Advertisement

عجائب الآثار 006



[ عجائب الآثار - الجبرتي ]
الكتاب : تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار
المؤلف : عبد الرحمن بن حسن الجبرتي
الناشر : دار الجيل - بيروت
عدد الأجزاء : 3 تصرفوا فيها وباعوا وأكلوا بثمنها ثم اتفق الحال على المرافعة في المحكمة الكبيرة فذهبوا بالجميع واجتمع العالم الكثير من الناس واصحاب السرقات وغيرهم نساء ورجالا وادعوا هؤلاء الاشخاص المقبوض عليهم فاحضروا بعض ما ادعوا به عليهم وقالوا اخذنا ولم يقولوا سرقنا وبرا محمد بن ابي القاسم اخويه وقال انهما لم يكونا معنا في شيء من هذا وحصل الاختلاف في ئبوت القطع بلفظ اخذنا وقد حضرت دعوى اخرى مثل هذه على رجل صباغ ثم ان القاضي كتب اعلاما للكتخدا بك بصورة الواقع وفوض الامر اليه فأمر بهم الى بولاق وانزلوهم عند القبطان وصحبتهم ابوهم ابو القاسم فاقاموا اياما ثم ان كتخدا بك امر بقطع ايدي الثلاثة وهم محمد بن ابي القاسم الدرقاوي ورفيقة الصرماني والصباغ الذي ثبتت عليه السرقة في الحادثة الاخرى فقطعوا ايدي الثلاثة في بيت القبطان ثم انزلوهم في م مركب وصحبتهم ابوهم ابو القاسم وولداه الآخران اللذان لم تقطع ايديهما وسفروهم الى الاسكندرية وذلك في منتصف شهر جمادى الاولى من السنة
واستهل شهر جمادى الثانية بيوم الخميس سنة
فيه حضر الثلاثة اشخاص المقطوعين الايدي وذلك انهم لما وصلوا الى الاسكندرية وكان الباشا هناك تشفع فيهم المتشفعون عنده قائلين انه جرى عليهم الحد بالقطع فلا حاجة الى نفيهم وتغريبهم فأمر بنفي ابي القاسم وولديه الصغيرين الى ابي قير ورجع ولده الآخر م مع رفيقه الصرماتي والصباغ الى مصر فحضروا اليها وذهبوا الى دورهم واما ابن ابي القاسم فذهب الى داره وسلم على والدته ونزل الى السوق يطوف على اصحابه ويسلم عليهم وهو يتألم مما حصل في نفسه ولا يظهر ذلك لشدة وقاحته وجمودة صدغه وغلاظة وجهه بل يظهر التجلد وعدم المبالاة بما وقع له من النكل وكسوف البال ومر في السوق والاطفال حوله وخلفه وامامه يتفرجون عليه ويقولون انظروا الحرامي وهو لايبالي بهم ولا يلتفت
(3/349)

اليهم حتى قيل انه ذهب إلى مسجد خرب بالباطنية ودعا اليه غلام يهواه بناحية الدرب الاحمر فجلس معه حصة من النهار ثم فارقه وذهب إلى داره واشتد به الالم لان الذي باشر قطع يده لم يحسن القطع فمات في اليوم الثالث
وفي هذا الشهر وما قبله وردت عساكر كثيرة من الاتراك وعينوا للسفر وخرجوا إلى مخيم العرضى خارج بابي النصر والفتوح فكانوا يخرجون مساء ويدخلون في الصباح ويقع منهم ما يقع من اخذ الدواب وخطف بعض النساء والاولاد كعادتهم
وفي ليلة الخميس ثاني عشرينه حضر الباشا من الاسكندرية ليلا وصحبته حسن باشا إلى القصر بشبرا وطلع في صبحها إلى القلعة وضربوا لقدومه مدافع من الابراج فكان مدة غيبته في هذه المدة شهرين وسبعة ايام واجتهد فيها عمارة سور المدينة وابراجها وحصنها وتحصينها عظيما وجعل بها جبجانات وبارودا ومدافع وآلات حرب ولم تزل العمارة مستمرة بعد خروجه منها على الرسم الذي رسمه لهم واخذ جميع ما ورد عليه من مراكب التجار من البضائع على ذمته ثم باعه للمتسببين بما احب من الثمن وورد من ناحية بلاد الافرنج كثير من البن الافرنجي وحبه اخضر وجرمه اكبر من حب البن اليمني الذي ياتي إلى مصر في مراكب الحجاز واخذه في جملة ما اخذ في معاوضة الغلال ورماه على باعة البن بمصر بثلاثة وعشرين فرانسة القنطار والتجار يبيعونه بالزيادة ويخلطونه مع البن اليمني وفي ابتداء وروده كان يباع رخيصا لأنه دون البن اليمني في الطعم واللذة في شربه وتعاطيه وبينهما فرق ظاهر يدركه صاحب الكيف البتة
وفيه وصل مرسوم صحبة قابجي من الديار الرومية مضمونه وكالة دار السعادة باسم كتخدا بك وعزل عثمان أغا الوكيل تابع سعيد أغا فعمل الباشا ديوانا يوم الأحد وقريء المرسوم وخلع على كتخدا بك خلعة الوكالة وخلعة أخرى باستمراره في الكتخدائية على عادته وركب في مركب
(3/350)

إلى داره فلما استقر في ذلك أرسل في ثاني يوم فأحضر الكتبة من بيت عثمان أغا وامرهم بعمل حسابه من ابتداء سنة 1221 لغاية تاريخه فشرعوا في ذلك واصبح عثمان أغا المذكور مسلوب النعمة بالنسبة لما كان فيه ويطالب بما دخل في طرفه وانتزعت منه بلاد الوكالة وتعلقات الحرمين وأوقافهما وغير ذلك
وفي يوم الخميس غايبته وصل صالح قوج ومحو بك وسليمان أغا وخليل أغا من ناحية الينبع على طريق القصير من الجهة القبلية وذهبوا إلى دورهم
واستهل شهر رجب بيوم الجمعة سنة
في ثالثه طلع الجماعة الواصلون إلى القلعة وسلموا على الباشا وخاطره منحرف منهم ومتكدر عليهم لانه طلبهم للحضور مجردين بدون عساكرهم ليتشاور معهم فحضروا بجملة عساكرهم وقد كان ثبت عنده انهم هم الذين كانوا سببا للهزيمة لمخالفتهم على ابنه واضطراب رأيهم وتقصيرهم في نفقات العساكر ومبادرتهم للهرب والهزيمة عند اللقاء ونزولهم بخاصتهم إلى المراكب وما حصل بينهم وبين ابنه طوسون باشا من المكالمات فلم يزالوا مقيمين في بيوتهم ببولاق ومصر والأمر بينهم وبين الباشا على السكوت نحو العشرين يوما وأمرهم في ارتجاج واضطراب وعساكرهم مجتمعة حولهم ثم أن الباشا أمر بقطع خرجهم وعلائفهم فعند ذلك تحققوا منه المقاطعة
وفي رابع عشرينه أرسل إليهم علائفهم المنكسرة وقدرها ألف وثمانمائة كيس جميعها ريالات فرانسة وأمر بحملها على الجمال ووجه إليهم بالسفر فشرعوا في بيع بلادهم وتعلقاتهم وضاق ذرعهم وندر طبعهم إلى الغاية وعسر عليهم مفارقة ارض مصر وماصاروا فيه من التنعم والرفاهية والسيادة والأمارة والتصرف في الأحكام والمساكن العظيمة والزوجات والسرارى والخدم والعبيد والجورى فإن لأقل منهم له البنتان والثلاثة من بيوت
(3/351)

الأمراء ونسائهم اللاتي قتلت أزواجهن على أيديهم وظنوا أن البلاد صفت لهم حتى أن النساء المترفهات ذوات البيوت والإيرادات والالتزامات صرن يعرضن أنفسهن عليهم ليحتمين فيهم بعد أن كن يعفنهم ويأنفن من ذكرهم فضلا عن قربهم
وفيه ورد أغا قابجي من دار السلطنة وعلى يده مرسوم بالبشارة بمولود ولد للسلطان فعملوا ديوانا يوم الأحد رابع عشرينه وطلع الأغا المذكور في موكب إلى القلعة وقرئ ذلك المرسوم وصحبته الأمراء وضربوا شنكا ومدافع واستمروا على ذلك ثلاثة أيام في وقت كل آذان كأيام الأعياد
وفي يوم الثلاثاء مات احمد بك وهو من عظماء الارنؤد وأركانهم وكان عندما بلغه قطع خرج المذكورين أرسل إلى الباشا يقول له اقطع خرجي واعطني علوفة عساكري وأسافر مع أخواني فمنعه الباشا واظهر الرأفة به فتغير طبعه وزاد قهره وتمرض جسمه فأرسل إليه الباشا حكيمه فسقاه شربه وفصده فمات من ليلته فخرجوا بجنازته من بولاق ودفنوه بالقرافة الصغرى وخرج أمامه صالح أغا وسليمان أغا وطاهر أغا وهم راكبون أمامه وطوائف الانؤد عدد كبير مشاة حوله
وإستهل شهر شعبان بيوم الأحد سنة
في رابعه يوم الأربعاء الموافق لسابع مسرى القبطي أو في النيل المبارك ادرعه ونزل الباشا في صبح الخميس في جم غفير وعدة وافرة من العساكر وكسر السد بحضرته وحضرة القاضى وجرى الماء في الخليج ومنع المراكب من دخولها الخليج
وفي منتصفه سافر سليمان أغا ومحو بك بعد أن قضوا أشغالهم وباعوا تعلقاتهم وقبضوا علائفهم
وفي يوم الخميس تاسع عشره سافر صالح أغا قوج وصحبته نحو المائتين ممن اختارهم من عساكره الارنؤدية وتفرق عنه الباقون وانضموا
(3/352)

إلى حسن باشا وأخيه عابدين بك وغيرهما
وفي يوم الجمعة برزت خيام الباشا خارج باب النصر وعزم على الخروج والسفر بنفسه إلى الحجاز وقد اطمان خاطره عندما سافر الجماعة المذكورين لأنه لما قطع خرجهم ورواتبهم وامرهم بالسفر جمعوا عساكرهم إليهم وخيولهم واخذوا الدور والبيوت ببولاق وسكنوها وصارت لهم صورة هائلة وكثرت القالة وتخوف الباشا منهم وتحذرونبه على خاصته وسفاشيته وغيرهم بالملازمة والمبيت بالقلعة وغير ذلك
وفي يوم السبت حادي عشرينه اجتمعت العساكر وانجر الموكب من باكر النهار فكان أولهم طوائف الدلاة ثم العساكر وأكابرهم وحسن باشا واخوه عابدين بك وهو ماش على أقدامه في طوائفه أمام الباشا ثم الباشا وكتخدا بك واغواتهم الصقلية وطوائفهم وخلفهم الطبلخانات وعند ركوبه من القلعة ضربوا عدة مدافع فكان مدة مرورهم نحو خمس ساعات وجروا أمام الموكب ثمانية عشر مدفعا وثلاث قنابر
واستهل شهر رمضان بيوم الاثنين سنة
في رابع عشرينه وردت هجانة مبشرون باستيلاء الأتراك على عقبة الصفراء والجديدة من غير حرب بالمخادعة والمصالحة مع العرب وتدبير شريف مكة ولم يجدوا بها أحدا من الوهابيين فعندما وصلت هذه البشارة ضربوا مدافع كثيرة تلك الليلة من القلعة وظهر فيهم الفرح والسرور
وفي تلك الليلة حضر احمد أغا لاظ حاكم قنا ونواحيها وكان من خبره انه لما وصلت اليه الجماعة الذين سافروا في الشهر الماضي وهم صالح أغا وسليمان أغا ومحو بك ومن معهم واجتمعوا على المذكور وبثوا شكواهم واسروا نجواهم واضمروا في نفوسهم انهم إذا وصلوا إلى مصر ووجدوا الباشا منحرفا منهم أو أمرهم بالخروج والعود إلى الحجاز امتنعوا عليه وخالفوه وان قطع خرجهم وأعطاهم علائفهم بارزوه ونابذوه وحاربوه واتفق احمد أغا المذكور معهم على ذلك وانه متى حصل هدا المذكور
(3/353)

أرسلوا اليه فيأتيهم على الفور بعسكره وجنده وينضم اليه الكثير من المقيمين بمصر من طوائف الارنؤد كعابدين بك وحسن باشا وغيرهم بعساكرهم لاتحاد الجنسية فلما حصل وصول المذكورين وقطع الباشا راتبهم وخرجهم وأعطاهم علائفهم المنكسرة وأمرهم بالسفر أرسلوا لأحمد أغا لاظ المذكور بالحضور بحكم اتفاقهم معه فتقاعس واحب أن يبدي لنفسه عذرا في شقاقه مع الباشا فأرسل إليه مكتوبا يقول له فيه ان كنت قطعت خرج أخواني وعزمت على سفرهم من مصر وإخراجهم منها فاقطع أيضا خرجي ودعني أسافر معهم فأخفى الباشا تلك المكاتبة وأخر عود الرسول ويقال له الخجا لعلمه بما ضمروه فيما بينهم حتى أعطى للمذكورين علائفهم على الكامل ودفع لصالح أغا كل عاما طلبه واده حتى انه كان انشأ مسجدا بساحل بولاق بجوار داره وبنى له منارة ظريفة واشترى له عقارا وأمكنه وقفها على مصالح ذلك المسجد وشعائره فدفع له الباشا جميع ما صرفه عليه وثمن العقار وغيره ولم يترك لهم مطالبة يحتجون بها في التأخير وأعطى الكثير من رواتبهم لحسن باشا وعابدين بك أخيه فمالوا عنهم وفارقهم الكثير من عساكرهم وانضموا إلى أجناسهم المقيمين عند حسن باشا وأخيه فرتبوا لهم العلائف معهم وأكثرهم مستوطنون ومتزوجون بل ومتناسلون ويصعب عليهم مفارقة الوطن وما صاروا فيه من التنعم ولا يهون بمطلق الحال استبدال النعيم بالجحيم ويعملون عاقبة ما هم صائرون إليه لأنه فيما بلغنا أن من سافر منهم إلى بلاده قبض عليه حاكمها واخذ منه ما معه من المال الذي جمعه من مصر وما معه من المتاع وأودعه السجن ويفرض عليه قدرا فلا يطلقه حتى يقوم بدفعه على ظن أن يكون أودع شيئا عند غيره فيشتري نفسه به أو يشتريه أقاربه أو يرسل إلى مصر مراسلة لعشيرته وأقاربه فتأخذهم عليه الغيرة فيرسلون له ما فرض عليه ويفتدونه والا فيموت بالسجن أو يطلق مجردا أو يرجع إلى حالته التي كان عليها في السابق من الخدم الممتهنة والاحتطاب من الجبل والتكسب بالصنائع الدنيئة ببيع
(3/354)

الإسقاط والكروش والمؤاجرة في حمل الأمتعة ونحو ذلك فلذلك يختارون الإقامة ويتركون مخاديمهم خصوصا والخسة من طباعهم هذا والباشا يستحث صالح أغا ورفقاءه في الرحيل حيث لم يبق له عذر في التأخير فعندما نزلوا في المراكب وانحدروا في النيل احضر الباشا الخاجا المذكور وهو عبارة عن ألافندي المخصوص بكتابة سره وإيراده ومصرفه وأعطاه جواب الرسالة مضمونها تطمينه وتأمينه ويذكر له انه صعب عليه وتأثر من طلبه المقاطعة وطلبه المفارقة وعدد له أسباب انحرافه عن صالح أغا ورفقائه وما استوجبوا به ما حصل لهم من الإخراج والابعاد وأما هو فلم يحصل منه ما يوجب ذلك وانه باق على ما يعهده من المودة والمحبة فان كان ولا بد من قصده سفره ! فهو لا يمنعه من ذلك فيأتي بجميع أتباعه ويتوجه بالسلامة أينما شاء والابان صرف عن نفسه هذا الهاجس فليحضر في القنجة في قلة ويترك وطاقه وأتباعه ليواجهه ويتحدث معه في مشورته وانتظام أموره التي لا يتحملها هذا الكتاب ويعود إلى محل ولايته وحكمه مكرما فراج عليه ذلك التمويه وركن إلى زخرف القول وظن أن الباشا لا يصله بمكروه ولا يواجهه بقبيح من القول فضلا عن الفعل لأنه كان عظيما فيهم ومن الرؤساء المعدودين صاحب همة وشهامة واقدام جسورا في الحروب والخطوب وهو الذي مهد البلاد القبلية وأخلاها من الأجناد المصرية فلما خلت الديار منهم واستقر هو بقنا وقوص وهو مطلق أغا قوج بالاسيوطية ثم أن الباشا وجه صالح أغا إلى الحجاز وقلد ابنه إبراهيم باشا ولاية الصعيد فكان يناقض عليه احمد أغا المذكور في أفعاله ويمانعه التعدي على أطيان الناس وأرزاق الأوقاف والمساجد ويحل عقد ابراماته فيرسل إلى أبيه بالأخبار فيحقد ذلك في نفسه ويظهر خلافه ويتغافل واحمد أغا المذكور على جليته وخلوص نيته فلما وصلته الرسالة اعتقد صدقه وبادر بالحضور في قلة من أتباعه حسب إشارته وطلع إلى القلعة ليلة السبت وهي ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان فعبر عند الباشا وسلم عليه فحادثه وعاتبه ونقم
(3/355)

عليه أشياء وهو يجاوبه ويرادده حتى ظهر عليه الغيظ فقام كتخدا بك وإبراهيم أغا فأخذاه وخرجا من عند الباشا ودخلا إلى مجلس إبراهيم أغا وجلسوا يتحدثون وصار الكتخدا وإبراهيم أغا يلطفان معه القول وأشارا عليه بأن يستمر معهما إلى وقت السحور وسكون حدة الباشا فيدخلون إليه ويتسحرون معه فأجالهم إلى رأيهم وأمر من كان بصحبته من العسكر وهم نحو الخمسين بالنزول إلى محلهم فامتنع كبيرهم وقال لا نذهب ونتركك وحيدا فقال الكتخدا وما الذي يصيبه وهو همشري ومن بلدي وان أصيب بشيء كنت أنا قبله فعند ذلك نزلوا وفارقواه وبقي عنده من لا يستغنى عنه في الخدمة آتاه من يستدعيه إلى الباشا فلما كان خارج المجلس قبضوا عليه واخذوا سيفه وسلاحه ونزلوا به إلى تحت سلم الركوب وأشعل الضوى المشعل واداروا كتافه ورموا رقبته ورفعوه في الحال وغسلوه وكفنوه ودفنوه وذلك في سادس ساعة من الليل واصبح الخبر شائعا في المدينة واحضر الباشا الخجا وطولب بالتعريف عن أمواله وودائعه وعين في الحال باشجاويش ليذهب إلى قناويختم على داره ويضبط ماله من الغلال والأموال وطلبت الودائع ممن هي عنده التي استدلوا عليها بالأوراق فظهر له ودائع في عدة أماكن وصناديق مال وغير ذلك ولم يتعرض لمنزله ولا لحريمه
واستهل شهر شوال بيوم الأربعاء سنة
في رابعه يوم السبت قدم قابجي من اسلامبول وعلى يده مقرر للباشا بولاية مصر على السنة الجديدة ومعه فروة لخصوص الباشا فلما وصل إلى بولاق فنزل كتخدا بك لملاقاته فركب في موكب جليل وخلفه النوبة التركية وشق من وسط البلد وصعد إلى القلعة وحضر الأشياخ وأكابر دولتهم وقرئ المرسوم بحضرة الجميع فلما انقضى الديوان ضربوا عدة مدافع من القلعة
وفيه البس شيخ السادات ابن أخيه سيدي احمد خلعة وتاجا وجعله
(3/356)

وكيلا عنه في نقابة الأشراف واركبه فرسا بعباءة ومشى أمامه أيضا الجاويشية المختصين بنقيب الأشراف وأمره بأن يذهب إلى الباشا ويقابله ليخلع عليه وأرسل صحبته محمد أفندي فقال مبارك وأشار إليه محمد أفندي بان يخلع عليه فروة فقال الباشا أن عمه جعله نائبا عنه ووكيلا له فليس له عندي تلبيس لأنه لم يتقلد بالأصالة من عندي فقام ونزل من غير شيء إلى داره بجوار المشهد الحسيني
وفي يوم الخميس ثالث وعشرينه سافر مصطفى بك دالي باشا بجميع الدلاة وغيرهم من العسكر إلى الحجاز وحصل للناس في هذا الشهر عدة كربات منها وهو أعظمها عدم وجود الماء العذب وذلك في وقت النيل وجريان الخليج من وسط المدينة حتى كاد الناس يموتون عطشا وذلك بسبب أخذهم الحمير للسخره والرجال لخدمة العسكر المسافرين وغلو ثمن القرب التي تشترى لنقل الماء فإن الباشا اخذ جميع القرب الموجودة بالوكالة عند الخليلية وما كان بغيرها أيضا حتى أرسل إلى القدس والخليل فأحضر جميع ما كان بهما وبلغت الغاية في غلو الأثمان حتى بيعت القربة الواحدة التي كان ثمنها مائة وخمسين نصفا بآلف وخمسمائة نصف يأخذون أيضا الجمال التي تنقل الماء بالروايا الى الاسبلة والصهاريج وغيرهما من الخليج فامتنع الجمع عن السراح والخروج واحتاج العسكر أيضا إلى الماء فوقفوا بالطرق يرصدون مرور السقائين وغيرهم من الفقراء والذين ينقلون الماء بالبلاليص والجرار على رؤوسهم فيوجد على كل موردة من الموارد عدة من العسكر وهم واقفون بالأسلحة ينتظرون من يستقى من السقائين أو غيرهم فكان الخدم والنساء والفقراء والبنات والصبيان ينقلون بطول النهار والليل بالأوعية الكبيرة والصغيرة على رؤوسهم بمقدار ما يكفيهم للشرب وبيعت القربة الواحدة بخمسة عشر نصف فضة واكثر وشح وجود اللحم وغلافي الثمن زيادة على سعره المستمر حتى بيع بثمانية عشر نصف فضة كل رطل هذا ان وجد والجاموسي الجفيط بأربعة عشر وطلبوا للسفر
(3/357)

طائفة من القبانية ومن الخبازين ومن أرباب الصنائع والحرف وشددوا عليهم الطلب في أواخر الشهر فتغيبوا وهربوا فسمرت بيوتهم وحوانيتهم وكذلك الببازون والفرانون بالطوابين والأفران حتى عدم الخبز من الأسواق ولم يجد أصحاب البيوت فرنا يخبزون فيه عجينهم فمن الناس القادرين على الوقود من يخبز عجينه في داره أو عند جاره الذي يكون عنده فرن أو عند بعض الفرانين الذي تكون فرنه بداخل عطفة مستورة خفية أو ليلا من الخوف من العسس والمرصدين لهم وكذلك عدم وجود التبن بسبب رصد العسكر في الطرق لأخذ ما يأتي به الفلاحون من الأرياف فيخطفونه قبل وصوله إلى المدينة وحصل بسبب هذه الأحوال المذكورة شبكات ومشاجرات وضرب وقتل وتجريح أبدان ولولا خوف العسكر من الباشا وشدته عليهم حتى بالقتل إذا وصلت الشكوى إليه لحصل اكثر من ذلك
واستهل شهر ذي القعدة بيوم الجمعة سنة
في سابعه يوم الخميس سافر الباشا هجانا إلى السويس وصحبته حسن باشا
وفي يوم الجمعة خامس عشره وصل مبشرون من ناحية الحجاز وهم أتراك على الهجن والخبر عنهم أن عساكرهم وصلوا إلى المدينة المنورة ونزلوا بفنائها
وفي يوم الأحد سابع عشره رجع الباشا من ناحي السويس إلى مصر
وفيه وردت أخبار لطائفة الفرنساوية وقنصلهم المقيمين بمصر بأن بونابارته وعساكر الفرنساوية زحفوا في جمع عظيم على بلاد المسكوب ووقع بينهم حروب عظيمة فكانت الهزيمة على المسكوب وانكسروا كسرة قوية وكتبوا بذلك أوراقا الصقوها بحيطان دوائرهم وحاراتهم ولما حضر الباشا طلع إليه القنصل واخبره بتلك الأخبار واطلعه على الكتب الواردة من بلادهم
(3/358)

وفي ليلة الثلاثاء عدى الباشا إلى بر الجزيرة وأمر بخروج العساكر إلى البر الغربي وعدى أيضا كتخدا بك بسبب أن عربان أولاد علي نزلوا بناحية الفيوم بجمع عظيم وأكلوا الزروعات فخرج إليهم حسن أغا الشماشرجي فوزن نفسه معهم فرأى انه لا يقاومهم لكثرتهم فحضر إلى مصر واخبر الباشا وتحرك الباشا للخروج إليهم ثم بعقيبه أرسل لهم وخادعهم فحضر إليه عظماؤهم فاخذ منهم رهائن وخلع عليهم وكساهم وأعطاهم راحتهم وعين لهم جهات وشرط عليهم أن لا يتعدوها ثم رجع وعدى إلى بر مصر في ليلة الخميس حادي عشرينه
وفي سادس عشرينه نهب العرب القافلة القادمة من السويس بحمل بضائع التجار وغيرهم وقتلوا العسكر الذين بصحبتهم وخفارتهم واخذوا الجمال بأحمالها وذهبوا بها لناحية الوادي والجمال المذكورة على ملك الباشا وأتباعه لأنهم صيروا لهم جمالا واعدوها لحمل البضائع ويأخذون أجرتها لأنفسهم بدلا عن جمال العرب وذلك من جملة الأمور التي احتكروها طمعا وحسدا في كل شيء ولم ينج من الجمال إلا البعض الذين سبقوهم وهم لكتخدا بك فحنق لذلك الباشا وأرسل في الحال مراسلات إلى سليمان باشا محافظ عكا يعلمه بذلك ويلزمه بإحضارها ويتوعده ان ضاع منها عقال بعير والذي ذهب بالمراسلة إبراهيم أفندي المهردار
واستهل شهر ذي الحجة بيوم السبت سنة
في عاشره يوم الأضحى وردت هجانة من ناحية الحجاز وعلى يدهم البشائر بالاستيلاء على قلعة المدينة المنورة ونزول المتولي بها على حكمهم وان القاصد الذي أتت بشائره وصل إلى السويس وصحبته مفاتيح المدينة فحصل للباشا بذلك سرور عظيم وضربوا مدافع وشنكا بعد مدافع العيد وانتشرت المبشرون على بيوت الأعيان لأجل اخذ البقاشيش
وفي يوم الثلاثاء حادي عشره وصل القادمون إلى العادلية فعملوا لقدومهم شنكا عظيما وضربوا مدافع كثيرة من القلعة وبولاق والجيزة
(3/359)

وخارج قبة العزب حيث العرضي المعد للسفر وأيضا ضربوا بنادق كثيرة متتابعة من جميع الجهات حتى من اسطحة البيوت الساكنين بها واستمر ذلك اكثر من ساعتين فلكيتين فكان شيئا مهولا مزعجا أشيع في الناس دخول الواصلين في موكب واختلفت رواياتهم وخرج الباشا إلى ناحية العادلية فاصطف الناس على مساطب الدكاكين والسقائف للفرجة فلما كان قريب الغروب دخل طائفة من العسكر وصحبتهم بعض أشخاص راكبين على الهجن وفي يد أحدهم كيس اخضر وبيد الآخر كيس احمر بداخلهما المكاتبات والمفاتيح وعاد الباشا من ليلته وصعد إلى القلعة هذا والمدافع والشنك يعمل في كل وقت من الأوقات الخمسة وفي الليل وفي صبح يوم الأربعاء شق الأغا والوالي وأغات التبديل وأمامهم المناداة على الناس بتزيين الأسواق وما فيها من الحوانيت والدور ووقود القناديل والتعاليق ويسهرون ثلاث ليال بأيامها او لها يوم الخميس وآخرها يوم السبت الذي هو خامس عشره واخرجوا وطاقات وخياما إلى خارج بابي النصر والفتوح وخرج الباشا في ثاني يوم إلى ناحية العادلية وهو ليلة يوم الزينة وعملوا حراقات ونفوطا وسواريخ ومدافع من كل ناحية مدة أيام الزينة وكتبت البشائر إلى جميع النواحي وانعم الباشا بامريات ومناصب على عشرين شخصا من خواصه وعين لطيف بك أغات المفتاح للتوجه إلى دار السلطنة بالبشائر والمفاتيح صحبته وسافر في صبح يوم الزينة على طريق البر وتعين خلافه أيضا للسفر بالبشائر إلى البلاد الرومية والشامية والاساكل الإسلامية مثل بلاد الأناضول والرومنلي ورودس وسلانيك وازمير وكريت وغيرها
وفي أواخره وردت الأخبار المترادفة بوقوع الطاعون الكثير بإسلامبول فأشار الحكماء على الباشا بعمل كورنتينة بالإسكندرية على قاعدة اصطلاح الإفرنج ببلادهم فلا يدعون أحدا من المسافرين الواردين في المراكب من الديار الرومية يصعد إلى البر إلا بعد مضي أربعين يوما من
(3/360)

وروده وإذا مات بالمركب أحد في أثناء المدة استأنفوا الأربعين
وفيه وشى بعض اليهود على الحاج سالم الجواهرجي المباشر لايراد الذهب والفضة إلى الضربخانة وانعزل عنها كما ذكر في وسط السنة وذلك عند ورود الرجل النصراني الدرزي الشامي بأنه كان في أيام مباشرته للإيراد يضرب لنفسه دنانير خارجة عن حساب الميري خاصة به فامر الباشا بإثبات ذلك وتحقيقه فحصل كلام كثير والحاج سالم يجحد ذلك وينكره فقال له أيوب تابعك الذي كان ينزل آخر النهار بالخرج على حماره في كل يوم بحجة الانصاف العددية التي يفرقها على الصيارف بالمدينة واكثر ما في الخرج خاص بك فاحضروا أيوب المذكور وطلبوه للشهادة فقال لا اشهد بما لا اعلم ولم يحصل هذا مطلقا ولا يجوز لي ولا يخلصني من الله أن اتهم الرجل بالباطل فقال اليهودي هذا رفيقه وصاحبه وخادمه ولا يمكنه انه يخبر ويقر إلا إذا خوف وعوقب وإذا ثبت قولي فانه يطلع عليه ستة آلاف كيس فلما سمع الباشا قول اليهودي ستة آلاف كيس أمر بحبس الحاج سالم ثم احضروا اخوته والحاج أيوب وسجنوهم وضربوهم والباشا يطلب ستة آلاف كيس كما قال اليهودي واستمروا على ذلك أياما وذلك الحبس عند قرأ علي بجوار بيت الحريم بالازبكية وسبب خصومة شمعون اليهودي مع الحاج سالم انهم احتجوا على اليهودي بأشياء وقرروا عليه غرامة أيضا فطلب من الحاج سالم المساعدة وقال له ساعدني كما ساعدتك في غرامتك فقال الحاج سالم انك لم تساعدني بمال من عندك بل هو من حسابي معك فقال اليهودي الست كنت أدارى عليك فيما تفعله واتسع الكلام بينهما وحضرة الباشا وأعوانه مترقبون لحادث يستخرجون به الأموال بأي وجه كان ويتقولون ويوقعون بين هذا وهذا والناس أعداء لبعضهم البعض تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ثم أن السيد محمد المحروقي خاطب الباشا في شأن الحاج سالم وحلف له أن الغرامة الأولى تأخر عليه منها ثلثمائة كيس استدانها من الأوربيين ودفعها وهي
(3/361)

باقية عليه إلى الآن ومطلوبة منه وذلك بعد أن باع أملاكه وحصة التزامه فإذا كان لا بد من تغريمه ثانيا فإننا نمهل أصحاب الديون ونقوم بدفع الثلمائة كيس المطلوبة للمداينين وندفعها للخزينة فأجابه لذلك وأمر بالإفراج عن الحاج سالم واخوته ومن معه فدفعوا القرا على المتولي سجنهم وعقوبتهم سبعة أكياس
وفيه اشتد الأمر على اسمعيل أفندي امين عيار الضربخانة وأولاده بالطلب من أرباب الحوالات مثل دالي باشا وخلافه وضيق العسكر المعينون عليهم منافسهم ولازموا دورهم ولم يجدوا شافعا ولادافعا ولارافعا فباعوا أملاكهم وعقاراتهم وفراشهم ومصاغ حريمهم وأوانيهم وملابسهم وكان الباشا اخذ من إسماعيل أفندي المذكور داره آلتي بالقلعة عندما انتقل إلى القلعة فأمره بإخلائها ففعل ونزل إلى دار بحارة الروم بالقرب من دار ابنه محمد أفندي فاتخذ الباشا دار اسمعيل أفندي دارا لحريمه وأسكنهم بها لأنها دار عظيمة جليلة عمرها المذكور وصرف عليها في الأيام الخالية أموالا جمة فلما استولى عليها الباشا اسكن بها حريمه وجواريه وسراريه ولما قرر عليه غرامته اسقط عنه منها عشرين كيسا لا غير وجعلها في ثمن داره المذكورة وذلك لا يقوم بثمن رخامها فقط فلما اشتد الحال بإسمعيل أفندي أشار عليه بعض المتشفعين بأن يكتب له عرضحال ويطلع به إلى الباشا صحبة المعلم غالي كبير الأقباط المباشرين ففعل ودخل معه المعلم غالي إلى الباشا فعندما رآه مقبلا صحبة المذكور أشار إليه بالرجوع ولم يدعه يتكلم فرجع بقهره ونزل إلى داره فمرض وتوفي بعد أيام إلى رحمة الله تعالى ومات قبله ولده حسن أفندي وبقي جميع الطلب على ولده محمد أفندي فحصل له مشقة زائدة وباع أثاث بيته وأوانيه وكتبه التي اقتناها وحصلها بالشراء والاستكتاب فباعها بأبخس الآثمان على الصحافين وغيرهم وطال عليه الحال وانقضت مواعيد المداينين له فطالبوه وكربوه فتداين من غيرهم بالربا والزيادة وهكذا والله يحسن لنا وله العاقبة
(3/362)

وفيه قدم إلى الإسكندرية قليون من بلاد الإنكليز فيه بضائع وأشياء للباشا ومنها خمسون آلف كيس نقودا ثمن غلال وخيول يأخذونها من مصر إلى بلادهم فطفقوا يطلبون لهم الخيول من أربابها فيقيسون طولها وعرضها وقوائمها بالأشبار فإن وجدوا ما يوافق غرضهم ومطلوبهم في القياس والقيافة أخذوه ولو بأغلى ثمن وإلا تركوه
وفيه أيضا أرسل الباشا لجميع كشاف الوجه القبلي بحجز جميع الغلال والحجر عليها لطرفه فلا يدعون أحدا يبيع ولا يشتري شيئا منها ولا يسافر بشيء منها في مركب مطلقا ثم طلبوا ما عند أهل البلاد من الغلال حتى ما هو مدخر في دورهم للقوت فأخذوه أيضا ثم زادوا في الأمر حتى صاروا يكبسون الدور ويأخذون من الغلال قل أو كثر ولا يدفعون له ثمنا بل يقولون لهم نحسب لكم ثمنه من مال السنة القابلة ويشحنون بذلك جميع مراكب الباشا التي استجدها وأعدها لنقل الغلال ثم يسيرون بها إلى بحري فتنقل إلى مراكب الإفرنج بحساب مائة قرش عن كل أردب وانقضت السنة ولم تنقض حوادثها بل استمر ما حدث بها كالتي قبلها وزيادة
فمنها ما أحاط به علمنا وذكرنا بعضه ومنها ما لم يحط به علمنا أو أحاط ونسيناه بحدوث غيره قبل التثبت ومنها أن الباشا عمل ترسخانه عظيمة بساحل بولاق واتخذ عدة مراكب بالإسكندرية لخصوص جلب الأخشاب المتنوعة وكذلك الحطب الرومي من أماكنها على ذمته ويبيعه على الحطابين بما حدده عليهم من الثمن ويحمل في المراكب المختصة به باجرة محددة أيضا ويأتي إلى ديوان الكمرك ببولاق فيؤخذ كركه أي مكسه وهو راجع إليه أيضا إلى أن استقر سعر القنطار الواحد من الحطب بثلثمائة وخمسة عشر نصف فضة واجرة حمله من بولاق إلى مصر ثلاثة عشر نصف وأجرة تكسيره مثل ذلك فيكون مجموع ذلك ثلثمائة وأربعين نصف فضة القنطار وقد اشتريناه قبل استيلاء هذه الدولة بثلاثين نصفا وأجرة حمله في المركب
(3/363)

عشرة أنصاف وأجرته من بولاق إلى مصر ثلاثة أنصاف وتكسيره كذلك فيكون مجموع ذلك ستة وأربعين نصفا وكذلك فعل في أنواع الأخشاب الكرسنة والحديد والرصاص والقصدير وجميع المجلوبات واستمر ينشىء في المراكب الكبار والصغار التي تسرح في النيل من قبلي إلى بحري ومن بحري إلى قبلي ولا يبطل الإنشاء والأعمال والعمل على الدوام وكل ذلك على ذمته ومرمتها وعمارتها ولوازمها وملاحوها بأجرتهم على طرفه لابالضمان كما كان في السابق ولهم قومة ومباشرون متقيدون بذلك الليل والنهار
ومنها وهي من الحوادث الغريبة التي لم يتفق في هذه الإعصار مثلها أن في أواخر ربيع الآخر احترق بحر النيل وجف بحر بولاق وكثرت فيه الرمال وعلت فوق بعضها حتى صارت مثل التلول وانحسر الماء حتى كان الناس يمشون إلى قريب انبابة بمداساتهم وكذلك بحر مصر القديمة بقي مخاضا وفقدت أهل القاهرة الماء الحلو واشتد بالناس العطش بسبب ذلك وبسبب تسخير السقائين ونادى الأغا والوالي على أن يكون حمل القربة للمكان البعيد بإثني عشر نصف فضة واستهل شهر بشنس القبطي فزد النيل في أوله في ليلة واحدة نحو ذراع ثم كان يزيد في كل يوم وليلة مثل دفعات أواخر أبيب ومسرى وجرى بحر بولاق ومصر القديمة وغطى الرمال وسارت فيه المراكب الكبار منحدرة ومقلعة وغرقت المقافيء مثل البطيخ والخيار والعبد اللاوى وما كان مزروعا بالسواحل وهو شيء كثير جدا واستمرت الزيادة نحو عشرين يوما حتى تغير وابيض وكاد يحمر وداخل الناس من ذلك وهم عظيم من هذه الزيادة آلتي في غير وقتها حتى اعتقدوا انه يوفي أذرع الوفاء قبل نزول النقطة ولم يعهد مثل ذلك وكان ذلك رحمة من الله بعبيده الفقراء العطاش ثم أنى طالعت في تاريخ الحافظ المقريزي المسمى بالسلوك في دول الملوك فذكر مثل هذه النادرة في سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة ولما ترادفت هذه الزيادات خرج الوالي إلى قنطرة
(3/364)

السد وجمع الفعلة للعمل في سد فم الخليج ونادى على نزح الخليج وتنظيفه وكسح أوساخه وقطع أرضه ثم وقفت الزيادة بل نقص قليلا وزاد في اوان الزيادة على العادة وأوفى أذرعه في أيامه المعتادة فسبحان الفعال
ومنها شحة الغلال وخلو السواحل منها فلا يجد الناس إلا ما بقي بأيدي فلاحي الجهات البحرية القريبة فيحملونه على الحمير إلى العرصات والرقع ويبيعونه على الناس كل أردب بأربعة وعشرين قرشا خلاف المكس والكلف واستفر مكس الأردب الواحد أربعة وثلاثين ونصف فضة وأجرته إذا كان من طريق البحر من المنوفية أو نحوها مائة نصف واقل واكثر وأجرته من بولاق إلى مصر خمسة وعشرون نصفا
ومنها انه لما انتظم له ملك بلاد الصعيد ولم يبق له فيه منازع وقلد إمارته لابنه إبراهيم باشا ورسم بان يضبط جميع أطيان بلاد الصعيد حتى الرزق الاحباسية المرصدة على المساجد والخيرات الكائنة بمصر وغيرها وأوقاف سلاطين مصر المتقدمين وخيراتهم ومساجدهم ومكاتبهم وصهاريجهم ووظائف المدرسين والمقرئين وغير ذلك ففعل ذلك وراك الأراضي بأسرها وشاع انه جعل على كل فدان من أراضى الرزق والأوقاف ثلاثة ريالات لا غير وعلى كل باقي فدادين الأطيان ثمانية ريالات خلاف النبارى وهو مزارع الذرة فجعل على كل عود من عيدان القطوة سبعة ريالات فرضي أصحاب الرزق والأطيان بهذا التنظيم وظنوا استمراره فإن الكثير من المرتزقة ما كان يحصل له من مزارعي رزقته مقدار ما يحصل له على هذا الحساب
ومنها انه رسم له بالحجر على جميع حصص الالتزام فلم يبق لأربابها شيئا إلا ما ندر وهو شىء قليل جدا واحتج في ذلك باستيلاء الأمراء المصريين عليها عندما خرجوا من مصر وأقاموا بالبلاد القبلية فوضعوا أيديهم على ذلك وانه حاربهم وطردهم وقتلهم وورث ما كان بأيديهم بحق أو باطل وسموه المضبوط وأما ما كان بأيدي أربابه أيام استيلاء المصريين وهم الملتزمون القانطون بالبلاد القبلية أو بمصر ممن يراعى جانبه فإنه إذا
(3/365)

عرض حاله وطلب أذنا في التصرف واخبر بأنه كان مفروجا عنه أيام استيلاء المصريين واثبت ذلك بالكشف من الروزنامه وغيرها فأما أن يؤذن له في التصرف أو يقال له نعوضك بدلها من البلاد البحرية ويسوف وتتمادى الأيام أو يحيل ذلك على ابنه إبراهيم باشا ويقول أنا لا علقه لي في البلاد القبلية والامر فيها لإبراهيم باشا وإذا ذهب لإبراهيم باشا يقول له أنا أعطيك الفائظ فان رضي أعطاه شيئا نزرا ووعده بالإعطاء وان لم يرض قال له هات لي أذنا من أفندينا وكل منهما أما مرتحل أو مسافر او احدهما حاضر والآخر غائب فيصير صاحب الحاجة كالجملة المعترضة بين الشارط والمشروط وأمثال ذلك كثير
ومنها الاستيلاء على جميع مزارع الأرز بالبحر الغربي والشرقي ورتب لهم مباشرين وكتابا يصرفون عليهم من الكلف والتقاوى والبهائم ويؤخذ ذلك جميعه من حساب الفرض التي قررها على النواحي وعند استغلال الأرز يرفعونها بأيديهم ويسعرونها بما يريدونه ويستوفون المصاريف ومعاليم القومة والمباشرين المعين لهم وان فضل بعد ذلك شىء أعطوه للمزارع أو أخذوه منه وأعطوه ورقة يحاسب بها في المستقبل وفرض على كل دائرة من دوائر الأرز خمسة أكياس في كل سنة خلاف المقرر القديم وعلى كل عود ثلاثة أكياس فإذا كان وقت الحصاد وزنوه شعيرا على أصحاب الدوائر والمناشر حتى إذا صلح وابيض حسبوا كلفه من اصل المقرر عليهم فإن زاد لهم شيء أعطوهم به ورقة وحاسبوا بها من قابل وابطل تعامل المزارعين مع التجار الذين كانوا معتادين بالصرف عليهم واستقر الحال إلى أن صار جميعه أصلا وفرعا لديوان الباشا ويباع الموجود على ذمته لأهل الإقاليم المتسببين وغيرهم وهو عن كل أردب مائة قرش بل وزيادة وللإفرنج وبلاد الروم والشام بما لا أدرى
ومنها انه حصل بين عبدالله أغا بكتاس الترجمان وبين النصراني الدرزي منافسة وهو الذي حضر من جبل الدروز ويسمى الياس واجتمع
(3/366)

بمصر على من أوصله إلى الباشا وهو بكتاش وخلافه وعرفوه عن صناعته وانه يعمل آلات بأسهل مما يصنعه صناع الضربخانه ويوفر على الباشا كذا وكذا من الأموال التي تذهب في الدواليب والكلف وما يأخذه المباشرون من المكاسب لأنفسهم وافرد له بقعة خاصة به بجانب الضربخانة وأمر بحضور ما يطلبه إليه من الحديد والصناع واستمر على ذلك شهورا ولما تمم الآلة صنع قروشا وضربها ناقصة في الوزن والعيار وجعل كتابتها على نسق القروش الرومية ووزن القرش درهمان وربع وفيه من الفضة الخالصة الربع بل اقل والثلاثة أرباع نحاس وكان المرتب في الأموال من النحاس في كل يوم قنطارين فضوعف إلى ستة قناطير حتى غلا سعر النحاس والأواني المتخذة منه فبلغ سعر الرطل النحاس المستعمل مائة وأربعين نصف فضة بعد أن كان سعره في الأزمان السابقة أربعة عشر نصفا والفراضة سبعة أنصاف أو اقل ثم زاد الطلب للضربخانة إلى عشرة قناطير في كل يوم والمباشر لذلك كله بكتاش أفندي ثم أن بكتاش أفندي المذكور انحرف على ذلك الدرزي وذلك بإغراء المعاير وحصل بينهما مناقشة بين يدي الباشا والمعلم غالي بينهم وانحط الآمر في ذلك المجلس على منع الدرزي من مباشرة العمل ورتب له الباشا أربعة أكياس لمصرفه في كل شهر ومنعوا أيضا من كان معه من نصارى الشوام من الطلوع الضربخانة واستمر بكتاش أفندي ناظرا عليها ودقق على أرباب الوظائف والخدم ليأخذ بذلك وجاهة عند مخدومه ثم أن الباشا بعد أيام أمر بنفي الدرزي من مصر وجميع أهله وأولاده وانقضى أمره بعد أن تعلموا تلك الصناعة منه وفي تلك المدة بلغ ايراد الضربخانه لخزينة الباشا في كل شهر آلفا وخمسمائة كيس وكان الذي يرد منها في زمن المصريين ثلاثين كيسا في كل شهر أو اقل من ذلك فلما التزم بها السيد احمد المحروقي أوصلها إلى خمسين واستمرت على ابنه السيد محمد كذلك مدة فانتبذ لها محمد أفندي طبل المعروف بناظر المهمات وزاد عليها ثلاثين كيسا وبقيت تحت نظارة المحروقي بذلك القدر ثم أن الباشا عزل
(3/367)

السيد محمد المحروقي عنها وأبقاها على ذمته وقيد خاله في نظارتها ولم يزل الباشا يلعب هذه الملاعيب حتى بلغت هذا المبلغ المستمر وربما تزيد وذلك خلاف الغرامات والمصادرات لأربابها ثم وشى له عبدالله أغا بكتاش بأنه يزيد في وزن القروش وينقص منه عن القدر المحدود فإذا حسب القدر المنقوص وعمل معدله في مدة نظارته تحصل منه مقدار عظيم من الأكياس فلما نوقش في ذلك قال هذا الآمر يسئل فيه صاحب العيار فأحضروه وأحضروا محمد أفندي ابن اسمعيل أفندي بدفتره وتحاققوا في الحساب فسقط منهم خمسة أكياس لم تدخل الحساب فقالوا أين ذهبت هذه الخمسة أكياس فطفقوا ينظرون إلى بعضهم فقال المورد الحق أن هذه الخمسة أكياس من حساب محمد أفندي ومطلوبة له وتجاوز عنها لفلان اليهودي المورد من مدة سابقة فالتفت الباشا إلى محمد أفندي وقال له لاي شيء تجاوزت لليهودي عن هذا القدر فقال لعلمي انه خلي ليس عنده شيء فأخذتني الرافة عليه وتركت مطالبته حتى يحصل له اليسار فقال كيف تنعم بمالي على اليهودي فقال انه من حسابي فقال ومن أين كان لك ذلك وأمر به فبطحوه وضربوه بالعصي ثم أقاموه وأضافوا الخمسة أكياس على باقي الغرامة المطلوبة منه التي هو متحير في تحصيلها ولو بالإستدانة من الربويين كما قال القائل شكوت جلوس إنسان ثقيل فجأوني بمن هو منه أثقل فكنت كمن شكا الطاعون يوما فزادوه على الطاعون دمل ومحمد أفندي هذا من وجهاء الناس وخيارهم يفعل به هذه الفعال ثم انحط الحال مع بكتاش أفندي على أن فرض عليه ستمائة كيس يقوم بدفعها فقال ويعفوني أفندينا من نظارة الضربخانة فلم يجبه إلى ذلك واستمر في تلك الخدمة مكرها خائفا من عواقبها
ومنها أن الريال الفرانسه بلغ في مصارفته من الفضة العددية إلى مائتين وثمانين نصفا بل وزيادة خمسة أنصاف فنودى عليه بنقص عشرة وشددوا في ذلك وبعد أيام نودى بنقص عشرة أخرى فخسر الناس حصة من أموالهم
(3/368)

ثم أن ذلك القرش الذي يضاف إليه من الفضة ربع درهم ووزن الريال تسعة دراهم فضة فيكون الريال الواحد بما يضاف إليه من النحاس على هذا الحساب ستة وثلاثين قرشا يخرج منها ثمن الريال ستة قروش ونصف وكلفة الشغل في الجملة قرش أو قرشان يبقى بعد ذلك سبعة وعشرون قرشا ونصف وهو المكسب في الريال الواحد وهو من جملة سلب الأموال لأن صاحب الريال إذا أراد صرفه أخذ بدله ستة قروش ونصفا وفيها من الفضة درهم ونصف وثمن وهي بدل التسعة دراهم التي هي وزن الريال ثم زيد في الطنبور نعمة وهي الحجر على الفضة العددية فلا يصرفون شيئا منها للصيارف ولا لغيرهم إلا بالفرط وهو أربعة قروش على كل ألف فيعطي للضربخانة تسعة وعشرون قرشا زلاقط ! وبأخذ الف فضة عنها خمسة وعشرون قرشا ثم زادوا بعد ذلك في الفرط فجعلوه خمسة قروش فيعطي الفا ومائتين ويأخذ بدلها الفا فانظر إلى هذه الزيادة والرذالة وكذا السفالة
ومنها استمرار غلاء الأسعر في كل شيء وخصوصا في الأقوات التى لا يستغني عنها الغني والفقير في كل وقت بسبب الإحداثات والمكوس التي ترتب على كل شيء ومنها المأكولات كاللحم والسمن والعسل والسكر وغير ذلك مثل الخصارات وإبطال جميع المذابح خلاف مذبح الحسينية والتزم به المحتسب بمبلغ عظيم مع كفاية لحم الباشا وأكابر دولته بالثمن القليل ويوزع الباقي على الجزارين بالسعر الأعلى الذي يخرج منه ثمن لحوم الدولة من غير ثمن فينزل الجزار بما يكون معه من الغنمة أو الاثنين الجفيط إلى بيت أو عطفة مستورة فتزدحم عليه المتبعون له والمنتظرون إليه ويقع بينهم من المضاربة والمشاجرة مالا يوصف وثمن الرطل اثنا عشر نصفا وقد يزيد على ذلك ولا ينقص عن الاثنى عشر وكذلك الخضروات التي كانت تباع جزافا تباع بأقصى القيمة حتى ان الخس مثلا الذي كان يباع كل عشرة أعداد بنصف واحد صارت الواحدة تباع بنصف وقس على ذلك باقي الخضروات وان الباشا لما وضع يده على الأراضي القريبة وانشأ
(3/369)

السواقي تجاه القصر والبساتين بناحية شبرا وحرث الاراضي الخرس وزرع فيها انواع الخضراوات واجرى عليها المياه وقيد لخدمتها المرابعين أيضا والمزارعين بالمؤاجرة والمباشر على ذلك كله ذو الفقار كتخدا وعندما يبدو صلاح البقول والخضراوات يبيعها المتسببين فيها بأغلى ثمن وهم يبيعونها على الناس بما احبوا وشاع بين الناس اضافة ذلك الى الباشا فيقولون كرنب الباشا ولفت الباشا وملوخية الباشا وفجل الباشا وقرنبيط الباشا وزرع أيضا بستانه من انواع الزهور العجيبة المنظر المتنوعة الاشكال من الاحمر والاصفر والازرق والملون اتوا بنقائلها من بلاد الروم فنتجت وافلحت وليس لها الاحسن المنظر فقط ولا رائحة لها اصلا
ومنها أن ديوانا المكس ببولاق الذي يعبرون عنه بالكمرك لم يزل يتزايد فيه المتزايدون حتى اوصلوه الى ألف وخمسمائة كيس في السنة وكان في زمن المصريين يؤدى من يلتزمه ثلاثين كيسا مع محاباة الكثير من الناس والعفو عن كثير من البضائع لمن ينسب الى الامراء واصحاب الوجاهة من اهل العلم وغيرهم فلايتعرضون له ولو تحامى في بعض اتباعهم ولو بالكذب ويعاملون غيرهم بالرفق مع التجاوز الكثير ولا ينبشون المتاع ولارباط الشيء المحزوم بل على الصندوق او المحزوم قدر يسير معلوم فلما ارتفع امره الى هذه المقادير صاروا لايعفون عن شئ مطلقا ولايسامحون احدا ولو كان عظيما من العلماء او من غيرهم وكان من عادة التجار اذا بعثوا الى شركائهم محزوما من الاقمشة الرخيصة مثل العاتكي والنابلسي جعلوا بداخل طيها اشياء من الاقمشة الغالية في الثمن المقصبات الحلبي والكشميري والهندي ونحو ذلك فتندرج معها في قلة الكمرك وفي هذا الاوان يحلون رباط المحزوم ويفتحون الصناديق وينبشون المتاع ويهتكون ستره ويحصون عدده ويأخذون عشره أي من كل عشرة واحدا او ثمنه كما يبيعه التاجر غاليا او رخيصا حتى البوابيج والاخفاف والمسوت التي تجلب من الروم يفتحون صناديقها ويعدونها بالواحد ويأخذون
(3/370)

عشورها علينا او ثمنا ويفعل ذلك أيضا متولي كمرك الاسكندرية ودمياط واسلامبول والشام فبذلك غلت اسعار البضائع من كل شئ لفحش هذه الامور وخصوصا في الاقمشة الشامية والحلبية والرومية المنسوجة من القطن والحرير والصوف فإن عليها بمفردها مكوسا فاحشة قبل نسجها وكان الدرهم الحرير في السابق بنصف فضة فصار الآن بخمسة عشر نصفا وما يضاف اليه من الاصباغ وكلف الصناع والمكوس المذكورة فبذلك بلغ الغية في غلو الثمن فيباع الثوب الواحد من القماش الشامي المسمى بالالاجة الذي كانت قيمته في السابق مائتي نصف فضة بألفين فضة مع ما يضاف اليه من ربح البائع وطمع التاجر والنعل الرومي الذي كان يباع بستين نصفا صار يباع بأربعمائة نصف والذراع الواحد من الجوخ الذي كان يباع بمائة نصف فضة بلغ في الثمن الى ألف نصف فضة وهكذا مما يستقصى تتبعه ولاتستقصى مفرداته ويتولى هذه الكمارك كل من يزايد فيها من أي ملة كان من نصارى القبط او الشوام والاروام ومن يدعى الاسلام وهم الاقل في الاشياء الدون والمتولي الآن في ديوان كمرك بولاق شخص نصراني رومي يسمى كرابيت من طرف طاهر باشا لأنه مختص بايراده واعوان كرابيت من جنسه وعنده قواسة اتراك يحجزون متاع الناس ويقبضون على المسلمين ويسجنونهم ويضربونهم حتى يدفعوا ما عليهم واذا عثروا بشخص اخفى عنهم شيئا حبسوه وضربوه وسبوه ونكلوا به والزموه بغرامة مجازاة لفعله والعجب أن بضائع المسلمين يؤخذ عشرها يعني من العشرة واحد وبضائع الافرنج والنصارى ومن ينتسب اليهم يؤخذ عليها من المائة اثنان ونصف وكذلك احدث عدة اشياء واحتكارات في كثير من البضائع مثل السكر الذي يأتي من ناحية الصعيد وزيادات في المكوس القديمة خلاف المحدثات وذلك أن من كان بطالا او كاسد الصنعة او قليل الكسب او خامل الذكر فيعمل فكرته في شيء مهمل مغفول عنه ويسعى الى الحضرة بواسطة المتقربين او بعرضحال يقول فيه أن الداعي للحضرة يطلب
(3/371)

الالتزام بالصنف الفلاني ويقوم للخزينه العامرة بكذا من الاكياس في كل سنة فاذا فعل تنبه المشار اليه فيعد بالانجاز ويؤخر اياما فتتسامع المتكالبون على امثال ذلك فيزيدون على الطالب حتى تستقر الزيادة على شخص اما هو وخلافه ويقيد اسمه بدفتر الروزنامة ويفعل بعد ذلك الملتزم ما يريده وما يقرره على ذلك الصنف ويتخذ له اعوانا وخدمة واتباعا يتولون استخلاص المقررات ويجعلون لانفسهم اقدار خارجة عن الذي ياخذه كبيرهم والذي تولى كبر ذلك وفتح بابه نصارى الاروام والارمن فتراسوا بذلك وعلت اسافلهم ولبسوا الملابس الفاخرة وركبوا البغال والرهوانات واخذوا بيوت الاعيان التي بمصر القديمة وعمروها وزخرفوها وعملوا فيها بساتين وجنائن وذلك خلاف البيوت التي لهم بداخل المدينة ويركب الواحد منهم وحوله وامامه عدة من الخدم والقواسة يطردون الناس من امامه وخلفه ولم يدعوا شيئا خارجا عن المكس حتى الفحم الذي يجلب من الصعيد والحطب السنط والرتم وحطب الذرة الذي كان يباع منه كل مائة حزمة بمائة نصف فلما احتكروه صار يباع كل مائة حزمة بالف ومائتي نصف وبسبب ذلك تشحطت اشياء كثيرة وغلت اثمانها مثل الجبس والجبر وكل ماكان يحتاج للوقود حتى الخبازين في الافران فاننا ادكنا الاردب من الجبس بثمانية عشر نصف فضة والان بمائتين واربعين نصفا وكذلك ادركنا القنطار من الجير بعشرة انصاف والان بمائة وعشرين والحال في الزيادة
ومنها أن الباشا شرع في عمارة قصر العيني وكان قد تلاشى وخربته العسكر واخذت اخشابه ولم يبق فيه الا الجدران فشرع في انشائة وتعميرة وتجديده على هذه الصورة التي هو عليها الآن على وضع الابنية الرومية
ومنها انه هدم سراية القلعة وما اشتملت عليه من الاماكن فهدم المجالس التي كانت بها والدواوين وديوان قايتباي وهو المقعد المواجه للداخل الى الحوش علو الكلار الذي به الاعمدة وديوان الغوري الكبير وما اشتمل عليه من المجالس التي كانت تجلس بها الافندية والقلفاوات ايام الدواوين
(3/372)

وشرع في بنائها على وضع آخر واصطلاح رومي واقاموا اكثر الابنية من الاخشاب ويبنون الاعالي قبل بناء السفل واسيع انهم وجدا مخبأت بها ذخائر الملوك مصر الاقدمين
ومنها أن الباشا ارسل لقطع الاشجار المحتاج اليها في عمل المراكب مثل التوت والنبق من جميع البلاد القبلية والبحرية فانبث المعينون لذلك في البلاد فلم يبقوا من ذلك الا القليل لمصانعة اصحابه بالرشا والبراطيل حتى يتركوا لهم ما يتركون فيجتمع بترسخانة الاخشاب لصناعة المراكب مع ما ينضم اليها من الاخشاب الرومية شيء عظيم جدا يتعدب منه الناظر من كثرته وكلما نقص منه شيء في العمل اجتمع خلافه اكثر منه
ومنها أن احمد أغا اخا كتخدا بك لما تقلد وكالة دار السعادة ونظارة الحرمين انضم اليه اباليس الكتبة لتحرير الايراد والمصرف وحصروا الاحكار المقررة على الاماكن والاطيان التي اجرها النظار السابقون لمداد الطويلة وجعلوا عليها قدرا من المال يقبض في كل سنة لجة وقف اصله على عادة مصر السابقة واللاحقة في استئجار الاوقاف من نظارها والاطيان والاماكن المستاجرة من اوقاف الحرمين وتوابعها كالدشيشة والخاصكية والمحمدية والمرادية وغير ذلك كثير جدا ففتحوا هذا الباب وتسلطوا على الناس في طلب ما بايديهم من السندات والحج التأجرات فاذا اطلعوا عليها فلايخلو اما أن تكون المدة قد انقضت ومضت او بقي منها بقية من السنين فإن كان بقي منها بقية زادوا في الاجرة المؤجلة التي هي الحكر مثلها او مثليها بحسب حال المحل ورواجه وان كانت المدة قد انقضت ومضت استولوا على حين المحل وضبطوه وجددوا له تاجرا وزادوا في حكره ويكون ذلك لمصلحة جسيمة وعلى كلتا الحاللاين لا بد من التغريم والمصالحات الجوانية والبرانية للكتاب والمباشرين والخدم والمعينين ثم المرافعة الى القاضي ودفع المحاصيل والرسوم والتسجيل وكتابة السندات التي يأخذها واضع اليد
(3/373)

ومنها التحجير على الاجراء والمعمرين المستعملين في الابنية والعمائر مثل البنائين والنجارين والنشارين الخراطين والزامهم في عمائر الدولة بمصر وغيرها بالاجارة والتسخير واختفى الكثير منهم وابطل صناعته واغلق من له حانوت حانوته فيطلبه كبير حرفته الملزم بإحضاره عند معمار باشا فاما انه يلازم الشغل او يفتدي نفسه او يقيم بدلا عنه ويدفع له الاجرة من عنده فترك الكثير صناعته واغلق حانوته وتكسب بحرفة اخرى فتعطل بذلك احتياجات الناس في التعمير والبناء بحيث أن من اراد أن يبني له كانونا او مزودا لدابته تحير في امره واقام اياما في تحصيل البناء وما يحتاجه من الطين والجير والقصر مل وكان الباشا اشترى ألف حمار وعملوا لها مزابل واعدوها لنقل اتربة عمائر وشيل القصرمل من مستوقدات الحمامات بالمدينةوبولاق ونودي في المدينة بمنع الناس كافة عن اخذ شئ من القصرمل فكان الذي تلزمه الضرورة لشيء منها ان كان قليلا اخذه كالسرقة في الليل من المستوقد بأغلى ثمن وان كان كثيرا لايأخذه الا بفرمان بالاذن من كتخدا بك بعد أن كان شيئا مبتذلا وليس له قيمة ينقلونه اذا كثر بالمستوقدات الى الكيمان بالاجرة وان احتاجه الناس في ابنيتهم اما نقلوه على حميرهم او نقله خدمة المشتوفد بأجرتهم كل فردين بنصف واقل وازيد ونحو ذلك كما اذا اضاع لانسان مفتاح خشب لايجد نجارا يصنع له مفتاحا آخر الا خفية ويطلب ثمنه خمسة عشر نصف فضة وكان من عادة المفتاح نصف فضة ان كان كبير او نصف نصف ان كان صغيرا
ومنها أن الذي التزم بعمل البارود قرر على نفسه مائتي كيس او احتكر جميع لوازمه مثل الفحم وحطب الترمس والذرة والكبريت فقرر كل صنف من ذلك قدرا من الاكياس وابطل الذين كانوا يعملون في السباخ بالكيمان ويستخرجون منه ملح البارود ثم يؤخذ منهم عبيطا الى المعمل فيكررونه حتى يخرج ملحا ابيض يصلح للعمل وهي صناعة قذرة ممتهنة فابطلهم منها وبنى احواضا بدلا عن الصناديق وجعلها متسعة وطلاها بالخافقي وعمل ساقية واجرى الماء منها الى تلك الاحواض واوقف
(3/374)

العمال لذلك بالاجرة يعملون في السباخ المذكور
ومنها شحة الحطب الرومي في هذه السنة واذا ورد منه شيء حجزه الباشا لاحتياجاته فلايرى الناس منه شيئا فكان الحطابة يبيعون بدله خشب الاشجار المقطوعة من القطر المصري وافضلها السنط فيباع منه الحملة بثلثمائة نصف فضة واجرة حملها عشرة وتكسيرها عشرة وعز وجود الفحم أيضا حتى بيعت الاقة بعشرين نصفا وذلك لانقطاع الجالب الا ما ياتي قليلا من ناحية الصعيد مع العسكر يتسببون فيه ويبيعونه بأغلى ثمن كل حصيرة باثني عشر قرشا وهي دون القنطار وكانت تباع في السابق بستين نصفا وهي قرش ونصف غير ذلك امور واحداثات واتبداعات لايمكن استقصاؤها ولم يصل الينا خبرها اذ لايصل الينا الا ما تعلقت به اللوازم والاحتياجات الكلية وقد يستدل بالبعض على الكل واما من مات في هذه السنة ممن له ذكر فمات الشيخ الامام العلامة والنحرير الفهامة الفقيه الاصولي النحوي شيخ الاسلام والمسلمين الشيخ عبد الله بن حجازي بن ابراهيم الشافعي الازهري الشهير بالشرقاوي شيخ الجامع الازهر ولد ببلدة تسمى الطويلة بشرقية بلبيس بالقرب من القرن في حدود الخمسين بعد المائة وتربى بالقرين فلما ترعرع وحفظ القرآن قدم الى الجامع الازهر وسمع الكثير من الشهابين الملوي والجوهري والحفني واخيه يوسف الدمنهوري والبليدي وعطية الاجهوري ومحمد الفارسي وعلي المنسفيسي الشهير بالصعيدي وعمر الطحلاوي وسمع الموطأ فقط على علي بن العربي الشهير بالسقاط وبآخره تلقن بالسلوك والطريقة على شيخنا الشيخ محمود الكردي ولازمه وحضر معنا في اذكاره وجمعياته ودرس الدروس بالجامع الازهر وبمدرسة السنانية بالصنادقية وبرواق الجبرت والطيبرسية وافتى في مذهبه وتميز في الالقاء والتحرير وله مؤلفات داله على سعة فضله من ذلك حاشيته على التحرير وشرح نظم يحيى العمريطي وشرح العقائد المشرقية والمتن له أيضا وشرح مختصر في العقائد
(3/375)

والفقه والتصوف مشهور في بلاد داغستان وشرح رسالة عبد الفتاح العادلي في العقائد ومختصر الشمائل وشرحه له ورسالة في لا اله الا الله ورسالة في مسئلة اصولية في جمع الجوامع وشرح الحكم والوصايا الكردية في التصوف وشرح ورد سحر للبكري ومختصر المغني في النحو وغير ذلك ولما اراد السلوك في طريق الخلوتيه ولقنه الشيخ الحفني الاسم الاول حصل له وله اختلال في عقله ومكث بالمارستان اياما ثم شفى ولازم الاقراء والافادة ثم تلقن من شيخنا الشيخ محمود الكردي وقطع الاسماء عليه والبسه التاج وواظب على مجالسته وكان في قلة من خشونة العيش وضيق المعيشة فلا يطبخ في داره الا نادرا وبعض معارفه يواسونه ويرسلون اليه الصحفة من الطعام او يدعونه ليأكل معهم ولما عرفه الناس واشتهر ذكره فواصله بعض تجار الشوام وغيرهم بالزكوات والهدايا والصلات فراج حاله وتجمل بالملابس وكبر تاجه ولما توفي الشيخ الكردي كان المترجم من جملة خلفائه وضم اليه اشخاصا من الطلبة والمجاورين الذين يحضرون في درسه يأتون اليه كل ليلة عشاء يذكرون معه ويعمل لهم في بعض الاحيان ثريدا ويذهب بهم الى بعض البيوت في مياتم الموتى وليالي السبح والجمع المعتادة ومعهم منشدون ومولهون ومن يقرا الاعشار عند ختم المجلس فياكلون العشاء ويسهرون حصة من الليل في الذكر والانشاد والتوله وينادون في انشادهم بقولهم يابكرى مدد يا حفني مدد يا شرقاوي مدد ثم ياتون اليهم بالطارى وهو الطعام بعد انقضاء المجلس ثم يعطونهم أيضا دراهم ثم اشترى له دار بحارة كتامة المسماة بالعينية وساعده في ثمنها بعض من يعاشره من المياسير وترك الذهاب الى البيوت الا في النادر واستمر على حالته حتى مات الشيخ احمد العروسي فتولى بعده مشيخة الجامع الازهر فزاد في تكبير عمامته وتعظيمها حتى كان يضرب بعظمها المثل وكانت تعارضت فيه وفي الشيخ مصطفى الصاوي ثم حصل الاتفاق على المترجم وان الشيخ الصاوي يستمر في وظيفة التدريس بالمدرسة
(3/376)

الصلاحية المجاورة لضريح الامام الشافعي بعد صلاة العصر وهي من وظائف مشيخة الجامع ولما تولاها الشيخ العروسي تعدى على الوظيفة المذكورة والشيخ محمد المصيلحي الضرير وكان يرى في نفسه انه احق بالمشيخة من العروسي فلم ينازعه فيها حسما للشر فلما مات المصيلحي تنزه عنها العروسي واجلس فيها الصاوي وحضر درسه في اول ابتدائه لكونه من خواص تلامذته فلما مات العروسي وتولى المترجم المشيخة اتفقوا على بقاء الصاوي في الوظيفة ومضى على ذلك اشهر ثم أن المجتمعين على الشرقاوي وسوسوا له وحرضوه على اخذ الوظيفة وان مشيخته لاتتم الا بها وكان مطواعا فكلم في ذلك الشيخ محمد ابن الجوهري وايوب بك الدفتردار ووافقاه على ذلك واغتر بهما وذهب بجماعته ومن انضم اليهم وهم كثيرون وقرا بها درسا فلم يحتمل الصاوي ذلك وتشاور مع ذوي الرأي والمكايد من رفقائه كالشيخ بدوي الهيتمي واضرابه فبيتوا امرهم وذهب الشيخ مصطفى الى رضوان كتخدا ابراهيم بك الكبير وله به صداقة ومعاملة ومقارضه فسامحه في مبلغ كان عليه له فعند ذلك اهتم رضوان كتخدا المذكور وحضر عند الشرقاوي وتكلم معه وافحمة ثم اجتمعوا في ثاني يوم ببيت الشرقاوي وحضر الصاوي وعزوته وباقي الجماعة فقال الشرقاوي اشهدوا ياجماعة أن هذه الوظيفة استحقاقي وانا نزلت عنها الى الشيخ مصطفى الصاوي فقال له الصاوي ارجع اما الآن فلا ولا جميلة لك الآن في ذلك وباكته بكلام كثير وبانفاذه لرأي من حوله وغير ذلك وانفض المجلس على منعه من الوظيفة واستمرار الصاوي فيها الى أن مات فعادت الى المترجم عند ذلك من غير منازع فواظب الاقراء فيها مدة وطالب سدنة الضريح بمعلومها فماطلوه فتشاجر معهم وسبهم فشكوه للمعاضدين لهم وهم اهل المكايد من الفقهاء وغيرهم وتعصبوا عليه وانهوا الى الباشا وضموا الى ذلك اشياء حتى اغروا عليه صدره واتفقوا على عزله من المشيخة ثم انحط الامر على أن يلزم داره ولايخرج
(3/377)

منها ولايتداخل في شيء من الاشياء فكان ذلك اياما ثم عفا عنه الباشا بشفاعة القاضي فركب وقابله ولكن لم يعد الى القراءة في الوظيفة بل استناب فيها بعض الفقهاء وهو الشيخ محمد الشبراويني ولما حضرت الفرنساوية الى مصر في سنة ثلاث عشرة ومائتين والف ورتبوا ديوانا لاجراء الاحكام بين المسلمين جعلوا المترجم رئيس الديوان وانتفع في ايامهم بما يتحصل اليه من المعلوم المرتب له عن ذلك وقضايا وشفاعات لبعض الاجناد المصرية وجعالات على ذلك واستيلاء على تركات ودائع خرجت اربابها في حادثة الفرنساوية وهلكوا واتسعت عليه الدنيا وزاد طمعه فيا واشترى دار ابن بيرة بظاهر الازهر وهي دار واسعة من مساكن الامراء الاقدمين وزوجته بنت الشيخ علي الزغفراني هي التي تدبر امره وتحرز كل ما يأتيه ويجمعه ولا يروح ولا يغدو الا عن امرها ومشورتها وهي ام سيدي علي الموجود الآن وكانت قبل زواجه بها في قلة من العيش فلما كثرت عليه الدنيا اشترت الاملاك والعقار والحمامات والحوانيت بما يغل ايراده مبلغا في كل شهر له صورة وعمل مهما لزواج ابنه المذكور في ايام محمد باشا خسروسنة سبع عشرة ومائتين والف ودعا اليه الباشا وعيان الوقت فاجتمع اليه شيء كثير من الهدايا ولما حضر اليه الباشا انعم على ابنه باربعة اكياس عنها ثمانون ألف درهم وذلك خلاف البقاشيش واتفق للمترجم في ايام الامراء المصرية أن طائفة المجاورين بالازهر من الشرقاويين يقطنون بمدرسة الطيبرسية بباب الازهر وعمل لهم المترجم خزائن برواق معمر فوقع بينهم وبين المجاورين بها مشاجرة فضربوا نقيب الرواق فتعصب لهم الشيخ ابراهيم السجيني شيخ الرواق على الشرقاويين ومنعوهم من الطيبرسية وخزائنها وقهروا المترجم وطائفته فتوسط بامراة عمياء فقيهة تحضر عنده في درسه الى عديلة هانم ابنة ابراهيم بك فكلمت زوجها ابراهيم بك المعروف بالوالي بأن يبني له مكانا خاصا بطائفته فأجابه الى ذلك واخذ سكنا امام الجامع المجاور لمدرسة الجوهرية من غير ثمن واضاف
(3/378)

اليه قطعة اخرى وانشأ ذلك رواقا خاصا بهم ونقل اليه الاحجار والعامود والرخام الذي بوسطة من جامع الملك الظاهر بيبرس خارج الحسينية وهو تحت نظر الشيخ ابراهيم السجيني ليكون ذلك نكاية له نظير تعصبه عليه وعمل به قوائم وخزائن واشترى له غلال من جريات السون واضافها الى اخباز الجامع وادخلها في دفتره يستلمها خباز الجامع ويصرفها خبز قرصه لاهل ذلك الرواق في كل يوم ووزعها على الانفار الذين اختارهم من اهل بلاده ومما اتفق للمترجم أن بخارج باب البرقية خانكاه انشأتها خوند طغاي الناصرية بالصحراء على يمنة السالك الى وهدة الجبانة المعروفة الان بالبستان وكان الناظر عليها شخص من شهود المحكمة يقال له ابن الشاهيني فلما مات تقرر في نظيرها المترجم واستولى على جهات ايرادها فلما ولج الفرنساوية اراضي مصر واحدثوا القلاع فوق التلول والاماكن المستعلية حوالي المدينة هدموا منارة هذه الخانكاه وبعض الحوائط الشمالية وتركوها على ذلك فلما ارتحلوا عن ارض مصر بقيت على وضعها في التخرب وكانت ساقيتها تجاه بابها في علوة يصعد اليها بمزلقان ويجري الماء منها الى الخانكاه على حائط مبنى وبه قنطرة يمر من تحتها المارون وتحت الساقية حوض لسقي الدواب وقد ادركنا ذلك وشاهدنا دوران الثور في الساقية ثم أن المترجم ابطل تلك الساقية وبنى مكانها زاوية وعمل لنفسه بها مدفنا وعقد عليه قبة وجعل تحتها مقصورة بداخلها تابوت عال مربع وعلى اركانه عساكر فضة وبنى بجانبها قصرا ملاصقا لها يحتوي على اروقة ومساكن ومطبخ وكلار وذهبت الساقية في ضمن ذلك وجعلها بئر وعليه خرزة يملؤن منها بالدلو ونسيت تلك الساقية وانطمست معالمها وكأنها لم تكن وقد ذكر هذه الخانكاه العلامة المقريزي في خططه عند ذكر الخوانك لابأس بإيراد ما نصه للمناسبة فقال خانكاه ام انوك هذه الخانكا خارج باب البرقية بالصحراء انشأتها الخاتون طغاي تجاه تربة الامير طاشتمر الساقي فجاءت من اجل المباني وجعلت بها صوفية وقراء ووقفت عليها
(3/379)

الاوقاف الكثيرة وقررت لكل جارية من جواريها مرتبا يقوم بها ثم ترجمها بقوله طغاي الخوندة الكبرى زوج السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون وام ابنه الامير آنوك كانت من جملة امائه فأعتقها وتزوجها ويقال انها اخت الامير آفبغا عبد الواحد وكانت بديعة الحسن باهرة الجمال من السعادة مالم يره غيرها من نساء ملوك الترك بمصر وتنعمت في ملاذ ما وصل سواها لمثلها ولم يدم السلطان على محبة امرأة سواها وصارت خوندة بعد ابنة توكاي اكبر نسائه حتى من ابنه الامير تنكز وحج بها القاضي كريم الدين الكبير واحتفل بامرها وحمل لها البقول في محايرطين على ظهور الجمال واخذ لها الابقار الحلابة فسارت معها طول الطريق لاجل اللبن الطري و الجبن وكان يقلي لها الجبن في الغداء والعشاء وناهيك بمن وصل الى مداومة البقل والجبن واللبن في كل يوم بطريق الحج فما عساه يكون بعد ذلك وكان القاضي كريم الدين وامير مجلس وعدة من الامراء يترجلون عند النزول ويسيرون بين يدي محفتها ويقبلون الارض لها كما يفعلون بالسلطان ثم حج بها الامير بشتاك في سنة تسع وثلاثين وسبعمائة وكان الامير تنكز اذا جهز من دمشق تقدمة للسلطان لابدان يكون لخوند طغاي منها جزء وافر فلما مات السلطان الملك الناصر استمرت عظمتها من بعده الى أن ماتت في شهر شوال سنة تسع واربعين وسبعمائة ايام الوباء عن ألف جارية وثمانين خصيا واموال كثيرة جدا وكانت عفيفة طاهرة كثيرة الخير والصدقات والمعروف جهزت سائر جواريها وجعلت على قبر ابنها بقبة المدرسة الناصرية بين القصرين قراء ووقفت على ذلك وقفا وجعلت من جملته خبزا يفرق على الفقراء ودفنت بهذه الخانكاه وهي من اعمر الاماكن الى يومنا هذا انتهى كلامه
يقول الحقير اني دخلت هذه الخانكاه في اواخر القرن الماضي فوجدت بها روحانية لطيفة وبها مساكن وسكان قاطنون بها وفيهم اصحاب الوظائف مثل المؤذن والوقاد والكناس والملاء ودخلت الى مدفن الواقفة وعلى قبرها
(3/380)

تركيبة من الرخام الابيض وعند رأسها ختمة شريفة كبيرة على كرسي بخط جليل وهي مذهبة وعليها اسم الواقفة رحمها الله تعالى فلوان الشيخ المترجم عمر هذه الخانكاه بدل هذا الذي ارتكبه من تخريبها لكان له بذلك منقبة وذكر حسن في حياته وبعد مماته وبالله التوفيق وللمترجم طبقات جمعها في تراجم الفقهاء الشافعية المتقدمين والمتأخرين من اهل عصره ومن قبلهم من اهل القرن الثاني عشر نقل تراجم المقتدمين من طبقات السبكي والاسنوى واما المتأخرون فنقلهم من تاريخنا هذا بالحرف الواحد واظن أن ذلك آخر تأليفاته وعمل تاريخا قبله مختصرا في نحو اربعة كراريس عند قدوم الوزير يوسف باشا الى مصر وخروج الفرنساوية منها واهداه اليه عدد في ملوك مصر وذكر في آخره خروج الفرنسيس ودخول العثمانية في نحو ورقتين وهو في غاية البرود وغلط فيه غلطات منها انه ذكر الاشرف شعبان ابن الامير حسن بن الناصر محمد بن قلاوون فجعله ابن السلطان حسن ونحو ذلك ولم يزل المترجم حتى تعلل ومات في يوم الخميس ثاني شهر شوال من السنة وصلى عليه بالازهر في جمع كثير ودفن بمدفنه الذي بناه لنفسه كما ذكر ووضعوا له تابوته المذكور عمامة كبيرة اكبر من طبيزيته التي كان يلبسها في حياته بكثير وعموها بشاش اخضر وعصبوها بشال كشميري احمر ووقف شخص عند باب مقصورته وبيده مقرعة يدعو الناس لزيارته ويأخذ منهم دراهم ثم أن زوجته وابنها ومن يلوذ بهم ابتدعوا له مولدا وعيدا في ايام مولد العفيفي وكتبوا بذلك فرمانا من الباشا ونادى به تابع الشرطة بأسواق المدينة على الناس بالاجتماع والحضور لذلك المولد وكتبوا اوراقا ورسائل للاعيان واصحاب المظاهر وغيرهم بالحضور وذبحوا ذبائح واحضروا طباخين وفراشين مدوا اسمطة بها انواع الاطعمة والحلاوات والمحمرات والخشافات لمن حضر من الفقهاء والمشايخ والاعيان وارباب الاشارير والبدع ونصبوا قالبة تلك القبة صواري علقوا بها قناديل وبيارق وشراريب حمرا وصفرا يلوحها
(3/381)

الريح واجتمع حول ذلك من غوغاء الناس وعملوا قهاوي وبياعين الحلو والمخللات والترمس المملح والفول المقلي ودهسوا ما بتلك البقعة من قبور الاموات واوقدوا بها النيران وصبوا عليها والقاذورات مع مايلحقهم من البول والغائط واما ضجة الاوباش والاولاد وصراخهم وفرقعتهم بالبارود وصياحهم وضجيجهم فقد شاهدنا به ما كنا نسمعه من عفاريت الترب وضرب المثل بهم فهم اقبح منهم فإن العفاريت الحقيقية لم نر لهم افعالا مثل هذه
ولما مات الشيخ المترجم ومضى على موته ثلاثة ايام اجتمع المشايخ في يوم الاحد خامسه وطلعوا الى القعلة ودخلوا الى الباشا وذكروا له موت المترجم ويستأذنوه فيمن يجعلونه شيخا على الازهر فقال لهم الباشا اعملوا رأيكم واختاروا شخصا يكون خاليا عن الاغراض وانا اقلده ذلك فقاموا من مجلسه ونزلوا الى بيوتهم واختلفت آراؤهم فالبعض اختار الشيخ المهدي والبعض ذكر الشيخ محمد الشنواني واما الشيخ محمد الامير فانه امتنع من ذلك وكذلك ابن الشيخ العروسي والشيخ الشنواني المذكور منعزل عنهم وليس له درس بالازهر ويقرأ دروسه بجامع الفاكهاني الذي في العقادين وبيده وظائف خدم الجامع وعند فراغه من الدروس يغير ثيابه ويكنس المسجد ويغسل القناديل ويعمرها بالزيت والفتائل حتى يكنس المراحيض فلما بلغه انهم ذكروه تغيب ثم أن الباشا امر القاضي وهو بهجة افندي بأن يجمع المشايخ عنده ويتفقوا على شخص يجتمع رأيهم عليه بالشرط المذكور فارسل اليهم القاضي وجمعهم وذلك في يوم الثلاثاء سابعه وحضر فقهاء الشافعية مثل القويسني والفضالي وكثير من المجاورين والشوام والمغاربة فسأل القاضي هل بقي احد فقالوا لم يكن احد غائبا عن الحضور الا ابن العروسي والهيثمي والشنواني فأرسلوا اليهم فحضر العروسي والهيثمي فقال واين الشنواني فلا بد من حضوره فأرسلوا رسولا فغاب ورجع وبيده ورقة ويقول الرسول انه له ثلاثة
(3/382)

ايام غائبا عن داره وترك هذه الورقة عند اهله وقال أن طلبوني اعطوهم هذه الورقة فاخذها القاضي وقرأها جهارا يقول فيها بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم لحضرة شيخ الاسلام اننا نزلنا عن المشيخة للشيخ بدوي الهيثمي الى آخر ما قال فعندما سمع الحاضرون ذلك القول قاموا قومة واكثرهم طائفة الشوام وقال بعضهم هو لم يثبت له مشيخة حتى انه ينزل عنها لغيره وقال كبارهم من المدرسين لايكون شيخا الا من يدرس العلوم ويفيد الطلبة وزادوا في اللغط فقال القاضي ومن الذي ترضونه فقالوا نرضى الشيخ المهدي وكذلك قال البقية وقاموا وصافحوه وقراوا الفاتحة وكتب القاضي اعلاما الى الباشا بما يحصل وانفض الجمع وركب الشيخ المهدي الى بيته في كبكبة وحوله وخلفه المشايخ وطوائف المجاورين وشربوا الشربات واقبلت عليه الناس للتهنئة وانتظر جواب الاعلام بقية ذلك اليوم فلم يأت الجواب ومضى اليوم الثاني والمدبرون يدبرون شغلهم واحضروا الشيخ الشنواني من المكان الذي كان متغيبا فيه بمصر القديمة وتمموا شغلهم واحضروا السيد منصور اليافاوي المنفصل عن مشيخة الشوام ليلا ليعيدوه الى مشيخة الشوام ويمنعوا الشيخ قاسما المتولي فعالة ولطائفته الذين تطاولوا في مجلس القاضي بالكلام وجمعوا بقية المشايخ آخر الليل وركبوا في الصباح الى القلعة فقابلوا الباشا فخلع على الشيخ محمد الشنواني فروة سمور وجعله شيخا على الازهر وكذلك على السيد منصور اليافاوي ليكون شيخا على رواق الشوام كما كان في السابق ثم نزلوا وركبوا وصحبتهم آغات الينكجرية بهيئة الموكب وعلى راسه المجوزة الكبيرة وامامه الملازمون بالبراقع والريش على روؤسهم وما زالوا سائرين حتى دخلوا حارة خوشقدم فنزلوا بدار ابن الزليجي لان دار ذات الشيخ الشنواني صغيرة وضيقة لاتسع ذلك الجمع والذي انزله في ذلك المنزل السيد محمد المحروقي وقام له بجميع الاحتياجات وارسل من الليل الطباخين
(3/383)

والفراشين والاغنام والارز والحطب والسمن والعسل والسكر والقهوة واوقف عبيده وخدمه لخدمة القادمين للسلام والتهنئة ومناولة القهوة والشربات والبخور وماء الورد وازدحمت الناس عليه واتوا افواجا اليه وكان ذك يوم الثلاثاء رابع عشره ووصل الخبر الى الشيخ المهدي ومن معه وحصل لهم كسوف وبطلت مشيخته ولما كان يوم الجمعة حضر الشيخ الجديد الى الازهر وصلى الجمعة وحضر باقي المشايخ وعملوا الختم للشيخ الشرقاوي وحصل ازدحام عظيم وخصوصا للتفرج على الشيخ الجديد وكأنه لم يكن طول دهره بينهم ولايلتفتون اليه وبعد فراغ الختم انشد المنشد قصيدة يرثي بها المتوفي من نظم الشيخ عبد الله العدوي المعروف بالقاضي وانفض الجمع
ومات الاستاذ المكرم بقية السلف الصالحين ونتيجة الخلف المعتقد الشيخ محمد المنكى ابا السعود ابن الشيخ محمد جلال بن الشيخ محمد افندي المكنى بأبي المكارم بن السيد عبدالمنعم بن السيد محمد المكنى بأبي السرور صاحب الترجمة بن السيد القطب الملقب بابي السرور البكري الصديقي العمري من جهة الام تولى خلافة سجادتهم في سنة سبع عشرة ومائتين والف عندما عزل ابن عمه السيد خليل البكري ولم تكن الخلافة في فرعهم بل كانت في اولاد الشيخ احمد بن عبد المنعم وآخرهم السيد خليل المذكور فلما حضرت العثمانية الى مصر واستقر في ولايتها محمد باشا خسروا سعي في السيد خليل الكارهون له وانهوا اليه فيه ورموه بالقبائح ومنها تداخله في الفرنسيس وامتزاجه بهم وعزلوه من نقابة الاشراف وردت للسيد عمر مكرم ولم يكتفوا بذلك وذكروا انه لايصلح لخلافة البكرية فقال الباشا وهل موجود في اولادهم خلافة قالوا نعم وذكروا المترجم فيمن ذكروه وانه قد طعن في السن وفقير من المال فقال الباشا الفقر لاينفي النسب وامر له بفرس وسرج وعباءة كعادة مركوبهم فاحضروه ه والبسوه التاج والفرجية وخلع عليه الباشا فروة سمور وانعم
(3/384)

عليه بخمسة اكياس وان يأخذ له فائظا في بعض الاقطاعات ويعفى من الحلوان وسكن بدار جهة باب الخرق وراج امره واشتهر 1 كره من حينئذ وسار سيرا حسنا مقرونا بالكمال جاريا على نسق نظامهم بحسب الحال ويتحاكم لديه خلفاء الطرائق الصورية واصحاب الاشاير البدعية كالاحمدية الرفاعية والبرهامية والقادرية فيفصل قوانينهم العادية وينتقل في اوائل شهر ربيع الاول الى داره بالازبكية بدرب عبد الحق فيعمل هناك وليمة المولد النبوي على العادة وكذلك مولد المعراج في شهر رجب بزاوية الدشطوطي خارج باب العدوى ولم يزل على حالته وطريقته مع انكسار النفس الى أن ضعفت قواه وتعلل ولازم الفراش فعند ذلك طلب الشيخ الشنواني وباقي المشايخ وعرفهم أن مرضه الذي هو به مرض الموت لأنه بلغ التسعين وزيادة وانه عهد بالخلافة على سجادتهم لولده السيد محمد لأنه بالغ رشيد والتمس منهم بأن يركبوا معه من الغد ويطلعوا الى القلعة ويقابلوا به الباشا فأجابوه الى ذلك وركبوا من الغد صحبته الى القعلة فخلع عليه الباشا فروة سمور ونزل على داره بالازبكية بدرب عبد الحق وتوفي المترجم في اواخر شهر شوال من السنة وحضروا بجنازته الى الازهر فصلوا عليه وذهبوا به الى القرافة ودفن بمشهد اسلافهم رحمه الله تعالى
ومات الاجل المكرم المذهب في نفسه النادرة في ابناء جنسه محمد افندي الودنلي الذي عرف بناظر المهمات ويعرف أيضا بطبل أي الاعرج لانه كان به عرج قدم الى مصر في ايام قدوم الوزير يوسف باشا وولاه محمد باشا خسرو كشوفية اسيوط ثم رجع الى مصر في ولاية محمد علي باشا فجعله ناظرا على مهمات الدولة وسكن ببيت سليمان افندي ميسوا بعطفة أبي كلبة بناحية الدرب الاحمر فتقيد بعمل الخيام والسروج واليرقات ولوازم الحروب فضاقت عليه الدار فاشترى بيت ابن الدالي باللبودية بالقرب من قنطرة عمر شاه وهي دار واسعة عظيمة متخربة هي
(3/385)

وما حولها من الدور والرباع والحوانيت فعمرها وسكن بها ورتب بها ورشات ارباب الأشغال والصنائع والمهمات المتعلقة بالدولة كسبك المدافع والجلل والقنابر والمكاحل والعربات وغير ذلك من الخيام والسروج ومصاريف طوائف العساكر الطبجية والعربجية والرماة وعمر ماحول تلك الدار من الرباع والحوانيت والمسجد الذي بجواره ومكتبا لاقراء الاطفال ورتب تدريسا في المسجد المذكور بعد العصر وقرر فيه السيد احمد الطحطاوي الحنفي ومعه عشرة من الطلبة ورتب لهم ألف عثماني تصرف لهم من الروزنامة وللأطفال وكسوتهم خلاف ذلك ويشتري في عيد الاضحى جواميس وكباشا يذبح منها ويفرق على الفقراء والموظفين ويرسل الى اصحابه عدة كباش في عيد الاضحية الى بيوتهم الكبش والكبشين على قدر مقاديرهم ويرسل في كل ليلة من ليالي رمضان عدة قصاع مملوءة بالثريد واللحم الى الفقراء بالجامع الازهر واتفق أن الباشا قصد تعمير المجراة والسواقي التي تنقل الماء من النيل الى القلعة وكانت قد تهدمت وتخربت وتلاشت وبطل عملها مدة سنين فأحضروا المعمارجية فهولوا عليه امرها واخبروه انها تحتاج خمسمائة كيس تنفق في عمارتها فعرض ذلك على المترجم فقال له انا اعمرها بمائة كيس قال كيف تقول قال بل بثمانين كيسا والتزم بذلك ثم شرع في عمارتها حتى اتمها على ماهي عليه الآن واهدى اليه رجال دولتهم عدة انوار معونة له فعمر أيضا سواقيها وادارها وجرى فيها الماء الى القلعة ونواحيها وانتفع بها أهل تلك الجهات ورخص الماء وكثر في تلك الاخطاط وكانوا قاسوا شدة من عدم الماء عدة سنين ومما عد من مناقبه أن القلقات المقيدين بالمراكز وأبواب المدينة كانوا يأخذون من الواردين والداخلين والخارجين والمسافرين من الفلاحين وغيرهم ومعهم اشياء او احمال ولو حطبا او برسيما او تبنا او سرجينا دراهم على كل شيء ولو امراة فقيرة معها او على رأسها مقطف من رجيع البهائم تبيعه في الشارع وتقتات بثمنه فيحجزونها ولا يدعونها تمر حتى تدفع لهم
(3/386)

نصف فضة ثم يأخذون أيضا من ذلك الشيء ويأخذون على كل حمل حمار او بغل او جمل نصف فضة واذا اشترى شخص من ساحل بولاق او مصر القديمة اردب غلة او حملة حطب لعياله اخذ منه المتقيدون عند قنطرة الليمون فإذا خلص منهم استقبله الكائنون بالباب الحديد وهكذا سائر الطرق التي يدخل منها المارة الى المدينة ويخرجون مثل باب النصر وباب الفتوح وباب الشعرية وباب العدوى وطرق الازبكية وباب القرافة والبرقية وطرق مصر القديمة فسعى المترجم بإبطال ذلك وتكلم مع الباشا وعرفه تضرر الناس وخصوصا الفقراء وهؤلاء المتقيدون لهم علائف يقبضونها من الباشا كغيرهم وهذا قدر زائد فرخص له في ابطال هذا الامر وكتب له بيورلدى بمنع هؤلاء المركوزين عن اخذ شيء من الناس جملة كافية وقيد بكل مركز شخصا من اتباعه لمراقبتهم واشاع ذلك في الناس فانكفوا وامتنعوا عن اخذ شيءمن عامة الناس وكانوا يجمعون من ذلك مقادير من الفضة العددية يتقاسمونها آخر النهار وذلك خلاف ما يأخذونه من الاشياء المحمولة كالجبن والزبد والخيار والقثاء وانواع البطيخ والفاكهة والبرسيم والاحطاب والخضارات وغير ذلك ومن مناقبه أيضا أن الجاويشية والقواسة الاتراك المختصين بخدمة الباشا والكتخدا كان من عوائدهم القبيحة انهم في كل يوم جمعة يلبسون احسن ملابسهم وينتشرون بالمدينة ويطوفون على بيوت الاعيان وارباب المظاهر واصحاب المناصب ويأخذون منهم البقاشيش ويسمونها الجمعية فما هو ألا أن يصطبح احد من ذكر ويجلس مجلسه ألا واثنان او ثلاثة عابرون عليه من غير استئذان فيقفون قبالته وبأيديهم العصي المفضضة فيعطيهم القرشين او الثلاثة بحسب منصبه ومقامه فاذا ذهبوا وانصرفوا حضر اليه خلافهم وهكذا ولا يرون في ذلك ثقلا ولا رذالة بل يرون أن ذلك من اللازمات الواجبة فلا يكفي احد المقصودين الخمسون قرشا او اقل او اكثر في ذلك اليوم تذهب سبهللا فكان منهم من ينقطع في حريمه ذلك اليوم او يتوارى ويتغيب عن منزله
(3/387)

فاذا صادفوه مرة اخرى ذاكروه فيما فاتهم في السابق فإما سامحوه وامتنوا عليه بتركها او طالبوه بها أا لم يكن ممن يخشوه فسعى أيضا المترجم مع الباشا في منعهم من ذلك
ومن مساويه انه اول من فتح باب الزيادة في متحصل الضربخانة حتى تنبه الباشا من ذلك الوقت لاهل الضربخانة واوقع بهم ما تقدم ذكره ومنها احداث المكس على اللبان والحناء والصمغ على ما قيل ومن ذا الذي نرضى سجاياه كلها كفى المرء نبلا أن تعد معايبه وبالجملة فمن رأس العين يأتي الكدر كما قاله الليث بن سعد لمما ساله الرشيد وقال له يا ابا الحرث ما صلاح امر زراعتها وجدبها وخصبها فبالنيل واما صلاح احكامها فمن رأس العين يأتي الكدر فقال له صدقت ذكر ذلك الحافظ بن حجر في المرحمة الغيثية في الترجمة الليثية وعلى كل فكان المترجم احسن من رأينا في هذه الدولة وكان قريبا من الخير وفعله مواظبا على الصلوات الخمس في اوقاتها ملازما على الاشتغال ومطالعة الكتب والممارسة في دقائق الفنون واقتنى كتبا كثيرة في سائر الفنون واستنباط الصنائع حتى انه صنع الجوخ الملون الذي يعمل ببلاد الافرنج ويجلب الى الآفاق ويلبسه الناس للتجمل وكان قل وجوده بمصر وغلا ثمنه فعمل عدة انوال ومناسج غريبة الوضع واحضر اشخاصا من النساجين فنسجوا الصوف بعد غزله مدات حددها لهم في الطول والعرض ثم بتسلمه رجال اعدهم لتخميره وتلبيده بالقلي والصابون منشورا ومطويا بكيفيات في اوقات وايام بماشرته لهم في العمل واشارته ثم يضعونه مطويا في احواض من خشب ثخين مزفت تمتلىء بالماء من ساقية صنعها لخصوص ذلك يصب منها الماء الى تلك الاحواض تديرها الاثوار وعلى تلك الاحواض مدقات شبيهة بمدقات الارز تتحرك في صعودها وهبوطها من ترس خاص يدور بدوران الساقية وما يفيض من ماء الاحواض يجرى الى بستان زرعه حول ذلك فيسقي ما به من الاشجار والمزارع فلا يذهب الماء هدرا ثم
(3/388)

يخرجونه بعد ذلك ويبردخونه ويصبغونه بانواع الاصباغ ويضعونه في مكبس كبير يقال له التخت صنعه لذلك وعند ذلك يتم عمله فكان الناس يذهبون للتفرج على ذلك لغرابته عندهم ثم حضر اليه شخص فرنساوي واشار عليه بإشارات في تغيير المدقات وافسد العمل واشتغل هو بكثرة المهمات فتكاسل عن اعادتها ثانيا وبطل ذلك وكان مع كثرة اشغاله ومصاريفه ليس كاتب بل يكتب ويحسب لنفسه وبين يديه عدة دفاتر لكل شيء دفتر مخصوص ولا يشغله شيء عن شيء ولما اتسعت دائرته وكثرت حاشيته واجتمعت فيه عدة مناصب مضافة لنظر المهمات مثل معمل البارود وقاعة الفضة ومدابغ الجلود وغير ذلك فكان كتخدا بك يحقد عليه في الباطن لامور بينهما حتى قيل أن نفسه طمحت في الكتخدائية فكان يتصدر في الامور والقضايا ويرافع ويدافع ويهزل مع الباشا ويضاحكه ويرادده ويدخل عليه من غير استئذان فلم يزل الكتخدا يلقي فيه الدسائس ويعمل معدل الاشغال التي تحت نظره ويعرف الباشا بما يتوفر من ذلك حتى نزعه من نظارة جميع المهمات وقلدها صالح كتخدا الرزاز
ومما نقمه عليه أن الكتخدا حضر لزيارة المشهد الحسيني في عصرية يوم من رمضان ثم ركب متوجها الى داره قبيل الغروب فصادف في طريقه عدة قصاع كبار مغطاءة تحملها الرجال فسأل عنها فعرفوه أن المترجم يرسلها في كل ليلة من ليالي رمضان الى فقراء الجامع الازهر وبها الثريد واللحم فامتعض من ذلك وعرف الباشا انه يؤلف الناس ويتوادد اليهم بأموالك ونحو ذلك واستمر المترجم بطالا نحو السنتين ولم يتضعضع ولم يظهر عليه تغير ونظامه ومطبخه على حاله وطعامه مبذول وراتبه جار وفي تلك المدة اشتغل بمطالعة الكتب والممارسة والمدارسة وعانى الحسابيات وصناعة التقويم حتى مهر في ذلك وعمل الدستور السنوي وما يشتمل عليه من تقويم الكواكب السيارة وتداخل التواريخ والاهلة والاجتماعات
(3/389)

والاستقبالات وطوالع التحاويل والنصبات ويصنع بيده أيضا الصنائع الفائقة مثل الظروف التي تاتي من بلاد الهند والافرنج والروم ويضع فيها الكتبة محاربهم واقلامهم فيصنعها اولا من الخشب الرقيق والقرطاس المقوم المتلاصق ويصبغها وينقشها بانواع الليق ويعيد على النقوشات بالسندروس المحلول ويضعها في صندوق من الزجاج صنعه لخصوص تلك الاشياء والقبورات وجفاف دهانها بحرارة الشمس المحجوب بالزجاج عن الهواء والغبار وعند تمامها تكون في غاية الحسن والظرافة والبهجة بحيث ر يشك من يراها بأنها من صناعة الهند او الافرنج المتقنين الصناعة وكان كلما سمع بشخص ذي معرفة لصناعة من الصنائع او المعارف اجتهد في تحصيلها وتلقيها عنه بأي وجه كان ولو ببذل الرغائب واعد بمنزله اماكن لاشخاص من ارباب المعارف ينزلهم فيها ويجري عليهم النفقات والكساوي حتى يجتني ثمار معارفهم وصنائعهم ويجتمع عنده في كل ليلة جمعة جماعة من القراء التي مسكانهم قريبة من داره فيذكر الله معهم حصة من الليل ثم يفرق فيهم دراهم ولما طال به الاهمال وفتور الاحوال والباشا قليل الاقامة بمصر واكثر ايامه غائب عنها فحسن بباله الرحلة من مصر الى الديار الرومية ويذهب الى بلاده فإستأذن الباشا عند وداعه وهو متوجه الى ناحية قبلي فأذن له واخذ في اسباب السفر فأرسل الكتخدا الى الباشا ودس اليه كلاما فأرسل بمنعه ويرتب له خروجا لمطبخه فتعوق عن السفر على غير خاطره وفي اوائل السنة حضرت اليه والدته وابنته وزوجها فانزلهم في دار تجاه داره واجرى عليهم ما يحتاجون اليه من النفقة فاتفق أن صهره المذكور حلف يمينا بالطلاق الثلاث وحنث فيه ففرق بينه وبين ابنته وطرده فشكاه الى كتخدا بك فكلمه في شانه فلم يقبل وقال لا يجوز ان حلل المحرم لاجلك واستمر صهره يتردد على الكتخدا ويلقي ما يلقيه في حقه من النميمة ويذكر له عنه في حقه ما يزيده غيضا وكراهة ويقول له انه يجمع اناسا في كل ليلة جمعة يقرأون ويدعون عليك وعلى
(3/390)

مخدومك وذكر له انه يقول لكم أن قصده السفر الى بلده وانما قصده السفر الى اسلامبول ليجتمع على مخدومه الاول لكونه تولى قبودان باشا ورياسة الدونانمة ويقول عندما اكون بدار السلطنة افعل وافعل واخبرهم بحقيقة هؤلاء وافاعيلهم وانقض عليهم امرهم وذكر له أيضا انه استخرج من احكام النجوم التى يعانيها أن الباشا يحصل له نكبة بعد مدة عربيه ويحصل ما يحصل من الفتن فيريد الخروج من مصر قبل وقوع ذلك ونحو ذلك فلما رجع الباشا من سفرته توسل المنرجم بالكتخدا في أن يأخذ له اذنا من الباشا بالسفر وهو لا يعلم سريرته ففاوض الباشا في ذلك والقى اليه ما القاه حتى اوغر صدره منه ثم رد عليه بقوله اني استاذنت الباشا فلم يسهل به مفارقتك وقال أن كان عن ضيق في المعيشة فأطلق له في كل شهر كيسين عنها اربعون ألف نصف فضة فلما قال له ذلك قال انا لا يكفيني هذا المقدار فان كان فيطلق لي خمسة اكياس فقال لم يرض بأزيد مما ذكرته لك وكل ذلك مخادعة من الكتخدا ليحقق ما حشده في صدر مخدومه وما زال يتردد في طلب الاذن حتى اذن له واضمر له القتل بعد خروجه من مصر فعند ذلك باع داره وما استجده حولها والبستان خارج قناطر السباع وما زاد عن حاجته من الاشياء والامتعة واشترى عبيدا وجواري وقضى لوازمه وسافر الى رشيد فعندما مضى من نزوله يومان او ثلاثة كتبوا الى خليل بك حاكم الاسكندرية مرسوما بقتله فبلغه خبر ذلك وهو بثغر رشيد فلم يصدقه وقال اي ذنب استوجب به القتل ولو اراد قتلي ما الذي يمنعه منه وانا عنده بمصر وانا سافرت بإذنه وودعته وقبلت يديه وطرفه واخذت خاطره وهو مبشوش معى كعادته فلما حصل بالاسكندرية واستقر بالسفينة ومضى ايام وهم ينتظرون اعتدال الريح والاذن من الحاكم بالاقلاع ووصل المرسوم الى خليل بك فأرسل اليه في وقت يدعوه ليتغدى معه في رأس التين ونظر الى خليل بك وهو واقف في انتظاره على بعد منه فوق علوة فاجاب وخرج
(3/391)

من السفينة فوصل اليه جماعة من العسكر واحاطوا به فتحقق عند ذلك ما كان بلغه وهو برشيد ونظر الى خليل بك فلم يره فقال امهلوني حتى اتوضا واصلي ركعتين وقام من حلاوة الروح والقى بنفسه في البحر فضربوا عليه بالرصاص واخرجوه وتمموا قتله واخرجوا صناديقه واخذوا ما فيها من الكتب لان الباشا ارسل بطلبها واخذ ما معه من المال والدراهم خليل بك فاعطى لولده جانبا منه واذن له بالسفر مع عياله وانقضى امر ه ووصلت الكتب الى سراية الباشا واودعت عند ولي خوجا وتبدد الكثير منها وفرق منها عدة على غير اهلها وكانت قتلته في اواخر شهر صفر من السنة والله اعلم
ثم دخلت سنة ثماني وعشرين ومائتين والف
استهل المحرم بيوم الاثنين سنة 1228
وفيه وصل الخبر من الجهة القبلية بان ابراهيم بك ابن الباشا قبض على احمد افندي ابن حافظ افندي الذي بيده دفاتر الرزق الاحباسية وشنقه وضرب قاسم افندي بن امين الدين كاتب الشهر عالقة قوية وكان والده اصحبهما معه ليباشرا معه الامور ويعرفاه الاحوال وكان قاسم افندي خصيصا به مثل الوزير والصاحب والنديم ورتب له الباشا في كل سنة ثمانين كيسا خلاف الخروج والكساوى وشرط عليه المناصحة في كشف المستورات وما يكون فيه تحصيل الاموال فكأنه قصر في كشف بعض الاشياء وارسل الى والده يعلمه بخيانته هو وكاتب الارزاق وانهما منهمكان في ملاذهما فأذن له في فعله بهما ما ذكر واخذ ما كانا جمعاه لانفسهما واظهر انه انما فعل بهما ذلك عقوبة على ارتكابهما المعصية
وفي عشرينه حضر ابراهيم بك المذكور الى مصر وفيه حصلت منافسة بين حسين افندي الروزنامجي وبين شخصين من كتابه وهما مصطفى افندي باش جاجرت وقيطاس افندي ولعل ذلك بإعراء باطني على حسين افندي فرفعا امرهما الى الباشا وعرفاه عن مصارف وامور يفعلها حسين افندي
(3/392)

ويحفيها عن الباشا وانه اذا حوسب على السنين الماضية يطلع عليه الوف من الاكياس فعندما سمع ذلك امرهما بمباشرة حسابه عن اربع سنوات متقدمة فخرجا من عنده واخذ صحبتهما مباشرا تركيا ونزلوا على حين غفلة بعد العصر وتوجهوا الى منزل اخيه عثمان افندي السرجي ففتحوا خزانة الدفاتر واخذوها بتمامها الى بيت ابن الباشا ابراهيم بك الدفتردار واجتمعوا في صبحها للمحاققة والحساب مع اخيه عثمان افندي المذكور واستمروا في المناقشة والمحاققة عدة ايام مع المرافعة والمدافعة والميل الكلي على حسين افندي ويذهبون كل ليلة يخبرون الباشا بما يفعلون وبالقدر الذي ظهر عليه فيعجبه ذلك ويثنى عليهما ويحرضهما على التدقيق فتنتفخ اوداجهما ويزيدان في الممانعة والمدافعة والمرافعة في الحساب وحسين افندي على جليته ويظن انه على عادته في كونه مطلق التصرف في الاموال الميرية ويبلغها اذا سئل فيها للقائم بالدولة ايرادا ومصرؤفا ليكون اجمالا لا تفصيلا لكونه امينا وعدلا وكان الايراد والمصرف محررا او مضبوطا في الدفاتر التى بايدي الافندية الكتاب ومن انضم اليهم من كتاب اليهود في دفاترهم أيضا بالعبراني لتكون كل فرقة شاهدة وضابطة على الاخرى فلما استقل هذا الباشا بمملكة الديار المصرية واستغول في تحصيل الاموال باي وجه واستحدث اقلام المكوس وجعلها في دفاتر تحت ايدي الافندية وكتبة الروزنامة فصارت من جملة الاموال الميرية في قبضها وصرفهاوتحويلها والباشا مرخى العنان للروزنامجي ومرخص له في الاذن والتصرف والروزنامجي كذلك مرخي العنان لاحد خواص كتابه المعروف باحمد اليتيم لفطانته ودرايته فكان هو المشار اليه من دون الجميع ويتطاول عليهم ويمقت من فعل فعلا دون اطلاعه وربما سبه ولو كان كبيرا او اعلى منزلة منه في فنه فيمتلىء غيظا وينقطع عن حضور الديوان فيهمله ولا يسال عنه والافندي الكبير لا يخرج عن رايه لكونه ساد امسد الجميع فدبروا على احمد افندي المذكور وحفروا له واغروا به حتى نكبه الباشا
(3/393)

وصادره في ثمانين كيسا ومخدومه حسين افندي في اربعمائة كيسا وانقطع احمد افندي عن حضور الديوان وتقدم المتأخر وضم الباشا الى ديوانهم من طرفه خليل افندي وسموه كاتب الذمة بمعنى انه لا يكتب تحويل ولا ورقة ميري ولا خلاف ذلك مما يسطر في ديوانهم حتى يطلع عليه خليل افندي المذكور ويرسم عليه علامته فاحاط علمه بجميع اسرارهم وكل قليل يستخبر منه الباشا فيحيطه بمعلوماته ولم يزل حتى تحول ديوانهم وانتقل الى بيت خليل افندي تجاه منزل ابراهيم بك ابن الباشا بالازبكية وتراس بالديوان قاسم افندي كاتب الشهر وقريبه قيطاس افندي ومصطفى افندي باش جاجرت وبعد مدة اشهر سافر ابراهيم بك واخذ صحبته قاسم افندي على الصورة المتقدمة والروزنامجي وولده محمد افندي يراعيان جانب رفيقية ولا يتعرضان لهما فيما يتصدران له ويضمانه في عهدتهما فلما وصل الخبر بنكبة ابراهيم بك لقاسم افندي فعند ذلك قصر معهما واظهر ان الروزنامجي مكمون غيظه في حقهما ومانعهما أيضا وخشن القول لهما فاتفقا على انهاء الحال الى باب الباشا ففعلا ما ذكر وكان حسين افندي عندما استأذن الباشا في صرف ما يتعلق بمشايخ العلم والافندية الكتبة والسيد محمد المحروقي بالكامل وما عداهم ربع استحقاقهم وكتب له فرمانا بذلك فقال له الروزنامجي في بعضهم من يستحق المراعاة كبعض اهل العلم الخاملين واهل الحرمين والمهاجرين ومستوطنين بمصر بعيالهم وليس لهم ايراد يتعيشون منه الا ما هو مرتب لهم من العلائف في كل سنة وكذلك بعض الملتزمين الذين اعتادوا سداد ما عليهم من الميري وبعضه بما لهم من الاتلافات والعلائف والغلال فقال له النظر في ذلك لرأيك فان هذا شىء يعسر ضبط جزئياته فاعتمد ذلك وطفق يفعل في البعض بالنصف والبعض بالثلث او الثلثين واما العامة والارامل فيصرف لهم الربع لا غير حسب الامر ويقاسمون في تحصيل ربع استحقاقهم الشدائد من السعي وتكرار الذهاب والتسويف والرجوع في
(3/394)

الاكثر من غير شيء مع بعد المسافة وفيهم الكثير من العواجز فلما ترافعوا في الحساب مانع المتصدر فيما زاد على الربع وطلع الى الباشا فعرفه بذلك فقال الباشا لا تخصموا له الا ما كان بأذني وفرماني وما كان بدون ذلك فلا وانكر الحال السأبق منه له وقال هو متبرع فيما فعله فتأخر عليه مبلغ كبير في مدة اربع سنوات وكذلك كان يحول عليه حوالات لكبار العسكر برسول من اتباعه فلا يسعه الممانعة ويدفع القدر المحول عليه بدون فرمان اتكالا على الحالة التى هو معه عليها فرجعوا عليه في كثير من ذلك وتاخر عليه مبلغ كبير أيضا فتمموا حساب سنة واحدة على هذا النسق فبلغت نحو الألف كيس فتمموا حساب سنة واحدة على هذا النسق فبلغت نحو الالف كيس والمائتي كيس وكسور تبلغ في الاربع سنوات خمسة آلاف كيس فتقلق حسين افندي وتحير في امره وزاد وسواسه ولم يجد مغيثا ولا شافعا ولا دافعا
وفي اواخره عمل الباشا مهما لختان ابن بونابارته الخازندار الغائب ببلاد الحجاز وعملوا له زفة في يوم الجمعة بعد الصلاة اجتمع الناس للفرجة عليه
وفيه ايضت زاد الارجاف بحصول الطاعون وواقع الموت منه بالاسكندرية فأمر الباشا بعمل كورنتينة بثغر رشيد ودمياط والبراس وشبرا وارسل الى الكاشف الذي بالبحيرة بمنع المسافرين المارين من البر وامر أيضا بقراءة صحيح البخاري بالازهر وكذلك يقرأون بالمساجد والزوايا سورة الملك والاحقاف في كل ليلة بنية رفع الوباء فاجتمعوا الا قليلا بالازهر نحو ثلاثة ايام ثم تركوا ذلك وتكاسلوا عن الحضور
وفي يوم الاثنين تاسع عشرينه كسفت الشمس وقت الضحوة وكان المنكسف نحو ثلاثة ارباع الجرم وكانت الشمس في برج الدلو ايام الشتاء فاظلم الجو الا قليلا ولم ينتبه له كثير من الناس لظنهم انها غيوم متراكمة لأنهم في فصل الشتاء
(3/395)

واستهل شهر صفر بيوم الاربعاء سنة
فيه في اخريات النهار هبت ريح جنوبية غربية عاصفة باردة واستمرت لعصر يوم السبت وكانت قوتها يوم الجمعة اثارت غبارا اصفر ورمالا مع غيم مطبق وقتام ورش مطر قليل في بعض الاوقات
وفي يوم الثلاثاء سابعه وردت بشائر من البلاد الحجازية باستيلاء العساكر على جدة ومكة من غير حرب وذلك انه لما انهزمت الاتراك في العام الماضي ورجعوا على الصورة التى رجعوا عليها مشتتين ومتفرقين وفيهم من حضر من طريق السويس ومنهم من اتى من البر ومنهم من حضر من ناحية القصير ونفى الباشا من استعجل بالهزيمة والرجوع من غير امره ويخشى صولته ويرى في نفسه انه احق بالرياسة منه مثل صالح قوج وسليمان وحجو واخرجهم من مصر واستراح منهم ثم قتل احمد أغا لاظ جدد ترتيبا آخر عرفه كبراء العرب الذين استمالهم واندرجوا معه وشيخ الحويطات أن الذي حصل انما هو من العرب الموهبين وهم عرب حرب والصفراء وانهم مجهودون والوهابية لا يعطونهم شيئا ويقولون لهم قاتلوا عن دينكم وبلادكم فاذا بذلتم لهم الاموال واغدقتم عليهم بالانعام والعطاء ارتدو ورجعوا وصاروا معكم وملكوكم البلاد فاجتهد الباشا في جمع الاموال باي وجه كان واستأنف الطلب ورتب الامور واشاع الخروج بنفسه ونصب العرضي خارج بالموكب كما تقدم وجلس بالصيوان وقرر للسفر في المقدمة بونابارتة الخازندار واعطاه صناديق الاموال والكساوى وارفق معه عابدين بك ومن يصحبهما وواظب على الخروج الى العرضي والرجوع تارة الى القلعة وتارة الى الازبكية والجيزة وقصر شبرا ويعمل الرماحة والميدان في يومي الخميس والاثنين والمصاف على طرائف حرب الافرنج وسافر بونابارتة في اواخر شعبان واستمر العرضي منصوبا والطلب كذلك مطلوبا والعساكر واردة من بلادها على طريق الاسكندرية ودمياط ويخرج الكثير الى العرضى ويستمرون على
(3/396)

الدخول الى المدينة في الصباح لقضاء اشغالهم والرجوع اخريات النهار مع تعدي اذاهم للباعة والخمارة وغيرهم ولما غدر الباشا باحمد أغا لاظ وقتله في اواخر رمضان ولم يبق احد ممن يخشى سطوته وسافر عابدين بك في شوال وارتحل بعده بنحو شهر مصطفى بك داني باشا وصحبته عدة وافرة من العسكر ثم سافر أيضا يحيى أغا ومعه نحو الخمسمائة وهكذا كل قليل ترحل طائفة بعد اخرى والعرضي كما هو وميدان الرماحة كذلك ولما وصل بونابارته الى ينبع البر اخذوا في تأليف العربان واستمالتهم وذهب اليهم ابن شديد الحويطي ومن معه وتقابلوا مع شيخ حرب ولم يزالوا به حتى وافقهم وحضروا به الى بونابارتة فأكرمه وخلع عليه الخلع وكذلك على من حضر من اكابر العربان فألبسهم الكساوى والفراوى السمور والشالات الكشميري ففرق عليهم من الكشمير ملء اربع سحاحير وصب عليهم الاموال واعطى لشيخ حرب مائة ألف فرانسة عين وحضر باقي المكشايخ فخلع عليهم وفرق فيهم فخص شيخ حرب بمفرده ثمانية عشر ألف فرانسة ثم رتب لهم علائف تصرف لهم في كل شهر لكل شخص خمسة فرانسة وغرارة بقسماط وغرارة عدس فعند ذلك ملكوهم الارض والذي كان متأمرا بالمدينة من جنسهم فاستمالوه أيضا وسلم لهم المدينة وكل ذلك بمخامرة الشريف غالب امير مكة وتدبيره واشارته فلما تم ذلك اظهر الشريف غالب ارمره وملكهم مكة والمدينة وكان ابن مسعود الوهابي حضر في الموسم وحج ثم ارتحل الى الطائف وبعد رحيله فعل الشريف غالب فعله وسيلقى جزاءه ولما وصلت البشائر بذلك في يوم الثلاثاء سابعه ضربوا مدافع كثيرة ونودى في صبح ذلك بزينة المدينة ومصر وبولاق فزينوا خمسة ايام اولها الاربعاء وآخرها الاحد وقاسى الناس في ليالي هذه الايام العذاب الاليم من شدة البرد والصقيع وسهر الليل الطويل وكان ذلك في قوة فصل الشتاء وكل صاحب حانوت جالس فيها وبين يديه مجمرة نار يتدفأ ويصطلي بحرارتها وهو ملتف بالعباءة
(3/397)

والاكيسة الصوف او اللحاف وخرج الباشا من ليلة الاربعاء المذكور ونصبت الخيام وخرجت الجمال المحملة باللوازم من الفرش والاواني وازيار الماء والبارود لعمل الشنانك والحرائق وفي كل يوم يعمل مرماح وشنك عظيم مهول بالمدافع وبنادق الرصاص المتواصلة من غير فاصل مثل الرعود والطبول من طلوع الشمس الى قريب الظهر وفي اول يوم من ايام الرمي اصيب ابراهيم بك ابن الباشا برصاصة في كتفه اصابت شخصا من السواس ونفذت منه اليه وهي باردة فتعلل بسببها وخرج بعد يومين في عربة الى العرضى ثم رجع ولما كان يوم الاحد وقت الزوال ركب الباشا وطلع الى القلعة وقلعوا خيام الشنك وحملوا الجمال ودخلت طوائف العسكر واذن للناس بقلع الزينة ونزول التعاليق وكان الناس قد عمروا القناديل واشاعوا انها سبعة ايام فلما حصل الاذن بالرفع فكأنما نشطوا من عقال وخلصوا من السجون لما قاسوه من البرد والسهر وتعطيل الاشغال وكساد الصنائع والتكليف بما لا طاقة لهم به وفيهم من لا يملك قوت عياله او تعمير سراجه فيكلف مع ذلك هذه التكاليف وكتب الباشا بالبشائر الى دار السلطنة وارسلها صحبة امين جاويش وكذلك الى جميع النواحي وانعم بالمناصب على خواصه
وفي هذا الشهر وردت اخبار بوقوع امطار وثلوج كثيرة بناحية بحري وبالاسكندرية ورشيد بحدود الغربية والمنوفية والبحيرة وشدة برد ومات من ذلك اناس وبهائم والزروع البدرية وطف على وجه الماء اسماك موتى كثيرة فكان موج البحر يلقيه على الشطوط وغرق كثير من السفن من الرياح العواصف التى هبت في اول الشهر
وفي سابعه يوم وصول البشارة احضر الباشا حسين افندي الروزنامجي وخلع عليه خلعة الإبقاء على منصبه في الروزنامة وقرر عليه الفين وخمسمائة كيس وذلك انهم رافعوه في الحساب على الطريقة المذكورة ارسل اليه الباشا بطلب خمسمائة كيس من اصل الحساب فضاق خناقه ولم
(3/398)

يجد له شافعا ولا ذا مرحمة فارسل ولده الى محمود بك الدويدار يستجير فيه ليكون واسطة بينه وبين الباشا وهو رجل ظاهره خلاف باطنه فذهب معه الى الباشا فبش في وجهه ورحب به واجلسه محمود بك في ناحية من المجلس وتناجى هو مع الباشا ورجع اليه يقول له انه يقول أن الحساب لم يتم الى هذا الحين وانه ظهر على ابيك تاريخ امس خمسة ألاف كيس وزيادة وانا تكلمت معه وتشفعت عنده في ترك باقي الحساب والمسامحة في نصف المبلغ المذكور والكسور فيكون الباقي الفين وخمسمائة كيس تقومون بدفعها فقال ومن اين لنا هذا القدر العظيم وقد عزلنا من المنصب أيضا حتى كنا نتداين ولا يأمننا الناس اذا كان القدر دون هذا أيضا فرجع الى الباشا وعاد اليه يقول له لم يمكني تضعيف القدر سوى ما سامح فيه واما المنصب فهو عليكم وفي غد يطلع والدك ويتجدد عليه الابقاء وينكمد الخصم وعلى الله السداد ونهض وقبل يده وتوجه فنزل الى دارهم واخبر والده بما حصل فزاد كربه ولم يسعه الا التسليم وركب في صبحها وطلع الى الباشا فخلع عليه ونزل الى داره بقهره وشرع في بيع تعلقاته وما يتحصل لديه
وفي يوم الاثنين ثالث عشره خلع الباشا على مصطفى افندي ونزل الى داره واتاه الناس يهنؤنه بالمنصب
وفي يوم الأربعاء ثالث وعشرينه وردت بشائر بتملكهم الطائف وهروب المضايفي منها فعملوا شنكا وضربوا مدافع كثيرة من القلعة وغيرها ثلاثة ايام في كل وقت اذان وشرع الباشا في تشهيل ولده اسماعيل باشا بالبشارة ليسافر الى اسلامبول وتاريخ تملكها في سادس عشرين المحرم
وفي هذه الايام ابتدعوا تحرير الموازين وعملوا لذلك ديوانا بالقلعة وامروا بابطال موازين الباعة واحضار ما عندهم من الصنج فيزنون الصنجة فان كانت زائدة او ناقصة اخذوها وابقوها عندهم وان كانت محررة الوزن ختموها بختم واخذوا على كل ختم صنجة ثلاثة انصاف فضة وهي
(3/399)

النصف اوقية والاوقية الى الرطل الذي يكون وزنه غير محور يعطونه رطلا من حديد ويدفع ثمنه مائة نصف فضة والنصف رطل خمسون وهكذا وهو باب ينجمع منه اكياس كثيرة
وفيه أيضا طلب الباشا من عرب الفوائد غرامة سبعين ألف فرانسة فعصوا ورمحوا بإقليم الجيزة واخذوا المواشى وشلحوا من صادفوه ورمح كاشف الجيزة عليهم فصادف منهم اباعر محملة امتعة لهم وصحبتهم نساء واولاد فأخذهم ورجع بهم
وفيه سافر ابراهيم بك ابن الباشا الى ناحية قبلي ووصلت الاخبار بوقوع الطاعون بالإسكندرية فاشتد خوف الباشا والعسكر مع قساوتهم وعسفهم وعدم مرحمتهم
واستهل شهر ربيع الاول بيوم الخميس سنة
فيه قلدوا شخصا يسمى حسين البرلي وهو الكتخدا عند الكتخدا بك وجعلوه في منصب بيت المال وعزلوا رجب أغا وكان انسانا سهلا لا بأس به فلما تولى هذا ارسل لجميع مشايخ الخطط والحارات وقيد عليهم بانهم يخبرونه بكل من مات من ذكر او انثى ولو كان ذا اولاد وورثة او غير ذلك وكذلك على حوانيت الاموات وارسل فرامانات الى بلاد الارياف والبنادر بمعنى ذلك
وفي يوم الاحد رابعه طلب الباشا حسين افندي الروزنامجي وطلب منه ما قرره عليه وكان قد باع حصصه واملاكه ودار مسكنه فلم يوف الا خمسمائة كيس فقال له مالك لم توف القدر المطلوب وما هذا التأخير وانا محتاج الى المال فقال لم يبق عندي شيء وقد بعت التزامي واملاكي وبيتي وتداينت من الربويين حتى اوفيت خمسمائة كيس وها انا بين يديك فقال له هذا كلام لا يروج علي ولا ينفعك بل اخرج المال المدفون فقال لم يكن عندي مال مدفون واما الذي اخبرك عنه فيذهب فيخرجه من محله فحنق منه وسيه ! وقبض على لحيته ولطمه على وجهه وجرد السيف ليضربه
(3/400)

فترجى فيه الكتخدا والحاضرون فامر به فبطحوه وامر القواسة الاتراك بضربه فضربوه بالعصي المفضضة التي بأيديهم بعد أن ضربه هو بيده عدة عصي وشج جبهته حتى اتو عليه ثم اقاموه والبسوه فروته وحملوه وهو مغشي عليه واركبوه حمارا واحاط به خدمه واتباعه حتى اوصلوه الى منزله وارسل معه جماعة من العسكر يلازمونه ولا يدعونه يدخل الى حريمه ولا يصل اليهم منه احد وركب في اثره محمود بك الدويدار بأمر الباشا وعبر داره ودار اخيه عثمان افندي المذكور واخذه صحبته الى القلعة وسجنوه واما ولده واخواه فانهم تغيبوا من وقت الطلب واختفوا ونزل في اليوم الثاني ابراهيم أغا آغات الباب يطالبه بغلاق ثمانمائة كيس وقتئذ فقال له وكيف احصل شيئا وانا رجل ضعيف واخي عثمان عندكم في الترسيم وهو الذي يعينني ويقضى اشغالي واخذتم دفاتري المختصة بأحوالي مع ما اخذتموه من الدفاتر فأقام عنده ابراهيم أغا برهة ثم ركب الى الباشا وكلمه في ذلك فأطلقوا له اخاه ليسعى في التحصيل
وفي حادي عشره عدى الباشا الى بر الجيزة بقصد السفر الى بلاد الفيوم واخذ صحبته كتبة مباشرين مسلمين ونصارى واشاع أن سفره الى الصعيد ليكشف على الاراضي وروكها وارتحل في ليلة الثلاثاء ثالث عشره بعد أن وجه ابنه اسمعيل الى الديار الرومية في تلك الليلة بالبشارة
وفي خامس عشرينه حضر لطيف أغا راجعا من اسلامبول وكان قد توجه ببشارة فتح الحرمين واخبروا أنه لما وصل الى قرب دار السلطنة خرج لملاقاته الاعيان وعند دخوله الى البلدة عملوا له موكبا عظيما مشى فيه اعيان الدولة واكابرها وصحبته عدة مفاتيح زعموا انها مفاتيح مكة وجدة والمدينة وضعها على صفائح من الذهب والفضة وامامها البخورات في مجامر الذهب والفضة والعطر والطيب وخلفهم الطبول والزمور وعملوا لذلك شنكا ومدافع وانعم عليه السلطان واعطاه خلعا وهدايا وكذلك اكابر الدولة وانعم عليه الخنكار بطوخين وصار يقال له لطيف باشا
(3/401)

وفيه وردت الاخبار بقدوم قهوجي باشا ومعه خلع واطواخ للباشا وعدة اطواخ بولايات لمن يختار تقليده فاحتفل الباشا به عندما وصلته اخباره وارسل الى امراء الثغور بالاسكندرية ودمياط بالاعتناء بملاقاته عند وروده على ثغر منها
وفيه حضر خليل بك حاكم الاسكندرية الى مصر فرارا من الطاعون لأنه قد فشا بها ومات اكثر عسكره واتباعه واستهل شهر ربيع الثاني بيوم الاحد سنة 1228
وفي ثامنه حضر الباشا على حين غفلة من الفيوم الى الجيزة واخبروا أنه لما وصل الى ناحية بني سويف ركب بغلة سريعة العدو ومعه بعض خواصه على الهجن والبغال فوصل الى الفيوم في اربع ساعات وانقطع اكثر المرافقين له ومات منهم سبعة عشر هجينا
وفي يوم الثلاثاء عاشره علموا مولدا المشهد الحسيني المعتاد وتقيد لتنظيمه السيد المحروقي الذي تولى النظارة عليه وجلس ببيت السادات المجاور للمشهد بعد أن اخلوه له وفي ذلك اليوم امر الباشا بعمل كورنتينة بالجيزة ونوه بأقامته بها وزاد به الخوف والوهم من الطاعون لحصول القليل منه بمصر وهلك الحكيم الفرنساوي وبعض النصارى اروام وهم يعتقدون صحة الكونتينة وانها تمنع الطاعون وقاضي الشريعة الذي هو قاضي العسكر يحقق قولهم ويمشي على مذهبهم ولرغبة الباشا في الحياة الدنيا وكذلك اهل دائرته وخوفهم من الموت يصدقون قولهم حتى انه اتفق انه مات بالمحكمة عند القاضي شخص من اتباعه فأمر بحرق ثيابه وغسل المحل الذي مات فيه وتخيره بالبخورات وكذلك غشل الاواني التي كان يمسها وبخورها و أمروا اصحاب الشرطة انهم يامرون الناس واصحاب الاسواق بالكنس والرش والتنظيف في كل وقت ونشر الثياب واذا ورد عليهم مكاتبات خرقوها بالسكاكين ودخنوها بالبخور قبل ورودها ولما عزم الباشا على كورنتينة الجيزة ارسل في ذلك اليوم بان
(3/402)

ينادوا بها على سكانها بان من كان يملك قوته وقوت عياله ستين يوما واحب الاقامة فليمكث بالبلدة والا فليخرج منها ويذهب ويسكن حيث اراد في غيرها ولهم مهلة اربع ساعات فانزعج سكان الجيزة وخرج من خرج واقام من اقام وكان ذلك وقت الحصاد ولهم مزارع واسباب مع مجاوريهم من اهل القرى ولا يخفى احتياجات الشخص لنفسه وعياله وبهائمه فمنعوا جميع ذلك حتى سدوا خروق السور والابواب ومنعوا المعادي مطلقا واقام الباشا ببيت الازبكية لا يجتمع بأحد من الناس الى يوم الجمعة فعدى في ذلك اليوم وقت الفجر وطلع الى قصر الجيزة واوقف مركبين الاولى ببر الجيزة والاخرى في مقابلتها ببر مصر القديمة فاذا ارسل الكتخدا او المعلم غالي اليه مراسلة ناولها المرسل للمقيد بذلك في طرف مزراق بعد تبخير الورقة بالشيخ واللبان والكبريت ويتناولها منه الآخر بمزراق آخر على بعد منهما وعاد راجعا فإذا قرب من البر تناولها المنتظر له أيضا بمزراق وغمسها في الخل وبخرها بالبخور المذكور ثم يوصلها لحضرة المشار اليه بكيفية اخرى فأقام اياما وسافر الى الفيوم ورجع كما ذكر وارسل مماليكه ومن يعز عليه ويخاف عليه من الموت الى اسيوط
وفي يوم السبت سابعه نودى بالأسواق بان السيد محمد المحروقي في شاه بندر التجار بمصر وله الحكم على جميع التجار واهل الحرف والمتسببين في قضاياهم وقوانينهم وله الامر والنهي فيهم
وفيه وصل الى مصر عدة كبيرة من العساكر الرومية على طريق دمياط ونصبوا و نصبوا لهم وطاقا خارج باب النصر و حضر فيهم نحو الخمسمائة نفر أرباب بنائين ونجارين وخراطين فانزلوهم بوكالة بخط الخليفة
وفي يوم الأحد ثامنه تقلد الحسبة الخواجا محمود حسن ولبس الخلعة وركب وشق المدينة وامامه الميزان فرسم برد الموازين الى الارطال الزياتي التي عبره الرطل منها اربع عشرة وقية في جميع الادهان والخضروات على العادة القديمة ونقص من اسعار اللحم وغيره ففرح الناس بذلك ولكن لم يستمر ذلك
(3/403)

وفي يوم الاربعاء حادي عشره بين الظهر والعصر كانت السماء مصحبة والشمس مضيئة صافية فما هو الا والسماء والجو طلع به غيم وقتام ورياح نكباء غربية جنوبية واظلم ضوء الشمس وارعدت رعدتين الثانية اعظم من الاولى وبرق ظهر ضوؤه وامطرت مطرا متوسطا ثم سكن الريح وانجلت السماء وقت العصر وكان ذلك سابع بشنس القبطي وآخر يوم من نيسان الرومي فسبحان الملك الفعال مغير الشؤن والاحوال وحصل في تاليه يوم الجمعة مثل ذلك الوقت ايضا غيوم ورعود كثيرة ومطر ازيد من اليوم الاول
واستهل شهر جمادى الثانية سنة
في ثاني عشره وصل في النيل على طريق دمياط أغا من طرف الدولة يقال له قهوجي باشا السلطان فاعتنى الباشا بشأنه وحضر الى قصره بشبرا وامر بإحضار عدة من المدافع والآت الشنك وعملوا امام القصر بساحل النيل تعاليق وقناديل وقدات ونبه على الطوائف بالاجتماع بملابسهم وزينتهم ووصل الآغا المذكور يوم الاحد فخرج الاغوات والسفاشية والصقلية وهم لابسون القوايق وجميع العسكر الخيالة ليلا فما طلعت الشمس حتى اجتمعوا بأسرهم جهة شبرا وانتظموا في موكب ودخلوا من باب النصر ويقدمهم طوائف الدلاة واكابرهم ويتلوهم ارباب المناصب مثل الآغا والوالي والمحتسب وبواقي وجاقات المصرية ثم موكب كتخدا بك وبعده موكب الآغا الواصل وفي اثره ما وصل معه من الخلع وهي اربع بقج وخنجران مجوهران وسيف وثلاثة شلنجات عليها ريش مجوهرة وخلف ذلك العساكر الخيالة والتفكجية وخلفهم النوبة التركية فكان مدة مرورهم نحو ساعتين وربع وليس فيهم رجالة مشاة سوى الخدم وقليل من عسكر مشاة واما بقية العسكر فهم متفرقون بالاسواق والازقة كالجراد المنتشر خلاف من يرد منهم في كل وقت من الاجناس المختلفة برا وبحرا فمن الخلع الواردة ما هو مختص بالباشا وهو فروة وخنجر
(3/404)

وريشة بشلنج واطواخ ولابنه ابراهيم بك مثل ذلك واسكنوا ذلك الآغا ورفيقه واتباعهما بمنزل ابراهيم بك ابن الباشا بالازبكية بقنطرة الدكة وارسل بأحضار ولده من ناحية قبلي فحضر على الهجن ولبس الخلعة بولايته على الصعيد فنزل بالجيزة وعدى الى بر مصر عند ابيه بقصر شبرا ولبس الخلعة واقام عند ابيه ثلاث ليال ثم عدى الى بر الجيزة وعندما وصل الى البر امر بتغريق السفينة بما فيها من الفرش ثم اخرجوها كذلك امر من معه من الرجال بالغطوس في الماء وغسل ثيابهم كل ذلك خوفا من رائحة الطاعون وتطيرا وهروبا من الموت
وفي خامس عشرينه سافر ابراهيم بك راجعا الى الصعيد
وفي حضر عرضى الباشا الذي كان سافر في ربيع الاول الى الجهة القبلية ومعه الكتبة أيضا المسلمون لتحرير حساب الاقباط ومساحة الاراضي
وفي اواخره نودى على اهل الجيزة باستمرار الكورتنينة شهري رجب وشعبان وان يعطوا لهم فسحة للمتسببين والباعة ثلاثة ايام وكذلك لمن يخرج او اذا دخل لا يخرج اذا كان عنده ما يكفيه ويكفي عياله في مدة الشهرين والثلاثة ايام المفسح لهم فيها ليقضوا اشغالهم واحتياجاتهم فخرج اهل البلدة بأسرهم ولم يبق منهم الا القليل النادر القادر وايضا تفرقوا في البلاد وبقي الكثير منهم حول البلدة وفي الغيطان حول بيادرهم واجرانهم وعملوا لهم اعشاشا تظلهم من حر الشمس ووهج الهجير وينادى المقيم بالبلدة بحاجته من اعلى السور لرفيقه او صاحبه الذي هو خارج البلدة فيجيبه ويرد جوابه من مكان بعيد ولا يمكنونهم من تناول الاشياء واما العسكر فإنهم يدخلون ويخرجون ويقضون حوائجهم ويشترون الخضروات والبطيخ وغيره ويبيعونه على المقيمين بالبلدة بأغلى الاثمان واذا اراد احد من اهل البلدة الخروج منعوه من اخذ شىء من متاعه او بهيمته او شاته او حماره ولا يخرج الا مجرد بطوله
(3/405)

وفي اواخره وصل من الديار الرومية واصل وعلى يده مرسوم فقرىء بالمحكمة في يوم الاحد ثامن عشرينه بحضرة كتخدا بك والقاضى والمشايخ واكابر الدولة والجم الغفير من الناس ومضمونه الامر للخطباء في المساجد يوم الجمعة على المنابر بأن يقولوا عند الدعاء للسلطان فيقولوا السلطان ابن السلطان بتكرير لفظ السلطان ثلاث مرات محمود خان بن السلطان عبدالحميد خان بن السلطان احمد خان المغازي خادم الحرمين الشريفين لانه استحق أن ينعت بهذه النعوت لكون عساكره افتتحت بلاد الحرمين وغزت الخوارج واخرجتهم منها لان المفتي افناهم بأنهم كفار لتفكيرهم المسليمن ويجعلونهم مشركين ولخروجهم على السلطان وقتلهم الانفس وان من قاتلهم يكون مغازيا ومجاهدا وشهيدا اذا قتل ولما انقضى المجلس ضربوا مدافع كثيرة من القلعة وبولاق والجيزة وعملوا شنكا واستمر ضربهم المدافع عند كل اذان عشرة ايام وذلك ونحوه من الخور
واستهل شهر رجب سنة 1228
وفي منتصفه حضر بونابارتة الخازندار من الديار الحجازية على طريف ! القصير
وفي اواخره سافر قهوجي باشا الذي تقدم ذكر حضوره بالخلع والشلنجات والخناجر بعدما اعطى خدمته مبلغ من الاكياس واصحب معه الباشا هدية عظيمة لصاحب الدولة واكابرها وقدره من الذهب العين اربعين ألف دينار ومن النصفيات يعنى نصف الدينار ستون الفا ومن فروق البن خمسمائة فرق ومن السكر المكرر مرتين مائة قنطار ومن المكرر مرة واحدة مائتي قنطار ومائتان قدر صيني الذي يقال له اسكى معدن مملوء بالمربيات وانواع الشرابات الممسك المطيب المختلفة الانواع ومن الخيول خمسون جوادا مرخته بالجواهر والنمدكش و اللؤلؤ والمرجان وخمسون حصانا من غير رخوت واقمشة هندية كمشيرية ومقصبات وشاهي ومهترخان في عدة تعابي بقج وبخور وعود وعنبر واشياء اخرى
(3/406)

وفيه أيضا حضر أغا يقال له جانم افندي وصحبته مرسوم قرىء بالديوان في يوم الاثنين مضمونه البشارة بمولود ولد للسلطان وسموه عثمان واجتمع لسماع المشايخ والاعيان وضربوا بعد قراءته شنكا ومدافع واستمر ذلك سبعة ايام في كل وقت من الاوقات الخمسة
وفي يوم الثلاثاء عشرينه الموافق الثالث عشر مسرى القبطي وافى النيل المبارك اذرعه ونودى بذلك في الاسواق على العادة وكثر اجتماع غوغاء الناس للخروج الى الروضة وناحية السد والولائم في البيوت المطلة على الخليج وما يحصل من اجتماع الاخلاط امام جري الماء كما هو المعتاد في كل سنة وانه اذا تودى بالوفاء حصل ذلك الاجتماع في تلك الليلة وكسروا السد في صبحها عادة لا تتخلف فيما نعلم فلما كان اخر النهار ورد الخبر بان الباشا امر بتأخير فتح الخليج الى يوم الخميس ثانيه فكان كذلك وخرج الباشا في صبح يوم الخميس وكسر السد وجرى الماء في الخليج وتكلف ارباب الدور المطلة على الخليج كلفة ثانية لضيفانهم
واستهل شهر رمضان بيوم الجمعة سنة
وفي خامسة يوم الثلاثاء حضر ابن الباشا المسمى باسمعيل من الديار الرومية ووصل الى ساحل النيل وبشبرا وضربوا لوصوله مدافع من القلعة وبولاق وشبرا والجيزة وتقدم انه توجه ببشارة الحرمين واكرمته الدولة واعطوه اطواخا
وفي عاشره حضر قاصد من الديار الرومية ووصل الى ساحل النيل وصحبته بشارة بمولودة ولدت لحضرة السلطان فعملوا الديوان بالقلعة واجتمع به المشايخ والاعيان واكابر الدولة وقرئ الفرمان الواصل في شأن ذلك وفي مضمونه الامر للكافة بالفرح والسرور وعمل الشنك وبعد الفراغ من ذلك ضربت المدافع من ابراج القلعة واستمر ضربها في كل وقت آذان خمسة ايام وهذا لم يعهد في الدولة الماضية الا للاولاد الذكور واما الاناث فليس لهن ذكر
(3/407)

وفي ليلة الاربعاء سابع عشرينه عمل الباشا جمعية ببيت الازبكية وحضر الاعيان والمشايخ والقضاة الثلاثة وهم بهجت افندي المنفصل عن قضاء مصر وصديق افندي المتوجه الى قضاء مكة المنفصل عن قضاء مصر العام الذي قبله والقاضي المتوجه الى المدينة فعقدوا عقد ابنه اسمعيل باشا على ابنة عارف بك التي حضرت بصحبته من الديار الرومية وعقدوا عقد اخته ابنة الباشا على محمد افندي الذي تقلد الدفتردارية ولما تم ذلك قدموا لهم تعابي بقج في كل واحدة اربع قطع من الاقمشة الهندية وهي شال كشميري وطاقة مسجر وطاقة قطني هندي وطاقة شاهي وفرقوا على الدون من الناس الحاضرين محارم ثم أن الباشا شرع في الاهتمام الى سفر الحجاز وتشهيل المطاليب واللوازم فمن جملة ذلك اربعون صندوقا من الصفيح المشمع داخلها بالشمع والمصطكي وبالخشب من خارج وفوق الخشب جلود البقر المدبوغ ليودع بها ماء النيل المغلي ليشربه وشرب خاصته ومثلها في كل شهر يتقيد بعمل ذلك وغيره السيد المحروقي ويرسله في كل شهر
واستهل شره شوال بيوم الاحد سنة
في سابعه يوم السبت اداروا كسوة الكعبة وكانت مصنوعةمن نحو خمس سنوات ومودوعه في مكان بالمشهد الحسيني فأخرجوها في مستهل الشهر وقد توسخت لطول المدة فحلوها ومسحوها وكانت عليها اسم السلطان مصطفى فغيروه وكتبوا اسم السلطان محمود فاجتمع الناس للفرجة عليها وكان المباشر لها الريس حسن المحروقي فركب في موكبها
وفي ليلة السبت رابع عشره خرج محمد علي باشا مسافرا الى الحجاز وكان خروجه وقت طلوع الفجر من يوم السبت المذكور الى بركة الحاج وخرج الاعيان والمشايخ لوداعه بعد طلوع النهار فاخذوا خأطره ورجعوا آخر النهار وركب هو متوجها الى السويس بعد مضي ثمان ساعات وربع من النهار وبرزت الخيالة والسفاشية الى خارج باب النصر ليذهبوا على طريق البر وقبل خروج الباشا بيومين قدمت هجانة مبشرون بالقبض على
(3/408)

عثمان المضايفي بناحية الطائف وكان قد جرد على الطائف فبرز اليه الشريف غالب وصحبته عساكر الاتراك والعربان فحاربوه وحاربهم فأصيب جواده فنزل على الارض واختلط بالعسكر فلم يعرفوه فخرج من بينهم ومشى وتباعد عنهم نحو اربع ساعات فصادفه جماعة من جند الشريف فقبضوا عليه واصابته جراحة وعندما سقط من بين قومه ارتفع الحرب فيما بين الفريقين اخريات النهار ولما احضروه الى الشريف غالب جعل في رقبته الجنزير والمضايفي هذا زوج اخت الشريف وخرج عنه وانضم الى الوهابيين فكان اعظم اعوانهم وهو الذي كان يحارب لهم ويقاتل ويجمع قبائل العربان ويدعوهم عدة سنين ويوجه السرايا على المخالفين ونما امره واشتهر لذلك ذكره في الاقطار وهو الذي كان افتتح الطائف وحاربها وحاصرها وقتل الرجال وسبى النساء وهدم قبة ابن عباس الغريبة الشكل والوصف وكان هو المحارب للعسكر مع عربان حرب في العام الماضي بناحية الصفراء والجديدة وهزمهم وشتت شملهم ولما قبضوا عليه احضروه الى جدة واستمر في الترسيم عند الشريف ليأخذ بذلك وجاهة عند الاتراك الذي هو على ملتهم ويتحقق لديهم نصحه لهم ومسالمته اياهم وسيلقى قريبا منهم جزاء فعله ووبال امره كما سيتلى عليك بعضه بعد قليل
واستهل شهر ذي القدة بيوم الثلاثاء سنة 1228
وفي اوائله وردت اخبار من الجهة الرومية بأن عساكر العثمانيين استولوا على بلاد بلغارد من ايدي طائفة الصرب وكانوا استولوا عليها نيفا واربعين سنة والله اعلم بصحة ذلك
وفيه عزل محمود حسن من الحسبة وتقلدها عثمان أغا المعروف بالورداني
وفي خامس عشره وصل عثمان المضايفي صحبة المتسفرين معه الى الريدانية اخر الليل واشيع ذلك فلما طلعت الشمس ضربوا مدافع من
(3/409)

القلعة اعلاما وسرورا بوصوله اسيرا وركب صالح بك السلحدار في عدة كبيرة وخرجوا لملاقاته واحضاره فلما واجهه صالح بك نزع من عنقه الحديد واركبه هجينا ودخل به الى المدينة وامامه الجاويشية والقواسة الاتراك وبأيديهم العصي المفضضة وخلفه صالح بك وطوائفه وطلعوا به الى القلعة وادخله الى مجلس كتخدا بك وصحبته حسن باشا وطاهر باشا وباقي اعيانهم ونجيب افندي قبي كتخدا الباشا ووكيله بباب الدولة وكان متأخرا عن السفر ينتظر قدوم المضايفي ليأخذه بصحبته الى دار السلطنة فلما دخل عليهم اجلسوه معهم فحدثوه ساعة وهو يجيبهم من جنس كلامهم بأحسن خطاب وافصح جواب وفيه سكون وتؤدة في الخطاب وظاهر عليه اثار الامارة والحشمة والنجابة ومعرفة مواقع الكلام حتى قال الجماعة لبعضهم البعض يا اسفا على مثل هذا اذا ذهب الى اسلامبول يقتلونه ولم يزل يتحدث معهم حصة ثم احضروا الطعام فواكلهم ثم اخذه كتخدابك الى منزله فاقام عننده مكرما ثلاثا حتى تمم نجيب افندي أشغاله فأركبوه وتوجهوا به إلى بولاق وانزلوه في سفينة مع نجيب أفندي ووضعوا في عنقه الجنزير وانحدروا طالبين الديار الرومية وذلك يوم الاثنين حادي عشرينه
وفي اواخره وصلت اخبار بأن مسعود الوهابي ارسل قصادا من طرفه الى ناحية جدة فقابلوا طوسون باشا والشريف غالب خلع عليهم واخذهم الى ابيه فخاطبهم وسألهم عما جاؤا فيه فقالوا الامير مسعود الوهابي يطلب الافراج عن المضايفي ويفتديه بمائة ألف فرانسة وكذلك يريد اجراء الصلح بينه وبينكم وكف القتال فقال لهم فإنه سافر الى الدولة واما الصلح فلا نأباه بشروط وهو أن يدفع لنا كل ما صرفناه على العساكر من اول ابتداء الحرب الى وقت تاريخه وان ياتي بكل ما اخذه واستلمه من الجواهر والذخائر التي كانت بالحجرة الشريفة وكذلك ثمن ما استهلك منها وان يأتي بعد ذلك ويتلاقى معي واتعاهد معه ويتم صلحنا بعد ذلك
(3/410)

وان أبي ذلك ولم يأتى فنحن ذاهبون اليه فقالوا له اكتب له جوابا فقال لااكتب جوابا لانه لم يرسل معكم جوابا ولا كتابا وكما ارسلكم بمجرد الكلام فعودوا اليه كذلك فلما اصبح الصباح وقت انصرافهم امر باجتماع العساكر فاجتمعوا ونصبوا ميدان الحروب والرمي المتتابع من البنادق والمدافع ليشاهد الرسل ذلك ويروه ويخبروا عنه مرسلهم
واستهل شهر ذي الحجة الحرام بيوم الاربعاء
وفي ليلة الاحد تاسع عشره وقعت كائنة لطيف باشا وذلك أن المذكور مملوك الباشا اهداه له عارف بك وهو عارف افندي بن خليل باشا المنفصل عن قضاء مصر نحو خمس سنوات واختص به الباشا واحبه ورقاه في الخدم والمناصب الى أن جعله انختار اغاسي اي صاحب المفتاح وصار له حرمة زائدة وكلمة في باب الباشا وشهرة فلما حصلت النصرة للعسكر واستولوا على المدينة واتوا بمفاتيح زعموا انها مفاتيح المدينة كان هو المتعين بها للسفر للديار الرومية بالبشارة للدولة وارسلوا صحبته مضيان الذي كان متأمرا بالمدينة ولما وصل الى دار السلطنة ووصلت اخباره احتفل اهل الدولة بشأنه احتفالا زائدا ونزلوا لملاقاته في المراكب في مسافة بعيدة ودخلوا الى اسلامبول في موكب جليل وابهة عظيمة الى الغاية وسعت اعيان الدولة وعظماؤها بين يديه مشاة وركبانا وكان يوم دخوله يوما مشهودا وقتلوا مضيان المذكور في ذلك اليوم وعلقوه اعلى باب السراية وعملوا شنانك ومدافع وافراحا وولائم وانعم السلطان على لطيف المذكور واعطاه اطواخا وارسل اليه اعيان الدولة الهدايا والتحف ورجع الى مصر في ابهة زائدة وداخله الغرور وتعاظم في نفسه ولم يحتفل الباشا بأمره وكذلك اهل دولته لكونه من جنس المماليك وايضا قد تأسست عدواتهم في نفوسهم وكراهتهم له اشد من كراهتهم لابنائنا وخصوصا كتخدا بك فإنه اشد الناس عداوة وبغضا في جنس المماليك وطفق يلقي لمخدومه ما يغير خاطره عليه ومنها انه يضم اليه اجناسه من
(3/411)

المماليك البطالين ليكونوا عزونه ويغترونه به حيث أن الباشا فوض اليه الامر أن ظهر منه شىء في غيابه وسافر الباشا في اثر ذلك واستمر لطيف باشا مع الجماعة في صلف وهم يحدقون عليه ويرصدون حركاته ويتوقعون ما يوجب الايقاع به وهو في غفلة وتيه لا يظن بهم سوا فطلب من الكتخدا الزيادة في رواتبه وعلائفه لسعة دائرته وكثرة حواشيه ومصاريفه فقال له الكتخدا انا لست صاحب الامر وقد كان هنا ولم يزدك شيئا فراسله وكاتبه فإن امر بشىء فأنا لا اخالف مأمورياته وتزايد هو والحاضرون في الكلام والمفاقمة ففارقهم على غير حالة ونزل الى داره وارسل في العشية الى مماليك الباشا ليحضروا اليه في الصباح ليعمل معهم ميدان رماحه على العادة واسر اليهم أن يصبحوا ما خف من متاعهم واسلحتهم فما اصبحوا استعدوا كما اشار اليهم وشدوا خيولهم ووصل خبرهم الى الكتخدا فطلب كبيرهم وسأله فأخبره أن لطيف باشا طلبهم ليعمل معهم رماحة فقال أن هذا اليوم ليس هو موعد الرماحة ومنعهم من الركوب وفي الحال احضر حسن باشا وطاهر باشا واحمد أغا المسمى بونابارته الخازندار وصالح بك السلحدار وابراهيم أغا آغات الباب ومحو بك وخلافهم ودبوس اوغلي واسمعيل باشا بن الباشا ومحمود بك الدويدار وتوافق الجميع على الايقاع به واصبحوا يوم السبت مجتمعين وقد بلغه الخبر واخذوا عليه الطرق وارسلوا يطلبونه للحضور في مجلسهم فامتنع وقال ما المراد من حضوري فنزل اليه دبوس اوغلي وخدعه فلم يقبل فركب وعاد اليه ثانيا يأمره بالخروج من مصر أن لم يحضر مجلسهم فقال اما الحضور فلا يكون واما الخروج فلا اخالف فيه بشرط أن يكون بكفالة حسن باشا او طاهر باشا فإني لا آمن أن يتبعوني ويقتلوني خصوصا وقد اوقفوا بجميع الطرق ففارقه دبوس اوغلي فتحير في امره وامر بشد الخيول واراد الركوب فلم يتسع له ذلك ولم يزل في نقض وابرام الى الليل فشركوا الجهات وابواب المدينة أيضا بالعساكر وكثر جمعهم بالقلعة وابوابها
(3/412)

وفي تاسع ساعة من الليل نزل حسن باشا ومحو بك في نحو الالفين من العسكر واحتاطوا بداره بسويقة العزى وقد اغلق داره فصاروا يضربون بالبنادق والقرابين الى آخر الليل فلما اعياهم ذلك هجموا على دور الناس التى حوله وتسلقوا عليه من الاسطحة ونزلوا الى سطح داره وقتلوا من صادفوه من عسكره واتباعه واختفى هو في مخباة اسف الدار مع ستة اشخاص من الجواري ومملوك واحد وعلم بمكانهم آغات الحريم فداروا بالدار يفتشون عليه فلم يجدوه فنهبوا جميع ما في الدار ولم يتركوا بها شيئا وسبوا الحريم والجواري والمماليك والعبيد وكذلك ما حوله وما جاوره من دور الناس ودور حواشيه وهم نيف وعشرون دارا حتى حوانيت الباعة وغيرهم التى بالخطة ودار علي الكتخدا صالح الفلاح هذا ما جرى بتلك الناحية وباقي نواحي المدينة لا يدورون بشىء من ذلك الا انهم لما طلع نهار يوم الاحد وخرج الناس الى الاسواق والشوارع وجدوا العساكر مائجة وابواب البلد مغلقة وحولها العساكر مجتمعة ومنهم من يعدو ومعه شىء من المنهوبات فامتنع الناس من فتح الحوانيت والقهاوي التى من عادتهم التبكير بفتحها وظنوا ظنا واستمر لطيف باشا بالمخباة الى الليل واشتد به الخوف وتيقن أن العبد الطواشي سينم عليه ويعرفهم بمكانه فلما اظلم الليل وفرغوا من النهب والتفتيش وخلا المكان خرج من المخباة بمفرده ونط من الاسطحة حتى خلص الى دار خازنداره وصحبته كبير عسكره وآخر يسمى يوسف كاشف دياب من بقايا الاجناد المصرية وباتوا بقية تلك الليلة ويوم الاثنين والكتخدا واهل دولته يدأبون في الفحص والتفتيش عليه ويتهمون كثيرا من الناس بمعرفة مكانه ومحمود بك داره بالقرب من داره اوقف اشخاصا من عسكره على الاسطحة ليلا ونهارا لرصده وكان المذكور له اعتقاد في شخص يسمى حسن افندي اللبلبي ولبلب لفظ تركي علم على الحمص المجوهر اي المقلي ومن شأن حسن افندي هذا انه رجل درويش يدخل الى بيوت الاعيان والاكابر من
(3/413)

الناس الاتراك وغيرهم وفي جيوبه من ذلك الحمص فيفرق على اهل المجلس منه ويلاطفهم ويضاحكم ويمزح معهم ويعرف باللغة التركية ويجانس الفريقين فمن اعطاه شيئا اخذه ومن لم يعطه لم يطلب منه شيئا وبعضهم يقول له انظر ضميري او فإلي فيعد على سبحته ازواجا وافرادا ثم يقول ضميرك كذا وكذا فيضحكون منه فوشى بحسن افندي هذا الى كتخدا بك وباقي الجماعة بأنه كان يقول لطيف باشا انه سيلي سيادة مصر واحكامها ويقول له هذا وقت انتهاز الفرصة في غيبة الباشا ونحو ذلك وجسموا الدعوى وانه كان يعتقد صحة كلامه ويزوره في داره وترب له ترتيبا وأشاعوا انه اراد أن يضم اليه اجناس المماليك والخاملين من العساكر وغيرهم ويعطيهم نفقات ويريد اثارة فتنة ويعتال الكتخدا بك وحسن باشا وامثالهما على حين غفلة ويتملك القلعة والبلد وان اللبلبي يغريه على ذلك وكل وقت يقول له جاء وقتك ونحو ذلك من الكلام الذي المولى جل جلاله أعلم بصحته فارسل كتخدا بك الى اللبلبي فحضر بين يديه في يوم الاثنين فسأله عنه فقال لا ادري فقال انظر في حسابك هل نجده ام لا فأمسك سبحته وعدها كعادته وقال انكم تجدونه وتقتلونه ثم أن الكتخدا اشار الى اعوانه فأخذوه ونزلوا به واركبوه على حماره وذهبوا به الى بولاق فانزلوه في مركب وانحدروا به الى شلقان وشلحوه من ثيابه واغرقوه في البحر
وفي ذلك اليوم عرفهم آغات حريم لطيف باشا بعد أن هددوه وقرروه عن محل استاذه واخبرهم انه في المخباة واراهم المكان ففتحوه فوجدوا به الجواري الستة والمملوك ولم يجدوه معهم فسألوهم عنه فقالوا انه كان معنا وخرج في ليلة امس ولم نعلم اين ذهب فأخرجوهم واخذوا ما وجدوه في المخباة من متاع وسروج ومصاغ ونفوذ وغير ذلك فلما كان بعد الغروب من ليلة الثلاثاء اشتد بلطيف باشا الخوف والقلق فأراد أن ينتقل من بيت الخازندار الى مكان أخر فطلع الى السطح وصعد على
(3/414)

حائط يريد النزول منها هو ورفيقه البيوكباشي ليخلص الى حوش مجاور لتلك الدار فنظرهما شخص من العسكر المرصد باعلى سطح دار محمود بك الدويدار فصاح على القريبين منه لينتبهوا له فعندما صاح ضربه لطيف باشا رصاصة فأصابه وتسارعوا اليه من كل ناحية وقضوا عليه وعلى رفيقه واتوا بهما الى محمود بك فبات عنده ورمحت المبشرون الى بيوت الاعيان يبشرونهم بالقبض عليه ويأخذون على ذلك البقاشيش فلما طلع نهار يوم الثلاثاء طلع به محمود بك الى القلعة وقد اجتمع اكابرهم بديوان الكتخدا واتفقوا على قتله ووافقهم على ذلك اسمعيل ابن الباشا بما نقموه عليه لانه في الاصل مملوك صهره عارف بك فعندما وصل الى الدرج قبض عليه الاعوان وهو بجانب محمود بك فقبض بيده على علاقة سيفه وهو يقول بالتركي عرظندايم يعني انا في عرضك وماتت يده على قيطان السيف فأخرج بعضهم سكينا وقطع القيطان وجذبوه الى اسفل سلم الركوبة واخذوا عمامته وضربه المشاعلي بالسيف صربات ووقع الى الارض ولم ينقطع عنقه فكملوا ذبحه مثل الشاة وقطعوا رأسه وفعلوا برفيقه كذلك وعلقوا رؤسهما تجاه باب زويلة طول النهار
وفي ثاني يوم وهو يوم الاربعاء ثاني عشرينه احضروا أيضا يوسف كاشف دياب وقتلوه أيضا عند باب زويلة وانقضى امرهم والله اعلم بحقيقة الحال وفتح اهل الاسواق حوانيتهم بعدما تخيل الناس بانها ستكون فتنة عظيمة وان العسكر ينهبون المدينة وخصوصا الكائنون بالعرضي خارج باب النصر فإنهم جياع وبردانون وغالبهم مفلس لان معظمهم من الجدد الواردين الذين لم يحصل لهم كسب من نهب او حادث واقع ادركوه ولولا انهم اوقفوا عساكر عند الابواب منعتهم من العبور لحصل منهم غاية الضرر
وانقضت السنة وحوادثها التى ربما استمرت الى ما شاء الله بدوامها
(3/415)

وانقضائها
فمنها أن الباشا لما فرغ من امر الجهة القبلية بعدما ولى ابنه ابراهيم باشا عليها وحرر اراضي الصعيد وقاس جملة ارضيه وفدنه وضبطه بأجمعه ولم يترك منه الا ما قل وضبط لديوانه جميع الاراضي والميرية والاقطاعات التى كانت للملتزمين من امراء والهوارة وذوى البيوت القديمة والرزق الاحباسية والسراوي والمتأخرات والمرصد على الاهالي والخيرات وعلى البر والصدقة وغير ذلك مثل مصارف الولاية التى رتبها اهالي الخير المتقدمون لاربابها رغبة منهم في الخير وتوسعه على الفقراء المحتاجين وذوى البيوت والدواوير المفتوحة المعدة لاطعام الطعام للضيفان والواردين والقاصدين وابناء السبيل والمسافرين فمن ذلك ان نباحية سهاج دار الشيخ عارف وهو رجل مشهور كأسلافه ومعتقد بتلك الناحية وغيرها ومنزله محط الرجال الوافدين والقاصدين من الاكابر والاصناغر والفقراء والمحتاجين فيقرى الكل بما يليق بهم ويرتب لهم التراتيب والاحتياجات وعند انصرافهم بعد قضاء اشغالهم يزودهم ويهاديهم بالغلال والسمن والعسل والتمر والاغنام وهذا دأبه ودأب اسلافه من قبله على الدوام والاستمرار ورزقته المرصدة التى يزرعها وينفق منها ستمائة فدان فضبطوها ولم يسمحوا له منها الا بمائة فدان بعد التوسط والترجي والتشفع وامثال ذلك بجرجا واسيوط ومنفلوط وفرشوط وغيرها واذا قال المتشفع والمترجي للمتأمر ينبغي مراعاة مثل هذا ومسامحته لانه يطعم الطعام وتنزل بداره الضيفان فيقول ومن كلفه بذلك فيقال له وكيف يفعل اذا نزلت به الضيوف على حسب ما اعتادوه فيقول يشترون ما يأكلون بدراهمهم من اكياسهم او يغلقون ابوابهم ويستقلون بأنفسهم وعيالهم ويقتصدون في معايشهم فيعتادون ذلك وهذا الذي يفعلونه تبذير واسراف ونحو ذلك على حسب حالهم وشأنهم في بلادهم ويقول الديوان احق بهذا فإن عليه مصاريف ونفقات ومهمات ومحاربات الاعداء وخصوصا افتتاح بلاد الحجاز ولما حضر ابراهيم باشا الى مصر وكان ابوه على اهبة السفر
(3/416)

الى الحجاز حضر الكثير من اهالي الصعيد يشكون ما نزل بهم ويستغيثون ويتشفعون بوجهاء المشايخ وغيرهم فإذا خوطب الباشا في شىء من ذلك يعتذر بانه مشغول البال واهتمامه بالسفر وانه اناط امر الجهة القبلية واحكامها وتعلقاتها بإبنه ابراهيم باشا وان الدولة قلدته ولاية الصعيد فأنا لا علاقة لي بذلك واذا خوطب ابنه اجابهم بعد المحاججة بما تقدم ذكره ونحو ذلك وذا قيل له هذا على مسجد فيقول كشفت على المساجد فوجدتها خرابا والنظار عليها يأكلون الايراد والخزينه أولى منهم ويكفيهم اني أسامحهم فيما اكلوه في السنين الماضية والذي وجدته عامرا اطلقت له ما يكفيه وزيادة واني وجدت لبعض المساجد اطيانا واسعة وهي خراب ومعطلة والمسجد يكفيه مؤذن واحد واجرته نصفان وامام مثل ذلك واما فرشه واسراجه فإنى ارتب له راتبا من الديوان في كل سنة فاذا تكرر عليه الرجاء احال الامر على ابيه ولا يمكن العود اليه لحركاته وتنقلاته وكثرة اشغاله وزوغانه ولما زاد الحال بكثرة المكتشين والواردين وبرزالباشا للسفر بل وسافر بالفعل فلم يمكث بعده ابنه الا اياما قليلة يبيت بالجيزة ليلة وعند اخيه ببولاق ليلة اخرى ثم سافر راجعا الى الصعيد يتمم ما بقي عليه لاهله من العذاب الشديد فإنه فعل بهم فعل التتار عندما جالوا بالاقطار واذل اعزة اهله واساء لسوء معهم في فعله فيسلب نعهم واموالهم ويأخذ ابقارهم واغنامهم ويحاسبهم على ما كان في تصرفهم واستهلكوه أو يحتج عليهم بذنب لم يقترفوه ثم يفرض عليهم المغارم الهائلة والمقادير من الاموال التي ليست ايديهم اليها طائلة ويلزمهم بتحصيلها وغلاقها وتعجيلها فتعجز ايديهم عن الاتمام فعند ذلك يجري عليهم انواع الالام من الضرب والتعليق والكي بالنار والتحريق فانه بلغني والعهدة على الناقل انه ربط الرجل ممدودا على خشبة طويله وامسك بطرفيها الرجال وجعلوا يقلبونه على النار المضرمة مثل الكباب وليس ذلك ببعيد على شاب جاهل سنه دون العشرين عاما وحضر من بلده ولم ير غير ما هو فيه لم يؤدبه
(3/417)

مؤدب ولايعرف شريعة ولا مأمورات ولا منهيات وسمعت أن قائلا قال له وحق من اعطاك قال ومن هو الذي اعطاني قال له ربك قال له انه لم يعطني شيئا والدي اعطاني أبي فلو كان الذي قلت فإنه كان يعطيني وانا ببلدي وقد جئت وعلى رأسي قبع مزفت مثل المقلاة فلهذا لم تبلغه دعوى ولم يتخلق الا باخلاف الي داربه عليها والده وهي تحصيل المال بأي وجه كان فأنزل بأهل الصعيد الذل والهوان فلقد كان به من المقادم والهوارة كل شهم يستحي الرئيس من مكالمته والنظر اليه بالملابس الفاخرة والاكراك السمور والخيول المسمومة والانعام والاتباع والجند والعبيد والاكمام الواسعة والمضايف والانعامات والاغداقات والتصدقات وخصوصا اكابرهم المشهورون وهمام ما ادراك ما همام وقد تقدم في ترجمته ما يغني عن الاعادة فخرجت دور الجميع وتشتتوا وماتوا غرباء ومن عسر عليه مفارقة وطنه جرى عليه ما جرى على غيره وصار في عداد المزارعين وقد رأيت بعض بني همام وقد حضروا الى مصر ليعرضوا حالهم على الباشا لعله يرفق بهم ويسامحهم في بعض ما ضبطه ابنه من تعلقاتهم يتعيشون به وهم اولاد عبد الكريم وشاهين ولدي همام الكبيرومعهم حريمهم وجواريهم وزوجة عبد الكريم ويقولون لها الست الكبيرة وهي ام اولاده فلما وصلوا الى ساحل مصر القديمة ورأى ارباب ديوان المكس الجواري وعدتهن ثلاثة حجزوهن وطالبوهم بكمركهن فقالوا هؤلاء جوارنا للخدمة وليسوا مجلوبين للبيع فلم يعبئوا بذلك وقبضوا منهم ما قبضوه ثم انهم لم يتمكنوا من الباشا وكان إذا ذاك قد توجه الى الفيوم وعاد الى العرضي مسافرا الى الحجاز فاستمروا بمصر حتى نفذت نفقاتهم ورايتهم مرة مارين بالشارع وهم هكذا وردت وفيهم صغير مراهق واتفق انهم تفاقموا مع ابن عمهم وهو عمر وشكوه الى مصطفى بك دالي باشا بانه حاف عليهم في اشياء من استحقاقهم دعوى مفلس على مفلس فأحضره وحبسه دة وما ادرى ما حصل لهم بعد ذلك وهكذا
(3/418)

تخفض العالى العال وتعلى من سفل
اللهم انا نعوذ بك من زوال النعم ونزول النقم
وأما من مات في هذه السنة
فمات الأستاذ الشهير والجهبذ النحرير الرئيس المفضل والفريد المبجل نادرة عصره ووحيد دهر الشيخ شمس الدين محمد أبو الانوار ابن عبد الرحمن المعروف بابن عارفين سبط بني الوفاء وخليفة السادات الحنفاء وشيخ سجادتها ومحط رحال سيادتها وشهرته غنية عن مزيد الافصاح ومناقبه اطهر من البيان والايضاح وامه السيدة صفية بنت الاستاذ جمال الدين يوسف أبي الارشاد ابن وفا تزوج بها الخواجا عبد الرحمن المعروف بعارفين فاولدها المترجم واخاه الشيخ يوسف وكان اسن منه فتربى مع اخيه في حجر السيادة والصيانة والحشمة وقراء القران وتولع بطلب العلم وحضر دروس اشياخ الوقت وتلقى طريقة اسلافه واوردادخم واخرابهمم عن خاله الاستاذ شمس الدين محمد أبو الاشراق ابن وفا عن عمه الشيخ عبد الخالق عن ابيه الشيخ يوسف أبي الارشاد عن والده أبي التخصيص عبد الوهاب الى اخر السند المنتهي الى الاستاذ أبي الحسن الشاذلي ولازم العلامة القدوة الشيخ موسى البجيرمي فحضر عليه كما ذكره في برنامج شيوخه ام البراهين وشرح المصنف عليها والاجرومية وشرحها للشيخ خالد وشرح الستين مسئلة للجلال المحلي وهو اول اشياخه ثم لازم الشيخ خليلا المغربي حضر عليه شرح ايسا غوجي لشيخ الاسلام زكريا الانصاري وشرح العصام على السمر قندية والفاكهي على القطر ومتن التوضيح والاسموني على الخلاصة ورسالة الوضع والمغنى وحضر دروس شيخ الشيوح الشيخ احمد الميجري الملوي في صحيح البخاري والشيخ عبد السلام علي الجوهرة واجازه بمرورياته ومؤفاته الاجازة العامة وكذلك اجازه الشيخ احمد الجوهري الشافعي اجازة عامة واجازة خاصة بطريقة مولاي عبد الله الشريف ولازم وقرا وشارك ولده الشيخ محمد الجوهري
(3/419)

الصغير وحضر أيضا دروس الاستاذ الحنفي في شرح التخليص للسعد التفتازاني وشرح التحرير لشيخ الاسلام وشرح الالفيه لابن عقيل والاشواني وحضر دروس الشيخ عمر الطحلاوي المالكي في شرح الاجرومية للشيخ خالد وشيئا من شرح الهمزية للعلامة ابن حجر وشيئا من تفسير الجلالين والبيضاوي وحضر الشيخ مصطفى السندوبي الشافعي في شرح ابن القاسم الغزي على أبي شجاع وعلي السيد البليدي في شرح التهذيب للخصبيي وعلى الشيخ عطية الاجهوري الشافعي في شرح الخطيب على أبي شجاع وشرح التحرير لشيخ الاسلام وتفسير الجلالين وعلى الشيخ محمد النارى شرح السلم لمصنفه وشرح التحرير وعلى الشيخ أحمد القوصي شرح الورقات الكبير لابن قاسم العبادي وسمع المسلسل بالاولية من علم اهل المغرب في وقته الشيخ محمد بن سودة التاودي الفاسي المالكي عند وروده مصر في سنة اثنتين وثمانين ومائة والف بقصد الحج وكتب له اجازة بخطه مع سنده واجازه أيضا بدلائل الخيرات واحزاب الشاذلي وكذلك تلقي الاجازة من الاستاذ المسلك عبد الوهاب بن عبدالسلام العفيفي المرزوقي وتلقى أيضا من امام الحرم المكي الشيخ ابراهيم ابن الرئيس محمد الزمزمي الاجازة بالمسبعات واستجازه هو أيضا بما لاسلافه من الاحزاب وكناه بأبي الفوز وذلك في سنة تسع وسبعين ومائة والف بمكة سنة حجة المترجم
وصل ولما مات السيد محمد أبو هادي وانقرضت بموته سلسلة اولاد الظهور وذلك في سنة ست وسبعين ومائة والف تاقت نفس المترجم لخلافة بيتهم وتهيأ لذلك ولبس التاج أيضا والعصابة التى يجعلونها عليه فلم يتم له ذلك وعورض بسيدي احمد بن اسماعيل بك المعروف بالدالي المكني بأبي الامداد لانه في طبقته في النسب وامه السيدة ام المفاخر ابنه الشيخ عبد الخالق باتفاق ارباب الحل والعقد لكونه من بيت الامارة وقد صار منزلهم كمنازل الامراء في الاتساع والتأنق والمجالس المزخرفة
(3/420)

والقيعان والقصور وفي ضمنه البستان بالنخيل والاشجار وما يجتني منها من الفواكه والثمار لان معظم الوجاهة والسيادة في هذه الازمان بالمساكن الانيقة والملابس الفاخرة وكثرة الايراد والخدم والحشم خصوصا أن اقترن بذلك شىء من المزايا المتعدية من بذل الاحسان واكرام الضيفان فعند ذلك يصير ربه قطب الزمان وفريد العصر والاوان فلو فرضنا أن شخصا اجتمعت فيه اوصاف الكمالات المحنوية والمعارف الدينية وخلاعما ذكر وكان صعلوكا قليل المال كثير العيال فلا يعد في الرجال ولا يلتفت اليه بحال حكم الهية واحكام ربانية فلما تقلدها سيدي احمد المذكوردون المترجم بقي متطلعا يسلي نفسه بالاماني ثم قصد الحج في سنة تسع وسبعين كما ذكر فلما عاد من الحج تزوج بوالدة الشيخ محمد أبي هادي واسكنها بمنزل ملاصق لدار الخليفة توصلا وتقربا لمأموله ولم تطل مدة الشيخ أبي الامداد وتوفي سنة اثنتين وثمانين كما ذكرناه في ترجمته وعند ذلك لم يبق للمترجم معارض وقد مهد احواله وتثبت امره مع من يخشى صولته ومعارضته من الاشياخ وغيرهم ودفن السيد احمد وركب المترجم في صبحها مع اشياخ الوقت والشيخ احمد البكري وجماعة الحزب ونقبائهم الى الرباط بالخرنفش ودخل الى خلوة جدهم فجلس بها ساعة وقرأ ارباب الحزب وظيفتهم ثم ركب مع المشايخ الى امير البلدة وكان اذ ذاك علي بك فخلع عليه وركبوا الى دارهم ومحل سيادتهم المعهودة واصبح متقلدا خلافة اسلافهم ومشيخة سجادتهم فكان لها اهلا ومحلا وتقدم على اخيه الشيخ يوسف مع كونه اسن منه لما فيه من زيادة الفضيلة ولما ثبطه به من مخادعته وسلامة صدر اخيه وحسن ظنه فيه وانتظم امره واحسن سلوكه بشهامة وحشمة ورآسة وتؤدة وأدب مع الاشياخ والاقران وتحبب الى ارباب المظاهر والاكابر واستجلاب الخواطر وسلوك الطرائق الحميدة والتباعد عن الامور المخلة بالمروءة والاخذ بالحزم والرفق مع الاشتغال في بعض الاحيان بالمطالعة والمذاكرة في المسائل الدينية والادبية
(3/421)

ومعاشرة الفضلاء ومجالستهم والمناقشة معهم في النكات واقتناء الكتب من كل فن كل ذلك مع الجد والتحصيل للاسباب الدنيوية وما يتوصل به الى كثرة الايراد بحسن تداخل وجميل طريقة مبعدة عما يخل بالمقدار بحيث يقضى مرامه من العظيم وجميل الفضل له ويراسل ويكاتب ويشاحح على ادنى شىء ويحاسب ولا يدفع لارباب الاقلام عوائدهم المقررة في الدفاتر بل يرون اخذها منه من الكبائر وكذلك دواوين المكوس المبني على الاجحاف فكل ما نسب له فيها فهو معاف وكلما طال الامد زاد المدد وخصوصا اذا تقلبت الدول وارتفعت السفل كان الاسبق القديم في اعينهم هو الجليل العظيم وهم لديه صغار لا ينظر اليهم إلا بعين الاحتقار ولما انقرضت بقايا الشيوخ الذين كان يهابهم ويخضع لهم ويتأدب معهم وكانوا على طرائق الاقدمين في العفة والانجماع عما يخل بتعظيم العلم واهله والتباعد عن بني الدنيا الا بقدر الضرورة وخلف من بعدهم من هم على خلاف ذلك وهم اعاظم مدرسي الوقت فاحدقوا به واكثروا من الترداد عليه وعلى موائده وبالغوا في تعظيمه وتقبيل يده ومدحوه بالقصائد البليغة طمعا في صلاته وجوائزه القليلة وحصول الشهرة لهم وزوال الخمول والتعارف بمن يتردد الى داره من الامراء والاكابر وزاد هو أيضا وجها ووجاهة بمجالستهم ولا يريهم فضلا بسعيهم اليه ويزداد كبرا وتيها وبلغ به انه لا يقوم لأكثرهم إذا دخل عليه وقتهم من يدخل بغاية الأدب فيضم ثيابه ويقول عند مشاهدته يا مولاي يا واحد فيجيبه هو بقوله يا مولاي يا دائم يا علي يا حكيم فإذا حصل بالقرب منه بنحو ذراعين حبا على ركبتيه ومد يمينه لتقبيل يده او طرف ثوبه واما الادون فلا يقبل طراف ثوبه وكذلك اتباعه وخدمه الخواص وإذا كان من اهل الذمة او كبار المباشرين وقبلوا يده وخاطبهم في أشغاله وهم قيام وانصرف فوا طلب الطشت والأبريق وغسل يده بالصابون لازالة ءاثر افواههم ولا يجيب في رد التحية الا بقول خير خير ولا يقطع غالب اوقاته مع مجالسيه وخاصته ومسامريه الا بانتقاد
(3/422)

اهل مصره وغيبة اهل عصره وتنبسط نفسه لذلك واليه يصغى كلا أن الانسان ليطغى وفي سنة تسعين ومائة والف ورد الى مصر عبدالرزاق افندي رئيس الكتاب ومن اكابر اهل الدولة فتداخل معه واصطحب به واهدى اليه هدايا واستدعاء وأضافة وحضر في ذلك العام محمد باشا المعروف بالعزتي واليا على مصر فأنهى اليه بمعونة الرئيس المذكور احتياج زاوية اسلافه للعمارة ودعا الباشا لزيارة قبورهم في يوم المولد المعتاد السنوي وذكر له المقصود واظهر له بعض الخلل وزين له ذلك الفعل وانه من تمام الشعائر الاسلامية والمشاهد التى يجب الاعتناء بشأنها والسعي والطواف بحرمها وكان المعين والسفير والمساعد في ذلك أيضا شيخنا محدث العصر محمد مرتضى وهو عند العثمانين مقبول القول الرزاق الرئيس يتلقى عنه المسلسلات والاجازات وقرأ عليه مقامات الحريري فأجاب الباشا ووعد بإتمام ذلك وكاتب الدولة وورد الامر بإطلاق خمسين كيسا لمصرف العمارة من خزينة مصر فشرع في هدم حوائطها ووسعها عن وضعها الاصلي واندرس في جدارانها قبور ومدافن وحوطها وزخرفها بالنقوش وانواع الرخام الملون والمموه بالذهب والاعمدة الرخام ثم كاتب الدولة وانهى أن ذلك القدر لم يكف وان العمارة لم تكمل والاحسان بالاتمام فأطلقوا له خمسين كيسا اخرى واتمها على هذا الوضع الذي هي عليه الان وانشا حولها مساكن ومخادع ووسع القصر الملاصق لها المختص به لجلوسه ومواضع الحريم ايام الموالد ثم ارسل في اثر ذلك كتخداه ووزيره الشيخ ابراهيم السنبدوبي الى دار السلطنة بمكاتبات وعرض لرجال الدولة والتمس رفع ما على قرية زفتا وغيرها مما في حوزه من الالتزام من المال الميري الذي يدفع الى الديوان في كل سنة وكان ابراهيم المذكور غاية في الدهاء والحيل الساسانية والتصنعات الشيطانية والتخليطات الوهمية وتقلبات الملامية فتمم مرامه بما ابتدعه من المخرقة والايهامات الملفقة ولم يدفع ما جرت به العادة من العوائد بل اجتلب
(3/423)

خلاف ذلك فوائد ولما حضر حسن باشا الجزايرلي الى مصر على رأس القرن وخرج الامراء المصريون الى الجهة القبلية واستباح اموالهم وقبض على نسائهم واولادهم وامر بإنزالهم سوق المزاد وبيعهم زاعما انهم ارقاء المال وفعل ذلك فاجتمع الاشياخ وذهبوا اليه فكان المخاطب له المترجم قائلا له انت اتيت الى هذه البلدة وارسلك السلطان الى اقامة العدل ورفع الظلم كما تقول او لبيع الاحرار وامهات الاولاد وهتك الحريم فقال هؤلاء ارقاء لبيت المال فقال له هذا لايجوز ولم يقل به أحد فاغتاظ غيظا شديد وطلب كاتب ديوانه وقال له أكتب اسماء هؤلاء واخبر السلطان بمعارضتهم الاوامره فقال له السيد محمود البنوفري اكتب ما تريد بل نحن نكتب اسمانا بخطنا فافحم وانكف عن اتمام قصده وايضا نتبع اموالهم وودائعهم وكان ابراهيم بك الكبير قد اودع عند المترجم وديعة وكذلك مراد بك اودع عند محمد افندي البكري وديعة وعلم ذلك حسن باشا فأرسل عسكرا الى السيد البكري فلم تسعه المخالفة وسلم ما عنده وارسل كذلك يطلب من المترجم وديعة ابراهيم بك فامتنع من دفعها قائلا أن صاحبها لم يمت وقد كتبت على نفسي وثيقة فلا اسلم ذلك ما دام صاحبها في قيد الحياة فاشتد غيظ الباشا منه وقصد البطش به فحماه الله منه ببركة الانصار للحق فكان يقول لم ار في جميع الممالك التى ولجتها من اجترا على مخالفتي مثل هذا الرجل فإنه احرق قلبي ولما ارتحل من مصر ورجع المصريون الى دولتهم حصل من مراد بك في حق السيد البكري ما حصل وغرمه مبلغا عظيما باع فيه اقطاعه في نظير تفريطه في وديعته واحتج عليه بامتناع نظيره وحصل له قهر تمرض بسببه وتسلسل به المرض حتى مات ويقال أن مراد بك ارسل اليه الحكيم ودس له السم في العلاج ثم مات رحمه الله وكانت منه هفؤة ولا بد للجواد من كبوة ومن لم ينظر في العواقب فليس له الدهر بصاحب حتى قيل انه هو الذي عرف حسن باشا عن ذلك لينال به زيارة في الحظوة عنده ويترك منها حصة لنفسه
(3/424)

بقرينة ما ظهر عليه في عقب ذلك من التوسع وقد غلب على ظنه بل وظن غالب الناس انقراض المصريين وغفلوا عن تقلبات الدهر في كل حين واما المترجم فإنه لما اخذ بالحزم سلم ورد الامانة الى صاحبها حين قدم وحسنت فيهم سيرته وزادت عندهم محبته وفي عقب ذلك نزل السيد محمد افندي البكري المذكور عن وظيفة نظر المشهد الحسيني للمترجم وارسل اليه بصندوق دفاتر الوقف وكان نظر المشهد يبيتهم مدة طويلة ووعده المترجم بأن يبدله عنه وظيفة النظر على وقف الشافعي فلما حصل الفراغ واحتوى على الدفاتر نكث وطمع على الوظيفتين بل ومد يده الى غيرهما لعدم من يعارضه ولا يدافعه من الامراء وغيرهم مثل نظر المشهد النفيسي والزيني وباقي الاضرحة الكثيرة الايراد التى يصاد بها الدنيا من كل ناد وتأتيها الخلائق بالقربانات وانواع النذورات واخذ يحاسب المباشرين وخدمة الاضرحة المذكورة على الايرادات والنذورات ويحاققهم على الذرات ويسبهم ويهينهم ويضربهم بالجريد المحمص على ارجلهم وفعل ذلك بالسيد بدوي مباشر المشهد الحسيني وهو من وجهاء الناس الذين يخشى جانبهم ومشهور ومذكور في المصر وغيره وكان معظم انقباض السيد البكري ونزوله عن نظر المشهد ضيق صدره من المذكور ومنكادته له واستيلاءه على المحل ومحصول الوقف والتقصير في مصارفه اللازمة وينسب التقصير للناظر وكان رحمه الله عظيم الهمة يغلب عليه الحياء والمسامحة ويرى خلاف ذلك من سفاسف الامور فتنصل من ذلك وترك فعله لغيره فلما اوقع المترجم بالسيد بدوي وباقي عظماء السدنة ما اوقع انقمع الباقون وذلوا وخافوه اشد الخوف ووشوا على بعضهم البعض وطفق يطالبهم بالنذور والشموع والاغنام والعجول وما يتحصل من صندوق الضريح من المال وكانوا يختصون بذلك كله واقلهم في رفاهية من العيش وجمع المال مع السفالة والشحاذة حتى من الفقير المعدم المفلس والكسرة الناشفة وكان اذا اراد الايقاع بشخص او اهانته وخشى عاقبة ذلك او لو ما يلحقه ممن
(3/425)

ينتصر له مهد له الطريق سرا قبل الايقاع به فإنه لما اراد ضرب السيد بدوي طاف على الشيخ العروسي وامثاله واسرهم ما في نفسه وامتدت يده أيضا الى شهود بيت القاضي فكان اذا بلغه أن احدهم كتب حجة استبدال واجارة مكان مدة طويلة لناظر او مستحق وكان ذلك المكان يؤل بعد انقراض مستحقيه لضريح من الاضرحة التى تحت نظر احضر ذلك الكاتب ووبخه ولعنه ولربما ضربه وابطل تلك المكاتبة ومحاها من سجل القاضي او يصالحونه على تنفيذ ذلك مع انها لا تؤل الى تلك الجهة الا بعد سنين واعوام متطاولة وقد نص علماء الشرع على أن الوقف والنذر للقبور والاضرحة باطل فان قيل بصحته على الفقراء قلنا أن سدنة هذه الاضرحة ليسوا بفقراء بل هم الآن اغنى الناس على والفقراء حقيقة خلافهم من اولاد الناس الذين لا كسب لهم والكثير من اهل العلم الخاملين والذين يحسبهم الجاهل اغنياء من التعفف ولما استولى المترجم على وظيفة نظر المشهد الحسيني قهر السيد بدوي المباشر المذكور واخذ دار سكنه شرقي المسجد واخرجه منها وهدمها وانشأها دارا لنفسه ينزل بها ايام المولد المعتاد ويأتي اليها في كل جمعة او جمعتين ولما تم بناؤها ونظامها وقرب وقت ايام المولد انتقل اليها بخدمه وحريمه وتقدم الى حكام الشرطة بأمر الناس والمناداة على اهل الاسواق والحوانيت بالسهر بالليل ووقود السرج والقناديل خمس عشرة ليلة المولد وكان في السابق ليلة واحدة واحدثوا في تلك الليالي سيارات وجمعيات وطبولا وزمورا ومناور ومشاعل وجمع خلائق من اوباش العالم الذين ينتسبون الى الطرائق كالاحمدية والسعدية والشعيبية ويتجاوبون في وسط الطبول بألفاظ مستهجنة ينادون بها مشايخ طرقهم بكلمات وعبارات تشمئز منها الطباع وامرهم بأن يمروا من تحت داره ودعا امراء البلدة في ظرف تلك الايام متفرقين ودعا عابدين باشا يوم المولد ولما سكن بتلك الدار وهي قبالة الميضاة والمراحيض فكان يتضرر من الرائحة فقصد ابطالها من تلك الجهة فاشترى دارا قبلي المسجد
(3/426)

وهي بجانب حائط المسجد الجنوبية الفاصلة بينها وبين المسجد وادخل منها جانبا في المسجد وزاد فيه مقدار باكية وجعلها مرتفعة عن ارض المسجد درجة لتمتاز عن البناء القديم وجعل به محرابا ومن خلفه خلوة يسلك اليها من باب بصدر الليوان المذكور الى فسحة لطيفة امام الخلوة وبالخلوة شباك مطل على الليوان الصغير الذي بقبة الضريح وانشأ فيما بقي من الدار ميضاة ومراحيض وفتح لها بابا من داخل المسجد من أخره بجانب باب السبيل وابطل الميضاة القديمة لانحراف مزاجه وتأذيه من رائحتها وتحول عبور الناس من داخل وخارج الى هذه الجديدة واتت عليها عدة ايام ففاحت الروائح على المصلين ومن بالمسجد وما انضاف الى ذلك أيضا من البلل والتقذير من ارجل الاوباش لقربها من المسجد فلغط الناس ومن يحضر في اوقات الصلاة من اتراك خان الخليلي والتجار وشنعوا القالة وقاموا قومة واحدة واغلقوا الباب وابطلوا تلك الميضاة ومنعوا من دخولها وساعدهم المتصوفون من اجناسهم فانكسف بال المترجم لذلك ولم يمكنه تنفيذ فعله واعاد الميضاة القديمة كما كانت وجعل المستجدة مربطا للحمير يستغل اجرته بعد أن ازال تلك الميضاة ومحا اثر ذلك وكان بناء هذه الزيادة سنة ست بد المائتين ثم زاد في منزل سكنهم زيادة من ناحية البركة المعروفة ببركة الفيل خلف البستان اخذ في تلك الزيادة مقدارا كبيرا من ارض البركة وانشأ مجلسا مربعا متسعا مطلا على البركة من جهتيه وبوسطه عامود من الرخام وبلط دور قاعته بالرخام وجعل به مخدعا وخارجه فسحة كبيرة وشبابيكها مطلة على البركة وصارت القاعة القديمة المعروفة بالغزال الملتفت بابها في ضمن الفسحة وبها باب القيطون وسمى هذه المنشية الاسعدية وبتلك الفسحة باب يدخل منه الى منافع ومرافق ثم عن له التغيير والتبديل لاوضاع البيت من ناحية اخرى فهدم الساتر على القاعة الكبيرة وفسحتها وهي التي يسمونها بأم الافراح وهي من انشاء الشيخ أبي التخصيص وهي اعظم المجالس التى بدارهم مزخرفة بالنقوش
(3/427)

الذهب والقيشاني الصينى بجميع حيطانها والرخام الملون وبها الفسقية والسلسبيل والقمريات الملونة فكشف حائطها وادخل فسحتها في رحبة الحوش وهدم القاعة الاخرى التى كان يصعد اليها يسلم من الفسحة الاخرى وابطل الحواصل التى اسفلها وساواها بالارض وعمل بها فسقية بالرخام ومرافقها من داخلها وبها باب يتوصل منه الى الحريم وسماها الانوارية نسبة لكنيته وامامها فسحة عظيمة ديوان بدكك وكراسي بجانب البستان وبها الطرقة والدهليز الممتد بوسط البستان الموصل الى القاعة المسماة بالغزال والاسعدية وهدم المقعد القديم الذي به العامود وقناطره وما كان بظاهر الحاصل المسمى بحاصل السجادة من الحواصل السفلية وجعله مسجدا يصلى فيه الجمعة ونصب فيه منبرا للخطبة وذلك لبعد المساجد الجامعة عن داره وتعاظمه عن السعي الكثير والاختلاط بالعامة واخذ قطعة وافرة من بيت كتخدا الجاويشية وسع بها البستان وغرس بها الاشجار والرياحين والثمار وافنى غالب عمره في تحصيل الدنيا وتنظيم المعاش والرفاهية واقتناء كل مرغوب للنفس وشراء الجواري والمماليك والعبيد والحبوش والخصيان والتأنق في المآكل والمشارب والملابس واستخراج الادهان والعطريات المفرحة والمنعشة للقوة وتعاظم في نفسه وتعالى على ابناء جنسه حتى انه ترفع على لبس التاج وحضور المحيا بالازهر ليلة المعراج وكذا الحضور في مجلس وردهم الذى هو محل عزهم وفخرهم وصار يلبس قاووقا بعمامة خضراء تشبها بأكابر الامراء وبعدا عن التشبه بالمتعممين والفقهاء والمقرئين ولما طالت ايامه وماتت اقرانه والذين كان يستحي منهم ويهابهم وتقلبت عليه الدول واندرجت اكابر الامراء وتأمر اتباعهم ومماليكهم الذين كانوا يقومون على اقدامهم بين يدي مخاديمهم واسيادهم جلوس بالادب مع المترجم لا جرم كانت هيبته في قلوبهم اعظم من اسلافهم واستصغاره هو لهم كذلك فكان يصدعهم بالكلام وينفذ امره فيهم ويذكر الامير الكبير بقوله ولدنا الامير فلان
(3/428)

وحوائجه عندهم مقضية وكلامه لديهم مسموع وشفاعته مقبولة واوامره نافذة فيهم وفي حواشيهم وحريماتهم واتفق أن بعض اعاظم المباشرين من الاقباط توقف معه في امر فأحضره ولعنه وسبه وكشف رأسه وضربه على دماغه بزخمة من الجلد ولم يراع حرمة اميره وهو اذ ذاك امير البلدة ولما شكا الى مخدومه ما فعل به قال له ما تريد أن اصنع بشيخ عظيم ضرب نصرانيا فرحم الله عظامهم
واتفق أيضا أن جماعة من اولاد البلد ووجهائها اجتمعوا ليلة بمنزل بعض اصحابهم وتباسطوا فأخذ بعضهم يسخر ويقلد بعض اصحاب المظاهر فوشى للمترجم مجلسهم وانهم ادرجوه في سخريتهم فتسماهم واحضرهم واحد بعد واحد وعزرهم بالضرب والاهانة فكان كل قليل يقع في بيته الضرب والاهانة لافراد من الناس وكذلك فلاحو الحصص التى حازها والتزم بها فإنه زاد في خراجهم عن شركائه ويفرض عليهم زيادات ويحبسهم عليها شهورا ويضربهم بالكرابيج وبالجملة فقد قلب الموضوع وغير الرسم المطبوع بعد أن كان منزلهم محل سلوك ورشاد وولاية واعتقاد فصار كبيت حاكم الشرطة يخافه من غلط ادنى غلطة ويتحاماه الناس من جميع الاجناس وجلساؤه ومرافقوه لا يعارضونه في شىء بل يوافقونه ولا يتكلمون معه الا بميزان وملاحظة الاركان ويتأدبون معه في رد الجواب وحذف كاف الخطاب ونقل الضمائر عن وضعها في غالب الالفاظ بل كلها حتى في الاثار المروية والاحاديث النبوية وغير ذلك من المبالغات وتحسين العبارات والوصف بالمناقب الجليلة والاوصاف الجميلة حتى أن السيد حسينا المنزلاوي الخطيب كان ينشىء خطبا يخطب بها يوم الجمعة التى يكون المترجم حاضرا فيها بالمشهد الحسيني وبزاويتهم ايام المولد ويدرج فيها الاطراء العظيم في المترجم والتوسل به في كشف المهمات وتفريج الكروب وغفران الذنوب حتى اني سمعت قائلا يقول بعد الصلاة لم يبق على الخطيب الا أن يقول اركعوا واسجدوا واعبدوا شيخ السادات
(3/429)

ولما قدمت الفرنساوية الى الديار المصرية في اوائل سنة ثلاث عشرة ومائتين والف لم يتعرضوا له في شئ وراعوا جانبه وافرجوا عن تعلقاته وقبلوا شفاعاته وتردد اليه كبيرهم واعاظمهم وعمل لهم ولائم وكنت اصاحبه في الذهاب الى مساكنهم والتفرج على صنائعهم ونقوشهم وتصاويرهم وغرائبهم الىأن حضر ركب العثمانيين في سنة خمسة عشرة وحصلت بينهم المصالحة على انتقال الفرنساوية من ارض مصر ورجوعهم الى بلادهم على شروط اشترطوها بينهم وبين وزير الدولة العثمانية
ومنها حسابات تدفع اليهم واخرى تخصم عليهم وظن المترجم وخلافه اتمام الامر والارتحال لا محالة فعند ذلك لحقه الطمع فذكوا مصلحة دفعها لكاتب جيشهم في نظير الافراج عن تعلقاته وارسل يطلبها من بوسليك مدبر الجمهور وكذلك ما قبضه ترجمانه فقال هذه عوائد لا بد منها ودخلت في حساب الجمهور وتغير خاطرهم منه وكانت منه هفوة ترتب عليها بينهم وبينه الجفوة ولما انتقض الصلح وحصلت المفاقمة ووقعت المحاربة في داخل المدينة وتترست العساكر الاسلامية واهل البلد في النواحي والجهات وانقطع الجالب عن اهل البلد مدة ستة وثلاثين يوما التزم اغنياء الناس واصحاب المظاهر الاطعام والانفاق على المحاربين والمقاتلين في جهتهم ونواحيهم والتزم المترجم كغيره الانفاق على من حوله فلما انقضت ايام المحاربة وانتصر الفرنساوية ورجع الوزير ومن معه الى جهة الشام منهزمين فعند ذلك انتقم الفرنساوية من المبارزين لهم بأخذ المال بدلا عن الارواح وقبضوا على المترجم وحبسوه واهانوه اياما وفرضوا عليه قدرا عظيما من المال قام بدفعه كما ذكرنا ذلك مفصلا في محله وقيل أن الذي زاد الفرنساوية اغراء به مراد بك حين اصطلح معهم وعمل لهم ضيافة ببر الجيزة وسببه انه لما دهمت الفرنساوية وطلعوا الاسكندرية ووصل الخبر الى مصر اجتمع الامراء بالمساطب وطلبوا المشايخ ليشاوروا في هذا الحادث فتكلم المترجم وخاطبهم بالتوبيخ وقال كل هذا سوء
(3/430)

فعالكم وظلمكم واخر امرنا معكم ملكتمونا للافرنج وشافه مراد بك وخصوصا بأفعالك وتعديك انت وامرائك على متاجرهم واخذ بضائعهم واهانتهم فحقدها عليه وكتمها في نفسه حتى اصطلح مع الفرنساوية والقى اليهم ماالقاه ففعلوا ما ذكر وذلك في ثاني يوم الضيافة فلما رجع العثمانية في السنة الثانية الى مصر بمعونه الانكليز وصاروا بالقرب من المدينة حبسوا المترجم مع من حبس بالقلعة من ارباب الظاهر خوفا من احداتهم فتنة بالبلدة ومات ولده الذي كان سماه محمدا نور الله وهو معوق ومميوع فأذنوا له في حضوره جنازة ولده فنزل وصحبته شخص حرسي منهم فلازمه حتى واراه وعاد به ذلك الحرسي الى القلعة وكان هذا الولد مراهقا له من العمر اثنتا عشرة سنة كان في امله أن يكون هو الخليفة في بيتهم من بعده ويأبى الله الا ما يريد ولما انفصل الامر وارتحل الفرنساوية من ارض مصر ودخل اليها يوسف باشا الوزير ومن معه تقدم المترجم يشكو اليه حاله وما اصابه وادعى الفقر والاملاق مع أن الفرنساوية لم يحجزوا عنه شيئا من تعلقاته وايراده وجعل شكواه وما حصل له سلما للافراج عن جميع تعلقاته وايراده من غير حلوان كغيره من الناس وزاد على ذلك اشياء ومطالب ومسامحات ودعا الوزير الى داره وافراد رجال الدولة الذين بيدهم مقاليد الامور وعاد الى حالته في التعاظم والكبرياء وارتحل الوزير بعد استقرار محمد باشا خسروا على ولاية مصر وكان سموحا وكذلك شريف افندي الدفتردار فرمح في غفلتهما واستكثر من التحصيل والايراد الى أن تقلبت الاحوال وعادت للمصريين في سنة ثمان عشرة ثم خرجوهم وما وقع من الحوادث التي تقدم ذكرها واستقر محمد علي باشا وثبتت قدمه بمعونة العامة والسيد عمر مكرم بمملكة مصر وشرع في تمهيد مقاصد فكان السيد عمر يمانعه فدبر على اخراجه من مصر وجمع المشايخ واحضر المترجم وخلع عليه وقلده النقابة واخرج السيد عمر من مصر منفيا الى دمياط وذلك في سنة اربع وعشرين كما تقدم ووافق فعله ذلك
(3/431)

عرض المترجم بل ربما كان بمعونته لحقده الباطني على السيد عمر وتشوفه الى النقابة وادعائه انها كانت ببيتهم لكون الشيخ أبي هادي تولاها اياما ثم تولاها بعده أبو الامداد ثم نزل عنها لمحمد افندي البكري الكبير فلم يزل في نفس المترجم التطلع لنقابة الاشراف ويصرح بقوله انها من وظائفنا القديمة واحضر بها مرسوما من دار السلطنة واخفاه ولم يظهره مدة حياة محمد افندي البكري الكبير فلما مات وتقلدها ولده محمد افندي ادعاها واظهر المرسوم وشاع خبر ذلك فاجتمع الجم الغفير من الاشراف بالمشهد الحسيني ممانعين وقائلين لا نرضاه نقيبا ولا حاكما علينا فلم يتم له مراده فلما توفي محمد افندي الصغير ظن انه لم يبق له فيها منازع فلا يشعر الا وقد تقلدها السيد عمر بمعونة مراد بك وابراهيم بك لصحبته معهما ومرافقته لهما في الغربة حين كان المصريون بالصعيد فسكت على ضغن وغيظ يخفيه تارة ويظهره اخرى وخصوصا وهو يرى أن السيد عمر فلي ذلك دون ذلك بكثير فلما خرج الفرنساوية ودخل الوزير الى مصر وصحبته السيد عمر متقلدا للنقابة كما كان وانفصل عنها السيد خليل البكري وارتفع شأن السيد عمر وزاد امره بمباشرة الوقائع وولاية محمد علي باشا وصار بيده الحل والعقد والامر والنهي والمرجع في الامور الكلية والجزئية والمترجم يحقد عليه في الباطن ويظهر له خلافه وهو الاخر كذلك
ولكنني اخشاه وهو يخافني فيخفى ويبدو بيننا البغض والود فلما اخرج الباشا السيد عمر وتقلد المترجم النقابة وبلغ مأموله عند ذلك اظهر الكامن في نفسه وصرح بالمكروه في حق السيد عمر ومن ينتمي اليه او يواليه وسطر فيه عرضا محضرا الى الدولة نسب اليه فيه انواعا من الموبقات التي منها انه ادخل جماعة من الاقباط في الاشراف وقطع اناسا من الشرفاء المستحقين وصرف راتبهم للاقباط المدخلين ومنها انه تسبب في خراب الاقليم واثاره الفتن وموالاة البغاة المصريين وتطميعهم في المملكة حتى انه
(3/432)

وعدهم بالهجوم على البلدة يوم قطع الخليج في غفلة الباشا والناس والعساكر وانه هو الذي اغرى المصريين على قتل علي باشا برغل الطرابلسي حين قدم واليا على مصر وهو الذي كاتب الانكليز وطمعهم في البلادد مع الألفي حين حضروا الى اسكندرية وملكوها ونصر الله عليهم العساكر الاسلامية وغير ذلك من عبارات عكس القضية وتمنيق الاغراض النفسانية وكتب الاشياخ عليه خطوطهم وطبعوا تحتها ختومهم ما عدا الطحطاوي الحنفي فإنه تنحى عن الشرور وامتنع عن شهادة الزور فأوسعوه سخطا ومقتا وعزلوه من الافتا وقد تقدم خبر ذلك في حوادث سنة اربع وعشرين وانما المعنى باعادة ذلك لك هنا تتمة لترجمة المشار اليه وحذار من نقصها النسيان لأكثر جملها فلو سلمت الفكرة من النسيان لفاقت سيرته كان وكان وفي سنة ست وعشرين انشا دارا عظيمة بجانب المنزل وصرف جملا من المال وانشأ بها مجالس وقاعات ورواشن ومنافع ومرافق وفساقي وانشأ فيها بستانا غرس فيه انواع الاشجار المثمرة وادخل به ما حازه من دور الامراء المتخربة وكان السيد خليل البكري اشترى دارا بدرب الفرن وذلك بعد خروج الفرنساوية وخمول امره وعزله من مشيخة البكرية والنقابة وانشا بها بستانا انيقا وانشا قصرا برسم ولده مطلا على البستان فلما توفي السيد خليل تعدى على ولده سيدي احمد وقهره واخذ منه ذلك البستان بأبخس الاثمان وخلطه ببستان الدار الجديد وبنى سوره واحاطه واقام حائطا بينه وبين دار المذكور وطمسها واعماها وسدت الحائط شبابيك ذلك القصر واظلمته ولم يزل كلما طال عمره زاد كبره وقل بره وتعدى شره ولما ضعفت قواه تقاعد عن القيام لاعاظم الناس اذا دخل عليه محتجا بالاعياء والضعف ولازم استعمال المنعشات والمركبات المفرحة ولا يصلح العطار ما افسد الدهر
وفي شهر شوال من السنة التي توفي فيها احضر ابن اخيه سيدي احمد الذي تولى المشيخة بعده والبسه خلعة وتاجا وجعله وكيلا عنه في نقابة
(3/433)

الاشراف واركبه فرسا بعباءة وارسله الى الباشا صحبة سيدي محمد المعروف بابي دفية وامامه جاويشية النقابة على العادة فلما دخلا الى الباشا وعرفه المرسول بأن عمه اقامه وكيلا عنه فقال مبارك فأشار اليه أن يلبسه خلعة فقال أن موكله البسه ولم يتقلدها بالاصاله ولو كنت قلدته انا كنت اخلع عليه والبسه فقام ونزل الى داره التي اسكنه بها عمه وهي الدار التي عند المشهد الحسيني وحضر اليه الناس للسلام والتهنئة وفي هذه السنة أيضا عن للمترجم أن يزيد في السجد الحسيني زيادة مضافة لزيادتة الاولى التي كان زادها في سنة ست ومائتين والف فهدم الحاط التي كان بناها الجنوبية وادخل القطعة التي كان عمل بها الميضاة وزاد باكية اخرى وصف عواميد وصارت مع القديمة ليوانا واحدا وشرع في بناء دار عظيمة لينزل فيها وقت مجيئه هناك في ايام المولد وغيره عوضا عن الدار التي نزل عنها لابن اخيه فتكون هذه بعيدة عن روائح الميضاة القديمة وتكون بالشارع وتمر من تحتها مواكب الأشاير ولا يحتاجون الى تعديهم المسجد ودخولهم من طريق باب القبة وجعل بالحائظ الفاصل بين الزيادة والدار المستجده شبابيك مطلة على المسجد لينظر منها المجالس والقودات من يكون بالدار من الحريم وغيرهم فما هو الا وقد هرب اتمام ذلك الا وقد زاد به الاعياء والمرض وانقطع عن النزول من الحريم وتمت الزيادة ولم يق الا اتمام الدار فيستعجل ويشتم المشد والمهندس وينسب اليهم اهمال استحثاث العمال ويقول قد قرب المولد ولم تكمل الدار فأين نجلس ايام المولد هذا وكل يوم يزيد مرضه وتورمت قدماه وضعف عن الحركة هو يقول ذلك ويؤمل الحياة فلما زاد به الحال وتحقق الرحيل الى مغفرة المولى الجليل اوصى لاتباعه بدراهم ولذي الفقار الذي كان كتخدا الألفي والان في خوالة بستان الباشا الذي بشبرا بخمسمائة ريال لكون زوجته خشداشة حريمه هما من جواري اسماعيل بك الكبير وليكون معينا لها ومساعدا في مهماتها ولسيدي محمد أبي دفية مثلها في نظير خدمته
(3/434)

وتقيده وملازمته له واوصى أن لايغسل الا على سريره الهندي الذي كان ينام عليه في حياته ليكون مخالفا للعالم حتى في حال الموت فلما كان يوم الاحد ثامن عشر ربيع الاول من السنة انقضى نحبه وتوفي الى رحمة الله تعالى وقت العصر وبات بالمنزل ميتا فلما اصبح يوم الاثنين غسل وكفن كما اوصى على السرير وخرجوا بجنازته من المنزل ووصلوا بها الى الازهر فصلى عليه بعد ما انشد المنشد مرثية من انشاء العلامة الشيخ حسن العطار وجعل براعة استهلالها الاشارة الى ما كان عليه المترجم من التعاظم والتفاخر فقال ... سلام على الدنيا فقد ذهب الفخر ...
ثم حمل الى مشهد اسلافه بالقرافة ودفن في التربة التي اعدها لنفسه بجانب مقام جدهم وتقلد مشيخة سجادتهم في ذلك اليوم السيد احمد بن الشيخ يوسف وهو ابن عمه وعصبته وكنيته أبو الاقبال بإجماع من الخاص والعام وجلس هو واخوه سيدي يحيى لتلقي العزاء وفي الصباح حضر الى الرباط بالخرنفش وكان بزاوية الرباط المذكور خلوة جدهم اقام بها حين حضر من الغرب الى مصر وعادتهم اذا تولى شخص منهم المشيخة لا بد أن يأتي في الصباح ويدخل الخلوة فيجلس بها حصة لطيفة فيتروحن وتلبش الولاية فلما كان المترجم هدم حائط تلك الخلوة زاعما انه خاتمة اوليائه وانه لم يأت من يصلح للمشيخة سواه وكأنه اخذه بذلك عهدا وميثاقا ولم يعلم أن ربه لم يزل خلاقا وان الولاية ليست بفعل العبد ولا بالسعي والقصد قال تعالى في محكم آياته الله اعلم حيث يجعل رسالاته وقال سبحانه
الا أن اولياء الله لاخوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون وان اولياء ه الا المتقون تسأله التوفيق والهدايا والحفظ عن اسباب الغواية ولما كان القديمة حضر المتولي وصحبته اشياخ الوقت والسيد محمد المحروقي وجماعة الحزب وغيرهم من المتفرجين وقد جعلوا على محل الخلوة سائرا بدل الحائط المهدوم ودخل المتولي خلفها وقرا جماعة الحزب شيئا من القرآن ثم قام
(3/435)

النقيب مع الشيخ البكري فتلقوا الشيخ فخرج على الحاضرين متطيلسا وصافحهم وركب بصحبتهم الى القلعة فخلع عليه كتخدا بك خلعة سمور وقاموا ونزلوا الى زاويتهم بالقرافة وامامهم جماعة الحزب وجاويشية النقابة فجلسوا حصة وقرؤا احزابهم ثم ركب ورجع الى المنزل وجلس مع اخيه لعمل المأتم والقراءة الجمعية على العادة وارسل كتخدا بك ساعيا يخبر موته الى الباشا بالضيوم لانه لما سافر الى جهة قبلي ووصل الى ناحية بني سويف ركب بغلة سريعة العدو وركب خلفه خواصه بالهجن والبغال فوصلها في اربع ساعات وانقطع اكثر المتوجهين معه ومات منهم سبعة عشر هجينا ورجع الساعي بعد ثلاثة ايام بجواب الرسالة ومضمونها عدم التعرض لورثة المتوفي حتى يقدم الباشا من غيبته فبقي الامر على السكوت اربعة عشر يوما وحضر الباشا ليلة الاحد ثامن ربيع الاخر فبمجرد وصوله الى الجيزة ارسل بالختم على منزلهم فما يشعرون الا وحسين كتخدا الكتخدا بك وبيت المال واصل اليهم ومعه آخرون فختموا على المجالس التي بالحريم ومجلس الجلوس الرجالي ختموا على خزائنه وقبضوا على الكاتب القبطي المسمى عبد القدوس والفراش وحبسوهما وعدى الباشا من ليلته الى بر مصر وطلع الى القلعة فركب اليه في صبحها المشايخ وصحبتهم ابن اخي المتوفي وهو الذي تولى المشيخة فخاطبوه وقالوا له كلاما معناه أن بيوت الاشياخ مكرمة ولم تجر العادة بالختم على اماكنهم وخصوصا أن هذا المتوفي كان عظيما في بابه وانتم اخبر به وكان لكم به مزيد عناية ومراعاة فقال نعم اني لا اريد اهانة بيتهم ولا اطمع في شئ مما يتعلق بمشيختهم ولاوظائفهم القديمة ولا يخفاكم أن المتوفي كان طماعا وجماعا للمال وطالت مدته وحاز التزامات واقتطاعات وكان لايحب قرابته ولايخصهم بشئ بل كتب ما حازه لزوجته وهي جارية نهاية ثمنها الفا قرش او اقل او اكثر ولم يكتب لاولاد اخيه شيئا فلا يصح أن امه تختص بذلك كله والخزينة اولى به لاحتياجات مصاريف العساكر ومحاربة الخوارج
(3/436)

واستخلاص الحرمين وخزينة السلطان وانا ارفع الختم رعاية لخواطركم فدعوا له وقاموا الى مجلس الكتخدا وخلع على الشيخ المتولي فروة سمور اخرى وقلد السيد محمد الدواخلي نقابة الاشراف وخلع عليه فروة سمور عضا عن سيدي احمد أبي الاقبال على خلافة السادات فانفصل من النقابة ونزلت الجاويشية ولوازم النقابة مثل باش جاويش والكاتب امام الدواخلي وخلفه وقلد السيد المحروقي نظارة المشهد الحسيني عوضا عن المتوفي وكان فرغ بها لابن اخيه فلم ينفذ الباشا ذلك وفي ثاني يوم حضر الاعوان الى بيت السادات وفكوا الختوم وطلبوا سقاء الحريم فأخذوه معهم واوجعوه بالضرب واحضروا البناء وسألوهما عن محل الخبايا ثم رجعوا الى المنزل ففتحوا مخبأة مسدودة بالبناء فوجدوا بها قوالب مساند قطيفة غير محشوة ووجدوا نحاسا وقطنا واواني صيني فتركوا ذلك وذهبوا وابقوا بالدار عدة من العسكر فباتوا بها ثم رجعوا في ثالث يوم وفتحوا مخبأة اخرى فوجدوا بها اكياسا مربوطة فظنوا بداخلها المال ففتحوها فوجدوا بها بن قهوة وبغيرها صابون وشموع عسل ولم يجدوا شيئا من المال فتركوا تلك الاشياء ونزلوا الى قاعة جلوسه وفتحوا خزانة فوجدوا بها نقودا فعدوها وحصروها فبلغت مائة وسبعة وعشرين كيسا فأخذوها ثم سعى السيد محمد المحروقي في مصالحة الباشا حتى قرر عليهم ألف كيس وخمسين كيسا وخمسة اكياس براني لبيت المال وخصموا منها الذي وجدوه بالخزانة وطولبوا بالباقي وذلك بعد التشديد والتهديد على الزوجة وتوعدوها بالتغريق في البحر أن لم تظهر المال وامر الكاتب حساب ايراده ومصرفه في كل سنة وما صرفه في الابنية وينظر ما يتبقى بعد ذلك في مدة سنين ماضية فلم يزل السيد محمد المحروقي يدافع ويسعى حتى تقرر القدر المذكور والتزم هو بدفعه وحولت عليه الحوالات وضبط الباشا حصص الالتزام التي كتبت بإسم الزوجة ومنها قلقشندة بالقليوبية وسوادة ودفرينة بالجهة القبلية وغير ذلك وبعد انقضاء عدة الزوجة استأذن
(3/437)

السيد المحروقي الباشا في عقد نكاحها على ابن اخي المتوفي الذي هو السيد احمد أبو الاقبال الذي تولى خلافة بيتهم فاذن بذلك فحضر في الحال واجرى العقد بعد أن حكمت عليه بطلاق التى في عصمته وهي جاريتها زوجته في حياة عمه ورزق منها اولاد واستقر المشار اليه في المنزل خليفة وشيخا على سجادتهم وسكن معه اخوه سيدي يحيى زادهما الله توفيقا وخيرا واتفاقا واشرق نجم المتصدر على افق السعادةاشراقا فهو أبو الاقبال المتحلي بالجمال والكمال في المهد ينطق عن سعادة جده اثر النجابة واضح البرهان ... أن الهلال اذا رأيت نموه ... ايقنت أن سيزيد في اللمعان ...
ومات الشيخ الناسك محمد بن عبدالرحمن اليوسي المغربي وردالى مصر وحج ورجع ونزل بدار الحاج مصطفى الهجين العطار منجمعا عن خلطة الناس والسعي على طريقة حميدة ومذاكرة حسنة ويأتي اليه الناس يزورونه ويتبركون به ويسألونه الدعاء ويستفهمون منه مسائل فجيب كل انسان بما ينسر منه بتواضع وانكسار وتزهيد في الدنيا وتمرض سنينا وتوفي يوم الثلاثاء عشرين المحرم وصلى عليه بالازهر في مشهد حافل ودفن بجانب الخطيب الشربيني بتربة المجاورين وهي القرافة الكبرى
ثم دخلت سنة تسع وعشرين ومائتين والف
استهل المحرم بيوم الجمعة
فيه في ليلة الجمعة ثامنه وردت مكاتبات من الديار الحجازية وفيها الاخبار بأن الباشا قبض على الشريف غالب امير مكة وقبض على اولاده الثلاثة واربعة عبيد طواشية من عبيده وارسلهم الى جدة وانزلهم في مركب من مراكبه وهي واصلة بهم والذي وصل في مركب صغيرة تسمى السبحان سبقتهم في الحضور الى السويس واخبروا أيضا في المكاتبة انه لما قبض عليهم احضر يحيى ابن الشريف سرور وقلده الامارة عوضا عن عمه غالب وقبضوا أيضا على وزيره الذي بجدة واصحبوه معهم وقلد مكانه في الكمارك شخصا من الاتراك يسمى علي الوجاقلي فلما وصل الهجان بهذه
(3/438)

المكاتبة الى السيد محمد المحروقي ليلا ركب من وقته الى كتخدا بك في بيته واطلعه على المكاتبات فلما طلع النهار نهار يوم الجمعة ضربوا عدة مدافع من القلعة اعلاما وسرورا بذلك
وفيه احتفل كتخدا بك بعمل مهم أيضا لزواج اسمعيل باشا ابن محمد علي باشا ومحمد بك الدفتردار على ابنة الباشا واسماعيل باشا على ابنة عارف بك ابن خليل باشا التى احضرها صحبته من اسلامبول وقد ذكر العقد عليهما في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان من السنة الماضية قبل توجه الباشا الى الحجاز فألزم كتخدا بك السيد محمد المحروقي بتنظيم الفرح والاحتياجات واللوازم واتفقوا على أن يكون نصبة الفرح ببركة الازبكية تجاه بيت حريم الباشا وطاهر باشا تعمل الولائم واجتماع المدعوين ببيت طاهر باشا والمطبخ بخرائب بيت الصابونجي وارسدوا اوراق التنابيه للمدعوين على طبقات الناس بالترتيب ونصبوا بوسط البركة عدة صواري لاجل الوقدات والقناديل التى تعمل عليها التصاوير من القناديل فترى من البعد صورة مركب او سبعين متقابلين او شجرة او محمل على جمل او كتابة مثل ما شاء الله نحو ذلك وصفوا بوسط البركة عدة مدافع صفين متقابلين ونصب بهلوان الحبل حبله اوله من اتجاه بيت الباشا وآخره برأس المنارة التى جهة حارة الفوالة خلف رصيف الخشاب حيث الابنية المتخربة في الحوادث الماضية بالقرب من القشلة وعمارات محمد باشا خسرو التى لم تكمل وبهلوان آخر شامي بالناحية الاخرى وانتقل السيد محمد المحروقي من داره الى بيت الشرايبي تجاه جامع ازبك لاجل مباشرة المهمات فلما اصبح يوم السبت وهو يوم الابتداء ودعوة الاشياخ رتبوهم فرقتين فرقة تاني ضحوة النهار واخرى بعد العصر واجتمع بالازبكية اصناف ارباب الملاعيب والمغز لكين والجنباذية والحببظية والحواة والقرداتية والرقاصين والربامكة وغير ذلك اصناف واشكال فاحتفلت واقبل من كل ناحية اصناف الناس رجال ونساء واقارب واباعد واكابر واصاغر وعساكر وفلاحون ويهود
(3/439)

ونصارى واروام لاجل التفرج حتى ازدحمت الطرق الموصلة الى الازبكية من جميع النواحي بأنصاف الناس الذاهبين والراجعين والمترددين واستمر ضرب المدفع من ليلة السبت المذكور الى ليلة الجمعة التالية الاخرى ليلا ونهارا والحرائق والنفوط والسواريخ في الليل ولعبت ارباب الملاعيب والبهلوانات على الحبال وكذلك احتفل النصارى وعملوا وقدات وحراقات تجاه حاراتهم ومساكنهم وصادف ذلك عيد الميلاد وعملوا لهم مراجيح وملاعيب
وفي اثناء ذلك وقع التنبيه على اصحاب الحرف والصنائع بعمل عربات مشكلة وممثلة بحرفتهم وصنائعهم ليمشوا بها في زفة العروس فاعتنى اهل كل حرفة وصناعة بتنميق وتزيين شكله وتباهوا وتناظروا وتفاخروا على بعضهم البعض فكان كل من سولت له نفسه وحدثه الشيطان باحداث شىء فعله وذهب الى المتعين لذلك فيعطيه ورقة لان ذلك لم يكن لاناس مخصوصة او عدد مقدر بل بتحكماتهم والزم بعضهم البعض فيفرض رئيس الحرفة على اشخاص اهلها فرائض ودراهم يجمعها منهم وينفقها على العربة وما يلزمها من اخشاب وحبال وحمير او خيل او رجال يسحبونها وما يكتريه او يستعيره لزينتها من المزركشات والمقصبات والطليعات وادوات الصنعة التى تتميز بها عن غيرها فتصير في الشكل كأنها حانوت والبائع جالس فيها كالحلواني وامامه الاواني فيها انواع الحلو والسكري وحوله اواني الملبس واقماع السكر معلقة حوله والشربات والشربتلي والعطار والحريري والعقاد البلدي والرومي والزيات والحداد والنجار والخياط والقزاز والحباك والنشار وهو ينشر الخشب بمنشاره المعلق والطحان والفران ومعه الفرن وهو يخبز فيه الفطاطري والجزار وحوله لحم الغنم ومثله جزار الجاموس والكبابجي والنيفاوي وقلاء الجبن والسمك والجيارين والجباسين بالبحر والثور يدور به وهو ماش بالعربة والبناء والمبلط والمبيض النحاس وللبناء والسمكري تتمته
(3/440)

احدى وتسعون عربة وفيهم حتى المراكبي في قنجة كبيرة كامل العدة والقلوع تمشى على الارض على العجل خلاف اربع عربات المختصة بالعروس فلما كان يوم الاربعاء سحبوا تلك العربات وانجروا بمواكبهم وطبولهم وزمورهم وامام كل عربة اهل حرفتها وصناعتها مشاة خلف الطبول والزمور وهم مزينون بالملابس وملابسهم الفاخرة واكثرها مستعارة فكانوا ينزلون الى البركة من ناحية باب الهواء ويمرون من تحت بيت الباشا الى ناحية رصيف الخشاب ويأتي كبير الحرفة بورقته الى المتعين لملاقاتهم فينعم عليه بخلعة ودراهم فيعطى البعض شال كشميري والفين فضة والبعض طاقة تفصيلة قطني او اربعة اذرع جوخ على قدر مقام الصنعة واهلها واستمر مرورهم من اول النهار الى بعد الغروب واصطفوا بأسرهم عند رصيف الخشاب ولما اصبح يوم الخميس رتبوا مرور الزفة وعين لترتيبها اشخاصا ومنهم السيد محمد درب الشمسي وهو كبير المنظمين وكان خروجها من بيت الحريم وهو الذي كان سكن الشيخ خليل البكري وذهبوا وانجروا على طريق الموسكي على تحت الربع الى باب زويلة إلى الغورية الى بين القصرين الى سوق مرجوش الى باب الحديد الى بولاق الى سراية اسماعيل باشا التى جددوها قبلي بولاق قريبا من الشون فلم تصل الى منزلها الا عند الغروب وكان اول الزفة طائفة من العسكر الدلاة ثم والي الشرطة ثم المحتسب ثم موكب آغات الينكجرية وبعدهم المساخر والنقاقير وعدتها عشرة نقاقير وعلى كل نقارة تفصيلة ثم العربات المذكورة وفيها أيضا تجار الغورية وطائفة تجار خان الخليلي في موكب حفل وتجار الحمزاوي من نصارى الشوام وغيرهم وكان يوما مشهودا اجتمعت فيه الخلائق للفرجة في طرقها حتى طريق بولاق واكترى الناس الاماكن المطلة على الشارع والحوانيت بأغلى الاثمان ولما وصلت العروس الى قصرها ضربوا عدة مدافع من بولاق والازبكية والجيزة وكان العزم على المهم الثاني والابتداء فيه من يوم السبت الذي بعد الجمعة فرسموا
(3/441)

بتأخير الى الجمعة الاخرى لتأخر ام العريس ومن يصحبها من النساء واقمن ببولاق تلك الجمعة واستمرت قصبة الصواري والحبال والالات على حالها بالازبكية
وفي يوم الاحد سابع عشره وصل السيد غالب شريف مكة الى مصر القديمة وقد اتت به السفينة من القلزم الى مرساة ثغر القصير فتلقاه ابراهيم باشا وحضر صحبته الى قنا وقوص ثم ركب النيل بمن معه من اولاده وعبيده والعسكر الواصلين صحبته وحضر الى مصر القديمة فلما وصل الخبر الى كتخدا بك ضربوا عدة مدافع من القلعة اعلاما بوصوله واكراما على حد قوله تعالى دق انك انت العزيز الكريم وركب صالح بك السلحدار واحمد أغا اخو كتخدا بك في طائفة لملاقاته واحضاره وهيؤا له مكانا بمنزل احمد أغا اخي كتخدا بك بعطفة ابن عبد الله بك بخط السروجية لينزل فيه وانتظره الكتخدا بك بعطفه ابن عبد الله بك بخط السروجية لينزل فيه وانتظره الكتخدا هناك وصحبته بونابارته الخازندار ومحمود بك ومحو بك وابراهيم أغا آغات الباب والسيد محمد المحروقي فلما وصل الى الدار نزل الكتخدا والجماعة ولا قو عند سلم الركوبة وقبلوا يده ولزم الكتخدا بيده تحت ابطه حتى صعد الى محل الجلوس الذي اعدوه له واستمر الكتخدا قائما على قدميه حتى اذن له في الجلوس هو وباقي الجماعة وعرفه الكتخدا عن السيد محمد المحروقي فتقدم وقبل يده فقام له وسلم عليه وجلس بحذاء الكتخدا ليترجم عنه في الكلام ويؤانسوه ويطمنوا خاطره ثم ان الكتخدا اعتذر له باشتغاله باحوال الدولة واستأذنه في الذهاب الى ديوانه وعرفه أن اخاه ينوب عنه في الخدمة ولوازمه فقبل عذره وقام منصرفا هو وباقي الجماعة ما عدا السيد محمد المحروقي ومحمود بك فإن الكتخدا امرهما بالتخلف عنده ساعة فجلسا معه وتغديا صحبته ومعه اولاده الثلاثة وعبيد ثم انصرفا الى منزلهما ولم يأذن الكتخدا لاحد من الاشياخ او غيرهم من التجار بالسلام عليه والاجتماع به والذي بلغنا في كيفية القبض عليه انه لما ذهب الباشا الى مكة واستمر هو وابنه
(3/442)

طوسون باشا مع الشريف غالب على المصادقة والمسالمة والمصافاة وجدد معه العهود والايمان في جوف الكعبة بأن لا يخون احد صاحبه وكان الباشا يذهب اليه في قلة وهو الاخر ياتي اليه والى ابنه كذلك واستمروا على ذلك خمسة عشر يوما من ذي القعدة دعاه طوسون باشا اليه فأتى اليه كعادته في قلة فوجد بالدار عساكر كثيرة فعند ما استقر به المجلس وصل عابدين بك في عدة وافرة وطلع الى المجلس فدنا منه واخذ الجنبية من حزامه وقال له انت مطلوب للدولة فقال سمعا وطاعة ولكن حتى اقضى اشغالي في ظرف ثلاثة ايام واتوجه فقال لا سبيل الى ذلك والسفينة حاضرة في انتظارك فحصل في جماعة الشريف وعبيده رجة وصعدوا على ابراج سرايته وارادوا الحرب فأرسل اليهم الباشا يقول لهم أن وقع منكم حرب احرقت البلدة وقتلت استاذكم وارسل لهم أيضا الشريف يكفهم عن ذلك وكان بها اولاده الثلاثة فحضر اليهم الشيخ احمد تركي وهو من خواص الشريف وخدمهم وقال لهم لم يكن هناك باس وانما والدكم مطلوب في مشاورة مع الدولة ويعود بالسلامة وحضرة الباشا يريد أن يقلد كبيركم نيابة عن ابيه الى حين رجوعه ولم يزل حتى انخدع كبيرهم لكلامه وقاموا معه فذهب بهم الى محل خلاف الذي به والدهم محتفظا بهم وفي الوقت احضر الباشا الشريف يحيى بن سرور وهو ابن اخي الشريف غالب وخلع عليه وقلده امارة مكة ونودي في البلدة بإسمه وعزل الشريف غالبا حسب الاوامر السلطانية واستمر الشريف غالب اربعة ايام عند طوسون باشا ثم اركبوه واصحبوا معه عدة من العسكر وذهبوا به وبأولاده الى بندر جدة وانزلوهم السفينة وساروا بها من ناحية القصير من صعيد مصر وحضر كما ذكر
وفي يوم الاربعاء وصل قاصد من الديار الرومية وعلى يده مثالان فعمل كتخدا بك ديوانا في صبيحة يوم الخميس حادي عشرينه وقرئ ذلك وهما مثالان يتضمن احدهما التقرير لمحمد علي باشا على ولاية مصر على
(3/443)

السنة الجديدة والثاني الاخبار والبشارة باستيلاء العثمانيين على بلاد الصرب ولما فرغوا من قراءتها ضربوا عدة مدافع من القعلة وفي عصرية ذلك اليوم حضر حريم الباشا من بولاق الى الازبكية في عربات فضربوا لحضورهن مدافع من الازبكية وشرعوا في عمل المهم الثاني لابنة الباشا على الدفتردار وافتتحوا ذلك من ليلة السبت على النسق المتقدم وعملوا العزائم والولائم واحتفلوا زيد من المهم الاول واحضروا الشريف غالبا واعدوا له مكانا ببيت الشرايبي على حدته هو واولاده ليتفرجوا على الملاعيب والبهلوانات نهارا والشنك والحراقات ليلا وعلى الشريف واولاده الحرس ولايجتمع بهم احد على الوجه والصورة التي كانوا عليها بالمنزل الذي نزلوا فيه فلما كان في يوم الاربعاء اجتمع ارباب العربات واصحابها وقد زادوا عن الاولى خمسة عشر عربة وفيهم معمل الزجاج وباتوا بنواحي البركة على النسق المتقدم ونصبوا لهم خياما تقيهم من البرد والمطر لان الوقت شات ولما اصبح يوم الخميس انجرت العربات وموكب الزفة من ناحية باب الهواء على قنطرة الموسكي على باب الخرق على درب الجماميز وعطفوا من الصليبة على المظفر على السروجية على قصبة رضوان بك على باب زويلة على شارع الغورية على الجمالية على سوق مرجوش على بين السورين على لازبكية على باب الهواء الى المنزل الذي اعدوه لها وهو بيت ابنة اسمعيل بك وهي بنت ابراهيم بك وكانت متزوجة بإسمعيل بك ولما مات تزوج بها مملوكه محمد أغا ويعرف بالالفي وقد تولى اغاوية مستحفظان في هذه الدولة واعتنى بهذه الدار وعمر بها مكانين بداخل الحريم وزخرفها ونقشها نقشا بديعا صناعة صناع العجم واستمروا في نقشها سنتين ولما ماتت المذكورة في اوائل هذه السنة واستمر هو ساكنا فيها وانزل الباشا عنده القاضي المنفصل عن قضاء مصر المعروف ببهجة افندي وقاضي مكة صادق افندي حين حضر من اسلامبول ثم امره الباشا بالخروج منها واخلائها لاجل أن يسكن بها ابنته هذه المزفوفة
(3/444)

فخرج منها في اوائل شوال وكذلك سافر القاضيان الى الحجاز بصحبة الباشا وعند ذلك بيضوها وزادوا في زخرفتها وفرشوها بأنواع الفرش الفاخرة ونقلوا اليها جهاز العروس والصناديق وما قدم اليها من الهدايا والامتعه والجواهر والتحف من الاعيان وحريماتهم حتى من نساء الامراء المصريين المنكوبين وقد تكلفوا فوق طاقتهم وباعوا واستدانوا وغرموا في النقوط والتقادم والهدايا في هذين المهمين ما اصبحوا به مجردين ومديونين وكان اذا قدمت احدى المشهورات منهن هديتها عرضوها على ام العروسين التي هي زوجة الباشا فقلبت ما فيها من المصاغ المجوهر والمقصبات وغيرها فإن اعجبتها تركتها والا امرت بردها قائلة هذا مقام فلانة التي كانت بنت امير مصر او زوجة فتتكلف المسكينة للزيادة ونحو ذلك مع ما يلحقها من كسر الخاطر وانكساف البال ثم ادخلوا العروس الى تلك الدار عندما وصلت بالزفة
ومما حصل انه قبل مرور موكب الزفة بيومين طاف اصحاب الشرطة ومعهم رجال وبأيديهم مقياس فكلما مروا بناحة او طريق يضيق عن القياس هدموا ما عارضهم من مساطب الدكاكين او غيرها من الجهتين لاتساع الطريق لمرور العربات والملاعيب وغيرها فأتلفوا كثير من الابنية ونودي في يوم الاربعاء بزينة الحوانيت والطرق التي تمر عليها الزفة بالعروس
ومما حصل من الحوادث السماوية أن في يوم الخميس المذكور عندما توسطت الزفة في مرورها بوسط المدينة اطبق الجو بالغيام وامطرت السماء مطرا غزيرا حتى تبحرت الطرق وتوحلت الارض وابتلت الخلائق من النساء والرجال المجتمعين للفرجة وخصوصا الكائنين بالسقائف وفوق الحوانيت والمساطب واما المتعينون للمشي في الموكب ولابد الذين لامفر لهم من ذلك ولا مهرب فاختل نظامهم وابتلت ثيابهم وتكدرت طباعهم وانتقضت اوضاعهم وزادت وساوسهم وتلفت ملابسهم وهطل الغيث على الابريسم والحرير والشالات الكرخانة والسليمي والكشمير
(3/445)

وما زينت بها العربات من انواع المزركش والمقصبات ونفذت على من بداخلها من القيان والاغاني الحسان وكثير من الناس وقع بعدما تزحلق وصار نوبة بالوحل ابلق ومنهم من ترك الزفة وولى هاربا في عطفة يمسح بيده في الحيط بما تلطخ بها من الرطريط وتعارجت الحمير وتعثرت البياجير وانهدم تنور الزجاج ولم ينفع به العلاج وتلف للناس شئ كثير ولايدفع قضاء الله حيلة ولاتدبير ولم تصل العروس الى دارها الا قبيل دنو الشمس من غروبها وعند ذلك انجلى الجو وانكشفت بيوت النور ووافق ذلك اليوم ثالث عشر طوبة من شهور القبط المحسوبة وحصل بذلك الغيث العميم النفع لمزارع الغلة والبرسيم
وفيه وردت مكاتبات من العقبة فيها الاخبار بوصول قافلة الحج صحبة المحمل واميرها مصطفى بك دالي باشا
وفي يوم الجمعة تاسع عشرينه وصل كثير من الحجاج الاتراك وغيرهم وردوا في البحر الى بندر السويس ووصل تابع قهوجي باشا واخبر عنه انه فارق مخدومه من العقبة ونزل في مركب مع ام عابدين بك وحضر الى السويس
واستهل شهر صفر بيوم الاحد سنة
مما وقع في ذلك اليوم من الحوادث أن صناع البارود الكائنين بباب اللوق حملوا نحو عشرة حمال من الجمال اوعية ملانه بارودا وهي الظروف المصنوعة من الجلود التي تسمى البطط يريدون بها القلعة فمروا من باب الخرق الى ناحية تحت الربع فلما وصلوا تجاه معمل الشمع وبصحبة الجمال شخص عسكري فتشاجر مع الجمال ورد عليه القول فحنق منه فضربه بفرد الطبنجة فأصابت احدى البطط فالتهبت بالنار وسرت الى باقي لاحمال فالتهب الجميع وصعد الى عنان السماء فاحترقت السقيفة المطلة على الشارع وما بناحيتها من البيوت والذمم اسفلها من الحوانيت وكذلك من صادف مروره في ذلك الوقت واحترق ذلك العسكري
(3/446)

والجمال فيمن احترق واتفق مرور امرأة من النساء المحتشمات مع رفيقتها فاحترقت ثيابها مع رفيقتها وذهبت تجري والنار ترعى فيها وكانت دارها بالقرب من تلك الناحية فما وصلت الى الدار حتى احترق ما عليها من الثياب واحترق اكثر جسدها ووصلت الاخرى بعدها وهي محترقة وعريانة فماتت من ليلتها ولحقتها الاخرى في صحوة اليوم الثاني ومات في هذه الحادثة اكثر من المائة نفس من رجال ونساء واطفال وصبيان واما الجمال فأخذوها الى بيت أبي الشوارب وهي سود محترقة الجلود وفيها من خرجت عينه فاما يعالجوها او ينحروها وكل هذه الذي حصل من الحرق والموت والهدم في طرفة عين
وفي الاثنين وصل مصطفى بك امير ركب الحجاج الى مصر وترك الحجاج بالدار الحمراء فبات في داره واصبح عائدا الى البركة فدخل مع المحمل يوم الاربعاء ودخل الحجاج واتبعهم بحيث انه اخذ المسافة في احد وعشرين يوما وسبب حضور المذكور انه ذهب بعساكره وعساكر الشريف من الطائف الى ناحية تربة والمتأمر عليها امرأة فحاربتهم وانهزم منها شر هزيمة فحنق عليه الباشا وامره بالذهاب الى مصر مع المحمل
وفيه ارسل الباشا يستدعي اثنتين او ثلاثة عينهن من محاظيه وصحبتهن خمسة من الجواري السود الاسطاوات في الطبخ وعمل انواع الفطور فأرسلوهن في ذلك اليوم الى السويس وصحبتهن نفيسة القهرمانة وهي من جواريه أيضا وكانت زوجا لقاضي اوغلى المحتسب الذي مات بالحجاز في العام الماضي
وفيه أيضا وصل حريم الشريف غالب فعينوا له دارا يسكنها مع حريمه جهة سويفة العزى فسكنها ومعه اولاده وعليهم المحافظون واستولى الباشا على موجودات الشريف غالب من نقود وامتعة وودائع ومخبات وشرك وتجارات وبن وبهار ونقود بمكة وجدة والهند واليمن شئ
(3/447)

لايعلم قدره الا الله واخرجوا حريمه وجواريه من سرايته بما عليهن من الثياب بعد ما فتشوهن تفتيشا فاحشا وهتك حرمته قل الهم مالك الملك هذا الشريف غالب انتزع من مملكته وخرج من دولته وسيادته وامواله وذخائر وانسل من ذلك كله كالشعرة من العجين حتى انه لما ركب وخرج مع العسكر وهم متوجهون به الى جدة اخذوا مافي جيوبه فليعتبر من يعتبر وكل الذي وقع له وما سيقع له بعد من التغريب وغيره فيما جناه من الظلم ومخالفة الشريعة والطمع في الدنيا وتحصيلها بأي طريق نسأل الله السلامة وحسن العاقبة
وفي يوم الخميس خامسه طاف الاغا أيضا بأسواق المدينة وامامه المناداة على ابواب الخانات والوكائل من التجار بأنهم لايتعاملون في بيع البن والبهار الا بحساب الريال المتعارف في معاملة الناس وهو الذي يصرف تسعين نصفا لان باعة البن لايسمون في بيعه الا الفرانسة ولا يقبضون في ثمنه الا اياها بأعيانها ولايقبلون خلافها من جنس المعاملات فيحصل بذلك تعب للمتسببين الفقراء والقطاعين ومن يشتري بالقنطار او دونه فبهذه المناداة يدفع المشتري مايشاء من جنس المعاملات قروشا او ذهبا او فرانسة او أي صنف من المعاملات ويحسبه المعاملة والريال المعروف بين الناس الذي صرفه تسعون نصفا فضة واذا سمى سعر القنطار فلا يسمى الا بهذا الريال وهذه المناداة بإشارة السيد محمد المحروقي بسبب ما كان يقع من تعطيل الاسباب
وفيه سافر محمود بك وصحبته المعلم غالي للكشف عن قياس الاراضي البحرية التي نزل اليها القياسون بصحبة مباشريهم من النصارى والمسلمين من وقت انحسار الماء عن الاراضي وانتشروا بالاقاليم البحرية وهم يقيسون بقصبة تنقص عن القصبة القديمة
وفي يوم الاثنين تاسعه وصل حريم الشريف غالب من السويس فأنزلوهن ببيت السيد محمد المحروقي وعدتهن خمسة احداهن جارية
(3/448)

بيضاء والاربعة حبشيات ومعهن جواري سود وطواشية وحضر اليهم سيدهم وصحبته احمد أغا اخو كتخدا بك وصحبتهم نحو العشرين نفرا من العسكر واستمر الجميع مقيمين بمنزل المذكور وهو يدري عليهم النفقات اللائقة بهم والمصاريف وفصل لهم كساوي من مقصبات وكشمير وتفاصيل هندسة
وفي يوم السبت رابع عشره خرج محو بك الى ناحية الاثار بعساكره ليسافر من ساحل القصير الى الحجاز باستدعاء الباشا فاستمر مقيما هناك عدة ايام لمخالفة الريح وارتحل في اواخره وفي اوائل هذا الشهر بل والذي قبله وعملوا كورنتينة في اسكندرية ودمياط فيه رجع محمود بك والمعلم غالي من سرحتهما
واستهل شهر ربيع الاول
وفيه انتقل الشريف غالب بعياله من بيت السيد محمد المحروقي الى المنزل الذي اعدوه له وهو بيت لطيف باشا بسويقة العزى بعد ما اصلحوه وبيضوه واسكنوه به وعليه اليسق والعسكر الملازمون لبابه
وفيه ابرز كتخدا بك فرمانا وصل اليه من الباشا يتضمن ضبط جميع الالتزام لطرف الباشا ورفع ايدي المتزمين عن التصرف بل الملتزم يأخذ فائظه من الخزينة فلما اشيع ذلك ضج الناس وكثر فيهم اللغط واجتمعوا على المشايخ فطلعوا الى كتخدا بك وسألوه فقال نعم ورد من افندينا امر ذلك ولايمكنني مخالفته فقالوا له كيف تقطعون معايش الناس وارزاقهم وفيهم ارامل وعواجز وللواحدة قيراط او نصف قيراط يتعيشن من ايراده فينقطع عنهن فقال يأخذن الفائظ من الخزينة العامرة عرضحال وننتظر الجواب فأجابهم الى ذلك من باب المسايرة وفك المجلس وشرع الشيخ المهدي في ترصيف العرضحال فكتبوه وختموا عليه بعد امتناع البعض الذي ليس له التزام وكثر اللغط فيهم بسبب ذلك
(3/449)

وفي خامسه حضر جمع كثير من النساء الملتزمات الى الجامع الازهر وصرخوا في وجوه الفقهاء وابطلوا الدروس وبددوا محافظهم واوراقهم فتفرقوا وذهبوا الى دورهم وكان قد اجتمع معهم الكثير من العامة واستمروا في هرج الى بعد العصر ثم جاءهم من يقول لهم كلاما كذبا سكن به حدتهم فانفض الجمع وذهب النساء وهن يقلن نأتي في كل يوم على هذا المنوال حتى يفرجوا لنا عن حصصنا ومعايشنا وارزاقنا وفي ظن الناس وغفلتهم أن في الاناء بقية اوانهم يدفعون الرزية وما علموا أن البساط قد انطوى وكل قد ضل واضل وغوى ومال عن الصراط واتبع الهوى وكلب الجور قد كشر انيابه وعوى ولم يجد له طاردا ولا معارضا ولا معاندا ولما وصل الخبر الى كتخدا بك طلب بعض المشايخ وقال له ما خبر هذه الجمعية بالازهر فقال له بسبب ما بلغهم عن قطع معاشهم وانما انتم الذين تسلطونهم على هذه الفعال لاغراضكم ولابد اني استخبر على من غراهم واخرج من حقه وطلبه علي أغا الوالي وقال له اخبرني عن هؤلاء النساء من أي البيوت فقال وما علمي ومن يميزهن وغالبهن وأكثرهن نساء العساكر ولا قدرة لي على منعهن وانفض المجلس وبردت همتهم وانكمشوا وشرعوا في تنفيذ ما امروا به وترتيبه وتنظيمه
وفيه حضر محمود بك والمعلم غالي فأقاما اياما وسافرا في ثالث عشره
وفيه احضروا حسن أغا محرم المعروف بنجائي من اقليم المنوفيه وهو مريض وتوفي في ثاني يوم ودفن
وفي خامس عشره مر الاغا والوالي واغات التبديل وهم يأمرون الناس بكنس الاسواق ورشها حالا في ذلك الوقت من غير تأخير فابتدر الناس ونزلوا من حوانيتهم وبأيديهم المكانس يكنسون بها تحت حوانيتهم ثم يرشونها
وفي تاسع عشره حضر الشريف عبد الله ابن الشريف سرور ارسله الباشا الى مصر من ناحية القصير منفيا من ارض الحجاز فأنزلوه بمنزل
(3/450)

احمد أغا كتخدا بك محجورا عليه ولم يجتمع بعمه ولم يره
وفيه كثر الطلب للريال الفرانسه بسبب احتياج دار الضرب وما يرسل الى الباشا من ذلك والزموا التجار باحضار جملة من ذلك ويأخذون بدلها قروشا فوزعوا مقادير على افرادهم بما يحتمله وجمعوا ماقدروا عليه منها
وفيه شنق شخص يسمى صالحا عند باب زويلة واستمر معلقا يومين وسبب ذلك انه يدعي الجذب والولاية وتزوج امرأة واخذ متاعها ومالها وحصل لها خلل في عقلها فأنهوا امره الى كتخدا بك فامر بحبسه واستخلصوا منه جانبا مما اخذه من متاع المرأة وكثر كلام الناس في حقه فامر الكتخدا بشنقه
وفي اواخره حضر ابراهيم بك ابن الباشا من الجهة القبلية ونزل بالبيت الذي اشتراه بنحاية الجمالية بدرب المسمط وهو بيت احمد بن محرم
واستهل شهر ربيع الثاني بيوم الاربعاء سنة
وفي ليلة الاثنين سادسه حضر ميمش أغا من ناحية الحجاز مرسلا من عند الباشا بأستعمال حسن باشا للحضور الى الحجاز وكان قبل ذلك بأيام ارسل يطلب سبعة الاف عسكري وسبعة الاف كيس فشرع كتخدا بك في استكتاب اشخاص من اخلاط العالم ما بين مغاربة وصعايدة وفلاحي القرى فكان كل من ضاق به الحال في معاشه يذهب ويعرض نفسه فيكتبونه وان كان وجيها جعله اميرا على مائة او مائتين ويعطيه اكياسا يفرقها في انفاره ويشتري فرسا وسلاحا ويتقلد بسيف وطبنجات وكذلك انفاره ويلبسون قناطيش ولباسا مثل لبس العسكر ويعبى له وزنه بارود تحت ابطه وياخذ على كتفه بندقية ويمشون امام كبيرهم مثل الموكب وفيهم اشخاص من الغعلة الذين يستعملون في شيل التراب والطين في العمائر وبرابرة وارسل الكتخدا الى الفيوم وغيرها بطلب
(3/451)

رجال من امثال ذلك وجمعوا الكثير من ارباب الصنائع مثل الخبازين والفرانين والنجارين والحدادين والبيطارة وغيرهم من ارباب الصنائع ويسحبونهم قهرا فأغلق الفرانون مخابزهم وتعطل خبيز خبز الناس اياما
وفيه ورد الطلب لحسن باشا فشرع في تشهيل احواله ولوازم سفر ثم حضر ميمش أغا باستعجاله واستعجال المطلوبات من الاموال وغيرها
وفيه قبضوا على اليهود الموردين الذين يوردون الذهب والفضة لدار الضرب بسبب احضار الفرانسة وقد قلت بأيدي الناس جد الكثير اخذها والطلب لها وانقطاع مجيئها من بلادها فحبسوهم وضربوهم وانزلوا في اسوا حال متحيرين وذلك أن راتب الضربخانة سبعة ألاف في كل يوم عنها ثلاثة وستون ألف درهم وقدرها ثلاث مرات من النحاس يضربون ذلك قروشا حتى بلغ سعر النحاس القراضة مائة وعشرين نصفا فضة
وفي تاسعه حضر محمود بك الدويدار والمعلم غالي من سرحتهما الى مصروهما المتأمران على مباشرة قياس الاراضي وتشهيل المال المفروض وسبب حضورهما أن ابراهيم باشا ارسل بطلبهما للحضور ليتشاور معهما في امر فاقاما اربعة ايام وعادا راجعين الى شغلهما
وفي منتصفه سافر ابراهيم باشا عائدا الى اسيوط وذهب صحبته اخوه اسمعيل باشا والبيكات الصغار خوفا وهروبا من الطاعون
وفيه كمل تعمير الجامع الذي عمره دبوس اوغلي الذي بقرب داره التي بفيط العدة وهو جامع جوهر العيني وكان قد تخرب فهدمه جميعه وانشأه وزخرفه ونقل لعمارته انقاضا كثيرة واخشابا ورخاما من بيت أبي الشوارب وعمل به منبرا بديع الصنعة واستخلص جهة اوقافه اطيانا واماكن من واضعي اليد
وفيه ارسلوا جملة اخشاب الى حجاز مطلوبة الى الباشا
وفيه ايضا نادوا على سكان الجيزة بالخروج منها بعد عصر يوم
(3/452)

السبت ومن لايريد الخروج فلا يخرج بعد ذلك ومن خرج فلا يدخل وامهلوهم الى الغروب فخرجوا بأمتعتهم واطفالهم واولادهم واوانيهم الى خارج البلدة وبات الاكثر منهم تحت السماء لضيق الوقت على الرحيل الى بلدة اخرى وخرج ايضا الكثير من عساكرهم واتباعهم ممن لايريد المقام والحبس فكانوا كلما وجدوا من حمل متاعه من اهل البلدة على حمار ليذهب الى جهة يستقر بها رموا به الى الارض واخذوا الحمار وحصل لاهل الجيزة في تلك الليلة مالا مزيد عليه من الكر ب والجلاء عن اوطانهم وكل ذلك مجرد وهم مع قلة وجود الطعن الا النزر السير
وفي ثالث عشرينه سافرت خزينة المال المطلوبة الى الباشا الى جهة السويس واصبحوا معها عدة كبيرة من عسكر الدلاة لخفارتها وقدرها الفان وخمسمائة كيس جميعها قروش
شهر جمادي الاولى سنة
استهل بيوم الجمعة في ثالثه خرج حسن باشا بعساكره ونزل بعساكره ونزل بوطاقه وخيامه التي نصبت له بالعادلية قبل خروجه بيومين
وفي رابعه وصلت هجانة من ناحية الحجاز بطلب حسين بك دالي باشا واخشاب واحتياجات وجمال والذي اخبر به المخبرون عن الباشا وعساكره وان طوسون باشا وعابدين ركبوا بعساكرهم على ناحية تربة التي بها المرأة التي يقال لها غالية فوقعت بينهم حروب ثمانية ايام ثم رجعوا منهزمين ولم يظفروا بطائل ولان العربان نفرت طباعهم من الباشا لما حصل منه في حق الشريف من القبض عليه وهاجر الكثير من الاشراف وانضموا الى الاخصام وتفرقوا في النواحي ومنهم شخص يقال له الشريف راجح فأتى من خلف العسكر وقت قيام الحرب وحاربهم ونهب الذخيرة والاحمال وقطع عنهم المدد واخبروا أن الجمال قل وجودها عند الباشا ويشتريها من العربان المسالمين له بأغلى ثمن واخبروا أيضا انه واقع بالحرمين غلاء شديد لقلة الجالب واحتكار الباشا للغلال الواصلة اليه
(3/453)

من مصر فيبيعه حتى على عسكره بأغلى ثمن مع التجبر على المسافرين والحجاج في استصحابهم شيئا من الحب والدقيق فيفتشون متاعهم في السويس ويأخذون ما يجدونه معهم مما يتزودون به في سفرهم من القمح او الدقيق وما يكون معهم من الفرانسة لنفقتهم واعطوهم بدلها من القروش
وفيه بلغ صرف الريال الفرانسة من الفضة العددية ثمانمائة وعشرين نصفا عنها ثمانية قروش والمشخص عشرون قرشا وقل وجود الفرانسة والمشخص والمحبوب المصري بأيدي الناس جدا ثم نودي على أن يصرف الريال بسبعة قروش والمشخص بستة عشر قرشا وشددوا في ذلك وعاقبوا من زاد على ذلك في قبض اثمان المبيعات واطلقوا في الناس جواسيس وعيونا فمن عثروا عليه في مبيع اوغيره أنه قبض بالزيادة احاطوا به واخذوه وعاقبوه بالحبس والضرب والتغريم وربما ارسلوا من طرفهم اشخاصا متنكرين ياتي احدهم للبائع فيساومه السلعة كانه مشتر ويدفع له في صمن الثمن ريالا او مشخصا ويحسبه بحسابه الاول ويناكره في ذلك فربما تجاز البائع خوفا من بوار سلعته وخصوصا اذا كانت البيعة رابحة او بيعة استفتاح على زعم الباعة وقلة الزبون بسبب وقف حال الناس او افلاسهم فما هو الا أن يتباعد عنه يسيرا فما يشعر الا وهو بين يدي الاعوان ويلاقي وعده
وفي منتصفه وصلت قافلة من السويس وفيها جملة من العسكر المتمرضين ونحو العشرة من كبارهم نفاهم الباشا الى مصر وفيهم حجوا اوغلى ودالي حسن وعلي اغادرمنلي وترجوا وحسن أغا ازرجنلي ومصطفى ميسوا واحمد أغا قنبور
وليه أيضا خرج عسكر المغاربة ومن معهم من الاجناس المختلفه الى مصر العتيقة ليذهبوا من ناحية القصير الى الحجاز واما محو بك فإنه لم يزل بقنا القلة ! المراكب بالقصير التي تحملهم الى الحجاز
(3/454)

وفي سادس عشره وصلت قافلة وفيها انفار من اهل مكة والمدينة وسفار وبضائع تجارة بن واقمشة وبياض شئ كثير وقد اتت الى جدة من تجارات الشريف غالب ولم يبلغهم خبر الشريف غالب وما حصل له فلما حضر وضع الباشا يده عليه جميعه وارسل الى مصر فتولى ذلك السيد محمد المحروقي ورقها على التجارة بالثمن الذي قدره عليهم والزمهم أن لايدفعوه الا فرانسة
وفي هذا الشهر وصل الخبر بموت الشيخ مسعود كبير الوهابية وتولى مكانه ابنه عبد الله
وفيه خرج طائفة الكتبة والاقباط والروزنامجي والجاجرتية وذهب الجميع الى جزيرة شلقان ليحرروا دفاتر على الروك الذي راكوه من قياس الاراضي زيادة الاطيان وجفل الكثير من الفلاحين واهالي الارياف وتركوا اوطانهم وزرعهم وهالهم هذا الواقع لكونهم لم يعتادوه ويألفوه وباعوا مواشيهم ودفعوا أثمانها في الذي طلع عليهم في الزيادات الهائلة وسيعودون مثل الكلاب ويعتادون سلخ الارهاب واما الملتزمون فبقوا حيارى باهتين وارتفع ايدي تصرفهم في حصصهم ولايدرون عاقبة امرهم منتظرين رحمة ربهم وان وقت الحصاد وهم ممنوعون عن ضم زرع وسياهم الى أن اذان لهم الكتخدا بذلك وكتب لهم اوراقا وتوجهوا بأنفهسم او بمن ينوب عن مخدومه واراد ضم زرعه ولم يجد من يطيعه بهم وتطاولوا عليهم بالالسنة فيقول الحرفوش منهم اذا دعى للشغل بأجرته روح انظر غيري انا مشغول في شغلي انتم ايش بقالكم في البلاد قد انقضت ايامكم احنا صرنا فلاحين الباشا وقد كانوا مع الملتزمين اذل من العبيد المشترى فربما أن العبد يهرب من سيده اذا كلفه فوق طاقته او اهانه بالضرب واما الفلاح فلا يمكنه ولايسهل به أن يترك وطنه واولاده وعياله ويهرب واذا هرب الى بلدة اخرى واستعلم استاذه مكانه احضره قهرا وازادا ذلا ومقتا واهانة وكان من طرائفهم انه اذا آن وقت الحصاد والتحضير طلب الملتزم اوقائم مقامه الفلاحين فينادي عليهم
(3/455)

الغفير امس اليوم المطلوبين في صبحه بالتبكير الى شغل اللمتزم فمن تخلف لعذر احضره الغفير او المشد وسحبه من شنبه واشبعه سبا وشتما وضربا وهو المسمى عندهم بالعونة والسخرة واعتادوا ذلك بل يرونه من اللازم الواجب وهذا خلاف ما يلقونه من الاذلال والتحكم من مشايخهم والشاهد والنصراني الصراف وهو العمدة والعهدة خصوصا عند قبض المال فيغالطهم ويناكرهم وهم له اطوع من استاذهم وامره نافذ فيهم فيأمر قائمقام بحبس من شاء اوضربه محتجا عليهم ببواقي لايدفعها واذا غلق احدهم ماعليه من المال الذي وجب عليه في قائمة المصروف وطلب من المعلم ورده وهي ورقه الغلاق وعده لوقت اخر حتى يحرر حسابه فلا يقدر الفلاح على مرادته خوفا منه فإذا سأله من بعد ذلك قال له بقي عليك جبتان من فدان او خروبتان او نحو ذلك ولايعطيه ورقة الغلاق حتى يستوفي منه قدر المال او يصانعه بالهدية والرشوة وغير ذلك امور واحكام خارجة عن ادراك البهيمية فضلا عن البشرية كالشكاوي ونحوها وذلك كما اذا تشاجر احدهم مع اخر على امر جزئي بادر احدهم الحضور الى الملتزم وتمثل بين يديه قائلا اشكو اليه فلانا بمائة ريال مثلا فبمجرد قوله ذاك يأمر بكتابة ورقة خطابا الى قائمقام او المشايخ بأحضار ذلك الرجل المشتكي واستخلاص القدر الذي ذكره الشاكي قليلا او كثيرا او حبسه وضربه حتى يدفع ذلك القدر ويرسل والورقة مع بعض اتباعه ويكتب بها مشها كراء طريقة قليلا او كثير او يسمونه حق الطريق فعند وصوله اول شئ يطالب به الرجل حق الطريق المعين ثم الشكوى فإن بادر ودفعها والا حبس او حضر به المعين الى بيت استاذه فيوعده الحبس ويعاقبه بالضرب حتى يوفي القدر الذي تلفظ به الشاكي وان تاخر عن حضوره المعين اردفه بآخر وحق طريق الاخر كذاك ويسمونها الاستعجالة وغير ذلك احكام وامور غير معقولة المعنى قد ربوا عليها واعتادوا لايرون فيها بأسا ولاعيبا وقد سلط الله على هؤلاء الفلاحين
(3/456)

بسوء افعالهم وعدم ديانتهم وخيانتهم واضرارهم لبعضهم البعض من لايرحمهم ولايعفو عنهم كما قال فيهم البدر الحجازي وسبعة بالفلح قد انزلت لما حووه من قبيح الفعال شيوخهم استاذهم والمشد والقتل فيما بينهم والقتال مع النصارى كاشف الناحية وزد عليها كدهم في اشتغال وفقرهم ما بين عينيهم مع اسودادالوجه الوجه هذا النكال وإذا التزم بهم ذو رحمة إزدروة في أعينهم واستهانوا به وبخدمه وماطلوه في الخراج وسموه بأسماء النساء وتمنوا زوال التزامه بهم وولاية غيره من الجبارين الذين لايخافون ربهم ولايرحمهم لينالوا بذلك اغراضهم بوصول الاذى لبعضهم وكذلك اشياخهم اذا لم يكن الملتزم ظالما يتمكنون هم أيضا من ظلم فلاحيهم لانهم لهم يحصل له رواج لا بطلب الملتزم الزيادة والمغارم فياخذون لانفسهم في ضمنها ما احبوا وربما وزعوا خراج اطيانهم وزراعاتهم على الفلاحين وقد انحرم هذا الترتيب بما حدث في هذه الدولة من قياس الاراضي والفدن وما سيحدث بعد ذلك من الاحداثات التي تبدوا قرائنها شيئا بعد شئ
وفي ثاني عشرينه برز حسن بك دالي باشا خيامه الى خارج باب النصر وخرج هو في ثاني يوم في موكب ونزل بوطاقه ليتوجه الى الحجاز على طريق البر
وفي ليلة الاربعاء سابع عشرينه قبل الغروب بنحو نصف ساعة وصل جراد كثير مثل الغمام وصار يتساقط على الدور والاسطحة والازقة مثل الغمام وافسد كثيرا من الاشجار وانقطع اثره في ثاني يوم
وفي يوم الاثنين عاشره ارتحل حسن باشا من ناحية الشيخ فمر الى بركة الحج
وفي منتصفه حضر الروزنامجي والافندية بعد ان استملى منهم القبط الدفاتر واسماء الملتزمين ومقادير حصصهم ثم حضر محمود بك والمعلم غالي ومن معهم من الكتبة الاقباط وظهر للناس عند حضورهم نتيجة
(3/457)

ماصنعوه ونظموه ورتبوه من قياس الاراضي ورك البلاد وهو أن الاراضي زادت في القياس بالقصبة التي قاسوا بها وحدودها مقدار الثلث او الربع حتى قاسوا الرزق الاحباسية بأسماء اصحابها ومزارعيها واطيان الوسايا على حدتها حتى الاجران وما لا يصلح للزراعة وما يصلح من البور الصالح وغير الصالح فلما تم ذلك حسبوها بزياداتها الافدنة ثم جعلوها ضرائب منها ضريبة خمسة عشر ريالا واربعة عشر واثني عشر واحد عشر وعشرة مال الفدان بحسب جودة الاقليم والارض فبلغ ذلك مبلغا عظيما بحيث أن البلدة التي كانت يفرض عليها في مغارم الفرض التي كانوا فرضوها قبل ذلك في سنيهم الماضية ويتشكي منها الفلاحون والملتزمون ويستغيثون ويبقى منها بواقي ويعجوزن عنها ألف ريال طلع عليها في هذه اللفة عشرة آلاف ريال الى مائة ألف واقل واكثر واحضر الكتخدا ابراهيم أغا الرزاز والشيخ احمد يوسف وخلع عليهما خلعتين وجعلوا لهما ديوانا خاصا لمن يلتزم بالقدر الذي تحرر على حصته التي في تصرفه فيعطونه ورقة تصرف ويكتب على نفسه وثيقة بأجل معلوم يقوم بدفع ذلك ويتصرف في حصته بشرط أن لايكون له الا اطيان الاوسية أن ساء زرعها واخذ غلتها وان شاء اجرها لمن شاء وليس له من مال الخراج الا المال الحر المعين بسند الديوان والمعروف بالتقسيط وما زاد في قياس الارض من بين الفلاحة والاوسية فهو للميري قل او اكثر واما الرزق الاحباسية المرصدة على البر والصدقة ولاهل المساجد والاسبلة والمكاتب والخيرات فإنهم مسحوها بقايسهم فما وجدوه زائدا عن الحد الاصلي جعلوه للديوان وما بقى قيدوه وحروره بإسم واضع اليد عليها وإسم وافقها وزعها او ما يمليه المزارع الحاضر وقت القياس وسؤال المباشرين وقرروا عليها المال مثل ضريبة البلد فإن اثبتها صاحبها وكان بيده سند جديد من ايام الوزير وشريف افندي وما بعده على سبقه لوقت تاريخه قيدوا له نصف مال تآجرها والنصف الثاني الباقي للديوان ورسموا لكاتب الرزق أن
(3/458)

يعمل ديوانا لذلك ومعه عدة من الكتبة ويأتي اليه الناس بأوراق سنداتهم فمن وجد بيده سندا جديدا كتب له صورة قيد الكشف بموجب ما هو بدفتره في ورقة فيذهب بها ألى الديوان فيقيدون ذلك بعد البحث والتعنت من الطرفين ويقع الاشتباه الكثير في اسماء اربابها واسماء حيضانها وغيطانها فيكلفون صاحب الحاجة بإثبات ما ادعاه ويكتب له اوراقا لمشايخ الناحية وقاضيها بإثبات ما يدعيه ويعود مسافرا ويقاسي ما يقاسيه من مشقة السفر والمصرف ومعاكسة المشايخ وقاضي الناحية ثم يعود الى الديوان بالجواب ثم يمكن الاحتجاج عليه بحجة اخرى وربما كان سعيه وتعبه على فدان واحد او اقل او اكثر وازدحم الناس على بيت كاتب الرزق وانفتح له بذلك باب لانه لايكتب كشفا حتى يأخذ عليه دراهم تعينت على قدر الافدنة واضاع الكثير من الناس ما تلقوه عن اسلافهم وما كانوا يرتزقون منه واهملوا تجديد السندات واتكلوا على ما بأيديهم من السندات القديمة لجهلهم وظنهم انقضاء الامر وعدم دوام الحال وتغير الدولة وعود النسق الاول او لفقرهم وعدم قدرتهم على ما ابتدعوه من كثرة المصاريف التي تصرف على تجديد السند واشتغال ما الحماية التي قدرها شريف افندي على اراضي الرزق عن كل فدان عشرة انصاف او خمسة فكثير من الناس استعظم ذلك واعتمد على اوراقه القديمة فضاعت عليه رزقته وانحلت واخذها الغير والذي لم يرض بالتوت بل ولاحصل حطبة رضي بالولاش وكان الشان في امر الرزق أن اراضيها تزيد عن موقوع اراضي البلاد زيادة كثيرة وخراجها اقل من خراج اراضي البلاد الذي يقال له المال الحر الاصلي وليس عليها مصاريف ولا مغارم ولا تكاليف فالمزارع من الفلاحين اذا كان تحت يده تآجر رزقه او رزقتين فإنه يكون مغبوطا ومحسودا في اهل بلده ويدفع لصاحب الاصل القدر النزر والمزارع يتلقى ذلك سلفا عن خلف ولايقدر صاحب الاصل أن يزيد عليه زيادة وخصوصا اذا
(3/459)

كانت تحت يد بعض مشايخ البلاد فلا يقدر احد أن يتعدى عليه من الفلاحين ويستأجرها من صاحبها وان فعل لايقدر على حمايتها والكثير من الرزق واسعة القياس جدا وما لها قليل جدا وخصوصا في الاراضي القبلية فإن غالبها رزق وشراوي ومتأخرات لم تمسح ولم يعلم لها فدادين ولا مقادير وقد تزيد أيضا بانحسار البحر عن سواحلها وكذلك في البلاد البحرية ولكن دون ذلك ومعظم اراضي الرزق القبلية مرصدة على جهات الاوقاف بمصر وغيرها والواضعون ايديهم عليها لا يدفعون لجهاتها ولا لمستحقيها الا ما هو مرتب ومقرر من الزمن والاول السابق وهو شئ قليل وليتهم لو دفعوه فإن في اوقاف السلاطين المتقدمة القطمة من الاراضي التي عبرتها اكثر من ألف فدان وخراجها خمسون زكيبة والزكيبة خمس ويبات او من الدراهم الفان فضة واقل واكثر وهي تحت يد بعض كبراء البلاد يزرعها ويأخذ منها الالوف من الاردب من اجناس الغلال ويضمن ويبخل بدفع ذاك القدر اليسير لجهة وقفه ويكسر السنة على السنة فإن كانت يد صاحب الاصل قوية او كان واضع اليد فيه خيرية وقليل ما هم دفع لاربابها ثمنها بعد أن يرد الخمسين الى الاربعين بالتكسير والخلط ثم يبخس الثمن جدا فإن كان ثمن الاردب اربعمائة حسبه باربعين نصفا او اقل فيعود ثمن الخمسين زكيبة الى ثمن زكيبتين وقس على ذلك والذي يكون تحت يده شئ من اطيان هذه الاوقاف ورثها من بعده ذريته فزرعوها وتقاسموها معتقدين ملكيتها تلقوها بالارث من مورثهم ولايرون أن لاحد سواهم فيها حقا ولايهون بهم دفع شئ لاربابه ولو قل الاقهرا وبالجملة ما اصاب الناس الا ما كسبت ايديهم ولاجنوا لاثمرات اعمالهم وكان معظم ادارات دوائر عظماء النواحي وتوسعاتهم ومضايفهم من هذه الارزاق التي تحت ايديهم بغير استحقاق الى أن سلط الله عليهم من استحوذ على جميع ذلك وسلب عنهم ما كانوا فيه من النعمة وتشتتوا في النواحي وتغربوا عن اوطانهم وخربت دورهم
(3/460)

ومضايفهم وذهبت سيادتهم وكم اهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من احدا وتسمع له ركزا وفي بعض ارزاق من مات اربابه وخربت جهاته ونسي امره وبقي تحت يد من هو تحت يده من غير شئ اصلا وقد اخبرني بنحو ذلك شمس الدين ابن حمودة من مشايخ برما بالمنوفية عند ما احضر الى مصر في وقت هذا النظام انه كان في حوزهم ألف فدان لاعلم للملتزم ولا غيره بها وذلك خلاف ما بأيديهم من الرزق التي يزرعونها بالمال اليسير وخلاف المرصد على مساجد بلادهم التي لم يبق لها اثر وكذلك الاسبلة وغيرها واطيانهم تحت ايديهم من غير شئ وخلاف فلاحتهم الظاهرة بالمال القليل لمصارف الحج لانها كانت من جملة البلاد الموقوفة على مهمات امير الحاج وقد انتسخ ذلك كله
وفيه اخبر المخبرون أن مراكب الموسم وصلت في هذا العام الى جدة وكان لها مدة سنين ممتنعة عن الوصول خوفا من جور الشريف وزواله وتملك الدولة البلاد وظنهم فيهم العدل فاطمأنوا وعبوا متاجرهم وحضروا الى جدة فجمع الباشا مكوسهم فبلغت اربعة وعشرين لكاواللك الواحد مائة ألف فرانسة فيكون اربعة وعشرين مائة ألف فرانسة فقبضها منهم بضائع ونقودا وحسب البضائع بأبخس الاثمان ثم التفت الى التجار الذين اشتروا البضائع وقال لهم اني طلبت منكم مرارا أن تقرضوني المال فادعيتم الافلاس ولما حضر الموسم بادرتم ياخذه وظهرت اموالكم التي كنتم تبخلون بها فلا بد أن تقرضوني ثلثمائة ألف فرانسة فصالحوه على مائتي ألف دفعوها له نقودا وبضائع مشترواتهم حسبها لهم العشرة ستة ثم فرض على اهل المدينة ثلاثين ألف فرانسه
واستهل شهر رجب سنة
في خامسه ضربوا عدة مدافع واخبروا بوصول بشارة وان عساكرهم حاربوا قنفدة واستولوا عليها ولم يجدوا بها غير اهلها
وفي سادسه سار حسين بك دالي باشا بعساكره الخيالة برا
وفيه عزم على السفر والد محرم بك زوج ابنة الباشا الى بلاده وذلك
(3/461)

يعد عود من الحجاز فأرسلوا الى الاعيان تنابيه بالامر لهم بمهاداته ففعلوا وعبوا له بقجا وبناوازا واقمشة هندية محلاوية كل امير على قدر مقامه
وفي ليلة الادثنين تاسعه حصلت في وقت اذان العشاء زلزلة نحو دقيقتين وكان المؤذنون طلعوا على المنارات وشرعوا في الاذان فلما اهتزت بهم ظن كل من كان على منارة سقوطها فأسرعوا بالنزول فلما علموا انها زلزلة طلعوا واعادوا الاذان وسقط من شرائف الجامع الازهر شرافة وتحركت الارض أيضا في خامس ساعة من الليل ولكن دون الاولى وكذلك وقت الشروق هزة لطيفة
وفي حادي عشره هرب الشريف عبد الله ابن الشريف سرور في وقت الفجرية ولم يشعروا بهروبه الا بعد الظهر فلما بلغ كتخدا بك الخبر فتكدر لذلك وارسل الى مشايخ الحارات وغيرهم وبث العربان في الجهات فلما كان ليلة السبت حضروا به وقت الغروب وقد حجزوه بحلوان واتوا به الى بيت السيد محمد المحروقي فأخذه الى كتخدا بك فأرسله الى بيت اخيه احمد أغا ومن ذلك الوقت ضيقوا عليه ومنعوه من الخروج والدخول بعد أن كان مطلق السراح يخرج من بيت احمد أغا ويذهب الى بيت عمه الشريف غالب ويعود وحده فعند ذلك ضيقوا عليه وعلى عمه أيضا
وفي يوم الخميس تاسع عشره حضر المشايخ عند كتخدا بك وعاودوه في الحطاب فيما احدثوه على الرزق وعرفوه انه يلزم من هذا الاحداث ابطال المساجد والشعائر فتنصل من ذلك وقال هذا شئ لا علاقة لي فيه وهذا شئ امر به افندينا ومحمود بك والمعلم غالي ثم كلموه أيضا في صرف الجامكية المعروفة بالسائرة والدعاجوي للفقراء والعامة فوعدهم بصرفها وقت ما يتحصل المال فإن الخزينة فارغة من المال
وفي يوم السبت حضر محمود بك والمعلم غالي من سرحتهما فذهب اليهم المشايخ في ثاني يوم ثم خاطبوهما بالكلام في شأن الرزق فأجابهم المعلم غالي بقوله يا اسيادنا هذا امر مفروغ منه بأمر افندينا من عام اول
(3/462)

من قبل سفره فلا تتعبوا خاطركم واجب عليكم مساعدته خصوصا في خلاص كعبتكم ونبيكم من ايدي الخوارج فلم يردوا عليه جوابا وانصرفوا
وفي يوم الاحد تاسع عشرينه حصل كسوف شمس وكان ابتداؤه بعد الشروق ومتداره قريبا من ثلثي الجرم وثم انجلاؤه في ثاني ساعة من النهار وكانت الشمس ببرج السرطان اربعا وعشرين درجة في حادي عشره ابيب القبطي
وفيه وصلت القافلة من ناحية السويس واخبر الواصلون عن واقعة قنفذة وما حصل بها بعد دخول العسكر اليها وذلك انهم لما ركبوا عليها برا وبحرا وكبيرهم محمود بك وزعيم اوغلي وشريف أغا فوجدوها خالية فطلعوا اليها وملكوها من غير مدافع ولا مدجافع وليس بها غير اهلها وهم اناس ضعاف فقتلوهم وقطعوا اذانهم وارسلوها الى مصر ليرسلوها الى اسلامبول وعندما علم العربان بمجئ الاتراك خلوا منها ويقال لهم عرب العسير وترافعوا عنها وكبيرهم يسمى طامي فلما استقر بها الاتراك ومضى عليهم بها نحو ثمانية ايام رجعوا عليهم واحاطوا بهم ومنعوهم الماء فعند ذلك ركبوا عليهم وحاربوهم فانهزموا وقتل الكثير منهم ونجا محو بك بنفسه في نحو سبعة انفار وكذلك زعيم اوغلي وشريف أغا فنزلوا في سفينة وهربوا فغضب الباشا وقد كان ارسل لهم نجدة من الشفاسية الخيالة فحاربهم العرب ورجعوا منهزمين من ناحية البر وتواتر هذا الخبر
واستهل شهر شعبان بيوم الثلاثاء سنة
في ثانيه حضر ميمش أغا من الديار الحجازية وعلى يده فرمانات خطابا لدبوس اوغلي واخرين يستدعيهم الى الحضور بعساكرهم وكان دبوس اوغلي في بلده البرلس فتوجه اليه الطلب وكذلك شرح كتخدا بك في الكتابات عساكر اتراك ومغاربة وعربان وغير ذلك
وفي رابعه سافر طائفة من العسكر وارسل كتخدا بك يمنع الحجاج الواردين من بلاد الروم وغيرهم من النزول الى السفائن الكائنة بساحل
(3/463)

السويس والقصير وبأن يخلوها لاجل نزول العساكر المسافرين وبتأخير الحجاج وذلك أنه لما وصلت البشائر الى الديار الرومية بفتح الحرمين وخلاص مكة وجدة والطائف والمدينة ووصول ابن مضيان والمضايقي وغيرهم الى دار السلطنة وهروت الوهابين الى بلادهم فعملوا ولائم وافراحا وتهاني وكتبت مراسيم سلطانية الى بلاد الرومنلي والانضول بالبشائر بالفتح والاذن والترخيص والاطلاق لمن يريد الحج الى الحرمين بالامن والامان والرفاهية والراحة فتحركت همم مريدي الحج لان لهم سنين وهم ممتنعون ومتخوفون عن ورود الحج فعند ذلك اقبلوا افواجا بحريمهم واولادهم ومتاعهم حتى أن كثيرا من المتصوفين منهم باع داره وتعلقاته وعزم على الحج والمجاورة بالحرمين بأهله وعياله ولم يبلغهم استمرار الحروب وما بالحرمين من الغلاء والقحط الا عند وصولهم الى ثغر اسكندرية ولم يتحققوها الا بمصر فوقعوا في حيرة ما بين مصدق ومكذب فمنهم من شد للسفر ولم يرجع عن عزمه وسلم الامر لله ومنهم من تأخر بمصر الى أن ينكشف له الحال وقرروا على كل شخص من المسافرين في مراكب السويس عشرين فرانسه وذلك خلاف اجرة متاعه وما يتزود به في سفره فإنهم يزنونه بالميزان وعلى كل اقة قدر معلوم من الدراهم واما من يسافر في بحر النيل على جهة القصير في مراكب الباشا فيؤخذ على رأس كل شخص من مصر القديمة الى ساحل قنا ثلاثون قرشا ثم عليه اجرة حمله من قنا الى القصير ثم اجرة بحر القلزم أن وجد سفينة حاضرة والا تاخر اما بالقصير او السويس حتى يتيسر له النزول ويقاسي ما يقاسيه في مدة انتظاره وخصوصا في الماء وغلو ثمنه ورداءته ولا يسافر شخص ويتحرك من مصر الا بأذن كتخدا بك ويعطيه مرسوما بالاذن وبلغني أن الذين خرجوا من اسلامبول خاصة بقصد الحج نحو العشرة آلاف خلاف من وصل من بلاد الرومنلي والانضول وغيرهما وحضر الكثير من اعيانهم مثل امام السلطان وغيره فنزل البعض بمنزل عثمان أغا وكيل دار السعادة
(3/464)

سابقا والبعض بمنزل السيد محمد المحروقي وبيت شيخ السادات ومنهم من استأجر دورا في الخانات والوكائل
وفيه حضر قاصد من باب الدولة وعلى يده مرسوم مضمونه الامر باسترجاع ما اخذ من الشريف غالب من المال والذخائر اليه وكان الباشا ارسل الى الدولة بسبحتى لؤلؤ عظام من موجودات الشريف فحضر بهما ذلك القبجي وردهما الى الشريف غالب ثم سافر ذلك القبجي بالاوامر الى الباشا بالحجاز
وفي سابعه وصلت هجانة باستعجال العساكر وتوالى حضور الهجانة لخصوص الاستعجال
وفي يوم السبت تاسع عشره انزلوا الشريف غالبا الى بولاق بحريمه واولاده وعبيده وكان قد وصل الى مصر أغا معين بقصد سفر المذكور الى سلانيك فنزل صحبته الى بولاق وصالحوه عما اخذ منه من المال وغيره بخمسمائة كيس فأرادوا دفعها له قروشا فامتنع قائلا انهم اخذوا مالي ذهبا مشخصا فرانسة فكيف آخذ بدل ذلك نحاسا لانفع بها في غير مصر فأعطوه مائتي كيس ذهبا وفرانسة وتحول الباقي وكيله مكي الخولاني ثم زودوه واعطوه سكرا وبنا وارزا وشرابات وغير ذلك ونزل مسافرا الى المراكب صحبة المعين الى الحجاز من ناحية القصير وبرز ابن باشت طرابلس وصحبته عساكر أيضا الى ناحية العادلية وأخر يقال له قنجة بك ومعهم نحو الالف خيال من العرب والمغاربة على طريق البر الى الحجاز
وفي يوم الخميس رابع عشرينه الموافق لسادس شهر مسرى القبطي اوفي النيل المبارك اذرعه فداروا بالرايات ونودى بالوفاء وكسروا السد في صبح يوم الجمعة بحضرة كتخدا بك والقاضي والجم الغفير من العساكر
وفي اواخره وصلت الاخبار بأن الباشا توجه الى الطائف وابقى حسن باشا بمكة
(3/465)

واستهل شهر رمضان بيوم الاربعاء سنة
في رابعه حضر موسى أغا تفكجي باشا من الديار الحجازية وكان فيمن باشر حرابة قنفدة ومن جملة من انهزم بها وهلكت جميع عساكره وخدمه ورجع الى مصر وصحبته اربعة انفار من الخدم
وفي عاشره خرجت العساكر المجردة لسفر الحجاز الى بركة الحج وهم مغاربة وعربان وارتحلوا يوم الاحد ثاني عشره
وفي الاربعاء خامس عشره برز دبوس اوغلي خارج باب الفتوح ليسافر بعساكره الى الحجاز وكذلك حسن أغا سر ششمه ونصبوا خيامهم واستمروا يخرجون من المدينة ويدخلون غدوا وعشايتهم ياكلون ويشربون جهارا في نهار رمضان ويقولون نحن مسافرون ومجاهدون ويمرون باسواق ويجلسون على المساطب وبأيديهم الاقصاب والشبكات التى يشربون فيها الدخان من غير احتشام ولا حياء ويجوزون بحارات الحسينية على القهاوي في الضحوة فيجدونها مغلوقة فيسألون عن القهوجي ويطلبونه ليفتح لهم القهوة ويوقد لهم النار ويغلي لهم القهوة ويسقيهم فربما هرب القهوجي واختفى منهم فيكسرون الباب ويعبثون بالاته واونيه فما يسعه المجىء وايقاد النار واشيع من ذلك انه اجتمع بناحية عرضيهم وخيامهم الجم الكثير من النساء الخواطي والبغايا ونصبوا لهن خياما واخصاصا وانضم اليهن بياع البوظة والعرقي والحشاشون والغوازي والرقاصون وامثال ذلك وانحشر معهم الكثير من الفساق واهل الأهواء والعياق من اولاد البلد فكانوا جميعا عظيما يأكلون الحشيش ويشربون المكسرات ويزنون ويلوطون ويشربون الجوزة ويلعبون القمار جهارا في نهار رمضان ولياليه مختلطين مع العساكر كأنما سقط عن الجميع التكاليف وخلصوا من الحساب وسمعت ممن شاهد بعينه محمود بك المهردار الذي هو اعظم اعيانهم وهو المتولي على قياس الاراضي مع المعلم غالي وهو جالس في ديوانهم المخصوص بالقرب من سويقة اللالا وهو يشرب في النرجيلة التنباك
(3/466)

ويأتونه بالغداء جهارا ويقول انا مسافر الشرقية لعمل نظام الاراضي
وفي غايته وصلت هجانة باستعجال العساكر
واستهل شهر شوال بيوم الخميس سنة
في ليلته قلدوا عبدالله كاشف الدرندلي اميرا على ركب الحجاج
وفي يوم السبت ثالثة خرج دبوس اوغلي في موكب الى مخيمة وكذلك حسن أغا سرششه ليسافر الى الحجاز
وفي يوم السبت حادي عشره نزلوا بكسوة الكعبة بالطبول والزمور الى المشهد الحسيني واجتمع الناس على عادتهم للفرجة
وفيه انتقل محمود بك والمعلم غالي الى بيت حسن أغا نجاتي وعملوا ديوانهم فيه وتلقوا الجنينة التى به وجلسوا تحت اشجارها وربط الاقباط حميرهم فيها وشرع محمود بك في عمارة الجهة القبلية منه وانزوت صاحبة المنزل في ناحية منه
وفي سابع عشره ارتحل دبوس اوغلي وحسن أغا سرششمه ومن معهم من العساكر من منزلتهم متوجهين الى الديار الحجازية
وفي يوم الخميس ثاني عشرينه رسم كتخدا بك بنفي طائفة من الفقهاء من ناحية طندتا الى أبي قير بسبب فتيا افتوها في حادثة ببلدهم وقضى بها قاضيهم وانهيت الدعوى الى ديوان مصر فطلبوا الى اعادة الدعوى فحضروا وترافعوا الى قاضى العسكر واثبتوا عليهم الخطا فرسم بنفي الشاكي والمفتيين ولقاضي ربعهم
وفي يوم السبت رابع عشرينه عملوا موكبا لخروج المحمل واستعد الناس للفرجة على عادتهم فكان عبارة عن نحو مائة جمل تحمل روايا الماء والقرب وعدة من طائفة الدلاة على رؤسهم طراطير سود قلابها وامير الحاج على شكلهم وخلفه ارباب الاشاير ببيارقهم وشراميطهم وطبولهم وزمورهم وجوقاتهم وخلفهم المحمل فكان مدة مرورهم مع تقطيعهم وعدم نظامهم نحو ساعتين فأين ما كان يعمل من المواكب بمصر التى يضرب
(3/467)

بحسنها وترتيبها ونظامها المثل في الدنيا فسبحان مغير الشؤن والاحوال
وفيه خرجت زوجة الباشا الكبيرة وهي ام اولاده تريد الحج الى خارج باب النصر في ثلاثة تخوت والمتسفر بها بونابارته الخازندار وقد حضر لوداعها ولدها ابراهيم باشا من الصعيد وخرج لتشييعها هو واخوه اسمعيل باشا وصحبتهما محرم بك زوج ابنتها حاكم الجيزة ومصطفى بك دالي باشا ويقال انه اخوها وكذلك محمد بك الدفتردار زوج ابنتها أيضا وطاهر باشا وصالح بك السلحدار وارتحلت ومن معها في سادس عشرينه الى بندر السويس وفي ذلك اليوم برزت عساكر المغاربة وغيرهم ممن تعسكر وارتحل امير الحج من الحصوة الى البركة
وفي يوم الثلاثاء خرجت عساكر كثيرة مجردين للسفر
وفي يوم الخميس تاسع عشرينه ارتحل امير الحج ومن معه من البركة في تاسع ساعة من النهار وفي ذلك اليوم هبت رياح غربية شمالية باردة واشتد هبوبها اواخر النهار واطبقت السماء بالغيوم والقتام وابرق البرق برقا متتابعا وارعدت رعدا له دوي متصل ولما قرب من سمت رؤسنا كان له صوت عظيم مزعج ثم نزل مطر غزير استمر نحو نصف ساعة ثم سكن بعد أن تبحرت منه الازقة والطرق وكان ذلك اليوم رابع شهر بابه القبطي
وفيه ورد الخبر من السويس أن امرأة الباشا لما وصلت هناك وجدت عالما كبيرا من الحجاج المختلفه الاجناس ممنوعين من المراكب فصرحوا في وجهها وشكوا اليها تخلفهم وان امير البندر مانعهم من النزول في المراكب وبذلك المنع يفوتهم الحج الذي تجشموا الاسفر وصرفوا أيضا الاموال من اجله وهم في مشقة عظيمة من عدم الماء ولا يمكنهم الرجوع لعدم من يحملهم وان امير البندر يشتط عليهم في الاجرة وياخذ على كل رأس خمسة عشر فرانسا فحلفت انها لا تنزل الى المركب حتى ينزل جميع من السويس من الحجاج المراكب ولا يؤخذ منهم الا القدر الذي جعلته على كل فرد منهم فكان ما حكمت به هذه الحرمة صار لها به
(3/468)

منقبة حميدة وذكرا حسنا وفرجا لهؤلاء الخلائق بعد الشدة
واستهل شهر ذي القعدة بيوم السبت سنة
وفي يوم الاثنين نادى المنادي بوقود قناديل سهارى على البيوت والوكائل وكل اربع دكاكين قنديل
وفي ثامنه جرسوا شخصا واركبوه على حمار بالمقلوب وهو قابض بيده على ذنب الحمار وعمموه بمصارين ذبيحة وعلى كتفه كرش بعد أن حلقوا نصف لحيته وشواربه قيل أن سبب ذلك انه زور حجة تقرير على اماكن تتعلق بإمرأة اجنبية وباع بعض الاماكن وكانت تلك المرأة غائبة من مصر فلما حضرت وجدت مكانها مسكونا بالذي اشتراه فرفعت قصتها الى كتخدا بك ففعل به ذلك بعد وضوح القضية
وفي ثاني عشره سافر عبدالله ابن الشريف سرور الى الحجاز باستدعاء من الباشا فأعطوه اكياسا وقضى اشغاله وخرج مسافرا
وفيه وقعت حادثة بحارة الكعكيين بين شخصين من الدلاتية رمحا خلف غلام بدوي عمل نفسه عسكريا مع طائفة المغاربة يدعي احدهما أن له عنده دراهم فهرب منهما الى الخطة المذكورة فرمحا خلفه وبيد كل منهما سيفه مسلولا فدخل الغلام الى عطفة الحمام وفزعت عليهما المغاربة المتعسكرون القاطنون بتلك الناحية وضربوا عليهما بنادق فسقط حصان احد الدلاة واصيب راكبه وهرب رفيقه الى كتخدا بك فأخبره فأمر باحضار كبراء المغاربة وطالبهم بالضارب فلم يتبين امره وقبضوا على الغلام الهارب فحبسوه وفي ذلك الوقت حصل في الناس فزعة واغلقت اهل سوق الغورية والشوائين والفحامين حوانيتهم وبقي ذلك الغلام محبوسا ومات الدلاتي المضروب في ليلة السبت خامس عشره فأحضروا ذلك الغلام الى باب زويلة وقطعوا رأسه ظلما ولم يكن هو الضارب
وفي عشرينه سافر ابن باشت طرابلس وسافر معه عسكر المغاربة الخياله
(3/469)

واستهل شهر ذى الحجة الحرام ختام سنة
في اوله ورد نجاب من الحجاز واخبر بموت طاهر افندي وهو افندي ديوان الباشا وكان موته في شهر شوال بالمدينة حتف انفه وورد الخبر أيضا بصلح الشريف راجح مع الباشا وانه قابله واكرمه وانعم عليه بمائتي كيس واخبر أيضا بأنه تركه الباشا بناحية الكلخة وهي ما بين الطائف وتربة وانقضت السنة بحوادثها
واما من مات في هذه السنة فمات العمدة الفاضل الفقيه النبيه الشيخ حسين المعروف بابن الكاشف الدمياطي ويعرف بالرشيدي تعلق بالعلم وانخلع من الامرية والجندية وحضر اشياخ العصر ولازم الشيخ عبد الله الشرقاوي وانتقل من مذهب الحنفية الى الشافعية لملازمته لهم في المعقول والمنقول وتلقى عن السيد مرتضى اسانيد الحديث والمسلسلات وحفظ القرآن في مبدأ امره برشيد وجوده على السيد صديق وحفظ شيئا من المتون قبل مجيئه الى مصر واكب على الاشتغال بالازهر وتزيا بزي الفقهاء بلبس العمامة والفرجية وتصدر ودرس في الفقه والمعقول وغيرهما ولما وصل محمد باشا الى ولاية مصر اجتمع عليه عند قلعة أبي قير فجعله اماما يصلي خلفه الاوقات وحضر معه الى مصر ولم يزل مواظبا على وظيفته وانتفع بنسبته اليه واقتنى حصصا واقطاعات وتقلد قضايا مناصب البلاد البنادر ويأخذ ممن يتولاها الجعالات والهدايا واخذ أيضا نظر وقف ازبك وغيره ولم يزل تحت نظره بعد انفصال محمد باشا خسرو واستمر المذكور على القراءة والاقراء حتى توفي اواخر السنة
ومات الفاضل الشيخ عبدالرحمن الجمل وهو اخو الشيخ سليمان الجمل وتفقه على اخيه ولازم دروسه وحضر غيره من اشياخ العصر ومشى على طريقة اخيه في التقشف والانجماع عن خلطة الناس ولما مات اخوه وكان يملي الدروس بجامع المشهد الحسيني بين المغرب والعشاء على جمع مجاوري الازهر والعامة وتصدر للاقراء في محله في ذلك الوقت فقرالشمايل
(3/470)

والمواهب والجلالين ولم يزل على حالته حتى توفي ثاني عشر ذي الحجة
ومات الشيخ المفيد محمد الاسناري الشهير بجاد المولى ممن جاور بالازهر وحضر دروس وبه تخرج وواظب عليه في مجالس الذكر وتلقى عنه طريقة الخلوتية والبسه التاج وتقدم في خطابة الجمعة والاعياد بالجامع الازهر بدلا عن الشيخ عبدالرحمن البكري عندما رفعوها عنه وخطب بجامع عمر وبمصر العتيقة يوم الاستسقاء عندما قصرت زيادة النيل في سنة ثلاث وعشرين وتأخر في الزيادة عن اوانه ولما حضر محمد باشا خسرو الى مصر وصلى صلاة الجمعة بالازهر في سنة سبع عشرة خلع عليه بعد الصلاة فروة سمور فكان يخرجها من الخزنة ويلبسها وقت خطبة الجمعة والاعياد وواظب على قراءة الكتب للمبتدئين كالشيخ خالد والازهرية ثم قرأ شرح الاشموني على الخلاصة واشتهر ذكره ونما امره في اقل زمن وكان فصيحا مفوها في التقرير والالقاء لتفهيم الطلبة ولم يزل على حالة حميدة في حسن السلوك والطريقة حتى توفي في شهر الحجة وقد ناهز الاربعين
سنة ثلاثين ومائتين والف
استهل المحرم بيوم الثلاثاء
وفي خامسه وصل نجاب من الحجاز وعلى يده مكاتبات بالاخبار عن الباشا والحجاج بأنهم حجوا ووقفوا بعرفة وقضوا المناسك
وفي تاسعه حضر ابراهيم باشا من الجهة القبلية الى داره بالجمالية
وفي عاشره يوم الخميس وصل في ليلته قابجي وعلى يده تقرير للباشا من الحجاز الى ساحل القصير فضربوا لذلك مدافع من القلعة
وفي صبحها خرج ابن الباشا واخوه وكذلك اكابر دولتهم الى ناحية البساتين ومنهم من عدى النيل الى البر الغربي لملاقاته على مقتضى عادته في عجلته في الحضور وعلى حساب مضي الايام من يوم وصوله الى
(3/471)

القصير فغابوا في انتظاره حتى انقضى النهار ثم رجعوا
وفي صبح اليوم الثاني خرجوا ثم عادوا الى دورهم اخر النهار واستمروا على الخروج والرجوع ثلاثة ايام ولم يحضر زكثر لغط الناس عند ذلك واختلفت رواياتهم واقاويلهم مدة ايام وليلا ونهارا ثم ظهر كذب هذا الخبر وان الباشا لم يزل بأرض الحجاز وقيل أن سبب اشاعة خبر مجيئه انه وصل الى ساحل القصير سفينة بها سبعة عشر شخصا من العسكر فسألهم الوكيل الكائن بالقصير عن مجيئهم فأجابوه انهم مقدمة الباشا وانه واصل في اثرهم فعندما سمع جوابهم ارسل خطابا الى كاتب من الاقباط بقنا يعرفه بقدوم الباشا فكتب ذلك القبطي خطابا الى وكيل شخص من اعيان كتبة الاقباط بأسيوط يسمى المعلم بشارة فعندما وصله الجواب ارسل جوابا الى موكله بشارة المذكور بمصر ذلك الخبر وفي الحال طلع به الى القلعة واعطاه لابراهيم باشا فانتقل به ابراهيم باشا الى مجلس كتخدا بك فخلع كتخدا بك على بشارة خلعة وامر بضرب المدافع ونزلت المبشرون وانتشروا بالبشائر الى بيوت الاعيان واخذ البقاشيش ولما حصل التراخي والتباطؤ والتأخر في الحضور بعد الاشاعة اخذ الناس في اختلاف الروايات والاقاويل كعادتهم فمنهم من يقول انه حضر مهزوما ومنهم من يقول مجروحا ومنهم من يثبت موته والشىء الذي اوجب في الناس هذه التخليطات وما شاهدوه من حركات اهل الدولة وانتقال نسائهم من المدينة وطلوعهم الى القلعة بمتاعهم واخلاء الكثير منهم البيوت وانتقال طائفة الارنؤد من الدور المتباعدة واجتماعهم وسكناهم بناحية خطة عابدين وكذلك انتقل ابراهيم باشا الى القلعة ونقل اليها الكثير من متاعه واغرب من هذا كله اشاعة اتفاق عظماء الدولة على ولاية ابراهيم باشا على الاحكام عوضا عن ابيه في يوم الخميس ويرتبوا له موكبا يركب فيه ذلك اليوم ويشق من وسط المدينة واجتمع الناس للفرجة عليه واصطفوا على المساطب والدكاكين فلم يحصل وظهر كذب ذلك كله وبطلانه واتفق
(3/472)

في اثناء ذلك من زيادة الأهموم والتخيلات أن رضوان كاشف المعروف بالشعراوي سد باب داره التى بالشارع بخط باب الشعرية وفتح له بابا صغيرا من داخل العطفة التى بظاهره فأوشى بعض مبغضيه الى كتخدا بك فعلته في هذا الوقت والناس يزداد بهم الوهم ويعتقدون صحة ما دار بينهم من الاكاذيب وخصوصا كونه من الاعيان المعروفين فطلبه كتخدا بك وقال له لاي شىء سددت باب دارك وما الذي قاله المنجم لك فقال أن طائفة من العسكر تشاجروا بالخطة ودخلوا الى الدار وازعجونا فسددتها من ناحية الشارع بعدا من الشر وخوفا مما جرى على داري سابقا من النهب فلم يلتفت لكلامه وامر بقتله فشفع فيه صالح بك السلحدار وحسن أغا مستحفظان فعفا عنه من القتل وامر بضربه فبطحوه وضربوه بالعصي ثم نزل بصحبته الاغا الى داره وفتح الباب كما كان
وفي رابع وعشرينه وصلت مكاتبات من الديار الحجازية من عند الباشا وخلافه مؤرخة في ثالث عشر ذي الحجة يذكرون فيها أن الباشا بمكة وطوسون باشا ابنه بالمدينة وحسن باشا واخاه عابدين بك وخلافهم بالكلخة ما بين الطائف وتربة
واستهل شهر صفر الخير بيوم الخميس سنة
وفي خامس عشرينه نودى بنقص مصارفة اصناف المعاملة وقد وصل صرف الريال الفرانسة من الفضة العددية الى ثلثمائة واربعين نصفا عنها ثمانية قروش ونصف فنودى عليه بنقص نصف قرش والمحبوب وصل الى عشرة قروش فنودى عليه بتسعة قروش وشددوا في هذه المناداة تشديدا زائدا وقتل كل من زاد على ذلك من غير معارضة وكتبوا مراسيم الى جميع البنادر وفيها التشديد والتهديد والانتقام ممن يزيد
وفي اواخره التزم المعلم غالي بمال الجزية التى تطلب من النصارى على خمسة وثمانين كيسا وسبب ذلك أن بعض اتباع المقيد لقبض الجوالي قبض على شخص من النصارى وكان من قسوسهم وشدد عليه في الطلب
(3/473)

واهانه فأنهوا الامر الى المعلم غالي ففعل ذلك قصد المنع الايذاء عن ابناء جنسه ويكون الطلب منه عليهم ومنع المتظاهرين بالاسلام عنهم
واستهل شهر ربيع الاول بيوم السبت سنة
وفي تاسعه وصلت قافلة طياري من الحجاز قدم صحبتها السيد عبدالله القماعي ومعها هجانة من الحجاز وعلى يدهم مكاتبات وفيها الاخبار والبشرى بنصرة الباشا على العرب وانه استولى على تربة وغنم منها جمالا وغنائم واخذ منهم اسرى فلما وصلت الاخبار بذلك انطلق المشردون الى بيوت الاعيان لاخذ البقاشيش وضربوا في صبحها مدافع كثيرة من القلعة
وفي يوم الثلاثاء حادي عشره كان المولد النبوي فنودى في صبحه بزينة المدينة ببولاق ومصر القديمة ووقود القناديل والسهر ثلاثة ايام بلياليها فلما اصبح يوم الاربعاء والزينة بحالها الى بعد اذان العصر نودى برفعها ففرح اهل الاسواق بإزالتها ورفعها لما يحصل لهم من التكاليف والسهر في البرد والهواء خصوصا وقد حصل في اخر ليلة رياح شديدة باردة
وفي هذه الايام سافر محمود بك والمعلم غالي ومن يصحبهما من النصارى الاقباط واخذوا معهم طائفة من الكتبة الافندية المختصين بالروزنامة ومنهم محمد افندي بن حسين افندي المنفصل عن الروزنامة ونزلوا لاعادة قياس الاراضي وتحرير الري والشراقي وسبقهم القياسون بالاقصاب نزلوا وسرحوا قبلهم بنحو عشرة ايام وشرع كشاف النواحي في قبض الترويجة من المزارعين وفرضوا على كل فدان الادنى تسعة ريالات الى خمسة عشر بحسب جودة الاراضي ورداءتها وهذا الطلب في غير وقته لانه لم يحصل حصاد للزرع وليس عند الفلاحين ما يقتاتون منه ومن العجب انه لم يقع مطر في هذه السنة ابدا ومضت ايام الشتاء ودخل فصل الربيع ولم يقع غيث ابدا سوى ما كان يحصل في بعض الايام من غيوم واهوية غربية ينزل مع هبوبها بعض رشاش قليل لا تبتل الارض
(3/474)

منه ويجف بالهواء بمجرد نزوله
وفي اواخره ورد لحضرة الباشا هدية من بلاد الانكليز وفيها طيور مختلفة الاجناس والاشكال كبار وصغار وفيها ما يتكلم ويحاكي واله مصنوعة لنقل الماء يقال له الطلمبة وهي تنقل الماء الى المسافة البعيدة ومن الاسفل الى العلو ومرآة زجاج نجف كبيرة قطعة واحدة وساعة نضرب مقامات موسيقى في كل ربع يمضي من الساعة بأنغام مطربة وشمعدان به حركة غريبة كلما طالت فتيلة الشمعة غمز بحركة لطيفة فيخرج منه شخص لطيف من جانبه فيقط رأس الفتيلة بمقص لطيف بيده ويعود راجعا الى داخل الشمعدان هذا ما بلغني ممن ادعى انه شاهد ذلك
وفيه عملوا تسعيرة على المبيعات والمأكولات مثل اللحم والسمن والجبن والشمع ونادوا بنقص اسعارها نقصا فاحشا وشددوا في ذلك بالتنكيل والشنق والتعليق وحرم الآناف فارتفع السمن والزبد والزيت من الحوانيت واخفوه وطفقوا يبيعونه في العشيات بالسعر الذي ختارونه على الزبون واما السمن فلكثرة طلبه لاهل الدولة شح وجوده وذا ورد منه شىء خطفوه واخذوه من الطريق بالسعر الذي سعره الحاكم وانعدم وجود عند القبانية واذا بيع منه شىء بيع سرابا قصى الثمن واما السكر والصابون فبلغا الغاية في غلو الثمن وقلة الوجود لان ابراهيم باشا احتكر السكر بأجمعه الذي يأتي من الصعيد وليس بغير الجهة القبلية شىء منه فيبيعه على ذمته وهو في الحقيقة لابيه ثم صار نفس الباشا يعطي لاهل المطابخ بالثمن الذي يعينه عليهم ويشاركهم في ربحه فزاد غلو ثمنه على الناس وبيع الرطل من السكر الصعيدي الذي كان يباع بخمسة انصاف فضة بثمانين نصفا واما الصابون ففرضوا على تجاره غرامة فامتنع وجوده وبيع الرطل الواحد منه خفية بستين نصفا واكثر وفي هذه الايام غلا سعر الحنطة والفول وبيع الاردب بألف ومائتي نصف فضة خلاف الكلف والاجرة مع أن الاهراء والشون ببولاق ملانة بالغلال ويأكلها السوس
(3/475)

ولايخرجون منها لبيع شيئا حتى قيل الكتخدا بك في اخراج شئ منها يباع في الناس فلم يأذن وكأنه لم يكن مأذونا من مخدومه
واستهل شهر ربيع الثاني يوم الاثنين سنة
وفي وثامنه عمل محرم بك الكورنتينه بالجيزة على نسق السنة الماضية من اخراج الناس وازاعاجهم تطيرا وخوفا من الطاعون
وفيه خوزفوا شيخ عرب بلى فيما بين العزب والهلايل بعد حبسه اربعة اشهر
وفي يوم الجمعة ثامن عشرينه ضربت مدافع واشيع الخبر بوصول شخص عسكري بمكاتبات من الباشا وخلافه والخبر بقدوم الباشا وانتشرت المبشرون الى بيوت الاعيان واصحاب المظاهر على عادتهم لاخذ البقاشيش فمن قائل انه وصل الى القصير من قائل انه نزل الى السفينه بالبحر ومنهم من يقول انه حضر الى السويس ثم اختلفت الروايات وقالوا أن الذي وصل الى السويس حريم الباشا فقط ثم تبين كذب هذه الاقاويل وانها مكاتبات فقط مؤرخة اواخر شهر صفر يذكرون فيها أن الباشا حصل له نصر واستولى على ناحية يقال لها بيشة ورينة وقتل الكثير من الوهابين وانه عازم على الذهاب الى ناحية قنفدة ثم ينزل مد ذلك الى البحر ويأتي الى مصر ووصل الخبر بوفاة الشيخ ابراهيم كاتب الصرة
واستهل شهر جمادي الاولى بيوم الثلاثاء سنة
في سادسه يوم الاحد ضربت مدافع بعد الظهيرة لورود مكاتبة بان الباشا استولى على ناحية من النواحي جهة قنفذة
وفي يوم الجمعة ثامن عشره وصل المحمل الى بركة الحج وصحبته من بقي من رجال الركب مثل خطيب الجبل والصيرفي والمحملجية ووردت مكاتبات بالقبض على طامي الذي جرى منه ما جرى في وقائع قنفذة السابقة وقتله العساكر فلم يزل راجح الذي اصطلح مع الباشا ينصب له الحبائل حتى صاده وذلك انه عمل لابن اخيه مبلغا من المال أن هو اوقعه
(3/476)

في شركه فعمل له وليمة ودعاه الى محلة فأتاه امنا فقبض عليه واغتاله طمعا في المال واتوا به الى عرضي الباشا فوجهه الى بندر جدة في الحال وانزلوه السفينة وحضروا به الى السويس وعجلوا بحضوره فلما وصل الى البركة والمحمل اذ ذاك بها خرجت جميع العساكر في ليلة الاثنين حادي عشرينه وانجروا في صبحها طوائف وخلفهم المحمل وبعد مرورهم دخلوا بطامي المذكور وهو راكب على هجين وفي رقبته الحديد والجنزير مربوط في عنق الهجين وصورته رجل شهم عظيم اللحية وهو لابس عباءة عبدانية ويقرا وهو راكب وعملوا في ذلك اليوم شنكا ومدافع وحضر أيضا عابدين بك وتوجه الى داره في ليلة الاثنين
واستهل شهر جمادي الثانية بيوم الخميس سنة
في خامسه وصلت عساكر في داوات الى السويس وحضوروا الى مصر وعلى رؤوسهم شلنجات فضة اعلاما واشارة بأنهم مجاهدون وعائدون من غزو الكفار وانهم افتتحوا بلاد الحرمين وطردوا المخالفين لدينانتهم حتى أن طوسون باشا وحسن باشا كتبا في امضائهما على المراسلات بعد اسمهما لفظه المغازي والله اعلم بخلقه
وفي تاسعه اخرجوا عساكر كثيرة وجوههم الى الثغور ومحافظة الاساكل خوفا من طارق يطرق الثغور لانه اشيع أن بونابارته كبير الفرنساوية خرج من الجزيرة التي كان بها ورجع الى فرانسا وملكها واغار على بلاد الجورنه وخرج بعمارة كبيرة لايعلم قصده الى اي جهة يريد فربما طرق ثغر الاسكندرية او دمياط على حين غفلة وقيل غير ذلك وسئل كتخدا بك عن سبب خروجهم فقال خوفا عليهم من الطاعون ولئلا يوخموا المدينة لانه وقع في هذه السنة موثان بالطاعون وهلك الكثير من العسكر واهل البلدة والاطفال والجواري والعبيد خصوصا السودان فإنه لم يبق منهم الا القليل النادر وخلت منهم الدور
وفي منتصفه اخرج كتخدا بك صدقة تفرق على الاولاد الايتام الذين
(3/477)

يقرؤون بالكتاتيب ويدعون برفع الطاعون فكانوا يجمعونهم ويأتي بهم فقهاؤهم الى بيت حسين كتخدا الكتخدا عند حيضان مصلى ويدفعون لكل صغير ورقة بها ستون نصفا فضة يأخذ منها جزا الذي يجمع الطائفة منهم ويدعي انه معلمهم زيادة عن حصته لان معظم المكاتب مغلوقة وليس بها احد بسبب تعطيل الاوقاف وقطع ايرادهم وصار لهذه الاطفال جلبه وغوغاء في ذهابهم ورجوعهم في الاسواق وعلى بيت الذي يقسم عليهم
واستهل شهر رجب بيوم الجمعة سنة
في سادسه يوم الاربعاء وصلت هجانة من ناحية قبلي واخبروا بوصول الباشا الى القصير فخلع عليهم كتخدا بك مساوي ولم يامر بعمل شنك ولا مدافع حتى يتحقق صحة الخبر
وفي ليلة الجمعة ثامنه احترق بيت طاهر باشا بالازبكية والبيت الذي بجواره أيضا
وفي يوم الجمعة المذكور قبل العصر ضربت مدافع كثيرة من القلعة والجيزة وذلك عندما ثبت وتحقق ورود الباشا الى قنا وقوص ووصل أيضا حريم الباشا وطلعوا الى قصر شبرا وركب للسلام عليها جليع نساء الاكابر والاعيان بهداياهم وتقاديمهم ومنعوا المارين من المسافرين والفلاحين الواصلين من الارياف المرور من تحت القصر الذي هو الطريق المعتاد للمسافرين فكانوا يذهبون ويمرون من طريق استحدثوها منعطفة خلف تلك الطريق ومستبعدة بمسافة طويلة
وفي ليلة الخميس رابع عشره انخسف جرم القمر جمعيه بعد الساعة الثالثة وكان في اخر برج القوس
وفي ليلة الجمعة خامس عشرة وصل الباشا الى الجيزة ليلا فأقام بها الى آخر الليل ثم حضر الى داره بالازبكية فأقام بها يومين وحضر كتخدا بك واكابر دولته للسلام عليه فلم يأذن لاحد وكذلك مشايخ الوقت ذهبوا ورجعوا ولم يجتمع به احد سوى ثاني يوم وترادفت عليه التقادم
(3/478)

والهدايا من كل نوع من اكابر الدولة والنصارى بأجناسهم خصوصا الارمن وخلافهم بكل صنف من التحف حتى السراري البيض بالحلي والجواهر وغير ذلك واشيع في الناس في المصر وفي القرى بأنه تاب عن الظلم وعزم على اقامة العدل وانه نذر على نفسه انه اذا رجع منصورا واستولى على ارض الحجاز افرج للناس عن حصصهم ورد الازراق الاحباسية الى اهلها وزادوا على هذه الاشاعة انه فعل ذلك في البلاد القبلية ورد كل شئ الى اصله وتناقلوا ذلك في جميع النواحي وباتوا يتخيلونه في احلامهم ولما مضى من وقت حضوره ثلاثة ايام كتبوا اوراقا لمشاهير الملتزمين مضمونها انه بلغ حضرة افندينا ما فعله الاقباط من ظلم الملتزمين والجور عليهم في فائظهم فلم يرض بذلك والحال انكم تحضرون بعد اربعة ايام وتحاسبون على فائظكم وتقبضونه فان افندينا لايرضى بالظلم وعلى الاوراق امضاء الدفتردار ففرح اكثر المغفلين بهذا الكلام واعتقدوا صحته واشاعوا أيضا انه نصب تجاه قصر شبرا خوازيق للمعلم غالي واكابر القبط
وفي رابع عشرينه حضر الكثير من اصحاب الارزاق الكائنين بالقرى والبلاد مشايخ واشرافا وفلاحين ومعهم بيارق واعلام مستبشرين وفرحين بما سمعوه واشاعوه وذهبوا الى الباشا وهو يعمل رماحة بناحية القبة برمي بنادق كثيرة وميدان تعليم فلما رآهم واخبروه عن سبب مجيئهم فأمر بضربهم وطردهم ففعلوا بهم ذلك ورجعوا خائبين
وفيه حضر محمود بك والمعلم غالي من سرحتهما وقابلا الباشا وخلع عليهما وكساهما والبسهما فراوي سمور فركب المعلم غالي وعليه الخلعة وشق من وسط المدينة وخلفه عدة كثيرة من الاقباط ليراه الناس ويكمد الاعداء ويبطل ما قيل من التقولات ثم اقام هو ومحمود بك اياما قليلة ورجعا لاشغالهما وتتميم افعالهما من تحرير القياس وجبي الاموال وكانا ارسلا قبل حضورهما عدة كثيرة من الجمال الحاملة للاموال في كل يوم
(3/479)

قطارات بعضها اثر بعض من الشرقية والغربية والمنوفية وباقي الاقاليم
وفيه حضر شيخ طرهونة بجهة قبلي ويسمى كريم بضم الكاف وفتح الراء وتشديد الياء وسكون الميم وكان عاصيا على الباشا ولم يقابله ابدا فلم يزل يحتال عليه ابراهيم باشا ويصالحه ويمنيه حتى اتى اليه وقابله وامنه فلما حضر الباشا ابوه من الحجاز اتاه على امان ابنه وقدم معه هدية واربعين من الابل فقبل هديته ثم امر برمي عنقه بالرميلة
واستهل شهر شعبان سنة
والناس في امر مريج من قطع ارزاقهم وارباب الالتزامات والحصص التي ضبطها الباشا ورفع ايديهم عن التصرف في شئ منها خلاطين الاوسية فإنه سامحهم فيه سوى ما زاد عن الروك الذي قاسوه فإنه لديوانية ووعدهم بصرف المال الحر المعين بالسند الديواني فقط بعد التحرير والمحاققة ومناقضة الكتبة الاقباط في القوائم واقاموا منتظرين انجاز وعده اياما يغدون ويروحون ويسالون الكتبة ومن له وصلة بهم وقد ضاق خناقهم من التفليس وقطع الايراد ورضوا بالاقل وتشوقوا لحصوله وكل قليل يعدون بعد اربعة ايام او ثلاثة ايام حتى تحرر الدفاتر فإذا تحررت قيل أن الباشا امر بتغييرها وتحريرها على نسق آخر ويكرر ذلك ثانيا وثالثا على حسب تفاوت المتحصل في السنين وما يتوفرا في الخزينة قليلا او كثيرا
وفيه وصل رجل تركي على طريق دمياط يزعم انه عاش من العمر زمنا طويلا وانه ادرك اوائل القرن العاشر ويذكر انه حضر الى مصر مع السلطان سليم وادرك وقته وواقعته مع السلطان الغوري وكان في ذلك الوقت تابعا لبعض البيرقدارية وشاع ذكره وحكي من راه أن ذاته نخالف دعواه وامتحنه البعض في مذاكرة الاخبار والوقائع فحصل منه تخليط ثم امر الباشا بنفيه وابعاده فأنزلوه في مركب وغاب خبره فيقال انهم اغرقوه والله اعلم
(3/480)

وفي خامس عشرينه عملوا الديوان ببيت الدفتردار ووفتحوا باب صرف الفائظ على ارباب حصص الالتزام فجعلوا يعطون منه جانبا واكثر ما يعطونه نصف القدر الذي قرروه واقل وازيد قليلا
وفيه امر الباشا لجميع العساكر بالخروج الى الميدان لعمل التعليم والرماحة خارج باب النصر حيث قبة العزب فخرجوا من ثلث الليل الاخير واخذوا في الرماحة والبندقة المتواصلة المتتابعة مثل الرعود على طريقة الافرنج وذلك من قبيل الفجر الى الضحوة ولما انقضى ذلك رجعوا داخلين الى المدينة في كبكة عظيمة حتى زحموا الطرق بخيولهم من كل ناحية وداسوا اشخاصا من الناس بخيولهم بل وحميرا أيضا واشيع أن الباشا قصده احصاء العسكر وترتيبهم على النظام الجديد واوضاع الافرنج ويلبسهم الملابس المقمطة ويغير شكلهم وركب في ثاني يوم الى بولاق وجمع عساكر ابنه اسمعيل باشا وصنفهم على الطريقة المعروفة بالنظام الجديد وعرفهم قصده فعل ذلك بجميع العساكر ومن أبي ذلك قابله بالضرب والطرد والنفي بعد سلبه حتى من ثيابه ثم ركب من بولاق وذهب الى شبرا وحصل في العسكر قلقلة ولغط وتناجوا فيما بينهم وتفرق الكثير منهم عن مخاديمهم واكابرهم ووافقهم على النفور بعض اعيانهم واتفقوا على غدر الباشا ثم أن الباشا ركب من قصر شبرا وحضر الى بيت الازبكية ليلة الجمعة ثامن عشرينه وقد اجتمع عند عابدين بك بداره جماعة من اكابرهم في وليمة وفيهم حجو بك وعبد الله أغا صاري جلة وحسن أغا الازرنجلي فتفاوضوا بينهم امر الباشا وما هو شارع فيه واتفقوا على الهجوم عليه في داره بالازبكية في الفجرية ثم أن عابدين بك غافلهم وتركهم في انسهم وخرج متنكرا مسرعا الى الباشا واخبره ورجع الى اصحابه فاسرع الباشا في الحال الركوب في سادس ساعة من الليل وطلب عساكر طاهر باشا فركبوا معه وحوط المنزل بالعساكر ثم اخلف الطريق وذهب على ناحية الناصرية ومرمى النشاب وصعد الى القلعة
(3/481)

وتبعه من يثق به من العساكر وانخرم امر المتوافقين ولم يسعهم الرجوع عن عزيمتهم فساروا الى بيت الباشا يريدون نهبه فمانعهم المرابطون وتضاربوا بالرصاص والبنادق وقتل بينهم اشخاص ولم ينالوا غرضا فساروا على ناحية القلعة واجتمعوا بالرميلة وقراميدان وتحيروا في امرهم واشتد غيظهم وعلموا أن وقوفهم بالرميلة لايجدي شيئا وقد اظهروا المخاصمة ولاثمرة تعود عليهم في رجوعهم وسكنوهم بل ينكسف بالهم وتنذل انفسهم ويلحقهم اللوم من اقرانهم الذين لم ينضموا اليهم فأجمع رأيهم لسوء طباعهم وخبث عقيدتهم وطرائقهم انهم يتفرقون في شوارع المدينة وينهبون متاع الرعية واموالهم فإذا فعلوا ذلك فيكثر جمعهم وتقوى شوكتهم ويشاركهم المخلفون عنهم لرغبة الجميع في القبائح الذميمة ويعودون بالغنيمة ويحوصلون من الحواصل ولايضيع سعيهم في الباطل كما يقال في المثل ما قدر على ضرب الحمار فضرب البرذعة ونزلوا على وسط قصبة المدينة على الصليبة على السروجية وهم يكسرون ويهشمون ابواب الحوانيت المغلوقة وينهبون ما فيها لان الناس لما تسامعوا بالحركة اغلقوا حوانيتهم وابوابهم وتركوا اسبابهم طلبا للسلامة وعندما شاهد باقيهم ذلك اسرعوا للحوق وبادروا معهم للنهب والخطف بل وشاركهم الكثير من الشطار والزعر والعامة المقلين والجياع ومن لادين له وعند ذلك كثر جمعهم ومضوا على طريقهم الى قصبة رضوان الى داخل باب زويلة وكسروا حوانيت السكرية واخذوا ما وجدوه من الدراهم وما احبوه من اصناف السكر فجعلوا يأكلون ويحملون ويبددون الذي لم ياخذوه ويلقونه تحت الارجل في الطريق وكسروا اواني الحلو وقدور المربيات وفيها ماهو من الصيني والبياغوري والافرنجي ومجامع الاشربة واقراص الحلو الملونة والرشال والملبس والفانيد والحماض والبنفسج وبعد أن ياكلوا ويحملواهم واتباعهم ومن انضاف لهم من الاوباش البلدية والحرافيش والجعيدية يلقون ما فضل عنهم على قارعة الطريق
(3/482)

بحيث صار السوق من حد باب زويلة الى المناخلية مع اتساعه وطوله مرسوما ومنقوشا بألوان السكاكر واقراص الاشربة الملونه واعسال المربيات سائلة على الارفن وكان اهل ذلك السوق المتسببون جدودا وطبخوا انواع المربيات والاشربة عند وفور الفواكه وكثرتها في اوانها وهو هذا الشهر المبارك مثل الخوخ والتفاح والبرقوق والتوت والقرع المسير والحصرم والسفرجل وملؤا الاوعية وصففوها في حوانيتهم للمبيع وخصوصا على موسم شهر رمضان ومضوا في سيرهم الى العقادين الرومي والغورية والاشرفية وسوق الصاغة ووصلت طائفة الى سوق مرجوش فكسروا ابواب الحوانيت والوكائل والخانات ونهبوا ما في حواصل التجار من الاقمشة المحلاوي والبز والحرير والزردخان ولما وصلت طائفة الى رأس خان الخليلي وارادوا العبور والنهب فزعت منهم الاتراك والارنؤد الذين يتعاطون التجارة الساكنون بخان اللبن والنحاس وغيرهما وضربوا عليهم بالرصاص وكذلك سوق الصرماتية والاتراك الخردجية الساكنون بالرباع بباب الزهومة جعلوا يرمون عليهم من القيطان بالرصاص حتى ردوهم ومنعوهم وكذلك تعصبت طائفة المغاربة الكائنون بالفحامين وحارة الكعكيين روموا عليهم بالرصاص وطردوهم عن تلك الناحية واغلقوا البوابات التى على رؤوس العطف وجلس عند كل درب اناس ومن فوقهم اناس من اهل الخطة بالرصاص تمنع الواصل اليهم ووصلت طائفة الى خان الحمزاوي فعالجوا في بابه حتى كسروا الخوخة التى في الباب وعبروا الخان وكسروا حواصل التجار من نصارى الشوام وغيرهم ونهبوا ما وجدوه من النقود وانواع الاقمشة الهندية والشامية والمقصبات وبالات الجوخ والقطيفة والاسطوافة وانواع الاطلس والالاجات والسلاوي والجنفس والصندل والحبر وانواع الشيت والحرير والخام والابريسم وغير ذلك وتبعهم الخدم والعامة في النهب واخرجوا في الدكاكين والحواصل من انواع الاقمشة واخذوا ما اعجبهم واختاروه
(3/483)

وانتقوه وتركوا ما تركوه ولم يقدروا على حمله مطروحا على الارض ودهليز الخان وخارج السوق يطؤن عليه بالارجل والنعالات ويعدو القوى على الضعيف فيأخذ ما معه من الاشياء الثمينة وقتل بعضهم البعض وكسروا ابواب الدكاكين التى خارج الخان بالخطة واخرجوا ما فيها من التحف والاواني الصيني والزجاج المذهب والكاسات البلور والصحون والاطباق والفناجين البيشة وانواع الخردة واخذوا ما اعجبهم وما وجدوه من نقود ودراهم وهشموا البواقي وكسروه والقوه على الارض تحت الارجل شقاقا وما به من حوانيت العطارين وطرحوا انواع الاشياء العطرية بوسط الشارع تداس بالارجل أيضا وفعلوا مالا خير فيه من نهب اموال الناس والاتلاف ولولا الذين تصدوا لدفعهم ومنعهم بالبنادق والكرانك وغلق البوابات لكان الوقع افظع من ذلك ولنهبوا أيضا البيوت وفجروا بالنساء والعياذ بالله ولكن الله سلم وشاركهم في فعلهم الكثير من الاوباش والمغاربة المدافعين أيضا فإنهم اخذوا اشياء كثيرة وكانوا يقبضون على من يمر بهم ممن يقدرون عليه من النهابين ويأخذون ما معهم لانفسهم واذا هشمت العساكر حانوتا وخطفوا منها شيئا ولحقهم من يطردهم عنها استأصل اللاحقون ما فيها واستبااح الناس اموال بعضهم البعض وكان هذا الحادث الذي لم نسمع بنظيره في دولة من الدول في ظرف خمس ساعات وذلك من قبيل صلاة الجمعة الى قبيل العصر حصل للناس هذه المدة اليسيرة من الانزعاج والخوف الشديد ونهب الاموال واتلاف الاسباب والبضائع ما لا يوصف ولم تصل الجمعة في ذلك اليوم واغلقت المساجد الكائنة بداخل المدينة واخذ الناس حذرهم ولبسوا اسلحتهم واغلقوا البوابات وقعدوا على الكرانك والمرابط والمتاريس وسهروا الليالي واقاموا على التحذر والتحفظ والتخوف اياما وليالي
وفي يوم السبت تاسع عشرينه الموافق لآخر يوم من شهر ابيب القبطي اوفى النيل المبارك اذرعه وكان ذلك اليوم أيضا ليلة رؤية هلال رمضان
(3/484)

فصادف حصول الموسمين في أن واحد فلم يعمل فيها موسم ولا شنك على العادة ولم يركب المحتسب ولا ارباب الحرف بموكبهم وطبولهم وزمورهم وكذلك شنك قطع الخليج وما كان يعمل في ليلته من المهرجان في النيل وسواحله وعند السد وكذلك في صبحه وفي البيوت المطلة على الخليج فبطل ذلك جليعه ولم يشعر بهما احد وصام الناس باجتهادهم وكان وفاء النيل في هذه السنة من النوادر فان النيل لم تحصل فيه الزيادة بطول الايام التى مضت من شهر ابيب الا شيئا يسيرا حتى حصل في الناس وهم زائد وغلا سعر الغلة ورفعوها من السواحل والعرصات فافاض المولى في النيل واندفعت فيه الزيادة العظيمة وفي ليلتين اوفى اذرعه قبل مظنته فإن الوفاء لا يقع في الغالب الا في شهر مسرى ولم يحصل في اواخر ابيب الا في النادر وانى لم ادركه في سنين عمري او في ابيب الا مرة واحدة وذلك في سنة ثلاث وثمانين ومائة والف فتكون المدة بين تلك وهذه المدة سبعا واربعين سنة
وفيه ارسل الباشا بطلب السيد محمد المحروقي فطلع اليه وصحبته عدة كبيرة من عسكر المغاربة لخفارته فلما واجهه قال له هذا الذي حصل للناس من نهب اموالهم في صحائفي والقصد انكم تتقدمون لارباب المنهوبات وتجمعونهم بديوان خاص طائفة بعد اخرى وتكتبون قوائم لكل طائفة بما ضاع لها على وجه التحرير والصحة وانا اقوم لهم بدفعه بالغا ما بلغ فشكر له ودعا له ونزل الى داره وعرف الناس بذلك وشاع بينهم فحصل لاربابه بعض الاطمئنان وطلع الى الباشا كبار العسكر مثل عابدين بك ودبوس اوغلي وحجو بك ومحو بك واعتذروا وتنصلوا وذكروا واقروا أن هذا الواقع اشتركت فيه طوائف العسكر وفيهم من طوائفهم وعساكرهم ولا يخفاه خبث طباعهم فتقدم إليهم بأن يتفقدوا بالفحص وإحصاء ما حازه وأخذه كل من طوائفهم وعساكرهم وشدد عليهم في الامر بذلك فاجابوه بالسمع والطاعة وامتثلوا لامره واخذوا في جمع ما يمكنهم
(3/485)

وارساله الى القلعة وركبوا وشقوا بشوارع المدينة وامامهم المناداة بالامان واحضر الباشا المعمار وامره بجمع النجارين والمعمرين واشغالهم في تعمير ما تكسر من اخشاب الدكاكين والاسواق ويدفع لهم اجرتهم وكذلك الاخشاب على طرف الميري
واستهل شهر رمضان بيوم الاثنين سنة
والناس في امر مريج وتخوف شديد وملازمون للسهر على الكرانك ويتحاشون المشي والذهاب والمجىء وكل اهل خطة ملازم لخطته وحارته وكل وقت يذكرون وينقلون بينهم روايات وحكايات ووقائع مزعجات وتطاولت ايدي العساكر بالتعدي والاذية والفتك والقتل لمن ينفردون به من الرعية
وفي ثاني ليلة طلع السيد محمد المحروقي وطلع صحبته الشيخ محمد الدواخلي نقيب الاشراف وابن الشيخ العروسي وابن الصاوى المتعينون في مشيخة الوقت وصحبتهم شيخ الغورية وطائفته قد ابتدؤا بهم في املاء ما نهب لهم من حوانيتهم بعدما حرروها عند السيد محمد المحروقي وتحليفهم بعد الاملاء على صدق داعواهم وبعد التحليف والمحاققة ويتجاوز عن بعضه لحضرة الباشا ثم يثبتون له الباقي فاستقر لاهل الغورية خاصة مائة وثمانون كيسا فدفع لهم ثلثيها واخر لهم الثلث وهو ستون كيسا يستوفونها فيما بعد اما من عروضهم أن ظهر لهم منها شىء او من الخزينة ولازم الجماعة الطلوع والنزول في كل ليلة لتحرير بواقي المنهوبات وايضا استقر لاهل خان الحمزاوي نحو من ثلاثة آلاف كيس كذلك ولطائفة السكرية نحو من سبعين كيسا خصمت لهم من ثمن السكر الذي يبتاعونه من الباشا واستمر الباشا بالقلعة يدير اموره ويجب قلوب الناس من الرعية واكابر دولته بما يفعله من بذل المال ورد المنهوبات حتى ترك الناس يسخطون على العسكر ويترضون عنه ولو لم يفعل ذلك وسارت العساكر هذه الثور ولم يقع منهم نهب ولا تعد لساعدتهم الرعية واجتمعت عليهم اهالي القرى
(3/486)

وارباب الاقطاعات لشدة نكايتهم من الباشا بضبط الرزق والالتزامات وقياس الاراضي وقطع المعايش وذلك من سوء تدبير العسكر وسعادة الباشا وحسن سياسته باستجلايه الخواطر وتملقه بالكلام اللين والتصنع ويلوم على فعل العسكر ويقول بمسمع الحاضرين ما ذنب الناس معهم خصوصا خصامهم معي او مع الرعية ها انا لي منزل بالازبكية فيه اموال وجواهر وامتعة واشياء كثيرة وسراية ابنى اسمعيل باشا ببولاق ومنزل الدفتردار ةونحو ذلك ويتحسبل ويحوقل ويعمل فكرته ويدبر امره في امر العسكر وعظمائهم وينقم عليهم ويعطيهم الاموال الكثيرة والاكياس العديدة لانفسهم وعساكرهم وتنتبذ طائفة منهم ويقولون نحن لم ننهب ولم يحصل لنا كسب فيعطهم ويفرق فيهم المقادير العظيمة فأنعم على عابدين بك بألف كيس وبغيره دون ذلك
وفي اثناء ذلك اخرج جردة من عسكر الدلاة ليسافروا الى الديار الحجازية فبرزوا الى خارج باب الفتوح حيث المكان المسمى بالشيخ قمر ونصبوا هناك وطاقهم وخرجت احمالهم واثقالهم
وفي ليلة الخميس ثارت طائفة الطبجية وخاضوا وضجوا وهم نحو الاربعمائة وطلبوا نفقة فأمر لهم بخمسة وعشرين كيسا ففرقت فيهم فسكتوا وفي يوم الخميس المذكور نزل كتخدا بك وشق من وسط المدينة ونزل عند جامع الغورية وجلس فيه ورسم لاهل السوق بفتح حوانيتهم وان يجلسوا فيها فامتثلوا وفتحوا الحوانيت وجلسوا على تخوف كل ذلك مع عدم الراحة والهدو وتوقع المكروه والتطير من العسكر وتعدى السفهاء منهم في بعض الاحايين والتحرز والاحتراس واما النصارى فإنهم حصنوا مساكنهم ونواحيهم وحاراتهم وسدوا المنافذ وبنوا كرانك واستعدوا بالاسلحة والبنادق وامدهم الباشا بالبارود وآلات الحرب دون المسلمين حتى انهم استأذنوا كتخدا بك في سد بعض الحارات النافذة التى يخشون وقوع الضرر منها فمنع من ذلك واما النصارى فلم يمنعهم وقد تقدم ذكر فعله مع رضوان كاشف عندما سد باب داره وفتحه من جهة
(3/487)

اخرى وعزره وبهدله بوسط الديوان
وفيه وصل نجيب افندي وهو قبي كتخدا الباشا عند الدولة الى بولاق فركب اليه كتخدا بك واكابر الدولة والاغا والوالي وقابلوه ونظموا له موكبا من بولاق الى القلعة ودخل من باب النصر وحضر صحبته خلع برسم الباشا وولده طوسون باشا وسيفان وشلنجان وهدايا واحقاق نشوق مجوهرة وعملوا له شنكا ومدافع من القلعة وبولاق
وفيه ارتحل الدلاة المسافرون الى الحجاز ودخل حجو بك الى المدينة بطائفته
وفي ضحوة ذلك اليوم بعد انفضاض امر الموكب حصل في الناس زعجة وكرشات واغلقوا البوابات والدروب واتصل هذا الانزعاج بجميع النواحي حتى بولاق ومصر القديمة ولم يظهر لذلك اصل ولا سبب من الاسباب مطلقا
وفي تلك الليلة البس الباشا حجو بك خلعة وتوجه بطرطور طويل وجعله اميرا على طائفة الدلاة وانخلع هو واتباعه من طريقتهم التركية التى كانوا عليها وهؤلاء الطائفة التى يقال لهم دلاة ينسبون انفسهم الى طريقة سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه واكثرهم من نواحي الشام وجبال الدروز والمتاولة وتلك النواحي يركبون الاكاديش وعلى رؤوسهم الطراطير السود مصنوعة من جلود الغنم الصغار طول الطرطور نحو ذراع واذا دخل لكنيف نزعه من على رأسه ووضعه على عتبة الكنيف وما ادري ذلك تعظيم له عن مصاحبته معه في الكنيف او الخوف وحذر من سقوطه أن انصدم بأسفكة الباب في صحن المرحاض او الملاقي وهؤلاء الطائفة مشهورة في دولة العثمانيين بالشجاعة والاقدام في الحروب ويوجد فيهم من هو على طريقة حميدة ومنهم دون ذلك وقليل ما هم ولكونهم من تمام النظام رتبهم الباشا من اجناسه واتراكه خلاف الاجناس الغريبة ومن بقي من اولئك يكون تبعا لا متبوعا
(3/488)

وفي يوم الثلاثاء سادس عشره حصل مثل ذلك المتقدم من الانزعاج والكرشات بل اكثر من المرة الاولى ورمحت الرامحان واغلقت الحوانيت وطلبت الناس السقائين الذين ينقلون الماء من الخليج وبيعت القربة بعشرة انصاف فضة والراوية بأربعين فنزل الاغا واغات التبديل وامامهم المناداة بالامان وينادون على العساكر أيضا ومنعهم من حمل البنادق ويأمرون الناس بالتحفظ واستمر هذا الامر والارتجاج الى قبيل العصر وسكن الحال وكثر مرور السقائين وبيعت القربة بخمسة انصاف والراوية بخمسة عشر ولم يظهر لهذه الحركة سبب أيضا وتقول الناس بطول نهار ذلك اليوم اصنافا وانواعا من الروايات والاقاويل التى لا أصل لها
وفي يوم الاربعاء سابع عشره حضر الشريف راجح من الحجاز ودخل المدينة وهو راكب على هجين وصحبته خمسة انفار على هجن أيضا معهم اشخاص من الارنؤد من اتباع حسن باشا الذي بالحجاز فطلعوا به الى القلعة ثم انزلوه الى منزل احمد أغا اخي كتخدا بك
وفي ليلة الخميس قلد الباشا عبدالله أغا المعروف بصارى جله وجعله كبيرا على طائفة من الينكجرية أيضا وجعل على راسه الطربوش الطويل المرخي على ظهره كما هي عادتهم هو واتباعه وكان من جملة المتهومين بالمخامرة على الباشا
وفيه برز امر الباشا لكبار العسكر بركوب جميع عساكرهم الخيول ومنعهم من حمل البنادق ولا يكون منهم راجل او حامل للبندقية الا من كان من اتباع الشرطة والاحكام مثل الوالي والاغا واغات التبديل ولازم كتخدا بك وايوب أغا تابع ابراهيم أغا آغات التبديل والوالي المرور بالشوارع والجلوس في مراكز الاسواق مثل الغورية والجمالية وباب الحمزاوي وباب زويلة وباب الخرق واكثر اتباعهم مغطرون في نهار رمضان ومتجاهرون بذلك من غير احتشام ولا مبالاة بانتهاك حرمة شهر الصوم ويجلسون على الحوانيت والمساطب يأكلون ويشربون الدخان
(3/489)

وياتي احدهم وبيده شبك الدخان فيدني مجمرته لانف ابن البلد على غفلة منه وينفخ فيه على سبيل السخرية والهذيان بالصمائم وزادوا في الغي والتعدي وخطف النساء نهارا وجهارا حتى اتفق أن شخصا منهم ادخل امرأة الى جامع الاشرفية وزنى بها في المسجد بعد صلاة الظهر في نهار رمضان
وفي اواخره عملوا حساب اهل سوق مرجوش فبلغ ذلك اربعمائة وخمسين كيسا قبضوا ثلثيها وتاخر لهم الثلث كل ذلك خلاف النقود لهم ولغيرهم مثل تجار الحمزاوي وهو شئ كثير ومبالغ عظيمة فان الباشا منع من ذكرها وقال لاي شئ يؤخرون في حوانيتهم وحواصلهم النقود ولايتجرون فيها واتفق لتاجر من اهل اسوق امير الجيوش انه ذهب من حاصله من حواصل الخان ثمانية آلاف فرانسة فلم يذكرها ومات قهر وكذلك ضاع لاهل خان الحمزاوي من صرر الاموال والنقود والودائع والرهونات والمصاغ والجوهر مما يرهنه النساء على ثمن ما يشترونه من التجارة والتفاصيل والمقصبات او على ما يتأخر عليهم من الاثمان مالا يدخل تحت المحصر ويستحيا من ذكره وضاع لرجل يبيع الفسيخ والبطارخ تجاه الحمزاوي من حانوته اربعة آلاف فلم يذكرها وامثال ذلك كثير وانقضى شهر رمضان والناس في امر مريج وخوف وانزعاج وتوقع المكروه ولم ينزل الباشا من القلعة بطول الشهر وذلك على خلاف عادته فإنه لايقدر على الاستقرار بمكان اياما وطبيعته الحركة حتى في الكلام وكبار العساكر والسيد محمد المحروقي ومن يصحبه من المشايخ ونقيب الاشراف مستمرون على الطلوع والنزول في كل يوم ليلة وللمتقيدين بالمنهوبين ديوان خاص وفرق الباشا كساوي العيد على اربابها ولم يظهر في هذه القضية شخص معين والكثير من العساكر الذين يمشون مع الناس في الاسواق يظهرون الخلاف والسخط ويظهر منهم التعدي ويخطفون عمائم الناس والنساء جهارا ويتوعدون الناس بعودهم في النهب وكأنما بينهم
(3/490)

وبين اهل البلدة عداوة قديمة اوثارات يخلصونها منهم وفيهم من يظهر التأسف والندم واللوم على المعتدين ويسفه رايهم وهو المحروم الذي غاب على ذلك وبالجملة فكل ذلك تقادير الهية وقضايا سماوية ونقمة حلت بأهل الاقليم واهله من كل ناحية نسأل الله العفو والسلامة وحسن العاقبة ومما اتفق أن بعض الناس زاد بهم الوهم فنقل ماله من حانوته او حاصله الكائن ببعض الوكائل والخانات الى منزله او حرز آخر فسرقها السراق وحانوته او حاصله لم يصبه ما اصاب غيره وتعدد نظير ذلك لاشخاص كثيرة وذلك من فعل اهل البلدة يراقبون بعضهم بعضا ويداورنوهم في اوقات الغفلات في مثل هذه الحركات ومنهم من اتهم خدمة واتباعه وتهددهم وشكاهم الى حكام الشرطة ويغرم مالا على ذلك أيضا وهم بريئون ولايفيده الا ارتكاب الاثم والفضيحة وعداوة الاهل والخدم وزيادة الغرم وغالب ما بايدي التجار اموال الشركاء والودائع والرهونات ويطالبه اربابها ومنهم قليل الديانة وذهب من حانوته اشياء وبقي اشياء فادعى ضياع الكل لقوة الشبهة
واستهل شهر شوال بيوم الثلاثاء سنة
وهو يوم عيد الفطر وكان في غاية البرودة والخمول عديم البهجة من كل شئ ولم يظهر فيه علامات الاعياد الا فطر والضائمين ولم يغير احد ملبوسه بل ولافصل ثيابا مطلقا ولا شيئا جديدا ومن تقدم له ثوب وقطعة وفصلة في شعبان تأخر عند الخياط مرهونا على مصاريفه ولوازمه لتعطيل جمع الاسباب من بطانة وعقادة وغيرها حتى انه اذا مات ميت لم يدرك اهله كفنه الا بمشقة عظيمة وكسد في هذا العيد سوق الخياطين وما اشبههم من لوازم الاعياد ولم يعمل فيه كعك ولا شريك ولاسمك مملح ولا نقل ولم يخرجوا الى الجبانات والمدافن أيضا كعادتهم ولا نصبوا خياما على المقابر ولم يحسن في هذه الحادثة الا امتناع هذه الامور وخصوصا خروج النساء الى المقابر فإنه لم يخرج منهن الا بعض حرافيشهن على تخوف ووقع
(3/491)

لبعضهن من العسكر ما وقع عند باب النصر والجامع الاحمر
وفي ثالثه نزل الباشا من القلعة من باب الجبل وهو في عدة من عسكر الدلاة والاتراك الخيالة والمشاة وصحبته عابدين بك وذهب الى ناحية الاثار فعيد على يوسف باشا المنفصل عن الشام لانه مقيم هناك لتغيير الهواء بسبب مرضه ثم عدى الى الجيزة وبات بها عند صهره محرم بك ولما اصبح ركب السفائن وانحدر الى شبرا وبات بقصره ورجع الى منزله بالازبكية ثم طلع الى القعلة
وفي يوم الثلاثاء ثامنه عمل ديوانا وجمع المشايخ المتصدرين وخاطبهم بقوله انه يريد أن يفرج عن حصص الملتزمين ويترك لهم وساياهم يؤجرونها ويزرعوهنا لانفسهم ويرتب نظاما لاجل راحة الناس وقد امر الافندية كتاب الروزنامه بتحرير دفاتر وآمهلهم اثني عشر يوما يحررون في ظرفها الدفاتر على الوجه المرضى فأثنوا عليه خيرا ودعوا له فقال الشيخ السشواني ونرجو من افندينا أيضا الافراج عن الرزق الاحباسية كذلك فقال كذلك ننتظر في محاسبات الملتزمين ونحررها على الوجه المرضى أيضا ومن اراد منهم أن يتصرف في حصته ويلتزم بخلاص ما تحرر عليها من المال الميري لجهة الديوان من الفلاحين بموجب المساحة والقياس صرفناه فيها والا ابقاها على طرفنا ويقبض فائظه الذي يقع عليه التحرير من الخزينة نقدا وعدا فدعوا له أيضا وسكتوا فقال لهم تكلموا فإني ماطلبتكم الا للمشاورة معكم فلم يفتح الله عليهم بكلمة يقولها احدهم غير الدعاء له على أن الكلام ضائع لانها حيل ومخادعة تروج على اهل الغفلات ويتوصل بها الى ابراز ما يرومه من المرادات وعند ذلك انفض المجلس وانطلقت المبشرون على الملتزمين بالبشائر وعود الالتزام لتصرفهم يأخدون منهم ويأخذون منهم بقاشين مع ان الصورة معلومة والكيفية مجهولة ومعظم السبب في ذكره ذلك أن معظم حصص الالتزام كان بيدي العساكر وعظمائهم وزوجاتهم وقد انحرفت طباعهم وتكدرت امزجتهم بمنعهم عنه وحجزهم عن التصرف ولم يسهل بهم ذلك
(3/492)

فمنهم من كظم غيظه وفي نفسه ما فيها ومنهم من لم يطق الكتمان وبارز بالمخالفة والتسلط على من لاجناية عليه فلذلك الباشا اعلن في ديوانه بهذا الكلام بمسمع منهم لتسكن حدتهم وتبرد حرارتهم الى أن يتم امر تدبيره معهم
وفيه وصلت الهجانة واخبار ومكاتبات من الديار الحجازية بوقوع الصلح بين طوسون باشا وعبدالله بن مسعود الذي تولى بعد موت ابيه كبيرا على الوهابية وان عبدالله المذكور ترك الحروب والقتال واذعن للطاعة وحقن الدماء وحضر من جماعة الوهابية نحو العشرين نفرا من الانفار الى طوسون باشا ووصل منهم اثنان الى مصر فكأن الباشا لم يعجبه هذا الصلح ولم يظهر عليه علامات الرضا بذلك ولم يحسن نزل الواصلين ولما اجتمعا به وخاطبهما عاتبهما على المخالفة فاعتذرا وذكرا أن الامير مسعودا المتوفي كان فيه عناد وحدة مزاج وكان يريد الملك واقامة الدين واما ابنه الامير عبدالله فإنه لين الجانب والعريكة ويكره سفك الدماء على طريقة سلفه الامير عبدالعزيز المرحوم فإنه كان مسالما للدولة حتى أن المرحوم الوزير يوسف باشا حين كان بالمدينة كان بينه وبينه غاية الصداقة ولم يقع بينهما منازعة ولا مخالفة في شىء ولم يحصل التفاقم والخلاف الا في ايام الامير مسعود ومعظم الامر للشريف غالب بخلاف الامير عبدالله فإنه احسن السير وترك الخلاف وامن الطرق والسبل للحجاج والمسافرين ونحو ذلك من الكلمات والعبارات المستحسنات وانقضى المجلس وانصرفا الى المحل الذي امرا بالنزول فيه ومعهما بعض اتراك ملازمون لصحبتهما مع اتباعهما في الركوب والذهاب والاياب فإنه اطلق لهما الاذن الى اي محل اراده فكانا يركبان ويمران بالشوارع بأتباعهما ومن يصحبهما ويتفرجان على البلدة و اهلها ودخلا الى الجامع الازهر في وقت لم يكن به احد من المتصدرين لاقراء والتدريس وسألوا عن اهل مذهب الامام احمد بن حنبل رضى الله عنه وعن الكتب الفقهية المصنفة في مذهبه فقيل انقرضوا
(3/493)

من ارض مصر بالكلية واشتريا نسخا من كتب التفسير والحديث مثل الخازن والكشاف والبغوي والكتب الستة المجمع على صحتها وغيرذلك وقد اجتمعت بهما مرتين فوجدت منهما انسا وطلاقة لسان واطلاعا وتضلعا ومعرفة بالاخبار والنوادر ولهما من التواضع وتهذيب الاخلاق وحسن الادب في الخطاب والتفقة في الدين واستحضار الفروع الفقهية واختلاف المذاهب فيها ما يفوق الوصف واسم احدهما عبد الله والاخر عبد العزيز وهو الاكبر حسنا ومعنى
وفي يوم السبت تاسع عشره خرجوا بالمحمل الى الحصوة خارج باب النصر وشقوا به من وسط المدينة وامير الركب شخص من الدلاة يسمى اوزون اوغلي وفوق رأسه طرطور الدالاتية ومعظم الموكب من عساكر الدلاة وعلى رؤوسهم الطراطير السود بذاتهم المستبشعة وقد عم الاقليم المسخ في كل شئ فقد تغص الطبيعة وتتكدر النفس اذا شاهدت ذلك او سمعت به وقد كانت نضارة الموكب السالفة في ايام المصريين ونظامها وحسنها وترتيبها وفخامتها وجمالها وزينتها التي لم يكن لها نظير في الربع المعمور ويضرب بها المثل في الدنيا كما قال قائلهم فيها مصر السعيدة مالها من مثيل فيها ثلاثة من الهنا والسرور مواكب السلطان وبحر الوفا ومحمل الهادي نهار يدور فقد فقدت هذه الثلاثة في جملة المفقودات
وفي ثالث عشرينه وصل قابجي وعلى يده تقرير ولاية مصر لمحمد علي باشا على السنة الجديدة فعملوا لذلك الواصل موكبا من بولاق الى القلعة وضربوا مدافع وشنكا وبنادق
واستهل شهر ذي القعدة الحرام بيوم الاربعاء سنة
في سادس عشره سافر الباشا الى الاسكندرية واخذ صحبته عابدين بك واسمعيل باشا ولده وغيرهما من كبرائهم وعظمائهم وسافر ابضا نجيب افندي وسليمان اغا وكيل دار السعادة سابقا تابع صالح بك المصري المحمدي الى دار السلطنة واصحب الباشا الى الدولة واكابرها
(3/494)

الهدايا من الخيول والمهاري والسروج المكللة بالذهب واللؤلؤ والمخيش وتعابي الاقمشة الهندية المتنوعة من الكشمير والمقصبات والتحف ومن الذهب المضروب السكة اربعة قناطير ومن الفضة الثقيلة في الوزن والعيار عدة قناطير ومن السكر المكرر مرارا وانواع الشراب خافاه في القدور الصيني وغير ذلك
وفيه وردت الاخبار بوصول طوسون باشا الى الطور فهرعت اكابرهم واعيانهم الى ملاقاته واخذوا في الاهتمام واحضار الهدايا والتقادم وركبت الخوندات والنساء والستات افواجا افواجا يطلعن الى القلعة ليهنين والدته بقدومه
وفي غايته وصل طوسون باشا الى السويس فضربوا مدافع اعلاما بقدومه وحضر نجيب افندي راجعا من الاسكندرية لاجل ملاقاته لانه قبي كتخدا اليوم ايضا عند الدولة كما هو لوالده
واستهل شهر ذي الحجة الحرام بيوم الجمعة سنة
في رابعه يوم الاثنين نودي بزينة الشارع الاعظم لدخول طوسون باشا سرورا بقدومه فلما اصبح يوم الثلاثاء خامسه احتفل الناس بزينة الحوانيت بالشارع وعملوا له موكبا حافلا ودخل من باب النصر وعلى رأسه الطلخان وشعار الوزارة وطلع الى القلعة وضربوا في ذلك اليوم مدافع كثيرة وشنكا وحراقات
وفي ليلة الجمعة خامس عشره سافر طوسون باشا المذكور الى الاسكندرية ليراه ابوه ويسلم هو عليه وليرى هو ولداله ولد في غيبته يسمى عباس بك اصحبه معه جده مع حاضنته وسنه دون السنتين يقال ان جده قصد ارساله الى دار السلطنة فلم يسهل بابيه ذلك وشق عليه ففارقه وخصوصا كونه لم يره وسافر صحبة طوسون باشا نجيب افندي عائدا الى الاسكندرية
وفي يوم السبت عشرينه حضر طوسون باشا الى مصر راجعا من الاسكندرية في تطريدة ومعه ولده فكانت مدة غيبته ذهابا وايابا ثمانية
(3/495)

ايام فطلع الى القلعة وصار ينزل الى بستان بطريق بولاق ظاهر التبانة عمره كتخدا بك وبنى به قصرا فيقيم به غالب الايام الىي اقامها بمصر وانقضت السنة وما تجدد فيها من استمرار المبتدعات والمكوس والتحكير واهمال السوقة والمتسببين حتى عم غلو الاسعار في كل شئ حتى بلغ سعر كل صنف عشرة امثال سعره في الايام الخالية مع الحجر على ا لايراد واسباب المعايش فلا يهنا بعيش في الجملة الامن كان مكاسا او في خدمة من خدم الدولة مع كونه على خطر فإنه وقع لكثير ممن تقدم في منصب او خدمة انه حوسب واهين والزم بما رافعوه فيه وقد استهلكه في نفقات نفسه وحواشيه فباع ما يملكه واستدان واصبح ميؤسا مديونا وصارت المعايش ضنكا وخصوصا الواقع في اختلاف المعاملات والنقود والزيادة في صرفها واسعارها واحتجاج الباعة والتجار والمتسببين بذلك وبما حدث عليها من مال المكس مع طمعهم ايضا وخصوصا سفلة الاسواق وبياعي الخضارات والجزارين والزياتين فإنهم يدفعون ماهو مرتب عليهم للمحتسب مياومة ومشاهرة ويخلصون اضعافة من الناس ولا رادع لهم بل يسعرون لانفسهم حتى ان البطيخ في أوان كثرته تباع الواحدة التي كانت تساوي نصفين بعشرين وثلاثين والرطل من العنب الشرقاوي الذي كان يباع في السابق بنصف واحد يبيعونه يوما بعشرة ويوما باثني عشر ويوما بثمانية وقس على ذلك الخوخ والبرقوق والمشمش واما الزبيب والتين واللوز والبندق والجوز والاشياء التي يقال لها اليميش التي تجلب من بلاد الروم فبلغت الغاية في الثمن بل قد لايوجد في اكثر الاوقات وكذلك ما يجلب من الشام مثل الملبن والقمر الدين والمشمش الحموي والعناب وكذلك الفستق والصنوبر وغير ذلك ما يطول شرحه ويزداد بطول الزمان قبه
ومات في هذه السنة العلامة الاوحد والفهامة الامجد محقق عصره ووحيد دهره الجامع لاشتات العلوم والمنفرد بتحقيق المنطوق والمفهوم
(3/496)

بقيه الفصحاء الفضلاء المتقدمين المتميز عن المتأخرين الشيخ محمد ابن احمد بن عرفة الدسوقي المالكي ولد ببلده دسوق من قرى مصر وحضر الى مصر وحفظ القرآن وجوده على الشيخ محمد المنير ولازم حضور دروس الشيخ علي الصعيدي والشيخ الدردير وتلقى الكثير من المعقولات عن الشيخ محمد الجناجي الشهير الشافعي وهو مالكي ولازم الوالد حسنا الجبرتي مدة طويلة وتلقى عنه بواسطة الشيخ محمد بن اسمعيل النفراوي علم الحكمة الهيئة والهندسة وفن التوقيت ةحضر عليه ايضا في فقه الحنفية وفي المطول وغيره برواق الجبرت بالازهر وتصدر للاقراء والتدريس وافادة الطلبة وكان فريدا في تسهيل المعاني وتبيين المباني يفك كل مشكل بواضح تقريره ويفتح كل مغلق برائق تحريره ودرسه مجمع اذكياء الطلاب والمهرة من ذوي الافهام والالباب مع لين جانب وديانة وحسن خلق وتواضع وعدم تصنع واطراح تكلف جاريا على سجيته لايرتكب ما يتكلفه غيره من التعاظم وفخامة الالفاظ ولهذا كثر الاخذون عليه والمترددون اليه
ومات الاستاذ الفريد واللودعي المجيد الامام العلامة والنحرير الفهامة الفقيه النحوي الاصولي الجدلي المنطقي الشيخ محمد المهدي الحفني ووالده من الاقباط واسلم هو صغيرا دون البلوغ على يد الشيخ الحفني وحلت عليه انظاره واشرقت عليه انواره وفارق اهله وتبرا منهم وحضنه الشيخ ورباه واحبه واستمر بمنزله مع اولاده واعتنى بشأنه وقرا القرآن ولما ترعرع اشتغل بطلب العلم وحفظ أبا شجاع والفية النحو والمتون ولازم دروس الشيخ واخيه الشيخ يوسف وغيرهما من اشياخ الوقت مثل الشيخ العدوي والشيخ عطية الاجهوري والشيخ الدردير والبيلي والجمل والخرشي وعبد الرحمن المقري والشرقاوي وغيرهم واجتهد في التحصيل ليلا ونهارا ومهر وانجب ولازم في غالب مجالس الذكر عن الشيخ الدردير بعد وفاة الشيخ الحفني وتصدر للتدريس في سنة تسعين ومائة والف ولما
(3/497)

مات الشيخ محمد الهلباوي سنة اثنتين وتسعين جلس مكانه بالازهر وقرا شرح الالفية لابن عقيل ولازم الالقاء وتقرير الدروس مع الفصاحة وحسن البيان والتفهم وسلاسة التعبير وايضاح العبارات وتحقيق المشكلات ونما امره واشتهر ذكره وبعد صيته ولم يزل امره ينمو واسمه يسمو مع حسن السمت ووجاهة الطلعة وجمال الهيئة وبشاشة الوجه وطلاقة اللسان وسرعة الجواب واستحضار الصواب في ترداد الخطاب ومسايرة الاصحاب وفارق الدنيا وارسلوا الى اولاده فحضر واحملوه في تابوت الى الدار الكبيرة بالمرسكي ليلا وشاع موته وجهز وصلى عليه بالازهر في مشهد حافل جدا ودفن عند الشيخ الحنفي بجانب القبر فسبحان الحي الذي لايموت
ومات الاستاذ العلامة والنحرير الفهامة الفقيه النبية المهذهب المتواضع الشيخ مصطفى بن محمد بن يوسف ابن عبد الرحمن الشهير بالصفوى القلعاوي الشافعي ولد في شهر ربيع الاول من سنة ثمان وخمسين ومائة والف وتفقه على الشيخ الملوي والسحيمي والبراوي والحفني ولازم شيخنا الشيخ احمد العروسي وانتفع عليه واذن له في الفتيا عن لسانه وجمع من تقريراته واقتطف من تحقيقاته والف وصنف وكتب حاشية على ابن قاسم الغزي على ابي شجاع في الفقه وحاشية على شرح المطول للسعد التفتازائي على التلخيص وشرح شرح السمرقندي على الرسالة العضدية في علم الوضع وله منظومة في اداب البحث وشرحها ومنظومة المتن التهذيب في المنطق وشرحها وديوان شعر سماه اتحاف الناظرين في مدح سيد المرسلين وعدة من الرسائل في معضلات المسائل وغير ذلك وكان سكنه بقلعة الجبل ويأتي في كل يوم إلى الأزهر للأقرباء والأفادة فلما أمر الباشا سكان القلعة بإخلائها والنزول منها الى المدينة فنزلوا الى المدينة وتركوا دورهم واوطانهم نزل المترجم مع من نزل وسكن بحارة امير الجيوش جهة باب الشعرية ولم يزل هناك حتى تمرض اياما وتوفي ليلة السبت سابع عشري شهر رمضان وصلى عليه بالازهر ودفن بزاوية الشيخ
(3/498)

سراج الدين البلقبني بحارة السيارج رحمه الله تعالى فإنه كان من احسن من رأينا سمتا وعلما وصلاحا وتواضعا وانكسارا وانجماعا عن خلطة الكثير من الناس مقبلا على شأنه راضيا مرضيا طاهرا نقيا لطيف المزاج جدا محبوبا للناس عفا الله عنه وغفر لنا وله
ومات الشيخ الفاضل الاجل الامثل والوجيه المفضل الشيخ حسين بن حسن كناني بن علي المنصوري الحنفي تفقه على خاله الشيخ مصطفى بن سليمان المنصوري والشيخ محمد الدلجي والشيخ احمد الفارسي والشيخ عمر الدبركي والشيخ محمد المصيلي واقرا في فقه المذهب دروسا في محل جده لامه بالازهر وسكن داره بحارة الحبانية على بركة الفيل مع اخيه الشيخ عبد الرحمن ثم انتقلا في حوادث الفرنساوية الى حارة الازهر ولما كانت حادثة السيد عمر مكرم النقيب من مصر الى دمياط وكنبوا فيه عرضا للدولة وامتنع السيد احمد الطحطاوي من الشهادة عليه كما تقدم وتعصبوا عليه وعزلوه من مشيخة الحنفية قلدوها المترجم فلم يزل فيها حتى تمرض وتوفي يوم الثلاثاء تاسع عشري المحرم وصلي عليه بالازهر ودفن بتربة المجاورين رحمه الله وايانا
ومات البليغ النجيب والنبيه الاريب نادرة الزمان وفريد الاوان اخونا ومحبنا في الله تعالى ومن اجله السيد اسمعيل بن سعد الشهير بالخشاب كان ابوه نجارا ثم فتح له مخزنا لبيع الخشب تجاه تكية الكلشني بالقرب من باب زويلة وولد له المترجم واخوه ابراهيم ومحمد وهو اصغرهما فتولع السيد اسمعيل المترجم بحفظ القرآن ثم بطلب العلم ولازم حضور السيد علي المقدسي وغيره من افاضل الوقت وانجب في فقه الشافعية والمعقول بقدر الحاجة وتثقيف اللسان والفروع الفقهية الواجبة والفرائض وتنزل في حرفة الشهادة بالمحكمة الكبيرة لضرورة التكسب في المعاش ومصارف العيال وتمسك بمطالعة الكتب الادبية والتصوف والتاريخ واولع بذلك وحفظ اشياء كثيرة من الاشعار والمراسلات وحكايات الصوفية وما تكلموا
(3/499)

فيه من الحقائق حتى صار نادرة عصره في المحاضرات والمحاورات واستحضار المناسبات والماجريات وقال الشعر الرائق ونثر النثر الفائق وصحب بسبب ما احتوى عليه من دماثة الاخلاق ولطف السرايا وكرم الشمائل وخفة الروح كثيرا من رباب المظاهر والرؤساء من الكتاب والامراء والتجار
ولم يزل المترجم على حالته ورقته ولطافته مع ما كان عليه من كرم النفس والعفة والنزاهة والتولع بمعالي الامور والتكسب وكثرة الانفاق وسكنى الدور الواسعة والحزم وكان له صاحب يسمى احمد العطار بباب الفتوح توفي وتزوج هو بزوجته وهي نصف واقام معها نحو ثلاثين سنة ولها ولد صغير من المتوفي فتبناه ورباه ورفهه بالملابس واشفق به اضعاف والد بولده بلغ عمل له مهما وزوجته ودعا الناس الى ولائمه وانفق عليه في ذلك انفاقا كثيرة وبعد نحو سنة تمرض ذلك الغلام اشهرا فصرف عليه وعلى معالجته جملة من المال ومات فجزع عليه جزعا شديدا ويبكي وينتحب وعمل له مأتما وعزاء واختارت امه دفنه بجامع الكردي بالحسينية ورتبت وقراء واتخذت مسكنا ملاصقا لقبره اقامت به نحو الثلاثين سنة مع دوام عمل الشريك والكعك بالعجمية والسكر وطبخ الاطعمة للمقرئين والزائرين ثم ملازمة الميت واتخاذ ما ذكر في كل جمعة على الدوام والمترجم طوع يدها في كل ماطلبته وما كلفته به تسخيرا من الله تعالى وكل ما وصل الى يده من حرام او حلال فهو مستهلك عليها وعلى اقاربها وخدمها لا لذة له في ذلك حسية ولا معنوية لانها في ذاتها عجوز شوهاء وهو في نفسه نحيف البنية ضعيف الحركة جدا بل معدومها وابتلى بحصر البول وسلسه القليل مع الحرقة والتألم استدام بها مدة طويلة حتى لزم الفراش اياما وتوفي يوم السبت ثاني شهر الحجة الحرام بمنزله الذي استأجره بدرب قرمز بين القصرين وصلينا عليه بالازهر في مشهد حافل ودفن عند ابنه المذكور بالحسينية وكثيرا ما كنت اتذكر قول القائل ومن
(3/500)

تراه بأولاد السوى فرحا في عقله عزه ان شئت وانتدب اولاد صلب الفتى قلت منافعهم فكيف يلمح نفع الا بعد الجنب مع انه كان كثير الانتقاد على غيره فيما لايداني فعله وانقياده الى هذه المراة وحواشيها نسأل الله السلامة والعافية وحسن العاقبة كما قيل من تكمله ما تقدم فلا سرور سوى نفع بعافية وحسن ختم وما يأتي من الشعب وامن نكر نكير القبر ئمة ما يكون بعد من الاهوال والتعب
واستهلت سنة
استهل شهر المحرم بيوم السبت وحاكم مصر وصاحبها واقطاعها وثغورها وكذلك بندر جدة ومكة والمدينة المنورة وبلاد الحجاز محمد علي باشا وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ولاظ محمد الذي هو كتخدا بك قائمقامه هو المتصدر لاجراء الاحكام بين الناس عن امر مخدومه وابراهيم اغا اغات الباب والدفتردار محمد افندي صهر الباشا ولروزنامجي مصطفى افندي تابع محمد افندي باش جاكرت سابقا وغيطاس افندي سرجي وسليمان افندي الكماخي باشمحاسب ورفيقه احمد افندي باش زعيم مصر وهو الوالي واغات التبديل احمد اغا وهو اخو حسن اغا قلفة وصالح بك السلحدار وحسن اغا اغات الينكجرية وعلي اغا الشعراوي المذكور وكاتب الخزينة ولي خوجة ورئيس كتبة الاقباط المعلم غالي واولاده الباشا ابراهيم باشا حاكم الصعيد وطوسون باشا فاتح بلاد الحجاز واسمعيل باشا ببولاق ومحرم بك صهر الباشا ايضا على ابنته بالجيزة احمد اغا المعروف ببونابارته الخازندار وباقي كشاف الاقاليم واكابر اعيانهم مثل دبوس اوغلي وحسن اغا سرششمة وحجو بك ومحو بك وخلافهم
وفي ذلك اليوم قبض كتخدا بك على المعلم غالي وامر بحبسه وكذلك اخوه المسمى فرنسيس وخازنداره المعلم سمعان وذلك عن امر مخدومه من الاسكندرية لانه حول عليه الطلب بستة الاف كيس تأخر اداؤها اياه من حسابه القديم فاعتذر بعدم القدرة على ادائها في الحين لانها بواقي على اربابها وهو ساع في تحصيلها ويطلب المهلة الى رجوع الباشا من
(3/501)

غيبته فأرسل الكتخدا بمقالته واعتذاره الى الباشا وانتبذ طائفة من الاقباط في الحط على غالي مع الكتخدا وعرفوه انه اذا حوسب يظهر عليه ثلاثون الف كيس فقال لهم وان لم يتأخر عليه هذا القدر تكونوا ملزومين به الى الخزينة فأجابوه الى ذلك فأرسل يعرف الباشا بذلك فورد الامر بالقبض عليه وعلى اخيه وخازنداره وحبسهم وعزله ومطالبته بستة آلاف كيس القديمة اولا ثم حسابه بعد ذلك فأحضر المرافعين عليه وهم المعلم جرجس الطويل ومنقريوس البتنوني وحنا الطويل والبسهم خلعا على رياسة الكتاب عوضا عن غالي ومن يليه واستمر غالي في الحبس ثم احضره مع اخيه وخازنداره فضربوا اخاه امامه ثم امر بضربه فقال وانا ضرب ايضا قال نعم ثم ضربوه على رجليه بالكرابيج ورفع وكرر عليه الضرب وضرب سمعان الف كرباج حتى اشرف على الهلاك ووجدوا في جيبه الف شخص بندقي ومائتي محبوب عنها اثنان وعشرون الف قرش ثم بعد ايام افرجوا عن اخيه وسمعان ليسعيا في التحصيل وهلك سمعان واستمر غالي في السجن وقد رفعوا عنه وعن اخيه العقاب لئلا يموتا
وفي عاشره رجع الباشا من غيبته من الاسكندرية واول ما بادا به اخراج العساكر مع كبرائهم الى ناحية بحري وجهة البحيرة والثغور فنصبوا خيامهم بالبر الغربي والشرقي تجاه الرحمانية واخذوا صحبتهم مدافع وبارودا والات الحرب واستمر خروجهم في كل يوم وذلك من مكايده معهم وابعادهم عن جزاء فعلتهم التقدمه فخرجوا ارسالا
واستهل شهر صفر الخير سنة
فيه تشفع جوني الحكيم في المعلم غالي واخذه من الحبس الى داره والعساكر مستمرون في التشهيل والخروج وهم لايعلمون المراد بهم وكثرت الروايات والاخبار والايهامات والظنون ومعنى الشعر في بطن الشاعر
واستهل شهر ربيع الاول
فيه سافر طوسون باشا واخوه اسمعيل باشا الى ناحية رشيد ونصبوا
(3/502)

عرضيهما عند الحماد وناحية ابي منضور وحسين بك دالي باشا وخلافه مثل حسن اغا زجنلي ومحو بك وصارى جلة وحجو بك جهة البحيرة وكل ذلك تواطين وتلبيس للعساكر بكونه اخراج حتى اولاده العزاز للمحافظة وكذلك الكثير من كبرائهم الى جهة البحر الشرقي ودمياط
وفي ثاني عشره صبيحة المولد النبوي طلب الباشا المشايخ فلما جلسوا مجلسهم وفيهم الشيخ البكري احضروا خلعة والبسوها له على منصب نقابة الاشراف عوضا عن السيد محمد المحروقي وفاوضه في ذلك ورأى ان يقلده اياه فاعتذر السيد محمد المحروقي واستعفى وقال انا متقيد بخدمة افندينا ومهمات المتاجر والعرب والحجاز فقال قد قلدتك اياها فأعطها لمن شئت فذكر انها كانت مضافة للشيخ البكري وهو اولى من غيره فلما حضروا وتكاملوا لبسوه الخلعة واستصوب الجماعة ذلك وانصرفوا وفي الحال كتب فرمان بإخراج الدواخلي منفيا الى قرية دسوق فنزل اليه السيد احمد الملا الترجمان وصحبته قواس تركي وبيده الفرمان فدخلوا اليه على حين غفلة وكان بداخل حريمه لم يشعر بشئ مما جرى فخرج اليهم فأعطوه الفرمان فلما قرأه غاب عن حواسه واجاب بالطاعة وامروه بالركوب فركب بغلته وسارا به الى بولاق الى المنزل الذي كان شراه بعد موت ولده والشيخ سالم الشرقاوي وانسل مما كان فيه كانسلال الشعرة من العجين وتفرق الجمع الذي كان حوله وشرع الاشياخ في تنميق عرضحال عن لسانهم بأمر الباشا بتعداد جنايات الدواخلي وذنوبه وموجبات عزله وان ذلك بترجيهم والتماسهم عزله ونفيه ويرسل ذلك العرضحال لنقيب الاشراف بدار السلطنة لان الذي يكون نقيبا بمصر نيابة عنه ويرسل اليه الهدية في كل سنة فالذي نقموه عليه من الذنوب انه تطاول على حسين افندي شيخ رواق الترك وسبه وحبسه من غير جرم وذلك انه اشترى منه جارية حبشية بقدر من الفرانسة فلما اقبضه الثمن اعطاه بدلها قروشا بدون الفرط الذي بين المعاملتين فتوقف السيد حسين
(3/503)

وقال اما تعطيني العين التي وقع عليها الانفصال او تكمل فرط النقص وتشاحا وادى ذلك الى سبه وحبسه وهو رجل كبير متضلع ومدرس وشيخ رواق الاتراك بالازهر وهذه القضية سابقة على حادثة نفيه بنحو سنتين
ومنها ايضا انه تطاول على السيد منصور اليافي بسبب فتيا رفعت اليه وهي ان امرأة وقفت وقفا في مرض موتها وافتى بصحة الوقت على قول ضعيف فسبه في ملا من الجميع واراد ضربه ونزع عمامته من اعلى رأسه
ومنها ايضا انه يعارض القاضي في احكامه وينقص محاصيله ويكتب في بيته وثائق قضايا صلحا ويسب اتباع القاضي ورسل المحكمة ويعارض شيخ الجامع الازهر في اموره ونحو ذلك وعندما سطروه وتمموه وضعوا عليه ختومهم وارسلوا الى اسلامبول على ان جناياته عند الباشا ليست هذه النكات الفارغة بل ولا علم له بها ولا التفات وانما هي اشياء وراء ذلك كله ظهر بعضها وخفي عنا باقيها وذلك ان الباشا يحب الشوكة ونفوذ اوامره في كل مرام ولايصطفى ويحب الا من لايعارضه ولو في جزئية او يفتح له بابا يهب منه ريح الدراهم والدنانيراويدله على ما فيه كسب او ربح من أي طريق او سبب من أي ملة كان ولما حصلت واقعة قيام العسكر في اواخر السنة الماضية واقام الباشا بالقلعة يدبر امره فيهم والزم اعيان المتظاهرين الطلوع اليه في كل ليلة واجل المتعممين الدواخلي لكونه معدودا في العلماء ونقيبا على الاشراف وهي رتبة الوالي عند العثمانيين فداخله الغرور وظن ان الباشا قد حصل في ورطة يطلب النجاة منها بفعل القربات والندور ولكونه رآه يسترضي خواطر الرعية المنهوبين ويدفع لهم اثمانها ويستميل كبار العساكر وينعم عليهم بالمقادير الكثيرة من اكياس المال ويسترسل معه في المسامرة والمسايرة ولين الخطاب والمذاكرة والمضاحكة فلما رأى اقبال الباشا عليه زاد طمعه في الأسترسال معه فقال له الله يحفظ افندينا وينصره على اعدائه والمخالفين له ونرجوا من احسانه
(3/504)

بعد هدؤوسر وسكون هذه الفتنة ان ينعم علينا ويجرينا على عوائدنا في الحمايات والمسامحات في خصوص ما يتعلق بنا من حصص الالتزام والرزق فأجابه بقوله نعم يكون ذلك ولابد من الراحة لكم ولكافة الناس فدعا له وآنس فؤاده وقال الله تعالى يحفظ افندينا وينصره على اعدائه كذلك يكون تمام ما اشرتم به من الراحة لكافة الناس الافراج عن الرزق الاحباسية على المساجد والفقراء فقال نعم ووعده مواعيدة العرقوبية فكان الدواخلي اذا نزل من القلعة الى داره يحكي في مجلسه ما يكون بينه وبين الباشا من امثال هذا الكلام ويذيعه في الناس ولما امر الباشا الكتاب بتحرير حساب الملتزمين على الوجه المرضي بديوان خاص لرجال دائرة الباشا واكابر العسكر وذلك بالقعلة تطييبا لخواطرهم وديوان آخر في المدينة لعامة الملتزمين فيحررون للخاصة بالقلعة ما في قوائم مصروفهم وما كانوا يأخذونه من المضاف والبراني والهدايا وغير ذلك والديوان العام التحتاني بخلاف ذلك فلما راى الدواخلي ذلك الترتيب قال للباشا وانا الفقير محسوبكم من رجال الدائرة فقال نعم وحرروا قوائمه مع الاكابر واكابر الدولة وانعم عليه الباشا بأكياس ايضا كثيرة زيادة على ذلك فلما راق الحال ورتب الباشا اموره مع العسكر اخذ يذكر الباشا بإنجاز الوعد ويكرر القول عليه وعلى كتخدا بك بقوله انتم تكذبون علينا ونحن نكذب على الناس واخذ يتطاول على كتبة الاقباط بسبب امور يلزمهم ويكلفهم بإتمامها وعذرهم يخفي عنه في تأخيرها فيكلمهم بحضرة الكتخدا ويشتمهم ويقول لبعضهم اما اعتبر ثم بما حصل للعين غالي فيحقدون عليه ويشكون منه للباشا والكتخدا وغير ذلك امور مثل تعرضه للقاضي في قضاياه وتشكيه منه واتفق انه لما حضر ابراهيم باشا من الجهة القبلية وكان بصحبته احمد جلبي ابن ذي الفقار كتخدا الفلاح وكأنه كان كتخداه بالصعيد وتشكت الناس من افاعله واغوائه ابراهيم باشا فاجتمع به الدواخلي عند السيد محمد المحروقي وحضر قبل ذلك اليه للسلام عليه
(3/505)

وفي كل مرة يوبخه بالكلام ويلومه على افعاله بالقول الخشن في ملا من الناس فذهب الى الباشا وبالغ في الشكوى ويقول فيها انا نصحت في خدمة افندينا جهدي واظهرت من المخبات ما عجز عنه غيري فأجازي عليه من هذا الشيخ ما اسمعنيه من قبيح القول وتجبيهي بين الملا واذا كان محبا لافندينا فلا يكره نفعه ولا النصح في خدمته وامثال ذلك مما يخفي عنا خبره فمثل هذه الامور هي التي اوغرت صدر الباشا على الدواخلي مع انها في الحقيقة ليست خلافا عند من فيه قابلية للخير وانا اقول ان الذي وقع لهذا الدواخلي انما هو قصاص وجزاء فعله في السيد عمر مكرم فإنه كان من اكبر الساعين عليه الى ان عزلوه واخرجوه من مصر والجزاء من جنس العمل كما قيل ...
فقل للشامتين بنا افيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا ...
ولما جرى على الدواخلي ما جرى من العزل والنفي اظهر الكثير من نظرائه المتفقهين الشماتة والفرح وعملوا ولائم وعزائم ومضاحكات كما قيل ...
امور تضحك السفهاء منها ... ويبكي من عواقبها اللبيب ...
وقد زالت هيبتهم ووقارهم من النفوس وانهمكوا في الامور الدنيوية والحظوظ النفسانية والوساوس الشيطانية ومشاركة الجهال في الماثم والمسارعة الى الولائم في الافراح والمآتم يتكالبون على اسمطة كالبهائم فتراهم في كل دعوة ذاهبين وعلى الخوانات راكعين وللكباب والمحمرات خاطفين وعلى ما وجب عليهم من النصح تاركين
وفي اواخره شرعوا في عمل مهم عظيم بمنزل ولي افندي ويقال له ولي جحا وهو كاتب الخزينة العامرة وهو من طائفة الارنؤد واختص به الباشا واستأمنه على الامور وضم اليه دفاتر الايراد من جميع وجوه جبايات الاموال من خراج البلاد والمحدثات وحسابات المباشرين وانشا دارا عظيمة بخطة باب اللوق على البركة المعروفة بأبي الشوارب وادخل فيها
(3/506)

عدة بيوت بجانبها على نسق واصطلاح الابنية الافرنجية والرومية وتأنق في زخرفتها واتساعها واستمرت العمارة بها نحو السنتين ولما كملت وتمت احضروا القاضي والمشايخ وعقدوا لولديه على ابنتين من اقارب الباشا بحضرة الاعيان ومن ذكر واحتفلوا بعمل المهم احتفالا زائدا وتقيد السيد محمد المحروقي بالمصاريف والتنظيم واللوازم كما كان في افراح اولاد الباشا واجتمعت الملاعيب والبهلوانات بالبركة وما حولها وبالشارع وعلقوا تعاليق قناديل ونجفات واحمال بلور وزينات واجتمع الناس للفرجة وبالليل حراقات ونفوط ومدافع وسواريخ سبع ليال متوالية وعملت الزفة يوم الخميس واجتمعت العربات لاباب الحرف كما تقدم في العام الماضي بل ازيد وذلك لان الباشا لم يشاهد افراح اولاده لكونه كان غائبا بالديار الحجازية وحضر الباشا للفرجة وجلس بمدرسة الغورية بقصد الفرجة وعمل له السيد محمد المحروقي الغداء وخرجوا بالزفة اوائل النهار وداروا بها دورة طويلة فلم يمروا بسوق الغورية الا قريب الغروب اواخر النهار
واستهل شهر ربيع الثاني سنة
وخروج العساكر الى ناحية بحرى مستمر وافصح الباشا وذكر في كلامه في مجالسه وبين السر في اخراجهم من المدينة بأن العساكر قد كثروا وفي اقامتهم بالبلدة مع كثرتهم ضرر وافساد وضيق على الرعية مع عدم الحاجة اليهم داخل البلدة والاولى والاحوط ان يكونوا خارجها وحولها مرابطين لحفظ الثغور من طارق على حين غفلة او حادث خارجي وليس لهم الا رواتبهم وعلائفهم تأتيهم في اماكنهم ومراكزهم والسر الخفي اخراج الذين قصدوا غدره وخيانته ووقع بسبب حركتهم ما وقع من النهب والازعاج على اواخر شعبان من السنة الماضية وكان قد بدا باخراج اولاده وخواصه من تحيله واحدا بعد واحد واسر الى اولاده بما في ضميره واصحب مع ولده طوسون باشا شخصا من خواصه يسمى احمد اغا
(3/507)

البخورجي المدللي واخذ طوسون باشا في تدبير الايقاع مع من يريد به فبدا بمحو بك وهو اعظمهم واكثرهم جندا فأخذ في تأليف عساكره حتى لم يبق معه الا القليل ثم ارسل في وقت بطلب محو بك عنده في مشروة فذهب اليه احمد اغا المدللي المذكور واسر اليه ما يراد به واشار اليه بعدم الذهاب فركب محو بك في الحال وذهب عند الدلاة فأرسلوا الى مصطفى بك وهو كبير على طائفة من الدلاة وأخو زوجة الباشا وقريبه والى اسمعيل باشا ابن الباشا ليتوسطا في صلح محو بك مع الباشا وليعفوه ويذهب الى بلاده فأرسلا الى الباشا بالخبر وبما نقله احمد اغا المدللي الى محو بك فسفه رأيه في تصديق المقالة وفي هروبه عند الدلاة ثم يقول لولا ان في نفسه خيانة لما فعل ما فعل من التصديق والهروب وكان طوسون باشا لما جرى من احمد اغا ما جرى من نقل الخبر لمحو بك عوقه وارسل الى ابيه يعلمه بذلك فطلبه للحضور اليه بمصر فلما مثل بين يديه وبخه وعزره بالكلام وقال له ترمي الفتن بين اولادي وكبار العسكر ثم امر بقتله فنزلوا به الى با زويلة وقطعوا رأسه هناك وتركوه مرميا طول النهار ثم رفعوه الى داره وعملوا له في صبحها مشهدا ودفنوه
وفيه حضر اسمعيل باشا ومصطفى بك الى مصر
وفي اواخره حضر شخص يسمى سليم كاشف من الاجناد المصرية مرسلا من عند بقاياهم من الامراء واتباعهم الذين رماهم الزمان بكلكله واقصاهم وابعدهم عن اوطانهم واستوطنهم دنقلة من بلاد السودان يتقوتون مما يزرعونه بأيديهم من الدخن وبينهم وبين اقصى الصعيد مسافة طويلة نحو من اربعين يوما وقد طال عليهم الامد ومات اكثرهم ومعظم رؤساهم مثل عثمان بك حسن وسليم اغا واحمد اغا شويكار وغيرهم ممن لاعلم لنا بخبرة اخبارهم لبعد المسافة حتى على اهل منازلهم وبقي ممن لم يمت منهم ابراهيم بك الكبير وعبد الرحمن بك تابع عثمان بك المرادي وعثمان بك يوسف واحمد الالفي زوج عديلة ابنة ابراهيم بك الكبير وعلي
(3/508)

بك ايوب وبواقي صفار الامراء والمماليك على ظن خيانتهم وقد كبر سن ابراهيم بك الكبير وعجزت قواه ووهن جسمه فلما طالت عليهم الغربة ارسلوا هذا المرسل بمكاتبة الى الباشا يستعطفونه ويسألون فضله ويرجون مراحمه بأن ينعم عليهم بالامان على نفوسهم ويأذن لهم بالانتقال من دنقلة الى جهة من اراضي مصر يقيمون بها ايضا ويتعيشون فيها بأقل العيش تحت امانه ويدفعون ما يجب عليهم من الخراج الذي يقرره عليهم ولايتعدون مراسمه واوامره فلما حضر وقابل الباشا وتكلم معه وسأله عن حالهم وشأنهم ومن مات ومن لم يمت منهم وهو يخبره خبرهم ثم امره بالانصراف الى محله الذي نزل فيه الى ان يرد عليه الجواب وانعم عليه بخمسة اكياس فأقام اياما حتى كتب له جواب رسالته مضمونه انه أعطاهم الامان على انفسهم بشروط شروطها عليهم ان خالفوا منها شرطا واحد كان امانهم منقوضا وعهدهم منكرثا ويحل بهم ما حل بمن تقدم منهم فأول الشروط انهم اذا عزموا على الانتقال من المحل الذي هم فيه يرسلون امامهم نجابا يخبره بخبرهم وحركتهم وانتقالهم لياتيهم من أعينه لملاقاتهم الثاني اذا حلوا بأرض الصعيد لا يأخذون من اهل النواحي كلفة ولا دجاجة ولا رغيفا واحدا وانما الذي يتعين لملاقاتهم يقوم لهم بما يحتاجون اليه من مؤنة وعليق ومصرف الثالث اني لا اقطعهم شيئا من الاراضي والنواحي ولا اقامة في جهة من جهات اراضي مصر بل ياتون عندي وينزلون على حكمي ولهم ما يليق بكل واحد منهم من المسكن والتعيين والمصرف ومن كان ذا قوة قلدته منصبا او خدمة تليق به او ضمته الى بعض الاكابر من رؤساء العسكر وان كان ضعيفا او هرما اجريت عليه نفقة لنفسه وعياله والرابع انهم اذا حصلوا بمصر على هذه الشروط وطلبوا شيئا من اقطاع او زرقه او قنطرةاو اقل مما كان في تصرفهم في الزمن الماضي او نحو ذلك انتقض معي عهدهم وبطل اماني لهم بمخالفة شرط واحد من هذه الشروط وهي سبعة غاب عن ذهني باقيها فسبحان المعز
(3/509)

المذل مقلب الاحوال ومغير الشؤون
فمن العبر انه لما حضر المصريون ودخلوا الى مصر بعد مقتل طاهر باشا وتأمروا وتحكموا فكانت عساكر الاتراك في خدمتهم ومن ارذل طوائفهم وعلائفهم تصرف عليهم من ايدي كتابهم واتباعهم وابراهيم بك هو الامير الكبير وراتب محمد علي باشا هذا من الخبز واللحم والارز والسمن الذي عينه له من كبلاره نعوذ بالله من سوء المنقلب ورجع سليم كاشف المرسل اليهم بالجواب المشتمل على مافيه من الشروط
وفيه امر الباشا بحبس احمد افندي المعايرجي بدار الضرب وحبس ايضا عبد الله بكتاش ناظر الضربخانة واحتج عليهما باختلاسات يختلسانها واستمر اياما حتى برر عليهما نحو السبعمائة كيس وعلى الحاج سالم الجواهرجي وهو الذي يتعاطى ايراد الذهب والفضة الى شغل الضربخانة مثلها ثم اطلق المذكوران ليحصلا ما تقرر عليهما وكذلك اطلق الحاج سالم وشرعوا في التحصيل بالبيع والاستدانة واشتد القهر بالحاج سالم ومات على حين غفلة وقيل انه ابتلع فص الماس وكان عليه ديون باقية من التي استدانها في المرة الاولى والغرامة السابقة
ومن النوادر الغريبة والاتفاقات العجيبة
انه لما مات ابراهيم بك المداد بالضربخانة قبل تاريخه تزوج بزوجته احمد افندي المعايرجي المذكور فلما عوق احمد افندي خافت زوجته المذكورة ان يدهمها امر مثل الختم على الدار او نحو ذلك فجمعت مصاغها وما تخاف عليه مما خف حمله وثقل ثمنه وربطته في صرة واودعتها عند امرأة من معارفها فسطا على بيت تلك المرأة شخص حرامي واخذ تلك الصرة وذهب بها الى دار امرأة من اقاربه بالقرب من جامع مسكة وقال لها احفظي عند هذه الصرة حتى ارجع ونزل الى اسفل الدار فنادته المراة اصبر حتى آتيك بشئ تأكله فقال نعم فإني جيعان وجلس اسفل الدار ينتظر اتيانها له بما يأكله وصادف مجئ زوج المرأة تلك الساعة فوجده
(3/510)

فرحب به وهو يعلم بحاله ويكره مجيئه الى داره وطلع الى زوجته فوجد بين يدها تلك الصرة فسألها عنها فأخبرته ان قريبها المذكور اتى بها اليها حتى يعود لاخذها فجسها فوجدها ثقيلة فنزل في الحال ودخل على محمد افندي سليم من اعيان جيران الخطة فأخبره فأحضر محمد افندي انفارا من الجيران ايضا وفيهم الخجا المنسوب الى احمد اغا لاظ المقتول ودخل الجميع الى الدار وذلك الحرامي جالس ومشتغل بالاكل فوكلوا به الخدم واحضروا تلك الصرة وفتحوها فوجدوا بها مصاغا وكيسا بداخله انصاف فضة عددية ذكروا ان عدتها اربعون الفا ولكنها من غير ختم وبدون نقش السكة فأخذوا ذلك وتوجهوا لكتخدا بك وصحبتهم الحرامي فسألوه وهددوه فأقر واخبر عن المكان الذي اختلسها منه فأحضروا صاحبة المكان فقالت هو وديعة عندي لزوجة احمد افندي المعايرجي فثبت لديهم خيانته واختلاسه وسئل احمد افندي فحلف انه لايعلم بشئ من ذلك وان زوجته كانت زوجا لابراهيم المداد فلعل ذلك عندها من ايامه وسئلت هي ايضا عن تحقيق ذلك فقالت الصحيح ان ابراهيم الداد كان اشترى هذه الدراهم من شخص مغربي عندما نهب عسكر المغاربة الضربخانة في وقت حادثة الامراء المصريين وخروجهم من مصر عندما قامت عليهم عسكر الاتراك فلم يزيلوا الشبهة عن احمد افندي بل زادت وكانت هذه النادرة من عجائب الاتفاق فقدروا اثمانها وخصموها من المطلوب منه
وفي يوم الخميس عشرينه حصلت جمعية ببيت البكري وحضر المشايخ وخلافهم وذلك بأمر باطني من صاحب الدولة وتذاكروا ما يفعله قاضي العسكر من الجور والطمع في اخذ اموال الناس والمحاصيل وذلك ان القضاة الذين يأتون من باب السلطنة كانت لهم عوائد وقوانين قديمة لايتعدونها في ايام الامراء المصريين فلما استولت هؤلاء الاروام على المماليك والقاضي منهم فحش امرهم وزاد طمعهم وابتدعوا بدعا وابتكروا حيلا لسلب اموال الناس والايتام والارامل وكلما ورد قاض ورأى ما ابتكره
(3/511)

الذي كان قبله احدث هو الاخر اشياء يمتاز بها عن سلفه عن حتى فحش الامر وتعدى ذلك لقضايا اكابر الدولة وكتخدا بك بل والباشا وصارت ذريعة وامرا محتما لا يحتشمون منه ولايراعون خليلا وكبيرا ولا جليلا وكان المعتاد القديم انه اذا ورد القاضي في اول السنة التوتية التزم بالقسمة بعض المميزين من رجال المحكمة بقدر معلوم يقوم بدفعه للقاضي وكذلك تقرير الوظائف كانت بالفراغ او المحلول وله شهريات على باقي المحاكم الخارجة كالصالحية وباب سعادة والخرق وباب الشعرية وباب زويلة وباب الفتوح وطيلون وقناطر السباع وبولاق ومصر القديمة ونحو ذلك وله عوائد واطلاقات وغلال من الميري وليس له غير ذلك الا معلوم الامضاء وهو خمسة انصاف فضة فإذا احتاج الناس في قضاياهم ومواريثم احضروا شاهدا من المحكمة القريبة منهم فيقضي فيها مايقضيه ويعطونه اجرته وهو يكتب التوثيق او حجة المبايعة او التوريث ويجمع العدة من الاوراق في كل جمعة او شهر ثم يمضيها من القاضي ويدفع له معلوم الامضاء لاغير واما القضايا لمثل العلماء والامراء فبالمسامحة والاكرام وكان القضاة يخشون صولة الفقهاء وقت كونهم يصدعون بالحق ولا يداهنون فيه فلما تغيرت الاحوال وتحكمت الاتراك وقضاتها ابتدعوا بدعا شتى
منها ابطال نواب المحاكم وابطال القضاة الثلاثة خلاف مذهب الحنفي وان تكون جميع الدعاوي بين يديه ويدي نائبه وبعد الانفصال يأمرهم بالذهاب الى كتخداه ليدفع المحصول فيطلب منهم المقادير الخارجة عن المعقول وذلك خلاف الرشوات الخفية والمصالحات السرية واضاف التقرير والقسمة لنفسه ولايلتزم بها احد من الشهود كما كان في السابق واذا دعى بعض الشهود لكتابة توثيق او مبايعة او تركة فلا يذهب إلا بعد ان يأذن له القاضي او يصحبه بجوخدار ليباشر القضية وله نصيب ايضا وزاد طمع هؤلاء الجوخدارية حتى لايرضون بالقليل كما كانوا في
(3/512)

اول الامر وتخلف منهم اشخاص بمصر عن مخاديمهم وصاروا عند المتولي لما انفتح لهم هذا الباب واذا ضبط تركة من التركات وبلغت مقادر أخرجوا للقاضي العشر من ذلك ومعلوم الكاتب والجوخدار والرسول ثم التجهيز والتكفير والمصرف والديون وما بقي بعد ذلك يقسم بين الورثة فيتفق ان الوارث واليتيم لايبقى له شئ ويأخذ من ارباب الديون عشر ديونهم ايضا ويأخذ من محاليل وظائف التقارير معلوم سنتين او ثلاثة وقد كان يصالح عليها بأدنى شئ والا اكراما وابتدع بعضها الفحص عن وظائف القبانية والموازين وطلب تقاريرهم القديمة ومن اين تلقوها وتعلل عليهم بعدم صلاحية المقرر وفيها من هو بإسم النساء وليسوا اهلا لذلك وجمع من هذا النوع مقدارا عظيما من المال ثم محاسبات نظار الاوقاف والعزل والتولية فيهم والمصالحات على ذلك وقرر على نصارى الاقباط والاروام قدرا عظيما في كل سنة بحجة المحاسبة على الديور والكنائس ومما هو زائد الشناعة ايضا انه اذا ادعى مبطل على انسان دعوى لا اصل لها بأن قال ادعى عليه بكذا وكذا من المال وغيره كتب المقيد ذلك القول حقا كان او باطلا معقولا او غير معقول ثم يظهر بطلان الدعوى او صحة بعضها فيطالب الخصم بمحصول القدر الذي ادعاه المدعي وسطره الكاتب يدفعه المدعي عليه للقاضي على دور النصف الواحد او خلاف ما يؤخذ من الخصم الاخر وحصل نظيرها لبعض من هو ملتجئ لكتخدا بك فحبس على المحصول فأرسل الكتخدا يترجى في اطلاقه والمصالحة عن بعضه فأبى فعند ذلك حنق الكتخدا وارسل من اعوانه من استخرجه من الحبس ومن الزيادات في نغمة الطنبور كتابة الاعلامات وهو انه اذا حضر عند القاضي دعوى بقاصد من عند الكتخدا او الباشا ليقضي فيها وقضى فيها لاحد الخصمين طلب المقضي له اعلاما بذلك الى الكتخدا او الباشا يرجع به مع القاصد تقييدا واثباتا فعند ذلك لايكتب له ذلك الاعلام الا بما عسى لا يرضيه الا ان يسلخ من جلده طاقا او طاقين وقد حكمت
(3/513)

عليه الصورة وتابع الباشا او الكتخدا ملازم له ويستعجله ويساعد كتخدا القاضي عليه ويسليه على ذلك الظفر والنصرة على الخصم مع ان الفرنساوية الذين كانوا لايتدينون بدين لما قلدوا الشيخ احمد العريشي القضاء بين المسلمين بالمحكمة حددوا له حدا في اخذ المحاصيل لايتعداه بأن يأخذ على المائة اثنين فقط له منها جزء الكتاب جزء فلما زاد الحال وتعد الى اهل الدولة رتبوا هذه الجمعية فلما تكاملوا بمجلس بيت البكري كتبوا عرضا محضرا ذكروا فيه بعض هذه الاحداثات والتمسوا من ولي الامر رفعها ويرجون من المراحم ان يجري القاضي ويسلك في الناس طريقا من احدى الطرق الثلاث اما الطريقة التي كان عليها القضاة في زمن الامراء المصريين واما الطريقة التي كانت في زمن الفرنساوية او الطريقة التي كانت ايام مجئ الوزير وهي الاقرب والاوفق وقد اخترناها ورضيناها بالنسبة لما هم عليه الان من الجور وتمموا العرض محضرا واطلعوا عليه الباشا فارسله الى القاضي فامتثل الامر وسجل بالسجل على مضض منه ولم تسعه المخالفة
واستهل شهر جمادي الثانية سنة
في منتصفه ورد الخبر بموت مصطفى بك دالي باشا بناحية الاسكندرية وهو قريب الباشا واخو زوجته
واستهل شهر رجب الاصم بيوم الثلاثاء سنة
في ثالثه يوم الخميس قبل الغروب حصل في الناس انزعاج ولغط ونقل اصحاب الحوانيت بضائعهم منها مثل سوق الغورية ومرجوش وخان الحمزاوي وخان الخليلي وغيرهم ولم يظهر لذلك سبب من الاسباب واصبح الناس مبهوتين ولغطوا بموت الباشا وحضر اغات الينكجرية واغات التبديل الى الغورية واقاما بطول النهار وهما يامران الناس بالسكون وفتح الدكاكين وكذلك علي اغا الوالي بباب زويلة واصبح يوم السبت فركب الباشا وخرج الى قبة العزب وعمل رماحة وملعبا ورجع الى شبرا
(3/514)

وحضر كتخدا بك الى سوق الغورية وجلس بالمدفن وامر بضرب شيخ الغورية فبطحوه على الارض في وسط السوق وهو مرشوش بالماء وضربه الاتراك بعصيهم ثم رفعوه الى داره ثم امر الكتخدا بكتابة اصحاب الدكاكين الذين نقلوا متاعهم فشرعوا في ذلك وهرب الكثير منهم وحبسهم في داه ثم ركب الكتخدا ومر في طريقه على خان الحمزاوي وطلب البواب فلما مثل بين يديه امر بضربه كذلك وضرب ايضا شيخ مرجوش واما طائفة خان الخليلي ونصارى الحمزاوي فلم يتعرض لهم
واستهل شهر شعبان بيوم الخميس سنة
فيه من الحوادث ان بعض العيارين من السراق تعدوا على قهوة الباشا بشبرا وسرقوا جميع ما بالنصبة من الاواني والبكارج والفناجين والظروف فأحضر الباشا بعض ارباب الدرك بتلك الناحية والزمه بإحضار السراق والمسروق ولايقبل له عذرا في التأخير ولو يصالح على نفسه بخزينة او اكثر من المال ولايكون غير ذلك ابدا والا نكل به نكالا عظيما وهو المأخوذ بذلك فترجى في طلب المهلة فأمهله اياما وحضر بخمسة اشخاص واحضروا المسروق بتمامه لم ينقص منه شئ وامر بالسراق فخوزقوهم في نواحي متفرقين بعد ان قرروهم على امثالهم وعرفوا عن اماكنهم وجمع منهم زيادة على الخمسين وشنق الجميع في نواح متفرقة بالاقاليم مثل القليوبية والغربية والمنوفية
وفي منتصفه يوم الجمعة الموافق لرابع مسرى القبطي اوفي النيل اذرعة وفتح سد الخليج يوم السبت
وفيه وقع من النوادر ان امرأة ولدت مولودا برأسين واربعة ايدي وله وجهان متقابلان والوجهان بكتفيهما مفروقان من حد الرأس وقيل لحد الصدر والبطن واحدة وثلاثة ارجل واحدى الارجل لها عشرة اصابع فيقال انه اقام يوما وليلة حيا ومات وشاهده خلق كثير وطلعوا به الى القلعة وراه كتخدا بك وكل من كان حاضرا بديوانه فسبحان الله الخلاق العظيم
(3/515)

واستهل شهر رمضان بيوم الجمعة سنة 1231
حصل فيه من النوادر ان في تاسع عشره علق شخص عسكري غلاما من اولاد البلد وصار يتبعه في الطرقات الى ان صادفه ليلة بالقرب من جامع الماس بالشارع فقبض عليه واراد الفعل به في الطريق فخدعه الغلام وقال له ان كان لابد فادخل بنا في مكان لايرانا فيه احد من الناص فدخل معه درب حلب المعروف الان بدرب الحمام خير بك حديد وهناك دور الامراء التي صارت خرائب فحل العسكري سراويله فقال له الغلام ارني بتاعك فلعله يكون عظيما لا اتحمله جميعه وقبض عليه وكان بيده موسى مخفيه في يده الاخرى فقطع ذكره بتلك الموسى سريعا وسقط العسكري مغشيا عليه وتركه الغلام وذهب في طريقه وحضر رفقاء ذلك العسكري وحملوه واحضروا له سليما الجرائحي فقطع ما بقي من مذاكيره واخذ في معالجته ومداواته ولم يمت العسكري
واستهل شهر شوال بيوم السبت
وكان حقه يوم الاحد وذلك ان اواخر رمضان حضر جماعة من دمنهور البحيرة واخبروا عن اهل دمنهور انهم صاموا يوم الخميس فطلب الباشا حضور من رأى الهلال تلك الليلة فحضر اثنان من العسكر وشهدا برؤيته ليلة الخميس فأثبتوا بذلك هلال رمضان ويكون تمامه يوم الجمعة واخبر جماعة ايضا انهم راوا هلال شوال ليلة السبت وكان قوسه في حساب قواعد الاهلة تلك الليلة قليلا جدا ولم ير في ثاني ليلة منه الا بعسر وانما اشتبه على الرائين لان المريخ كان مقارنا للزهرة في برج الشمس من خلفها وبينهما وبين الشمس رؤيا بعدها في شعاع الشمس شبه الهلال فظن الراؤن انه الهلال فلينتبه لذلك فإن ذلك من الدقائق التي تخفي على أهل الفطانة فضلا عن غيرهم من العوام الذين يسارعون الى افساد العبادات حسبه بالظنون الكاذبة لاجل ان يقال شهد فلان ونحو ذلك
وفي اواخره قلد الباشا شخصا من اقاربه يسمى شريف اغا على دواوين
(3/516)

المبتدعات وضم اليه جماعة من الكتبة ايضا المسلمين والاقباط وجعلوا ديوانهم ببيت ابي الشوارب وعمروه عمارة عظيمة وواظبوا الجلوس فيه كل يوم التحرير والمبتدعات ودفاتر المكوس
واستهل شهر ذي القعدة سنة
فيه انهدم جنب من السواقي التي انشأها الباشا بشبرا على حين غفلة وقد قوي عليها النيل فتهدمت وتكسرت اخشابها وسقط معها اشخاص كانوا حولها فنجا منهم من نجا وغرق منهم من غرق وكان الباشا بصر شبرا مقيما به وهو يرى ذلك وانقضت السنة واخبار بعض حوادثها واستمرار ما تجدد فيها من المبتدعات التي لا حصر لها
ومنها الحجر على المزارع التي يزرعها الفلاحون في الاراضي التي يدفعون خراجها من الكتاب والسمسم والعصفر والنيلة والقطن والقرطم واذا بدا صلاحه لايبيعون منه شيئا كعادتهم وانما يشتريه الباشا بالثمن الذي يفرضه ويقدره على يد امناء النواحي والكشاف ويحملونه الى المحل الذي يؤمرون بحمله اليه ويعطى لهم الثمن او يحسب لهم من اصل المال فان احتاجوا الشئ من ذلك اشتروه بالثمن الزائد المفروض وكذلك القمح والفول والشعير لايبيعون منه شيئا لغير طرف الباشا بالثمن المفروض والكيل الوافي
ومنها الامر لكشاف الاقاليم بالمناداة العامة بالمنع لمن يأخذ او يأكل من الفول الاخضر والحمص والحلبة وان المعينين في الخدم والمباشرين وكشاف النواحي لايأخذون شيئا من الفلاحين كعادتهم من غير ثمن فمن عثر عليه بأخذ شئ ولو رغيفا او تبنا او من رجيع البهائم حصل له مزيد الضرر ولو كان من الاعاظم وكذلك الامر بتكميم افواه المواشي التي تسرح للمرعى حوالي الجسور والغيطان
ومنها ان نصرانيا من الارمن التزم بقلم الأبراز التي تأتي من بلاد الصعيد مثل الحبة السوداء والشمر والانيسون والكمون والكراويا ونحو ذلك
(3/517)

بقدر كبير من الاكياس ويتولى هو شراءها دون غيره ويبيعها بالثمن الذي يفرضه ومقدار ما التزم بدفعه من الاكياس للخزينة على ما بلغنا خمسمائة كيس وكانت في ايام الامراء المصريين عشرة اكياس لاغير فلما تولى على وكالة دار السعادة صالح بك المحمدي زادها عشرة اكياس وكانت وكالة الابزار والقطن وقفا لمصطفى اغا دار السعادة سابقا على خيرات الحرمين وخلافهما فلما كانت هذه الدولة تولاها شخص على مائتي كيس وعند ذلك سعر الابزار اضعاف الثمن الاصلي ومن داخل الابزار الثمر الابريمي والسلطاني والخوص والمقاطف والسلب والليف وبلغ سعر المقفطف الذي يسع الكيلة من البر خمسة وعشرين نصفا وكان يباع بنصف او نصفين ان كان جيدا وفي الجملة بأقل من ذلك
ومنها ان كرابيت معلم ديوان الكمرك ببولاق التزم بمشيخة الحمامية واحدث عليها وعلى توابعها حوادث وعلى النساء البلانات في كل جمعة قدرا من الدراهم وجعل لنفسه يوما في كل جمعة يأخذ ايراده من كل حمام
ومنها ما حصل في هذه السنة من شحة الصابون وعدم وجوده بالاسواق ومع السراحين وهو شئ لايستغنى عنه الغني ولا الفقير وذلك ان تجارة بوكالة الصابون زادوا في ثمنه محتجين بما عليهم من المغارم والرواتب لاهل الربح فيأمر الكتخدا فيه بأمر وبسعر بثمن فيدعون الخسران وعدم الربح وتكرر الحال فيه المرة بعد المرة ويشتكون من قلة المجلوب الى ان سعر رطله بستة وثلاثين نصفا فلم يرتضوا ذلك وبالغوا في التشكي فطلب قوائمهم وعمل حسابهم وزادهم خسمة انصاف في كل رطل وحلف ان لا يزيد على ذلك وهم مصممون على دعوى الخسران فأرسل من اتباعه شخصا تركيا لباشرة البيع وعدم الزيادة فيأتي الى الخان في كل يوم يباشر البيع على من يشترى بذلك الثمن لاربابه ويمكث مقدار ساعتين من النهار ويغلق الحواصل ويرفع البيع لثاني يوم وفي ظرف هاتين الساعتين
(3/518)

تزدحم العسكر على الشراء ولايتمكن خلافهم من اهل البلد من اخذ شئ وتخرج العسكر فيبيعون من الذي اشتروه على الناس بزيادة فاحشة فيأخذ الرطل بقرش ويبيعه على غيره بقرشين ورفع التشكي الى كتخدا فامر ببيعه عند باب زويلة في السبلين المواجه احدهما للباب والسبيل الذي انشأته الست نفيسة المرادية عند الخان تجاه الجامع المؤدي ليسهل على العامة تحصيله وشراؤه فلم يزداد الحال الا عسرا وذلك ان البائع يجلس داخل السبيل ويغلق عليه بابه ويتناول من خروق الشبابيك من المشتري الثمن ويناوله الصابون فازدحمت طوائف العساكر على الشراء ويتعلقون بأيديهم وارجلهم على شبابيك السبيلين والعامة اسفلهم لايتمكنون من اخذ شئ ويمنعون من يزاحمهم فيكون على السبيلين ضجة وصياح من الفريقين فلا يسع ابن البلد الفقير المضطر الا ان يشترى من العسكري بما احب والا رجع الى منزله من غير شئ واستمر الحال على هذا المنوال اياما وفي بعض الاحاجيين يكثر من وجود الصابون بين ايدي الباعة بوسط السوق ولاتجد عليه مزاحمة وامام البائع كوم عظيم وهو ينتظر من يشتري وذلك في غالب الاسواق مثل الغورية والاشرفية وباب زويلة والبندقانيين والجهات الخارجة ثم يصبحون فلا يوجد منه شئ ويرجع الازدحام على السبيلين كالاول
ومنها ان الباشا اطلق المناداة في البلدة وندب جماعة من المهندسين والمباشرين للكشف على الدور والمساكن فان وجدوا به او ببعضه خلالا امروا صاحبه بهدمه وتعميرة فان كان يعجز عن ذلك فيؤمر بالخروج منها واخلائها ويعاد بناؤها على طرف الميري وتصير من حقوق الدولة وسبب هذه النكتة انه بلغ الباشا سقوط دار بعض الجهات ومات تحت ردمها ثلاثة اشخاص من سكانها فأمر بالمناداة وارسل المهندسين والامر بما ذكر فنزل بأهالي البلد من الكرب امر عظيم مع ماهم فيه من الافلاس وقطع الايراد وغلوا الاسعار على ان من كان له نوع مقدرة على الهدم والبناء
(3/519)

لايوجد من ادواته شيئا بحسب التحجير الواقع على ارباب الاشغال واستعمال الجميع في عمائر الباشا واكابر الدولة حتى ان الانسان اذا احتاج لبناء كانون لايجد من يبنيه ولايقدر على تحصيل صانع اوفاعل او اخذ شئ من رماد الحمام الا بفرمان ومن حصل شيئا من ذلك على طريق السرقة في غفلة وعثر عليه نكلوا به وبرئيس الحمام وحمير الباشا وهي ازيد من الفي حمار تنقل بالمزابل والسرقانيات طول النهار ما يوجد بالحمامات من الرماد وتنقل ايضا الطوب والدبش والاتربة وانقاض البيوت المنهدمة لمحل العمائر بالقلعة وغيرها فترى الاسواق والعطف مزدحمة بقطارات الحمير الذاهبة والراجعة واذا هدم انسان داره التي امروه بهدمها وصل اليه في الحال قطار من الحمير لاخذ الطوب الذي يتساقط الا ان يكون من اهل القدرة على منعهم وربما كان هذه الاوامر حيلة على اخذ الانقاض واما الاتربة فتبقى بحالها حتى في طرق المارة للعجز عن نقلها فترى غالب الطرق والنواحي مردومه بالاتربة واما الهدم ونقل الانقاض من البيوت الكبار والدور الواسعة التي كانت مساكن الامراء المصريين بكل ناحية وخصوصا بركة الفيل وجهة الحبانية فهو مستمر حتى بقيت خرابا ودعائم قائمة وكيمان هائلة واختلطت بها الطرق واصبحت موحشة ولا مارى بها حتى لليوم بعد ان كانت مراتع غزلان فكنت كلما رأيتها اتذكر قول القائل ... هذي منازل اقوام عهدتهم ... في خفض عيش نعيم ما له خطر ... صاحت بهم نوب الايام فارتحلوا ... الى القبور فلا عين ولا اثر ... وكذلك بولاق كانت منتزه الرفاق فإنه تسلط عليها سليمان اغا السلحدار واسمعيل باشا في الهدم واخذ انقاض الابنية ببر انبابه والجزيزة الوسطى بين انبابة وبولاق فأن سليمان آنما أنشأ ستانا كبير بين إبنابة وسوره وبنى به قصراوسواقي واخذ يهدم ابنية بولاق من الوكائل والدور وينقل احجارها وانقاضها في المراكب ليلا ونهارا الى البر الاخر واسماعيل باشا كذلك انشا بستانا وقصرا بالجزيرة وشرع ايضا في اتساع سرايته ومحل
(3/520)

سكنه ببولاق واخذ الدور والمساكن والوكائل من حد الشون القديم الى اخر وكالة الابزار العظيمة طولا فيهدمون الدور وغيرها من غير مانع ولا شافع وينقلون الانقاض الى محل البناء وكذلك ولي خوجة شرع في بناء قصر بالروضة ببستان فهو الاخر يهدم مايهدمه من مصر القديمة وينقل انقاضه لبنائه وهلك قبل اتمامه واما نصارى الارمن وما ادراك ما الارمن الذين هم اخصاء الدولة الان فانهم انشؤا دورا وقصورا وبساتين بمصر القديمة لكنهم فهم يهدمون ايضا وينقلون لابنيتهم ما شاؤا ولا حرج عمليهم وانما الحرج والمنع والحجر والهدم على المسلمين من اهل البلدة فقط
ومنها ان الباشا امر ببناء مساكن للعسكر الذين اخرجهم من مصر بالاقاليم يسمونها القشلات بكل جهة من اقاليم الارياف لسكن العساكر المقيمين بالنواحي لتضررهم من الاقامة الطويلة بالخيام في الحر والبرد واحتياج الخيام في كل حين الى تجديد وترقيع وكثير خدمة وهي جمع قشلة بكسر القاف وسكون الشين وهي في اللغة التركية المكان الشتوي لان الشتاء في لغتهم يسمى قش بكسر القاف وسكون الشين فكتب مراسيم الى النواحي بسائر القرى بالامر لهم بعمل الطوب اللبن ثم حرقه وحملة الى محل البناء وفرضوا على كل بلد وقرية فرضا وعددا معينا فيفرض على القرية مثلا خمسمائة الف لبنة واكثر بحسب كبر القرية وصغرها فيجمع كاشف الناحية مشايخ القرى ثم يفرض على كل شيخ قدرا وعددا من اللبن عشرين الفا او ثلاثين الفا او اكثر او اقل ويلزم بضربها وحرقها ورفعها واجلهم مدة ثلاثين يوما وفرضوا على كل قرية ايضا مقادير من افلاق النخل ومقادير من الجريد ثم فرضوا عليهم ايضا شخاصا من الرجال لمحل الاشغال والعمائر يستعملونهم في فعالة نقل ادوات العمارة في النواحي حتى الاسكندرية وخلافها ولهم اجرة اعمالهم في كل يوم لكل شخص سبعة انصاف فضة لاغير ولمن يعلم اللبن اجرة ايضا والثمن
(3/521)

الافلاق والجريد قدر معلوم لكنه قليل
ومنها انه توجه الامر لكشاف النواحي عند انكشاف الماء عن الاراضي بأن يتقدموا الى الفلاحين بأن من كان زارعا في العام الماضي فداني كنان اوحمص او سمسم او قطن فليزرع في هذه السنة اربعة افدنة ضعف ما تقدم لان المزارعين عزموا على عدم زراعة هذه الاشياء لما حصل لهم من اخذ ثمرات متاعهم وزراعاتهم التي دفعوا خراجها الزائد بدون القيمة التي كانوا يبيعون بها مع قلة الخراج الذي كانوا يماطلون فيه الملتزمين السابقين مع التظلم والتشكي فيزرع الزارع ما يزرعه من هذه الاشياء من التقاوي المتروكة في مخزنه ثم يبيع الفدان من الكتان الاخضر في غيطه ان كان مستعجلا بالثمن الكثير والا ابقاه الى تمام صلاحه فيجمعه ويدقه ويبيع ما يبيعه من البزر خاصة بأغلى ثمن ثم يتمم خدمته من التعطين والنشر والتمحير الى ان يصفى وينظف من ادرانه وخشوناته وينصلح للغزل والنسج فيباع حينئذ بالاوقية والرطل وكذا القطن والنيلة والعصفر فلما وقع عليهم التحجير وحرموا من المكاسب التي كانوا يتوسعون بها في معايشهم باقتناء المواشي والحلي للنساء قالوا ما عدنا نزرع هذه الاشياء وظنوا ان يتركوا على هواهم ونسوا مكر اوليائهم فنزل عليهم الامر والالزام بزرع الضعف فضجوا وترجوا واستشفعوا ورضوا بمقدار العام الماضي فمنهم من سومح ومنهم من لم يسامح وهو ذو المقدرة وبعد اتمامه وكمال صلحه يؤخذ بالثمن المفروض على طرف الميري ويباع لمن يشتري من اربابه او خلافهم بالثمن المقدر وربح زيادته لطرف حضرة الباشا مع التضييق والحجر البليغ والفحص عن الاختلاس فمن عثروا عليه باختلاس شئ ولو قليلا عوقب عقابا شديدا ليرتدع خلافه والكتبة والموظفون لتحرير كل صنف ووزنه وضبطه في تنقلات اطواره وعند تسليم الصناع ونتج من ذلك واثمر عزة الاشياء وغلو الاسعار على الناس منها ان المقطع القماش الذي كان ثمنه ثلاثين نصفا بلغ سعره عشرة
(3/522)

قروش مع عزة وجدانه بالاسواق المعدة لبيعه مثل سوق مرجوش وخلافه خلا الطوافين به والثوب البطانة الذي كان ثمنه قرشين بلغ ثمنه سبعة قروش وادركناه في الازمان السابقة ويباع بعشرين نصفا وبلغ ثمن الثوب من البفتة المحلاوي اربعة عشر قرشا وكان يباع فيما ادركنا بدكان التاجر بستين نصفا وقس على ذلك وبسبب التحجير على النيلة غلا صبغ ثياب الفقراء حتى بلغ صبغ الذراع الواحد نصف قرش والله يلطف بحال خلقه ومادام توزون له امرأة مطاعة فالميل في الجمر
ومنها استمر التحجير على الارز ومزارعه على مثل هذا النسق بحيث ان الزراعين له التعبانين فيه لايمكنون من اخذ حبة منه فيؤخذ باجمعه لطرف الباشا بما قدره من الثمن ثم يخدم ويضرب ويبيض في المداوير والمدقات والمناشر بأجرة العمال على طرفه ثم يباع بالثمن المفروض واتفق ان شخصا من ابناء البلد يسمى حسين جلبي عجوة ابتكر بفكره صورة دائرة وهي التي يدقون بها الارز وعمل لها مثالا من الصفيح تدور بأسهل طريقة بحيث ان الالة المعتادة اذا كانت تدور بأربعة اثوار فيدير هذه ثوران وقدم ذلك المثال الى الباشا فأعجبه وانعم عليه بدراهم وامره بالمسير الى دمياط ويبني بها دائرة ويهندسها برأيه ومعرفته واعطاه مرسوما بما يحتاجه من الاخشاب والحديد والمصرف ففعل وصح قوله ثم فعل اخرى برشيد وراج امره بسبب ذلك
ومنها ان الباشا لما رأى هذه النكتة من حسين شلبي هذه قال ان في اولاد مصر نجابة وقابلية للمعارف فأمر ببناء مكتب بحوش السراية ويرتب فيه جملة من اولاد البلد ومماليك الباشا وجعل معلمهم حسن افندي المعروف بالدرويش الموصلي يقرر لهم قواعد الحساب والهندسة وعلم المقادير والقياسات والارتفاعات واستخراج المجهولات مع مشاركة شخص رومي يقال له روح الدين افندي بل واشخاص من الافرنج واحضر لهم الات هندسية متنوعه من اشغال الانكليز يأخذون بها الابعاد والارتفاعات
(3/523)

والمساحة ورتب له شهريات وكساوي في السنة واستمروا على الاجتماع بهذا المكتب وسموه مهندس خانة في كل يوم من الصباح الى بعد الظهيرة ثم ينزلون الى بيوتهم ويخرجون في بعض الايام الى الخلاء لتعليم مساحات الاراضي وقياساتها بالاقصاب وهو الغرض المقصود للباشا
ومنها استمرار الانشاء في السفن الكبار والصغار لنقل الغلال من قبلي وبحري لناحية الاسكندرية لتباع على الافرنج من سائر اصناف الحبوب فيشحنون السفن من سواحل البلاد القبلية وتأتي الى ساحل بولاق ومصر القديمة فيصبونها كيمانا هائلة عظيمة صاعدة في الهواء فتصل المراكب البحرية لنقلها فتصبح ولا يبقى شئ منها ويأتي غيرها وتعود كما كانت بالامس ومثل ذلك ساحل رشيد واما الحبوب البحرية فإنها لاتاتي الى هذه السواحل بل تذهب من سواحلها الى حيث هي برشيد ثم الى الاسكندرية ولما بطل البغاز جمعوا الحمير الكثيرة والجمال ينقلون عليها على طريق البر بالاجرة القليلة فكانت تموت من قلة العلف ومشقة الطريق وتوسق بها السفن الواصلة بالطلب الى بلاد الافرنج بالثمن عن كل اردب من البر ستة الاف فضة واما الفول والشعير والحلبة والذرة وغيرها من الحبوب والادهان فأسعارها مختلفة ويعوض بالبضائع والنقود من الفرانسة معبأة في صناديق صغيرة تحمل الثلاثة منها على بعير الى الخزينة وهي مصفحة بالحديد يمرون بها قطارات الى القلعة وعند قلة الغلال ومضى وقت الحصاد يتقدم الى كشاف النواحي القبلية البحرية بفرض مقادير من الغلال على البلدان والقرى فيلزمون مشايخ البلدان بما تقرر على كل بلد من القمح والفول والذرة ليجمعوه ويحصلوه من الفلاحين وهم ايضا يعملون بفلاحي بلادهم ما يعملون بجورهم واغراضهم ويأخذون الاقوات المدخرة للعيال وذلك بالثمن عن كل اردب من البر ثمانية ريالات يعطى له نصفها ويبقى له النصف الثاني ليحسب له من اصل المال الذي سيطالب به العام القابل
(3/524)

ومنها ان الباشا سنح له ان ينشئ بالمحل المعروف برأس الوادي بشرقية بلبيس سواقي وعمارات ومزارع واشجار توت وزيتون فذهب هناك وكشف عن اراضيه فوجدها متسعة وخالية من المزارع وهي اراضي رمال واودية فوكل اناسا لاصلاحها وتمهيدها وان يحفروا بها جملة من السواقي تزيد عن الالف ساقية ويبنوا ابنية ومساكن ويزرعوا اشجار التوت لتربية دود القز واشجارا كثيرة من الزيتون لعمل الصابون وشرعوا في العمل والحفر والبناء وفي انشاء توابيت خشب للسواقي تصنع ببيت الحبجي بالتبانة وتحمل على الجمال الى رأس الوادي شيئا بعد شئ وامر ايضا ببناء جامع الظاهر بيبرس خارج الحسينية وان يعمل مصبنة لصناعة الصابون وطبخه مثل الذي يصنع ببلاد الشام وتوكل بذلك السيد احمد بن يوسف فخر الدين وعمل به احواضا كبيرة للزيت والقلي
ومن المتجددات ايضا محل بخطة تحت الربع يعمل به وتسبك اوان ودسوت من النحاس في غاية الكبر والعظم
ومنها شغل البارود وصناعته بالمكان والصناع المعدة لذلك بجزيرة الروضة بالقرب من المقياس بعد ان يستخرجوه من كيمان السباخ في احواض مبنية ومخفقة ثم يكررونه بالطبخ حتى يكون ملحه غاية في البياض والحدة كالذي يجلب من بلاد الانكليز والمتقيد كبيرا على صناعة شخص افرنكي ولهم معاليم تصرف في كل شهر ومكان ايضا بالقلعة عند باب الينكرجية لسبك المدافع وعملها وقياساتها وهندستها والبنبات وارتفاعها ومقاديرها وسمي ذلك المكان الطبخانة وعليه رئيس وكتبة وصناع وله شهريات
ومنها شدة رغبة الباشا في تحصيل الاموال وزيادة من ذلك من أي طريق بعد استيلائه على البلاد والاقطاعات والرزق الاحباسية وابطال الفراغ والبيع والشراء والمحلول عن الموتى من ذلك والعلوفات وغلال الانبار ونحو ذلك فكل من مات عن حصته او رزقته او مرتب الحل بموته
(3/525)

ما كان على اسمه وضبطه واضيف الى ديوانه ولو له اولادا وكان هو كتبه باسم اولاده وماتت اولاده قبله انحل عنه واصبح هو واولاده من غير شئ فإن عرض حاله على الباشا امر بالكشف عن ايراده فان وجدوا بالدفاتر جهة او وظيفة اخرى قيل له هذه تكفيك وان لم يوجد في حوزه خلافها امر له بشئ يستغله من اقلام المكوس اما قرش او نصف قرش في كل يوم او نحو ذلك هذا مع التفاته ورغبته في انواع النجارات والشركات وانشاء السفن ببحر الروم والقلزم واقام له وكلاء بسائر الاساكل حتى ببلاد فرانسة والانكليز ومالطة وازمير وتونس والنابلطان والونديك والبنادقة واليمن والهند واعطى اناسا جملا عظيمة من اموال يسافرون بها ويجلبون البضائع وجعل لهم الثلث في الربح في نظير سفرهم وخدمتهم فمن ذلك انه اعطى للرئيس حسن المحروقي خمسمائة الف فرانسة يسافر بها الى الهند ويشتري البضائع الهندية ويأتي بها الى مصر ولشخص نصراني ايضا ستمائة الف فرانسة وكذلك لمن يذهب الى بيروت وبلاد الشام لمشترى القز والحرير وغير ذلك وعمل بمصر اماكن ومصانع لنسج القطاني التي يتخذها الناس في ملابسهم من القطن والحرير وكذلك الجنفس والصندل واحتكر ذلك بأجمعه وابطل دواليب الصناع لذلك ومعلميهم واقامهم يشتغلون وينسجون في المناسج التي احدثها بالاجرة وابطل مكاسبهم ايضا وطرائقهم التي كانوا عليها فياخذ من ذلك ما يحتاجه في اليكات والكساوي وما زاد يرميه على التجار وهم يبيعونه على الناس باغلى ثمن وبلغ ثمن الدرهم من الحرير خمسة وعشرين نصفا بعد ان كان يباع بنصفين
ومنها انه ابطل ديوان المنجرة وهي عبارة عما يؤخذ من المعاشات وهي المراكب التي تغدو وتروح لموارد الارياف مثل شيبين الكوم وسمنود والبلاد البحرية وعليها ضرائب وفرائض للملتزم بذلك وهو شخص يسمى عليا الجزار وسبب ذلك ان معظم المراكب التي تصعد ببحر النيل وتنحدر
(3/526)

ومن انشاء الباشا ولم يبق لغيره الا القليل جدا والعمل والانشاء بالترسخانة مستمر على الدوام والرؤساء والملاحون يخدمون فيها بالاجرة وعمارة خللها واحبالها وجميع احتياجاتها على طرف الترسخانة ولذلك مباشرون وكتاب وامناء يكتبون ويقيدون الصادر والوارد وهذه الترسخانة بساحل بولاق بها الاخشاب الكثيرة والمتنوعة ويصلح للعمائر والمراكب ويأتي اليها المجلوب من البلاد الرومية والشامية فاذا ورد شئ من انواع الاخشاب سمحو للخشابة بشئ يسير منها بالثمن الزائد ورفع الباقي الى الترسخانة وجميع الاخشاب الواردة والاحطاب جميعها في متاجر الباشا وليس لتجارها الا ماكان من داخل متاجره وهو القليل
ومن النوادر انه وصل من بلاد الانكليز سواقي بالات الحديد تدور بالماء فلم يستقم لها دوران على بحر النيل
ومنها انه انشا جسرا ممتدا من ناحية قنطرة الليمون على يمنه السالك الى طريق بولاق متصلا الى شبرا على خط مستقيم وزرعوا بحافتيه اشجار التوت وعلى هذا النسق جسور بطرق الارياف والاقاليم
ومنها ان اللحم قل وجوده من اول شهر رجب الى غاية السنة وغلا سعره مع رداءته وهزاله حتى بيع الرطل بعشرين نصفا وازيد واقل مع مافيه من العظام واجزاء السقط والشغت وسبب ذلك رواتب الدولة واخذها بالثمن القليل فيستعوض الجزارون خسارتهم من الناس وكان البعض من العسكر يشتري الاغنام ويذبحها ويبيعها بالثمن الغالي وينقص الوزن ولايقدر ابن البلد على مراجعته
ومنها ان ابراهيم اغا الذي كان كتخدا ابراهيم باشا قلده الباشا كشوفية المنوفية فمن افاعيله انه يطلب مشايخ البلدة او القرية فيسأل الشخص منهم على من شيخه فيقول استاذ البلدة فيقول له في أي وقت فيقول سنة كذا فيقول وما الذي قدمته له في شياختك ويهدده او يحبسه على الانكار او يخبر من بادئ الامر ويقول اعطيته كذا وكذا اما دارهم او اغناما فيأمر
(3/527)

الكاتب بتقييده وتحريره وضبطه على الملتزم وسطر بذلك دفترا وارسله الى الديوان ليخصم على الملتزمين من فائظهم المحرر لهم بالديوان فيتفق ان المحرر عليه يزيد على القدر المطلوب له فيطالب بالباقي او يخصم عليه من السنة القابلة
ومنها التحجير على القصب الفارسي فلا يتمكن احد من شراء شئ منه ولو قصبة واحدة الا بمرسوم من كتخدا بك فمن احتاج منه في عمارة او شباك او لدوارت الحرير او اقصاب الدخان اخذ فرمانا بقدر احتياجه واحتاج الى وسائط ومعالجات واحتجاجات حتى يظفر بمطلوبه
ومنها وهي من محاسن الافعال ان الباشا اعمل همته في اعادة السد الاعظم الممتد الموصل الى الاسكندرية وقد كان اتسع امره وتخرب من مدة سنين وزحف منه ماء البحر المالح واتلف اراضي كثيرة وخربت منه قرى ومزارع وتعطلت بسببه الطرق والمسالك وعجزت الدول في امره ولم يزل يتزايد في التهور وزحف المياه المالحة على الاراضي حتى وصلت الى خليج الاشرفية التي يمتلئ منها صهاريج الثغر فكانوا يجسرون عليه بالاتربة والطين فلما اعتنى الباشا بتعمير الاسكندرية وتشييد اركانها وابراجها وتحصينها ولم تزل بها العمارات اعتنى ايضا بأمر الجسر وارسل اليه المباشرين والقومة والرجال والفعلة والنجارين والبنائين والمسامير والات الحديد والاحجار والمؤن والاخشاب العظيمة والسهوم والبراطيم حتى تممه وكان له مندوحة لم تكن لغيره من ملوك هذه الازمان فلو وفقه الله لشئ من العدالة على ما فيه من العزم والرياسة والشهامة والتدبير والمطاولة لكان اعجوبة زمانه وفريد اوانه واما امر المعاملة فلم يزل حاله في التزايد حتى وصل صرف الريال الفرانسة الى تسعة قروش وهو اربعة امثال الريال المتعارف ولما بطل ضرب القروش من العام الماضي ضربوا بدلها انصاف قروش وارباعها واثمانها وتصرف بالفرط والانصاف العددية لاوجود لها بأيدي الناس الا ما قل جدا فإذا اراد انسان منها دفع في ابدالها
(3/528)

عشرة قروش عنها اربعمائة نصف فضة زيادة على المبدل ان كان ذهبا او فرانسة او قروشا ووصل صرف البندقي الى ثمانمائة نصف والمجر ثمانية عشر قرشا والمحبوب المصري الى اربعمائة والاسلامبولي الى اربعمائة وثمانين كل ذلك اسماء لا مسميات لانعدام الانصاف مع انه يضرب منها المقادير والقناطير يأخذها التجار الشاميون والروميون بالفرط ثم يرسلونها متاجرة بدلا عن البضائع لان الريال في تلك البلاد صرفه ثلثمائة نصف فقط فيكون فيه من الربح ستون نصفا في كل ريال ولما علم الباشا ذلك جعل يرسل لوكلائه بالشام في كل شهر الف كيس من الفضة العددية ويأتيه بدلها فرانسة فيضيف عليها ثلاثة امثالها نحاسا ويضربها فضة عددية فيربح فيها ربحا بدون حاء عظيما وهكذا من هذا الباب فقط
ومن حوادث السنة الافاقية واقعة الانكليز مع اهل الجزائر وهو ان لاهل الجزائر صولة واستعداد وغزوات في البحر ويغزون مراكب الافرنج ويغتنمون منها غنائم ويأخذون منهم اسرى وتحت ايديهم من اسارى الانكليز وغيرهم شئ كثير ومينتهم حصينة يدور بها سور خارج في البحر كنصف الدائرة في غاية الضخامة والمتانة ذو ابراج مشحونة بالمدافع والقنابر والمرابطين والمحاربين ومراكبهم من داخله فوصل اليهم بعض مراكب الانكليز ومعهم مرسوم من السلطان العثماني ليفتدوا اسارهم بمال فاعطوهم ما يزيد عن الالف اسير ودفعوا عن كل رأس اسير مائة وخمسين فرانسا ورجعوا من حيث اتوا وبعد مدة وصل منهم بعض سفائن الى خارج المينا رافعين اعلام السلم والصلح فعبروا داخل المينا من غير ممانع ونزل منهم انفار في فلوكة وبيدهم مرسوم بطلب باقي الاسرى فامتنع حاكمهم من ذللك وترددوا في المخاطبات وفي اثناء ذلك وصلت عدة مراكب من مراكبهم وشلنبات وهي المراكب الصغار المعدة للحرب وعبروا مع مساعدة الريح الى المينا واثاروا الحرب والضراب بطرائقهم المستحدثه فأحرقوا مراكب اهل الجزائر مع المضاربة ايضا من اهل المدينة مع تأخر استعدادهم
(3/529)

وسرعة استعداد الخصم ومدافع الابراج الداخلة لا تصيب الشلنبات الصغيرة المتسفلة وهم لايخطؤن ثم هم في شدة الغارة والحرب اذا قيل للحاكم بأن عساكره الاتراك تركوا المحاربة واشتغلوا بنهب البلدة واحراق الدور فقط في يده واحتار في امره ما بين قتال العدو الواصل او قتال عسكره ومنعهم وكفهم عن النهب والاحراق والفساد وهذا شأنهم فلم يسعه الا خفض الاعلام وطلب الامان من الانكليز فعند ذلك ابطلوا الحرب وكفوا عن الضراب وترددوا في الصلح على شرائطهم التي منها تسليم بواقي الاسرى واسترداد المال الذي سلموه في الفداء السابق حالا من غير مهلة فكان ذلك وتسلموا الاسرى وفيهم من كان صغيرا واسلم وقرا القرآن واتفقوا على المتاركة والمهلة زمنا مقداره ستة اشهر ورجعوا الى بلادهم بالظفر والاسرى والامر لله وحده ثم ان الجزائرلية اجتهدوا في تعمير ما تهدم وتخرب من السور والابراج والجامع في الحرب وكذلك ما اخربه عساكرهم الذين هم اعدى من الاعداء واضر ما يكون على الاسلام واهله وصارت الاخبار بذلك في الافاق وامدهم سلطان المغرب مولاي سليمان وبعث اليهم مراكب عوضا عن الذي تلف من مراكبهم فأرسل اليهم معمرين وادوات ولوازم عمارات وكذلك حاكم تونس وغيرها ومن السلطان العثماني ايضا ولم يتفق فيما نعلم لاهل الجزائر مثل هذه الحادثة الهائلة ولا اشنع منها وكانت هذه الواقعة غرة شهر شوال من السنة وهو يوم عيد الفطر وكان عيدا عليهم في غاية الشناعة ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم
واما من مات في هذه السنة ممن له ذكر
مات الشيخ الفهامة والنحرير العلامة الفقيه النحوي الاصولي ابراهيم البسيوني البجيرمي الشيخ الصالح المقتصد الورع الزاهد حضر جل الاشياخ المتقدمين وهو في عداد الطبقة الاولى ودرس وافاد وانتفع به الطلبة بل غالب الناس كان طارحا للتكلف متقشفا مع التواضع والانكسار
(3/530)

ملازما على العبادة مستحضرا للفروع الفقهية والمعقولية والمناسبات الشعرية والشواهد النحوية والادبية جيدا لحافظة لا تمل مجالسته ومؤانسته ولم يزل على حالته وافادته وانجماعه وعفته حتى تمرض وتوفي يوم السبت منتصف المحرم من السنة عن نحو الخمسة وسبعين وصلى عليه بالازهر في مشهد حافل رحمه الله تعالى وايانا
ومات الشيخ العلامة الاصولي الفقيه النحوي على الحصاوي الشافعي نسبة الى بلدة بالقليوبية تسمى الحصة حضر الى الجامع الازهر صغير وحفظ القران والمتون وحضر دروس الاشياخ كالشيخ على العدوي المنسفيسي الشهير بالصعيدي والشيخ عبد الرحمن النحريري الشهير بالمقرى ولازم الشيخ سليمان الجمل وبه تخرج وحضر على الشيخ عبد الله الشرقاوي مصطلح الحديث وكان يحفظ جمع الجوامع مع شرحه للجلال المحلي في الاصول ومختصر السعد ويقرأ الدروس ويفيد الطلبة وكان انسانا حسنا مهذبا متواضعا ولايرى لنفسه مقاما عاش معانقا للخمول في جهد وقلة من العيش مع العفة وعدم التطلع لغيره صابرا على مناكدة زوجته وبآخره اصيب في شقه بداء الفالج انقطع بسببه اشهرا ثم انجلى عنه يسيرا مع سلامة حواسه وعاد الى الاقراء والافادة ولم يزل على حسن حاله ورضاه وانشراح صدره وعدم تضجره وشكواه للخلوقين الى ان توفي في شهر جمادي الثانية سنة احدى وثلاثين ومائتين والف رحمة الله وايانا
ومات الشيخ العلامة والنحرير الفهامة السيد احمد بن محمد بن اسمعيل من ذرية السيد محمد الدوقاطي الطهطاوي الحنفي والده رومي حضر الى ارض مصر متقلدا القضاء بطهطا بلدة بالقرب من اسيوط بالصعيد الادنى فتزوج بامرأة شريفة فولد له منها المترجم واخوه السيد اسمعيل ولم يزل مستوطنا بها الى ان مات وترك ولديه المذكورين واختالهما حضر المترجم الى مصر في سنة احدى وثمانين ومائة والف وكان قد بدا نبات لحيته
(3/531)

بعد ما حفظ القرآن ببلدة وقرا شيئا من النحو فدخل الازهر ولازم الحضور في الفقه على الشيخ احمد الحماقي والمقدسي والحريري والشيخ مصطفى الطائي والشيخ عبد الرحمن العريشي حضر عليه من اول كتاب الدر المختار الى كتاب البيوع وتمم حضوره على المرحوم الوالد مع الجماعة لتوجسه الشيخ عبد الرحمن لدار السلطنة لبعض المقتضيات عن امر علي بك في سنة ثلاث وثمانين ومائة والف فالتمس الجماعة تكملة الكتاب على الوالد فأجابهم لذلك فكانوا يأتون للتلقي عنه في المنزل والمترجم معهم وفي اثناء ذلك قرأت مع المترجم عل الوالد متن نور الايضاح بعد انصراف الجماعة عن الدرس ويتحلف المترجم وذلك لعلو السند فإن الوالد تلقاه عن ابن المؤلف وهو عن جد الوالد عن المؤلف وجد الوالد والمؤلف يسميان بحسن فهو من عجيب الاتفاق وكان المترجم يلائم طبع الفقير في الصحبة فكنت معه في غالب الاوقات اما في الجامع او في المنزل للطاقة طبعه وقرب سني من سنه وكان الوالد يرى ذلك ويسألني عنه اذا تخلف في بعض الاحيان ويقول أين رفيقك الصعيدي فكان يعيد معي ويفهمني ما يصعب على فهمه ولم يزل يدأب في الاشتغال والطلب مع جودة ذهنه وخلو باله وتفرغه والفقير بخلاف ذلك وتلقى المترجم الحديث سماعا واجازة عن كل من الشيخ حسن الجداوي والشيخ محمد الامير والشيخ عبد العليم الفيومي ثلاثتهم عن الشيخ علي العدوي المنسفيسي عن الشيخ محمد عقيلة بسنده المشهور والمترشح للافادة والتدريس وكان مسكنه بناحية لصليبة وجلس للاقراء بالمدرسة الشيخونيه والصرفثمئية احتف به سكان تلك الناحية واكابرهم واعتنوا بشانه واسكنوه في دار تليق به وهاوده وواسوه واكرموه وكانت تلك الناحية عامرة بأكابرها وانفرد المترجم عندهم لكونه على مذهبهم واصله من جنس الاتراك وخلو تلك النواحي من اهل العلم وخصوصا الاحناف وملازمة المترجم للحالة المحمودة من الافادة مع شرف النفس والتباعد عما يخل بالمروءة الاماياتيه
(3/532)

عفوا فازدادت محبتهم له ووثقوا فيما يقضيه ثم تصدى لوقف الشيخونيتين وايرادهما واستخلاص اماكنهما وشرع في تعميرهما وساعده على ذلك كل من كان يحب الاصلاح فجدد عمارة المسجد والتكية وانشأ بها صهريجا وفي اثناء ذلك انتقل بأهله الى دار مليحة بجوار المسجد بالدرب المعروف بدرب الميضاة وقفها بانيها على المسجد كل ذلك والمترجم لم ينقطع عن الحضور الى الازهر في كل يوم ويقرأ درسه ايضا بالجامع ولما كثرت جماعته انتقل الى المدرسة العينية بالقرب من الازهر ولما عمر محمد افندي الودنلي الجامع المجاور لمنزله تجاه القنطرة المعروفة بعمار شاه والمكتب قرر المترجم في درس الحديث بها في كل يوم بعد العصر وقرر له عشرة من الطلبة ورتب للشيخ والطلبة معلوما وافرا يقبض من الديوان ولما مات الشيخ ابراهيم الحريري تعين المترجم لمشيخة الحنفية فتقلدها على امتناع منه فاستمر الى ان اخرج السيد عمر مكرم من مصر منفيا وكتبوا في شأنه عرضحال الى الدولة نسبوا اليه فيه اشياء لم تحصل منه وطلبوا الشهادة فيها فامتنع فشنعوا عليه وبالغوا في الحطط عليه وعزلوه من المشيخة وقلدوه الشيخ حسينا المنصورى فلما مات المذكور أعيد المترجم إلى مشيخة الحنفية وذلك في غرة شهر صفر سنة الف ومائتين وثلاثين ولبس الخلع من الشيخ الشنواني شيخ الجامع ثم من الباشا وباقي المشايخ ارباب المظاهر ولم يختلف عليه اثنان وفي هذه السنة استأذن الفقير في بناء مقبرة يدفن فيها اذا مات بجوار الشيخ ابي جعفر الطحاوي بالقرافة لكوني ناظرا عليها فأذنت له في ذلك فبنى له قبرا بجانب مقام الاستاذ ولما توفي دفن فيه وكانت وفاته ليلة الجمعة بعد الغروب خامس عشر شهر رجب سنة احدى وثلاثين ومائتين والف وله من المآثر حاشية على الدر المختار شرح تنوير الابصار في اربع مجلدات جمع فيها المواد التي على الكتاب وضم اليها غيرها
ومات النجيب الاريب والنادرة العجب اعجوبة الزمان وبهجة الخلان
(3/533)

حسن افندي المعروف بالدرويش الموصلي كما اخبر عن نفسه الذكي الالمعي والسميذع اللوذعي كان وانسانا عجيبا في نفسه مميزا شهيرا في مصر طاف البلاد والنواحي وجال في الممالك والضواحي واطلع على عجائب المخلوقات وعرف الكثير من الالسن واللغات ويتعزى لكل قبيل ويخالط كل جيل فمرة ينتسب الى فارس واخرى الى بني مكانس فكأنه المعنى بما قيل طور ايمان اذا لاقيت ذا يمن وان رايت معديا فعدناني هذا مع فصاحة لسان وقوة جنان والمشاركة في كل فن من الرياضيات والادبيات حتى يظن سامعه انه مجيد في ذلك الفن منفرد به وليس الامر كذلك وانما ذلك بقوة الفهم والحفظ ومافيه من القابلية فيستغنى بذلك عن التلقي من الاشياخ وايضا فقد انقرض اهل الفنون فيحفظ اصطلاحات الفن واوضاع اهله ويرزه في الفاظ ينمقها ويحسنها ويذكر اسماءكتب مؤلفه واشياخا وحكما يقل الاطلاع عليها والوصول اليها ولمعرفته باللغات خالط كل ملة حتى يظن كل اهل ملة انه واحد منهم ويحفظ كثيرا من الشبه والمدركات العقلية والبراهين الفلسفية واهمل الواجبات الشرعية والفرائض القطعية وربما قلد كلام الملحدين وشكوك المارقين ويزلق لسانه في بعض المجالس بغلطات من ذلك ووساوس فلذلك طعن الناس عليه في الدين واخرجوه عن اعتقاد المسلمين وساءت فيه الظنون وكثر عليه الطاعنون وصرحوا بعد موته بما كانوا يخفونه في حياته لاتقاء شره وسطواته وكان له تداخل عجيب في الاعيان ومع كل اهل دولة وزمان ورؤساء الكتبة والمباشرين من الاقباط والمسلمين بالمعزة الزائدة واستجلاب الفائدة لا تمل مجالسته ولا معاشرته وباخره لما رغب الباشا في انشاء محل لمعرفة علم الحساب والهندسة والمساحة تعين المترجم رئيسا ومعلما لمن يكون متعلما بذلك المكتب وذلك انه تداخل بتحيلاته لتعليم مماليك الباشا الكتابة والحساب ونحو ذلك ورتب له خروجا وشهرية ونجب تحت يده بعض المماليك في معرفة الحسابيات ونحوها واعجب الباشا ذلك فذاكره وحسن
(3/534)

له بأن يفرد مكانا للتعليم ويضم الى مماليكه من يريد التعليم من اولاد الناس فأمر بإنشاء ذلك المكتب وحضر اليه اشياء من الات الهندسة والمساحة والهيئة الفلكية من بلاد الانكليز وغيرهم واستجلب من اولاد البلد ما ينيف على الثمانين شخصا من الشبان الذين فيهم قابلية للتعليم ورتبوا لكل شخص شهرية وكسوة في اخر السنة فكان يسعى في تعجيل كسوة الفقير منهم ليتجمل بها بين اقرانه ويواسي من يستحق المواساة ويشتري لهم الحمير مساعدة لطلوعهم ونزولهم الى القلعة فيجتمعون للتعليم في كل يوم من الصباح الى بعد الظهر واضيف اليه اخر حضر من اسلامبول له معرفة بالحسابيات والهندسيات لتعليم من يكون اعجميا لايعرف العربية مساعدا للمترجم في التعليم يسمى روح الدين افندي فاستمرا نحوا من تسعة اشهر ومات المترجم وذلك انه اقتصد وطلع الى القلعة فحنق على بعض المتعلمين وضربه فانحلت الرفادة فسال منه دم كثير فحم حمى مختلطة واستمر اياما وتوفي ودفن بجامع السراج البلقيني بين السيارج وعند ذلك زاد قول الشامتين وصرحوا بما كانوا يخفونه في حياته فيقول البعض مات رئيس الملحدين واخر يقول انهدم ركن الزندقة ونسبوا اليه ان عنده الكتاب الذي الفه ابن الرواني لبعض اليهود وسماه دافع القرآن وانه كان يقرؤه ويعتقد به واخبروا بذلك كتخدا بك فطلب كتبه وتصفحوها فلم يجدوا بها ذلك الكتاب وما كفى مبغضه وحاسده من الشناعات حتى رأوا له منامات شنيعة تدل على انه من اهل النار والله اعلم بخلقة وبالجملة فكان غريبا في بابه وكانت وفاته يوم الخميس سابع عشري جمادي الثانية من السنة وانفرد برياسة المكتب روح الدين افندي المذكور
ومات الاجل المكرم الشريف غالب بسلانيك وهو المنفصل عن امارة مكة وجدة والمدينة وما انضاف الى ذلك من بلاد الحجاز فكانت امارته نحوا من سبع وعشرين سنة فانه تولى بعد موت الشريف سرور في سنة ثلاث
(3/535)

ومائتين والف وكان من دهاة العالم واخباره ومناقبه تحتاج الى مجلدين ولم يزل حتى سلط الله عليه بأفاعيله هذا الباشا فلم يزل يخادعه حتى تمكن منه وقبض عليه وارسله الى بلدة سلانيك وخرج من سلطته وسيادته الى بلاد الغربة ونهبت امواله وماتت اولاده وجواريه ثم مات هو في هذه السنة
ومات الامير مصطفى بك دالي باشا ونسيبه ايضا وكان من اعاظم اركان دولته شهير الذكر موصوفا بالاقدام والشجاعة ومات بالاسكندرية ولما وصل خبره الى الباشا اغتم غما شديدا وتأسف عليه وكان الباشا ولاه كشوفية الشرقية وقرن به على كاشف فاقام بها نحو السنتين ومهد البلاد واخاف العربان واذلهم وقتل منهم الكثير وجمع لمخدومه اموالا جمة وكان جسيما بطينا ياكل التيس المخصي وحده ويشرب عليه الزق من الشراب ثم يتبعه بشالية او اثنتين من اللبن ويستلقي نائما مثل العجل العظيم ذي الخوار الا انه كان يقضي حاجة من التجا اليه ويحب اولاد الناس ويواسيهم يتجاوز عن الكثير ويعطي ما يلزمه من الحقوق لاربابها ولما تحققت اخته التي هي زوج الباشا وكذلك والدته امرتا بإحضار رمته الى مصر ويدفن بمدفنهم وتعين لذلك سليمان اغا السلحدار فسافر الى الاسكندرية ووضعه في صندوق من فق على عربية ووصل به بعد اثني عشر يوما من موته وكان وصوله في ثاني ساعة من ليلة الجمعة سادس عشري جمادي الثانية وذهبوا به الى المدفن في المشاعل من خلف المجراة فلما وصلوا الى المدفن ارادوا انزله الى القبر بالصندوق فلم يمكنهم فكسروا الصندوق فعبقت رائحته وقد تهرى فهرب كل من كان حاضرا فكبوه على حصير ولفوه فيه وانزلوه الى الحفرة وغشي على الفحارين وخزعت النفوس من رائحة اخشاب الصندوق فحثوا عليه الاتربة وليس من يفتكر ويعتبر
ومات ايضا حسن اغا حاكم بندر السويس مطعونا قولي الباشا عوضه السيد احمد الملا الترجمان
(3/536)

ومات ايضا سليما اغا حاكم رشيد
ومات الامير الكبير المشهير بإبراهيم بك المحمدي عين اعيان امراء الالوف المصريين ومات بدنقلة متغربا عن مصر وضواحيها وهو من مماليك محمد بك ابي الذهب تقلد الامرة والامارة في سنة اثنتين وثمانين ومائة والف في ايام علي بك الكبير وتقلد مشيخة البلد ورياسة مصر بعد موت استاذه في سنة تسع وثمانين ومائة والف مع مشاركة خشداشه مراد بك وباقي امرائهم والجميع راضون برياسته وامارته لايخالفهم ولايخالفونه ويراعي جانب الصغير منهم قبل الكبير ويحرص على جمعية امرهم والفة قلوبهم فطالت ايامه وتولى قائم مقامية مصر على الوزراء نحو العشرة مرار وطلع اميرا على الحج في سنة ست وثمانين وتولى الدفتردارية في سنة سبع وثمانين وكلاهما في حياة استاذه واشترى المماليك الكثيرة ورباهم واعتقهم وامر وقلد منهم صناجق وكشافا واسكنهم الدور الواسعة واعطاهم الاقطاعات ومات الكثير منهم في حياته واقام خلافهم من مماليكه ورأى اولاد اولاده بل واولادهم وما زال يولد له واقام في الامارة نحو ثمان واربعين سنة وتنعم فيها وقاسى في اواخر امره شدائد واغترابا عن الاهل والاوطان وكان موصوفا بالشجاعة والفروسية وباشر عدة حروب وكان ساكن الجأش صبور ذا تؤدة وحلم قريبا للانقياد للحق متجنبا للهزل الا نادرا مع الكمال والحشمة لايحب سفك الدماء مرخصا لخشداشينه في افاعيلهم كثير التغافل عن مساويهم مع معارضتهم له في كثير من الامور وخصوصا مراد بك واتباعه فيغضي ويتجاوز ولايظهر غما ولا خلافا ولا تأثرا حرصا على دوام الالفة وعدم المشاغبة وان حدث فيما بينهم ما يوجب وحشة تلافاه واصلحه وكان هذا الاهمال والترخص والتغافل سببا لمبادئ الشرور فانهم تمادوا في التعدي وداخلهم الغرور وغمرتهم الغفلة عن عواقب الامور واستصغروا من عداهم وامتدت ايديهم لاخذ اموال التجار وبضائع الافرنج الفرنساوية وغيرهم بدون الثمن
(3/537)

مع الحقارة لهم ولغيرهم وعدم المبالاة والاكتراث بسلطانهم الذي يدعون انهم في طاعته مع مخالفة اوامره ومنع خزينته واحتقار الولاة ومنعهم من التصرف والحجر عليهم فلا يصل للمولى عليهم الا بعض صدقاتهم الى ان تحرك عليهم حسن باشا الجزائرلي في سنة مائتين والف وحضر على الصورة التي حضر فيها وساعدته الرعية وخرجوا من المدينة الى الصعيد وانتهكت حرمتهم ثم رجعوا بعد الفصل في سنة ست ومائتين الى امارتهم ودولتهم وعادوا الى حالتهم الاولى بل وازيد منها في التعدي فأوجب ذلك ركوب الفرنساوية عليهم ولم يزل الحال يتزايد والاهوال يتلو بعضها بعضا حتى انقلبت اوضاع الديار المصرية وزالت حرمتها بالكلية وادي الحال بالمترجم الى الخروج والتشتيت والتشريد هو ومن بقي من عشيرته الى بلاد العبيد يزرعون الدخن ويتقوتون منه وملابسهم القمصان التي يلبسها الجلابة في بلادهم الى ان وردت الاخبار بموته في شهر ربيع الاول من السنة واما جملة اخباره فقد تقدمت في ضمن السوابق والماجريات واللواحق
ومات الامير الاجل احمد اغا الخازندار المعروف ببونابارته وهو ايضا شهير الذكر من اعاظم الدولة وقد تقدم كثير من اخباره وسفره الى الحجاز وكان عمر دارا عظيمة على بركة الازبكية جهة الرويعي ثم عمل مهما كبير الزواج ابنه وهو اذ ذاك مريض في حياض الموت حتى اشيع في الناس يوم زفة العروس ثم مات بعد ايام قليلة مضت من الفرح وذلك يوم الاربعاء ثالث شهر جمادي الثانية
وماتت الست الجليلة خاتون وهي سرية علي بك بلوط قبان الكبير وكانت محظيته وبنى لها الدار العظيمة على بركة الازبكية بدرب عبد الحق والساقية والطاحون بجانبها ولما مات علي بك وتأمر مراد بك فتزوج بها وعمرت طويلا مع العز والسيادة والكلمة النافذة واكثر نساء الامراء من جواريها ولم يأت بعد الست شويكار من اشتهر ذكره وخبره سواها وكان ايام الفرنساوية واصطلح معهم مراد بك حصل لها منهم غاية الكرامة
(3/538)

ورتبوا لها من ديوانهم في كل شهر مائة الف نصف فضة وشفاعتها عندهم مقبولة لاترد بالجملة فإنها كانت من الخيرات ولها على الفقراء بر واحسان ولها من المآثر الخان الجديد والصهريج داخل باب زويلة توفيت يوم الخميس لعشرين من شهر جمادي الاولى بمنزلها المذكور بدرب عبد الحق ودفنت بحوشهم في القرافة الصغرى بجوار الاما الشافعي واضيفت الدار الى الدولة وسكنها بعض اكابرها وسبحان الحي الذي لايموت
ومات المقر الكريم المخدوم احمد باشا الشهير بطوسون ابن حضرة الوزير محمد علي باشا مالك الاقاليم المصرية والحجازية والثغور وما اضيف اليها وقد تقدم ذكر رجوعه من البلاد الحجازية وتوجهه الى الاسكندرية ورجوعه الى مصر ثم عود الى ناحية رشيد وعرضي خيامة جهة الحماد بالعسكر على الصورة المذكورة وهو ينتقل من العرضي الى رشيد ثم الى برنبال وابي منضور والعزب ولما رجع في هذا المرة اخذ صحبته من مصر المغنين وارباب الالات المطربة بالعود والقانون والناي والكمنجات وهم ابراهيم الوراق والحباني وقشوة ومن يصحبهم من باقي رفقائهم فذهب ببعض خواصه الى رشيد ومعه الجماعة المذكورون فاقام اياما وحضر اليه من جهة الروم جوار وغلمان ايضا رقاصون فانتقل بهم الى قصر برنبال ففي ليلة حلوله بها نزل به ما نزل به من المقدور فتمرض بالطاعون وتململ نحو عشرة ساعات وانقضى نحبه وذلك ليلة الاحد سابع شهر القعدة وحضره خليل افندي قوللي حاكم رشيد وعندما خرجت روحه انتفخ جسمه وتغير لونه الى الزرقة فغسلوه وكفنوه ووضعوه في صندوق من الخشب ووصل به في السفينة منتصف ليلة الاربعاء عاشره وكان والده بالجيزة لم يتجاسروا على اخباره فذهب اليه احمد اغا اخو كتخدا بك فلما علم بوصوله ليلا استنكر حضوره في ذلك الوقت فأخبره عنه انه ورد الى شبرا متوعكا فركب في الحين القنجة وانحدر الى شبرا وطلع الى القصر وصار يمر بالمخادع ويقول اين هو فلم يتجاسر احد ان يصرح
(3/539)

بموته وكانوا ذهبوا به وهو في السفية الى بولاق ورسوا به عند الترسخانة واقبل كتخدا بك على الباشا فرآه يبكي فانزعج انزعاجا شديدا وكاد ان يقع على الارض ونزل السفينة فأتى بولاق اخر الليل وانطلقت الرسل لاخبار الاعيان فركبوا بأجمعهم الى بولاق وحضر القاضي والاشياخ والسيد المحروقي ثم نصبوا تظلك ساترا على السفينة واخرجوا الناووس والدم والصديد يقطر منه وطلبوا القلاقطة لسد خروقة ومنافسه ونصبوا عودا عند رأسه ووضعوا عليه تاج الوزارة المسمى بالطلخان وانجروا بالجنازة من غير ترتيب والجميع مشاه امامه وخلفه وليس فيها من جوقات الجنائز المعتادة كالفقهاء واولاد الكتاتيب والاحزاب شئ من ساحل بولاق على طريق المدابغ وباب الخرق على الدرب الاحمر على التبانة الى الرميلة فصلوا عليه بمصلى المؤمنين وذهبوا به الى المدفن الذي اعده الباشا لنفسه ولموتاه كل هذه المسافة ووالده خلف نعشه ينظر اليه ويبكي ومع الجنازة اربعة من الحمير تحمل القروش وربعيات الذهب ودراهم انصاف عديدة ينثرون صبها على الارض وعلى الكيمان وعن يمين الكتخدا ويساره شخصان يتناول منهما قراطيس الفضة يفرق على من يتعرض له من الفقراء والصبيان فاذا تكاثروا عليه نثر ما بقي في يده عليهم فيشتغلون عنه بالتقاطها من الارض فكان جملة ما فرق وبدر من الانصاف العددية فقط خمسة وعشرين كيسا عنها خمسمائة الف فضة وذلك خلاف القروش وساقوا امام الجنازة ستة رؤوس من الجواميس الكبار اخذ منها خدمة التربة ومن حولهم وخدمة ضريح الامام الشافعي ولم ينل الفقراء الا ما فضل عنهم واخرجوا لاسقاط صلاة المتوفي خمسة واربعين كيسا تناولها فقراء الازهر وفرقت بجامع الفاكهاني بحسب الاغراض للغني منهم اضعاف قسم الفقير واكثر الفقراء من الفقهاء لم ينالوا ولا القليل ولما وصلوا الى المدفن هدموا التربة وانزلوه فيها بتابوته الخشب لتعسر اخراجه منه بسبب انتفاخه وتهربه حتى انهم كانوا يطلقون حول تابوته
(3/540)

البخورات في المجامر الذهب والرائحة غالبة على ذلك وليس ثم من يتعظ او يعتبر ولما مات لم يخبروا والدته بموته الا بعد دفنه فجزعت عليه جزعا شديدا ولبست السواد وكذلك جميع نسائهم واتباعهم وصبغوا براقعهم بالسواد والزرقة وكذلك من ينافقهم من الناس حتى لطخوا ابواب البيوت ببولاق وغيرها بالوحل وامتنع الناس بالامر عليهم من عمل الافراح ودق الطبول مطلقا ونوبة الباشا واسمعيل باشا وطاهر باشا حتى ما يفعله دراويش المولوية في تكاياهم عند المقابلة من الناي والطبل اربعين يوما واقامو عليه العزاء عن القبر وعدة من الفقهاء والمقرئين ينتابون قراءة القرآن مدة الاربعين يوما ورتبوا له ذبائح ومآكل وكل ما يحتاجونه ثم ترادفت عليهم العطايا من والدته واخواته والواردين من اقاربه وغيرهم على حد قول القائل مصائب قوم عند قوم فوائد ومات وهو مقتبل الشبيبة لم يبلغ العشرين وكان ابيض جسيما كما قد دارت لحيته بطلا شجاعا جوادا له ميل لاولاد العرب منقادا لملة الاسلام ويتعرض على أبيه في افعاله تخافه العسكر وتهايه ومن اقترف ذنبا صغيرا قتله مع احسانه وعطاياه للمنقاد منهم ولامرائه ولغالب الناس اليه ميل وكانوا يرجون تأمره بعد ابيه ويأبى الله الا ما يريد
ومات الوزير المعظم يوسف باشا المنفصل عن امارة الشام وحضر الى مصر من نحو ثلاث سنوات هاربا وملتجئا الى حاكم مصر وذلك في اواخر سنة سبع وعشرين ومائتين والف واصله من الاكراد الدكرلية وينسب الى الاكراد الملية وابتداء امره بأخبار من يعرفه انه هرب من اهله وعمره اذ ذاك خمس عشرة سنة فوصل الى حماة وتعاطى بيع الحشيش والسرجين والروث ثم خدم عند رجل يسمى ملا حسين مدة سنين الى ان البسه قلبق ثم خدم بعده ملا اسمعيل بالكتاش وتعلم الفروسية والرماحة فلعب يوما في القمار وخسر فيه وخاف على نفسه فخرج هاربا الى عمر اغا باسيلي من اشراقات ابراهيم باشا المعروف بالازدن فتوجه معه إلى غزة وكان مع المترجم جواد اشقر من جياد الخيل فقلد علي اغا متسلم غزة عمر اغا
(3/541)

المذكور وجعله دالي باش ففي بعض الايام طلب المتسلم من المترجم الجواد فقال له ان قلدتني دالي باشا قدمته لك فأجابه الى ذلك وعزل عمر اغا وقلد المترجم المنصب عوضا عنه وامتنع من اعطائه ذلك الجواد واقام في خدمته مدة فوصل مرسوم من احمد باشا الجزار خطابا للمترجم بالقبض على المتسلم واحضاره الى طرفه وان فعل ذلك ينعم عليه بمبلغ خمسين كيسا ومائة بيرق ففعل ذلك واوقع القبض على علي اغا المتسلم وتوجه الى عكا بلدة الجزار فقال المتسلم للمترجم في اثناء الطريق تعلم ان الجزار رجل سفاك دماء فلا توصلني اليه وان كان وعدك بمال انا اعطيك اضعافه واطلقني اذهب حيث شاء الله ولا تشاركه في دمي فلم يجبه الى ذلك واوصله الى الجزار فحبسه ثم قتله ورماه في البحر واقام المترجم بباب الجزار اياما ثم ارسل اليه يأمره بالذهاب الى حيث يريد فانه لا خير فيه لخيانته لمخدومه فذهب الى حماة واقام عند اغاته اسمعيل اغا وهو متول من طرف عبد الله باشا المعروف بابن العظم فأقام في حدمته كلاجي زمنا نحو الثلاث سنوات وكان بين عبد الله باشا وأحمد باشا الجزار عداوة فتوجه عبد الله باشا الى الدورة فارسل الجزار عساكره ليقطع عليه الطريق فسلك طريقا اخرى فلما وصل الى جنيني وهي مدينة قريبة من بلاد الجزار وجه الجزار عساكره عليه فلما تقارب العسكران وتسامعت اهل النواحي امتنعوا من دفع الاموال فما وسع عبدالله باشا الا الرحيل وتوجه الى ناحية نابلس مسافة يومين وحاصر بلدة تسمى صوفين واخذ مدافع من يافا واقام محاصرا لها ستة ايام ثم طلبوا الامان فأمنهم ورحل عنهم الى طرف الجليل مسيرة نصف ساعة وفرق عساكره لقبض اموال الميري من البلاد واقام هو في قلة من العسكر فوصل اليه خيال وقت العصر في يوم من الايام يخبره بوصول عساكر الجزار وانه لم يكن بينه وبينهم الا نصف ساعة وهم خمسة الاف مقاتل فارتبك في امره وارسل الى النواحي فحضر اليه من حضروهم نحو الثلثمائة خيال وهو بدائرته نحو الثمانين فأمر بالركوب فلما تقاربا هاله كثرة عساكر العدو وايقنوا بالهلاك فتقدم
(3/542)

المترجم الى العسكر واشار عليهم بالثبات وقال لهم لم يكن غير ذلك فاننا ان قررنا هلكنا عن اخرنا وتقدم المترجم مع اغاته ملا اسمعيل وتبعهم العسكر وولجوا اوسط خيل العدو وصدقوا الحملة جملة واحدة فحصلت في العدو الهزيمة وركبوا اقفيتهم وتبعهم المترجم حتى حال الليل بينهم فرجعوا برؤوس القتلى والقلائع فلما اصبح النهار عرضوها على الوزير وهي نحو الالف رأس والف قليعة فخلع عليهم وشكرهم وارتحلوا الى دمشق وذهب المترجم مع اغاته الى مدينة حماة واستمر هناك الى ان حضر الوزير الاعظم يوسف باشا المعروف بالمعدن الى دمشق بسبب الفرنساوية ففارق المترجم مخدومه في نحو السبعين خيالا وجعل يدور بأراضي حماة بطالا ويقال له قيس فيراسل الجزار لينضم اليه وكان الجزار عند حضور الوزير انفصل حكمه عن دمشق ووجه ولايتها الى عبد الله باشا العظم فلما بلغ المترجم ذلك توجه الى لقاء عبد الله باشا بالمعرة فأكرمه عبد الله باشا وقلده دالي باشا كبيرا على جميع الخيالة حتى على اغاته ملا اسمعيل اغا واقام بدمشق مدة الى ان حاصر عبد الله باشا مدينة طرابلس فوصل اليه الخبر بان عساكر لجزار استولوا على دمشق وبلادها فركب عبد الله باشا وذهب الى دمشق ودخلها بالسيف ونصب عرضيه خارجها فوصل خبر ذلك الى جزار فكاتب عساكر عبد الله باشا يستميلهم لان معظمهم غرباء فاتفقوا على خيانته والقبض عليه وتسليمه الى الجزار وعلم ذلك وتثبته فركب في بعض مماليكه وخاصته الى وطاق المترجم وهو اذ ذاك دالي باشا واعلمه الخبر وانه يريد النجاة بنفسه فركب بمن معه واخرجه من بين العسكر قهرا عنهم واوصله الى شول بغداد ثم ذهب على الهجن الى بغداد ورجع المترجم الى حماة فقبل وصوله اليها ورد عليه مرسوم الجزار يستدعيه فذهب اليه فجعله مقدم الف وقلده باش الجردة فسافر الى الحجاز بالملاقاة وكان امير الحاج الشامي اذ ذاك سليمان باشا عوضا عن مخدومه احمد باشا الجزار فلما حصلوا في نصف الطريق
(3/543)

وصلهم خبر موت الجزار فرجع يوسف المترجم الى الشام واستولى اسمعيل باشا على عكا وتوجه منصب ولاية الشام الى ابراهيم باشا المعروف بقطر اغاسي اي اغات البغال وفي فرمان ولايته الامر بقطع رأس اسمعيل باشا وضبط مال الجزار فذهب المترجم بخيله واتباعه الى ابراهيم باشا وخدم عنده وركب الى عكا وحصروها وحطوا في ارض الكرداني مسيرة ساعة من عكا وكانت الحرب بينهم سجالا وعساكر اسمعيل باشا نحو العشرة الاف والمترجم يباشر الوقائع وكل وقعة يظهر فيها على الخصم ففي يوم من الايام لم يشعروا الا وعسكر اسمعيل باشا نافذ اليهم من طريق اخرى فركب المترجم واخذ صحبته ثلاثة مدافع وتلاقى معهم وقاتلهم وهزمهم الى ان حصرهم بقرية تسمى دعوق ثم اخرجهم بالامان الى وطاقه واكرمهم وعمل لهم ضيافة ثلاثة ايام ثم ارسلهم الى عكا بغير امر الوزير ثم توجه ابراهيم باشا الى الدورة وصحبته المترجم وتركوا سليمان باشا مكانهم وخرج اسمعيل باشا من عكا واغلقت ابوابها فاتفقت عساكره وقبضوا عليه وسلموه الى ابراهيم باشا فعند ذلك برز امر ابراهيم باشا بتسليم عكا الى سليمان باشا وذهب بالمرسوم المترجم فأدخله اليها ورجع الى مخدومه وذهب معه الى الدورة ثم عاد معه الى الشام وورد الامر بعزل ابراهيم باشا عن الشام وولاية عبد الله باشا المعروف بالعظم على يد باشت بغداد فخرج المترجم لملاقاته من على حلب فقلده دالي باشا على جميع العسكر فلما وصل الى الشام ولاه على حوران واربد والقنيطرة ليقبض اموالها فأقام نحو السنة ثم توجه صحبه الباشا مع الحج وتلاقوا مع الوهابية في الجديدة فحاربهم المترجم وهزمهم وحجوا واعتمروا ورجعوا ومكثوا الى السنة الثانية فخرج عبد الله باشا بالحج وابقى المترجم نائبا عنه بالشام فلما وصل الى المدينة المنورة منعه الوهابيون ورجع من غير حج ووصل خبر ذلك الى الدولة فورد الامر بعزل عبد الله باشا عن ولاية الشام وولاية المترجم على الشام وضواحيها
(3/544)

فارتاعت النواحي و العربان و اقام السنة و لم يخرج بنفسه الى الحج بل ارسل ملا حسن عوضا عنه فمنع أيضا عن الحج فلما كانت القابلة انفتح عليه أمر الدورة و عصى عليه بعض البلاد فخرج اليها و حاصر بلدة تسمى كردانية ووقع له فيها مشقة كبيرة الى ان ملكها بالسيف و قتل اهلها ثم توجه الى جبل نابلس وقهرهم وجبى منهم اموالا عظيمة ثم رجع الى الشام واستقام أمره وحسنت سيرته وسلك طريق العدل في الاحكام واقام الشريعة والسنة وابطل البدع والمنكرات واستتاب الخواطئ وزوجهن وطفق يفرق الصدقات على الفقراء واهل العلم والغرباء وابن السبيل وامر بترك الاسراف في المأكل والملابس وشاع خبر عدله في النواحي ولكن نقل ذلك على اهل البلاد بترك مألوفهم ثم انه ركب الى بلاد النصيرية وقاتلهم وانتصر عليهم وسبى نساءهم واولادهم وكان خيرهم بين الدخول في الاسلام أو الخروج من بلادهم فامتنعوا وحاربوا واتخذلوا وبيعت نساؤهم واولادهم فلما شاهدوا ذلك اظهروا الاسلام تقيه فعفا عنهم وعمل بظاهر الحديث وتركهم ورحل عنهم الى طرابلس وحصارها بسبب عصيان اميرها بربر باشا على الوزير واقام محاصرا لها عشرة اشهر حتى ملكها واستولى على قلعتها ونهبت منها اموال للتجار وغيرهم ثم ارتحل الى دمشق واقام بها مدة فطرقه خبر الوهابية انهم حضروا الى المزيريب فبادر مسرعا وخرج الى لقائهم فلما وصل إلى المزيرب وجدهم قد ارتحلوا من غير قتال فأقام هناك اياما فوصل اليه الخبر بأن سليمان باشا وصل الى الشام وملكها فعاد مسرعا الى الشام وتلاقى مع عسكر سليمان باشا وتحارب العسكران الى المساء وبات كل منهم في محله ففي نصف الليل في غفلتهم والمترجم نائم وعساكره ايضا هامدة فلم يشعروا الا وعساكر سليمان باشا كبستهم فحضر اليه كتخداه وايقظه من منامه وقال له ان لم تسرع والا قبضوا عليك فقام في الحين وخرج هاربا وصحبته ثلاثة اشخاص من مماليكه فقط ونهبت امواله وارزاقه وزالت عنه سيادته في ساعة واحدة ولم يزل حتى
(3/545)

وصل الى حماة فلم يتمكن من الدخول اليها ومنعه اهلها عنها وطردوه فذهب الى سيجر وارتحل منها الى بلدة يعمل بها البارود ومنها الى بلدة تسمى ريمة ونزل عند سعيد اغا فاقام عنده ثلاثة ايام ثم توجه الى نواحي انطاكية بصحبته جماعة من عند سعيد اغا المذكور ثم الى السويدة ولم يبق معه سوى فرس واحد ثم انه ارسل الى محمد علي باشا صاحب مصر واستأذنه في حضوره الى مصر فكاتبه بالحضور اليه والترحيب به فوصل الى مصر في التاريخ المذكور فلاقاه صاحب مصر واكرمه وقدم اليه خيولا وقماشا ومالا وانزله بدار واسعة بالازبكية ورتب له خروجا زائدة من لحم وخبز وسمن وارز وحطب وجميع اللوازم المحتاج اليها وانعم عليه بجوار وغير ذلك واقام بمصر هذه المدة وارسل في شانه الدولة وقبلت شفاعة محمد علي باشا فيه ووصله العفو والرضا ما عدا ولاية الشام وحصلت فيه علة ذات الصدر فكان يظهر به شبه السلعة مع الفواق بصوت يسمعه من يكون بعيداغ عنه ويذهب اليه جماعة الحكماء من الافرنج وغيرهم ويطالع في كتب الطب مع بعض الطلبة من المجاورين فلم ينجع فيه علاج وانتقل الى قصر الاثار بقصد تبديل الهواء ولم يزل مقيما هناك حتى اشتد به المرض ومات في ليلة السبت العشرين من شهر ذي القعدة وحملت جنازته من الاثار الى القرافة من ناحية الخلاء ودفن بالحوش الذي انشأه الباشا واعده لموتاه وكان مدة اقامته بمصر نحو ستة سنوات فسبحان الحي الذي لايموت الدائم الملك السلطان
ودخلت سنة اثنتين وثلاثين ومائتين والف
و استهل المحرم بيوم الخميس وحاكم مصر والمتولي عليها وعلى ضواحيها وثغورها من حد رشيد ودمياط الى اسوان واقصى الصعيد واسكاسة القصير والسويس وساحل القلزم وجدة ومكة والمدينة والاقطار الحجازية بأسرها محمد علي باشا القوللي ووزيره وكتخداه محمد اغا لاظو والدفتردار محمد بك صهر الباشا وزوج ابنته واغات الباب ابراهيم اغا ومدبر امور البلاد والاطيان والرزق والمساحات وقبض الاموال الميرية
(3/546)

وحساباتها ومصاريفها محمود بك الخازندار والسلحدار سليمان اغا حاكم الوجه القبلي محمد بك الدفتردار صهر الباشا عوض ابراهيم باشا ولد الباشا لانفصاله عن امارة الوجه القبلي وسفره الى الحجا انفار لمحاربة الوهابيين وباقي امراء الدولة مثل عابدين بك واسمعيل باشا ابن الباشا وخليل باشا وهو الذي كان حاكم الاسكندرية سابقا وشريف اغا وحسين بك دالي باشا وحسين بك الشماشرجي وحسن بك الشماشرجي الذي كان حاكما بالفيوم وغير هؤلاء وحسن اغا اغات الينكجرية وعلي آغا الوالي و كاتب الروزنامة مصطفى أفندي و حسن باشا بالديار الحجازية وشاة بندر التجار السيد محمد المحروقي وهو المتعين لمهات الاسفار وقوافل العربان ومخاطباتهم وملاقاة الاخبار الواصلة من الديار الحجازية والمتوجه اليها واجر المحمول وشحنة السفن ولوازم الصادرين والواردين والمتجعين والمقيمين والراحلين والمتعهد بجميع فرق القبائل والعشير وغوائلهم ومحاكماتهم وارغابهم وارهابهم وسياستهم على اختلاف اخلاقهم وطباعهم وهو المتعين ايضا لفصل قضايا التجار والباعة وارباب الحرف البلدية وفصل خصوماتهم ومشاجرتهم وتأديب المنحرفين منهم والنصابين وبعوثات الباشا ومراسلاته ومكاتباته وتجارته وشركاته وابتداعاته واجتهاده في تحصيل الاموال من كل وجه واي طريق ومتابعة توجيه السرايا والعساكر والذخائر الى نواحي الحجاز للاغارة على بلاد الوهابية واخذ الدرعية مستمر لاينقطع والعرضي منصوب خارج باب النصر وباب الفتوح واذا ارتحلت طائفة خرجت اخرى مكانها
و فيه سومحت ارباب الحرف والباعة والزياتون والجزارون والخضرية والخبازون ونحوهم من المسانهات والمشاهرات واليوميات الموظفة عليهم للمحتسب ونودي برفعها امام المحتسب في الاسواق وعوض المحتسب عنها بخمسة اكياس كل شهر يستوفيها من الخزينة وعملوا تسعيرا بترخيص اسعار المبيعات بدلا عما كانوا يعرفونه للمحتسب من غير مراعاة النسبة
(3/547)

والمعادلة في غالب الاصناف فإن العادة عند اقبال وجود الفاكهة او الخضراوات تباع بأغلى ثمن لعزتها وقلتها حينئذ وشهوة الطباع واشتياق النفوس لجديد الاشياء وزهدها في القديم الذي تكرر استعماله وتعاطيه كما يقال لكل جديد لذة فلم يراعوا ذلك ولم ينظروا في اصول الاشياء ايضا فإن غالب الاصناف داخل في المحتكرات وزيادة المكوس الحادثة في هذه السنين وما يضاف الى ذلك من طمع الباعة والسوقة وغشهم وقبحهم وعدم ديانتهم وخبث طباعهم فلما نودي بذلك وسمع الناس رخص المبيعات ظنوا بغفلتهم حصول الرخاء ونزلوا على المبيعات مثل الكلاب السعرانة وخطفوا ما كان بالأسواق بموجب التسعيرة من اللحم وانواع الخضراوات والفاكهة والادهان فلما اصبح اليوم الثاني لم يوجد بالاسواق شئ من ذلك واغلقت الفكهانية حوانيتهم واخفوا ما عندهم وطفقوا يبيعونه خفية وفي الليل بالثمن الذي يرتضونه والمحتسب يكثر الطواف بالأسواق ويتجسس عليهم ويقبض على من اغلق حانوته او وجدها خالية او عثر عليه انه باع بالزيادة وينكل بهم ويسحبهم مكشوفين الرؤوس مشنوقين وموثقين بالحبال ويضربهم ضربا مؤلما ويصلبهم بمفارق الطرق مخزومين الانوف ومعلق فيها النوع المزاد في ثمنه فلم يرتجعوا عن عادتهم ثم ان هذه المناداة والتسعيرة ظاهرها الرفق بالرعية ورخص الاسعار وباطنها المكر والتحيل والتوصل لما سيظهر بعد عن قريب وذلك ان ولي الامر لم يكن له من الشغل الا صرف همته وعقله وفكرته في تحصيل المال والمكاسب وقطع أرزاق المسترزقين والحجر والاحتكار لجميع الاسباب ولايتقرب اليه من يريد قربه الا بمساعدته على مراداته ومقاصده ومن كان بخلاف ذلك فلا حظ له معه مطلقا ومن تجاسر عليه من الوجهاء بنصح او فعل مناسب ولو على سبيل التشفع حقد عليه وربما اقصاه وابعده وعاداه معاداة من لايصفوا ابدا وعرفت طباعه واخلاقه في دائرته وبطانته فلم يمكنهم الا الموافقة والمساعدة في مشروعاته اما رهبة او خوفا على سيادتهم ورياستهم
(3/548)

ومناصبهم واما رغبة وطمعا وتوصلا للرياسة والسيادة وهم الاكثر وخصوصا اعداء الملة من نصارى الارمن وامثالهم الذين هم الان اخصاء لحضرته ومجالسته وهم شركاؤه في انواع المتاجر وهم اصحاب الراي والمشورة وليس لهم شغل ودرس الا فيما يريد حظوتهم ووجاهتهم عند مخدومهم وموافقة اغراضه وتحسين مخترعاته وربما ذكروه ونبهوه على اشياء تركها او غفل عنها من المبتدعات وما يتحصل منها من المال والمكاسب التي يسترزقها ارباب تلك الحرفة لمعاشهم ومصاريف عيالهم ثم يقع الفحص على اصل الشئ وما يتفرع منه وما يؤل اذا احكم امره وانتظم ترتيبه وما يتحصل منه بعد التسعير الذي يجعلونه مصاريف الكتبة والمباشرين ابرزت مبادية في قالب العدل والرفق بالرعية ولما وقع الالتفات الى امر المذابح والسلخانة وما يتحصل منها وما يكتسبه الموظفون فيها فاول ما بدؤا به ابطال جميع المذابح التي بجهات مصر والقاهرة وبولاق خلاف السلخانة السلطانية التي خارج الحسينية وتولى رياستها شخص من الاتراك ثم سعرت هذه التسعيرة فجعل الرطل الذي يبيعه القصاب بسبعة انصاف فضة وثمنه على القصاب من المذبح ثمانية انصاف ونصف وكان يباع قبل هذه التسعيرة بالزيادة الفاحشة فشح وجود اللحم واغلقت حوانيت الجزارين وخسروا في شراء الاغنام وذبحها وبيعها بهذا السعر وانهي أمر شحة اللحم الى ولي الامروان ذلك من قلة المواشي وغلوا ثمان مشترواتها على الجزارين وكثرة رواتب الدولة والعساكر واشيع انه امر بمراسيم الى كشاف الاقاليم قبلي وبحري لشراء الاغنام من الارياف لخصوص رواتبه ورواتب العسكر والخاصة واهل الدولة ويترك ما يذبحه جزار والمذبح لاهل البلدة وعند ذلك ترخص الاسعار ثم تبين خلاف ذلك وان هذه الاشاعة توطئة وتقدمة لما سيتلى عن قريب
وفي منتصفه وصلت اغنام وعجول وجواميس من الارياف هزيلة وازدادت باقامتها هزالا من الجوع وعدم مراعاتها فذبحوا منها بالمذابح
(3/549)

اقل من المعتاد وزعت على الجزارين فيخص الشخص منهم الاثنان او الثلاثة فعند ما يصل الى حانوته وهو مثل الحرامي فيتخاطفها العساكر التي بتلك الخطة وتزدحم الناس فلا ينوبهم شئ وتذهب في لمح البصر ثم امتنع وجودها واستمر الحال والناس لايجدون ما يطبخونه لعيالهم وكذلك امتنع وجود الخضراوات فكان الناس لايحصلون القوت الا بغاية المشقة واقتاتوا بالفول والمصلوق والعدس والبيصار ونحو ذلك وانعدم وجود السمن والزيت والشيرج وزيت البزر وزيت القرطم لاحتكارها لجهة الميري واغلقت المعاصر والسيارج وامتنع وجود الشمع العسل والشمع المصنوع من الشحم لاحتكار الشحم والحجز على عمال الشمع فلا يصنعه الشماعون ولا غيرهم ونودي على بيع الموجود منه باربعة وعشرين نصفا وكان يباع بثلاثين واربعين فاخفوه وطفقوا يبيعونه خفية بما احبوا وانعدم وجود بيض الدجاج لجعلهم العشرة منه باربعة انصاف وكان قبل المناداة اثنان بنصف وكل ذلك والمحتسب يطوف بالأسواق والشوارع ويشدد على الباعة ويؤلمهم بالضرب والتجريس وفقد وجود الدجاج فلا يكاد يوجد بالأسواق دجاجة لانه نودي على الدجاجة باثني عشرة نصفا وكان الثمن عنها قبل ذلك خمسة وعشرين فأكثر
واستهل شهر صفر الخير سنة
فيه حضر المعلم غالي من الجهة القبلية ومعه مكاتبات من محمد بك الدفتردار الذي تولى امارة الصعيد عوضا عن ابراهيم باشا ابن الباشا الذي توجه الى البلاد الحجازية لمحاربة الوهابية يذكر فيها نصح المعلم غالي وسعيه في فتح ابواب تحصيل الاموال للخزينة وانه ابتكر اشياء وحسابات يتحصل منها مقادير كثيرة من المال فقوبل بالرضا والاكرام وخلع عليه الباشا واختص به وجعله كاتب سره ولازم خدمته واخذ فيما ندب اليه وحضر لاجله التي منها حسابات جميع الدفاتر واقلام المبتدعات ومباشريها وحكام الاقاليم
(3/550)

و فيه تجردت عدة عساكر اتراك ومغاربة الى الحجاز وصحبتهم ارباب صنائع وحرف
و فيه ارسل الباشا الى بندر السويس اخشابا وادوات عمارة وبلاط كذان وحديدا وصناعا بقصد عمارة قصر لخصوصة اذا انزل هناك
واستهل شهر ربيع الاول سنة
فيه شحت المبيعات والغلال والادهان وغلا سعر الحبوب وقل وجودها في الرقع والسواحل فكان الناس لايحصلون شيئا منها الا بغاية المشقة
و فيه عزل الباشا حكام الاقاليم والكشاف ونوابهم وطلبهم للحضور وامر بحسابهم وما اخذوه من الفلاحين زيادة على مافرضه لهم وارسل من قبله اشخاصا مفتشين للفحص والتجسس على ماعسى يكون اخذوه منهم من غير ثمن فأخذوا يقررون المشايخ والفلاحين ويحررون اثمان مفرق الاشياء من غنم او دجاج او تبن او عليق او بيض او غير ذلك في المدة التي اقامها احدهم بالناحية فحصل للكثير من قائم مقاماتهم الضرر وكذلك من انتمى اليهم فمنهم من اضطر وباع فرسه واستدان
وفيه حضر علي كاشف من شرقية بلبيس معزولا عن كشوفيتها وقلدها خلافه وكان كاشفا بالإقليم عدة سنوات وكذلك جرى لكاشف المنوفية والغربية وحضر ايضا حسن بك الشماشرجي من الفيوم معزولا ووجهه الباشا الى ناحية درنة لمحاربة اولاد علي
واستهل شهر ربيع الثاني سنة
فيه حصل الحجز والمنع على من يذبح شيئا من المواشي في داره او غيرها ولا يأخذ الناس لحوم اطعمتهم الا من المذبح واوقفت عساكر بالطرق رصدا لمن يدخل المدينة بشيء من الاغنام وذلك انه لما نزلت المراسيم الى الكشاف بمشترى المواشي من الفلاحين وارسالها الى المكان الذي اعده الباشا لذلك ويؤخذ منها مقدار ما يذبح بالسلخانة في كل يوم لرواتب الدولة
(3/551)

والبيع طلب كشاف النواحي شراء الاغنام والعجول والجواميس بالثمن القليل من اربابها فهرب الكثير من الفلاحين باغنامهم فيخرجون من القرية ليلا ويدخلون المدينة ويمرون بها في الاسواق ويبيعونها بما احبوا من الثمن على الناس فانكب الناس على شرائها منهم لجودتها ويشترك الجماعة في الشاة فيذبحونها ويقسمونها بينهم وذلك لقلة وجدان اللحم كما سبقت الاشارة اليه وان تيسر وجوده فيكون هزيلا رديئا فإن في كل يوم ترد الجملة الكثيرة من بحرى وقبلي الى المكان المعد لها ولم يكن ثم من يراعيها بالعلف والسقي فتهزل وتضعف فلما كثر ورود الفلاحين بالأغنام وشراء الناس لها ووصل خبر ذلك الى الباشا فأمر بوقوف عساكر على مفارق الطرق خارج المدينة من كل ناحية فيأخذون الشاة من الفلاحين اما بالثمن او يذهب صاحبها معها الى المذبح فتذبح في يومها ومن الغد ويوزن اللحم خالصا ويعطى لصاحبها ثمنه عن كل رطل ثمانية فضة ونصف ويوزن على الجزارين بذلك الثمن بما فيه من القلب والكبد والمنحر والمذاكير والمخرج بما فيه من الزبل ايضا والجزارون يبيعونها على من يشتري لشدة الطلب بزيادة النصف والنصفين بل والثلاثة والاربعة ان كان به نوع جودة واما الاسقاط من الرؤوس والجلود والكروش فهو للميري وكذلك يفعل فيما يرد لخاصة الناس من الاغنام يفعل بها كذلك ولايأخذ الا قدر راتبه في كل يوم من المذبح
و فيه شح وجود الغلال في الرقع والسواحل حتى امتنع وجود الخبز في الاسواق فأخرج الباشا جانب غلة ففرقت على الرقع وبيعت على الناس وهي الف اردب انفضت في يومين ولا يبيعون ازيد من كيلة او كيلتين وبيع الاردب بألف ومائتين وخمسين نصفا
و فيه افرد محل لعمل الشمع الذي يعمل من الشحوم بعطفة ابن عبد الله بك جهة السروجية واحتكروا لأجل عمله جميع الشحوم التي من المذبح وغيره وامتنع وجود الشحم من حوانيت الدهانين ومنعوا من يعمل
(3/552)

شيئا من الشمع في داره او في القوالب الزجاج وتتبعوا من يكون عنده شيء منها فأخذوها منه وحذروا من عمله خارج المعمل كل التحذير وسعروا رطله بأربعة وعشرين نصفا
واستهل شهر جمادي الاولى سنة
وفيه حول معمل الشمع إلى الحسينية عند الدرب الذي يعرف بالسبع والضبع
و فيه ارتحلت عساكر مجردة الى الحجاز
و فيه برزت اوامر الى كشاف النواحي باحصاء عدد اغنام البلاد والقرى ويفرض عليها كل عشرة شياه واحدة من اعظمها اما كبش او نعجة بأولادها يجمعون ذلك ويرسلون به الى مجمع اغنام الباشا وفرض ايضا على كل فدان رطلا من السمن يجمع الارطال مشايخ البلاد من الفلاحين عند كشاف النواحي ويرسلونها الى مصر وسبب هذه المحدثه انه لما عملت التسعيرة وتسعر رطل السمن بستة وعشرين نصفا ويبيعه السمان والزيات بزيادة نصفين امتنع وجوده وظهوره فيأتي به الفلاح ليلا في الخفية ويبيعه للزبون او للمتسبب بما احب ويبيعه المتسبب ايضا بالزيادة لمن يريده سرا فيبيعون الرطل بأربعين وخمسين ويزيد على ذلك غش المتسبب وخلطه بالدقيق والقرع والشحم وعكر اللبن فيصفو على النصف ولايقدر مشتريه على رد غشه للبائع لأنه ما حصله الا بغاية المشقة والعزة والانكار والمنع وان فعل لايجد من يعطيه ثانيا وتقف الطائفة من العسكر بالطرق ليلا وفي وقت الغفلات يرصدون الواردين من الفلاحين ويأخذونه منهم بالقهر ويعطونهم ثمنه بالسعر المرسوم ويحتكرونه هم ايضا ويبيعونه لمن يشتريه منهم بالزيادة الفاحشة فامتنع وروده الا في النادر خفية مع الغرر او الخفارة والتحامي في بعض العساكر من امثالهم واشتد الحال في انعدام السمن حتى على اكابر الدولة فعند ذلك ابتدع الباشا هذه البدعة وفرض على كل فدان من طين الزراعات رطلا من السمن ويعطى في ثمن الرطل عشرين
(3/553)

نصفا فاشتغلوا بتحصيل ما دهمهم من هذه النازلة وطولب المزارع بمقدار ما يزرعه من الافدنة ارطالا من السمن ومن لم يكن متاخرا عنده شيء من سمن بهيمته او لم يكن له بهيمة او احتاج الى تكملة موجود عنده فيشتريه ممن يوجد عنده باغلى ثمن ليسد ما عليه اضطرار اجزاء وفاقا
و فيه حصل الاذن بدخول ما دون العشرة من الاغنام الى المدينة وكذلك الاذن لمن يشتري شيئا منها من الاسواق وسبب اطلاق الاذن بذلك مجيء بعض اغنام الى اكابر الدولة ولا غنى عن ذلك لا دني منهم ايضا وحجزوا عن وصولها الى دورهم فشكوا الى الباشا فأطلق الاذن فيما دون العشرة
و فيه ايضا امتنع وجود الغلال بالعرصات والسواحل بسبب احتكارها واستمرار انجرارها ونقلها في المراكب قبلي وبحري الى جهة الاسكندرية للبيع على الافرنج بالثمن الكثير كما تقدم ووجهت المراسيم الى كشاف النواحي بمنع بيع الفلاحين غلالهم لمن يشتري منهم من المتسببين والتراسين وغيرهم وبأن كل ما احتاجوا لبيعه مما خرج لهم من زراعتهم يؤخذ لطرف الميري بالثمن المفروض بالكيل الوافي واشتد الحال في هذا الشهر وما قبله حتى قل وجود الخبز من الاسواق بل امتنع وجوده في بعض الايام واقبلت الفقراء نساء ورجالا الى الرقع بمقاطفهم ورجعوا بها فوارغ من غير شيء وزاد الهول والتشكي وبلغ الخبر الباشا فأطلق ايضا الف اردب توزع على الرقع ويباع على الناس أما ربع واحد وكيلة فقط وكل ربع ثمنه قرش فيكون الاردب بأربعة وعشرين قرشا
وفيه حضر حسن بك الشماشرجي من ناحية درنة وبلد اخرى يقال لها سيوة وصحبته فرقة من اولاد علي وذلك ان اولاد علي افترقوا فرقتين احدهما طائعة والاخرى عاصية عن الطاعة ومنحازون الى هذه الناحية فجرد الباشا عليهم حسن بك المذكور فحاربهم فهزمهم وهزموه ثانيا فرجع الى مصر فضم اليه الباشا جملة من العساكر واصحب معه الفرقة الاخرى الطائعة فسار الجمع ودهموهم على حين غفلة وتقدم لحربهم اخوانهم
(3/554)

الطائعة وقتلوا منهم واغاروا على مواشيهم واباعرهم واغنامهم فأرسلوا المنهوبات الى جهة الفيوم وفي ظن العرب ان الغنائم تطيب لهم وحضر حسن بك وصحبته كبار العرب من اولاد علي الطائعين وفي ظنهم الفوز بالغنيمة وان الباشا لا يطمع فيها لكون النصرة كانت بأيديهم وانه يشكرهم ويزيدهم انعاما وكانوا نزلوا ببر الجيزة وحضر حسن بك الى الباشا فطلب كبار العرب ليخلع عليهم ويكسوهم فلما حضروا اليه امر بحبسهم واحضار الغنيمة من ناحية الفيوم بتمامها فأحضروها بعد ايام واطلقهم فيقال ان الاغنام ستة عشر الف رأس او اكثر ومن الجمال ثمانية الاف جمل وناقة وقيل اكثر من ذلك
و فيه نجزت عمارة السواقي التي انشأها الباشا بالارض المعروفة برأس الوادي بناحية شرقية بلبيس قيل انها تزيد على الف ساقية وهي سواقي دواليب خشب تعمل في الارض التي يكون منبع الماء فيها قريبا واستمر الصناع مدة مستطيلة في عمل آلاتها عند بيت الجبجي وهو بيت الرزاز الذي جهة التبانة بقرب المحجر وتحمل على الجمال الى الوادي هناك المباشرون للعمل المقيدون بذلك وغرسوا بها اشجار التوت الكثيرة لتربية دود القز واستخراج الحرير كما يكون بنواحي الشام وجبل الدروز ثم برزت الاوامر الى جميع بلاد الشرقية بأشخاص انفار من الفلاحين البطالين الذين لم يكن لهم اطيان فلاحة يستوطنون بالوادي المذكور وتبنى لهم كفور يسكنون فيها ويتعاطون خدمة السواقي والمزارع ويتعلمون صناعة تربية القز والحرير واستجلب اناسا من نواحي الشام والجبل من اصحاب المعرفة بذلك ويرتب للجميع نفقات الى حين ظهور النتيجة ثم يكونون شركاء في ربع المتحصل ولما برزت المراسيم بطلب الاشخاص من بلاد الشرق اشيع في جميع قرى الاقاليم المصرية اشاعات وتقولوا اقاويل منها ان الباشا يطلب من كل بلدة عشرة من الصبيان البالغين وعشرة من البنات يزوجهم بهن ويمهرهن من ماله ويرتب لهم نفقات الى بدو صلاح
(3/555)

المزارع ثم اشاعوا الطلب للصبيان الغير مختونين ليرسلهم الى بلاد الافرنج ليتعلموا الصنائع التي لم تكن بأرض مصر وشاع ذلك في اهل القرى وثبت ذلك عندهم فختن الجميع صبيانهم ومنهم من ارسل ابنه او بنته وغيبها عند معارفه بالمدينة الى غير ذلك من الاقاويل التي لم يثبت منها الا ما ذكر اولا من ان المطلوب جلب الفلاحين البطالين من بلدة الشرقية لاغير وقد تعمر هذا الوادي بالسواقي والاشجار والسكان من جميع الاجناس وانتشأ دنيا جديدة متسعة لم يكن لها وجود قبل ذلك بل كانت برية خرابا وفضاء واسعا
و فيه سافر جملة من عساكر الاتراك والمغاربة وكبيرهم ابراهيم اغا الذي كان كتخدا ابراهيم باشا ثم تولى كشوفية المنوفية وصحبته خزينة وجبخانة ومطلوبات لمخدومه
واستهل شهر جمادي الثانية بيوم الثلاثاء سنة
في اوائله حضر الى مصر بن يوسف باشا حاكم طرابلس ومعه اخوه اصغر منه يستأذنان الباشا في حضور والدهما الى مصر فارا من والده وكان ولاه على ناحية درنة وبنى غازي فحصل منه ما غير خاطر والده عليه وعزم على ان يجرد عليه فأرسل اولاده الى صاحب مصر بهدية ويستأذن في الحضور الى مصر والإلتجاء اليه فأذن له في الحضور وهو ابن اخي الذي بمصر اولا وسافر مع الباشا الى الحجاز ورجع الى مصر واستمر ساكنا بالسبع قاعات
وفيه وصل الخبر بأن ابراهيم اغا الذي سافر مع الجردة لما وصل الى العقبة امر من بصحبته من المغاربة والعسكر بالرحيل فلما ارتحلوا ركب هو في خاصته وذهب على طريق الشام
وفي ليلة الاربعاء سادس عشره وصل جراد كثير ليلا ونزل ببستان الباشا بشبرا وتعلق بالاشجار والزهور وصاحت الخولة والبستانجية وارسل الباشا الى الحسينية وغيرها فجمعوا مشاعل كثيرة واوقدوها
(3/556)

وضربوا بالطبول والصنوج النحاس لطرده وامر الباشا لكل من جمع منه رطلا فله قرشان فجمع الصبيان والفلاحون منه كثيرا
ثم في ليلة السبت تاسع عشرة قبل الغروب وصل جراد كثير من ناحية المشرق مارا بين السماء والارض مثل السحاب وكان الريح ساكنا فسقط منه الكثير على الجنائن والمزارع والمقاثيء فلما كان في نصف الليل هبت رياح جنوبية واستمرت واشتد هبوبها عند انتصاف النهار واثارت غبارا اصفر وعبوقا بالجو ودامت الى بعد العصر يوم السبت فطردت ذلك الجراد واذهبته فسبحان الحكيم المدبر اللطيف
وفي يوم الاحد طاف مناد اعمى يقوده آخر بالأسواق ويقول في ندائه من كان مريضا او به رمدا وجراحه وادارة فليذهب الى خان بالموسكي به اربعة من حكماء الافرنج اطباء يداوونه من غير مقابلة شيء فتعجب الناس من هذا وتحاكوه وسعوا الى جهتهم لطلب التداوي
وفيه حضر ابن باشت طرابلس ودخل الى المدينة وصحبته نحو المائتي نفر من اتباعه فانزله الباشا في منزل ام مرزوق بك بحارة عابدين واجرى عليه النفقات والراواتب له ولأتباعة
وفي يوم الخميس حادي عشرينه وصل خبر الاطباء ومناداتهم الى كتخدا بك فأحضر حكيم باشا وسأله فأنكر معرفتهم وانه لاعلم عنده بذلك فامر باحضارهم وسألهم فخلطوا في الكلام فأمر بإخراجهم من البلدة ونفوهم في الحال وذهبوا الى حيث شاء الله ولو فعل مثل هذه الفعلة بعض المسلمين لجوزي بالقتل او الخازوق وكان صورة جلوسهم ان يجلس احدهم خارج المكان والآخر من داخل وبينهما ترجمان ويأتي مريد العلاج الى الاول وهو كأنه الرئيس فيجس نبضه او بيضه وكأنه عرف علته ويكتب له ورقة فيدخل مع الترجمان بها لآخر بدخل المكان فيعطيه شيئا من الدهن او السفوف او الحب المركب ويطلب منه اما قرشا او قرشين او خمسة بحسب الحال وذلك ثمن الدواء لا غير وشاع ذلك وتسامع به الناس واكثرهم
(3/557)

معلول من طبيعتهم التقليد والرغبة في الوارد الغريب فتكاثروا وتزاحموا عليهم فجمعوا في الايام القليلة جملة من الدراهم واستلطف الناس طريقتهم هذه بخلاف ما يفعله الذي يدعون التطبيب من الافرنج واصطلاحهم اذا دعى الواحد منهم لمعالجة المريض فاول ما يبدا به نقل قدمه بدراهم يأخذها اما ريال فرانسة او اكثر بحسب الحال والمقام ثم يذهب الى المريض فيجسه ويزعم انه عرف علته ومرضه وربما هول على المريض داءه وعلاجه ثم يقاول على سعيه في معالجته بمقدار من الفرانسة اما خمسين او مائة او اكثر بحسب مقام العليل ويطلب نصف الجعالة ابتداء ويجعل على كل مرة من التردادات عليه جعالة ايضا ثم يزاوله بالعلاجات التي تجددت عندهم وهي مياه مستقطرة من الاعشاب او ادهان كذلك يأتون بها للمرضى في قوارير الزجاج اللطيفة في المنظر يسمونها باسماء بلغاتهم ويعربونها بدهن البادزهر واكسير الخاصة ونحو ذلك فإن شفى الله العليل اخذ منه بقية ما قاوله عليه او اماته طالب الورثة بباقي الجعالة وثمن الادوية طبق ما يدعيه واذا قيل له انه قد مات قال في جوابه اني لم اضمن اجله وليس على الطبيب منع الموت ولا تطويل العمر وفيهم من جعل له في كل يوم عشرة من الفرانسة
وفيه راى رايه حضرة الباشا حفر بحر عميق يجري الى بركة عميقة تحفر ايضا بالإسكندرية تسير فيها السفن بالغلال وغيرها ومبدؤها من مبدأ خليج الاشرفية عند الرحمانية فطلب لذلك خمسين الف فاس ومسحة يصنعها صناع الحديد وامر بجمع الرجال من القرى وهم مائة الف فلاح توزع على القرى والبلدان للعمل والحفر بالأجرة وبرزت الاوامر بذلك فارتبك امر الفلاحين ومشايخ البلاد لأن الامر برز بحضور المشايخ وفلاحيهم فشرعوا في التشهيل وما يتزودون به في البرية ولا يدرون مدة الاقامة فمنهم من يقدرها بالسنة ومنهم باقل او اكثر
واستهل شهر رجب بيوم الاحد سنة
في ثانيه يوم الاثنين الموافق لثاني عشر بشنس القبطي وسابع آيار الرومي
(3/558)

قبل الغروب بنحو ساعة تغير الجو بسحاب وقتام وحصل رعد متتابع واعقبه مطر بعد الغروب ثم انجلى ذلك والسبب في ذكر مثل هذه الجزئية شيئان الاول وقوعها في غير زمانها لما فيه من الاعتبار بخرق العوائد والثاني الاحتياج اليها في بعض الاحيان في العلامات السماوية وبالاكثر في الوقائع العامية فإن العامة لايؤرخون غالبا باللأعوام والشهور بل بحادثة ارضية او سماوية خصوصا اذا حصلت في غير وقتها او ملحمة او معركة او فصل او مرض عام او موت كبير او امير فإذا سئل الشخص عن وقت مولده او مولد ابنه او ابنته او موت ابيه او سنة بولغه سن الرشد يقول كان بعد الحادثة الفلانية بكذا من الايام ثم لايدري في أي شهر او عام وخصوصا اذا طال الزمان بعدها وقد تكرر الاحتياج الى تحرير الوقت في مسائل شرعية في مجلس الشرع في مثل الحضانة والعدة والنفقة وسن اليأس ومدة غيبة المفقود بأن يتفق قولهم على ان الصبي ولد يوم السيل الذي هدم القبور او يوم موت الامير فلان او الواقعة الفلانية ويختلفون في تحقيق وقتها عند ذلك يحتاجون الى السؤال ممن عساه يكون ارخ وقتها وفي غير وقت الاحتياج يسخرون بمن يشغل بعض اوقاته بشيء من ذلك لاعتيادهم اهمال العلوم التي كان يعتني بتدوينها الاوائل الا بقدر اقامة الناموس الذي يحصلون به الدنيا ولولا تدوين العلوم وخصوصا علم الاخبار ما وصل الينا شيء منها ولا الشرائع الواجبة ولا يشك شاك في فوائد التدوين وخصائصه بنص التنزيل قال تعالى وكلا نقص عليك من انباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين
وفي عاشره وصلت هجانة واخبار عن ابراهيم باشا من الحجاز بأنه وصل الى محل يسمى الموتان فوقع بينه وبين الوهابية وقتل منهم مقتلة عظيمة واخذ منهم اسرى وخياما ومدفعين فضربوا لتلك الاخبار مدافع سرورا بذلك الخبر
(3/559)

وفي يوم الاربعاء ثامن عشره سافر الباشا الى اسكلة السويس وصحبته السيد محمد المحروقي ليتلقى سفائنه الواصلة بالبضائع الهندية
واستهل شهر شعبان بيوم الاثنين سنة
وفيه رجع الباشا من السويس واخلوا للبضائع الواصلة ثلاث خانات توضع في حواصلها ثم توزع على الباعة بالثمن الذي يفرضه
و فيه وصل الخبر اياضا بوصول سفائن الى بندر جدة وفيها ثلاثة من الفيلة
و فيه قوى اهتمام الباشا لحفر الترعة الموصلة الى الاسكندرية كما تقدم وان يكون عرضها عشرة اقصاب والعمق اربعة اقصاب بحسب علو الاراضي وانخفاضها وتعينت كشاف الاقاليم لجمع الرجال وفرضوا اعدادهم بحسب كثرة اهل القرية وقلتها وعلى كل عشرة اشخاص شخص كبير وجمعت الغلقان ولكل غلق فأس و ثلاثة رجال لخدمته واعطوا كل شخص خسمة عشر قرشا ترحيلة ولكل شخص ثلاثون نصفا في اجرته كل يوم وقت العمل وحصل الاهتمام لذلك في وقت اشتغال الفلاحين بالحصيدة والدراس وزراعة الذرة التي هي معظم قوتهم وشرعوا في تشهيل احتياجاتهم وشراء القرب للماء فان بتلك البرية لايوجد ماء الا ببعض الحفائر التي يحفرها طالب الماء وقد تخرج مالحة لأنها اراض مسبخة وتعين جماعة من مهندسخانة و نزلوا مع كبيرهم لمساحتها وقياسها فقاسوا من فم ترعة الاشرفية حيث الرحمانية الى حد الحفر المراد بقرب عمود السواري الذي بالاسكندرية فبلغ ذلك ستة وعشرين الف قصبة ثم قاسوا من اول الترعة القديمة المعروفة بالناصرية وابتداؤها من المكان المعروف بالعطف عند مدينة فوة فكان اقل من ذلك ينقص عنه خمسة آلاف قصبة وكسر فوقع الاختيار على ان يكون ابتداؤها هناك
وفي اثناء ذلك زاد النيل قبل المناداة عليه بالزيادة وذلك في منتصف بؤنة القبطي وغرق المقاثيء من البطييخ والخيار والعبدلاوي واهمل امر
(3/560)

الحفر في الترعة المذكورة الى ما بعد النيل واستردت الدراهم التي اعطيت للفلاحين لأجل الترحيلة وفرحوا بذلك الاهمال وقد كان اطلق الباشا لمصارفها اربعة آلاف كيس من تحت الحساب ورجع المهندسون الى مصر وقد صوروا صورتها في كواغد ليطلع عليها الباشا عيانا وكان رجوعهم في ثامن عشرة شعبان
وفيه تقلد ابراهيم اغا المعروف بآغات الباب امر تنظيم الاصناف والمحدثات وعمل معدلاتها لبيان سرقات ومخفيات المتقلدين امر كل صنف من الاصناف بعد البحث والتفتيش والتفحص على دقائق الاشياء
و فيه وصل نحو المائتي شخص من بلاد الروم ارباب صنائع معمرين ونجارين وحدادين وبنائين وهم مابين ارمني واجريجي ونحو ذلك
وفيه ايضا اهتم الباشا ببناء حائطين بحري رشيد عند الطينة على يمين البغاز وشماله لينحصر فيما بينهما الماء ولاتطمى الرمال وقت ضعف النيل ويقع بسبب ذلك العطب للمراكب وتلف اموال المسافرين وقد كمل ذلك في هذا الشهر وهذه الفعلة من اعظم الهمم الملوكلة التي لم يسبق بمثلها
وفي عشرينه شنق شخص بباب زويلة بسبب الزيادة في المعاملة وعلقوا بأنفه ريال فرانسة مع ان الزيادة سارية في المبيعات والمشتروات من غير انكار
و فيه ايضا خزم المحتسب آناف اشخاص من الجزارين في نواحي وجهات متفرقة وعلق في آنافهم قطعا من اللحم وذلك بسب الزيادة في ثمن اللحم وبيعهم له بما احبوه من الثمن في بعض الاماكن خفية لان الجزارين اذا نزلوا باللحم من المذبح واكثره هزيل ونعاج ومعز والقليل من المناسب الجيد فيعلقون الرديء بالحوانيت ويبيعونه جهارا بالثمن المسعر ويخفون الجيد ويبيعونه في بعض الاماكن بما يحبون
وفي يوم الخميس خامس عشرينه وصلت الافيال الثلاثة من السويس احدها كبير عن الاثنين ولكن متوسط في الكبر فعبروا بها من باب النصر
(3/561)

وشقوا من وسط المدينة وخرجوا بها من باب زويلة على الدرب الاحمر وذهبوا بها الى قراميدان وهرولت الناس والصبيان للفرجة عليها وذهبوا خلفها وازدحموا في الاسواق لرؤيتها وكذلك العسكر والدلاة ركبانا ومشاة وعلى ظهر الفيل الكبير مقعد من خشب
واستهل شهر رمضان بيوم الثلاثاء
و عملت الرؤية تلك الليلة وركب المحتسب وكذا مشايخ الحرف كعادتهم واثبتوا رؤية الهلال تلك الليلة وكان عسر الرؤية جدا
وفي صبح ذلك اليوم عزل عثمان اغا الورداني من الحسبة وتقلدها مصطفى كاشف كرد وذلك لما تكرر على سمع الباشا افعال الوقة وانحرافهم وقلة طاعتهم وعدم مبالاتهم بالضرب والايذاء وخزم انوف والتجريس قال في مجلس خاصته لقد سرى حكمي في الاقاليم البعيده فضلا عن القريبة وخافني العربان وقطاع الطريق وغيرهم خلاف سوقه مصر فأنهم لايرتدعون بما يفعله فيهم ولاة الحسبة من الاهانة والايذاء فابدلهم من شخص يقهرهم ولا يرحمهم ولا يهملهم فوقع اختياره على مصطفى كاشف كرد هذا فقلده ذلك اطلق له الاذن فعند ذلك ركب في كبكبة وخلفه عدة من الخيالة وترك شعار المنصب من المقدمين والخدم الذين يتقدمونه وكذلك الذي امامه بالميزان ومن بأيديهم الكرابيج لضرب المستحق والمنقص في الوزن وبات يطوف على الباعة ويضرب بالدبوس هشما بادنى سبب ويعاقب بقطع شحمة الاذن فأغلقوا الحوانيت ومنعوا وجود الاشياء حتى ما جرت به العادة في رمضان من عمل الكعك والرقاق المعروف بالسحير وغيره فلم يلتفت لامتناعهم وغلقهم الحوانيت وزاد في العسف ولم يرجع عن سعيه واجتهاده ولازم على السعي والطواف ليلا ونهارا لاينام الليل بل ينام لحظة وقت ما يدركه النوم في أي مكان ولو على مصطبة حانوت واخذ يتفحص على السمن والجبن ونحوه المخزون في الحواصل ويخرجه ويدفع ثمنه لأربابه بالسعر المفروض و يوزعه لأرباب الحوانيت ليبيعوه
(3/562)

على الناس بزيادة نصف او نصفين في كل رطل وذهب الى بولاق و مصر القديمة فاستخرج منهما سمنا كثيرا ومعظم ذلك في مخازن العسكر فإن العسكر كانوا يرصدون الفلاحين وغيرهم فيأخذونه منهم بالسعر المفروض هو مائتان واربعون في العشرة منه ثم يبيعونه على المحتاجين اليه بما احبوا من الزيادة الفاحشة فلم يراع جانبهم واستخرج مخباتهم قهرا عنهم ومن خالف عليه منهم ضربه واخذ سلاحه ونكل به وذهب في بعض الاوقات الى بولاق فاخرج من حاصل ببعض الوكائل ثلثمائة وخمسين ماعونا لكبير من العسكر فحضر اليه بطائفته فلم يلتفت اليه ووبخه وقال له انتم عساكر لكم الرواتب والعلائف واللحوم والاسمان وخلافها ثم تحتكرون ايضا اقوات الناس وتبيعونها عليهم بالثمن الزائد واعطاه الثمن المفروض وحمل المواعين على الجمال الى الامكنة التي اعدها لها عند باب الفتوح وعندما رأى ارباب الحوانيت الجد وعدم الاهمال والتشديد عليهم فتح المعلق منهم حانوته واظهروا مخباتهم امامهم وملؤا السدريات والطسوت من السمن وانواع الجبن خوفا من بطش المحتسب وعدم رحمته بهم ويقف بنفسه على باعة البطيخ والقاوون
وفي منتصف شهر رمضان وصلوا برمة ابراهيم بك الكبير من دنقلة وذلك انه لما وصل خبر موته استأذنت زوجته ام ولده الباشا في ارسالها امرأة تدعى نفيسة لإحضار رمته فأذن بذلك واعطى المتسفرة فيما بلغنا عشرة اكياس وكتب لها مكاتبات لكشاف الوجه القبلي بالمساعدة وسافرت وحضرت به في تابوت وقد جف جلده على عظمه لنحافته وذلك بعد موته بنحو ستة شهور وعملوا له مشهدا وامامه كفارة ودفنوه بالقرافة الصغرى عند ابنه مرزوق بك
وفي ليلة الخميس سابع عشره طلب المحتسب حجاجا الخضري الشهير بنواحي الرميلة فأخذه الى الجمالية شنقه على السبيل المجاور لحارة المبيضة وذلك في سادس ساعة من الليل وقت السحور وتركوه معلقا لمثلها من الليلة القابلة ثم اذن برفعه فاخذه اهله ودفنوه وحجاج هو
(3/563)

الذي تقدم ذكره غير مرة في واقعة خورشيد باشا وغيرها وكان مشهورا بالإقدام والشجاعة طويل القامة عظيم الهمة وكان شيخا على طوائف الخضرية صاحب صولة وكلمة بتلك النواحي ومكارم اخلاق وهو الذي بنى البوابة باخر الرميلة عند عرصة الغلة ايام الفتنة واختفى مرار بعد تلك الحوادث وانضم الى الالفي ثم حضر الى مصر بامان ولم يزل على حالته في هدوء وسكون ولم يؤخذ في هذه بجرم فعله يوجب شنقه بل قتل مظلوما لحقد سابق وزجرا لغيره
وفي يوم الاثنين ثامن عشرين شهر رمضان الموافق السادس مسرى القبطي اوفي النيل أذرعه فنودي بالوفاء وكسر السد صبح يوم الثلاثاء بحضرة كتخدا بك والقاضي وغيره وجرى الماء في الخليج ولم يقع فيه مهرجان مثل العادة هذا والمحتسب مواظب على السروح ليلا ونهارا ويعاقب بجرح الآذان والضرب بالدبوس واقعد بعض صناع الكنافة على صوانيهم التي على النار وامر بكنس الاسواق ومواظبة رشها بالماء ووقود القناديل على ابواب الدور وعلى كل ثلاثة من الحوانيت قنديل ويركب آخر الليل ثم يذهب الى بولاق ليتلقى الواردين بالبطيخ الاخصر والاصفر ويعرف عدة الشروات ويأمرهم بدفع مكوسها المفروضة ثم يأمرهم بالذهاب الى مراكز بيعهم ولا يبيعون شيئا حتى يأتيهم بنفسه او بحضرة من يرسله من طرفه ثم يعود طائفا عليهم فيحصى ما في فرش احدهم عددا ويميز الكبير بثمن والصغير بثمن ويترك عند البائع من يباشره او يقف هو بنفسه ويبيع على الناس بما فرضه ويعطي لصاحبه الثمن والربح فيراه وقد ربح العشرة قروش واكثر بعد مكسه ومصارفه فيقول له اما يكفي مثلك ربح هذا القدر حتى تطمع ايضا في الزيادة عليه وهو مع ذلك يكر ويطوف على غيرهم ويحلق على ما يرد من السمن الوارد الذي تقرر على المزارعين فيزنه منهم بالسعر المفروض وهو اربعة وعشرون نصفا الرطل ويرد عليهم الفوارغ ويعطيه للبائع بالثمن المقرر وهو ستة
(3/564)

وعشرون وهم يبيعونه بزيادة نصفين في كل رطل وهو ثمانية وعشرون ويناله الناس بأسهل وجدان سالما من الخلط والغش ويامرهم باعادة ما عسى يوجد فيه من المرته والعكار الى مواعينه ليوزن مع فوارغه ورصد ايضا ما يرد للناس ولو لأكابر الدولة من السمن فيطلق البعض وياخذ الباقي بالثمن وكذلك ما يأتيهم من البطيخ والدجاج ولو كان لصاحب الدولة حسب اذنه له بذلك كل ذلك للحرص على كثرة وجدان الاشياء وتعدت احكامه الى بضائع التجار والاقمشة الهندية واهل مرجوش والمحلاوية وخلافهم وطلب قوائم مشترواتهم والنظر في مكايلهم فضاق خناق اكثر الناس من ذلك لكونهم لم يعتادوه من محتسب قبله وكأنه وصله خبر ولاة الحسبة واحكامهم في الدول المصرية القديمة فإن وظيفة امين الاحتساب وظيفة قضاء وله التحكم والعدالة والتكلم على جميع الاشياء وكان لايتولاها الا المتضلع من جميع المعارف والعلوم والقوانين ونظام العدالة حتى على من يتصدر لتقرير العلوم فيحضر مجلسه ويباحثه فإن وجد فيه اهلية للإلقاء اذن له بالتصدر او منعه حتى يستكمل وكذلك الاطباء والجراحية حتى البياطرية والبزدرية ومعلموا الاطفال في المكاتب ومعلموا السباحة في الماء والنظر في وسق المراكب في الاسفار واحمال الدواب في نقل الاشياء ومقادير روايا الماء مما يطول شرحه وفي ذلك مؤلف للشيخ بن الرفعة وقد يسهل بعض ذلك مع العدالة وعدم الاحتكار وطمع المتولي وتطلعه لما في ايدي الناس وارزاقهم
و مما يحكى ان الرشيد سأل الليث بن سعد فقال له يا ابا الحرث ما صلاح بلدكم يعني مصر فقال له اما صلاح امرها ومزارعها فبالنيل واما احكامها فمن رأس العين يأتي الكدر
وفي اواخر رمضان زاد المحتسب في نغمات الطنبور وهو انه ارسل مناديه في مصر القديمة ينادي على نصارى الارمن والاروام والشوام باخلاء البيوت التي عمروها وزخرفوها وسكنوا بها بالانشاء والملك
(3/565)

والمؤاجرة المطلة على النيل وان يعودوا الى زيهم الاول من لبس العمائم الزرق وعدم ركوبهم الخيول والبغال والرهونات الفارهة واستخدامهم المسلمين فتقدم اعاظمهم الى الباشا بالشكوى وهو يراعي جانبهم لأنهم صاروا اخصاء الدولة وجلساء الحضرة وندماء الصحبة
و أيضانادى مناديه على المردان ومحلقي اللحي بأنهم يتركونها ولا يحلقونها وجميع العسكر وغالب الاتراك سنتهم حلق اللحي ولو طعن في السن فاشيع فيهم ان يامرهم بترك لحاهم وذلك خرم لقواعدهم بل يرونه من الكبائر وكذلك السيد محمد المحروقي بسبب تعرضه الى بضائع التجار واهل الغورية فان ذلك منوط به
وفي اثناء ذلك ورد الى عابدين بك مواعين سمن فأرسل الجمال الى حملها من ساحل بولاق فبلغ خبرها المحتسب فأخذها وادخلها مخزنه وعادت الجمال فارغة واخبروا مخدومهم بحجز المحتسب لها فأرسل عدة من العسكر فأخرجوها من المخزن واخذوها ولم يكن المحتسب حاضرا واتفق انه ضرب شخصا من عسكر المذكور ارنؤدي بالدبوس حتى كاد يموت فاشتد بعابدين بك الحنق وركب الى كتخدا بك وشنع على المحتسب وتعددت الشكاوي وصادفت في زمن واحد فانهى الامر الى الباشا فتقدم اليه بكف المحتسب عن هذه الافعال فأحضره الكتخدا وزجره وامره ان لايتعدى حكمه الباعة ومن كان يسري عليهم احكام من كان في منصبه قبله وا يكون امامه الميزان ويؤدب المستحق بالكرابيج دون الدبوس
واستهل شهر شوال بيوم الخميس سنة
فترك السروح في ايام العيد واشيع بين السوقة عزله فأظهروا الفرح ورفعوا ما كان ظاهرا بين ايديهم من السمن والجبن واخفوه عن الاعين ورجعوا الى حالتهم الاولى في الغش والخيانة وغلاء السعر واغلق بعضهم الحانوت وخرجوا الى المنتزهات وعملوا ولائم
وفي رابعه شنقوا عدة اشخاص في اماكن متفرقة قيل انهم سراق
(3/566)

وزغلية وكانوا مسجونين في ايام رمضان ولم يركب المحتسب حسب الامر بل اركب خازنداره وشق بالميزان عوضا عنه ثم ركب هو ايضا وبيده الدبوس لكن دون الحالة الاولى في الجبروت ولم يسر حكمه على النصارى فضلا عن غيرهم
وفي عاشره يوم السبت نزلوا بكسوة الكعبة من القلعة وشقوا بها من وسط الشارع الى المشهد الحسيني
وفي يوم السبت سابع عشره اداروا المحمل وخرج امير الركب الى خارج باب النصر ووصلت حجاج كثيرة من ناحية المغرب الى برانبابة وبولاق وطفقوا يشترون الاغنام من الفلاحين ويذبحونها ويبيعونا ببولاق وطرقها على الناس جزافا من غير وزن ويذهب الكثير من الناس الى الشراء منهم فيقعون في الغبن الفاحش والزيادة على السعر بالضعف واكثر ضرورتهم في الشراء منهم رداءة ما يحمله القصابون من المذبح من اغنام الباشا المحضرة من البلاد والقرى وقد هزلت من السفر والاقامة بالجوع والعطش ويموت الكثير منها فيسلمونه ويزنونه على الجزارين بالبيع للناس وفيه المتغير الرائحة وما تعافه النفوس فبسبب ذلك اضطر الناس الى الشراء من هؤلاء الاجناس بالغبن وتحمل سوء اخلاقهم وحصل بينهم وبين بعض العسكر شرور وقتل بينهم قتلى ومجاريح والباشا وحكام الوقت يتغافلون عنهم خوفا من وقوع الفتن ثم ارتحلوا لانهم كثروا وملؤا الازقة والنواحي وحضر ايضا الركب الفاسي وفيه ولدا السلطان سليمان ومن يصحبهما فاحسن الباشا نزلهم وتقيد السيد محمد المحروقي بملاقاتهم ولوازمهم وانزلوهم في منزل بجوار المشهد الحسيني واجريت عليهم نفقات تليق بهم واهديا للباشا هدية وفيها عدة بغال وبرانس حرير وغير ذلك
وفي ثامن عشرينه ارتحل الحج المصري من البركة وكانت الحجوج في هذه السنة كثيرة من سائر الاجناس اتراك وططر وبشناق وجركس
(3/567)

وفلاحين ومن سائر الاجناس ورجع الكثير من المسافرين على بحر القلزم الى الحجاز من السويس لقلة المراكب التي تحملهم وغصت المدينة من كثرة الزحام زيادة على ما بها من ازدحام العساكر واخلاط العالم من فلاحي القرى المشيعين والمسافرين ومن يرد من الافاق والبلاد الشامية ونصارى الروم والارمن والدلاة والواردين والذين استدعاهم الباشا من الدروز والمتاولة والنصيرية وغيرهم لعمل الصنائع والمزارع وشغل الحرير وما استجده بوادي الشرق حتى ان الانسان يقاسي الشدة والهول اذا مر بالشارع من كثرة الازدحام ومرور الخيالة وحمير الاوسية والجمال التي تحمل الاتربة والانقاض والاحجار لعمائر الدولة سوى ما عداها من حمول الاحطاب والبضائع والتراسين حتى الزحمة في داخل العطف الضيقة وزيادة على ذلك كثرة الكلاب بحيث يكون في القطعة من الطريق نحو الخمسين ثم صياحها ونباحها المستمر وخصوصا في الليل على المارين وتشاجرها مع بعضها مما يزعج النفوس ويمنع الهجوع وقد احسن الفرنساوية بقتلهم الكلاب فإنهم لما استقروا وتكرر مرورهم ونظروا الى كثرة الكلاب من غير حاجة ولا منفعة سوى الهبهبة والعواء وخصوصا عليهم لغرابة اشكالهم فطاف عليها طائف منهم باللحم المسموم فما اصبح النهار الا وجميعها موتى مطروحة بجميع الشوارع فكان الناس والصغار يسحبونها كذا بالحبال الى الخلاء واستراحت الارض ومن فيها منها فالله يكشف عنها مطلق الكرب في الدنيا والآخرة بمنه وكرمه
واستهل شهر ذي القعدة سنة
وفي خامسه يوم الاربعاء وليلة الخميس ارتحل ركب الحجاج المغاربة من الحصوة
وفي اواخره حصل الامر للفقهاء بالأزهر بقراءة صحيح البخاري فاجتمع الكثير من الفقهاء والمجاورين وفرقوا بينهم اجزاء وكراريس من البخاري يقرؤون فيها في مقدار ساعتين من النهار بعد الشروق فاستمروا
(3/568)

على ذلك خمسة ايام وذلك بقصد حصول النصر لإبراهيم باشا على الوهابية وقد طالت مدة انقطاع الاخبار عنه وحصل لأبيه قلق زائد ولما انقضت ايام قراءة البخاري نزل للفقهاء عشرون كيسا فرقت عليهم وكذلك على اطفال المكاتب
واستهل شهر ذي الحجة بيوم الاحد سنة
في رابعه شنقوا اشخاصا قيل انهم خمسة ويقال انهم حرامية
وفيها ارسلت الافيال الثلاثة الى دار السلطنة صحبة الهدايا المرسلة ثلاثة سروج ذهب وفيها سرج مجوهر وخيول وكباش ونقود واقمشة هندية وسكاكر وارز
وفيه وصل فيل آخر كبير مروا به من وسط المدينة وذهبوا به الى رحبة بيت السيد محمد المحروقي وقفوا به في اواخر النهار والناس تجتمع للفرجة عليه الى اواخر النهار ثم طلعوا به الى القلعة واوقفوا بالطبخانة وهي محل عمل المدافع وحضر بصحبته شخص يدعي العلم والمعرفة بالطب والحكمة ومعه مجلد كبير في حجم الوسادة يحتوي على الكتب الستة الحديثية وخطه دقيق قال انه نسخه بيده ونزل ببيت السيد محمد المحروقي وركب له معجون الجواهر انفق فيه جملة من المال وكجلا وركب ايضا تراكيب لغيره وشرط عليهم في الاستعمال بعد مضي ستة اشهر وشيء منها بعد شهرين وثلاثة واقام اياما ثم سافر راجعا الى صنعاء
وفي يوم الثلاثاء عاشره كان عيد النحر ولم يرد فيه مواش كثيرة كالأعياد السابقة من الاغنام والجواميس التي تأتي من الارياف فكانت تزدحم منها لاسواق لكثرتها والوكائل والرميلة فلم يرد الا النزر القليل قبل النحر بيومين ويباع بالثمن الغالي ولم يذبح الجزارون في ايام النحر للبيع كعادتهم الا القليل منهم مع التحجير على الجلود وعلى من يشتريها وتباع لطرف الدولة بالثمن الرخيص جدا وانقضت السنة مع استمرار ما تجدد فيها من الحوادث التي منها ما حدث في آخر السنة من الحجر وضبط انوال الحياكة وكل ما يصنع بالمكوك وما ينسج على نول او نحوه
(3/569)

من جميع الاصناف من ابريسم او حرير او كتان الى الخيش و الفل والحصير في سائر الاقليم المصري طولا وعرضا قبلي وبحري من الاسكندرية ودمياط الى اقصى بلاد الصعيد والفيوم وكل ناحية تحت حكم هذا المتولي وانتظمت لهذا الباب دواوين ببيت محمود بك الخازندار واياما ببيت السيد محمد المحروقي وبحضرة من ذكر والمعلم غالي ومتولي كبر ذلك والمفتتح لأبوابه المعلم يوسف كنعان الشامي والمعلم منصور ابو سربمون القبطي ورتبوا الضبط ذلك كتابا ومباشرين يتقررون بالنواحي والبلدان والقرى وما يلزم لهم من المصاريف والمعليم والمشاهرات ما يكفيهم في نظير تقيدهم وخدمتهم فيمضي المتعينون لذلك فيحصون ما يكون موجودا على الانوال بالناحية من القماش والبزوالأكسية الصوف المعروفة بالزعابيط والدفافي ويكتبون عدده على ذمة الصانع ويكون ملزوما به حتى اذا تم نسجه دفعوا لصاحبه ثمنه بالفرض الذي يفرضونه وان ارادها صاحبها اخذها من الموكلين بالثمن الذي يقدرونه بعد الختم عليها من طرفيها بعلامة الميري فان ظهر عند شخص شئ من غير علامة الميري اخذت منه بل وعوقب وغرم تأديبا على اختلاسه وتحذيرا لغيره هذا شأن الموجود الحاصل عند النساجين واستئناف العمل المجدد فإن الموكل بالناحية ومباشريها يستدعون من كل قرية شخصا معروفا من مشايخها فيقيمونه وكيلا ويعطونه مبلغا من الدراهم ويأمرونه باحصاء الانوال والشغالين والبطالين منهم في دفتر فيأمرون البطالين بالنسج على الانوال التي ليس لها صناع بأجرتهم كغيرهم على طرف الميري ويدفع المتوكل لشخصين او ثلاثة دراهم يطوفون بها على النساء اللاتي يغزلن الكتان بالنواحي ويجعلنه اذرعا فيشترون ذلك منهن بالثمن المفروض ويأتون الى النساجين ثم تجمع اصناف الاقمشة في اماكن للبيع بالثمن الزائد وجعلوا لمبيعها امكنة مثل خان ابو طقية وخان الجلاد وبه يجلس المعلم كنعان ومن معه وغير ذلك وبلغ ثمن الثوب القطن الذي يقال له البطانة الى ثلثمائة نصف فضة بعد ما كان يشترى بمائة نصف
(3/570)

واقل واكثر بحسب الرداء والجودة وادركناه يباع في الزمن السابق بعشرين نصفا وبلغ ثمن المقطع القماش الغليظ الى ستمائة نصف فضة وكان يباع باقل من ثلث ذلك وقس على ذلك باقي الاصناف وهذه البدعة اشنع البدع المحدثه فان ضررها عم الغني والفقير والجليل والحقير والحكم لله العلي الكبير
ومنها ان المشار اليه هدم القصر الذي بالآثار وانشأه على الهيئة الرومية التي ابتدعوها في عمائرهم بمصر وهدموه وعمروه وبيضوه في ايام قليلة وذلك انه بات هناك ليلتين فاعجبه هواؤه فاختار بناءه على هواه وعند تمامه وتنظيمه بالفرش والزخارف جعل يتردد الى المبيت به بعض الاحيان مع السراري والغلمان كما يتنقل ما قصر الجيزة وشبرا والازبكية والقلعة وغيرها من سرايات اولاده واصهاره والملك لله الواحد القهار
و منها ان طائفة من الافرنج الانكليز قصدوا الاطللاع على الاهرام المنهورة الكائنة ببر الجيزة غربي الفسطاط لأن طبيعتهم ورغبتهم الاطلاع على الاشياء المستغريات والفحص عن الجزئيات وخصوصا الآثار القديمة وعجائب البلدان والتصاوير والتماثيل التي في المغارات والبرابي بالناحية القبلية وغيرها ويطوف منهم اشخاص في مطلق الاقاليم بقصد هذا الغرض ويصرفون لذلك جملا من المال في نفقاتهم ولوازمهم ومؤاجريهم حتى انهم ذهبوا الى اقصى الصعيد واحضروا قطع احجار عليها نقوش واقلام وتصاوير ونواويس من رخام ابيض كان بداخلها موتى باكفانها او اجسامها باقية بسبب الاطلية والادهان الحافظة لها من البلاد ووجه المقبور مصور على تمثال صورته التي كان عليها في حال حياته وتماثيل آدمية من الحجر السماقي الاسود المنقط الذي لايعمل فيه الحديد جالسين على كراسي واضعين ايديهم على الركب وبيد كل واحد شبه مفتاح بين اصابعه اليسرى والشخص مع كرسيه قطعة واحدة مفرغ معه اطول من قامة الرجل الطويل وعلو رأسه نصف دائرة منه في علوا الشبر وهم شبه العبيد المشوهين
(3/571)

الصور وهم ستة على مثال واحد كأنما افرغوا في قالب واحد يحمل الواحد منهم الجملة من العتالين وفيهم السابع من رخام ابيض جميل الصورة واحضروا ايضا راس صنم كبير دفعوا في اجرةالسفينة التي احضروه فيها ستة عشر كيسا عنها ثلثمائة وعشرون الف نصف فضة وارسلوها الى بلادهم لتباع هناك بأضعاف ما صرفوه عليها وذلك عندهم من جملة المتاجر في الاشياء الغريبة ولما سمعت بالصور المذكورة فذهبت بصحبة ولدنا الشيخ مصطفى باكير المعروف بالساعاتي وسيدي ابراهيم المهدي الانكليزي الى بيت قنصل بدرب البرابرة بالقرب من كوم الشيخ سلامة جهة الازبكية وشاهدت ذلك كما ذكرته وتعجبنا من صناعتهم وتشابههم وصقالة ابدانهم الباقية على مر السنين والقرون التي لايعلم قدرها الاعلام الغيوب وارادوا الاطلاع على امر الاهرام واذن لهم صاحب المملكة فذهبوا اليها ونصبوا خيمة واحضروا الفعلة والمساحي والغلقان وعبروا الى داخلها واخرجوا منها اتربة كثيرة من زبل الوطواط وغيره ونزلوا الى الزلاقة ونقلوا منها ترابا مربع من الحجر المنحوت غير مسلوك هذا ما بلغنا عنهم وحفورا حوالي الرأس العظيمة التي بالقرب من الاهرام التي تسميها الناس رأس ابي الهول فظهر انه جسم كامل عظيم من حجر واحد ممتد كأنه راقد على بطنه رافع رأسه وهي التي يراها الناس وباقي جسمه مغيب بما انهال عليه من الرمال وساعداه من مرفقية ممتدان امامه وبينهما شبه صندوق مربع الى استطالة من سماق احمر عليه نقوش شبه قلم الطير في داخله صورة سبع مجسم من حجر مدهون بدهان احمر رابض باسط ذراعيه في مقدار الكلب رفعوه ايضا الى بيت القنصل ورايته يوم ذاك وقيس المرتفع من جسم ابي الهول من عند صدره الى اعلى رأسه فكان اثني وثلاثين ذراعا وهي نحو الربع من باقي جسمه واقاموا في هذا العمل نحو من اربعة اشهر
و أما من مات في هذه السنة من المشاهير فمات العالم العلامة الفاضل الفهامة صاحب التحقيقات الرائقة والتأليفات الفائقة شيخ شيوخ اهل العلم
(3/572)

وصدر صدور اهل الفهم المتفنن في العلوم كلها نقليها وعقليها وادبيها اليه انتهت الرياسة في العلوم بالديار المصرية وباهت مصر ما سواها بتحقيقاته البهية استنبط الفروع من الاصول واستخراج نفائس الدور من بحور المعقول المنقول واودع الطروس فوائد وقلدها عوائد فرائد الاستاذ الشيخ محمد بن محمد بن احمد بن عبد القادر بن عبد العزيز بن محمد السنباوي المالكي الازهري الشهير بالامير وهو لقب جده الادنى احمد وسببه ان احمد واباه عبد القادر كان لهما امرة بالصعيد واخبرني المترجم من لفظه ان اصلهم من المغرب نزلوا بمصر عند سيدي عبد الوهاب ابي التخصيص كما اخبر عن ذلك وثائق لهم التزموا بحصة بناحية سنبوا وارتحلوا اليها وقطنوا بها وبها ولد المترجم وكان مولده في شهر ذي الحجة سنة اربع وخمسين ومائة والف باخبار والديه وارتحل معهما الى مصر وهو ابن تسع سنين وكان قد ختم القران فجوده على الشيخ المنير على طريقة الشاطبية والدرة وحبب اليه طلب العلم فاول ما حفظ متن الاجرومية وسمع سائر الصحيح والشفاء على سيدي علي بن العربي السقاط وحضر دروس اعيان عصره واجتهد في التحصيل ولازم دروس الشيخ الصعيدي في الفقه وغيره من كتب المعقول وحضر على السيد البليدي شرح السعد على عقائد النسفي والاربعين النووية وفقع الموطأ على هلال المغرب وعالمه الشيخ محمد التاودي بن سودة بالجامع الازهر سنة وروده بقصد الحج ولازم المرحوم الوالد حسنا الجبرتي سنين وتلقى عنه الفقه الحنفي وغير ذلك من الفنون كالهيئة والهندسة والفلكيات والاوفاق والحكمة عنه وبواسطة تلميذه الشيخ محمد ابن اسمعيل النفراوي المالكي وكتب له اجازة مثبتة في برنامج شيوخه وحضر الشيخ يوسف الحفني في آداب البحث و بانت سعاد وعلى الشيخ محمد الحفني اخيه مجالس من الجامع الصغير والشمايل والنجم الغيطي في المولد وعلى الشيخ احمد الجوهري في شرح الجوهرة للشيخ عبد السلام وسمع منه المسلسل بالأولية وتلقى
(3/573)

عنه طريق الشاذلية من سلسلة مولاي عبد الله الشريف وشملته اجازة الشيخ الملوي وتلقى عنه مسائل في اواخر ايام انقطاعه بالمنزل ومهر وانجب وتصدر لالقاء الدروس في حياة شيوخه ونما امره واشتهر فضله خصوصا بعد موت اشياخه وشاع ذكره في الافاق وخصوصا بلاد المغرب وتأتيه الصلات من سلطان المغرب وتلك النواحي في كل عام ووفد عليه الطالبون للأخذ عنه والتلقي منه وتوجه في بعض المقتضبات الى دار السلطنة والقى هناك دروسا حضره فيها علماؤهم وشهدوا بفضله واستجازوه واجازهم بما هو مجاز به من اشياخه وصنف عدة مؤلفات اشتهرت بايدي الطلبة وهي غاية التحرير منها مصنف في فقه مذهبه سماه المجموع حاذى به مختصر خليل جمع فيه الراحج في المذهب وشرحه شرحا نفيسا وقد صار كل منهما مقبولا في ايام شيخه العدوي حتى كان اذا توقف شيخه في موضع يقول هاتوا مختصر الامير وهي منقبة شريفة وشرح مختصر خليل وحاشية على المغنى لابن هشام وحاشية على الشيخ عبد الباقي على المختصر وحاشية على الشيخ عبد السلام على الجوهرة وحاشية على شرح الشذور لابن هشام وحاشية على الازهرية وحاشية على الشنشوري على الرحبية في الفرائض وحواش على المعراج وحاشية على شرح املوي على السمرقندية ومؤلف سماه مطلع النيرين فيما يتعلق بالقدرتين واتحاف الانس في الفرق بين اسم الجنس وعلم الجنس ورفع التلبيس عما يسئل به ابن خميس وثمر الثمام في شرح آداب الفهم والافهام وحاشية على المجموعة وتفسير سورة القدر وكان رحمه الله رقيق القلب لطيف المزاج ينزعجطبعه من غير انزعاج يكاد الوهم يؤلمه وسماع المنافر يوهنه ويسقمه وبآخره ضعفت قواه وتراخت اعضاه وزاد شكواه ولم يزل يتعلل ويزداد انينه ويتململ والامراض به تسلسل وداعي المنون عنه لايتحول الى ان توفي يوم الاثنين عاشر ذي القعدة الحرام وكان له مشهد حافل جدا ودفن بالصحراء بجوار مدفن الشيخ عبد الوهاب العفيفي بالقرب من عمارة السلطان
(3/574)

قايتباي وكثر عليه الاسف والحزن وخلف ولده العلامة النحرير الشيخ محمد الامير وهو الآن احد الصدور كوالده يقرأ الدروس ويفيد الطلبة ويحضر الدواوين والمجالس العالية بارك الله فيه
و مات الشيخ الفقيه العلامة الشيخ خليل المدابغي لكونه يسكن بحارة المدابغ حضر دروس الاشياخ من الطبقة الاولى وحصل الفقه والمعقول واشتهر فضله مع فقره وانجماعه عن الناس متقشفا متواضعا ويكتسب من الكتابة بالأجرة ولم يتجمل بالملابس ولا بزي الققهاء يظن الجاهل به انه من جملة العوام توفي يوم الإثنين ثامن عشر ذي القعدة من السنة
ومات الشيخ الفقيه الورع الشيخ علي المعروف بأبي زكرى البولاقي لسكنه ببولاق وكان ملازما لإقراء الدروس ببولاق ويأتي الى الجامع الازهر في كل يوم يقرأ الدروس و يفيد الطلبة ويرجع الى بولاق بعد الظهر ومات حماره الذي كان يأتي عليه الى الجامع الازهر فلم يتخلف عن عادته ويأتي ماشيا ثم يعود مدة حتى اشفق عليه بعض المشفقين من اهالي بولاق واشتروا له حمارا ولم يزل على حالته وانكساره حتى توفي يوم الخميس ثامن شهر ذي القعدة من السنة رحمه الله وايانا وجمعنا في مستقر رحمته آمين
ومات من اكابر الدولة المسمى ولي افندي
و قال له ولي خوجا وهو كاتب خزينة الباشا وانشأ الدار العظيمة التي بناحية باب اللوق وادخل فيها عدة بيوت ودورا جليلة تجاهها وملاصقة لها من الجهتين وبعضها مطل على البركة المعروفة ببركة ابي الشوارب وتقدم في اخبار العام الماضي ان الباشا صاهره وزوج ابنته لبعض اقارب الباشا الخصيصين به مثل الذي يقال له شريف آغا وآخر وعمل له مهما عظيما احتفل فيه الى الغاية وزفة وشنكا كل ذلك وهو متمرض الى ان مات في ثاني عشرين ربيع الثاني وضبطت تركته فوجد له كثير من النقود والجواهر والامتعة وغير ذلك فسبحان الحي الذي لايموت
(3/575)

واستهل سنة ثلاث وثلاثين ومائتين والف
واستهل المحرم بيوم الإثنين ووالي مصر وحاكمها الوزير محمد علي باشا وهو المتصرف فيها قبليها وبحريها بل والاقطار الحجازية وضواحيها وبيده ازمة الثغور الاسلامية ووزيره محمد بك لاظ المعروف بكتخدا بك وهو قائم مقامه في حال غيابه وحضوره والمتصدر في ديوان الاحكام الكلية والجزئية وفصل الخصومات ومباشرة الاحوال نافذ الكلمة وافر الحرمة واغات الباب ابراهيم اغا ومتولي ايضا امر تعديل الاصناف ليوفر على الخزينة ما يأكله المتولي على كل صنف ويخفي امره فيشدد الفحص في المكيل والموزون والمذروع حتى يستخرج المخبأ ولو قليلا فيجمتمع من القليل والكثير من الاموال فيحاسب المتولي مدة ولايته فيجمتع له مالا قدره له على وفاء بعضه الان ذلك شيء قد استهلك في عدة ايدي اشخاص واتباع ويلزم الكبير بإدائه وبقاسي ما يقاسيه من الحبس والضرب وسلب النعمة ومكابدة الاهوال وسلحدار الباشا سليمان اغا عوضا عن صالح بك السلحدار لاستعفائه عنها في العام السابق وهو المسلط على اخذ الاماكن وهدمها وبنائها خانات ورباعا وحوانيت فياتي الى الجهة التي يختار البناء فيها ويشرع في هدمها ويأتيه ارباها فيعطيهم اثمانها كما هي في حججهم القديمة وهو شيء نادر بالنسبة لغلو اثمان العقارات في هذا الوقت لعموم التخرب وكثرة العام وغلاءالمؤن وضيق المساكن بأهلها حتى ان المكان الذي كان يؤجر بالقليل صار يؤجر بعشرة امثال الاجرة القديمة ونحو ذلك ومحمود بك الخازندار وخدمته قبض اموال البلاد والاطيان والرزق وما يتعلق بذلك من الدعاوي والشكاوي وديوانه بخط سويقة اللالا والمعلم غالي كاتب سر الباشا ورئيس الاقباط وكذلك الدفتردار محمد بك صهر الباشا وحاكم الجهة القبلية والروزنامجي مصطفى افندي واغا مستحفظان حسن اغا البهلوان والزعيم علي اغا الشعراوي ومصطفى اغا كرد المحتسب وقد بردت همته عما كان عليه ورجع الحال في قلة الادهان كالاول وازدحم
(3/576)

الناس على معمل الشمع فلا يحصل الطالب منه شيئا الا بشق الانفس وكذلك انعدم وجود بيض الدجاج لعدم المجلوب ووقوف العسكر ورصدهم من يكون معه شيء منه من الفلاحين الداخلين الى المدينة من القرى فياخذونه منهم بدون القيمة حتى بيعت البيضة الواحدة بنصفين واما المعاملة فلم يزل امرها في اضطراب بالزيادة والنقص وتكرار المناداة كل قليل وصرف الريال الفرانسة الى اربعمائة نصف فضة والمحبوب الى اربعمائة وثمانين والبندقي الى تسعمائة نصف والمجر الى ثمانمائة نصف واما هذه الانصاف العددية التي تذكر فهي اسماء لاوجود لمسمياتها في الايدي
وفي ثاني عشره سافر الباشا الى جهة الاسكندرية لمحاسبة الشركاء والنظر في بيع الغلال والمتاجر والمراسلات
وفي تاسع عشره ارتحلت عساكر اتراك وماربة مجردة الى الحجاز
واستهل شهر صفر بيوم الاربعاء سنة
في ثالث عشره وصل الكثير من حجاج المغاربة
وفي يوم الجمعة سابع عشره وصل جاويش الحاج وفي ذلك اليوم وقت العصر ضربوا عدة مدافع من القلعة لبشارة وصلت من ابراهيم باشا بأنه حصلت له نصرة وملك بلدة من بلاد الوهابية وقبض على اميرها ويسمى عتيبة وهو طاعن في السن
وفي يوم الثلاثاء حادي عشرينه وصل ركب الحاج المصري والمحمل وامير الحاج من الدلاة
واستهل شهر ربيع الاول بيوم الجمعة سنة
و فيه وصل قابجي من دار السلطنة فعملوا له موكبا وطلع الى القلعة وضربوا له شنكا سبعة ايام وهي مدافع تضرب في كل وقت من الاوقات الخمسة
وفي هذا الشهر انعدم وجود القناديل الزجاج وبيع القنديل الواحد الذي كان ثمنه خمسة انصاف بستين نصفا اذا وجد
(3/577)

واستهل شهر ربيع الثاني بيوم السبت سنة
وو فقه ايضا وأول مشير القبطي
وفي منتصفه سافر اولاد سلطان المغرب والكثير من حجاج المغاربة وكانوا في غاية الكثرة بحيث ازدحمت منهم اسواق المدينة وبولاق وما بينهما من جميع الطرق فكانوا يشترون الاغنام من الفلاحين ويذبحونها ويبيعونها على الناس جزافا من غير وزن وبعد ان يتركوا لأنفسهم مقدار حاجتهم فذهب الكثير للشراء منهم بسب رداءة اللحم الموجود بحوانيت الجزارين ولو وقف عليهم بالثمن الزائد
وفي اواخره حضر مبشر من ناحية الديار الحجازية يخبر بنصرة حصلت لابراهيم باشا وانه استولى على بلدة تسمى السقراء وان عبد الله ابن مسعود كان بها فخرج منها هاربا الى الدرعية ليلا وان بين عسرك الاتراك والدرعيين مسافة يومين فلما وصل هذا المبشر ضربوا لقدومه مدافع من ابراج القلعة وذلك وقت الغروب من يوم الاربعاء سادس عشرينه
واستهل شهر جمادي الاولى بيوم الاحد سنة
فيه نودي على طائفة المخالفين للملة من الاقباط والاروام بان يلزموا زيهم من الازرق والاسود ولا يلبسوا العمائم البيض لأنهم خرجوا عن الحد في كل شيء ويتعممون بالشيلان الكشميري الملونة والغالية في الثمن ويركبون الرهونات والبغال والخيول واماهم وخلفهم الخدم بايديهم العصي يطردون الناس عن طريقهم ولايظن الرائي لهم الا انهم من اعيان الدولة ويلبسون الاسلحة وتخرج الطائفة منهم الى الخلاء ويعملون لهم نشابا يضربون عليه بالبنادق الرصاص وغير ذلك فما احسن هذا النهي لو دام 3
وفي يوم السبت حادي عشرينه حضر الباشا من غيبته بالإسكندرية اواخر النهار فضربوا لقدومه مدافع فبات بقصر شبرا وطلع في صبحها الى القلعة فضربوا بها مدافع ايضا فكانت مدة غيبته بالإسكندرية اربعة اشهر وتسعة ايام
(3/578)

وفي اواخره وصل هجان من شرق الحجاز ببشارة بأن ابراهيم باشا استولى على بلد كبير من بلاد الوهابية ولم يبق بينه وبين الدرعية الاثمان عشرة ساعة فضربوا شنكا ومدافع
وفيه وصل هجان حسن باشا الذي بجدة بمراسلة يخبر فيه بعصيان الشريف حمود بناحية يمن الحجاز وانه حاصر من بتلك النواحي من العساكر وقتلهم ولم ينج منهم الا القليل وهو من فر على جواد الخيل
ووقع فيه ايضا الاهتمام في تجريد عساكر للسفر وارسل الباشا بطلب خليل باشا للحضور من ناحية بحري هو وخلافه وحصل الامر بقراءة صحيح البخاري بالأزهر فقري يومين وفرق على مجاوري الازهر عشرة اكياس وكذلك فرقت دراهم على اولاد المكاتب
واستهل شهر جمادي الثانية سنة
في منتصفه ليلة الثلاثاء حصل خسوف للقمر في سادس ساعة من الليل وكان المنخسف منه مقدار النصف وحصل الامر ايضا بقراءة صحيح البخاري بالأزهر
و فيه ورد الخبر بموت الشريف حمود وانه اصيب بجراحة مات بها
وفي يوم الثلاثاء تاسع عشرينه حصل كسوف للشمس في ثالث ساعة من النهار وكان المنكسف منها مقدار الثلث
وفي ذلك اليوم ضربت مدافع لوصول بشارة من ابراهيم باشا بأنه ملك جانبا من الدرعية وان الوهابية محصورون وهو ومن معه من العربان محيطون بهم
واستهل شهر شعبان سنة
فيه حضر خليل باشا وحسين بك دالي باشا من الجهة البحرية ونزلوا بدورهم
واستهل شهر رمضان بيوم الاحد سنة
في منتصفه وصل نجاب واخبر بأن ابراهيم باشا ركب الى جهة من نواحي الدرعية لأمر يبتغيه وترك عرضية فاغتنم الوهابية غيابه وكبسوا
(3/579)

على العرضي على حين غفلة وقتلوا من العساكر عدة وافرة واحرقوا الجبخانة فعند ذلك قوى الاهتمام وارتحل جملة من العساكر في دفعات ثلاث برا وبحر يتلو بعضهم بعضا في شعبان ورمضان وبرز عرضي خليل باشا الى خارج باب النصر وترددوا في الخروج والدخول واستباحوا الفطر في رمضان بحجة السفر فيجلس الكثير منهم بالأسواق يأكلون ويشربون ويمرون بالشوارع وبأيديهم اقصاب الدخان والتتن من غير احتشام ولا احترام لشهر الصوم وفي اعتقادهم الخروج بقصد الجهاد وغزو الكفار المخالفين لدين الاسلام وانقضى شهر الصوم والباشا متكدر الخاطر ومتقلق
واستهل شهر شوال بيوم الاثنين سنة
وكان هلاله عسر الرؤية جدا فحضر جماعة من الاتراك الى المحكمة وشهدوا برؤيته
و في ذلك اليوم الموافق لثامن عشرى شهر ابيب القبطي او في النيل اذرعه فأخروا فتح سد الخليج ثلاثة ايام العيد ونودي بالوفاء يوم الاربعاء وحصل الجمع يوم الخميس رابعه وحضر فتح الخليج كتخدا بك والقاضي ومن له عادة بالحضور فكان جمعا وازدحاما عظيما من اخلاط العالم في جهة السد والروضة تلك الليلة واشتغلت النار في الحريقة واحترق فيها لأشخاص ومات بعضهم
و في سادسه يوم السبت خرج خليل باشا المعين الى السفر في موكب وشق من وسط المدينة وخرج من باب النصر وعطف على باب الفتوح ورجع الى داره في قلة من اتباعه في طريقه التي خرج منها
وفيه انتدب مصطفى اغا المحتسب ونادى في المدينة ويأمر الناس بقطع اراضي الطرقات والازقة حتى العطف والحارات الغير النافذة فأخذ ارباب الحوانيت والبيوت يعملون بأنفسهم في قطع الارض والحفر ونقل الاتربة وحملها من خوفهم من اذيته ولعدم الفعلة والاجراء واشتغال حمير الترابين باستعمالهم في عمائر اهل الدولة فلو كان هذا الاهتمام في قطع
(3/580)

ارض الخليج الذي يجري به الماء فإنه لم تقطع ارضه وينقطع جريانه في ايام قليلة لعلو ارضه من الطمي وبما يتهدم عليه من الدور القديمة وما يلقيه على ذلك بهذه الفعلة القاء ما يحفرونه وينقلونه من اتربة لأزقة البيوت القديمة منه فيه ليلا ونهارا
و في ثامنه ارتحل خليل باشا مسافرا الى الحجاز من القلزم وعساكره الخيالة على طريق البر
وفي يوم السبت ثالث عشره نزلوا بكسوة الكعبة الى المشهد الحسيني على العادة
و في يوم الاثنين ثاني عشرينه عمل الموكب لأمير الحاج وهو حسين بك دالي باشا وخرج بالمحمل خارج باب النصر تجاه الهمائل ثم انتقل في يوم الاربعاء الى البركة وارتحل منها يوم الاثنين تاسع عشرينه وسافر الكثير من الحجاج واكثر فلاحي القرى الصعايدة ومن باقي الاجناس مثل المغاربة والقرمان والاتراك انفار قليلة
و في ذلك اليوم وصل قبجي وعلى يده تقرير لحضرة الباشا على السنة الجديدة وطلع الى القلعة في موكب وقري التقرير بحضرة الجمع وضربت مدافع كثيرة وكذلك وصل قبله قابجي صحبته فرمان بشارة بمولود ولد لحضرة السلطان فعمل له شنك ومدافع ثلاثة ايام في الاوقات الخمسة وذلك في منتصفه
واستهل شهر ذي القعدة بيوم الاربعاء سنة
واقضى والباشا منفعل الخاطر لتأخر الاخبار وطول الانتظار وكل قليل يأمر بقراءة صحيح البخاري بالازهر ويفرق على صغار المكاتب والفقراء دراهم ولضيق صدره واشتغال فكره لايستقر بمكان فيقيم بالقلعة قليلا ثم ينتقل الى قصر شبرا ثم الى قصر الآثار ثم الازبكية ثم الجيزة وهكذا
واستهل شهر ذي الحجة الحرام بيوم الجمعة سنة
وفي سابعه وردت بشائر من شرق الحجاز بمراسلة من عثمان اغا
(3/581)

الورداني امير الينبع بأن ابراهيم باشا استولى على الدرعية والوهابية فانسر الباشا لهذا الخبر سرورا عظيما وانجلى عنه الضجر والقلق وانعم على المبشر وعند ذلك ضربوا مدافع كثيرة من القلعة والجيزة وبولاق والازبكية وانتشر المبشرون على بيوت الاعيان لاخذ البقاشيش
وفي ثاني عشره وصل المرسوم بمكاتبات من السويس والينبع وذلك قبل العصر فاكثروا من ضرب المدافع من كل جهة واستمر الضرب من العصر الى المغرب بحيث ضرب بالقلعة خاصة الف مدفع وصادف ذلك شنك ايام العيد وعند ذلك امر بعمل مهرجان وزينة داخل المدينة وخارجها وبولاق ومصر القديمة والجيزة وشنك على بحر النيل تجاه الترسخانة ببولاق من النجارين والخراطين والحدادين وتقيد لذلك امين افندي المعمار وشرعوا في العمل وحضر كشاف النواحي والاقاليم بعساكرهم واخرجوا الخيام والصواوين والوطاقات خارج باب النصر وباب الفتوح وذلك يوم الثلاثاء سادس عشرينه ونودي بالزينة واولها الاربعاء فشرع الناس في زينة الحوانيت والخانات وابواب الدور ووقود القناديل والسهر واظهروا الفرح والملاعيب كل ذلك مع ماالناس فيه من ضيق الحال والكد في تحصيل اسباب المعاش وعدم ما يسرجون به من الزيت والشيرج والزيت الحار وكذا السمن فانه شح وجوده ولايوجد منه الا القليل عند بعض الزياتين ولا يبيع الزيات زيادة عن الاوقية وكذلك اللحم لايوجد منه الا ما كان في غاية الرداءة من لحم النعاج الهزيل وامتنع ايضا وجود القمح بالساحل وعرصات الغلة حتى الخبز امتنع وجوده بالاسواق ولما انهي الامر الى من لهم ولاية الامر فأخرجوا من شون الباشا مقدارا ليباع في الرقع وقد اكلها السوس ولايباع منها ازيد من الكيلة اكثرها مسوس وكذلك لما شكا الناس من عدم ما يسرج به في القناديل اطلقوا للزياتين مقدار من الشيرج في كل يوم يباع في الناس لوقود الزينة وفي كل يوم يطوف المنادي ويكرر المناداة بالشوارع على الناس بالسهر والوقود والزينة وعدم
(3/582)

غلق الحوانيت ليلا ونهارا وانقضى العام بحوادثه ومعظمها مستمر
فمنها وهو اعظمها شدة الاذية والضيق وخصوصا بذوي البيوت والمساتير من الناس بسبب قطع ايرادهم وارزاقهم من الفائظ والجامكية السائرة والرزق الاحباسية وضبط الانوال التي تقدم ذكرها وكان يتعيش منها الوف من العالم ولما اشتد الضنك بالملتزمين وتكرر عرضحالهم فأمر لهم بصرف الثلث وتحول المصرفجي على بعض الجهات فكان كلما اجتمع لديه قدر يلحقه الطلب بحوالة من لوازم عساكر السفر المجردين وانقضى العام واكثر الناس لم يحصل على شي وذلك لكثرة المصاريف والارساليات من الذخائر والغلال والمؤن وخزائن المال من اصناف خصوص الريال الفراسنة والذهب البندقي والمحبوب الاسلامي بالأحمال وهي الاصناف الرائجة بتلك النواحي واما القروش فلا رواج لها الا بمصر وضواحيها فقط اخبرني احد اعيان كتاب الخزينة عن اجرة حمل الذخيرة على جمال العرب خاصة في مرة من المرات خمسة واربعين الف فرانسة وذلك من الينبع الى المدينة حسابا عن اجرة كل بعير ستة فرانسة يدفع نصفها امير الينبع والنصف الآخر يدفعه امير المدينة عند وصول ذلك ثم من المدينة الى الدرعية ما يبلغ المائة والاربعين الف فرانسة وهو شيء مستمر التكرر والبعوث ويحتاج الى كنوز قارون وهامان واكسير جابرين حيان !
و منها العمارة التي امر بانشائها الباشا المشار اليه بين السورين وحارة النصارى المعروفة بخميس العدس المتوصل منها الى جهة الخرنفش وذلك بإشارة اكابر نصارى الافرنج ليجتمع بها ارباب الصنائع الواصلون من بلاد الافرنج وغيرهم وهي عمارة عظيمة ابتدؤا فيها من العام الماضي واستمروا مدة في صناعة الآلات الاصولية التي يصطنع بها اللوازم مثل السند الات والمخارط للحديد والقواديم والمناشير والتزجات ونحو ذلك وافردوا لكل حرفة وصناعة مكانا وصناعا يحتوي المكان على الانوال والدواليب والآلات الغريبة الوضع والتركيب لصناعة القطن وانواع
(3/583)

الحرير والاقمشة والمقصبات
و في اواخر هذا العام جمعوا مشايخ الحارات والزموهم بجمع اربعة الاف غلام من اولاد البلد ليشتغلوا تحت ايدي الصناع ويتعلموا وياخذوا اجرة يومية ويرجعوا لأهاليهم اواخر النهار فمنهم من يكون له القرش والقرشان والثلاثة بحسب الصناعة وما يناسبها وربما احتيج الى نحو العشرة الاف غلام بعد اتمامها والمحتاج اليه في هذا الوقت القدر المذكور وهي كرخانة عظيمة صرف عليها مقادير عظيمة من الاموال
و منها انه ظهر بأراضي الارز بالبحر الشرقي ناحية دمياط حيوان يخرج من البحر الشرقي في قدر الجاموس العظيم ولونه فيرعى الفدان من الزرع ثم يتقيأ اكثره وكان ظهوره من العام الماضي فيجتمع عليه الكثير من اهل الناحية ويرجمونه بالحجارة ويضربون عليه بنادق الرصاص فلا تؤثر في جلده ويهرب الى البحر واتفق انه ابتلع رجلاا لى ان اصيب في عينه وسقط وتكاثر عليه وقتلوه وسلخوا جلده وحشوه تبنا واتوا به الى بولاق وتفرج عليه الباشا والناس واخبرني غير واحد ممن رآه انه اعظم من الجاموس الكبير طوله ثلاثة عشر قدما ولونه لونه وجلده املس و رأسه عظيم يشبه رأس ابن عرس وعيناه في اعلى دماغه واسع الفم وذنبه مثل ذنب السمك وارجله غلاظ مثل ارجل الفيل في اواخرها اربع ظلوف طوال واسفلها كخف الجمل وادخلوه الى بيت الافرنج وانعم به الباشا على بغوص الترجمان الأرمني وهو يبيعه على الافرنج بثمن كبير
و منها ان امرأة يقال لها الشيخة رقية تتزر بمئزر ابيض وبيدها خيزرانة وسبحة تطوف على بيوت الاعيان وتقرأ وتصلي وتذكر على السبحة ونساء الاكابر يعتقدون فيها الصلاح ويسألن منها الدعاء وكذلك الرجال حتى بعض الفقهاء وتجتمع على الشيخ العالم المعتقد الشيخ تعيلب الضرير ويكثر من مدحها للناس فيزدادون فيها اعتقادا ولها بمنزل خليل بك طوقان النابلسي مكان مفرد تأوي اليه على حدتها واذا دخلت بيتا من البيوت قام
(3/584)

اليها الخدم واستقبلوها بقولهم نهارنا سعيد ومبارك ونحو ذلك واذا دخلت على الستات قمن اليها وفرحن بقدومها وقبلن يدها وتبيت معهن ومع الجواري فذهبت يوما إلى دار الشيخ عبد العليم الفيومي وذلك في شهر شوال فتمرضت اياما وماتت فضجوا وتأسفوا عليها واحبوا تغيير ما عليها من الثياب فرأوا شيئا نعجز ما بين افخاذها فظنوه صرة دراهم واذا هو آلة الرجال الخصيتان والذي فوقهما فبهت النساء وتعجبن واخبروا الشيخ تعيلب بذلك فقال استروا هذا الامر وغسلوه وكفنوه وواروه في التراب ووجدوا في جيبه مراة وموسى وملقاطا وشاع امره واشتهر وتناقله الناس بالتحدث والتعجب
ومنها زيادة النيل في هذا العام الزيادة المفرطة التي لم نسمع ولم نر مثلها حتى غرق الزروع الصيفية مثل الذرة والنيلة والسمسم والقصب والارز واكثر الجنائن بحيث صار البحر وسواحله والملق لجة ماء وانهدم بسببه قرى كثيرة وغرق الكثير من الناس والحيوان حتى كان الماء ينبع بين الناس من وسط الدور واختلط بحر الجيزة ببحر مصر العتيتة حتى كانت المراكب تمشي فوق جزيرة الروضة وكثر عويل الفلاحين وصراخهم على ما غرق لهم من المزارع وخصوصا الذرة الذي هو معظم قوتهم وكثير من اهل البلاد ندبوا بالدفوف
و منها ان الباشا زاد في هذه السنة الخراج وجعل على كل فدان ستة قروش وسبعة وثمانية وذكر انها مساعدة على حروب الحجاز والخوارج فذهي الفلاحون بهاتين الداهيتين وهي زيادة النيل وزيادة الخراج في غير وقت واوان فإن من عادة الفلاحين واهل القرى اذا انقضت ايام الحصاد والدراوي وشطبوا اما عليهم من مال الخراج لملتزميهم ويكون ذلك مبادي زيادة النيل وارتفع عنهم الطلب وارتحلت كشاف النواحي وقائم مقام الملتزمين والصيارف والمعينون وخلت النواحي منهم فعند ذلك ترتاح نفوسهم وتجتمع حواسهم ويعملون اعراسهم ويجدون ملبوسهم ويزوجون
(3/585)

بناتهم ويختنون صبيانهم ويشيدون بنيانهم ويصلحون جسورهم وحبوسهم فإذا اخذ النيل في الزيادة شرعوا في زراعة الصيف الذي هو معظم قوتهم وكسبهم حتى اذا انحسر الماء وانكشفت الاراضي وآن اوان التحضير وزراعة الشتوي من البرسيم والغلة وجدوا ما يسدون به مال التجهية وما يرقعون به احوالهم من بهائم الحرث ومحاريث وتقاوي واجر عمال ونحو ذلك فدهموا هذه السنة بهاتين الآفتين الارضية والسماوية ورحل الكثير عن اهله ووطنه وكان ابتداء طلب هذه الزيادة قبل زيادة النيل ومجيء خبر النصرة فلما ورد خبر النصرة لم يرتفع ذلك
و منها الاضطراب في المعاملة بالزيادة والنقص والمناداة عليها كل قليل والتنكيل والترك وبلغ صرف البندقي ثمانمائة وثمانين نصفا فضة والفرانسة اربعمائة نصف وعشرة والمحبوب اربعمائة واربعين وهو المصري واما الاسلامبولي فيزيد اربعين والمجر ثمانمائة نصف واما هذه الانصاف وهي الفضة العددية فهي اسماء من غير مسميات لمنعها واحتكارها فلا يوجد منها في المعاملة بأيدي الناس الا النادر جدا ولايوجد بالأيدي في محقرات الاشياء وغيرها الا المجزأ بالخمسة والعشرة والعشرين وتصرف من اليهود والصيارف بالفرط والنقص ومن حصل بيده شيء من الانصاف عض عليه بالنواجذ ولايسمح بإخراج شيء منها الا عند شدة الاضطرار اللازم
ومنها ان السيد محمد المحروقي انشأ ببركة الرطلي دار وبستانا في محل الاماكن التي تخربت في الحوادث وذلك انه لما طرقت الفرنساوية الديار المصرية واختل النظام وجلا اكثر الناس عن اوطانهم وخصوصا سكان الاطراف فبقيت دور البركة خالية من السكان وكان بها عدة من الديار الجليلة منها دار حسن كتخدا الشعراوي وتابعه عمر جاويش وداره على سمته ايضا ودار علي كتخدا الخربطلي ودار قاضي البهار ودار سليمان اغا ودار الحموي وخلاف ذلك دور كانت جارية في وقف عثمان كتخدا القازدغلي وغيره وهذه الدور هي التي ادركناها بل وسكنا بها عدة سنين
(3/586)

وكانت في الزمن الاول عدة دور مختصرة يسكنها اهل الرفاهية من اهالي البلد وكان بها بيت البكرية القديم بالناحية الجنوبية تجاه زاوية جدهم الشيخ جلال الدين البكري وكان الناس يرغبون في سكناها لطيب هوائها وانكشاف الريح البحري بها وليس في اتجاهها من البر الآخر سوى الأشجار والمزارع ويعبرها المراكب والسفائن والقنج في ايام النيل بالمتفرجين والمتنزهين واهل الخلاعة بمزامرهم ومغانيهم ولصدى اصواتهم المطربة طرب آخر فلما انقشع عنها السكان تداعت الدور الى الخراب وبقيت مسكنا للبوم والغراب مدة اقامة الفرنساوية فلما حضر يوسف باشا الوزير في المرة الاولى وذلك سنة اربع عشرة ومائتين والف وانقض الصلح بينه وبين الفرنساوية وحصلت المفاقمة ووقعت الحروب داخل البلدة واحتاطت الفرنساوية بجهات البلد وجرى ما تقدم ذكره في الحوادث السابقة وكان طائفة من الفرنساوية اتوا الى هذه البركة وملكوا التل المعروف بتل ابو الريش واخذوا يرمون بالمدافع والقنابر على اهل باب الشعرية وتلك النواحي فما انجلت الحروب حتى خربت بيوت البركة وما كان بتلك النواحي من الدور التي بظاهرها وبقيت كيمانا فحسن ببال السيد المذكور ان يجعل له سكنا هناك فاحتكر اراضي تلك المساكن من اربابها من مدة سابقة ثم تكاسل عن ذلك واشتغل بتوسعة دار سكنه التي بخطة الفحامين محل دكة الحسبة القديمة حتى اتمها على الوضع الذي قصده ثم شرع في السنة الماضية في انشاء سكن لخصوص نزاهته فشرع في تنظيف الاتربة واصلاح الارض وانشأ دار متسعة وقيعانا وفسحات وهي مفروشة بالرخام وحولها بستان وغرس به انواع الاشجار ودوالي الكروم وهي بمكان حسن كتخدا وما كان على سمته من الدور نحو الثلاثين وانشأ كاتبة السيد عمر الحسيني دارا عظيمة لخصوصه اخذ فيها باقي اراضي الاماكن وزخرفها وانتقل اليها بأهله وعياله وجعلها دارا لسكناه صيفا وشتاء وبنيا خارج ظاهرها حائطا يكون لدورهما سورا وعملا بها
(3/587)

بوابة تفتح وتقفل وكان بجوار ذلك جامع متخرب يسمى جامع الحريشي فعمره ايضا السيد محمد لمحروقي واقام حوائطه واعمدته وسقفه وبيضه واقام الخطبة آخر جمعة شهر المحرم واما من مات في هذه السنة ممن له ذكر
فمات شيخ الاسلام وعمدة الانام الفقيه العلامة والنحرير الفهامة الشيخ محمد الشنواني نسبة الى شنوان الغرف الشافعي الازهري شيخ الجامع الازهر من اهل الطبقة الثانية الفقيه النحوي المعقولي حضر الاشياخ اجلهم الشيخ فارس وكالصعيد والدردير والفرماوي وتفقه على الشيخ عيسى البرواي ولازم دروسه وبه تخرج واقرأ الدروس وافاد الطلبة بالجامع المعروف بالفكهاني بالقرب من دار سكناه بخشقدم مهذب النفس مع التواضع والانكسار والبشاشة لكل احد من الناس ويشمر ثيابه ويخدم بنفسه ويكنس الجامع ويسرج القناديل ولما توفي الشيخ عبد الله الشرقاوي اختاروه للمشيخة فامتنع وهرب الى مصر العتيقة بعدما جرى ما تقدم ذكره من تصدر الشيخ محمد المهدي فأحضروه قهرا عنه وتلبس بالمشيخة مع ملازمته لجامع الفاكهاني كعادته واقبلت عليه الدنيا فلم يتهنا بها واعترته الامراض وتعلل بالزخير اشهرا ثم عوفي ثم بآخره بالبرودة وانقطع بالدار كذلك اشهرا ولم يزل منقطعا حتى توفي يوم الاربعاء رابع عشري المحرم وصلي عليه بالأزهر في مشهد عظيم ودفن بتربة المجاورين وله تاليف منها حاشية جليلة على شرح الشيخ عبد السلام عي الجوهرة مشهورة بايدي الطلبة وكان يجيد حفظ القران ويقرا مع فقهاء الجوقة في الليالي وتقلد المشيهة بعده الشيخ العلامة السيد محمد ابن شيخنا الشيخ احمد العروسي من غير منازع وبإجماع اهل الوقت ولبس الخلع من بيوت الاعيان مثل البكري والسادات وباقي اصحاب المظاهر ومن يحب لتظاهر
و مات العمدة الشيخ محمد بن احمد بن محمد المعروف هو بالدواخلي
(3/588)

الشافعي ويقال له السيد محمد لأن اباه تزوج بفاطمة بنت السيد عبد الوهاب البرديني فولد له المترجم منها ومنها جاءه الشرف وهم من محلة الداخل بالغربية وولد المترجم بمصر وتربي في حجر ابيه وحفظ القرآن واجتهد في طلب العلم وحضر الاشياخ من اهل وقته كالشيخ محمد عرفة الدسوقي والشيخ مصطفى الصاوي وخلافه من اشياخ هذا العصر ولازم الشيخ عبد الله الشرقاوي في فقه مذهبه وغيره من المعقولات ملازمة كلية وانتسب له وصار من اخص تلامذته ولما مات السيد مصطفى الدمنهوري الذي كان بمنزلة كتخداه قام مقامه واشتهر به واقرأ الدروس الفقهية والمعقوله وحف به الطلبة وتداخل في قضايا الدعاوي والمصالح بين الناس واشتهر ذكره وخصوصا ايام الفرنساوية حين تقلد شيخه رآسه ديوانهم وانتفع في ايامهم انتفاعا عظيما من تصديه لقضايا نساء الامراء المصرية وغيرهم ومات والده فأحرز ميراثه وكذلك لما قتل عديله الحاج مصطفى البشتيلي في الحرابة ببولاق لا عن وارث فاستولى على تعلقاته واطيانه وبستانه التي ببشتيل واستع حاله واشترى العبيد والجواري والخدم ولما ارتحل الفرنساوية ودخلها العثمانيون انطوى الى السيد احمد المحروقي لأنه كان يراسله سرا بالاخبار حين خرج مع العثمانيين في الكسرة الى الشام فلما رجع فراعاه وراشاه ونوه بذكره عند اهل الدولة وفي ايام الامراء المصريين حين رجعوا الى مصر بعد قتل طاهر باشا في سنة ثمان عشرة واحتوى على رزق واطيان وحصص التزام ولبس الفراوي بالأقبية وركب البغال واحدق به الاشياخ والاتباع وعنده ميل عظيم للتقدم والرياسة ولايقنع بالكثير ولما وقع ما وقع في ولاية محمد علي باشا وانفرد السيد عمر افندي في الرياسة وصار بيده مقاليد الامور ازداد به الحسد فكان هو من اكبر الساعين عليه سرا مع المهدي وباقي الاشياخ حتى أوقعوا به واخرجه الباشا من مصر كما تقدم فعند ذلك صفا لهم الوقت وتقلد المترجم النقابة بعد موت الشيخ محمد بن وفأ وركب الخيول
(3/589)

ولبس التاج الكبير ومشت امامه الجاويشية والمقدمون وارباب الخدم وازدحم بيته بأرباب الدعاوي والشكاوي وعمر دار سكنهم القديمة بكفر الطماعين وادخل فيها دورا وانشأ تجاهها مسجدا لطيفا وجعل فيه منبرا وخطبة وعمر دارا ببركة جناق واسكنها احدى زوجاته وداخله الغرور وظن ان الوقت قد صفا له فأول ما بتدأه به الدهر من نكباته ان مات ولده احمد وكان قد ناهز البلوغ ولم يكن له من الاولاد الذكور غيره فوجد عليه وجدا شديدا حتى كان يتكلم بكلام نقمه الناس عليه وعمل ميتما ودفنه بمسجده تجاه بيته وعمل عليه مقاما ومقصورة مثل المقامات التي تقصد للزيارة وكان موته في منتصف سنة تسع وعشرين ووقعت حادثة قومه العسكر على الباشا في اواخر شهر شعبان من السنة المذكورة والمترجم اذ ذاك من اعيان الرؤوس يطلع وينزل في كل ليلة الى القلعة ويشار اليه ويحل ويعقد في قضايا الناس ويسترسل معه الباشا كما تقدم ذكه ذلك و داخله الغرور الزائد ولقد تطاول على كبار الكتبة الاقباط وغيرهم ويراجع الباشا في مطالبه بعد انقضاء الفتنة الى ان ضاق صدر الباشا منه وامر بإخراجه ونفيه الى دسوق وذلك في سنة احدى وثلاثين فأقام بها اشهرا ثم توجه بشفاعة السيد المحروقي الى المحلة الكبرى فلم يزل بها متقلق الحواس منحرف المزاج متكدر الطبع وكل قليل يراسل السيد المحروقي في ان يشفع فيه عند الباشا ليأذن له في الحج مرة يحتج بالمرض ليموت في داره فلم يؤذن له في شيء من ذلك ولم يزل بالمحلة حتى توفي في منتصف شهر ربيع الاول من السنة ودفن هناك وكان رحمه الله يميل الى الرياسة طبعا وفيه حدة مزاج وهي التي كانت سببا لموته بأجله رحمه الله تعالى وايانا
و مات الصدر المعظم والدستور المكرم الوزير طاهر باشا ويقال انه ابن اخت محمد علي باشا وكان ناظرا على ديوان الكمرك ببولاق وعلى الخمامير ومصارفه من ذلك وشرع في عمارة داره التي بالأزبكية بجوار بيت الشراييبي
(3/590)

تجاه جامع ازبك على طرف الميري وهي في الاصل بيت المدني ومحمود حسن واحترق منه جانب ثم هدم اكثرهما وخرج بالجدار الى الرحبة واخذ منها جانبا وادخل فيه بيت رضوان كتخدا الذي يقال له ثلاثة ولية تسمية له باسم العامودين الرخام الملتفين على مكسلتي الباب الخارج وشيد البناء بخرجات في العلو معددة وجعل بابه مثل باب القلعة ووضع في جهتيه العامودين المذكورين وصارت الدار كأنها قلعة مشيدة في غاية من الفخامة فما هو الا ان قارب الاتمام وقد اعتراه المرض فسافر الى الاسكندرية بقصد تبديل الهواء فأقام هناك اياما وتوفي في شهر جمادي الثانية واحضروا رمته في اواخر الشهر ودفنوه بمدفنه الذي بناه محل بيت الزعفراني بجوار السيدة بقناطر السباع وترك ابنا مراهقا فابقاه الباشا على منصب ابيه ونظامه وداره
و مات الامير ايوب كتخدا الفلاح وهو مملوك الامير مصطفى جاويش تابع صالح الفلاح وكان آخر الاعيان المبجلين من جماعة الفلاح المشهورين وله عزوة واتباع وبيته مفتوح للواردين ويحب العلماء والصلحاء ويتأدب معهم وكان الباشا يجله ويقبل شفاعته وكذلك اكابر الدولة في كل عصر وعلى كل حال كان لابأس به توفي يوم الاربعاء لعشرين من شهر شعبان وقد جاوز سبعين رحمه الله تعالى
واستهل سنة اربع وثلاثين ومائتين والف
و استهل المحرم بيوم السبت وسلطان الاسلام السلطان محمود شاه ابن عبد الحميد بدار سلطنته اسلامبول ووالي مصر وحاكمها محمد علي باشا القوللي وكتخداه وباقي ارباب المناصب على حالهم وما هم عليه في العام الماضي
ووردت الاخبار من شرق الحجاز والبشائر بنصرة حضرة ابراهيم باشا على الوهابية قبل استهلال السنة بأربعة ايام فعند ذلك نودي بزينة المدينة سبعة ايام اولها الاربعاء سابع عشري الحجة ونصبت الصواوين خارج
(3/591)

باب النصر عند الهمايل وكذلك صيوان الباشا وباقي الامراء والاعيان خرجوا بأسرهم لعمل الشنك والحرائق واخرجوا من المدافع مائة مدفع وعشرة وتماثيل وقلاعا وسواقي وسواريخ وصورا من بارود بدأوا في عمل الشنك من يوم الاربعاء فيضربون بالمدافع مع رماحه الخيالة من اول النهار مقدار ساعة زمانية وربع قريبا من عشرين درجة ضربا متتابعا لايتخلله سكون على طريقة الافرنج في الحروب بحيث انهم يضربون المدفع الواحد اثنتي عشرة مرة وقيل اربع عشرة مرة في دقيقة واحدة فعلى هذا الحساب يزيد ضرب المدافع في تلك المدة على ثمانين الف مدفع بحيث يتخيل الانسان اصواتها مع اصوات بنادق الخيالة المترامحين رعودا هائلة ورتبوا المدافع اربعة صفوف ورسم الباشا ان الخيالة ينقسمون كذلك طوابير ويكمنون في الاعالي ثم ينزلون مترامحين وهم يضربون بالبنادق ويهجمون على المدافع في حال اندفاعها بالرمي فمن خطف شيئا من ادوات الطبجية الرماة يأتي به الى الباشا ويعطيه البقشيش والانعام فمات بسبب ذلك اشخاص وسواس ويكون مبادىء نهاية وقوف الخيالة نهاية محط جلة المدفع فانهم عند طلوع الفجر يضربون مدافع معمروة بالجلل بعدد الطوابير فتستعد الخيالة ويقف كل طابور عند مرمى جلته ويأخذون اهبتهم من ذلك الوقت الى بعد شروق الشمس ويبتدؤن في الرمي والرماحة الحصة المذكورة وبعد العشاء خيرة ! لا يعمل كذلك الشنك برمي المدافع المتتالية المختلطة اصواتها بدون الرماحة ومع المدافع الحراقة والنفوط والسواريخ التي تصعد في الهواء وفيها من خشب الزان بدل القصب وكرنجة بارودها اعظم من تلك بحيث اناها تصعد من الاسفل الى العلو مثل عامود النهار واشياء اخر لم يسبق نظائرها تفنن في عملها الافرنج وغيرهم وحول محل الحراقة حلقة دائرة متسعة حولها الوف من المشاعل الموقدة وطلبوا لعمل اكياس بارود المدافع مائتي الف ذراع من القماش البز وكان راتب الارز الذي يطبخ في القزانات ويفرق في عراضي العساكر في كل يوم اربعمائة
(3/592)

اردب وما يتبعها من السمن وهذا خلاف مطابخ الاعيان وما ياتيهم من بيوتهم من تعابي الاطعمة وغيرها واستمر هذا الضرب والشنك الى يوم الثلاثاء رابع المحرم واهل البلد ملازمون للسهر والزينة على الحوانيت والدور ليلا ونهارا وتكرار المناداة عليهم في كل يوم وركب حضرة الباشا وتوجه الى داره بالازبكية وهدمت الصواوين والخيام وبطل الرمي ودخلت العساكر والبينبات بمتاعهم وعازتهم افواجا الى المدينة وذهبوا الى دورهم ورفع الناس الزينة وكان معظمها حيث مساكن الافرنج والارمن فإنهم تفننوا في عمل التصاوير والتماثيل واشكال السرج والفنيارات الزجاج والبلور واشكال النجف ومعظمها في جهات المسلمين بخان الخليلي والغورية والجمالية و ببعض الاماكن والخانات ملاهي واغاني وسماعات وقيان وجنك رقاصات هذاو التهيؤ والاشغال و الاستعداد لعمل الدونانمة على بحر النيل ببولاق فصنعوا صورة قلعة بأبراج وقباب وزوايا وانصاف دوائر وخورنقات وطيقان للمدافع وطلوها وبيضوها ونقشوها بالألوان والاصباغ وصورة باب مالطة وكذلك صورة بستان على سفائن وفيه الطين ومغروس به الاشجار ومحيط به دار بزين مصبغ وبه دوالي العنب واشجار الموز والفاكهة والنخيل والرياحين في قصارى الطيفة على حافاته وصورة عربة يجرها افراس وبها تماثيل وصور جالسين وقائمين وتمثال مجلس وبه جنك رقاصات من تماثيل مصورة تتحرك بآلات ابتكار بعض المبتكرين لأن كل من تخيل بفكره شيئا ملعوبا او تصويرا ذهب الى الترسخانة حيث الاخشاب والصناع فيعمله على طرف الميري حتى يبرزه في الخارج ويأخذ على ابتكاره البقشيش واكثرها لخصوص الحراقات والنفوط والبارود والسواريخ وغير ذلك وبعد انقضاء السبعة ايام المذكورة حصل السكون من يوم الثلاثاء المذكورة الى يوم الاحد التالي له من الجمعة الاخرى مدة خمسة ايام في اثنائها اجتهد الناس من الاعيان وكل من له اسم من اكابر الناس واهل الدائرة والافندية الكتبة حتى الفقهاء ارباب
(3/593)

المناصب والمظاهر ومشايخ الافتاء والنواب والمتفرجين في نصب الخيام بحافتي النيل واستأجروا الاماكن المطلة على البحر ولو من البعد وتنافسوا واشتط اربابها في الاجرة حتى بلغ اجرة حقر طبقة بمثل وكالة الفسيخ الى خمسمائة قرش وزيادة وكان الباشا امر بإنشاء قصر لخصوص جلوسه بالجزيرة تجاه بولاق قبلي قصر ابنه اسمعيل باشا وتمموا بياضه ونظامه في هذه المدة القليلة فلما كان ليلة الاثنين وهو يوم عاشوراء خرج الباشا في ليلته وعدى الى القصر المذكور وخرج اهل الدائرة والاعيان الى الاماكن التي استاجروها وكذلك العامة افواجا واصبح يوم الاثنين المذكور فضربت المدافع الكثيرة التي صففوها بالبرين وزين اهالي بولاق اسواقهم وحوانيتهم وابواب دورهم ودقت الطبول المزامير والنقرزانات في السفائن وغيرها وطبلخانة الباشا تضرب في كل وقت والمدافع الكثيرة في ضحوة كل يوم وعصره وبعد العشاء كذلك وتوقد المشاعل وتعمل اصناف الحراقات والسواريخ والشعل وتتقابل القلاع المصنوعة على وجه الماء ويرمون منها المدافع على هيئة المتحاربين وفيها فوانيس وقناديل وهيئة باب مالطة بوابة مجسمة مقوصرة لها بدنات ويرى بداخلها سرج وشعل ويخرج منها حراقات وسواريخ وغالب هذه الاعمال من صناعة الافرنج واحضروا سفائن رومية صغيرة تسمى الشلنبات يرمى منها مدافع وشنابر وشيطيات وغلايين مما يسير في البحر المالح وفي جميعها وقدات وسرج وقناديل وكلها مزينة بالبيارق الحرير والاشكال المختلفة الالوان ودبوس اوغلي ببولاق التكرور وعنده ايضا الحراقات الكثيرة والشعل والمدافع والسواريخ وبالجيزة عباس بك بن طوسون باشا والنصارى الارمن بمصر القديمة وبولاق والافرنج وابرز الجميع زينتهم وتماثيلهم وحرائقهم وعند الاعيان حتى المشايخ في القنج والسفائن المعدة للسروح والتفرج والنزاهة والخروج عن الاوضاع الشرعية والادبية واستمروا على ما ذكر الى يوم الاثنين سابع عشره
(3/594)

وفي ذلك اليوم وصل عبد الله بن مسعود الوهابي ودخل من باب النصر وصحبته عبد الله بكتاش قبطان السويس وهو راكب على هجين وبجانبه المذكور وامامه طائفة من الدلاة فضربوا عند دخوله مدافع كثيرة من القلعة وبولاق وخلافهما وانقضى امر الشنك وخلافه من ساحل النيل وبولاق ورفعوا الزينة وركب الباشا الى قصر شبرا في تلك السفينة وانفض الجمع وذهبوا الى دورهم وكان ذلك من اغرب الاعمال التي لم يقع نظيرها بأرض مصر ولا ما يقرب من ذلك ومطبخ الميري يطبخ به الازر على النسق المتقدم والاطعمة ويؤتى لأرباب المظاهر منها في وجبتي الغداء والعشاء خلاف المطابخ الخاصة بهم وما يأتيهم من بيوتهم واما العامة والمتفرجون من الرجال والنساء فخرجوا افواجا وكثر زحامهم في جميع الطرق الموصلة الى بولاق ليلا ونهارا باولادخم واطفالهم ركبانا ومشاة وقد ذهب في هاتين الملعبتين من الاموال ما لايدخل تحت الحصر واهل الاستحقاق يتلظون من الفشل والتفليس مع ماهم فيه من غلاء الاسعار في كل شيء وانعدام الادهان وخصوصا السمن والشيرج والشحم فلا يوجد من ذلك الشيء اليسير الا بغاية المشقة ويكون على حانوت الدهان الذي يحصل عنده بعض السمن شدة الزحام والصياح ولا يبيع بأزيد من خمسة انصاف وهي اوقية اثنا عشر درهما ! بما فيها من الخلط واعوان المحتسب مرصدون لمن يرد من الفلاحين والمسافرين بالسمن فيحجزونه لمطالب الدولة ومطابخهم ودورهم في هذه الولائم والجمعيات ويدفع لهم ثمنه على موجب التسعيرة ثم يوزع ما يوزعه وهو الشيء القليل على المتسببين وهم يبيعونه على هذه الحالة ومثل ذلك الشيرج وخلافه حتى الجبن القريش
و فيه وصل عبد الله الوهابي فذهبوا به الى بيت اسمعيل باشا بن الباشا فاقام يومه وذهبوا به في صبحها عند الباشا بشبرا فلما دخل عليه قام له وقابله بالبشاشة واجلسه بجانبه وحادثه وقال له ما هذه المطاولة فقال الحرب سجال قال وكيف رايت ابراهيم باشا قال ما قصر وبذل همته ونحن كذلك
(3/595)

حتى كان ما كان قدره المولى فقال انا ان شاء الله تعالى اترجى فيك عند مولانا السلطان فقال المقدر يكون ثم البسه خلعة وانصرف عنه الى بيت اسمعيل باشا ببولاق ونزل الباشا في ذلك اليوم السفينة وسافر الى جهة دمياط وكان بصحبة الوهابي صندوق صغير من صفيح فقال له الباشا ما هذا فقال هذا ما اخذه ابي من الحجرة اصحبه معي الى السلطان وفتحه فوجد به ثلاثة مصاحف قرانا مكلفة ونحو ثلثمائة حبة لؤلؤ كبار وحبة زمرد كبيرة وبها شريط ذهب فقال له الباشا الذي اخذه من الحجرة اشياء كثيرة غير هذا فقال هذا الذي وجدته عند ابي فإنه لم يستاصل كل ما كان في الحجرة لنفسه بل اخذ كذلك كبار العرب واهل المدينة واغوات الحرم وشريف مكة فقال الباشا صحيح وجدنا عند الشريف اشياء من ذلك
و في يوم الاربعاء تاسع عشره سافر عبد الله بن مسعود الى جهة الاسكندرية وصحبته جماعة من الططر الى دار السلطنة ومعه خدم لزومه
واستهل شهر صفر بيوم الاثنين سنة
و فيه ثالثه وصل طائفة من الحجاج المغاربة يوم الاربعاء وصحبتهم حجاج كثيرة من الصعائدة واهل القرى فدخلوا على حين غفلة وكان الرئيس فيهم شخص من كبار عرب اولاد علي يسمى الحبالي وهذا لم يتفق نظيره فيما وعيناه وسببه امن الطريق وانكماش العربان وقطاع الطرق
و فيه اخبر المخبرون بأن الباشا اقام بدمياط اياما قليلة ثم توجه الى البرلس ويزل في نقيرة وذهب الى الاسكندرية على ظهر البحر المالح وقد استعد اهلها لقدومه وزينوا البلد والذي تولى الاعتناء بذلك طائفة الفرنج فانهم نصبوا طريقا من باب البلد الى القصر الذي هو سكن الباشا وجعلوا بناحيتيه يمنى ويسرى انواع الزينة والتماثيل والتصاوير والبلور والزجاج والمرايات وغير ذلك من البدع البديعة الغريبة
و في غايته وصل الحاج المصري ودخلوا ارسالا شيئا فشيئا ومنهم من دخل ليلا وخصوصا ليلة الاثنين وفي صبحه دخل حسن باشا ارنؤد الذي كان
(3/596)

مقيما بجدة وفي ذلك اليوم دخل بواقي الحجاج الى منازلهم
واستهل شهر ربيع الاول بيوم الثلاثاء سنة
في صبحه دخلوا بالمحل المدينة واكثر الناس لم يشعر بدخوله وهذا لم يتفق فيما نعلم تاخر الحاج الى شهر ربيع الاول
و في ليلة الثلاثاء ثامنه احترق سوق الشرم والجملون والكائن اسفل جامع الغورية بما فيه من الحوانيت وبضائع التجار والاقمشة الهندية وخلافها فظهرت به النار من بعد العشاء الاخيرة فحضر الوالي واغات التبديل فوجدوا الباب الذي من جهة الغورية مغلقا من داخل وكذلك الباب الذي من الجهة الاخرى وهما في غاية المتانة فلم يزالوا يعالجون فتح الباب بالعتالات والكسر الى بعد نصف الليل والنار عمالة من داخل وهرب الخفير واحترق ليوان الجامع البراني والدهليز واخذوا في الهدم وصب المياه بآلات القصارين مع صعوبة العمل بسبب علو الحيطان الشاهقة والاخشاب العظيمة والاحجار الهائلة والعقود فلم يخمد لهب النار الا بعد حصة من النهار وسرحت النار في اخشاب الجامع التي بداخل البناء ولم يزل الدخان صاعدا منها وسقط الشبابيك النحاس العظام وبقيت مفتتة ومكلسة واستمر العلاج في اطفاء الدخان ثلاثة ايام ولولا لطف المولى وتأخير فتح الباب لكونه مصفحا بالحديد فلم تعمل فيه النار فهو لم يكن كذلك لاحترق وسرحت النار الى الحوانيت الملاصقة به وهي كلها اخشاب ويعلوها سقائف اخشاب كذلك ومن فوق الجميع السقيفة العظيمة الممتده على السوق من اوله الى آخره وهي في غاية العلو والارتفاع وكلها اخشاب وحجنة وسهوم وبراطيم من اعلى ومن اسفل لحملها من الجهتين ومن ناحيتها الرباع والوكائل والدور وحيطان الجميع من الحجنة والاخشاب العتيقة التي تشتعل بأدنى حرارة فلو وصلت النار والعياذ بالله تعالى الى هذه السقيفة لما امكن اطفاؤها بوجه وكان حريقا دوميا ولكن الله سلم
(3/597)

وفي يوم السبت ثاني عشره حضر السيد عمر افندي نقيب الاشراف سابقا وذلك انه لما حصلت النصرة والمسرة للباشا فكتب اليه مكتوبا بالتهنئة وارسله مع حفيده السيد صالح الى الاسكندرية فتلقاه بالبشاشة وطفق يسأله عن جده فيقول له بخير ويدعوا لكم فقال له هل في نفسه شيء او حاجة نقضيها له فقال لايطلب غير طول البقاء لحضرتكم ثم انصرف الى المكان الذي نزل به فأرسل اليه في ثاني يوم عثمان السلانكي ليسأله ويستفسره عما عسى ان يستحى من مشافهة الباشا بدكره فلم يزل يلاطفه حتى قال لم يكن في نفسه الا الحج الى بيت الله ان اذن له افندينا بذلك فلما عاد بالجواب نعم عليه بذلك واذن له بالذهاب الى مصر وان يقيم بداره الى اوان الحج ان شاء برا وان شاء بحرا وقال انا لااتركه في الغربة هذه المدة الا خوفا من الفتنة والان لم يبق شيء من ذلك فإنه ابي وبين وبينه مالاانساه من المحبة والمعروف وكتب له جوابا بالإجابة وصورته بحروفه مظهر الشمائل سنيها حميد الشؤون وسميها سلالة بيت المجد الاكرم والدنا السيد عمر مكرم دام شانه اما بعد فقد ورد الكتاب اللطيف من الجناب الشريف تهنئة بما انعم الله علينا وفرحا بمواهب تأييده لدينا فكان ذلك مزيدا في السرور ومستديما لحمد الشكور ومجلبة لثناكم واعلانا بنيل مناكم جزيتم حسن الثناء مع كمال الوقار ونيل المنى هذا وقد بلغنا نجلكم عن طلبكم الاذن بالحج الى البيت الحرام وزيارة روضته عليه الصلاة و السلام للرغبة في ذلك والترجي لما هنالك وقد اذناكم في هذا المرام تقربا لذي الجلال والاكرام ورجاء لدعواتكم بتلك المشاعر العظام فلا تدعوا الابتهال ولا الدعاء لنا بالقال والحال كما هو الظن في الطاهرين والمامول من الاصفياء المقبولين والواصل لك جواب منا خطابا الى كتخدائنا ولكم الاجلال والاحترام مع جزيل الثناء والسلام وارسل اليه المكتوبين صحبة حفيده السيد صالح وارسل الى كتخدا بك كتابا وصل اليه قبل قدومه فأرسل الكتخدا ترجمانه الى منزله ليبشرهم بذلك واشيع خبر
(3/598)

مقدمة فكان الناس بين مصدق ومكذب حتى وصل في اليوم المذكور الى بولاق فركب من هناك وتوجه الى زيارة الامام الشافعي وطلع الى القلعة وقابل الكتخدا وسلم عليه وهنئه الشعراء بقصائدهم واعطاهم الجوائز واستمر ازدحام الناس ايام ثم امتنع عن الجلوس في المجلس العام نهارا واعتكف بحجرته الخاصة فلا يجتمع به الا بعض من يريده من الافراد فانكف الكثير عن الترداد وذلك من حسن الرأي
واستهل شهر ربيع الثاني بيوم السبت سنة
فيه حصل الاهتمام بحفر الترعة المعروفة بالاشرفية الموصلة الى الاسكندرية وقد تقدم في العام الماضي بل والذي قبله اهتمام الباشا ونزل اليها المهندسون ووزنوا ارضها وقاسوا طولها وعرضها وعمقها المطلوب ثم اهمل امرها لقرب مجيء النيل وتركوا الشغل في بمدئها ولم يترك الشغل في منتهاها عند الاسكندرية بالقرب من عامود السواري فحفورا هناك منبتها وهي بركة متسعة وحوطوها بالبناء المحكم المتين وهي مرسى المراكب التي تعبر منها الى الاسكندرية بدلا عن البعاز وهو ملتقى البحرين وما يقع فيه من تلف المراكب فتكون هذه اسلم واقرب واقل كلفة ان صحت بل واقرب مسافة ونزل الامر لكشاف الاقاليم بجمع الفلاحين والرجال على حساب مزارع القدادين فيحصون رجال القرية المزارعين ويدفعون للشخص الواحد عشرة ريالات ويخصم له مثلها من المال واذا كان له شريك واحب المقام لاجل الزرع الصيفي اعطاه حصته وزاده عليها حتى يرضي خاطره وزوده بما يحتاج اليه ايضا وعند العمل يدفع لكل شخص قرش في كل يوم ويخرج اهل القرية افواجا ومعهم انفار من مشايخ البلاد ويجتمعون في المكان المأمورين باجتماعهم فيه ثم يسيرون مع الكاشف الذي بالناحية ومعهم طبول وزمور وبيارق ونجارون وبناؤن وحدادون وفرضوا على البلاد التي فيه النخيل غلقانا ومقاطف وعراجين وسلبا وعلى البنادر فؤسا ومساحي شيء كثير بالثمن وطلبوا ايضا طائفة الغواصين لأنهم كانوا
(3/599)

اذا تسفلوا في قطع الارض في بعض المواضع منها ينبع الماء قبل الوصول الى الحد المطلوب
وفي يوم الخميس عشرينه ورد مرسوم من الباشا بعزل كتخدا بك عن منصب الكتخدائية وتولية محمود بك فيها عوضا عنه وحضر محمود بك في ذلك اليوم قادما من الاسكندرية وطلع الى القلعة وحضر ايضا حسن باشا وكان قد ذهب الى الاسكندرية ليسلم على الباشا لكونه كان بالديار الحجازية المدة المديدة وحضر الى مصر والباشا بالإسكندرية فتوجه اليه واقام معه اياما وعاد الى مصر صحبة محمود بك وحضرايضا ابراهيم افندي من اسلامبول وهو ديوان افندي الباشا فتقلد في نظر الاطيان والرزق والالتزام عوضا عن محمود بك
واستهل شهر جمادي الاولى سنة
في سابعه يوم الخميس ضربت مدافع كثيرة وقت الشروق بسبب ورود نجابة من الديار الحجازية باستيلاء خليل باشا على يمن الحجاز صالحا
و فيه وصلت الاخبار ايضا عن عبد الله بن مسعود انه لما وصل الى اسلامبول طافوا به البلدة وقتلوه عند باب همايون وقتلوا اتباعه ايضا في نواح متفرقة فذهبوا مع الشهداء
و فيه اشيع وصول قابجي كبير من طرف الدولة يقال له قهوجي باشا الى الاسكندرية وورد الامر بالاستعداد لحضوره مع الباشا فطلعوا بالمطابخ الى ناحية شبرا وطلبت الخيول من الربيع واستمر خروج العساكر ودخولهم وكذلك طبخ الاطعمة وفي كل يوم يشيعون الورود فلم يأت احد ثم ذكروا ان ذلك القابجي حين قرب من الاسكندرية رده الريح الى رودس واستمر هذا الريح الى اخر الشهر
وفيه قوي الاهتمام بأمر حفر الترعة المتقدم ذكرها وسبقت الرجال والفلاحون من الاقاليم البحرية وجدوا في العمل بعدما حددوا لكل اهل اقليم اقصابا توزع على اهل كل بلد من ذلك الاقليم فمن اتم عمله المحدود
(3/600)

انتقل الى مساعدة الآخرين وظهر في حفر بعض الاماكن منها صورة اماكن ومساكن وقيعان وحمام بعقوده واحواضه ومغاطسه ووجد ظروف بداخلها فلوس نحاس كفرية قديمة واخرى لم تفتح لا يعلم مافيها رفعوها للباشا مع تلك
وفي يوم الاربعاء سابع عشرينه حضر الباشا الى شبرا ووصل في اثره قهوجي باشا وعملوا له موكبا في صبيحة يوم الخميس وطلعوا الى القلعة ومع الاغا المذكور ما احضره برسم الباشا وولده ابراهيم باشا الذي بالحجاز وهو خلعتا سمور لكل واحد خلعة وخنجر مجوهر لكل واحد وشلنجان مجوهران وساعة جوهر وغير ذلك وقريء الفرمان بحضرة الجمع وفيه الثناء الكثير على الباشا والعفو عمن بقي من الوهابية وبعد القراءة ضربت مدافع كثيرة وكذلك عند ورودهم واستمر ضرب المدافع ثلاثة ايام في جميع الاوقات الخمس ونزل القابجي المذكور ببيت طاهر باشا ب الأزبكية و حضر أيضا عقبه أطواخ لكل من عباس بك بن طوسون باشا بن الباشا ولأحمد بك ابن طاهر باشا وفي ضمن الفرمان الاذن للباشا بتولية امريات وقبجيات لمن يختار
و في صبحها يوم الجمعة خلع الباشا على اربعة او خمسة من امرائه بقبجيات باشا وهم علي بك السلانكلي قابجي باشا وحسن اغا ازرجانلي كذلك وخليل افندي حاكم رشيد وشريف بك
واستهل شهر جمادي الثانية سنة
و فيه حضر محمد بك الدفتردار من الجهة القبلية فاقام اياما وعاد الى قبلي وفي اواخره رجع الكثير من فلاحين الاقاليم الى بلادهم من الاشرفية وهم الذين اتموا ما لزمهم من العمل والحفر ومات الكثير من الفلاحين من البرد ومقاساة التعب
و في هذا الشهر حصل بعض موت بالطاعون فداخل الناس وهم يسبب ما حدث في اكابر الدولة والنصارى من التحجب وعمل الكورنتينات وهي
(3/601)

التباعد من الملامسة وتبخير الاوراق والمجالس ونحو ذلك
واستهل شهر رجب بيوم الاثنين سنة
في خامسه مات عبود النصراني كاتب الخزينة وكان مشكور السيرة في صناعته وعنده مشاركة ودعوى عريضة ودعوى علم ويتكلم بالمناسبات والآيات القرآنية ويضمن انشاءاته ومراسلاته آيات وامثالا وسجعات واخذ دار القيسرلي بدرب الجنينة وما حولها وانشأها دارا عظيمة وزخرفها وجعل بها بستانا ومجالس مفروشة بالرخام الملون وفساقي وشاذروانات وزجاج بلور وكل ذلك على طرف الميري وله مرتب واسع وكان الباشا يحبه ويثق به ويقول لولا الملامة لقلدته الدفتردارية
و في سابعه حضر الى مصر حاكم يافا المعروف بمحمد بك ابو نبوت معزولا عن ولايته فارسل الى الباشا يستأذنه في الحضور الى مصر فاطلق له الاذن فحضر فانزله بقصر العيني وصحبته نحو الخمسمائة مملوك واجناد واتباع واجتمع بالباشا واجله وسلم عليه واقام معه حصة من الليل ورتب له مرتبا عظيما وعين له ما يقوم بكفايته وكفاية اتباعه فمن جملة ما رتب له ثلاثة الاف تذكرة كل تذكرة بالفين وستمائة نصف فضة في كل شهر وذلك خلاف المعين واللوازم من السمن والخبز والسكر والعسل والحطب والارز والفحم والشمع والصابون فمن الارز خاصة في كل يوم اردبان وللعليق خمسة وعشرون اردبا في كل يوم
و في يوم السبت ثالث عشره سافر قهوجي باشا عائدا الى اسلامبول واحتفل به الباشا احتفالا زائدا وقدم له ولمخدومه وارباب الدولة من الاموال والهدايا والخيول والبن والارز والسكر والشربات وتعابي الاقمشة الهندية وغيرها شيئا كثيرا وكذلك قدم له اكابر الدولة هدايا كثيرة ولأنه لما حضر الى مصر قدم لهم هدايا فقابلوه بأضعافها وعندما سافر احتجب الباشا وامر كل من كان يلازم ديوانه بالانصراف والتحجب فتكرتن منهم من تكرتن في داره ومنهم في القصور وسافر مع قهوجي باشا
(3/602)

سليمان اغا السلحدار وشربتشي باشا وآخرون لتشييعه الى الاسكندرية
وفي يوم الخميس ثامن عشره حضر بواقي الوهابية بحريمهم واولادهم وهم نحو الاربعمائة نسمة واسكنوا بالقشلة التي بالابكية وابن عبد الله ابن مسعود بدر عند جامع مسكة وخواصه من غير حرج عليهم وطفقوا يذهبون ويجيئون ويترددون على المشايخ وغيرهم ويمشون في الاسواق ويشترون البضائع والاحتياجات
واستهل شهر شعبان سنة
وفيه وصل جماعة هجانة من جهة الحجاز وصحبتهم ابن حمود امير يمن الحجاز وذلك انه لما مات ابوه تامر عوضه واظهر الطاعة وعدم المخالفة للدولة فلما توجه خليل باشا الى اليمن اخلى له البلاد واعتزل في حصن له ولم يخرج لدفعه ومحاربته كما فعل ابوه وترددت بينهما المراسلات والمخادعات حتى نزل من حصنه وحضر عند خليل باشا فقبض عليه وارسله مع الهجانة الى مصر و فيه صرفوا الفلاحين عن العمل في الترعة لاجل حصاد الزرع ووجهوا عليهم طلب المال
واستهل شهر رمضان سنة
و الباشا مكرتن بشبرا ولم يطلع الى القلعة كعادته في شهر رمضان
وفي ثامن عشرينه طلع الى القلعة وعيد بها
واستهل شهر شوال بيوم الجمعة سنة
وفي رابع عشره الموافق لآخر يوم من شهر ابيب نودي بوفاء النيل وكان الباشا سافر الى جهة الاسكندرية بسبب ترعة الاشرفية وامر حكام الجهات بالارياف بجمع الفلاحين للعمل فأخذوا في جمعهم فكانوا يربطونهم قطارات بالحبال وينزلون بهم المراكب وتعطلوا عن زرع الدراوي الذي هو قوتهم وقاسوا شدة بعد رجوعهم من المرة الاولى بعد ما قاسوا ما قاسوه ومات الكثير منهم من البرد والتعب وكل من سقط اهالوا عليه
(3/603)

من تراب الحفر ولو فيه الروح ولما رجعوا الى بلادهم للحصيدة طولبوا بالمال وزيد عليهم عن كل فدان حمل بعير من التبن وكيله قمع ! وكيلة فول واخذ ما يبيعونه من الغلة بالثمن الدون والكيل الوافر فما هم الا والطلب للعود الى الشغل في الترعة ونزح المياه التي لا ينقطع نبعها من الارض وهي في غاية الملوحة والمرة الاولى كانت في شدة البرد وهذه المرة في شدة الحر وقلة المياه العذبة فينقلونها بالروايا على الجمال مع بعد المسافة وتأخر ري الاسكندرية
و في سابع عشرينه ارتحل ركب الحجاج من البركة واميرالحاج وامير الحاج عابدين بك اخو حسن باشا
واستهل شهر ذي القعدة سنة
و العمل في الترعة مستنر
واستهل شهر ذي الحجة سنة
و في منتصفه سافر الباشا الى الصعيد وسافر صحبته حسن باشا طاهر ومحمد اغا لاظ المنفصل عن الكتخدائية وحسن اغا ازرجانلي وغيرهم من اعيان الدولة
و فيه وصل الخبر بموت سليمان باشا حاكم عكا وهو من مماليك احمد باشا الجزار
و في اواخره وصل ابن ابراهيم باشا وصحبته حريم ابيه فضربوا لوصولهم مدافع وعملوا للصغير موكبا ودخل من باب النصر وشق من وسط المدينة
وانقضت السنة وما تجدد بها من الحوادث التي منها زيادة النيل الزيادة المفرطهةاكثر من العام الماضي وهذا من النوادر وهو الغرق في عامين متتابعين واستمر ايضا في هذه السنة الى منتصف هاتور حتى فات اوان الزراعة وربما نقص قليلا ثم يرجع في ثاني يوم اكثر ما نقص
(3/604)

ودخلت سنة خمس وثلاثين ومائتين والف
فكان اول المحرم بالهلال يوم الخميس
وفيه وما قبله بايام حصل بالارياف بل وبداخل المدينة انزعاجات بسبب تواتر سرقات واشاعة سروح مناسر وحرامية وعمر الناس ابواب الدور والدروب وحصل منع الناس من المسير والمشي بالازقة من بعد الغروب وصار كتخدا بك واغات التبديل والوالي يطوفون ليلا بالمدينة وكل من صادفوه قبضوا عليه وحبسوه ولو كان مما لا شبهة فيه واستمر هذا الحال الى اخر الشهر
و في سابع عشرينه حضر الباشا من الصعيد بعد ان وصل في سرحته الى الشلال وكان الناس تقولوا على ذهابه الى قبلي اقاويل منها انه يريد التجريد على بواقي المصريين المنقطعين بدنقلة فانهم استفحل امرهم واستكثروا من شراء العبيد وصنعوا البارود والمدافع وغير ذلك ومنها انه يريد التجريد ايضا واخذ بلاد دار فور والنوبة ويمهد طريق الوصول اليها ومنها انهم قالوا انه ظهر بتلك البلاد معدن الذهب والفضة والرصاص والزمرد وان ذهابه للكشف على ذلك وامتحانه وعمل معدله ومقدار ما يصرف عليه حتى يستخرج صافيه وبطل كل ما توهموه وخمنوه برجوعه واما قولهم عن هذه المعادن فالذي تلخص من ذلك انه ظهر بارض احجار خضر تشبه الزمرد وليست اياه وبما كان آخر شيء اسود مخرفش مثل خرء الحديد يخرج منه بعد العلاج والتصفية رصاص قليل فقد اخبرني اخونا الشيخ عمر الناوي المعروف بالمخلصي انه اخذ منه قطعة وذهب بها الى الصائغ ودقها ووضعها في بوط كبير وساق عليها بنار السبك وانكسر البوط فنقلها الى بوط آخر ولم يزل يعالجها بطول النهار واحرق عليها زيادة عن القنطار من الفحم
و فيه حضر ايضا جماعة من الوهابية وانزلوا بدار بحارة عابدين
واستهل شهر صفر بيوم الجمعة سنة
في غرته سافر محمد اغا المعروف بأبو نبوت الشامي الى دار السلطنة
(3/605)

باستدعاء من الدولة وذلك انه لما حضر الى مصر ونزل برحاب الباشا كما تقدم وكاتب الباشا في شأنه الى الدولة فحضر الامر بطلبه واوكد بالإكرام فعند ذلك هيأ له الباشا ما يحتاج اليه من هدية وغيرها وتعين للسفر صحبته خمسة وثلاثون شخصا ارسل اليهم الباشا كساوي وفراوي وترك باقي اتباعه بمصر انزلوهم في دار بسويقة اللالا وهم يزيدون عن المائتين ويصرف لهم الرواتب في كل يوم والشهرية
و فيه وصل جماعة من عسكر المغاربة والعرب الذين كانوا ببلاد الحجاز وصحبتهم اسرى من الوهابية نساء وبنات وغلمانا نزلوا عندالهمايل وطفقوا يبيعونهم على من يشتريهم مع انهم مسلمون واحرار
و في منتصفه مات مصطفى اغا وكيل دار السعادة سابقا ومات ايضا الشيخ عبد الرحن القرشي الحنفي
وفي سابع عشره وصل الحاج المصري ومات الكثير من الناس فيه بالحمى وكذلك كثرت الحمى بارض مصر وكأنها تناقلت من ارض الحجاز
و في حادي عشرينه وصل ابراهيم باشا ابن الباشا من ناحية القصير وكان قبل وروده بأيام وصل خبر وصوله الى القصير وضربوا لذلك الخبر مدافع من القلعة وغيرها ورمحت المبشرون لأخذ البقاشيش من الاعيان واجتمعت نساء اكابرهم عند والدته ونسائهم للتهنئة ونظموا له القصر الذي كان انشأه ولي خوجة وتممه شريف بك الذي تولى في منصبه وهو بالروضة بشاطئ النيل تجاه الجيزة وعند وصول المذكور عملوا جسرا من الروضة الى ساحل مصر القديمة على مراكب من البر الى البر وردموه بالاتربه من فوق الاخشاب
و في ذلك اليوم وصل قابجي من دار السلطنة بالبشارة بمولود ولد لحضرة السلطان وطلع الى القلعة في موكب
وفي يوم الخميس حادي عشرينه وعند وصول ابراهيم باشا نودي بزينة المدينة سبعة ايام بلياليها فشرع الناس في تزيين الحوانيت والدور والخانات
(3/606)

بما امكنهم وقدروا عليه من الملونات والمقصبات واما جهات النصارى وحاراتهم وخاناتهم فانهم ابدعوا في عمل تصاوير مجسمات وتماثيل واشكال غريبة وشكا الناس من عدم وجود الزيت والشيرج فرسموا بجملة قناطير شيرج تعطى للزياتين لتباع على الناس بقصد ذلك وياخذونها ويبيعونها بأغلى ثمن بعد الانكار والكتمان
و لما اصبح يوم الجمعة وقد عدى ابراهيم باشا الى بر مصر رتبوا له موكبا ودخل من باب النصر وشق المدينة وعلى رأسه الطلخان السليمي من شعار الوزارة وقد ارخى لحيته بالحجاز وحضر والده الى جامع الغورية بقصد الفرجة على موكب ابنه وطلع بالموكب الى القلعة ثم رجع سائرا بالهيئة الكاملة الى جهة مصر القديمة ومر على الجسر وذهب الى قصره المذكور بالروضة واستمرت الزينة والوقود والسهر باليل وعمل الحراقات وضرب المدافع في كل وقت من القلعة ومغاني وملاعب في مجامع الناس سبعة ايام بلياليها في مصر الجديدة والقديمة وبولاق وجميع الاخطاط ورجع ابراهيم باشا من هذه الغيبة متعاظما في نفسه جدا وداخله من الغرور مالا مزيد عليه حتى ان المشايخ لما ذهبوا للسلام عليه والتهنئة بالقدوم فلما اقبلوا عليه وهو جالس في ديوانه لم يقم لهم ولم يرد عليهم السلام فجلسوا وجعلوا يهنئونه بالسلامة فلم يجبهم ولا بالاشارة بل جعل يحادث شخصا سخرية عنده وقاموا على مثل ذلك منصرفين ومنكسفين ومنكسري الخاطر
واستهل شهر ربيع الاول بيوم الاحد سنة
في ثامنه مات ابن ابراهيم باشا وهو الذي تقدمه في المجيء الى مصر وعملوا له الموكب وعمره نحو ست سنوات وكان موته في اول الليل من ليلة الاحد فأرسلوا التنابيه لاعيان الدولة والمشايخ فخرج البعض منهم في ثلث الليل الاخير الى مصر القديمة حيث المعادي لانه مات بقصر الجيزة فما طلع النهار حتى ازدحموا بمصر القديمة وما حضروا به الا قرب الزوال
(3/607)

وانجروا بالمشهد الى دفنهم بالقرب من الامام الشافعي وعملوا له مأتما وفرقوا دراهم على الناس والفقهاء وغير ذلك ثم حكى المخبرون عن كيفية موته انه كان نائما في حجر دادته جارية سوداء فشاجرتها جارية بيضاء ورفصتها برجلها فأصابت الغلام فاضطرب ووصل الخبر الى ابيه فدخل اليهم وقبض على الجواري الحاضرات وحبسهن في مكان بالقصر وقال ان مات ولدي قتلتكن عن اخركن فمات من ليلته فحنق الجميع والقاهن في البحر بما فيهن الدادة قيل انهن وخمسة قيل ستة والله اعلم
وفي اواخره انقضى امر الحفر بترعة الاسكندرية ولم يبق من الشغل الا القليل ثم فتحوا لها شرما خلاف فمها المعمول خوفا من غلبة البحر فجرى فيها الماء واختلط بالمياه المالحة التي نبعت من ارضها وعلا الماء منها على بعض المواطن المسجنة وبها روبة عظيمة وساح على الارض وليس هناك جسور تمنع وصادف ايضا وقوع نوة واهوية على فيها البحر المالح على الجسر الكبير ووصل الى الترعة فأشيع في الناس ان الترعة فسد امرها ولم تصح وان المياه المالحة التي منها ومن البحر غرقت الاسكندرية وخرج اهلها منها الى ان تحقق الخبر بالواقع وهو دون ذلك ورجع المهندسون والفلاحون الى بلادهم بعد ما هلك معظمهم
واستهل شهر ربيع الثاني سنة 1235
في اوله عزل الباشا محمد بك الدفتردار عن امارة الصعيد وقلد عوضه احمد باشا ابن طاهر باشا وسافر في خامسه
وفي سابعه سافر الباشا الى الاسكندرية للكشف على الترعة وسافر صحبته ابنه ابراهيم باشا ومحمد بك الدفتردار والكتخدا القديم ودبوس اوغلي
وفي ثالث عشره حضر الباشا ومن معه من غيبتهم وقد انشرح خاطره لتمام الترعة وسلوك المراكب وسفرها فيها وكذلك سافرت فيها مراكب وشيد والنقاير بالبضائع واستراحوا من وعر البغاز والسفر في المالح الى
(3/608)

الاسكندرية والنقل والتجريم وانتظار الريح المناسب لاقتحام البغاز والبحر الكبير ولم يبق في شغل الترعة الا الامر اليسير واصلاح بعض جسورها واتفق وقوع حادثة في هذا الشهر وهو ان شخصا من الافرنج الانكليز ورد من الاسكندرية وطلع الى بلدة تسمى كفر حشاد فمشى بالغيط ليصطاد الطير فضرب طيرا ببندقته فأصابت بعض الفلاحين في رجله وصادف هناك شخصا من الارنؤد بيده هراوة او مسوقة فجاء الى ذلك الافرنجي وقال له اما تخشى ان يأتي اليك بعض الفلاحين ويضربك على رأسك هكذا واشار بهما في يده على رأس الافرنجي لكونه لايفهم لغته فاغتاظ من ذلك الافرنجي وضربه ببندقته فسقط ميتا فاجتمع عليه الفلاحون وقبضوا على الافرنجي ورفعوا الارنؤدي المقتول حضروا الى مصر وطالبوا بمجلس كتخدا بك واجتمع الكثير من الارنؤد وقالوا لابد من قتل الافرنجي فاستعظم الكتخدا ذلك لانهم يراعون جانب الافرنج الى الغاية فقال حتى نرسل لى القناصل ونحضرهم ليروا حكمهم في ذلك وارسل بإحضارهم وقد تكاثر الارنؤد واخذتهم الحمية وقالوا لاي شئ تؤخر قتله الى مشورة القناصل وان لم يقتل هذا في الوقت نزلنا الى حارة الافرج ونهبناها وقتلنا كل من بها من الافرنج فلم يسع الكتخدا الا ان امر بقتله فنزلوا به الى الرميلة وقطعوا رأسه وطلع ايضا القناصل في كبكبتهم وقد نفذ الامر وكان ذلك في غيبة الباشا
واستهل شهر جمادي الاولى سنة 1235
فيه جرد الباشا حسن بك الشماشرجي حاكم البحيرة على سيوة من الجهة القبلية فتوجه اليها من البحيرة بجنده ومعه طائفة من العرب
وفيه قوي عزم الباشا على الاغارة على نواحي السودان فمن قائل انه متوجه الى سنار ومن قائل الى دار فور وساري العسكر ابنه اسمعيل باشا وخلافه ووجه الكثير من اللوازم الى الجهة القبلية وعمل البقسماط والذخيرة ببلاد قبلي والشرقية واهتم اهتماما عظيما وارسل ايضا بإحضار
(3/609)

مشايخ العربان والقبائل
وفيه خرج الباشا الى ناحية القليوبية حيث الخيول بالربيع وخرج محو بك لضيافته بقلقشندة واخرج خياما وجمالا كثيرة محملة بالفرش والنحاس والات المطبخ والارز والسمن والعسل والزيت والحطب والسكر وغير ذلك واضافه ثلاثة ايام وكذلك تأمر كاشف الناحية وغيره وكذلك احضر له ضيافة ابن شديد شيخ الحويطات وابن الشواربي كبير قليوب وابن عسر وكان صحبة الباشا ولداه ابراهيم باشا واسمعيل باشا وحسن باشا
وفي اثناء ذلك ورد الخبر بموت عابدين بك اخو حسن باشا بالديار الحجازية وكذلك الكثير من اتباعه بالحمى فتكدر حظهم وبطلت الضيافات وحضر الباشا ومن معه في اواخره لعمل العزاء والميتم واخبر الواردون بكثرة الحمى بالديار الحجازية حتى قالوا انه لمب يبق من طائفة عابدين بك الا القليل جدا
واستهل شهر جمادي الثانية سنة 1235
في عشرينه وردت هدية من والي الشام فيها من الخيول الخاص عشرة بعضها ملبس والباقي من غير سروج واشياء اخر لانعلمها
وفي اواخره ورد الخبر بان حسن بك الشمشارجي استولى على سيوة
وفيه ورد الخبر بأنه وقع بإسلامبول حريق كثير
وفيه ورد الخبر ايضا عن حلب بأن احمد باشا المعروف بخورشيد الذي كان سابقا والي مصر استولى على حلب وقتل من اهلها واعيانها اناسا كثيرة وذلك انه كان متوليا عليها فحصل منه ما اوجب قيام اهل البلدة عليه وعزلوه واخرجوه وذلك من مدة سابقة فلما اخرجوه اقام خارجها وكاتب الدولة في شأنهم وقال ماقال في حقهم فبعثوا اوامر ومراسيم لولاة تلك النواحي بأن يتوجهوا لمعونته على اهل حلب فاحتاطوا بالبلدة وحاربوها اشهرا حتى ملكوها وفتكوا في اهلها وضربوا عليهم ضرائب عظيمة وهم على ذلك
(3/610)

وفي اواخره ايضا تقلد اغاوية مستحفظان مصطفى اغا كرد مضافة للحسبة عوضا عن حسن اغا الذي توفي في الحج فأخذ يعسف كعادته في مبادئ توليته للحسبة وجعل يطوف ليلا ونهارا ويحتج على المارين بالليل بادنى سبب فيضرب من يصادفه راجعا من سهر ونحوه او يقطع من اذنه او انفه
واستهل شهر رجب بيوم الجمعة سنة 1235
في ثالثه تقلد نظر الحسبة شخص يسمى حسين اغا المورلي وهو بخشونجي بساتين الباشا
وفيه رجع حسن بك الشماشرجي من ناحية سيوة بعد ان استولى عليها وقبض من اهاليها مبلغا من المال والتمر وقرر عليها قدرا يقومون به في كل عام الى الخزينة
وفي عشرينه سافر محمد اغا لاظ وهو المنفصل عن الكتخدائية الى قبلي بمعنى انه في مقدمة الجردة يتقدمها الى الشلال
وفي اواخره وصل الخبر بموت خليل باشا بالديار الحجازية فخلع الباشا على اخيه احمد بك وهو ثالث اخوته وهو اوسطهم وقلده في منصب اخيه عوضا عنه واعطى البيرق واللوازم
وفي اواخره توجه الباشا الى ناحية الوادي لينظر ما تجدد به من العمائر والمزارع والسواقي وقد صار هذا الوادي اقليما على حدته وعمر به قرى ومساكن ومزارع
واستهل شهر شعبان بيوم الاحد سنة 1235
فيه سافر ابراهيم باشا الى القليوبية ثم الى المنوفية والغربية لقبض الخراج عن سنة تاريخه والطلب بالبواقي التي انكسرت على الفقراء وكان الباشا سامح في ذلك وتلك بواقي سبع سنين فكان يطلب مجموع ما على القرية من المال والبواقي في ظرف ثلاثة ايام ففزعت الفلاحون ومشايخ البلاد وتركوا غلالهم في الاجران وطفشوا في النواحي بنسائهم واولادهم وكان يحبس من يجده من النساء ويضربهن فكان مجموع المال المطلوب
(3/611)

تحصيله على ما اخبرني به بعض الكتاب مائة الف كيس
وفي منتصفه حضر الباشا من ناحية الوادي
وفي اواخره وقع حريق ببولاق في مغالق الخشب التي خلف جامع مرزة واقام الحريق نحو يومين حتى طفئ واحترق فيه الكثير من الخشب المعد للعمائر المعروف بالكرسنة والزفت وحطب الاشراق وغيره
واستهل شهر رمضان بيوم الاثنين سنة 1235
والاهتمام حاصل وكل قليل يخرج عساكر ومغاربة مسافرين الى بلاد السودان ومن جملة الطلب ثلاثة انفار من طلبة العلم يذهبون بصحبة التجريدة فوقع الاختيار على محمد افندي الاسيوطي قاضي اسيوط والسيد احمد البقلي الشافعيين والشيخ احمد السلاوي المغربي المالكي واقبضوا محمد افندي المذكور عشرين كيسا وكسوة ولكل واحد من الاثنين خسمة عشر كيسا وكسوة ورتبوا لهم ذلك في كل سنة
وفي سابعه وقع حريق في سراية القلعة فطلع الاغا والوالي واغات التبديل واهتموا بطفئ النار وطلبوا السقائين من كل ناحية حتى شح الماء ولا يكاد يوجد وكان ذلك في شدة الحر وتواقق شهر بؤتة ورمضان واقاموا في طفء النار يومين واحترق ناحية ديوان كتخدا بك ومجلس شريف بك وتلفت اشياء وامتعة ودفاتر حرقا ونهبا وذلك ان ابنية القلعة كانت من بناء الملوك المصرية بالاحجار والصخور والعقود وليس بها الا القليل من الاخشاب فهدموا ذلك جميعه وبنوا مكانه الابنية الرقيقة واكثرها من الحجنة والاخشاب على طريق بناء اسلامبول والافرنج وزخرفوها وطلوها بالبياض الرقيق والادهان والنقوش وكله سريع الاشتعال حتى ان الباشا لما بلغه هذا الحريق وكان مقيما بشبرا تذكر بناء القلعة القديم وما كان فيه من المتانة ويلوم على تغيير الوضع السابق ويقول انا كنت غائبا بالحجاز والمهندسون وضعوا هذا البناء وقد تلف في هذا الحريق ما ينيف عن خمسة وعشرين الف كيس حرقا ونهبا ولما حصل هذا
(3/612)

الحريق انتقلت الدواوين الى بيت طاهرباشا بالازبكية وانقضى شهر رمضان
واستهل شهر شوال بيوم الثلاثاء سنة 1235
وقع في تلك الليلة اضطراب في ثبوت الهلال لكونه كان عسر الرؤية جدا وشهد اثنان برؤيته ورد الواحد ثم حضر آخر ولم يزالوا كذلك الى آخر الليل ثم حكم به عند الفجر بعد ان صليت التراويح واوقدت المنارات وطاف المسحرون بطبلاتهم وتسحرت الناس واصبح العيد باردا
وفي خامسه سافر الباشا الى ثغر الأسكندرية كعادته واقام ولداه ابراهيم باشا للنظر في الاحكام والشكاوي والدعاوي وكانت اقامته بقصره الذي انشأه بشاطئ النيل تجاه مضرب النشاب وتعاظم في نفسه جدا ولما رجع ابراهيم باشا من سرحته شرعوا في عمل مهم لختان عباس باشا ابن اخيه طوسون باشا وهو غلام في السادسة فشرعوا في ذلك في تاسع عشرة ونصبوا خياما كثيرة تحت القصر وحضرت ارباب الملاعيب والحواة والمفزلكون والبهلوانيون وطبخت الاطعمة والحلواء والاسمطة واوقدت الوقدات بالليل من المشاعل والقناديل والشموع بداخل القصر وتعاليق النجفات البلور وغير ذلك ورسموا باحضار غلمان اولاد الفقراء فحضر الكثير منهم واحضروا المزينين فختنوا في اثناء ايام الفرح نحو الاربعمائة غلام ويفرشون لكل غلام طراحة ولحافا يرقد عليها حتى يبرأ 2 جرحه ثم يعطى لكل غلام كسوة والف نصف فضة وفي كل ليلة يعمل شنك وحراقات ونفوط ومدافع بطول الليل ودعوا في اثناء ذلك كبار الاشياخ والقاضي والشيخ السادات والبكري وهو نقيب الاشراف ايضا والمفاتي وصار كل من دخل منهم يجلسونه من سكوت ولم يقم لواحد منهم ولم يرد على من يسلم ولا بالاشارة السلام ولم يكلمهم بكلمة يؤانسهم بها وحضرت المائدة فتعاطوا الذي تعاطوه حتى انقضى المجلس وقاموا وانصرفوا من سكوت
وفي يوم الاربعاء ثالث عشرينه خرجوا بالمحمل الى الحصوة وامير
(3/613)

الحاج شخص من الدلاة لم نعرف اسمه
وفي يوم الخميس عملوا الزفة لعباس باشا ونزلوا به من القلعة على الدرب الاحمر على باب الخرق الى القصر وختنوه في ذلك اليوم وامتلا طشت المزين الذي ختنه بالدنانير من نقوط الاكابر والاعيان وخلعوا عليه فروة وشال كشميري وانعموا على باقي المزينين بثلاثين كيسا وانقضى ذلك
وفي يوم الثلاثاء تاسع عشرينه الموافق لثالث مسرى القبطي او في النيل اذرعة وكسر السد في صبحها يوم الاربعاء وجرى الماء في الخليج وذلك بحضرة كتخدا بك والقاضي
وفي هذا الشهر حضر طائفة من بواقي الامراء المصرية من دنقلة الى بر الجيزة وهم نحو الخمسة وعشرين شخصا وملابسهم قمصان بيض لا غير فأقاموا في خيمة ينتظرون الاذن وقد تقدم منهم الارسال بطلب الامان عند ما بلغهم خروج التجاريد وحضر ابن علي بك ايوب وطلب امانا لابيه فاجيبوا الى ذلك وارسل لهم امانا لاجمعهم ما عدا عبد الرحمن بك والذي يقال له المنفوخ فليس يعطيهما امانا ولما حضرت مراسله الامان لعلي بك ايوب وتأهب للرحيل حقدوا عليه وقتلوه ووصل خبر موته فعملوا نعيه في بيته سكن زوجته الكائن بشمس الدولة واكثروا من الندب والصراخ عدة ايام
وفي هذا الشهر ايضا حضر اشخاص من بلاد العجم وصحبتهم هدية الى الباشا وفيها خيول فأنزلوهم ببيت حسين بك الشماشرجي بناحية ستوفة العزى
واستهل شهر ذي القعدة بيوم الخميس سنة
في رابعه يوم الاحد وصل قابجي وعلى يده مرسوم تقرير للباشا بولاية مصر على السنة الجديدة وتقرير اخر لولده ابراهيم باشا بولاية جدة وركب القابجي المذكور في موكب من بولاق الى القلعة وقرئت المراسلين بحضرةكتخدا بك وابراهيم باشا واعيانهم وضربوا مدافع
(3/614)

وفيه سافر اسمعيل باشا الى جهة قبلي وهو امير العسكر المعينة لبلاد النوبة كل ذلك والباشا الكبير على حاله بالاسكندرية
واستهل شهر ذي الحجة سنة
فيه توجه ابراهيم باشا الى ابيه بالاسكندرية فاقام هناك اياما وعاد في اخر الشهر فأقام بمصر اياما قليلة وسافر الى ناحية قبلي ليجمع ما يجده عند الناس من القمح والفول والعدس الثلاثة اصناف واخذوا كل سفينة غصبا وساقوا الجميع الى قبلي لحمل الغلال وجمعها في الشون البحرية لتباع على الافرنج والروم بالاثمان الغالية وانقضت السنة
ومن حوادثها زيادة النيل الزيادة المفرطة وخصوصا بعد الصليب وقد كان حصل الاعتناء الزائد بأمر الجسور بسبب ما حصل في العامين السابقين من التلف فلما حصلت هذه الزيادةبعد الصليب وطف الماء على اعلى الجسور وغرق مزارع الذرة والنيلة والقصب والارز والقطن واشجار البساتين وغالب اشجار الليمون والبرتقال بما عليها من الثمار وصار الماء ينبع من الارض الممنوعة نبعا ولا عاصم من امر الله وطال مكث الماء على الارض حتى فات اوان الزراعة ولم نسمع ولم نر في خوالي السنتين تتابع الغرقات بل كان الغرق نادر الحصول وعلماء الخليج حتى سد غالب فرجات القناطر ونبع الماس من الاراضي الواطية القريبة من الخليج مثل غيط العدة وجامع الامير حسين ونحو ذلك
ومنها ان ترعة الاسكندرية المحدثة لما تم حفرها وسموها بالمحمودية على اسم السلطان محمود فتحوا لها شرما دون فمها المعد لذلك وامتلات بالماء فلما بدأت الزيادة فزادت وطف الماء في المواضع الوطية وغرقت الاراضي فسدوا ذلك الشرم وابقوا من داخله فيها عدة مراكب للمسافرين فكانوا ينقلون منها الى مراكب البحر ومن البحر الى مراكبها وبقي ماؤها مالحا متغيرا واستمر اهل الثغر في جهد من قلة الماء العذب وبلغ ثمن الراوية قرشين
(3/615)

ومنها انه لما وقع القياس في أراضى القرى قرروا مسموحا لمشايخ البلاد في ظنير مضايقهم خمسة افدنة من كل مائة فدان وفي هذا العام يدفع مال المسوح سنتين وذلك عقب مطالبتهم بإخراج قبل أوانه وما صدقوا انهم غلقوه ببيع غلالهم بالنسيئة والاستدانة وبيع المواشي والامتعه ومصاغ النساء وكانوا أيضا طولبوا بالبواقي في السنين الخوالي التي كانوا عجزوا عنها ولم يزك رمي الغلال في هذه السنة وكذلك الفول وثمر النخيل والفواكهة ولما طولب مشايخ البلاد بمال المسوح ازداد كريهم فإنه ربما يجئ على الواحد آلف ريال واقل واكثر وقد قاسوا الشدائد في غلاق الخراج الخارج عن الحد وعدم زكاء الزرع وغرق مزارع النيلة والأرز والقطن والقصب والكتان وغير ذلك
وفي اثر ذلك فرضوا على الجواميس كل راس عشرون قرشا وعلى الجمل ستون قرشا وعلى الشاة قرش والرأس من المعز سبعة وعشرون نصف وثلث والبقرة خمسة عشر والفرس كذلك
ومنها احتكار الصابون ويحجز جميع الوارد على ذمة الباشا ثم سمومح تجارة بشرط آن يكون جميع صابون الباشا ومرتباته ودائرته من غير ثمن وهو شئ كثير ويستقر ثمنه على ستين نصفا بعد آن كان بخمسين جردا من غير نقو
ومنها ما أحدثه على البلح بأنواعه وما يجلب من الصعيد واليا الأبريمي وأنواع العجوة حتى جريد النخل والليف والخوص يؤخذ جميع ذلك بالثمن القليل ويباع ذلك للمتسببين بالثمن الزائد وعلى الناس بازيد من ذلك وفي هذه السنة لم تثمر النخيل الآم القليل جدا ولم يظهر البلح الأحمر في أيام وفرته ولم يوجد بالأسواق الآم أياما قليلة وهو شئ ردئ وبسر ليس بجيد ورطله بخمسة أنصاف وهي ثمن العشرة أرطال في السابق وكذلك العنب لم يظهر منه الآم القليل وهو الفيومي والشرقاوي وقد التزم به من يعصره شرابا بأكياس كثيرة مثل غيره من الأصناف وغير ذلك
(3/616)

جزئيات لم يصل ألينا علمها ومنها ما وصل ألينا علمها واهملنا ذكرها
ومنها آن حسن باشا سافر آلي الجهة القبلية وصحبته بعض الإفرنج الذين كان رخص لهم الباشا السياحة والغوص باراضي الصعيد والفحص وفحر الأراضي والكهوف والبرابي واستخراج الآثار القديمة والأمم السالفة من التماثيل والتصاوير ونواويس الموتى وقطع الصخور بالبارود واشعاوا انه ظهر لهم شئ مخرفش يشبه خرء الرصاص آو الحديد وبه بعض بريق ذكروا انه معدن إذا تصفى خرج منه فضة وذهب واخبرني بعض من اثق بخبره انه اخذ منه قطعة تزيد في الوزن على رطلين وذهب بها عند رجل صائغ فاوقد عليها نحو قنطار من الفحم بطول النهار فخرج منها في آخر الآمر وهو ينقلها من بوط آلي آخر بعد كسره قطعة مثل الرصاص قدر الأوقية وذكروا أيضا آن الجبل أحجارا سوداء مثل الفحم وذلك انهم آتوا بمثل ذلك من بلاد الإفرنج واوقدها بالضربخانة كريهة الرائحة مثل الكبريت والا تصير رمادا بل تبقى على حجريتها مع تغير اللون ويحتاج آلي نقلها آلي الكيمان وقالوا آن بداخل جبال الصعيد كذلك فسافر حسن باشا بقصد استخراج هذه الأشياء وامثالها فأقام نحو ثلاثة اشهر وذلك بأمر الباشا الكبير وهم يكسرون الجبل بالبارود فظهر بالجبل بجس يسيل منه دهن اسود بزرقة ورائحته زنخة كبريتية يشبه النفط وليس هو وآتوا بشيء منه آلي مصر أوقدوا منه في السرج فملؤا منه سبعة مصافي وانقطع أشيع في الناس قبل تحقق صورته بل وصلت مكاتبات بأنه خرج من الجبل عين تسيل بالزيت الطيب ولا ينقطع جريانها يكفي مصر واقطاعها بل والدنيا أيضا واخبرني بعض اتباعهم آن الذي صرف في هذه المرة نحو الألفي كيس
ومن حوادث هذه السنة الخارجة عن ارض مصر آن السلطان محمود تغير خاطره على علي باشا المعروف بتية رنلي حاكم بلاد الارنؤد وجرد عليه العساكر ووقع لهم معه حروب ووقائع واستولوا على اكثر البلاد
(3/617)

التي تحت حكمه وتحصن هو في قلعة منيعة وعلى باشا هذا في مملكة واسعة وجنود كثيرة وله عدة اولاد متآمرين كذلك وبلادهم بين بلاد الرومنلي والنمسا ويقال ان بعض اولاده دخل تحت الطاعة ووكذلك الكثير من عساكره وبقي الامر على ذلك ودخل الشتاء وانقضت السنة ولم يتحقق عنه خبر
ومنها امر المعاملة وما يقع فيها منن التخليط والزيادة حتى بلغ صرف الريال الفرانسة اثني عشرة قرشا عنها اربعمائة وثمانون نصفا والبندقي الف فضة وكذلك المجر الفندقلي الاسلامي سبعة عشر قرشا والقرش الاسلامبولي بمعنى المضروب هناك المنقول الى مصر يصرف بقرشين وربع يزيد عن المصري ستين نصفا وكذلك الفندقلي الاسلامبولي يصرف في بلدته باحد عشرة قرشا وبمصر بسبعة عشر كما تقدم فتكون زيادة ستة قروش وكذلك الفرانسا في بلادها تصرف بأربعة قروش وبإسلامبول بسبعة وبمصر باثني عشر واما الانصاف العددية التي تذكر في المصارفات فلا وجود لها اصلا الا في النادر جدا واستغنى الناس عنها لغلو الاثمان في جميع المبيعات والمشتروات وصار البشلك الذي يقال له الخمساوية أي صرفه خمسة انصاف هي بدل النصف لانه لما بطل ضرب القروش بضربخانة مصر وعوض عنها نصف القرش وربعه وثمنه الذي هو البشلك ولم يبق بالقطر الا ما كان موجودا قبل وهو كثير يتناقل بأيدي الناس واهل القرى ويعود الى الخزينة ويصرف في المصارف والمشاهرات وعلائف العساكر وكذلك يشترون لوازمهم فتذهب وتعود وهكذا تدور مع الفلك كلما دار ويصرف القرش عند الاحتياج الى صرفه بسبعة من البشلك بنقص الثمن فباعتبار كونها في مقام النصف يكون القرش بسبعة انصاف لاغير وباعتبار ذلك يكون الالف فضة بمائة وخمسة وسبعين فضة لان الخمسة وعشرين قرشا التي هي بدل الالف اذا نقصت في المصارفة الثمن تكون احدى وعشرين واذا ضربنا السبعة في الخمسة وعشرين كانت مائة وخمسة
(3/618)

وسبعين وفيها من الفضة الخالصة ستة دراهم لاغير واوزان هذه القطع مختلفة لاتجد قطعة وزن نظيرتها وفي ذلك فرط اخر والقليل في الكثير كثير والذي ادركناه في الزمن السابق ان هذه القروش لم يكن لها وجود بالقطر المصري البتة واول من احدثها بمصر علي بك القازدغلي بعد الثمانين ومائة والف عندما استفحل امره واكثر من العساكر والنفقات واظهر العصيان على الدولة ولما استولى محمد بك المعروف بأبي الذهب ابطلها رأسا من الاقليم وخسر الناس بسبب ابطالها حصة من اموالهم مع فرحهم بابطالها ولم يتأثروا بتلك الخسارة لكثرة الخير والمكاسب ولم يبق من اصناف المعاملة الا انواع الذهب الاسلامي ولافرنجي والفرانسة ونصفه وربعه والفضة الصغيرة التي يقال لها نصف فضة مع رخاء الاسعار وكثرة المكاسب ويصرف هذا النصف بعدد من الافلس النحاس التي يقال لها الجدد اما عشراو اثنا عشر اذا كانت مضروبة ومختومه او عشرين اذا كانت صغيرة وبخلاف ذلك ويقال لها السحاتة فكان غالب المحقرات يقضي بهذه الجدد بل وخلاف المحقرات وفي البيع والشراء وكان يجلب منها الكثير مع الحجاج المغاربه في المخالي ويبعونها على اهل الاسواق بوزن الارطال ويربحون فيها فكان الفقير او الاجير اذا اكتسب تصفا وصرفه بهذه الجدد كفاه نفقة يومه مع رخاء الاسعار ويشترى منها خبزا وادما واذا احتاج الطابخ لوزام الطبخة في التقلية اخذ من البقال البصل والثوم والسلق والكسبرة والبقدونس والفجل والكراث والليمون الصنف او الصنفين او الثلاثة بالجديد الواحد وقد انعدمت هذه الجدد بالكلية واذا وجدت فلا ينتفع بها اصلا وصار النصف الفضة بمنزلة الجديد النحاس ولا وجود له ايضا وصارت الخمساوية بمنزلة النصف بل واحقر لانه كان يصرف بعدد كثير من الجدد وهذه بخمسة فقط فإذا اخذ الشخص شيئا من المحقرات بنصف او نصفين او ثلاثة ماكان يؤخذ بجديد او جديدين لم يجد عند البائع بقية الخمساوية فأما يترك الباقي لوقت احتياج اخر ان كان
(3/619)

يعرفه والا تعطلا واذا كان الانسان بالسوق ولحقه العطش فيشرب من السقاء الطواف ويعطيه جديدا او يملا صاحب الحانوت ابريقه بجديد وفي هذه الايام اذا كان الشخص لم يكن معه بشلك يشرب به والا بقي عطشان حتى يشرب من داره ولايهون عليه ان يدفع ثمن قربة في شربة ماء وذلك لعدم وجود النصف وكذلك الصدقة على الفقراء وامثالهم وقد كان الناس من ارباب البيوت اذا زاد بعد ثمن اللحم والخصار نصف يسألون الخادم في اليوم الثاني عنه لكونه نصف المصروف ويحاسبونه عليه وكان صاحب العيال وذوو البيوت المحتوية على عدة اشخاص من عيال وجوار وخدم اذا ادخر الغلة والسمن والعسل والحطب ونحو ذلك يكفيه في مصرف يومه العشرة انصاف في ثمن اللحم والخضار وخلافه واما اليوم فلا يقوم مقامها العشرة قروش وازيد لغلو الاسعار في كل شئ بسبب الحوادث والاحتكارات السابقة والتجددة كل وقت في جميع الاصناف ولايخفى ان اسباب الخراب التي نص عليها المتقدمون اجتمعت وتضاعفت في هذه السنين وهي زيادة الخراج واختلال المعاملة ايضا والمكوس وزاد على ذلك احتكار جميع الاصناف والاستيلاء على ارزاق الناس فلا تجد مرزوقا الا من كان في خدمة الدولة متوليا على نوع من انواع المكوس او مباشرا او كاتبا او صانعا في الصنائع المحدثة ولا يخلوا من هفوة ينم بها عليه فيحاسب مدة استيلائه فيجتمع عليه جملة من الاكياس فيلزم بدفعها وربما باع داره ومتاعه فلا يفي بما تأخر عليه فأما يهرب ان امكنه الهرب واما بقي في الحبس هذا ان كان من ابناء العرب واهالي البلدة وما ان كان بخلاف ذلك فربما سومح او تصدى له من يخفف عنه او يدخله في منصب او شركة فيرتفع حاله ويرجع احسن ما كان
ومما حدث ايضا في هذه السنة الاستيرء على صناعة المخيش والقصب والتلي الذي يصنع من الفضة للطرازات والمقصبات والمناديل والمحارم وخلافها من الملابس وذلك بإغراء بعض صناعهم وتحاسدهم وان مكسبها
(3/620)

يزيد على الف كيس في السنة لان غالب الحوادث باغراء الناس على بعضهم البعض وكذلك الاستيلاء على وكالة الجلابة التي يباع فيها الرقيق من العبيد والجواري السود وغيرهم من البضائع التي تجلب من بلاد السودان كسن الفيل والتمر هندي والشتم وروايا الماء وريش النعام وغير ذلك
ومنها الحجر على عسلي النخل وشمعه فيضبط جميعه للدولة ويباع رطل الشمع بستة قروش ولا يوجد الا ما كان مختلسا ويباع خفية وكان رطله قبل الحجر بثلاثة قروش فاذا وردت مراكب الى الساحل نزل اليها المفتشون على الاشياء ومن جملتها الشمع فيأخذون ما يجدونه ويحسب لهم بأبخس ثمن فن اخفى شيئا وعثر وعليه اخذوه بلا ثمن ونكلوا بالشخص الذي يجدون معه ذلك وسموه حراميا ليرتدع غيره والمتولي على ذلك نصارى واعوانهم لادين لهم وقد هاف النحل في هذه السنة وامتنع وجود العسل وكذلك ثمر النخيل بل والغلال فلم تزك في هذه السنين مع كثرة الاسيال التي غرقت منها الاراضي بل وتعطل بسببها الزرع وزادت اثمانها وخصوصا الفول واما العدس فلا يوجد ايضا الا نادرا
وكذلك التزم بالملاحة وتوابعها من زاد في مالها وبلغ ثمن الكيلة قرشا وكانت قبل ذلك بثلاثين نصفا وفيما ادركناه بلاثة انصاف واما اجر الاجراء والفعلة والمعمرين فأبدل النصف بالقرش وكذلك ثمن الجير البلدي والجبس لان عمائر اهل الدولة مستديمة لاتنقضي ابدا ونقل الاتربة الى الكيمان على قطارات الجمال والحمير من شروق الشمس الى غروبها حتى ستر علوها الافق من كل ناحية واذا بنى احدهم دار فلا يكفيه في ساحتها الكثير ويأخذ ما حولها من دور الناس بدون القيمة ليوسع بها داره ويأخذ ما بقي في تلك الخطة لخاصته واهل دائرته ثم يبني اخرى كذلك ليدوانه وجمعيته واخرى لعسكره وهكذا
واما سليمان اغا السلحدار فهو الداهية العظمى والمصيبة الكبرى فإنه تسلط على بقايا المساجد والمدارس والتكايا التي بالصحراء ونقل احجارها
(3/621)

الى داخل باب البرقية المعروف بالغريب وكذلك ما كان لجهة باب النصر وجمعوا احجارها خارج باب النصر وانشأ جهة خان الخليلي وكالة وجعل بها حواصل وطباقا واسكنها نصارى الاروام والارمن بأجره زائدة اضعاف الاجر المعتادة وكذلك غيرهم ممن رغب في السكنى وفتح لها بابا يخرج منه الى وكالة الجلابة الشهيرة التي بالخراطين لانها بظاهرها واجر الحوانيت كذلك بأجرة زائدة فأجر الحوانوت بثلاثين قرشا في الشهر وكانت الحانوت تؤجر بثلاثين نصفا في الشهر والعجب في اقدام الناس على ذلك واسراعهم في تأجرهم قبل فراغ بنائها مع ادعائهم قلة المكاسب ووقف الحال ولكنهم ايضا يستخرجونها من لحم الزبون وعظمه ثم اخذ بناحية داخل باب النصر مكانا متسعا يسمى حوش عطى بضم العين وفتح الطاء وسكون الياء كان محطا لعربان الطور ونحو هم اذا وردوا بقوافلهم بالفحم والقلي وغيره وكذلك اهالي شرقية بلبيس فأنشأ في ذلك المكان ابنية عظيمة تحتوي على خانات متداخلة وحوانيت وقهاوي ومساكن وطباق وسكن غالبها ايضا الارمن وخلافهم بالاجر الزائدة ثم انتقل الى جهة خان الخليلي فأخذ الخان المعروف بخان القهوة وما حوله من البيوت والاماكن والحوانيت والجامع المجاور لذلك تصلى فيه الجمعة بالخطبة فهدم ذلك جميعه وانشأ خانا كبيرا يحتوي على حواصل وطباق وحوانيت عدتها اربعون حانوتا اجرة كل حانوت ثلاثون قرشا في كل شهر وانشأ فوق السبيل وبعض الحوانيت زاوية لطيفة يصعد اليها بدرج عوضا عن الجامع ثم انتقل الى جهة الخرنفش بخط الامشاطية فأخذ اماكن ودورا وهدمها وهو الان مجتهد في تعميرها كذلك فكان يطلب رب المكان ليعطيه الثمن فلا يجد بدا من الاجابة فيدفع له ما سمحت به نفسه ان شاء عشر الثمن او اقل او ازيد بقليل وذلك لشافعة أو واسطة خير وإذا قيل له وقف ولا سموع لاستبدال العدم تخربة امر بتخريبة ليلا ثم ياتي بكشاف القاضي فيراه خرابا فيقضي له وكان يثقل عليه لفظة وقف ويقول ايش يعني وقف واذا كان على المكان حكر لجهة وقف اصله لايدفعه ولايلتفت
(3/622)

لتلك اللفظة ايضا ويتمم عمائره في اسرع وقت لعسفه وقوة مراسه على ارباب الاشغال والموانة ولا يطلبق للفعلة الرواح بل يحبسهم الى الدوام الى باكر النهار ويوقظونهم في اخر الليل بالضرب ويبتدؤن في العمل من وقت صلاة الشافعي الى قبيل الغروب حتى في شدة الحر في رمضان واذا ضجوا من الحر والعطش امرهم مشد العمارة بالشرب واحضرلهم السقاء ليسقهم وظن اكثر الناس ان هذه العمائر انما هي لمخدومه لانه لايسمع لشكوى احد فيه واشتد في هذا التاريخ امر المساكن بالمدينة وضاقت بأهلها لشمول الخراب وكثرة الاغراب وخصوصا المخالفين للملة فهم الان اعيان الناس يتقلدون المناصب ويلبسون ثياب الاكابر ويركبون البغال والخيول المسومة والرهوانات وامامهم وخلفهم العبيد والخدم وبأيديهم العصي يطردون الناس ويفرجون لهم الطرق ويتسرون بالجواري بيضاء وحبوشا ويسكنون المساكن العالية الجليلة يشترونها بأغلى الاثمان ومنهم من له دار بالمدينة ودار مطلة على البحر للنزاهة ومنهم من عمر له دارا وصرف عليها الوفا من الاكياس وكذلك اكابر الدولة لاستيلاء كل من كان في خطه على جميع دورها واخذها من اربابها بأي وجه وتوصلوا بتقليدهم مناصب البدع الى اذلال المسلمين لانهم يحتاجون الى كتبة وخدم واعوان والتحكم في اهل الحرفة بالضرب والشتم والحبس من غير انكار ويقف الشريف والعامي بين يدي الكافر ذليلا فضاقت بالناس المساكن وزادت قيمتها اضعاف الاضعاف وابدل لفظ الريال الذي كان يذكر في قيم الاشياء بالكيس وكذلك الاجر والامر في كل شئ في الازدياد والله لطيف بالعباد ولو اردنها استيفاء بعض الكليات فضلا عن الجزئيات لطال المقال وامتد الحال وعشنا ومتنا مانرى غير ما نرى تشابهت العجما وزاد انعجامها نسأل الله حسن اليقين وسلامة الدين ثم دخلت سنة ست وثلاثين ومائتين والف
استهل شهر المحرم بيوم الاثنين
وفي اوائله حضر الباشا من الاسكندرية
(3/623)

وفيه من الحوادث ان الشيخ ابراهيم الشهير بباشا المالكي بالاسكندرية قرر في درس الفقه ان ذبيحة اهل الكتاب في حكم الميتة لايجوز اكلها وما ورد من اطلاق الاية فإنه قبل ان يغيروا ويبدلوا في كتبهم فلما سمع فقهاء الثغر ذلك انكروه واستغربوه ثم تكلموا مع الشيخ ابراهيم المذكور وعارضوه فقال انا لم اذكر ذلك بفهمي وعلمي وانما تلقيت ذلك عن الشيخ علي الميلي المغربي وهو رجل عالم متورع موثوق بعلمه ثم انه ارسل الى شيخه المذكور بمصر يعلمه بالواقع فالف رسالة في خصوص ذلك واطنب فيها فذكر اقوال المشايخ والخلافات في المذاهب واعتمد قول الامام الطرطوشي في المنع وعدم الحل وحشا الرسالة بالحط على علماء الوقت وحكامه وهي نحو الثلاثة عشر كراسة وارسلها الى الشيخ ابراهيم فقرأها على اهل الثغر فكثر اللغط والانكار خصوصا واهل الوقت اكثرهم مخالفون للملة وانتهى الامر الى الباشا فكتب مرسوما الى كتخدا بك بمصر وتقدم اليه بان يجمع مشايخ الوقت لتحقيق المسئلة وارسل اليه بالرسالة ايضا المصنفة فأحضر كتخدا بك المشايخ وعرض عليهم الامر فلطف الشيخ محمد العروسي العبارة وقال الشيخ علي الميلي رجل من العلماء تلقى عن مشايخنا ومشايخهم لاينكر علمه وفضله وهو منعزل عن خلطة الناس الا انه حاد المزاج وبعقله بعض خلل والاولى ان نجمع به ونتذاكر في غير مجلسكم وننهي بعد ذلك الامر اليكم فاجتمعوا في ثاني يوم وارسلوا الى الشيخ علي يدعونه للمناظرة فابى عن الحضور وارسل الجواب مع شخصين من مجاوري المغاربة يقولان انه لايحضر مع الغوغاء بل يكون في مجلس خاص يتناظر فيه مع الشيخ محمد ابن الامير بحضرة الشيخ حسن القويسني والشيخ حسن العطار فقط لان ابن الامير يناقشه ويشن عليه الغارة فلما قالا ذلك القول تغير ابن الامير وارعد أبرق وتشاتم بعض من بالمجلس مع الرسل وعند ذلك أمروا بحبسهما في بيت الاغا وامروا الاغا بالذهاب الى بيت الشيخ علي واحضاره بالمجلس ولو قهرا عنه فركب
(3/624)

الاغا وذهب الى بيت المذكور فوجده قد تغيب فاخرج زوجته ومن معها من البيت وسمر البيت فذهبت الى بيت بعض الجيران ثم كتبوا عرضا محضرا وذكروا فيه بأن الشيخ عليا على خلاف الحق وابى عن حضور مجلس العلماء والمناظرة معهم في تحقيق المسئلة وهرب واختفى لكونه على خلاف الحق ولو كان على الحق ما اختفى ولا هرب والرأي لحضرة الباشا فيه اذا ظهر وكذلك في الشيخ ابراهيم باشا السكندري وتمموا العرض وامضوه بالختوم الكثيرة وارسلوه الى الباشا وبعد ايام اطلقوا الشخصين من حبس الآغا ورفعوا الختم عن بيت الشيخ علي ورجع اهله اليه وحضر الباشا الى مصر في اوائل الشهر ورسم بنفي الشيخ ابراهيم باشا الى بني غازي ولم يظهر الشيخ علي من اختفائه
واستهل شهر صفر بيوم الاربعاء سنة
وفي اوائله حضر ابراهيم باشا من الجهة القبلية بعد ما طاف الفيوم ايضا واحضر معه جملة اشخاص قبض عليهم من المفسدين من العربان وهم في الجنازير الحديد وشقوا بهم البلد ثم حبسوهم
وأستهل شهر ربيع الأول بيوم الخميس سنة 1236
في اوائله حضر نحو العشرة اشخاص من الامراء المصرية البواقي في حالة رثة وضعف وضيم واحتياج واجتياح وكانوا ارسلوا وطلبوا الامان واجيبوا الى ذلك
وفيه اشهروا العربان الذين احضرهم ابراهيم باشا معه وقتلوهم وهم اربعة اثنان بالرميلة واثنان بباب زويلة
واستهل شهر ربيع الثاني بيوم السبت سنة
وفيه اخرج الباشا عبد الله بك الدرندلي منفيا وكان عبد الله بك هذا يسكن بخطة الخرنفش وهو رجل فيه سكون قليل الاذى وملك بتلك الناحية دورا واماكن وله عزوة وعساكر واتباع وكان يجلس بحضرة الباشا وينادمه ويتوسع معه في الكلام والمسامرة وسبب تغير خاطر الباشا عليه
(3/625)

انه جرى ذكر علي باشا تبدلان الارنودي وحروبه ومخالفة العساكر عليه فقال عبد الله المذكور ان العساكر يرون محاربة السلطان معصية او كلاما هذا معناه فتغير وجه الباشا من ذلك القول ويقال انه امر بقتله فشفع فيه حسن باشا طاهر من القتل وان يخرج منفيا هكذا اشيع واستفيض وانضم الى ذلك انه قال لشريف بك امين الخزنة عند تاخر علوفته خدمه نصراني احسن من خدمتكم مع المشاجرة فبلغها شريف بك للباشا ايضا واوغر صدره عليه ودفع له الباشا علوفته وثمن ما حازه من الاماكن والاملاك ووصله ذلك على عدة جمال محملة بالدراهم وسافر في ثامنه على طريق البر وابقى حريمه واثقاله ليأتوه على سفن البحر
وفي سادس عشره امر الباشا بقراءة صحيح البخاري بالجامع الازهر فاجتمعوا في يوم الاثنين سابع عشره وقرأوا في الاجزاء على العادة ضحوة النهار اربعة ايام اخرها الخميس وفرقوا على اولاد المكاتب دراهم وكذلك على مجاوري الازهر في نظير قراءة البخاري
واستهل شهر جمادي الاولى بيوم الاحد سنة
فيه حضر ابراهيم باشا ونزل بقصره الجديد بل قصوره لانقا انشا عدة قصور متصلة وبساتين ومصانع متصله متسعة مزخرفة منها قصر لديوانه وقصر لحريمه وقصر لخصوص عباس باشا ابن اخيه وغيرذلك
واستهل شهر جمادي الثانية بيوم الثلاثاء سنة
فيه عزم ابراهيم باشا على اعادة قياس اراضي قرى مصر واحضر من بلاد الصعيد عدة كبيرة من القياسين نحو الستين شخصا
وفي يوم السبت خامسه عدى الى الجيزة تجاه القصور وجمع القياسين والمهندسين وكذلك مهندسي الافرنج وقاس كل قياسته وكيفية عمله فعاند المعلم غالي واحب تأييد اهل حرفته من قياسي القبط وقال كل منهم على الصحيح وعلم ابراهيم باشا ان قياس المهندسين وارباب المساحة اصح ولكن فيها بطء فقال اريد الصحيح ولكن مع السرعة بعد ان عمل امتحانا
(3/626)

ومثالا في قطعة من الارض يظهر بها برهان الصحة والتفاوت وامسى الوقت فأمرهم بالذهاب والرجوع يوم الخميس الاتي فحضروا كذلك واشتغلوا يومهم بالعمل الى اخر النهار ثم اختار من مهندسي الاقباط طائفة وطرد الاخرين وسافر في رابع عشره الى ناحية شرق اطفيح واخد من المهندسخانة كبيرها وصحبته سبعة عشر شخصا وكذلك اشخاص من الافرنج المهندسين وانتقصوا من القصبة في هذه المرة مقادر قبضة
واستهل شهر رجب بيوم الخميس سنة
فيه سافر مماليك الباشا الى جهة اسيوط مثل العام الماضي ليكرتنوا هناك حذرا وخوفا عليهم من حدوث الطاعون بمصر
وفي سابع عشره ارتحل محمد بك الدفتردار مسافرا الى دار فورد ببلاد السودان بعد ان تقدمه طوائف كثيرة عساكر اتراك ومغاربة
وفي خامس عشرينه أمر الباشا بنفي محمد المعروف الدرويش كتخدا محمود بك الذي هو الان كتخدا بك والسيد احمد الرشيدي كاتب المرزق وسليمان افندي ناظر المدابغ والجلود ثلاثتهم الى قلعة ابي قير لمقتضيات واهية في خدم مناصبهم ومحمد كتخدا كان ناظرا على الجلود في العام الماضي قبل سليمان افندي المذكور
وفي اواخره حضر جماعة من المماليك المصرية الذين كانوا بدنقلة فيهم ثلاث صناجق احدهم احمد بك الالفي وهو زوج عديلة هانم بنت ابراهيم بك الكبير
واستهل شهر شعبان بيوم الجمعة سنة
في ثامنه يوم الجمعة عمل سليمان اغا السلحدار الجمعة بالجامع المعروف بالاحمر وكان قد تخرب ولم يبق به الا الجدران فتصدى لعمارته سليمان اغا المذكور وسقفه ايضا بإفلاق النخيل والجريد والبوص واقام له عمدا من الحجارة وجدد منبره وبلاطه وميضاته ومراحيضه وفرشه بالحصر وعمل به الجمعية في ذلك اليوم واجتمع به عالم كثيرون من الناس وخطب
(3/627)

على منبره الشيخ محمد الامير وبعد انقضاء الصلاة قرا درسا واملي فيه حديث من ( بنى الله مسجدا ) ! وبعد انقضاء ذلك خلع عليه فروة وكذلك على الشيخ العروسي وعمل لهم شربات سكر
وفي يوم السبت ثالث عشرينه حضر ابراهيم باشا من ناحية شرق اطفيح
وفي يوم الثلاثاء سادس عشرينه سافر بمن معه الى ناحية شرقية بلبيس
واستهل شهر رمضان بيوم الاحد
وعملت الرؤية في تلك الليلة كالعادة وركب فيها مشايخ الحرف والمحتسب واثبتوا رؤية الهلال تلك الليلة بعد مضى اربع ساعات من الليل ولم يحصل فيه من الحوادث غير تعالي الاثمان وتعاليها بسوء فعل السوقة واظهار ردئ المأكولات واخفاء جيدها وقد انقضى بخير
واستهل شهر شوال بيوم الثلاثاء سنة
في ثالثه حضرت هجانة من اراضي نجد وبصحبتهم اشخاص من كبار الوهابية مقيدون على الجمال وهم عمر ابن عبد العزيز واولاده وابناء عمه وذلك انهم لما رجعوا الى الدرعية بعد رحيل ابراهيم باشا وعساكره وكان معهم مشارى بن مسعود وقد كانوا هربوا في الدرعية بعدما رحل عنها ابراهيم باشا وتركي ابن عبد الله ابن اخي عبد العزيز وولد عم مسعود الامشاري فإنه هرب من العسكر الذين كانوا مع اولاد مسعود وجماعتهم حين ارسلهم ابراهيم باشا الى مصر في الحمراء وهي قرية بين الجديدة وينبع البحر وذهب الى الدرعية واجتمع عليه من فرحين قدمت العساكر واخذوا في تعميرها ورجع اكثر اهلها وقدموا عليهم مشارى ودعا الناس الى طاعته فأجابه الكثير منهم فكادت تتسع دولته وتعظم شوكته فلما بلغ الباشا ذلك جهز له عساكر رئيسها حسين بك فاوثقوا مشارى وارسلوه الى مصر فمات في الطريق واما عمر واولاده وبنو عمه فتحصنوا في قلعة الرياض المعروفة عند المتقدمين بحجر اليمامة بينهما وبين الدرعية اربع ساعات للقافلة فنزل عليهم حسين بك وحاربهم ثلاثة ايام او اربعة وطلبوا الامان لما
(3/628)

علموا انهم لا طاقة لهم به فأعطاهم الامان على انفسهم فخرجوا له الا تركي فإنه خرج من القلعة ليلا وهرب واما حسين بك فإنه قيد الجماعة وارسلهم الى مصر في الشهر المذكور وهم الان مقيمون بمصر بخطة الحنفي قريبا من بيت جماعتهم الذين اتوا قبل هذا الوقت
واستهل شهر ذي القعدة بيوم الاربعاء سنة 1236
فيه حضر ابراهيم باشا من سرحته بالشرقية بسبب قياس الاراضي والمساحة
وفي منتصفه سافر الباشا الى الاسكندرية لداعي حركة الاروام وعصيانهم وخروجهم عن الذمة ووقوفهم بمراكب كثيرة العدد بالبحر وقطعهم الطريق على المسافرين واستئصالهم بالذبح والقتل حتى انهم اخذوا المراكب الخارجة من اسلامبول وفيها قاضي العسكر المتولي قضاء مصر ومن بها ايضا من السفار والحجاج فقتلوهم ذبحا عن اخرهم ومعهم القاضي وحريمه وبناته وجواريه وغير ذلك وشاع ذلك بالنواحي وانقطعت السبل فنزل الباشا الى الاسكندرية وشرع في تشهيل مراكب مساعدة للدونانمة السلطانية وسياتي تتمة هذه الحادثة وبعد سفر الباشا سافر ايضا ابرهيم باشا الى ناحية قبلي قاصدا بلاد النوبة
واستهل شهر ذي الحجة بيوم الجمعة سنة 1236
فيه خرجت عساكر كثيرة ومعهم رؤساهم وفيهم محو بك ومغاربة والات الحرب كالمدافع وجبخانات البارود واللغمجية وجميع اللوازم قاصدين بلاد النوبة وما جاورها من بلاد السودان
وفيه سافر ايضا محمد كتخدا لاظ المنفصل عن الكتخدائية الى اسنا ليتلقى القادمين ويشيع الذاهبين
وفيه وصلت بشائر من جهة قبلي باستيلاء اسمعيل باشا على سنار بغير حرب ودخول اهلها تحت الطاعة فضربت لتلك الاخبار مدافع من القلعة
وانقضت هذه السنة وما تجدد بها من الحوادث وانقضى بعضها والبعض
(3/629)

باقي الى الان
فمنها توقف زيادة النيل وذلك انه لم يستتم اذرع الوفاء الى ثامن عشر مسرى القبطي حتى ضجر الناس وضج الفلاحون
ومنها امر المعاملة التي زادت زيادة فاحشة حتى بلغ البندقي الفا ومائتي نصف والمجر والفندقلي عشرين قرشا عنها ثمانمائة نصف وبلغ صرف الريال الفرانسة اربعة عشر قرشا عنها خمسمائة نصف وستون نصفا وقس على ذلك باقي الاصناف
ومنها غلو الاثمان في جميع المبيعات من ملبوسات ومأكولات والغلال حتى وصل الاردب الى الف وخمسمائة نصف والرطل السمن الى خمسين نصفا والى ستين نصفا وقس على ذلك
واما حادثة الاروام التي هي باقية الى الان وما وقع منهم من الأفساد وقطع الطريق على المسافرين واستيلائهم على كل ما صادفوه من مراكب المسلمين وخروجهم عن الذمة وعصيانهم وما وقع معهم من الوقائع وما سينتهي حالهم اليه فسيتلى عليك ان شاء الله تعالى بكماله في الجزء الاتي بعد ذلك والله الموفق للصواب واليه المرجع والمآب
(3/630)