Advertisement

كتاب الولاة وكتاب القضاة للكندي 001



الكتاب: كتاب الولاة وكتاب القضاة للكندي
المؤلف: أبو عمر محمد بن يوسف بن يعقوب الكندي المصري (المتوفى: بعد 355هـ)
تحقيق: محمد حسن محمد حسن إسماعيل، وأحمد فريد المزيدي
الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة: الأولى، 1424 هـ - 2003 م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التراجم] كتاب الولاة وكتابُ القضاة
[كتاب الولاة]
قَالَ أَبُو عُمَر: هذا كتاب تسمية وُلاة مِصر، ومَن ولِيَ الصلاة، ومَن ولِيَ الحرب والشُّرطة منذ فُتحت إلى زماننا هذا، ومَن جُمِع لَهُ الصلاة والخَراج عَلَى اسم اللَّه وعونه وصلَّى اللَّه عَلَى محمد وآله

أَبُو عبد الله عمرو بْن العاصِ بْن وائل بْن هِشام بْن سَعِيد بن سَهم بْن عمرو بْن هُصيص بْن كعب بْن لُؤَيّ بْن غالب بْن فِهْر بْن مالك، وأُمّه النابغة بِنْت خُزَيم من عَنَزَة
حَدَّثَنِي السَّكَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّكَنِ التُّجِيبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ أَبِي نَاجِيَةَ الْمَهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي زِيَادُ بْنُ يُونُسَ الْحَضْرَمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، أَنَّ خَالِدَ بْنَ يَزِيدَ، وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي جَعْفَرٍ حَدَّثَاهُ، عَمَّنْ أَدْرَكَا مِنْ مَشَايِخِهِمَا، وَرُبَّما قَالَ
(1/8)

خَالِدٌ: كَانَ حَنَشُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: كَانَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ تَاجِرًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَخْتَلِفُ بِتِجَارَتِهِ إِلَى مِصْرَ وَهِيَ: الأَدَمُ وَالْعِطْرُ، فَقَدِمَ مَرَّةً مِنْ ذَلِكَ، فَأَتَى الإِسْكَنْدَرِيَّةَ، فَوَافَقَ عِيدًا لَهُمْ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ وَيَلْعَبُونَ، فَإِذَا هَمُّوا بِالانْصِرَافِ، اجْتَمَعَ أَبْنَاءُ الْمُلُوكِ وَأَحْضَرُوا كُرَةً لَهُمْ مِمَّا عَمِلَهَا حُكَمَاؤُهُمْ، فَتَرَامَوْا بِهَا بَيْنَهُمْ وَكَانَ مِنْ شَأْنِهَا الْمُتَعَارَفِ عِنْدَهُمْ مَنْ وَقَعَتْ فِي حِجْرِهِ مَلِكَ الإِسْكَنْدَرِيَّةَ، أَوْ قَالُوا: مَلِكَ مِصْرَ، فَجَعَلُوا يَتَرَامَوْنَ بِهَا، وَعَمْرٌو فِي النَّظَّارَةِ، فَسَقَطَتِ الْكُرَةُ فِي حِجْرِهِ، فَعَجِبُوا لِذَلِكَ، وَقَالُوا: مَا كَذَّبَتْنَا هَذِهِ الْكُرَةُ قَطُّ إِلَّا هَذِهِ الْمَرَّةَ وَأَنَّى لِهَذَا الأَعْرَابِيِّ يَمْلِكُ الإِسْكَنْدَرِيَّةَ هَذَا وَاللَّهِ لا يَكُونُ.
ثُمَّ ضَرَبَ الدَّهْرُ حَتَّى فَتَحَ الْمُسْلِمَونَ الشَّامَ، فَخَلا عَمْرٌو بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْمُضِيِّ إِلَى مِصْرَ، وَقَالَ: إِنِّي عَالِمٌ بِهَا وَبِطُرُقِهَا وَهِيَ أَقَلُّ شَيْءٍ مَنْعَةً وَأَكْثَرُ أَمْوَالا.
فَكَرِهَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الإِقْدَامَ عَلَى مَنْ فِيهَا مِنْ جُمُوعِ الرُّومِ، وَجَعَلَ عَمْرٌو يُهَوِّنُ أَمْرَهَا، وَقَدْ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَتَسَلَّلُوا بِاللَّيْلِ، ثُمَّ أَتْبَعَهُمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: كُنْ قَرِيبًا مِنِّي حَتَّى أَسْتَخِيرَ اللَّهَ.
وَذَلِكَ فِي سَنَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ
وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أُسَامَةُ التُّجِيبِيُّ، قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ أَبِي نَاجِيَةَ بِذَلِكَ.
وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خَلَفِ بْنِ قُدَيْدٍ الأَزْدِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ كَانَ بِفَلَسْطِينَ عَلَى رَبْعٍ مِنْ أَرْبَاعِهَا، فَتَقَدَّمَ بِأَصْحَابِهِ إِلَى مِصْرَ، فَكُتِبَ إِلَى عُمَرَ فِيهِ وَكَانَ سَارَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِكِتَابٍ أَتَاهُ وَهُوَ أَمَامَ الْعَرِيشِ، فَحَبَسَ الْكِتَابَ وَلَمْ يَقْرَأْهُ حَتَّى بَلَغَ الْعَرِيشَ فَقَرَأَهُ، فَإِذَا فِيهِ: مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِلَى الْعَاصِ بْنِ الْعَاصِ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ سِرْتَ وَمَنْ مَعَكَ إِلَى مِصْرَ وَبِهَا جُمُوعُ الرُّومِ، وَإِنَّمَا مَعَكَ نَفَرٌ يَسِيرٌ، وَلَعَمْرِي لَوْ كَانَ ثُكْلَ أُمِّكِ مَا تَقَدَّمْتَ، فَإِذَا جَاءَكَ كِتَابِي هَذَا، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَلَغْتَ مِصْرَ فَارْجِعْ.
فَقَالَ عَمْرٌو: الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَيَّةُ أَرْضٍ هَذِهِ؟ قَالُوا: مِنْ مِصْرَ.
فَتَقَدَّمَ إِلَى الْفَرَمَا وَبِهَا جُمُوعُ الرُّومِ، فَقَاتَلَهُمْ، فَهَزَمَهُمْ.
وَذَكَرَ ابْنُ لَهِيعَةَ، وَاللَّيْثُ، وَابْنُ عُفَيْرٍ أَنَّ عَمْرًا سَارَ مِنَ الْفَرَمَا فَلَقِيَهُ الرُّومُ بِبُلْبَيْسَ،
(1/9)

فَقَاتَلُوهُ، فَهَزَمَهُمْ وَمَضَى حَتَّى بَلَغَ أُمَّ دُنَيْنَ، فَقَاتَلُوهُ بِهَا قِتَالًا شَدِيدًا، وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ يَسْتَمِدُّهُ، ثُمَّ أَتَى إِلَى الْحِصْنِ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ فَحَاصَرَهُ، وَأَمِيرُ الْحِصْنِ يَوْمَئِذٍ الْمَنْدَقُورُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: الأَعْرَجُ. . . . . . عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ الْمُقَوْقِسِ بْنِ قَرقبَ الْيُونَانِيِّ، وَالْمُقَوْقِسُ إِذْ ذَاكَ فِي طَاعَةِ هِرَقْلَ ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ فِي الْمَدَدِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَبَّانَ بْنِ حَبِيبٍ الْحَضْرَمِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ قَدِمَ مِصْرَ بِثَلاثَةِ آلافٍ وَخَمْسِمِائَةٍ ثُلُثُهُمْ غَافِقٌ، ثُمَّ مُدَّ بِالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: أَقَامَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ مُحَاصِرُ الْحِصْنِ إِلَى أَنْ فَتَحَهُ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ
وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي مُعَاوِيَةَ التُّجِيبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ رَبِيعَةَ الْحَضْرَمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، قَالَ: فُتِحَتْ مِصْرُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ مُسْتَهَلَّ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ عِشْرِينَ
وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنُ قُدَيْدٍ، وَأَبُو سَلَمَةَ، قَالا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، قَالَ: كَانَ عِدَّةُ الْجَيْشِ الَّذِي مَعَ عَمْرٍو الَّذِينَ افْتَتَحُوا مِصْرَ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مِقْلاصٍ كَانَ الَّذِينَ جَرَتْ سِهَامُهُمْ فِي الْحِصْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا وَثَلاثَ مِائَةٍ بَعْدَ مَنْ أُصِيبَ مِنْهُمْ فِي الْحِصَارِ بِالْقَتْلِ وَالْمَوْتِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، عَنْ أَشْيَاخِهِ لَمَّا حَازَ الْمُسْلِمُونَ الْحِصْنَ بِمَا فِيهِ: أَجْمَعَ عَمْرٌو عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى الإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَسَارَ إِلَيْهَا فِي رَبِيعٍ الأَوَّلِ سَنَةَ عِشْرِينَ، وأمر بِفُسْطَاطِهِ أن يُقَوَّضَ، فَإِذَا بِيَمَامَةٍ قَدْ بَاضَتْ فِي أَعْلاهُ، فَقَالَ: لَقَدْ تَحَرَّمَتْ بِجِوَارِنَا أَقِرُّوا الْفُسْطَاطَ حَتَّى تَنْقُفَ وَتَطِيرَ فِرَاخُهَا، فَأَقَرُّوا الْفُسْطَاطَ، وَوَكَّلَ بِهِ أن لا يُهَاجَ حَتَّى تَسْتَقِلَّ فِرَاخُهَا، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ الْفُسْطَاطُ فُسْطَاطًا.
وَحَاصَرَ عَمْرٌو الإِسْكَنْدَرِيَّةَ ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ فَتَحَهَا عَنْوَةً وَهُوَ الْفَتْحُ الأَوَّلُ، وَيُقَالُ: بَلْ
(1/10)

فَتَحَهَا مُسْتَهَلَّ سَنَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، ثُمَّ سَارَ عَمْرٌو إِلَى أَنْطَابُلُسَ وَهِيَ بَرْقَةُ، فَافْتَتَحَهَا فِي آخِرَ سَنَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، ثُمَّ مَضَى مِنْهَا إِلَى أَطْرَابُلُسَ، فَافْتَتَحَهَا عَنْوَةً سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ.
وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ فِي تَارِيخِهِ: فَتَحَهَا سَنَةَ ثَلاثٍ وَعِشْرِينَ.
قَالَ: وَقَدِمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَدْمَتَيْنِ.
قَالَ ابْنُ عُفَيْرٍ: اسْتَخْلَفَ فِي إِحْدَاهُمَا زَكَرِيَّاءَ بْنَ جَهْمٍ الْعَبْدَرِيَّ، وَفِي الْقَدْمَةِ الثَّانِيَةِ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، وَتُوُفِّيَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلاثٍ وَعِشْرِينَ، وَبَايَعَ الْمُسْلِمُونَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَوَفَدَ عَلَيْهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، فَسَأَلَهُ عَزْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ الْعَامِرِيِّ عَنْ صَعِيدِ مِصْرَ، وَكَانَ عُمَرُ وَلَّاهُ الصَّعِيدَ قَبْلَ مَوْتِهِ، فَامْتَنَعَ عُثْمَانُ مِنْ ذَلِكَ وَعَقَدَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ عَلَى مِصْرَ كُلِّهَا، فَكَانَتْ وِلايَةُ عَمْرٍو عَلَى مِصْرَ صَلاتُهَا وَخَرَاجُهَا مُنْذُ افْتَتَحَهَا إِلَى أن صُرِفَ عَنْهَا أَرْبَعَ سِنِينَ وَأَشْهُرٍ، فَكَانَ عَلَى شُرَطَهِ فِي وِلايَتِهِ هَذِهِ كُلِّهَا خَارِجَةُ بْنُ حُذَافَةَ بْنِ غَانِمِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُوَيْجِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي قَوْلِ الأَشْيَاخِ، إِلَّا أن سَعِيدَ بْنَ عُفَيْرٍ، قَالَ: دَخَلَ عَمْرٌو مِصْرَ وَعَلَى شُرْطَتِهِ زَكَرِيَّاءُ بْنُ جَهْمِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَبْدِ بْنِ شُرَحْبِيلَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ.
قَالَ: ثُمَّ عَزَلَهُ وَجَعَلَ مَكَانَهُ خَارِجَةَ بْنَ حُذَافَةَ.
(1/11)

ولاية عبد الله بْن سعد بْن أَبي سَرْح الحُسام بْن الحارث بْن حُبيب بْن جَذِيمة بْن نصر بْن مالك بْن حِسْل بْن عامر بْن لُؤَيّ بْن غالب، وأمّه مهانة بِنْت جَابِر من الأشعريّين
ثمّ وليَها عبد الله بْن سعد من قِبَل أَمير المؤمنين عُثمان.
حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن محمد المدينيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بْن عبد الله بْن بُكير، عَن الليث بْن سعد: " أَنَّ عُثمان لما وليَ أمر هذه الأمة وعمرو بْن العاصِ عَلَى مِصر كلَّها إِلَّا الصعيد، فإن عُمَر بْن الْخَطَّاب ولّى الصعيد عبد الله بْن سعد فطمِع. . . . . . . عمرو. . . . لِمَا رأَى من لِين عثمان أن يرُدّ عمرو بْن العاص لُمحارَبة منويل، ومعرفته بحربهم، وطول ممارسته لهُ، فردّهُ واليًا عَلَى الإسكندريَّة، فحارب الرُّوم حتى افتتحها، وعبد اللَّه بْن سعد مُقيم بالفُسطاط عَلَى ولايته حتى فُتحت الإسكندريَّة الفتح الثاني عَنوةً سنة خمس وعشرين، ثمّ جُمع لعبد اللَّه بن سعد أمر مِصر كله صلاتها وخراجها، فجعل عَلَى شُرْطته هِشام بن كِنانة بْن عُمَر بْن الحُصين بْن ربيعة بْن الحارث بْن حُبَيب بْن جَذيمة بن نصر بْن مالك بْن حِسل بْن عامر بْن لُؤَيّ، ومكث عبد الله بْن سعد عليها أميرًا وِلاية عثمان كلها، محمودًا فِي وِلايته، وغزا ثلاث غزوات كلها لها شأن وذِكر، فغزا إِفريقيَّة سنة سبع وعشرين وقتل ملكهم جُرجير، فيقال: أنَّ الَّذِي قتله مُعاوية بْن حُدَيج، وصار سلَبه إِلَيْهِ "
(1/12)

وحَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عبد الله بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن لَهِيعة، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الأَسود، عَنْ أَبِي أُوَيس مولاهم، قَالَ: " غزونا مَعَ عبد الله بن سعد إِفريقيَّة فِي خلافة عثمان سنة سبع وعشرين، فبلغ سهم الفارس ثلاثة آلاف دينار، والراجل ألف دينار.
وغزا عبد الله بْن سعد غزوة الأساود حتى بلغ دُمقُلة وذلك فِي سنة إحدى وثلاثين، فقاتلهم قتالًا شديدًا وأُصيب يومئذٍ عين مُعاوية بْن حُدَيج، وعين أَبِي سهم بْن أَبْرَهَة بْن الصبَّاح، وعين حُيويل بْن ناشرة، فهادنهم عبد الله بن سعد، فقال شاعرهم:
لَمْ تَرَ عَيْنِي مِثْلَ يَوْمِ دُمْقُلَهْ ... وَالْخَيْلُ تَعْدُو بِالدُّرُوعِ مُثْقَلَهْ
"
فحَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عبيد الله بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، عَن ابن لَهِيعة، عَنْ يزيد بْن أَبِي حَبيب، أنَّهُ قَالَ: لَيْسَ بين أهل مِصر والأَساود عهد، إِنَّما كانت هُدنة أَمان بعضنا من بعض، نُعطيهم شيئًا من قمح وعدَس ويعطونا رقيقًا
قَالَ ابن لَهِيعة: لا بأْس بما يُشترى من رقيقهم منهم ومن غيرهم.
قَالَ ابن لَهِيعة: وسمعتُ يزيد بْن أَبِي حَبيب، يَقُولُ: كَانَ أَبِي من سَيْ دُمْقُلة، وغزا عبد الله بْن سعد أيضًا ذا الصواري فِي سنة أربع وثلاثين، فلقِيَهم قُسْطَنْطين بْن هِرقُل فِي أَلف مركب، ويقال: فِي سبع مائة، والمُسلِمون فِي مائتي مركب أَو نحوها، فهزم اللَّه الرُّوم، وإنما سُمّيت غزوة ذي الصواري لكَثرة صواري المراكب واجتماعها.
وأمر عبد الله بْن سعد فِي إمرته بتحويل مُصلَّى عمرو بْن العاصِ، كَانَ يقابل اليحموم، فحوَّله إلى موضِعه اليوم المعروف بالمصلَّى القديم.
حَدَّثَنَا ابْنُ قُدَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَانِئُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، وَرَاشِدُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ سَقِيٍّ،
(1/13)

عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ مِصْرَ، وَأَهْلُ مِصْرَ قَدِ اتَّخَذُوا مُصَلًّى بِحِذَاءِ سَاقِيَةِ أَبِي عَوْنٍ الَّتِي عِنْدَ الْمُعَسْكَرِ، فَقَالَ: مَا لَهُمْ وَضَعُوا مُصَلَّاهُمْ فِي الْجَبَلِ الْمَقْرُوفِ الْمَلْعُونِ وَتَرَكُوا الْجَبَلَ الْمُقَدَّسِ.
قَالَ الْحَسَنُ بْنُ ثَوْبَانَ: فَقَدَّمُوا مُصَلَّاهُمْ إِلَى مَوْضِعِهِ الَّذِي هُوَ بِهِ الْيَوْمَ
ووفد عبد الله بْن سعد إلى أمير المؤمنين عثمان حِين تكلم الناس بالطعن عَلَى عثمان، واستخلف عَلَى مِصر عُقبة بْن عامر الجُهَنيّ في قول الليث، وغيره، وقال يزيد بْن أَبِي حبيب: استخلف عليها السائب بْن هِشام بْن كِنانة العامريّ، وجعل عَلَى خراجها سُلَيْمَان بْن عُمَر التُّجيبيّ، وكانت وفادته فِي وجوه الجُند فِي رجب سنة خمس وثلاثين.

انتزاء محمد بْن أَبِي حُذيفة بْن عُتْبة بْن ربيعة بْن عَبْد شمس بْن عَبْد منَاف
ثمَّ انتزى محمد بْن أَبِي حُذيفة فِي شوَّال سنة خمس وثلاثين عَلَى عُقبة بْن عامر خليفة عبد الله بْن سعد، فأَخرجه من الفُسطاط، ودعا إلى خلع عثمان، وحرّض عَلَيْهِ بكلّ شيء يقدِر عَلَيْهِ، وأَسعر البلاد.
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدِينِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ الْحَارِثِ الْحَضْرَمِيِّ، أَنَّ ابْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ كَانَ يَكْتُبُ الْكُتُبَ عَلَى أَلْسِنَةِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ يَأْخُذُ الرَّوَاحِلَ فَيُضَمِّرُهَا، ثُمَّ يَأْخُذُ الرِّجَالَ الَّذِينَ يُرِيدُ أَنْ يَبْعَثَ لِذَلِكَ مَعَهُمْ فَيَجْعَلُهُمْ عَلَى ظُهُورِ الْبُيُوتِ، فَيَسْتَقْبِلُونَ بِوُجُوهِهِمُ الشَّمْسَ لِتُلَوِّحَهُمْ تَلْوِيحَ الْمُسَافِرِ، ثُمَّ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا إِلَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ بِمِصْرَ، ثُمَّ يُرْسِلُونَ رُسُلًا يُخْبِرُونَ بِهِمُ
(1/14)

النَّاسَ لِيَلْقَوْهُمْ، وَقَدْ أَمَرَهُمْ إِذَا لَقِيَهُمُ النَّاسُ، أَنْ يَقُولُوا: لَيْسَ عِنْدَنَا خَبَرٌ، الْخَبَرُ فِي الْكُتُبِ.
ثُمَّ يَخْرُجُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ وَالنَّاسُ كَأَنَّهُ يَتَلَقَّى رُسُلَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإِذَا لَقُوهُمْ، قَالُوا: لا خَبَرَ عِنْدَنَا عَلَيْكُمْ بِالْمَسْجِدِ.
فَيَقْرَأُ عَلَيْهِمْ كُتُبَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ، فَيَجْتَمِعُ النَّاسُ فِي الْمَسْجِدِ اجْتِمَاعًا لَيْسَ فِيهِ تَقْصِيرٌ، ثُمَّ يَقُومُ الْقَارِئُ بِالْكِتَابِ، فَيَقُولُ: إِنَّا لَنَشْكُو إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكُمْ مَا عُمِلَ فِي الْإِسْلَامِ وَمَا صُنِعَ فِي الْإِسْلَامِ، فَيَقُومُ أُولَئِكَ الشُّيُوخُ مِنْ نَوَاحِي الْمَسْجِدِ بِالْبُكَاءِ، ثُمَّ يَقُولُ، ثُمَّ يَنْزِلُ عَنِ الْمِنْبَرِ وَيَنْفُرُ النَّاسُ بِمَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ.
فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ شِيعَةُ عُثْمَانَ اعْتَزَلُوا مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ وَبَارَزُوهُ، وَهُمْ مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ، وَخَارِجَةُ بْنُ حُذَافَةَ، وَبُسْرُ بْنُ أَبِي أَرْطَاةَ، وَمَسْلَمَةُ بْنُ مُخَلَّدٍ الأَنْصَارِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ قَحْزَمٍ الْخَوْلانِيُّ، وَمُقَسِّمُ بْنُ بُجْرَةَ، وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ الأَزْدِيُّ، وَخَالِدُ بْنُ ثَابِتٍ الْفَهْمِيُّ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ لَيْسَ لَهْمُ مِنَ الذِّكْرِ مَا لِهَؤُلاءِ، وَبَعَثُوا سَلَمَةَ بْنَ مَخْزَمَةَ التُّجِيبِيَّ، ثُمَّ أَحَدَ بَنِي زُمَيْلَةَ إِلَى عُثْمَانَ لِيُخْبِرَهُ بِأَمْرِهِمْ وَبِصَنِيعِ ابْنِ أَبِي حُذَيْفَةَ "
حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَادٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ لَقِيطٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَلَمَةَ بْنَ مَخْزَمَةَ، قَالَ: " لَمَّا انْتَزَى ابْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ بِمِصْرَ بِخَلْعِ عُثْمَانَ دَعَا النَّاسَ إِلَى أُعْطِيَاتِهِمْ، قَالَ: فَأَبَيْتُ أَنْ آخُذَ مِنْهُ.
فَقُدِّرَ لِي أَنِّي رَكِبْتُ إِلَى عُثْمَانَ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ ابْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ إِمَامُ ضَلالَةٍ كَمَا قَدْ عَلِمْتَ، وَأَنَّهُ انْتَزَى عَلَيْهِ بِمِصْرَ فَدَعَانَا إِلَى أُعْطِيَاتِنَا، فَأَبَيْتُ
(1/15)

أَنْ آخُذَ مِنْهُ.
قَالَ: قَدْ عَجَزْتَ إِنَّمَا هُوَ حَقُّكَ.
وَبَعَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ إِلَيْهِمْ لِيُصْلِحَ أَمْرَهُمْ "
فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ جَرِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَاسِينُ بْنُ عَبْدِ الأَحَدِ بْنِ اللَّيْثِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، " أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ لَمَّا انْتَزَى عَلَى عُثْمَانَ، بَعَثَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ إِلَى أَهْلِ مِصْرَ يُعْطِيهِمْ مَا سَأَلُوا، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ فَخَطَبَهُمْ، ثُمّ قَالَ: أَلا إِنَّ الْكَذَّابِ كَذَا وَكَذَا قَدْ بَعَثَ إِلَيْكُمْ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ لِيُقِلَّ جَمَاعَتَكُمْ، وَيُشَتِّتَ كَلِمَتَكُمْ، وَيُوقِعَ التَّخَاذُلَ فِيكُمْ، فَانْفِرُوا إِلَيْهِ.
فَخَرَجَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ بِمِائَةٍ أَوْ نَحْوِهَا، فَلَقُوهُ بِمَرْحَلَةِ بَنِي سَعْدٍ وَقَدْ ضَرَبَ فُسْطَاطَهُ وَهُوَ قَائِلٌ، فَقَلَبُوا عَلَيْهِ فُسْطَاطَهُ وَشَجُّوْهُ وَسَبُّوهُ، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ وَعَادَ رَاحِلًا مِنْ حَيْثُ جَاءَ، وَقَالَ لَهُمْ: ضَرَبَكُمُ اللَّهُ بِالذُّلِّ وَالْفُرْقَةِ وَشَتَّتَ أَمْرَكُمْ بَأْسَكُمْ بَيْنَكُمْ وَلا أَرْضَاكُمْ بِأَمِيرٍ أَرْضَاهُ عَنْكُمْ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْحَضْرَمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَيْرَةَ الْجُذَامِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، قَالَ: " انْتَزَى مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ عَلَى الإِمَارَةَ، فَأَمَّرَ عَلَى مِصْرَ وَتَابَعَهُ أَهْلُ مِصْرَ طُرًّا إِلَّا أَنْ يَكُونَ عِصَابَةً، مِنْهُمْ: مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ، وَبُسْرُ بْنُ أَبِي أَرْطَاةَ "
وحَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، عَن ابن لَهِيعة، عَنْ يزيد بْن حَبيب، قَالَ: " وأَقبل عبد الله بْن سعد، حتى إذا بلغ جِسر القُلْزُم وجد بِهِ خيلًا لابن أَبِي حُذَيفة، فمنعوه أن يدخل، فقال: ويلكم، دَعُوني أدخل عَلَى جُندي فأُعلمهم بما جئت بِهِ، فإنّي قد جئتهم بخير.
فأَبَوا أن يدعوه، فقال: والله لَوددتُ أَنّي دخلت عليهم فأَعلمتهم بما جئتُ بِهِ ثمَّ مِتُّ.
فانصرف إلى عَسقَلان وكرِه أن يرجع إلى عثمان، فقُتل عثمان وهو بعسقلان ثمَّ مات بها، وأجمع محمد بْن أَبِي حُذيفة عَلَى بعث جيش إلى عثمان "
فحَدَّثَنِي محمد بْن مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن يحيى بْن عُميرة، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الله بْن يوسف، عَن ابن لَهِيعة، عَنْ يزيد بْن أَبِي حَبيب، " أنَّ محمد بْن أَبِي حُذَيفة، قَالَ: من يشترط فِي هذا
(1/16)

البعث؟ فكثُر عَلَيْهِ من يشترط، فقال: إِنَّما يكفينا منكم ستمائة رجُل.
فاشترط من أهل مِصر ستمائة رجُل عَلَى كل مائة منهم رئيس، وعلى جماعتهم عبد الرحمن بْن عُدَيس البَلَويّ، وهم: كِنانة بْن بِشر بْن سَلَمان التُّجِيبيّ، وعُروة بْن شُتيم الليثي، وأبو عمرو بْن بُذيل بْن ورقاء الخُزاعي، وسودان بْن أَبِي رُومان الأَصبحيّ، ودِرع بْن يشكُر اليافعيّ، قَالَ يزيد بْن أَبِي حَبيب: وسُجن رجال من أهل مِصر فِي دورهم، منهم: بُسر بْن أَبِي أَرطاة، ومُعاوية بْن حُديج، فبعث ابن أَبِي حُذيفة إلى مُعاوية بْن حُدَيج وهو أَرمل ليكُرهه عَلَى البيعة، فلمَّا رأَى ذَلكَ كِنانة بْن بِشر وكان رأس الشيعة الأُولى، دفع عَنْ مُعاوية بْن حُديج ما كِره، ثمَّ قُتل عثمان رحِمه اللَّه، وكان قتله فِي ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، ثمَّ أنّ الركب انصرفوا إلى مِصر، فلمَّا دخلوا الفُسطاط ارتجز مرتجزهم:
حُذْهَا إِلَيْكَ وَاحْذَرَن أَبَا حَسَنْ
إنَّا نُمِر الحَرْبَ إِمْرَارَ الرَّسَنْ
بِالسَّيْفِ كَيْ نُخْمِدَ نِيرَانَ الفِتَنْ
قَالَ يزيد بْن أَبِي حَبيب: فلمَّا دخلوا المسجد صاحوا: إِنَّا لسنا قتَلة عثمان ولكن اللَّه قتله.
فلمَّا رأَى ذَلكَ شيعة عثمان، قاموا وعقدوا لُمعاوية بْن حُديج عليهم وبايعوه، فكان أوَّل من بايع عَلَى الطلب بدم عثمان وفيهم يحيى بْن يَعمَر الرُّعينيّ، ثمَّ العبليّ، فسار بهم مُعاوية بْن حُديج إلى الصعيد، فبعث إليهم بْن أَبِي حُذيفة خيلًا، فالتقوا بدِقناش من كُورة البَهْنَسي، فهزم أصحاب ابن أَبِي حُذيفة، ومضى مُعاوية بْن حُديج حتى بلغ
(1/17)

بَرقة، ثمّ رجع إلى الإسكندريَّة، ثمّ إن ابن أَبِي حُذيفة أمر بجيش آخر عليهم قيس بْن حَرْمَل اللَخْميّ وفيهم ابن الجُثما البَلَويّ، فاقتتلوا بخَرِبتا أوَّل يوم من شهر رمضان سنة ستّ وثلاثين، فقُتل قيس بْن حَرمَل، وابن جُثما وأصحابهما، وسار مُعاوية بن أَبِي سُفيان إلى مصر، فنزل سَلْمَنت من كُورة عين شمس فِي شوَّال سنة ست وثلاثين، فخرج إِلَيْهِ ابن أَبِي حُذيفة، وأهل مِصر ليمنعوا مُعاوية وأصحابه أن يدخلوها، فبعث إِلَيْهِ مُعاوية: إِنَّا لا نُريد قتال أحد إنَّما جئنا نسأَل القوَد بدم عثمان، ادفعوا إلينا قاتليه عبد الرحمن بن عُدَيس، وكِنانة بْن بِشر، وهما رأسا القوم.
فامتنع ابن أَبِي حُذيفة، وقال: لو طلبت منَّا جديًا رطب السُّرّة بعثمان ما دفعناه إليك.
فقال مُعاوية بْن أَبِي سُفيان لابن أَبِي حُذيفة: اجعل بيننا وبينكم رَهنًا فلا يكون بيننا وبينكم حرب.
فقال ابن أَبِي حُذيفة: فإني أرضى بذلك.
فاستخلف ابن أَبِي حُذيفة عَلَى مِصر الحكم بْن الصَّلت بْن مَخزَمة بْن المطّلب بْن عَبْد مَناف، وخرج فِي الرهن هُوَ، وابن عُدَيس، وكِنانة بْن بِشر، وأبو شمس بْن أَبَرهة الصبَّاح، وغيرهم من قتَلة عثمان، فلمَّا بلغوا لُدّ سجنهم مُعاوية بها وسار إلى دِمَشق فهربوا من السِّجن، إلَّا أَبُو شمس بْن أَبَرهة، فقال: لا أدخله أسيرًا وأخرج منهُ آبقًا.
وتبِعهم صاحب فِلَسطين فقتلهم، فأَتبع عبد الرحمن بْن عُديس رجُل من الفُرس، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: اتَّقِ اللَّهَ فِي دَمِي فَإِنِّي بَايَعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ.
فَقَالَ لَهُ: الشَّجَرُ فِي الصَّحَرَاءِ كَثِيرٌ.
وَقَتَلَهُ "
وأخبرني ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان بْن صالح، عَن ابن عُفير، عَن الليث، قَالَ: قَالَ محمد بْن أَبِي حُذيفة فِي الليلة التي قُتل فِي صباحها: هذه الليلة التي قُتل فِي صباحها عثمان، فإن يكن القِصاص لعثمان، فسنُقتَل فِي غد ".
فقُتل فِي الغد، وكان قتل: ابن أَبِي حُذيفة، وابن عُديس، وكِنانة بْن بِشر، ومن كَانَ معهم فِي الرهن فِي ذي الحجة سنة ستّ وثلاثين
(1/18)

ولاية قيس بْن سعد بْن عُبادة بْن دُليم بْن حارثة بْن أَبِي حَزِيمة بن ثَعلبة بْن طرَيف بْن الخَزْرَج بْن ساعده بْن كَعب بْن الخَزْرَج
ثمَّ ولِيَها قيس بْن سعد بْن عُبادة الأنصاريُّ من قِبَل أمير المؤمنين عليّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لمَّا بلغه مُصاب ابن أَبِي حُذيفة بعثه عليها وجمع لَهُ الصلوة والخراج، فدخلها مستهلّ شهر ربيع الأوَّل سنة سبع وثلاثين، فجعل عَلَى شُرطته السائب بْن هِشام بْن كِنانة، فاستمال قيس بْن سعد الخارجية بخَرِبْتا، وبعث إليهم أعطياتهم، ووفد عَلَيْهِ وفدهم، فأكرمهم وأَحسن إليهم.
فحَدَّثَنِي محمد مُوسَى الحَضْرَميّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن يحيى بْن عُميرة، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الله بْن يوسف، عَن ابن لَهِيعة، عَنْ يونُس بْن يزيد، عَن ابن شِهاب، قَالَ: " كانت مِصر من جيش عليّ فأمَّر عليها قيس بْن سعد، وكان من ذوي الرأي والبأس إلَّا ما غلب عَلَيْهِ من أمر الفِتنة، فكان مُعاوية، وعمرو جاهدين أن يُخرجاه من مِصر، فتغلَّب عَلَى أمرها وكان قد امتنع منهما بالدَّهاء والمكايدة، فلم يقدِرا عَلَى أن يلِجا مِصر حتَّى كاد مُعاوية قيسًا من قِبَل عليّ، فكان مُعاوية يحدّث رِجالًا من ذوي الرأي من قُريش، فيقول: ما ابتدعتُ من مكايدة قطّ أعجب إليَّ من مكايدةٍ كدت بها قيس بْن سعد حِين امتنع مني قيس، قلتُ لأهل الشام لا تسبُّوا قيسًا ولا تدعوا إلى غزوه، فإنَّ قيسًا لنا شيعة تأْتينا كُتُبه ونصيحته، أَلا ترون ماذا يفعل بإخوانكم النازلين عنده بخَرِبْتا، يُجري
(1/19)

عليهم أعطياتهم وأرزاقهم، ويؤمّن سربهم، ويُحسن إلى كل راكبٍ يأْتيه منهم.
قَالَ مُعاوية: وطفِقت اكتب بذلك إلى شيعتي من أهل العراق.
فسمع بذلك جواسيس علي بالعراق، فانهاه إِلَيْهِ محمد بْن أَبِي بَكْر الصدّيق، وعبد اللَّه بْن جَعْفَر، فأَتهم قيسًا، فبعث إِلَيْهِ يأمره بقتال أهل خَرِبتا وبخَرِبْتا يومئذٍ عشرة آلاف، فأَبى قيس أن يقاتلهم، وكتب إلى عليّ: أنَّهم وجوه أهل مِصر وأشرافهم وأهل الحِفاظ، وقد رضوا بأن أُوّمن سَربهم وأُجري عليهم أعطياتهم وأرزاقهم، وقد علِمتُ أن هواهم مَعَ مُعاوية، فلستُ مكايدهم بأمر أهون من الَّذِي أفعل بهم وهم أُسود العرَب، منهم: بُسر بْن أَبِي أَرطاة، ومَسلَمة بْن مُخلّد، ومُعاوية بْن حُديج، فأَبى عَلَيْهِ إِلّا قتالهم، فأَبى قيس أن يقاتلهم وكتب إلى عليّ: إن كنت تُتهمني، فاعزِلني وابعث غيري.
فبعث الأشتر "
حَدَّثَنَا حَسَنٌ الْمَدِينِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ مَكَانُ قَيْسٍ عَلَى مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَى بَعْضِ بَنِي أُمَيَّةَ بِالْمَدِينَةِ: " أَنْ جَزَى اللَّهُ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ خَيْرًا، فَإِنَّهُ قَدْ كَفّ عَنْ إِخْوَانِنَا مِنْ أَهْلِ مِصْرَ الَّذِينَ قَاتَلُوا فِي دَمِ عُثْمَانَ وَاكْتُمُوا ذَلِكَ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَعْزِلَهُ عَلِيٌّ إِنْ بَلَغَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ شِيعَتِنَا.
حتَّى بَلَغَ عَلَيًّا، فَقَالَ مَنْ مَعَهُ مِنْ رُؤَسَاءِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ: بَدَّلَ قَيْسٌ وَتَحَوَّلَ.
فَقَالَ عَلِيٌّ: وَيْحَكُمْ إِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ فَدَعُونِي.
قَالُوا: لَتَعْزِلَنَّهُ فَإِنَّهُ قَدْ بَدَّلَ.
فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ، حَتَّى كَتَبَ إِلَيْهِ: إِنِّي قَدِ احْتَجْتُ إِلَى قُرْبِكَ، فَاسْتَخْلِفْ عَلَى عَمَلِكَ وَاقْدم.
فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ، قَالَ: هَذَا مِنْ مَكْرِ مُعَاوِيَةَ، وَلَوْلا الْكَذِبُ لَكدتُّ بمُعَاوِيَةَ مَكْرًا يَدْخُلُ عَلَيْهِ بَيْتَهُ "
حَدَّثَنَا أَبُو الْعُلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْجَرَّاحُ بْنُ مُلَيْحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَافِعٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: لَوْلا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «الْمَكْرُ وَالْخَدِيعَةُ فِي النَّارِ» .
لَكُنْتُ مِنْ أَمْكَرِ النَّاسِ.
فَوَلِيَهَا قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ إِلَى أَنْ عُزِلَ عَنْهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَخَمْسَةَ أَيَّامٍ صُرِفَ لِخَمْسٍ خَلَوْنَ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلاثِينَ
(1/20)

الأشتَر مالك بْن الحارث بْن عَبْد يغُوث بْن مَسلَمة بْن ربيعة بْن الحارث بْن جَذيِمة بْن سعيد بْن مالك بْن النَّخَع بْن عمرو بْن عُلَة بْن جَلد بْن مَذْحِج
ثمَّ ولِيَها الأشتر مالك بْن الحارث النَّخَعيّ من قِبَل أمير المؤمنين عليّ، فسار إليها حتى نزل القُلزُم مستهلّ رجب سنة سبع وثلاثين
فحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحَسَن بْن قُديد، قَالَ: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْهَيْثَمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي خَالِد بْنُ نِزَارٍ، عَنْ سُفيان بْن عُيينة، عَنْ مُجالِد، عَن الشَّعبيّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: كُنْتُ إِذَا أَرَدْتُ أَنْ لا يَمْنَعَنِي عَلِيٌّ شَيْئًا، قُلْتُ: بِحَقِّ جَعْفَرٍ.
فَقُلْتُ لَهُ: أَسْأَلُكَ بِحَقِّ جَعْفَرٍ أَلَّا بَعَثْتَ الأَشْتَرَ إِلَى مِصْرَ، فَإِنْ ظَفَرْتَ فَهُوَ الَّذِي تُحِبُّ وَإِلَّا اسْتَرَحْتَ مِنْهُ.
قَالَ سُفيانُ: وَكَانَ قَدْ ثَقُلَ عَلَيْهِ وَأَبْغَضَهُ وَقَلاهُ.
قَالَ: فَوَلَّاهُ وَبَعَثَهُ وَبَعَثَ مَعَهُ طَيْرَيْنِ لِي مِنَ الْعَرَبِ، فَلَمَّا قَدِمَ قُلْزُمَ مِصْرَ لُقِيَ بِهَا بِمَا يُلْقَى بِهِ الْعُمَّالُ هُنَالِكَ، فَشَرِبَ شَرْبَةَ عَسَلٍ، فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمَ طَيْرَايَ أَخْبَرَنِي.
فَدَخَلْتُ عَلَى عَلِيٍّ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: لِلْيَدَيْنِ وَلِلْفَمِ.
قَالَ سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ قَالَ لَمَّا بَلَغَهُ مَوْتُهُ: «إِنَّ لِلَّهِ جُنُودًا مِنَ الْعَسَلِ»
حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدِينِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: وَبَعَثَ عَلِيٌّ مَالِكًا الأَشْتَرَ عَلَى مِصْرَ، فَلَمَّا قَدِمَ الْقَلْزُمَ، شَرِبَ شَرْبَةً مِنْ عَسَلٍ، فَمَاتَ.
فَبَلَغَ ذَلكَ مُعَاوِيَةَ، وَعَمْرًا، فَقَالَ عَمْرٌو «إِنَّ لِلَّهِ جُنُودًا مِنْ عَسَلٍ»
(1/21)

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الحَضْرَميّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْن عُميرة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، عَن ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، قَالَ: بَعَثَ عَلِيٌّ مَالِكَ الأَشْتَرِ أَمِيرًا عَلَى مِصْرَ، فَسَارَ يُرِيدُ مِصْرَ حَتَّى نَزَلَ جِسْرَ القَلْزُمِ، فَصَلَّى حِينَ نَزَلَ مِنْ رَاحِلَتِهِ وَدَعَا اللَّهَ إِنْ كَانَ فِِي دُخُولِهِ مِِْصَر خَيْرًا أَنْ يُدْخِلَهُ إيَّاهَا وَإلَّا لَمْ يَقْضِ لَهُ بِدُخُولِهَا.
فَشَرِبَ شَرْبَةً مِنْ عَسَلٍ، فَمَاتَ، فَبَلَغَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ مَوْتُهُ، فَقَالَ: «إِنَّ لِلَّهِ جُنُودًا مِنَ الْعَسَلِ»
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَاِلمُ بْنُ جُنَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مُجَالِدٍ، عَن الشَّعبيّ، قَالَ: لمَّا بَلَغَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَوْتُ الأَشْتَرِ، قَالَ: «لِلْيَدَيْنِ وَلِلْفَمِ»
حَدَّثَنَا مُوسَى بْن حَسَنِ بْنِ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي بُرْدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ مُزَاحِمٍ، قَالَ: وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ حُديجٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَلَقَمة بْن قَيْسٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَلِيٍّ فِي نَفَرٍ مِنَ النَّخَعِ حِينَ هَلَكَ الأَشْتَرُ، فَلَمَّا رَآنِي، قَالَ: «لِلَّهِ مَالِكٌ، لَوْ كَانَ جَبَلًا لَكَانَ مِنْ جَبَلِ فِندًا، وَلَوْ كَانَ مِنْ حَجَرٍ لَكَانَ صَلْدًا مِثْلَ مَالِكٍ، فَلْتَبْكِ الْبَوَاكِي، فَهَلْ مَوْجُودٌ كَمَالِكٍ.
فَوَاللَّهِ مَا زَالَ مُتَلَهِّفًا عَلَيْهِ وَمُتَأَسِّفًا حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ الْمُصب دُونَنَا» .
وَقَالَتْ سَلْمَى أُمُّ الأَسوَدِ بْنِ الأَسْوَدِ النَّخَعِيِّ تُرْثِي مَالِكًا:
نَبَا بِي مَضْجَعي وَنَبَا وِسَادِي ... وَعَيْني مَا تَهُمُّ إِلّي رُقَادِي
كَأَنَّ اللَّيْلَ أَوثِقَ جَانِبَاهُ ... وَأَوْسَطُهُ بِأَمْرَاسٍ شدَادِ
أَبَعْدَ الأَشتَرِ النَّخَعيِّ تَرْجُو ... مُكَاثَرَةً وَيَقْطَعُ بَطْنَ وَادِ
أكَرُّ إِذَا الْفَوَرِسُ مُحْجِمَاتٍ ... وَأَضَربُ حِينَ تَخْتَلِفُ الْهَوادِي
فَقَالَ الْمُثَنَّى يُرْثِيهِ:
أَلَا مَا لِضَوْءِ الصُّبْحِ أَسْوَدُ حَالِكُ ... وَمَا لِلرَّوَاسِي زَعْزَعَتْهَا الدكَّادِكُ
وَمَا لِهمُومِ النَّفْسِ شَتَّى شُئُونُهَا ... تَظَلُّ تُنَاجِيهَا النُّجُومُ الشَّوَابِكُ
عَلَى مَالِكٍ فَلْيَبْكِ ذُو اللَّيْثِ مُعْوِلًا ... إِذَا ذُكِرَتْ فِي الْفَيْلَقَيْنِ الْمعَارِكُ
إِذَا ابْتَدَرَ الْخُطَى وَانْتَدَبْ الْمَلا ... وَكَانَ غَيَّاثَ الْقَوْمِ نَصْرُ مواشِكُ
(1/22)

إِذَا ابتَدَرَتْ يَوْمًا قَبَائِلُ مَذْحِجٍ ... وَنُودِي بِهَا أَيْنَ الْمُظَفَّرُ مَالِكُ
فَلَهْفَي عَلَيْهِ حِينَ تَخْتَلِفُ الْقَنَا ... وَيَرْعَشُ لِلْمَوْتِ الرِّجَالُ الصَّعَالِكُ
وَلَهْفَي عَلَى يَوْمَ دَبَّ لَهُ الرَّدَى ... وَذِيفَ لَهُ سُمٌّ مِنَ المْوتِ حَانِكُ
فَلَوْ بَارَزُوهُ يَوْمَ يَبْغُونَ هُلْكَهُ ... لَكَانُوا بِإِذْنِ اللهِ مَيْتٌ وَهَالِكُ
وَلَو مَارَسُوهُ مَارَسُوا لَيْثَ غَابَةٍ ... لَهُ كَالَّتِي لا تَرْقُدُ اللَّيْلَ فَاتِكُ
فَقُلْ لابْنِ هِنْدٍ لَوْ مَنَيت بِمَالِكٍ ... وَفِي كَفِّهِ مَاضِي الضَّرِيبَةِ بَاتِكُ
لَأَلْفَيْتَ هِنْدًا تَشْتَكي عَلَنَ الرَّدَى ... تَنُوحُ وَتَحْبُوهَا النِّسَاءُ الْعَوَاتِكُ.
وَاسْتَخْلَفَ الأَشْتَرُ عَلَى مِصْرَ حَمامَ بْنَ عَامِرٍ اللَّخْمِيَّ أَبَا الأَكْدَرِ بْنَ حَمامٍ، وَكَانَ الأَكْدَرُ، وَأَبُوهُ مِن شِيعَةِ عَلِيٍّ، وَحَضر الدَّار جَمِيعًا

محمد بْن أَبِي بَكْر الصدّيق بنُ عبد الله بْن عثمان بْن عامر بْن عمرو بْن كَعْب بْن سعد بْن تَيْم بْن مُرَّة بْن كَعْب بْن لُؤَيّ بْن غالب
ثمَّ ولِيَها محمد بْن أَبِي بَكْر الصِّدّيق من قِبَل أمير المؤمنين عليّ، وجمع لَهُ صلاتها وخَراجها، فدخلها للنصف من شهر رمضان سنة سبع وثلاثين، فجعل عَلَى شُرطته عبد الله بْن أَبِي حَرْمَلة البَلَويّ، فذكر بعض أشياخ مصر: أن قيسًا لقِيَ محمد بْن أَبِي بَكْر، فقال لَهُ: إِنهُ لا يمنعني نُصحي لك، ولأَمير المؤمنين عزله إياي، ولقد عزلني من غير وهن
(1/23)

ولا عجز، فاحفَظ عني ما أوصيك بِهِ يدُمْ صَلاح حالك: دع مُعاوية بْن حُديج، ومَسْلَمة بْن مُخلَّد، وبُسر بْن أَبِي أرطاة، ومن ضوى إليهم عَلَى ما هُمْ عَلَيْهِ تكشِفهم عَنْ رأيهم، فإِن أتَوك ولم يفعلوا، فاقبَلهم، وإن تخلَّفوا عليك، فلا تطلبهم، وانظر هذا الحيّ من مَضَر، فأنت أولى بهم منّي، فأَلِنْ لهم جَناحك، وقرّب عليهم مكانك، وارفع عَنْهُمْ حِجابك، وانظر هذا الحيّ من مُدْلِج، فدَعهم وما غلبوا عَلَيْهِ يكْفوا عنك شأْنهم، وأَنزل الناس من بعد عَلَى قدر منازلهم، وإن استطعت أن تعود المرضَى وتشهَد الجنائز فافعل، فإِنَّ هذه لا ينقصك ولن تفعل إِنَّك والله ما علِمت لتظهِر الخُيَلاء، وتَحِبُّ الرّياسة، وتُسارع إلى ما هُوَ ساقطٌ عنك والله مُوّفقك.
فعمِل محمد بِخلاف ما أوصاه قيس، فكتب إلى ابن حُدَيج، والخارجة معه يدعوهم إلى بيعته، فلم يُحيوه، فبعث بأبي عمرو بْن بُذَيل بْن ورقاء الخُزَاعيّ إلى دور الخارجة، فهدمها، ونهب أموالهم، وسجن ذراريهم، فبلغهم ذَلكَ، فنصبوا لَهُ الحرب وهمّوا بالنهوض إِلَيْهِ، فلمَّا علِم أنّه لا قوّة لَهُ بهم أمسك عَنْهُمْ.
حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن محمد المَدِينيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بْن عبد الله بْن بُكير، عَن الليث، عَنْ عَبْد الكريم بْن الحارث، قَالَ: «فصالحهم محمد عَلَى أن يُسيّرهم إلى مُعاوية، وأن ينصب لهم جِسرًا بنَقْيُوس يجوزون عَلَيْهِ ولا يدخلوا الفُسطاط، ففعلوا ولِحقوا بِمُعاوية»
وحَدَّثَنِي محمد بْن مُوسَى الحضْرَميّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن يحيى بْن عُمَيرة، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الله بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الله بْن لَهِيعة، عَنْ يزيد بْن أَبِي حَبيب، قَالَ: «فبعث إلى ابن حُدَيج حُجْر بْن عَدي الكِنديّ بأَمانة، وبعث محمد بْن أَبِي بَكْر قيس بْن سَلامة التُّجيبيّ من بني فَهم بْن أداة، فصنع لهم جِسرًا بنَقْيُوس، فجاز منه ابن حَدَيج وأَصحابه، فلحِقوا بمُعاوية»
وحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْمَدِينيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عَبْد الْكَرِيمِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: " ولمَّا أَجْمَعَ عَلِيٌّ، وَمُعَاوِيَةُ عَلَى الْحكَمَيْنِ، أَغْفَلَ عَلِيٌّ أَنْ يَشْتَرِطَ
(1/24)

عَلَى مُعَاوِيَةَ أَنْ لا يُقَاتِلَ أَهْلَ مِصْرَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ عَلِيٌّ إِلَى الْعِرَاقِ بَعَثَ مُعَاوِيَةُ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فِي جُيُوشٍ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ وَإِلَى مِصْرَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَقَالَ عَمْرٌو: وَشَهِدْتُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ زَحْفًا بُرَاكَاءً فَلَمْ أَرَ يَوْمًا مِثْلَ الْمُسَنَّاةِ، ثُمَّ انْهَزَمَ أَهْلُ مِصْرَ، فَدَخَلَ عَمْرٌو بِأَهْلِ الشَّامِ الْفُسْطَاطَ وَتَغَيَّبَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فِي غَافِقٍ، فَأَوَاهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَأَقْبَلَ مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيجٍ فِي رَهْطٍ مِمَّن يُعِينُهُ عَلَى مَنْ كَانَ مَشَى فِي عُثْمَانَ، فَطَلَبَ ابْن أَبِي بَكْرٍ، فَوَجَدْتُ أُخْتَ الرَّجُلِ الْغَافِقِيِّ الَّذِي كَانَ أَوَاهُ كَانَتْ ضَعِيفَةَ الْعَقْلِ، فَقَالَتْ: أَيُّ شَيْءٍ تَلْتَمِسُونَ ابْنَ أَبِي بَكْرٍ أَدُلُّكُمْ عَلَيْهِ وَلا تَقْتُلُونَ أَخِي.
فَدَلَّتْهُمْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: احْفَظُونِي فِي أَبِي بَكْرٍ.
فَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ: قَتَلْتَ مِنْ قَوْمِي ثَمَانِينَ رَجُلًا فِي عُثْمَانَ وَأَتْرُكَكَ وَأَنْتَ صَاحِبُهُ.
فَقَتَلَهُ ثمَّ جَعَلَهُ فِي جِيْفَةِ حِمَارٍ مَيِّتٍ، فَأَحْرَقَهُ بِالنَّارِ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ مُوسَى الْحَضْرَميُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَيْرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، عَن ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، قَالَ: " بَعَثَ مُعَاوِيَةُ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَلاثِينَ إِلَى مِصْرَ وَمَعَهُ أَهلُ دِمَشْقَ، عَلَيْهِمْ يَزِيدُ بْنُ أَسَد البَجَليُّ، وَعَلَى أَهْلِ فِلَسْطِينَ رَجُلٌ مِنْ خَثْعَمٍ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ عَلَى الْخَارِجَةِ، وَأَبُو الأَعَورِ السُّلَميُّ عَلَى أَهْلِ الأُرْدُنِّ، فَسَارُوا حَتَّى قَدِمُوا مِصْرَ، فَاقْتَتَلُوا بِالْمُسنَّاةِ، وَعَلَى أَهْلِ مِصْرَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، فَهُزِمَ أَهْلُ مِصْرَ بَعْدَ قَتْلٍ شَدِيدٍ فِي الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا، قَالَ عَمْرٌو: وَشَهِدْتُ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ زَحْفًا فَلَمْ أَرَ يَوْمًا كَيَوْمِ المُسَنَّاةِ وَلَمْ أَرَ الأَبْطَالَ إلَّا يَوْمَئِذٍ، فَلَمَّا هُزِمَ أَهْلُ مِصْرَ تَغَيَّبَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، فَأُخبِرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيجٍ بِمَكَانِهِ، فَمَشَى إِلَيْهِ، فَقَتَلَهُ، وَقَالَ: يُقْتَلُ كِنَانَةُ بْنُ بِشْرٍ، وَيُتْرَكُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْر، وَإِنَّمَا أَمْرُهُمَا وَاحِدٌ.
ثُمَّ أَمَرَ بِهِ مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيجٍ فَجُرَّ، فَمُرَّ بِهِ عَلَى دَارِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ كَرَاهِيَتِهِ لِقَتْلِهِ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ بِجَادٌ التُّجِيبِيُّ، فَأَحْرَقَهُ فِي جَيْفَةِ حِمَارٍ "
وحَدَّثَنَا ابْنُ قُدَيْدٍ، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: " كَانَ صَاحِبَ أَمْرِ النَّاسِ يَوْمَ المُسنَّاة قَيْسُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ خَيْمَةَ اللَّخْميّ مِنْ رَاشِدَةَ، فَلَمَّا انْهَزَمَ أَهْلُ مِصْرَ عَادُوا بِالْحِصْنِ، فَدَخَلُوا فِيهِ وَجَعَلُوا أَمْرَهُمْ إِلَى قَيْسٍ وَأَغْلَقُوا الْحِصْنَ، فَقِيلَ لَهْمُ: إِنَّ هَؤُلاءِ قَدِ اسْتَقْتَلُوا وَلَنْ تَصِلَ إِلَيْهِمْ حَتَّى يَنْكُوا مَنْ مَعَكَ، فَأَعْطَاهُمْ عَمْرٌو مَا أَحَبُّوا، فَخَرَجُوا عَلَى صُلحٍ "
(1/25)

حَدَّثَنِي أَبُو سلَمة أُسامة التُّجِيبيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَبِي زَيْدٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى بْنِ وَزِيرٍ، عَنْ إِسْحَاق بْن الفُرات، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، قَالَ: " بَعَثَ مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ بِسُلَيْمٍ مَوْلاه إِلَى الْمَدِينَةِ بَشِيرًا بِقَتْلِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَمَعَهُ قَمِيصُ ابْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَدَخَلَ بِهِ دَارَ عُثْمَانَ، وَاجْتَمَعَ آلُ عُثْمَانَ مِنْ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ وَأَظْهَرُوا السُّرُورَ بِقَتْلِهِ وَأَمَرَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ ابْنَةُ أَبِي سُفْيَانَ بِكَبْشٍ، فَشُوِيَ وَبَعَثَتْ بِهِ إِلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: هَكَذَا شُوِيَ أَخُوكَ.
قَالَ «فَلَمْ تَأْكُلْ عَائِشَةُ شِوَاءً حَتَّى لَحِقَتْ بِاللَّهِ»
حَدَّثَنِي مُوسَى بْن حَسَنِ بْنِ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ مُزَاحِمٍ، عَنْ أَبِي مِخْنَف، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْد الْمَلِكِ بْنُ نَوْفَلٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «مَا أَكَلَتْ عَائِشَةُ شِوَاءً بَعْدَ مُحَمَّدٍ حَتَّى لَحِقَتْ بِاللَّهِ»
حَدَّثَنِي مُوسَى بْن حسن، قَالَ: حَدَّثَنَا حَرْمَلة بْن يحيى، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ رِشدين، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيد بْن يزيد القِتْبانيّ، عَن الحارث بْن يزيد الحضرَميّ، قَالَ: حدَّثتني أُمّي هِند بِنْت شمس الحضرميَّة: «أَنها رأَت نائلة امرأةَ عثمان تقبّل رِجل مُعاوية بْن حُدَيج، وتقول» بك أدركتُ ثأري من ابن الخثعَميَّة ".
تعني: محمد بْن أَبِي بَكْر
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَرَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشيم، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، «أَنَّ أَسْمَاءَ ابْنَةَ عُمَيْسٍ لمَّا جَاءَهَا خَبَرُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قُتِلَ وَأُحْرِقَ بِالنَّارِ فِي جَيْفَةِ حِمَارٍ، قَامَتْ إِلَى مَسْجِدِهَا فَجَلَسَتْ فِيهِ وَكَظَمَتِ الْغَيْظَ حَتَّى نَشَحَتْ ثَدْيَهَا دَمًا» .
وَكَانَتْ وَقْعَةُ الْمُسَنَّاةِ فِي صَفَرٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلاثِينَ، فَكَانَتْ وِلايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَلَيْهَا خَمْسَةَ أَشْهُرٍ، وَكَانَ مَقْتَلُهُ بِهَا لأَرْبَعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ صَفَرٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلاثِينَ
ولاية عمرو بْن العاصِ الثانية

ثمَّ ولِيَها عمرو بْن العاص ولايته الثانية
عليها من قِبَل مُعاوية استقبل بِولايته شهر ربيع الأوَّل سنة ثمان وثلاثين، وجعل إِلَيْهِ الصلاة والخراج جميعًا، وكانت مِصر جُعلَت لَهُ طُعمةً بعد عطاء جندها النَّفَقة عَلَى مصلحتها، فجعل عمرو عَلَى شُرطته خارجة بْن حُذافة بْن غانم العَدَويّ، ثمَّ خرج عمرو للحكومة واستخلف عَلَى مِصر ابنه عبد الله بْن
(1/26)

عمرو، ويقال: استخلف خارجة بن حُذَافة، ورجع عمرو إلى مِصر فأقام بها وتعاقد بنو مُلْجَم عبد الرحمن، وقيس ويزيد عَلَى قتل علي، ومُعاوية، وعمرو، وتواعدوا لليلة من شهر رمضان سنة أربعين، فمضى كلّ واحد منهم إلى صاحبه، وكان يزيد هُوَ صاحب عمرو وعرضت لعمرو تِلْكَ الليلة عِلَّة منعته من حضور المسجد فصلَّى خارجة بالناس، فشدّ عَلَيْهِ يزيد فضربه حتى قتله، فدُخِل بِهِ عَلَى عمرو، فقال لَهُ: أَنا والله ما أردتُّ غيرك يا عمرو.
قَالَ عمرو: ولكن اللَّه أراد خارجة.
فجعل عمرو عَلَى شُرطته بعد مقتل خارجة زكريَّا بْن جَهم بْن قيس العَبْدَريّ، وعقد عمرو بْن العاصِ لشَرِيك بْن سُمَيّ الغُطَيفيّ عَلَى غزو لَواتة من البَرْبَر، فغزاهم شَريك فِي سنة أربعين، فصالحهم ثمَّ انتقضوا بعد ذَلكَ عَلَى عمرو بْن العاصِ، فبعث إليهم عُقْبة بْن نافع بْن عَبْد القيس الفِهريّ فِي سنة إحدى وأربعين، فغزاهم.
فحَدَّثَنِي عليّ بْن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد بْن عُفَير، عَنْ أبيه، عَن ابن لَهِيعة، عَنْ هُبيرة، قَالَ: " كانت لَواتة قد صولحوا، فكانوا عَلَى صُولحوا حتى نقضوا زمَن مُعاوية، فغزاهم عُقبة بْن نافع، فتنحّوا ناحية أَطْرابُلُس، فقاتلهم عُقْبة حتى هزمهم، فسألوه أن يصالحهم ويعاهدهم، فأَبى عليهم، وقال: " إنه لَيْسَ لمشركٍ عهد عندنا، إنَّ اللَّه عزّ وجلّ يقول فِي كتابه: {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ} [التوبة: 7] ، ولكن أُبايعكم عَلَى أنكَّم توفوني وذابتي إن شئنا أقررنا وإن شئنا بعناكم «.
وعقد عمرو لعُقْبة بْن نافع عَلَى غزو هَوّارة، ولشَريك بْن سُمَي عَلَى غزو لِبْدة، فغَزَواهما فِي سنة ثلاث وأربعين، فقفلا، وعمرو شديد الدَّنَف فِي مرَض موته»
حَدَّثَنَا حَسَنٌ الْمَدِينِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَكِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ شَمَاسَةَ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ
(1/27)

الْوُفَاةُ بَكَى، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: " لِمَ تَبْكِي، أَجَزَعًا مِنَ الْمَوْتِ؟ فَقَالَ: لا وَاللَّهِ، وَلَكِنْ مِمَّا بَعْدَهُ.
فَقَالَ لَهُ: قَدْ كُنْتَ عَلَى خَيْرٍ.
فَجَعَلَ يُذَكِّرُهُ صُحْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفُتُوحَهُ الشَّامَ، فَقَالَ عَمْرٌو: تَرَكْتَ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ شَهَادَةَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهَ "
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ قُدَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبو زُرْعَةَ وَهْبُ اللَّهِ بْنُ رَاشِدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُس، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ قَالَ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ: " أَي بُنَيَّ، إِذَا مُتُّ فَكَفِّنِّي فِي ثَلاثَةِ أَثْوَابٍ أَزِّرْنِي فِي أَحَدِهِمْ، ثُمَّ شُقُّوا لِي الأَرْضَ شَقًّا، وَسُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ سَنًّا، فَإِنّي مُخَاصَم، قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَمَرْتَ بِأُمُورٍ وَنَهَيْتَ عَنْ أُمُورٍ، فَتَرَكْنَا كَثِيرًا مِمَّا أَمَرْتَ بِهِ، وَوَقَعْنَا فِي كَثِيرٍ مِمَّا نَهَيْتَ عَنْهُ، اللَّهُمَّ لا إِلَهَ إلَّا أَنْتَ ".
فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهَا حَتَّى قُضِيَ
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي قَعْنَب بْن الْمُحَرزِ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَهب بْن جَرير، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ شَيْبَانَ، عَنْ أَبِي نَوفَل، عَنْ أَبِي عَقرب، قَالَ: لمَّا جُدَّ بِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَضَعَ يَدَهُ مَوْضِعَ الأَغْلالِ مِنْ رَقَبَتِهِ، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَمَرْتَنَا فَتَرَكْنَا، وَنَهَيْتَنَا فَرَكِبْنَا، وَلا يَسَعُنَا إِلَّا مَغْفِرَتُكَ» .
فَكَانَتْ تِلْكَ هِجِّيرَاهُ حَتَّى مَاتَ
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ سَعِيدٍ الْهَمَذَانِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي حَرْمَلةُ بْنُ عِمْرَانَ، أَنَّ أَبَا فِرَاسٍ حَدَّثَهُ: «أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِِ تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الفِطْرِ، فَغَسَّلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، ثمَّ أَخْرَجَهُ حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ فَوَضَعَهُ بِالْمُصَلَّى ثُمَّ جَلَسَ حَتَّى إِذَا رَأَى النَّاسَ قَدِ انْقَطَعُوا مِنَ الطُّرُقِ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ قَامَ فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ شَهِدَ الْعِيدَ إِلَّا صلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ صلَّى الْعِيدَ بِالنَّاسِ، وَكَانَ أَبُوهُ اسْتَخْلَفَهُ»
حَدَّثَنَا ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بْن عثمان بْن صالح، قَالَ: حَدَّثَنِي نُعَيم بن حَمَّاد، عَن ابن المبارَك، عَنْ حَرمَلة بْن عِمران، عَنْ أَبِي فِراس، قَالَ: «مات عمرو بْن العاص، ولم يترك إلَّا سبعة دنانير، وكانت وفاة عمرو ليلة الفِطر سنة ثلاث وأربعين واستخلف ابنه عبد الله عَلَى صلاتها وخراجها»
(1/28)

عُتْبَة بْن أَبِي سُفيان بْن حَرْب بْن أُمَيَّة بْن عَبْد شمس بْن عَبْد مَناف بْن قُصَيّ بْن كِلاب بْن مُرَّة بْن كَعب بن لُؤَيّ بْن غالب
ثمَّ ولِيَها عُتبة بْن أَبي سُفيان من قِبَل أخيه مُعاوية عَلَى صلاتها، فقدِمها فِي ذي القعدة سنة ثلاث وأربعين وجعل عَلَى شُرطَته زكريَّا بْن جهم وأقام بها أَشهُرًا، ثمَّ وفد عَلَى أخيه بوفد من أشراف أَهل مِصر، واستخلف عَلَى مِصر عبد الله بْن قيس بْن الحارث بْن عَيَّاش بْن ضُبيع التُّجِيبيّ أحد بني زُمَيلة، وكانت أُمُّه أخت أَبي الأَعور السُّلَميّ، وكانت فِيهِ شِدَّة عَلَى بعض أهل مِصر، فكرِهوا وِلايته عليهم وامتنعوا منها، فبلغ ذَلكَ عُتبة، فرجع إلى مِصر، فحدثنا بموت بْن المزرع.
قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْعُتْبِيّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: اسْتَخْلَفَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ابْنَ أُخْتٍ لأَبِي الأَعْوَرِ السُّلَمِيَّ عَلَى أَهْلِ مِصْرَ، وَكَانَتْ لَهُ شِدَّةٌ عَلَى بَعْضِ أَهْلِ مِصْرَ، فَامْتَنَعُوا عَلَيْهِ، فَكَتَبَ إِلَى عُتْبَةَ فَقَدِمَهَا، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَرَقِيَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: يَا أَهْلَ مِصْرَ، قَدْ كُنْتُم تَعْذِرُونَ بِبَعْضِ الْمَنْعِ مِنْكُمْ لِبَعْضِ الْجَوْرِ عَلَيْكُمْ، وَقَدْ وَلِيَكُمْ مَنْ إِنْ قَالَ فَعَلْ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ دَرَأَكُمْ بِيَدِهِ، فَإِنْ أَبْيَتْمُ دَرَأَكُمْ بِسَيْفِهِ، ثُمَّ جَاءَ فِي الآخِرِ مَا أُدْرِكَ فِي الأَوَّلِ: إِنَّ الْبَيْعَةَ شَائِعَةٌ لَنَا، عَلَيْكُمُ السَّمْعُ وَلَكُمْ عَلَيْنَا الْعَدْلُ، وَأَيُّنَا غَدَرَ فَلا ذِمَّةَ لَهُ عِنْدَ صَاحِبِهِ، فَنَادَاهُ الْمِصْرِيُّونَ مِنْ جَنَبَاتِ الْمَسْجِدِ: سَمْعًا سَمْعًا.
فَنَادَاهُمْ: عَدْلًا عَدْلًا.
ثُمَّ نَزَلَ "
حَدَّثَنِي عَمِّي الْحُسَيْنُ بْنُ يَعْقُوبَ التُّجِيبيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ وَزِيرٍ، قَالَ:
(1/29)

حَدَّثَنِي عَبْد الْعَزِيزِ بْنُ أَبي مَيْسَرَةَ الْحَضْرَمِيُّ، عَنْ أَبيه، قَالَ: " لمَّا وَفَدَ عُتْبَةُ عَلَى مُعَاوِيَةَ فِي وُجُوهِ الْجُنْدِ، اسْتَخْلَفَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ التُّجِيبِيَّ مِنْ بَنِي زُمَيْلَةَ عَلَى الْجُنْدِ، وَقَدِمَ عُتْبَةُ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَسَأَلَ عَنْهُ الْوَفْدَ، فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي أَمِيرِكُمْ؟ فَقَالَ أَبُو عُبَادَةَ صل بْن عَوفٍ المَعَافِرِيّ أَحَد بَنِي خُلَيْفٍ: «يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، حُوتُ بَحْرٍ وَوغْلُ بَرٍّ وَلَّيْتَنِي الصَّلاةَ وَزَوَيْتَ عَنِّي الْخَرَاجَ، فَأَكْرَهُ أَنْ أَظْهَرَ لَهُمْ فَيَسْأَلُونِي عَلَيْهَا» وَعَقَدَ عُتْبَةُ لِعَلْقَمَةَ بْنِ يَزِيدَ الْغُطَيْفِيّ عَلَى الإِسْكَنْدَرِيَّةِ فِي اثَنْيِ عَشَرَ أَلْفًا مِنْ أَهْلِ الدِّيوَانِ يَكُونُونَ بِهَا رَابِطَةً، فَكَتَبَ عَلْقَمَةُ يَشْكِي قِلَّةَ مَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُنْدِ، وَأَنَّهُ يَتَخَوَّفُ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَيْهِمْ، فَخَرَجَ عُتْبَةُ إِلَى الإِسْكَنْدَرِيَّةِ مُرَابِطًا فِي ذِي الْحِجَّة سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ، فَابْتَنَى دَارَ الإِمَارَةِ الَّتِي فِي الْحِصْنِ الْقَدِيمِ، وَتُوُفِّيَ بِهَا، وَدُفِنَ بِمنيَة الزُّجَاجِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى مِصْرَ عُقْبةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيّ، فَكَانَتْ وِلايَتُهُ عَلَيْهَا سَنَةً وَشَهْرًا "

عُقْبة بْن عامر بْن عَبس بْن غنم بْن عديّ بْن عمرو بْن رَفاعة بْن مودوعة بْن عديّ بْن غَنْم بْن الربعة بْن رَشْدان بْن قيس بْن جُهينة، يُكنَى: أَبا عَبس، وأَبا خفاف
ثمَّ وليها عُقبة بْن عامر من قِبَل مُعاوية وجمع لَهُ صلاتها وخراجها، فجعل عَلَى
(1/30)

شُرطته، وكان عُقبة قارئًا فقيهًا مُفرِضًا شاعرًا لَهُ الهِجرة والصُّحبة والسابقة.
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ هَاشِمِ بْنِ مُرْثَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا دُحَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ الْغَازِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَكَانَ صَاحِبَ بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشَّهْبَاءِ الَّتِي يَقُودُهَا فِي الأَسْفَارِ، وَقَالَ: قُدْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ رَتْوَةً مِنَ اللَّيْلِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: أَنِخْ.
فَأَنَخْتُ فَنَزَلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: ارْكَبْ يَا عُقْبَةُ.
فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، أَعَلَى مَرْكَبِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَعَلَى رَاحِلَتِكَ فَأَمَرَنِي، فَقَالَ: ارْكَبْ.
فَقُلْتُ أَيْضًا مِثْلَ ذَلِكَ، وَرَدَدْتُ ذَلِكَ مِرَارًا حَتَّى خِفْتُ أَنْ أَعْصِيَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَرَكِبْتُ رَاحِلَتَهُ وَرَحْلَهُ، ثُمَّ زَجَرَ النَّاقَةَ فَقَامَتْ، ثُمَّ قَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ وَفَدَ مَسْلَمَةَ بْنَ مُخَلَّدٍ الأَنْصَارِيَّ عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَوَلَّاهُ مِصْرَ وَأَمَرُه أَنْ يَكْتُمَ ذَلِكَ عَلَى عُقْبَةَ "
فحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ قُدَيْدٍ، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي رِشدِين، عَن الحجَّاج بْن شدَّاد، عَنْ أَبي صَالِحٍ الْغِفَارِيِّ: " أَنَّ مُعِاوَيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ أَمَّرَ مَسْلَمَةَ بْنِ مُخَلَّدٍ عَلَى مِصْرَ وَنَزَعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ، وَقَالَ لَمَسْلَمَةَ: لا تُعْلِمْ بِهَذَا أَحَدًا.
وَأَرْسَلَ إِلَى عُقْبَةَ فَجَعَلَهُ عَلَى الْبَحْرِ، أَمَرَهُ أَنْ يَسِيرَ إِلَى رُودِسَ، فَقَدِمَ مَسْلَمَةُ وَلَمْ يُعْلِمْ بِإِمْرَتِهِ وَخَرَجَ مَعَهُ إِلَى إِسْكَنْدَرِيَّةَ، فَلَمَّا تَوَجَّهَ سَائِرًا اسْتَوَى مَسْلَمَةُ عَلَى سَرِيرِ إِمْرَتِهِ، فَبَلَغَ ذَلكَ عُقْبَةَ، فَقَالَ: أَخُلْعَانًا وَغُرْبَةً، وَكَانَ صَرَفَ عُقْبَة عَنْهَا لِعَشْرٍ بَقَيْنَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ، فَكَانَتْ وِلايَتُهُ عَلَيْهَا سَنَتَيْنِ وَثَلاثَةَ أَشْهُرٍ "
(1/31)

مَسْلَمة بْن مُخلَّد بْن صامت بْن نِيار بْن لَوذان بْن عَبْد وُدّ بْن زَبد بْن ثَعْلَبَة بْن الخَزْرَج بْن ساعدة بْن كعْب بْن الخْزرَج بْن حارثة
ثمَّ ولِيها مَسْلَمة بْن مُخلَّد الأَنصاريّ من قِبَل مُعاوية وجمع لَهُ الصلاة والخراج والمَغرِب، فجعل عَلَى شُرطته السائب بْن هِشام بْن كِنانة العامريّ إلى سنة تسع وأربعين، ثمَّ صرفه وجعل مكانه عابس بْن سَعِيد المُراديّ، ثمَّ الغُطَيفيّ، وانتصبت وَلاؤه وغزواته فِي البرّ والبحر، وفي إمرته نزلت الرُّوم البُرُّلس فِي سنة ثلاث وخمسين، واستُشهد يومئذٍ وَرْدان مولى عمرو بْن العاصِ، وعايذ بْن ثعلبة البَلَويّ، وأَبو رُقَّية عمرو بْن قيس اللَخْميّ فِي جمعٍ من الناس كثير.
وأَمر مَسْلَمة بالزيادة فِي المسجد الجامع، فهدم ما كَانَ عمرو بناد فِي سنة ثلاث وخمسين.
وفيها أَمر مَسلمة بابتناء منار المساجد كلّها ودفع ذَلكَ عَنْ خَولان، وتُجِيب، وأَمر المؤَذّنين أن يكون أَذانهم فِي الليل فِي وقت واحد، فكان مؤَذّنو المسجد الجامع يؤذنون للفجر، فإذا فرغوا من أَذانهم أَذَّن كل مؤَذّن فِي الفُسطاط فِي وقت واحد، الأَمر عَلَى ذَلكَ إلى دخول المُسوِّدة.
ثمَّ صرف مَسْلَمة عابسَ بْن سَعِيد عَن الشُّرَط وولَّاه البحر، فغزا أسطادنه وردّ السائب بْن هِشام عَلَى شُرَطه، فكان عَلَى الشُّرَط إلى سنة سبع وخمسين، فعزل السائب
(1/32)

وردّ عابسًا، وخرج مَسْلَمة إلى الإسكندرية سنة ستّين، واستخلف عابس بْن سَعِيد عَلَى الفُسطاط، وتُوفي مُعاوية فِي رجب سنة ستّين، واستخلف يزيد بْن مُعاوية، فأقرَّ مسْلَمة بْن مُخلَّد عَلَى مِصر صلاتها وخَراجها ومسلمة يومئذ بالإسكندريَّة، فكتب إلى عابس بأخذ البيعة ليزيد، فبايعه الجُند إِلَّا عبد الله بْن عمرو بْن العاصِ، فدعا عابس بالنار ليُحرق عَلَيْهِ، فلمَّا رَأَى ذَلكَ عبد الله بْن عمرو بايع ليزيد، وقدم مَسْلَمة من الإسكندريَّة، فجمع لعابس مَعَ الشُّرَط القضاء وذلك فِي أوَّل سنة إحدى وستّين.
حَدَّثَنَا عليّ بْن سَعِيد، قَالَ: يا ابْن أَبِي عُمَر، قَالَ: أخبرنا سُفيان بْن عُيَينة، عَنْ إبراهيم بْن مَيْسَرَة، قَالَ: سَمِعْتُ مجاهِدًا، يَقُولُ: «صلَّيت خلف مَسْلَمة بْن مُخلَّد، فقرأَ بسُورة البقرة، فما ترك أَلفًا ولا واوًا»
حَدَّثَنِي ابْنُ قُدَيْدٍ، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد بْن أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، عَن الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: «كَانَ مَسْلَمة بْن مُخلَّد يُصَلِّي بِنَا فَيَقُومُ فِي الظُّهْرِ فَرُبَّمَا قَرَأَ الرَّجُلُ الْبَقَرَةَ» .
وتُوُفِّيَ مَسْلَمةُ بْنُ مُخلَّد وَهُوَ وَالٍ عَلَيْهَا لِخَمْسٍ بَقَيْنَ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ، كَانَتْ وِلايَتُهُ عَلَيْهَا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَاسْتُخْلِفَ عَابِسُ بْنُ سَعِيد عَلَيْهَا

سَعِيد بْن يزيد بْن عَلْقَمة بْن يزيد بْن عَوف الأَزْدي، ثمَّ الفِهْريّ من أهل فِلَسطين
ثمَّ ولِيها سَعِيد بْن يزيد الأَزْديّ عَلَى صلاتها، فقدِمها لمستهل شهر رمضان سنة اثنتين وستّين، فأقرّ عابسًا عَلَى الشُّرَط
فحَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد بْن عُفَير، عَنْ أبيه، عَن الليث، قَالَ: لما قدِم سَعِيد بْن يزيد واليًا عَلَى جُند مِصر تلقَّاه عمرو بْن قَحْزَم الخَوْلانيّ، فقال: «يغفِر اللَّه لأمير المؤمنين، أَما كَانَ فينا مائة شاب كلّهم مِثلك يولي علينا أحدهم»
(1/33)

ولم تزل أَهل مِصر عَلَى الشَّنْآن لَهُ والإِعراض عَنْهُ والتكبّر عَلَيْهِ حتَّى تُوفي يزيد بْن مُعاوية سنة أربع وستين، ودعا ابن الزُّبير إلى نفسه، فقامت الخوارج الذين بمصر فِي أمره وأظهروا دعوته، وكانوا يحسبونه عَلَى مذهبهم، ووفدوا منم وفدًا إِلَيْهِ، وسأَلوه أَن يبعث إليهم بأمير يقومون معه ويؤَازرونه، فكان كُرَيب بْن أبرَهَة بْن الصبّاح، وغيره من أشراف أهل مصر، يقولون: ماذا نرى من العَجَب أنْ هذه طائفة مكُتتمة تأمر فينا وتنهى ونحن لا نستطيع أن نردّ أمرهم، ولحِق بابن الزُّبير ناس من أهل مِصر، منهم: أَبُو عُبيدة، وعِياض ابنا عُقْبَة بْن نافع بْن عَبْد قيس الفِهْريّ، وأبو بَكْر بْن القاسم بْن قيس العُذري، وحيَّان بْن الأَعين الحَضْرَميّ، وحجوة بْن الأسود الصَّدَقيّ، وبعث ابن الزُّبَير إليها بعبد الرَّحْمَن بْن جَحْدَم الفِهْريّ فقدِمها فِي طائفة من الخواج، فوثبوا عَلَى سَعِيد بْن يزيد، فاعتزلهم، فكانت ولاية سَعِيد عليها سنتين إلَّا شهرًا

عبد الرحمن بْن عُتْبة بْن إِياس بْن الحارث بْن عَبْد أَسَد بْن جَحْدَم بْن عمرو بْن عائش بْن ضرب بْن الحارث بْن فِهْر
ثمَّ وليها عبد الرحمن بْن عُتْبة بْن جَحدَم من قِبَل عبد الله بْن الزُّبَير دخلها فِي شعبان سنة أربع وستّين، فأقرّ عابس بْن سَعِيد عَلَى الشُّرَط والقضاء، وقدِم ابن جَحدَم يجمع كثير من الخوارج الذين كانوا مَعَ ابن الزُّبَير بمكَّة من أهل مِصر وغيرهم، فيهم: حَوْشَب بْن يزيد، وأَبو الورد حُجر بن عمرو، وغيرهم، فأَظهروا التحكيم ودعوا إِلَيْهِ، فاستعظم الجُند ذَلكَ، وبايعه الناس عَلَى غِلّ فِي قلوب ناس من شيعة بْن أُميَّة، منهم: كُرَيب بْن أَبْرَهة الأَصبَحيّ، ومُقسم بْن بَجَرة التُّجيبيّ، وزِياد بْن حناطة التُّجيبي، وعابس بْن سَعِيد، وغيرهم، وكانت شيعته من أهل مِصر دعوه إليها وهم فِي العَلانية مَعَ ابن جَحْدَم، وسار مَرْوان إلى مِصر ومعه: خَالِد بْن يزيد بْن مُعاوية، وعمرو بْن سَعِيد، وعبد الرَّحْمَن بْن الحكَم، وزُفَر بْن
(1/34)

الحارث، وحسَّان بْن بَحْدَل، ومالك بْن هُبَيرة السَّكونيّ فِي أشراف كثير، وبعث ابنه عَبْد العزيز فِي جيش إلى أيلة ورجا ان يدخل مصر من تلك الناحية وأجمع ابن جَحْدَم عَلَى حربه ومنعه، فأشار عَلَيْهِ الجُند بحفر خَنْدَق يخندق بِهِ عَلَى الفُسطاط، فأَمر بحفره، فحُفر فِي شهر واحد.
قَالَ ابن أَبي زَمزَمة الحشنيّ:
وما الجِدُّ إِلَّا مِثْلُ جِدِّ ابْنِ جَحْدَمٍ ... وَمَا العَزْمُ إِلَّا عَزْمُهُ يَوْمَ خَنْدَقِ
ثَلَاثُونَ أَلْفًا هُمْ أثَارُوا تُرَابَهُ ... وَخَدُّوهُ فِي شَهْرٍ حَدِيثُ مُصَدَّقِ
وهو الخَندق الَّذِي فِي مقْبُرة الفُسطاط اليوم.
وبعث ابن جَحْدَم بمراكب فِي البحر ليخالف إلى عِيال أهل الشام عليها إلا كدر بْن حَمام اللَخْميّ، وقطع بعثًا فِي البر استعمل عليهم السائب ابن هِشام بْن كِنانة العامريّ، وبعث بجيش آخر عليهم زُهَير بْن قَيس البَلَويّ إلى أَيْلة ليمنع عَبْد العزيز من المسير إليها، فأَمَّا جيش السائب بْن هِشام فإِنَّ رَوْح بْن زِنْباع أخبر مَروان أَنَّ السائب لَهُ ابن مُسترضِع بِفلَسطين، فأخذه مَرْوان، فلمَّا التقوا ابرز إِلَيْهِ الصبيّ، فقال: أَتعرِف هذا يا سائب؟ قَالَ: هذا ابني.
قَالَ: نعم فوالله لئن لم ترجع عَودك عَلَى بَدْئك لَأَرْمِيَنَّك برأسه فرجع السائب بجيشه ذَلكَ ولم يُقاتل، فسُمّي جيشه جيش الكرَّارين، وأَمَّا المراكب فنزل عليها عاصف، فغرَّقها وغرِق بعضها، ونجا أميرها إلا كدر، وعاد إلى الفُسطاط.
وأمَّا زُهَير بْن قيس فلقي عَبْد العزيز بْن مَرْوَان ببُصاق وهي سطح عقَبة أَيْلة، فقاتله فانهزم زُهَير ومن معه، قَالَ زُهَير لعبد العزيز:
مَنَعْتَ بُصَاقًا والبِطَاحَ فَلَمْ تُرَمْ ... بِطَاحُكَ لَمَّا أَنْ حَميتَ ذِمَارَكا
قَسَرتَ الأُلَى وَلَّوا عَن الأَمرِ بَعْدَما ... أرادوا عَلَيْهِ فَاعْلَمَنَّ اقْتِسَارَكَ
(1/35)

وسار مروان حتى نزل عين شمس، فخرج ابن جَحْدَم فِي أهل مِصر، فتحاربوا يومًا أو يومين، ثمَّ رجعوا إلى خَندَقهم فصُفُّوا عَلَيْهِ، فكانت تِلْكَ الأيَّام تُسمَّى أيَّام الخَنْدَق والتراويح لأن أهل مِصر كانوا يُقاتلون نُوَبًا يخرج هَؤُلّاءِ، ثمَّ يرجِعون ثمَّ يخرج غيرهم، واستحرّ القتل فِي المعَافر فقُتِل جمع منهم وقُتل كثير من أهل القبائل من أهل مصر، وقُتِل من أهل الشام أيضًا جمع كثير، قَالَ عبد الرحمن بْن الحَكَم:
أَلَا هَلْ أَتَاهَا عَلَى نَأْيِهَا ... نِبَاءُ التَّرَاوِيحِ وَالْخَنْدَقِ
بَلَغْنَا بِفَيْلَق يَغْشَى الظِّرَابَ ... بَعِيدَ السُّمُوّ لِمَنْ يَرْتَقي
وَجَاشَتْ لنا الأرضُ منْ نحْوِهِمْ ... بِحَي تُجِيبَ وَمِنْ غَافِقِ
وأَحْيَاءِ مَذْحِجَ والأَشْعَريِنَ ... وَحميَرَ كاللهب المحْرِقِ
وسَدَّت مَعَافِرُ أفْقَ البِلَادِ ... بِمرْعِدِ جَيْشٍ لها مُبْرِقِ
وَنَادَى الكُفاةُ أَلا فَابْرِزُوا ... فَحَتَّامَ حَتَّى وَلا نَلْتَقي
فَلَوْ كُنْتِ رَمْلَةُ شَاهَدْتِهِ ... تَمنَّيْتِ أَنَّكِ لَمْ تُخْلَقي
ثمَّ إنَّ كُرَيب بْن أَبْرَهة، وعابِس بْن سَعِيد، وزِياد بْن حناطة، وعبد الرَّحْمَن بْن موهَب المعَافري قاموا فِي الصُّلْح بين أهل مِصر وبين مَرْوان عَلَى أن لا يكشفِ ابن جحْدَم عَلَى أمر جرى عَلَى يديه ويدفع إِلَيْهِ مالًا وكِسوةً، فأجاب مَروان إلى ذَلكَ، وكتب لهم بيده كتابًا يُؤمّنهم عَلَى جميع ما أَحدثوه، ودخلها مَروان لغرَّة جمادى الأولى سنة خمس وستّين، فكانت مُدَّة مُقام ابن جَحْدَم واليًا عليها من يوم دخلها إلى دخول مَرْوان تسعة أَشهر، ونزل مَروان دار الفُلْفُل التي فِي قِبلة مسجد الجامع اليوم، وقال: إنَّه لا ينبغي لخليفة أن يكون ببلَد لَيْسَ لَهُ فيها دار.
فأَمر بالدار البيضاء، فبُنيت لَهُ ووضع العطاء، فبايعه الناس إِلَّا نفَر من المَعافر، قَالُوا: لا نخلع بيعة ابن الزُّبير.
حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بْن عثمان، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبو صالح، عَن الليث بْن
(1/36)

سعد، قَالَ: " قَتل مروان ثمانين رجُلًا من المَعافر دعاهم إلى أن يبايعوا، فأَبَوا، وقالوا: إِنَّا قد بايعنا ابن الزُّبَير طائعين فلم نكن لَننكُث بيعته.
فقدَّمهم رجُلًا رجُلًا، فضرب أعناقهم وضرب عُنُق الأَكدر بْن حَمام بن عامر بْن صَعْب، وكان سيّد لَخْم وشيخها، وحضر فتح مِصر هُوَ وأَبوه، وكانا ممَّن سار إلى عثمان "
فحَدَّثَنِي يحيى بْن أَبِي مُعاوية التُّجيبيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي خَلَف بْن ربيعة الحَضْرَميّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبي ربيعةُ بْن الوليد، عَنْ مُوسَى بْن عَلِيّ بْن ربَاح، عَنْ أبيه، قَالَ: " كنت واقفًا بباب مَرْوان حِين أُتِيَ بالأَكدر لَيْسَ معه أحدٌ من قومه، فأُدخل عَلَى مَروان فلم يكنْ شيء أَسرع من قتله وتنادى الجُند: قتل الأكدر فلم يبقَ أحد حتى لبِس سِلاحه، فحضر باب مَروان منهم زيادة عَلَى ثلاثين ألفًا، وخشيّ مَروان وأغلق بابه، ومضت طائفة منهم إلى كُريب بْن أَبْرَهة، فلقُوه وقد توفيّت امرأَته بَسيسة بِنْت حَمْزَة بْن يشرح بن عَبْد كُلال فهو مشغول بجنازتها، فقالوا: يا أبا رِشْدين، أَيُقتَل الأكدر اركَب معنا إلى قَالَ: انتظروني حتّى أغيّب هذه الجنازة.
فغيَّبها ثُمَّ أَقبل معهم، فدخل عَلَى مَروان، فقال: إليَّ يا أَبَا رشدِين.
فقال: بل إليَّ يا أمير المؤمنين.
فأتاه مروان، فألقى عَلَيْهِ كُرَيب رِداءَه، وقال للجُنيد: انصرفوا أَنَا لَهُ جار.
فوالله ما عطف أحد منهم وانصرفوا إلى منازلهم وكان قتل الأكدر للنصف من جمادى الآخرة سنة خمس وستّين، ويومئذٍ توفّي عبد الله بْن عمرو بْن العاصِ فلم يُستطع أن يُخرَج بجنازته إلى المقبرة لتشغُّب الجُند عَلَى مَروان، فدُفن فِي داره ".
قَالَ زياد بْن قائد اللَخْمي:
كَمَا لَقِيَتْ لَخْمُ مَا سَاءَهَا ... بأكْدَرَ لَا يَبْعَدَنْ أَكْدَرُ
هُوَ السَّيْف أَجْرَدَ مِنْ غِمْدِهِ ... فَلَاقى المنَايَا وَمَا يَشْعُرُ
فَلَهْفَي عَلَيْكَ غَدَاةَ الرَّدَى ... وقَدْ ضَاقَ ورْدُكَ والمَصْدَرُ
وَأَنْتَ الأَسِيرُ بِلَا مَنْعَةٍ ... وَمَا كانَ مِثلُك يُسْتَأْسَرُ
وجعل مَرْوان صلاة مِصر وخَراجها إلى ابنه عَبْد العزيز بْن مَرْوان
فحَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد بْن عُفَير، عَنْ أبيه، قَالَ: أَخبرني المُغِيرة بْن الْحَسَن بْن راشد، عَنْ حَرْمَلة بْن عِمران التُّجِيبيّ، قَالَ: " أقامَ مَرْوان بمصر شهرين ثمّ جعل وِلاية مِصر إلى ابنه عَبْد العزيز جعل إِلَيْهِ صلاتها وخَراجها، فقال عَبْد العزيز: يا أمير المؤمنين، كيف المُقام ببلَدٍ
(1/37)

لَيْسَ بِهِ أحد من بني أَبي؟ فقال لَهُ مَروان: يا بُنَي عُمُّهم بإِحسانك يكونوا كلّهم بني أبيك، واجعل وجهك طَلْقًا تَصْفُ لك مَوَدَّتُهم، وأَوقع إلى كل رئيس منهم أَنَّهُ خاصّتك دون غيره يكن عينًا لك عَلَى غيره، وينقاد قومه إليك وقد جعلت معك أخاك بِشْرًا مؤْنسًا، وجعلت لك مُوسَى بْن نُصَير وزيرًا ومُشيرًا وما عليك يا بُني أن تكون أميرًا بأَقصى الأرض، أَليس ذَلكَ أحسن من إِغلاق بابك وخمولك فِي منزِلك ".
وقال أَيْمِن بْن خُرَيم بْن فاتك الأَسَديّ:
إِذَا مَا استَبدَلُوا أَرْضًا بِأَرْضٍ ... لِذِي الْعَقِبِ التَّدَاولُ والطَّوَاءُ
فبِالأَرضِ التي نَزَلُوا مُنَاهُمْ ... وبالأرضِ التي تَرَكُوا اللقاءُ
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ حَسَنِ بْنِ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ عِمْرَانَ، أن عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ مَرْوَانَ، قَالَ: أَوْصَانِي مَرْوَانُ حِينَ وَدَّعْتُهُ عِنْدَ مَخْرَجِهِ مِنْ مِصْرَ إِلَى الشَّامِ.
فَقَالَ: " أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي سِرِّ أَمْرِكَ وَعَلانِيَتِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ، وَأُوصِيكَ أَنْ لا تَجْعَلَ لِدَاعِيَ اللَّهِ عَلَيْكَ سَبِيلًا، فَإِنَّ الْمُؤَذِّنِينَ يَدْعُونَ إِلَى فَرِيضَةٍ افْتَرَضَهَا اللَّهُ عَلَيْكَ {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103] ، وَأُوصِيكَ أَنْ لا تَعِدَ النَّاسَ مَوْعِدًا إِلَّا أَنْفِذْهُ وَإِنْ حُمِلْتَ عَلَى الأَسِنَّةِ، وَأُوصِيكَ أَنْ لا تَعْجَلَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْحُكْمِ حَتَّى تَسْتَشِيرَ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَوْ أَغْنَى أَحَدًا عَنْ ذَلِكَ لأَغْنَى نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ بِالْوَحْيِ الَّذِي يَأْتِيهِ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران: 159] "
وخرج مَرْوان من مِصر لهلال رجب سنة خمس وستّين، فكان مُقامه بِمصر من يوم دخلها إلى خروجه عَنْهَا شهرين، وكان عَلَى شُرَطه فِي مُقامه بها عمرو بْن سَعِيد بْن العاصِ.
(1/38)

عَبْد العزيز بْن مَرْوان بْن الحكَم بْن أَبِي العاص بْن أُميَّة بْن عَبْد شمس بْن عَبْد مَناف يكنى: أَبَا الأصبَغ
ثمَّ ولِيَها عَبْد العزيز بْن مَرْوان لهلال رجب سنة خمس وستين عَلَى صلاتها وخراجها، فجعل عَلَى شُرطته عابس بْن سَعِيد المراديّ، وتُوفّي مَرْوان لهلال رمضان سنة خمس وستين، وبويع عَبْد الملك بْن مَرْوان فأَقر أخاه عَبْد العزيز عليها، فأمر عَبْد العزيز ببُنيان الدار المذهَّبة فِي سنة سبع وستين، وهي التي تُدْعَى المَدِينة بسُوق الحمَّام، وهي غربيّ المسجِد الجامع، ووفد عَبْد العزيز عَلَى أخيه عَبْد الملك فِي سنة سبع وستّين وحضر مقتل عمرو بْن سَعِيد، ففرض عابس فروضًا وزاد فِي أَعطِيات الناس من الحُند، فلقيَ عَبْد العزيز بعد قدومه، فقال لَهُ: ما حملك عَلَى ذَلكَ؟ قَالَ: أردتّ أن أُثبت وطْأَتك ووطأَة أخيك، فإن أردتّ أن تنقضه فانقضه.
فقال عَبْد العزيز: ما كنَّا لنردّ عليك شيئًا فعلتَه.
ثم تُوفّي عابس بْن سَعِيد فِي سنة ثمان وسبعين، فجعل مكانه عَلَى الشُّرطة زياد بْن حناطة بْن سيف بْن حَلاوة التُّجيبيّ، وجعل عَلَى الحَرس والأَعوان والخيل جَناب بْن مُرثد بْن هانئ الرُّعينيّ.
فحَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه، عَنْ أبيه، قَالَ: «ولم يُشرِك بينهما عَبْد العزيز حتى ولَّي جَناب بْن مُرثد بْن زيد بْن هانئ الرُّعَينيّ حرسَه وضمّ إِلَيْهِ ثلاثمائة من الأَمداد، فكان الرجُل إذا أغلظ لعبد العزيز وخرج تناوله جَناب ومن معه، فضربوه وحبسوه.
ووقع الطاعون بمصر فِي سنة سبعين، فخرج عَبْد العزيز منها إلى الشرقيّة مُتبدِّيًا، فنزل حُلْوان فأعجبته، فاتَّخذها وسكنها وجعل بها الحرَس والأعوان والشُّرَط، فكان عليهم
(1/39)

جَناب بْن مُرثد بحُلْوان، وبنى عَبْد العزيز بحُلْوَان الدور والمساجد وغيرها أحسن عِمارة وأحكمها وغرس كَرْمها ونخلها» .
قَالَ ابن قَيس الرُّقيَّات:
سَقْيًا لحلْوَانَ ذِي الكُرُومِ ... وَمَا صَنَّفَ منْ تِينهِ وَمِن عِنَبِهْ
نَخْلٌ مَوَاقِيرُ بِالقَنَاء مِن ... البَرْنيِّ يهتزُ ثم فِي سُرَبِهْ
أَسْودُ سُكَّانُهُ الحَمَامُ فمَا ... يَنْفَكُّ غِربَانُهُ عَلَى رُطَبِهْ
حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنِي عليّ بْن عمرو بْن خَالِد، قَالَ: حَدَّثَنِي أَسد بْن ربيعة، عَنْ أبيه: " أن عَبْد العزيز لما غرس نخل حُلْوان وأَطعم دخله والجند معه، فجعل يطوف فِيهِ ووقف عَلَى غروسه ومساقيه، فقال لَهُ يزيد بن عُروة الحمليّ: أَلا قُلْتَ أيُّها الأمير كما قَالَ العبد الصالح: ما شاء اللَّه لا قوَّة إلا بالله؟ قَالَ: ذكرتني شُكرًا، يا غُلام قُلْ لأشناس يزبد فِي عطائه عشرة دنانير ".
وعَرَّف عَبْد العزيز بْن مَرْوان بمصر وهو أوَّل من عَرَّف بها فِي سنة إحدى وسبعين
حَدَّثَنَا حسن المَدِينيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بْن عبد الله بْن بُكَير، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن لَهِيعة، عَنْ يزيد بْن أَبي حَبيب، «أن أوَّل من أَحدث القعود يوم عرفة فِي المسجد بعد العصر عَبْد العزيز بْن مَرْوان»
وفي سنة اثنتين وسبعينُ صرف بعث البحر إلى مَكّة لِقتال ابن الزُّبَير، وجعل عليهم مالك بْن شراحِيل الخَولانيّ، وهم ثلاثة آلاف رجُل فيهم عبد الرحمن بْن بجنس
(1/40)

مولى بني اندى بْن عديّ من تُجيب فهو الَّذِي قتل ابن الزُّبَير، ففُرِض لَهُ فِي الشرَف وعُرِّف عَلَى موالي تُجيب، وكان قتل ابن الزُّبَير فِي جمادى الآخرة سنة ثلاث وسبعين.
وخرج عَبْد العزيز إلى الإسكندريَّة وَاستخلف عليها ابنه الأَصْبَغ بن عَبْد العزيز وذلك فِي سنة أربع وسبعين، ونُقل منها واستخلف عليها جَناب بْن مُرثد ولم يعزِله عَن الحرَس والأعوان لكنه استخلف عليها، وخرج عَبْد العزيز إلى الشام وافدًا عَلَى عَبْد الملك فِي سنة خمس وسبعين واستخلف عَلَى مِصر زياد بْن حناطة بن سيف التُّجيبيّ، فتُوفي زياد بْن حناطة فِي شوَّال سنة خمس وسبعين، فاستخلف عَلَى مِصر الأصبَغ ابنه ثمَّ قدِم عَبْد العزيز إلى الفُسطاط أوَّل سنة ستّ وسبعين، فجعل عَلَى الشُّرَط عبد الرحمن بْن حسَّان بْن عَتَاهِيَة بْن حَزن التُّجيبيّ أحد بني سعد، وأَمر عَبْد العزيز بالزيادة فِي المسجد الجامع بِمصر، فهُدم كلّه وزاد فِيهِ من جوانبه كلّها وذلك فِي سنة سبع وسبعين.
قَالَ ابن عُفَير: كَانَ لعبد العزيز ألف جَفنة كلّ يوم تُنصَب حول داره، وكانت لَهُ مائة جَفنة يُطاف بها عَلَى القبائل تُحمل عَلَى العَجَل إلى قبائل مِصر.
قَالَ الشاعر:
كُلُّ يَوْمٍ كَأَنَّهُ يَوْمُ أَضْحَى ... عِنْدَ عَبْد العَزِيز أَوْ يَوْمُ فِطْرِ
وَلَهُ أَلْفُ جَفْنَةٍ مُتْرَعَاتٍ ... كُلَّ يَوْمٍ تُمدُّهَا أَلْفُ قِدْرِ
وقال عُبَيْد اللَّه بْن قيس الرُّقَّيات:
أَعْنِي ابْنَ لَيْلَى عَبْدَ العَزِيزِ بِبَابِ ... اليُونَ تَغْدُو جِفَانُهُ رُذُمَا
وقال أَيمن بْن خُرَيم بْن فاتك:
لَا يَرْهَبُ النَّاسُ أَنْ يَعْدِلُوا ... بِعَبْدِ العَزِيزِ بْنِ لَيْلَى أَمِيرَا
تَرَى قِدْرَهُ مُعْلنًا بِالفِنَاءِ ... يَلْقَمُ بَعْدَ الجَزُورَ الحَزُورا
(1/41)

وقال ابن قيس:
تكُونُ جِفَانُهُ رُذُمًا ... فَمَصبُوحٌ وَمُغْتَبَقُ
إِذَا مَا أَزْحَفَتْ رُفَقٌ ... جَنَتْ مِنْ دُونِهِم رُفَقُ.
وقدِم حسَّان بْن النُّعْمان الغسَّاني من الشام إلى مِصر يعهد إلى المَغرِب فِي سنة ثمان وسبعين، فسأله عَبْد العزيز أن لا يعرِض لأطرابُلُس فأَبى حسَّان ذَلكَ، فعزله عَبْد العزيز وولَّى مُوسَى بْن نُصير مولى لخم أمْر المغرب كلّه، فسار مُوسى، ففتح اللَّه عَلَيْهِ الفتوح بها وخرج عَبْد العزيز إلى الإسكندريَّة خَرْجته الثالثة سنة إحدى وثمانين، وخرج معه إليها وجوه الناس من الأشراف والشُّعَراء، فقال ابن قيس الرُّقيَّات:
غَدَوا مِنْ دَوْرَجِ الْكِرْيَوْنِ ... حَيْثُ سَفِينُهُمْ حُزُقُ
فَلَمَّا أَنْ عَلَوْنَ النّيلَ ... والراياتُ تختَفقُ
رأيْتُ الجوْهَرَ الحكَميَّ ... وَالدِّيبَاجَ يَأْتَلِقُ
سَفَائِنُ غَيْرُ مُقْرِفَةٍ ... إلى حُلْوَانَ تَسْتَبِقُ
مَحَلٌّ مَنْ يَحِلُّ بِهِ ... لَذِيذٌ عَيْشُهُ غَدَقُ
يَحِلُّ بِهِ ابْنُ لَيْلَى ... والنَّدَى والحِلمُ والصُّدُقُ.
وخرج عَبْد العزيز إلى الإسكندرية أيضًا خَرْجته الرابعة سنة ثلاث وثمانين، وفيها: توفي جناب بْن مُرثد فجعل مكانه عَلَى الحَرس والأعوان والخيل عمرو بْن كُرَيب بْن صالح بْن ثُمامة الرُّعَينيّ، فتُوُفي عمرو بعد أربعين ليلة فجعل مكانه سَعِيد بْن يعقوب المَعافريّ ثمَّ الشَّعْبانيّ، وتُوّفي عبد الرحمن بْن حسَّان بْن عتاهية التُّجيبيّ فِي جمادى الأولى سنة أربع وثمانين فجعل عَن الشُّرَط يونُس بْن عَطِيَّة بْن أَوس بْن أوفح بْن. . . . . . . . . . الحَضْرَميّ من الأشبا، ثُمَّ صرف يونس لمستهلّ سنة ستّ وثمانين، فجعل عَلَى الشُّرَط عبد الرحمن بْن مُعاوية بْن حُدَيج التُّجِيبيّ.
(1/42)

وكتب عَبْد الملك إلى أخيه يسأله: أَن يرفع لَهُ عَنْ ولاية العهد ليعهد إلى الوليد، وسليمان، فأَبى عَبْد العزيز ذَلكَ.
فحَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد بْن عُفَير، عَنْ أبيه، عَن القاسم بْن الْحَسَن بْن راشد، قَالَ: فكتب إِلَيْهِ عَبْد العزيز: " إن يكن لك ولد فلنا أولاد، ويقضي اللَّه بما يشاء.
فغضِب عَبْد الملك، فبعث إِلَيْهِ عَبْد العزيز بعليَ بْن رَباح اللَخْميّ يترَّضاه، فلمَّا قدِم عَلَى عَبْد الملك استعطفه عَلَى أخيه، فشكاه عَبْد الملك، وقال: فرَّق اللَّه بيني وبينه.
فلم يَزل بِهِ حتى رضِيَ، فقدِم عَلَى عَبْد العزيز فجعل يُخبره عَنْ عَبْد الملك وحاله، ثمَّ أَخبره بدعوة عَبْد الملك، فقال: أَنَا والله مُفارقه، والله ما دعا دعوةً قطّ إلَّا أُجيبت ".
قَالَ سَعِيد: وكان فِي كتاب عَبْد العزيز إلى عَبْد الملك: إنَّك لو رأَيت الأصبغ لَسرّك ولم تقدّم عليه أحدًا.
وقال عَبْد العزيز بْن مَرْوان: قدِمت مِصر فِي إمرة مَسْلَمة بْن مُخلَّد فتمنَّيت بها أمانيَّ فأَدركتها: تمنَّيت ولاية مِصر، وأَن أجمع بين امرأَتيْ مَسْلَمة، ويحجبني قيس بْن كليب حاجبه.
فتُوُفّي مَسْلَمة، فقدِم مِصر فولِيها، فحجبه قيس وتزوَّج امرأَتي مَسْلَمة، وهما أُمّ كُلثوم الساعديَّة، وأَرْوى بِنْت راشد الخَوْلانيّ.
وتُوُفّي الأصبغ بْن عَبْد العزيز يوم الخميس لتسع بقينَ من شهر ربيع الآخر سنة ستّ وثمانين، مرِض عَبْد العزيز بعد وفاة الأصبغ، ثمَّ تُوُفّي ليلة الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة ستّ وثمانين، فحُمل فِي الليل من حُلْوَان إلى الفُسطاط، فدُفن بها
حَدَّثَنَا عليّ بْن سَعِيد، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيد بْن يحيى الأُمَويّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن حُدَيج، عَن ابن أَبِي مُلَيكة، قَالَ: رأَيت عَبْد العزيز مَرْوان حِين حضره الموت، يَقُولُ: «أَلا ليتني لم أكُ شيئًا مذكورًا، أَلا ليتني كُناسة من الأرض أو كراعي إِبِله فِي طرَف الحِجاز من بني نصر بْن مُعاوية، أو بني سعد بْن بَكْر.
فاستخلف عَبْد العزيز عَلَى مِصر أخاه محمد بْن مَرْوان عَلَى الجُند، وجعل مالك بْن شَراحيل الخولانيّ يصلّي بالناس» .
قَالَ ابن عُفَير: وليَ عَبْد العزيز مِصر فكان خَراجها وجِبايتها إِلَيْهِ، فلم يُوجد لَهُ نَض إِلَّا سبعة آلاف دينار
(1/43)

وحَدَّثَنَا أُسامة، قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بْن عثمان بْن صالح، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صالح، قَالَ: حَدَّثَنِي الليث: «أن عَبْد العزيز مات حين مات، وإِنَّما ترك حُلْوَان والقيساريَّة وثِياب كَانَ بعضها مرقوعًا وخيلًا ورَقيقًا، وكانت وِلاية عَبْد العزيز عليها عشرين سنة وعشرة أَشهُر وثلاثة عشر يومًا، ولم يَلهِا مُنذ الْإِسْلَام إلى يومنا هذا أَطول ولايةً منه» .
وقال ذو الشامة محمد بْن عمرو بْن الوليد بْن عُقْبة بْن أَبي مُعَيط يرثي عَبْد العزيز وابنه الأصبغ:
نَقُولُ غَدَاةَ قَطَعْنَا الجْفَارَ ... وَالعَيْنُ بِالدَّمْعِ مُغْرَوْرِقَهْ
مَقَالَ امْرِئ كَارِهٍ للِفِراقِ ... تَاعَ البِلَادَ وبَاعَ الرِّقَهْ
وَفَارَقَ إِخْوانَهُ كَارِهًا ... وَأَهْلُ الصَّفَاء وَأَهْلَ الثّقَهْ
أَبَعْدَ الخَلِيفَةِ عَبْدِ العَزِيزِ ... وَبَعْدَ الأَمِيرِ كَذا وَابِقَهْ
فَمَا مِصرُ لِي بَعْدَ عَبْد العَزِيزِ ... والأَصْبَغِ الخْيرِ بِالمُؤْنقَهْ
إِمَامَي هَدًى وَهَديَّيْ تُقى ... وأَهْلِ الوَفَاء وَأَهْلِ الثِّقَهْ
سَقَى اللَّه قَبْرَيهِمَا وَالصَّدَى ... وَمَا جاورا دِيمةً مُغْدِقهْ
فَإِنْ تَكُ مِصرًا أَشَارَتْ بِهَا ... إِلَى الشَّرّ يَوْمًا يدٌ مُوبِقَهْ
فَقدْمًا تَقِرُّ بِمِصرَ العُيُونُ ... فِي لَذَّةِ العَيْشِ مُحْدَوْدِقَهْ
وقال سُلَيْمَان بْن أَبان بْن أَبي حدير الأَنصاري يرثي عَبْد العزيز، والأصبغ:
أَبَعْدَكَ يَا عَبْدَ العَزِيزِ لَحَادِثٌ ... وَبَعْدَ أَبي زَبَّانَ يَنْشَعِبُ الدَّهْرُ
وَلَا زَالَ مَجْرَاهُ مِنَ الأَرْض يَابِسًا ... يَموتُ بِهِ العُصْفُورُ وانْجَدَبَ القَطْرُ
فَمَنْ ذَا الَّذِي يَبْني المكَارِمَ والعُلَى ... وَمَنْ ذا الَّذِي يَهْدِي لَهُ بَعْدَكَ السَّفْرُ
فكُنْتَ حَلِيفَ العُرْفِ والخيرِ والنَّدَى ... فمِتْنَ جَميعًا حِينَ غَيَّبَكَ القَبْرُ
فَبَعْدَكَ لَا يُرْجَى وَلِيدٌ لِنَفْعَةٍ ... وَبَعْدَكَ لَا يُرجى عَوَانٌ وَلَا بِكْرُ.
(1/44)

وقال نُصَيب يرثي عَبْد العزيز، والأَصْبَغ ابنه:
بَكَيْتُ ابْنَ لَيْلَى وابْنَهُ ورأَيتُني ... أَحَقَّ الأُلَى أَمْسَوا نَعى بِبُكاهُمَا
هُمَا أَخَوَايَ الصَّالِحَانِ تَوَالَيَا ... بِحَمْدٍ فَهَذَّا للِفْرَاقِ إِخاهُمَا
فَإِنْ نُزِعَا مِصرًا فَبِالجدِّ فارَقا ... أحل وخلا فسطها وقراهُما
بِحُسْنِ الثَّنَا وَالحَمْدِ فِي النَّاسِ فَارقا ... أَلَا بِأَبِي حقًّا وَأُمِي ثَنَاهُمَا
فَمَا طَائِعًا إِنْ فَارَقَا العَيْشَ فَارَقَا ... نُصَيْبًا وَلَا والله مَا إِنْ قَلاهُمَا
جَزَى خَيْرُ مولًى مَوْلَيَيَّ وَلَا جَزَى ... مِنَ النَّاسِ خَيْرًا مَنْ أَحَبَّ رَدَاهُمَا

عبد الله بْن عَبْد الملك بْن مروان بْن الحكم بْن أَبِي العاص بْن أُميَّة بْن عَبْد شمس بْن عَبْد مَناف، يُكْنَى: أَبَا عُمَر
ثُمَّ ولِيَها عبد الله بْن عَبْد الملك من قِبَل أبيه عَلَى صلاتها وخراجَها، فدخلها يوم الإثنين لإحدى عشرة ليلةٍ خلت من جمادى الآخرة سنة ستّ وثمانين، وهو يومئذٍ ابن سبع وعشرين سنة، وقد تقدَّم إِلَيْهِ أَبُوهُ أن يُعفّي آثار عمّه عَبْد العزيز لمكانه من ولاية العهد، واستبدل بالعُمَّال عُمَّالًا، وبالأصحاب أصحابًا، وأراد عبد الله بْن عَبْد الملك عزل عبد الرحمن بْن مُعاوية بْن حُدَيج عَن الشُّرَط فلم يجد عَلَيْهِ مقالًا ولا متعلِّقًا، فولَّاه مُرابَطة الإسكندرية، وجعل عَلَى الشُّرَط عِمران بْن عبد الرحمن بْن شُرَحْبِيل بْن حسَنة حليف بني
(1/45)

زُهرة، وجمع لَهُ القضاء والشُّرَط، وتُوُفي أمير المؤمنين عَبْد الملك بْن مَرْوان يوم الخميس لأربع عشرة ليلة خلت من شوَّال سنة ستّ وثمانين.
وبويع الوَليد بْن عَبْد الملك، فخرج عبد الرحمن بْن مُعاوية بْن حُدَيج وأخذ لَهُ بيعة أهل مِصر، فأقرّ الوليد أخاه عبد الله عَلَى صلاة مِصر وخَراجها، وأمر عبد الله بْن عَبْد الملك بالدواوين، فنُسِخت بالعربيَّة وكانت قبل ذَلكَ تَكتَب بالقِبْطيَّة، وصرف عبد الله أشناس عَن الديوان وجعل عَلَيْهِ ابن يربوع الفَزَاريّ من أهل حَمص، ومنع عبد اللَّه من لِباس البرانس وذلك فِي سنة سبع وثمانين، وابتنى عبد الله المسجد المعروف اليوم بمسجد عبد الله.
وفي ولايته غلت الأسعار بِمصر وتَرعت، فتشاءَم بِهِ المصريّون، وهي أوَّل شِدَّة رأَوها وزعموا أنَّه ارتشى، وكثُروا عَلَيْهِ وسمّوه مكيسًا، ثمَّ قدِم عبد الله إلى أخيه الوليد فِي صفر سنة ثمان وثمانين واستخلف عليها عبد الرحمن بْن عمرو بْن قَحْزَم الخَولانيّ، وأهل مِصر إذ ذاك فِي شِدَّة عظيمة، فقال زُرْعة بْن سعد اللَّه بْن أَبِي زَمْزَمة الحشنيّ:
إذا سَارَ عَبْد اللَّه مِنْ مِصرَ خَارِجًا ... فَلَا رَجَعَتْ تِلْكَ البِغَالُ الخَوَارِجُ
أَتى مِصرَ والمِكْيَالُ وَافٍ مُغَرْبَلٌ ... فَمَا سَارَ حَتَّى سَارَ والمُدُّ فَالِجُ.
فأهدر عبد الله بْن عَبْد الملك دمه، فهرب إلى المغرب وكتب إلى الوليد بْن عَبْد الملك: أَلَا لَا تَنْهَ عَبْدَ اللهِ عَنِّي كَمَا قَدْ قَالَ يَجْعَلْنِي نَكَالًا
وَلَمْ أَشْتُمْ لِعَبْدِ اللهِ عِرْضًا ... وَلَمْ آكُلْ لِعَبْدِ اللهِ مَالَا
وسخِط عبد الله بْن عَبْد الملك عَلَى عِمْران بْن عبد الرحمن بْن شُرَحِبِيل بن حسَنةَ، فصرفه عَن الشُّرَط والقضاء وسجنه وذلك فِي صفر سنة تسع وثمانين، وجعل مكانه عَلَى الشُّرَط عَبْد الأَعلى بْن خَالِد بْن ثابت بْن ظاعن الفَهْميّ، وعلى القضاء عَبْد الواحد بْن عبد الرحمن بْن مُعاوية بْن حُدَيج، وأمر عبد الله بسقف المسجد الجامع أن يُرفَع سمكه، وكان سفقه مطأطئًا وذلك فِي سنة تسع وثمانين.
(1/46)

حَدَّثَنَا عاصم بْن رازح بْن رجَب الخَولانيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بْن حُمَيد بن هشام الرُّعَينيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَسَن بْن مُعاوية النُّصيريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن أَبِي ليلى التُّجيبيّ، عَنْ عَبْد الحَميد بْن حُميد الكاتب مولى خُزاعة، عَنْ أبيه، قَالَ: " كَانَ مُوسَى بْن نُصَير يكاتب عَبْد العزيز بن مَرْوان، فلمَّا هلك عَبْد العزيز ولَّى عَبْدُ الملك عبد اللَّه بْن عَبْد الملك، فلم يكاتبه مُوسَى وكاتب عَبْد الملك، فكتب إِلَيْهِ عبد الله بْن عَبْد الملك: أمَّا بعد، فإنَّك كنت من عَبْد العزيز وبِشر بين مِهَادَيْن تعلو عَن الحضيض مهودهما، ويُدْفِئك دِثارهما حتى عَفا مَخبَرك، وسمتْ بك نفسك فلا تحسبني كمَن كنتَ تخلبه وأعداء بيته، وتقول اكفِياني أكفكما، ولا كأضبع كنت تمينه بكهانتك، وأَيم اللَّه لأَضعنَّ منك ما رفعا، ولَأُقلّن منك ما كثَّرا، فَضَحِّ رُوَيدًا، فكأَن قد أصبحت سادمًا تَعضّ أناملك نادمًا والسلام.
فكتب إِلَيْهِ مُوسَى بْن نُصَير: أمَّا بعد، فقد قرأت كتابك، وفهِمت ما وصفت فِيهِ من إِركاني إلى أَبَويك وعمّك، ولَعَمري إن كنت لذلك أهلًا، ولو خبرتَ منّي ما خبَرا لَما صغّرت منّي ما عظَّما، ولا جهِلت من أمرنا ما علِما، فكيف أتاه اللَّه لك، فأمَّا انتقاصك لهما فهما لك، وأنت منهما ولهما منك ناصر لو قَالَ وجد عليك مقالًا، وكفاك جَزاء العاقّ، فأمَّا ما نِلتَ من عِرْضي فذلك، موهوب لحقّ أمير المؤمنين لا لك، وأمَّا تهدُّدك إيَّاي بأنَّك واضع مني ما رفعا فليس ذَلكَ بيدك، فأرعُد وأَبرُق لغيري، وأمَّا ما ذكرت ممَّا كنتُ آتي بِهِ عمَّك عَبْد العزيز فَلَعمري إِني ممَّا نسبتني إِلَيْهِ من الكهانة لبعيد، وإنّي من غيرها من العِلم لقريب، فعلى رِسلك، فكأنَّك قد أظلَّك البدر الطالع، والسيف القاطع، والشِّهاب الساطع، فقد تمَّ لها وتَّمت لَهُ، ثمَّ بعث إليك الأعرابيّ الحِلف الجافي فلم تشعُر بِهِ حتَّى يحلّ بعقْوتك فيسلبك سُلطانك، فلا يعود إليك ولا تعود إِلَيْهِ فيومئذٍ تعلَم أكاهن أمْ عالمٌ، وتُوقن أيّنا النادم السادم، والسلام.
فلمَّا قرأَ عبد الله الكتاب كتب إلى عَبْد الملك كتابًا، وأدرج كتاب مُوسَى فِيهِ، فلم
(1/47)

يصل الكتاب إلى عَبْد الملك حتى قُبِض، ووقع الكتاب فِي يد الوَليد بعد أن عزل عبد الله عَنْ مِصر وولَّى قُرَّة بْن شَريك، فلمَّا قرأه الوَليد استضحك، ثمّ قَالَ: لله دَرّه إن كَانَ عنده لآثره من علمٍ، ولقد كَانَ عبد الله غنيًّا أن يتعرّضه "
فحَدَّثَنِي عليّ بْن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد بْن عُفَير، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي القاسم بْن الْحَسَن بْن راشد: " أن يحيى بن حَنْظَلة مَولى بني سَهم نزَّه عبد الله بْن عَبْد الملك إلى مُنية لَهُ بالجِيزة، فما رَأَى طعامًا كَانَ أكثر من طعامه، إنَّ الرجُل من الجُند ليأخذ الخرُوف ما ينازعه أحد، فلمَّا متع النهار أقبل قُرَّة بْن شَرِيك عَلَى أربعة من دَوابّ البَريد إحداهنَّ عليها الفُرانِق، فنزل بباب المجد، ونزل صاحباه، فدخل فصلَّى عند القِبلة وتحوَّل، فجلس صاحباه عَنْ يمينه ويَساره، فأتاهم حرَس المسجد، وكان لَهُ شُرَط يذبُّون عَنْهُ، فقالوا: إِنَّ هذا مجلس الوالي ولكم فِي المسجد سَعَة قَالَ: وأين الوالي؟ قَالُوا: فِي مَنْتَزَه.
قَالَ: فادْعُ خليفته.
فانطلق شُرَطيّ منهم إلى عبد الأعلى فأَعلمه، فقال أصحابه: أَرْسِل إلهي يأْتِك صاغرًا.
قَالَ: ما بعث إليَّ إلَّا وله عليَّ سلطان لسرِجوا.
فركب حتى أتاه فسلَّم، قَالَ: أنت خليفة الوالي؟ قَالَ: نعم.
قَالَ: انطلق فاطبع الدواوين وبيت المال.
قال: إن كُنتَ والي خَراج، فلسنا أصحابك، قَالَ: ممَّن أَنت؟ قَالَ: من فَهْم.
فقال قُرَّة: لَنْ تَجِدَ الفهميّ إلَّا مُحافظًا عَلَى الخلق الأعلى وبالحقّ عالمًا: سَأُثْنِي عَلَى فَهْمٍ ثَنَاءً يَسُرُّهَا أُوَافِي بِهِ أَهْلَ القُرَى والمَوَاسِما فقال: السلام عليكم أيّها الأمير.
وكتب إلى عبد الله بْن عَبْد الملك يُعلمه، فأَتاه الخَبر وقد أُهديَت لَهُ جارية، فبكى ولبِس خُفَّه قبل سراويله دهشًا "، قَالَ: وكتب رجُل من قُرَيش إلى الوليد:
عَجَبًا مَا عَجِبْتُ حِينَ أَتَانَا ... أَنْ قَدَ أمَّرْتَ قُرَّةَ بْنَ شَرِيكَ
وَعَزَلْتَ الْفَتَى المُبَارَكَ عَنَّا ... ثمَّ فَيَّلْتَ فِيهِ رَأْيَ أَبِيكَ
(1/48)

يعني بالمبارك هاهنا: الميشُوم.
وقال عبد الله بْن الحجَّا الثَّعْلَبيّ: فَإِنَّ بِمِصْرَ عَبْدَ اللهِ يا شُؤْمَ عَبْدٍ كُلَّ ذِي عَظْمٍ هَشَم.
فكانت ولاية عبد الله عليها عشرة أشهُر

قُرَّة بْن شَريك بْن مُرثد بْن الحارث بْن حبش بْن سُفيان بن عبد الله بْن ناشب بْن هدم بْن عوذ بْن غالب بْن قُطَيعة بْن عَبْس بْن بَغِيض بْن رَيث بْن غَطَفان بن سعد بْن قيس بْن عَيلان بْن مُضَر
ثمَّ وِليَها قُرَّة بْن شَريك العَبْسيّ للوليد عَلَى صلاتها وخراجها، فقدِمها يوم الإثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة تسعين، فأقر عبد الأعلى بن خالد على الشرط، وأخذ عبد الله بن عبد الملك بالخروج عن مصر، فخرج عبد الله بكل ما يملك، فلما بلغ الأردن تلقاه رسل الوليد، فأخذوا كل ما كان معه، ثم خرج قرة إلى رشيد، وأستخلف عبد الأعلى بن خالد على الفسطاط، وتوفي عبد الأعلى بن خالد بالفرما وهو سائر إلى الوليد في ربيع الأول سنة إحدى وتسعين، فجعل على الشرط عبد الملك بن رفاعة بن خالد بن ثابت الفهمي بن أخي عبد الأعلى.
وخرج قرة إلى الإسكندرية وأستخلف على الشرط عبد الرحمن بن معاوية بن حديج سنة إحدى وتسعين، فتعاقدت الشراة بإسكندرية على الفتك بقرة، وكان رئيسهم
(1/49)

المهاجر بن أبي المثنى التجيبي، وكانت عدتهم نحو من مائة، فعقدوا لابن أبي المثنى عليهم عند منارة الإسكندرية، وبالقرب منهم رجل يكنى أبا سليمان، فبلغ قرة ما عزموا عليه فأتى بهم قبل أن يتفرقوا، فأمر بحبسهم في أصل منارة إسكندرية، واحضر قرة وجوه الجند، واحضرهم فسألهم، فأقروا، فتلهم قرة، ومضى رجل ممن يرى رأي الخوارج إلى أبي سليمان فقتله، فكان يزيد بن أبي حبيب إذا أراد أن يتكلم بشيء فيه تقية من السلطان، تلفت وقال: أحذروا أبا سليمان.
ثم قال يوما من ذاك: الناس كلهم أبو سليمان.
وورد كتاب بالزيادة في المسجد الجامع، فأبتدأ في هدم ما كان عبد العزيز بناه لمستهل سنة اثنتين وتسعين، ووفد قرة إلى أمير المؤمنين بوفد أهل مصر، وأستخلف عليها عبد الملك بن رفاعة الفهمي، وابتدأ في بنيان المسجد في شعبان سنة اثنتين وتسعين، وجعل على بنائه يحيى بن حنظلة من بني عامر بن لؤي، وكانوا يجمعون الجمعة في قيسارية العسل، حتى فرغ من بنيانه، وقدم قرة من وفادته في سنة ثلاث وتسعين، فاستنبط الإصطبل لنفسه من الموات وأحياه وغرسه قصبا، فكان يسمى إصطبل قرة، ويسمى أيضا إصطبل القاس، يعنون القصب، كما يقولون قاس مروان، ونصب النبر الجديد في الجامع في سنة أربعة وتسعين، فيقال: أنه لا يعلم اليوم في جند من الأجناد أقدم منه بعد منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ودون قرة الديوان في سنة خمس وتسعين وهو المدون الثالث، ثم توفي قرة بن شريك بها وهو والٍ عليها ليلة الخميس، لست بقين من شهر ربيع الأول سنة ست وتسعين، ودفن في مقبرتها، واستخلف على الجُند والخَراج عَبْد الملك بْن رِفاعة بْن خَالِد الفَهْميّ، فكانت ولاية قُرَّة عليها ستّ سنين إِلَّا أيَّامًا.
(1/50)

عَبْد الملك بْن رِفاعة بْن خَالِد بْن ثابت بْن ظاعن بْن العَجلان بن عبد الله بْن صبح بْن والية بْن نصر بْن صَعْصَعة بْن ثَعْلبة بْن كِنانة بْن عَمرو بْن القَين بْن فَهْم بْن عمرو بْن سَعِيد بن قيس بْن عَيْلان بْن مُضَر بْن نِزار بْن مَعَدّ بْن عَدْنان
ثمَّ ولِيَ عَبْد الملك بْن رِفاعة عَلَى شُرَطه، ثم تُوفّي أمير المؤمنين الوَليد يوم السبت لأربع عشر ليلة خلت من جُمادى الآخرة سنة ستّ وتسعين واستخلف سُلَيْمَان بْن عَبْد الملك، فأَقرَّ عَبْد الملك بْن رِفاعة عَلَى صلاتها، وخرج بيعة أهل مصر إلى سُلَيْمَان بْن عَبْد الملك عبدُ اللَّه بْن عبد الرحمن بْن حُجَيرة الخَولانيّ، وتُوفّي عبد الله بْن عمرو بْن عثمان بْن عفَّان بمصر، وأبو بكر بْن عَبْد العزيز بْن مَروان بسُكَر من الشرقيَّة، قَالَ كُثَيِّر: أُصِبْتُ يَوْمَ الصَّعِيدِ مِنْ سُكَرٍ مُصِيبَةً لَيْسَ لِي بِهَا قِبَلُ ثُمَّ تُوفيا سنة ستّ وتسعين، ونزع الوليد بْن رِفاعة عَن الشُّرَط فِي سنة سبع وتسعين، وجعل مكانه الشيخ بْن جَرْو الحضْرَميّ، وتُوفي أمير المؤمنين سُلَيْمَان فِي صفر سنة تسع وتسعين، وبويع عُمَر بن عَبْد العزيز بْن مَرْوان، فعزل عَبْد الملك بْن رِفاعة عَنْهَا.
حَدَّثَنَا عاصم بْن رازح بْن رجَب، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو قُرَّة محمد بْن حُميد الرُّعَينيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَسَن بْن مُعاوية النُّصَيريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي ضِمان، أن عُمَر بْن عَبْد العزيز، قَالَ: " دلُّوني عَلَى رجُلٍ من أهل مصر لَهُ شرَف وصَلاح أُوَلّيه صلاتها.
فقيل له: بها رجُلان: مُعاوية بْن عبد الرحمن بن مُعاوية بْن حُدَيج، وأيّوب بْن شُرَحْبِيل.
قَالَ: أيّ الرَّجلين أَقْصَدُ؟ قَالُوا: أيُّوب.
قَالَ: فهذا أُريد.
فكتب إلى أيّوب بْن شُرَحْبِيل بولايته
(1/51)

وأمر البريد أن يكتم ذَلكَ وأن تكون موافاته يوم جُمعة، فلمَّا قدِم الرَّسُول ودفع إِلَيْهِ الكتاب، راح كما كَانَ يروح فركع قريبًا من المِنبر، وابن رفاعة يومئذ أمير الجند، فلما أذن المؤذن صعد أيوب المنبر فخطب الناس وصلَّى بهم الجمعة وانصرفوا، وأقبل ابن رِفاعة رائحًا، وكان يروح ماشيًا وأخوه بين يديه عَلَى شُرَطه، فلَقي أخوه أوائل المنصرفين، فقال: مَهْ.
فقيل لَهُ: صلَّى بالناس أيّوب بْن شُرَحْبِيل.
فوقف حتى أدركه أخوه، فأعلمه، فقال: إنهن فِيهِ امضِ كما أنت.
فدخل المسجد، فصلَّى، ثمَّ مال إلى مجلس قَيس، فلمَّا صلَّى العصر دخل إلى أيّوب فهنَّأه، ثمَّ انصرف "، وكانت ولاية عَبْد الملك عليها ثلاث سنين

أيوب بْن شُرَحْبِيل بْن أكْسُوم بْن أَبْرَهَة بْن الصبَّاح بْن لَهِيعة بْن شُرَحْبِيل بْن مُرثد بْن الصبَّاح بْن مَعدِي كرِب بن يعفُر بْن ينوف بْن شرَاحِيل بْن أَبِي شمر بْن شُرَحْبِيل بن ياشر بْن أشعر بْن ملكيكرب بْن شرَاحِيل بْن بَعْفُر بن عمي بْن أَبِي كرب بْن يَعْفُر بْن أسعد بْن ملكيكرب بن سمر بْن أشعر بْن ينوف بْن أصبح، وأمّه بِنْت مالك بْن نُوَيرة بْن الصبَّاح
ثمَّ وليَها أَيُوب بْن شُرَحْبِيل من قِبَل أمير المؤمنين عُمَر بْن عَبْد العزيز عَلَى صلاتها فِي ربيع الأوَّل سنة تسع وتسعين فجعل عَلَى شُرَطه الْحَسَن بْن يزيد الرُّعَينيّ، ثمَّ أحد عَجلان بْن سريح، وورد كتاب أمير المؤمنين بالزيادة فِي أَعطِيات الناس عامَّة، وحُرّمت
(1/52)

الخمر وكُسرت، وعُطِّلت حاناتها، وصرف الْحَسَن بْن يزيد عَن الشُّرَط فِي رجب سنة تسع وتسعين وجعل مكانه الحارث بْن داخر بْن سهم الأصبحيّ أحد السحول، وأَلحق لأَهل مصر خمسة آلاف فِي سنة مائة.
حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، عَن ابن لَهِيعة، قَالَ: كتب عُمَر بْن عَبْد العزيز إلى أيّوب بْن شُرَحبيل بفريضة للجُند، فقال: «أَلصِقْ ذَلكَ بأهل البيُوتات الصالحة فإِنَّما الناس معادن، وأقسِمْ للغارمين بخمسة وعشرين ألف دينار، وقفل أهل القُسطنطينيَّة» ، وكان عَلَى أهل مصر أَبُو عبيدة بْن عُقْبة بْن نافع الفِهريّ، ونُزِعت مواريث القِبْط عَن الكُوَر، واستُعمِل المسلمون عليهم، ومنع النساء الحمامات
وحدثني ابن قديد، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، عَن المَيسريّ يعني عَبْد العزيز أَبِي مَيْسرة، قَالَ: شُكي ضُعف أيّوب إلى عُمَر بْن عَبْد العزيز، فقال: «إن أيّوب زجرت بِهِ أعراف صالحة فلان لِين الأَشراف، وقصد قصد السِّيادة» .
وتُوفّي أمير المؤمنين عُمَر بْن عَبْد العزيز يوم الجمعة لخمس بقينَ من رجب سنة إحدى ومائة واستخلف يزيد بْن عَبْد الملك، فأَقرّ أيّوب بْن شُرَحْبِيل عَلَى صلاتها، قَالَ عَبْد العزيز بْن أَبِي مَيسرة: إلى أن تُوفي لإحدى عشرة ليلة بقِيَت من شهر رمضان سنة إحدى ومائة.
وقال الليث بْن سعد، وأحمد بْن يحيى بْن وزير: نُزِع أيّوب بْن شُرَحْبِيل لسبع عشرة من شهر رمضان سنة إحدى ومائة، فكانت ولاية أيّوب عليها سنتين ونصفًا

بِشر بْن صَفْوَان بْن تَوِيل بْن بِشر بْن حَنْظَلة بْن عَلْقَمة بن شُرَحْبيل بْن عدس بْن أَبِي جَابِر بْن زُهَير بْن جَنَّاب بْن عبد الله بْن كِنانة بْن بَكر بْن عَوف بْن عُذْرة بْن زيد اللات بن رُفَيدة بْن ثور بْن كَلْب
(1/53)

ثمَّ ولِيها بشر بْن صَفْوان الكلبيّ من قِبَل يزيد بْن عَبْد الملك، قدِمها لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة إحدى ومائة فجعل عَلَى شرَطه شُعَيب بْن حُميد بن أَبِي الرَّبْذاء البَلَويّ من الموالي، وكانت لجَدّه أَبِي الرَّبْذاء صُحبة، ثمَّ نزع شُعيب بعد أيَّام وولَّاه التابوت، وجعل بِشر أخاه حَنْظَلة بْن صَفْوان عَلَى شُرَطه.
وفي إمرته نزلت الروم تِنّيس عليهم رزين، فقتل ابن أَحمر بْن مَسْلَمة المُراديّ أميرها فِي جمع من الموالي، ولهم يَقُولُ الشاعر:
أَلَمْ تَرْبَعْ فَتُخْبِرَكَ الرِّجَالُ
بِمَا لَاقى بِتِنِّيسَ المَوالِي
وكتب يزيد بْن عَبْد الملك بمنع الزيادة التي كَانَ عُمَر بْن عَبْد العزيز أمر لأهل الديوان بها، فمُنِعوها.
ولما رأَى بِشر بْن صَفْوان افتراق قُضاعة فِي القبائل، كتب إلى يزيد بْن عَبْد الملك يسأَله الإذن لَهُ في استخراج من كَانَ فِي القبائل منهم فيجعلهم دعوةً منفرِدةً، فأَذِن لَهُ يزيد بْن عَبْد الملك فِي ذَلكَ، فأخرج مَهْرة من كِندة، وأخرج تَنُوخًا من الأَزْد، وأخرج آل كعب بْن عديّ التَّنُوخيّ من قُرَيش، وأخرج جُهَينة من أهل الراية، وأخرج حسينًا من لَخْم، فجعلهم مَعَ سائر قُضاعة دعوةً مُفرَدةً، وتدوين بِشر بْن صَفْوان هذا هُوَ التدوين الرابع، لأَنَّ الأول: تدوين عمرو بْن العاص، والثاني: تدوين عُمَر بْن عَبْد العزيز بْن مَرْوان، والثالث: تدوين قُرَّة بْن شَريك، والرابع: هُوَ هذا، ولم يكن بعد هذا فِي الديوان شيء لَهُ ذِكْر إلَّا ما كَانَ من إلحاق قيس فِيهِ زَمن هِشام، وأشياء أحدثها المُسوِّدة من أرباعهم التي أحدثوها منه ثمَّ ورد كتاب يزيد بْن عَبْد الملك عَلَى بِشْر بْن صَفْوان بتأْميره عَلَى إِفريقيّة، فخرج إليها فِي شوال سنة اثنتين ومائة واستخلف أخاه حَنْظَلة بْن صَفْوان عَلَى مصر.
(1/54)

حَنْظَلة بْن صَفْوان بْن تَوِيل بْن بِشر الكلبيّ
ثمَّ ولِيَها حَنْظَلة بْن صَفْوَان باستخلاف أخيه بِشْر لَهُ عليها، فأَقرّه يزيد بن عَبْد الملك فجعل عَلَى شُرَطه محمد بْن مطير البلَويّ، ثمَّ عزله فِي سنة ثلاث ومائة وجعل عَلَى شُرَطه القاسم بْن أَبِي القاسم بْن زر السَّبَائيّ مولًى لهم، وخرج حَنْظَلة إلى الإسكندريَّة فِي سنة ثلاث ومائة واستخلف عَلَى الفُسطاط عُقبة بْن مُسلم التُّجِيبيّ حليف بني الدعان بْن سعد بْن تُجيب، وكتب يزيد بْن عَبْد الملك فِي سنة أربع ومائة يأْمر بِكَسْر الأصنام، فكُسِرت كلّها ومُحِيَت التماثيل، وكُسِر فيها صَنم حمَّام زَبَّان بن عَبْد العزيز، الَّذِي يقال لَهُ: حمَّام أَبِي مُرَّة، وله بقول كُرَيب بْن مَخْلد الجَيْشانيّ:
مَنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ للْبِيض مَنْزِلَةٌ ... فَلْيَأْتِ أَبْيَضَ فِي حمَّامِ زَبَّانِ
عَبْلٌ لَطِيفٌ هَضِيمُ الكَشْحِ مُعْتَدِلٌ ... عَلَى تَرَائِبِهِ فِي الصَّدْرِ ثَدْيَان
وقدِم بِشر بْن صَفْوان من إِفْريقيَّة وافدًا إلى أمير المؤمنين يزيد فِي سنة خمس ومائة، فلمَّا صار فِي أرض مصر بلغه أنَّ يزيد قد تُوُفّي، فرجع إلى إفريقيَّة.
وكانت وفاة يزيد بْن عَبْد الملك فِي شعبان سنة خمس ومائة، وبُويع هِشام بْن عَبْد الملك، فاستقبل بخلافته شهر رمضان، ثمَّ صرف حَنْظلة بْن صَفْوَان عَنْهَا فِي شوَّال سنة خمس ومائة، فكانت ولايته ثلاث سنين.

محمد بْن عَبْد الملك بْن مَرْوان بْن الحكَم بْن أَبِي العاصِ بْن أُمَيَّة بْن عَبْد
(1/55)

شمس بْن عَبْد مَناف
ثمَّ ولِيَها محمد بْن عَبْد الملك من قِبَل أخيه هِشام عَلَى صلاتها، دخلها يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة خلت من شوَّال سنة خمس ومائة فجعل عَلَى شُرَطه حَفص بْن الوليد بْن يوسف الحضْرَمي، ووقع بمصر وباء شديد، فترفّع محمد بْن عَبْد الملك إلى الصعيد هاربًا من الوباء أيَّامًا، ثمَّ قدِم من الصعيد وخرج عَنْ مِصر لم يلِها إلَّا نحوًا من شهر.
حَدَّثَنَا أَبُو بِشْر الدُّولابيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي معاوية بْن صالح الأَشعريّ، قَالَ: أخبرني منصور بْن أَبِي مُزاحم، قَالَ: سمِعت أَبَا عُبَيْد اللَّه، يَقُولُ: " ولَّي هِشام أخاه محمدًا مِصر.
فقال لَهُ: أَنَا أَليها عَلَى أنك إن أمرتني بخلاف الحقّ تركتُها.
فقال: ذَلكَ لك.
فولِيَها شهرًا، فأتاه كتاب لم يُعجِبْه، فرفض العمَل وانصرف إلى الأُرْدُنّ، وكان منزِله بها فِي قَرْية، يُقال لها: ريسون، فكتب: أَتترك مِصر لريسون حسرة، ستعلَم يومًا أي بيعتك أَربح، قد أَدرك هِشام مثل هذا.
فأجابه محمد: إنِّي لست أشكّ فِي أن أربح البيعتين ما صنعتُ "
الحُرّ بْن يوسف بْن يحيى.
بْن الحكم بْن أَبِي العاص بْن أُمَيَّة بن عَبْد شمس بْن عَبْد مَناف ثمَّ ولِيَها الحُرّ بْن يوسف من قِبَل هشام عَلَى صلاتها، دخلها لثلاث خلونَ من ذي الحجَّة سنة خمس ومائة، فأَقرّ حَفْص بْن الوليد عَلَى شُرَطه، وفي إمرة الحُرّ كتب عُبَيْد اللَّه بْن الحَبْحاب صاحب خَراجها إلى هِشام بأن أرض مصر تحتمل الزيادة، فزاد عَلَى كلّ دينار قيراطًا، فانتقضت كُورة تنو، وتُمَيّ، وقُرْبَيْط، وطُرابِيَة، وعامَّة الحَوْف الشرقيّ،
(1/56)

فبعث إليهم الحُرّ بأهل الديوان، فحاربوهم، فقُتل منهم بَشَر كثير، وذلك أوَّل انتقاض القِبط بِمصر، كَانَ انتقاضهم فِي سنة سبع ومائة، ورابط الحُرّ بْن يوسف بدِمْياط ثلاثة أشهُر من سنة سبع ومائة واستخلف عليها حَفْص بْن الوَليد، ثمَّ وفد الحُرّ إلى هِشام فِي شوَّال سنة سبع ومائة واستخلف على الفُسطاط حَفْص بْن الوليد، وقدِم فِي ذي القعدة، وكتب الحُرّ إلى هِشام يُعْلمه: أن النِّيل قد انكشف عَنْ أرض ليست لمُسلم ولا لِمُعاهد، فإن رَأَى أمير المؤمنين أن يأذَن بالبِناء فيها فإنَّ الناس مضطرّون إليها، فأَذِن لَهُ فِي بِنائها قيساريَّة، فابتدأ فِي بِنائها فِي رجب سنة سبع ومائة، وفرغ منها فِي سنة ثمان ومائة، وهي قيساريَّة هِشام التي عند الجِسر.
وفي سنة ثمان ومائة تباعد ما بين الحُرَّ بْن يوسف، وعبيد اللَّه بْن الحَبْحاب صاحب الخَراج، وكتب عُبَيْد اللَّه إلى هِشام يشتكي الحُرّ وكتب يستعفي من وِلايتها، فصرفه هِشام فِي ذي القعدة سنة ثمان ومائة، فكانت ولاية الحُرّ عليها ثلاث سنين سواء.

حَفْص بْن الوليد بْن يوسف بْن عبد الله بْن الحارث بْن جبَل بن كُلَيب بْن عَوف بْن مُعاهر بْن عمروِ بْن زيد بْن مالك بن زيد بْن الحارث بْن عمرو بْن حجر بْن قيس بْن كَعْب بْن سَهل بْن زيد بْن حَضْر مَوت
ثمَّ ولِيَها حفْص بْن الوليد من قِبَل هشام عَلَى صلاتها فجعل عَلَى شُرَطه. . . . . . . . .
حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد بْن عُفَير، عَنْ أبيه، قَالَ: " كَانَ حَفْص بْن الوليد عَلَى شُرَط الحُرّ بْن يوسف، فشكاه عُبَيْد اللَّه بْن الحَبْحاب إلى هِشام، فعزل الحرّ، وولَّاه حَفص بْن الوليد، فكتب عُبيد اللَّه إلى هِشام: إِنَّك لم تعزِل الحُرّ إذ ولَّيت حَفْصًا.
فجعل الاختيار إلى عُبَيْد اللَّه، فاختار عَبْد الملك بْن رِفاعة ".
قَالَ عَبْد العزيز بْن أَبِي مَيْسرة:
(1/57)

فصرف حَفص يوم الأضحى لم يمكُث إلَّا جمعتين.
قَالَ اللَّيث، وأبو ربيعة العامريّ، وابن وزير: إنَّ حفصًا صُرِف سلخ ذي الحجَّة سنة ثمان ومائة

عَبْد الملك بْن رِفاعة بْن خَالِد بْن ثابت بْن ظاعن الثانية
ثمَّ ولِيَها عَبْد الملك بْن رِفاعة من قِبَل هِشام عَلَى صلاتها وعبيد اللَّه يومئذٍ بالشام، ثمَّ قدِم وهو عليل ليلة الجمعة لثنتي عشرة ليلة بقيَت من المحرَّم سنة تسع ومائة ومات، وكان أخوه الوليد يخلفه عليها من أوَّل المحرَّم.
هذا قول ابن أَبِي مَيسرة.

الوَليد بْن رِفاعة بْن خَالِد بْن ثابت بْن ظاعن الفَهْميّ
ثمَّ ولِيَها بْن رِفاعة من قِبَل أمير المؤمنين هِشام عَلَى صلاتها، فاستقبل الوليد بولايته سنة تسع وجعل عَلَى شُرَطه عبد الله بن أَبِي سُمير الفَهمي، ثمَّ عزله وولَّى عبد الرحمن بْن خَالِد بْن مُسافر بْن خَالِد بْن ثابت بْن ظاعن الفَهميّ.
وفي ولاية الوليد نُقلت قيس إلى مِصر فِي سنة تسع ومائة ولم يكن لها منهم أحد قبل ذَلكَ إلَّا من كَانَ من فَهْم وعَدْوان، فوفد ابن الحَبْحاب عَلَى هِشام، فسأَله أن ينقل إليها منهم أبياتًا، فأَذِن لَهُ هِشام فِي إلحاق ثلاثة آلاف منهم، وتحويل ديوانهم إلى مِصر عَلَى أن لا يُنزلهم الفُسطاط، ففرض لهم ابن الحَبْحاب، وقدِم بهم فأنزلهم الحَوف الشرقيّ، وفرَّقهم فِيهِ.
فحَدَّثَنِي يحيى، عَن ابن الوزير، عَنْ أَبِي زيد، عَن الهيثم بْن عديّ، قَالَ: حَدَّثَنِي غير واحد، "
(1/58)

أن عُبَيْد اللَّه بْن لحَبْحاب لمَّا ولَّاه هِشام مِصر، قَالَ: ما أرى لقيس فيها حظًّا إلَّا لناس من جَدِيلة وهم فَهْم وعَدْوان.
فكتب إلى هِشام: إِنَّ أمير المؤمنين أطال اللَّه بقاءه قد شرَّف هذا الحيّ من قيس ونعَّشهم ورفع من ذكرهم، وإني قدِمت مِصر فلم أَرَ لهم فيها حظًّا إِلَّا أبياتًا من فهم، وفيها كُوَر لَيْسَ فيها أحد، وليس يضر بأهلها نزولهم معهم، ولا يكسِر ذَلكَ خَراجًا وهي بُلْبَيس، فإِن رأَى أمير المؤمنين أن يُنزِلها هذا الحيّ من قيس فلْيفعل.
فكتب إِلَيْهِ هِشام: أَنت وذلك.
فبعث إلى البادية، فقدِم عَلَيْهِ مائة أهل بيت من بني مُضَر، ومائة أهل بيت من بني عامر، ومائة أهل بيت من أَفناء هوازِن، ومائة أهل بيت من سُليم، فأَنزلهم بُلْبَيس، وأَمرهم بالزرع، ونظر إلى الصَّدَقة من العُشور فصرفها إليهم، فاشتروا إِبِلًا، فكانوا يحمِلون الطَّعام إلى القُلْزُم، وكان الرجُل يُصيب فِي الشهر العشرة دنانير وأكثر وأقلّ، ثمَّ أمرهم باشتراء الخيول، فجعل الرجُل يشتري المُهْر فلا يمكُث إلَّا شهرًا حتى يُركب وليس عليهم مَئُونة فِي إعلاف إِبِلهم ولا خَيْلهم لِجُودة مَرْعَاهم.
فلمَّا بلغ ذَلكَ عامَّة قومهم تحمَّل إليهم خمسمائة أهل بيت من البادية، فكانوا عَلَى مثل ذَلكَ، فأقاموا سنة، فأتاهم نحو من خمسمائة أهل بيت، فمات هِشام وببُلْبَيس ألف وخمسمائة أهل بيت من قَيس حتى إذا كَانَ فِي زَمن مَرْوان بْن محمد، وولِيّ الحَوْثَرة بْن سُهيل الباهليّ مِصر مالت إِلَيْهِ قيس، فمات مَرْوان وبها ثلاثة آلاف أهل بيت، ثمَّ توالدوا وقدِم عليهم من البادية من قدِم ".
قَالَ الهَيْثَم: فحَدَّثَنِي أَبُو عَبْد العزيز، قَالَ: أحصيناهم فِي وِلاية محمد بن سَعِيد عَلَى مِصر، فوجدناهم صغيرهم وكبيرهم وكلّ من جمعت الدار منهم خمسة آلاف إلَّا مائتين أو ومائتين.
وفي إِمرته خرج وُهَيْب اليَحصُبيّ شاريًا بالفُسطاط فِي سنة سبعٍ عشرة ومائة، وذلك أن الوليد بْن رِفاعة أَذِن للنصارى فِي ابتناء كنيسة بالحمراء تُعرف اليوم بأبي مِينا، فخرج وُهَيب غَضَبًا لذلك، فأَتى إلى إِثر ابن رِفاعة ليفتك بِهِ، فأُخِذ وقُتِل، وهو الَّذِي يُقال
(1/59)

لَهُ: أَيْن صَلاتك يا وُهَيب، وكان وُهَيب مَدَرِيَّا من اليمَن قدِم إلى مِصر، ثمَّ خرج القُرَّاء عَلَى الوليد بْن رِفاعة غضبًا لوُهَيب، فقاتلوا الوليد بْن رِفاعة بجزيرة الفُسطاط التي بين الجِسرين، وعليهم شُريح بْن صَفْوان التُّجِيبيّ أَبُو حَيْوَة بن شُريح الفقيه
حَدَّثَنِي عمّي، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن قُدَيد، عَنْ أَبِي زيد يُخبر، عَنْ أبيه، قَالَ أَنَّهُ: «رأَى معونة امرأَة وُهَيب الشاري تطُوف بالليل عَلَى منازل القُرَّاء، تحرضهم عَلَى الطلب بدم وُهَيب، وكانت امرأَة جَزْلة محلوقة الرأس»
وحَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه، عْن سَعِيد بْن أبيه، قَالَ: " أُخِذ أَبُو عيسى مَرْوان بْن عبد الرحمن اليَحْصُبي بوُهَيب فِي نفرٍ، فقال مَرْوان: إنَّما هُوَ دافّ دفّ علينا لا عِلم لنا بِهِ، وقد كَانَ إِبليس مَعَ الملائكة فعصى، فلم يؤَاخِذهم اللَّه بمعصيته.
فخلّى ابن رِفاعة سبيلهم، وبعث أمير المؤمنين هِشام بالمُدْي إلى مِصر، وأَمرهم أن يتعاملوا بِهِ، فأَمر ابن رِفاعة، فطيف بِهِ عَلَى القبائل وأخبرهم أن أَمير المؤمنين أمر بِهِ، فكلّ الناس مسلّم لذلك حتى أتي بِهِ إلى المَعافر، فعُرِض عليهم، وأتى بِهِ إلى عبد الرحمن بْن حُيويل بْن ناشرة المعافريّ وأخذه، فضرب بِهِ الحجَر فكسره، ثمّ قَالَ: إنَّ لنا وَيبةً وَإِرْدَبًّا قد عرفناهما ولسنا نحتاج إلى هذا، فقِيل لَهُ: كاسر المُدْي، وصار هذا نسَبًا لبنيه إلى اليوم.
يقال: بني كاسر وقال شاعرهم:
قَوْمِي الَّذِينَ تَبَادَرُوا ... مُدْيَ الخَلِيفَةِ بِالحَجَرْ
وتَحزَّبُوا وتَعَصَّبُوا ... وجَثَوا عَلَيْهِ فَأنكسرْ
مِنْ بَعْدِ مَا ذَلَّتْ لهُ ... أَعْنَاقُ يَعْرُبَ بَلْ مُضَرْ
وتُوُفّي الوليد بْن رِفاعة وهو والٍ عليها يوم الثلاثاء مستهلّ جمادى الآخرة سنة سبع عشرة ومائة فاستخلف عليها عبد الرحمن بْن خَالِد بْن مُسافر، فكانت إمرة الوليد عليها سبع سنين وخمسة أشهر "
(1/60)

عبد الرحمن بْن خَالِد بْن مُسافر بْن خَالِد بْن ثابت بْن ظاعن الفَهْميّ، يُكنى: أَبا الوَليد
ثمَّ ولِيَها عبد الرحمن بْن خَالِد بْن مُسافِر من قِبَل هِشام عَلَى صلاتها فجعل عَلَى شُرَطه عبد الله بْن يَسار الفَهمي.
فحَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد بْن عُفَير، عَنْ أبيه: " أن نافع بن أَبِي عبيدة بْن عُقبة بْن نافع الفِهريّ كَانَ عَلَى بحر أهل مِصر سنة ثمان عشرة ومائة، فنزلوا عَلَى تَرُوجَة، فحاصروها، ثمَّ انصرفوا، وأَقبلت سُفُن الرُّوم فأَسروا نُعَيم بْن العَجلان، وعبد العزيز بْن مَرْوان، فلمَّا قدِموا أَلْفَوا عَلَى مِصر عبد الرحمن بْن خَالِد بْن مُسافر، فكتب إلى هِشام يُخبره بمصابهم، وكان سالم أَبُو العلاء يقرأ الكُتُب فلا يُدخل عَلَى هِشام إلَّا ما يسرّه، فقال عبد الرحمن بْن مُسافِر لرسوله: أَدخلْ هذا الكتاب فِي خُفّك، وأَظهرْ هذا يُذكر فِيهِ الفتح والسلامة، فإذا دخلت فأخبرْ بالكتاب الَّذِي فِي خُفّك.
ففعل، فغضِب هِشام، وقال: أكتم مثل هذا.
فقيل لهشام: يا أمير المؤمنين، إنَّه ليّن وهو حدَث لا يستطيع بما هُوَ فيه.
فأَرسل هِشام إلى حَنْظَلة بْن صَفْوَان، فسأَله عَنْهُ، فلم يعرِفه، فقال: إنَّ امرءًا لا يعرِفه وهو والي مصر لجدير أن لا يستأهل ولايتها.
فعزله وولّى حَنْظَلة، فقدِمها يوم الرِّهان وقد فُرِش لابن مسافر فِي مِنبر الخيل، فجلس حَنْظَلة فِي مجلسه، وقدِم ابن مُسافر حتى بلغ جبَل يشكُر، فأُخبِر أن أميرًا قد قدَم وجلس فِي مِنبر الخيل، فقال لا اله إلا الله هكذا تقوم الساعة.
ومضى كما هو إلى منبر الخيل، فلمَّا رآه حَنْظَلة اعتذر إِلَيْهِ، وقال: لو علِمت أنَّك هُوَ ما وليت عليك.
فكانت ولاية ابن مُسافر عليها سبعة أشهر وخمسة أيَّام "
(1/61)

حَنْظَلة بْن صَفْوان بْن تَويل بْن بِشر الثانية
ثمَّ ولِيَها بْن صَفْوَان وِلايته الثانية عَلَى صلاتها، فقدِمها يوم الخميس لخمس ليال خلونَ من المحرَّم سنة تسع عشرة ومائة، فجعل عَلَى شُرَطه عِياض بْن حُربية بْن سَعِيد بْن الأصبع الكَلْبيّ، ثم انتقض أهل الصعيد، وحارب القِبْط عُمَّالهم فِي سنة إحدى وعشرين ومائة، فبعث حَنْظلة بأهل الديوان، فقتلوا من القِبط ناسًا كثيرًا وظفِر بهم، وقدِم إلى مِصر فِي سنة اثنتين وعشرين ومائة أَبُو الحكم بْن أَبِي الأبيض العَبْسي خطيبًا برأس زيد بن عليّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يوم الأحد لعشر خلونَ من جمادى الآخرة، واجتمع الناس إِلَيْهِ فِي المسجد الجامع، وشُكي عيِاض بْن حُرَيبة إلى حَنْظَلة ولم يُحمد.
فحَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، قَالَ: " قَالَ حَنْظَلة لَحفْص بْن الوَليد: إنَّ عِياضًا قد شُكي فأَشرْ عليَّ من أوّلي الشُّرَط.
قَالَ: فولِّ قيس بْن الأشعث التُّجِيبيّ.
قَالَ: هُوَ عَلَى الإسكندريَّة.
قَالَ: قد نحَّيت عبد الله بْن عبد الرحمن بْن حُدَيج عَنْهَا فرُدُّه إليها فهو يكفيكها، وأضمُمْ قيسًا إليك، ففعل حَنْظلة وولَّاه الشُّرَط "، وصرف عِياض بْن حُرَيبة وذلك فِي سنة اثنتين وعشرين ومائة.
ثمَّ تُوفّي قيس بْن الأشعث مستهلّ ربيع الآخر سنة أربع وعشرين ومائة فجعل عَلَى الشُّرَط عُقْبة بْن نُعَيم بْن صابر الرُّعَينيّ، ثمَّ أحد بني زِنباع بْن مُرثد.
قَالَ سَعِيد بْن عُفَير: كانت لَحنْظَلة بْن صَفْوان رَيْطة مثنيَّة يلبَسها ويصلي فيها، فإذا كَانَ يوم الجمعة احتزم بها عَلَى قَباء أَبيض وتقلَّد السيف، ثمَّ يصعد المنبر فيخطب.
ثمَّ ورد كتاب هِشام عَلَى حَنْظَلة بولايته إفريقيَّة وأمره بالمسير إليها، وأن يستخلف عَلَى مِصر فاستخلف حَفْص بْن الوليد الحَضْرَميّ عليها، وخرج حَنْظَلة إلى إفريقيَّة يوم الإثنين لسبع خلون من ربيع الآخر سنة أربع وعشرين ومائة، فكانت ولاية حَنْظَلة عليها خمس سنين وثلاثة أشهُر
(1/62)

حفص بْن الوليد بْن يوسف الحَضْرَميّ الثانية
ثُمَّ ولِيها حَفْص بْن الوليد باستخلاف حَنْظلة عَلَى الصلاة، فأقرَّه هِشام عليها إلى ليلة الجمعة لثلاث عشرة خلت من شعبان سنة أربع وعشرين، فجمع لَهُ هِشام الصَّلاة والخَراج جميعًا فجعل عَلَى شُرَطه عُقبة بْن نُعَيم الرُّعَينيّ يوم السَّبت لثمان عشرة بقين من شعبان سنة أربع وعشرين، وجعل عَلَى الديوان يحيى بْن عمرو مْن أهل عَسْقَلان، وعلى الشُّرَط عيسى بْن عمرو.
حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، عَن ابن لَهِيعة: «أن أرزاق المسلمين كانت اثني عشر إِرْدبًّا فِي كل سنة، فنقص إِردَّبين إِردَّبين، فصار كُلّ رجُل إلى عشرة، فلمَّا وليَ حَفْص بْن الوليد صيَّرهم إلى اثني عشر اثني عشر»
حَدَّثَنِي عمّي، قَالَ: حَدَّثَنِي أحمد بْن يحيى بْن وزير، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن وَهب، قَالَ: أخبرني بَكْر بْن مُضَر، قَالَ: " رأَيت حَفْص بْن الوَليد استسقى بالناس فِي إمارة هشام بْن عَبْد الملك.
قال: فرأَيته رقيَ المنبر، واستقبل الناس بوجهه يخطب ودعا، ثمَّ حوَّل إلى الناس ظهره واستقبل القبلة يدعو، وحوَّل رِداءه ودعا اللَّه، ثمَّ حوَّل وجهه إلى الناس، ثمَّ نزل فصلَّى رَكعتين ".
ثُمَّ تُوُفّي هِشام يوم الأربعاء لعشرٍ خلونَ من ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومائة
حَدَّثَنَا عليّ بْن سَعِيد، قَالَ: حَدَّثَنَا سُويد بْن سَعِيد، قَالَ: حَدَّثَنَا ضِمام، قَالَ: " لمَّا بلغ أَبا قُبَيل موت هِشام وضع يده عَلَى خدّه حزينًا، وفرِح الناس.
فقيل لَهُ: قد تباشر الناس وأنت حزين.
قَالَ: أوشك أن يتمنّوا حياته.
واستخلف الوليدَ بْن يزيد بْن عَبْد الملك، فأقرَّ حَفْصًا عَلَى صلاتها وخراجها، وأمر بإخراج أهل الشام الذين بمصر إلى أجنادهم، فأمرهم حفص بالخروج، فامتنعوا وحاصروا حَفْصًا فِي داره، فقاتلهم لعصر يوم الثلاثاء للنصف من رجب سنة خمس وعشرين ومائة، فظفِر بصاحبهم ربيعة من موالي أهل حِمص، فقتله وأخرج أصحابه إلى أجنادهم، وقدِم عِيسى بْن أَبِي عطاء عَلَى أرض مصر، وخراجها يوم الثلاثاء لتسع بقين من شوَّال سنة خمس
(1/63)

وعشرين ومائة، وصُرف حَفْص عَن الخراج، وانفرد بالصلاة.
ووفد حَفْص بْن الوليد عَلَى الوليد بْن يزيد واستخلف عَلَى مِصر عُقْبة بْن نُعيم الرُّعَينيّ.
وقُتل الوَليد بْن يزيد لسلخ جمادى الآخرة سنة ستّ وعشرين ومائة وحَفْص بالشام، ثمَّ بُويع يزيد بْن الوليد، فأمر حَفْص بن الوَليد باللَحاق بجُنْده، وأمره بعرض ثلاثين ألفًا، فدخلها، ففرض الفروض، وخرج ببيعة أهل مِصر إلى يزيد بْن الوَليد عُقْبة بْن نُعيْم الرُّعَينيّ، والربيع بْن عَون بْن خارجة بْن حُذافة العَدَويّ، وحوَّاش بْن حُميد الحِمْصيّ، وهانئ بْن المُنذر الكُلاعيّ، وعمرو بْن الحارث الفقيه مولى الأنصار، وجعل حَفص بْن الوليد عَلَى فروضه قُوَّادًا وسمَّاهم أصحاب النُّدْبَة، وفرض حَفْص لفروضه فِي عشرين وخمسة وعشرين، فهم الذين يقال لهم الحفصيَّة من المقامصة والموالي وجعل حفص عَلَى الصعيد رَجاء بن الأَشْيم، وعلى أسفل الأرض فهد بْن مَهديّ الحَضْرَميّ.
ثُمَّ تُوُفّي يزيد بْن الوليد لهلال ذي الحجَّة سنة ستّ وعشرين ومائة، وبويع إبراهيم بْن الوليد، فوليَ ذي الحجَّة والمحرَّم من سنة سبع وعشرين ومائة، وخلعه مَرْوان بْن محمد بْن مَرْوان بْن الحكَم، فبويع، فاستقبل بخلافته صفر من سنة سبع وعشرين ومائة، فكتب حَفْص بن الوَليد إلى مَرْوان يستعفيه من وِلايته عَلَى مِصر، فأعفاه مَرْوان، فكانت وِلاية حفص هذه الثانية عليها ثلاث سنين إلا أشهُرًا "

حَسَّان بْن عَتاهِية بْن عبد الرحمن بْن حَسَّان بْن عَتاهِية بن خَزَز بْن سَعِيد بْن مُعاوية بْن جَعْفَر بْن أَسْلَمة بْن سَعْد بن تُجيب
ثمَّ ولِيَها حسَّان بْن عَتاهِية من قبل مَرْوان بْن محمد، وحسَّان يومئذٍ بالشام، فكتب حسَّان إلى خير بْن نُعيَم الحَضْرَميّ باستخلافه عليها إلى قدومه، فسلَّم حفْص إلى خير،
(1/64)

ثمَّ قدِم حسَّان يوم السبت لاثني عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين ومائة، فأسقط حسَّان فروض حَفص كُلّها.
فحَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه: " أن مروان ولَّى عيسى بْن أَبِي عَطاء الخراج، وحسَّان عَلَى الصلاة، فلمَّا استقرّ حسَّان عَلَى وِلايته وثب بِهِ قُوَّاد الفُروض، وقالوا: لا نرضى إِلَّا بحفص.
ورجعوا إلى دار حسَّان "، قَالَ سَعِيد، وأحمد بْن سِماك بْن نُعَيم: إنَّ ثابت بْن نُعيم الجُذاميّ ممَّن خالف عَلَى مَرْوان، كتب إلى حَفص بْن الوليد، مَعَ عَبْد العزيز بْن سِماك الحُذاميّ، وقدِم معه نفَر من اليمانيَّة، فخطبوا فِي مسجد مِصر، ودعَوا الناس إلى خلع مَروان، فلم يخالفهم أحدٌ إِلَّا يزيد بْن أَبِي أُمَيَّة المَعافِريّ.
فقال: تفسِدون جُندنا وتشيّعون أمرنا. . وقدِم عليهم أيضًا رسول زامل بْن عمرو من حِمص وقد خلع مَرْوان بها، فدعاهم إلى مِثل ما دعاهم إِلَيْهِ ثابت بْن نُعَيم
وحَدَّثَنِي أَبِي مُعاوية، قَالَ: حَدَّثَنِي خلَف بْن ربيعة، عَنْ أبيه، عَنْ جَدّه، قَالَ: " لمَّا ورد كتاب ثابت بْن نُعَيم، أجابه أهل مِصر إلى ما سأَل، وركِب جَابِر بْن الأَشْيم فِي أصحاب النُّدْبة إلى دار حسَّان بن عَتاهِية، فحاصروه فيها، وقالوا: أخرجْ عنَّا حيث شئت، لا تُقيم معنا ببلد وأخرجوا عِيسى بْن أَبِي عَطاء صاحب الخراج وذلك ليومين بَقِيا من جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين ومائة "
وحَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه، عَنْ أبيه، عَنْ عمرو بْن خري، قَالَ: «لمَّا رأَى ذَلكَ حسَّان نقض ولايتهم، وهرب حَفْص بْن الوليد إلى خَراب حِمْير، فانطلقوا، فاستخرجوه وأعادوه، فسكن الناس، فكانت ولاية حسَّان عليها ستَّة عشر يومًا»

حَفْص بْن الوليد الثالثة
ثمَّ ولِيَها حَفْص بْن الوَليد كَرْهًا، أخذوه قوَّاد الفروض بذاك، فأقام عليها رجب
(1/65)

وشعبان وعلى شُرَطه عُقْبة بْن نُعَيم، ولحِق حسَّان بن عَتاهِية بمَرْوان، وقدِم حَنْظَلة بْن صَفْوان الكلبيّ مِن إفريقيَّة، قد أَخرجوه أهلها فنزل الجيزة، فكتب مَرْوان إلى أهل مِصر: أمَّا إذ أَبَيْتُم وِلاية حسَّان فقد أمّرتُ عليكم حَنْظَلة بْن صَفْوان.
فامتنع المصريُّون وأظهروا الخلْع، ومضى رَجاء بْن الأَشْيم فِي الفروض إلى حَنظَلة، فأخرجه إلى الخَوْف الشرقيّ، ومنعوه من المُقام فِي الفُسطاط، وهرب ثابت بْن نُعَيم من فِلَسْطين يريد مِصر، فبعث إِلَيْهِ حَفْص بشُرَحبِيل بْن قُلَيب الحجريّ يمنعَهُ مِن دخولها، وخرج إِلَيْهِ زبَّان بْن عَبْد العزيز بْن مُرْوان ببني أبيه ومواليه من أرض مِصر، ومع زبَّان جمع من قيس، فقاتلوا ثابتًا، فهزموه، قَالَ الغِطْرِيف الحِميْريّ:
وَمِنْ زَامِلٍ لَا قَدَّسَ اللَّه زَامِلًا ... ومن أعبد. . . . . . . . . . المراغل
وَمِنْ شَيْخِ سَوْءٍ خَرَّقَ اللهُ عَظْمَهُ ... حُفَيْصٍ وأَتْبَاعٍ لَهُ غَيْرِ طائِلِ
وقال سَعِيد بْن شُريح مولى تُجِيب يهجو حَفْصًا، وكان سَعِيد مُنقطِع إلى زبَّان بْن عَبْد العزيز بن مَرْوان:
يَا بَاعِثَ الخَيْلَ تَرْدِي فِي ضَلَالَتِهَا ... مَن الْمُعَظِّمُ فِي الكِتافِ جَاوَانِ
لَا زَالَ بُغْضي ينْمِي فِي صُدُورِكُمُ ... إذ كانَ ذلكَ مِنْ حُبّي لِزَبَّانِ
وسكت مَرْوان عَنْ أهل مِصر بقيَّة سنة سبع وعشرين، ثمَّ عزل حَفْصًا مستهلّ سنة ثمان وعشرين ومائة.

الحَوْثَرة بْن سُهَيل أَخو العَجْلان بْن سُهَيل بْن كَعْب بْن عامر بْن عُمير
(1/66)

بْن رِياح بْن عبد الله بْن عَبْد بْن قراض بن باهلة
ثمَّ ولِيَها حَوْثَرة بْن سُهَيل البَاهليّ من قِبَل مَرْوان، فسار إليها ومعه عمرو بْن الوضَّاح فِي الوضَّاحيَّة وهم سبعة آلاف، وعلى أهل حِمص نُمير بن يَزيد بْن حُصَين بْن نُمَير الكِنْدي، وعلى أهل الجزيرة مُوسَى بن عبد الله الثَّعْلبيّ، وعلى أهل قِنَّسرين أَبُو جمل بْن عمرو بْن قيس الكِنْديّ، وبعث حَوْثرة بأبي الجراح الجرشيّ بِشر بْن أَوس إلى مِصر، فقدِمها يوم الأحد لليلتين خلتا من المحرَّم سنة ثمان وعشرين ومائة، واجتمع الجُند إلى حَفْص وسأَله أن يمانع الحَوثَرة.
فامتنع، وقال لأبي الجراح: قد سلَّمت إليك ما بيدي.
فعُزل حَفْص يومئذ، وأمر عبد الرحمن بْن سالم بْن أَبِي سالم الجيشانيّ بالصلاة بالنَّاس إلى قدوم الحَوْثَرة، وختم عَلَى الدواوين وبيت المال، وخشيّ أهل مِصر من حَوْثَرة، فبعثوا إِلَيْهِ يزيد بْن مسروق الحَضْرَميّ، فتلقَّاه بالعَريش، فسأَله أن يُؤمنهم عَلَى ما أحدثوا.
فأجابه الحَوْثَرة إلى ما سأَل، وكتب لهم كتابًا بعهدٍ وأمان، فأتاهم بِهِ يزيد، فاطمأنّوا إلى ذَلكَ.
ثمَّ بعث إليهم حَوْثَرة يستأْذِنهم فِي المسير إليهم والدخول إلى مِصر، فأَذِنوا لَهُ، وسار إليها حتَّى نزل المُسنَّاة، وبعث إليهم: إن كنتم فِي الطاعة فالقَوني فِي الأَردِيَة.
فقال رَجاء بْن الأَشْيم الحَضْرَميّ لحفْص بْن الوَليد: أَطعني أيُّها الأمير، وامنعْهم، قَالَ: أكره الدِّماء.
قَالَ: فدَعْني أَقِف فِي جبل، فإن رَأَيْت ما تُحبّ تطرَّقنا، وإن كَانَ غير ذَلكَ استنقذناك منهم.
قَالَ: قد أعطاني ما ترى من العهد ولن أستظهر بغير اللَّه.
فقال رجاء: والله لا رغِبتْ نفسي عَنْ نفسك فخرج إِلَيْهِ حَفص ووجوه الجُند حتى دخلوا عَلَيْهِ فُسطاطه، فقال لحَفص ورَجاء: ما أنتما؟ قالا: حَفص، ورَجاء.
قَالَ: قيّدوهما.
فقيّدوا، وانهزم أهل مصر، وكان دُخُول الحَوثَرة عَلَى الصلاة، وعيسى بْن أَبِي عَطاء عَلَى الخَراج يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من المحرَّم سنة ثمان وعشرين ومائة فجعل حَوْثَرة عَلَى شُرطه حسَّان بْن عَتاهية.
حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو نصر أحمد بْن عليّ بْن صالح، قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بْن عثمان بْن صالح، عَنْ أبيه، قَالَ: سَمِعْتُ بَكْر بْن منصور، يَقُولُ: " قدِم علينا كتاب أمير المؤمنين مَرْوان فِي حَوْثَرة بْن سُهَيل أن قد بعثتُ إليكم رجُلًا أعرابيًا بَدَوِيًّا فصيح اللسان من حاله ومن حاله كذا، فأجمعوا لَهُ رجُلًا فِيهِ مثل فِضاله يسدّده فِي القضاء، ويصوّبه
(1/67)

فِي النظر، ويسدّد فِي كذا وكذا.
قَالَ بَكْر بْن منصور: فأَجمع الناس كلُّهم يومئذ عَلَى اللَّيث بْن سعد، وفيهم مُعلِّماه: يزيد بْن أَبِي حَبيب، وعمرو بْن الحارث، وجمع الجُند إلى المسجد، فخطبهم الحَوْثَرة بشِعر بليغ:
دَعَوْتُ أَبَا لَيْلَى إِلَى الصُّلْحِ كَيْ يَبُو ... بِرَأْيٍ أَصِيلٍ أَوْ يُرَدَّ إِلَى حِلْمِ
دَعَانِي لِشَبِّ الْحَرْبِ بَيْني وَبَيْنَهُ ... فَقُلْتُ لَهُ مَهْلًا هَلُمَّ إِلَى السِّلْمِ
وبعث حَوْثَرة الخيل فِي طلَب رُؤساء الفِتْنة ووجوههم وهم: محمد بن شُريح بْن مَيمُون المَهْريّ، وعمرو بْن يَزيد الشَّيبانيّ، وعُقْبة بْن نُعَيم الرُّعَينيّ، ويزيد بْن مَسْروق الحَضْرَمي، ومحمود بْن سَليط الجُذاميّ، وأيّوب بْن بَرْغوث اللخْمي، فجُمِعوا لَهُ، أو عامَّتهم، ثمَّ ضرب عُنُق: رَجاء بْن الأَشْيم، وعمرو بْن سَليط، وابن بَرغُوث فِي جمع منهم يوم الثلاثاء اثنتي عشرة ليلة بقِيَتْ من المحرَّم سنة ثمان وعشرين ومائة، وقتل محمد بن شريح بن ميمون المهري، ثمَّ قتل عُقْبة بْن نُعَيم، وفَهد بْن مَهْديّ، وقال حَسَّان بْن عَتاهِية لَحوْثَرة: لم يبقَ لحَضْرَ موت إِلّا هذا القَرْن، فإن قطعتَه قطعتَها.
يعني: خَير بْن نُعيم كَانَ عَلَى القضاء، فعزله حَوثَرة، وفرض الحَوثَرة لشِيعة مَرْوان ومن كَانَ يكاتبه فروضًا فِي الخاصَّة، ففرض لزبَّان بْن عَبْد العزيز فِي موالي بني أُمَيَّة ألفًا، وفي قيس ألفًا، وَفرَض لزيد بْن أَبِي أُمَيَّة المعَافِريّ ثلاثمائة، وعقد الحَوْثَرة لمحمد بْن زَبَّان بْن عَبْد العزيز عَلَى الجُند وأنفذ معه أهل الديوان إلى العَريش، فقتل عوف بْن حيران الحَرويّ، وطلبوا ثابت بن نُعَيم الجُذاميّ حتَّى اسروه وبعثوا بِهِ إلى مَرْوان، ثمَّ قتل الحَوثَرة حَفص بْن الوليد، ويزيد بْن مُوسَى بن وَردان يوم الثلاثاء لليلتين خلتَا من شوَّال سنة ثمان وعشرين ومائة.
وكان زَبَّان بْن عَبْد العزيز شديد التحريض عَلَى حَفْص بْن الوليد حتَّى قُتل، فكانت حضر موت. . . . وكان. . . . . . عورات زبَّان أيَّام المسوِّدة، وقال مسرُور الخَولانيّ:
(1/68)

فَإيَّاكَ لَا تَجْنِي مِنَ الشَّرِّ غِلْظَةً ... فَتُؤذِي كَحَفْصٍ أَوْ رَجَا بْن الأُشَيم
فَلَا خَيْرَ فِي الدُّنْيا وَلَا العَيْش بَعْدَهُمْ ... فَكَيْفَ وَقَدْ أَضْحَوا بِسَفْحِ المُقَطَّمِ
وقال ابن ميَّادة المُرّيّ:
لَقَدْ سَرَّني إنْ كَانَ شَيْئًا يَسُرُّني ... مُغَارُ ابْنِ هَبَّارٍ عَلَى بَلْخَ والسَّفرُ
وحَوْثَرَةُ المُهدِي بِمصْرَ جِيَادَهُ ... وأسْيَافَهُ حَتَّى استَقَامَتْ لَهُ مِصرُ
وقال مرسل بْن حمير يبكي حفصًا وأصحابه:
يَا عَيْنِ لَا تُبْقي مِنَ العَبَرَاتِ ... جُودِي عَلَى الْأَحْيَاء وَالْأَمْوَاتِ
بَكِّي الَّذين مَضَوْا فَهُمْ صَادقوا ... صدقات. . . . . تَاراتِ
يَا حَفْص يَا كَهْفَ العَشِيِرةِ كُلِّهَا ... يَا اخَا النَّوَالِ وَسَاتِرَ الْعَوْرَاتِ
إِمَّا قُتِلْتَ فَأَنْتَ كُنْتَ عَمِيدَهُمُ ... والكَهْفَ لِلأَيْتَامِ والجَارَاتِ
أَوْذَى رَجَاءٌ لَا كَمِثْلِ رَجَائِنَا رَجُلٌ ... وَعُقْبَةُ فَارِجُ الكُرُبَاتِ
وَشَبَابُنَا عَمْرو وَفَهْدٌ ذُو النَّدَى ... وابْنُ السَّليطِ وعَامِرُ الْغَارَاتِ
قُتِلُوا وَلَمْ أَسْمَعْ بِمِثْل مُصَابِهِمْ ... سَرَوَاتُ أَقْوامٍ بَنُوْ سَرَوَاتِ
طُلَّتْ دِمَاؤُهُمُ فَلَمْ يُعْرَجْ لَهُمْ ... بَيْنٌ وَلَمْ يُطْلَبْ لَهُمْ بِجُنَاةِ
وقدِم إلى مصر داعِيَة عبد الله بْن يحيى طَالِب الحقّ، فدعاهم، فبايع لَهُ ناسٌ من تُجيب وغيرهم، فبلغ ذَلكَ حسَّان بْن عَتاهِية، فاستخرجهم، فقتلهم حَوْثَرة.
ثمَّ صرف الحَوْثَرة عَنْهَا فِي جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثين ومائة، وبعث بِهِ مَرْوان مدَدًا إلى يزيد بْن عمرو بْن هُبَيرة بالعِراق، فحضر الحصار بواسِط، ثمَّ قُتل مَعَ يزيد بْن هُبيرة، واستخلف الحَوْثَرة عَلَى مِصر حسَّان بْن عَتاهِية ".
وقال ابن أَبِي مَيْسَرة: استخلف عليها أَبَا الجرَّاح الجَرشيّ.
فكانت ولايته عليها ثلاث سنين وستَّة أشهُر

المُغيرة بْن عُبَيْد اللَّه بْن المُغيِرة بْن عبد الله بْن مَسْعَدة بْن حكمه بن مالك
(1/69)

بْن حُذَيفة بْن بَدْر بْن عمرو بْن جُوَيَّة بْن لَوْذان بْن ثَعْلَبَة بْن عَدِيّ بْن فَزارة بْن ذُبْيان بْن بَغِيض بْن رَيث بن غَطَفان
ثمَّ ولِيَها المُغِيرة بْن عُبَيْد اللَّه الفَزاريّ من قِبَل مَرْوان عَلَى صلاتها، قدِمها يوم الأربعاء لستٍّ بقين من رجب سنة إحدى وثلاثين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه ابنه أَبَا مَسعَدة عبد الله بْن المُغِيرة، وكان ليّنًا محبَّبًا إلى الناس، وخرج المُغِيرة إلى الإسكندريَّة فِي رمضان واستخلف عليها أَبَا الجرَّاح الجرَشيّ عَلَى الجُند والشُّرَط، ثمَّ هلك أَبُو مَسْعَدة، فجزع عَلَيْهِ أَبُوهُ، ثمَّ تُوفي بعده لثنتي عشرة ليلة، كانت وفاته يوم السبت لثنتي عشرة ليلة، خلت من جمادى الأولى سنة اثنتين وثلاثين ومائة، فكانت ولايته عليها عشرة أشهُر واستخلف ابنه الوليد بْن المُغِيرة، وأجمع الجُند عَلَى أن يولَّوا عبد الله بْن عبد الرحمن بْن حُدَيج الشُّرَط إلى أن يأتي رأي مَرْوان، ثمَّ صُرف الوَليد فِي النِّصف من جمادى الآخرة.

عَبْد الملك بْن مَرْوان بْن مُوسَى بْن نُصَير
مولى لَخم ثمَّ ولِيَها عَبْد الملك بْن مَرْوان النُّصيريّ من قِبَل مَرْوان، وجمع لَهُ صلاتها وخَراجها، وكان واليًا عَلَى خَراجها قبل أن يُولَّي الصلاة، فجعل أخاه مُعاوية بْن مَرْوان عَلَى الشُّرَط ولِيَها فِي جمادى الآخرة سنة اثنتين وثلاثين ومائة.
ثمَّ إنَّ مُعاوية استعفى أخاه من الشُّرَط بعد أشهُر، فأعفاه وجعل مكانه عِكْرِمة بْن عبد الله بْن عمرو بْن قَحْزَم الخَوْلاني، وأنَّ عَبْد الملك أمر باتخاذ الناس المنابر فِي الكُوَر، ولم تكُن قبله، وإنَّما كانت وُلاة الكُوَر يخطبون عَلَى العُصِيّ إلى جانب القِبلة.
(1/70)

وخرج رجُل من القِبْط، يُقال لَهُ: يُحَنِّس بسَمَنُّود، فبعث إِلَيْهِ عَبْد الملك بعبد الرَّحْمَن بْن عُتْبة المَعافريّ، فقُتل يُحَنِّس فِي كثير من أصحابه، وخالف عمرو بْن سُهيل بْن عَبْد العزيز بْن مُرْوان عَلَى مروان أمير المؤمنين، وتابعه عَلَى ذَلكَ الدُّماحِس بْن عَبْد العزيز الِكنانيّ فِي جمع من قيس، فنزلوا الحَوْف الشرقيّ وأظهروا الفَساد، فبدر عَبْد الملك بْن مَرْوان أهل الديوان إليهم وجعل عَلَى جماعتهم مُوسَى بْن المهند بْن داود بْن نُصير، فساروا فِي سبعة آلاف إلى بُلْيَس، فلمَّا التقوا دعوا إلى الصُّلح عَلَى أنَّهم يُخرِجون عمرو بْن سُهَيل، والدُّماحِس إلى أيّ أرض شاءَ، فأجابهم مُوسَى بْن المهند إلى الصُّلح وانصرفوا، ثمَّ ظفِر بعد ذَلكَ بعمرو بْن سُهيل فحُبس بالفُسطاط.

قدوم مَرْوان بْن محمد إلى مصر
وأجمع جُند مِصر عَلَى منع مَرْوان إن هُوَ سار إليهم وجعلوا عَلَى أمرهم ذَلكَ عُبَيْد اللَّه بْن عبد الرحمن بْن عُميرة الحَضْرَميّ، فقدِم عُبَيْد اللَّه بن مَرْوان عَلَى مُقدَّمة أبيه، فدعاهم ابن عُميرة إلى النهوض معه، فتثاقلوا عَنْهُ، فرفض أمرهم.
وقدِم مَرْوان بْن محمد مِصر يوم الثلاثاء لثمان بقين من شوَّال سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وسودَّ أهل الحَوْف الشرقيّ، وأوَّل من سوَّد هُناك شُرَحبِيل بْن مُذيلفة الكَلْبيّ الزُّهَيريّ، ولحِق الأسود بْن نافع ابن أَبِي عُبيدة بْن عُقْبَة بْن نافع الفِهْريّ بالإسكندريَّة،
(1/71)

فسوّد بها وسوّد عَبْد الأعلى بْن سَعِيد بْن عبد الله بْن مسروق الجَيْشانيّ بصعيد مِصر، وسوّد يحيى بْن مُسلم بْن الأشجّ مولى بني زُهْرة بأُسوان، وعزم مَرْوان عَلَى تعدية النيل، فأمر بدار آل مَرْوان المذهبة، فأُحرقت، فقال لَهُ زبَّان بْن عَبْد العزيز: إنها دار بني عَبْد العزيز، وقد أعظَمتْ فيها النَّفَقة.
فقال مَروان: إن أبقَ ابنها لَبِنَةً من ذهَب، ولَبِنَةً من فِضَّة وإلَّا فما تُصاب بِهِ من نفسك أعظم.
ثمَّ دخل مَرْوان إلى الجِيزة وحرق الجِسرين، فقال عيسى بن شافع يبكي الدار المذَّهبة:
يَا طَلَلًا أَقْوَى وَحَلَّ الْبِلَى ... مِنْهُ لَدَا الْعُلْوِ وَفي السُّفْلِ
قَدْ كُنْتَ مَغْنًى لِعُيُونِ الْمَهَا ... وَكُنْتَ مَأْوًى لِظُبي الرَّمْلِ
وَكانَ أَرْبابكَ مَا إِنْ لَهُمْ ... فِي النَّاسِ مِنْ نَوْعٍ وَلَا شَكْلِ
وبعث مَرْوان الكُوثَر بْن الأسودَ الغَنَويّ، وعثمان بْن أَبِي نِسْعَة الخَثْعَميّ إلى الأسود بْن نافع الفِهريّ، فالتقَّوا بالكِرْيَون فِي ذي القعدة، فقتل عيسى بْن عبدة بْن عُقبة بْن نافع، ودخل الكَوثَر الإسكندريَّة، فقتل عَبْد الأعلى بْن الهِجْرِس مولى مُراد، كَانَ عَلَى الموالي وخالفت القِبْط بِرَشيد، فبعث إليهم عثمان بْن أَبِي نِسْعَة فِي المعصه، فهزمهم وبعث زَبَّان بْن عَبْد العزيز إلى الصَّعيد، فأتى عَبْد الأعلى بْن سَعِيد، فقاتله، فهزمه زبَّان، ونجا عَبْد الأعلى، وجعل مَرْوان معه عمرو بْن سُهيل بْن عَبْد العزيز مُقيَّدًا، فلمَّا قُتل مَرْوان، هرب عمرو بْن سُهيل عَلَى وجهه.
وقدِم صالح بْن عليّ بْن عبد الله بْن عبَّاس، وأبو عَوْن عَبْد الملك بْن يزيد إلى مِصر يوم الثلاثاء للنِصف من ذي الحجَّة، وسار مَرْوان إلى بُوصير من كُورة الأُشمُونَين، فنزلها ومعه عَبْد الملك، فوافى صالح بْن عليّ فِي جيُوشه، وعلى مُقدَّمته عامر بْن إسماعيل،
(1/72)

واستخلف صالح عَلَى الفُسطاط محمد بْن مُعاوية بْن بَحِير بن رَيْسان، أشار عَلَيْهِ بِهِ عيَّاش بْن عُقْبَة الحَضرَميّ.
وقُتل مَرْوان ببُوصِير يوم الجمعة لسبع بقِينَ من ذي الحجَّة سنة اثنتين وثلاثين ومائة وقُتل معه زبَّان بْن عَبْد العزيز بْن مَرْوان، وإبراهيم بْن زَبَّان، وعبد العزيز بْن جُزَيّ بْن عَبْد العزيز، وأَفلت جُزَيّ، وإسماعيل ابنا زَبَّان فذهبا إلى الأَنْدَلُس.
وقُتل بالصعيد بعد قتل مَرْوان: محمد بْن زَبَّان، والطُّفَيل بْن زَبَّان، ومَرْوان بْن الأَصبغ بْن عَبْد العزيز، وابنه، ويقال: إن محمد بْن زَبَّان ذهب هاربًا فلم يُعرَفْ بِهِ أحد، ولا عُرف لَهُ خبَر.
ودخل صالح بْن عليّ الفُسطاط يوم الأحد لثمان خلونَ من المحرم سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وبعث برأس مَرْوان بْن محمد إلى العِراق.
(1/73)

الدولة العَبَّاسيَّة
صالح بْن عليّ بْن عبد الله بْن عَبَّاس بْن عَبْد المُطَّلِب بن هاشم
ثمَّ ولِيَها صالح بْن عليّ من قِبَل أمير المؤمنين أَبِي العبَّاس عبد الله بْن محمد بْن عليّ بْن عبد الله بْن عَبَّاس، فاستقبل صالح بولايته المحرَّم سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وبعث بوفد أهل مِصر إلى أَبِي العبَّاس ببيعة أهل مِصر عليهم الوليد بْن عَبْد العزيز بْن المطَّلب، وفيهم: عيسى بْن شافع بْن السائب، ومحمد بْن مُعاوية بْن بَجير بْن رَيْسان، وعبد الأعلى بْن سَعِيد، ومُعاوية بْن الزُّبير بْن عَبْد كلال، وعبد العزيز بْن وَدعة الحِمْيَريّ، ومحمد بْن مشهُور الأزْديّ.
وأُسر: عَبْد الملك بْن مَرْوان بْن مُوسَى بْن نُصير، ومُعاوية بْن مَرْوان، وموسى بْن المهند بْن داود بْن نُصير، فسُجنوا، وأُخذ حسَّان بْن عتاهِية الكِنديّ الصغير، فأتي بِهِ إلى الفُسطاط، فضربه صالح بن عليّ بالسِّياط، ثمَّ قَالَ: أستبقيك.
قَالَ لَهُ: ما فِي البقاء خير بعد هذا.
فضرب عُنُقه، وضرب عُنُق عثمان بْن أَبِي نِسْعة الخَثْعَميّ، ثمَّ خلّى مُوسَى بْن المهند، وأُستعمل عَلَى ديوان الجُند.
وجعل عَلَى شُرَطه مِحْصَن بْن هانِئ الكِنْديّ من أهل جُرْجان أخا يزيد بْن هانِئ أيَّامًا، ثمَّ عزله وجعل مكانه عبد الله بْن عبد الرحمن بْن مُعاوية بْن حُدَيج أيَّامًا، ثمَّ صرفه.
ونجا عاصم بْن أَبِي بَكْر بْن عَبْد العزيز بْن مَرْوان إلى قِفْط من صعيد مِصر، ومعه أخوه
(1/74)

عُمَر بْن أَبِي بَكْر، وبنُوه عَبْد الملك، وأَبان، ومَسْلَمة بنو عاصم، فكتب إليهم صالح يُؤَمّنهم، فقدِموا الفُسطاط.
فحَدَّثَنِي ابن قُديد، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبيد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، قَالَ: حَدَّثَنِي العبَّاس بْن الوليد، عَنْ مُوسى بْن صالح، قَالَ: «قدِم عاصم بْن أَبِي بَكْر بثلاثة أولاد ذُكور من قِفْط، قد أُعطوا أَمانًا من صالح، فكتب فيهم إلى أَبِي العبَّاس» .
قَالَ سَعِيد: وكان عاصم مواصِل بني العبَّاس، فكتب أَبُو العبَّاس يأمره يُشْخِصهم.
فحُملوا فِي محامل أعراء وخرجتُ مَعَ النَّظَّارة، فمرَّوا بصالح بْن عليّ وهو جالس عَلَى ظَهْر بيت الصَّدَقة، فناداه عاصم: أيا صالح، لم يكنِه، ما بالنا نُنقَل من بلَد إلى بلَد والله ما نَحْنُ بأَرِقَّاء فنُملَك، ولا نِساء فيُستمتَع بنا، فما إجابة صالح، قَالَ سَعِيد: فمُضي بهم إلى قَلَنْسُوة من أرض فِلَسْطين، فقُتلوا بها.
وقُتل معهم عيسى بن الوليد بْن عُمَر بْن عَبْد العزيز، وأمَّا عُمَر بْن سُهيل بْن عَبْد العزيز، فتغيَّب ثم سوّد وأتى شُعبة بْن عثمان التَّميميّ وكان عَلَى المُضَرّية وهو لا يعرِفه، فقال: أَنَا عمرو بن سُهيل، جئتُ لِآخُذ لي أَمانًا من الأمير وأدخل فِي دولته.
فقال: النجاءَ إِنْ ظفِر بك قتلك.
فانطلق، فبعث، ثمَّ خرج إلى جبَل ألاق بالتيه من ناحية الهامة فكان فِيهِ، وكان يكاتب سَعِيد بْن سعد بْن أسطس، ويزيد بْن مِقْسَم مولى حَضْر مَوت، فضرب شُعبة خصِيًّا لَهُ قد كَانَ رَأَى كتاب عمرو بْن سُهيل إِلَيْهِ، فدخل عَلَى صالح فأخبره، فأرسل إلى سُرادِقة، فوجد الكتاب، فضرب صالح عُنُق شُعبة، وأرسل صالح بيزيد بن هانئ إلى جبل ألاق فوجدوا عمرا يحقب جمالا له، فأحيط بِهِ، فأُخذ هُوَ، وإبراهيم، ومحمد، وعبد الرَّحْمَن بنو سُهيل بْن عَبْد العزيز، فمُضي بهم إلى قَلَنْسُوة، فقُتلوا بها.
قَالَ ابن عُفير: وقُتل معه: يزيد، وأَبان، ومَرْوان، وعبد العزيز، والأصبغ بنوه، وقُتل عثمان بْن سُهيل فِي. . . . . . . . . . . . . . . . . وقال ابن عُفير فِي موضع آخَر: كَانَ عَبْد الملك بْن أَبِي بَكْر بْن عَبْد العزيز، والأصبغ بْن زَبَّان أُخذا بالهامة، فقُتلا بنهر أَبِي فُطْرُس.
قَالَ: فكتب أَبُو العبَّاس أن تُشخَص نساؤهم وصِبيانهم إلى المدينة، ثمَّ أمّنهم أَبُو جَعْفَر، فقدِم من إفريقيَّة زيد بْن الأصبغ بْن
(1/75)

عَبْد العزيز وهو أَبُو وفاء، ومحمد بْن الحكَم بْن أَبِي بَكْر بْن عَبْد العزيز، وإبراهيم بْن سُهيل، وعبد العزيز بْن مَرْوان بن الأصبغ، وهو يومئذٍ حدَث.
وقال ابن عُفير فِي موضع آخر: قُتل مَرْوان بْن الأصبغ بنهر أَبِي فُطْرُس. . . . . . .، ووفاء ابنا مُرْوان بْن الأصبغ قُتلا مَعَ أبيهما، وتُرك منصور بن الأصبغ، وهرب إسماعيل بْن سُهيل، وعمرو بْن محمد بن عُمارة المُعَيطي، وحُميد كاتب زبّان عَلَى أرجُلهم إلى الأَنْدَلُس، وضُربت عُنُق يزيد بْن مِقْسَم مولى حَضْرَ مَوت، وعُنُق ابن أسطس وهذا كلّه فِي سنة ثلاث وثلاثين ومائة.
وفيها أمر للناس بأعطياتهم للمقاتلة والعِيال، وقُسمت الصدَقات عَلَى اليتامى والمساكين.
وزاد صالح بْن عليّ فِي مُؤَخَّر المسجد الجامع بالفُسطاط أربعة أساطين، وورد كتاب أَبِي العبَّاس أمير المؤمنين عَلَى صالح بْن عليّ بإِمارته عَلَى فِلَسطين، ويأمره بالاستخلاف عَلَى مِصر واستخلف عليها أَبَا عَون عَبْد الملك بْن يزيد مستهلّ شعبان سنة ثلاث وثلاثين ومائة.
وسار صالح بْن عليّ ومعه عَبْد الملك بْن مَرْوان بْن مُوسَى بْن نُصير، وأخوه مُعاوية بْن مَرْوان فِي أحسن حال وأرفع منزِلة، وخرج صالح معه برجال من أهل مصر صَحابةً لأمير المؤمنين أَبِي العبَّاس، ومنهم: الأَسْود بْن نافع بْن أَبِي عُبيدة بْن عُقْبة بْن نافع الفِهْريّ، وعبد الرَّحْمَن بْن عُتْبة المَعافِريّ، وعِياض بْن حُريبة الكَلْبيّ، ومحمد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن مُعاوية بن حُدَيج فِي عشرة منهم، وأقطع صالح بْن عليّ الذين سوّدوا، وأقطع منهم شُرَحْبيل بْن مُذيلفة الكَلْبيّ، أقطعه سُويد بْن نافع الفِهْريّ، أقطعه مُنية بُولاق، ومنازل زبَّان بالإسكندريَّة، وأقطع عَبْد الأعلى بْن سَعِيد قطائع بالمَيْمُون، وقُرَى أَهْناس
(1/76)

أَبُو عَون عَبْد الملك بْن يزيد
مولى هُناءَة من الأَزْد وهو من أهل جُرْجان ثمَّ ولِيَها أَبُو عَون عَبْد الملك بْن يزيد عَلَى صلاتها وخَراجها باستخلاف صالح مستهلّ شعبان سنة ثلاث وثلاثين ومائة فجعل عَلَى شُرَطة عِكْرِمة بن عبد الله بْن عمرو بْن قَحْزَم الخَوْلانيّ، ووقع الوباء بمصر، فهرب أَبُو عَون. . . واستخلف عِكْرِمة عَلَى الفُسطاط، وخرج أَبُو عَون إلى دِمْياط فِي شوَّال سنة خمس وثلاثين ومائة، واستخلف عليها عِكْرِمة بْن قَحْزَم وعلى الخَراج عَطاء بْن شُرَحْبِيل مولى مُراد وخرج أَبُو مِينا القِبْطيّ بسَمَنُّود، فبعث إِلَيْهِ بعبد الرَّحْمَن بْن عُتْبة، فقُتل أَبُو مِينا.
وورد الكتاب بولاية صالح بْن عليّ عَلَى مِصر، وفِلَسْطين، وإِفريقيَّة جُمعوا لَهُ، ووردت الجُيوش من قِبَل أمير المؤمنين أَبِي العبَّاس لغزو المغرِب عليهم عامر بْن إسماعيل.

صالح بْن عليّ بْن عبد الله بْن عبَّاس الثانية
ثمَّ ولِيَها صالح بْن عليّ بْن عبد الله ولايته الثانية عَلَى صلاتها وخراجها، فدخلها لخمس خلونَ من ربيع الآخر سنة ستّ وثلاثين ومائة، فجعل عَلَى شُرَطه بالفُسطاط عِكْرِمة بْن عبد الله بْن قَحْزَم، وعلى شُرَطه بالعسكر يزيد بْن هانئ الكِنْديّ من أهل جُرْجان.
وولَّى أَبَا عَون عَبْد الملك بْن يزيد جيوش المغرب، وقدّم أَمامه رِجالًا من أشراف أهل مِصر دُعاةً لأهل إفريقيَّة، منهم: قُنبرة بْن. . . . . . . . بن عبد الرحمن بْن مُعاوية بْن
(1/77)

حُدَيج، وعثمان بْن عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى بْن نُصير، والضحَّاك بْن محمد اللَخْميّ، ووَحْوَح بْن ثابت البَلَويّ، فخرجوا أمام أَبِي عَون، وكان خروج أَبِي عَون جمادى الآخرة سنة ستّ وثلاثين ومائة، وخرج عامر بْن إسماعيل فِي جيُوشه عَلَى مُقدَّمة أَبِي عَون، وبعث بالمُثنى بْن زياد الخَثعميّ فِي شوَّال سنة ست إلى الإسكندريَّة ليجهّز المراكب إلى طَرابُلُس، وبعث بعيَّاش بْن عُقْبة الحَضْرَميّ فِي حمل الطَّعام لجيش أَبِي عَون، وعامر بْن إسماعيل.
وتُوفّي أمير المؤمنين أَبُو العبَّاس فِي ذي الحجَّة سنة ستّ وثلاثين ومائة واستخلف أَبَا جَعْفَر عبد الله بْن محمد بْن عليّ بْن عبد الله بْن عبَّاس، فاستقبل بخلافته سنة سبع وثلاثين ومائة، فأَقرّ صالح بْن عليّ عَلَى صلاتها وخَراجها، وكتب صالح إلى أَبِي عَون يأمره بالرجوع، وبردّ الدُّعاة من أهل مِصر، وقد بلغوا سُرْت، وبلغ أَبُو عَون، برقة فأقام بها أحد عشر شهرًا، واتخذ بها مُصلًّى وتركه، ثمَّ رجع أَبُو عَون فِي جيشه إلى مِصر، وألحق صالح بْن عليّ فِي أهل مِصر ألفَي مُقاتِل وزاد أهل مِصر عشرةً عشرةً فِي أعطياتهم.
ثمَّ خلع الحكَم بْن ضَبْعان الجُذاميّ بِفلَسْطين، فبعث صالح من مصر أَبَا عَون، ومحمد بْن الأشعث الخُزاعي، وأبا سَعِيد بْن مُعاوية بْن يزيد بن المُهلَّب، فلقُوا الحكَم بْن ضَبْعان، فهزموه، وبعث أَبُو عَون إلى مِصر بثلاثة آلاف رأس من أصحاب الحكَم، ونذر صالح بْن عليّ الناس إلى فِلَسْطين، وعقد عليهم لوَحْوَح بْن ثابت البَلَويّ، والضحَّاك بْن محمد اللَخْميّ، ويزيد بْن الزبرقان القيسي، ثمَّ رأَى صالح أن يخرج فيهم، فخرج متوجّهًا إلى فِلَسْطين واستخلف عليها ابنه الفَضْل بْن صالح، فبلغ صالح إلى بُلْبَيْس، ثمَّ تراخى عَن المسير حتى بلغه الفتح ورجع إلى فِلَسْطين.
فحَدَّثَنِي ابن قُديد، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد بْن عُفَير، عَنْ أبيه، قَالَ: " لمَّا خرج الحكَم بْن ضَبْعان بِفلَسْطين: طلب صلاح بْن عليّ من فِي عسكره بمصر من بني رَوح بْن زنْباع، فاختفى رجاء بْن رَوح عند محمد بْن مُعاوية بْن بَجير بْن رَيْسان، واختفى رَوح بْن
(1/78)

رَوح عند خَالِد بْن سَعِيد بْن ربيعة الصَّدَفيّ، وأخذ سلامة بْن سَعِيد بْن رَوح، وزنْباع بْن ضَبْعان، فقتل سلامة بْن سَعِيد.
قَالَ أَبُو مَيسرة الحضرمي: فخرجتُ مَعَ خَالِد بْن حيَّان بْن الأعْيَن، فدخل عَلَى صالح بْن عليّ فِي سُرادِقه عند المصلَّى، فأقمت أنتظره، فأُتي برَجُل أفطس فِي الحديد، فقال: أيها الناس، أَنَا زِنْباع بْن ضبْعان قُتل ابن عمّي أمس وأُقتَل اليوم.
فدُخل بِهِ عَلَى صالح، فقتله، وبُغي محمد بْن بحير عند صالح بْن علي بأمر رَجاء بْن رَوح فأتى محمد بْن مُعاوية مُسلّمًا، فقال لَهُ: اقعدْ.
فقعد حتى إذا خلا، قَالَ: يابن بحير، أَلم أُكْرِمك أَلم أشرّفك، فكان ثَوابي أن أويتَ أعدائي.
قَالَ: وما ذاك؟ قَالَ: رَجاء بْن رَوح عندك.
قَالَ: أصلح اللَّه الأمير، اختَرْ واحدةً من اثنتين فيها لي براءة ولك شِفاء ممَّا اتهمتَني: أن تُرسل الخيل عَلَى غِرَّتي فتفتّش منازلي، وإِمَّا أن أبرئ صِدْقك بيميني.
قَالَ: فسمِّ امرأَتك، قَالَ: ابنه فَهْد بْن كثير المَعافريّ.
قَالَ: فهي طالق، وكلّ مملوك لك حُرّ، وعليك المشْي إلى بيت اللَّه إن كَانَ عندك ولا تعلم مكانه.
فحلف، فقال: انصرفْ.
قَالَ محمد بْن مُعاوية: فانصرفتُ، فأعلمتُ امرأَتي بِنْت فَهْد.
قَالَتْ: فلا تُظهر ذَلكَ فيُعرف فلا ننجو من القوم ولكن ادخلْ عليَّ واعتزلْ مضجعي.
فكان يفعل ذَلكَ حتى إذا سار صالح أظهر طَلاقها وأعتق رقيقه إلى بيت اللَّه.
ثمَّ سار صالح إلى فِلَسطين وكتب إلى أَبِي عَون بالمسير إِلَيْهِ، كَانَ خروج صالح لأربع خلونَ من شهر رمضان سنة سبع وثلاثين ومائة، فلقِيَه أَبُو عَون بالفَرَما فأمَّره عَلَى مِصر صلاتها وخَراجها، ومضى صالح إلى فِلَسطين، ودخل صالح فِلَسْطين، ودخل أَبُو عون الفُسطاط لأربع بقينَ من شهر رمضان سنة سبع وثلاثين ومائة "
حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه، عَنْ أبيه، قَالَ: حَدَّثَنِي عمرو بْن. . . . . . . . . . السَّبَائيّ: " أن صالحًا لمَّا خرج من مِصر إلى الشام خرج بنفَر من وجوه أهل مِصر، منهم: مُعاوية بْن عبد الرحمن بْن قَحْزَم الخَوْلانيّ، وخالد بْن حيَّان الأَعْيَن الحَضْرَميّ، وشُرَحْبِيل بْن مُذبلفة الكَلْبيّ، وغوث بْن سُلَيْمَان الحَضْرَميّ، وعمرو بْن الحارث الفقيه "
(1/79)

أَبُو عَون عَبْد الملك بْن يزيد الثانية
ثمَّ ولِيَها أَبُو عَون عَبْد الملك بْن يزيد الثانية عَلَى صلاتها وخراجها باستخلاف صالح بْن عليّ إِيَّاه عليها، وذلك فِي شهر رمضان سنة سبع وثلاثين، فجعل عَلَى شُرَطه عِكْرِمة بن عبد الله بْن قَحْزَم، وعلى الدواوين عَطاء بْن شُرَحْبِيل، ثمَّ أفرده أَبُو جَعْفَر بوِلايتها.
وقدِم أمير المؤمنين أَبُو جَعْفَر بيت المَقْدِس وكتب إلى أَبِي عَون: بأن يستخلف عَلَى مِصر ويخرج إِلَيْهِ.
فاستخلف عليها عِكْرِمة بْن عبد الله، وعلى الخَراج عَطاء بْن شُرَحْبِيل مولى مُراد، وخَرج أَبُو عَون للنصف من شهر ربيع الأوَّل سنة إحدى وأربعين ومائة.
حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، قَالَ: «لمَّا أراد أَبُو جَعْفَر عزل صالح بْن عليّ عَنْ مِصر ضمّ إِلَيْهِ فِلَسْطين وأمره بالشخوص إليها، وأن لا يستخلف عَلَى مِصر.
فلمَّا استقرَّ بها، عزله عَنْ مِصر وضمّ إِلَيْهِ الأُردُنّ، وأمره أن يصير إليها، فلمَّا استقرَّ بها، عزله عَنْ فِلَسطين وضمّ إِلَيْهِ دِمَشق، فلم يزَلْ ينقله حتى صار إلى الجزيرة.
ولمَّا صار أَبُو عَون ببيت المقْدِس، بعث أَبُو جَعْفَر مُوسَى بْن كَعْب عليها، فكانت وِلاية أَبِي عَون عليها هذه المُدَّة الثانية ثلاث سنين وستَّة أشهر»

مُوسَى بْن كَعْب بْن عُيَينة بْن عَائِشَة بْن عمرو بْن سري بْن عايذة بْن الحارث بْن امرِئ القيس بْن زيد مَناة بْن تَميم بن مُرّ بْن أدّ بْن طابِخة بْن اليَأْس بْن مُضَر
ثمَّ ولِيَها مُوسَى بْن كَعْب من قِبَل أمير المؤمنين أَبِي جَعْفَر، وكان مُوسَى من نُقباء بني العبَّاس فدخلها لأربع عشرة ليلة بقِيَت من شهر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين
(1/80)

ومائة عَلَى صلاتها وخَراجها، فجعل عَلَى شُرَطه عِكْرِمة بْن عبد الله بْن قَحْزَم.
فحَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه: أن مُوسَى بْن كَعْب لمَّا ولِيَ مِصر نزل العسكر فجعل وجوه الجُند يغدُون عَلَيْهِ ويروحون، فقال: " ألكم حاجة أتشكُون ظُلامة، قَالُوا: لا، قَالَ: فما هذا الاختلاف؟ قَالُوا: كنَّا نفعل ذَلكَ بأُمرائنا قبلك.
فقال: قد وضعه اللَّه عنكم، فأقيموا فِي منازلكم.
فانتهى الناس ولزِمه الفَضْل بْن مِسكين بْن الحارث بْن باباه بالغُدُوّ والرواح، فسأَل يومًا من ببابه، فأُخبِر بِهِ فدعا بِهِ، فقال: أَلك حاجة أتشكون ظُلامة؟ قَالَ: لا.
قَالَ: فما لزومك بأبي وقد أمرتُ بالكفّ عَنْ ذَلك، أنت تُريد أن ترى فينا أمرًا تبغينا بِهِ؟ فحبسه حتى عُزل "
حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، عَن المَيْسَريّ عَبْد العزيز بْن مَيْسَرة، قَالَ: كَانَ مُوسَى بْن كعْب، يَقُولُ فِي خُطبته: " من كَانَ يُريد جاريةً فارهةً، أو غُلامًا فارهًا فلْيرفع يدَيْه إلى اللَّه.
وقال فِي خُطبته: هذا أخوكم عَبْد الغفَّار الأَزْديّ، كَانَ معكم منذ ثلاث، ثمَّ مات فلا تغفَلوا عمَّا نزل بِهِ "
وحَدَّثَنِي ابن قُدَيد، أنَّه انتسخ من رِقاع يحيى بْن عثمان بْن صالح بخطّه: حَدَّثَنِي أَشياخنا: " أن أَسَد بن عبد الله البَجَليّ كَانَ واليًا عَلَى خُراسان، فأَتْهم مُوسَى بْن كعْب بأمر المسوِّدة، فأُلجم بلِجام ثمَّ كُسرت أسنانه، فلمَّا صار الأمر إلى بني هاشم أمالوا عَلَى مُوسَى الدُّنيا، فكان مُوسَى، يَقُولُ: كانت لنا أسنان وليس عندنا خُبز، فلمَّا جاء الخُبز ذهبت الأسنان ".
وذكر أشياخ مِصر: أن أَبَا جَعْفَر كتب إلى مُوسَى بْن كَعْب حِين عزله: إنّي عزلتُك عَنْ غير سُخط، ولكن بلغني أن عاملًا يُقْتَل بِمصر، يقال لَهُ: مُوسَى، وكرِهت أن تكون هُوَ.
فكان ذَلكَ مُوسَى بْن مُصْعَب زمن المَهديّ، فوليَها مُوسَى بْن كَعْب سبعة أشهُر، وصُرف فِي ذي القعدة سنة إحدى وأربعين ومائة.
واستخلف عَلَى الجُند خَالِد بْن حَبيب، وعلى الخَراج نَوفَل بن الفُرات، وخرج من مِصر يوم الأربعاء لستّ بقينَ من ذي القعدة سنة إحدى وأربعين ومائة
(1/81)

محمد بْن الأَشْعَث بْن عُقْبة بْن أُهْبان بْن عبَّاد بْن رَبيعة بْن كَعْب بن أُميَّة بْن يَقظة بْن خُزَيمة بْن مالك بْن سلامان بْن أَسلم بن أَفصى بْن حارثة بْن عَمْرو بْن عامر
فولِيَها محمد بْن الأشعث الخُزاعيّ وهو من ولَد عُقْبة مكلِّم الدِّئب من قِبَل أمير المؤمنين أَبِي جَعْفَر عَلَى صلاتها وخراجها، قدِمها يوم الإثنين لخمس خلونَ من ذي الحجَّة سنة إحدى وأربعين ومائة وجعل مكانه عَلَى الشُّرَط محمد بْن مُعاوية بْن بَجير بْن رَيْسان الكَلاعي، فلمَّا استقرّ محمد بْن الأشعث بها، بعث أَبُو جَعْفَر إلى نَوَفل بْن الفُرات: أن اعرِضْ عَلَى محمد بْن الأشعث ضَمان خَراج مِصر، فإن ضمِنه فأَشهدْ عَلَيْهِ واشخَص إليَّ، وإن أَبى فاعْمَل عَلَى الخَراج.
فعرض عَلَيْهِ ذَلكَ، فاستشار محمد بْن الأَشعث كاتبه، فأشار عَلَيْهِ أن لا يفعل، فانتقل نوفل الدواوين إلى دار الرَّمل فافتقد ابن الأشعث الناس، فقيل لَهُ: هُمْ عند صاحب الخراج.
فندِم عَلَى تسليمه.
وعقد محمد بْن الأشعث لأبي الأحْوَص عمرو بْن الأَحْوَص عَلَى جيش، وبعث بِهِ إلى المغرِب لقتال أَبِي الخطَّاب عبد الأعلى بْن الشيخ الإباضي مولى المَعافر، فلقِيَه أَبُو الخطَّاب بمقداس، فهزم أَبَا الأحوص وقتل عسكره، فبلغ ابن الأشعث ذَلكَ، فعسكر بالجِيزة وصلَّى بها يوم الأضحى سنة اثنتين وأربعين ومائة، وتوَّجه إلى الإسكندريَّة،
(1/82)

واستخلف عَلَى مِصر محمد بْن مُعاوية بْن بَحير بْن رَيْسان.
حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، قَالَ: " كَانَ محمد بْن مُعاوية بْن بَحير قد بُغي عند أَبِي عون، وقيل لَهُ أَنَّهُ يشتمه، فضربه أَبُو عَون وحطّ عطاءه إلى عشرين ومائة، وكان فِي المائتين، فلمَّا قدِم محمد بْن الأَشعث ولَّاه الشُّرط، فكان يصعد المِنبر، فيشتم أَبَا عون، ويقول: النخَّاس الكذَّاب.
فشتمه يومًا عند محمد بْن سَعِيد صاحب الخَراج، فقال لَهُ سالم بْن سُلَيْمَان الحربي القائد: أَتشتمه وهو قائد أمير المؤمنين.
قَالَ: وأشتمك فعليك وعليه وعليه لعنة اللَّه.
فكانت وِلاية ابن الأَشعث عليها سنة وشهرًا "

حُمَيد بْن قَحْطَبة بْن شَبِيب بْن خَالِد بْن مَعدَان بْن شمس بن قيس بْن أكْلَب بْن سعد بْن عمرو بْن غَنْم بْن مالك بْن سعد بْن نَبْهان بْن نعل بْن عمرو بْن الغَوْث بْن طيء.
ثمَّ وليَها حَميد بْن قَحْطَبة من قِبَل أَبِي جَعْفَر عَلَى صلاتها وخَراجها، فدخلها فِي عشرين ألف من الجُند يوم الجمعة لخمس خلونَ من شهر رمضان سنة ثلاث وأربعين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه محمد بْن مُعاوية بن بَجير، ثمَّ قدِم عامر بْن إسماعيل فِي عسكر لستّ خلونَ من شوَّال، وقدِم معه الأَغلَب بْن سالم، ومحمد بْن بَحير عَلَى الشُّرَط.
فحَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، قَالَ: أخبرني المَيْسَريّ، عَنْ أبيه: " أن عُمَر بْن حَبيب المؤذِّن أتى ابن بَحير يؤذنه بالصبح وهو فِي دار الفِلْفِل فرأَى شيئًا كرِهه، فبلغ ذَلكَ حُميدًا، فاستشار الجند فِي رجُل يولّيه الشُّرَط، فقيل لَهُ: عليك بعبد اللَّه
(1/83)

بْن عبد الرحمن مُعاوية بْن حُدَيج.
فولّاه من يومه، فكان مُقام ابن بحير عَلَى شُرَط حُميد ستَّة أشهر "
وحَدَّثَنِي ابنُ قُديد، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، قَالَ: " وقدِم إلى مِصر عليّ بْن محمد بْن عبد الله بْن حسن بْن حسن فِي إمرة حُميد بْن قَحْطَبة داعِيَةً لأبيه وعمّه، فنزل عَلَى عَسَّامة بْن عمرو المَعافريّ، فذكر ذَلكَ صاحب السِّكَّة لُحميد بْن قَحْطَبة، وقال: ابعثْ إِلَيْهِ فخذْه؟ فقال حُميد: هذا كَذِب.
ودس عَلَيْهِ، فتغيَّب ثمَّ بعث إِلَيْهِ من الغد فلم يجده، فقال لصاحب السِّكَّة: أَلَم أُعلمك إنَّهُ كَذِبٌ وكتب بذلك صاحب السكَّة إلى أَبِي جَعْفَر، فعزله وسخِط عَلَيْهِ.
ثمَّ صُرف حُميد عَنْهَا فِي ذي القعدة سنة أربع وأربعين ومائة، وخرج منها يوم الإثنين لثمان بقينَ من ذي القعدة سنة أربع وأربعين ومائة "

يزيد بْن حاتم بْن قَبِيصة بْن المُهلَّب بْن أَبِي صُفْرة
ثمَّ ولِيَها يزيد بْن حاتم المُهلَّبيّ من قِبَل أمير المؤمنين أَبِي جَعْفَر عَلَى صلاتها وخَراجها، فقدِمها يزيد يوم الإثنين للنصف من ذي القعدة سنة أربع وأربعين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه عبد الله بن عبد الرحمن بْن مُعاوية بن حُدَيج، واستخلف عَلَى الخَراج مُعاوية بْن مُرْوان بْن مُوسَى بْن سَعِيد.
وفي ولايته ظهرت دعوة بني حسن بْن عليّ بِمصر وتكلّم بها الناس، وبايع كثير منهم لعليّ بْن محمد بْن عبد الله بْن حسن بْن عبد الله بْن حسن وهو أوَّل عَلَويّ قدِم مِصر، وقام بأمر دعوته خَالِد بْن سَعِيد بْن ربيعة بْن حُبيش الصدَفيّ، وكان جدّه رَبيعة بْن حَبيش من خاصَّة عليّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وشيعته، وحضر الدار، فاستشار خَالِد بْن
(1/84)

سَعِيد أصحابه الذين بايعوا لَهُ، وفيهم: دِحْية بْن مُصعب بْن الأصبغ بْن عَبْد العزيز بْن مَرْوان، ومنصور الأَشلّ بْن الأصبغ بْن عَبْد العزيز، وزيد بْن الأصبغ بْن عَبْد العزيز، فقال لهم: ما ترون.
فأشار عَلَيْهِ دِحْية: أن يبيت يزيد بْن حاتم فِي العسكر فيُضْرم عَلَيْهِ نارًا، وقال أهل الديوان: ترى أن تحوز بيت المال وأن يكون ظهورنا وخروجنا فِي المسجد الجامع.
فكرِه خَالِد بْن سَعِيد أن يبيّت يزيد بن حاتم وخشِيَ عَلَيْهِ اليمانيَّة، وخرج منهم رَجُل من الصَّدِف قد شهِد أمرهم كله حتى أتى إلى عبد الله بْن عبد الرحمن بْن مُعاوية بْن حُديج وهو يومئذٍ عَلَى الفُسطاط، فخبَّرهم أنهم الليلة يخرجون، فمضى عبد الله بْن عبد الرحمن إلى يزيد بْن حاتم وهو بالعسكر ليخبّره، وكان ذَلكَ لعشر خلونَ من شوَّال سنة خمس وأربعين ومائة.
وسار خَالِد بْن سَعِيد فِي الذين معه وعليه قَباء خزّا صفر وعَمامة خزّ صفراء، وقد سوّم فرَسه بعمامة، وعمد إلى المسجد الجامع فِي نِصف الليل، فانتبهوا بيت المال ثمَّ تضاربوا عَلَيْهِ بسيوفهم فلم يصِلْ منهم إِلَيْهِ إلَّا اليسير، وبعث يزيد بْن حاتم مَعَ ابن حُدَيْج بتَوْبَة بْن غريب الخَوْلانيّ، وبأبي الأشهل سعيد بْن الحكم الأَزْديّ من أهل المَوصِل، ودفيف بْن راشد مولى يزيد بن حام، وقال لهم يزيد: إن رأيتم المصابيح فِي الدُّور فهو أمر عامّ، فانصرفوا إليَّ وإلَّا فأْتوا المسجد فاعلَموا الخَبر.
فلمَّا انتهَوا إلى السرَّاجين، قَالُوا: نرجِع.
قال تَوْبَة: أَمَّا أَنَا فلا أبرح حتى يأْتي أمره لأنه قَالَ لكما ارْجِعا ولم يقُلْ لي.
قَالَ لَهُ ابن حُدَيج: فقِف إذًا عند دور بني مِسكين فإنَّه مفرَق طُرُق، قَالَ: أمَّا هذا فأَفعلُ.
وتاب إلى يزيد بْن حاتم نفَر من أهل مِصر، وأتاه المنتظر بْن إسماعيل الرُّعَينيّ من الصَّحراء، فقال ابن حاتم: ما فعل ابن عُمير الحَضْرَميّ؟ قَالُوا: لم يخرج معهم.
قَالَ: وأبو حزَن المَعافريّ؟ قَالُوا: بالباب.
قَالَ: فالأَمر يسير.
وأرسل ابن حاتم إلى أصحابه، فجعلوا يأتونه سُكارى، فقال: إنَّ نُضُوحكم الليلة لكثير.
وكان ممَّن حضر ليلتئذٍ من وجوه قُوَّاده العَلاء بْن رَزين الأَزْديّ من سُليمة، ويحيى بْن عبد الله بْن الْعَبَّاس الكنديّ، وأبو الهزهاز النَّخَعيّ، وأبو كندة بْن عُبَيْد بْن مالك الكَلْبيّ، فساروا جميعًا، ثمَّ وجَّه دَفيفًا فِي جمع منهم من قِبَل سُوق وَرْدان، ومضى ابن حُدَيج وكان بسُوق الحمَّام، ووقف أَبُو الأَشهل فِي السرَّاجين، وأقبل نصر بْن حَبيب فِي الجموع من نحو دُور بني
(1/85)

مِسكين، فوقف ابن حُدَيج عَلَى الباب الَّذِي من ناحية بيت المال فكلَّم خَالِد بْن سَعِيد وهو فوق ظهر المسجد كلمةً قِبْطِيَّةً، فقال: انسلّ.
فخرج عَلَى وجهه ورمى مُسوِّد بسهم فِي الظُّلمة نحو مخرج الكلام، فأصاب خدّ خَالِد بنُشَّابته، فانتزعها وخرج من نحو سُوق الحمَّام، وخرج ابناه إبراهيم وهُدْبة من نحو المِرحاض الَّذِي إلى دار بني سَهْم، ومضى خَالِد بْن سَعِيد إلى إسماعيل بْن حَيْوة بْن عُقْبة بْن كُلَيب الحَضْرَميّ، فسأَله أن يخفيه.
فقال: لقد هممتُ أن أُوبقك واذهب بك إلى الأمير، ثمَّ أتى عَيَّاش بْن عُقْبة بْن كُليب، فقال: أخاف اليمن.
فأَتى يحيى بْن جَابِر أَبَا كِنانة الحَضْرَميّ، فأواه سبعين ليلة حتى سكن الطلَب، وهدأَ أمره، وقُتل تِلْكَ الليلة كَلثم بْن المُنذِر الكَلْبي، ثمَّ أحد بني عامر ممَّن كَانَ مَعَ خَالِد بْن سَعِيد ولم يكن هذا مذهَبه، إنَّما كَانَ غضِب عَلَى يزيد بْن حاتم، فخرج عَلَيْهِ مَعَ خَالِد وأمر يزيد بْن حاتم عبد الله بْن حُدَيج بإطلاق الأُسارَى، فقال: حتى أؤَدّبهم.
فضربهم وخلَّاهم، وكان القتلى تِلْكَ الليلة من أصحاب خَالِد ثلاثة عشر رجُلًا ولم يكن فيهم من لَهُ ذِكر غير كُلْثم بْن المُنذِر الكَلْبيّ، ثمّ قدِمت الخُطَباء إلى مِصر برأس إبراهيم بْن عبد الله بْن حسن فِي ذي الحجَّة سنة خمس وأربعين ومائة، فنصبوه فِي المسجِد الجامع، وقامت الخُطَباء، فذكروا أمره وهم شَبَّة بْن عِقال، وكُرَب بْن مَصْقَلة بْن رَقَبة الحِيريّ، ويحيى بْن عبد الرحمن الأَعلم، وخالد بْن أُسَيْد، وزافر الفَيَّاش بْن عُمَر، وصبيح بْن الصبَّاح، والحَضْرَميّ مُعاوية، وأمَّا عليّ بْن محمد بْن عبد الله بْن حسن فاخْتُلِف فِي أمره، فزعم بعض الناس أَنَّهُ حُمل إلى أَبِي جَعْفَر.
(1/86)

وأخبرني ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عُثمان بْن صالح، عَن ابن عُفير: " أن عليّ بْن محمد اختفى عند عسَّامة بْن عمرو، وقد وجَّه عَسَّامة إِلَيْهِ وأنزله قريةً لَهُ من طُوَّه، فمرِض عليّ بها، فمات ودُفن بها وحُمِل عَسَّامة إلى العراق، فحُبِس زمانًا، فلمَّا صار الأمرُ إلى المَهدِيّ قام أَبُو عُبَيْد اللَّه الأَشْعَريّ كاتب المهدِيّ فِي أمر عَسَّامة لِما بين المَعافر والأشعريّين، فأدخله إلى المَهدي وشفع فِيهِ، فأَمَّنه المَهديّ عَلَى أن يصدُقه عَنْ عليّ بْن محمد، فقال: مات والله يا أمير المؤمنين فِي بيتي لا شكَّ فِيهِ.
فصَدَّقه المَهديّ، وفرض لَهُ مائتين وردّه إلى مِصر.
وأمّا خَالِد بْن سَعِيد فاستخفى زمانًا طويلًا، ثمَّ مات فِي زمن المَهدِيّ بعد الستّين ومائة فِي إِسْكَندريَّة.
وشكت المَعافر إلى يزيد بْن حاتم بُعد الماء عَنْهُمْ، فابتنى يزيد بن حاتم، فِسْقيَّة المَعافر وأجرى إليها الماء من ساقية أَبِي عون، وأنفق فيها مالًا عظيمًا، فقال لَهُ أَبُو جَعْفَر: لِمَ أنفقتَ مالي عَلَى قومك.
وورد كتاب أَبِي جَعْفَر عَلَى يزيد بْن حاتم يأمره بالتحوّل من العسكر إلى الفُسطاط، وأن يجعل الدواوين فِي كنائس القصر وذلك فِي سنة ستّ وأربعين ومائة، فلم يحجّ منهم أحد إلَّا من أهل الشأم لِما كَانَ بالحِجاز من الاضطراب بأمر ابن حسن، ثمَّ حجَّ يزيد بْن حاتم سنة سبع وأربعين واستخلف عَلَى مِصر عبد الله بْن عبد الرحمن بن مُعاوية بْن حُدَيج.
وعقد يزيد بْن حاتم لعبد الأعلى بْن سَعِيد الحَيْشانيّ عَلَى خيل ووجَّههم إلى بِلاد الحَبَشة، وكانت خارجة خرجت بها عليهم أَبُو ميمون، فقتله عَبْد الأعلى، وخرج برأسه ورءوس أصحابه إلى أمير المؤمنين المنصورِ المُهلَّبُ بْن داود بْن يزيد بْن حاتم.
وضمّ يزيد بْن حاتم بَرْقة إلى عَمل مِصر وهو أوَّل من ضمّها إِلَيْهِ، وأمَّر عليها عَبْد السلام بْن عبد الله بْن هُبيرة السّيْبانيّ وذلك فِي سنة ثمان وأربعين ومائة.
وخرج القِبْط عَلَى يزيد بْن حاتم بسَخا ونابذوا، وخرج العُمَّال وكان أميرها عَبْد الجبَّار بْن عبد الرحمن الأَزْديّ وذلك فِي سنة خمسين ومائة.
وصاروا إلى
(1/87)

شُبْراسُنْباط فقاتلوا ابن عبد الرحمن وانضم إليهم أهل البَشَرُود، والأوْسِية، والبُجوم، فأَتى الخَبر يزيد بْن حاتم، فعقد لنصر بْن حَبيب المُهلَّبيّ عَلَى أهل الديوان ووُجوه أهل مِصر، فخرجوا إليهم فبيَّتهم القِبْط، فطُعِن محمد بْن عبد الرحمن بْن مُعاوية بْن حُدَيج حتى سقط وطُعِن نصر بْن حَبيب طعنتين، وقُتِل عَبْد الجبَّار بْن عبد الرحمن وألقى تَوبة الخَولاني النار فِي عسكر القِبْط وانصرف الجيش إلى الفُسطاط مُنهَزِمين.
ثمَّ صُرف يزيد بْن حاتم عَنْهَا، ورد عَلَيْهِ كتاب أَبِي جَعْفَر بذلك فِي شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وخمسين ومائة، فكانت ولايته عليها سبع سنين وأربعة أشهُر "

عبد الله بْن عبد الرحمن بْن مُعاوية بْن حُدَيج بْن جَفْنَة بْن قُنبرة بن حارثة بْن عَبْد شمس بْن مُعاوية بْن جَعفر بْن أُسامة بْن سَعْد بن تُجِيب
ثمَّ ولِيَها عبد الله بْن عبد الرحمن بْن مُعاوية بْن حُدَيج من قِبَل أمير المؤمنين أَبِي جَعْفَر عَلَى صلاتها يوم السبت لثنتي عشرة ليلة بقِيَت من شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وخمسين ومائة، فلم يُولِ عَلَى الشُّرط أحدًا ولكن جعل عَلَى التابُوت عليّ بْن زيدان التُّجِيبيّ، ثمَّ عزله، فولَّاه محمد بْن يَعْفُر المَعافِري، ثمَّ عزله، فولَّاه عِمْران بْن سَعِيد الحُجريّ، ثمَّ عزله،
(1/88)

فولَّاه رجلًا من الموالي يُكنَى أَبَا المجبب
وحَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، قَالَ: قَالَ المَيْسَريّ: «كَانَ عِكْرِمة بْن قَحْزَم عَلَى شُرْطة أَبِي عَون، فخطب وعليه رِداء نارَنجيّ، وكان ابن بحير عَلَى شُرطة ابن الأَشعث يخطب فِي قميص وساحٍ، فأوَّل من خطب فِي السَّواد عبد الله بْن عبد الرحمن بْن مُعاوية بن حُدَيج.
وخرج عبد الله بْن حُدَيج إلى أمير المؤمنين أَبِي جَعْفَر لعشر بقينَ من شهر رمضان سنة أربع وخمسين ومائة واستخلف أخاه محمد عليها، ورجع فِي آخر سنة أربع.
وتُوفّي عبد الله بْن عبد الرحمن وهو واليها يوم الأحد مستهلّ صفر سنة خمس وخمسين ومائة واستخلف أخاه محمدًا، فكانت وِلايته عليها سنتين وشهرين»

محمد بْن عبد الرحمن بْن مُعاوية بْن حُدَيج بْن جَفْنَة بْن قُتيرة
ثمَّ ولِيَها محمد بْن عبد الرحمن باستخلاف أخيه لَهُ، فأقرَّه أمير المؤمنين أَبُو جَعْفَر عَلَى صلاتها فجعل عَلَى شُرَطه العبَّاس بْن عبد الرحمن التُّجِيبيّ من بني الفصال، وجعل أَبَا مَيْسرة عبد الرحمن بْن مَيْسرة مولى حَضْرَ موت عَلَى التابُوت، ثمَّ تُوّفي محمد بْن عبد الرحمن وهو واليها ليلة السبت للنصف من شوال سنة خمس وخمسين ومائة، فكانت ولايته عليها ثمانية أَشهُر ونصفًا واستخلف مُوسَى بْن عُليّ بْن رَباح.
(1/89)

مُوسَى بْن عُليّ بْن رَباح اللَخْميّ
ثمَّ ولِيَها مُوسَى بْن عُلَيّ بْن رَباح باستخلاف محمد بْن حُدَيج لَهُ، فأقرّه أَبُو جَعْفَر عَلَى صلاتها فجعل عَلَى شُرَطه أَبَا الصَّهباء محمد بْن حسَّان الكَلْبيّ، وفي وِلايته خرج القِبْط ببَلْهِيب فِي سنة ستّ وخمسين، فعقد مُوسَى لعبد اللَّه بْن المُهاجِر بْن علي. . . . . حليف بني عامر بْن عديّ بْن تُجِيب، فخرج فِي الجُند إلى بَلْهِيب، فهزم القِبْط.
وأخبرني ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، قَالَ: أخبرني أَبُو يحيى الصَّدَفيّ، قَالَ: " رأَيت مُوسَى بْن عُلَيّ يخطب عَلَى مِنبَر صغير خارج من المقصورة.
قَالَ: وكان مُوسَى بْن عُلَيّ يروح إلى المسجد ماشيًا، وأبو الصّهْباء صاحب شُرَطه بين يديه يحمِل حَربته.
قَالَ: وكان أَبُو الصَّهْباء إذا أقام الحدود عَلَى من تجِب عَلَيْهِ يطَّلع عَلَيْهِ مُوسَى بْن عُلَيّ، فيقول لَهُ: يا أَبَا الصَّهْباء، ارحَم أهل البَلاء، فيقول: أيّها الأمير، إنه لا يصلَح الناس إلَّا بما يُفعَل بهم "
حَدَّثَنَا أُسامة، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن سعد بْن أَبِي مَرْيَم، قَالَ: سَمِعْتُ الفَضْل بْن دُكين، قَالَ: " أتينا مُوسَى بْن عُلَيّ بِمنًى، فلمَّا دخلتُ عَلَيْهِ، قلتُ: بلغني أنَّك ولِيت لأبي جَعْفَر، قَالَ: نعم والله ما رَأَيْتُ أَبَا جَعْفَر قطّ، ولا فرِقت أحَدًا فَرَقي منه، وإنَّ لله عليَّ أن لا أَلِي وِلايةً أَبدًا "
حَدَّثَنَا أحمد بْن محمد بْن سلامة الأَزْديّ، قَالَ: حَدَّثَنَا نصر بْن مَرزُوق، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الله بْن صالح، قَالَ: " كَانَ مُوسَى بْن عُلَيّ يحَدَّثَنَا وهو أمير مِصر وهو داخل المقصورة ونحن من ورائها إذا جاءَه غُلام أسود، فقال: اصلح اللَّه الأمير إنَّ مولاي ضربني البارحة،
(1/90)

فقلتُ: والله لَآتِيَنَّ الأمير مُوسَى بْن عُلَيّ.
فقال لَهُ مُوسَى: ابن عَلِيّ رحمك الله.
فجعل الأسود يزيده الأسوة يكرّر عَلَيْهِ: ابن عُلَيّ، وهو يَقُولُ: ابن عَلِيّ.
لا يزيده عَلَى ذَلكَ.
وتُوفي أمير المؤمنين أَبُو جَعْفَر يوم السبت لستّ خلونَ من ذي الحجَّة سنة ثمان وخمسين ومائة، وبويع محمد بْن عبد الله المَهديّ، فأقرّ مُوسَى بن عُلَيّ عليها إلى يوم الإثنين لثلاث عشرة بقِيَت من ذي الحجَّة سنة إحدى وستّين ومائة، فكانت وِلاية مُوسَى بْن عُلَيّ عليها ستّ سنين وشهرين "

عيسى بْن لُقمان الجُمَحيّ
ثمَّ ولِيَها عيسى بْن لُقمان الجُمَحيّ من قِبَل أمير المؤمنين المَهديّ عَلَى صلاتها وخَراجها، فقدِمها يوم الإثنين لثلاث عشرة بقِيَت من ذي الحجة سنة إحدى وستّين ومائة فجعل عَلَى شرَطه ابن عمّ لَهُ، يقال له: الحارث بن الحارث، من بني جُمَع.
حَدَّثَنَا ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، قَالَ: " كَانَ الحارث بن الحارث الجَمَحيّ عاملًا مَعَ أَبِي ضَمْرة صاحب الخَراج فحبسه، فقدِم عيسى بْن لُقمان فخلَّاه واستعمله عَلَى شُرَطه، فكان خليفة أَبِي مَيْسَرة مولى حَضْرَ مَوت، قَالَ: وقال عيسى بْن لقمان قَالَ لي المَهدِيّ حِين ولَّاني مِصر: قد ولَّيتك عمَل عَبْد العزيز بْن مَرْوان، وصالح بْن عليّ.
فولِيَها عيسى أن صُرف عَنْهَا لثنتي عشرة بقِيَت من جمادى الأولى سنة اثنتين وستّين ومائة ولِيَها أربعة أشهُر "

واضح
مولى أَبِي جَعْفَر ثمَّ وليَها واضح مولى أَبِي جَعْفَر من قِبَل المَهديّ عَلَى صلاتها وخَراجها، دخلها يوم الثلاثاء لستّ بقِينَ من جمادى الآخرة سنة اثنتين وستّين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه مُوسَى
(1/91)

بْن زُرَيق مولى بني تَميم، ثمَّ صُرف فِي شهر رمضان سنة اثنتين وستّين ومائة.

منصور بْن يزيد بْن منصور الرُّعَينيّ
ثمَّ وليَها منصور بْن يزيد الرُّعَيني وهو ابن خال المَهديّ من قِبَل المَهديّ عَلَى صَلاتها، فولِيَها يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة اثنتين وستّين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه هاشم بن عبد الله بن عبد الرحمن بْن مُعاوية بنُ حُدَيج، ثمَّ صرفه وولَّي عَبْد الأعَلى بْن سَعِيد الجَيْشانيّ، ثمَّ عزله وولَّى عَسَّامة بْن عمرو المَعافريّ، ثمَّ خرج منصور إلى الإسكندريَّة واستخلف عليها عَسَّامة بْن عمرو.
فحَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، قَالَ: " لمَّا ولِيَ عَسَّامة شُرَط ابن يزيد بْن منصور ذُكر ذَلكَ لابن بَحير، فقال: صاحب الشُّرَط.
فقالوا لا، ولكن عَلَى الشُّرَط.
فاستعظم ذَلكَ.
ثمَّ صُرف منصور عَنْهَا للنصف من ذي القعدة سنة اثنتين وستّين ومائة، كَانَ مُقامه عليها شهرين وثلاثة أيَّام "

يحيى بْن داود الخُرْسيّ الشهير بابن ممدود
ثمَّ ولِيَها أَبُو صالح الخُرْسيّ يحيى بْن داود من قِبَل المَهديّ عَلَى صلاتها وخَراجها، قدِمها فِي ذي الحجَّة سنة اثنتين وستّين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه عَسَّامة بْن عمرو، وكان أَبُو صالح، وأَخَواه سَعِيد، وأبو قُدامة عبيدًا لزِياد بْن عبد الرحمن القُشَيريّ، وكان أبوهم داود تُركيًّا وأمّمهم خالة ملِك طَبَرِسْتان، وكان أَبُو صالح من أشدّ الناس سُلطانًا وأعظمهم هَيبةً، وأقدمهم عَلَى دم، وأنهكهم عقوبةً، ولمَّا ولِيَ مِصر منع من غلق الأبواب
(1/92)

بالليل ومنع أهل الحوانيت من غلقها حتى حطّوا عليها شرائج القصَب تمنع الكِلاب منها، ومنع حُرَّاس الحمَّامات أن يجلِسوا فيها، وقال: من ضاع لَهُ شيء فعليَّ أَداؤُه، فكان الرَّجُل يدخل الحمَّام، فيضَع ثِيابه، ويقول: يا أَبَا صالح احفَظها.
فكانت الأموال عَلَى هذا مُدَّة وِلايته.
وحَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنِي يحيى بْن عثمان، قَالَ: حَدَّثَنِي حَرْمَلة بن يحيى، قَالَ: «كَانَ الَّذِي أخذ أهل مِصر بلَبْس القلانِس الطِّوال فِي الدخول فيها عَلَى السُّلطان يوم الإثنين والخميس» .
قَالَ: يحيى بْن داود الخُرْسيّ أخذ بذلك الفقهاء والأشراف، وأهل البُيوتات.
قَالَ يحيى: وكان أَبُو جَعْفَر المنصور إذا ذكر الخُرْسيّ.
قَالَ: هُوَ رَجُل يخافني ولا يخاف اللَّه.
فولِيَها أَبُو صالح إلى المحرَّم سنة أربع وستين ومائة

سالم بْن سَوادة التَّميميّ
ثمَّ ولِيَها سالم بْن سَوادة التَّميميّ من قِبَل المَهديّ عَلَى الصلاة، وقدِم معه أَبُو قَطيفة إسماعيل بْن إبراهيم مولى لبني أَسَد على الخَراج وذلك يوم الأحد لاثنتي عشرة ليلة خلت من المحرَّم سنة أربع وستَّين ومائة، وإنَّما ذكرنا إسماعيل هاهُنا لأَنَّ كثيرًا من الناس يظنّونه وليَ صلاتها فجعل سالم عَلَى شُرَطه الأخضر بْن مَرْوان البِصْريّ، ثمَّ صُرف سالم بْن سَوادة عَنْهَا سلخ ذي الحجَّة سنة أربع وستّين ومائة ولِيَها سنةً.
حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه، عَنْ أبيه، قَالَ: «كَانَ يُقال لسالم بْن سَوادة سالم بْن الدُّؤَابة، وكان أجدع جدعته اليمانيَّة»
(1/93)

إبراهيم بْن صالح بْن عليّ بْن عبد الله بْن عَبَّاس
ثمَّ ولِيَها بْن صالح بْن عبد الله بْن عبَّاس من قِبَل المَهدي عَلَى صلاتها وخَراجها، قدِمها يوم الخميس لإحدى عشرة خلت من المحرَّم سنة خمس وستّين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه عَسَّامة بْن عمرو، فاستخلف عَسَّامة عَلَى الشُّرَط يزيد بْن خَالِد بْن مَسْعُود. . . . . . . . . . . من الكُلاع، فمات يزيد، فاستخلف عليها عَسَّامة عَلَى الشُّرَط أيضًا محمد بْن سَعِيد بْن عامر الصَّدَفيّ، فمات، فاستخلف عَسَّامة أيضًا عَمَّار بْن مُسلم بْن عبد الله بْن مُرَّة الطائيّ من الغَوث، وابنتي إبراهيم بْن صالح داره العُظمى المعروفة اليوم بدار عَبْد العزيز التي فِي الموقِف، ثمَّ وهبها عند خُروجه لآل عبد الرحمن بْن عَبْد الجبَّار.
وخرج دِحْية بْن مصعَب بْن الأصبغ بْن عَبْد العزيز بْن مَرْوان بصعيد مصر ونابذ، ومنع الأموال، ودعا إلى نفسه بالخلافة، فبلغ ذَلكَ إبراهيم بْن صالح فتراخى عَنْهُ ولم يحفِل بأمره حتى ملك عامَّة الصعيد، فبلغ ذَلكَ المَهديّ، فسخِط عَلَى إبراهيم بْن صالح وعزله عزلًا قبيحًا، فولِيَها إبراهيم إلى أن صُرف عَنْهَا يوم السبت لسبع خلونَ من ذي الحجَّة سنة سبع وستّين ومائة ولِيَها ثلاث سنين.
(1/94)

مُوسَى بْن مُصْعَب الخَثعَميّ
ثمَّ ولِيَها مُوسَى بْن مُصْعَب من قِبَل المَهديّ عَلَى صلاتها وخراجها، قدِمها يوم السبت لسبع خلونَ من ذي الحجَّة سنة سبع وستّين فجعل عَلَى شُرَطه عَسَّامة بْن عمرو وأمر مُوسَى بإبراهيم بْن صالح أن يُرَدّ إلى مصر، فرُدَّ إِلَيْهِ من الطريق، وكان المَهديّ قد أمره بإصفاء أموال إبراهيم وأخْذ عُمَّاله، فاستخرج منهم ثلاث مائة ألف دينار، ولم يزَلْ إبراهيم مُقيمًا بمصر حتى لم يبقَ لَهُ عامل إلّا صار فِي يدَي مُوسَى بْن مُصْعَب، ثمَّ كتب المَهديّ يأذَن لإبراهيم فِي الانصراف إلى بَغداد.
وتشدَّد مُوسَى بْن مُصعَب فِي استخراج الخراج، وزاد عَلَى كلّ فَدَّان ضِعف ما تُقبّل بِهِ، ثمَّ عاد مُوسَى إلى الرَّشوة فِي الأحكام وجعل خراجًا عَلَى أهل الأسواق، وعلى الدوابّ، وقال الشاعر:
لَوْ يَعْلَمُ المَهْدِيُّ مَاذَا الَّذِي ... يَفْعَلُهُ مُوسَى وَأَيُّوبُ
بِأَرْضِ مِصْرَ حِينَ حَلَّا بِهَا ... لَمْ يُتَّهَمْ فيِ الْنُصْحِ يَعْقُوبُ
كاتبه ابن داود وأظهَر الجُند لموسى الكَرَاهة والشَّنَآن، وبعث عُمَّالًا عَلَى الحوْف فأخرجهم أهل الحَوْف ونابذوه، وعقدت قيس واليمانيَّة حُلفا فيما بينهم، وولّوا عليهم مُعاوية بْن
(1/95)

مالك بْن ضَمْضَم الجُذامي، ثم الجرويّ، وكلَّموا أهل الفُسطاط من الجُند، وخوَّفوهم اللَّه وذكروا لهم ما أتى مُوسَى إليهم، فأعطاهم الجُند من أهل مِصر العُهود والمواثيق أنهم ينهزموا عَنْهُ إذا خرج إليهم فلا يقابلون معه، وتحالفوا هُمْ وأهل الفُسطاط عَلَى ذَلكَ، وعقد مُوسَى بْن مُصعَب لعبد الرَّحْمَن بْن مُوسَى بْن عُلَيّ بْن ربَاح اللَخْميّ فِي خمسة آلاف من أهل الديوان، وبعث بهم إلى الصعيد فِي طلَب دِحْية بْن مُصْعَب، وأمره أن ينزل بالشرقيَّة وكان دِحْية بها، فلمَّا سار عبد الرحمن عدَّى دِحْية النيل وصار فِي غربيّة وملك كثره، وولَّى دِحْية عَلَى الشرقيَّة يوسف بْن نُصير بْن مُعاوية بْن يزيد بْن عبد الله بْن قيس التُّجِيبيّ، فكان يوسف يُغير عَلَى عبد الرحمن بْن مُوسَى بْن عُلَيّ، فاستخلف عبد الرَّحْمَن عَلَى جيشه بكَّار بْن عمرو أخا عَسَّامة بْن عمرو وسأَل أن يُعفَى، فعُفِي، ومضى مُوسَى بْن مُصْعَب فِي جُند مصر كلّهم وفيه وُجُوه الناس، فساروا حتى نزلوا العُريرا وأقبل إليهم أهل الخَوْف يَمنَها وقيسها، فلمَّا اصطفّوا ونَشِبتْ بينهم الحرب انهزم أهل مِصر بأجمعهم وأسلموا مُوسَى بْن مُصْعَب، فبقِيَ فِي طائفة يسيرة ممَّن كَانَ قدِم بهم فلم يثبت معه أحد من أهل مصر إلَّا خَالِد بْن يزيد بْن إسماعيل التُّجيبيّ، وكان صاحب أمره والمستولي عَلَيْهِ، وقُتل مُوسَى بْن مُصعَب قتَلَه مَهديّ بْن زياد المَهْريّ، ثمَّ أخذ الصعر، وعاد أهل مِصر إلى الفُسطاط لم يُكْلَم منهم أحَد وبلغ المَهدي مَقتله.
فقال: نُفيتُ من العبَّاس أَو لَأَفْعَلَنَّ بَمهديّ ولَأَفْعَلَنَّ بأهل الحَوْف كذا وكذا، فمات المَهديّ أن يُبلغ فيهم شيئًا، وكان قتل مُوسَى بْن مُصعَب بالعُريرا يوم الأحد لتسع خلونَ من شوَّال سنة ثمان وستّين ومائة، فكانت ولايته عليها عشرة أشهُر.
قَالَ سَعِيد بن عُفَير يذكر أهل الحَوْف:
أَلَمْ تَرَهُمْ أَلْوَتْ بِمُوسَى سُيُوفُهُم ... وَكَانَتْ سُيُوفٌ لَا تَدِينُ لِمُتْرَفِ
فَمَا بَرِحَتْ فِيهِ تَعُودُ وَتَبْتَدِي ... إِلَى أَنْ تَرَوى مِنْ حمام مدنّفِ
(1/96)

فَأَصْبَحَ مِنْ مِصْرٍ وَمَا كَانَ قَدْ حَوَى ... بِمِصْر مِنَ الدُّنْيَا سَلِيبًا بِنَفْنَفِ
وَلكِنَّ أَهْلَ الحَوْفِ لِلهِ فِيهِمِ ... ذَخَائِرُ إِنْ لَا يُنْفِدِ الدَّهْرُ تُعْرَفِ
وقُتل معه خَالِد بْن يزيد التُّجِيبيّ وكان ظالمًا، قَالَ لَهُ عَبْد الحميد بْن كَعْب بْن عَلْقَمة: أَتُحب أن لك مائة ألف دينار وأنت من أهل النار.
قَالَ: لا.
قَالَ: فأنت من أهل النار وليس لك مائة ألف دينار.
وحَدَّثَنِي ابن قُديد، عن أَبِي نصر أحمد بْن صالح، عن عليّ بْن مَعْبَد، عَن سَعِيد بْن أَبِي مَرْيَم، قَالَ: سمعتُ الليث بْن سعد، وموسى بْن مُصْعَب يخطب الناس، وكان ظالمًا غاشما، فمرَّ بهذه الآية: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} [الكهف: 29] ، فقال الليث وموسى يخطب: «اللهُمّ لَا تَمقُتْنا»

عَسَّامة بْن عمرو المَعافِريّ
ثمَّ ولِيَها عسَّامة بْن عمرو باستخلاف مُوسَى بْن مُصْعَب إيَّاه، فكتب دِحْية بْن مُصْعَب إلى يوسف بْن نُصير بْن مُعاوية التُّجيبيّ يأمره بالمسير فِي الشرقيَّة إلى الفُسطاط، فبعث إِلَيْهِ عَسَّامة بأخيه بكَّار بْن عمرو، فالتقوا ببَركْوت من الشرقيَّة، فتحاربوا يومهم أجمع، فنادى يوسف بْن نُصير بكَّارًا: يابنَ أمّ القاسم، اخرج إليَّ.
فقال: هأنذا يا ابن وَهبة.
فقال: قد ترى ما الَّذِي قُتِل بيننا من الناس أبرزْ إليَّ وأبرُزُ إليك، فَأَيُّنا قتل صاحبه كَانَ الفتح لَهُ.
فبرز بكَّار، فوضع يوسف الرُّمح فِي خاصِرته، ووضع بكَّار الرُّمح فِي خاصِرة يوسف فقتل يوسف بكَّارًا، وقتل بكَّار يوسفَ ورجع.
الفلّ من الجيشين جمعا.
وذلك لثلاث بقِين من ذي الحجَّة سنة ثمان وستّين ومائة.
وقد كانت ولاية الفَضْل بْن صالح بْن عليّ وردت مصر، فصُرف عَسَّامة عَنْهَا لثلاث عشرة خلت من ذي القعدة سنة ثمان وستّين ومائة، وورد كتاب الفَضْل باستخلاف
(1/97)

عَسَّامة عليها، فخلفه إلى سلخ المحرَّم سنة تسع وستّين ومائة.

الفَضْل بْن صالح بْن عليّ العبَّاسيّ
ثمَّ ولِيَها الفَضل بْن صالح من قِبَل المَهديّ عَلَى صلاتها وخَراجها، دخلها يوم الخميس سلخ المحرَّم سنة تسع وستّين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه عَسَّامة بْن عمرو، وكان مَعَ الفَضْل عسكر من الجُند عظيم أتى بهم من الشام عَلَى أهل قِنَّسرِين: عَنْبَسة بْن سَعِيد الجَرشيّ، وعلى أهل حِمص: جَهْم بْن عَبْد العزيز البَهْرانيّ، وعلى أهل دِمَشْق: عاصم بْن محمد بْن سَعِيد، وعلى أهل الأُرْدُنّ: قُطْبة بْن سَعِيد القَينيّ، وعلى أهل فِلَسْطين: زيادة بْن فائد اللَخْميّ، وتُوفّي المَهديّ فِي المحرم سنة تسع وستّين ومائة، وبُويع مُوسَى بْن المَهديّ فِي المحرَّم سنة تسع وستّين ومائة، وبُويع مُوسَى بْن المَهدِيّ، فأقرّ الفَضْل بْن صالح بْن عليّ عليها، وقدِم الفَضل وهي تضطرم لِما كَانَ من أهل الحَوْف ولخروج دِحية بْن مُصْعَب، وذلك أنَّ الناس تسرعوا إلى دِحية وكاتبوه ودعَوه إلى دخول الفُسطاط، فعقد الفَضل بْن صالح لسُفْيان القائد عَلَى الجُند، وعقد لابن ذي هجران السَّيْبانيّ عَلَى أهل مِصر فأَقام بالجِيزة، وعقد لابن زبَّان عَلَى القيسيَّة، وبعث بالزُّهْريّ فِي البحر، فالتقى سُفيان مَعَ دِحْية ببُويط، وكان صاحب أمر دِحْية كلّه فَتح بْن الصَّلْت بْن المُغيرة بْن ناشر الأَزْديّ من بني الحارث بْن زَهْران كَانَ جَدّه ناشر، حضر فتح مِصر، وأقبل فتح يكُرّ ويفِرّ لا يعرِض لَهُ شيء إلَّا هذه، فوقف لَهُ إبراهيم بْن الأَومر بْن عليّ
(1/98)

التُّجِيبيّ من بني سوم بْن عَديّ بْن تُجيب، وبحر بْن شَراحِيل التُّجِيبيّ، وهيَّاج الأَنباريّ، فحملوا عَلَى فَتْح، فقتلوه، فقهقر أصحاب دِحْية لمقتل فتح، ومضى دِحْية عَلَى حامية فِي طائفة معه إلى طريق الواحات، فبعث إلى أهلها يدعُوهم إلى القيام معه، وكانوا من المسالة والبَرْبَر يتدّينون بالشراية، فقالوا: ألا نُقاتل إلَّا مَعَ أهل دَعْوتنا.
فبعث إليهم دِحْية: إِنَّا عَلَى مذهَبكم.
فخرجوا إِلَيْهِ وقاتلوا معه يوم الدَّير.
وأقبل عبد الله بْن عليّ الجنبيّ فِي جمع كثير بعثه الفَضل بْن صالح، فخرج إِلَيْهِ دِحْية فِي أهل الواحات، فهزموا عبد الله بْن عليّ، وقُتل يومئذٍ عَبْد العزيز بْن مَرْوان بْن الأَصبغ بْن عَبْد العزيز بْن مَرْوان، ووجد أهل الواحات عَلَى دِحْية فِي إِثارته العرَب عَلَى الموالي وتقديمهم عَلَى البَرْبَر، فقالوا لَهُ: هذا ظُلم والإسلام واحد ولسنا نقاتل معك حتى نمتحنك بالبراءَة من عثمان.
فامتنع دِحْية، وقال لهم والله ما أرجو الجَنَّة إلَّا بالرَّحِم بيني وبين عثمان.
فانصرفوا عَنْهُ وتركوه، فعاد إِلَيْهِ عبد الله بْن عليّ الجنبيّ لمَّا علِم انصرافهم عَنْهُ، فحاربهم، فقُتل يومئذٍ مَرْوان بْن عَبْد الملك بْن أَبِي بَكْر بن عَبْد العزيز بْن مَرْوان، وكانت نُعْم أمّ ولَد دِحْية تقاتل قتالًا شديدًا، فقال شاعرٌ من أصحاب دِحْية. . . . . . . . . . . . . . . . .

عَلِيّ بْن سُلَيْمَان العبَّاسيّ
ثمَّ ولِيَها عليّ بْن سُلَيْمَان من قِبَل مُوسَى الهادي على الصلاة والخَراج، دخلها فِي شوَّال سنة تسع وستّين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه عبد الرحمن بْن مُوسَى بْن عُلَيّ بْن رَباح اللَخْميّ، فولَّى الْحَسَن بْن يزيد بْن هانئ الكِنْديّ، وتُوفّي مُوسَى الهادي فِي النصف من ربيع الأوَّل سنة سبعين ومائة.
(1/99)

وبويع هارُون بْن محمد الرشيد، فأَقرَّ عليّ بْن سُلَيْمَان عَلَيْهِا، وأظهر عليّ بن سُلَيْمَان فِي ولايته عليها: الأمر بالمعروف، والنهي عَن المُنكَر، والخُمور، وهدم الكنائس المحدثة بمصر، فهدم كنيسة مريم الملاصقة لأبي شنودة، وهدم كنائس محرس قسطنطين، وبذل له خمسون ألف دينار في تركها، فامتنع وكان كثير الصدقة في الليل، وكان أهل مصر مع هذا يرمونه بالقدر، وذلك ومنَع الملاهي أنَّه استخلص رَجُلَين مُتْهَمَين بالقَدَر، وهما عَبْد الحَمِيد بْن كَعْب بْن عَلْقَمَة التنُوخيّ، وهَرِم بْن سُلَيم بْن عِياض العامريّ من قُريش.
وقال يحيى بْن عثمان بْن صالح: قدِم إِدرِيس بْن عبد الله بْن حسن بن حسن إلى مِصر وعليّ بْن سُلَيْمَان عليها، فعلِم بمكانه ولقِيَه سرًّا، فسأله بالله والرَّحِم إِلَّا ستر عَلَيْهِ، فإِنَّه خارج إلى المغرب، فستر عَلَيْهِ، وأظهر عليّ بن سُلَيْمَان أنَّه تصلح لَهُ الخِلافة وطمِع فيها، فسخِط عَلَيْهِ هارون، فعزله عَنْهَا يوم الجمعة لأربع بقينَ من ربيع الأوَّل سنة إحدى وسبعين ومائة.

مُوسَى بْن عيسى بْن مُوسَى العبَّاسيّ
ثمَّ ولِيَها مُوسَى بْن عيسى بْن مُوسَى بْن محمد من قِبَل أمير المؤمنين هارون الرشيد عَلَى صلاتها فجعل عَلَى شُرَطه أخاه إسماعيل بْن عيسى، فسخِط ذَلكَ، فعزله وولَّى عَسَّامة بْن عمرو، ثمَّ أَذِن مُوسَى بْن عيسى للنصارى فِي بُنْيان الكنائس التي هدمها عليّ بْن سُليمان، فبُنيت كلّها بمشْوَرة الليث بْن سعد، وعبد اللَّه بْن لَهِيعة، وقالا: هُوَ من عِمارة البِلاد.
واحتجَّا أن عامة الكنائس التي بِمصر لم تُبْنَ إلَّا فِي الْإِسْلَام فِي زمَن الصحابة والتابعين.
ثمَّ صُرف مُوسَى عَنْهَا يوم السبت لأربع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة
(1/100)

اثنتين وسبعين ومائَة، فكانت وِلايته عليها سنة وخمسة أشهُر ونصفًا.

مَسْلَمة بْن يحيى البَجَلّي
ثمَّ ولِيَها مَسْلَمة بْن يحيى البَجَلّي أخُو جِبْريل بْن يحيى من قِبَل هارون الرشيد عَلَى صلاتها، دخلها فِي شهر رمضان سنة اثنتين وسبعين ومائة فِي عشرة آلاف من الجُند فجعل عَلَى شُرَطه ابنه عبد الرحمن بْن مَسْلَمة بْن يحيى، ثمَّ صُرف مَسْلَمة عَنْهَا فِي شعبان سنة ثلاث وسبعين ومائة، ولِيَها أحد عشر شهرًا.

محمد بْن زُهَير الأَزْديّ
ثمَّ ولِيَها محمد بْن زُهير الأَزْديّ من قِبَل الرشيد عَلَى صلاتها وخراجها لخمس خلون من شعبان سنة ثلاث وسبعين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه جَنْك بْن العَلاء، ثمَّ عزله فولَّى عمَّار بْن مُسلم بْن عبد الله الطائيّ أيَّامًا، ثمَّ عزله وولَّى حَبيب بْن أَبان بْن الوَليد البَجَلّي وثار الجُند الَّذِي، يقال لهم: القُدَيديَّة بصاحب الخَراج عُمَر بْن غيلان فِي أَعطِياتهم، فصلبوه ودخَّنوا عَلَيْهِ حتى دفع إليهم أعطِياتهم، ولم يدافع عَنْهُ محمد بْن زُهير فصُرف عَنْهَا فِي سلخ ذي الحجَّة سنة ثلاث وسبعين ومائة، ولِيَها خمسة أشهُر.
(1/101)

داود بْن يزيد المُهلَّبيّ
ثمَّ ولِيَها داود بْن يزيد المُهَلَّبيّ، فقدِمها هُوَ، وإبراهيم بْن صالح بْن عليّ جميعًا، وليَ داود صلاتها من قِبَل الرشيد، وبعث إبراهيم بْن صالح فِي إخراج القُدَيدية عَنْ مِصر دخلاها لأربع عشرة ليلة خلت من المحرَّم سنة أربع وسبعين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه عمَّار بْن مُسْلم الطائيّ، وأخرج إبراهيم القدَيديَّة من الفُسطاط إلى المغرِب والمشرِق وجعل منهم عالَمًا فِي البحر إلى الشام، فظفرت بهم الرُّوم فأَسرتهم.
وفي وِلاية داود بْن يزيد تُوفّي عبد الله بْن لَهِيعة يوم الأحد لخمس خلونَ من جمادى الآخرة، فصلّى عَلَيْهِ داود وتُوفّي بكْر مُضَر يوم عَرَفة فصلّى عَلَيْهِ داود أيضًا.
فولِيَها داود إلى أن صُرف عَنْهَا لستّ خلونَ من المحرَّم سنة خمس وسبعين ومائة، فكانت وِلايته عليها سنةً ونصف شهر.

مُوسَى بْن عيسى العبَّاسي الثانية
ثمَّ ولِيَها مُوسَى بْن عيسى الثانية عَلَى صلاتها وخراجها من قِبَل الرشيد، دخلها يوم
(1/102)

الإثنين لسبع خلونَ من صفر سنة خمس وسبعين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه عبد الرحمن بْن مُوسَى بْن عُلَيّ بْن رَباح، وأمر مُوسَى بالزيادة فِي المسجِد الجامع، زاد فِيهِ الرَّحبة التي تقابل الصَّيارِفة اليوم، وهو نصف الرحَبة المنسوبة إلى أَبِي أيّوب وذلك فِي شعبان سنة خمس وسبعين ومائة.
وتُوفّي الليث بْن سعد يوم الجمعة للنصف من شعبان سنة خمس وسبعين، وصلَّى عَلَيْهِ مُوسَى بْن عيسى، فوليَها مُوسَى إلى أن صُرف عَنْهَا لليلتين بقِيَتا من صفر سنة ستّ وسبعين ومائة، ولِيَها سنة واحدة.

إبراهيم بْن صالح العبَّاسيّ الثانية
ثمَّ ولِيَها إبراهيم بْن صالح الثانية من قبل الرشيد عَلَى صلاتها وخَراجها، فكتب إلى عَسَّامة بْن عمرو فاستخلفه، وقدِم نَصْر بْن كَلْثُوم خليفةً عَلَى الخَراج مستهَلّ ربيع الأوّل سنة ستّ، وتُوفّي عَسَّامة بْن عمرو لسبع بقِينَ من شهر ربيع الآخر سنة ستّ وسبعين ومائة، ثمَّ قدِم رَوح بْن رَوح بْن زِنباع خليفةً لإبراهيم عَلَى الصلاة والخَراج لخمس بقِينَ من شهر ربيع الأوَّل سنة ستّ وسبعين ومائة، فجعل عَلَى شُرَطه خَالِد بْن يزيد بْن المُهلَّب بْن أَبِي صُفْرة، وتُوّفي إبراهيم بْن صالح بها وهو واليها يوم الخميس لثلاث خلونَ من شعبان سنة ستّ وسبعين ومائة، كَانَ مُقامه بها شهرين وثمانية عشر يومًا، فكان قبره أوَّل قبر بُيّض فِي مَقبُرة مِصر.
وأقام بالأمر بعد أبيه صالح بْن إبراهيم مَعَ صاحب شُرَطه خَالِد بْن يزيد.
(1/103)

عبد الله بْن المُسيَّب بْن زُهير الضَّبّيّ
ثمَّ ولِيَها عبد الله بْن المُسيَّب بْن زُهَير الضَّبّي من قِبَل الرشيد عَلَى صلاتها لإحدى عشرة ليلة بقِيَت من شهر رمضان سنة ست وسبعين ومائة، فجعل عَلَى شُرَطه أبا المكيس، ثمَّ صُرف عَنْهَا فِي رجب سنة سبع وسبعين ومائة.

إِسْحَاق بْن سُلَيْمَان
ثم ولِيَها بْن سُليمان من قِبَل الرشيد عَلَى صلاتها وخَراجها مُسَتهلّ رجب سنة سبع وسبعين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه مُسلم بْن بكار بن مُسلم العُقَليّ، واستخلف مُعاوية بْن صُرد البكَّائيّ، فكشف إِسْحَاق أمر الخراج وزاد عَلَى المزارِعين زيادةً أجحف بهم، فخرج عَلَيْهِ أهل الحَوْف وعسكروا، فبعث الجيُوش، فحاربهم فقُتل كرمين بْن يحيى وكان من كبار أصحابه فِي جمع منهم، وكتب إِسْحَاق إلى هارون الرشيد يخبره بذلك، فعقد هارون لهرْثَمة بْن أَعْيَن فِي جيش عظيم، وبعث بِهِ إلى مِصر فنزل الحوْف، فلقيَه أهله بالطاعة وأذعنوا بأداء الخراج، فقبل هَرْثَمة منهم واستخرج خَراجه كلّه، فولِيَها إلى أن صُرف عَنْهَا فِي رجب سنة ثمان وسبعين ومائة.
(1/104)

هَرْثَمة بْن أَعْيَن
ثمَّ ولِيَها هَرْثَمة بْن أَعْيَن من قِبَل الرشيد عَلَى صلاتها وخَراجها ليومين خلتا من شعبان سنة ثمان وسبعين فجعل عَلَى شُرَطه ابنه حاتم بْن هَرْثَمة، ثمَّ سار هَرْثَمة إلى إفريقيَّة هُوَ ومنصور بْن زياد لاثنتي عشرة خلت من شوَّال سنة ثمان وسبعين ومائة، أقام شهرين ونصفًا.

عبد الملك بْن صالح بْن عليّ العبَّاسيّ
ثمَّ ولِيَها عَبْد الملك بْن صالح من قِبَل الرشيد عَلَى الصلاة والخَراج ولم يدخلها، واستخلف عليها عبد الله بْن المُسيَّب الضَّبّي فجعل عَلَى شُرَطه عَمَّار بْن مُسلِم، فولِيَها إلى سلخ سنة ثمان وسبعين ومائة.
(1/105)

عُبَيْد اللَّه بْن المَهديّ العبَّاسيّ
ثمَّ ولِيَها عُبَيْد اللَّه بْن المَهديّ من قِبَل الرشيد عَلَى صلاتها وخَراجها يوم الإثنين عشرة ليلة خلت من المحرَّم سنة تسع وسبعين ومائة، فاستخلف عبد الله بْن المسيَّب عليها، قدِم عُبَيْد اللَّه يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوَّل سنة تسع وسبعين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه مُعاوية بْن صُرَد البكَّائيّ، فولِيَها إلى أن صُرف عَنْهَا فِي شهر رمضان سنة تسع وسبعين ومائة، ولِيَها سبعة أشهُر، وخرج منها ثاني شوَّال.

مُوسَى بْن عيسى الثالثة
ثمَّ ولِيَها مُوسَى بْن عِيسى الثالثة من قِبَل الرشيد عَلَى صلاتها، وقدِم يحيى بْن مُوسَى بْن عيسى خليفةً لأبيه عليها لثلاث خلونَ من شهر رمضان، ثمَّ قدِمها مُوسَى بْن عِيسى فِي آخر ذي القعدة، فولِيَها إلى أن صُرف عَنْهَا فِي جمادى الآخرة سنة ثمان ومائة.

عُبَيْد اللَّه بْن المَهديّ الثانية
ثمَّ وليَها عُبَيْد اللَّه بْن المَهدي الثانية من قِبَل الرشيد عَلَى صَلاتها، فقدِم داود بْن حيَّاش خليفةً عليها لسبع خلونَ من جمادى الآخرة، وقدِمها عُبَيْد اللَّه يوم الثلاثاء لأربع خلونَ من شعبان سنة ثمانين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه مُعاوية بْن صُرَد، ثمَّ عزله، فولَّى
(1/106)

عَمَّار بْن مُسلِم، فولِيَها إلى أن صُرف عَنْهَا لثلاث خلونَ من شهر رمضان سنة إحدى وثمانين ومائة.

إسماعيل بْن صالح العبَّاسيّ
ثمَّ ولِيَها إسماعيل بْن صالح من قِبَل الرشيد عَلَى صلاتها يوم الخميس لسبع خلونَ من شهر رمضان فاستخلف عَوْف بْن وَهْب الخُزاعيّ، ثمَّ قدِمها إسماعيل يوم الخميس لخمس بقينَ من شهر رمضان سنة إحدى وثمانين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه سُلَيْمَان بْن الصِّمّة المُهَلَّبيّ، ثمَّ عزله فولَّى يزيد بْن عَبْد العزيز الغَسَّانيّ.
قَالَ ابن عُفير: ما رأيتُ أحدًا عَلَى هذه الأعواد أخطب من إسماعيل بن صالح بْن عليّ.
فولِيَها إلى أن صُرف عَنْهَا فِي جمادى الآخرة سنة اثنتين وثمانين ومائة.

إسماعيل بْن عيسى العبَّاسي
ثمَّ ولِيَها إسماعيل بْن عيسى من قِبَل الرشيد عَلَى صلاتها، قدِمها يوم الجمعة لأربع عشرة بقِيَت من جمادى الآخرة سنة اثنتين وثمانين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه المِصَكّ بْن مِسكين الجرَشيّ، ثمَّ عزله وولَّى عَبْد الوهَّاب بْن مُوسَى بْن عَبْد العزيز بْن عُمَر بْن عبد الرحمن بْن عَوْف فولِيَها إلى أن صُرف عَنْهَا فِي شهر رمضان سنة اثنتين وثمانين ومائة.

الليث بْن الفَضْل
ثمَّ ولِيَها الليث بْن الفَضْل من قِبَل الرشيد عَلَى صلاتها وخَراجها، قدِمها لخمس خلونَ من شوَّال سنة اثنتين وثمانين ومائة فجعل أخاه عليّ بْن الفَضْل عَلَى شُرَطه،
(1/107)

واستخلف عَبْد الغَنيّ بْن عَديّ الحَجْريّ من حَجْر حِميَر، ثمَّ مات عَبْد الغَنيّ، فاستخلف عَلَى الشُّرَط عمرو بن عَبْد العزيز بْن يَريم الحَجْريّ، ثمَّ عَبْد الوهَّاب بْن مُوسَى بْن عَبْد العزيز الزُّهريّ، ثمَّ ردّ عمرو بْن عَبْد العزيز بْن يَريم، فولِيَها الليث، ثمَّ خرج إلى الرشيد لسبع خلونَ من شهر رمضان سنة ثلاث وثمانين ومائة بالمال والهدايا وهو عَلَى وِلايته، واستخلف أخاه عليّ بْن الفَضْل عليها، ثمَّ عاد الليث إليها فِي آخر سنة ثلاث وثمانين ومائة، وخرج ليث أيضًا بالمال لسبع بقينَ من شهر رمضان سنة خمس وثمانين ومائة، ثمَّ استخلف عليها هاشم بن عبد الله بْن عبد الرحمن بْن مُعاوية بْن حُدَيج، وقدِم ليث يوم السبت لأربع عشرة خلت من المحرم سنة ستّ وثمانين ومائة.
وأخبرني ابن قُدَيد، قَالَ: كَانَ ليث بْن الفَضْل كلَّما أغلق خَراج سنة وفرغ من حِسابها خرج بالمال والحِساب إلى أمير المؤمنين هارون، قَالَ ابن قُدَيد وهو أوَّل من استعمل إبراهيم بْن تَميم فِي كُتَّاب الخَراج.
ثمَّ إن أهل الحَوْف خرجوا عَلَى ليث بْن الفَضل، فكان السبّب فِي ذَلكَ أن ليثًا بعث بمُسَّاح يمسحون عليهم أراضي زرْعهم، فانتقصوا من القصَة أصابع، فتظلَّم الناس إلى الليث فلم يسمع منهم، فعسكروا وساروا إلى الفُسطاط، فخرج إليهم ليث بْن الفَضل فِي أربعة آلاف من جُند مِصر، كَانَ خروجه يوم الخميس ليومين بقِيا من شعبان سنة ستّ وثمانين ومائة، واستخلف عليها عبد الرحمن بْن مُوسَى بْن عُلَيّ بْن رَباح عَلَى الجُند، وعلى الخَراج، فالتقى لَيْث مَعَ أهل الحَوف لثنتي عشرة خلت من شهر رمضان سنة ستّ وثمانين، فانهزم الجُند عَنْ لَيث وبقي فِي مائتين أو نحوها، فحمل عليهم بمن معه، فهزمهم حتى بلغ بهم غَيفة، وكان التقاؤهم فِي أرض جُبّ عَميرة، وبعث ليث إلى الفُسطاط ثمانين رأسًا من العَبسيَّة، ورجع ليث إلى الفُسطاط، ورجع أهل الحَوْف إلى منازلهم ومنعوا الخراج، وخرج ليث إلى أمير المؤمنين هارون لمستهلّ المحرَّم سنة سبع وثمانين ومائة، فسأَل أمير المؤمنين أن يبعث معه بالجُيوش إليها، وذكر أَنَّهُ لا يقدِر عَلَى استخراج الخَراج من أهل الحَوْف إلا بجيش يُبعث بِهِ معه، وكان محفوظ بْن سُليمان بباب الرشيد، فرفع
(1/108)

محفوظ إلى أمير المؤمنين يضمَن لَهُ جباية خَراجها عَنْ آخره بلا سُوط ولا عصا، فولَّاه أمير المؤمنين الخَراج، وصرف ليث بْن الفَضْل عَنْ صلاتها وخَراجها، وبعث أحمد بْن إسماعيل عَلَى صلاتها مَعَ محفوظ، فكانت ولاية لَيث عليها أربع سنين وسبعة أشهر.

أحمد بْن إسماعيل العبَّاسيّ
ثمَّ ولِيَها أحمد بْن إسماعيل بْن عليّ بْن عبد الله بْن عَبَّاس من قِبَل الرشيد عَلَى صلاتها، فدخلها يوم الإثنين لخمس بقِينَ من جمادى الآخرة سنة سبع وثمانين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه مُعاوية بْن صُرَد.
حَدَّثَنَا أَبُو سلَمة التُّجِيبيّ، قَالَ: أخبرني أحمد بْن أحمد بْن عمرو بْن سَرْح، قَالَ: " حضرت القَسامة فِي والٍ من بني هاشم، يُقال لَهُ: أحمد بْن إسماعيل فِي سنة سبع وثمانين أو سنة ثمان وثمانين، وقال: أَحْضِرْ أولياء المقتول المسجِد الجامع، فحلفوا بعد العصر عند القِبْلة قِيامًا، ورأَيتُ مَعَ رسول السُّلطان خطّ عبد الله بْن وَهْب فِي كتاب قد كتبه لهم كيف يحلِفون.
فولِيَها أحمد بْن إسماعيل إلى أن صُرف عَنْهَا يوم الإثنين لثمان عشرة خلت من شعبان سنة تسع وثمانين ومائة، ولِيَها سنتين وشهرًا ونصفًا "

عبد الله بْن محمد العبَّاسي
ثمَّ ولِيَها عبد الله بْن محمد نب إبراهيم الَّذِي، يُقال لَهُ: ابن زَينَب من قِبَل الرشيد عَلَى صلاتها فاستخلف عليها لَهِيعة بْن عِيسى بْن لَهِيعة الحَضْرَميّ إلى يوم السبت للنصف من شوَّال سنة تسع وثمانين، فقدِمها عبد الله بْن محمد فجعل عَلَى شُرَطه أحمد بْن حُوَيّ بْن حُوَيّ العُذريّ، ثمَّ عزله فولَّى محمد بْن عَسَّامة بْن عمرو، فولِيَها عبد الله بْن محمد إلى
(1/109)

أن صُرف عَنْهَا لإحدى عشرة بقِيَت من شعبان سنة تسعين ومائة، فخرج عَنْهَا واستخلف عليها هشام بْن عبد الله بْن عبد الرحمن بْن مُعاوية بْن حُدَيج.

الْحُسَيْن بْن جَمِيل
ثمَّ ولِيَها الْحُسَيْن بْن جَميل من قِبَل الرشيد عَلَى صلاتها قدِمها يوم الخميس لعشر خلونَ من شهر رمضان سنة تسعين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه كامل الهُنائيّ، ثمَّ عزله فولَّى مُعاوية بْن صُرَد، فأَقام عَلَى صلاتها إلى يوم الجمعة لسبع خلونَ من رجب سنة إحدى وتسعين ومائة فجُمِعت لَهُ الصلاة والخَراج جميعًا، قَالَ سَعِيد بْن عُفير:
مَا كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ الحِين يَجْمَعُ مَا ... أَمْسَى بِمِصْرَ مِنَ الأَنْذَالِ فِي الإِمَرِ
أَمَّا الأَميرُ فَحَنَّاجٌ وَصَاحِبُهُ ... عَلَى الخَرَاجِ سَوَادِيٌّ مِنَ الأُكَرِ
هذا الهْنَائِي مِنَ الفُسْطَاطِ يَخْلُفُهُ ... والْعَامِليُّ عَلَى أَعْمَالِهِ الْأُخَرِ
كُلٌّ لِصَاحِبِهِ شِكْلٌ يُلَايِمُهُ ... فَهُمْ سَوَاسِيَةٌ فِي اللُّؤْمِ كالحُمُرِ
وَمَا هُنَاءَةُ إِلَّا ظَلْفُ ذِي يَمن ... وَالْبَاهِليُّونَ مَأْوَى اللُّؤْمِ مِنْ مُضَرِ
فَمَا يَسُوغُ لَنَا عَيْشٌ فَيَنْفَعَنَا ... مَعْ مَا نَرَى لَهُمُ مِنْ رِقَّةِ الخَطَرِ
وفي وِلايته امتنع أهل الحَوف من أَداء الخَراج، وخرج أَبُو النَّدى مَولى بَليّ فِي نحو من ألف رجُل يقطع الطريق بأَيْلة وبَدا وشَغْب ومَدْيَن، ثمَّ أغار عَلَى بعض قُرى الشام ثمَّ ضوى إِلَيْهِ رَجُل من جُذام، يقال لَهُ: المُنذِر بْن عابس بْن غَطَفان ومعه سلام النوي،
(1/110)

فبلغوا مبلغًا عظيمًا من النهب والقتل، فبعث أمير المؤمنين هارون يحيى بْن مُعاذ فِي أمرهم، فسار يحيى إلى فِلَسطين، فبعث قائدًا من قُوَّاده فِي طلب أَبِي النَّدى، وابن عابس، وبعث الْحُسَيْن بْن جميل من مصر بعبد العزيز بن الوزير بْن ضاني الجَرَويّ فِي عسكر، فالتقى العسكران بأَيْلة. . . . . . . . . سلام النوى، ثم أُدرك فأُخذ وكان أَبُو النَّدى، يَقُولُ:
أَقُولُ إذَا الرِّفَاقُ بَدَتْ لِوَجْهِي ... أَلَا حُلُّوا رِحَالَكُمُ وَطِيرُوا
وَإِنْ لَمْ تَتْرُوكُوهَا فاسْتَعِدُّوا ... لِحرْبٍ مثْلِ حَاصِبَةٍ تَغُورُ
أَقُولُ لِصُحْبَتي كُرُّوا عَلَيْهِمْ ... فَلَيْسَ يُهِرُّهُمُ إِلَّا الكُرُورُ
ثمَّ سار يحيى بْن مُعاذ فِي جيشه ذَلكَ، فنزل بُلْبَيس، فأَذعن أهل الحَوْف بالخَراج، وكان نزوله بُلْبَيس لإحدى عشرة خلت من شوَّال سنة إحدى وتسعين ومائة، ثمَّ صُرف الْحُسَيْن بْن جَمِيل لثنتي عشرة ليلة من شهر ربيع الآخر اثنتين وتسعين ومائة.

مالك بْن دَلْهَم الكَلْبيّ
ثمَّ ولِيَها مالك بْن دَلَهم بْن عُمير بْن مالك بْن قِبَل الرشيد عَلَى صَلاتها وخَراجها، قدِمها يوم الخميس لسبع بقِينَ من شهر ربيع الآخر سنة اثنتين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه محمد بْن يَزيد بْن آدم الأوْديّ من أهل حِمْص، وفرغ يحيى بْن مُعاذ من أمر
(1/111)

الحَوْف، وقدِم الفُسطاط لعشر بقِينَ من جمادى الآخرة سنة اثنتين وتسعين ومائة، فنزل دار أَبِي عَون ومعه أَبُو النَّدى، وابن عابس، وغيرهما من أصحابهما.
قَالَ أَبُو عُثمان السكريّ أَمام يحيى بْن مُعاذ:
قَدْ جَبَيْنَا قَيْسًا وَلَمْ تَكُ تُجْبَى ... وَقَتَلْنَا أَبَا النَّدَى وابْنَ عَابِسْ
وتَرَكْنَا لَخْمًا وَحيَّيْ جُذَامٍ ... لا يُطِيقُونَ رَفْعَ كَفٍّ تُلَامِسْ
آمَنَ اللَّه بِالمُبَارَكِ يَحْيَى ... حَوْفَ مِصرَ إِلَى دِمَشْقَ فَبَالِسْ
وأَبَادَ الخُلَّاعَ من كُلِّ أرْضٍ ... بَعْدَ مَا حَادَ عَنْهُمُ كُلُّ فَارِسْ
وقال أيضًا:
يَا قَيْسَ عَيْلانَ إِنِّي نَاصِحٌ لكُمُ ... أَدُّوا الخَراجَ وخَافُوا القَتْلَ والحَرَبَا
إِنِّي أُحَذِّرُكُمْ يَحْيَ وَصَوْلَتَهُ ... فَمَا رَأَيْتُ لَهُ تَقْيًا إِذَا غَضِبا
وورد كتاب الرشيد عَلَى يحيى بْن مُعاذ يأمره بالخروج إِلَيْهِ، فكتب إلى أهل الأحواف: اقدَموا حتى أُوصِيكم مالك بْن دَلْهَم وأدخُلَ فيما بينكم وبينه فِي أمر خَراجكم، فدخل كلّ رئيس منهم من اليَمانيَّة والقَيسيَّة، وقد أعدَّ لهم القيُود فأمر بالأبواب فأخذت، ثمَّ دعا بالحديد، فقيَّدهم وتوجَّه بهم للنصف من رجب سنة اثنتين وتسعين ومائة، فولِيَها مالك بْن دَلْهم إلى يوم الأحد لأربع خلونَ من صفر سنة ثلاث وتسعين ومائة.

الْحَسَن بْن التَّخْتاخ
ثمَّ ولِيَها الْحَسَن بْن التَّخْتَاخ من قِبَل الرشيد عَلَى صلاتها وخَراجها واستخلف أَبَا رَجَب العَلاء بْن عاصم الخَوْلانيّ، ثمَّ قدِمها يوم الإثنين لثلاث خلونَ من ربيع الأوَّل سنة ثلاث وتسعين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه محمد بْن خَالِد، ثمَّ عزله وولَّى أَبَا شُعيب صالح بْن عَبْد الكريم، ثمَّ عزله فولَّى سُلَيْمَان بْن غالب بْن جِبْرِيل، وفي ولايته قدِم عليه ابن حُبَيل بِنَعيّ الرشيد واستخلف محمد بْن هارون، فأَعطاهم ابن التَّخْتاخ العطاء كاملًا، ثُلْثًا
(1/112)

بَزًّا، وثلْثًا قمحًا، ووقعت فِي ذَلكَ فِتنة عظيمة حتى قُتل ناس من الجُند، وناس من أهل مِصر فِي المسجِد الجامع، وكتب الفَضْل بْن الربيع إلى ابن التَّخْتاخ فِي حمل الأموال، فلمَّا صارت بفلَسطين وثب أهل الرَّمْلة عَلَى المال، فقالوا: هذا عطاؤنا قد ساقه اللَّه إلينا.
فأخذوا من ذَلكَ المال عطاءهم كاملًا وادخلوا الباقي بيت المال، فولِيَها ابن التَّخْتاخ إلى أن عزله عَنْهَا، فسار متوجِّهًا فِي طريق الحِجاز لفَساد طريق الشام وذلك يوم السبت لثمان بقينَ من ربيع الأوَّل سنة أربع وتسعين ومائة واستخلف عليها عَوْن بْن وَهْب عَلَى الصلاة، ومحمد بن زِياد بْن طبق القَيسيّ عَلَى الخَراج.

حاتم بْن هَرْثمة بْن أَعْيَن
ثمَّ ولِيَها حاتم بْن هَرْثَمة من قِبَل محمد بْن هارون الأمين عَلَى الصلاة والخَراج، وفرض فِي ألف من الأبناء قدِم بهم إليها، فسار حتَّى نزل بُلَبيس، فصالحه أهل الحَوْف عَلَى خَراجهم.
وثار عَلَيْهِ أهل تنو وتُمَيّ وعسكروا، وعقدوا عليهم لعثمان بْن مستنير الجُذاميّ، فبعث إليهم حاتم بالسَّرِيّ بْن الحكَم، وعبد العزيز بْن عَبْد الجبَّار الأزْديّ، وعبد العزيز الوزير الجَرَويّ، فاقتتلوا للنصف من شهر رمضان، فانهزم ابن مستنير وقُتل أخوه، ودخل حاتم الفُسطاط ومعه مائة من وُجوه اليمانيَّة رهائن وذلك يوم الأربعاء لأربع خلونَ من شوّال سنة أربع وتسعين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه ابنه، ثمَّ عزله فولَّى عليّ بْن المُثَنَّى، ثمَّ عزله وولَّى عُبَيْد اللَّه الطَّرْسُوسيّ، وابنتي حاتم بْن هَرْثَمة القُبَّة التي تعرف بقُبَّة الهوى وهو أوَّل من ابتناها.
فولِيَها حاتم إلى أن صُرف عَنْهَا فِي جمادى الآخر سنة خمس وتسعين ومائة.
(1/113)

جابِر بْن الأَشْعث الطائيّ
ثمَّ ولِيَها جابِر بْن الأَشْعث الطائيّ من قِبَل محمد الأمين عَلَى صلاتها وخَراجها، ولِيَها يوم الإثنين لخمس بقينَ من جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين ومائة واستخلف عَلَى الشُّرَط عبد الله بْن إبراهيم الطائيّ، واستخلف عَلَى الصلاة أَبَا شَريك يحيى بْن يزيد بْن صاد المُراديّ، ثمَّ قدِمها جَابِر، فأَقرّ عبد الله بْن إبراهيم عَلَى الشُّرَط، ثمَّ عزله فولَّى سُلَيْمَان بْن غالب بْن جِبريل، وكان جَابِر بْن الأشعث ليِّنًا مُحَبَّبًا إلى الناس من العامَّة والخاصَّة حتى تباعد ما بين محمد الأمين وبين أخيه المأمون، وخلع محمد أخاه من ولاية العهد وترك الدُّعاء لَهُ عَلَى المنابر، وعهِد محمد إلى ابن مُوسَى الَّذِي، يقال لَهُ: الشديد ودعا لَهُ، فتكلَّم الجُند بينهم فِي خلع محمد غضَبًا للمأمون، فأوَّل من تكلَّم فِيهِ منهم بِمصر: محمد بْن صعير، والسَّريّ بْن الحكَم بْن يوسف، ودنا إلى أهل خُراسان فِي خلع محمد والعقد للمأمون، فبايعهما عَلَى ذَلكَ نفَر يسير، ثمَّ تكلَّم بذلك من أهل مصر: زُرْعة بْن مُعاوية بْن قَحْزَم الخَوْلانيّ، وابنه الحارث، وهاشم بْن عبد الله بْن حُدَيج، وابنه هُبَيرة، فبعث إليهم جَابِر بْن الأشعث ينهاهم عَنْ ذَلكَ ويخوّفهم عواقب الفِتَن، وأقبل السَّريّ بْن الحكَم يدعوا الناس إلى خلع محمد.
فأخبرني ابن قُدَيد أن السَّريّ بْن الحكم كَانَ أوَّلُ دخوله إلى مِصر، أَنَّهُ كَانَ من جُند الليث بْن الفَضْل، دخلها فِي أيَّام الرشيد، قَالَ: وكان قليل الأمر، فارتفع ذِكره بقيامه فِي خلع محمد.
وكتب المأمون إلى أشراف أهل مِصر يدعُوهم إلى القيام بدَعْوته، فكلهم أجابوا سِرًّا، وأَتى كتاب هَرْثَمة بْن أَعْين إلى عبَّاد بْن محمد بْن حَيَّان مولى كِنْدة وكان وكيلًا لَهرْثَمة عَلَى ضِيَاعه بمصر، فأظهر عَبَّاد كتاب هَرْثَمة، وأحضر الجُند إلى المسجِد الجامع وقرأه عليهم ودعاهم إلى خلع محمد، فأجابه عظيم الناس إلى ذَلكَ، فأعطاهم عَبَّاد رِزقًا يسيرًا وبايعوا للمأمون، وكان خلع محمد بمصر لثمان بقينَ من جمادى الآخرة سنة ستّ
(1/114)

وتسعين ومائة، وبُويع عبَّاد بْن محمد للمأمون بيعةً عامَّةً لثمان خلونَ من رجب سنة ستّ وتسعين ومائة، ووثب الجُند بجابر بْن الأشعث فأخرجوه، فكانت وِلايته عليها سنةً.

عَبَّاد بْن محمد بْن حَيَّان
ثمَّ ولِيَها عَبَّاد بْن محمد من قِبَل المأمون عَلَى صلاتها وخَراجها لثمان خلونَ من رجب سنة ستّ وتسعين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه هُبَيرة بْن هاشم بْن حُدَيج، وبلغ محمدًا ما فعله المِصريُّون من خلعه وإخراج عامله جَابِر بْن الأشعث، فكتب محمد إلى ربيعة بْن قَيس بن الزبير الجرَشيَّ وكان رئيس قَيس بالحَوْف بوِلايته عَلَى مِصر، وكتب إلى عَبْد الصَّمَد بْن مُسلِم بْن عُمارة الجرَشيّ، وإلى يزيد بْن الخطَّاب الكَلْبيّ، وإلى عثمان بْن مُستنير الجُذاميّ يأمرهم بمعاونَة ربيعة بن قيس وإنفاذ أهل الحَوْف كلّهم معه يَمَنها وقَيسها، واظهروا دعوة محمد وخلْعان المأمون، وساروا إلى الفُسطاط لمحارَبة أهلها، فخندق عَبَّاد عَلَى الفُسطاط، وخرج أهل الفُسطاط من مسيرهم، وعقد عَبَّاد لإبراهيم بْن حُوَيّ بْن مُعاذ العُذْريّ عَلَى بَنَا وسَنْهُور وسَنْدَفا، فخشِيَ يزيد بْن الخطَّاب عَلَى ماله هَناك، فسار إلى إبراهيم بْن حُوَيّ فالتقوا بدُمْرُوا، فقُتِل إبراهيم بْن حُوَيّ، قَالَ سَعِيد بْن عُفَير ليزيد بْن الخطَّاب بْن طَلَّاب الكَلْبيّ:
قَتَلُوا ابنَ سَيِّدِهِمْ وَفَارِسَ حِزْبِهِمْ ... عَنْ غَيْرِ نائِرَةٍ وَلَا أَجْرَامِ
(1/115)

أَضْحَتْ قُضَاعَةُ قَدْ عَلَتْهَا كَأْبةٌ ... وَبَنُو الحرس سَوَافِرَ الإِظْلَامِ
فَلَئِنْ قُضَاعَةُ لَمْ تُطَالِبْ ثَأْرَةً ... بِكَتِيبَةٍ خَشْنَاءَ ذَا غَرَامِ
مَا فِي قُضَاعَةَ بَعْدَهَا ما يُرْتَجَى ... لِلنَّائِبَاتِ وَمَا هُمُ بِكِرامِ
وسار ربيعة بْن قَيس إلى الفُسطاط، فنزل عَلَى الخَنْدَق سلخ ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائة، فتناوشوا شيئًا من حرب وكانت بينهم قَتلَى، ثمَّ انصرفوا، وأقبل عثمان بْن بَلادة العَبْسيّ من قِبَل رَبيعة إلى الخَنْدَق فِي جمادى الأولى سنة سبع وتسعين، فتحاربوا، ثمَّ انهزم ابن بَلادة يومئذٍ من عَبَّاد، ثم أقبل عثمان بْن بَلادة إلى الخَندق فِي شوَّال سنة سبع وتسعين، فاقتتلوا أيَّامًا وعلى أهل الفُسطاط أَبُو الكَرَم بْن حُوَيّ بْن حُوَيّ، فقُتل أَبُو الكَرَم، ثمَّ رأَى عبَّاد أن يبعث إليهم بجيش فيحاربهم فِي ديارهم، فعقد لعبد العزيز الجَرَويّ، فالتقى معهم بعَمرِيط فِي ذي القعدة سنة سبع وتسعين، فانهزم الحَرَويّ ومضى فِي قومه من لَخْم وجُذَام إلى فاقُوس، فعذله قومه، وقالوا: لِمَ لا تدعو لنفسك، فما أنت بدون هَؤُلّاءِ الذين غلبوا عَلَى الأرض، فمضى منهم إلى بُلْبيَس، فنزلها ثمَّ عُمَّاله يجبُون الخَراج من أسف الأَرض، فبعث إِلَيْهِ ربيعة بْن قيس بعثمان بْن بَلادة يمنعه من الجِباية.
وسار أهل الحَوف أيضًا فِي المحرَّم سنة ثمان وتسعين ومائة إلى الخَندق، فعقد عَبَّاد للسَريّ بْن الحكم عَلَى حربهم، فاقتتلوا وقُتل جمع من الفريقين، وقُتل فيهم محمد بْن حريّ، فانكشف أهل الحَوْف وبلغهم مقتل محمد الأمين وبيعة المأمون، فتفرَّقوا.
وكان مقتل محمد فِي المحرَّم سنة ثمان وتسعين ومائة، وصُرف عَبَّاد عَنْهَا فِي صفر سنة ثمان، فكانت ولايته عليها سنةً وسبعة أشهُر.
(1/116)

المُطَّلِب بْن عبد الله الخُزاعيّ
ثمَّ ولِيَها المُطَّلِب بْن عبد الله الخُزاعيّ من قِبَل المأْمون عَلَى صلاتها وخَراجها، دخلها من مَكَّة للنصف من ربيع الأوَّل سنة ثمان وتسعين، فأقرّ هُبَيرة بْن هاشم بْن حُدَيج عَلَى شُرَطه، ثمَّ عزله فولَّى محمد بْن عَسَّامة بن عمرو المَعافريّ، ثمَّ عزله وولَّى عَبْد العزيز بْن الوزير الجَرَويّ، ثم عزله وولَّى إبراهيم بْن عَبْد السلام بْن إبراهيم بْن الهَيْثَم الخُزاعيّ، ثمَّ عزله فولَّى هُبَيرة بْن هاشم بْن حُدَيج، وقد كَانَ السَّريّ بْن الحكَم تلقَّاه، فأَغراه بأهل مِصر وخبَّره بتسريعهم إلى أهل خُراسان، وخوَّفه من إبراهيم بْن نافع الطائيّ وكان مباعِدًا للسَريّ، فطلب المُطَّلِب إبراهيم الطائيّ، فلم يظهر لَهُ، فجدَّ فِي طلَبه واتهم زُرْعَة بْن قَحْزَم، وهُبَيرة بْن هاشم، وجُنادة بْن عيسى، وحرى بْن عمرو بْن سُهيل بْن عَبْد العزيز مَرْوان، فسجنهم ليُظهروه عَلَيْهِ، ثمَّ ظهر لَهُ أنَّه عند هُبيرة بْن هاشم، فعرضه عَلَى السيف أو يأتيه بالطائيّ، فامتنع هُبَيرة من إِظهاره، فلمَّا سكن المُطَّلب عَن الطائيّ أَخْرَجَهُ هُبَيرة إلى الصعيد، فأفلتَ، قَالَ سَعِيد بْن عُفَير:
لَعَمْرِي لَقَدْ أَوْفَى وَفَاقَ وَفَاؤُهُ ... هُبَيْرَةُ فِي الطَّائي وَفَاءَ السَّمَوأَلِ
وَقَاهُ المَنَايَا إِذْ أَتَاهُ بِنَفْسِهِ ... وَقَدْ بَرَقَتْ فِي عَارِضٍ مُتَهَلِّلِ
فَمَا انْفَكَّ مَحْبُوسًا وَمُطَّلِبٌ لَهُ ... عَلَيْهِ قَصِيفٌ بِالْوَعِيدِ المُهَوِّلِ
فَمَا زَادَهُ إِلَّا بِعَادًا تَوَقُرًا ... وَصَبْرًا وَلَمْ يَخْشَعْ وَلَمْ يَتَفَكَّلِ
إِلى أنْ تَجَلَّتْ عَنْهُ أَبْيَضَ مَاجِدٍ ... كَرِيمِ النَّثا فِي المَشْهَدِ المُتَدَخَّلِ
وبلغ المُطَّلب مسير ربيعة بْن قَيس إلى يَزيد بْن خَطَّاب ليجتمعا عَلَى حربه بأسفل الأرض، فعقد لعبد العزيز الجَرَويّ وبعثه إليهم، فالتقوا بشَطَنُوف وكانت بينهم قَتْلى، وبعث المُطَّلب بالسَّريّ بْن الحَكَم، فكان مُقيمًا بالحَوْف، وتفرَّقت قيس وسكن أمرهم، وكان
(1/117)

بُهلول اللَخْميّ قد تغلَّب عَلَى الإسكندريَّة فِي وِلاية عَبَّاد، فلمَّا قدِم المُطَّلب ولَّى عَلَى الإسكندريَّة حُدَيج بْن عَبْد الواحد بْن محمد بْن عبد الرحمن بْن مُعاوية بْن حُدَيج، فخرجت بنو مُدِلج بالإسكندريَّة، فبعث إليهم المُطَّلِب بأخيه هارون، فانهزم هارون، ثمَّ صُرف المُطَّلِب عَنْهَا فِي شوَّال سنة ثمان وتسعين، كانت وِلايته عليها سبعة أشهُر ونصفًا.

الْعَبَّاس بْن مُوسَى بْن عيسى العبَّاسيّ
ثمَّ وليَها الْعَبَّاس بْن مُوسَى من قِبَل المأْمون عَلَى صلاتها وخَراجها، فقدِمها ابنه عبد الله بْن الْعَبَّاس، ومعه أَبُو بِشْر الْحَسَن بْن عُبيد بْن لُوط بن عُبيد بْن عارب الأنصاريّ، قدِمها لليلتين بقِيَتا من شوَّال سنة ثمان، فعزلا المُطَّلِب وسجناه وجعلا عَلَى الشُّرَط محمد بْن عَسَّامة المعافِريّ، ثمَّ عزلاه وجعلا مكانه عَبْد العزيز بْن الوزير الجَرَويّ.
وثاور الأنصاريّ الجُند مرَّةً بعد مرَّة، ومنعهم أعطِياتهم وتهدّدهم، وتحامل عَلَى الرعيَّة وعسفها، وتهدّدهم بقدوم العبَّاس بْن مُوسَى، فأَوحش الجميع ذَلكَ من فِعله.
واستصحب عبد الله بْن العبَّاس فِي مسيره إلى مصر محمد بْن إِدْريس الشافعيّ الفقيه رحمه اللَّه فذلك سبب قدوم الشافعيّ إلى مصر.
وخدع عَبْد العزيز الحَرَويّ عثمان بْن بَلادة، وشكلب، وعابس، وهم من وجوه قَيس، فأَسرهم، فقتلهم ابن الْعَبَّاس يوم النحر سنة ثمان وتسعين.
وعاد الْأَنْصَارِيّ عَلَى التحامُل عَلَى الجُند والرعيَّة، فثاوروه ودَعوا إلى وِلاية المُطَّلِب، وهو يومئذٍ فِي حبس ابن العبَّاس وذلك فِي المحرَّم سنة تسع وتسعين ومائة، فكانت مدَّة مُقام ابن العبَّاس خليفةً لأبيه عليها شهرين ونصفًا.

المُطَّلِب بْن عبد الله الثانية
ثمَّ ولِيَها المُطَّلِب بْن عبد الله الثانية بإِجماع الحُند عَلَيْهِ لأربع عشرة خلت من المحرَّم سنة تسع
(1/118)

وتسعين ومائة، فبايعوه فجعل عَلَى شُرَطه أحمد بن حُوَيّ بْن حُوَيّ، ثمَّ عزله وولَّى هُبَيرة بْن هاشم بْن حُدَيج، وهرب الجَرَويّ إلى تِنّيس، وانضم عبد الله بْن الْعَبَّاس بْن مُوسَى إلى عَبَّاد بْن محمد، فأَواه ومنع منه، وانضمّ الْأَنْصَارِيّ إلى المُطَّلِب، وأقبل العبَّاس مُوسَى بْن عيسى من مَكَّة إلى الحَوْف، فنزل بُلبَيس ودعا قيسًا إلى نُصرته، ثمَّ مضى إلى الحَرَويّ بتِنِّيس فشاوره، فأشار عَلَيْهِ أن ينزل دار قَيس، فرجع العبَّاس إلى بُلْيَس يوم الأحد لثلاث عشرة بقِيَت من جمادى الآخرة سنة تسع ومائة، فيقال: إن المُطَّلِب دسّ إلى قيس، فسمُّوا الْعَبَّاس فِي طَعامه، فمات ببُلْبَيس لثمان بقينَ من جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين ومائة.
وعاد إبراهيم الطائيّ إلى مُطَّلِب فِي وِلايته الثانية فكان معه، وظهر المُطَّلِب عَلَى كُتُب من العبَّاس إلى الطائيّ، والأنصاريّ، فبعث المُطَّلِب بهُبَيرة بْن هاشم، فقتل الطائيّ وسلَّط الجُند عَلَى الأنصاريّ، فقتلوه، قَالَ مُعَلًّى يمدح المُطَّلِب:
كَفَاهُمْ مِنَ الْعَبَّاسِ مَا لَوْ عنوا بِهِ ... لا حيا لهم بْن حور. . . . . . . . . . .
فَمَنْ مُبْلغُ الْمأْمُونِ عَنِّي نَصِيحَةً ... وَمَا عَالِمٌ شَيْئًا سَوَاءٌ وَمَنْ جَهِلْ
بِأَنَّ ابْنَ عَبْدِ اللَّه لَولَا مكانُهُ ... فَعُرِفْتَ لِلْعَبَّاسِ دَاهِيَةً جَلَلْ
وقال سَعِيد بْن عُفَير فِي مقتل أَبِي بِشْر الْأَنْصَارِيّ ويذمّ مُطّلِبًا فيما فعل:
أَرَى كُلَّ جَارٍ قَدْ رَمَى بِجِوَارِهِ ... وَخَانَ أَبَا بِشْرٍ جِوَارُ ابن مَالِكِ
أمُطّلِبٌ هَلَّا مَنَعْتَ ابْنَ غَادِرٍ ... وأَذَّيتَهُ قبْل انْسِدَادِ المسَالِكِ
فَيَأْخُذَ حَبْلًا منْ سِوَاكَ بِعِزَّةٍ ... وَيمنَعُهُ مِنْ كُلِّ طبْلٍ ومالِكِ
(1/119)

كَحَبْلِ نُوَيّ أَوْ كَحَبْلِ ابْنِ قَحْزَمٍ ... وَثِيقَ العُرَى لِلْمِعْصَمِ المُتَمَاسِكِ
وقال أيضًا:
أَخْبِرْ بَنِي قَحْطَانَ فِي مِصْرَ أَنَّني ... رأَيْتُهُمُ لَا يَحْفَظُونَ لَهُمْ إِصْرا
وكاتب مُطَّلِب أهل الأَحواف بعد موت الْعَبَّاس، فانطاعوا لَهُ وبايعوه وساروا إلى جُبّ عَميرة، فلقُوا مُطَّلِبًا وسأَلوه، فولَّى المُطَّلِب يزيد بْن خَطَّاب الكَلْبيّ عَلَى أسفل الأَرض، وبعث إلى الجَرَويّ بعقده عَلَى تِنِّيس وأمره بالشُّخوص إلى الفُسطاط، فامتنع الجَرَويّ من ذَلكَ، فبعث المُطَّلِب بوالٍ عَلَى تِنّيس وأخرجه الجَرَويّ منها، ثمَّ سار الجَرَوي فِي مراكبه حتى نزل شَطَنُوف، فبعث إِلَيْهِ المُطَّلِب بالسَّريّ بْن الحكَم فِي جمع الجُند يسأَلونه الصُّلح، فأجابهم إِلَيْهِ، ثمَّ اجتهد فِي الغدر بهم، فتيقَّظوا لَهُ، فمضى راجعًا إلى بَنَا واتّبعوه، فحاربوه، ثمَّ عاد فدعاهم إلى الصُّلح ولاطف السَّريّ، فخرج إِلَيْهِ فِي زَلَّاج وخرج الجَرَويّ فِي مِثله، فالتقَيا وسط النيل مقابل سَنْدَفا والسَّريّ بشَرقيُون، وقد أَعدّ الجَرَويّ فِي باطن زَلَّاجه الحِبال، وأمر أصحابه بسَنْدَفا إذا لاصف بِزَلَّاج السَّريّ أن يجرّوا الحِبال إليهم، فلصِق الجَرَويّ بزَلَّاج السَّري، فربطه إلى زَلاجه وجرَّ الحِبالَ، فأسروا السَّريّ، ومضى بِهِ الجَرَويّ إلى تِنِّيس، فسجنه بها وذلك فِي جمادى الأولى سنة تسع وتسعين.
ثمَّ كرّ الجَرَويّ عَلَى يزيد بْن خَطَّاب، فقاتله فهزمه، فعقد المُطَّلِب لابن عَبْد الغفَّار الجَمَحيّ وبعثه إلى الجَرَويّ وأيَّده بالرِّجال، فلقِيَهم الجَرَويّ، فهزمهم وأسر ابن عَبْد الغفَّار، ووجوه أصحابه، وكانت وقعتهم بسَفْط سَليط أوَّل يوم من رجب سنة تسع وتسعين ومائة.
وعقد المُطَّلِب عَلَى الإسكندريَّة لمحمد بْن هُبَيرة بْن هاشم بْن حُدَيج، فاستخلف محمدٌ عُمَر بْن عَبْد الملك بْن محمد بْن عبد الرحمن بن مُعاوية بْن حُدَيج الَّذِي، يقال لَهُ: عُمَر بْن هلَّال، فولِيَها عُمَر بْن عَبْد الملك ثلاثة أشهر، ثمَّ عزله المُطَّلِب بأخيه الفَضْل بْن عَبْد اللَّه بْن مالك، وكانت بالإسكندريَّة مراكب الأَنْدَلُسيّين، قد قفلوا من غزوهم،
(1/120)

فنزلوا الإسكندرية ليبتاعوا ما يُصلحهم، وكذلك كانوا عَلَى الزمان، وكانت الأُمَراء لا تمكّنهم دخول الإِسكندريَّة إنَّما كَانَ الناس يخرجون إليهم فيبايعونهم، فلمَّا عُزل عُمَر بْن هلَّال كتب إِلَيْهِ عَبْد العزيز الجَرَويّ يأمره بالوثب عَلَى الإسكندريَّة والدُّعاء لَهُ بها، وأَن يُخرج الفَضل بْن عبد الله منها.
فبعث عُمَر بْن هلَّال إلى الأَنْدَلُسيّين، فدعاهم إلى القيام معه فِي إخراج الفَضل عَنْهَا، فساروا معه، فأَخرج الفَضل منها ودعا إلى الجَرَويّ، فوثب أهل الإِسكندريَّة عَلَى الأَنْدَلُسيّين، فأَخرجوهم وردّوا الفَضل عليهم، وقُتل من الأنْدَلُسيِّين نفَر وانهزموا إلى مراكبهم، ثمَّ عزل المُطَّلِب أخاه وولَّى عليها إِسْحَاق بْن أَبْرَهة بْن الصبَّاح بن الوليد بْن أَبي سَمر بْن أَبْرَهة بْن الصبَّاح الأَصبحيّ، فسار إِلَيْهِ عُمَر بْن هلَّال وذلك فِي شهر رمضان سنة تسع وتعين ومائة، ثمَّ عزله المُطَّلِب وولَّاها أَبَا بَكْر بن جُنادة بْن عيسى المَعافريّ.
وأقبل عبد الله بْن مُوسَى إلى مِصر طالبًا لدم أخيه الْعَبَّاس فِي المحرَّم سنة مائتين، فنزل عَلَى عَبْد العزيز بْن الوزير الجَرويّ، فسار معه فِي جيُوش لَهُ كثيرة العَدَد فِي البّر والبحر حتى نزل الحِيزة، فخرج إِلَيْهِ المُطَّلِب فِي أهل مِصر، فحاربوه فِي صفر سنة مائتين، فرجع الحَرَويّ إلى شَرقيون، ومضى عبد الله بْن مُوسَى إلى الحِجاز، وظهر للمُطَّلِب أن أَبَا حَرْمَلة فَرَج الأَسْود الَّذِي كاتب عبد الله بْن مُوسَى وحرَّضه عَلَى المسير، فطلبه المُطَّلِب، فهرب فَرَج إلى الجَرويّ، فهدم المُطَّلِب دُوره كلَّها، فدفع إِلَيْهِ الجَرَويّ من الأموال ما أعاد بِناءَها.
وجدّ المُطّلِب فِي أمر عَبْد العزيز الجَرَويّ، فبلغ الجَرَويّ ذَلكَ، فأخرج السَّريّ بْن الحكَم من السِّجن، فعاهده وعاقده أَنَّهُ يُطلقه من سِجنه ويُلقي إلى أهل مِصر أن كتابًا ورد بوِلايته عَلَى أن يثور بالمُطَّلِب ويخلعه.
فعاهده السَّريّ عَلَى ذَلكَ، واتَّفقا جميعًا عَلَى عقد بينهما، فأَطلقه الجَرَويّ وألقى ذِكر وِلايته إلى الجُند فاستقبله الجُند، من أهل خُراسان وعقدوا لَهُ عليهم، وامتنع المِصريُّون من وِلايته، فنزل داره بالحمراء، فبعث إِلَيْهِ المُطَّلِب
(1/121)

بالجُند يحاربونه فِي كلّ ناحية من الفُسطاط، فأَلَحوه فِي منزله لا يخرج منه وأحاطوا بِهِ، ثمَّ سار إِلَيْهِ هُبَيرة بْن هاشم بْن حُدَيج سلخ شعبان سنة مائتين، فتحاربوا بسُوق وَردان وفي أصحاب القَرَظ، وثارت غُبرة لا يرى منها أحد شيئًا، وتحيَّر بهيرة فَرَسه عند حيّز الإوَزّ، فسقط فِي حُفرة، فانكسرت رِجله، وأدركه جمع من أصحاب السَّريّ، فقتلوه وهم لا يعرِفونه واحتزّوا رأسه فأَتَوا رأسه، فأَتَوا بِهِ السَّري، فعظُم عَلَيْهِ مقتله وانصرفت الفِئَتان وقد أظهروا الجزَع والوجد بقتل هُبَيرة، وانكسر المصريّون لذلك وعلاهم السَّريّ، وأهل خُراسان.
قَالَ سَعِيد بْن عُفير:
لَعَمْري لَقَدْ لَاقى هُبَيْرَةُ حَتْفَهُ ... بِأَفْضَلَ مَا تُلْقَى الحُتُوفُ السَّوَارِعُ
بِأَنْفٍ حَمِيٍّ لَمْ تُخَالِطْهُ ذِلَّةٌ ... وَعِرْضٍ نَقيٍّ لَمْ تَشِنْهُ المَطَامِعُ
عَشيَّةَ يَسْتَكْفِيهِ مُطَّلِبُ الَّذي ... بِهِ ضَاقَ ذَرْعًا والْمَنَايَا كَوَارِعُ
فَمَا انْفَكَّ يَحْمِيهِ وَيَجْعَلُ نَفْسَهُ ... لَهُ جَنَّةً حَتَّى احْتَوَتْهُ المَصَارِعُ
فَلَاقَى الْمَنَايَا فَوْقَ أَجْرَدَ سَابحٍ ... وَفِي الكَفِّ مَأْثُورٌ مِنَ الهِنْدِ قَاطِعُ
فَبَيْنَا يخُوضُ الهَوْلَ مِنْ غَمَرَاتِهِ ... أَعْدَاؤُهُ مِنْ حَوْلِهِ قَدْ تَجاشعُوا
تَقَطَّرَ فِي أُهْوِيَّةٍ عَنْ جَوَادِهِ ... فَصَادَفَهُ حَيْنٌ مِنَ المَوْتِ وَاقِعُ
فَلَمْ أَرَ مَقْتُولًا أَجَلَّ مُصَابُهُ ... عَلَى مَنْ يُعَادِي وَالَّذِينَ يُجَامِعُ
مِنَ ابْنِ حُدَيْجٍ يَوْمَ أَعْلَنَ نَعْيَهُ ... وَقَامَ بِهِ فِي النَّاسِ رَاءٍ وَسَامِعُ
كِلَا الْفيْلَقَيْنِ. . . . . . . . . ... مَقَامًا عَلَى مَا كَانَ فِيِهِ يُمَاصِعُ
فَوَلَّوْا فُلُولًا قَدْ عَلَتْهُمْ كآبَةٌ ... وَكلُّهُمُ بَادِي التَّلَهُّفِ جَازِعُ
وطلب المُطِّلِب الأَمان من السَّريّ عَلَى أن يسلِّم إِلَيْهِ الأمر ويخرج عَنْ مِصر، ففعل ذَلكَ السَّريّ وسلَّم إِلَيْهِ المُطَّلِب، وخرج المُطَّلِب فِي بحر القُلْزُم إلى مَكَّة.
قَالَ دِعْبِل للمُطَّلِب:
(1/122)

فكَيْفَ رَأيْتَ سُيُوفَ الجَرِيشِ ... وَوَقْعَةَ مَوْلَى بَنِي ضَبَّةِ
أَحجَّتْكَ أَسْيَافُهُمْ كَارِهًا ... وَمَا لَكَ فِي الحجّ مِن رَغْبَةِ
فكانت وِلاية المُطّلِب هذه الثالثة عليها سنة وثمانية أشهُر

السَّريّ بْن الحكَم
ثمَّ ولِيَها السَّريّ بْن الحكَم بإِجماع الجند عَلَيْهِ عَلَى صلاتها وخَراجها لمستهَلّ شهر رمضان سنة مائتين فجعل عَلَى شُرَطه محمد بْن عَسَّامة بْن عمرو، ووثب عُمَر بْن هلَّال عَلَى أَبِي بَكْر بْن جُنادة بْن عِيسى المعافريّ خليفة مُطَّلِب بالإسكندريَّة، فأخرجه منها ودعا للجَرَويّ بها، والجَرَويّ، والسَّريّ مُتسالمان، وأقبل الأَنْدَلُسيُون إلى ابن هلَّال، فكان بلغه عَنْهُمْ بعض الفَساد، فأْمر عُمَر بإخراجهم من الإسكندريَّة طائفة يُسمَّون بالصُّوفيَّة يأمرون بالمعروف فيما زعموا ويعارضون السُّلطان فِي أمره، فتراءَس عليهم رجُل منهم، يُقال لَهُ: أَبُو عبد الرحمن الصُّوفيّ، فصاروا مَعَ الأَنْدَلُسيّين يدًا واحدة واعتضدوا بلَخْم، وكانت لَخْم أحد من ناحية الإسكندريَّة، فخوصهم أَبُو عبد الرحمن الصُّوفيّ إلى عُمَر بْن هلَّال فِي
(1/123)

امرأَة، فقضى عَلَى أَبِي عبد الرحمن، فوجد فِي نفسه من ذَلكَ، وخرج إلى الأَنْدَلُسيِّين وألف بينهم وبين لخم، ورجا أهل الأندَلُس أن يُدركوا من عُمَر بْن هلَّال، فساروا إلى عُمَر وهم زُهاء عشرة آلاف من لَخْم، ومن الأَنْدَلُسيّين، ومن ضوى إليهم، فحصروه فِي قصره، فعلِم عُمَر أن القصر لا يمنعه منهم، وخاف أن يُدخَل عَلَيْهِ عَنْوةً فيُفضَح فِي حُرَمه، فاغتسل وتخنَّط وتكفَّن وأمر أهله أن يُدلُّوه إليهم، فدُلِّيَ، فأخذته السيوف، فقُتل، ثمَّ دُلِّيَ إليهم أخوه محمد بْن عَبْد الملك بْن محمد بْن عبد الرحمن بْن مُعاوية بن حُدَيج، فقُتل، ثمَّ دُلِّيَ إليهم ابن عمّه أَبُو هُبَيرة الحارث بْن عَبْد الواحد، فقُتل، ثمَّ دُليَ إليهم حُدَيج بْن عَبْد الواحد، فقُتل، وانصرف القوم.
قَالَ سَعِيد بْن عُفير:
لَا يَبْعَدَنَّ ابْنُ هَلَّالٍ فَقَدْ ذَهَبَتْ ... مِنْهُ المَنُونُ بِعِلْمٍ طَيِبِ النَّسَمِ
لَا يَرْأَمُ الضَّيْمَ مِنْ حُبِّ الحَيَاةِ وَلَا ... يَقْبَلُ دُونَ فِعَالِ الخَيْرِ بِالقِسَمِ
وَلَا يَزَالُ لَهُ مِنْ مَجْدِهِ طَرَفٌ ... يَسْنُدُ مَا حَازَ عَنْ آبَائِهِ القَدَمِ
مَا انْفَكَّ يَحْمِي ذِمَارَ اسكنْدَرِيَّةَ فِي ... هَدْءٍ حَمِيدٍ وَعِزٍّ غَيْرِ مُهْتَضَمِ
حَتَّى إِذَا جَاءَهُ مَنْ كَانَ يَأْمَنُهُ ... وَصَرَحَ الموْتُ جَهْرًا غَيْرَ مُكْتَتِمِ
خَاضَ الأَسِنَّةَ واهتدى مُحْتَسِبًا ... حَتَّى تَجَرَّعَ كَأْسَ الموْتِ مِنْ أَمَمِ
وكان مقتل عُمَر بْن هلَّال وأهله فِي ذي القعدة سنة مائتين، ثمَّ فسد أمر لَخْم والأَنْدَلُسيِّين عند مقتل عُمَر بْن هلَّال، وقام بأمر لَخْم رَباح بن قرَّة، وسار إلى الأَنْدَلسيِّين، فحاربهم، فانهزمت لَخْم وظهر الأَنْدَلُسيُّون بالإسكندريَّة عنْوَةً فِي ذي الحجَّة سنة مائتين، فولَّوها أَبَا عبد الرحمن الصُّوفيّ، فبلغ من الفَساد بالإِسكندريَّة والقتل والنهب ما لم يُسمَع بِمِثْلِهِ، فعزله الأَنْدَلُسيُّون عَنْهَا وولَّوا رجُلًا منهم يُعرَف بالكِنانيّ، ثمَّ حاربت بنو مُدْلِج أهل الأَنْدَلُس، فظفر بهم الأَنْدَلُسيُّون، فنفَوهم عَن البلاد ولم يقدِر أحد
(1/124)

من بني مُدْلِج أَن يرجع إلى أرض الإسكندريَّة إلَّا بطلبة من السَّريّ بْن الحكَم إلى أهل الأَنْدَلُس فيهم حتى أذِنوا لهم، فرجعوا.
حَدَّثَنِي عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر بْن السارح، قَالَ: حَدَّثَنِي عبد الرحمن بْن أَبِي الْخَطَّاب، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، وهانئ بْن المُتوكِل، ومحمد بْن خلَّاد، عَنْ ضِمام بْن إسماعيل، عَنْ أَبِي قُبَيل، قَالَ: «إِنّي عَلَى الإِسكندريَّة من أربعين مَركبًا مسلمين وليسوا بمسلمين، تأتي على آخِر الصيف أَخْوَفُ منّي علها من الرُّوم» .
قَالَ ابن أَبِي الْخَطَّاب: وحَدَّثَنِي ابن حَيْوة، قَالَ: لمَّا ذكر ضَمام هذه الأربعين مَركبًا وطال اعتناؤه بها، وذِكره إيَّاها قلتُ لَهُ: يا أَبَا إسماعيل ما هذه الأَربعون مَركبًا فِي هذا الخلق لو كانت نيرانًا تضطرم.
فقال: اسكتْ ويلك منها، وممَّن يكون فيها يكون خَراب إِسْكَنْدَريَّة وما حولها.
وبلغ الجَرَويّ ما فعله الأَندَلُسيُّون وقتلها ابن هلَّال، فسار إليهم فِي خمسين ألفًا حتى نزل عَلَى حِصْنها، فحاصرها ثمَّ أجهدهم وكاد أن يفتتحها فَخَشِيَ السَّريّ بْن الحكَم أن يفتحها ويملِكها، فبعث عمرو بْن وَهْب الخُزاعيّ إلى تِنِّيس ليخالف الجَرَويّ إلى منزِله، فبلغ ذَلكَ الجَرَويّ، فكرّ راجعًا إلى تِنّيس، وفسد ما بينه وبين السَّريّ
وقال ابن عُفَير للجَرَويّ:
أَلَا مَنْ مُبْلِغُ الجَرَويِّ عَنِّي ... مُغَلْغَلَةً يُعَاتِبُ أَوْ يَلُومُ
أَقَمْتَ تُنَازِلُ الْأَبطَالَ حَتَّى ... تَمَيَّزَ ذُو الْحَفِيظَةِ وَالسَّئُومُ
وَصُلْتَ بِهِمْ فَمَا وَهَنَتْ قُوَاهُمْ ... وَطَيْرُ الْمَوْتِ دَائِرَةٌ تَحُومُ
ولَوْ هَجَمَتْ جُموعُكَ حِينَ حَلُّوا ... عَلَيْهِمْ بَادَ جَمْعُهُمُ المُقِيمُ
وَكَيْفَ رَأَيتَ دَائِرَةَ التَّوَانِي ... أَتَتْكَ بِصَحْوِ نَحْسٍ لَا يُقِيمُ
أَتَاكَ وَقَدْ أَمِنْتَ وَنَمْتَ كَيْدًا ... لِصِلٍّ لَا يَنَامُ وَلَا يُنِيمُ
وكان مسير عَبْد العزيز الجَرَويّ إلى الإسكندريَّة وانصرافه عَنْهَا فِي المحرَّم سنة إحدى ومائتين، ودعا الأَنْدَلُسيُّون بها للسَريّ بْن الحكَم، ثمَّ فسد ما بين السَّريّ وآل عَبْد
(1/125)

الجبَّار بْن عبد الرحمن الأَزديّ، وكانوا وجوه أهل خُراسان بِمصر، فدَنوا من الفَساد عَلَى السَّريّ وبايعهم الجُند عَلَى ذَلكَ، وأظهروا كتابًا من طاهر بْن الْحُسَيْن بولايته سُليمان بْن غالب بْن جِبْرِيل عليها، فوثبوا إلى السَّريّ لمستهل ربيع الأوَّل سنة إحدى ومائتين، فكانت وِلايته عليها ستَّة أشهُر

سُلَيْمَان بْن غالب بْن جِبْرِيل البَجَليّ
ثمَّ ولِيَها سُلَيْمَان بْن غالب بْن جِبْريل البَجَليّ عَلَى صلاتها وخَراجها، بايعه الجند يوم الثلاثاء لأربع خلونَ من شهر ربيع الأوَّل سنة إحدى ومائتين فجعل عَلَى شُرَطه أَبَا بَكْر بْن جُنادة بْن عيسى المَعافريّ، ثمَّ عزله وولَّى عَبَّاس بْن لَهِيعة بْن عيسى الحَضْرَميّ.
وانتهب الجُند منزِل السَّريّ، فهرب منهم، فلجأَ إلى دار عَسَّامة بْن عمرو، ثمَّ سيَّره سُلَيْمَان بْن غالب بْن جِبرِيل إلى إخْمِيم من صعيد مِصر، فكتب السَّريّ إلى بني مُدْلِج، فلحِقوا بِهِ هُمْ وكثير من الناس، وأقبل السَّريّ سائرًا فيهم إلى الفُسطاط، فبلغ ذَلكَ سُلَيْمَان بْن غالب، فبعث إِلَيْهِ بجيش، فالتقوا بقِمَن، فحاربوه فانهزم السري وأسر هو وابنه ميمون، فأمر سليمان بردها إلى إخميم، وقيْدهما وسَجنْهما، وكانت هذه الوقعة فِي جمادى الأولى سنة إحدى ومائتين.
قَالَ مُعلًّى الطائيّ:
إذَا شَنَّ فِي أَرْضٍ سُلَيْمَان غارةً ... أَثَارَ بِهَا نَقْعًا كَثِيرَ المَصَائِبِ
أَلَمْ تَرَ مِصرًا كَيْفَ دَاوَى سَقِيمَهَا ... عَلَى حِينِ دَانَتْ لِلْعَدُوِّ المُنَاصِبِ
حَماهَا وَلَوْلَا مَا تَقَلَّدَ أَصْبَحَتْ حَبِيسًا ... عَلَى حُكْمِ القَنَا والْمقانِبِ
قَالَ: واستفسد سُلَيْمَان بْن غالب أهل خُراسان، وقدّم عليهم أتباعه وبِطانته، ففسدوا عَلَيْهِ، وتنكَّروا لَهُ وهمّ: سُلَيْمَان بالفتك فيهم ليقوى أمره، فألّب عَبَّاد بْن محمد عَلَيْهِ، فخلعوه وقام بالأمر عليّ بْن حَمْزة بْن جَعْفَر بْن سُلَيْمَان بْن عليّ بْن عبد الله بْن عَبَّاس وذلك لمستهلّ شعبان سنة إحدى ومائتين، وسأل الجُند عَبَّادً، أن يبايع، فامتنع ولحِق بالجَرَويّ، وقال لهم عَبَّاد: هذا الرَّسُول قادم عليكم بولاية السَّريّ.
فانطاعوا إلى ذَلكَ، ولحِق سُلَيْمَان بْن غالب بالجَرَويّ، فكان معه، فكانت وِلايته خمسة أشهُر.
(1/126)

السَّريّ بْن الحكَم الثانية
ثمَّ ولِيَها السَّريّ بْن الحكَم الثانية من قِبَل المأْمون عَلَى صلاتها وخَراجها، قدِم بولايته عُمَر أخو هَرْثمة، فبعث الجُند إلى إِخْمِيم، فاستخرجوا السَّريّ من الحبس، فدخل الفُسطاط يوم الأربعاء لثنتي عشرة خلت من شعبان سنة إحدى ومائتين، فسلَّم إِلَيْهِ جميع الجُند الوِلاية، فجعل عَلَى شُرَطه محمد بْن عَسَّامة أيَّامًا، ثم عزله وولَّى الحارث بْن زُرعة بْن قَحْزَم أيَّامًا، ثمَّ عزله فولَّى ابنه ميمون بْن السَّريّ، ثمَّ عزله وولَّى أَبَا بَكْر بْن جُنادة بْن عيسى المَعافريّ، ثمَّ عزله فولَّى أَبَا صالح حَمَّاد بْن المُخارِق التَّميميّ، ثمَّ عزله فولَّى أخاه إسماعيل بْن الحكَم، ثمَّ عزله فولَّى أخاه صالح بْن الحكَم، ثمَّ عزله فولَّى أخاه داود.
وتتبَّع السَّريّ كلّ من كَانَ حاربه أو انتبه، فجعل يقتلهم ويصلِبهم، فعزّ وانتظم سُلطانه وقوِي أمره، ثمَّ ورد عَلَيْهِ كتاب المأْمون يأمره بالبيعة لوليّ عهده عليّ بْن مُوسَى بْن جَعْفَر بْن عليّ بْن أَبِي طَالِب رِضوان اللَّه عليهم العَلَويّ وسمَّاه الرِّضى، ورد الكتاب بذلك فِي المحرَّم سنة اثنتين، فبُويع لَهُ بِمصر، وقام فِي فَساد ذَلكَ إبراهيم بْن المَهْديّ ببغداد.
فأخبرني أحمد بْن يوسف بْن إبراهيم، عَنْ أبيه، أن إبراهيم بْن المَهْدي، قَالَ:
فَلَا جُزِيتْ بَنو الْعَبَّاس خَيْرًا ... عَلَى زُعْمي وَلا اغْتَبَطَتْ بِرِيِّ
أَتَوْنِي مُقْطعِينَ وَقَدْ أَتَاهُمْ ... بَوَارُ الدَّهْرِ بالخَبر الجليِّ
وَحَلَّ عَصَائِبَ الأَمْلَاكِ منْهَا ... وَشُدَّتْ فِي رُءُوسِ بَني عَلِيّ
فَصَحَّتْ أَنْ تُشَدَّ عَلَى رُءُوسٍ ... تُطَالِبُهَا بِمِيرَاثِ النَّبيِّ
وكتب إبراهيم بْن المَهْدي إلى وجُوه الجُند بِمصر يأمرهم بخلع المأمون ووليّ عهده، وبالوثوب بالسَّريّ، فقام فِي ذَلكَ الحارث بْن زُرْعة بْن قَحْزَم بالفُسطاط، وعبد العزيز بْن الوزير الجَرَويّ بأسفل الأَرض، وسَلامة بْن عَبْد الملك الأزْديّ الطَّحَاويّ بالصعيد، وسُليمان بْن غالب بْن جِبْرِيل وهو إذ ذاك مَعَ الجَرَويّ، وعبد العزيز بْن عبد الرحمن بْن عَبْد الجبَّار الأَزْديّ، فخالفوا السَّريّ ودَعوا لإبراهيم بْن المَهديّ، وعقدوا عَلَى ذَلكَ الأمر لعبد العزيز بْن عبد الرحمن الأَزْديّ وأجمعوا عَلَى ولايته، فحاربه السَّريّ، فظفِر السَّريّ
(1/127)

بعبد العزيز الأَزْديّ وبجمعٍ من أهل بيته، فقتل بعضهم وبعث بعضهم مَعَ ابنه عَبْد الصَّمَد، فقتلهم هُناك وذلك فِي صفر سنة اثنتين ومائتين، ولحِق كل من كرِه بيعة عليّ بْن مُوسَى بالحَرويّ لمنعه وشِدَّة سُلطانه، ثمَّ أقبل عُبَيْد بْن السَّريّ إلى الفُسطاط، فعارضه سَلامة الطَّحَاويّ بطَحا واقتتلوا، فانهزم سَلامة وأسره عُبَيْد، فبعث بِهِ إلى الفُسطاط، فأطلقه السريّ، فهرب سَلامة إلى الجَرَويّ وسار الجَرَويّ إلى الإسكَنْدَريَّة مسيرة الثاني، فحصر الأَنْدَلُسيِّين بها، ثمَّ اصطلحوا عَلَى فتح حِصنها، فدخلها سَلامة الطحاويّ، وعليّ بْن عَبْد العزيز الجَرَويّ، ودعَوا للجَرَويّ بها، ومضى سَلامة منها إلى الصعيد فِي جمع كثير من الجُند، فأخرج عُمَّال السَّريّ ودعا إلى الحَرَويّ، وسار الجَرَويّ فِي جموعه لمحارَبة السَّريّ، واستعدّ كلّ واحد منهما لصاحبه بأعظم ما قدر عَلَيْهِ، فبعث السَّريّ واستعدّ كلّ واحد منهما لصحابه بأعظم ما قدر عَلَيْهِ فبعث السَّريّ ابنه ميمون تِلْكَ الجيوش، فنزل ميمون بشَطَنُوف وسار معه مراكبه فِي البحر قد شحنها بالرِّجال والسلاح، وأتاه عَبْد العزيز الجَرَويّ فِي البرّ والبحر، فالتقوا بشَطَنُوف، فقُتل ميمون بْن السَّريّ، وانهزم عسكره وذلك فِي جمادى الآخرة سنة ثلاث ومائتين "
قَالَ أَبُو بِحاد الحارثيّ من بني الحارث بْن كَعْب:
جَمِّعْ رَعَاعَكَ يَا سَرِيُّ فَإِنَّهَا ... حَرْبٌ تَحُسُّ سَعِيرَهَا قَحْطَانُ
قَتَلُوا أَبَا حَسَنٍ وَجَرُّوا شِلْوَهُ ... كَالكَلْبِ جَرَّ بِشِلْوِهِ الصِّبْيَانُ
وَلَّتْ تُجِيبُ وَأَسْلَمَتْهُ جِيَادُهَا ... عَيْلَانَ يَوْمَ تَواكلَتْ عَيْلانُ
فَاسْتَخْرَجُوهُ مُلَبَّبًا فَأَتَى بِهِ ... يَجْرِي وَيَهْرِجُ حَوْلَهُ السُّودَانُ
أَبْشِرْ فَإِنَّ نَجْمَكَ بَعْدَهُ ... عَرْضُ السَّمَاء وَنَجْمُكَ الدَّيَرَانُ
لَا تَبْكِ فَالْعُقْبَى لِإِخْوَتِهِ ... غَدًا أَوْ بَعْدَهُ فكَمَا تَدِينُ تُدَانُ
وقال مُعلًّى الطائيّ ميمونًا:
لَوْ رد غَرْبَ مَنِيَّةٍ بِشَجَاعَةٍ ... أَحَدٌ لَدَافَعَ رُكْنَهَا مَيْمُونُ
(1/128)

لَوْ كَانَ تَجْرِيدُ السُّيُوفِ يَرُدُّهَا ... لَحَمَاهُ مِنْهَا مُنْصُلٌ وَثَمِينُ
مَا زِلْتُ أَطْمَعُ فِي رُجُوعِكَ سَالِمًا ... وَيَرُوعُنِي شَفَقًا عَلَيْكَ ظُنُونِي
فَليُفْجَعَنَّ غَدًا بِقَتْلِكَ طَاهِرٌ ... وَلْيفْجَعَنَّ بِقَتْلكَ الْمَأْمُونُ
وأقبل الجَرَويّ فِي مراكبه بعد قتل ميمون إلى الفُسطاط ليحرقها، فخرج إِلَيْهِ أهل المسجد وسأَلوه الكفّ، فانصرف عَنْهَا.
ثمَّ ظهر للجُند موت عليّ بْن مُوسَى العلَويّ وانخذال إبراهيم بْن المَهديّ، فأظهروا بيعة المأمون، ودعَوا إِلَيْهِ، وورد كتاب المأمون إلى السَّريّ بذلك، وبغَسْل المنابر التي دُعِي عليها لعليّ بْن مُوسَى، فغُسِلَت ثمَّ إنَّ الأَنْدَلُسيِّين أخرجوا عامل الحَرَويّ من الإسكندريَّة وهو مُعاوية بْن عَبْد الواحد بْن محمد بْن عبد الرحمن بْن مُعاوية بْن حُديج، وغلقوا الحِصن دونه، وخلعوا الجَرَويّ، ودعَوا إلى السريّ، فسار إليهم الحَرَويّ فِي شهر رمضان سنة ثلاث ومائتين، فعارضته القِبْط بسَخا، وأمدَّتهم بنو مُدْلِج وهم نحو من ثمانين ألف، فخرج إليهم الجَرَويّ، فهزمهم، وهربت بنو مُدْلِج.
قَالَ مُعلًّى الطائيّ:
فَقُلْ لِأَمِيرِ المُؤْمِنيِنَ نَصِيحَةً ... وَمَا حَاضِرٌ شَيْئًا كَآخَرَ غَائِبِ
لَقَدْ حَاطَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بِسَيْفِهِ ... وَلَوْلَاهُ كُنَّا بَيْنَ قِتْلٍ وَنَاهِبِ
وبعث الجَرَويّ بجيوشه إلى الإسكندريَّة فحاصروها، وعقد السَّريُّ لأخيه داود فِي ذي القعدة سنة ثلاث ومائتين عَلَى جيش إلى الصعيد بعثه إلى سَلامة بْن عَبْد الملك الطَّحاويّ، فالتقوا، فانهزم سَلامة وأُسر هُوَ وابنه إبراهيم، فبعث بهما إلى الفُسطاط، فقُتلا يوم السبت لتسع عشرة خلت من المحرَّم سنة أربع ومائتين.
قَالَ المُعلًّى الطائيّ:
أَرَادَ الطَّحَاوِيُّ الَّتي لَا شَوَى لَهَا ... فَأَوْقَدَ نَارًا كَانَ بِالنَّارِ صالِيَا
ودَبَّ لِأَقْطَارِ البِلَادِ بِفِتْنَةٍ ... فَجَاشَتْ بِسُقْمٍ لَا يُجِيبُ المُدَاوِيَا
وَرَاسَلَهُ مَنْ كَانَ يَحْفَى بِفَاقَةٍ ... وَأَصْبَحَ ذا مَيْلٍ إِلَيْهِ مُمَاليَا
جَنَتْ مَا اسْتَحَقَّ القَتْلَ يا صَاحِ كَفُّهُ ... وَكُلُّ امْرِئٍ يُجْزَى بِمَا كَانَ جَانِيَا
وأجمع السَّريّ عَلَى الغدر بوُجوه الجُند الذين معه وكان يخافهم، فجمعهم إِلَيْهِ وأخبرهم أن رسولًا قد قدِم من قِبَل طاهر بْن الْحُسَيْن وأسار عليهم أن يتلقّوه، فخرجوا فِي النيل وخرج معهم فِي مركب غير مركبهم، وهم: عَبَّاد بْن محمد، وعَوْف بْن وَهْب الخُزاعيّ، وعليّ بْن أَبِي عون، وعليّ بن إبراهيم، وأخو الرافقيّ، وحمل معهم أخاه إسماعيل
(1/129)

بْن الحكَم، وجعل فِي باطن المركب غُلامًا لَهُ، وأمره أن يخرق المركب، ففعل الغُلام ذَلكَ، فغرقوا ومعهم أخوه، وأُخرجوا أمواتًا.
ثمَّ إن عَبْد العزيز الجَرَويّ سار إلى الإسكندريَّة مسيره الرابع، فأغلق الأَنْدَلُسيّون حِصنا، فحاصرهم الجَرَويّ أشدّ الحِصار، ونصب عليهم المَنْجَنيقات، وأَقام عَلَى ذَلكَ سبعة أشهُر من مستهلّ شعبان سنة أربع ومائتين إلى سلخ صفر سنة خمس، فأصاب الجَرَويَّ فِلْقةٌ من حجَر مَنْجَنِيقَة، فمات سلخ صفر سنة خمس ومائتين، ومات السَّريّ بْن الحكَم بالفُسطاط بعده بثلاثة أشهُر يوم السبت لسلخ جمادى الأولى سنة خمس ومائتين، فكانت وِلايته عليها ثلاث سنين وتسعة أشهُر وثمانية عشر يومًا.

أَبو النصر بْن السَّريّ
ثمَّ ولِيَها أَبُو نصر بْن السَّريّ، بُويع يوم الأحد مستهلّ جمادى الآخرة سنة خمس ومائتين وهو عَلَى الصلاة والخَراج فجعل عَلَى شُرَطه محمد بْن قُشاش، ثمَّ عزله وولَّى أخاه عُبَيْد اللَّه بْن السَّريّ، فاستخلف محمد بْن عُتبة بْن يَعْفُر المَعافريّ، فالذي كَانَ بيد أَبِي نَصر من أرض مِصر فُسطاطها وصعيدها وغربيّتُها، وأمَّا أسفل الأرض كله فكان بيد عليّ بْن عَبْد العزيز الجَرَويّ مَعَ الحوف الشرقيّ.
ثمَّ سار أحدهما إلى صاحبه فِي النيل، فالتقوا بشَطَنُوف، فاقتتلوا وعلى جيش أَبِي نصر أخوه أحمد بْن السَّريّ، فانهزم أحمد بْن السَّريّ، وأحسن علي بن الجَرَويّ فِيهِ الظفَر، فلم يتبعه، فقال سَعِيد بْن عُفَير لعليّ بْن الجَرَويّ:
أَلَا مَنْ مُبْلِغٌ عَنِّي عَليًّا ... رِسَالَةَ مَنْ يَلُومُ عَلَى الرُّكُوكِ
عَلَامَ حَبَسْتَ جَمْعَكَ مُسْتَكِفًّا ... بِشَطّ يَنُوفَ فِي ضَنْكٍ ضَنيكِ
وَقَدْ سَنَحَتْ لَكَ الغُفْرَانُ مِمَّنْ ... رَمَالكَ بِجَيْشِهِ الْوَهْنِ الرَّكِيكِ
(1/130)

أَمِنْ بُقْيَا لِمَنْ لَا يَرَاهَا ... عِنْدَ فُرْصَتِهِ عَلِيكِ
ثمَّ بعث أَبُو نَصر أيضًا بمراكبه عليها أحمد بْن السَّريّ، فأتاه عليّ بْن الجَرَويّ فِي مراكبه، فالتقوا بدَمَنْهُور، فيُقال: أن القَتْلى بينهما كانوا يومئذٍ سبعة آلاف، وانصرف أحمد بْن السّريّ إلى الفُسطاط، وتبِعه أَبُو ثَور اللَخْميّ فِي مراكب عليّ بْن الحَرَويّ إلى جِسر الفُسطاط.
وعزم عَلَى حرق الفُسطاط، فخرج إِلَيْهِ أهل مِصر وسأَلوه الكفّ، ومضى فرَج أَبُو حرْمَلة إلى عليّ بْن الجرَويّ فسأَله الصُّلح، فاصطلحا عَلَى أن يكفّ أحدهما عَن الآخر.
ثمَّ تُوُفّي أَبُو نصر ليلة الاثنين لثمان خلونَ من شعبان سنة ستّ ومائتين، وكانت وِلايته عليها أربعة عشر شهرًا.

عُبَيْد اللَّه بْن السَّريّ
ثمَّ ولِيَها عُبَيْد اللَّه بْن السَّريّ بايعه الجند يوم الثلاثاء لتسع خلونَ من شعبان سنة ستّ ومائتين وهو عَلَى صلاتها وخَراجها فجعل عَلَى شُرَطه محمد بْن عُتْبة بْن يَعْفُر المَعافريّ، وكفّ عُبَيْد اللَّه بْن عليّ بْن الجَرَويّ، فكفّ عليّ عَنْهُ حتى انسلخت سنة ستّ ومائتين، وعقد المأمون لخالد بْن يزيد بْن مَزْيَد الشَّيْبانيّ عَلَى صلاتها، وبعثه فِي جيش من رَبِيعة وأفناء الناس حتى دخل أرضها وراسل عبيدًا، فامتنع عُبَيْد من التسليم لَهُ، واحتجّ عُبَيْد أن كتاب أمير المؤمنين المأمون ورد عَلَيْهِ بوِلايته، وبعث عُبَيْد بأخيه أحمد بْن السَّريّ يمانع خَالِد بْن يزيد من المسير، فالتقوا بفاقُوس من حَوْف مِصر الشرقيّ، فاقتتلوا، ثمَّ تحاجزوا، وانضمّ عليّ بْن الجَرَويّ إلى خَالِد بْن يزيد، وأقام لَهُ الأَنزال ودلَّه عَلَى الطريق، وحفر عُبَيْد اللَّه خَنْدقًا، وفرض فُروضًا، وخالد مُجدّ فِي جِباية ما مرّ عَلَيْهِ من القُرى، ثمَّ سار خَالِد حتى نزل دَمَنْهُور عَلَى أميال من الفُسطاط، ثمَّ سار أيضًا إلى خَنْدَق عُبَيْد، فاقتتلوا لخمس خلونَ من ربيع الأوَّل سنة سبع ومائتين، اقتتلوا ثلاثة أيَّام، وأَسر خَالِد شَمَّاس بْن داود بْن الحَكَم، فقتله صبرًا، ثمّ صحبهم عُبَيْد اللَّه اليوم الرابع فكرَّ عليهم بنفسه، فانهزموا عَنْهُ.
(1/131)

قَالَ مُعلًّى الطائيّ:
فَيَا مَنْ رَأَى جَيْشًا مَلَا الأَرْضَ فَيْضُهُ ... أَطَلَّ عَلَيْهِمْ بِالْهَزِيمةِ وَاحِدُ
تَبَوَّأ دَمَنْهُورًا فَدَمَّرَ جَيْشَهُ ... وَعَرَّدَ جَيْشُ اللَّيْلِ وَاللَّيْلُ رَاكِدُ
ونزل خَالِد بدَمَنْهُور ووافقه عُبَيْد بها، وسفر بينهما رِجال من الجُند، فكان يحتجّ بكتاب أمير المؤمنين المأمون ووِلايته إِيَّاه عليها.
قَالَ سَعِيد بن عُفَير:
يَا أَيُّهَا المُتحَارِبَان وَإِنَّمَا ... دَعْوَاهُمَا الْمَأْمُونُ فِي الصَّدَقَاتِ
هَلْ تَرْجِعَانِ إِلَى التَّقِيَّةِ والتُّقَى ... وَتُتَارِكَانِ تَغَاوُرَ الْغَارَاتِ
حَتَّى يَجِيءَ مِنَ الخَلِيفَةِ أَمْرُهُ ... فَيَمِيزَ بَيْنَ الحَقِّ والشُّبُهَاتِ
ثمَّ التقَّوا صبيحة الاثنين لمُستَهلّ ربيع الآخر سنة سبع ومائتين، فاقتتلوا وأسرع القتل فِي الفريقين جميعًا، ثمَّ عدَّوا عَن الحرب، فقهقر أصحاب خَالِد إلى أرض الحَوْف، فلمَّا رأَى ذَلكَ عليّ بْن الجَرَويّ، مكر بخالد حتى أَخْرَجَهُ عَنْ عمَله، فقال لخالد: إنّي لا أَرى لك أن تُقيم فِي بلاد قَيْس وهم جُند الحَوْف، وهذا النيل قد مدّ فتصير أسيرًا فِي أَيْديهم، وقد رأَيت أن أقدّم لك سُفُنًا تجوز فيها إلى عِدَى النيل، وأُمدّك بالطَّعام والعلَف، فإذا انكشف النيل عُدَْ إلى مَوضِعك.
فأجابه خَالِد، فقدّم إِلَيْهِ عليّ بْن الجَرَويّ مراكبه، فعدَّى فيها النيل حتى صار إلى نَهْيَا، فنزل فِي رملها، وانصرف عليّ بْن الجَرَويّ وتركه بها فِي ضُرّ وجهد، قَالَ مُعَلًّى:
سَلَا خَالِدًا لَمَّا انْجَلَى عَنْهُ شَكُّهُ ... وَأَسْلَمَهُ فِي عُدْوَةِ البَحْرِ خَاذِلُهُ
فَزَالَتْ أَمَانِيهِ غَدَاةَ سَمَا لَنَا ... بِعَارِضِ جَيْشٍ يَمْطُرُ المَوْتَ وَابِلُهُ
فلمَّا انكشف النيل عسكرَ عُبيد بالجِيزة لعشرٍ خلونَ من شهر رمضان سنة سبع، ثمَّ سار إلى خَالِد بنَهْيَا، فحاربه، فأَسر خَالِد بْن يزيد، واستأمن عظيم جيشه ودخل بِهِ إلى الفُسطاط يوم الإثنين لخمس خلونَ من شوَّال سنة سبع.
قَالَ مُعَلًّى الطائيّ:
(1/132)

أَلَا لَا أَرَى خَيْلًا أَضَرَّ لَهُ الْوَغَى ... وَأَجْبَنَ فِي الهَيْجَاء مِنْ خَيْل خَالِدِ
وَقُوَّادُهُ أَشْرَارُ كُلِّ قَبِيلَةٍ ... تَمَالَوْا عَلَى إِسْلَامِهِ فِي الشَّدَائِدِ
فَمَا أَسَرُوا مِنْه جَبَانًا مُعَضِّدًا ... وَلَكِنْ أَبَا شِبْلَيْنِ عَبْلَ السَّوَاعِدِ
فَإِنْ يَقْتُلُوهُ يَقْتُلُوا مِنْهُ سَيدًا ... شُجَاعًا جَوَادًا مَاجِدًا وابْنَ مَاجِدِ
وإِنْ كَفَفُوا عَنْ قَتْلِهِ فَهْيَ مِنَّةٌ ... لِآلِ سَرِيٍ فِي مَنَاطِ الْقَلَائِدِ
ودعا عُبَيْد بْن السَّريّ بخالد بْن يزيد فسأَله عمَّا ذهب لَهُ من مال، فخبَّره بِهِ، فدفع إِلَيْهِ عُبَيْد أضعافه ومنَّ عَلَيْهِ، وخيَّره بين المُقام عنده أو يخرج حيث شاءَ، فاختار رُكوب البحر من القُلْزُم إلى مَكَّة، فخرج من مِصر.
وقدِم حَمّاد بْن أَبِي سمين رسولًا من أمير المؤمنين المأمون بوِلاية عُبَيْد عَلَى ما فِي يديه وضَمْنه خَراجه، وبِولاية عليّ بْن الجَرَويّ عَلَى ما فِي يديه وضَمْنه خَراجه، وأقبل عليّ بْن الجَرَويّ عَلَى استخراج خَراجه، فمانعه قوم من أهل الحَوْف، وكتبوا إلى عُبَيْد يستمدّونه عَلَى عليّ، فأمدّهم، وبعث بأخيه أحمد بْن السَّريّ إليهم، فسار عليّ بْن الجَرَويّ إِلَيْهِ، فالتقوا بالنوب من كُورة بَنا وهو الموضِع الَّذِي، يقال لَهُ: بُلْقِينة، فاقتتلوا يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من صفر سنة سبع ومائتين.
وخرج عُبَيْد من الفُسطاط، فعسكر بالبَثَنُون، ثمَّ عسكر بدفرا، وعاود ابن الجَرَويّ أحمد بْن السَّريّ الحرب بمحَلَّة أَبِي الهَيْثَم سلخ صفر، وعاوده أيضًا لثلاث خلونَ من ربيع الأَوَّل وهم منتصفون، ثمَّ انصرف ابن الجَرَويّ، فتحمَّل فيمن معه ومضى إلى دِميَاط.
قَالَ مُعَلًّى الطائيّ:
أَلَا هَلْ أَتَى أَهْلَ الْعِرَاقَيْنِ وَقْعَةٌ ... لَنَا بِحِمَى بُلْقِينَ شَيَّبَتِ الوُلْدَا
وَمَا كَانَ مِنَّا قَتْلُهُمْ عَنْ جَهَالَةٍ ... خَطَاءً وَلكِنَّا قَتَلْنَاهُمُ عَمْدَا
وَلَمَّا تَبَيَّنْتَ الْمَنِيةَ فِي الْقَنَا ... نَكَصْتَ تُنَادِي حِينَ ضَلَّ النِّدَا سَعْدَا
(1/133)

فَوَلَّيْتَ عَنْ رَبْعِ الْمَحَلَّةَ هَارِبًا ... عَلَى أَبْلَهٍ مَا تَرْكَبُ الْجَوْرَ والقَصْدَا
فكَيْفَ رَأَيْتَ اللَّه أَنْزَلَ نُصْرَةً ... عَليْنَا وَوَلَّاكَ المَذَلَّةَ وَالطَّرْدَا
سَنُهْدِي إِلَى المأْمُونِ مِنَّا نَصَائِحًا ... نُضَمِّنُهَا طَيَّ الصَّحَائِفِ وَالْبُرْدَا
بِفِعْلِ عَلِيّ وَالَّذِي كَانَ مُجْمِعًا ... عَلَيْهِ بِإِظْهَارِ الخِلَافَ الَّذِي أَبْدَا
ومضى أحمد بْن السَّري إلى مَحَلَّة شَرْقيُون، فدخلها وأمر بنهبها، فكان من أعظم ما أتاه، ومضى عليّ بْن الجَرَويّ إلى طنطا، ومضى أصحاب عُبَيْد إلى تِنِّيس ودِمْيَاط فدخلوها، ومضى عُبَيْد، فدخل تِنِّيس لإحدى عشرة بقيَتْ من ربيع الأوَّل سنة تسع، ولحِق ابن الجَرَويّ بالفَرَما، ثمَّ إلى العَريش، فنزل فيما بينهما وبين غَزَّة.
قَالَ سَعِيد بْن عُفير:
أَلَا يَا عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ ... إِلَى أَيْنَ صِرْتَ تُرِيدُ الفِرَارَا
فَلَسْتَ بِأَوَّلِ مَنْ كَادَهُ ... عَدُوٌّ فَكَرَّ عَلَيْهِ اعْتِكَارَا
وأَجْرُ مَصِيرِكَ أَنْ يَسْحَبُوا ... إِلَيْكَ فُتُوحًا عِظَامًا كِبَارَا
فَتُدْرِكُ ثَأْرَكَ مِنْ أَهْلِهِ ... وَتَلْبَسُ بَعْدَ الكُبُوِّ القَسَارَا
وعاد عليّ بْن الجَرَويّ، فأغار عَلَى الفَرَما مستهلّ جمادى الآخرة سنة تسع، وهرب أصحاب عُبَيْد من تِنِّيس ودِمْياط، فلحِقوا بالفُسطاط وأَقبل ابن الجَرَويّ إلى شَطَنُوف، فجمع لَهُ عُبَيْد واستعدّ، وعقد لمحمد بْن سُلَيْمَان بْن الحَكَم عليهم، فالتقوا بشَطَنُوف، فكانت لابن الجَرَويّ أوَّل النهار، ثمَّ أتاه كمين عُبَيْد، فانهزم، وذلك يوم الإثنين لثماني عشرة خلت من رجب سنة تسع، ومضى عُبَيْد بْن السّريّ إلى تِنِّيس ودِمْياط، ولحِق عليّ بْن الجرَويّ بالعَريش.
قَالَ مُعَلًّى الطائيّ:
أَلَمْ تَرَ خَيْلَهُ صَبَحَتْ عَلِيًّا ... تُدِفُّ عَلَى مَنَاسِجِهَا النِّسَاعَا
فَوَلَّى عَنْ عَسَاكِرِهِ وَخَلَّى ... عَلَى الأَسَلِ المَدَائِنَ وَالرِّبَاعَا
وَلكِنْ فَاتَ فَوْقَ أَقَبَّ نَهْدٍ ... كَرَجْعِ الطَّرْفِ لا تَخْشَى اصْطِلَاعَا
(1/134)

فَحَسْبُكَ أَنَّ قَوْمَكَ مِنْ جَُذَامٍ ... وَسَعْدٍ لَا لَهُمُ اجْتِمَاعَا
دَعَتْهُمْ طَاعَةٌ لَكَ فَاسْتَجَابُوا ... وَمِنْ عَجَبٍ لِمِثْلِكَ أَنْ يُطَاعَا
وأقبل عليّ بْن الجَرويّ أيضًا فِي المحرَّم سنة عشر ومائتين، فدخل تِنِّيس ودِمْيَاط بغير قتال، وأَتى مَحَلَّة شَرْقيُون، فبعث عُبَيْد بمحمد بْن سُلَيْمَان بْن الحكَم فِي المراكب، فنزل طُوخ، فبعث إِلَيْهِ ابن الجَرَويّ بابن غُصَين السَّعديّ، فقاتله، فانهزم ابن غُصَين ذَلكَ عليًّا، فمضى إلى الهُورِين ثمَّ دخل منها إلى جَرجير.

عبد الله بْن طاهر
وأقبل عبد الله بْن طاهر بْن الْحُسَيْن إلى الشام، فظفِر بنصر بْن شَبَث فِي سنة عشر ومائتين، وأقبل سائرًا إلى مِصر، فتلقّاه عليّ بْن الجَرَويّ بالأموال والإنزال، وانضمّ إِلَيْهِ، وبعث عبد الله بْن طاهر إلى عُبَيْد يدعوه إلى السمع والطاعة، فلم يتحاشَ عُبَيْد إلى ذَلكَ، وسار ابن طاهر، فنزل بُلْبَيس، فراسل عبيدًا أيضًا وخوَّفه ومنَّاه وأرهبه، فلم يجنح إلى شيء من ذَلكَ، وبعث عُبَيْد أيضًا أَبَا صالح حَمَّاد بْن المُخارِق إلى أمير المؤمنين المأمون، وجعل يدافع ابن طاهر، ويُحكم أموره، ويحفِر خَنْدَقه، ويشحن سُفُنه وجعل عليها ابن الأكشف، وابن طاهر يتراخى عَنْهُ، غير أَنَّهُ قد بعث عُمَّاله يجبُون الخَراج، وسار ابن طاهر من بُلْبَيس حتى نزل زُفيتة وعقد بها جِسرًا، وبعث عيسى بْن يزيد الجُلُوديّ إلى شَطُنُوف، وأقبلت سُفُن ابن طاهر من الشام فجعل عليها أَبُو السُّرور عسامة بْن الوزير الشَّيْبانيّ، فالتقوا، فانهزم أصحاب عُبَيْد، وأقبل ابن طاهر إلى خَنْدَق عُبَيْد الَّذِي احتفره، فنزل عَلَيْهِ يوم الجمعة لخمس خلون من المحرَّم سنة إحدى عشرة، فتقابلوا، فاستأمن أَبُو السُّرور فِي جمع كبير إلى ابن طاهر، ثمَّ تخامروا.
(1/135)

قَالَ أَبُو تَمَّام حَبيب بْن أَوس الطائيّ:
لَعَمْرِي لَقَدْ كَانَتْ بِمِصْرَ وقْعَةٌ ... أَقَامَتْ عَلَى قَصْدِ الهُدَى كُلَّ مَائِل
عَلَى الخَنْدَقِ الأَقْصَى وَمَا كَانَ حَوْلَهُ ... وَمَا قَدْ يَلِيهِ مِنْ فَضَاءٍ وَسَاحِلِ
رَأَى ابْنُ السَّرِيِ النَّصْرَ أَوَّلَ يَوْمِهِ ... وَأَوْدَى بِلَيْثٍ مِنْ أَبِي السَّروِ بَاسِلِ
لَوَيْنَ جُموعٌ ابنِ السَّرِيِّ وَخَيْلُهُ ... شَمَاطِيطَ تَتْرَى كَالنَّعَامِ الحَوَافِلِ
فَلَمَّا رَأَوْا أَنْ لَا مَحِيصَ وَأَنَّهُ ... كِفَاحُ الرَّدَى فِي كُلِّ حَقٍّ وَبَاطِلِ
تَوَخَّوا أَمَانَ الأَرْيَجِيِّ ابْنِ طَاهِرٍ ... فَمِنْ فَارِسٍ يَأْتِيهِ طَوْعًا وَرَاجِلِ
وقدِم أَبُو صالح التَّميميّ بأَمان عُبَيْد من قِبَل أمير المؤمنين يوم الثلاثاء لأربع بقين من المحرَّم سنة إحدى عشرة، وبتوقيع المأمون إلى ابن طاهر فِي طيّ كتابه الَّذِي كتب بِهِ ابن طاهر يسأَل فِيهِ أَمان عُبَيْد بهذه الأبيات:
أَخِي أَنْتَ مَوْلَايّ الَّذِي أَحْفَظُ نُعْمَاهُ ... فَمَا تَهْوَى مِنَ الأَمْرِ فَإِنِّي سَوْفَ أَهْوَاهُ
وَمَا تَسْخَطُ مِنْ شَيءٍ فَإِنِّي لَسْتُ أَرْضَاهُ ... لَكَ اللَّه عَلَى ذَاكَ لَكَ اللَّه لَكَ اللَّه.
وقام بالصُّلح محمد بْن أَسباط كاتب عُبَيْد بْن السَّريّ عَلَى الخراج واشترط لعبيد شروطًا، فكتب عبد الله بْن طاهر لعبيد كتاب أَمان، وأشهد فِيهِ شهودًا من الجُند، والفُقَهاء، وإشراف أهل مِصر، وجمعًا ممَّن يُنسَب إلى العَدالة وذلك فِي صفر سنة إحدى عشرة ومائتين، وتوجَّه عُبَيْد فِي أهل بيته عَلَى عبد الله بْن طاهر يوم الإثنين لستّ بقينَ من صفر، فخلع عَلَيْهِ ابن طاهر، وأجازه بعشرة آلاف دينار، وأمره بالخروج إلى المأمون.
حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو نصر أحمد بْن عليّ بْن صالح، قَالَ: أخبرني ياسين بْن عَبْد الأحد، قَالَ: سمِعت أَبِي، يَقُولُ: لمَّا دخل عبد الله بْن طاهر مِصر كنتُ فيمن دخل عَلَيْهِ، فقلتُ: حَدَّثَنَا ابن لَهِيعة، عَنْ أَبِي قُبَيل، عَنْ سُبَيع، قَالَ: " يا أهل مِصر، كيف إِذا كَانَ فِي بلدكم فِتنة فولِيَكم فيها الأعرج، ثمَّ الأصفر، ثمَّ الأمرد، ثمَّ يأتي رجُل من ولَد الْحُسَيْن لا يُدفَع ولا يُمنَع تبلغ راياته البحر الأخضر يملأها عدلًا، فقلتُ: كَانَ
(1/136)

ذَلكَ، كانت الفِتنة، فولِيَها السَّريّ وهو الأعرج، والأصفر ابنه أَبُو نصر، والأمرد عُبَيْد بن السَّريّ، وأنت عبد الله بْن طاهر بْن الْحُسَيْن "
قَالَ أحمد الحَمْراويّ:
أَتَرْجُو مَهَاةٌ دَفْعَ ضِرْغَامِ غَابَةٍ ... لَشَتَّانَ مَا بَيْنَ المَهَا والهَزَابِرِ
وإِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ أَنْ يَشْهَدَ الوَغَى ... وَيَقْصِفَ أَصْلَابَ المُلُوكِ الجَبَابِرِ
لَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِي الرَّوْعِ فِي زِيّ غَادَةٍ ... وَلَمْ يَحْتَجِبْ صُبْحًا لِمشْطِ الضَّفَائِرِ
ثمَّ ولِيَها عبد الله بْن طاهر بْن الْحُسَيْن من قِبَل المأمون عَلَى صلاتها وخَراجها، دخلها يوم الثلاثاء لليلتين خلَتا من ربيع الأوَّل سنة إحدى عشرة فجعل عَلَى شُرَطه مُعاذ بْن عزيز أيَّامًا، ثمَّ جعل مكانه عَبْدَوَيْه بْن جَبلَة من الأَبناء، وأقام عبد الله بْن طاهر فِي مُعسكره حتى خرج عُبَيْد بْن السَّريّ إلى بَغْداد يوم الخميس للنصف من جمادى الأولى سنة إحدى عشرة.
قَالَ حَبِيب بْن أَوْس الطائيّ:
فَأَوْرَدَهُ بَغْدَادَ يَهْوِي بِرِجْلِهِ ... ذَمُولٌ تَرَامَى فِي قلَاصٍ ذَوَامِلِ
فَأَصْبَحَ قَدْ زَالَتْ ظِلَالُ نَعِيمهِ ... وأَيُّ نَعِيمٍ لَيْسَ يَوْمًا بِزَائِلِ
حَدَّثَنِي نصر بْن عبد الله بْن عُبَيْد بْن السَّريّ، أن عبيدًا عاش بعد خروجه من مِصر زمانًا، وأنه مات بسُرَّ مَنْ رأَى سنة إحدى وخمسين ومائتين.
وجمع عبد الله بْن طاهر عَلَى المسير إلى الإسكَندريَّة، فبعث عَلَى مُقدَّمته الْعَبَّاس، وهاشم من قُوَّاد العَجَم من أهل خُراسان وذلك لمستهلّ صفر سنة اثنتي عشرة، واستخلف عليها عيسى بْن يزيد الجُلُوديّ، ونزل عبد الله بْن طاهر عَلَى حِصن الإِسكَندريَّة، قصدها فِي ربيع الأوَّل سنة اثنتي عشرة، وحصرها بِضع عشرة ليلة، فخرج إِلَيْهِ أهلها بأَمان، وصالح الأَنْدَلُسيِّين عَلَى أن يسيّرهم من الإِسكَندريَّة حين أحبّوا عَلَى أن لا يُخرجوا فِي مراكبهم أحدًا من مِصر، ولا عبدًا، ولا آبقًا، فإِن فعلوا، فقد حلَّت لَهُ دِماؤهم، ونكْثُ عَهْدِهم، وتوجَّهوا، فبعث ابن طاهر مَن يفتّش عليهم مراكبهم، فوجد فيها جمعًا من الذين اشترط عليهم أن لا يُخرِجوهم، فأَمر ابن طاهر بإِحراق مراكبهم فسأَلوه
(1/137)

أن يردّهم إلى شرطهم.
ففعل، وولَّى عَلَى الإِسكَندريَّة إلياس بْن أَسَد بْن سُلَيْمَان خُدا من ولد بَهْرام شُوِبين.
ورجع ابن طاهر إلى الفُسطاط فِي جمادى الآخرة سنة ثنتي عشرة فولَّى عيسى بْن المُنْكَدِر بْن محمد بْن المُنْكَدِر القُرَشيّ انقَضاء، وأمر بالزيادة فِي المسجِد الجامع.
فزِيد فِيهِ مثله، ثمَّ ركِب النيل متوجّهًا إلى العِراق لخمس بقينَ من رجب سنة ثنتي عشرة، فكان مُقامه بِمصر بعد أن صحَّت لَهُ الولاية إلى أن خرج عَنْهَا سبعة عشر شهرًا وعشرة أيَّام.

عيسى بْن يزيد الجُلُودِيّ
ثمَّ ولِيَها عيسى بْن يزيد الجُلُوديّ باستخلاف ابن طاهر لَهُ عَلَى صلاتها فجعل عَلَى شُرَطه ابنه محمد، وعلى المظالم إِسْحَاق بْن مُتوكِّل، فكانت وِلاية عيسى من قِبَل ابن طاهر إلى يوم الجمعة لسبع عشرة من ذي القعدة سنة ثلاث عشرة ومائتين.
فقدِم أَبُو الخير بشْر بْن بُرد رسول أَبِي إِسْحَاق بْن هارون الرشيد بوِلاية الأمير أَبِي إِسْحَاق عَلَى مِصر، وعزل عبد الله بْن طاهر عَنْهَا وذلك لوفاء ثلاثة وثلاثين شهرًا لوِلاية عبد الله بْن طاهر وخُلفائه، فأقرّ أَبُو إِسْحَاق الجُلُوديّ عَلَى الصلاة فقط، وعلى خَراجها صالح بْن شِيرزاد، فظلم الناس وزاد عليهم فِي خَراجهم، فانتقض أسفل الأرض وعسكروا، فبعث عيسى بْن يزيد بابنه محمد فِي جيش لقتال أهل الحَوْف، فنزل ببُلْبَيس فلقِيَه بها جمع منهم، فحاربوه وهزموه، فنجا محمد بْن عيسى ولم ينجُ من أصحابه أحد وذلك فِي صفر سنة أربع عشرة ومائتين.
(1/138)

عُمير بْن الوليد
ثمَّ ولِيَها عُمَير بْن الوليد باستخلاف أَبِي إِسْحَاق بْن الرشيد عَلَى صلاتها، وورد عَلَيْهِ كتاب أَبِي إِسْحَاق بوِلايته عليها يوم الأحد لتسع عشرة خلت من صفر سنة أربع عشرة فجعل عَلَى شُرَطه ابنه محمد، فاستخلف محمد رجُلًا يُدعى السَّلِيل بْن رَبيعة، وفرض عُمَير الفُروض، واستعدّ لحرب أهل الحَوْف، وبعث بعبد اللَّه بْن حُلَيس الهِلاليّ إلى الحَوْف ليُصلِح أمر قَيس ويردَّهم إلى الطاعة، فمضى إليهم ابن حُلَيس، فأتاهم وحرَّضهم، فعقدوا لَهُ عليهم، وأقام بأمر اليمانيَّة عَبْد السلام بْن أَبِي الماضي الجُذاميّ، ثمَّ الجَرَويّ، فسار إليهم عُمَير فِي جيوشه وفروضه، وتبِعه عيسى بْن يزيد الجُلُوديّ، كَانَ خروجه من الفُسطاط يوم الثلاثاء لستَ عشرة من ربيع الأوَّل سنة أربع عشرة مائتين، واستخلف عَلَى الفُسطاط ابنه محمد، وقدِم أَبُو خَالِد المُهَلَّبيّ من قِبَل المأمون إلى اليمانيَّة، ومحمد بْن دوالة العَبْسيّ إلى العَبْسِيَّة، فبذلا لهم ما شاءُوا، فلم ينهَهم ذَلكَ عَن الحرب وزحفوا إلى عُمير، وعلى اليمانيَّة عَبْد السلام بْن أَبِي الماضي، وعلى قيس عبد الله بن حُلَيس الهِلاليّ، فالتقوا بُمنية مال اللَّه، فاقتتلوا، فقُتل من أهل الحَوْف جمع كثير، وانهزموا، فتبِعهم عُمير فِي نفرٍ من أصحابه، فعطف عَلَيْهِ كمين لأهل الحَوْف، فقتلوه باليهوديَّة يوم الثلاثاء لثلاث عشرة من ربيع الآخر، وكان الَّذِي قتله مُبارَك الأَسوَد مولى حُميد بْن كُوثر الحَرَشيّ، فكان مُقام عُمير عَلَى إِمرتها إلى أن قُتل الأَسوَد مولى حُميد بْن كَوثر الحَرَشيّ، فكان مُقام عُمير عَلَى إمرتها إلى أن قُتل ستّين يومًا.
قَالَ حبيب بْن أَوْس الطائيّ:
أَلَا رُزِئَتْ خُرَاسَانٌ فَتَاهَا ... غَدَاةَ ثَوَى عُمَيْرُ بْنُ الوَليدِ
فَيَا يَوْمَ الثَّلَاثَا كَمْ كَئِيبٍ ... رَمَاهُ الحزْنُ فِيكَ وَكَمْ عَمِيدِ
فَكَمْ سَخَّنْتَ فِينَا مِنْ عُيُونٍ ... وَكَمْ أَعْبَرْتَ فِينَا مِنْ خُدُودِ
فَمَا زُجِرَتْ طُيُورُكَ عَنْ سَنِيحٍ ... وَلَا طَلَعَتْ نُجُومُكَ بِالسُّعُودِ
وقال أيضًا:
(1/139)

أَنْمَى عُمَيْرُ بْنُ الْوَلِيدِ لغَارَةٍ ... بِكْرٍ مِنَ الغَارَاتِ أَوْ لِعَوَانِ
أَنْعَى فَتَى الفِتْيَانِ غَيْرَ مُكَذَّبٍ ... قَوْلِي وَأَنْعَى فَارِسَ الفُرْسَانِ
وقال سَعِيد بْن عُفَير:
سَاقَتْ عُمَيْرَ إِلَى مَصر مَنِيَّتُهُ ... بِإِمْرَةٍ لَمْ يَكُنْ فِيهَا بِمَسْعُودِ
حَتَّى أَتَتْهُ المَنَايَا وَهْوَ مُلْتَحِفٌ ... ثَوْبَيْنِ مِنْ حِبَرَاتِ البَأْسِ وَالجُودِ
فَاذْهَبْ حَمِيدًا فَلَا تَبْعَدْ فكُلُّ فَتًى ... يَوْمًا وإِنْ كُرِيَتْ أَفْعَالُهُ يُودِي
وأقام محمد بْن عُمير خليفةً لأبيه عليها شهرًا، ثمَّ أظهر الجُلُودي كتابًا بوِلايته فسلَّم إِلَيْهِ محمد.

عيسى بْن يزيد الجُلُوديّ الثانية
ثمَّ ولِيَها عيسى بْن يزيد خليفةً لأبي إِسْحَاق عَلَى صلاتها فجعل عَلَى شُرَطه رَجُلًا من أهل خُراسان، يقال لَهُ: مُطهَّر، ثمَّ سار عيسى إلى أهل الحَوْف، فلقِيَهم بمُنْية مَطَر، فكانت بينهم وقعة، ثمَّ انصرف أهل الحَوْف عَلَى حامية، ومضى الجُلُوديّ حتى نزل النُّويرة، فخندق عَلَى نفسه وجيشه خندقًا، وأقام أيامًا، فأتاه أهل الحَوْف فصبَّحوا بِهِ، فهاله أمرهم، فلمَّا أمسى تحمَّل منهزمًا إلى الفُسطاط، وأحرق ما ثقل عَلَيْهِ من رحله، وخندق عَلَى الفُسطاط وذلك يوم الثلاثاء لأربع خلونَ من رجب سنة أربع عشرة.
قَالَ حبيب بْن أَوْس الطائيّ يهجو الجُلُوديّ:
اللَّه أَرْهَقَكَ الْهَزِيمَةَ إِذْ ... جَذَبَتْكَ أَحْبَالُ الرَّدَى جَذْبَا
وَأَتَتْكَ خَيْلٌ لَوْ صَبَرَْت لَهَا ... أَنْهَبْنَ رَوحَكَ فِي الْوَغَى نَهْبَا
مِنْ حَيِّ عَدْنَانَ وَإِخْوَتِهِمْ ... قَحْطَانَ لَا مِيلًا وَلَا نُكْبَا
أَعْصَمْتَ بِاللَّيْلِ البَهِيمِ وَقَدْ ... أَلْقَى عَلَيْكَ ظَلَامَهُ حُجْبَا
وتَرَكْتَ جُنْدَكَ لِلُقَنَا جُزُرًا ... وَالْبِيضُ تَخْدُبُ هَامَهُمْ خَدْبَا
فَاشْكُرْ أَيَادِي لَيْلَةٍ سَنَحَتْ ... لَكَ بِالْبَقَا فَركِبْتَهَا رَكْبَا
(1/140)

وأقبل أَبُو إِسْحَاق بْن هارون سائرًا إلى مِصر فِي أربعة آلاف من أتراكه فلم يشعر أهل الحَوْف إلَّا بنزوله بين أظهرهم، فراسلهم ودعاهم إلى الطاعة.
فامتنعوا عَلَيْهِ، فقاتلهم يوم السبت لعشر بقينَ من شعبان سنة أربع عشرة، فهزمهم، ونزل أَبُو إِسْحَاق ببُلْبَيس يوم الأحد لتسع بقينَ من شعبان، وبعث فِي طلَب عبد الله بْن حُلَيس، وعبد السلام بْن أَبِي الماضي، فأُتِي بهما مستهلّ شهر رمضان، فقيَّدهما وسجنهما ثمَّ أقامهما للناس، ودخل أَبُو إِسْحَاق الفُسطاط يوم الخميس لثمان خلونَ من رمضان سنة أربع عشرة ومائتين، ثمَّ خرج أَبُو إِسْحَاق إلى الجِيزة، فدعا بابن حُلَيس، وعبد السلام، فضرب أعناقهما وصلبهما يوم الإثنين لثنتي عشرة ليلة بقِيَت من ذي القعدة سنة أربع عشرة ومائتين.
قَالَ مُعلًّى الطائيّ:
إِنَّ الحُلَيْسِيَّ غَدَا سَابِقًا ... فِي حَلْبَةِ الْجِسْرَيْنِ قَدْ قصَّبَا
عَلَى طِمِرٍ مَا لَهُ أَرْجُلٌ ... مِنْ صَنْعَةِ النَّجَّارِ قَدْ شُذِّبَا
وَلَيْسَ يَدْرِي عِنْدَ إِلْجَامِهِ ... مَنْ أَثْفَرَ الطِّرْفَ وَمَنْ لَبَّبَا
مُسَمَّرُ الخَلْقِ أَمُونُ الشَّوَى ... يَأْنَفُ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَا
وَلَوْ سَرَى لَيْلَتَهُ كُلَّهَا ... مَا جَاوَزَ الْجِسْرَ وَلَا قَربَا
لَوْ كانَ مِنْ بَعْضِ نَخيل القُرَى ... كَانَ أَبُو القَاسِمِ قَدْ أَرْطَبَا
كَسَا أَبُوا إِسْحَاقَ أَوْدَاجَهُ ... أَبْيَضَ لَا يَعْتِبُ مَنْ أَغْضَبَا
وَقَدْ سَقى عَبْدَ السَّلَامِ الرَّدَى ... فَكَيْفَ بِاللهِ إِذَا جَرَّبَا
وخرج أَبُو إِسْحَاق متوجّهًا إلى الشام لغُرَّة المحرَّم سنة خمس عشرة ومائتين فِي أتراكه، وبجمع من الأَسارى فِي ضُرّ، وجَهْد شديد، وولَّى عَلَى مِصر عَبْدَويه بْن جَبلَة من الأبناء.

عَبْدَوَيْه بْن جَبلَة
ثمَّ ولِيَها عَبْدَويه بْن جَبَلة من قِبَل أَبِي إِسْحَاق عَلَى صلاتها، ولِيَها مُستهلّ المحرَّم سنة
(1/141)

خمس عشرة ومائتين فجعل عَلَى شُرَطه ابنه، وعلى المظالم إِسْحَاق بْن إسماعيل بْن حَمدان بْن زيد، وخرج ناس من لَخْم بالحَوْف، فحاربوا فِي شعبان سنة خمس عشرة، فبعث إليهم عيسى بْن منصور الرافقيّ وهو والي الحوْف، فقاتلهم فظفِر بهم، ثمَّ قدِم الأَفْشِين حَيْدَر بن كاووس الصُّغْديّ إلى مصر ومعه عليّ بْن عَبْد العزيز الجَرَويّ، قدِما لثلاث خلونَ من ذي القعدة سنة خمس عشرة، وقد أُمر الأَفْشِين أن يطالب عليًّا بالأموال التي عنده، فإن هُوَ دفعها إِلَيْهِ وإِلَّا قتله.
فطالبه الأَفْشِين، فلم يدفع إِلَيْهِ شيئًا، فقدَّمه بعد الأضحى بثلاث، فقتله، وصرف الأَفْشِين عَبْدَويْه بْن جَبَلة عَنْهَا وخرج الأَفْشِين إلى بَرْقَة ومعه عَبْدَوْيه، وولَّى عليها عيسى بْن منصور لسلخ سنة خمس عشرة.

عيسى بْن منصور
ثمَّ ولِيَها عيسى بْن منصور من قِبَل أَبِي إسحاقَ، ولِيَها مستهلّ سنة ستّ عشرة ومائتين عَلَى صلاتها فجعل عَلَى شُرَطه أَبَا مُغيث مُوسَى بْن إبراهيم بْن عَمِّه، ثمَّ انتقضت أسل الأرض كلّها عربَها وقِبْطها فِي جمادى الأولى سنة ستّ عشرة، وأخرجوا العُمَّال، وخالفوا الطاعة، وكان ذَلكَ لسُوء سيرة العُمَّال فيهم، ثمَّ قدِم الأَفْشِين
(1/142)

من بَرْقة للنصف من جمادى الآخرة سنة ستّ عشرة، فأقام بالفُسطاط لأن النيل فِي مدّه قد حال بينه وبينهم، ثمَّ خرج الأَفْشِين، وعيسى بْن منصور جميعًا، فعسكروا بأَشْلِيم، وعقدوا عليهم لابن عُبَيْدُس الفِهْريّ من ولَد عُقْبة بْن نافع، فواقعهم الأَفْشِين بأَشْلِيم، فهزمهم وأسر منهم كثيرًا، فقتلهم، ورجع عيسى بْن منصور إلى الفُسطاط، ومضى الأَفْشين إلى الحَوْف ففلّ جماعتهم.
وبعث الأَفْشين عُبَيْد اللَّه بْن يزيد إلى الإِسكَندريَّة واستجاشت عَلَيْهِ بنو مُدْلِج، فحصروه فِي حِص الإِسكَندريَّة وذلك فِي شوَّال سنة ست عشرة، ومضى الأَفْشِين إلى شَرْقُيون، فلقِيَ مَن هناك بمحَلَّة أَبِي الهَيْثَم، فاقتتلوا، فظفِر بهم الأَفْشين، وقتل صاحبهم أَبَا ثور اللَخْميّ، ومضى الأَفْشين أيضًا إلى دَمِيرة، فحاربهم فِي ذي القَعدة سن ستّ عشرة، فظفِر بهم، وخرج عيسى بْن منصور من الفُسطاط إلى تُمَيِّ، فقاتل أهلها، فانهزم أهل تُمّيّ وأقبل الأَفْشِين فِي جنوده إلى الإِسكَندريَّة، فلَقيَه طائفة من بني مُدْلِج بخَرِبتا، فهزمهم، وأتوه أيضًا بَمَحلَّة الخلفاء، فهزمهم وأسر أكثرهم، فنزل بهم قَرْطَسا، فضرب أعناقهم بها وأتى الإِسكَندريَّة، فدخلها، وهرب منه رُؤَساؤهم، وهم: بَحْر بْن علي اللَخْميّ، وابن عُقاب اللَخْمي، وكان رئيس جماعتهم مُعاوية بْن عَبْد الواحد بْن محمد بْن عبد الرحمن بْن مُعاوية بْن حُدَيج، وكان دخول الأَفْشين الإِسكَندريَّة لعشر بقينَ من ذي الحجَّة سنة ستّ عشرة، ومضى الأَفْشيِن بعد فتح الإِسكَندريَّة إلى أهل البَشَرُود، فكان مُواقفًا لهم، وقد امتنعوا حتى قدِم المأْمون.
(1/143)

قدوم أمير المؤمنين المأْمون الفُسطاط
قدِم لعشر خلونَ من المحرَّم سنة سبع عشرة ومائتين، فسخِط عَلَى عيسى بْن منصور، وأمر بحلّ لِوائه، وأمره بلباس البَياض، وقال: لم يكن هذا الحدَث العظيم إلَّا عَنْ فِعلك وفِعل عُمَّالك، حمَّلتم الناس ما لا يُطيقون، وكتمتوني الخَبر حتى تفاقم الأمر، واضطربت البلد.
وضمّ أصحابه إلى ابن عَمّه مُوسَى بْن إبراهيم، وولَّى المأْمون عَلَى شُرَط الفُسطاط أحمد بْن بِسْطام الأَزْديّ من أهل بُخارا، وركب أمير المؤمنين، فنظر إلى المِقْياس وأمر بإقامة جِسر آخر فعُمل لَهُ هذا الجِسر القائم بالفُسطاط اليوم، وتُرك القديم، وعقد لأبي مُغيث مُوسَى بْن إبراهيم عَلَى جيش بعثه إلى الصعيد فِي طلب ابن عُبَيدُس الفِهْريّ ومعه رشيد التُّركيّ، فظفروا بالفِهري بطَحا، وارتحل المأْمون إلى سَخَا سلخ المحرَّم سنة سبع عشرة، ثمَّ صار إلى البَشَرُود والأَفْشين قد أوقع القِبْط بها، فنزلوا عَلَى حُكم أمير المؤمنين، فحكم بقتل الرِّجال، وبَيع النساء والأَطفال.
فبِيعوا، وسُبي أكثرهم، وأتى بالفهْري إلى سَخَا، فقتله، وتتبَّع كل من يُومَى إِلَيْهِ بخِلاف، فقتله، فقتل ناسًا كثيرًا.
ورجع إلى الفُسطاط يوم السبت لستّ عشرة من صفر سنة سبع عشرة، ومضى إلى حُلْوان، فنظر إليها وأقام بها ثلاثًا، ورجع إلى الفُسطاط، فخرج عَلَى مقدَّمته أَشِنَاس، وارتحل المأْمون يوم الخميس لثماني عشرة من صفر، فكان مُقامه بالفُسطاط، وسَخَا، وحُلْوان تسعة وأربعين يومًا.

كَيْدُر نصر بْن عبد الله
ثمَّ ولِيَها كَيْدُر واسمه نصر من قِبَل المأْمون عَلَى صلاتها فجعل عَلَى شُرَطه
(1/144)

إِسْبَنْدِيار، ثمَّ بعث المأمون برجُلٍ من العجَم، يقال لَهُ: ابن بِسْطام فولَّاه الشُّرَط، فعزله كَيْدُر لرَشوةٍ ارتشاها، وأمر بضربه بالسَّوط فِي صحن المسجِد الجامع.
وولَّى رجُلًا بُخاريًا، يقال لَهُ: ذاوَه، ثمَّ عزله وولَّى ابنه مُظَّفر بْن كَيْدُر باستخلاف مظفَّر ذاوَه عَلَى الشُّرَط، وورد كتاب أَبِي إِسْحَاق بْن الرشيد عَلَى كَيْدُر بان يأخذ الناس بالمِحْنة، ورد الكتاب فِي جمادى الآخِرة سنة ثماني عشرة ومائتين، والقاضي بِمصر هارون بْن عبد الله الزُّهريّ، فأخذه كَيْدُر بذلك، فأجاب وأخذ الشهود بِهِ، فأجابوا، فمَن وقف منهم سقطت شهادته وأخذ بها الفُقَهاء والمحدِّثين والمؤذِّنين، فكان الناس عَلَى ذَلكَ من سنة ثماني عشرة إلى أن قام المتوكِّل سنة اثنتين وثلاثين ومائتين.
وتُوُفّي المأمون بأرض الرُّوم لسبع خلونَ من رجب سنة ثماني عشرة ومائتين، وبايع الناس أَبا إِسْحَاق المُعتصِم، فورد كتابه إلى كَيْدُر ببَيعته، وأمره بإِسقاط مَن فِي الديوان من العرَب، وقطع أعطِياتهم، ففعل ذَلكَ كَيْدُر.
حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنِي عليّ بْن أحمد بْن سُلَيْمَان، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيد الهَمَذانيّ، عَنْ طَلْق بْن السَّمْح، قَالَ: حَدَّثَنَا نافع بْن يزيد، قَالَ: قطع مَرْوان بْن محمد العطاء سنةً ثمَّ كتب إليهم كتابًا يعتذر إليهم فِيهِ: «إِني إنّما حبستُ عنكم العَطاء في السنة الماضية لعدوّ حضرني، فاحتجتُ فِيهِ إلى المال، وقد وجَّهتُ إليكم بعطاء السنة الماضية وعطاء هذه السنة، فكُلوا هنيئًا مريئًا، وأَعوذ بالله أن أكون أَنَا الَّذِي يُجري اللَّه قطع العطاء عَلَى يديه» .
ولمَّا قطع العطاء خرج يحيى بْن الوزي الجَرويّ فِي جمع من لَخْم وجُذام، وقال: هذا أمر لا تقوم فِي أفضل منه لأنه منعنا حقّنا وفيْئنا، واستمع إِلَيْهِ نحو من خمسمائة رجُل.
ومات كَيْدُر فِي ربيع الآخر سنة تسع عشرة ومائتين
(1/145)

مُظفَّر بْن كَيْدُر
ثمَّ ولِيَها مُظفَّر بْن كَيْدُر باستخلاف أَبِيه لَهُ فجعل عَلَى شُرَطه ذاوَه، وخرج مُظفَّر بْن كَيْدُر إلى يحيى بْن الوَزير، فقاتله فِي بُحيرة تِنِّيس فأُسر يحيى بْن الوزير، وتفرَّق عَنْهُ أصحابه وذلك فِي جمادى الأولى سنة تسع عشرة، ثمَّ صُرفت مصر إلى أَبِي جَعْفَر أَشِناس، فدُعي لَهُ بها.
وحَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ أَبِي نصر بْن صالح، عَنْ أشياخه، قَالُوا: «أوَّل من أمر بالتكبير بعد صلاة الجُمعة مُظفَّر بْن كَيْدُر.
فولِيَها مُظفَّر إلى شعبان سنة تسع عشرة»

مُوسَى بْن أَبي العَبَّاس
ثمَّ ولِيَها مُوسَى بْن أَبِي الْعَبَّاس من قِبَل أَبِي جَعْفَر أَشْناس عَلَى صلاتها مستهلّ رمضان سنة تسع عشرة فجعل عَلَى شُرَطه أَخاه الْحَسَن بن أَبِي الْعَبَّاس.
أخبرني ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، قَالَ: «كَانَ المؤذِنّون عَلَى الزمان يُؤذّنون بين يدي الإِمام يوم الجمعة من داخل المقصورة، فأوَّل من أخرجهم منها مُوسَى بْن أَبِي الْعَبَّاس فِي ولايته عَلَى مِصر.
فولِيَها مُوسَى إلى ربيع الأوَّل سنة أربع وعشرين ومائتين، فكانت وِلايته أربع سنين وتسعة أشهُر»
(1/146)

مالك بْن كَيْدُر
ثمَّ ولِيَها مالك بْن كَيْدُر من قِبَل أَشِناس عَلَى صلاتها، قدِمها يوم الإثنين لسبع بقينَ من شهر ربيع الأوَّل سنة أربع وعشرين ومائتين فجعل عَلَى شُرَطه ذاوَه، فولِيَها مالك إلى يوم الأحد لثلاث خلونَ من شهر ربيع الآخر سنة ستّ وعشرين، وقدِم يومئذٍ خليفةُ عليّ بْن يحيى الأَرْمَنيّ، ولِيَها مالك سنتين وأحد عشر يومًا، وتوُفّي مالك بْن كَيْدُر بالإسكَندريّة يوم الأحد لعشر خلونَ من شعبان سنة ثلاث ومائتين وثلاثين.

عليّ بْن يحيى الأَرْمَنيّ
ثمَّ ولِيَها عليّ بْن يحيى الأَرْمَنيّ من قِبَل أَشِناس عَلَى صلاتها، قدِمها يوم الخميس لتسع خلونَ من ربيع الآخر سنة ستّ وعشرين ومائتين فجعل عَلَى شُرَطه مُعاوية بْن نُعَيم بْن عبد الرحمن بْن مُعاوية بْن حُدَيج، فولِيَها عليّ بْن يحيى إلى وفاة أَبِي إِسْحَاق المُعتصِم، وكانت وفاته للنصف من ربيع الأوَّل سنة سبع وعشرين ومائتين.
وبويع أمير المؤمنين هارون الواثق بالله، فأَقرَّه عليها إلى يوم الخميس لسبع خلون من ذي الحجَّة سنة ثمان وعشرين ومائتين، وكانت وِلايته عليها سنتين وثمانية أشهُر.

عِيسى بْن مَنصُور الثانية
فولِيَها عيسى بْن مَنصُور الثانية من قِبَل أَشِناس عَلَى صلاتها، دخلها يوم الجمعة لسبع خلونَ من المحرَّم سنة تسع وعشرين ومائتين فجعل عَلَى شرَطه ابنه، وتُوفّي أَشِناس سنة
(1/147)

ثلاثين ومائتين وجعل مكانه إِيتاخ، فأقرَّه عليها، وسجن عيسى بْن منصور عليَّ بْن يحيى الأَرْمَنيّ وضيَّق عَلَيْهِ، ثمَّ أطلقه، فولِيَها عيسى إلى وفاة الواثق.
وقدِمت بيعة المُتوكِّل إلى مِصر يوم الجمعة لثنتي عشرة خلت من المحرَّم سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، فأقام عيسى عليها إلى يوم السبت للنِصف من ربيع الأوَّل سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، فصُرف عَنْهَا، وقدِم يومئذٍ عليّ بْن مَهْرَوَيْه خليفة هَرْثَمة بْن النَّضْر، ثمَّ مات عيسى بْن منصور فِي قُبَّة الهواء بعد عزله لإحدى عشرة خلت من ربيع الأوَّل سنة ثلاث وثلاثين ومائتين.

هَرْثَمة بْن النَّضْر الجَبَليّ
ثمَّ وليَها هَرْثَمة بْن النَّضْر الجَبَليّ من قِبَل إِيتاخ عَلَى صلاتها، قدِمها يوم الأربعاء لستّ خلونَ من رجب سنة ثلاث وثلاثين ومائتين فجعل عَلَى شُرَطه أَبَا قُتيبة، وورد كتاب المُتوكِّل عَلَى هَرْثَمة يأْمر بترك الجِدال فِي القُرآن يوم الجمعة لخمس خلونَ من جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين ومائتين، ومات هَرْثَمة واستخلف ابنه حاتم بْن هَرْثَمة.

حاتم بْن هَرْثَمة بْن النَّضْر
ثمَّ ولِيَها حاتم بْن هَرْثَمة باستخلاف أبيه عَلَى صلاتها فجعل عَلَى شُرَطه محمد بْن سُويد، فولِيَها حاتم بْن هَرْثَمة إلى يوم الجمعة لستّ خلونَ من شهر رمضان سنة أربع وثلاثين ومائتين، ولِيَها شهرًا واحدًا.
(1/148)

عليّ بْن يحيى الأَرْمَنيّ الثانية
ثمَّ ولِيَها بْن يحيى الأَرْمَنيّ الثانية من قِبَل إِيتاخ عَلَى صلاتها لستّ خلونَ من شهر رمضان فجعل عَلَى شُرَطه مُعاوِية بْن نُعيم، ثمَّ صُرف إِيتاخ فِي المحرَّم سنة خمس وثلاثين، واستُصفِيَت أمواله بِمصر، وتُرك الداء لَهُ، ودُعي للمُنتصر مكانه، ولِيَها إلى أن صُرف عَنْهَا فِي ذي القعدة سنة خمس وثلاثين ومائتين.

إِسْحَاق بْن يحيى بْن مُعاذ
ثمَّ ولِيَها إِسْحَاق بْن يحيى بْن مُعاذ من قِبَل المُنتصِر وليّ عهد أبيه المتوِكّل عَلَى اللَّه عَلَى صلاتها وخَراجها، قدَمها لإحدى عشرة خلت من ذي القعدة سنة خمس وثلاثين فجعل عَلَى شُرَطه الهيَّاجيّ، وجعل عَلَى المظالم عيسى بْن لَهِيعة بْن عيسى الحَضْرَميّ، وورد كتاب المُتوكِّل والمُنتصِر إلى إِسْحَاق بإخراج الطالبيّين من مصر إلى العِراق، وفرض فيهم الأموال ليتحمَّلوا بها، فأعطى كل واحد منهم ثلاثين دينارًا، والمرأَة خمسة عشر دينارًا، وفُرّقت فيهم الثِّياب، ثمَّ خرجوا من الفُسطاط يوم الإثنين لعشر خلونَ من رجب سنة ستّ وثلاثين ومائتين، فقدِموا العِراق، وأُمروا بالخروج إلى المدينة فِي شوَّال سنة ستّ وثلاثين، فولِيَها إِسْحَاق بْن يحيى إلى ذي القعدة سنة ستّ وثلاثين ومائتين.
قَالَ الشاعر:
سَقَى اللَّه مَا بَيْنَ المُقَطَّمِ والصَّفَا ... صَفَا النِّيلِ صَوْبَ المُزْنِ حِينَ يَصُوبُ
وَمَا بِيَ أَنْ أُسْقِي الْبِلَادَ وإِنَّما ... أُحَاوِلُ أَنْ يُسْقَى هُنَاكَ حَبِيبُ
فَإِنْ تَكُ يَا إِسْحَاقُ غِبْتَ فَلَمْ تُؤُبُ ... إِلَيْنَا وَسَفْرُ الموْتِ لَيْسَ يَئُوبُ
فَلَا يُبْعِدَنْك اللَّه سِاكِنَ حُفْرَةٍ ... بِمِصرَ عَلَيْهَا جَنْدَلٌ وَجَنُوبُ
حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عُثمان، عَنْ هارون بْن سَعِيد، قَالَ: كَانَ الناس قد تحدَّثوا أن إِسْحَاق بْن يحيى بْن عزم أن يثور بِمصر، فدخلت عَلَيْهِ، فقال: أَبَلَغك أَنَّهُ من أَراد مِصر بسُوء أكَبَّه اللَّه لِمْخِرَيْه، فقلتُ: قد رُوِي.
قَالَ: فلم يلبَثْ إلَّا يسيرًا حتى عُزل ومات بها بعد عزله.
(1/149)

خُوط عَبْد الواحد بْن يحيى
ثمَّ ولِيَها خُوط عَبْد الواحد بْن يحيى من قِبَل المنتصِر عَلَى صلاتها وخراجها، قدِمها يوم الأربعاء لسبع بقِينَ من ذي القعدة سنة ستّ وثلاثين فجعل عَلَى شُرَطه محمد بْن سُلَيْمَان بْن غالب بْن جِبْرِيل البَجَليّ، ثمَّ صُرف خُوط عَنْ خَراجها يوم الثلاثاء لسبع خلونَ من صفر سنة سبع وثلاثين، وأُقرّ عَلَى الصلاة، وورد كتاب المُتوكِّل، والمنتصِر يوم الأربعاء لليلتين خلتا من ربيع الأوَّل سنة سبع وثلاثين ومائتين، فأخذ بني عَبْد الحكَم وزكَرِيَّاء كاتب العُمَريّ، وحَمزة بْن المُغِيرة، ويزيد بْن سِنان فِي أموال الجَرَويّ، فحُبسوا فيها مَعَ اللصوص وتتُبِّعت أموالهم، ونُهبت منازلهم.
وقدِم يزيد التُّركي ليلة الأربعاء لليلة بقِيَت من ربيع الأوَّل سنة سبع وثلاثين فِي طلَب أموال الجَرَويّ، وأخْذها ممَّن هِيَ عنده، وقدِم معه عبد الله بْن عليّ بْن عَبْد العزيز الجَرَويّ، فأطلق يزيد التُّركيّ محمد بْن أَبِي الليث القاضيّ من السِّجن، وأمره بالحُكم عَلَى بني عَبْد الحكَم عليهم بألف ألف وأربع مائة ألف وأربعة آلاف دينار، وعلى زَكَريَّاء بثمانية آلاف دينار وذلك يوم السبت لثمان خلونَ من جمادى الأولى سنة سبع وثلاثين، ورفع القضيَّة إلى يزيد التُّركيّ، فألزم بني عَبْد الحكَم، وزَكريَّاء بالمال، وحكم عَلَى محمد بْن هِلال، ويزيد بْن سِنان، وحَمزة بْن المُغِيرة، ونودي فِي الناس: من كتم شيئًا من أموال الجَرَويّ حلَّ بِهِ وحلّ.
فالتوى بنو عَبْد الحكَم، فأخذ يزيد عَبْد الحكَم بن عبد الله بْن عَبْد الحكَم، فعذَّبه، فمات فِي عَذابه يوم الأحد لأربع بقِينَ من جمادى الأولى سنة سبع وثلاثين، وتتبَّع الناس وطولبوا، وورد كتاب المُتوكِّل بإطلاقهم فِي رجب سنة سبع، فأطلقهم خُوط، فولِيَها إلى سلخ صفر سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وقدِم خليفة عَنْبَسة عَلَى صلاتها، والشركة فِي الخَراج مستهلّ ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين.
(1/150)

عَنْبَسة بْن إِسْحَاق الضَّبّيّ
ثمَّ ولِيَها عَنْبَسة بْن إِسحاق من قِبَل المُنتصِر عَلَى صلاتها وجُعل شريكًا لأحمد بْن خَالِد صاحب الخَراج، قدِمها يوم السبت لخمس خلونَ من ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين ومائتين فجعل عَلَى شُرَطه أَبَا أحمد القُمّيّ محمد بْن عبد الله، وأخذ عَنْبَسة العُمَّال بردّ المظالم وأقامهم للناس، وأَنصف منهم، وظهر بالحَوف من العدل ما لم يُسمع بِمثله فِي زمانه، وكان يروح إلى المسجد ماشيًا من العسكر، وكان ينادي فِي شهر رمضان بالسَّحور، وكان مشهورًا بمذهب الخوارج.
قَالَ يحيى بْن الفَّضْل:
مَنْ فَتًى يُبْلِغُ الإِمَامَ كِتَابًا ... عَرَبِيًّا وَيَقْتَضِيهِ الجَوَابَا
بِئْسَ والله مَا صَنَعْتَ إِلَيْنَا ... حِينَ وَلَّيْتَنَا أَمِيرًا مُصَابَا
خَارِجِيًّا يَدِينُ بِالسَّيْفِ فينَا ... وَيَرَى قَتْلَنَا جَمِيعًا صَوَابَا
مَرَّ يَمْشِي إِلَى الصَّلَاةِ نَهَارًا ... يُنَادِي السَّحُورَ ظَلَّ وَخَابَا
وفي وِلايته نزلت الرُّوم دِمياط يوم عَرفة سنة ثمان وثلاثين ومائتين، فملكوها وما فيها، وقتلوا بها جمعًا كثيرًا من المسلمين، وسُبي النساء والأطفال وأهل الدِّمَّة، فنفر إليهم عَنْبَسة بْن إِسْحَاق، فغشيَ فِي جيشه، ونفَر كثير من الناس إليهم لم يُدركوهم، ومضى الرُّوم إلى تِنّيس، فأقاموا بأُشْتُومها، فلم يتبَعهم عَنْبَسة.
قَالَ يحيى بْن الفَضْل للمتوكِّل:
أَتَرْضَى بِأَنْ تُوطَا حَرِيمُكَ عَنْوَةً ... وَأَنْ يُسْتَبَاحَ المُسْلِمُونَ وَيُحْرَبُوا
حِمَارٌ أَتَى دِمْيَاطَ والرُّومُ وُثَّبٌ ... بتِنِّسَ مِنْهُ رَأْيَ عَيْنٍ وأَقْرَبُ
(1/151)

مُقِيمُونَ بِالْأُشْتُومِ يَبْغُونَ مِثْلَ مَا ... أَصَابُوهُ مِنْ دِمْيَاطَ وَالحَرْبُ تَرْتُبُ
فَلَا تَنْسَنَا أَنَّا بِدَارِ مَضِيعَةٍ ... بِمِصْرَ وَأَنَّ الدِّينَ قَدْ كَادَ يَذْهَبُ
فأمر المُتوكِّل بابتناء حصن دِمْياط، فابتُدئ بِنائه يوم الإثنين لثلاث خلونَ من شهر رمضان سنة تسع وثلاثين ومائتين.
وأَفرد عَنْبَسة بالخَراج مَعَ الصلاة، وأمر عَنْبَسة بابتناء المُصلَّى الجديد وذلك أَن المُصلَّى القديم ضاق بالناس، فابتدأَ فِي بِنائه يوم الثلاثاء لعشر بقينَ من شهر رمضان سنة أربعين ومائتين، فصلَّى فِيهِ يوم النحر سنة أربعين ومائتين.
ثمَّ صُرف عَنْبَسة عَن الخَراج لمستهلّ جمادى الآخرة سنة إحدى وأربعين، وأُفرد بالصلاة.
وورد الكتاب بالدُّعاء للفَتْح بْن خاقان فِي ربيع الأوَّل سنو اثنتين وأربعين، فدُعي لَهُ، وكان عَنْبَسة آخِرَ مَن ولِيَها من العَرَب وآخِر أمير صلَّى بالناس فِي المسجِد الجامع، فولِيَها إلى مستهلّ رجب سنة اثنتين وأربعين ومائتين، فقدِم الْعَبَّاس بْن عبد الله بْن دينار خليفة يزيد بن عبد الله بوِلاية يزيد عليها، ولِيَها عَنْبَسة أربع سنين وأربعة أشهُر، وخرج منها إلى العِراق فِي شهر رمضان سنة أربع وأربعين.

يزيد بْن عبد الله التُّركيّ
فولِيَها يزيد بْن عبد الله من قِبَل المُنتصر وليّ عهد أبيه عَلَى صلاتها، قدِمها يوم الإثنين لعشرٍ بقينَ من رجب سنة اثنتين وأربعين ومائتين فجعل عَلَى شُرَطه ابنه خَالِدًا، وجعل خَالِد عليها عليّ بْن إِسْحَاق المُونسيّ، ثمَّ ولّى عَلَى الشُّرْطة يحيى بْن أحمد بْن عبد الله بْن دينار، فأمر يزيد بْن عبد الله حِين قدِمها المؤنَّثين من مِصر وضرْبهم ونفْيهم، وأن يُطاف بهم، ومنع من النِّداء عَلَى الجنائز، وضرَب فِيهِ، وأمر بالمختارين، فجُعلوا فِي
(1/152)

الكُوَر وهو أوَّل من جعلهم فيها، وأمر يزيد بضرب رجُل من الجُند فِي شيء وجب عَلَيْهِ، فضربه عشرةً فاستحلف يزيد بحقّ الْحَسَن، والحسين إِلَّا عفا عَنْهُ فزاده ثلاثين دَرَّة، ورفع ذَلكَ صاحب البريد إلى المُتوكِّل، فورد كتاب المتوكِّل عَلَى يزيد بضرب ذَلكَ الجُنديّ مائة سوط، فضُربها وحُمل الجُنديّ إلى العِراق لثمان خلونَ من شوَّال سنة ثلاث وأربعين.
وخرج يزيد بْن عبد الله إلى دِمْياط مُرابِطًا فِي المحرَّم سنة خمس وأربعين، ورجع إلى الفُسطاط فِي ربيع الأوَّل، فلمَّا كَانَ ببنها، بلغه أن الرُّوم نزلوا الفَرَما، فرجع فِي جَيشه إلى الفَرَما، فلم يَلْقَهم.
وأمر يزيد فِي شوَّال ببيع الخيل التي تُتَّخذ للسُلطان وعطّل الرِّهان، فلم تجرِ إلى سنة تسع وأربعين، وتتبَّع يزيد بْن عبد الله الروافض، فحملهم إلى العراق، وورد كتاب المتوكِّل بابتناء المِقْياس الهاشميّ للنيل، وبعزل النصارى عَنْ قِياسه، فجعل يزيد عليها أَبَا الرَّدَّاد المُعلِّم، وأجرى عَلَيْهِ سُليمان بن وَهَب صاحب الخَراج سبعة دنانير وذلك فِي سنة سبع وأربعين ومائتين، وظهر يزيد فِي شعبان سنة ثمان وأربعين عَلَى رجُل، يُقال لَهُ: محمد بْن عليّ بْن عليّ بْن الْحُسَيْن بْن أَبِي طَالِب يُعرف بأبي حدري، بُويع لَهُ، فبعث يزيد إلى الموضِع الَّذِي كَانَ فِيهِ فأخذه، فأقرّ وأقرّ عَلَى جمع من الناس بايعوه، فأُخذ بعضهم، فضُربوا بالسِّياط، ثمَّ أُخرج بالعلَويّ هُوَ وجمع من آل أَبِي طَالِب إلى العراق فِي شهر رمضان سنة ثمان وأربعين.
وتُوفّي المُتوكِّل ليلة الخميس لخمس خلونَ من شوَّال سنة سبع وأربعين ومائتين، وبويع محمد المُنتصِر، وتُوفّي الفَتْح بْن خاقان وأقرّ المُنتصِر يزيد بْن عبد الله عليها، ثمَّ ورد كتاب المُنتصِر بأن لا يُقبَّل عَلَويّ ضِيعةً، ولا يركَب فرَسًا، ولا يسافر من الفُسطاط إلى طرَف من أطرافها، وأن يُمْنَعوا من اتّخاذ العبيد إلَّا العبد الواحد، وإن كانت بينه وبين أَحد من الطالبيّين خُصُومة من سائر الناس قُبل قول خصمه فِيهِ، ولم يُطالَب ببيّنة، وكتب المُنتصِر إلى العُمَّال بذلك.
(1/153)

وتُوُفّي المُنتصِر فِي ربيع الأوَّل سنة ثمان وأربعين ومائتين.
وبويع المُستعين فِي ربيع الآخر، وورد الكتاب إلى مِصر بذلك يوم السبت لستّ بقِينَ من ربيع الآخر، وورد كتاب المُستعِين إلى يزيد بْن عبد الله يأمره، أَن يستسقي الناس لقحط كَانَ بالعِراق، وكتب إلى الآفاق، فخرج الناس معه يوم الأربعاء لسبع عشرة خلت من ذي القعدة سنة ثمان وأربعين، فاستسقوا واستسقى أهل الآفاق فِي يوم واحد.
وأخرج يزيد ستَّة رِجال من الطالبيّين إلى العِراق فِي شهر رمضان سنة خمسين ومائتين، ثمَّ أخرج بثمانية منهم فِي رجب سنة خمس وخمسين، وعزل المُؤنِسيّ عَن الشُّرَط فِي رجب سنة إحدى وخمسين، وولَّى محمد بْن إِسْبَنْدِيار، وخُلع المُستعِين فِي المحرَّم سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وبُويع المعتَزّ لخمس خلونَ من المحرَّم، وكان بيعته بِمصر يوم الأحد لثلاث خلونَ من ربيع الأوَّل سنة اثنتين وخمسين.
وخرج جَابِر بْن الوليد المُدْلجِيّ من بني الهَجيم بْن عَتوارة بْن عَمرو بْن مُدْلِج بأرض الإِسْكَنْدَريَّة فِي ربيع الآخر سنة اثنتين وخمسين، واجتمع إِلَيْهِ كثير من بني مُدْلِج الصُّلبيَّة، والموالي، فبلغ ذلك والي الإسكَندريَّة محمد بن عُبَيْد اللَّه بْن يزيد بْن مَزْيد الشَّيْباني، فبعث إِلَيْهِ برجُل من أصحابه، يُقال لَهُ: نصر الطَّحاويّ، وعقد لَهُ عَلَى ثلاثمائة رجُل، فنزل الكْرِيَون وسأَل عَنْ جَابِر وأصحابه، فأُخبر بأنهم بأرض صا، فزحف إليهم، فقاتلهم، فهزمهم جَابِر، فرجع نصر إلى الإِسكَندريَّة يسأَل المدَد، ففرض محمد بْن عُبَيْد اللَّه فروضًا، وبعث عليهم بُرد بْن عبد الله، وأبو العوا وهو مقيم بالكِرْيَون، فساروا جميعًا إلى دِسُونس، فأَتاهم جَابِر، فقاتلهم قتالًا شديدًا، فانهزم نصر، وبُرد، وظفِر جَابِر بعسكرهم وجميع ما فِيهِ، ورجع الفلّ إلى الإسكَندريَّة، فتحصَّنوا بها، وقوِي أمر جَابِر بْن الوليد، وأتاه الناس من كل ناحية وضوى إِلَيْهِ كل من يُومى إِلَيْهِ بشِدَّة ونجدة، فكان ممَّن أتاه عبد الله المَريسيّ وكان رجُلًا خبيثًا، ولحِق بِهِ جُرَيج النَّصرانيّ الحارس وكان من شِرار النصارى،
(1/154)

ولحِق بِهِ أَبُو حَرْمَلة النُّوبيّ وكان رجُلًا فاتكًا، فعقد لَهُ جَابِر عَلَى سَنْهُور، وسَخا، وشَرقيُون، وبَنا، فمضى أَبُو حَرْمَلة فِي جيش عظيم، فضمّ هذه الأعمال، وأخرج منها العُمَّال وجبى خَراجها، ولحِق بِهِ عبد الله بْن أحمد بْن محمد بْن إسماعيل بْن محمد بْن عبد الله بْن عليّ بْن الْحُسَيْن بْن عليّ ابن أَبِي طَالِب الَّذِي، يُقال لَهُ: ابن الأَرقط، فقوَّده أَبُو حَرْمَلة وضمّ إِلَيْهِ كثيرًا من الأعراب، ووجوه أصحابه، وضمّ إِلَيْهِ ابن عَسَّامة المَعافريّ، وولَّاه بَنا، وبُوصِير، وسَمَنُّود، وأبو حَرْمَلة مُقيم بشَرقيُون، فبعث يزيد بْن عبد الله بأبي أحمد محمد بْن عبد الله الدَّبَرانيّ فِي جمع كثير من الأتراك، فنزل بدَمْسيس فِي جمادى الآخرة اثنتين وخمسين ومائتين.
وبعث رجُلًا من التُّرك، يُقال لَهُ: غُلبك، ومعه محمد بْن العبَّاب بْن مُسلم بْن السَّراح، فلقيِ عبد الله بْن الأَرقَط فيما بين بُوصِير، وبَنا، فقتل ابن الأَرقَط من أصحاب غُلبك نحوًا من عشرين رجُلًا، وثبَت غُلبك، ومحمد ريش، فقاتلاه فهزماه سلخ جمادى الآخرة، وقتل من أصحاب ابن الأَرقَط مقتلةً عظيمةً وأسر منهم كثير، فبعث الدَّبَرانيّ بالأسرى والرءوس إلى الفُسطاط، ومضى ابن الأَرقط إلى شَرقيُون، فلحِق بأبي حَرْمَلة، ونزل الدَّبَرانيّ مدينة بَنا وترك عسكره فيما بين بَنا وسَمَنُّود، وأقبل أَبُو حَرْمَلة ومعه ابن الأَرقط قاصدًا من شَرقيُون إلى بَنا، وبعث أَبُو حَرْمَلة بكمين لَهُ، فهجموا عَلَى عسكر الدَّبَرانيّ مَعَ المغرِب، فحمل عليهم أصحاب الدَّبَرانيّ، فانهزم أَبُو حَرْمَلة ومن معه إلى شَرقيُون، ومضى الدَّبَرانيّ، فنزل سَنْدَفا وضربها بالنار ونهب أهلها، وانهزم أَبُو حَرْمَلة فيمن معه، وتشاغل أصحاب الدَّبَرَانيّ بالنهب، فكرّ أَبُو حَرْمَلة، فقتل أَبَا حامد الدَّبَرانيّ، ورجع أصحاب الدَّبَرانيّ على سَنْدَفا، وبُعِثَ من العِراق بمُزاحِم بْن خاقان مُعينًا ليزيد بْن عبد الله، فقدِمها فِي جيش كثير يوم السبت لثلاث عشرة ليلة بقِيَت من رجب سنة اثنتين وخمسين ومائتين، فبعث
(1/155)

برُسُل من أصحابه إلى جَابِر بْن الوليد يأمره بالرُّجوع إلى طاعة السلطان، فاحتبس رُسُله أيَّامًا، ثمَّ أجازهم بجوائز عظيمة وردّهم، وقدم وأَخذ فِي كتابه ولم يُجمِع عَلَى أمر واحد.
ومضى الدَّبَرانيّ فِي طلَب أَبِي حَرْمَلة لمُستَهلّ شعبان فالتقى مَعَ أَبِي حَرْمَلة بسمَنُّود، فانهزم أَبُو حَرْمَلة وعاد إلى شَرقيُون، ثمَّ رجع إلى سَنْدَفا وأتاه الدَّبَرانيّ بسَنْدَفا، فواقعه، فتفرَّق عَنْ أَبِي حَرْمَلة أكثر أصحابه ولحِقوا بجابر بْن الوليد، وبعث ابن عسَّامة ابنه يطلب الأمان.
فآمنه يزيد، فقدِم الفُسطاط ولبِس السواد، وبعث الدَّبَرانيّ برأس نصر بْن حَكيمة، وبرأس أخيه، وبرأس أَبِي هانئ، وعاد الدَّبَرانيّ إلى محارَبة أَبِي حَرْمَلة، فأُسر أَبُو حَرْمَلة، ثمَّ أُدخِل بِهِ الفُسطاط وبجَمْع كثير من الأسرى فِي شهر رمضان سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وواقع سلتق التُّركيّ بمن فِي صا وشَباس من أصحاب جَابِر، فقتلهم ونفاهم عَنْ تِلْكَ البلاد، ثمَّ استأْمن عبد الله بْن أحمد بْن الأرقط العَلَويّ، وأومن فِي شهر رمضان سنة اثنتين وخمسين ودخل إلى مُزاحم، فبعث بِهِ مُزاحم إلى عَرَق صاحب البُرد، فكان عنده، ثمَّ أمر مُزاحم بإِخراجه فِي جمع معه إلى العِراق، فأُخرج بهم لمستهلّ ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين مَعَ أخي مُزاحم، فهرب عبد الله بْن الأرقط، ورجع أخو مُزاحم لسبع خلونَ من ربيع الأوَّل، ثمَّ ظُفِر بِهِ بعد ذَلكَ، فحُبس، ثمَّ حُمِل بكتاب ورد عَلَى أحمد بْن طُولُون فِي صفر سنة خمس وخمسين ومائتين، وخرج ابن عزيز بالحَوْف، فخرج إِلَيْهِ مُزاحم بْن خاقان لمستهلّ ربيع الأوَّل سنة ثلاث وخمسين، ثمَّ ورد كتاب نصر بصرف يزيد بْن عبد الله عَنْهَا، فكانت وِلايته عليها عشر سنين وسبعة أشهُر وعشرة أيَّام، وخرج يزيد عَنْهَا يوم الإثنين لثلاث عشرة خلت من شوَّال سنة خمس وخمسين ومائتين.
(1/156)

مُزاحِم بْن خاقان
ثمَّ ولِيَها مُزاحِم بْن خاقان لثلاث خلونَ من ربيع الأوَّل سنة ثلاث وخمسين ومائتين، ولِيَها من قِبَل المعتَزّ عَلَى صلاتها فجعل عَلَى شُرَطه أزجُور، واستخلف ابن إِسبنْدِيار، وعقد مُزاحِم ليزيد بْن عبد الله فِي طلَب جَابِر بْن الوليد، فخرج يزيد فِي طلَبه إلى ناحية الإِسكَندريَّة وجابر يومئذٍ مُقيم بتَرُوجة، وأقام يزيد بالشِّراك، وسار مُزاحِم بالحَوْف الشرقيّ لِقتال عُمَّال ابن عزيز، وابن ضوء، ومَن معهما.
ومات أَبُو حَرْمَلة فِي السِّجن يوم الأحد لأربع بقِينَ من ربيع الآخر، وصُلِب بالمُصلَّى.
وقدِم مُزاحم بْن خاقان من الحَوْف بابن عزيز، وابن ضوء، وبمائة رجُل من الأَسرَى يوم الأحد لعشر خلونَ من ربيع الآخر سنة ثلاث وخمسين، وعسكر مُزاحم بْن خاقان يوم السبت للنِصف من جمادى الأُولى بالجِيزة، وتوجَّه سائرًا إلى جَابِر، فلقِيَه بتَرُوجة، فهرب جَابِر، وأُسِر جمع كثير من أصحابه، ومضى جَابِر إلى نَهْيا من أرض الجِيزة لثلاث عشرة خلت من جمادى الآخِرة، فخرج إليهم أزجُور، فحاربهم، فظفِر منهم بأربعين رجلًا، ومضى جَابِر إلى الفَيُّوم، فنزل البطس واقع الأعراب بتَنْهَمَت، فقتل كثيرًا منهم، ورجع مُزاحم بْن خاقان فِي أثَره، فنزل نَهيْا بعد مسير جَابِر منها بأربعة أيَّام، ورحل مُزاحم إلى الفَيُّوم، فواقع جَابِر فيما بين تَنْهمَت، وأَقْنَى وأُسر ابن عمّ لجابر، يُقال لَهُ: أصبع، وانهزم جَابِر إلى جَنْبَويه من كُورة البَدَقُون، ورجع
(1/157)

مُزاحِم إلى الفُسطاط يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب، وطلب جَابِر الأَمان، فآمنه مُزاحم وستَّة نفَر من قومه، فدخلوا الفُسطاط بأَمان، فسُجن جَابِر خوفًا من الأنذال أن يغتالوه، ثمَّ بُعث بِهِ إلى العِراق مَعَ رَخْش فِي رجب سنة أربع وخمسين فِي وِلاية أزجُور.
وأمر أزجُور فِي وِلايته عَلَى الشُّرَط بمنع النساء من الحمَّامات والمقابر، وسجن المؤنَّثين والنوائح، ومنع من الجهر ببسم اللَّه الرَّحْمَن الرحيم فِي الصلوات بالمسجِد الجامع، وأمر الْحَسَن بْن الربيع إِمام المسجِد الجامع بتركها وذلك فِي رجب سنة ثلاث وخمسين، ولم يزَل أهل مصر عَلَى الجهر بها فِي المسجِد الجامع مُنذ الإِسلام إلى أن منع منها أزجُور، وأخذ أهل المسجد الجامع بتمام الصفوف، ووجَّه بذلك رجُلًا من العَجَم يُكنَى أَبَا دَاوَه، فكان يقدّم الناس من مُؤَخَّر المسجِد بالسوط، وأمر أهل الحلَق بتحويل وجوههم إلى القِبلة قبل إقامة الصلاة، ومنع من المساند التي يُستند إليها، ومنع من الحصُر التي يجعلها الناس لمجالسهم فِي المسجد، وأمر أن تُصلَّى التراويح فِي شهر رمضان خمس تراويح، ولم تزَل أهل مِصر يصلُّون ستّ تراويح حتى جعلها أزجُور خمسًا وذلك فِي شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين ومائتين، ومنع أزجُور من التثويب، وأمر بالأذان يوم الجمعة فِي مُؤَخَّر المسجِد.
ثمّ صُرف أزجُور عَن الشُّرَط فِي ذي القعدة سنة ثلاث وخمسين ومائتين، وأُفرد بها محمد بْن إِسْبَنْدِيار، وأزجُور الآمر والناهي، فأمر أزجُور بالتغليس بصلاة الصبح وذلك أنهم أسفروا بها فِي وِلاية يزيد، وأمر أزجُور أن لا يُشَقّ عَلَى ميِّت ثوبٌ، ولا يُسوَّد وجهٌ، ولا يُحلَق شَعر.
ومنع من الخلُوق الَّذِي يُجعَل عَلَى الثِّياب مَعَ السُّوار، وكان أُحدِث فِي وِلاية يزيد بْن عبد الله، ومنع النِّساء من صِياحهم، وعاقب فِيهِ وتشدَّد، ومرِض مُزاحِم بْن خاقان فاستخلف ابنه أحمد، وتُوفي مُزاحِم ليلة الاثنين لخمس خلونَ من المحرَّم سنة أربع وخمسين ومائتين.
(1/158)

أحمد بْن مُزاحِم بْن خاقان
ثمَّ وليَها أحمد بْن مُزاحِم باستخلاف أبيه لَهُ عَلَى صلاتها فجعل عَلَى شُرَطه أزجُور فولِيَها أحمد إلى أن تُوفّي بها لتسع خلونَ من ربيع الآخر سنة أربع وخمسين ومائتين، ولِيَها شهرين ويومًا، واستخلف عليها أزجُور.

أزجُور التُّركيّ
ثمَّ ولِيَها أزجُور باستخلاف أحمد بْن مُزاحِم عَلَى صلاتها فجعل عَلَى شُرَطه بُولغيا، وخرج فِي إِمرته رجُل من العلَويّين، يقال لَهُ: بُغا الأكبر وهو أحمد بْن إبراهيم بْن عبد الله بْن طَباطَبا إبراهيم بْن إسماعيل بْن إبراهيم بْن حسن بْن حسن خرج بالسانه من الصعيد، فبعث إِلَيْهِ أزجُور بأربعمائة رجُل لمحاربته، فهرب بُغا منهم ومات، فولِيَها إلى شهر رمضان سنة أربع وخمسين ومائتين، ولِيَها خمسة أشهُر ونصفًا ثمَّ خرج منها إلى الحاجّ لمستهلّ ذي القعدة سنة أربع وخمسين ومائتين.
(1/159)

الدولة الطُّولُونيَّة
أَحمد بْن طُولُون
ثمَّ ولِيَها أحمد بْن طُولُون من قِبَل المُعتَزّ عَلَى صلاتها، دخلها يوم الخميس لسبع بقينَ من شهر رمضان سنة أربع وخمسين، فأقرّ بُولغيا عَلَى الشُّرَط إلى اثنتي عشرة ليلة بقِيَت من شوَّال سنة أربع وخمسين ومائتين، فصرفه وجعل مكانه بُوزان التُّركيّ، فاستخلف محمد بْن إِسْبَنْديار، فكان بُوزان رُبَّما صلَّى بالناس فِي المسجِد الجامع، ثمَّ خرج بُغا الأَصغر وهو أحمد بْن محمد بْن عبد الله بْن طَبَاطَبا، خرج فيما بين الإسكندريَّة وبَرْقَة بموضِع، يُقال لَهُ: الكنائس، ومعه ابن عمّ لجابر بْن الوليد المُدْلجِيّ وذلك فِي جمادى الأولى سنة خمس وخمسين ومائتين، وسار فِي جمع معه إلى الصعيد فلقِيَه. . . . . . . . بْن الحسين، فحاربه، فقتل بُغا وأتى برأسه إلى الفُسطاط يوم الثلاثاء لإحدى عشرة بقِيَت من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين.
ثمَّ صُرف بُوزان عَن الشُّرَط ووليَ مكانه مُوسَى بْن طونيق يوم الأربعاء لثمان خلونَ من رجب سنة خمس وخمسين ومائتين، وبُويع المهتدِي بْن الواثق.
وخرج ابن الصُّوفيّ العلَويّ بصعيد مِصر وهو إبراهيم بْن محمد بْن يحيى بْن عبد الله بْن محمد بْن عُمر بْن عليّ بْن أَبِي طَالِب عَلَيْهِ السلام، كَانَ خروجه فِي سنة ثلاث وخمسين ومائتين، فدخل إِسْنا فِي ذي القعدة سنة خمس وخمسين ومائتين، فنهبها وقتل
(1/160)

أهلها، فبعث إِلَيْهِ أحمد بْن طُولُون بابن زذَاد فِي جيش، فواقعه بهُو يوم الأربعاء لخمس خلونَ من ربيع الأول سنة ستّ وخمسين ومائتين، فانهزم ابن زذَاد وجُرح ثمَّ ظفِر بِهِ ابن الصُّوفيّ بعد قطع يديه ورِجليه وصلبه، فعقد أحمد بْن طُولُون لبُهْم بن الْحُسَيْن عَلَى جيش، وضمّ إِلَيْهِ ابن عُجيف، فخرج إلى الصعيد يوم الخميس لتسع عشرة خلت من ربيع الآخر، فانهزم ابن الصُّوفيّ، ومضى منهزمًا وترك جميع ما كَانَ معه، وقتِلت رَجَّالته، فبعث أحمد بْن طُولُون إلى بُهْم بخلَع وطَوق من ذهَب، ومضى ابن الصُّوفيّ إلى الواح فأقام بِهِ بتنيس، ثمَّ خرج إلى الأُشْمُونَيْن فِي المحرَّم سنة تسع وخمسين، فبعث إِلَيْهِ بأبي مُغيث فِي خمسمائة، فوجد ابن الصُّوفيّ قد سار إلى أُسوان لمحارَبة أَبِي عبد الله العُمَري عبد الله بْن عَبْد الحميد بْن عبد الله بْن عَبْد العزيز بْن عبد الله بْن عبد الله بْن عُمر بْن الْخَطَّاب، فالتقى هُوَ، والعُمَريّ، فظفِر بِهِ العُمَريّ وبجميع جيشه، فقتل منهم مقتله عظيمة، ورجع ابن الصُّوفيّ إلى أُسْوان، فقطع لأهلها ثلاثمائَة ألف نخلة وظهر فَساده بها، فبعث أحمد بن طُولُون بابن سيما مدَدًا لبُهْم بْن الْحُسَيْن، واضطرب أمر ابن الصُّوفيّ مَعَ أصحابه، فتركهم ومضى إلى عَيْذاب، فركب البحر إلى مكَّة، فأقام بها ثمَّ بُعث بِهِ منها بعد ذَلكَ بحِين إلى أحمد بْن طُولُون، فسجنه، ثمَّ أَطلقه، فخرج إلى المدينة، فمات.
وكان عيسى بْن الشيخ بْن السَّليل الشَّيبانيّ واليًا عَلَى فِلَسطِين والأُردُنّ، ثمَّ تغلَّب عَلَى دِمَشْق وامتنع من حمل المال إلى العِراق، فحمل ابن مُدَبَّر صاحب خَراج مِصر إلى العِراق بسبع مائة ألف دينار، وخمسين ألف دينار فعارضها عيسى بْن الشيخ، فذهب
(1/161)

بها، وكتب إلى أحمد بْن طُولُون بالخُروج إِلَيْهِ وتسليم أعماله، ففرض أحمد بْن طُولُون فرُوضًا واتَّخذ السُّودان، فأكثر وأظهر أحمد الخروج إِلَيْهِ وذلك فِي صفر سن ستّ وخمسين ومائتين، ثمَّ رأَى أن يكاتبه قبل شُخُوصه إِلَيْهِ، فكتب إِلَيْهِ مَعَ قَيْس بْن حَفْص كاتب بكَّار القاضي، وأحمد بْن يحيى السَّرَّاج، فرجعا بما لم يوافق أحمد بْن طُولُون، ثمَّ خرج أحمد بْن طُولُون يوم الخميس لستّ خلونَ من جمادى الآخِرة سنة ستّ وخمسين واستخلف أخاه مُوسَى بْن طُولُون عَلَى مِصر، وصرفه عَن الشُّرَط، فجعل مُوسَى عَلَى شُرَطه محمد بْن عيسى، ورجع أحمد بْن طُولُون من الطريق بكتاب ورد عَلَيْهِ من العِراق، فدخل الفُسطاط لأيَّام خلت من شعبان، فعاد مُوسَى بْن طُولُون إلى الشُّرَط، وبعث إلى عيسى بْن الشيخ بماجُور، فحاربه، فانهزم أصحاب عيسى وقُتل ابنه بمصر، وتسلَّم مأجُور أعمال الشام.
وتُوفّي المهتدي فِي شعبان سنة ستّ وخمسين ومائتين، وبويع المُعتمد بن المُتوكِّل، فأقرّ أحمد بْن طُولُون عليها وابتدأ أحمد بْن طُولُون فِي بُنْيان المَيْدان فِي شعبان سنة ستّ وخمسين، وأمر بحرث قُبُور اليَهود، والنصارى وبنى موضعهما، وقدِم الْعَبَّاس، وخُمارَوَيْهِ ابنا أحمد بْن طُولُون بأخيه مُوسَى إلى العِراق، وجعل مكان مُوسَى عَلَى الشُّرَط مُوسَى بن طُونيق وذلك فِي جمادى الآخِرة سنة سبع وخمسين، ثمَّ أمر أحمد بردّ أخيه مُوسَى فِي رجب، فرجع من الطريق، فردّه إلى الشُّرَط ثمَّ صرفه عَن الشُّرَط فِي شهر رمضان سنة سبع وخمسين وجعل مكانه طغلُغ، فاستخلف طخشي بْن بلبرد، وورد كتاب يارجُوخ إلى أحمد بْن طُولُون بتسليم الأعمال الخارجة عَنْ يده من أرض مِصر، فتسلَّم الإسكندريَّة من إِسْحَاق بْن دينار، وخرج إليها يوم الإثنين لثمان خلونَ من شهر رمضان سنة سبع وخمسين واستخلف عَلَى الفُسطاط طغلُغ، وجعل عَلَى الشُّرَط طخشي بْن بلبرد، ثمَّ قدِم أحمد بْن طُولُون من الإِسكندريَّة يوم الخميس لأربع عشرة بقِيَت من شوَّال سنة سبع، وقد سخِط عَلَى أخيه مُوسَى بْن طُولُون، وأمر مُوسَى بلِباس البياض، وخرج أحمد أيضًا إلى إِسْكندريَّة
(1/162)

خَرْجته الثانية يوم السبت لثمان بقينَ من شعبان سنة تسع وخمسين فاستخلف عليها ابنه الْعَبَّاس بْن أحمد، فصرف طخشي عَن الشُّرَط، وجعل مكانه محمد بْن هَرْثَمة، وقدِم أحمد إلى الفُسطاط يوم الخميس لثمان خلون من شوَّال سنة تسع وخمسين وأمر أحمد ببُنْيان المسجِد عَلَى الجبَل فِي صفر سنة تسع وخمسين وأمر أيضًا ببُنْيان المارِستان للمَرضى، فبُني لَهم فِي سنة تسع وخمسين.
وقال محمد بْن داود:
أَلَا أَيُّهَا الأَغْفَالُ إِيهًا تَأَمَّلُوا ... وَهَلْ يُوقِظُ الأذْهَانَ غَيْرُ التَّأَمُّلِ
أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ ابْنَ طُولُونَ نَقْمَةٌ ... تَسَيَّرُ مِنْ سُفْلٍ إِلَيْكُمْ وَمِنْ عَلِ
وَلَوْلَا جِنَايَاتُ الذُّنوبِ لَمَا عَلَتْ ... عَلَيْكُمْ يَدُ العِلْجِ السَّخِيفِ المُجَهَّل
يُعَالِجُ مَرْضَاكُمْ وَيَرْمِي حَرِيمكُمْ ... حبيش. . . . . . القَلْبِ أَدْهَمَ أَعْزَلِ
فَيَا لَيْتَ مَارِسْتَانَهُ نِيطَ بِاسْتِهِ ... وَمَا فِيهِ مِنْ عِلْجٍ عُتُلٍّ مُقَلِّلِ
فَكَمْ ضَجَّةٍ لِلنَّاسِ مِنْ خَلْفِ سِتْرِهِ ... تُضَجُّ إِلَى قَلْبٍ عَنِ اللَّه مُغْفِلِ
وورد كِتاب المُعتمِد إلى أحمد بْن طُولُون يستحِثّه فِي حمل الأموال، فكتب إِلَيْهِ: لستُ أُطيق ذَلكَ، والخَراج بيد غيري، فأنفذ المُعتمِد نفيسًا الخادم إلى أحمد بْن طُولُون بتقليده الخَراج بِمصر وبوِلايته عَلَى الثغور الشاميَّة، فأقرّ أحمد بْن طُولُون أَبَا أيُّوب أحمد بْن محمد بْن شُجاع عَلَى الخَراج خليفةً لَهُ عليها، وضجّ أهل الثغور من وُلاتهم، فبعث أحمد بْن طُولُون إلى أخيه مُوسَى وهو مقيم بطُرْسُوس بتقليدهم، فامتنع مُوسى من وِلايتها، وكتب أحمد إلى إبراهيم بْن عَبْد الوهَّاب بوِلايتها، فامتنع، فعقد أحمد عليها لطخشي بْن بلبرد، فخرج إليها فِي جمادى الأُولى سنة أربع وستين ومائتين، وجعل مكانه عَلَى الشُّرَط الْحَسَن بْن غالب الطَّرْسُوسيّ، وتقدَّم أبُو أحمد الموفَّق إلى مُوسَى بْن بُغا فِي صرف أحمد بْن طُولُون، عَنْ مِصر وتقليدها مأجُور التُّركي، فكتب مُوسَى بذلك إلى مأجور وهو والي دمشق يومئذِ، فتوقّف لعَجزه عَنْ مُقاتَلة أحمد بْن طُولُون، فخرج مُوسى بْن بُغا، فنزل الرَّقَّة
(1/163)

وبلغ ابن طُولُون، أنه سائر إِلَيْهِ، وأنه مُجدّ فِي محاربَته، فعمِل أحمد بْن طُولُون فِي الحَذَر منه، وابتدأ فِي بُنْيان حِصن الجزيرة الَّذِي بين الجِسرين، ورأَى أن يجعلها مَعقِلًا لماله وحَرَمه، وذلك فِي سنة ثلاث وستّين.
واجتهد أحمد بْن طُولُون فِي بُنْيان المراكب الحربيَّة وإِطافتها بالجزيرة، وأظهر الامتناع من مُوسى بْن بُغا بكلّ ما قدِر عَلَيْهِ.
وأقام مُوسَى بْن بُغا بالرَّقَّة عشرة أشهُر وأحمد فِي إِحكام أُمُوره، فاضطرب أصحاب مُوسى عَلَيْهِ، وضاق بهم منزِلهم، وطالبوا مُوسى بالمسير أو الرجوع إلى العِراق، فبينا هُوَ فِي ذَلكَ تُوفّي مُوسَى بْن بُغا فِي صفر سنة أربع وستين.
قَالَ محمد بْن داود لأحمد بْن طُولُون:
لَما ثَوَى ابْنُ بُغَا بِالرَّقَّتَيْنِ مَلَا ... سَاقَيْهِ زَرْقًا إِلَى الكَعْبَيْنِ والعَقِبِ
بَنَى الجَزِيرَةَ حِصْنًا يَسْتَجِنُّ بِهِ ... بِالعَسْفِ والضَّرْبِ والصُّنَّاعُ فِي تَعَبِ
لَهُ مَرَاكِبُ فَوْقَ النِّيلِ رَاكِدَةٌ ... فَمَا سِوَى القَارِ لِلنُّظَّارِ والخَشَبِ
يُرَى عَلَيْهَا لِبَاسُ الذُّلّ مُذْ بُنِيَتْ ... بِالشَّطِّ مَمْنُوعَةً مِنْ عِزَّةِ الطَّلَبِ
فَما بَنَاهَا لِغَزْوِ الرُّومِ مُحْتَسِبًا ... لِكِنْ بَنَاهَا غَدَاةَ الرَّوْعِ لِلْهَرَبِ
ثمَّ تَوُفّي ماجُور بِدِمَشْق واستخلف ابنه عليّ، فحرَّك ذَلكَ أحمد بْن طُولُون عَلَى المسير، فكتب إلى عليّ يُخبِره بأنه سائر إِلَيْهِ، وأمره بإقامة الإنزال والمِيرة لعساكره، فردّ عَلَيْهِ عَلِيّ بْن ماجُور أحسن جواب.
ثمَّ صرف أحمد الْحَسَن بْن غالب الطَّرْسُوسيّ عَنْ شُرَطه يوم الأربعاء لثمان خلونَ من رجب سنة أربع وستّين، وجعل مكانه إبراهيم بْن بلبرد أخا طخشي.
وشكا أهل مِصر إلى أحمد ضِيق المسجِد الجامع يوم الجُمعة بجُنده وسُودانه، فأمر بابتناء المسجِد الجامع بجبَل يشكُر، ابتدأَ فِي بِنائه سنة أربع وقضى فِي ستّ وستّين ومائتين.
(1/164)

وخرج أحمد بْن طُولُون فِي جُيُوشه لثمان بقينَ من شعبان سنة أربع وستّين واستخلف ابنه العبَّاس عَلَى مِصر، وضمّ إِلَيْهِ أحمد بن محمد الواسطيّ مدبِّرًا ووزيرًا، فبلغ أحمد إلى الرَّمْلة، فتلقَّاه محمد بْن رافع خليفة ماجُور عليها، وأقام لَهُ الدعوة بها، فأقرَّهُ عليها، ومضى إلى دِمَشْق، فتلقَّاه عليّ بْن ماجُور وأقام لَهُ بها الدعوة فأقام أحمد بها حتى استوثق لَهُ أمرها ثمَّ استخلف عليها أحمد بْن دوغياش، ومضى إلى حِمْص، فلقِيَه عيسى الكَرْخيّ خليفة ماجُور، فسلَّمها إِلَيْهِ، ثمَّ بعث إلى سِيما الطويل وهو بأَنطاكِيَة يأمره بالدُّعاء لَهُ، فلم يُجبْه سِيما إلى ذَلكَ، فسار إِلَيْهِ أحمد بْن طُولُون فِي جيش عظيم، وبلغ ذَلكَ سِيما فتحصَّن بأَنطاكِيَة وامتنع، فحاصره أحمد ورمى حِصنها بالمَنْجَنِيق وطال حِصاره لها، فاشتدّ ذَلكَ عَلَى أهلها، فبعثوا إلى أحمد بْن طُولُون، فخبَّروه بالموضِع الَّذِي يمكنه أن يدخل إليها منه، فقصده وعاونه أهلها عَلَى سِيما، فدخلها أحمد فِي المحرَّم سنة خمس وستّين ومائتين، فقتل سِيما واستباح أمواله ورِجاله، وورد كتاب أحمد إلى الفُسطاط بفَتح أَنْطاكِيَة، وقتل سِيما أمواله ورِجاله، وورد كتاب أحمد إلى الفُسطاط بفَتح أَنْطاكِيَة، وقتل سِيما فِي صفر سنة خمس وستّين، ومضى أحمد بن طُولُون إلى طُرْسُوس بأصحابه، فغلا السِّعر بها واضطرب أهلها، ونابذوه، فقاتلهم، وتقدَّم أحمد إلى أصحابه، أن ينهزموا عَنْ أهل طُرْسُوس ليبلغ ذَلكَ طاغية ملِك الرُّوم، فيعلَم أن جيوش ابن طُولُون لم تَقُم لأهل طُرْسُوس، فانهزموا منهم، فخرج عَنْهُمْ وولَّى عليهم طخشي بْن بلبرد.
وقد كَانَ رأَي أحمد بْن طُولُون أن يُقيم بالثُّغور حتى أتاه الخَبر من مِصر، أن ابنه الْعَبَّاس قد خالف عَلَيْهِ، فأزعجه ذَلكَ، وكان السبب فِي مخالَفته لأَبيه، أَنَّهُ استخصّ قُوَّادًا من قُوَّاده كانوا عَلَى خوف شديد من أحمد بْن طُولُون، كَانَ منهم: عليّ بْن أَعْوَر، وعبد اللَّه بْن طغيا، وأحمد بْن صالح الرشيديّ، وأحمد بْن أسلم، فحسَّنوا للعَبَّاس التغلّب عَلَى مِصر، والقبض عَلَى أحمد بن محمد الواسطيّ، وبلغ الواسطّي ما عزموا عَلَيْهِ من ذكر، فكتب إلى أحمد بْن طُولُون يُخبره بذلك، وبلغ الْعَبَّاس ذَلكَ، فازداد وحشةً من أبيه لمَّا علِم أَنَّهُ اطَّلع عَلَى أمره، وكانت للعبَّاس أيضًا تُطيف بِهِ من أهل السعر، كانوا خاصَّته، منهم: جَعفر بْن جَدار، وأبو مَعشر أحمد بْن المؤَمَّل، ومحمد بْن سَهْل المنتوف، فشاورهم فيما عزم عَلَيْهِ، فأشاروا عَلَيْهِ أن يفعل، وخافوا من أحمد بْن طُولُون،
(1/165)

فأشاروا عَلَى العبَّاس أن يبعُد عَنْ أبيه ويخرج عَنْ مِصر، فعمد العبَّاس إلى أحمد بْن محمد الواسطيّ، فقيَّده، ثمَّ سار الْعَبَّاس فِي الطائفة التي معه، والواسطيّ معه كَانَ خروجه إلى الجيزة يوم الأحد لثمان خلونَ من شعبان سنة خمس وستّين ومائتين، فعسكر بها واستخلف أخاه رَبيعة بْن أحمد عَلَى الفُسطاط، وأظهر الْعَبَّاس أن سائر إلى إِسْكَنْدَريَّة لكتاب ورد عَلَيْهِ من أبيه يأمره بذلك، فتوجَّه إلى الإسكندريَّة، ثمَّ سار إلى بَرْقَة.
وقدِم أحمد بْن طُولُون من الشام إلى الفُسطاط يوم الخميس لأربع خلونَ من شهر رمضان سنة خمس وستّين، فأنفذ أَبَا بَكْرة بكَّار بْن قُتَيبة القاضي، ومَعْمَر بْن محمد الجَوهَريّ، والصابُونيّ القاضي، وزِياد المَعدَنيّ إلى الْعَبَّاس، فكتب معهم إِلَيْهِ كتاب أَلان فِيهِ جانبه، ووعده أن لا يسُوءه ولا يأخذه بقُبح عمَله، فصاروا إِلَيْهِ إلى بَرْقَة، فانقاد الْعَبَّاس إلى الرجوع وهمّ بالشخوص معهم إلى أبيه، ففزِعت الطائفة التي حسَّنت لَهُ الخروج من أبيه أحمد، وعلِموا أَنَّهُ مُوِقع بهم، فحرَّضوه عَلَى المُقام، فرجع إلى قولهم، وانصرف بكَّار بْن قُتَيبة، ومَعْمَر بْن محمد إلى أحمد بْن طُولُون، فدخلا الفُسطاط أوَّل ذي الحجَّة سنة خمس وستّين، وعزم الْعَبَّاس عَلَى المسير إلى إفريقيَّة، ورأَى أنها أمنع لَهُ بَرْقَة، فكتب إلى إبراهيم بْن أحمد بْن محمد بْن الأَغلب، أن كتاب المعتمد ورد عَلَيْهِ بتقليده إِفريقيَّة، ويأْمره بالدُّعاء لَهُ بها، ويُخبره أَنَّهُ سائر إِلَيْهِ، ثمَّ مضى الْعَبَّاس متوجِّهًا إلى إِفريقيَّة فِي جمادى الأُولى سنة ستّ وستّين، فنزل لِبْدة، فخرج إِلَيْهِ عاملها وأهلها، فتلقَّوه وأكرموه، فأمر العبَّاس بنهبها، فنُهبت وأهلها عَلَى غِرَّة، فقُتلت رِجالهم، وفُضحت نِساؤُهم، وبلغ الخبَر إِلياس بْن منصُور النَّفُوسيّ وهو يومئذٍ رأس الإِباضيَّة، وبعث إبراهيم بْن أحمد بْن الأَغلب بغُلام لَهُ، يُقال لَهُ: بلَاغ إلى محمد بْن قَرْهَب عامله عَلَى أَطْرابُلُس فِي جمع كثير من أهل إفريقيَّة، فأطبق الجيشان عَلَى العبَّاس، فباشر العبَّاس يومئذٍ الحرب بنفسه، وحسُن بَلاؤه فِيهِ.
وقال الْعَبَّاس يومئذٍ:
(1/166)

لله دَرِّي إِذَا أَغْدُو عَلَى فَرَسِي ... إِلَى الهِيَاجِ وَنَارُ الحَرْبِ تَسْتَعِرُ
إِنْ كُنْتِ سَائِلَةً عَنّي وعَنْ خَبَرِي ... فَهَا أَنَا اللَّيْثُ والصَّمْصَامَةُ الذَّكَرُ
مِنْ آلِ طُولُونَ إِنْ سأَلْتِ عَنْهُ فَمَا ... فَوْقِي لِمُفْتَخِرٍ بِالجُودِ مُفْتَخَرُ
لَوْ كُنْتِ شَاهِدَةً كَرِّي بِلبْدَةَ إِذْ ... بِالسَّيْفِ أَضْرِبُ والهَامَاتُ تُبْتَذَرُ
إِذًا لَعَايَنْتِ مِنِّي مَا تَنَاذَرُهُ ... عَنِّي الأَحَادِيثُ وَالأَنْبَاءُ والخَبَرُ
وقُتل يومئذٍ صناديد عسكره، ووجوه أصحابه، وحُماته، ونُهبت أمواله وسِلاحه، ورجع هاربًا إلى بَرْقَة فِي ضُرّ وإِخلال.
وعقد أحمد بْن طُولُون لإبراهيم بْن بلبرد عَلَى جيش، وبعث بِهِ إلى بَرْقَة وذلك فِي شهر رمضان سنة سبع وستّين، وجعل مكانه عَلَى الشُّرَط سَريّ بْن سَهْل، فأَقام إبراهيم فيما بين بَرْقَة والإسكندريَّة، ثمَّ أجمع أحمد بْن طُولُون عَلَى النهوض بنفسه إلى بَرْقَة، فاستعدّ لذلك وخرج فِي عسكر عظيم، فزعموا أن عسكره ذَلكَ كَانَ مضمومًا عَلَى مائة ألف، وخرج من الفُسطاط يوم الخميس لثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأوَّل سنة ثمان وستّين ومائتين، فأقام بالإسكندريَّة، وهرب أحمد بن محمد الواسطيّ من يدَي العبَّاس، فأَتى إسكَنْدَريَّة، فلقيّ أحمد بْن طُولُون بها وهو عازم عَلَى المسير إلى بَرْقَة، فصغَّر أمر العبَّاس عنده، فعقد ابن طُولُون لطبار عَلَى بعض الجيش الَّذِي كَانَ معه، فيهم: أحمد بْن وصيف، وتيتك، وسعد الأَيسر، ومضَوا يُريدون بَرْقَة، فالتقى طبار مَعَ أصحاب الْعَبَّاس بموضِع، يُقال لَهُ:. . . . . . . . . . . . من أرض بَرْقَة يوم الإثنين لتسع بقينَ من جمادى الآخِرة سنة ثمان وستّين ومائتين، وانهزم أصحاب العبَّاس وقتل منهم كثير، وهرب الْعَبَّاس، فاتبعوه، فأدركوه يوم الأحد لأربع خلونَ من رجب سنة ثمان، ورجع أحمد بْن طُولُون إلى الفُسطاط يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من رجب سنة ثمان وستّين، وأتى بالأَسْرَى، فيهم: جَعْفَر بْن جَدار، وأبو مَعْشَر، ومحمد بْن سَهْل المنتوف، وعبد اللَّه بْن طغيا، قد أُعطوا أَمانًا، فرأَى بَكَّار القاضي أن الأمَان لهم، وكان دخولهم يوم الأربعاء لثمان بقينَ من شوَّال سنة ثمان وستّين، ثمَّ أُخرجوا يوم الأربعاء لمستهلّ ذي القعدة،
(1/167)

وقد بُنيت لهم دِكَّة عظيمة رفيعة السمك، فأمر أحمد بْن طُولُون بابن جَدار، فضُرب ثلاثمائة سوط، ثمَّ تقدَّم إِلَيْهِ الْعَبَّاس، فقطع يديه ورِجليه وأُلقي فِي الدِّكَّة.
ثمَّ بعث أحمد بْن طُولُون بلُؤلُؤ غُلامه فِي جيش إلى الشام، فكاتبه أَبُو أحمد المُوفَّق، وبعث إِلَيْهِ أَبُو أحمد، فحمله فِي الماء من الرَّقَّة جمادى الأولى سنة تسع وستّين، فبلغ ذَلكَ أحمد بْن طُولُون، فسارع إلى الخُروج، ورجا أن يلحق لُؤلُؤً، واستخلف عَلَى مِصر ابنه خُمارَوَيْه بْن أحمد.
ثمَّ خرج أحمد فِي صفر سنة تسع وستّين وخرج معه بالعبَّاس مقَيَّدًا، فسار أحمد حتى نزل دِمَشْق، فكتب إلى خَلَف الفَرْغانيّ عامله عَلَى طُرْسُوس، كَانَ طخشي قد استخلفه عليها عند وفاته، فكتب إِلَيْهِ أحمد يأْمره بالقبض عَلَى يازَمان الخادم ويجمله إِلَيْهِ، فعلِم أهل طُرْسُوس بذلك، وأخذوا يا زَمان من يدَى خَلَفًا من طُرْسُوس، وولَّوا عليهم يازَمان، فمضى أحمد بْن طُولُون إلى دِمَشْق يُريد المسير لمحارَبة أهل طُرسُوس، فتلقَّاه كِتاب المُعتمِد يُعلمه أَنَّهُ خارج إِلَيْهِ، فتوقف أحمد بْن طُولُون، وخرج المعتمِد من العِراق كالمتصِّد ثمَّ ركِب الطريق إلى الرَّقَّة، وبلغ أَبَا أحمد الموفَّق مسيره وهو إذ ذاك مواقِف العَلَويّ بالبَصرة، فكتب أَبُو أحمد إلى إِسْحَاق بْن كُنداج الجَزَريّ، والي صاعد بْن مَخْلَد يُخبرهما أن المُعتمِد قد مضى إلى أحمد بْن طُولُون، وإن تمّ لَهُ هذا لم يبقَ من الموالي أحدٌ، ويأمر إِسْحَاق أن يلحقه، فيردّه، ووعده عَلَى ردّه أموالًا وإِقطاعات، فلمَّا سار المُعتمِد إلى الحدِيثة أتاه إِسْحَاق بْن كُنداج بهدايا وألطاف، واستأذنه فِي خِطاب الَّذِي ساروا معه وهم خطارمِش، وأحمد بْن خاقان، وتيتك، وإبراهيم بْن مُدَّبر، وأذِن لَهُ فِي خِطابهم، فخلا بهم إِسْحَاق، فقيَّدهم، ثمَّ عاد إلى المُعتمِد، فقال: إن الَّذِي عزم عَلَيْهِ أمير المؤمنين هُوَ الخطأ.
وأخذه بان احذره إلى سُرّ من رأَى يوم الأحد لخمس خلونَ من شعبان سنة تسع وستّين، ووكَّل بِهِ إِسْحَاق بْن كُنداج خمسمائة رجُل، فعقد أَبُو أحمد المُوفَّق لإسحاق بْن كُنداج عَلَى مِصر.
(1/168)

وبلغ أحمد بْن طُولُون ما فعله أَبُو أحمد، وإسحاق بْن كُنداج، فرجع إلى دِمَشْق، وكتب إلى عامله يأمره بإحضار القُضاة، والفُقهاء، والأشراف، وكتب بخبَر المُعتمِد وما فُعل بِهِ، وورد كتابه إلى مِصر فقُرِئ عَلَى أهلها، بأن أَبَا أحمد نكث بيعة المُعتمِد وأسره وحرَّش عَلَيْهِ فِي دار أحمد بْن الخَطيب، وأن المُعتمِد قد صار من ذَلكَ إلى ما لا يجوز ذِكره، وأن المُعتمِد يبكي بُكاءً شديدًا، ثمَّ خطب الخاطب بِمصر يوم الجَمعة، فذكر ما نيل من المعتمد، وزاد فِي خُطبته: اللهُمَّ فاكفِهِ مَن حصَره ومَن ظلمه، وخرج من مِصر: بَكَّار بْن قُتَيبة، ومِنهال بْن حَبيب، وإسحاق بْن محمد بْن مُعْمَر، وقيس بْن حَفْص، وعبد اللَّه بْن بَشير، وحَوْثرة بْن عبد الرحمن، وسعيد بْن سَعْدون، وفَهْد بْن مُوسى، وعليّ بْن محمد بْن عَبْد الحكَم، وغيرهم إلى دِمَشق، وحضر أهل الشامات، والثُّغُور، فلمَّا اجتمعوا، أمر أحمد بْن طُولُون خلع فِيهِ أَبَا أحمد الموَفَّق من وِلاية العهد لمخالَفة المُعتمِد، وحضره إِيَّاه، وكتب فِيهِ: أَنَّ أَبَا أحمد خلع الطاعة وبرِيء من الدِّمَّة، فوجب جِهاده عَلَى الأُمَّة، وشهِد عَلَى ذَلكَ جميع من حضر إلا بكَّار بْن قُتَيبة، ومحمد بْن إبراهيم الإِسكندرانيّ، وفَهْد بْن مُوسى.
وقال بَكَّار: لم يصِحّ عندي ما فعله أَبُو أحمد ولم أعلَمه.
وامتنع من الشهادة والخلع، وكان ذَلكَ يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة تسع وستّين ومائتين.
قَالَ قَعدان بْن عمرو:
طَالَ الهُدَى بِابْنِ طُولَونَ الأَمِيرِ كَمَا ... يَزْهُو بِهِ الدِّينُ عَنْ دِينٍ وَإِسْلَامِ
قَادَ الجُيُوشَ مِنَ الفُسْطَاطِ يَقْدُمُها ... مِنْهُ عَلَى الهَوْلِ مَاضٍ غَيرُ مِحْجَامِ
فِي جَحْفَلٍ للْمَنَايَا فِي مَقَانِبِهِ ... مَكَامِنٌ بَيْنَ رَايَاتٍ وَأَعْلَامِ
يَسْمُو بِهِ مِنْ بَنِي سَامٍ غَطَارِفَةٌ ... بِيضٌ وَسُودٌ أُسُودٌ مِنْ بَنِي حَامِ
لَوْ أَنَّ رُوحَ بَنِي كُنْدَاجَ مُعْلَقَةٌ ... بالمُشْتَرِي لَمْ يَفتْهُ أَوْ بِبَهْرَامِ
حَاطَ الخِلافَةَ والدُّنْيَا خَلِيفَتُنَا ... بِصَارِمٍ مِنْ سُيُوفِ اللَّه صَمْصَامِ
يَا أَيُّها النَّاسُ هُبُّوا نَاصِرِينَ لَهُ ... مَعَ الأَمِيرِ بِدُهْمِ الخَيْلِ فِي اللَّامِ
لَيْسَتْ صَلاةُ مُصَلِّيكُمْ بِجَائِزَةٍ ... وَلَا الصِّيَامُ بِمَقْبُولٍ لِصَيَّامِ
(1/169)

حَتَّى يَرَى السَّيِّدُ المَيمُونُ ذَبكُّمُ ... عَنِ الإِسْلَامِ بِأَطْرَافِ الْقَنَا الدَّامِ
وقال منصّف بْن خليفة الهُذَليّ:
يَا غُرَّةَ الدُّنيَا الَّذِي أَفْعَالُهُ ... غُرَرٌ بِها كُلُّ الْوَرَى تَتَعَلَّقُ
أَنْتَ الأَمِيرُ عَلَى الشَّآمِ وَثَغْرِهَا ... وَالرَّقَّتَيْنِ وَمَا حَوَاهُ المَشْرِقُ
وَإِلَيْكَ مِصْرُ وَبَرْقَةٌ وَحَجَازُهَا ... كُلٌّ إِلَيْكَ فُؤَادُهُ مُتَشَوِّقُ
هَتَكَ الخِلَافَةَ صَاعِدٌ وَخَلِيلُهُ ... إِسْحَاقُ لِعْبًا والحَسُودُ الأَخْرَقُ
أَسْيَافُنَا بِيضُ المَنُونِ فَلَيْتَهَا ... بِنَجِيحِ مَنْ خَذَلَ الْإِمَامَ تُخَلَّقُ
تُمْسِي وَتُصْبِحُ ضَارِبًا مِنْ دُونِهِ ... بِمُهَنَّدٍ مِنْهُ الحُتُوفُ تُفَرَّقُ
يَتْلُوكَ سَعْدٌ والْمُقَدِّمُ تَيْتَكٌ ... وَاللَّاذِقيّ وَذُو الحَفِيظَةِ يَلْحَقُ
وقال قَعْدَان بْن عمرو أيضًا:
مَنْ مُبْلِغٌ مُضَر الشَّآمِ وَمَا حَوَتْ ... مِصْرٌ وَمَنْ هُوَ مُتْهِمٌ أَوْ مُنْجِدُ
مَا بَالُكُمْ هِضَتُمْ جَنَاحَ سِنَانِكُمْ ... بِتَوَاكُلٍ مِن فِعْلِكُمْ لَا يُحْمَدُ
أَنَّى وَكَيْفَ يَطِيبُ. . . . . . . . . . لَكُمْ ... خَفْضُ المَعِيشَة والإِمَامُ مُقَيَّدُ
حَزَّانُ أُفْرِدَ مِنْ بَنِيهِ وَأَهْلِهِ ... بِأَبِي وَأُمِّي المُسْتَضَامُ المُفْرَدُ
وبلغ أَبَا أحمد ما فعله أحمد بْن طُولُون، فكتب إلى أعماله يأْمرهم بلعنه عَلَى المنابر.
فلُعن عليها، وكان ممَّا يُلعَن بِهِ: «اللهُمَّ العنْهُ لعنًا يفُلّ حدّه ويتعَس جَدّه، وأجعله مَثَلًا للغابرين، إنَّك لا تُصلِح عمَل المُفسِدين» .
ثمَّ مضى أحمد بْن طُولُون إلى طُرْسُوس من دِمَشق، فلمَّا صار بالمِصِّيصة، بعث بوُجُوه مَن معه إلى يازَمان الخادم يدعوه إلى طاعته، والدُّعاء لَهُ ويُعْطيه أَمانًا عَلَى ما أسلفه، فلم يُجبْه يازَمان إلى شيء ممَّا سأَل، فزحف أحمد بْن طُولُون إلى أَذَنة ثمَّ إلى طُرْسُوس، فوجد يازَمان قد تحصَّن بها ونصب المجانيق عَلَى سُورها، فنزل أحمد بْن
(1/170)

طُولُون بجيوشه عليها فِي شِدَّة من البرد، وكَثة من الأمطار والثُّلُوج، فأرسل يازَمان الماء عَلَى عسكر أحمد بْن طُولُون من نهر البَرَدان، فغرَّق عسكره ولم يكن لابن طُولُون مُقام، فرحل عَنْهَا ليلًا، ورجع إلى أَذَنة، فأقام بها.
وقال محمد بْن داود لأحمد:
بَغَى عَلَى الثَّغْرِ وَأَزْرَى بِهِ ... بَغْيَ أَبِيِّ القَصْدِ نَفَّاجِ
وَسَارَ كَيْ يَجْتَثَّ آثارَهُمْ ... مِنْ سِفَلِ النَّاسِ بِأَفْوَاجِ
واسْتَنْصَرَ القَوْمُ عَلَى بَغْيِهِ ... بِكُلِّ صَافِي القَلْبِ ضَجَّاجِ
وَكُلِّ مَاضِي الحَدِّ ذِي رَوْنَقٍ ... وَمُحكَمَ التَّثْقِيفِ بعَّاجِ
فَاسْتَعْمَلَ المَلْعُونُ أَدْرَاجَهُ ... مُنْهَزِمًا أَخْبَثَ إِدْرَاجِ
فَكَيْفَ قَاتَلْتَ أُسُودَ الشَّرَى ... أُولِي الزَّمَاجِيرِ بِإِنْهَاجِ
تَلْقَى بَنِي الحَرْبِ لُيُوثَ الْوَغَى ... وَكُلَّ دَخَّالٍ وَخَرَّاجِ
قوْمٌ إِذَا استَصرخَهُمْ صَارِخٌ ... لَبَّوْا بِإِلْجَامٍ وَإِسْرَاجِ
تَلْقَاهُمُ لِلْخَيْرِ جَهْلًا بِهِمْ ... بِكُلِّ طَبَّالٍ وَصَنَّاجِ
وَقَدْ أَتَى إِسْحَاقُ مِنْ هَاهُنَا ... وَمِنْ هُنَاكَ ابْنُ أَبي السَّاجِ
فَثَمَّ تَعْدُو القَهْقَرَى نَاكِصا ... وَتَمْحَقُ اللَّيْلَ بِإِدْلاجِ
وقال الوليد بْن عُبَيْد البُحْتُريّ:
وَعِنْدَ أَبِي العَبَّاسِ لَوْ كَانَ دَانِيًا ... يُرَجَّى الفِتَاءُ الْسَهْلُ والكَنَفُ الرَّحْبُ
سُيُوفٌ لَهَا فِي كُلِّ دارٍ عِدًى رَدًى ... وَخَيْلٌ لَهَا فِي كُلِّ دارِ عِدًى نَهْبُ
عَلَتْ فَوْقَ بَغْرَاسٍ فَضَاقَتْ بِمَا جَنَتْ ... صُدُورُ رِجَالٍ حِينَ ضَاقَ بِهَا الدَّرْبُ
وَلَوْ حَضَرَتْهُ أُنْثَياهُ اسْتَقَلَّتَا ... إِلَى كليتيه حِينَ أزْعَجَهُ الرُّعْبُ
وَمَا شَكَّ قَوْمٌ أَوْقَدُوا نَارَ فِتْنَةٍ ... وَسَاءَتْ إِلَيْهِمْ أَنَّ نَارَهُمْ تَخْبُو
كَأَنْ لِمْ يَرَوْا سِيمَا الطَّوِيلَ وَجَمعَهُ ... وَمَا فَعَلَتْ فِيهِ وَفِي جَمْعِهِ الحْربُ
وَلَوْ لَمْ يُحَاجَزْ لُؤْلُؤٌ بِفِرَارِهِ ... لَكَانَ لِصَدْرِ الرُّمْحِ فِي لُؤْلُؤٍ ثَقْبُ
وارتحل أحمد بْن طُولُون من أَذَنة إلى المِصّيصة، فأقام بها أيَّامًا ورضت لَهُ عِلَّه التي
(1/171)

كَانَ منها حَتْفه، فاغذَّ السير إلى مِصر، والعِلَّة تَزيد عَلَيْهِ حتى بلغ الفَرَما، فركِب فِي الليل إلى الفُسطاط، فدخلها يوم الخميس لعشر بقِينَ من جمادى الآخرة سنة سبعين ومائتين، فأمر أحمد بن طُولُون بكشف بكَّار بْن قُتَيبة ووَقْفِه للناس، وأمر بسَجْنه فِي جمادى الآخرة سنة سبعين، وسجن كاتبه قَيس بْن حَفص، وأصحابه، وأمرهم برفع حِساب ما جرى عَلَى أيديهم، ثمَّ أطلق بكَّارًا فِي شعبان سنة سبعين، وجعل النظَر فِي الأحباس إلى سَريّ بْن سَهل صاحب الشُّرَط.
وتزايدت عِلَّة أحمد بْن طُولُون، فأمر الناس بالدُّعاء لَهُ، فغدا الناس بالدُّعاء لَهُ إلى مسجِد محمود بسفح المُقطَّم يوم الإثنين لستّ خلونَ من شوَّال سنة سبعين، وحضر معهم القَصَّاص، فدعَوا لَهُ، ثمَّ غدَوا أيضًا اليوم الثالث مَعَ النساء والصِّبْيان، وأقاموا عَلَى ذَلكَ أيَّامًا، ثمَّ تُوُفّي أحمد بْن طُولُون ليلة الأحد لعشر خلونَ من ذي القعدة سنة سبعين ومائتين، فبلغت وفاته المُعتمِد، واشتدّ وجده عَلَيْهِ وجزَعه.
وقال المُعتمِد يُرثيّهِ:
إِلَى اللَّه أَشْكُو أَسًى ... عَرَانِي كَوَقْعِ الأَسَلْ
عَلَى رَجُلٍ أَرْوَعٍ ... يُرَى فِيهِ فَضْلُ الوَجَلْ
شِهَابٌ خَبَا وَقْدُهُ ... وَعَارِضُ غَيْثٍ أَفَلْ
شَكَتْ دَوْلَتِي فَقْدَهُ ... وَقَدْ كَانَ زَيْنَ الدُّوَلْ
وقال أيضًا ابن داود:
يَا رَاكِبًا تَخْدِي بِهِ حُرَّةٌ ... يحوبه عنهَا النجب الخِدنا
عَرِّج عَلَى المحتوم فانْزِل بهِ ... فَاسْلَح عَلَى قَبْرِ ابْنِ طُولُونَا
وَقُلْ لَهُ يَا شر مُسْتَوْدَعٍ ... أَخْفَى لِدَمْعِ القَلْبِ مَلْعُونَا
يَا حُفْرَةَ النَّارِ الَّتي أُضْرِمَتْ ... وَظَلَّ فيهَا الرِّجْسُ مَدْفُونَا
(1/172)

لَا تَجْعَلِي لِبْسَةَ جُثْمَانِهِ ... إِلَّا الأَفَاعِي وَالثَّعَابِينَا
فَعَزّ إِبْلِيسَ بِهَا أَوَّلًا ... وَعَزِّ مِنْ بَعْدُ الشَّيَاطِينَا
وَقُلْ لَهمْ قَدْ كَانَ يَكْفِيكُمُ ... وَيَهْتِكُ المَعْرُوفَ وَالدِّيِنَا
ثُمَّ مَضَى غَيْرَ فَقِيدٍ وَلَا ... كَانَ حَمِيدًا عُمْرَهَ فِينَا
وقَالَ أيضًا:
مَضَى غَيْرَ مَفْقُودٍ وَمَا كَانَ عُمْرهُ ... سِوَى نَقْمةٍ للْخَلْقِ شَنْعَاءَ صَيْلَمِ
لَقَدْ زِيدَ فِي اليَحْمُومِ بِالرِّجْسِ لَعْنَةً ... وَلَمْ يُسْقَ بِالمرجُوسِ تُرْبُ المُقَطَّمِ
وَلَمْ تَبْكِهِ الأرْضُونَ لَكِنْ تَبَسَّمَتْ ... سُرُورًا وَلَوْلَا مَوْتُهُ لَمْ تَبَسَّمِ
يُبَشِّرُهُ إِبْلِيسُ عِنْدَ قُدُومِهِ ... عَلَيْهِ بِأَحْمى بُقْعَةٍ فِي جَهَنَّمِ
لَقَدْ طُهُر الأَرْضُ مِنْ سُوء فِعْلِهِ ... وَمِنْ وَجْهِهِ ذَاكَ الكَرِيهِ المُوَرَّمِ
فَلَا سُقِيَتْ أَجْدَاثُهُ صَوْبَ مُزْنَةٍ ... وَأَنَّى وَفِيهَا شَرُّ أَوْلَادِ آدَمِ

خمارَوَيْهِ بْن أحمد
ثمَّ ولِيَها أَبُو الجَيش حَمارَوَيه بْن أحمد عَلَى صلاتها وخَراجها، بايعه الجُند يوم الأحد لعشر خلونَ من ذي القعدة سنة سبعين، فأقرّ السَّريّ بن سَهل عَلَى الشُّرَط، وأحضر أخاه الْعَبَّاس لمُبايَعته، فامتنع، فأُدخل منزِلًا من المَيْدان وكان آخِر العهد بِهِ.
وعقد خُمارَوَيه لأبي عبد الله أحمد بْن محمد الواسطيّ عَلَى جيش إلى الشام، فخرج من الفُسطاط يوم الخميس لستّ خلونَ من ذي الحجَّة سنة سبعين، ثمَّ عقد لسعد الأَيسر عَلَى جيش آخَر فِي سلخ ذي الحجَّة، وبعث بمراكب كثيرة فِي البحر، فكانت مُقيمة بسواحل الشام، ونزل أحمد بن محمد الواسطيّ فِلَسطين وهو خائف جَزع من خُمارَوَيه أن يُوقع بِهِ لأنه كَانَ أشار عَلَيْهِ بقتل الْعَبَّاس، فكتب الواسطيّ إلى أَبِي
(1/173)

الْعَبَّاس أحمد المُعتضِد بْن أَبِي أحمد الموفَّق بكتاب يصغّر فِي أمر خُمارَوَيه، ويحضّه عَلَى المسير إِلَيْهِ وضمّنه أبياتًا من شعر:
يَا أيُّهَا المَلِكُ المَرْهُوبُ جَانِبُهُ ... شَمِّرْ ذُيُولَ السُّرَى فَالأَمْرُ قَدْ قَرُبَا
كَمْ ذَا القُعُودُ وَلَمْ يَقْعُدْ عَدُوُّكُمُ ... عَنِ القِتَالِ لقَدْ أَصْبَحْتُمُ عَجَبَا
لَيْسَ المُرِيدُ لِمَا أَصْبَحْتَ تَطْلُبُهُ ... إِلَّا المُشَمِّرَ عَنْ سَاقٍ وَإِنْ لَعِبَا
عَلَى. . . . . . . . . . . . . . . . . مُعْتَكِفًا ... وَاجدد فَقَالَ قَوْمٌ إِنَّهُ ذَهَبَا
فَأَنْتَ ذُو غَفْلَةٍ يَقْظَانُ ذُو سِنَةٍ ... وَطَالِبُ الْوِتْرِ ذُو جِدٍّ إِذَا غَضِبَا
أَجَدَّ مَرْوَانُ فِي بَيْتٍ أَصَابَ بِهِ ... عَيْنَ الصَّوَابِ فَمَا أَخْطَا وَمَا كَذَبَا
إِذْ قَالَ لَمَّا رَأَى الدُّنْيَا تَمِيدُ بِهِمْ ... بَعْدَ الهُدُوِّ وَعَادَ الحَبْلُ مُضْطَرِبَا
إِنِّي أَرَى فِتَنًا تَغْلِي مَرَاجِلُهَا ... وَالملكُ بَعْدَ أَبي لَيْلَى لَمِنْ غَلَبَا
وأقبل أَبُو الْعَبَّاس أحمد بْن أَبِي أحمد المُوفَّق من بَغداد، وانضمّ إِلَيْهِ إِسْحَاق بْن كُنداج، ومحمد بْن دِيوْداد أَبِي الساج حتى أتوا الرَّقّة، فسلَّم أهل قِنَّسْرِين والعواصم، ودعَوا لَهُ، وسار إلى شَيْزَر، فلقِيَه بها أصحاب دَادَوَيه، فقاتلوه قتالًا شديدًا، فهزمهم أَبُو الْعَبَّاس، ثمَّ أتى حتى دخل دِمَشق، فأقام بها أيَّامًا، وبلغ الخبَر خُمارَوَيه، فخرج إلى الشام فِي جيش عظيم، كَانَ خُروجه يوم الخميس لعشر خلونَ من صفر سنة إحدى وسبعين ومائتين، فالتقَيا هُوَ وأبو العبَّاس بْن أَبِي أحمد المُوفَّق بنهر أَبِي فُطْرُس من أرض فِلَسْطين، يُقال لَهُ اليوم: الطواحين، فاقتتلوا، فانهزم أصحاب خُمارَوَيه، وكان فِي سبعين ألفًا، وكان أَبُو العبَّاس فِي نحو من أربعة آلاف واحتوى أَبُو العبَّاس عَلَى عسكر خُمارَوَيَه بما فِيهِ، ومضى خُمارَوَيه عَلَى وجهه إلى الفُسطاط لا بلوي عَلَى شيء، وأقبل كمين خُمارَوَيه عليهم سعد الأَيسر، وفيهم: أحمد بْن إسماعيل العَجَميّ، وتشركين، وحوطامش، ولم يعلَموا بهزيمة خُمارَوَيه حتى أشرفوا عَلَى العسكر، فأقبلوا إلى أَبِي العبَّاس، فحاربوه حتى أزالوه عَن العسكر، وهزموه اثني عشر مِيلًا وذلك فِي صفر سنة إحدى وسبعين ومائتين، ورجع أَبُو الْعَبَّاس إلى دِمَشْق، فلم تُفتَح لَهُ، وقدِم خُمارَوَيه إلى الفُسطاط يوم الجمعة لثلاث خلونَ من ربيع الأوَّل سنة إحدى وسبعين، ومضى سعد الأيسر مَعَ الواسطيّ، فدخلا دِمَشْق ومَلِكاها، ودَعَوا فيها لُخمارَوَيه، ثمَّ خرج خُمارَوَيه من الفُسطاط لسبع بقينَ من شهر رمضان من سنة إحدى وسبعين، حتى أتى فِلَسْطين، ثمَّ عاد إلى الفُسطاط، فدخلها لاثنتي عشرة يقينَ من شوَّال سنة إحدى وسبعين، فصرف السَّرِيّ بْن سَهل عَن الشُّرَط يوم الإثنين لخمس خلونَ من جمادى الأولى سنة اثنتين وسبعين، وجعل مكانه مُوسى بْن طونيق، وخرج خُمارَوَيه إلى الشام فِي ذي القعدة سنة اثنتين لخمس خلونَ من جمادى الأولى سنة اثنتين وسبعين، وجعل مكانه مُوسى بْن طونيق، وخرج خُمارَوَيه إلى الشام فِي ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين ومائتين، فقتل سعد الأَيسر فِي شيء ظهر منه من خِلاف، ومضى خُمارَوَيه، فدخل دِمَشْق يوم الثلاثاء سابع المحرَّم سنة ثلاث وسبعين، ومضى من دِمَشق، فلقِي إِسْحَاق بْن كُنْداج بموضِع، يُقال لَهُ: باجَرْوان، ودائمان من أرض الرافِقة، فكانت عَلَى خُمارَوَيه وأصحابه، فانهزم أصحابه وثبت هُوَ فِي طائفة من حُماته، فهزموا إِسْحَاق بْن كُنْداج، فمضى إِسْحَاق منهزمًا واتبعه خُمارَوَيه حتى بلغ أوائل أصحابه إلى سُرَّ من رأَى.
قَالَ القاسم بْن يحيى. . . . . . . . .:
أَتَانَا أَبُو الجَيْشِ الأَمِيرُ بِيُمْنِهِ ... فَشَرَّدَ عَنَّا الجَوْرَ وافْتَقَرَ العُسْرُ
فَإِنْ يَكُ أَرْضُ الرَّقَّتَيْنِ بِهِ اكتَسَتْ ... ضِيَاءً وَإِشْرَاقً لَقدْ أَظْلَمَتْ مِصرُ
فَسَائِلْ بِهِ إِسْحَاقَ إِذْ سَارَ نَحْوَهُ ... بِجَيْشٍ كَعَرْضِ النِّيلِ يَقْدُمُهُ النَّصْرُ
تَبَاعَدَتِ الأَقْطَارُ مِنْهُ كَثَافَةً ... ففِي مَشْرِقٍ قُطْرٌ وَفِي مَشْرقٍ قُطْرُ
فَأَبْلَسَ إِذْ قِيلَ الْأَمِيرُ بِبَالِسٍ ... وَأَضْحَى ضَعِيفَ العَقْدِ إِذْ عُقِدَ الجَسْرُ
وَلمَّا رَأَى الجَيْشَ ابْنُ كُنْدَاجَ مُقْبِلًا ... أَرَتْهُ المَنَايَا الحمْرَ أَعْلَامُهُ الْحُمْرُ
فَوَلَّى شَديدًا ذَا ارْتِيَاعٍ كَأَنَّهُ ... بِكُلِّ بِلَادٍ طَائِرٌ مَا لَهُ وَكْرُ
لَئِنْ سَرَّ إِسْحَاقَ النَّجَاةُ بِنَفْسِهِ ... لَقَدْ سَاءَهُ فِي جَمْعِهِ القَتْلُ والأَسْرُ
فَلَا يُغْبَطَنْ بالعَيْش مِنْ بَعْدِ هذِهِ ... فقَدْ كَسَرَتْهُ كَسَرةً مَا لَهَا جَبْرُ
ثمَّ سفر قوم من وجوه الجُند بين إِسْحَاق وبين خُمارَوَيه، فاصطلحا وتصاهرا وأتى إِسْحَاق إلى خُمارَوَيه، فأقام فِي عسكره، ودعا لَهُ فِي أعماله التي بيده.
وكاتب خُماروَيه أَبَا أحمد الموفَّق، فسأَله الصُّلح عَلَى مال يبذله لَهُ عَنْ ما فِي يده.
(1/174)

فأجابه أَبُو أحمد إلى ذَلكَ، وكتب لَهُ بذلك كتابًا، فقدِم بِهِ فائق الخادم إلى الفُسطاط فِي رجب سنة ثلاث وسبعين يذكر فِيهِ، أن المُعتمِد، وأبا أحمد، وأبا الْعَبَّاس كتبوه بأيديهم بِولاية خُمارَوَيه وولَده ثلاثين سنة عَلَى مِصر والشامات ثمَّ قدِم خُمارَوَيه إلى الفُسطاط سلخ رجب سنة ثلاث وسبعين ومائتين، فأمر بالدُّعاء لأبي أحمد الموفَّق، وترك الدُّعاء عَلَيْهِ، وجعل خُمارَوَيه عَلَى المظالم بمصر محمد بْن عَبْدة بْن حرب فِي شعبان سنة ثلاث وسبعين، ثمَّ صرف مُوسَى بْن طونيق عَن الشُّرَط لمستهلّ المحرَّم سنة أربع وسبعين، وجعل مكانه أحمد بْن محمد بْن الحكَم العُجَيفيّ.
وبلغ خُمارَوَيه مسير محمد بْن ديوداد المعروف بابن أَبِي الساج، فخرج إِلَيْهِ خُمارَوَيه من مِصر فِي ذي القعدة سنة أربع وسبعين، فلقيّه بثَنيَّة العُقاب من أرض دِمَشق، فانهزم أصحاب خُمارَوَيه وثبت خُمارَوَيه، فحاربهم، فكشفهم، وانهزموا عَنْهُ أقبح هزيمة.
قَالَ القاسم بْن يحيى المرعي:
فُتُوحُ الأَمِيرِ نُجُومٌ تَلُوحُ ... فَلَيْسَتْ تُقَاسُ إِلَيْهَا فُتُوحُ
تَسِيرُ لَهَا فِي جَمِيعِ البِلَادِ ... رَكَائِبُ تَغْدُو بِهَا وتَرُوحُ
إِذَا حَادَ عَنْ أَمْرِهِ حائِدٌ ... أَتَاحَ لَهُ الحَتْفَ مِنْهُ مُتيِحُ
نَصَحْنَا لِشَرّ بنِي دِيُودَادَ ... بِتَحْذِيرهِ لَوْ أُطِيعَ النَّصِيحُ
وَلَمْ يَكُنِ الغَدْرُ مُسْتَقْبَحًا ... وَفِي الغَدْرِ شَيْنٌ وَعَارٌ قَبِيحُ
تَعَاطَى نِطَاحَ كِبَاشَ الحُرُوبِ ... فَغُودِرَ وَهْوَ صَرِيعٌ بَطِيحُ
لَئِنْ كَانَ وَلَّى سَليمًا صَحِيحًا ... فَمَا القَلْبُ مِنْهُ سَلِيمٌ صَحيحُ
أَبَاحَ حِمَاهُ فَتًى لَمْ يَزَلْ ... يَحُوطُ حِمًى وَحِمًى يَسْتَبِيحُ
إِذَا هُوَ لَمْ يَسْتَرِحْ مِنْ عَدُوٍّ ... فَلَيْسَ إِلَى لَذَّةٍ يَسْتَرِيحُ
وَإِنْ هَمَّ بِالسَّيْرِ لَمْ يَثْنِهِ ... سَنِيحٌ يَعُنُّ لَهُ أَوْ بَرِيحُ
وقال الوَليد بْن عُبيد البُحْتُريّ:
(1/175)

وَقَدْ رَأَيْتُ جُيُوشَ النَّصرِ منزلة ... عَلَى جُيُوشِ أَبِي الجَيْش بْنِ طُولُونَا
يَوْمَ الثَّنِيَّةِ إِذْ ثَنَّى بِكَرَّتهِ ... فِي النَّقْعِ خَمْسِينَ أَلْفًا أَوْ يَزِيدُونَا
مُظَفَّرٌ لَمْ يَزَلْ يَلْقَى بِطَلْعَتِهِ ... كَوَاكِبَ السَّعْدِ والطَّيْرَ المَيَامِينَا
يَمشي قَرِيبًا مِنَ الأَعْدَاء لَوْ وَقَفُوا ... بِالصِّينِ مِنْ بُعْدِهَا مَا استَبْعَدَ الصِّيْنَا
وعاد خُمارَوَيه إلى الفُسطاط، فدخلها يوم الخميس لستّ بقينَ من جمادى الآخرة سنة ستّ وسبعين، ثمَّ خرج إلى الإسكَنْدَريَّة يوم الجمعة لأربعٍ خلونَ من شوَّال سنة ستّ وسبعين.
وأتى الخبَر إلى الفُسطاط، بأن يازَمان الخادم دعا لخُمارَوَيه بطُرْسُوس، والثُّغور فِي جمادى الآخرة سنة سبع وسبعين.
وخرج خُمارَوَيه إلى الشام يوم الثلاثاء لسبع عشرة من ذي القعدة سنة سبع وسبعين، ومات أَبُو أحمد المُوفَّق سنة ثمان وسبعين، وعقد العهد لابنه الْعَبَّاس، ثمَّ تُوفّي المُعتمِد لعشر بقينَ من رجب سنة تسع وسبعين.
وبويع المُعتَضد بْن أَبِي أحمد المُوفَّق، فبعث إِلَيْهِ خُمارَوَيه بالهدايا مَعَ الْحُسَيْن بْن عبد الله بْن منصور الجَوْهَريّ، وصرف أحمد بْن محمد العُجيفيّ عَن الشُّرَط، وجعل مكانه الْحُسَيْن بْن وَصِيف يوم الأحد لتسع خلونَ من شوَّال سنة سبع وسبعين، وقدِم خُمارَوَيه من الشام، فدخل الفُسطاط يوم السبت لستّ خلونَ من
(1/176)

ربيع الأوَّل سنة ثمان ومائتين.
وورد كتاب المُعتَضد عَلَى خُمارَوَيه لخمس بقِينَ من ربيع الأوَّل سنة ثمانين ومائتين بوِلايته هُوَ وولَده ثلاثين سنة من الفُرات إلى بَرْقة، وجعل إِلَيْهِ الصلاة، والخَراج، والقضاء، وجميع الأعمال عَلَى أن يحمِل فِي كل عام من المال مائتي ألف دينار عَنْ ما مضى، وثلاثمائة ألف عَنْ كل عام للمُستقبِل.
ثمَّ قدِم رسول المُعتَضد فِي شهر رمضان سنة ثمانين بالخِلَع وهي اثنتا عَشَرة خِلعة، وسيف، وتاج، ووِشاح مَعَ خادم يُدعى سنيف، وعقد المُعتَضِد عَلَى قَطْر النَّدَى بِنْت خُمارَوَيه سنة إحدى وثمانين.
(1/177)

وفيها خرج خُمارَوَيه إلى نُزهة بَمرْيُوط، خرج من الفُسطاط لأربع بقينَ من شعبان سنة إحدى وثمانين، ثمَّ مضى إلى الصعيد حتى بلغ سِيُوط، ثمَّ رجع من الشرقيَّة إلى الفُسطاط مستهلّ ذي القعدة سنة إحدى وثمانين، وصرف الْحُسَيْن بْن وَصيف عَن الشُّرَط يوم الثلاثاء لستّ خلونَ من شعبان سنة اثنتين وثمانين، وردَ مُوسَى بْن طونيق مكانه، وخرج خُمارَوَيه إلى الشام يوم الخميس لثمان خلونَ من شعبان سنة اثنتين وثمانين، فأقام بمُنية الأصبغ ومُنْية مَطَر، ثمَّ رحل يوم الثلاثاء لعشر بقينَ من شعبان سنة اثنتين حتى أتى دِمَشق، فكان بها مَقتَلُهُ ليلة الأحد لليلتين بقِيَتا من ذي القعدة سنة اثنتين وثمانين، فكان بها مَقتَلُهُ ليلة الأحد لليلتين بقِيَتا من ذي القعدة سنة اثنتين وثمانين يُقال: أن خَدَمُه قتلوه، وهم: طاهر، ولُؤلُؤ، وناشي، وسابُور، ومماقط، ونَظيف، فقُتلوا جميعًا، وحُملت رءُوسهم إلى الفُسطاط، فجُعلت عَلَى الجِسر، وحُمل خُمارَوَيه إلى الفُسطاط، فدُفن بها، فكانت وِلايته عليها اثنتي عشرة سنة وثمانية عشر يومًا.

أَبُو العساكر جيش بْن خُمارَوَيْهِ
ثم ولِيَها أَبُو العساكر جَيش خُمارَوَيه، بُويع يوم الأحد لليلة بقِيَت من ذي القعدة سنة اثنتين وثمانين ومائتين بدِمَشق، واليه صلاتها وخراجها، فسار إلى مِصر، فدخلها وجعل عَلَى شُرَطه مُوسَى بْن طونيق، واشتملت عَلَيْهِ طائفة من الجند وحملوه عَلَى أمور كرِهها عظيم الجُند، فتنكَّروا لَهُ وتنكَّر لهم وخافوا عَلَى أنفسهم، فدنَوا من الفَساد عَلَيْهِ، فخرج مُتنزِّهًا إلى مُنية الأصبغ، فهرب من عسكره محمد بْن إِسْحَاق بْن كُنْداج، وخاقان البَلْخيّ، ومحمد بْن كُمُشْجُور بُندقة. . . . . . . .، ومحمد بْن قُراطُغان فِي
(1/178)

ثلاثمائة رجُل من وُجوه قُوَّاده، فلحِقوا بالمُعتَضد، وكان أحمد بْن طُغان عَلَى الثغر، فخلع جَيشًا وخلعه طُغْج بْن جُفّ بدِمَشق، ثمَّ وثب جيش عَلَى عمّه نصر بْن أحمد بْن طُولُون، فقتله، فوثب بِهِ يُرمش وصافي وفائق فِي أكثر الجيش والموالي، فخلعوه وبايعوا أخاه هارون بْن خُمارَوَيه، وجمع لَهُ القُضاة، والفُقهاء، والقُرَّاء، فتبَّرأ إليهم من بيعته وحلَّلهم منها وأشهدهم عَلَى نفسه بذلك، وكان خلعه يوم الأحد لعشرٍ خلونَ من جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين، فكانت ولايته تسعة أشهُر واثني عشر يومًا، ثمَّ سُجن، فمات بعد أيَّام.

هارون بْن خُمارَوَيْهِ
ثمَّ ولِيَها هارون بْن خُمارَوَيه يوم خَلْع جيش، فجعل عَلَى شُرَطه مُوسَى بْن طونيق، وقامت الطائفة من الجُند ممَّن كرِه وِلاية هارون بْن خُمارَوَيه، وكاتبوا ربيعة بْن أحمد بْن طُولُون، وكان بالإسكندَريَّة، ودعَوه إلى الولاية، ووعدوه القيام معه، فجمع رَبيعة كثيرًا من أهل البُحيرة من البَرْبَر وغيرهم، وأقبل فيهم حتى نزل مَنْبُوَبة من كُورة وَسِيم، ثمَّ عدَّى النيل، فنزل باب المدينة، فخرج إِلَيْهِ نَفر من القُوَّاد، فسأَلوه ما الَّذِي حمله عَلَى المسير.
فأخبرهم، أن ناسًا من القُوَّاد بايعوه فناوشوه الحرب وقُتلت بينهم قَتْلى، ثمَّ
(1/179)

طُعن فَرَس رَبيعة، فسقط فأسروه أَسره شفيع البعاموريّ، فأتى بِهِ إلى محمد بْن أَبَّا، فحبسه، ثمَّ أُخرج يوم الثلاثاء لإحدى عشرة خلت من شعبان سنة أربع وثمانين إلى دار الإِمارة القديمة بالعسكر، فضُرب ألف ومائتي سوط، ومات.
ثمَّ كانت فِتنة ابن قُرَيش وذلك إِنَّه أنكر أن يكون أحد خَيْرًا من أهل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فوثب بِهِ الرعيَّة، فضُرب بالسياط يوم الجمعة فِي جمادى الأولى سنة خمس وثمانين، فمات بعد يومين.
وتُوفّي أمير المؤمنين المُعتَضِد فِي ربيع الآخر سنة تسع وثمانين، وبُويع أَبُو محمد ابنه ولُقِّب المُكْتفي بالله، وخرج القَرْمَطيّ بالشام فِي سنة تسعين ومائتين، فبعث إِلَيْهِ هارون بالقُوَّاد، فحاربوه، فهزمهم وبلغ كل مَبلَغ، فبعث إِلَيْهِ الجيوش من العِراق، فحاربوه.
وقُتل أَبُو عُلائة محمد بْن أحمد بْن عِياض بْن أَبِي طَيْبة الجفي، وكان رجُلًا ذا لِسان وعارضة، فكان ممقوتًا عِند كثير من الناس، فزلَّت بِهِ القدَم، فتشاهد عَلَيْهِ أقوام من سِفَل الناس وأوضاعهم، وبلغ السُّلطان ذَلكَ منهم فقبل شهاداتهم، فضرب مرارا، وأرادوا بذلك أن يذلوه من ضربهم إياه، وانكشف للناس ظلمهم له، وما قصد به فيه، وكان اشد الناس عليه عامة اهل المسجد، كان قتله لست بقين من شهر رمضان سنة إحدى وتسعين ومائتين.
سمعت ابن قديد، يقول: أقبح ما أتى أهل هذا المسجد شهادتهم على ابن القطاس، حتى باعوه، وعلى أبي علاثة حتى قتلوه.
وقال إسماعيل بن أبي هاشم:
فيا ابا علاثة لهفى عليك ... للهف صب كئيب وجل
فلا نام ظلمك بل لا هدا ... وحاشى لظلمك أن يضمحل
ويا أهل مسجدنا ما لكم ... توانيتم عنه حتى قتل
هوى بابن حرملة ما هوى ... وحسب ابن حرملة ما عمل
وويل لبعروط ويل له ... فما زال بحروط حتى وحل
فلا واخذ الله سلطاننا ... وإن كان سلطاننا قد عجل
وبعث المكتفي بالله محمد بن سليمان الكاتب، فوردت أخباره إلى مصر بنزوله حمص،
(1/180)

وكان بدر الحمامي واليا على الشام من قبل هارون، فكتب بدر إلى محمد بن سليمان بالسمع والطاعة، ثم تلقاه هو والحسين بن أحمد الماذرائي، فكانا معه في عسكره، وكتب محمد بن سليمان إلى دميانة، وهو بالثغر يأمره بالمسير في مراكبه إلى سواحل مصر وفلسطين، وضم إليه رشيق الوردامي المعروف بغلام زرافة، فسار مع دميانة، واقبل محمد بن سليمان إلى فلسطين، وعليها وصيف بن صوارتكين عاملا لهارون، فكتب وصيف إلى محمد بن سليمان بالسمع والطاعة، ولحق صافي مولى خمارويه محمد بن سليمان.
وأتت الأخبار إلى مصر تتبع بعضها بعض بمسير محمد بن سليمان، فأخرج هارون مضاربه يوم الإثنين مستهل ذي الحجة سنة إحدى وتسعين ومائتين.
وخرج إليها هارون فنزلها يوم التروية، وبعث هارون بوصيف القطرميز في المراكب الحربية، ومعه: خصيف البربري، وحماد بن ما يخشي فساروا في النيل حتى أتوا تنيس ليمنعوا دميانة، فلقيهم دميانة ليلة النحر، فحاربهم، فانكشفوا عنه، واستأمن إليه كثير منهم، وهرب وصيف القطرميز، ودخل دميانة تنيس، فآمن أهلها وسكنهم، ومضى حماد بن مايخشي إلى قرى أسفل الأرض، ففرض فروضا وأقبل بهم، ومضى دميانة إلى دمياط، فكتب إلى أصحاب هارون كتابا يدعوهم إلى طاعة المكتفي، أبوها، فسار إليهم في خليج دمياط، فالتقوا غداة يوم الجمعة لثلاث بقين من ذي الحجة سنة إحدى وتسعين، فقتل كثير من أصحاب القطرميز، وانهزم الباقُون، وأُسر خَصيب البَرْبَريّ، ووَصِيف القَطرميز، وحماد بْن ما يخشي، واحتوى دَمْيانة عَلَى مراكبهم بما فيها، وسار هارون بْن خُمارَوَيه فنزل العبَّاسة واستخلف عَلَى الفُسطاط حسن بْن السَّيْر، وأخرج هارون معه بجميع أهله وأعمامه خوفًا من قيامهم بعده بالفُسطاط، فكانوا معه فِي ضُرّ وجَهد، ثمَّ نزل دَمْيانة دَمِيرة، فلقِيَه بها محمد بْن أبَّا، ونجيح، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فظَفِر بهم دَمْيانة، وبعث عليّ بْن فُلْفُل فِي عِدَّة مراكب، فكانوا فِي النِّيل بإِزاء دَمْيانة ليمنعوه من المسير،
(1/181)

وتفرَّق كثير من أصحابه هارون عَنْهُ فِي البرّ والبحر وبقِي فِي نفَر يسير، وتشاغل باللهو والطرَب، فأجمع عمَّاه شَيبان، وعَدِيّ ابنا أحمد بْن طُولُون عَلَى قتله، فدخلا عَلَيْهِ وهو ثَمِل فِي شَرابه، فقتلاه ليلة الأحد لإحدى عشرة ليلة بقِيَت من صفر سنة اثنتين وتسعين ومائتين وسنّة يومئذٍ ثمانية وعشرون سنة، كانت وِلايته عليها ثمان سنين وثمانية أشهر.

شَيبان بْن أحمد
ثمَّ ولِيَها شَيْبان بْن أحمد بْن طُولُون أَبُو المقانب، بُويع لعشرٍ بقِينَ من صفر سنة اثنتين وتسعين، فأقرّ مُوسَى بْن طُونيق عَلَى الشُّرط، وقدِم شَيْبان الفُسطاط يوم الثلاثاء لسبع بقينَ من صفر، فسُلّم إِلَيْهِ أمرها كلّه، وبلغ طُغْج بْن جُفّ وفائق مَولى خُمارَوَيه وغيرهما من وجوه الجُند والقُوَّاد، قتل هارون، فأنكروه وخالفوا شَيْبانًا، فكاتبوا الْحُسَيْن بْن حمدان بن حَمْدون وهو إذ ذاك من وجوه أصحاب محمد بْن سُلَيْمَان، فأخبروه بمقتل هارون، وسأَلوه أخْذ الأَمان لهم، وحرَّكوه عَلَى المسير إلى الفُسطاط، وأقبل محمد بْن سُلَيْمَان حتى نزل جُرِجير، فوافاه بها كتاب طُغْج بْن جُفّ بالسمع والطاعة، ونزل محمد بْن سُلَيْمَان العبَّاسية، فلقِيَه بها طغْج فِي ناس من القُوَّاد كثير، فساروا لسيره إلى الفُسطاط، وأَقبل دَمْيانة بمراكبه إلى ساحل الفُسطاط، فنزل بِهِ سلخ صفر سنة اثنتين وتسعين، وعسكر شَيْبان يوم الأربعاء مستهلّ ربيع الأوّل بعين شمس، فأتاهم محمد بْن سُلَيْمَان، فمضى إِلَيْهِ عامَّة أصحاب شَيْبان يسئلونه أَمانهم، فلمَّا رأَى شَيْبان ذَلكَ أرسل إلى محمد بْن سُلَيْمَان فِي أَمانه وأَمان إِخوتَه وأهله، فآمنهم.
وخرج شَيْبان ليلة الخميس لليلة خلت من ربيع الأوَّل سنة اثنتين إلى محمد بْن سُلَيْمَان وانصرف عسكره كلّه، ثمَّ دخل محمد بْن سُلَيْمَان الفُسطاط، وكانت وِلايته عليها اثني عشر يومًا.
ثمَّ دخل محمد بْن سُلَيْمَان الكاتب يوم الخميس لمستهلّ ربيع الأوَّل سنة اثنتين وتسعين ومائتين، فأمر بإحراق القطائع، فأُحرقت ونهب أصحابه الفُسطاط يومئذٍ، فركِب محمد بْن سُلَيْمَان، فطافها، وأطلق من فِي السجون، وسكَّن الناس ودعا من الغد عَلَى المِنبر لأمير المؤمنين المُكتفِي بالله وحده، وصرف مُوسَى بْن طُونيق عَن الفُسطاط
(1/182)

يوم الجمعة لليلتين خلتا من ربيع الأول، وجعل محمد بْن سُلَيْمَان مكانه رجُلًا من أصحابه، يُقال لَهُ: البُكْتُمريّ، وصرف أَبَا زُرعة محمد بْن عثمان القاضي عَنْ قضائه، وردّ محمد بْن عَبْدَة بْن حَرْب عَلَى القضاء، وبعث محمد بْن سلميان بطُغْج بْن جُفّ واليًا إلى قِنَّسْرِين، وضمّ إِلَيْهِ جمعًا من جُند بني طُولُون، ثمَّ أمر بإِخراج الأَعراب الذين قدِموا معه، ثمَّ أخرج ولَد أحمد بن طُولُون وهم عشرون إنسانًا، وأخرج بَدْر الحمَّاميّ واليًا عَلَى دِمَشْق، وأخرج منها قُوَّاد بني طُولُون ومَواليهم وقتًا بعد وقت، فلم يبقَ بِمصر منهم أحد يُذكَر، فخلت منهم الدِّيار، وعفت منهم الآثار، وتعطَّلت منهم المنازل، وحلَّ بهم الدُّلّ بعد العِزّ والتطريد والتشريد بعد اجتماع الشمل، ونَضرة المُلك، ومُساعَدة الأيَّام.
قَالَ أحمد بْن محمد الحبشيّ:
الْحَمْدُ للهِ إِقْرَارًا بِمَا وَهَبَا ... قَدْ لَمَّ بِالأمْنِ شَعْبَ الحَقِّ فَانْشَعَبَا
اللهُ أَصْدَقَ هذا الفَتْحَ لَا كَذِبٌ ... فَسُوءُ عَاقِبَةِ المَثْوَى لِمَنْ كَذَبَا
فَتْحٌ بِهِ فتح الدُّنْيَا مُحَمَّدُهَا ... وَفَتَّحَ الظُّلْمَ وَالإِظْلَامَ وَالكُرَبَا
لَا رَيْبَ رَبّ هِيَاجٍ يَقْتَضي دَعَةً ... وَفِي القِصَاصِ حَيَاةٌ تُذْهِبُ الرِّيِبَا
رَمَى الإِمَامُ بِهِ عَذْرَاءَ غَادِرِهِ ... فَافْتَضَّ عُذْرَتَهَا بِالسَّيْفِ وَاقْتَضَبَا
مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانٍ أَعَزُّهُمُ ... نَفْسًا وأَكْرَمُهُمْ فِي الذَّاهِبِينَ أَبَا
سَرَى بأُسدِ الشَّرَى لَوْ لَمْ يُرَوْا بَشَرًا ... أَضْحَى عَرِينُهُمُ الخَطِّيَّ لَا القَضَبَا
حُمَّ القَضَاءُ عَلَى اليَحْمُومِ حينَ أَتوا ... مِثْلَ الدَّبَى يَمتَحُونَ الدِّبَّةَ الدَّأَبَا
إِيهًا عَلَوْتَ عَلَى الأَيَّامِ مَرْتَبَةً ... أَبَا عَلِيٍّ تَرى مِنْ دُونِهَا الرُّتَبَا
(1/183)

هَارَتْ بِهارُونَ مِنْ ذِكْرَاكَ بُقْعَتُهُ ... وَشَيَّبَ الرُّعْبُ شَيْبَانًا وَقَدْ رَغِبَا
فَأَصْبَحُوا لَا تُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ ... كَأَنَّهَا مِنْ زَمَانٍ غَابِرٍ ذَهَبَا
وَكَمْ تُرَى تَرَكُوا مِنْ جَنَّةٍ أُنُفٍ ... وَمِنْ نَعِيمٍ جَنَى مِنْ غَدْرِهِمْ غَضَبَا
وقال أحمد بْن أَبِي يعقوب:
إِنْ كُنْتَ تَسْأَلُ عَنْ جَلَالَةِ مُلْكِهِمْ ... فَارْتَعْ وَعُج بِمَرَاتِعِ المَيْدان
وَانْظُرْ إِلَى تِلْكَ القُصُورِ وَمَا حَوَتْ ... وَاسْرَحْ بِزَهْرَةِ ذلِكَ البُسْتَانِ
وَإِن اعْتَبَرْتَ فَفِيهِ أَيْضًا عِبْرَةٌ ... تُنْبِتكَ كَيْفَ تَصَرُّفُ العَصْرَانِ
يَا قتلَ هارونَ اجْتَثَثْتَ أُصُولُهمْ ... وَأَشَبْتَ رَأْسَ أَمِيرِهِمْ شَيْبَانِ
لَمْ يُغْنِ عَنْهُمْ بَأْسُ قَيْسٍ إِذْ ... غَدَا فِي جَحْفَلٍ لَجَبٍ وَلَا غَسَّانِ
وَعُدَيَّةُ الْبَطَلُ الكَمِيُّ وَخَزْرَجٌ ... لَمْ يَنْصُرَا بِأَخِيهِمَا عَدْنَانِ
ذَفَّتْ إِلَى آل النُّبُوَّةِ وَالهُدَى ... وتَمَزَّقَتْ عَنْ شِيعَةِ الشَّيْطَانِ
وقال أيضًا:
نَقْمَةٌ أُرْسِلَتْ مِنَ الشَّرْقِ تَهْوِي ... فَأَنَاخَتْ عَلَى بَنِي طُولُونَا
كُيْفَ يُرْجَى صَلَاحُ هذِي الْبَرَايَا ... وابْنُ أَبَّا يَسُوسُ دُنْيَا وَدِينَا
بِأَبي خَبَّةٍ وَرَأْيِ غَرِيبٍ ... كَانَ يُمْضِي شَرايِعَ الحُكْمِ فِينَا
مَا رَأَيْنَا مِنْ آلِ طُولُونَ إِلَّا ... سَاءَهُ فِي بِطَالَةٍ مَرْهُونَا
وقال الحبشيّ لأبي عليّ الحُسين بْن أحمد الماذَرائيّ:
(1/184)

هَنِيئًا لِمِصْرٍ قَدْ فَتَحْتَ رِتَاجَهَا ... وَقَلَّدْتَ مَا قَلَّدْتَهُ بِتَحَكُّمِ
وَمَا الفَتْحُ إِلَّا فَتْحُ رَأْيِكَ لَا الَّذِي ... تَجَمَّعِ يَوْمَ الجَمْعِ مِنْ كُلِّ مُعْلَمِ
وَكُنْتَ وَشَيْبَانٌ غَدَاةَ لَقِيتَهُ ... كَمُوسَى وَفِرْعونٍ غَدَاةَ الْمُعَظَّمِ
كَفَيْتَ الْإِمَامَ المُكْتَفِي مَا يَنُوبُهُ ... وَلَمْ يَكُ يَرْجُوهُ بِكُلِّ مُرَجَّمِ
وَمَا زِلْتَ تَرْمِي آلَ طُولُونَ قَبْلَها ... وَقَدْ خَالَفُوا السُّلْطَانَ مِنْكَ بِصَيْلَمِ
وقال ابن أَبِي يعقوب:
الدَّارُ بَعْدَ تَفَرُّقِ الأَظْعَانِ ... مَسْرُورَةٌ بِتَفَرُّقِ السُّكَّانِ
لَم تُبْدِ مِنْ جَوْنس عَلَى أَرْبَابِهَا ... إِذْ فِي التَّرَحُّلِ رَاحَةُ الجِيرَانِ
رَحَلُوا فَلَا نَزَلُوا بِرَوْضِ مُزْهِر ... وَعَدَاهُمُ سَبَلُ الْغَمَامِ الدَّانِي
حُرِمُوا صَبِيبَ المُزْنِ أَنَّى يَمَّمُوا ... وَتقَسَّمَتْهُمْ سَطْوَةُ الرَّحمنِ
مَا كَانَ أَثْقَلَهُمْ عَلَى كَتِفِ العُلَى ... وَأَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنِ الْإِحْسَانِ
مَا كَانَ أَرْذَلَ دَوْلَةً سُعِدُوا بِهَا ... وَأَحَقَّهَا بِتَهَدُّمِ الأَرْكَانِ
مَا عَاشَرُوا نِعَمَ الْإِلهِ بِشُكْرِهَا ... فَأَثَابَهُمْ بِمَثُوبَةِ الكُفْرَانِ
مَاذَا أُرِيحَتْ مِصرُ مِنْهُ وَمَا إِلَى ... أَرْضِ الْعِرَاقِ مَضَى مِنَ الْبُهْتَانِ
وقال إسماعيل بْن أَبِي هاشم:
قِفْ وَقْفَةً بِفنَاء بَابِ السَّاجِ ... وَالقَصْرِ ذِي الشَّرَفَاتِ والأَبْرَاجِ
وَرُبُوعِ قَوْمٍ أُزْعِجُوا عَنْ دَارِهِمْ ... بَعْدَ الإِقَامَةِ أَيَّما إِزْعَاجِ
كَانُوا مَصَابِيحًا إِذَا ظَلِمَ الدُّجَى ... يَسْرِي بِهَا السَّارُونَ فِي الإِدْلَاجِ
وَكَأَنْ وُجُوهُهُمُ إِذَا أَبْصَرْتَهَا ... مِنْ فِضَّةٍ مَصْبُوغَةٍ أَوْ عَاجِ
كَانُوا الثُّرَيَّا لَا يُرَامُ حِمَاهُمُ ... فِي كُلِّ مَلْحَمَةٍ وَكُلّ هِيَاجِ
فَانْظُرْ إِلَى آثارِهِمْ تَلْقَى لَهُمْ ... عَلَمًا بِكُلِّ ثَنِيَّةٍ وَفُجَاجِ
وَعَلَيْهِمِ مَا عِشْتُ لَا أَدَعُ البُكَا ... مَع كُلّ ذِي نَظَرٍ وَطَرْفٍ ساجِ
(1/185)

وقال سَعِيد القاصّ:
جَرَى دَمْعُهُ مَا بَيْنَ سَحْرٍ إِلَى نَحْرِ ... وَلَمْ يَجْرِ حَتَّى أَسلَمَتْهُ يَدُ الصَّبْرِ
وَبَاتَ وَقِيدًا لِلَّذِي خَامَرَ الحَشَى ... يئِنُّ كَمَا أَنَّ الأَسِيرُ مِنَ الأَسْرِ
وهَلْ يَسْتَطِيعُ الصَّبْرَ مَنْ كَانَ ذَا أَسًى ... يَبِيتُ عَلَى جَمرٍ وَيُضْحِي عَلَى جَمْرٍ
تَتَابُعُ أَحْدَاثٍ تَحَيَّفْنَ صَبْرَهُ ... وَغَدْرٌ مِنَ الأَيَّامِ وَالدَّهْرُ ذُو غَدْرِ
أَصَابَ عَلَى رَغْمِ الأُنُوفِ وَجَدْعَهَا ... ذَوِي الدِّينِ والدُّنْيَا بِقَاصِمَةِ الظَّهْرِ
طَوَى زِينَةَ الدّنيَا وَمِصبَاحَ أَهْلِهَا ... بِفَقْدِ بَنِي طُولُونَ والأَنجُمِ الزُّهْرِ
فَبَادُوْا وَأَضْحَوْا بَعْدَ عِزٍّ وَمَنْعَةٍ ... أَحَادِيثَ لَا تَخْفَى عَلَى كُلِّ ذِي حِجْرِ
وَكَانَ أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ مَاجِدًا ... جَمِيلَ المُحَيَّا لَا يَبِيتُ عَلَى وِتْرِ
كَأَنَّ لَيَالي الدَّهْرِ كَانَتْ لِحُسنِهَا ... وَإِشْرَاقِهَا فِي عَصْرِهِ لَيْلَةَ البَدْرِ
يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ ابْنِ طُولُونَ هِمَّةٌ ... مُحَلِّقَةٌ بَيْنَ السِّمَاكَيْنِ والْغَفْرِ
فَإِنْ كُنْتَ تَبْغِي شَاهِدًا ذَا عَدَالةٍ ... يُخَبِّرُ عَنْهُ بِالحْلِيِّ مِنَ الأَمْرِ
فبِالجَبَلِ الغَرْبِيِّ خِطَّةِ يَشْكُر ... لَهُ مَسْجِدٌ يُغْني عَنِ المَنْطِقِ الهَذْرِ
يَدُلُّ ذَوِي الأَلْبَابِ أَنَّ بِنَا ... وَبَانِيَهُ لَا بِالضَّنِينِ وَلَا الْغَمْرِ
بَنَاهُ بِآجُرٍّ وَآسٍ وَعَرعَرٍ ... وبِالمرْمَرِ المَسْنُونِ والجَصِّ وَالصَّخْرِ
بَعِيدُ مَدَى الأَقْطَارِ سَامٍ بِنَاؤُهُ ... وَثِيقُ المبَانِي عُقُودٍ وَمِنْ جُدْرِ
فَسِيحُ الرِّحَابِ يُحْسَرُ الطَّرْفُ دُونَهُ ... رَقِيقُ النَّسِيم طَيِّبُ الْعَرْفِ والنَّشْرِ
وَتَنُّورُ فِرْعَوْنَ الَّذِي فَوْقَ قُلَّةٍ ... عَلَى شَاهِقٍ عَالٍ عَلَى جَبَلٍ وَعْرِ
بَنَى مَسْجِدًا فِيهِ يَفُوقُ بِنَاؤُهُ ... وَيَهْدِي بِهِ فِي اللَّيْلِ إِنْ ضَلَّ مَنْ يَسْرِي
تخَالُ سَنَا قِنْدِيِلِهِ وَضِيَاءه ... سُهَيْلًا إِذَا مَا لَاحَ فِي اللَّيْلِ لِلسَّفْرِ
وَعَيْنٌ مَعِينُ الِّرْبِ غَيْرُ رَكيةٍ ... وَغَيْرُ أُجَاجٍ لِلرُّوَاةِ وَلِلطُّهْرِ
كَأَنَّ وُفُودَ النِّّيلِ فِي جَنَبَاتِهَا ... تَرُوحُ وَتَغْدُو بَيْنَ مَدٍّ إِلَى جَزْرِ
فَأَرْفَأَهَا مَسْتَنْبِطًا لِمَغِيبِهَا ... مِنَ الأَرْضِ مِنْ بَطْنٍ عَمِيقٍ إِلَى ظَهْرٍ
يَمُرُّ عَلَى أَرْضِ المعَافِرِ كُلِّهَا ... وَشَعْبَانَ الأَحْمُور وَالحَيِّ مِنْ بِشْرِ
قَبَائِلُ لَا نَوْءُ السَّحَابِ يَمُدُّهَا ... وَلَا النِّّيلُ يَرْوِيهَا وَلَا جَدْوَلٌ يَجْرِي
وَلَا تَنْسَ مَارِسْتَانَهُ وَاتِسَاعَهُ ... وَتَوْسِعَةَ الأَرْزَاق لِلْحَوْلِ وَالشَّهْرِ
وَما فِيهِ مِنْ قُوَّامِهِ وَكُفَاتِهِ ... وَرِفْقَهُمُ بِالمُعْتَفِينَ ذَوِي الفَقْرِ
فَلِلْمَيِّتِ المَقْبُورِ حُسْنُ جَهَازِهِ ... وَللْحَيِّ رِفْقٌ فِي عِلَاجٍ وَفِي جَبْرِ
وَإِنْ جِئْتَ رَأْسَ الْجِسْرِ فَانْظُر تَأَمُّلًا ... إِلَى الحِصْنِ أَوْ فَاعْبُرْ إِلَيْهِ عَنِ الْجِسْرِ
تَرَى أَثَرًا لَمْ يَبْقَ مَنْ يَسْتَطِيعُهُ ... مِنَ النَّاسِ فِي بَدْوِ الْبِلَادِ وَلَا حَضْرِ
مَآثِرُ لَا تَبْلَى وإِنْ بَادَ رَبُّهَا ... وَمَجْدٌ يُؤَدِّي وَارِثِيهِ إِلَى الْفَخْرِ
لَقَدْ ضُمِّنَ القَبْرُ المْقَدَّرُ ذَرْعُهُ ... أَجَلَّ إِذَا مَا قِيسَ مِنْ قُبَّتَيْ حَجْرِ
وَقَامَ أَبُو الجَيْشِ ابْنُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ ... كَمَا قَامَ لَيْثُ الْغَابِ فِي الأَسَلِ السُّمْرِ
كَذَاكَ اللَّيَالِي مَنْ أَعَارَتْهُ بَهْجَةً ... فَيَالَكَ مِنْ بَابٍ حَدِيدٍ وَمِنْ صُفْرِ
وَوَرَّثَ هارُونَ ابْنَهُ تَاجَ مَاجِدٍ ... كَذَاكَ أَبُو الْأَشْبَالِ ذُو النَّابِ وَالْظُفْرِ
وَقَدْ كَانَ جَيْشٌ قَبْلَهُ فِي مَحَلِّهِ ... وَلَكِنَ جَيْشًا كَانَ مُسْتَنْقِصَ الْعُمْرِ
(1/186)

فَقَامَ بِأَمْرِ المُلْكِ هارُونُ مُدَّةً ... عَلَى نَكَدٍ مِنْ ضِيقِ بَاعٍ وَمِنْ حَصْرِ
وَمَا زَالَ حَتَّى زَالَ وَالدَّهرُ كَاشِحٌ ... عَقَارِبُهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ تَسْرِي
يُذَكِّرُهُمْ لَمَّا مَضَوْا فَتَتَابَعُوا ... كَمَا أرْفَضَّ سِلْكٌ مِنْ جُمَانٍ وَمِنْ شَذْرِ
فَمَنْ يَبْكِ شَيْئًا ضَاعَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهِ ... لِفَقْدِهِمِ فَلْيَبْكِ حُزْنًا عَلَى مِصرِ
لَيَبْكِ بَنِي طُولُون إِذْ بَانَ عَصْرُهُمْ ... فَبُورِكَ مِنْ دَهْرِ وَبُورِكَ مِنْ عَصرِ
وجعل محمد بْن سُلَيْمَان أَبَا عليّ الْحُسَيْن بْن أحمد الماذَرائيّ عَلَى خَراجها، وصرف عَنْهُ أَبَا الطيِّب أحمد بْن عليّ بْن أحمد الماذَرائيّ.
وورد كتاب المُكتفي بوِلاية الْحُسَيْن بْن أحمد عَلَى الخراج وجعل إِلَيْهِ النظَر فِي أمر بني طُولُون وضياعهم، ثمَّ ورد كتاب المُكتفي بوِلاية النُّوشَري عليها.

عيسى النُّوشَري
ثمَّ ولِيَها عيسى النُّوشَري عَلَى صلاتها من قِبَل المُكتفي، دخلها خليفُهُ عليها يوم الأحد لأربع عشرة خلت من جمادى الأولى سنة اثنتين وتسعين ومائتين، فتسلَّم الشُّرطتين وسائر الأعمال، ثمَّ قدِمها عيسى النُّوشَري يوم الثلاثاء لسبع خلونَ من جمادى الآخرة، فصرف البُكتُمريّ عَن الشُّرَط وجعل مكانه يوسف بْن إسرائيل، وجعل عَلَى الإِسكندريَّة عليّ بْن وَهْسُودان، والمُهاجِر بْن طليق عَلَى أسفل الأرض، وأبا عَبْدان. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .، فخرج إِلَيْهِ أَبُو أحمد بْن تيتك عَلَى مقدِّمة
(1/187)

ابن الخَلِيج إلى معسكره بمُنْية الأَصبغ يوم الخميس لثلاث خلونَ من المحرم سنة ثلاث وتسعين، ونزل أَبُو العبَّاس فلقِيَه مقدَّمة ابن الخَلِيج، فانهزم أَبُو الأَغرّ، ورجع ابن الخَلِيج إلى الفُسطاط لثمان بقِينَ من المحرَّم سنة ثلاث وتسعين ومائتين.
قَالَ إسماعيل بْن أَبِي هاشم:
أَمِيرَنَا يابْنَ الْبَهَالِيلِ الغُرَرْ ... شَفَيْتَ مِنْ عَدُوِّنَا أَبِي الأَغَرْ
صُدُورَنَا وَقيْتَ مِنْ كُلِّ حَذَرْ ... إِذْ جَاءَ فِي الشَّوْكِ إِلَيْنَا وَالشَّجَرْ
فِي جَحْفَلٍ كَمَوْجِ بَحْرٍ قَدْ زَخَرْ ... يَتْبَعُهُ أَهْلُ الْبَوَادِي وَالحَضَرْ
صَبَرْتَ إِذْ لاقَيْتَهُ وَمَا صَبَرْ ... فَمَرَّ فِي أَسْرَعَ مِنْ لَمحِ الْبَصَرْ
يَقْطُرُ مِنْهُ بَوْلُهُ قَطْرَ الْمَطَرْ ... أَحْدَثَ فَوْقَ سَرْجِهِ وَمَا شَعَرْ
شَفَيْتَنَا مِنْ تُركِهِمْ مَعَ الخزَرْ ... ثُمَّ عَفَا أَمِيرُنا لَمَّا قَدَرْ
وقال أحمد بْن محمد الحبيشّ:
(1/188)

غَضِبْتَ لِمِصْرَ وَمَا نَالَهَا ... وَشَرَّدْتَ بِالحَوْفِ مَنْ غَالَهَا
تَلَافَيْتَهَا بَعْدَ إِدْبَارِهَا ... وَأَقْبَلْتَ تَطْلُبُ إِقْبَالَهَا
وَكَادَتْ تُؤَوِّهُ شَوْقًا إِلَيْكَ ... وَتُظْهِرُ بِالشَّوْقِ بِلْبَالَهَا
وَمَا شَوْقُهَا كَانَ مِنْ طَبْعِهَا ... وَلكِنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا
لَقَدْ فَرَّجَ اللهُ كَرْبَ النُّفُوسِ ... وَبَلَّغَهَا فِيكَ آمَالَهَا
وَلَمَّا رَأَيْنَاكَ فِي مِصْرنَا ... مَنَحْنَا الْإِمَارَة إِجْلَالَهَا
وَمَا زلْتَ تَطْلُبُهَا هِمَّةً ... وَتَرْكَبُ بِالسَّيْفِ أَهْوَالَهَا
وَتُعْلِمُ نَفْسَكَ أَنَّ الأُمورَ ... إِمَّا عَلَيْهَا وَإِمَّا لَهَا
تَمَنَّوْا لِقَاكَ فَلَمَّا رَأَوْكَ ... رَأَوْا لِلْمَنِيَّةِ إِظْلَالَهَا
وَمَرُّوا يُطِيعُونَ فِي كُلِّ شَيءٍ ... رَأَوْهُ الْمَنَايَا وإِنْزَالَهَا
وَكَانَ أَبركَ خَلِيجَ العُفَاةِ ... وَبَحْرَ الثُّغُورِ الَّتِي عَالَهَا
بِهِ كَانَتِ الرُّومُ فِي أَمْنِهَا ... تُفَزِّعُ لِلذَّنبِ أَطْفَالَهَا
وأقام ابن الخَليج بالفُسطاط صفر وربيعَيْن ثمَّ بلغه مسير أَبِي شُجاع فاتك المُعْتضديّ إِلَيْهِ، ومسير دَمْيَانة فِي المراكب، فنزل فاتِك بالنُّويرة، ومعه بدر الحَمَّاميّ، وعسكر بن الخَليج بباب المدينة، وتنخّل من أصحابه ثلاثة آلاف، أو أربعة آلاف فسار بهم ليلًا ليبيّت فاتكا، فضلّوا الطريق وتاهوا ليلتهم، واسفر ابن الخَلِيج قبل أن يبلغ النُّوَيرة، وساروا أصحاب فاتِك، فنهضوا واقتتلوا، فانهزم أصحاب ابن الخَلِيج، وثبت هُوَ يحميهم فِي جمع يسير، ثمَّ اتّبع أصحابه منهزمًا ولم يُتبع حتى دخل الفُسطاط، وكانت هذه الوقعة يوم الخميس لثلاث خلونَ من رجب سنة ثلاث وتسعين، واستتر ابن الخَليج فِي منزِل رجُل، يُقال لَهُ: تريك.
قَالَ سَعِيد القاصّ لبَدر الحَمَّاميّ:
(1/189)

حَالَتْ مَعَارِفُهُم إِلَى إِنْكَارِ ... وَغَدَا الخَمِيسُ لَهُمْ بِيَومِ بَوَارِ
وَتَقَاطَعُوا وَتَدَابَرُوا وَتَنَافَرُوا ... وَتَلَاعَنُوا فِيها كَأَهْلِ النَّار
وَأَتَوْكَ بَيْنَ مُعَذِّرٍ فِي عُذْرِهِ ... خَجِلٍ وَبَيْنَ مُصَرِّحِ الإِقْرَارِ
وَتَزعْزَعَتْ تِلْكَ الرِّمَاحُ فَصَوَّرَتْ ... رَكْنَ المُقَطَّمَ فِي حَفِير هَارِ
طَلَعَتْ نُجُومٌ فِي الرِّمَاحِ بُرُوجُها ... فَسَقَطْنَ إِذْ طَلَعَتْ نُجُومُ قُدَارِ
لَمَّا انْجَلَى الغُبَارُ رَأَيتُهُمْ ... صَرْعَى وَقَدْ لَبِسُوا بَرِيمَ غُبَارِ
فاسعَدْ بِنَصْرِ للهِ أو الفَتْحِ الَّذي ... عَظُمَتْ بِهِ النُّعْمَى عَلَى الأَبْرَارِ
ودخل دَمْيانة فِي مراكبه إلى الفُسطاط، وأقبل عيسى النُّوشَري، والحسين بْن أحمد الماذَرائيّ، ومن كَانَ معهم إلى الفُسطاط، فدخلوها لخمس خلونَ من رجب سنة ثلاث وتسعين ومائتين، فعاد عيسى النُّوشَرِي إلى ما كَانَ عَلَيْهِ من الخَراج، وعاد يوسف بْن إسرائيل إلى الفُسطاط، وأتى تريك إلى عيسى النُّوشَرِي، فخبّره بأن ابن الخَليج عنده.
فهجم عَلَيْهِ، فأُخِذ وقُيّد وذلك يوم الإثنين لستّ خلونَ من رجب، فجميع ما أقامه ابن الخَلِيج منتزيًا عَلَى الفُسطاط سبعة أشهر وعشرين يومًا.
قَالَ الحسني للحسين بْن أحمد الماذَرائيّ:
إِلَيْكِ مِنَ الإِكْثَارِ لَا تَتَزَيِّدِي ... فَمَا الْفَتْحُ إِلَّا لِلْحُسَيْن بنِ أَحْمَدَ
وَلَمَّا تَمَادَى ابْنُ الخَلِيجِ بِغَيِّهِ ... وَكَانَ لِسُبُلِ الهُدَى غَيْرَ مُرْشَدِ
أَخَذْتَ عَلَيْهِ الأَرْضَ مِنْ كُلِّ وِجْهَةٍ ... وَطَالَعْتَهُ بالحَتْفِ مِنْ كُلِّ مَرْصَدِ
(1/190)

فَإِنْ يَكُن المَجْدُولَ غَرَّ بِنَفْسِهِ ... وَسَاعَدَهُ فِي انْحَائِها كُلُّ مُسْعَدِ
فَقَدْ يُتَوَلَّى الأَمْرُ مِنْ غَيْرِ وَلْيِهِ ... وَقَدْ تُسْنَدُ الْأَسْبَابُ مِنْ غَيْرِ مُسْنَدِ
رَأَى فَتْلَةً فَاشْتَدَّ فِيهَا وَرُبَّما ... تُصَادُ القَطَا مِنْ غَيْرِ وَقْتِ تَصَيُّدِ
فَإِنْ يُنْجِهش الأَقْدَارُ مِنْكَ بِمِنَّةٍ ... فَمَوْعِدُهُ بَغْدَادُ آخِرَ مَوْعِدِ
ودخل فاتِك الفُسطاط فِي عسكره يوم الخميس لعشر خلونَ من رجب، وأمر دَمْيانة بالخروج، وأخرج معه ابن الخَلِيج فِي ثلاثة مراكب، وحمامه، ومعه ثلاثين رَجُلًا من وجوه أصحابه، وكان خروجهم يوم الإثنين لستّ خلونَ من شعبان سنة ثلاث، ثمَّ طيف بابن الخَلِيج وأصحابه ببغداد، واجتمع الناس لهم هناك وكان يومًا مذكورًا، ثمَّ أمر الْحُسَيْن بْن أحمد بهدم المَيْدان، فابتدئَ فِي هدمه فِي شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين، وبيعت أنقاضه، ودثر كأنه لم يكن.
قَالَ محمد بْن طشْوَيه:
مَنْ لَمْ يَرَ الهَدْمَ لِلْمَيْدَانِ لَمْ يَرَهُ ... تَبَارَكَ اللهُ مَا أَعْلَاهُ وَاقْدَرَهُ
لَوْ أَنَّ عَيْنَ الَّذِي أنْشَاهُ تُبْصِرُهُ ... وَالحَادِثَاتُ تُعَادِيهِ لَأَكْبَرَهُ
كَانَتْ عُيُونُ الْوَرَى تُغْشَى لِهَيْبَتِهِ ... إِذَا أَضَاف إِلَيْهِ المَلْكُ عَسكرَهُ
أَيْنَ الْمُلُوكُ الَّتي كَانَتْ تَحُلُّ بِهِ ... وَأَيْنَ مَنْ كَانَ بِالإِتْقَانِ دَبَّرَهُ
وَأَيْنَ مَنْ كَانَ يَحْمِيهِ وَيَحْرُسُهُ ... مِنْ كُلِّ لَيْثٍ يَهَابُ اللَّيْثُ مَنْظَرَهُ
صَاحَ الزَّمَانُ بِمَنْ فِيهِ ففَرَّقَهُمْ ... وَحَطَّ رَيْبَ الْبِلَى فِيهِ فَدَعْثَرَهُ
وَأَخْلَقَ الدَّهْرُ مِنْهُ حُسْنَ جِدَّتِهِ ... مِثْلَ الْكِتَابِ مَحَا العَصْرَانِ أَسْطُرَهُ
دُكَّتْ مَنَاظِرُهُ وَاجْتُثَّ جَوْسَقُهُ ... كَأَنَّمَا الخَسْفُ فَاجَأهُ فَدَمَّرَهُ
أَوْ هَبَّ إِعْصَارُ نَارٍ فِي جَوَانِبهِ ... فَعَادَ مَعْرُوُفُه لِلْعَيْنُ مُنْكَرَهُ
(1/191)

كَمْ كَانَ يَأْوِي إِلَيْهِ فِي مَقَاصِرِهِ ... أَحْوى أَغَنَّ غَضِيضَ الطَّرْفِ أَحْوَرَهُ
كَمْ كَانَ فِيِه لَهُمْ مِنْ مَشْرَبٍ غَدَقٍ ... فَعَبَّ طِرْفُ الرَّدَى فِيهِ فَكَدَّرَهُ
أَيْنَ ابْنُ طُولُونَ بَانِيهِ وسَاكِنُهُ ... أَمَاتَهُ المَلِكُ الأَعْلَى فَأَقْبَرهُ
مَا أَوْضَحَ الأَمْرَ لَوْ صَحَّتْ لَنَا فِكَرٌ ... طُوبَى لِمَنْ خَصَّهُ رُشْدٌ فَذَكَّرَهُ
وقال أحمد بْن إِسْحَاق الحكر:
وَإِذَا مَا أَرَدتَّ أُعْجُوبَةَ الدَّهْرِ ... تَرَاهَا فَانْظُرْ إِلَى الَمَيْدَانِ
تَنْظُرُ الْبَثَّ وَالهُمُومَ وأَنْوَاعًا ... تَوَالَتْ بِهِ مِنَ الأَشْجَانِ
يَعْلَمُ العَالِمُ المُبَصِّرُ أَنَّ ... الدَّهْرَ فِيمَا نَرَاهُ ذُو أَلوَانِ
أَيْنَ مَا فِيه من نَعِيمٍ وَمِنْ ... عَيْشٍ رَخِيٍّ وَنَضْرَةٍ وحِسَانِ
أَيْنَ ذَاكَ المِسْكُ الَّذِي ذِيفَ ... بِالْعَنْبَر بَحْتًا وَعُلَّ بِالزَّعْفَرَانِ
أَيْنَ ذَاكَ الخَزُّ المُضَاعَفُ وَالْوَثْيُ ... وَمَا استَجْلَبُوا مِنَ الكَتَّانِ
أَيْنَ تِلْكَ القِيَانُ تَشْدُو عَلَى الفُرْشِ ... بِمَا استَحْسَنُوا مِنَ الأَلْحَانِ
دَوَّرَ الدَّهرُ آلَ طُولُونَ فِي هُوَّةِ ... قَفْرٍ مَسْكُونُهَا غَيْرُ دَانِ
وَأَعَاضَ المَيْدَانَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِيهِ ... ذِئَابًا تَعْوِي بِتِلْكَ الَمغَانِي
وقال سَعِيد القاصّ:
وَكَأَنَّ المَيْدَانَ ثَكَلَى أُصِيبَتْ ... بِحَبِيبٍ صَبَاحَ لَيْلَةِ عُرْسِ
تَتَغَشَّى الرِّيَاحُ مِنْهُ مَحَلّا ... كَانَ لِلصَّوْنِ فِي سُتُورِ الدِّمَقْسِ
(1/192)

وَلِفَرْشِ الإِضْريجِ وَالْبُسُطِ الدِّيبَاجِ ... فِي نَعْمَةٍ وَفِي لِينِ مَسِّ
وَوُجوه مِنَ الْوُجُوهِ حِسَانٍ ... وَخُدُودٍ مِثلِ اللَّآلِئِ مُلْسِ
كُلُّ كَحْلَاءَ كَالْغَزَالِ وَنَجْلَاءَ ... رَدَاحٍ مِنْ بَيْنِ حُورٍ وَلُعْسِ
آلَ طُولُونَ كَنْتُمْ زِينَةَ الْأرْضِ ... فَأضْحَى الحَدِيدُ أَهْدَامَ لُبْسِ
وقال ابن أَبِي هاشم:
يَا مَنْزِلًا لِبَني طُولُونَ قَدْ دَثَرَا ... سَقَاكَ صَوْبُ الْغَوَادِي الْقَطْرَ وَالمَطَرَا
يَا مَنْزِلًا صِرْتُ أَجْفُوهُ وَأَهْجُرُهُ ... وَكَانَ يَعْدِلُ عِنْدِي السَّمْعَ وَالْبَصَرَا
بِاللهِ عِنْدَكَ عِلْمٌ مِنْ أَحِبَّتنَا ... أَمْ هَلْ سَمِعْتَ لَهُمْ مِنْ بَعْدِنَا خَبَرَا
وخرج فاتك من الفُسطاط إلى العِراق للنصف من جمادى الأولى سنة أربع وتسعين ومائتين، وأمر النُّوشَرِي بنفي المؤَنثين، ومنَع من النَّواح والنِّداء عَلَى الجنائز، وأمر بإغلاق المسجِد الجامع فيما بين الصلوات فكان يُفتح للصلاة فقَط، وأقام عَلَى ذَلكَ أيَّامًا، فضجّ أهل المسجِد من ذَلكَ، ففُتح لهم.
ثمَّ صرف يوسف بْن إسرائيل عَن الشُّرَط وجعل مكانه محمد بْن طاهر يوم الإثنين لأربع خلونَ من شهر رمضان سنة خمس وتسعين، وتُوفّي المُكتفي بالله يوم السبت لإحدى عشرة خلت من ذي القعدة سنة خمس وتسعين، وورد الخبَر بوفاته إلى مصر ليومين بقِيا من ذي القعدة، فشغب الجُند عَلَى عيسى النُّوشَرِي، وكانت منهم طائفة يُقال لها:. . . . . .، فحاربوا النُّوشَري عَلَى طلب مال البَيعة، فظفِر بهم النُّوشَرِي وأخرجهم.
وبُويع جَعْفَر بْن أحمد المُعتضِد وسُمّي المُقتدِر بالله، فأقرّ النُّوشَرِي عَلَى صلاتها.
وهُزم زيادة اللَّه بْن عبد الله بْن إبراهيم بْن الأغلب بإِفرِيقيَّة وزال سُلطانه، فأقبل إلى مِصر، فنزل الجِيزة فِي شهر رمضان سنة ستّ وتسعين ومائتين، ومنعه النُّوشَرِي من العبُور إلى الفُسطاط إِلَّا أن يعبر وحده، وكانت بينه وبين أصحاب النُّوشَرِي مناوَشة بالجِيزة عَلَى الجِسر، ثمَّ أَذِن لَهُ، فدخل الفُسطاط ليلًا.
ثمَّ تُوفّي عيسى النُّوشَرِي يوم الأربعاء لأربع بقين من شعبان سنة سبع وتسعين
(1/193)

ومائتين، وهو والٍ عليها ودُفن بها، كانت وِلايته عليها خمس سنين وشهرين ونصفًا، منها سبعة أشهُر وعشرين يومًا انتزى فيها ابن الخليج، وقام بالأمر من بعده ابنه أَبُو الفتح محمد بْن عيسى النُّوشَرِي.

أَبُو منصور تكِين
ثمَّ ولِيَها أَبُو منصور تكين من قِبَل المُقتدِر بالله أمير المؤمنين عَلَى صلاتها، دُعِي لَهُ بها يوم الجمعة لإحدى عشرة خلت من شوَّال سنة سبع وتسعين، فأقرّ محمد بْن طاهر عَلَى الشُّرَط وتقدَّم إلى تكين فِي الجِدّ فِي أمر المغرب والاحتراس منه، فعقد لأبي النَّمِر أحمد بْن صالح من الأبناء عَلَى بَرْقة، وبعث معه بجيش فِيهِ جمع كثير، فسار إليها أَبُو النَّمِر، فدخلها واشتدّ سُلطانه بها، وفرض بها فروضًا من البَرْبَر وغيرهم، وخرج منها حتى بلغ سُرْت وحسُن أمره فِي وِلايته، فبعث إِلَيْهِ صاحب تُوزن بحبَاسة بْن يوسف رجُل من البَرْبَر من كُتامة، فكان مواقفًا لَهُ، قد انتصف كلّ واحد منهما وامتنع من صاحبه، وعزم تَكِين عَلَى صرف أَبِي النَّمِر أحمد بْن صالح عمَّا يتولَّاه ببَرْقة، وعقد عليها لخير المنصوريّ، وبلغ حبَاسة خبره، فبعث إلى أَبِي النَّمر وهو مُوافقه: ما الَّذِي يحمِلك عَلَى حربنا وأنت معزول.
فبعث إِلَيْهِ بكتاب ورد عليه من مصر بذلك، فانصرف أَبُو النَّمِر إلى بَرْقَة وتبِعه حباسة، ثمَّ رحل أَبُو النَّمِر من بَرْقَة يُريد مِصر، ونزل حَباسة عليها، وخرج خير المنصوريّ إلى بَرْقَة ومعه عَبْد العزيز بْن كُلَيب الجرَشيّ، فوقع بينهما تشاجر، فنفِس كلّ واحد منهما الوِلاية عَلَى صاحبه وتجافَيا، فظفر بهما حَباسة وهزمهما جميعًا، وانصرفا إلى مِصر منهزمَيْن، وكتب تكِين كِتابًا إلى صاحب إِفريقيَّة عَلَى لِسان أمير المؤمنين المُقتدِر يدعوه فِيهِ إلى الطاعة والتمسُّك بها، وجمع وجوه أهل مِصر، فقرأه عليهم،
(1/194)

وأنفذه إليهم وذلك فِي سنة ثلاثمائة.
وخرج رجُل بمَدْين، زعموا أنَّه من آل أَبِي طَالِب، فخرج إِلَيْهِ محمد بْن طاهر صاحب الشُّرَط، فأتى بِهِ، فطيف بِهِ لأربع عشرة خلت من شعبان سنة ثلاثمائة.
وأمر تكِين فِي يوم نَوْرُوز ومَهْرَجان بجمع المؤنَّثين، وأمرهم بإظهار المعازف والمزامير والطبُول، وشهَّرهم فِي لِباسهم، وطافوا الفُسطاط عَلَى المسجِد الجامع كَانَ ذَلكَ يوم الثلاثاء لسبع خلونَ من ذي القعدة سنة ثلاثمائة.
وقدِم نحرير الخادم من العِراق فِي إخراج ابن أَبِي قماش كاتب تكِين وذلك أنَّه رُفع عَلَيْهِ وكثر، فأخرجه فِي ربيع الأوَّل سنة إحدى وثلاثمائة، ثمَّ سار حَباسة بْن يوسف فِي جيوشه من بَرْقة قاصدًا للإِسكندريَّة فِي مائة ألف أو زيادة عليها، فدخل الإِسكندريَّة يوم السبت لثمان خلونَ من المحرَّم سنة اثنتين وثلاثمائة، وقدِمت الجيوش من المشرِق، فقدِم القاسم بن سِيما إلى مِصر مدَدًا لتَكِين لعشر بقينَ من صفر، ثمّ قدِم أَبُو عليّ الْحُسَيْن بْن أحمد الماذَرائيّ، وأبو بَكْر محمد بْن عليّ بْن أحمد الماذَرائيّ إلى مِصر عَلَى تدبيرها دخلا يوم السبت لسبع خلونَ من ربيع الأوَّل سنة اثنتين وثلاثمائة، وقدِم معهما أحمد بْن كَيْغلَغ، وأبو قابوس محمد بْن حمك فِي جمع من القُوَّاد، ثمَّ خرج ابن عمرون عَلَى مقدَّمة تَكِين إلى الجِيزة، وخرج تَكِين فِي جيُوشه إلى الجِيزة، فعسكر بها وسار حَباسة من الإِسكندريَّة، فعسكر بمَشْتُول، فنُودي بالنفير فِي الفُسطاط يوم الثلاثاء لعشر بقينَ من جمادى الآخرة، فلم يتخلَّف عَن الخروج إلى الجِيزة أحد من الخاصَّة والعامَّة، ثمَّ انصرفوا عشيًّا ولم يكُن لِقاء، ثمَّ نُودي بالنفير من الغد يوم الأربعاء، فخرج الناس أيضًا ثمَّ لم يكن لِقاء، ثمَّ نُودِي يوم الخميس، فخرج الناس خروجًا لم يُرَ مِثله قطّ فِي الاجتماع والنشاط وحُسن البصيرة، وأتاهم حَباسة فِي جيشه يومئذ فيما بين الظُّهر والعصر، فالتقَّوا وكثُرت القتلى منهم، وقُتِلت رجَّاله حَباسة كلُّهم، ثمَّ منَّ اللَّه وله الحمد بهزيمتهم، ومنح أهل مِصر أكتافهم، ومضَوا عَلَى وجوههم
(1/195)

هاربين، ورأَوا من اجتماع الناس ونصر اللَّه ما لم يُسمع بِمثله، ومضى جمع من الرعيَّة، فاتبعوهم وعبروا خلفهم خليج بُوهَه واختلط الظَّلام، فخرج عليهم كمين الحَباسة بعد المغرِب، فاقتطع طائفةً منهم، فقتل منهم يرحمهم اللَّه نحوًا من عشرة آلاف، وأصبح الجُند يوم الجمعة عَلَى مصافّهم بالجيزة، ثمَّ نُودِي بالنفير يوم الجمعة صلاة المغرِب، فاضطرب الناس لذلك اضطرابًا شديدًا، وخرج الرعيَّة إلى الجِيزة ليلتهم كلّها كخروجهم بالأَمس، ثمَّ عادوا إلى الفُسطاط فِي غداة يوم السبت ولم يكن لِقاء.
قَالَ نافع بْن محمد بْن عمرو:
أَلَا شُقَّ جَيْبَ الصَّبْرِ إِنْ كُنْتَ مُوجَعًا ... وَلَا يُلْفِ لَاحٍ فيكَ لِلْعَذْلِ مَطْمَعَا
لِمَا دَهِمَ الإِسْلَامَ مِنْ فَجْعِ حَادِثٍ ... تَهُمُّ لَهُ أَرْكَانُهُ أَنْ تَضَعْضَعَا
لِمَصْرَعِ إِخْوَانٍ عَلَى الدِّينِ صُرِّعُوا ... لِنُصْرَةِ دِين اللهِ يَا لَكَ مَصْرَعَا
فَمَاتُوا كِرَامًا مَا اسْتُضِيمُوا أَعِزَّةً ... يُلَاقُونَ فِي اللهِ الأَسِنَّةَ شُرَّعَا
أَلَمْ تَرَهُمْ يَوْمَ الخَمِيسِ وَقَدْ غَدَا ... عَدُوُّهُمْ فِيمَنْ أَعَدَّ وَجَمَّعَا
وَقَدْ صَاحَ فِيهِمْ بِالنَّفِيرِ أَمِيرُهُمْ ... فَجَاءُوا سِرَاعًا حَاسِرينَ وَدُرَّعَا
فَصَادَمَهُمْ فِي النَّاكِثِين فَأَبْدَءُوا ... وَكَانَ حَمَاةُ الدِّينِ أَعْلَى وَأَمْنَعَا
فَوَلَّى بِخِزْيٍ طُوِّقَتْهُ كُتَامَةٍ ... وقَدْ سُقِيَتْ كَأْسًا مِنَ المَوْتِ مُتْرَعَا
أُلُوفٌ أَبَادَ القَتْلُ جَمَّ عَدِيدِهِمْ ... فَأَمْسَوْا طَعَامًا لِلْكِلَابِ وَمَرْتَعَا
تَرَى القَوْمَ صَرْعَى فِي الحُلافِي جَوَاثِمَا ... كَأَعْجَازِ نَخْلٍ بِالْبَقِيعِ تَقَلَّعَا
وَطِيفَ بِهَامِ الفَاسقِينَ عَلَى الْقَنَا ... وَبُضِّعَ مِنْ لَحْمَاتِهِمْ مَا تَبَضَّعَا
وَكَانَتْ لِحِزْبِ الْكُفْرِ إِذْ ذَاكَ عِطْفَةٌ ... فَقُتِّلَ مِنْ أَشْيَاعِنَا مَنْ تَسَرَّعَا
فَصَلَّى عَلَى تلك النُّفُوسِ مَلِيكُهَا ... وَعَوَّضَهَا أَبْقَى ثَوَابٍ وَأَنْفَعَا
وقال ابن مِهْران:
وَأَيُّ وَقَائِعٍ كَانَتْ بِسَفْطِ ... أَلَا بَلْ بَيْنَ مَشْتُولٍ وَسَفْطِ
وَقَدْ وَافى حَبَاسَةُ فِي كَتَامٍ ... بَكُلِّ مُهَنَّدٍ وَبِكُلِّ خِطِّي
وَقَدْ حَشَدُوا لِمِصْرَ وَدُونَ مِصرِ ... لَهُ خَرْطُ الْقَتَادِ وَأَيَّ خَرْطِ
وَأَقْبَلَ جَاهِلًا حَتَّى تَخَطَّى ... وَجَازَ بِجَهْلِهِ حَدَّ التَّخَطِّي
(1/196)

بِكُتْبِ جَماعَةٍ قَدْ كَاتَبُوهُ ... مِنَ اقْبَاطٍ بِمِصرَ وَغَيْرِ قِبْطِي
وَكُلٌّ كَاتَبُوهُ وَنَافَقُونَا ... وَكُلٌ فِي الْبِلادِ لَهُ مُوَطِّي
وَوَافَانَا سُلَيْمَانُ بْنُ كَافِي ... يَخُطُّ الأَرْضَ فِي غَيْرِ الْمَخَطِّ
وَحَفَّتْ بِالأَميرِ لَهُ رُمَاةٌ ... مِنَ الأَتْرَاكِ مِمَّنْ لَيْسَ يُخْطِي
وَلَا سِيمَا وَعَنْ قِسيٍ صِلَابٍ ... وفسان وَمَدَّ بِالتَّمَطِّي
فَوَافَى الخَائِنَ الْمَجْدُولَ مِنَّا ... سِهَامًا للمَقَاتِلِ لَسْنَ تُخْطِي
فَكَمْ بِالْجِسرِ مِنْ رَأْسٍ وَكَفٍّ ... وَمَصلُوبٍ وَمشدُودٍ بِشُرْطِ
وَمَرّ لَنَا مَعَ الإِقْبَالِ يَوْمٌ ... شَفَى مَا فِي الْقُلُوبِ لِكُلِّ مِلْطِ
فَقُلْ لِحَبَاسَةٍ إِنْ كُنْتَ عَنَّا ... مَضَيْتَ فَإِنَّ قَتْلَكَ لَيْسَ يُبْطِي
بِحَوْلِ اللهِ ذَاكَ فَصَدِّقُونِي ... وَهذِي رُقْعَتي لَكُمُ بِخَطِّي
فكان الأمر كما قَالَ ابن مِهران: قتله صاحبه بعد رجوعه إِلَيْهِ، وأقبل مُؤنس الخادم من العِراق فِي جيوشه، فدخلها يوم الإثنين للنصف من شهر رمضان، ومعه جمع من الأُمَراء سار بهم معه، ونزل الحَمْراء، ولقِي الناس من جُنده كلّما كرِهوا، ثمَّ أمر أحمد بْن كَيْغَلَغ بالخروج إلى الشام فِي شهر رمضان، فصُرف تكِين عَنْ صلاتها يوم الخميس لأربع عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثمائة، صرفه مُؤنِس عَنْهَا، وأمره بالخروج، فخرج يوم السبت لسبع خلونَ من ذي الحجَّة، وأقام مُؤنِس بالفُسطاط يُدعى الأُستاد.

ذَكا الأَعور
ثمَّ ولِيَها ذَكا الأعور من قِبَل المُقْتدِر بالله عَلَى صلاتها، دخلها يوم السبت لثنتي عشرة ليلة خلت من صفر سنة ثلاث وثلاثمائة فجعل عَلَى شُرَطه محمد بْن طاهر، ثمَّ خرج مُؤنِس الخادم منها فِي جميع جيوشه يوم الخميس لثمان خلونَ من ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاثمائة،
(1/197)

وخرج ذَكا إلى الإسكندريَّة بعد خروج مُؤنِس، وخرج القاسم بْن سِيما إلى الشام لأربع عشرة خلت من المحرَّم سنة أربع وثلاثمائة، وقدِم ذَكا من الإِسكندريَّة إلى الفُسطاط لثمان خلونَ من ربيع الأوَّل سنة أربع وثلاثمائة وجعل عَلَى الإِسكندريَّة ابنه مُظفَّر بْن ذَكا.
وتتَّبع ذَكا كل من يُوما إِلَيْهِ بمكاتبَة صاحب إِفريقيَّة، فسجن كثيرًا منهم، وقطع أَيدي قوم وأرجُلهم، وجلا أهل لُوبِية ومَراقِية إلى الإسكندريَّة فِي شوَّال سنة أربع وثلاثمائة خوفًا من أتى مديني صاحب بَرْقَة، فبعث ذَكا بجمع من القُوَّاد مرّةً بعد أخرى إلى الإسكندريَّة.
وفسد ما بين ذَكا وبين الرعيَّة، وذلك أن الرعيَّة كتبوا عَلَى أبواب المسجد الجامع، ذِكر الصحابة والقُرآن فرضِيَه جمع من الناس وكرِهه آخرون، وكان محمد بْن طاهر صاحب الشُّرَط مُعينًا لأهل المسجِد والرعيَّة عَلَى ذَلكَ، فاجتمع الناس لأربع عشرة خلت من رمضان سنة خمس وثلاثمائة إلى دار ذَكا بالمُصلَّى القديم يتشكَّرونه عَلَى ما أذِن لهم فِيهِ، فوثب الجُند بالناس، وحرَّضهم عَلَى ذَلكَ محمد بْن إسماعيل بْن مُخلَّد، فنُهِب قوم وجُرج آخرون، وأقبل ابن مُخلَّد من الغد إلى المسجِد الجامع، فلم يترك شيئًا ممَّا كُتب عَلَيْهِ حتى محاه، ونهب الناس فِي المسجِد والأسواق، وأفطر الجُند يومئذٍ.
وعزل ذَكا محمد بْن طاهر عَن الشُّرَط وجعل مكانه وَصِيف الكاتب يوم الثلاثاء لستّ عشرة خلت من رمضان سنة خمس وثلاثمائة.
ثمَّ وقع الاختلاف بين المُظفَّر بْن ذَكا بالإسكندريَّة وبين بَرْبَر البُحَيْرة، فخرج عَنْهُمْ مُظفَّر إلى تَرُوجة، ثمَّ رجع إلى الإسكندريَّة، وسارت مُقدَّمة صاحب إِفرِيقيَّة إلى لُوبِية ومراقية، فهرب أهل الإسكندريَّة منها وجلَوا عَنْهَا، وخرج منها مُظفَّر بْن ذَكا فِي خمسة، ودخلت مُقدَّمة ابن صاحب إفريقيَّة إليها يوم الجمعة لثمان خلونَ من صفر سنة سبع وثلاثمائة، وهرب أهل القُوَّة من الفُسطاط إلى الشام فِي البرّ والبحر، فهلك أكثرهم بفِلَسطِين وذكا مُقيم بالفُسطاط، قد خالفه الجُند، وأبوا الخروج معه إلى الجيزة وامتنعوا، وسأَلوا العَطاء.
واجتمع قوم من أهل المسجِد، فصاروا إلى ذَكا، فسألوه الخُروج إلى الجِيزة،
(1/198)

والمُقام بها.
فوعدهم ذَلكَ، ثمَّ خرج إليها، فعسكر بها للنصف من صفر سنة سبع وثلاثمائة فِي طائفة يسيرة.
وقدِم الْحُسَيْن بْن أحمد الماذَرائي واليًا عَلَى خَراجها فِي صفر، فخرج إلى الجِيزة ووضع العطاء بها، وجدّ ذَكا فِي أمر الحرب، وأمر ببناء الحِصن عَلَى الجِسر الغربيّ بالجِيزة ملاصِق مسجِد هَمْدان، واحتفر خَنْدقًا خندق بِهِ عَلَى عسكره وعلى الجِيزة وذلك فِي صفر سنة سبع، وعزل وصِيف الكاتب عَن الشُّرَط يوم الإثنين لخمس بقين من صفر، وردّ محمد بن طاهر مكانه، ثمَّ مرِض ذَكا وهو مقيم عَلَى مصافّه بالجِيزة، وتُوفّي بها عشيَّة الأربعاء لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخِر سنة سبع، ودُفن فِي مقبُرة الفُسطاط، فكانت إِمرته عليها أربع سنين وشهرًا.

أَبُو منصور تَكِين الثانية
ثمَّ ولِيَها أَبُو منصور تكِين الثانية من قِبَل المُقتَدِر بالله عَلَى صلاتها، فتسلَّم لَهُ خليفته، وقد حضر أَبُو قابوس محمود بْن حمك يوم الأحد لثمان خلونَ من ربيع الأوَّل ونزل الجِيزة، وقدِم إبراهيم بْن كَيْغَلَغ يوم الثلاثاء لسبع بقينَ من ربيع الآخر، ودخل تَكِين واليًا عليها يوم الخميس لإحدى عشرة خلت من شعبان سنة سبع ونزل الجِيزة، وحفر خَنْدَقًا ثانيًا، وجعل عَلَى شُرَطه محمد بْن طاهر، وأقبلت مراكب صاحب إفرِيقيَّة قاصدةً إلى الإسكندريَّة عليها سُلَيْمَان الخادم، فبعث ثمل الخادم صاحب مراكب طُرْسُوس، فأتى فِي مراكبه إلى رشِيد، فلقِي سُلَيْمَان الخادم لعشر بقِينَ من شوَّال سنة سبع وثلاثمائة، فاقتتلوا وبعث اللَّه الربح عَلَى مراكب سُلَيْمَان، فألقتها إلى البرّ فتكسَّرت، وأُخذ مَن فيها أَخذًا باليد وأسرهم ثمل، وقتل منهم خلقًا كثيرًا واستأمن إِلَيْهِ من بقِيَ، ودخل بهم الفُسطاط، فأنزلهم المَقْس يوم الإثنين لأربع بقِينَ من شوَّال سنة سبع، ومعه سُلَيْمَان الخادم وكلّ رئيس كَانَ فِي تِلْكَ المراكب، فأمر تَكِين بتمييز الأُسارى، فأطلق أهل القَيْرَوان، وطَرابُلُس، وبَرْقَة، وصِقِليَّة، وميّز كُتامة وزَوِيلة ناحيةً، ثمَّ أَذِن للناس فِي قتلهم، فقتلهم الجُند والرعيَّة، كانت عِدَّة القتلى سبعمائة أو نحو ذَلكَ، ودخل ثمل الفُسطاط ومعه سُلَيْمَان فطيف بِهِ مقيَّدًا، وبرُؤَساء المراكب وهم مائة وسبعة عشر وذلك يوم الثلاثاء لثلاث بقِينَ من شوَّال.
(1/199)

وأقبل مُؤنِس الخادم إلى مِصر، دخلها يوم الخميس لخمس خلونَ من المحرَّم سنة ثمان وثلاثمائة، فنزل الجِيزة، فعسكر بها وكان فِي نحو من ثلاثة آلاف، فبعث بإبراهيم بْن كَيْغَلَغ إلى جزيرة الأُشمُونَيْن، وكان بها، وأقبل عبد الرحمن بن صاحب إِفريقيَّة من الإسكندريَّة إلى الفَيُّوم، فنزلها ومات إبراهيم بْن كَيْغلَغ بالبَهْنَسي مُستَهلّ ذي القعدة سنة ثمان وثلاثمائة، وظهر تكين عَلَى جمع تعاقدوا بالفُسطاط عَلَى الخُروج ليلة الختم من شهر رمضان، فيهم: ابن المَدِينيّ القاصّ، ونفَر معه، فهرب ابن المدِينيّ، ثمَّ ظفِر بِهِ فِي دار إسرائيل، فأخذه وملكت البَرْبَر جزيرة الأُشمُونَيْن كلّها مَعَ الفَيُّوم، وأزالوا عَنْهَا جُند بن كَيْغَلَغ، ثمَّ دخل جنيّ الخادم المعروف بالصَّفْوانيّ إلى الفُسطاط سلخ ذي الحجَّة، فعسكر بالجِيزة، وبعث مُؤنِس بأَبي قابُوس محمود بْن حمك إلى ذات الصفا من الفَيُّوم، فقتل نفَرًا من البَرْبَر وغنم غنائمَ، ثمَّ انصرف إلى الجِيزة سنة تسع وثلاثمائة.
ومضى ثمل الخادم فِي مراكبه إلى إِسْكندريَّة وبها ابن بعله أميرًا عليها، ثم ظفِر بهم ثمل وهرب ابن بعله، ودخل ثمل الإسكندريَّة، فنفى أهلها إلى رَشِيد وذلك فِي المحرَّم سنة تسع وثلاثمائة، ورجع ثمل إلى الفُسطاط، فمضى فِي مراكبه إلى اللاهُون، وسار مُؤِنس وتَكِين فِي عسكرهما وعلى مقدَّمتها جنيّ الصَّفْوانيّ يوم الخميس لثمان عشرة خلت من صفر سنة تسع، فدخلوا مدينة الفَيُّوم، ومضى ابن صاحب إِفرِيقيَّة إلى تَهْنَمت وأَقْنَى، ثمَّ مضى هاربًا إلى بَرْقَة ولم يكن بينهم لِقاء، فرجع مُؤِنس وتِكَين إلى الجِيزة يوم السبت لأربع خلونَ من ربيع الأوَّل سنة تسع.
وصُرف تِكِين عَنْ مِصر يوم الأحد لثلاث عشرة خلت من ربيع الأوَّل سنة تسع وثلاثمائة، وولَّى مُؤِنس عليها أَبَا قابُوس محمود بْن حمك، فأقام عليها أيَّامًا، ثمَّ ردّ تَكِين عليها يوم الجمعة لخمس بقينَ من ربيع الأوَّل، فأَقام أربعة أيَّام، ثمَّ صرف تَكِين عَنْهَا سلخ ربيع الأول، وأَمره مُؤنِس بالخروج عَنْهَا إلى الشام، فخرج فِي أربعة آلاف من أهل الديوان.
قَالَ ابن مِهران:
وَلِيتَ وِلَايَةً وَعُزِلْتَ عَنْهَا ... كَمَا قَدْ كُنْتَ تَعْزِلُ مَنْ تُوَلِّي
رَحِمْتُكَ يَا أَبَا مَنْصُورَ لَمَّا ... خَرَجَْ كَذا بِلَا عَلَمِ وَطَبْلِ
فلمَّا ولِيَها تكين بعد ذَلكَ أمر فرَّاشًا، فضمّ ابن مِهران ضمَّةً كانت فيها نفسه.
(1/200)

هِلال بْن بدر
ثمَّ وليَها هِلال بْن بَدْر من قِبَل المُقتدر عَلَى صلاتها، دخلها يوم الإثنين لستّ خلونَ من ربيع الآخر سنة تسع وثلاثمائة، فأقرّ محمد بْن طاهر عَلَى الشُّرَط، وخرج مُؤنِس منها يوم السبت لثمان عشرة خلت من ربيع الآخر ومعه أَبُو قابوس، وخرج ثمل فِي مراكبه ومعه الأسارَى: سُلَيْمَان الخادم، وأبو خليل، وغيرهم.
ثمَّ شغب الجُند عَلَى هِلال بْن بدر فِي أرزاقهم، وخرجوا إلى مُنية الأَصبغ وصُلح أمر الفُرسان، واجتمعت الرجَّالة والبحريّين إلى محمد بْن طاهر صاحب الشُّرَط، وكان صاحبهم والمستولي عَلَى أُمورهم، وتحقَّق هِلال ابن بَدْر فَساد أمرهم من قِبَله، فطلبه، فاستتر ثمَّ ظهُر عَلَيْهِ وعلى أخيه أَبِي الفتح أحمد بْن طاهر، فمُضي بهما إلى هِلال، فقتلهما لأربع بقينَ من صفر سنة عشر وثلاثمائة.
وجعل هِلال عَلَى الشُّرَط عليّ بْن فارس سبعة أيَّام، ثمَّ صرفه وجعل مكانه كَنجُور يوم الثلاثاء لسبع بقِينَ من ربيع الأوَّل سنة عشر، وكانت مِصر فِي أيَّام هِلال من النهب والقتل والفَساد عَلَى نِهاية، ثمَّ صُرف عَنْهَا فِي ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، وخرج منها لثلاثٍ بقينَ من ربيع الآخر.
(1/201)

أحمد بْن كَيْغَلَغ
ثمَّ ولِيَها أحمد بْن كَيْغَلَغ من قِبَل المُقتدِر عَلَى صلاتها، قدِمها ابنه الْعَبَّاس خليفةً لأبيه مستهلّ جمادى الأولى سنة إحدى عشرة، فأقرّ كَنجُور عَلَى الشُّرَط، وأقبل أحمد بْن كَيْغَلَغ، ومعه محمد بْن الْحُسَيْن بْن عَبْد الوهَّاب الماذَرائيّ عَلَى الخَراج، فنزلا المُنية لأيَّامٍ بقِيَت من رجب سنة إحدى عشرة، فأحضر الجُند، ووضع العطاء وأسقط كثيرًا من الرجَّالة، فشغب الرجَّالة، وخرجوا إلى ابن كَيْغَلَغ فتنحَّى عَنْهُمْ إلى فاقُوس، وعزم محمد بْن الْحُسَيْن بْن عَبْد الوهَّاب عَلَى التوجّه إلى الشام، فخرج إِلَيْهِ الجُند، فأدخلوه الفُسطاط لثمان خلونَ من شوَّال سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، وبَقي أحمد بن كَيْغَلَغ بموضِعه، ثمَّ صُرف عَنْهَا، وقدِم رسول تَكِين بولايته عليها.

أَبُو منصور تَكِين الثالثة
ثمَّ ولِيَها تَكين المرَّة الثالثة من قِبَل المُقتدِر عَلَى صلاتها، قدِمها الرَّسُول بإِمرته يوم الخميس لثلاث خلونَ من ذي القعدة سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، فأقرّ كَنجُور عَلَى الشُّرَط، وأسقط كثيرًا من الرجَّالة الَّذِي أثبتهم هِلال بْن بَدر وهم كانوا أهل الشغب والنهب والشرّ، ونادى فيهم ببَراءَة الدِّمَّة ممَّن أقام بالفُسطاط منهم، واجتمع الناس إلى تكين يشكرونه عَلَى ما فعل بهم.
وعزل كَنجُور عَن الشرَط يوم الأربعاء لليلتين خلتا من المحرَّم سنة ثلاث عشرة
(1/202)

وجعل مكانه قِزِل تكين، ثمَّ عزل قِزِل تَكِين وجعل مكانه وَصِيف الكاتب يوم الخميس للنصف من صفر سنة ثلاث عشرة، ثمَّ عزل وَصِيف الكاتب وجعل مكانه بَجْكَم الأعورَ يوم السبت لثلاث بقِينَ من رجب سنة سبع عشرة.
وصلَّى تَكين الجمعة فِي دار الإِمارة وترك حضور الجمعة فِي المسجدَيْن جميعًا فِي سنة سبع عشرة وثلاثمائة.
ثمَّ كَانَ قتل المُقتدِر فِي شوَّال سنة عشرين وثلاثمائة، وبويع أَبُو منصور القاهر بالله فأقرّه عليها، ثمَّ مات تَكِين بمصر وهو واليها يوم السبت لستَّة عشرة خلت من ربيع الأوَّل سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وأُخرج بِهِ فِي تابوت إلى بيت المَقْدِس، فكانت إمرته هذه الثالثة عليها تسع سنين وشهرين وخمسة أيَّام.
وجعل ابنه محمد بْن تَكين فِي موضِعه، وأقام أَبُو بَكْر محمد بْن عليّ الماذرَائيّ بأمر البلد كله، ونظر فِي أعماله، فشغب الجَند عَلَيْهِ فِي طلَب أرزاقهم، وأحرقوا دُوره ودور أهله.
وخرج محمد بْن تَكين، فعسكر فِي مُنية الأَصْبغ ورحل إلى بُلْبَيْس، فبعث إِلَيْهِ محمد بْن عليّ يأمره بالخروج عَنْ أرض مِصر، وعسكر الجُند الذين بالفُسطاط بباب المدينة وأقاموا هناك وذلك سلخ ربيع الأوَّل سنة إحدى وعشرين، ولحِق محمد بْن تَكِين بالشام، ثمَّ أقبل سائرًا إلى مِصر يذكر ولايته إيَّاها من قِبَل القاهر، فامتنع محمد بْن عليّ فِي ذَلكَ، واستجاش بالمَغاربة ورئيسهم حَبَشيّ بْن أحمد السلَمي يُكنَّى أَبَا مالك، فخرج حَبَشيّ يمنع محمد بْن مسيره إليها، وأقام بجُرجير.

أَبُو بَكْر محمد بْن طُغْج
ثمَّ ولِيَها أَبُو بَكْر محمد بْن طُغْج من قِبَل القاهر بالله عَلَى صلاتها، ورد الكتاب
(1/203)

بوِلايته عليها يوم الأحد لسبع خلون من شهر رمضان سنة إحدى وعشرين، ودُعي لَهُ بها وهو إذ ذاك مُقيم بدِمَشْق، فكانت وِلايته عليها اثنين وثلاثين يومًا ولم يدخلها.

أحمد بْن كَيْغَلَغ الثانية
ثمَّ ولِيَها أحمد بْن كَيْغَلَغ وِلايته الثانية عليها من قِبَل القاهر بالله، قدم الرَّسُول بذلك يوم الخميس لسبع من شوَّال سنة إحدى وعشرين واستخلف أَبَا الفتح محمد بْن عيسى النُّوشَري، فأقرّ بجكَم الأَعور عَلَى الشُّرَط، وشغب الجُند فِي طلَب أرزاقهم عَلَى محمد بْن عليّ الماذَرائيّ صاحب الخَراج، فاستتر منهم، فأحرقوا داره ودُور أهله، وصرف بجكم عَن الشُّرَط وجعل مكانه الحُسين بْن مَعقِل يوم الأحد لأربع بقِينَ من شوَّال سنة إحدى وعشرين، فردَّه محمد بْن عليّ الماذَرائيّ إلى الشرط، فحارب الجُند بجكم بالجزيرة والجِيزة، فانهزم منهم، وعاد ابن مَعقِل إلى الشُّرَط، ثمَّ نزع الشيطان بين الجُند فتفرَّقوا فِرقتين، فكان عَلَى أهل الشرق منهم حبكويه، وعلى المَغاربة حَبَشيّ بْن أحمد، واجتمعت كل فِرقة عَلَى قتال الأُخرى، فالتقّوا يوم الثلاثاء لخمس خلونَ من ذي الحجَّة سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة عند المُصلَّى الجديد، فاقتتلوا، فقُتِل من المَغاربة نحو من أربعين رجُلًا، وانهزم المَغاربة، فلجأَ أكثرهم إلى الجِيزة، وتبِعهم حَبَشيّ بْن أحمد بعسكر فيهم، ثمَّ سار بهم إلى الصعيد، فنزل سُيُوط، ثمَّ عاد حَبَشيّ فِي المَغاربة إلى الجيزة سلخ صفر سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، فخرج إِلَيْهِ من كَانَ بالفُسطاط من الجُند، فعسكروا بالجِيزة مستهلّ ربيع الأوَّل سنة اثنتين وعشرين، ومضى قوم من أهل مِصر إلى حَبَشيّ، فسأَلوه الصُّلح وجمع كل منهم إِلَيْهِ، فالتقّوا يوم الثلاثاء لثمان خلونَ من ربيع الأوَّل سنة اثنتين وعشرين بالجِيزة، فتوافقوا وجرى بينهم الصُّلح، فكرِه ذَلكَ حبكويه، فانضمّ فِي أصحابه إلى الجِيزة، وأقام الآخرون فِي الجزيرة، فبينا هُمْ فِي ذَلكَ أتاهم محمد بْن تَكِين من فِلَسطين، فصبَّحهم يوم الأحد لثلاث عشرة خلت من ربيع الأوَّل سنة اثنتين وعشرين، فنزل الجزيرة مَعَ الجُند، وأظهر كتابًا بوِلايته، فأنكر ذَلكَ أَبُو بَكْر محمد بْن عليّ الماذَرائيّ، وبعث محمد بْن تَكِين إلى حَبَشيّ ومن معه يأمرهم بالدخول فِي طاعته، والانقياد إِلَيْهِ، فأَبَوا ذَلكَ.
(1/204)

محمد بْن تَكين
ودُعي لمحمد بْن تَكِين بالإِمارة، وعزل الْحُسَيْن بْن مَعقِل عَن الشُّرَط، وولَّى مكانه بجكم الأَعوَر، ورجع حَبَشيّ فِي أصحابه إلى الصَّعيد ولحِق بِهِ محمد بْن عيسى النُّوشَري، فأمَّروه عليهم، وهم عَلَى الدُّعاء لأحمد بن كَيْغَلَغ، ثمَّ عدَّى حَبَشيّ النيل وأصحابه إلى الشرقيَّة، وأقبلوا إلى الفُسطاط، فعسكر محمد بْن تَكين من بِركة المَعافر إلى الفَجّ، ثمَّ أَتت طائفة من المغاربة، فلقِيَت عسكر محمد بْن تَكين ليلة السبت لستّ خلونَ من ربيع الآخر سنة اثنتين وعشرين، فقُتل من الفريقين جماعة، ثمَّ التقَوا من الغد. . . . . . . .، فانهزمت المَغاربة، ورجع محمد بْن تكين، فنزل دار الإمارة.
وأقبل أحمد بْن كَيْغَلغ إلى مِصر وأتت المَغاربة إلى الجِيزة، فنزلوا بُولاق، وعقد محمد بْن تَكين لحبكويه، وأحمد بْن بدر السُّمَيساطيّ على ألف من الجُند فِي طلَب المغاربة حيث كانوا، فالتقَوا فِي شَرقيُون فِي بلقيه يوم السبت لتسع بقينَ من جمادى الآخرة سنة اثنتين وعشرين، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فانهزم حبكويه، وأحمد بْن بدر، وأصحابهما، واتّبعهم المَغاربة فقتلوا منهم خلقًا كثيرًا، ثمَّ عدّى المَغاربة النيل، فصاروا إلى بُلْبَيْس، فعسكر محمد بْن تَكين بباب المدينة ولحِق بجكَم بالمَغاربة، فجعل محمد بْن تَكين عَلَى الشُّرَط الْحُسَيْن بْن عليّ بْن مَعقِل، وأقبل أحمد بْن كَيْغَلَغ، فنزل المُنية يوم الخميس لثلاث خلونَ من رجب سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، فانضمَّت إِلَيْهِ المَغاربة ولحِق بِهِ كثير من أصحابه محمد بْن تَكِين، فأمّنهم، ومضى محمد بْن تَكِين فِي النيل وترك عسكره، فأصبح أصحابه وهم لا يُحِسّونه، فلحِقوا كلهم بأحمد بْن كَيْغَلَغ، ودخل أحمد بْن كَيْغَلَغ الفُسطاط يوم الأحد لستّ خلونَ من رجب سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، فصرف ابن مَعقِل عَن الشُّرَط وردّ بجكَم الأعوَر مُقام محمد بْن تَكِين بالفُسطاط مائة يوم واثني عشر يومًا.
(1/205)

أحمد بْن كيغَلَغ
ثمَّ وردت الأخبار بخلع القاهر بالله ووِلاية أَبِي العبَّاس الراضي بالله بن المُقتدِر، فعاد محمد بْن تَكِين، فألقى إلى الناس أن أمير المؤمنين الراضي بالله ولَّاه مِصر، فأقبل فِي جمع معه، فخرج إِلَيْهِ حَبَشيّ بْن أحمد فِي المَغاربة، فالتقَوا فيما بين فاقُوس وبُلْبَيْس بموضِع، يقال لَهُ: الطواحين، فاقتتلوا، فانهزم محمد بْن تكين وأُسر، وبُعث بِهِ إلى الفُسطاط، فأُخرج إلى الصعيد.
وخرج بجكَم إلى الحجّ، فجُعل مكانه عَلَى الشُّرَط محمد بْن زياد الَّذِي، يقال لَهُ: كوجك ثمَّ عُزل سلخ ربيع الأوَّل سنة ثلاث وعشرين، فجُعل عَلَى الشُّرَط محمد بْن عيسى النُّوشَري.
ووردت الأخبار بمسير محمد بْن طُغِج إلى مِصر، وأن الراضي بالله عقد لَهُ عَلَى وِلايتها، فبعث أحمد بْن كَيْغَلَغ بحَبَشيّ بْن أحمد فِي المَغاربة إلى الفَرَما ليمنع محمد بْن طغْج من المسير.
ووقعت الرعيَّة بصاحب الشُّرَط محمد بْن عيسى النُّوشَري، فصرفه أحمد بْن كَيْغَلَغ عَن الشُّرَط وجعل مكانه سَعِيد بْن عثمان غُلام الأحول، ثمَّ أقبلت مراكب محمد بْن طُغْج، فدخلت تَنِّيس عليها صاعد بن كَلملم، وسارت مُقدَّمته فِي البرّ، ودخل صاعد إلى دِمْياط، وعزم أحمد بن كَيْغَلَغ عَلَى التسليم إلى محمد بْن طُغْج، فأبى ذَلكَ محمد بْن عليّ الماذَرائيّ وانتظر ما يأمر بِهِ السُّلطان، وبعث بحَبَشيّ ليمانعه، وبعث بعليّ بْن بدر فِي المراكب، فلقي صاعد بْن كَلملم ببوش من أرض سَمَنُّود عَلَى بُحَيرة ترسا، فاقتتلوا، فانهزم عليّ بْن بدر وذلك لسبع عشرة خلت من شعبان سنة ثلاث وعشرين، وأقبل صاعد فِي مراكبه إلى الفُسطاط، فكان فِي جزيرة راشد وبالجزية، ثمَّ مضى منحدِرًا فِي النيل إلى أسفل الأرض ليلة الثلاثاء شعبان، وأقبل محمد بْن طُغْج، فعسكر أحمد بْن كَيْغَلَغ للنصف من شهر رمضان، فخرج إلى محمد بْن طُغْج، فخرج إلى محمد بْن طُغج كثير من الجُند مستأْمنين، وعاد صاعد بْن كَلملم، فنزل الجزيرة يوم الأحد لعشر بقينَ من شهر رمضان ولحِق سَعِيد بْن عثمان صاحب الشُّرَط بمحمد بْن طُغْج، فجُعل بجكَم مكانه، والتقى محمد بْن
(1/206)

طُغْج، وأحمد بْن كَيْغَلَغ يوم الأربعاء لسبع بقينَ من شهر رمضان، فكفّ أحمد بْن كَيْغَلَغ عَن القتال وسلَّم إلى محمد بْن طُغْج، وتكفَّفا جميعًا، وكرِه حَبَشيّ والمَغاربة جميعًا المُقام مَعَ محمد بْن طُغْج، فركِبوا طريق الشرقيّة، ومعهم: بَجكم، وعليّ بْن بدر، ونظيف الموسوي، وعليّ المغربيّ.

محمد بْن طُغْج الثانية
ثمَّ ولِيَها محمد بْن طُغْج الثانية من قِبَل الراضي بالله عَلَى صلاتها وخراجها، يوم الخميس لستّ بقينَ من رمضان سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، وجعل عَلَى شُرَطه سَعِيد بْن عثمان.
ولحِق حَبَشيّ وأصحابه بالفَيُّوم، فخرج إليهم صاعد بْن كَلملم فِي مراكبه يوم السبت لثلاث خلونَ من شوَّال سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، ثمَّ قدِم أَبُو الفتح الفَضْل بْن جَعْفَر بْن محمد بْن فُرات مُكشّفًا، وقدِم بالخِلَع، فخُلِعت عَلَى محمد بْن طُغْج، ودخل صاعد كَلملم فِي مراكبه إلى المَنْهَى، ثمَّ صار إلى الفَيُّوم، فاقتتل مَعَ حَبَشيّ، فكان بينهم قتلى، ثمَّ ظفِر حَبَشيّ بصاعد، فأسره وقتله، وقتل أصحابه وذلك لتسع بقينَ من شوَّال، ثمَّ مضى حَبَشيّ من الفَيُّوم إلى الإسكندريَّة فِي جيشه، وسار عليّ بْن بَدْر، وبَجْكم فِي المراكب التي كانت لصاعد، فصبَّحوا الفُسطاط أوَّل يوم من ذي القعدة سنة ثلاث، فأَرَسوا بجزيرة الصِّناعة فشعَّثوها، ثمَّ مضَوا إلى جزيرة راشد، وركِب محمد بْن طُغْج فِي جيشه، فوقف بحِيالهم، ثمَّ انحدروا إلى الإسكندريَّة آخر النهار ولقوا حَبَشيّ وأجمعوا عَلَى اللَحاق ببَرْقَة، فساروا إليها وكتبوا إلى صاحب إفريقيّة يستأْذنونه فِي الدخول فِي عمَله ويسأَلونه أن يبعث إليهم بجيش يأخذون بِهِ مِصر، فإنَّهم يعلَمون وجوه الحرب، وكيف الوصول إليها، فبينا هُمْ فِي ذَلكَ تُوفّي حَبَشيّ بْن أحمد بالرَّمادة فِي صفر سنة أربع وعشرين، وبعث إليهم صاحب إِفريقيّة بجيش أمرهم بالمسير معهم إلى مصر وبلغ ذَلكَ محمد بْن طُعْج، فأمر بإخراج العساكر إلى الإِسكندريَّة والصعيد وذلك فِي ربيع
(1/207)

الأوَّل سنة أربع وعشرين، وسار بجكم عَلَى مقدَّمة أهل المغرِب، فدخل الإسكندرية فِي ربيع الآخر سنة أربع، وبعث الأمير محمد بْن طُغْج بأخيه الْحَسَن، وصالح بْن نافع فِي الجيوش إلى الإسكندريَّة لثمان بقينَ من ربيع الآخر سنة أربع، فالتقَّوا مَعَ أهل المغرب وعليهم رجُل، يقال لَهُ: يعيش من كُتامة، وآخر، يقال لَهُ: أَبُو تازرت كُتاميّ، فالتقَوا فيما بين تَرُوجة، وأبلُوق لخمس خلونَ من جمادى الأولى، فانهزمت المغاربة، وقُتِلوا قتلًا ذريعًا، وأُسِر منهم جمع كبير من وجوههم، وقُتِل أميرهم يَعِيش، ودخل الْحَسَن بْن طُغْج، وصالح بْن نافع الإسكندريَّة، فقتلوا مَن بها منهم ولحِق بجكم ومن معه ببَرْقَة، وسكنوا رَمادة وهو فِي سُلطان صاحب إِفرِيقيّة، ثمَّ قفل الجيش مَعَ الْحَسَن بْن طُغْج، وصالح بْن نافع، فنزلوا الجِيزة ومعهم الأُسارى فِي جمادى وهم مائة رجُل وأربعة رجال وبأربعة آخرين من وجوههم، قد أُفرِدوا عَنْ أولئك فيهم رئيس لهم، يُقال لَهُ: عامر المجنون، فسُجِنوا ولم يُقتَلوا، وخرج الفَضل بْن جَعْفَر بْن فُرات إلى الشام لليلة خلت من جمادى الآخرة، ثمَّ قدِم الفُسطاط يوم الخميس لخمس بقينَ من المحرَّم سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، ثمَّ تُوفّي بالرَّملة يوم الأحد لثمان خلونَ من ربيع الأوَّل سنة سبع وعشرين وثلاثمائة.
وورد الكتاب بالزيادة فِي اسم الأمير محمد بْن طُغْج فلُقّب بالإِخْشيد، ودُعي لَهُ بذلك عَلَى المِنبَر فِي شهر رمضان سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، ووردت الأخبار بمسير محمد بْن رائق إلى الشامات، ففرض محمد بن طُغْج الفروض، وبعث بمراكبه إلى الشام، وأطلق عامر المجنون مَعَ الطائفة الأُسارى الذين أُسروا يوم بلُوق وذلك فِي ذي القعدة سنة سبع، وبعث محمد بْن طُغْج بِعمران بْن فارس إلى الشام فِي جيش، ثمَّ أتى الخبَر بدخول محمد بْن رائق إلى دِمَشق، وأن عُبَيْد اللَّه بْن طُغْج سار إلى الرَّملة، فسُلِّمت إِلَيْهِ فِي ذي القعدة، وعسكر الأمير محمد سلخ ذي الحجَّة، ثمَّ سار إلى الشام فِي المحرَّم سنة ثمان وعشرين واستخلف أخاه الْحَسَن عليها، ونزل الأمير الفَرَما،
(1/208)

فأتاه الْحَسَن بْن طاهر بْن يحيى العلَويّ يسأَله الصُّلح، فبعث بعليّ بْن محمد بْن كلا ليوافق محمد بْن رائق عَلَى ذَلكَ، ثم تمَّ بينهما الصُّلح عَلَى أن يسلّم ابن رائق الرَّملة، ويخرج عَنْهَا، وقدِم الأمير محمد بْن طُغْج من الفَرَما إلى الفُسطاط يوم الخميس مُستهلّ جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين.
وقدِم بجكم الأَعور وعليّ المغربيّ من بَرْقَة مُستأْمَنيْن إلى الأمير فأمَّنهما.
وَتُوفّي سَعِيد بْن عثمان صاحب الشُّرَط للنصف من صفر سنة ثمان وعشرين، فقام غُلامه بَدر مَقامه إلى تسع بقينَ من جمادى الأولى، فصُرف وجُعل مكانه شادن مولى الفَضل بْن جَعْفَر بْن فُرات، ثمَّ صُرف لستّ خلونَ من شعبان سنة ثمان وعشرين وجُعل مكانه عليّ بْن سُبك.
وأقبل محمد بْن رائق من دِمَشق فِي شعبان سنة ثمان، فبعث الأمير بالجيوش إلى الرَّملة، ثمَّ خرج الأمير محمد بْن طُغْج متوجهًا إلى الشام، فعسكر يوم الأربعاء لستّ عشرة خلت من شعبان وسار يرِيد الرَّملة، فالتقى مَعَ محمد بْن رائق يوم الأربعاء للنصف من شهر رمضان بالعَرِيش، فكانت بينهما وقعة عظيمة، واضطربت مَيسرة محمد بْن طُغْج وانهزم مَن فيها، ثمَّ كرَّ عليهم محمد بْن طغْج بنفسه، وطائفة من أصحابه وغِلمانه، فهزمهم وأسر كثيرًا منهم، وأثخنهم قتلًا وأسرًا، ومضى ابن رائق منهزمًا وتبِعه الأمير محمد بْن طُغْج إلى الرَّملة، فدخلها وأتى بالأَسرى إلى الفُسطاط، فطيف بهم وهم نحو من خمسمائة رجُل لليلتين خلتا من شوَّال.
وسار الْحُسَيْن بْن طُغج يُكنى أَبَا نصر من الرَّملة فكان باللَجُّون، فسرى عَلَيْهِ محمد بْن رائق، فقتل أَبَا نصر الْحُسَيْن بْن طُغج يوم الثلاثاء لإحدى عشرة خلت من ذي القعدة سنة ثمانَ وعشرين وثلاثمائة، ثمَّ تداعى محمد بْن طُغْج، ومحمد بْن رائق إلى الصُّلح أيضًا، فمضى ابن رائق إلى دِمَشْق عَلَى صُلح.
وقدِم الأمير محمد بْن طُغج إلى الفُسطاط يوم الخميس لثلاث خلونَ من المحرَّم سنة تسع وعشرين، فصرف عليّ بْن سُبك عَن الشُّرَط لثمان بقينَ من ربيع الآخر سنة تسع وعشرين، وولَّى مكانه الْحُسَيْن بْن عليّ بن مَعقِل، ثمَّ صرفه للنصف من رجب وجعل
(1/209)

مكانه ينال الحاكي، وأتى الخبَر بموت الراضي بالله، وبيعة إبراهيم بْن المُقتدِر وسُمّي المتَّقي لله يوم الجمعة لسبع خلونَ من شعبان سنة تسع وعشرين، وورد كتاب المتَّقي عَلَى محمد بْن طُغْج بإقراره عَلَى وِلايته يوم الخميس لستّ بقينَ من شوَّال سنة تسع، وصرف ينال الحاكي عَن الشُّرَط وردّ إليها عليّ بْن سُبك وِلايته الثانية يوم الإثنين لأربع خلونَ من ذي الحجَّة سنة تسع، وورد الخبر بمقتل محمد بْن رائق بالموصِل قتله بنو حَمْدان فِي سنة ثلاثين وثلاثمائة، فبعث الأمير محمد بْن طُغْج بجيوشه إلى الشام مَعَ عليّ بْن محمد بْن كلا، وصرف عليّ بْن سُبك عَن الشُّرَط وجعل مكانه أحمد بْن مُوسَى بْن زغلمان لمستهلّ رمضان سنة ثلاثين.
ثمَّ عسكر الأمير محمد بْن طُغْج وأجمع عَلَى الخروج إلى الشام، ثمَّ سار لستّ خلونَ من شوَّال سنة ثلاثين واستخلف عَلَى الفُسطاط أخاه أَبَا المظفَّر، وخلا الفُسطاط من الجُند، فخرج محمد بْن يحيى بْن محمد بْن أحمد بْن عبد الله بْن مُوسَى بْن عليّ بْن أَبِي طَالِب الَّذِي، يقال لَهُ: ابن السراج، فمضى إلى الصعيد، فخرج بشَرُونَه وصار إلى غربيّ النيل، فنهب سُمُسْطا وذلك فِي ذي القعدة سنة ثلاثين، ومضى عَلَى وجهه فلحِق طريق المغرِب، فصار إلى سُلطان صاحب إفريقيَّة.
وصُرف أحمد بْن مُوسَى بْن زغلمان عَن الشُّرَط، وقدِم محمد بْن داود رجُل من أصحاب ابن رائق، فتسلَّم الشُّرَط يوم الثلاثاء لثمان خلونَ من جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثين، ثمَّ قدِم الأمير محمد بْن طُغج ونزل البُستان يوم الأحد لثلاث عشرة خلت من جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة، وتُوفّي محمد بْن داود يوم الأربعاء لستّ بقين من جمادى الأولى سنة اثنتين وثلاثين فجعل مكانه عَلَى الشُّرَط مُظفَّر بْن العبَّاس الجَيْشانيّ، ووردت الأخبار بمسير المتَّقي لله إلى الشامات ومعه بنو حمْدان،
(1/210)

فأمر الأمير بِمضْرَبه، فأُخرج لثمان خلونَ من رجب سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، ثمَّ سار إلى الشام يوم الأربعاء لستّ خلون من رمضان سنة اثنتين وثلاثين واستخلف أخاه الْحَسَن بْن طُغْج عَلَى الفُسطاط، ومضى محمد بن طُغْج إلى الرَّقَّة، فلقِيَ المتَّقي بالله وأقام فِي عسكره، ثمَّ رجع إلى مِصر فنزل البُستان يوم الخميس سلخ ربيع الآخر من جمادى الأولى، وأتى الخبر بسمل المتَّقي وخلعه، وبيعة عبد الله بْن المُكْتفي وسُمِّي المُستكفي يوم الجمعة لسبع خلونَ من جمادى الآخرة، فأقرّه عليها.
وبعث الأمير بفاتِك وكافُور غُلامَيه فِي الجيوش إلى الشام، وقدِمت وفاة عُبَيْد اللَّه بْن طُغْج من الرَّمْلة فِي جمادى الآخرة، وخرج محمد بْن طُغْج إلى الشام يوم السبت لخمس خلون من شعبان سنة ثلاث وثلثين واستخلف أخاه الْحَسَن عليها، والتقى أصحاب الأمير محمد بْن طُغْج مَعَ عليّ بْن حَمدان بْن حمدون، والأمير مُقيم بلُدّ من أرض فِلَسْطين، وصرف المظفَّر بن العبَّاس عَن الشُّرَط يوم الإثنين لستّ بقينَ من ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثين وجعل مكانه لؤلؤ الغموريّ، ثم سار الأمير فلقِي عليّ بن حمدان بأرض حِمْص، فاقتتلوا، ومضى محمد بْن طُغْج إلى حَلَب، فدخلها وخلع المُستكفي، ودُعي للمطيع لله بمصر وهو الفضل بْن جَعْفَر المُقتدِر بالله يوم الجمعة لثلاث خلونَ من شوَّال سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وصُرف لؤلؤ الغوريّ عَن الشُّرَط للنصف من ذي الحجَّة سنة أربع وثلاثين وجعل مكانه عليّ بْن سُبك بولايته الثانية، وعاد الأمير إلى دِمَشق، فأقام بها، وتُوفّي الأمير محمد بْن طُغج بدِمَشْق لثمان بقينَ من ذي الحجَّة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وورد الخبر بوفاته إلى الفُسطاط يوم الإثنين لليلتين خلتا من المحرَّم سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة.
(1/211)

أَبو القاسِم أنوُجُور بْن الإِخْشِيد
ثمَّ ولِيَها أَبُو القاسم أنُوجُور بْن الإِخْشيد باستخلاف أبيه الإِخْشِيد عليها يوم ورد الخبَر بموت أبيه، وكان أَبُو المُظفر الْحَسَن بْن طُغْج بمصر، وقبض عَلَى أَبِي بَكْر محمد بْن عليّ بْن مُقاتِل يوم الثالث من المحرَّم سنة خمس وثلاثين، وجعل مكانه أَبَا بَكْر محمد بْن عليّ بْن أحمد الماذَرائيّ، وراح الأمير أَبُو القاسم أنُوجُور إلى الجامع يوم الجمعة ثالث عشر المحرَّم، ودُعي لَهُ فِيهِ وحده، وقدِم الحاج يوم الأربعاء خامس وعشرين المُحرَّم، ثمَّ كَانَ النيرُوز للقبْط موافقًا ليوم السبت ثامن وعشرين المُحرَّم، فمنع الناس من صبّ الماء، وقدِم العسكر يوم الثلاثاء أوَّل صفر سنة خمس وثلاثين، وخلع يوم الأربعاء عَلَى أَبِي عليّ الْحُسَيْن بْن محمد بْن عليّ الماذرائيّ، وخرج أَبُو المُظفَّر إلى المِضرَب يوم الأحد رابع عشر ربيع الأوَّل، وكان الارتفاع من المشرق،. . . . . . . والطالع العقرب، فأقام فِيهِ أيَّامًا، ثمَّ رحل والعسكر معه يوم الثلاثاء حادي وعشرين شهر ربيع الأوَّل، وكان مُقام العسكر بِمصر شهرًا واحدًا واحد وعشرين يومًا، وقُرئ يوم الجمعة أوَّل ربيع الآخر عَلَى مِنبَر الجامع كتاب من المطيع لله إلى الأمير أَبِي القاسم أنُوجُور يعزّيه فِيهِ عَن الإِخْشيد.
وقدِم محمد بْن يحيى بْن محمد بْن أحمد بْن عبد الله بْن مُوسَى بْن عبد الله بْن عليّ بْن أَبِي طَالِب المعروف بالسراج من المغرِب يوم الإثنين ثامن عشر ربيع الآخر سنة خمس وثلاثين، فأخبر وتقدَّم إِلَيْهِ بالخروج واللَحاق بالعسكر، فخرج بعد أيَّام، وتُوفّي بالرَّملة.
وكان والي الحرب بالأُشْمُونَين غَلْبُون، فتظلَّم التُّجَّار منه، وأذاعوا أَنَّهُ يُريد أن يثور بها، فتجهَّز إِلَيْهِ شادن فِي جماعة من الجُند، وكان خروجه يوم الإثنين سلخ جمادى الآخرة سنة خمس، فكبس غَلْبُون لشادن فِي السحَر، فقتل جماعةً من أصحابه، وأفلت شادن بنفسه.
(1/212)

وبُعثت أُسارَى ابن حَمدان، وزُينت الأسواق، وأُدخل بالأُسارَى من المساء يوم الأحد السادس، وخلع عليّ بْن صالح بْن نافع، وعرَّفنا أن الوقعة كانت بينهم يوم الثلاثاء أربع وعشرين جمادى الأولى، وأنه انهزم بين الظُّهر والعَصر من أَكْسال بنواحي الأُردُنّ، ودخل ابن طُغْج إلى دِمَشق بعد كسرته لابن حَمدان.
ولمَّا عاد شادن إلى الفُسطاط بعد كبسه أصحابه وقتلهم، بُعث إِلَيْهِ عسكر كثيف مَعَ الْحُسَيْن بْن لُؤلؤ، وتكين الخاقانيّ، وغيرهم، وشغب الأجناد فِي طلَب الأرزاق، ثمَّ ساروا إلى غَلْبُون، فخالفهم فِي الطريق وجاء إلى الفُسطاط، وقاتل من بقي منها من الغِلْمان ودخلها، ونزل دار الإمارة، ثمَّ كرَّت عَلَيْهِ الغِلْمان والعساكر، فخرج إلى الشرقيَّة، وتجمَّعت العساكر ولحِقته، وكانت بينهم مَقْتلة شديدة، فقُتل غَلْبُون فِي معْركتها، ونُصِب رأسه بالمُصلَّى لخمس بقين من ذي الحجَّة سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، فطيف بالأُسارى ولم يُحجّ فِي هذه السنة لاشتغالهم بغَلْبُون.
وقدِم كافور من الشام فِي الجُيوش، وجرت وحشة بين الأمير أنُوجُور وبين كافور، ثمَّ صلح الأمر بينهما، وعزل تكين الخاقانيّ عَن الشُّرْطة، وولَى نصر العالي، وأظهر الظُّلم والقَسوة، وعُزل فِي سنة أربع وأربعين.
وفي سنة سبع وأربعين وثلاثمائة وقع بين الأمير أنُوجُور وبين كافُور مُنافَرة ووحشة، ثمَّ مضى إِلَيْهِ الأمير وانصلح الحال، وولي الشُّرَطة بدر غُلام يانس فِي سنة إحدى وخمسين، وتُوُفّي أنوُجُور بْن الإِخْشِيد يوم الأحد لثمان خلونَ من ذي القعدة سنة تسع وأربعين وثلاثمائة.
(1/213)

أَبُو الْحَسَن عليّ بْن الإِخْشِيد
أَبُو الْحَسَن عليّ بْن الإِخْشِيد، دُعي لَهُ يوم الجِمعة ثالث عشر ذي القعدة سنة تسع وأربعين وثلاثمائة، والناظر فِي البلَد والمستولي عَلَى الدولة كافُور، والإمرة لعليّ إلى سنة خمس وخمسين، فتُوُفّي لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرَّم سنة خمس وخمسين، وعُمره يومئذٍ ثمان وعشرون سنة ونصف، وحُمل فِي تابوت إلى البيت المُقَدَّس، ودُفِن مَعَ أخيه ووالده بباب الأسباط.

كافُور
واستبدّ كافُور بالأمر بعد موت عليّ بْن الإِخْشِيد، ودُعي باسمه عَلَى المنابر فِي المحرَّم سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، ووردت رُسُل المُطِيع وخِلَعهُ وهداياه وقيد وسُوار، ورُفِعت المطارد عَلَى رأسه، ووافت رُسُل صاحب هَجَر القَرْمَطيّ إلى كافُور ومعهم نحو المائتي حِمل من مَتاع الحاجّ الذين قطع عليهم بنو سُلَيم، فأمر بردّه إلى الحاجّ وسُلّم إليهم.
ولمَّا تمَّ لكافُور مُلك مِصر، والحَرمَين، ولِبس الخِلَع، ولُقِّب، وطُوّق، وسُوّر، لم يعِش بعد ذَلكَ سِوى مائة يوم، وتُوُفّي كافُور فِي جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وثلاثمائة.
(1/214)

أَبُو الفوارس أحمد بْن عليّ بْن الإِخْشِيد
وأجمع الرأي بعد وفاته عَلَى وِلاية أَبِي الفوارس أحمد بْن عليّ بْن الإِخْشِيد، فحسُنت سِيرته، وأمر برفع الكُلَف والمُؤَن، وتعطيل المواخير، والأمر بالمعروف، والنهي عَن المُنْكَر، ونقص النيل، وكثُر الغلاء فِي أيَّامه، واشتدّ حتى أكل الناس الجِيَف والكِلاب.
ووافى الخبَر من الرَّمْلة، بأن الْحَسَن بْن عُبَيْد اللَّه بْن طُغْج خالف وأخذ البيعة لنفسه، وقبض عَلَى أموال كافُور بالرَّمْلة، وجاء القائد جَوْهَر على الفُسطاط، فخرج الناس للِقائه، فدخل بعد عصر يوم الثلاثاء سابع عشر شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة.
وخطب للمُعِزّ يوم الجمعة عَلَى المنابر بِمصر فِي السنة، وجلس جُوْهَر للمظالم وأحسن السِّيرة، وجاء المُعِزّ من المَغرب إلى الديار المصريَّة، فدخل يوم الثلاثاء سادس رمضان سنة اثنتين وستّين وثلاثمائة.
(1/215)

[كتاب القضاة]
أخبار قُضاة مِصر
لأبي عُمَر محمَّد بْن يوسف الكِنديّ رِواية أَبِي محمَّد عبد الرحمن البزَّار عفى اللَّه عَنْهُمَا قَالَ محد بْن عليّ بْن يوسف بْن جلب راغب المعروف بابن ميسَّر فِي تاريخه: وفي ليلة العاشر من صفر سنة ستّ عشرة وأربعمائة تُوفّي بمصر أَبُو محمد عبد الرحمن بْن عُمَر البزَّار المعروف بابن النحَّاس، وصلَّى عَلَيْهِ قاضي القضاة ابن أَبِي العوَّام، وكان لَهُ من العُمر يومئذٍ اثنتان وتسعون سنة وشهران، وهو آخر من حدَّث عَن ابن أَبِي مطر، آخر كلام ابن ميسَّرة، وذكره عبد الله بْن أحمد المَقْدِسيّ عفى اللَّه عَنْهُمَا.
(1/216)

أخبرنا أَبُو محمد عبد الرحمن بْن عُمَر بْن محمد بْن سَعِيد البرَّار المعروف بابن النحَّاس قِراءَةً عَلَيْهِ، قَالَ: قَالَ لنا أَبُو عُمَر محمد بْن يوسف بْن يعقوب الكِنْديّ: هذا كتاب تسمية قُضاة مِصر عَلَى اسم اللَّه وعونه وصلَّى اللَّه عَلَى محمد النبيّ وآله وسلَّم.

قَيْس بْن أَبِي العاصِ
كَانَ أوَّل قاضٍ قضى بمصر قيس بْن أَبِي العاص بْن قيس بْن عَبْد قيس بْن عَدِيّ بْن سعد بْن سَهْم بْن عَمْرو بْن هَصَيص بْن كَعْب بْن لُؤَيّ بن غالب بْن فِهْر.
حَدَّثَنَا بِذَلِكَ عَاصِمُ بْنُ رَازِحِ بْنِ رَحْبٍ الْخَوْلانيّ، عَنْ يَحْيَى بْن عُثمان بْن صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ لَيْث، وَابْن لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، قَالَ: «أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بِتَوْلِيَةِ قَيْسِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الْقَضَاءَ» ، قَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ قَالَ: يَزِيدُ هُوَ أَوَّلُ قَاضٍ قَضَى بِهَا فِي الْإِسْلَام
حَدَّثَنَا أَبُو عُمَر مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْكِِنْدِيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي مُعَاوِيَةَ التُّجِيبيّ،
(1/217)

قَالَ: حَدَّثَنِي خَلَف بْن رَبِيعَةَ بْنِ الْوَلِيدِ الحَضْرَميّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدّه، قَالَ: سأَلتُ عَلِيَّ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ قَيْسِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ السَّهْميّ: " مَن ولَّى جَدّك قيسًا الْقَضَاءَ.
قَالَ: كَتَبَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِتَوْلِيَتِهِ أَوَّلَ سَنَةِ ثَلاثٍ وَعِشْرِينَ، فَولِيَ الْقَضَاءَ إِلَى رَبِيعٍ الأَوَّلِ سَنَةَ ثَلاثٍ وَعِشْرِينَ، ثُمَّ مَاتَ.
فَكَانَتْ وِلايَتُهُ نَحْوًا مِنْ ثَلاثَةِ أَشْهُرٍ "

كَعْب بْن يَسار بْن ضِنَّة
حَدَّثَنَا أَبُو عُمَر بْن يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمة أُسامة بْن أَبِي السَّفْحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ الْهَيْثَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَيْوَة بْن شُرَيح، قَالَ: أَخْبَرَنَا الضحَّاك بْن شُرَحبِيل الغافِقي، أَنَّ عَمَّارَ بْنَ سَعْدٍ التُّجِيبي، أَخْبَرَهُمْ «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنْ يَجْعَلَ كَعْبَ بْنَ ضِنَّة عَلَى الْقَضَاءِ» .
فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عَمْرٌو بِكِتَابِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ كَعْبٌ: وَاللَّهِ لا
(1/218)

يُنْجِيهِ اللَّهُ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّة وَمَا كَانَ فِيهَا مِنَ الْهَلاكِ.
ثُمَّ يَعُودُ فِيهَا أَبَدًا.
فَأَبَى أَن يَقْبَلَ الْقَضَاءَ، فَتَرَكَهُ عَمْرٌو رَحِمَهُ اللَّهُ

عثمان بْن قيس بْن أَبِي العاصِ
قَالَ: اختصم نفَر من جُذام إلى عبد الله بْن سعد بْن أَبِي سَرْح، فقال لهم: ارتفعوا إلى القاضي عثمان بْن قَيس فلتجدُنَّه مستضلِعًا يحمِل أثقالكم.
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي يحيى بْن أَبِي مُعاوية، قَالَ: حَدَّثَنِي خلَف، عَنْ أبيه، عَن ابن لَهِيعة، قَالَ: «مات عثمان بْن قَيس بْن أَبِي العاص بعد قتل عثمان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فلم يكُن بمصر قاضٍ حتى قام مُعاوية»
حَدَّثَنَا محمد، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمّي الْحُسَيْن بْن يعقوب، عَنْ أحمد بْن يحيى بن وزير، عَنْ عَبْد العزيز بْن أَبِي مَيْسرة، عَنْ أبيه، قَالَ: «لم يكن بمصر قاضٍ بعد قتل عثمان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلى إِمرة مُعاوية سنة الجماعة»

سُلَيم بْن عِتْر التُّجِيبيّ
ثمّ ولِيَ القضاء بها سُلَيم بْن عِتْر التُّجِيبيّ سنة أربعين من قِبَل مُعاوي، وكان قبل القضاء قاصًا، فجُمعا لَهُ.
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي يحيى بْن أَبِي مُعاوية، قَالَ: حَدَّثَنِي خلَف، عَنْ أبيه،
(1/219)

قَالَ: أخبرنا أشياخنا، «أن أوَّل من قصّ بِمصر سُلَيم بن عِتْر التُّجِيبيّ سنة تسع وثلاثين، ثُمَّ لمَّا كَانَ عام الجماعة سنة أربعين ولَّاه مُعاوية القضاء»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ التُّجِيبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِي، قَالَ: أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَجَّاجُ بْنُ شَدَّادٍ الصَّنْعَانِيُّ، أَنَّ أَبَا صَالِحٍ سَعِيدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْغِفَارِيَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّ سُلَيْمَ بْنَ عِتْرٍ كَانَ يَقُصُّ عَلَى النَّاسِ وَهُوَ قَائِمٌ، فَقَالَ لَهُ صِلَةُ بْنُ الْحَارِثِ الْغِفَارِيُّ وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَاللَّهِ مَا تَرَكْنَا عَهْدَ نَبِيِّنَا، وَلا قَطَعْنَا أَرْحَامَنَا حَتَّى قُمْتَ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا عليّ بْن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد بْن عُفَير، عَنْ أبيه، قَالَ: «كَانَ سُلَيم بْن عِتْر قاص الجُند زمان عمرو بن العاصِ، وكان ممَّن شهِد خُطبة عُمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بالجابِيَة، وحضر فتح مِصر»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ قُدَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَن ابْنِ أَنْعُم، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ سُلَيم بْن عِتْر، قَالَ: «سَجَدَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي سُورَةِ الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ» صَحّ ثَلاثَة

كعب بْن ضِنَّة فِي قول آخر
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْكِنْدِيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا خلَف بْن رَبيعة، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَن الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ، " أَنَّ كَعْبَ بْنَ ضِنَّةَ الْعَبْسيّ وَهُوَ ابْنُ بِنْتِ خَالِد بْنِ سِنَانٍ الْعَبْسِيّ الَّذِي، يُقَالُ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ نَبِيًّا، وَكَانَ كَعْبُ بْنُ ضِنَّةَ حَضَرَ َفتَحَ مِصْرَ، وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنْ يُوَلِّيَهُ الْقَضَاءَ، وَكَانَ كَعْبَ حَكَمًا فِي الْجَاهِلِيَّة، فَامْتَنَعَ كَعْبٌ مِنْ ذَلكَ، فَقَالَ عَمْرٌو: لا بُدَّ مِنَ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ
(1/220)

لأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَاقْضِ بَيَن النَّاسِ حَتَّى أَكْتُبَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ.
فَقَضَى كَعْبٌ حَتَّى أَعْفَاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنَ الْقَضَاءِ "، قَالَ رَبِيعَةُ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ السَّائِبِ بْنِ عَنْبَسَةَ بْنِ السَّائِبِ بْنِ كَعْبِ بْنِ ضِنَّةَ: أَنَّ كَعْبًا قَضَى بِمِصْرَ شَهْرَيْنِ ثُمَّ وَرَدَ كِتَابُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَعَزَلَهُ، قَالَ رَبِيعَةُ: وَإِنَّما سُمِّيَ سُوق بَرْبَر بِمِصْرَ لِنُزُولِ الْبَرْبَرِ عَلَى كَعْب بْن ضِنَّة وَوَلَدِهِ، فَنُسِبَ الْمَوْضِعُ إِلَيْهِمْ لأَنَّ الْبَرْبَرَ يَزْعُمُون أنَّ خَالِد بْنَ سِنان العَبْسيّ بُعِث إِلَيْهِمْ، وَكَانَ كَعْبَ بْن ضِنَّة بْن بِنْت خَالِد، فَمَا الْعَرَب. . . . . . . . وَكَثِير مِنَ البَرْبَر فِي مَوَالِيهِ، وَخَالِدٌ صَاحِبُ نَارِ الْحَدَثانِ

عثمان بْن قَيْس بْن أَبِي العاص فِي قول آخر
ثمَّ وليَ القضاء بها عثمان بْن قَيس بْن أَبِي العاص من قِبَل أمير المؤمنين عُمر، وعثمان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي خَالِد بْن رَبِيعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدّه، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ قَيْسِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ جَدَّه عُثْمَانَ وَلَّاهُ عُمَر بْنُ الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْقَضَاءَ بِمِصْرَ فِي سَنَةِ ثَلاثٍ وَعِشْرِينَ،
(1/221)

ثُمَّ قُتِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَأَقَرَّهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الْقَضَاءِ حَتَّى، تُوُفِّيَ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ رَضِيَ عَنْهُ اللَّه فِي الْفِتْنَةِ "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سلَمة، قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بْن عثمان بْن صالح، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَن ابن لَهِيعة، «أن عمرو بْن العاص ولّى القضاء عثمان بن قيس بن أبي العاص، فلم يزل قاضيا حتى قتل عثمان رضي الله عنه»

سليم بن عتر في قول آخر
حدثني علي بن الحسن بن خلف بن قديد، قَالَ: أخبرني عُبَيْد اللَّه بن سَعِيد بْن عُفَير، عَنْ أبيه، قَالَ: حَدَّثَنِي ناجِيَة بْن بَكْر، عَنْ خَيْر بْن نُعَيم، حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بْن هارون بْن حسَّان الأزْديّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد بْن عُفير، عَنْ أبيه، عَن ابن لَهِيعة، عَن الحارث بْن يزيد، قَالَ: «كَانَ سُلَيم بْن عِتْر يختِم القرآن كُلّ ليلة ثلاث مرَّات»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: أخبرنا أَبُو سلَمة، قَالَ: حَدَّثَنَا زيد بْن أَبِي زيد، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنِي الحجَّاج بْن سُليمان، عَن ابن لَهِيعة، عَن الحارث بْن يزيد، قَالَ: قلتُ لَحَنش بْن عبد الله: أخبرني عَنْ قول اللَّه عزّ وجلّ: {كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} [الذاريات: 17] ، قَالَ: «هذه والله صِفة أَبِي عبد الله الحليّ، وسُلَيم بْن عِتْر»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا عليّ بْن قُدَيد، وأبو سلَمة، قالا: حَدَّثَنَا يحيى بْن عثمان، عَنْ زيد بْن بِشْر، عَنْ ضِمام، أن سُلَيم بْن عِتْر كَانَ فِي بعث البحر، قَالَ: «فلمَّا نزلتُ دخلتُ فِي غار، فتعبَّدت فِيهِ سبعًا ولولا أنّي خشِيتُ أن أضعف لأتممتُها عشرًا»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْد الوهَّاب بْن سعد، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن رِشْدِين، قَالَ: حَدَّثَنِي مُرّة الكَلاعيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي ضِمام، عَن الْحَسَن بْن ثَوْبان، قَالَ: ركِب
(1/222)

سُلَيم بْن عِتْر البحر، فلمَّا ثُقلَ نزل، فأقام سبعة أيَّام لا يُدرى أَيْنَ هُوَ ثمَّ جاءَهم، فقالوا لَهُ: أَيْنَ كنت.
فقال: «إني ذهبت إلى هذا الغار، فأقمتُ هذه السبعة شُكرًا لله عزّ وجلّ»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه، عَنْ أبيه، عَنْ خاله القاسم بْن الْحَسَن، أن سُلَيم بْن عِتْر: " كَانَ يصلّي بالليل فيختم القرآن ثمَّ يأتي أهله، ثمَّ يعود فيختم القرآن ثمَّ يأتي أهله، ثمَّ يعود فيختم القرآن ثمَّ يأتي أهله، فلمَّا مات، قَالَتِ امرأَته: رحِمك اللَّه فقد كنت تُرضي ربّك وتسُرّ أهلك "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بْن إسماعيل بْن الفرح، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن سُلَيْمَان، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن عُفير، قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْر بْن مُضَر، قَالَ: " لمَّا مات سُلَيم بْن عِتْر، قَالَت امرأَته فِي جنازته: يرحَمك اللَّه لقد كنتَ تُرضي أهلك، وتُرضي ربّك، فقيل لها: وكيف ذَلكَ؟ قَالَتْ: كَانَ يغتسل أربع مرَّات، ويختِم القُرآن أربع مرَّات فِي الليلة "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَن الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ رَبَاحٍ، حَدَّثَهُ، قَالَ: " قَالَ لِي سُلَيْمُ بْنُ عِتْر: إِذَا لقِيتَ أَبَا هُرَيرة فأَقرِءه مِنِّي السَّلامَ، وَأَخْبِرْهُ أَنِّي قَدْ دَعَوْتُ لَهُ وَلأُمِّهِ.
فَلَقِيتُهُ، فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ: وَأَنَا قَدْ دَعَوْتُ لَهُ وَلأُمِّهِ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ قُدَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْمُغِيرَةِ بْنِ أَخْضَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ قُدَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي مَيْسَرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، «أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ كَتَبَ إِلَى الْقَاضِي سُلَيْمِ بْنِ عِتْر يَأْمُرُهُ بِالنَّظَرِ فِي الْجِراح، وَأَنْ يَرْفَعَ ذَلِكَ إِلَى
(1/223)

صَاحِبِ الدِّيوَانِ» ، وَكَانَ سُلَيْمُ أَوَّلَ قَاضٍ نَظَرَ فِي الْجِرَاحِ وَحَكَمَ فِيهَا.
قَالَ أَبُو مَيْسَرَةَ: فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا أُصِيبَ فَجُرِحَ، أَتَى إِلَى الْقَاضِي وَأَحْضَرَ بَيِّنَتَهُ عَلَى الَّذِي جَرَحَهُ، فَيَكْتُبُ الْقَاضِي بِذَلِكَ الْجُرْحِ قصَّتَهُ عَلَى عَاقِلِهِ الْجَارِحِ، وَيَرْفَعُهَا إِلَى صَاحِبِ الدِّيوَانِ، فَإِذَا حَضَرَ الْعَطَاءُ اقْتَصَّ مِنْ أَعْطِيَاتِ عَشِيرَةِ الْجَارِحِ مَا وَجَبَ لِلْمَجْرُوحِ، وَيُنجَّم ذَلكَ فِي ثَلاثِ سِنِينَ، فَكَانَ الأَمْرُ عَلَى ذَلكَ
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: وأخبرني ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، عَنْ زيد بْن بِشر، قَالَ: " أدركت رجُلًا فِي بيت المال إذا شُجَّ الرجُل أو جُرح بعث بِهِ القاضي إلى ذَلكَ الرجُل، فيقول: هذه مُوضِحة، وهذه مُنقِّلة، وهذه كذا، وهذه كذا، فيكتب القاضي بدِيَة ذَلكَ الجُرح إلى صاحب الخَراج.
قَالَ زيد: وكان عَلَى ذَلكَ الرجُل أرزاق جارية "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي يحيى بْن أَبِي مُعاوية، قَالَ: حَدَّثَنِي خلَف بْن رَبيعة، عَنْ أبيه، قَالَ: حَدَّثَنِي المُفضَّل بْن فَضالة، عَنْ إبراهيم بْن نَشيط، عَنْ عبد الله بْن عبد الرحمن بْن حُجَيرة، قَالَ: " اختُصِم إلى سُلَيم بْن عِتْر فِي مِيراث، فقضى بين الورَثة ثمَّ تناكروا، فعادوا إِلَيْهِ، فقضى بينهم وكتب كتابًا بقضائه، وأشهد فِيهِ شيُوخ الجُند، قَالَ: فكان أوَّل القُضاة بِمصر سجّل سِجِلًّا بقَضائه ".
قَالَ خلَف، عَنْ أبيه، عَنْ أشياخه، فولِيَها سُلَيم بْن عِتْر من سنة أربعين إلى موت مُعاوية بْن أَبِي سُفْيان لسنة ستّين، فكتب يزيد بْن مُعاوية إلى مَسْلَمة بْن مُخلَّد بأخذ البيعة، فامتنع منها عبد الله بْن عمرو بْن العاصِ، فقال عابس بْن سَعِيد المراديّ أَنا لَهُ.
فقدِم الفُسطاط، فأخذه بالبيعة ليزيد
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الْمَلِكِ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي قُبَيْلٍ، قَالَ: " لمَّا تُوُفّي مُعاوية وَاسْتُخْلِفَ يَزِيدُ كَرِهَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، أَنْ يُبَايِعَ لِيَزِيدَ وَمَسْلَمَة بِالإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ مَسْلَمَةُ كُرَيْبَ بْنَ أَبْرَهَةَ، وَعَابِسَ بْنَ سَعِيدٍ، فَدَخَلا عَلَيْهِ وَمَعَهُمَا سُلَيْمُ بْنُ عِتْرٍ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ قَاضٍ وَقَاصٍّ، فَوَعَظُوا ابْنَ عَمْرٍو فِي بَيْعَةِ يَزِيدَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَاللَّهِ لأَنَا أَعْلَمُ بِأَمْرِ يَزِيدَ مِنْكُمْ، وَإِنِّي لأَوَّلُ النَّاسِ.
أَخْبر بِهِ مُعَاوِيَة، أنَّه يُسْتَخْلَفُ وَلَكِنْ أَرَدْتُ أَنْ يَلِيَ هُوَ بَيْعَتِي، وَقَالَ لِكُرَيْبٍ: أَتَدْرِي مَا مَثَلُكَ: إِنَّمَا مَثَلُكَ مَثَلُ قَصْرٍ عَظِيمٍ فِي صَحَرَاءِ غَشِيَه نَاسٌ قَدْ أَصَابَهُمُ الْحَرُّ،
(1/224)

فَدَخَلُوا يَسْتَظِلُّونَ فِيهِ، فَإِذَا هُوَ مَلآن مِنْ مَجَالِسِ النَّاسِ، وَإِنَّ صَوْتَكَ فِي الْعَرَبِ كُرَيب بْن أَبْرَهة وَلَيْسَ عِنْدَكَ شَيْءٌ، وَأَمَّا أَنْتَ يَا عَابِسُ بْنَ سَعِيدٍ فَبِعْتَ آخِرَتَكَ بِدُنْيَاكَ، وَأَمَّا أَنْتَ يَا سُلَيْمُ بْنَ عِتْرٍ قَاصًّا، فَكَانَ مَعَكَ مَلَكَانِ يُفْتِيانكَ ويُذَكِّرَانَكَ، ثُمَّ صِرْتَ قَاضِيًا، فَمَعَكَ شَيْطَانَانِ يُزِيغَانَكَ عَنِ الْحَقّ ويَفْتِنَانكَ "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بْن خلَف، عَنْ أبيه، عَنْ أشياخه، قَالَ: «ثمَّ قدِم مَسْلَمة الفُسطاط، فعزل السائب عَنْ شُرَطه، وولَّى عليها عابس بْن سَعِيد، وعزل سُلَيم بْن عِتْر عَن القضاء وجعله إلى عابس، فجمع لَهُ القضاء والشُّرَط وهو أوَّل من جُمِعا لَهُ، فولِيَها سُلَيم بْن عِتْر إلى أن عُزل عَنْهَا فِي سنة ستّين، فكانت ولايته عليها عشرين سنة»

عابس بْن سعد
ثمَّ ولِيَ القضاء بها عابس بْن سَعِيد المَراديّ من قِبَل الأمير مَسْلَمة بن مُخلَّد سنة ستّين، وولِيَ مِصر سَعِيد بْن يزيد الأَزديّ، فأقرّ عابسًا عَلَى القضاء والشُّرَط جميعًا إلى موت يزيد بْن مُعاوية سنة أربع وستّين، فبايع أهل مِصر ابنَ الزُّبَير، وبعث عليها عبد الرحمن بْن عُتْبة بْن جَحْدَم الفِهْري أميرًا، فأقرّ عابسًا عليها، وسار مَرْوان بْن الحكَم من الشام إلى مِصر، وكان عابس بْن سَعِيد من شِيعة مَرْوان وممَّن يكاتبه بالطاعة ويحرّضه عَلَى المسير إليها مَعَ جمع من وجوه أهل مصر، ثمَّ دخلها مرْوان بصُلح لغرَّة جمادى الأولى سنة خمس وستّين.
(1/225)

فحَدَّثَنِي يحيى بْن أَبِي مُعاوية، قَالَ: حَدَّثَنِي خلَف بْن ربيعة، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، وعبد اللَّه بْن بَكَّار، وزياد بْن يُونِس، عَن ابن لَهِيعة، قَالَ: " لمَّا قدِم مَرْوان مِصر سأَل عَن القاضي.
فقيل: هُوَ عابس بْن سَعِيد.
فدعاه، فقال: أَجمعتَ القُرآن؟ قَالَ: لا.
قَالَ: فتفرِض الفرائض؟ قَالَ: لا.
قَالَ: فتكتب بيدك؟ قَالَ: لا.
قَالَ: فبِمَ تقضي؟ قَالَ: أقضي بما علِمت، وأسأَل عمَّا جهلت.
قَالَ: أنت القاضي "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي السكَن بْن محمد بْن السكَن التُّجِيبيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بْن أَبِي ناجِية المُقري، عَنْ زياد بْن يُونس، قَالَ: حَدَّثَنِي بَكر بْن مُضَر، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر، أن عابس بْن سَعِيد دعاه مَرْوان، فقال لَهُ: أَعَلِمتَ الفرائض؟ قَالَ: لا.
قَالَ: أَفتجمع القُرآن؟ قَالَ: لا.
قَالَ: فكيف تقضي؟ قَالَ: ما علمتُه قضيتُ بِهِ، وما جهِلته سألتُ عَنْهُ.
قَالَ لَهُ: اقضِ بهذا، ثمَّ إنّ مَرْوان سأَله بعد ذَلكَ عَنْ فريضة، فأصاب.
وسأله عَنْ مسألة فِي الطَّلاق، فأصاب وسأَله عَنْ شيء من القُرآن، فأصاب.
فقال مَرْوان: عباد اللَّه، أَلا تعجَبون من عابس، زعم أنَّه لا يُحسِن الفرائض والقُرآن ولكن المؤمن يهضِم نفسه ".
قَالَ عُبَيْد اللَّه: وسأَلتُ حَنَش بْن عبد الله، قلتُ: كيف جُعِل عابس قاضيًا وهو أعرابيّ مَدَريّ؟ قَالَ: إِنَّه جالَس عُقْبة بْن عامر وعبد اللَّه بْن عمرو حتَّى استفرغ عِلمهما.
ثمّ أَقرَّه عَبْد العزيز بْن مَرْوان عَلَى القضاء والشُّرَط، ثمَّ استخلفه حِين خرج إلى الشام
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: فحَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنِي عليّ بن عمرو بْن خَالِد، قَالَ: حَدَّثَنِي أَسَد بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، قَالَ: " استخلف عَبْدُ العزيز عابس بْن سَعِيد وفرض الفرائض، وزاد فِي العَطاء، وحفر خليج عابس، فبُغي عند عَبْد العزيز، وقيل: فرض للمقضامي فِي عشره عشرة وفي سرف العطاء، فقال: ما حملك عَلَى ما فعلت؟ فقال: أحببتُ أن أُثبت وطأَتك ووطأَة أخيك، فإن أردتّ أن تنقضه، فانقضْه.
قَالَ: ما كنَّا لنُغيّر ما فعلتَ.
(1/226)

فولِيَها عَبَّاس إلى أن مات سنة ثمان وستّين، فكانت وِلايته عليها ثماني سنين "

بُشَير بْن النَّضْر
ثمَّ وليّ القضاء بُشَير بْن النَّضْر المُزَنيّ من قِبَل عَبْد العزيز بْن مَرْوان، وكان أَبُو النَّضْر ممّن حضر فتح مِصر، واختطّ بها.
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي محمد بْن ربيع الجِزيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرعة وهَب اللَّه بْن راشد، عَنْ حَيْوة بْن شُريح، قَالَ: أخبرنا جَعْفَر بْن رَبيعة، أن وكان قاضيًا قبل ابن حُجَيرة فِي زمَن عَبْد العزيز، كَانَ بُشَير بْن النَّضْر المُزَنيّ، يَقُولُ: فِي قوله تعالى: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} [البقرة: 233] ، قَالَ: «الوارث هُوَ الصبي»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن أَبِي مُعاوية، قَالَ: حَدَّثَنِي خلَف بْن رَبيعة عَنْ أبيه، عَن ابن لَهِيعة، قَالَ: " ولَّى عَبْد العزيز بْن مَرْوان القضاء بُشَير بْن النَّضْر وهو رجُل من مُزَينة، فقال: ما لبِث حتَّى مات ".
قَالَ ربيعة: فسأَلت أهله مَتَى مات؟ فقالوا: فِي سنة سبعين أو تسعين وستّين
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، قَالَ: «تُوُفّي عابس بْن سَعِيد سنة ثمان وستّين، وجُعل مكانه عَلَى القضاء بُشَير بْن نَضْر، ثمَّ تُوُفّي بُشَير بْن النَّضْر سنة تسع وستّين»

عبد الرحمن بْن حُجَيرة
ثمَّ ولِيَ القضاء عبد الرحمن بْن حُجَيرة من قِبَل عبد العزيز بْن مَرْوان.
حَدَّثَنَا محمد
(1/227)

بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي يحيى بْن أَبِي مُعاوية، قَالَ: حَدَّثَنِي خلَف بْن ربيعة، عَنْ أبيه، عَنْ جَدّه الوليد بْن سُلَيْمَان، قَالَ: «كَانَ عبد الرحمن بْن حُجَيرة فقيهًا من أَفقه الناس فولَّاه عَبْد العزيز القضاء» ، فسأَلت سَعِيد بْن السائب بْن عبد الرحمن بْن حُجَيرة من ولَّى جَدّك القضاء؟ قَالَ: لا أدري غير أنّي رأَيت قضيَّة عند آل قَيْس بْن زُبَيد الخَوْلانيّ.
تاريخها شهر رمضان سنة سبعين، ولا أعلَم أني رأَيت أقدم منها
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد بْن عُفَير، عَنْ أبيه، عَنْ أشياخه، " أن عبد الرحمن بْن حُجَيرة لمَّا ولِيَ القضاء بلغ أَبَاهُ ذَلكَ وكان بِفلَسْطِين، فقال: إِنَّا لله وإنَّا إِلَيْهِ راجعون هلك الرجُل "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا السكَن بْن محمد التُّجِيبيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن أَبِي ناجِيَة، قَالَ: حَدَّثَنِي زياد بْن يُونُس، عَنْ غَوْث بْن سُلَيْمَان، قَالَ: لمَّا ولَّى عَبْد العزيز بْن مَرْوان عبد الرحمن بْن حُجَيرة القَصَص خُبّر أَبُوهُ بذلك، وكان بالشام، فقال: الحمد لله ذكر ابني وذكَّر.
فلمَّا ولَّاه القضاء، أُخبر أَبُوهُ بذلك، فقال: هلك ابني وأَهلك "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَن ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مِصْرَ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ
(1/228)

مَسْأَلَةٍ، فَقَالَ: «مِنْ أَيِّ الأَجْنَادِ أَنْتَ؟» قَالَ: مِنْ أَهْلِ مِصْرَ.
قَالَ: «تَسْأَلُنِي وَفِيكُمُ ابْنُ حُجَيْرَةَ»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي عليّ بْن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، عَنْ أبيه، عَن ابن لَهِيعة، عَنْ مُوسَى بْن وَرْدان، قَالَ: " سَأَلت ابن المُسَيَّب عَنْ مسأَلة.
فقال لي: من أَيْنَ أنت؟ قلتُ: من أهل مِصر.
قَالَ: تسأَلني وفيكم ابن حُجَيرة "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رافع بْن عليّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَهْل بْن سوادة، قَالَ: حَدَّثَنِي حسَّان بْن غالب، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن لَهِيعة، عَنْ مُوسَى بْن وَرْدان، قَالَ: قَالَ لي سَعِيد بْن المُسَيَّب: يا مِصريّ أَبلغِ ابن حُجَيرة السلام، فإنه وإن أحدهم يبيع رِزقه من الهُرْي قبل أن يقبِضه "
حَدَّثَنَا أبو عُمَر محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سلَمة، عَنْ زيد بْن أَبِي زيد، عَنْ أحمد بْن يحيى بْن وزير، عَنْ عبد الرحمن بْن أَبِي السمح، عَنْ أَبِي الليث عاصم بْن العَلاء الخَوْلانيّ، «أن ابن حُجَيرة الأكبر كَانَ عَلَى القضاء، والقَصَص، وبيت المال، فكان رِزْقه فِي السنة من القضاء مائتي دينار، وفي القَصَص مائتي دينار، ورِزقه فِي بيت المال مائتي دينار، وكان عطاؤه مائتي دينار، وكانت جائزته مائتي دينار، وكان يأْخذ ألف دينار فِي السنة، فلا يحول عَلَيْهِ الحَول، وعِنده منها شيء يفضُل عَلَى أهله وإخوانه»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد بْن سَعِيد بْن عُفير، عَنْ أبيه، عَن ابن وَهب، عَنْ سَعِيد بْن أَبِي أيّوب، عَنْ عَطاء بن دينار، عَنْ عبد الرحمن بْن حُجَيرة، أَنَّهُ «كَانَ يقُصّ عَلَى صاحب الديوان فِي مُتعة المطلقة بثلاثة دنانير»
(1/229)

حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا رَباح بْن طَيْبان الأَزْديّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن سعد بْن أَبِي مريم، قَالَ: حَدَّثَنَا عمرو بْن الربيع، عَنْ يحيى بن أيّوب، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر، «أنّ ابن حُجَيرة الأكبر قضى فِي امرأَة من حمير جدعتْ أَمةً لها، فأَعتقها ابن حُجَيرة، وقضى بوَلائها للمُسلِمين يعقِلون عَنْهَا ويربُّونها»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ حَدَّثَنَا عليّ بْن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بن عمرو بْن السَّرْح، عَن ابن وَهب، قَالَ: بلغني، عَنْ قيس بْن أَبِي يزيد، «أن عبدًا لرجُل كَانَ تاجرًا، فأعتق عبدًا لَهُ، ثمّ تُوُفّي، فردّ ابن حُجيرة الأكبر عَتاقته بغير إذن سيّده»
قَالَ ابن وهَب: أخبرني رجال من أهل العلم، عَن ابن حُجَيرة، قَالَ: «يجُوز وطء الحامل ما لم تثقل ويحضرها نفاس»
حدثنا محمد بن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بْن هارون بْن حسَّان، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، عَن ابن لَهِيعة، قَالَ: قضى ابن حُجَيرة فِي الشُّهود إذا تكافئُوا أن يُسهَم، فإِن كَانَ أحد المدّعيَّيْن أكثر شهُودًا برجُلَين أو أكثر كَانَ الحقّ معه، وإذا كانت السِّلْعة بيد أحدهما، فجاء بشاهد عَدْل كَانَ لَهُ، وإن جاء الآخر بأكثر من ذَلكَ "
حَدَّثَنَا أَبُو عُمَر محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بِشْر الدُّولابيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بْن عبد الله بْن يزيد المقري، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيد بْن أَبِي أيُّوب، قَالَ: حَدَّثَنِي عبد الله بْن الوليد، عَن ابن حُجَيرة الأكبر، أن رجُلًا أتاه، فقال: إنّي نذرت لا أكلّم أخي أبدًا.
فقال: «إن الشَّيطان وُلد لَهُ ولَد فسمَّاه نذرًا، وأنَّه مَن قطع ما أمر اللَّه عزَّ وجلَّ بِهِ أن يُوصَل حلّت عَلَيْهِ اللعنة»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان بن صالح، عَنْ سَعِيد بْن أَبِي مَرْيَم، عَن ابن لَهِيعة، عَن الحارث بْن يزيد، عَن ابن حُجَيرة، أن «القاضي إذا قضى بالهوَى احتجب اللَّه عزّ وجلّ منه واستتر»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا عليّ بْن أحمد بْن سُلَيْمَان، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن سعد بْن أَبِي مَرْيَم، قَالَ: حَدَّثَنَا عمّي سَعِيد بْن أَبِي مَرْيَم، عَن ابن لَهِيعة، أن عبد الرحمن بْن
(1/230)

حُجَيرة، «كَانَ لا يحجُر عَلَى سفيه فِي ماله، ولكن يُشهّره، وينهى الناس عَنْ مُعامَلته، ويُقرّ ماله بيده يصنَع بِهِ ما شاء»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ أَبِي نصر بْن صالح، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، عَن ابن لَهِيعة، عَنْ عِمران بْن شَبِيب، أن عبد الرحمن بْن حُجَيرة: «كَانَ يشرب الشُّوبية»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي يحيى بْن أَبِي مُعاوية، قَالَ: حَدَّثَنَا حَرْمَلة، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن وَهب، قَالَ: حَدَّثَنِي حَيْوة، عَنْ سالم بْن غَيلان، عَنْ رجُل من تُجِيب أخبره، " أن امرأَةً منه أخبرته أنها سَأَلت ابن حُجَيرة، فقالت: هَلْ يَجزي عني صَبيٌّ مَوْلودٌ رقبَةً؟ فقال ابن حُجَيرة: نعَم هُوَ جائز فأَعتقيه "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ قُدَيْدٍ، عَنْ عُبَيْد اللَّه، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَن ابْنِ حَبِيبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ حُجَيْرَةَ الأَكْبَرَ عِنْدَ هَذَا الْمِنبَرِ، يَقُولُ: قَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «لا رَضَاعَ بَعْدَ فِصَالٍ، وَمَنْ مَصَّ مِنْ ثَدْيٍ فَإِنَّهُمْ يَتَحَارَمُونَ»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي عبد الرحمن بْن راشد، قَالَ: حدثنا محمد بْن ميمون الغافقيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الله بْن يحيى، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيد بْن أيُّوب، قَالَ: حَدَّثَنِي محمد بْن عبد الله الخَولانيّ، عَن ابن حُجَيرة الأكبر، قَالَ: «لأَن أُسلِف دينارَين فيُردّان، ثمَّ أُسلِفهُما فيُردّان عليَّ أَحَبُّ إليَّ من أن أتصدَّق بهما»
فولِيَها عبد الرحمن بْن حُجَيرة إلى أن مات بها وهو قاضيها فِي المحرَّم سنة ثلاث وثمانين.
حَدَّثَنَا أَبُو عُمَر محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي عمّي، عَن ابن وزير، عَنْ عبد الرحمن بْن أَبِي مَيْسَرة، قَالَ: «تُوُفّي عبد الرحمن بْن حُجَيرة فِي المحرَّم سنة ثلاث وثمانين ولِيَ قضاء مِصر ثنتي عشرة سنة»
(1/231)

مالك بْن شَراحِيل
ثمَّ ولِيَ القَضْاء بها مالك بْن شَراحِيل الخَوْلانيّ من قِبَل عَبْد العزيز بْن مَرْوان.
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي يحيى بْن أَبِي مُعاوية، قَالَ: حَدَّثَنَا خَلف بْن ربيعة، عَنْ أبيه، عَنْ جَدّه، قَالَ: «فجُعل مالك بْن شَراحِيل عَلَى القضاء فِي المحرَّم سنة ثلاث وثمانين»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنِي عصام بن رازح، قَالَ: حَدَّثَنِي بَحْر بْن عِكْرِمة، عَنْ منصور بْن عُبَيْد اللَّه بْن عمرو بن مالك بْن شَراحِيل الخَوْلانيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، «أن عَبْد العزيز بْن مَرْوان عقد لمالك بْن شَراحِيل عَلَى البعث إلى ابن الزُّبَير، فكانوا ثلاثة آلاف رجُل عليهم مالك بْن شَراحِيل، فلمَّا قُتل ابن الزُّبَير، أمر عَبْد الملك بْن مَرْوان بابتناء دار مالك ومسجِده، وكان مُقدَّمًا عند عَبْد العزيز، فولَّاه القضاء بعد موت ابن حُجَيرة الأكبر فِي المحرَّم سنة ثلاث وثمانين»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن داود بْن أَبِي صالح، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن يحيى بْن وَزير، عَنْ أَبِي زيد كيد، عَن الواقديّ، قَالَ: «المِصريُّون مُجمِعون أن قاتل بن الزُّبير عبد الرحمن بْن يحنِّس مولى لبني أندا من تُجِيب، وكان من جُند مالك بْن شَراحيل عديد خَوْلان وهو من هَمْدان»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن داود، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن قُدَيد، عَن ابن عُفَير، عَنْ أَبِي بَكْر بْن عُبَيْد اللَّه المَدِينيّ، قَالَ: «كَانَ الحجَّاج بْن يوسف يبعث فِي كل سنة إلى مالك بْن شَراحِيل بحُلّة وثلاثة آلاف درهم»
(1/232)

حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، أن عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد السَّعديّ من خَولان دخل عَلَى عَبْد العزيز وعنده مالك بْن شَراحِيل، فقال لَهُ عَبْد العزيز: أَوسعْ لعمّك.
ففعل، ثمَّ دخل عَلَيْهِ الحارث وهو عنده، فقال لَهُ مثل ذَلكَ، فقال: أيّها الأمير أكثرت من قولك عمّك لقد رعيتُ الإِبِل قبل أن يجتمع أَبَوَاه، ولو سأَلته أخبرك، فولِيَها مالك بْن شَراحِيل إلى أن صُرف عَنْهَا فِي صفر سنة أربع وثمانين "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا بذلك يحيى بْن أَبِي مُعاوية، عَنْ خلَف، عَنْ أبيه، عَنْ جَدّه، قَالَ: «كانت وِلايته عَلَى قضائها سنة وشهرًا»

يُونُس بْن عطيَّة
ثمَّ ولِيَ القضاء يُونس بْن عطيَّة.
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي عليّ بْن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد بْن عُفَير، عَنْ أبيه، قَالَ: «وهو عَبْد العزيز بْن أَبِي مَيْسَرة» .
زعم المَيْسريّ عَنْ أبيه، أن عبد الرحمن بْن حسَّان بْن عَتاهِية كَانَ عَلَى شُرَط عَبْد العزيز، فتُوُفّي فِي جمادى الأولى سنة أربع وثمانين، فجعل عَبْد العزيز مكانه يُونس بْن عَطيَّة الحَضْرَميّ، وجمع لَهُ القضاء والشُّرَط
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي يحيى بْن أَبِي مُعاوية، عَنْ خلَف بن رَبيعة، عَنْ أبيه، عَن ابن لَهِيعة، وغَوْث، أن عَبْد الملك بْن مَروان كتب إلى عَبْد العزيز بْن مَرْوان يُعلمه، أن أهل الشام اختلفوا عَلَيْهِ فِي نفَقة المبتوتة، فاكتُبْ إليّ بما عند أهل مِصر فِيهِ فجمع الأشياخ إلى عَبْد العزيز، فسأَلهم، وكان يُونس بْن عَطيَّة فِي أُخرَياتهم، فقال لَهُ عَبْد العزيز: تكلَّم.
فتكلَّم، فأُعجب عَبْد العزيز بِهِ، فسأَلهم عَنْهُ، فقالوا لَهُ: هذا من سادات حَضْرَ مَوْت.
فولَّاه القضاء "، قَالَ خلَف: وكان يُونُس أوَّل قاضٍ بِمصر من حَضْرَ مَوْت
(1/233)

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَلَفٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي الْوَلِيدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ سُلَيْمَانَ بْنِ زِيَادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ مَرْوَانَ، يَقُولُ لِيُونُسَ بْنِ عَطِيَّةَ: يَا أَبَا كَثِيرٍ، كَيْفَ أَخْبَرْتَنِي عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
فَقَالَ لَهُ يُونُسُ: نَعَمْ أَصْلَحَ اللَّهُ الأَمِيرَ، إِنَّ أَبِي وَأَعْمَامِي هَاجَرُوا زَمَنَ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي آخِرَ إِمْرَتِهِ، وَكُنْتُ مَعَهُمْ، وَأَنَا غُلامٌ جَفْرٌ أَعْقِلُ مَا أَسْمَعُ، فَخَرَجْنَا مِنْ حَضْرَمَوْتَ فِي مِائَةِ رَاكِبٍ حَتَّى أَتَيْنَا الْمَدِينَةَ، فَأَقَمْنَا بِهَا شَهْرًا، وَكَانَ أَبِي وَأَعْمَامِي يُجَالِسُونَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: فَدَخَلُوا يَوْمًا عَلَى عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِيَسْتَأْذِنُوهُ فِي الْمَصِيرِ إِلَى مِصْرَ، فَدَخَلْتُ مَعَهُمْ، فَبَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَهُ إِذْ دَخَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَأَنَّهُ غَضْبَانُ، فَجَلَسَ، فَلَمْ يَحْفِلْ بِهِ عُثْمَانُ، فَجَعَلَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: إِنَّ لِي فِقْهًا وَإِسْلامًا وَهِجْرَةً، وَعُثْمَانُ مُعْرِضٌ عَنْهُ إِذْ دَخَلَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَضَرَبَ عُثْمَانُ بِمِحْضَرَتِهِ الأَرْضَ، وَقَالَ: رُبَّ مُفْتَخِرٍ بِهِجْرَتِهِ مَرَقُ هَذَا أَطْيَبُ مِنْ عَرْقِهِ.
يَعْنِي: الْعَبَّاسَ، فَتَذَمَّرَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَامَ غَضْبَانَ يَجُرُّ رَيْطَتَهُ.
فولِيَها يُونس بْن عَطيَّةَ مَجْمُوعًا لَهُ الْقَضَاء وَالشُّرَط إِلَى مُسْتَهَلِّ سَنَةِ سِتٍّ وَثَمَانِينَ، فَصُرِفَ عَنْهَا، فَولِيَ سَنَةً وَسَبْعَةَ أَشْهُرٍ "

أوْس بْن عبد الله بْن عطيّة
ثمَّ ولِيَ القضاء أَوس بْن عبد الله بْن عَطيَّة بْن أَوس بن أخي يُونُس بن عَطيَّة من قِبَل عَبْد العزيز بْن مَرْوان.
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي يحيى بْن أَبِي مُعاوية، عَنْ خلَف، عَنْ أبيه، عَنْ جدّه، قَالَ: «مرِض يُونس بْن عَطيَّة، فصرفه عَبْد العزيز عَن القضاء والشُّرَط، وجعل أَوْس بْن عبد اللَّه بن أخية عَلَى القضاء، وعبد الرَّحْمَن بن مُعاوية بْن حُدَيج عَلَى الشُّرَط، فولِيَها شهرين المحرَّم وصفر سنة ستّ وثمانين، ثمَّ مات يُونس بْن عَطيَّة فِي ربيع الأوَّل سنة ستّ وثمانين، فصُرف أَوْس عَن القضاء، فولِيَها أَوْس شهرين ونصفًا، ثمَّ صُرف فِي ربيع الأوَّل سنة ستّ وثمانين»
(1/234)

عبد الرحمن بْن مُعاوية بْن حُدَيج
ثمَّ ولِيَ القضاء بها عبد الرحمن بْن مُعاوية بْن حُدَيج من قِبَل عَبْد العزيز بْن مَرْوان، فكان قبل ذَلكَ عَلَى الشُّرَط، فجُمِعا لَهُ جميعًا.
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، قَالَ: «جُمع لعبد الرَّحْمَن بْن مُعاوية القضاء، وخِلافة الفُسطاط»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي يحيى بْن أَبِي مُعاوية، عَنْ خلَف، عَنْ أبيه، عَنْ جَدّه، قَالَ: «ثمَّ ولِيَ القضاء عبد الرحمن بن معاوية بن حديج في ربيع الأول سنة ست وثمانين، وكان على الشرط أيضا»
حدثنا محمد بن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي أحمد بْن داود بْن أَبِي صالح، قَالَ: حَدَّثَنِي محمد بْن أَبِي المُغيرة بْن أخضر، عَنْ أحمد بْن يحيى بْن وزير، عَن ابن بُكَير، عَن ابن لَهِيعة، قَالَ: «كَانَ عبد الرحمن بْن مُعاوية بْن حُدَيج أوَّل قاضٍ نظر فِي أموال اليتامَى، وضمَّن عريف كُلِّ قوم أموال يتامَى تِلْكَ القَبِيل، وكتب بذلك كتابًا وكان عنده»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سلَمة، قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بْن عثمان بْن صالح، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ لَهِيعة بْن عيسى، عَنْ عمّه عبد الله بْن لَهِيعة، أن عبد الرحمن بْن مُعاوية بْن حُدَيج إذ كَانَ قاضيًا، كشف عَنْ أموال اليتامَى وجعلها عَلَى أيدي عُرَفاء القبائل، وشهَّرها، وأشهد فيها، فجرى الأمر عَلَى ذَلكَ "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي يحيى، قَالَ: حَدَّثَنِي خلَف، عَنْ أبيه، عَنْ جَدّه، قَالَ: «وتُوُفّي عَبْد العزيز بْن مَرْوان فِي جمادى الأولى سنة ستّ وثمانين، وعبد الرَّحْمَن بْن مُعاوية عَلَى القضاء
(1/235)

والشُّرَط، فقام بأمر مِصر عُمَر بْن مَرْوان، وقدِم عبد الله بْن عَبْد الملك بْن مُرْوان أميرًا فِي جمادى الآخرة، فأقرّ عبد الرحمن بْن مُعاوية عَلَى القضاء، والشُّرَط إلى شهر رمضان سنة ستّ وثمانين، ثمَّ صرفه عَنْهَا»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا عليّ بْن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنَا عليّ بن عمرو بْن خَالِد، قَالَ: حَدَّثَنِي أَسد بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، عَنْ زُرعة بْن مُعاوية بْن قَحْزَم، عَنْ أُمّه أَمينة بِنْت حَسَّان بْن عَتاهِية، «أن عبد الرحمن بْن مُعاوية بْن حُدَيج، كَانَ عَلَى الفُسطاط أيَّام عَبْد العزيز بْن مُرْوان، فأَضرّ بعبد الرَّحْمَن بْن عمرو بْن قَحْزَم، فلمَّا ولِيَ عبد الله بْن عَبْد الملك، أمره أَبُوهُ أن يستصلح الناس ويعفّي آثار عَبْد العزيز عمّه لمكانه من وِلاية العهد، فآدى عبد الرحمن بْن قَحْزَم، فأغراه بعبد الرَّحْمَن بْن مُعاوية بْن حُدَيج، فأضرّ بِهِ»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه، عَنْ أبيه، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو مَيْسَرة عبد الرحمن بْن مَيْسَرة، «أن عبد الله بْن عَبْد الملك لمَّا قدِم مِصر استبدل بعُمَّال عَبْد العزيز عُمَّالًا، فأراد عزل عبد الرحمن بن مُعاوية عَن القضاء والشُّرَط، فلم يجد عَلَيْهِ مقالًا ولا مُتعلَّقًا، فولَّاه مرابَطة الإِسكندريَّة وزاد فِي عطائه، وأخرج إليها، فولِيَها عبد الرحمن بن مُعاوية إلى أن صُرف عَنْ قضائها فِي شهر رمضان سنة ستّ وثمانين ولِيَها ستَّة أَشهُر»

عِمْران بْن عبد الرحمن الحَسَنيّ
ثمَّ ولِيَ القضاء بها عِمران بْن عبد الرحمن الحَسَنيّ من قِبَل عبد الله بْن عَبْد الملك بْن مَرْوان، وجمع لَهُ القضاء والشُّرَط جميعًا.
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي يحيى بْن أَبِي مُعاوية، عَنْ خلَف، عَنْ أبيه، عَنْ جَدّه، قَالَ: «ثمَّ قضى بها عِمران بْن عبد الرحمن وكان من أبناء البدريّين، وأهل العلم والفضل» ، قَالَ محمد بْن يوسف: وقد اختُلِف فِي نسَب شُرَحبِيل، فقيل: هُوَ من الغَوْث بْن مُرّ.
وقيل: هُوَ من كِنْدة.
ويقال: من مَذْحِج
(1/236)

حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي أحمد بْن داود بن أَبِي صالح، وأبو سَلَمة، قالا: حَدَّثَنَا أحمد بْن يحيى بْن وزير، قَالَ: حَدَّثَنِي يحيى بن عبد الرحمن بْن بُكَير، عَنْ عبد الرحمن بْن سَعِيد بْن مِقْلاص، عَنْ نافع بْن يزيد، قَالَ: " دخلت مَعَ جَعْفَر بْن ربيعة بْن شُرَحبِيل عَلَى القاسم بْن عبد الله بن الحَبْحاب، فكلَّمه في الفريضة لي، فقال لَهُ: ممَّن أنتم اليوم يا ابن شُرَحبِيل؟ قَالَ: من الغَوْث قَالَ: والغَوْث إلى من؟ قَالَ: إلى مَذْحِج "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي يحيى، قَالَ: حَدَّثَنِي خلَف، عَنْ أبيه، قَالَ: حَدَّثَنِي عمِّي غَوْث، عَنْ جَعْفَر بْن رَبيعة، " أن أهل مِصر تشاءموا بعبد اللَّه بْن عَبْد الملك فِي وِلايته عليهم، وذلك أن الطَّعام غلا، فاضطربوا لذلك، وكانت أوَّل شِدَّة رآها أهل مِصر، فهجاه ابن أَبِي زمزمة، فطلبه عبد الله بن عَبْد الملك، فهرب منه، فبلغ عبد الله، أن عِمران آواه، وأنه أيضًا هجاه، فقال فِي أبيات لَهُ:
أَنَا ابْنُ أَبِي بَدْرٍ بِهِجْرَةِ يَثْرِبٍ ... وَهِجْرَة أَرْض النَّجَاشِيِّ أَفْخَرُ
أَمِثْلِي عَلَى مَنِّي وَفَضْلِ أُبُوَّتِي ... نَسِيتَ وَهذَا نَجْلُ مَرْوَانَ يُذكَرُ
فبلغ ذَلكَ عبد الله، فعزله عَن القضاء والشُّرَط فِي سنة تسع وثمانين "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي قيس بْن حَمَلة الغافقيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو قُرَّة الرُّعَينيّ، قَالَ: سَمِعْتُ يحيي بْن عبد الله بْن بُكَير، قَالَ: " لمَّا عزل عبد الله بْن عَبْد الملك عِمرانَ عَن القضاء، وولَّى عَلَيْهِ عَبْد الواحد بْن عبد الرحمن بْن مُعاوية، وكان غُلامًا، حَدَثًا غير أنَّه كَانَ فقيهًا، فقال عِمران يهجو عبد الله بْن عَبْد الملك:
لَحَى اللهُ قَوْمًا أمّرُوكَ أَلَمْ يَرَوا ... بِأَعْطَافِكَ التَّخْنِيثَ كَيْفَ يَرِيبُ
أَتَصْرِفُنِي جَهْلًا عَن الْحُكْمِ ظَالِمًا ... وَوَلَّيْتَهُ عَجْزًا فَتَاةً تَخِيبُ
ثَكِلْتُكَ مِنْ وَالٍ وَأَيْضًا ثَكِلْتُهُ ... أَلَمْ يَكُ فِي النَّاسِ الكْثِيرِ يُصِيبُ
فأمر لَهُ عبد الله بْن عَبْد الملك، أن يُقطَع لَهُ قميص من قراطيس ويُكتب فِيهِ عُيوبه، ويُوقَف للناس، فصُرف عبد الله قبل أن يُوقَف "
(1/237)

حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي قيس أيضًا، قَالَ: حَدَّثَنِي يحيى بْن عثمان بْن صالح، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صالح كاتب اللَيث، يَقُولُ: " إنَّما عُزل عِمران لأنَّه شُهِد عنده عَلَى كاتب لعبد اللَّه بْن عَبْد الملك، أَنَّهُ سكِر، فأراد حدّه، فمنع منه عبد الله بْن عَبْد الملك، فقال عِمران: لا أَقضي أَوْ أُقيمَ عَلَيْهِ الحدّ.
فلم يَصِل إلى ذَلكَ، فانصرف عَن الحُكم "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد بْن عُفَير، عَنْ أبيه، قَالَ: حَدَّثَنِي خالي القاسم بْن الْحَسَن بْن راشد، " أن عبد الله بْن عَبْد الملك بُغِي عنده عِمران بْن عبد الرحمن بعد عزله، فأمر بقميص يُعمل لَهُ من قراطيس، ثمَّ كتب إِلَيْهِ يعاتبه ويشتِمه، وقال: يُلبَس غدًا ويُوقف فِيهِ.
فإن عِمران لقاعد فِي المسجد إذ جاءَت ريح بسحاءة حتى طرحتها فِي حِجره، فإذا فيها: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 137] ، فأصبح عبد الله معزولًا، ولم يُوقَفْ عِمران، ولم يلبَس ذَلكَ القميص، فولِيَها عِمران بْن عبد الرحمن أن صُرف عَنْ قضائها فِي صفر سنة تسع وثمانين، ولِيَها سنتين وخمسة أشهُر ".
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي بذلك يحيى بْن خلَف، عَنْ أبيه، عَنْ جَدّه

عَبْد الواحد بْن عبد الرحمن بْن مُعاوية بْن حُدَيج
ثمَّ ولِيَ القضاء عَبْد الواحد بْن عبد الرحمن من قِبَل عبد الله بْن عَبْد الملك، حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي بذلك يحيى بْن خلَف، عَنْ أبيه، عَنْ جَدّه.
وحَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي عليّ بْن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه بن سَعِيد بْن عُفَير، عَنْ أبيه، قَالَ: حَدَّثَنِي هاشم بْن حُدَيج، «أن عبد الله بْن عَبْد الملك ولَّى عَبْد الواحد بْن
(1/238)

عبد الرحمن القضاء بعد عِمران بْن عبد الرحمن»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: وحَدَّثَنِي عمّي، قَالَ: حدّثني أحمد بْن يحيى بْن وزير، عَنْ عَبْد العزيز بْن أَبِي ميسرة، عن أبيه: «أن عبد الله بن عبد الملك لما عزل عمران بن عبد الرحمن ولَّى عَبْد الواحد بْن عبد الرحمن القضاء»
قَالَ أَبُو عُمَر محمد بْن يوسف، أخبرني ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، قَالَ: سَمِعْتُ يحيى بْن بُكَير، يَقُولُ: «ولِيَ عَبْد الواحد بْن عبد الرحمن القضاء وله خمس وعشرون سنة، فما تُعلِّق عَلَيْهِ بشيء، فولِيَها عَبْد الواحد بْن عَبْد الرَّحْمَن إلى شهر ربيع الأوَّل سنة تسع، وعزله قُرَّة بْن شَرِيك، فكانت وِلايته عَلَى قضائها سنة»
(1/239)

عبد الله بْن عبد الرحمن بْن حُجَيرة الخَولاني
أخبرنا أَبُو محمد عبد الرحمن بْن عُمَر بْن النحَّاس، قَالَ: أخبرنا أَبُو عُمَر محمد بْن يوسف الكِنديّ، قَالَ: «ثمَّ ولِيَ القضاء بها عبد الله بن عبد الرحمن بن حجيرة وهو الأصغر من قبل قرة بن شريك»
حَدَّثَنِي بذلك يحيى بْن خلَف، عَنْ أبيه، عَنْ جَدّه، قَالَ: «ولِيَ ابن حُجَيرة الأصغر القضاء فِي ربيع الآخر سنة تسعين وكان أخذ القضاء عَنْ أبيه»
حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه، عَنْ أبيه، قَالَ: قَالَ إبراهيم بْن نَشيط: " أتيتُ عبد الله بْن عبد الرحمن بْن حُجَيرة، وكانت تحته امرأَة من وَعْلان هِيَ مولاة ابن نَشيط، وقد تغدَّى، فقال: أتتغدَّى؟ قلت: نعَم.
قَالَ: أَعيدي عَلَيْهِ الغداء يا جارية.
فأتت بعدَس بارد عَلَى طبَق خُوص، وكعك، وماء، فقال: ابلُلْ وكُلْ، فلم تترُكْنا الحقُوق نشبْع من الخبز.
قَالَ ابن نَشيط: وأتاه رجُل فذكر لَهُ حاجةً.
فقال: يعود.
فسأله عَنْهُ، فإذا هُوَ صادق، فأعطاه ثمانية عشر دينارًا، فأتاه فِي مجلِس القضاء يُثني عَلَيْهِ، فقال: أَخِّروه عنّي.
فولِيَها عبد الله بْن عبد أن صُرف عَنْهَا فِي جمادى الأولى سنة ثلاث وتسعين، وولِيَها ثلاث سنين ".
حَدَّثَنِي بذلك يحيى بْن خلَف، عَنْ أبيه، عَنْ جَدّه
(1/240)

عِياض بْن عُبَيْد اللَّه الأَزْديّ
ثمَّ ولِيَ القَضاء بها عِياض بْن عُبَيْد اللَّه الأَزديّ من قِبَل قُرّة بْن شَرِيك فِي جمادى الأولى سنة ثلاث وتسعين، فولِيَها إلى أن صُرف عَنْهَا فِي رجب سنة سبع وتسعين ولِيَها أربع سنين.
حَدَّثَنِي بذلك يحيى بْن خلَف، عَنْ أبيه، عَنْ جَدّه.

عبد الله بْن عبد الرحمن بْن حُجَيرة الثانية
ثمَّ ولِيَ القضاء بها عبد الله بْن عبد الرحمن بْن حُجَيرة من قِبَل عبد الملك بْن رِفاعة، وهي وِلايته الثانية فِي رجب سنة سبع وتسعين، وجُمع لَهُ القضاء وبيت المال.
حَدَّثَنِي بذلك يحيى بْن خلَف، عَنْ أبيه، عَنْ جَدّه، قَالَ: «فولِيَها إلى سلخ سنة ثمان وتسعين، فصُرف عَن القضاء»
حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن عبد الرحمن، قَالَ: حَدَّثَنَا عمّي، قَالَ: حَدَّثَنَا زِياد بْن أَبِي حَمْزة، " أن ناسًا من اليهود خاصموا ابن حُجَيرة إلى عُمَر بْن عَبْد العزيز فِي مالك كَانَ قبضه منهم، فأقرّ عند عُمَر رضِي اللَّه عَنْهُ، أَنَّهُ كَانَ قبضه منهم، ثمَّ دفعه إليهم، فقال لَهُ عُمَر: فهل عندك بيّنة أنك دفعته إليهم؟ فقال: لا.
فقال عُمَر: غرِمتَ ابن حُجَيرة وضمِنتَ.
ثمَّ ذكر بعد أن لَهُ بيّنة، فشهِد لَهُ رِجال منهم يومئذ لَهِيعة "

عِياض بْن عُبَيْد اللَّه الأَزْديّ الثانية
ثمَّ ولِيَ القضاء بها عِياض بْن عُبَيْد اللَّه الأَزْديّ الثانية من قِبَل سُلَيْمَان بْن عَبْد الملك وورد كتابه عَلَى وِلايته قضائها.
حَدَّثَنِي عليّ بْن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، قَالَ: «كَانَ عِياض عاملًا لأُسامة بْن زيد عَلَى الهُرْي، فأتته وِلايته عَلَى القضاء من قِبَل أمير المؤمنين سُلَيْمَان، فقال أُسامة لا أعزِلك عَن الهُرْي للقضاء أنت عليها جميعًا.
فكان يُجري عَلَيْهِ رِزقها»
وحَدَّثَنِي يحيى، عَنْ خلَف، عَنْ أبيه، عن جَدّه، قَالَ: «ثمَّ ولِيَ القضاء عياض الثانية بأمر
(1/241)

الخليفة سليمان، ثم مات سليمان في صفر سنة تسع وتسعين، فأقره عمر بن عبد العزيز على قضائها»
حدثني ابن قديد، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن عمرو بْن سَرح، قَالَ: أخبرنا ابن وَهب، قَالَ: أخبرنا ابن لَهِيعة، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر، أن عُمَر بْن عَبْد العزيز كتب إِلَيْهِ عِياض بْن عُبَيْد اللَّه قاضي مِصر، أن رجُلًا خرج يعدّل فرسًا لَهُ فِي المِضمار، فصدم أمرأةً عَلَى الطريق، فقتلها، فأبى مواليه أن يعقِلوا عَنْهُ وليس يأخذ العطاء، وإِنَّا لا نشُك أن مواليه كانوا آخذي عَقْله لو أُصيب، وإِن مُنِعوا ذَلكَ رأَوا أن ظُلِموا، فلا يسقُطنّ عِندَك عَقْل مُسلِم.
فكتب إِلَيْهِ عُمَر: اعلَم أن عامَّة هذه الموالي لا تحفَظ أنسابها، فعاقِلْها، فاجعَلْ ذَلكَ عَلَى مواليه ".
قَالَ ابن وَهب: أخبرني اللَيث، أن عُمَر بن عَبْد العزيز كتب بذلك
حَدَّثَنَا عَبْد السلام بْن أحمد بْن إسماعيل، قَالَ: أخبرنا الحارث، وأحمد بْن عمرو، قالا: أخبرنا ابن وَهب، قَالَ: أخبرني ابن لَهِيعة، أن تَوبة بْن نِمَر حدّثه، " أن عِياض بْن عُبَيْد اللَّه قاضي مِصر كتب إلى عُمَر بْن عَبْد العزيز فِي صبيّ افترع صبيَّةً بأَصْبَعه.
فكتب إِلَيْهِ عُمَر: أنَّه لم يبلغني فِي هذا شيء، وقد جعلته لك، فاقضِ فِيهِ برأيك.
فقضى لها عَلَى الغُلام بخمسين دينارًا "
حَدَّثَنَا عليّ بْن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن عمرو بْن السَّرح، قَالَ: أخبرنا ابن وَهب، قَالَ: أخبرني ابن لَهِيعة، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر، أن عُمَر بن عَبْد العزيز، كتب إلى عِياض بْن عُبَيْد اللَّه: " كتبتَ إليّ تزعَم أن قُضاتكم يقضُون فِي الشُّفعة أنها للأوّل فالأوّل من الجِيران، فنقول: قد كُنَّا نسمع أن الشُّفعة للشريك ليست لأحدٍ سِواه، وأحقّ الناس بالبَيْع بعد الشفيع المُشتري، ولعَمري ما الشُّفعة بالجِوار، فوجدتها يوجبها أحد، ولو أنّ ذَلكَ يكون ما انقطع بعضهم من بعض، وما أشاع رجُل أرضًا إِلَّا أفضى إلى جاره حتى تنقضي العامورة، ولا دارًا إلَّا حتى تُفضي إلى دار ببعض مساكن الناس، ما كَانَ فِي مدينة أو قَرية، ولكن إذا وقعت الحدُود بين أهل الشِّرك فِي مِيراث أو غيره،
(1/242)

وصُرِفت مداخل الناس التي يدخلُون منها دورهم وأرضهم، فقد انقطعت الشُّفعة، وجاز البيع للمبتاع، وإن خفا من الأمر الْحَسَن الجميل أن يعرِض المرء عَلَى جاره، فإِمَّا أن يُوقَف عَلَى جاره، فإِمَّا أن يوقف عَلَى ذَلكَ، فإنه لَيْسَ لمن فعله "
حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه، عَنْ أبيه، عَن ابن لَهِيعة، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر، أن عُمَر بْن عَبْد العزيز كتب إلى عِياض «أن الجِوار لَيْسَ بالشُّفعة يأخذ بها أحد، فإذا وقعت الحُدود بين أهل الشرك فِي المِيراث أو غيره، وصُرفت مداخل الناس التي يدخلون منها دُورهم وأرضهم، فقد انقضت الشُّفعة، وحلّ البيع للمُبتاع»
حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ يحيى، عَنْ أَبِي صالح، قَالَ: حَدَّثَنَا حَرْمَلة بْن عِمران، عَنْ قيس بْن النَّضر المُراديّ ثمَّ الغُطَيفيّ، أَنَّهُ حدّثه: " أن أمّه بيضاء بِنْت عابس بْن سَعِيد المُراديّ حبستْ عَلَيْهِ عند وفاتها رقيقًا لها كثيرًا، فإذا مات فهم أحرار، فأُدخلوا فِي ثُلْثها، فقاتل عَبْد منهم رجُلًا، فجرح بِهِ جُرْحًا بلغ عَقْلُه سبعين دينارًا، فدعاه عِياض بْن عُبَيْد اللَّه الأَزْديّ وهو قاضي مِصر يومئذٍ، فقال: اغرِمْ مولاك.
قَالَ: فقلتُ: لستُ فاعلًا.
فكتب بِهِ عِياض إلى عُمَر بْن عَبْد العزيز.
فكتب إِلَيْهِ عُمَر يأَمره أن يعرِض عَلَى الرجُل الَّذِي حُبِس عَلَيْهِ، أن يغرِم السبعين الدينار عَنْهُ، فإن فعل فكسبِيلِه، وإن أَبى دُفع إلى المجروح، فافتداه ابن عمّ لقيس بْن النَّضر، يُقال لَهُ: أزهر بن النُّعمان "
حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه، عَنْ أبيه، عَن الليث، أن عُمَر بْن عَبْد العزيز، كتب: بسم اللَّه الرَّحْمَن الرحيم من عبد الله عُمَر أمير المؤمنين إلى عِياض بْن عُبَيْد اللَّه، سلام عليك، فإنّي أَحْمَد إليك اللَّه الَّذِي لا إله إلَّا هُوَ، أمَّا بعد، فإنَّك كتبت تستأمرني فِي ثلاثة نَفَر بلغك من شأْنهم ما لم يكُن لك بُدّ من رفعهم، إليَّ تذكر أنك قد كتبت إليَّ بقضيّتهم، " كتبت تذكر أن رجُلًا منهم تُوُفّي وترك عَلَيْهِ دَينًا كثيرًا ولم يترك لَهُ قضاء وله تسع ولائد، وأنّ بيته وبعض تِلْكَ الديون أثمانهنَّ.
تَقُولُ: وكان أهل الديُون لا
(1/243)

يرون أن حقوقهنَّ فِي رِقابهنَّ، يسئلون الَّذِي لهم، ويقول بعض غُرمائه: كَانَ دَينه قبل أن يبتاع تِلْكَ الولائد.
فأَقم أولئك الولائد قيمةَ عدل، فأيّتهنَّ ما استقلَّت بثمَنها الَّذِي أقمتَ بِهِ، فلتفتكّ بِهِ نفسها لِتُعْتَقَ، فإنه لَيْسَ علهيا إلَّا ذَلكَ، ومن لم تفتكّ نفسها بثمنها، فهي أمة تُدفع إلى الغُرَماء والغُرَماء فِي ذَلكَ أُسوةُ ما بلغ إن كَانَ الَّذِي عَلَى الرجُل من الدَّين، فهو أفضل ممَّا تبلغ قيمة أُولئك الولائد، فإن قصُر عمَّا يُحيط بقيمتهنَّ كلّهنّ، جُعل الغُرماء أسوةً فِي ذَلكَ ما بلغ يخص كلّ امرأَة منهن ما بلغت قيمتها، وكتبتَ تذكر أن رجُلًا ابتاع رقيقًا، فانطلق بِهِ عامدًا إلى البأْر، فأُصيب رفيقه عَلَيْهِ دَين كثير، ولم يبقَ، لَهُ مال، فجعلته فِي أيدي الغُرَماء حتى يأتيك أمري فِيهِ، فمُر ذَلكَ الرجُل، فليسعَ فِي دَينة وأْمُرْ غُرَماءه، فليرفُقوا بِهِ حتى يقضي الَّذِي عَلَيْهِ ولا يُباع، واجعَل الغُرماء أُسوةً فيما يسعى فِي من الدَّين لهم، كلّ رجُل منهم يخُصّه الَّذِي لَهُ ما بلغ، وتذكر أن منهم رجلًا يبتاع الولائد بالنَّظِرة بالمال المرتفع، ويبيع بالنقد الَّذِي يشتري بثُلُث الثمن أو ببعضه، وتقول: فلم يزَلْ ذَلكَ شأْنه حتَّى ترابى عَلَيْهِ من الدين ثلاثمائة دينار.
وتقول: جاءَني أصحابه يسأَلوني أن يُباع لهم، وتذكر أنك جعلته فِي أيديهم حتى يأتيك أمري، فمُر ذَلكَ الرجُل، فلْيسْعَ فِي الَّذِي عَلَيْهِ ويسأَل حتَّى يقضي، ولا يُمكَّن غُرَماؤه من بيعه، ومُرْهم فليرفقوا بِهِ حتى يُؤَدّي اللَّه عَزّ وجلّ ما عَلَيْهِ، والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته «.
وكُتِبت لصباح يوم الخميس لأربع خلونَ من ذي الحجَّة تسع وتسعين.
فولِيَها عِياض الثانية إلى أن صُرف عَنْهَا بكتاب أمير المؤمنين عُمَر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لعشر بقِينَ من رجب سنة مائة، وليَها سنةً وسبعة أشهُر»

عبد الله بْن يزيد بْن خُذامر
ثمَّ ولِيَ القضاء بها عبد الله بْن يزيد بْن خُذامر من قِبَل أمير المؤمنين عُمَر بْن عَبْد العزيز.
حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان بْن صالح، عَنْ أبيه، وابن بُكَير، وابن عُفَير، عَن ابن
(1/244)

لَهِيعة، «أن عُمَر بْن عَبْد العزيز ولَّى عبد الله بْن يزيد بْن خُذامر القضاء»
وحَدَّثَنِي عمّي، عَن ابن الوزير، عَنْ يحيى بْن بُكَير، قَالَ: حَدَّثَنِي عبد الله بن المُسيَّب العَدَويّ، قَالَ: " كَانَ وفد من أهل مِصر وفدوا عَلَى سُلَيْمَان بْن عَبْد الملك وفيهم ابن خُذامر الصَّنْعانيّ مولى سَبا، فسأَلهم سُلَيْمَان عَنْ شيء من أهل المغرِب، فأخبروه وأَبى ابن خُذامر أن يتكلَّم، فلمَّا خرجوا، قَالَ لَهُ عُمَر بْن عَبْد العزيز: ما منعك من الكلام يا أَبَا مَسْعُود؟ قَالَ: خِفتُ اللَّه أن أكذب.
فعرفها لَهُ عُمَر، فلمَّا ولِيَ، كتب إلى أيُّوب بْن شُرَحْبِيل بوِلاية ابن خّامر القضاء، فوليَه من سنة مائة إلى سنة خمس ومائة "
حَدَّثَنَا أحمد بْن محمد بْن عَبْد العزيز أَبُو الرَّقراق، قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بْن عبد الله بْن بُكَير، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن لَهِيعة، عَنْ مُوسَى بْن أيُّوب، أن الحُرّ بن يوسف أمير مِصر سأَل عبد الرحمن بْن عُتبة، " عَنْ أَمة اشتراها رجُلان، فوطآها فِي طُهْر واحد، فحملت، فقلنا: سلِ ابن خُذامر وهو قاضي المِصر.
فسأَله، قَالَ: كتبت إلى عُمَر بْن عَبْد العزيز فِي مِثل ذَلكَ.
فكتب إليّ عُمَر، قَالَ: يرِثها الولد ويرِثانه وعاقبْهما "
حَدَّثَنَا ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن عمرو بْن السَّرْح، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن وَهب، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْد الأعلى بْن سَعِيد الجَيْشانيّ، أن محمد بْن عِكْرِمة الهريّ حدَّثه، " أَنَّهُ تزوَّج امرأَةً، فدخل عليها يومًا وعليها مِلْحَفَة، فنزعها عَنْهَا، فإذا هُوَ يرى بأصل فَخِذها وَضَحًا من بَياض، قَالَ: خُذي مِلْحَفتكِ.
ثمَّ كلّم عبد الله بْن يزيد بْن خُذامر، فكتب لَهُ إلى عُمَر بْن عَبْد العزيز، فكتب عمر إن استحلفه بالله فِي المسجد أَنَّهُ ما تلذّذ منها بشيء مُنذ رأَى ذَلكَ منها، وأَحلفْ إِخوتها أنهم لم يعلَموا بالذي كَانَ بها قبل أن يزوّجوها، فإن حلفوا، فأَعطِ المرأَة من الصَّداق رُبعة "
حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن محمد المَدِينيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بْن بُكَير، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن لَهِيعة، عَنْ يزيد بْن أَبِي حَبيب، أن عُمَر بْن عَبْد العزيز كتب إلى عبد الله أَبِي مَسْعُود فِي اليتيم واليتيمة يتناكحان صغيرين.
فكتب: «إذا أدركا وأُونس منهما الرُّشد فهو عَلَى رأس أمره،
(1/245)

وإن أدرك ولم يُؤنَس منه رُشد اختار لَهُ الوَليّ فإن أُتهم الوَليّ، بشيء رُفع إلى الإِمام»
حَدَّثَنِي عاصم بْن رازح، وعليّ بْن قُدَيد، قالا: حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، قَالَ: حَدَّثَنِي خَالِد بْن يَعْفُر بْن وعْلَة، قَالَ: «لم يُوزَر عبد الله بْن خُذامر عَن القضاء دِرهمًا ولا دينارًا»
حَدَّثَنِي يحيى بْن خلَف، عَنْ أبيه، عَنْ غَوْث بْن سُلَيْمَان، قَالَ: قَالَ ابن خُذامر: «ما أَفدتُ عَلَى القضاء شيئًا إلَّا جَوزتين، فلمَّا صُرفتُ تصدَّقت بهما» .
قَالَ: وكان غَوْث، يَقُولُ: ودِدت أني علِمتُ من أيّ وجه صارتا إِلَيْهِ
حَدَّثَنِي عمّي، عَن ابن رزين، عَنْ عبد الله بْن أَبِي مَيْسَرة، «أن ابن خُذامر ولِيَ سنة مائة، وصُرِف سنة خمس ومائة، وكانت وِلايته من قِبَل عُمَر بْن عَبْد العزيز، ويزيد بْن عَبْد الملك.
فولِيَها عبد الله بْن يزيد إلى أن صُرف عَنْهَا فِي النصف من شهر رمضان سنة خمس ومائة» ، حَدَّثَنِي بذلك يحيى، عَنْ خلَف، عَنْ أبيه، عَنْ جَدّه، فكانت وِلايته خمس سنين وثلاثة أشهُر

يحيى بْن مَيْمون الحَضْرَميّ
ثمَّ ولِيَ القضاء بها يحيى بْن مَيْمون الحَضْرَميّ من قِبَل أمير المؤمنين هِشام، وكانت وِلايته يوم الأحد لتسع بقِينَ من شهر رمضان سنة خمس ومائة.
حَدَّثَنِي يحيى بْن أَبِي مُعاوية، قَالَ: حَدَّثَنِي خلَف بْن ربيعة، عَنْ عَبْد العزيز بْن أَبِي مَيْسَرة، قَالَ: «لمَّا استخلف هِشام ولَّى قضاء مِصر يحيى بْن مَيمُون بْن رَبيعة الحَضْرَميّ»
حَدَّثَنِي ابن قُديد، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، قَالَ: «كَانَ يحيى بْن مَيْمُون الحَضْرَميّ مشْكوًّا كُتَّابه، وكان أوَّل قاض شُكي كتَّابه»
(1/246)

حَدَّثَنَا القاسم بْن حُبيش بْن سُلَيْمَان بْن بُرد، وأبو سلَمة التُّجِيبيّ، قالا: حَدَّثَنَا عبد الرحمن بْن عبد الله بْن عَبْد الحكَم، قَالَ: حَدَّثَنِي يحيى بْن بُكَير، قَالَ: سَمِعْتُ المُفضَّل بْن فَضالة، يَقُولُ: «بِئْس القاضي»
حَدَّثَنِي قيس بْن حَمَلة الغافِقيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ياسين بْن عَبْد الأحد، قَالَ: حَدَّثَنِي فَضالة بْن المفضَّل، عَنْ أبيه، قَالَ: «كَانَ كُتَّاب يحيى بْن ميمُون لا يكتبون قضيَّةً إلَّا برَشوة فكُلم يحيى فِي ذَلكَ، فلم يُنكره، ثمَّ كُلّم مرّةً بعد مرّة فلم يعزِل منهم أحدًا عَنْ كِتابه»
حَدَّثَنَا أحمد بْن داود بْن أَبِي صالح، قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بْن أَبِي المُغِيرة، عَنْ أحمد بْن قُدَيد، عَنْ أَبِي زيد كيد، " أن يتيمًا من مُراد كَانَ فِي وِلاية يحيى بْن ميمُون الحَضرَميّ وهو عَلَى القضاء، فردّ أمره إلى عريف قومه وكان فِي حَجْره، فتظلَّم اليتيم بعد بلوغه من العريف إلى يحيى زمانًا، فلم يُنصفه منه وأتى اليتيم ببيّنة من قومه، فشهِدوا أَنَّهُ مظلوم، فلم يستمع يحيى منهم، فكتب إِلَيْهِ اليتيم بأبيات أَبِي شِمْر:
أَلَا أَبْلِغْ أَبَا حَسَّانَ عَنِّي ... بِأَنَّ الحُكْمَ لَيْسَ عَلَى هَوَاكَا
حَكَمْتَ بِبَاطِلٍ لَم تَأْتِ حَقًّا ... وَلَمْ يُسْمَعْ بِحُكْمِ مِثْلِ ذَاكَا
وَتَزْعَمُ أَنَّهَا حَقٌّ وَعَدْلٌ ... وَأَزْعَمُ أَنّهَا لَيْسَتْ كذَاكَا
أَلَمْ تَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّه حَقٌّ ... وَأَنَّكَ حِينَ تَحَكُمُ قَدْ يَراكَا
فبلغ يحيى بْن ميمُون ذَلكَ، فسجن اليتيم، فرُفِع أمره إلى هِشام، فعظُم ذَلكَ عَلَيْهِ وكتب بصرفه.
وكان فِي كتابه إلى الوليد بْن رِفاعة: اصرِفْ يحيى عمَّا يتولَّاه من القضاء مذمومًا مدحورًا، وتخيّرْ لقضاء جُندك رجُلًا عفيفًا ورِعًا تقيًّا سليمًا من العُيُوب لا تأخذه فِي اللَّه لَومةُ لائم، فعزله "
حَدَّثَنِي أحمد بْن داود، قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بْن أَبِي المُغيرة بْن أخضر، عَن ابن وزير، عَنْ أَبِي زيد كيد، عَنْ أبيه، قَالَ: «خاصمتُ إلى سَعِيد بْن ربيعة الصَّدفيّ»
حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، عَنْ لَهِيعة بن عيسى، قَالَ: " أخذ الوليد بْن رِفاعة سَعِيد بْن ربيعة بالقضاء، فامتنع، فقال عُبَيْد اللَّه بْن الحَبْحاب وكان عَلَى الخَراج: بل أَرى أن تُولّي تَوْبة بْن نَمِر فإِنّه وإِنّه.
فقيل لسعيد بْن ربيعة: استعجمْ عليهم حتى يكون لنا عُذر.
ففعل سَعِيد ولم يقضِ بين اثنين، وقام عُبَيْد اللَّه بْن الحَبْحاب بأمر تَوْبة حتّى ولِيَ، وتُوفّي يحيى بْن ميمُون سنة أربع عشرة ومائة "
(1/247)

تَوْبَة بْن نَمِر الحَضْرَميّ
ثمَّ ولِيَ القضاء بها تَوْبة بْن نَمِر الحَضْرَميّ يُكْنى أَبَا مُحجن، وأبا عبد الله من قِبَل الوليد بْن رِفاعة، فحَدَّثَنِي يحيى بْن خلَف، عَنْ أبيه، عَنْ جَدّه، قَالَ: فكانت وِلايته مستهل صفر سنة خمس عشرة ومائة.
قَالَ رَبيعة فحَدَّثَنِي غَوث، أن الوليد بْن رِفاعة أرسل إِلَيْهِ حين مات الخيار بْن خَالِد ومعه امرأَته عُفَيرة الأَشْجَعِيَّة، فدخلا عَلَيْهِ وهو عَلَى سريرِهِ، وكانت امرأَة بَرْزة، فولَّاه القضاء، فقالت لَهُ عُفَيرة: أَمَا والله يا تَوْبة ما حاباك ابن رِفاعة بهذه الوِلاية ولو أنَّه وجد فِي قَيْس كُلّها من يسدّ مسدّك أو يستضلع بهذا الأمر لآثره عليك وقدَّمه وأخَّرك.
حَدَّثَنِي أَبُو سلَمة، عَنْ يحيى بْن عثمان بْن صالح، قَالَ: حَدَّثَنِي لَهِيعة بْن عيسى، عَنْ عبد الله بْن لَهِيعة، أن تَوْبة لمَّا ولِيَ القضاء دعا امرأَته عُفَيرة، فقال: يا أمّ محمد، أيّ صاحب كنتُ لكِ؟ قَالَتْ: خيرَ صاحب وأكرمه.
قَالَ: فاسمَعي لا تعرِضِنَّ لي فِي شيء من القضاء، ولا تذكرِنِّي بخصم، ولا تسئلِّني عَنْ حكومة، فإن فعلت شيئًا من هذا فأنتِ طالق، فإِمَّا أن تُقيمي مكرَّمةً وإِمَّا أن تذهبي ذميمةً.
فانتقلت عَنْهُ فلم تكن تأتيه إلَّا فِي الشهر والشهرين "
حَدَّثَنِي عليّ بْن قُدَيد، والقاسم بْن حُبيش، وأبو سلَمة، قَالُوا: حَدَّثَنَا عبد الرحمن بْن عَبْد الحكَم، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيد بْن عُفَير، قَالَ: حَدَّثَنَا المُفضَّل بن فَضالة، قَالَ: لما ولِيَ تَوْبة القضاء
(1/248)

دعا امرأَته، فقال لها: كيف علِمتِ محبَّتي لكِ قَالَتْ: جَزاك اللَّه من عشير خيرًا.
قَالَ: قد عَلِمتِ ما قد يلينا من أمر الناس كلّهم.
فأَبُتُّ الطلاق فصاحت، فقال: إن كلَّمتنِي فِي خصم أو ذكَّرتِني بِهِ.
قَالَ: فإن كانت لترى دَواته قد احتاجت إلى الماء فلا تأمر بها أن تُمدَّ خوفًا من أن يخل عَلَيْهِ فِي يمينه شيء "
حَدَّثَنِي عمّي، قَالَ: حَدَّثَنِي أحمد بْن يحيى بْن الوَزير، عَنْ عَبْد العزيز بن أَبِي مَيْسَرة، قَالَ: «جُعل تَوْبة عَلَى القضاء فِي سنة خمس عشرة، وكان كاتبه مُغيث مولى حَضْرَ مَوْت»
حَدَّثَنَا ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، عَن ابن وَهب، عَنْ عبد الله بْن المُسيَّب، أَنَّهُ حضر تَوْبة بْن نَمِر قضى فِي مكاتِب هلك سيّده، وقد أقام قبل ذَلكَ حِينًا لم يُؤدّ شيئًا، ثمَّ إن وَرَثة الرجل أرادوا بيعه، فلمَّا رُفع أمره إلى تَوْبة، قَالَ تَوْبة: نُؤَخِّرك سنةً عَلَى أن تُؤَدّي مُكاتَبتك.
فقال: أَرأَيت إِن أَندّيتُ هذه السنة ثمَّ عجزتُ.
قَالَ تَوْبة: إذًا أبيعك.
قَالَ المكاتِب: فبعني كيف شِئْتَ الساعة.
فردّه إلى الرِّقّ وأمر ببيعه "
حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن أحمد بْن خيْرُون الخَوْلانيّ الأَنصاريّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الملك بْن شُعيب بْن الليث، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: سمِعتُ أَبِي يَقُولُ عَنْ تَوْبة بْن نَمِر القاضي: " إن رجُلًا وامرأَته اختصما عنده، فطلَّقها، فقال تَوْبة: متّعْها.
فقال: لا أفعل، قَالَ: فسكت عَنْهُ لأنه لم يَرَهُ لازمًا لَهُ فأتاه الرجل الَّذِي طلّق امرأَته فِي شهادة، فقال لَهُ تَوْبة: لست قابلًا شهادتك.
قَالَ: ولِمَ.
قَالَ: إنّك أبيتَ أن تكون من المُحسِنين، وأبيتَ أن تكون من المتّقين ولم يقبَل لَهُ شهادةً "
حَدَّثَنَا أَبُو سلَمة، عَنْ يحيى بْن عثمان، عَنْ أبيه، عَن ابن وَهب، قَالَ: حَدَّثَنِي الليث، أن تَوْبة بْن نَمِر حدَّثه، عَنْ عُمَر بْن عَبْد العزيز، أَنَّهُ «كتب فِي المرأَة تشتَرط عَلَى مزوِّجها أن لا يُخرجها إن ذَلكَ لَهُ إن شاء» .
قَالَ الليث: وقضى بذلك علينا تَوْبة فِي امرأَة من أهلي بأن أُخرِجها مَعَ زوجها "
حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن عمرو بْن سَرْح، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن وَهب، عَن ابن
(1/249)

لَهِيعة، أن تَوْبة بْن نَمِر قاضي مِصر: «كَانَ يقضي بيمين صاحب الحقّ مَعَ شاهِدِه فِي الشيء اليسير» .
قَالَ ابن لَهِيعة: وقد كنتُ أقضي بذلك
حَدَّثَنَا ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن عمرو، قَالَ: أخبرنا ابن وَهْب، عَن ابن لَهِيعة، قَالَ: «كَانَ قُضاة مِصر يقضُون بعُهدة الثَّلاث من الحُمَّى والنَّظَر، ويقضُون بعُهدة السَّنة من الجُنُون والجُذام والبَرَص، حتى كَانَ تَوْبة يُثبت عَلَى عُهدة السَّنة، وطرَح عَلَى عُهدة الثلاث إذ كَانَ قاضيًا»
حَدَّثَنَا أَبُو سلَمة، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن يحيى بْن الوَزير، عَنْ إِسْحَاق بن الفُرات، عَن المُفضَّل بْن فَضالة، قَالَ: «كَانَ تَوْبة يقضي فِي الرجل يُفلَّس بصَداق امرأَته كاملًا، فما بقِيَ من ماله كَانَ الغُرماء إِسوة» ، قَالَ إِسْحَاق: قلتُ للمُفضَّل: المرأَة المدخول بها أو غير المدخول بها، قَالَ: لا بل المدخول بها
حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، عَن ابن وَهب، عَنْ عبد الله بْن المُسيَّب، قَالَ: حضرتُ تَوْبة يَقُولُ للنخَّاسين أصحاب الرقيق: «من اشترى منكم عيبًا فهو لازمه، ولستُ أزويه عَنْهُ لأنكم تُبصرون ما تشترُون، فإِن بِعتم سكتّم عَلَى العيب، وإن كَانَ فِي أَيديكم أردتم ردّه عَلَى صاحبه، فأنتم كغيركم»
حَدَّثَنَا أَبُو سلَمة، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن وزير، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسحاق بْن الفُرات، عَن المُفضَّل بْن فَضالة، قَالَ: كَانَ تَوْبة «لا يقبَل شهادة الأشراف ولا شهادة مُضَريّ عَلَى يَمانيّ، ولا يَمانيّ عَلَى مُضَريّ» ، قلت لإسحاق: كيف تعمَل، قَالَ: نردّهم إلى عشائرهم يُصلحون بينهم
حَدَّثَنِي أحمد بْن داود بْن أَبِي صالح، عَنْ محمد بْن أَبِي المُغيرة بْن أخضر، عَنْ أَبِي وَزير، عَنْ أَبِي بُكَير، عَن ابن لَهِيعة، قَالَ: أوَّل قاضٍ بِمصر وضع يده عَلَى الأحباس تَوْبة بْن نَمِر فِي زمَن هِشام، وإِنَّما كانت الأحباس فِي أَيدي أهلها، وفي أَيدي أوصيائِهم، فلمَّا كَانَ تَوْبة، قَالَ: «ما أرى مرجع هذه الصَّدَقات إلَّا إلى الفُقَراء والمساكين، فأَرى أن أَضَع يدي عليها حَفْظًا لها من التوَاء والتوارث، فلم يمُتْ تَوْبة حتى صار الأحباس ديوانًا عظيمًا»
حَدَّثَنِي عَبْد الحكَم بْن أحمد بْن سَلَّام الصَّدَفيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إسماعيل بن عمرو الغافِقيّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَشْهَب بْن عَبْد العزيز، يَقُولُ: «كَانَ أوّل قُضاة مِصر تسلّم الأحباس إلى ديوانه تَوْبة بْن نَمِر سنة ثمان عشرة ومائة»
(1/250)

حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، عَنْ أبيه، عَن ابن لَهِيعة، عَنْ يزيد بْن أَبِي حبيب، عَن ابن شِهاب: «أن شهادة الرجُل وحده جائزة عَلَى شهادة للرجُل فِي الَّذِي أشهده إن كَانَ قد غاب أَو مات» .
قَالَ ابن لَهِيعة: وكان تَوْبة بْن نَمِر ومن أدركتُ من القُضاة يقضي بِهِ، قَالَ ابن لَهِيعة: وهو رأْيي إِلَّا أنّ أَبَا خُزَيمة لم يقضِ إلَّا بشاهدَين
حدثني محمد بْن عَبْد الصمَد الصدَفيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عليّ بْن عمرو بْن خَالِد، عَنْ أبيه، قَالَ: حَدَّثَنِي ربيعة ابْن أخي غوث الحَضْرَميّ، أن تَوْبة بْن نَمِر كَانَ لا يملِك شيئًا إِلَّا وهبه ووصل بِهِ إِخوانه، وأفضل بِهِ عليهم، فلمَّا ولِيَ القضاء، كَانَ يرى أن يحجز عَلَى السَّفِيه والمُبذِّر، فرُفع إِلَيْهِ غُلام من حِمْيَر لا تحوي يده شيئًا إلَّا وهبه وبذّره، فقال تَوْبة: أرى أن أحجر عليك يا بُنيَّ.
قَالَ: فمن يحجر عليك أيُّها القاضي والله ما نبلغ فِي أموالنا عُشر مِعشار من تبذيرك.
فسكت تَوْبة ولم يحجر عَلَى سَفِيه بعد ".
قَالَ ربيعة: وأَنشدني عمّي غَوث لتَوبة:
نَشَبِي وَمَا جَمَّعْتُ منْ صَفَدِ ... وَحَوَيْتُ مِنْ مَالٍ وَمِنْ لُبَدِ
هِمَمٌ تَقَاذَفَتِ الْهُمُومُ بِهَا ... فَنَزَعْنَ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلدِ
يَا ربْحَ مَنْ حَسَمَتْ قَنَاعتُهُ ... سَبَبَ المْطَامِعِ مِنْ عَدُوٍ عَدِي
مَنْ لمْ يَكُنْ بِاللهِ مُتَّهِمًا ... لَمْ يُمْسِ مُحْتَاجًا إِلَى أَحَدِ
أخبرني ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه، عَنْ أبيه بهذه الأبيات لرجُلٍ من حَضْرَ مَوت.
فَولِيَها تَوْبة بْن نَمِر إلى أن مات بها وهو عَلَى قضائها فِي ربيع الأوَّل سنة عشرين ومائة.
حَدَّثَنِي بذلك يحيى بْن خلَف، عَنْ أبيه، عَنْ جدّه
حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، قَالَ: «مات تَوْبة بن نَمِر وهو قاضٍ عَلَى مِصر سنة عشرين ومائة، فكانت وِلايته عَلَى قضائها أربع سنين وشهرًا»
(1/251)

خَيْر بْن نُعَيم الحَضْرَميّ
ثمَّ ولِيَ القضاء بها خَيْر بْن نُعَيم من قِبَل الأمير حَنْظَلة بْن صَفْوان الكَلْبيّ فِي شهر ربيع الآخر سنة عشرين ومائة، وجُعل إِلَيْهِ القضاء والقَصَص جميعًا.
حَدَّثَنِي بذلك يحيى، عَنْ خلَف، عَنْ أبيه، عَنْ جدّه.
(1/252)

حَدَّثَنَا عليّ بْن أحمد بْن سُلَيْمَان، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن سعد بْن أَبِي مَرْيَم، قَالَ: حَدَّثَنَا زيد بْن بِشر، عَنْ ضِمام، قَالَ: كَانَ يزيد بْن أَبِي حَبيب، يَقُولُ: «ما أدركت من قُضاة مِصر أحدًا أفقه من خَيْر بْن نُعَيم»
حَدَّثَنِي عليّ بْن قُدَيد، قَالَ: أخبرنا عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، عَن ابن وَهْب، عَنْ عبد الله بْن المُسيَّب، أن هاشم بْن عَبْد الملك كتب إلى خَيْر بن نُعَيم: «أيّ امرأَة أرادت قبض صَداقها المؤَخَّر عَلَى زوجها لن تُعطاه إلَّا أن يكون شُرط عند الإِملاك أَلَّا تُعطى إِلَّا عَلَى شرط مسمًّى»
حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، عَن ابن وَهْب، عَنْ عبد الله بْن المُسيَّب، عَنْ خَيْر بْن نُعَيم، أنّه جاءه رجُل تزوّج امرأَةً وشرط لها طَلاقها فِي شيء إِن فعله، قَالَ لَهُ خَيْر: أراض أنت بهذا الشرط.
فقال: نعم.
فقال لَهُ خَيْر: أنظر فإِنَّ الشرط لازم لك وهو من الطَّلاق.
وأَنَّ خيرًا قَالَ فِي رجُلٍ دفع إلى رجُل ثلاثة دنانير، فدفعها إلى رجُل يبتاع بها حمارًا، فدفعها إلى رجُلٍ فلم يجد بالثلاثة حمارًا إِلَّا بأربعة، فقال الرَّسُول: أَنَا أدفع إليك الدينار الرابع، فإن رضِيَ الحِمارَ أخذتُ منه الدينار، وإن كرِه أخذت الحِمار لنفسي.
فاشترى الحِمار عَلَى ذَلكَ، فسُرق بالطريق، فقضى خَيْر أن الحِمار من الرَّسُول، وأن الثلاثة إلى صاحبها رَدٌّ.
وعن خَيْر، أَنَّهُ قضى فِي رجُل هلك ولم يُوصِ وعنده بِضاعة لرجُل، وقِبَله شِرك لرجُل فِي مَتاع وعنده وديعة ليتيم وعليه صَداق لامرأَته، فقضى خَيْر، «أن ما كَانَ قِبَله من شِرك أو بِضاعة، فإنَّها تُرَدّ إلى أصحابها، وأَنَّ صَداق امرأَته والوديعة إذا لم توجد ِسْوة الغُرَماء»
حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن حُمَيد، قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بْن عبد الله بْن بُكَير، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن لَهِيعة، عَنْ مَخْرَمة بْن بُكَير، " أن مُكاتِبًا لهم بزَوِيلة، كَانَ لَهُ وَلَد أحرار من امرأَة حُرَّة، فهلك المكاتِب، فاختلفوا فِي مِيراثه، فكُتب إلى أخ لي بِمصر، وهناك خَيْر بْن نُعَيم قاضي مِصر، فقال: لا يرِثه وَلَد الأَحرار حين مات وهو مكاتب ".
قَالَ مَخْرَمة: ثمَّ قدِمت المدينة، فسأَلتُ سعد بن إبراهيم عَنْ ذَلكَ، وكان قاضيها بالمدينة، فقال: لا يرثه وَلَده الأَحرار
(1/253)

حدثنا علي بن قديد، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن عمرو بْن سرَح، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن وَهب، قَالَ: أخبرني الليث بْن سعد، عَنْ خَيْر بْن نُعَيم، أَنَّهُ كَانَ يقضي فيمن اعترف لرجُل بحقّ لَهُ عَلَيْهِ، ثمَّ ادَّعى أَنَّهُ قد قضاه إِيَّاه، ولا بيِّنة عنده أَنَّهُ يلزَمه ما اعترف بِهِ من ذَلكَ، وكان يَقُولُ: من اعترف عندنا بشيء أخذناه بِهِ
حَدَّثَنِي عَبْد الوهَّاب بْن سَعِيد، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن محمد بْن رِشْدين، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن بِشْر، وخالد بْن عَبْد السلام، قالا: حَدَّثَنَا ابن وَهب، عَن الليث، عَنْ خَيْر بْن نُعَيم، أَنَّهُ «كَانَ يقضي بالمُتْعة عَلَى من طلَّق امرأَته» .
وقال الليث: لا أعلَم أحدًا قضى بذلك غيره
حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، عَنْ هزار بْن سَعِيد المُسيَّبيّ، قَالَ: «حضرتُ خَيْر بْن نُعَيم يقضي بالشُّفعة للأشراك عَلَى حِصَصهم، ثمَّ يدفع الرُّبع لمن لَهُ الرُّبع، والثُّلث لمن لَهُ الثُّلث»
حَدَّثَنِي رَباح بْن طَيبان أَبُو نافع، قَالَ: أخبرنا أحمد بْن سعد بْن أَبِي مَرْيَم، قَالَ: حَدَّثَنَا عمّي، عَن ابن لَهِيعة، قَالَ: كَانَ خَيْر بْن نُعَيم: " يقضي بشهادة الصِّبْيان فِي الجِراح التي تكون بينهم.
قَالَ: وكان يُجِيز شهادة ذَوِي الرَّحِم لرَحِمه إِذا كَانَ معروفًا بالعدالة.
وكان خَيْر يسجن الديون ثمَّ يكشِف عَنْ أمره إذا ادّعى العَدَم، فإن شهِد لَهُ جيرانه بالعَدَم أطلقه من ساعته، وكان يطلّق عَلَى المُعدِم امرأَة إذا خاصمته فِي النَّفَقة عليها، وقال: لا أجِد ما أُنفق.
وكان يقبَل شهادة النصارى عَلَى النصارى، واليهود عَلَى اليهود، ويسأَل عَنْ عَدالتهم فِي أهل دينهم "
حَدَّثَنَا أَبُو سلَمة، قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بْن عثمان بْن صالح، قَالَ: حَدَّثَنِي زيد بْن بِشْر، عَنْ ضِمام، أن خَيْر بْن نُعَيم كَانَ «يقضي فِي المسجِد بين المُسلمين، ثمَّ يجلِس عَلَى باب المسجِد بعد العصر عَلَى المعارج، فيقضي بين النصارى»
حَدَّثَنِي يحيى بْن أَبِي معاوية، قَالَ: حَدَّثَنِي خلَف بْن ربيعة، عَنْ أبيه، عَنْ جدّه الوليد بْن سُلَيْمَان، أن خَيْر بْن نُعَيم كَانَ لَهُ مجلِس «يُشرِف عَلَى الطريق عَلَى باب داره، فكان يجلِس فِيهِ، فيسمع ما يجري بين الخصوم من الكلام»
حَدَّثَنِي عَبْد الوهَّاب بْن سعد، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن بِشْر، قَالَ: حَدَّثَنَا يزيد بْن يوسف، عَنْ سَعِيد بْن الجَهْم، «أن رجُلًا دخل عَلَى خَيْر بْن نُعَيم، فأطعمه طَعامًا وهو عَلَى القضاء،
(1/254)

وإِذا الرجُل مخاصَم، فأحضر خَيْر خَصْم الرجُل، وأحضر الطَّعام، فعرضه عَلَيْهِ لئلَّا ينقطع الخَصم عَنْ حُجَّته»
حَدَّثَنِي عَبْد الوهَّاب، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن رِشْدِين، قَالَ: حَدَّثَنَا زيد بن بِشْر، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو ذُؤَالة الصَّبَّاح بْن. . . . . . . الحَضْرَميّ، عَنْ شيخ من حَضْرَ مَوت، يقال لَهُ: سُهَيل بْن عليّ، قَالَ: " كنتُ أُلازم خَيْر بْن نُعَيم وأجالسه، وأنا يومئذٍ حديث السِّنّ، وكنت أراه يتجر فِي الزيت، فقلت لَهُ: وأنت أيضًا تتجر.
فضرب بيده عَلَى كَتِفي، ثم قَالَ: " انتظر حتَّى تجُوع ببطن غيرك.
قلتُ فِي نفسي: وكيف يجوع إنسان ببطن غيره.
فلمَّا ابتليتُ بالعِيال إذا أَنَا أجوع ببُطونهم، فولِيَها خَيْر بْن نُعَيم من سنة عشرين ومائة إلى سلخ سنة سبع وعشرين ومائة فلمَّا قدِم حَوْثَرة بْن سُهَيل الباهليّ مِصر من قِبَل مَرْوان بْن محمد وقتَل أشراف مِصر عزل خَيْر بْن نُعَيم "
حَدَّثَنِي عليّ بْن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد بْن عُفير، عَنْ أبيه، قَالَ: قَالَ حَسَّان بْن عَتاهِية لحوثَرة بْن سُهَيل: «لم يبقَ لحَضرَ مَوت إلَّا هذا القَرْن، فإن قطعتَه قطعتَها، يعني خَيْر بْن نعَيم.
فعزله عَن القضاء، وولَّى عبد الرحمن بْن سالم»
حَدَّثَنِي يحيى، عَنْ خلَف، عَنْ أبيه، عَنْ جدّه، قَالَ: «عُزِل خَيْر عَن القضاء، عزله الحوْثَرة لمستهلّ سنة ثمان وعشرين ومائة»
(1/255)

عبد الرحمن بْن سالم الجَيْشانيّ
أخبرنا أَبُو محمد عبد الرحمن بْن عُمَر بْن محمد بن سعيد البزّار المعروف بابن النحَّاس قِراءَةً عَلَيْهِ، قَالَ: أخبرنا أَبُو عُمَر محمد بْن يوسف بْن يعقوب الكِنديّ، قَالَ: ثمَّ وليَ القضاء بها عبد الرحمن بن سالم من قبل الأمير حوثرة بن سهيل في المحرم سنة ثمان وعشرين ومائة ".
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف الكنديّ، قَالَ: حَدَّثَنِي بذلك يحيى، عَنْ خلف، عَنْ أبيه، عَنْ جَدّه
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي عليّ بْن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، عَنْ عبد الرحمن بْن مَيْسَرة الحَضْرَميّ، قَالَ: «دخلت المُسوِّدة إلى مِصر سلخ سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وعلى القضاء بها عبد الرحمن بْن سالم بْن أَبِي سالم الجَيْشانيّ وهو من المَعافر فِي جَيْشان، فقدّمه صالح بْن عليّ، وأجازه، وكان عَلَى القضاء إلى خروج صالح بْن عليّ من مِصر فِي شعبان سنة ثلاث وثلاثين ومائة.
وولِيَ أَبُو عَون عَبْد الملك بْن يزيد، فكان فِي ديوان الجُند بعض الخَلَل، فقيل لأبي عَون أن عبد الرحمن بْن سالم من أعلم الناس بأمور الديوان.
فعزله عَن القضاء، وجعل إِلَيْهِ الديوان»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي يحيى بْن أَبِي مُعاوية، قَالَ: حَدَّثَنِي خلَف، عَنْ أبيه، عَنْ جَدّه، أن أَبَا عَون عَبْد الملك بْن يزيد عزل عبد الرحمن بْن سالم عَن القضاء، وولَّاه الديوان "
(1/256)

حدثنا محمد بن موسى الحضرمي، قَالَ: حَدَّثَنَا ياسِين، عَنْ يحيى بْن بُكَير، قَالَ: أهل أَبِي سالم الجَيْشانيّ، يقولون: أنَّهم من مَعافر.
وفيما وجدت فِي ديوان بني أُميَّة براءَة زمن مَرْوان بْن محمد فيها: بسم اللَّه الرَّحْمَن الرحيم، من عيسى بْن أَبِي عَطاء إلى خَزَّان بيت المال، فأَعطوا عبد الرحمن بْن سالم القاضي رِزقه لشهر ربيع الأول وربيع الآخر سنة إحدى وثلاثن ومائة عشرين دينارًا، واكتبوا بذلك البراءَة، وكُتب يوم الأربعاء لليلة خلت من ربيع الأوَّل سنة إحدى وثلاثين ومائة.
فولِيَها عبد الرحمن بْن سالم إلى أن صُرف عَن القضاء بها فِي رمضان سنة ثلاث وثلاثين ومائة وكانت وِلايته خمس سنين وسبعة أشهر

خَيْر بْن نُعَيم الثانية
ثمَّ ولِيَ القضاء بها خَيْر بْن نُعَيم ولايته الثانية عليها من قِبَل الأمير أَبِي عَون عَبْد الملك بْن يزيد، ولِيها لمستهلّ رمضان سنة ثلاث وثلاثين ومائة.
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي أحمد بْن داود بْن أَبِي صالح، عَنْ محمد بْن أَبِي المُغيرة بْن أخضر، عَنْ أحمد بْن وزير، عَنْ يحيى بْن بُكَير، عَن ابن لَهِيعة، أن خَير بْن نُعَيم أوَّل القُضاة أدخل أموال اليتامى بيت المال بكتاب أَبِي جَعْفَر أمير المؤمنين، ورد عَلَى أَبِي عَوْن بذلك، فأوردها خَيْر بن نُعيم بيت المال، وسجّل فِي كلّ مال منها سِجِلًّا بما يدخل منها وما يخرج "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: أخبرني عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، أن خَير بْن نُعَيم عَرضت لَهُ عِلَّة الجُذام، فثقُل عَلَيْهِ كَثْرة الجلوس للخُصوم، فكان كاتبه غَوْث بْن سُلَيْمَان يقضي بين الناس فِي منزل خَيْر "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي قيس بْن حَمَلة الغافقيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ياسين بْن عَبْد الأحد، قَالَ: حَدَّثَنِي فَضالة بْن المُفضَّل، عَنْ أبيه، قَالَ: «لمَّا جُذِم خَيْر بْن نُعَيم فِي وِلايته الثانية، استعفى أَبَا عَوْن من القضاء، فلم يُعفِه، وكان غَوْث رُبَّما كفاه بعض التطويل»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: " لمَّا قدِمتِ المسوِّدة ردّوا خَيْر بْن نُعَيم عَلَى القضاء، فأتاه عَبْد الملك بْن مَرْوان يخاصم ابن عمّ لَهُ، فقعد عَلَى مفرَشه، فقال: قُمْ مَعَ ابن عمَّك.
فقال: كأَنَّك وجدتَّ
(1/257)

علينا أن صيَّرناك كاتبًا بعد القضاء.
وقام ولم يخاصم، وكان عَبْد الملك بْن مَرْوان النُّصَيريّ قد ولَّى خَيْرًا ديوان الرسائل بعد أن كَانَ قاضيًا "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، وأبو سلَمة، قالا: حَدَّثَنَا عبد الرحمن بْن عَبْد الحكَم، قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بْن بُكير، " أن رجُلًا من الجُند قذف رجُلًا، فخاصمه إلى خَيْر وثبَّت عَلَيْهِ شاهدًا واحدًا، وأمر بحبس الجُنديّ إلى أن يُثبت الرجُل شاهدًا آخر، فأرسل أبو عَوْن، فأخرج الجُنديّ من الحبس، فاعتزل خَيْر، وجلس فِي بيته وترك الحُكم، فأرسل إِلَيْهِ أَبُو عَوْن، فقال: لا، حتَّى تردّ الجُنديّ إلى مكانه.
فلم يُردّ وتمّ عَلَى عزمه، فولِيَها خَيْر ولايته الثانية إلى أن عُزل عَنْهَا فِي شعبان سنة خمس وثلاثين ومائة، وكانت وِلايته عليها سنتين.
حَدَّثَنِي بذلك يحيى، عَنْ خلَف، عَنْ أبيه

غَوْث بْن سُلَيْمَان الحَضْرَميّ
ثمَّ ولي القضاء بها غَوْث بْن سُلَيْمَان الحَضْرَميّ من قِبَل أَبِي عَوْن يوم الأحد للنصف من شهر رمضان سنة خمس وثلاثين ومائة.
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي قَيس بْن حَمَلة الغافقيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي ياسين، قَالَ: حَدَّثَنِي فَضالة بْن المُفضَّل، عَنْ أبيه، قَالَ: «لم يكن غَوْث بن سُلَيْمَان بالفقيه لكنَّه كَانَ أعلم الناس بمعاني القضاء، وسياسته، فكان أمره من أحسن شيء، وكان هَوْنًا»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي عليّ بْن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بن عثمان، قَالَ: حَدَّثَنَا حَرْملة، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن وَهب، عَن الليث، قَالَ: كَانَ غَوْث بْن سُلَيْمَان يقضي بالشُّفعة إذا كَانَ الباب والفِناء واحدًا.
قَالَ الليث: وليس القضاء عَلَى ذَلكَ
(1/258)

حدثنا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بن سَعِيد، عَنْ أبيه، قَالَ: حَدَّثَنِي عمرو بْن بحرى السبائيّ، " أن صالح بْن عليّ الهاشمي لمَّا خرج من مِصر إلى الشام، خرج بنفَر من وُجُوه أهل مِصر، منهم: مُعاوية بْن عبد الرحمن بْن قَحْزَم الخَوْلانيّ، وخالد بْن حَيَّان بن الأَعْيَن الحَضْرَميّ، وشُرَحْبِيل بْن مُذيلفة الكَلْبيّ، وغَوْث بْن سُلَيْمَان الحَضْرَميّ، وعمرو بْن الحارث الفقيه "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي عمّي، قَالَ: حَدَّثَنِي أحمد بْن يحيى بْن وزير، عَنْ عَبْد العزيز بْن أَبِي مَيْسَرة، قَالَ: «خرج صالح بْن عليّ من مِصر فِي شهر رمضان سن سبع وثلاثين ومائة، وخرج معه غوْث بْن سُلَيْمَان»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي يحيى بْن أَبِي مُعاوية، قَالَ: حَدَّثَنِي خلَف، عَنْ أبيه، «أن صالح بْن عليّ لمَّا خرج إلى الشام أخرج بغَوْث بْن سُلَيْمَان، فصحِبه غَوْث إلى فِلَسطين، وكان خروجه فِي شهر رمضان سنة سبع وثلاثين ومائة، وعاد غَوْث إلى الفُسطاط فِي النصف من جمادى الأولى سنة ثمان وثلاثين ومائة، ولم يكُن استخلف فِي هذه السفرة عَلَى القضاء آخر، فعاد غَوْث إلى القضاء، فولِيَها إلى سنة أربعين ومائة، وأن صالح بْن عليّ ولِيَ عَلَى الصائفة، فأخرج غَوْثًا معه إلى الصائفة، فاستخلف غَوْث يزيد بْن عبد الله بْن بِلال الحَضْرَميّ»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: وأخبرني أَبُو سلَمة، عَنْ زيد بْن أَبِي زيد، عَنْ أحمد بْن يحيى بْن وزير، عَنْ عَبْد العزيز بْن أَبِي مَيْسَرة، عَنْ أبيه، «أن صالحًا لمَّا عزم عَلَى إخراج غَوْث معه سنة أربعين ومائة، وجعل عَلَى القضاء أَبَا خُزَيمة إبراهيم بْن يزيد الرُّعَينيّ، فنظر فِيهِ أيَّامًا ثمَّ استعفى، فأُعفِي وجُعل ابن بِلال مكانه»
(1/259)

حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بن سَعِيد، عَنْ أبيه، قَالَ: حَدَّثَنِي عمرو بْن الحارث السَّبَائيّ، " أن صالح بْن عليّ لمَّا نزل دابِقًا وحشد الناس للصائفة، جعل عَلَى كلّ جُند قاضيًا، فشكَوْا تطويل القُضاة، فذُكر ذَلكَ للمِصريّين، فقال لَهُ عمرو بْن الحارث: اجمعهم عَلَى غَوْث بْن سُلَيْمَان.
فإنه يستضلع بهم.
ففعل، قَالَ عمرو بْن الحارث: فكنَّا نمرّ بِهِ والناس يترادفون عَلَيْهِ فنسلّم، فيقول: انزِلوا نتحدث.
فنقول: وأَنَّى لنا بالحديث وعليك من ترى.
فيقول: انزِلوا انزِلوا.
فيقول: ناحيةً.
فما ينشَب أن ينفرج الناس عَنْهُ ونخلو فنتحدث.
فولِيَها غَوْث إلى خروجه إلى الصائفة خمس سنين "، قَالَ محمد بْن يوسف: أخبرني بذلك يحيى، عَنْ خلَف، عَنْ أبيه، وكان خروجه فِي جمادى الآخر سنة أربعين ومائة

يزيد بْن عبد الله بْن عبد الرحمن بْن بِلال
ثمَّ ولِيَ القضاء بها يزيد بْن عبد الله بْن عبد الرحمن بْن بِلال خليفةً لغَوْث عَلَى القضاء.
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي يحيى، قَالَ: حَدَّثَنِي خلَف، عَنْ أبيه، قَالَ: «كَانَ يزيد بْن عبد الله يكتب القضايا باسم غَوْث ولم يُثبت اسمه عَلَى شيء منها»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُديد، عَنْ عُبَيْد اللَّه بن سَعِيد بْن عُفَير، عَنْ أبيه، قَالَ: «كَانَ يزيد بْن عبد الله بْن بلال واليًا عَلَى إِخْمِيم، فأُرسل إِلَيْهِ، فاستقضِي عَلَى مِصر»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْد الوهَّاب، قَالَ: حَدَّثَنِي أحمد بن رِشدِين، قَالَ: حَدَّثَنِي زيد بْن بِشر، عَنْ رَبيعة بن أخي غَوْث، أن غَوْثًا استخلف يزيد بْن عبد الله بْن بِلال وخرج إلى الصائفة، ثمَّ قدِم بعد ثلاثة أشهُر، فأَقرّ ابن بِلال ينظر بين الناس، قَالَ: فكان الناس يمرُّون بغَوْث وهو جالس فِي مجلِسه لا يختصمون إِلَيْهِ لكِفاية ابن بِلال، ثمَّ إن ابن بِلال مات فجَاءَةً فِي ذي القعدة سنة أربعين ومائة "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه، عَنْ أبيه، قَالَ: «أقام ابن بلال أربعة أشهُر ثم مات فُجَاءَةً»
(1/260)

حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سلَمة، عَنْ عبد الرحمن بْن عَبْد الحكَم، " أن ابن بِلال كَانَ يجلِس للناس فِي المسجِد الأبيض بحَضْرَ مَوْت، ثمَّ قدِم غَوْث، فأقرّه خليفةً لَهُ يحكم بين الناس حتى مات ابن بِلال، فركِب غَوْث إلى منزِله، فضمّ الديوان والودائع التي كانت قِبَله، فزعموا أن ابنته صاحت يومئذٍ: وأذُلَّاه "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي يحيى بْن خلَف، عَنْ أبيه، قَالَ: " مات ابن بِلال فرجع الخُصُوم إلى غَوْث، فلمَّا كثُروا عَلَى بابه، قَالَ: رحمة اللَّه عَلَى أَبِي خَالِد، فقد كَانَ يسدّ عنَّا مسدًّا "

غَوْث بْن سُلَيْمَان الثانية
ثمَّ عاد غَوْث بْن سُلَيْمَان إلى القضاء بعد موت ابن بِلال.
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، قَالَ: «كَانَ أوَّل من سأَل عَن الشهود بِمصر غَوْث بْن سُلَيْمَان فِي خِلافة المنصور، وكان الناس قبل ذَلكَ يشهدون، فمن عُرف منه خيرًا قُبل، ومن عُرف منه غير ذَلكَ لم يُقبل عَلَى ظاهر الأمر، حتى كثُرت شهادة الزُّور وفشت فِي زمَن غَوْث، فسأَل عَن الشهود فِي السِّر، فكان الأمر عَلَى ذَلكَ»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي يحيى، عَنْ خلَف، عَنْ أبيه، قَالَ: «كَانَ غَوْث أوَّل من سأَل عَن الشهُود فِي السِّرّ، وكانت القُضاة قبله إذا شهد عند أحدهم، وكان معروفًا بالسلامة قبِله القاضي، وإن كَانَ غير معروف بها أُوقف، وإن كَانَ الشاهد مجهولًا لا يُعرَف سُئل عَنْهُ جِيرانه، فما ذكروه بِهِ من خير أو شرّ عُمل بِهِ حتَّى كَانَ غَوْث، فسأَل عَنْهُمْ فِي السِّرّ، فمن عُدّل عنده قبله، ثمَّ يعود الشاهد واحدًا من الناس لم يكن أحد يُوسَم بالشهادة ولا يُشار إِلَيْهِ بها»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنِي يحيى بْن عثمان، عَنْ أبيه، «أن غَوْثًا أوَّل من حكم فِي حبس مِسكين، وقسَّط السُّكنى عَلَى بنيه، وأُمّهات أولاده» ، قَالَ يحيى بْن عثمان: أخبرني غير واحد من أشياخنا أنهم رأَوا غَوْثًا تولَّى ذَلكَ بنفسه
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي عمّي، قَالَ: حَدَّثَنِي أحمد بْن وزير، عَن ابن عُفَير، «أن عليّ بْن محمد بْن عبد الله بْن حسن بْن حسن لمَّا قدِم مِصر أُتهم بِهِ غَوْث بْن سُلَيْمَان أن يكون غيَّبه عنده»
(1/261)

حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه، عَنْ أبيه، قَالَ: زعم عَبْد الصَّمَد بْن حمزة، «أن غَوْث بْن سُلَيْمَان أُتهم أن يكون غيّب عنده عليّ بْن محمد بْن عبد الله بْن حسن بْن حسن» ، قَالَ سَعِيد وقال سَعِيد بْن القاسم بْن الْحَسَن: بل أُتهم بمكاتَبة أَبِي الخطَّاب الإِباضيّ والإباضيَّة، فورد كتاب أَبِي جَعْفَر عَلَى يزيد بْن حاتم وهو عَلَى مِصر يأمره فِيهِ بحبس غَوْث، فحُبس
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: وحَدَّثَنِي عمِّي، عَن ابن وزير، قَالَ: حدثني فِتْيان بْن أَبِي السمح، حَدَّثَنِي ربيعة النَّفُوسيّ، قَالَ: «أَنَا حملت كتاب أَبِي الخَطَّاب الإِباضيّ من إِفْريقيّة إلى غَوْث وحملت كتاب غَوْث إلى أَبِي الْخَطَّاب»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه، عَنْ أبيه، عَنْ عَبْد الصَّمَد بْن حَمْزة بْن زِياد، وكان حَمْزة بْن زِياد كاتبًا لغَوْث: «أن غَوْثًا لمَّا حُبس كتب مَعَ حمزة بْن زياد إلى صالح بْن عليّ، فكتب فِيهِ صالح إلى أَبِي جَعْفَر يستوهبه إِيَّاه، فوهبه لَهُ، وكتب لَهُ سِجِلًا منشورًا بردّه حيث لُقِي، فلُقِي، وقد جاوز حلَب، فأَبى أن يرجع، ومضى حتى قدِم العِراق وأبو جَعْفَر حاجّ، ثمَّ قدِم أَبُو جَعْفَر، فاعتذر إِلَيْهِ، فعذره وردّه إلى مِصر، فولِيَها غَوْث إلى أن صُرف عَنْهَا هُوَ وخليفته ابن بِلال تسع سنين، وكان صرفه فِي شهر رمضان سنة أربع وأربعين»

أَبُو خُزَيمة إبراهيم بْن يزيد الرُّعَينيّ
ثمَّ ولِيَ القضاء بها أَبُو خُزَيمة إبراهيم بْن يزيد من قِبَل الأمير يزيد بن حاتم، ولِيَها فِي شهر رمضان سنة أربع وأربعين ومائة، حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي بذلك يحيى، عَنْ خلَف، عَنْ أبيه.
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان بن صالح، قَالَ: حَدَّثَنَا إبراهيم بْن الحكَم القُرَشيّ، قَالَ: سمِعت إِدْرِيس بن يحيى، قَالَ: " أراد يزيد بْن حاتم أن يولّي حَيْوة القضاء، فقال حَيْوة: لستُ أفعل، فافعل ما أنت صانع.
فتركه وولَّى أَبَا
(1/262)

خُزَيمة ".
قَالَ إدْريس: سمِعت حَيْوة، يَقُولُ بعد ذَلكَ: أَبُو خُزَيمة خَيْر منّي، أُختُبِر فصحّ ولم أُخْتبَر
حدثنا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ مِقْدام، قَالَ: أخبرني عمّي، وأبو زُرعة عَبْد الأحد بْن أَبِي زُرارة، عَن المُفضَّل بْن فَضالة، أَنَا أَبَا خُزَيمة: " كَانَ يعمَل الأَرسان، وكان يعمَل كل يوم رَسَنين: واحدٌ يُنفقه عَلَى نفسه وأهله، وآخَر يبعَث بِهِ إلى إِخوان لَهُ من أهل الإِسْكَنْدريَّة لكل واحد منهم رَسَن لنفسه، فلمَّا ولِيَ القضاء كتب إِلَيْهِ أهل الإِسْكَنْدريَّة: إِنَّا لله وإِنَّا إِليه راجعون إن كانت الدُّنيا يا أَبَا خُزَيمة مالت بك أن تقطَع ما كَانَ اللَّه يُجريه عَلَى يديك فِي سبيل اللَّه.
فقال: معاذ اللَّه.
فكان يعمَلها، ويبعث بها إليهم، قَالَ المُفضَّل: وكان إذا غسل ثِيابه، أو شهِد جَنازةً، أو اشتغل بشُغل لم يأخذ من رِزْقه بقدر ما اشتغل، وقال: إنَّما أَنَا عامل للمُسلمين، فإِذا اشتغلت بشيء غير عملهم فلا يحِلّ لي أخذ مالهم.
قَالَ المُفضَّل: دخلنا عَلَيْهِ، فقلنا: كيف نجدك يا أَبَا خُزَيمة؟ قَالَ: أمسيت وأصبحت بين رجُلين: إِمَّا حامد، وإِمَّا ذامّ، ولعلّه يدخل عليّ فِي اليوم الواحد خلق كثير من الناس أن أُعِدّ لكلّ واحد منهم جوابًا مخافةَ أن يُزيغني عَلَى ديني "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بْن عَبْد الوهَّاب بْن سعد، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الملك بْن يحيى بْن عبد الله بْن بُكَير، عَنْ أبيه، قَالَ: سَمِعْتُ ابن لَهِيعة، وسُئل هَلْ كَانَ أَبُو خُزَيمة القاضي فقيهًا؟ فقال: " والله ما كَانَ يفتح لنا السُّؤَال عند يزيد بْن أَبِي حَبيب إلَّا أَبُو خُزَيمة، وكان مذهبه الَّذِي ينجو إِلَيْهِ: الطَّلاق، والبُيوع، والنِّكاح "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سلَمة، وابن قُدَيد، قالا: حَدَّثَنَا ابن عَبْد الحكم، قَالَ: حَدَّثَنِي أحمد بْن عمرو بْن سَرح، قَالَ: " رفع بعض بني مِسكين إلى أَبِي خُزَيمة فِي شيء من أمر حبسهم قد كَانَ بعض القُضاة ينظر فِيهِ، فكَأَنَّ أَبَا خُزَيمة لم يرَ إنفاذ ذَلكَ فكتب إِلَيْهِ: إذ نَحْنُ ننتفع بقول القُضاة قبلك عندك كذلك لا يُنْتَفَع بقولك عند القُضاة بعدك.
فأَنفذ ذَلكَ "
(1/263)

حَدَّثَنَا أَبُو عُمَر محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي عمِّي الحُسين بْن يعقوب، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن يحيى بْن وزير، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْد العزيز بْن أَبِي مَيْسَرة، قَالَ: " كَانَ محمد بْن سَعِيد بْن عُقْبة عَلَى خَراج مِصر من قِبَل أَبِي جَعْفَر، فاستعمل عَلَى أَتْرِيب ابن عُتْبة الَّذِي كَانَ زوج بِنْت سُلَيْمَان بْن بكَّار النقاد بْن سُلَيْمَان بْن أَبِي زَينب السَّبائيّ، فأغلظ عَلَى أهلها، وأساء جِوارهم، فغضِب لبعض المُرادّيين رجُل من مُراد، يُقال لَهُ: ابن شجَرة المُراديّ، وليس بأبي عَبْد الجبَّار بْن شجَرة ولكنه رجُل من الصَّليبة، وكان ابن شجَرة هذا فِي فرض عبد الله بْن حُدَيج وهو عَلَى حرب مِصر، فعمد إلى سيفه، فطلاه مِدادًا، ثمَّ جلس عَلَى فَرشه ينتظر ابن عُتْبة وكان من خيار الناس، فانصرف ابن عُتْبة إلى منزله بعد العَتَمة، فحلقه ابن شجَرة، فضربه بالسيف، فوقع ابن عُتْبة ووقعت قلَنْسُوَته، فلم يشُكّ ابن شجَرة إِلَّا أن القَلَنْسُوَة رأسه، ومضى يركض حتى استدار عَلَى دار فرَج، فرجع إلى مركَزه مَعَ ابن حُدَيج، ومضى الناس، فإذا ابن عُتْبة مُلقًى لم يُصِبْه شيء، وكان ابن شجَرة، يَقُولُ: لو علِمتُ أن الَّذِي سقط القَلَنْسُوَة ما زِلتُ حتى أُزيل رأسه.
فلمَّا مضى ابن عُتْبة إلى منزِله أرسل إِلَيْهِ محمد بْن سَعِيد من بك.
فقال: أهل أَتْرِيب جُملةً.
فبعث إليهم، فحُبسوا، وكان فيهم اللَيْث بن سعد، فحُبس ساعةً من نهار، ثمَّ خُلّي، فكان اللَيْث، يَقُولُ: إن هذا لَشيء ما سأَلتُ اللَّه العافية منه قطّ، إِنّي متَّهم فِي قتل نفس.
وكُتب إلى أَبِي جَعْفَر بخبَر ابن عُتْبة، وأنَّه يجهَل من قتله إلَّا بالظِّنَّة، فكتب أَبُو جَعْفَر إلى أَبِي خُزَيمة. . . . . . . . . إِنمَّا يدخل عَلَى محمد بْن سَعِيد بعد العصر من يوم الجمعة إلى يوم الجمعة الأُخرى، فجاءه الكتاب قبل يوم الجمعة، فحبسه محمد بْن سَعِيد حتى دخل عَلَيْهِ أَبُو خُزَيمة القاضي بعد العصر يوم الجمعة، فدفع إِلَيْهِ الكتاب، فلمَّا نظر إِلَيْهِ جعله فِي كُمّه،
(1/264)

فكلَّمه محمد بْن سَعِيد أن يفضّه، فقال: هذا من الحُكم وللحُكم مجلِس.
فانصرف بالكتاب فلمَّا جلس للقضاء دعا بالكتاب، ففضّه وأرسل إلى المحبوسين، فخلَّاهم، وقال لأولياء ابن عُتْبة: انبثّوا عَلَى ما شئتم.
فأَهدَرَ دمه.
فقال محمد بْن سَعِيد: انظروا لي رجُلًا حازمًا أستعمله عَلَى أهل أَتْرِيب بما صنعوا.
فقيل لَهُ: هذا ابن أخي الْحَسَن سبابه.
وهو الخَزْرَج بْن صالح جدّ كند، فدعاه، فولَّاه أَتْرِيب، فأنساهم ابن عُتْبة فِي سوء المقابَلة والغِلْظة "، قَالَ ابن وَزير: فأخبرني وَهْب بن عبد الله بْن صالح المُراديّ وهو أَبُو ناروا، أَنَّهُ سَمِعَ الخَزْرَج بْن صالح يَقُولُ لمحمد بْن كُوْثر وكَانَ فِي حُشَّاد العُمَّال الذين يحشرون الناس إلى وُلاة الخَراج: يابن الفاعلة لا يكني والله، لَئن لم تجئ بكُلّ اسم أخرجته إليك لَأَفعلنَّ بك ولَأَفعلنَّ.
يتواعده، قَالَ وَهْب: ثمَّ رَأَيته بعد ذَلكَ تزوَّج بِنْت الخَزْرَج بْن صالح
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن داود بْن أَبِي صالح، قَالَ: حَدَّثَنِي محمد بْن أَبِي المُغيرة، عَن ابن وزير، عَنْ أَبِي زيد كيد، أن عبد الأعلى بْن سَعِيد الجَيْشَانيّ تزوَّج امرأَةً من بني عَبْد كُلال، فقام بعض أوليائها فِي ذَلكَ وأنكروه وترافعوا إلى أَبِي خُزَيمة، فقال: ما أُحلّ ما حرّم اللَّه، ولا أُحرّم ما أَحلّ اللَّه، إِذا زوّجها وليّ فالنِّكاح ماضٍ.
فارتفعوا إلى يزيد بْن حاتم وهو الأمير يومئذٍ، فقال يزيد: لَيْسَ عَبْد الأعلى من أكْفائها.
وأمر أَبَا خُزَيمة بفسخ نِكاحها، فامتنع أَبُو خُزَيمة من ذَلكَ، وفرَّق بينهما يزيد بْن حاتم "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه، عَنْ أبيه، قَالَ: قَالَ عَبْد الأعلى بْن سَعِيد الجَيْشَانيّ لمَّا فَرّق يزيد بْن الكُلاليَّة وبينه:
أَعْلَنْتَ الْفَواحِشَ فِي الْبَوادِي ... وَصَارَ النَّاسُ أَعْوَانَ الْمُرِيبِ
إِذَا مَا عِبْتُهُمْ عَابُوا مَقَالِي ... لِمَا فِي القَوْمِ من تِلْكَ الْعُيُوبِ
(1/265)

وَوَدُّوا لَوْ كَفَرْنَا فَاسْتَوَيْنَا ... وَصَارَ النَّاسُ كَالْشَيء المَسُوبِ
وَكُنَّا نَسْتَطِبُّ إِذَا مَرضْنَا ... فَصَارَ هَلَا كُنَا بِيَدِ الطَّبِيبِ
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: أخبرني الصبَّاح بْن عبد الرحمن بْن النَّضْر الأَبْرهيّ، «أن المرأَة التي تزوَّجها عَبْد الأعلى بْن سَعِيد هِيَ أمّ شُرَحبِيل بِنْت عبد الرحمن بْن عبد الله بْن مُرّة بْن اليَسَع بْن عَبْد كُلال، وكان عمّها يَعْفُر بْن عبد الله الَّذِي عقد نِكاحها، وفرض لها عَبْد الأعلى من الصَّداق ألف دينار، ففرَّق بينهما يزيد بْن حاتم ولم يكُن دخل بها.
فولِيَها أَبُو خُزَيمة إلى أن مات وهو عَلَى قضائها فِي ذي القعدة سنة أربع وخمسين ومائة، فكانت وِلايته عشر سنين»

عبد الله بْن لَهِيعة الحَضْرَميّ
ثمَّ ولِيَ القضاء بها عبد الله بْن لَهِيعة مستهلّ سنة خمس وخمسين ومائة من قِبَل أمير المؤمنين أَبِي جَعْفَر وهو أوَّل قاضٍ ولِيَ مِصر من قِبَل الخليفة.
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي بذلك يحيى، عَنْ خلَف، عَنْ أبيه.
حدثنا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن داود بْن أَبِي صالح، قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بْن أَبِي المُغِيرة بْن أخضر، عَنْ أحمد بْن يحيى بْن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنَا هاشم بْن عبد الله بْن عبد الرحمن بْن مُعاوية بْن حُدَيج، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: " كنتُ بالعِراق، فدخلت يومًا عَلَى أَبِي جَعْفَر أمير المؤمنين، فقال: يابن حُدَيج، أَعلِمتَ ما حدث ببلَدك.
قلتُ: لا يا أمير المؤمنين.
قال: مات بها رجل أصيبت به العامة.
قلت: ذاك أَبُو خُزَيمة إِذًا.
قَالَ: أَجَلْ، فمن ترى أن نولّي القضاء.
قلتُ: أَبا مَعْدان عامر بْن مُرَّة اليَحْصَبيّ.
قَالَ: ذَلكَ
(1/266)

رجُل أصمّ ولا يصلُح الأصمّ للقضاء.
قلت: فعبد اللَّه بْن لَهِيعة.
قَالَ: فابنَ لَهِيعة عَلَى ضُعف عقله وسُوء مذهبه "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بْن أَبِي مُعاوية، قَالَ: حَدَّثَنِي خلَف بْن رَبيعة، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، وابن عُفَير، وابن بُكير، وعبد اللَّه بْن مُعاوية بْن حُدَيج، وعيَّاش بْن عُقْبة بْن كُلَيب الحَضْرَميّ، وغَوْث بْن سُلَيْمَان، وهشام بْن حُمَيد، وغيرهم، فدخلوا عَلَى أَبِي جَعْفَر المنصور يومًا، فقال لهم: أَعظم اللَّه أَجركم فِي قاضيكم أَبُو خُزَيمة.
ثمَّ التفت إلى ربيع، فقال: انتخبنا لأهل مِصر قاضيًا.
قَالَ عبد الله بْن عبد الرحمن بْن حُدَيج: ماذا أردتَّ بنا يا أمير المؤمنين، أردتَّ تُشهِّرنا فِي الأمصار بأنَّ بلَدنا لَيْسَ فِيهِ من يصلُح لقضائنا حتى تولِّي علينا من غيرنا.
قَالَ: فسمِّ رجُلًا.
قَالَ: فذكر لَهُ أَبَا مَعدان اليَحْصَبيّ، فقال أَنَّهُ لَخِيار ولكنْ بِهِ صَمَم.
قَالَ: فعبد اللَّه ابن لَهِيعة، قَالَ: فابنَ لَهِيعة "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، عَنْ أبيه، قَالَ: «ولِيَ ابن لَهِيعة القضاء وأُجرى عَلَيْهِ ثلاثون دينارًا فِي كل شهر»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن محمد بْن سلامة، قَالَ: سَمِعْتُ إبراهيم بْن أَبِي داود، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الأسود النَّضْر بْن عَبْد الجبار، يقول: سمعت ابن لهيعة، يقول: كنت ربما أتيت يزيد بن أبي حبيب، فيقول: " كأني بك قد قعدت على الوسائد: يعني وساد القضاء "، فما مات ابن لهيعة حتى ولى القضاء
حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثني ابن قديد، عن عبيد الله بن سعيد، عن أبيه، عن ابن لهيعة، قال: «كتب إلى أبو جعفر أمير المؤمنين أنه لا يجوز للحامل صدقة على وارث»
حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثني محمد بن عبد الصمد الصدفي، قال: حدثني علي بن عمرو بن خالد أبو خيثمة، عن أبيه، قال: «طلب الناس هلال شهر رمضان وابن لهيعة
(1/267)

على القضاء، فلم ير وأتى رجلان فزعما أنهما قد رأياه، فبعث بهما الأمير موسى بن علي بن رباح إلى ابن لهيعة، فسأله عن عدالتهما فلم يعرفا، واختلف الناس وشكوا، فلما كان في العام المقبل خرج عبد الله بن لهيعة في نفر من أهل المسجد تعرفوا بالصلاح، فطلبوا الهلال، فكانوا يطلبونه بالجيزة، فهو أول القضاة حضر في طلب الهلال، ثم تعدوا الجسر في زمن هاشم بن أبي بكر البكري، وطلب الهلال في جنان بن أبي الحبشي» ، قال أبو خيثمة: ثم كانت القضاة على ذلك، حتى كان ابن أبي الليث فطلبه في أصل المقطم.
فوليها عبد الله بن لهيعة، إلى أن صرف عنها في ربيع الآخر سنة أربع وستين ومائة، وليها عشر سنين

إِسْمَاعِيل بن اليسع الكندي
ثم ولي القضاء بها إِسْمَاعِيل بن اليسع الكندي من قبل المهدي، وكان إِسْمَاعِيل كوفيا، وهو أول من ولي مصر يقول بقول أبي حنيفة.
حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا علي بن أحمد بن سليمان، قال: حدثنا أحمد بن سعد بن أبي مريم، قال: سمعت سعيد بن أبي مريم، يقول: «قدم علينا إِسْمَاعِيل بن اليسع الكندي قاضيا بعزل ابن لهيعة، وكان من خير قضاتنا، غير أنه كان يذهب إلى مذهب أبي حنيفة، ولم يكن أهل مصر يعرفونه، وشنئوه وكان مذهبه إبطال الأحباس، فثقل على أهل مصر وشنئوه»
حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثني ابن قديد، عن يحيى بن عثمان، عن أبيه، قال: " جاء رجل إلى الليث بن سعد، فقال: ما تقول في رجل قال لرجل: يا مأبون يا من ينكح في دبره.
فقال له الليث: تصير إلى القاضي إِسْمَاعِيل بن اليسع.
فقال: قد صرت إليه.
فقال: يقول له مثل ما قال له.
فقال: سبحان الله وهل يقال للزانية غير ذلك.
فكتب الليث فيه إلى أمير المؤمنين فعزله "
(1/268)

حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثني أبو سلمة، وابن قديد، قالا: حدثنا يحيى بن عثمان، عن يحيى بن بكير، قال: كان إِسْمَاعِيل بن اليسع مأمونًا فقيهًا، وكان «يُصلّي بنا الجُمَع وعليه كِساءٌ مربَّع من صُوف وقُطُن، وقُلَنسِيَّة حِبْر»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ قُدَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُثْمَانَ، قَالَ: جَاء اللَّيْثُ إِلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْيَسَعَ، فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَرَفَعَهُ إِسْمَاعِيلُ، فَقَالَ: إِنَّمَا جِئْتُ مُخَاصِمًا لَكَ.
قَالَ: فِي مَاذَا؟ قَالَ: فِي إِبْطَالِكَ أَحْبَاسَ الْمُسْلِمِينَ، قَدْ حَبَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ فَمَنْ بَقِيَ بَعْدَ هَؤُلاءِ.
وَقَامَ وَكَتَبَ إِلَى الْمَهْدِيِّ، فَوَرَدَ الْكِتَابَ بِعَزْلِهِ، فَأَتَاهُ اللَّيْثُ، فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِهِ، وَقَالَ لِلْقَارِئِ: اقْرَأْ كِتَابَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ.
فَقَالَ لَهُ إِسْمَاعِيلُ: يَا أَبَا الْحَارِثِ، وَمَا كُنْتَ تَصْنَعُ بِهَذَا، أَمَا وَاللَّهِ لَوْلا أَمَرَ السُّلْطَانُ ثُمَّ أَمَرْتَنِي بِالْخُرُوجِ لَخَرَجْتُ.
فَقَالَ لَهُ اللَّيْثُ: إِنَّكَ مَا عَلِمْتُ لَعَفِيفٌ عَنْ أَمْوَالِ النَّاسِ "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبِي، قَالَ: كَتَبَ فِيهِ اللَّيْثُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ: «أَنَّكَ وَلَّيْتَنَا رَجُلًا يَكِيدُ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا مَعَ أَنَّا مَا عَلِمْنَاهُ فِي الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ إِلَّا خَيْرًا، فَكَتَبَ بِعَزْلِهِ»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا عاصم بْن رازح، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُس، قَالَ: " أوَّل عِراقيّ ولِيَ قضاء مِصر إسماعيل بْن اليَسَع، فكتب الليث إلى أَبِي جَعْفَر: إِنا نُنكِر عَلَيْهِ شيئًا غير أَنَّهُ أحدث أحكامًا لا نعرفها.
فعزله "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي يحيى، قَالَ: حَدَّثَنِي خلَف بْن ربيعة، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، وابن عُفَير، وزيد بْن بِشر، أن إسماعيل بْن اليَسَع كَانَ رجُلًا صالحًا، وكان ولِيَ باختيار يعقوب بْن داود، وكان إبراهيم بْن صالح بِمصر أميرًا وسِراج بْن خَالِد عَلَى البريد، فأراداه عَلَى الحُكومة لهما بشيء، فامتنع، فاحتالا لَهُ بعَسَّامة بْن عمرو، فأدخله حمَّامه، وأطعمه سمكًا، فمرِض، فكتب إبراهيم بْن صالح، وسِراج بْن خَالِد إلى المَهديّ يذكران، أَنَّهُ فُلِج.
فكتب بصرفه وردّ الأمر إلى غَوْث "
(1/269)

حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه، عَنْ أبيه، أن إبراهيم بْن صالح أمر سِراج بْن خَالِد صاحب البريد أن يكتب بمرض إسماعيل، وضجيج الناس من ذَلكَ ففعل سِراج، وكتب أن إبراهيم أَقعدَ غوْثًا.
فأقرّه المَهديّ، فولِيَها إسماعيل إلى أن صُرف عَنْهَا سنة سبع وستين ومائة ثلاث سنين ".
حَدَّثَنِي بذلك يحيى بْن خلَف، عَنْ أبيه

غَوْث بْن سُلَيْمَان الثالثة
ثمَّ ولِيَ القضاء بها غَوْث بْن سُلَيْمَان من قِبَل المَهديّ، ورد الكتاب بولايته فِي جمادى الأولى سنة سبع وستّين ومائة.
حَدَّثَنِي بذلك يحيى بْن خلَف، عَنْ أبيه.
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ حَدَّثَنِي القاسم بْن حُبَيش بْن بُرد رحِمه اللَّه، وأبو سلَمة، وابن قُدَيد، قَالُوا: حَدَّثَنَا عبد الرحمن بْن عَبْد الحكَم، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رجاء حمَّاد بْن المِسْوَر، قَالَ: " قدِمت امرأَة من الرِّيف.
وغَوْث قاضٍ فِي مِحَفّة، فوافت غَوْثًا عند السرَّاجين رائحًا إلى المسجد، فشكت إِلَيْهِ أمرها وأخبرته بحاجتها، فنزل عَنْ دابّته فِي حوانيت السرّاجين ولم يبلغ المسجِد، وكتب لها بحاجتها، وركِب إلى المسجِد، فانصرفت المرأَة، وهي تَقُولُ: أَصابت والله أمّك حِين سمّتك غَوْثًا، أنت غَوْث غير اسمك "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، قَالَ: حَدَّثَنِي خَالِد بْن يزيد بْن أَبِي الهُذَيل الخَولانيّ، قَالَ: سَمِعْتُ خَالِد بْن حُمَيد، يَقُولُ: " أوصى إليَّ رجُل، فوجدتُّ فِي تَرِكته خمرًا، فأتيت غَوْث بْن سُلَيْمَان، فأخبرته، فقال: ما تَقُولُ أنت.
قلت: أَرى أن تُكسَر.
قَالَ: وأنا أَرى أن تُكسَر "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: أخبرني عمّي، قَالَ: سَمِعْتُ أحمد بْن يحيى بْن وَزير، يَقُولُ: خاصَم بنو عَبْد الملك بْن أَبِي الحُوَيرثة أباهم فِي تفضيله بعضهم عَلَى بعض، وقالوا: قد دفع إلى هذا الصبيّ أكثر من عشرة آلاف.
فرأَى غَوْث أن يُساوي بينهم فِي العطيَّة، وقال لعبد الملك بْن أَبِي الحُوَيرثة: ما حملك عَلَى ذَلكَ؟ قَالَ: أيُّها القاضي لو ذُقتَ أمّه ما نسِيتَها "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي يحيى بْن أَبِي مُعاوية، عَنْ خلَف بن رَبيعة، عَنْ أبيه،
(1/270)

قَالَ: " أَقام غَوْث بْن سُلَيْمَان بِمصر ثلاث وعشرين سنة مُنذ صُرف عَن القضاء سنة أربع وأربعين ومائة، وذلك أن أُمّ المَهديّ وقع بينهما وبين أَبِي جَعْفَر خُصُومة، فقالت أُم مُوسَى بِنْت يزيد بْن منصور بْن عبد الله الحِمْيَرِيَّة: لا أرضى إلَّا بحُكم غَوْث بْن سُلَيْمَان.
فحُمل إلى العِراق حتَّى حكم بينه وبينهما، ورجع إلى مِصر "
ثنا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو نصر أحمد بْن عليّ بْن صالح، قَالَ: حَدَّثَنِي ياسين بْن عَبْد الأحد، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: سَمِعْتُ غَوْث بْن سُلَيْمَان، يَقُولُ: " بعث إليَّ أمير المؤمنين أَبُو جَعْفَر، فحُملتُ إِلَيْهِ، فقال لي: يا غَوْث، إنَّ صاحبتكم الحِمْيَرِيَّة خاصمتني إليك فِي شروطها.
قلت: أَيرضى أمير المؤمنين أن يحكّمني عَلَيْهِ؟ قَالَ: نعم.
فقلت: إنَّ الأحكام لها شُروط، أَفيحتملها أمير المؤمنين؟ قَالَ: نعم.
قَالَ: يأمرها أمير المؤمنين أن توكِّل وكيلًا وتُشهِد عَلَى وكالته خادمَين حُرين يعدّلهما أمير المؤمنين عَلَى نفسه.
ففعل، فوكّلت خادمًا وبعثت معه كتاب صَداقها، وشهِد الخادِمان عَلَى وَكالتها، فقلت: قد تمَّت الوكالة، فإن رأَى أمير أن يُساوي الخصم فِي مجلِسه.
قَالَ: فانحطّ عَنْ فَرْشه وجلس مَعَ الخصم، ودفع إليّ الوكيل كتاب الصَّداق، فقرأته عَلَيْهِ، فقلت: يُقرّ أمير المؤمنين بما فِيهِ قَالَ: نعم.
قلت: أَرى فِي الكتاب شروطًا مُوكَّدةً بها تمَّ النِّكاح بينكما، أرأَيت يا أمير المؤمنين لو خطبتَ إليهم ولم تشترط لهم هذا الشَّرط أكانوا يزوّجونك؟ قَالَ: لا.
قَالَ: قلتُ فبهذا الشرط تمّ النكاح وأنت أحقّ من وفى لها بشرطها.
قَالَ: علِمت إذْ أجلستني هذه المجلِس أنَّك ستحكم عليَّ.
قَالَ: قلت لَهُ: أَعظِمْ جائزتي، وأَطلقْ سبيلي.
قَالَ: بل جائزتك عَلَى من قضيتَ لَهُ.
ثمَّ أمر لي بخِلعة وجائزة.
ثمَّ أمر أَبُو جَعْفَر باحتباس غَوْث ليحكم بين أهل الكُوفة، فقال لَهُ غَوْث: يا أمير المؤمنين لَيْسَ البلَد بلَدي ولا لي بأهلها، فإِذا أَنَا ناديت من لَهُ حاجة بخصومة، فلم يأتِ أحد أيأذَنْ لي يا أمير المؤمنين فِي الرجوع إلى بلَدي.
قَالَ: نَعم.
فجلس غَوث يحكم، ثمَّ نادى بعد ذَلكَ، فانقطعت عَنْهُ الخصوم وسار إلى مِصر "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي يحيى بْن أَبِي مُعاوية، قَالَ: حَدَّثَنِي خلَف، قَالَ:
(1/271)

حَدَّثَنِي زِياد بْن يُونُس، قَالَ: سَمِعْتُ غَوْث بْن سُلَيْمَان، يَقُولُ: " قَالَ لي أَبُو جَعْفَر: أَقمْ هاهُنا.
فقلتُ: البلَد لَيْسَ بلَدي وليس لي معرفة بأهله، فإن رأَيت أن تُعفيني، فأَعفِني.
وولِيَها غَوْث إلى أن تُوفّي بها وهو عَلَى قضائها فِي جمادى الآخرة سنة ثمان وستّين ومائة، ولِيَها سنةً واحدةً صلَّى عَلَيْهِ الأمير مُوسَى بْن مُصْعَب الخَثْعَميّ رحمة اللَّه عَلَيْهِ "
(1/272)

المُفضَّل بْن فَضالة
أخبرنا أَبُو محمد عبد الرحمن بْن عُمَر بْن محمد بْن سَعِيد البزَّار المعروف بابن النحَّاس قراءَةً عَلَيْهِ، قَالَ: أخبرنا أَبُو عُمَر محمد بْن يوسف بْن يعقوب الكِنْديّ، قَالَ: «ثمَّ ولِيَ القضاء بها المفضل بن فضالة القتباني من قبل الأمير موسى بن مصعب أتى كتاب المهدي بولايته على قضائها، وأجرى عليه ثلاثين دينارا في كل شهر»
حدثنا محمد بن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سلَمة التُّجيبيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي زيد بْن أَبِي زيد، قَالَ: وقَّع إليَّ أحمد بْن يحيى بْن قُدَيد كتابًا بخطّه فِيهِ: حَدَّثَنِي أَبُو ثُمامة بْن المُفضَّل بْن فَضالة، عَنْ أبيه، قَالَ: سأَلت يزيد بن أَبِي حَبيب عَنْ مسألة من الأحكام، وأنا قد ناهزت الأحلام، فضحِك، وقال: يجب أن تكون قاضيًا بلّغك اللَّه ذَلكَ "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنِي أحمد بن محمد بْن عَبْد العزيز أَبُو الرَّقْراق، قَالَ: سَمِعْتُ يحيى بْن بُكَير، يَقُولُ: «كَانَ رِزق المُفضَّل فِي الشهر ثلاثين دينارًا، فكان يجعل منها عشرةً فِي عسَل»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَن ابن عثمان، عَن ابن الطاهر أحمد بْن عمرو بْن السَّرْح، قَالَ: «رأَيتُ المُفضَّل وأنا صبيّ رجُل أبيض عَلَيْهِ وَفْرة جسيم، كأنَّه من رجال المغرِب يعتمّ بعمامة سوداء عَلَى قُلَنْسِيَّة طويلة»
(1/273)

حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن إبراهيم أَبُو يعقوب الجلَّاب، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْد الغنيّ بْن أَبِي عُقَيل، قَالَ: «رأَيت المُفضَّل بْن فَضالة ذو وَفْرة قد فرَّقها»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سلَمة، عَنْ يحيى بْن عثمان، عَنْ زيد بْن بِشْر، قَالَ: سَمِعْتُ لَهِيعة بْن عيسى، يَقُولُ: إن المُفضَّل بْن فَضالة دعا اللَّه أن يُذهب عَنْهُ الأَمَل، فأذهبه اللَّه عَنْهُ، فكاد أن يُختلَس عقله ولم يهنئه شيء من الدُّنيا، فعاد، فدعا اللَّه أن يردّ إِلَيْهِ الأَمَل فردّه "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي عاصم بْن رازح، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيان بْن أَبِي زُرارة، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: كَانَ المُفضَّل يجلِس فِي مسجِده يقضي بين الناس، فيمرّ بِهِ عبد الله بْن عَيَّاش بْن عَبَّاس القِتْبانيّ، فإذا رأَى اجتماع الناس عَلَيْهِ صفَّق بإحدى يديه عَلَى الأخرى، وقال: أَهذا الثور يُحسن القضاء
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنَا الحارث بن مِسكِين، قَالَ: سَمِعْتُ المُفضَّل بْن فَضالة، وسأَله رجُل عَن الوطء فِي الدُّبُر.
فقال: " إنَّ هذا لم يجِد أصحابه أصفق وجهًا منه.
فقالوا لَهُ: اذهبْ إلى المُفضَّل فاسأَله عَنْهُ.
لو كَانَ هذا حَلالًا ما كَانَ فِي ذِكره خير فِي المسجِد "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي أحمد بْن صالح، عَن ابن أَبِي المُغيرة، عَنْ أحمد بْن وزير، أن المُفضَّل بْن فَضالة كَانَ أوّل القُضاة طوّل السِّجلَّات ونسخ فيها كتب السِّحاء والوصايا والديون، ولم يكن ذَلكَ قبله "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي عثمان بْن سَعِيد بْن حمزة بْن المُغيرة، قَالَ: حَدَّثَنَا عليّ بْن عبد الرحمن بْن المُغيرة، عَنْ يحيى بْن بُكَير، أن إِسْحَاق بْن مُعاذ بْن مُجاهِد بْن خير كَانَ شاعرًا، فخاصم إلى المُفضَّل، وكان قد هجا المُفضَّل فأَدخل يده إلى كُمّه ليُخرج قِصَّته، فأخرج الهجو، فدفعه إِلَيْهِ وهو:
خَفِ اللَّه وَاسْمَعْ مِنْ مَقَالِي مُفَضَّلُ ... فَإِنَّكَ عَنْ فَضْلِ الْقَضَاءِ سَتُسْأَلُ
وَقَدْ قَالَ أَقْوَامٌ عَجِبْتُ لِقَوْلِهِمْ ... أَقَاضٍ لَهُ شَعْرٌ طَوِيلٌ مُرَجَّلُ
فرمى المُفضَّل الرُّقعة، وقال: قُمْ لا حيَّاك اللَّه.
(1/274)

قَالَ أَبُو عُمَر محمد بْن يوسف الكِنْديّ، وقد كَانَ مدحه قبل ذَلكَ، فقال:
لَفَضْلُكَ أَضْحَى يَا مُفَضَّلُ ظَاهِرًا ... لِمَنْ كَانَ يَعْنَى بِالْأُمُورِ وَيَعْقِلُ
لَقَدْ سُسْتَ فَصْلَ الحُكْمِ فِي الدَّهْرِ حِقْبَةً ... فَلَا أَنْتَ ذُو خُرْقٍ وَلَا أَنْبَ تَجْهَلُ
وَلَا أَنْتَ مِمَّنْ يَطَّبِيه مَطَامِعٌ ... وَتُعْرِضُ عَنْ وَتَعْدِلُ
فَإِنْ قِيلَ أَيُّ النَّاسِ أَهْجَرُ لِلْهَوى ... وَأَقْضَى بِفَصلِ الحُكْمِ قِيلَ المُفَضَّلُ
فَأَنَّى نَخَافُ الْجَوْرَ مِنْكَ وَإِنَّما ... دَلِيلُكَ فِي الحُكْمِ الْكِتَابُ المُنَزَّلُ
ثمَّ هجاه بعد، فقال:
خَفِ اللهَ وَارْقُدْ وَاتَّئِدْ يَا مُفَضَّلُ ... قَصْدِ السَّبِيلِ عَنْ فَصلِ القَضَاءِ سَتُسْأَلُ
وَإِنَّكَ مَوْقُوفٌ بِهِ وَمُحَاسَبٌ ... فَدُونَكَ فَانْظُرْ كَيْفَ فِي الحُكْمِ تَفْعَلُ
أَفِي الْعَدْلِ أَنْ أُقْصَى وَأُخْرَجَ مُتْعَبًا ... وَتُدْنِي بِفَضْلٍ مِنْكَ خَصْمِي وَيدْخُلُ
وَيُفْتَحُ إِنْ يَدْنُو لَهُ الْبَابُ جَهْرَةً ... وَيُغْلَقُ دُونِي إِنْ دَنَوتُ وَيُقْفَلُ
وَتُقْبَلُ مِنْهُ فِي مَغِيبي شُهُودُهُ ... وَبَيِّنَتِي لَيْسَتْ إِذَا غَابَ تُقْبَلُ
فَهَا أَنَا ذَا أَصْبَحْتُ خَصْمَكَ فِي الَّذي ... قَضَيْتَ بِهِ والْحَقُّ مَا لَيْسَ يُجْهَلُ
فَأَصْغِ إِلَيَّ السَّمْعَ مِنْكَ وَأَنْبني ... بِأَيِّ وُجُوهِ الفِقْهِ أَصْبَحْتَ تَعْمَلُ
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ أَبِي نصر بْن صالح، عَنْ ياسين، عَنْ أبيه، " أن أَبَا الكَرَوَّس تَمَّام بْن الكَروَّس الكَلْبيّ زوَّج امرأَةً من المَعافر، يُقال لها أمّ شاكر، فنافرته يومًا، فطلَّقها، وادّعت عَلَيْهِ مهرًا، فخاصمته إلى المُفضَّل أَبُو الكَرَوَّس:
أَلَا طَرَقَتْنَا سُحْرَةً أُمُّ شَاكِرٍ ... بِكارًا وَهَلْ يُؤْذيكَ إِلَّا الْمُبَاكِرُ
وَقَدْ أَخَذَتْ مَهْرًا لِمَا كانَ عِنْدَهَا ... وَهذا شُهُودِي حِميَرٌ والْمَعَافِرُ
(1/275)

فقال لَهُ المُفضَّل: يا أَبَا الكَرَوَّس أن شُهِد لك بالبراءَة حكمنا لك، وإن شُهِد عليك فعلينا الوفاء عنك "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا القاسم بْن حُبيش بْن بُرْد رحمه اللَّه، وأبو سلَمة، وابن قُدَيد، قَالُوا: أخبرنا عبد الرحمن بْن عَبْد الحكَم، قَالَ: حَدَّثَنِي بعض مشايخنا، " أن رجُلًا لقِيَه بعد أن عُزل، فقال: حسبك اللَّه قضيت عليَّ بالباطل، وفعلت وفعلت.
فقال لَهُ المُفضَّل: لكن الَّذِي قضينا لَهُ يُطيّب الثَّنا "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ حَمَلَةَ الْغَافِقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَاسِينُ بْنُ عَبْدِ الأَحَدِ بْنِ أَبِي زُرَارَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: «كَانَ بِمِصْرَ نَصْرَانِيٌّ سَبَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَتَبَ فِيهِ الْمُفضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ إِلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَسْأَلُهُ عَنْ قَتْلِهِ فَكَتَبَ مَالِكٌ يَأْمُرُ بِقَتْلِهِ» ، قَالَ: وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ الْهَاشِمِيُّ وَالِيًا عَلَى مِصْرَ يَوْمَئِذٍ، فَقُتِلَ ذَلِكَ النَّصْرَانِيُّ
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بْن زَبَّان الحَضْرَميّ، قَالَ: أخبرنا الحارث بْن مِسكين، عَن ابن القاسم، قَالَ: " سألت مالكًا عَن القِبْطيّ الَّذِي ذكر النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بما أذكره، وكان ذِكره للنبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، أن قَالَ: مِسكين محمد، يَقُولُ: إنكم فِي الجنّة، أَهو الآن فِي الجنّة مِسْكِينٍ فما لَهُ لا ينفع نفسه إذ كانت الكِلاب تأكل ساقَيه، لو كَانَ أُحرق بالنار استراح الناس منه.
فقال: اكتبوا إِلَيْهِ أن اضربوا عُنُقه.
قلت: أتكتب إليهم بذلك؟ قَالَ: نعم.
قَالَ الحارث بْن مِسكين: هُوَ المُفضَّل الَّذِي أمر بضرب عُنُقه "، وهو كتب إلى مالك وكان قاضيًا، فولِيَها المُفضَّل إلى أن صُرف عَنْهَا فِي شوَّال سنة تسع وستّين ومائة، فكانت ولايته سنة وثلاثة أشهُر

أَبُو الطاهر عَبْد الملك بْن محمد الحَزْميّ
ثمَّ ولِيَ القضاء بها أَبُو الطاهر عَبْد الملك بْن محمد الأنصاريّ الأعرج من قِبَل الهادي، قدِمها أوَّل سنة سبعين ومائة.
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي بذلك يحيى، عَنْ خلَف، عَنْ أبيه.
(1/276)

حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، عَنْ أَبِي يحيى الصَّدَفيّ، قَالَ: «كَانَ الحزْميّ يسكن عند سقِيفة الحاجب»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن داود بْن أَبِي صالح، قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بْن أَبِي المُغيرة، عَن ابن وَزير، عَنْ يحيى بْن بُكَير، قَالَ: " قدِم علينا عَبْد الملك بْن محمد الحَزْميّ واليًا من قِبَل الهاديّ، فكانت أحكامه عَلَى مذاهب ابن القاسم، وسالم، وابن شهاب، ورَبيعة، وكان مُسْتضلعًا بمذاهب أهل المدينة حافظًا لها، قَالَ ابن بُكَير: وكان الحَزْمي يتفقَّد الأحباس بنفسه ثلاثة أيَّام، فِي كل شهر يأْمر بمرمَّتها وإصلاحها، وكنْس تُرابها، ومعه طائفة من عُمَّاله عليها، فإن رأَى خَلَلًا فِي شيء منها ضرب المُتولّي لها عشر جلَدات "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: أخبرني ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، عَنْ عمرو بْن خَالِد، قَالَ: «كَانَ كُتَّاب الحَزْميّ وَرْش المَقبريّ، وخلَف بْن قادم، وواصل» .
قَالَ يحيى: وأخبرني أَبُو يحيى الصَّدَفيّ، أن الحَزْميّ كَانَ يقضي بشاهد ويمين
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْد اللَّه بن سَعِيد، عَنْ أبيه، عَنْ يزيد بْن عُمَر، " أن الطائيّ صاحب البريد شفع إلى الحَزْميّ فِي خَصْم، فكتب إِلَيْهِ الحَزْميّ: ما أنت والقضاء عليك تدبّر دوابّك وبراذعها، وكنس زبولها.
فكتب إلى هارون يبغيه، ويقول: إن الناس قد شكَوه، وأتى كتاب هارون إلى داود بْن يزيد بْن حاتم، وكان يومئذٍ واليًا عَلَى مِصر يأْمره أن يُوقَف الحَزْميّ للناس، فأقامه داود، فأثنى الناس عَلَيْهِ خيرًا، وركِب الليث بْن سعد، وعاصم بْن العَلاء القاصّ، وعبد اللَّه بْن لَهِيعة إلى الأمير.
فأثنَوا عَلَيْهِ، فقال الحَزْميّ لداود: قد جاءَتني فُرجة فيها لِباس العافية ممَّا أَنَا فِيهِ ولستَ تصل رحمِي بمثل إعفائي، وقد رضّيت لك المُفضَّل بْن فَضالة، فلم يزَل بِهِ حتى أَعفاه "
(1/277)

حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي القاسم بْن حُبَيش، وأبو سلَمة، وابن قُدَيد، قَالُوا: حَدَّثَنَا عبد الرحمن بْن عَبْد الحكَم، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: " كتب إِلَيْهِ صاحب البريد: إنّك تُبطئ بالجلوس للناس.
فكتب إِلَيْهِ أَبُو الطاهر: إن كَانَ أمير المؤمنين أمرك بشيء وإلَّا فإن فِي أُكفُك وبراذعك، ودَبَر دوابَك ما يُشغلك عَنْ أمر العامَّة، ثمَّ استعفى، فأُعفِي، فولِيَها عَبْد الملك بْن محمد إلى أن صُرف عَنْ قضائها فِي جمادى الأولى سنة أربع وسبعين ومائة.
كانت وِلايته عليها أربع سنين وأربعة أشهُر "

المُفضَّل بْن فَضالة الثانية
ثمَّ ولِيَ القضاء بها المُفضَّل بْن فَضالة، وِلايته الثانية من قِبَل داود بن يزيد بْن حاتم المُهلَّبي، ثمَّ ورد كتاب الرشيد هارون بإقراره ولِيَها فِي رجب سنة أربع وسبعين ومائة.
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي بذلك يحيى بْن خلَف، عَنْ أبيه، عَنْ جَدْه.
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قَُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه، عَنْ أبيه، «أن المُفضَّل بْن فَضالة جعل صاحب مسائل يسأَل عَن الشهود وكان كاتبه فُلَيح بْن سُلَيْمَان الرُّعَينيّ يُعرف بابن القُمريّ وشُهرته بذلك»
حدثنا محمد بن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي أحمد بْن داود، عَن ابن أخضر، عَن ابن وزير، عَنْ يحيى بْن بُكَير، «أن أوَّل من جعل صاحب مسائل المُفضّل ابن فَضالة فِي وِلايته الثانية، جعل كاتبه فُلَيج بْن القُمريّ، فتحدَّث الناس أنه كَانَ يرتشي من أقوام ليذكرهم بالعَدالة»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه، عَنْ أبيه، قَالَ: «لمَّا ولِيَ المُفضّل بن فضالة شكي كاتبه فليج بن سليمان الرعيني، وشكيت امرأته وأمته»
حدثنا محمد بن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان بن صالح، عَنْ أبيه، قَالَ: لم يكن يتبع القاضي فيما مضى غير كاتبه، ومن يقوم بين يديه فِي مجلس الحُكم حتى كَانَ المُفضّل فِي وِلايته الثانية، فإنَّه رسم أقوامًا بالشهادة، فكانوا عشرة رجال، فرأَى
(1/278)

الناس أن قد أتى أمرًا عظيمًا، فقال إِسْحَاق بْن معاذ للمُفضَّل:
سَأَدْعُو إِلهِي حَتَّى الصَّبَاحِ ... لِكَيْمَا يُعيدَكَ كَلْبًا هَزِيلَا
سَنَنْتَ لَنَا الْجَوْرَ فِي حُكْمِنَا ... وَصَيَّرْتَ قَوْمًا لُصُوصًا عُدُولَا
وَلَمْ يَسْمعِ النَّاسُ فِيما مَضَى ... بِأَنَّ الْعُدُولُ عَدِيدًا قَلِيلَا
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا عيسى بْن أحمد بْن يحيى الصَّدَفيّ، قَالَ: سَمِعْتُ محمد بْن عبد الله بْن عَبْد الحكَم، قَالَ: قَالَ أَشهب: «لم يكُن من قُضاتنا أحد أقْوَام بأمور اليتامى من المُفضَّل» .
قَالَ أَشهب: سَمعْتُهُ غير مرَّة، يَقُولُ: ولّي اليتيم كأَبيه
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دُجانة أحمد بْن الحكَم، قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بْن رُمْح، قَالَ: " كَانَ بيني وبين جار لي مشاجَرة فِي حائط.
فقالت لي أمّي: امضِ إلى القاضي المُفضَّل بْن فَضالة تسأَله أن يَأتي ينظر إلى هذا الحائط.
فمضيت إِلَيْهِ، وأخبرته، فقال: اجلِس لي بعد حتى أوافيك.
فأتى، فدخل إلى دارنا، فنظر إلى الحائط، ثم دخل إلى دار جارنا، فنظر إِلَيْهِ، فقال: الحائط لجاركم ".
وانصرف
حَدَّثَنَا محمد بْن مُوسَى الحَضْرَميّ، قَالَ: حَدَّثَنَا هارون بْن أَبِي الهَيذام، قَالَ: حَدَّثَنَا المُفضَّل بْن غسَّان، عَنْ يحيى بْن مُغيرة، قَالَ: «المُفضَّل بن فَضالة مِصريّ رجُل صَدْق، وكان رجُلًا من العَرَ، وكان يجبر إذا جاءَه رجُل قد انكسرت يده جبرها.
(1/279)

فولِيَها المفضَّل الثانية إلى أن صُرف عَنْ قضائها فِي صفر سنة سبع وسبعين ومائة، فكانت وِلايته عليها ثلاث سنين»

محمد بْن مَسْرُوق الكِنْديّ
ثمَّ ولِيَ القضاء بها محمد بْن مَسرُوق الكِنْديّ الكُوفيّ من قِبَل هارون الرشيد، قدِمها يوم السبت لخمس خلونَ من صفر سنة سبع وسبعين ومائة.
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، قَالَ سَعِيد: «فلمَّا قدِم تشدَّد فِي الحُكم، وأعدى عَلَى العُمَّال، وأنصف منهم»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سلَمة، عَنْ يحيى بن عثمان، عَنْ أبيه، قَالَ: " قدِم محمد بْن مَسرُوق الكِنْديّ واليًا عَلَى القضاء وكان أعور، فأظهر تجبرًا عظيمًا، وباعد الخصوم.
وكانت وُلاة مِصر يُحضرون القُضاة إلى مجالسهم كما يُحضَر الفُقهاء اليوم، فلمَّا قدِم ابن مَسروق، أرسل إِلَيْهِ الأمير عبد الله بْن المُسيَّب يأمره بحضور مجلِسه، فقال: لو كنتُ تقدَّمتُ إليك فِي هذا لفعلت بك، وفعلت يا كذا وكذا.
فانقطع ذَلكَ عَن القضاة من يومئذٍ "
(1/280)

حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه، عَنْ أبيه، «أن محمد بْن مَسرُوق لمَّا قدِم إلى مِصر اتّخذ قومًا من أهلها للشهادة رسمهم بها، وأوقف سائر الناس، فوثبوا بِهِ، ووثب بهم، فشتموه، وشتمهم، وكانت منه. . . . . . إلى أشرافهم إلى هاشم بْن حُدَيج، وحُوَيّ بْن حُوَيّ، وغيرهما»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: أخبرني ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، وأبي الرَّقْراق، أن هاشم بْن حُدَيج خُوصم إلى محمد بْن مَسرُوق، فقال لَهُ ابن مَسرُوق: إنَّما أنت من السَّكون ولست من الملوك.
فقال هاشم: لَيْسَ هذا حضرنا، والله لا حضرت لك مجلِسًا أبدًا ومَنْ تظلَّم إليك منّي، فأَعدِه عليَّ، واقضِ لَهُ فِي مالي بما يرغبه "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: أخبرني أَبُو سلَمة، عَنْ يحيى بْن عثمان، قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْن أَبِي أيُّوب أخو إبراهيم، قَالَ: «كانت أموال اليتامى والأوقاف والغُيَّب ترِد إلى بيت المال مُنذ زمَن المنصور إلى أيَّام الرشيد، فلمَّا ولِيَ محمد بْن مَسرُوق تحامل عَلَى أهل مصر، فأساءُوا عَلَيْهِ الثناء والذكر، وأشاعوا عَلَيْهِ أَنَّهُ عزم عَلَى حمل ما فِي بيت المال من
(1/281)

هذه الأموال إلى هارون، فقام أَبُو إِسْحَاق الحَوْفيّ وكان مُتقرّبًا، فنادى فِي المسجِد الجامع ودعا عَلَى محمد بْن مَسرُوق، فأحضره ابن مَسرُوق وناله بمكروهه، فزاد أهل مِصر فِي مقت ابن مَسرُوق»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي يحيى بْن محمد بْن عَمْرُوس، قَالَ: سَمِعْتُ يُونُس بْن عَبْد الأعلى، يَقُولُ: " لمَّا أكثر أهل المسجِد فِي ذَمّ محمد بن مَسروق، وقف عَلَى باب المقصورة ونادى بأعلى صوته: أَيْنَ أصحاب الأكسِية العسَليَّة، أَيْنَ بنو البغايا، لِمَ لا يتكلَّم متكلّم بما شاء حتى يرى ويسمع.
فما تكلَّم بكلِمة "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، وأبو سلَمة، عَنْ يحيى بن عثمان، قَالَ: سأَلت يحيى بْن عبد الله بْن بُكَير هَلْ كَانَ خير من نُعَيم يقضي بين النصارى عَلَى باب المسجِد.
فقال يحيى: قد أدركتُ القضاة يجعلون لهم يومًا فِي منازلهم، وأوّل من أدخلهم المسجِد محمد بْن مَسرُوق.
قَالَ يحيى: وما كَانَ بأحكامه بأْس ما كَانَ يُتعلّق عَلَيْهِ فيها بشيء، ولكنَّه كَانَ من أعظم الناس تكبُّرًا "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن عَمْرُو، قَالَ: سَمِعْتُ يُونُس بن عَبْد الأَعلى، يَقُولُ: «أوَّل من أدخل النصارى المسجِد الجامع فِي خصوماتهم محمد بْن مَسرُوق»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: وأخبرني ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، قَالَ: " كَانَ هارون بْن سُلَيم بْن عِياض القُرَشيّ يتكلّم فِي طائفة معه فِي العصَبيَّة، فأرسل إِلَيْهِ محمد بْن مَسرُوق، فقال: ما يُؤمنك أن أكتب فيك إلى أمير المؤمنين بما تُضرب بِهِ بين الناس.
وأخذ ابن مَسرُوق جمعًا من جُلَسائه، فضربهم وطاف بهم "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: وأخبرني ابن قُدَيد، عَنْ أَبِي الرَّقْراق، عَن الحارث بْن مِسْكين، قَالَ: " قد كَانَ هاهنا قاضٍ يُذلّ الجبَّارين فما فضحه إلا ابنه محمد، يعني: محمد بْن مَسرُوق، وذلك أن محمدًا كَانَ لا يُتعلّق عَلَيْهِ بشيء حتى قدِم ابنه، فكان يأتي إلى من عنده مال من الودائع، فيقول: أَعطِنيه حتَّى اتجر فِيهِ وآخذ الفضل.
قَالَ: فتلِف عَلَى يديه شيء كثير "
(1/282)

حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي محمد بْن عَبْد الصمَد الصَّدَفيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عليّ بْن عمرو بْن خَالِد، قَالَ: سمِعت أَبِي، يَقُولُ: «لم يكُن للقُضاة قِمَطْر فيما مضى إِنَّما كَانَ كاتب القاضي يحضر ومعه الكتُب فِي منديل، فأوَّل من جعل لَهُ القِمَطْر بِمصر محمد بْن مَسرُوق، فكان يختِمها فتُودع، فإذا جلس أُحضرت»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: أخبرني عمّي، عَنْ أَسَد بْن سَعِيد بْن عُفَير، عَنْ أبيه، قَالَ: «كَانَ محمد بْن مَسرُوق يروح إلى الجمعة من دار أَبِي عَون بالموقِف ماشيًا إلى المسجد»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: وأخبرني قَيْس بْن حَملة، عَنْ أَبِي قُرَّة، عَنْ أبيه، قَالَ: «خُوصم وكيل السيّدة إلى محمد بن مسروق، فأمر بإحضاره، فجلس مع خصمه متربعا، فأمر به محمد بن مسروق، فبطح وضرب عشرا»
حدثنا محمد بن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه، عَنْ أبيه، «أن محمد بْن مَسرُوق أقدم عَلَى عبد الرحمن مولى زُبيدة ووكيلها عَلَى البُحَيرة فأنصف منه، فبغاه إلى زُبيدة، وكان ابن مَسروق قد تشدَّد عَلَى عَبْد الوهَّاب بْن مُوسَى بْن عَبْد العزيز بْن عُمَر بْن عبد الرحمن بْن عَوف، فخافه، فشخص إلى الرَّقّة، فبغاه ورفده القُرَشيُّون هناك وكلّم فِيهِ أَبَا البَخْتَريّ حتى عزله، فبلغ ابن مسروق ذَلكَ، فخرج قبل أن يقدَم الَّذِي استقضاه أَبُو البَخْتَريّ، واستخلف عَلَى أهل مِصر إِسحاق بْن الفُرات غضَبًا عليهم، وكان خروجه فِي سنة أربع وثمانين ومائة»
(1/283)

إِسْحَاق بْن الفُرات
ثمَّ ولِيَ القضاء بها إِسحاق بْن الفُرات خليفةً لمحمد بْن مَسرُوق عليها وهو أوَّل مولى ولِيَ القضاء بها.
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سلَمة، عَنْ زيد بْن أَبِي زيد، عَنْ أَبِي قُدَيد، عَن الشافعيّ، قَالَ: «ما رأَيت بِمصر أعلم باختلاف الناس من إِسْحَاق بْن الفُرات»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي أحمد بْن داود، عَن ابن أخضر، عَنْ قُدَيد، قَالَ: «كَانَ إِسحاق بْن الفُرات من أكابر أصحاب مالك، وكان قد لقِيَ أَبَا يوسف وأخذ عَنْهُ»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، عَنْ محمد بْن عبد الله بْن عَبْد الحكَم، قَالَ: قَالَ لي الشافعيّ: " اشرتُ عَلَى بعض الوُلاة بأن يُولّي إِسْحَاق بْن الفُرات القضاء.
وقلت لَهُ: إِنَّه يتخيَّر وهو عالم باختلاف من مضى "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا عاصم بْن رازح، وأحمد بْن جَعْفَر الفِهْريّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بحر بْن نصر، قَالَ: سَمِعْتُ إبراهيم بْن عُلَيَّة، يَقُولُ: «ما رأَيت ببلدكم أحدًا يُحسن العِلم إِلَّا ابن الفُرات» .
فولِيَها إِسْحَاق بْن الفُرات إلى أن صُرف عَنْهَا فِي صفر سنة خمس وثمانين ومائة
(1/284)

عبد الرحمن بْن عبد الله العُمَريّ
ثمَّ ولِيَ القضاء بها عبد الرحمن العُمَريّ من قِبَل هارون الرشيد، دخلها فِي صفر سنة خمس وثمانين ومائة.
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بن سَعِيد، عَنْ أبيه، قَالَ: «قدِم العُمَريّ، فعزل إِسْحَاق بْن الفُرات، وركب طريق محمد بْن مَسروق باتّخاذ الشهود، وجعل أسماءهم فِي كتاب وهو أوَّل من فعل ذَلكَ ودوّنهم وأسقط سائر الناس، ثمَّ فعلت ذَلكَ القُضاة من بعده حتى اليوم»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: أخبرني أَبُو سلَمة، عَنْ يحيى بْن عثمان، عَنْ أبيه، قَالَ: «كَانَ العُمَريّ أوَّل من دوَّن الشهود فِي كتاب» .
قَالَ يحيى: وكان كُتَّابه أَبُو داود النحَّاس وهو أعظمهم قدرًا، وكبيش بن سلَمة، وزكريَّاء بْن يحيى الحَرَسيّ، وخالد بْن نَجيح، وإسحاق بْن محمد بن نجيح
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: وأخبرني أَبُو سلَمة، عَنْ يحيى بْن عثمان، عَن ابن عُفَير، قَالَ: قَالَ لي مالك: «لا أرى أن تُشترط المرمّة فِي الأحباس» .
قَالَ سَعِيد: فذكرت هذا لأبي عبد الله بْن عبد الرحمن بْن عبد الله العُمَريّ قاضينا، فقال لي: لولا المرمّة ما بقِيَت الأحباس لأهلها.
قَالَ سَعِيد: وكان العُمَري من أشدّ الناس لِعمارة الأحباس، كَانَ يقِف عليها بنفسه ويجلِس مَعَ النَّائِين أكثر نهاره
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن داود، عَن ابن أخضر، عَن ابن قُدَيد، قَالَ: «لمَّا ولِيَ العُمَريّ جعل أشهب بن عبد العزيز على مسائله، وضم إليه يحيى بن عبد الله بن حرملة، ويحيى بن عبد الله بن بكير، وأمرهم بإقامة من عرف منه ستر وفضل»
حدثنا محمد بن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي عمّي، قَالَ: حَدَّثَنِي أحمد بْن وزير، قَالَ: «كَانَ بين
(1/285)

عمرو بْن يزيد بْن يوسف الفارسيّ، وبين عبد الرحمن بن سَعِيد بْن مِقْلاص تباعد، فلمَّا ولِيَ العُمَريّ قضاء مِصر، نزل منه عمرو بن يزيد أحسن منزِله، فأشار عَلَيْهِ أن يتَّخذ يحيى بْن عبد الله بْن بُكَير من أعوانه فِي مسائل الشهود وغير ذَلكَ مما يهمّه، فقبِل رأيه، وغيَّره من أصحابه»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: وأخبرني ابن قُدَيد، عَنْ يحيى، عَنْ أبيه، " أن أصحاب العُمَريّ وخاصَّته كانوا: عَبْد العزيز بْن مُطرَف، وسابق بْن عيسى، وأبو داود النحَّاس وكان أجلّ كُتَّابه، وسعيد بْن عُفَير، ويحيى بْن عبد الله بْن بكير قَالَ: وقد كَانَ خَالِد بْن نَجِيح أيضًا يكتب لَهُ "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: وحَدَّثَنِي أحمد بْن داود، عَن ابن أَبِي المُغِيرة، عَن ابن وزير، قَالَ: «لم يكن من قُضاتنا أحد أكثر شهودًا من العُمَريّ، كَانَ اتّخذ من أهل المدينة من موالي قُريش والأنصار، وغيرهم نحوًا من مائة، كانوا يشهَدون ورئيسهم المُطْرَفيّ» .
قَالَ يحيى الخَولانيّ:
كَمْ فَقِير كَانَ قَدْ مَوَّلَهُ ... بِالمَوَارِيثِ الَّتِي كَانَ مَنَحْ
زَكَرِيَّا وَكبيشٌ مِنْهُمُ ... وَالمَدِينيُّونَ أَصحَابُ البَلَحْ
فَأَفَادُوا الدُّورَ فَضْلًا بَعْدَ مَا ... كَلِبَ الفَقْرُ عَلَيْهِمْ وَأَلَحْ
كَمْ يَتِيمٍ حَوَوْا أَمْوالَهُ ... وَشَهِيدٍ عَادِلٍ كَانَ جَرَحْ
وقال يحيى الخَوْلاني يهجو العُمَريّ، ويذكر أصحابه:
تُصَيَّرُ أَمْوَالُ اليَتَامَى جَوائِزًا ... لِأَصْحَابِهِ حَتَّى استَقَلُّوا وَأَتْرَبُوا
كبيشٌ وَطَلْقٌ وَالقُرَيْرِيُّ مَنْهُمُ ... وَخَالِدُ والجَعْدِيُّ ذُو الفِقْهِ أَشْهَبُ
وَمَا ابْنُ بُكَيْرٍ دُونَهُمْ وَسُرَاقَةٌ ... وَسَابِقُ لَا تَنْسَاهُ ذَاكَ المُعَذَّبُ
وَفِي حَكَمِ وَالمُطْرَفِيّ عَجِيبَةٌ ... وَمَا إِنْ أَبُو يَعْقُوبَ عَنْهَا مُغَيُّبُ
وَفَي زَكَرِيَا آيَةٌ فَاعْجَبُوا لَهَا ... فَقَدْ صَارَ بَعْدَ الذُّلّ للْجَوْرِ يُرْهَبُ
(1/286)

وَبَعْد قِرَانِ العُرْيِ أَصْبَحَ فَاكْتَسى ... وَبَعْدَ الخَفى والمَشْي قَدْ صَارَ يَرْكَبُ
وَغَيْرُ الأُلى عَدَّدْتُ مِمَّنْ نَسِيتُهُ ... رِجَالٌ كَثِيرٌ مِنْهُمُ يُتَعَجَّبُ
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن داود، عَنْ محمد بْن أَبِي المُغيرة، عَن ابن وزير، قَالَ: " كَانَ أَبُو رَجْب الخَولانيّ العَلاء بْن عاصم، وهاشم بْن حُدَيج، وأبو الدَّهْمَج رياح بْن ذوَابة الكِنديّ، يتحرَّشون أهل الحَرَس ويُؤذونهم، فمشى أهل الحَرَس إلى زكريَّاء بْن يحيى كاتب العُمَريّ، وكان منهم، فقالوا لَهُ: حتَّى مَتَى نُؤْذَى ويُطعَن فِي أنسابنا.
فأشار عليهم زكريَّاء بجمع مال يدفعونه إلى العُمَريّ ليسجّل لهم سِجلًّا بإثبات أنسابهم، فجمعوا لَهُ ستَّة آلاف دينار، ووكَّل لهم فِي الأمر سابق بْن عيسى، وكبيش بْن سلَمة، ولوط بْن عُمَر، فلمَّا صار المال إلى العُمَريّ لم يجسر عَلَى أن يسجِّل لهم، وقال: ارفعوا إلى الرشيد فِي ذَلكَ.
فخرج عبد الرحمن بْن زِياد الحَرَسيّ، وأبو كِنانة إلى العِراق وأنفقا مالًا عظيمًا هُناك، وادَّعيا أن المُفضَّل بْن فَضالة قد كَانَ حكم لهم بإِثبات أنسابهم، وأنهم بنو حَوتْكَة بن أسلم بْن الحاف بْن قُضاعة "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي عليّ بْن قُدَيد، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الطاهر أحمد بْن عمرو بْن السَّرْح غيره مرَّة، يَقُولُ: «أَقرّ عندي عَبْد الكريم القراطيسيّ، وكان يضع عَلَى الخطوط نظيرها، أنَّه وضع قضيَّةً زَوَّرها عَلَى لِسان المُفضَّل بإِثبات أنساب أهل الحَرَس إلى حَوْتَكة، وأنه أخذ فِي وضعها من أَبِي كِنانة، وأبي حكيم الحَرَسيَّين ألف دينار، وأن المُتولّي لديوان المُفَضَّل رُفِع إِلَيْهِ ألف دينار حتى جعلها فِي الديوان»
(1/287)

حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن داود، عَن ابن أَبِي المُغِيرة، عَن ابن وزير، قَالَ: «ثمَّ أتى عبد الرحمن بْن زِياد بكتاب محمد الأمين إلى العُمَريّ بالتسجيل لهم، فدعاهم العُمَريّ إلى إقامة البينة عنده عَلَى أنسابهم، فأَتَوا بأهل الحَوْف الشرقيّ، وأهل الشرقيَّة، وقدَّموا جماعةً من بادية الشام، فشهِدوا أنهم عرَب، فسجّل لهم العُمَريّ، ولم يردّ واحدًا شهِد لهم غير حُوَيّ بْن حُوَيّ بْن مُعاذ العُذْريّ، فإن أَشهب بْن عَبْد العزيز كانت بينه وبينه منازَعة، فردّ شهادته» .
قَالَ يحيى الخَولاني:
يَا لَيْتَ أُمَّ حُوَيٍّ لَمْ تَلِدْ ذَكَرًا ... أَوْ لَيْتَ أَنَّ حُوَيًا كَانَ ذَا خَرَسِ
كَسَا قُضَاعَةَ عَارًا فِي شَهَادَتِهِ ... لله درُّ حُوَيّ شَاهِدِ الحَرَسِ
شَهَادَةٌ رَجَعَتْ لَوْ أَنَّهَا قُبِلَتْ ... لَأَلْحَق الزُّورُ مِنْهَا الْعَيْرَ بِالفَرَسِ
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: أخبرني أَبُو سلَمة، قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بْن عثمان بْن صالح، عَن ابن بُكَير، وابن عُفَير، قالا: «لم يشهَد أحد من أهل مِصر لأهل الحرَس أنهم من العَرب، وإنَّما الشهود من بادية الشام، وحَوْف مِصر» .
قَالَ يحيى:
وَمِنْ أَعْجَبِ الْأَشْيَاءِ أَنَّ عِصَابَةً ... مِنَ القِبْطِ فِينَا أَصْبَحُوا قَدْ تَعَرَّبُوا
وَقالُوا أَبُونَا حَوْتَكٌ وَأَبُوهُمُ ... مِنَ القِبْطِ عِلْجٌ حَبْلُهُ مُتَذَبْذِبُ
وَجَاءُوا بِأَجْلَافٍ مِنَ الحَوْفِ فادَّعَوْا ... بِأَنَّهُمُ مِنْهُمْ سِفَاهًا وَأَجْلَبُوا
أَلَا لَعَنَ الرَّحمنُ مَنْ كَانَ رَاضِيًا ... بِهِمْ رَغمًا مَا دَامَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ
قَالَ ابن وزير: فأَسجل لهم سِجِلًّا بتثبيت أنسابهم إلى حَوْتَكة، فكان أهل الحرَس يُطيفون بالعُمَريّ مَعَ زَكَريَّاء بْن يحيى كاتبه، يغدون إذا غدا، ويروحون إذا راح.
قَالَ: وكان العُمَري يشدو بأطراف الغناء عَلَى مغاني أهل المدينة، ويُبرز كثيرًا فِي مجالسه، ولا يتحاشى أن يَقُولُ هذا غنَّى بِهِ ابن سُريج، وهذا بِهِ الدَّلال، وهذا من جيّد غناء الغَريض،
(1/288)

ولم يكن بِمصر مُسمِعه إلَّا ركِب إليها يسمع غِناءَها، وربّما قوَّم ما انكسر من غِنائها ويرى ذَلكَ من الدِّين.
قَالَ يحيى الخَولانيّ:
مَرَّ بِنَا رَاكبٌ عَلَى فَرَسٍ ... يَا مَنْ رَأَى هِرْبَذًا عَلَى فَرَسِ
قَدْ كَشَفَ الخُفَّ مِنْ ضَلَالَتِهِ ... فِي عُصْبَةٍ مِنْ مَسَالمِ الحَرَسِ
يَقْدُمُهُ خَالِدٌ وَيَتْبَعُهُ لُوطٌ ... . . . . . . الْكَلْبَيْنِ فِي مَرَسِ
فَقُلْتُ مَنْ ذَا اللَّعِين قِيلَ أَبُو ... النَّدَى غَدَا مُسْرعًا إِلَى عُرُسِ
كيما يَرَى قَيْنَةً ذَكَرَتْ ... تَشْدُو بِصَوْتٍ. . . . . . . كالْجَرَسِ
أَصْبَحَ فِي المُخْزِيَاتِ مُنْغَمِسًا ... وَلَيْسَ فِي غَيْرِهَا بِمُنْغَمِسِ
وقال أيضًا:
أَلَا قُمْ فَانْدُبِ الْعَرَبَا ... وَبكِّ الدِّينَ وَالحَسَبَا
وَلَا تَنْفَكَّ تَنْعَى الْعَدْل ... لَمَّا بَانَ فَاغْتَرَبَا
لَقَدْ أَحْدَثَ قَاضِي السُّوء ... فِي فُسْطَاطِنَا عَجَبَا
يَظَلُّ نَهَارَهُ يَقْضِي ... بِعَينِ العَدْلِ مُنْتَصِبَا
وَيَسْهَرُ لَيْلَهُ لِسَمَاعِهِ ... القَيْنَاتِ والطَّرَبَا
وَيَشْرَبُهَا مُعَتَّقَةً ... عُقَارًا تُشْبِهُ الذَّهبَا
وَيُعْجِبُهُ سَمَاعُ الْعُودِ ... وَالْمِزْمَارِ يَا عَجَبَا
فَيَا لِلنَّاسِ مِنْ قاضِي ... يُحِبُّ اللَّهْوَ وَالْلَعِبَا
وقال مُعلًّى بْن العلى الطائيّ: أنشدنيها أَبُو مَسْعُود عمرو بْن حَفْص اللَخْميّ وتُروى لغير مُعلًّى:
كَمْ كَمْ تُطَوِّلُ فِي قِرَاتِكْ ... وَالجَوْرُ يَضْحَكُ مِنْ صَلَاتِكْ
(1/289)

تَقْضِي نَهارَكَ بِالهَوَى ... وَتَبِيتُ بَيْنَ مُغَنِّيَاتِكْ
لَيْت البلا من التي ... تجرِي تَقُوم بمُسْمِعَاتِكْ
فَاشْرَبْ عَلَى صَرْفِ الزَّمَانِ ... بِمَا ارْتَشَيْتَ مِنَ الحَوَاتِكْ
إِنْ كُنْتَ قَدْ أَلْحَقْتَهُمْ ... عُرْبًا فزَوِّجْهُمْ بَنَاتِك
وَلْتَكْشِفَنَّ بِمَا أَتيْتَ ... صُدُورُ قَوْمٍ مِنْ مَسَاتِكْ
وَكأَنَّني بِمَنِيَّةٍ ... تَسْعَى إِلَيْكَ بِكَفِّ فَاتِكْ
أَفْقَرْتَهُ مِنْ مَالِهِ ... بِقَضِيَّةٍ أَوْ لَمْ يُؤَاتِكْ
لَا تَعْجَلَنَّ أَبَا النَّدَى ... حَتَّى تَصِيرَ إِلَى وَفَاتِكْ
إِنِ المْقَامِعَ تُطْلَقَنَّ ... مِنَ الجَحِيمِ إِلَى مَمَاتِكْ
بَلْ لَوْ مَلَكْتُ لِسَانَ أَكْثَم ... مَا وَصَلْتُ إِلَى صِفَاتِكْ
وكان أهل مِصر يسمُّونه أَبَا النَّدى شبَّهوه بأبي النَّدى اللِصّ مولى بَليّ
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، قَالَ: ثمَّ «إن العُمَريّ أسقط جمعًا من شهوده، وحطّ عليهم نحوًا من ثلاثن رجُلًا ممَّن أَلَب عَلَيْهِ من الفُرس»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي أحمد بْن داود، عَن ابن أَبِي المغيرة، عَن ابن أخضر، عَن ابن وَزير، قَالَ: «أخرجت مُراد فرَسًا لها يوم الرِّهان، وكانوا يفخَرون بِهِ يسمُّونه الزَّعْفَران، وأخرجت يَحْصُب فرَسًا لها يسمَّى الجَناح، وجعل كل فريق منهم لصاحبه أيّهم سبق كَانَ المسبوق لَهُ، وجعلا غايتها من جِنان قَيْس بْن حَبَشيّ إلى مُنْيَة المنُوبي، فخرجوا وخرج عامَّة مِصر معهم، فسبق فرَس مُراد فرَس يَحْصُب حتى كاد أن يدخل الغاية، فخرجت يَحْصُب، فضربت وجه الزَّعْفَراني حتى تحيَّر، وسعد الجَناح فرَس يَحْصُب، فدخل الغاية، فاقتتلوا، وانضمّ مَعَ كل فريق منهم طائفة من الناس، وركِب الأمير ليث بْن الفَضْل يحجز بينهم، وردّ الأمر إلى العُمَريّ لينظُر فِيهِ، فاتته يَحْصُب بأموال عظيمة، فحكم لهم بالفرَس، ودفع إليهم الزَّعْفَراني وقضى لهم بِهِ» .
قَالَ يحيى الخَولانيّ:
(1/290)

إِنْ كَانَ مُهْرُ أَخِي زَوْفٍ أَفَاتَ بِهِ ... رَيْبُ الزَّمَانِ عَلَيْهِ جَوْرُ زِندِيقِ
فكَمْ يَدٍ لِبَني زَوْفٍ وَإِخْوَتِهِمْ ... فِي آلِ فِهْرٍ تُغِصُّ الشَّيْخَ بِالرِّيقِ
إِنْ حاكِمٌ عُمَريٌّ جَارَ فِي فَرَس ... فَسَوْف يُرْجِعُهُ عَدْلُ ابْنِ صِدِيق
وقال عبد الله بْن. . . . . . . . . . . . . . بن عبد الرحمن بْن مُعاوية بْن حُدَيج ليحيى:
طَلَبْتَ فَلَمْ تَأْلُ حُسْنَ الطَّلَبْ ... وَرُمْتَ عَظِيمًا وَلَمَّا تُصِبْ
وَعَوَّلْتَ مَوْتًا عَلَى رَمْيِهِمْ ... بِقَوْسِ الضَّلَالِ وَنَبْلِ الكَذِبْ
فَإِنْ كَانَ فِي فَرَسٍ عَتْبُكُمْ ... فَعِندِي لَكُمْ فَرَسٌ مِنْ قَصَبْ
وَإِلَّا فَمُهْرٌ كَرِيمُ النِّّجَارِ ... قَلِيلُ الْعِظَامِ كَثِيرُ الْعَصَبْ
وقال يحيى:
أَلَا أَيُّهَا الشَّاعِرُ الْمُنْتَدِبْ ... يُحَامِي عَنِ العُمَرِيِّ الْعَطَبْ
وَرَامِي مُرَادٍ وَخَوْلَانَهَا ... بِنَيْلٍ مِنَ الجهلِ غَيْرِ الصيُّبْ
لَعَمْرُكَ مَا أَنْقَصَ العُمَرِي بِامْرِئٍ ... مِنَ النَّاسِ إِلَّا كَرِيمَ الحَسَبْ
مَلَا الأَرْضَ جَوْرًا بِأَحكَامِهِ ... وَأظْهَرَ فِيهَا جَمِيعَ الرِّيَبْ
فلمَّا قدِم البكَريّ، فسخ أقضية العُمَريّ فِي الفَرَس، وقال: لا يجوز إلَّا أن يكون بينهما مُحلِّل وهذان لا مُحلِّل بينهما، وردّ فرَس مُراد إليها
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سلَمة، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أبيه، قَالَ: أتيت العُمَريّ بعد قيامه من مجلِس حُكمه، فاستأذنت عَلَيْهِ، فأذِن لي، فدخلت وهو مضطجِع، وقد ترجَّل، وصفَّر يديه، وكحل عينيه، واتَّشح بإزار معصفر، وادَّهن بمَلاب وهو يضرب بأصابع يديه بعضها عَلَى بعض، ويقول:
كَأَنِّي مِنْ أُمِ عَمْرو ... سَرَتْ بِي قَرْقَفٌ مُدَامُ
"
(1/291)

حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي قيس بْن حَمَلة الغافقيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ياسين، عَنْ أبيه، أن العُمَريّ جعل أموال الأيتام إلى يحيى بْن عبد الله بن بُكَير، فكان بيده منها مال عظيم، فاشترى بِهِ الرِّباع والنخيل، وأقبل يستغلّها ويرفَع إلى الأيتام من تِلْكَ الغَلَّة ما يستنفقونه، ويحسُب عليهم بالذي يرفَعه إليهم من أصل المال، فلمَّا صارت إليهم رءُوس أموالهم، ادَّعى يحيى الأصول، وقال: هِيَ لي.
فخوصم عند العُمَريّ، فقال: لا أراه ظلمكم بشيء هِيَ أموالكم استهلكتموها.
فلمَّا قدِم البَكِريّ، خُوصم يحيى إِلَيْهِ، فأمر بِهِ، فرُبط عَلَى العَمود المُقابل لباب إسرائيل، ونُودي عَلَيْهِ: هذا جَزاء كل خائن.
فأقام أيَّامًا يُحَلّ رِباطه وقت كل صلاة، قَالَ: فوالله ما وصل منه إلى درهم واحد "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: أخبرني ابن قُدَيد، عَنْ كتاب يحيى بْن عثمان بخطّه، قَالَ: حَدَّثَنِي أحمد بْن عَبْد المؤمن العدَويّ، قَالَ: «ضمَّ العُمَريّ إلى يحيى بْن بُكَير أموال اليتامى، فاشترى النخيل والرِّباع، فكان يُعطي أرباب الأموال من الغَلَّة ويحسب عليهم، فلمَّا علِم أَنَّهُ قد صار إليهم قدر ما أودعوه، ادَّعى يحيى الأصول، وأنكر اليتامى ما أُودع، ثمَّ استقضى البَكْريّ، وأخذ ابن بُكَير بالحساب، فأنكر، فشده إلى عَمود من المسجد أيَّامًا، فلم يُقرّ بشيء، فخلّى عَنْهُ»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ أَبِي الرَّقْراق، عَنْ إبراهيم بْن أَبِي أيُّوب، " أن العُمَريّ أوَّل من عمل تابُوت القُضاة الَّذِي كَانَ فِي بيت المال، قَالَ: انفق عَلَيْهِ أربعة دنانير "، وسُئل محمد بْن يوسف عَنْ هذا التابوت الَّذِي ذكر، فقال: كَانَ تُجمع فِيهِ أموال اليتامى، ومال مَن لا وارث لَهُ، وكان مُودَع القُضاة بِمصر
(1/292)

أخبرنا أَبُو محمد عبد الرحمن بْن عُمَر بْن محمد بْن سَعِيد البزَّار المعروف بابن النحَّاس قِراءَةً عَلَيْهِ، قَالَ: أخبرنا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه، عَنْ أبيه، قَالَ: «كَانَ موضِع مسجِد عبد الله يجلِس فِيهِ أهل المدينة يتحدَّثون فِيهِ، فمرَّ بهم عبد الله بْن عَبْد الملك بْن مَرْوان وهو أميرهم بِمصر، فسأَلوه أن يبني لهم فِيهِ مسجِدًا، وشكَوْا إِلَيْهِ ما يلقَون من الشمس.
فبناه لهم، فكانوا يجتمعون فِيهِ»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: وأخبرني ابن قُدَيد، قَالَ: " لمَّا صار الأمر إلى بني هاشم، مرَّ صالح بْن عليّ فِي موكِبه عَلَى مسجِد عبد الله، فنظر إِلَيْهِ، فاستحسنه وأعجبه وسأَل عَنْهُ، فقيل بناه عبد الله بْن عَبْد الملك.
فقال: أَوَ بقِيَ لهم أَثَر حسَن مِثل هذا لا أرجِع من ركوبي. . . . . . . . . . فأمر بهدمه، ثم رمَّمه بعض الجيران "
حَدَّثَنَا محمد، قَالَ: حَدَّثَنِي محمد بْن طاهر بْن أيُّوب، عَنْ أبيه، قَالَ: «لمَّا صُرف صالح بْن عليّ عَنْ مِصر، بناه بعض جِيرته بُنيانًا غير طائل حتى كَانَ العُمَريّ عَلَى قضاء مِصر، فهدمه وبناه هذا البِنَاء»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْن حسن بْن مُوسَى، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيد بْن الهَيثَم الأَيْليّ، قَالَ: «كنت جالسًا عند العُمَريّ وهو عَلَى القضاء، فدخل إِلَيْهِ رجُلان من جِيزة مسجِد عبد الله، فشهِدا عنده، أن مسجِد عبد الله لعبد اللَّه بْن عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ قد رثّ واستُهدِم، فأمر العُمَرِيّ ببُنيانه» .
قَالَ سَعِيد: فعجِبت من قطعهما الشهادة أَنَّهُ لعبد اللَّه بْن عُمر، وإنَّما هُوَ لعبد اللَّه بْن عَبْد الملك
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: فقال العُمَريّ: " خذوا ألف دينار من وصيّة أَبِي نَمِر عمّ محفوظ بْن سُلَيْمَان، وكان توفّي ذَلكَ الوقت، فبنوه بها، فبُني هذا
(1/293)

البِناء وجُعلت لَهُ حوانيت غَلَّةً لَهُ، وكتب قضيَّةً بذلك: بسم اللَّه الرَّحْمَن الرحيم، هذا كتبا أمر بِهِ القاضي عبد الرحمن بْن عبد الله، وهو يومئذٍ يلي القضاء بين أهل مِصر فِي صفر سنة ثمان وثمانين ومائة بما يثبت عنده فِي المسجِد الَّذِي، يقال لَهُ: مسجِد عبد اللَّه الَّذِي بالظاهر، قِبْليه الطريق الأعظم إلى المسجِد الجامع، وبحريّه الطريق الَّذِي يُسلَك إلى سوق بَربَر، وشرقيّه السُّويقة التي، يقال لها: سُويقة مسجد عبد الله عَلَى طريق الموقِف، وغربيّه الطريق الَّذِي يُسلَك منه عَلَى الجُبّ الَّذِي، يُقال لَهُ: جُبّ عبد الله، حين رفع إلى القاضي عبد الرحمن بْن عبد الله نفَر من جِيرة هذا المسجِد، أن هذا المسجد قد رثّ وخيف عَلَيْهِ لانكسار خشَبه وسقفه، واحتاج إلى العِمارة والمرمَّة، وأنهم قد وجدوا من احتسب فِي إِصلاحه وبِنائه، وتصير حوانيت تحته فِي حقوقه لتكون غَلَّتها فِي مرمَّة ما استُهدم منه، وفي زيته وحُصُره، وأَجر مُؤَذِّنه وشأنه كلّه، فسأَلوا القاضي عبد الرحمن بن عبد الله، أن يأْذَن لهم فِي ذل.
فدعاهم بالبيّنة عَلَى ما ذكروا، فأقاموا بينهً عُدّلوا عنده، وقبِل شهادتهم، فشهِدوا عند القاضي عبد الرحمن بْن عبد الله أن هذا المسجِد الموصوف فِي صدر هذا الكتاب خيف عَلَى سقفه من قِبَل خشَبه، واحتاج إلى العِمارة والمرمّة فِي جُدُره، وأن أجنحته التي حوله وما تحت هذا المسجِد لَيْسَ لأحدٍ فهي حقّ، وأن الَّذِي طُلب من عِمارته وبِنائه وإِصلاحه وتصيير حوانيت تحته فِي حقوقه، ومرمّة ما استَرَمّ منه، وفي زيته وحُصُره، وأَجر مؤذِّنه، وغير ذَلكَ من نوائبه منفعة للمسلمين ممَّن صلَّى فِيهِ، وأن ذَلكَ لَيْسَ بضرَر عَلَى أحد، وبعث القاضي عبد الرحمن بْن عبد الله نفرًا ممَّن يثق بهم، فنظروا إلى المسجِد الموصوف فِي هذا الكتاب، فرفعوا إِلَيْهِ مثل الَّذِي شهِد بِهِ الشهود فِي هذا الكتاب.
فلمَّا ثبت عند القاضي ذَلكَ، رأَى أن يأْذَن فِي عِمارة هذا المسجِد الَّذِي وُصف فِي هذا الكتاب وبُنيانه وإِصلاحه، وتصيير الحوانيت التي أرادوها تحته فِي حقوقه لتكون غلّتها فِي مرمّته إن احتاج إليها، ولما يُصلحه فِي زيته وحُصُره، وأجر مُؤذّنه، وغير ذَلكَ من شأنه، ويكون فضلًا إن فضِل من غلَّتها فِي وجوه الخير.
ورُفع إلى القاضي عبد الرحمن بْن عبد الله، أن هذا المسجِد الموصوف فِي هذا الكتاب قد أُصلِح وفُرغ من بُنيانه وحوانيته، وأتوا بشهود، يُقال لهم: عَبْد الصمَد بْن سَعِيد، وعمرو بْن إسماعيل بْن عُمَر الأَيْليّ، ومحمد بْن سُلَيْمَان بْن محمد، فشهِدوا عند القاضي عبد الرحمن بْن عبد الله، أن هذا المسجِد الموصوف فِي هذا الكتاب كَانَ يُخاف عَلَى سقفه من قِبَل خشَبه، واحتاج إلى العِمارة والمرّمة فِي جُدُره، وأن كل ما كَانَ تحت هذا المسجِد، وما فوقه، والثلاثة الأَجنحة التي حوله مُلصَقة بِهِ إنَّ ذَلكَ كله من حقّ المسجِد، وحدوده لَيْسَ لأحدٍ فِيهِ حقّ، ولا دعوى ولا طِلبة بوجهٍ من الوجوه، وأن المجالس التي كانت حول المسجِد خارجةً منه، كَانَ يؤدّي من يجلِس فيها الكِراء إلى من يقوم بأمر هذا المسجِد، أنها عَلَى حالها لم تدخُل فِي المسجِد ولا فِي حوانيته، وعدل الشهود عند القاضي عبد الرحمن بْن عبد الله فقبِل شهادتهم، وسأَل القاضي عبد الرحمن بْن عبد الله من حضره من جيرة هذا المسجِد الموصوف فِي هذا الكتاب، أن يكتب لهم ما ثبت عنده فِي كُتُبًا يضَعها عند من يرى ليكون ذَلكَ حُجَّةً وقُوَّةً، وأن يولّي القيام بِهِ رجُلًا من أهل الثِّقة.
فولَّى القاضي عبد الرحمن بْن عبد الله السَّكَن بْن أَبِي السَّكَن القُرَشيّ القِيام بأمر هذا المسجِد الموصوف فِي هذا الكتاب، وإِكراء حوانيته، وأن يُنفق من كِرائها ما رأَى فِي زينه وحُصُره، وأجْر مُؤذِّنه ما يحتاج إِلَيْهِ فِي أمره كله، ويُنفق بقيّةً إن بقِيَت من كِرائه حيث رأَى من وجوه الخير، وجعله فِي ذَلكَ أمينًا، وأمره بتقوى اللَّه وطاعته، والعمَل فِي ذَلكَ بحقّ اللَّه عَلَيْهِ، وأنفذ القاضي عبد الرحمن بْن عبد الله، أن يُكْتَب هذا الكتاب نُسَخًا تكون وثيقةً فِي هذا المسجِد الموصوف فِي هذا الكتاب.
فكُتبت، ودفع منها كِتابًا إلى عبد الله بْن وَهب بْن مُسلم القُرَشيّ، وكتابًا إلى حجَّاج بْن سُلَيْمَان الحِمْيَريّ، وكتابًا إلى رَبيعة بْن الوَليد الحَضْرَميّ، وكتابًا إلى شُعيب بن الليث بْن سعد الفَهمِيّ، وكتابًا إلى أَبِي زُرارة الليث بْن عاصم القِتْبَانيّ، وكتابا إلى عَبْد الصمد بْن سَعِيد الأنصاريّ، وكتابًا إلى محمد بْن سُلَيْمَان بْن فُلَيح، وكتابًا إلى الأشقر عَبْد الملك بْن سالم، وكتابًا إلى السكَن بن أَبِي السكن المُقيم بهذا المسجد، وكتابًا إلى محمد بْن سُلَيْمَان بْن محمد بن عُبيد، وكتابًا فِي ديوان القاضي عبد الرحمن بْن عبد الله، وأشهد القاضي عبد الرحمن بْن عبد الله الشهود المسمّين فِي هذا الكتاب، أَنَّهُ ثبت عنده ما فِي هذا الكتاب، وأمر بِهِ، وأنفذه عَلَى ما سُمّي، وفُسِّر فِيهِ وذلك فِي صفر سنة ثمان وثمانين ومائة "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بن عثمان، عَنْ أبيه، قَالَ: " فلمَّا اشتدّ البلاء عَلَى أهل مِصر من وِلاية العُمَريّ، خرج نفر من القُرَّاء احتسبوا فِي خروجهم إلى هارون، فشكَوْا إِلَيْهِ ما يفعله العُمَريّ فيهم، فقَالَ هارون: نظروا فِي الديوان كم لي من والٍ من ولد عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
فكُشف الديوان، فلم يوجد غيره، فقال: انصرفوا لا عزلته أبدًا "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي محمد بْن عبد الله. . . . . . . . . . . الصَّدَفيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا
(1/294)

أَبُو خَيثَمة عليّ بْن عمرو بْن خَالِد، عَنْ أبيه، قَالَ: " لمَّا مات الرشيد وولِيَ محمد بْن هارون، عزل العُمَريّ عَنْ مِصر وكان الَّذِي قدم بعزله رجل من بني تميم.
فقال رجل من أهل مصر:
بنعمة الله ورأي الفضل
نحي عَنِ الحُكْمِ عَدُوُّ الْعَدْلِ
هذا سُوَارٌ لِرَسُولَ الْعَزَلِ
قَالَ عمرو بْن خَالِد: فرأَيت ذَلكَ الرجُل وقد تكاثف الناس عَلَيْهِ بالدُّعاء والثَّناء.
فولِيَها العُمَريّ إلى أن صُرف عَن القضاء بها فِي جمادى الأولى سنة أربع وتسعين ومائة، وكانت وِلايته عليها تسع سنين وشهرين "

هاشم بْن أَبِي بَكْر البَكريّ
ثمَّ ولِيَ القضاء بها هاشم بْن أَبِي بَكْر البَكريّ من قِبَل محمد الأمين فِي جمادى الآخرة سنة أربع وتسعين ومائة، وكان من أهل الكُوفة يذهب بمذهب أَبِي حنيفة.
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُديد، عَنْ عُبَيْد اللَّه، عَنْ أبيه، قَالَ: «لمَّا ولِيَ البَكريّ القضاء، تتبع أصحاب العمري كلهم وسجنهم، وسجن العمري وقيده، وطالبه بما صار إليه من الأموال والأوقاف وغيرها، وأسقط كل من شهد لأهل الحرس، فلم يرجع أحد منهم عند أحد من القضاة، وأقام يحيى بن عبد الله بن بكير، فنادى عليه وشهره بخيانته»
(1/295)

حدثنا محمد بن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، وأبو سلَمة، قالا: حَدَّثَنَا يحيى بْن عثمان بْن صالح، عَنْ أبيه، قَالَ: " أمر البَكريّ بحبس العُمَريّ بمشوَرة أَبِي رَجْب العَلاء بْن عاصم، فحُبس فِي طائفة من أصحابه، فكان عَبْد العزيز بْن مُطرَف القائم بأمر العُمَريّ عند عزله، وضمِن عَنْهُ مالًا عظيمًا للبَكْريّ.
قَالَ: وزعم أهل مِصر، أن العُمَريّ اكتسب مائة ألف، فطالبه البَكريّ بها وعرفه وجوهها، ثمَّ هرب العُمَريّ من السِّجن ليلًا فلم يُدرَك ".
قَالَ يحيى الخَوْلانيّ:
هَرَبَ الخَائِنُ لَيْلًا فَجَنَحْ ... وَأَتَى أَمْرًا قَبِيحًا فَافْتَضَحْ
هَارِبٌ تَحْمِلُهُ نَاجِيَةٌ ... يَصِلُ الْإِدْلَاجَ عَدْوًا بِالرَّوَحْ
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه، عَنْ أبيه، قَالَ: «هرب العُمَري من السِّجن وكانت أمواله بِمَدْيَن، فمضى إلى مَدْيَن، فاحتملها وتبِعه جمع من البَوادِي يخفِرونه حتى بلغ فَيْد، فلقِيَه قوم من أَسد وطيّ، فأوقعوا بِهِ، وأخذوا جميع ما حواه، فما تخلّص منهم إلَّا بحشاشة نفسه» .
قَالَ يحيى:
إِنْ يَكُنْ أَفْلَتَ مِنَّا سَالِمًا ... يَوْمَ وَلَّى مُسْرِعًا حِينَ هَرَبْ
فَلَقَدْ وَافَى بِفَيْدٍ عُصْبَةً ... يُسْعِرُونَ الْحَرْبَ حَتَّى تَلْتَهبْ
وقال طاهر القيسيّ لأبي رَحْب:
وَلَقَدْ كَسَوْتَ أَبَا النَّدَى بِفِعَالِهِ ... حَرَبًا يَلُوحُ قِنَاعُهُ المُتَقَشِّبُ
وَزَحَمْتَهُ لَمَّا تَخَمَّطَ زَحْمَةً ... ضَاقَتْ عَلَيْهِ بِهَا العِرَاقُ يَثْرِبُ
وَنَجَا لِخَوْفِكَ هَارِبًا بِخَزَايَةٍ ... وَأَخُو الخَزَايَةِ وَالشَّرَارَةِ يُغْلَبُ
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي أحمد بْن داود بْن أَبِي صالح، عَنْ أحمد بْن أَبِي المُغِيرة، عَن ابن وزير بذلك.
وحدثنا محمد بْن يوسف، قَالَ: وحدَّثنيه أَبُو مَسْعُود عمرو بْن حَفص اللَخْميّ، عَنْ عليّ بْن عبد الرحمن بن المُغِيرة، عَن ابن بُكَير، «أن أَبَا رَحْب الخَولانيّ، وهاشم بْن حُدَيج وفَّدا من أهلِ مِصر إلى الأمين، فرفعوا عَلَى العُمَريّ، وذكروا ما فعل العُمَريّ فِي أهل الحرَس، وأنه ألحقهم بالعرب، ونسبهم إلى حَوَْكة بْن أسلم بن الحافِ بْن قُضاعة، فكتب محمد الأمين إلى البَكريّ بكتاب يذكر فِيهِ أَنَّهُ لا يمنح أحدًا من غير العرَب اللَحاق
(1/296)

بالعرَب، ويأَمره أن يردّهم إلى ما كانوا عَلَيْهِ من أنسابهم، فرجع الوفد بذلك»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي عبد الله بْن أحمد بْن يحيى السعديّ، قَالَ: قَالَ أحمد بْن يحيى بْن وَزير: " فدعا البَكريّ أهل الحرَس بقضيَّة العُمَريّ لهم، فأَتوه بها وتوهَّموا أَنَّهُ يزيدهم شهودًا، فأخرج البَكريّ مِقراضًا من تحت مُصلَّاه، فقطع قضيّة العُمَريّ، وقال لهم: العرَب لا تحتاج إلى كتاب من قاضٍ إن كنتم عَرَبًا فليس ينازعكم أحمد.
فقال مُعلًّى الطائيّ:
يابَنِي الْبَظْرَاءِ مُوتُوا كَمَدًا ... وَاسْخَنُوا عَيْنًا بِتَخْرِيقِ السِّجِلْ
لَوْ أَرَادَ اللَّه أَنْ يَجْعَلَكُمْ ... مِنْ بَني الْعَبَّاسِ طُرًّا لَفَعلْ
لكِنِ الرَّحمنُ قَدْ صَيَّرَكُمْ ... قِبْطَ مِصرٍ وَمِنَ الْقِبْطِ سِفَلْ
كَيْفَ يَا قِبْطُ تَكُونُوا عَرَبًا ... وَمَرِيسٌ أَصْلُكُمْ شَرٌّ الْجِيَلْ
"
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي أحمد بْن داود، عَن ابن أَبِي المُغِيرة، عَن ابن وزير، وحَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حدَّثنيه عمرو بْن حفص، عَن ابن قُدَيد، عَنْ عليّ عبد الرحمن، عَن ابن بُكَير، قالا: " فأَمر البَكريّ بإقامة البيّنة عنده، فحضر أهل مِصر، منهم: عبد الله بْن وَهَب، وسعيد بْن أَبِي مَرْيَم، وسعيد بْن عُفَير، وناس كثير من أهل القَنَاعة والعدالة، فشهِدوا عند البَكريّ، أن أهل الحرَس من القِبْط، وأن العُمَريّ قضى فيهم بجَور، فنقض البَكريّ قضيَّة العُمَريّ فيهم، وأشهد عَلَى قضائه بردّهم إلى أصلهم من القِبْط ".
قَالَ يحيى الخَولانيّ:
أُشْكُرُوا اللَّه عَلَى إِحْسَانِهِ ... فَلَهُ الْحَمْدُ كَثِيرًا والرُّغَبْ
رَجَع الْقِبْطُ إلى أَصْلِهِمِ ... بَعْدَ خِزْيٍ طَوَّقُوهُ وَتَعَبْ
وَدَنَانِيرَ رَشَوْهَا قَاضِيًا ... جَائِزًا قَدْ كَانَ فِينَا يَغْتَصِب
أَخَذَ الأَمْوَالَ مِنْهُمْ خُدْعَةً ... وَتَوَلَّى عَنْهُمُ ثُمَّ هَرَبْ
أَبْلِغِ الْبَكْرِيَّ عَنِّي أَنَّهُ ... عَادِلٌ فِي الحُكْمِ فَرَّاجُ الْكُرَبْ
قَدْ أَمَاتَ الْجَوْرَ فِينَا وَالرُّشَا ... وَأَشَاعَ الْعَدْلَ فِينَا فَرَتَبْ
إِنَّهُ قَدْ كَانَ يَقْضِي بِالْهَوَى ... وَيبِيعُ الحُكْمَ جَوْرًا وَيهَبْ
وَإِذَا يَخْلُوا حَسَاهَا مُزَّةً ... مِثْلَ عَيْنِ الدِّيكِ مِنْ مَاءِ الْعنَبْ
(1/297)

لَمْ يُعَنْ عَاصِرُهَا فِي كَرْمِهَا ... بِسِوَى القَطْفِ وَغَمْزًا بِالرُّكَبْ
فَأَتَتْ كالشَّمْسِ إِلَّا أَنَّهَا ... كُسِيَتْ فِي دَنِهَا لَوْنَ ذَهَبْ
مَا كَفَتْهُ رَشْوَةٌ ظَاهِرَةٌ ... وَقَضَايَا جَوْرِكُمْ فِيهَا عَجَبْ
أَنْ أَتَى أَعْظَمَ مَا يَأْتِي بِهِ ... أَحَدٌ أَنْ صَيَّرَا الْقِبْطَ عَرَبْ
وقال طاهر القَيسيّ لأبي رَحْب:
وَلَقَدْ قَمَعْتَ بني الْخَبَائِث عِنْدَمَا ... رَامُوا الْعُلَى وَتَحَوْتَكُوا وَتَعَرَّبُوا
فَرَدَدَتَّهُمْ قِبْطًا إِلى آبَائِهِمْ ... وَنَسِيبِ أَصْلِهِمُ الَّذِي قَدْ غَيَّبُوا
وَتَرَكْتَهُمْ مَثَلًا لِكُلِ مُلَصِّقٍ ... نَسَبًا إِذَا الْتَقَتِ الْمَحَافِلُ يُضْرَبُ
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، قَالَ: «كتَّاب البَكريّ أحمد بْن هَتع الهَمْذانيّ كوفيّ، ومحمد بْن عُميرة النَّخَعيّ كوفيّ، وكان عمرو بْن خَالِد يلزَمه ويترسّل إِلَيْهِ، وكان أيضًا يكتب لَهُ»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْد الوهَّاب بْن سعد، قَالَ: حَدَّثَنِي محمد بْن عمرو بْن خَالِد، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: «كَانَ هاشم بْن أَبِي بَكر لا يجلِس فِي القضاء حتى يتغدَّى ويشرَب ثلاثة أقداح نبيذًا» .
قَالَ عمرو قَالَ لي البَكريّ وهو عَلَى القضاء، ومررنا تحت سقيفة فرَج: «يا أَبَا الْحَسَن لو استعدى عَلَى فرَج إنسانٌ إليَّ فِي هذه السقيفة لهدمتُها عَلَيْهِ»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، قَالَ: «لم يكن أحد أحبّ إلى البَكريّ من إِدريس الخَوْلانيّ، ومقارّة الكاتب»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي أحمد بْن محمد بْن سلامة الأَزْديّ، عَنْ يحيى بْن عثمان، أن البَكريّ، كَانَ يَقُولُ: " دخلت إلى مِصر وأنا مُقِلّ، فزرعت زرعًا، فانكسر عليَّ خَراجه بآفة لحِقتني فِيهِ، وطولبت بذلك الخَراج، وتشدّد عليَّ فِيهِ، وكان مقارّة الكاتب حاضرًا، فعرّب بي، فقال: سُبحان اللَّه، ابن صاحب نبيّكم والذي قام فِي مَقام بعده يُطالَب بِمثل هذه المطالَبة، ما كَانَ عَلَيْهِ فهو عليَّ، وهو لَهُ عليَّ فِي كُلّ سنة "
(1/298)

حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، عَنْ عُذرة بْن مُصعَب، قَالَ: " حضرتُ جَنازة البَكريّ، وخلفه نادبة تندُبه، وتقول قَالَ عُذرة، فرأَيت إدريس الخَوْلانيّ، قد تخلَّف حتَّى لحِقته.
فقَالَ لها: قد وجدتِ مقالًا، فقُولي.
فولِيَها هاشم البَكريّ إلى أن تُوُفّي بها، وهو عَلَى قضائها لمستهلّ المحرّم سنة ستّ وتسعين ومائة ولِيَها سنة ونصفًا "

إبراهيم بْن البكَّاء البَجَليّ
ثمَّ ولِي القضاء بها رجُل من أصحاب الأمير جَابِر بْن الأشعث، يقال لَهُ: إبراهيم بْن البكَّاء، جعله جَابِر ينظر بين الناس، ثم خُلع محمد بْن هارون بِمصر، ووثب الحُند بجابر، فخلعوه فِي رجب سنة ستّ وتسعين ومائة.
قَالَ محمد بن يوسف: فإن كَانَ جَابِر ولَّى إبراهيم عقيب موت البَكريّ، فقد ولِيَها ستَّة أشهُر.
وأمَّا ابن قُدَيد فأخبرني، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، «أن ابن البكَّاء هذا ولِيَها شهرًا واحدًا وخُلع جَابِر وثبت بِهِ الجُند»

لَهِيعة بْن عيسى الحَضْرَميّ
ثمَّ ولِيَ القضاء بها لَهِيعة بْن عيسى الحَضْرَميّ من قِبَل عبَّاد بْن محمد، وعبَّاد يومئذٍ يدعو للمأمون بِمصر، ولِيهَا مستهلّ شعبان سنة ستّ وتسعين ومائة، وذلك بعد أن اجتهد عبَّاد فِي ولاية عبد الله بْن وَهب بْن مُسلم، فاستتر ابن وَهب من عبَّاد.
حَدَّثَنِي محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَن ابن عثمان، قَالَ: حَدَّثَنِي أحمد بْن عبد الرحمن، قَالَ: " لمَّا طلب عبَّاد عمّي ليولّيه القضاء تغيّب فِي منزِل يحيى بْن حَرْمَلة،
(1/299)

فهدم عبَّاد بعض دارنا، قَالَ. . . . . . . لعبَّاد: مَتَى طمع هذا الكيديّ هكذا فِي ولاية القضاء حتى يتغيّب.
فبلغ قوله ابن وَهب، فدعا اللَّه عليه، فعَمِي بعد جُمعة "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن إبراهيم القُرَشيّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا يحيى الوَقَار، قَالَ: لمَّا طُلب ابن وَهب للقضاء تغيّب، فسُمِع وهو يَقُولُ: «يارب يقدَم عليك إخواني غدًا عُلَماء حُلَماء فُقَهاء، وأقدَم عليك قاضيًا لا يارب ولو قُرضت بالمقاريض»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، قَال: حَدَّثَنِي حجَّاج بْن مَذكور المُؤذّنِ، قَالَ: " لما طُلب ابن وَهب للقضاء، جمع آخاءَه، وأهله، فشاورهم، فقالوا لَهُ: لعلّ أن يَحْيا الحقّ عَلَى يديك أو نحو هذا.
فقال لهم: أكلة فِي بطونكم أردتم أن تأكلوا ديني "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاس بْن محمد بْن الْعَبَّاس، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الربيع سُلَيْمَان ابْن أخي رِشْدين، قَالَ: حَدَّثَنِي حجَّاج بْن رِشْدِين، قَالَ: " أشرفت عَلَى ابن وَهب من غُرفتي، فسلَّمت عَلَيْهِ.
فقال لي: يا أَبَا الْحَسَن، بينا أَنَا أرجو أن أُحشَر فِي زُمرة العُلماء، أَأَرجو أن أُحشَر فِي زُمرة القُضاة، وكان تغيّب "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: أخبرني عَبْد الحكَم بْن أحمد بْن سلام الصَّدَفيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْن عمرو الغافقيّ، قَالَ: «كانت مَواحيز مِصر يعمرها أهل الديوان وطائفة المطوِّعة، وكانت أحباس السبيل التي يتولَّاها القُضاة تُجمع فِي كل سنة، فإِذا كَانَ شهر أبيب من شُهُور القِبْط بعث القاضي لما اجتمع من أموال السبيل، ففُرّقت فِي مواحيز مِصر من العَرِيش إلى لُوبِيَة ومَراقِيَة، فتُفرَّق عَلَى المطوِعة، ومن كَانَ فقيرًا من أهل الديوان، فلمَّا هاجت الفِتنة أيَّام خلع محمد بْن هارون تشاغل السلطان عَنْ عطاء أهل الديوان، وتعطَّلت المَواحيز، وانقطع عَنْهَا المطوِّعة لِما كَانَ فِي الناس من الفِتنة، ثمَّ ولِيَ لَهِيعة بْن عيسى، فجمع أموال السبيل التي من الأحباس، ففرض فيها فروضًا من أهل مِصر، وجعل فيها المطوِّعة الذين كانوا يعمرون المواحيز، وأجرى عليهم العطاء من الأحباس،
(1/300)

فكان ذَلكَ أوّل ما فُرضت فروض القُضاة، فصارت سُنَّة بعد لَهِيعة، ولم يكن الناس يسمّونها إِلَّا فروض لَهِيعة حتى كَانَ ابن أَبِي الليث فسمَّاها فروض القاضي» .
قَالَ إسماعيل: وقال فِراس المُراديّ:
لَعَمْرِي لَقَدْ سَارَتْ فُرُوضُ لَهِيعة ... إِلَى بَلَدٍ قَدْ كَادَ يَهْلِكُ صَاحِبُهْ
إِلَى بَلَدِ تُقْرِي بِهِ الْبُومُ وَالصَّدَى ... تُعَاوِرُهُ الرُّومُ الْعِظَامُ تُحَارِبُهْ
رَشِيدُ وَإِخْنَا وَالْبُرُلُّسُ كُلُّهَا ... وَدِمْيَاطُ وَالأُشْتُومُ تَقْوًى يُغَالِبُهْ
لَهِيعَ لَقَدْ حُزْتَ الْمَكَارِمَ والثَّنَا ... وَمِنْ عِنْدِ رَبِّي فَضْلُهُ وَمَوَاهِبُهْ
فَقَدْ عُمِّرَتْ تِلْكَ الثُّغُورُ بِسُنَّةٍ ... تُعَدُّ إِذَا عُدَّتْ هُنَاكَ مَنَاقِبُهْ
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، وسأَلته عَنْ لَهِيعة، عَنْ من أخذ القضاء، قَالَ: كَانَ سمِع من عمّه، «فأقام عَلَى قضائها حتى صُرف عبَّاد عَن الصلاة بِمصر فِي صفر سنة ثمان وتسعين ومائة، وقدِم المُطَّلِب بْن عبد الله الخُزَاعيّ أميرًا عَلَى مِصر، فعزل لَهِيعة عَن القضاء فِي شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وتسعين ومائة»

الفَضْل بْن غانم الخُزاعيّ
ثمَّ ولِيَ القضاء بها الفَضْل بْن غانم من قِبَل المطَّلِب بْن عبد الله الخُزاعيّ، ولِيَها فِي ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين ومائة، وكان ممَّن قدِم عَلَى المطَّلِب من العِراق.
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، عَنْ أبيه، قَالَ: «كَانَ الفضل بْن غانم كبير اللِحْية، جِدًا فكان يجعَل فِي لِحيته عوذةً خوفًا من عين لَهِيعة، كَانَ يفعل ذَلكَ يوم الجمعة إذا خطب»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: أخبرني ابن قُدَيد، عَنْ أَبِي الرَّقْراق، " أن الفضل بْن غانم كَانَ متَّهمًا، فجاءَه سَعِيد بْن تَلِيد فِي السَّحر، فوجد عَلَى بابه غُلامًا أسود، فانصرف
(1/301)

ولم يدخل.
فقال لَهُ الفَضْل بعد ذَلكَ: أرسلت إليك فلم تأْتِ.
قَالَ: قد جئت بكذا والغُلام الأسود عَلَى الباب.
فسكت الفضل ولم يعُدْ إِلَيْهِ سَعِيد ".
قَالَ أَبُو الرَّقْراق: وكان مُطَّلِب أجرى عَلَى الفَضل بْن غانم مائة وثمانية وستّين دينارًا فِي كُلِّ شهر، وهو أوَّل قاضٍ أُجرِي عَلَيْهِ هذا
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا القاسم بْن حُبَيش بْن بُرْد، وأبو سلمة، قالا: حَدَّثَنَا عبد الرحمن بْن عَبْد الحكَم، قَالَ: «أقام الفَضْل عَلَى القضاء سنةً أو نحوها ثمَّ غضِب عَلَيْهِ المُطَّلِب، فعزله»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن قُدَيد، عَن ابن عثمان، قَالَ: «كَانَ سُلَيْمَان بْن يحيى بْن وزير التُّجِيبيّ أوّل أهل المسجِد، وثب عَلَى الفَضْل، ورفع عَلَيْهِ إلى مُطَّلِب حتى عزله»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بْن جَعْفَر بْن الْإِمَام، عَن الفَضْل، قلت لَهُ: " إنَّ هذا كَانَ عندنا عَلَى القضاء قبل المائتين.
فقال لي: إِنَّه عاش بعد رجوعه من عندكم زمانًا طويلًا.
فولِيَها الفَضْل إلى أن صُرف عَنْهَا فِي المحرَّم سنة تسع وتسعين ومائة لم يتمّ سنةً "

لَهِيعة بْن عيسى الثانية
ثمَّ ولِيَ القضاء بها لَهِيعة بْن عيسى من قِبَل المُطَّلِب وهو وِلايته الثانية، ولِيَها فِي المحرَّم سنة تسع وتسعين ومائة، واستكتب سَعِيد بْن تَلِيد، وأبا الأسود البَصْريّ، وجعل عَلَى مسائله سَعِيد بْن تَلِيد، وأمره أن يجدّد السؤَال عَن الشهود والموسومين بالشهادة فِي كل ستَّة أشهُر، فمن حدثت لَهُ جُراحة أوقفه.
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي بذلك ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، عَنْ أبيه.
وحَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: وحَدَّثَنِي أحمد بْن داود، عَن ابن أخضر، أن لَهِيعة أمر صاحب مسائله، أن يسأَل عَنْ شهوده فِي كل ستَّة أشهُر، واتّخذ شهودًا جعلهم بِطانته، منهم: سَعِيد بْن تَلِيد، ومُعاوية الأَسْوانيّ، وسليمان بْن بُرْد فِي نحو من ثلاثين رجُلًا ".
قَالَ ابن أخضر: فقلتُ لابن وزير: هَلْ علِمت أَنَّهُ أسقط أحدًا ممَّن كَانَ شهِد عنده ممَّن
(1/302)

جرح فِي السؤَال؟ فقال: نعم لَعمري قد أوقف غير واحد حِين بلغته جُرحته
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عليّ بْن عثمان، أن أَبَا الأَسْود البَصْريّ أتى عثمان بْن صالح، فسأَله عَنْ شيخ من أكابر أهل البَصْرة يُكنى أَبَا التمَّام، فذكر عثمان، أن التمَّام، حسن الجِوار، حسَن المعاملة، كثير الصوم والصلاة، باذل للمعروف، مُظهِر لزَكاة ماله إلَّا أن أَبَا التمَّام هذا قَدَريّ.
فأوقف شهادته لَهِيعة، فصار إِلَيْهِ وجوه أهل البصرة، منهم: عمَّار بْن نُوح، ومحمد بْن بَكْر الضَّبيّ، وسليمان بن بَكْر، وبِشر بْن المُعارك، وغيرهم، فذكروا من جَمال أَبِي التمَّام وفضله، وأكثروا من الثناء عَلَيْهِ، فأعلمهم لَهِيعة، أَنَّهُ قد رُفع إِلَيْهِ أكثر ممَّا قد ذكروا فِيهِ إلَّا أَنَّهُ يكرَه أن يراه اللَّه عزّ وجلّ أجاز شهادة قَدَريّ، فنهضوا ولم يراجعوه "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، قَالَ: قَالَ أَبُو شَبيب أنيس بْن دارم مولى تُجِيب فِي صحابة لَهِيعة:
قَبَّحَ اللَّه زَمَانًا ... رَاسَ فِيهِ ابْنُ تلِيدِ
بَعْدَ مِقْرَاضٍ وَخَيْطٍ ... وَأُبَيْرَاتِ حَدِيدِ
وَأَبُو الزِّنْبَاعِ خَنَّاقُ ... غَرَامِيل الْعَبِيدِ
بَعْدَ سَيْف خَشَبِيٍّ ... وَسِهَام مِنْ حَدِيدِ
وابْنُ تَوْرَاقُ الْأَفَانِينُ ... البَلِيدُ بْنُ البَلِيدِ
وَابْنُ بَكَّارِ كَرَاكِيرَ ... وغَطَّاسِ الثَّرِيدِ
وَأَبُو الرُّوس الْمَرِيسيُّ ... ابْنُ دَبَّاغِ الْجُلُودِ
وَاللَّقِيطُ ابْنُ بُكَيْر ... نطْفَةُ الفَدْمِ الطَّرِيدِ
وابْنُ سَهْمٍ حَارِسُ ... الجِيزَةِ حُلْوَانُ البَرِيدِ
عُصْبَةٌ مِنْ طِينَةِ النِّيلِ ... مَنَاسِيُّ الجدُودِ
(1/303)

لَبِسُوا بَعْدَ التَّبَابِينِ ... نَفِيسَاتِ الْبُرُودِ
لَازَمُوا الْمَسْجِدَ ضُلَّالا ... مِنَ الأَمْرِ الرَّشِيدِ
لِحوَانِيتٍ بَنَوْهَا ... بِفِنَا كُلِّ عَمُودِ
وَتَسَمَّوْا وَتَكَنَّوْا ... بَعْدَ جَرْجَهْ وَشَنُودِ
وَأَلَاحُوا بِجِبَاهٍ ... مِنْ نِطَاحِ الْحُصر سُودِ
تَحْتَ أَمْيَالٍ طِوَالٍ ... كَبَرَاطِيلِ الْيَهُودِ
نَصَبُوهَا كالمْقَاعِيدِ ... عَلَى رُءُوسِ الْقُرُودِ
وَتَرَاهُمْ لِلْوَصَايا ... وَعَدَالَاتِ الشُّهُودِ
فِي مِراءٍ وَجِدَالٍ ... وَقِيَامٍ وَقُعُودِ
وَخُشُوعٍ وَابْتِهَال ... وَرُكُوعٍ وَسُجُودِ
وَعَلَى الْقِسْمَةِ أَضْرَى ... مِنْ تَمَاسِيحِ الصَّعِيدِ
وَأَشَارُوا لِلْهَدَايَا ... بِأَبي عَبْدِ الحَمِيدِ
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي محمد بْن عَبْد الصَّمَد، عَنْ أَبِي خَيْثمة عليّ بْن عمرو بْن خَالِد، عَنْ أبيه، قَالَ: " كَانَ من أحسن ما عمِله لَهِيعة فِي ولايته، أن قضى فِي أحباس مِصر كلّها، فلم يُبقِ منها حُبسًا حتى حكم فِيهِ، إِمَا ببينة ثبتت عنده، وإِمَّا بإِقرار أهل الحُبس.
قَالَ: فذكرتُ ذَلكَ لَهُ يومًا، وقلت لَهُ: لقد أحسن القاضي فيما فعل من ذَلكَ.
فقال لي: يا أَبَا الْحَسَن، كُنتُ أُحبّ ذَلكَ من زمان، وسأَلت اللَّه أن يُبلغني الحُكم فيها، فلم أترك شيئًا منها حتى حكمت فِيهِ، وجدَّدتُ الشَّهادة بِهِ "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي إبراهيم بْن مطروح، قَالَ: حَدَّثَنَا عيسى بْن لَهِيعة، أن أَبَاهُ «حكم فِي أحباس مِصر كلها، وجدّدها ما كَانَ فِي أيادي القُضاة منها، وما كَانَ فِي أيدي أهلها»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا عاصم بْن رازح، قَالَ: سَمِعْتُ نصر بْن نصر، يَقُولُ: سَمِعْتُ لَهِيعة بْن عيسى القاضي، يَقُولُ: «أَنَا تاسع تسعة وَلُوا قضاء مِصر من حَضْرَ مَوت»
(1/304)

حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي إبراهيم بْن مطروح، قَالَ: حَدَّثَنَا عيسى بْن لَهِيعة بْن عيسى، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: «ولِيَ القضاء بِمصر تسعة رجال من حَضْرَ مَوت أَنَا آخرهم» .
قَالَ عيسى: وهم: يُونُس بْن عَطيَّة، وأوس بن عبد الله، ويحيى بْن ميمون، وتَوْبة بْن نَمِر، وخَير بْن نُعيم، وغَوْث بْن سُلَيْمَان، ويزيد بْن عبد الله، وعبد اللَّه بْن لَهِيعة، ولَهِيعة بْن عيسى
حَدَّثَنِي محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي يحيى بْن أَبِي مُعاوية، قَالَ: حَدَّثَنِي خلَف بْن ربيعة، عَنْ أبيه، قَالَ: «ولِيَ قضاء مصر تسع رجال من حَضْرَ موت آخرهم لَهِيعة بْن عيسى، وولِيَ بَرْقَة جمع من حَضْرَ مَوت عَلَى قضائها» .
قَالَ يحيى: آخرهم خَير بْن سَعِيد بْن خَير، وولِيَ عَلَى الأَنْدَلُس مُعاوية بْن صالح الحَضْرَميّ، وعلى فِلَسْطِين ضَمْضَم بْن عُقْبَة، وعبد السلام بن عبد الله، والنُّعمان بْن المُنذِر، وعلى حِمْص كثير بْن مُرّة، وجُبَير بْن نُفَير، وعلى دِمَشْق يحيى بْن حَمْزة.
قَالَ الشاعر:
مَا مِنْ بِلَادٍ من البُلْدَانِ نَعْلَمُهُ ... إِلَّا وَفِيهِ مِنَ الأَشْيَاخِ وَالحَدَثِ
قُضَاةُ عَدْل لَهُمْ فَضْلٌ وَمَعْرِفَةٌ ... مُبَرَّءُونَ مِنَ الْآفاتِ وَالرَّفَثِ
وقال آخر:
لَقَدْ وَلِيَ الْقَضَاءَ بِكُلِّ أَرْضٍ ... مِنَ الغُرِّ الحَضَارِمَةِ الْكِرَامِ
رِجَالٌ لَيْسَ مِثْلَهُمُ رِجَالٌ ... مِنَ الصِّيدِ الجَحَا جِحَةِ الضِّخَامِ
وقال يزيد بْن مِقْسَم الصَّدَفيّ:
يَا حَضْرَ مَوْتَ هَنِيئًا مَا خُصِصْتِ بِهِ ... مِنَ الحُكُومةِ بَيْنَ العُجْمَ والعَرَبِ
فِي الجَاهِليَّةِ وَالإِسْلَامِ يَعْرِفُهُ ... أَهْلُ الرِّوَايَةِ والتَّفْتِيشِ وَالطَّلَبِ
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَسْوَدِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَى مَسْلَمَة بْنِ مُخلَّدٍ وَهُوَ عَلَى مِصْرَ: «لا تُوَلِّ عَمَلك إلَّا أَزْديًّا أَوْ حَضْرَميًّا، فإنَّهم أَهْلُ الأَمَانَةِ» ،
(1/305)

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْحَضْرَمِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَاسِينُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ يَزِيدَ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَى مَسْلَمَةَ مِثْلَهُ فَوَلِيَها لَهِيعَةُ بْنُ عِيسَى إِلَى أَنْ مَاتَ بِهَا وَهُوَ عَلَى قَضَائِهَا مُسْتَهَلَّ ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَتَيْنٍ، وَلِيَها خَمْسَ سِنِينَ

إبراهيم بْن إِسْحَاق القاريّ
ثمَّ ولِيَ القضاء بها إبراهيم بْن إِسْحَاق القاريّ من القارة حليف بني زهرة من قِبَل السريّ بْن الحكَم، وجُمع لَهُ القضاء والقَصَص، ولِيَها يوم الإثنين لعشر بقِينَ من ذي القعدة سنة أربع ومائتين.
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بْن عثمان، قَالَ: " كَانَ السَّريّ بْن الحكَم قد ولّى إبراهيم بْن إِسْحَاق القاريّ حليف بني زُهْرة القضاء بعد لَهِيعة، فأقام ستة أشهُر ثمَّ اختصم إِلَيْهِ رجُلان فِي شيء، فأمر بالكتاب عَلَى أحد الرجُلين بإنفاذ الحُكم، فشفع الرجُل بابن أَبِي عون إلى السَّريّ، فأمره السَّريّ، أن يتوقّف عَن الحُكم، فإن اصطلحا وإِلَّا حكم بينهما، فجلس إبراهيم فِي منزِله، فركِب إِلَيْهِ السَّريّ وسأَله الرجوع، فقال: لا أعود إلى ذَلكَ المجلِس أبدًا لَيْسَ فِي الحُكم شَفاعة.
فولَّى السَّريّ إبراهيم بْن الجَرَّاح، فولِيَها إبراهيم بْن إِسْحَاق إلى أن صُرف عَنْهَا فِي جمادى الأولى سنة خمس ومائتين، فولِيَها ستَّة أشهُر، ومات فِي جمادى الآخرة سنة خمس ومائتين "

إبراهيم بْن الجرّاح
ثمَّ ولِيَ القضاء بها إبراهيم بْن الجرَّاح، من قِبَل السَّريّ بْن الحكَم ولِيَها مستهلّ جمادى الآخرة سنة خمس ومائتين، وكان مذهبه مذهب أَبِي حنيفة، واستكتب عمرو بْن خَالِد، وجعل عَلَى مسائله مُعاوية بْن عبد الله الأسْوانيّ.
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: أخبرني يحيى بْن عثمان، قَالَ:
(1/306)

حَدَّثَنِي أَمَنة بْن عيسى، أن إِسْحَاق بْن إبراهيم بْن الجرَّاح، أخذ من مُعاوية الأُسوانيّ ألف دينار عَلَى أن يولّيه أَبُوهُ مسائل الشهود، فقال إِسْحَاق لأبيه: أرى أن تولّي عَلَى مسائل المصريين رجُلًا منهم وتستريح منهم.
فولَّى مُعاوية مسائله "، قَالَ أَمَنة: فاختصمنا إِسْحَاق إلى ابن المُنْكَدِر فِي الَّذِي قبضه من مُعاوية، وأمر ابن المُنْكَدِر بسَجنه فِيهِ
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بْن عثمان، قَالَ: «ولّى السَّري إبراهيم بْن الجرَّاح، فأمر بمُصلَّاه، فوضِع فِي المسجد الجامع، واجتمع المصريّون فألقوه فِي الطريق، فما تكلَّم فِيهِ السَّريّ بشيء، وجلس إبراهيم بْن الجرَّاح للحُكم فِي منزله، فلم يعُدْ إلى المسجد الجامع حتى صُرف»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا القاسم بْن حُبيش، وأبو سلمة، قالا: حَدَّثَنَا عبد الرحمن بْن عَبْد الحكَم، قَالَ: «لم يكن إبراهيم بْن الجرَّاح بالمذموم فِي أوَّل وِلايته حتى قدِم عَلَيْهِ ابنه من العِراق، فتغيَّرت حاله، وفسدت أحكامه»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الرَّقْراق، قَالَ: " انحرف الناس عَنْ عمرو بْن خَالِد لمَّا كتب لإبراهيم بن الجرَّاح، فأمره إبراهيم باكتتاب قضيّة، ثمّ أرسل إِلَيْهِ إبراهيم يأمره أن يُوقفها حتى ينظر فيها، فبحث عمرو بْن خَالِد عَنْ ذَلكَ التوقّف من قِبَل ابنه، فقال عمرو: لله عليّ أن لا أعود إلى مجلِسه.
فعاد الناس إِلَيْهِ "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الطاهر محمد بْن أحمد بْن عثمان المدينيّ، قَالَ: سَمِعْتُ حَرْمَلة بْن يحيى، يَقُولُ: " مرِض إبراهيم بْن الجرَّاح وهو على قضاء مِصر، وأوصى بوصيَّة، وأمر بإحضار الشهود ليشهَدوا عَلَى وصيَّته، فقُرئت الوصيّة عَلَيْهِ، فكان فيها: وإن الدين كما شرع، والقُرآن كما خلق "، قَالَ حَرْمَلة: فقلت أيّها القاضي، أَأَشهَد عليك بهذا؟ قَالَ: نعَم
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي أحمد بْن محمد بْن سلامة، قَالَ: حَدَّثَنِي أحمد بْن الحارث بْن مِسْكين، قَالَ: سَمِعْتُ نصر بْن مرزوق، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيّ بْن مَعبد بْن
(1/307)

شدَّاد، قَالَ: سَمِعْتُ نصر مرزوق، قَالَ: " سَمِعْتُ بْن الجراح فأتاني صاحب مسائله يسأَلني عَنْهُ، فقلت: ما أعرف شيئًا أعيبه بِهِ إلَّا شهادته عند إبراهيم بْن الجرَّاح "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي يحيى بْن أَبِي مُعاوية، عَنْ خلَف بن ربيعة، " أن عبد الله بْن طاهر لمَّا سار إلى مِصر لمحاربة عُبَيْد اللَّه بْن السَّريّ، فحاربه، ثمَّ اتَّفقا عَلَى الصُّلح، فاشترط عُبَيْد اللَّه بْن السَّريّ شروطًا أجابه إليها ابن طاهر، وبعث ابن طاهر إلى عُبَيْد اللَّه بنُسخة كتاب كتبه أشهد عَلَى نفسه فِيهِ، فنظر فِيهِ إبراهيم بْن الجرَّاح قاضي عُبَيْد اللَّه، فقال: ليست هذه الشروط بشيء، ولكنَّ يجِب أن نشترط كذا وكذا.
فقال عُبَيْد اللَّه بْن السَّريّ لإبراهيم بْن الجرَّاح: لي كتابًا.
فكتبه إبراهيم بخطِّه، وبعث بِهِ إلى عبد الله بْن طاهر، فنسخه عبد الله بيده، واضطغنها ابن طاهر عَلَى إبراهيم بْن الجرَّاح، فعزله عَنْ قضاء مِصر، وأسقط مَرْتَبته، وأمر بكشفه ومُحاسَبته "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: أخبرني عاصم بن رازح، قَالَ: سَمِعْتُ يُونُس بْن عَبْد الأعلى، وذكر إبراهيم بْن الجرَّاح، فقال: «كَانَ من أدهى الناس، وكان الَّذِي كتب الشروط لعبيد بْن السَّريّ عَلَى عبد الله بْن طاهر حتى آمنه وآمن جميع جُنده، ولم يأخذ لنفسه أَمانًا، ففعل بِهِ ابن طاهر الأفاعيل»
(1/308)

أخبرنا أَبُو محمد عبد الرحمن بْن عُمَر بْن محمد بْن سَعِيد البزَّار المعروف بابن النحَّاس قِراءَةً عَلَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُمَر محمد بْن يوسف بْن يعقوب الكِنديّ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَن ابن الرَّقْراق، قَالَ: حَدَّثَنِي سعد يعني ابن عَبْد الحكَم، قَالَ: انصرف أَبِي يومًا من عند أَبِي طاهر فأخبرنا، " أن ابن طاهر ألقى إِلَيْهِ كتابًا من عُبَيْد بْن السَّريْ فِيهِ إيمان بالطَّلاق والعَتاق، فقال: أَمثلي يُستخلف بهذه الأيمان.
فقلت لَهُ لأسكّن غضَبه: أصلح اللَّه الأمير أن الَّذِي يُجري اللَّه عزّ وجلّ عَلَى يدَي الأمير من حقن الدِّماء وصلاح ذات البين يسهِّل مِثل هذا عَلَيْهِ.
قَالَ: أشهدْ عليَّ بما فِيهِ "، وكان المتولّي الكتاب إبراهيم بْن الجرَّاح
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بن عثمان، أن عُبَيْد بْن السَّريّ، قَالَ لابن عَبْد الحكَم: «اكتب لي كتابًا فِيهِ إيمان فِي أمر ابن طاهر» .
فقال: أصلح اللَّه الأمير، لسنا أصحاب وثائق وقاضي الأمير لَهُ عِلم بذلك، يعني: ابن الجرَّاح.
فأمره عُبَيْد، فكتب لَهُ ذَلكَ الكتاب، وكان سبَب سقوطه عند ابن طاهر
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن محمد بْن سلامة، قَالَ: حَدَّثَنَا عليّ بْن عمرو بْن خَالِد، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: " ما صحِبت أحدًا من القُضاة كإبراهيم بْن الجرَّاح، كُنت إذا علِمت لَهُ المحضر وقرأته عَلَيْهِ، أقام عنده ما شاء اللَّه أن يُقيم حتى ينظر فِيهِ، ويرى فِيهِ رأْيه، فإذا أراد أن يقضي بِهِ دفعه لي لأُنشئ منه سِجِلًّا، فأجِد فِي ظهره.
قَالَ أَبُو حنيفة كذي، وفي سطر، قَالَ ابن أَبِي لَيْلَى كذا، وفي سطر آخر كذا، وقال أَبُو يوسف كذا، وقال مالك: كذا، ثمَّ أَجِد عَلَى سطر منها عَلامةً لَهُ كالخِطَّة، فأعلم أن اختياره وقع عَلَى ذَلكَ القول، فأُنشئ السِّجِلّ عَلَيْهِ "
(1/309)

حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي عليّ بْن أحمد بْن سلامة، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: " كَانَ إبراهيم بْن الجرَّاح راكبًا فِي موكِب لَهُ فِيهِ جمع من الناس حتى بلغهم أَنَّهُ عُزل، فتفرَّقوا عَنْهُ فِي كل ناحية، فلم يبقَ منهم أحد.
فقال لغُلامه: ما بال الناس تفرّقوا؟ قَالَ: إنهم أُخبروا أن القاضي عُزل.
فقال: سُبحان اللَّه، ما كنت إلَّا فِي موكِب من ريح.
فولِيَها إبراهيم إلى أن أمره عبد الله بْن طاهر بالتوقّف عَن الحكم فِي ربيع الأوّل سنة إحدى عشرة ومائتين، ولِيَها خمس سنين وعشرة أشهُر، وجعل عبد الله بْن طاهر عَلَى المظالم عَطَّاف بْن غَزْوان، ثمَّ مات إبراهيم بالرَّمْلة سنة سبع عشرة ومائتين "

عيسى بْن المُنْكَدِر
ثمَّ ولِيَ القضاء بها عيسى بْن المُنْكَدِر من قِبَل عبد الله بْن طاهر، ولِيَها يوم الإثنين لعشر خلونَ من رجب سنة ثنتي عشرة ومائتين، وصرف عَطَّاف بْن غَزْوان عَن المظالم.
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بْن عثمان، قَالَ: سأَلت أَبَا يعقوب يوسف بْن يحيى البُويطيّ عَنْ سبب وِلاية ابن المُنْكَدِر القضاء، فقال: " أمر ابن طاهر بإِحضار أهل مِصر، فحضر الناس وكنت فيمن حضر، فدخلنا عَلَى ابن طاهر وعنده عبد الله بن عَبْد الحكَم.
فقال: إن جمعي لكم لِترتادوا لأنفُسكم قاضيًا.
فقال البُوَيطي: كَانَ أوّل من تكلَّم يحيى بْن عبد الله بْن بُكَير.
فقال: أيّها الأمير، ولِّ قضاءنا من رأَيت وجنبنا رجُليين تولِّ قضاءنا غريبًا ولا زرَّاعًا يعني بالغريب: إبراهيم بْن الجرَّاح "، قَالَ ابن عثمان: فأخبرني محمد بْن حمَّاد المدائنيّ.
قَالَ: فنهض إبراهيم بْن الجرّاح، وكان حاضرًا، فقال: أصلح اللَّه الأمير رجُل من أبناء الدولة الحُرمة.
فلم يستمع ابن طاهر إلى كلامه.
قَالَ البُوَيطيّ: ثمَّ تكلَّم أَبُو ضَمْرة الزُّهريّ، فقال: أصلح الأمير أصبغ بْن الفرَج الفقيه العالم.
وأصبغ حاضر المجلِس،
(1/310)

فعارض أَبَا ضَمْرة سَعِيد بْن كثير بْن عُفَير، فقال: أصلح اللَّه الأمير ما بال أبناء الصبَّاغين والمقامصة يُذكرون فِي المواضع التي لم يجعلهم اللَّه عزّ وجلّ لها أهلًا.
قَالَ البُويطيّ: فقام أصبغ، فأخذ بمجامع ثوب سَعِيد بْن عُفير، وقال لَهُ: أنت شيطان، ومن أَيْنَ علمت أني من أبناء الصباغين.
وارتفع الأمر بينهما حتى كادت أن تكون فِتنة.
فذكر عبد الله بْن عَبْد الحكَم عيسى بْن المُنْكَدِر، فأثنى عَلَيْهِ بخير، فقلَّده ابن طاهر
حدثنا محمد بن يوسف، قَالَ: أخبرني عليّ بْن أحمد بْن محمد بْن سلامة بْن أبيه، عَنْ يحيى بْن عثمان، عَن البُويطيّ، قَالَ: قَالَ سَعِيد بْن عُفَير، لعبد الله بْن عَبْد الحكَم فِي أصبغ: " لَيْسَ هذا الرجُل كما وصفت، هذا رجُل بَذيّ طويل اللسان.
وسجع سَعِيد بْن عُفَير فِي وصفه، فقام أَصبغ، فقال: إن الأمير أمر أن يحضر فِي مجلِسه الفُقَهاء وأهل العِلم لا الشُّعَراء ولا الكهَنة ".
فقال البويطي: أَنَا أذكر للأمير ستَّةً يجعل هذا الأمر فيمن رآه منهم.
قَالَ: من هُمْ؟ قلت: عبد الله بْن عَبْد الحكَم.
قَالَ: ومن؟ قلت: سَعِيد بْن هاشم.
قَالَ: ومن؟ قلت: عيسى بْن المُنْكَدِر، قَالَ: ومن؟ قلت: ابنا مَعْبَد.
قَالَ: ومن؟ قلت: جَعْفَر بْن هارون الكُوفيّ
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: أخبرني ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، قَالَ: قَالَ لي عمرو بْن سَوَّاد: قَالَ لي عبد الله بْن عَبْد الحكَم حِين تكلَّم أَبُو ضَمْرة فِي أَصبغ وقال: هُوَ الفقيه.
قَالَ لي: «ما منعك أن تكلّم أَبَا ضَمْرة وتردّ عَلَيْهِ، فما أنت بدُونه.
ولم يكن لابن عَبْد الحكَم فِي أَصبغ رأي، فولَّى عيسى بْن المُنْكَدِر، قَالَ ابن عَبْد الحكَم لابن طاهر أَنَّهُ مُقِلّ.
فأجرى عَلَيْهِ سبعة دنانير كل يوم، فجرت فِي القضاء إلى اليوم»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: أخبرني أَبُو سلَمة، والقاسم بْن حُبيش، وابن قُدَيد، عَنْ عبد الرحمن بْن عَبْد الحكَم، قَالَ: «وأجرى عبد الله بْن طاهر عَلَى عيسى بْن المُنْكَدِر أربعة
(1/311)

آلاف درهم فِي الشهر، وهو أوَّل قاضٍ أُجري عَلَيْهِ ذَلكَ، وأجازه بألف دينار»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ أَبِي الرَّقْراق، " أن عبد الله بْن عَبْد الحكَم سأَل ابن طاهر فِي ابن المُنْكَدِر، فأجازه بألف دينار، وأجرى عَلَيْهِ ما كَانَ مُطَّلِب، الخُزاعيّ أجراه عَلَى الفَضْل بْن غانم مائة وثلاثة وستّين دينارًا فِي كل شهر.
قَالَ: فكان أوَّل من كتب لَهُ إبراهيم بْن أَبِي أيُّوب، ثمَّ استكتب أَبَا الأَسْوَد النَّضْر بْن عَبْد الجبَّار المُراديّ، وداود بْن أَبِي طَيْبة.
قَالَ أَبُو الأَسْوَد: لا أكتب أو تنحّى عنك داود.
فلم ينجِّه وكان محتاجًا إِلَيْهِ، فانصرف أَبُو الأَسْوَد وثبت داود، وكان القائم بأمره كلّه سُلَيْمَان بْن بُرْد "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بْن أحمد بْن سلامة، قَالَ: أخبرني مِقْدام، قَالَ: «ما رأَيتُ أحدًا كَانَ أعلم بالقضاء وآلته من سُلَيْمَان بْن بُرْد ولم يضطرب حال ابن المُنْكَدِر حتى مات سُلَيْمَان سلخ سنة اثنتي عشرة ومائتين»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا إبراهيم بْن مطروح، عَنْ عيسى بْن لَهِيعة، قَالَ: «كَانَ سَعِيد بْن تلِيد عَلَى مسائل ابن المُنْكَدِر، ثمَّ ضمّ إِلَيْهِ عبد الله بن عَبْد الحكَم»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: أخبرني ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، «أن عيسى المُنْكَدِر جعل عبد الله بْن عَبْد الحكَم عَلَى مسائله، فأدخل فِي العَدالة من لا قدر لَهُ، ولا بيت فُلان الحائك، وفُلان البيَّاع، وفُلان المُسلِمانيّ برُمّته» .
قَالَ ابن عُفَير: فأُخبرتُ، أن أَبَا خليفة حُميد بْن هاشم الرُّعَيني لقِيَه، فقال لَهُ: با ابن عَبْد الحكَم، قد كَانَ هذا الأمر مستورًا، فهتكته وأدخلت فِي الشَّهادة مَن لَيْسَ لها أهلًا.
فقال لَهُ ابن عَبْد الحكَم: إن هذا الأمر دِين، وإِنَّما فعلت ما يجِب عليَّ.
فقال لَهُ أَبُو خليفة: أسأَلُ اللَّه أن لا يرفعك بالشَّهادة أنت ولا أحدًا من ولدك ".
قَالَ ابن قُدَيد: فكان الأمر عَلَى ذَلكَ لقد بلغ هُوَ وولَده بالبلَد ما لم يبلغه أحد ما قُبلت لأحد منهم شَهادة قطّ
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي محمد بْن محمد بْن الأشعَث، قَالَ: ذُكر عيسى بْن المُنْكَدِر، عند أَبِي شَرِيك المراديّ، وأنا حاضر، فقال: كَانَ رجُلًا صالحًا وكانت فِيهِ خَصلة
(1/312)

حسنة جميلة نافعة للمسلمين، لمَّا ولِيَ القضاء صيّر صاحب مسائل يسأَل لَهُ عَن الشهود، ثمَّ كَانَ يتنكَّر بالليل يغطِّي رأْسه، ويمشي فِي السِّكَك يسأَل عَن الشهود "، وقد رآه غير واحد من الثِّقات، وتحدَّثوا بذلك عَنْهُ
حَدَّثَنِي محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، أن قِمَطْر عيسى بْن المُنْكَدِر: «كَانَ يُرفع فِي حانوت فِي دار عمرو بْن خَالِد، ففسدت قضيَّة منها، فأَبى عمرو بْن خَالِد أن يُدخلها داره، فاكترى لها مَنزِلًا فِي دار عمرو بْن العاص إذا انصرف عيسى جُعلت فِيهِ وخُتم الباب»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي عمّي، وابن قُدَيد، قالا: أخبرنا أَبُو الرَّقْراق، قَالَ: حَدَّثَنِي محمد بْن عيسى بْن فُليح، قَالَ: " اختَصم رجُلان إلى عيسى بْن المُنْكَدِر وكان ربَّما جاءت منه خِفَّة فِي الحُكم، فقضى لأحدهما عَلَى صاحبه، فقال للمحكوم لَهُ: أَضجعْ خَصمك.
فأَضجعَه، فقلت فِي نفسي: تُرى يُريد ذبحه.
ثمَّ قَالَ لَهُ: قُمْ فاجعل رِجلك عَلَى خدّه تُذلّه بالحقّ.
قَالَ: فلمَّا خرجا، قلت لَهُ: أصلح اللَّه القاضي، خالفت الناس كلّهم فيما فعلت.
قَالَ: فلا أعود إِذَنْ "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو مَسْعُود عمرو بْن حفص، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: " خاصمت إلى عيسى بْن المُنْكَدِر فصال عَلَى خصمي ثمَّ قَالَ لي: ابصقْ فِي وجهه، فتوقفت، فقال والله لا حكمت لك أو تبصق فِي وجهه، قَالَ: ففعلت، فقال لَهُ: أذلّك الحقّ، قمّ فادفعْ إِلَيْهِ حقّه "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: أخبرني ابن قُدَيد، عَنْ أَبِي الرَّقْراق، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الحكَم بْن عبد الله بْن عَبْد الحكَم، أن أَبَاهُ " أرسله إلى ابن المُنْكَدِر برِسالة فِي شيء، فقال: لا والله لا فعلتُ.
فلمَّا خرج عَبْد الحكَم، قَالَ ابن المُنْكَدِر: وإنَّ أَبَاهُ يذلّ عليَّ كأَنَّه ألحقني بالمُنْكَدِر "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سلَمة أُسامة، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن عبد الرحمن بْن وَهب، قَالَ: سَمِعْتُ الشافعيّ، يَقُولُ لعيسى بْن المُنْكَدِر: «اشكر اللَّه وعائشة، فهي جعَلَتْ لكم قُرْطَيْن من ذهَب»
(1/313)