Advertisement

مآثر الإنافة في معالم الخلافة 001



الكتاب: مآثر الإنافة في معالم الخلافة
المؤلف: أحمد بن علي بن أحمد الفزاري القلقشندي ثم القاهري (المتوفى: 821هـ)
المحقق: عبد الستار أحمد فراج
الناشر: مطبعة حكومة الكويت - الكويت
الطبعة: الثانية، 1985
عدد الأجزاء: 13
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] ـ[مآثر الإنافة في معالم الخلافة]ـ
المؤلف: أحمد بن علي بن أحمد الفزاري القلقشندي ثم القاهري (المتوفى: 821هـ)
المحقق: عبد الستار أحمد فراج
الناشر: مطبعة حكومة الكويت - الكويت
الطبعة: الثانية، 1985
عدد الأجزاء: 13
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
(1/1)

وَمَا توفيقي الا بِاللَّه عَلَيْهِ توكلت))
الْحَمد لله الَّذِي جعل الْخلَافَة الداوودية بامامها الْأَعْظَم ثَابِتَة الْقَوَاعِد وَمد رواقها المعتضدى على كَافَّة الْأمة فأروى بصوب عهاده الْمعَاهد وصير بَيتهَا الْمَعْمُور كعبة للقصاد ومحرابها الامامي وجهة للمقاصد وَجمع لَهَا نعوت الْفضل فِي قرن (1) فناصرها الْمَنْصُور وطالعها الرشيد ومسترشدها المهتدى الى أرشد المراشد أَحْمَده على أَن رفع قدر الديار المصرية بِنَقْل الْخلَافَة المقدسة اليها وقدمها على سَائِر الممالك فأمست ومدارها فِي الْمُهِمَّات عَلَيْهَا وَأشْهد أَن لَا اله الا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة يتَجَاوَز فَضلهَا الْحَد ويتوارثها الْخلف عَن السّلف
(1/1)

فيرويها الابْن عَن الْأَب وَالْأَب عَن الْجد وَأشْهد أَن سيدنَا مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله أفضل نَبِي عَمت دَعوته أقاقى الْكَوْن على بعد الْمسَافَة وَبقيت معجزته على مر الزَّمَان حَيْثُ بشر عَمه الْعَبَّاس أَن ببنيه تختم الْخلَافَة صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَصَحبه الَّذين قلدوا أُمُور الْملَّة فحموا سرحها (1) وصانعوا وحملوا أعباء الشَّرِيعَة فَمَا ضعفوا عَن حملهَا وَمَا اسْتَكَانُوا صَلَاة يَدُوم فِي الْوُجُود حكمهَا وَلَا يَنْقَطِع على تعاقب الْأَيَّام رسمها
وَبعد فَلَمَّا كَانَت الْخلَافَة هِيَ حَظِيرَة الاسلام ومحيط دائرته ومربع رعاياه ومرتع سائمته بهَا يحفظ الدّين ويحمى وتصان بَيْضَة الاسلام وتسكن الدهما وتقام الْحُدُود فتمنع الْمَحَارِم عَن الانتهاك وَتحفظ الْفروج فتصان الْأَنْسَاب عَن الِاخْتِلَاط والاشتباك وتحصن الثغور فَلَا تطرق ويذاد عَن الْحرم فَلَا تقرع جنَّة جماها (2) وَلَا ترشق لَا سِيمَا الْخلَافَة العباسية الَّتِي هِيَ وَاسِطَة عقدهَا (2 ب) وخلاصة سبكها وخالص نقدها
(1/2)

وَغَايَة طلبَهَا وضالة نشدها وَكَانَت قد فوضت الى الديار المصرية خيامها فاستغنت بهَا عَن السوى وحطت بفنائها الأنيق رَحلهَا فَأَلْقَت عصاها وَاسْتقر بهَا النَّوَى وتفيأت ظلالها فجعلتها دَار الامامة وقبة الاسلام (1) فَكَانَ لَهَا بِالْبَيْتِ الحاكمى احمر عُقبى واستأثرت من بقاياه بِخَير أَئِمَّة فجرت أذيالها تيها وماست بأعطافها عجبا ثمَّ لم تزل تحث مطيتها وتعمل رويتها الى أَن أناخت بِفنَاء الامام الْأَعْظَم والخليفة الَّذِي ان كَانَ فِي الزَّمَان مُتَأَخِّرًا فَهُوَ فِي الْحَقِيقَة مقدم وَالسَّيِّد الَّذِي هُوَ من آبَائِهِ الْخُلَفَاء الرَّاشِدين خير خلف فَمن ولد المستكفى الْأَكفاء وَمن عقب الْحَاكِم الأحكم الامام المعتضد بِاللَّه أبي الْفَتْح دَاوُد أَمِير الْمُؤمنِينَ بن الامام المتَوَكل (2) على الله أبي عبد الله مُحَمَّد بن الامام المعتضد بِاللَّه أبي الْفَتْح أبي بكر أيد الله تَعَالَى بِهِ الدّين وأعز بأعلامه المنصورة عِصَابَة الْمُسلمين فأنست مآثره المعتضدية مَا عرف
(1/3)

للمعتضد الأول من المآثر وأربت على الْأَوَائِل مناقبه الجليلة حَتَّى قيل كم ترك الأول للْآخر وأشعرت بِالْفَتْح كنيته الشَّرِيفَة فخفقت بالنصر راياته السود وآذنت بِالْفَضْلِ خِلَافَته المعظمة وَلَا يُنكر فضل الْخلَافَة لداود
أَحْبَبْت أَن أخدم خزائنته الْعَالِيَة بتأليف فِي معالم الْخلَافَة يشْتَمل على دقائق حقائقها ويتكفل بِذكر لوازمها المستظرفة ولواحقها محليا لَهُ من جَوَاهِر المناقب المعتضدية بِمَا يَعْلُو بِهِ قدره وتغلو بِهِ قِيمَته ويرتفع بِهِ ذكره ليسير هَذَا التَّأْلِيف (3 أ) بانتسابه اليه فِي الْآفَاق سير الْمثل ويخلد بِذكر مناقبه الشَّرِيفَة ذكره على مر الدهور وتعاقب الدول وسميته ((مآثر الانافة فِي معالم الْخلَافَة)) اذ لم أكن من قبيل هَذَا الشَّأْن وَلَا من فرسَان هَذَا الميدان بل أَمِير الْمُؤمنِينَ أمتع الله الْوُجُود بِوُجُودِهِ بذلك أدرى وبمعرفته أَجْدَر وَأَحْرَى فَكنت فِي ذَلِك كناقل التَّمْر الى
(1/4)

هجر (1) والمقابل ببلالة الرشح زاخر الْبَحْر وهامع الْمَطَر وانما قصدت بذلك التَّقَرُّب الى خاطره الشريف وَالشُّكْر لما أسلف من بره التالد ونواله الطريف وَالله تَعَالَى يقرنه بِالْقبُولِ ويبسط بالممادح المعتضدية لِسَان مُؤَلفه فَيَقُول وَيطول
وَقد رتبته على مُقَدّمَة وَسَبْعَة أَبْوَاب وخاتمة
الْمُقدمَة
فِي معنى الْخلَافَة وَمن ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الْخَلِيفَة وَمن تكون عَنهُ الْخلَافَة وَكَيْفِيَّة النِّسْبَة الى الْخَلِيفَة وَمَا يَقع عَلَيْهِ من الكنية والألقاب
الْبَاب الأول
فِي وجوب عقد الامامة لم يقوم بهَا وَبَيَان شُرُوط الامامة الَّتِي لَا تصح بِدُونِهَا والطرق الَّتِي تَنْعَقِد بهَا وَمَا يلْزم الْخَلِيفَة للرعية وَمَا يلْزم الرّعية للخليفة وَمَا يَنْعَزِل بِهِ الْخَلِيفَة وَيخرج بِهِ عَن الامامة (1) فِي
(1/5)

6 - فِي ذكر من ولى الْخلَافَة من صدر الاسلام وهلم جرا الى زَمَاننَا (3 ب) وتفصيل حَال كل خَليفَة مِنْهُم وولاة اقطار الاسلام شرقا وغربا فِي زَمَانه والحوادث والماجريات الْوَاقِعَة فِي أَيَّامه وَبَيَان مقرات الْخلَافَة وَمَا انطوت عَلَيْهِ من الأقاليم وترتيب الْخلَافَة على مَا كَانَت عَلَيْهِ فِي الزَّمن الْقَدِيم وَذكر الْمَشَاهِير مِمَّن ادّعى الْخلَافَة فِي بعض الأقاليم وَبطلَان شُبْهَة دعاويهم
الْبَاب الثَّالِث
فِي ذكر مَا يكْتب للخلفاء من البيعات والعهود فِي الْقَدِيم والْحَدِيث
الْبَاب الرَّابِع
فِيمَا كَانَ يكْتب عَن الْخُلَفَاء من ولايات مُلُوك الأقاليم وأمرائها وولايات الوزراء والقضاة وَالْولَايَة على الصَّلَوَات ونقابة ذَوي الْأَنْسَاب وَغير ذَلِك من سَائِر الولايات الدِّينِيَّة والديوانية وَمَا يكْتب عَنْهُم الْآن
(1/6)

الْبَاب الْخَامِس
فِيمَا كَانَ يكْتب عَن الْخُلَفَاء فِي الاقطاعات وتحويل السنين والزام أهل الذِّمَّة الشَّرَائِط الازمة لهمز
الْبَاب السَّادِس
فِي المكاتبات الصادرة عَن الْخُلَفَاء وولاة الْعَهْد بالخلافة والكتب الصادرة عَن الْمُلُوك والوزراء وَنَحْوهم اليهم
الْبَاب السَّابِع فِي ذكر اوائل منسوبة الى الْخُلَفَاء وغرائب وملح وأعاجيب تتَعَلَّق بهم
الخاتمة (14) فِي ذكر طرف من مَنَاقِب الامام الْأَعْظَم المعتضد بِاللَّه خَليفَة الْعَصْر الْمَوْضُوع لَهُ هَذَا الْكتاب
وَهَذَا بسط هَذِه التَّرْجَمَة وتفصيلها وَهَذَا بسط هَذِه التَّرْجَمَة وتفصيلها
(1/7)

مُقَدّمَة
فِي معنى الْخلَافَة وَمن ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الْخَلِيفَة وَمن تكون عَنهُ الْخلَافَة وَكَيْفِيَّة النِّسْبَة إِلَى الْخَلِيفَة وَمَا يَقع عَلَيْهِ من الكنية والألقاب وَفِيه فصلان
الْفَصْل الأول
فِي معنى الْخلَافَة وَمن ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الْخَلِيفَة وَمن كَون عَنهُ الْخلَافَة وَكَيْفِيَّة النِّسْبَة إِلَى الْخَلِيفَة
أما الْخلَافَة فَهِيَ فِي الأَصْل مصدر خلف يُقَال خَلفه فِي قومه يخلفه خلَافَة فَهُوَ خَليفَة وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُون اخلفني فِي قومِي} ثمَّ اطلق فِي الْعرف الْعَام على الزعامة الْعُظْمَى وَهِي الْولَايَة الْعَامَّة على كَافَّة الْأمة وَالْقِيَام بأمورها والنهوض
(1/8)

بأعبائها والخليفي بِكَسْر الْخَاء وَتَشْديد اللَّام الْمَكْسُورَة لُغَة فِي الْخلَافَة حَكَاهَا الْجَوْهَرِي وَغَيره قَالَ ابْن الْأَثِير فِي نهايته فِي غَرِيب الحَدِيث وَهُوَ من المصادر الدَّالَّة على معنى الْكَثْرَة وَمِنْه قَول أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ لَو أُطِيق الْأَذَان مَعَ الخليفي لأذنت يُرِيد أَنه مشتغل عَن الْأَذَان بِكَثْرَة اجْتِهَاده فِي ضبط أُمُور الْخلَافَة وتصريف أعنتها وَقد (4 ب) اخْتلف فِي لفظ الْخَلِيفَة
فَقيل هُوَ فعيل بِمَعْنى مفعول كجريح بِمَعْنى مَجْرُوح وقتيل بِمَعْنى مقتول وَيكون الْمَعْنى أَنه يخلفه من بعده وَعَلِيهِ حمل قَوْله تَعَالَى فِي حق آدم عَلَيْهِ السَّلَام {إِنِّي جَاعل فِي الأَرْض خَليفَة} على قَول من قَالَ إِن آدم أول من عمر الأَرْض وَخَلفه فِيهَا بنوه بعده
(1/9)

وَقيل هُوَ فعيل بِمَعْنى فَاعل كعليم بِمَعْنى عَالم وقدير بِمَعْنى قَادر وَيكون الْمَعْنى فِيهِ أَنه يخلف من بعده وَعَلِيهِ حمل الْآيَة السَّابِقَة وَهِي قَوْله تَعَالَى {إِنِّي جَاعل فِي الأَرْض خَليفَة} من قَالَ إِنَّه كَانَ قبل آدم فِي الأَرْض الْجِنّ أَو الْمَلَائِكَة وَإنَّهُ خَلفهم فِيهَا وَاخْتَارَهُ أَبُو جَعْفَر النّحاس فِي كِتَابه صناعَة الْكتاب وَعَلِيهِ اقْتصر الماوردى فِي الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة قَالَ النّحاس وَعَلِيهِ خُوطِبَ أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ بخليفة رَسُول الله وعَلى ذَلِك ينطبق كَلَام البغوى فِي شرح السّنة حَيْثُ سمى خَليفَة لِأَنَّهُ خلف الْمَاضِي قبله ثمَّ قَالَ النّحاس وَإِطْلَاق الْخَلِيفَة على أَمِير الْمُؤمنِينَ يحْتَمل الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا
وَاخْتلف فِي الْهَاء فِي آخِره فَقيل أدخلت فِيهِ للْمُبَالَغَة كَمَا أدخلت فِي رجل داهية للكثير الدهاء
(1/10)

وَرِوَايَة للكثير الرِّوَايَة وعلامة للكثير الْعلم وَهُوَ قَول الْفراء وَاسْتَحْسنهُ النّحاس نَاقِلا لَهُ عَن أَكثر النَّحْوِيين وَنقل عَن عَليّ بن سُلَيْمَان تخطئته احتجاجا بِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ التَّأْنِيث فِيهِ حَقِيقِيًّا وَلَيْسَ كَذَلِك وَقيل الْهَاء فِيهِ لتأنيث الصِّيغَة قَالَ النّحاس وَرُبمَا أسقطوا الْهَاء مِنْهُ وأضافوا فَقَالُوا فلَان خليف فلَان يعنون خليفه
ثمَّ الأَصْل فِيهِ التَّذْكِير نظرا للمعنى لِأَن المُرَاد بالخليفة رجل وَهُوَ يذكر فَتَقول أَمر الْخَلِيفَة بِكَذَا على التَّذْكِير وَأَجَازَ الْكُوفِيُّونَ فِيهِ التَّأْنِيث على اللَّفْظ (15) فَيُقَال أمرت الْخَلِيفَة بِكَذَا وَأنْشد الْفراء ... أَبوك خَليفَة وَلدته أُخْرَى ... وَأَنت خَليفَة ذَاك الْكَمَال ...

وَمنع البصريون ذَلِك محتجين بِأَنَّهُ لَو جَازَ ذَلِك لجَاز قَالَت طَلْحَة فِي رجل اسْمه طَلْحَة وَهُوَ مُمْتَنع قَالَ النّحاس فَإِن ظهر اسْم الْخَلِيفَة تعين
(1/11)

التَّذْكِير بِاتِّفَاق فَتَقول قَالَ الراضي الْخَلِيفَة وَنَحْو ذَلِك
وَيجمع الْخَلِيفَة على خلفاء على معنى التَّذْكِير دون اللَّفْظ كَمَا فِي جمع كريم على كرماء وظريف على ظرفاء وَعَلِيهِ ورد قَوْله تَعَالَى {واذْكُرُوا إِذْ جعلكُمْ خلفاء من بعد قوم نوح} وَيجمع ايضا على خلائف حملا على تَأْنِيث اللَّفْظ كَمَا تجمع صحيفَة على صَحَائِف وَعَلِيهِ جَاءَ قَوْله تَعَالَى {وَهُوَ الَّذِي جعلكُمْ خلائف الأَرْض} قَالَ النّحاس وَيجوز أَن يجمع على خلاف ككريم وكرام لِأَن الْهَاء زَائِدَة
وَأما من ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الْخَلِيفَة فقد ذهب جمَاعَة من أَئِمَّة السّلف مِنْهُم أَحْمد بن حَنْبَل رَحمَه الله إِلَى كَرَاهَة إِطْلَاق اسْم الْخَلِيفَة على من بعد الْحسن بن على رَضِي الله عَنْهُمَا فِيمَا حَكَاهُ النّحاس وَغَيره محتجين بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث سفينة أَن رَسُول الله صلى الله عَنهُ وَسلم قَالَ
(1/12)

الْخلَافَة فِي أمتِي ثَلَاثُونَ سنة ثمَّ ملك بعد ذَلِك قَالَ سعيد بن جهمان ثمَّ قَالَ لى سفينة أمسك خلَافَة أبي بكر وَخِلَافَة عمر وَخِلَافَة عُثْمَان ثمَّ قَالَ أمسك خلَافَة عَليّ وَخِلَافَة الْحسن فَوَجَدْنَاهَا ثَلَاثِينَ سنة قَالَ سعيد فَقلت لَهُ إِن بني أُميَّة يَزْعمُونَ أَن الْخلَافَة فيهم قَالَ كذب بَنو الزَّرْقَاء هم مُلُوك من شَرّ الْمُلُوك
وَالَّذِي عَلَيْهِ الْعرف الْمشَاع من صدر الْإِسْلَام وهلم جرا إِطْلَاق اسْم الْخَلِيفَة على كل (5 ب) من قَامَ بِأَمْر الْمُسلمين الْقيام الْعَام على مَا تقدم إِمَّا بِبيعِهِ من أهل الْحل وَالْعقد وَإِمَّا بِعَهْد مِمَّن قبله على مَا سَيَأْتِي ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى إِلَّا أَن بعض السّلف قد خصص ذَلِك بِمَا إِذا كَانَ الإِمَام جَارِيا على منهاج الْعدْل وَطَرِيق الْحق فقد روى أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ سَأَلَ طَلْحَة وَالزُّبَيْر وكعبا وسلمان عَن الْفرق بَين الْخَلِيفَة وَالْملك فَقَالَ طَلْحَة وَالزُّبَيْر لَا ندرى فَقَالَ سلمَان الْخَلِيفَة الَّذِي يعدل فِي الرّعية وَيقسم بَينهم بِالسَّوِيَّةِ ويشفق عَلَيْهِم شَفَقَة الرجل على أَهله وَالْوَالِد على وَلَده وَيقْضى بَينهم بِكِتَاب الله تَعَالَى فَقَالَ كَعْب مَا كنت
(1/13)

أَحسب أَن فِي هَذَا الْمجْلس من يفرق بَين الْخَلِيفَة الْملك وَلَكِن الله تَعَالَى ألهم سلمَان حكما وعلما وعَلى ذَلِك يحمل مَا روى أَن أَعْرَابِيًا قَالَ لأبي بكر رَضِي الله عَنهُ أَنْت خَليفَة رَسُول الله صلى الله عَنهُ وَسلم قَالَ لَا قَالَ فَمَا أَنْت قَالَ أَنا الخالفة بعده قَالَ ابْن الْأَثِير قَالَ ذَلِك تواضعا وهضما من نَفسه حِين قَالَ لَهُ أَنْت خَليفَة رَسُول الله صلى الله عَنهُ وَسلم أَي أَن الْخَلِيفَة هُوَ الَّذِي يقوم مقَام الذَّاهِب ويسد مسده والخالفة هُوَ الَّذِي يقوم مقَام الذَّاهِب ويسد مسده والخالفة هُوَ الَّذِي لَا غناء عِنْده وَلَا خير فِيهِ على أَن البغوى قَالَ فِي شرح السّنة إِنَّه يُسمى خَليفَة وَإِن كَانَ مُخَالفا لسيرة أهل الْعدْل
وَأما من تكون عَنهُ الْخلَافَة فللعلماء فِيهِ ثَلَاثَة مَذَاهِب
الْمَذْهَب الأول أَن الْخلَافَة تكون عَن الله تَعَالَى فَيُقَال فِي الْخَلِيفَة خَليفَة الله وَهُوَ مَا حَكَاهُ الماوردى فِي الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة عَن بَعضهم لقِيَامه بحقوقه
(1/14)

تَعَالَى فِي خلقه احتجاجا بقوله تَعَالَى {وَهُوَ الَّذِي جعلكُمْ خلائف الأَرْض} ثمَّ قَالَ وَامْتنع جُمْهُور الْفُقَهَاء من ذَلِك زنسبوا قَائِله إِلَى التَّجَوُّز محتجين بِأَنَّهُ إِنَّمَا (16) يسْتَخْلف من يغيب أَو يَمُوت وَذكر الشَّيْخ مُحي الدّين النووى رَحمَه الله فِي كِتَابه الْأَذْكَار نَحوه وَقَالَ يَنْبَغِي أَن لَا يُقَال للقائم بِأَمْر الْمُسلمين خَليفَة الله وَيُؤَيّد ذَلِك مَا حُكيَ أَنه قيل لأبي بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ يَا خَليفَة الله فَقَالَ لست بخليفة الله وَلَكِنِّي خَليفَة رَسُول الله صلى الله عَنهُ وَسلم وَقَالَ رجل لعمر بن عبد الْعَزِيز يَا خَليفَة الله فَقَالَ وَيلك لقد تناولت متناولا بَعيدا إِن أُمِّي سمتني عمر فَلَو دعوتني بِهَذَا الِاسْم قبلت ثمَّ وليتموني أُمُوركُم فسميتموني أَمِير الْمُؤمنِينَ فَلَو دعوتني بذلك كَفاك وَأَجَازَ البغوى ذَلِك فِي حق آدم وَدَاوُد عَلَيْهِمَا السَّلَام دون غَيرهمَا محتجا
(1/15)

بقوله تَعَالَى فِي حق آدم {إِنِّي جَاعل فِي الأَرْض خَليفَة} وَبِقَوْلِهِ فِي حق دَاوُد {يَا دَاوُد إِنَّا جعلناك خَليفَة فِي الأَرْض} قَالَ وَلَا يُسمى أحد خَليفَة الله بعدهمَا
وَأَجَازَ الزمخشريفي تَفْسِيره ذَلِك فِي سَائِر الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام
الْمَذْهَب الثَّانِي أَن الْخلَافَة تكون عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَيُقَال فِيهِ خَليفَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَنَّهُ خَلفه فِي أمته وَعَلِيهِ ينطبق كَلَام الماوردى فِي الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة والنحاس فِي صناعَة الْكتاب وعَلى ذَلِك خُوطِبَ أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ بخليفة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد تقدم فِي الْمَذْهَب الأول انه لما قيل لَهُ يَا خَليفَة الله قَالَ لست بخليفة الله وَلَكِنِّي خَليفَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعَلى ذَلِك ينطبق كَلَام البغوى فِي شرح السّنة
(1/16)

حَيْثُ قَالَ الْخَلِيفَة وَخَلِيفَة رَسُول الله وَتَبعهُ النووى على ذَلِك فِي الرَّوْضَة
الْمَذْهَب الثَّالِث أَن الْخلَافَة قد تكون عَن الْخَلِيفَة قبل ذَلِك الْخَلِيفَة فَيُقَال فلَان خَليفَة فلَان وَاحِد بعد وَاحِد حَتَّى ينتهى إِلَى أبي بكر رَضِي الله عَنهُ (6 ب) فَيُقَال فِيهِ خَليفَة رَسُول الله صلى الله علية وَسلم وعَلى ذَلِك خُوطِبَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ فِي أول أمره بخليفة (خَليفَة) رَسُول الله
وَأما كَيْفيَّة النِّسْبَة إِلَى الْخَلِيفَة
فَإِنَّهُ يُقَال خَلْفي بِفَتْح الْخَاء وَاللَّام كَمَا ينْسب إِلَى حنيفَة حنيفي وَقَول الْعَامَّة دِرْهَم خليفتي وَنَحْوه خطأ إِذْ قَاعِدَة النّسَب أَن يحذف من الْمَنْسُوب إِلَيْهِ الْيَاء وتاء التَّأْنِيث على مَا هُوَ مُقَرر فِي كتب النَّحْو
الْفَصْل الثَّانِي
فِيمَا يَقع على الْخَلِيفَة من الكنية والألقاب
أما مَا يَقع على الْخَلِيفَة من الكنية فَلم تزل الكنى
(1/17)

جَارِيَة على الْخُلَفَاء من بَدْء الْخلَافَة وهلم جرا جَريا فِي ذَلِك على عَادَة الْعَرَب فِي الاهتمام بشأن الكنية والاعتناء بأمرها والتعظيم بوصفها فَكَانَت كنية الصّديق رَضِي الله عَنهُ أَبَا بكر وكنية عمر بن الْخطاب رضى الله عَنهُ أَبَا حَفْص وكنية عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ أَبَا عَمْرو وكنية عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ أَبَا الْحسن وَاسْتمرّ الْأَمر فيهم على ذَلِك إِلَى زَمَاننَا بل رُبمَا لَزِمت الكنية أحدهم حَتَّى لم تكد تُفَارِقهُ كَأبي الْعَبَّاس السفاح وَأبي جَعْفَر الْمَنْصُور وَغَيرهمَا وَقد قَالَ النووى فِي الْأَذْكَار وَالْأَدب أَن يُخَاطب أهل الْفضل وَمن قاربهم بالكنية وَكَذَلِكَ إِن كتب إِلَى أحد مِنْهُم رِسَالَة أَو روى عَنهُ رِوَايَة وَقد كَانَ الأول أَكثر مَا يعظم بَعضهم بَعْضًا فِي المخاطبات والمكاتبات وَنَحْوهَا بالكنى ويرون ذَلِك فِي غَايَة الرّفْعَة وَنِهَايَة التَّعْظِيم وَمِمَّا يجب التَّنْبِيه عَلَيْهِ هُنَا أَنه إِذا كَانَ (7 ا) للرجل ولد وَاحِد كنى بِهِ بِلَا نزاع فَإِن كَانَ لَهُ ولدان فَأكْثر كنى بأكبرهم فقد كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يكنى أَبَا الْقَاسِم وَكَانَ الْقَاسِم أكبر بنيه
(1/18)

وَفِي سنَن أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ عَن شُرَيْح الْحَارِثِيّ عَن أَبِيه أَنه وَفد على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ قومه فسمعهم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يكنونه بِأبي الحكم فَدَعَاهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ إِن الله هُوَ الحكم فَلم تكنى أَبَا الحكم فَقَالَ إِن قومِي اخْتلفُوا فِي شَيْء فأتوني فحكمت بَينهم فرضى كلا الْفَرِيقَيْنِ فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا احسن هَذَا فَمَا لَك من الْوَلَد قَالَ شُرَيْح وَمُسلم وَعبد الله قَالَ فَمن أكبرهم قَالَ شُرَيْح قَالَ أَنْت أَبُو شُرَيْح
قَالَ النووى فَلَو تكنى بِغَيْر أَوْلَاده فَلَا بَأْس فَلَو لم يكن لَهُ ولد أصلا بِأَن لم يُولد لَهُ فَإِنَّهُ يجوز تكنيته حَتَّى الصَّغِير قَالَ وَقد كَانَ تكنى جمَاعَة من الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم قبل أَن يُولد لَهُم كأبى هُرَيْرَة وخلائق لَا يُحصونَ من التَّابِعين قَالَ وَلَا كَرَاهِيَة فِيهِ بل هُوَ مَحْبُوب بِشَرْطِهِ ثمَّ قد
(1/19)

يكون للرجل كنيتان فَأكْثر فقد كَانَ لأمير الْمُؤمنِينَ عُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله عَنهُ ثَلَاث كنى أَبُو عمر وَأَبُو عبد الله وَأَبُو ليلى
وَأما مَا يَقع على الْخَلِيفَة من الألقاب فَأَرْبَعَة ألقاب
اللقب الأول عبد الله وَأول من تلقب بذلك من الْخُلَفَاء أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب رضى الله عَنهُ فَكَانَ يكْتب فِي كتبه الصادرة عَنهُ من عبد الله عمر أَمِير الْمُؤمنِينَ وَتَبعهُ من بعده من الْخُلَفَاء على ذَلِك ولزموه حَتَّى أَن الْمَأْمُون كَانَ اسْمه عبد الله فَكَانَ يُكَرر فِي كتبه وعهوده لفظ عبد الله مرَّتَيْنِ الأولى مِنْهُمَا اللقب وَالثَّانيَِة الِاسْم الْخَاص فَكَانَ يكْتب فِي كتبه من عبد الله عبد الله بن هَارُون وَفِي العهود هَذَا مَا عهد (7 ب) عبد الله عبد الله بن هَارُون
قلت ثمَّ أحدث الْخُلَفَاء الفاطميون بالديار المصرية أَيَّام قيامهم بهَا بعد ذَلِك ووليه فَكَانَ يكْتب فِي كتب خلفائهم من عبد الله ووليه فلَان أَمِير الْمُؤمنِينَ حَتَّى كَانَ
(1/20)

العاضد آخر خلفائهم بهَا وَكَانَ اسْمه عبد الله فَكَانَ يكْتب عَنهُ من عبد الله ووليه عبد الله إِلَى آخِره ثمَّ تَبِعَهُمْ على ذَلِك خلفاء بني الْعَبَّاس بالديار المصرية أَيْضا بعد تحول الْخلَافَة من بَغْدَاد إِلَى مصر وَالْأَمر بَاقٍ على ذَلِك إِلَى الْآن
اللقب الثَّانِي الإِمَام وَهُوَ من الألقاب المستجدة للخليفة فِي أثْنَاء الدولة العباسية بالعراق وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَن الشِّيعَة كَانُوا يعبرون عَمَّن يقوم بأمرهم بِالْإِمَامِ من حَيْثُ إِن الإِمَام فِي اللُّغَة هُوَ الَّذِي يَقْتَدِي بِهِ وَهُوَ بأئمتهم مقتدون وَعند أَقْوَالهم وأفعالهم واقفون لاعتقادهم فيهم الْعِصْمَة وَكَانَ إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس قد تلقب حِين أخذت لَهُ الْبيعَة بالخلافة بِالْإِمَامِ نسجا على هَذَا المنوال وَبَقِي فِي خلفاء بني الْعَبَّاس إِلَى الأن
اللقب الثَّالِث لقب الْخلَافَة الْخَاص بهَا كالمنصور وَالْهَادِي والرشيد والمأمون والمعتصم بِاللَّه والمتوكل على الله وَنَحْو ذَلِك على مَا سَيَأْتِي ذكره فِي تراجمهم
(1/21)

إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَقد كَانَ الْخُلَفَاء الراشدون من الصَّحَابَة رضى الله عَنْهُم بمعزل عَن هَذِه الألقاب وَاخْتلف فِي بنى أُميَّة هَل كَانَ لَهُم ألقاب نَحْو ذَلِك فَذكر القضاعى فِي عُيُون المعارف فِي أَخْبَار الخلائف أَن خلفاء بنى أُميَّة لم يتلقب أحد مِنْهُم بألقاب الْخلَافَة وَإِنَّمَا ابتدىء ذَلِك فِي الدولة العباسية وَحكى ابْن حزم فِي بعض مصنفاته أَن خلفاء بنى أُميَّة تلقب مِنْهُم جمَاعَة بألقاب الخ 4 لافة وَأَن أول من تلقب مِنْهُم بألقاب الْخلَافَة مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان (18) وَأَن لقبه كَانَ النَّاصِر لحق الله ثمَّ تبعه بَاقِي خلفاء بنى أُميَّة على التلقيب على مَا سَيَأْتِي فِي تراجمهم إِن شَاءَ الله تَعَالَى قَالَ ابْن حزم وَلَيْسَ بِصَحِيح
أما خلفاء بنى الْعَبَّاس فَلَا نزاع فِي جَرَيَان ألقاب الْخلَافَة عَلَيْهِم من بَدْء أَمرهم وَإِلَى آخر وَقت وَقد اخْتلف فِي لقب أبي الْعَبَّاس السفاح أول خلفائهم فَقيل الْقَائِم وَقيل المهدى المرتضى ثمَّ تلقب أَخُوهُ أَبُو جَعْفَر بعده بالمنصور واستمرت الألقاب جَارِيَة
(1/22)

على خلفائهم كَذَلِك إِلَى أَن ولى الْخلَافَة أَبُو إِسْحَاق مُحَمَّد ابْن الرشيد بعد أَخِيه الْمَأْمُون فتلقب المعتصم بِاللَّه فَكَانَ أول من أضيف فِي لقبه اسْم الله تَعَالَى وَجرى الْأَمر على ذَلِك فِيمَن بعده من الْخُلَفَاء كالواثق بِاللَّه والمتوكل على الله والطائع لله والقائم بِأَمْر الله والناصر لدين الله وَمَا أشبه ذَلِك
قلت وَكَانَ من عَادَتهم أَنه لَا يتلقب خَليفَة بلقب خَليفَة قبله بل يقتضب لكل خَليفَة لقب يَخُصُّهُ إِلَى أَن صَارَت الْخلَافَة إِلَى الديار المصرية بعد انقراضها من بَغْدَاد بقتل التتر المستعصم على مَا سَيَأْتِي ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى فترادفوا على الألقاب السَّابِقَة متواردين على ألقاب من سلف من الْخُلَفَاء فتلقب أَبُو الْقَاسِم أَحْمد بن الظَّاهِر بِأَمْر الله أول خافائهم بهَا بالمستنصر بِاللَّه وَهُوَ لقب أَخِيه الْمُسْتَنْصر بِاللَّه بن الظَّاهِر من خلفاء الْعرَاق وتلقب بعده أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن حُسَيْن ثَانِي خلفائهم بالحاكم بِأَمْر الله وَهُوَ لقب أبي عَليّ الْمَنْصُور بن الْعَزِيز
(1/23)

ثَالِث خلفاء الفاطميين بالديار المصرية ثمَّ لم يزَالُوا على اقتفاء آثَار الْخُلَفَاء قبلهم إِلَى الإِمَام الْأَعْظَم المعتضد بِاللَّه أبي الْفَتْح دَاوُد خَليفَة الْعَصْر فتوارد لقبه مَعَ لقب خليفتين قبله وهما المعتضد بِاللَّه أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد ابْن الْمُوفق طَلْحَة بن المتَوَكل على الله (8 ب) جَعْفَر السَّابِع عشر من خلفائهم بالعراق والمعتضد بِاللَّه أَبُو الْفَتْح أَبُو بكر بن المستكفي بِاللَّه أبي الرّبيع سُلَيْمَان من خلفائهم بِمصْر وَهُوَ جد الإِمَام المعتضصد بِاللَّه لِأَبِيهِ وَلم يتوارد أحد من الْخُلَفَاء قبله مَعَ غَيره من الْخُلَفَاء العباسيين على لقب ثَلَاث مَرَّات سواهُ
وَاعْلَم أَن كثير مِمَّن ادّعى الْخلَافَة فِي بعض الأقاليم كالخلفاء الفاطميين بالمغرب وبالديار المصرية وخلفاء بنى أُميَّة بالأندلس قد مَشوا على نهج خلفاء بنى الْعَبَّاس فِي الألقاب فتلقب أَبُو مُحَمَّد عبيد الله أول خلفاء الفاطميين بالمغرب المهدى ثمَّ تلقب بنوه من بعده بالمغرب والديار المصرية بألقاب الْخلَافَة الْمُضَاف فِيهَا اسْم الله كالقائم بِأَمْر الله والمنصور بِاللَّه إِلَى أَن كَانَ آخِرهم العاضد لدين الله
(1/24)

وَجرى خلفاء بنى أُميَّة بالأندلس فِي أول أَمرهم على قَاعِدَة خلافتهم الأولى من عدم التلقيب من لدن أَوَّلهمْ عبد الرَّحْمَن الدَّاخِل إِلَى أَن ولى مِنْهُم عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالمقتول وَهُوَ الثَّالِث عشر من خلفائهم بالأندلس فتلقب بالناصر بعد أَن مضى فِي خِلَافَته تسع وَعِشْرُونَ سنة وَتَبعهُ من بعده مِنْهُم على ذَلِك إِلَى أَن ولى عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبد الْملك بن النَّاصِر عبد الرَّحْمَن الْمُقدم ذكره فتلقب بالمرتضى بِاللَّه وَهُوَ أول من أضيف فِي لقبه مِنْهُم اسْم الله تَعَالَى مضاهاة لخلفاء بنى الْعَبَّاس فِي ذَلِك وَجرى من بعده من خلفائهم على مثل ذَلِك إِلَى ان كَانَ آخِرهم هِشَام بن مُحَمَّد فتلقب بالمعتد بِاللَّه وبزواله فِي سنة ثَمَان وَعشْرين وَأَرْبع مائَة انقرضت خلافتهم من الأندلس ثمَّ تَبِعَهُمْ على ذَلِك مُلُوك الطوائف من بنى هود وَغَيرهم فتلقبوا بألقاب الْخُلَفَاء وَكَذَلِكَ الموحدون بِبِلَاد الْمغرب فتلقب إمَامهمْ مُحَمَّد بن تومرت بالمهدى وَتَبعهُ أَتْبَاعه على ذَلِك (9 أ) فتلقبوا بألقاب الْخُلَفَاء إِلَى أَن كَانَ الْأَمِير مِنْهُم فِي عقب أبي حَفْص
(1/25)

أحد الْعشْرَة أَصْحَاب ابْن تومرت الْمَذْكُور فنسجوا على منوالهم فِي ذَلِك إِلَى أَن كَانَ مِنْهُم أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي زَكَرِيَّا يحيى فتلقب بالمنتصر بِاللَّه فَكَانَ أول من أضيف فِي لقبه اسْم الله مِنْهُم وَتَبعهُ من بعده على ذَلِك إِلَى زَمَاننَا
قلت وَهَؤُلَاء جَمِيعهم على منوال بني الْعَبَّاس ناسجون وعَلى آثَارهم مقتفون
وَأَيْنَ الثريا من يَد المتناول
اللقب الرَّابِع أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأول من لقب بِهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب رضى الله عَنهُ فِي اثناء خِلَافَته وَكَانُوا قبل ذَلِك يدعونَ أَبَا بكر رَضِي الله عَنهُ فِي خِلَافَته بخليفة رَسُول الله صلى اله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ دعوا عمر بعده فِي أول خِلَافَته بخليفة خَليفَة رَسُول الله
وَاخْتلف فِي أصل تلقيبه بذلك فروى أَبُو جَعْفَر النّحاس فِي كِتَابه صناعَة الْكتاب بِسَنَدِهِ إِلَى أبي
(1/26)

وبرة أَن أَبَا بكر رضى الله عَنهُ كَانَ يجلد فِي الشَّرَاب أَرْبَعِينَ فَجئْت عمر رَضِي الله عَنهُ فَقلت ياأمير الْمُؤمنِينَ إِن خَالِدا بَعَثَنِي إِلَيْك قَالَ فيمَ قلت إِن النَّاس قد تخافوا الْعقُوبَة وانهمكوا فِي الْخمر فَمَا ترى فِي ذَلِك فَقَالَ عمر لمن حوله مَا ترَوْنَ فَقَالَ على نرى ياأمير الْمُؤمنِينَ ثَمَانِينَ جلدَة فَقبل ذَلِك عمر فَكَانَ أَبُو وبرة ثمَّ على بن أبي طَالب أول من لقبه بذلك وَذكر أَبُو هِلَال العسكري فِي كِتَابه الْأَوَائِل أَن أصل ذَلِك أَن عمر رَضِي الله عَنهُ بعث إِلَى عاملة بالعراق أَن يبْعَث إِلَيْهِ لبيد بن ربيعَة وعدي بن حَاتِم فَلَمَّا وصلا الْمَدِينَة دخلا الْمَسْجِد فوجدا عَمْرو بن الْعَاصِ فَقَالَا لَهُ اسْتَأْذن لنا على أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ لَهما عَمْرو أَنْتُمَا وَالله أصبْتُمَا اسْمه ثمَّ دخل (9 ب) على عمر فَقَالَ السَّلَام عَلَيْك ياأمير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ مَا بدا لَك يَابْنَ الْعَاصِ لتخْرجن من هَذَا القَوْل فَقص عَلَيْهِ الْقِصَّة فأقره على ذَلِك فَكَانَ ذَلِك أول تلقيبه بأمير الْمُؤمنِينَ
(1/27)

قلت وَلزِمَ هَذَا اللقب من ولي الْخلَافَة بعده إِلَى الأن خلا خلفاء بني أُميَّة بالأندلس فَإِنَّهُم كَانُوا يخاطبون بالإمارة فَقَط إِلَى أَن ولى مِنْهُم عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالمقتول الْمُقدم ذكره فتلقب بأمير الْمُؤمنِينَ وَاسْتمرّ ذَلِك فيهم إِلَى حِين انقراضهم وملوك الحفصيين من بقايا الْمُوَحِّدين بإفريقية يخاطبون فِي بِلَادهمْ بأمير الْمُؤمنِينَ إِلَى الْآن وَترد كتبهمْ على مُلُوك الديار المصرية متضمنة لذَلِك
أما مُلُوك الغرب الْأَقْصَى الْآن من بني مرين فَإِنَّهُم يخاطبون بأمير الْمُسلمين جَريا على مَا اسْتَقر عَلَيْهِ أَمر تِلْكَ الْبِلَاد من التلقيب بذلك من حِين أحدث هَذَا اللقب أَمِير الْمُسلمين يُوسُف بن تاشفين فِي دولة الملثمين من لمتونة من البربر
الْبَاب الأول
بعد الْمُقدمَة فِي وجوب الْإِمَامَة لمن يقوم بهَا وَبَيَان
(1/28)

شُرُوط الْإِمَامَة الَّتِي لَا تصح دونهَا والطرق الَّتِي تَنْعَقِد بهَا وَمَا يلْزم الْخَلِيفَة للرعبة وَمَا يلْزم الرّعية للخليفة وَمَا يَنْعَزِل بِهِ الْخَلِيفَة وَيخرج بِهِ عَن الْإِمَامَة وَفِيه سِتَّة فُصُول
الْفَصْل الأول
وَفِي وجوب عقد الْإِمَامَة لمن يقوم بهَا قَالَ المادوري وعقدها لمن يقوم وَاجِب بِالْإِجْمَاع وَإِن شَذَّ عَنهُ الْأَصَم يَعْنِي حَيْثُ لم يقل (10 أ) بِوُجُوب ذَلِك مُشِيرا بذلك إِلَى أَنه لَو ندر الْمُخَالف مَعَ كَثْرَة المجمعين لم تَنْقَطِع حجية الْإِجْمَاع كَمَا هُوَ الرَّاجِح فِي كتب أصُول الْفِقْه
وَقد اخْتلف فِي أصل وُجُوبهَا فَذهب قوم إِلَى أَن وُجُوبهَا ثَابت بِالْعقلِ لما فِي طباع الْعُقَلَاء من التَّسْلِيم لزعيم يمنعهُم من التظالم ويفصل بَينهم عِنْد التَّنَازُع وَلَوْلَا ذَلِك لكانوا فوضى مهملين وَقد قَالَ الأفوه
(1/29)

الأودي وَهُوَ شَاعِر جاهلي ... لَا يصلح النَّاس فوضى لَا سراة لَهُم ... وَلَا سراة إِذا جهالهم سادوا ...

وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَنَّهَا إِنَّمَا وَجَبت بِالشَّرْعِ وَلَا أثر لِلْعَقْلِ فِي ذَلِك لِأَن الإِمَام يقوم بِأُمُور شَرْعِيَّة كَانَ يجوز فِي الْعقل لَا يرد التَّعَبُّد بهَا فَلم يكن الْعقل مُوجبا لَهَا وَاحْتج لذَلِك بِأَنَّهُ لابد للْأمة من إِمَام يُقيم الدّين وينصر السّنة وينصف المظلومين من الظَّالِمين ويستوفي الْحُقُوق ويضعها موَاضعهَا قَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَلَا خلاف بَين أهل الْعلم أَنَّهَا فرض كِفَايَة كالجهاد وَنَحْوه إِذا قَامَ بهَا من هُوَ أهل لَهَا سقط فَرضهَا عَن كَافَّة النَّاس وَإِن لم يقم بهَا أحد أَثم من النَّاس فريقان أَحدهمَا أهل الْحل وَالْعقد حَتَّى يختاروا للْأمة إِمَامًا يقوم بأمرهم وَالثَّانِي أهل الْإِمَامَة حَتَّى ينْتَصب للْإِمَامَة أحدهم قَالَ وَلَا إِثْم وَلَا حرج على من عدا هذَيْن الْفَرِيقَيْنِ من من سَائِر
(1/30)

الْأمة فِي تَأْخِير إِقَامَة الإِمَام قَالَ النَّوَوِيّ فِي روضته فَإِن لم يكن من يصلح إِلَّا وَاحِد تعيّنت عَلَيْهِ وَلَزِمَه طلبَهَا إِن لم يبتدوه

الْفَصْل الثَّانِي
فِي شُرُوط الْإِمَامَة وَقد أعتبر أَصْحَابنَا الشَّافِعِيَّة رَضِي الله عَنْهُم (10 ب) لصِحَّة عقدهَا أَرْبَعَة عشر شرطا فِي الإِمَام
الأول الذُّكُورَة فَلَا تَنْعَقِد إِمَامَة الْمَرْأَة وَاحْتج لَهُ بِمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ من حَدِيث أبي بكرَة رضى الله عَنهُ أَنه قَالَ نفعنى الله بِكَلِمَة سَمعتهَا من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَيَّام الْجمل بعد مَا كدت أَن ألحق بأصحاب الْجمل فأقاتل مَعَهم قَالَ لما بلغ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن أهل فَارس ملكوا بنت كسْرَى قَالَ لن يفلح قوم وَلَو أَمرهم امْرَأَة زَاد التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فَلَمَّا قدمت عَائِشَة الْبَصْرَة ذكرت قَول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فعصمني الله تَعَالَى بِهِ
(1/31)

وَالْمعْنَى فِي ذَلِك أَن الإِمَام لَا يَسْتَغْنِي عَن الإختلاط بِالرِّجَالِ والمشاورة مَعَهم فِي الْأُمُور وَالْمَرْأَة مَمْنُوعَة من ذَلِك وَلِأَن الْمَرْأَة نَاقِصَة فِي أَمر نَفسهَا حَتَّى لَا تملك النِّكَاح فَلَا تجْعَل إِلَيْهَا الْولَايَة على غَيرهَا
الثَّانِي الْبلُوغ فَلَا تَنْعَقِد إِمَامَة الصبى لِأَنَّهُ مولى عَلَيْهِ وَالنَّظَر فِي أُمُوره إِلَى غَيره فَكيف يجوز أَن يكون نَاظرا فِي أُمُور الْأمة على أَنه رُبمَا أخل بالأمور قصدا لعلمه بِعَدَمِ التَّكْلِيف
الثَّالِث الْعقل فَلَا تَنْعَقِد إِمَامَة ذَاهِب الْعقل بجنون أَو غَيره لِأَن الْعقل آلَة التَّدْبِير فَإِذا فَاتَ الْعقل فَاتَ التَّدْبِير وَقد قسم الماوردى زَوَال الْعقل إِلَى مَالا يُرْجَى زَوَاله وَمَا يُرْجَى زَوَاله
فَأَما مَا لَا يُرْجَى زَوَاله كالجنون والخبل فَيمْنَع من عقد الْإِمَامَة سَوَاء كَانَ مطبقا لَا يتخلله إفاقة أَو تخلله إفاقة وَسَوَاء كَانَ زمن الْجُنُون أَكثر من زمن الْإِفَاقَة أَو زمن الْإِفَاقَة أَكثر من زمن الْجُنُون
(1/32)

وَأما مَا يُرْجَى زَوَاله كالإغماء فَلَا يمْنَع من انْعِقَاد الْإِمَامَة لِأَنَّهُ مرض قَلِيل اللّّبْث سريع الزَّوَال
الرَّابِع الْبَصَر فَلَا تَنْعَقِد إِمَامَة الْأَعْمَى لِأَنَّهُ إِذا منع عقد ولَايَة الْقَضَاء (11 ب) وَجَوَاز الشَّهَادَة فَمَنعه صِحَة الْإِمَامَة أولى
أما عشَاء الْعين وَهُوَ أَن لَا يبصر مَعَه لَيْلًا فَإِنَّهُ لَا يمْنَع صِحَة عقدهَا لِأَنَّهُ مرض فِي زمَان الدعة يُرْجَى زَوَاله
وَأما ضعف الْبَصَر فقد قَالَ الماوردى إِنَّه إِن كَانَ يمْنَع مَعَه معرفَة الْأَشْخَاص إِذا رَآهَا فَإِنَّهُ يمْنَع من الإنعقاد وَإِن كَانَ لَا يمْنَع معرفَة الْأَشْخَاص عِنْد رؤيتها لم يمْنَع من الِانْعِقَاد
الْخَامِس السّمع فَلَا تَنْعَقِد إِمَامَة الْأَصَم وَهُوَ الَّذِي لَا يسمع الْبَتَّةَ لِأَنَّهُ يتَعَذَّر عَلَيْهِ بذلك سَماع مصَالح الْمُسلمين وَلِأَن ذَلِك يمْنَع ولَايَة الْقَضَاء فَلِأَن يمْنَع ولَايَة الْإِمَامَة أولى
أما ثقل السّمع وَهُوَ الَّذِي يدْرك مَعَه الصَّوْت العالي فقد
(1/33)

قيل إِنَّه يمْنَع الْإِمَامَة وَقيل لَا يمْنَع
السَّادِس النُّطْق فَلَا تَنْعَقِد إِمَامَة الْأَخْرَس لما فِي ذَلِك من فَوَات مصَالح الْأمة بِعَدَمِ الْقُدْرَة على النُّطْق عِنْد الْخطاب وَاخْتلف فِي تمتمة اللِّسَان وَنَحْوهَا فَقيل يمْنَع انْعِقَاد الْإِمَامَة وَقيل لَا يمْنَع
السَّابِع سَلامَة الْأَعْضَاء من نقص يمْنَع اسْتِيفَاء الْحَرَكَة وَسُرْعَة النهوض فَلَا تَنْعَقِد إِمَامَة من ذهبت يَدَاهُ أَو رِجْلَاهُ لعجز عَمَّا يلْحقهُ من حُقُوق الْأمة
أما مَا يمْنَع بعض الْعَمَل أَو فقد بِهِ بعض النهوض كذهاب بعض الْيَدَيْنِ أَو إِحْدَى الرجلَيْن فَالَّذِي ذهب إِلَيْهِ الماوردى وَصَححهُ الرافعى من أَئِمَّة أَصْحَابنَا الشَّافِعِيَّة أَنه لَا تَنْعَقِد مَعَه الْإِمَامَة وَخَالف أَبُو سعد الْمُتَوَلِي من أَصْحَابنَا الشَّافِعِيَّة فِي ذَلِك فَذهب إِلَى انْعِقَادهَا وَلَا أثر لما لَا يُؤثر فَقده من الإعضاء فِي رَأْي وَلَا عمل
(1/34)

وَلَا نهوض كَقطع الذّكر والأنثيين وَنَحْو ذَلِك
قلت وَقد رَأَيْت فِي مناهج الْفِكر ومباهج العبر أَن الْخصي إِن خصي قبل التسع حفظت عَلَيْهِ صِفَات الطفولية حَتَّى إِذا غضب بَكَى كالطفل إِذا غضب وَإِن خصي لما بعد ثَمَانِي عشرَة سنة حفظت عَلَيْهِ صِفَات الرجولية (11 ب) وَإِن خصي لما بَين ذَلِك فَأَي الْأَمريْنِ كَانَ إِلَيْهِ أقرب فَهُوَ إِلَى طبعه أميل فَإِن صَحَّ ذَلِك فَيَنْبَغِي أَن يُرَاعِي مثله فِي قطع الذّكر والأنثيين
الثَّامِن الْحُرِّيَّة فَلَا تَنْعَقِد إِمَامَة من فِيهِ رق فِي الْجُمْلَة سَوَاء الْقِنّ والمبعض وَالْمكَاتب وَالْمُدبر وَالْمُعَلّق عتقه بِصفة لِأَن الرَّقِيق مَحْجُور للسَّيِّد فأموره تصدر عَن رَأْي غَيره فَكيف يسصلح لولاية أُمُور الْأمة
التَّاسِع الْإِسْلَام فَلَا تَنْعَقِد إِمَامَة الْكَافِر على أى أَنْوَاع الْكفْر أَصْلِيًّا كَانَ أَو مُرْتَدا لِأَن الْمَقْصُود من الإِمَام
(1/35)

مارعاة امور الْمُسلمين وَالْقِيَام بنصرة الدّين وَمن لَا يكون مُسلما لَا يُرَاعى مصلحَة الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين
الْعَاشِر الْعَدَالَة فَلَا تَنْعَقِد إِمَامَة الْفَاسِق وَهُوَ المتابع لشهوته الْمُؤثر لهواه من ارْتِكَاب الْمَحْظُورَات والإقدام على الْمُنْكَرَات لِأَن المُرَاد من الإِمَام مُرَاعَاة النّظر للْمُسلمين وَالْفَاسِق لم ينظر فِي أَمر دينه فَكيف ينظر فِي مصلحَة غَيره
أما مَا يتَعَلَّق بالاعتقاد لعروض شُبْهَة ففى انْعِقَاد إِمَامَته مَعَه خلاف وَظَاهر كَلَام الماوردى أَنه لايمنع كَمَا لَا يمْنَع من ولَايَة الْقَضَاء وَقبُول الشَّهَادَة
الْحَادِي عشر الشجَاعَة والنجدة فَلَا تَنْعَقِد إِمَامَة الجبان لِأَنَّهُ مُحْتَاج إِلَى الشجَاعَة ليتوصل بذلك إِلَى حماية الْبَيْضَة وَجِهَاد الْعَدو اللَّذين هما جلّ الْمَطْلُوب من نصيب الإِمَام لِأَنَّهُ يحْتَاج إِلَى تجيهز الجيوش وَفتح الْبِلَاد والحصون وَقتل الْأَعْدَاء فَإِذا لم يكن شجاعا لم يسْتَطع ذَلِك
(1/36)

الثَّانِي عشر الْعلم الْمُؤَدى إِلَى الإجتهاد فِي النَّوَازِل وَالْأَحْكَام فَلَا تَنْعَقِد إِمَامَة غير الْعَالم بذلك لِأَنَّهُ مُحْتَاج لِأَن يصرف الْأُمُور على النهج القويم ويجريها على الصِّرَاط الْمُسْتَقيم وَلِأَن يعلم الْحُدُود ويستوفى الْحُقُوق ويفصل (12 أ) الْخُصُومَات بَين النَّاس وَإِذا لم يكن عَالما مُجْتَهدا لم يقدر على ذَلِك
الثَّالِث عشر صِحَة الرأى والتدين فَلَا تَنْعَقِد إِمَامَة ضَعِيف الرأى لِأَن الْحَوَادِث الَّتِي تكون فِي دَار الأسلام ترفع إِلَيْهِ وَلَا يتَبَيَّن لَهُ طَرِيق الْمصلحَة إِلَّا إِذا كَانَ ذَا رأى صَحِيح وتدبير سَائِغ وناهيك أَن أَبَا الطّيب التنبي قد رجح الرأى على الشجَاعَة فِي شعره فَقَالَ ... الرأى قبل الشجَاعَة الشجعان ... هُوَ أول وهى الْمحل الثَّانِي
الرَّابِع عشر النّسَب فَلَا تَنْعَقِد الأمامة بِدُونِهِ وَالْمرَاد أَن يكون من قُرَيْش وهم بَنو النَّضر بن كنَانَة
(1/37)

فَفِي الصَّحِيحَيْنِ من رِوَايَة ابْن عمر رضى الله عَنْهُمَا أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَا يزَال هَذَا الْأَمر فِي قُرَيْش مَا بقى مِنْهُم اثْنَان وَقد احْتج الصّديق رضى الله عَنهُ على الْأَنْصَار يَوْم السَّقِيفَة حِين اجْتَمعُوا على سعد بن عبَادَة وَقَالُوا منا أَمِير ومنكم أَمِير بقول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْأَئِمَّة من قُرَيْش فَرَجَعُوا إِلَيْهِ فِي ذَلِك وأذعنوا لقَوْله وَقد ادّعى الماوردى الْإِجْمَاع على اعْتِبَار هَذَا الشَّرْط مَعَ وُرُود النَّص بِهِ ثمَّ قَالَ وَلَا عِبْرَة بضرار حِين شَذَّ فجوزها فِي جَمِيع النَّاس قَالَ الرَّافِعِيّ من أَئِمَّة أَصْحَابنَا الشَّافِعِيَّة فَإِن لم يُوجد قرشى مستجمع للشروط فكنانى فَإِن لم يُوجد كنانى فَرجل من ولد إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَإِن لم يكن فيهم رجل مستجمع للشرائط فَفِي تَهْذِيب البغوى أَنه يُولى رجل من الْعَجم وفى التَّتِمَّة للمتولى أَنه يُولى جرهمي
قلت وجرهم أصل الْعَرَب المسعربة الَّذين هم ولد
(1/38)

إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَام وهم الَّذين نزلُوا على إِسْمَاعِيل وَأمه بِمَكَّة حِين أنزلهما بهَا الْخَلِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَنَشَأَ إِسْمَاعِيل بَينهم وَتعلم لغتهم وَتزَوج مِنْهُم وهم بَنو جرهم بن قحطان بن عَابِر بن شالخ بن أرفخشد بن سَام بن نوح عَلَيْهِ السَّلَام وَقد (12 ب) أوضحت الْكَلَام على ذَلِك مَبْسُوطا فِي كتابي نِهَايَة الأرب فِي معرفَة قبائل الْعَرَب
قَالَ الرَّافِعِيّ وَلَا يشْتَرط فِي الإِمَام كَونه هاشميا لِأَن أَبَا بكر وَعمر وَعُثْمَان رضى الله عَنْهُم لَيْسُوا من بنى هَاشم وهم أصُول الْخلَافَة وأئمة الْإِسْلَام
الْفَصْل الثَّالِث
فِي بَيَان الطّرق الَّتِي تَنْعَقِد بهَا الْخلَافَة وَلها ثَلَاث طرق تترتب على كل طَرِيق مِنْهَا جملَة من الْأَحْكَام
الطَّرِيق الأول الْبيعَة وهى أَن يجْتَمع أهل ألحل وَالْعقد الْآتِي ذكرهم ويعقدون الأمامة لمن يستجمع شرائطها وياتي ذَلِك فِي مَوْضُوعَيْنِ
(1/39)

أَحدهمَا أَن يَمُوت الْخَلِيفَة الَّذِي كَانَ منتصبا عَن غير عهد إِلَى أحد بعده
وَالثَّانِي أَن يخلع الْخَلِيفَة نَفسه من الْخلَافَة أَو يخلعه أهل الْحل وَالْعقد لموجب اقْتضى خلعه نَفسه أَو خلع أهل الْحل وَالْعقد لذَلِك حالتان
الْحَالة الأولى أَن يَتَعَدَّد من اجْتمع فِيهِ شُرُوط الْإِمَامَة فيختار أهل الْحل وَالْعقد وَاحِدًا مِنْهُم يقوم بِأَمْر الْإِمَامَة وينهض بأعبائها وعَلى ذَلِك كَانَت خلَافَة الصّديق رضى الله عَنهُ بعد وَفَاة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَذَلِكَ أَنه لما توفّي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اجْتمعت الْأَنْصَار إِلَى سعد بن عبَادَة فِي سَقِيفَة بني سَاعِدَة وَقَالُوا منا أَمِير ومنكم أَمِير فَذهب إِلَيْهِم أَبُو بكر وَعمر وَأَبُو عُبَيْدَة ابْن الْجراح فَذهب عمر يتَكَلَّم فأسكته أَبُو بكر وَكَانَ عمر يَقُول وَالله مَا أردْت إِلَّا أَنى هيأت كلَاما أعجبني خشيت أَن لَا يبلغهُ أَبُو بكر ثمَّ تكلم أَبُو بكر فَتكلم أبلغ النَّاس فَقَالَ فِي كَلَامه نَحن الْأُمَرَاء وَأَنْتُم الوزراء فَقَالَ (13 أ) حباب بن الْمُنْذر لَا وَالله لَا نففعل منا
(1/40)

أَمِير ومنكم أَمِير فَقَالَ أَبُو بكر لَا وَلَكنَّا الْأُمَرَاء وَأَنْتُم الوزراء فَبَايعُوا عمر أَو أَبَا عُبَيْدَة فَقَالَ عمر بل نُبَايِعك أَنْت فَأَنت سيدنَا وخيرنا وأحبنا إاى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأخذ عمر بِيَدِهِ فَبَايعهُ وَبَايَعَهُ النَّاس أخرجه البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ
وَأعلم أَن لصِحَّة عقد الْبيعَة خَمْسَة شُرُوط
الأول أَن يجْتَمع فِي الْمَأْخُوذ لَهُ الْبيعَة شُرُوط الْإِمَامَة الْمُتَقَدّمَة الذّكر فَلَا تَنْعَقِد مَعَ فَوَات وَاحِد مِنْهَا إِلَّا مَعَ الشَّوْكَة والقهر على مَا سَيَأْتِي فَلَو جمع شُرُوط الْإِمَامَة اثْنَان فَأكْثر قَالَ الْمَاوَرْدِيّ اسْتحبَّ لأهل الْحل وَالْعقد أَن يعقدوها لأسنهما فَإِن عقودها للْآخر جَازَ فَإِن كَانَ أَحدهمَا أعلم وَالْآخر أَشْجَع روعي فِي الأختيار مَا يُوجِبهُ حكم الْوَقْت فَإِن دعت الْحَاجة إِلَى رِعَايَة الشجَاعَة كظهور الْبُغَاة وَأهل الْفساد كَانَ الأشجع أَحَق وَإِن دعت إِلَى زِيَادَة الْعلم كسكون الْفِتَن وَظُهُور الْبدع كَانَ الأعلم أَحَق وَلَو
(1/41)

تنَازع اثْنَان مستجمعان للأهلية فِي الأمامة فقد ذهب بعض الْعلمَاء إِلَى الْعلمَاء إِلَى أَن ذَلِك يقْدَح فيهمَا جَمِيعًا حَتَّى يعدل عَنْهُمَا إِلَى غَيرهمَا وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَن ذَلِك لَا يقْدَح لِأَن طلب الْخلَافَة لَيْسَ مَكْرُوها وَهل يقرع بَينهمَا عِنْد التَّسَاوِي أَو يقدم أهل الْحل وَالْعقد من شَاءُوا مِنْهُمَا فِيهِ خلاف
الثَّانِي أَن يكون المتولى لعقد الْبيعَة أهل الْحل وَالْعقد من الْعلمَاء والرؤساء وَسَائِر وُجُوه النَّاس وفيمن تَنْعَقِد بِهِ الْبيعَة مِنْهُم سَبْعَة مَذَاهِب
أَحدهمَا أَنَّهَا لَا تَنْعَقِد إِلَّا بِأَهْل الْحل وَالْعقد من كل بلد ليَكُون الرضى عَاما وَالتَّسْلِيم لإمامته إِجْمَاعًا قَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَهَذَا مَذْهَب مَدْفُوع ببيعة أبي بكر رَضِي الله عَنهُ بِاخْتِيَار من حضرها (13 ب) من غير انْتِظَار قدوم غَائِب عَنْهَا
وَالثَّانِي أَن أقل من تَنْعَقِد بِهِ أَرْبَعُونَ لَا دونهم لِأَن عقد الْإِمَامَة فَوق عقد الْجُمُعَة وَلَا تَنْعَقِد بِأَقَلّ من أَرْبَعِينَ
(1/42)

وَالثَّالِث أقل من تَنْعَقِد بِهِ خَمْسَة يَجْتَمعُونَ على عقدهَا اَوْ يعقدها أحدهم برضى الْأَرْبَعَة لِأَن بيعَة أبي بكر رَضِي الله عَنهُ انْعَقَدت بِخَمْسَة وهم عمر بن الْخطاب وَأَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح وَأسيد بن حضير وَبشير بن سعد وَسَالم مولى أبي حُذَيْفَة ثمَّ تَابعهمْ النَّاس على ذَلِك وَقد جعلهَا عمر رَضِي الله عَنهُ شُورَى فِي سِتَّة نفر تَنْعَقِد لأَحَدهم برضى الْخَمْسَة قَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَهَذَا قَول اكثر الْفُقَهَاء والمتكلمين من أهل الْبَصْرَة
وَالرَّابِع تَنْعَقِد بأَرْبعَة لِأَن الشَّهَادَة فِي الزِّنَا تقوم بأَرْبعَة فَكَذَلِك الامامة
وَالْخَامِس تَنْعَقِد بِثَلَاثَة يتولاها أَحدهمَا برضى الِاثْنَيْنِ الآخرين ليكونا حَاكما وشاهدين كَمَا يَصح عقد بولِي وشاهدين
وَالسَّادِس تَنْعَقِد بِاثْنَيْنِ لِأَن رُتْبَة الْخلَافَة لَا تنقص عَن رُتْبَة الحكومات وَالْحَاكِم لَا يلْزم أحد الْخَصْمَيْنِ 44
(1/43)

حق صَاحبه الا بِشَهَادَة عَدْلَيْنِ لكذلك لَا يلْزم النَّاس الانقياد قَول الامام الا بعدلين
وَالسَّابِع تَنْعَقِد بِوَاحِد لما روى أَن الْعَبَّاس رَضِي الله عَنهُ قَالَ لعَلي كرم الله وَجهه امدد يدك أُبَايِعك فَيَقُول النَّاس عَم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَايع ابْن اخيه فَلَا يخْتَلف فِيهِ اثْنَان وَقد قيل ان بيعَة الصّديق رَضِي الله عَنهُ انْعَقَدت ببيعة عمر وَحده ولانه حكم وَحكم الواح نَافِذ
وَالثَّامِن وَهُوَ الْأَصَح عِنْد أَصْحَابنَا الشَّافِعِيَّة رَضِي الله عَنْهُم أَنَّهَا تَنْعَقِد بِمن تيَسّر حُضُوره وَقت الْمُبَايعَة فِي ذَلِك الْموضع من الْعلمَاء والرؤساء وَسَائِر وُجُوه النَّاس المتصفين بِصِفَات (14 أ) الشُّهُود حَتَّى لَو تعلق الْحل وَالْعقد بِوَاحِد مُطَاع كفى لِأَن الْأَمر اذا لم يكن صادرا عَن راي من لَهُ تقدم فِي الْوَضع وَقَول مَقْبُول لم تؤمن اثارة فتْنَة وَلَا الْتِفَات الى أهل الْبِلَاد النائية بل اذا بَلغهُمْ خبر الْبيعَة وَجب عَلَيْهِم الْمُوَافقَة والمتابعة وَقد شَرط فِي
(1/44)

الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة فِي أهل الْحل وَالْعقد أَن يجْتَمع فيهم ثَلَاث صِفَات وَهِي الْعَدَالَة وَالْعلم والرأي وَوَافَقَهُ على ذَلِك النَّوَوِيّ فِي روضته وَقَالَ الرَّافِعِيّ لَا بُد فيهم مُجْتَهد فان عقدت بِوَاحِد اعْتبر فِيهِ الِاجْتِهَاد وان عقدت بِأَكْثَرَ من وَاحِد اعْتبر ان يكون فيهم مُجْتَهد
الثَّالِث أَن يُجيب المبايع الى الْبيعَة حَتَّى لَو امْتنع لم تَنْعَقِد امامته وَلم يجْبر عَلَيْهَا قَالَ النَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة لَا ان يكون من لَا يصلح للامامة الا وَاحِد فَيجْبر بِلَا خلاف
الرَّابِع الاشهاد على الْمُبَايعَة فِيمَا اذا كَانَ الْعَاقِد وَاحِدًا اما اذا كَانَ الْعَاقِد لِلْبيعَةِ جمعا فانه لَا يشْتَرط الاشهاد
الْخَامِس أَن يتحد الْمَعْقُود لَهُ بِأَن لَا تعقد الْبيعَة لاكثر من وَاحِد احْتج لَهُ بِمَا رَوَاهُ مُسلم فِي
(1/45)

صَحِيحه من حَدِيث ابي سعيد رَضِي الله عَنهُ ان رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ اذا بُويِعَ لخليفتين فَاقْتُلُوا الآخر مِنْهُمَا وَفِي رِوَايَة لَهُ من حَدِيث عرْفجَة بن شُرَيْح قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول من أَتَاكُم وأمركم جَمِيع على رجل وَاحِد يُرِيد ان يشق عصاكم اَوْ يفرق جماعتكم فَاقْتُلُوهُ
فَلَو عقدت الْبيعَة لاثْنَيْنِ مَعًا لم تَنْعَقِد لوَاحِد مِنْهُمَا فلوا كَانَا فِي اقليمين متباعدين فَفِيهِ وَجْهَان لاصحابنا الشَّافِعِيَّة أصَحهمَا مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُور بطلَان بيعتهما وَالثَّانِي مَا ذهب اليه 14 ب الاستاذ ابو اسحاق الاسفراييني وَاخْتَارَهُ امام الْحَرَمَيْنِ صِحَة بيعتهما جَمِيعًا لانه قد تَدْعُو الْحَاجة الى ذَلِك وعَلى ذَلِك كَانَت الْخلَافَة الاموية بالاندلس والخلافة الفاطمية بِبِلَاد الْمغرب والديار المصرية مَعَ قيام الْخلَافَة العباسية بالعراق وانسحابها على سَائِر الاقطار والبلدان وَنسبه الْمَاوَرْدِيّ فِي الاحكام 47
(1/46)

7 - السُّلْطَانِيَّة الى الشذوذ وان وَقع العقد لَهما على التَّرْتِيب فالاولى صَحِيحَة وَالثَّانيَِة بَاطِلَة وَلَو سبق احدهما وَتعين ثمَّ اشْتبهَ وقف الامر حَتَّى يظْهر فان طَالَتْ الْمدَّة وَلم يُمكن الِانْتِظَار فقد قَالَ الْمَاوَرْدِيّ انه تبطل البيعتان وتستأنف لاحدهما بيعَة جَدِيدَة وَفِي جَوَاز الْعُدُول الى غَيرهمَا خلاف قَالَ النوو الْأَصَح انه لَا يجوز
الْحَالة الثَّانِيَة ان يتحد من اجْتمع فِيهِ شُرُوط الامامة وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِيهَا اذا انْفَرد وَاحِد بِشُرُوط الامامة هَل تثبت امامته بِمُجَرَّد تفره بهَا من غير عقد بَيْعه على مذهبين
احدهما انْعِقَاد امامته بذلك وان لم يعقدها لَهُ اهل الْحل وَالْعقد لَان الْمَقْصُود من الِاخْتِيَار تَمْيِيز من يسْتَحق الْولَايَة وَقد تيمز هَذَا بِصفتِهِ وَهُوَ مَا نَقله الْمَاوَرْدِيّ عَن بعض عُلَمَاء الْعرَاق
وَالثَّانِي انها لَا تَنْعَقِد الا بِعقد اهل الْحل وَالْعقد لَان
(1/47)

الامامة عقد فَلَا يَصح الا بعاقد كَمَا لَو انْفَرد وَاحِد باستجماع شَرَائِط الْقَضَاء فَإِنَّهُ لَا يصير قَاضِيا حَتَّى يُولى وَهُوَ مَا عَلَيْهِ جُمْهُور الْفُقَهَاء وَعَلِيهِ اقْتصر الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ الْمُعْتَمد على ترجيحهما
الطَّرِيق الثَّانِي من الطّرق الَّتِي تَنْعَقِد بهَا الامامة الْعَهْد وَهُوَ ان يعْهَد الْخَلِيفَة المستقر الى غَيره مِمَّن استجمع شَرَائِط الْخلَافَة بالخلافة بعده فاذا مَاتَ العاهد 15 أانتقلت الْخلَافَة بعد مَوته الى الْمَعْهُود اليه وَلَا يحْتَاج مَعَ ذَلِك الى تَجْدِيد بيهة من اهل الْحل وَالْعقد وَلذَلِك حالتان
الْحَالة الاولى ان يتحد الْمَعْهُود اليه بِأَن يعْهَد بالخلافة بعهده الى وَاحِد فَقَط فَيجب الِاقْتِصَار عَلَيْهِ وَالْأَصْل فِي ذَلِك مَا رُوِيَ انه لما مرض ابو بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ دَعَا عُثْمَان بن عَفَّان وَهُوَ يَوْمئِذٍ كَاتبه فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ قَالَ مَا اكْتُبْ قَالَ اكْتُبْ هَذَا مَا عهد ابو بكر خَليفَة رَسُول الله اخر عَهده بالدنيا واول عَهده بالآخره اني اسْتخْلفت عَلَيْكُم ثمَّ رهقته عينه فَنَامَ فَكتب عمر بن الْخطاب ثمَّ اسْتَيْقَظَ
(1/48)

ابو بكر فَقَالَ هَل كتب شَيْئا قلت نعم كتبت عمر بن الْخطاب فَقَالَ اما انك لَو كتبت نَفسك لَكُنْت لَهَا اهلا وَلَكِن اكْتُبْ اسْتخْلفت عَلَيْكُم عمر بن الْخطاب فان بر وَعدل فَذَلِك ظَنِّي بِهِ وان بدل اَوْ غير فَلَا علم لي بِالْغَيْبِ وَالْخَيْر اردت بكم وَلكُل امرىء مَا اكْتسب من الاثم {وَسَيعْلَمُ الَّذين ظلمُوا أَي مُنْقَلب يَنْقَلِبُون} ثمَّ دخل عَلَيْهِ عمر فَعرفهُ ذَلِك فَأبى ان يقبل فتهدده ابو بكر رَضِي الله عَنهُ وَقَالَ هاتوا سَيفي فَقبل ثمَّ خرج عمر من عِنْده فَدخل عَلَيْهِ طَلْحَة فَبكى ولامة على تَوليته عمر فانتهره ابو بكر وَقَالَ وَالله ان عمر لخير لكم وانتم شَرّ لَهُ اتيتني وَقد وكفت عَيْنك تُرِيدُ ان تصدني عَن ديني وتردني عَن رَأْيِي قُم لَا أَقَامَ الله رجلك
وَاعْلَم انه لَا بُد لصِحَّة الامامة بالعهد وَالْحَالة هَذِه من شرطين
أَحدهمَا ان يكون الْمَعْهُود اليه مستجمعا لشرائط الامامة
(1/49)

من وَقت الْعَهْد حَتَّى لَو كَانَ الْمَعْهُود اليه صَغِيرا اَوْ فَاسِقًا عِنْد الْعَهْد بَالغا عدلا عِنْد موت العاهد لم يصر بذلك الْعَهْد 15 ب اماما بل لَا بُد من مبايعة اهل الْحل وَالْعقد لَهُ بالخلافة كَمَا صرح بِهِ النَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة وَصوب الْجَزْم بِهِ وان توقف فِيهِ الرَّافِعِيّ
الثَّانِي ان يقبل الْمَعْهُود اليه الْعَهْد قَالَ الْمُتَوَلِي من اصحابنا فَلَو امْتنع الْمَعْهُود اليه من الْقبُول بُويِعَ غَيره وَكَأَنَّهُ لَا عهد
وَاخْتلف فِي وَقت قبُوله فَقيل بعد موت العاهد كَمَا يقبل الْوَصِيّ الْوَصِيَّة بعد موت الْمُوصي وَالأَصَح ان وقته مَا بَين عهد الْخَلِيفَة وَمَوته لتنتقل الامامة عَن العاهد الى الْمَعْهُود اليه مُسْتَقِرَّة بِالْقبُولِ فَلَو اراد ولي الْعَهْد ان يعْهَد بالخلافة الى اُحْدُ قبل موت الْخَلِيفَة العاهد لم يجز لَان الْخلَافَة لَا تَسْتَقِر الا بعد موت الْمُسْتَخْلف وَفِي معنى ذَلِك مَا لَو قَالَ جعلته ولي عهدي اذا افضت الْخلَافَة الي لانه فِي الْحَال لَيْسَ بخليفة فَلم يَصح عَهده فَلَو عهد لاثْنَيْنِ فان كَانَ الْعَهْد قد وَقع لَهما مَعًا فَهُوَ بَاطِل وان وَقع التَّرْتِيب فَالْحق
(1/50)

للأسبق كَمَا تقدم فِي الْبيعَة
قلت وَلَو قيل بِاعْتِبَار الاشهاد على الْعَهْد لَكَانَ لَهُ وَجه وَقد اشْهَدْ الْمَأْمُون على عَهده لعَلي الرضى على مَا ستقف عَلَيْهِ فِي نُسْخَة عَهده فِي الْكَلَام على عهود الْخُلَفَاء فِيمَا بعد ان شَاءَ الله تَعَالَى
ثمَّ اعْلَم ان الْمَعْهُود اليهم على ثَلَاثَة اضْرِب
الضَّرْب الاول ان يكون الْمَعْهُود اليه ولدا اَوْ والدا وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي جَوَاز انْفِرَاده بالعهد لوَلَده اَوْ وَالِده على ثَلَاثَة مَذَاهِب
احدها انه لَيْسَ لَهُ الِانْفِرَاد بذلك لوَاحِد مِنْهُمَا بل لَا بُد ان يُوَافقهُ اهل الْحل وَالْعقد على صَلَاحِية الْمَعْهُود اليه لذَلِك لَان ذَلِك مِنْهُ بِمَثَابَة التَّزْكِيَة ليجري مجْرى الشَّهَادَة وتقليده على الامة مجْرى الحكم وَهُوَ لَا يجوز ان يحكم لوالد وَلَا ولد
وَالثَّانِي لَهُ الِانْفِرَاد 16 أبذلك لكل وَاحِد مِنْهُمَا لانه امير الامة نَافِذ الامر لَهُم وَعَلَيْهِم فغلب حكم 52
(1/51)

المنصب على حكم النّسَب وَلم يَجْعَل للتُّهمَةِ عَلَيْهِ فِي ذَلِك طَرِيقا
وَالثَّالِث ان لَهُ الِانْفِرَاد بذلك للوالد دون الْوَلَد لَان الطَّبْع الى الْوَلَد اميل مِنْهُ الى الْوَالِد وَلذَلِك كَانَ مَا يقتنيه فِي الاغلب مذخورا لوَلَده دون وَالِده
الضَّرْب الثَّانِي ان يكون الْمَعْهُود اليه لَيْسَ بِولد وَلَا وَالِد بِأَن يكون اخا اَوْ بن اخ اَوْ عَمَّا اَوْ ابْن عَم اَوْ اجنبيا فَيجوز الْعَهْد بالخلافة اليه من غير استشارة اُحْدُ من اهل الْحل وَالْعقد فِي ذَلِك وَاخْتلف فِي انه هَل يشْتَرط فِي لُزُوم ذَلِك للْأمة ظُهُور الرضى مِنْهُم بذلك ام لَا على مذهبين
احدهما الِاشْتِرَاط لَان الامامة حق يتَعَلَّق بالامة فَلم تلزمهم الا برضى اهل الْحل وَالْعقد مِنْهُم
وَالثَّانِي وَهُوَ الاصح عدم الِاشْتِرَاط لَان الامام احق بهَا فَكَانَ اخْتِيَاره فِيهَا امضى وانفذ وَلذَلِك لم يتَوَقَّف عهد الصّديق لعمر رَضِي الله عَنْهُمَا على رَضِي بَقِيَّة الصَّحَابَة
(1/52)

الضَّرْب الثَّالِث ان يكون الْمَعْهُود اليه غَائِبا وَيخْتَلف الْحَال فِيهِ فان كَانَ مَجْهُول الْحَيَاة لم يَصح الْعَهْد اليه وان كَانَ مَعْلُوم الْحَيَاة صَحَّ وَكَانَ مَوْقُوفا على قدومه فان مَاتَ العاهد وَولي الْعَهْد على غيبته استقدمه اهل الْحل وَالْعقد فان طَالَتْ غيبته وَتَأَخر الْمُسلمُونَ بِتَأْخِير النّظر فِي امورهم استناب اهل الْحل وَالْعقد عَنهُ نَائِبا يبايعونه بالنيابة دون الْخلَافَة ويمضي امْرَهْ فِيمَا يمْضِي فِيهِ امْر الْخَلِيفَة ان لَو كَانَ حَاضرا فاذا قدم الْخَلِيفَة الْغَائِب انْعَزل الْمُسْتَخْلف وَكَانَ نظره بعد قدومه مردودا
الْحَالة الثَّانِيَة ان يَتَعَدَّد 16 ب الْمَعْهُود اليه بِأَن يكون اثْنَيْنِ فَأكْثر من اهل الامامة وَهُوَ على ضَرْبَيْنِ
الضَّرْب الاول ان يَجْعَلهَا الْخَلِيفَة شُورَى بَينهم لم يقدم فِيهَا احدا مِنْهُم على الآخر فيختار اهل الْحل وَالْعقد بعد موت العاهد وَاحِدًا من الْمَعْهُود اليهم اَوْ يخرج الْجَمِيع انفسهم من الْعَهْد ويقى وَاحِد مِنْهُم والاصل فِي ذَلِك مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه من رِوَايَة عَمْرو بن مَيْمُون
(1/53)

الأودى أَنه لما طعن أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب رضى الله عَنهُ قيل لَهُ أوص يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ اسْتخْلف قَالَ مَا أرى أحدا أَحَق بِهَذَا الْأَمر من هَؤُلَاءِ الرَّهْط الَّذين توفى رَسُول الله صلى اله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ عَنْهُم رَاض فعد عليا وَعُثْمَان وَالزُّبَيْر وَطَلْحَة وسعدا وَعبد الرَّحْمَن وَأَنه لما قبض وَفرغ من دَفنه اجْتمع هَؤُلَاءِ الرَّهْط فَقَالَ عبد لرحمن بن عَوْف اجعلوا أَمركُم إِلَى ثَلَاثَة مِنْكُم فَقَالَ الزبير قد جعلت أمرى إِلَى على وَقَالَ طَلْحَة قد جعلت أمرى إِلَى عُثْمَان وَقَالَ سعد قد جعلت أمرى إِلَى عبد الرَّحْمَن فَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أيكما تَبرأ من هَذَا الْأَمر فنجعله إِلَيْهِ وَالله عَلَيْهِ وَالْإِسْلَام لينظرن أفضلهم فِي نَفسه فأسكت الشَّيْخَانِ فَقَالَ عبد الرَّحْمَن أفتجعلونه إِلَى وَالله على أَن لَا آلو عَن أفضلكم قَالَا نعم فَأخذ بيد أَحدهمَا وَقَالَ لَك من قرَابَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والقدم فِي الْإِسْلَام مَا قد علمت وَالله عَلَيْك لَئِن أَمرتك لتعدلن وَلَئِن أمرت عُثْمَان لتسمعن وتطيعن ثمَّ
(1/54)

خلا بِالْآخرِ فَقَالَ لَهُ مثل ذَلِك فَلَمَّا أَخذ الْمِيثَاق قَالَ ارْفَعْ يدك يَا عُثْمَان فَبَايعهُ وَبَايع لَهُ على وولج أهل الدَّار فَبَايعُوهُ
وَاعْلَم أَنه إِذا عهد لاثْنَيْنِ فَأكْثر لم يجز لأهل الْحل وَالْعقد (17 أ) أَن يختاروا وَاحِدًا مِنْهُم فِي حَيَاته إِلَّا بِإِذْنِهِ لِأَنَّهُ بِالْإِمَامَةِ أَحَق فامتنعت مشاركته فِيهَا مَا دَامَ رَأْيه صَحِيحا وَلَو مَاتَ لم يجز لأهل الْحل وَالْعقد أَن يختاروا وَاحِدًا غَيرهم بل لَو نَص على أهل الإختيار لم يَصح الإختيار من غير من نَص عَلَيْهِ لِأَن ذَلِك من حُقُوق خِلَافَته وَإِذا تعيّنت الْخلَافَة بالإختيار فِي أحد الْمَعْهُود إِلَيْهِم جَازَ لَهُ أَن يعْهَد بهَا إِلَى غَيره
الضَّرْب الثَّانِي أَن يعْهَد إِلَى اثْنَيْنِ فَأكْثر ويرتب الْخلَافَة فيهم بِأَن يَقُول الْخَلِيفَة بعدى فلَان فَإِذا مَاتَ فالخليفة بعده فلَان فتنتقل الْخلَافَة بعده على التَّرْتِيب الذى رتبه احْتج لذَلِك بِمَا ثَبت فِي صَحِيح البخارى من رِوَايَة ابْن عمر رضى الله عَنْهُمَا أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر على جَيش مُؤْتَة زيد بن حَارِثَة وَقَالَ إِن قتل فجعفر بن
(1/55)

أبي طَالب فَإِن قتل فعبد الله بن رَوَاحَة وَفِي رِوَايَة فَإِن قتل فليرتض الْمُسلمُونَ رجلا فَتقدم زيد فَقتل فَأخذ الرَّايَة جَعْفَر وَتقدم فَقتل فَأخذ الرايه الله بن رَوَاحَة وَتقدم فَقتل فَاخْتَارَ الْمُسلمُونَ بعده خَالِد بن الْوَلِيد
قَالَ الماوردى وَإِذا فعل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَلِك فِي الْإِمَارَة جَازَ مثله فِي الْخلَافَة قَالَ وَقد عمل بذلك فِي الدولتين من لم يُنكر عَلَيْهِ أحد من عُلَمَاء الْعَصْر وَقد عهد سُلَيْمَان بن عبد الْملك إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز بعده ثمَّ إِلَى يزِيد بن عبد الْملك قَالَ وَفعل سُلَيْمَان وَإِن لم يكن حجَّة فإقرار من عاصره من النَّاس وَمن لَا يَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم هُوَ الْحجَّة وَكَذَلِكَ رتبها الرشيد فِي ثَلَاثَة من بنيه فِي الْأمين ثمَّ المامون ثمَّ المؤتمن على كَثْرَة من عاصره من فضلاء الْعلمَاء
إِذا علمت ذَلِك فَلَا نزاع فِي أَن الْخَلِيفَة العاهد بَاقٍ على خِلَافَته مَا دَامَ حَيا (17 ب) أما بعد مَوته فَلهُ ثَلَاثَة أَحْوَال
(1/56)

الْحَال الأول أَن يَمُوت الأول من الْمَعْهُود إِلَيْهِم فِي حَيَاة العاهد فَتكون الْخلَافَة بعده للثَّانِي مِنْهُم
الْحَال الثَّانِي أَن يَمُوت الأول وَالثَّانِي من الْمَعْهُود إِلَيْهِم فِي حَيَاة العاهد فَتكون الْخلَافَة بعدهمَا للثَّالِث
الْحَال الثَّالِث أَن يَمُوت العاهد وَالثَّلَاثَة الْمَعْهُود إِلَيْهِم أَحيَاء فالخلافة بعد مَوته للْأولِ مِنْهُم فَلَو أَرَادَ الأول الَّذِي أفضت الْخلَافَة إِلَيْهِ أَن يعْهَد بهَا إِلَى غير الأنثنين الباقيين من الْمَعْهُود إِلَيْهِم مِمَّن يختاره لَهَا فَفِيهِ مذهبان للْعُلَمَاء
أَحدهمَا أَنه لَا يجوز لَهُ ذَلِك إِلَّا أَن يسْتَنْزل عَنْهَا مستحقها من الْمَعْهُود إِلَيْهِم طَوْعًا حملا على حكم التَّرْتِيب السَّابِق فقد عهد السفاح إِلَى أَخِيه الْمَنْصُور وَجعل الْعَهْد بعده لعيسى بن مُوسَى فَأَرَادَ الْمَنْصُور تَقْدِيم ابْنه الْمهْدي على عِيسَى فاستنزله عَن الْعَهْد لحقه فِيهِ وفقهاء الْعَصْر حِينَئِذٍ على توفير وَكَثْرَة لم يرَوا لَهُ فسحة فِي صرفه عَن ولَايَة الْعَهْد قهرا
(1/57)

قَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَظَاهر الشَّافِعِي وَعَلِيهِ جُمْهُور الْفُقَهَاء أَنه يجوز أَن يعْهَد بهَا إِلَى من يَشَاء ويصرفها عَمَّن كَانَ مَعَه مُرَتبا فِي الْعَهْد لِأَنَّهُ قد صَار بإفضائها إِلَيْهِ عَام الْولَايَة نَافِذ الْأَمر فَكَانَ حَقه فِيهَا أقوى وَإِنَّمَا استطاب الْمَنْصُور نفس عِيسَى تألفا لأَهله لِأَنَّهُ كَانَ فِي صدر الدولة فعل ذَلِك سياسة وَإِن كَانَ الحكم فِي نفس الْأَمر سائغا
الطَّرِيق الثَّالِث من الطّرق الَّتِي تَنْعَقِد بهَا الْإِمَامَة الْقَهْر والاستيلاء فَإِذا مَاتَ الْخَلِيفَة فتصدى للْإِمَامَة من جمع شرائطها من غير عهد إِلَيْهِ من الْخَلِيفَة الْمُتَقَدّم وَلَا بيعَة من أهل الْحل وَالْعقد انْعَقَدت إِمَامَته لينتظم شَمل الْأمة وتتفق (18 أ) كلمتهم وَإِن لم يكن جَامعا لشرائط الْخلَافَة بِأَن كَانَ فَاسِقًا أَو جَاهِلا فَوَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا الشَّافِعِيَّة أصَحهمَا انْعِقَاد إِمَامَته أَيْضا لأَنا لَو قُلْنَا لَا تَنْعَقِد إِمَامَته لم تَنْعَقِد أَحْكَامه وَيلْزم من ذَلِك الْإِضْرَار بِالنَّاسِ من حَيْثُ إِن من يَلِي بعده يحْتَاج أَن يُقيم الْحُدُود ثَانِيًا ويستوف الزَّكَاة ثَانِيًا وَيَأْخُذ الْجِزْيَة ثَانِيًا
(1/58)

وَالثَّانِي لَا تَنْعَقِد إِمَامَته لِأَنَّهُ لَا تَنْعَقِد لَهُ الْإِمَامَة بالبيعة إِلَّا باستكمال الشُّرُوط فَكَذَا بالقهر

الْفَصْل الرَّابِع
فِيمَا يلْزم الْخَلِيفَة للرعية
وَقد ذكر الْمَاوَرْدِيّ أَنه يلْزمه لَهُم عشرَة أَشْيَاء
أَحدهَا حفظ الدّين على أُصُوله المستقرة وَمَا أجمع عَلَيْهِ سلف الْأمة فَإِن ظهر مُبْتَدع أَو زاغ ذُو شُبْهَة أوضح لَهُ الْحجَّة وَبَين لَهُ الصَّوَاب وكفه عَن ذَلِك بِمَا يسْتَحقّهُ من الزّجر ليَكُون الدّين محروسا وَحَال الْأمة فِيهِ مضبوطا
الثَّانِي حماية بَيْضَة الْإِسْلَام والذب عَن الْحرم ليتصرف النَّاس فِي مَعَايشهمْ وينتشروا فِي أسفارهم آمِنين على أنفسهم وَأَمْوَالهمْ
الثَّالِث تحصين الثغور بِالْعدَدِ ووفور الْعدَد حَتَّى لَا يظفر الْعَدو بغرة فينتهك فِيهَا محرما أَو يسفك فِيهَا دم مُسلم أَو معاهد
(1/59)

الرَّابِع جِهَاد الْكَفَرَة المعاندين لِلْإِسْلَامِ حَتَّى يسلمُوا أَو يدخلُوا فِي ذمَّة الْمُسلمين قيَاما بِحَق الله تَعَالَى فِي ظُهُور دينه على الدّين كُله
الْخَامِس تَنْفِيذ الْأَحْكَام وَقطع الْخُصُومَات حَتَّى لَا يتَعَدَّى ظَالِم وَلَا يضعف مظلوم
السَّادِس إِقَامَة الْحُدُود (18 ب) لتتوقى الْمَحَارِم وتصان الْأَنْفس وَالْأَمْوَال
السَّابِع اخْتِيَار الْأُمَنَاء والأكفاء وتقليد الولايات للثقات النصحاء لتنضبط الْأَعْمَال بالكفاة وَتحفظ الْأَمْوَال بالأمناء
الثَّامِن جباية أَمْوَال الفىء وَالصَّدقَات وَالْخَرَاج على مَا أوجبه الشَّرْع نصا أَو اجْتِهَادًا من غير حيف وَلَا عسف
التَّاسِع تَقْدِير الْعَطاء وَمَا يسْتَحقّهُ كل وَاحِد فِي بَيت المَال من غير سرف وَلَا تقتير وَدفعه إِلَيْهِم فِي وَقت مَعْلُوم لَا تَأْخِير فِيهِ وَلَا تَقْدِيم
الْعَاشِر مشارفة الْأُمُور العامه بِنَفسِهِ غير مُعْتَمد على
(1/60)

ولاته وعماله فقد يخون الْأمين ويغش الناصح وَقد قَالَ تَعَالَى {يَا دَاوُد إِنَّا جعلناك خَليفَة فِي الأَرْض فاحكم بَين النَّاس بِالْحَقِّ وَلَا تتبع الْهوى فيضلك عَن سَبِيل الله} وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من رِوَايَة ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول
كلكُمْ رَاع وكلكم مسئول عَن رَعيته فالإمام رَاع وَمَسْئُول عَن رَعيته وَالرجل رَاع وَمَسْئُول عَن رَعيته وَالْمَرْأَة فِي بَيت زَوجهَا راعية ومسئولة عَن رعيتها وَالْخَادِم فِي مَال سَيّده رَاع وَهُوَ مسئول عَن رَعيته قَالَ فَسمِعت هَذَا من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَحْسبهُ قَالَ وَالرجل فِي مَال أَبِيه رَاع وَمَسْئُول عَن رَعيته فكلكم رَاع وكلكم مسئول عَن رَعيته
وَأخرج التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عَمْرو بن مرّة الْجُهَنِيّ قَالَ لمعاوية سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول
مَا من إِمَام يغلق بَابه دون ذَوي الْحَاجَات والمسكنة إِلَّا أغلق الله أَبْوَاب السَّمَاء دون خلته وَحَاجته ومسكنته
فَجعل
(1/61)

مُعَاوِيَة رجلا على مصَالح النَّاس وَللَّه مُحَمَّد بن يزْدَاد وَزِير الْمَأْمُون حَيْثُ يَقُول مُخَاطبا لَهُ
... من كَانَ حارس دنيا إِنَّه قمن ... أَن لَا ينَام وكل النَّاس نوام
(19 أ) وَكَيف ترقد عينا من تضيفه ... همان من أمره نقض وإبرام ...
الْفَصْل الْخَامِس
فِيمَا يلْزم الرّعية للخليفة وَهُوَ أَمْرَانِ
الأول الطَّاعَة قَالَ الله تَعَالَى {أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم} فَأمر بِطَاعَة أولى الْأَمر وهم وُلَاة الْأُمُور على مَا ذهب إِلَيْهِ كثير من الْمُفَسّرين والأمام هُوَ أعظم وُلَاة الْأُمُور لعُمُوم ولَايَته فَهُوَ أَحَق بِالطَّاعَةِ وأجدر بالانقياد لأوامره ونواهيه مالم يُخَالف
(1/62)

أَمر الشَّرْع سَوَاء كَانَ عادلا أَو جائرا فَفِي الصَّحِيحَيْنِ من رِوَايَة ابْن عمر رضى الله عَنْهُمَا أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ
على الْمَرْء الْمُسلم السّمع وَالطَّاعَة فِيمَا أحب أَو كره إِلَّا أَن يُؤمر بِمَعْصِيَة فَلَا سمع وَلَا طَاعَة
وَفِي صَحِيح مُسلم من رِوَايَة وَائِل بن حجر قَالَ سَأَلَ سَلمَة بن يزِيد الْجعْفِيّ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ يَا نبى الله أَرَأَيْت إِن قَامَت علينا أُمَرَاء يسألونا حَقهم ويمنعونا حَقنا فَمَا تَأْمُرنَا فَأَعْرض عَنهُ ثمَّ سَأَلَهُ فَأَعْرض عَنهُ ثمَّ سَأَلَهُ الثَّانِيَة أَو فِي الثَّالِثَة فَجَذَبَهُ الْأَشْعَث بن قيس وَقَالَ اسمعوا وَأَطيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِم مَا حملُوا وَعَلَيْكُم مَا حملتم
الثَّانِي المعاضدة والمناصرة فِي أُمُور الدّين وَجِهَاد الْعَدو قَالَ تَعَالَى {وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى} وَلَا أَعلَى من معاونة الْأَمَام على إِقَامَة الدّين ونصرته وَفِي صَحِيح
(1/63)

مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ
من خرج من الطَّاعَة أَو فَارق الْجَمَاعَة مَاتَ ميتَة جَاهِلِيَّة وَمن قَاتل تَحت راية عمية يغْضب بعصبية أَو ينصر عصبية فَقتل (19 ب) فقتلة جَاهِلِيَّة
فذم الْخَارِج تَحت راية عمية والداعى إِلَى العصبية وَهُوَ مُسْتَلْزم لنصرة الدّين دون النُّصْرَة عَلَيْهِ
الْفَصْل السَّادِس
فِيمَا يَنْعَزِل بِهِ الْخَلِيفَة من الْخلَافَة أَو ولى الْعَهْد من ولَايَة عَهده وَفِيه مهيعان
المهيع الأول فِيمَا يَنْعَزِل بِهِ الْخَلِيفَة وَهُوَ على خَمْسَة أضْرب
الضَّرْب الأول الْخلْع وَله حالتان
(1/64)

الْحَالة الأولى أَن يخلع الْخَلِيفَة نَفسه من الْخلَافَة لعجز من الْقيام بِأُمُور النَّاس من هرم أَو مرض وَنَحْوهمَا فَإِذا خلع نَفسه لذَلِك انخلع لِأَن الْعَزْل إِذا تحقق وَجب زَوَاله ولَايَته لفَوَات الْمَقْصُود مِنْهُمَا
أما إِذا عزل نَفسه لغير عجز وَلَا ضعف بل آثر التّرْك طلبا للتَّخْفِيف حَتَّى لَا تكْثر أشغاله فِي الدُّنْيَا ويتسع حسابه فِي الْآخِرَة فَفِيهِ لِأَصْحَابِنَا الشَّافِعِيَّة وَجْهَان فِي التَّتِمَّة
أَحدهمَا الانعزال لِأَنَّهُ كَمَا لم تلْزم الْإِجَابَة إِلَى الْمُبَايعَة لَا يلْزمه الثَّبَات
وَالثَّانِي لَا يَنْعَزِل لِأَن الصّديق رضى الله عَنهُ قَالَ أقيلونى وَلَو كَانَ عزل نَفسه مؤثرا لما طلب الْإِقَالَة وَلَو عهد الْخَلِيفَة الْعَاجِز عَن الْقيام بِأُمُور الْخلَافَة لمَرض أَو هرم إِلَى غَيره قبل عزل نَفسه صَحَّ عَهده إِلَيْهِ وانعقدت ولَايَة الْمَعْهُود إِلَيْهِ وَلَو مضى على مَا هُوَ عَلَيْهِ من الْعَجز فَلم يعْزل نَفسه وَلم يعْهَد إِلَى غَيره بَايع أهل الْحل وَالْعقد غَيره ليقوم بِأُمُور الْمُسلمين
(1/65)

وَلَو عزل نَفسه من غير عذر من عجز أَو طلب تَخْفيف فَفِيهِ ثَلَاثَة أوجه
أَصَحهَا أَنه لَا يَنْعَزِل لِأَن الْحق فِي ذَلِك للْمُسلمين لَا لَهُ
وَالثَّانِي يَنْعَزِل لِأَن إِلْزَامه الِاسْتِمْرَار قد يضر بِهِ فِي آخرته ودنياه
وَالثَّالِث (20 أ) إِن لم يول غَيره أَو ولى من هُوَ دونه لم يَنْعَزِل وَإِن ولى مثله أَو أفضل مِنْهُ ففى الانعزال وَجْهَان
الْحَالة الثَّانِيَة أَن يخلعه أهل الْحل وَالْعقد
قَالَ المتولى إِن كَانَ قد حدث فِي حَاله خلل فَلهم عَزله وَإِن كَانَ مُسْتَقِيم الْحَال فَلَيْسَ لَهُم ذَلِك لأَنا لَو جَوَّزنَا ذَلِك لَأَدَّى إِلَى الْفساد لِأَن الْآدَمِيّ ذُو بدرات فَلَا بُد من تغير الْأَحْوَال فِي كل وَقت فيعزلون وَاحِدًا وَيُوَلُّونَ آخر وَفِي كَثْرَة الْعَزْل وَالتَّوْلِيَة زَوَال الهيبة وفوات الْغَرَض من انتظام الْأَمر
الضَّرْب الثَّانِي زَوَال الْعقل فينعزل بالجنون المطبق
(1/66)

وَهُوَ الدَّائِم الَّذِي لَا يَنْفَكّ لِأَن الْجُنُون يَمْتَد فِي الْعَادة فَلَو لم ينصبوا إِمَامًا آخر لأدي ذَلِك إِلَى اختلال الْأُمُور وَلِأَن الْمَجْنُون يجب ثُبُوت الْولَايَة عَلَيْهِ فَكيف يكون وليا لكافة الْأمة
قَالَ النَّوَوِيّ فَلَو جن فَبَايعُوا غَيره ثمَّ أَفَاق لم تعد ولَايَته بل يبْقى الثَّانِي على ولَايَته لِأَن مبايعته صَحِيحَة فَلَا يجوز أَن يبطل بِأَمْر يحدث فِي غَيره وَلَو اسْتخْلف خَليفَة ثمَّ جن بعد استخلافه انْتَقَلت الْخلَافَة إِلَى خَلِيفَته لِأَنَّهُ إِذا اسْتخْلف ثمَّ مَاتَ انْتَقَلت من الْمَيِّت فَفِي الْجُنُون أولى وَلَو أَفَاق بعد ذَلِك لم يَنْعَزِل خَليفَة وَلم يعد هُوَ إِلَى الْخلَافَة لِأَنَّهُ لَو جن ثمَّ أَفَاق لم تعد الْإِمَامَة إِلَيْهِ إِلَّا بمبايعة ثَانِيَة
الضَّرْب الثَّالِث ذهَاب الْحَواس المؤثرة فِي الرَّأْي أَو الْعَمَل وَيتَعَلَّق الْأَمر من ذَلِك بِثَلَاث نقائص
الأولى الْعَمى فَإِذا طَرَأَ على الْأَمَام أبطل إِمَامَته كَمَا تبطل بِهِ ولَايَة الْقَضَاء وَترد بِهِ الشَّهَادَة أما ضعف الْبَصَر
(1/67)

فَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ إِن كَانَ يعرف مَعَه الْأَشْخَاص الَّتِي يَرَاهَا لم تبطل إِمَامَته وَإِن لم يعرف مَعَه الْأَشْخَاص بطلت إِمَامَته وَاعْلَم أَنه قد تقدم عَن الْمَاوَرْدِيّ (20 ب) أَن العشا وَهُوَ عدم الإبصار لَيْلًا لَا يقْدَح فِي ولَايَة الْإِمَارَة ابْتِدَاء فَلِأَن لَا يقْدَح فِي استدامتها أولى
الثَّانِي الصمم وَفِي إنعزاله بطروئه عَلَيْهِ ثَلَاثَة مَذَاهِب حَكَاهَا الْمَاوَرْدِيّ أَصَحهَا وَعَلِيهِ اقْتصر الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ أَنه يَنْعَزِل بذلك كَمَا يَنْعَزِل بالعمى لتأثيره فِي التَّدْبِير وَالْعَمَل
وَالثَّانِي لَا يَنْعَزِل لقِيَام الْإِشَارَة مقَام السّمع وَالْخُرُوج من الْإِمَامَة لَا يكون إِلَّا بِنَقص كَامِل
الثَّالِث إِن كَانَ يحسن الْكِتَابَة لم يَنْعَزِل وَإِن كَانَ لَا يحسنها انْعَزل لِأَن الْكِتَابَة مفهومة وَالْإِشَارَة موهومة
أما ثقل السّمع وَهُوَ الَّذِي يدْرك مَعَه الصَّوْت العالي وَدون
(1/68)

غَيره فَإِنَّهُ لَا يَنْعَزِل بِهِ
الثَّالِث الخرس حكمه حكم الصمم الْمُتَقَدّم الذّكر فِي إِجْرَاء الْخلاف فِيهِ وَكَون الْأَصَح الأنعزال
أما مَا لَا يُؤثر ذَهَابه فِي الرَّأْي وَالْعَمَل كالخشم فِي الْأنف الَّذِي يمْنَع إِدْرَاك الروائح وفقد الذَّوْق الَّذِي يعرف بِهِ الطعوم فَإِنَّهُمَا لَا يوجبان الْعَزْل بِلَا خلاف كَذَلِك لَا يَنْعَزِل بتمتمة اللِّسَان وَنَحْوهَا
الضَّرْب الرَّابِع فقد الْأَعْضَاء المخل فقدها بِالْعَمَلِ أَو النهوض كذهاب الْيَدَيْنِ أَو الرجلَيْن فَإِذا طَرَأَ عَلَيْهِ شىء من ذَلِك انْعَزل من الْإِمَامَة لعَجزه عَن كَمَال الْقيام بِحُقُوق الْأمة
أما مَا يُؤثر فِي بعض الْعَمَل أَو النهوض دون بعض كذهاب إِحْدَى الْيَدَيْنِ أَو إِحْدَى الرجلَيْن فَفِيهِ وَجْهَان
أصَحهمَا أَنه لَا يُؤثر وَإِن كَانَ ذَلِك يمْنَع عقد الْإِمَامَة ابْتِدَاء لِأَن الْمُعْتَبر فِي عقدهَا كَمَال السَّلامَة فَيعْتَبر فِي الْخُرُوج مِنْهَا كَمَال النَّقْص
(1/69)

وَالثَّانِي يُؤثر لنَقص الْحَرَكَة فَلَو كَانَ ذَلِك لَا يُؤثر فَقده فِي عمل وَلَا نهوض كَقطع الذّكر والأنثيين وجدع الْأنف وسمل إِحْدَى الْعَينَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يُؤثر
الضَّرْب الْخَامِس بطلَان تصرف الإِمَام للاستيلاء عَلَيْهِ وحجره وَيدخل تَحت ذَلِك صور إِحْدَاهَا أَن يأسر الْكفَّار الإِمَام وَيَقَع الْيَأْس بذلك من خلاصه من أَيْديهم فَيخرج عَن الْإِمَامَة ويستأنف أهل الْحل وَالْعقد ببيعة غَيره فَلَو عهد بهَا فِي الْحَال الْأسر إِلَى غَيره كَانَ عَهده بَاطِلا لِأَنَّهُ عهد بهَا بعد خُرُوجه من الْإِمَامَة
الثَّانِيَة أَن يأسره أهل الْبَغي حَيْثُ كَانُوا قد أَقَامُوا لَهُم إِمَامًا وَوَقع الْيَأْس من خُلَاصَة مِنْهُم فَيخرج بذلك من الْإِمَامَة لأَنهم قد انحازوا بدار انْفَرد حكمهَا وَخَرجُوا بهَا عَن الطَّاعَة فَلم يبْق لأهل الْعدْل بهم نصْرَة أما لَو كَانَ مرجو الْخَلَاص من أَيدي الْكفَّار أَو أَو أَيدي أهل
(1/70)

الْبَغي فَإِنَّهُ يكون بَاقِيا على إِمَامَته وعَلى كَافَّة الْأمة استنقاذه من أَيْديهم الثَّالِثَة أَن تكون الْإِمَامَة قد ثبتَتْ لَهُ بالقهر والإستيلاء فيجئ آخر ويقهره وستولى على الْأَمر فينعزل الأول وَيصير الإِمَام هُوَ الثَّانِي حفظا لنظام الشَّرِيعَة وتنفيذا لأحكامها كَمَا صرح بِهِ الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ وَغَيرهمَا من أَئِمَّة اصحابنا الشَّافِعِيَّة
قلت وبمقتضى ذَلِك وَقع الْفُقَهَاء فِي زَمَاننَا هَذَا مَعَ الْمُلُوك فِي الْأَمر الْخطر حَيْثُ لم يفهموا عَنْهُم مَقَاصِد الشَّرِيعَة وَذَلِكَ أَنهم إِذا أثبتوا ولَايَة الأول بِالِاسْتِيلَاءِ بالقهر دعاهم ذَلِك إِلَى ان يَقُولُوا إِن الْخَارِج عَلَيْهِ بَاغ وَاجِب الْقِتَال فَإِذا غلب الثَّانِي حكمُوا بِبُطْلَان ولَايَة الأول وَصِحَّة ولَايَة الثَّانِي ودعاهم ذَلِك إِلَى عكس الْقَضِيَّة الأولى فَقَالُوا إِن الْخَارِج عَلَيْهِ بَاغ وَاجِب الْقِتَال فيظن اولئك أَن حكمهم بذلك إِنَّمَا هُوَ مُحَابَاة لصَاحب االوقت الْقَائِم بِالْأَمر من غير فهم الْمَقْصد الَّذِي ألجأهم لذَلِك
(1/71)

تَنْبِيه لَو حجر الإِمَام بِغَيْرِهِ بِأَن يستولي عَلَيْهِ من أعوانه من يستبد بِالتَّصَرُّفِ فِي الْأُمُور من غير تظاهر بِمَعْصِيَة ولاخروج (21 ب) عَن طَاعَة فقد ذكر الْمَاوَرْدِيّ أَن ذَلِك لايمنع إِمَامَته وَلَا يقْدَح فِي صِحَة ولَايَته وَتَكون الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة نَافِذَة من المستبد بِالْأَمر كَمَا لَو استولى على نفس الْإِمَامَة بالقهر جمعا لشمل الْمُسلمين وتنفيذا لأحكامهم
الضَّرْب السَّادِس الْفسق وَقد اخْتلف أَصْحَابنَا الشَّافِعِيَّة فِي انعزال الإِمَام بِهِ على وَجْهَيْن
أصَحهمَا عِنْد الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ أَنه لَا يَنْعَزِل بِهِ لما فِي عَزله من إثارة الْفِتْنَة بِخِلَاف غَيره من سَائِر الْوُلَاة فَإِنَّهُم ينعزلون بِهِ
وَالثَّانِي وَبِه جزم الْمَاوَرْدِيّ فِي الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة أَنه يَنْعَزِل بِهِ كَمَا لايصح عقد إِمَامَته مَعَ الْفسق ابْتِدَاء حَتَّى لَو عَادَتْ عَدَالَته لم يعد إِلَى الْإِمَامَة الإبعقد جَدِيد
(1/72)

قَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَذهب بعض الْمُتَكَلِّمين إِلَى جَوَاز إِمَامَته وعود عَدَالَته للخوف وَالْمَشَقَّة فِي اسْتِئْنَاف بيعَته مَعَ عُمُوم ولَايَته
المهيع الثَّانِي فِيمَا يَنْعَزِل بِهِ ولى الْعَهْد من ولَايَة عَهده وَهُوَ على ضَرْبَيْنِ
الضَّرْب الأول الْعَزْل الصَّادِر من جِهَة العاهد وَقد اخْتلف فِي أَنه هَل يجوز للْإِمَام عزل ولى عَهده على وَجْهَيْن
أَحدهمَا مَا ذهب إِلَيْهِ المتولى من أَصْحَابنَا الْجَوَاز
وَالثَّانِي مَا ذهب إِلَيْهِ الْمَاوَرْدِيّ وَصَححهُ النَّوَوِيّ أَنه لَا يجوز لَهُ عَزله مَا دَامَ متصفا بِصِفَات الْإِمَامَة وَإِن جَازَ لَهُ عزل سَائِر نوابه فِي غير ذَلِك من الْأُمُور لِأَنَّهُ مستخلف لولى الْعَهْد فِي حق الْمُسلمين فَلَا يكون لَهُ عَزله كَمَا لَيْسَ لأهل الْحل وَالْعقد وعزل من بَايعُوهُ بِخِلَاف غَيره من سَائِر نوابه فَإِنَّهُ يستخلفه لَهُم فِي حق نَفسه فَجَاز لَهُ عَزله فَلَو عزل العاهد ولي الْعَهْد وعهد الى ثَان لم يَصح عهد الثَّانِي وَيبقى الأول على عَهده وَلَو خلع الأل نَفسه بعد الْعَهْد إِلَى الثَّانِي فَلَا بُد من اسْتِئْنَاف الْعَهْد إِلَيْهِ (122)
(1/73)

الضَّرْب الثَّانِي الْعَزْل الصَّادِر من جِهَة لى الْعَهْد وَقد صرح اصحابنا الشَّافِعِيَّة بِأَنَّهُ لايجوز لولى الْعَهْد ان يستبد بعزل نَفسه فَلَو استعفى من عَهده لم يبطل عَهده بِمُجَرَّد الاستعفاء فَلَو أَعْفَاهُ الإِمَام نظر فَإِن وجد غَيره مِمَّن يقوم مقَامه صَحَّ اعفاؤه حِينَئِذٍ وَإِن لم يُوجد غَيره لم يَصح إعفاؤه
الْفَصْل السَّابِع
فِي ذكر الْوَظَائِف الَّتِي كَانَت تصدر عَن الْخَلِيفَة فِي الزَّمن الْمُتَقَدّم وَمَا يصدر عَنهُ الْآن من تَفْوِيض السلطنة إِلَى السُّلْطَان وَيرجع الْمَقْصُود من ذَلِك إِلَى عشر وظائف
الْوَظِيفَة الأولى الوزارة وَهِي على ضَرْبَيْنِ
الضَّرْب الأول وزارة التَّفْوِيض وَهِي أَن يستوزر الإِمَام من يُفَوض إِلَيْهِ تَدْبِير الْأُمُور بِرَأْيهِ وإمضائه على اجْتِهَاده وَهِي أجل الولايات بعد الْخلَافَة قَالَ الْمَاوَرْدِيّ فَهُوَ ينظر فِي كل ماينظر فِيهِ الْخَلِيفَة
(1/74)

الضَّرْب الثَّانِي وزارة التَّنْفِيذ وَالنَّظَر فِيهَا مَقْصُور على رَأْي الإِمَام وتدبيره والوزير فِيهَا وَاسِطَة بَينه وَبَين الرعايا والولاة يُؤدى عَنهُ مَا أَمر وَينفذ مَا ذكر ويمضى مَا حكم ويجيز تَقْلِيد الْوُلَاة وتجهيز الجيوش وَنَحْو ذَلِك وَرُبمَا عبر عَن هَذَا الْوَزير بالوساطة وَقد أجَاز الْمَاوَرْدِيّ فِي هَذَا الْوَزير أَن يكون ذِمِّيا وَأنْكرهُ عليهإمام الْحَرَمَيْنِ إنكارا شَدِيدا
الْوَظِيفَة الثَّانِيَة الْإِمَارَة وَهِي أَيْضا على ضَرْبَيْنِ على اخْتِيَار من الإِمَام وتشتمل على عمل مَحْدُود وَتنظر مَعْهُود بِأَن يُفَوض إِلَيْهِ الْخَلِيفَة إِمَارَة بلد أَو أقليم ويوليه (22 ب) على جَمِيع أَهله وَيجْعَل إِلَيْهِ النّظر فِي الْمَعْهُود من أَعماله
الضَّرْب الثَّانِي إِمَارَة الأستيلاء وَهِي الَّتِي تَنْعَقِد
(1/75)

على اضطرار بِأَن يستولى الْأَمِير بِالْقُوَّةِ على بِلَاد يقلده الْخَلِيفَة إمارتها ويفوض إِلَيْهِ تدبيرها فَيكون باستيلائه مستبدأ بِالتَّدْبِيرِ والسياسة والخليفة بِإِذْنِهِ فِي الْأُمُور منفذا لأحكام الدّين ليخرج من الْفساد إِلَى الصِّحَّة
الْوَظِيفَة الثَّالِثَة الْإِمَارَة على الْقِتَال وَهِي على أَرْبَعَة أضْرب
الضَّرْب الأول الْإِمَارَة على قتال الْمُشْركين وَهِي تَارَة تكون مَقْصُورَة على سياسة الْجَيْش وتدبير الْحَرْب وَتارَة يُفَوض إِلَيْهِ جَمِيع أَحْكَامه من تَدْبِير الْجَيْش وسياسة الْحَرْب وَقِسْمَة الْغَنَائِم وَعقد الصُّلْح وَغير ذَلِك حَتَّى لَا يخرج عَنهُ شَيْء من أمرهَا
الضَّرْب الثَّانِي الْإِمَارَة على قتال أهل الرِّدَّة بِأَن يرْتَد قوم حكم بِإِسْلَامِهِمْ إِمَّا بولادتهم على الْإِسْلَام وَإِمَّا بِإِسْلَامِهِمْ عَن كفر فيجهز إِلَيْهِم الإِمَام من يقاتلهم كَمَا فعل أَبُو بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ حِين ارْتَدَّت الْعَرَب
(1/76)

بعد وَفَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
الضَّرْب الثَّالِث الْإِمَارَة على قتال أهل الْبَغي وَهِي أَن تبغى طَائِفَة من الْمُسلمين ويخالفوا رأى الْجَمَاعَة ويخرجوا عَن طَاعَة الإِمَام بِتَأْوِيل بَاطِل فيجهز إِلَيْهِم الإِمَام من يقاتلهم
الضَّرْب الرَّابِع الْإِمَارَة على قتال الْمُحَاربين وهم قطاع الطَّرِيق بِأَن يجْتَمع طَائِفَة من أهل الْفساد على شهر السِّلَاح وَقطع الطّرق وَأخذ الْأَمْوَال وَقتل الْأَنْفس وَمنع السَّائِل فيجهز الإِمَام من يقاتلهم حَتَّى يرجِعوا عَن ذَلِك
الْوَظِيفَة الرَّابِعَة الْقَضَاء وَهِي الْقيام بالأحكمام الشَّرْعِيَّة وتنفيذها على أوَامِر الشَّرْع وَقطع المنازعات وَقد كَانَ (23 أ) الْقَضَاء فِي الزَّمن الْمُتَقَدّم قاصرا على قَاض وَاحِد من أَي مَذْهَب كَانَ بِبَغْدَاد الَّتِي هِيَ قَاعِدَة الْخلَافَة حِينَئِذٍ وَينصب هُوَ من يختاره من اهل مذْهبه أَو غَيرهم وَرُبمَا جعل بالجانب الشَّرْقِي متن بَغْدَاد قَاضِيا وبالجانب الغربي منهات قَاضِيا وَرُبمَا ولى القَاضِي بالبلاد
(1/77)

والنواحي من تَحت يَده وَرُبمَا كَانَ للناحية الْوَاحِدَة قَاض مُسْتَقل
قلت وعَلى هَذَا النهج فِي انْفِرَاد قَاض كَانَت الديار المصرية فِي الدولة الفاطمية حَتَّى رَأَيْت عهدا مَكْتُوبًا لِابْنِ النُّعْمَان فِي خلَافَة الْحَاكِم بِأَمْر الله الفاطمي قد كتب لَهُ بالديار المصرية وأجناد الشَّام وبلاد الْمغرب مُضَافا إِلَى ذَلِك النّظر فِي الصَّلَاة ودور الضَّرْب وَلم يزل الْأَمر جَارِيا بالديار المصرية على قَاض وَاحِد من لدن ذَلِك وَإِلَى الدولة الظَّاهِرِيَّة بيبرس البندقداري فِي سلطنته وَالْقَاضِي بهَا يَوْمئِذٍ القَاضِي تَاج الدّين بن الْأَعَز الشَّافِعِي فَحدث فِي أَيَّامه أوجب نصب السُّلْطَان اربعة قضتاة من كل مَذْهَب من الْمذَاهب الْأَرْبَعَة قَاض وَالْأَمر على ذَلِك بالديار المصرية الى الْآن
الْوَظِيفَة الْخَامِسَة ولَايَة الْمَظَالِم وَهِي قَود المتظالمين إِلَى التناصف بالرهبة وزجر المتنازعين عَن التجاحد بالهيبة وَهِي ولَايَة دَائِرَة بَين سطوة الْوُلَاة وَتثبت الْقُضَاة وَهِي فِي معنى حكم نَائِب السلطنة الان بَين
(1/78)

الْخُصُوم بِأَحْكَام السياسة
الْوَظِيفَة السَّادِسَة النقابة على ذوى الْأَنْسَاب كنقابة الطالبيين وَمن فِي معناهم على معنى نقابة الْأَشْرَاف فِي زَمَاننَا
الْوَظِيفَة السَّابِعَة النّظر على إِقَامَة الصَّلَوَات الْخمس وَالْجُمُعَة والصلوات المندوبة كالتراويح وَنَحْوهَا وَقد كَانَت هَذِه الْوَظِيفَة فِي الزَّمن الْمُتَقَدّم وَظِيفَة جليلة لَا يليلها إِلَّا جليل الْقدر من أهل الدّيانَة
الْوَظِيفَة الثَّامِنَة الْإِمَارَة على الْحَج من تسيير الحجيج وتدبير أَمرهم وَإِقَامَة الْحَج وَالْقِيَام بمناسكه (23 ب) وَأَحْكَامه
الْوَظِيفَة التَّاسِعَة جباية الصَّدقَات وَهِي الزكوات الْوَاجِبَة فِي الْمَوَاشِي والنقود والزروع وتحصيلها من أَرْبَابهَا وَحملهَا إِلَى بَيت المَال
الْوَظِيفَة الْعَاشِرَة النّظر فِي الْحِسْبَة وَهِي الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَمَا فِي معنى ذَلِك مِمَّا ينخرط فِي هَذَا السلك
(1/79)

قلت وَقد كَانَ فِي الزَّمن الْمُتَقَدّم يكْتب بِكُل ولَايَة من هَذِه الولايات عهد عَن الْخَلِيفَة بِمَا يَقع بِهِ لتولية وتشملها عَلامَة الْخَلِيفَة على عَادَة الولايات فِي ذَلِك وَلم يزل ذَلِك مستمرا إِلَى حِين انْقِرَاض الْخلَافَة من بَغْدَاد أما بعد انْتِقَال الْخلَافَة إِلَى الديار المصرية فقد صَارَت عَلامَة الْخَلِيفَة مَقْصُورَة على عهد السُّلْطَان بتفويض الْأُمُور الْعَامَّة إِلَيْهِ وتفاصيل الْأُمُور يشملها خطّ السُّلْطَان بِحكم تَفْوِيض الْخَلِيفَة ذَلِك إِلَيْهِ
(1/80)

الْبَاب الثَّانِي
فِي ذكر من ولى الْخلَافَة من أول الْإِسْلَام وهلم جرا إِلَى زَمَاننَا وتفصيل حَال كل خَليفَة وترتيب أُمُور الْخلَافَة على مَا كَانَت عَلَيْهِ فِي الزَّمن الْقَدِيم وَذكر الْمَشَاهِير مِمَّن ادّعى الْخلَافَة فِي بعض الأقاليم وَبطلَان شُبْهَة دعاويهم وَفِيه ثَلَاثَة فُصُول
الْفَصْل الأول فِيمَن ولى الْخلَافَة من صدر الْإِسْلَام وهلم جرا إِلَى زَمَاننَا وهم على أَربع طَبَقَات
الطَّبَقَة الاولى الْخُلَفَاء الراشدون رَضِي الله عَنْهُم وهم خَمْسَة خلفاء الأول مِنْهُم
أَبُو بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ بعد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ أَبُو بكر بن أبي قُحَافَة (24 أ) عُثْمَان بن
(1/81)

عَامر نب عَمْرو بن كَعْب بن تيم بن مرّة جد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي عدد الْآبَاء إِلَى مرّة سَوَاء بَين كل مِنْهُمَا وَبَينه سِتَّة آبَاء وَيُقَال إِنَّه كَانَ إسمه فِي الْجَاهِلِيَّة عبد الْكَعْبَة فَسَماهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عبد الله ولقبه عَتيق واخنلف فِي سَبَب تلقيبه بذلك فَقيل لِأَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَهُ أَنْت عَتيق من النَّار وَقد جَاءَ ذَلِك مُصَرحًا بِهِ فِي جَامع التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا وَقيل تلقب بذلك لجمال وَجهه ولقب بِالصديقِ لتصديقه خبر الأسراء حِين انكره الْمُشْركُونَ
وَأمه سلمى وتكنى أم الْخَيْر بنت صَخْر وَهِي بنت عَم أَبِيه
وَكَانَ رَضِي الله عَنهُ آدم اللَّوْن طَويلا خَفِيف العارضين غائر الْعَينَيْنِ ناتئ الْجَبْهَة أجنأ عاري الأشاجع يخضب بالجناء والكتم
(1/82)

بُويِعَ لَهُ بالخلافة بِالْمَدِينَةِ فِي الْيَوْم الذى توفى فِيهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ يَوْم الِاثْنَيْنِ لِاثْنَتَيْ عشر لَيْلَة خلت من ربيع الاول سنة احدى عشرَة من الْهِجْرَة وَكَانَ فِي كَفه خَاتم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد ثَبت انه كَانَ نقشه مُحَمَّد سَوَّلَ الله مُحَمَّد سطر وَرَسُول سطر وَالله سطر وَبَقِي حَتَّى توفّي فِي لَيْلَة الثُّلَاثَاء وَقيل يَوْم الْجُمُعَة لتسْع ليل بَقينَ من جمادي الاخرة سنة ثَلَاث عشة من الْهِجْرَة وَاخْتلف فِي سَبَب مَوته فَقيل سمته الْيَهُود فَمَاتَ بعد سنة وَقيل اغْتسل فِي يَوْم بَارِد فَحم وَمَات بعد خَمْسَة عشر يَوْمًا وَقيل مَاتَ بالسل وعمره يَوْمئِذٍ ثَلَاث وَسِتُّونَ سنة وغسلته زَوجته أَسمَاء بنت عُمَيْس وَحمل على سَرِير رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ سَرِير عائشه وَصلى عَلَيْهِ عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ وَدفن فِي حجرَة عائشه عِنْد النَّبِي صلى صلى الله وَسلم وَرَأسه قبالة كتفى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم 24 ب وَكَانَ لَهُ من الْوَلَد ثَلَاثَة ذُكُور وهم عبد الله من قتيلة توفّي فِي حَيَاته وَعبد الرَّحْمَن من ام رُومَان وَمُحَمّد من أَسمَاء بنت عُمَيْس وبنتان وهما عَائِشَة
(1/83)

زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهِي شَقِيقَة عبد الرَّحْمَن وَأَسْمَاء وَهِي شَقِيقَة عبد الله
الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
لما بُويِعَ لَهُ بالخلافة كَانَ اسامة بن زيد مبرزا فِي جَيش أمره عَلَيْهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من جُمْلَتهمْ عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ فَكَانَ اول امْر نفذه فِي خِلَافَته أَن خرج لتشييع اسامة مَاشِيا فهم اسامة بالنزول فَمَنعه ابو بكر رَضِي الله عَنهُ واستأذنه فِي اقامة عمر رَضِي الله عَنهُ ليعينه فِي أُمُور الْمُسلمين فَأذن لَهُ فِي ذَلِك وَكَانَت قبائل الْعَرَب خلا قُرَيْش وَثَقِيف قد ارْتَدَّت عَن الاسلام بعد وَفَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَجهز اليهم الجيوش وَقَاتلهمْ حَتَّى عَادوا الى الاسلام
قَالَ الطَّبَرِيّ وَفِي أول خِلَافَته أَتَى الْخَبَر بقتل الاسود العنسى الَّذِي كَانَ قد تنبأ بِصَنْعَاء وَكَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد اتاه الْوَحْي بقتْله قبل وَفَاته وَأخْبر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بذلك اصحابه وَقيل انما قتل فِي خلَافَة ابي بكر رَضِي الله عَنهُ
(1/84)

وَفِي ايامه قتل مسيلمه الْكذَّاب وَكَانَ قد تنبأ بِالْيَمَامَةِ وَتَبعهُ خلق كثير فَقتله وَحشِي قَاتل حَمْزَة عَم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وَفِي ايامه سَار خَالِد بن الْوَلِيد رَضِي الله عَنهُ بعد قتل مُسَيْلمَة الى الْعرَاق فَصَالحه اهل الْحيرَة على جِزْيَة حملهَا الى الْمَدِينَة فَكَانَت اول جِزْيَة حملت اليها
وَفِي ايامه فتح خَالِد بن الْوَلِيد الانبار وَعين التَّمْر من الْعرَاق وَبعث السَّبي الى الْمَدِينَة وَتوجه الى دومة الجندل فَقتل ملكهَا اكيدر الجندل وسبى ابْنَته
وَفِي ايامه فتحت بصرى م الشَّام وَهِي اول مَدِينَة فتحت بِالشَّام
وَحج بِالنَّاسِ فِي السّنة الثَّانِيَة من خِلَافَته
وَهُوَ اول (25 أ) من جمع الْقُرْآن بَين دفتي المصحق حِين اصيب الْمُسلمُونَ بِالْيَمَامَةِ فِي وقْعَة مُسَيْلمَة وَالْقُرْآن حِينَئِذٍ فِي صُدُور الرِّجَال وَفِي الرّقاع والعسب فَجَمعه
(1/85)

وَسَماهُ مُصحفا فَكَانَ عِنْده إِلَى أَن توفى فبقى عِنْد حَفْصَة أم الْمُؤمنِينَ زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمِنْه كتبت الْمَصَاحِف فِي خلَافَة عُثْمَان رضى الله عَنهُ وسيرت إِلَى الْأَمْصَار على مل سَيَأْتِي ذكره فِي خلَافَة عُثْمَان رضى الله عَنهُ
وَكَانَ رضى الله عَنهُ يَأْخُذ من بَيت المَال فِي كل يَوْم ثَلَاثَة دَرَاهِم أجره فَلَمَّا حَضرته الْوَفَاة قَالَ لعَائِشَة رضى الله عَنْهَا انْظُرُوا مَا زَاد فِي مَال أبي بكر مذ ولى الْخلَافَة فرديه على الْمُسلمين فَنَظَرت فَإِذا بكر ومحسة وقطيفة لَا تساوى خَمْسَة دَرَاهِم فَلَمَّا جَاءَ ذَلِك عمر قَالَ رحم الله أَبَا بكر لقد كلف من بعده تعبا
ولايات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته
كَانَ فِي زمن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على مَكَّة عتاب ابْن أسيد فَأقر أَبُو بكر وعَلى صنعاء الْيمن قيس بن
(1/86)

عبد يَغُوث المرادى ولاه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَيْهَا فولى أَبُو بكر رضى الله عَنهُ مَكَانَهُ فَيْرُوز الديلمي ثمَّ ولى المُهَاجر بن أبي أُميَّة وَعِكْرِمَة بن أبي جهل على قتال أهل الرِّدَّة ثمَّ اسْتَقر الْيمن فِي ولَايَة يعلى بن منية
الثَّانِي من الْخُلَفَاء الرَّاشِدين
عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ
وَهُوَ أَبُو حَفْص عمر بن الْخطاب بن عبد الْعُزَّى بن قرط بن رزاح بن عدي بن كَعْب جد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَبَينه وَبَين كَعْب ثَمَانِيَة آبَاء ولقب بالفاروق لفرقه بَين الْحق وَالْبَاطِل حِين أعلن بلإسلام وَاخْتلف فِي أول من لقبه بذلك فَقيل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقيل أهل الْكتاب وَقد جَاءَ أَن الْيَهُود قَالُوا لَهُ إِنَّا نجد فِي كتبنَا أَنَّك قرن قَالَ قرن مَه قَالُوا قرن من حَدِيد وَأمه خيثمه بنت هِشَام المَخْزُومِي
(1/87)

كَانَ رَضِي الله عَنهُ أَبيض أمهق طوَالًا كَأَنَّهُ رَاكب (25 ب) جمل أصلع الرَّأْس
ولى الْخلَافَة بِعَهْد من أبي بكر رَضِي الله عَنهُ على مَا تقدم ذكره فِي الْبَاب الأول فِي الْكَلَام على عهود الْخُلَفَاء وبويع لَهُ بهَا بِالْمَدِينَةِ يَوْم مَاتَ أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ لتسْع بَقينَ من جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاث عشرَة من الْهِجْرَة
قَالَ ابْن حزم فِي نقط الْعَرُوس وَكَانَ سنه حِين ولي الْخلَافَة دون السِّتين سنة وَكَانَ فِي كَفه خَاتم رَسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَلقاهُ عَن أبي بكر رَضِي الله عَنهُ بعد وَفَاته وَقد تقدم ذكر نقشه وَبَقِي حَتَّى توفّي لأَرْبَع بَقينَ من ذِي الْحجَّة وَقيل لليلتين بَقِيَتَا مِنْهُ سنة ثَلَاث وَعشْرين من الْهِجْرَة طعنه أَبُو لؤلؤة الْفَارِسِي غُلَام الْمُغيرَة بن شُعْبَة وَكَانَ مجوسيا وَقيل نَصْرَانِيّا ثَلَاث طعنات إِحْدَاهُنَّ تَحت سرته فَبَقيَ ثَلَاثًا ثمَّ مَاتَ وَصلى عَلَيْهِ صُهَيْب الرُّومِي وَدفن بحجرة
(1/88)

عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا عِنْد صَاحِبيهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأبي بكر رَضِي الله عَنهُ وَوجه قبالة كَتِفي أبي بكر وعمره خمس وَخَمْسُونَ سنة وَمُدَّة خِلَافَته عشر سِنِين
وَكَانَ لَهُ خَمْسَة أَوْلَاد ذُكُور وهم عبد الله من زَوجته زَيْنَب وعبيد الله من زَوجته مليكَة وَزيد من أم كُلْثُوم بنت عَليّ بن أبي طَالب وَعبد الرَّحْمَن وكنيته أَبُو شحمة وبنتان وهما حَفْصَة زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهِي شَقِيقَة عبد الله وَفَاطِمَة وَهِي شَقِيقَة زيد
الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
لما ولى الْخلَافَة استكتب زيد بن ثَابت وعبد الله بن خلف الْخُزَاعِيّ وَجعل على بَيت المَال زيد بن أَرقم واستقضى شُرَيْح بن الْحَارِث قَالَ الدولاني وَبَقِي فِي
(1/89)

الْقَضَاء بعد ذَلِك سِتِّينَ سنة حَتَّى مَاتَ سنة سبع وَثَمَانِينَ فِي خلَافَة الْوَلِيد بن عبد الْملك عَن مائَة وَعشْرين سنة وَقيل إِنَّمَا بقى خمْسا وَسبعين سنة تعطل مِنْهَا ثَلَاث سِنِين فِي فتْنَة ابْن الزبير
وَفِي أَيَّامه كَانَت فتوح الْأَمْصَار
فَفتح من بِلَاد الشَّام دمشق صلحا على يَد أبي عُبَيْدَة ابْن الْجراح وخَالِد بن الْوَلِيد وَفتحت بيسان وطبرية وقيسارية وفلسطين وعسقلان وَسَار بِنَفسِهِ فَفتح بَيت الْمُقَدّس صلحا ثمَّ فتح بعد لَك بعلبك وحمص وحلب وقنسرين وأنطاكية والرقة وحران والموصل والجزيرة وتصيبين وآمد والرها
وَفتح من الْعرَاق الْقَادِسِيَّة والمدائن على يَد سعد بن وَقاص وَانْهَزَمَ ملك الْفرس إِلَى فرغانة وبلاد التّرْك
وَفتحت كور دجلة والأبلة على يَد عتبَة بن غَزوَان
وَفتحت كور الأهواز على يَد أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ
وَفتحت نهاوند أصطخر وأصبهان وتستر والسوس
(1/90)

وأذربيجان بعض أَعمال خُرَاسَان
فِي أَيَّامه سدت فرج الشَّام ورتبت دروبها
فِي أَيَّامه غزا مُعَاوِيَة الرّوم حَتَّى بلغ عمورية
فِي خِلَافَته بنيت الْبَصْرَة والكوفة
فِي خِلَافَته فِي ثَمَان عشرَة كَانَ عَام الرَّمَادَة بالحجاز وَهُوَ الغلاء الشَّديد فَاسْتَسْقَى عمر رَضِي الله عَنهُ بِالْعَبَّاسِ عَم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ سلم فسقوا وَكتب عمر إِلَى عَمْرو بن الْعَاصِ وَهُوَ أَمِير مصر يمئذ يشك قحط الْحجاز مَا الْمُسلمُونَ فِيهِ من الشدَّة فَكتب إِلَيْهِ عمر لأمدنك بعير طَعَام أَوله عِنْدِي آخِره عنْدك ثمَّ أَخذ فِي حفر خليج الْقَاهِرَة الَّذِي فَمه عِنْد موردة الْخُلَفَاء بِمصْر فوصل بِهِ إِلَى بلبيس ثمَّ إِلَى السويس سَاحل بَحر القلزم فِي ثَمَانِيَة أشهر وَجرى فِيهِ مَاء النّيل حملت الغلال فِيهِ إِلَى السويس ثمَّ من السويس إِلَى الْحجاز فِي عَامَّة
وَفِي أَيَّامه سنة ثَمَان عشرَة كَانَ طاعون عمواس وَهِي بَلْدَة بِالشَّام نسب الطاعن إِلَيْهَا مَاتَ فِيهِ خَمْسَة وعشرن
(1/91)

ألفا مِنْهُم أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح ومعاذ بن جبل
وَقد تقدم فِي ألقاب الْخُلَفَاء أَنه أول من لقب بأمير الْمُؤمنِينَ
وَهُوَ أول من أرخ بِالْهِجْرَةِ وَأول من ختم الْكتب بعد (26 ب) النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأول من جمع النَّاس على إِمَام وَاحِد فِي صَلَاة التَّرَاوِيح فِي رَمَضَان وَأول من اتخذ الدرة ليعزر بهَا الجناة فَكَانَ لَهَا عِنْدهم من الهيبة مَا لَا فَوْقه حَتَّى قَالَ الشّعبِيّ إِن درة عمر لأهيب من سيف الْحجَّاج على مَا سَيَأْتِي بَيَانه فِي الْبَاب السَّابِع إِن شَاءَ الله تَعَالَى
ولايات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته
كَانَ على مصر حِين فتحهَا فِي أَيَّامه عَمْرو بن الْعَاصِ رَضِي الله عَنهُ بتولية مِنْهُ وَهُوَ أول من وَليهَا فِي الْإِسْلَام وَهُوَ الَّذِي اختط مَدِينَة الْفسْطَاط على الْقرب من قصر الشمع الَّذِي كَانَت الْفرس قد بنته حَال ملكهم الديار المصرية وَبنى الْجَامِع الْعَتِيق وَيُقَال إِنَّه وقف على إِقَامَة
(1/92)

محرابه ثَمَانُون رجلا من الصَّحَابَة رضى الله عَنْهُم
وَكَانَ على الشَّام أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح بِولَايَة مِنْهُ أَيْضا حِين الْفَتْح ثمَّ صرفه عَنهُ وَولى مَكَانَهُ مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان
الثَّالِث من الْخُلَفَاء الرَّاشِدين عُثْمَان بن عَفَّان رضى الله عَنهُ
وَهُوَ أَبُو عبد الله وَقيل أَبُو عمر وَقيل أَب ليلى عُثْمَان ابْن عَفَّان بن أبي الْعَاصِ بن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف جد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وكنيته ذُو النورين لِأَنَّهُ تزوج ابنتى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رقية وَأم كُلْثُوم
وَأمه أروى بنت كريز بن ربيعَة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد منَاف
كَانَ رضى الله عَنهُ أسمر اللَّوْن معتدل الْقَامَة وَقيل طوَالًا حسن الْوَجْه بِوَجْه أثر جدرى عَظِيم اللِّحْيَة
(1/93)

أصلع يصفر لحيته وَقيل إِنَّه كَانَ يشبك أَسْنَانه بِالذَّهَب
بُويِعَ بالخلافة بعد موت عمر رضى الله عَنهُ غرَّة الْمحرم سنة أَربع وَعشْرين من الْهِجْرَة وَقد تقدم أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر رضى الله عَنهُ تَركهَا شُورَى فِي السِّتَّة الْمَذْكُورين فِي الْبَاب الأول وهم عُثْمَان وَعلي وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَالزُّبَيْر بن الْعَوام وَسعد بن أبي وَقاص وَطَلْحَة فآل (27 أ) الْأَمر مِنْهُم إِلَى عُثْمَان على مَا تقدم ذكره هُنَاكَ
قَالَ فِي نقط الْعَرُوس وَاخْتلف فِي سنة حِين وَليهَا فَقيل إِنَّه ولى وَله مَا بَين ثَمَان وَخمسين إِلَى إِحْدَى وَخمسين سنة وَقيل أقل من ذَلِك قَالَ وَالْحق الَّذِي لَا شكّ فِيهِ أَنه لم يكن بلغ سِتِّينَ سنة وَكَانَ فِي كَفه خَاتم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد تقدم ذكر نقشه فبقى فِي يَده نَحوا من سِتّ سِنِين من خِلَافَته حَتَّى سقط مِنْهُ فِي بِئْر أريس من بئار الْمَدِينَة فَمَا قدر عَلَيْهِ فَاتخذ
(1/94)

عُثْمَان رضى الله عَنهُ مَكَانَهُ خَاتمًا من فضَّة وَنقش عَلَيْهِ وَفِيمَا يُقَال آمَنت بِاللَّه الَّذِي خلق فسوى وَقيل نقش عَلَيْهِ لتصبرن أَو لتندمن وبقى حَتَّى قتل بداره يَوْم السبت وَقيل يَوْم الْجُمُعَة لثمان بَقينَ من ذى الْحجَّة سنة خمس وَثَلَاثِينَ من الْهِجْرَة وَقيل يَوْم الْأَضْحَى من السّنة الْمَذْكُورَة وَسنة يَوْمئِذٍ اثْنَتَانِ وَثَمَانُونَ سنة وَقيل تسع وَثَمَانُونَ وَقيل تسعون وَدفن يَوْم السبت وَقيل الظّهْر وَقيل دفن لَيْلًا وقبره بِالبَقِيعِ خَارج الْمَدِينَة بِأَرْض يُقَال لَهَا حش كَوْكَب كَانَ عُثْمَان اشْتَرَاهَا وزادها فِيهِ والحش النَّبَات
وَكَانَت مُدَّة خِلَافَته اثْنَتَيْ عشرَة سنة إِلَّا اثنى عشر يَوْمًا وَقيل إِلَّا ثَمَانِيَة أَيَّام وَكَانَ لَهُ من الْأَوْلَاد الذُّكُور عبد الله الْأَكْبَر وَعبد الله الْأَصْغَر كِلَاهُمَا من رقية بنت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَاتَا طفلين وَعَمْرو وَعمر وَأَبَان خَالِد وَسَعِيد والمغيرة وَمن الْإِنَاث أم سعيد أم أبان وَعَائِشَة وَأم عَمْرو وَغير هَؤُلَاءِ
(1/95)

الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
فِي أَيَّامه فتحت كرمان وسجستيان ونيسابور وَفَارِس وطبرستان وهراة وَبَاقِي خرسان وَفتحت أَيْضا أرمينية وَفتحت إفريقية وقبرص
وَقتل يزدجرد ملك الْفرس بعد أَن كَانَ هرب إِلَى فرغانة وبلاد التّرْك
وغزا مُعَاوِيَة الْقُسْطَنْطِينِيَّة سنة (27 ب) ثَلَاثِينَ
وَفِي أَيَّامه توفى الْعَبَّاس عَم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن ثَمَان وَثَمَانِينَ سنة وَكَانَ من شَأْنه أَنه إِذا مر بِهِ عمر وَعُثْمَان فِي خِلَافَتهمَا وهما رَاكِبًا ترجلا لَهُ إجلالا وتعظيما
وَتوفى أَيْضا عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن خمس وَسبعين سنة وَكَانَ من أَكثر الصَّحَابَة ثروة وَأوصى لكل رجل من أهل بدر بِأَرْبَع مائَة دِينَار وهم حِينَئِذٍ مائَة رجل وَقسمت تركته على سِتَّة عشر سَهْما كَا سهم مائَة ألف دِينَار
وَفِي أَيَّامه وَقع الِاخْتِلَاف فِي الْقرَاءَات وَقدم حُذَيْفَة من غَزْوَة أرمينية فَقَالَ لعُثْمَان أدْرك النَّاس لِئَلَّا يَخْتَلِفُوا
(1/96)

فِي الْقُرْآن اخْتِلَاف الْيَهُود وَالنَّصَارَى فِي كتابيهم قَالَ وَلم ذَاك قَالَ حضرت غَزْوَة أرمينية فَحَضَرَ أهل الْعرَاق وَأهل الشَّام فَكَانَ كل فرقة مِنْهُم تكفر الْأُخْرَى فِي قرَاءَتهَا فَأمر زيدا فَكتب مُصحفا وعارضه بالمصحف الذى كَانَ عِنْد حَفْصَة وَهُوَ الذى أجمع عَلَيْهِ فِي زمن أبي بكر رضى الله عَنهُ وَأمر بكتب مصاحف على ذَلِك وأنفذها إِلَى الْأَمْصَار وَحرق مَا عَداهَا من الْمَصَاحِف وَذَلِكَ بِمحضر من الصَّحَابَة رضى الله عَنْهُم
ولايات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته
كَانَ على مصر عَمْرو بن الْعَاصِ فولاها عُثْمَان أَخَاهُ من
(1/97)

الرضَاعَة عبد الله بن أبي سرح ثمَّ حضر إِلَى عُثْمَان فِي آخر سنة خمس وَثَلَاثِينَ واستخلف عَلَيْهَا عقبَة بن عَامر الْجُهَنِيّ فَوَثَبَ عَلَيْهِ مُحَمَّد بن أبي حُذَيْفَة فِي شَوَّال مِنْهَا فَأخْرجهُ مِنْهَا وخلع طَاعَة عُثْمَان تَأمر على مصر ثمَّ عَاد إِلَيْهَا ابْن أبي سرح فَلم يُمكنهُ من الدُّخُول إِلَيْهَا فَرجع إِلَى عسقلان وَمَات بهَا وَلم يزل ابْن أبي حُذَيْفَة متأمرا عَلَيْهَا حَتَّى قتل عُثْمَان وَلم يزل على ذَلِك حَتَّى قدم مُعَاوِيَة
(1/98)

مصر وَيُقَال إِن عُثْمَان ولى عَلَيْهَا أَبَا يحيى العامرى
وَكَانَ على الشَّام مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان فَأمره عَلَيْهَا
وَكَانَ على الْيمن يعلى بن (28 أ) منية
وَكَانَ على إفريقية وَمَا مَعهَا من بِلَاد الْمغرب عبد الله بن أبي سرح من حِين فتحهَا على يَده على مَا سَيَأْتِي ذكره
الرَّابِع من الْخُلَفَاء الرَّاشِدين عَليّ بن أبي طَالب رضى الله عَنهُ
وَهُوَ أَبُو الْحسن عَليّ بن أبي طَالب واسْمه عبد منَاف ابْن عبد الْمطلب جد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وَأمه فَاطِمَة بنت أَسد بن هَاشم أسلمت وَهَاجَرت
ولقبه حيدرة وَهُوَ أول أَبَوَاهُ هاشميان
(1/99)

كَانَ رضى الله عَنهُ شَدِيد الأدمة حسن الْوَجْه عَظِيم الْعَينَيْنِ بطينا أصلع عَظِيم اللِّحْيَة كثير شعر الصَّدْر مائلا إِلَى الْقصر كثير التبسم بُويِعَ لَهُ بالخلافة بِالْمَدِينَةِ بعد قتل عُثْمَان لثمان بَقينَ من ذى الْحجَّة سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَتَأَخر قوم عَن مبايعته
قَالَ فِي نقط الْعَرُوس وَكَانَ عمره يَوْمئِذٍ دون السِّتين وَكَانَ نقش خَاتمه الْملك لله الْوَاحِد القهار وبقى حَتَّى ضربه عبد الرَّحْمَن بن ملجم المرادى لَيْلَة الْجُمُعَة لسبع عشرَة لَيْلَة خلت من رَمَضَان سنة أَرْبَعِينَ من الْهِجْرَة فَمَاتَ بعد ثَلَاث وعمره سِتُّونَ سنة وَقيل سبع وَخَمْسُونَ وَقيل ثَمَان وَخَمْسُونَ وَصلى عَلَيْهِ ابْنه الْحسن وَدفن بِالْكُوفَةِ عِنْد مَسْجِد الْجَمَاعَة فِي قصر الأمارة وغيب قَبره
وَقَالَ الواقدى دفن لَيْلًا وَمُدَّة خِلَافَته خمس سِنِين إِلَّا ثَلَاثَة أشهر
وَكَانَ لَهُ من الْوَلَد أَرْبَعَة عشر ذكرا مِنْهُم الْحسن وَالْحُسَيْن ومحسن من فَاطِمَة بنت الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ
(1/100)

وَسلم وَالْعَبَّاس وجعفر وَعبد الله وَعُثْمَان من أم الْبَنِينَ الْكلابِيَّة وَعبد الله وَأَبُو بكر وَمُحَمّد الْأَصْغَر وَيحيى من أَسمَاء بنت عُمَيْس وَعمر من الصَّهْبَاء بنت ربيعَة وَمُحَمّد الْأَوْسَط من أُمَامَة بنت أبي الْعَاصِ من زَيْنَب بنت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمُحَمّد بن الحنيفة من خَوْلَة بنت جَعْفَر من بنى حنيفَة وثمانى عشرَة امْرَأَة النَّسْل مِنْهُم فِي خَمْسَة وهم الْحسن وَالْحُسَيْن من فَاطِمَة بنت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمُحَمّد بن الحنيفة وَعمر وَالْعَبَّاس والشرف (28 أ) مِنْهُم لِلْحسنِ وَالْحُسَيْن لانتسابهما إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من حَيْثُ إِن من خَصَائِصه صلى الله عليع وَسلم أَن ينْسب إِلَيْهِ أَوْلَاد بَنَاته بِخِلَاف غَيره من الْأمة
وَكَانَ نقش خَاتمه الْملك لله الْوَاحِد القهار
الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
لما بُويِعَ بالخلافة أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعَة أشهر إِلَى أَن اجْتمع على عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ رضى اله عَنْهَا طَلْحَة وَالزُّبَيْر
(1/101)

وَغَيرهمَا وَحملُوهَا على جمل يُقَال لَهُ عَسْكَر وَسَارُوا بهَا إِلَى الْبَصْرَة من الْعرَاق لطلب ثأر عُثْمَان فَخرج عَليّ فِي طَلَبهمْ فِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وانضم إِلَيْهِ أهل الْكُوفَة فَكَانَ بَينهم وقْعَة الْجمل الْمَشْهُورَة قتل فِيهَا من أَصْحَاب عَائِشَة ثَمَانِيَة آلَاف فيهم طَلْحَة وفر الزبير بوادى السبَاع
قَالَ القضاعى وَيُقَال إِنَّه قتل مِنْهُم سَبْعَة عشر ألفا وَيُقَال إِنَّه قطع على خطام جمل عَائِشَة مِمَّن يَقُودهُ إِلَى الْحَرْب سَبْعُونَ يدا كلهم من بنى ضبة كلما قطعت يَد رجل تقدم آخر مَكَانَهُ وَقتل من أَصْحَاب عَليّ نَحْو ألف ثمَّ فِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ دَعَا مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان بِالْأَمر لنَفسِهِ بِالشَّام وَسَار من الشَّام إِلَى عَليّ بالعراق وَسَار إِلَيْهِ عَليّ فَالْتَقَيَا بصفين على الْفُرَات وَكَانَ عَليّ فِي تسعين ألفا وَمُعَاوِيَة فِي مائَة ألف فَقتل من أهل الْعرَاق خَمْسَة وَعشْرين ألفا مِنْهُم خَمْسَة وَعِشْرُونَ بَدْرِيًّا وَكَانَ فِي جملَة من قتل مِنْهُم عمار بن اسر الذى قَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تقتلك الفئة الباغية وَقتل من عَسْكَر
(1/102)

مُعَاوِيَة خَمْسَة وَأَرْبَعُونَ ألفا ثمَّ تداعيا إِلَى الْحُكُومَة فَحكم عَليّ وَأهل الْكُوفَة أَبَا مُوسَى الأشعرى وَحكم مُعَاوِيَة وَأهل الشَّام عَمْرو بن الْعَاصِ وَاجْتمعَ الحكمان بدومة الجندل واتفقا على أَن يخلعا عليا وَمُعَاوِيَة ويختارا للْمُسلمين خَليفَة يرضونه لمكيدة كادها عَمْرو (29 أ) ثمَّ تقدما إِلَى النَّاس فَبَدَأَ أَبُو مُوسَى فَخلع عليا فَقَالَ عَمْرو وَأَنا قد أثبت مُعَاوِيَة على الْخلَافَة فرضى أهل الشَّام وَامْتنع أهل الْعرَاق وَخَرجُوا على عَليّ فسموا الْخَوَارِج ثمَّ عَاد عَليّ لقتالهم فِي سنة تسع وَثَلَاثِينَ ثمَّ لم يزل مَعَهم فِي حَرْب إِلَى أَن قَتله ابْن ملجم على مَا تقدم ذكره وَلم يحجّ عَليّ رضى الله عَنهُ فس شَيْء من خِلَافَته لاشتغاله بِالْحَرْبِ
ولايات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته
كَانَ عَليّ مصر أَبُو يحيى العامرى فتوفى سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ فولى مَكَانَهُ قيس بن سعد بن عبَادَة الخزرجي ثمَّ عَزله وَولى مَالك بن الْحَارِث الأشتر وَكتب لَهُ بذلك عهدا فَسَار حَتَّى بلغ القلزم فسم فس عسل شربه فَمَاتَ فولاها
(1/103)

من بعده مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق رضى الله عَنهُ فولى عَلَيْهَا سهل بن حنيف
وَكَانَ مُعَاوِيَة مستوليا على الشَّام
وَلم أَقف على من كَانَ بِمَكَّة وَالْمَدينَة
وَولى على الْيمن عبيد الله بن عَبَّاس ثمَّ أَخَاهُ عبد الله
وَولى على الْبَصْرَة عُثْمَان بن حنيف
وَولى على الْكُوفَة دَار إِقَامَته عمار بن حسان
وَكَانَ على إفريقية وبلاد الْمغرب عبد الله بن أبي سرح
(1/104)

الْخَامِس من الْخُلَفَاء الرَّاشِدين الْحسن بن عَليّ رضى الله عَنْهُمَا
وَهُوَ أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب الْمُقدم ذكره
وَأمه فَاطِمَة بنت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
كَانَ رضى الله عَنهُ أشبه النَّاس برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من راسه إِلَى سرته وَالْحُسَيْن رضى الله عَنهُ أشبه بِهِ من سرته إِلَى قدمه وَهُوَ أكبر من الْحُسَيْن بِسنة وَاحِدَة وَكَانَ رضى الله عَن مطلاقا تزوج كثيرا من النِّسَاء فَصَعدَ عَليّ كرم الله وَجهه (29 ب) الْمِنْبَر وَقَالَ أَيهَا النَّاس أَلا لَا يزوجن أحد مِنْكُم الْحسن بن عَليّ فَإِنَّهُ مطلاق فَنَهَضَ رجل من هَمدَان قَبيلَة من الْيمن وَقَالَ وَالله لنزوجنه إِن أمهر أمهر كثيفا وَإِن أولد أولد شريفا فَقَالَ عَليّ رضى الله عَنهُ عِنْد ذَلِك
... وَلَو كنت بوابا على بَاب جنَّة ... لَقلت لهمدان ادخلي بِسَلام ...
بُويِعَ بالخلافة يَوْم موت أَبِيه عَليّ رضى الله عَنهُ لسبع
(1/105)

عشرَة لَيْلَة خلت من رَمَضَان سنة أَرْبَعِينَ من الْهِجْرَة وَأول من بَايعه سعد بن عبَادَة الأنصارى وَكَانَت يَده شلاء فَقيل لَا يتم هَذَا الْأَمر
قَالَ فِي نقط الْعَرُوس وَكَانَ عمره حِينَئِذٍ مَا بَين ثَلَاثِينَ سنة إِلَى الْأَرْبَعين
وَكَانَ نقش خَاتمه لَا إِلَه إِلَّا الله الْحق الْمُبين
وبقى إِلَى خلع نَفسه من الْولَايَة وَسلم الْأَمر لمعاوية ابْن أبي سُفْيَان كفا للفتنة بَين الْمُسلمين فِي ربيع الأول وَقيل فِي جُمَادَى الأولى سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين فَكَانَت خِلَافَته على القَوْل الأول خَمْسَة أشهر وَنَحْو نصف شهر وعَلى الثَّانِي خَمْسَة أشهر وكسرا وعَلى الثَّالِث سَبْعَة أشهر وكسرا
وَتوفى بعد خلعه بِالْمَدِينَةِ فِي ربيع الأول سنة تسع وَأَرْبَعين من الْهِجْرَة وَقيل توفّي لثمان خلون من الْمحرم سنة خمسين وَصلى عَلَيْهِ سعيد بن الْعَاصِ وَيُقَال إِن مُعَاوِيَة لما بلغه مَوته سجد شكرا
وَقد قيل إِن زَوجته جعدة بنت الْأَشْعَث سمته فَمَاتَ من
(1/106)

حَيْثُ إِن يزِيد بن مُعَاوِيَة وعدها أَن يَتَزَوَّجهَا إِن سمته فَفعلت وَلم يوف لَهَا
وَدفن بِالبَقِيعِ على الْقرب من قبر الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب وَقد بني عَلَيْهِمَا قبَّة عَظِيمَة ترى من خَارج الْمَدِينَة على بعد
وَكَانَ لَهُ من الْوَلَد حسن الْأَصْغَر وَزيد (30 أ) وَعَمْرو وَالْحُسَيْن الْأَثْرَم وَالقَاسِم وَأَبُو بكر وَطَلْحَة وعبد الله وَعبد الرَّحْمَن
والعقب مِنْهُم لحسن وَزيد دون سواهُمَا وَالقَاسِم وَأَبُو بكر قتلا مَعَ عَمهمَا الْحُسَيْن وعبد الله قتل بالطف
وَكَانَ لَهُ بَنَات أَيْضا
الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
لما بُويِعَ بالخلافة أَقَامَ بِالْكُوفَةِ إِلَى شهر ربيع الأول سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَقتل عبد الرَّحْمَن بن ملجم قَاتل أَبِيه يُقَال إِنَّه ضربه بِالسَّيْفِ فاتقاه بِيَدِهِ فندرت
(1/107)

ثمَّ قَتله بعد ذَلِك وَكَانَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ قد جهز قبل مَوته أَرْبَعِينَ ألفا لِحَرْب مُعَاوِيَة فتجهز الْحسن بعد مبايعته لِلْخُرُوجِ بذلك الْجَيْش وَسَار من الْكُوفَة للقاء مُعَاوِيَة وَاشْترط عَلَيْهِ شُرُوطًا وَقَالَ إِن أَنْت أجبْت إِلَيْهَا فَأَنا سامع مُطِيع وَكَانَ مَشْرُوطَة عَلَيْهِ أَن لَا يسب عليا وَأَن يُعْطِيهِ مَا بِبَيْت مَال الْكُوفَة فَأَجَابَهُ مُعَاوِيَة إِلَى ذَلِك وَسلم الْأَمر إِلَيْهِ على ذَلِك وَرجع إِلَى الْمَدِينَة فبقى بهَا إِلَى أَن توفّي على مَا تقدم ذكره وَكَانَ فِي خلعه نَفسه وَتَسْلِيم الْأَمر لمعاوية ظُهُور معجزتين للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
إحدهما أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي حَقه ابنى هَذَا سيد وسيصلح الله بهبين فئتين عظيمتين من الْمُسلمين فَكَانَ الْأَمر كَذَلِك
وَالثَّانيَِة أَنه حسب يَوْم تَسْلِيمه فَكَانَ تَمام ثَلَاثِينَ سنة وَقد تقدم أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الْخلَافَة بعدى ثَلَاثُونَ سنة ثمَّ تكون ملكا
(1/108)

ولايات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته
كَانَت عماله على الْأَمْصَار عُمَّال أَبِيه الْمُقدم ذكرهم إِذْ لم يمض لَهُ من الزَّمن مَا يسع فِيهِ تَغْيِير الْعمَّال مَعَ اشْتِغَاله بِحَرب مُعَاوِيَة
فَكَانَ على مصر سهل بن حنيف
وَالشَّام بيد مُعَاوِيَة وعَلى الْيمن عبد الله بن (30 ب) عَبَّاس وعَلى الْبَصْرَة عُثْمَان بن حنيف وعَلى الْكُوفَة عمار بن حسان وعَلى إفريقية عبد الله بن أبي سرح
الطَّبَقَة الثَّانِيَة من الْخُلَفَاء خلفاء بنى أُميَّة
وهم أبعة عشر خَليفَة وَكَانَت مقرتهم بِالشَّام وَمُدَّة خلافتهم نَيف وَتسْعُونَ سنة
الأول مِنْهُم مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان
وَهُوَ أَبُو عبد الرَّحْمَن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان واسْمه صَخْر ابْن حَرْب بن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف جد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
(1/109)

وَقد قيل إِنَّه كَانَ لخلفاء بنى أُميَّة هَؤُلَاءِ ألقاب تخصهم كألقاب بنى الْعَبَّاس وَإِن لقب مُعَاوِيَة كَانَ النَّاصِر لحق الله
وَأمه هِنْد بنت عتبَة بن ربيعَة بن عبد شمس
أسلم هُوَ وَأَبوهُ يَوْم الْفَتْح وَذَهَبت إِحْدَى عينى أَبِيه يَوْم الطَّائِف وَذَهَبت الْأُخْرَى يَوْم اليرموك
وَكَانَ أَبيض طَويلا إِذا ضحك انقلبت شفته الْعليا وَكَانَ يخضب بِالْحِنَّاءِ والكتم
بُويِعَ بالخلافة اليبعة الْعَامَّة حِين سلم إِلَيْهِ الْحسن الْأَمر بِالْكُوفَةِ فِي الْخَامِس وَالْعِشْرين من شهر ربيع الأول سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين من الْهِجْرَة وَقَالَ الدولابي فِي ذى الْحجَّة بِبَيْت الْمُقَدّس سنة أَرْبَعِينَ وَكَانَ قد بُويِعَ قبل ذَلِك يَوْم اجْتِمَاع الْحكمَيْنِ بصفين
قَالَ فِي نقط الْعَرُوس وَكَانَ سنه يَوْمئِذٍ دون السِّتين سنة وَكَانَ نقش خَاتِمَة لكل عمل ثَوَاب وَقيل كَانَ نقشه لَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
(1/110)

وَهُوَ أول من رتب الْخلَافَة وَأقَام أبهتها وأجراها على قَاعِدَة الْملك وهوأول من عمل الْمَقْصُورَة فِي الْجَامِع من الْخُلَفَاء ليصلى فِيهَا يَوْم الْجُمُعَة وَأول من رتب الْبَرِيد فِي الْإِسْلَام على مَا سيأتى ذكره فِي الْبَاب السَّابِع إِن شَاءَ الله تَعَالَى وبقى حَتَّى توفى بِدِمَشْق فِي مستهل شهر رَجَب سنة سِتِّينَ من الْهِجْرَة وَقيل فِي النّصْف من (21 أ) رَجَب وعمره ثَمَان وَسَبْعُونَ سنة وَقيل خمس وَسَبْعُونَ وَقيل خمس وَسَبْعُونَ وَقيل سَبْعُونَ
وَاخْتلف فِيمَن صلى عَلَيْهِ فَقيل ابْنه يزِيد وَقيل إِن يزِيد كَانَ غَائِبا وَإِن الذى صلى عَلَيْهِ الضَّحَّاك بن قيس وَدفن بِدِمَشْق بَين بَاب الْجَابِيَة وَبَاب الصَّغِير
وَمُدَّة خِلَافَته مُنْذُ اجْتمع لَهُ الْأَمر بتسلم الْحسن إِلَيْهِ تسع عشرَة سنة وَثَلَاثَة أشهر وَسَبْعَة وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَقيل وَخَمْسَة أَيَّام
قَالَ الدولابي وَأقَام على الشَّام أَرْبَعِينَ سنة واليا عَلَيْهَا فِي خلَافَة عمر أَربع سِنِين وَفِي خلَافَة عُثْمَان أثنتا عشرَة سنة كَذَلِك وَخمْس سِنِين يُقَاتل عليا ومنذ خلص لَهُ الْأَمر إِلَى أَن مَاتَ تسع عشرَة سنة وَلما مرض دخل عَلَيْهِ
(1/111)

أَصْحَابه ليعودوا فَأَنْشد ... وتجلدى للشامتين أريهم ... أَنى لريب الدَّهْر لَا اتضعضع ... وَإِذا الْمنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تَمِيمَة لَا تَنْفَع ...
وَكَانَ لَهُ ثَلَاثَة أَوْلَاد ذُكُور وهم عبد الرَّحْمَن وَيزِيد وَعبد الْملك وَأَرْبع إناث هن هِنْد ورملة وَصفِيَّة وَعَائِشَة
الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
استلحق زِيَاد وَادّعى أخوته فِي سنة أَربع وَأَرْبَعين فَكَانَ عونا لَهُ فِي خِلَافَته لحذقه ودهائه وَالنَّاس لَا يثبتون نسبه من أبي سُفْيَان فَتَارَة يَقُولُونَ زِيَاد بن أَبِيه وَتارَة يَقُولُونَ زِيَاد بن أمه وَفِي أَيَّامه فِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين غزا ابْنه يزِيد الْقُسْطَنْطِينِيَّة فِي جمع من الصَّحَابَة رضى الله عَنْهُم مِنْهُم أَبُو أَيُّوب الأنصارى فتوفى أَبُو أَيُّوب فِي هَذِه الْغُزَاة
(1/112)

فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَدفن فِي أصل سور الْقُسْطَنْطِينِيَّة فَلَمَّا دفن قَالَت الرّوم لقد مَاتَ (31 ب) مِنْكُم عَظِيم فَقَالَ يزِيد قُولُوا هَذَا رجل من أَصْحَاب مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من أقدمهم إسلاما وَقد قبرناه حَيْثُ رَأَيْتُمْ وَالله لَئِن نبش لَا يضْرب ناقوس بِأَرْض الْعَرَب مَا كَانَت لنا مملكة فَكَانُوا إِذا أملحوا كشفوا عَن قَبره فسقوا وَبنى الرّوم على قَبره بِنَاء وعلقوا عَلَيْهِ أَرْبَعَة قناديل سرجا
وَفِي سنة أَربع وَخمسين عبر سعيد بن عُثْمَان بن عَفَّان نهر جيحون إِلَى سَمَرْقَنْد والصغد وَهزمَ الْكفَّار وَقتل فِي هَذِه الْغُزَاة قثم بن الْعَبَّاس وَدفن بسمرقند وَمَات بَقِيَّة إخْوَته بأقطار متباعدة فَمَاتَ أَخُوهُ عبد الله بِالطَّائِف وَأَخُوهُ الْفضل بِالشَّام وَأَخُوهُ سعيد بإفريقية فَيُقَال إِنَّه لم ير قُبُور إخْوَة أَكثر تباعدا مِنْهُم
وَفِي خِلَافَته توفى سعيد بن يزِيد أحد الْعشْرَة الْمَقْطُوع لَهُم بِالْجنَّةِ من أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سنة إِحْدَى وَخمسين
وَتوفى زِيَاد بن أَبِيه فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين
(1/113)

وَتوفيت أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة رضى الله عَنْهَا فِي سنة سبع وَخمسين
ولايات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته
كَانَ على مصر سهل بن حنيف فولى عَلَيْهَا عَمْرو بن الْعَاصِ وهى ولَايَته الثَّانِيَة وبقى حَتَّى توفى لَيْلَة الْفطر سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين ثمَّ وَليهَا عَنهُ أَخُوهُ عتبَة بن أبي سُفْيَان إِلَى أَن مَاتَ ثمَّ وَليهَا بعده عقبَة بن عَامر الْجُهَنِيّ فبقى حَتَّى صرفه وَولى عَلَيْهَا مسلمة بن مخلد بِضَم الْمِيم وَتَشْديد اللَّام الخزرجي سنة سبع وَأَرْبَعين فَمَكثَ بهَا خمس عشرَة سنة
وَولى على مَكَّة خَالِد بن الْعَاصِ بن هِشَام
وعَلى الْمَدِينَة مَرْوَان بن الحكم ثمَّ عَزله سنة أَربع وَخمسين وَولى مَكَانَهُ سعيد بن الْعَاصِ (32 أ) وَجمع لَهُ بَين مَكَّة وَالْمَدينَة ثمَّ ولاهما مَرْوَان بن الحكم ثمَّ عَزله سنة تسع وَخمسين وَولى مَكَانَهُ الْوَلِيد بن عتبَة بن أبي سُفْيَان
(1/114)

وَولى على صنعاء الْيمن فَيْرُوز الديلمي فبقى حَتَّى مَاتَ سنة ثَلَاث وَخمسين وَولى على إفريقية وَمَا يَليهَا من بِلَاد الْمغرب مُعَاوِيَة بن حديج بِالْحَاء الْمُهْملَة المضمومة السكونِي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ ثمَّ ولى عَلَيْهَا عقبَة بن نَافِع بن عبد قيس الفهرى سنة خمس وَأَرْبَعين فبقى عقبَة بالقيروان وَجعلهَا منزلا للجند وهى أول مَدِينَة بنيت بإفريقية فِي الْإِسْلَام ثمَّ اسْتعْمل على مصر وإفريقية مسلمة بن مخلد فعزل مسلمة عقبَة عَن إفريقية وَولى عَلَيْهَا مَوْلَاهُ أَبَا المُهَاجر دِينَارا سنة خمس وَخمسين فغزا الغرب وَبلغ تلمسان وهى الضَّرْب الْأَوْسَط وَكَانَ الغرب الْأَقْصَى والأندلس بعد لم يفتحها
الثَّانِي من خلفاء بني أُميَّة يزِيد بن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان
وَهُوَ أَبُو خَالِد يزِيد بن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وَيُقَال إِنَّه كَانَ تلقب الْمُسْتَنْصر على على أهل الزيغ وَأمه مَيْسُونُ بنت بَحْدَل الْكَلْبِيَّة وَكَانَ آدم اللَّوْن طَويلا جعد
(1/115)

الشّعْر أحور الْعَينَيْنِ بِوَجْهِهِ آثَار جدرى حسن اللِّحْيَة خفيفها وَكَانَ قد أَقَامَ مَعَ أمه مَيْسُونُ فِي قَومهَا بنى كلب بالبادية فتعلم مِنْهُم الفصاحة وَقَالَ الشّعْر وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك أَن مُعَاوِيَة يَوْمًا سمع أمه وهى تنشد أبياتا ظهر لَهُ بهَا رغبتها عَنهُ آخرهَا ... وخرق من بنى عمى فَقير ... أحب إِلَيّ من علج علوف ...
فَقَالَ مَا كَفاك حَتَّى جَعَلتني علجا علوفا الحقى بأهلك فمضت إِلَيْهِم وَيزِيد مَعهَا فَكَانَ من أمره مَا تقدم
ولى الْخلَافَة بِعَهْد من أَبِيه مُعَاوِيَة وبويع لَهُ بهَا بعد موت أَبِيه فِي مستهل صفر سنة سِتِّينَ وَقيل فِي النّصْف مِنْهُ وَامْتنع عَن مبايعته عبد الله بن (32) الزبير وَالْحُسَيْن ابْن عَليّ رضى الله عَنْهُمَا وَقَالَ ابْن عمر رضى الله عَنهُ إِن أجمع النَّاس على بيعَته بايعته وَمُقْتَضى كَلَام ابْن حزم فِي نقط الْعَرُوس أَنه ولى وعمره مَا بَين الْعشْرين
(1/116)

وَالثَّلَاثِينَ سنة وَكَانَ نقش خَاتمه رَبنَا الله وبقى حَتَّى توفى بحوارين من عمل حمص لأَرْبَع عشرَة لَيْلَة خلت من ربيع الأول سنة أَربع وَسِتِّينَ وَهُوَ ابْن ثَمَان وَثَلَاثِينَ سنة وَقيل تسع وَثَلَاثِينَ وَحمل إِلَى دمشق وَدفن فِي مَقْبرَة الْبَاب الصَّغِير وَصلى عَلَيْهِ ابْنه مُعَاوِيَة بن يزِيد وَكَانَت مُدَّة خِلَافَته ثَلَاث سِنِين وَتِسْعَة أشهر وَقيل وَسِتَّة أشهر وَكَانَ لَهُ من الْأَوْلَاد الذُّكُور مُعَاوِيَة وخَالِد وَأَبُو سُفْيَان وَعبد الله الْأَكْبَر وَعبد الله الْأَصْغَر وَعمر وَعبد الرَّحْمَن وَعتبَة الْأَعْوَر وَيزِيد وَمُحَمّد وَأَبُو بكر وَحرب وَالربيع وَعبد الله الملقب أَصْغَر الأصاغر وَبَنَات
الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
لما بُويِعَ بالخلافة سَار الْحُسَيْن بن عَليّ رضى الله عَنْهُمَا بعد ذَلِك بِقَلِيل إِلَى الْكُوفَة وَنزل بمَكَان يُقَال لَهُ كربلاء وَوَقع الْحَرْب بهَا بَينه وَبَين جَيش يزِيد فَوَقَعت الكسرة على الْحُسَيْن رضى الله عَنهُ فَقتل فِي يَوْم عَاشُورَاء
(1/117)

سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وعمره تسع وَخَمْسُونَ سنة وَقيل خمس وَخَمْسُونَ وَقيل سِتّ وَخَمْسُونَ وَقتل مَعَه من إخْوَته الْعَبَّاس وجعفر وَعبد الله وَعُثْمَان وَعبيد الله وَأَبُو بكر وَقتل مَعَه أَيْضا الْقَاسِم وَأَبُو بكر ولدا أَخِيه الْحسن وعدة من أَوْلَاد عبد الله بن جَعْفَر بن أبي طَالب وَأَوْلَاد عقيل بن أبي طَالب واحتزت رَأس الْحُسَيْن رضى الله عَنهُ وحملت إِلَى عبيد الله بن زِيَاد فَجعل يقرع فَم الْحُسَيْن بقضيب فوالذي لاإله غيرهلقد رَأَيْت شفتي رَسُول الله (33 أ) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على هَاتين الشفتين
ثمَّ حملت الرَّأْس إِلَى يزِيد بن مُعَاوِيَة فجهزها إِلَى الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة مَعَ نِسَائِهِم وأطفالهم فَتَلقاهُمْ نسَاء بنى هَاشم حاسرات وَابْنَة عقيل بن أبي طَالب تنشد ... مَاذَا تَقولُونَ إِن قَالَ النَّبِي لكم ... مَاذَا فَعلْتُمْ وَأَنْتُم آخر الْأُمَم ...
(1/118)

.. بعترتي وبأهلي بعد معتقدي ... مِنْهُم أُسَارَى وصرعى ضرجوا بِدَم ... مَا كَانَ هَذَا جزائي إِذْ نصحت لكم ... أَن تخلفوني بِسوء فِي ذوى رحمى ...

وَقد حكى صَاحب دُرَر السمط فِي خبر السبط أَنه وجد على حجر مَكْتُوب تَارِيخه قبل الْبَعْث بِأَلف سنة هَذَا الْبَيْت ... أترجوا أمة قتلت حُسَيْنًا ... شَفَاعَة جده يَوْم الْحساب ...

وَقد اخْتلف فِي الْموضع الَّذِي دفنت فِيهِ هَذِه الرَّأْس فَقيل بِالْمَدِينَةِ عِنْد أمه فَاطِمَة بنت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقيل دفنت بِبَاب الفراديس بِدِمَشْق وَقيل دفنت بعسقلان
وَقد حكى القاضى مُحي الدّين بن عبد الظَّاهِر فِي
(1/119)

خطط الْقَاهِرَة أَن الصَّالح طلائع بن رزيك وَزِير الفائز الفاطمي بنى جَامعه خَارج بابى زويلة لتنقل إِلَيْهِ هَذِه الرَّأْس فيدفنها بِهِ ويجعله مشهدا لَهَا فَبلغ ذَلِك الفائز أحد خلفاء الفاطميين فَقَالَ الأحق أَن تكون هَذِه الرَّأْس عندنَا دَاخل الْقصر فأخلى لَهَا قاعة من قاعات الْقصر ودفنها فِيهَا وَجعلهَا مشهدا وَهُوَ المشهد الْمَعْرُوف لآن بمشهد الْحُسَيْن وَمِمَّا يُؤَيّد صِحَة ذَلِك مَا حَكَاهُ القاضى مُحي الدّين بن عبد الظَّاهِر أَيْضا أَن السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب حِين استولى على قصر الفاطيين أمسك خَادِمًا من خدام الْقصر وعذبه بِأَن حلق رَأسه وأكفأ عَلَيْهَا طاسا وَجعل فِيهِ خنافس (33 ب) فَأَقَامَ ثَلَاثَة أَيَّام لم يتأثر بذلك فَدَعَاهُ السُّلْطَان وَسَأَلَهُ عَن شَأْنه وَهل مَعَه طلسم وَقَاه ذَلِك فَقَالَ لَا أعلم شَيْئا غير أَنى حملت رَأس الْحُسَيْن على رأسى حِين أَتَى إِلَى المشهد فخلى سَبيله وَأحسن إِلَيْهِ
وَلم يحجّ فِي يزِيد مُدَّة خِلَافَته
(1/120)

ولايات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته
كَانَ على مصر مسلمة بن مخلد فولى عَلَيْهَا مَكَانَهُ سعيد بن يزِيد الازدي فِي سَنَد اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ ثمَّ وَليهَا عبد الرَّحْمَن الفِهري فَبَقيَ بهَا الى مَا بعد خلَافَة يزِيد
وَكَانَ على مَكَّة وَالْمَدينَة بن عتبَة فولى مَكَانَهُ عَمْرو بن سعيد الْأَشْدَق ثمَّ عَزله سنة احدى وَسِتِّينَ وَأعَاد الْوَلِيد بن عبتة وَرجع عقبَة بن نَافِع الى افريقية وَمَا مَعهَا من بِلَاد الْمغرب فاستولى على ذَلِك بعد أبي المُهَاجر دِينَار
الثَّالِث من خلفاء بني أُميَّة
معاويى بن يزِيد
وَهُوَ أَبُو ليلى مُعَاوِيه بن يزِيد بن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان بن حَرْب وَيُقَال انه كَانَ يلقب الرَّاجِع الى الله وامه ام هَاشم وَيُقَال ام خَالِد بنت ابي هَاشم بن عتبَة بن ربيعَة
(1/121)

ابْن عبد شمس كَانَ شَابًّا دينا وَلم اقف على شَيْء من حليته
بُويِعَ بالخلافة فِي رَابِع عشر ربيع الاول سنة ارْبَعْ وَسِتِّينَ حِين وَفَاة ابيه وَقيل فِي النّصْف من ربيع الاخر مِنْهَا وَمُقْتَضى كَلَام ابْن حزم انه ولي الْخلَافَة وسنه مَا بَين الْعشْرين وَالثَّلَاثِينَ سنة وَكَانَ نقش خَاتِمَة الدُّنْيَا غرورة وَبَقِي حَتَّى توفّي بعد ثَلَاثَة اشهر من خِلَافَته وَقيل بعد اربعين يَوْمًا وَقيل بعد عشْرين يَوْمًا وعمره احدى وَعِشْرُونَ سنة وَقيل ثَلَاث وَعِشْرُونَ سنة وَقيل سبع عشرَة سنة وَصلى عَلَيْهِ اخوه خَالِد وَقيل 34 أصلى عَلَيْهِ الْوَلِيد بن عتبَة بن ابي سُفْيَان فَكبر عَلَيْهِ تكبيرتين وَمَات قبل ان يقْضِي صلَاته فصلى عَلَيْهِ مَرْوَان بن الحكم وَدفن بِجنب قبر مُعَاوِيَة بن يزِيد الْمَذْكُور وَلم اقف لَهُ على عقب غير انه كَانَ يكنى ابا ليلى فَيحْتَمل انه كَانَ لَهُ بنت اسْمهَا ليلى كنى بهَا وَيحْتَمل انه كنى بذلك من غير ولادَة
(1/122)

الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
فِي خلال خِلَافَته بُويِعَ لعبد الله بن الزبير رَضِي الله عَنْهُمَا بالخلافة بِمَكَّة فِي رَجَب سنة ارْبَعْ وَسِتِّينَ وَاسْتولى على مَكَّة وَالْمَدينَة ودان لَهُ اهل الْحجاز واليمن وَالْعراق وبويع لَهُ ايضا بحمص وقنسرين من الشَّام وَكَاد ان يتم لَهُ الامر بجملته
قَالَ ابْن حزم وسنه حِين بُويِعَ مَا يزِيد على سِتِّينَ سنة وَبَايَعَهُ اهل الْعرَاق ايضا وَهدم الْكَعْبَة وَأدْخل فِيهَا الْحجر وَجعل لَهَا بَابَيْنِ مَعَ الارض يدْخل من احدهما وبخرج من الاخر مُعْتَمدًا فِي ذَلِك على حَدِيث بلغه عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَخلق الْكَعْبَة داخلها وخارجها وَهُوَ اول من خلقهَا وَكَسَاهَا الْقبَاطِي وَهِي ثباب بيض من عمل مصر وَلم يزل يُقيم الْحَج للنَّاس من سنة ارْبَعْ وَسِتِّينَ الى سنة اثْنَيْنِ وَسبعين
(1/123)

4
- ولايات الامصار فِي خِلَافَته
كَانَ على مصر عبد الرَّحْمَن الفِهري فأقره عَلَيْهَا فَمَكثَ فِيهَا اثْنَتَيْنِ وَعشْرين سنة وَيُقَال ان ابْن الزبير ولى عَلَيْهَا عبد الرَّحْمَن بن عتبَة بن جحدم
وَكَانَت مَكَّة بيد عبد الله بن الزبير وَكَانَ على الْمَدِينَة من جِهَة عبد الله بن الزبير اخوه مُصعب بن الزبير ولاه عَلَيْهَا سنة خمس وَسِتِّينَ ثمَّ نَقله الى الْبَصْرَة وَولى مَكَانَهُ جَابر بن الاسود بن عَوْف الزُّهْرِيّ ثمَّ ولى مَكَانَهُ على الْمَدِينَة طَلْحَة 34 ب بن عبد الله بن عَوْف وَولى عبد الله بن مُطِيع الْكُوفَة وَكَانَ على افريقية وَمَا مَعهَا من الْمغرب عقبَة بن نَافِع فأقره عَلَيْهَا
الرَّابِع من خلفاء بني امية
مَرْوَان بن الحكم
وَهُوَ بو الحكم وَقيل ابو عبد الْملك مَرْوَان بن الحكم بن أبي الْعَاصِ بن امية بن عبد شمس وَيُقَال انه كَانَ يلقب المؤتمن بِاللَّه وامه امية بنت عَلْقَمَة بن
(1/124)

صَفْوَان كَانَ قَصِيرا دَقِيقًا اَوْ قصّ بُويِعَ لَهُ بالخلافة بالجابية من الشَّام فِي رَجَب سنة ارْبَعْ وَسِتِّينَ ثمَّ جددت لَهُ الْبيعَة فِي ذِي الْقعدَة من هَذِه السّنة
قَالَ ابْن حزم فِي نقط الْعَرُوس وَكَانَ سنة يَوْم ولي الخلافه إِحْدَى وَسِتِّينَ سنه وكا نقش خَاتِمَة الله ثقتي ورجائي وَبَقِي حَتَّى توفّي بالطاعون لثلاث خلون من رَمَضَان سنة خمس وَسِتِّينَ وعمره ثَلَاث وَسِتُّونَ سنة وَيُقَال ان زَوجته ام خَالِد بن يزِيد بن مُعَاوِيَة خنقته ثمَّ صاحت وَقَالَت مَاتَ فَجْأَة وَدفن بمقبة دمشق وَكَانَت مُدَّة خِلَافَته سَبْعَة اشهر وَثَمَانِية عشر يَوْمًا وَكَانَ لَهُ من الاولاد عبد الْملك وَمُعَاوِيَة وَعبيد الله وَعبد الله وابان وَدَاوُد وَعبد الْعَزِيز وَعبد الرَّحْمَن وَبشر وَمُحَمّد وَبَنَات
الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
كَانَ سُلْطَانه بِالشَّام خَاصَّة وَبَاقِي الامصار فِي طَاعَة
(1/125)

عبد الله بن الزبير وَالضَّحَّاك بن قيس بِالشَّام فِي جمَاعَة يُحَاربُونَ لمبايعة ابْن الزبير ثمَّ كَانَت الْوَقْعَة بن الْفَرِيقَيْنِ بمرج راهط بغوطة دمشق فَقتل الضَّحَّاك وَانْهَزَمَ من مَعَه ثمَّ سَار مَرْوَان الى مصر فِي سنة خمس وَسِتِّينَ فَبَايعهُ اهلها
ولايات الامصار فِي خِلَافَته
35 - كَانَ على مصر من جِهَة ابْن الزبير عبد الرَّحْمَن ابْن جحدم فطرده مَرْوَان عَنْهَا وَولى مَكَانَهُ ابْنه عبد الْعَزِيز
وَكَانَ على الْمَدِينَة واليمن وَالْعراق عُمَّال ابْن الزبير على مَا تقدم ذكره فِي تَرْجَمَة مُعَاوِيَة بن يزِيد
الْخَامِس من خلفاء بني امية عبد الْملك بن مَرْوَان
وَهُوَ ابو الحكم وَقيل ابو مَرْوَان ابْن الحكم بن ابي الْعَاصِ بن امية بن عبد شمس وَهُوَ اول من سمي عبد الْملك فِي الاسلام وَيُقَال انه كَانَ يلقب الموثق لامر الله وامه عائشه بنت مُعَاوِيَة بن الْمُغيرَة بن ابي الْعَاصِ
(1/126)

كَانَ افوه مَفْتُوح الْفَم مشبك الاسنان بِالذَّهَب حازما فِي امْرَهْ لَا يكل امْرَهْ الى غَيره وَيُقَال انه كَانَ فَقِيها عَالما فَلَمَّا ولى الْخلَافَة استهوته الدُّنْيَا فَتغير عَن ذَلِك
وَمِمَّا يحْكى انه لما اتته الْخلَافَة كَانَ قَاعِدا يقْرَأ فِي المصحق فأطبقه وَقَالَ هَذَا آخر الْعَهْد بك وَكَانَ فِي غَايَة من الشُّح حَتَّى كَانَ يُقَال لَهُ رشح الْحجر لبخله لَان الْحجر لَا يرشح المَاء الا نَادرا
يُقَال ان بعض اخصائه سَمعه يَقُول اجع كلبك يتبعك فَقَالَ لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ اما تخشى ان تلوح لَهُ غَيْرك بكسرة فيتركك ويتبعه
وَكَانَ مَعَ شحه ابخر ظَاهر البخر وَكَانَ اذا مر الذُّبَاب على فَمه سقط لشدَّة بخره وَمن اجل ذَلِك كَانَ يلقب ابا ذُبَاب
بُويِعَ بالخلافة بعد موت ابيه مَرْوَان فِي ثَالِث رَمَضَان سنة خمس وَسِتِّينَ وَاسْتقر لَهُ الامر بِمصْر وَالشَّام خَاصَّة وَالْعراق والحجاز واليمن مَعَ ابْن الزبير
(1/127)

قَالَ ابْن حزم وَكَانَ عمره حِين ولى الْخلَافَة مَا بَين الثَّلَاثِينَ سنة والاربعين سنة وَكَانَ نقش خَاتِمَة آمَنت بِاللَّه مخلصا وَبَقِي حَتَّى توفّي فِي النّصْف من شَوَّال سنة 35 ب سِتّ وَثَمَانِينَ وعمره سِتُّونَ سنة وَدفن بِدِمَشْق وَكَانَت خِلَافَته احدى وَعشْرين سنة وَخَمْسَة عشر يَوْمًا مِنْهَا سبع سِنِين وَسَبْعَة اشهر وَسَبْعَة عشر يَوْمًا قبل قتل ابْن الزبير وباقيها بعد قَتله
وَكَانَ لَهُ من الاولاد الْوَلِيد وَسليمَان ومروان الاكبر وَيزِيد ومروان الاصغر وَمُعَاوِيَة وَهِشَام وبكار وَالْحكم وَعبد الله ومسلمة وَالْمُنْذر وعنسبة وَمُحَمّد وَسَعِيد وَالْحجاج وَيُقَال ان عبد الْملك رأى فِي مَنَامه كَأَنَّهُ بَال فِي الْمِحْرَاب ارْبَعْ مَرَّات فغمه ذَلِك فَوجه الى سعيد بن الْمسيب من سَأَلَهُ عَن ذَلِك فَقَالَ يملك من وَلَده لصلبه اربعة فَكَانَ كَذَلِك فولى مِنْهُم الْوَلِيد وَسليمَان وَيزِيد وَهِشَام
(1/128)

الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
لما ولى الْخلَافَة منع النَّاس من الْحَج من حَيْثُ ان ابْن الزبير كَانَ يَأْخُذ الْبيعَة لنَفسِهِ على النَّاس فِي الْمَوْسِم فَضَجَّ النَّاس من منع الْحَج فَبنِي عبد الْملك قبَّة الصَّخْرَة بِبَيْت الْمُقَدّس وَكَانَ النَّاس يحضرونها يَوْم عَرَفَة ويقفون عِنْدهَا فَيُقَال ان ذَلِك سَبَب التَّعْرِيف بَيت الْمُقَدّس ومساجد الامصار
وَذكر الجاحظ فِي كتاب نظم الْقُرْآن ان اول من سنّ التَّعْرِيف فِي مَسَاجِد الامصار عبد الله بن عَبَّاس وانكر الْعلمَاء عَلَيْهِ هَذَا النَّقْل وَذكر ابو عمر الْكِنْدِيّ ان عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان اول من سنّ التَّعْرِيف بِالْمَسْجِدِ الْجَامِع بِمصْر بعد الْعَصْر
قَالَ ابو هِلَال العسكري فِي كِتَابه الاوائل وَعبد الْملك اول من ضرب الدَّرَاهِم فِي الاسلام وَفِي سنة تسع وَسِتِّينَ سَار عبد الْملك بِنَفسِهِ الى الْعرَاق فَلَقِيَهُ مُصعب ابْن الزبير فِي جَيش فَقتل مُصعب فَدخل عبد الْملك الْكُوفَة بعد مقتل مُصعب فَبَايعهُ 36 أالناس وَفِي
(1/129)

سنة ثَلَاث وَسبعين ولى الْحجَّاج بن يُوسُف الثَّقَفِيّ على مَكَّة فَسَار الْحجَّاج الى مَكَّة وَحَارب ابْن الزبير وَقبض عَلَيْهِ بعد حِصَار طَوِيل وَقَتله وصلبه لثلاث عشر لَيْلَة بقيبت من جمادي الاولى سنة ثَلَاث وَسبعين وَقيل فِي جمادي الاخرة سنة اثنيتين وَسبعين وَفِي سنة ارْبَعْ وَسبعين هدم الْحجَّاج الْكَعْبَة من جانتب الْحجر واخرج الْحجر مِنْهَا وَجعله على الْهَيْئَة الَّتِي كَانَ عَلَيْهِ فِي زمن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَرفع داخلها عَن الارض وسد الْبَاب الغربي وَجعل الْبَاب الشَّرْقِي يصعد اليه على درج والامر على ذَلِك الى الان
ولايات الامصار فِي خِلَافَته
كَانَ على مصر اخوه عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان فأقره عَلَيْهَا فَبنى بالفسطاط الدَّار المذهبة الْمَعْرُوفَة بِالْمَدِينَةِ ونزلها وَهِي دَار عَظِيمَة تجَاوز الْوَصْف ثمَّ صَارَت بعده منزلا لمن يَلِي امارة مصر ثمَّ صَارَت مسَاكِن للعامة بعد ذَلِك
قَالَ الْقُضَاعِي فِي خططه كَانَ يسْكب فِيهَا فِي كل يَوْم مائَة راوية مَاء وفيهَا عدَّة مَسَاجِد وعد افران للخبز واقام على مصر عشْرين سنة وَعشرَة اشهر واياما وَهُوَ
(1/130)

الَّذِي بنى القنطرة الَّتِي على خليج الْقَاهِرَة عَن السد الَّذِي يكسر عِنْد وَفَاء النّيل
وَيُقَال انه ولى عَلَيْهَا عبد الله بن عبد الْملك فَمَكثَ فِيهَا خمس سِنِين ثمَّ ولى عَلَيْهَا بعده قُرَّة بن شريك فِي سنة تسعين فبقى عَلَيْهَا الى ان مَاتَ عبد الْملك وَهُوَ اول من وضع اللَّوْح الاخضر على الاسطوانة الْوُسْطَى بالجامع الْعَتِيق بالفسطاط
وَاسْتولى الْحجَّاج بن يُوسُف على مَكَّة بعد قتل ابْن الزبير
وَولى عبد الْملك على الْمَدِينَة طَارق بن عمر فانتزعها مِنْهُ صَالح بن عبد الله ثمَّ ولى عبد الْملك على مَكَّة وَالْمَدينَة وَسَائِر اعمال الْحجاز 36 ب واليمن الْحجَّاج بن يُوسُف وعزل طَارِقًا عَن الْمَدِينَة وَجعله من جملَة جند الْحجَّاج
ثمَّ ولى على مَكَّة وَالْمَدينَة سنة سبع وَسبعين ابان بن
(1/131)

عُثْمَان بن عَفَّان ثمَّ عَزله فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَولى مَكَانَهُ هِشَام بن إِسْمَاعِيل المَخْزُومِي
وَولى على العراقين وخراسان الْحجَّاج بن يُوسُف ففتك بأَهْله وأبادهم وَقتل جمعا من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ رَضِي الله عَنْهُم على مَا سَيَأْتِي ذكره عِنْد وَفَاة الْحجَّاج فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَكَانَ على إفريقية وَمَا مَعهَا من الْمغرب عقبَة بن نَافِع فَقتل فولى عبد الْملك بن مَكَانَهُ حسان بن النُّعْمَان الغساني فَسَار حَتَّى دخل القيروان وافتتح قرطاجنة قَاعِدَة إفريقية قبل الْإِسْلَام وَكَانَ الغرب الْأَقْصَى والأندلس لم نفتحا بعد
السَّادِس من خلفاء بني أُميَّة
الْوَلِيد بن عبد الْملك
وَهُوَ أَبُو الْعَبَّاس الْوَلِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان الْمُقدم ذكره وَيُقَال أَنه كَانَ يلقب المنتقم لله وَأمه ولادَة بنت الْعَبَّاس كَانَ أسم أسمر جميلا أقنى الْأنف وَيُقَال سَائل الْأنف جدا بِوَجْهِهِ أثر جدرى لَهُ سطوة شَدِيدَة
(1/132)

لاتتوقف إِذا غضب وَكَانَ كثير النِّكَاح وَالطَّلَاق يُقَال أَنه تزوج ثلاثأ وَسِتِّينَ امْرَأَة وَكَانَ ضَعِيف الْبَصَر بِالْعَرَبِيَّةِ بِحَيْثُ يغلب عَلَيْهِ اللّحن دخل عَلَيْهِ أَعْرَابِي يشكو صهرا لَهُ فَقَالَ الْوَلِيد مَا شَأْنك بِفَتْح النُّون وَهُوَ يُرِيد أَن يسْأَله عَن شَأْنه فَقَالَ لَهُ الْأَعرَابِي أعوذ بِاللَّه من الشين فَقَالَ أَخُوهُ سُلَيْمَان أَمِير الْمُؤمنِينَ يَقُول لَك مَا شَأْنك وَضم النُّون فَقَالَ الْأَعرَابِي ختني ظَلَمَنِي يَعْنِي صهره فَقَالَ الْوَلِيد من ختنك بِالْفَتْح فَقَالَ الْأَعرَابِي إِنَّمَا ختنني الْحجام وَلست أُرِيد ذَا (37 أ) فَقَالَ سُلَيْمَان أَمِير الْمُؤمنِينَ يَقُول لَك من ختنك فَقَالَ هَذَا وَأَشَارَ إِلَى خَصمه
ولى الْخلَافَة بِعَهْد من أَبِيه عبد الْملك ثمَّ بُويِعَ لَهُ بهَا بعد وَفَاته يَوْم الْخَمِيس منتصف شَوَّال سنة سِتّ وَثَمَانِينَ
قَالَ ابْن حزم وَكَانَ سنه حِين ولى مَا بَين الثَّلَاثِينَ وَالْأَرْبَعِينَ سنه وَكَانَ نقش خَاتمه يَا وليد إِنَّك ميت ومحاسب وبقى فِي الْخلَافَة حَتَّى توفّي بدير مَرْوَان من الشَّام يَوْم السبت منتصف جُمَادَى الْآخِرَة سنة سِتّ
(1/133)

وَتِسْعين وعمره ثَمَان وَأَرْبَعُونَ سنة وَأشهر وَكَانَت مُدَّة خِلَافَته تسع سِنِين وسبة أشهر وَقيل وَثَمَانِية أشهر وَكَانَ لَهُ من الْأَوْلَاد عشر ذكرا وَقيل أَرْبَعَة عشر ذكرا مِنْهُم يزِيد وَإِبْرَاهِيم ولى كل مِنْهُمَا الْخلَافَة وَالْعَبَّاس وَكَانَ فَارس بني مَرْوَان وَعمر فَحل بني مَرْوَان كَانَ يركب فِي سِتِّينَ صلبه وَعمر وَعبد الْكَرِيم وَبشر وَغَيرهم وَبَنَات
الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
فِي خِلَافَته غزا أخوة مسلمة بن عبد الْملك بِلَاد الرّوم وَعَاد فِي خِلَافَته فتحت طليطلة دَار ملك الأندلس على يَد طَارق مولى مُوسَى بن نصير متولى إفريقية وَحمل إِلَيْهِ مِنْهَا مائدة سليماتن بن دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام وَكَانَت خليطين ذهب وَفِضة عَلَيْهَا ثَلَاثَة أطواق لُؤْلُؤ وَكَانَ من غَرِيب الْأَمر فِي فتحهَا أَنه كَانَ بدار الْملك بهَا بَيت مغلق عَلَيْهِ أقفال من حَدِيد كلما وَليهَا ملك جَدِيد زَادهَا قفلا إِلَى أَن كَانَ آخِرهم ملك أُسَمِّهِ لذريق أَرَادَ فتح
(1/134)

ذَلِك الْبَيْت والأطلاع على مَا فِيهِ فَنَهَاهُ كهنتهم عَن فَتحه فَأبى الإ ذَلِك ففتحه فَوجدَ دَاخله صندوقا مقفلا فَفتح ذَلِك الصندوق فَإِذا فِيهِ سفط من حَرِير فِيهِ صور الْعَرَب راكبين الْجمال وَفِيه مَكْتُوب (177 ب) إِذا فتح هَذَا الْبَيْت وَأخرج هَذَا السفط وَفتح ملك أَصْحَاب هَذِه الصُّور هَذِه الْبِلَاد فَكَانَ الْأَمر كَذَلِك
وَفِي خِلَافَته فتحت عدَّة من بِلَاد السَّنَد وَمَا وَرَاء النَّهر وتغلغل الْحجَّاج فِي بِلَاد التّرْك وتغلغل مسلمة بن عبد الْملك فِي بِلَاد الرّوم فَفتح وسبى وَفتح مُحَمَّد بن الْقَاسِم الثَّقَفِيّ بلادا من بِلَاد الْهِنْد
وَكَانَ الْوَلِيد مَعَ كَثْرَة اعتنائه بالغزو وَفتح الْبِلَاد مغرما بِالْبِنَاءِ وَهُوَ الَّذِي بنى الْمَسْجِد الْجَامِع بِدِمَشْق وَمن ثمَّ نسب إِلَى بني أُميَّة وَأدْخل فِيهِ كَنِيسَة النَّصَارَى وأتى فِيهِ من حسن الصَّنْعَة وزينة الزخرفة بِمَا يدهش النّظر ويحار فِي وَصفه الْفِكر الإ أَنه قد تَغَيَّرت معالمه بِمَا طرا عَلَيْهِ من الْحَرِيق مرّة بعد أُخْرَى لَا سِيمَا مَا عراه من
(1/135)

تمرلنك حِين استيلائه على دمشق وَزَاد فِي مَسْجِد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وزخرفة ونمقه ورصعه بالفسيفساء وَهِي الفص الْمَذْهَب وَأدْخل فِيهِ حجر أَزوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَسَائِر الْمنَازل الَّتِي حوله وَكَانَ الْقَائِم بذلك لَهُ عمر بن عبد الْعَزِيز وَهُوَ يَوْمئِذٍ أَمِير لَهُ على الْمَدِينَة
وَهُوَ أول من إتخذ البيمارستان للمرضى وَأول من اتخذ دَار الضِّيَافَة وَأول من بنى الأميال فِي الطرقات على مَا سَيَأْتِي ذكره فِي الْبَاب السَّابِع إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وأنفذ إِلَى خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي عَامله بِمَكَّة ثَلَاثِينَ ألف دِينَار صفح بهَا بَاب الْكَعْبَة والميزا والأساطين وجدد بِنَاء الْمَسْجِد الْأَقْصَى وزخرفه وَفِي أَيَّامه كَانَ الطَّاعُون الجارف بِالْبَصْرَةِ يُقَال أَنه مَاتَ فِيهِ فِي ثَلَاثَة أَيَّام ثَلَاثمِائَة ألف إِنْسَان وَفِي أَيَّامه مَاتَ حبر الْأمة عبد الله ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا فِي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَهُوَ جد الْخُلَفَاء العباسيين وَفِي سنة خمس وَتِسْعين أخرج الْوَلِيد عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس من دمشق وأنزله الحميمة
(1/136)

من أَرض الشَّام فولد لَهُ بهَا نَيف وَعِشْرُونَ ولدا ذكرا (38 أ) وَلم يزل إِلَى أَن بطلت دولة بني أُميَّة
وَفِي أَيَّامه كَانَت زلازل عَظِيمَة أَقَامَت أَرْبَعِينَ يَوْمًا
وَفِي أَيَّامه قتل الْحجَّاج بن يُوسُف سعيد بن جُبَير التَّابِعِيّ الإِمَام الْكَبِير فاختلط عقل الْحجَّاج لوقته وَبَقِي قَلِيلا ثمَّ مَاتَ فِي رَمَضَان سنة خمس وَتِسْعين عَن ثَلَاث وَخمسين سنة وَقيل عَن أَربع وَخمسين وَكَانَ مُدَّة ولَايَته الْعرَاق عشْرين سنة وَكَانَ عدَّة من قَتله فِيهَا صبرا مائَة ألف وَعشْرين ألفا وَمَات وَمَا رَبك بغافل عَمَّا يفعل الظَّالِمُونَ
ولايات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته
كَانَ على مصر قُرَّة بن شريك فأقره عَلَيْهَا فَمَكثَ سبع سِنِين
وَولى على مَكَّة عمر بن عبد الْعَزِيز ثمَّ ولى عَلَيْهَا بعده خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي
(1/137)

وَولى على خُرَاسَان بعد الْحجَّاج بن يُوسُف الْمُهلب بن ابي صفرَة
وَكَانَ على الْمَدِينَة هِشَام بن اسماعيل المَخْزُومِي فَعَزله وَولى عَلَيْهَا عُثْمَان بن حَيَّان
وَولى على افريقية وَمَا مَعهَا من بِلَاد الْمغرب مُوسَى بن نصير بِضَم النُّون فَقدم القيروان وَبهَا صَالح بن حسان فَعَزله عَنْهَا ثمَّ رَجَعَ مُوسَى بن نصير الى الْمشرق واستخلف على افريقية ابْنه عبد لله بن مُوسَى بن نصير وستقر طَارق بن زِيَاد مولى مُوسَى بن نصير على الاندلس من حِين فتحهَا ثمَّ قدم مُوسَى بن نصير الى الاندلس وَنزل طليطلة وَقَامَ بهَا سنتَيْن واستخلف عَلَيْهَا ابْنه عبد الْعَزِيز بن مُوسَى ثمَّ توجه الى الْوَلِيد بن عبد لملك بِمَا مَعَه من الْغَنِيمَة والسبي
السَّابِع من خلفاء بني امية سُلَيْمَان بن عبد الْملك
وَهُوَ ابو ايوب سُلَيْمَان بن عبد الْملك بن مَرْوَان الْمُقدم
(1/138)

ذكره 38 ب وَيُقَال انه كَانَ تلقب الْمهْدي بِاللَّه الدَّاعِي الى الله وامه ولادَة ام اخيه الْوَلِيد وَكَانَ ابيض اللَّوْن جميلا طَوِيل الْقَامَة فصيحا لسنا اديبا معجبا بِنَفسِهِ متوقفا على سفك الدِّمَاء وَيُقَال انه كَانَ كثير النِّكَاح شَرها فِي الاكل يَأْكُل فِي كل يَوْم نَحوا من مائَة رَطْل
ولى الْخلَافَة بِعَهْد من ابيه عبد الْملك بن مَرْوَان وَذَلِكَ ان عبد الْملك رتب خِلَافَته فِي الْعَهْد على خلَافَة اخيه الْوَلِيد الْمُقدم ذكره فَقَالَ الْخَلِيفَة بعدى الْوَلِيد ثمَّ بعد الْوَلِيد سُلَيْمَان وبويع لَهُ بهَا بعد موت اخيه الْوَلِيد يَوْم السبت النّصْف من جُمَادَى الاخرة سنة سِتّ وَتِسْعين
قَالَ ابْن حزم وَكَانَ عمره حِين ولى مَا بَين الثَّلَاثِينَ والاربعين وَكَانَ سُلَيْمَان حِين موت اخيه بالرملة من عمل لد فَبَلغهُ الْخَبَر بعد سَبْعَة ايام فَسَار الى دمشق ودخلها
وكا نقش خَاتِمَة آمَنت بِاللَّه مخلصا وَبَقِي حَتَّى توفّي بدابق من ارْض قنسرين لعشر خلون من صفر سنة تسع وَتِسْعين وعمره خمس واربعون سنة بعد ان عهد
(1/139)

بالخلافة بعده لعمر بن عبد الْعَزِيز ثمَّ من بعد عمر ليزِيد ابْن عبد الْملك وَصلى عَلَيْهِ عمر بن عبد الْعَزِيز وَكَانَت خِلَافَته سنتَيْن وَثَمَانِية اشهر الا خسمة ايام وَكَانَ لَهُ اربعة عشر ولدا ذكرا
الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
فِي سنة تسع وَتِسْعين خرج بِنَفسِهِ لغزو الْقُسْطَنْطِينِيَّة حَتَّى نزل بدابق وَبعث اخاه مسلمة الى الْقُسْطَنْطِينِيَّة فَنزل عَلَيْهَا وحاصرها وَفتح مَدِينَة الصقالبة وَبعث الْمُهلب ابْن ابي صفرَة الى خُرَاسَان فَفتح جرجان وطبرستان وَقد ذكر فِي مسالك الابصار انه هُوَ الَّذِي بنى مَدِينَة الرملة وَلَعَلَّ ذَلِك قبل خِلَافَته
39 - أولايات الامصار فِي خِلَافَته
كَانَ على مصر قُرَّة بن شريك فولى مَكَانَهُ عبد الْملك ابْن رِفَاعَة فِي سنة سبع وَتِسْعين فَمَكثَ فِيهَا ثَلَاث سِنِين وكسرا
(1/140)

وَكَانَ على مَكَّة خَالِد بن عبد الله القسرى فأقره عَلَيْهَا
وَكَانَ على الْمَدِينَة عُثْمَان بن حَيَّان فولى مَكَانَهُ ابا بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم وَكَانَ على افريقيه عبد الله بن مُوسَى بن نصير خَليفَة بهَا عَن ابيه مُوسَى الْمَذْكُور فبقى عَلَيْهَا وَكَانَ على الاندلس عبد الْعَزِيز بن مُوسَى بن نصير الْمَذْكُور فاستقر بهَا
الثَّامِن من خلفاء بني امية عمر بن عبد الْعَزِيز
وَهُوَ عمر بن عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان بن الحكم وَيُقَال انه كَانَ يلقب الْمَعْصُوم بِاللَّه وامه ام عَاصِم بنت عَاصِم ابْن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ كَانَ اسمر نحيفا حسن الْوَجْه فِي وَجهه شجة من رمح دَابَّة وَهُوَ غُلَام وَلذَلِك يعرف بأشج بني امية وَقد روى ان عمر بن
(1/141)

الْخطاب رَضِي الله عَنهُ كَانَ يَقُول ان من وَلَدي رجلا بِوَجْهِهِ شين يمْلَأ الارض عدلا
ولى الْخلَافَة بالعهد من سُلَيْمَان بن عبد الْملك وبويع لَهُ بهَا بعد وَفَاة سُلَيْمَان بدابق يَوْم الْجُمُعَة لعشر خلون من صفر سنة تسع وَتِسْعين
قَالَ ابْن حزم وَكَانَ سنه حِين ولى الْخلَافَة مَا بَين الثَّلَاثِينَ سنة والاربعين وَكَانَ نقش خَاتِمَة عمر بن عبد الْعَزِيز يُؤمن بِاللَّه وَبَقِي فِي الْخلَافَة حَتَّى توفّي فِي يَوْم الْجُمُعَة لخمس وَقيل لست بَقينَ من رَجَب سنة احدى وَمِائَة وعمره تسع وَثَلَاثُونَ سنة وَدفن بِأَرْض دير سمْعَان من عمل حمص وَقيل توفّي بدير سمْعَان وَدفن بِهِ قَالَ 39 ب صَاحب حماة الظَّاهِر ان دير سمْعَان هُوَ الْمَعْرُوف الان بدير الْبَقَرَة من عمل معرة النُّعْمَان قَالَ وَكَانَ مَوته بالسم من بني امية علما مِنْهُم انه ان امتدت ايامه اخْرُج الامر عَنْهُم وانه لَا يعْهَد بعده الا لمن يصلح لِلْأَمْرِ فعاجلوه
(1/142)

قلت وَفِيمَا قَالَه نظر فان عهد سُلَيْمَان بن عبد الْملك كَانَ متضمنا الْعَهْد بعد عمر بن عبد الْعَزِيز ليزِيد بن عبد الْملك فَلم يكن لعمر ان يعْهَد لغيره
وَكَانَت مُدَّة خِلَافَته سنتَيْن وَخَمْسَة اشهر واربعة عشر يَوْمًا وَقيل خَمْسَة اشهر فَقَط وَقد قَالَ الْعلمَاء فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ان الله يبْعَث لامتي على رَأس كل مائَة من يجدد لَهَا دينهَا انه كَانَ على رَأس الْمِائَة الاولى عمر بن عبد الْعَزِيز
وَكَانَ لَهُ من الاولاد اربعة عشر ذكرا مِنْهُم عبد الْملك وَكَانَ ناسكا وَمَات فِي حَيَاته عَن تسع عشرَة سنة وَنصف وَعبد الله وَكَانَ شجاعا
الْحَوَادِث والمماجريات فِي خِلَافَته
بنى مَسْجِد الْجحْفَة مِيقَات الاحرام لحجاج مصر وَاشْترى ملطية من الرّوم بِمِائَة الف اسير وبناها وَكَانَ قبله خلفاء بني امية يسبون امير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن ابي طَالب رَضِي الله عَنهُ على المنابر من حِين خلع الْحسن نَفسه فِي سنة
(1/143)

احدى واربعين الى ان ولى عمر بن عبد الْعَزِيز فَأبْطل ذَلِك وَكتب الى نوابه بابطاله وَجعل بدله قَوْله تَعَالَى {إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان} الاية فاستمر الخطباء على ذَلِك الى الان ومدحه كثير الشَّاعِر بقوله ... وليت فَلم تَشْتُم عليا وَلم تخف ... بريا وَلم تتبع سجية مجرم ... وَقلت فصدقت الدى قلت بالدى ... فعلت فاضحى رَاضِيا كل مُسلم ...
40 - ولايات الامصار فى خلافتة
ولى على مصر بعد عبد الْملك بن رِفَاعَة ايوب بن شُرَحْبِيل الاصبحى اخر سنة وَتِسْعين فَمَكثَ فِيهَا سنتَيْن وَسِتَّة اشهر
وَكَانَ على مَكَّة عبد الْعَزِيز بن خَالِد بن اسيد عَن سُلَيْمَان
(1/144)

ابْن عبد الْملك فاقره عَلَيْهَا
وَولى على الْمَدِينَة عبد الْعَزِيز بن أَرْطَأَة فَأَقَامَ الى أَيَّام يزِيد بن عبد الْملك
وَولى على افريقية بعد مُحَمَّد بن يزيزد اسماعيل بن عبيد الله بن ابي المُهَاجر فَأسلم على يَدَيْهِ جَمِيع البربر وَأقَام الى ايام يزِيد بن عبد الْملك
وَكَانَ على الاندلس الْحسن بن عبد الرَّحْمَن ثمَّ السَّمْح ابْن مَالك الْخَولَانِيّ فَأَقَامَ بهَا سنتَيْن وَتِسْعَة اشهر
التَّاسِع من خلفاء بني امية يزِيد بن عبد الْملك
وَهُوَ ابو خَالِد يزِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان وامه عَاتِكَة بنت يزِيد بن مُعَاوِيَة بن ابي سُفْيَان وَيُقَال انه كَانَ يلقب الْقَادِر بصنع الله كَانَ ابيض جسيما مدور الْوَجْه شَدِيد الْكبر عَاجِزا وَكَانَ صَاحب لَهو وَلَذَّة وَهُوَ صَاحب حبابة وسلامة وهما جاريتان كَانَ مشغوفا
(1/145)

بهما وَمَاتَتْ حبابة فَمَاتَ بعْدهَا بِيَسِير قيل بسبعة عشر يَوْمًا أسفا عَلَيْهَا وَكَانَ قد تَركهَا اياما لم يدفنها لعدم استطاعته فراقها فعوتب على ذَلِك فدفنها وَيُقَال انه نبشها بعد الدّفن حَتَّى شَاهدهَا
قلت وَأَيْنَ مقَام هَذَا من مقَام الَّذِي كَانَ يهوى سَلامَة جَارِيَته الثَّانِيَة وَهُوَ عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن عمار وَذَلِكَ انه مر يَوْمًا بمنزل سَيِّدهَا فَسمع غناءها فهويها ثمَّ هويته 40 ب هِيَ ايضا واجتمعا بعد ذَلِك فَقَالَت لَهُ سَلامَة انني احبك فَقَالَ وَأَنا ايضا احبك فَقَالَت وانا اشتهي اقبلك فَقَالَ وانا ايضا قَالَت فَمَا يمنعك قَالَ تقوى الله ثمَّ قَامَ وَانْصَرف وَتركهَا وَكَانَ عبد الرَّحْمَن هَذَا يعرف بالقس لعبادته وَلذَلِك عرفت سَلامَة هَذِه بسلامة القس
ولى الْخلَافَة بِعَهْد من اخيه سُلَيْمَان بن عبد الْملك لَهُ بهَا بعد عمر بن عبد الْعَزِيز على مَا سَيَأْتِي ذكره فِي الْكَلَام على عهود الْخُلَفَاء للخلفاء ان شَاءَ الله تَعَالَى
(1/146)

وَقيل ان أَبَاهُ عبد الْملك كَانَ أدخلهُ مَعَ اخوته فِي الْعَهْد اليهم فَسلم لعمر بن عبد الْعَزِيز وبويع لَهُ بالخلافة بعد موت عمر بن عبد الْعَزِيز فِي يَوْم الْجُمُعَة لخمس بَقينَ من شهر رَجَب سنة احدى وَمِائَة
قَالَ ابْن حزم وَكَانَ عمره يَوْمئِذٍ مَا بَين الثَّلَاثِينَ والاربعين وَكَانَ نقش خَاتمه قني السَّيِّئَات يَا عَزِيز وَبَقِي حَتَّى توفّي بحوران من الشَّام لخمس بَقينَ من شعْبَان سنة خمس وَمِائَة وعمره تسع وَعِشْرُونَ سنة فِيمَا ذكره الْقُضَاعِي فِي عُيُون المعارف
وَقَالَ الْمُؤَيد صَاحب حماة فِي تَارِيخه كَانَ عمره أَرْبَعِينَ سنة وَعَلِيهِ ينطبق كَلَام ابْن حزم حَيْثُ جعل ولَايَته فِي مَا بَين الثَّلَاثِينَ والابعين وَكَانَ لَهُ من الاولاد ثَمَانِيَة ذُكُور مِنْهُم عبد الله بن يزِيد وَلَده سَبْعَة خلفاء على مَا سَيَأْتِي ذكره فِي الْبَاب السَّابِع ان شَاءَ الله تَعَالَى وَمِنْهُم الْوَلِيد بن يزِيد الَّاتِي ذكره فِي جملَة الْخُلَفَاء
(1/147)

الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
فِي أَيَّامه خرج يزِيد بن الْمُهلب بن ابي صفرَة فَبعث اليه أَخَاهُ 41 أفقاتله فَقتل يزِيد بن المهب وَجَمِيع آل الْمُهلب وَكَانُوا قوما كراما وَفِيهِمْ يَقُول الشَّاعِر ... نزلت على آل الْمُهلب شاتيا ... غَرِيبا عَن الاوطان فِي زمن الْمحل ... فَمَا زَالَ بِي احسانهم وافتقادهم ... وبرهم حَتَّى حسبتهم أَهلِي ...
ولايات الامصار فِي خِلَافَته
كَانَ على مصر من قبله بشر بن صَفْوَان وَقيل صَفْوَان نَفسه ثمَّ وَليهَا عَنهُ حَنْظَلَة اخو صَفْوَان
وعزل عَن مَكَّة عبد الْعَزِيز بن خَالِد بن أسيد فِي سنة ثَلَاث وَمِائَة وأضافها مَعَ الْمَدِينَة الى عبد الرَّحْمَن بن
(1/148)

الضَّحَّاك ثمَّ عَزله عَن مَكَّة وَالْمَدينَة لثلاث سِنِين من ولَايَته وَولى مَكَانَهُ عبد الْوَاحِد الْبَصْرِيّ فَبَقيَ عَلَيْهِمَا الى أَيَّام هِشَام بن عبد الْملك وَلم أَقف على عَامله بِالْيمن
وَولى على العراقين عبد الله بن عمر بن عبد العزبز وَولى على افريقيه بعد اسماعيل بن عبيد الله بن أبي المُهَاجر الْمُقدم ذكره يزِيد بن أبي مُسلم مولى الْحجَّاج فَقَدمهَا سنة احدى وَمِائَة فَقتله البربر وَأَقَامُوا مُحَمَّد بن يزِيد الَّذِي كَانَ عَلَيْهِم أَولا وَكَتَبُوا الى يزِيد بن عبد الْملك بذلك فأقره عَلَيْهِم ثمَّ ولى عَلَيْهَا بعده بشر بن صَفْوَان الْكَلْبِيّ فَقَدمهَا سنة ثَلَاث وَمِائَة وَمَات بهَا سنة تسع وَمِائَة
وَكَانَ على الاندلس عقبَة الْكَلْبِيّ فَأَقَامَ بهَا الى أَيَّام مَرْوَان بن مُحَمَّد الَّاتِي ذكره
(1/149)

الْعَاشِر من خلفاء بني امية
هِشَام بن عبد الْملك
وَهُوَ ابو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك بن مَرْوَان وَقيل انه 41 ب يلقب الْمَنْصُور بِاللَّه وامه ام هِشَام فَاطِمَة بنت هِشَام المَخْزُومِي كَانَ ابيض ربعَة جميلا سمينا منقلبا لَهُ سياسة حَسَنَة وتيقظ فِي امْرَهْ مَعَ مُبَاشَرَته الامور بِنَفسِهِ
ولى الْخلَافَة بِعَهْد من اخيه يزِيد الْمُقدم ذكره وبويع لَهُ بالخلافة لخمس بَقينَ من شعْبَان سنة خمس وَمِائَة وعمره يَوْمئِذٍ ارْبَعْ وَثَلَاثُونَ سنة وَأشهر وَكَانَ حِين مَاتَ اخوه يزِيد بن عبد الْملك مُقيما بالرصافة من بِلَاد الشَّام فِي دَار لَهُ صَغِيرَة فَجَاءَتْهُ الْخلَافَة على الْبَرِيد فَركب من الرصافة الى دمشق فَكَانَت بيعَته وَلما ولى الْخلَافَة اخْتَار الرصافة منزلا لطيب هوائها وَبعدهَا من الوباء وابتنى بهَا قَصْرَيْنِ ونزلهما وَمن هُنَالك نسبت اليه فَقيل
(1/150)

رصافة هِشَام وَكَانَ لَهُ من الستور وَالْكِسْوَة والطرز مَا لم يكن لمن قبله من الْخُلَفَاء وَكَانَ نقش خَاتِمَة الحكم للْحكم الْحَكِيم
قَالَ ابْن حزم وَكَانَ عمره حِين ولى الْخلَافَة مَا بَين الْخمسين وَالسِّتِّينَ وَبَقِي فِي الْخلَافَة حَتَّى توفّي بالرصافة لست خلون من شهر ربيع الاخر سنة خمس وَعشْرين وَمِائَة وعمره ثَلَاث وَخَمْسُونَ سنة وَقيل ارْبَعْ وَخَمْسُونَ وشهور وَكَانَت خِلَافَته تسع عشرَة سنة وَسَبْعَة اشهر وَأحد عشر يَوْمًا وَقيل وَتِسْعَة أشهر
الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
فِي ايامه فِي سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَة غزا أَسد بن عبد الله الْقَسرِي بِلَاد التّرْك وَقتل خاقَان ملكهم فِي جمَاعَة كَثِيرَة من قومه وغنم الْمُسلمُونَ مِنْهُم غنيمَة عَظِيمَة وَفِي سنة احدى وَعشْرين 42 أومائة غزا مَرْوَان بن مُحَمَّد وَهُوَ على الجزيرة وأرمينية بِلَاد صَاحب السرير فَأجَاب
(1/151)

الى الْجِزْيَة فِي كل سنة سبعين الف رَأس يُؤَدِّيهَا وغزا مسلمة بن عبد الْملك بِلَاد الرّوم فَافْتتحَ حصونا وغنم وغزا نصر بن سيار بِلَاد مَا وَرَاء النَّهر وَقتل ملك التّرْك ثمَّ مضى الى فرغانة من بِلَاد التّرْك فسبى سبيا كثيرا
وَفِي خِلَافَته خرج زيد بن عَليّ بِالْكُوفَةِ ودعا الى نَفسه وَبَايَعَهُ جمع كثير فَقتله يُوسُف بن عمر الثَّقَفِيّ وصلبه وَبعث بِرَأْسِهِ الى هِشَام بن عبد الْملك فنصبها بِدِمَشْق وَلم تزل مَنْصُوبَة حَتَّى مَاتَ هِشَام وَيُقَال ان هَذِه الرَّأْس حملت بعد ذَلِك الى مصر ودفنت بَين مصر والقاهرة فِي المشهد الَّذِي بَين الكيمان الان الْمَعْرُوف بمشهد الرَّأْس والى زيد هَذَا تنْسب طَائِفَة الزيدية وهم فرقة من الشِّيعَة
وَفِي خِلَافَته توفّي الْحسن الْبَصْرِيّ وَمُحَمّد بن سِيرِين وَتُوفِّي مُحَمَّد الباقر بن زين العابدين فِي سنة احدى عشرَة وَتُوفِّي نَافِع مولى عمر بن الْخطاب فِي سنة سبع عشرَة وَمِائَة وَتُوفِّي الزُّهْرِيّ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَة
(1/152)

ولايات الامصار فِي خِلَافَته
فِي ايامه كَانَ على مصر حَنْظَلَة اخو صَفْوَان فولى عَلَيْهَا عوضه اخاه مُحَمَّد بن عبد الْملك فِي سنة خمس وَمِائَة فَمَكثَ فِيهَا اشهرا ثمَّ استعفى فولاها حَفْص بن الْوَلِيد الْحَضْرَمِيّ ثمَّ صرفه وولاها عبد الْملك بن رِفَاعَة فَبَقيَ بهَا حَتَّى توفّي
قلت وَقد حكى الْقُضَاعِي فِي خطط مصر فِي الْكَلَام على دَار الامام اللَّيْث بن سعد انه كَانَ لليث دَار ببلدتنا قلقشندة فَهَدمهَا 42 ب عبد الْملك بن رِفَاعَة هَذَا عنادا لَهُ فعمرها اللَّيْث فَهَدمهَا عبد الْملك فعمرها فَهَدمهَا فَلَمَّا كَانَ فِي الثَّالِثَة بَيْنَمَا اللَّيْث نَائِم اذا بهاتف يَهْتِف بِهِ قُم يَا لَيْث {ونريد أَن نمن على الَّذين استضعفوا فِي الأَرْض ونجعلهم أَئِمَّة ونجعلهم الْوَارِثين} فَأصْبح ابْن رِفَاعَة وَقد اصابه فالج فأوصى الى اللَّيْث وَبَقِي ثَلَاثًا ثمَّ مَاتَ وَيُؤَيّد ذَلِك مَا حَكَاهُ ابْن يُونُس مؤرخ مصر فِي تَارِيخه ان اللَّيْث ولد بقلقشندة وانه لَا عِبْرَة بِمَا يُقَال انه مَنْسُوب الى فَارس
(1/153)

ثمَّ تولاها بعد عبد الْملك بن رِفَاعَة اخوه الْوَلِيد بن رِفَاعَة ثمَّ توفّي فتولاها عبد الرَّحْمَن بن خَالِد ثمَّ صرفه وولاها حَنْظَلَة بن صَفْوَان ثمَّ صيره الى افريقية وولاها حَفْص بن الْوَلِيد وَقيل وَليهَا بعد مُحَمَّد بن عبد الْملك عبد الله بن يُوسُف الثَّقَفِيّ ثمَّ عبد الْملك بن رِفَاعَة ثمَّ اخوه الْوَلِيد ثمَّ عبد الرَّحْمَن الفِهري ثمَّ حَنْظَلَة فِي سنة عشْرين وَمِائَة فَمَكثَ فِيهَا ثَلَاث سِنِين وكسرا الى زمن الْوَلِيد بن يزِيد بعده
وَكَانَ على مَكَّة وَالْمَدينَة عبد الْوَاحِد الْبَصْرِيّ فَعَزله وَولى عَلَيْهِمَا ابراهيم بن هِشَام بن اسماعيل ثمَّ عَزله سنة ارْبَعْ عشرَة وَمِائَة وَولى مكانة على مَكَّة والطائف دون الْمَدِينَة مُحَمَّد بن هِشَام المخزومى
واما الْمَدِينَة فولى عَلَيْهَا بعد ابراهيم بن هِشَام خَالِد بن عبد الْملك بن الْحَارِث بن الحكم ثمَّ عَزله سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَة وَولى مكاته مُحَمَّد بن هِشَام بن اسماعيل وَلم اقف على عماله على الْيمن
(1/154)

وَكَانَ على افريقية بشر بن صَفْوَان فَعَزله وَولى عَلَيْهَا عُبَيْدَة بن عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ فَقَدمهَا سنة عشر وَمِائَة ثمَّ عَزله وَولى مَكَانَهُ عبد الله بن الحتحات فَقَدمهَا سنة ارْبَعْ عشر وَمِائَة وَبنى جَامع تونس وَاتخذ بهَا دَارا لعمل المراكب البحرية ثمَّ عَزله وَولى مَكَانَهُ كُلْثُوم بن عِيَاض فَقَدمهَا سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَة ثمَّ 43 أبْعث اليها حَنْظَلَة بن صَفْوَان الْكَلْبِيّ فَقَدمهَا سنة ارْبَعْ وَعشْرين وَمِائَة ثمَّ خرج عَلَيْهِ عبد الرَّحْمَن بن حبيب سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَة فطرده عَنْهَا واستقل بامارتها وَأقَام الى ايام الْوَلِيد بن يزِيد الَّاتِي ذكره
وَكَانَ على الاندلس عقبَة الْكَلْبِيّ فَأَقَامَ عَلَيْهَا ارْبَعْ سِنِين وَخَمْسَة اشهر ثمَّ وَليهَا يحيى بن مسلمة سنتَيْن وَسِتَّة اشهر ثمَّ وَليهَا حُذَيْفَة بن الاحوص الْقَيْسِي سنة وَاحِدَة ثمَّ وَليهَا عُثْمَان بن سعد الْخَثْعَمِي خَمْسَة اشهر ثمَّ وَليهَا الْهَيْثَم بن عبيد خَمْسَة اشهر ثمَّ وَليهَا
(1/155)

عبد الرَّحْمَن بن عبد الله الغافقي سنتَيْن وَثَمَانِية اشهر ثمَّ وَليهَا عبد الْملك بن قطار ارْبَعْ سِنِين ثمَّ وَليهَا عقبَة بن الْحجَّاج خمس سِنِين ثمَّ وَليهَا بَلخ بن بشر الْقَيْسِي ثمَّ وَليهَا حسام بن ضرار الْكَلْبِيّ فَأَقَامَ بهَا الى ايام الْوَلِيد بن يزِيد
الْحَادِي عشر من خلفاء بني امية الْوَلِيد بن يزِيد
وَهُوَ ابو الْعَبَّاس الْوَلِيد بن يزِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان وَيُقَال انه كَانَ يلقب المكتفى بِاللَّه وامه ام الْحجَّاج بنت مُحَمَّد بن يُوسُف اخي الْحجَّاج بن يُوسُف وَكَانَ ابيض اللَّوْن بعة الْقد قد وخطه الشيب شَاعِرًا فصيحا وَكَانَ مَصْرُوف الهمة الى اللَّهْو والاكل وَالشرب وَسَمَاع الْغناء وَكَانَ من ظرفاء بني امية بُويِعَ لَهُ بالخلافة يَوْم الاربعاء لثلاث خلون من ربيع الاول سنة خمس وَعشْرين وَمِائَة وَلم يل الْخلَافَة من بني عبد الْملك اسن مِنْهُ لانه وَليهَا بعد مُجَاوزَة الاربعين وَكَانَ نقش خَاتِمَة يَا وليد احذر الْمَوْت وَبَقِي فِي الْخلَافَة حَتَّى توفّي قَتِيلا فِي يَوْم
(1/156)

الْخَمِيس لليلتين بَقِيَتَا من جمادي الاخرة سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَة عِنْد قصر النُّعْمَان بن بشير وَذَلِكَ ان بن عَمه يزِيد ابْن الْوَلِيد بن عبد الْملك احس مِنْهُ كَثْرَة تجرؤ وَلَهو بعد ان رمي بالْكفْر وغشيان 43 ب امهات اولاد ابيه فَسَار اليه وَقَتله هُنَاكَ وعمره يَوْمئِذٍ اثْنَتَانِ واربعون سنة وَقيل غير ذَلِك وَكَانَت مُدَّة خِلَافَته سنة وَاحِدَة وَثَلَاثَة اشهر وَكَانَ لَهُ من الاولاد ثَلَاثَة عشر ذكرا وعدة بَنَات وَكَانَ قد عهد بالخلافة لولدية عُثْمَان وَالْحكم فَلَمَّا قَتله يزِيد حبسهما فبقيا فِي الْحَبْس حَتَّى ولى مَرْوَان بن مُحَمَّد الْخلَافَة فَقَتَلَهُمَا
الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
كَانَ فِي خلَافَة هِشَام مُقيما بالبرية فِي نفر من قومه فِي اسوأ حَال فَلَمَّا ولى الْخلَافَة اقبل على لذاته من شرب الْخمر وَسَمَاع الْغناء ومعاشرة النِّسَاء وَزَاد فِي العطايا حَتَّى خرج فِي الْعَطاء عَن الْحَد وَفِي ايامه تحرّك امْر الدولة العباسية وَوصل الى مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس هَدَايَا من
(1/157)

خُرَاسَان وَقدم عَلَيْهِ ابو مُسلم الْخُرَاسَانِي دَاعِي بن الْعَبَّاس ثمَّ مَاتَ مُحَمَّد بن عَليّ فِي آخر سنة خمس وَعشْرين وَمِائَة بعد ان اوصى ان الامر فِي وَلَده لابراهيم الامام فان قتل فَابْن الحارثية يَعْنِي السفاح
ولايات الامصار فِي خِلَافَته
كَانَ على مصر حَنْظَلَة بن صَفْوَان وَقَالَ الْقُضَاعِي كَانَ عَلَيْهَا حَفْص ثمَّ صرفه عَن الْخراج
وَكَانَ على مَكَّة خَالِد بن عبد الْملك وعَلى الْمَدِينَة مُحَمَّد ابْن هِشَام فولى عَلَيْهَا وعَلى سَائِر اعمال الْحجاز خَاله يُوسُف بن مُحَمَّد بن يُوسُف الثَّقَفِيّ فِي سنة ارْبَعْ وَعشْرين وَمِائَة فَأَقَامَ الى زمن مَرْوَان بن مُحَمَّد آخر خلفائهم وَلم أَقف على عَامله على الْيمن
وَكَانَ على الاندلس حسام بن ضرار فأقره عَلَيْهَا
44 - أالثاني عشر من خلفاء بني امية يزِيد بن الْوَلِيد
وَهُوَ ابو خَالِد يزِيد بن الْوَلِيد بن عبد الْملك بن
(1/158)

مَرْوَان وامه شاهفريد بنت فَيْرُوز بن يزدجرد بن شَهْرَان يُقَال انه كَانَ يلقب الشاكر لانعم الله كَانَ اسمر نحيف الْبدن مربوعا وَقيل طَويلا صَغِير الرَّأْس جميل الْوَجْه خَفِيف العارضين شَدِيد الْعجب بِنَفسِهِ بُويِعَ لَهُ بالخلافة لليلتين بَقِيَتَا من جمادي الاخرة سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَة بعد قتل الْوَلِيد بن يزِيد
وَمُقْتَضى كَلَام ابْن حزم ان عمره حِين ولى الْخلَافَة فِيمَا بَين الْعشْرين وَالثَّلَاثِينَ وَكَانَ نقش خَاتمه يَا يزِيد قُم بِالْحَقِّ وَبَقِي فِي الْخلَافَة حَتَّى توفّي بِدِمَشْق لعشرين بَقينَ من ذِي الْحجَّة سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَة وعمره يَوْمئِذٍ اربعون سنة وَقيل سِتّ واربعون وَقيل ثَلَاثُونَ وَكَانَت مُدَّة خِلَافَته خَمْسَة اشهر واثنين وَعشْرين يَوْمًا
قَالَ الْقُضَاعِي وَكَانَ لَهُ عقب كثير وَلم يذكر اسْم اُحْدُ مِنْهُم
الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
لما ولى الْخلَافَة اظهر حسن السِّيرَة الا انه نقص مَا كَانَ زَاده الْوَلِيد فِي العطايا وردهَا الى مَا كَانَت عَلَيْهِ فِي
(1/159)

زمن هِشَام بن عبد الْملك فلقبوه لذَلِك النَّاقِص وَكَانَ قد امْتنع عَن بيعَته وَالدُّخُول فِي طَاعَته اهل حمص واهل فلسطين فَقَاتلهُمْ حَتَّى اذعوا ودخلوا تَحت الطَّاعَة
ولايات الامصار فِي خِلَافَته
كَانَ على مصر حَنْظَلَة بن صَفْوَان فأقره عَلَيْهَا
وَكَانَ على مَكَّة 44 ب وَالْمَدينَة وَسَائِر الْحجاز يُوسُف بن مُحَمَّد بن يُوسُف الثَّقَفِيّ فأقره عَلَيْهَا وَلم اقف على عماله على الْيمن
وَكَانَ على افريقية وبلاد الْمغرب عبد الرَّحْمَن بن حبيب فأقره عَلَيْهَا
وَكَانَ على الاندلس حسام بن ضرار فأقره عَلَيْهَا فوليها بعده ثوابة الجذامى فَأَقَامَ فِيهَا سنة وَاحِدَة
الثَّالِث عشر من خلفاء بني امية ابراهيم بن الْوَلِيد
وَهُوَ ابو اسحاق ابراهيم بن الْوَلِيد بن عبد الْملك بن
(1/160)

مَرْوَان وَيُقَال انه كَانَ يلقب المقتدر بِاللَّه وامه ام ولد اسْمهَا نعْمَة وَقيل حشف كَانَ خَفِيف العارضين لَهُ ضفيرتان من شعر وَيُقَال انه كَانَ عَاجِزا ضَعِيف الرَّأْي بُويِعَ لَهُ بالخلافة فِي ذِي الْحجَّة سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَة
قَالَ ابْن حزم وسنه يَوْمئِذٍ مَا بَين الثَّلَاثِينَ والاربعين وَلم يتم لَهُ الامر لعَجزه حَتَّى كَانَ اتِّبَاعه تَارَة يسلمُونَ عَلَيْهِ بالخلافة وَتارَة بالامارة وَتارَة بِغَيْر ذَلِك وَكَانَ نقش خَاتمه توكلت على الْحَيّ القيوم وَبَقِي فِي الْخلَافَة حَتَّى خلع نَفسه وَسلم الامر الى مَرْوَان بن مُحَمَّد الَّاتِي ذكره فِي صفر سنة سبع وَعشْرين وَمِائَة وَبَقِي حَتَّى قَتله ابو عون يَوْم الزاب وَقيل غرق وَقيل قَتله مَرْوَان وصلبه وَلم يَقع لي ذكر اولاده
الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
كَانَ بَينه وَبَين مَرْوَان بن مُحَمَّد قتال كثير كَانَ اخر الامر فِيهِ انهزام ابراهيم الْمَذْكُور وخلع نَفسه كَمَا تقدم
(1/161)

ولايات الامصار فِي خِلَافَته
45 - أَكَانَ على مصر حَنْظَلَة بن صَفْوَان فأقره عَلَيْهَا
وَكَانَ على مَكَّة وَالْمَدينَة وَسَائِر الْحجاز يُوسُف بن مُحَمَّد بن يُوسُف الثَّقَفِيّ فأقره على ذَلِك وَلم اقف على عماله على الْيَمين
وَكَانَ على افريقية وبلاد الْمغرب عبد الرَّحْمَن بن حبيب فأقره عَلَيْهَا
وَكَانَ على الاندلس ثوابة الجذامى فأقره عَلَيْهَا
الرَّابِع عشر من خلفاء بني امية مَرْوَان بن مُحَمَّد
وَهُوَ ابو عبد الْملك مَرْوَان بن مُحَمَّد بن مَرْوَان بن الحكم وَيُقَال انه كَانَ يلقب الْقَائِم بِحَق الله وامه لبَابَة جَارِيَة ابراهيم بن الاشتر وَكَانَت كردية وَيعرف بالجعدي لانه اخذ عَن الْجَعْد بن دِرْهَم مذْهبه فِي الْكَلَام فِي القَوْل بخل الْقُرْآن وَالْقدر وَيعرف ايضا بِحِمَار
(1/162)

الجزيرة لانه كَانَ واليا بهَا من جِهَة الْوَلِيد بن يزِيد وَهُوَ آخر خلفائهم وَكَانَ ابيض اشهل ضخم الْقَامَة كث اللِّحْيَة ابيضها شجاعا حازما صَابِرًا على التَّعَب وَكَانَ يغرى بَين الْقَبَائِل وَكَانَ مَعَ ذَلِك بليغا لَهُ رسائل
وَمُقْتَضى كَلَام ابْن حزم انه كَانَ سنه مَا بَين الثَّلَاثِينَ وَالْعِشْرين وَكَانَ نقش خَاتمه اذكر الله يَا غافل وَبَقِي فِي الْخلَافَة حَتَّى توفّي قَتِيلا بالديار المصرية بقرية يُقَال لَهَا بوصير لثلاث بَقينَ من ذِي الْحجَّة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وعمره اثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ سنة وَكَانَ لَهُ من الاولاد ذكران وهما عبد الله وَعبيد الله فهربا بعد قَتله
فَأَما عبيد الله فهرب الى الْحَبَشَة فَقتل بهَا وَأما عبد الله فَيُقَال انه قبض عَلَيْهِ وَحبس الى ايام الرشد فَأخْرج ضريرا وَمَات بِبَغْدَاد
الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
45 - ب لما بُويِعَ لَهُ بالخلافة قصد يزِيد بن الْوَلِيد لطلب
(1/163)

دم الْوَلِيد بن يزِيد وخلاص الحكم وَعُثْمَان وَلَدي الْوَلِيد بن يزِيد اللَّذين كَانَ قد جَعلهمَا ابوهما الْمَذْكُور وليي عَهده من السجْن فَوجدَ يزِيد بن الْوَلِيد قد مَاتَ وأخاه ابراهمي قد قتل وَالْحكم وَعُثْمَان ولدى الْوَلِيد فِي السجْن فَحَضَرَ اليه ابو مُحَمَّد السفياني وَكَانَ مَعَهُمَا فِي السجْن فَسلم عَلَيْهِ بالخلافة فَقَالَ لَهُ مَا هَذَا فَقَالَ انهما قد جعلاها لَك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وانشده بَيْتا كَانَ قد قَالَه الحكم فِي السجْن وَهُوَ ... فان اقْتُل انا وَولى عهدي ... فمروان امير المؤمنينا ...

وَلما صَارَت اليه الْخلَافَة عصى عَلَيْهِ اهل حمص واهل غوطة دمشق واهل فلسطين فَبعث من قَاتلهم حَتَّى انقادوا ودخلوا فِي طَاعَته وَلم يحجّ فِي شَيْء من خِلَافَته وَلم يزل امْرَهْ مضطربا حَتَّى ظهر ابو مُسلم الْخُرَاسَانِي دَاعِيَة بني الْعَبَّاس بخراسان فَأخذ امْرَهْ فِي الاضمحلال وجهز لَهُ ابو الْعَبَّاس السفاح عبد الله بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس فِي جَيش وَخرج مَرْوَان لملاقاته فَالْتَقَيَا فِي زاب الْموصل فَانْهَزَمَ مَرْوَان وَعبد الله فِي
(1/164)

اثره الى نهر ابي فطرس من فلسطين فَالْتَقَيَا فَقتل خلق كثير من بني امية مِمَّن كَانَ مَعَ مَرْوَان وهرب مَرْوَان حِينَئِذٍ الى مصر وَقد تلاشى حَاله وَتَبعهُ صَالح بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس حَتَّى ادركه ببوصير من صَعِيد مصر وَقد اخْتَبَأَ فِي كَنِيسَة هُنَاكَ فاحتز رَأسه وجهزها الى السفاح فَلَمَّا انْتَهَت اليه خر سَاجِدا لله تَعَالَى
ولايات الامصار فِي خِلَافَته
كَانَ على مصر حَنْظَلَة بن صَفْوَان فَعَزله وَولى عَلَيْهَا عتابة التجِيبِي سنة سبع وَعشْرين وَمِائَة فَمَكثَ فِيهَا خمس سِنِين اَوْ دونهمَا ثمَّ وَليهَا 46 أعنه حَفْص ابْن الْوَلِيد سنة ثَمَان وَعشْرين وَمِائَة فَمَكثَ فِيهَا ثَلَاث سِنِين وَسِتَّة اشهر ثمَّ وَليهَا عَنهُ الْفَزارِيّ سنة احدى وَثَلَاثِينَ وَمِائَة فَمَكثَ فِيهَا سنة وَاحِدَة ثمَّ وَليهَا عَنهُ
(1/165)

عبد الْملك بن مَرْوَان مولى لخم سنة احدى وَثَلَاثِينَ وَمِائَة فَمَكثَ فِيهَا 2 سنة وَاحِدَة وَهُوَ آخر عمالهم عَلَيْهَا
وَقَالَ فِي عُيُون المعارف وَليهَا بعد حَفْص حسان بن عتاهية ثمَّ حَفْص بن الْوَلِيد ثمَّ حوثرة بن سُهَيْل الْعجْلَاني ثمَّ المغير بن عبيد الله ثمَّ عبد الْملك بن مَرْوَان بن مُوسَى بن نصير الى آخر أَيَّام مَرْوَان
وَكَانَ على مَكَّة وَالْمَدينَة والحجاز يُوسُف بن مُحَمَّد بن يُوسُف الثَّقَفِيّ فولى مَكَانَهُ على ذَلِك عبد الْعَزِيز بن عمر بن عبد الْعَزِيز ثمَّ عَزله فِي سنة تسع وَعشْرين وَمِائَة وَولى مَكَانَهُ عبد الْوَاحِد وَهُوَ آخر عمالهم بالحجاز
وَكَانَ على افريقية وبلاد الْمغرب عبد الرَّحْمَن بن حبيب فأقره عَلَيْهَا وَكتب اليه بولايتها وَهُوَ آخر عمالهم عَلَيْهَا
وَكَانَ على الاندلس ثوابة الجذامى فولى عَلَيْهَا يُوسُف بن عبد الرَّحْمَن الفِهري فاستقر الى ان زَالَت دولتهم
(1/166)

تذنيب
كَانَت مُدَّة خلفاء بني امية مُنْذُ خلص الامر لمعاوية والى ان قتل مَرْوَان احدى وَتِسْعين سنة وَتِسْعَة اشهر وَخَمْسَة ايام وَهِي الف شهر تَقْرِيبًا
قيل انه لما سَار الْحسن من الْكُوفَة عرض لَهُ رجل فَقَالَ لَهُ يَا مسود وُجُوه الْمُؤمنِينَ فَقَالَ لَا تعذلني فان رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رأى فِي مَنَامه ان بني امية ينزون على منبره وَاحِدًا فواحدا فساءه ذَلِك فَانْزِل الله تعال عَلَيْهِ {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة الْقدر وَمَا أَدْرَاك مَا لَيْلَة الْقدر لَيْلَة الْقدر خير من ألف شهر} يَعْنِي الف شهر يملكهَا بَنو امية
وَلما قتل مَرْوَان بن مُحَمَّد آخر خلفائهم قتل السفاح سُلَيْمَان بن هِشَام بن عبد الْملك وَقتل عَمه 46 ب عَليّ ابْن عبد الله بن عَليّ نَحْو تسعين لاجلا من بني امية كَانُوا قد اجْتَمعُوا اليه امْر بضربهم بالعمد حَتَّى القوا الى الارض وَكَانَ ذَلِك وَقت حُضُور الطَّعَام فَأمر ان تبسط عَلَيْهِم الانطاع ويمد عَلَيْهِم الخوان وَأكل النَّاس وهم
(1/167)

يسمعُونَ انينهم حَتَّى مَاتُوا جَمِيعًا وامر عبد الله بنبش قُبُور بني امية بِدِمَشْق فنبش قبر مُعَاوِيَة بن ابي سُفْيَان وقبر يزِيد ابْنه وقبر عبد الْملك بن مَرْوَان وقبر هِشَام بن عبد الْملك فَوجدَ صَحِيحا فَأمر بِهِ فَضرب مائَة وَعشْرين سَوْطًا وصلب ثمَّ احرقه بالنَّار وذراه فِي الْهَوَاء وتتبع بني امية من اولاد الْخُلَفَاء فَقَتلهُمْ وَكَذَلِكَ قتل سُلَيْمَان ابْن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس بِالْبَصْرَةِ جمَاعَة من بني امية والقاهم على الطَّرِيق فأكلتهم الْكلاب وتشتت من بَقِي من بني امية هربا فِي الْبِلَاد وهرب عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة بن هِشَام بن عبد الْملك الى الاندلس فَبَايعهُ اهلها على مَا سَيَأْتِي فِي الْكَلَام على المدعين للخلافة فِيمَا بعد ان شَاءَ الله تَعَالَى
الطَّبَقَة الثَّالِثَة من الْخُلَفَاء خلفاء بني الْعَبَّاس بالعراق
اعْلَم ان الْخلَافَة فِي بني الْعَبَّاس بِالنَّصِّ فقد روى ان الْعَبَّاس رَضِي الله عَنهُ حِين امتدح النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بقوله
(1/168)

.. من قبلهَا طبت فِي الظلال وَفِي ... مستودع حَيْثُ يخصف الْوَرق ... ثمَّ هَبَطت الْبِلَاد لَا بشر ... انت وَلَا مُضْغَة وَلَا علق ... بل نُطْفَة تركب السفين وَقد ... الجم نسرا واهله الْغَرق ... تنقل من صالب الى رحم ... اذا مضى عَالم بدا طبق ... حَتَّى احتوى بَيْتك الْمُهَيْمِن من ... خَنْدَق عَلَيْهَا تحثها النُّطْق ... وانت لما ولدت اشرقت ال ... أَرض وضاءت بنورك الافق ... 47 أفنحن فِي ذَلِك الضياء وَفِي النو ... ر وسبل الرشاد نخترق ...
(1/169)

اسر اليه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ان قَالَ الا ابشرك يَا عَم بِي ختمت النبوه وبولدك تختم الْخلَافَة وَقد رَأينَا ذَلِك عيَانًا وَهُوَ أَنه مذ آل الامر اليهم من بعد بني امية وَهُوَ مُسْتَمر فيهم الى يَوْمنَا هَذَا وَلم يبرح عَنْهُم وَلم يتَحَوَّل وَهِي معْجزَة من معجزاته الَّتِي اخبر فِيهَا بِمَا سَيكون وَلَيْسَت بِأول معجزاته
وَجُمْلَة من كَانَ بخلفائهم بالعراق سَبْعَة وَثَلَاثُونَ خَليفَة
الاول من خلفاء بني الْعَبَّاس بالعراق
السفاح
وَهُوَ ابو الْعَبَّاس عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله ابْن الْعَبَّاس بن عبد الملطلب
وَاخْتلف فِي لقبه الْمُتَعَلّق بالخلافة فَقيل الْقَائِم وَقيل الْمُهْتَدي وَقيل المرتضى وَغلب عَلَيْهِ السفاح لِكَثْرَة مَا سفح من دِمَاء بني امية يَعْنِي أسأَل
وامه ريطة بنت عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان
(1/170)

الْحَارِثِيّ كَانَ ابيض اللَّوْن طَويلا اقنى الانف حسن الْوَجْه واللحية لَهُ وفرة شعر سديد الرَّأْي كريم الاخلاق وافر الْجُود حَتَّى يُقَال انه وصل عبد الله بن الْحسن بن الْحسن بن عَليّ بن ابي طَالب رَضِي الله عَنهُ بألفي الف دِرْهَم وَهُوَ اول خَليفَة وصل بِهَذِهِ الْجُمْلَة
كَانَ قد بُويِعَ لَهُ بِالْكُوفَةِ يَوْم الْجُمُعَة لثلاث عشرَة لَيْلَة خلت من شهر ربيع الاول سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة قبل قتل مَرْوَان بن مُحَمَّد آخر خلفاء بني امية بِثمَانِيَة اشهر
قَالَ ابْن حزم كَانَ سنه حِين ولى مَا بَين الثَّلَاثِينَ والاربعين وَفِيه نظر لانه سَيَأْتِي انه توفّي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وان خِلَافَته ارْبَعْ سِنِين وَكَانَ نقش خَاتمه الله ثِقَة عبد الله وَبِه يُؤمن 47 ب وَبَقِي فِي الْخلَافَة حَتَّى توفّي بالجدري وَقَالَ ابْن ازهر سموهُ بِالْمَدِينَةِ الهاشمية الَّتِي بناها بالعراق يَوْم الاحد لثلاث عشرَة لَيْلَة خلت من ذِي الْحجَّة سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وعمره اثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ سنة وَنصف فِيمَا ذكره الْقُضَاعِي وَقَالَ صَاحب حماة ثَلَاث وَثَلَاثُونَ سنة وَصلى عَلَيْهِ
(1/171)

عَمه عِيسَى بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس وَدفن بالأنبار العتيقة وَكَانَت مُدَّة خِلَافَته أَربع سِنِين وَقد تقدم أَنه كَانَ قد بُويِعَ لَهُ قبل قتل مَرْوَان بِثمَانِيَة أشهر فَتكون جَمِيع مدَّته أَربع سِنِين وَثَمَانِية أشهر وَكَانَ لَهُ ولد يُسمى مُحَمَّدًا مَاتَ صَغِيرا وَابْنَة اسْمهَا ريطة تزَوجهَا المهدى
الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
سَار بعد مبايعته بالخلافة من الْكُوفَة إِلَى الْحيرَة من الْعرَاق فَأَقَامَ بهَا ثمَّ سَار مِنْهَا إِلَى الأنبار من الْعرَاق أَيْضا سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَبنى بهَا مَدِينَة سَمَّاهَا الهاشمية ونزلها واسوزر أَبَا سَلمَة حَفْص بن سُلَيْمَان الْخلال وَهُوَ أول من لقب بالوزارة فِي الْإِسْلَام وَكَانُوا قبل ذَلِك يَقُولُونَ كَاتبا ثمَّ قَتله واسوزر خَالِد بن برمك وَهُوَ جد البرامكة المعروفين بالجود واستقضى فِي أول خِلَافَته ابْن أبي ليلى ثمَّ استقضى غَيره وَلما بُويِعَ خلع طَاعَته أَبُو الْورْد بن الْكَوْثَر بِقِنِّسْرِينَ فَسَار إِلَيْهِ عبد الله ابْن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس فِي جَيش فَهَزَمَهُ وَقتل أَبَا الْورْد ثمَّ عَاد إِلَى دمشق وَقد خرج أَهلهَا عَن الطَّاعَة فَهَرَبُوا مِنْهُ ثمَّ آمنهم فَدَخَلُوا فِي الطَّاعَة
(1/172)

ولايات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته
(48 أ) كَانَ على مصر أَيَّام مَرْوَان بن مُحَمَّد آخر خلفاء بنى أُميَّة عبد الْملك بن مَرْوَان اللخمى فَعَزله عَنْهَا وَولى عَلَيْهَا صَالح بن على بن عبد الله بن عَبَّاس سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ ومائه فَمَكثَ فِيهَا أشهر قَلَائِل ثمَّ سَار عَنْهَا فوليا عَنهُ أَبُو عون عبد الْملك مولى بنى أَسد آخر سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ ومائه فَمَكثَ فِيهَا ثَلَاث سِنِين ثمَّ وَليهَا عَنهُ صَالح بن على ثَانِيًا فِي ذى الْحجَّة سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة فَأَقَامَ فِيهَا إِلَى أَيَّام أبي جَعْفَر المنصورالآتي ذكره
وَولى على الشَّام عَمه عبد الله بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة فبقى إِلَى أَيَّام الْمَنْصُور
وَولى على خرسان وَالْجِبَال أَبُو مُسلم الخرساني
وَكَانَ على مَكَّة وامدينة وَسَائِر الْحجاز يُوسُف بن مُحَمَّد ابْن يُوسُف الثقفى فَعَزله وَولى على ذَلِك عَمه دَاوُد بن عَليّ وَتوفى سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَة فولى مَكَانَهُ فِي جَمِيع ذَلِك زِيَاد بن عبد الله بن عبد الدَّار الحارثى ثمَّ
(1/173)

ولى على مَكَّة السرى بن عبد الله بن الْحَارِث بن الْعَبَّاس فبقى فِيهَا إِلَى أَيَّام أبي جَعْفَر الْمَنْصُور
وَولى على الْمَدِينَة مُحَمَّد بن خَالِد بن عبد الله القسرى ثمَّ عَزله وَولى مَكَانَهُ ريَاح بن عُثْمَان المرى ثمَّ قتل فولى مَكَانَهُ عبد الله بن الرّبيع الْحَارِثِيّ فبقى فِيهَا إِلَى أَيَّام أبي جَعْفَر الْمَنْصُور
وَولى على الْيمن عَمه دَاوُد ثمَّ توفى فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَة فولى مَكَانَهُ عمر بن زيد بن عبد الله بن عبد المدان فتوفى فِي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة فولى مَكَانَهُ عَليّ بن الرّبيع بن عبيد الله
وَكَانَ على إفريقية وبلاد الْمغرب يُوسُف بن عبد الرَّحْمَن الفهرى فَبعث إِلَى السفاح بِطَاعَتِهِ فأقره عَلَيْهَا ثمَّ قتل سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة ثمَّ غلب عَلَيْهَا عبد الْملك بن
(1/174)

أبي الْجَعْد وأساء السِّيرَة ثمَّ غلب عَلَيْهَا عبد الْأَعْلَى بن السَّمْح
وَكَانَ على الأندلس (48 ب) يُوسُف بن عبد الرَّحْمَن الفهرى من زمن مَرْوَان بن مُحَمَّد آخر خلفاء بنى أُميَّة فَأَقَامَ بهَا أَيَّامه وَأول أَيَّام أبي جَعْفَر الْمَنْصُور بعده حَتَّى استولى عَلَيْهَا عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة بن هِشَام بن عبد الْملك ابْن مَرْوَان فِي خِلَافه أبي جَعْفَر الْمَذْكُور واستمرت بعده بيد بنى أُميَّة بالأندلس إِلَى حِين انْقِرَاض دولتهم
الثانى من خلفاء بنى الْعَبَّاس بالعراق الْمَنْصُور
وَهُوَ أَبُو جَعْفَر عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس وَهُوَ أَخُوهُ السفاح الْمُقدم ذكره وَأمه سَلَامه بنت بشير ولد بالحميمة من أَرض الشراة وَكَانَ أسمر نحيفا خَفِيف العارضين يخضب بِالسَّوَادِ قَالَ فِي عُيُون المعارف يُقَال إِنَّه كَانَ يغبر شَيْبه بِأَلف مِثْقَال مسك فِي كل شهر وَكَانَ حَازِم الرأى قد عركته الْأَيَّام على غَايَة من الحزم وصواب التَّدْبِير وَكَانَ أَخُوهُ أَبُو الْعَبَّاس
(1/175)

السفاح قد عهد إِلَيْهِ بالخلافة ثمَّ من بعده إِلَى ابْن أَخِيه عِيسَى ابْن مُوسَى وَجعل الْعَهْد فِي ثوب وَختم عَلَيْهِ وَدفعه إِلَى عِيسَى ابْن مُوسَى فاستنزل عِيسَى عَن عَهده وعهد بهَا لِابْنِهِ المهدى وبويع لَهُ بهَا بعد موت أَخِيه السفاح فِي الْيَوْم الذى مَاتَ فِيهِ لثلاث عشرَة لَيْلَة خلت من ذى الْحجَّة سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَهُوَ يَوْمئِذٍ بِمَكَّة وَقَامَ عَمه عِيسَى ابْن على ببيعته وأتته الْخلَافَة تزهو بطرِيق مَكَّة بالصفية فَقَالَ صفا أمرنَا إِلَى شَاءَ الله تَعَالَى وَكَانَ نقش خَاتمه
قَالَ ابْن حزم وَكَانَ سنه حِين ولى مَا بَين الْأَرْبَعين وَالْخمسين وبقى فِي الْخلَافَة حَتَّى توفى وَهُوَ محرم بِالْحَجِّ ببئر مَيْمُون على أَمْيَال من مَكَّة فِي السَّادِس من ذى الْحجَّة سنة ثَمَان وَخمسين وَمِائَة (49 أ) وعمره ثَلَاث وَسِتُّونَ سنة وَقيل أَربع وَسِتُّونَ وَصلى عَلَيْهِ إِبْرَاهِيم بن يحيى بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عَبَّاس وَدفن بالحجون وَكَانَت مُدَّة خِلَافَته اثْنَتَيْنِ وَعشْرين سنة وَثَلَاثَة أشهر وَيُقَال اثْنَتَيْنِ وَعشْرين سنة إِلَّا سَبْعَة أَيَّام
وَيُقَال إِنَّه ولد فِي ذى الْحجَّة وَكَانَ يتَوَقَّع أَن يومت فِي ذى الْحجَّة فَكَانَ كَذَلِك وَكَانَ لَهُ من الْأَوْلَاد تِسْعَة
(1/176)

ذُكُور وهم مُحَمَّد المهدى الْآتِي ذكره وجعفر وَبِه كَانَ يكنى وَصَالح وَسليمَان وَعِيسَى وَيَعْقُوب وَالقَاسِم وَعبد الْعَزِيز وعباس وَبنت وَاحِدَة اسْمهَا الْعَالِيَة
وَهُوَ أول من مَشى بَين يَدَيْهِ بِالسُّيُوفِ المصلتة والقسى والنشاب وَهُوَ أول من لعب بالصولجان فِي الْإِسْلَام على مَا سيأتى ذكره فِي الْبَاب السَّابِع
الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
فِي أَيَّامه فتحت الملتان والقندهار من أَرض السَّنَد وَهدم البد وَبنى مَوْضِعه مَسْجِد
وف سنة سبع وَثَلَاثِينَ قتل أَبَا مُسلم الخرساني صَاحب
(1/177)

دعوتهم لأمور اتهمه فِيهَا وَكَانَ أَبُو مُسلم قد قتل فِي دولته سِتّمائَة ألف صبرا
وَفِي أَيَّامه خرج قسطنطين ملك الرّوم إِلَى بِلَاد الْإِسْلَام وَأخذ ملطية عنْوَة وَهدم سورها فَبعث الْمَنْصُور عبد الْوَهَّاب ابْن أَخِيه إِبْرَاهِيم الإِمَام فِي سبعين ألف مقَاتل لعمارتها فعمرها فِي سِتَّة أشهر
وَفِي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة أَمر الْمَنْصُور بِالزِّيَادَةِ فِي الْمَسْجِد الْحَرَام من جِهَة بَاب الندوة وَبنى مَسْجِد الْخيف
وَفِي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَة خرجت عَلَيْهِ الراوندية وهم قوم من أهل خارسان يَقُولُونَ بالتناسخ ويزعمون أَن
(1/178)

روح آدم حلت فِي عُثْمَان بن نهيك وَأَن أَبَا جَعْفَر الْمَنْصُور هُوَ رَبهم الذى يُطعمهُمْ ويسقيهم فظفر بهم وقتلهم عَن آخِرهم
وَفِي سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَة خرج عَلَيْهِ مُحَمَّد بن عبد الله (49 ب) بن الْحسن بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب وَاسْتولى على الْمَدِينَة وَجرى بَينه وَبَين الْمَنْصُور مكاتبات ومراجعات يطول ذكرهَا فَجهز إِلَيْهِ الْمَنْصُور جَيْشًا فَقتله هُوَ وجماعته فَخرج عَلَيْهِ أَخُوهُ إِبْرَاهِيم عقب ذَلِك فَجهز إِلَيْهِ من قَتله فِي سنته
وَفِي سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَة بنى مَدِينَة بَغْدَاد وانتقل إِلَيْهَا من مَدِينَة الهاشمية الَّتِي بناهاأخوه أَبُو الْعَبَّاس السفاح وَبنى الرصافة فِي الْجَانِب الغربى من بَغْدَاد لِابْنِهِ المهدى
وَفِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَة توفى الإِمَام جَعْفَر الصَّادِق ابْن زين العابدين
(1/179)

وَفِي سنة خمسين وَمِائَة توفى الإِمَام أَبُو حنيفَة رَحمَه الله وفيهَا توفى الإِمَام الشَّافِعِي رضى الله عَنهُ وفيهَا توفى مقَاتل بن سُلَيْمَان الْمُفَسّر
وَفِي سنة ثَلَاث وَخمسين وَمِائَة توفى أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء أحد الْقُرَّاء السَّبْعَة
وَفِي سنة خمس وَخمسين وَمِائَة فتح يزِيد بن حَاتِم بن الْمُهلب إفريقية من بِلَاد الْمغرب
وَفِي سنة سِتّ وَخمسين توفى حَمْزَة بن حبيب الزيات أحد الْقُرَّاء السَّبْعَة أَيْضا
وَفِي سنة خمس وَخمسين توفى الأوزاعى إِمَام أهل الشَّام فِي الْفِقْه وَغَيره
ولايات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته
كَانَ على مصر فِي أَيَّام السفاح صَالح بن عَليّ بن عبد الله
(1/180)

ابْن عَبَّاس فولى عَلَيْهَا بعده عبد الْملك مولى بنى أَسد ثمَّ وَليهَا صَالح بن عَليّ ثَانِيًا ثمَّ عبد الْملك سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة فَمَكثَ فِيهَا ثَلَاث سِنِين ثمَّ وَليهَا عَنهُ النَّقِيب التَّمِيمِي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَة فَمَكثَ فِيهَا سنتَيْن ثمَّ وَليهَا عَنهُ حميد الطائى سنة ثَلَاث وأبعين وَمِائَة فَمَكثَ فِيهَا سنة وَاحِدَة ثمَّ وَليهَا عَنهُ يزِيد المهلبي سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَة فَمَكثَ فِيهَا تسع سِنِين ثمَّ وَليهَا اثْنَيْنِ وَخمسين وَمِائَة فَمَكثَ فِيهَا سنتَيْن وَسِتَّة أشهر ثمَّ وَليهَا عَنهُ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن (50 أ) بن مُعَاوِيَة سنة أَربع وَخمسين وَمِائَة فَمَكثَ فِيهَا سنة وَاحِدَة ثمَّ وَليهَا عَنهُ مُوسَى بن عَليّ اللَّخْمِيّ فِي سنة خمس وَخمسين وَمِائَة فَمَكثَ فِيهَا وَسِتَّة أشهر
وَكَانَ على الشَّام عبد الله بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس
(1/181)

فَصَرفهُ وَولى أَبَا مُسلم الخارساني الشَّام فس سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة ثمَّ قَتله الْمَنْصُور فِي السّنة الْمَذْكُورَة
وَكَانَ على مَكَّة وَالْمَدينَة وَسَائِر الْحجاز السّري بن عبد الله ابْن الْحَارِث بن الْعَبَّاس فَعَزله فِي سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَمِائَة وَولى على مَكَّة مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الإِمَام ثمَّ عَزله وَولى مَكَانَهُ إِبْرَاهِيم ابْن أَخِيه ثمَّ ولى مَكَانَهُ جَعْفَر بن سُلَيْمَان
وَكَانَ على الْمَدِينَة عبد الله بن الرّبيع الْحَارِثِيّ فَعَزله سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَة وَولى مَكَانَهُ جَعْفَر بن سُلَيْمَان ثمَّ عَزله وَولى بعده عَمه عبد الصَّمد بن عَليّ
وَكَانَ على إفريقية وبلاد الْمغرب عبد الْأَعْلَى بن السَّمْح فولى مَكَانَهُ مُحَمَّد بن الْأَشْعَث الخزاعى فَقَدمهَا سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَة وَدخل القيروان وَبنى عَلَيْهَا سورا ثمَّ ثَارُوا عَلَيْهِ وأخرجوه مِنْهَا وولوا عَلَيْهِم عِيسَى بن مُوسَى الخارساني ثمَّ ولى عَلَيْهَا أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور الْأَغْلَب بن سَالم بن عقال التَّمِيمِي فَسَار إِلَيْهَا وَدخل القيروان فَخَرجُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ فِي سنة خمسين وَمِائَة فولى عَلَيْهَا
(1/182)

عمر بن حَفْص بن قبيصَة بن الْمُهلب بن أبي صفرَة الْعَتكِي فَقَدمهَا سنة إِحْدَى وَخمسين وَمِائَة فنازعه البربر وَضعف أمره عَنْهُم فولى عَلَيْهَا يزِيد بن حَاتِم بن قبيصَة بن الْمُهلب فَقَدمهَا منتصف سنة خمس وَخمسين وَمِائَة فَأَقَامَ فِيهَا إِلَى أَن مَاتَ فِي خلَافَة الرشيد فِي سنة سبعين وَمِائَة
وَكَانَ على الأندلس يُوسُف بن عبد الرَّحْمَن الفهرى الْمُقدم ذكره فَسَار إِلَيْهَا عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة بن هِشَام ابْن عبد الْملك بن مَرْوَان وَاسْتولى عَلَيْهَا فِي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وبقى بهَا حَتَّى (50 ب) توفى سنة إِحْدَى وَسبعين وَمِائَة وَكَانَ قَاعِدَة ملكهم مَدِينَة قرطبه

الثَّالِث من خلفاء بنى الْعَبَّاس بالعراق المهدى
وَهُوَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي جَعْفَر الْمَنْصُور الْمُقدم ذكره وَأمه أم مُوسَى بنت مَنْصُور بن عبد الله الحميرى وَكَانَ أسمر طَويلا حسن الْوَجْه بِعَيْنِه الْيُمْنَى بَيَاض جوادا حازما وصُولا لرحمه يُبَاشر الْأُمُور بِنَفسِهِ ولى الْخلَافَة
(1/183)

بِعَهْد من أَبِيه الْمَنْصُور بعد استنزال ابْن أَخِيه عِيسَى بن مُوسَى عَن عهد السفاح بهَا إِلَيْهِ بعد الْمَنْصُور وَلما خرج أَبوهُ الْمَنْصُور إِلَى الْحَج فِي السّنة الَّتِى مَاتَ فِيهَا خرج مَعَه ابْنه المهدى فَقَالَ لَهُ إِن فِي نَفسِي تُحَدِّثنِي بِالْمَوْتِ فِي هَذِه السّنة وَذَلِكَ هُوَ الذى دَعَاني إِلَى الْحَج فَاتق الله تَعَالَى فِيمَا عهِدت بِهِ إِلَيْك من أُمُور الْمُسلمين ثمَّ بُويِعَ لَهُ بعد موت أَبِيه يَوْم السبت لست خلون من ذى الْحجَّة سنة ثَمَان وَخمسين وَمِائَة وَوصل الْخَبَر إِلَى بَغْدَاد بِمَوْت أَبِيه والبيعة لَهُ فِي منتصف ذى الْحجَّة وَكَانَ نقش خَاتِمَة حسبي الله
قَالَ ابْن حزم وَكَانَ سنة حِين ولى مَا بَين الثَّلَاثِينَ وَالْأَرْبَعِينَ ثمَّ بقى حَتَّى توفى بماسبذان لثمان بَقينَ من الْمحرم سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَمِائَة وعمره اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ سنة وَنصف وَصلى عَلَيْهِ ابْنه الرشيد وَدفن بقرية يُقَال لَهَا السَّرف وَمُدَّة خِلَافَته عشر سِنِين وَشهر وَقيل وَشهر وَنصف وَكَانَ لَهُ من الْأَوْلَاد هَارُون الرشيد ومُوسَى
(1/184)

وعَلى وَعبد الله وَمَنْصُور وَيَعْقُوب وَإِسْحَاق وَإِبْرَاهِيم وَمن الْإِنَاث البانوقة وَعليَّة وعباسة وسليمة
الحوداث والماجريات فِي خِلَافَته
كَانَ عادلا فِي خِلَافَته حَتَّى يُقَال إِنَّه كَانَ فِي بنى الْعَبَّاس كعمر بن عبد الْعَزِيز فِي بني أُميَّة وَكَانَ إِذا جلس للمظالم يَقُول أدخلُوا على الْقُضَاة فلولم يكن ردي الْمَظَالِم إِلَّا للحياء مِنْهُم (51 أ)
وَلما ولى الْخلَافَة رد كثيرا مِمَّا أَخذه أَبوهُ من الْأَمْوَال وَأطلق من كَانَ فِي السجون وَزَاد فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وَبنى العلمين اللَّذين يسْعَى بَينهمَا
ورد نسب زِيَاد بن أَبِيه الَّذِي كَانَ قد اسْتَلْحقهُ مُعَاوِيَة ابْن أبي سُفْيَان إِلَى عبيد الرُّومِي وَأخرجه من قُرَيْش
وَحج بِالنَّاسِ فِي سنة تسع وَخمسين وَمِائَة وَفرق فِي النَّاس أمولا عضيمة ووسع مَسْجِد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
(1/185)

وَفِي سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَة أَمر باتخاذ المصانع بطرِيق مَكَّة وتحديد الأميال وتقصير المنابر وَجعلهَا بِمِقْدَار مِنْبَر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وَفِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَمِائَة غزا هَارُون الرشيد بِلَاد الرّوم فتغلغل فِيهَا وَبلغ القسطنطنية وَفتح فتوحا كَثِيرَة
واستوزر فِي خِلَافَته عدَّة وزراء مِنْهُم أَبُو أَيُّوب المورياني ثمَّ خَالِد بن برمك مُدَّة يسيرَة
وَفِي خِلَافَته توفّي سُفْيَان الثَّوْريّ وَإِبْرَاهِيم بن أدهم الزَّاهِد فِي سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَة وَفِي أَيَّامه قتل الْمقنع الْخُرَاسَانِي وَهُوَ رجل سَاحر خيل للنَّاس صُورَة قمر يطلع وَيَرَاهُ النَّاس من مَسَافَة شَهْرَيْن وَكَانَ مُشَوه الصُّورَة أَعور قَصِيرا فَاتخذ وَجها من ذهب وتقنع بِهِ فَسُمي الْمقنع وَادّعى مَعَ ذَلِك الربوبية وأطاعه خلق كثير وَكَانَ لَهُ قلعة فحصروه بهَا حَتَّى قَتَلُوهُ
وَفِي أَيَّامه هرب إِدْرِيس بن عبد الله بن إِدْرِيس بن
(1/186)

عبد الله بن الْحسن بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب إِلَى الغرب الْأَقْصَى ودعا هُنَاكَ لنَفسِهِ
ولايات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته
كَانَ على مصر فِي أَيَّامه أَبِيه الْمَنْصُور مُوسَى بن عَليّ اللَّخْمِيّ فَصَرفهُ عَنْهَا وولاها عِيسَى الجُمَحِي سنة أحدى وَسِتِّينَ وَمِائَة فَمَكثَ فِيهَا سنة وَاحِدَة ثمَّ وَليهَا عَنهُ وَاضح مولى الْمَنْصُور وَقيل مَنْصُور بن يزِيد (51 ب) الرعينى فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ مَائه ثمَّ وَليهَا عَنهُ زيد بن مَنْصُور الْحِمْيَرِي فِي وسط السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ وَليهَا عَنهُ يحيى أَبُو صَالح فِي ذِي الْحجَّة مِنْهَا ثمَّ وَليهَا عَنهُ سَالم بن سوَادَة التميميي سنة ارْبَعْ وَسِتِّينَ وَمِائَة ثمَّ وَليهَا عَنهُ إِبْرَاهِيم بن صَالح بن عَليّ العباسي فِي سنة خمس وَسِتِّينَ وَمِائَة ثمَّ وَليهَا عَنهُ مُوسَى بن مُصعب فِي سنة
(1/187)

سِتّ وَسِتِّينَ وَمِائَة ثمَّ قتل فَقَامَ عَنهُ خَليفَة أُسَامَة بن عَمْرو العامرى فِي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَمِائَة
وَولى على الشَّام عبد الصَّمد بن عَليّ
وَكَانَ على مَكَّة جَعْفَر بن سُلَيْمَان وَلم أَقف على من بعده
وَكَانَ على الْمَدِينَة عبد الصَّمد بن عَليّ فَعَزله فِي سنة تسع وَخمسين وَمِائَة وَولى عَلَيْهَا مُحَمَّد بن عبد الله الكبيرى ثمَّ عَزله وَولى مَكَانَهُ عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن صَفْوَان ثمَّ عَزله وَولى مَكَانَهُ زفر بن عَاصِم
وَكَانَ على الْيمن يزِيد بن مَنْصُور فَعَزله وَولى مَكَانَهُ رَجَاء بن روح ثمَّ ولى بعده على بن سُلَيْمَان ثمَّ عَزله سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَة وَولى مَكَانَهُ عبد الله بن سُلَيْمَان ثمَّ عَزله سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَمِائَة وَولى مَكَانَهُ مَنْصُور بن يزِيد ثَانِيًا ثمَّ عَزله فِي سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَمِائَة وَولى
(1/188)

مَكَانَهُ عبد الله بن سُلَيْمَان الربعِي ثمَّ ولى سُلَيْمَان بن يزِيد ثَانِيًا فَأَقَامَ بهَا إِلَى أَيَّام الهادى
وَكَانَ على إفريقية والغرب يزِيد بن حَاتِم بن قبيصَة المهلبي فَأَقَامَ بهَا إِلَى أَيَّام الهادى
وَكَانَ المستولى على الأندلس عبد الرَّحْمَن الدَّاخِل الأموى فَأَقَامَ بهَا إِلَى أَيَّام الهادى وَبعده
الرَّابِع من خلفاء بنى الْعَبَّاس بالعراق
الهادى
(152) وَهُوَ أَبُو مُحَمَّد مُوسَى بن مُحَمَّد المهدى بن أبي جَعْفَر الْمَنْصُور الْمُقدم ذكره
وَأمه الخيزران مولدة وهى بنت عَطاء مولاة أَبِيه وهى أم الْخُلَفَاء
كَانَ طَويلا جسيما أفوه بشفته الْعليا تقلص شجاعا بطلا أديبا جوادا صَعب المرام بُويِعَ لَهُ بالخلافة بِبَغْدَاد
(1/189)

يَوْم موت أَبِيه لثمان بَقينَ من الْمحرم سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَقيل تسع وَسِتِّينَ وَمِائَة وَهُوَ يَوْمئِذٍ غَائِب بجرجان يحارب أهل طبرستان وَقَامَ ببيعته أَخُوهُ الرشيد وَكتب إِلَى الْآفَاق بِمَوْت المهدى وَأخذ الْبيعَة للهادى وَلما بلغ الْخَبَر الهادى نَادَى بالرحيل وَسَار على الْبَرِيد مجدا حَتَّى دخل بَغْدَاد فِي عشْرين يَوْمًا
وَقَضِيَّة كَلَام ابْن حزم أَن سنه حِين ولى كَانَت مَا بَين الْعشْرين وَالثَّلَاثِينَ وَكَانَ نقش خَاتمه الله رَبِّي وبقى فِي الْخلَافَة حَتَّى توفى بِبَغْدَاد لَيْلَة الْجُمُعَة لأَرْبَع عشرَة لَيْلَة خلت من شهر ربيع الأول سنة سبعين وَمِائَة وعمره أَربع وَعِشْرُونَ سنة وَقيل خمس وَعِشْرُونَ وَقيل سِتّ وَعِشْرُونَ وَيُقَال إِن أمه الخيزران قتلته بِأَن أمرت الجوارى فغمين وَجهه وَهُوَ مَرِيض فَمَاتَ وَصلى عَلَيْهِ أَخُوهُ هَارُون الرشيد وَمُدَّة خِلَافَته سنة وَاحِدَة وَشهر وَاحِد وَأَرْبَعَة عشر يَوْمًا وَكَانَ لَهُ من الْأَوْلَاد سِتَّة ذُكُور وهم عِيسَى وَإِسْحَاق وجعفر وَإِسْحَاق الثَّانِي ومُوسَى وَكَانَ مُوسَى أعمى
(1/190)

وَكَانَ لَهُ عدَّة بَنَات مِنْهُنَّ أم عِيسَى الَّتِى تزَوجهَا الْمَأْمُون
الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
فِي أَيَّامه خرج الْحُسَيْن بن عَليّ بن الْحسن بن الْحسن ابْن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب بِالْمَدِينَةِ ودعا لنَفسِهِ وَجرى بَينه وَبَين عَامل الهادى حَرْب قتل فِيهَا الْحُسَيْن وانهزمت جماعته وهرب إِدْرِيس بن عبد الله بن الْحسن ابْن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب إِلَى بِلَاد الْمغرب الْأَقْصَى وبقى إِلَى خلَافَة الرشيد وَمن عقبه الأدارسة القائمون بِبِلَاد الْمغرب على مَا يَأْتِي ذكره
وَفِي أَيَّامه توفى نَافِع أحد الْقُرَّاء السَّبْعَة إِمَام أهل الْمَدِينَة فِي الْقِرَاءَة وَلم يحجّ فِي شَيْء من خِلَافَته
ولايات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته
كَانَ على مصر أُسَامَة بن عَمْرو العامرى فولى
(1/191)

مَكَانَهُ الْفضل بن صَالح العباسي فِي سنة تسع وَسِتِّينَ وَمِائَة ثمَّ وَليهَا عَنهُ عَليّ بن سُلَيْمَان العباسي فِي آخر السّنة الْمَذْكُورَة
وَكَانَ على مَكَّة وَالْمَدينَة واليمن جَعْفَر بن سُلَيْمَان
وَكَانَ على إفريقية وبلاد الْمغرب يزِيد بن حَاتِم بن قبيصَة المهلبي فأقره عَلَيْهَا وبقى إِلَى أَيَّام الرشيد كَمَا تقدم
وَكَانَ المستولى على الأندلس عبد الرَّحْمَن الدَّاخِل الْأمَوِي فاقأم بهَا إِلَى آخر أَيَّام الْهَادِي
الْخَامِس من الْخُلَفَاء بني الْعَبَّاس بالعراق
الرشيد
وَهُوَ أَبُو مُحَمَّد وَقيل أَبُو جَعْفَر هَارُون بن مُحَمَّد الْمهْدي ابْن أبي جَعْفَر الْمَنْصُور
وَأمه الخيزران ام أَخِيه الْهَادِي الْمُتَقَدّمَة الذّكر
كَانَ أَبيض اللَّوْن جميل الْوَجْه طَويلا سمينا قد وخطه الشيب سَمحا شجاعا كثير الْحَج والغزو وَالصَّدَََقَة
(1/192)

وَالصَّلَاة حَتَّى يُقَال إِنَّه كَانَ يُصَلِّي فِي كل يَوْم مائَة رَكْعَة وَكَانَ محبا للْعُلَمَاء مقربا لَهُم بُويِعَ لَهُ بالخلافة فِي اللَّيْلَة الَّتِي مَاتَ فِيهَا أَخُوهُ الْهَادِي فِي منتصف ربيع الأول سنة سبعين وَمِائَة
وَمُقْتَضى كَلَام ابْن حزم أَنه ولى وعمره مابين الْعشْرين إِلَى الثَّلَاثِينَ وَكَانَ نقش خَاتمه العظمة وَالْقُدْرَة لله وَقيل كن مَعَ الله على حذر وَبَقِي فِي الْخلَافَة (53 أ) حَتَّى توفّي لَيْلَة السبت لثلاث خلون من جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاث وَسبعين وَمِائَة وعمره خمس وَأَرْبَعُونَ سنة وَخَمْسَة أشهر وَقيل أَربع وَأَرْبَعُونَ وَأَرْبَعَة أشهر وَقيل ثَمَان وَأَرْبَعُونَ وَكَانَت وَفَاته بطوس من بِلَاد الْمشرق وَصلى عَلَيْهِ ابْنه صَالح وَدفن بطوس وَمُدَّة خِلَافَته ثَلَاث وَعِشْرُونَ سنة وَشهر وَتِسْعَة عشر يَوْمًا وَلما حَضرته الْوَفَاة غشى عَلَيْهِ ثمَّ أَفَاق فَرَأى الْفضل بن الرّبيع فَقَالَ يَا فضل ... أحين دنا مَا كنت أخْشَى دنوه ... رمتني عُيُون النَّاس من كل جَانب
(1/193)

.. وأصبحت مرحوما وَكنت مُحَمَّدًا ... فصبرا على مَكْرُوه مر العواقب ... سأبكي على الْوَصْل الَّذِي بَيْننَا ... وأندب أَيَّام السرُور الذواهب
ثمَّ مَاتَ بعد ذَلِك
الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
كَانَت خِلَافَته فِي غَايَة العظمة والفخامة حَتَّى يحْكى أَنه كَانَ يستلقي على قَفاهُ وَينظر الى السحابة الحاملة للمطر وَيَقُول إذهبي إِلَى حَيْثُ شِئْت يأتيني خراجك
واستوزر يحيى بن خَالِد بن برمك وابنيه جعفرا وَالْفضل فَكَانَ لدولته بكرمهم وَحسن تدبيرهم أكمل المفاخر
وَفِي أَيَّامه ظهر يحيى بن عبد الله بن حسن بن الْحسن ابْن عَليّ بن أبي طَالب بالديلم ودعا إِلَى نَفسه فَبعث إِلَيْهِ
(1/194)

الرشيد الْفضل بن يحيى فِي جَيش عَظِيم فِي سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَمِائَة فَطلب الْأمان فَكتب لَهُ بِهِ وَكتب الرشيد خطه عَلَيْهِ فَحَضَرَ إِلَى بَغْدَاد فَأكْرمه الرشيد وَأَعْطَاهُ مَالا جزيلا ثمَّ قبض عَلَيْهِ بعد ذَلِك وسجنه حَتَّى مَاتَ فِي السجْن
وَفِي سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ (53 ب) وَمِائَة غزا أَرض الرّوم وَفتح حصن الصفصاف وَكَانَ من أعظم حصونهم
وَفِي سنة تسعين وَمِائَة كَانَ على الرّوم ملكة فخلعوها وملكوا عَلَيْهِم ملكا اسْمه نقفور فَكتب إِلَى الرشيد كتابا فِيهِ من نقفور ملك الرّوم إِلَى هَارُون ملك الْعَرَب أما بعد فَإِن الملكة الَّتِى كَانَت قبلى أقامتك مقَام الرخ وأقامت نَفسهَا مقَام البيدق فَحملت إِلَيْك من مَالهَا مَا كنت حَقِيقا أَن تحمل أضعافه إِلَيْهَا وَلَكِن ذَلِك من ضعف النِّسَاء وحمقهن فَإِذا قَرَأت كتابي هَذَا ارْدُدْ إِلَى مَا وصل إِلَيْك مِنْهَا وَإِلَّا السَّيْف بَيْننَا وَبَيْنك
(1/195)

فَلَمَّا قَرَأَ الرشيد الْكتاب استفزه الْغَضَب وَكتب فِي جَوَابه
من هَارُون أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى نقفور كلب الرّوم
أما بعد فقد قَرَأت كتابك يَا ابْن الْكَافِرَة وَالْجَوَاب مَا ترى لَا مَا تسمع {وَسَيعْلَمُ الْكفَّار لمن عُقبى الدَّار} وَفِي سنة تسعين وَمِائَة سَار بِنَفسِهِ فِي مائَة ألف وَخَمْسَة وَثَلَاثِينَ ألفا من المرتزقة سوى من لم يرد الدِّيوَان من الأتباع والمتطوعة حَتَّى نزل هرقلة من بِلَاد الرّوم وحصرها ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثمَّ فتحهَا وَبث ملك الرّوم بالجزية عَن رَعيته إِلَيْهِ
وَنقض أهل قبرص الْعَهْد فأغزاهم من سواحل مصر وَالشَّام فسبى وغنم وغزا فِي خِلَافَته ثمانى غزوات وَحج ثَمَان حجات
(1/196)

وعهد بالخلافة إِلَى ابْنه الْأمين وَجعل لِابْنِهِ الْمَأْمُون خارسان وَجعله ولى عَهده بعد الْأمين وَكتب بَينهمَا بذلك شرطا وحلفهما عَلَيْهِ وَحج بهما فِي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَمِائَة وعلق الْكتاب فِي الْكَعْبَة
ثمَّ فِي سنة تسعين وَمِائَة عزل الرشيد الثغور كلهَا من الجزيرة وقنسرين وَجعلهَا حيزا وَاحِدًا وسماها العواصم وَأمر ببناية طرسوس فبنيت
وَفِي أَيَّامه توفى الإِمَام مَالك بن أنس بِمَدِينَة النبى صلى الله عَلَيْهِ (54 أ) وَسلم فِي سنة ثَمَان وَسبعين وَمِائَة
وَتوفيت أمه الخيزران سنة ثَلَاث وَسبعين وَمِائَة فَمشى فِي جنازتها
وأخباره كلهَا مشكورة
ولايات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته
كَانَ على مصر عَليّ بن سُلَيْمَان العباسي فوليها عَنهُ بعده مُوسَى بن عِيسَى العباسى فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين
(1/197)

وَمِائَة ثمَّ وَليهَا عَنهُ مُحَمَّد بن زُهَيْر الْأَزْدِيّ سنة ثَلَاث وَسبعين وَمِائَة ثمَّ وَليهَا عَنهُ دَاوُد بن يزِيد المهلبي سنة أبع وَسبعين وَمِائَة ثمَّ وَليهَا عَنهُ مُوسَى بن عِيسَى العباسي سنة خمس وَسبعين وَمِائَة فَمَاتَ بهَا ثمَّ وَليهَا عَنهُ عبد الله الضبى فِي أول سنة سبع وَسبعين وَمِائَة ثمَّ وَليهَا عَنهُ هرثمة بن أعين سنة ثَمَان وَسبعين وَمِائَة ثمَّ وَليهَا عَنهُ عبيد الله بن المهدى العباسى فِي سنة تسع وَسبعين وَمِائَة ثمَّ وَليهَا عَنهُ مُوسَى بن عبيد الله ابْن المهدى ثَانِيًا سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَة ثمَّ وَليهَا عَنهُ إِسْمَاعِيل بن صَالح فِي آخر السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ وَليهَا عَنهُ سميَّة بن عِيسَى بن إِسْمَاعِيل سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَة ثمَّ وَليهَا عَنهُ اللَّيْث البيوردي فِي آخر السنه المذكوره ثمَّ وَليهَا عَنهُ أَحْمد بن إِسْمَاعِيل فِي آخر سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَة ثمَّ وَليهَا عَنهُ عبد الله بن مُحَمَّد
(1/198)

العباسى الْمَعْرُوف بِابْن زَيْنَب فِي سنة تسعين وَمِائَة ثمَّ وَليهَا عَنهُ مَالك بن دلهم الْكَلْبِيّ سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَمِائَة ثمَّ وَليهَا عَنهُ الْحُسَيْن بن الْحجَّاج سنة ثَلَاث وَتِسْعين ومائه فَأَقَامَ بهَا إِلَى أَيَّام ابْنه الْأمين
وَذكر فِي عُيُون المعارف مَا يُخَالف ذَلِك
وَكَانَ على (54 ب) الشَّام عبد الصَّمد بن عَليّ فَعَزله وَولى مَكَانَهُ إِبْرَاهِيم بن صَالح بن عَليّ ثمَّ توالت عَلَيْهَا عماله وَلم أَقف على أسمائهم
وَكَانَ على مَكَّة جَعْفَر بن سُلَيْمَان فولى عَلَيْهَا وعَلى الْيمن حَمَّاد اليزيدى سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَمِائَة فبقى إِلَى
(1/199)

أَيَّام
الْأمين وَلم أَقف على عَامله بِالْمَدِينَةِ وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَة ولى الرشيد على السَّنَد دَاوُد بن يزِيد المهلبى وعَلى الْجَبَل يحيى الجرشِي وعَلى طبرستان مهدوية الرازى وَكَانَ على الْموصل وأعمالها يزِيد بن مزِيد البشيباني وَهُوَ ابْن أخي معن بن زَائِدَة
وَكَانَ على إفريقية وبلاد الْمغرب يزِيد بن حَاتِم بن قبيصَة المهلبي فتوفى وَقَامَ بأَمْره بعده ابْنه دَاوُد وَلما بلغ الرشيد وَفَاة يزِيد ولى على إفريقيه روح بن حَاتِم أَخا يزِيد الْمَذْكُور فَقَدمهَا منتصف سنة إِحْدَى وَسبعين وَمِائَة
(1/200)

وَمَات فِي رَمَضَان سنة ارْبَعْ وَسبعين وَمِائَة وَكَانَ الرشيد قد بعث بعهده سرا الى قرابتهم نصر بن بيب المهلبي فَقَامَ بأمرها بعد روح وَسَار ابْنه الْفضل الى الرشيد فولاه مَكَان ابيه وَعَاد الى افريقية وَنزل القيروان فِي الْمحرم سنة سبع وَسبعين وَمِائَة ثمَّ قَتله ابْن الْجَارُود فِي منتصف سنة ثَمَان وَسبعين وَمِائَة فولى الرشيد مَكَانَهُ هرثمة بن اعين فَسَار اليها وَدخل القيروان سنة تسع وَسبعين وَمِائَة ثمَّ استعفى فأعفاه الرشيد لِسنتَيْنِ وَنصف من ولَايَته وَولى مَكَانَهُ مُحَمَّد بن مقَاتل العكي فَقدم القيروان فِي رَمَضَان سنة احدى وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَكَانَ سيىء السِّيرَة فولى الرشيد مَكَانَهُ ابراهيم بن الاغلب بن سَالم التَّمِيمِي الْمُقدم ذكره فَقدم افريقية فِي منتصف سنة ارْبَعْ وَثَمَانِينَ وَمِائَة وابتنى مَدِينَة العباسية بِالْقربِ من القيروان وانتقل اليها وَبَقِي الى خلَافَة الامين 55 أالاتي ذكره
وَكَانَ ادريس الاكبر بن حسن المثلث بن حسن الْمثنى ابْن الْحسن السبط بن عَليّ بن ابي طَالب رَضِي الله عَنهُ على الْمغرب الاقصى وَفتح اكثر الْبِلَاد وَبَايَعُوهُ بهَا فِي خلَافَة الْهَادِي على مَا تقدم ذكره فِي الْحَوَادِث والماجريات
(1/201)

فِي خِلَافَته وَكَانَت تلمسان بيد مُحَمَّد بن خزر بن صولات امير زناتة فَدخل فِي طاعى ادريس الاكبر هَذَا وَحمل اهل تلمسان على طَاعَته وامكنه من تلمسان فملكها فِي سنة ارْبَعْ وَسبعين وَمِائَة واختط مَسْجِدهَا الْجَامِع ثمَّ رَجَعَ الى الْمغرب ثمَّ ولى عَلَيْهَا اخاه سُلَيْمَان بن عبد الله فبقى بهَا الى ان مَاتَ ادريس الاكبر وَقَامَ ابْنه ادريس الاصغر بِملكه بعده فَقدم تلمسان سنة تسع وَتِسْعين وَمِائَة فجدد جَامعهَا واصلح منبرها واقام بهَا ثَلَاث سِنِين وولاها لِابْنِ عَمه مُحَمَّد بن سُلَيْمَان فبقى الى مَا بعد خلَافَة الرشيد وَلم يزل حَتَّى مَاتَ بِمَدِينَة وليلى سنة خمس وَسبعين وَمِائَة وَترك حَلِيلَة لَهُ حَامِلا فَوضعت ذكرا اسْمه ادريس على اسْم ابيه وكفلوه حَتَّى شب بَايعُوهُ بِمَدِينَة وليلى سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَهُوَ ابْن احدى عشرَة سنة وافتتح جَمِيع بِلَاد الْمغرب وَضَاقَتْ بِهِ وليلى فابتنى مَدِينَة فاس سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَمِائَة وانتقل اليها رقطع عوة بني الْعَبَّاس هُنَاكَ وبقى الى خلَافَة الامين
(1/202)

وَكَانَ المستولى على الاندلس عبد الرَّحْمَن الدَّاخِل الاموي الْمُقدم ذكره فتوفى فِي شهر ربيع الاخر سنة احدى وَسبعين وَمِائَة وَاسْتولى بعده على الاندلس ابْنه هِشَام بن عبد الرَّحْمَن الى سنة ثَمَان وَسبعين وَمِائَة وَتُوفِّي فاستولى بعده ابْنه الحكم وَبَقِي الى ايام الامين وَفِي ايامه ارتجع الفرنج مَدِينَة برشلونة من الاندلس
السَّادِس من خلفاء بني الْعَبَّاس بالعراق الامين
55 - ب وَهُوَ ابو عبد الله وَقيل ابو مُوسَى وَقيل ابو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن هَارُون الرشيد وَقد تقدم نسبه
وامه امة الْوَاحِد وَقيل امة الْعَزِيز ولقبها زبيدة بنت جَعْفَر بن ابي جَعْفَر الْمَنْصُور الْمُتَقَدّم ذكره وَلم يل الْخلَافَة بعد على عَلَيْهِ السَّلَام والى يَوْمئِذٍ من امهِ هاشمية غَيره
وَكَانَ ابيض اللَّوْن سمينا طَويلا جميل الْوَجْه سبطا
(1/203)

انْزعْ شَدِيدا فِي بدنه سَمحا بِالْمَالِ قَبِيح السِّيرَة ضَعِيف الرَّأْي سفاكا للدماء منهمكا فِي اللَّذَّات وَاللَّهْو
ولى الْخلَافَة بِعَهْد من ابيه رتبه فِيهِ قبل اخيه الْمَأْمُون وبويع لَهُ بالخلافة فِي عَسْكَر ابيه لسبع خلون من جمادي الاخرة سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَمِائَة وَقيل صَبِيحَة موت ابيه وَكَانَ غَائِبا ثمَّ جددت لَهُ الْبيعَة بِبَغْدَاد بعد قدومه وكا ابوه الرشيد لما علق الْكتاب الَّذِي كتبه بَينه وَبَين اخيه الْمَأْمُون بِالْكَعْبَةِ سقط من يَد ابراهيم الحَجبي فتفاءل ابراهيم بذلك بِسُرْعَة انتقاضه فَكَانَ كَذَلِك
وَكَانَ نفش خَاتمه مُحَمَّد واثق بِاللَّه وَبَقِي حَتَّى قتل على مَا يَأْتِي ذكره فِي الْحَوَادِث لخمس وَقيل لست بَقينَ من الْمحرم سنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَة وعمره تسع وَعِشْرُونَ سنة وَقيل كَانَ عمره ثمانيا وَعشْرين فَقَط فَكَانَت خِلَافَته ارْبَعْ سنيني وَثَمَانِية ايام وكسرا وَقيل وَسِتَّة
(1/204)

اشهر وَثَمَانِية عشر يَوْمًا وَكَانَ لَهُ من الاولاد مُوسَى وَعبد الله وابراهيم لم يل اُحْدُ مِنْهُم الْخلَافَة
الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
لما ولى الْخلَافَة انهمك فِي اللَّهْو واشتدت عنايته بِهِ حَتَّى طلب الملاهي من جَمِيع الْبِلَاد وضمهم اليه واجري عَلَيْهِم الارزاق واحتجب عَن اخوته واهل بَيته وَقسم الاموال والجواهر فِي خوصه وَفِي الخصيان ولنساء وَعمل خمس حراقات فِي دجلة وَاحِدَة على صُورَة 56 أالاسد وَوَاحِدَة على صُورَة الْفِيل واخرى على صُورَة الْعقَاب واخرى على صُورَة الْحَيَّة واخرى على صُورَة الْفرس وانفق فِي عَملهَا اموالا جمة فتغيرت الدولة مِنْهُ ونقموا ذَلِك عَلَيْهِ
واستوزر الْفضل بن الرّبيع وَزِير ابيه الرشيد واستقضى حَمَّاد بن ابي حنيفَة واقام فِي دعة والمأمون بخراسان سنتَيْن واشهرا ثمَّ اغرى الْفضل بن الرّبيع
(1/205)

بَينهمَا فنصب الامين ابْنه مُوسَى لولاية الْعَهْد بعده واخذ لَهُ الْبيعَة ولقبه النَّاطِق بِالْحَقِّ وابطل اسْم الْمَأْمُون من الْخطْبَة وَجمع العهود الَّتِي كَانَ الرشيد كتبهَا بَينه وَبَين اخيه الْمَأْمُون فحرقها وَذَلِكَ فِي سنة ارْبَعْ وَتِسْعين وَمِائَة وَجعل وَلَده فِي حجر ابْن ماهان وَوجه على بن عِيسَى الى خُرَاسَان لقِتَال الْمَأْمُون وَوجه الْمَأْمُون طَاهِر بن الْحُسَيْن من مرو وعَلى مقدمته هرثمة لملاقاة عَليّ بن عِيسَى فَبَقيَ الْحَرْب بَين الامين والمأمون سنتَيْن واشهرا وَنزل طَاهِر بالانبار وهرثمة بالنهروان وَسَار طَاهِر الى بَغْدَاد ولجأ الامين الى مَدِينَة ابي جَعْفَر الْمَنْصُور بِبَغْدَاد فحصره طَاهِر بن الْحُسَيْن فِيهَا فَخرج الامين بعد الْعشَاء الاخرة وَعَلِيهِ ثِيَاب بيض وطيلسان اسود وَجَاء رَاكِبًا الى شط الدجلة فَوجدَ حراقة فركبها فَطَلَبه حجاب طَاهِر فَسقط فِي المَاء فَأخذ وَحمل الى طَاهِر فَقتله
ولايات الامصار فِي خِلَافَته
كَانَ على مصر الْحُسَيْن بن الْحجَّاج فولى عَلَيْهَا حَاتِم بن هرثمة بن اعين سنة خمس وَتِسْعين وَمِائَة ثمَّ وَليهَا عَنهُ عبد ابو نصر مولى كِنْدَة سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَة
(1/206)

وَذكر الْقُضَاعِي انه وَليهَا بعده جَابر بن الاشعث وَالْمَعْرُوف مَا تقدم
وَكَانَ على الشَّام ابراهيم بن صَالح بن عَليّ وَلم اقف على من بعده فِي ايامه
وَكَانَ على حمص اسحاق بن سُلَيْمَان فَعَزله 56 ب الامين وَاسْتعْمل مَكَانَهُ عبد الله بن سعيد الْحَرَشِي
وَكَانَ على مَكَّة واليمن حَمَّاد اليزيدي فولى على مَكَّة دَاوُد بن عِيسَى وَلم اقف على من ولى بِالْيمن ثمَّ ولى على مَكَّة مُحَمَّد بن عِيسَى بعده وَلم اقف على عَامله بِالْمَدِينَةِ الا ان مُحَمَّد بن عِيسَى الْمَذْكُور كَانَ بهَا فِي زمن الواثق فَلم ادر هَل كَانَ فِيمَا قبل ذَلِك ام لَا
وَكَانَ على افريقية ابراهيم بن الاغلب التَّمِيمِي فَمَاتَ فِي شَوَّال سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَة بعد ان عهد بالامارة لِابْنِهِ عبد الله وَكَانَ غَائِبا فَقدم القيروان فِي صفر سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَة فَبَقيَ بهَا الى ايام الْمَأْمُون
وَكَانَت تلمسان بيد مُحَمَّد بن سُلَيْمَان من قبل ابْن عَمه
(1/207)

ادريس الاصغر بن ادريس الاكبر فَلَمَّا مَاتَ ادريس الاصغر اسْتَقَرَّتْ تلمسان بيد عِيسَى بن ادريس بن مُحَمَّد ابْن سُلَيْمَان ثمَّ صَارَت بعد ذَلِك الى الْحسن بن ابي العيس ابْن عِيسَى بن ادريس بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان وَبقيت بِأَيْدِيهِم الى ان انقرضت دولة لادارسة من الغرب
وَكَانَ المتسولى على الغرب الاقصى ادريس بن ادريس الْعلوِي فَأَقَامَ مستوليا عَلَيْهِ الى ايام الْمَأْمُون
وَكَانَ المتسولي على الاندلس الحكم بن هِشَام فَتوفي لاربع بَقينَ من ذِي الْحجَّة سنة سِتّ وَمِائَتَيْنِ وَاسْتولى بعده ابْنه عبد الرَّحْمَن بن الحكم فَبَقيَ الى ايام الْمَأْمُون ايضا
السَّابِع من خلفاء بني الْعَبَّاس بالعراق
الْمَأْمُون
وَهُوَ ابو الْعَبَّاس وَقيل ابو جَعْفَر عبد الله بن هَارُون الرشيد الْمُقدم ذكره
(1/208)

وامه ام ولد اسْمهَا مراجل كَانَ ابيض وَقيل اسمر اجنأ اعين اقنى طَوِيل اللِّحْيَة دقيقها قد وخطه الشيب ضيق الجبين بخده خَال اسود كَامِل الْفضل مشاركا فِي عُلُوم كَثِيرَة جوادا عَظِيم الْعَفو حسن التَّدْبِير وَكَانَ قد احكم علم النُّجُوم واليه ينْسب الزيج 157 أالمأموني وَهُوَ الَّذِي نقل كتب الْحِكْمَة من اليونانية الى الْعَرَبيَّة اعتناء بهَا وَكَانَ يحب العلويين وَيقوم بنصرتهم
ولى الْخلَافَة بعده من ابيه الْمُرَتّب على عهد اخيه الامين كَمَا تقدم وبويع لَهُ بهَا وَهُوَ غَائِب بخراسان حَيْثُ ولَايَته يَوْم الاحد لخمس بَقينَ من الْمحرم سنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَة وعهد بالخلافة حِينَئِذٍ الى على الرضي بن مُوسَى بن جَعْفَر الْعلوِي فِي سنة احدى وَمِائَتَيْنِ وَكتب لَهُ بذلك عهدا على مَا سَيَأْتِي ذكره فِي الْكَلَام على العهود ان شَاءَ الله تَعَالَى
(1/209)

وَكَانَ نقش خَاتمه سل الله يعطيك وَبَقِي حَتَّى توفّي بِأَرْض الرّوم غازيا لثمان خلون من رَجَب سنة ثَمَانِي عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَسنة ثَمَان واربعون سنة وَدفن بطرسوس من مضافات حلب الان وَكَانَ سَبَب مَوته فِيمَا حَكَاهُ سعيد بن العلاف قَالَ دَعَاني الْمَأْمُون وَهُوَ جَالس هُوَ واخوه المعتصم على شط نهر البديدون من بِلَاد الرّوم وَقد وضعا ارجلهما فِي المَاء فَقَالَ لي اي شَيْء يُؤْكَل ليشْرب عَلَيْهِ المَاء الَّذِي هُوَ فِي غَايَة الصفاء والعذوبة فَقلت امير الْمُؤمنِينَ اعرف فَقَالَ الرطب فَبَيْنَمَا هم كَذَلِك اذ وصلت بغال الْبَرِيد وَعَلَيْهَا ألطاف من رطب فَشكر الله تَعَالَى على ذَلِك فتعجبنا جَمِيعًا واكل واكلنا من ذَلِك الرطب وشربنا عَلَيْهَا من ذَلِك المَاء فَمَا قَامَ من مَكَانَهُ حَتَّى حم وَلما مرض اوصى بالخلافة لاخيه المعتصم ثمَّ توفّي بالبديون الْمَذْكُورَة لثمان خلون من رَجَب سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَسنة ثَمَان واربعون سنة وَقيل تسع وَدفن بطرسوس فَكَانَت خِلَافَته عشْرين سنة وَخَمْسَة اشهر
وَكَانَ لَهُ من الاولاد مُحَمَّد الاكبر وَعبيد الله وَمُحَمّد الثَّانِي وَالْعَبَّاس وَعلي وَالْحسن واسماعيل وَالْفضل ومُوسَى وابراهيم
(1/210)

وَيَعْقُوب وَالْحُسَيْن وَسليمَان وجعفر واسحاق وَاحْمَدْ وَهَارُون وَعِيسَى وَعشر بَنَات
57 - ب الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
لما بُويِعَ استوزر ذَا الرياسيتين الْفضل بن سهل واقام بخراسان اُحْدُ عشر شهرا واياما وَفِي خلال ذَلِك بُويِعَ بِبَغْدَاد ابراهيم بن الْمهْدي فَسَار اليه وصحبته على الرضي الْعلوِي ولى عَهده ووزيره الْفضل بن سهل وَكَانَ كلما مر بِبَلَد اصلحه فَلَمَّا وصل الى سرخس دخل الْفضل ابْن سهل الْحمام فولج عَلَيْهِ جمَاعَة فَقَتَلُوهُ فَقبض عَلَيْهِم وحملوا الى الْمَأْمُون فَقَالَ لَهُم من امركم بقتْله فَقَالُوا انت فَأمر بهم فَضربت اعناقهم وَأظْهر الْحزن عَلَيْهِ فَلَمَّا وصل الى طوس مَاتَ على الرضى بهَا فِي سنة ثَلَاث وَمِائَتَيْنِ يُقَال انه سم فِي رمان اكله فَحزن عَلَيْهِ الْمَأْمُون حزنا شَدِيدا وَدخل الى بَغْدَاد فِي سنة ارْبَعْ وَمِائَتَيْنِ وَكَانَ لِبَاس الْمَأْمُون لما دخل بَغْدَاد الخضرة شعار العلويين فَكَانَ النَّاس يدْخلُونَ
(1/211)

عَلَيْهِ فِي الثِّيَاب الْخضر ويحرقون كل ملبوس يرونه من السوَاد ودام ذَلِك ثَمَانِيَة ايام فشق ذَلِك على العباسية فَعَاد الى السوَاد الَّذِي هُوَ شعار العباسيين
وهرب ابراهيم بن الْمهْدي واستتر ثمَّ عثر عَلَيْهِ الْمَأْمُون فِي سنة عشر وَمِائَتَيْنِ فَعَفَا عَنهُ واحسن اليه ثمَّ تزوج الْمَأْمُون بوران بنت الْحسن بن سهل سنة عشر وَمِائَتَيْنِ فنشرت عَلَيْهَا جدَّتهَا ام الْحسن بن سهل الف حَبَّة لُؤْلُؤ من انفس مَا يكون واوقدت شمعة عنبر بهَا اربعون منا وَكتب ابوها اسماء ضيَاع فِي رقاع ونثرها على القواد والامراء فَمن وَقعت عَلَيْهَا رقْعَة اخذ الضَّيْعَة الَّتِي هِيَ فِيهَا على مَا سَيَأْتِي ذكره فِي الْبَاب السَّابِع ان شَاءَ الله تَعَالَى
وَفِي سنة احدى وَمِائَتَيْنِ امْر ان يُحْصى عدد الْمَوْجُودين من اولاد الْعَبَّاس فبلغوا ثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ الْفَا مَا بَين ذكر وانثى وَقيل غير ذَلِك
(1/212)

وَفِي سنة عشر وَمِائَتَيْنِ احترقت مَدِينَة الْفسْطَاط وَهُوَ الْحَرِيق الاول 58 أ
وَفِي سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَمِائَتَيْنِ اظهر الْمَأْمُون القَوْل بِخلق الْقُرْآن وتفضيل عَليّ بن ابي طَالب على سَائِر الصحابى وانه افضل النَّاس بعد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ودعا النَّاس الى القَوْل بذلك وَكَانَت محنة عَظِيمَة على الْعلمَاء
وَفِي سنة سِتّ عشة وَمِائَتَيْنِ توجه الى مصر فَدَخلَهَا وَفتح الْهَرم الاكبر من الاهرام الَّتِي على الْقرب من مَدِينَة الجيزة بعد مشقة عَظِيمَة وَنَفَقَة جزيلة وَيُقَال انه وجد فِي دَاخل اعلاه مطهرة فِيهَا ذهب وَكَانَ الْمَأْمُون ذَا عقل رَاجِح فَأمر بوزنها وَحضر مِقْدَار مَا صرف على فتح الْهَرم فاذا هُوَ مِقْدَار الذَّهَب الَّذِي وجد فِي المطهرة فتعجب وكف عَن التَّعَرُّض لما وَرَاء ذَلِك
وَكَانَت مَقَاصِد الْمَأْمُون كلهَا جميلَة خلا مَا نحا اليه من القَوْل بِخلق الْقُرْآن والتشيع وَبث عُلُوم الفلاسفة بَين الْمُسلمين وَمن قُضَاة زَمَانه يحي بن أَكْثَم
(1/213)

ولايات الامصار فِي خِلَافَته
كَانَ على مصر ابو نصر عباد فولى عَلَيْهَا الْمطلب بن عبد الله الْخُزَاعِيّ سنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَة ثمَّ وَليهَا الْعَبَّاس بن مُوسَى سنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَة ثمَّ وَليهَا الْمطلب ابْن عبد الله ثَانِيًا فِي سنة تسع وَتِسْعين وَمِائَة ثمَّ وَليهَا عَنهُ السّري بن الحكم الْبَلْخِي باجتماع من الْجند عَلَيْهِ فِي سنة مِائَتَيْنِ ثمَّ وَليهَا عَنهُ سُلَيْمَان بن ابي طَالب فِي سنة احدى وَمِائَتَيْنِ ثمَّ وَليهَا السّري بن الحكم ثَانِيًا بِعَهْد من الْمَأْمُون ثمَّ وَليهَا عَنهُ ابو نصر مُحَمَّد بن السّري بعد مَوته فِي سنة خمس وَمِائَتَيْنِ ثمَّ وَليهَا عَنهُ اخوه عبيد الله بن لسري بمبايعة الْجند فِي سنة سِتّ وَمِائَتَيْنِ ثمَّ وَليهَا عَنهُ عبد الله بن طَاهِر ابْن الْحُسَيْن فِي سنة عشر وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ اول من جلب الْبِطِّيخ العبدلي الى مصر من خُرَاسَان فنسب اليه ثمَّ عَاد عبد الله بن طَاهِر الى الْعرَاق واستخلف على مصر
(1/214)

عِيسَى بن يزِيد الجلودي فِي سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ ثمَّ وَليهَا عَنهُ ابو اسحاق المعتصم فَأمر عَلَيْهَا عِيسَى الجلودي 58 ب ثمَّ صرفه وَولى عَلَيْهَا عمر بن الْوَلِيد التَّمِيمِي فِي سنة ارْبَعْ عشرَة وَمِائَتَيْنِ ثمَّ وَليهَا عِيسَى الحلودي ثَانِيًا فِي آخر السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ وَليهَا عبدوية بن جبلة فِي سنة خمس عشرَة وَمِائَتَيْنِ ثمَّ وَليهَا مَنْصُور مولى بن نصر وَقيل عِيسَى بن مَنْصُور فِي سنة سِتّ عشرَة وَمِائَتَيْنِ
وَولى الْمَأْمُون اخاه المعتصم الشَّام وَولى ابْنه الْعَبَّاس الجزيرة والثغور
وَولى الْمَأْمُون لابتداء خِلَافَته الْفضل بن سهل على الْمشرق من جبال همذان الى بِلَاد التبت من بِلَاد التّرْك طولا وَمن بَحر فَارس الى الديلم وجرجان عرضا ولقبه ذَا الرياستين يَعْنِي السَّيْف والقلم
و4 ولى اخاه الْحسن بن سهل الْحجاز وديوان الْخراج وَالْعراق والجبل وَفَارِس والاهواز
وَاسْتولى طَاهِر بن حُسَيْن على وَاسِط والمدائن وابو السَّرَايَا على الْبَصْرَة
(1/215)

وَكَانَ على مَكَّة مُحَمَّد بن عِيسَى فَصَرفهُ وَعقد على جَمِيع الْحجاز لِلْحسنِ بن سهل مَعَ غَيره من الاقالم
وَكَانَ على الْيمن اسحاق بن مُوسَى بن عِيسَى بن مُحَمَّد ابْن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس فقصده ابراهيم بن مُوسَى ابْن جَعْفَر الْعلوِي فهرب مِنْهُ اسحاق وَاسْتولى على الْيمن ابراهيم واضطرب امْر الْيمن حِينَئِذٍ فولى الْمَأْمُون عَلَيْهِ مُحَمَّد بن ابراهيم بن عبيد الله بن زِيَاد بن ابيه وَهُوَ اول دولة بني زِيَاد بِالْيمن وَبنى مُحَمَّد بن ابراهيم مَدِينَة زبيد احدى مدن الْيمن الْعِظَام فِي سنة ارْبَعْ وَمِائَتَيْنِ وَولى مَوْلَاهُ جعفرا الْجبَال فَعرفت بمخلاف جَعْفَر الى الان وَولى الْيمن بعده ابْنه ابراهيم بن مُحَمَّد فَبَقيَ الى ايام المعتصم
وَكَانَت خُرَاسَان بيد الْمَأْمُون من عهد ابيه فولى عَلَيْهَا غَسَّان بن عباد فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ حِين قدم الْعرَاق عِنْد اخذ الْبيعَة لابراهيم بن الْمهْدي ثمَّ اسْتعْمل الْمَأْمُون طَاهِر بن الْحسن بن مُصعب فِي سنة خمس وَمِائَتَيْنِ على الْمشرق 59 أَمن خرسان وَمَا وَرَاء النَّهر وَغير ذَلِك فَبَقيَ الى ان توفّي فِي جمادي الاولى سنة سبع وَمِائَتَيْنِ ثمَّ ولى الْمَأْمُون عبد الله
(1/216)

ابْن طَاهِر خُرَاسَان وَمَا وَرَاء النَّهر فِي سنة ارْبَعْ عشرَة وَمِائَتَيْنِ فَبَقيَ الى ايام الواثق كَمَا سَيَأْتِي
وَكَانَ على افريقية عبد الله بن ابراهيم بن الاغلب فَتوفي فِي ذِي الْحجَّة سنة احدى وَمِائَتَيْنِ ووليها بعده اخوه زِيَادَة الله بن ابراهيم وَجَاء التَّقْلِيد من قبل الْمَأْمُون
وَكَانَ المستولي على الغرب الاقصى ادريس الاصغر بن ادريس الاكبر الْعلوِي فَمَاتَ سنة ثَلَاث عشة وماتئني وَقَامَ بالامر بعده ابْنه مُحَمَّد بن ادريس فَبَقيَ الى مَا بعد خلَافَة الْمَأْمُون
وَكَانَ المستولي على الاندلس عبد الرَّحْمَن بن الحكم بن هِشَام الاموي فَبَقيَ الى مَا بعد خلَافَة المامون
الثَّامِن من خلفاء بني الْعَبَّاس بالعراق
المعتصم بِاللَّه
وَهُوَ ابو اسحاق مُحَمَّد بن هَارُون الرشيد وَقد تقدم نسبه وَهُوَ اول من اضيف فِي لقبه اسْم الله تَعَالَى من الْخُلَفَاء وامه ام ولد اسْمهَا ماردة
(1/217)

وَكَانَ ابيض اللَّوْن مشربا بحمرة اصهب اللِّحْيَة حسن الْجِسْم مربوعا طَوِيل اللِّحْيَة شجاعا شَدِيد الْبدن يحمل الف رَطْل بغدادي وَيَمْشي بهَا خطوَات فِيمَا قيل وَكَانَ كريم الاخلاق انْفَرد عَن اصحابه فِي يَوْم مطير فَرَأى شَيخا مَعَه حمَار عَلَيْهِ حمل شوك وَقد توحل الْحمار فِي الطين وَوَقع الْحمل عَنهُ وَهُوَ ينْتَظر من يمر بِهِ ليعينه على رَفعه على الْحمار فَنزل المعتصم عَن فرسه وخلص الْحمار من الطين وَرفع الْحمل عَلَيْهِ ثمَّ لحقه اصحابه فَأمر لصَاحب الْحمار بأَرْبعَة الاف دِرْهَم وَقَالَ ابْن ابي دواد تصدق المعتصم ووهب على يَدي مائَة الف وَكَانَ مَعَ ذَلِك اميا لَا يحسن الْكِتَابَة ضَعِيف الْبَصَر بِالْعَرَبِيَّةِ وَيُقَال ان 59 ب سَبَب ذَلِك انه رأى جَنَازَة بعض الخدم يَوْمًا فَقَالَ لَيْتَني مثل هَذَا حَتَّى اتخلص من الْكتاب فَقَالَ لَهُ ابوه الرشيد وَالله لَا عَذَّبْتُك بِشَيْء تخْتَار عَلَيْهِ الْمَوْت وَمنعه عَن الْكتب من يَوْمئِذٍ
وَقد حكى الزجاجي وَغَيره انه ورد عَلَيْهِ كتاب من بِلَاد الْجَبَل فِيهِ مُطِرْنَا مَطَرا كثر عَنهُ الْكلأ وَكَانَ يتقلد الْعرض وَقِرَاءَة الْكتب عَلَيْهِ كَاتبه مُحَمَّد بن عمار فَقَالَ لَهُ مَا الْكلأ فَقَالَ
(1/218)

لَا ادري فَقَالَ انا لله خَليفَة امي وَكَاتب عَامي ثمَّ قَالَ من يقرب منا من كتاب الدَّار فَعرف بمَكَان مُحَمَّد بن عبد الْملك الزيات وَكَانَ يقف على قهرمة الدَّار فَأمر باشخاصه فَأتى بِهِ فَقَالَ لَهُ مَا الْكلأ فَقَالَ النَّبَات كُله رطبه ويابسه فاذا كَانَ رطبا قيل لَهُ خلى فاذا كَانَ يَابسا قيل لَهُ حشيش ثمَّ اخذ فِي ذكر النَّبَات من ابْتِدَائه الى اكتهابه الى هيجه فأعجب بِهِ المعتصم وَقَالَ ليتقلد هَذَا الْعرض علينا ثمَّ خص بِهِ حَتَّى استوزره
بُويِعَ لَهُ بهَا يَوْم مَاتَ اخوه الْمَأْمُون بطرسوس لثمان خلون من رَجَب سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَتَيْنِ بعد ان حاول بعض اهل الدولة مبايعة ابْن اخيه الْعَبَّاس بن الْمَأْمُون فَلم يتم لَهُم ذَلِك وَكَانَ نقش خَاتمه الله ثِقَة ابي اسحاق بن الرشيد وَبِه يُؤمن
وَبَقِي حَتَّى توفّي بِمَدِينَة سامرا يَوْم الْخَمِيس لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة بقيت من شهور ربيع الاول وَقيل فِي منتصفه سنة سبع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَسنة ثَمَان واربعون سنة وَمُدَّة
(1/219)

خِلَافَته ثَمَان سِنِين وَثَمَانِية اشهر ويومان وَكَانَ لَهُ من الاولاد ثَمَانِيَة ذُكُور مِنْهُم هَارُون الواثق وجعفر المتَوَكل وَاحْمَدْ المستعين كل من الثَّلَاثَة ولي الْخلَافَة وَكَانَ لَهُ ايضا ثَمَان بَنَات
الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
لما بُويِعَ بالخلافة وَصَارَ الى بَغْدَاد على مَال تقدم بني مَدِينَة سَمَّاهَا 60 أسر من رأى ثمَّ تساهل النَّاس فِيهَا فَقَالُوا سامرا ونزلها واستخلف بِبَغْدَاد ابْنه الواثق واستوزر الْفضل بن مَرْوَان فغلب على امْرَهْ حَتَّى لم يبْق للمعتصم مَعَه بُد ثمَّ قبض عَلَيْهِ واستوزر احْمَد بن عمار ثمَّ مُحَمَّد بن عبد الْملك الزيات
وَكَانَ على رأى اخيه الْمَأْمُون فِي القَوْل بِخلق الْقُرْآن فأحضر الامام احْمَد بن حَنْبَل فِي سنة تسع عشرَة وَمِائَتَيْنِ وامتحنه بالول بِخلق الْقُرْآن فَامْتنعَ فَضَربهُ حَتَّى تقطع جلده وَقَيده وحبسه
وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ فتح عمورية من
(1/220)

بِلَاد الرّوم وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك أَنه بلغه أَن امْرَأَة هاشمية مأسورة فِي يَد ملك الرّوم صَاحب عمورية صاحت وامعتصماه فَقَالَ لَهَا ملك الرّوم لَا يَأْتِي المعتصم لخلاصك إِلَّا على أبلق فأعظمه ذَلِك ونهض لوقته ونادى فِي عسكره بركوب الْخَيل البلق وَركب أبلق وَخرج وَفِي مُقَدّمَة عسكره أَرْبَعَة آلَاف أبلق وَقد تجهز جهازا لم يتجهزه أحد مثله من السِّلَاح وَغَيره وَسَار حَتَّى وصل عمورية وَأقَام عَلَيْهَا المنجنيقات حَتَّى هدم فرجا من أسوارها وولج الْمُسلمُونَ الْبَلَد عنْوَة فَقتلُوا وَسبوا ونهبوا أَقَامَ عَلَيْهَا خَمْسَة وَخمسين يَوْمًا حَتَّى خلص تِلْكَ الْمَرْأَة ثمَّ سَار حَتَّى دخل سامرا
وَفِي سنة عشْرين وَمِائَتَيْنِ خرج من بَغْدَاد لبِنَاء سامرا واستخلف على بَغْدَاد ابْنه الواثق وَقبض وزيره الْفضل ابْن مَرْوَان وَكَانَ قد استولى على الْأُمُور حَتَّى لم يبْق للمعتصم مَعَه أَمر وَولى مَكَانَهُ مُحَمَّد بن عبد الْملك الزيات وَكَانَت طَائِفَة من أهل دولته قد حاولت مبايعة الْعَبَّاس بن
(1/221)

الْمَأْمُون فظر بِهِ فِي طَرِيقه عَلَيْهِ وَمنعه شرب المَاء حَتَّى مَاتَ
وَفِي أَيَّامه توفّي إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي الَّذِي كَانَ قد بُويِعَ بالخلافة فِي زمن الْمَأْمُون
ولايات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته
(60 ب) كَانَ على مصر نصر بن عبد الله الصغدى الْمَعْرُوف بكندر ثمَّ وَليهَا عَنهُ المسعودى فِي أول سنة تسع عشرَة وَمِائَتَيْنِ ثمَّ وَليهَا عَنهُ المظفر بن كندر فِي وسط السّنة الْمَذْكُورَة أشهرا قَلَائِل ثمَّ وَليهَا عَنهُ أَبُو الْعَبَّاس مُوسَى بن ثَابت فِي آخر السّنة ثمَّ وَليهَا وَليهَا عَنهُ ابْن كندر ثَانِيًا فِي سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ ثمَّ وَليهَا عَنهُ على بن يحيى الأرمني فِي سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ فبقى بهَا إِلَى أَيَّام الواثق
(1/222)

وَكَانَ هُوَ على الشَّام فِي أَيَّام أَخِيه الْمَأْمُون وَلم أَقف على من ولاها هُوَ فِي خِلَافَته
وَكَانَ الْحجاز مَكَّة وَالْمَدينَة وَغَيرهمَا فِي خلَافَة الْمَأْمُون فِي ولَايَة الْحسن بن سهل وَلم وَلم أَقف على من وليه بعده فِي خلَافَة المعتصم
وَكَانَ على الْيمن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن عبيد الله ابْن زِيَاد بن أَبِيه فأقره وَتوفى فولى ابْنه مُحَمَّد وبقى إِلَى أَيَّام المتَوَكل وَبعده
وَكَانَت خارسان وَمَا وَرَاء النَّهر بيد عبد الله بن طَاهِر فَبَقيَ إِلَى مَا بعد خلَافَة المعتصم
وَكَانَ على إفريقية زِيَادَة الله بن إِبْرَاهِيم وَتوفى فِي شهر رَجَب سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَتَوَلَّى مَكَانَهُ أَخُوهُ أَبُو عقال الْأَغْلَب بن إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب بن إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب وَتوفى فِي ربيع سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَتَوَلَّى بعده ابْنه أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن الْأَغْلَب بن إِبْرَاهِيم فدانت لَهُ إفريقية وَبنى مَدِينَة بِقرب تاهرت سَمَّاهَا العباسية سنة
(1/223)

تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وبقى إِلَى أَيَّام الواثق
وَكَانَ تلمسان بيد الْحسن بن أبي العيس بن عِيسَى بن إِدْرِيس بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان فَلَمَّا ظَهرت دَعْوَة عبيد الله المهدى الفاطمي بالمغرب نَهَضَ قائده مُوسَى بن أبي الْعَاقِبَة إِلَى تلمسان وملكها من الْحسن بن أبي العيس فِي سنة تسع عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَبقيت بيد عُمَّال المهدى إِلَى سنة أَرْبَعِينَ وثلاثمائة (61 أ) وَكَانَ المستولى على الْمغرب الْأَقْصَى مُحَمَّد بن إِدْرِيس بن إِدْرِيس العلوى فتوفى سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ بعد أَن اسْتخْلف فِي مَرضه وَلَده عليا ابْن مُحَمَّد وَهُوَ ابْن تسع سِنِين فَأَقَامَ إِلَى إيام الواثق
وَكَانَ المستولى على الأندلس عبد الرَّحْمَن بن الحكمك الأموى فبقى إِلَى أَيَّام الواثق
التَّاسِع من خلفاء بنى الْعَبَّاس بالعراق
الواثق بِاللَّه وَهُوَ أَبُو جَعْفَر هَارُون بن المعتصم بِاللَّه بن الرشيد وَقد تقدم نسبه وَأمه أم ولد رُومِية اسْمهَا قَرَاطِيس
(1/224)

كَانَ أَبيض مشربا بحمرة حسن الْجِسْم فِي عينه الْيُسْرَى نكته بَيَاض وَكَانَ كثير الْإِحْسَان إِلَى أهل الْحَرَمَيْنِ حَتَّى لم يبْق بهما فِي أَيَّامه سَائل وَلما بَلغهُمْ مَوته كَانَ نسَاء الْمَدِينَة يخْرجن كل لَيْلَة إِلَى البقيع ويبكينه
بُويِعَ لَهُ بالخلافة فِي الْيَوْم الذى مَاتَ فِيهِ أَبوهُ المعتصم لاثنتى عشرَة لَيْلَة بقيت من ربيع الأول فِي منتصفه سنة سبع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَكَانَ نقش خَاتمه الله ثِقَة الواثق وبقى حَتَّى توفى بالاستسقاء بسامرا يَوْم الْأَرْبَعَاء لست بَقينَ من ذى الْحجَّة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وعمره يَوْمئِذٍ سِتّ وَثَلَاثُونَ سنة وَأشهر وَقيل سبع وَثَلَاثُونَ وَدفن بسامرا وَصلى عَلَيْهِ أَخُوهُ المتَوَكل وَمُدَّة خِلَافَته خمس سِنِين وَتِسْعَة أشهر وَسِتَّة أَيَّام
وَمن عَجِيب أمره أَنه لما اشْتَدَّ بِهِ الْمَرَض أحضر المنجمين فنظروا فِي مولده فقدروا لَهُ أَن يعِيش خمسين سنة مستأنفة بعد ذَلِك فَلم يَعش بعد قَوْلهم غير عشرَة أَيَّام فسبحان المستأثر بِعلم الْغَيْب
(1/225)

وَكَانَ لَهُ من الْأَوْلَاد مُحَمَّد المهتدى بِاللَّه ولى الْخلَافَة وَعبد الله وَأحمد وَإِبْرَاهِيم وَمُحَمّد وَعَائِشَة
الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
(61 ب) لما بُويِعَ بالخلافة وزر لَهُ مُحَمَّد بن عبد الْملك الزيات وَزِير أَبِيه وَجرى على مَذْهَب أَبِيه المعتصم وَعَمه الْمَأْمُون فِي القَوْل بِخلق الْقُرْآن وامتحان النَّاس فِي الدّين وَكَانَ يُعَاقب من امْتنع من القَوْل بِخلق الْقُرْآن أَو بِرُؤْيَة الله تَعَالَى فِي الدَّار الْآخِرَة وَكَانَ يُبَالغ فِي إكرام العلويين على قَاعِدَة الْمَأْمُون
وَفِي أَوَائِل خِلَافَته ثارت القيسية بِدِمَشْق وحصروا أَمِيرهمْ فَجهز إِلَيْهِم الواثق جَيْشًا حَتَّى رجعُوا وأذعنوا للطاعة
وَفِي خِلَافَته فِي سنة ثَمَان وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ فتح الْمُسلمُونَ عدَّة أَمَاكِن من جَزِيرَة صقلية
وَفِي سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ توفى عبد الله بن طَاهِر بخرسان وَهُوَ يَوْمئِذٍ أميرها
(1/226)

وَفِي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ توفّي أَبُو يَعْقُوب الْبُوَيْطِيّ أحد أَصْحَاب الإِمَام الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ وَكَانَ مِمَّن امتحن بالْقَوْل بِخلق الْقُرْآن فَلم يجب وَتُوفِّي أَيْضا ابْن الْأَعرَابِي اللّغَوِيّ
ولايات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته
كَانَ على مصر فِي خِلَافَته عَليّ بن يحيى الأرمني فوليها عَن الواثق عِيسَى بن مَنْصُور الجلودي ثَالِث مرّة فِي سنة تسع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ قَالَ الْقُضَاعِي ثمَّ وَليهَا أشناس ثمَّ ردَّتْ إِلَى إيتاخ يَعْنِي حَاجِب الواثق فَأقر بهَا عِيسَى بن مَنْصُور الْمُقدم ذكره فبقى إِلَى أَيَّام المتَوَكل الْآتِي ذكره وَلم أدر من عمل لَهُ على الشَّام
وَكَانَ على مَكَّة وَالْمَدينَة فِي أَيَّامه مُحَمَّد بن عِيسَى
وَكَانَ على الْيمن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم ابْن عبيد الله بن زِيَاد بن أَبِيه فبقى إِلَى أَيَّام المتَوَكل
وَكَانَ على إفريقية مُحَمَّد بن الْأَغْلَب بن إِبْرَاهِيم فبقى إِلَى أَيَّام المتَوَكل
(1/227)

وَكَانَت تلمسان من الغرب الأسط بيد العبيديين الفاطميين
وَكَانَ المستولى على الغرب الْأَقْصَى عليشا بن مُحَمَّد الإدريسي فَبَقيَ الى أَيَّام المتَوَكل وَكَانَ المستولى على الأندلس عبد الرَّحْمَن بن الحكم فبقى إِلَى أَيَّام المتَوَكل أَيْضا
(62 أ) الْعَاشِر من خلفاء بنى الْعَبَّاس بالعراق
المتَوَكل على الله
وَهُوَ أَبُو الْفضل جَعْفَر بن المعتصم بن الرشيد وَقد تقدم نسبه
وامه أم ولد تركية اسْمهَا شُجَاع كَانَ أسمر اللَّوْن مربوعا خَفِيف العارضين بُويِعَ لَهُ بالخلافة لست بَقينَ من ذى الْحجَّة سة اثتين وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ بعد أَن هم كبراء الدولة بعد موت الواثق بالبيعة لمُحَمد بن الواثق وألبسوه قلنسوة ودراعة سَوْدَاء وَهُوَ غُلَام أَمْرَد قصير
(1/228)

فنازعهم فِي ذَلِك بَقِيَّة أهل الدولة وَلم يرَوا مصلحَة فِي ولَايَته فَأَضْرَبُوا عَنهُ ثمَّ تنازعوا فِيمَن يولونه وَذكروا عدَّة من بنى الْعَبَّاس ثمَّ أحضروا المتَوَكل فَقَامَ أَحْمد ابْن أبي دَاوُد قاضى الْقُضَاة فِي زمن أَخِيه الواثق وَألبسهُ وعممه وَقبل بَين عَيْنَيْهِ وَقَالَ السَّلَام عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَبَايعهُ النَّاس وعمره يَوْمئِذٍ سِتّ وَعِشْرُونَ سنة وَكَانَ نقش خَاتمه على إلهى أتكل وبقى حَتَّى توفى لَيْلَة الْأَرْبَعَاء لثلاث خلون من شَوَّال سنة سبع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ قَتِيلا بِمَجْلِس شرابه وَيُقَال إِن سَبَب قَتله أَنه كَانَ أَخذ الْبيعَة لأولاده الْأَرْبَعَة مُحَمَّد الْمُنْتَصر ثمَّ الزبير ثمَّ المعتز ثمَّ إِبْرَاهِيم الْمُؤَيد فِي ذى الْحجَّة سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَكَانَ يقدم المعتز على الْمُنْتَصر والمنتصر أسن مِنْهُ فَدس عَلَيْهِ الْمُنْتَصر من قَتله غيلَة فَرمى وزيره الْفَتْح بن خاقَان نَفسه عَلَيْهِ فَقتل مَعَه ودفنا فِي قبر وَاحِد فِيمَا يُقَال وَكَانَ عمره يَوْم مَاتَ إِحْدَى وَأَرْبَعين سنة وَصلى عَلَيْهِ ابْنه الْمُنْتَصر وَدفن فِي الْقصر الجعفرى وَمُدَّة خِلَافَته أَربع عشرَة سنة وَتِسْعَة أشهر وَتِسْعَة أَيَّام
(1/229)

كَانَ لَهُ من الْأَوْلَاد مُحَمَّد الْمُنْتَصر والمعتز كِلَاهُمَا ولى الْخلَافَة ومُوسَى وَكَانَ أحدب وَإِبْرَاهِيم الْمُؤَيد وَطَلْحَة الْمُوفق وَإِسْمَاعِيل وَالْمُعْتَمد وَغَيرهم
(62 ب) الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
لما ولى الْخلَافَة أبطل مَا كَانَ أحدثه الْمَأْمُون وَمن بعده من القَوْل بِخلق الْقُرْآن وحسم الْمَادَّة فِي ذَلِك وحظى فِي زَمَانه أهل الْأَدَب إِلَّا أَنه كَانَ شَدِيد البغض لعلى بن أبي طَالب رضى الله عَنهُ وَلأَهل بَيته على خلاف مَا كَانَ عَلَيْهِ الْمَأْمُون
وَكَانَ من جملَة ندمائه عبَادَة المخنث وَكَانَ يشد على بَطْنه مخدة تَحت ثِيَابه ويكشف رَأسه وَهُوَ أصلع ويرقص وَيَقُول ... قد أقبل الأصلع البطين ... خَليفَة الْمُسلمين ...
(1/230)

يعْنى عليا رضى الله عَنهُ والمتوكل يضْحك فَفعل ذَلِك يَوْمًا بِحَضْرَة وَلَده الْمُنْتَصر فَقَالَ لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن عليا ابْن عمك فَكل أَنْت لَحْمه إِذا شِئْت وَلَا تدع مثل هَذَا الْكَلْب وَأَمْثَاله يطْمع فِيهِ فَقَالَ المتَوَكل للمغنين غنوا ... غَار الْفَتى لِابْنِ عَمه ... رَأس الْفَتى فِي حرَامه ...

وَبلغ من بغضه لعلى وَأهل بَيته أَنه فِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ أَمر بهدم قبر الْحُسَيْن بن على وَمَا حوله من الْمنَازل وَمنع النَّاس من زيارته
وَمن غَرِيب مَا اتّفق لَهُ فِي ذَلِك أَنه طلب عليا الزكى وَيُقَال عَليّ الهادى وَعلي التقى أحد الْأَئِمَّة الاثنى عشر وَبعث إِلَيْهِ جمَاعَة من التّرْك ليحضروه فَهَجَمُوا عَلَيْهِ ببيته فوجدوه فِي بَيت مغلق وَعَلِيهِ مدرعة شعر وَهُوَ مُسْتَقْبل الْقبْلَة يترنم بآيَات من الْقُرْآن فِي الْوَعْد والوعيد لَيْسَ بَينه وَبَين الأَرْض بِسَاط إِلَّا الرمل والحصا فَحمل إِلَى المتَوَكل والمتوكل فِي مجْلِس شرابه
(1/231)

والكأس فِي يَده فَلَمَّا رَآهُ المتَوَكل أعظمه وَأَجْلسهُ إِلَى جَانِبه وناوله الكأس فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا خامر لحمى ودمى قطّ فأعفنى فأعفاه وَقَالَ أَنْشدني شعرًا (63 أ) فَقَالَ إنى لقَلِيل الرِّوَايَة للشعر فَقَالَ لَا بُد من ذَلِك فأنشده ... باتوا على قلل الأجبال تحرسهم ... غلب الرِّجَال فَمَا أغنتهم القلل ... فاستنزلوا بعد عز من معاقلهم ... وأودعوا حفرا يَا بئس مَا نزلُوا ... ناداهم صارخ من بعد مَا قبروا ... أَيْن الأسرة والتيجان وَالْحلَل ... أَيْن الْوُجُوه الَّتِى كَانَت منعمة ... من دونهَا تضرب الأستار والكلل ... فأفصح الْقَبْر عَنْهُم حِين ساءلهم ... تِلْكَ الْوُجُوه عَلَيْهَا الدُّود يقتتل ...
(1/232)

.. يَا طَال مَا أكلوادهرا وَمَا شربوا ... فَأَصْبحُوا بعد طول الأمل قد أكلُوا ...
5
- فَبكى المتَوَكل وَأمر بِرَفْع الشَّرَاب وَقَالَ يَا أَبَا الْحسن عَلَيْك دين قَالَ نعم أَرْبَعَة آلَاف دِينَار فَدَفعهَا إِلَيْهِ ورده إِلَى بَيته مكرما
وَفِي أَيَّامه كَانَت زلازل عَظِيمَة بقومس وَمَا يَليهَا وَمَات من النَّاس مِمَّن سَقَطت عَلَيْهِ الدّور خَمْسَة وَأَرْبَعُونَ ألفا وَسِتَّة وَتسْعُونَ وَكَانَ قبل ذَلِك بِفَارِس وخارسان وَالشَّام واليمن وَكَانَ يسمع فِي الزوابع أصوات ومنكرة وتهدمت الْحُصُون والمنازل والقناطر وتدكدكت الْمَدَائِن من الْعرَاق وبالس والرقة وحران وَرَأس الْعين والرها وطرسوس والمصيصة واللاذقية وسواحل الشَّام وَسقط من أنطاكية ألف وَخَمْسمِائة دَار وَمن سورها نَيف وَتسْعُونَ برجا وتقطع جبلها الْأَقْرَع وَسقط فِي الْبَحْر وهاج وطلع مِنْهُ دُخان أسود منتن وغار فِيهَا نهر لَا يدرى أَيْن ذهب
وَفِي سنة سِتّ وَأَرْبَعين سمع أهل تنيس من مصر ضجة عَظِيمَة مَاتَ مها خلق كثير
(1/233)

ولايات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته
كَانَ على مصر عِيسَى بن مَنْصُور الجلودى فوليها عَن المتَوَكل على يحيى ثَانِيًا فِي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَقيل وَليهَا هرثمة بن نصر ثمَّ ابْنه حَاتِم ثمَّ عَليّ بن يحيى الْمَذْكُور ثمَّ ردَّتْ إِلَى مُحَمَّد (63 ب) الْمُنْتَصر فاستخلف فِيهَا إِسْحَاق بن يحيى بن معَاذ فِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ ثمَّ وَليهَا عبد الْوَاحِد بن يحيى فِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ ثمَّ وَليهَا عَنهُ عَنْبَسَة الضبى فِي سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ ثمَّ وَليهَا عَنهُ يزِيد بن عبد الله فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَفِي أَيَّامه كَانَ القاضى بهَا الْحَارِث بن مِسْكين ثمَّ بكار بن قُتَيْبَة وبقى بهَا إِلَى أَيَّام الْمُنْتَصر والمستعين بعده
وَلم أدر من كَانَ على الشَّام فِي أَيَّامه
(1/234)

وَكَانَ على مَكَّة وَالْمَدينَة مُحَمَّد بن يحيى فَعَزله وَولى عَلَيْهَا ابْنه الْمُنْتَصر بن المتَوَكل ثمَّ وَليهَا عَليّ بن عِيسَى بن جَعْفَر بن الْمَنْصُور ثمَّ عَزله سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَولى مَكَانَهُ عبد الله بن مُحَمَّد بن دَاوُد بن عِيسَى ثمَّ عَزله سنة ثِنْتَيْنِ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَولى مَكَانَهُ عبد الصَّمد بن مُوسَى بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الإِمَام
وَولى المتَوَكل فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ ابْنه الْمُنْتَصر على الْحَرَمَيْنِ واليمن والطائف وَكَانَ قد ولى على الْيمن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم من بنى زِيَاد بن أَبِيه
وَكَانَ على إفريقية مُحَمَّد بن الْأَغْلَب بن إِبْرَاهِيم فتوفى سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَولى مَكَانَهُ ابْنه أَبُو إِبْرَاهِيم أَحْمد بن أبي الْعَبَّاس مُحَمَّد بن الْأَغْلَب وَكَانَ مُولَعا بالعمارة فَبنى بإفريقية فِيمَا يُقَال نَحوا من عشرَة آلَاف حصن بِالْحِجَارَةِ والكلس وأبواب الْحَدِيد وَبَقِي إِلَى أَيَّام الْمُنْتَصر الآتى ذكره
(1/235)

وَكَانَ المستولى على الغرب الْأَقْصَى عليشا بن مُحَمَّد الإدريسي وَمَات سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَاسْتولى بعده أَخُوهُ يحيى بن مُحَمَّد بِعَهْد مِنْهُ لَهُ فتزايدت عمَارَة فاس وَغَيرهَا فِي أَيَّامه ثمَّ مَاتَ فولى بعده ابْنه يحيى بن يحيى
وَكَانَت تلمسان بيد العبيديين
وَكَانَ على الأندلس عبد الرَّحْمَن بن الحكم بن هِشَام فتوفى فِي ربيع الآخر (64 أ) سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَاسْتولى بعده ابْنه مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الحكم فبقى إِلَى أَيَّام الْمُنْتَصر
الحادى عشر من خلفاء بنى الْعَبَّاس بالعراق
الْمُنْتَصر بِاللَّه
وَهُوَ أَبُو جَعْفَر المتَوَكل الْمُتَقَدّم ذكره وَأمه أم ولد رُومِية اسْمهَا حبشية كَانَ أسمر مربوعا أعين أقنى قَصِيرا عَظِيم اللِّحْيَة حسن الْجِسْم ذَا شهامة مهيبا
(1/236)

رَاجع الْعقل كثير الْإِنْصَاف بُويِعَ لَهُ بالخلافة يَوْم الْأَرْبَعَاء لأَرْبَع خلون من شَوَّال سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَذَلِكَ أَنه حضر النَّاس والقواد والعساكر واجتمعوا بِبَاب الْخلَافَة فَخرج إِلَيْهِم وزيره أَحْمد بن الخصيب وَمَعَهُ كتاب من الْمُنْتَصر يَقُول فِيهِ إِن الْفَتْح ابْن خاقَان قتل المتَوَكل فَقتله بِهِ فَبَايع النَّاس الْمُنْتَصر حِينَئِذٍ وَكَانَ نقش خَاتمه يُؤْتى الحذر من مأمنه وَقيل كَانَ نقشه أَنا من آل مُحَمَّد الله وليى وَمُحَمّد
وبقى حَتَّى توفى بِمَرَض الذبْحَة بسامر يَوْم الْأَحَد وَقيل لَيْلَة السبت لخمس خلون من ربيع الأول وَقيل لثلاث خلون مِنْهُ سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَكَانَت مُدَّة مَرضه ثَلَاثَة أَيَّام وَيُقَال إِن الطيفورى الْحجام سمه فِي محاجمه وَكَانَ عمره يَوْم توفى خمْسا وَعشْرين سنة وأشهرا وَقيل سِتا وَعشْرين سنة وَيُقَال إِن مولده كَانَ فِي ربيع الآخر سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَمُدَّة خِلَافَته سِتَّة أشهر ويومان وَكَانَ لَهُ من الْأَوْلَاد أَرْبَعَة أَوْلَاد ذُكُور وَلم أَقف على ذكر أسمائهم
(1/237)

الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
لما ولى الْخلَافَة أظهر حب على بن أبي طَالب رضى الله عَنهُ وَأهل بَيته (64 ب) على خلاف مَا كَانَ أَبوهُ المتَوَكل وَأمر النَّاس بزيارة قبر الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب رضى الله عَنْهُمَا وآمن العلويين وَكَانُوا خَائِفين أَيَّام أَبِيه
وَفِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ خلع الْمُنْتَصر أَخَوَيْهِ المعتز والمؤيد من عهد أَبِيهِمَا إِلَيْهِمَا بالخلافة بعد خِلَافَته على التَّرْتِيب الْمُتَقَدّم وَأخذ خطوطهما بإحلال النَّاس من بيعتهما بعد أَن أخافهما وأهانهما وَلم يطلّ زمن خِلَافَته فتكثر حوادثها
ولايات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته
كَانَ على مصر فِي أَيَّامه يزِيد بن عبد الله فأقره عَلَيْهَا أَيَّام خِلَافَته كلهَا
وَلم أدر من كَانَ بِالشَّام وَلَا مَكَّة وَالْمَدينَة
(1/238)

وَكَانَ الْيمن بيد بنى زِيَاد بن أَبِيه
وَكَانَ على مَا وَرَاء النَّهر إِسْمَاعِيل بن أَحْمد السامانى
وَكَانَ على خارسان طَاهِر بن عبد الله بن طَاهِر فبقى إِلَى مَا بعد خِلَافَته الْمُنْتَصر
وَكَانَ على إفريقية أَبُو إِبْرَاهِيم أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْأَغْلَب فَبَقيَ الى آخر خِلَافَته
وَكَانَ المستولى على الغرب الْأَقْصَى يحيى بن يحيى بن مُحَمَّد من الأدارسة الْمُقدم ذكرهم فَمَاتَ وَقَامَ بالمر بعده ابْن عَمه على بن عمر بن إِدْرِيس الْأَصْغَر وَاسْتولى على جَمِيع ممالك الغرب الْأَقْصَى
وَكَانَ على الأندلس مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الحكم فبقى إِلَى مَا بعد خِلَافَته
الثانى عشر من خلفاء بنى الْعَبَّاس بالعراق المستعين بِاللَّه
وَهُوَ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن المعتصم مُحَمَّد بن الرشيد
(1/239)

وَأمه أم ولد اسْمهَا مُخَارق كَانَ سمينا صَغِير الْعَينَيْنِ كَبِير اللِّحْيَة أسودها بوجنته خَال فِيهِ لين وانقياد لأتباعه مهملا لأموره شَدِيد الْخَوْف على نَفسه وَقَالَ الدولابى كَانَ رجلا صَالحا (65 أ) بُويِعَ لَهُ بالخلافة بعد وَفَاة الْمُنْتَصر الْمُتَقَدّم ذكره بِاتِّفَاق من حبراء الدولة مثل بغا الْكَبِير وبغا الصَّغِير وَأحمد بن الخصيب وَغَيرهم يَوْم الِاثْنَيْنِ لست خلون من ربيع الآخر وَقيل لأَرْبَع خلون مِنْهُ سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ كَرَاهَة أَن يقيموا بعض بنى المتَوَكل لكَوْنهم قتلوا أباهم
وَكَانَ نقش خَاتمه فِي الِاعْتِبَار غنى عَن الاختبار وبقى حَتَّى خلع فِي سنة إِحْدَى وَخمسين وَمِائَتَيْنِ وَوجه إِلَى وَاسِط بعد خلعه فَكتب المعتز إِلَى أَحْمد بن طولون بقتْله فَامْتنعَ فتسلمه سعيد بن صَالح الْحَاجِب فَضَربهُ حَتَّى مَاتَ وكفن ابْن طولون جثته ودفنها وَحمل رَأسه إِلَى المعتز فَأمر بدفنها وَكَانَ عمره يَوْم تولى الْخلَافَة أَرْبعا وَعشْرين سنة وَولى ثَلَاث سِنِين وَثَلَاثَة أشهر إِلَّا أَيَّامًا وَقيل أَكثر من ذَلِك وَيُقَال إِن وِلَادَته كَانَت فِي رَجَب سنة إِحْدَى عشرَة وَمِائَتَيْنِ
(1/240)

الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
لما ولى الْخلَافَة قبض على المعتز والمؤيد ابنى المكتوكل وحبسهما بالجوسق بسامر وَثَبت أمره وفوض أَمر بَيت المَال إِلَى أمه وَإِلَى أتامش التركى وشاهك الْخَادِم فأفسدوا مَاله وأضاعواه وَفِي أَيَّامه جرى بَين الْمُسلمين وَالروم وقْعَة عَظِيمَة بمرج الأسقف هزم فِيهَا الْمُسلمُونَ وَقتل مقدم عَسْكَرهمْ
وَفِي أَيَّامه ظهر يحيى بن عمر بن يحيى بن حُسَيْن بن زيد ابْن على بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب بِالْكُوفَةِ وَكثر جمعه فَجهز إِلَيْهِ مُحَمَّد بن عبد الله بن طَاهِر جَيْشًا من خرسان قَتَلُوهُ وحملوا رَأسه إِلَى المستعين
وَفِي سنة تسع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ تشغبت الْجند الشاكرية والعامة بِبَغْدَاد على الأتراك بِسَبَب استيلائهم على أُمُور الْمُسلمين يقتلُون من شَاءُوا من الْخُلَفَاء ويستخلفون من أَحبُّوا من غير نظر للْمُسلمين (65 ب) وثارت فتْنَة أَيْضا بسامرا بَين الْعَامَّة والأتراك وَفتحت الْعَامَّة السجون وأطلقوا من فِيهَا
(1/241)

وَفِي سنة إِحْدَى وَخمسين وَمِائَتَيْنِ اتّفق بغا الصَّغِير ووصيف التركى وقتلا باغر التركى فتشغبت الأتراك وحصروا المستعين وبغا ووصيفا فِي الْقصر بسامرا وهرب المستعين وبغا ووصصيف فِي حراقة إِلَى بَغْدَاد واستقروا بهَا وَاجْتمعَ أهل الدولة بسامرا على المعتز بن المتَوَكل فَبَايعُوهُ وجهز أَخَاهُ طَلْحَة بن المتَوَكل وجهزه فِي خمسين ألفا من الأتراك وسيرهم إِلَى بَغْدَاد فَجرى بَينهم حَرْب كَبِيرَة وَاتفقَ كبراء الدولة بِبَغْدَاد على خلع المستعين وألزموه ذَلِك فَخلع نَفسه فِي السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ نقل من الرصافة إِلَى قصر الْحسن بن سهل بعياله وَأَهله وَأخذ مِنْهُ الْبردَة والقضيب والخاتم وَوجه بِهِ إِلَى وَاسِط مَعَ أَحْمد بن طولون
ولايات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته
كَانَ على مصر فِي أَيَّامه يزِيد بن عبد الله فولى عَلَيْهَا بعده مُزَاحم بن خاقَان فِي سنة ثَلَاث وَخمسين وَمِائَتَيْنِ ثمَّ وَليهَا عَنهُ أَحْمد بن مُزَاحم فِي سنة أَربع وَخمسين وَمِائَتَيْنِ فبقى بهَا إِلَى آخر أَيَّامه وَلم أَقف على عماله
(1/242)

بِالشَّام وَلَا مَكَّة وَالْمَدينَة
وَكَانَ الْيمن بيد بني زِيَاد
وَكَانَ على خارسان طَاهِر بن عبد الله بن طَاهِر فتوفى فِي رَجَب سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ فعقد المستعين لوالده مُحَمَّد بن طَاهِر عَليّ خُرَاسَان
وَكَانَ على إفريقية أَبُو إِبْرَاهِيم أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْأَغْلَب فتوفى فِي آخر سنة تسع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَولى بعده ابْنه (66 أ) زِيَادَة الله الْأَصْغَر بن أبي إِبْرَاهِيم أَحْمد وَتوفى فِي آخر سنة خمسين وَمِائَتَيْنِ وَفِي أَيَّامه كَانَت أَكثر فتوح صقيلية وَولى بعده أَخُوهُ مُحَمَّد أَبُو الغرانيق بن أبي إِبْرَاهِيم أَحْمد فبقى إِلَى آخر خِلَافَته وَبعد ذَلِك
(1/243)

وَكَانَ المستولى على الغرب الْأَقْصَى على بن عمر بن إِدْرِيس الْأَصْغَر فبقى بهَا أَيَّام خِلَافَته
وَكَانَ على الأندلس مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الحكم فبقى إِلَى مَا بعد خِلَافَته ... الثَّالِث عشر من خلفاء بنى الْعَبَّاس بالعراق المعتز بِاللَّه ...

وَهُوَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد وَقيل الزبير بن جَعْفَر المتَوَكل الْمُقدم ذكره
وَأمه أم ولد اسْمهَا قبيحة سميت بذلك لحسنها وَهُوَ من بَاب الأضداد كَمَا يُقَال للغراب أَعور لحدة بَصَره كَانَ أَبيض أكحل أسود الشّعْر لم ير فيهم مثله جمالا وَكَانَ مؤثرا للذاته بُويِعَ لَهُ بسامرا عِنْد هروب المستعين إِلَى بَغْدَاد فِي سنة إِحْدَى وَخمسين وَمِائَتَيْنِ ثمَّ بُويِعَ لَهُ الْبيعَة الْعَامَّة بِبَغْدَاد بعد خلع المستعين لأَرْبَع خلون من الْمحرم سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ وَكَانَ نقش خَاتمه الحمدلله رب كل شَيْء وخالق كل شَيْء وبقى حَتَّى خلع
(1/244)

لثلاث بَقينَ من رَجَب سنة خمس وَخمسين وَمِائَتَيْنِ ثمَّ توفى يَوْم السبت لثلاث خلون من شعْبَان سنة خمس وَخمسين وَمِائَتَيْنِ أخرج للنَّاس مَيتا من سجنه وَيُقَال إِنَّه منع الطَّعَام وَالشرَاب أَيَّامًا ثمَّ أَدخل الحالم وأغلق عَلَيْهِ بَابه فَأصْبح مَيتا وَقيل أدخلوه سردابا وجصصوا عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ وَصلى عَلَيْهِ المهتدى وَدفن بسامرا وَيُقَال إِن صَالحا الْحَاجِب قَتله ورماه فِي دجلة وَالْمَشْهُور الأول وعمره يَوْمئِذٍ أَربع وَعِشْرُونَ سنة وَثَلَاثَة أشهر إِلَّا أَيَّامًا (66 ب) وَكَانَ لَهُ من الْأَوْلَاد عبد الله بن المعتز الْمَشْهُور بالبلاغة وفن الْأَدَب
الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
لما بُويِعَ بالخلافة أخرج أَخَاهُ الْمُؤَيد من الاعتقال وخلع عَلَيْهِ ثمَّ بلغه عَنهُ أَنه يدبر عَلَيْهِ أمرا فَضَربهُ
(1/245)

أَرْبَعِينَ سَوْطًا وحبسه حَتَّى أشهد على نَفسه بِالْخلْعِ من الْعَهْد الذى كَانَ عهد إِلَيْهِ بِهِ أَبوهُ المتَوَكل بِأَن يكون لَهُ ولَايَة الْعَهْد بعد المعتز ثمَّ بلغه أَن جمَاعَة من الأتراك اجْتَمعُوا إِخْرَاج الْمُؤَيد من محبسه فَأخْرجهُ فِي يَوْم الْخَمِيس لثمان بَقينَ من رَجَب سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ مَيتا وأحضر الْقُضَاة وَالْفُقَهَاء حَتَّى رَأَوْهُ وَلَا أثر بِهِ زويقال إِنَّه أدرج فِي لِحَاف سمور وَشد عَلَيْهِ طرفاه حَتَّى مَاتَ
وَكَانَ حَاجِبه صَالح بن وصيف غَالِبا على أمره ثمَّ كَانَ من أمره أَنه أَتَاهُ يَوْم الِاثْنَيْنِ لثلاث بَقينَ من رَجَب سنة خمس وَخمسين وَمِائَتَيْنِ وَمَعَهُ جمَاعَة فصاحوا على بَابه وبعثوا إِلَيْهِ ان اخْرُج إِلَيْنَا فَاعْتَذر بِأَنَّهُ تنَاول دَوَاء وَأمر أَن يدْخل بَعضهم عَلَيْهِ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فجروا بِرجلِهِ إِلَى بَاب الْحُجْرَة وأقيم فِي الشَّمْس يرفع قدما وَيَضَع أُخْرَى وهم يلطمونه وَهُوَ يتقى بِيَدِهِ حَتَّى أجَاب إِلَى الْخلْع وأدخلوه حجرَة وبعثوا إِلَى قاضى الْقُضَاة ابْن ابي الشَّوَارِب وَجَمَاعَة فَحَضَرُوا فَخلع نَفسه بحضرتهم ووكل بِهِ فِي الْحَبْس وَكَانَت خِلَافَته مُنْذُ بيعَته الْعَامَّة إِلَى أَن خلع ثَلَاث سنسن وَسَبْعَة أشهر إِلَّا أَرْبَعَة أَيَّام وَمن
(1/246)

لدن مبايعته بسامرا إِلَى أَن خلع أَربع سِنِين وَسَبْعَة أشهر إِلَّا سَبْعَة أَيَّام
وَفِي أَيَّامه فِي سنة أَربع وَخمسين وَمِائَتَيْنِ أحدث أَحْمد ابْن الْمُدبر صَاحب خراج مصر ضَمَان النطرون بهَا وَكَانَ قبل ذَلِك مُبَاحا لمن يَأْخُذهُ
(67 أ) ولايات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته
كَانَ على مصر بن مُزَاحم فبقى إِلَى آخر أَيَّام خِلَافَته وَقَالَ فِي عُيُون المعارف كَانَ عَلَيْهَا فِي أَيَّامه يزِيد بن عبد الله ثمَّ مُزَاحم بن خاقَان ثمَّ ابْنه أَحْمد ثمَّ أرخوز التركى ثمَّ أَحْمد بن طولون وَفِي أَيَّام ابْن طولون عظم شان مصر وَعلا قدرهَا وانتقلت من الْإِمَارَة إِلَى الْملك وَهُوَ أول من جلب المماليك التّرْك إِلَى الديار المصرية وَكَانَ قبل ذَلِك أَكثر عسكره من السودَان سودان يُقَال إِنَّه كَانَ فِي عسكره اثْنَا عشر ألف أسود وَكَانَ القاضى بهَا بكار بن قُتَيْبَة وَلم أَقف على عماله بِالشَّام وَمَكَّة وَالْمَدينَة
(1/247)

وَكَانَت الْيمن بيد زِيَاد الْمُقدم ذكرهم
وَكَانَ على خارسان مُحَمَّد بن طَاهِر بن عبد الله بن طَاهِر فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة المعتز
وَكَانَ على إفريقية قبله مُحَمَّد أَبُو الغرانيق من بنى الْأَغْلَب فأقره عَلَيْهَا فَفتح جَزِيرَة مالطة سنة خمس وَخمسين وَمِائَتَيْنِ وبقى إِلَى آخر خِلَافَته
وَكَانَ المستولى على الْمغرب الْأَقْصَى قبله عَليّ بن عمر بن إِدْرِيس فبقى إِلَى آخر خِلَافَته
وَكَانَ المستولى على الأندلس مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الحكم فبقى إِلَى آخر خِلَافَته
الرَّابِع عشر من خلفاء بنى الْعَبَّاس بالعراق
المهتدى بِاللَّه
وَهُوَ أَبُو عبد الله وَقيل أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن الواثق ابْن المعتصم وَأمه أم ولد رُومِية اسْمهَا قرب كَانَ أسمر عَظِيم الْبدن مربوعا أجلح طَوِيل اللِّحْيَة وَكَانَ ورعا
(1/248)

كثير الْعِبَادَة يكَاد أَن يكون فِي بنى الْعَبَّاس مثل عمر بن عبد الْعَزِيز فِي بنى أُميَّة هَديا وفضلا بُويِعَ لَهُ بالخلافة لثلاث لَيَال بَقينَ من رَجَب سنة خمس وَخمسين (67 ب) وَمِائَتَيْنِ وَكَانَ نقش خَاتِمَة من تعدى الْحق ضَاقَتْ مذاهبه وبقى حَتَّى توفى قَتِيلا لاثنتى عشرَة لَيْلَة بقيت من رَجَب سنة سِتّ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ وَقيل لأَرْبَع عشرَة لَيْلَة خلت مِنْهُ وعمره يَوْمئِذٍ ثَمَان وَثَلَاثُونَ سنة وَقيل سِتّ وَخَمْسُونَ سنة وَيُقَال إِن مولده كَانَ فِي ربيع الآخر سنة تسع عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَسبب قَتله أَنه قصد قتل مُوسَى بن بغا فَفطن بِهِ مُوسَى فقصده ففر المهتدى فَقبض عَلَيْهِ مُوسَى وداسوا خصيتيه فَمَاتَ وَدفن بتربة الْمُنْتَصر وَمُدَّة خِلَافَته أحد عشر شهرا أَو نَحْو ذَلِك وَلم أَقف على ذكر عقبه
الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
فِي أَيَّام خرج عَلَيْهِ عَليّ بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم
(1/249)

الْمَعْرُوف بِصَاحِب الزنج وَنسبه فِي عبد الْقَيْس فَجمع عَلَيْهِ الزنج الَّذين كَانُوا يكسحون السباخ من جِهَة الْبَصْرَة وَادّعى أَنه عَليّ بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن عِيسَى بن زيد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب وَسَار إِلَى الْبَصْرَة وَعظم أمره وَبث أَصْحَابه يَمِينا وَشمَالًا وَلم يزل أمره يَتَفَاقَم حَتَّى ملك الأبلة وعبادان وَالْبَصْرَة وبقى حَتَّى قتل فِي أَيَّام الْمُعْتَمد الآتى ذكره سنة سبعين وَمِائَتَيْنِ
وَفِي خلال أَيَّامه ظَهرت قبيحة أم المعتز وَكَانَت قد اختفت عِنْد الْقَبْض على ابْنهَا وَكَانَ لَهَا أَمْوَال جمة بِبَغْدَاد يُقَال إِنَّه وجد لَهَا مطمورة تَحت الأَرْض فِيهَا ألف ألف دِينَار وَوجد لَهَا فِي سفط قدر مكوك زمرد وَفِي سفط آخر قدر مكوك لُؤْلُؤ وَفِي سفط آخر قدر كيلجة ياقوت أَحْمَر لَا يُوجد مثله فَحمل ذَلِك جمعية إِلَى صَالح بن وصيف المهتدى الْقَائِم بتدبير (6 أ) دولته وسارت هى إِلَى مَكَّة
(1/250)

فَكَانَت تَدْعُو على صَالح بِصَوْت عَال تَقول هتك سترى وَقتل ولدى وَأخذ مالى وغربنى عَن بلدى وَركب الْفَاحِشَة منى فَأجَاب الله دعاءها فِيهِ فَخرج عَلَيْهِ مُوسَى بن بغا فهرب صَالح واختفى ثمَّ ظفر بِهِ مُوسَى وَقَتله ونودى عَلَيْهِ هَذَا جَزَاء من قتل مَوْلَاهُ
وَفِي سنة خمس وَخمسين وَمِائَتَيْنِ توفى أَبُو عُثْمَان الجاحظ المعتزلى إِمَام أهل الْأَدَب
ولايات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته
فِي خِلَافَته كَانَ على مصر أَحْمد بن طولون واستضاف إِلَيْهَا الشَّام وَهُوَ أول من جمع لَهُ بَين مصر وَالشَّام فِي الْإِسْلَام والقاضى بِمصْر يَوْمئِذٍ بكار بن قُتَيْبَة وَكَانَ مقطعها أماجور وَلم أَقف على عماله بِمَكَّة وَالْمَدينَة
وَكَانَت الْيمن بيد بنى زِيَاد
وَكَانَت خارسان بيد مُحَمَّد بن طَاهِر بن عبد الله بن طَاهِر
(1/251)

وَكَانَ على افريقية قبله مُحَمَّد ابو الغرانيق من بني الاغلب فبقى الى مَا بعد خِلَافَته
وَكَانَ المتولى على الغرب الاقصى قبله عَليّ بن عمر بن ادريس فَبَقيَ الى مَا بعد خِلَافَته
وَكَانَ المستولى على الاندلس قبله مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن ابْن الحكم فَبَقيَ الى مَا بعد خِلَافَته
الْخَامِس عشر من خلفاء بني الْعَبَّاس بالعراق
الْمُعْتَمد على الله
وَهُوَ ابو الْعَبَّاس وَقيل ابو جَعْفَر احْمَد بن المتَوَكل جَعْفَر
وامه ام ولد اسْمهَا فتيَان كَانَ طَوِيل اللِّحْيَة حسن الْجِسْم وَاسع الْعَينَيْنِ مُقبلا على اللَّذَّات بُويِعَ لَهُ بالخلافة بعد خلع 68 ب الْمُهْتَدي لاربع عشرَة لَيْلَة خلت من رَجَب سنة سِتّ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ وَكَانَ
(1/252)

نقش خَاتمه السعيد من وعظ بِغَيْرِهِ وَكَانَ القَاضِي بِمصْر بكار بن قُتَيْبَة ثمَّ غضب عَلَيْهِ ابْن طولون فِي اواخر ايامه وحبسه وَقَيده وَطَلَبه بجوائزه الَّتِي كَانَ بعث بهَا اليه فَوَجَدَهَا فِي منزله بخواتيمه سِتَّة عشر كيسا فِيهَا سِتَّة عشر الف دِينَار واقام مُحَمَّد بن شَاذان الْجَوْهَرِي كالنائب لَهُ وَابْن طولون فِي خلال ذَلِك يخرج بكارا كلما جلس للمظالم ويقيمه بَين يَدَيْهِ الى ان مَاتَ ابْن طولون ثمَّ مَاتَ القَاضِي بكار بعده بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا وَدفن عِنْد مصلى ابْن مِسْكين وقبره مَشْهُور هُنَاكَ يزار مَعْرُوف باجابة الدُّعَاء عِنْده وَبقيت مصر بعد ذَلِك سنتَيْن بِغَيْر قَاض
الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
لما ولى الْخلَافَة اقبل على لذاته ولهوه وَجعل اخاه طَلْحَة ولى عَهده ولقبه الْمُوفق وَجعل اليه الْمشرق وَجعل ابْنه جعفرا ولى عَهده ولقبه الْمُفَوض الى الله
(1/253)

وَجعل اليه الْمغرب فغلب الموف على الامر وَقَامَ بِهِ اسد قيام واحسنه وَمَال النَّاس اليه واحتجز الْمُعْتَمد وضيق عَلَيْهِ حَتَّى انه احْتَاجَ فِي وَقت الى ثَلَاثمِائَة دِرْهَم فَلم يجدهَا فَأَنْشد ... الْيَسْ من الْعَجَائِب ان مثلي ... يرى مَا قل مُمْتَنعا عَلَيْهِ ... وَتُؤْخَذ باسمه الدُّنْيَا جَمِيعًا ... وَمَا من ذَاك شَيْء فِي يَدَيْهِ ...

وَفِي ايامه كَانَ قد ابْتَدَأَ ظُهُور القرامطة وهم طَائِفَة ملعونة ظَهرت من سَواد الْعرَاق ينسبون الى رجل اسْمه الْفرج بن عُثْمَان يلقب بقرمط وَمَعْنَاهُ بالنبطية احمر الْعين قيل ان الَّذِي كَانَ اتى بِهِ 69 أالى السوَاد رجل احمر الْعين فشهر بشهرته وَكَانَ اللعين قد قَامَ فِي اهل الْبَادِيَة مِمَّن لَا مُعْتَقد لَهُ وَادّعى انه جَاءَ بِكِتَاب اوله بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
(1/254)

يَقُول الْفرج بن عُثْمَان وَهُوَ من قَرْيَة يُقَال لَهَا نصرانة انه دَاعِيَة الْمَسِيح وَهُوَ عِيسَى وَهُوَ الْكَلِمَة وَهُوَ الْمهْدي وَهُوَ احْمَد بن مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وَهُوَ جِبْرِيل وان الْمسْح تصور لَهُ فِي جسم انسان وَقَالَ لَهُ انك الداعية وانك الْحجَّة وانك النَّاقة وانك الدَّابَّة وانك يحيى بن زَكَرِيَّا وانك روح الْقُدس الى غير ذَلِك من سخيف الالفاظ وكفريات الاقوال وَاتبعهُ على هَذَا الهذيان خلق كثير مِمَّن لَا عقل لَهُ وَلَا مسكة دين من اهل الْقرى وقويت شوكته وعظمت دولته وَكَثُرت اتِّبَاعه وطالت ايامهم وتمادت وَكَانَ للاسلام بهم اعظم نكاية قَالَ صَاحب العبر وَهَؤُلَاء القرامطة يعْرفُونَ فِي بِلَاد الْمشرق بالملاحدة لَان مَذْهَبهم كُله الحاد وَمِنْهُم الاسماعيلية بقلاع الدعْوَة بأعمال طرابلس من بِلَاد الشَّام المعروفون بالفداوية
وَفِي ايامه توفّي الامام ابو عبد الله مُحَمَّد بن اسماعيل البُخَارِيّ صَاحب الْجَامِع الصَّحِيح سنة خمسين وَمِائَتَيْنِ
(1/255)

وَفِي سنة احدى وَسبعين وَمِائَتَيْنِ كَانَ بِمصْر زَلْزَلَة عَظِيمَة انْهَدَمت مِنْهَا مَنَارَة الاسكندرية ثمَّ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين كَانَ زَلْزَلَة عَظِيمَة عَمت الْبلدَانِ وَوَقع غلاء بيع الْقَمْح فِيهِ نصف ويبة بِدِينَار
وَفِي سنة خمس وَسبعين احترقت مَدِينَة الْفسْطَاط وَاحْتَرَقَ الْجَامِع الْعَتِيق وَهُوَ الْحَرِيق الثَّانِي وعمره ابو الْجَيْش ابْن طولون
ولايات الامصار فِي خِلَافَته
كَانَ على مصر قبله احْمَد بن طولون فأقره عَلَيْهَا وَبَقِي الى مَا بعد 69 ب خِلَافَته وَالْقَاضِي بهَا بكار بن قُتَيْبَة ايضا وَفِي ايامه استضاف احْمَد بن طولون الشَّام بعد موت مقطعها اماجور الى مصر وصيرهما مملكة وَاحِدَة ى لَهُ فِي سنة ارْبَعْ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ اول من جمع بَينهمَا فِي الِاسْم وَبَقِي عَلَيْهِمَا حَتَّى توفّي احْمَد بن طولون فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَكَانَت مَنَازِله ومنازل بنيه بعده حول جَامعه الْمَوْجُود الان من كل جَانب وَيعرف بالقطائع فَكَانَ يُقَال قطيعة
(1/256)

فلَان وَقَطِيعَة فلَان كل خطّ مِنْهَا يُسمى قطيعة وَكَانَ الامراء فِيمَا قبله ينزلون بدار الامارة بالفسطاط وَكَانَ مبدأ بِنَاء جَامعه فِي صفر سنة تسع وَخمسين وَمِائَتَيْنِ وَسبب بنائِهِ جَامعه هَذَا انه كَانَ يكثر التَّرَدُّد الى مَدِينَة عين شمس الخراب وَهِي الكيمان الَّتِي على الْقرب من المطرية من غربيها فاتفق انه بَينا هُوَ يسير فِي أرْضهَا يَوْمًا اذ ساخت يَد فرسه فِي الارض فَأمر بِحَفر ذَلِك الْمَكَان فَوجدَ فِيهِ كنزا من ذهب فِي ناووس حجر وَمُقَابِله ناووس اخر فِيهِ ميت مصبر فِي عسل نحل وعَلى صَدره لوح من ذهب مَكْتُوب فَأخذ الذَّهَب واللوح وتطلب من يقْرَأ لَهُ ذَلِك اللَّوْح مِمَّن لَهُ معرفَة بالخطوط الْقَدِيمَة فَدلَّ على رَاهِب بالصعيد فِي بعض الديارات فَأمر باشخاصه اليه فَقيل لَهُ انه لَا يَسْتَطِيع الْمسير لكبر سنه فَبعث اليه باللوح صُحْبَة امير من جِهَته فَلَمَّا نظر فِيهِ قَالَ انه يَقُول انا اكبر الْمُلُوك وذهبي اخلص الذَّهَب فَقَالَ ابْن طولون قَاتل الله من يكون هَذَا اللعين اكبر مِنْهُ اَوْ ذهبه اخلص من ذهبه ثمَّ شدد فِي ذَلِك حَتَّى كَانَ يحضر التَّعْلِيق بِنَفسِهِ فَكَانَ
(1/257)

ذهبه أخْلص الذَّهَب ثمَّ أَخذ فِي عمَارَة الْجَامِع من المَال الذى وجده فِي الْكَنْز وَمن غَرِيب أمره أَنه لما فرغ من بنائِهِ أَمر من يتجسس بِسَمَاع (70 أ) قَول النَّاس فِيهِ فَحَضَرَ إِلَيْهِ رجل فَقَالَ سَمِعت من يَقُول محرابه صَغِير وَقَالَ آخر سَمِعت من يَقُول لَيْسَ بِهِ ساريه وَقَالَ أخرسمعت من يَقُول لَيْسَ فِيهِ ميضأة فَقَالَ أما صغر محرابه فإنى رَأَيْت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد خطه لى فَأَصْبَحت فَوجدت النَّمْل قد دَار على ذَلِك الْمَكَان وَأما عدم السارية فَإِن السوراي لَا تكون إِلَّا من مَسْجِد خراب أَو كَنِيسَة وَأَنا بنيته فَمن حَلَال من كنز وجدته فَكرِهت أَن أَدخل فِيهِ شَائِبَة وَأما الميضأة فَأَرَدْت تنزيهه عَن النَّجَاسَة وسأبنيها على بعد فبناها عِنْد الْفِيل
وملكها بعده ابْنه خمارويه بن أَحْمد بن طولون فبقى بهَا إِلَى مَا بعد خِلَافَته وَلم أَقف على عماله بِمَكَّة وَالْمَدينَة
وَكَانَت خارسان وَمَا وَرَاء النَّهر بيد بنى طَاهِر بن
(1/258)

الْحُسَيْن وَيَعْقُوب بن اللَّيْث الصفار قد فتح الرخج وَقتل ملكهَا واستسلم أَهلهَا وَكَانَ ملكهَا يجلس على سَرِير من ذهب ويدعى الإلهية ثمَّ مَاتَ يَعْقُوب فِي سنة خمس وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ بعد أَن استولى على بَلخ وكابل وَغَيرهمَا فَقَامَ بِالْأَمر بعده أَخُوهُ عَمْرو بن اللَّيْث وَكتب إِلَى الْمُعْتَمد بِطَاعَتِهِ فولاه الْمُوفق أَخُو الْمُعْتَمد الْقَائِم بتدبير دولته خُرَاسَان وأصفهان وسجستان والسند وكرمان وسير إِلَيْهِ الْخلْع مَعَ الْولَايَة
وَفِي أَيَّامه استولى صَاحب الزنج على الأبله وعبادان والأهواز ثمَّ استولى على الْبَصْرَة فِي سنة سبع وَخمسين
وَكَانَ لأسد بن سامان أَرْبَعَة بَنِينَ هم نوح وَأحمد ويحي وإلياس وَكَانُوا فِي خرسان والمأمون بهَا فأكرمهم وَقَدَّمَهُمْ وَلما سَار الْمَأْمُون من خُرَاسَان إِلَى الْعرَاق اسْتخْلف على خرسان غَسَّان بن عباد فولى غَسَّان أَحْمد بن أَسد فرغانة فِي سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ وَولى يحيى بن أَسد الشاش وأشروسنة وَولى إلْيَاس بن أَسد هراة وَولى (70 ب) نوح بن أَسد سَمَرْقَنْد قَاعِدَة مَا وَرَاء النَّهر
(1/259)

فَلَمَّا تولى طَاهِر بن الْحُسَيْن خُرَاسَان وَمَا وَرَاء النَّهر أقرهم على هَذِه الْأَعْمَال ثمَّ مَاتَ نوح بن أَسد بسمرقند وَمَات بعده إلْيَاس بهراة وَاسْتقر على عمله ابْنه مُحَمَّد بن إلْيَاس وَكَانَ لِأَحْمَد بن أَسد سَبْعَة بَنِينَ وهم نصر وَيَعْقُوب وَيحيى وَأسد وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَحميد ثمَّ مَاتَ أَحْمد بفرغانة واستخلف ابْنه نصرا على أَعماله وَكَانَ إِسْمَاعِيل بن أَحْمد يخْدم أَخَاهُ نصرا فولاه نصر بُخَارى فِي سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَكَانَ إِسْمَاعِيل رجلا خيرا يحب أهل الْعلم ويكرمهم فَمن ثمَّ دَامَ ملكه وَملك أَوْلَاده ووطالت مدتهم
وَكَانَ الْيمن بيد بنى زِيَاد
وَكَانَ على إفريقية مُحَمَّد أَبُو الغرانيق من بنى الْأَغْلَب فتوفى فِي منتصف سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ بعد أَن عهد لِابْنِهِ أبي عقال فَحمل أهل القيروان إِبْرَاهِيم بن أَحْمد أخي أبي الغرانيق على الْولَايَة لحسن سيرته فَامْتنعَ ثمَّ أجَاب بِالْأَمر أحسن قيام وقمع أهل الْفساد وَبنى الْحُصُون والمحارس بساحل الْبَحْر حَتَّى كَانَت النَّار توقد فِي سَاحل سبتة للإنذار بالعدو فيتصل إيقادها بالإسكندرية
(1/260)

فِي لَيْلَة وَاحِدَة ثمَّ انْتقل من القيروان إِلَى تونس فسكنها فِي سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ أول من سكنها من مُلُوك إفريقية وَفِي أَيَّامه ظَهرت دَعْوَة العبيديين بالمغرب وَتوفى سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَولى بعده أَبُو الْعَبَّاس عبد الله بن إِبْرَاهِيم أخى مُحَمَّد أبي الغرانيق وَكَانَ حسن السِّيرَة بَصيرًا بالحروب وَنزل تونس مَكَان أَبِيه وَغلب أَبُو عبد الله الشيعى دَاعِيَة العبيديين على كتامة وَجرى بَينهمَا حروب وبقى إِلَى مَا بعد خِلَافَته الْمُعْتَمد
وَكَانَ على الغرب الْأَقْصَى عَليّ بن عمر بن إِدْرِيس فبقى إِلَى مَا بعد (71 أ) خِلَافَته
وَكَانَ على الأندلس قبله مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الحكم الْمُقدم ذكره فتوفى سلخ صفر سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَقَامَ بِالْأَمر بعده ابْنه الْمُنْذر بن مُحَمَّد فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الْمُعْتَمد أَيْضا
(1/261)

2 - السَّادِس عشر من خافاء بنى الْعَبَّاس بالعراق

المعتضد بِاللَّه
وَهُوَ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن الْمُوفق طَلْحَة بن المتَوَكل جَعْفَر
وَأمه أم ولد اسْمهَا ضرار وَيُقَال إِن اسْمهَا خفير وَكَانَ نحيفا ربعَة خَفِيف العارضين يخضب بِالسَّوَادِ سريع النهضة عِنْد الْحَادِثَة ينْفَرد بالأمور بتجربة وحنكة وَكَانَ شهما مهيبا عِنْد أَصْحَابه يتقول سطوته ويكفون عَن الْمَظَالِم خوفًا مِنْهُ مَعَ عفة ذيل
قَالَ ابْن إِسْحَاق القاضى دخلت على المعتضد وعَلى رَأسه أَحْدَاث روم صباح الْوُجُوه فأطلت النّظر إِلَيْهِم فَلَمَّا قُمْت أَمرنِي بِالْجُلُوسِ فَجَلَست فَلَمَّا تفرق النَّاس قَالَ يَا قاضى وَالله مَا حللت سراويلى على حرَام قطّ
(1/262)

بُويِعَ لَهُ بالخلافة لإحدى عشرَة لَيْلَة بقيت من رَجَب سنة تسع وَسبعين وَمِائَتَيْنِ بعد وَفَاة الْمُعْتَمد وَكَانَ نقش خَاتمه الِاضْطِرَار يزِيل الِاخْتِيَار وبقى حَتَّى توفى بِبَغْدَاد لَيْلَة الِاثْنَيْنِ لسبع وَقيل لثمان بَقينَ من ربيع الآخر سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وعمره سِتّ وَأَرْبَعُونَ سنة وَصلى عَلَيْهِ أَبُو عمر القاضى وَدفن لَيْلًا فِي دَار مُحَمَّد بن طَاهِر وَيُقَال إِن وزيره إِسْمَاعِيل بن طَاهِر سمه وَمُدَّة خِلَافَته تسع سِنِين وَتِسْعَة أشهر وَأَرْبَعَة أَيَّام وَقيل وَثَلَاثَة عشر يَوْمًا وَلما حَضرته الْوَفَاة أنْشد ... وَلَا تأمنن الدَّهْر إنى أمنته ... فَلم يبْق لى مَالا وَلم يرع لى حَقًا ... قتلت صَنَادِيد الرِّجَال وَلم أدع ... عدوا وَلم أمْهل على طغيه خلقا ...
(1/263)

.. وأخليت دَار الْملك من كَانَ نَازع ... فشردتهم غربا وفرقتهم شرقا
(71 ب) فَلَمَّا بلغت النَّجْم عزا ورفعة ... وَصَارَت رِقَاب الْخلق أجمع لى رقا ... رمانى الردى سَهْما فأخمد جمرتى ... فها أناذا فِي حفرتي مَيتا ألْقى ...
وَكَانَ لَهُ من الْأَوْلَاد المكتفى والمقتدر والقاهر كل مِنْهُم ولى الْخلَافَة وَهَارُون وَإِحْدَى عشرَة بِنْتا
الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
كَانَ من أحسن النَّاس سيرة وَلما بُويِعَ أَمر أَمر بافتتاح الْخراج فِي شهر حزيران من شهور السريان عِنْد كَون الشَّمْس فِي أَوَاخِر الجوزاء رفقا بِالنَّاسِ حَتَّى لَا يُؤْخَذ مِنْهُم الْخراج قبل حُصُول غلالهم وَسَماهُ النيروز
(1/264)

المعتضدى وَكَانَ ذَلِك من حسن سيرته ومحاسن تَدْبيره وسياسته
وَفِي سنة سبع وَسبعين وَمِائَتَيْنِ غَار نيل مصر وَوَقع الغلاء حَتَّى بلغ الْكر بهَا خمس مائَة دِينَار كَمَا ذكر صَاحب تَارِيخ النّيل
وَفِي سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ أَمر برد الْفَاضِل من سَهَا الْمَوَارِيث بعد أَرْبَاب الْفُرُوض على ذوى الْأَرْحَام وأبطل ديوَان الْمَوَارِيث الحشرية وَأَن يكْتب بذلك إِلَى سَائِر الأقطار
وَفِي سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ خطب إِلَى خمارويه بن أَحْمد بن طولون ابْنَته قطر الندا وجهز إِلَيْهِ مهرهَا ألف ألف دِرْهَم وهدايا كَثِيرَة ووشاح وبدلة جَوْهَر فَأَجَابَهُ خمارويه إِلَى ذَلِك وهادى بالهدايا الجمة وجهزها بجهاز لم يسمع بِمثلِهِ يُقَال إِنَّه كَانَ فِيهِ ألف
(1/265)

هاون من ذهب وَخرجت عَمَّتهَا العباسة بنت احْمَد بن طولون لتشييعها فَنزلت مَكَان الْقرْيَة الْمَعْرُوفَة الْيَوْم بالعباسية من بِلَاد الشرقية من الديار المصرية فَعرفت بهَا
وَفِي سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ أخبرالنجمون أَنه يغرق أَكثر الأقاليم بِسَبَب كَثْرَة الأمطار وَزِيَادَة الْأَنْهَار فتحفظ النَّاس واحترزوا عَن ذَلِك فَقلت الأمطار وَغَارَتْ الْمِيَاه حَتَّى استسقوا بِبَغْدَاد مَرَّات عَالم الْغَيْب فَلَا يظْهر على غيبه أحدا إِلَّا من ارتضى من رَسُول
(72 أ) وفيهَا فِي ربيع الآخر ظَهرت ظلمَة شَدِيدَة وريح وَحُمرَة وَخَافَ النَّاس من ذَلِك ثمَّ كشفه الله
ولايات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته
كَانَ على مصر وَالشَّام فِي أَيَّامه خمارويه بن أَحْمد بن طولون ثمَّ قتل بِدِمَشْق فِي سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ ووليها بعده ابْنه جَيش بن خمارويه وَقَتله جنده
(1/266)

فِي السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ وَليهَا هَارُون بن خمارويه بمبايعة الْجند فِي آخر سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ فبقى بهَا إِلَى مَا بعد خِلَافَته وَكَانَ طغج بن جف نَائِبا عَن خمارويه وَابْنه هَارُون بِالشَّام وَكَانَ نائبهما على حلب حمدَان ونائبهم على العواصم مُحَمَّد بن عِيسَى وَفِي أَيَّام هَارُون تغلبت القرامطة على دمشق وَبقيت بِأَيْدِيهِم إِلَى أَن انتزعها مِنْهُم المكتفى بِاللَّه الآتى ذكره وَلم أَقف على عماله بِمَكَّة وَالْمَدينَة
وَكَانَ الْيمن بيد بنى زِيَاد
وَكَانَ مَا وَرَاء النَّهر بيد إِسْمَاعِيل بن أَحْمد بن أَسد بن سامان ثمَّ ملك مَعَ مَا وَرَاء النَّهر خُرَاسَان فِي سنة سبع وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ واقتلعها من عَمْرو بن اللَّيْث الصفار بعد أَن أسره ثمَّ أرسل بِهِ بعد ذَلِك إِلَى المعتضد فحبسه فِي بَغْدَاد وبقى مَحْبُوسًا بهَا حَتَّى قتل فِي سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ
(1/267)

وَكَانَ على إفريقية أَبُو الْعَبَّاس عبد الله بن إِبْرَاهِيم بن أبي الغرانيق من بنى الْأَغْلَب فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة
وَكَانَ على الأندلس الْمُنْذر بن مُحَمَّد الْأمَوِي فبقى الى مَا بعد خِلَافَته أَيْضا
السَّابِع عشر من خلفاء بنى الْعَبَّاس بالعراق
المكتفي بِاللَّه وَهُوَ أَبُو مُحَمَّد على بن المعتضد بِاللَّه الْمُتَقَدّم ذكره وَأمه أم ولد تركية اسْمهَا خاضع وَقيل ججك زتلقب جُحَيْفَة وَكَانَ مولده سنة (72 ب) أَربع وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَكَانَ جميلا رَقِيق السمرَة أعين حسن الْوَجْه وَالشعر وافر اللِّحْيَة بُويِعَ بالخلافة بِبَغْدَاد وَهُوَ غَائِب بالرقة لسبع بَقينَ من شهر ربيع الآخر سنة تسع
(1/268)

وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَلما وَصله الْخَبَر أَخذ الْبيعَة لنَفسِهِ على من عِنْده وَسَار إِلَى بَغْدَاد فَدَخلَهَا لثمان خلون من جُمَادَى الأولى من السّنة الْمَذْكُورَة وَكَانَ نقش خَاتمه بِاللَّه عَليّ بن أَحْمد يَثِق وبقى حَتَّى توفى لثنتى عشرَة لَيْلَة خلت من ذى الْقعدَة سنة خمس وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ بعد أَن طَال مَرضه شهورا وعمره يَوْمئِذٍ إِحْدَى وَثَلَاثُونَ سنة وَأشهر وَدفن فِي دَار مُحَمَّد بن طَاهِر بِبَغْدَاد وَمُدَّة خِلَافَته سِتّ سِنِين وَسِتَّة أشهر وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَكَانَ لَهُ من الْأَوْلَاد المستكفى بِاللَّه الآتى ذكره
الحدوادث والماجريات فِي خِلَافَته
كَانَ كثير الْعَسْكَر وافر الْأَمْوَال قد وطأ لَهُ أَبوهُ المعتضد الْأُمُور وَسَار بسيرة أَبِيه وَفِي أَيَّامه اشتدت شَوْكَة القرامطة وحصروا طغج أَمِير دمشق عَن بنى طولون ثمَّ اجْتمعت عَلَيْهِم العساكر فَقتل مقدمهم يحيى الْمَعْرُوف بالشيخ وَأقَام أَخُوهُ الْحُسَيْن مقَامه وَتسَمى أَحْمد وَأظْهر شامة فِي وَجهه وَزعم أَنَّهَا آتِيَة وَكثر
(1/269)

جمعه فَصَالحه طغج على مَال دَفعه إِلَيْهِ وَسَار إِلَى حمص فحصرها حَتَّى خطب لَهُ على منبرها وتلقب المهدى أَمِير الْمُؤمنِينَ وعهد إِلَى ابْن عَمه عبد الله ولقبه المدثر وَزعم أَنه المدثر الْمَذْكُور فِي الْقُرْآن ثمَّ سَار إِلَى حماة والمعرة وسلمية فَقتل حَتَّى النِّسَاء وَالصبيان فَخرج إِلَيْهِ المكتفى بِنَفسِهِ وَسَار من بَغْدَاد حَتَّى نزل الرقة وجهز إِلَيْهِ العساكر فهرب وَمَعَهُ ابْن عَمه المدثر فَوَقع الْقَبْض عَلَيْهِمَا بالبرية وأحضرا إِلَى المكتفى فَسَار بهما إِلَى بَغْدَاد فَقَتَلَهُمَا وطيف بِرَأْس صَاحب الشامة (73 أ) وتفاقم أَمر القرامطة فِي كل جِهَة ونهبوا طبرية وَسَارُوا إِلَى جِهَة الْكُوفَة وَقَطعُوا الطَّرِيق على الْحجَّاج من طَرِيق الْعرَاق وفتكوا بهم عَن آخِرهم وَأخذُوا مِنْهُم أَمْوَالًا جمة وَبلغ عدَّة الْقَتْلَى من الْحجَّاج فِيمَا يُقَال عشْرين ألفا ثمَّ جهز المكتفى جَيْشًا مَعَ مُحَمَّد ابْن سُلَيْمَان الْكَاتِب فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ فَسَار حَتَّى استولى على دمشق وَتوجه إِلَى مصر وَبهَا يَوْمئِذٍ هَارُون بن خمارويه بن أَحْمد بن طولون فَوَقع الْحَرْب بَينه وَبَين مُحَمَّد بن سُلَيْمَان فَقتل هَارُون فِي المعركة وَقَامَ عَمه شَيبَان بن أَحْمد بن طولون مقَامه ثمَّ طلب
(1/270)

الْأمان فَأَمنهُ مُحَمَّد بن سُلَيْمَان ثمَّ هرب شَيبَان لَيْلًا فَلم يُوجد وَاسْتولى مُحَمَّد بن سُلَيْمَان على مصر وَأمْسك بنى طولون وَخرب مَنَازِلهمْ حَتَّى لم يبْق مِنْهَا إِلَّا الْجَامِع
وَمن غَرِيب مَا وَقع مَا حَكَاهُ مُحي الدّين بن عبد الظَّاهِر فِي خطط الْقَاهِرَة أَن أَحْمد بن طولون رأى فِي مَنَامه كَأَن الله تَعَالَى تجلى على تِلْكَ الْجِهَة خلا الْجَامِع فَقص ذَلِك على عَابِر ماهر فَقَالَ لَهُ إِن جَمِيع هَذِه الْأَمَاكِن تخرب خلا الْجَامِع فَإِن الله تَعَالَى يَقُول {فَلَمَّا تجلى ربه للجبل جعله دكا} وَكَانَ الْأَمر كَمَا عبر وَاسْتقر مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بعد ذَلِك متأمرا على مصر كَمَا سياتى ذكره فِي الْكَلَام على وُلَاة الْأَمْصَار
وَفِي سنة تسعين وَمِائَتَيْنِ انْتَهَت زِيَادَة النّيل إِلَى يَوْم النيروز ثَلَاثَة عشر ذِرَاعا ثمَّ توقف فَلم يزدْ إِلَى الْعَاشِر من توت واستسقى النَّاس فِي هَذَا الْيَوْم وعاودوا الاسْتِسْقَاء مَرَّات فَزَاد بعد ذَلِك أَربع أَصَابِع وَنصفا
(1/271)

ولايات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته
كَانَ على مصر قبله هَارُون بن خمارويه بن أَحْمد بن طولون
ودمشق (73 ب) بيد القرامطة من حِين اقتلعوها من نواب هَارُون إِلَى أَن قتل فِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ
فوليها عَن المكتفى شَيبَان بن أَحْمد بن طولون فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ ثمَّ بعث المكتفى مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الواثقى الْكَاتِب فاستولى على مصر وانتزعها من بنى طولون وَخرب مَنَازِلهمْ وأزال ملكهم عَنْهَا وَكتب المكتفى كتابا بِالْفَتْح إِلَى سَائِر الأقطار قد ذكرته برمتِهِ على طوله فِي كتابى صبح الْأَعْشَى فِي كِتَابه الإنشا وَبقيت بيد مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْكَاتِب إِلَى أَن ولى عَلَيْهَا المكتفى عِيسَى بن مُحَمَّد النوشرى فِي سنة خمس وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ ثمَّ تغلب عَلَيْهَا مُحَمَّد بن عَليّ ثمَّ عَاد إِلَيْهَا النوشرى وَكَانَ قد تغلب على دمشق القرامطة على مَا تقدم ذكره فانتزعها مِنْهُم فِي سنة إِحْدَى
(1/272)

وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَأقَام عَلَيْهَا وعَلى حلب أَحْمد بن كيغلغ أَمِيرا فبقى فِيهَا إِلَى مَا بعد خلَافَة المكتفى
وَولى على ديار ربيعَة وديار مُضر من بِلَاد الجزيرة أَبَا الهيجاء عبد الله بن حمدَان وَلم أَقف على عماله بِمَكَّة وَالْمَدينَة
وَكَانَت الْيمن بيد بنى زِيَاد
وَكَانَ مَا وَرَاء النَّهر وخرسان بيد إِسْمَاعِيل بن أَحْمد ابْن أَسد بن سامان إِلَى ان مَاتَ وملكها بعده ابْنه أَبُو نصر أَحْمد بن إِسْمَاعِيل وَأرْسل المكتفى إِلَيْهِ التَّقْلِيد
وَكَانَ على إفريقية قبله أَبُو الْعَبَّاس عبد الله بن إِبْرَاهِيم ابْن أبي الغرانيق فتوفى فِي شعْبَان سنة تسعين وَمِائَتَيْنِ وَولى ابْنه زِيَادَة الله فَأقبل على اللَّذَّات وَاللَّهْو وَقتل إخْوَته وعمومته وقوى أَمر أبي عبد الله الشيعى داعى
(1/273)

عبيد الله المهدى بالمغرب فهرب زِيَادَة الله إِلَى مصر وَترك إفريقية وبخروجه عَنْهَا انقرضت دولة بنى الْأَغْلَب من إفريقية وَكَانَ على الغرب الْأَقْصَى عَليّ بن عمر بن إِدْرِيس الْأَصْغَر وَملك جَمِيع الْمغرب وخطب لَهُ على منابره فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة المكتفى
وَكَانَ على الأندلس الْمُنْذر بن مُحَمَّد الاموي فَتَوَلّى لثلاث عشر لَيْلَة بقيت من صفر سنة خمس وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وبويع أَخُوهُ عبد الله يَوْم مَوته فَبَقيَ الى مَا بعد خلَافَة المكتفى
الثَّامِن عشر من خلفاء بنى الْعَبَّاس بالعراق

المقتدر بِاللَّه
هُوَ أَبُو الْفضل جَعْفَر بن المعتضد بِاللَّه الْمُقدم ذكره
وَأمه أم ولد اسْمهَا شغب وَكَانَ ربع الْقَامَة
(1/274)

درى اللَّوْن أحور أصهب وَكَانَ ثقيل الجثة بُويِعَ لَهُ بالخلافة لثلاث عشرَة لَيْلَة خلت من ذِي الْقعدَة سنة خمس وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَسنة يَوْمئِذٍ ثَلَاث عشرَة سنة وَقيل ثَلَاث عشرَة سنة وشهران الإ أَيَّامًا وَكَانَ نقش خَاتمه الْحَمد لله الَّذِي لَيْسَ كمثله شىء وَهُوَ خَالق كل شىء وبقى حَتَّى توفّي قَتِيلا يَوْم الْأَرْبَعَاء لثلاث بَقينَ من شَوَّال سنة عشْرين وثلاثمائة وَسنة ثَمَان وَثَلَاثُونَ سنة وَكَانَ سَبَب قَتله أَن مؤنسا الْخَادِم خرج إِلَى الْموصل وديار ربيعَة مغاضبا لَهُ ثمَّ عَاد يُرِيد بَغْدَاد فَحسن بعض النَّاس للمقتدر الخورج لقتاله فَخرج إِلَى بَاب الشماسية والتحم الْعَسْكَر فَقتله رجل من البربر وَقلع ثِيَابه فَمر بِهِ رجل فَستر سوأته بحشيش ثمَّ حفر لَهُ وَدفن وخفى أَثَره وَمُدَّة خِلَافَته أَربع وَعِشْرُونَ سنة وَأحد عشر شهرا وَأَرْبَعَة عشر يَوْمًا وَكَانَ لَهُ من الْأَوْلَاد الراضي مُحَمَّد والمتقي أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم والمطيع
(1/275)

الْفضل ولى كل مِنْهُم الْخلَافَة وَعبد الْوَاحِد وعباس وَهَارُون وَعلي وَإِسْمَاعِيل وَعِيسَى ومُوسَى وَإِسْحَاق وَأَبُو الْعَبَّاس
(74 ب) الْحَوَادِث والماجريات فِي زَمَانه
لما بُويِعَ بالخلافة كَانَ صَغِيرا فِي سنّ الثَّلَاث عشرَة سنة على مَا تقدم فاستقل الوزراء وَالْكتاب بتدبير الْأُمُور وَغلب على أمره النِّسَاء والخدام حَتَّى أَن جَارِيَة لأمه تعرف بشمل القهرمانية كَانَت تجْلِس للمظالم ويحضرها الْقُضَاة وَالْفُقَهَاء فاختل الْأَمر بِسَبَب ذَلِك وَيُقَال إِنَّه استوزر فِي مُدَّة خِلَافَته تِسْعَة عشر وزيرا وَاجْتمعَ القواد والقضاة على خلعه فخلعوه لعشر بَقينَ من شهر ربيع الأول سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ
وبويع عبد الله بن المعتز ولقب الراضين بِاللَّه وَقد تقدم نسب أَبِيه المعتز وَأمه أم ولد اسْمهَا خائن وَكَانَ فَاضلا شَاعِرًا إِمَامًا فِي البلاغة تشبيهاته لَا تلْحق
(1/276)

أَخذ الْعلم عَن الْمبرد وَصَارَ فِي الْأَدَب وَالشعر وَأمه يضْرب بِهِ الْمثل وَلما ولى قَالَ قد آن للحق أَن يَتَّضِح وللباطل أَن يفتضح ثمَّ لم يلبث فِي الْخلَافَة غير يَوْم وَاحِد وَلَيْلَة حَتَّى اضْطربَ أمره وتفرق أَصْحَابه فَأمْسك وَحبس لَيْلَتَيْنِ ثمَّ قتل خنقا وَأظْهر أَنه مَاتَ حتف أَنفه وسنه يَوْمئِذٍ خَمْسُونَ سنة وَدفن فِي خربة بِإِزَاءِ دَاره ورثاه عَليّ بن مُحَمَّد بن بسام بقوله ... لله دَرك من ملك بمضيعة ... ناهيك فِي الْعلم والآداب والحسب ... مَا فِيهِ لَوْلَا وَلَا لَيْت فتنقصه ... وَإِنَّمَا أَدْرَكته حِرْفَة الْأَدَب ...
وَمن حَيْثُ قصر مدَّته لم يُورِدهُ المؤرخون فِي عداد الْخُلَفَاء بل جعل كالجملة المعترضة وَلما عَاد المقتدر بقى الْأَمر على مَا كَانَ عَلَيْهِ من تصرف النِّسَاء والخدام ورجوعه إِلَى قَوْلهم ووقوفه عِنْد رَأْيهمْ وَفِي خلال ذَلِك
(1/277)

قبض المقتدر على ابْن الْجَصَّاص الجوهرى وَأخذ مِنْهُ من أَصْنَاف الْأَمْوَال مَا قِيمَته أَرْبَعَة آلَاف ألف دِينَار فَأكْثر
وَفِي سنة إِحْدَى عشرَة وثلاثمائة وثب أَبُو طَاهِر القرمطى فِي جمعه على الْبَصْرَة فَقتل مِنْهَا خلقا كثيرا وَنهب أمولا جمة ثمَّ صَار إِلَى الْكُوفَة فَفعل فِيهَا كَذَلِك وَنهب (75 أ) غَالب الْبِلَاد الفراتية وَقطع الطَّرِيق على الْحجَّاج وَأخذ أَمْوَالهم وَمَات الْكثير مِنْهُم جوعا وعطشا وَعَاد إِلَى هجر قَاعِدَة الْبَحْرين وَانْقطع الْحَج من الْعرَاق بِسَبَب ذَلِك
قَالَ فِي تَارِيخ النّيل وَفِي سنة ثَلَاث عشرَة وثلاثمائة ظهر فِي السَّمَاء بِمصْر كَوْكَب عَظِيم لَهُ شُعَاع عَظِيم يتبعهُ شهَاب هائل بالجو شَدِيد الْحمرَة أَخذ من جِهَة الشمَال إِلَى جِهَة الْمشرق تَقْدِير طوله ثَلَاثُونَ رمحا وَعرضه قريب من رُمْحَيْنِ فَمه مَفْتُوح كالحية أَقَامَ ثَلَاث سَاعَات ثمَّ انطفأ
وَفِي سنة سبع عشرَة وثلاثمائة دخل أَبُو طَاهِر
(1/278)

القرمطى مَكَّة يَوْم التَّرويَة وخطب لِعبيد الله المهدى صَاحب إفريقية وَقتل الْحَاج قتلا ذريعا وَرمى الْقَتْلَى فِي زَمْزَم وَأخذ الْحجر الْأسود وعرى الكعبه وَقلع بَابهَا وَذهب بِالْحجرِ الْأسود إِلَى الْبَحْرين وبقى عِنْده اثْنَتَيْنِ وَعشْرين سنة إِلَّا شهرا حَتَّى رده على مَا سياتى ذكره بعد ان بذل لَهُ بجكم التركى أحد أُمَرَاء المقتدر خمسين ألف دِينَار فَمَا فعل وَقَالَ أخذناه بِأَمْر وَمَا نرده إِلَّا بِالْأَمر وتعطل الْحَج بعد ذَلِك من الْعرَاق إِلَى سنة عشْرين وثلاثمائة والمقتدر متماد على مَا هُوَ عَلَيْهِ من تحكيم النِّسَاء والخدام وَالرُّجُوع إِلَى قَوْلهم ورايهم فاجتمعت العساكر إِلَى مؤنس الْخَادِم وألزموا المقتدر أَن يشْهد على نَفسه بِالْخلْعِ فَفعل وَبَايَعُوا أَخَاهُ مُحَمَّد ابْن المعتضد ولقبوه القاهر بِاللَّه ونهبت دَار الْخلَافَة واستخرج من قبر فِي تربة أم المقتدر سِتّمائَة ألف دِينَار ثمَّ أُعِيد الْأَمر إِلَى المقتدر بعد يَوْمَيْنِ وَحبس القاهر عِنْد وَالِدَة المقتدر فأحسنت إِلَيْهِ
(1/279)

ولايات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته
كَانَ على مصر قبله عِيسَى بن مُحَمَّد النوشرى فوليها عَن المقتدر أَبُو مَنْصُور تكين فِي سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ ثمَّ عَزله وَولى عَلَيْهَا أَبَا الْحسن فِي سنة ثَلَاث وثلاثمائة ثمَّ عَزله وَولى عَلَيْهَا هِلَال بن يزِيد سنة سبع وثلاثمائة وَولى عَلَيْهَا أَحْمد بن كيغلغ فِي سنة (75 ب) إِحْدَى عشرَة وثلاثمائة وَولى عَلَيْهَا أَبُو مَنْصُور تكين ثَالِث مرّة فِي السّنة الْمَذْكُورَة وَكَانَ على دمشق وحلب أَحْمد بن كيغلغ وبقى فيهمَا ألى آخر أَيَّام المقتدر
وَكَانَ على مَكَّة مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الزيدى من عقب سُلَيْمَان ابْن دَاوُد بن الْحسن الْمثنى بن الْبسط قَالَ البيهقى خلع طَاعَة العباسيين وخطب لنَفسِهِ بالإمارة فِي سنة إِحْدَى وثلاثمائة
وَكَانَت الْيمن بيد بنى زِيَاد
(1/280)

وَكَانَ مَا وَرَاء النَّهر وخرسان بيد أَحْمد بن إِسْمَاعِيل من بنى سامان فَقتل فِي سنة إِحْدَى وثلاثمائة وَولى بعده ابْنه أبوالحسن نصر بن أَحْمد فبقى إِلَى مَا بعد أَيَّام المقتدر
وَكَانَت إفريقية قد استولى عَلَيْهَا دعاة عبيد الله المهدى فقوى أَمرهم وبويع لِعبيد الله الْمَذْكُور بهَا فِي ربيع سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَبعث الْعمَّال إِلَى نَوَاحِيهَا وَبنى مَدِينَة المهديه بإفريقية شرقى تونس وَجعلهَا دَار ملكه
التَّاسِع عشر من خلفاء بنى الْعَبَّاس بالعراق
القاهر بِاللَّه
وَهُوَ أَبُو مَنْصُور مُحَمَّد بن المعتضد بِاللَّه الْمُقدم ذكره وَأمه أم ولد اسْمهَا قتول وَقيل فتْنَة كَانَ أَبيض يعلوه حمرَة مربوعا أعين وافر اللِّحْيَة ألثغ شَدِيد الْإِقْدَام على سفك الدِّمَاء أهوج محبا لجمع المَال قَبِيح السياسة بُويِعَ لَهُ بالخلافة يَوْم الْخَمِيس لليلتين
(1/281)

بَقِيَتَا من شَوَّال سنة عشْرين وثلاثمائة وَكَانَ مؤنس الْخَادِم قد أَشَارَ بمبايعة أبي الْعَبَّاس بن المقتدر فاعترضه إِسْحَاق النوبختى بِأَن ابْن المقتدر صبى لَا يصلح لتدبير الْأُمُور
وَكَانَ نقش خَاتمه مُحَمَّد رَسُول الله وبقى حَتَّى خلع من الْخلَافَة لست خلون من جُمَادَى الأولى سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وثلاثمائة وَلما دخل عَلَيْهِ الْقُضَاة وَالشُّهُود ليشهدوا عَلَيْهِ بِالْخلْعِ قَالَ لَهُم لى فِي أَعْنَاقكُم بيعَة وَلست أحلكم مِنْهَا فَتَرَكُوهُ وَانْصَرفُوا فبقى إِلَى اللَّيْل فسمل فِي عَيْنَيْهِ بحديدة محماة فَكَانَ أول خَليفَة سمل فَكَانَت مُدَّة خِلَافَته إِلَى أَن سمل سنة وَاحِدَة وَسِتَّة أشهر وَثَمَانِية أَيَّام وَلم يزل بَاقِيا فِي دَار الْخلَافَة مسمولا حَتَّى أخرجه المستكفى فِي شهر ربيع الآخر سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة ورده إِلَى دَاره فَأَقَامَ مُدَّة ثمَّ خرج إِلَى (76 أ) جَامع الْمَنْصُور فِي يَوْم جُمُعَة فَقَامَ فَعرف النَّاس بِنَفسِهِ وسألهم أَن يتصدقوا عَلَيْهِ فَقَامَ إِلَيْهِ ابْن أبي مُوسَى الهاشمى فَأعْطَاهُ ألف دِرْهَم ورده إِلَى دَاره
(1/282)

وبقى حَتَّى توفى فِي خلَافَة الْمُطِيع لَيْلَة الْجُمُعَة لثلاث خلون من جُمَادَى الأولى سنة تسع وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة وعمره اثْنَتَانِ وَخَمْسُونَ سنة وَدفن فِي دَار ابْن طَاهِر وَكَانَ لَهُ من الْأَوْلَاد أَبُو الْفضل وَعبد الصَّمد وَأَبُو الْقَاسِم وَعبد الْعَزِيز وَهُوَ ولى عَهده
الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
لما ولى الْخلَافَة صادر جمَاعَة من أُمَّهَات أَوْلَاد المقتدر وَأَوْلَاده وَضرب أم المقتدر وعلقها بِرَجُل وَاحِدَة يقررها على المَال وَكَانَت مَرِيضَة بالاستسقاء فَمَاتَتْ بعد عشْرين يَوْمًا ثمَّ قتل النوبختى الذى أَشَارَ بولايته وَقتل مؤنسا وَلما قَتلهمْ لقب نَفسه القاهر بِاللَّه المنتقم من أَعدَاء الله لدين الله وَضرب ذَلِك على الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم
وَلما ولى الْخلَافَة سير ركب الحجيج من الْعرَاق إِلَى مَكَّة بعد أَن كَانَ تعطل الْحَج فِي سنة عشْرين وثلاثمائة فحج بِالنَّاسِ أميره فِي تِلْكَ السّنة ثمَّ انْقَطع الْحَج من الْعرَاق إِلَى أَن صُولِحَتْ القرامطة على مَال يُؤَدِّيه الحجيج إِلَيْهِم فِي سنة سبع وَعشْرين وثلاثمائة فِي أَيَّام الراضى
(1/283)

وَفِي أَيَّامه ابْتَدَأَ ظُهُور بنى بويه مُلُوك الديلم وهم عماد الدولة أبوالحسن عَليّ وركن الدولة أَبُو عَليّ ومعز الدولة أَبُو الْحُسَيْن أَحْمد أَوْلَاد بويه بن فناخسرو من عقب بهْرَام جور بن يزدجرد أحد مُلُوك الْفرس وَكَانَ رَأْسهمْ عماد الدولة وَهُوَ أكبرهم فاستولى على أصفهان ثمَّ استولى على أرجان ثمَّ على كاذرون وَغَيرهَا من أَعمال فَارس وَعظم أمره وقويت شوكته
وَفِي أَيَّامه فِي سنة إِحْدَى وَعشْرين وثلاثمائة توفى ابْن دُرَيْد صَاحب الْمَقْصُورَة
(76 ب) ولايات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته
كَانَ على مصر قبله أَبُو الْمَنْصُور تكين فَعَزله وَولى عَلَيْهَا أَبَا الْقَاسِم مُحَمَّد بن طغج الْمَعْرُوف بالإخشيد فِي سنة إِحْدَى وَعشْرين وثلاثمائة فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة القاهر وقيا فِيهِ غير ذَلِك
وَكَانَ على دمشق أَحْمد بن كيغلغ مَعَ مصر فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة القاهر
(1/284)

وَكَانَ على حلب أَحْمد بن كليغلغ نِيَابَة عَن الإخشيد
وَكَانَ على مَكَّة مُحَمَّد بن سُلَيْمَان السُّلَيْمَانِي
وَكَانَ الْيمن بيد بنى زِيَاد
وَكَانَ مَا وَرَاء النَّهر وخراسان بيد أبي الْحسن نصر بن أَحْمد بن إِسْمَاعِيل السامانى فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة القاهر
وَكَانَ المستولى على إفريقية وَسَائِر بِلَاد الْمغرب عبيد الله المهدى جد الْخُلَفَاء الفاطميين ونائبه بالغرب الْأَقْصَى فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة القاهر
وَكَانَ على الأندلس النَّاصِر عبد الرَّحْمَن الأموى ابْن مُحَمَّد الْمَقْتُول فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة القاهر زَمنا طَويلا
الْعشْرُونَ من خلفاء بنى الْعَبَّاس بالعراق
الراضى بِاللَّه
وَهُوَ أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن المقتدر بِاللَّه الْمُقدم ذكره وَأمه أم ولد اسْمهَا ظلوم ولد اسْمهَا ظلوم ولد سنة تسع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ
(1/285)

وَكَانَ أسمر اللَّوْن أعنق مسنون الْوَجْه خَفِيف العارضين وَكَانَ أديبا حسن الشّعْر محبا للأدباء والفضلاء سخيا يبْذل المَال وَهُوَ آخر خَليفَة لَهُ شعر يدون وَمن شعره ... يصفر وجهى إِذا تَأمله ... طرفى ويحمر وَجهه خجلا ... حَتَّى كَأَن الذى بوجنته ... من دم قلبى إِلَيْهِ قد نقلا ...
بُويِعَ لَهُ بالخلافة يَوْم الْأَرْبَعَاء لست خلون من جُمَادَى الأولى (77 أ) سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وثلاثمائة وَكَانَ مَحْبُوسًا فَأخْرج وأجلس على سَرِير القاهر وسلموا عَلَيْهِ بالخلافة وأقيم القاهر بَين يَدَيْهِ بعد أَن سملت عَيناهُ وَسلم عَلَيْهِ بالخلافة وبقى حَتَّى توفى بالاستسقاء لَيْلَة السبت لست عشرَة لَيْلَة خلت من شهر ربيع الأول سنة تسع وَعشْرين وثلاثمائة وعمره اثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ سنة وَأشهر وَمُدَّة خِلَافَته سِتّ سِنِين وَعشرَة أشهر وَكَانَ لَهُ من الْأَوْلَاد أَبُو جَعْفَر أَحْمد وَأَبُو الْفضل عبد الله
(1/286)

الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
لما ولى الْخلَافَة استوزر أَبَا عَليّ بن مقلة إِمَام الْكِتَابَة فِي صَنْعَة الْخط فَكَانَ من أمره أَنه ضرب مُحَمَّد بن شنبوذ الْمُقْرِئ بِالدرةِ لقراءات أنْكرت عَلَيْهِ فَدَعَا عَلَيْهِ بِقطع الْيَد وتشتيت الشمل ثمَّ قبض الراضي على ابْن مقلة فِي سنة أَربع وَعشْرين وثلاثمائة واستوزر عبد الرَّحْمَن بن عِيسَى ثمَّ قبض عَلَيْهِ واستوزر أَبَا جَعْفَر الْكَرْخِي وَكَانَ ابْن رائق عل وَاسِط وَالْبَصْرَة فَقطع الْحمل وَقطع البريدي حمل الأهواز وأعمالها فضاقت الْأُمُور على الْوَزير أبي جَعْفَر فَصَرفهُ الراضي واستوزر سُلَيْمَان بن الْحسن وَالْأَمر على مضايقة على الْوَزير فَبعث الراضي إِلَى ابْن رائق يستقدمه من وَاسِط ليقوم بالأمور فَقدم فقلده إِمَارَة الْجَيْش وَأمر أَن يخْطب لَهُ عى المنابر مَعَ الْخَلِيفَة وَهُوَ أول من أشرك مَعَ الْخَلِيفَة فِي الْخطْبَة وَبَطل نظر الْوَزير من يَوْمئِذٍ وَلم يبْق من
(1/287)

الوزارة الا اسْمهَا بعد ان كَانَت امور الدولة قبضا وصرفا وتولية وعزلا رَاجِعَة الى الْوَزير وتغلب عُمَّال الاطراف عَلَيْهَا وَلم يبْق للخليفة غير بَغْدَاد واعمالها وَالْحكم فِيهَا لِابْنِ رائق دونه والاطراف (77 ب) كالنهاب بأيدي اقوام مُتَفَرِّقَة واستقدم ابْن رائق ابا الْفضل بن الْفُرَات وَكَانَ على خراج مصر وَالشَّام فاستوزره لَهُ وللخليفة ثمَّ استولى معز الدولة بن بويه على الاهواز بِأَمْر اخيه عماد الدولة وَكَانَ بجكم التركي بِخِدْمَة ابْن رائق فسعى ابْن مقلة عِنْد الراضي فِي الْقَبْض على ابْن رائق وامامة بجكم مقَامه فَفطن ابْن رائق فَقَامَ عَلَيْهِ عِنْد الراضي حَتَّى قطع يَده فِي نصف شَوَّال سنة سِتّ وَعشْرين وثلاثمائة واجيبت دَعْوَة ابْن شنبوذ المقرىء فِيهِ
وَكَانَ يشد الْقَلَم على يَده المقطوعة وَيكْتب ثمَّ بلغ ابْن رائق انه يسْعَى فِي الوزارة بعد ذَلِك وانه يَدْعُو عَلَيْهِ وعَلى الراضي فَقطع لِسَانه وضيق عَلَيْهِ فِي الْحَبْس ولحقه ذرب وَلم يكن عِنْده من يَخْدمه فَكَانَ يَسْتَقِي المَاء فِي الْبِئْر بِيَدِهِ السليمة ويضبط الْحَبل بِفِيهِ وَلم
(1/288)

يزل على ذَلِك حَتَّى مَاتَ فِي الْحَبْس فِي شَوَّال سنة ثَمَان وَعشْرين وثلاثمائة وَدفن فِي دَار الْخَلِيفَة ثمَّ نبش وَسلم الى اهله فدفنوه فِي دَاره ثمَّ نبش وَنقل الى دَار اخرى
وَمن العجيب انه ولى الوزارة لثَلَاثَة خلفاء المقتدر والقاهر والراضي ووزر ثَلَاث مَرَّات وسافر ثَلَاث سفرات اثْنَتَيْنِ الى شيراز وَوَاحِدَة الى الْموصل وَدفن ثَلَاث مَرَّات على مَا تقدم
وَفِي سنة سِتّ وَعشْرين سَار بجكم التركي من وَاسِط الى بَغْدَاد لقصد ابْن رائق امير الجيوش بهَا فهرب ابْن رائق واختفى وَدخل بجكم الى بَغْدَاد فَخلع عَلَيْهِ الراضي وَعقد لَهُ لِوَاء وَجعله امير الامراء ثمَّ ظهر ابْن رائق بعد ذَلِك فقلده الراضي بموافقة بجكم حران والرها وقنسرين والعواصم فَسَار اليها وَاسْتولى عَلَيْهَا
وَفِي ايامه ظهر مُحَمَّد بن عَليّ الشلمغاني وَادّعى امورا مرجعها الى حُلُول (78 أ) الالهية وَالْقَوْل بالتناسخ والتشييع وان ذَلِك ادى بِهِ الى دَعْوَى الالهية وَاتبعهُ
(1/289)

جمَاعَة عون وَابْن عَبدُوس وَقَالَهُ بالهيته فَقبض عَلَيْهِ وعَلى صَاحِبيهِ الْمَذْكُورين واتى بهم الى الراضي فَأمر صَاحِبيهِ بصفعه فامتنعا فأكرها على ذَلِك فصفعه ابْن عَبدُوس وَمد ابْن عون يَده ليصفعه فارتعدت يَده فَقبل لحيته وَرَأسه وَقَالَ الهي وسيدي وزارق فَأمر الراضي بِابْن الشلمغاني وَابْن عون فصلبا حيين واحرقا بالنَّار
وَفِي ايامه فتحت جنوة وَغَيرهَا على يَد الْقَائِم الْعلوِي صَاحب افريقية وَالْمغْرب الاقصى
وَفِي ايامه لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة خلت من ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاث وَعشْرين وثلاثمائة انْقَضتْ النُّجُوم فِي هَذِه اللَّيْلَة من اول اللَّيْل الى اخره انقضاضا لم يعْهَد مثله
وَفِي سنة تسع وَعشْرين وثلاثمائة وَقع فِي مصر وباء عَظِيم وَاسْتمرّ الى سنة احدى وَثَلَاثِينَ
ولايات الامصار فِي خِلَافَته
كَانَت مصر بيد ابي الْقَاسِم الاخشيد فَبَقيَ الى مَا بعد خلَافَة الراضي
(1/290)

وَكَانَ على دمشق احْمَد بن كيغلغ نِيَابَة عَن الاخشيد صَاحب مصر فاستولى ابْن رائق فِي سنة ثَمَان وَعشْرين عَلَيْهَا وعَلى حمص وطرد نَائِب الاخشيد واستقرت مصر للاخشيد وَالشَّام لِابْنِ رائق واستخلف ابْن رائق على الشَّام ابا الْحُسَيْن احْمَد بن عَليّ بن مقَاتل فِي سنة تسع وَعشْرين وثلاثمائة فَبَقيَ الى مَا بعد خلَافَة المتقي
وَكَانَ على حلب بدر الاخشيدي نيباة عَن الاخشيد فَبَقيَ الى مَا بعد خلَافَة المتقي
وَكَانَ الْبَصْرَة فِي يَد ابْن رائق مُضَافا الى نظره فِي بَغْدَاد واعمالها
وخوزستان فِي يَد البريدي
وَفَارِس فِي يَد عماد الدولة بن بويه
وكرمان فِي يَد (78 ب) ابي عَليّ بن الياس
والري واصفهان والجبل وَهُوَ عراق الْعَجم فِي يَد ركن الدولة بَين بويه وشمكير بن زِيَاد يتنازعانها
(1/291)

والموصل وديار ربيعَة وديار بكر فِي يَد بني حمدَان وَكَانَ الْيمن بيد بني زِيَاد
وَكَانَ من وَرَاء النَّهر وخراسان بيد ابي الْحسن نصر بن احْمَد الساماني فَبَقيَ الى مَا بعد خلَافَة الراضي
وَكَانَت طبرستان وجرجان فِي يَد الديلم
والبحرين واليمامة فِي يَد ابي طَاهِر القرمطي
وَكَانَ افريقية والغرب الاقصى فِي يَد عبيد الله الْمهْدي الى ان توفّي فِي شهر ربيع الاول سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وثلاثمائة وَولى بعده ابْنه الْقَائِم بِأَمْر الله ابو الْقَاسِم مُحَمَّد الْمُقدم ذكره فَبَقيَ الى مَا بعد خلَافَة الراضي
وَكَانَ على لَا الاندلس عبد الرَّحْمَن الاموي فَبَقيَ الى مَا بعد خلَافَة الراضي
الْحَادِي وَالْعشْرُونَ من خلفاء بن الْعَبَّاس
المتقي لله
وَهُوَ ابو اسحاق ابراهيم بن المقتدر الْمُقدم ذكره وامه
(1/292)

ام ولد اسْمهَا خلوب وَقيل زهرَة وَكَانَ ابيض اشهل الْعَينَيْنِ اشقر الشّعْر
بُويِعَ لَهُ بالخلافة يَوْم الاربعاء لعشر بَقينَ من شهر ربيع الاول سنة تسع وَعشْرين وثلاثمائة بِاتِّفَاق ابي عبد الله الْكُوفِي كَاتب بجكم وابي الْقَاسِم سُلَيْمَان بن الْحسن وَزِير الراضي وَغَيرهم وبجكم اذ ذَاك غَائِب بواسط وَعرضت عَلَيْهِ القاب من الاب الحلفاء فَاخْتَارَ مِنْهَا المتقي لله فلقب بِهِ وَكَانَ نقش خَاتمه المتقي لله وَبَقِي حَتَّى قبض عَلَيْهِ وسملت عَيناهُ يَوْم السبت لعشر بَقينَ من صفر سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة فَكَانَت مُدَّة خِلَافَته ثَلَاث سِنِين وَخَمْسَة اشهر وَعشْرين يَوْمًا ثمَّ مَاتَ بعد ذَلِك فِي خلَافَة الْمُطِيع (79 أ) فِي سنة سبع وَخمسين وثلاثمائة وعمره سِتُّونَ سنة وَكَانَ لَهُ من الاولاد ابو مَنْصُور ولى عَهده
(1/293)

الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
لما بُويِعَ بعث الى بجكم وَهُوَ بواسط فَحَضَرَ فبقاه على امرة الامراء واقر سُلَيْمَان بن الْحسن وَزِير الراضي على الوزارة وَلَيْسَ لَهُ من الوزارة سوى اسْمهَا والامر فِي ذَلِك للكوفي كَاتب بجكم فَفِي ذَلِك قيل ... وَزِير رَضِي من بأسه وانتقامه ... بطىء رقاع حشوها النّظم والنشر ... كَمَا تسجع الورقاء وَهِي حمامة ... وَلَيْسَ لَهَا نهى يطاع وَلَا امْر ...

وَبَقِي الامر على ذَلِك الى ان خرج بجكم لقِتَال البريدي فَمر بأكراد فطمعت نَفسه فِي مَالهم فقصدهم فَفرُّوا من بَين يَدَيْهِ فَتَبِعهُمْ وطعنه صبي من الاكراد بِرُمْح فِي خاصرته طعنة مَاتَ مِنْهَا فَلَمَّا بلغ المتقي قَتله استولى على دَاره واخذ مِنْهَا اموالا جمة وجد اكثرها مَدْفُونا وَكَانَت مُدَّة امارة بجكم سنتَيْن وَثَمَانِية
(1/294)

اشهر واياما وَلما قتل بجكم قدم البريدي بَغْدَاد وَاسْتولى على الامر اياما ثمَّ اخرجه الْعَامَّة مِنْهَا لسوء سيرته وَاسْتولى على الامر بعده كورتكين مُدَّة طَوِيلَة وَسَار ابْن رائق بعد استخلافه على دمشق حَتَّى دخل بَغْدَاد فغلب كورتكين على الامر وحبسه وقلد المتقي ابْن رائق امرة الامراء وطوق وسور ثمَّ عَاد البريدي الى بَغْدَاد فِي سنة ثَلَاثِينَ وثلاثمائة وَاسْتولى عَلَيْهَا ونهبها وهرب المتقي وَابْن رائق الى جِهَة الْموصل لناصر الدولة يستمدانه فَأكْرم نزلهما ونثر الدَّنَانِير على رَأس ابْن المتقي وَلما قاما للآنصراف امْر نَاصِر الدولة اصحابه بقتل ابْن رائق فَقَتَلُوهُ وَذَلِكَ لسبع بَقينَ من رَجَب سنة ثَلَاثِينَ وثلاثمائة وَسَار نَاصِر الدولة بن حمدَان الى المتقي صُحْبَة ابْنه (79 ب) فَخلع المتقي عَلَيْهِ وَجعله امير الامراء وَسَار المتقي وناصر الدولة الى بَغْدَاد فهرب مِنْهَا البريدي بعد ان اقام بهَا ثَلَاثَة اشهر وَعشْرين يَوْمًا وَدخل المتقي وناصر الدولة الى بَغْدَاد فِي جيوش عَظِيمَة وامر نَاصِر
(1/295)

الدولة باصلاح الدَّنَانِير فاصلحت وَكَانَ كل دِينَار بِعشْرَة دَرَاهِم فَبيع بِثَلَاثَة عشر درهما وَفِي سنة احدى وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة سَار نَاصِر الدولة من بَغْدَاد الى الْموصل فثارت الديلم ونهبت دَار ناصرالدولة وَكَانَ توزون قد خرج من محبسه فقصد بَغْدَاد وَسَار سيف الدولة بن حمدَان اخو نَاصِر الدولة من وَاسِط الى بَغْدَاد فَدفع اليه المتقي اربعمائة الف دِينَار فرقها فِي العساكر لمنع توزون والاتراك عَن بَغْدَاد فَلَمَّا وصل توزون بِمن مَعَه من الاتراك الى بَغْدَاد هرب سيف الدولة عَنْهَا ودخلها توزون فِي الْخَامِس وَالْعِشْرين من رَمَضَان سنة احدى وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة فَخلع المتقي على توزون وَجعله امير الامراء ثمَّ خرج المتقي واهله من بَغْدَاد الى جِهَة الْموصل خوفًا من توزون وَاجْتمعَ بناصر الدولة وَسيف الدولة ابْني حمدَان فأقاموا مُدَّة ثمَّ سَار المتقي الى بَغْدَاد لملاقاته فَلَقِيَهُ بالسندية فَقبل لَهُ الارض وَقبل يَده وركابه ثمَّ قبض عَلَيْهِ بعد ذَلِك وسمل عَيْنَيْهِ يَوْم السبت لعشر بَقينَ من صفر سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة وَسَار بِهِ الى بَغْدَاد وَهُوَ اعمى
(1/296)

وَفِي سنة احدى وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة ارسل ملك الرّوم يطْلب من المتقي منديلا كَانَ بكنيسة الرها تزْعم النَّصَارَى ان الْمَسِيح عَلَيْهِ السَّلَام مسح بِهِ وَجهه فَصَارَ صُورَة وَجهه فِيهِ على ان يُطلق فِي نَظِير ارساله عددا من اسرى الْمُسلمين فَاسْتَشَارَ العماء فِي ذَلِك فَاخْتلف رَأْيهمْ فبعض قَالَ استنقاذ (80 أ) الاسرى اولى من بَقَائِهِ وَبَعض قَالَ فِي دَفعه غض من الاسلام وَقد مرت عَلَيْهِ دهور وَلم يدْفع اليهم ثمَّ ترجح ارساله لاطلاق الاسرى فَبعث بِهِ اليه
وَفِي ايامه وَقع غلاء شَدِيد بالعراق حَتَّى بلغ كرّ الْحِنْطَة مِائَتي دِينَار وَعشرَة دَنَانِير وَخرج الْحَرِيم من قصر الرصافة ينادين الْجُوع الْجُوع
وَفِي خِلَافَته فِي سنة احدى وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة نقص النّيل فِي زمن الاحتراق حَتَّى لم يُوجد فِي المقياس مَا يُقَاس فقيس فِي الجزيرة فَكَانَ ذراعين وَسِتَّة اصابع
ولايات الامصار فِي خِلَافَته
كَانَ على مصر قبله ابو الْقَاسِم الاخشيد فَبَقيَ الى مَا بعد خِلَافَته المتقي
(1/297)

وَكَانَت دمشق بيد ابي الْحُسَيْن احْمَد بن عَليّ بن مقَاتل فانتزعها مِنْهُ ابو الْقَاسِم الاخشيد فَبَقيَ عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَ فِي سنة ارْبَعْ وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة وَالتَّحْقِيق ان دُخُول الوهن على الْخلَافَة من حِين خلَافَة الراضي وتأمير ابْن رائق على الجيوش واشتراكه مَعَ الْخَلِيفَة فِي الدُّعَاء لَهُ على المنابر فَبَقيَ مَعَه الى مَا بعد خلَافَة المتقي
وَكَانَ الْيمن بيد بني زِيَاد
وَكَانَ مَا وَرَاء النَّهر بيد الْخَانِية من مُلُوك التّرْك
وخراسان بيد ابي الْحسن نصر الساماني فَتوفي فِي سنة احدى وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة وَملك بعده ابْنه نوع بن نصر فَبَقيَ الى مَا بعد خلَافَة المتقي
وَكَانَت افريقية والغرب الاقصى بيد الْقَائِم بِأَمْر الله ابْن عبيد الله الفاطمي فَبَقيَ الى مَا بعد خلَافَة المتقي
وَكَانَ عَليّ الاندلس النَّاصِر عبد الرحمن الاموي فَبَقيَ الى مَا بعد خلَافَة المتقي
(1/298)

الثَّانِي وَالْعشْرُونَ من خلفاء بني الْعَبَّاس بالعراق
المستكفي بِاللَّه
وَهُوَ ابو الْقَاسِم عبد الله بن المكتفي بِاللَّه الْمُقدم ذكره وامه (80 ب) ام ولد اسْمهَا غُصْن كَانَ ابيض حسن الْوَجْه قد وخطه الشيب بُويِعَ لَهُ بالخلافة بعد خلع المتقي وامته بَين يَدَيْهِ وتسليمه عَلَيْهِ بالخلافة لعشر بَقينَ من صفر سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة على مَا تقدم ولقب نَفسه آخر السّنة الْمَذْكُورَة امام الْحق وضربه على الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم وَكَانَ نقش خَاتمه المستكفي بِاللَّه بتقي وَبَقِي الى حِين خلعه فِي يَوْم الْخَمِيس لثمان بَقينَ من جمادي الاخرة سنة ارْبَعْ وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة فَكَانَت خِلَافَته الى ان خلع سنة وَاحِدَة واربعة اشهر واقام بعد ذَلِك فِي دَار السُّلْطَان الى ان توفّي فِي ربيع الاخر سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة وعمره سِتّ واربعون سنة واشهر
الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
لما ولى الْخلَافَة قَامَ بتدبير دولته توزون امير الامراء
(1/299)

الْمُقدم ذكره إِلَى أَن توفّي لثمان من الْمحرم سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة وَهُوَ مُسَافر فَكَانَت إمارته سنتَيْن وَأَرْبَعَة أشهر وأياما وَاجْتمعَ الْجَيْش بعده على مُحَمَّد بن يحيى كَاتب توزون وَوصل خبر مَوته إِلَى بَغْدَاد فِي جُمَادَى الأولى الولى سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة فقلد المستكفي أَبَا الْحُسَيْن أَحْمد بن بويه الْإِمَارَة مَكَان توزون ولقبه معز الدولة ولقب أَخَاهُ أَبَا عَليّ الْحسن عليا ركن الدولة وخلع عَلَيْهِم وَأمر أَن تضرب أَسمَاؤُهُم على الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم مَعَ أسم الْخَلِيفَة وهم أول من ضرب اسْمه من مُلُوك الْإِسْلَام على النُّقُود مَعَ اسْم الْخَلِيفَة وَنزل معز الدولة دَار مؤنس الْخَادِم فَنزل أَصْحَابه بدور النَّاس بالقهر وَلم يعْهَد ذَلِك فِيمَا تقدم ورتب معز الدولة للمستكفي (81 أ) فِي كل يَوْم خَمْسَة آلَاف دِرْهَم للنفقات يتسلمها كَاتبه وَذَلِكَ أول مَا رتب للخليفة مَعْلُوم لَهُ لَا يتعداه ثمَّ إِن قهرمانة للمستكفي اسْمهَا علم صنعت دَعْوَة وأحضرت جمَاعَة من الديلم فَركب إِلَى دَار
(1/300)

السُّلْطَان فِي يَوْم الْخَمِيس لثمان بَقينَ من جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة بِسَبَب وُصُول خُرَاسَان فأجلس الْخَلِيفَة معز الدولة على كرْسِي وَيُقَال إِنَّه رجلَانِ من الديلم فمدا إِلَيْهِ أَيْدِيهِمَا فَظن أَنَّهُمَا يُريدَان تَقْبِيل يَده فَمدَّهَا لَهما فجذباه لَهما فجذباه وَجعلا عمَامَته فِي عُنُقه وسحباه بهَا وَقَامَ معز الدولة وَقبض الديلم على القهرمانة وسيق المستكفي إِلَى دَار معز الدولة مَاشِيا ونهبت دَار الْخلَافَة ثمَّ أحضر الْمُطِيع الْآتِي ذكره إِلَى معز الدولة وأقيم المستكفي بَين يَدَيْهِ وَسلم عَلَيْهِ بالخلافة وَأشْهد على نَفسه بِالْخلْعِ وسلمت عَيناهُ وَلم أَقف لَهُ على ذكر أَوْلَاده
ولايات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته
كَانَ على مصر قبله أَبُو الْقَاسِم الإخشيد فَتوفي فِي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَملك بعده ابْنه أنوجور بن الإخشيد وَهُوَ صَغِير وَقَامَ بتدبير دولته كافور الإخشيدي الْخَادِم
(1/301)

وَكَانَت دمشق بيد الإخشيد أَيْضا فملكها بعده ابْنه أنوجور الْمَذْكُور فِي تَدْبِير كافور الْمُقدم ذكره فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة المستكفي
وَكَانَت حلب مَعَ أنوجور الْمَذْكُور ونائبه فِيهَا بدر الإخشيدي فانتزعها مِنْهُ سيف الدولة حمدَان أَيْضا فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة وبقى بهَا حَتَّى توفّي فِي سنة سِتّ وَخمسين وثلاثمائة
وَكَانَ الْيمن مَعَ بني زِيَاد
وَكَانَ مَا وَرَاء النَّهر وخراسان بيد نوح بن (81 ب) نصر الساماني فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة المستكفي
وَكَانَ على إفريقية والغرب الْأَقْصَى الْقَائِم بِأَمْر الله الْعلوِي فَتوفي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة وَقد عهد إِلَى إبنه الْمَنْصُور بِاللَّه إِسْمَاعِيل فَقَامَ بِالْأَمر بعده وبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة المستكفي
وَكَانَ على الأندلس النَّاصِر عبد الرَّحْمَن الْأمَوِي فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة المستكفي
(1/302)

الثَّالِث وَالْعشْرُونَ من خلفاء بني الْعَبَّاس بالعراق
الْمُطِيع لله
وَهُوَ أَبُو الْعَبَّاس الْفضل بن المقتدر الْمُقدم ذكره
وَأمه أم ولد اسْمهَا مشغلة ولد فِي ذِي الْقعدَة سنة إِحْدَى وثلاثمائة وَلم اقف على ذكر صفته بُويِعَ لَهُ بالخلافة يَوْم الْخَمِيس ثانى عشر جُمَادَى الآخر سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة وَقيل لثمان بَقينَ مِنْهُ وَلم أَقف على نقش خَاتمه هُوَ وَلَا من بعده من الْخُلَفَاء وبقى حَتَّى خلع نَفسه فِي ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وثلاثمائة فَكَانَت خِلَافَته إِلَى أَن خلع تسعا وَعشْرين وَخَمْسَة أشهر وَقيل وَأَرْبَعَة وَعشرَة أَيَّام وَتُوفِّي بعد ذَلِك فِي منتصف ذِي الْحجَّة سنة ثَلَاث مستين وثلاثمائة وَكَانَ لَهُ من الْأَوْلَاد أَبُو بكر الطائع الْآتِي ذكره وَعبد الْعَزِيز وجعفر
(1/303)

الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
ولى الْخلَافَة وَقد ازْدَادَ أَمر الْخلَافَة إدبارا وَلم يبْق للخلفاء أَمر نَافِذ وتسلم نواب معز الدولة الْعرَاق بأسره وَلم يبْق فِي يَد الْخَلِيفَة غير مَا أقطعه معز الدولة مِمَّا يقوم بِبَعْض حَاجته وَبَقِي الْأَمر على ذَلِك حَتَّى مَاتَ معز الدولة بن بويه فِي سنة سِتّ وَخمسين وثلاثمائة وقان ابْنه بختيار بِالْأَمر بعده بِعَهْد من أَبِيه ولقب عز الدولة وَاسْتقر فِي أمرة الْأُمَرَاء فأساء السِّيرَة واشتغل باللهو واللعب وَعشرَة النِّسَاء والمغنين وَنفى كبار الدولة وَأخذ إقطاعاتهم وبقى الْأَمر على ذَلِك إِلَى أَن سَار بختيار إِلَى الأهواز فاستخلف سبكتكين التركي عَنهُ بِبَغْدَاد وفتك (82 أ) بختيار بِمن صَحبه من الأتراك فَنَهَضَ سبكتكين وَنهب دَار بختيار بِبَغْدَاد وَاسْتولى على الْأَمر مَكَانَهُ وَقد عجز الْمُطِيع عَن الْحَرَكَة وَالدَّفْع لمَرض بِهِ وَثقل لِسَانه فَدَعَاهُ سبكتكين إِلَى خلع نَفسه من الْخلَافَة وَتَسْلِيم الْأَمر لوَلَده الطائع فَأجَاب إِلَى ذَلِك وخلع نَفسه
(1/304)

وَفِي أَيَّامه فِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة لم يُوجد فِي المقياس مَا يُقَاس حَتَّى قيس فِي بَحر الجزيرة وانْتهى النّيل فِي تِلْكَ السّنة إِلَى خَمْسَة عشر ذِرَاعا فَقَط
وَفِي أَيَّامه كثرت الزلازل فزلزلت الأَرْض فِي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة ثَلَاث مَرَّات ثمَّ فِي سنة أَربع وَأَرْبَعين مرَّتَيْنِ فِي شهر وَاحِد ثمَّ فِي سنة سبع وَأَرْبَعين مرَّتَيْنِ فِي شهر وَاحِد
وَفِي سنة سِتّ وَخمسين انْتَهَت زِيَادَة النّيل إِلَى اثنى عشر ذِرَاعا وَخَمْسَة عشر أصبعا وَلم يعْهَد مثل ذَلِك وَفِي سنة ثَمَان وَخمسين وَقع بِمصْر غلاء عَظِيم بيع الْقَمْح فِيهَا ويبة بِدِينَار وَنصف وَالْخبْز رَطْل بِدِرْهَمَيْنِ والبيضة بدرهم وَثلث وَفِي أَيَّامه طمع الرّوم فِي بِلَاد الْمُسلمين فقصدوا حلب فِي سنة إِحْدَى وَخمسين وثلاثمائة واستولوا عَلَيْهَا دون قلعتها وَأخذُوا مِنْهَا أَمْوَالًا عَظِيمَة لسيف الدولة
وَفِي سنة أَربع وَخمسين وثلاثمائة فتح المصيصة وطرسوس وَقتل وَأسر
وَفِي سنة خمس وَخمسين وصل الرّوم إِلَى آمد ونصيبين
(1/305)

وإنطاكية وطرسوس وعثوا فَسَادًا 4
وَفِي سنة ثَمَان وَخمسين ملكوا إنطاكية وحصروا حلب حَتَّى صالحوهم عَن حلب وَمَا مَعهَا من الْبِلَاد وَهِي حماة وحمص وَكفر طَابَ والمعرة وفاميه وشيرز وَمَا بَين ذَلِك فِي سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وصلت الرّوم إِلَى الجزيرة والرها ونصيبين وَقتلُوا وَسبوا وَذهب النَّاس إِلَى بَغْدَاد مستغيثين بختيار فَطلب من الْخَلِيفَة مَالا يَسْتَعِين بِهِ على الْغُزَاة فَبَاعَ قماشا بِأَرْبَع مائَة ألف دِرْهَم (82 ب) وأوصلها إِلَيْهِ فصرفها فِي مصَالح نَفسه وَترك أَمر الْغُزَاة
ولايات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته
كَانَت مصر بيد الإخشيد فَتوفي فِي ذى الْحجَّة سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة وتقلد ابْنه أنوجور وَمَعْنَاهُ مَحْمُود وَغلب كافور الإخشيدي الْخَادِم على أمره وَقَامَ بتدبير دولته ثمَّ مَاتَ أنوجور فِي ذِي الْقعدَة سنة تسع وَأَرْبَعين وثلاثمائة وَقَامَ أَخُوهُ على الْأَمر بعده ثمَّ مَاتَ عَليّ بن الإخشيد فِي الْمحرم سنة خمسين وثلاثمائة
(1/306)

فوليها بعده كافور الإخشيدي الْمُقدم ذكره وَكَانَ يدعى لَهُ على المنابر بِمصْر وَالشَّام والحجاز ثمَّ جلب إِلَيْهِ الزَّكَاة فَقَالَ اصرفوها من أَيْدِيكُم فَلم يَجدوا من يقبلهَا فَقَالَ ابنو بهَا الْمَسَاجِد وأجروا لَهَا الأرزاق فَفَعَلُوا وبقى إِلَى أَن مَاتَ فِي جُمَادَى الأولى سنة سِتّ وَخمسين وثلاثمائة فعقد الْأَمر لأبي الفوارس أَحْمد ابْن عَليّ بن عبيد الله بن طغج خَلِيفَته بهَا ثمَّ دخل جَوْهَر قَائِد الْمعز الفاطمي إِلَى مصر يَوْم الثُّلَاثَاء لست عشرَة لَيْلَة خلت من شعْبَان سنة ثَمَان وَخمسين وثلاثمائة وَاسْتولى عَلَيْهَا وَأذن بحى على خير الْعَمَل وَقطع الْخطْبَة للعباسيين وخطب بالجامع الْعَتِيق بالفسطاط لمولاة الْمعز واختط الْقَاهِرَة وَبنى قصر الْخلَافَة بوسطها حَيْثُ دَار الضَّرْب الْآن وَمَا حولهَا من الْمدرسَة الصالحية ومشهد الْحُسَيْن والبيمارستان الْعَتِيق وَمَا جاور ذَلِك ثمَّ وصل الْمعز إِلَى الديار المصرية وَدخل الْقَاهِرَة فِي سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وثلاثمائة واستخلف على بِلَاد إفريقية بلكين بن زيري
(1/307)

وَكَانَت دمشق بيد الإخشيد (83 أ) أَيْضا فوليها بعد وَفَاته ابْنه أنوجور وَقَامَ بتدبير دولته كافور الإخشيدي على مَا تقدم ذكره ثمَّ إنتزعها مِنْهُ سيف الدولة بن حمدَان صَاحب حلب ثمَّ إنتزعها مِنْهُ كافور الإخشيدي ثَانِيًا وَولى عَلَيْهَا بَدْرًا الإخشيدي الَّذِي كَانَ عَلَيْهَا أَولا فَأَقَامَ بهَا سنة ثمَّ وَليهَا أَبُو المظفر بن طغج ثمَّ لما مَاتَ أنوجور ملكهَا مَعَ مصر أَخُو عَليّ ابْن الإخشيد ثمَّ كافور بعده ثمَّ أَحْمد بن عَليّ ابْن الإخشيد وَهُوَ آخر من ملكهَا مِنْهُم ثمَّ كَانَت الدولة الفاطمية عنددخول جَوْهَر الْقَائِد إِلَى مصر فِي سنة ثَمَان وَخمسين وثلاثمائة وَأقَام بهَا جَعْفَر بن فلاح نَائِبا ثمَّ غلبت القرامطة عَلَيْهَا فِي سنة سِتِّينَ وثلاثمائة ثمَّ ملكهَا الْمعز معد بن تَمِيم العبيدي من القرامطة وَولى عَلَيْهَا رَيَّان الْخَادِم وبقى الْمعز إِلَى مَا بعد خلَافَة المستكفي
وَكَانَت حلب بيد سيف الدولة بن حمدَان فبقى بهَا حَتَّى توفّي سنة سِتّ وَخمسين وثلاثمائة وملكها بعده ابْنه سعد الدولة أَبُو الْمَعَالِي شرِيف ثمَّ إنتزعها مِنْهُ
(1/308)

قرعويه غُلَام أَبِيه فِي سنة ثَمَان وَخمسين وثلاثمائة فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الْمُطِيع
وخطب بِمَكَّة لمعز الدولة بن بويه مَعَ الْخَلِيفَة فِي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة وَكَانَ الْحَج قد تعطل بِسَبَب القرامطة على مَا تقدم فبرز أَمر الْمَنْصُور بن الْقَائِم الفاطمي صَاحب إفريقية لِأَحْمَد بن أبي سعيد أَمِير القرامطة بعد موت أبي طَاهِر القرمطي برد الْحجر الْأسود إِلَى مَكَانَهُ فَرده فِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة وخطب لِابْنِ بويه واتصلت وُفُود الْحَج من يَوْمئِذٍ وَفِي سنة ثَلَاث وَخمسين خطب بِمَكَّة مَعَ مُطِيع وَفِي سنة سِتّ وَخمسين وثلاثمائة خطب بِمَكَّة لبختيار بن معز الدولة بعد موت أَبِيه ثمَّ سنة سِتِّينَ وثلاثمائة جهز الْمعز الفاطمي (83 ب) عسكرا من إفريقية لإِقَامَة الْخطْبَة لَهُ بِمَكَّة فبادر الْحسن بن جَعْفَر بن الْحسن ابْن سُلَيْمَان السُّلَيْمَانِي من الْمَدِينَة وَملك مَكَّة وخطب لَهُ بهَا وَكتب إِلَيْهِ الْمعز بِالْولَايَةِ وَخرجت مَكَّة عَن العباسيين
(1/309)

وَكَانَ الْيمن بيد بنى زِيَاد
وَكَانَ مَا وَرَاء بيد الْخَانِية مُلُوك التّرْك
وخراسان بيد نوح بن نصر الساماني فَوَلِيه بعده ابْنه مَنْصُور وبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الْمُطِيع
وَكَانَ على إفريقية وبلاد الْمغرب الْمَنْصُور إِسْمَاعِيل بن الْقَائِم الفاطمي فبقى حَتَّى توفّي فِي رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وثلاثمائة وَولى المر بعده ابْنه الْمعز لدين الله معد وانتهت مَمْلَكَته بالغرب إِلَى الْبَحْر الْمُحِيط وَفتح قائده جَوْهَر مصر على مَا تقدم فِي منتصف شعْبَان سنة ثَمَان وَخمسين وثلاثمائة واختط الْقَاهِرَة ثمَّ قدم الْمعز إِلَى مصر وَدخل الْقَاهِرَة لخمس من رَمَضَان سنة ثِنْتَيْنِ وَسِتِّينَ وثلاثمائة واستخلف على إفريقية والغرب بلكين بن زيري وأنزله القيروان وَسَماهُ يُوسُف وكناه أَبَا الْفتُوح وَاجْتمعَ لَهُ ملك وَالشَّام وبلاد الْمغرب فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الْمُطِيع
وَكَانَت تلمسان بيد يعلى بن مُحَمَّد اليفرني ولاها لَهُ النَّاصِر الْأمَوِي فِي سنة أَرْبَعِينَ وثلاثمائة وَتُوفِّي فوليها
(1/310)

بعده مُحَمَّد بن الْخَيْر بن مُحَمَّد بن خزر دَاعِيَة الحكم الْمُسْتَنْصر الْأمَوِي فِي حُدُود سنة سِتِّينَ وثلاثمائة وبقى حَتَّى مَاتَ فِي حَرْب صنهاجة وغلبت صنهاجة على تلمسان فَبَقيت بِأَيْدِيهِم إِلَى مَا بعد خلَافَة الْمُطِيع
وَكَانَ على الأندلس النَّاصِر عبد الرحمن الأموى وَتوفى فِي رَمَضَان سنة خمسين وثلاثمائة وَولى بعده ابْنه الحكم وتلقب الْمُسْتَنْصر فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الْمُطِيع
الرَّابِع وَالْعِشْرين منخلفاء بنى الْعَبَّاس بالعراق
الطائع لله
(84 أ) وَهُوَ أَبُو بكر عبد الكريم بن الْمُطِيع الْمُقدم ذكره وَقد تقدم نسبه
وامه أم ولد اسْمهَا هزار بُويِعَ لَهُ بالخلافة سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وثلاثمائة وبقى حَتَّى خلع نَفسه على مَا سيأتى لعشر بَقينَ من شعْبَان سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وثلاثمائة فَكَانَ مُدَّة خِلَافَته سبع عشرَة سنة وَثَمَانِية أشهر وأياما وبقى بعد خلعه عِنْد الْقَادِر بِاللَّه الاتى ذكره حَتَّى توفى فِي خلَافَة الْقَادِر لَيْلَة الْفطر سنة ثَلَاث وَتِسْعين وثلاثمائة وعمره سِتّ وَسَبْعُونَ سنة
(1/311)

الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
قَالَ الْمُؤَيد صَاحب حماه وَلم يكن للطائع فِي ولَايَته من الحكم مَا يسْتَدلّ بِهِ على حَاله وَلما بُويِعَ بالخلافة انحدر سبكتكتين إِلَى وَاسِط وَتَبعهُ الطائع والمطيع وَهُوَ مخلوع فَمَاتَ الْمُطِيع بدير العاقول وَمرض سبكتكين وَمَات فَحمل إِلَى بَغْدَاد فَدفن بهَا وَقدم عَسْكَر سبكتكين عَلَيْهِم أفتكين أحد قوادهم وَسَار إِلَى وَاسِط وَبهَا بختيار فَجرى بَينهم وَبَين بختيار قتال كَبِير وَبعث بختيار إِلَى ابْن عَمه عضد الدولة بن ركن الدولة صَاحب فَارس يستنجده فَقدم عضد الدولة الْعرَاق وَاسْتولى على بَغْدَاد بعد قتال وَأعَاد الْخَلِيفَة إِلَى دَار الْخلَافَة وَرَأى عضد الدولة عجز بختيار عَن الْقيام بِأَمْر الْجند فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِصَرْف نَفسه عَن الإمرة فَفعل ثمَّ قبض عَلَيْهِ بعد ذَلِك وحبسه واستبد عضد الدولة بِالْأَمر وَأحسن إِلَى الْخَلِيفَة الطائع وعظمه وأتحفه بالأموال وَبلغ الْخَبَر ركن الدولة بن بويه بِفَارِس فَأنْكر على ابْنه عضد الدولة وَأرْسل يتوعده ويهدده بِسَبَب بختيار فَرد عضد الدولة الْأَمر إِلَى بختيار
(1/312)

وخلع عَلَيْهِ وَأَعَادَهُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ وَسَار عَنهُ إِلَى فَارس مَوضِع ملك أَبِيه ركن الدولة وبقى الْأَمر (84 ب) على ذَلِك حَتَّى مَاتَ ركن الدولة فِي سنة سِتّ وَسِتِّينَ وثلاثمائة واستخلف على ملكه ابْنه عضد الدولة بعد أَن عقد لِابْنِهِ فَخر الدولة على همذان وأعمال الْجَبَل ولابنه مؤيد الدولة على أصفهان وأعمالها وجعلهما تَحت حكم أخيهما عضد الدولة فِي هَذِه الْبِلَاد وَسَار عضد الدولة بعد وَفَاة أَبِيه إِلَى الْعرَاق فَدخل بَغْدَاد وَقد خرج عَنْهَا بختيار إِلَى جِهَة الشَّام ثمَّ عَاد إِلَى بَغْدَاد لقِتَال عضد الدولة فَقبض عضد الدولة عَلَيْهِ ثمَّ قَتله وَاسْتقر عضد الدولة فِي تَدْبِير أُمُور الْخلَافَة بِبَغْدَاد وبقى إِلَى أَن مَاتَ سنة ثَلَاث وَسبعين وثلاثمائة فَكَانَت ولَايَته بالعراق خمس سِنِين وَسِتَّة أشهر وَهُوَ الذى بنى سور الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة على ساكنها أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام وَولى الْأَمر بعده ابْنه صمصام الدولة أَبُو كاليجار بن عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه ثمَّ سمل وَكَانَ اخوه شرف الدولة بن عضد الدولة بكرمان فَلَمَّا بلغه موت أَبِيه سَار إِلَى فَارس وملكها وَقطع خطْبَة أَخِيه صمصام الدولة وَلم
(1/313)

بك إِلَّا مَا كشفت عَنَّا فَقبض على عِيسَى النصرانى فصادره وعزل ميسا عَن الشَّام
وَكَانَ على دمشق رَيَّان خَادِم الْمعز الفاطمى نِيَابَة عَنهُ ثمَّ غلب عَلَيْهَا أفتكين مولى معز الدولة بن بويه الديلمى وَقطع الْخطْبَة بهَا للمعز الفاطمى وخطب للطائع العباسي فِي سنة أَربع وَسِتِّينَ وثلاثمائة ثمَّ انتزعها مِنْهُ الْمعز الفاطمى بعد ذَلِك وَقبض عَلَيْهِ بعد قتال جرى بَينهمَا وأحضره مَعَه إِلَى مصر وأنزله هُوَ وَمن مَعَه من الديلم دَاخل بابى زويله على الْقرب من (85 ب) حارة الديلم فسميت بهم حارة الديلم إِلَى الان ثمَّ بعد موت الْمعز وَولَايَة ابْنه الْعَزِيز تغلب عَلَيْهَا شخص اسْمه قسام وَكَانَ يخْطب بهَا للعزيز الفاطمى ثمَّ انتزعها الْعَزِيز من قسام وَقرر فِيهَا بكتكين فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وثلاثمائة ثمَّ انتزعها مِنْهُ بكجور مولى قرعويه صَاحب حلب بِأَمْر الْعَزِيز الفاطمى سنة ثَلَاث وَسبعين وثلاثمائة
(1/316)

فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الطائع
وَكَانَت حلب بيد قرعويه غُلَام سيف الدولة بن حمدَان فغلب عَلَيْهَا بكجور غُلَام قرعويه الْمَذْكُور واقتلعها مِنْهُ ثمَّ انتزعها مِنْهُ سعد الدولة بن سيف الدولة بن حمدَان فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الطائع
وَكَانَ على مَكَّة الْحسن بن جَعْفَر السليمانى فَمَاتَ فولى عَلَيْهَا أَخُوهُ عِيسَى وبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الطائع
وَكَانَ على الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة أَبُو الْحُسَيْن طَاهِر من ولد مُسلم بن طَاهِر بن الْحسن الحسينى فبقى بهَا إِلَى مَا بعد خلَافَة الطائع
وَكَانَ الْيمن بيد بنى زِيَاد
وَكَانَ مَا وَرَاء النَّهر بيد الخانيه من مُلُوك التّرْك
وخرسان بيد مَنْصُور بن نوح فَمَاتَ فِي سنة سِتّ وَسِتِّينَ وثلاثمائة وَولى بعده ابْنه نوح بن مَنْصُور فبقى إِلَى مَا بعد الطائع
(1/317)

الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
لما اسْتَقر فِي الْخلَافَة وَسَار من البطائح إِلَى بَغْدَاد وَصله مهذب الدولة صَاحب البطائح بأموال جمة وَقَامَ بتدبير دولته بهاء الدولة بن عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه إِلَى أَن توفى بأرجان وَقد ملك الْعرَاق فِي سنة ثَلَاث وَأَرْبَعمِائَة وَكَانَ مُدَّة ملكه أَربع وَعِشْرُونَ سنة وَولى بعده بَغْدَاد وَمَا مَعهَا ابْنه (86 ب) سُلْطَان الدولة أَبُو شُجَاع إِلَى أَن تشغب عَلَيْهِ الْجند فِي سنة إِحْدَى عشرَة وَأَرْبَعمِائَة فاستخلف على الْعرَاق أَخَاهُ مشرف الدولة وَسَار إِلَى الأهواز ثمَّ بدا لَهُ فِي صرف أَخِيه مشرف الدولة فَبعث جَيْشًا لقتاله فَكَانَت الكسرة على جَيش سُلْطَان الدولة فَتَضَعَّفْت نَفسه وهرب إِلَى الأهواز فِي فل من النَّاس وبقى مشرف الدولة حَتَّى توفى فِي ربيع الأول سنة سِتّ عشرَة وَأَرْبَعمِائَة فَكَانَت مُدَّة ملكه خمس سِنِين وَعشْرين يَوْمًا وخلت بَغْدَاد من سُلْطَان فتسلط الأتراك على النَّاس بالمصادرات وطمع
(1/320)

أوباش النَّاس فِي رُؤَسَائِهِمْ ثمَّ سَار جلال الدولة بن بهاء الدولة من الْبَصْرَة إِلَى بَغْدَاد باستدعاء الْقَادِر الْخَلِيفَة والجند لَهُ فَخرج الْقَادِر لملتقاه وحلفه واستوثق مِنْهُ وَدخل بَغْدَاد ثَالِث رَمَضَان سنة ثَمَان عشرَة وَأَرْبَعمِائَة وَاسْتقر فِي بَغْدَاد خَاصَّة وَبَاقِي الْأَعْمَال لأبي كاليجار بن سُلْطَان الدولة
وَفِي أَيَّامه فِي سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وثلاثمائة ملك الرّوم مَدِينَة حمص واستولوا عَلَيْهَا وفيهَا حدث بِدِمَشْق زَلْزَلَة عَظِيمَة سقط مِنْهَا زهاء ألف دَار وَمَات تَحت الرَّدْم خلق كثير وخسفت قَرْيَة من قرى بعلبك وَخرج النَّاس من دُورهمْ إِلَى الصحارى وَفِي سنة عشرَة وَأَرْبَعمِائَة سقط بالعراق برد كبار وزن الْبردَة رطلان فَأَقل وأصغرها بِقدر الْبَيْضَة
وَفِي أَيَّامه توفّي الصاحب أَبُو الْقَاسِم بن عباد وَزِير فَخر الدولة بن ركن الدولة بن بويه بِالريِّ وَنقل إِلَى أصفهان فَدفن بهَا وَهُوَ أول من لقب الصاحب من الوزراء وَذَلِكَ أَنه كَانَ يصحب أَبَا الْفضل بن العميد فَقيل لَهُ صَاحب ابْن العميد ثمَّ أطلق عَلَيْهِ هَذَا اللقب
(1/321)

على قَتله فِي الثَّالِث من ذِي الْقعدَة إِحْدَى عشرَة وَأَرْبَعمِائَة وعمره يَوْمئِذٍ سِتّ وَثَلَاثُونَ سنة وَولى بعده ابْنه الظَّاهِر لإعزاز دين الله أَبُو الْحسن عَليّ بن الْحَاكِم الْمُقدم ذكره فِي يَوْم عيد النَّحْر سنة إِحْدَى عشرَة 0 (87 ب) وَأَرْبَعمِائَة فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الْقَادِر
وَكَانَ على دمشق مُنِير الْخَادِم من جِهَة الْعَزِيز الفاطمي فولى عَلَيْهَا الْحَاكِم بن الْعَزِيز أَبَا مُحَمَّد الْأسود فِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين وثلاثمائة فيقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الْقَادِر وأفرط فِي التَّشَيُّع حَتَّى أَنه شهر رجلا مغربيا بهَا ونادى عَلَيْهِ هَذَا جَزَاء من يحب أَبَا بكر وَعمر فَلَا أحسن الله جزاءه
وَكَانَ على حلب سعد الدولة بن سيف الدولة بن حمدَان ثمَّ تقلدها أَبُو عَليّ بن مَرْوَان من الفاطمي خَليفَة مصر فِي سنة ثَمَانِينَ وثلاثمائة وَلم يدخلهَا وَبقيت بيد سعد الدولة
(1/324)

حَتَّى توفّي بالفالج فِي سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وثلاثمائة وَولى بعده ابْنه أَبُو الْفَضَائِل ثمَّ انتزعها مِنْهُ أَبُو نصر بن لُؤْلُؤ وخطب بهَا للْحَاكِم الفاطمي ثمَّ أمره الْحَاكِم بتسليمها الى نوابه فتسلموها مِنْهُ واستقرت بِأَيْدِيهِم حَتَّى وَليهَا مِنْهُم رجل اسْمه عَزِيز الْملك فَبَقيَ بهَا بَقِيَّة ايامه ثمَّ صَارَت إِلَى الظَّاهِر بن الْحَاكِم فوليها عَنهُ ابْن سُفْيَان فَبَقيَ إِلَى مَا بعد خلَافَة الْقَادِر وَكَانَ على الْموصل حسام الدولة الْمُقَلّد بن الْمسيب الْعقيلِيّ وَهُوَ أول من استولى مِنْهُم على الْموصل ملكهَا فِي سنة ثَمَانِينَ وثلاثمائة وبقى حَتَّى قتل فِي سنة إِحْدَى وَتِسْعين وثلاثمائة بعد أَن عظم شَأْنه وَقَامَ مقَامه فِي ذَلِك ابْنه قرواش بن الْمُقَلّد
وَكَانَ على مَكَّة عِيسَى بن جَعْفَر ثمَّ ولى بعده
(1/325)

السُّلَيْمَانِي أَمِير مَكَّة الْمَدِينَة سنة تسعين وثلاثمائة بِأَمْر الْحَاكِم الفاطمي وأزال إمرة بني الْحُسَيْن مِنْهَا وحاول الْحَاكِم الفاطمي نقل الْجَسَد الشريف النَّبَوِيّ إِلَى مصر لَيْلًا فهاجت بهم ريح عَظِيمَة أظلم مِنْهَا الجو وكادت تقلع المباني من أَصْلهَا فردهم أَبُو الْفتُوح عَن ذَلِك وَعَاد إِلَى مَكَّة وَرجع أراء الْمَدِينَة إِلَيْهَا فوليها مِنْهُم هانىء بن دَاوُد بن قَاسم ثمَّ مهنا أَخُوهُ
قَالَ الشريف الْحَرَّانِي النسابة (88 ب) وَكَانَ بهَا فِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعمِائَة أَبُو عمَارَة حَمْزَة وَمُقْتَضى كَلَامهم أَنه بقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الْقَادِر
وَكَانَ على الْيمن من بنى زِيَاد أَبُو الْجَيْش بن إِبْرَاهِيم فبقى حَتَّى توفّي سنة إِحْدَى وَتِسْعين وثلاثمائة وَخلف طفْلا كعلته أُخْته هِنْد بنت أبي الْجَيْش مَعَ عبد لِأَبِيهِ أُسَمِّهِ رشد فبقى حَتَّى مَاتَ فَتَوَلّى مَكَانَهُ حُسَيْن بن سَلامَة وَصَارَ وزيرا لهِنْد وأخيها حَتَّى مَاتَا ثمَّ ملكوا
(1/328)

عَلَيْهِم طفْلا اسْمه إِبْرَاهِيم وَقيل عبد الله بن زِيَاد وَقَامَ بأَمْره عمته وَعبد من عبيد حُسَيْن بن سَلامَة أُسَمِّهِ مرجان فَقبض عبد لمرجان اسْمه قيس على الطِّفْل وَعَمَّته فِي سنة سبع وَأَرْبَعمِائَة واستبد بِالْملكِ ثمَّ قتل قيس بزبيد وَملك بعده نجاح عبد مرجان وَعظم شَأْنه وَركب بالمظلة وَضربت السِّكَّة باسمه وبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الْقَادِر
وَكَانَ على خُرَاسَان وَمَا وَرَاء النَّهر نوح بن مَنْصُور الساماني فَمَاتَ فِي سنة سبع وَثَمَانِينَ وثلاثمائة وَقَامَ بِالْأَمر بعده أَبُو الْحَارِث مَنْصُور بن نوح فبقى حَتَّى قبض عَلَيْهِ بكتوزون فِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وثلاثمائة وسمل عَيْنَيْهِ وَأقَام فِي الْملك أَخَاهُ عبد الْملك وَهُوَ صبي صَغِير فَكتب مَحْمُود بن سبكتكين صَاحب غزنة إِلَى بكتوزون يُنكر عَلَيْهِ مَا كَانَ من فعله مَعَ مَنْصُور بن نوح ثمَّ سَار إِلَى خُرَاسَان فاستولى عَلَيْهَا وَقطع خطْبَة السامانية مِنْهَا وَبِذَلِك زَالَت دولتهم من خُرَاسَان وبقى مَا وَرَاء
(1/329)

النَّهر مَعَ عبد الْملك بن نوح وبكتوزون فَسَار إِلَيْهِم أيليك خَان ملك تركستان وَدخل بُخَارى عَاشر ذِي الْقعدَة سنة تسع وَثَمَانِينَ وثلاثمائة وَقبض على عبد الْملك بن نوح وحبسه حَتَّى مَاتَ فِي الْحَبْس وزالت دولة السامانه مِمَّا وَرَاء النَّهر أَيْضا وَكَانَت قد انتشرت وطبقت أَكثر الأَرْض وَكَانَت من أحسن الدول سيرة وعدلا وتوالت (89 أ) عَلَيْهَا أَيدي مُلُوك التركستانية إِلَى أَن غلب عَلَيْهَا ملكشاة السلجوقي على مَا سَيَأْتِي ذكره
وَكَانَت غزنة أَولا مَعَ بنى سامان مَعَ خُرَاسَان فَلم تزل بِأَيْدِيهِم حَتَّى غلب عَلَيْهَا سبكتكين أحد مماليك أبي إِسْحَاق صَاحب جَيش غزنة للسامانية الْمُقدم ذكره فِي سنة سِتّ وَسِتِّينَ وثلاثمائة بعد موت أبي إِسْحَاق الْمَذْكُور وَذَلِكَ ابْتِدَاء ملك سبكتكين ثمَّ مَاتَ وَقَامَ بِالْأَمر بعده ابْنه إِسْمَاعِيل ثمَّ غلب عَلَيْهَا أَخُوهُ مَحْمُود بن سبكتكين واستضاف إِلَيْهَا بعض خُرَاسَان فِي سنة تسع وَثَمَانِينَ وثلاثمائة وَقطع خطْبَة السامانية وبقى حَتَّى توفى سنة
(1/330)

إِحْدَى وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة بعد ان فتح الْكثير من بِلَاد الْهِنْد وأحرق صَنَمهمْ الْأَعْظَم بسومنات وكسره وَحمل بعضه إِلَى غزنة فَجعله عتبَة جَامعهَا وَملك بعده ابْنه مُحَمَّد بن مَحْمُود بِعَهْد من أَبِيه إِلَيْهِ فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الْقَادِر
وَكَانَ على إفريقية الْمَنْصُور بن بلكين من جِهَة الْعَزِيز بن الْمعز الفاطمى وبقى حَتَّى توفى سنة خمس وَثَمَانِينَ وثلاثمائة وَقَامَ بِالْأَمر بعده ابْنه باديس بن الْمَنْصُور وبقى حَتَّى توفى سنة سِتّ وَأَرْبَعمِائَة فَجْأَة وَهُوَ نَائِم بَين أَصْحَابه وَقَامَ بِالْأَمر بعده ابْنه الْمعز بن باديس وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين وَبَقِي إِلَى مَا بعد خلَافَة الْقَادِر فانتحل السّنة ورفض التَّشَيُّع
وَكَانَ بلكين بن زيرى صَاحب إفريقية قد غلب على الغرب الْأَوْسَط فِي سنة تسع وَسِتِّينَ وثلاثمائة وأجلوا عَنهُ
(1/331)

مغراوة الَّذين كَانُوا بِهِ من تقادم السنين وَبعث الْعَزِيز الفاطمى من مصر جَيْشًا لاسترجاع ملكه بالغرب فِي سنة خمس وَسبعين وثلاثمائة فَلم يظفروا بِقصد ثمَّ استولى هِشَام بن الحكم الأموى بالأندلس على بِلَاد الْمغرب وَكتب لَهُ بذلك عهدا وبقى على ذَلِك إِلَى ان مَاتَ فِي سنة سبع عشرَة وَأَرْبَعمِائَة وَولى من بعده (89 ب) ابْن عَمه حمامة بن الْمعز بن عَطِيَّة فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الْقَادِر
وَكَانَت تلمسان من الغرب الْأَوْسَط بيد صنهاجة إِلَى أَن اسْتَقل زيرى بن عَطِيَّة بِولَايَة الْمغرب وطرده الْمَنْصُور بن أبي عَامر من الغرب الْأَقْصَى فَصَارَ إِلَى تلمسان وَاسْتولى عَلَيْهَا ثمَّ عقد المظفر الأموى صَاحب الأندلس على بِلَاد الْمغرب للمعز بن زيرى سنة سِتّ وَتِسْعين وثلاثمائة
(1/332)

فَاسْتعْمل على تلمسان ابْنه يعلى واستقرت ولايتها فِي بنى زيرى إِلَى حِين انْقِرَاض دولتهم بلمتونة فِي أَيَّام أَمِير الْمُسلمين يُوسُف بن تاشفين
وَكَانَ على الأندلس الْمُؤَيد هِشَام فبقى إِلَى سنة تسع وَتِسْعين وثلاثمائة ثمَّ غَلبه على ذَلِك مُحَمَّد بن هِشَام بن عبد الْجَبَّار بن عبد الرَّحْمَن النَّاصِر الْمُقدم ذكره وتلقب بالمهدى فِي جُمَادَى الْآخِرَة من هَذِه السّنة ثمَّ غلب عَلَيْهِ سُلَيْمَان بن الحكم بن سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن النَّاصِر الْمُقدم ذكره فِي شَوَّال مِنْهَا ثمَّ غلب عَلَيْهِ المهدى مُحَمَّد بن هِشَام ثمَّ عَاد هِشَام بن الحكم الْمُقدم ذكره فِي ذى الْحجَّة من السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ عَاد سُلَيْمَان بن الحكم الْمُقدم الذّكر فِي منتصف شَوَّال سنة ثَلَاث وَأَرْبَعمِائَة وتلقب بالمستعين ثمَّ غلب عَلَيْهِ المهدى مُحَمَّد بن هِشَام الْمُتَقَدّم الذّكر فِي أخريات السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ غلب المستعين على قرطبة ثمَّ قتل المهدى مُحَمَّد بن هِشَام الْمَذْكُور وَعَاد الْمُؤَيد هِشَام هَذَا والمستعين فِي ذَلِك كُله محاصر قرطبة إِلَى أَن فتحهَا فِي سنة ثَلَاث وَأَرْبَعمِائَة وَقتل الْمُؤَيد هشاما ثمَّ غَلبه
(1/333)

عَليّ بن مَحْمُود وَأَخُوهُ قَاسم من الأدارسة على قرطبة وملوكها وَقتلُوا المستعين وأزالوا ملك بنى أُميَّة من الأندلس فِي سنة سبع وَأَرْبَعمِائَة واتصل ذَلِك فِي خلف الأدارسة سبع سِنِين ثمَّ غلب على عَليّ بن حمود عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبد الْملك بن النَّاصِر ثمَّ (90 أ) رَجَعَ الْأَمر إِلَى يحيى بن عَليّ بن حمود سنة سِتّ عشرَة وَأَرْبَعمِائَة ثمَّ بُويِعَ المعتد بِاللَّه هِشَام بن مُحَمَّد أخى المرتضى الأموى سنة ثَمَان عشرَة وَأَرْبَعمِائَة فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الْقَادِر
السَّادِس وَالْعِشْرين من خلفاء بنى الْعَبَّاس بالعراق
الْقَائِم بِأَمْر الله
وَهُوَ أَبُو جَعْفَر عبد الله بن الْقَادِر بِاللَّه الْمُقدم ذكرة
وَأمه أم ولد اسْمهَا بدر الدجى وولادته سنة سبع وَثَمَانِينَ وثلاثمائة بُويِعَ لَهُ بالخلافة عقب موت أَبِيه الْقَادِر فِي ذى الْحجَّة سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة
(1/334)

وَأرْسل أقضى الْقُضَاة أَبَا الْحسن الماوردى الشافعى إِلَى الْملك أبي كاليجار الْمَرْزُبَان بن سُلْطَان الدولة بِفَارِس وَمَا مَعهَا فَأخذ لَهُ الْبيعَة عَلَيْهِ وخطب لَهُ فِي بِلَاده وبقى حَتَّى توفى لَيْلَة الْخَمِيس ثَالِث عشر شعْبَان سنة سبع وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة وعمره سِتّ وَسَبْعُونَ سنة وَثَلَاثَة أشهر وَأَيَّام وَكَانَ سَبَب مَوته فِيمَا ذكر أَنه أَصَابَهُ ماشر فافتصد فانفجرت فصادته وهونائم فَخرج مِنْهُ دم كثير وَهُوَ لَا يشْعر فَاسْتَيْقَظَ وَقد سَقَطت قوته فأحضر وزيره ابْن جهير والقضاة وأشهدهم قوته فأحضر وزيره ابْن جهير والقضاة وأشهدهم أَنه جعل ابْن ابْنه عبد الله ابْن ذخيرة الدّين مُحَمَّد بن الْقَائِم بامر الله ولى عَهده وَمَات وَمُدَّة خِلَافَته أَربع وَأَرْبَعُونَ سنة وَثَمَانِية أشهر وَخَمْسَة وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَلم يكن لَهُ عقب غير ابْن ابْنه الْمَذْكُور
الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
لما ولى الْخلَافَة قَامَ بتدبير دولته جلال الدولة بن بهاء الدولة بن بويه الديلمى وتشغبت عَلَيْهِ الْجند بِبَغْدَاد فِي
(1/335)

سنة ثَلَاث وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة ونهبوا دَاره (90 ب) وأخرجوه من بَغْدَاد وَكَتَبُوا إِلَى الْملك أبي كالجيار يستدعونه إِلَى بَغْدَاد ثمَّ وَقع الإتفاق بَين جلال الدولة والجند وَعَاد جلال الدولة إِلَى بَغْدَاد وَفِي سنة سِتّ وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة انحل أَمر الْخلَافَة والسلطنة بِبَغْدَاد وَعظم أَمر العيارين وصاروا يَأْخُذُونَ أَمْوَال النَّاس لَيْلًا وَنَهَارًا وَلَا مَانع لَهُم وَالسُّلْطَان جلال الدولة عَاجز عَن دفعهم وانتشرت الْعَرَب فِي النواحى فنهبوا الْبِلَاد وَقَطعُوا الطّرق ثمَّ وَقعت الوحشة بَين جلال الدولة وَبَين الْقَائِم بِأَمْر الله الْخَلِيفَة فِي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة بِسَبَب أَن الجوالى كَانَت تجبى وَتحمل إِلَى الْخَلِيفَة لَا يُعَارضهُ فِيهَا الْمُلُوك فاستولى عَلَيْهَا جلال الدولة فِي هَذِه السّنة ثمَّ توفى جلال الدولة بِبَغْدَاد فِي شعْبَان سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة فَكَانَ ملكه بِبَغْدَاد سِتّ عشرَة سنة وَأحد عشر شهرا وَلما مَاتَ كَانَ ابْنه الْملك الْعَزِيز بواسط فكاتبه الْجند فِي أَمر السلطنة فَلم يجد من يُعينهُ على ذَلِك وَمَات قبل انتظام أمره فكاتب الْملك أَبُو كالجيار الْمَرْزُبَان بن سُلْطَان الدولة بن
(1/336)

ركن الدولة بن بويه صَاحب فَارس وَمَا مَعهَا عَسْكَر بَغْدَاد فِي اسْتِقْرَار السلطنة بِبَغْدَاد لَهُ فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِك وخطب لَهُ بِبَغْدَاد فِي صفر سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة وخطب لَهُ أَيْضا أَبُو الشوك ودبيس بن مزِيد زنصر الدولة بن مَرْوَان ببلادهم ثمَّ سَار أَبُو كاليجار الْمَذْكُور إِلَى بَغْدَاد فَدَخلَهَا فِي رَمَضَان من هَذِه السّنة وَزَيْنَب بَغْدَاد لقدومه ثمَّ توفى أَبُو كالجيار فِي رَابِع جُمَادَى الأولى سنة أَرْبَعِينَ وَأَرْبَعمِائَة بِمَدِينَة جناب من كرمان وعمره أَرْبَعُونَ سنة فَكَانَ ملكه الْعرَاق أَربع سِنِين وشهرين وَلما وصل خبر وَفَاة أبي كالجيار إِلَى بَغْدَاد (91 أ) وَبهَا وَلَده الْملك الرَّحِيم جمع الْجند واستحلفهم وَاسْتولى على بَغْدَاد ثمَّ أرسل الْملك الرَّحِيم عسكرا إِلَى شيراز قَاعِدَة فَارس فقبضوا على أَخِيه أبي الْمَنْصُور الْقَائِم مقَام أَبِيه بِفَارِس فِي شَوَّال من هَذِه السّنة وخطب للْملك الرَّحِيم بشيراز ثمَّ سَار الْملك الرَّحِيم من بَغْدَاد إِلَى خوزستان فَلَقِيَهُ من بهَا الْجند وأطاعوه ثمَّ سَار طغرلبك بن دَاوُد بن مِيكَائِيل بن سلجوق السلجوقى نَحْو بَغْدَاد حَتَّى وصل حلوان فَعظم الإرجاف بِبَغْدَاد وَبعث قواد بَغْدَاد
(1/337)

يبذلون لَهُ الطَّاعَة وَأَن يخطبوا لَهُ فأجابهم طغرلبك إِلَى ذَلِك وَتقدم الْقَائِم الْخَلِيفَة بذلك فَخَطب لَهُ بجوامع بَغْدَاد لثمان بَقينَ من شهر رَمَضَان سنة سبع وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة ثمَّ أرسل طغرلبك يسْتَأْذن الْخَلِيفَة فِي دُخُول بَغْدَاد فتوجهت إِلَيْهِ رسل الْخَلِيفَة وحلفوه للخليفة وللملك الرَّحِيم الْمُقدم ذكره فَحلف لَهما وَسَار طغرلبك حَتَّى دخل بَغْدَاد فنزلها وَاتفقَ أَن بعض عَسْكَر طغرلبك وَقع بَينه وَبَين السوقة فتْنَة فثار أهل تِلْكَ الْمحلة على من فِيهَا من عَسْكَر طغرلبك ونهبوهم وثارت الْفِتْنَة بَين الْعَامَّة وعسكر طغرلبك واتهم طغرلبك الْملك الرَّحِيم فِي أَنه السَّبَب فِي تِلْكَ الْفِتْنَة فالتمس حُضُوره من الْخَلِيفَة فَخرج إِلَيْهِ هُوَ وأعيان القواد فَقبض طغرلبك على الْملك الرَّحِيم وَسَائِر القواد الَّذين مَعَه فَعظم ذَلِك على الْخَلِيفَة وَبعث إِلَى طغرلبك فِي أَمرهم فأفرج عَن بعض القواد وَاسْتمرّ بالباقين وبالملك الرَّحِيم فِي الاعتقال
وبالقبض على الْملك الرَّحِيم زَالَ ملك بنى بويه عَن الْعرَاق واستقرت الدولة السلجوقية وَسَار طغرلبك عَن بَغْدَاد فِي عَاشر ذى الْقعدَة سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة بعد أَن
(1/338)

أَقَامَ بِبَغْدَاد ثَلَاثَة عشر شهرا وأياما لم يلق فِيهَا الْخَلِيفَة (91 ب) وَاسْتولى طغرلبك فِي خرجته تِلْكَ على الْموصل وأعمالها ثمَّ عَاد إِلَى بَغْدَاد فِي سنة تسع وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة وَدخل بَغْدَاد وَقصد الِاجْتِمَاع بالخليفة لقائم فَجَلَسَ لَهُ الْخَلِيفَة وَعَلِيهِ الْبردَة على سَرِير عَال عَن الأَرْض نَحْو سَبْعَة أَذْرع فَقبل طغرلبك الأَرْض بَين يدى الْخَلِيفَة وَجلسَ على كرسى ثمَّ قَالَ لَهُ الْخَلِيفَة على لِسَان رَئِيس الرؤساء إِن الْخَلِيفَة قد ولاك جَمِيع مَا ولاه الله تَعَالَى من بِلَاد ورد إِلَيْك مُرَاعَاة عباده فَاتق الله فِيمَا ولاك واعرف نعْمَته عَلَيْك وخلع على طغرلبك واعطى الْعَهْد فَقبل الارض وَيَد الْخَلِيفَة ثَانِيًا وَانْصَرف ثمَّ ارسل طغرلبك الى الْخَلِيفَة خمسين الف دِينَار وَخمسين مَمْلُوكا من الاتراك بخيولهم وسلاحهم مَعَ ثِيَاب وَغَيرهَا ثمَّ سَار طغرلبك من بَغْدَاد الى همذان فِي سنة خمسين واربع مائَة وَتَبعهُ من كَانَ بِبَغْدَاد من الاتراك فقصد ارسلان البساسيري وَهُوَ مَمْلُوك تركي من مماليك بهاء الدولة بن عضد الدولة بن بويه وَمَعَهُ قُرَيْش بن بدران الى بَغْدَاد فَدَخلَهَا ثامن ذِي الْقعدَة من هَذِه السّنة وخطب بِجَامِع
(1/339)

الْمَنْصُور للمستنصر الْعلوِي خَليفَة مصر وامر بِأَن يُؤذن فِيهَا بحى على خير الْعَمَل ثمَّ ركب البساسيري فِي جمع وَنهب الْحَرِيم وَدخل الْبَاب النسوي فَركب الْخَلِيفَة الْقَائِم لابسا السوَاد وعَلى كتفه الْبردَة وَبِيَدِهِ سيف وعَلى رَأسه اللِّوَاء وَحَوله زمرة من العباسيين والخدم بِالسُّيُوفِ المسلولة وسرى النهب الى بَاب الفردوس من دَاره فَلَمَّا رأى الْقَائِم ذَلِك رَجَعَ الْقَهْقَرِي وَدخل المنظرة فَقَالَ رَئِيس الرؤساء لقريس بن بدران امير الْمُؤمنِينَ الْقَائِم يستذم بذمامك وذمام رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وذمام الْعَرَبيَّة على نَفسه وَمَاله وَأَهله وَأَصْحَابه (92 أ) فَأعْطَاهُ قُرَيْش الذمام وَنزل الْخَلِيفَة الى قُرَيْش فَتغير البساسيري لذَلِك وعتب على قُرَيْش ثمَّ اتّفق الْأَمر على ان يسلم رَئِيس الرؤساء الى البساسيري لِأَنَّهُ عدوه وَيبقى الْخَلِيفَة عِنْد قُرَيْش وَحمل قُرَيْش الْخَلِيفَة الى مُعَسْكَره بالبردة والقضيب واللواء ونهبت دَار الْخلَافَة وحريمها اياما ثمَّ بعث بالخليفة مَعَ بني عَمه الى عانة فَنزل بهَا وَسَار اصحاب الْخَلِيفَة الى طغرل وَأقَام البساسيري بعد خُرُوج الْخَلِيفَة الْقَائِم بِبَغْدَاد يحسن الى النَّاس وَيحمل
(1/340)

على رَأسه فِي ركُوبه فِي المواكب الوية الْمُسْتَنْصر خَليفَة مصر وَأرْسل الى الْمُسْتَنْصر يعرفهُ اقامة الْخطْبَة لَهُ بالعراق ثمَّ سَار البساسيري عَن بَغْدَاد الى وَاسِط وَالْبَصْرَة فملكهما ثمَّ عَاد الْخَلِيفَة الْقَائِم الى بَغْدَاد فِي سنة احدى وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وَأرْسل طغرلبك الْخيام الْعَظِيمَة والآلات للقائم الْخَلِيفَة وَسَار مَعَ الْخَلِيفَة حَتَّى دخل دَاره بِبَغْدَاد لخمس بَقينَ من ذى الْقعدَة سنة احدى وَخمسين ثمَّ خرج طغرلبك فِي طلب البساسيري وجهز اليه عسكرا فأدركوه وَجرى بَينهم قتال قتل فِيهِ البساسيري وَحمل رَأسه الى طغرلبك فَبعث بهَا طغرلبك الى دَار الْخلَافَة فعلقت مُقَابل الْبَاب النسوي ثمَّ تزوج طغرلبك بنت الْخَلِيفَة الْقَائِم وَعقد عَلَيْهَا فِي شعْبَان سنة ثَلَاث وَخمسين وَأَرْبع مائَة بتبريز بوكالة من الْخَلِيفَة ثمَّ قدم طغرلبك الى بَغْدَاد وَدخل بابنة الْخَلِيفَة فِي سنة خَمْسَة وَخمسين وَأَرْبع مائَة وثارت الرّعية من عسكره بِسَبَب اخراجهم لَهُم من بُيُوتهم وفسقهم بنسائهم اخذا بِالْيَدِ وَبعد دُخُول طغرلبك بإبنة الْخَلِيفَة سَار من بَغْدَاد الى بِلَاد الْجَبَل وَهِي عراق الْعَجم فَمَرض وَتُوفِّي بِالريِّ فِي
(1/341)

ثامن رَمَضَان سنة خمس وَخمسين وَأَرْبع مائَة وَلم يكن لطغرلبك عقب (92 ب) فاستقرت السطنة بعده لِابْنِ اخيه مُحَمَّد ألب ارسلان بن دَاوُد بن مِيكَائِيل بن سلجوق ثمَّ قتل الب ارسلان الْمَذْكُور غيلَة وَهُوَ فِي مِائَتي الف فَارس فِي عَاشر ربيع الأول سنة خمس وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة وَكَانَ قد اوصى بالسلطنة لِابْنِهِ مكشاه وَهُوَ مَعَه فَعَاد بالعسكر الى خُرَاسَان وَقَامَ بتدبير دولته نظام الْملك وَزِير ابيه فَأحْسن التَّدْبِير وَأرْسل الى بَغْدَاد والأطراف فَخَطب لَهُ بهَا على قَاعِدَة ابيه الب ارسلان وَبَقِي السُّلْطَان ملكشاه فِي السلطنة الى مَا بعد خلَافَة الْقَائِم
وَمن عَجِيب مَا وَقع فِي خِلَافَته مَا حَكَاهُ الشَّيْخ ابو عَليّ ابْن سينا فِي كِتَابه الشِّفَاء انه فِي سنة ثَمَان وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة وَقع بجرجان صَاعِقَة فنشبت فِي الأَرْض ثمَّ نبت نبوة الكرة الَّتِي ترمى بهَا الْحَائِط ثمَّ عَادَتْ فنشبت فِي الأَرْض وَسمع النَّاس لذَلِك صَوتا عَظِيما هائلا فتفقدوا امْرَهْ فظفروا بِهِ فِي صُورَة حَدِيد ملتئم من اجزاء جاوشية مستديرة قد الْتَصق بَعْضهَا بِبَعْض يزن مائَة وَخمسين منا فَحمل الى جرجان فالتمس مِنْهُ مَحْمُود بن سبكتكين
(1/342)

صَاحب خُرَاسَان يَوْمئِذٍ انفاذه اليه ان امكن اَوْ قِطْعَة مِنْهُ فَتعذر نَقله لثقله فحاولوا كسر قِطْعَة مِنْهُ فَلم تعْمل فِيهِ الْآلَات فأعملت الْحِيلَة فِي فصل جُزْء مِنْهُ فأنفذ اليه فرام ان يطبع مِنْهُ سَيْفا فَتعذر عَلَيْهِ
وَفِي سنة سِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة كَانَت بفلسطين ومصر زَلْزَلَة شَدِيدَة طلع فِيهَا المَاء من رُؤُوس الْآبَار وَهلك تَحت الرَّدْم عَالم كثير وَزَالَ الْبَحْر عَن السَّاحِل مسيرَة يَوْم فَنزل النَّاس الى ارْض الْبَحْر يلتقطون فَرجع المَاء عَلَيْهِم وَأهْلك خلقا كثيرا
وَاعْلَم انه لم يكن للقائم عقب سوى ابْن ابْنه عبد الله بن ذخيرة الدّين مُحَمَّد بن الْقَائِم توفّي ابوه فِي حَيَاة جده الْقَائِم وَأمه (93 أ) حَامِل بِهِ فَلَمَّا وَضعته فَرح بِهِ جده الْقَائِم وَعظم سروره فَلَمَّا بلغ جعله ولى عَهده ولقبه ذخيرة الدّين
ولايات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته
كَانَت الديار المصرية بيد الظَّاهِر لإعزاز دين الله بن الْحَاكِم بِأَمْر الله فَبَقيَ حَتَّى توفّي فِي شعْبَان سنة سبع
(1/343)

وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة وَولى بعده ابْنه الْمُسْتَنْصر بِاللَّه ابو تَمِيم معد عقب وَفَاته فَبَقيَ الى مَا بعد خلَافَة الْقَائِم
وَكَانَ على دمشق ابو مُحَمَّد الْأسود من جِهَة الْقَادِر بِاللَّه الْخَلِيفَة قبله فانتزعها مِنْهُ انوشتكين الدزبري بِأَمْر الْمُسْتَنْصر الفاطمي فِي سنة تسع وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة ثمَّ امْر بِالْخرُوجِ عَن طَاعَته فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة فَخرج عَنْهَا وَخرج امرها بذلك وَبَقِي الْأَمر على ذَلِك الى مَا بعد خلَافَة الْقَائِم
وَكَانَ على حلب من جِهَة الظَّاهِر لإعزاز دين الله ابْن شعْبَان ثمَّ تغلب عَلَيْهَا صَالح بن مرداس امير بني كلاب فِي سنة ارْبَعْ وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة ثمَّ قتل فِي ايام الظَّاهِر لإعزاز دين الله الفاطمي الْمُقدم ذكره فملكها بعده شبْل الدولة نصر بن صَالح ثمَّ انتزعها مِنْهُ انوشتكين الدزبري بِأَمْر الْمُسْتَنْصر الْعلوِي فِي شعْبَان سنة تسع وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة وَتُوفِّي فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة وملكها بعده معز الدولة ثمال بن صَالح بن مرداس ثمَّ ملك قلعتها بعد لَك فِي سنة ارْبَعْ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة ثمَّ
(1/344)

تسلمها مِنْهُ مكين الدولة الْحسن بن عَليّ بن ملهم فِي سنة تسع وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة بصلح وَقع بَينه وَبَين الفاطميين على ذَلِك ثمَّ انتزعها مِنْهُ مَحْمُود بن شبْل الدولة بن صَالح الْمُقدم ذكره وَملك قلعتها فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وَبَقِي حَتَّى توفّي فِي ذِي الْقعدَة (93 ب) سنة ارْبَعْ وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وملكها بعده اخوه عَطِيَّة بن صَالح ابْن سري الدولة فِي رَمَضَان سنة ارْبَعْ وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة فَبَقيَ بهَا الى مَا بعد خلَافَة الْقَائِم
وَكَانَت طرابلس بيد القَاضِي ابي طَالب عماد قاضيها وَكَانَ قد استولى عَلَيْهَا واستبد بهَا وَبَقِي بهَا حَتَّى توفّي سنة ارْبَعْ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة وملكها بعده ابْن اخيه جلال الْملك ابو الْحسن بن عماد فضبطها احسن ضبط
وَكَانَ على مَكَّة ابو الْفتُوح السُّلَيْمَانِي من قبل الظَّاهِر بن الْحَاكِم الفاطمي صَاحب مصر وَتُوفِّي ابو الْفتُوح سنة ثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة لست وَأَرْبَعين سنة من
(1/345)

امارته وَولى بعده ابْنه شكر ثمَّ ملك مَعهَا الْمَدِينَة الشَّرِيفَة واستضافها اليها وَجمع بَين الْحَرَمَيْنِ ثَلَاثًا وَعشْرين سنة وَمَات سنة ثَلَاث وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وَله شعر رائق مِنْهُ ... قوض خيامك عَن ارْض تضام بهَا ... وجانب الذل ان الذل مجتنب ... وارحل اذا كَانَ فِي الأوطان منقصة ... فالمندل الرطب فِي اوطانه حطب ...

قَالَ ابْن حزم وَكَانَت وَفَاته عَن غير ولد وانقرض بِمَوْتِهِ دولة السليمانيين بِمَكَّة وانتقل ذَلِك الى الهواشم وهم بَنو ابي هَاشم مُحَمَّد بن الْحسن بن مُحَمَّد بن مُوسَى بن عبد الله ابي الْكِرَام بن مُوسَى الجون بن عبد الله بن حسن الْمثنى بن الْحسن السبط بن عَليّ بن ابي طَالب فاستولى عَلَيْهَا مُحَمَّد بن جَعْفَر بن ابي هَاشم الْمُقدم ذكره بعد موت شكر فِي سنة ارْبَعْ وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وخطب للمستنصر الفاطمي صَاحب مصر ثمَّ خطب لبنى الْعَبَّاس فِي سنة ثَمَان وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة فَقطعت ميرة مصر عَن
(1/346)

مَكَّة فعذله اهله فَأَعَادَ الْخطْبَة للسمتنصر الفاطمي ثمَّ استماله الْقَائِم خَليفَة بني الْعَبَّاس وبذل لَهُ الْأَمْوَال (94 أ) فَخَطب لَهُ سنة ثِنْتَيْنِ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة بِالْمَوْسِمِ فَقَط وَكتب للمستنصر بِمصْر يعْتَذر لَهُ ثمَّ بعث لَهُ السُّلْطَان الب ارسلان السلجوقي بأموال كَثِيرَة فِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة فَخَطب لَهُ بِنَفسِهِ ثمَّ جمع مُحَمَّد بن جَعْفَر امير مَكَّة وزحف الى الْمَدِينَة فَأخْرج مِنْهَا بني الْحُسَيْن وملكها وَجمع بَين الْحَرَمَيْنِ وَبَقِي الى مَا بعد خلَافَة الْقَائِم وَكَانَ على الْمَدِينَة قبله ابو عمَارَة حَمْزَة ثمَّ وَليهَا بعده ابْنه عبيد الله وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ سنة ارْبَعْ وَأَرْبَعمِائَة ثمَّ قتل بِالْبَصْرَةِ وَولى بعده اخوه الْحُسَيْن ثمَّ ولى بعده ابْنه مهنا بن الْحُسَيْن ثمَّ وَليهَا هَاشم بن الْحسن ابْن دَاوُد سنة ثَمَان وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة من قبل الْمُسْتَنْصر الفاطمي صَاحب مصر وَلم اعْلَم مَا بعد ذَلِك الى حِين زَوَال ولَايَة الْقَائِم
وَكَانَ الْيمن بيد نجاح عبد مرجان فَبَقيَ فِيهِ حَتَّى توفّي سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وَملك بعده ابْنه
(1/347)

سعيد الْأَحول بن نجاح وَبَقِي الى مَا بعد خلَافَة الْقَائِم
وَكَانَ مَا وَرَاء النَّهر بيد مُلُوك تركستان مُضَافا لما بِأَيْدِيهِم من ذَلِك وَكَانَت خُرَاسَان بيد مُحَمَّد بن مَحْمُود بن سبكتكين ثمَّ ارتضى الْجند مَسْعُود بن سبكتكين فأقاموه بخراسان مقَام ابْن اخيه مُحَمَّد بن مَحْمُود فِي السّنة الْمَذْكُورَة وَبَقِي مَسْعُود حَتَّى غَلبه على خُرَاسَان دَاوُد بن مِيكَائِيل بن سلجوق بن دقاق فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَذَلِكَ ابْتِدَاء الدولة السلجوقية وَبَقِي حَتَّى توفّي سنة احدى وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وَملك بعده ابْنه مُحَمَّد الب ارسلان فَبَقيَ حَتَّى قتل فِي سنة خمس وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة عَن تسع سِنِين وَسِتَّة اشهر وَأَيَّام من سلطنته وَملك بعده ابْنه ملكشاه بن الب ارسلان بن دَاوُد بن سلجوق وَأرْسل الى بَغْدَاد والأطراف (94 ب) فَخَطب لَهُ بهَا على عَادَة ابيه وَبَقِي الى مَا بعد خلَافَة الْقَائِم
وَكَانَ على غزنة وَمَا مَعهَا مُحَمَّد بن مَحْمُود بن سبكتكين فَقدم اهل الممكلة عَلَيْهِم مَسْعُود بن سبكتكين عَم
(1/348)

مُحَمَّد بن مَحْمُود فملكوه عَلَيْهِم فَبَقيَ حَتَّى قتل فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة ثمَّ ملك بعده اخوه مُحَمَّد الْمُقدم ذكره ثمَّ قتل من عَامه وَملك بعده ابْن اخيه مودود بن مَسْعُود وَتُوفِّي سنة احدى وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة وَملك بعده عَمه عبد الرشيد ثمَّ قتل فِي سنة ارْبَعْ وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة وَملك بعده اخوه فرخزاد بن مَحْمُود وَتُوفِّي سنة احدى وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وَملك بعده اخوه الْملك الْمُؤَيد ابراهيم بن مَسْعُود وَصَالح دَاوُد ابْن مِيكَائِيل بن سلجوق صَاحب خُرَاسَان وَبَقِي الى مَا بعد خلَافَة الْقَائِم
وَكَانَت افريقية والغرب الْأَوْسَط بيد الْمعز بن باديس وَهُوَ فِي طَاعَة الْمُسْتَنْصر الفاطمي صَاحب مصر ثمَّ خلع طَاعَته وَقطع الْخطْبَة لَهُ بإفريقية سنة اربعين وَأَرْبَعمِائَة وخطب للقائم خَليفَة بني الْعَبَّاس بِبَغْدَاد وَبَقِي حَتَّى مَاتَ سنة ارْبَعْ وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وَقَامَ بِالْأَمر بعده ابْنه تَمِيم بن الْمعز بن باديس وغلبه الْعَرَب على افريقية فَلم
(1/349)

يكن لَهُ مِنْهَا الا مَا ضمه السُّور وَبَقِي الى مَا بعد خلَافَة الْقَائِم وَلما استولى امير الْمُسلمين يُوسُف بن تاشفين على الغرب الْأَقْصَى فِي سنة ارْبَعْ وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة استولى على الغرب الْأَوْسَط وَولى على تلمسان مُحَمَّد بن سمغريم من بعده لِأَخِيهِ تاشفين وَكَانَ على الغرب الْأَقْصَى وَكَانَ بالأندلس هِشَام من مُحَمَّد فَتوفي سنة ثَمَان وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة وبوفاته انْقَطَعت دولة الأمويين من الأندلس
وَكَانَ عَليّ بن حمود بن مَيْمُون بن احْمَد بن عَليّ بن عبيد الله بن عمر بن ادريس من بقايا مُلُوك الأدارسة بالغرب الْأَقْصَى فَعبر الْبَحْر من طنجة من بر العدوة الى مالقة من (95 أ) الأندلس وملكها وَدخل قرطبة قَاعِدَة الأندلس فِي سنة سبع وَأَرْبَعمِائَة وتلقب بالناصر لدين الله وَبَقِي حَتَّى قَتله غلمانه فِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعمِائَة وَولى اخوه الْقَاسِم ابْن حمود وتلقب بالمأمون ثمَّ غلب عَلَيْهِ يحيى ابْن اخيه عَليّ وَملك مِنْهُ قرطبة فملكها سنة ثِنْتَيْ عشرَة وَأَرْبَعمِائَة وتلقب بالمعتلي وعلت دولته وَبَقِي حَتَّى
(1/350)

قتل وَولى اخوه ادريس بن عَليّ مالقة وتلقب بالمتأيد بِاللَّه وَبَايَعَهُ اهل المرية ورندة وأعمالها وَمَات سنة احدى وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَولى بعده حسن بن يحيى المعتلي وتلقب بالمستنصر وبايعته غرناطة ايضا وَمَات مسموما سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة وبويع بعده ادريس بن يحيى المعتلي ويلقب بالعالي وأطاعته غرناطة وَمَا مَعهَا ثمَّ قتل مُحَمَّدًا وحسنا ابْني عَمه ادريس فثار السودَان بدعوة اخيهما مُحَمَّد بمالقة فأسلموه وبويع مُحَمَّد بن ادريس المتأيد بمالقة سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة وتلقب بالمهدي وأطاعته غرناطة وجيان وأعمالها ثمَّ مَاتَ سنة ارْبَعْ وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة وبويع ادريس بن يحيى بن ادريس المتأيد ولقب الْمُوفق وَلم يخْطب لَهُ ثمَّ غلب عَلَيْهِ ادريس المخلوع الملقب بالعالي بن يحيى المعتلي فبويع بمالقة وَبَقِي بهَا الى ان مَاتَ سنة سبع وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة وبويع مُحَمَّد الْأَصْغَر بن ادريس المتأيد وتلقب بالمستعلي
(1/351)

وخطب لَهُ بمالقة والمرية ورندة وَمَات سنة سِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة وَكَانَ مُحَمَّد بن قَاسم بن حمود قد ملك الجزيرة الخضراء سنة ارْبَعْ عشرَة وَأَرْبَعمِائَة ثمَّ ملكهَا من بعده ابْنه الْقَاسِم وتلقب بالواثق وَمَات سنة خمسين وَأَرْبَعمِائَة وَاسْتولى على الجزيرة المعتضد بن عباد وانقرضت دولة بني حمود بالأندلس وانْتهى الْحَال الى ان امْر الْخلَافَة بالأندلس من بني امية وَبني حمود (95 ب) قد اضمحل وتلاشى وتفرق ملك الأندلس فِي طوائق من الوزراء والموالي وكبار الْعَرَب والبربر وَقَامَ كل مِنْهُم بِأَمْر نَاحيَة وَأخذُوا فِي تغلب بَعضهم على بعض فضعف بِذَاكَ امرهم حَتَّى اعطوا الإتاوة لملوك الفرنج من بني ادفونش
فَأَما اشبيلية وَغرب الأندلس فاستولى على ذَلِك بَنو عباد من لخم وَكَانَ اولهم ابو الْقَاسِم مُحَمَّد بن ذِي الوزارتين ابي الْوَلِيد بن اسماعيل ثمَّ مَاتَ فَقَامَ بالامر بعده ابْنه عباد وتلقب بالمعتضد وطالت أَيَّامه وتغلب على اكثر الممالك بغرب الأندلس وَبَقِي حَتَّى مَاتَ سنة احدى وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة وَولى بعده ابْنه ابو الْقَاسِم مُحَمَّد وتلغب بالمعتمد وَقَوي امْرَهْ وَاسْتولى على دَار الْخلَافَة بقرطبة
(1/352)

وانتزعها من يَد ابْن جهور وَفرق ابناءه على قَوَاعِد الْملك وَبَقِي الى مَا بعد خلَافَة الْقَائِم
وَأما قرطبة فاستولى عَلَيْهَا جهور بن مُحَمَّد بن جهور الْكَلْبِيّ سنة ثِنْتَيْنِ وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة فِي ايام فتْنَة بني امية بهَا الى ان يُوجد خَليفَة فَبَقيَ الى ان مَاتَ فِي الْمحرم سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَولى مَكَانَهُ ابْنه ابو الْوَلِيد مُحَمَّد بن جهور وفوض تَدْبِير الْأَمر الى ابْنه الْوَلِيد فأساء السِّيرَة فخلعه اهل قرطبة سنة احدى وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة واعتقل الى ان مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة وَولى ابْن عباد صَاحب اشبيلية على قرطبة ابْنه سراج الدولة فَبَقيَ الى آخر خلَافَة الْقَائِم
وَأما بطليوس فَكَانَ بهَا عِنْد انْقِرَاض بني امية من الأندلس ابو مُحَمَّد عبد الله بن مسلمة التجِيبِي الْمَعْرُوف بِابْن الْأَفْطَس فاستبد بهَا سنة احدى وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة ثمَّ مَاتَ فولى بعده ابْنه الظفر ابو بكر مُحَمَّد وَعظم ملكه وَمَات سنة سِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة وَولى بعده ابْنه المتَوَكل ابو حَفْص عمر بن مُحَمَّد فَبَقيَ الى مَا بعد خلَافَة الْقَائِم
(1/353)

وَأما طليطلة وَهِي قَاعِدَة (96 أ) الأندلس قبل الْإِسْلَام فاستولى عَلَيْهَا اسماعيل بن عبد الرَّحْمَن بن ذِي النُّون الهواري ايام فتْنَة بني امية سنة تسع واربعمائة وتلقب بالظافر وَبَقِي حَتَّى هلك سنة تسع وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة وَولى مَكَانَهُ ابْنه ابو الْحسن يحيى وتلقب بالمأمون وقوى ملكه وَعظم شَأْنه وَغلب على بلنسية وقرطبة وَبَقِي الى آخر خلَافَة الْقَائِم
واما شاطبة وَمَا مَعهَا من شَرق الأندلس فاستولى عَلَيْهَا العامريون من عقب الْمَنْصُور بن ابي عَامر الْمُتَقَدّم ذكره وَأول من وَليهَا مِنْهُم الْمَنْصُور عبد الْعَزِيز بن النَّاصِر عبد الرَّحْمَن بن ابي عَامر سنة احدى عشرَة وَأَرْبَعمِائَة وبويع لَهُ بجيان والمرية بمعاضدة خيران العامري ثمَّ خرج خيران عَن طَاعَة الْمَنْصُور وَقدم ابا عَامر مُحَمَّد بن المظفر ولقبه المؤتمن ثمَّ المعتصم ثمَّ اخرجه مِنْهَا ثمَّ مَاتَ خيران سنة تسع عشرَة وَأَرْبَعمِائَة وَقَامَ بأَمْره عميد الدولة ابو الْقَاسِم زُهَيْر العامري ثمَّ قتل فِي سنة تسع وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة وَرجع الْأَمر الى الْمَنْصُور عبد الْعَزِيز الْمُقدم ذكره وَولى على المرية معن بن صمادح سنة ثَلَاث
(1/354)

وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَولى على بلنسية ابْنه عبد الْملك ثمَّ انتزعها مِنْهُ الْمَأْمُون بن ذِي النُّون سنة سبع وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وَمَات الْمَأْمُون وَولى مَكَانَهُ حافده الْقَادِر وَولى على بلنسية ابو بكر بن عبد الْعَزِيز من بقايا وزراء ابْن ابي عَامر فَبَقيَ الى مَا بعد ايام الْقَائِم
وَأما سرقسطة والثغر فاستولى عَلَيْهِمَا مُنْذر بن يحيى التجِيبِي أَيَّام فتْنَة بني أُميَّة وتلقب بالمنصور ثمَّ مَاتَ سنة ارْبَعْ عشرَة وَأَرْبَعمِائَة وَولى مَكَانَهُ ابْنه يحيى وتلقب بالمظفر ثمَّ غلب عَلَيْهِ سُلَيْمَان بن مُحَمَّد بن هود وَقَتله فِي سنة احدى وَثَلَاثِينَ (86 ب) وَأَرْبَعمِائَة وَملك سرقسطة وتلقب بالمستعين وقوى ملكه حَتَّى ملك بلنسية ودانية ولاردة وَمَات سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَولى بعده ابْنه احْمَد وتلقب بالمقتدر وَبَقِي احْمَد الى مَا بعد خلَافَة الْقَائِم
وَأما دانية وميورقة فاستولى عَلَيْهِمَا مُجَاهِد بن عَليّ من موَالِي الْمَنْصُور بن ابي عَامر سنة ثَلَاث عشرَة وَأَرْبَعمِائَة وَمَات سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَولى بعده ابْنه عَليّ وتلقب إقبال الدولة وَبَقِي الى مَا بعد خلَافَة الْقَائِم
(1/355)

السَّابِع وَالْعشْرُونَ من خلفاء بني الْعَبَّاس بالعراق الْمُقْتَدِي بِأَمْر الله
وَهُوَ أَبُو الْقَاسِم عبد الله بن ذخيرة الدّين مُحَمَّد بن الْقَائِم بِأَمْر الله
وَأمه ام ولد أسمها أرجوان عمرت عمرا طَويلا حَتَّى أدْركْت خِلَافَته وَخِلَافَة أبنه المستظهر وَخِلَافَة أبن أبنه المسترشد كَانَ قوي النَّفس عَظِيم الهمة بُويِعَ لَهُ بالخلافة بِحُضُور مؤيد الْملك بن نظام الْملك والوزير أبن جهير وَالشَّيْخ أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ وأبن الصّباغ ونقيب النُّقَبَاء أبن الزَّيْنَبِي وَالْقَاضِي أبي عبد الله الدَّامغَانِي وَغَيرهم من الْأَعْيَان فِي ثَالِث عشر شعْبَان سنه سبع وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة وَبَقِي حَتَّى توفّي فَجْأَة يَوْم السبت خَامِس عشر الْمحرم سنة سبع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة وعمره ثَمَان وَثَلَاثُونَ سنة وَثَمَانِية أشهر وَأَيَّام وَيُقَال إِن شمس النَّهَار القهرمانة سمته وَمُدَّة خِلَافَته سبع عشر سنه وَثَمَانِية أشهر
(2/1)

الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
فِي سنة ثَلَاث وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة أرسل الْمُقْتَدِي بِأَمْر الله الشَّيْخ أَبَا إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ رَسُولا إِلَى السُّلْطَان ملكشاه بن ألب أرسلان بن دَاوُود بن مِيكَائِيل بن سلجوق السلجوقي وَإِلَى وزيره نظام الْملك يشكو من عميد الْعرَاق أبي الْفَتْح بن أبي اللَّيْث فَأكْرم السُّلْطَان ملكشاه ونظام الْملك الشَّيْخ أَبَا إِسْحَاق وَجرى بَينه وَبَين إِمَام الْحَرَمَيْنِ مناظرة بِحَضْرَة نظام الْملك وَعَاد بالإجابة إِلَى مَا أَلْتَمِسهُ الْخَلِيفَة وَرفعت يَد العميد عَن جَمِيع مَا يتَعَلَّق بالخليفة ثمَّ سَار السُّلْطَان ملكشاه من أصفهان إِلَى حلب فَدَخلَهَا فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة تسع وَتِسْعين وَأَرْبع مائَة ثمَّ سَار عَن حلب وَدخل بَغْدَاد فِي ذِي الْحجَّة من هَذِه السّنة الْمَذْكُورَة وَهُوَ أول قدومه إِلَى بَغْدَاد وأجتمع بالمقتدي الْخَلِيفَة ثمَّ خرج إِلَى الصَّيْد ثمَّ عَاد إِلَى بَغْدَاد وأجتمع بالمقتدي وَأقَام بهَا إِلَى صفر سنه ثَمَانِينَ وَأَرْبع مائَة ثمَّ عَاد إِلَى أصفهان ثمَّ عَاد إِلَى بَغْدَاد فِي رَمَضَان سنه أَربع وَثَمَانِينَ وَأَرْبع مائَة وَوصل إِلَيْهِ أَخُوهُ تتش بن ألب أرسلان وَعمل الميلاد بِبَغْدَاد وأحتفل لَهُ النَّاس أحتفالا عَظِيما
(2/2)

وَأكْثر الشُّعَرَاء من وصف تِلْكَ اللَّيْلَة وَأمر بِبِنَاء الْجَامِع الْمَعْرُوف بِجَامِع السُّلْطَان بِبَغْدَاد وأبتدأ كبار أمرائه بِعَمَل مسَاكِن لَهُم بِبَغْدَاد ينزلون فِيهَا فَلَمَّا قدمُوا بَغْدَاد تفرق شملهم بِالْمَوْتِ وَالْقَتْل عَن قريب ثمَّ قتل السُّلْطَان ملكشاه وزيره نظام الْملك وَهُوَ عَائِد إِلَى بَغْدَاد فِي سنة خمس وَثَمَانِينَ وَأَرْبع مائَة وَدخل السُّلْطَان ملكشاه بَغْدَاد فِي الرَّابِع وَالْعِشْرين من رَمَضَان سنة خمس وَثَمَانِينَ وَأَرْبع مائَة ثمَّ خرج من بَغْدَاد للصَّيْد وَعَاد فِي ثَالِث شَوَّال مَرِيضا فَتوفي لَيْلَة الْجُمُعَة نصف شَوَّال الْمَذْكُورَة وَكَانَ من أجمل النَّاس صُورَة وَمعنى وخطب لَهُ من حُدُود الصين إِلَى آخر الشَّام وَمن أقاصي بِلَاد الْإِسْلَام إِلَى آخر بِلَاد الْيمن وحملت لَهُ مُلُوك الرّوم الْجِزْيَة وَكَانَت أَيَّامه أَيَّام عدل وإدرار أرزاق وَكَانَ مغرى فِي الصَّيْد وَكَانَ يتَصَدَّق بِعَدَد كل وَحش يصيده بِدِينَار حَتَّى أَنه صَاد مرّة عشرَة آلَاف صيد فَتصدق بِعشْرَة آلَاف دِينَار وَلما مَاتَ أخفت زَوجته ترْكَان مَوته وَفرقت المَال فِي العساكر وسارت إِلَى أصفهان فاستحلفتهم لولدها مَحْمُود أبن ملكشاه وَهُوَ أبن أَربع سِنِين وَأشهر وخطبت لَهُ
(2/3)

فِي بَغْدَاد وَغَيرهَا ثمَّ تحرّك تتش بن ألب أرسلان من دمشق بعد موت أَخِيه ملكشاه لطلب السلطنة وَمَعَهُ آق سنقر صَاحب حلب وَاسْتولى على الْموصل وَأرْسل إِلَى بَغْدَاد يطْلب أَن يخْطب لَهُ فتوقفوا فِي إجَابَته لذَلِك وَأَقْبل بركيارق بن ملكشاه بن ألب أرسلان للقائه فَعَاد تتش إِلَى الشَّام وَقدم بركيارق بَغْدَاد وخطب لَهُ بهَا فِي رَابِع الْمحرم سنة سبع وَثَمَانِينَ وَأَرْبع مائَة وَبَقِي الْأَمر بِبَغْدَاد وَغَيرهَا بيد بركيارق إِلَى مَا بعد خلَافَة الْمُقْتَدِي وَفِي أَيَّامه فِي سنه أَربع وَثَمَانِينَ وَأَرْبع مائَة أستولت الفرنج على جَزِيرَة سقليا وأنتزعتها من يَد نواب الْمُسْتَنْصر الْعلوِي أَوْلَاده مِنْهُم المستظهر بِاللَّه الْآتِي ذكره
ولايات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته
كَانَ على مصر فِي أَيَّامه الْمُسْتَنْصر بِاللَّه الفاطمي فَبَقيَ إِلَى مَا بعد خلَافَة الْمُقْتَدِي وَكَانَ الْقَائِم بتدبير دولته وزيره بدر الجمالي
وَكَانَت دمشق قد خرج عَنْهَا أنوشتكين الدزبري
(2/4)

فتغلب عَلَيْهَا أتسز بن أرتق الْخَوَارِزْمِيّ أحد أُمَرَاء السُّلْطَان ملكشاه السلجوقي فِي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَأَرْبع مائَة وَقطع الْخطْبَة بهَا للمستنصر الفاطمي وخطب للمقتدي العباسي وَمنع الْأَذَان بحى على خير الْعَمَل وَلم يخْطب بعْدهَا بِالشَّام لأحد من الفاطميين وبقى بهَا إِلَى مَا بعد خلَافَة الْمُقْتَدِي
وَكَانَ على حلب مَحْمُود بن شبْل الدولة فَبَقيَ بهَا حَتَّى توفّي فِي ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَأَرْبع مائَة وملكها بعده أبنه نصر بن مَحْمُود فَبَقيَ حَتَّى قَتله التركمان وملكها بعده أَخُوهُ سَابق بن مَحْمُود ثمَّ أنتزعها مِنْهُ شرف الدوله مُسلم بن قُرَيْش صَاحب الْموصل فِي صفر سنه سبع وَسبعين وَأَرْبع مائَة وملكها بعده إخوه إِبْرَاهِيم بن قُرَيْش ثمَّ أنتزعها مِنْهُ تتش بن ألب أرسلان السلجوقي صَاحب دمشق فِي السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ أنتزعها مِنْهُ السُّلْطَان ملكشاه السلجوقي وَسلمهَا إِلَى قسيم الدوله آقسنقر ثمَّ أستعادها تتش بن ألب أرسلان الْمُقدم ذكره بعد موت ملكشاه وأستضافها إِلَى دمشق وأنبسط
(2/5)

ملكه حَتَّى ملك بعد ذَلِك أذربيجان وبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة المقتدى
وَكَانَ على مَكَّة مُحَمَّد بن جَعْفَر فَانْقَطع مَا كَانَ يصل إِلَى أَمِير مَكَّة من الْعرَاق بعد موت الْقَائِم فَقطع الْخطْبَة للعباسيين وَلما ولى المقتدى أرسل إِلَيْهِ بِمَال فاعاد الْخطْبَة للعباسيين وجهز منبرا إِلَى مَكَّة وَكتب اسْمه عَلَيْهِ بِالذَّهَب فَوَقَعت الْفِتْنَة بَين الشِّيعَة وَأهل السّنة فَكسر الْمِنْبَر وأحرق واستمرت الْخطْبَة للعباسيين بعد ذَلِك إِلَى أَن مَاتَ السُّلْطَان ملكشاه السلجوقى فِي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَأَرْبع مائَة فَانْقَطَعت الْخطْبَة من مَكَّة للعباسيين وَبَطل الْحَج من الْعرَاق وبقى مُحَمَّد بن جَعْفَر على إمارته بِمَكَّة إِلَى مَا بعد خلَافَة المقتدى وَلم ادر من كَانَ على الْمَدِينَة فِي خِلَافَته
وَكَانَ على الْيمن سعيد بن نجاح ثمَّ غلب على الْملك المكرم أَحْمد بن على الصليحى فِي سنة خمس
(2/6)

وَسبعين وَأَرْبع مائَة ثمَّ عَاد ابْن نجاح وَملك زبيد فِي سنة تسع وَسبعين وَأَرْبع مائَة ثمَّ عَاد الْملك المكرم وملكها وَقتل سعيدا فِي سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَأَرْبع مائَة وَملك بعده ابْن عَمه أَبُو حمير سبأ فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة المقتدى
وَكَانَ مَا وَرَاء النَّهر بيد مُلُوك تركستان
وَكَانَت خُرَاسَان بيد ملكشاه بن ألب أرسلان بن دَاوُد بن مِيكَائِيل بن سلجوق وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَأَرْبع مائَة سَار إِلَى مَا وَرَاء النَّهر وَملك بُخَارى وسمرقند وانتزعها من يَد أَحْمد خَان أحد مُلُوك تركستان وانْتهى ملكه إِلَى كاشغر ثمَّ اسْتَقَرَّتْ بيد احْمَد خَان الْمُقدم ذكره وبقى حَتَّى قتل بالزندقة فِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَأَرْبع مائَة وَاسْتقر ابْن عَمه مَسْعُود مَكَانَهُ وَبقيت خُرَاسَان بيد ملكشاه بن ألب أرسلان حَتَّى توفى سنة خمس وَثَمَانِينَ وَأَرْبع مائَة وملكها بعده أَخُوهُ أرسلان أرغون بن ألب أرسلان فبقى بهَا حَتَّى قَتله بعض غلمانه فِي الْمحرم من هَذِه السّنة وَلما قتل أرسلان
(2/7)

أرغون سَار بر كيارق بن ألب أرسلان إِلَى خُرَاسَان فملكها وَأرْسل إِلَى مَا وَرَاء النَّهر فَخَطب لَهُ هُنَاكَ وَسلم خُرَاسَان إِلَى أَخِيه سنجر بن ملكشاه وَجعل وزيره أَبَا الْفَتْح بن الْحُسَيْن الطغراى
وَكَانَت غزنه وَمَا مَعهَا بيد الْملك الْمُؤَيد إِبْرَاهِيم بن مَسْعُود فتوفى فِي سنة إِحْدَى وثما 4 نين وَأَرْبع مائَة وَملك بعده ابْنه مَسْعُود بن إِبْرَاهِيم فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة المقتدى
وَكَانَ على إفريقية تَمِيم بن الْمعز بن باديس فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة المقتدى
وَكَانَ على الغرب الْأَقْصَى أَمِير الْمُسلمين يُوسُف ابْن تاشفين اول مُلُوك المرابطين من لمتونه من البربر وَاسْتولى على الغرب الْأَوْسَط وانتزعه من يَد بنى باديس واستضافه إِلَى الغرب الْأَقْصَى وبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة المقتدى
وَأما الأندلس فَكَانَت بيد ملو ك الطوائف على مَا تقدم
(2/8)

فَكَانَت إشبيلية بيد الْمُعْتَمد بن عباد فبقى حَتَّى غلب أَمِير الْمُسلمين يُوسُف بن تاشفين على الأندلس فَقبض عَلَيْهِ سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَأَرْبع مائَة واعتقله إِلَى مَاتَ سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَأَرْبع مائَة وَبقيت بِيَدِهِ حَتَّى مَاتَ
وَكَانَت قرطبة بيد سراج الدولة بن عباد فبقى بهَا حَتَّى قتل فِي سنة سبع وَسِتِّينَ وَأَرْبع مائَة قَتله ابْن عكاشة ودعا بهَا على المنابر ليحيى بن إِسْمَاعِيل بن ذى النُّون وَقتل بهَا مسموما ثمَّ تَملكهَا الْمُعْتَمد بن عباد فِي سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَأَرْبع مائَة
وَكَانَت بطليوس بيد المتَوَكل بن الْأَفْطَس فبقى حَتَّى قَتله أَمِير الْمُسلمين يُوسُف بن تاشفين سنة تسع وَثَمَانِينَ وَأَرْبع مائَة فَبَقيت بِيَدِهِ حَتَّى مَاتَ
وَكَانَت طليطلة بيد الْمَأْمُون بن الظافر إِسْمَاعِيل بن عبد الرَّحْمَن ذى النُّون حَتَّى مَاتَ مسموما سنة سبع
(2/9)

وَسِتِّينَ وَأَرْبع مائَة وَولى بعده طليطلة حافده الْقَادِر يحيى ابْن إِسْمَاعِيل بن الْمَأْمُون غَلبه عَلَيْهَا الطاغية أدفونش ملك طليطة واقتلعها مِنْهُ فِي سنة ثَمَان وَسبعين وَأَرْبع مائَة وهى بيد الفرنج إِلَى الْآن
وَكَانَت سرقسطة بيد المقتدر أَحْمد فبقى حَتَّى مَاتَ سنة أَربع وَسبعين وَأَرْبع مائَة وَولى بعده ابْنه المؤتمن يُوسُف وَكَانَ لَهُ الْيَد الطُّولى فِي الْعُلُوم الرياضية وَله فِيهَا التآليف الجليلة وَمَات سنة ثَمَان وَسبعين وَأَرْبع مائَة وَولى بعده ابْنه المستعين أَحْمد فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة المقتدى
وَأما دانية وميورقة فكانتا بيد إقبال الدولة عَليّ من عقب الْمَنْصُور ابْن أَبى عَامر فدام ملكه بهَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سنة ثمَّ غَلبه المقتدر بن هود على دانية وَنَقله إِلَى سرقسطة فَمَاتَ بهَا سنة أَربع وَسبعين وَأَرْبع مائَة واستخلف على ميورقة صهره سُلَيْمَان بن مشكيان
(2/10)

فَمَاتَ بهَا بعد خمس سِنِين فولى مَكَانَهُ نَاصِر الدولة مبشرا فَأَقَامَ خمس سِنِين أَيْضا وتغلب عَلَيْهِ المقتدر بن هود فاستقل مُبشر بميورقة فبقى بهَا إِلَى مَا بعد خلَافَة المقتدى
الثَّامِن وَالْعشْرُونَ من خلفاء بنى الْعَبَّاس بالعراق المستظهر بِاللَّه
وَهُوَ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن المقتدى بِاللَّه الْمُقدم ذكره بُويِعَ لَهُ بالخلافة بعد موت أَبِيه فِي منتصف الْمحرم سنة سبع وَثَمَانِينَ وَأَرْبع مائَة وعمره يَوْمئِذٍ سِتّ عشرَة سنة وشهران وَقَامَ ببيعته السُّلْطَان بركيارق بن ملكشاه بن ألب أرسلان بن دَاوُد بن مِيكَائِيل بن سلجوق وبقى حَتَّى توفى فِي السَّادِس عشر من ربيع الآخر سنة ثنتى عشرَة وَخمْس مائَة وعمره إِحْدَى وَأَرْبَعُونَ سنة وَسِتَّة أشهر وَأَيَّام وَمُدَّة خِلَافَته أَربع وَعِشْرُونَ سنة وَثَلَاثَة أشهر وَأحد وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَكَانَ لَهُ من الْأَوْلَاد المسترشد والمقتفى كِلَاهُمَا ولى الْخلَافَة وَأَبُو طَالب
(2/11)

الْحَوَادِث والهاجريات فِي خِلَافَته
لما ولى الْخلَافَة قَامَ بتدبير دولته السُّلْطَان بركيارق بن ملكشاه بن ألب أرسلان بن دَاوُد بن مِيكَائِيل بن سلجوق ثمَّ غلب تتش بن ألب أرسلان على حلب وحران والرها والبلاد الجزرية وديار بكر وخلاط وأذربيجان وهمذان وكمل عسكره خمسين ألف مقَاتل وَبعث يطْلب أَن يخْطب لَهُ بِبَغْدَاد عَن المستظهر الْخَلِيفَة فَأُجِيب إِلَى ذَلِك وخطب لَهُ بهَا وَسَار بركيارق إِلَى أصفهان وَبهَا أَخُوهُ مَحْمُود فَمَرض مَحْمُود فَمَاتَ فِي سلخ شَوَّال سنة سبع وَثَمَانِينَ وَأَرْبع مائَة وَاسْتقر بركيارق فِي السلطنة مَكَانَهُ ثمَّ سَار بركيارق إِلَى عَمه تتش فَالْتَقَيَا على الْقرب من الرى وَانْهَزَمَ عَسْكَر تتش وَقتل فِي المعركة فِي صفر من هَذِه السّنة واستقامت السلطنة لبركيارق ثمَّ سَار بركيارق فِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَأَرْبع مائَة وَدخل بَغْدَاد وأعيدت لَهُ الْخطْبَة فِي صفر من هَذِه السّنة ثمَّ خرج بركيارق من بَغْدَاد وَسَار لِحَرْب أَخِيه مُحَمَّد وَقصد الرى فنزلها ثمَّ سَار
(2/12)

بركيارق من الرى إِلَى بَغْدَاد وَضَاقَتْ عَلَيْهِ الْأُمُور فَطلب من الْخَلِيفَة مَالا يَسْتَعِين بِهِ فَحمل إِلَيْهِ الْخَلِيفَة خمسين ألف دِينَار وَلم يكفه ذَلِك حَتَّى مد يَده إِلَى مَال الرّعية وَسَار مُحَمَّد بن ملكشاه بن ألب أرسلان وَمَعَهُ أَخُوهُ سنجر فِي طلب بركيارق حَتَّى وصل إِلَى بَغْدَاد وبركيارق مَرِيض قد اشْتَدَّ بِهِ الْمَرَض وأيس مِنْهُ فتحول إِلَى الْجَانِب الغربى مَحْمُولا ثمَّ وجد خفَّة فَسَار عَن بَغْدَاد إِلَى وَاسِط وَدخل مُحَمَّد وسنجر إِلَى بَغْدَاد فَشكى إِلَيْهِمَا المستظهر سوء سيرة بركيارق وخطب لمُحَمد بِبَغْدَاد فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَأَرْبع مائَة وَكَانَ بَين مُحَمَّد وبركيارق حروب آخِره ان حصل الصُّلْح على بِلَاد لكل وَاحِد مِنْهُمَا يخْطب لَهُ فِيهَا وَلما وصل خبر الصُّلْح إِلَى المستظهر خطب بِبَغْدَاد لبركيارق وأقيم إيلغازى بن أرتق شحنة لَهُ بِبَغْدَاد ثمَّ توفى بركيارق فِي ثانى شهر ربيع الأول سنة ثَمَان وَتِسْعين وَأَرْبع مائَة على الْقرب من أصفهان فَحمل إِلَيْهَا فَدفن فِيهَا بعد أَن حلف الْعَسْكَر لوَلَده ملكشاه بن بركيارق على أَن يكون سُلْطَانا مَكَانَهُ وعمره
(2/13)

يَوْمئِذٍ أَربع سِنِين وَأَرْبَعَة أشهر وَجعل الْأَمِير أياز أتابكه فَكَانَت سلطنة بركيارق اثنتى عشرَة سنة واربعة أشهر قاسى فِيهَا عدَّة حروب
وَمن غَرِيب شَأْنه أَنه كَانَ كلما خطب لَهُ بِبَغْدَاد وَقع فِيهَا الغلاء وَلما مَاتَ بركيارق سَار أياز وَمَعَهُ ملكشاه بن بركيارق ودخلوا بَغْدَاد فِي سَابِع عشر ربيع الآخر وخطب لملكشاة بن بركيارق بجوامع بَغْدَاد موت بركيارق ثمَّ سَار أَخُوهُ السُّلْطَان مُحَمَّد بن ملكشاه بن ألب أرسلان إِلَى بَغْدَاد وَنزل بالجانب الغربي وبقى أياز وملكشاه بالجانب الشرقى وَجرى بَينهمَا مراجعات كَانَ آخرهَا أَن حلف السُّلْطَان مُحَمَّد لِابْنِ أَخِيه ملكشاه وأتابكه أياز وَحضر أياز والأمراء عِنْد مُحَمَّد وأحضروا ملكشاه عِنْد عَمه مُحَمَّد فَأكْرمه واستقرت السلطنة لمُحَمد وَذَلِكَ لسبع بَقينَ من جُمَادَى الأولى سنة ثَمَان وَتِسْعين وَأَرْبع مائَة ثمَّ أعمل السُّلْطَان مُحَمَّد الْحِيلَة فِي قتل أياز فَقتل فِي الدهاليز غيلَة ثمَّ خرج السُّلْطَان من بَغْدَاد بعد ذَلِك لأموره ثمَّ عَاد إِلَيْهَا فَمَاتَ بهَا فِي ذى الحجه سنة تسع وَخمْس مائَة بعد أَن لقى من الحروب والمشاق
(2/14)

مَالا مزِيد عَلَيْهِ مَعَ سيرته العادلة وأبطاله المكوس فِي جَمِيع بِلَاده وعهد بِالْملكِ بعده إِلَى وَلَده مَحْمُود بن مُحَمَّد بن ملكشاه بن ألب أرسلان بن دَاوُد بن مِيكَائِيل ابْن سلجوق وعمره يَوْمئِذٍ أَربع عشرَة سنة وَجلسَ مَحْمُود على تخت السلطنة يَوْم وَفَاة أَبِيه بالتاج والسوارين وخطب لَهُ بالسلطنة فِي الثَّامِن وَالْعِشْرين من ذى الْحجَّة
وَمن غَرِيب الِاتِّفَاق أَنه لما توفى السُّلْطَان ألب أرسلان توفى بعده الْقَائِم بامر الله وَلما توفى ملكشاه توفى بعده المقتدى وَلما توفى مُحَمَّد توفى بعده المستظهر
وَفِي أَيَّام المستظهر استولت الفرنج على أنطاكية وَوَضَعُوا السَّيْف فِي الْمُسلمين ونهبوا أَمْوَالهم ثمَّ سَارُوا إِلَى المعرة فاستولوا عَلَيْهَا وَوَضَعُوا السَّيْف فِي الْمُسلمين ونهبوا اموالهم وَسَارُوا إِلَى حمص فَصَالحهُمْ اهلها وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَأَرْبع مائَة استولى الفرنج على بَيت الْمُقَدّس وملكوه من أيدى الْخُلَفَاء الفاطميين وَأَقَامُوا يقتلُون فِي الْمُسلمين مُدَّة أَيَّام وَقتل من الْمُسلمين فِي الْمَسْجِد الْأَقْصَى مَا يزِيد على تسعين ألف نفس مِنْهُم جمَاعَة
(2/15)

من أَئِمَّة الْمُسلمين وعلمائهم وعبادهم مِمَّن جاور هُنَاكَ ثمَّ فِي سنة سبع وَتِسْعين استولوا على جبيل وعكا ثمَّ استولوا فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَخَمْسمِائة على مَدِينَة طرابلس من يَد صَاحبهَا ابْن عمار كَمَا تقدم بعد نهب وسبى ثمَّ فِي سنة أَربع وَخمْس مائَة ملكوا مَدِينَة صيدا وقصدوا حلب وصالحهم صَاحبهَا الْملك رضوَان على اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ ألف دِينَار يحملهَا إِلَيْهِم مَعَ خُيُول وَثيَاب وَوَقع الْخَوْف فِي قلب أهل الشَّام فَصَالحهُمْ أهل صور على سَبْعَة آلَاف دِينَار وصالحهم صَاحب شيز على أَرْبَعَة آلَاف دِينَار وصالحهم صَاحب حماه على ألفى دِينَار وَقصد بردويل أحد مُلُوك الفرنجة الديار المصرية فَانْتهى إِلَى الفرما ودخلها وحرقها وَحرق جَامعهَا ومساجدها ودخلها وَهُوَ مَرِيض فَهَلَك فِي الطَّرِيق قبل وُصُوله إِلَى الْعَريش فشق أَصْحَابه بَطْنه ورموا حشوته فِي السبخة الْمَعْرُوفَة الْآن بسبخة بردويل من طَرِيق الشَّام فهى ترْجم إِلَى الْآن
(2/16)

ولايات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته
كَانَ على مصر قبله الْمُسْتَنْصر الفاطمى فتوفى فِي ذى الْحجَّة سنة سبع وَثَمَانِينَ وَأَرْبع مائَة وَفِي أَيَّام الْمُسْتَنْصر هَذَا كَانَ الغلاء الْعَظِيم بِمصْر دَامَ سبع سِنِين قَالَ صَاحب سير النّيل مكث النّيل سنتَيْن لم يطلع ثمَّ طلع فِي السّنة الثَّالِثَة فَلم يجد من يزرع لخراب مصر ثمَّ طلع فِي السّنة الرَّابِعَة فَأَقَامَ الرَّابِعَة وَالْخَامِسَة لم ينزل ثمَّ نزل فِي السَّادِسَة فَلم يطلع وَلم يبْق فِي مصر إِلَّا صبابه من النَّاس وَلم يبْق دَابَّة تمشى على أَربع سوى حمَار يركبه الْخَلِيفَة الْمُسْتَنْصر فَبَيْنَمَا الْمُسْتَنْصر ذَات يَوْم عِنْد بَاب زويلة إِذْ استقبلته امْرَأَة عَلَيْهَا آثَار النِّعْمَة فسبته ولعنته فَقَالَ لَهَا مَالك يَا أختاه وَهُوَ يبكى لما أصَاب النَّاس فِي زَمَانه قَالَت كَانَ معى خَمْسُونَ دِينَارا اشْتريت بهَا نصف أردب قمحا فاختطفها النَّاس مني وَبَقِي معي هَذِه الحفنة فَقَالَ وَمَا حيلتى قَالَت خُذ هَذِه الصبابة
(2/17)

الَّتِى بقيت من النَّاس واستسق بهم فَفعل ثمَّ طلب شمس الْخلَافَة بن أَبى الرداد امين النّيل يَوْمئِذٍ فَقَالَ لَهُ زَاد الله فِي النّيل سِتّ عشرَة ذِرَاعا فَامْتنعَ وَقَالَ ياأمير الْمُؤمنِينَ كَيفَ والنيل يخاض من الْبر إِلَى الْبر الآخر فَقَالَ لَهُ إِن لم تفعل وَإِلَّا قتلتلك فَخرج يُنَادى زَاد امير الْمُؤمنِينَ ال 4 مستنصر الْيَوْم فِي النّيل سِتّ عشرَة ذِرَاعا فَبلغ الْمُسْتَنْصر ذَلِك فَطَلَبه وَأنكر عَلَيْهِ فَقَالَ ياامير الْمُؤمنِينَ الْكَذِب على مَخْلُوق لايجوز أفيجوز الْكَذِب على الله فَبكى الْمُسْتَنْصر وَتَركه وَنزل ابْن أَبى الرداد فَبَاتَ ليلته تِلْكَ بالمقياس يتهجد وَيصلى إِلَى الصَّباح فَدخل المقياس فَوَجَدَهُ قد زَاد سِتّ عشرَة ذِرَاعا فَخرج يُنَادى زَاد الله الْيَوْم فِي النّيل سِتّ عشرَة ذِرَاعا
والمستنصر هُوَ الذى بنى سور الْقَاهِرَة اللَّبن فِي سنة ثَمَانِينَ وَأَرْبع مائَة
وَلما مَاتَ الْمُسْتَنْصر ولى بعده ابْنه المستعلى بِاللَّه أَبُو الْقَاسِم أَحْمد يَوْم وَفَاة أَبِيه وبقى حَتَّى مَاتَ لسبع عشرَة لَيْلَة خلت من صفر سنة خمس وَتِسْعين وَأَرْبع مائَة
(2/18)

وَولى بعده الْآمِر بِأَحْكَام الله أَبُو عِيسَى الْمَنْصُور فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة المستظهر وَكَانَ على دمشق قبله أتسز بن أرتق أحد أُمَرَاء السلاجقة ثمَّ غلب عَلَيْهَا تتش ابْن ألب ارسلان السلجوقى وملكها فِي سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَأَرْبع مائَة ثمَّ توفى فملكها بعده ابْنه دقاق ابْن تتش وأشرك مَعَه فِي الْخطْبَة أَخَاهُ رضوَان صَاحب حلب مقدما لرضوان فِي الذّكر على نَفسه ثمَّ توفى دقاق سنة تسع وَتِسْعين وَأَرْبع مائَة فَخَطب طغتكين أتابك دولته لِابْنِ دقاق وَهُوَ طِفْل ابْن سنة وَاحِدَة ثمَّ قطع الْخطْبَة لَهُ وخطب لِعَمِّهِ بلتاش بن تتش ثمَّ قطع الْخطْبَة لبلتاش وأعادها للطفل وَهُوَ آخر من خطب لَهُ بِدِمَشْق من بنى سلجوق ثمَّ اسْتَقر طفتكين الْمُقدم ذكره فِي ملك دمشق بِنَفسِهِ وبقى بهَا إِلَى مَا بعد خلَافَة المستظهر واستضاف إِلَيْهَا حماه فِي سنة تسع وَخمْس مائَة
وَكَانَ على حلب تتش بن ألب أرسلان فبقى بهَا
(2/19)

حَتَّى قتل فِي صفر سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَأَرْبع مائَة وملكها بعده ابْنه رضوَان بن تتش وبقى حَتَّى توفى سنة سبع وَخمْس مائَة وملكها بعده ابْنه ألب أرسلان بن رضوَان الْمَعْرُوف بالأخرس ثمَّ قَتله غلمانه فِي سنة ثَمَان وَخمْس مائَة وملكها بعده ابْنه سُلْطَان شاه بن رضوَان ثمَّ انتزعها مِنْهُ إيلغازى بن أرتق وَسلمهَا لوَلَده تمرتاش بن إيلغازى ثمَّ غلب عَلَيْهَا سُلَيْمَان بن إيلغازى بن أرتق فبقى بهَا إِلَى مَا بعد خلَافَة المستظهر
وَكَانَت طرابلس بيد أَبى على بن عمار فَبَقيت بِيَدِهِ حَتَّى ملكهَا مِنْهُ الفرنج واستولوا عَلَيْهَا فِي حادى عشر ذى الْحجَّة سنة ثَلَاث وَخمْس مائَة وَقتلُوا ونهبوا وَسبوا فَبَقيت بِأَيْدِيهِم مائَة وَأَرْبَعمِائَة وَثَمَانِينَ سنة على مَا سيأتى ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَكَانَت حماة بيد طغتكين أتابك دولة رضوَان بن
(2/20)

تتش السلجوقى ملكهَا فِي سنة تسع وَخمْس مائَة ثمَّ انتزعها مِنْهُ السُّلْطَان مُحَمَّد بن ملكلشاه السلجوقى فِي السّنة الْمَذْكُورَة وَسلمهَا للأمير فيرخان بن قراجا ثمَّ ملكهَا تورى بن طغتكين وَقرر بهَا ابْنه سونج فَبَقيت بِيَدِهِ إِلَى مَا بعد خلَافَة المستظهر
وَكَانَ على مَكَّة مُحَمَّد بن جَعْفَر من الهواشم فَمَاتَ فِي سنة سبع وَثَمَانِينَ وَأَرْبع مائَة لثلاث وَثَلَاثِينَ سنة من إمارته وَولى بعده ابْنه قَاسم فاضطربت الْأُمُور عَلَيْهِ وبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة المستظهر وَلم أدر من كَانَ على الْمَدِينَة فِي خِلَافَته
وَكَانَ على الْيمن أَبُو حمير سبأ فبقى حَتَّى توفى سنة خمس وَتِسْعين وَأَرْبع مائَة وَهُوَ آخر مُلُوك الصليحيين وَبقيت الْيمن شاغرة عَن ملك إِلَى مَا بعد خلَافَة المستظهر هَذَا ماأورده صَاحب حماة فِي تَارِيخه وَقيل كَانَ الْملك الْمُقدم فِي سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَأَرْبع مائَة جياش بن نجاح وَمَات سنة ثَمَان وَتِسْعين وَأَرْبع مائَة ثمَّ ملك بعده
(2/21)

مَنْصُور بن فاتك بن جياش بن نجاح ثمَّ ملك بعده ابْنه فاتك بن مَنْصُور بن فاتك
وَكَانَ مَا وَرَاء النَّهر بيد أرسلان خَان بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان ابْن دَاوُد بن نجراخان من بنى سيق خَان الذى كَانَ قد رأى فِي مَنَامه أَنه أسلم فَأسلم يقظة فَقبض عَلَيْهِ السُّلْطَان سنجر السلجوقى فِي سنة أَربع وَعشْرين وَخمْس مائَة وحبسه فَمَاتَ فِي الْحَبْس وَولى مَكَانَهُ بسمرقند أَبَا المعالى طمغاج الْحسن بن على من أَعْيَان بَيت الْخَانِية وَلم تطل مدَّته فولى بعده مَحْمُود بن أرسلان خَان فِي سنة ثِنْتَيْنِ وَعشْرين وَخمْس مائَة وبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة المستظهر
وَكَانَ على خُرَاسَان السُّلْطَان سنجر بن ملكلشاه السلجوقى فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة المستظهر
وَكَانَ على غزنة مَسْعُود بن إِبْرَاهِيم بن مَسْعُود من بنى سبكتكين فبقى حَتَّى توفى سنة ثَمَان وَخمْس مائَة وَملك بعده أرسلان شاه بن مَسْعُود ثمَّ ملكهَا مِنْهُ بهْرَام شاه
(2/22)

أَخُوهُ بمعاضده السُّلْطَان سنجر السلجوقى صَاحب خُرَاسَان وَمَا مَعهَا وخطب بهَا لملوك بنى سلجوق ثمَّ لبهرام شاه ثمَّ امسك اخاه ارسلان شاه وحنقه واستقل بالسلطنة سنة اثنتى عشرَة وَخمْس مائَة وبقى بهْرَام شاه إِلَى مَا بعد خلَافَة المستظهر
وَكَانَ على إفريقية تَمِيم بن الْمعز بن باديس فَمَاتَ سنة إِحْدَى وَخمْس مائَة وَملك بعده ابْنه يحيى بن تَمِيم فراجع طَاعَة الْخُلَفَاء الفاطميين بِمصْر ووصلته المخاطبات والهدايا والتحف مِنْهُم وَأكْثر غَزْو الفرنج حَتَّى أعْطى الْجِزْيَة من وَرَاء الْبَحْر وبقى حَتَّى مَاتَ فَجْأَة بقصره سنة تسع وَخمْس مائَة وَملك بعده ابْنه على بن يحيى فدام على مَا كَانَ عَلَيْهِ أَبوهُ من طَاعَة الْخُلَفَاء الفاطميين بِمصْر وبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة المستظهر
وَكَانَ الغرب الْأَقْصَى وتلمسان والغرب الْأَوْسَط بأسره بيد أَمِير الْمُسلمين يُوسُف بن تاشفين
(2/23)

وَكَانَ الأندلس قد غلب أَمِير الْمُسلمين يُوسُف بن تاشفين مِنْهُ على إشبيلية وَغَيرهَا ثمَّ استتبع الباقى مِنْهُ بأيدى مُلُوك الطوائف حَتَّى لم يبْق مِنْهُ إِلَّا سرقسطة بيد المستعين ابْن هود وَاسْتولى على العدوتين فَملك الأندلس والغرب الْأَقْصَى والغرب الْأَوْسَط وخاطب الْخَلِيفَة بِبَغْدَاد فقلده جَمِيع ذَلِك وبقى حَتَّى توفى سنة خمس مائَة وَملك بعده ابْنه عَليّ وتلقب بأمير الْمُسلمين أَيْضا فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة المستظهر
التَّاسِع وَالْعشْرُونَ من خلفاء بنى الْعَبَّاس بالعراق
المسترشد بِاللَّه
وَهُوَ أَبُو مَنْصُور الْفضل بن المستظهر بِاللَّه الْمُقدم ذكره
وَأمه ام ولد كَانَ فصيحا شهما حسن الْخط بُويِعَ لَهُ بالخلافة يَوْم موت أَبِيه فِي ربيع الآخر سنة اثنتى عشرَة وَخمْس مائَة وَقَامَ بِعقد الْبيعَة لَهُ القاضى أَبُو الْحسن الدامغانى وَالسُّلْطَان يَوْمئِذٍ مَحْمُود بن مُحَمَّد بن ملكشاه ابْن ألب أرسلان بن دَاوُد بن مِيكَائِيل السلجوقى وبقى
(2/24)

حَتَّى توفى قَتِيلا فِي السَّابِع وَالْعِشْرين من ذى الْقعدَة سنة تسع وَعشْرين وَخمْس مائَة وعمره ثَلَاث وَأَرْبَعُونَ سنة وَثَلَاثَة أشهر وَمُدَّة خِلَافَته سبع عشرَة سنة وسته عشر يَوْمًا وَكَانَ لَهُ أَوْلَاد مِنْهُم الراشد الآتى ذكره
الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
فِي سنة ثَلَاث عشرَة وَخَمْسمِائة سَار السُّلْطَان سنجر بن ملكشاه السلجوقى لِحَرْب ابْن أَخِيه السُّلْطَان مَحْمُود بن مُحَمَّد والتقيا بالرى فَانْهَزَمَ مَحْمُود وَنزل السُّلْطَان سنجر فِي خيامه ثمَّ وَقع الصُّلْح بَينهمَا على ان يخْطب للسُّلْطَان سنجر أَولا ثمَّ بعده للسُّلْطَان مَحْمُود وَاسْتولى سنجر على الرى واستضافها إِلَى مَا بِيَدِهِ وَقدم مَحْمُود إِلَى عَمه سنجر بالرى فَأكْرمه وَأحسن نزله وَفِي سنة أَربع عشرَة وَخَمْسمِائة كَانَ لمسعود بن السُّلْطَان مُحَمَّد الْموصل واذربيجان فَخَطب مَسْعُود لنَفسِهِ بالسلطنة وَجمع عسكره وَسَار إِلَى أَخِيه مَحْمُود والتقيا فَانْهَزَمَ مَسْعُود واختفى ثمَّ طلب من أَخِيه مَحْمُود الْأمان فآمنه فَقدم عَلَيْهِ فَأحْسن تلقيه وَكَانَ
(2/25)

السُّلْطَان مَحْمُود قد عَاد إِلَى بَغْدَاد فَخرج عَنْهَا فِي هَذِه السّنة ثمَّ توفى السُّلْطَان مَحْمُود فِي سنة خمس وَعشْرين وَخَمْسمِائة بهمذان وأقيم وَلَده دَاوُد فِي السلطنة مَكَانَهُ ثمَّ فِي سنة سِتّ وَعشْرين وَخَمْسمِائة كَانَ بَين الْخَلِيفَة المسترشد وَبَين عماد الدّين زنكى بن آق سنقر محاربة وعدى فِيهَا الْخَلِيفَة من الْجَانِب الشرقى من بَغْدَاد إِلَى الْجَانِب الغربى مِنْهَا ثمَّ التقيا بحصن البرامكة فَحمل زنكى على ميمنة الْخَلِيفَة فهزمها ثمَّ حمل الْخَلِيفَة بِنَفسِهِ مَعَ بَقِيَّة الْعَسْكَر فَانْهَزَمَ زنكى وَفِي سنة تسع وَعشْرين وَخَمْسمِائة الْعَسْكَر فَانْهَزَمَ زنكى وَفِي سنة تسع وَعشْرين وَخَمْسمِائة جرى بَين الْخَلِيفَة المسترشد وَبَين السُّلْطَان مَسْعُود ابْن مُحَمَّد بن ملكشاه حَرْب كَانَ منشؤها ان سَار جمَاعَة من أَصْحَاب السُّلْطَان إِلَى الْخَلِيفَة وهونوا عَلَيْهِ أَمر السطان مَسْعُود فَخرج الْخَلِيفَة من بَغْدَاد وَسَار لقِتَال مَسْعُود وَسَار مَسْعُود لملاقاته واتقعوا فِي عَاشر رَمَضَان من السّنة فَصَارَ غَالب عَسْكَر الْخَلِيفَة إِلَى مَسْعُود وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ وَأخذ المسترشد أَسِيرًا وَنهب عسكره ثمَّ سَار مَسْعُود من همذان إِلَى مراغة والمسترشد مَعَه مأسور فِي
(2/26)

خيمة مُنْفَرِدَة بعد أَن وَقع الِاتِّفَاق بَينهمَا على مَال يحملهُ إِلَيْهِ الْخَلِيفَة وَأَن لَا يعود يخرج من بَغْدَاد فَوَثَبت الباطنية على المسترشد فَقَتَلُوهُ وجدعوا أَنفه وَقَطعُوا أُذُنَيْهِ وَأخذ السُّلْطَان مَسْعُود الْبردَة والقضيب فَتَركهُمَا عِنْده
ولايات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته
كَانَ على مصر فِي أَيَّامه الْآمِر بِأَحْكَام الله الفاطمى فبقى حَتَّى قتل بِجَزِيرَة مصر فِي الثَّالِث من ذى الْقعدَة سنة خمس وَعشْرين وَخَمْسمِائة وَولى بعده ابْن عَمه الْحَافِظ لدين الله أَبُو الميمون عبد الْمجِيد بن الْأَمِير أَبى الْقَاسِم مُحَمَّد فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة المسترشد
وَكَانَ على دمشق طغتكين أتابك فبقى حَتَّى توفى فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَخَمْسمِائة وَملك بعده ابْنه تَاج الْمُلُوك بورى بِعَهْد من أَبِيه وَتوفى فِي سنة سِتّ وَعشْرين
(2/27)

وَخَمْسمِائة وَملك بعده ابْنه شمس الْمُلُوك إِسْمَاعِيل بِعَهْد من أَبِيه ثمَّ ملك من بعده أَخُوهُ شهَاب الدّين مَحْمُود بن بورى فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة المسترشد
وَكَانَ على حلب سُلَيْمَان بن إيلغازى بن أرتق وَعصى على أَبِيه فانتزعها مِنْهُ أَبوهُ وَسلمهَا لِابْنِ أَخِيه سُلَيْمَان بن عبد الْجَبَّار بن أرتق فِي رَمَضَان سنة سِتّ عشرَة وَخَمْسمِائة ثمَّ انتزعها مِنْهُ عَمه سليك بن بهْرَام بن أرتق وَقتل فِي سنة سبع عشرَة وَخَمْسمِائة وملكها بعده عَمه تمرتاش ابْن إيلغازى فِي ربيع الأول فِي السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ حاصرها الفرنج وَهِي فِي يَده فخلصها مِنْهُم آق سنقر البرسقي صَاحب الْموصل وملكها مَعَ ماردين فِي السّنة الْمَذْكُورَة وَقَتله الباطنية فِي سنة عشْرين وَخَمْسمِائة وملكها بعده ابْنه عز الدّين مَسْعُود بن آق سنقر واستخلف عَلَيْهَا رجلا من امرائه اسْمه قايماز ثمَّ اسْتخْلف عَلَيْهَا رجلا اسْمه قيفلغ ثمَّ انتزعها مِنْهُ سُلَيْمَان بن عبد الْجَبَّار بن أرتق الْمُقدم ذكره ثمَّ انتزعها مِنْهُ
(2/28)

عماد الدّين زنكى صَاحب الْموصل فِي الْمحرم سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَخَمْسمِائة وَملك مَعهَا حماة وحمص وبعلبك فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة المسترشد
وَكَانَت طرابلس بيد الفرنج
وَكَانَت حماة بيد سونج بن تورى بن طغتكين فبقى بهَا حَتَّى انتزعها مِنْهُ عماد الدّين زنكى على مَا تقدم ثمَّ انتزعها مِنْهُ بعد ذَلِك تَاج الْمُلُوك إِسْمَاعِيل بن بورى ابْن طغتكين فِي سنة سبع وَعشْرين وَخَمْسمِائة فَبَقيت فِي يَده إِلَى مَا بعد خلَافَة المسترشد
وَكَانَ على مَكَّة قَاسم بن مُحَمَّد بن جَعْفَر فبقى حَتَّى توفى سنة ثَمَان عشرَة وَخَمْسمِائة وَولى بعده ابْنه فليتة فَافْتتحَ إمارته بِالْخطْبَةِ للعباسيين وَحسن الثَّنَاء عَلَيْهِ وبقى حَتَّى مَاتَ سنة سبع وَعشْرين وَخَمْسمِائة وَولى بعده ابْنه قَاسم فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة المسترشد
(2/29)

وَلم يتحرر لى من كَانَ على الْمَدِينَة فِي زَمَانه
وَكَانَ على الْيمن فاتك بن مَنْصُور فبقى بهَا إِلَى مَا بعد خلَافَة المسترشد
وَكَانَ مَا وَرَاء النَّهر بيد مَحْمُود بن أرسلان خَان فغلبه عَلَيْهَا كوخان ملك الصين فبقى إِلَى مَا بعده خلَافَة المسترشد
وَكَانَ على خُرَاسَان وَمَا وَرَاء النَّهر السُّلْطَان سنجر بن ملكشاه السلجوقى فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة المسترشد وَكَانَت غزنة وَمَا مَعهَا بيد بهْرَام شاه بن مَسْعُود من بنى سبكتكين فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة المسترشد
وَكَانَ على افريقية على بن يحيى من بنى الْمعز بن باديس فبقى حَتَّى مَاتَ سنة خمس عشرَة وَخَمْسمِائة وَملك بعده ابْنه الْحسن بن على وَهُوَ ابْن ثنتى عشرَة سنة وَقَامَ بأَمْره مَوْلَاهُ صندل ثمَّ مَوْلَاهُ موفق وغلبه الفرنج على المهدية وبلاد السَّاحِل كلهَا إِلَى أَن استنقذها مِنْهُم عبد الْمُؤمن شيخ الْمُوَحِّدين وبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة المسترشد
(2/30)

وَكَانَ على الغرب الْأَقْصَى على بن يُوسُف بن تاشفين وعَلى رَأس أَربع عشرَة سنة من ولَايَته كَانَ ظُهُور المهدى بن تومرت ودام ملكه إِلَى مَا بعد خلَافَة المسترشد
وَكَانَ الأندلس بيد عَليّ بن يُوسُف بن تاشفين فِيمَا كَانَ بيد أَبِيه فاستمر على ذَلِك وَفِي أَيَّامه استولى الأوفونش ملك الفرنج على سرقسطة من شَرق الأندلس وَعقد لوَلَده تاشفين بن عَليّ على غرب الأندلس سنة سِتّ وَعشْرين وَخَمْسمِائة وأنزله قرطبة وإشبيلية وَعقد لأبى بكر بن إِبْرَاهِيم على شَرق الأندلس وأنزله بلنسية وَعقد لِابْنِ غانية على الجزائر الشرقية وأنزله دانية وميورقة ومنورقة وبقى الْأَمر على ذَلِك إِلَى مَا بعد خلَافَة المسترشد
الثَّلَاثُونَ من خلفاء بنى الْعَبَّاس بالعراق
الراشد بِاللَّه
وَهُوَ ابو جَعْفَر الْمَنْصُور بن المسترشد الْمُقدم ذكره ولى الْخلَافَة بِعَهْد من أَبِيه المسترشد ثمَّ بُويِعَ لَهُ بهَا بعد
(2/31)

وَفَاته فِي الْيَوْم الذى مَاتَ فِيهِ وَهُوَ يَوْم الِاثْنَيْنِ السَّابِع وَالْعشْرُونَ من ذى الْقعدَة سنة تسع وَعشْرين وَخَمْسمِائة وَقَامَ ببيعته السُّلْطَان مَسْعُود بن مُحَمَّد بن ملكشاه السلجوقى وَكتب بذلك إِلَى بَغْدَاد فبويع لَهُ بهَا وَحضر بيعَته اُحْدُ وَعِشْرُونَ رجلا من أَوْلَاد الْخُلَفَاء وبقى حَتَّى توفى قَتِيلا بأصفهان فِي الحادى وَالْعِشْرين من رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة وَمُدَّة خِلَافَته شهر وَأحد عشر يَوْمًا وَكَانَ لَهُ أَوْلَاد مِنْهُم الْحسن جد الْخُلَفَاء بالديار المصرية
الْحَوَادِث والماجرايات فِي خِلَافَته
كَانَ الراشد قد اتّفق مَعَ عماد الدّين زنكى وَغَيره من مُلُوك الْأَطْرَاف على خلاف السُّلْطَان مَسْعُود الْمُقدم وَذكره
(2/32)

وَطَاعَة دَاوُد بن السُّلْطَان مَحْمُود فَبلغ ذَلِك السُّلْطَان مَسْعُود فَسَار إِلَى بَغْدَاد وحصرها وَوَقع بهَا النهب من العيارين والمفسدين وَأقَام محاصرا لَهَا نيفا وَخمسين يَوْمًا فارتحل عَنْهَا إِلَى النهروان ثمَّ عَاد إِلَى بَغْدَاد وَقد اخْتلفت كلمة عساكرها فَسَار السُّلْطَان دَاوُد إِلَى بِلَاده بِأَذربِيجَان وَسَار الْخَلِيفَة مَعَ عماد الدّين زنكى إِلَى جِهَة الْموصل فَسَار السُّلْطَان مَسْعُود إِلَى بَغْدَاد واستقربها فِي منتصف ذى الْقعدَة من هَذِه السّنة وَجمع الْقُضَاة وكبار بَغْدَاد فَأَجْمعُوا على خلع الراشد بِسَبَب انه عَاهَدَ السُّلْطَان مسعودا على أَن لَا يقاتله وَمَتى خَالف ذَلِك فقد خلع نَفسه ونسبت إِلَيْهِ أُمُور مُنكرَة ارتكبها فَحكم بِفِسْقِهِ وَكتب محْضر بخلعه وجهز إِلَى عماد الدّين زنكى بالموصل فَأثْبت على قاضى الْموصل وَفَارق الراشد زنكى وَسَار من الْموصل إِلَى مراغة وَاجْتمعَ بالسلطان دَاوُد بن مَحْمُود وملوك تِلْكَ النواحي فاتفقوا على خلاف السُّلْطَان مَسْعُود وقتاله وإعادة الراشد إِلَى الْخلَافَة وَأقَام الراشد مهمذان فَسَار السُّلْطَان مَسْعُود إِلَى السُّلْطَان
(2/33)

دَاوُد وَكَانَت بَينهم حَرْب انهزم فِيهَا دَاوُد فَسَار دَاوُد إِلَى فَارس وهزمت تِلْكَ الجموع فَسَار الراشد إِلَى أصفهان للإقامة بهَا فَوَثَبَ عَلَيْهِ بعض الخراسانيين الَّذين كَانُوا فِي خدمته عِنْد القيلولة فَقتله على مَا تقدم
ولايات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته
كَانَ على مصر الْحَافِظ لدين الله الفاطمى فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الراشد
وَكَانَ على دمشق شهَاب الدّين مَحْمُود بن بورى فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الراشد
وَكَانَت حماة بيد الْعَادِل نور الدّين مَحْمُود بن زنكى
وَكَانَت طرابلس بيد الفرنج
وَكَانَ على مَكَّة قَاسم بن فليته فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الراشد وَالْخطْبَة مُتَّصِلَة للعباسين وَلم أحقق من كَانَ فِي أَيَّامه على الْمَدِينَة
(2/34)

وَكَانَ على الْيمن فاتك بن مَنْصُور فَبَقيَ إِلَى مَا بعد خلَافَة الراشد
وَكَانَ مَا وَرَاء النَّهر بيد كوخان صَاحب الصين فَبَقيَ إِلَى مَا بعد خلَافَة الراشد
وَكَانَ على خُرَاسَان السُّلْطَان سنجر بن ملكشاه السلجوقي فَبَقيَ إِلَى مَا بعد خلَافَة الراشد وَكَانَ على غزنة بهْرَام شاه بن مَسْعُود بن سبكتكين فَبَقيَ إِلَى مَا بعد خلَافَة الراشد
وَكَانَ على إفريقية الْحسن بن عَليّ من بني باديس فَبَقيَ إِلَى مَا بعد خلَافَة الراشد
وَكَانَ على الغرب الْأَقْصَى والأوسط عَليّ بن يُوسُف بن تاشفين فَبَقيَ إِلَى مَا بعد خلَافَة الراشد
وَكَانَ الأندلس بيد عَليّ بن يُوسُف بن تاشفين أَيْضا فَبَقيَ إِلَى مَا بعد خلَافَة الراشد
الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ من خلفاء بني الْعَبَّاس بالعراق المقتفى لأمر الله
وَهُوَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن المستظهر الْمُقدم ذكره
(2/35)

وَأمه أم ولد وَهُوَ عَم الراشد كَانَ حسن السِّيرَة بُويِعَ لَهُ بالخلافة بِبَغْدَاد فِي شهر ربيع الأول سنة ثَلَاثِينَ وَخمْس مائَة بعد أَن وصل إِلَيْهِ السُّلْطَان مَسْعُود ابْن مُحَمَّد بن ملكشاه وتحالفا وَخرج السُّلْطَان وأحضر الْأُمَرَاء والقضاة وَالْفُقَهَاء وأرباب المناصب فَبَايعُوهُ وَبَقِي حَتَّى توفّي فِي ثَانِي ربيع الأول سنة خمس وَخمسين وَخمْس مائَة وعمره سِتّ وَسَبْعُونَ سنة وَمُدَّة خِلَافَته أَربع وَعِشْرُونَ سنة وَثَلَاثَة أشهر وَسَبْعَة عشر يَوْمًا وَكَانَ لَهُ من الْأَوْلَاد المستنجد ولى الْخلَافَة وَأَبُو جَعْفَر وَهُوَ أكبر من المستنجد
الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
فِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَخمْس مائَة وصل رَسُول السُّلْطَان سنجر وَمَعَهُ الْبردَة والقضيب اللَّذَان كَانَ أخذهما السُّلْطَان سنجر من المسترشد فأعيدا إِلَى المقتفى واستقل
(2/36)

بِالْأَمر دون سُلْطَان مَعَه وَكَانَ يبْذل الْأَمْوَال الْعَظِيمَة لأَصْحَاب الْأَخْبَار من الجواسيس فِي جَمِيع الْبِلَاد حَتَّى لَا يكون يفوتهُ شئ من أَخْبَارهَا
وَفِي سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَخمْس مائَة قتل السُّلْطَان دَاوُد ابْن مُحَمَّد السلجوقي غيلَة
وَفِي سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَخمْس مائَة اعتقل الْخَلِيفَة المقتفي أَخَاهُ أَبَا طَالب وضيق عَلَيْهِ واحتاط على غَيره من أَقَاربه وَمَات السُّلْطَان مَسْعُود فِي أول رَجَب سنة سبع وَأَرْبَعين وَخمْس مائَة وَمَات بِمَوْتِهِ سَعَادَة الْبَيْت السلجوقي فَلم ترفع لَهُ بعد ذَلِك راية يعْتد بهَا وَكَانَ مَوته بعد أَن عهد بِالْملكِ إِلَى ابْن أَخِيه ملكشاه بن مَحْمُود ابْن مُحَمَّد بن ملكشاه فَقعدَ فِي السلطنة بعده وخطب لَهُ بهَا وتغلب على السلطنة فِي زَمَانه شخص اسْمه خَاص بك كَانَ من أَتبَاع السُّلْطَان مَسْعُود ثمَّ قبض على السُّلْطَان ملكشاه بن مَحْمُود وحبسه وَأرْسل إِلَى أَخِيه مُحَمَّد بن مَحْمُود وَهُوَ بخوزستان فَحَضَرَ وَتَوَلَّى السلطنة وَجلسَ على سَرِير الْملك وَكَانَ قصد
(2/37)

خَاص بك أَن يقبض على السُّلْطَان مُحَمَّد أَيْضا ويخطب لنَفسِهِ بالسلطنة فبدره السُّلْطَان مُحَمَّد فِي ثَانِي يَوْم وُصُوله فَقتله ثمَّ سَار السُّلْطَان مُحَمَّد بن مَحْمُود فِي سنة إِحْدَى وَخمسين وَخمْس مائَة بعساكر كَثِيرَة إِلَى بَغْدَاد وحصرها وحصن المقتفي الْخَلِيفَة دَار الْخلَافَة واعتد للحصار وَاشْتَدَّ الْأَمر على أهل بَغْدَاد فَبَيْنَمَا هم على ذَلِك إِذْ بلغ السُّلْطَان مُحَمَّدًا أَن أَخَاهُ ملكشاه تحرّك على بِلَاده وَوصل همذان فَرَحل السُّلْطَان مُحَمَّد عَن بَغْدَاد وَسَار نَحْو أَخِيه فِي الرَّابِع وَالْعِشْرين من ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَخمْس مائَة
وَمَات السُّلْطَان سنجر صَاحب خُرَاسَان بِمَدِينَة مرو من خُرَاسَان على مَا تقدم
وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَخمْس مائَة اقتلع الْخَلِيفَة المقتفي بَاب الْكَعْبَة وَعمل عوضه بَابا مصفحا بِالْفِضَّةِ المذهبة وَعمل لنَفسِهِ من الْبَاب الأول تابوتا يدْفن فِيهِ وَفِي سنة أَربع وَخمسين وَخمْس مائَة توفّي السُّلْطَان مُحَمَّد بن مَحْمُود الَّذِي كَانَ قد حاصر بَغْدَاد
(2/38)

بهمذان وَطلب الْأُمَرَاء عَمه سُلَيْمَان شاه بن مُحَمَّد وَكَانَ معتقلا بالموصل فَحَضَرَ وَولي مَوضِع ابْن أَخِيه مُحَمَّد بن مَحْمُود وَكَانَ فِيهِ خرق وتهور وَضعف فِي الدّين حَتَّى يُقَال إِنَّه كَانَ يشرب الْخمر فِي رَمَضَان نَهَارا فتسلط عَلَيْهِ الْجند حَتَّى لم يبْق لَهُ مَعَهم أَمر ثمَّ قبض عَلَيْهِ وَحبس وأقيم أرسلان شاه بن طغرل بن مُحَمَّد بن ملكشاه فِي السلطنة مقَامه وخطب لَهُ بهَا وَبعث إِلَى بَغْدَاد ليخطب لَهُ فِيهَا بالسلطنة على عَادَة الْمُلُوك السلجوقية فَلم يجب إِلَى ذَلِك وَبقيت الْخطْبَة فِي بَغْدَاد للخليفة وَحده وَبَقِي الْأَمر على ذَلِك إِلَى وَفَاة المقتفي
ولايات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته
كَانَ على مصر الْحَافِظ لدين الله الفاطمي فَتوفي سنة أَربع وَأَرْبَعين وَخمْس مائَة وَولي بعده ابْنه الظافر بِأَمْر الله إِسْمَاعِيل بن حَافظ الْمُقدم ذكره فَبَقيَ حَتَّى قتل فِي سنة تسع وَأَرْبَعين وَخمْس مائَة وَولي بعده أبنه الفائز بنصر الله أَبُو الْقَاسِم عِيسَى بن الظافر صَبِيحَة وَفَاة أَبِيه فَبَقيَ إِلَى مَا بعد خلَافَة المقتفي
(2/39)

وَكَانَ على دمشق شهَاب الدّين مَحْمُود بن بورى فَقتل سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة وَملك بعده أَخُوهُ جمال الدّين مُحَمَّد بن بورى وَتُوفِّي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة وَملك بعده أبنه مجير الدّين أرتق بن مُحَمَّد وَفِي أَيَّامه تغلبت الفرنج على ناحيه دمشق ثمَّ أنتزعها مِنْهُم الْملك الْعَادِل نور الدّين مَحْمُود بن زنكي الْمَعْرُوف بِنور الدّين الشَّهِيد فملكها فِي سنه تسع وَأَرْبَعين وَخمْس مائَة وأجتمع لَهُ ملك جَمِيع الشَّام وَهُوَ الَّذِي بنى أسوار مدن الشَّام حِين وَقعت بالزلازل من دمشق وحماة وحمص وحلب وشيزر وبعلبك وَغَيرهَا فَبَقيَ إِلَى مَا بعد خلَافَة المقتفي
وَكَانَ على حلب عماد الدّين الزنكي فَبَقيَ إِلَى مَا بعد خلَافَة المقتفي وَكَانَت حماة بِيَدِهِ قبل ذَلِك وَكَانَت طرابلس بيد الفرنج وَكَانَ على مَكَّة قَاسم بن فليتة وَالْخطْبَة بِمَكَّة منسحبة لبني الْعَبَّاس وَبَقِي قَاسم الْمَذْكُور إِلَى مَا بعد خلَافَة المقتفي
(2/40)

وَكَانَ على الْمَدِينَة قَاسم بن مهنى فَتوفي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَخمْس مائَة وَولي بعده أبنه سَالم بن قَاسم فَبَقيَ إِلَى مَا بعد خلَافَة المقتفي
قَالَ الْمُؤَيد صَاحب حماة فِي تَارِيخه وَكَانَ مَعَ السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب فِي فتوحاته يتبرك بِهِ ويتيمن بِصُحْبَتِهِ وَيرجع إِلَى قَوْله
وَكَانَ على الْيمن فاتك بن مَنْصُور بن فاتك ثمَّ ملك من بعده أبن عَمه فاتك بن مُحَمَّد بن فاتك بن جياش بن نجاح فِي سنة أحدى وَثَلَاثِينَ وَخمْس مائَة وَقتل فِي سنة ثَلَاث وَخمسين وَخمْس مائَة وَهُوَ أحسن مُلُوك بني نجاح بهَا وأنتقلت مملكة الْيمن إِلَى بني مهْدي فَملك مِنْهُم بعد قتل فاتك عَليّ بن مهْدي وأستقر فِي الْملك بزبيد فِي رَابِع عشر رَجَب سنة أَربع وَخمسين وَخمْس مائَة ثمَّ مَاتَ بعد شَهْرَيْن وَإِحْدَى وَعشْرين يَوْمًا وَكَانَ مذْهبه التَّكْفِير بِالْمَعَاصِي وَقتل من خَالف ذَلِك وَملك بعده أبنه مهْدي بن عَليّ فَبَقيَ إِلَى مَا بعد خلَافَة المقتفي
(2/41)

وَكَانَ مَا وَرَاء النَّهر بيد كوخان ملك الصين فَمَاتَ سنه سبع وَثَلَاثِينَ وَخمْس مائَة وملكت بعده أبنته وَثمّ مَاتَت قَرِيبا وَملك بعْدهَا أمهَا زَوْجَة كوخان وبقى مَا وَرَاء النَّهر بعد ذَلِك بيد الخطا الى أَن غلبهم عَلَيْهِ عَلَاء الدّين مُحَمَّد بن خوارزم شاه سنة ثنتى عشرَة وسِتمِائَة فَبَقيَ فِي يَده حَتَّى انتزعه مِنْهُ بَنو جنكزخان مُلُوك التتر فِي سنة سبع عشرَة وثمان مائَة
وَكَانَ على خُرَاسَان السُّلْطَان سنجر بن ملكشاه السلجوقي فَمَاتَ فِي ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَخَمْسمِائة وَكَانَ موطنه مرو من خُرَاسَان وخطب لَهُ على أَكثر مَنَابِر الْإِسْلَام بالسلطنة نَحْو أَرْبَعِينَ سنة وَكَانَ قبلهَا يُخَاطب بِالْملكِ عشْرين سنة وَلما حَضرته الْوَفَاة اسْتخْلف على خُرَاسَان ابْن أُخْته الْملك مَحْمُود بن مُحَمَّد بن بغراخان فَأَقَامَ على خوف من الغز حَتَّى انتزعها مِنْهُ خوارزم شاه أطسز بن مُحَمَّد بن أنوشتكين فَبَقيَ إِلَى مَا بعد خلَافَة المقتفي
وَكَانَ على غزنة بهْرَام شاه بن مَسْعُود من بني سبكتكين
(2/42)

فَتوفي وَملك بعده ابْن ابْنه ملكشاه بن خسروشاه فَبَقيَ إِلَى مَا بعد خلَافَة المقتفي
وَكَانَ على إفريقية الْحسن بن عَليّ من بني الْمعز بن باديس فغلبه عَلَيْهَا الموحدون وانتزعها مِنْهُ عبد الْمُؤمن بن عَليّ أحد أَصْحَاب الْمهْدي بن تومرت وَلحق الْحسن بالجزائر فَنزل بهَا حَتَّى فتح الموحدون الجزائر سنة سبع وَأَرْبَعين وَخمْس مائَة فَخرج إِلَى عبد الْمُؤمن فَأحْسن إِلَيْهِ وَبَقِي مَعَه حَتَّى افْتتح المهدية فِي سنة ثَلَاث وَخمسين وَخمْس مائَة فأنزله بهَا فَأَقَامَ بهَا ثَمَانِي سِنِين ثمَّ سَار إِلَى مراكش فَمَاتَ بهَا
وَكَانَ على الغرب الْأَقْصَى والأوسط على بن يُوسُف بن تاشفين فَمَاتَ سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَخمْس مائَة وَقد ضعفت كلمة المرابطين لظُهُور الْمُوَحِّدين وَقَامَ بِالْأَمر بعده وَلَده تاشفين بن عَليّ وَأخذ بِطَاعَتِهِ وبيعته أهل العدوتين وَنزل تلمسان وَقد استفحل أَمر الْمُوَحِّدين فقصده الموحدون ففر مِنْهُم وفقد سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَخمْس مائَة
(2/43)

وَملك بعده ابْنه إِبْرَاهِيم بن تاشفين بن عَليّ فألفوه عازجا فخلوه وَولي مَكَانَهُ عَمه إِسْحَاق بن عَليّ بمراكش وَقد ملك الموحدون جَمِيع بِلَاد الْمغرب فقصدوه فِي مراكش فَخرج إِلَيْهِم فِي خاصته فَقَتَلُوهُ وفر أُمَرَاء المرابطين فِي كل وَجه
وَكَانَ مَا بَقِي من الأندلس بيد على بن يُوسُف بن تاشفين فانتقل ذَلِك بعده إِلَى ابْنه تاشفين ثمَّ إِلَى إِبْرَاهِيم بن تاشفين ثمَّ إِلَى إِسْحَاق بن عَليّ بن يُوسُف بن تاشفين فَقتل بمراكش على مَا تقدم وعدي عبد الْمُؤمن شيخ الْمُوَحِّدين إِلَى الأندلس فملكه فِي سنة إِحْدَى وَخمسين وَخمْس مائَة وأجتمع لَهُ إفريقية وَالْمغْرب الْأَوْسَط وَالْمغْرب الْأَقْصَى والأندلس وَبَقِي إِلَى مَا بعد خلَافَة المقتفى
الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ من خلفاء بني الْعَبَّاس بالعراق المستنجد بِاللَّه
وَهُوَ أَبُو المظفر يُوسُف بن المقتفي الْمُقدم ذكره
(2/44)

وَأمه أم ولد أسمها طَاوُوس وَكَانَ أسمر تَامّ الْقَامَة طَوِيل اللِّحْيَة حسن السِّيرَة شَدِيدا على أهل العيث وَالْفساد بُويِعَ لَهُ بالخلافة بعد وَفَاة أَبِيه فِي رَجَب سنة خمس وَخمسين وَخمْس مائَة وأجتمع على بيعَته أهل بَيته وأقاربه وَعَمه أَبُو طَالب وَأَخُوهُ أَبُو جَعْفَر ثمَّ بَايعه الْوَزير عون الدّين بن هُبَيْرَة قَاضِي الْقُضَاة وَغَيرهم من وُجُوه النَّاس وَبَقِي حَتَّى توفّي فِي تَاسِع ربيع الآخر سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَخمْس مائَة وَكَانَ سَبَب مَوته فِيمَا يُقَال أَنه مرض فأشتد مَرضه فدبر عَلَيْهِ مَعَ الطَّبِيب أَنه يدْخل الْحمام فدخله على ضعف فَمَاتَ وعمره إِحْدَى وَسِتُّونَ سنة وَأشهر وَمُدَّة خِلَافَته إِحْدَى عشرَة سنة وَأشهر وَكَانَ لَهُ أَوْلَاد مِنْهُم المستضئ بِاللَّه الْآتِي ذكره
(2/45)

الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
اطلق فِي أَيَّامه أَشْيَاء كَثِيرَة من المكوس وَكَانَ شَدِيدا على أهل العيث وَالْفساد وَفِي سنه ثَمَان وَخمسين وَخمْس مائَة أَمر المستنجد الْخَلِيفَة باجلاء بني أَسد أهل الْحلَّة لفسادهم فَقتل جمَاعَة مِنْهُم وهرب الْبَاقُونَ وسلمت بطائحهم إِلَى رجل يُقَال لَهُ أبن مَعْرُوف
ولآيات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته
كَانَ على مصر الفائز بنصر الله فَتوفي فِي سَابِع عشر رَجَب سنة خمس وَخمسين وَخمْس مائَة وَولي بعده العاضد لدين الله أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن يُوسُف يَوْم وَفَاة الفائز ووزر لَهُ أَسد الدّين شيركوه بن شادي ثمَّ وزر لَهُ أبن أَخِيه السُّلْطَان صَلَاح الدّين وَبَقِي العاضد إِلَى مَا بعد خلَافَة المستنجد
وَكَانَت دمشق وحماه وَمَا مَعهَا من الْبِلَاد الشامية وَبَعض بِلَاد الجزيرة وَغير ذَلِك بيد الْعَادِل نور الدّين مَحْمُود
(2/46)

وَتُوفِّي يَوْم الْأَرْبَعَاء الْحَادِي عشر شَوَّال سنه تسع وَسِتِّينَ وَخمْس مائَة بقلعة دمشق وَكَانَ قد أتسع ملكه وخطب لَهُ بِالْحرم واليمن ومصر وطبق ذكره الأَرْض وَملك بعده ابْنه الْملك الصَّالح إِسْمَاعِيل وعمره إِحْدَى عشرَة سنه وَحلف لَهُ الْعَسْكَر بِدِمَشْق وأطاعه السُّلْطَان صَلَاح الدّين بِمصْر وخطب لَهُ بهَا وَضربت السِّكَّة بأسمه وَملك غَازِي بن مودود بن زنكي الْبِلَاد الجزرية بعد نور الدّين وَبَقِي الْملك الصَّالح إِلَى مَا بعد خلَافَة المستنجد
وَكَانَت حلب بيد عماد الدّين زنكي إِلَى مَا بعد خلَافَة المستنجد وَكَانَت طرابلس بيد الفرنج وَكَانَ على مَكَّة قَاسم بن فليته فَخَطب للمستنجد كَمَا كَانَ يخْطب لِأَبِيهِ المقتفي ثمَّ قتل قَاسم سنة سِتّ وَخمسين وَخمْس مائَة وَولي بعده ابْنه عِيسَى وَالَّذِي ذكره صَاحب حماة فِي تَارِيخه أَن عِيسَى عَم قَاسم سير
(2/47)

الْحَاج سنة سِتّ وَخمسين وَخمْس مائَة وَقَامَ مَكَان أبن أَخِيه قَاسم الْمَذْكُور ثمَّ عَاد قَاسم فَملك مَكَّة ثمَّ هرب وَعَاد عَمه عِيسَى فملكها وهرب قَاسم إِلَى جبل ابي قبيس فَوَقع عَن فرسه فأمسكه عِيسَى وَقَتله وَكَانَ على المدينه سَالم بن قَاسم فَبَقيَ إِلَى مَا بعد خلَافَة المستنجد
وَكَانَ على الْيمن مهْدي بن عَليّ بن مهْدي ثمَّ ملكه بعده أبنه عبد النَّبِي بن مهْدي ثمَّ ملك بعده عَمه عبد الله بن مهْدي ثمَّ عَاد عبد النَّبِي ثَانِيًا وَهُوَ آخِرهم وَبَقِي إِلَى مَا بعد خلَافَة المستنجد
وَكَانَ مَا وَرَاء النَّهر بيد مُلُوك بني جنكز خَان وَكَانَ على غزنة ملكشاه بن خسروشاه بن بهْرَام شاه بن مَسْعُود بن مَحْمُود من بني سبكتكين وَهُوَ آخِرهم ثمَّ أنتقل
(2/48)

الْملك إِلَى الْمُلُوك الغوريه فَملك بعد ملكشاه السبكتكيني عَلَاء الدّين الْحُسَيْن بن الْحُسَيْن وأستضاف غزنة إِلَى الْغَوْر فِي سنه خمس وَخمسين وَخمْس مائَة وتلقب بِالْملكِ الْمُعظم وَتُوفِّي سنه سِتّ وَخمسين وَخمْس مائَة وَملك بعده غياث الدّين مُحَمَّد فَبَقيَ إِلَى مَا بعد خلَافَة المستنجد
وَكَانَ على إفريقية والغرب الْأَقْصَى والغرب الْأَوْسَط والأندلس عبد الْمُؤمن بن عَليّ أحد أَصْحَاب الْمهْدي بن تومرت صَاحب دولة الْمُوَحِّدين فَبَقيَ حَتَّى توفّي بسلا من الغرب الْأَقْصَى فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنه ثَمَان وَخمسين وَخمْس مائَة وَولي بعده أبنه أَبُو يَعْقُوب يُوسُف بن عبد الْمُؤمن فاستولى على حميع مَا كَانَ بيد أَبِيه من الأندلس وَجَمِيع بِلَاد الْمغرب وَبَقِي إِلَى مَا بعد خلَافَة المستنجد
(2/49)

الثَّالِث وَالثَّلَاثُونَ من خلفاء بني الْعَبَّاس بالعراق المستضئ بِاللَّه
وَهُوَ ابو مُحَمَّد الْحسن بن المستنجد بِاللَّه الْمُقدم ذكره وَلم يل الْخلَافَة من اسْمه الْحسن غَيره وَغير الْحسن بن عَليّ رضى الله عَنهُ
وَأمه أم ولد أرمنية كَانَ عادلا حسن السِّيرَة بُويِعَ لَهُ بالخلافة بعد موت أَبِيه فِي تَاسِع ربيع الآخر سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَخمْس مائَة وبقى حَتَّى توفى فِي ذى الْقعدَة سنة خمس وَسبعين وَخمْس مائَة وَكَانَ مولده سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَخمْس مائَة وَمُدَّة خِلَافَته تسع سِنِين وَسَبْعَة أشهر وَكَانَ لَهُ اولاد مِنْهُم الإِمَام النَّاصِر لدين الله الآتى ذكره
(2/50)

الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
فِي سنة سبع وَسِتِّينَ وَخمْس مائَة قطع السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب الْخطْبَة بِمصْر للعاضد العلوى وأقامها للمستضئ الْمَذْكُور وَذَلِكَ أَنه لما تمكن أمرالسلطان صَلَاح الدّين بِمصْر وَهُوَ فِيهَا كالنائب لنُور الدّين مَحْمُود صَاحب الشَّام وَكَانَ العاضد قد مرض وَاشْتَدَّ مَرضه وَبعث السُّلْطَان نور الدّين للسُّلْطَان صَلَاح الدّين يحتم عَلَيْهِ قطع الْخطْبَة للعاضد وَالْخطْبَة للمستضئ فَفعل وَلم يعلم العاضد أحد من أهل بَيته بذلك خشيَة عَلَيْهِ من تَأْثِير ذَلِك فِيهِ من ضعفه وَلما وصل خبر الْخطْبَة بِمصْر إِلَى بَغْدَاد ضربت لَهَا البشائر عدَّة أَيَّام وسيرت الْخلْع إِلَى السلطانين نور الدّين وَصَلَاح الدّين والخطباء وسيرت الْأَعْلَام السود وَكَانَ العاضد قد راى فِي مَنَامه ان عقربا قد خرجت من مَسْجِد بِمصْر يعرفهُ فلدغته فَاسْتَيْقَظَ فَزعًا واستدعى معبرا فَعبر لَهُ ذَلِك بوصول أَذَى إِلَيْهِ من شخص بذلك الْمَسْجِد فَطلب من بِالْمَسْجِدِ فأحضر إِلَيْهِ شخص صوفى يُقَال لَهُ نجم الدّين الخوبشانى فَرَآهُ العاضد أَضْعَف من أَن يَنَالهُ مِنْهُ أَذَى فوصله بِمَال
(2/51)

وَصَرفه فَلَمَّا أَرَادَ السُّلْطَان صَلَاح الدّين إِزَالَة الدولة العلوية استفتى الْعلمَاء فِي ذَلِك فَكَانَ من جملَة من أفتى فِي ذَلِك الخوبشانى الْمَذْكُور وَزَاد فِيمَا كتب بِهِ حَتَّى سلب عَنْهُم الْإِيمَان فَكَانَ ذَلِك تاويل هَذِه الرُّؤْيَا وَهَذَا الخوبشانى هُوَ المدفون على الْقرب من تربة الإِمَام الشَّافِعِي رضى الله عَنهُ
ثمَّ فِي سنة سبع وَسِتِّينَ وَخمْس مائَة أَيْضا عزل الْخَلِيفَة المستضئ وزيره عضد الدّين رَئِيس الرؤساء وَحكم فِي دولته ظهير الدّين أَبُو بكر بن الْعَطَّار ثمَّ وَقع بَين المستضئ وَبَين أستادار قطب الدّين قايماز مقدم عَسْكَر بَغْدَاد فتْنَة نهبت فِيهَا دَار قايماز وهرب إِلَى الْحلَّة ثمَّ إِلَى الْموصل فَلحقه عَطش عَظِيم فِي الطَّرِيق هلك مِنْهُ أَكثر أَصْحَابه وَمَات قبل أَن يصل إِلَى الْموصل وَلما هرب قايماز خلع المستضئ على عضد الدّين الْوَزير وَأَعَادَهُ إِلَى الوزارة
وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَخمْس مائَة بنى السُّلْطَان
(2/52)

صَلَاح الدّين السُّور الدائر على مصر والقاهرة وقلعة الْجَبَل ودورة تِسْعَة وَعِشْرُونَ ألف ذِرَاع وثلاثمائة ذِرَاع بالذراع الهاشمى وَمَات السُّلْطَان صَلَاح الدّين والعمارة فِيهِ
ولايات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته
كَانَ على مصر العاضد لدين الله الفاطمى والقائم بتدبير دولته وزيره السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب وبقى حَتَّى توفى العاضد فِي يَوْم عَاشُورَاء من سنة سبع وَسِتِّينَ وَخمْس مائَة واستبد السُّلْطَان صَلَاح الدّين بمملكة مصر
وَكَانَت الْبِلَاد الشامية بأسرها بيد الْملك الصَّالح إِسْمَاعِيل بن الْعَادِل نور الدّين مَحْمُود بن زنكى وَالسُّلْطَان صَلَاح الدّين فِي طَاعَته كَمَا تقدم ثمَّ سَار السُّلْطَان صَلَاح الدّين إِلَى دمشق وملكها فِي سلخ ربيع الأول سنة سبعين وَخمْس مائَة وَملك مَعهَا حمص وحماه وَكَانَت حلب بيد عماد الدّين زنكى فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة المستضئ
(2/53)

وَكَانَت طرابلس بيد الفرنج
وَكَانَت مَكَّة بيد عِيسَى بن فليته وَذَلِكَ فِي أَيَّام العاضد آخر خلفاء الفاطميين بِمصْر ثمَّ ولى بعده ابْنه مكثر فَأمر المستضئ أَمِير الْحَاج العراقى بعزله فجرت بَينهمَا فتْنَة انهزم فِي آخرهَا مكثر إِلَى الْبَريَّة وَاسْتقر أَخُوهُ دَاوُد مَكَانَهُ وبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة المستضئ
وَكَانَ على الْيمن عبد النبى بن مهدى فَبَقيت الْيمن بِيَدِهِ إِلَى أَن استولت عَلَيْهَا الدولة الأيوبية مُلُوك مصر وَأول من ملكهَا مِنْهُم شمس الدولة توران شاه بن أَيُّوب انتزعها من عبد النبى الْمَذْكُور وأسره فِي سنة تسع وَسِتِّينَ وَخمْس مائَة وَاسْتولى عَلَيْهَا لِأَخِيهِ السُّلْطَان صَلَاح الدّين ثمَّ استناب عَلَيْهَا توران شاه خطار بن كَامِل الكنانى وَأقرهُ بزبيد وَرجع إِلَى الشَّام فِي سنة إِحْدَى وَسبعين وَخمْس مائَة فَأعْطَاهُ أَخُوهُ السُّلْطَان صَلَاح الدّين الْإسْكَنْدَريَّة وَأقرهُ بهَا فَكَانَ يحمل إِلَيْهِ المَال من
(2/54)

زبيد قَاعِدَة ملك الْيمن وَهُوَ بالإسكندرية وَبقيت بيد توران شاه إِلَى مَا بعد خلَافَة المستضئ
وَكَانَ مَا وَرَاء النَّهر بيد مُلُوك الخطا
وَكَانَ على خُرَاسَان وَمَا مَعهَا خوارزم شاه أرسلان بن أطسز بن مُحَمَّد بن أنوش تكين حَتَّى توفى سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَخمْس مائَة
وَكَانَ على غزنة غياث الدّين مُحَمَّد بن سَام أحد مُلُوك الغورية ثمَّ استولى عَلَيْهَا الغز وهم طَائِفَة من التّرْك كَانُوا قد استولوا على خُرَاسَان وأسروا السُّلْطَان سنجر السلجوقى فَبَقيت بِأَيْدِيهِم إِلَى مَا بعد خلَافَة المستضئ
وَكَانَ على إفريقية والغرب الْأَوْسَط والغرب الْأَقْصَى والأندلس الْمَنْصُور أَبُو يَعْقُوب يُوسُف بن عبد الْمُؤمن شيخ الْمُوَحِّدين وبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة المستضئ
(2/55)

الرَّابِع وَالثَّلَاثُونَ من خلفاء بني الْعَبَّاس بالعراق
النَّاصِر لدين الله
وَهُوَ الإِمَام أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن المستضيء بِاللَّه الْمُقدم ذكره قَالَ السُّلْطَان عماد الدّين صَاحب حماه فِي تَارِيخه كَانَ قَبِيح السِّيرَة فِي رَعيته ظَالِما لَهُم خرب فِي أَيَّامه الْعرَاق وتغرب أَهله فِي الْبِلَاد وَكَانَ يتشيع وَكَانَ منصرف الهمة إِلَى رمي البندق والطيور المناسيب وإلباس سراويلات الفتوة وَمنع رمي البندق إِلَّا أَن ينْسب إِلَيْهِ فَأَجَابَهُ النَّاس إِلَى ذَلِك إِلَّا شخص وَاحِد فَإِنَّهُ هرب من بَغْدَاد وَلم يجب إِلَى ذَلِك وَكَانَ من أمره أَنه عمي فِي آخر عمره بُويِعَ لَهُ بالخلافة يَوْم مَاتَ أَبوهُ المستضيء وَهُوَ ثَانِي ذِي الْقعدَة سنة خمس وَسبعين وَخمْس مائَة وَقَامَ ببيعته ظهير الدّين بن الْعَطَّار مُدبر دولة أَبِيه بعد وزيره عضد الدّين وَبَقِي حَتَّى توفّي
(2/56)

فِي اول شَوَّال سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وسِتمِائَة وَمُدَّة خِلَافَته نَحْو سبع وَأَرْبَعين سنة وَكَانَ لَهُ اولاد مِنْهُم الظَّاهِر بِأَمْر الله الْآتِي ذكره
الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
لما اسْتَقر فِي الْخلَافَة حكم أستاداره مجد الدّين أَبُو الْفضل فَقبض على مُدبر دولته ظهير الدّين بن الْعَطَّار فِي سَابِع ذِي الْقعدَة بعد أَيَّام قَلَائِل من خِلَافَته ثمَّ أخرج مَيتا على رَأس حمال فثارت بِهِ الْعَامَّة وألقوه عَن رَأس الْحمال وشدوا فِي ذكره حبلا وسحبوه فِي الْبَلَد وَكَانُوا يضعون فِي يَده مغرفة كَأَنَّهَا قلمه وَقد غمست تِلْكَ المغرفة فِي الْعذرَة وَيَقُولُونَ وَقع لنا يَا مَوْلَانَا مَعَ حسن سيرته فيهم وكفه عَن أَمْوَالهم ثمَّ خلص مِنْهُم بعد ذَلِك وَدفن
وَفِي سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَخمْس مائَة أرسل قزل بن إلدكز صَاحب أذربيجان وهمذان وأصفهان والري
(2/57)

يستنجد بالخليفة النَّاصِر على طغرلبك بن أرسلان بن طغرلبك السلجوقي ويحذره عَاقِبَة أمره فَأرْسل الْخَلِيفَة عسكرا إِلَى طغرلبك صُحْبَة وزيره جلال الدّين عبد الله فَالْتَقوا فِي ثامن ربيع الأول على همذان فَانْهَزَمَ عَسْكَر الْخَلِيفَة وغنم طغرلبك وَقبض عَلَيْهِ وحبسه ثمَّ قتل قزل فِي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَخمْس مائَة ثمَّ توفّي طغرل فِي سنة تسعين وَخمْس مائَة وَملك خوارزم شاه الرّيّ وَتُوفِّي سنة سِتّ وَتِسْعين وَخمْس مائَة وَفِي سنة تسعين وَخمْس مائَة استولى الْخَلِيفَة النَّاصِر على حَدِيثَة وعانة وَكَانَت خَارِجَة عَن يَده وَفِي هَذِه السّنة أرسل الْخَلِيفَة وزيره مؤيد الدّين بن القصاب إِلَى خوزستان فملكوا مَدِينَة تستر وَمَا مَعهَا فِي سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَخمْس مائَة ثمَّ سَار بعد ذَلِك إِلَى همذان فملكها
(2/58)

وَغَيرهَا من بِلَاد الْعَجم وَأخذ يستولي على بِلَاد الْخَلِيفَة فَتوفي مؤيد الدّين فِي أَوَائِل شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَخمْس مائَة
وَفِي سنة أَربع وسِتمِائَة سير الْخَلِيفَة إِلَى الْملك الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب صَاحب الديار المصرية تَشْرِيفًا بالسلطنة فلبسها ونثر الذَّهَب على رَأسه وَكَانَت الخلعة جُبَّة أطلس أسود بطراز مَذْهَب وعمامة سَوْدَاء بطراز مَذْهَب وطوق ذهب وسيفا جَمِيع قرَابه ملبس ذَهَبا يتقلده وحصانا أَشهب بمركب ذهب ونثر على رَأسه علم أسود مَكْتُوب فِيهِ بالبياض اسْم الْخَلِيفَة وقرين ذَلِك تَقْلِيد بالبلاد الَّتِي تَحت حكمه ولقب فِيهَا الْعَادِل شاهنشاه ملك الْمُلُوك خَلِيل أَمِير الْمُؤمنِينَ وقرين ذَلِك خلع الْملك الْأَشْرَف وَالْملك الْمُعظم ابْني الْعَادِل بعمامة سَوْدَاء وثوب أسود وَاسع الْكمّ وَكَذَلِكَ الْوَزير صفي الدّين بن شكر وَركب الْملك الْعَادِل وَولده الْأَشْرَف بِالْخلْعِ حَتَّى دخلا القلعة وَأكْرم رَسُول
(2/59)

الْخَلِيفَة وأعيد إِلَى بَغْدَاد
وَفِي سنة سبع وسِتمِائَة وَردت رسل الْخَلِيفَة النَّاصِر إِلَى مُلُوك الْأَطْرَاف أَن يشْربُوا لَهُ كأس الفتوة ويلبسوا لَهُ سراويلها وَأَن ينتسبوا إِلَيْهَا فِي رمى البندق ويجعلوه قدوتهم فِيهِ فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِك
وَفِي سنة أَربع عشرَة وسِتمِائَة عزم خوارزم شاه على السّير إِلَى بَغْدَاد للاستيلاء عَلَيْهَا وَقدم بعض العساكر وَسَار فِي أَثَرهم عَن همذان فَسقط عَلَيْهِم بعد مَسِيرهمْ بِثَلَاثَة أَيَّام ثلج لم يسمع بِمثلِهِ فَهَلَكت دوابهم وَخَافَ خوارزم شاه التتر على بِلَاده الَّتِى استولى عَلَيْهَا فِي سَفَره ذَلِك فَعَاد إِلَى خُرَاسَان وَقطع الْخطْبَة للخليفة النَّاصِر من بِلَاد خُرَاسَان فِي سنة خمس وسِتمِائَة وَكَذَلِكَ قطعت خطْبَة الْخَلِيفَة فِي مَا وَرَاء النَّهر وَبقيت خوارم وسمرقند وهراة على الْخطْبَة للخليفة فَإِن أهل هَذِه الْبِلَاد كَانُوا يخطبون لمن يختارون وَلَا يعارضون فِي ذَلِك
(2/60)

وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وسِتمِائَة استولى جلال الدّين على خوزستان وَكَانَت للخليفة الإِمَام النَّاصِر ثمَّ سَار حَتَّى قَارب بَغْدَاد وَخَافَ أهل بَغْدَاد مِنْهُ واستعدوا للحصار ونهبت الخوارزمية الْبِلَاد وامتلات أَيْديهم من الْغَنَائِم
ولايات الْأَمْصَار فِي خلَافَة
كَانَ على مصر فِي أَيَّامه السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب فبقى حَتَّى توفى بِدِمَشْق فِي سنة تسع وَثَمَانِينَ وَخمْس مائَة وَكَانَت مُدَّة ملكه بالديار المصرية أَرْبعا وَعشْرين سنة ثمَّ ملك بعده مصر ابْنه الْملك الْعَزِيز عُثْمَان وَتوفى لَيْلَة السَّابِع وَالْعِشْرين من الْمحرم سنة خمس وَتِسْعين وَخَمْسمِائة وَملك بعده ابْنه الْملك الْمَنْصُور مُحَمَّد فَأَقَامَ بهَا حَتَّى ورد عَلَيْهِ الْملك الْعَادِل أَبُو بكر بن أَيُّوب من الشَّام وَأقَام عِنْده
(2/61)

قَلِيلا كَأَنَّهُ مُدبر لدولته ثمَّ اسْتَقل الْعَادِل بِالْملكِ فِي ربيع الأول سنة سِتّ وَتِسْعين وَخمْس مائَة وبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة النَّاصِر
وَكَانَت دمشق مَعَ السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب أَيْضا وَقرر فِيهَا أَخَاهُ سيف الْإِسْلَام طغتكين بن أَيُّوب وَتوجه لاستقلاع بَقِيَّة الْبِلَاد فَلَمَّا عَاد إِلَى الديار المصرية فِي سنة سِتّ وَسبعين وَخمْس مائَة اسْتخْلف عَلَيْهَا ابْن أَخِيه عز الدّين فرخشاه بن شاهنشاه بن أَيُّوب صَاحب بعلبك وَصَارَت بِيَدِهِ هِيَ وبعلبك ثمَّ صرفه عَنْهَا وَقرر فِيهَا ابْنه الْملك الْأَفْضَل عليا فبقى فِيهَا حَتَّى توفى وَالِده وبقى بهَا إِلَى أَن قَصده أَخُوهُ الْملك الْعَزِيز عُثْمَان صَاحب مصر بعد وَفَاة أَبِيهِمَا وصحبته عَمه الْعَادِل أَبُو بكر بن أَيُّوب فانتزعها مِنْهُ وخطب فِيهَا باسم الْعَزِيز فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَخمْس مائَة وَكَانَ الْخَلِيفَة النَّاصِر يمِيل إِلَى التَّشَيُّع فَكتب إِلَيْهِ الْأَفْضَل على بن السُّلْطَان صَلَاح الدّين يستجيشه على أَخِيه الْعَزِيز عُثْمَان وَعَمه الْعَادِل أَبى بكر ببيتين من نظمه هما
(2/62)

.. مولاى إِن أَبَا بكر وَصَاحبه
عُثْمَان قد غصبا بِالسَّيْفِ حق على
فَانْظُر إِلَى حَظّ هَذَا الِاسْم كَيفَ لقى
من الْأَوَاخِر مَا لَاقَى من الأول ...
فَكتب إِلَيْهِ النَّاصِر فِي جَوَابه ... غصبوا عليا حَقه إِذْ لم يكن
بعد النبى لَهُ بِيَثْرِب نَاصِر
فاصبر فَإِن غَدا عَلَيْك حسابهم
وَابْشَرْ فناصرك الإِمَام النَّاصِر ...

ثمَّ لم يزل عَنهُ شكواه وَلم يدْفع عَنهُ لاواه
وَلما ملك الْعَزِيز دمشق سلمهَا لِعَمِّهِ الْعَادِل أَبى بكر بن أَيُّوب وَعَاد إِلَى صصر مَحل ملكه فقرر فِيهَا الْعَادِل ابْنه الْملك الْمُعظم عِيسَى بن ابي بكر مُضَافا إِلَى مَا بِيَدِهِ من الكرك والشوبك وَغَيرهمَا وبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة النَّاصِر
(2/63)

وَكَانَت حلب بيد عماد الدّين زنكى فتسلمها مِنْهُ السُّلْطَان صَلَاح الدّين فِي سنة تسع وَسبعين وَخمْس مائَة وَسلمهَا لِابْنِهِ الْملك الظَّاهِر غازى فَبَقيت بِيَدِهِ حَتَّى سلمهَا السُّلْطَان صَلَاح الدّين لِأَخِيهِ الْعَادِل أَبى بكر فِي السّنة الْمَذْكُورَة فبقى بهَا حَتَّى جهزه أَخُوهُ السُّلْطَان صَلَاح الدّين إِلَى مصر فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَخمْس مائَة وَأعَاد إِلَيْهَا ابْنه الظَّاهِر غازى فَلم يزل بهَا حَتَّى اسْتَقل الْعَادِل أَبُو بكر بسلطنه مصر وَالشَّام فَصَارَ مُلُوك بنى أَيُّوب بِالشَّام كَأَنَّهُمْ نوابه فَخَطب لَهُ الظَّاهِر غَازِي بحلب وَضرب السِّكَّة باسمه وَبقيت بِيَدِهِ إِلَى مَا بعد خلَافَة النَّاصِر
وَكَانَت حماة بيد السُّلْطَان صَلَاح الدّين فقرر فِيهَا خَاله شهَاب الدّين الحارمى ثمَّ قرر فِيهَا ابْن أَخِيه تقى الدّين عمر بن شاهنشاه بن أَيُّوب سنة أَربع وَسبعين وَخمْس مائَة فَبَقيت بِيَدِهِ حَتَّى توفى سنة سبع وَثَمَانِينَ وَخمْس مائَة فوليها بعده ابْنه الْملك الْمَنْصُور نَاصِر الدّين
(2/64)

مُحَمَّد فبقى بهَا حَتَّى توفى سنة سبع عشرَة وسِتمِائَة ووليها بعده ابْنه الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين قليج فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة النَّاصِر
وَكَانَت طرابس بيد الفرنج
وَكَانَت حمص بيد السُّلْطَان صَلَاح الدّين فقرر بهَا ابْن عَمه نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن شيركوه فبقى بهَا حَتَّى توفى سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَخمْس مائَة فاستقر بهَا بعده ابْنه الْملك الظَّاهِر شيركوه فبقى بهَا إِلَى مَا بعد خلَافَة النَّاصِر
وَكَانَت بعلبك بيد السُّلْطَان صَلَاح الدّين نقرر فِيهَا شمس الدّين مُحَمَّد بن عبد الْملك ثمَّ انتزعها مِنْهُ فِي سنة أَربع وَسبعين وَخمْس مائَة وَأَعْطَاهَا أَخَاهُ شمس الدولة توران شاه بن أَيُّوب وَبقيت بِيَدِهِ إِلَى ان مَاتَ سنة ثَمَان وَسبعين وَخمْس مائَة فاستقر بهَا ابْنه الْملك الأمجد بهْرَام شاه وَهُوَ الذى بنى دَار السَّعَادَة بِدِمَشْق فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة النَّاصِر
(2/65)

وَكَانَ الكرك بيد الفرنج فانتزعه مِنْهُم السُّلْطَان الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب فِي سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَخمْس مائَة وَقرر فِيهَا أَخَاهُ الْملك الْعَادِل أَبَا بكر ابْن أَيُّوب فَبَقيت بِيَدِهِ إِلَى أَن مَاتَ السُّلْطَان صَلَاح الدّين فقرر فِيهَا ابْنه الْملك الْمُعظم عِيسَى فَبَقيت بِيَدِهِ إِلَى مَا بعد خلَافَة النَّاصِر
وَكَانَت طرابلس وصفد بيد الفرنج
وَكَانَت مكه بيد دَاوُد بن فليته فبقى يتناوبها هُوَ وَأَخُوهُ شكر تَارَة وَتارَة حَتَّى مَاتَ دَاوُد فِي سنة تسع وَثَمَانِينَ وَخمْس مائَة وانقرضت دولة الهواشم وَصَارَت لبنى قَتَادَة بن أدريس بن مطاعن من عقب الْحسن بن على ابْن أَبى طَالب وخطب فِيهَا للخليفة النَّاصِر وَعظم شَأْنه حَتَّى ملك مَعَ مَكَّة يَنْبع وأطراف الْيمن وَبَعض أَعمال الْمَدِينَة وبلاد نجد وَلم يقدم على أحد من الْخُلَفَاء وَلَا من الْمُلُوك واستدعاه النَّاصِر الْخَلِيفَة فِي بعض السنين فَكتب إِلَيْهِ هَذِه الأبيات
(2/66)

.. بلادى وَإِن هَانَتْ عَلَيْك عزيزة
وَلَو أننى أعرى بهَا وأجوع
ولى كف ضرغام أدل ببطشها
وأشرى بهَا بَين الورى وأبيع
تظل مُلُوك الأَرْض تلثم ظهرهَا
وَفِي بَطنهَا للمجدبين ربيع
أجعلها تَحت الرحا ثمَّ أبتغى
خلاصا لَهَا إنى إِذا لرقيع
وَمَا انا إِلَّا الْمسك فِي كل بَلْدَة
يضوع وَأما عنْدكُمْ فيضيع ...

وبقى حَتَّى توفى سنة سبع عشرَة وسِتمِائَة وَولى مَكَانَهُ ابْنه الْحسن فبقى بهَا حَتَّى قدم عَلَيْهِ الْملك المسعود أقسيس بن الْملك الْكَامِل مُحَمَّد بن الْعَادِل أَبى بكر بن أَيُّوب صَاحب الْيمن سنة عشْرين وسِتمِائَة
(2/67)

وملكها وَقتل جمَاعَة من الْأَشْرَاف وَذهب حسن بن قَتَادَة إِلَى بَغْدَاد جريحا فَمَاتَ بهَا سنة ثِنْتَيْنِ وَعشْرين وسِتمِائَة وبقى أقسيس بِمَكَّة إِلَى مَا بعد خلَافَة النَّاصِر
وَكَانَ على الْمَدِينَة سَالم بن قَاسم فَمَاتَ وَولى بعده ابْنه شيحة وبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة النَّاصِر
وَكَانَت الْيمن مفوضة إِلَى توران شاه بن أَيُّوب وَهُوَ بالإسكندرية ونائبه خطار بِالْيمن إِلَى سنة سِتّ وَسبعين وَخمْس مائَة فَوجه إِلَيْهَا السُّلْطَان صَلَاح الدّين أَمِيرا استولى عَلَيْهَا وعزل خطارا نَائِب اخيه توران شاه ثمَّ توفى ذَلِك الْأَمِير فَعَاد خطار إِلَى ولَايَته ثمَّ بعث السُّلْطَان صَلَاح الدّين أَخَاهُ سيف الْإِسْلَام طغتكين إِلَى الْيمن فَقبض على خطار وَاسْتقر فِي ملك الْيمن وبقى حَتَّى مَاتَ بزبيد سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَخمْس مائَة وَملك بعده ابْنه الْملك الْمعز إِسْمَاعِيل وَكَانَ فِيهِ هوج فَادّعى أَنه قرشى من بنى أُميَّة وَلبس الخضرة وخطب بِنَفسِهِ وَلبس ثِيَاب الْخلَافَة فَقتله أمراؤه وَأَقَامُوا مَكَانَهُ
(2/68)

أَخا لَهُ صَغِيرا لقبوه النَّاصِر وَقَامَ بتدبير مَمْلَكَته مَمْلُوك أَبِيه سنقر ثمَّ مَاتَ سنقر بعد أَربع سِنِين فَقَامَ بتدبير زود أمه غَازِي بن جِبْرِيل وسم النَّاصِر فِي كوز فقاع دولته وتملك غازى اليم ثمَّ قَتله جمَاعَة من الْعَرَب بِسَبَب قَتله النَّاصِر وَبقيت الْيمن بِغَيْر سُلْطَان فَغلبَتْ أم النَّاصِر على زبيد وَأرْسلت إِلَى مَكَّة تتَوَقَّع حُضُور أحد من بنى أَيُّوب فِي الْمَوْسِم لتملكه الْيمن وَكَانَ للْملك المظفر تَقِيّ الدّين عمر بن شاهنشاه بن أَيُّوب ولد يُسمى سُلَيْمَان فَخرج إِلَى الْحجاز فِي صُورَة فَقير يحمل الركوة على كتفه فَأتيت بِهِ فملكته الْيمن فِي سنة تسع وَتِسْعين وَخمْس مائَة بعد أَن تزوجت بِهِ فَمَلَأ الْيمن ظلما وجورا وَكتب إِلَى عَم أَبِيه الْملك الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب صَاحب الديار المصرية كتابا فِي أَوله {إِنَّه من سُلَيْمَان وَإنَّهُ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم} فَبَقيَ إِلَى سنة اثنتى عشرَة وسِتمِائَة فَبعث الْملك الْكَامِل مُحَمَّد ابْن الْعَادِل أَبى بكر صَاحب الديار المصرية ابْنه الْملك
(2/69)

المسعود يُوسُف أطسيس الْمَعْرُوف بأقسيس إِلَى الْيمن فاستولى عَلَيْهِ وَقبض على سُلَيْمَان وَبعث بِهِ معتقلا إِلَى مصر فبقى بهَا حَتَّى قتل فِي نوبَة المنصورة شَهِيدا وبقى الْملك المسعود بهَا فكره الْمقَام بهَا فاستخلف عَلَيْهَا ابْن رَسُول امير أخور وَسَار قَاصِدا الشَّام فَتوفي بِمَكَّة فِي سنة سِتّ وَعشْرين وسمتمائة وَهُوَ آخر مُلُوكهَا من بني أَيُّوب وانتقلت الدولة بهَا إِلَى بنى رَسُول واستقرت قدمهم فِيهَا وبقى فِيهَا على بن رَسُول إِلَى مَا بعد خلَافَة النَّاصِر
وَكَانَ مَا وَرَاء النَّهر بيد بنى جنكزخان
وَكَانَ على خُرَاسَان خوارزم شاه مُحَمَّد بن تكش بن أرسلان بن أطسز بن مُحَمَّد أنوشتكين فَبَقيت بِيَدِهِ
(2/70)

حَتَّى انتزعها مِنْهُ جنكزخان ملك التتر واستولوا عَلَيْهَا فِي سنة تسع عشرَة وسِتمِائَة بعد أَن اتَّسع ملكه وَملك مَعَ خُرَاسَان من حد الْعرَاق إِلَى تركستان وبلاد غزنه وسجستان وكرمان وطبرستان وجرجان وبلاد الْجَبَل وهى عراق الْعَجم وَكَانَت غزنة بيد الغز المتغلبين عَلَيْهَا ثمَّ انتزعها مِنْهُم شهَاب الدّين بن سَام فِي سنة تسع وَسبعين وَخمْس مائَة وبقى حَتَّى قتل سنة اثْنَتَيْنِ وسِتمِائَة وَفِي أَيَّامه كَانَ الإِمَام فَخر الدّين الرازى صَاحب التَّفْسِير والمحصول فِي أصُول الْفِقْه وَغَيرهمَا من المصنفات وَكَانَ مُعظما عِنْده ثمَّ ملك من بعده عَلَاء الدّين مُحَمَّد بن سَام ثمَّ غَلبه عَلَيْهَا يلدز مَمْلُوك غياث الدّين بن سَام ثمَّ غَلبه عَلَيْهَا عَلَاء الدّين مُحَمَّد الْمُقدم ذكره ثمَّ غلب عَلَيْهَا يلدز أَيْضا ثمَّ غلب عَلَيْهَا عَلَاء الدّين مُحَمَّد بن تكش بن خوارزم شاه فِي سنة اثنتى عشرَة وسِتمِائَة فَبَقيت بِيَدِهِ حَتَّى غلب عَلَيْهَا جنكزخان ملك التتر فِي سنة سبع عشرَة وسِتمِائَة وتوالت عَلَيْهَا مُلُوك بنى حنكزخان فِي جملَة مَا ملكوه من الممالك إِلَى أَن كَانَ آخِرهم بِهَذِهِ المملكة القان أَبُو سعيد صَاحب مملكة إيران
(2/71)

وَكَانَت إفريقية بيد أَبى يَعْقُوب يُوسُف بن عبد الْمُؤمن فولى عَلَيْهَا أَبَا سعيد بن الشَّيْخ أَبى حَفْص عمر ثمَّ غلب ابْن غانية على أَكثر بِلَاد إفريقية وَاسْتولى على تونس وخطب للخليفة العباسى بِبَغْدَاد ثمَّ جهز النَّاصِر ابْن الْمَنْصُور بن عبد الْمُؤمن الشَّيْخ أَبَا مُحَمَّد عبد الْوَاحِد ابْن الشَّيْخ أَبى حَفْص من مراكش إِلَى إفريقية سنة ثِنْتَيْنِ وسِتمِائَة فانتزعها من ابْن غانية ثمَّ وصل النَّاصِر بن الْمَنْصُور إِلَى إفريقية بعد ذَلِك وَدخل تونس وَأقَام بهَا إِلَى منتصف سنة ثَلَاث وسِتمِائَة وعزم على الرحيل إِلَى مراكش واستخلف على إفريقية الشَّيْخ أَبَا مُحَمَّد عبد الْوَاحِد بن الشَّيْخ أَبى حَفْص فَقعدَ بهَا مقْعد الْإِمَارَة بقصبة تونس يَوْم السبت الْعَاشِر من شَوَّال سنة ثَلَاث وسِتمِائَة فبقى بهَا حَتَّى توفى فِي مفتتح سنة ثَمَان عشرَة وسِتمِائَة وبقى بهَا بنوه إِلَى الْآن وَولى بعده ابْنه أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن وَورد كتاب الْمُسْتَنْصر بن النَّاصِر ابْن عبد الْمُؤمن بعزلة بعد ثَلَاثَة أشهر من ولَايَته وَأقَام الْمُسْتَنْصر مَكَانَهُ أَبَا العلى إِدْرِيس بن يُوسُف بن
(2/72)

عبد الْمُؤمن فوصل إِلَى تونس فِي ذى الْقعدَة من السّنة الْمَذْكُورَة فَنزل بقصيتها ورتب الْأُمُور وبقى حَتَّى مَاتَ بتونس سنة عشْرين وسِتمِائَة وَمَات الْمُسْتَنْصر الْمُقدم ذكره وَصَارَ الْأَمر بعده لعبد الْوَاحِد المخلوع بن يُوسُف بن عبد الْمُؤمن فولى على إفريقية أَبَا زيد بن أَبى العلى فبقى بهَا إِلَى مَا بعد خلَافَة النَّاصِر
وَكَانَ الغرب الْأَوْسَط والغرب الْأَقْصَى وَمَا بقى مَعَ الْمُسلمين من الأندلس بيد أَبى يَعْقُوب يُوسُف بن عبد الْمُؤمن أَيْضا فبقى بِيَدِهِ حَتَّى مَاتَ سنة ثَمَانِينَ وَخمْس مائَة وَملك بعده ابْنه يَعْقُوب بن يُوسُف عقب وَفَاته بإشبيلية من الإندلس وتلقب بالمنصور وَاسْتولى على مَا كَانَ بيد أَبِيه من الممالك وَمَات بالأندلس سنة خمس وَتِسْعين وَخمْس مائَة وَولى بعده ابْنه مُحَمَّد وتلقب بالناصر لدين الله وَرجع إِلَى بِلَاد الْمغرب وبقى حَتَّى مَاتَ فِي مراكش فِي شعْبَان سنة تسع وسِتمِائَة وَولى ابْنه يُوسُف بن مُحَمَّد سنة إِحْدَى عشرَة وسِتمِائَة ولقب الْمُسْتَنْصر بِاللَّه وبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة النَّاصِر
(2/73)

الْخَامِس وَالثَّلَاثُونَ من خلفاء بنى الْعَبَّاس بالعراق
الظَّاهِر بِأَمْر الله
وَهُوَ أَبُو نصر مُحَمَّد بن النَّاصِر لدين الله الْمُقدم ذكره كَانَ عادلا حسن السِّيرَة جوادا كثير الْإِحْسَان للْعُلَمَاء وَنَحْوهم بُويِعَ لَهُ بالخلافة يَوْم مَاتَ النَّاصِر فِي أول شَوَّال سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وسِتمِائَة وبقى حَتَّى توفى فِي رَابِع عشر رَجَب سنة ثَلَاث وَعشْرين وسِتمِائَة فَكَانَت خِلَافَته تِسْعَة أشهر وأعمار الْجِيَاد قصار
الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
لما ولى الْخلَافَة أظهر الْعدْل وأزال المكوس وَأخرج المسجونين من السجْن وَمَشى على مَذْهَب أهل السّنة وَترك مَا كَانَ عَلَيْهِ أَبوهُ من التَّشَيُّع وَظهر للنَّاس وَكَانَ النَّاصِر وَمن قبله لَا يظهرون إِلَّا نَادرا قَالَ الْمُؤَيد صَاحب حماة وَمِمَّا أزاله من الْمُنْكَرَات أَنه كَانَ بخزانة الْخَلِيفَة صنجة زَائِدَة زيادتها فِي كل دِينَار حَبَّة
(2/74)

يقبضون بهَا المَال ويعطون بالصنجة الَّتِى يتعامل بهَا النَّاس فَأبْطل تِلْكَ الصنجة الزَّائِدَة وبذل المَال على المحبوسين على الدّين وَزَاد فِي بر الْعلمَاء وَمن فِي معناهم اولاده مِنْهُم الْمُسْتَنْصر الآتى ذكره
ولايات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته
كَانَ على مصر الْعَادِل أَبُو بكر بن أَيُّوب وبقى حَتَّى توفى بِدِمَشْق سنة خمس عشرَة وسِتمِائَة وَملك بعده ابْنه الْملك الْكَامِل مُحَمَّد وَهُوَ أول من سكن قلعة الْجَبَل بعد قصر الفاطميين بِالْقَاهِرَةِ
وَكَانَ على دمشق الْمُعظم عِيسَى بن الْعَادِل أَبى بكر وَلما مَاتَ أَبوهُ الْعَادِل وَاسْتقر أَخُوهُ الْكَامِل مُحَمَّد بن الْعَادِل بِمصْر بعد أَبِيه خطب لَهُ بِدِمَشْق دون نَفسه وبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الظَّاهِر
وَكَانَت حلب بيد الظَّاهِر غَازِي بن السُّلْطَان صَلَاح الدّين وَهُوَ يخْطب بهَا لِعَمِّهِ الْعَادِل أَبى بكر صَاحب مصر وبقى حَتَّى توفى سنة ثَلَاث عشرَة وسِتمِائَة وعهد بِملك حلب بعده لِابْنِهِ الْملك الْعَزِيز
(2/75)

مُحَمَّد فبقى بهَا إِلَى مَا بعد خلَافَة الظَّاهِر
وَكَانَت حماة بيد الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين قليج بن الْمَنْصُور مُحَمَّد بن تقى الدّين عمر بن شاهنشاه بن أَيُّوب فبقى بهَا إِلَى مَا بعد خلَافَة الظَّاهِر
وَكَانَت طرابلس وصفد للفرنج
وَكَانَت الكرك بيد الْمُعظم عِيسَى بن السُّلْطَان صَلَاح الدّين فبقى بهَا إِلَى مَا بعد خلَافَة الظَّاهِر
وَكَانَت حمص بيد الْمُجَاهِد شيركوه بن مُحَمَّد بن شيركوه بن شادى بن أَيُّوب فبقى بهَا إِلَى مَا بعد خلَافَة الظَّاهِر
وَكَانَت بعلبك بيد الْملك الأمجد بهْرَام شاه بن عز الدّين فرخ شاه بن شاهنشاه بن أَيُّوب فبقى بهَا إِلَى مَا بعد خلَافَة الظَّاهِر
وَكَانَت مَكَّة بيد أطسيس صَاحب الْيمن بن الْكَامِل مُحَمَّد بن الْعَادِل أَبى بكر بن أَيُّوب فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الظَّاهِر
(2/76)

وَكَانَ على الْيمن عَليّ بن رَسُول جد مُلُوكهَا الْآن فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الظَّاهِر
وَكَانَ مَا وَرَاء النَّهر بيد بنى جنكزخان
وَكَانَ على إفريقية أَبُو زيد بن أَبى الْعَلَاء وَولى بعده أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن أَبى مُحَمَّد عبد الْوَاحِد بن الشَّيْخ أَبى حَفْص فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الظَّاهِر
وَكَانَ الغرب الْأَوْسَط والغرب الْأَقْصَى وَمَا بقى مَعَ الْمُسلمين من الأندلس بيد الْمُسْتَنْصر يُوسُف بن مُحَمَّد فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الظَّاهِر غير أَن بنى عبد الواد وَمن والاهم من زناتة من البربر كَانُوا غلبوا على ضواحى تلمسان والرياسة فيهم يَوْمئِذٍ لبني الْقَاسِم بن عبد الواد وهم يَقُولُونَ إِن بنى الْقَاسِم من الأدارسة العلويين وآلت رياستهم إِلَى جَابر بن يُوسُف بن مُحَمَّد من عقب الْقَاسِم الْمَذْكُور
وَكَانَت تلمسان بيد الْمَأْمُون بن عبد الْمُؤمن من الْمُوَحِّدين فولاها لِأَخِيهِ سعيد فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الظَّاهِر
(2/77)

السَّادِس وَالثَّلَاثُونَ من خلفاء بنى الْعَبَّاس بالعراق
الْمُسْتَنْصر بِاللَّه
وَهُوَ أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور بن الظَّاهِر بأمرالله الْمُتَقَدّم ذكره كَانَ على مَا كَانَ عَلَيْهِ أَبوهُ من الْعدْل وَحسن السِّيرَة وبويع لَهُ بالخلافة يَوْم موت أَبِيه فِي رَابِع عشر شهر رَجَب سنة ثَلَاث وَعشْرين وسِتمِائَة وبقى حَتَّى توفى يَوْم الْجُمُعَة لعشر خلون من جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَرْبَعِينَ وسِتمِائَة وَكَانَت خِلَافَته سبع عشرَة سنة إِلَّا شهرا وَكَانَ لَهُ من الْأَوْلَاد المستعصم الآتى ذكره
الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
فِي أَيَّامه فِي سنة أَربع وَعشْرين وَخمْس وَعشْرين خرج التتر على بِلَاد الْإِسْلَام وفى سنة ثَمَان وَعشْرين وسِتمِائَة خرج التتر ثَانِيًا على بِلَاد الْإِسْلَام وعاثوا فَسَادًا وَضعف جلال الدّين بن خوارزم شاه عَن مقاومتهم
(2/78)

وَفِي سنة خمس وَعشْرين وسِتمِائَة تسلم الفرنج الْقُدس بِالصُّلْحِ
وَفِي سنة تسع وَعشْرين فتح السُّلْطَان الْملك الْكَامِل آمد من بِلَاد الجزيرة وَفِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة سَار النَّاصِر دَاوُد صَاحب الكرك من الكرك إِلَى بَغْدَاد ملتجئا إِلَى الْخَلِيفَة الْمُسْتَنْصر لما حصل عِنْده من الْخَوْف من عَمه الْكَامِل وَقدم للخليفة تحفا عَظِيمَة وجواهر نفيسة فَأكْرمه الْخَلِيفَة وخلع عَلَيْهِ وعَلى أَصْحَابه وَكَانَ النَّاصِر دَاوُد متطلعا إِلَى أَن يحضرهُ الْخَلِيفَة فِي ملإ من النَّاس وَطلب ذَلِك مرَارًا فَلم يجبهُ الْخَلِيفَة إِلَى ذَلِك مُرَاعَاة لخاطر عَمه الْكَامِل صَاحب مصر فَكتب إِلَيْهِ أبياتا تَتَضَمَّن الاستعطاف فَجمع بَين المصلحتين واستحضره لَيْلًا ثمَّ عَاد النَّاصِر بعد ذَلِك إِلَى الكرك
وَمن غرائب الِاتِّفَاق فِي أَيَّامه انه وَقع خلف بَين مُلُوك بنى أَيُّوب بالديار المصرية والممالك الشامية فَبعث الْخَلِيفَة الْمُسْتَنْصر محيى الدّين بن الجوزى ليصلح بَينهم
(2/79)

فاتفق أَنه مَاتَ فِي حُضُوره فِي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَسنة خمس وَثَلَاثِينَ أَرْبَعَة سلاطين وهم الْكَامِل صَاحب مصر وَأَخُوهُ الْأَشْرَف صَاحب دمشق والعزيز صَاحب حلب وكيقباد صَاحب بِلَاد الرّوم فَقَالَ فِي ذَلِك المستخف الشَّاعِر ... يَا إِمَام الْهدى أَبَا جَعْفَر الْمَنْصُور
يَا من لَهُ الفخار الأثيل
مَا جرى من رَسُولك الْآن محيى الدّين
فِي هَذِه الْبِلَاد قَلِيل
جَاءَ وَالْأَرْض بالسلاطين تزهى
وَغدا والديار مِنْهُم طلول
أقفر الرّوم والشآم ومصر
أَفَهَذَا مغسل أم رَسُول ...

وَبنى الْمدرسَة المستنصرية بِبَغْدَاد فِي الْجَانِب الشَّرْقِي مِنْهَا على دجلة مِمَّا يلى دَار الْخلَافَة وَجعل لَهَا اوقافا جليلة
(2/80)

ووقف أَيْضا أوقافا على جِهَات الْبر وَفِي أَيَّامه سنة تسع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة كسفت الشَّمْس كسوفا كَامِلا حَتَّى ظَهرت النُّجُوم وأظلمت الدُّنْيَا وَأوقدت السرج فِي الدكاكين والحمامات ثمَّ انجلت بعد ذَلِك
ولايات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته
كَانَ على مصر الْكَامِل مُحَمَّد بن الْعَادِل أَبى بكر بن أَيُّوب فبقى حَتَّى توفى بِدِمَشْق سنة خمس وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وَملك بعده ابْنه الْملك الْعَادِل ابو بكر وَقبض عَلَيْهِ فِي الْعشْر الْأَوْسَط من ذى الْقعدَة سنة سبع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وَملك بعده أَخُوهُ الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب فِي أَوَائِل سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الْمُسْتَنْصر
وَكَانَ على دمشق الْمُعظم عِيسَى بن الْعَادِل أَبى بكر فتوفى سنة أَربع وَعشْرين وسِتمِائَة وَملك بعده ابْنه الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين دَاوُد وَهُوَ صَغِير وَقَامَ بتدبير
(2/81)

الدعْوَة لأمير الْمُؤمنِينَ وَبَين الدعْوَة لصمام الدولة وشمس الْملَّة أمتع الله أَمِير الْمُؤمنِينَ بكما وَأحسن الدفاع لَهُ عنكما إِلْحَاقًا لَك وَله بعْدك بأبيكما فِيمَا كَانَ شرف بِهِ من هَذِه الْحَال الَّتِى لم ينلها غَيره وَلَا أهل لَهَا أحد قبله وَأَن يثبت ذكرك باللقب والكنية فِيمَا ينقش من سِكَك الْعين وَالْوَرق فِي دور الضَّرْب باديا وَذكر صمصام الدولة كلأكما الله تاليا وحباك أَمِير الْمُؤمنِينَ مَعَ ذَلِك بخلع تَامَّة تفاض عَلَيْك وفرسين من جِيَاد خيلة يقادان إِلَيْك بمركبى ذهب من خَاص مراكبه وَسيف مَاض من خِيَار أسيافه يعز الله منكبيك بنجاديه ويذل مناكب أعدائك بغرارية وطوق وسوارين وَأَن تجرى فِي الْمُكَاتبَة عَنهُ إِلَى الْغَايَة الَّتِى أجْرى أَبوك رَحمَه الله إِلَيْهَا وَهَذَا الْكتاب نَاطِق بهَا ودال عَلَيْهَا وَندب لإيصال الْجَمِيع إِلَيْك على بن الْحُسَيْن الهاشمى الزينبى وَاحْمَدْ بن نصر العباسى حَاجِبه ودجى خادمه فتلق شرف الدولة وزين
(2/82)

الْملك الْكَامِل يُرِيد ملك الديار المصرية عوضا من أَبِيه وَأقَام مَكَانَهُ فِي دمشق ابْنه الْملك المغيث فتح الدّين عمر نَائِبا عَنهُ فَوَثَبَ عَلَيْهِ صَاحب بعلبك الْملك الصَّالح إِسْمَاعِيل بن الْعَادِل أَبى بكر بن أَيُّوب فِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة فَقبض عَلَيْهِ وملكها وبقى بهَا إِلَى مَا بعد خلَافَة الْمُسْتَنْصر
وَكَانَت حلب بيد الْملك الْعَزِيز مُحَمَّد بن الظَّاهِر غازى ابْن السُّلْطَان صَلَاح الدّين فبقى بهَا حَتَّى توفى فِي ربيع الأول سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وملكها بعده ابْنه الْملك النَّاصِر يُوسُف وعمره سبع سِنِين وَقَامَ بتدبير دولته امراؤه وجدته لِأَبِيهِ ضيفة خاتون وَكَانَت من المرجوع إِلَيْهَا فِي أُمُور المملكة وَبقيت بِيَدِهِ إِلَى مابعد خلَافَة الْمُسْتَنْصر
وَكَانَت طرابلس وصفد بيد الفرنج
وَكَانَت حماة بيد النَّاصِر قليج بن الْمَنْصُور مُحَمَّد بن تقى الدّين عمر بن شاهنشاه بن أَيُّوب فَبَقيت بِيَدِهِ حَتَّى انتزعها مِنْهُ أَخُوهُ الْملك المظفر مَحْمُود فِي سنة سِتّ وَعشْرين وسِتمِائَة فبقى بهَا إِلَى مَا بعد خلَافَة الْمُسْتَنْصر
(2/83)

وَكَانَت الكرك بيد الْمُعظم عِيسَى فَبَقيت بِيَدِهِ إِلَى أَن استضاف إِلَيْهَا دمشق على مَا تقدم وَتوفى سنة أَربع وَعشْرين وسِتمِائَة وملكها بعده ابْنه الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين دَاوُد ثمَّ انتزع عَمه الْكَامِل مُحَمَّد بن الْعَادِل دمشق مِنْهُ فِي سنة سِتّ وَعشْرين وسِتمِائَة على مَا تقدم وبقى مَعَه الكرك وعملها فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الْمُسْتَنْصر بعد أَن أخذت مِنْهُ غَالب بِلَاده
وَكَانَت حمص بيد الْمُجَاهِد شيركوه بن مُحَمَّد بن شيركوه فبقى بهَا حَتَّى توفى سنة سبع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وملكها بعده ابْنه الْملك الْمَنْصُور إِبْرَاهِيم فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الْمُسْتَنْصر
وَكَانَت بعلبك بيد الأمجد بهْرَام شاه بن فرخشاه فَبَقيت بِيَدِهِ حَتَّى انتزعها مِنْهُ الْملك الْأَشْرَف مظفر الدّين مُوسَى بن الْعَادِل أَبى بكر فِي سنة سبع وَعشْرين وسِتمِائَة وعوضه مِنْهَا الزبداني وَغَيره وَصَارَت مُضَافَة إِلَى دمشق إِلَى ان ملكهَا أَخُوهُ الْملك الصَّالح إِسْمَاعِيل بن الْعَادِل أَبى بكر فِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ ثمَّ اسْتَقَرَّتْ للصالح الْمَذْكُور بمفردها عوضا عَن دمشق فِي السّنة الْمَذْكُورَة لما
(2/84)

انتزع دمشق مِنْهُ أَخُوهُ الْملك الْكَامِل مُحَمَّد صَاحب الديار المصرية ثمَّ اسْتَقَرَّتْ بِيَدِهِ أَوْلَاده بعده فَلَمَّا انتزع الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب صَاحب الديار المصرية دمشق من الصَّالح إِسْمَاعِيل الْمَذْكُور انتزعها مِنْهُ وَسلمهَا لنائب حسام الدّين بن أَبى على وَبقيت بِيَدِهِ إِلَى مابعد خلَافَة الْمُسْتَنْصر
وَكَانَت مَكَّة بيد أطسيس بن الْكَامِل مُحَمَّد بن الْعَادِل أَبى بكر بن أَيُّوب فبقى بهَا حَتَّى مَاتَ بهَا سنة سِتّ وَعشْرين وسِتمِائَة وبقى على مَكَّة قائده فَخر الدّين بن الشَّيْخ وَقصد رَاجِح بن قَتَادَة مَكَّة مَعَ عَسَاكِر عمر بن على بن رَسُول صَاحب الْيمن فملكها من يَد فَخر الدّين بن الشَّيْخ سنة تسع وَعشْرين وسِتمِائَة ثمَّ أرسل صَاحب مصر عسكرا إِلَى مَكَّة فِي سنة ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة مَعَ أَمِير اسْمه جِبْرِيل فملكوها وهرب رَاجِح إِلَى الْيمن ثمَّ عَاد وَمَعَهُ عمر بن على بن رَسُول بِنَفسِهِ فهربت عَسَاكِر مصر وَملك رَاجِح مَكَّة وخطب لعمر بن عَليّ بن رَسُول بعد الْخَلِيفَة
(2/85)

أَطَالَ الله بَقَاءَك وأدام عزك وتأييدك وسعادتك ونعمتك وأمتع أَمِير الْمُؤمنِينَ بك بالموهبة فِيك وعندك وَالسَّلَام عَلَيْك وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته
الْمَذْهَب الثَّالِث
أَن يفْتَتح الْعَهْد بِلَفْظ إِن أولى أَو إِن أَحَق وَمَا أشبه ذَلِك وَهِي طَريقَة غَرِيبه خَارجه عَن أصُول الْكِتَابَة من حَيْثُ إِن رتبه الْمُلُوك فِيمَا يكْتب لَهُم التَّعْظِيم وَمثل هَذَا الإفتتاح إِنَّمَا يكْتب لأَصْحَاب الرتب السافلة الَّتِي لَا تقَارب رُتْبَة الْملك وَلَا مَا دونهَا
على أَنه قد كتب بذلك عَن ديوَان الْخلَافَة بِبَغْدَاد للسُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف على جلالة قدره بتقليد الديار المصرية والبلاد الشامية واليمنية فِي بعض الأحيان وَكَانَ ذَلِك إِنَّمَا وَقع حِين كَانَ الْخَلِيفَة النَّاصِر لدين الله متغيرا عَلَيْهِ حِين تلقب بِالْملكِ النَّاصِر لما فِي ذَلِك من مضاهاة لقب الْخَلِيفَة
وَهَذِه نُسْخَة الْعَهْد الْمَكْتُوب بِهِ على هَذِه الطَّرِيقَة
(2/86)

تلمسان بعد ذَلِك وَبَايَعَهُ أهل الأندلس وَبَقِي إِلَى مَا بعد خلَافَة الْمُسْتَنْصر
وَكَانَ الْمغرب الْأَقْصَى بيد الْمُسْتَنْصر يُوسُف بن مُحَمَّد من بني عبد الْمُؤمن فَتوفي فِي يَوْم الْأَضْحَى سنة سِتّ وَعشْرين وسِتمِائَة وَملك بعده أَبُو مُحَمَّد عبد الْوَاحِد بن يُوسُف بن عبد الْمُؤمن الْمَعْرُوف بالمخلوع وَكَانَ الْوَالِي بمرسيه من الأندلس أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن يَعْقُوب بن الْمَنْصُور بن يُوسُف بن عبد الْمُؤمن فَدَعَا لنَفسِهِ وتلقب بالعادل وَوصل خبر ذَلِك لمراكش فاضطرب الموحدون وباينوا المخلوع وبعثوا ببيعتهم إِلَى الْعَادِل بالأندلس فَسَار الْعَادِل إِلَى مراكش فَدَخلَهَا وَبَقِي بهَا حَتَّى قتل فِي أول شَوَّال سنه سبع وَعشْرين وست مائَة وَكَانَ أَخُوهُ إِدْرِيس بإشبيليه من الأندلس فَدَعَا لنفسة وبويع وَبعث الموحدون ببيعتهم إِلَيْهِ ثمَّ قصد مراكش فَهَلَك فِي طَرِيقه مفتتح سنة ثَلَاثِينَ وست مائَة
وتغلب إِدْرِيس بن هود على الأندلس وأنتزعه من الْمُوَحِّدين وأستقل بِهِ وبويع بعده ابْنه الْمَأْمُون عبد الْوَاحِد
(2/87)

ابْن ادريس وتلقب بالرشيد وَدخل الى مراكش فَبَايعُوهُ وبقى حَتَّى توفّي سنة أَرْبَعِينَ وسِتمِائَة وبويع بعده أَخُوهُ السعيد ابو الْحسن عَليّ ولقب المعتضد بِاللَّه وبقى الى مَا بعد خلَافَة الْمُسْتَنْصر
وَكَانَ أَبُو دبوس مُحَمَّد بن يُوسُف بن نصر الْمَعْرُوف بِابْن الْأَحْمَر قد ثار بشرق الأندلس فِي سنة تسع وَعشْرين وستمائه وخطب للأمير أبي زَكَرِيَّا يحيى صَاحب افريقية من بَقِيَّة الْمُوَحِّدين وأطاعته جيان وشريش من الأندلس فِي السّنة الثَّانِيَة من ولَايَته ثمَّ بَايع لِابْنِ هود سنة احدى وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة عِنْد وُصُول تَقْلِيد خَليفَة بَغْدَاد اليه ثمَّ تغلب على اشبيلية سنة ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وانتزعها من ابْن هود ثمَّ رجعت الى ابْن هود بعد شهر ثمَّ تغلب على غرناطة سنة خمس وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وَبَايَعُوهُ وَهُوَ بجيان فَقدم اليها ونزلها وابتنى بهَا حصن الْحَمْرَاء وَهُوَ الْمعبر عَنهُ بالقصبة الْحَمْرَاء وَالْمرَاد بالقصبة القلعة وَهِي مقرّ ملك بنيه الى الْآن ثمَّ تغلب على مالقة وَأَخذهَا من يَد عبد الله بن زنون الثائر بهَا بعد موت ابْن هود وبقى الى مابعد خلَافَة الْمُسْتَنْصر
(2/88)

السَّابِع وَالثَّلَاثُونَ من خلفاء بني الْعَبَّاس بالعراق
المستعصم بِاللَّه
وَهُوَ أَبُو أَحْمد عبد الله بن الْمُسْتَنْصر بِاللَّه الْمُقدم ذكره كَانَ ضَعِيف الرَّأْي وَالْبَصَر بتدبير الْأُمُور ذَا طمع بُويِعَ لَهُ بالخلافة عقب موت أَبِيه الْمُسْتَنْصر لعشر خلون من جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَرْبَعِينَ وسِتمِائَة بِاتِّفَاق من أهل الدولة وبقى حَتَّى قَتله التتر فِي وقْعَة هولاكو فِي الْمحرم سنة سِتّ وَخمسين وسِتمِائَة فَكَانَت مُدَّة خِلَافَته سبع عشرَة سنة وَكَانَ لَهُ ولد اسْمه أَبُو بكر
الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
لما ولي الْخلَافَة استبد كبراء دولته بِالْأَمر وحسنوا لَهُ قطع الأجناد ومداراة التتر فَفعل ذَلِك وأبطل أَكثر العساكر وَكَانَ التتر من أَوْلَاد جنكزخان قد خَرجُوا على بِلَاد الاسلام
(2/89)

على مَا تقدم وملكوا أَكثر بِلَاد الشرق وَالشمَال وَكَانَ أهل الكرخ من محلات بَغْدَاد رافضة فَجرى بَينهم وَبَين أهل السّنة فتْنَة بِبَغْدَاد فَأمر أَبُو بكر بن الْخَلِيفَة المستعصم ركن الدّين دوادار الْعَسْكَر ونهبوا الكرخ وهتكوا النِّسَاء وَزَادُوا فَرَكبُوا مِنْهُنَّ الْفَوَاحِش وَكَانَ للمستعصم وَزِير يُقَال لَهُ مؤيد الدّين بن العلقمي رَافِضِي فشق ذَلِك عَلَيْهِ فَكتب الى هولاكو بن طولى بن جنكزخان ملك التتر وأطمعه فِي الْبِلَاد فَخرج هولاكو للاستيلاء على بِلَاد الْخَلِيفَة وَكَانَ بركَة بن طوجى خَان صَاحب بِلَاد الشمَال الَّتِي قاعدتها الْآن السراي قد أسلم على يَد الباخرزي أحد مَشَايِخ الصُّوفِيَّة وأوصاه بالخليفة المستعصم وَكتب بركَة الى الْخَلِيفَة يعرفهُ ذَلِك وَأَنه معاضده وناصره وانتظمت الصُّحْبَة بَينه وَبَين الْخَلِيفَة فَمر هولاكو على بركَة قَاصِدا بَغْدَاد فاعترضه بركَة وَمنعه من ذَلِك وَقَالَ ان الْخَلِيفَة صَاحِبي فَلَا سَبِيل الى وصولك اليه وان لم ترجع عَنهُ حاربتك فتوقف هولاكو حِينَئِذٍ عَن قصد بَغْدَاد سنتَيْن
(2/90)

حَتَّى مَاتَ بركَة فقصد بَغْدَاد حِينَئِذٍ وَكَانَ عَسْكَر بَغْدَاد قبل ولَايَة المستعصم مائَة الف فَارس فقطعهم المستعصم ليحمل الى التتر متحصل اقطاعاتهم فَصَارَ عسكرها دون عشْرين ألف فَارس وَلما قَارب التتر بَغْدَاد خرج عَسْكَر الْخَلِيفَة لقتالهم ومقدمهم ركن الدّين الدوادار فَالْتَقوا على مرحلَتَيْنِ من بَغْدَاد وَجرى بَينهم قتال شَدِيد انهزم فِي آخِره عَسْكَر الْخَلِيفَة وَدخل بَعضهم بَغْدَاد مُنْهَزِمًا وَسَار بَعضهم الى جِهَة الشَّام وَنزل هولاكو ملك التتر على بَغْدَاد من الْجَانِب الشَّرْقِي وَنزل أميران من أمرائه من الْجَانِب الغربي قبالة دَار الْخلَافَة وَخرج الْوَزير مؤيد الدّين بن العلقمى إِلَى هولاكو فتوثق مِنْهُ لنَفسِهِ وَعَاد إِلَى الْخَلِيفَة المستعصم وَقَالَ إِن هولاكو يبقيك فِي الْخلَافَة كَمَا فعل بسُلْطَان الرّوم وَيُرِيد أَن يُزَوّج ابْنَته من ابْنك ابي بكر وَحسن لَهُ الْخُرُوج الى هولاكو فَخرج اليه المستعصم فِي جمع عَظِيم من أكَابِر أَصْحَابه فأنزله فِي جِهَة ثمَّ استدعى الْوَزير الْفُقَهَاء والأماثل حَتَّى اجْتمع هُنَاكَ جَمِيع سَادَات بَغْدَاد من الْعلمَاء وَغَيرهم وَصَارَ أهل بَغْدَاد يخرجُون الى التتر طَائِفَة بعد طَائِفَة حَتَّى تكاملوا
(2/91)

فبذل فيهم التتر السَّيْف وقتلوهم وَلم ينج مِنْهُم الا الْقَلِيل وهجموا دَار الْخلَافَة وَقتلُوا كل من فِيهَا من الْأَشْرَاف والأكابر وَلم يسلم مِنْهُم الا من كَانَ صَغِيرا فَأخذ اسيرا ودام الْقَتْل والنهب فِي بَغْدَاد أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ نُودي بالأمان وَقتل الْخَلِيفَة المستعصم وَلم يُوقف على كَيْفيَّة قَتله فَقيل خنق وَقيل جعل فِي عدل ورفس حَتَّى مَاتَ وَقيل غرق فِي دجلة واستبقى هولاكو الْوَزير ابْن العلقمي مُدَّة يسيرَة فِي الوزارة ثمَّ قَتله
وَمِمَّا وَقع فِي أَيَّامه بالديار المصرية أَن الْفَارِس اقطاي أحد أُمَرَاء الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب كَانَ قد وَقع بَينه وَبَين الْملك المعزأيبك التركماني صُورَة فَعمل الْملك الْمعز الْحِيلَة فِي أمره حَتَّى قَتله فَتغير اصحابه من ذَلِك وَخَرجُوا قَاصِدين الشَّام من جِهَة سوق الْغنم فوجدوا الْبَاب مغلقا فَأَحْرقُوهُ وَخَرجُوا مِنْهُ فَسمى الْبَاب المحروق وَبِذَلِك يعرف الى الْآن
(2/92)

وَفِي أَيَّامه فِي سنة سبع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة ملك الفرنسيس ملك الفرنج مَدِينَة دمياط وَأقَام بهَا حَتَّى مَاتَ الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب فارتحل فَنزل مُقَابل المنصورة ثمَّ كَانَت الكسرة على الفرنسيس فِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وسِتمِائَة فَقتل من عسكره نَحْو ثَلَاثِينَ ألفا وَأسر الفرنسيس ملكهم
ولايات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته
كَانَ على مصر الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب بن الْكَامِل مُحَمَّد بن الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب وَتُوفِّي لأَرْبَع عشرَة لَيْلَة مَضَت من شعْبَان سنة سبع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَملك بعده ابْنه الْملك الْمُعظم توران شاه وَهُوَ الَّذِي كسر الفرنج على المنصورة فِي الْمحرم سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وسِتمِائَة ثمَّ قتل فِي الثَّامِن وَالْعِشْرين من الشَّهْر الْمَذْكُور وملكت بعده أم خَلِيل شَجَرَة الدّرّ زَوْجَة الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب الْمَذْكُور فِي صفر سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وسِتمِائَة فأقامت ثَمَانِيَة أشهر وَلم يملك مصر فِي الاسلام امْرَأَة غَيرهَا ثمَّ خلعت وَملك بعْدهَا الْملك الْأَشْرَف مُوسَى بن النَّاصِر
(2/93)

يُوسُف بن الْملك المسعود بن الْكَامِل مُحَمَّد بن الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب فِي شَوَّال سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وخلع لوقته وَهُوَ آخر الْمُلُوك الأيوبية بالديار المصرية وَدخلت بعده الدولة التركية وَأول من ملك مِنْهُم بعد الْأَشْرَف مُوسَى الْملك الْمعز أيبك التركماني فِي شهر شَوَّال سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَجمع لَهُ بَين مصر وَالشَّام وَبنى الْمدرسَة المعزية برحبة الخروب بالفسطاط وَتزَوج أم خَلِيل شَجَرَة الدّرّ الْمُقدم ذكرهَا وَكَانَ ملكاحازما إِلَّا أَنه استوزر شخصا من كتاب القبط اسْمه شرف الدّين بن ساعد الفائزي كَانَ قد أسلم فِي الدولة الأيبوية وأحدث مظالم ورتب مكوسا على جِهَات مُتعَدِّدَة ثمَّ مَا كَفاهُ ذَلِك حَتَّى سَمَّاهَا حقوقا وَأخذ فِي مصادرات النَّاس فَكَانَ سَيِّئَة من سيئات الْمعز وَبَقِي الْمعز حَتَّى قتل بحمام القلعة سنة أَربع وَخمسين وسِتمِائَة وَملك بعده ابْنه الْملك الْمَنْصُور عَليّ بن أيبك وَقتلت أم خَلِيل الْمَذْكُورَة ورميت من سور القلعة وَبَقِي إِلَى مَا بعدخلافة المستعصم
وَكَانَ على دمشق الْملك الصَّالح إِسْمَاعِيل بن الْعَادِل
(2/94)

أبي بكر بن أَيُّوب فبقى بهَا حَتَّى ملك الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب بن الْكَامِل مُحَمَّد صَاحب الديار المصرية فَجهز إِلَى دمشق عسكرا صُحْبَة معِين الدّين بن الشَّيْخ فتسلمها من الصَّالح إِسْمَاعِيل فِي سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَمَات معِين الدّين الْمَذْكُور فتسلمها الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب الْمَذْكُور من حسام الدّين بن أبي عَليّ فِي السّنة الْمَذْكُورَة وَبَقِي نَائِبا بهَا حَتَّى استدعاه الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب الْمَذْكُور إِلَى الديار المصرية فِي سنة أَربع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَأقَام مَكَانَهُ فِي نِيَابَة دمشق جمال الدّين يغمر وَبقيت دمشق بيد نواب الصَّالح الْمَذْكُور حَتَّى مَاتَ فِي سنة سبع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة فَسَار الْملك النَّاصِر يُوسُف بن الْملك الْعَزِيز مُحَمَّد صَاحب حلب إِلَى دمشق وملكها فِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَبَقِي بهَا إِلَى مَا بعد خلَافَة المستعصم
وَكَانَت حلب بيد الْملك النَّاصِر يُوسُف بن الْعَزِيز مُحَمَّد ابْن الظَّاهِر غَازِي بن السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب واستضاف إِلَيْهَا دمشق على مَا تقدم وبقيا بِيَدِهِ إِلَى مَا بعد خلَافَة المستعصم
(2/95)

وَكَانَت طرابلس وصفد بيد الفرنج
وَكَانَت حماة بيد المظفر مَحْمُود فَبَقيَ حَتَّى توفّي فِي سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَملك بعده ابْنه الْملك الْمَنْصُور مُحَمَّد فَبَقيَ بهَا إِلَى مَا بعد خلَافَة المستعصم
وَكَانَت الكرك بيد النَّاصِر صَلَاح الدّين دَاوُد ابْن الْمُعظم عِيسَى إِلَى سنة سبع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة فاستخلف عَلَيْهَا ابْنه الْملك الْمُعظم عِيسَى وَسَار إِلَى حلب فلجأ إِلَى الْملك النَّاصِر صَاحب حلب فَبَقيَ عِنْده إِلَى أَن بعث إِلَيْهِ الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب من تسلمها فِي تِلْكَ السّنة وَأقَام بدر الدّين الصوابي الصَّالِحِي نَائِبا وَبَقِي النَّاصِر دَاوُد بعد ذَلِك مشردا فِي الْبِلَاد إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَ الْملك المغيث فتح الدّين عمر بن الْعَادِل أبي بكر بن الْكَامِل مُحَمَّد بن الْعَادِل أبي بكر معتقلا بالشوبك فَأخْرجهُ الصوابي نَائِب الكرك وَملكه الكرك فَبَقيَ بهَا إِلَى مَا بعد خلَافَة المستعصم
(2/96)

وَكَانَت حمص بيد الْملك الْمَنْصُور إِبْرَاهِيم بن الْمُجَاهِد شيركوه فبقى بهَا حَتَّى توفّي سنة أَربع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وملكها بعده ابْنه الْملك الْأَشْرَف مظفر الدّين مُوسَى فَبَقيت فى يَده الى أَن وثب عَلَيْهِ الْملك النَّاصِر يُوسُف ابْن الْملك الْعَزِيز صَاحب دمشق الْمُتَقَدّم ذكره فِي سنة سِتّ وَأَرْبَعين وسِتمِائَة فانتزعها مِنْهُ واستضافها إِلَى دمشق وحلب وَبقيت بِيَدِهِ إِلَى أَن كَانَ من أمره مَعَ التتر مَا كَانَ
وَكَانَت بعلبك بيد حسام الدّين بن أبي عَليّ نِيَابَة عَن الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب صَاحب الديار المصرية ثمَّ ملكهَا النَّاصِر يُوسُف بن الْملك الْعَزِيز مُحَمَّد حِين ملك دمشق سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وسِتمِائَة فَبَقيت بِيَدِهِ إِلَى أَن كَانَ من أمره مَعَ التتر مَا كَانَ
وَكَانَت مَكَّة بيد رَاجِح بن قَتَادَة وَهُوَ يخْطب لعمر بن عَليّ بن رَسُول صَاحب الْيمن ثمَّ غلب عَلَيْهَا سنة سبع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة أَبُو سعيد الْحسن بن على بن
(2/97)

قَتَادَة وَلحق رَاجِح بِالْيمن وَسَار جماز بن حسن بن قَتَادَة سنة إِحْدَى خمسين وسِتمِائَة إِلَى النَّاصِر بن الْعَزِيز بِدِمَشْق مستجيشا عَلَيْهِ ليقطع ذكر صَاحب الْيمن من الْخطْبَة فَجهز لَهُ عسكرا وَسَار إِلَى مَكَّة فَقتل أَبَا سعيد بِالْحرم وَملك مَكَّة وبقى الى مَا بعد خِلَافه المستعصم
وَكَانَ على الْمَدِينَة سنجر بن قَاسم فبقى حَتَّى قتل فِي سنة سبع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَولى مَكَانَهُ ابْنه عِيسَى ثمَّ قبض عَلَيْهِ أَخُوهُ جماز سنة تسع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَملك مَكَانَهُ
قَالَ ابْن سعيد وَفِي سنة إِحْدَى وَخمسين وسِتمِائَة كَانَ بِالْمَدِينَةِ أَبُو الْحسن بن شيحة بن سَالم وَقَالَ غَيره كَانَ بِالْمَدِينَةِ سنة ثَلَاث وَخمسين وسِتمِائَة وَولى أَخُوهُ جماز وَطَالَ عمره وبقى الى مَا بعد خلَافَة المستعصم
وَكَانَ على الْيمن المظفر يُوسُف بن عمر بن عَليّ بن رَسُول وطالت مدَّته وبقى الى مَا بعد خلَافَة المستعصم
(2/98)

وَكَانَ مَا وَرَاء النَّهر وخراسان وغزنه وَمَا مَعَ ذَلِك بيد بني جنكزخان
وَكَانَت مملكة الشمَال الْمَعْرُوفَة قَدِيما بِبَيْت بركَة والآن بمملكة أزبك وقاعدتها مَدِينَة السراى الَّتِي بناها بركَة خَان قد جعلهَا جنكزخان لِابْنِهِ طوش خَان وَمَات فِي حَيَاة أَبِيه جنكزخان وَملك بعده ابْنه باطوخان وَيُقَال صائن خَان وَمَعْنَاهُ الْملك الْجيد فبقى حَتَّى مَاتَ سنة ثِنْتَيْنِ وَخمسين وسِتمِائَة وَملك بعده أَخُوهُ صرطق بن دوشى خَان وَمَات سنة أَربع وَخمسين وسِتمِائَة وَملك بعده أَخُوهُ بركَة بن دوشى خَان وَكَانَ قد اسْلَمْ على يَد الشَّيْخ شمس الدّين الباخرزى من أَصْحَاب الشَّيْخ نجم الدّين الْكُبْرَى صَاحب الطَّرِيقَة وَحسن إِسْلَامه وبقى الى مَا بعد خِلَافه المستعصم
(2/99)

وَكَانَت إفريقية بيد أبي زَكَرِيَّا يحيى بن عبد الْوَاحِد من الْمُوَحِّدين فبقى حَتَّى مَاتَ لسبع بَقينَ من جُمَادَى الْآخِرَة سنة سبع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وبويع بعده ابْنه ولى عَهده الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي زَكَرِيَّا وَدخل تونس فِي رَجَب من السّنة الْمَذْكُورَة وَهُوَ أول من تلقب من الحفصيين من الْمُوَحِّدين بألقاب الْخلَافَة وانْتهى أمره الى أَن بُويِعَ لَهُ بِمَكَّة وَبعث بالبيعة اليه وَاسْتولى على مَا كَانَ بيد ابيه من إفريقية وَغَيرهَا وبقى الى مَا بعد خلَافَة المستعصم
وَكَانَت تلمسان بيد ابي سعيد بن عبد الْمُؤمن من الْمُوَحِّدين من جِهَة اخيه الْمَأْمُون فَعَزله أَخُوهُ وَولى عَلَيْهَا جَابر بن يُوسُف من عقب الْقَاسِم بن عبد الواد من زناته فِي سنة أَربع وَعشْرين وسِتمِائَة ثمَّ قتل فِي سنة تسع وَعشْرين وسِتمِائَة وَولى بعده ابْنه الْحسن بن جَابر من جِهَة الْمَأْمُون ثمَّ نزل عَن ذَلِك لِعَمِّهِ عُثْمَان بن يُوسُف فأساء السِّيرَة فَأَخْرَجته الرّعية فِي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وَأَقَامُوا مَكَانَهُ عَمه وكدار بن زيان ثمَّ قتل سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَولى بعده يغمراسن بن زيان من قبل بني
(2/100)

عبد المؤمن فاستبد بِالْأَمر عَلَيْهِم وتحلى بحلية الْملك وَجرى على مرتبته وَلم يبْق عَلَيْهِم غير الدُّعَاء على المنابر ثمَّ غلب أَبُو زَكَرِيَّا سُلْطَان الحفصيين بإفريقية على تلمسان وفوض أمرهَا ليغمراسن فبقى الى مَا بعد خلَافَة المستعصم
وَكَانَ الغرب الْأَقْصَى وإشبيلية وَمَا مَعهَا من الأندلس بيد المعتضد بِاللَّه ابو الْحسن على بن إِدْرِيس من بني عبد الْمُؤمن من الْمُوَحِّدين فَسَار الى تلمسان فَمَاتَ بهَا فِي صفر سنة سِتّ وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وفيهَا استولت الفرنج على إشبيلية من الأندلس ثمَّ اجْتمع الموحدون على بيعَة ابي حَفْص عمر بن ابي إِسْحَاق بن يُوسُف بن عبد الْمُؤمن فَبَايعُوهُ ولقبوه المرتضى وَكَانَ بسلا فَقدم الى مراكش وَأقَام بهَا وَفِي أَيَّامه استولى ابو يحيى بن عبد الْحق المريني على مَدِينَة فاس سنة سبع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة واستقرت فِيهَا قدمه وَقدم بنيه الى الْآن ثمَّ خرج على المرتضى الْقَائِد أَبُو الْعلَا الملقب بِأبي دبوس بن ابي عبد الله مُحَمَّد بن ابي حَفْص بن عبد الْمُؤمن وَاجْتمعَ عَلَيْهِ جموع الْمُوَحِّدين وَقصد مراكش وَبهَا المرتضى فغلبه عَلَيْهَا وفر المرتضى إِلَى أزمور فَقبض عَلَيْهِ واليها واعتقله بهَا الى
(2/101)

أَن ورد عَلَيْهِ أَمر أبي دبوس بقتْله فَقتله واستبد أَبُو دبوس بِالْأَمر وتلقب الواثق بِاللَّه وَالْمُعْتَمد على الله فَخرج عَلَيْهِ أَبُو يحيى زَكَرِيَّا بن عبد الْحق المريني وَقصد مَدِينَة فاس بعد أَن استولى على كثير من بلادها فانتزعها من عَامل بني عبد الْمُؤمن وَاسْتولى عَلَيْهَا فِي أول سنة سِتّ وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَملك سجلماسة من أَيدي الْمُوَحِّدين ايضا فِي سنة ثَلَاث وَخمسين وسِتمِائَة وبقى حَتَّى مَاتَ بفاس فِي رَجَب سنة سِتّ وَخمسين وسِتمِائَة وَملك بعده ابْنه عمر ثمَّ قصد عَمه يَعْقُوب بن عبد الْحق وانتزع مِنْهُ مَدِينَة فاس وَمَات ابْن اخيه عمر بعد ذَلِك وَكَانَت مراكش قَاعِدَة الغرب الْأَقْصَى يَوْمئِذٍ بيد ابي دبوس الملقب بالواثق الْمُعْتَمد على الله من بني عبد الْمُؤمن فقصده يَعْقُوب بن عبد الْحق وانتزع مِنْهُ مراكش فِي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وسِتمِائَة واستقل بِملك الغرب الْأَقْصَى بأسره وانقرض ملك بني عبد الْمُؤمن مِنْهُ ثمَّ عَاد الى فاس وَبنى الْمَدِينَة الَّتِي استجدها ملاصقة لَهَا ونزلها فِي سنة ارْبَعْ وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وبقى الى مَا بعد خِلَافه المستعصم
(2/102)

وَكَانَت غرناطة وَمَا مَعهَا من شَرق الأندلس بيد ابي دبوس مُحَمَّد بن يُوسُف بن نصر الْمَعْرُوف بِابْن الْأَحْمَر فَأخذ المرية من يَد مُحَمَّد وَزِير ابْن هود الثائر بهَا سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وبقى الى مَا بعد خلَافَة المستعصم
الفترة الَّتِي شغرت فِيهَا الْخلَافَة عَن خَليفَة
وَهِي مَا بَين قتل المستعصم فِي الْمحرم سنة سِتّ وَخمسين وسِتمِائَة الى حِين بَايع الْملك الظَّاهِر بيبرس صَاحب الديار المصرية الْمُسْتَنْصر أَحْمد بن الظَّاهِر أول الْخُلَفَاء بالديار المصرية فِي رَجَب سنة ثَمَان وَخمسين وسِتمِائَة والملوك مستولية على الممالك شرقا وغربا
الْحَوَادِث والماجريات فِي هَذِه الْمدَّة
فِي سنة سبع وَخمسين وسِتمِائَة بعد اسْتِيلَاء التتر على بَغْدَاد سَار هولاكو ملك التتر من بَغْدَاد قَاصِدا الشَّام وعدى الْفُرَات بعسا كره ونازل حران وملكها وَاسْتولى على الْبِلَاد الجزرية وارسل وَلَده سموطبن هولاكو الى الشَّام فوصل
(2/103)

الى ظَاهر حلب وَفِي سنة ثَمَان وَخمسين وسِتمِائَة عبر هولاكو الْفُرَات ونازل حلب وَاسْتولى عَلَيْهَا فِي تَاسِع صفر من هَذِه السّنة وبذلوا السَّيْف فِي الْمُسلمين وَصعد القلعة خلق عَظِيم من الْمُسلمين ودام الْقَتْل والنهب فِيهَا من تَاسِع صفر الى رَابِع عشرَة فَأَمرهمْ هولاكو أَن يرفعوا السَّيْف ونادى بالأمان وَلم يسلم من اهل حلب إِلَّا من التجأ الى أَمَاكِن مَعْرُوفَة كَانَ بأيدي اهلها أمانات من هولاكو وَيُقَال إِن من سلم بِهَذِهِ الْأَمَاكِن كَانُوا نَحْو خمسين الف نفس ودام الْحصار على قلعة حلب حَتَّى نزل من فِيهَا بالأمان وَأمر هولاكو بخراب اسوار حلب وأسوار قلعتها فخربت عَن آخرهَا وأحرقت زردخانتها وَتوجه أهل حماة بالمفاتيح إِلَى هولاكو وطلبوا مِنْهُ الْأمان وشحنة تكون عِنْدهم ثمَّ سَار التتر إِلَى دمشق وأستولوا عَلَيْهَا وعَلى سَائِر الشَّام وحاصروا قلعة دمشق حَتَّى نزلُوا بالأمان بعد مضايقة عَظِيمَة فِي منتصف جُمَادَى الأولى من هَذِه السّنة ونهبوا جَمِيع مَا فِيهَا
(2/104)

وخربوا أسوارها وَكَذَلِكَ أستولوا على ميافارقين وَقتلُوا صَاحبهَا الْكَامِل مُحَمَّد بن المظفر غَازِي بن الْعَادِل أبي بكر وَكَانَ النَّصَارَى بِدِمَشْق قد أستطالوا بدق الناقوس وَإِدْخَال الْخمر الْجَامِع فَبَلغهُمْ حَرَكَة عَسْكَر مصر إِلَيْهِم فَوَثَبُوا بالنصارى ونهبوهم وخربوا كنيستهم الْعُظْمَى بهَا وو صل المظفر قطز صَاحب مصر إِلَى الشَّام وَبَقِي التتر على عين جالوت فَكَانَت الكسرة على التتر وَقتل كتبغا نَائِب هولاكو {ورد الله الَّذين كفرُوا بغيظهم لم ينالوا خيرا} وَسَار المظفر قطز بعد كسر التتر حَتَّى دخل دمشق وأبتهجت الرعايا بالنصر ثمَّ عَاد المظفر قطز بعد ذَلِك قَاصِدا الديار المصرية فَقتل فِي الطَّرِيق وَملك الظَّاهِر بيبرس على مَا سَيَأْتِي ذكره وَكَانَ المظفر قطز قد أستناب سنجر على دمشق فَلَمَّا ملك الظَّاهِر بيبرس خرج عَن طَاعَته وتسلطن بِدِمَشْق فِي الْعشْر الأول من ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان وَخمسين وست مائَة
(2/105)

ولايات الْأَمْصَار فِي هَذِه الْمدَّة
كَانَت مصر بيد الْملك الْمَنْصُور عَليّ بن الْمعز أيبك وَبَقِي حَتَّى قبض عَلَيْهِ الْملك المظفر قطز فِي سنة سبع وَخمسين وسِتمِائَة وأستولى على الْملك مَكَانَهُ وَكَانَ المصاف بَينه وَبَين التتر على عين جالوت بعد أَن أستولوا على جَمِيع الشَّام فِي رَمَضَان سنه ثَمَان وَخمسين وسِتمِائَة فكسرهم أَشد كسرة واستقلع الشَّام مِنْهُم بعد أَن عجز كَافَّة مُلُوك الشرق وعساكرها عَن مقاومتهم واستولوا على الأقاليم الشرقية والشمالية كإقليم مَا وَرَاء النَّهر من بُخَارى وَسمر قند وَغَيرهمَا وإقليم خوارزم ودشت القجاق وإقليم خُرَاسَان وعراق الْعَجم وأذربيجان وخوزستان وبلاد فَارس والجزيرة الفراتية وبلاد الرّوم وبلاد الشَّام وَغير ذَلِك وَاجْتمعَ لَهُ ملك الديار المصرية والبلاد الشامية وتداول مُلُوك مصر ذَلِك بعده إِلَى زَمَاننَا على مَا سَيَأْتِي ذكره وَبَقِي حَتَّى قتل فِي متصيده وَهُوَ عَائِد من الشَّام بِالْقربِ من قصير الصالحية على إِثْر ذَلِك من السّنة الْمَذْكُورَة وَملك بعده الْملك الظَّاهِر بيبرس البندقداري فِي ذِي الْقعدَة سنة ثَمَان وَخمسين وسِتمِائَة وَأخذ فِي جِهَاد الفرنج واستعاد
(2/106)

مَا ارتجعوه من فتوح السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب وَغير ذَلِك فَفتح البيرة والكرك وحمص وقيسارية وأرسوف وصفد ويافا والشقيف وأنطاكيا وحصن الأكراد وعكا وصافيتا وقلاعا من بِلَاد سيس وَكسر التتر على البيرة بعد أَن عدى الْفُرَات خوضا بعساكره وَدخل بِلَاد الرّوم وإنتزع قيسارية من يَد التتر وَجلسَ على تخت آل سلجوق بهَا وَبنى الْمدرسَة الظَّاهِرِيَّة بِالْقَاهِرَةِ بَين القصرين وَبَقِي إِلَى مَا بعد هَذِه الفترة
وَكَانَت دمشق وحلب بيد الْملك النَّاصِر يُوسُف بن الْعَزِيز مُحَمَّد بن الظَّاهِر غَازِي بن السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب فَبَقيت بِيَدِهِ حَتَّى إستولت عَلَيْهِمَا التتر فِي سنة ثَمَان وَخمسين وسِتمِائَة ثمَّ إنتزعهما مِنْهُم المظفر قطز صَاحب الديار المصرية وإستولى عَلَيْهِمَا وعَلى سَائِر الْبِلَاد الشامية وَقبض عَلَيْهِ الظَّاهِر بيبرس وَملك بعده وَبَقِي إِلَى مَا بعد هَذِه الْمدَّة على مَا تقدم
وَكَانَت طرابلس قد بقيت بيد الفرنج بعد فتح الظَّاهِر صفد
(2/107)

وَكَانَت حماة بيد الْمَنْصُور مُحَمَّد بن المظفر مَحْمُود فَبَقيَ بهَا حَتَّى غلب هولاكو على الْبِلَاد الشامية فهرب إِلَى مصر صَحبه النَّاصِر يُوسُف صَاحب دمشق وحلب فِي جمَاعَة من بني أَيُّوب فَأكْرم المظفر قطز صَاحب الديار المصرية نزله فَلَمَّا كسر المظفر التتر أعادهم إِلَى حماة على مَا كَانَ عَلَيْهِ من السلطنة فَبَقيَ بهَا إِلَى مَا بعد هَذِه الْمدَّة
وَكَانَت الكرك بيد الْملك المغيث عمر بن الْعَادِل أبي بكر بن كَامِل مُحَمَّد بن الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب فَبَقيَ بهَا إِلَى مَا بعد هَذِه الفترة
وَكَانَت حمص وبعلبك بيد النَّاصِر يُوسُف مضافتين إِلَى حلب ودمشق وَكَانَ من أمره مَا كَانَ من مصيره إِلَى الديار المصرية ولحوقه بقطز صَاحبهَا وإنتزاع قطز الْبِلَاد الشامية من أَيدي التتر فَصَارَت فِي جملَة نيابات صَاحب الديار المصرية
وَكَانَ مَا وَرَاء النَّهر وخراسان وغزنه وعراق الْعَجم وأرمينية وأذر بيجان وَسَائِر مملكة إيران بيد هولا كو بن طولي بن جنكزخان
(2/108)

وَكَانَت مملكة الشمَال بيد بركَة بن درجي خَان وَبَقِي بركَة إِلَى مَا بعده مُدَّة الفترة
وَكَانَت مَكَّة بيد جماز بن حسن بن قَتَادَة فوصل عَمه رَاجِح بن قَتَادَة إِلَى مَكَّة وَقد كبر سنه فإستولى على مَكَّة وَأخرج جمازا مِنْهَا فلحق بالينبع ثمَّ دَار أَمر مَكَّة بَين أبي نمي مُحَمَّد بن أبي سعد بن على بن قَتَادَة وَبَين غَالب بن رَاجِح بن قَتَادَة وَبَقِي الْأَمر على ذَلِك إِلَى مَا بعد هَذِه الفترة
وَكَانَت الْمَدِينَة بيد جماز بن شيحة فَبَقيَ إِلَى مَا بعد هَذِه الْمدَّة
وَكَانَ مَا وَرَاء النَّهر وخراسان وَمَا مَعهَا بيد بني جنكزخان
وَكَانَت إفريقية بيد الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أبي عبد الله مُحَمَّد بن أبي زَكَرِيَّا يحيى بن عبد الْوَاحِد من الْمُوَحِّدين فَبَقيَ إِلَى مَا بعد هَذِه الْمدَّة
(2/109)

وَكَانَت تلمسان والغرب الْأَوْسَط بيد يغمرسن إِبْنِ زيان من جِهَة الْمُسْتَنْصر بن أبي زَكَرِيَّا صَاحب إفريقية فَبَقيَ إِلَى مَا بعد هَذِه الْمدَّة
وَكَانَ الغرب الْأَقْصَى بيد أبي يُوسُف يَعْقُوب بن عبد الْحق فَبَقيَ إِلَى مَا بعد هَذِه الْمدَّة
وَكَانَت غرناطة وَمَا مَعهَا من الأندلس بيد أبي دبوس مُحَمَّد بن الْأَحْمَر فَبَقيَ إِلَى مَا بعد هَذِه الفترة
(2/110)

الطَّبَقَة الرَّابِعَة من الْخُلَفَاء خلفاء بني الْعَبَّاس بالديار المصرية من حِين انْتِقَال الْخلَافَة إِلَيْهَا وَإِلَى زَمَاننَا وهم أحد عشر خَليفَة
الأول مِنْهُم الْمُسْتَنْصر بِاللَّه
وَهُوَ أَبُو الْقَاسِم أَحْمد بن الظَّاهِر بِاللَّه مُحَمَّد بن النَّاصِر لدين الله الْمُقدم ذكره والعامة تَسْمِيَة الزرابيني بُويِعَ لَهُ بالخلافة بالديار المصرية فِي شهر رَجَب سنة ثَمَان وَخمسين وسِتمِائَة وَقَامَ ببيعته السُّلْطَان الْملك الظَّاهِر بيبرس البندقداري صَاحب الديار المصرية وَهُوَ أول خَليفَة واطأ لقبه لقب خَليفَة قبله تلقيبا لَهُ بلقب أَخِيه الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أبي جَعْفَر الْمَنْصُور بن الظَّاهِر بِاللَّه الْمُقدم ذكره وَكَانُوا قبل ذَلِك يقتبضون لكل خَليفَة يتَوَلَّى لقبا لم يكن لأحد قبله وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا لقب بذلك تفاؤلا للإستنصار بِاللَّه على التتر وَكَانَ من شَأْنه أَنه حضر مَعَ
(2/111)

جمَاعَة من الْعَرَب وَذكر انه خرج من دَار الْخلَافَة بِبَغْدَاد لما ملكهَا التتر فعقد لَهُ السُّلْطَان مَجْلِسا حضر فِيهِ جمَاعَة من الأكابر مِنْهُم الشَّيْخ عز الدّين بن عبد السَّلَام إِمَام الشَّافِعِيَّة فِي زَمَانه وَالْقَاضِي تَاج الدّين بن بنت الْأَعَز قَاضِي الْقُضَاة بالديار المصرية يَوْمئِذٍ بمفرده فَشهد أُولَئِكَ الْعَرَب انه إِبْنِ الظَّاهِر بِاللَّه ثمَّ شهد من سمع كَلَامهم بِنِسْبَة الْمَذْكُور بالإستفاضة فَأثْبت القَاضِي تَاج الدّين بن بنت الْأَعَز نسبه ثمَّ بُويِعَ بالخلافة بعد ذَلِك على مَا تقدم ذكره وَبَقِي حَتَّى قَتله التتر بالعراق حِين وَجهه الْملك الظَّاهِر إِلَى بَغْدَاد لينتزعها مِنْهُم فِي أَوَاخِر سنة ثَمَان وَخمسين وسِتمِائَة
الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
لما بَايع لَهُ الْملك الظَّاهِر اهتم بأَمْره أتم الإهتمام وَكتب السُّلْطَان الْكتب إِلَى المماليك والنواب بِأخذ الْبيعَة لَهُ فِي جَمِيع الأقطار بالخلافة وَأَن يخْطب لَهُ مَعَ السُّلْطَان على المنابر ويبدا بِهِ فِي الذّكر وينقش إسمه مَعَ إسمه
(2/112)

فِي السِّكَّة على الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة الذى يلى الْمُبَايعَة خطب الْخَلِيفَة بِنَفسِهِ بِجَامِع القلعة ثمَّ ركب السُّلْطَان بعد ذَلِك بِقَلِيل إِلَى خيمة ضربت لَهُ بالبستان الْكَبِير بِظَاهِر الْقَاهِرَة وَنزل بهَا والخليفة مَعَه وَلبس مِنْهُ خلعة الْخلَافَة وَهِي عِمَامَة بنفسجى وجبة سَوْدَاء وطوق ذهب فِي عُنُقه وَسيف بداوى تقلد بِهِ وَجلسَ مَجْلِسا عَاما بِحَضْرَة الْخَلِيفَة والوزير والقضاة وَالْعُلَمَاء والأمراء وَنصب للصاحب فَخر الدّين إِبْرَاهِيم بن لُقْمَان كَاتب السِّرّ يَوْمئِذٍ مِنْبَر فَصَعدَ عَلَيْهِ وَقَرَأَ تَقْلِيد السُّلْطَان ثمَّ ركب السُّلْطَان بالخلعة والطوق وَدخل من بَاب النَّصْر وشق الْقَاهِرَة وهى مزينة لَهُ وَحمل الصاحب بهاء الدّين ابْن حنا وزيره التَّقْلِيد على رَأسه وَمَشى بِهِ فِي الموكب بَين يدى السُّلْطَان والأمراء مشَاة حوله وأمامه وَعمل لَهُ السُّلْطَان الدهاليز والجمدارية وآلات الْخلَافَة واستخدم لَهُ عسكرا جَلِيلًا وَغرم على ذَلِك فِيمَا يُقَال ألف ألف دِينَار بتكرير الْألف مرَّتَيْنِ وبرز السُّلْطَان والخليفة فِي رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة وتوجها إِلَى دمشق وَكَانَ السُّلْطَان فِي كل منزلَة يمضى إِلَى دهليز الْخَلِيفَة الْخَاص بِهِ
(2/113)

فَلَمَّا وصلا إِلَى دمشق نزل السُّلْطَان بالقلعة وَنزل الْخَلِيفَة فِي جبل الصالحية وَنزل أمراؤه وأجناده حوله ثمَّ جهز السُّلْطَان الْخَلِيفَة بعسكره من دمشق إِلَى بَغْدَاد لقِتَال التتر الَّذين استولوا عَلَيْهَا وَخرج السُّلْطَان مَعَه لتشييعه ووصاه بالتأنى فِي الْأُمُور ثمَّ عَاد السُّلْطَان إِلَى دمشق ثمَّ إِلَى الديار المصرية فَدَخلَهَا فِي سَابِع عشر ذى الْحجَّة من هَذِه السّنة ووصلت إِلَيْهِ كتب الْخَلِيفَة بعد وُصُوله الديار المصرية بِأَنَّهُ قد استولى على عانة والحديثة وَولى عَلَيْهِمَا وَأَن كتب أهل الْعرَاق وصلت إِلَيْهِ يستحثونه على الدُّخُول إِلَيْهِم ثمَّ بعده تنفيذه الْكتب إِلَى الديار المصرية خرج إِلَيْهِ التتر فقاتلوه وقتلوه وَقتلُوا غَالب عسكره وَجَاءَت الْأَخْبَار إِلَى الديار المصرية بذلك لاراد لقَضَاء الله وَلَا معقب لحكمه
وَفِي سنة سِتِّينَ وسِتمِائَة وَقع بالديار المصرية بِمصْر والقاهرة والوجهين القبلى والبحرى والبلاد الشامية دمشق وصفد والكرك والشوبك وَغَيرهَا وَسَوَاد الْعرَاق زَلْزَلَة شَدِيدَة تساقطت مِنْهَا الْأَبْنِيَة وتشققت الْجبَال وتقطعت الصخور وتفجرت الأَرْض عيُونا وَخرج النَّاس من مساكنهم
(2/114)

هاربين إِلَى الصحارى وَظهر أَثَرهَا فِي النّيل وَالْبَحْر الْملح وطما الْبَحْر لسببها حَتَّى أغرق قماش القصارين وتكسرت القوارب والسفن وتهدمت الجدران ومنارات الْجَوَامِع وَوَقع جَانب عَظِيم من منار الْإسْكَنْدَريَّة
ولايات الْأَمْصَار فِي خلافتة
كَانَ على الديار المصرية والبلاد الشامية بأسرها إِلَّا مَا بقى بيد الفرنج مِنْهَا فِي أَيَّامه الْملك الظَّاهِر بيبرس البندقدارى الَّذِي قَامَ ببيعته وبقى الى مَا بعد خِلَافَته
وَكَانَت مَكَّة بَين ابي نمى مُحَمَّد بن ابي سعد بن عَليّ ابْن قَتَادَة وَبَين غَالب بن رَاجِح بن قَتَادَة على مَا تقدم ثمَّ استبد ابو نمى بِمَكَّة وَنفى أَقَاربه جمازا وأخويه إِدْرِيس ومحمدا الى الينبع فأعقابهم قَائِمَة بإمرته الى الْآن وبقى أَبُو نمى الى مَا بعد خلَافَة الْمُسْتَنْصر
وَكَانَت الْيمن بيد المظفر يُوسُف بن عمر بن عَليّ بن رَسُول فبقى الى مَا بعد خلَافَة الْمُسْتَنْصر
وَكَانَت مملكة إيران من بَغْدَاد وَمَا مَعهَا بيد هولاكو بن
(2/115)

طولى بن جنكزخان فبقى الى مَا بعد خلَافَة الْمُسْتَنْصر
وَكَانَ مَا وَرَاء النَّهر وخراسان وَمَا مَعَ ذَلِك بيد بنى جنكزخان غير هولاكو
وَكَانَت إفريقية بيد الْمُسْتَنْصر بِاللَّه مُحَمَّد بن ابي زَكَرِيَّا فبقى الى مَا بعد خلَافَة الْمُسْتَنْصر
وَكَانَت تلمسان والغرب الْأَوْسَط بيد يغمراسن بن زيان فبقى الى مَا بعد خلَافَة الْمُسْتَنْصر
وَكَانَ الغرب الأقصلى بيد ابي يُوسُف يَعْقُوب عبد الْحق فبقى الى مَا بعد خلَافَة الْمُسْتَنْصر
وَكَانَت غرناطة وَمَا مَعهَا من شَرق الأندلس بيد ابي دبوس بن الْأَحْمَر فبقى الى مَا بعد خلَافَة الْمُسْتَنْصر
الثَّانِي من خلفاء بني الْعَبَّاس بالديار المصرية
الْحَاكِم بِأَمْر الله وَهُوَ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن الْحُسَيْن بن أبي بكر بن
(2/116)

الْأَمِير ابي عَليّ القبي بن الْأَمِير حسن بن الراشد بِاللَّه ابي جَعْفَر الْمَنْصُور الحادى وَالثَّلَاثِينَ من خلفاء بني الْعَبَّاس بالعراق وَقد تقدم ذكره قَالَ الْمُؤَيد صَاحب حماة هَذَا هُوَ الْمَشْهُور بِمصْر عِنْد نسابتها أما عِنْد الشرفاء العباسيين السليمانيين فِي درج نسبهم الثَّابِت فَهُوَ أَحْمد بن عَليّ بن ابي بكر بن أَحْمد بن الإِمَام المسترشد وَالِد الراشد الْمُقدم ذكره وتلقيبه بالحاكم وَإِن لم يكن مواطئا للقب أحد من الْخُلَفَاء العباسيين قبله فَهُوَ مواطئ للقب الْحَاكِم بِأَمْر الله الفاطمي ثَالِث خلفاء الفاطميين بالديار المصرية وَهُوَ أَبُو الْخُلَفَاء العباسيين بالديار المصرية الْمَوْجُودين الى الْآن بُويِعَ لَهُ بالخلافة يَوْم الْخَمِيس فِي أَوَاخِر ذِي الْحجَّة سنة سِتِّينَ سِتّمائَة وَذَلِكَ أَنه لما قتل الْمُسْتَنْصر احْمَد الْمُقدم ذكره فِي أَوَاخِر سنة ثَمَان وَخمسين وسِتمِائَة بقيت الْخلَافَة شاغرة بعده الى أَن بعث السُّلْطَان من احضره اليه من بَغْدَاد فَقدم مصر فِي سنة تسع ة خمسين ة سِتّمائَة وَهُوَ ابْن خمس عشرَة سنة ثمَّ
(2/117)

جلس السُّلْطَان فِي التَّارِيخ الْمَذْكُور مَجْلِسا عَاما وَأثبت نِسْبَة وَبَايَعَهُ بالخلافة وأشركه مَعَه فِي الدُّعَاء لَهُ على المنابر مقدما فِي ذَلِك على السُّلْطَان إِلَّا انه لم يثبت اسْمه فِي السِّكَّة على الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير وبقى حَتَّى توفّي فِي شهور سنة احدى وَسبع مائَة وَكَانَت خِلَافَته اربعين سنة تَقْرِيبًا بعد أَن حج فِي سلطنة الْملك الْمَنْصُور لاجين فِي سنة سبع وَتِسْعين وسِتمِائَة وزودها السُّلْطَان مبلغ سبع مائَة ألف دِرْهَم وَكَانَ لَهُ من الْأَوْلَاد المستكفى بِاللَّه الْآتِي ذكره وَغَيره
الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
لما بُويِعَ لَهُ بالخلافة رقم اسْم السُّلْطَان فِي السِّكَّة ودعى لَهُ قبل السُّلْطَان فِي الْخطْبَة وَحفظ لَهُ مَا يجب حفظه من مِقْدَاره إِلَّا أَن السُّلْطَان الْملك الظَّاهِر لم يُمكنهُ من التَّصَرُّف وَالرُّكُوب وَالنُّزُول بل هيأ لَهُ برجا يُقيم فِيهِ فبقى على ذَلِك الى ان ملك السُّلْطَان الْأَشْرَف خَلِيل ابْن الْمَنْصُور قلاوون فأسكنه بالكبش على الْقرب من الْجَامِع الطولوني وَكَانَ يخْطب بِنَفسِهِ فِي جَامع القلعة
(2/118)

وَيصلى وَلم يُطلق تصرفه إِلَى أَن تسلطن الْملك الْمَنْصُور لاجين فأباح لَهُ التَّصَرُّف حَيْثُ شَاءَ وأركبه مَعَه فِي الميادين
وفى أَيَّامه فِي سنة سِتِّينَ وسِتمِائَة رتب السُّلْطَان الْملك الظَّاهِر الْقُضَاة أَرْبَعَة من كل مَذْهَب قَاض وَكَانَ قبل ذَلِك فِي الدولة الفاطمية وَمَا قبلهَا والدولة الأيوبية وَمَا بعْدهَا قَاض وَاحِد وَهُوَ يَسْتَنِيب من يختاره من الْمذَاهب على قَاعِدَة الْخلَافَة العباسية بِبَغْدَاد بل اجْتمع فِي الدولة الفاطمية فِي أَيَّام الْحَاكِم بِأَمْر الله الفاطمى مصر وأجناد الشَّام وبلاد الْمغرب لقاض وَاحِد وَكَانَ سَبَب اسْتِقْرَار الْقُضَاة الْأَرْبَعَة أَن القَاضِي كَانَ فِي اول ل الدولة الظَّاهِرِيَّة ابْن بنت الْأَعَز وَكَانَ شافعيا فَكَانَ إِذا ورد عَلَيْهِ شئ من غير مذْهبه توقف فِي إثْبَاته فَاخْتَارَ السُّلْطَان أَرْبَعَة قُضَاة ليحكم كل مِنْهُم بِمَا يسوغ فِي مذْهبه وفى هَذِه السّنة كَانَ بالديار المصرية غلاء شَدِيد فَجمع السُّلْطَان الْفُقَرَاء وَأخذ لنَفسِهِ خمس مائَة فَقير ولولده بركَة خَان خمس مائَة ولنائبه بيليك الخازندار ثَلَاثمِائَة وَفرق البَاقِينَ
(2/119)

على الْأُمَرَاء على قدر طبقاتهم وَأمر لكل فَقير برطلين خبْزًا فَمَا رئى بعد ذَلِك بالديار المصرية فَقير يسْأَل
وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وسِتمِائَة ختن السُّلْطَان وَلَده بركَة خَان وَأمر الْأُمَرَاء والمقدمين والجند والقضاة وَالْفُقَهَاء والفقراء والعوام ان يحضروا أَوْلَادهم ليختنهم مَعَ وَلَده فأحضر إِلَيْهِ ألف وسِتمِائَة وَخَمْسَة وَأَرْبَعُونَ صَغِيرا خَارِجا عَن أَوْلَاد الْأُمَرَاء والمقدمين فَأمر لكل مِنْهُم بكسوة على قدره وَمِائَة دِرْهَم وَرَأس غنم وختن الْجَمِيع مَعَ وَلَده
وَفِي سنة ثَمَانِينَ وسِتمِائَة قصد أبغا بن هولاكو ملك التتر الديار المصرية ولقيه الظَّاهِر بيبرس صَاحب الديار المصرية فَهَزَمَهُ بِعَين جالوت أَشد هزيمَة وَعَاد إِلَى بِلَاده وَرجع السُّلْطَان الْملك الظَّاهِر إِلَى الديار المصرية
وَفِي سنة تسع وَتِسْعين وسِتمِائَة قصد غازان ملك التتر إِلَى الديار المصرية ولقيه السُّلْطَان الْملك النَّاصِر مُحَمَّد ابْن قلاوون على حمص فإنهزم الْمُسلمُونَ وَاسْتشْهدَ مِنْهُم
(2/120)

جمَاعَة ثمَّ عَاد إِلَى الديار المصرية وَرجع غازان إِلَى بِلَاده
وَفِي أَيَّامه فِي سنة أَربع وَسِتِّينَ وسِتمِائَة فتح السُّلْطَان الْملك الظَّاهِر بيبرس صَاحب الديار المصرية يافا وأنطاكية وانتزعهما من الفرنج وَأخذ بغراس وبهسنا ودربساك وَغَيرهَا وانتزعها من الأرمن
وَفِي سنة سبع وَسِتِّينَ أَخذ مصياف من أَيدي الإسماعيلية
وَفِي سنة تسع فتح حصن الأكراد وحصن عكار وتسلم قلعة العليقة وبلادها من الإسماعيلية
وَفِي سنة إِحْدَى وَسبعين تسلم نوابه من الإسماعيلية مَا بَقِي من قلاعهم وَهِي الْكَهْف والمينقة والقدموس
(2/121)

وَفِي سنة أَربع وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة فتح الْمَنْصُور قلاوون حصن المرقب وَفِي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ فتح صهيون وَفِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ فتح طرابلس بعد أَن مضى عَلَيْهَا مَعَ الفرنجة مائَة وَخمْس وَثَمَانُونَ سنة واشهر وأعجز الْمُلُوك السالفة فتحهَا وهدمها بأسرها بعد الْفَتْح وَفِي سنة تسعين وسِتمِائَة فتح ابْنه الْأَشْرَف خَلِيل عكا وهدمها وأخلى الفرنج من الرعب أَكثر بِلَاد السَّاحِل مثل صيدا وبيروت وصور وانطرطوس وتسلمها الْمُسلمُونَ وَأمر بهدمها فهدمت وتكاملت جَمِيع الْبِلَاد الساحلية لِلْإِسْلَامِ وَفِي سنة إِحْدَى وَتِسْعين وسِتمِائَة فتح الْأَشْرَف خَلِيل أَيْضا قلعة الرّوم وسماها قلعة الْمُسلمين وَكَانَت كرْسِي خَليفَة الأرمن وَفِي سنة إِحْدَى وَتِسْعين وسِتمِائَة راك السُّلْطَان الْملك الْمَنْصُور حسام الدّين لاجين بِلَاد الديار المصرية وَهُوَ الروك الحسامي إِلَّا أَنه لم يَأْتِ روكه على النمط الْمُعْتَبر فِي التَّحْرِير وَفِي أَيَّامه استنقذ يَعْقُوب بن عبد الْحق المريني سُلْطَان الغرب الْأَقْصَى مَدِينَة سلا من يَد الفرنج بعد ان استولوا عَلَيْهَا وغزاهم بالأندلس
(2/122)

أَربع مَرَّات حَتَّى أذعن لَهُ شانجة بن أدفونش ملكهم فِي عقد الْهُدْنَة فعقدها لَهُ على شُرُوط ألزمهُ إِيَّاهَا وغزاهم ابْنه أَبُو يَعْقُوب يُوسُف فِي سلطنته بعد ذَلِك
وَفِي أَيَّامه فِي سلطنة الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون فِي سنة سبع مائَة ألزم السُّلْطَان النَّصَارَى وَالْيَهُود لبس عمائم مُخَالفَة لألوان عمائم الْمُسلمين فألبس النَّصَارَى عمائم زرقاء وَالْيَهُود عمائم صفراء
ولايات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته
كَانَ على مصر وَالشَّام الْملك الظَّاهِر بيبرس الْمُقدم ذكره فَبَقيَ حَتَّى توفّي فِي دمشق فِي الْمحرم سنة سِتّ وَسبعين وسِتمِائَة بعد أَن فتح الْكثير مِمَّا كَانَ استعاده الفرنج من فتوح السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب فَفتح قيسارية وأرسوف وصفد وطبرية ويافا والشقيف وأنطاكية وبغراس والقصير وحصن الأكراد والقرين وحصن عكار وصافيتا وبانياس وأنطرطوس وإقتلع من الأرمن دربساك ودركوش ومليش وَكفر دبين ورعبان ومرزبان
(2/123)

وأدنة والمصيصة وبلاد النّوبَة وَملك بعده مصر وَالشَّام ابْنه الْملك السعيد بركَة فِي صفر من السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ خلع وَبعث بِهِ إِلَى الكرك فِي شهر ربيع الأول سنة ثَمَان وَسبعين وست مائَة وَملك بعده أَخُوهُ الْملك الْعَادِل سلامش فَبَقيَ أَرْبَعَة أشهر ثمَّ خلع وَملك بعده الْملك الْمَنْصُور قلاوون الصَّالِحِي الشهير بالألفي فِي شهر رَجَب سنة ثَمَان وَسبعين وسِتمِائَة ولقب الألفي لِأَن آقسنقر الكاملي إشتراه بِأَلف دِينَار وَبنى البيمارستان المنصوري بِالْقَاهِرَةِ بَين القصرين الَّذِي لَيْسَ لَهُ نَظِير فِي الدُّنْيَا وأدرج فِيهِ مدرسته المنصورية وقبة مدفنة على جنبتي الدَّاخِل إِلَيْهِ يمنة ويسرة وَتُوفِّي بِظَاهِر الْقَاهِرَة المحروسة وَدفن بقبته بالبيمارستان الْمُقدم ذكره وَملك بعده ابْنه الْملك الْأَشْرَف خَلِيل صَبِيحَة وَفَاة أَبِيه وَأخذ فِي الْغَزْو على عَادَة أَبِيه وَقتل فِي متصيده بالبحيرة فِي الْعشْر الْأَوْسَط من الْمحرم سنة ثَلَاث وَتِسْعين وسِتمِائَة وَهُوَ الَّذِي عمر الْمدرسَة الأشرفية بِالْقربِ من المشهد النفيسي وَملك بعده الْملك الْمُعظم بيدرا ثمَّ خلع من يَوْمه وَملك بعده الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون فِي صفر
(2/124)

سنة ثَلَاث وَتِسْعين وسِتمِائَة وَهِي سلطنته الأولى ثمَّ خلع بعد ذَلِك وسير بِهِ إِلَى الكرك فحبس بهَا وَملك بعده الْملك الْعَادِل كتبغا عقب خلعه وخلع فِي صفر سنة سِتّ وَتِسْعين وسِتمِائَة وَملك بعده الْملك الْمَنْصُور حسام الدّين لاجين فِي الْخَامِس وَالْعِشْرين من صفر الْمَذْكُور وَقتل فِي الْحَادِي وَالْعِشْرين من شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة وَبَقِي الْأَمر شُورَى مُدَّة يسيرَة ثمَّ حضر الْملك النَّاصِر مُحَمَّد ابْن قلاوون من الكرك وأعيد إِلَى السلطنة فِي حادي عشر ربيع الأول سنة ثَمَان وَتِسْعين وسِتمِائَة وَهِي سلطنته الثَّانِيَة وخلع يَوْم السبت حادي عشر شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة وَملك بعده الْملك المظفر بيبرس الجاشنكير فِي الثَّالِث وَالْعِشْرين من شَوَّال الْمَذْكُور وَبَقِي إِلَى مَا بعد خلَافَة الْحَاكِم
وَكَانَت مَكَّة بيد أبي نمي مُحَمَّد أبي سعد إِلَى أَن مَاتَ أَبُو نمي فَقَامَ بإمرة مَكَّة بعده ابناه رميثة وحميضة
(2/125)

ونازعهما أخواهما عطيفة وَأَبُو الْغَيْث فاعتقلاهما وَوَافَقَ ذَلِك وُصُول بيبرس الجاشنكير كافل المملكة بالديار المصرية فِي الدولة الناصرية مُحَمَّد بن قلاوون فَأطلق عطيفة وَأَبا الْغَيْث وولاهما وَأمْسك رميثة وحميضة وَبعث بهما إِلَى مصر ثمَّ رد السُّلْطَان رميثة وحميضة إِلَى إمارتهما مَعَ عَسْكَر فاستقرا فِي إمارتهما وبعثا إِلَيْهِ بعطيفة وأبى ألفيث وبقى التَّنَازُع بَينهم وهم يتعاقبون إمرة مَكَّة مرّة بعد أُخْرَى وَقتل أَبُو الْغَيْث فِي بعض حروبهم وبقى الْأَمر على ذَلِك إِلَى مَا بعد خلَافَة الْحَاكِم
وَكَانَت الْمَدِينَة بيد جماز بن شيحة فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الْحَاكِم
وَكَانَ الْيمن بيد المظفر يُوسُف بن عمر بن على بن رَسُول وَبعث إِلَى الْملك الْمَنْصُور قلاوون صَاحب الديار المصرية هَدِيَّة جليلة على أَن يكْتب لَهُ بالأمان فَأُجِيب إِلَى ذَلِك وقررت عَلَيْهِ إتاوة لملوك مصر وأعيدت رسله إِلَيْهِ فِي سنة ثَمَانِينَ وسِتمِائَة وَمَات بحصن تعز سنة أَربع وَتِسْعين وسِتمِائَة وَملك بعده ابْنة الْملك الْأَشْرَف ممهد الدّين
(2/126)

عمر بن المظفر يُوسُف وبقى حَتَّى مَاتَ سنة سِتّ وَتِسْعين وسِتمِائَة وَملك بعده أَخُوهُ الْملك الْمُؤَيد هزبر الدّين دَاوُد ابْن المظفر يُوسُف فاستمر على مُوَاصلَة مُلُوك مصر بالضريبة المقررة عَلَيْهِ والهدايا والتحف وتمذهب بِمذهب الشافعى رضى الله عَنهُ واشتغل بالعلوم واعتنى بِجمع الْكتب حَتَّى يُقَال إِن خزانته اشْتَمَلت على مائَة ألف مُجَلد وَكَانَ فِيهِ بر للْعُلَمَاء وبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الْحَاكِم
وَكَانَت مملكة إيران بيد هولاكو بن طولى بن جنكزخان ملك التتر فبقى حَتَّى هلك فِي سنة ثِنْتَيْنِ وَسِتِّينَ وسِتمِائَة لعشر سِنِين من ولَايَته وَملك بعده ابْنه أبغا وَهُوَ الذى قصد الديار المصرية فَلَقِيَهُ الظَّاهِر بيبرس وهزمه بِعَين جالوت فِي سنة ثَمَانِينَ وسِتمِائَة وَهلك سنة أحدى وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وَملك بعده ابْنه تكدار فَأسلم وَتسَمى احْمَد وتلقب أَحْمد سُلْطَان وخاطب مُلُوك عصره وَهُوَ اول من أسلم من بنى هولاكو ثمَّ قَتله عسكره من الْمغل لما نقموا عَلَيْهِ من إِسْلَامه فِي سنة
(2/127)

اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وَملك بعده أَخُوهُ أرغون بن أبغا فَعدل عَن دين الْإِسْلَام إِلَى دين البراهمة من عبَادَة الْأَصْنَام وانتحال السحر وَهلك سنة تسعين وسِتمِائَة وَملك بعده أَخُوهُ كيختو بن أبغا فَسَاءَتْ سيرته وأفحش فِي الْمُنْكَرَات فَقتله غلمانه فِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين وسِتمِائَة لثلاث سِنِين وَأشهر من ولَايَته وَملك بعده ابْن عَمه بيدو بن طرخاي بن هولاكو ثمَّ قتل سنة خمس وَتِسْعين وسِتمِائَة لثمانية أشهر من ولَايَته وَملك بعده غازان والعامة تَقول قازان بِالْقَافِ ابْن أرغون بن أبغا بن هولاكو وَهُوَ الذى هزم السُّلْطَان الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون وَمَات سنة تسع وَتِسْعين وسِتمِائَة وَملك بعده اخوه خدابندا والعامة تَقول خربندا بن أرغون بن أبغا بن هولاكو فَافْتتحَ أمره بِالدُّخُولِ فِي الْإِسْلَام وَتسَمى بِمُحَمد وتلقب غياث الدّين واقام دين الْإِسْلَام وَعظم الْخُلَفَاء وَكتب أَسْمَاءَهُم فِي سكته على الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير وَنقش عَلَيْهَا اسْم الْأَئِمَّة الاثنى عشر على طَرِيق الرافضة وَحذف اسْم الشَّيْخَيْنِ من الْخطْبَة وَبنى الْمَدِينَة الْمُسَمَّاة بالسلطانية بِأَذربِيجَان وبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الْحَاكِم
(2/128)

وَكَانَ مَا وَرَاء النَّهر وخراسان وَمَا مَعَ ذَلِك بيد بنى حنكزخان غير بنى هولاكو
وَكَانَت مملكة الشمَال بيد بركَة بن دوجى خَان بن جنكزخان فَبنى مَدِينَة السراى وَجعلهَا قَاعِدَة ملكه وبقى حَتَّى مَاتَ سنة خمس وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وَملك بعده منكوتمر بن طغان بن باطوخان بن جنكزخان وزحف مَعَ أبغا بن هولاكو على الشَّام فِي سنة ثَمَانِينَ وسِتمِائَة وَهَزَمَهُمْ الْمَنْصُور قلاوون صَاحب الديار المصرية على حمص على مَا تقدم وَمَات منكوتمر سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وَملك بعده ابْنه تدان منكو بن منكوتمرثم خرج عَن الْملك سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وَانْقطع إِلَى صُحْبَة الْمَشَايِخ والفقراء وَملك مَكَانَهُ أَخُوهُ تلابغا بن منكوتمر وبقى حَتَّى قتل سنة تسعين وسِتمِائَة وَملك بعده اخوه طقطاى خَان بن منكوتمر وبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الْحَاكِم
وَكَانَت إفريقية بيد الْمُسْتَنْصر بِاللَّه مُحَمَّد بن أَبى زَكَرِيَّا
(2/129)

من الحفصيين من الْمُوَحِّدين فتوفى سنة خمس وَسبعين وسِتمِائَة وَولى بعده ابْنه الواثق بِاللَّه يحيى بن الْمُسْتَنْصر مُحَمَّد لَيْلَة موت أَبِيه فَأحْسن السِّيرَة وَبسط الْعدْل وَالعطَاء وَبعث إِلَيْهِ أهل بجاية بالبيعة ثمَّ انتزع مِنْهُ بجاية عَمه أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن يحيى سنة سبع وَسبعين وَسَبْعمائة فانخلع الواثق عَن الإمرة لِعَمِّهِ أَبى إِسْحَاق الْمَذْكُور فِي أول ربيع الأول سنة ثَمَان وَسبعين وسِتمِائَة وَسَار أَبُو إِسْحَاق إِلَى تونس فَدَخلَهَا فِي ربيع الآخر من السّنة الْمَذْكُورَة وَاسْتولى على المملكة جَمِيعهَا واعتقل الواثق المخلوع وبنيه ثمَّ دس عَلَيْهِم من ذبحهم لَيْلًا فِي صفر سنة تسع وَسبعين وسِتمِائَة وَخرج على السُّلْطَان أَبى إِسْحَاق أَحْمد بن روق بن أَبى عمَارَة وَاسْتولى على تونس بعد خُرُوج أَبى إِسْحَاق مِنْهَا وانخلع أَبُو إِسْحَاق من ملك بجاية لدينِهِ أَبى فَارس عبد الْعَزِيز فِي آخر ذى الْقعدَة من السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ خرج على الْأَمِير أَبى فَارس الدعى بن يحيى المخلوع فَقتله فِي سنة اثْنَتَيْنِ
(2/130)

وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وَاسْتولى على بجاية وَدخل أَهلهَا فِي طَاعَته ثمَّ خرج على الْأَمِير الدعى ابو حَفْص عمر بن يحيى بن عبد الْوَاحِد بن أَبى حَفْص فَانْهَزَمَ مِنْهُ الدعى وَاسْتولى أَبُو حَفْص على تونس وَسَائِر المملكة وتلقب بالمنتصر ثمَّ ظفر بالدعى بعد ذَلِك فَقتله وَبَايَعَهُ أهل تلمسان وطرابلس وَمَا بَينهمَا ثمَّ خرج أَبُو زَكَرِيَّا يحيى بن السُّلْطَان أَبى إِسْحَاق على بجاية وقسنطينة فملكهما واقتطعهما عَن مملكة إفريقية وبقى السُّلْطَان أَبُو حَفْص على إفريقية حَتَّى مَاتَ فِي آخر ذى الْحجَّة سنة أَربع وَتِسْعين وسِتمِائَة وَكَانَ الواثق بن الْمُسْتَنْصر الْمُقدم ذكره عِنْد مَوته ترك جَارِيَة حَامِلا فَوضعت ولدا فَسَماهُ الشَّيْخ مُحَمَّد الْمرْجَانِي مُحَمَّدًا وَأطْعم الْفُقَرَاء يَوْمئِذٍ عصيدة فلقب الْوَلَد بأبى عصيدة فَلَمَّا مَاتَ السُّلْطَان أَبُو حَفْص اسْتَقر فِي الْملك بعده أَبُو عصيدة الْمَذْكُور
وَكَانَت تلمسان والغرب الْأَوْسَط بيد يغمراسن بن زيان من جِهَة الحفصيين أَصْحَاب إفريقية فتوفى فِي ذى الْقعدَة
(2/131)

سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وَولى بعده ابْنه عُثْمَان بن يغمراسن فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الْحَاكِم
وَكَانَ الغرب الْأَقْصَى بيد أَبى يُوسُف يَعْقُوب بن عبد الْحق فبقى حَتَّى مَاتَ فِي آخر الْمحرم سنة خمس وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وَملك بعده ابْنه ولى عَهده أَبُو يَعْقُوب يُوسُف بن يَعْقُوب فَجرى على سنَن أَبِيه فِي الْعدْل وبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الْحَاكِم
وَكَانَت غرناطة وَمَا مَعهَا من شَرق الأندلس بيد أَبى دبوس مُحَمَّد بن يُوسُف من بنى الْأَحْمَر وَبَقِي حَتَّى مَاتَ سنة إِحْدَى وَسبعين وسِتمِائَة وَملك بعده ابْنه الْفَقِيه مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن يُوسُف بن نصر وَمَات فِي سنة إِحْدَى وَسبع مائَة وهى السّنة الَّتِى مَاتَ فِيهَا الإِمَام الْحَاكِم الْمَذْكُور
الثَّالِث من خلفاء بنى الْعَبَّاس بالديار المصرية
المستكفى بِاللَّه
وَهُوَ أَبُو الرّبيع سُلَيْمَان بن الْحَاكِم بِأَمْر الله أَحْمد الْمُقدم ذكره وَهَذَا اللقب مَنْقُول إِلَيْهِ عَن المستكفى بِاللَّه
(2/132)

أَبى الْقَاسِم عبد الله الثَّالِث وَالْعِشْرين من خلفاء بنى الْعَبَّاس بالعراق بُويِعَ لَهُ بالخلافة يَوْم موت أَبِيه فِي شهور سنة إِحْدَى وَسَبْعمائة وبقى حَتَّى توفى بِمَدِينَة قوص فِي الْعشْر الآخر من شَوَّال سنة أَرْبَعِينَ وَسَبْعمائة فَكَانَت خِلَافَته نَحْو تسع وَثَلَاثِينَ سنة وَكَانَ لَهُ من الْأَوْلَاد الْحَاكِم بِأَمْر الله الآتى ذكره
الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
لما بُويِعَ بالخلافة اسْتَقر على مَا كَانَ عَلَيْهِ أَبوهُ الْحَاكِم من الرّكُوب وَالنُّزُول وركوب الميادين مَعَ السُّلْطَان إِلَى أَن أُعِيد السُّلْطَان الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون إِلَى السلطنة الْمرة الثَّانِيَة بعد خلع الْملك المظفر بيبرس الجاشنكير فِي شهور سنة تسع وَسَبْعمائة فَحصل عِنْد السُّلْطَان مِنْهُ وَحْشَة فجهزه إِلَى مَدِينَة قوص بصعيد مصر الْأَعْلَى ليقيم بهَا فبقى فِيهَا بَقِيَّة مُدَّة خلافتة وعهد بالخلافة إِلَى ابْنه الْحَاكِم بِأَمْر الله أَحْمد بن أَبى الرّبيع سُلَيْمَان وَثَبت على الْحَاكِم بقوص بعد أَن أشهد عَلَيْهِ فِيهِ أَرْبَعِينَ شَاهدا
(2/133)

وَفِي أَيَّامه فِي سنة تسع وَسبعين توقف النّيل وَكسر الخليج قبل الْوَفَاء وانتهت الزِّيَادَة فِي السَّابِع وَالْعِشْرين من توت إِلَى خَمْسَة عشر ذِرَاعا وَسبع عشرَة أصبعا
وَفِي سنة إِحْدَى وَسَبْعمائة خطب للسُّلْطَان الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون بِبِلَاد إفريقية وحاضرة تونس بِوَاسِطَة أَن صَاحبهَا أَبَا يحيى وَفد على السُّلْطَان فقلدة بِلَاد طرابلس الغرب وَأَعْطَاهُ الْأَعْلَام والعصائب فوعده أَن مهما فَتحه من بِلَاد الغرب خطب لَهُ فِيهِ
وَفِي أَيَّامه عمل الروك الناصرى فِي سلطنة الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون فِي سنة سِتّ عشرَة وَسَبْعمائة واستعيدت الإقطاعات من الْأُمَرَاء والأجناد وقيست بِالْوَجْهَيْنِ القبلى والبحرى ثمَّ فرقت الإقطاعات على الْأُمَرَاء والجند وَكَانَ الْمُوجب لعمله ان الْملك الْمَنْصُور
(2/134)

حسام الدّين لاجين كَانَ فِي سلطنته وَقد عمل الروك الحسامى فَجرى على غير أنموذج مُحَرر فاحتيج إِلَى إِعَادَته وتحريره فَعمل السُّلْطَان الْملك النَّاصِر هَذَا الروك فجَاء فِي غَايَة الإتقان والتحرير
وَفِي سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة فتح النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون صَاحب الديار المصرية آياس وبلادها وانتزعها من الأرمن مَعَ كثير من بِلَادهمْ
ولايات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته
كَانَت الديار المصرية والبلاد الشامية فِي أَيَّامه بيد الْملك المظفر ركن الدّين بيبرس الجاشنكير وَهُوَ الذى عمر الخانقاه الركنية بيبرس دَاخل بَاب النَّصْر من الْقَاهِرَة مَكَان دَار الوزارة بالدولة الفاطمية وبقى حَتَّى خلع فِي الثَّالِث وَالْعِشْرين من شهر رَمَضَان سنة تسع وَسَبْعمائة وَملك بعده الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون فِي مستهل شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة وهى سلطنته الثَّالِثَة وفيهَا طَالَتْ مدَّته وقوى ملكه وأكمل الْمدرسَة الناصرية بَين القصرين وبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة المستكفى
(2/135)

وَكَانَت مَكَّة بيد رميثة وحميضة ابنى أَبى نمى فَوَقع التَّنَازُع بَينهمَا وَسَار رميثة إِلَى الْأَبْوَاب السُّلْطَانِيَّة بالديار المصرية فِي سنة خمس عشرَة وَسَبْعمائة مستنجدا بسلطانها الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون فأيده السُّلْطَان بعساكر وَجه بهَا إِلَى مَكَّة فهرب حميضة ثمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّة بعد ذَلِك واصطلح هُوَ وَأَخُوهُ ثمَّ حَالف عطيفة سنة ثَمَان عشرَة وَسَبْعمائة وَوصل إِلَى السُّلْطَان الْملك النَّاصِر فأيده بالعساكر فَملك مَكَّة وَقبض على رميثة وسجن بِمصْر ثمَّ أطلق سنة عشْرين وَسبع مائَة أَقَامَ بِمصْر وبقى حميضة مشردا إِلَى ان أستأمن السُّلْطَان فآمنه ثمَّ وثب على حميضة مماليك كَانُوا مَعَه فَقَتَلُوهُ ثمَّ أشرك فِي إِمَارَة مَكَّة بَين رميثة واخيه عطيفه ثمَّ مَاتَ عطيفة واستقل رميثة بإمارة مَكَّة إِلَى أَن كبر وهرم وَكَانَ لَهُ ولدان هما ثقبة وعجلان فاقتسما مَعَه إِمَارَة مَكَّة بِرِضَاهُ ثمَّ أَرَادَ الرُّجُوع عَن ذَلِك فَلم يوافقاه عَلَيْهِ فَلَمَّا مَاتَ رميثة تنَازع ولداه الْمَذْكُورَان وَخرج ثقبة من مَكَّة وبقى عجلَان بهَا ثمَّ غَلبه عَلَيْهَا ثقبة وبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة المستكفى
(2/136)

وَكَانَت الْمَدِينَة بيد جماز بن شيحة وبقى حَتَّى عمى وَمَات فِي سنة أَربع أَو خمس وَسبع مائَة وَولى بعده ابْنه مَنْصُور بن جماز ثمَّ وَفد أَخُوهُ مقبل بن جماز على النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون بالديار المصرية فأشرك بَينهمَا فِي الإمرة والإقطاع ثمَّ غَابَ مَنْصُور عَن الْمَدِينَة واستخلف ابْنه كبيشة فهجم عَلَيْهِ مقبل وملكها من يَده لحق كبيشة بأحياء الْعَرَب فاستجاش وهجم الْمَدِينَة على عَمه مقبل فَقتله سنة تسع وَسبع مائَة وَرجع مَنْصُور إِلَى إمارته وبقى ماجد بن مقبل يستجيش الْعَرَب على عَمه مَنْصُور بِالْمَدِينَةِ وَيُخَالِفهُ إِلَيْهَا كلما خرج مِنْهَا ثمَّ زحف ماجد سنة سبع عشرَة وَسبع مائَة وملكها من يَد عَمه مَنْصُور فاستصرخ مَنْصُور بالسلطان الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون فأنجده بالعساكر فحاصروا ماجد بن مقبل بِالْمَدِينَةِ وفر عَنْهَا وملكها مَنْصُور ثمَّ سخط عَلَيْهِ السُّلْطَان الْملك النَّاصِر فَعَزله وَاسْتقر بأَخيه ودى فِي إمارتها ثمَّ أُعِيد مَنْصُور إِلَى إمارتها وَمَات سنة
(2/137)

خمس وَعشْرين وَسبع مائَة فولى ابْنه كبيشة بن مَنْصُور مَكَانَهُ فَقتله عَسْكَر ابْن عَمه ودى وَعَاد ودى إِلَى الإمرة ثمَّ توفى بعد ذَلِك فولى طفيل بن مَنْصُور بن جماز وَتفرد بإمرتها وبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة المستكفى
وَكَانَ الْيمن بيد الْملك الْمُؤَيد هزبر الدّين دَاوُد بن المظفر يُوسُف من بنى رَسُول فبقى حَتَّى توفى سنة إِحْدَى وَعشْرين وَسبع مائَة وَملك بعده ابْنه الْملك الْمُجَاهِد سيف الدّين على فأساء السِّيرَة فَقبض عَلَيْهِ وخلع وَحبس سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَسبع مائَة وَملك بعده عَمه الْملك الْمَنْصُور أَيُّوب بن المظفر يُوسُف ثمَّ قتل وأعيد الْملك الْمُجَاهِد وَعصى عَلَيْهِ الظَّاهِر أَسد الدّين عبد الله بن الْمَنْصُور أَيُّوب بحصن الدملوة واستقل بِهِ ثمَّ قبض عَلَيْهِ الْمُجَاهِد بعد صلح جرى بَينهمَا وَقَتله وبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة المستكفى
وَكَانَت مملكة إيران بيد خدابند بن أرغون من بنى هولاكو فبقى حَتَّى مَاتَ سنة سِتّ عشرَة وَسبع مائَة وَملك بعده ابْنه أَبُو سعيد وَهُوَ ابْن ثَلَاث عشرَة سنة بمعاضده
(2/138)

جوبان نَائِب أَبِيه وَقَامَ جوبان بتدبير دولته ثمَّ عظم شان أَبى سعيد وقوى سُلْطَانه وانتظم الود بَينه وَبَين الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون صَاحب الديار المصرية سنة ثَلَاث وَعشْرين وَسبع مائَة وترددت الرُّسُل والمكاتبات بَينهمَا وَقتل أَبُو سعيد جوبان نائبة سنة سِتّ وَعشْرين وَسبع مائَة وَمَات أَبُو سعيد سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَسبع مائَة وَدفن بِمَدِينَة السُّلْطَانِيَّة وَلم يعقب وانقرض بِمَوْتِهِ ملك بنى هولاكو وَاخْتلف أهل دولته وافترقت الْأَعْمَال الَّتِى كَانَت بِيَدِهِ وَصَارَت طوائف كَمَا كَانَت مُلُوك طوائف الْفرس وَلما مَاتَ أَبُو سعيد نصب أهل الدولة مُوسَى خَان من أسباطهم على بَغْدَاد وتوريز وأعمالهما وَقَامَ بتدبير دولته على باشا من أُمَرَاء دولتهم وَكَانَ الشَّيْخ حسن بن حُسَيْن بن أقبغا بن ابلكان الْمَعْرُوف بالشيخ حسن الْكَبِير وَهُوَ ابْن عَم السُّلْطَان أَبى سعيد معتقلا بِبِلَاد الرّوم فَأخْرج من السجْن بعد موت أَبى سعيد
(2/139)

وَوصل بَغْدَاد وخلع مُوسَى خَان وَنصب مَكَانَهُ مُحَمَّد بن عنبرجى من عقب هولاكو وَاسْتولى الشَّيْخ حسن على بَغْدَاد وتوريز وَسَار إِلَيْهِ حسن بن دمرداش من بِلَاد الرّوم فغلبه على توريز وَقتل مُحَمَّد بن عنبرجى وَلحق الشَّيْخ حسن بِبَغْدَاد وَاسْتقر حسن بن دمرداش بتوريز وَنصب للْملك بهَا صاتبيك أُخْت السُّلْطَان أَبى سعيد على عَادَة الْعَجم فِي تمْلِيك بَنَات الْمُلُوك وَزوجهَا لِسُلَيْمَان خَان من أَسْبَاط هولاكو وَاسْتولى إِبْرَاهِيم شاه بن بارنباى ابْن سنوتاى على قِطْعَة من ديار بكر ثمَّ استولى أَوْلَاد جوبان على مملكة أذربيجان وهى بِلَاد توريز والسلطانية وَاسْتولى القان طغيمتر من بنى جنكزخان على خُرَاسَان وأعمالها وَاسْتولى أرتنا على بِلَاد الرّوم وبقى الشَّيْخ حسن إِلَى مَا بعد خلَافَة المستكفى
وَكَانَت مملكة الشمَال الَّتِى قاعدتها مَدِينَة السراى بيد طقطاى خَان بن منكوتمر خَان فبقى حَتَّى مَاتَ سنة اثنتى عشرَة وَسبع مائَة وَملك بعده ابْن أَخِيه أزبك بن طغزخان فَأسلم وَاتخذ مَسْجِدا للصَّلَاة وخطب إِلَيْهِ السُّلْطَان الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون صَاحب الديار
(2/140)

المصرية بِنْتا من أَقَاربه فَزَوجهُ إِيَّاهَا وَبعث بهَا إِلَيْهِ إِلَى الديار المصرية ووصلت إِلَى دمياط وحملت فِي النّيل إِلَى سَاحل بولاق فَحملت على عجلة من عجلات بِلَاد التّرْك إِلَى القلعة وَعقد عَلَيْهَا النَّاصِر وَدخل عَلَيْهَا واتصلت الْمَوَدَّة بَينه وَبَين الْملك النَّاصِر وبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة المستكفى
وَكَانَت تونس وَمَا مَعهَا من إفريقية بيد أَبى عصيدة مُحَمَّد وبجاية وقسنطينة من الغرب الْأَوْسَط بيد أَبى الْبَقَاء خَالِد بن أَبى زَكَرِيَّا بن أَبى إِسْحَاق فَمَاتَ أَبُو عصيدة فِي ربيع الآخر سنة ستع وَسبع مائَة وَلم يخلف ابْنا فَبَايع أهل تونس من بعده أَبَا بكر بن عبد الرَّحْمَن بن أَبى بكر بن يحيى بن عبد الْوَاحِد بن الشَّيْخ أَبى حَفْص فزحف أَبُو الْبَقَاء خَالِد صَاحب بجاية على أَبى بكر بن عبد الرَّحْمَن صَاحب تونس فَقبض عَلَيْهِ واعتقله ثمَّ قَتله بعد ذَلِك فَعرف بأبى بكر الشَّهِيد واستقل السُّلْطَان أَبُو الْبَقَاء خَالِد بِملك تونس وبجاية وَمَا مَعَهُمَا وتلقب النَّاصِر لدين الله وَكَانَ
(2/141)

أَبُو يحيى زَكَرِيَّا بن أَحْمد بن مُحَمَّد اللحياني بن عبد الْوَاحِد ابْن الشَّيْخ أَبى حَفْص بطرابلس فَبَايعهُ أَهلهَا وزحف على السُّلْطَان أبي الْبَقَاء بتونس فخاف أَبُو الْبَقَاء فَخلع نَفسه فَقبض عَلَيْهِ أَبُو يحيى واعتقله واستبدل بمملكة تونس وبجاية فِي رَجَب سنة إِحْدَى عشرَة وَسبع مائَة وبويع بهَا الْبيعَة الْعَامَّة ثمَّ اضْطربَ أمره فاستخلف على تونس وَخرج مِنْهَا إِلَى قابس فَبَايع أهل تونس مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِأبي حَرْبَة ان السُّلْطَان أبي يحيى زَكَرِيَّا الْمُقدم ذكره فِي سنة سبع عشرَة وَسبع مائَة وَكَانَ قد استولى على بجاية المتَوَكل على الله أَبُو بكر بن يحيى بن إِبْرَاهِيم ابْن يحيى بن عبد الْوَاحِد بن الشَّيْخ أَبى حَفْص فقصد تونس وملكها من السُّلْطَان مُحَمَّد أَبى حَرْبَة وَلحق السُّلْطَان أَبُو يحيى اللحيانى بِمصْر أَيَّام الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون فَأحْسن نزله وبقى عِنْده حَتَّى مَاتَ وَلحق أَبُو حَرْبَة بتلمسان فَأَقَامَ بهَا حَتَّى مَاتَ واستقل السُّلْطَان أَبُو بكر بتونس وبجاية وأعمالهما إِلَى أَن غَلبه على تونس إِبْرَاهِيم بن ابى بكر الشَّهِيد وَاسْتولى عَلَيْهَا فِي رَجَب سنة خمس وَعشْرين وَسبع مائَة ثمَّ غَلبه عَلَيْهَا السُّلْطَان
(2/142)

أَبُو بكر وانتزعها من يَده فِي شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة وَاسْتقر بِيَدِهِ ملك تونس وبجاية وبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة المستكفى
وَكَانَت تلمسان والغرب الْأَوْسَط بيد عُثْمَان بن يغمراسن من بنى عبد الواد فَمَاتَ فِي سنة ثَلَاث وَسبع مائَة وَولى بعده ابْنه أَبُو زيان بن عُثْمَان بن يغمراسن وَغلب على تلمسان يُوسُف بن عبد الْحق وَاسْتولى عَلَيْهَا وَأقر عَلَيْهَا أَبَا زيان الْمَذْكُور فبقى حَتَّى مَاتَ فِي شَوَّال سنة سبع وَسبع مائَة وَولى بعده اخوه أَبُو حمو مُوسَى بن عُثْمَان ابْن يغمراسن ثمَّ قَتله وَولى بعده ابْنه ابو تاشفين عبد الرَّحْمَن ابْن أَبى حمو ثمَّ غَلبه عَلَيْهَا السُّلْطَان أَبُو الْحسن المرينى وَقَتله فِي رَمَضَان سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَسبع مائَة واستضافها إِلَى مملكة فاس وَولى عَلَيْهَا ابْنه أَبَا عنان فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة المستكفى
وَكَانَ الغرب الْأَقْصَى بيد أَبى يَعْقُوب يُوسُف بن يَعْقُوب ابْن عبد الْحق فبقى حَتَّى طعنه خصى من بعض خدمه وَهُوَ نَائِم على فرَاشه فَمَاتَ سَابِع ذى الْقعدَة سنة
(2/143)

سِتّ وَسبع مائَة وَملك بعده ابْنه أَبُو ثَابت عَامر بن أَبى يَعْقُوب يُوسُف فبقى حَتَّى مَاتَ بطنجة من اقصى الغرب فِي ثامن صفر سنة سبع وَسبع مائَة وَملك بعده أَخُوهُ أَبُو الرّبيع بن أَبى يَعْقُوب يُوسُف فَسَار بسيرة آبَائِهِ فِي الْعدْل وبقى بِمَدِينَة تازا فِي سلخ جُمَادَى الآخر سنة عشر وَسبع مائَة وَملك بعده أَخُوهُ أَبُو سعيد عُثْمَان ابْن أَبى يَعْقُوب يُوسُف وَملك تلمسان من الغرب الْأَوْسَط من يَد مُوسَى بن عُثْمَان بن يغمراسن سنة أَربع عشرَة وَسبع مائَة وبقى حَتَّى توفى فِي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَسبع مائَة وَملك بعده ابْنه ولى عَهده أَبُو الْحسن على بن عُثْمَان وَسَار إِلَى تلمسان فملكها من أَبى تاشفين سُلْطَان بنى عبد الواد بهَا فِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَسبع مائَة وبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة المستكفى
وَكَانَت غرناطة وَمَا مَعهَا من شَرق الأندلس بيد الْفَقِيه مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن يُوسُف بن نصر بن الْأَحْمَر فَمَاتَ فِي سنة إِحْدَى وَسبع مائَة على مَا تقدم وَملك بعده ابْنه مُحَمَّد المخلوع بن مُحَمَّد الْفَقِيه ثمَّ غلب عَلَيْهِ أَخُوهُ أَبُو الجيوش نصر بن مُحَمَّد الْفَقِيه وَقبض عَلَيْهِ واعتقله
(2/144)

وَاسْتولى على مَمْلَكَته فأساء السِّيرَة فِي الرّعية والجند فقبضوا عَلَيْهِ وَملك مَكَانَهُ أَبُو الْوَلِيد إِسْمَاعِيل بن أَبى سعيد فرج بن إِسْمَاعِيل بن يُوسُف بن نصر وبقى إِلَى أَن قَتله بعض أَقَاربه فِي سنة ثَلَاث وَعشْرين وَسبع مائَة وَملك بعده ابْنه مُحَمَّد بن أَبى الْوَلِيد إِسْمَاعِيل فبقى حَتَّى قتل غدرا بغرناطة سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَسبع مائَة وَملك بعده أَخُوهُ ابو الْحجَّاج يُوسُف بن أَبى الْوَلِيد إِسْمَاعِيل وبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة المستكفى
الرَّابِع من خلفاء بنى الْعَبَّاس بالديار المصرية
الْحَاكِم بِأَمْر الله
وَهُوَ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن المستكفى بِاللَّه أَبى الرّبيع سُلَيْمَان الْمُقدم ذكره ولقبه مَنْقُول إِلَيْهِ من لقب جده الْحَاكِم بأمرالله أَبى الْعَبَّاس أَحْمد ثانى خلفائهم بِمصْر وَقد تقدم أَن لقب الأول مَنْقُول من لقب الْحَاكِم بِأَمْر الله أَبى على مَنْصُور الفاطمى ثَالِث خلفاء الفاطميين بالديار المصرية وَيُقَال لأبى الْعَبَّاس هَذَا الْحَاكِم الثَّانِي ولى الْخلَافَة بالعهد من أَبِيه المستكفى على مَا تقدم أَنه عهد
(2/145)

إِلَيْهِ بهَا بِمَدِينَة قوص وَأشْهد عَلَيْهِ بذلك أَرْبَعِينَ شَاهدا ودعى لَهُ على المنابر بعد عقد خِلَافَته فِي الْعشْر الْأَخير من شَوَّال سنة أَرْبَعِينَ وَسبع مائَة وبقى حَتَّى خلعه النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون فِي الْعشْرين من ذى الْحجَّة سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَسبع مائَة فَكَانَت خِلَافَته نَحْو سنة وَاحِدَة وشهرين وَلم أَقف على ذكر عقب لَهُ
الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
من أعظمها وَقعا فِي النُّفُوس موت السُّلْطَان الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون صَاحب الديار المصرية فَإِنَّهُ كَانَ ملكا عَظِيما مهيبا عَارِفًا بتدبير الْملك ذَا معرفَة وافرة وكرم زايد فتح لفتوحات الجليلة وعمرالعمائر السّنيَّة مِنْهَا جَامع قلعة الْجَبَل الْمَوْجُود بهَا الْآن جدده فِي سنة سبع عشرَة وَسبع مائَة وَعمر الْقُصُور الْعَظِيمَة بِمَنْزِلَة سرياقوس فِي سنة خمس وَعشْرين وَسبع مائَة وَبَالغ فِي شِرَاء الْخَيل حَتَّى اشْترى مِنْهَا دفْعَة وَاحِدَة بمائتى ألف دِرْهَم وَبَالغ فِي شِرَاء المماليك وأثمانهم حَتَّى اشْترى كل مَمْلُوك بِمِائَة ألف دِرْهَم إِلَى مَا دون ذَلِك وَخلف خَمْسَة عشر ولدا ذكرا تسلطن مِنْهُم ثَمَانِيَة بعده
(2/146)

ولايات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته
كَانَت مصر فِي أَيَّامه بيد الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون فِي سلطنته الثَّالِثَة وَتوفى سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَسبع مائَة وَملك بعده ابْنه الْملك الْمَنْصُور أَبُو بكر بن النَّاصِر مُحَمَّد بعد موت أَبِيه وبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الْحَاكِم
وَكَانَت مَكَّة بيد ثقبة بن رميثة فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الْحَاكِم هَذَا
وَكَانَت الْمَدِينَة بيد طفيل بن مَنْصُور بن جماز فبقى إِلَى مابعد خلَافَة الْحَاكِم
وَكَانَ الْيمن بيد الْملك الْمُجَاهِد سيف الدّين عَليّ فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الْحَاكِم
وَكَانَت بَغْدَاد وَمَا مَعهَا بيد الشَّيْخ حسن الْكَبِير فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الْحَاكِم وَكَانَ مَا وَرَاء النَّهر وخراسان بيد بنى جنكزخان من غير بنى هولاكو
وَكَانَت مملكة الشمَال بيد أزبك خَان فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الْحَاكِم
(2/147)

وَكَانَت تونس وَسَائِر بِلَاد إفريقية وبجاية بيد السُّلْطَان أَبى بكر فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الْحَاكِم
وَكَانَت تلمسان بيد أَبى عنان بن السُّلْطَان أَبى الْحسن المرينى فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الْحَاكِم
وَكَانَ الغرب الْأَقْصَى بيد السُّلْطَان أَبى الْحسن على بن عُثْمَان فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الْحَاكِم
وَكَانَت غرناطة من الأندلس بيد أَبى الْحجَّاج يُوسُف بن أَبى الْوَلِيد من بنى الْأَحْمَر فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الْحَاكِم
الْخَامِس من خلفاء بنى الْعَبَّاس بالديار المصرية
الواثق بِاللَّه
وَهُوَ أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن الْحَاكِم بِأَمْر الله ابى الْعَبَّاس أَحْمد بن الْحُسَيْن الْمُقدم ذكره وَهَذَا اللقب مَنْقُول عَن الواثق بِاللَّه أَبى جَعْفَر هَارُون تَاسِع خلفاء بنى الْعَبَّاس بالعراق بُويِعَ لَهُ بالخلافة بعد خلع أَخِيه
(2/148)

الْحَاكِم فِي الْعشْرين من ذى الْحجَّة سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَسبع مائَة وَقَامَ ببيعته الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون صَاحب الديار المصرية وَلم يزل يخْطب لَهُ على المنابر وراتب الْخلَافَة يحمل إِلَيْهِ إِلَى الْعشْرين من ذى الْحجَّة سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَسبع مائَة ثمَّ أُعِيدَت الْخطْبَة للْحَاكِم بِأَمْر الله أَحْمد بن المستكفى سُلَيْمَان الْمُقدم ذكره وفوض إِلَيْهِ نظر المشهد النفيسى فاستقر بيد الْخُلَفَاء إِلَى الْآن وبقى حَتَّى توفى فِي رَابِع شعْبَان سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَسبع مائَة
الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
قد تقدم ان المستكفى بِاللَّه أَبى الرّبيع سُلَيْمَان كَانَ قد عهد إِلَى ابْنه الْحَاكِم بِأَمْر الله أَبى الْعَبَّاس أَحْمد بِأَرْبَعِينَ شَاهدا بِمَدِينَة قوص وَثَبت ذَلِك على الْحَاكِم بهَا فَلَمَّا مَاتَ المستكفى قصد الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون سُلْطَان الديار المصرية يَوْمئِذٍ أَن يخْطب بمملكة الديار المصرية للواثق إِبْرَاهِيم الْمُقدم ذكره فَلم يتم لَهُ ذَلِك لما تقدم من الْعَهْد إِلَى لحَاكم الْمَذْكُور فبقى الْأَمر على ذَلِك إِلَى أَن
(2/149)

توفى الْملك النَّاصِر فِي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَسبع مائَة فأعيد الْحَاكِم الْمَذْكُور إِلَى خِلَافَته
وَفِي أَيَّامه فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَسبع مائَة كَانَ الْقَبْض على الْأَمِير قوصون أتابك العساكر بعد أَن كَانَ عنان السلطنة بِيَدِهِ فِي أَيَّام الْملك الْأَشْرَف كجك بن السُّلْطَان الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون الْمُقدم ذكره لصغره
ولايات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته
كَانَت مصر وَالشَّام بيد الْملك الْمَنْصُور أَبى بكر بن النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون فبقى حَتَّى خلع فِي تَاسِع عشر صفر سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَسبع مائَة وَملك بعده أَخُوهُ الْملك الْأَشْرَف كجك بن النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون يَوْم خلع أَخِيه الْمَنْصُور وخلع فِي التَّاسِع وَالْعِشْرين من رَجَب من السّنة الْمَذْكُورَة وَملك بعده أَخُوهُ الْملك النَّاصِر أَحْمد بن النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون بعد أَن أحضر من الكرك وَاسْتمرّ فِي السلطنة حَتَّى خلع نَفسه فِي أَوَائِل الْمحرم سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَسبع مائَة وَملك بعده أَخُوهُ الْملك الصَّالح إِسْمَاعِيل بن النَّاصِر مُحَمَّد بن
(2/150)

قلاوون فِي الْعشْرين من الْمحرم الْمَذْكُور وبقى حَتَّى توفى فِي رَابِع ربيع الآخر سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَسبع مائَة وَملك بعده أَخُوهُ الْملك الْكَامِل شعْبَان بن النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون يَوْم موت أَخِيه الصَّالح إِسْمَاعِيل وبقى حَتَّى خلع فِي ثمانى جُمَادَى الْآخِرَة سنة سبع وَأَرْبَعين وَسبع مائَة وَملك بعده اخوه الْملك المظفر حاجى بن النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون يَوْم خلع أَخِيه الْكَامِل شعْبَان فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الواثق وعودة الْحَاكِم بعده
وَكَانَت مَكَّة بيد ثقبة بن رميثة فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الواثق وَالْحَاكِم بعده
وَكَانَت الْمَدِينَة بيد طفيل بن مَنْصُور فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الواثق وعودة الْحَاكِم بعده
وَكَانَت الْيمن بيد الْملك الْمُجَاهِد سيف الدّين عَليّ بن الْمُؤَيد هزبر الدّين دَاوُد فِي سلطنته الثَّانِيَة فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الواثق وعودة الْحَاكِم بعده
وَكَانَت بَغْدَاد وَمَا مَعهَا من مملكة أيران بيد الشَّيْخ
(2/151)

حسن الْكَبِير فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الواثق وعود الْحَاكِم بعده
وَكَانَ مَا وَرَاء النَّهر وخراسان وَمَا مَعَ ذَلِك بيد جفطاى من بنى جنكزخان
وَكَانَت مملكة الشمَال بيد أزبك فتوفى سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَسبع مائَة وَملك بعده ابْنه جانى بك بن أزبك فقصد توريز وملكها ثمَّ كرّ رَاجعا فَمَاتَ فِي طَريقَة لثلاث سِنِين من ملكه وأقيم ابْنه بردى بك بن جانى بك مقَامه فِي الْملك وَملك بعده ابْنه طقطمش وَهُوَ صَغِير فَخرج عَلَيْهِ ماماى أحد أُمَرَاء دولته بالقرم وَنصب من ولد أزبك صَغِيرا اسْمه عبد الله بن أزبك وزحف إِلَى مَدِينَة السراى قَاعِدَة ملكهم فهرب مِنْهَا طقطمش وَاسْتولى ماماى على السراي وأجلس عبد الله بن أزبك على كرسى الْملك بهَا فنازعه أَمِير من أُمَرَاء الدولة وَنصب من بنى القان آخر اسْمه طقتمر فغلبه
(2/152)

ماماى وقتلهما وَاسْتولى على المملكة وبقى فِيمَا اظن إِلَى مَا بعد خلَافَة الواثق وعود الْحَاكِم
وَكَانَت تونس وَسَائِر بِلَاد أفريقية وبجاية من الغرب الْأَوْسَط بيد السُّلْطَان المتَوَكل على الله أَبى يحيى أَبى بكر إِبْرَاهِيم فتوفى فِي رَجَب سنة سبع وَأَرْبَعين وَسبع مائَة ومللك بعده ابْنه أَبُو حَفْص بن أَبى بكر بِعَهْد من أَبِيه فبقى حَتَّى قَصده السُّلْطَان أَبُو الْحسن المرينى فِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَسبع مائَة وَملك بجاية وقسنطينة وَقتل أبوحفص بن أَبى بكر فِي حَرْبَة بتونس واستضافها إِلَى مَمْلَكَته بالغرب الآقصى وكمل لَهُ بذلك ملك جَمِيع الْمغرب واستخلف فِي المملكة ابْنه أَبَا الْفضل بن أَبى الْحسن وَسَار إِلَى الْمغرب فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الواثق وعود الْحَاكِم
وَكَانَت تلمسان بيد السُّلْطَان أَبى الْحسن المرينى ونائبه
(2/153)

عَلَيْهَا ابْنه أَبُو عنان بن أَبى الْحسن فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الواثق وَعقد خلَافَة الْحَاكِم
وَكَانَ على الغرب الْأَقْصَى السُّلْطَان أَبُو الْحسن المرينى فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الوائق وعود الْحَاكِم
وَكَانَت غرناطة من الأندلس بيد يُوسُف بن أَبى الْوَلِيد من بنى الْأَحْمَر وَفِي خلال أَيَّامه تغلب طاغية النَّصَارَى على الجزيرة الخضراء وانتزعها من يَد الْمُسلمين صلحا فِي سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَسبع مائَة بعد حروب عَظِيمَة وبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الواثق وعود الْحَاكِم
السَّادِس من خلفاء بنى الْعَبَّاس بالديار المصرية
المعتضد بِاللَّه
وَهُوَ أَبُو الْفَتْح أَبُو بكر بن المستكفى بِاللَّه أَبى الرّبيع سُلَيْمَان الْمُقدم ذكره وَهَذَا اللقب مَنْقُول إِلَيْهِ عَن المعتضد بِاللَّه أَبى الْعَبَّاس أَحْمد بن الْمُوفق طَلْحَة سَابِع عشر خلفائهم بالعراق وبويع لَهُ بالخلافة بعد موت اخيه الْحَاكِم بِأَمْر الله أَحْمد بن المستكفى بِاللَّه أَبى
(2/154)

الرّبيع سُلَيْمَان فِي سَابِع عشر شعْبَان المكرم سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وبقى حَتَّى توفى فِي عَاشر جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة فَكَانَت خِلَافَته أَربع عشرَة سنة وَثَمَانِية أشهر وأياما وَكَانَ لَهُ من الْأَوْلَاد المتَوَكل على الله مُحَمَّد الآتى ذكره
الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
فِي سنة تسع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة كَانَت فرقة النّيل الَّتِى بَين مصر وَالرَّوْضَة قد نشفت وَصَارَ النّيل بجملته بَين الرَّوْضَة والجيزة فأقيم الْأَمِير منجك لإِصْلَاح ذَلِك حَتَّى تعود الْفرْقَة الَّتِي بَين مصر وَالرَّوْضَة على عَادَتهَا فِي اسْتِمْرَار المَاء فِيهَا شتاء وصيفا فَاشْترى مراكب وملأها بِالْحجرِ والطين وغرقها فِي بَحر الجيزة فَلم يظْهر لذَلِك أثر وبقى الْأَمر على مَا كَانَ عَلَيْهِ ويأبى الله الا مَا أَرَادَ
وَفِي سنة تسع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة كَانَ الطَّاعُون الْعَظِيم الَّذِي عَم أقطار الأَرْض وَخرب أَكثر الْبِلَاد وخلت فِيهِ من
(2/155)

النَّاس يُقَال إِنَّه كَانَ يخرج فِيهِ فِي كل يَوْم من الْقَاهِرَة أَكثر من عشْرين ألف جَنَازَة وَلم يسمع بِمثل ذَلِك فِيمَا تقدم وَأقَام دائرا فِي الْبِلَاد مُدَّة سنتَيْن وَعم جَمِيع الأقطار الا الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة على ساكنها أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام فَإِنَّهُ لم يدخلهَا فَإِنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد أخبر أَنه لَا يدخلهَا طاعون وَعدم بِسَبَبِهِ أَكثر البضائع لقلَّة الصناع والتجار وَبلغ فِيهِ إِذْ ذَاك الراوية المَاء بِالْقَاهِرَةِ عشرَة دَرَاهِم وَأُجْرَة طحن الْقَمْح كل اردب خَمْسَة عشر درهما وغلا الشّعير مَعَ الْحجَّاج حَتَّى بلغ الشّعير كل ويبة مَا يزِيد على مائَة دِرْهَم
وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَسَبْعمائة قبض السُّلْطَان الْملك الصَّالح صَالح على الصاحب علم الدّين بن زنبور وَهُوَ يَوْمئِذٍ وَزِير وناظر الجيوش وناظر الْخَواص وَضرب وصودر وَأخذ مِنْهُ أَمْوَال جمة يُقَال إِنَّه وجد لَهُ من ثِيَاب بدنه الَّتِي يلبسهَا الفان وسِتمِائَة قِطْعَة مِنْهَا مُفْرد الْفَا قِطْعَة وبوجهين سِتّمائَة قِطْعَة وَوجد لَهُ حنينيات خَمْسَة آلَاف قِطْعَة وأواني ذهب وَفِضة
(2/156)

سِتُّونَ قِنْطَارًا وجوهر قنطاران وَأَرْبَعُونَ رطلا وَحب لُؤْلُؤ أردبان بِالْكَيْلِ الْمصْرِيّ وَذهب مسكوك سِتّمائَة الف دِينَار وَفِضة نقش ثَلَاثُونَ أردبان وحوائص ذهب سِتَّة آلَاف حياصة وكلوتات زركش سِتَّة آلَاف كلوتة وشاشات وتخافيف ثَلَاثمِائَة قِطْعَة وَبسط خَمْسَة وَثَلَاثُونَ ألف قِطْعَة وأنطاع ألف نطع وخيول ودواب عشرُون ألف رَأس ورقيق سَبْعمِائة رَأس وَعشرَة رُؤُوس ومماليك ترك وَغَيرهم خَمْسُونَ مَمْلُوكا وخدام مائَة خَادِم وَعبيد مائَة عبد ونحاس أَرْبَعُونَ ألف قِطْعَة وأملاك وعقار وضياع سِتَّة آلَاف مَكَان قومت بثلاثمائة ألف دِينَار ومعاصر قصب خمس وَعِشْرُونَ معصرة واقطاعات حَلقَة سَبْعمِائة اقطاع وسروج وعدة خيل قومت بثمان مائَة ألف دِرْهَم ومتاجر وبضائع ومخازن قومت بأربعمائة ألف دِينَار ومراكب سِتّمائَة مركب وبساتين وجنينات مِائَتَا مَوضِع وسواقي ألف وَأَرْبَعمِائَة ساقية خَارِجا عَن الأبقار والأغنام والغلال والأواني الصيني وَغير ذَلِك
وَفِي سنة أَربع وَخمسين وَسَبْعمائة خرجت المراسم السُّلْطَانِيَّة
(2/157)

عَن السُّلْطَان الْملك الصَّالح بِأَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى لَا يتحدثون فِي ديوَان من دواوين السُّلْطَان وَلَا دواوين الْأُمَرَاء وَأَن لَا يكرموا فِي الْمجَالِس وَأَن تكون عمائمهم عشرَة أَذْرع بِغَيْر زِيَادَة وَأَن يلبسوا الفراجي الزرق وَيكون ركوبهم عرضا وَأَن يكون قيمَة كل حمَار من مراكبهم دون مائَة دِرْهَم وَإِذا مر أحد مِنْهُم بِمُسلم جَالس نزل وَأظْهر المسكنة وَأَن لَا يدْخل النَّصَارَى الْحمام الا بصليب وطوق فِي عُنُقه وَأَن لَا يدْخل نِسَاؤُهُم الحمامات مَعَ المسلمات وَأَن يكون خفاها لونين وَأَن يكون إِزَار النَّصْرَانِيَّة أَزْرَق وَإِزَار الْيَهُودِيَّة أصفر وَكتب بذلك الى سَائِر الممالك ليجروهم على ذَلِك
وَفِي سنة سِتّ وَخمسين وَسَبْعمائة كملت عمَارَة الخانقاه السيفية شيخو بالصليبة وفيهَا شرع السُّلْطَان حسن فِي عمَارَة مدرسة تَحت القلعة وَكَانَ مَكَانهَا قصرا للأمير يلبغا البجياوي فهدمه وعمرها مَكَانَهُ وفيهَا هبت ريح شَدِيدَة من الْمغرب اصفر بهَا الجو ثمَّ احمر ثمَّ اصفر ثمَّ احمر ثمَّ اسود رمت الجدران وَكسرت الْأَشْجَار وَبقيت من أول النَّهَار الى بعد منتصف اللَّيْل ثمَّ اعقبها مطر فسكنت
(2/158)

وَفِي سنة تسع وَخمسين وَسَبْعمائة ضربت الْفُلُوس الجدد فِي سلطنة النَّاصِر حسن بِإِشَارَة الْأَمِير صرغتمش أتابك العساكر وَكَانَت من أحسن الْفُلُوس وضعا فَإِن زنة كل فلس مِثْقَال وَهُوَ قِيرَاط من دِرْهَم وَسبب ذَلِك أَن النَّاس كَانُوا يعبثون فِي الْمُعَامَلَة بالفلوس حَتَّى صَارُوا يقصون كل فلس أَربع قطع ويحسبونه بِأَرْبَع فلوس وفيهَا فتح الْأَمِير بيبرس الْخَوَارِزْمِيّ نَائِب حلب أدنة وطرطوس والمصيصة وعدة قلاع مِمَّا كَانَ بأيدي الأرمن
ولايات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته
كَانَت مصر وَالشَّام بيد المظفر حاجي بن النَّاصِر مُحَمَّد ابْن قلاوون وخلع فِي ثامن عشر رَمَضَان سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة ثمَّ قتل من يَوْمه وَملك بعده أَخُوهُ الْملك النَّاصِر حسن بن الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون وَهِي سلطنته الأولى فِي تَاسِع عشر الشَّهْر الْمَذْكُور
(2/159)

وخلع فِي التَّاسِع وَالْعِشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَسَبْعمائة وَملك بعده أَخُوهُ الْملك الصَّالح صَالح ابْن الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون يَوْم خلع أَخِيه النَّاصِر حسن الْمَذْكُور وخلع ثَانِي شَوَّال سنة خمس وَخمسين وَسَبْعمائة وَملك بعده أَخُوهُ الْملك النَّاصِر حسن الْمُقدم ذكره يَوْم خلع أَخِيه الْملك الصَّالح صَالح وَهِي سلطنته الثَّانِيَة وبقى حَتَّى خلع وَقتل فِي عَاشر جُمَادَى الأولى سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَبنى مدرسته الْعُظْمَى بِجَانِب سوق الْخَيل تَحت قلعة الْجَبَل وَهُوَ آخر من ملك من أَوْلَاد السُّلْطَان الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون لصلبه وَملك بعده ابْن أَخِيه الْملك الْمَنْصُور مُحَمَّد بن المظفر حاجي بن النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون يَوْم خلع عَمه النَّاصِر حسن وبقى الى مَا بعد خلَافَة المعتضد
وَكَانَت مَكَّة بيد ثقبة بن رميثة ثمَّ اجْتمع ثقبة وَأَخُوهُ عجلَان بِمصْر سنة سِتّ وَخمسين وَسبع مائَة فولى
(2/160)

السُّلْطَان عجلَان وفر ثقبة الى الْحجاز فَأَقَامَ بِمَكَّة منازعا لِأَخِيهِ عجلَان من غير ولَايَة وعجلان مستبد بولايتها جَار على سنَن الْعدْل والتجافي عَن أَمْوَال الرّعية والتعرض للمجاورين وبقى الى مابعد خلَافَة المعتضد
وَكَانَت الْمَدِينَة بيد طفيل بن مَنْصُور بن جماز بن بني الْحُسَيْن فبقى الى سنة احدى وَخمسين وَسبع مائَة فَوَقع النهب فِي الركب بِالْمَدِينَةِ فِي الْمَوْسِم فَقبض عَلَيْهِ الْأَمِير طاز أَمِير ركب الْحَج وَولى مَكَانَهُ رجلا من عقب جماز اسْمه سيف ثمَّ ولى بعده فضل من عقب جماز ايضا ثمَّ ولى بعد فضل مَانع من عقب جماز ثمَّ ولى جماز ابْن مَنْصُور بن جماز ثمَّ دس عَلَيْهِ النَّاصِر حسن صَاحب الديار المصرية من الفداوية من قَتله وَاتفقَ امراء الركب على تَوْلِيَة ابْنه هبة الى حِين يرد عَلَيْهِم من السُّلْطَان مَا يعتمدونه ثمَّ ورد أَمر السُّلْطَان بتولية مَانع فولى ثمَّ ولى بعده عَطِيَّة بن مَنْصُور بن جماز وَأَظنهُ بقى الى مَا بعد خلَافَة المعتضد
(2/161)

وَكَانَ الْيمن بيد الْملك الْمُجَاهِد على بن المويد هزبر الدّين دَاوُد فِي سلطنته الثانيه فَبَقيَ حَتَّى حج سنه احدى وَخمسين وَسبع مَائه فِي ايام النَّاصِر حسن بن النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون صَاحب مصر وَالشَّام وَكَانَ الامير طاز اُحْدُ اكابر امراء الديار المصريه قد حج فِي تِلْكَ السنه واشيع بمكه ان الْمُجَاهِد عليا يكسو الكعبه فَوَقَعت الفتنه بَين الْعَسْكَر الْمصْرِيّ وَالْملك الْمُجَاهِد فَانْهَزَمَ الْمُجَاهِد 139 وَعَسْكَره واسر هُوَ وَحمل الى مصر فاعتقل بهَا ثمَّ اطلق سنه ثِنْتَيْنِ وَخمسين وَسَبْعمائة فِي دولة الْملك الصَّالح صَالح وَوجه مَعَه الْأَمِير قشتمر المنصوري ليوصله الى بِلَاده فَلَمَّا بلغ بِهِ الينبع ارتاب مِنْهُ فِي الْهَرَب فَرجع بِهِ الى مصر فحبس فِي الكرك من بِلَاد الشَّام ثمَّ اطلق وأعيد الى ملكه وَأقَام على مداراة صَاحب مصر
وَكَانَت بَغْدَاد وَمَا مَعهَا من مملكة إيران بيد الشَّيْخ حسن الْكَبِير فَبَقيَ الى أَن مَاتَ فِي بَغْدَاد سنة سبع وَخمسين وَسَبْعمائة وَملك بعده ابْنه أويس بن الشَّيْخ حسن الْكَبِير فَبَقيَ الى مَا بعد خلَافَة المعتضد
(2/162)

وَكَانَ مَا وَرَاء النَّهر وخراسان وَمَا مَعَ ذَلِك بيد بني جنكزخان
وَكَانَت مملكة الشمَال من بِلَاد التّرْك بيد ماماى المستولي عَلَيْهَا بعد قتل طقتمر فزحف عَلَيْهِ صليجى جركس أحد المتغلبين على بعض أَعمال السراى وملكها من يَده وَصَارَ ماماى الى القرم فغلب عَلَيْهَا ثمَّ زحف أليك خَان الى السراى وملكها من يَد صلجى جركس فبقى أَيَّامًا ثمَّ هلك وَملك بعده ابْنه قاني باي خَان
وَكَانَت تونس وَسَائِر بِلَاد إفريقية وبجاية وقسنطينة من الغرب الْأَوْسَط بيد ابي الْفضل بن السُّلْطَان ابي الْحسن المريني صَاحب الغرب الْأَقْصَى فَخرج عَلَيْهِ أَبُو الْعَبَّاس الْفضل بن السُّلْطَان ابي بكر صَاحب بجاية وقصده بتونس فَخرج مِنْهَا أَبُو الْفضل بن ابي الْحسن فَارًّا الى ابيه بالغرب الْأَقْصَى ودخلها أَبُو الْعَبَّاس الْفضل بن السُّلْطَان ابي بكر وملكها سنة تسع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وَاسْتولى على جَمِيع المملكة وبقى حَتَّى قبض عَلَيْهِ سنة إِحْدَى
(2/163)

وَخمسين وَسَبْعمائة وبويع بعده أخوة أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن ابي بكر وَهُوَ غُلَام قد ناهز الْحلم وخنقه بعد لَيْلَة وَاسْتولى على تونس وبجاية وقسنطينة وبلادها فَبَقيت فِي يَده حَتَّى غَلبه أَبُو عنان بن السُّلْطَان ابي الْحسن المريني على بجاية وقسنطينة سنة ثَلَاث وَخمسين وَسَبْعمائة ثمَّ انتزع مِنْهُ السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس احْمَد بن مُحَمَّد بن ابي بكر قسنطينة فِي السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ غَلبه عَلَيْهَا ابو عنان بن السُّلْطَان ابي الْحسن المريني وَاسْتولى عَلَيْهَا ثَانِيًا ثمَّ رَجَعَ الى الغرب الْأَقْصَى سنة سبع وَخمسين وَسَبْعمائة فَسَار ابو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم صَاحب تونس إِلَيْهَا فملكها من يَد عَامل ابي عنان سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة ثمَّ قوى أَمر السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن ابي بكر فَعَاد الى قسنطينة وملكها فِي السّنة الْمَذْكُورَة وبقى الى مَا بعد خلَافَة المعتضد
وَكَانَت تلمسان بيد السُّلْطَان ابي الْحسن المريني ونائبه فِيهَا ابْنه أَبُو عنان بن أبي الْحسن ثمَّ ارتحل عَنْهَا أَبُو عنان
(2/164)

الى الْمغرب عِنْد إِشَاعَة موت ابيه فِي حَرْب الْعَرَب واستخلف عَلَيْهَا عُثْمَان بن حراز فِي ربيع سنة تسع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة فبقى حَتَّى سَار اليه أَبُو سعيد فَدخل تلمسان وملكها من يَده فِي السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ قصد أَبُو عنان بن السُّلْطَان ابى الْحسن تلمسان فملكها سنة ثَلَاث وَخمسين وَسَبْعمائة وَقبض على السُّلْطَان أَبى سعيد وَملك تلمسان من يَده واستخلف بعض أَوْلَاده عَلَيْهَا وَرجع إِلَى الغرب الْأَقْصَى فَعمد أَبُو حمو بن بنى عبد الواد إِلَى تلمسان فملكها فِي ربيع الأول سنة سِتِّينَ وَسَبْعمائة وَخرج ابْن السُّلْطَان أَبى عنان فلحق بالمغرب ثمَّ سَار السُّلْطَان أَبُو سَالم بن أَبى عنان إِلَى تلمسان فملكها فِي سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة المعتضد
وَكَانَ الغرب الْأَقْصَى بيد السُّلْطَان أَبى الْحسن المرينى فتوفى فِي الثَّالِث وَالْعِشْرين من ربيع الآخر سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَسَبْعمائة وَملك بعده ابْنه ولى عَهده أَبُو عنان بن أَبى الْحسن فتوفى فى ذى الْحجَّة سنة تسع وَخمسين وَسَبْعمائة وَكَانَ قد عهد إِلَى ابْنة أَبى زيان
(2/165)

فَعدل عَنهُ إِلَى ابْنه السعيد بن أَبى عنان ثمَّ خرج عَلَيْهِ عَمه أَبُو سَالم إِبْرَاهِيم بن أَبى الْحسن فغلبه على ملكه وَدخل مَدِينَة فاس فِي منتصف شعْبَان سنة سِتِّينَ وَسَبْعمائة فبقى حَتَّى أقيم مَكَانَهُ أَبُو عمر تاشفين الْمَعْرُوف بالموسوس بن السُّلْطَان أَبى الْحسن وَقبض على أَبى سَالم وَقَتله فبقى حَتَّى خلع وَولى مَكَانَهُ أَبُو زيان مُحَمَّد بن الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بن السُّلْطَان أَبى الْحسن وَكَانَ غَائِبا بالأندلس فَقدم مَدِينَة فاس ودخلها فِي منتصف شهر صفر سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة المعتضد
وَكَانَ مَا بقى من الأندلس بيد الْمُسلمين وَهُوَ غرناطة وَمَا مَعهَا بيد يُوسُف بن أَبى الْوَلِيد من بنى الْأَحْمَر فتوفى يَوْم الْفطر سنة خمس وَخمسين وَسَبْعمائة وَولى مَكَانَهُ ابْنه مُحَمَّد بن يُوسُف فَأَقَامَ خمس سِنِين إِلَى ان خلع وَولى مَكَانَهُ أَخُوهُ إِسْمَاعِيل بن يُوسُف فِي لَيْلَة سبع وَعشْرين من رَمَضَان سنة سِتِّينَ وَسَبْعمائة وبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة المعتضد
(2/166)

السَّابِع من خلفاء بنى الْعَبَّاس بالديار المصرية
المتَوَكل على الله
وَهُوَ الإِمَام الْأَعْظَم أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن المعتضد بِاللَّه الْمُقدم ذكره وَهَذَا اللقب مَنْقُول إِلَيْهِ عَن المتَوَكل على الله أَبى الْفضل جَعْفَر عَاشر خلفائهم بالعراق كَانَ رَقِيق السمرَة اللِّحْيَة معتدل الْقَامَة حسن الشَّك عَظِيم الهيبة وافر وافر الْعقل كثير التَّوَاضُع ولى الْخلَافَة بِعَهْد من أَبِيه المعتضد بِاللَّه الْمُقدم ذكره ثمَّ بُويِعَ لَهُ بالخلافة بعد وَفَاته يَوْم الْخَمِيس ثانى عشر جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَهِي ولَايَته الأولى وبقى حَتَّى خلعه الْأَمِير أيبك أتابك العساكر فِي سنة تسع وَسبعين وَسَبْعمائة فَكَانَت خِلَافَته هَذِه خمس عشرَة سنة وأشهرا
(2/167)

الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
فِي سنة أَربع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة مَاتَ حُسَيْن بن السُّلْطَان الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون وَهُوَ وَالِد السُّلْطَان الْملك الْأَشْرَف شعْبَان بن حُسَيْن الآتى ذكره وَكَانَ احسن أَوْلَاد السُّلْطَان الْملك النَّاصِر موتا وعقبها كَانَت سلطنة ابْنه الْأَشْرَف شعْبَان فِي السّنة الْمَذْكُورَة وفيهَا برزت الْأَوَامِر السُّلْطَانِيَّة لمنكلى بغا الشمسى نَائِب الشَّام بِفَتْح بَاب دمشق الْمَعْرُوف بِبَاب كيسَان فَفتح وَكَانَ لَهُ من حِين سَده السُّلْطَان نور الدّين الشَّهِيد مَا يزِيد على مائتى سنة مسدودا
وَفِي سنة سبع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وصل صَاحب قبرس من جزائر الفرنج إِلَى الأسكندرية وَمَعَهُ اسطول عَظِيم نَحْو سبعين مركبا حربية فِي عَسْكَر عَظِيم وهى يَوْمئِذٍ ولَايَة قبل أَن تَسْتَقِر نِيَابَة ففتحوها وَقتلُوا مِنْهَا خلقا كثيرا وأسروا النِّسَاء وَالصبيان وأحرق أهل الْبَلَد بَاب رشيد من أَبْوَابهَا وَخَرجُوا مِنْهَا فارين واتصل
(2/168)

الْخَبَر بالسلطان الْملك الْأَشْرَف والأمير يلبغا أتابك عسكره فَأَسْرعُوا الْمسير إِلَيْهَا فَبلغ خبر الْعَسْكَر الفرنج فَفرُّوا هاربين إِلَى المراكب بِمَا أَخَذُوهُ من الْأَمْوَال الْعَظِيمَة والأسرى وَسَارُوا إِلَى بِلَادهمْ فعمرت الْبَلَد وأسوارها وَرجع أَهلهَا إِلَيْهَا وَعَاد السُّلْطَان للديار المصرية إِلَى القلعة
وَفِي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وصلت رسل الْملك الْأَفْضَل عَبَّاس صَاحب الْيمن إِلَى الْأَبْوَاب السُّلْطَانِيَّة بالديار المصرية بهدية جليلة مِنْهَا فيل وَفرس بِغَيْر ذكر وَلَا أنثيين من أصل الْخلقَة وَجُمْلَة من القماش والمسك والعنبر وَالْعود والصندل واللبان والبهار وحجارة الموميا والعقيق ورماح القنا وَغير ذَلِك فَقبل السُّلْطَان هديتهم وأعادهم إِلَى مرسلهم وفيهَا شرع الْأَمِير يلبغا فِي عمَارَة وأسطول عَظِيم مائَة مركب حربية مَا بَين طرائر وأغربة لقصد غَزْو قبرس فِي نَظِير طروقة الاسكندرية وفرغت عمارتة جَمِيعهَا فِي دون سنة وَذَلِكَ مَا لم يصل إِلَيْهِ همة ملك وَأدْركَ الفرنج من ذَلِك رعب عَظِيم حَتَّى أَن الصَّغِير كَانَ يبكى فتخوفة أمه بالأمير يلبغا وَرُبمَا جفلت فرس أحدهم من الْحَوْض وهى تشرب فَيَقُول لَهَا الْأَمِير يلبغا فِي
(2/169)

الْحَوْض وفيهَا خرج السُّلْطَان الْأَشْرَف والأمير يلبغا إِلَى الْبحيرَة للصَّيْد فكبس مماليك يلبغا عَلَيْهِ بِمَنْزِلَة الطرانة فِي اللَّيْل ففر الْأَمِير يلبغا وعدى بر إِلَى الْقَاهِرَة وَتَبعهُ السُّلْطَان بِمن مَعَه من الْأُمَرَاء وَنزل ببولاق التكرورى مُقَابل الْقَاهِرَة وتراموا بالنفظ من البرين فاستدعى الْأَمِير يلبغا انوك بن حُسَيْن اخى السُّلْطَان الْأَشْرَف وسلطنة ولقبه الْملك الْمَنْصُور وَهُوَ الْمَعْرُوف بسُلْطَان الجزيرة فَعدى السُّلْطَان الْأَشْرَف من الْوراق إِلَى جَزِيرَة الْفِيل فَتفرق أَصْحَاب يلبغا عَنهُ وفر بِمن بقى مَعَه فَذهب إِلَى بَيته بالكبش ثمَّ سلمهم نَفسه فَضربُوا عُنُقه وَدفن بتربة قرابغا خَارج بَاب البرقية وَاسْتقر فِي الأتابكيه مَكَانَهُ الْأَمِير أسندمر الناصرى فِي سنة تسع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وفى سنة تسع وَسبعين وَسَبْعمائة وَقعت وقْعَة بَين السُّلْطَان والأمير أسندمر فَوَقَعت الكسرة على أسندمر فَقبض عَلَيْهِ وَقتل من كَانَ مَعَه من المماليك الجلب وَكَانَ أَكثر من قَتلهمْ الْعَوام بتسلطهم بِالْفَسَادِ وهجوم الحمامات على النِّسَاء وَأَخذهم النِّسَاء من الطرقات
(2/170)

ثمَّ عَفا السُّلْطَان عَن الْأَمِير أسندمر وأقلقه ثمَّ قبض عَلَيْهِ مَعَ جمَاعَة من الْأُمَرَاء فِي هَذِه السّنة فاعتقلوا بالإسكندرية
وَفِي سنة سبعين حجت وَالِدَة السُّلْطَان الْأَشْرَف
وَفِي سنة ثَلَاث وَسبعين وَسَبْعمائة جرى كَلَام فِي حق الْأَشْرَاف العلويين بِسَبَب أَن بعض الْأُمَرَاء وَقع فِي حق أحدهم وَزعم أَنه لم يعرف كَونه شريفا فَأمر السُّلْطَان الْأَشْرَاف بالديار المصرية أَن يَجْعَل كل وَاحِد مِنْهُم فِي عمَامَته عِصَابَة خضراء من صوف أَو حَرِير أَو غير ذَلِك مستديرة على بعض لفات الْعِمَامَة ليمتازوا عَن غَيرهم
وَفِي سنة أَربع وَسبعين وَسَبْعمائة توقف النّيل عَن الْوَفَاء وَكسر الخليج مَعَ نقص أصبعين عَن السِّتَّة عشر ذِرَاعا وَخرج النَّاس إِلَى الصَّحرَاء خَارج بَاب النَّصْر واستسقوا وَفِيهِمْ الْأُمَرَاء والقضاة وَالْفُقَهَاء والأعيان والضعفاء والأطفال وَنقص النّيل بعد ذَلِك فَلم يرو من بِلَاد مصر الا الْقَلِيل وَبلغ سعر الْقَمْح اربعين درهما كل اردب ثمَّ بلغ سبعين وَفِي سنة ارْبَعْ وَسبعين وَسَبْعمائة توفيت خوند وَالِدَة السُّلْطَان الْأَشْرَف
(2/171)

وَهِي متزوجة بالأمير الجاي اليوسفي اتابك العساكر فنظم بعض شعراء الْعَصْر فِي ذَلِك
فِي ثَانِي الْعشْرين من ذِي الْقعدَة ... كَانَت صَبِيحَة موت أم الْأَشْرَف
فَالله يرحمها ويعظم اجرها ... وَيكون فِي عاشور موت اليوسفي ...
فَكَانَ الْأَمر كَمَا كَانَ فَإِنَّهُ فِي أول سنة خمس وَسَبْعمائة تغير السُّلْطَان على الْأَمِير الجاي ففر هَارِبا الى سَاحل قليوب فَألْقى نَفسه بفرسه فِي النّيل ليعدى الى بر الجيزة فغرق وَكَانَ فِي يَوْم عَاشُورَاء كَمَا تقدّمت الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي الْبَيْتَيْنِ السَّابِقين وَكَانَ من جملَة أُمَرَاء الْأَشْرَف ارغون شاه الخاصكي من كبار أمرائه فنظم بعض الشُّعَرَاء فِيهِ ... الجاي ذَاك الرخ لما طَغى ... فِي دسته مَال لنقل الوشاه
تراجعت عَن صفة خيله ... وكل فرز إِن مضى مَا اختشاه
وَنَفسه جال بهَا سَاعَة ... وَلم يضْربهُ أرغون شاه ...
(2/172)

وَكَانَ أرغون شاه أحد أُمَرَاء الْأَشْرَف الخاصكية
ونظم آخر ... الجاى قَالَ اعذروا فَإِنِّي ... قهرت بالأشرف الْكَرم
حسبت كل الْحساب إِلَّا ... ظُهُور شعْبَان فِي الْحرم ...
وَفِي سنة سِتّ وَسبعين وَسَبْعمائة اشْتَدَّ الغلاء بالديار المصرية حَتَّى بيع الْقَمْح كل اردب بِمِائَة وَعشْرين درهما ثمَّ تزايد حَتَّى بلغ مائَة وَسِتِّينَ وَالشعِير بِثَمَانِينَ درهما كل اردب وَالْخبْز كل رطلين بدرهم وَلحم الضَّأْن كل رطلين بِدِرْهَمَيْنِ وَنصف وَلحم الْبَقر بِدُونِ ذَلِك وَالرِّوَايَة المَاء خَمْسَة دَرَاهِم وَبيع كل فروج بِخَمْسَة واربعين درهما وكل سفرجلة بِخَمْسِينَ درهما وكل رمانة لفان بِعشْرَة دَرَاهِم وكل رمانة حلوة بِسِتَّة عشر درهما وَمَات اكثر الدَّوَابّ من قلَّة الْعلف وغلت البضائع لقلَّة الظّهْر وَأكل النَّاس الْميتَة وجاعت الْكلاب حَتَّى أكلت الْمَوْتَى على الطرقات وتنبش الْقُبُور وَتخرج الْمَوْتَى فتاكلهم وَصَارَ النَّاس فِي بلَاء عَظِيم وَفِي السّنة الْمَذْكُورَة فتح الْأَمِير عشقتمر نَائِب حلب مَدِينَة
(2/173)

سيس قَاعِدَة ملك الأرمن وانتزعها من ايدي الأرمن وَهُوَ آخر الْفتُوح الإسلامية فِيمَا أدركناه
وَفِي سنة ثَمَان وَسبعين وَسَبْعمائة أبطل السُّلْطَان الْملك الْأَشْرَف بِوَاسِطَة شَيخنَا الشَّيْخ سراج الدّين البلقينى القراريط وهى مكوس كَانَت تُؤْخَذ على بيع الْعقار وَفِي السّنة الْمَذْكُورَة تجهز السُّلْطَان الْملك الْأَشْرَف إِلَى الْحجاز فَخرج عَلَيْهِ مماليكه بِالْعقبَةِ ففر إِلَى الْقَاهِرَة فَقبض عَلَيْهِ وَقتل كَمَا سيأتى بولايات الْأَمْصَار
ولايات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته
كَانَت مصر وَالشَّام بيد الْملك الْمَنْصُور مُحَمَّد بن المظفر حاجى فبقى حَتَّى خلع فِي خَامِس عشر شعْبَان سنة أَربع وَسِتِّينَ وَسبع مائَة وَملك بعده ابْن عَمه الْملك الْأَشْرَف شعْبَان بن حُسَيْن بن النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون وَهُوَ طِفْل وبقى حَتَّى خرج لِلْحَجِّ سنة ثَمَان وَسبعين وَسَبْعمائة فَخرج عَلَيْهِ مماليكه بِالْعقبَةِ ففر مِنْهُم إِلَى مصر واختبا ثمَّ وَقع الظفر بِهِ وَقتل فِي ثَالِث ذى الْقعدَة
(2/174)

سنة ثَمَان وَسبعين وَسبع وَمِائَة وَملك بعده ابْنه الْملك الْمَنْصُور على يَوْم خلع أَبِيه وَقَامَ بتدبير دولته الْأَمِير أيبك أتابك العساكر فَخلع أيبك المتَوَكل واعتقله ببرج القلعة وبقى الْمَنْصُور على إِلَى مَا بعد خلع المتَوَكل
وَكَانَت مَكَّة بيد عجلَان بن رميثة فبقى بهَا حَتَّى توفى سنة سبع وَسبعين وَسَبْعمائة وَولى بعده ابْنه أَحْمد وَكَانَ قد فوض إِلَيْهِ الْأَمر فِي حَيَاته وقاسمه أمره فَقَامَ أَحْمد بامر مَكَّة بعد أَبِيه أحسن قيام جَارِيا على سنَن أَبِيه فِي الْعدْل وَحسن السِّيرَة فبقى إِلَى مَا بعد خلع المتَوَكل
وَكَانَت الْمَدِينَة بيد عَطِيَّة بن مَنْصُور بن جماز فَأَقَامَ سِنِين ثمَّ عزل وَولى مَكَانَهُ هبة بن جماز ثمَّ عزل وأعيد عَطِيَّة ثمَّ توفى عطيه وَهبة وَولى جماز ابْن هبة وبقى فِيمَا أَظن إِلَى مَا بعد خلع المتَوَكل
وَكَانَت الْيمن بيد الْمُجَاهِد على بن هزبر الدّين دَاوُد
(2/175)

من بنى رَسُول فتوفى سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَملك بعده ابْنه الْملك الْأَفْضَل عَبَّاس فبقى حَتَّى مَاتَ سنة ثَمَان وَسبعين وَسَبْعمائة وَملك بعده ابْنه الْملك الْمَنْصُور مُحَمَّد فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة المتَوَكل
وَكَانَت بَغْدَاد وَمَا مَعهَا من مملكة إيران بيد الشَّيْخ أويس بن الشَّيْخ حسن الْكَبِير فبقى حَتَّى مَاتَ سنة سِتّ وَسبعين وَسَبْعمائة وَملك بعده بَغْدَاد وتوريز ابْنه حُسَيْن بن أويس وفى خلال ذَلِك استولى على توريز شُجَاع بن المظفر اليزدى وَلحق حُسَيْن بن أويس بأَخيه الشَّيْخ على بِبَغْدَاد ثمَّ انتزعها مِنْهُ حُسَيْن بن أويس واستضافها إِلَى بَغْدَاد ثمَّ انتزع على بن أويس بَغْدَاد من أَخِيه حُسَيْن وَاسْتقر حُسَيْن بتوريز وَالشَّيْخ على بِبَغْدَاد وَلما رَجَعَ حُسَيْن إِلَى توريز استوحش مِنْهُ اخوه أَحْمد بن أويس وَلحق بأردبيل فطرق أَحْمد توريز فملكها واختفى بهَا أَخُوهُ حُسَيْن أَيَّامًا ثمَّ قبض عَلَيْهِ أَحْمد وَقَتله واستبدل أَحْمد بن أويس بِملك توريز وبغداد وَمَا مَعَهُمَا من
(2/176)

الْأَعْمَال مثل السُّلْطَانِيَّة وتستر وَغَيرهمَا وبقى إِلَى مَا بعد خلع المتَوَكل
وَكَانَ مَا وَرَاء النَّهر وخراسان بيد جفطاى من بني حنكزخان
وَكَانَت مملكة الشمَال بيد قانى بى فهرب خَان ابْن البك خَان فغلب عَلَيْهِ أرص خَان فهرب قانى بى خَان بن البك خَان إِلَى عَمَلهم الأول وَاسْتقر أَرض خَان بالسراي وماماى بالقرم وَذَلِكَ فِي حُدُود سِتّ وَسبعين وَسَبْعمائة وَكَانَ طقطمش بن بردى بك قد لحق بِتَمْر سُلْطَان الْمغل بِمَا وَرَاء النَّهر الْمَعْرُوف بتمرلنك فَأَقَامَ عِنْده وطمحت نفس طقطمش إِلَى ملك آبَائِهِ بسراى فَجهز مَعَه السُّلْطَان تمر العساكر فَسَار بهَا إِلَى سراى وانتزعها من عُمَّال أَرض واسترجع مَا تغلب عَلَيْهِ قانى باى وصلجى جركس وَغير ذَلِك وَاسْتولى على جَمِيع المملكة وبقى إِلَى مَا بعد خلع المتَوَكل
(2/177)

وَكَانَت تونس وَسَائِر بِلَاد إفريقية وبجاية وقسنطينة بيد أَبى الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَبى بكر ثمَّ استولى على بجاية وقسنطينة وَأَبُو عبد الله مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن السُّلْطَان أَبى بكر فِي رَمَضَان سنة خمس وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة فأساء السِّيرَة فَسَار إِلَيْهِ السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس من تونس فَقتله وَدخل بجاية تَاسِع عشر شعْبَان سنة سبع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وملكها وَبقيت بِيَدِهِ وتونس بيد السُّلْطَان أَبى إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن السُّلْطَان أَبى بكر إِلَى أَن توفى السُّلْطَان أَبُو إِسْحَاق فَجْأَة فِي اللَّيْل سنة سبع وَسبعين وَسَبْعمائة وَملك بعده تونس ابْنه أَبُو الْبَقَاء خَالِد ثمَّ رَحل السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس من بجاية إِلَى تونس وَقبض على السُّلْطَان أَبى الْبَقَاء خَالِد واعتقله وَملك تونس وأنتظم فِي ملكه إفريقية وبجاية وقسنطينة وأعمالها وبقى إِلَى مَا بعد خلع المتَوَكل
وَكَانَت تلمسان بيد السُّلْطَان أَبى سَالم بن أَبى عنان المرينى صَاحب فاس فاستخلف على تلمسان أَبَا زيان مُحَمَّد بن عمار بن السُّلْطَان أَبى تاشفين وَرجع هُوَ إِلَى الغرب الْأَقْصَى من سنته فَنَهَضَ أَبُو حمو إِلَى تلمسان فَدَخلَهَا
(2/178)

وملكها وَخرج مِنْهَا أَبُو زيان ثمَّ ثار على أَبى حمو السُّلْطَان عبد الْعَزِيز بن السُّلْطَان أَبى الْحسن المرينى صَاحب الغرب الْأَقْصَى فَملك مِنْهُ تلمسان سنة إِحْدَى وَسبعين وَسَبْعمائة ودخلها فِي أَوَائِل سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَسَبْعمائة ثمَّ رَجَعَ أَبُو حمو إِلَى تلمسان وَاسْتولى عَلَيْهَا فِي سنة أَربع وَسبعين وَسَبْعمائة ثمَّ ملكهَا بعده السُّلْطَان أَبُو تاشفين عبد الرَّحْمَن بن أَبى حمو بن يُوسُف بن عبد الرَّحْمَن بن يغمراسن وبقى حَتَّى مَاتَ فِي سنة خمس وَسبعين وَسَبْعمائة وَملك بعده أَخُوهُ أَبُو الْحجَّاج يُوسُف بن أَبى حمو ثمَّ استنجد أَبُو زيان بن أَبى حمو بأبى الْعَبَّاس المرينى صَاحب فاس فاقتلع تلمسان من أَخِيه أَبى الْحجَّاج وملكها فِي سنة سِتّ وَسبعين وَسبع مائَة وبقى إِلَى مَا بعد خلع المتَوَكل
وَكَانَ الغرب الْأَقْصَى بيد أَبى زيان مُحَمَّد بن الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بن السُّلْطَان أَبى الْحسن إِلَى أَن قَتله وزيره فِي المرحم سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَسبع مائَة وَملك بعده عبد الْعَزِيز ابْن السُّلْطَان أَبى الْحسن فبقى حَتَّى مَاتَ فِي ربيع الآخر
(2/179)

سنة أَربع وَسبعين وَسبع مائَة وَملك بعده ابْنه سعيد بن عبد الْعَزِيز وَهُوَ طِفْل وَقَامَ بتدبير دولته وزيره أَبُو بكر ثمَّ غلب على فاس والغرب الْأَقْصَى أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن أَبى سَالم فِي الْمحرم سنة سِتّ وَسبعين وَسبع مائَة ثمَّ توفى فِي سنة سِتّ وَتِسْعين وَسبع مائَة
وَكَانَت غرناطة وَمَا مَعهَا من الأندلس بيد إِسْمَاعِيل ابْن يُوسُف من بنى الْأَحْمَر فبقى إِلَى مَا بعد خلع المتَوَكل
الثَّامِن من خلفاء بنى الْعَبَّاس بالديار المصرية
المستعصم بِاللَّه
وَهُوَ أَبُو يحيى زَكَرِيَّا بن الواثق بِاللَّه إِبْرَاهِيم بن المستكفى أَبى الرّبيع سُلَيْمَان الْمُقدم ذكره وَهَذَا اللقب مَنْقُول عَن المستعصم بِاللَّه أَبى أَحْمد عبد الله آخر خلفائهم بالعراق فَبَايعهُ الْأَمِير أيبك أتابك العساكر بعد خلع أَمِير الْمُؤمنِينَ المتَوَكل بمفرده من غير اجْتِمَاع أحد من أهل الْحل وَالْعقد غَيره وَفِي سنة تسع وَسبعين وَسبع مائَة فبقى
(2/180)

ثَلَاثَة أشهر ثمَّ خلعه وَأعَاد المتَوَكل إِلَى الْخلَافَة وهى خِلَافَته الثَّانِيَة فبقى حَتَّى خلعه السُّلْطَان الْملك الظَّاهِر برقوق واعتقله فِي برج بالقلعة فِي مستهل رَجَب سنة خمس وَثَمَانِينَ وَسبع مائَة
الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته وَفِي عود المتَوَكل إِلَى الْخلَافَة ثَانِيًا
لما خلع أيبك أتابك العساكر الإِمَام المتَوَكل على الله مُحَمَّد وَقرر المستعصم زَكَرِيَّا فِي الْخلَافَة تَغَيَّرت عَلَيْهِ الممالك ونفرت عَنهُ قُلُوب العساكر وخامرت عَلَيْهِ نواب الشَّام جملَة وَخَرجُوا عَن الطَّاعَة فَأَقَامَ الْحَال على ذَلِك نَحْو ثَلَاثَة أشهر كَمَا تقدم ثمَّ أعَاد الْأَمِير أيبك الإِمَام المتَوَكل إِلَى الْخلَافَة على عَادَته فِي الْعشْرين من الْمحرم سنة تسع وَسبعين وَسبع مائَة وَخرج جاليش الْعَسْكَر خمس أُمَرَاء مقدمو أُلُوف مِنْهُم الْأَمِير برقوق العثمانى وبركة الجوبانى ويلبغا الناصرى وَثَلَاث طبلخانات وَمِائَة مَمْلُوك من المماليك السُّلْطَانِيَّة وَمِائَة مَمْلُوك من مماليك الْأَمِير أيبك وَخرج السُّلْطَان والعسكر بعد ذَلِك
(2/181)

ووصلوا إِلَى بلبيس فَبَلغهُمْ أَن بعض أُمَرَاء الجاليش قد خامر عَلَيْهِم فَرجع السُّلْطَان وأيبك من بلبيس إِلَى القلعة فَخرج جمَاعَة من الْأُمَرَاء إِلَى قبَّة النَّصْر ورأسهم قطلقتمر الطَّوِيل فَجهز إِلَيْهِم أيبك عسكرا فَكَانَت الكسرة على جمَاعَة أيبك وهرب أيبك إِلَى كيمان مصر فَلم يُوقف لَهُ على خبر وَصَارَت الْكَلِمَة لقطلقتمر الطَّوِيل وَرجع الْأَمِير برقوق وبركة وَمن كَانَ قد خرج مَعَهُمَا فِي الجاليش فقبضوا على الْأَمِير قطلقتمر الطَّوِيل وَمن مَعَه وبعثوا بهم إِلَى الاسكندرية فاعتقل فِيهَا وَصَارَت الْكَلِمَة ليلبغا الناصرى فَحَضَرَ إِلَيْهِ أيبك من هربه فَقبض عَلَيْهِ وَبعث بِهِ إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة فسجن فِيهَا ثمَّ قبض على جمَاعَة كَبِيرَة من الْأُمَرَاء وَبعث بهم إِلَى الاسكندرية فسجنوا بهَا أَيْضا واستمرت الْكَلِمَة للأمير يلبغا الناصرى ثمَّ ركب عَلَيْهِ الْأَمِير برقوق والأمير بركَة وأنزلاه من الإسطبل وَاسْتقر الْأَمِير برقوق مَكَانَهُ أَمِير أخور والأمير بركَة أَمِير مجْلِس وَهُوَ كالمشارك لَهُ فِي الْأَمر ثمَّ حضر الْأَمِير قشتمر الدوادار نَائِب الشَّام إِلَى الديار المصرية فَخرج السُّلْطَان لملاقاته وَاسْتقر بِهِ
(2/182)

أتابك العساكر ثمَّ قبض الْأَمِير برقوق على الْأَمِير قشتمر الدوادار الأتابك وَجَمَاعَة من الْأُمَرَاء مَعَه وَاسْتقر فِي الأتابكية مَكَانَهُ وَاسْتقر الْأَمِير أيتمش البجاينى أَمِير أخور مَكَان الْأَمِير برقوق وَقبض على الْأَمِير يلبغا الناصرى وَبعث بِهِ إِلَى الاسكندرية فاعتقل بهَا كل ذَلِك فِي سنة تسع وَسبعين وَسبع مائَة وفى أَوَائِل هَذِه السّنة وَقع حريق عَظِيم بدار التفاح خَارج بَاب زويلة لم يسمع بِمثلِهِ
وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَسبع مائَة وَقعت الوحشة بَين الْأَمِير بركَة وبرقوق وَخرج بركَة إِلَى قبَّة النَّصْر مُقَاتِلًا لبرقوق فَوَقَعت الكسرة على بركَة فَقبض عَلَيْهِ وَبعث بِهِ إِلَى الاسكندرية فسجن بهَا وبقى الْأَمِير برقوق مُنْفَردا بتدبير المملكة وبقى بركَة فِي السجْن حَتَّى قتل فِيهِ فِي هَذِه السّنة وفى هَذِه السّنة وصل إِلَى الديار المصرية أنس العثمانى وَالِد الْأَمِير برقوق أتابك العساكر وَاسْتقر لَهُ إمرة تقدمة ألف فَبَقيت مَعَه حَتَّى مَاتَ وانتقل ابْنه من الأتابكية إِلَى السلطنة فِي سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَسبع مائَة وَهُوَ على إمرته
(2/183)

وَفِي سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَسبع مائَة وَقع بالديار المصرية وباء عَظِيم مَاتَ فِيهِ خلق كثير
وَفِي سنة أَربع وَثَمَانِينَ شرع الْأَمِير جركس الخليلي أَمِير أخور فِي عمَارَة جسر على رَأس الخور الْمَعْرُوف بزقاق الْقَنَادِيل تَحت الرَّوْضَة ليعود جَرَيَان المَاء تَحت أدر منشية المهراني وزربيني بكتمر وقيسون وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا وَعَمله فَلم يثبت وَفِي هَذِه السّنة بلغ النّيل أصبعين من إِحْدَى وَعشْرين ذِرَاعا
ولايات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته وَفِي عود المتَوَكل إِلَى الْخلَافَة ثَانِيًا
وَفِي عود المتَوَكل مُحَمَّد إِلَى الْخلَافَة ثَانِيًا كَانَت الديار المصرية والممالك الشامية بيد الْملك الْمَنْصُور عَليّ بن الْأَشْرَف شعْبَان بن حُسَيْن فَبَقيَ حَتَّى توفّي فِي الثَّالِث وَالْعِشْرين من صفر سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَسبع مائَة وَملك بعده أَخُوهُ الْملك الصَّالح حاجي بن شعْبَان فَبَقيَ حَتَّى خلع فِي الْعشْر الْأَوْسَط من رَمَضَان سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَسبع مائَة وَملك بعده الْملك الظَّاهِر برقوق بن أنس العثماني فَبَقيَ إِلَى
(2/184)

مَا بعد خلَافَة المستعصم وعود المتَوَكل ثمَّ خلعه
وَكَانَت مَكَّة بيد أَحْمد بن عجلَان فَبَقيَ إِلَى مَا بعد خلَافَة المستعصم وعود المتَوَكل وخلعه
وَكَانَت الْمَدِينَة بيد جماز بن هبة فعزل وَولى نعير ابْن مَنْصُور بن جماز ثمَّ قتل فَوَثَبَ جماز بن هبة على إِمَارَة الْمَدِينَة وَاسْتولى عَلَيْهَا فَعَزله السُّلْطَان وَولى ثَابت بن نعير فَبَقيَ إِلَى آخر سنة أَربع وثمان مائَة ثمَّ ولى جماز بن هبة فِي سنة خمس وثمان مائَة فَبَقيَ إِلَى مَا بعد خلَافَة المستعصم وعود المتَوَكل وخلعه
وَكَانَ الْيمن بيد الْملك الْمَنْصُور مُحَمَّد بن الْأَفْضَل عَبَّاس بن الْمُجَاهِد عَليّ فَبَقيَ إِلَى مَا بعد خلَافَة المستعصم وعود المتَوَكل وخلعه
وَكَانَت بَغْدَاد وَمَا مَعهَا من مملكة إيران بيد السُّلْطَان أَحْمد بن أويس فَبَقيَ إِلَى مَا بعد خلَافَة المستعصم وعود المتَوَكل وخلعه
(2/185)

وَكَانَ مَا وَرَاء النَّهر وخراسان وَمَا مَعَ ذَلِك مَعَ بني جفطاي من بني جنكيز خَان
وَكَانَت مملكة الشمَال بيد طقتمش بن بردى بك فَبَقيَ إِلَى مَا بعد خلَافَة المستعصم وعود المتَوَكل وخلعه
وَكَانَت تونس وَسَائِر بِلَاد إفريقية وبجاية وقسنطينة بيد السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن أبي بكر فَبَقيَ إِلَى مَا بعد خلَافَة المستعصم وعود المتَوَكل وخلعه
وَكَانَت تلمسان والغرب الْأَوْسَط بيد السُّلْطَان أبي حمو فَخرج عَلَيْهِ السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن أبي سَالم صَاحب الغرب الْأَقْصَى فَسَار إِلَى تلمسان فملكها وَأقر بهَا أَبَا زيان بن أبي حمو وَبَقِي إِلَى مَا بعد خلَافَة المستعصم وعود المتَوَكل وخلعه
وَكَانَ الغرب الْأَقْصَى بيد أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن أبي سَالم ابْن السُّلْطَان أبي الْحسن فَبَقيَ إِلَى مَا بعد خلَافَة المستعصم وعود المتَوَكل وخلعه
وَكَانَت غرناطة وَمَا مَعهَا من بِلَاد الأندلس بيد إِسْمَاعِيل ابْن يُوسُف من بني الْأَحْمَر فَبَقيَ إِلَى مَا بعد خلَافَة المستعصم وعود المتَوَكل وخلعه
(2/186)

التَّاسِع من خلفاء بني الْعَبَّاس بالديار المصرية الواثق بِاللَّه
وَهُوَ أَبُو حَفْص عمر بن الواثق بِاللَّه أبي الْحسن إِبْرَاهِيم الْخَامِس من خلفائهم بالديار المصرية وَهَذَا اللقب مَنْقُول إِلَى أَبِيه من الواثق الأول كَمَا تقدم ثمَّ نقل من أَبِيه إِلَيْهِ بَايع لَهُ بالخلافة الظَّاهِر برقوق بعد خلع الإِمَام المتَوَكل فِي مستهل شهر رَجَب سنة خمس وَثَمَانِينَ وَسبع مائَة فَبَقيَ فِي الْخلَافَة حَتَّى توفّي فِي الْعشْر الأول من شَوَّال سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَسبع مائَة فَأَعَادَ الظَّاهِر برقوق المستعصم زَكَرِيَّا الْمُقدم ذكره إِلَى الْخلَافَة ثَانِيًا والمتوكل على الله فِي الإعتقال وَالنَّاس لَا يرَوْنَ فِي كل ذَلِك الْخَلِيفَة غَيره ثمَّ أطلق المتَوَكل على الله من الإعتقال وأعيد إِلَى الْخلَافَة فِي ثَانِي جُمَادَى الأولى سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَسبع مائَة وَبَقِي حَتَّى توفّي فِي السَّابِع وَالْعِشْرين من شهر رَجَب سنة ثَمَان وَثَمَانمِائَة وَكَانَ لَهُ من
(2/187)

الْأَوْلَاد الإِمَام المستعين بِاللَّه أَبُو الْفضل العباسي وَالْإِمَام المعتضد بِاللَّه أَبُو الْفَتْح دَاوُد خَليفَة الْعَصْر وسيدي يَعْقُوب وسيدي حَمْزَة وَمُحَمّد وَهُوَ أسنهم وَبَنَات
الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته وعود المستعصم ثمَّ عود المتَوَكل بعده
فِي سنة خمس وَثَمَانِينَ وَسبع مائَة قصد جمَاعَة من الفرنج سَاحل صيدا وبيروت من الْبِلَاد الشامية فَخرج إِلَيْهِم طَائِفَة من عَسْكَر دمشق فهزموا الفرنج وَقتلُوا مِنْهُم جمَاعَة وفيهَا بلغ السُّلْطَان الْملك الظَّاهِر أَن الْأَمِير قرط التركماني وَإِبْرَاهِيم بن قطلقتمر أَمِير جاندارا فِي جمَاعَة قصدُوا الرّكُوب عَلَيْهِ فَقبض على قرط وَابْن أَمِير جاندارا ثمَّ أَمر بقرط فَقتل واعتقل ابْن أَمِير جاندارا مُدَّة ثمَّ عَفا عَنهُ رَحْمَة لِأَبِيهِ
وَفِي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَسبع مائَة حضر الْأَمِير بيدمر الْخَوَارِزْمِيّ نَائِب الشَّام إِلَى الْأَبْوَاب السُّلْطَانِيَّة بهدية جليلة فَقبلت هديته وَحضر دَار الْعدْل وأجلس فَوق النَّائِب
(2/188)

الكافل وَهَذَا لم يعْهَد مثله وفيهَا حضر إِلَى الْأَبْوَاب السُّلْطَانِيَّة رسل بهدية من مماليك وَغَيرهم وأظهروا أَنهم رسل طقتمش خَان صَاحب بِلَاد الشَّام فَخرج لملاقاتهم النَّائِب الكافل وَجَمَاعَة من الْأُمَرَاء وأنزلوا بالميدان تَعْظِيمًا لَهُم ورتب لَهُم المرتبات السّنيَّة ثمَّ ظهر من كتبهمْ أَنهم رسل صَاحب القرم فَتغير عَلَيْهِم السُّلْطَان ونقلهم من الميدان إِلَى دَار الضِّيَافَة وَنقص من راتبهم وَبَقِي لَهُم مَا يَقْتَضِيهِ حَالهم وَفِي هَذِه السّنة توفّي الشَّيْخ أكمل الدّين مَحْمُود شيخ خانقاه شيخونية وَكَانَ من أجلة الْعلمَاء وأعيان أهل الْعَصْر وأجلهم رُتْبَة عِنْد السُّلْطَان وَنزل السُّلْطَان للصَّلَاة عَلَيْهِ ومشي فِي جنَازَته وَكَانَ لَهُ مشْهد عَظِيم
وَفِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَسبع مائَة ظهر بالديار المصرية نجم كَبِير قَلِيل النُّور بذؤابة خَلفه قدر رُمْحَيْنِ فَمَا فَوْقهمَا وَبَقِي ليَالِي ثمَّ اختفى وَفِي سنة أَربع وَتِسْعين وَسبع مائَة كثرت الشنعة بِأَمْر الْأَمِير منطاش بالبلاد الحلبية فَخرج إِلَيْهِ السُّلْطَان الْملك الظَّاهِر وَسَار إِلَى حلب وَقبض عَلَيْهِ وَقَتله وجهزت رَأسه إِلَى الديار المصرية ثمَّ وصل
(2/189)

السُّلْطَان إِلَى الْبِلَاد المصرية بعد ذَلِك وفيهَا وصل الْخَبَر أَن تمرلنك استولى على شيراز قَاعِدَة فَارس وَقتل صَاحبهَا شاه مَنْصُور وَأَنه أرسل يُخَادع السُّلْطَان أَحْمد بن أويس صَاحب بَغْدَاد فَلم ينخدع لَهُ وفر من بَغْدَاد قَاصِدا الديار المصرية
وَفِي سنة سِتّ وَتِسْعين وَسَبْعمائة فِي ربيع الأول وصل القان أَحْمد بن أويس الْمُقدم ذكره إِلَى الديار المصرية فَارًّا من تمرلنك فَخرج السُّلْطَان الظَّاهِر لملاقاته بِنَفسِهِ وَألبسهُ قبَاء مطرزا مغرى بقاقم وَعَاد مَعَه إِلَى الصوة وطلع السُّلْطَان إِلَى القلعة وجهز السُّلْطَان أَحْمد إِلَى بَيت جليل من بيُوت الْأُمَرَاء على بركَة الْفِيل فَأنْزل فِيهِ وأجرى عَلَيْهِ الرَّوَاتِب اللائقة بِمثلِهِ ثمَّ وصلت رسل طقتمش خَان الْمُقدم ذكره بِكِتَاب مضمونه طلب المعاضدة والمعاونة على تمرلنك ورد عَلَيْهِ الْجَواب بالإجابة إِلَى ذَلِك ثمَّ عَاد السُّلْطَان أَحْمد بن أويس إِلَى دمشق وَمِنْهَا إِلَى جِهَة بَغْدَاد حِين بلغه رُجُوع تمرلنك عَنْهَا
وَفِي سنة إِحْدَى وَثَمَانمِائَة توفى الْملك الظَّاهِر برقوق وَملك بعده ابْنه النَّاصِر فرج على ماسيأتى ذكره
(2/190)

وَفِي سنة سبع وَتِسْعين وَسَبْعمائة زَاد النّيل فِي آخر يَوْم من أبيب أَرْبَعِينَ أصبعا وَفِي أول مسرى اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ أصبعا وَفِي ثَالِث مسرى خمسين أصبعا فَكَانَت الزِّيَادَة فِي أَرْبَعَة أَيَّام سَبْعَة أَذْرع وَلم يسمع بِمثل ذَلِك فِيمَا تقدم إِلَّا مَا يحْكى فِي آخر سنة من خلَافَة الْمُنْتَصر الفاطمى على مَا تقدم ذكره
وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانمِائَة خرج تنم نَائِب الشَّام عَن الطَّاعَة وَأظْهر الْخلاف ثمَّ لما اثْبتْ السُّلْطَان الْملك النَّاصِر فرج بن الظَّاهِر رشده فِي ربيع الأول مِنْهَا واستبدل بِالتَّصَرُّفِ دون ولى أمره الْأَمِير أيتمش العجايبى تنكر الْأَمِير أيتمش لذَلِك وَوَقع الْحَرْب بَينهمَا فِي الشَّهْر الْمَذْكُور بِمصْر فَانْهَزَمَ الْأَمِير أيتمش وَلحق بِالشَّام وانحاز إِلَى نَائِبه تنم فَخرج السُّلْطَان النَّاصِر فرج من الديار المصرية لحربهما فِي شهر رَجَب مِنْهَا وصحبته أَمِير الْمُؤمنِينَ المتَوَكل والتقوا على الْقرب من غَزَّة فانكسر تنم وأيتمش وَمن مَعَهُمَا وَقبض السُّلْطَان عَلَيْهِمَا وَدخل هُوَ إِلَى دمشق وَاسْتولى عَلَيْهَا وَقتل بهَا تنم وايتمش وجهز
(2/191)

برأسيهما إِلَى الْقَاهِرَة فِي رَمَضَان مِنْهَا ثمَّ عَاد السُّلْطَان إِلَى الديار المصرية وطلع القلعة فِي السَّادِس وَالْعِشْرين من رَمَضَان الْمَذْكُور
وَفِي سنة ثَلَاث وَثَمَانمِائَة سَار تمرلنك إِلَى الْبِلَاد الشامية وَفتح مَدِينَة حلب وقلعتها فَسَار النَّاصِر إِلَيْهِ من الديار المصرية بعساكره إِلَى دمشق وَقدم إِلَيْهَا تمرلنك وَجرى بَينهمَا مراجعات فِي أَثْنَائِهَا فر جمَاعَة من عَسْكَر النَّاصِر إِلَى الديار المصرية فَتَبِعهُمْ على الْأَثر فأدركهم على الْقرب من غَزَّة فَقبض عَلَيْهِم وَاسْتمرّ قَاصِدا الديار المصرية حَتَّى طلع القلعة فِي خَامِس جُمَادَى الآخر مِنْهَا وَأخذ تمرلنك فِي خداع أهل دمشق حَتَّى صالهم على مبلغ ألف ألف دِينَار وفتحوا لَهُ بَابا من أَبْوَابهَا وَأخذُوا فِي جمع ذَلِك من النَّاس على قدر طبقاتهم خَارِجا عَمَّا قرر عَلَيْهِم من خيل الهاربين من عَسْكَر السُّلْطَان وسلاحهم فَلَمَّا حمل ذَلِك إِلَيْهِ قرر عَلَيْهِم بعد ذَلِك عشرَة آلَاف دِينَار فاستخرجت لَهُ بأعظم مشقة ثمَّ فرق حارات الْمَدِينَة على أمرائه وأعيان عسكره فعاثوا فَسَادًا وَاسْتَخْرَجُوا من أَهلهَا مَا قدرُوا عَلَيْهِ بعد أَن قتلوا
(2/192)

وسلبوا النِّسَاء والذرارى ثمَّ أَمر بتحريق الْبَلَد فَأحرق عَن آخِره حَتَّى لم يبْق بهَا رسم دَار وَلَا خطّ يعرف وبقى على ذَلِك إِلَى الْآن إِلَّا الْقَلِيل مِمَّا جدد وَفِي سنة أَربع وَثَمَانمِائَة ظهر بالديار المصرية جَراد انْتَشَر فِي أقطارها وَأكل ورق الشّجر وخوص النخيل واستأصل المقات وَكثر فَسَاده ثمَّ سلط الله عَلَيْهِ الْبرد فَهَلَك وفيهَا ظهر بالديار المصرية أَيْضا كَوْكَب كَبِير نير لَهُ ذؤابه صاعدة فِي السَّمَاء ترى مَعَ ضوء الْقَمَر وبقى إِلَى ثلث اللَّيْل وبقى كَذَلِك ليالى ثمَّ اختفى
وَفِي سنة سبع وَثَمَانمِائَة اخْتلف أُمَرَاء الديار المصرية على سلطانهم النَّاصِر فلحق الْأَمِير يشبك العثمانى بِدِمَشْق فِي طَائِفَة كَبِيرَة وَسَار إِلَى الشَّام فألم بالأمير شيخ المحمودى نَائِب الشَّام فَجمع لَهُ العساكر الشامية وَسَار بِهِ إِلَى مصر فَخرج إِلَيْهِم النَّاصِر ولقيهم فِي العباسية من بِلَاد الشرقية فِي ذى الْحجَّة من هَذِه السّنة فَانْهَزَمَ مِنْهُم النَّاصِر فتبعوه حَتَّى طلع القلعة ثمَّ خرج عَلَيْهِم وحاربهم تَحت القلعة فَانْهَزَمُوا مِنْهُ وَعَاد الْأَمِير شيخ إِلَى دمشق واختفى يشبك بِالْقَاهِرَةِ ثمَّ ظهر يشبك فِي سنة ثَمَان وَثَمَانمِائَة
(2/193)

فَأَعَادَهُ النَّاصِر إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ ثمَّ تَجَدَّدَتْ بَينهمَا الوحشة بعد ذَلِك ففر النَّاصِر من القلعة واختفى بدار القاضى سعد الدّين بن غراب فِي الرَّابِع وَالْعِشْرين من ربيع الأول من هَذِه السّنة وأقيم فِي السلطنة مَكَانَهُ أَخُوهُ عبد الْعَزِيز وَهُوَ صَغِير ولقب الْملك الْمَنْصُور بِعَهْد من أَمِير الْمُؤمنِينَ المتَوَكل وَلم يزل النَّاصِر مختفيا إِلَى لَيْلَة السبت خَامِس جُمَادَى الآخر وَظهر وَاجْتمعَ عَلَيْهِ كَبِير من الْعَسْكَر فزحف على أَصْحَاب أَخِيه عبد الْعَزِيز فَهَزَمَهُمْ وَاسْتولى على تخت ملكه وَقبض على أَخِيه عبد الْعَزِيز وجهزه إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة فاعتقل بهَا ثمَّ أَمر بِهِ بعد ذَلِك فَقتل وَعظم سُلْطَانه وتملك أمره وَعظم شَأْنه
ولايات الْأَمْصَار فِي خلافتة
وعود المستعصم ثمَّ عود المتَوَكل
كَانَت الديار المصرية والممالك الشامية بيد الظَّاهِر برقوق حَتَّى خلع من السلطنة وَبعث بِهِ إِلَى الكرك فاعتقل بِهِ فِي رَجَب أَو جُمَادَى الآخر سنة إِحْدَى وَتِسْعين
(2/194)

وَسَبْعمائة وَملك بعده الْملك الْمَنْصُور حاجى بن الْأَشْرَف شعْبَان وَهُوَ الذى كَانَ قد لقب فِي سلطنته الأولى بالصالح وَهَذِه سلطنته الثَّانِيَة فبقى حَتَّى عَاد الظَّاهِر برقوق من الكرك وَاسْتقر فِي السلطنة بعد خلع الْمَنْصُور حاجى فِي أَوَائِل سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَسَبْعمائة وبقى حَتَّى توفى فِي منتصف شَوَّال الْمُبَارك سنة إِحْدَى وَثَمَانمِائَة وَملك بعده ابْنه النَّاصِر فرج ثمَّ تغير عَلَيْهِ بعض مماليكه وَبَعض أمرائه فاختفى ثمَّ ملك أَخُوهُ الْملك الْمَنْصُور عبد الْعَزِيز ثمَّ ظهر السُّلْطَان فرج وَاسْتقر على عَادَته وبقى فِي السلطنة
وَكَانَت مَكَّة بيد أَحْمد بن عجلَان فبقى حَتَّى مَاتَ فِي رَمَضَان سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة وَولى مَكَانَهُ ابْنه مُحَمَّد بن أَحْمد بن عجلَان وَهُوَ صَغِير فِي كَفَالَة عَمه كبيش بن عجلَان فبقى حَتَّى بعث إِلَيْهِ الظَّاهِر برقوق فداويا صُحْبَة الْأَمِير جركس الخليلى وَهُوَ يَوْمئِذٍ أَمِير الْحجَّاج فَركب فِي محمل الْكسْوَة فَلَمَّا خرج مُحَمَّد بن أَحْمد ابْن عجلَان ليقبل خف جمل الْمحمل على الْعَادة وثب عَلَيْهِ
(2/195)

الفداوى يسكين فَقتله وَدخل أَمِير الركب الْمَذْكُور إِلَى مَكَّة فولى عنان بن مغامس بن رميثة مَكَانَهُ ثمَّ لحق على بن عجلَان بالديار المصرية فولاه الظَّاهِر برقوق مَكَّة فِي سنة تسع وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة شَرِيكا لعنان وَسَار مَعَ أَمِير الركب إِلَى مَكَّة فهرب عنان وَدخل على بن عجلَان مَكَّة واستقل بإمارتها ثمَّ وَفد على بن عجلَان على السُّلْطَان بِمصْر سنة أَربع وَتِسْعين وَسَبْعمائة فأفرده بالإمارة وَأنزل عنان بن مغامس عِنْده فَأحْسن نزله ثمَّ قبض عَلَيْهِ واعتقله وَبَقِي عَليّ بن عجلَان فِي إِمَارَة مَكَّة حَتَّى قتل بِبَطن مر فِي سنة سبع وَتِسْعين وَسَبْعمائة وَولى السُّلْطَان ابْن أَخِيه حسن بن أَحْمد مَكَانَهُ واستبد بأَمْره فبقى بهَا إِلَى مَا بعد خلَافَة الواثق والمستعصم بعده والمتوكل بعدهمَا
وَكَانَت الْمَدِينَة بيد جماز بن هبة ثمَّ عزل وَولى نعير ابْن مَنْصُور بن جماز
وَكَانَت الْيمن بيد الْمَنْصُور مُحَمَّد بن الْفضل عَبَّاس فَمَاتَ وَملك بعده أَخُوهُ الْأَشْرَف عماد الدّين إِسْمَاعِيل بن الْأَفْضَل عَبَّاس ثمَّ مَاتَ وَملك بعده ابْنه الْملك
(2/196)

النَّاصِر أَحْمد فبقى إِلَى مَا بعد وَفَاة الواثق وعود المستعصم وخلعه وعود المتَوَكل وَمَوته
وَكَانَت بَغْدَاد وَمَا مَعهَا من توريز والسلطانية وتستر وَغَيرهَا من مملكة إيران بيد أَحْمد بن أويس فبقى حَتَّى طرقته عَسَاكِر تمرلنك وَهُوَ بتوريز فَخرج عَنْهَا إِلَى بَغْدَاد ثمَّ هرب إِلَى مصر وَأقَام بهَا فِي ظلّ صَاحبهَا الظَّاهِر برقوق ثمَّ عَاد إِلَى بِلَاده وَلم يَنْتَظِم لَهُ بعد ذَلِك أَمر وَبقيت المملكة بيد تمرلنك فِي جملَة مَا بِيَدِهِ مِمَّا وَرَاء النَّهر إِلَى الخليج القسطنطينى حَتَّى مَاتَ واستقل بمملكة بَغْدَاد وتوريز وَمَا مَعَهُمَا بعض بنية فَبَقيت بِيَدِهِ إِلَى مَا بعد وَفَاة الواثق وعود المستعصم وخلعه وعود المتَوَكل ووفاته
وَكَانَت مملكة الشمَال بيد طقتمش بن بردى بك فَوَقَعت الْفِتْنَة بَينه وَبَين تمرلنك وَجرى بَينهمَا حروب طَوِيلَة وَوصل الْخَبَر آخر سنة سبع وَتِسْعين وَسَبْعمائة أَن تمرلنك ظفر بطقتمش وَقَتله وَاسْتولى على سَائِر أَعماله وَيُقَال إِن تمرلنك لم يملك هَذِه المملكة أصلا بل
(2/197)

بقيت بيد طقتمش خَان ثمَّ تنقلت بعده فِي مُلُوكهمْ إِلَى أَن كَانَت بيد فولادخان وَكتب عَن الْملك النَّاصِر فرج ثمَّ صَارَت بعد إِلَى غَيره
وَكَانَت تونس وبلاد إفريقية وبجاية وقسنطينة بيد السُّلْطَان أَبى الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَبى بكر فبقى حَتَّى مَاتَ فِي شعْبَان سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة وَملك بعده ابْنه أَبُو فَارس عزوز فِي رَابِع شعْبَان من السّنة الْمَذْكُورَة وَاسْتولى على تونس وبجاية وقسنطينة وأعمالها وبقى إِلَى مَا بعد وَفَاة الواثق وعود المستعصم وخلعه ثمَّ عود المتَوَكل ووفاته
وَكَانَت تلمسان والغرب الْأَوْسَط بيد السُّلْطَان أَبى حمو ثمَّ قبض أَبُو تاشفين بن السُّلْطَان أَبى حمو على أَبِيه أَبى حمو واعتقله بوهران آخر سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة ثمَّ اتَّصل بِأبي حمو أَن ابْنه أَبَا تاشفين يُرِيد قَتله فدلى بِحَبل من الْقصر واستغاث بِأَهْل وهران فَاجْتمعُوا إِلَيْهِ
(2/198)

وجددوا لَهُ الْبيعَة وارتحل أَبُو حمو من حِينه إِلَى تلمسان فَدخل فِي أَوَائِل سنة تسع وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة وَبلغ ابْنه أَبَا تاشفين الْخَبَر فأسرع إِلَى تلمسان فاعتصم أَبوهُ أبوحمو بمنارة الْمَسْجِد وَدخل أَبُو تاشفين الْقصر وَطلب أَبَاهُ أَبَا حمو فجَاء إِلَيْهِ فَأَدْرَكته الرقة عَلَيْهِ فَقبل يَده وَغدا بِهِ إِلَى الْقصر فاعتقله ثمَّ رغب إِلَى ابْنه أَبى تاشفين فِي قَضَاء فرض الْحَج فجهزه فِي سفينة إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة واستقل أَبُو تاشفين بِملك تلمسان وَسَار أَبُو حمو فِي السَّفِينَة حَتَّى بلغ بجاية فطلع مِنْهَا واسعفه صَاحب تونس بالعساكر وَعَاد إِلَى تلمسان وَابْنه أبوتاشفين مشتغل بِبَعْض حروبه فَدَخلَهَا فِي رَجَب سنة تسعين وَسَبْعمائة وَعَاد ملك أَبى حمو إِلَيْهِ ثمَّ نَهَضَ أَبُو تاشفين على أَبِيه أَبى حمو بعساكر بنى مرين فَقتل أَبُو حمو فِي المعركة وَوصل ابْنه أَبُو تاشفين تلمسان وملكها سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَسَبْعمائة وَأقَام بهَا دَعْوَة السُّلْطَان أَبى الْعَبَّاس صَاحب الْمغرب الْأَقْصَى وخطب لَهُ على مَنَابِر وَقرر على نَفسه ضريبة يبْعَث بهَا إِلَيْهِ فِي كل سنة وبقى أَبُو تاشفين على ذَلِك حَتَّى مَاتَ فِي رَمَضَان
(2/199)

سنة خمس وَتِسْعين وَسبع مائَة فَبعث السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس صَاحب الغرب الْأَقْصَى ابْنه أَبَا فَارس ابْن أَبى الْعَبَّاس إِلَى تلمسان فملكها فَلَمَّا مَاتَ السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس وَملك مَكَانَهُ ابْنه أَبُو فَارس الْمَذْكُور الغرب الْأَقْصَى كَانَ أَبُو زيان بن أَبى حمو معتقلا عِنْدهم فَأَطْلقهُ وَبعث بِهِ إِلَى تلمسان أَمِيرا عَلَيْهَا نِيَابَة عَن أَبى فَارس فَسَار أَبُو زيان إِلَيْهَا ودخلها فبقى حَتَّى قتل فِي سنة سِتّ وثمان مائَة وَولى بعده أَخُوهُ مُحَمَّد المكنى بأبى زيان أَيْضا فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة الواثق وعود المستعصم ثمَّ المتَوَكل بعده
وَكَانَ الغرب الْأَقْصَى بيد السُّلْطَان أَبى الْعَبَّاس أَحْمد بن أَبى سَالم بن ابى الْحسن فَخرج من فاس لبَعض حروبه فغار عَلَيْهَا مُوسَى ابْن عَمه أَبى عنان ملكهَا فِي ربيع الأول سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَسبع مائَة وَقبض على السُّلْطَان أَبى الْعَبَّاس وَقَيده وَبعث بِهِ إِلَى الأندلس فاعتقله هُنَاكَ ثمَّ توفى السُّلْطَان مُوسَى بن أَبى عنان فَملك بعده الْمُسْتَنْصر ابْن السُّلْطَان أَبى الْعَبَّاس فَخرج عَلَيْهِ الواثق مُحَمَّد بن
(2/200)