيد من بعد الوفاة قليلا ثم ينقص قليلا ثم يرجع النقص وهكذا فأشار البعض بالاجتماع بالاستسقاء بالازهر فتجمع القليل ثم تفرقوا وذلك يوم الثلاثاء رابعه وخرج النصارى الاقباط يستسقون أيضا واجتمعوا بالروضة وصحبتهم القساقسه والرهبان
(3/310)

وهم راكبون الخيول والرهوانات والبغال والحمير في تجمل زائد وصحبتهم طائفة من اتباع الباشا بالعصي المفضضة وعملوا في ذلك اليوم سيانة وحانات وقهوات واسمطة وسكردانات عند جميز العبد ويقولون أن النيل لما توقفت زيادته في العام الذي قبل العام الماضي وخرد الناس يستسقون بجامع عمرو وخرج النصارى في ثاني يوم فزاد النيل تلك الليلة وذلك لا اصل له على انه لا استغراب للزيادة في اوانها وهذه الايام أيضا اواخر مسرى وايام النسيئ وفيها قوة الزيادة وايام النوروز
وفي يوم السبت خرج المشايخ والناس الى جامع عمرو بمصر القديمة وارسلوا تلك الليلة فجمعوا الاطفال من مصر وبولاق فحضر الكثير وخطبوا وصلوا واضر بالمجتمعين الجوع في ذلك اليوم ولم يجدوا ما ياكلونه
وفي ثاني يوم نقص النيل واستمر ينقص في كل يوم
وفي يوم الخميس ثالث عشره حضرت العساكر والتجريدة الى نواحي الآثار والبساتين ودخلوا في صبيحة يوم الجمعة رابع عشره بطموشهم وحملاتهم حتى ضاقت بهم الارض وحضر صحبتهم الكثير من الاجناد المصرية اسرى ومستأمنين
وفيه حضر يوسف باشا المنفصل عن الشام ونزل بقصر شبرا وضربوا لحضوره مدافع ثم انتقل الى الازبكية وسكن هناك كما تقدم ذكره
وفي خامس عشرينه زاد النيل ورجع ماكان انتقصه وزاد على ذلك نحو قيراطين وثبت الى اواخر توت واطمأن الناس
وفي غايته سافر عيسى أغا بعد ما قبض ما اهداه اليه الباشا له ولمخدومه من الهدايا والاكياس والتحف والسكاكر والشرابات والاقمشة الهندية وغير ذلك ونزل لتشييعه عثمان أغا الوكيل وسافر صحبته نجيب افندي
وفي اواخره سافر سليمان بك البواب لمصالحة الامراء المنهزمين على يد حسن باشا
(3/311)

واستهل شهر رمضان بيوم الاحد سنة
في سابع عشره قبض الباشا على المعلم غالي كبير المباشرين الاقباط والمعلم فلتيوس والمعلم جرجس الطويل والمعلم فرنسيس اخي المعلم غالي وباقي اعيان المباشرين فأما غالي وفلتيوس فنزلوا بهما تلك الليلة الى بولاق وانزلوهما في مركب ليسافرا الى دمياط وحبسوا الباقين بالقلعة وختموا علىدورهم وجدوا عند المعلم غالي نيفا وستين جارية بيضاء وسوداء وحبشية ثم قلدوا المباشرة الى المعلم منصور ضريمون الذي كان معلم ديوان الجمرك ببولاق سابقا والمعلم بشارة ورزق الله الصباغ مشاركان معه ثم انزلوا النصارى المعتقلين من القلعة الى بيت ابراهيم بك الدفتردار بالازبكية وفيهم جرجس الطويل واخوه حنا وجرجس وفرنسيس اخو غالي ويعقوب كاتبه وغيرهم واشاعوا عمل حسابهم ثم دار الشغل وسعت الساعون في المصالحة على غالي ورفقائه الى أن تم الامر على اربعة وعشرين ألف كيس ونزل له فرمان الرضا والخلع والبشائر وذلك في اخر رمضان
واستهل شهر شوال بيوم الثلاثاء سنة
فيه نزلت طبلخانة الباشا الى بيت المعلم غالي واستمروا يضربون النوبة التركية ثلاثة ايام العيد ببيته وكذلك الطبل الشامي وباقي الملاعيب وترمى لهم الخلع والبقاشيش
وفي سابعه حضر المعلم غالي وطلع الى القلعة وخلع عليه الباشا خلع الرضا والبسه فروة سمور وانعم عليه ونزل له عن اربعة آلاف كيس من اصل الاربعة وعشرين ألف كيس المطلوبة في المصالحة ونزل الى داره وامامه الجاويشية والاتباع بالعصى المفضضة وجلس بدكة داره واقبل عليه الاعيان من المسلمين والنصارى للسلام عليه والتهنئة له بالقدوم المبارك واما المعلم منصور ضريمون فجبروا خاطره بأن قيدوه بخدمة بيت ابراهيم بك ابن الباشا الدفتردار وقيدوا رفيقيه في خدم اخرى
(3/312)

وفي يوم الخميس عاشر شوال حضر شاهين بك الألفي ومن معه الى مصر ونصب وطاقه بناحية البساتين وذلك بعد أن تمموا الصلح على يد حسن باشا بواسطة سليمان بك البواب فلما استقر بخيامه وعرضيه ببر مصر حضر مع رفقائه وقابل الباشا وهو ببيت الازبكية فبش في وجهه فقال شاهين بك نرجو سماح افندينا وعفوه عما اذنبناه فقال نعم من قبل مجيئكم بزمان وهو مصر لهم على كل كريهة واخلى له بيت محمد كتخدا الاشقر بجوار طاهر باشا بالازبكية وفرشوه ونظموه ووعده برجوعه الى الجيزة في مناصبه كما كان حتى يتحول منها محرم بك صهر الباشا لانه عند انتقال شاهين بك من الجيزة عدى اليها محرم بك بحريمة وهي ابنة الباشا وسكن القصر بعسكره وكذلك اسكن كبار اتباعه وخواصة القصور التي كان يسكنها الالفية وكذلك البيوت والدور فوعده بالرجوع الى محله وظن بخسافة عقله صحة ذلك وحضر صحبة شاهين بك جملة من العسكر والدلاة وغيرهم واستمرت حملاتهم وامتعتهم تدخل الى المدينة ارسالا في عدة ايام
وفي يوم الجمعة عمل الباشا ديوانا بالازبكية في بيت ابنة ابراهيم بك الدفتر دار واجتمع عنده المشايخ والوجاقلية وغيرهم فتكلم الباشا وقال يا احبابنا يخفاكم احتياجي الى الاموال الكثيرة لنفقات العساكر والمصاريف والمهمات والايراد لايكفي ذلك فلزم الحال لتقرير القرض على البلاد والاطيان وقد اجحف ذلك باهليها حتى جلت وخرجت القرى وتعطلت المزارع وبارت الاطيان ولايمكنني رفع ذلك بالكلية والقصدان تدبروا لنا تدبيرا وطريقا لتحصيل المال من غير ضرر ولا اجحاف على اهل القرى وتعود مصلحة التدبير عليهم وعلينا فقال الجميع الراي لك فقال اني فوضت الرأي في تدبير الامور السابقة لجماعة الكتبة وهم الافندية والاقباط فوجدت الجميع خائنين واني دبرت رأيا لاتدخله التهمة وهو أن من المعلوم أن جميع الحصص لها سندات ومعين بها مقدار الميري والفائظ
(3/313)

فنقرر على كل حصة قدر ميريها وفائظها اما سنة او سنتين فلا يضر ذلك بالملتزمين ولا بالفلاحين فانتبذ ايوب كتخدا الفلاح وهو كبير الاختيارية وقال لكن يا افندينا الى مساواة الناس فان حصص كثير من المشايخ مرفوع ما عليها من المغارم ويرجع تتميم الغرامة على حصص الشركاء فحنق من كلامه الشيخ الشرقاوي وقال له انت رجل سوء وثار عليه باقي المشايخ الحاضرين وزاد فيهم الصياح فقام الباشا من المجلس وتركهم وذهب بعيدا عنهم وهم يتراددون ويتشاجرون فأرسل اليهم الباشا الترجمان وقال انكم شوشتم على الباشا وتكدر خاطره من صياحكم فسكتوا وقاموا من المجلس وذهبوا الى دورهم وهم منفعلون المزاج ولعل كلام ايوب كتخدا وافق غرض الباشا او هو باغرائه ثم شرعوا في تحرير الدفاتر وتبديل الكيفيات وكان في العزم اولا أن يجعلها على ذمم الاطيان شارقا وغارقا بما فيها من الاوسية التي للملتزمين والارزاق ومسموح مشايخ البلاد وذكر ذلك في المجلس فقيل له أن الاوسية معايش الملتزمين والرزق قسمان قسم داخل في زمام اطيان البلد ومحسوب في مساحة فلاحتها وقسم خارج عن زمامها والقسمان من الارصادات على الخيرات وعلى جهات البر والصدقة والمساجد والاسبلة والمكاتب والأحواض لسقي الدواب وغير ذلك فيلزم منه ابطال هذه الخيرات وتعطيلها فقال الباشا أن المساجد غالبها متخرب ومتهدم فقالوا له عليك بالفحص والتفتيش والزام المتولي على المسجد بعمارته اذا كان ايراده رائجا الى آخر ماقيل
وفي يوم الاثنين حادي عشرينه قتلوا شخصا من الاجناد الالفية وقطعوا رأسه بباب الخرق بسبب انه قتل زوجته من غير جرم يوجب قتلها
واستهل شهر ذي القعدة بيوم الاربعاء سنة
وفي ثانيه سافر الباشا الى ثغر سكندرية ليكشف على عمارة الابراج والاسوار ويبيع الغلال التي جمعها من البلاد في الفرض التي فرضت عليهم وكذلك ما احضره من البلاد القبلية فجمعوا المراكب وشحنوها
(3/314)

بالغلال وارسلها الى الاسكندرية ليبيعها على الافرنج فباع عليهم ازيد من مائتي ألف اردب كل اردب بمائة قرش وسعرها بمصر ثمانية عشر قرشا وهو لم يشترها ولم تكن عليه بمال بل اخذها من زراعات الفلاحين من اصل مافرضه عليهم من الظلم مع تطفيف الكيل عليهم والزامهم بكلفة شيله واجره نقله الى المحل الذي يلزمونهم بوضعه فيه واخذ من الافرنج في ثمنه اصناف النقود من الذهب المشخص البندقي والمجر والفرانسة وعروض البضائع من الجوخ المتنوعة والدودة التي يقال لها القرمز والقزدير واصناف البضائع الافرنكية واحدث وهو بالاسكندرية احداثا ومكوسا
واستهل شهر ذي الحجة الحرام بيوم الاحد سنة
في ثاني عشرينه حضر الباشا من الاسكندرية الى مصر وذلك يوم الجمعة اواخر النهار وحضر في العشية الى بيت الازبكية وبات عند حريمه وطلع في صبح يوم السبت الى القلعة وضربوا مدافع كثيرة لحضوره وبذلك علم الناس حضوره وانقضت السنة بحوادثها التي قصصنا بعضها اذ لا يمكن استيفاؤها للتباعد عن مباشرة الامور وعدم تحققها على الصحة وتحريف النقلة وذياتهم ونقصهم في الرواية فلا اكتب حادثه حتى اتحقق صحتها بالتواتر والاشتهار وغالبها من الامور الكلية التي لاتقبل الكثير من التحريف وربما اخرت قيد حادثة حتى اثبتها ويحدث غيرها وانساها فأكتبها في طيارة حتى افيدها في محلها أن شاء الله تعالى عند تهديب هذه الكتابة وكل ذلك من تشويش البال وتكدر الحال وهم العيال وكثرة الاشتغال وضعف البدن وضيق العطن
ومن حوادثها احداث عدة مكوس زيادة على ما احدث على الارز الكتان والحرير والحطب والملح وغير ذلك مما لم يصل الينا خبره حتى غلت اسعارها الى الغاية وكان سعر الدرهم الحرير نصفين فصار بخمسة عشر نصفا وكنا نشتري القنطار من الحطب الرومي في اوانه بثلاثين نصفا وفي غير اوانه باربعين نصفا فصار بثلثمائة نصف وكان الملح يأتي من ارضه بثمن
(3/315)

القفاف التي يوضع فيها لاغير ويبيعه الذين ينقلونه الى ساحل بولاق الاردب بعشرين نصفا واردبه ثلاثة ارادب ويشتريه المسبب بمصر بذلك السعر لان اردبة اردبان ويبيعه أيضا بذلك السعر ولكن اردبه واحد فالتفاوت في الكيل لا في السعر فلما احتكر صار الكيل لايتفاوت سعره الآن اربعمائة وخمسون نصفا والتزم به من التزم واوقف رجاله في موارده البحرية لمنع من يأخذ منه شيئا من المراكب المارة بالسعر الرخيص من اربابه ويذهب به الى قبلي او نحو ذلك
ومنها وهي من الحوادث الغريبة انه ظهر بالتل الكائن خارج رأس الصوة المعروفة الآن بالحطابة قبالة الباب المعروف بباب الوزير في وهدة بين التلول نار كامنة بداخل الاتربة واشتهر امرها وشاع ذكرها وزاد ظهورها في اواخر هذه السنة فيظهر من خلال التراب ثقب ويخرج منها الدخان بروائح مختلفة كرائحة الخرق البالية وغير ذلك وكثر ترداد الناس للاطلاع عليها افواجا افواجا نساء ورجالا واطفالا فيمشون عليها ويجدون حرارتها تحت ارجلهم فيحفرون قليلا فتظهر النار مثل نار الدمس فيقربون منها وان غوصوا فيها خشبة او قصبة احترقت ولما شاع ذلك واخبروا بها كتخدا بك نزل اليها بجمع من اكابره واتباعه وغيرهم وشاهد ذلك فأمر والي الشرطة بصب الماء عليها واهالة الاتربة من اعالي التل فوقها ففعلوا ذلك واحضروا السقائين وصبوا عليها بالقرب ماء كثيرا واهالوا عليها الاتربة وبعد يومين صارت الناس المتجمعة والاطفال يحفرون تحت ذلك الماء المصبوب قليلا فتظهر النار ويظهر دخانها فيقربون منها الخرق والحلفاء واليدكات فتورى وتدخن واستمر الناس يغدون ويروجون للفرجة عليها نحو شهرين وشاهدت ذلك في جملتهم ثم بطل ذلك
ومنها انه نودي اواخر السنة على صرف المحبوب بزيادة صرفه ثلاثين نصفا وكان يصرف بمائتين وخمسين من زيادات الناس في معاملاتهم فكانوا ينادون بالنقص ورجوعها الى ما كان قبل الزيادة ويعاقبون على
(3/316)

التزايد
وفي هذه الايام نودي بالزيادة وذلك بحسب الاغراض والمقاصد والمقتضيات ومراعاة مصالح انفسهم لاالمصلحة العامة هذا مع نقص عياره ووزنه عما كان عليه قبل المناداة وكذلك نقصوا وزن القروش وجعلوا القرش على النصف من القرش الاول ووزنه درهمين وكان اربعة دراهم وفي الدرهمين ربع درهم فضة هذا مع عدم الفضة العددية ووجودها بايدي الناس والصيارف واذا اراد انسان صرف قرش واحد من غيره صرفه بنقص ربع العشر واخذ بدله قطعا صغارا افرنجية يصرف منها الواحدة باثني عشر واخرى بعشرة واخرى بخمسة ولكنها جيدة العيار وهم الآن يجمعونها ويضربونها بما يزاد عليها من النحاس وهو ثلاثة ارباعها قروشا لأن القطعة الصغيرة التي تصرف بخمسة انصاف وزنها درهم واحد وزني فيصيرونها اربعة قروش فتضاعف الخمسة الى ثمانين وكل ذلك نقص واختلاس اموال الناس من حيث لايشعرون
واما من مات في هذه السنة ممن له ذكر فمات الفقيه الفريد والعلامة المفيد الشيخ علي الحصاوي الشافعي ولا اعلم له ترجمة وانما رأيته يقرر الدروس ويفيد الطلبة في الفقه والمعقول ويشهد الفضلاء بفضله ورسوخه وكان على طريقة المتقدمين في الانقطاع للافادة وعدم الرفاهية والرضا بما قسم له منعكفا في حاله وتمرض بالبرودة ولم ينقطع عن ملازمة الدروس حتى توفي في منتصف جمادي الثانية من السنة وصلى عليه بالازهر ودفن في تربة المجاورين بالصحراء ومات المعلم جرجس الجوهري القبطي كبير المباشرين بالديار المصرية وهو اخو المعلم ابراهيم الجوهري ولما مات اخوه في زمن رياسة الامراء المصرية تعين مكانه في الرياسة على المباشرين والكتبة وبيده حل الامور وربطها في جميع الاقاليم المصرية نافذ الكلمة وافر الحرمة وتقدم في ايام الفرنسيس فكان رئيس الرؤساء وكذلك عند مجييء الوزير والعثمانيين وقدموه واجلسوه ولما يسديه اليهم من الهدايا
(3/317)

والرغائب حتى كانوا يسمونه جرجس افندي ورأيته يجلس بجانب محمد باشا خسرو وبجانب شريف افندي الدفتردار ويشرب بحضرتهم الدخان وغيره ويراعون جانبه ويشاورونه في الامور وكان عظيم النفس ويعطي العطايا ويفرق على جميع الاعيان عند قدوم شهر رمضان الشموع العسلية والسكر والازر والكساوي والبن ويعطي ويهب وبنى عدة بيوت بحارة الونديك والازبكية وانشأ دارا كبيرة وهي التي يسكنها الدفتردار الآن ويعمل فيها الباشا وابنه الدواوين عند قنطرة الدكة وكان يقف على ابوابه الحجاب والخدم ولم يزل على حالته حتى ظهر المعلم غالي وتداخل في هذا الباشا وفتح له الابواب لأخد الاموال والمترجم يدافع في ذلك واذا طلب الباشا طلبا واسعا من المعلم جرجس يقول له هذا لايتيسر تحصيله فيأتي المعلم غالي فيسهل له الامور ويفتح له ابواب التحصيل فضاق خناق المترجم وخاف على نفسه فهرب الى قبلي ثم حضر بأمان كما تقدم وانحط قدره ولازمته الامراض حتى مات في اواخر شعبان وانقضى وخلا الجو للمعلم غالي وتعين بالتقدم ووافق الباشا في اغراضه الكلية والجزئيه وكل شيء له بداية وله نهاية والله اعلم
واستهلت سنة ست وعشرين ومائتين والف
فكان اول المحرم يوم السبت فيه اظهر الباشا الاهتمام بأمر الحجاز والتجهيز للسفر وركب في ليلة الجمعة سابعه الى السويس وسافر صحبته السيد محمد المحروقي وقام باحتياجاته ولوازمه فلما وصل الى السويس حجز الداوات التي وصلت بالمحمل وسفر عدة من المراكب التي انشأها ليقبضوا على الداوات والسفن التي بالاساكل وحوزها واستولى على البن الذي وجده ببندر السويس للتجار فلما وصل خبر ذلك الى مصر فغلا سعر البن وزاد حتى وصل الى خمسين ريالا فرانسة بعد أن كان بستة وثلاثين عنها اثنا عشر ألف فضة وخمسمائة نصف فضة
(3/318)

واستهل شهر صفر الخير بيوم الاحد سنة
في ثانيه يوم الاثنين حضر الباشا من السويس الى مصر في سادس ساعة من الليل فضربوا في صبحها عدة مدافع لحضوره وقد حضر علي هجين بمفرده ولم يصحبه الا رجل بدوي على هجين أيضا ليدله على الطريق وقطع المسافة في احدى عشرة ساعة وحضر من كان بصحبته في ثاني يوم وهم مجدون السفر وحضر السيد محمد المحروقي بحموله في اليوم الثالث واخبروا أن الباشا انزل من ساحل السويس خمسة مراكب من المراكب التي انشأها باحتياجاتها ولوازمها وعساكرها ووجههم الى ناحة اليمن ليقبضوا على ما يجدونه من المراكب وان الصناع مجتهدون في العمل في مراكب كبار لحمل الخيول والعساكر واللوازم
فيه حضر صالح أغا قوج حاكم اسيوط وتناقلت الاخبار عن الامراء المصريين القبليين بأنهم حضروا الى الطينة ورجعوا الى ناحية قنا وقوض وخرج اليهم احمد اغالاظ وتحارب معهم وقتل من عساكره عدة وافرة
وفيه قلد الباشا ابنه طوسون باشا ساري عسكر الركب الموجه الى الحجاز واخرجوا جيشهم الى ناحية قبة العزب ونصبوا عرضيا وخياما واظهر الباشا الاجتهاد الزائد والعجلة وعدم التواني ونوه بتسفير عساكر لناحية الشام لتمليك يوسف باشا لمحله وساري عسكرهم شاهين بك الألفي ونحو ذلك من الايهامات وطلب من المنجمين أن يختاروا وقتا صالحا لإلباس ابنه خلعة السفر فاختاروا له الساعة الرابعة من يوم الجمعة فلما كان يوم الخميس رابعه طاف الاي جاويش بالاسواق على صورة الهيئة القديمة في المناداة على المواكب العظيمة وهو لابس الضلمة والطبق على رأسه وراكب حمار عال وامامه مقدم بعكاز وحوله قابجية ينادون بقولهم يارن الاي ويكررون ذلك في اخطاط المدينة وطافوا بأوراق التنابية على كبار العسكر والبينبات والامراء المصرية الالفية وغيرهم يطلبونهم للحضور في باكر النهار الى القلعة ليركب الجميع بتجملاتهم وزينتهم اما الموكب فلما اصبح يوم الجمعة سادسه ركب الجميع وطلعوا الى القلعة وطلع
(3/319)

المصرية بمماليكهم واتباعهم واجنادهم فدخل الامراء عند الباشا وصبحوا عليه وجلسوا معه حصة وشربوا القهوة وتضاحك معهم ثم انجر الموكب على الوضع الذي رتبوه فانجر طائفة الدلاة واميرهم المسمى ازون علي ومن خلفهم الوالي والمحتسب والاغا والوجاقلية والالداشات المصرية ومن تزيا بزيهم ومن خلفهم طوائف العسكر الرجالة والخيالة والبيكباشيات وارباب المناصب منهم وابراهيم اغا آغات الباب وسليمان بك البواب يذهب ويجيء ويرتب الموكب وكان الباشا قد بيت مع حسن باشا وصالح قوج الكتخدا فقط غدر المصرية قتلهم واسر بذلك في صبحها ابراهيم أغا آغات الباب فلما انجر الموكب وفرغ طائفة الدلاة ومن خلفهم من الوجاقلية والالداشات المصرية وانفصلوا من باب العزب فعند ذلك امر صالح قوج بغلق الباب وعرف طائفته بالمراد فالتفتوا ضاربين بالمصرية وقد انحصروا باجمعهم في المضيق المنحدر الحجر المقطوع في اعلي باب العزب مسافة ما بين الباب الاعلى الذي يتوصل منه الى رحبة سوق القلعة الى الباب الاسفل وقد اعدوا عدة من العساكر اوقفوهم على علاوي النقر الجحر والحيطان التي به فلما حصل الضرب من التحتانيين اراد الامراء الرجوع القهقري فلم يمكنهم ذلك لانتظام الخيول في مضيق النقر واخذهم ضرب البنادق والقرابين من خلفهم أيضا وعلم العسكر الواقفون بالاعلى المراد فضربوا أيضا فلما نظروا ما حل به سقط في ايديهم وارتبكوا في انفسهم وتحيروا في امرهم ووقع منه اشخاص كثيرة فنزلوا عن الخيول واقتحم شاهين بك وسليمان بك البواب وآخرون في عدة من مماليكهم راجعين الى فوق والرصاص نازل عليهم من كل ناحية ونزعوا ما كان عليهم من الفراوي والثياب الثقيله ولم يزالوا سائرين وشاهرين سيوفهم حتى وصلوا الى الرحبة الوسطى المواجهة لقاعة الاعمدة وقد سقط اكثرهم واصيب شاهين بك وسقط الى الارض فقطعوا رأسه واسرعوا بها الى الباشا ليأخذوا عليها البقشيش وكان الباشا عندما ساروا
(3/320)

بالموكب ركب من ديوان السراية وذهب الى البيت الذي به الحريم وهو بيت اسمعيل أفندي الضربخانه وأما سليمان بك البواب فهرب من حلاوة الروح وصعد الى حائط البرج الكبير فتابعوه بالضرب حتى سقط وقطعوا رأسه أيضا وهرب كثير الى بيت طوسون باشا يظن الالتجاء به والاحتماء فيه فقتلوهم وأسرف العسكر في قتل المصريين وسلب ماعليهم من الثياب ولم يرحموا أحدا وأظهروا كامن حقدهم وضبعوا فيهم وفيمن رافقهم متجملا معهم من اولاد الناس واهالي البلد الذين تزيوا بزيهم لزينة الموكب وهم يصرخون ويستغيثون ومنهم من يقول انا لست جنديا ولا مملوكا وآخر يقول انا لست من قبيلتهم فلم يرقوا لصارخ ولا شاك ولا مستغيث وتتبعوا المتشتتين والهربانين في نواحي القلعة وزواياها والذين فروا ودخلوا في البيوت والاماكن وقبضوا على من أمسك حيا ولم يمت من الرصاص او متخلفا عن الموكب وجالسا مع الكتخدا كأحمد بك الكيلارجي ويحيى بك الألفي وعلي كاشف الكبير فسلبوا ثيابهم وجمعوهم الى السجن تحت مجلس كتخدا بك ثم احضروا أيضا المشاعلي لرمي اعناقهم في حوش الديوان واحدا بعد واحد من ضحوة النهار الى أن مضى حصة من الليل في المشاعل حتى امتلأ الحوش من القتلى ومن مات من المشاهير المعروفين وانصرع في طريق القلعة قطعوا رأسه وسحبو حثته الى باقي الجثث حتى انهم ربطوا في رجلي شاهين بك ويديه حبالا وسحبوه على الارض مثل الحمار الميت الى حوش الديوان هذا ما حصل بالقلعة واما اسفل المدينة فأنه عند ما اغلق باب القلعة وسمع من بالرميلة صوت الرصاص وقعت الكرشة في الناس وهرب من كان واقفا بالرميلة من الاجناد في انتظار الموكب وكذلك المتفرجون واتصلت الكرشة بأسواق المدينة فأنزعجوا وهرب من كان بالحوانيت لانتظار الفرجة واغلق الناس حوانيتهم وليس لأحد علم بما حصل وظنوا ظنونا وعندما تحقق العسكر حصول الواقعة وقتل الامراء انبثوا كالجراد المنتشر الى بيوت الامراء المصريين ومن
(3/321)

جاورهم طالبين النهب والغنيمة فولجوها بغتة ونهبوها نهبا ذريعا وهتكوا الحرائر والحريم وسحبوا النساء والجواري والخوندات والستات وسلبوا ما عليهن من الحلي والجواهر والثياب وأظهروا الكامن في نفوسهم ولم يجدوا مانعا ولا رادعا وبعضهم قبض على يد امرأة ليأخذ منها السوار فلم يتمكن من نزعها بسرعة فقطع يد المراءة وحل بالناس في بقية ذلك اليوم من الفزع والخوف وتوقع المكروه مالا يوصف لأن المماليك والاجناد تداخلوا وسكنوا في جميع الحارات والنواحي وكل امير له دار كبيرة فيها عيالة واتباعه ومماليكه وخيوله وجماله وله دار وداران صغار في داخل العطف ونواحي الازهر والمشهد الحسيني يوزعون فيها ما يخافون عليه لظنهم بعدها وحمايتها بحرمة الخطة وصونها عند وقوع الحوادث وكثير من كبار العسكر مجاورون لهم في جميع النواحي ويرمقون احوالهم ويطلعون على أكثر حركاتهم وسكناتهم ويندخلون فيهم ويعاشرونهم ويسامرونهم بالليل ويظهرون لهم الصداقة والمحبة وقلوبهم محشوة من الحقد عليهم والكراهة لهم بل ولجميع ابناء العرب فلما حصلت هذه الحادثة بادروا لتحصيل مأمولهم واظهروا ما كان مخفيا في صدورهم وخصوصا من التشفي في النساء فإن العظيم منهم كان اذا خطب ادنى امرأة ليتزوج بها فلا ترضى به وتعافه وتأنف قربه وان الح عليها استجارات بمن يحميها منه والا هربت من بيتها واختفت شهورا وذلك بخلاف ما اذا خطبها اسفل شخص من جنس المماليك اجابته في الحال واتفق انه لما اصطلح الباشا مع الالفية وطلبوا البيوت ظهر كثير من النساء المستترات المخفيات وتنافسن في زواجهم وعملن لهم الكساوي وقدمن لهم التقادم وصرفن عليهم لوازم البيوت التى تلزم الازواج لزوجاتهم كل ذلك بمرأى من الاتراك يحقدونه في قلوبهم وفيهم من حمى جاره وصان دياره ومانع اعلاهم ادناهم وقليل ما هم وذلك لغرض يبتغيه وامر يرتجيه فانه بعد ارتفاع النهب كانوا يقبضون عليهم من البيوت فيستولي الذي حماه ودافع عنه على داره وما
(3/322)

فيها وانهبت دور كثيرة من المجاورين لهم او لدور اتباعهم بأدنى شبهة او يدخلون بحجة التفتيش ويقولون عندكم مملوك او سمعنا أن عندكم وديعة لمملوك وبات الناس واصبحوا على ذلك ونهب في هذه الحادثة من الاموال والامتعة ما لا يقدر قدره ويحصيه الا الله سبحانه وتعالى ونهبت دور كثيرة من دور الاعيان الذين ليسوا من الامراء المقصودين ومن المتقيدين بخدمة الباشا مثل ذو الفقار كتخدا المتولي خوليا على بساتين الباشا التى انشأها بشبرا وبيت الامير عثمان أغا الورداني ومصطفى كاشف المورلي والافندية الكتبة وغيرهم واصبح يوم السبت والنهب والقتل والقبض على المتوارين والمختفين مستمر ويدل البعض على البعض او يغمز عليه وركب الباشا في الضحوة ونزل من القلعة وحوله امراؤه الكبار مشاة وامامه الصفاشية والجاويشية بزينتهم وملابسهم الفاخرة والجميع مشاة ليس فيهم راكب سواه وهم محدقون به وامامه وخلفه عده وافرة والفرح والسرور بقتل المصريين ونهبهم والظفر بهم طافح من وجوههم فكان كلما مر على ارباب الدرك والقلقات والضابطين وقف عليهم ووبخهم على النهب وعدم منعهم لذلك والحال انهم هم الذين كانوا ينهبون اولا ويتبعهم غيرهم فمر على العقادين الرومي والشوائين فخرج اليه شخص من تجار المغاربة يسمى العربي الحلو وصرخ في وجهه وهو يقول ايش هذا الحال وايش لنا علاقة حتى ينهبنا العسكر ونحن ناس فقراء مغاربة متسببون ولسنا مماليك ولا اجناد فوقف اليه وارسل معه نفرا الى داره فوجدوا بها شخصين احدهما تركي والآخر بلدي وهما يلتقطان آخر النهب وما سقط من النهابين فأمر بقتلهما فأخذوهما الى باب الخرق وقطعوا رؤوسهما ثم انه عطف على جهة الكعكيين فلاقاه من اخبره بأن المشايخ مجتمعون ونيتهم الركوب لملاقاته والسلام عليه والتهنئة بالظفر فقال انا اذهب اليهم ولم يزل في سيرة حتى دخل الى بيت الشيخ الشرقاوي وجلس عنده ساعة لطيفة وكان قد إلتجأ الى الشيخ شخصان من الكشاف المصرية فكلمه في شأنهما
(3/323)

وترجى عنده في اعتاقهما من القتل وان يؤمنهما على انفسهما وقال له لا تفضح شيبتي يا ولدي واقبل شفاعتي واعطهما محرمة الامان فاجابه الى ذلك وقال له شفاعتك مقبولة ولكن نحن لا نعطي محارم وانا اماني بالقول او نكتب ورقة ونرسلها اليك بالامان فاطمأن الشيخ لذلك ثم قام الباشا وركب وطلع الى القلعة وارسل ورقة الى الشيخ بطلبهما فقال لهما الشيخ أن الباشا ارسل هذه الورقة يؤمنكما ويطلبكما اليه فقالا وما ي يفعل بذهابنا اليه فلاشك في انه يقتلنا فقال الشيخ لا يصلح ذلك ولا يكون كيف انه يأخذكم من بيتي ويقتلكم بعد أن قبل شفاعتي فذهبا مع الرسول فعندما وصلا الى الحوش وهو مملوء بالقتلى وضرب ذرب الرقاب واقع في المحبوسين والمحضرين قبضوا عليهما وادرجا في ضمنهم وفي ذلك اليوم نزل طوسون ابن الباشا وقت نزول ابيه وشق المدينة وقتل شخصا من النهابين أيضا فارتفع النهب وانكف العسكر عن ذلك ولولا نزول الباشا وابنه في صبح ذلك اليوم لنهب العسكر بقية المدينة وحصل منهم غاية الضرر اما القبض على الاجناد والمماليك فمستمر وكذلك كل من كان يشبههم في الملبس والزي واكثر من كان يقبض عليهم عساكر حسن باشا الارنؤدي فيكبسون عليهم في الدوراو في الاماكن التى تواروا فيها واستدلوا عليهم فيقبضون على من يقبضون عليه وينهبون من الاماكن ما يمكنهم حمله وثياب النساء وحليهن ويسحبون الواحد والاثنين او اكثر بينهم ويأخذون عمائمهم وثيابهم وما في جيوبهم في اثناء الطريق واذا كان كبيرا او اميرا يستحى منه طلبوه بالرفق فاذا ظهر لهم قالوا له سيدنا حسن باشا يستدعيك اليه فلا تخش من شىء ويطمئن قليلا ويظن انهم يجبرونه وعلى اي حال لا يسعه الا الاجابة لأنه ان امتنع اخذوه قهرا فإذا خرج من الدار استصحبه جماعة منهم وطلع البواقي الى الدار فأخذوا ما قدروا عليه ولحقوا بهم وجرى على الماخوذ ما يجري على امثاله من المأخوذين والبعض توارى والتجأ الى طائفته الدلاة الفلاحات اللاتي يبعن الجلة والجبنة وذهبوا في ضمنهم وفر من نجا منهم
(3/324)

وتزيا بشكلهم ولبس له طرطورا واجاروه وهرب كثير في ذلك اليوم وخرجوا الى قبلي وبعضهم تزيا بزي نساء الفلاحين وخرج في ضمن الى الشام وغيرها واما كتخدا بك فإنه لشدة بغضه فيهم صار لا يرحم منهم احدا فكان كل من احضروه ولو فقيرا هرما من مماليك الامراء الاقدمين يامر بضرب عنقه وارسل اوراقا الى كشاف النواحي والاقاليم بقتل كل من وجدوه بالقرى والبلدان فوردت الرؤوس في ثاني يوم من النواحي فيضعونها بالرميلة وعلى مصطبة السبيل المواجه لباب زويلة وكان كثير من الاجناد بالارياف لتحصيل الفرض التى تعهدوا بدفعها عن فلاحيهم وانقضت اجلتهم وطولبوا بالدفع والفلاحون قصرت ايديهم ولم يقبلوا للملتزمين عذرا في التأخير فلم يسعهم الا الذهاب بأنفسهم لاجل خلاص المطلوب منهم للديوان فعندما وصلت الاوامر الى كشاف الاقاليم بقتل الكائنين بالبلاد بادروا بقتل من يمكنهم قتله ومن بعد عنهم ارسلوا لهم العساكر في محلاتهم فيدهمونهم على حين غفلة ويقتلونهم وينهبون متاعهم وما جمعوه من المال ويرسلون برؤوسهم او يتحيلون على القبض عليهم وقتلهم فصار يصل في كل يوم العدد من الرؤوس من قبلي وبحري ويضعونها على باب زويلة وباب القلعة ولم يقبلوا شفاعة في احد ابدا ويعطون الامان للبعض فاذا حضروا قبضوا عليهم وشلحوهم ثيابهم وقتلوهم والباشا يعلم من كتخداه شدة الكراهة لجنس المماليك ففوض له الامر فيهم حتى انه كان بينه وبين محمد أغا كتخدا الجاويشية سابقا بعض منافرة من مدة سابقة او لكونه صاهر بعض الالفية وزوجه ابنته وكان غائبا ببلدة يقال لها الفرعونية جارية في اقطاعه وتعهد بسا ! عليها من الفرضة فذهب اليها بنفسه ليستخلص منها الفرضة والمال الميري فارسل الكتخدا بك الى كاشف المنوفية قبل الحادث بيوم يامره فيه بأمره فأرسل اليه طائفة من العسكر دخلوا عليه في الفجرية وهو يتوضأ لصلاة الصبح فقتلوه وقطعوا رأسه واحضروها الى مصر وكانوا يأتون بأشخاص
(3/325)

من بقايا البيوت القديمة فيمثلونهم بين يدي الكتخدا فيسألهم فيخبرون عن انفسهم ونسبتهم فيكذبهم ويامر بهم الى الحبس الاعلى حتى يتبين امرهم فأما تدركهم الالطاف فينجون بعد معاينة الموت وهذا في النادر فقتل في هذه الحادثة اكثر من ألف انسان وامراء واجناد وكشاف ومماليك ثم صاروا يحملون رممهم على الاخشاب ويرمونهم عند المغسل بالرميلة ثم يرفعونهم ويلقونهم في حفر من الارض فوق بعضهم البعض لا يتميز الامير عن غيره وسلخوا عدة رؤوس من رؤوس العظماء والقوا جماجمهم المسلوخة على الرمم في تلك الحفر فكانت هذه الكائنة من اشنع الحوادث التى لم يتفق مثلها ولم ينج الالفية الا احمد بك زوج عديلة هانم بنت ابراهيم بك الكبير فإنه كان غائبا بناحية بوش وامين بك تسلق من القلعة وهرب الى ناحية الشام وعمر بك أيضا الألفي كان مسافرا في ذلك اليوم الى الفيوم فقتلوه هناك وبعثوا برأسه بعد خمسة ايام ومعها نحو الخمسة عشر رأسا وارسل دبوس اوغلي حاكم المنية خمسة وثلاثين رأسا وحضر من ناحية بحري غير ذلك كثير
واما من قتل في ذلك اليوم ممن له ذكر وبلغني خبره
فهم شاهين بك كبير الألفية ويحيى بك ونعمان بك وحسين بك الصغير ومصطفى بك الصغير ومراد بك وعلي بك وهؤلاء من الالفية ومن غيرهم احمد بك الكيلارجي ويوسف بك أبو دياب وحسن بك صالح ومرزوق بك بن ابراهيم الكبير وسليمان بك البواب واحمد بك تابعه ورشوان بك وابراهيم بك تابعاه وقاسم بك تابع مراد بك الكبير وسليم بك الدمرجي ورستم بك الشرقاوي ومصطفى بك ايوب ومصطفى بك تابع عثمان بك حسن وعثمان بك ابراهيم وذو الفقار تابع جوجر وهو رجل كبير من الاقدمين البطالين هرب هو ومصطفى بك الجداوي وآخر عند صالح بك السلحدار والتجؤا اليه وطمنهم وارسل بخبرهم فحضر الامر بقطع رؤوسهم فأحضر المشاعلي وقطع رؤوسهم في مقعده وارسلها
(3/326)

ومن الامراء الكشاف الالفية فهم علي كاشف الخازندار وعثمان كاشف الحبشي ويحيى كاشف ومرزوق كاشف وعبد العزيز كاشف وروشوان كاشف وسليم كاشف ططر وقايد كاشف وجعفر كاشف وعثمان كاشف ومحمد كاشف ابو قطية واحمد كاشف الفلاح واحمد كاشف صهر محمد أغا وخليل كاشف وعلي كاشف قيطاس واحمد كاشف وموسى كاشف وغير ذلك ممن لم يحضرني اسماؤهم وهم كثيرون وختم الله للجميع بالخير فانه بلغني ممن عاينهم بالحبوس وفي حال القتل انهم كانوا يقرأون القرآن وينطقون بالشهادتين والاستغفار وبعضهم طلب ماء وتوضأ وصلى ركعتين قبل أن يرمى عنقه ومن لم يجد ماء تيمم ولاشتغال اهل المقتولين بأنفسهم وما حصل لهم من النهب والسلب والتشتيت عن اوطانهم لم يعوا ولم يسألوا عن موتاهم غير ام مرزوق بك بن ابراهيم بك الكبير فإنها وجدت عليه وجدا عظيما وطلبته في القتلى فعرفوا جثته بعلامة فيه وجمجمته بكونه كان كريم العين فأخرجوه وكفنوه ودفنوه في تربتهم وذلك بعد مضي يومين من الحادثة واجتمع عندها الكثير من اهل المقتولين ونسائهم واقاموا على ذلك شهورا
وفي الحادثة ارسل محرم بك صهر الباشا حاكم الجيزة فجمع مال المصرية بإقليم الجيزة في الربيع من الخيول والجمال والهجن وغيرها فكان شيئا كثيرا
وفي ثامنه نودى على نساء المقتولين بالامان وان يحضرن الى بيوتهن ويسكن فيها كونها صارت بلاقع فرجع البعض وهن اللاتي لم يحصل لهن كثير الضرر وبقي البعض في اختفائه وانعم الباشا على خواصه بالبيوت بما فيها فنزلوها وسكنوها والبسوا النساء الخواتم وجددوا الفرش والاواني وغالبها من المنهوبات وانعم ببيت شاهين بك على حسين أغا من اقاربه ولم يحصل به ما حصل بغيره لكونه ملاصقا لبيت طاهر باشا
(3/327)

وارسل الباشا طائفة من العسكر جلسوا على بابه واما احمد بك الألفي فانه وصله النذير فانتقل من بوش وذهب عند الامراء القبالي ولما وصلتهم خبار هذه الحادثة وبلغ ابراهيم بك موت ولده على هذه الصورة اقاموا العزاء على اخوانهم ولبسوا السواد
وفي ثاني يوم الوقعة حضر احد الكشاف رسولا من عند الامراء القبليين يطلبون العفو من الباشا وان يعطيهم جهة يتعيشون منها فوعده برد الجواب في غير الوقت فاهمله وما ادري ما تم له
وفيه قلد الباشا مصطفى بك ابن اخته وجعله كبيرا على طائفة الدلاة وكان احضره من ناحية الشرقية ليذهب الى قبلي واقام بدله في كشوفية الشرقية علي كاشف بن احمد كتخدا من المصرلية
وفي ثامن عشره عدى مصطفى بك المذكور الى بر الجيزة ليسافر الى قبلي ونصب طاقه بحري بالقصر وعدى ايضا الباشا واقام بالقصر وشرع عسكره الدلاة في التعذية ليلا ونهارا
وفيه أيضا خرج عدة من العسكر الدلاة نحو الخمسمائة نفر الى ناحية قبة العزب ليسافروا الى بلادهم فاستمروا في قضاء اشغالهم اياما ثم سافروا
وفي يوم الاثنين ثالث عشرينه ارتحل مصطفى بك وانتقل الى ناحية الشيخ عثمان مسافرا الى قبلي وعدى الباشا راجعا الى مصر
وفيه حضر ططريان من الروم يبشران بالعفو عن يوسف باشا المنفصل عن الشام وقبل فيه ترجى باشة مصر وشفاعته
وفي يوم الاربعاء خامس عشرينه احضروا من ناحية قبلي اربعةوستين شخصا واكثرهم من الذين كانوا مستوطنين بالبلاد من بقايا البيوت القديمة السنين العديدة ومحترفين فلما احضروهم الى مصر القديمة ابقوهم الى الليل في محبس ثو اوقدوا المشاعل بساحل البحر وقطعوا رؤوسهم ورموا بجثثهم الى البحر واتوا بالرؤوس فوضعوها تجاه باب زويلة ليراها
(3/328)

الناس كما راوا غيرها
واستهل شهر ربيع الاول بيوم الثلاثاء سنة
وفي يوم الاحد سادسه عمل الباشا لابنه طوسون باشا موكبا عظيما ونبهوا في ليلتها على اجتماع العسكر في صبحها ونزل هو الى جامع الغورية ليتفرج على الموكب وصحبته حسن باشا واستعد لذلك السيد المحروقي وفرش له بالجامع المذكور فروشا ومراتب ووسائد فمر الموكب وفي اوله طائفة الدلاة فلما فرغوا مروا بعشرة مدافع كبار على عربيات وعربيتين تحملان هونين قنابر وخلفهم طوائف العسكر الرجالة ارنؤد واتراك وسجمان وهم كثيرون مختلطون من غير ترتيب مدة طويلة ثم كبارهم ركبانا بطوائفهم ثم الوالي والمحتسب واغات مستحفظان ثم طوائف صاحب الموكب وجنائبه وكذا هجنه ثم الجاويشية والسعاة والملازمون ثم طوسون باشا وخلفه اتباعه واغواته ثم الكتخدا وهو محمد كتخدا المعروف بالبرديسي وهو الذي كان كتخدا الألفي وصحبته الخازندار وخلفهم النوبة التركية ولما انقضى امر الموكب دعاه المحروقي الى منزله فنزل معه من باب السر الذي بالجامع المعروف بالغوري وصحبته حسن باشا وتوجهوا الى بيت المحروقي وتعدى عنده هو واتباعه وخواصيه واحضر له الات الطرب واستمر هناك الى آخر النهار في حظ وكيف وقدم له المحروقي تعابي هدية ثم ركب عائدا الى محله
وفي يوم الاثنين رابع عشره نزل الباشا الى ترعة الفراعونية للاهتمام بسدها ونقل الاحجار في المراكب مستمر فاقام عند السد اربع ليال وذهب الى الاسكندرية عندما اتته الاخبار بورود مراكب الانكليز لاجل مشتري الغلال فذهب ليبيع عليهم الغلال التى جمعها فباع عليهم كل اردب بمائة قرش رومي عنها اربعة آلاف فضة واكثر واجتهد ببناء اسوار الاسكندرية وجدد بها ابراجا وحصونا وارسل بطلب البنائين والصناع فجمعوهم من كل ناحية وطالت غيبته هناك واقامته لتتميم اغراضه وامن
(3/329)

مشايخ عربان اولاد على المتسولين على البحيرة وتحيل عليهم فلما حضروا اليه قبض عليهم وقرر عليهم اموالا عظيمة ثم خلع عليهم وعوقهم وارسل العساكر فنهبت نجوعهم وسبوا نساءهم واولادهم ومواشيهم واما كتخدا بك فإنه بمصر يقرر الفرض على البلاد هو و الكتبة حسب اوامر مخدومه ونظموا كيفية اخرى وهي انهم جمعوا الميري المضاف والفائظ والرزق ايراد اربع سنوات وكتبوا بها مراسيم بنصف المقرر ليقبض في دفعتين وبعد أن تقرر النصف الاول وتحصل منه ما تحصل وبقى الباقي مع النصف الآخر ويطلب من اربابه ولا بد لا مسامحة في شىء منه ومن نكفل بما تقرر على حصته والزم نفسه بدفعه وكتب على نفسه وثيقة لاجل طولب به حتى قبل حلول الاجل لاحتياج المهمات فتتوجه عليه الحوالات بيد العساكر فينزلون بداره ويلازمونه ويضيقون انفاسه ويكلفونه ما لا يطيق فلا يجد ملجأ ولا خلاصا الا باحد الشيئين اما الدفع باي وجه كتان واما أن ينزل عن حصته بالفراغ للديوان ولا يبقى بيده ما يتقوت به هو وعياله ويصبح فقيرا لا يملك شيئا ان لم يكن له ايراد من جهة اخرى
واستهل شهر ربيع الثاني سنة
والكتخدا يتنوع في استجلاب الاموال ويتحيل في استخراجها بانواع من الحيل فمنها انه يرسل الى اهل حرفة من الحرف ويامرهم ببيع بضاعتهم بنصف ثمنها ويظهر انه يريد الشفقة والرأفة بالناس ويرخص لهم في اسعار المبيعات وان ارباب الحرف تعدوا الحدود في غلاء الاسعار فجتمع اهل الحرفة ويضجون ويأتون بدفاترهم وبيان رأس امالهم وما ينضاف اليه من غلو جريئات تلك البضاعة وما استحدث عليها من الجمارك والمكوس وغلو الاجر في البحر والبر فلا يستمع لقولهم ولا يقبل لهم عذرا ويامر بهم الى الحبس فعند ذلك يطلبون الخلاص ويصالحون على انفسهم بقدر من المال يدفعونه ويوزعون ذلك على افرادهم فيما بينهم
(3/330)

ثم يزيدون في سعر تلك البضاعة ليعوضوا غرامتهم من الناس معتذرين بتلك الغرامة وما حل بهم من الخسارة ثم تستمر الزيادة على الدوام واظن استمرار الغرامة أيضا فجمع بهذه الكيفية اموالا عظيمة وهي في الحقيقة سلب اموال الناس من الاغنياء والفقراء
وفي اواخره حضر الباشا من الاسكندرية على حين غفلة فبات بقصر شبرا ثم حضر الى بيت الازبكية فأقام به يومين ثم طلع الى القلعة
وفيه وصلت عساكر كثيرة من الارنؤد والاتراك حتى غصت بهم المدينة فلا يكاد المار يقع بصره الا عليهم امام وخلف وبداخل الازقة والعطف وذلك خلاف الذين اقرهم وابقاهم في الاسكندرية ومن هو بالجهات والاقاليم القبلية والبحرية وما يعلم جنود ربك الا هو
وفيه اهتم الباشا بتشهيل العرضى اهتماما زائدا وفرض على البلاد جمالا واتبانا وغلالا
واستهل جمادى الاولى سنة
وفيه ورد قاصد من الديار الرومية وعلى يده بشارة بأنه ولد للسلطان مولودة انثى فعملوا لها شنكا وهي مدافع تضرب من ابراج القلعة في الاوقات الخمسة ثلاثة ايام
وفيه فرضوا فرضة بغال على مياسير الناس واهل الحرف بغلة وبغلتين وثلاثة والذي لم يكن عنده بغلة تلزم بالشراء او انه يدفع ثمنها كيسا عشرون ألف فضة
وفيه انقطع الوارد من الديار الحجازية وغلا سعر البن حتى وصل الى مائتين وسبعين نصف فضة كل رطل وقل وجوده من الاسواق والدكاكين فلا يوجد الا مع المشقة وصنع الناس القهوة من انواع الحبوب المحمصة كالشعير والقمح والفول وبزر العاقول وغيره مخلوطا مع البن وبغير خلط
واستهل شهر جمادى الثانية سنة
وفي عشرينه خرج الباشا الى البركة وطلب الجمال وقوافل العرب وشهل
(3/331)

طائفة من العسكر للسفر الى السويس فاهتموا بالدخول والخروج من المدينة وطفقوا يخطفون الحمير والبغال والجمال وكل ما صادفوه من الدواب ومن وجدوه راكبا ولو من وجهاء الناس انزلوه عن دابته وركبوها فانقبض الناس وانكمش غالبهم عن الركوب لمصالحهم واخفوا حميرهم وبغالهم واقام الباشا ثلاثة ايام جهة البركة ثم ركب الى السويس
وفيه وردت مراكب وداوات وفيها البن وذلك باستدعاء الباشا لها من ناحية جدة واليمن لاجل حمل العساكر واللوازم وانحل سعر البن قليلا
واستهل شهر رجب سنة
وفي ثاني عشرينه يوم الاثنين الموافق لسابع مسرى القبطي اوفى النيل اذرعه وكسر السد في صبحها يوم الثلاثاء بحضرة كتخدا بك والباشا غائب بالسويس
واستهل شهر شعبان سنة
وفي ثانيه سافر ديوان افندي بمن بقي من العساكر البحرية وفي يوم الثلاثاء ثامنه حضر الباشا من السويس وشرع في تشهيل العساكر البرية
وفي خامس عشره خرج الباشا الى العادلية واجتهد في تشهيل سفر العساكر البرية اجتهادا كبيرا وجمع من اهل كل حرفة طائفة وكذلك من اهل كل صنعة والذي يعجز عن السفر يخرج عنه بدلا بدى وتعين من الفقهاء للسفر الشيخ محمد المهدي من الشافعية ومن الحنفية السيد احمد الطحطاوي وشيخ حنبلي وصل من ناحية الشام وكانوا رسموا بإحضار السيد حسين كريت المالكي من رشيد والشيخ علي خفاجي من دمياط فحضرا واعتذرا فاعفيا من السفر ورجعا الى بلديهما
وفي هذا الشهر ظهر نجم له ذنب في جهة الشمال
بين بنات نعش الصغرى وبين منار بنات نعش الكبرى رأسه جهة المغرب وذنبه صاعدا الى جهة المشرق وله شعاع مستطيل في مقدار الرمح واستمر يظهر في كل ليلة والناس ينظرون اليه ويتحدثون به ويسألون
(3/332)

الفلكيين عنه ويبحثون عن دلائله وعن الملاحم المصنفة في ذوات الاذناب واستمر ظهوره قريبا من ثلاثة اشهر واضمحل بعض جرمه ومشى الى ناحية الجنوب وقرب من النسر الطائر
واستهل شهر رمضان بيوم الاربعاء سنة
وفي يوم الخميس تاسعه ارتحل العسكر من الحصوة ونزلوا ببركة الحج
وفي يوم الاحد ثاني عشره ارتحلوا من البركة فكان مدة مكث العرضى من يوم خروج الموكب الى يوم ارتحالهم من البركة قريبا من ستة اشهر ونصف والناس في امر مريج في كل شيء
وفيه خرج السيد محمد المحروقي ليسافر صحبة الركب وخرج في موكب جليل لأنه هو المشار اليه في رياسة الركب ولوازمه واحتياجاته وامور العربان ومشايخها واوصى الباشا ولده طوسون باشا امير العسكر بان لا يفعل شيئا من الاشياء الا بمشورته واطلاعه ولا ينفذ امرا من الامور الا بعد مراجعته
وفيه وردت الاخبار بأن العساكر البحرية ملكوا ينبع البحر ونهبوا ما كان فيه من ودائع التجار وذلك انه كان بمرساة الينبع عدة مراكب وادوات والشريف غالب امير مكة يكاتب الباشا ويراسله ويظهر له النصح والصداقة وخلوص المودة والباشا أيضا يراسله ويكاتبه وارسل له السيد سلامة النجاري والسيد احمد المنلا الترجمان المحروقي بمراسلات وجوابات مرارا عديدة فكأناهما السفيرين بينهما وايضا الشريف في كل كتابة مع كل مرسل يعاهد الباشا ويعاقده ويواعده بنصر عساكره متى وصلت وينافق للطرفين الذي هو العثماني والوهابي ويداهنهما اما الوهابي فلخوفه منه وعدم قدرته عليه فيظهر له الموافقة والامتثال وانه معه على العهود التى عاهده عليها من ترك الظلم واجتناب البدع ونحوذلك ويميل باطنا للعثمانيين لكونه على طريقتهم ومذاهبهم وتعاقد مع الباشا انه متى
(3/333)

وصلت عساكره قام بنصرتهم وساعدهم بكليته وجميع همته وارسل الى المراكب الكائنة بمرساة الينبع بأن ينقلوا ما فيها من مال التجار وغيرهم ويودعوه قلعة الينبع تحت يد وزيره وترك معه نحو الخمسمائة من عسكره واخذ المراكب فأوسقها من بضائعه وبهاره وبنه وارسلها الى السويس لتباع بمصر ثم توسق بمهمات العسكر البحرية فلما وصلت مراكب العساكر البحرية والقت مراسيها قبالة الينبع احتاجوا الى الماء فلم يسعفوهم بالماء فطلع طائفة من العسكر الى البر في طلب عين الماء فمانعهم من عندها مرابط فقاتلوهم وطردوهم ومنعوهم عن الماء وفي حال رجوعهم رموا عليهم من القلعة المدافع والرصاص والحال أن الامر مبهم على الفريقين فعند ذلك استعدت العساكر لمحاربة من بالقلعة واحتاطوا بها وضربوا عليها القنابر والمدافع وركبوا على سورها سلالم وصعدوا عليها وتسلقوا على سور القلعة من غير مبالاة بالرصاص النازل عليهم من الكائنين بالقلعة فملكوا القلعة وقتلوا من كان بها ولم ينج منهم الا الوزير ومعه ستة انفار خرجوا هاربين على الخيول ونهبوا كل ما كان بالينبع من الودائع والاموال والاقمشة والبن وسبو النساء والبنات الكائنات بالبندر واخذوهن اسرى يبيعوهن على بعضهم البعض ووصل المبشرون بذلك في عشرينه فضربوا لذلك مدافع من القلعة كثيرة وعملوا شنكا وطافت المبشرون على بيوت الاعيان ليأخذوا منهم البقاشيش وارسلوا بتلك البشارة شخصا معينا كبيرا الى اسلامبول يبشرون اهل الدولة وسلطان الاسلام وكان ذلك اول فتح حصل
واستهل شهر شوال بيوم الجمعة سنة
وكان حقه أن يكون بيوم السبت لأن الهلال لم يكن موجودا ليلة الجمعة ولم يره ليلة السبت الا النادر من الناس وكان قوسه ليلة السبت عشر درجات
وفي سادس عشره وصلت هجانة ومكاتبات من عساكر البر يخبرون
(3/334)

بوصولهم الى بندر المويلح في اليوم السابع من الشهر وكان العيد عندهم بمغاير شعيب يوم السبت
وفيه خرجت تجريدة لتسافر الى قبلي لمحاربة من بقي من الامراء المصريين بناحية ابريم
واستهل شهر ذي القعدة بيوم الاحد سنة
وفيه وصلت حجاج مغاربة في عدة مراكب على ظهر البحر وتلف منهم نحو ثلاثة مراكب وحضر بعدهم بأيام الركب الطرابلسي ونزل بساحل بولاق
وفي سادسه حضر أيضا الركب الفاسي وفيهم ابن سلطان الغرب مولاي ابراهيم ابن مولاي سليمان فاعتنى الباشا بشأنه وارسل كتخدا بك لملاقاته وقدم له تقادم واعدوا له منزل علي كاشف بالقرب من بيت المحروقي لينزل فيه وتقيد بخدمته الرئيس حسن المحروقي وحواشيهم لمطبخه وكلف طعامه فلما عدى طلع الى القلعة وقابل الباشا ونزل الى المنزل الذي اعده له وامامه قواسة اتراك وطرادون واسخاص اتراك يضربون على طبلات وامامه جميع المغاربة مشاة ويامرون الناس الجالسين بالحوانيت بالقيام على اقدامهم فأقام خمسة ايام حتى قضى اشغاله وفي تلك المدة تغدو اليه وتروح رسل الباشا وارسل له هدية وذخيرة من كل صنف سكر وعسل وسمن ودقيق وبقسماط واشياء اخر وبارود واعطى له ألف بندقية لضرب الرصاص وبرز في عاشره وسافروا في ثاني عشره
وفي يوم الخميس تاسع عشره وصلت هجانة على ايديهم مكاتبات خطابا الى الباشا وغيره وفيهم خبر بان العسكر البري قد اجتمع مع العسكر البحري واخذوا ينبع البر من غير حرب وان العربان اتت اليهم افواجا وقابلوا طوسون باشا وكساهم وخلع عليهم ثم انقطعت الاخبار
واستهل شهر ذي الحجة سنة
(3/335)

في منتصفه وصلت هجانة ومعهم رؤوس قتلى ومكاتبات مؤرخة في منتصف شهر القعدة مضمونها انهم وصلوا الى ينبع البر في حادي عشرين شوال واجتمع هناك العسكران البري والبحري وانهم ملكوا قرية ابن جبارة من الوهابية وتسمى قرية السويق وفر ابن جبارة هاربا وحضرت عربان كثيرة وقابلوا ابن الباشا وانهم مقيمون وقت تاريخه في منزله الينبع منتظرين وصول الذخيرة وعاق المراكب ريح الشتاء المخالف وانه ورد عليهم خبر ليلة اربعة عشر شهره بأن جماعة من كبار الوهابية حضروا بنحو سبعة آلاف خيال وفيهم عبدالله ابن مسعود وعثمان المضايفي ومعهم مشاة قصدوا أن يدهموا العرضي على حين غفلة فخرج اليهم شديد شيخ الحويطات ومعه طوائفه ودلاة وعساكر فوافاهم قبل شروق الشمس ووقع بينهم القتال والوهابية يوقولون هاه يا مشركون وانجلت الحرب عن هزيمة الوهابية وغنموا منهم نحو سبعين هجينا من الهجن الجياد محملة ادوات وكانت الحرب بينهم مقدار ساعتين هذا ملخص ما ذكره وفي الاجوبة التى حضرت
وفي يوم الجمعة خامس عشرينه وصلت قافلة من السويس وحضر فيها جاويش باشا وصحبته مكاتبات وحضر أيضا السيد احمد الطحطاوي والسيخ الحنبلي واخبروا أن العرضى ارتحل من ينبع البر في سابع عشر ذي القعدة ووصلوا الى منزله الصفراء الجديدة ونصبوا عرضيهم وخيامهم ووطاقاتهم بالقرب من الجبال فوجدوا هناك متاريس واحجارا فحاربوا على اول متراس حتى اخذوه ثم اخذوا متراسا آخر وصعدت العساكر الى قلل الجبال فهالهم كثرة الجيش وسارت الخيالة في مضيق الجبال هذا والحرب قائمة في اعلى الجبال يوما وليلة الى بعد الظهيرة من يوم الاربعاء ثالث عشر ذي القعدة فما يشعر السفلانيون الا والعساكر الذين في الاعالي هابطون منهزمون فانهزموا جميعا وولوا الادبار وطلبوا جميعا الفرار وتركوا خيامهم واحمالهم واثقالهم وطفقوا ينهبون ويخطفون
(3/336)

ما خف عليهم من امتعة رؤسائهم فكان القوي منهم يأخذ متاع رفيقه الضعيف ويأخذ دابته ويركبها وربما قتله واخذ دابته وساروا طالبين الوصول الى السفائن بساحل البريك لأنهم كانوا اعدوا عدة مراكب بساحل البريك من باب الاحتياط ووقع في قلوبهم الرعب واعتقدوا أن القوم في اثرهم والحال انه لم يتبعهم احد لأنهم لا يذهبون خلف المدبر ولو تبعوهم ما بقي منهم شخص واحد فكانوا يصرخون على القطائر فتأتي اليهم القطيرة وهى لا تسع الا القليل فيتكاثرون ويتزاحمون على النزول فيها فيصعد منهم الجماعة ويمنعون البواقي من اخوانهم فإن لم يمتنعوا مانعوهم بالبنادق والرصاص حتى كانوا من شدة حرصهم وخوفهم واستعجالهم على النزول في القطائر يخوضون في البحر الى رقابهم وكأنما العفاريت في اثرهم تريد خطفهم وكثير من العسكر والخدم لما شاهدوا الازدحام على اسكلة البريك ذهبوا مشاة الى ينبع البحر ووقع التشتيت في الدواب والاحمال والخلائق من الخدم وغيرهم ورجع طوسون باشا الى ينبع البحر بعد أن تغيب يوما عن معسكره حتى انهم ظنوا فقده ورجع أيضا المحروقي وديوان افندي واستقروا بالينبع وترك المحروقي خيامه بما فيها فنزل بها طائفة من العسكر المنهزمين وهم على جهد من التعب والجوع فوجدوا بها المآكل والحلاوات وانواع الملبسات والكعك المصنوع بالعجمية والسكر المكرر والغربيات والخشكنانكات والمربيات وانواع الشرابات فوقعوا عليها اكلا ونهبا ولما تحققوا أن العرب لم تتبعهم ولم تأت في اثرهم اقاموا على ذلك يومين حتى استوفوا اغراضهم وشبعت بطونهم وارتاحت ابدانهم ثم لحقوا بإخوانهم فكانوا هم اثبت القوم واعقلهم ولو كان على غير قصد منهم فكان مدة اقامة المعسكر والعرضي بينبع البر اربعة وعشرين يوما واما الخيالة فإنهم اجتمعوا وساروا راجعين الى المويلح وقد اجهدهم التعب وعدم الذخيرة والعليق حتى حكوا انهم كانوا قبل الواقعة يعلقون على الجمل بنصف قدح قمح مسوس وكانت
(3/337)

علائفهم في كل يوم اربعمائة وخمسين اردبا واما المحروقي فإن كبار العسكر قامت عليه واسمعوه الكلام القبيح وكادوا يقتلونه فنزل في سفينة وخلص منهم وحضر من ناحية القصير وحضر الكثير من اتباعه وخدمه متفرقين الى مصر فأما الذين ذهبوا الى المويلح فهم تأمر كاشف وحسين بك دالي باشا وآخرون فأقاموا هناك في انتظار اذن الباشا في رجوعهم الى مصر او عدم رجوعهم واما صالح أغا قوج فانه عندما نزل السفينة كر راجعا الى القصير واستقل برأيه لانه يرى في نفسه العظمة وانه الاحق بالرياسة ويسفه رأى المحروقي وطوسون باشا ويقول هؤلاء الصغار كيف يصلحون لتدبير الحروب ويصرح بمثل هذا الكلام واذيد منه وكان هو اول منهزم وعلم كا ذلك الباشا بمكاتبات ولده طوسون فحقده في نفسه وتمم ذلك بسرعة رجوعه الى القصير ولم ينتظر اذنا في الرجوع او المكث ولما حصل ذلك لم بتزلزل الباشا واستمر على همته في تجهيزه عساكر اخرى وبرزوا الى خارج البلدة وفرض على البلاد جمالا ذكر انها من اصل الغرائم والفرض في المستقبل وكذلك فرض غلالا فكان المفروض على اقليم الشرقية خاصة اثني عشر ألف اردب بعناية علي كاشف قابله الله بما يستحق وانقضت السنة بحوادثها التى منها هذه الحادثة واظنها طويلة الذيل
ومنها أن النيل هبط قبل الصليب بأيام قليلة بعد أن بلغ في الزيادة مبلغا عظيما حتى غرق الزرع الصيفي والدراوي ولما انحسر عن الارض زرعوا البرسيم والوقت صائف والحرارة مستجنة في الارض فتولدت فيه الدودة واكلت الذي زرع فبدروه ثانيا فاكلته أيضا وفحش امر الدودة جدا في الزرع البدري وخصوصا بإقليم الجيزة والقيلوبية والمنوفية بل وباقي الاقاليم
ومنها أن الباشا احدث ديوانا ورتبوه ببيت البكري القديم بالازبكية واظهر أن هذا الديوان لمحاسبة ما يتعلق به من البلاد ومحاسبتها والقصد
(3/338)

الباطني غير ذلك وقيد به ابراهيم كتخدا الرزاز والشيخ احمد يوسف كاتب حسين افندي الروزنامجي وما انضم اليهم من الكتبة المسلمين دون الاقباط ليحرروا به قوائم المصروف المضاف والبراني فكانوا يجلسون لذلك كل يوم ما عدا يوم الجمعة ثم تطرق الحال لسور بلاد الباشا وهو أن الكثير من الفلاحين لما سمعة ذلك اتوا من كل ناحية الى مصر وكتبوا عرضحالات الى كتخدا بك وللباشا ويتظلمون من استاذيهم وينهون انهم يزيدون عليهم زيادات في قوائم المصروف ويشددون عليهم في طلب الفرض او بواقيها فيدفعهم الباشا او الكتخدا الى ذلك الديوان المحدث لينظر في امرورهم ويصحبهم معين تركي مباشر يأتي بالملتزم أيضا والفلاحين والشاهد والصراف وقوائم المصروف لاجل المحاققة فعند ذلك يتعنت ابراهيم كتخدا في القوائم ويطلب قوائم السنين الماضية المختومة ونحو ذلك ولما فشا هذا الامر واشيع في البلدان اتت طوائف الفلاحين افواجا الى هذا الديوان يطلبون الملتزمين ةويخاصمونهم ويكافحونهم فيكون امرا مهولا وغاية في الزحام والعياط والشباط وكذلك رفعوا المعلم منصور ومن معه من الكتبة من مباشرة ديوان ابنه ابراهيم بك الدفتردار وقيدوا بدلهم السيد محمد غانم الرشيدي ومحمد افندي سليم ومن انضم اليهم واظهر الباشا انه يفعل ذلك لما علمه من خيانة الاقباط والقصد الخفي خلاف ذلك وهو الاستيلاء والاستحواذ الكلي والجزئي وقطع منفعة الغير ولو قليلا فيضرب هذا بهذا والناس اعداء بعضهم لبعض وقلوبهم متنافرة فيغرى هذا بذاك وذاك بهذا ومن الناس من سمى هذا الديوان ديوان الفتنة
ومنها الزيادة الفاحشة في صرف المعاملة والنقص في وزنها وعيارها وذلك أن حضرة الباشا ابقى دار الضرب على ذمته وجعل خاله ناظرا عليها وقرر لنفسه عليها في كل شهر خمسمائة كيس بعد أن كان شهريتها ايام نظارة المحروقي خمسين كيس في كل شهر ونقصوا وزن القروش نحو
(3/339)

النصف عن القرش المعتاد وزادوا في خلطه حتى لا يكون فيه مقدار ربعه من الفضة الخالصة ويصرف باربعين نصفا وكذلك المحبوب نقصوا من عياره ووزنه ولما كان الناس يتساهلون في صرف المحبوب والريال الفرانسة ويقبضونها في خلاص الحقوق من المماطلين والمفلسين وفي المبيعات الكاسدة بالزيادة لضيق المعايش حتى وصل صرف الريال الى مائتين وخمسين نصفا والمحبوب الى مائتين وثمانين ثم زاد الحال في التساهل في الناس بالزيادة أيضا عن ذلك فينادي الحاكم بمنع الزيادة ويمشي الحال اياما قليلة ويعود لما كان او ازيد فتحصل المناداة أيضا ويعقبونها بالتشديد والتنكيل بمن يفعل ذلك ويقبض عليه اعوان الحاكم ويحبس ويضرب ويغرمونه غرامة وربما مثلوا به وخرموا انفه وصلبوه على حانوته وعلقوا الريال في انفه ردعا لغيره وفي اثناء ذلك اذا بالمناداة بان يكون صرف الريال بمائتين وسبعين والمحبوب بثلثمائة وعشرة فاستمع وتعجب من هذه الاحكام الغريبة التى لم يطرق سمع سامع مثلها هذا مع عدم الفضة العديدة في ايدي الناس فيدور الشخص بالقرش وهو ينادي على صرفه بنقض اربعة انصاف نصف يوم حتى يصرفه بقطع افرنجية منها ما هو باثنى عشر او خمسة وعشرين او خمسة فقط او يشترى من يريد الصرف شيئا من الزيات او الخضري او الجزار ويبقى عنده الكسور الباقية يعده بغلاقها فيعود اليه مرارا حتى يتحصل عنده غلاقها وليس هو فقط بل امثاله كثير وسبب شحة الفضة العددية انه يضرب منها كل يوم بالضربخانة الوف مؤلفة يأخذها التجار بزيادة مائة نصف في كل ألف يرسلونها الى بلاد الشام والروم ويعوضون بدلها في الضربخانة الفرانسة والذهب لانها تصرف في تلك البلاد بأقل مما تصرف به في مصر وزاد الحال بعد هذا التاريخ حتى استقر على صرف الالف مائتين وتقرر ذلك في حساب الميري فيدفع الصارف ثلاثين قرشا عنها ألف ومائتان ويأخذ الفا فقط والفرانسة والمحبوب بحسابه المتعارف بذلك الحساب والامر لله وحده
(3/340)

واما من مات في هذه السنة ممن له ذكر
فلم يمت من مشاهير الفقهاء من له شهرة ولا ذكر
واما الامراء فقد تقدم ذكرهم
وما وقع لهم ومقتلهم اجمالا فأغنى عن التكرار فالله يرحمنا اجمعين
ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومائتين والف
وما تجدد بها من الحوادث فكان ابتداء المحرم بالرؤية يوم الخميس في عاشره وصل كثير من كبار العسكر الذين تخلفوا بالمويلح فحضر منهم حسين بك دالي باشا وغيره فوصلوا الى قبة النصر جهة العادلية ودخلت عساكرهم المدينة شيئا فشيئا وهم في اسوأ حال من الجوع وتغير الالوان وكآبة المنظر والسحن ودوابهم وجمالهم في غاية العي ويدخلون الى المدينة في كل يوم ثم دخل اكابرهم الى بيوتهم وقد سخط عليهم الباشا ومنع أن لا يأتيه منهم احد ولا يراه وكأنهم كانوا قادرين على النصرة والغلبة وفرطوا في ذلك ويلومنهم على الانهزام والرجوع وطفقوا يتهم بعضهم البعض في الانهزام فتقول الخيالة سبب هزيمتنا القرابة وتقول القرابة بالعكس ولقد قال لي بعض اكابرهم من الذين يدعون الصلاح والتورع اين لنا بالنصر واكثر عساكرنا على غير الملة وفيهم من لا يتدين بدين ولا ينتحل مذهبا وصحبتنا صناديق المسكرات ولا يسمع في عرضينا اذان ولا تقام به فريضة ولا يخطر في بالهم ولا خاطرهم شعائر الدين والقوم اذا دخل الوقت اذن المؤذنون وينتظمون صفوفا خلف امام واحد بخشوع وخضوع واذا حان وقت الصلاة والحرب قائمة اذن المؤذن وصلوا صلاة الخوف فتتقدم طائفة للحرب وتتأخر الاخرى للصلاة وعسكرنا يتعجبون من ذلك لانهم لم يسمعوا به فضلا عن رؤيته وينادون في معسكرهم هلموا الى حرب المشركين المحلقين الذقون المستبيحين الزنا واللواط الشاربين الخمور التاركين للصلاة والآكلين الربا القاتلين الانفس المستحلين المحرمات وكشفوا عن كثير من قتلى العسكر فوجدوهم غلفا غير مختونين
(3/341)

ولما وصلوا بدرا واستولوا عليها وعلى القرى والخيوف وبها خيار الناس وبها أهل العلم والصلحاء نهبوهم واخذوا نساءهم وبناتهم وأولادهم وكتبهم فكانوا يفعلون فيهم ويبيعونهم من بعضهم لبعض ويقولون هؤلاء الكفار الخوارج حتى اتفق أن بعض أهل بدر الصلحاء طلب من بعض العسكر زوجته فقال له حتى تبيت معي هذه الليلة وأعطيها لك من الغد
وفيه خرج العسكر المجرد إلى السويس وكبيرهم بونا بارته الخازندار ليذهب لمحافظة الينبع صحبة طوسون باشا
وفيه وصل جماعة من الانكليز وصحبتهم هدية إلى الباشا وفيها طيور ببغا هندية خضر الألوان وملونة وريالات فرانسة نقود معبأة في براميل وحديد وآلات ومجيئهم وحضورهم في طلب اخذ الغلال وفي كل يوم تساق المراكب المشحونة بالغلال إلى بحري وكلما وردت مراكب سيرت إلى بحري حتى شحت الغلال وغلا سعرها وارتفعت من السواحل والرقع ولا يكاد يباع الا مادون الويبة وكان سعر الأردب من أربعمائة نصف إلى ألف ومائتين والفول كذلك وربما كان سعره ازيد من القمح لقلته فانه هاف زرعه في هذه السنة ولم يتحصل من رميه إلا نحو التقاوى وحصل للناس في هذه الأيام شدة بسبب ذلك ثم بعد قليل وردت غلال وانحلت الأسعار وتواجدت الغلال بالسواحل والرقع
وفي منتصفه حضر رجل نصراني من جبل الدروز وتوصل إلى الباشا وعرفه انه يحسن الصناعة بدار الضرب ويوفر عليه كثيرا من المصاريف وأنها بها نحو الخمسمائة صانع وان يقوم بالعمل بأربعين شخصا لا غير وانه يصنع آلات وعدد الضرب القروش وغيرها ولا تحتاج إلى وقود نيران ولا كثير من العمل فصدق الباشا قوله أمر بأن يفرد له مكان ويضم اليه ما يحتاجه من الرجال والحدادين والصناع ليعمل لصناعته العدد والآلات التي يحتاجها وشرع في اشغاله واستمر على ذلك شهورا
وفيه التفت الباشا إلى خدمة الضربخانة وافنديتها وطمعت نفسه في
(3/342)

مصادرتهم واخذ الأموال لما يرى عليهم من التجمل في الملابس والمراكب لان من طبعه داء الحسد والشره والطمع والتطلع لما في أيدي الناس وارزاقهم فكان ينظر إليهم ويرمقهم وهم يغدون ويروحون إلى الضربخانة هو وأولادهم راكبون البغال والرهوانات المجملة وحولهم الخدم والاتباع فيسأل عنهم ويستخبر عن أحوالهم ودورهم ومصارفهم وقد اتفق انه رأى شخصا خرج آخر الصناع وهو راكب رهوانا وحوله ثلاثة من الخدم فسأل عنه فقيل له أن هذا البواب الذي يغلق باب الضربخانة بعد خروج الناس منها ويفتحه لهم في الصباح فسأل عن مرتبه في كل يوم فعرفوا أن له في كل يومين قرشين لا غير فقال أن هذا المرتب له لا يكفي خدمة الذين هم حوله فكيف بمصرف داره وعليق دوابه وجميع لوازمه مما ينفقه ويحتاجه في تجملاته وملابسه وملابس أهله وعياله أن هؤلاء الناس كلهم سراق وكل ما هم فيه من السرقة والاختلاس ولا بد من إخراج الأموال التي اختلسوها وجمعوها وتناجى في ذلك مع العلم غالي وقرنائه ثم طلب أولا اسمعيل أفندي ليلا وهو ألافندي الكبير وقال له عرفني خيانة فلان النصراني وفلان اليهودي المورد فقال لا اعلم على أحد منهم خيانة وهذا شيء يدخل بالميزان ويخرج بالميزان ثم صرفه واحضر النصراني وقال له عرفني بخيانة اسمعيل افندي وأولاده والمداد وإبراهيم أفندي الخضراوي الختام وغيره فلم يرد على ما قاله اسمعيل أفندي ثم احضر الحاج سالم الجواهرجي وهدده فلم يزد على قول الجماعة شيئا فقال الجميع شركاء لبعضهم البعض متفقون على خيانتي ثم أمر بحبس الحاج سالم واحضر شخصا آخر من الجواهرجية يسمى صالح الدنف والبسه فروة وجعله في خدمة الحاج سالم ثم ركب الباشا إلى بيت الأزبكية وطلب اسمعيل أفندي ليلا هو وأولاده فأحضرهم بجماعة من العسكر في صورة هائلة وهددهم بالقتل وأمر بإحضار المشاعلي فأحضروه وأوقدوا المشاعل وسعت المتكلمون في العفو عنهم من القتل وقرروا عليهم مبلغا عظيما من الأكياس التزموا بدفعها خوفا من
(3/343)

القتل ففرضوا على الحاج سالم بمفرده سبعمائة وخمسين كيسا وعلى إبراهيم المداد مائتي كيس وعلى احمد أفندي الوزان مائتي كيس وعلى أولاد الشيخ السحيمي مائتي كيس لان لهم بها آلات ختم ووظائف يستغلون أجرتها واخذ الجماعة في تحصيل ما فرض عليهم فشرعوا في بيع أمتعتهم وجهات إيرادهم ورهنوا وتداينوا بالربا وحولت عليهم الحوالات لطف الله بنا وبهم
واستهل شهر صفر الخير بيوم الجمعة سنة
في سابعه يوم الخميس حضر السيد محمد المحروقي إلى مصر ووصل من طريق القصير ثم ركب بحر النيل ولم يحضر الشيخ المهدي بل تخلف عنه بقنا وقوص لبعض اغراضه
وفيه ألبس الباشا صالح أغا السلحدار خلعة وجعله سر عسكر التجريدة المتوجهة على طريق البر إلى الحجاز وكذلك البس باقي الكشاف
وفي يوم الأحد عاشره ورد قابجي وعلى يده مرسوم ببشارة مولود ولد للسلطان محمود وتسمى بمراد وصحبته أيضا مقرر للباشا على ولاية مصر فضربوا مدافع لوروده وطلع الى القلعة في موكب وقرئت المراسيم وعملوا شكنا ومدافع تضرب في الأوقات الخمسة سبعة أيام من القلعة والازبكية وبولاق والجيزة
واستهل شهر ربيع الأول سنة
فيه حضر إبراهيم بك ابن الباشا من الجهة القبلية
وفي منتصفه حضر احمد أغا لاظ الذي كان أمير بقنا وقوص وباقي الكشاف بعد أن راكوا جميع البلاد القبلية والأراضي وفرضوا عليها الأموال على كل فدان سبعة ريالات وهو شيء كثير جدا واخصوا جميع الرزق الاحباسية المرصدة على المساجد والبر والصدقة بالصعيد ومصر فبلغت ستمائة آلف فدان أشاعوا بأنهم يطلقون للمرصد على المساجد خاصة نصف المفروض وهو ثلاثة ريال ونصف فضجت أصحاب الرزق
(3/344)

وحضر الكثير منهم يستغيثون بالمشايخ فركبوا إلى الباشا وتكلموا معه في شأن ذلك وقالوا له هذا يترتب عليه خراب المساجد فقال وأين المساجد العامرة الذي لم يرضى بذلك يرفع يده وانا اعمر المساجد المتخربة وارتب لها ما يكفيها ولم يفد كلامهم فائدة فنزلوا إلى بيوتهم
وفي أواخره انتقل السيد عمر مكرم النقيب من دمياط إلى طندتا وسكن بها
وسبب ذلك انه لما طالت إقامته بدمياط وهو ينتظر الفرج وقد أبطأ عليه وهو ينتقل من المكان الذي هو فيه إلى مكان آخر على شاطيء البحر وتشاغل بعمارة خان أنشأه هناك والحرس ملازمون له فلم يزل حتى ورد عليه صديق أفندي قاضى العسكر فكلمه بأن يتشفع له عند الباشا في انتقاله إلى طندتا ففعل واجاب الباشا إلى ذلك
واستهل شهر ربيع الآخر سنة
في رابعه وصل الحجاج المغاربة ووصل أيضا مولاي إبراهيم ابن السلطان سليمان سلطان المغرب ! وسبب تأخرهم إلى هذا الوقت انهم اتوا من طريق الشام وهلك الكثير من فقرائهم المشاة واخبروا انهم قضوا مناسكهم وحجوا وزاروا المدينة واكرمهم الوهابية إكراما زائدا وذهبوا ورجعوا من غير طريق العسكر
وفي عاشره حضر تامر كاشف ومحو بك وعبدالله أغا وهم الذين كانوا حضروا إلى المويلح بعد الهزيمة فأقاموا به مدة ثم ذهبوا إلى ينبع البحر عند طوسون باشا ثم حضروا في هذه الأيام باستدعاء الباشا وكان محو بك في مركب من مراكب الباشا الكبار التي انشأها فانكسر على شعب وهلك من عسكره أشخاص ونجا هو بمن بقي معه واخبروا عنه انه كان أول من تقدم في البحر هو وحسين بك فقتل من عسكرهما الكثير من دون البقية الذين استعجلوا الفرار
وفيه خرجت اوراق الفرضة على نسق العام الأول عن أربع سنوات
(3/345)

مال وفائظ ومضاف وبراني ورزق واوسية واستقر طلبها في دفعة واحدة ويؤخذ من اصل حسابها الغلال من الاجران بحساب ثمانية ريال كل أردب ويجمع غلال كل إقليم في نواحي عيونها لتساق إلى الإسكندرية وتباع على الإفرنج فشخت الغلال وغلا سعرها مع كون الفلاح لا يقدر على رفع غلته المتحصلة له من زراعة أرضه التي غرم عليها المغارم بطول السنة بل تؤخذ منه قهرا مع الاجحاف في الثمن والكيل بحيث يكال الأردب أردبا ونصفا ثم يلزمونه بأجره حملها للمحل المعد لذلك ويلزم أيضا باجرة المعادي وبعض البلاد يطلق له الأذن بدفع المطلوب بالثمن والبعض النصف غلال والنصف الآخر دراهم حسب رسم المعلم غالي وأوامره واذنه فإنه هو المرخص في الآمر والنهي فيبيع المأذون له غلته بأقصى قيمة بمرأي من المسكين الآخر الذي لم تسعده الأقدار وحضر الكثير من الفلاحين وازدحموا بباب المعلم غالي وتركوا بيادرهم وتعطلوا عن الدراس
وفي ليلة الاثنين خامس عشره ذهب الباشا إلى قصر شبرا وسافر تلك الليلة إلى ثغر الإسكندرية ورجع ابنه إبراهيم بك إلى الجهة القبلية وكذلك احمد أغا لاظ لتحرير وقبض الأموال
وفيه ورد خبر بأن العسكر القبلي ذهبوا خلف الأمراء القبليين الفارين إلى خلف ابريم وضيقوا عليهم الطرق وماتت خيولهم وجمالهم وتفرق عنهم خدمهم واضمحل حالهم وحضر عدة من مماليكهم وأجنادهم إلى ناحية أسوان بأمان من الأتراك فقبضوا عليهم وقتلوهم عن آخرهم وفعلوا قبل ذلك بغيرهم كذلك
وفي أواخره سافر عدة من عسكر المغاربة إلى الينبع ووصل جملة كبيرة من عسكر الاروام إلى الإسكندرية فصرف عليهم الباشا علائف وحضروا إلى مصر وانتظموا في سلك من بها ويعين منهم للسفر من يعين
وفيه وقعت حادثة بخط الجامع الازهر وهو انه من مدة سابفة من
(3/346)

قبل العام الماضي كان يقع بالخطة ونواحيها من الدور والحوانيت سرقات وضياع أمتعة وتكرر ذلك حتى ضج الناس وكثر لغطهم وضاع تخمينهم فمن قائل انه مسترعيات يدخلون من نواحي السور ويتفرقون في الخطة ويفعلون ما يفعلون ومنهم من يقول أن ذلك فعل طائفة من العسكر الذين يقال لهم الحيطة في بلادهم إلى غير ذلك ثم في تاريخه سرق من بيت امرأة رومية صندوق ومتاع فاتهمت أشخاصا من العميان المجاورين بزاويتهم تجاه مدرسة الجوهرية الملاصقة للأزهر فقبض عليهم الآغا وقررهم فأنكروا وقالوا لسنا سارقين وإنما سمعنا فلانا وسموه وهو محمد ابن ابى القاسم الدرقاوي المغربي المنفصل عن مشيخة رواق المغاربة ومعه اخوته وآخرون ونعرفه بصوته وهم يتذاكرون في ذلك ونحن نسمعهم فلما تحققوا ذلك وشاع بين الناس والاشياخ ذهب بعضهم إلى ابى القاسم وخاطبوه وكلموه سرا وخوفوه من العاقبة وكان المذكور جعل نفسه مريضا ومنقطعا في داره فغالطهم فقالوا له نحن قصدنا بخطابك التستر على أهل الخرقة المنتسبين إلى الأزهر في العمل بالشريعة واخذ العلم او ما علمت ما قد جرى في العام السابق من حادثة الزغل وغير ذلك فلم يزالوا به حتى وعدهم انه يتكلم مع أولاده ويفحصون على ذلك بنباهتهم ونجابتهم
وفي اليوم الثالث وقيل الثاني أرسل أبو القاسم المذكور فأحضر السيد احمد الذي يقال له جندي المطبخ وابن أخيه وهما اللذان يتعاطيان الحسبة والأحكام بخط الأزهر ويتكلمان على الباعة والخضرية والجزارين الكائنين بالخطة فلما حضرا عنده عاهدهما وحلفهما بأن يسترا عليه وعلى أولاده ولا يفضحاهم ويبعدا عنهم القضية واخبرها بان ولده لم يزل يتفحص بفطانته حتى عرف السارق ووجد بعض الأمتعة ثم فتح خزانة بمجلسه واخرج منها أمتعة فسألوه عن الصندوق فقال هو باق عند من هو عنده ولا يمكن إحضاره في النهار فإذا كان آخر الليل انتظروا ولدي
(3/347)

محمد هذا عند جامع الفكهاني بالعقادين الرومي وهو يأتيكم بالصندوق مع سارقه فاقبضوا عليه واتركوا أولادي ولا تذكروهم ولا تتعرضوا لهم فقالوا له كذلك وحضر الجندي وابن أخيه في الوقت الذي وعدهم به وصحبتهما أشخاص من أتباع الشرطة ووقفوا في انتظاره عند جامع الفكهاني فحضر إليهم وصحبته شخص صرماتي فقالا لهم مكانكم حتى نأتيكم ثم طلعا إلى ربع بعطفة الانماطيين ورجعا في الحال بالصندوق حامله الصرماتي على رأسه فقبضوا على ذلك الصرماتي واخذوه بالصندوق إلى بيت الآغا فعاقبوه بالضرب وهو يقول انا لست وحدي وشركائي ابن ابى القاسم وأخواه وآخر يسمى شلاطة وابن عبدالرحيم الجميع خمسة أشخاص فذهب الآغا واخبر كتخدا بك فأمره بطلب أولاد أبي القاسم فأرسل اليه ورقة يطلبهم فأجابه بأن اولاده حاضرون عنده بالازهر من طلبة العلم وليسوا بسارقين فبالاختصار اخذهم الآغا واحضر ذلك الصرماتي معهم لأجل المحاققة فلم يزل يذكر لابن أبي القاسم ما كانوا عليه في سرحاتهم القديمة والجديدة ويقول له اما كنا كذا وكذا وفعلنا ما هو كذا في ليلة كذا واقتسمنا ما هو كذا وكذا ويقيم عليه ادلة وقرائن وامارات ويقول له انت رئيسنا وكبيرنا في ذلك كله ولا نمشي إلى ناحية ولا سرحة الا بإشارتك فعند ذلك لم يسع ابن أبي القاسم الانكار واقر واعترف هو واخوته وحبسوا سوية واما شلاطة ورفيقه فإنهما تغيبا وهربا واختفيا وشاعت القضية في المدينة وكثر القال والقيل في الازهر ونواحيه وتذكروا قضية الدراهم الزغل التى ظهرت قبل تاريخه وتذكروا اقوالا أخرى واجتمع كثير من الذين سرق لهم فمنهم رجل يبيع السمن اخذ من مخزنه عدة مواعين سمن وصينية الفطاطري التى يعمل عليها الكنافة وامتعة وفروش وجدت في ثلاثة اماكن وخاتم ياقوت ذكروا انه بيع بجملة دنانير وعقد لؤلؤ وغير ذلك واستمروا اياما والناس يذهبون إلى الآغا ويذكرون ما سرق لهم ويسالهم فيقرون باشياء دون اشياء ويذكرون ضياع اشياء
(3/348)