Advertisement

مآثر الإنافة في معالم الخلافة 002



الكتاب: مآثر الإنافة في معالم الخلافة
المؤلف: أحمد بن علي بن أحمد الفزاري القلقشندي ثم القاهري (المتوفى: 821هـ)
المحقق: عبد الستار أحمد فراج
الناشر: مطبعة حكومة الكويت - الكويت
الطبعة: الثانية، 1985
عدد الأجزاء: 13
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] أَبى الْفضل بن السُّلْطَان أَبى الْحسن فَملك مَدِينَة فاس من يَده سنة سبع وَثَمَانِينَ وَسبع مائَة ثمَّ سَار السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس إِلَى فاس فملكها فِي رَمَضَان سنة تسع وَثَمَانِينَ وَسبع مائَة وَبعث الْمُسْتَنْصر إِلَى أَبِيه أَبى الْعَبَّاس بالأندلس ثمَّ عدى أَبُو الْعَبَّاس من الأندلس إِلَى سبته فملكها فِي السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ استنزله عَنْهَا ابْن الْأَحْمَر صَاحب غرناطة وأضافها إِلَى مَمْلَكَته ثمَّ ظَهرت دَعْوَة أَبى الْعَبَّاس بمراكش من الغرب الْأَقْصَى وَاسْتولى جنده عَلَيْهَا ثمَّ سَار إِلَيْهَا ابْنه الْمُسْتَنْصر فملكها وَسَار أَبُو الْعَبَّاس إِلَى فاس فملكها فِي خَامِس رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة وَبعث بالواثق إِلَى الأندلس ثمَّ أَمر بقتْله فِي الطَّرِيق فَقتل بطنجة وبقى السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس بفاس حَتَّى توفى بِمَدِينَة تازا فِي الْمحرم سنة سِتّ وَتِسْعين وَسبع مائَة وَبَايَعُوا بعده ابْنه أَبَا فَارس وَسَار أَبُو فَارس بعد ذَلِك إِلَى فاس فَأَقَامَ بهَا مُتَوَلِّيًا على الغرب الْأَقْصَى حَتَّى توفى سنة تسع وَتِسْعين وَسبع مائَة وَملك بعده
(2/201)

أَخُوهُ عَامر فَأَقَامَ سنتَيْن ثمَّ تردى عَن فرسه فَمَاتَ وَولي بعده أَخُوهُ أَبُو سعيد عُثْمَان فَبَقيَ إِلَى مَا بعد خلَافَة الواثق والمستعصم ثمَّ المتَوَكل
وَكَانَت الأندلس بيد إِسْمَاعِيل بن يُوسُف بن أبي الْأَحْمَر فَبَقيَ حَتَّى مَاتَ فِي أول سنه ثَلَاث وَتِسْعين وَسبع مائَة وَولي بعد أبنه أَبُو الْحجَّاج يُوسُف بن إِسْمَاعِيل فَبَقيَ حَتَّى مَاتَ سنة أَربع وَتِسْعين وَسبع مائَة وَولي بعده أبنه أَبُو عبد الله مُحَمَّد فَبَقيَ إِلَى مَا بعد خلَافَة الماثق وعود المستعصم ثمَّ المتَوَكل
الْعَاشِر من خلفاء بني الْعَبَّاس بالديار المصرية المستعين بِاللَّه
وَهُوَ الإِمَام أَبُو الْفضل الْعَبَّاس بن الإِمَام المتَوَكل على الله أبي عبد الله مُحَمَّد الْمُقدم ذكره وَلم يل الْخلَافَة من اسْمه الْعَبَّاس غَيره وَهَذَا اللقب مَنْقُول إِلَيْهِ عَن المستعين بِاللَّه أبي الْعَبَّاس أَحْمد الثَّانِي عشر من خلفائهم بالعراق
(2/202)

وَمن صفته شَاب أَبيض اللَّوْن معتدل الْقَامَة أقنى الْأنف مستدير اللِّحْيَة بصهوبة بُويِعَ لَهُ بالخلافة بعد موت وَالِده المتَوَكل فِي السَّابِع والعسرين من رَجَب سنة ثَمَان وثمان مائَة وَقَامَ ببيعته السُّلْطَان الْملك النَّاصِر فرج وَبَقِي حَتَّى خلعه الْملك الْمُؤَيد شيخ فِي النّصْف من ذِي الْحجَّة سنة سبع عشرَة وثمان مائَة وحجره فِي القلعة
الْحَوَادِث والماجريات فِي خِلَافَته
فس سنه تسع وثمان وَمِائَة خَالف الْأَمِير جكم نَائِب حلب وَخرج عَن الطَّاعَة فَخرج السُّلْطَان النَّاصِر من الديار المصرية إِلَى الشَّام لمحاربته فِي ربيع الأول مِنْهَا ثمَّ عَاد إِلَى الديار المصرية فِي رَجَب مِنْهَا عَن غير طائل
وَفِي سنة عشر وثمان مائَة زَاد خَوفه من الْأَمِير شيخ نَائِب الشَّام فَخرج إِلَيْهِ فِي الْمحرم مِنْهَا وَمَعَهُ الْأَمِير يشبك العثماني فَلَمَّا صَار إِلَى دمشق قبض على الْأَمِير يشبك والأمير شيخ وأعتقلهما بِدِمَشْق ففرا من سجنهما وَعَاد السُّلْطَان إِلَى مصر فَأَتَاهُ الْخَبَر وَهُوَ على الْعَريش قَافِلًا فِي عَاشر ربيع الآخر بقتل الْأَمِير يشبك فِي حَرْب
(2/203)

وَجَرت بَين الأميرين شيخ ويشبك وَبَين نوروز الحافظي وَخرج الْأَمِير شيخ من الشَّام وأستولى نوروز عَلَيْهَا وأستمر السُّلْطَان فِي سيره قَاصِدا مصر حَتَّى طلع القلعة فِي الرَّابِع وَالْعِشْرين مِنْهُ ثمَّ غلب الْأَمِير شيخ على دمشق فَخرج وأستولى عَلَيْهَا ثمَّ خرج السُّلْطَان فِي الْمحرم سنة أثنتي عشرَة وثمان مائَة حَتَّى وصل إِلَى دمشق فَخرج مِنْهَا فَخرج مِنْهَا الْأَمِير شيخ ودخلها السُّلْطَان ثمَّ خرج مِنْهَا يُرِيد الْأَمِير شيخ فَتَبِعَهُ فاعتصم مِنْهُ بقلعة صرخد فحاصره بهَا مُدَّة شهر ثمَّ حصل الصُّلْح بَينهمَا على أَن السُّلْطَان ينْصَرف عَنهُ إِلَى دمشق ثمَّ رَجَعَ بعد ذَلِك إِلَى الديار المصرية وَعَاد الْأَمِير شيخ إِلَى دمشق ثمَّ خرج السُّلْطَان فِي ربيع الآخر سنة ثَلَاث عشر وثمان مائَة وَسَار إِلَى دمشق فَخرج مِنْهَا الْأَمِير شيخ ودخلها السُّلْطَان ثمَّ خرج مِنْهَا فِي طلب الْأَمِير شيخ فَتَبِعَهُ إِلَى الأبلتين ثمَّ كف عَن طلبه وَلحق الْأَمِير شيخ بقيصرية من بِلَاد الرّوم وَعَاد النَّاصِر إِلَى دمشق عَن غير طائل فَقدم الْأَمِير شيخ من قيصرية إِلَى صرخد وَسَار مِنْهَا إِلَى الديار المصرية وأستولى على القلعة
(2/204)

فَأَدْرَكته عَسَاكِر النَّاصِر ففارقها وَعَاد الى الشَّام وَالسُّلْطَان بِدِمَشْق فَخرج مِنْهَا يُرِيد الْأَمِير شيخ وَقد تحصن بقلعة الكرك فحصره السُّلْطَان بهَا مُدَّة ثمَّ رَحل عَنهُ بِغَيْر طائل على صُورَة صلح من غير حَقِيقَة وَعَاد إِلَى الديار المصرية وطلع القلعة فِي الْمحرم سنة أَربع عشرَة وثمان مائَة ثمَّ توجه فِي شَوَّال مِنْهَا إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة وَعَاد فِي ذى الْقعدَة مِنْهَا ثمَّ سَار فِي ثانى عشر ذى الْحجَّة مِنْهَا إِلَى الشَّام يُرِيد الْأَمِير شيخ ففر مِنْهُ فَتَبِعَهُ إِلَى بعلبك فَرجع الْأَمِير شيخ إِلَى اللجون وَهُوَ فِي أَثَره فَالْتَقَيَا هُنَاكَ فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ ثَالِث عشر الْمحرم سنة خمس عشرَة وثمان مائَة فَانْهَزَمَ السُّلْطَان إِلَى دمشق فحصره بهَا حَتَّى قبض عَلَيْهِ يَوْم السبت عَاشر صفر مِنْهَا وَقتل بقلعة دمشق فِي يَوْم السبت سَابِع عشر صفر الْمَذْكُور وَدفن بمقبرة بَاب الفراديس
وَاجْتمعَ رأى الْعَسْكَر على استبداد أَمِير الْمُؤمنِينَ المستعين بِالْأَمر دون سُلْطَان مَعَه وَأَن يكون الْأَمِير شيخ أتابك العساكر بالديار المصرية والأمير نوروز الحافظى نَائِب دمشق وَأقَام نوروز بِدِمَشْق وَعَاد المستعين
(2/205)

بِاللَّه هُوَ والأمير شيخ حَتَّى وصلا إِلَى الديار المصرية فِي ربيع الأول من السّنة الْمَذْكُورَة وطلع امير المومنين المستعين الى القلعه وَنزل بالقصور السلطانيه وَنزل الامير شيخ اتابك العساكر بالاسطبلات السلطانيه وَكَانَ الامير الاتابك هُوَ الْمُتَصَرف فِي امور المملكه بتفويض من امير المومنين المستعين بِمَا وَرَاء سَرِير خِلَافَته وامير المومنين المستعين هُوَ الَّذِي يكْتب على التقاليد والتواقيع والمراسيم والمكاتبات والمناشير وَغير ذَلِك والخطبه والسكه على الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم باسمه على انْفِرَاده ثمَّ عَن للامير شيخ ان يتقلد السلطنه فَكتب لَهُ بهَا عهد عَن امير المومنين المستعين وخطب لَهُ بعد الخليفه على عَادَة الْمُلُوك مَعَ الْخُلَفَاء وَنقش اسْمه على الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم بمفرده وَحجر الامام المستعين بالقلعه وَبلغ نوروز الحافظي ذَلِك فاظهر المخ الفة واستبد بِالشَّام وَخرج عَن الطَّاعَة
ولايات الامصار فِي خِلَافَته
كَانَت الديار المصريه بيد النَّاصِر فرج بن الظَّاهِر برقوق فبقى حَتَّى قبض عَلَيْهِ وَقتل فِي صفر سنة خمس عشرَة وثمان مائَة بِدِمَشْق على مَا تقدم واستبد امير الْمُؤمنِينَ
(2/206)

المستعين بِاللَّه بامور السلطنه بعده بِاتِّفَاق من اهل الدولة على مَا سبق وبقى حَتَّى قلد السلطنة الْملك الْمُؤَيد شيخ وعهد اليه بهَا وَكتب لَهُ بذلك عهد عَن الامام المستعين على عَادَة الْمُلُوك ذَلِك وَهُوَ السُّلْطَان الْقَائِم بمملكة الديار المصريه والمماليك الشامية الى اخر وَقت
وَكَانَت مَكَّة بيد حسن بن احْمَد بن عجلَان فَبَقيَ الى مَا بعد خلَافَة المستعين
وَكَانَت المدينه بيد جماز بن هبه فبقى الى اثناء سنة احدى عشرَة وثمان مائَة ثمَّ تولى مَكَانَهُ عجلَان بن نعير فِي سنة اثنتى عشرَة وثمان مائَة 151 فَأَقَامَ سنة وَاحِدَة ثمَّ ولى سُلَيْمَان بن هبة بن جماز فِي سنة ثَلَاث عشرَة وثمان مائَة فَبَقيَ إِلَى آخر سنة أرع عشرَة وثمان مائَة ثمَّ تولى مكانة غرير بن هيازع بن هبة
وَكَانَت الْيمن بيد النَّاصِر احْمَد بن الاشرف اسماعيل من بنى رَسُول
(2/207)

وبغداد وتوريز وقنغرلان وَهِي السُّلْطَانِيَّة وَمَا مَعَ ذَلِك من مملكة ايران بيد بني تمرلنك الى أَن غلب عَلَيْهَا قرا يُوسُف التركماني وملكها فِي سنة عشر وثمان مَائه اَوْ سنه احدى عشرَة واقر ابْنه احْمَد شَاة بِبَغْدَاد وبلادها وَابْنه بريداخ بتوريز والسلطانية واعمالها وَهُوَ اجلهما رُتْبَة
وَكَانَت خُرَاسَان وَمَا وَرَاء النَّهر وَفَارِس وكرمان وَمَا مَعَ ذَلِك مَعَ شاه رو بن تمرلنك ونوابه من اخوته وَغَيرهم منبثون فِي جَوَانِب الممالك
وَكَانَت تونس وَسَائِر بِلَاد افريقية وبجاية وقسنطينة من الغرب الْأَوْسَط بيد أَبى فَارس عزوز
وتلمسان والغرب الْأَوْسَط بيد أَبى زيان الثانى بن أَبى حمو نَحْو عشر سِنِين ثمَّ مَاتَ وَولى أَخُوهُ السعيد فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة المستعين
والغرب الْأَقْصَى بيد أَبى سعيد عُثْمَان بن أَبى الْعَبَّاس فبقى إِلَى مَا بعد خلَافَة المستعين
(2/208)

وَكَانَ الأندلس بيد مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل فبقى حَتَّى توفى فِي سنة اثنتى عشرَة وثمان مائَة وَملك بعده أَخُوهُ أَبُو الْحجَّاج يُوسُف بن أَبى عبد الله بن أَبى الْحجَّاج وَهُوَ على ذَلِك الى الْآن
الحادى عشر من خلفاء بنى الْعَبَّاس بالديار المصرية
المعتضد بِاللَّه
وَهُوَ الإِمَام الْأَعْظَم أَبُو الْفتُوح دَاوُد بن الإِمَام المتَوَكل على الله أَبى عبد الله مُحَمَّد الْمُقدم ذكره
من صفته شَاب رَقِيق السّمن حسن اللَّوْن معتدل الْقَامَة أشهل الْعَينَيْنِ أقنى الْأنف مستدير اللِّحْيَة عَظِيم الْهَيْئَة عالى الهمة وافر الْعقل جزيل الرأى كثير الصمت وقور الْمجْلس وافر الْجُود سمح الْكَفّ متين الدّين جميل السِّيرَة وَلم يل الْخلَافَة من اسْمه دَاوُد غَيره
(2/209)

بُويِعَ لَهُ بالخلافة بعد خلع أَخِيه المستعين فِي رَابِع الْمحرم سنة سبع عشرَة وثمان مائَة وَكتب لَهُ بذلك مبايعة بِخَط بعض كتاب الحكم مصدره بِخطْبَة من إنْشَاء عَلامَة الدَّهْر الشَّيْخ تقى الدّين بن حجَّة كَمَا سيأتى ذكره فِي الْكَلَام على البيعات
وَهُوَ أعز الله بِهِ جَانب الدّين قَائِم بِأَمْر الْخلَافَة ناهض بأعبائها إِلَى الْآن
(2/210)

الْحَوَادِث والماجريات فِي أَيَّامه
إِلَى حِين تألف هَذَا الْكتاب فِي مبادئ سنة تسع عشرَة وثمان مائَة
لما بُويِعَ بالخلافة بعد خلع أَخِيه الإِمَام المستعين بِاللَّه والأمير نوروز الحافظى يَوْمئِذٍ نَائِب السلطنة بِالشَّام المحروس امْتنع الْأَمِير نوروز عَن الانضمام إِلَى حوزة السُّلْطَان الْملك الْمُؤَيد وَأظْهر الْخلاف فَسَار إِلَيْهِ السُّلْطَان الْملك الْمُؤَيد بالعساكر فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ رَابِع الْمحرم سنة سبع عشرَة وثمان مائَة وصحبته الإِمَام الْأَعْظَم المعتضد بِاللَّه الْمُقدم ذكره حَتَّى وافى دمشق فاعتصم نوروز بقلعة دمشق بعد ان شحنها بالأزواد وَالْعدَد وَالسِّلَاح وَسَائِر آلَات الْحصار فحاصرها السُّلْطَان أَيَّامًا وضايقها وَنصب عَلَيْهَا المجانيق ومدافع النفط الْعِظَام وأحضر مدفعا عَظِيما من صفد فنصبه عَلَيْهَا وتواتر عَلَيْهَا الرمى حَتَّى هدم بعض أبراجها وَأحسن نوروز بالظهور عَلَيْهِ وَالظفر بِهِ فَفتح القلعة وَنزل مِنْهَا وَسلم نَفسه للسُّلْطَان فِي الْعشْرين من شهر ربيع الآخر من السّنة الْمَذْكُورَة فَلم يلبث بعد ذَلِك أَن قتل وجهزت رَأسه إِلَى الديار المصرية مَعَ غَيرهَا من رُؤُوس أَتْبَاعه فعلقت
(2/211)

بِبَاب القلعة ثمَّ بِبَاب زويلة ثمَّ حضر السُّلْطَان بعد ذَلِك الى الديار المصريه فِي عَامَّة وصحبته امير الْمُؤمنِينَ المعتضد وطلع القلعة فِي يَوْم الْخَمِيس غرَّة شهر رَمَضَان من السّنة المذكوره على اتم حَال واكمل نَصره وَكَانَ النّيل فِي سنة خمس عشرَة وثمان مائَة قد وفى فِي مسرى من شهور القبط وَنزل السُّلْطَان من القلعة فَكَسرهُ بنفسة ونظم عَلامَة الدَّهْر الشَّيْخ تقى الدّين بن حجَّة فِي ذَلِك ... ايا ملكا بِاللَّه اضحى مؤيدا
ومنتصبا فِي ملكه نصب تَمْيِيز
كسرت بمسرى نيل مصر وتنقضى
وحقك بعد الْكسر ايام نيروز ...
فَكَانَ كسر نوروز بعد ذَلِك فِي هذة السّنة فسبحان منطق الالسنة
وَلما فتحت القلعة وَقبض على نوروز واصحابه كتب الشَّيْخ 152 تقى الدّين الْمشَار اليه عَن السُّلْطَان
(2/212)

الْملك الْمُؤَيد وَهُوَ صُحْبَة الركاب الشريف مهنئا بِالْفَتْح وَالظفر بِهِ وباصحابة وَالْقَبْض عَلَيْهِم كتابا من الشَّام الى الديار المصرية بِفَتْح الشَّام فِي السَّابِع وَالْعِشْرين من صفر من هَذِه السنه مِنْهُ
وسكر نوروز لِكَثْرَة المخامره وعربد فاذقناة الْحَد الى ان صَار للرمح وَالسيف فِي جهال جموعه جزر وَمد
وَمِنْه وتبطن بعد ذَلِك بالقلعه الَّتِى هِيَ بِهِ غير محروسه وَقَالَ انه معتصم فِي برج قد شيده فتلاله لِسَان الْحَال اينما تَكُونُوا يدرككم الْمَوْت وَلَو كُنْتُم فِي {بروج مشيدة}
وَكتب كتابا اخر عَن السُّلْطَان مهنئا بِوُقُوع نوروز فِي القبضه الشريفه
مِنْهُ
وفسدت اغذيتهم بالقلعه فعجزوا عَن المعالجه بالبارد والحامي وثقلوا بعد ذَلِك على قَلبهَا فاستفرغتهم من افواه المرامى
(2/213)

وَكتب كتابا اخر مهنئا بحلول الركاب الشريف بالقلعة المحروسه مِنْهُ فِي الاشاره الى استنزال نوروز من قلعه دمشق
واهبط الله من ترفع بطارمتها وتمرد الى الهاويه واصلاه نَار الْجَحِيم {وَمَا أَدْرَاك مَا هيه نَار حامية} وَلَا يخفى ظُهُور الاهلة من مواطى خَيْلنَا وَقد بهرت بالافق الرُّومِي لمعاتها وبدور اخفاف المطى وَقد خيلت فِي غرر ذَلِك السراب هالاتها وشهب الاسنه وَقد زَادَت سموا كانها تحاول ثارا عِنْد بعض النُّجُوم والبلاد الروميه وَقد تَلا لِسَان الْحَال عِنْد الْغَلَبَة {الم غلبت الرّوم} قلت وَقد كتبت الى الْمقر الناصري بن الْبَارِزِيّ كَاتب السِّرّ الشريف كتابا بالتهنئه بِهَذَا الْفَتْح وَهُوَ بِالشَّام مِنْهُ
هَذَا وسلطانه الْمُؤَيد قد تدكدك بسطوته الاطواد الراسخه ونكس بقهرة نواصى القلاع الشامخة ودان لَهُ بِالطَّاعَةِ حَتَّى النَّبَات والجماد وَتَتَابَعَتْ فتكاته القامعة فاستأصلت شافة أهل الْفساد ودعا قلعة دمشق
(2/214)

فلبته ساجده وَصَاح بهَا مدفعه الغضبان فخرت قائلة {إِن كَانَت إِلَّا صَيْحَة وَاحِدَة} واستنزل الناكث من منيع حصنه فقلده الأغلال بعد أَن كَانَ يقلده المنن وحاق بالماكر مكرة السَّيئ فَمَا لبث بعد الاستنزال أَن
وَفِي سنة ثَمَان عشرَة وثمان مائَة خرج الْأَمِير قانى بيه نَائِب الشَّام عَن الطَّاعَة بعد نوروز الحافظى والتفت عَلَيْهِ لفيف من العساكر الشامية حَتَّى صَار لَهُم رم عَظِيم وشوكة منكية وَاسْتولى على دمشق وحلب فَلَمَّا انْتهى الْخَبَر إِلَى السُّلْطَان بَادر الْخُرُوج إِلَيْهِم فِي عدد قَلِيل من الْعَسْكَر وخف من الأثقال وَسَار من الديار المصرية وصحبته أَمِير الْمُؤمنِينَ المعتضد بِاللَّه أدام الله أَيَّامه فِي يَوْم الْجُمُعَة الثَّالِث وَالْعِشْرين من شهر رَجَب سنة ثَمَان عشرَة وثمان مائَة بعد أَن قدم إِلَيْهِم طَلِيعَة عسكره وقبضوا على بعض أمرائها فعاجلهم السُّلْطَان بِنَفسِهِ فِي قَلِيل مِمَّن سبق مَعَه من عسكره فأوقع بهم على سرمين من أَعمال حلب فِي رَابِع عشر شعْبَان من السّنة الْمَذْكُورَة وكسرهم كسرة شنيعة لم
(2/215)

يسمع بِمِثْلِهَا وَقبض على جمَاعَة من أعيانهم وَدخل بهم مَدِينَة حلب وفر قانى بيه فِي طَائِفَة قَليلَة فَلم يلبث أَن قبض عَلَيْهِ وأتى بِهِ إِلَى السُّلْطَان فَقتل هُوَ وَغَيره مِمَّن وَقع فِي القبضة الشريفه وَوجه برؤوسهم إِلَى الديار المصرية فَحملت على الرماح وَمر بهَا دَاخل الْقَاهِرَة وأتى بهَا إِلَى بَاب القلعة فعلقت ثمَّ إِلَى بَاب زويلة فعلقت عَلَيْهِ وَأقَام السُّلْطَان وَمن مَعَه بحلب ثمَّ بحماة إِلَى أَوَاخِر الشتَاء ثمَّ أَتَى الديار المصرية وصحبته أَمِير الْمُؤمنِينَ المعتضد بِاللَّه فِي السَّادِس عشر ذِي الْحجَّة من هَذِه السّنة على أكمل النَّصْر وَأتم التأييد
قلت وكتبت إِلَى الْمقر الناصري كَاتب السرالشريف الْمُقدم ذكره كتابا بالتهنئة بِهَذَا الْفَتْح مِنْهُ
وَيُنْهِي وُرُود خبر الْفَتْح الَّذِي جلّ موقعه ففاتت عجائبه الْحصْر وآذنت بالظفر مُقَدمَات نتائجه فكنى خَلِيفَته أَبَا الْفَتْح وسلطانه أَبَا النَّصْر
وَمِنْه
وَقبض على النَّاكِثِينَ فانبسطت لقبضهم النُّفُوس وأريقت دِمَاء المارقين فأديرت على سِبَاع الْبر من طلا
(2/216)

دِمَائِهِمْ الكؤوس
وَمِنْه
وامتطى خَبره السار صهوة الشَّهْبَاء من حلب استبطاء لسير الرَّوَاحِل وسرى سروره وصبح الديار المصرية وَإِن كَانَ غَيره يسري فَيُصْبِح دونهَا بمراحل
وَمِنْه
وحملت رُؤُوس رؤوسهم على الرماح فَكَانَت لَهَا عمائم وَخيف على بَاب زويلة المجاور الْمدرسَة الْعين فعلق عَلَيْهِ مِنْهَا تمائم
وَفِي هَذِه السنه توقف النّيل فِي أَوَائِل زِيَادَته ثمَّ زَاد بعد ذَلِك فأفعم وانْتهى فِي زِيَادَته إِلَى تَمام عشْرين ذِرَاعا وغمر الروابي وملأ الوهاد وَزرع النَّاس فَأَكْثرُوا حَتَّى أَتَوا على مَا علاهُ النّيل مِمَّا يصلح للزِّرَاعَة وَنبت الزَّرْع أحسن نَبَات وأطمأنت بذلك قُلُوبهم وَطَابَتْ بِهِ نُفُوسهم وَجرى الْحَال على ذَلِك إِلَى أَوَاخِر رَمَضَان وَكَانَ الزَّرْع فِي السّنة الخالية بِالْوَجْهِ البحري وأراضي الجيزية وَمَا والاها قَلِيل المتحصل وَذهب أَكثر مَا عِنْد النَّاس من الْحُبُوب بعد الاقتيات فِي زراعة هَذِه السّنة فنفدت الغلال من
(2/217)

الْقَاهِرَة ومصر وبلاد الجيزية وَالْوَجْه البحري وَعز الْقُوت وَعدم الْقَمْح وَالشعِير والفول وَالْخبْز من الْقَاهِرَة ومصر حَتَّى لم يكد يُوجد وَبلغ سعر الْقَمْح فِي الظَّاهِر نَحْو سِتّمائَة دِرْهَم كل اردب وَرُبمَا زَاد على ذَلِك الا أَنه قد حف النَّاس فِي ذَلِك لطف لم يُوجد فِي غَيره من الغلوات من حَيْثُ طمأنينة قُلُوب النَّاس بِمَا يترجونه من نجابة الزَّرْع وَقرب ادراكه وَاكْتفى ضعفاء النَّاس بالباقلاء الْأَخْضَر وَطَعَام الْأرز وَغَيره من سَائِر مَا يطْبخ وَالله يرْزق من يَشَاء بِغَيْر حِسَاب
ولايات الْأَمْصَار فِي خِلَافَته
الديار المصرية والبلاد الشامية يَوْمئِذٍ بيد السُّلْطَان الْملك الْمُؤَيد شيخ بِعَهْد من أَمِير الْمُؤمنِينَ المعتضد بِاللَّه أبي الْفَتْح دَاوُد خَليفَة الْعَصْر
وَمَكَّة بيد حسن بن أَحْمد بن عجلَان وَقد كتب لرميثة بن مُحَمَّد بن عجلَان بهَا عَن السُّلْطَان وَهُوَ وَحسن ابْن أَحْمد بن عجلَان يتنازعانها
وَالْمَدينَة بيد غرير بن هيازع
(2/218)

واليمن بيد النَّاصِر أَحْمد بن الْأَشْرَف اسماعيل من بني رَسُول
وبغداد وتوريز وقنغرلان وَهِي السُّلْطَانِيَّة بيد قرا يُوسُف التركماني وَقد أقرّ بِبَغْدَاد وأعمالها ابْنه أَحْمد شاه وتوريز والسلطانية وأعمالها ابْنه بربداخ وهما باقيان الى الْآن
وخراسان وَمَا وَرَاء النَّهر وَسَائِر بِلَاد الشرق الى مَا يتاخم بِلَاد توريز وَمَا مَعهَا بيد شاه روخان بن تمرلنك وَيُقَال انه على جَانب عَظِيم من الْعدْل ومحبة أهل الْعلم وتقريبهم
وتونس وَسَائِر بِلَاد افريقية وبجاية وقسنطينة من الغرب الْأَوْسَط بيد أبي فَارس عزوز بن السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس من الْمُوَحِّدين وَهُوَ على جَانب من الشجَاعَة وَقُوَّة الْبَأْس وَقد دوخ الْبِلَاد وأقامها على سنَن وكف الْأَيْدِي المتعدية مَعَ عدل وتواضع وَحسن سيرة
وتلمسان وَمَا مَعهَا من الغرب الْأَوْسَط بيد السعيد بن أبي حمو من بني عبد الواد فبقى حَتَّى غَلبه عَلَيْهَا أَخُوهُ عبد
(2/219)

الْوَاحِد بن أبي حمو وَأخرجه من الْبَلَد بغدر من أَهلهَا وفر السعيد الى افريقية فَمَاتَ ببونة الْمَعْرُوفَة بِبَلَد الْعنَّاب وبقى عبد الْوَاحِد فِيهَا الى الْآن
والغرب الْأَقْصَى بيد أبي سعيد عُثْمَان بن أبي الْعَبَّاس المريني
وغرناطة وَمَا مَعهَا من الأندلس بيد أبي الْحجَّاج يُوسُف ابْن أبي عبد الله بن أبي الْحجَّاج من بني الْأَحْمَر
(2/220)

الْفَصْل الثَّانِي
من الْبَاب الثَّانِي فِي مقرات الْخُلَفَاء وَمَا انطوت عَلَيْهِ الْخلَافَة من الممالك وَبَيَان تَرْتِيب الْخلَافَة وشعارها وَكَيْفِيَّة تَقْلِيد الْخَلِيفَة الْمُلُوك السلطنة
أما مقرات الْخُلَفَاء فَهِيَ أَربع مقرات
المقرة الأولى
الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة على ساكنها أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام
كَانَت مقرة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين الى حِين انْتقل عَليّ رَضِي الله عَنهُ الى الْعرَاق وَذَلِكَ أَن مبدأ النُّبُوَّة كَانَ بِمَكَّة ثمَّ هَاجر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الى الْمَدِينَة وَأقَام بهَا حَتَّى توفّي فِي الثَّانِي عشر من ربيع الأول سنة احدى عشرَة من الْهِجْرَة ثمَّ كَانَ بعده بهَا فِي الْخلَافَة أَبُو بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ ثمَّ عمر ثمَّ عُثْمَان
(2/221)

ثمَّ عَليّ فِي أول أمره ثمَّ انْتقل بعد ذَلِك الى الْعرَاق لقِتَال مُعَاوِيَة ثمَّ خَلفه ابْنه الْحسن فِيهِ الى حِين تَسْلِيم الْأَمر لمعاوية
المقرة الثَّانِيَة
الشَّام
وَهِي دَار خلفاء بني أُميَّة الى حِين انقراضهم وَذَلِكَ أَن مُعَاوِيَة كَانَ أَمِيرا على الشَّام قبل الْخلَافَة ثمَّ اسْتَقل بِالْأَمر حِين سلم اليه الْحسن فبقى فِي الشَّام هُوَ وَمن بعده الى حِين انْقِرَاض خلافتهم بقتل مَرْوَان بن مُحَمَّد على مَا تقدم ذكره وَكَانَت دَار اقامتهم دمشق وان نزلُوا غَيرهَا فلغير اقامة
المقرة الثَّالِثَة
الْعرَاق
وَهُوَ دَار خلَافَة أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب حِين انْتِقَاله اليه ثمَّ ابْنه الْحسن الى حِين تَسْلِيمه لمعاوية ثمَّ كَانَت دَار خلَافَة بني الْعَبَّاس الى حِين انْقِرَاض الْخلَافَة
(2/222)

من الْعرَاق بقتل المستعصم وَكَانَ بَدْء مبايعة السفاح أول خلفائهم بِالْكُوفَةِ على مَا تقدم ثمَّ بنى بعد ذَلِك بالأنبار مَدِينَة وسماها الهاشمية ونزلها فَلَمَّا ولى أَخُوهُ أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور الْخلَافَة بعده بنى بَغْدَاد وسكنها وَصَارَت منزلا لخلفاء بنى الْعَبَّاس بعده إِلَى حِين قتل المستعصم
المقرة الرَّابِعَة
الديار المصرية
وَهِي الْآن دَار الْخلَافَة وَقد تقدم أَن أول من بُويِعَ بهَا مِنْهُم الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن الظَّاهِر بِاللَّه بن النَّاصِر لدين الله وَقد تقدم أَنه توجه إِلَى بَغْدَاد لقِتَال التتر فَقتل ثمَّ الْحَاكِم بِأَمْر الله ابو الْعَبَّاس أَحْمد بن الْحُسَيْن جد الْخُلَفَاء بهَا الْآن وَقد تقدم أَن الْأَشْرَاف خَلِيل بن الْمَنْصُور قلاوون أسْكنهُ الْكَبْش بِخَط الْجَامِع الطولونى ثمَّ صَارَت مساكنهم على الْقرب من المشهد النفيسى وهم على ذَلِك إِلَى الْآن
وَأما مَا انطوت عَلَيْهِ الْخلَافَة من الممالك فَإِن حكمهَا
(2/223)

امْتَدَّ فِيمَا بَين الْمَشَارِق والمغارب فَكَانَ يجرى تَحت إمرتهم من أقاليم الشرق عراق الْعَرَب وعراق الْعَجم وأذربيجان وأرمينية والأهواز وكرمان وسجستان وَفَارِس والسند والهند وَمَا وَرَاء النَّهر وخراسان وطبرستان وَغير ذَلِك وَمن بِلَاد الْمغرب إفريقية والغرب الْأَوْسَط والغرب الْأَقْصَى والأندلس فِي بعض الْأَزْمِنَة وَمن أوساط الأقاليم الديار المصرية والبلاد الشامية والثغور والعواصم وبلاد الرّوم وَمَا فِي معنى ذَلِك وَكَانَت الْأَمْوَال تحمل من جَمِيع الأقاليم بعد تكفية الجيوش إِلَى بَيت المَال على بعد الْمسَافَة حَتَّى يُقَال إِن الرشيد كَانَ يستلقى على قَفاهُ وَينظر إِلَى السحابة فَيَقُول إذهبى إِلَى حَيْثُ شِئْت يأتنى خراجك وبقى الْأَمر على ذَلِك حَتَّى تغلب المتغلبون على الممالك واستولوا عَلَيْهَا وَصَارَ الْأَمر على مَا صَار إِلَيْهِ الْآن وَالله غَالب على أمره
وَأما تَرْتِيب الْخلَافَة
فَاعْلَم أَنَّهَا لم تزل لابتداء الْأَمر جَارِيَة على مَا ألف من سيرة النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من خشونة الْعَيْش والقرب من النَّاس وأطراح الْخُيَلَاء وأحوال الْمُلُوك مَعَ مَا فتح الله تَعَالَى
(2/224)

على خلفاء السّلف من الإقاليم وجبى إِلَيْهِم من الْأَمْوَال الَّتِى لم يفز عُظَمَاء الْمُلُوك بِجُزْء من أَجْزَائِهَا وناهيك انهم فتحُوا عدَّة من الممالك الْعَظِيمَة الَّتِى كَانَت يضْرب بهَا الْمثل فِي عَظِيم قدرهَا وارتفاع شَأْن مُلُوكهَا من ممالك الشرق والغرب حَتَّى ذكر عُظَمَاء الْمُلُوك عِنْد بعض السّلف فَقَالَ إِنَّمَا الْملك الذى يَأْكُل الشّعير ويعس على رجلَيْهِ بِاللَّيْلِ مَاشِيا وَقد فتحت لَهُ مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا يُرِيد عمر بن الْخطاب رضى الله عَنهُ وَقد حكى أَنه رضى الله عَنهُ حِين أَتَى لفتح بَيت الْمُقَدّس كَانَ يخرج من مخلاة فرسه كسرا يابسة من خبز فيمسحها من التُّرَاب ويأكلها فَلَمَّا رَآهُ عُظَمَاء بَيت الْمُقَدّس قَالُوا لَا طَاقَة لنا بِهَذَا
وَلم يزل الْأَمر على ذَلِك إِلَى أَن سلم الْحسن رضى الله عَنهُ الْأَمر لمعاوية بن ابى سُفْيَان فَأخذ فِي إِظْهَار أبهة الْخلَافَة وترتيب أمورها على نظام الْملك لما فِي ذَلِك من إرهاب الْعَدو وإخافته وتزايد الْأَمر فِي ذَلِك حَتَّى اضمحل فِي جَانب الْخلَافَة سَائِر الممالك الْعَظِيمَة وانطوى فِي ضمنهَا ممالك الْمَشَارِق والمغارب وفاقت بأبهتها الأكاسرة والقياصرة
(2/225)

وهابتها مُلُوك الأَرْض قاطبة لاسيما فِي أَوَائِل الدولة العباسية حَتَّى يحْكى أَن صَاحب عموريه من مُلُوك الرّوم كَانَت عِنْده شريفة من ولد فَاطِمَة رَضِي الله عَنْهَا مأسورة فِي خلَافَة المعتصم بن الرشيد فعذبها فصاحت الشَّرِيفَة وامعتصماه فَقَالَ لَهَا الْملك لَا يَأْتِي لخلاصك إِلَى على أبلق فَبلغ ذَلِك المعتصم فَنَادَى فِي عسكره بركوب الْخَيل البلق وَخرج وَفِي مُقَدّمَة عسكره أَرْبَعَة آلَاف أبلق وأتى عمورية وَفتحهَا وخلص الشَّرِيفَة وَقَالَ أشهدي لي عِنْد جدك أَنِّي أتيت لخلاصك وَفِي مُقَدّمَة عسكري أَرْبَعَة آلَاف أبلق على مَا تقدم ذكره إِلَى غير ذَلِك من الْقُوَّة وَالْعَظَمَة الَّتِي كَانَت الْخلَافَة فِيهَا
وَقد حكى أبن الْأَثِير فِي تَارِيخه أَنه لما وصلت رسل ملك الرّوم إِلَى بَغْدَاد فِي سنة خمس وَثَلَاث مائَة فِي خلَافَة المقتدر رتب من الْعَسْكَر فِي دَار الْخلَافَة مائَة وَسِتُّونَ ألفا مَا بَين رَاكب وراجل ووقف بَين يَدي الْخَلِيفَة سبع مائَة حَاجِب وَسَبْعَة آلَاف خَادِم خصى وَأَرْبَعَة آلَاف بيض وَثَلَاثَة آلَاف سود ووقف الغلمان الحجرية
(2/226)

الَّذين هم بِمَثَابَة مماليك الطباق الْآن بأتم الزينه والمناطق المحلاه وزينت دَار الْخلَافَة بأنواع الأسلحة وغرائب الزينه وغشيت جدرانها بالستور وفرشت أرْضهَا بالبسط وَكَانَ عدَّة الْبسط أثنين وَعشْرين ألف بِسَاط وعدة الستور الْمُعَلقَة ثَمَانِيَة وَثَلَاثِينَ ألف ستر مِنْهَا أثني عشر الف ستر من الديباج الْمَذْهَب وَكَانَ من جملَة الزينه شَجَرَة من الذَّهَب الْفضة بأغصانها وأوراقها وطيور الذَّهَب وَالْفِضَّة على أَغْصَانهَا وَأَغْصَانهَا تتمايل بحركات مصنوعه والطيور تصفر بحركات مرتبَة وألقيت المراكب والدبادب فِي دجلة بِأَحْسَن زِينَة وَكَانَ هُنَاكَ مائَة سبع مَعَ مائَة سِبَاع إِلَى غير ذَلِك من الْأَحْوَال الملوكية الَّتِي يطول شرحها قَالَ الْقُضَاعِي فِي عُيُون المعارف وَلم يزل أَمر الْخلَافَة متماسكا إِلَى حِين أستخلف المتقي لله فتفرد بتدبير الْأُمُور غير الْخُلَفَاء وتغلبت على مَا نأى من الْبلدَانِ الْأَقْوَى فالأقوى وأقتصر على الدُّعَاء لَهُم على المنابر وَفِي أَيَّام المستكفي بِاللَّه أستولى
(2/227)

بَنو بويه على بَغْدَاد وأستبد معز الدولة بن بويه بِالْأَمر وَنقش أُسَمِّهِ على الدناير وَالدَّرَاهِم مَعَ أسم الْخَلِيفَة وشاركه فِي الدُّعَاء على المنابر وَتصرف فِي أُمُور الدولة تصرف الْمُلُوك ورتب للخليفة كل يَوْم خَمْسَة آلَاف دِرْهَم لنفقاته لَا يصل إِلَيْهِ غَيرهَا بعد أَن كَانَ يحمل إِلَى خزانته أَمْوَال الْمشرق وَالْمغْرب هَذَا مَا تقهقر الْخلَافَة وأنحطاط رتبتها يَوْمئِذٍ
وَقد كَانَ للخلافة رسوم جاريه على تَرْتِيب خَاص بعضعها مضاه لتريب الْملك الْآن وَبَعضهَا خَارج عَنهُ مِنْهَا
الْجُلُوس على سَرِير الْخلَافَة فِي المواكب وَقد ذكر بعض المؤرخين أَن أصل ذَلِك أَن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان لما بدن أَسْتَأْذن أَصْحَابه فِي أتخاذ شَيْء يجلس عَلَيْهِ للأستراحه فأذنوا لَهُ فِي ذَلِك ثمَّ زادوا فِي أرتفاعه حَتَّى صَار السرير الَّذِي يجلس عَلَيْهِ الْخَلِيفَة فِي المواكب نَحْو سبعه أَذْرع فِيمَا حَكَاهُ أبن الْأَثِير وَغَيره عِنْد ذكر سلطنة طغريل السلجوقي على مَا سَيَأْتِي ذكره وَكَانَ يفرش للخليفة
(2/228)

على سَرِير الْخلَافَة فرش مُرْتَفعَة وَهِي الَّتِي يعبر عَنْهَا بسدة الْخلَافَة
وَمِنْهَا الصَّلَاة فِي الْمَقْصُورَة فِي الْجَامِع فِي الْجُمُعَة وَالْعِيدَيْنِ وَقد ذكر المؤرخون أَن أول من اتخذ الْمَقْصُورَة فِي الْجَامِع مُعَاوِيَة على مَا تقدم ذكره فِي تَرْجَمته ثمَّ اخْتلف فَقيل إِنَّه اتخذها حِين طعنه الْخَارِجِي وَقيل بل رأى كَلْبا على منبره فاتخذها وَقيل أول من اتخذها مَرْوَان بن الحكم اتخذها من حِجَارَة منقوشة فِيهَا كوى مفتحة وَقيل أول من اتخذها عُثْمَان بن عغان رَضِي الله عَنهُ خوفًا أَن يُصِيبهُ مَا أصَاب أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر رَضِي الله عَنهُ على مَا سَيَأْتِي ذكره فِي الْبَاب السَّابِع إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَمِنْهَا ضرب الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم وَنقش اسْم الْخَلِيفَة وَقد ذكر الْمَاوَرْدِيّ فِي الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة أَن أول من ضرب الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم فِي الْإِسْلَام عبد الْملك بن مَرْوَان فِي سنة خمس وَسبعين من الْهِجْرَة وَقيل سنة ارْبَعْ وَسبعين وَكتب عَلَيْهَا الله أحد الله الصَّمد وَكَانَ الْمُتَوَلِي لأمر
(2/229)

ذَلِك الْحجَّاج بن يُوسُف ثمَّ ضربهَا فِي سَائِر النواحي فِي سنة سِتّ وَسبعين ثمَّ ولى ابْن هُبَيْرَة الْعرَاق فِي ايام يزِيد بن عبد الْملك فجود السِّكَّة ثمَّ بَالغ خَالِد القسرى فِي تجويدها ثمَّ يُوسُف بن عمر بعده وَقيل إِن اول من ضربهَا مُصعب بن الزبير بِأَمْر اخيه عبد الله بن الزبير حِين استولى على الْحجاز وَكتب على أحد الْوَجْهَيْنِ بركَة وعَلى الْوَجْه الآخر اسْم الله تَعَالَى ثمَّ غَيرهَا الْحجَّاج وَكتب عَلَيْهَا باسم الله وَكتب بعده الْحجَّاج ثمَّ اضيفت اسماء الْمُلُوك فِي السِّكَّة الى اسماء الْخُلَفَاء ثمَّ ابطلت اسماء الْخُلَفَاء من السِّكَّة جملَة وَاقْتصر على اسماء الْمُلُوك
وَمِنْهَا نقش اسْم الْخَلِيفَة على مَا ينسج من الْكسْوَة والطرز من الْحَرِير وَالذَّهَب بلون مُخَالف للون الأَصْل ليمتاز بذلك مَا يخْتَص بالخلافة عَن غَيره وَهُوَ رسم قديم للخلفاء فِي الدولتين الأموية والعباسية ثمَّ ابدل ذَلِك باسم الْمُلُوك عِنْد تغلبهم على الْخُلَفَاء كَمَا تقدم فِي أَمر الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم
وَمِنْهَا خطابة الْخَلِيفَة بِنَفسِهِ فِي مَكَان إِقَامَته وخطابة
(2/230)

الْأُمَرَاء بِالْأَعْمَالِ الَّتِي يلونها عَن الْخُلَفَاء وَهُوَ رسم قديم من صدر الْإِسْلَام الى حِين تقهقر أَمر الْخلَافَة فأهمل الْخُلَفَاء الخطابة بِأَنْفسِهِم وفوضوها الى الخطباء وَقد ذكر ابْن الْأَثِير وَغَيره أَن آخر خَليفَة خطب بِنَفسِهِ على مِنْبَر بِكَثْرَة الراضي وَإِن كَانَ غَيره رُبمَا خطب نَادرا
وَمِنْهَا الدُّعَاء للخليفة على المنابر وَهُوَ رسم قديم للخلفاء وَرَأَيْت فِي بعض التواريخ أَن أول خَليفَة دعى لَهُ على مِنْبَر أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن ابي طَالب رَضِي الله عَنهُ دَعَا لَهُ عبد الله بن عَبَّاس بِالْبَصْرَةِ فَقَالَ اللَّهُمَّ انصر على الْحق فَتَبِعَهُ النَّاس بعد ذَلِك فِي الدُّعَاء للخلفاء على المنابر فِي سَائِر الاعمال قَالَ ابو هِلَال العسكري فِي كِتَابَة الْأَوَائِل وَأول من دعى لَهُ بنعته على الْمِنْبَر مُحَمَّد الْأمين بن الرشيد فَقيل وَأصْلح عَبدك وخليفتك عبد الله مُحَمَّدًا الْأمين وَلم يذكر قبله نعت أحد من الْخُلَفَاء على مِنْبَر وَكَانَت الْخُلَفَاء يفردون بِالدُّعَاءِ على المنابر الى أَن غلبت الْمُلُوك على الْخُلَفَاء فأشركوا مَعَهم فِي الدُّعَاء قَالَ
(2/231)

مُحَمَّد بن عبد الله الهمذاني فِي ذيله على تَارِيخ الطبرى وَأول من أشرك فِي الدُّعَاء لَهُ على المنابر مَعَ الْخَلِيفَة عضد الدولة ابْن بويه فِي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وثلاثمائة فِي خلَافَة الطائع ثمَّ جرى الْمُلُوك بعده على ذَلِك
وَمِنْهَا انْفِرَاد الْخُلَفَاء بِالْكِتَابَةِ على ولايات الْوَظَائِف كالوزارة وَالْقَضَاء وَسَائِر الولايات وَلم يزل ذَلِك مُخْتَصًّا بهم الى حِين انْقِرَاض الْخلَافَة من بَغْدَاد إِلَّا مَا يوليه الوزراء وَمن فِي معناهم من صغَار الولايات المفوضة اليهم ثمَّ نقل ذَلِك الى الْمُلُوك بِحكم تَفْوِيض الْخُلَفَاء الْأُمُور الْعَامَّة إِلَيْهِم خلا ولايات الْمُلُوك فَإِنَّهَا مِمَّا يخْتَص بِهِ الْخُلَفَاء الى الْآن
وَأما شعار الْخلَافَة
فَمِنْهَا الْخَاتم وَالْأَصْل فِيهِ مَا ثَبت فِي الصَّحِيح أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قيل لَهُ إِن الْمُلُوك لَا يقرأون كتابا غير مختوم فَاتخذ خَاتمًا من ورق وَجعل نقشه مُحَمَّد رَسُول الله فَلَمَّا توفّي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
(2/232)

لبسه أَبُو بكر بعده ثمَّ لبسه عمر بعد أبي بكر ثمَّ لبسه عُثْمَان بعد عمر فَوَقع مِنْهُ فِي بِئْر أريس فَلم يقدر عَلَيْهِ
وَاتخذ الْخُلَفَاء بعد ذَلِك خَوَاتِيم لخاتم كل خَليفَة نقش يَخُصُّهُ وبقى الْأَمر على ذَلِك الى حِين انْقِرَاض الْخلَافَة من بَغْدَاد الا أَن المؤرخين أهملوا ذكر خَوَاتِم الْخلَافَة فِي أَوَاخِر الدولة العباسية بالعراق
وَمِنْهَا الْبردَة وَهِي بردة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّتِي كَانَ الْخَلِيفَة يلبسهَا فِي المواكب قَالَ أَبُو السعادات بن الْأَثِير فِي نهايته فِي غَرِيب الحَدِيث وَهِي شملة مخططة وَقيل كسَاء أسود
وَقد اخْتلف فِي وصولها الى الْخُلَفَاء فَحكى الْمَاوَرْدِيّ فِي الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة عَن أبان بن تغلب أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ وَهبهَا لكعب بن زُهَيْر واشتراها مِنْهُ مُعَاوِيَة وتناقلها الْخُلَفَاء بعده
وَالَّذِي ذكره غَيره أَن كَعْبًا لم يسمح بِبَيْعِهَا لمعاوية وَقَالَ
(2/233)

لم أكن أوثر بِثَوْب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أحدا فَلَمَّا مَاتَ كَعْب اشْتَرَاهَا مُعَاوِيَة من ورثته بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم
وَحكى الْمَاوَرْدِيّ أَيْضا عَن ضَمرَة بن ربيعَة أَن هَذِه الْبردَة كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَعْطَاهَا أهل أَيْلَة أَمَانًا لَهُم فَأَخذهَا مِنْهُم عبد الله ابْن خَالِد بن أبي أوفي وَهُوَ عَامل عَلَيْهِم من قبل مَرْوَان ابْن مُحَمَّد آخر خلفاء بني أُميَّة وَبعث بهَا الى مَرْوَان فَكَانَت فِي خزانته حَتَّى أخذت بعد قَتله وَقيل اشْتَرَاهَا أَبُو الْعَبَّاس السفاح أول خلفاء بني الْعَبَّاس بثلاثمائة دِينَار
وَمِنْهَا الْقَضِيب وَهُوَ عَمُود كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَأْخُذهُ بِيَدِهِ قَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَهُوَ من تَرِكَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّتِي هِيَ صَدَقَة
(2/234)

قلت وَكَانَ الْقَضِيب والبردة جَمِيعًا عِنْد خلفاء بني الْعَبَّاس بِبَغْدَاد الى أَن انتزعهما السُّلْطَان سنجر السلجوقي من المسترشد بِاللَّه ثمَّ أعيدا الى المقتفى عِنْد ولَايَته فِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَخمْس مائَة وَالَّذِي يظْهر أَنَّهُمَا بقيا عِنْدهم الى انْقِرَاض الْخلَافَة من بَغْدَاد فِي سنة سِتّ وَخمسين وسِتمِائَة فَإِن مِقْدَار مَا بَينهمَا مائَة واحدى وَعِشْرُونَ سنة وَهِي مُدَّة قريبَة لَا تمنع تفاوتهما اليها
وَمِنْهَا ثِيَاب الْخلَافَة وَقد ذكر السُّلْطَان عماد الدّين صَاحب حماة فِي تَارِيخه عِنْد الْكَلَام على تَرْجَمَة الْملك السعيد اسماعيل أحد مُلُوك بني أَيُّوب بِالْيمن أَنه كَانَ بِهِ هوج فَادّعى أَنه من بني أُميَّة وَلبس ثِيَاب الْخلَافَة ثمَّ قَالَ وَكَانَ طول الْكمّ يَوْمئِذٍ عشْرين شبْرًا فَيحْتَمل أَنه أَرَادَ زمن بني أُميَّة وَأَنه أَرَادَ زمن بني أَيُّوب
وَمِنْهَا لون الْأَعْلَام وَالْخلْع وَنَحْوهَا
فبنو أُميَّة يُقَال إِنَّه كَانَ شعارهم الخضرة وَقد حكى صَاحب حماة عَن الْملك السعيد صَاحب الْيمن الْمُقدم ذكره أَنه حِين ادّعى الْخلَافَة وَأَنه من بني أُميَّة لبس الخضرة وَهَذَا
(2/235)

صَرِيح فِي أَن شعارهم الخضرة
وَأما بَنو الْعَبَّاس فشعارهم السوَاد وَقد اخْتلف فِي اختيارهم السوَاد فَذكر القَاضِي الْمَاوَرْدِيّ فِي كِتَابه الْحَاوِي الْكَبِير فِي الْفِقْه أَن السَّبَب فِي ذَلِك أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عقد لِعَمِّهِ الْعَبَّاس رَضِي الله عَنهُ فِي يَوْم حنين وَيَوْم الْفَتْح راية سَوْدَاء
وَذكر أَبُو هِلَال العسكري فِي كِتَابه الْأَوَائِل أَن السَّبَب فِي ذَلِك أَن مَرْوَان بن مُحَمَّد آخر خلفاء بني أُميَّة حِين أَرَادَ قتل ابراهيم بن مُحَمَّد العباسي الْمَعْرُوف بِالْإِمَامِ أول القائمين من بني الْعَبَّاس لطلب الْخلَافَة قَالَ لشيعته لَا يهولنكم قَتْلَى فَإِذا تمكنتم من أَمركُم فاستخلفوا عَلَيْكُم أَبَا الْعَبَّاس يعْنى السفاح فَلَمَّا قَتله مَرْوَان لبس شيعته عَلَيْهِ السوَاد فلزمهم ذَلِك وَصَارَ شعارا لَهُم
وَمن غَرِيب مَا وَقع مِمَّا يتَعَلَّق بذلك مَا حَكَاهُ ابْن سعيد فِي كِتَابه الْمغرب أَن الظافر أحد خلفاء الفاطميين بالديار المصرية لما قَتله وزيره عَبَّاس بعث نسَاء الْخَلِيفَة شعورهن طى الْكتب إِلَى الصَّالح طلائع بن رزيك وَهُوَ يَوْمئِذٍ
(2/236)

وَإِلَى منية بنى خصيب من صَعِيد مصر فَحَضَرَ إِلَيْهِم الصَّالح وَقد رفع تِلْكَ الشُّعُور على الرماح وَأقَام الرَّايَات السود إِظْهَارًا للحزن على الظافر وَدخل الْقَاهِرَة وَهُوَ على ذَلِك فَكَانَ ذَلِك من الفأل العجيب وَهُوَ ان مصر انْتَقَلت إِلَى بنى الْعَبَّاس وأقيمت فِيهَا الْأَعْلَام السود بعد خمس عشرَة سنة
وَأما كَيْفيَّة تَوْلِيَة الْمُلُوك الْخُلَفَاء وترتيبهم فِي ذَلِك فَلهُ حالتان
الْحَالة الأولى مَا كَانَ الْأَمر عَلَيْهِ فِي الزَّمن الأول والخلافة بالعراق وَالْحَال فِيهِ مُخْتَلف فَتَارَة تكون السلطنة الَّتِى تولى بِحَضْرَة الْخلَافَة كسلطنة بنى بوية وَآل سلجوق وَغَيرهم وَتارَة تكون بِبَعْض الْأَطْرَاف كالديار المصرية حِينَئِذٍ وَنَحْوهَا فَإِن كَانَت السلطنة بِحَضْرَة الْخلَافَة فقد جرت عَادَتهم فِي ذَلِك أَن يجلس الْخَلِيفَة بمجلسه الْعَام على كرسى عَال ويحضر السُّلْطَان الذى تولى فيجلس على كرسى لطيف أَمَام
(2/237)

كرسى الْخَلِيفَة ويحضر أَعْيَان المملكة ورؤساؤها ويخاطب الْخَلِيفَة السُّلْطَان بِالْولَايَةِ على لِسَان الْوَزير ثمَّ يخلع على السُّلْطَان خلعة الْخلَافَة وَيحمل على مراكب من إصطبلات الْخَلِيفَة وَيذْهب السُّلْطَان إِلَى دَاره فَيُرْسل السُّلْطَان التقادم السّنيَّة
كَمَا حكى ابْن الاثير وَغَيره أَن السُّلْطَان طغرلبك ابْن ميكائل السلجوقى لما تقلد السلطنة عَن الْقَائِم بِأَمْر الله فِي سنة تسع وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة جلس لَهُ الْخَلِيفَة على كرسى ارتفاعه عَن الأَرْض نَحْو سَبْعَة أَذْرع وَعَلِيهِ الْبردَة وَأَقْبل طغرلبك فِي جماعته وأعيان بَغْدَاد حاضرون فَقبل طغرلبك الأَرْض وَيَد الْخَلِيفَة ثمَّ جلس على كرسى نصب لَهُ ثمَّ قَالَ رَئِيس الرؤساء وَزِير الْخَلِيفَة للسُّلْطَان عَن لِسَان الْخَلِيفَة إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ قد ولاك جَمِيع مَا ولاه الله تَعَالَى من بِلَاده ورد إِلَيْك أَمر عبَادَة فَاتق الله فِيمَا ولاك واعرف نعْمَته عَلَيْك ثمَّ خلع على طغرلبك سبع جبات سود بزيق وَاحِد وعمامة سَوْدَاء وطوق بطوق من ذهب وسور بسوارين من ذهب وَأعْطى سَيْفا بغلاف من
(2/238)

ذهب ولقبه الْخَلِيفَة وَقُرِئَ عَهده عَلَيْهِ فَقبل الأَرْض وَيَد الْخَلِيفَة ثَانِيًا وَانْصَرف وَقد جهز لَهُ فرس من إسطبلات الْخَلِيفَة بمركب من ذهب مقندس فَركب وَانْصَرف إِلَى دَاره فَبعث إِلَى الخيفة خمسين ألف دِينَار وَخمسين مَمْلُوكا من التّرْك بخيولهم وسلاحهم مَعَ ثِيَاب وَغَيرهَا
فَهَذَا كَانَ شَأْنهمْ فِي تَوْلِيَة السلطنة بِحَضْرَة الْخلَافَة
وَإِن كَانَ الذى يوليه الْخَلِيفَة السلطنة من مُلُوك الْأَطْرَاف جهز لَهُ التشريف من بَغْدَاد صُحْبَة رَسُول من جِهَة الْخَلِيفَة وَهُوَ جُبَّة أطلس أسود بطراز مَذْهَب وطوق من ذهب يَجْعَل فِي عُنُقه وسوران من ذهب يجعلان فِي يَدَيْهِ وَسيف قرَابه ملبس بِالذَّهَب وَفرس بمركب من ذهب وَعلم أسود مَكْتُوب عَلَيْهِ بالبياض اسْم الْخَلِيفَة ينشر على رَأسه وصحبة وَذَلِكَ تَقْلِيده بالسلطنة وَرُبمَا جهز مَعَ خلعة السُّلْطَان خلع أُخْرَى لوَلَده أَو وزيره أَو أحد أَقَاربه بِحَسب مَا يَقْتَضِيهِ الْحَال حِينَئِذٍ كَمَا كَانَ يبْعَث مثل ذَلِك إِلَى السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب بالديار المصرية ثمَّ إِلَى أَخِيه الْعَادِل فَمن بعده من مُلُوك بنى أَيُّوب
(2/239)

إِلَى أَن كَانَ آخر من وصل إِلَيْهِ ذَلِك مِنْهُم من بَغْدَاد الْملك النَّاصِر يُوسُف بن السُّلْطَان الْعَزِيز بن السُّلْطَان صَلَاح الدّين عَن المستعصم بِاللَّه فِي سنة خمس وَخمسين وسِتمِائَة
وَكَانَ من عَادَتهم فِي ذَلِك أَنه إِذا وصل التشريف والتقليد إِلَى سُلْطَان تِلْكَ النَّاحِيَة أَن يلبس السُّلْطَان الخلعة والعمامة ويتقلد السَّيْف ويركب الْفرس ويسير فِي موكبه حَتَّى يصل إِلَى مقرّ ملكه
الْحَالة الثَّانِيَة مَا الْأَمر مُسْتَقر عَلَيْهِ بعد انْتِقَال الْخلَافَة إِلَى الديار المصرية وَالْأَمر فِيهِ على نَحْو مَا سبق فِي الْحَالة الأولى فِيمَا إِذا كَانَ السُّلْطَان الذى يُولى بِحَضْرَة الْخلَافَة لِأَن الخلعة تكون جُبَّة وَاحِدَة بزيق لَا سبع جبات بزيق وَاحِد وَقد كَانَ فِيمَا تقدم يلبس السُّلْطَان طوق الذَّهَب دون السوارين ثمَّ ترك الطوق والسواران جَمِيعًا وبقى مَا عدا ذَلِك من أَصْنَاف التشريف
وَأول تَقْلِيد قَلّدهُ سُلْطَان من خلفاء بنى الْعَبَّاس بالديار المصرية تَقْلِيد الْملك الظَّاهِر بيبرس البندقدارى صَاحب الديار
(2/240)

المصرية عَن الإِمَام الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أَبى الْعَبَّاس أَحْمد بن الظَّاهِر بِاللَّه بن النَّاصِر لدين الله أول خلفائهم بالديار المصرية فِي شعْبَان من شهور سنة ثَمَان وَخمسين وسِتمِائَة وَذَلِكَ أَنه بعد ان بَايع السُّلْطَان الْملك الظَّاهِر الْمُسْتَنْصر بِاللَّه الْمُقدم ذكره بِالْمَجْلِسِ الْعَام قَلّدهُ السلطنة وَكتب لَهُ بذلك عهد من إنْشَاء صَاحب ديوَان إنْشَاء السُّلْطَان الصاحب فَخر الدّين إِبْرَاهِيم بن لُقْمَان وَكتب السُّلْطَان الْكتب إِلَى النواب والملوك بالأقطار بِأَن يخْطب لَهُ على المنابر مَعَ السُّلْطَان وَيبدأ بِهِ فِي الذّكر وينقش اسْمه مَعَه فِي السِّكَّة على الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة بعد ذَلِك خطب الْخَلِيفَة بِنَفسِهِ بِجَامِع القلعة ثمَّ لما كَانَ يَوْم الِاثْنَيْنِ بعد ذَلِك ركب السُّلْطَان إِلَى خيمة ضربت لَهُ بالبستان الْكَبِير بِظَاهِر الْقَاهِرَة المحروسة من الْجِهَة البحرية وَنزل بهَا هُوَ والخليفة وَلبس مِنْهُ خلعة الْخلَافَة وهى عمامه بنفسجى وجبة سَوْدَاء وطوق ذهب فِي عُنُقه وَسيف بداوى تقلده وَجلسَ السُّلْطَان مَجْلِسا عَاما بِحَضْرَة الْخَلِيفَة والوزير والقضاة والأمراء وَالْعُلَمَاء وَنصب لكاتب سره الصاحب فَخر الدّين ابْن لُقْمَان مِنْبَر فَصَعدَ عَلَيْهِ وَقَرَأَ تَقْلِيد السُّلْطَان
(2/241)

ثمَّ ركب السُّلْطَان بالخلعة والطوق وَدخل من بَاب النَّصْر من الْمَدِينَة وهى مزينة لَهُ وَحمل وزيره الصاحب بهاء الدّين ابْن حنا التَّقْلِيد على رَأسه وَمَشى بِهِ فِي الموكب بَين يدى السُّلْطَان والأمراء مشَاة حوله وأمامه
وَرَأَيْت فِي بعض التواريخ أَن الإِمَام الْحَاكِم بِأَمْر الله أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد بن المستكفى بِاللَّه أَبى الرّبيع سُلَيْمَان حِين عهد بالسلطنة إِلَى الْملك الْمَنْصُور أَبى بكر بن الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون بعد مبايعته الْحَاكِم الْمَذْكُور عِنْد موت أَبِيه فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة طلع الْأُمَرَاء والقضاة إِلَى القلعة واجتمعوا بدار الْعدْل وَجلسَ الْخَلِيفَة على الدرجَة الثَّالِثَة من التخت وَعَلِيهِ خلعه خضراء وعَلى رَأسه طرحة سَوْدَاء مرقومة بالبياض وَخرج السُّلْطَان من الْقصر إِلَى الإيوان من بَاب السِّرّ على الْعَادة فَقَامَ لَهُ الْخَلِيفَة والقضاة والأمراء وَجَاء السُّلْطَان فَجَلَسَ على الدرجَة الأولى من التخت دون الْخَلِيفَة ثمَّ قَامَ الْخَلِيفَة فَقَرَأَ {إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان} إِلَى آخر الْآيَة وَأوصى السُّلْطَان
(2/242)

بالرفق بالرعية وَإِقَامَة الْحق وَإِظْهَار شَعَائِر الْإِسْلَام ونصرة الدّين ثمَّ قَالَ فوضت إِلَيْك جَمِيع أَمر الْمُسلمين وقلدتك مَا تقلدته من أُمُور الدّين ثمَّ قَرَأَ {إِن الَّذين يُبَايعُونَك إِنَّمَا يبايعون الله} إِلَى آخر الاية ثمَّ أَتَى الْخَلِيفَة بخلعة سَوْدَاء وعمامة سَوْدَاء مرقومة الطّرف بالبياض فألبسها السُّلْطَان وقلده سَيْفه ثمَّ أَتَى بالعهد الْمَكْتُوب عَن الْخَلِيفَة فَكتب عَلَيْهِ مَا صورته فوضت إِلَيْهِ ذَلِك وَكتب أَحْمد بن عَم مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكتب الْقُضَاة الْأَرْبَعَة شَهَادَتهم بالتولية ثمَّ اتى بالسماط على الْعَادة
وأخبرنى من حضر تَقْلِيد الإِمَام المتَوَكل على الله أَبى عبد الله مُحَمَّد السُّلْطَان الْملك النَّاصِر فرج بن الظَّاهِر برقوق بعد وَفَاة وَالِده الظَّاهِر أَن الْخَلِيفَة حضر هُوَ وَشَيخ الْإِسْلَام سراج الدّين البلقينى والقضاة الْأَرْبَعَة وَأهل الْعلم وأمراء الدولة إِلَى مقْعد بالإسطبلات السُّلْطَانِيَّة وَجلسَ الْخَلِيفَة فِي صدر الْمَكَان على مقْعد مفروش لَهُ ثمَّ أَتَى السُّلْطَان وَهُوَ يَوْمئِذٍ حدث السن فَجَلَسَ بَين يَدَيْهِ فَسَأَلَهُ شيخ
(2/243)

الْإِسْلَام عَن بُلُوغه الْحلم فَأجَاب بِأَن نعم فَخَطب الْخَلِيفَة خطْبَة ثمَّ خَاطب السُّلْطَان بتفويض الْأَمر إِلَيْهِ على نَحْو مَا تقدم ذكره ثمَّ أَتَى الْخَلِيفَة بخلعة سَوْدَاء وعمامة سَوْدَاء مرقومة الطّرف بالبياض فألبسهما للسُّلْطَان وَلبس الخلفية أَيْضا خلعة سَوْدَاء بعمامة سَوْدَاء مرقومة ثمَّ جلس الْخَلِيفَة فِي مَكَانَهُ الذى كَانَ جَالِسا فِيهِ على المقعد وَنصب للسُّلْطَان كرسى إِلَى جَانب المقعد الذى عَلَيْهِ الْخَلِيفَة فَجَلَسَ عَلَيْهِ وَجلسَ الْأُمَرَاء والقضاة حوله على قدر مَنَازِلهمْ
قلت والذى اسْتَقر عَلَيْهِ الْحَال فِي جَائِزَة تَقْلِيد السلطنة مِمَّا يُرْسل بِهِ السُّلْطَان إِلَى الْخَلِيفَة ألف دِينَار مَعَ قماش سكندرى ضمن بقجة بِحَسب الْحَال
(2/244)

الْفَصْل الثَّالِث
من الْبَاب الثَّانِي
فِي ذكر الْمَشَاهِير مِمَّن أدعى الْخلَافَة فِي بعض الأقاليم وَبطلَان شُبْهَة دعاويهم
أما الْمَشَاهِير مِمَّن ادّعى الْخلَافَة فِي بعض الأقاليم فَاعْلَم أَنه قد قَامَ على خلفاء بنى الْعَبَّاس فِي أول أَمرهم قائمون من العلويين فِي بِلَاد وأزمان مُخْتَلفَة فَمنهمْ من قبض عَلَيْهِ وَلم يتم لَهُ أَمر كمحمد بن على الْخَارِج على أَبى جَعْفَر الْمَنْصُور وَمِنْهُم من فر إِلَى الْبِلَاد الْبَعِيدَة ودعا إِلَى نَفسه فَكَانَ لَهُ دولة كإدريس الْأَكْبَر بن حسن المثلث ابْن حسن الْمثنى بن الْحسن السبط حِين فر إِلَى الغرب الْأَقْصَى فَكَانَ لَهُ ولعقبه بِهِ دولة ثمَّ انقرضت إِلَّا أَنه لم يدع أحد مِنْهُم الْخلَافَة وطالت دولته
إِلَّا ثَلَاث طوائف
(2/245)

الطَّائِفَة الأولى
بَنو أُميَّة بالأندلس
وَذَلِكَ أَن بنى الْعَبَّاس عِنْد استيلائهم على الْأَمر وانتقال الْخلَافَة إِلَيْهِم تتبعوا بنى أُميَّة بِالْقَتْلِ فهرب عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة بن هِشَام بن عبد الْملك بن مَرْوَان وَسَار حَتَّى دخل الأندلس فَعرف بالداخل لذَلِك ودعا إِلَى نَفسه بالخلافة هُنَاكَ وَاسْتولى على مَا كَانَ بيد الْمُسلمين من الأندلس فِي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة من الْهِجْرَة وقصده بَنو أُميَّة من الْمشرق والتجؤوا إِلَيْهِ وَتوفى فِي ربيع الآخر سنة إِحْدَى وَسبعين وَمِائَة وَملك بعده ابْنه هِشَام واستخلف بعده ابْنه الحكم ابْنه عبد الرَّحْمَن وَملك بعده ابْنه مُحَمَّد وَملك بعده ابْنه الْمُنْذر وَملك بعده أَخُوهُ عبد الله وَملك بعده ابْن ابْنه عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبد الله وتلقب بالناصر وخوطب بأمير الْمُؤمنِينَ بعد أَن مضى من خِلَافَته تسع وَعِشْرُونَ سنة وَهُوَ أول من تلقب مِنْهُم بألقاب الْخلَافَة ودعى بامير الْمُؤمنِينَ وَكَانُوا قبل ذَلِك يخاطبون بالإمارة خَاصَّة وَولى الْأَمر بعده ابْنه الحكم وتلقب
(2/246)

بالمستنصر وعهد إِلَى ابْنه هِشَام ولقبه الْمُؤَيد فغلبه على الْأَمر مُحَمَّد بن هِشَام بن عبد الْجَبَّار بن عبد الرَّحْمَن النَّاصِر الْمُقدم ذكره وتلقب بالمهدى ثمَّ غَلبه سُلَيْمَان بن الحكم بن سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن النَّاصِر الْمُتَقَدّم ذكره ثمَّ غَلبه مُحَمَّد بن هِشَام المهدى الْمَذْكُور ثمَّ عَاد هِشَام بن الحكم الْمُقدم ذكره ثمَّ عَاد سُلَيْمَان بن الحكم الْمُقدم ذكره ولقب بالمستعين ثمَّ غَلبه المهدى مُحَمَّد بن هِشَام الْمُقدم ذكره ثمَّ غَلبه المستعين على قرطبة ثمَّ قتل الْمهْدي مُحَمَّد بن هِشَام الْمَذْكُور وَعَاد هِشَام إِلَى خِلَافَته هَذَا كُله والمستعين محاصر لقرطبة إِلَى أَن افتتحها عنْوَة وَقتلُوا الْمُؤَيد هشاما ثمَّ غلب على وقاسم ولدا حمود من الأدارسة على قرطبة وَقتلُوا المستعين وأزالوا ملك بني أُميَّة من الأندلس ثمَّ غلب على الأندلس المرتضى بِاللَّه عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن بن عبد الْملك بن النَّاصِر ثمَّ ولى بعده المستظهر بِاللَّه عبد الرَّحْمَن بن شهام ابْن عبد الْجَبَّار ثمَّ غلب عَلَيْهِ المستكفى بِاللَّه مُحَمَّد بن
(2/247)

عبد الرَّحْمَن بن عبيد الله بن عبد الرَّحْمَن النَّاصِر ثمَّ رَجَعَ الْأَمر إِلَى الأدارسة ثمَّ بُويِعَ للمعتد بِاللَّه هِشَام بن مُحَمَّد أخى المرتضى وَتوفى سنة ثَمَان وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة وانقطعت دولتهم من الأندلس
وَقد مضى القَوْل على ذَلِك مفصلا فِي خلال تراجم الْخُلَفَاء
الطَّائِفَة الثَّانِيَة
العبيديون
وهم أَبنَاء عبيد الله المهدى وَيُقَال لَهُم العلويون نِسْبَة إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ على بن أَبى طَالب رضى الله عَنهُ والفاطميون نِسْبَة إِلَى فَاطِمَة بنت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وبالمصريين نِسْبَة إِلَى مصر لاستقرارهم بهَا آخرا وَكَانَ مبدأ أَمرهم أَن المكتفى بِاللَّه طلب عبيد الله الْمَذْكُور وَهُوَ يَوْمئِذٍ بسلمية لأمر بلغه عَنهُ ففر من الشَّام إِلَى الْعرَاق ثمَّ لحق بِمصْر
(2/248)

فِي جمادعة من خاصته وَلحق بإفريقية من بِلَاد الْمغرب فِي زى التُّجَّار وَوصل إِلَى الْمغرب الْأَقْصَى وَدخل سجلماسة بِبِلَاد الْمغرب فورد على عاملها كتاب بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ فَقبض عَلَيْهِ هُوَ وَابْنه أَبُو الْقَاسِم نزار وَكَانَ أَبُو عبد الله الشيعى من شيعته قد أَقَامَ لَهُ الدعْوَة بِتِلْكَ الْبِلَاد قبل دُخُولهَا فَسَار من أفريقية فِي جمَاعَة من البربر وَدخل سجلماسة وَأخرج عبيد الله المهدى وَابْنه من الْحَبْس وَبَايَعَهُ وارتحل بِهِ إِلَى افريقية فنزلوا رقادة من بِلَاد إفريقية فِي أَوَائِل سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ فبويع بهَا المهدى الْبيعَة الْعَامَّة واستقام أمره وَولى ابْنه ابا الْقَاسِم عَهده وَبنى مَدِينَة المهدية بإفريقية وَجعلهَا دَار ملكه وَاسْتولى على فاس من الغرب الْأَقْصَى وَدخل مُلُوكهَا من الأدارسة تَحت طَاعَته وبقى حَتَّى مَاتَ وَولى بعده ابْنه أَبُو الْقَاسِم نزار الْمُقدم ذكره ثمَّ ولى بعده ابْنه الْمَنْصُور بِاللَّه إِسْمَاعِيل فَلم يتسم بالخليفة وَلَا غير السِّكَّة وَلَا الْخطْبَة والبنود ثمَّ ولى بعد مَوته ابْنه الْمعز لدين الله ابو تَمِيم معد فَبعث قائده جوهرا إِلَى الديار المصرية فملكها وَبنى الْقَاهِرَة فِي سنة ثَمَان وَخمسين وثلاثمائة ثمَّ استناب
(2/249)

بإفريقية وَسَار إِلَى مصر فملكها واستوطنها وَولى بعده ابْنه الْعَزِيز بِاللَّه أَبُو الْمَنْصُور وَولى بعد وَفَاته ابْنه الْحَاكِم بِأَمْر الله أَبُو على الْمَنْصُور ثمَّ تولى بعده ابْنه الظَّاهِر لإعزاز دين الله أَبُو الْحسن على وَولى بعد وَفَاته ابْنه الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أَبُو تَمِيم معد وَولى بعد وَفَاته ابْنه المستعلى بِاللَّه وَولى بعد وَفَاته الْآمِر بِأَحْكَام الله أَبُو على الْمَنْصُور وَولى بعد وَفَاته ابْن عَمه الْحَافِظ لدين الله أَبُو الميمون عبد الْمجِيد بن الْأَمِير أَبى الْقَاسِم مُحَمَّد وَولى بعد وَفَاته ابْنه الظَّاهِر بامرالله إِسْمَاعِيل ثمَّ ولى بعده ابْنه الفائز بنصر الله أَبُو الْقَاسِم عِيسَى وَولى بعد وَفَاته العاضد لدين الله أَبُو مُحَمَّد عبد الله
(2/250)

ابْن يُوسُف وَتوفى يَوْم عَاشُورَاء سنة أَربع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة بعد أَن قطع السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب الْخطْبَة لَهُ وخطب للخلفاء العباسيين بِبَغْدَاد
الطَّائِفَة الثَّالِثَة
الحفصيون من بقايا الْمُوَحِّدين بإفريقية وَكَانَ مبدأ أَمرهم أَن بِلَاد الْمغرب كَانَ قد ظهر فِيهَا القَوْل بِالظَّاهِرِ حَتَّى حملهمْ ذَلِك على القَوْل بالتجسيم وَمَا فِي مَعْنَاهُ من لَوَازِم الْوُقُوف مَعَ الظَّاهِر وَكَانَ مُحَمَّد بن تومرت من بعض بطُون المصامدة من البربر أهل بَيته أهل دين وَعبادَة وَقد شب فِي طلب الْعلم ورحل إِلَى الْمشرق قَاصِدا الْحَج وَدخل الْعرَاق ولقى أكَابِر علمائه وفحول النظار بِهِ وَأخذ مَذْهَب أبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ فِي القَوْل بِتَأْوِيل الْمُتَشَابه عَن عُلَمَاء الأشاعرة ولقى الإِمَام أَبَا حَامِد الْغَزالِيّ وَصَحبه ثمَّ عَاد إِلَى بِلَاد الغرب وَطعن على أَهله فِي الْوُقُوف مَعَ الظَّاهِر وَحَملهمْ على القَوْل بالتأويل وَالْأَخْذ بقول الأشاعرة فِي جَمِيع العقائد إِلَى أَنه كَانَ يَقُول بقول الإمامية من الشِّيعَة فِي عصمَة الإِمَام
(2/251)

وانْتهى إِلَى بجاية فَأَقَامَ بهَا مُدَّة يدرس الْعلم وأجتمع عَلَيْهِ بهَا عبد الْمُؤمن أحد أَصْحَابه ثمَّ سَار إِلَى بِلَاد المصامدة من البربر فنشر بهَا الْعلم وَأظْهر بهَا مَذْهَب الأشاعرة
وَكَانَ الْكُهَّان والمنجمون يحدثُونَ بِظُهُور ملك فِي الْمغرب من البربر فشاع فِي النَّاس أَنه ذَلِك الْملك أخْتَار من أَصْحَابه عشرَة فجعلهم خاصته وهم عبد الْمُؤمن بن عَليّ وَأَبُو حَفْص عمر بن عَليّ وَغَيرهمَا ودعا المصامدة إِلَى بيعَته على التَّوْحِيد جنوحا إِلَى تَكْفِير أهل الظَّاهِر قائلين بالتجسيم فَبَايعُوهُ وَكَانَ قبل ذَلِك يلقب بِالْإِمَامِ فتلقب بعد الْمُبَايعَة بالمهدي ولقب عبد الْمُؤمن بن عَليّ بالخليفة إِشَارَة إِلَى أَنه خَلِيفَته ولقب أَبَا حَفْص عمر بن عَليّ بالشيخ وسما أَتْبَاعه الْمُوَحِّدين تعريضا بتكفير المجسمة وَلم يزل حَتَّى توفّي فاستقر فِي خِلَافَته عبد الْمُؤمن أبن عَليّ الْمُقدم ذكره وأستولى على الأندلس والغرب الْأَقْصَى والغرب الْأَوْسَط فِي سنة سبع وَأَرْبَعين وَخمْس وَمِائَة ثمَّ أستولى على إفريقية فِي سنة خمس وَخمسين وَخمْس مائَة
(2/252)

وَولي إفريقية ابْنه أَبَا مُوسَى عمرَان وَلما توفّي عبد الْمُؤمن أستقر بعده أبنه الْمَنْصُور يَعْقُوب بن عبد الْمُؤمن فولي على إفريقية أَبَا سعيد بن الشَّيْخ أبي حَفْص الْمُقدم ذكره ثمَّ أستولى على إفريقية بعد ذَلِك النَّاصِر بن الْمَنْصُور يَعْقُوب بن عبد الْمُؤمن وَولي عَلَيْهَا الشَّيْخ أَبَا مُحَمَّد عبد الْوَاحِد بن الشَّيْخ أبي حَفْص وَولي بعد وَفَاته أبنه أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن بن الشَّيْخ أبي مُحَمَّد ثمَّ عزل عَنْهَا وَولي مَكَانَهُ أَبُو الْعلَا إِدْرِيس بن يُوسُف بن عبد الْمُؤمن وَمَات بتونس فولي بعده أَبُو زيد بن أبي الْعلَا ثمَّ ولي بعده أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن أبي مُحَمَّد عبد الْوَاحِد بن الشَّيْخ أبي حَفْص ثمَّ غَلبه عَلَيْهَا ابو زَكَرِيَّا يحيى بن ابي مُحَمَّد عبد الْوَاحِد ثمَّ بُويِعَ بعد وَفَاته أبنه أَبُو عبد الله مُحَمَّد وتلقب الْمُسْتَنْصر بِاللَّه وَهُوَ أول من تلقب مِنْهُم بألقاب الْخلَافَة وأنتهى أمره إِلَى أَن بُويِعَ لَهُ بِمَكَّة وَبعث بالبيعه إِلَيْهِ وَتَبعهُ أعقابه فِي التلقيب مِنْهُم بألقاب الْخلَافَة ثمَّ بُويِعَ بعد وَفَاته أبنه يحيى وتلقب بالواثق ثمَّ أَنْخَلِع عَن الْأَمر لِعَمِّهِ أبي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن
(2/253)

يحيى ثمَّ ولي بعده أبنه أَبُو فَارس عبد الْعَزِيز ثمَّ غَلبه عَلَيْهَا أَبُو حَفْص عمر بن يحيى بن عبد الْوَاحِد بن أبي حَفْص ثمَّ بُويِعَ بعد وَفَاته أَبُو عصيدة بن الواثق بن الْمُسْتَنْصر الْمُقدم ذكره ثمَّ بُويِعَ بعد وَفَاته أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر يحيى بن عبد الْوَاحِد بن أبي حَفْص ثمَّ غَلبه عَلَيْهَا أَبُو الْبَقَاء خَالِد وتلقب النَّاصِر لدين الله ثمَّ غَلبه عَلَيْهَا أَبُو يحيى زَكَرِيَّا بن أَحْمد أبن مُحَمَّد اللحياني أبن عبد الْوَاحِد أبن الشَّيْخ أبي حَفْص ثمَّ بُويِعَ بعده مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِأبي حَرْبَة أبن أبي يحيى زَكَرِيَّا بن أَحْمد ثمَّ غَلبه عَلَيْهَا أَبُو بكر الْمُقدم ذكره ثمَّ بُويِعَ بعد وَفَاته أبنه أَبُو حَفْص عمر بن أبي بكر ثمَّ غَلبه عَلَيْهَا السُّلْطَان أَبُو حسن الموريني صَاحب الغرب الْأَقْصَى وأستخلف عَلَيْهَا أبنه أَبَا الْفضل فغلبه عَلَيْهَا الْفضل بن أبي بكر الْمُقدم ذكره وَولي
(2/254)

بعد وَفَاته أَخُوهُ أَبوهُ إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن أبي بكر وَولي بعد وَفَاته أبنه أَبُو البقا خَالِد ثمَّ غَلبه عَلَيْهَا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن أبي بكر بن يحيى بن إِبْرَاهِيم بن يحيى أبن عبد الْوَاحِد بن الشَّيْخ أبي حَفْص ثمَّ ولي بعد وَفَاته أبنه أَبُو فَارس عزوز وَهُوَ الْقَائِم بهَا إِلَى زَمَاننَا قي سنة ثَمَان عشرَة وثمان مائَة عَليّ مَا مر ذكر تواريخ ذَلِك وتفاصيل أَحْوَاله فِي الْكَلَام على ولايات الْأَمْصَار فِي تراجم الْخُلَفَاء
وَأما بطلَان شُبْهَة دَعْوَة الطوائف الثَّلَاث الْخلَافَة
فَالْقَوْل الْعَام فِي ذَلِك مَا تقدم من أَن جُمْهُور الْعلمَاء رَضِي الله عَنْهُم على أَنه لَا يَصح نصب خليفتين وَأَن تبَاعد أقليماهما وأحتجاجا بِعُمُوم قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا بُويِعَ لخليفتين فَاقْتُلُوا الآخر مِنْهُم على مَا تقدم ذكره فِي الْفَصْل الثَّالِث من الْبَاب الأول وَالْخُلَفَاء الْمُقدم ذكرهم من الْخُلَفَاء الرَّاشِدين رَضِي الله عَنْهُم ثمَّ من خلفاء بني أُمِّيّه ثمَّ من خلفاء بني الْعَبَّاس بالعراق ثمَّ من خلفاءهم بالديار المصرية إِلَى آخر وَقت جارون على نسق وَاحِد يَليهَا ى مِنْهُم الْوَاحِد بعد الْوَاحِد إِمَّا بالعهد من الَّذِي قبله
(2/255)

وَإِمَّا بيعَة من أهل الْحل وَالْعقد فَمن خرج عَنْهُم أَو شقّ عصاهم فَهُوَ بَاغ لَا تسوغ مبايعته ولاتحل مُتَابَعَته وَيزِيد العبيديون والحفصيون على ذَلِك فِي بطلَان شُبْهَة دَعوَاهُم بالطعن فِي النّسَب الَّذِي هوأحد شُرُوط الإماميه على مَا تقدم ذكره فالعبيديون يَقُولُونَ إِن جدهم عبيد الله المهدى هُوَ ابْن مُحَمَّد الحبيب بن جَعْفَر الْمُصدق بن مُحَمَّد المكتوم بن إِسْمَاعِيل الإِمَام بن جَعْفَر الصَّادِق بن مُحَمَّد الباقر بن على زين العابدين بن الْحُسَيْن السبط بن أَمِير الْمُؤمنِينَ على بن أَبى طَالب رضى الله عَنهُ من فَاطِمَة بنت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَيُقَال هُوَ عبيد الله بن مُحَمَّد بن مَيْمُون بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل والباقى على مَا تقدم وَيَقُولُونَ إِن أَبَاهُ مُحَمَّدًا الحبيب حِين أَدْرَكته الْوَفَاة عهد إِلَى ابْنه عبيد الله وَقَالَ لَهُ أَنْت المهدى وتهاجر بعدى هِجْرَة بعيدَة وتلقى محنة شَدِيدَة
وَاعْترض هَذَا النّسَب عَلَيْهِم معترضون ونفوهم عَنهُ وبالغوا فِي أَمرهم حَتَّى نسبوهم إِلَى ديصان الذى تنْسب إِلَيْهِ طَائِفَة الديصانية نِسْبَة إِلَى ديصان صَاحب كتاب الْمِيزَان فِي نصْرَة الزندقة واعتنوا بشأن ذَاك حَتَّى كتب
(2/256)

بِهِ محْضر بِبَغْدَاد فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعمِائَة بِأَمْر الْقَادِر بِاللَّه فِي زمن الْحَاكِم بِأَمْر الله أحد خلفائهم وَكتب فِيهِ جمَاعَة من العلويين والقضاة وَمِمَّنْ كتب فِيهِ أَبُو عبد الله ابْن النُّعْمَان فَقِيه الشِّيعَة
ونسخة الْمحْضر على مَا ذكره السُّلْطَان عماد الدّين صَاحب حماة فِي تَارِيخه
هَذَا مَا شهد بِهِ الشُّهُود أَن معد بن إِسْمَاعِيل بن عبد الرَّحْمَن بن سعيد منتسب إِلَى ديصان بن سعيد الذى ينْسب إِلَيْهِ الديصانية وَأَن هَذَا الناجم مِنْهُم هُوَ مَنْصُور ابْن نزار الملقب بالحاكم حكم عَلَيْهِ بالبوار والدمار وَهُوَ معد بن اسماعيل بن عبد الرَّحْمَن بن سعيد لاأسعده الله وَأَن من تقدمه من سلفه الأرجاس الأنجاس عَلَيْهِم لعنة الله ولعنة اللاعنين أدعياء خوارج لانسب لَهُم فِي ولد على بن أَبى طَالب وَأَن مَا أَدْعُوهُ من الانتساب أليهم زور وباطل وَأَن هَذَا الناجم معدا هُوَ وسلفه كفار فساق زنادقة ملحدون معطلون وللإسلام جاحدون أباحوا الْفروج وَأَحلُّوا الْخُمُور وَسبوا الْأَنْبِيَاء وَادعوا الربوبية وَفِي آخِره
(2/257)

وَكتب فِي شهر ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعمِائَة
وَرُبمَا وَقع الطعْن فيهم بِمَا هُوَ أَسْوَأ من ذَلِك حسب مَا ذكره صَاحب حماة أَن بَعضهم جعل نسبهم فِي الْيَهُود فَقَالَ إِن عبيد الله المهدى كَانَ اسْمه سعيد بن أَحْمد القداح بن مَيْمُون بن ديصان وَقيل سعيد بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد وَإِن الْحُسَيْن تزوج امْرَأَة يَهُودِيَّة وهويها
والحفصيون يَقُولُونَ إِن جدهم أَبُو حَفْص الْمَذْكُور هُوَ أَبُو حَفْص عمر بن يحيى بن مُحَمَّد بن وانود بن على بن أَحْمد بن ولال بن إِدْرِيس بن خَالِد بن اليسع ابْن إلْيَاس بن عمر بن وافتف بن مُحَمَّد بن نحية بن كَعْب بن مُحَمَّد بن سَالم بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب
وَقد اعْترض عَلَيْهِم معترضون فِي ذَلِك فَمنهمْ من يَقُول إِنَّه مَنْسُوب إِلَى بنى عدى رَهْط عمر بن الْخطاب رضى الله عَنهُ وَمِنْهُم من يَقُول بل هُوَ مَنْسُوب إِلَى هنتاتة بِفَتْح
(2/258)

الْهَاء وَإِسْكَان النُّون وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة فَوق وَبعدهَا ألف ثمَّ تَاء مثناة فَوق مَفْتُوحَة وهاء فِي الآخر وهى قَبيلَة من قبائل المصامدة من البربر بجبال درن المتاخمة لمراكش وهى قَبيلَة وَاسِعَة كَبِيرَة وَكَانَ أَبُو حَفْص هَذ 1 شيخهم وَكَبِيرهمْ
قَالَ صاحبب العبر وَلَعَلَّ هَذَا النّسَب القرشى وَقع فِي المصامدة والتحم بهم واشتملت عَلَيْهِ عصبتهم شَأْن الْأَنْسَاب الَّتِى تقع من قوم إِلَى قوم
ويؤكد نفى الْخلَافَة عَنْهُم أَن السُّلْطَان أَبَا زَكَرِيَّا يحيى ابْن عبد الْوَاحِد بن الشَّيْخ أَبى حَفْص كَانَ يمْتَنع من التلقب بألقاب الْخلَافَة وَيمْنَع من يخاطبه بهَا مُقْتَصرا على التلقب بالإمارة حَتَّى لقد رفع إِلَيْهِ بعض شعرائه قصيدة مدحه بهَا أَولهَا ... أَلا صل بالأمير المؤمنينا
فَأَنت بهَا أَحَق العالمينا ...

فَنَهَاهُ عَن ذَلِك ومنعهم من خطابة بهَا وَإِنَّمَا تلقب بلقب الْخلَافَة ابْنه الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أَبُو عبد الله مُحَمَّد بعده على مَا تقدم ذكره
(2/259)

الْبَاب الثَّالِث
فِي ذكر مَا يكْتب للخلفاء من البيعات فِي الْقَدِيم والْحَدِيث وَفِيه فصلان
الْفَصْل الأول
فِي البيعات
وهى تكْتب لمن يقوم بالخلافة بمبايعة أهل الْحل وَالْعقد دون عهد من الْخَلِيفَة قبله بِالشُّرُوطِ السَّابِقَة على مَا تقدم ذكره فِي الْكَلَام على الطّرق الَّتِى تَنْعَقِد بهَا الْإِمَامَة فِي الْبَاب الأول من الْكتاب
وَأعلم أَن الصّديق رضى الله عَنهُ لم تكْتب لَهُ بيعَة بالخلافة بعد النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذْ لم ينْقل ذَلِك وَلَو وَقع لنقل كَمَا نقل كتاب عهد الصّديق بالخلافة لعمر رضى الله عَنْهُمَا على مَا سيأتى ذكره وَكَذَلِكَ سَائِر الْخُلَفَاء بعده لم تكْتب لَهُم مبايعة إِلَى أَن كَانَت أَيَّام عبد الْملك بن مَرْوَان فِي الدولة الأموية رتب الْحجَّاج بن يُوسُف
(2/260)

أيمانا لِلْبيعَةِ يحلف بهَا للخليفة عِنْد أَخذ الْبيعَة لَهُ وابتدئ كِتَابه البيعات من يَوْمئِذٍ ونظم الْإِيمَان فِي خلالها وَاسْتمرّ ذَلِك فِيمَا بعده وَاخْتلفت أساليب الْكتاب بعد ذَلِك دولة بعد دولة وَقد اسْتَقر أَمرهم فِي ذَلِك على أَرْبَعَة مَذَاهِب
الْمَذْهَب الأول
أَن تفتتح الْبيعَة بِأَن يُقَال تبَايع عبد الله أَبَا فلَان فلَانا أَمِير الْمُؤمنِينَ على كَذَا وَكَذَا على أَنَّك إِن خَالَفت فِي ذَلِك أَو فِي شئ مِنْهُ كَانَ لازمك كَذَا وَكَذَا مَعَ بسط القَوْل فِي ذَلِك بِمَا يُنَاسب الْمقَام وتأكيده بِالْإِيمَان المعقدات والأليات المحرجات
وعَلى هَذَا الأسلوب كَانَت طَريقَة الْأَوَّلين فِي الْخلَافَة الأموية وَصدر الْخلَافَة العباسية فَإِن كَانَت الْمُبَايعَة من جمَاعَة كتب تُبَايِعُونَ بِلَفْظ الْجمع
(2/261)

وَهَذِه نُسْخَة بيعَة من ذَلِك
أوردهَا أَبُو الْحُسَيْن بن إِسْحَاق الصابى فِي كِتَابه غرر البلاغة فِي الْكِتَابَة وهى
تبَايع عبد الله أَبَا فلَان فلَانا أَمِير الْمُؤمنِينَ بيعَة طوع وَاخْتِيَار وتبرع وإيثار وإعلان وإسرار وَإِظْهَار وإضمار وَصِحَّة من غير نغل وسلامة من غير دغل وثبات من غير تَبْدِيل ووقار من غير تَأْوِيل واعتراف بِمَا فِيهَا من جمع الشمل واتصال الْحَبل وانتظام الْأُمُور وَصَلَاح الْجُمْهُور وحقن الدِّمَاء وَسُكُون الدهماء وسعادة الْخَاصَّة والعامة وَحسن العائدة على أهل الْملَّة والذمة على أَن عبد الله فلَانا أَمِير الْمُؤمنِينَ عبد الله الذى اصطفاه وأمينه الذى ارْتَضَاهُ وخليفته الذى جعل طَاعَته جَارِيَة بِالْحَقِّ وموجبة على الْخلق وموردة لَهُم مورد الْأَمْن وعاقدة لَهُم معاقد الْيمن
(2/262)

وولايته مؤذنة لَهُم بجميل الصنع ومؤدية بهم إِلَى جزيل النَّفْع وإمامته الْإِمَامَة الَّتِى اقْترن بهَا الْخَيْر وَالْبركَة والمصلحة الْعَامَّة الْمُشْتَركَة وأمل فِيهَا قمع الملحد الجاحد ورد الجائر الحائد وَقسم العاصى الخالع وَعطف الغاوى المنازع وعَلى أَنَّك ولى أوليائه وعدو أعدائه من كل دَاخل فِي الْجُمْلَة وخارج عَن الْملَّة وعائذ بالحوزة وحائد عَن الدعْوَة ومستمسك بِمَا بذلته عَن إخلاص من رَأْيك وَحَقِيقَة من وفائك لاتنقض وَلَا تنكث وَلَا تخلف وَلَا توارى وَلَا تخادع وَلَا تداجى وَلَا تخاتل علانيتك مثل نيتك وقولك مثل طويتك وعَلى الا ترجع عَن شَيْء من حُقُوق هَذِه الْبيعَة وشرائطها على مر الْأَيَّام وتطاولها وَتغَير الْأَحْوَال وتنقلها وَاخْتِلَاف الْأَزْمَان وَتَقَلُّبهَا وعَلى أَنَّك فِي كل ذَلِك من أهل الْملَّة الإسلامية ودعاتها وَأَعْوَان الدولة العباسية ورعاته الايتداخل قَوْلك مواربه وَلَا يداخله مداهنة وَلَا يَعْتَرِضهُ مغالطة ولايتعقبه مُخَالفَة وَلَا تختل بِهِ أَمَانه وَلَا تعله خِيَانَة حَتَّى تلقى الله مُقيما على أَمرك ووفيا
(2/263)

بعهدك إِذْ كَانَ مبايعو وُلَاة الْأَمر وخلفاء الله فِي الأَرْض {إِنَّمَا يبايعون الله يَد الله فَوق أَيْديهم فَمن نكث فَإِنَّمَا ينْكث على نَفسه وَمن أوفى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ الله فسيؤتيه أجرا عَظِيما}
عَلَيْك بِهَذِهِ الْبيعَة الَّتِى أَعْطَيْت بهَا صَفْقَة يدك وأصفيت فِيهَا سريرة قَلْبك والتزمت الْقيام بهَا مَا طَال عمرك وامتد أَجلك عهد الله إِن عهد الله كَانَ مسؤولا وَمَا اخذه على أنبيائه وَرُسُله وملائكتة وَحَملَة عَرْشه من أَيْمَان مُغَلّظَة وعهود مُؤَكدَة ومواثيق مُشَدّدَة على أَنَّك تسمع وتصغى وتطيع فَلَا تعصى وتعدل وَلَا تميد وتستقيم وَلَا تحيد وتفى وَلَا تغدر وَتثبت وَلَا تَتَغَيَّر فَمَتَى زلت عَن هَذِه المحجة خافرا لأمانتك ورافعا لديانتك فَجحدت الله تَعَالَى ربوبيته وأنكرته وحدانيته وَقطعت عصمَة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْك وجذذتها ورميت طاعتة وَرَاء ظهرك ونبذتها وَلَقِيت الله يَوْم الْحَشْر إِلَيْهِ وَالْعرض عَلَيْهِ مُخَالفا لأَمره
(2/264)

وخائنا لعهده وَمُقِيمًا على الْإِنْكَار لَهُ ومصرا على الْإِشْرَاك بِهِ وكل مَا حلله الله لَك محرم عَلَيْك وكل مَا تملكه يَوْم رجوعك عَن بذلك وارتجاعك مَا اعطيته من قَوْلك من مَال مَوْجُود ومذخور ومصوغ ومضروب وسارح ومربوط وسائم ومعقول وَأَرْض وضيعة وعقار وعقدة ومملوك وَأمة صَدَقَة على الْمَسَاكِين مُحرمَة على مر السنين وكل امْرَأَة لَك تملك شعرهَا وبشرها وَأُخْرَى تتزوجها من بعْدهَا طَالِق ثَلَاثًا بتاتا طَلَاق الْحَرج وَالسّنة لَا رَجْعَة فِيهَا وَلَا مثنوية وَعَلَيْك الْحَج إِلَى بَيت الله الْحَرَام الذى بِمَكَّة ثَلَاثِينَ مرّة حاسرا حافيا وراجلا مَاشِيا نذرا لَازِما ووعدا صَادِقا لايبرئك مِنْهَا إِلَّا الْقَضَاء لَهَا وَالْوَفَاء بهَا وَلَا قبل الله مِنْك تَوْبَة وَلَا رَجْعَة وَلَا إِقَالَة عَثْرَة وَلَا ضرعة وخذلك يَوْم الاستنصار بحوله وأسلمك عِنْد الاعتصمام بحبلة وَهَذِه الْيَمين قَوْلك قلتهَا قولا فصيحا وسردتها سردا صَحِيحا وأخلصت فِيهَا سرك إخلاصا متينا
(2/265)

وصدقت بهَا عزمك صدقا يَقِينا وَالنِّيَّة فِيهَا نِيَّة فلَان أَمِير الْمُؤمنِينَ دون نيتك والطوية فِيهَا طويته دون طويتك وأشهدت الله على نَفسك بذلك وَكفى بِاللَّه شَهِيدا يَوْم تَجِد كل نفس عَلَيْهَا حَافِظًا ورقيبا
قلت وعَلى هَذَا الأسلوب فِي الْمُبَايعَة رتب الْكتاب الْإِيمَان الَّتِى يحلف بهَا عَن السُّلْطَان فِي زَمَاننَا
الْمَذْهَب الثانى
فِي البيعات أَن تفتتح البعية بِلَفْظ من عبد الله أَبى فلَان فلَان أَمِير الْمُؤمنِينَ سَلام عَلَيْكُم فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يحمد إِلَيْكُم الله الذى لَا أَله إِلَّا هُوَ ويسأله أَن يصلى على ابْن عَمه مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ يُقَال أما بعد فَالْحَمْد لله وَيُؤْتى بِخطْبَة مُنَاسبَة الْمقَام ثمَّ يعزى بالخليفة الماضى إِن كَانَت الْبيعَة مرتبَة على موت خَليفَة وَيذكر قِيَامه بأعباء الْأمة إِلَى حِين ذَهَابه ثمَّ يُقَال إِنَّه لم يُوجد من ينْهض بأعباء الْخلَافَة بعده إِلَّا وَلَده فلَان أَو أَخُوهُ أَو ابْن عَمه أَو نَحْو ذَلِك وَيُؤْتى بتقريظة وَذكر اسْتِحْقَاقه للخلافة دون غَيره ثمَّ الْقَائِم
(2/266)

بالبيعة لَهُ بِحَضْرَتِهِ أَو فِي بعض الْأَطْرَاف بِأخذ الْبيعَة لَهُ على من قبله من الرّعية وعَلى ذَلِك كَانَت تكْتب بيعات الْخُلَفَاء الفاطميين بالديار المصرية بجملتها
وَهَذِه نُسْخَة بيعَة من هَذَا النمط
من عبد الله ووليه أَبى فلَان فلَان بن فلَان الإِمَام الفلانى بِأَمْر الله تَعَالَى أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى من يضمه نطاق الدولة العباسية من أمرائها وأعيانها وكبرائها وأوليائها على اتساع شعوبهم وعساكرها على اخْتِلَاف ضروبهم وقبائل عربها القيسية واليمنية وكافة من تشمله أقطارها من أَصْنَاف الرّعية الْأَمِير مِنْهُم والمأمور وَالْمَشْهُور مِنْهُم والمغمور وَالْأسود والأحمر والأصغر والأكبر وفقهم الله وَبَارك فيهم
سَلام عَلَيْكُم فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يحمد إِلَيْكُم الله الذى لَا أَله الا هُوَ ويسأله أَن يصلى على ابْن عَمه مُحَمَّد
(2/267)

خَاتم النَّبِيين وَسيد الْمُرْسلين صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعَلى آله الطاهرين الآئمة المهديين وَسلم تَسْلِيمًا
أما بعد فَالْحَمْد لله مولى الْمَنّ الجسيم ومبدى الطول العميم ومانح جزيل الْأجر بِالصبرِ الْعَظِيم منيل النعم المتسعة الْفُنُون ومدنى المهج المتعالية التَّنَاوُل للمنون ومبيد الْأَعْمَار ومفنيها وناشر الْأَمْوَات ومحييها والفاتح إِذا استغلقت الْأَبْوَاب وَالْقَائِل {لكل أجل كتاب} الذى لايغير ملكه مُرُور الْغَيْر وَلَا يصرف سُلْطَانه تصرف الْقدر وَلَا يدْرك قدمه وأزليته وَلَا ينْفد بَقَاؤُهُ وسرمديته مُسلم الْأَنَام للحمام ومصمى الْأَنْفس بسهام الاخترام ومورد الْبشر من الْمنية منهلا مَا برحوا فِي رنقة يكرعون ولمرة ييجعون ومفسر ذَلِك بقوله {كل نفس ذائقة الْمَوْت ونبلوكم بِالشَّرِّ وَالْخَيْر فتْنَة وإلينا ترجعون} وَالْحَمْد لله الذى نصب الْأَنْبِيَاء لمراشده أعلاما وَحفظ ببعثهم من الْحق وَالْهدى نظاما 2
(2/268)

وَجعل نبوة ابْن عمنَا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لنبواتهم ختاما وَلم يحم نَبيا مَعَ مَا شرفه من تنَاول وحيه وتلقيه وَلَا عصم إِمَامًا مَعَ اخْتِصَاصه بِفُرُوع منصب الْإِمَامَة وترقية من لِقَاء الْمنية ووداع الأمنية بل أجل لكم مِنْهُم اجلا مَكْتُوبًا وفسح لَهُ أمدا محصورا محسوبا لَا يصرف عَن وُصُوله مقِيله وَلَا يصل إِلَى تجاوزه بِقُوَّة وَلَا حِيلَة سَبيله وَقَضِيَّة قدرَة محكمَة الْأَسْبَاب وعبرة وَاضِحَة لأولى الْأَلْبَاب أوضحها فرقانه الذى أقرّ بإعجازه الجاحد بهَا إِذْ يَقُول مُخَاطبا لنَبيه {وَمَا جعلنَا لبشر من قبلك الْخلد أَفَإِن مت فهم الخالدون} وَالْحَمْد لله الذى منح أَمِير الْمُؤمنِينَ من خَصَائِص الْإِمَامَة وأنوارها وَحَازَ لَهُ من ذخائرها وأودعه من أسرارها وَحَوله فِي آخر تراثها وأصار لَهُ شرف مِيرَاثهَا وَجعله الْقَائِم بحقة والمرشد لخلقه والماحى بهداه لَيْلًا
(2/269)

من الضلال بهيما والحاوى بخلافته مجدا وَلَا يزَال ثَنَاؤُهُ عَظِيما {ذَلِك الْفضل من الله وَكفى بِاللَّه عليما} يحمده أَمِير الْمُؤمنِينَ على ان أوضح بآبائه الآئمة سبل الْحَقَائِق فَأَصْبحُوا خلفاء الْخَالِق وأئمة الْخَلَائق وخوله مَا اختصهم بِهِ من الْإِمَامَة وَرَفعه بهَا إِلَى أشمخ منَازِل الْعلَا وَأَرْفَع مَوَاطِن الْكَرَامَة ويستمده شكرا يوازى النعم الَّتِى أَثْبَتَت لَهُ على سَرِير الْخلَافَة ومنبرها قدما وصبرا يوازن الفجيعة الَّتِى قل لَهَا فيض المدامع دَمًا
ويسأله أَن يصلى على ابْن عَمه مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الذى فض بجهاده جموع الْإِلْحَاد وَحصر بِاجْتِهَادِهِ من مَال عَن الْهدى وحاد وصدع بِمَا أَمر بِهِ حَتَّى عَم التَّوْحِيد ودانت لمعجزاته الْأُمَم وَقد دَعَاهَا وَهُوَ الْمُفْرد الوحيد وَلم يزل مبالغا فِي مرضاة ربه حريصاص على إِظْهَار دينه بِيَدِهِ وَلسَانه وَقَلبه حَتَّى اسْتَأْثر بِهِ وَقَبضه وبدله من الدُّنْيَا شرف جواره وعوضه وأصاره إِلَى افضل نبى نفر وَبشر وَأَحْيَا دين الله وأنشر
(2/270)

وَإِن الإِمَام الفلانى لدين الله أَمِير الْمُؤمنِينَ كَانَ وليا لله شرفه واستخلصه وأفرده بإمامة عصره وخصصه وفوض إِلَيْهِ أَمر خِلَافَته أحله محلا تقع مطارح الهمم دون علوه وإنافته فَقَامَ بِحَق الله ونهض وَعمل بامره فِيمَا سنّ وَفرض وقهر الاعداء بسطواته وعزائمه وَصرف الامور بازمه التَّدْبِير وخزائمه وَبَالغ فِي الذب عَن اشياع المله واجتهد فِي جِهَاد اعداء القبله ووقف على مصلحه الْبِلَاد امله ووفر على مَا يحظى عِنْد الله قَوْله وَعَمله وَلم يتْرك فِي مرضاة خالقه مشقه الا احتملها وَلَا رويه الا صرفهَا فِي ارشاد خلقه واعملها حَتَّى بلغ الغايه المحدوده واستكمل الانفاس المعدودة واحسن الله لَهُ الِاخْتِيَار واثر لَهُ النقله من هَذِه الدَّار والزلفى لسكنى دَار الْقَرار والفوز بمصاحبة الانبياء الابرار والحلول فِي حظائر قدسه مَعَ ابائه الائمه الاطهار فَصَارَ اليه طَاهِر السريرة جميل الْمَذْهَب والصوره مستوجبا بسعيه افضل رضوانه ممهدا بالتقوى لتدبيره اكناف جنانه
(2/271)

وامير الْمُؤمنِينَ يحْتَسب عِنْد الله هَذِه الرزيه الَّتِي عظم بهَا الْمُصَاب وعذب عِنْد تجرعها الْمُصَاب واضرمت الْقُلُوب نَارا واجرت الاماق دَمًا ممارا واطاشت بهولها الاكباد بالحرق وكحلت الاجفان بالارق وكادت لهجومها الصُّدُور تقذف افئدتها وَالدُّنْيَا تنْزع نضرتها وبهجتها وقواعد المله تضعف وتهى والخطوب 168 الكارثه تسهر وَلَا تَنْتَهِي فانا لله وانا اليه رَاجِعُون تَسْلِيمًا لامره الَّذِي لايدفع واذعانا لقضائه الَّذِي لايصد ولايمنع
وَكَانَ الامام الْفُلَانِيّ لدين الله امير الْمُؤمنِينَ عِنْد نقلته جعل لي عقد الحلافة وَنَصّ عَلَيْهِ بارتقاء منصبها الْمَخْصُوص بالانافة وافضى الى بسرها الْمكنون واودعني غامض علمهَا المصون وعهد الى ان اشملكم بِالْعَدْلِ والاحسان والعطف والحنان والرحمه والغفران والمن الرَّائِق الَّذِي لَا يكدره امتنان وان اكون لاعلام الْهدى ناشرا وَبِمَا ارضى الله مجاهرا ولاحزاب القبله
(2/272)

مُظَاهرا مظافرا ولاعداء المله مرغما قاهرا ولمنار التَّوْحِيد رَافعا وَعَن حوزه الاسلام بغاية الامكان دافعا مَعَ علمه بِمَا خصصت بِهِ امير الْمُؤمنِينَ من كرم الشيم وفطرت عَلَيْهِ من الْخلال القاضيه مصَالح الامم واوتيته من اسْتِحْقَاق الامامه واستيجابها ومنحته من الخصائص المبرمه لاسبابها
فتعزوا جَمِيع الاولياء وكافة الامراء وَجَمِيع الاجناد والحاضر من الرعايا والباد عَن امامكم الْمَنْقُول الى دَار الْكَرَامَة بامامكم الْحَاضِر الْمَوْجُود الَّذِي اورثه الله مقَامه وادخلوا فِي بيعَته بصدور مشروحه نقيه وَقُلُوب على مَحْض الطاعه مطويه وثبات فِي الْوَلَاء والمشايعة مرضيه وبصائر لَا تزَال بِنور الْهدى والاستبصار مضيه وامير الْمُؤمنِينَ يسال الله ان يَجْعَل امامته محظوظه بالاقبال دائمه الْكَمَال صافيه من الاكدار معضوضه بمواتاه الاقدار ويوالى حَمده على مَا منحه من الاصطفاء الَّذِي جعله لامور الدّين وَالدُّنْيَا قواما واقامه
(2/273)

للبريه سيدا واماما فاعلموا هَذَا وَاعْمَلُوا بِهِ وَالسَّلَام عَلَيْكُم ورحمه الله وَبَرَكَاته وَكتب يَوْم كَذَا من شهر كَذَا من سنه كَذَا 168 ب الْمَذْهَب الثَّالِث
ان يفتح البيعه بِلَفْظ هَذَا ويعزى بالخليفه الذَّاهِب ان كَانَت البيعه مرتبه على موت ثمَّ يهنى بالخليفه المستقر اَوْ يلوح بِذكر الْخلْع الْمُوجب لخلع المخلوع وَاسْتِحْقَاق المستقر فِي الخلافه بِحَيْثُ لَا يكون فِي التَّلْوِيح الى الْخلْع تنقيص لجَانب المخلوع وَلَا حط لقدره الا ان يكون الْخلْع قد وَقع لموجب شَرْعِي اقْتَضَاهُ الْحَال وَرُبمَا افتتحت البيعه بايه من كتاب الله تَعَالَى وَهَذِه نسخه بيعَة
انشاها الْمقر الشهابي بن فضل الله عِنْد موت الامام المستكفى بِاللَّه ابي الرّبيع سُلَيْمَان بن الْحَاكِم بامر الله ومبايعه ابْنه الْحَاكِم بامر الله بعده امتحانا لخاطره واختبارا لذهنه وَلم يكْتب بهَا وَهِي
(2/274)

{إِن الَّذين يُبَايعُونَك إِنَّمَا يبايعون الله يَد الله فَوق أَيْديهم فَمن نكث فَإِنَّمَا ينْكث على نَفسه وَمن أوفى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ الله فسيؤتيه أجرا عَظِيما} هَذِه بَيْعه رضوَان وَبيعه احسان وَبيعه يشهدها الجماعه وَيشْهد عَلَيْهَا الرَّحْمَن بَيْعه يلْزم طائرها الْعُنُق وتحوم بشائرها على الافق وَتحمل انباءها البراري والبحار مشحونه الطّرق بَيْعه تصلح بِسَبَبِهَا الامه ويمنح بسيلها النعمه ويؤلف بهَا الْأَسْبَاب وَتجْعَل بَينهم مودرة وَرَحْمَة بيعَة يجْرِي بهَا الرفاق وتتزاحم زمر الْكَوَاكِب على حَوْض المجره للوفاق بَيْعه سعيده ميمونه بَيْعه شريفه بهَا السلامه فِي الدّين وَالدُّنْيَا مضمونه بَيْعه صَحِيحه شرعيه بَيْعه ملحوظه مرعيه بَيْعه تسابق اليها كل نيه وتطاوع 169 كل طويه وَتجمع عَلَيْهَا اشتات البريه بَيْعه يستهل بهَا الْغَمَام ويتهلل الْبَدْر التَّمام بَيْعه مُتَّفق على الاجماع عَلَيْهَا والاجتماع لبسط الايدى اليها انْعَقَد
(2/275)

عَلَيْهَا الاجماع وانعقدت صِحَّتهَا بِمن سمع ذَلِك واطاع وبذل فِي تَمامهَا كل امرىء مَا اسْتَطَاعَ وَحصل عَلَيْهَا اتِّفَاق الْأَبْصَار والأسماع وَوصل بهَا الْحق الى مُسْتَحقّه وَوَافَقَ الْخصم وَانْقطع النزاع ونظمها كتاب كريم يشهده المقربون ويتلقاه الْأَئِمَّة الأقربون {الْحَمد لله الَّذِي هدَانَا لهَذَا وَمَا كُنَّا لنهتدي لَوْلَا أَن هدَانَا الله} {ذَلِك من فضل الله علينا وعَلى النَّاس} وإلينا وَللَّه الْحَمد وَإِلَى بني الْعَبَّاس اجْمَعْ على هَذِه الْبيعَة ارباب العقد والحل واصحاب الْكَلَام فِيمَا قل وَجل وولاة الْأُمُور وَالْأَحْكَام وأرباب المناصب والحكام وَحَملَة الْعلم والأعلام وحماة السيوف والأقلام وكابر بني عبد منَاف وَمن انخفض قدره وأناف وسروات قُرَيْش ووجوه بني هَاشم والبقية الطاهرة من بني الْعَبَّاس وخاصة الْأَئِمَّة وَعَامة النَّاس بيعَة ترسى بالحرمين خيامها
(2/276)

وتخفق على المأزمين أعلامها وتتعرف عَرَفَات ببركاتها وتعرف بمنى أَيَّامهَا ويؤمن عَلَيْهَا يَوْم الْحَج الْأَكْبَر ويؤم مَا بَين الرُّكْن وَالْمقَام والمنبر وَلَا يتبقى الا وَجه الله الْكَرِيم وفضله العميم لم يبْق صَاحب علم وَلَا علم وَلَا ضَارب بِسيف وَلَا كَاتب بقلم وَلَا رب حكم وَلَا قَضَاء وَلَا من يرجع اليه فِي اتِّفَاق وَلَا إِمْضَاء وَلَا إِمَام مَسْجِد وَلَا خطيب وَلَا ذُو فتيا يسْأَل فيجيب وَلَا من بَين جنبتي الْمَسَاجِد وَلَا من تضمهم اجنحة المحاريب وَلَا من يجْتَهد فِي رَأْي فيخطئ أَو يُصِيب وَلَا متحدث بِحَدِيث وَلَا مُتَكَلم بقديم وَحَدِيث وَلَا مَعْرُوف بدين وَصَلَاح وَلَا فرسَان حَرْب وكفاح وَلَا راشق لسهام وَلَا طَاعن برماح وَلَا ضَارب بصفاح وَلَا ساع على قدم وَلَا طَائِر بجناح وَلَا مخالط للنَّاس وَلَا قَاعد فِي عزلة وَلَا جمع كَثْرَة وَلَا قلَّة وَلَا من يسْتَقلّ بالجوزاء لواؤة وَلَا يقل فَوق الفرقد ثواؤه وَلَا باد وَلَا حَاضر وَلَا مُقيم وَلَا سَائِر وَلَا أول وَلَا آخر وَلَا مسر فِي بَاطِن وَلَا معلن فِي ظَاهر
(2/277)

وَلَا عرب وَلَا عجم وَلَا راعي إبل وَلَا غنم وَلَا صَاحب أَنَاة وَلَا إبدار وَلَا سَاكن فِي حضر وبادية بدار وَلَا صَاحب عمد وَلَا جِدَار وَلَا سابح فِي الْبحار الزاخرة والبراري القفار وَلَا من يتوقل صهوات الْخَيل وَلَا من يسبل على الْعَجَاجَة الذيل وَلَا من تطلع عَلَيْهِ شمس النَّهَار ونجوم اللَّيْل وَلَا من تظله السَّمَاء وتقله الأَرْض وَلَا من تدل عَلَيْهِ الْأَسْمَاء على اختلافها وترتفع دَرَجَات بَعضهم على بعض حَتَّى آمن بِهَذِهِ الْبيعَة وَأمن الله عَلَيْهِ وهداه إِلَيْهَا وَأقر بهَا وَصدق وغض لَهَا بَصَره خَاشِعًا وأطرق وَمد إِلَيْهَا يَده بالمبايعة ومعتقده بالمتابعة رضى بهَا وارتضاها وَأَجَازَ حكمهَا على نَفسه وأمضاها وَدخل تَحت طاعتها وَعمل بمقتضاها {وَقضي بَينهم بِالْحَقِّ وَقيل الْحَمد لله رب الْعَالمين}
وَالْحَمْد لله الَّذِي نصب الْحَاكِم ليحكم بَين عباده وَهُوَ أحكم الْحَاكِمين وَالْحَمْد لله الَّذِي أَخذ حق آل بَيت نبيه من أَيدي الظَّالِمين وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين ثمَّ
(2/278)

الْحَمد لله رب الْعَالمين ثمَّ الْحَمد لله رب الْعَالمين وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَإنَّهُ لما اسْتَأْثر الله بِعَبْدِهِ {سُلَيْمَان} أَبى الرّبيع الإِمَام المستكفى بِاللَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ كرم الله مثواه وعوضه عَن دَار الْإِسْلَام بدار السَّلَام وَنَقله فزكى بدنه عَن شَهَادَة الْإِسْلَام بِشَهَادَة الْإِسْلَام حَيْثُ آثره ربه بِقُرْبِهِ ومهد لجنبه وأقدمه على مَا أقدمه من يرجوه لعمله وَكَسبه وخار لَهُ فِي جواره رَفِيقًا وَجعل لَهُ على صَالح نَفسه طَرِيقا وأنزله {مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا} الله أكبر ليومه لَوْلَا مخلفه كَادَت تضيق الأَرْض بِمَا رَحبَتْ وتجزى كل نفس بِمَا كسبت وتنبئ كل سريرة بِمَا ادخرت وَمَا خبت لقد أضرم سعير الا انه فِي الجوانح لقد اصر مِنْبَر وسرير لَوْلَا خَلفه الصَّالح لقد اضْطربَ مَأْمُور وأمير لَوْلَا الْفِكر بعده فِي عَاقِبَة الْمصَالح لقد غاضت الْبحار لقد غَابَتْ الْأَنْوَار لقد غَالب البدور وَمَا يلْحق الْأَهِلّة من المحاق
(2/279)

وَيدْرك الْبَدْر من السرَار نسفت الْجبَال نسفا وخبت مصابيح النُّجُوم وكادت تطفى {وَجَاء رَبك وَالْملك صفا صفا} لقد جمعت الدُّنْيَا أطرافها وعزمت على الْمسير وخضعت الْأمة لهول الْمصير وزاغت يَوْم مَوته الْأَبْصَار {إِن رَبهم بهم يَوْمئِذٍ لخبير} وَبقيت الْأَلْبَاب حيارى ووقفت تَارَة تصدق وَتارَة تتمارى لَا تعرف قرارا وَلَا على الأَرْض استقرارا {إِن زَلْزَلَة السَّاعَة شَيْء عَظِيم يَوْم ترونها تذهل كل مُرْضِعَة عَمَّا أرضعت وتضع كل ذَات حمل حملهَا وَترى النَّاس سكارى وَمَا هم بسكارى} وَلم يكن فِي النّسَب العباسي وَلَا فِي جَمِيع من فِي الْوُجُود وَلَا فِي الْبَيْت المسترشدي وَلَا فِي غَيره من بيُوت الْخُلَفَاء من بقايا آبَاء لَهُم وجدود وَلَا من تلده إِحْدَى اللَّيَالِي وَهِي عَاقِر غير ولود من تسلم إِلَيْهِ أمة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عقد نياتها إِلَّا وَاحِد
(2/280)

وَأَيْنَ ذَلِك الْوَاحِد هُوَ وَالله من انحصر فِيهِ اسْتِحْقَاق مِيرَاث آبَائِهِ الْأَطْهَار وتراث أجداده وَلَا شئ هُوَ إِلَّا مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ رِدَاء اللَّيْل وَالنَّهَار وَهُوَ ابْن الْمُنْتَقل الى ربه وَولد الإِمَام الذَّاهِب لصلبه الْمجمع على أَنه فِي الْأَمَام فَرد هُوَ الْأَمَام وَوَاحِد وَهَكَذَا هُوَ فِي الْوُجُود الإِمَام وانه الْحَائِز لما زرت عَلَيْهِ جُيُوب الْمَشَارِق والمغارب والفائز بِملك مَا بَين الشارق وَالْغَارِب الراقي فِي صفح السَّمَاء هَذِه الدورة المنيفة الْبَاقِي بعد الْأَئِمَّة الماضين رَضِي الله عَنْهُم وَنعم الْخَلِيفَة الْمُجْتَمع فِيهِ شُرُوط الْإِمَامَة المتضع لله وَهُوَ من بَيت لَا يزَال الْملك فيهم الى يَوْم الْقِيَامَة الَّذِي تصفح السَّحَاب نائله وَالَّذِي لَا يغره عاذره وَلَا يُغَيِّرهُ عاذله وَالَّذِي ... تعود بسط الْكَفّ حَتَّى لَو انه ... ثناها لقبض لم تطعه أنامله ... وَالَّذِي ... لَا هُوَ فِي الدُّنْيَا مضيع نصِيبه ... وَلَا ورق الدُّنْيَا عَن الدّين شاغله ...
(2/281)

وَالَّذِي مَا ارْتقى صهوة الْمِنْبَر بِحَضْرَة سُلْطَان زَمَانه إِلَّا مَال باصره وَقَامَ قائمه وَلَا قعد على سَرِير الْخلَافَة الا وَعرف انه مَا خَابَ مستكفيه وَلَا غَابَ حاكمه نَائِب الله فِي ارضه والناهض بسنته وفرضه والقائم بمقام رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وخليفته وَابْن عَمه وتابع عمله الصَّالح ووارث علمه سيدنَا ومولانا عبد الله ووليه احْمَد ابو الْعَبَّاس الْحَاكِم بامر الله امير الْمُؤمنِينَ ابْن الامام المستكفى بِاللَّه ابي الرّبيع سُلَيْمَان ايد الله تَعَالَى بِبَقَائِهِ الدّين وطوق بِسَيْفِهِ الْمُلْحِدِينَ وكبت تَحت لوائه الْمُعْتَدِينَ وَكتب لَهُ النَّصْر الى يَوْم الدّين وكف بجهاده المفسدين واعاذ بِهِ الارض مِمَّن لَا يدين بدين واعاد بعدله ايام آبَائِهِ الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَالْأَئِمَّة المهديين الَّذين قضوا بِالْحَقِّ وَبِه كَانُوا يعدلُونَ وَعَلِيهِ كَانُوا يعْملُونَ وَنصر أنصاره وَقدر اقتداره واسكن فِي الْقُلُوب هيبته ووقاره وَمكن لَهُ فِي الْوُجُود وَجمع لَهُ اقطاره
وَلما انْتقل الى الله {ذَلِك} السَّيِّد وَلحق بدار الْحق اسلافه
(2/282)

وَنقل الى سرر الْجنَّة من سَرِير الْخلَافَة وخلا الْعَصْر من امام يمسك مَا بقى من نَهَاره وَخَلِيفَة يغالب مربد اللَّيْل بأنواره ووارث نَبِي بِمثلِهِ وَمثل ابيه اسْتغنى الْوُجُود بعد ابْن عَم نبيه خَاتم الْأَنْبِيَاء صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن نَبِي مقتف على آثاره وَنسي وَلم يعْهَد فَلم يبْق اذ لم يُوجد النَّص الا الْإِجْمَاع وَعَلِيهِ كَانَت الْخلَافَة بعد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِلَا نزاع اقْتَضَت الْمصلحَة الجامعة عقد مجْلِس كل طرف بِهِ مَعْقُود وَعقد بيعَة عَلَيْهَا الله وَالْمَلَائِكَة شُهُود وَجمع النَّاس لَهُ {ذَلِك يَوْم مَجْمُوع لَهُ النَّاس وَذَلِكَ يَوْم مشهود} فَحَضَرَ من لم يعبأ بعده بِمن تخلف وَلم يربأ مَعَه وَقد مد يَده طَائِعا لمن مدها وَقد تكلّف واجتمعوا على رأى وَاحِد واستخاروا الله تَعَالَى فِيهِ فخار وناهيك بذلك من مُخْتَار وَأخذت يَمِين تمد اليها الْأَيْمَان ويشد بهَا الْإِيمَان وتعطى عَلَيْهَا المواثيق وَتعرض امانتها على كل فريق حَتَّى تقلد كل من حضر فِي عُنُقه هَذِه الْأَمَانَة وَحط يَده على
(2/283)

الْمُصحف الْكَرِيم وَحلف بِاللَّه الْعَظِيم وَأتم ايمانه وَلم يقطع وَلم يسْتَثْن وَلم يتَرَدَّد وَمن قطع من غير قصد اعاد وجدد وَقد نوى كل من حلف ان النِّيَّة فِي يَمِينه نِيَّة من عقدت هَذِه الْبيعَة لَهُ وَنِيَّة من حلف لَهُ وتذمم بِالْوَفَاءِ فِي ذمَّته وتكفله على عَادَة ايمان الْبيعَة بشروطها واحكامها المرددة واقسامها الْمُؤَكّدَة بِأَن يبْذل لهَذَا الإِمَام المفترضة طَاعَته الطَّاعَة وَلَا يُفَارق الْجُمْهُور وَلَا يظْهر عَن الْجَمَاعَة انجماعه وَغير ذَلِك مِمَّا تضمنته نسخ الْأَيْمَان المكتتب فِيهَا اسماءمن حلف عَلَيْهَا مِمَّا هُوَ مَكْتُوب بخطوط من يكْتب مِنْهُم وخطوط الْعُدُول الثِّقَات عَمَّن لم يكْتب واذنوا لمن يكْتب عَنْهُم حسب مَا يشْهد بِهِ بَعضهم على بعض ويتصادق عَلَيْهِ اهل السَّمَاء والارض بيعَة تمّ بِمَشِيئَة الله تَمامهَا وَعم بالصوب الغدق غمامها {وَقَالُوا الْحَمد لله الَّذِي أذهب عَنَّا الْحزن} ووهب لنا الْحسن ثمَّ الْحَمد لله الْكَافِي عَبده الوافي وعده الموافي لمن يُضَاعف على كل موهبة حَمده ثمَّ الْحَمد لله على نعم يرغب أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي ازديادها ويرهب الا أَن يُقَاتل أَعدَاء الله بأمدادها
(2/284)

ويرأب بهَا مَا آثر فِيمَا آثر مماليكه مِمَّا بَان من مباينة أضدادها
نحمده وَالْحَمْد لله ثمَّ الْحَمد لله كلمة لَا يمل من تردادها وَلَا نخل بِمَا يَنُوب السِّهَام من سدادها وَلَا نظل الا على مَا يُوجب بِكَثْرَة أعدادها وتيسير أقدار على أورادها ونشهد أَن لَا اله الا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة يتقايس دم الشُّهَدَاء وَمد مدادها وتتنافس طرر الشَّبَاب وغرر السَّحَاب على استمدادها وتتجانس رقومها المدبجة وَمَا تلبسه الدولة العباسية من شعارها والليالي من دثارها والأعداء من حدادها ونشهد أَن سيدنَا مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعَلى جمَاعَة آله من سفل من أبنائها وَمن سلف من أجدادها وَرَضي الله عَن الصَّحَابَة أَجْمَعِينَ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان الى يَوْم الدّين
وَبعد فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ لما اكسبه الله تَعَالَى من مِيرَاث النُّبُوَّة مَا كَانَ لجده ووهبه من الْملك السُّلَيْمَانِي
(2/285)

عَن أَبِيه مَا لَا يَنْبَغِي لأحد من بعدة وَعلمه منطق الطير بِمَا تتحمله حمائم البطائق من بَدَائِع الْبَيَان وسخر لَهُ من الْبَرِيد على متون الْخَيل مَا سخر من الرّيح لِسُلَيْمَان واتاه من خَاتم الانبياء مَا امده بِهِ ابوه سُلَيْمَان وَتصرف واعطاه من الفخار مَا اطاعه بِهِ كل مَخْلُوق وَلم يتَخَلَّف وَجعل لَهُ من لِبَاس بنى الْعَبَّاس مَا يقْضى لَهُ سوَادَة بسؤدد الأجداد وينفض على كحل الهدب مَا فضل عَن سويداء الْقلب وَسَوَاد الْبَصَر من السوَاد ويمد ظلة على الأَرْض فَكل مَكَان حلَّة دَار ملك وكل مَدِينَة بَغْدَاد وَهُوَ فِي ليله السَّجَّاد وَفِي نَهَاره العسكرى وَفِي كرمه جَعْفَر الْجواد يديم الابتهال إِلَى الله تَعَالَى فِي توفيقه والابتهاج بِمَا يغص كل عَدو بريقه وَيبدأ يَوْم هَذِه الْمُبَايعَة بِمَا هُوَ الأهم من مصَالح الْإِسْلَام وَصَالح الْأَعْمَال مِمَّا يتحلى بِهِ الإِمَام وَيقدم التَّقْوَى أَمَامه ويقرن عَلَيْهَا أَحْكَامه وَيتبع الشَّرْع الشريف وَيقف عِنْده وَيُوقف النَّاس وَمن لايحمل أمره طَائِعا على الْعين حَملَة بِالسَّيْفِ غصبا على الراس ويعجل أَمِير الْمُؤمنِينَ بِمَا
(2/286)

يشفى بِهِ النُّفُوس ويزيل بِهِ كيد الشَّيْطَان إِنَّه يؤوس وياخذ بقلوب الرّعية وَهُوَ غنى عَن ذَا وَلكنه يسوس وأمير الْمُؤمنِينَ يشْهد الله وخليقته عَلَيْهِ أَنه أقرّ كل امْرِئ من وُلَاة الْأُمُور الإسلامية على حَاله وَاسْتمرّ فِي مقِيله تَحت كنف ظلاله على اخْتِلَاف طَبَقَات وُلَاة الْأُمُور وتفرقهم فِي الممالك والثغور برا وبحرا سهلا ووعرا وشرقا وغربا وبعدا وقربا وكل جليل وحقير وَقَلِيل وَكثير صَغِير وكبير وَملك ومملوك وأمير وجندى يَبْرق لَهُ سيف شهير ورمح طرير وَمن مَعَ هَؤُلَاءِ من وزراء وقضاة وَكتاب وَمن لَهُ يَد تبقى فِي إنْشَاء وَتَحْقِيق حِسَاب وَمن يتحدث فِي بريد وخراج وَمن يحْتَاج إِلَيْهِ وَمن لايحتاج وَمن فِي الدُّرُوس والمدارس والربط والزوايا والخوانق وَمن لَهُ أعظم التعلقات وَأدنى العلائق وَسَائِر أَرْبَاب الْمَرَاتِب وَأَصْحَاب الرَّوَاتِب وَمن لَهُ فِي مَال الله رزق مقسوم وَحقّ مَجْهُول أَو مَعْلُوم واستمرار كل امْرِئ على مَا هُوَ عَلَيْهِ حَتَّى يستخير الله ويتبين لَهُ مَا بَين يَدَيْهِ فَمن زَاد تأهيله زَاد تفضيله والا فأمير المؤمين لَا يرى سوى وَجه الله وَلَا يحابى أحدا فِي دين
(2/287)

وَلَا يحامى عَن أحد فِي حق فَإِن المحاماة فِي الْحق مداجاة على الْمُسلمين وَكلما هُوَ مُسْتَمر إِلَى الْآن مُسْتَمر على حكم الله مِمَّا فهمه الله وفهمه سُلَيْمَان لايغير أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي ذَلِك وَلَا فِي بعضه مَا يعْتَبر مستديما شكر الله على نعْمَة وَكَذَلِكَ يجازى من شكر وَلَا يكدر على أحد موردا نزه الله بِهِ نعْمَة الصافية عَن الكدر وَلَا يتَأَوَّل فِي ذَلِك متأول وَلَا من فجر نعْمَة أَو كفر وَلَا يتعلل متعلل فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يعوذ بِاللَّه ويعيذ أَيَّامه من الْغَيْر وَأمر أَمِير الْمُؤمنِينَ أَعلَى الله أمره أَن يعلن الخطباء بِذكرِهِ وَذكر سُلْطَان زَمَانه على المنابر فِي الْآفَاق وَأَن يضْرب باسمهما النُّقُود المتعامل بهَا على الْإِطْلَاق ويبتهل بِالدُّعَاءِ لَهما عطف اللَّيْل وَالنَّهَار وَيُصَرح مِنْهُ بِمَا يشرق بِهِ وَجه الدِّرْهَم وَالدِّينَار ويضاهى بِهِ المنابر ودور الضَّرْب هاتيك ترفع اسمهما على أسرة مهودها وهذى على أسارير نقودها وهذى تُقَام بِسَبَبِهَا الصَّلَاة وَتلك تدام بهَا الصلات وَكِلَاهُمَا تستمال بِهِ الْقُلُوب وَلَا يلام على مَا تعيه الآذان وتوعيه الْجُيُوب
(2/288)

وَمَا مِنْهُمَا إِلَّا من تحدق نَحوه الأحداق وتميل إِلَيْهِ الْأَعْنَاق وتبلغ بِهِ الْمَقَاصِد ويقوى بهما المعاضد وَكِلَاهُمَا أَمر مُطَاع من غير نزاع وَإِذا لمعت أزمة الْخطب طَار لِلذَّهَبِ شُعَاع ولولاهما مَا اجْتمع جمع وَلَا انْضَمَّ وَلَا عرف الْأَنَام بِمن تأتم فالخطب وَالذَّهَب مَعْنَاهُمَا وَاحِد وَبِهِمَا يذكر الله قيماء الْمَسَاجِد وَلَوْلَا الْأَعْمَال مَا بذلت الْأَمْوَال وَلَوْلَا الْأَمْوَال مَا وليت الْأَعْمَال وَلأَجل مَا بَينهمَا من هَذِه النِّسْبَة قيل إِن الْملك لَهُ السِّكَّة وَالْخطْبَة وَقد أسمع أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي هَذَا الْجمع الْمَشْهُود مَا يتناقله كل خطيب ويتداوله كل بعيد وَقَرِيب وَإِن الله أَمر بأوامر وَنهى عَن نَوَاه وَهُوَ رَقِيب ويستفرغ الْأَوْلِيَاء لَهُ السجايا وتفرع الخطباء فِيهَا بنعوت الْوَصَايَا وتكمل بهَا المزايا وتتكلم بهَا المواعظ وَتخرج من الْمَشَايِخ الخبايا من الزوايا وتستمر بهَا السمار وتتناقلها رُوَاة الْأَخْبَار ويترنم بهَا الحادى والملاح
(2/289)

ويرق سجوها فِي اللَّيْل المقمر ويرقم على جنب الصَّباح وتعطر بهَا مَكَّة بطحاءها وتحيا بحديثها قباه ويلقنها كل أَب فهم ابْنه وَيسْأل كل ابْن أَن يُجيب أَبَاهُ وَهُوَ لكم أَيهَا النَّاس من أَمِير الْمُؤمنِينَ وَعَلَيْكُم بَيِّنَة وإليكم مَا دعَاكُمْ بِهِ إِلَى سَبِيل ربه من الْحِكْمَة وَالْمَوْعِظَة الْحَسَنَة ولأمير الْمُؤمنِينَ عَلَيْكُم الطَّاعَة وَلَوْلَا قيام الرعايا بهَا مَا قبل الله أَعمالهَا وَلَا أمسك بهَا الْبَحْر ودحا الأَرْض وأرسى جبالها وَلَا اتّفقت الآراء على من يسْتَحق وَجَاءَت إِلَيْهِ الْخلَافَة تجر أذيالها وَأَخذهَا دون بنى أَبِيه وَلم تكن تصلح إِلَّا لَهُ وَلم يكن يصلح إِلَّا لَهَا وَقد كفاكم أَمِير الْمُؤمنِينَ السُّؤَال بِمَا فتح لكم من أَبْوَاب الأرزاق وَأَسْبَاب الارتفاق وَأحسن لكم من وفاقكم وعلمكم مَكَارِم الْأَخْلَاق وأجراكم على عوائدكم وَلم يمسك خشيَة الإملاق وَلم يبْق على أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَّا أَن يسير فِيكُم بِكِتَاب الله وَسنة رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَيعْمل بِمَا ينْتَفع بِهِ من يجِئ أَطَالَ الله بَقَاء أَمِير الْمُؤمنِينَ
(2/290)

من بعده وَيزِيد على كل من تقدم وَيُقِيم فروض الْحَج وَالْجهَاد وينيم الرعايا بعدله الشَّامِل فِي مهاد وأمير الْمُؤمنِينَ يُقيم عبَادَة موسم الْحَرَمَيْنِ الشريفين وسدنة بَيت الله الْحَرَام ويجهز السَّبِيل على عَادَته ويرجو أَن يعود إِلَى حَالَة الأول فِي سالف الْأَيَّام ويتدفق فِي هذَيْن المسجدين بحرة الزاخر وَيُرْسل إِلَى ثالثهما الْبَيْت الْمُقَدّس ساكب الْغَمَام وَيقوم بقومة قُبُور الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم أَيْن كَانُوا وَأَكْثَرهم فِي الشَّام وَالْجمع وَالْجَمَاعَات هِيَ فِيكُم على قديم سننها وقويم سننها وستزيد فِي أَيَّام أَمِير الْمُؤمنِينَ بِمن أنضم إِلَيْهِ وَفِيمَا يتسلمه من بِلَاد الْكفَّار وَيسلم على يَدَيْهِ وَأما الْجِهَاد فيكفى بِاجْتِهَادِهِ الْقَائِم عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ بأموره الْمُقَلّد عَنهُ جَمِيع مَا وَرَاء سَرِيره فأمير الْمُؤمنِينَ قد وكل إِلَيْهِ خلد الله سُلْطَانه الْأَنَام وقلده سَيْفه الراعب بوارقه ليسله واجده على الْأَعْدَاء سل خياله عَلَيْهِم فِي
(2/291)

الأحلام ويؤكد أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي ارتجاع مَا غلب عَلَيْهِ العدا وانتزاع أَيْديهم من بِلَاد الْإِسْلَام فَإِنَّهُ حق وَإِن طَال عَلَيْهِ المدى وَقد تقدّمت الْوَصِيَّة بَان يَغْزُو الْعَدو المخذول برا وبحرا وَلَا يكف عَمَّن يظفر بِهِ مِنْهُم قتلا وأسرا وَلَا يفك أغلالا وَلَا إصرا وَلَا يَنْفَكّ يُرْسل عَلَيْهِم فِي الْبَحْر غربانا وَفِي الْبر من الْخَيل عقبانا يحمل مِنْهَا كل فَارس صقرا ويحمى الممالك مِمَّن يجوز أطرافها بأقدام ويتخول أكنافها بالإقدام وَينظر فِي مصَالح القلاع والحصون والثغور وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من الآت الْقِتَال وَمَا تجتاح بِهِ الْأَعْدَاء ويعجز عَنهُ الْمُحْتَال وَأُمَّهَات الممالك الَّتِى هِيَ مرابط البنود ومرابض الْأسود والأمراء والعساكر والجنود وترتيبهم فِي الميمنة والميسرة بالجناح الْمَمْدُود وليتفقد أَحْوَالهم بِالْعرضِ بِمَا لَهُم من خيل تعقد بَين السَّمَاء وَالْأَرْض وَمَا لَهُم من زرد مصون وبيض مَسهَا ذائب ذهب فَكَانَت كَأَنَّهَا بيض مَكْنُون وسيوف قواضب ورماح لِكَثْرَة طَعنهَا من الدِّمَاء خواضب وسهام تواصل القسى وتفارقها فتحن
(2/292)

حنين مفارق وتزمجر الْقوس زمجرة مغاضب
وَهَذِه جملَة أَرَادَ أَمِير الْمُؤمنِينَ بهَا تطبيب قُلُوبكُمْ وإطالة ذيل التَّطْوِيل على مطلوبكم ودمائكم وَأَمْوَالكُمْ وَأَعْرَاضكُمْ فِي حماية إِلَّا مَا أَبَاحَ الشَّرْع المطهر ومزيد الْإِحْسَان إِلَيْكُم على مِقْدَار مَا يخفى مِنْكُم وَيظْهر وَأما جزئيات الْأُمُور فقد علمْتُم بِأَن فِيمَن تقلد عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ غنى عَن مثل هَذِه الذكرى وولاة حق لَا تشغل بِطَلَب شئ فكرا وفى وُلَاة الْأُمُور ورعاة الْجُمْهُور وَمن هُوَ سداد عمله ومداد أمله وَمُرَاد من هُوَ مِنْكُم معشر الرعايا من قبله وَأَنْتُم على تفَاوت مقاديركم وَدِيعَة أَمِير الْمُؤمنِينَ وَمن حَوْلكُمْ وَأَنْتُم وهم فَمَا مِنْكُم إِلَّا من سيعرف أَمِير الْمُؤمنِينَ ويمضى فِي مراضى الله على سلفه وَينظر مَا هُوَ عَلَيْهِ ويسير بسيرته المثلى فِي طَاعَة الله فِي خَلفه وكلكم سَوَاء فِي الْحق عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ وَله عَلَيْكُم أَدَاء النَّصِيحَة وإبداء الطَّاعَة بسريرة صَحِيحَة وَقد دخل كل مِنْكُم فِي كنف أَمِير الْمُؤمنِينَ وَتَحْت رأفته وَلَزِمَه حكم بيعَته وألزم طَائِره فِي عُنُقه
(2/293)

وَيسْتَعْمل كل مِنْكُم فِي الْوَفَاء مَا أصبح بِهِ عليما {وَمن أوفى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ الله فسيؤتيه أجرا عَظِيما}
هَذَا قَول أَمِير الْمُؤمنِينَ وعَلى هَذَا عهد إِلَيْهِ وَبِه يعْهَد وَمَا سوى هَذَا فَهُوَ فجور لَا يشْهد بِهِ عَلَيْهِ وَلَا يشْهد وَهُوَ يعْمل فِي ذَلِك كُله مَا تحمد عاقبته من الْأَعْمَال وَيحمل مِنْهُ مَا يصلح لَهُ الْمَآل لَا المَال وأمير الْمُؤمنِينَ يسْتَغْفر الله على كل حَال ويستعيذ بِاللَّه من الإهمال وَيسْأل الله أَن يمده بِمَا يحب من الإبتهال وَلَا يمد لَهُ حَبل الْإِمْهَال وَيخْتم أَمِير الْمُؤمنِينَ قَوْله بِمَا أَمر الله بِهِ من الْعدْل وَالْإِحْسَان ويحمد الله وَهُوَ من الْخلق أَحْمد وَقد آتَاهُ الله ملك سُلَيْمَان وَالله تَعَالَى يمتع أَمِير الْمُؤمنِينَ بِمَا وهبه ويملكه أقطار الأَرْض ويورثه بعد الْعُمر الطَّوِيل عقبه وَلَا يزَال على أسرة العلياء قعوده ولباس الْخلَافَة بِهِ أبهة الْجَلالَة كَأَنَّهُ مَا مَاتَ منصورة وَلَا أودى مهدية وَلَا ذهب رشيده
(2/294)

الْمَذْهَب الرَّابِع
من البيعات الَّتِى تكْتب للخلفاء أَن تفتتح الْبيعَة بِالْحَمْد لله وَهُوَ الذى اسْتَقر عَلَيْهِ الْعَمَل فِي زَمَاننَا جَريا على طَريقَة متأخرى كتاب الديار المصرية فِي كِتَابه عهود الْخُلَفَاء والملوك
وَهَذِه نُسْخَة بيعَة أنشأتها مرتبَة على موت الْخَلِيفَة الذى قبله وهى
الْحَمد لله الذى جعل الْأمة المحمدية أبذخ الْأُمَم شرفا وَأَكْرمهَا نجارا وأفضلها سلفا وَجعل رُتْبَة الْخلَافَة أَعلَى الرتب رُتْبَة وأعزها كنفا وَخص الشَّجَرَة الطّيبَة من قُرَيْش بِأَن جعل مِنْهُم الْأَئِمَّة الْخُلَفَاء وآثر الأسرة العباسية مِنْهَا بذلك دَعْوَة سبقت من ابْن عمهم الْمُصْطَفى وَحفظ بهم نظامها على الدَّوَام فَجعل مِمَّن سلف مِنْهُم خلفا
نحمده على أَن هيأ من مُقَدمَات الرشد مَا طَابَ الزَّمَان
(2/295)

بِهِ وَصفا وجدد من رسوم الْإِمَامَة بِخَير إِمَام مَا درس مِنْهَا وَعَفا وَأقَام للْمُسلمين إِمَامًا تأرج الجو بنشره فَأصْبح الْوُجُود بعرفه معترفا
ونشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة مخلص تمسك بعهدها فوفى وَأَعْطَاهَا صَفْقَة يَده للمبايعة فَلَا يبغى عَنْهَا مصرفا وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الذى تدارك الله بِهِ الْعَالم بعد أَن أشفى فشفى وَنسخت آيَة دينه الْأَدْيَان وجلا بشرعته المنيرة من ظلمه الْجَهْل سدفا وَجعل مبايعة مبايعا لله يَأْخُذهُ بالنكث ويوفيه أجره على الوفا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعَلى آله الْأَطْهَار وعترته الشرفا وَرَضي الله عَن أَصْحَابه الَّذين لَيْسَ مِنْهُم من عَاهَدَ الله فغدر وَلَا وَاد فِي الله فجفا خُصُوصا من جَاءَ بِالصّدقِ وَصدق بِهِ فَكَانَ لَهُ قرَابَة الْقرب وصفوة الصَّفَا والمرجوع اليه فِي الْبيعَة يَوْم السَّقِيفَة بَعْدَمَا اشرأبت نَحْوهَا نفوس كَادَت تذوب عَلَيْهَا اسفا والقائم فِي قتال اهل الرِّدَّة من بني حنيفَة حَتَّى استقاموا على الحنيفة السمحة حنفا وَمن اسْتَحَالَ دلو الْخلَافَة فِي يَده غربا فَكَانَ اشد عبقري
(2/296)

قَائِم بأمرها فَكفى وعمت فتوحه الْأَمْصَار وحملت اليه اموالها فَلم يمْسِكهَا إقتارا وَلم يبذر فِيهَا سَرفًا وَمن كَانَ فَضله لسهم الِاخْتِيَار من بَين اصحاب الشورى هدفا وَجمع النَّاس فِي الْقُرْآن على صحيفَة وَاحِدَة وَكَانَت قبل ذَلِك صحفا وَمن سرى اليه سر أما ترْضى أَن تكون مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى فغدى يجر من ذيل الفخار سجفا وَاسْتولى على المكارم من كل جَانب فحاز اطرافها طرفا طرفا وعَلى سَائِر الْخُلَفَاء الرَّاشِدين بعدهمْ مِمَّن سلك سَبِيل الْحق ولطريق الْهدى اقتفى صَلَاة ورضوانا يذهبان الدَّاء العضال من وخامة الْغدر ويجلبان الشفا ويرفعان قدر صَاحبهمَا فِي الدُّنْيَا ويبوئان منتحلهما من جنَّات النَّعيم غرفا
أما بعد فَإِن عقد الْإِمَامَة لمن يقوم بِأَمْر الْأمة وَاجِب الْإِجْمَاع مُسْتَند لأقوى دَلِيل تَنْقَطِع دون نقضه الأطماع وتنبو عَن سَماع مَا يُخَالِفهُ الأسماع إِذْ الْعباد مجبولون على التباين والتغاير مطبوعون على التخالف والتنافر مضطرون الى التعاون والتجاور مفتقرون الى التعاضد
(2/297)

والتناصر فَلَا بُد من زعيم يمنعهُم من التظالم ويحملهم على التناصف فِي التداعي والتحاكم وَيُقِيم الْحُدُود فتصان الْمَحَارِم عَن الانتهاك وَتحفظ الْأَنْسَاب عَن الِاخْتِلَاط والاشتراك ويحمى بَيْضَة الْإِسْلَام فَيمْنَع ان تطرق ويصون الثغور أَن يتَوَصَّل اليها أَو يتَطَرَّق ليعز الْإِسْلَام دَارا ويطمئن المستخفى لَيْلًا ويأمن السارب نَهَارا ويذب عَن الْحرم فتحترم ويذود عَن الْمُنْكَرَات فَلَا تغشى بل تصطلم ويجهز الجيوش فتنكأ الْعَدو ويغير على بِلَاد الْكفْر فيمنعهم الْقَرار والهدو ويرغم أنف الفئة الباغية ويقمعها ويزجر الطَّائِفَة المبتدعة ويردعها وَيَأْخُذ اموال بَيت المَال بِحَقِّهَا فيطاوع ويصرفها الى مستحقيها فَلَا يُنَازع لَا جرم اعْتبر للْقِيَام بهَا أكمل الشُّرُوط وَأتم الصِّفَات وَأكْرم الشيم وَأحسن السمات
وَكَانَ السَّيِّد الْأَعْظَم الإِمَام النَّبَوِيّ سليل الْخلَافَة وَولي الْإِمَامَة أَبُو فلَان فلَان العباسي المتَوَكل على الله مثلا امير الْمُؤمنِينَ رضوَان الله عَلَيْهِ وعَلى آبَائِهِ الرَّاشِدين
(2/298)

هُوَ الَّذِي جمع شُرُوطهَا فوفاها وأحاط مِنْهَا بِصِفَات الْكَمَال واستوفاها ورامت بِهِ ادنى مراتبها فبلغت بِهِ الى اغياها وتسور الى معاليها فرقى الى اعلاها واتحد بهَا فَكَانَ معنى صورتهَا ومغناها وَكَانَت الْإِمَامَة قد تأيمت مِمَّن يقوم بأعبائها وعزت خطابها لقلَّة أكفائها فَلم تلف لَهَا بعلا تطلبه يكون لَهَا قرينا وَلَا كفوا تخطبه يكون لَدَيْهَا مكينا إِلَّا الإِمَام الْفُلَانِيّ الْمشَار اليه فدعَتْ لخطبتها وَهِي بنت عرسه {وراودته الَّتِي هُوَ فِي بَيتهَا عَن نَفسه} فَأجَاب خطبتها ولبى دعوتها لتحققه رغبتها اليه وَعلمه بِوُجُوب إجابتها عَلَيْهِ إِذْ هُوَ شبلها النَّاشِئ بغابها وغيثها المستمطر من سحابها بل هُوَ اسدها الهصور وقطب فلكها الَّذِي عَلَيْهِ تَدور ومعقلها الأمنع الْحصين وعقدها الْأَنْفس الثمين وفارسها الأروع وليثها الشهير وَابْن بجدتها الساقطة مِنْهُ على الْخَبِير وتلادها الْعَلِيم بأحوالها والجدير بِمَعْرِِفَة أقوالها وأفعالها وترجمانها الْمُتَكَلّم بلسانها وعالمها المتفنن فِي افنانها وطبيبها
(2/299)

الْعَارِف بطبها ومنجدها الكاشف لكربها
وَحين بلغت من الْقَصْد سولها ونالت بالإجابة مِنْهُ مأمولها وَحرم على غَيره أَن يسومها لذَلِك تَلْوِيحًا أَو يعرج على خطبتها تعريضا وَتَصْرِيحًا احْتَاجَت الى ولي يُوجب عقدهَا وشهود تحفظ عهدها فَعندهَا قَامَ السُّلْطَان الْأَعْظَم الْملك الْفُلَانِيّ بِالْأَلْقَابِ السُّلْطَانِيَّة الى آخرهَا خلد الله سُلْطَانه وَنصر جُنُوده وجيوشه واعوانه فانتصب لَهَا وليا وَأقَام يفكر فِي أمرهَا مَلِيًّا فَلم يجد احق بهَا مِنْهُ فتجنب عضلها فَلم تكن تصلح الا لَهُ وَلم يكن يصلح الا لَهَا فَجمع أهل الْحل وَالْعقد المعتزين للاعتبار والعارفين بِالنَّقْدِ من الْقُضَاة وَالْعُلَمَاء والأمراء ووجوه النَّاس وأعيان الدولة والوزراء وَأهل الْخَيْر والصلحاء وأرباب الرَّأْي والنصحاء فاستشارهم فِي ذَلِك فصوبوه وَلم يرَوا الْعُدُول عَنهُ الى غَيره بِوَجْه من الْوُجُوه فاستخار الله تَعَالَى وَبَايَعَهُ فَتَبِعَهُ أهل الِاخْتِيَار فَبَايعُوا وانْتهى ذَلِك الى الكافة فتابعوا وانقادوا لحكمه
(2/300)

وطاوعوا فقابل عقدهَا بِالْقبُولِ بِمحضر من الْقُضَاة وَالشُّهُود فلزمت وَمضى حكمهَا على الصِّحَّة وانبرمت وَلما تمّ عقدهَا وطلع بصبح الْيمن سعدها التمس الْمقَام الشريف السلطاني الملكي الْفُلَانِيّ الْمشَار إِلَيْهِ أَعلَى الله شرف سُلْطَانه وَرفع مَحَله وَقرن بالتوفيق فِي كل أَمر عقده وحله أَن يَنَالهُ عهدها الوفي وَيرد مِنْهَا موردها الصفي ليرْفَع بذلك عَن أهل الدّين حجبا ويزداد من الْبَيْت النَّبَوِيّ قربا فتعرض لنفحاتها من مقراتها وتطلب بركاتها من مظناتها وَرغب الى أَمِير الْمُؤمنِينَ وَابْن عَم سيد الْمُرْسلين صلوَات الله عَلَيْهِم اجمعين أَن يجدد لَهُ بِعَهْد السلطنة الشَّرِيفَة عقدا وَيَأْخُذ لَهُ من أهل الْبيعَة بذلك عهدا ويستحلفهم على الْوَفَاء لهمابما عَاهَدُوا وَالْوُقُوف عِنْدَمَا بَايعُوا عَلَيْهِ وعاقدوا ليقترن السعدان فَيعم نوؤهما ويجتمع النيرَان فيبهر ضوؤهما فلباه تَلْبِيَة رَاغِب وأجابه إِجَابَة مَطْلُوب وَإِن كَانَ هُوَ الطَّالِب وعهد اليه فِي كل مَا تَقْتَضِيه احكام إِمَامَته فِي الْأمة عُمُوما وشيوعا وفوض لَهُ حكم الممالك الإسلامية جَمِيعًا وَجعل اليه أَمر السلطنة المعظمة بِكُل نطاق وَألقى اليه
(2/301)

مقاليدها وَصَرفه فِيهَا على الْإِطْلَاق وأقامه على الْأمة بِعَهْد الْخلَافَة وَصِيّا وَجعله للْإِمَامَة بتفويض الْأَمر اليه وليا وَنشر عَلَيْهِ لِوَاء الْملك وقلده سَيْفه العضب والبسه الخلعة السَّوْدَاء فابيض من سوادها وَجه الشرق والغرب وَكتب لَهُ بذلك عهدا كبت عدوه وَزَاد شرفه وضاعف سموهُ وطولب أهل الْبيعَة بالتوثيق على البيعتين بِالْإِيمَان فأذعنوا واستحلفوا على الْوَفَاء فبالغوا فِي الْأَيْمَان وأمعنوا وأقسموا بِاللَّه جهد أَيْمَانهم بعد أَن اشْهَدُوا الله عَلَيْهِم فِي إسرارهم وإعلانهم وأعطوا المواثيق الْمُغَلَّظَة الْمُشَدّدَة وحلفوا بالأيمان الْمُؤَكّدَة المعقدة على انهم ان اعرضوا عَن ذَلِك وأدبروا أَو بدلُوا فِيهِ أَو غيروا أَو عرجوا عَن سَبيله أَو حادوا أَو نَقَصُوا مِنْهُ أَو زادوا فَكل مِنْهُم برِئ من حول الله وقوته إِلَى حول نَفسه وقوته وخارج من ذمَّته الحصينة إِلَى ذمَّته وكل امْرَأَة فِي نِكَاحه أَو يَتَزَوَّجهَا فِي الْمُسْتَقْبل فهى طَالِق ثَلَاثًا بتاتا وَكلما رَاجعهَا فهى طَالِق طَلَاقا لَا يقتضى إِقَامَة وَلَا ثباتا وكل مَمْلُوك فِي ملكه أَو مَا يملكهُ فِي الْمُسْتَقْبل حر لَاحق بأحرار الْمُسلمين وكل مَا ملكه أَو يملكهُ من جماد وحيوان صَدَقَة على الْفُقَرَاء
(2/302)

وَالْمَسَاكِين وَعَلِيهِ الْحَج إِلَى بَيت الله الْحَرَام وَالْوُقُوف بِعَرَفَة وَسَائِر المشاعر الْعِظَام محرما من دويرة أَهله مَاشِيا حاسرا عَن رَأسه وَإِن كَانَ بِهِ أَذَى حافيا يأتى بذلك فِي ثَلَاثِينَ حجَّة متتابعة على التَّمام لايجزئه وَاحِدَة مِنْهَا عَن حجَّة الْإِسْلَام وإهداء مائَة بدنه للبيت الْعَتِيق كل سنة على الدَّوَام وَعَلِيهِ صَوْم جَمِيع الدَّهْر إِلَّا المنهى عَنهُ من الْأَيَّام وَأَن يفك ألف رَقَبَة مُؤمنَة من أسر الْكفْر فِي كل عَام يَمِين كل مِنْهُم فِي ذَلِك على نِيَّة أَمِير الْمُؤمنِينَ وسلطان الْمُسلمين فِي سره وجهره وأوله وَآخره لانية للْحَالِف فِي ذَلِك فِي بَاطِن الْأَمر وَلَا فِي ظَاهر لَا يورى فِي ذَلِك وَلَا يسْتَثْنى وَلَا يتَأَوَّل وَلَا يستفتى ولايسعى فِي نقضهَا وَلَا يُخَالف فِيهَا وَلَا فِي بَعْضهَا مَتى جنح إِلَى شئ من ذَلِك كَانَ آثِما وَمَا تقدم من تعقيد الْإِيمَان لَهُ لَازِما لَا يقبل الله مِنْهُ صرفا وَلَا عدلا وَلَا يُجزئهُ عَن ذَلِك كَفَّارَة أصلا كل ذَلِك على أَشد الْمذَاهب بالتخصيص وأبعدها عَن التساهل والترخيص وأمضوها بيعَة مَيْمُونَة بِالْيمن مُبتَدأَة بالنجح مقرونة وَأشْهدُوا عَلَيْهِم بذلك من حضر مجْلِس هَذَا العقد من الْأَئِمَّة الْأَعْلَام وَالشُّهُود
(2/303)

والحكام وَجعلُوا الله على مايقولون وَكيلا فَاسْتحقَّ عَلَيْهِم الْوَفَاء بقوله تَعَالَى {وأوفوا بِعَهْد الله إِذا عاهدتم وَلَا تنقضوا الْأَيْمَان بعد توكيدها وَقد جعلتم الله عَلَيْكُم كَفِيلا} وهم يرغبون إِلَى الله أَن يُضَاعف لَهُم بِحسن نيتهم الأجور ويلجؤون إِلَيْهِ أَن يَجْعَل أئمتهم مِمَّن أَشَارَ تَعَالَى إِلَيْهِ بقوله {الَّذين إِن مكناهم فِي الأَرْض أَقَامُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة وَأمرُوا بِالْمَعْرُوفِ ونهوا عَن الْمُنكر وَللَّه عَاقِبَة الْأُمُور} إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَهَذِه نُسْخَة بيعَة أنشأتها على هَذِه الطَّرِيقَة مرتبَة على خلع وهى
الْحَمد لله الذى جعل بَين الْخلَافَة مثابة للنَّاس وَأمنا وَأقَام سور الْإِمَامَة وقاية للأنام وحصنا وَشد مِنْهَا بِالْعِصَابَةِ القرشية أزرا وشاد مِنْهَا بالعصبة العباسية ركنا وأغاث الْخلق بِإِمَام هدى حسن سيرة وَصفا سريرة فِرَاق صُورَة ورق معنى وَجمع قُلُوبهم عَلَيْهِ فَلم يستنكف عَن
(2/304)

الانقياد إِلَيْهِ إعلى وَلَا أدنى وَنزع جلبابها عَمَّن شغل قلبه بغَيْرهَا فَلم يعرها نظرا وَلم يصغ لَهَا أذنا وَصرف وَجههَا عَمَّن أَسَاءَ فِيهَا تَصرفا فَلم يرفع بهَا رَأْسا وَلم يعمر لَهَا مغنى
نحمده على نعم حلت للنفوس حِين حلت ومنن جلت الخطوب حِين جلت ومسار سرت إِلَى الْقُلُوب فسرت ومبار أقرَّت الْعُيُون فقرت وعوارف أمت الْخَلِيفَة فتوالت وَمَا ولت وَقدم صدق ثبتَتْ إِن شَاءَ الله فِي الْخلَافَة فَمَا تزلزلت وَلَا زلت
ونشهد أَن لَا أَله أَلا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة تكون لنا من دَرك الشكوك كالئة ولمهاوى الشّبَه دارئة وللمقاصد الجميلة حاوية ولشقة الزيغ والارتياب طاوية وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الذى نصح للْأمة إِذْ بلغ فشفى عليلها وأوردها من مناهل الرشد مَا أطفأ وهجها وَبرد غليلها وأوضح لَهُم مناهج الْحق ودعاهم إِلَيْهَا وَأَبَان لَهُم سبل الْهِدَايَة فِي {من اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لنَفسِهِ وَمن ضل فَإِنَّمَا يضل عَلَيْهَا}
(2/305)

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعَلى آله أَئِمَّة الْخَيْر وَخير الْأَئِمَّة ورضى عَن أَصْحَابه أَوْلِيَاء الْعدْل وعدول الْأمة صَلَاة ورضوانا يعمان سَائِرهمْ ويشملان أَوَّلهمْ وَآخرهمْ سِيمَا الصّديق الفائز بِأَعْلَى الرتبتين صدقا وَتَصْدِيقًا والحائز قصب السَّبق فِي الفضيلتين علما وتحقيقا وَمن عدل الْأَنْصَار إِلَيْهِ عَن سعد بن عبَادَة بعد مَا أَجمعُوا على تَقْدِيمه وبادر الْمُهَاجِرُونَ إِلَى بيعَته اعترافا بتفضليه وتكريمه والفاروق الشَّديد فِي الله بَأْسا واللين فِي الله جانبا والموفى للخلافة حَقًا والمؤدى للْإِمَامَة وَاجِبا والقائم فِي نصْرَة الدّين حق الْقيام حَتَّى عَمت فتوحه الْأَمْصَار مشارقا ومغاربا وأطاعته العناصر الْأَرْبَعَة إِذْ كَانَ لله طَائِعا وَمن الله خَائفًا وَإِلَى الله رَاغِبًا وذى النورين الْمعول عَلَيْهِ من بَين سَائِر أَصْحَاب الشورى تنويها بقدرة والمخصوص بِالِاخْتِيَارِ تفخيما لأَمره من حصر فِي بَيته فَلم يمنعهُ ذَلِك عَن تِلَاوَة كتاب الله وَذكره وَشَاهد سيوف قاتليه عيَانًا فقابل فتكاتها بجميل صبره وأبى الْحسن الذى أعرض عَن الْخلَافَة
(2/306)

حِين سئلها واستعفى مِنْهَا بَعْدَمَا اضْطر إِلَيْهَا وَقبلهَا وكشف لَهُ عَن حَقِيقَة الدُّنْيَا فَمَا أم قبلتها بِقَلْبِه وَلَا ولى وَجهه قبلهَا وَصرح بمقاطعتها بقوله يَا صفراء غرى غيرى يَا بَيْضَاء غرى غيرى لما وَصلهَا من وَصلهَا وَسَائِر الْخُلَفَاء الرَّاشِدين بعدهمْ الناهجين نهجهم والواردين وردهم
أما بعد فَإِن للْإِمَامَة شُرُوطًا يجب اعْتِبَارهَا فِي الإِمَام ولوازم لَا يغْتَفر فَوَاتهَا فِي الِابْتِدَاء وَلَا فِي الدَّوَام وأوصافا يتَعَيَّن إعمالها وآداباء لَا يسع إهمالها من أهمها الْعَدَالَة الَّتِى ملاكها التَّقْوَى وأساسها مراقبة الله تَعَالَى فِي السِّرّ والنجوى وَبهَا تقع الهيبة لصَاحِبهَا فِي الْقُلُوب فيجل وتميل النُّفُوس إِلَيْهَا فَلَا تمل فهى الملكة الداعية إِلَى ترك الْكَبَائِر واجتنابها والزاجرة عَن الْإِصْرَار على الصَّغَائِر وارتكابها والباعثة على مُخَالفَة النَّفس ونهيبها عَن الشَّهَوَات والصارفة عَن انتهاك حرمات الله الَّتِى هى أعظم الحرمات والموجبة للتعفف عَن الْمَحَارِم والحاملة عَن تجنب الظلامات ورد الْمَظَالِم والشجاعة الَّتِى بهَا حماية الْبَيْضَة والذب عَنْهَا والاستظهار بالغزو على
(2/307)

نكاية الطَّائِفَة الْكَافِرَة والغض مِنْهَا وَالْقُوَّة بِالشَّوْكَةِ على تَنْفِيذ الْأَوَامِر وإمضائها وَإِقَامَة الْحُدُود واستيفائها وَنشر كلمة الْحق وإعلائها ودحض كلمة الْبَاطِل وإخفائها وَقطع مَادَّة الْفساد وحسم أدوائها والرأى الْمُؤَدى إِلَى السياسة وَحسن التَّدْبِير والمغنى فِي كثير من الْأَمَاكِن عَن مزِيد الْجد والتشمير والمعين فِي خدع الْحَرْب ومكائده والمسعف فِي مصَادر كل أَمر وموارده 3 هَذَا وَقد جعلنَا الله تَعَالَى أمة وسطا ووعظنا بِمن سلف من الْأُمَم مِمَّن تمرد وعتا أَو تجبر وسطا وعصم امتنا أَن تَجْتَمِع على الضلال وصان جَمعنَا عَن الْخَطَأ فِي الْفِعْل والمقال وندبنا إِلَى الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ والنهى عَن الْمُنكر وسوغ لأئمتنا الِاجْتِهَاد فِي النَّوَازِل وَالْأَحْكَام فاجتهادهم لَا يحظر وَلَا يُنكر خُصُوصا فِي شَأْن الْإِمَامَة الَّتِى هى آكِد أَسبَاب المعالم الدِّينِيَّة وأقواها وَأَرْفَع المناصب الدُّنْيَوِيَّة وأعلاها وأعز الرتب رُتْبَة وأغلاها وأحقها بِالنّظرِ فِي أمرهَا وأولاها وَكَانَ الْقَائِم بِأَمْر الْمُسلمين الْآن
(2/308)

فلَان بن فلَان الفلانى مِمَّن حاد عَن الصِّرَاط الْمُسْتَقيم وسلك غير النهج القويم وَمَال عَن سنَن الْخُلَفَاء الرَّاشِدين فأدركه الزلل وقارف المآثم فَعَاد بالخلل فعاث فِي الأَرْض فَسَادًا وَخَالف الرشد عنادا وَمَال إِلَى الغى اعْتِمَاد وَأسلم إِلَى الْهوى قيادا قد انْتقل عَن طور الْخلَافَة وعزيز الإنافة إِلَى طور الْعَامَّة فاتصف بصفاتهم واتسم بسماتهم فمنكر يجب عَلَيْهِ إِنْكَاره قد بَاشرهُ وصديق سوء يتَعَيَّن عَلَيْهِ إبعاده قد وازره وَظَاهر إِن سلك فسبيل التُّهْمَة والارتياب أَو قصد أمرا نحا فِيهِ غير الصَّوَاب منهمك على شهواته منعكف على لذاته متشاغل عَن امْر الْأمة بِأَمْر بنيه وَبنَاته الْجُبْن رَأس مَاله وَعدم الراى قرينه فِي أَفعاله وأقواله قد قنع من الْخلَافَة باسمها ورضى من الْإِمَامَة بوسمها وَظن أَن السؤدد فِي لبس السوَاد فَمَال إِلَى الحيف وتوهم أَن الْقَاطِع الغمد فَقطع النّظر عَن السَّيْف
وَلما أطلع النَّاس مِنْهُ على هَذِه الْمُنْكَرَات وعرفوه بِهَذِهِ السمات وتحققوا فِيهِ هَذِه الوصمات رَغِبُوا فِي استبداله وَأَجْمعُوا على خلعه وزواله فلجؤوا إِلَى السُّلْطَان
(2/309)

الْأَعْظَم الْملك الفلانى بِالْأَلْقَابِ السُّلْطَانِيَّة إِلَى آخرهَا نصر الله جُنُوده وأسمى جدوده وأرهف على عداة الله حُدُوده ففوضوا أَمرهم فِي ذَلِك إِلَيْهِ وألقوا كلهم عَلَيْهِ فَجمع أهل الْحل وَالْعقد مِنْهُم وَمن تصدر إِلَيْهِم الْأُمُور وَترد عَنْهُم فاستخاروا الله تَعَالَى وخلعوه من ولَايَته وَخَرجُوا عَن بيعَته وانسلخوا عَن طَاعَته وجردوه عَن خِلَافَته تَجْرِيد السَّيْف من القراب وطووا حكم إِمَامَته كطى السّجل للْكتاب وعندما تمّ هَذَا الْخلْع وانطوى حكمه على الْبَتّ وَالْقطع التمس النَّاس إِمَامًا يقوم بِأُمُور الْإِمَامَة فيوفيها وَيجمع شُرُوطهَا ويستوفيها فَلم يَجدوا لَهَا أَهلا وَلَا بهَا أَحَق وَأولى وأوفى بهَا وأملى من السَّيِّد الْأَعْظَم الإِمَام النَّبَوِيّ سليل الخلافه ووليد الإمامه أبي فلَان فلَان العباسي الطالع الله مثلا أَمِير الوؤمنين (179 أ) لازال شرفه باذخا وعرينه الشريف شامخا وعهد ولَايَته لعهد كل ولَايَة نَاسِخا فساموه بيعتها فلبى وشاموا برق ولَايَته فَأجَاب وَمَا تأبى علما مِنْهُ بانها تعيّنت عَلَيْهِ وانحصرت فِيهِ فَلم تَجِد أَعلَى مِنْهُ فتعدل إِلَيْهِ إِذْ هُوَ ابْن بجدتها وَفَارِس نجدتها
(2/310)

ومزيل غمتها وَكَاشف كربتها ومجلى غياهبها وَمُحَمّد عواقبها وموضح مذاهبها وحاكمها المكين بل رشيدها الْأمين فَنَهَضَ الْمقَام الشريف السلطانى الملكى الفلانى الْمشَار إِلَيْهِ قرن الله مقاصده الشَّرِيفَة بالنجاح وأعماله الصَّالِحَة بالفلاح وَبدر إِلَى بيعَته فَبَايع وائتم بِهِ من حضر من أهل الْحل وَالْعقد فتابع وقابل عقدهَا بِالْقبُولِ فَمضى وَلزِمَ حكمهَا فانقضى واتصل ذَلِك بِسَائِر الرّعية فانقادوا وَعَلمُوا صَوَابه فَمَشَوْا على سنَنه وماحادوا وشاع ذَلِك فِي الأوصار وطارت بِهِ مخلقات البشائر إِلَى سَائِر الأقطار فتعرفوا مِنْهُ الْيمن فسارعوا إِلَى امتثاله وتحققوا صِحَة الْأَمر وثباته بعد اضطرابه واعتلاله واستعاذوا من نقص يُصِيبهُ بعد تَمَامه بِهَذَا الْخَلِيفَة وكماله فَعندهَا أبانت الْخلَافَة العباسية عَن طيب عنصرها وَجَمِيل وفائها وكريم مظهرها وجادت بجزيل الامتنان وتلا لِسَان كرمها الوفى على وَليهَا الصَّادِق {هَل جَزَاء الْإِحْسَان إِلَّا الْإِحْسَان} فجدد لَهُ بالسلطنة الشَّرِيفَة عهدا وطوق جيده بتفويضها إِلَيْهِ عقدا وَجعله وَصِيَّة فِي الدّين
(2/311)

وولية فِي أَمر الْمُسلمين وقلده أَمر الممالك الإسلامية وَألقى إِلَيْهِ مقاليدها وَملكه أزمتها وحقق لَهُ مواعيدها وَعقد لَهُ لواءها وَنشر عَلَيْهِ أعلامها وَصَرفه فِيهَا على الْإِطْلَاق وفوض إِلَيْهِ أَحْكَامهَا وَألبسهُ الخلعة السَّوْدَاء فَكَانَت لسؤدده شعارا وأسبغ عَلَيْهِ رداءها فَكَانَ لَهُ دثار وَكتب لَهُ الْعَهْد فسقى الْمعَاهد صوب العهاد ولهج الْأَنَام بِذكرِهِ فاطمأنت الْعباد والبلاد وعندما تمّ هَذَا الْفَصْل وتقرر هَذَا الأَصْل وأمست الرعايا بِمَا آتَاهُم الله من فَضله فرحين وبنعمته مستبشرين طُولِبَ أهل الْبيعَة بِمَا يحملهم على الْوَفَاء وَيمْنَع بيتعهم من التكدر بعد الصفاء من تَوْثِيق عقدهَا بمؤكد أيمانها وَالْإِقَامَة على الطَّاعَة لخليفتها وسلطانها فبادروا إِلَى ذَلِك مُسْرِعين وَإِلَى دَاعِيَة مهطعين وبالغوا فِي المواثيق وأكدوها وشددوا فِي الْإِيمَان وعقدوها وأقسموا بِاللَّه الذى لَا إِلَه إلاهو عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة عَالم خَائِنَة الْأَعْين وَمَا تخفى الصُّدُور فِي البدء والإعادة على الْوَفَاء لَهما والموالاة والنصح والمصافاة والموافقة والمشايعة وَالطَّاعَة والمتابعة يوالون من والاهما ويعادون من
(2/312)

عاداهما لايقعدون عَن مناصرتهما عِنْد ملمة ولايرقبون فِي عدوهما إِلَّا وَلَا ذمَّة جارين فِي ذَلِك على الدَّوَام والاستمرار والثبوت واللزوم والاستقرار على أَن من بدل مِنْهُم من ذَلِك شرطا أَو أعفى لَهُ رسما أَو حاد عَن طَريقَة أَو غير لَهُ حكما أَو سلك فِي ذَلِك غير سَبِيل الْأَمَانَة أَو اسْتحلَّ الْغدر أَو أضمر الْخِيَانَة مُعْلنا أَو مسرا فِي كُله أَو بعضه متأولا أومحتالا لإبطاله أَو نقضه فقد برِئ من حول الله المتين وقوته الواقية وركنه الشَّديد وذمته الوافية إِلَى حول نَفسه وقوته وركنه وذمته وكل أمْرَأَة فِي عصمته الْآن أَو يَتَزَوَّجهَا مُدَّة حَيَاته طَالِق ثَلَاث بِصَرِيح لَفظه لَا يتَوَقَّف على نِيَّة لَا يفرق فِيهِ بَين زمن سنة وَلَا بِدعَة وَلَا رَجْعَة فِيهِ وَلَا مثنوية وكل مَمْلُوك فِي ملكه أَو يملكهُ فِي بَقِيَّة عمره من ذكر أَو أُنْثَى حر من أَحْرَار الْمُسلمين وكل مَا هُوَ على ملكه أَو يملكهُ فِي بَقِيَّة عمره إِلَى آخر أَيَّامه من عين أوعرض صَدَقَة للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين وَعَلِيهِ الْحَج إِلَى بَيت الله الْحَرَام ثَلَاثِينَ حجَّة بِثَلَاثِينَ عمْرَة رَاجِلا حافيا حاسرا لَا يقبل الله مِنْهُ غير الْوَفَاء بهَا بَاطِنا وَلَا ظَاهرا وإهداء
(2/313)

مائَة بَدَنَة فِي كل حجَّة مِنْهَا فِي عسرته ويسرته لَا تجزئة وَاحِدَة مِنْهَا عَن حجَّة الْإِسْلَام وعمرته وَصَوْم الدَّهْر خلا المنهى عَنهُ من أَيَّام السّنة وَصَلَاة ألف رَكْعَة فِي كل لَيْلَة لايباح لَهُ دون أَدَائِهَا غمض وَلَا سنة لايقبل مِنْهُ صرفا وَلَا عدلا وَلَا يُؤجر على شئ من ذَلِك قولا وَلَا فعلا مَتى ورى فِي ذَلِك أَو اسْتثْنى أَو تَأَول أَو استفتى كَانَ الْحِنْث عَلَيْهِ عَائِدًا وَله إِلَى دَار الْبَوَار قائدا مُعْتَمدًا فِي ذَلِك أَشد الْمذَاهب فِي سره وعلانيته على نِيَّة المستحلف لَهُ دون نِيَّته وأمضوها بيعَة محكمَة المباني ثَابِتَة الْقَوَاعِد كَرِيمَة المساعى جميلَة الْمَقَاصِد طيبَة الجنى جميلَة العوائد قَاطِعَة الْبَرَاهِين ظَاهِرَة الشواهد وَأشْهدُوا على أنفسهم بذلك من حضر مجْلِس هَذَا العقد من قَضَاء الْإِسْلَام وعلمائه وأئمة الدّين وفقهائه بعد أَن أشهدوا الله عَلَيْهِم وَكفى بِاللَّه شَهِيدا وَكفى بِهِ للخائنين خصيما {فَمن نكث فَإِنَّمَا ينْكث على نَفسه وَمن أوفى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ الله فسيؤتيه أجرا عَظِيما} وَالله تَعَالَى يَجْعَل انتقالهم من ادنى إِلَى اعلى وَمن يسرى إِلَى يمنى ويحقق
(2/314)

لَهُم بِمن اسْتَخْلَفَهُ عَلَيْهِم وعده الصَّادِق بقوله تَعَالَى {وعد الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَعمِلُوا الصَّالِحَات ليَستَخْلِفنهم فِي الأَرْض كَمَا اسْتخْلف الَّذين من قبلهم وليمكنن لَهُم دينهم الَّذِي ارتضى لَهُم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا} إِن شَاءَ الله تَعَالَى
قلت والذى اسْتَقر عَلَيْهِ الْحَال فِي كِتَابَة بيعات الْخُلَفَاء بالديار المصرية الْآن أَن يتعاطى كِتَابه الْبيعَة كتاب الحكم الَّذين هم موقعوقضاة الْقُضَاة وَلَا إِلْمَام لَهُم بصنعة الْإِنْشَاء فَإِن وَقعت الْعِنَايَة بِكِتَابَة تِلْكَ الْبيعَة أَمر كَاتب السِّرّ من لَهُ ملكه فِي صَنْعَة الْإِنْشَاء من رُؤُوس كتاب الدِّيوَان فَأَنْشَأَ لَهَا صَدرا على طَريقَة كتاب الْإِنْشَاء مفتتحا بِخطْبَة مُشْتَمِلَة على براعة استهلال تناسب الْمقَام وتدفع إِلَى من يتعاطى كِتَابَة تِلْكَ الْبيعَة من كتاب الحكم فيصدر بهَا مَا يَكْتُبهُ ثمَّ تأتى عقب ذَلِك بِصُورَة الْحَال الْوَاقِعَة فِي الْبيعَة سردا وَيشْهد فِي آخرهَا
وَهَذِه نُسْخَة بيعَة الإِمَام الْأَعْظَم المعتضد بِاللَّه أَبى الْفَتْح خَليفَة الْعَصْر
(2/315)

الْمَوْضُوع لَهُ هَذَا الْكتاب وصدرها من إنْشَاء عَلامَة الْعَصْر وَإِمَام أهل الْأَدَب الشَّيْخ تقى الدّين بن حجَّة مُشِيرا فِيهِ إِلَى سُلْطَانه الْقَائِم ببيعته الْملك الْمُؤَيد أَبى النَّصْر شيخ ملوحا بِذكر شيخ الْإِسْلَام قاضى الْقُضَاة جلال الدّين البلقينى وهى
الْحَمد لله الذى شدّ عضد الْأمة بِمن أَمْسَى بِهِ معتضدا وأسعفنا من الْبَيْت النبوى بخليفة مَا برح شيخ الْمُلُوك فِي تَقْدِيم بَيته الشريف مُجْتَهدا وَأقَام الْعلم العباسي بعد أَبى مُسلم بأبى النَّصْر فَأكْرم حسن الختام وَحسن الِابْتِدَاء فَلهُ الْحَمد أَولا وآخرا وَبَاطنا وظاهرا ونكرر حَمده على سُلْطَان مؤيد تحف بِهِ الْعلمَاء والأعلام وَظهر لجلالهم فِي أَيَّامه الزاهرة بهجة فَقَالَ موريا هَذَا زمَان مَشَايِخ الْإِسْلَام نحمده على حكمته الَّتِى اقْتَضَت أَن تكون الْخلَافَة عُمْدَة لأحكام يَزُول بهَا الالتباس وَهُوَ الْقَائِل {يَا دَاوُد إِنَّا جعلناك خَليفَة فِي الأَرْض فاحكم بَين النَّاس} وَأشْهد أَن لَا أَله الا الله وَحده لَا شريك لَهُ الْقَادِر الذى أطلع بدور الْخلَافَة كَامِلَة فِي الْمطَالع
(2/316)

الهاشمية وبل ظمأ الْإِسْلَام لسقايتها العباسية ونشهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الذى يجب تَقْدِيم آل بَيته فِي إِيضَاح كل أَمر وإشكاله فصلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله صَلَاة يصل بهَا الْحق إِلَى أربابه وينتظم شَمل أَبى الْفَتْح بأبى النَّصْر فِي ذهَاب كل مِنْهُمَا وإيابه مَا تراعت فِي مدائحه النَّظَائِر وملئت بالبديع بطُون الدفاتر
تَنْبِيه قد ذكر مُحَمَّد بن عمر المدائنى فِي كتاب الْقَلَم والدواة أَنه كَانَ يكْتب للخلفاء فِي قرطاس من ثلثى طومار والطومار هُوَ الفرخة الْوَرق الْكَامِلَة وَالْمرَاد الْوَرق البغدادى فَإِن الْخلَافَة بِبَغْدَاد كَانَت وَحِينَئِذٍ فَكَانَت البيعات تكْتب فِي قطع الثُّلثَيْنِ الْمَذْكُور والذى يظْهر أَن ذَلِك كَانَ فِي أول أَمرهم وَأَنه بعد ذَلِك كَانَ يكْتب لَهُم فِي قطع البغدادى الْكَامِل أما الْآن فالذى اسْتَقر عَلَيْهِ الْحَال فِيمَا يكْتب فِيهِ بيعات الْخُلَفَاء من بنى الْعَبَّاس بالديار المصرية
(2/317)

الْفَصْل الثَّانِي
من الْبَاب الثَّانِي فِيمَا يكْتب للخلفاء من العهود وهى مَا يكْتب لمن يقوم بالخلافة بِعَهْد من الْخَلِيفَة قبله بِالشُّرُوطِ الْمُعْتَبرَة فِي ذَلِك على مَا تقدم ذكره فِي الْكَلَام على الطّرق الَّتِى تَنْعَقِد بهَا الْإِمَامَة فِي الْبَاب الأول من الْكتاب وَقد تقدم هُنَاكَ أَن الصّديق رضى الله عَنهُ عهد بالخلافة إِلَى عمر بن الْخطاب رضى الله عَنهُ فَكتب لَهُ بهَا عهدا بِخَط بن عُثْمَان رضى الله عَنهُ وللكتاب فِي كِتَابه عهود الْخُلَفَاء للخلفاء مذهبان
الْمَذْهَب الأول
أَن يفْتَتح الْعَهْد بِلَفْظ هَذَا مَا عهد فلَان لفُلَان أَو هَذَا عهد فلَان لفُلَان أَو هَذَا كتاب كتبه فلَان لفُلَان وَمَا أشبه لَك ثمَّ يُؤْتى بِوَصْف الْخَلِيفَة والتنبيه على وَجه اسْتِحْقَاقه الْمُوجب لتقدمه على غَيره
(2/318)

ثمَّ يذكر تَفْوِيض الْخلَافَة إِلَيْهِ بعد العاهد وَيُؤْتى من وَصيته بِمَا يُنَاسب الْمقَام مُقْتَصرا فِي ذَلِك على الْإِشَارَة والتلويح غير مُصَرح فِيهِ بِلَفْظ الْأَمر كَمَا يُقَال فِي عهود الْمُلُوك أمرة بِكَذَا وَأمره بِكَذَا على مَا سيأتى فِي ذكر عهودهم للمملوك تَعْظِيمًا لشأن ولى الْعَهْد بالخلافة وتشريفا لمقامه عَن أَن يكون مَأْمُور وعَلى هَذِه الطَّرِيقَة كَانَت عهود الْخُلَفَاء من السّلف رضوَان الله عَلَيْهِم وعَلى نهجها مَشى أفاضل الْكتاب المعتبرين بديوان الْخلَافَة فِي الْعرَاق وَاخْتَارَهُ أفاضل الْكتاب من الْمُتَأَخِّرين بالديار المصرية وصرحوا بِاخْتِيَارِهِ فِي مصنفاتهم وَالْأَصْل فِي ذَلِك مَا روى أَن الصّديق رضى الله عَنهُ كتب فِي عَهده بالخلافة لأمير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب رضى الله عَنهُ بِخَط عُثْمَان بن عَفَّان ونسخته هَذَا مَا عهد أَبُو بكر خَليفَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم آخر عَهده بالدنيا وَأول عَهده بِالآخِرَة إنى اسْتخْلفت عَلَيْكُم عمر بن الْخطاب فَإِن بر وَعدل فَذَلِك ظنى بِهِ وَإِن بدل أَو غير فَلَا علم لى بِالْغَيْبِ وَالْخَيْر أردْت بكم
(2/319)

وَلكُل امْرِئ مَا اكْتسب من الاثم {وَسَيعْلَمُ الَّذين ظلمُوا أَي مُنْقَلب يَنْقَلِبُون}
ثمَّ تصرفوا فِيهِ بعد ذَلِك بِالزِّيَادَةِ وَبسط القَوْل
وعَلى هَذَا الأسلوب
كتب سُلَيْمَان بن عبد الْملك بن مَرْوَان أحد خلفاء بنى أُميَّة عَهده لعمر بن عبد الْعَزِيز ثمَّ يزِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان بعده
وَهَذِه نسخته
فِيمَا ذكره ابْن قُتَيْبَة فِي تَارِيخه
هَذَا مَا عهد عبد الله سُلَيْمَان بن عبد الْملك أَمِير الْمُؤمنِينَ وَخَلِيفَة الْمُسلمين عهد أَنه يشْهد لله عز وَجل بالربوبية والوحدانية وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله ص =
(2/320)

بَعثه إِلَى محسنى عباده بشيرا وَإِلَى مذنبيهم نذيرا وَأَن الْجنَّة وَالنَّار مخلوقتان حق خلق الْجنَّة رَحْمَة وَجَزَاء لمن أطاعه وَالنَّار نقمة وَجَزَاء لمن عَصَاهُ وَأوجب الْعَفو جودا وكرما لمن عفى عَنهُ وَأَن سُلَيْمَان مقرّ على نَفسه بِمَا يعلم الله من ذنُوبه وَبِمَا تعلمه نَفسه من مَعْصِيّة ربه مُوجبا على نَفسه اسْتِحْقَاق مَا خلق من النقمَة راجيا لنَفسِهِ مَا خلق خَيرهَا وشرها مقدورة بإرادته متكونة بتكوينه وَأَنه الهادى فَلَا مغوى وَلَا مضل لمن هداه وخلقه لِرَحْمَتِهِ وَأَنه الفاتن فَلَا هادى وَلَا مرشد لمن فتنه وخلقه لنقمته وَأَنه يفتن الْمُؤمن فِي قَبره بالسؤال عَن دينه وَنبيه الذى أرسل إِلَى أمته لَا منجى لمن خرج من الدُّنْيَا إِلَى الْآخِرَة من هَذِه الْمَسْأَلَة إِلَّا لمن اسْتَثْنَاهُ عز وَجل فِي علمه وَسليمَان يسْأَل الله الْكَرِيم بواسع فَضله وعظيم مِنْهُ الثَّبَات على مَا اسر وأعلن من معرفَة حَقه وَحقّ نبيه
(2/321)

عِنْد مَسْأَلَة رسله والنجاة من هول فتْنَة فتانية وَيشْهد أَن الْمِيزَان يَوْم الْقِيَامَة حق يَقِين يزن سيئات المسيئين وحسنات الْمُحْسِنِينَ ليرى عبَادَة من عَظِيم قدرته مَا أَرَادَهُ من تعبده لِعِبَادِهِ بِمَا لم يَكُونُوا يحتسبونه وَأَن من ثقلت مَوَازِينه فَأُولَئِك هم المفلحون وَمن خفت مَوَازِينه يَوْمئِذٍ فَأُولَئِك هم الخاسرون وَأَن حَوْض مُحَمَّد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم الْحَشْر والموقف للعرض حق وَأَن عدد آنيته كنجوم السَّمَاء من شرب مِنْهُ لم يظمأ أبدا وَسليمَان يسْأَل الله بواسع رَحمته أَن لَا يردهُ عَن حَوْض نبيه عطشان وَأَن أَبَا بكر وَعمر خير هَذِه الْأمة بعد نبيها وَالله يعلم بعدهمَا حَيْثُ الْخَيْر وفيمن الْخَيْر من هَذِه الْأمة وَأَن هَذِه الشَّهَادَة كلهَا الْمَذْكُورَة فِي عَهده هَذَا يعلمهَا الله من سره وإعلانه وَعقد ضَمِيره وَأَنه بهَا عبد ربه فِي سالف أَيَّامه وماضى عمره وَعَلَيْهَا
(2/322)

أَتَاهُ يَقِين ربه وتوفاه اجله وَعَلَيْهَا يبْعَث بعد مَوته إِن شَاءَ الله وَأَن سُلَيْمَان كَانَ لَهُ بَين هَذِه الشَّهَادَة بلايا وسيئات لم يكن لَهُ عَنْهَا محيد وَلَا بُد جرى بهَا عَلَيْهِ الْمَقْدُور من الرب النَّافِذ إِلَى إتْمَام مَا حد فَإِن يعف ويصفح فَذَاك مَا عرف مِنْهُ قَدِيما وَنسب إِلَيْهِ حَدِيثا وَتلك صفته الَّتِى وصف بهَا نَفسه فِي كِتَابه الصَّادِق وَكَلَامه النَّاطِق وَإِن يُعَاقب وينتقم فبمَا قدمت يَدَاهُ وَمَا الله بظلام للعبيد وَأَن سُلَيْمَان يحرج على من قَرَأَ عَهده هَذَا وَسمع مَا فِيهِ من حكمه أَن ينتهى إِلَيْهِ فِي أمره وَنَهْيه بِاللَّه الْعَظِيم وَمُحَمّد رَسُوله الْكَرِيم وَأَن يدع الإحن المضغنة وَيَأْخُذ بالمكارم المدجنة وَيرْفَع يَدَيْهِ إِلَى الله بالضمير النصوح وَالدُّعَاء الصَّحِيح والصفح الصَّرِيح يسْأَله الْعَفو عَنى وَالْمَغْفِرَة لى والنجاة من فزعى وَالْمَسْأَلَة فِي قبرى لَعَلَّ الْوَدُود أَن يَجْعَل مِنْكُم مجاب الدعْوَة بِمَا من على من صفحة يعود إِن شَاءَ الله وَأَن ولى عهد سُلَيْمَان بن عبد الْملك أَمِير الْمُؤمنِينَ وَصَاحب أمره بعد مَوته فِي جنده ورعيته
(2/323)

وخاصته وعامته وكل من استولانى الله عَلَيْهِ واسترعانى فِي النّظر فِيهِ الرجل الصَّالح عمر بن عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان ابْن عمى لما بلوت من بَاطِن أمره وَظَاهره ورجوت الله بذلك وَرضَاهُ وَرَحمته إِن شَاءَ الله ثمَّ من بعده يسلم إِلَى يزِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان إِن بقى بعده فإنى مَا رَأَيْت مِنْهُ إِلَّا خيرا وَلَا أطلعت لَهُ مَكْرُوها وصغار ولدى وكبارهم إِلَى عمر إِذْ رَجَوْت أَن لَا يألوهم رشدا وصلاحا وَالله خليفتى عَلَيْهِم وعَلى جمَاعَة الْمُؤمنِينَ وَالْمُسْلِمين وَهُوَ أرْحم الرَّاحِمِينَ وأقروا لعهدى عَلَيْكُم السَّلَام وَرَحْمَة الله وَمن أَبى من أمرى هَذَا أَو خَالف عهدى هَذَا وأرجوا أَن لايخالفه أحد من أمة مُحَمَّد فَهُوَ ضال مضل مستعتب فَإِن اعتب وَإِلَّا فَإِنِّي لمن خَالف عهدى فيهم
(2/324)

بِالسَّيْفِ السَّيْف وَالْقَتْل الْقَتْل فَإِنَّهُم مستوجبون لَهما وهم لهيبته ملقحون وَالله الْمُسْتَعَان وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْقَدِيم الْإِحْسَان
وعَلى هَذَا
كتب الْمَأْمُون بِخَطِّهِ عهد على بن مُوسَى العلوى الْمَعْرُوف بالرضى بالخلافة بعده
وَهَذِه نسخته
هَذَا كتاب كتبه عبد الله بن هَارُون الرشيد أَمِير الْمُؤمنِينَ بِيَدِهِ لعلى بن مُوسَى بن جَعْفَر ولى عَهده
أما بعد فَإِن الله عز وَجل اصْطفى الْإِسْلَام دينا وَاصْطفى لَهُ من عباده رسلًا دالين عَلَيْهِ وهادين إِلَيْهِ يبشر أَوَّلهمْ بآخرهم وَيصدق تاليهم ماضيهم حَتَّى انْتَهَت نبوة الله إِلَى مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على فَتْرَة
(2/325)

من الرُّسُل ودروس من الْعلم وَانْقِطَاع من الوحى واقتراب من السَّاعَة فختم الله بِهِ النَّبِيين وَجعله شَاهدا لَهُم ومهيمنا عَلَيْهِم وَأنزل عَلَيْهِ كِتَابه الْعَزِيز الذى {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه تَنْزِيل من حَكِيم حميد} بِمَا أحل وَحرم ووعد وأوعد وحذر وأنذر وَأمر بِهِ وَنهى عَنهُ لتَكون لَهُ الْحجَّة الْبَالِغَة على خلقه و {ليهلك من هلك عَن بَيِّنَة وَيحيى من حَيّ عَن بَيِّنَة وَإِن الله لسميع عليم} فَبلغ عَن الله رسَالَته ودعا إِلَى سَبيله بِمَا امْرَهْ بِهِ من الْحِكْمَة وَالْمَوْعِظَة الْحَسَنَة والمجادلة بالتى هِيَ أحسن ثمَّ بِالْجِهَادِ والغلظة حَتَّى قَبضه الله إِلَيْهِ وَاخْتَارَ لَهُ مَا عِنْده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَمَّا انْقَضتْ النُّبُوَّة وَختم الله بِمُحَمد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الوحى والرسالة جعل لَهُ قوام الدّين ونظام أَمر الْمُسلمين بالخلافة وإتمامها وعزها وَالْقِيَام بِحَق الله فِيهَا بِالطَّاعَةِ الَّتِى بهَا تُقَام فَرَائض الله وحدوده وَشَرَائِع الْإِسْلَام وسننه ويجاهد بهَا عدوه فعلى خلفاء الله طَاعَته فِيمَا
(2/326)

استحفظهم واسترعاهم من دينه وعباده وعَلى الْمُسلمين طَاعَة خلفائهم ومعاونتهم على إِقَامَة حق الله وعدله وَأمن السبل وحقن الدِّمَاء وَصَلَاح ذَات الْبَين وَجمع الألفة وَفِي إخلال ذَلِك اضْطِرَاب حَبل الْمُسلمين واختلالهم وَاخْتِلَاف ملتهم وقهردينهم واستعلاء عدوهم وتفرق الْكَلِمَة وحسرات الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
فَحق على من اسْتَخْلَفَهُ الله فِي أرضه وائتمنه على خلقه أَن يُؤثر مَا فِيهِ رضى الله وطاعته ويقر لما الله واقفة عَلَيْهِ وسائلة عَنهُ وَيحكم بِالْحَقِّ وَيعْمل بِالْعَدْلِ فِيمَا حمله الله وقلده فَإِن الله عز وَجل يَقُول لنَبيه دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام {يَا دَاوُد إِنَّا جعلناك خَليفَة فِي الأَرْض فاحكم بَين النَّاس بِالْحَقِّ وَلَا تتبع الْهوى فيضلك عَن سَبِيل الله إِن الَّذين يضلون عَن سَبِيل الله لَهُم عَذَاب شَدِيد بِمَا نسوا يَوْم الْحساب} وَقَالَ عز وَجل {فوربك لنسألنهم أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يعْملُونَ} وبلغنا أَن
(2/327)

عمر بن الْخطاب قَالَ لَو ضَاعَت سخلة بِجَانِب الْفُرَات لتخوفت أَن يسألنى الله عَنْهَا وأيم الله أَن المسؤول عَن خَاصَّة نَفسه الْمَوْقُوف على عمله فِيمَا بَين الله وَبَينه متعرض لأمر كَبِير وعَلى خطر عَظِيم فَكيف بالمسؤول عَن رِعَايَة الْأمة وَبِاللَّهِ الثِّقَة وَإِلَيْهِ المفزع وَالرَّغْبَة فِي التَّوْفِيق مَعَ الْعِصْمَة والتسديد وَالْهِدَايَة إِلَى مَا فِيهِ ثُبُوت الْحجَّة والفوز من الله بالرضوان وَالرَّحْمَة وَأنْظر الْأَئِمَّة لنَفسِهِ وأنصحهم لله فِي دينه وعباده وخلافته فِي أرضه من عمل بِطَاعَة الله وَكتابه وَسنة نبيه عَلَيْهِ السَّلَام فِي مُدَّة أَيَّامه واجتهد وأجهد رَأْيه وَنَظره فِيمَن يوليه عَهده ويختاره لإمامة الْمُسلمين ورعايتهم بعده وينصبه علما لَهُم ومفزعا فِي جَمِيع ألفتهم وَلم شعثهم وحقن دِمَائِهِمْ والأمن بِإِذن الله من فرقتهم وَفَسَاد ذَات بَينهم وَاخْتِلَافهمْ وَرفع نزع الشَّيْطَان وكيده عَنْهُم فَإِن الله عز وَجل جعل الْعَهْد بالخلافة من تَمام أَمر الْإِسْلَام وكماله وَعزة وَصَلَاح اهله وألهم
(2/328)

خلفاء من توكيده لمن يختارونه لَهُ من بعدهمْ مَا عظمت بِهِ النِّعْمَة وشملت فِيهِ الْعَافِيَة وَنقض الله بذلك مر أهل الشقاق والعداوة والسعى فِي الْفرْقَة والرفض للفتنة وَلم يزل أَمِير الْمُؤمنِينَ مُنْذُ أفضت إِلَيْهِ الْخلَافَة فاختبر بشاعة مذاقها وَثقل محملها وَشدَّة مؤنتها وَمَا يجب عَلَيْهِ من تقلدها من ارتباط طَاعَة الله ومراقبته فِيمَا حمله مِنْهَا فأنصب بدنه وأسهر عينه وَأطَال فكره فِيمَا فِيهِ عز الدّين وقمع الْمُشْركين وَصَلَاح الْأمة وَنشر الْعدْل وَإِقَامَة الْكتاب وَالسّنة وَمنعه ذَلِك من الْخَفْض والدعة مهنأ الْعَيْش علما بِمَا الله سائله عَنهُ وحرصا أَن يلقى الله مناصحة فِي دينه وَعبادَة ومختارا لولاية عَهده ورعاية الْأمة من بعده أفضل من يقدر عَلَيْهِ فِي دينه وورعه وَعلمه وأرجاهم للْقِيَام بِأَمْر الله وَحقه مناجيا الله بالاستخارة فِي ذَلِك
(2/329)

ومسألته إلهامه مَا فِيهِ رِضَاهُ وطاعته فِي ليله ونهاره ومعملا فِي طلبه والتماسه من اهل بَيته من ولد عبد الله بن الْعَبَّاس وعَلى بن ابي طَالب فكره وَنَظره مُقْتَصرا مِمَّن علم حَاله ومذهبه مِنْهُم على علمه وبالغا فِي المسأله عَمَّن خفى عَلَيْهِ امْرَهْ جهده وطاقته حَتَّى استقصى امورهم بمعرفته وابتلى اخبارهم مشاهده وكشف مَا عِنْدهم مساءلة فَكَانَت خيرته بعد استخارته لله واجهاده نَفسه فِي قَضَاء حَقه وبلاده من الْبَيْتَيْنِ جَمِيعًا على بن مُوسَى بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن على بن الْحُسَيْن بن على بن أَبى طَالب لما راى فَضله البارع وَعَمله الناصع وورعه الظَّاهِر وزهده الْخَالِص وتخليه من الدُّنْيَا وتسلمه من النَّاس وَقد استبان لَهُ مَا لم تزل الْأَخْبَار عَلَيْهِ متواطئة والألسن عَلَيْهِ متفقة والكلمة فِيهِ جَامِعَة وَلما لم يزل يعرفهُ بِهِ من الْفضل يافعا وناشئا وحدثا ومكتهلا فَقعدَ لَهُ بالعهد بالخلافة إيثارا لله وَالدّين ونظرا للْمُسلمين
(2/330)

وطلبا للسلامة وثبات الْحجَّة والنجاة فِي الْيَوْم الذى يقوم فِيهِ النَّاس لرب الْعَالمين ودعا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلَده وَأهل بَيته وخاصته وقواده وخدمه فَبَايعُوهُ مسارعين مسرورين عَالمين بإيثار أَمِير الْمُؤمنِينَ طَاعَة الله على الْهوى فِي وَلَده وَغَيرهم مِمَّن هُوَ أشبك بِهِ رحما وَأقرب قرَابَة وَسَماهُ الرضى إِذا كَانَ رضى عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ فَبَايعُوا معشر أهل بَيت أَمِير الْمُؤمنِينَ وَمن الْمَدِينَة المحروسة من قواده وجنده وَعَامة الْمُسلمين الرضى من بعده على اسْم الله وبركته وَحسن قَضَائِهِ لدينِهِ وعباده بيعَة مبسوطة إِلَيْهَا أَيْدِيكُم منشرحة لَهَا صدوركم عَالمين بِمَا أَرَادَ أَمِير الْمُؤمنِينَ بهَا وآثر طَاعَة الله وَالنَّظَر لنَفسِهِ وَلكم فِيهَا شاكرين لله على مَا ألهم أَمِير الْمُؤمنِينَ من قَضَاء حَقه فِي رعايتكم وحرصه على رشده وصلاحكم راجين عائدته فِي ذَلِك فِي جمع ألفتكم وحقن دمائكم وَلم شعثكم وسد ثغوركم وَقُوَّة دينكُمْ وَرَغمَ عَدوكُمْ واستقامة أُمُوركُم وسارعوا إِلَى طَاعَة الله وَطَاعَة
(2/331)

أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِن الْأَمر إِن سارعتم إِلَيْهِ وحمدتم الله عَلَيْهِ عَرَفْتُمْ الْحَظ فِيهِ إِن شَاءَ الله
وَكتب بِيَدِهِ يَوْم الِاثْنَيْنِ لسبع خلون من شهر رَمَضَان سنة إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ
ثمَّ إِنَّه تقدم إِلَى على بن مُوسَى وَقَالَ لَهُ اكْتُبْ خطك بِقبُول هَذَا الْعَهْد وَأشْهد الله والحاضرين عَلَيْك بِمَا تعده فِي حق الله ورعاية الْمُسلمين
فَكتب على الرضى تَحْتَهُ
الْحَمد لله الفعال لما يَشَاء لَا معقب لحكمه وَلَا راد لقضائه يعلم خَائِنَة الْأَعْين وَمَا تخفى الصُّدُور وصلواته على نبيه مُحَمَّد خَاتم النَّبِيين وَآله والطيبين الطاهرين أَقُول وَأَنا على بن مُوسَى بن جَعْفَر إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ عضده الله بالسداد وَرَفعه بالرشاد عرف من حَقنا مَا جَهله غَيره فوصل أرحاما قطعت وَأمن أنفسا فزعت بل أَحْيَاهَا وَقد تلفت وأغناها إِذْ
(2/332)

افْتَقَرت متتبعا رضى رب الْعَالمين لَا يُرِيد جَزَاء من غَيره وسيجزى الله الشَّاكِرِينَ وَلَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ وَإنَّهُ جعل إِلَى عَهده والإمرة الْكُبْرَى إِن بقيت بعده فَمن حل عقدَة أَمر الله بشدها أَو فَصم عُرْوَة احب الله إيثاقها فقد أَبَاحَ حريمة وَأحل مُحرمَة إِذْ كَانَ بذلك زاريا على الإِمَام منتهكا حُرْمَة الْإِسْلَام بذلك وَجرى السالف فَصَبر مِنْهُ على الفلتات وَلم يعْتَرض بعْدهَا على العزمات خوفًا على شتات الدّين واضطراب حَبل الْمُسلمين ولقرب أَمر الْجَاهِلِيَّة ورصد فرْصَة تنتهز وبائقة تبتدر وَقد جعلت الله تَعَالَى على نفسى إِن استرعانى على الْمُسلمين وقلدنى خِلَافَته الْعَمَل فيهم عَامَّة وَفِي بنى الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب خَاصَّة بِطَاعَتِهِ وَسنة رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن لاأسفك دَمًا حَرَامًا وَلَا أُبِيح فرجا وَلَا مَالا إِلَّا مَا سفكه حُدُوده وأباحته فَرَائِضه وَأَن أتخير الكفاة جهدى وطاقتى جعلت بذلك على نفسى عهدا مؤكدا يسألنى عَنهُ فَإِنَّهُ
(2/333)

عز وَجل يَقُول {وأوفوا بالعهد إِن الْعَهْد كَانَ مسؤولا} فَإِن حدت أَو غيرت أَو بدلت كنت للْغَيْر مُسْتَحقّا وللنكال متعرضا وَأَعُوذ بِاللَّه من سخطه وَإِلَيْهِ أَرغب فِي التَّوْفِيق لطاعته والحول بينى وَبَين مَعْصِيَته فِي عَافِيَة والجامعة والحصر يدلان على ضد ذَلِك {وَمَا أَدْرِي مَا يفعل بِي وَلَا بكم} {إِن الحكم إِلَّا لله يقص الْحق وَهُوَ خير الفاصلين} لكنى امتثلت أَمر أَمِير الْمُؤمنِينَ وآثرت رِضَاهُ وَالله يعصمنى وإياه وأشهدت الله على نفسى بذلك {وَكفى بِاللَّه شَهِيدا}
وكتبت بخطى بِحَضْرَة أَمِير الْمُؤمنِينَ أَطَالَ الله بَقَاءَهُ وَالْفضل بن سهل وَسَهل بن الْفضل وَيحيى بن
(2/334)

أَكْثَم والبشر بن الْمُعْتَمِر وَحَمَّاد بن النُّعْمَان فِي شهر رَمَضَان سنة إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ
ثمَّ كتب فِيهِ من حضر من هَؤُلَاءِ وَهَذِه صُورَة كتابتهم فِيهِ
فَكتب الْفضل بن سهل وَزِير الْمَأْمُون مَا صورته
رسم أَمِير الْمُؤمنِينَ أَطَالَ الله بَقَاءَهُ قِرَاءَة مَضْمُون هَذَا الْمَكْتُوب ظَهره وبطنه بحرم سيدناا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَين الرَّوْضَة والمنبر على رُؤُوس الأشهاد ومرأى ومسمع من وُجُوه بنى هَاشم وَسَائِر الْأَوْلِيَاء والأجناد وَهُوَ يسْأَل الله أَن يعرف أَمِير الْمُؤمنِينَ وكافة الْمُسلمين بركَة هَذَا الْعَهْد والميثاق بِمَا أوجب أَمِير الْمُؤمنِينَ الْحجَّة بِهِ على جَمِيع الْمُسلمين وأبطل الشُّبْهَة الَّتِى كَانَت اعترضت آراء الْجَاهِلين {مَا كَانَ الله ليذر الْمُؤمنِينَ على مَا أَنْتُم عَلَيْهِ}
(2/335)

وَكتب الْفضل بن سهل فِي التَّارِيخ الْمعِين فِيهِ
وَكتب عبد الله بن طَاهِر مَا صورته
أَثْبَتَت شَهَادَته فِيهِ بتاريخه عبد الله بن طَاهِر بن الْحُسَيْن
وَكتب يحيى بن أَكْثَم القاضى مَا صورته شهد يحيى بن أَكْثَم على مَضْمُون هَذِه الصَّحِيفَة ظهرهَا وبطنها وَكتب بِخَطِّهِ بالتاريخ
وَكتب حَمَّاد بن النُّعْمَان مَا صورته شهد حَمَّاد بن النُّعْمَان بمضمونه ظَهره وبطنه وَكتب بِيَدِهِ بتاريخه
وَكتب بشر بن الْمُعْتَمِر وَكتب مَا صورته
شهد بِمثل ذَلِك بشر بن الْمُعْتَمِر وَكتب بِخَطِّهِ بالتاريخ
(2/336)

الْمَذْهَب الثَّانِي
فِي العهود الَّتِى تكْتب للخلفاء أَن يفْتَتح الْعَهْد بِالْحَمْد لله
قلت وَعَلِيهِ الْعَمَل فِي زَمَاننَا مَعَ الِاقْتِصَار على تحميده وأحدة والاختصار فِي القَوْل
وعَلى ذَلِك
كتب عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ المستكفى بِاللَّه أَبى الرّبيع سُلَيْمَان لوَلَده المستوثق بِاللَّه بركَة
وَهَذِه نسخته
الْحَمد لله الذى أيد الْخلَافَة العباسية بِأَجل وَالِد وَأبر ولد وَجعلهَا كلمة بَاقِيَة بالسند والسند فَالسَّنَد وآواها من إمرتهم إِلَى الْكَهْف فالكهف وَإِن تناهى الْعدَد وزان عطفهابسؤدد سَواد شعارهم المسجلة أنواره وَلَا شكّ أَن النُّور فِي السوَاد وعذق بصولتهم النبوى
(2/337)

معجزها كل منآد نحمده على مَا من بِهِ من تَمام النِّعْمَة فيهم ونزول الرَّحْمَة ببواقيهم ونشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة مَحْضَة الْإِخْلَاص كافلا محضها بالفكاك من أسر الشّرك والخلاص ونشهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الْمَبْعُوث بِمَا أوضح سبل الرشاد وقمع أهل العناد وَالشَّفِيع المشفع يَوْم التناد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعَلى آله وَصَحبه صَلَاة لاانقضاء لَهَا ولانفاذ وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا
وَبعد فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ وَيذكر اسْمه يعتصم بِاللَّه فِي كل مَا ياتى ويذر مِمَّا جعل لَهُ من التَّفْوِيض وَيُشِير إِلَى الصَّوَاب فِي كل تَصْرِيح مِنْهُ وتعريض وَإنَّهُ شدّ الله أزره وَعظم قدره استخار الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي الْوَصِيَّة بِمَا جعله لَهُ من الْخلَافَة المعظمة المفخمة الموروثة عَن الْآبَاء والجدود الملقاة إِلَيْهِ مقاليدها كَمَا نَص عَلَيْهِ ابْن عَمه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْوَالِد من قُرَيْش
(2/338)

والمولود لوَلَده السَّيِّد الْأَجَل الْمُعظم المكرم فلَان سليل الْخلَافَة وشبل غابها ونخبة أحسابها وأنسابها اجله الله وشرفه وجمل بِهِ عطف الْإِمَامَة وفوفه لما تلمحة فِيهِ من النجابة اللائحة على شمائله وَظهر من مستوثق إبداء سره فِيهِ بدلائل برهانه وبرهان دلائله وَأشْهد على نَفسه الْكَرِيمَة صانها الله تَعَالَى سيدنَا ومولانا أَمِير الْمُؤمنِينَ من حضر من حكام الْمُسلمين قُضَاة قضاتهم وعلمائهم وعدولهم مَجْلِسه الشريف أَنه رَضِي أَن يكون الْأَمر فِي الْخلَافَة المعظمة الذى جعله الله لَهُ الْآن لوَلَده السَّيِّد الْأَجَل فلَان بعد وَفَاته فسح الله فِي أَجله وعهد بذلك إِلَيْهِ وعول فِي أَمر الْخلَافَة عَلَيْهِ وَألقى إِلَيْهِ مقاليدها وَجعل بِيَدِهِ زِمَام مبدئها ومعيدها وصّى لَهُ بذلك كُله جزئيه وكليه وغمضه وجليه وَصِيَّة شَرْعِيَّة بشروطها اللَّازِمَة الْمُعْتَبرَة وقواعدها المحررة وَأشْهد عَلَيْهِ بذلك فِي تَارِيخ كَذَا
قلت وَقد أنشأت على هَذِه الطَّرِيقَة عهدا على لِسَان الإِمَام الْأَعْظَم المتَوَكل على الله أَبى عبد الله مُحَمَّد لِابْنِهِ الإِمَام الْأَعْظَم المستعين بِاللَّه أَبى الْفضل الْعَبَّاس امتحانا للذهن
(2/339)

قبل وَفَاة المتَوَكل وانتقال الْخلَافَة بالبيعة لِابْنِهِ المستعين بِنَحْوِ ثَمَان سِنِين فاتفق أَن كَانَ هُوَ الذى ولى الْخلَافَة بعده من اولاده
وَهَذِه نسخته
هَذَا عهد سعيد الطالع مَيْمُون الطَّائِر مبارك الأول جميل الْأَوْسَط حميد الآخر تشهد بِهِ حضرات الْأَمْلَاك وترقمه كف الثريا باقلام الْقبُول فِي صَحَائِف الأفلاك وتباهى بِهِ مُلُوك الأَرْض مَلَائِكَة السما وتسرى بنشره الْقبُول فتنشر لَهُ بِكُل نَاحيَة علما وتطلع بِهِ سَعَادَة الْجد من مُلُوك الْعدْل فِي كل أفق نجما وترقص من فرحها الْأَنْهَار فتنقطها شمس النَّهَار بِذَهَب الْأَصِيل على صفحات الما عهد بِهِ عبد الله ووليه أَبُو عبد الله مُحَمَّد المتَوَكل على الله أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى وَلَده السَّيِّد الْجَلِيل عدَّة الدّين وذخيرته وصفى أَمِير الْمُؤمنِينَ من وَلَده وَخيرته المستعين بِاللَّه أَبى الْفضل الْعَبَّاس بلغ الله
(2/340)

فِيهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ غَايَة الأمل وَأقر بِهِ عين الْخلَافَة العباسية كَمَا أقرّ بِهِ عين أَبِيه وَقد فعل
أما بعد فَالْحَمْد لله حَافظ نظام الاسلام وواصل سَببه وَرَافِع بَيت الْخلَافَة وماد طنبه وناظم عقد الْإِمَامَة المعظمة فِي سلك بنى الْعَبَّاس وجاعلها كلمة بَاقِيَة فِي عقبه
وَالْحَمْد لله الذى عذق أَمر الْأمة مِنْهُم بأعظمهم خطرا وأرفعهم قدرا وأرجحهم عقلا وأوسعهم صَدرا وأجزلهم رَأيا وأسلمهم فكرا
وَالْحَمْد لله الذى أقرّ عين أَمِير الْمُؤمنِينَ بِخَير ولى وَأفضل ولد وَشد ازره بأكرم سيد وأعز سَنَد وَصرف اخْتِيَار اخْتِيَاره إِلَى من إِذا قَامَ بِالْأَمر بعده قيل هَذَا الشبل من ذَاك الْأسد
وَالْحَمْد لله الَّذِي جمع الآراء على اخْتِيَار العاهد فَمَا قلوه وَلَا رفضوه وجبل الْقُلُوب على حب الْمَعْهُود إِلَيْهِ فَلم يرَوا الْعُدُول عَنهُ إِلَى غَيره بِوَجْه من الْوُجُوه
وَالْحَمْد لله الذى جدد للرعية نعْمَة مَعَ بَقَاء النِّعْمَة الأولى وَأقَام لأمر الْأمة من بنى عَم نبيه الْمُصْطَفى الأولى بذلك
(2/341)

فَالْأولى وَاخْتَارَ لعهد الْمُسلمين من سبقت إِلَيْهِ فِي الْأَزَل إِرَادَته فَأصْبح فِي النُّفُوس مُعظما وَفِي الْقُلُوب مَقْبُولًا
وَالْحَمْد لله الذى أضْحك الْخلَافَة العباسية بِوُجُود عباسها وأطاب بِذكرِهِ رياها فتعطر الْوُجُود بِطيب أنفاسها وَرفع قدرَة بالعهد إِلَيْهِ إِلَى أَعلَى رُتْبَة منيفة وَخَصه بمشاركة جده الْعَبَّاس فِي الأسم والكنية ففاز بِمَا لم يفز بِهِ قبله مِنْهُم سِتّ وَأَرْبَعُونَ خَليفَة
وَالْحَمْد لله الذى أوجب على الكافة طَاعَة إولى الْأَمر من الْأَئِمَّة وألزمهم الدُّخُول فِي بيعَة الإِمَام والانقياد إِلَيْهِ وَلَو كَانَ عبدا أسود فَكيف بِمن أجمع على سؤدده الْأمة وأوضح السَّبِيل فِي التَّعْرِيف بمقام الْآل والعزة النَّبَوِيَّة فَلَا {يكن أَمركُم عَلَيْكُم غمَّة}
يحمده أَمِير الْمُؤمنِينَ على مَا منحه من طيب أرومة سمت أصلا وزكت فرعا وحباه من شرف محتد راق نظرا وشاق
(2/342)

سمعا وَوَصله بِهِ من نعم آثرت نَفَّاعًا وأثرت نفعا
وَيشْهد أَن لَا إِلَه الا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة يتوارثونها كالخلافة كَابِرًا عَن كَابر ويوصى بهَا أبدا الأول مِنْهُم الآخر وَيُؤذن قيامهم بنصرتها أَنهم مَعْدن جوهرها النفيس ونظام عقدهَا الفاخر وَيشْهد أَن سيدنَا مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الذى خص عَمه الْعَبَّاس بكريم الحباء وشريف الإنافة وَنبهَ على بَقَاء الْأَمر فِي بنيه بقول ضل من اظهر عناده أَو أضمر خلَافَة حَيْثُ أسر إِلَيْهِ أَلا أُبَشِّرك يَا عَم بى ختمت النُّبُوَّة وبولدك تختم الْخلَافَة صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعَلى آله وَصَحبه صَلَاة تعم بركتها الْوَلَد وَالْوَالِد ويشمل معروفها الْمَعْهُود إِلَيْهِ وَيعرف شرفها العاهد ويعترف بفضلها الْمقر وَلَا يسع إنكارها الجاحد مانوة بِذكر الْخلَافَة العباسية على أَعْوَاد المنابر وخفقت الرَّايَات السود على عَسَاكِر المواكب ومواكب العساكر وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا
هَذَا وكل رَاع مسئول عَن رَعيته وكل امْرِئ مَحْمُول على نِيَّته مخبر بِظَاهِرِهِ عَن جميل مَا أكنه فِي صَدره وَمَا أسره فِي طويته وَالْإِمَام مَنْصُوب للْقِيَام بِأَمْر الله
(2/343)

تَعَالَى فِي عباده مَأْمُور بِالنَّصِيحَةِ لَهُم جهد طاقته وطاقة اجْتِهَاده مَطْلُوب بِالنّظرِ فِي مصالحهم فِي حَاضر وقتهم ومستقبله وبدء أَمرهم ومعاده وَمن ثمَّ اخْتلفت آراء الْخُلَفَاء الرَّاشِدين فِي الْعَهْد بالخلافة وتباينت مقاصدهم وتنوعت اختياراتهم بِحَسب الِاجْتِهَاد وَاخْتلفت مواردهم فعهد الصّديق إِلَى عمر بن الْخطاب متثبتا وَتركهَا عمر شُورَى فِي سِتَّة وَقَالَ أتحمل أَمركُم حَيا وَمَيتًا وأتى رضى الله عَنهُ لكل من المذهبين بِمَا أذعن لَهُ الْخصم وَسلم فَقَالَ إِن أَعهد فقد عهد من هُوَ خير منى ابو بكر وَإِن أترك فقد ترك من هُوَ خير منى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأخذ الْخُلَفَاء فِي ذَلِك بسنتهما وَمَشوا فِيهِ على طريقتهما فَمن رَاغِب عَن الْعَهْد وراغب فِيهِ وَعَاهد إِلَى بعيد مِنْهُ وَآخر إِلَى ابْنه اَوْ أَخِيه كل مِنْهُم بِحَسب مَا يُؤدى إِلَيْهِ اجْتِهَاده وتقوى عَلَيْهِ عزيمته ويترجح لَدَيْهِ اعْتِمَاده
وَلما كَانَ أَمِير الْمُؤمنِينَ أحسن الله مثابه قد
(2/344)

نور الله عين بصيرته وَخَصه بِطَهَارَة سره وصفاء سَرِيرَته وآتاه الله الْملك وَالْحكمَة وَإِقَامَة لمصَالح الرّعية وَصَلَاح أَمر الْأمة وَعلمه مِمَّا يَشَاء فَكَانَ لَهُ من علم الفراسة أوفر قسم واصطفاه على أهل عصره وزاده بسطة فِي الْعلم والجسم فَلَا يعزم أمرا إِلَّا كَانَ رشادا وَلَا يعْتَمد فعلا إِلَّا ظهر سدادا وَلَا يرتئى رَأيا إِلَّا ألفى صَوَابا وَلَا يُشِير بشئ إِلَّا حمدت آثاره بدايه وَنِهَايَة واستصحابا وَمَعَ ذَلِك فقد بِلَا النَّاس وَخَيرهمْ وَعلم بالتجربة حَالهم وخبرهم وأطلع بِحسن النّظر على خفايا أُمُورهم وَمَا بِهِ مصلحَة خاصتهم وجمهورهم وترجح عِنْده جَانب الْعَهْد على جَانب الإهمال وَرَأى الْمُبَادرَة إِلَيْهِ أولى من الْإِمْهَال وَلم يزل يرْوى فكرته وَيعْمل رويته فِيمَن يصلح لهَذَا الْأَمر بعده وينهض بأعبائه الثَّقِيلَة وَحده وَيتبع فِيهِ سبله ويسلك طرائقه ويقتضى فِي السِّيرَة الْحَسَنَة أَثَره ويشيم فِي الْعدْل بوارقه وَيقبل على الْأَمر بكليته وَيقطع النّظر عَمَّا سواهُ ويتفرغ لَهُ من كل شاغل فَلَا يخالطه بِمَا عداهُ
وَقد علم أَن الأحق بِأَن يكون لَهَا حليفا من كَانَ بهَا
(2/345)

خليقا وَالْأولَى بَان يكون لَهَا قرينا من كَانَ بوصلها حَقِيقا والأجدر أَن يكون لَدَيْهَا مكينا من اتخذ مَعهَا يدا وَإِلَى مرضاتها طَرِيقا والأليق بمنصبها الشريف من كَانَ مطلوبها مَلِيًّا والأحرى بمكانها الرفيع من كَانَ بمقصودها وفيا والأوفق لمقامها العالى من كَانَ خيرا مقَاما وَأحسن نديا وَكَانَ وَالِده السَّيِّد الْأَجَل أَبُو الْفضل الْعَبَّاس الْمشَار إِلَيْهِ هُوَ الذى وجهت الْخلَافَة وَجههَا إِلَى قبلته وبالغت فِي طلبه وألحت فِي خطبَته على أَنه قد أرضع بلبانها وربى فِي حجرها وانتسب إِلَيْهَا بِالنُّبُوَّةِ فضمته إِلَى صدرها وَكَيف لَا تتشبث بجماله وتتعلق بأذياله وتطمع فِي قربه وتتغالى فِي حبه وتميل إِلَى أنسه وتراوده عَن نَفسه وَهُوَ كفؤها المستجمع لشرائطها المتصف بصفاتها ونسيبها السامى إِلَى أعاليها الراقى على شرفاتها إِذْ هُوَ شبلها النَّاشِئ فِي آجامها بل أسدها الحامى لحماها ومجيرها الوافى بذمامها وفارسها الْمُقدم فِي حلبه سباقها ووارثها الْحَائِز لجَمِيع سهامها وحاكمها الطائع لأمرها ورشيدها الْمَأْمُون على سرها وناصرها الْقَائِم بواجبها
(2/346)

ومهديها الهادى إِلَى أفضل مذاهبها فقد التحف من الْخلَافَة بردائها وَسكن من الْقُلُوب فِي سويدائها وتوسمت الْآفَاق تَفْوِيض الْأَمر إِلَيْهِ بعد أَبِيه فَظهر الخلوق فِي أرجائها وَاتبع سيرة ابيه فِي الْمَعْرُوف واقتفى أَثَره فِي الْكَرم وتشبه بِهِ فِي المفاخر وَمن يشابه أبه فَمَا ظلم وَتقبل الله دُعَاء أَبِيه فوهب لَهُ من لَدنه وليا وَأجَاب نداءه فِيهِ فمكن لَهُ فِي الأَرْض وآتاه الحكم صَبيا فاستوجب أَن يكون حِينَئِذٍ للْمُسلمين ولى عَهدهم واليا على أُمُورهم فِي حلهم وعقدهم متكفلا بِالْأَمر فِي قربَة وَبعده معينا لِأَبِيهِ فِي حَيَاته خَليفَة لَهُ من بعده وَأَن يُصَرح لَهُ بالاستخلاف ويوضح وَيَتْلُو عَلَيْهِ بِلِسَان التَّفْوِيض {اخلفني فِي قومِي وَأصْلح}
واقتضت شَفَقَة أَمِير الْمُؤمنِينَ ورأفته ورفقه بالأمة وَرَحمته أَن ينصب لَهُم ولى عهد يكون بِهَذِهِ الصِّفَات متصفا وَمن بحره مغترفا وَمن ثمار مَعْرُوفَة الْمَعْرُوف مقتطفا ولمنهله العذب واردا وعَلى بَيته الشريف وَسَائِر الْأمة بِالْخَيرِ عَائِدًا فَلم يجد من هُوَ
(2/347)

مُسْتَكْمل لجميعها مستوعب لأصولها وفروعها وَهُوَ بمطلوبها املى وعَلى قُلُوب الرّعية أحلى وللغليل أشفى وبالعهد الْجَمِيل أوفى من وَلَده الْمشَار إِلَيْهِ فَاسْتَشَارَ فِي ذَلِك أهل الْحل وَالْعقد من قُضَاته وعلمائه وأمرائه ووزارئه وَذَوِيهِ وأقاربه وبنيه وأعيان اهل الْعَصْر وعامته وجمهوره وكافته فرأوه صَوَابا فَلم تعرهم فِيهِ ظنة وَلَا مسترابا وَلَا وجد أحد مِنْهُم إِلَى بَاب غَيره طَرِيقا وَلَا إِلَى طَرِيق غَيره بَابا فاستخار الله تَعَالَى فِيهِ فَأقبل خاطره الشريف عَلَيْهِ وَكرر الاستخارة فَلم يجد عَنهُ محيدا إِلَّا إِلَيْهِ فَلَمَّا راى أَن ذَلِك أَمر قد انْعَقَد عَلَيْهِ الْإِجْمَاع قولا وفعلا وَعدم فِيهِ الْمُخَالف بل لم يكن أصلا حمد الله تَعَالَى وَأثْنى عَلَيْهِ وَسَأَلَهُ التَّوْفِيق وَرغب إِلَيْهِ وجدد الاستخارة وعهد إِلَيْهِ بِأَمْر الْأمة وقلده مَا هُوَ متقلده من الْخلَافَة المقدسة بعده على عَادَة من تقدمه من الْخُلَفَاء الماضين وَقَاعِدَة من سلف من الْأَئِمَّة المهديين وفوض إِلَيْهِ مَا هُوَ من احكامها ولوازمها وأصولها ومعالمها من عهد ووصاية وعزل وَولَايَة وتفويض
(2/348)

وتقليد وانتزاع وتخليد وتفريق وَجمع وَإِعْطَاء وَمنع وَوصل وَقطع وصلَة وإدرار وتقليل وإكثار جزئيها وكليها وخفيها وجليها ودانيها وقاصيها وطائعها وعاصيها تفويضا شَرْعِيًّا تَاما مرضيا جَامعا لأحكام الْولَايَة جمعا يعم كل نطاق وَيرى حكمه فِي جَمِيع الْآفَاق وَيدخل تَحْتَهُ سَائِر الأقاليم والأمصار على الْإِطْلَاق لَا يُغير حكمه وَلَا ينجلى رسمه وَلَا يطيش سَهْمه وَلَا يأفل نجمه
قبل الْمَعْهُود إِلَيْهِ أَعلَى الله مقَامه ذَلِك بِمحضر من الْقُضَاة الْحُكَّام وَالْعُلَمَاء الْأَعْلَام وَلزِمَ حكمه وانبرم وَكتب فِي سجلات الأفلاك وارتسم وحملت رسائله مَعَ برد السَّحَاب وطافت بِهِ على سَائِر الْأُمَم وَهُوَ أبقاه الله مَعَ مَا طبعت عَلَيْهِ طباعة السليمة وجبلت عَلَيْهِ سجاياه الشَّرِيفَة وأخلاقه الْكَرِيمَة قد تلقى عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ من شرِيف الْآدَاب مَا غذى بِهِ فِي مهده وتلقف مِنْهُ من حسن الأدوات مَا يرويهِ بالسند عَن أَبِيه
(2/349)

وجده مِمَّا انطبع فِي صفاء ذهنه الصَّقِيل وانتقش فِي فهمه وَاخْتَلَطَ من حَال طفوليته بدمه ولحمه حَتَّى صَار طبعا ثَانِيًا وخلقا على ممر الزَّمَان بَاقِيا وَاجْتمعَ لَدَيْهِ الغريزى فَكَانَ أصلا ثَابتا وفرعا على ذَلِك الأَصْل القوى نابتا لَكِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يوصيه تبركا ويشرح لَهُ مَا يكون بِهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى متمسكا والمرء إِلَى الْأَمر بِالْخَيرِ مَنْدُوب وَوَصِيَّة الرجل لِبَنِيهِ مَطْلُوبَة فقد قَالَ تَعَالَى {ووصى بهَا إِبْرَاهِيم بنيه وَيَعْقُوب}
فَعَلَيْك بمراقبة الله تَعَالَى فَمن راقب الله نجا وَالتَّقوى رَأس مَا لَك {وَمن يتق الله يَجْعَل لَهُ مخرجا} والجأ إِلَى الْحق فقد فَازَ من إِلَى الْحق لجا وَكتاب الله هُوَ الْحَبل المتين وَالْكتاب الْمُبين والمنهج القويم والسبيل الْوَاضِح والصراط الْمُسْتَقيم فتمسك مِنْهُ بالعروة الوثقى واسلك طَرِيقَته المثلى واهتد بهديه فَلَا تضل وَلَا تشقى وَسنة نبيه مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَيْك بالاقتداء
(2/350)

بأفعالها الْوَاضِحَة والإصغاء لآثار أقوالها الشارحة عَالما بَان الْكتاب وَالسّنة أَخَوان لايفترقان ومتلازمان بِحَبل التباين لايعتلقان والبلاد والرعايا فحطمها بنظرك مَا اسْتَطَعْت وَتثبت فِي كل قطع وَوصل فَأَنت مسؤول عَن كل مَا وصلت وَقطعت والآل والعزة النَّبَوِيَّة ففهما حق الْقَرَابَة مِنْك وَمن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الذى شرفت بِهِ وَاعْلَم أَنَّك إِذا أكرمت أحداص مِنْهُم فَإِنَّمَا أكرمته بِسَبَبِهِ وَاتبع فِي السِّيرَة سيرة آبَائِك الْخُلَفَاء الرَّاشِدين لاتزغ عَنْهَا وَلَا تعْمل إِلَّا بهَا وَبِمَا هُوَ إِن اسْتَطَعْت خير مِنْهَا وَاقِف فِي الْمَعْرُوف آثَارهم المقدسة لتحوى من المآثر مَا حووا وأحذ حذوهم فِي طريقهم الْمُبَارَكَة وَابْن الْمجد كَمَا بنوا وأحى من الْعَمَل سنة سلفك المصطفين الأخيار واحرص أَن تكون من الْأَئِمَّة الَّذين يظلهم الله تَحت ظلّ عَرْشه {وَيَوْم يقوم الأشهاد يَوْم لَا ينفع الظَّالِمين معذرتهم وَلَهُم اللَّعْنَة وَلَهُم سوء الدَّار}
(2/351)

وأسلف خَبرا تذكر بِهِ على مر الليالى وينتظم ذكره لَك فِي عُقُود الْأَيَّام كَمَا تنتظم فِي السلك اللآئى وَليكن قصدك وَجه الله ليَكُون فِي نصرتك فَإِن من كَانَ الله تَعَالَى ف نصرته لايبالى ولتعلم حق الْيَقِين أَن حسنه الإِمَام تضَاعف بِحَسب مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ من الْمصَالح أَو يَتَجَدَّد بِسَبَبِهَا وسيئته كَذَلِك فَمن سنّ سَيِّئَة كَانَ عَلَيْهِ إثمها وإثم من عمل بهَا ودر مَعَ الْحق كَيفَ دَار ومل مَعَه حَيْثُ مَال وَاعْلَم {إِن الله لَا يُغير مَا بِقوم حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم وَإِذا أَرَادَ الله بِقوم سوءا فَلَا مرد لَهُ وَمَا لَهُم من دونه} وَلَا يخْطر ببالك أَن هَذَا الْأَمر انْتهى إِلَيْك بِقُوَّة أَو يغرك مَا قدمْنَاهُ من الثَّنَاء عَلَيْك فالتأثر بالمدح مخل بالمروة ولاتتكل على نسبك فَمن اطاع الله أدخلهُ الْجنَّة وَلَو كَانَ عبدا حَبَشِيًّا وَمن عَصَاهُ أدخلهُ النَّار وَلَو كَانَ هاشميا قرشيا واستنصر الله واستعن بِهِ يكن لَك عونا وظهيرا واستهده يهدك {وَكفى بِرَبِّك هاديا ونصيرا} وَكن لله خَائفًا
(2/352)

وَمن مكره من المشفقين فَإِن {الأَرْض لله يُورثهَا من يَشَاء من عباده وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين}
هَذَا عهد أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَيْك ووصيته تملى عَلَيْك {وَذكر فَإِن الذكرى تَنْفَع الْمُؤمنِينَ} وَالله تَعَالَى يبلغهُ مِنْك أملا ويحقق فِيك علما ويزكى بك عملا
والاعتماد على الْخط الْمُقَدّس الإمامى المتوكلى أَعْلَاهُ الله تَعَالَى اعلاه حجَّة فِيهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى
تَنْبِيه قد تقدم فِي آخر البيعات نقلا عَن مُحَمَّد بن عمر المدائنى أَنه كَانَ يكْتب للخلفاء فِي قرطاس من ثلثى طومار وَهُوَ الثُّلُثَانِ من الْقطع البغدادى وَأَن الذى يظْهر أَن ذَلِك كَانَ فِي أَوَائِل أَمرهم وَأَنه كَانَ يكْتب لَهُم أخيرا فِي قطع البغدادى الْكَامِل أما الذى اسْتَقر عَلَيْهِ الْحَال فِيمَا يكْتب من العهود بالخلافة عَن خلفاء بنى الْعَبَّاس بالديار المصرية انه يكْتب لَهُم فِي قطع الشامى الْكَامِل بقلم الثُّلُث الْخَفِيف
(2/353)

وَهَذِه هِيَ طَريقَة الأقدمين من السّلف فَمن بعدهمْ فِي صدر الْإِسْلَام وَمَا وليه وَعَلِيهِ جرى الْمُحَقِّقُونَ من متأخري الْكتاب بالدولة العباسية بالعراق وَإِلَى 192 ب حِين انقراضها إِلَّا فِي الْقَلِيل النَّادِر مِمَّا سَيَأْتِي ذكره مِمَّا شَذَّ عَن ذَلِك وعَلى هَذَا المنوال نسج أفاضل كتاب الديار المصرية فِي كتبُوا بِهِ لملوك الديار المصرية إِلَّا أَنهم عدلوا عَن لفظ أمره إِلَى مَا يتَضَمَّن معنى الْأَمر دون تَصْرِيح بِلَفْظِهِ
وَالْأَصْل فِي ذَلِك مَا ورد أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين وَجه عَمْرو بن حزم إِلَى الْيمن كتب لَهُ كتاب عهد أمره فِيهِ أمره
وَهَذِه نسخته
فِيمَا ذكره ابْن هِشَام وَغَيره
هَذَا بَيَان من الله وَرَسُوله {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَوْفوا بِالْعُقُودِ} عهد من مُحَمَّد النَّبِي رَسُول الله لعَمْرو بن
(3/2)

حزم أمره بتقوى الله فِي أمره كُله فَإِن {الله مَعَ الَّذين اتَّقوا وَالَّذين هم محسنون} وَأمره أَن يَأْخُذ بِالْحَقِّ كَمَا أمره الله وَأَن يبشر النَّاس بِالْخَيرِ وَيَأْمُرهُمْ بِهِ وَيعلم النَّاس الْقُرْآن ويفقههم فِيهِ وَينْهى النَّاس فَلَا يمس الْقُرْآن إِنْسَان إِلَّا وَهُوَ طَاهِر ويخبر النَّاس بِالَّذِي لَهُم وَالَّذِي عَلَيْهِم ويلين للنَّاس فِي الْحق ويشتد عَلَيْهِم فِي الظُّلم فَإِن الله كره الظُّلم وَنهى عَنهُ فَقَالَ {أَلا لعنة الله على الظَّالِمين} ويبشر النَّاس بِالْجنَّةِ وبعملها وينذر النَّاس النَّار وعملها ويتألف النَّاس حَتَّى يفقهوا فِي الدّين وَيعلم النَّاس معالم الْحَج وسنته وفريضته وَمَا أَمر الله بِهِ وَالْحج الْأَكْبَر وَالْحج الْأَصْغَر وَهُوَ الْعمرَة وَينْهى النَّاس أَن يُصَلِّي أحد فِي ثوب وَاحِد صَغِير إِلَّا أَن يكون ثوبا يثني طَرفَيْهِ على عَاتِقيهِ وَينْهى أَن
(3/3)

وعَلى هَذَا الأسلوب
كتب أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه عهد مَالك الأشتر النَّخعِيّ حِين ولاه مصر وَهُوَ من العهود البليغة جمع 193 ب فِيهِ بَين معالم التَّقْوَى وسياسة الْملك
وَهَذِه نسخته
هَذَا مَا أَمر عَليّ أَمِير الْمُؤمنِينَ مَالك بن الْحَارِث الأشتر فِي عَهده إِلَيْهِ حِين ولاه مصر جباية خراجها وَجِهَاد عدوها واستصلاح أَهلهَا وَعمارَة بلادها وَأمره بتقوى الله وإيثار طَاعَته وَاتِّبَاع مَا أَمر بِهِ فِي كِتَابه من فريضته وسنته الَّتِي لَا يسْعد أحد إِلَّا باتباعها وَلَا يشقى إِلَّا مَعَ جحودها وإضاعتها وَأَن ينصر الله تَعَالَى بِيَدِهِ وَقَلبه وَلسَانه فَإِنَّهُ جلّ اسْمه قد تكفل بنصر من نَصره وإعزاز من أعزه وَأمره أَن يكسر من نَفسه عِنْد الشَّهَوَات ويزعها عِنْد الجمحات فَإِن النَّفس لأمارة بالسوء إِلَّا مَا رحم الله
(3/6)

ثمَّ اعْلَم يَا مَالك أَنِّي قد وجهتك إِلَى بِلَاد قد جرت عَلَيْهَا دوَل قبلك من عدل وجور وَأَن النَّاس يبصرون من أمورك مثل مَا كنت تنظر فِيهِ من أَمر الْوُلَاة قبلك وَيَقُولُونَ فِيك مَا كنت تَقول فيهم وَإِنَّمَا يسْتَدلّ على الصَّالِحين بِمَا يجْرِي الله لَهُم على ألسن عباده فَلْيَكُن أحب الذَّخَائِر إِلَيْك الْعَمَل الصَّالح فاملك هَوَاك وشح بِنَفْسِك عَمَّا لَا يحل لَك فَإِن الشُّح بِالنَّفسِ الانتصاف مِنْهَا فِيمَا أحبت وكرهت وأشعر قَلْبك بِالرَّحْمَةِ للرعية والمحبة لَهُم واللطف بهم وَلَا تكونن عَلَيْهِ سبعا ضاريا تغتنم أكلهم فَإِنَّهُم صنفان إِمَّا أَخ لَك فِي الدّين وَإِمَّا نَظِير لَك فِي الْخلق يفرط مِنْهُم الزلل وَتعرض لَهُم الْعِلَل وَيُؤْتى على أَيْديهم فيالعمد وَالْخَطَأ فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الَّذِي تحب أَن يعطيك الله من عَفوه وصفحه فَإنَّك فَوْقهم ووالي الْأَمر عَلَيْهِم فَوْقك وَالله فَوق من ولاك وَقد استكفاك أَمرهم 194 اوابتلاك بهم وَلَا تنصبن نَفسك لِحَرْب الله
(3/7)

مَا اسْتَطَعْت يستر الله مَا تحب ستره من عيبك
أطلق عَن النَّاس عقدَة كل حقد واقطع عَنْهُم سَبَب كل وتر وتجاف عَن كل مَا لَا يَصح لَك وَلَا تعجلن إِلَى تَصْدِيق ساع فَإِن السَّاعِي غاش وَإِن تشبه بالناصحين وَلَا تدخلن فِي مشورتك بَخِيلًا يعدل بك عَن الْفضل ويعدك الْفقر وَلَا جَبَانًا يضعفك عَن الْأُمُور وَلَا حَرِيصًا يزين لَك الشره بالجور فَإِن الْبُخْل والجبن والحرص غرائز شَتَّى يجمعها سوء الظَّن بِاللَّه
شَرّ وزرائك من كَانَ للأشرار قبلك وزيرا وَمن شاركهم فِي الآثام فَلَا يكونن لَك بطانة فَإِنَّهُم أعوان الأثمة وإخوان الظلمَة وَأَنت وَاجِد مِنْهُم خير الْخلف من لَهُ مثل آرائهم ونفاذهم وَلَيْسَ عَلَيْهِ مثل آصارهم وأوزارهم مِمَّن لم يعاون ظَالِما على ظلمه وَلَا آثِما على إثمه أُولَئِكَ أخف عَلَيْك مئونة وَأحسن لَك مَعُونَة وأحنى عَلَيْك عطفا وَأَقل لغيك إلفا فَاتخذ أُولَئِكَ خَاصَّة لخلواتك وحفلاتك ثمَّ ليكن آثرهم عنْدك أقولهم لَك بمر الْحق وَأَقلهمْ مساعدة فِيمَا يكون
(3/10)

مِنْك مِمَّا كره الله لأوليائه وَاقعا ذَلِك من هَوَاك حَيْثُ وَقع والصق بِأَهْل الصدْق والورع ثمَّ رضهم على أَن لَا يضروك وَلَا يبجحوك بباطل لم تَفْعَلهُ فَإِن كَثْرَة الإصغاء تحدث الزهو وتدنى من الْغرَّة وَلَا يكونن المحسن عنْدك والمسيء بِمَنْزِلَة وَاحِدَة فَإِن فِي ذَلِك ترهيبا لأهل الْإِحْسَان وتريبا لأهل الْإِسَاءَة ... وَإنَّك لَا تَدْرِي إِذا جَاءَ سَائل
أَأَنْت بِمَا تعطيه أم هُوَ أسعد
عَسى سَائل ذُو حَاجَة إِن منعته
من الْيَوْم سؤلا أَن يكون لَهُ غَد
وَفِي كَثْرَة الْأَيْدِي عَن الْجَهْل زاجر
وللحلم أبقى للرِّجَال وأعود ...
(3/11)

والمواصلة لكل 195 ب من حمى الْبَيْضَة وأخلص النِّيَّة والكون تَحت ظلّ أَمِير الْمُؤمنِينَ وذمته وَمَعَ عز دولته أبي مَنْصُور فِي حوزته وَالله جلّ اسْمه يعرف لأمير الْمُؤمنِينَ حسن العقبى فِيمَا أبرم وَنقض وسداد الرَّأْي فِيمَن رفع وخفض وَيجْعَل عَزَائِمه مقرونة بالسلامة محجوبة عَن موارد الندامة وَحسب أَمِير الْمُؤمنِينَ الله وَنعم الْوَكِيل
أمره بتقوى الله الَّتِي هِيَ الْعِصْمَة المتينة وَالْجنَّة الحصينة والطود الأرفع والمعاذ الأمنع والجانب الْأَعَز والمجأ الأحرز وَأَن يستشعرها سرا وجهرا ويستعملها قولا وفعلا ويتخذها ذخْرا نَافِعًا لنوائب الْقدر وكهفا حاميا من حوادث الْغَيْر فَإِنَّهَا أوجب الْوَسَائِل وَأقرب الذرائع وأعودها على العَبْد بمصالحه وأدعاها إِلَى كل مناجحه وأولاها بالاستمرار على هدايته والنجاة من غوايته والسلامة فِي دُنْيَاهُ حِين توبق موبقاتها وتردى مردياتها وَفِي آخرته حِين
(3/14)

تروع رائعاتها وتخيف مخيفاتها وَأَن يتأدب بآداب الله فِي التَّوَاضُع والإخبات والسكينة وَالْوَقار وَصدق اللهجة إِذا رَمق وكظم الغيظ إِذا حنق وَحفظ اللِّسَان إِذا غضب وكف الْيَد عَن المآثم وصون النَّفس عَن الْمَحَارِم وَأَن يذكر الْمَوْت الَّذِي هُوَ نَازل بِهِ والموقف الَّذِي هُوَ صائر إِلَيْهِ وَيعلم أَنه مسئول عَمَّا اكْتسب مجزى عَمَّا تزمك واحتقب ويتزود من هَذَا الْمَمَر لذاك الْمقر ويستكثر من أَعمال الْخَيْر لتنفعه وَمن مساعي الْبر لتنقذه ويأتمر بالصالحات قبل أَن يَأْمر بهَا ويزدجر عَن السَّيِّئَات قبل أَن يزْجر عَنْهَا ويبتدئ بإصلاح نَفسه قبل إصْلَاح رَعيته فَلَا يَبْعَثهُم على مَا يَأْتِي ضِدّه وَلَا ينهاهم عَمَّا يقترف مثله وَيجْعَل ربه رقيبا عَلَيْهِ فِي خلواته ومروءته مَانِعَة من شهواته فَإِن أَحَق من غلب سُلْطَان الشَّهْوَة وَأولى من صرع أَعدَاء الحمية من 196 املك أزمة الْأُمُور
(3/15)

واقتدر على سياسة الْجُمْهُور وَكَانَ مُطَاعًا فِيمَا يرى مُتبعا فِيمَا يَشَاء يَلِي على النَّاس وَلَا يلون عَلَيْهِ ويقتص مِنْهُم وَلَا يقتصون مِنْهُ فَإِذا إطلع الله مِنْهُ على نقاء جيبه وطهارة ذيله وَصِحَّة سَرِيرَته واستقامة سيرته أَعَانَهُ على حفظ مَا استحفظه وأنهضه بثقل مَا حمله وَجعل لَهُ مخلصا من الشُّبْهَة ومخرجا من الْحيرَة فقد قَالَ تَعَالَى {وَمن يتق الله يَجْعَل لَهُ مخرجا وَيَرْزقهُ من حَيْثُ لَا يحْتَسب} وَقَالَ عز من قَائِل {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله حق تُقَاته وَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ} وَقَالَ {اتَّقوا الله وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقين} إِلَى آي كَثِيرَة حضنا بهَا على أكْرم الْخلق وَأسلم الطّرق فالسعيد من نصبها إزاء ناظرة والشقي من نبذها وَرَاء ظَهره وأشقى مِنْهُمَا من بعث عَلَيْهَا وَهُوَ صَادف عَنْهَا وأهاب إِلَيْهَا وَهُوَ بعيد مِنْهَا وَله ولأمثاله يَقُول الله تَعَالَى {أتأمرون النَّاس بِالْبرِّ وتنسون أَنفسكُم وَأَنْتُم تتلون الْكتاب أَفلا تعقلون}
(3/16)

وَأمره أَن يتَّخذ كتاب الله إِمَامًا مُتبعا وطريقا متوقعا وَيكثر من تِلَاوَته إِذا خلا بفكره ويملأ بتأمله أرجاء صَدره فَيذْهب مَعَه فِيمَا أَبَاحَ وحظر ويقتدى بِهِ إِذا نهى وَأمر ويستبين ببيانه إِذا استغلقت دونه المعضلات ويستضيء بمصابيحه إِذا غم عَلَيْهِ فِي المشكلات فَإِنَّهُ عُرْوَة الْإِسْلَام الوثقى ومحجته الْوُسْطَى وَدَلِيله الْمقنع وبرهانه المرشد والكاشف لظلم الخطوب والشافي من مرض الْقُلُوب وَالْهَادِي لمن ضل والمتلافي لمن زل فَمن نجا بِهِ فقد فَازَ وَسلم وَمن لَهَا عَنهُ فقد خَابَ وَنَدم قَالَ الله تَعَالَى {وَإنَّهُ لكتاب عَزِيز لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه تَنْزِيل من حَكِيم حميد} وَأمره أَن يحافظ على الصَّلَوَات وَيدخل فِيهَا فِي حقائق الْأَوْقَات قَائِما على حُدُودهَا 196 ب مُتبعا لرسومها جَامعا فِيمَا بَين نِيَّته وَلَفظه متوقيا
(3/17)

لمطامح سَهْوه ولحظه مُنْقَطِعًا إِلَيْهَا عَن كل قَاطع لَهَا مَشْغُولًا بهَا عَن كل شاغل عَنْهَا متثبتا فِي ركوعها وسجودها مُسْتَوْفيا عدد مفروضها ومسنونها موفرا عَلَيْهَا ذهنه صارفا إِلَيْهَا همه عَالما بِأَنَّهُ وَاقِف بَين يَدي خالقه ورازقه ومحييه ومميته ومعاقبه ومثيبه لَا يستر دونه خَائِنَة الْأَعْين وَمَا تخفي الصُّدُور فَإِذا قَضَاهَا على هَذِه السَّبِيل مُنْذُ تَكْبِيرَة الْإِحْرَام إِلَى خَاتِمَة التَّسْلِيم أتبعهَا بِدُعَاء يرْتَفع بارتفاعها ويستمع باستماعها وَلَا يتَعَدَّى فِيهِ مسَائِل الْأَبْرَار ورغائب الأخيار من إستصفاح وإستغفار وإستقالة وإسترحام وإستدعاء لصالح الدّين وَالدُّنْيَا وعوائد الْآخِرَة وَالْأولَى فقد قَالَ تَعَالَى {إِن الصَّلَاة كَانَت على الْمُؤمنِينَ كتابا موقوتا} وَقَالَ تَعَالَى {وأقم الصَّلَاة إِن الصَّلَاة تنْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر} وَأمره بالسعي فِي أَيَّام الْجمع فِي الْمَسَاجِد الجامعة وَفِي الأعياد إِلَى الْمُصَليَات الضاحية بعد التَّقَدُّم فِي فرشها وكسوتها وَجمع القوام المؤذنين والمكبرين فِيهَا
(3/18)

واستسعاء النَّاس إِلَيْهَا وحضهم عَلَيْهَا آخذين الأهبة متنظفين فِي البزة مؤدين لفرائض الطَّهَارَة وبالغين فِي ذَلِك أقْصَى الإستقصاء معتقدين خشيَة الله وخيفته مدرعين تقواه ومراقبته مكثرين من دُعَائِهِ عز وَجل وسؤاله مصلين على مُحَمَّد رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعَلى آله بقلوب على الْيَقِين مَوْقُوفَة وهمم إِلَى الدّين مصروفة وألسن بالتسبيح وَالتَّقْدِيس فصيحة وآمال فِي الْمَغْفِرَة وَالرَّحْمَة فسيحة فَإِن هَذِه الْمُصَليَات والمتعبدات بيُوت الله الَّتِي فَضلهَا ومناسكه الَّتِي شرفها وفيهَا يُتْلَى الْقُرْآن وَمِنْهَا ترْتَفع الْأَعْمَال وَبهَا يلوذ اللائذون ويعوذ العائذون ويتعبد المتعبدون ويتهجد المتهجدون وحقيق على الْمُسلمين أَجْمَعِينَ من وَال وَمولى عَلَيْهِ أَن يصونوها ويعمروها ويواصلوها وَلَا يهجروها 197 اوأن يقيموا الدعْوَة على منابرها لأمير الْمُؤمنِينَ ثمَّ لأَنْفُسِهِمْ على الرَّسْم الْجَارِي فِيهَا قَالَ الله تَعَالَى فِي هَذِه الصَّلَاة {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا نُودي للصَّلَاة من يَوْم الْجُمُعَة فَاسْعَوْا إِلَى ذكر الله وذروا البيع}
(3/19)

وَقَالَ فِي عمَارَة الْمَسَاجِد {إِنَّمَا يعمر مَسَاجِد الله من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَأقَام الصَّلَاة وَآتى الزَّكَاة وَلم يخْش إِلَّا الله فَعَسَى أُولَئِكَ أَن يَكُونُوا من المهتدين}
وَأمره أَن يرْعَى أَحْوَال من يَلِيهِ من طَبَقَات جند أَمِير الْمُؤمنِينَ ومواليه وَيُطلق لَهُم الأرزاق فِي وَقت الْوُجُوب والإستحقاق وَأَن يحسن فِي معاملتهم ويجمل فِي إستخدامهم ويتصرف فِي سياستهم بَين رفق من غير ضعف وخشونة من غير عنف مثيبا لمحسنهم مَا زَاد بالإبانة فِي حسن الْأَثر وَسلم مَعهَا من دواعي الأشر ومتغمدا لمسيئهم مَا كَانَ التغمد لَهُ نَافِعًا وَفِيه ناجعا فَإِن تَكَرَّرت زلاته وَتَتَابَعَتْ عثراته تنَاوله من عُقُوبَته بِمَا يكون لَهُ مصلحا وَلغيره واعظا وَأَن يخْتَص أكابرهم وأماثلهم وَأهل الرَّأْي والخطر مِنْهُم بالمشاورة فِي الْعلم والإطلاع على بعض المهم مستخلصا نخائل قُلُوبهم بالبسط والإدناء ومستشحذا بصائرهم بالإكرام والإحتفاء
(3/20)

فَإِن فِي مُشَاورَة هَذِه الطَّبَقَة إستدلالا على مواقع الصَّوَاب وتحرزا من غلط الإستبداد وأخذا لمجامع الحزامة وَأمنا من مُفَارقَة الإستقامة وَقد حض الله تَعَالَى على الشورى فِي قَوْله لرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم {وشاورهم فِي الْأَمر فَإِذا عزمت فتوكل على الله إِن الله يحب المتوكلين}
وَأمره أَن يعمد لما يتَّصل بنواحيه من ثغور الْمُسلمين ورباط المرابطين وَيقسم لَهَا قسما وافرا من عنايته وَيصرف إِلَيْهَا طرفا بل شطرا من رعايته ويختار لَهَا أهل الْجلد والشدة وَذَوي الْبَأْس والنجدة مِمَّن عجمته الخطوب 197 ب وعركته الحروب وإكتسب دربه بخدع المتنازلين وتجربة بمكائد المتقارعين وَأَن يستظهر بكشف عَددهمْ وإخيار عَددهمْ وإنتخاب خيلهم وإستجادة أسلحتهم غير مجمر بعثا إِذا بَعثه وَلَا مستكرهه إِذا وَجهه بل يناوب بَين رِجَاله مناوبة تريحهم وَلَا تملهم وترفههم وَلَا تؤودهم فَإِن ذَلِك من فَائِدَة الإجمام وَالْعدْل فِي الإستخدام وتنافس رجال
(3/21)

النوب فِيمَا عَاد عَلَيْهِم بعد الظفر والنصر وَبعد الصيت وَالذكر وإحراز النَّفْع وَالْأَجْر مَا يحِق أَن يكون الْوُلَاة بِهِ عاملين وَلِلنَّاسِ عَلَيْهِ حاملين وَأَن يُكَرر فِي أسماعهم وَيثبت فِي قولبهم مواعيد الله لمن صابر ورابط وسمح بِالنَّفسِ وجاهد من حَيْثُ لَا يقدمُونَ على تورط غرَّة وَلَا يحجمون عَن إنتهاز فرْصَة وَلَا ينكصون عَن تورد معركة وَلَا يلقون بِأَيْدِيهِم إِلَى التَّهْلُكَة فقد أَخذ الله تَعَالَى ذَلِك على خلقه والمرامين عَن دينه وَأَن يزيح الْعلَّة فِيمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من راتب نفقات هَذِه الثغور وحادثها وَبِنَاء حصونها ومعاقلها وإستطراق طرقها ومسالكها وإفاضة الأقوات والعلوفات للمتربين فِيهَا وللمترددين إِلَيْهَا والمحامين لَهَا وَأَن يبْذل أَمَانه لمن يَطْلُبهُ ويعرضه على من لم يَطْلُبهُ ويفي بالعهد إِذا عَاهَدَ وبالعقد إِذا عَاقد غير مخفر ذمَّة وَلَا جارح أَمَانَة فقد أَمر الله تَعَالَى فَقَالَ جلّ من قَائِل {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَوْفوا بِالْعُقُودِ} وَنهى عَن النكث فَقَالَ عز من قَائِل {فَمن نكث فَإِنَّمَا ينْكث على نَفسه}
(3/22)

وَأمره أَن يعرض من فِي حبوس عمله على مَرَاتِبهمْ وإنعام النّظر فِي جناياتهم وجرائمهم فَمن كَانَ إِقْرَاره وَاجِبا أقره وَمن كَانَ إِطْلَاقه سائغا أطلقهُ وَأَن ينظر فِي الشرطة والأحداث نظر عدل وإنصاف ويختار لَهَا من الْوُلَاة من يخَاف الله تَعَالَى ويتقيه وَلَا يحابي وَلَا يراقب الله فِيهِ ويتقدم إِلَيْهِم بقمع الْجُهَّال وردع الضلال وتتبع الأشرار 1198 وَطلب الدعار مستدلين على أماكنهم متوغلين إِلَى مكامنهم متولجين عَلَيْهِ فِي مظانهم متوثقين مِمَّن يجدونه مِنْهُم منفذين أَحْكَام الله تَعَالَى فيهم بِحَسب الَّذِي يتَبَيَّن من أُمُورهم ويتضح من فعلهم فِي كَبِيرَة إرتكبوها وعظيمة إحتقبوها ومهجة أفاضوها واستهلكوها وَحُرْمَة أباحوها وانتهكوها فَمن اسْتحق حدا من حُدُود الله الْمَعْلُومَة أقاموه عَلَيْهِ غير مخففين مِنْهُ وأحلوه بِهِ غير مقصرين عَنهُ بعد أَلا يكون عَلَيْهِم فِي الَّذِي يأْتونَ بِهِ حجَّة وَلَا تعترضهم فِي وُجُوبه شُبْهَة فَإِن الْمُسْتَحبّ فِي الْحُدُود أَن تُقَام بِالْبَيِّنَاتِ وَأَن تدرأ
(3/23)

بِالشُّبُهَاتِ فَأولى مَا توخاه رُعَاة الرعايا فِيهَا أَلا يقدموا عَلَيْهَا مَعَ نُقْصَان وَلَا يتوقفوا عَنْهَا مَعَ قيام دَلِيل وبرهان وَمن وَجب عَلَيْهِ الْقَتْل احتاط عَلَيْهِ بِمثل مَا يحْتَاط بِهِ على مثل من الْحَبْس الْحصين والتوثق الشَّديد وَكتب إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ بِخَبَرِهِ وَشرح جِنَايَته وثبوتها بِإِقْرَار يكون مِنْهُ أَو شَهَادَة تقع عَلَيْهِ ولينتظر من جَوَابه مَا يكون عمله بِحَسبِهِ فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا يُطلق سفك دم مُسلم أَو معاهد إِلَّا مَا أحَاط بِهِ علما وأتقنه فهما وَكَانَ مَا يمضيه فِيهِ عَن بَصِيرَة لَا يخالطها شكّ وَلَا يشوبها ريب وَمن ألم بصغيرة من الصَّغَائِر ويسيرة من الجرائر من حَيْثُ لم يعرف لَهُ مثلهَا وَلم تتقدم لَهُ أُخْتهَا وعظه وزجره وَنَهَاهُ وحذره واستتابه وأقاله مَا لم يكن عَلَيْهِ خصم فِي 1 لَك يُطَالب بقصاص مَه وَجَزَاء لَهُ فَإِن عَاد تنَاوله من التَّقْوِيم والتهذيب والتغريب والتأديب بِمَا يرى انه قد كفى فِيمَا اجترم ووفى فِيمَا قدم فقد قَالَ تَعَالَى {وَمن يَتَعَدَّ حُدُود الله فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ}
(3/24)

وَأمره أَن يعطل مَا فِي أَعماله من الحانات والمواخير ويظهرها من القبائح والمناكير وَيمْنَع من تجمع أهل الْخَنَا فِيهَا ويؤلف شملهم بهَا فَإِنَّهُ 198 ب شَمل يصلحه التشتيت وَجمع يحفظه التَّفْرِيق وَمَا زَالَت هَذِه المواطن الذميمة والمطارح الدنية دَاعِيَة لمن يأوي إِلَيْهَا ويعكف عَلَيْهَا إِلَى ترك الصَّلَوَات وركوب الْمُنْكَرَات واقتراف الْمَحْظُورَات وَهِي بيُوت الشَّيْطَان الَّتِي فِي عمارتها لله مغضبة وَفِي إخرابها للخير مجلبة وَالله تَعَالَى يَقُول لنا معشر الْمُؤمنِينَ {كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر وتؤمنون بِاللَّه} وَيَقُول عز من قَائِل لغيرنا من المذمومين {فخلف من بعدهمْ خلف أضاعوا الصَّلَاة وَاتبعُوا الشَّهَوَات فَسَوف يلقون غيا}
وَأمره أَن يُولى الحماية فِي هَذِه الْأَعْمَال أهل الْكِفَايَة
(3/25)

والغناء من الرِّجَال وَأَن يضم إِلَيْهِم كل من خف ركابه فأسرع عِنْد الصَّرِيخ جَوَابه مُرَتبا لَهُم فِي المسالح وسادا بهم ثغر المسالك وَأَن يوصيهم بالتيقظ ويأخذهم بالتحفظ ويزيح عللهم فِي علوفة خيلهم والمقرر من أَزْوَادهم وميرهم حَتَّى لَا يثقل لَهُم على الْبِلَاد وَطْأَة ويدعوهم إِلَى تحيفهم وثلمهم حَاجَة أَن يحوطوا السابلة بادئة وعائدة ويتداركوا القوافل صادرة وواردة ويحرسوا الطّرق لَيْلًا وَنَهَارًا ويتقصوها رواحا وإبكارا وينصبوا لأهل الْعَبَث الأرصاد ويتمكنوا لَهُم بِكُل وَاد ويتفرقوا عَلَيْهِم حَيْثُ يكون التَّفَرُّق مضيقا لفضائهم ومؤديا إِلَى انفضاضهم ويجتمعوا حَيْثُ يكون الِاجْتِمَاع مطفئا لحجرتهم وصادعا لمروتهم وَلَا يخلوا هَذِه السبل من حماة لَهَا وسيارة فِيهَا يَتَرَدَّدُونَ فِي جواديها ويتعسفون فِي عواديها حَتَّى تكون الدِّمَاء محقونة وَالْأَمْوَال مصونة والفتن محسومة والغارات مَأْمُونَة وَمن حصل فِي أَيْديهم من لص خاتل وصعلوك خارب ومخيف لسبيل ومنتهك لحريم امتثل فِيهِ أَمر أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمُوَافق لقَوْل الله عز وَجل {إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله ويسعون فِي الأَرْض فَسَادًا أَن يقتلُوا أَو يصلبوا أَو تقطع أَيْديهم وأرجلهم من خلاف أَو ينفوا من الأَرْض ذَلِك لَهُم خزي فِي الدُّنْيَا وَلَهُم فِي الْآخِرَة عَذَاب عَظِيم}
(3/26)

وَأمره أَن يوضع الرصد على من يجتاز فِي أَعماله من أباق العبيد وَالِاحْتِيَاط عَلَيْهِم وعَلى من يكون مَعَهم والبحث عَن الْأَمَاكِن الَّتِي فارقوها والطرق الَّتِي استطرقوها ومواليهم الَّذين أَبقوا مِنْهُم ونشزوا عَنْهُم وَأَن يردوهم عَلَيْهِم قهرا ويعيدوهم إِلَيْهِم صغرا وَأَن ينشدوا الضَّالة بِمَا أمكن أَن تنشد ويحفظوها على رَبهَا بِمَا جَازَ أَن تحفظ ويتجنبوا الامتطاء لظوهرها وَالِانْتِفَاع بأوبارها وَأَلْبَانهَا مِمَّا يجز ويحلب وَأَن يعرفوا اللّقطَة ويتبعوا أَثَرهَا ويشيعوا خَبَرهَا فَإِذا حضر صَاحبهَا وَعلم أَنه مستوجبها سلمت إِلَيْهِ وَلم يعتر فِيهَا عَلَيْهِ فَإِن الله عز وَجل يَقُول {إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا} وَيَقُول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ضَالَّة الْمُؤمن حرق النَّار
(3/27)

وَأمره أَن يُوصي عماله بالشد على أَيدي الْحُكَّام وتنفيذ مَا يصدر عَنْهُم من الْأَحْكَام وَأَن يحضروا مجَالِسهمْ حُضُور الموقرين لَهَا الذابين عَنْهَا المقيمين لرسوم الهيبة وحدود الطَّاعَة فِيهَا وَمن خرج عَن ذَلِك من ذِي عقل سخيف وحلم ضَعِيف نالوه بِمَا يردعه وَأَحلُّوا بِهِ مَا يزعه وَمَتى تقاعس متقاعس عَن حُضُور مَعَ خصم يستدعيه وَأمر يُوَجه الْحَاكِم إِلَيْهِ فِيهِ أَو التوى ملتو بِحَق يحصل عَلَيْهِ وَدين يسْتَقرّ فِي ذمَّته قادوه إِلَى ذَلِك بأزمة الصغار وخزائم الِاضْطِرَار وَأَن يحبسوا ويطلقوا بقَوْلهمْ ويثبتوا الْأَيْدِي فِي الْأَمْلَاك والفروج وينزعوها بقضاياهم فَإِنَّهُم أُمَنَاء الله فِي فصل مَا يفصلون وَبت مَا يبتون وَعَن كِتَابه وَسنة نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يوردون وَيَصْدُرُونَ وَقد قَالَ تَعَالَى {يَا دَاوُد إِنَّا جعلناك خَليفَة فِي الأَرْض فاحكم بَين النَّاس بِالْحَقِّ وَلَا تتبع الْهوى فيضلك عَن سَبِيل الله إِن الَّذين يضلون عَن سَبِيل الله لَهُم عَذَاب شَدِيد بِمَا نسوا يَوْم الْحساب} وَأَن يتوخى بِمثل هَذِه المعاونة
(3/28)

عُمَّال الْخراج فِي اسْتِيفَاء حُقُوق مَا استعملوا عَلَيْهِ وَاسْتِيفَاء حُقُوق مَا بقائهم فِيهِ والرياضة لمن تسوء معامليهم وإحضارهم طائعين أَو كارهين بَين أَيْديهم فَم آدَاب الله تَعَالَى للْعَبد الَّذِي يحِق عَلَيْهِ أَن يتخذها أدبا ويجعلها إِلَى الرضى عَنهُ سَببا قَوْله تَعَالَى {وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان وَاتَّقوا الله إِن الله شَدِيد الْعقَاب}
وَأمره أَن يجلس للرعية جُلُوسًا عَاما وَينظر فِي مظالمها نظرا تَاما يُسَاوِي فِي الْحق بَين خاصها وعامها ويوازي فِي الْمجَالِس بَين عزيزها وذليلها وينصف الْمَظْلُوم من ظالمه وَالْمَغْصُوب من غاصبه بعد الفحص والتأمل والبحث والتبيين حَتَّى لَا يحكم إِلَّا بِعدْل وَلَا ينْطَلق إِلَّا بفصل وَلَا يثبت يدا إِلَّا فِيمَا وَجب تثبتها فِيهِ وَلَا يقبضهَا إِلَّا عَمَّا وَجب قبضهَا عَنهُ وَأَن يسهل الْإِذْن لجماعتهم وَيرْفَع الْحجاب بَينه وَبينهمْ ويوليهم من حصانة الكنف ولين المنعطف والاشتمال
(3/29)

والعناية والصون وَالرِّعَايَة مَا يتعادل بِهِ أقسامهم وتتوازي مِنْهُ أقساطهم وَلَا يصل الْمِسْكِين مِنْهُم إِلَى استضامة من تَأَخّر عَنهُ وَلَا ذُو السُّلْطَان إِلَى هضيمة من حل دونه وَأَن يَدعُوهُم إِلَى أحسن الْعَادَات وَالْخَلَائِق ويحضهم على أَحْمد الْمذَاهب والطرائق وَيحمل عَنْهُم كُله ويمد عَلَيْهِم ظله وَلَا يسومهم عسفا وَلَا يلْحق بهم حيفا وَلَا يكلفهم شططا وَلَا يجشمهم مضلعا وَلَا يثلم لَهُم معيشة وَلَا يداخلهم فِي جريمة وَلَا يَأْخُذ بَرِيئًا مِنْهُم بسقيم وَلَا حَاضرا بعديم فَإِن الله عز وَجل نهى أَن تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى وَجعل كل نفس 200 أرهينة بمكسبها بريئة من مكاسب غَيرهَا وَيرْفَع عَن هَذِه الرّعية مَا عَسى أَن يكون سنّ عَلَيْهَا من سنة ظالمة وسلك بهَا من محجة جائرة ويستقري آثَار الْوُلَاة قبله عَلَيْهَا فِيمَا أزجوه من خير أَو شَرّ إِلَيْهَا فَيقر من ذَلِك مَا طَابَ وَحسن ويزيل مَا خبث وقبح
(3/30)

فَإِن من يغْرس الْخَيْر يحظى بمعسول ثمره وَمن يزرع الشَّرّ يصلى بمرور ريعه وَالله تَعَالَى يَقُول {والبلد الطّيب يخرج نَبَاته بِإِذن ربه وَالَّذِي خبث لَا يخرج إِلَّا نكدا كَذَلِك نصرف الْآيَات لقوم يشكرون}
وَأمره أَن يصون أَمْوَال الْخراج وأثمان الغلات ووجوه الجبايات موفرا وَيزِيد ذَلِك مثمرا بِمَا يَسْتَعْمِلهُ من الْإِنْصَاف لأَهْلهَا وإجرائهم على صَحِيح الرسوم فِيهَا فَإِنَّهُ مَال الله الَّذِي بِهِ قُوَّة عبَادَة وحماية بِلَاده ودرور حلبه واتصال مدده وَبِه يحاط الْحَرِيم وَيدْفَع الْعَظِيم ويحمى الذمار وتذاد الأشرار وَأَن يَجْعَل افتتاحه إِيَّاه بِحَسب إِدْرَاك أصنافه وَعند حُضُور مواقيته وأحيانه غير مستسلف شَيْئا قبلهَا وَلَا مُؤخر لَهَا عَنْهَا وَأَن يخص أهل الطَّاعَة والسلامة بالترفيه لَهُم وَأهل الاستصعاب والامتناع بالشد عَلَيْهِ لِئَلَّا يَقع إرهاق لمذعن أَو إهمال لطامع وعَلى المتولى لذَلِك أَن يضع كلا من الْأَمر مَوْضِعه ويوقعه موقعه متجنبا
(3/31)

إحلال الغلظة من لَا يَسْتَحِقهَا وَإِعْطَاء الفسحة من لَيْسَ من أَهلهَا وَالله تَعَالَى يَقُول {وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى وَأَن سَعْيه سَوف يرى ثمَّ يجزاه الْجَزَاء الأوفى}
وَأمره أَن يتَخَيَّر عماله على الأعشار وَالْخَرَاج والضياع والجهبدة وَالصَّدقَات والجوالي من أهل الظلْف والنزاهة والضبط والصيانة والجزالة والشهامة وَأَن يستظهر مَعَ ذَلِك عَلَيْهِ بِوَصِيَّة تعيها أسماعهم وعهود تتقلدها أَعْنَاقهم بِأَن لَا يضيعوها حَقًا وَلَا يأكلوها سحتا 200 ب وَلَا يستعملوها ظلما وَلَا يقارفوا غشما وَأَن يقيموا العمارات ويحتاطوا على الغلات ويتحرزوا من ترك حق لَازم أَو تَعْطِيل رسم عَادل مؤدين فِي جَمِيع ذَلِك الْأَمَانَة متجنبين للخيانة وَأَن يَأْخُذُوا جهابذتهم بِاسْتِيفَاء وزن المَال على تَمَامه واستجادة نَقده على عياره وَاسْتِعْمَال الصِّحَّة فِي قبض مَا يقبضون وَإِطْلَاق مَا يطلقون وَأَن يوعزوا إِلَى سعاة الصَّدقَات بِأخذ الْفَرَائِض من سَائِمَة مواشي الْمُسلمين دون عاملتها
(3/32)

وَكَذَلِكَ الْوَاجِب فِيهَا وَأَن لَا يجمعوا فِيهَا مُتَفَرقًا وَلَا يفرقُوا مجتمعا وَلَا يدخلُوا فِيهَا خَارِجا عَنْهَا وَلَا يضيفوا إِلَيْهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا من فَحل إبل أَو أكولة رَاع أَو عقيلة مَال فَإِذا اجتبوها على حَقّهَا واستوفوها على رسمها أخرجوها فِي سلها وقسموها على أَهلهَا الَّذين ذكرهم الله فِي كِتَابه إِلَّا الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم الَّذين ذكرهم الله عز وَجل فِي كِتَابه وَسقط سهمهم فَإِن الله تَعَالَى يَقُول {إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين والعاملين عَلَيْهَا والمؤلفة قُلُوبهم وَفِي الرّقاب والغارمين وَفِي سَبِيل الله وَابْن السَّبِيل فَرِيضَة من الله وَالله عليم حَكِيم} وَإِلَى جباة جماجم أهل الذِّمَّة أَن يَأْخُذُوا مِنْهُم الْجِزْيَة فِي الْمحرم من كل سنة بِحَسب مَنَازِلهمْ فِي الْأَحْوَال وَذَات أَيْديهم فِي الْأَمْوَال وعَلى الطَّبَقَات المطبقة فِيهَا وَالْحُدُود المحدودة الْمَعْهُودَة لَهَا وَأَن لَا يأخذوها من النِّسَاء وَلَا مِمَّن لم يبلغ الْحلم من الرِّجَال وَلَا من ذِي سنّ عالية
(3/33)

وَلَا ذِي عِلّة بادية وَلَا فَقير معدم وَلَا مترهب متبتل وَأَن يُرَاعِي جمَاعَة هَؤُلَاءِ الْعمَّال مُرَاعَاة يسرها ويظهرها ويلاحظهم مُلَاحظَة يخفيها ويبديها لِئَلَّا يزولوا عَن الْحق الْوَاجِب أَو يعدلُوا عَن السّنَن اللاحب فقد قَالَ تَعَالَى {وأوفوا بالعهد إِن الْعَهْد كَانَ مسؤولا}
وَأمره أَن ينْدب لعرض الرِّجَال وإعطائهم وَحفظ جراياتهم وأوقات إطعامهم من يعرفهُ بالثقة فِي متصرفه 201 أوالأمانة فِيمَا يجْرِي على يَده والبعد عَن الإسفاف إِلَى الدنية والاتباع للدناءة وَأَن يَبْعَثهُ على ضبط حلى الرِّجَال وسيات الْخَيل وتجديد الْعرض بعد الِاسْتِحْقَاق وإيقاع الِاحْتِيَاط فِي الْإِنْفَاق فَمن صَحَّ عرضه وَلم يبْق فِي نَفسه شَيْء مِنْهُ من شكّ يعرض لَهُ أَو رِيبَة يتوهمها أطلق أَمْوَالهم موفورة وَجعلهَا فِي أَيْديهم غير مثلومة وَأَن يرد على بَيت المَال أرزاق من سقط بالوفاة والإخلال ناسبا ذَلِك إِلَى جِهَته موردا لَهُ على حَقِيقَته وَأَن يُطَالب الرِّجَال بإحضار الْخَيل المختارة والآلات والسكك
(3/34)

المستكملة على مَا يُوجب مَنَافِع أَرْزَاقهم وَحسب مَنَازِلهمْ ومراتبهم فَإِن أخمد أحدهم شَيْئا من ذَلِك قاصه بِهِ من رزقه وأغرمه مثل قِيمَته فَإِن المقصر فِيهِ خائن لأمير الْمُؤمنِينَ ومخالف لرب الْعَالمين إِذْ يَقُول سُبْحَانَهُ {وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قُوَّة وَمن رِبَاط الْخَيل ترهبون بِهِ عَدو الله وَعَدُوكُمْ}
وَأمره أَن يعْتَمد فِي أسواق الرَّقِيق ودور الضَّرْب والطرز والحسبة على من يجْتَمع فِيهِ آلَات هَذِه الولايات من ثِقَة وَأَمَانَة وَعلم وكفاية وَمَعْرِفَة ودراية وتجربة وحنكة وحصافة ومسكة فَإِنَّهَا أَحْوَال تضارع الحكم وتناسبه وتدانيه وتقاربه وَأَن يتَقَدَّم إِلَى وُلَاة أسواق الرَّقِيق بالتحفظ فِيمَن يطلقون بَيْعه ويمضون أمره والتحرز من وُقُوع تخون فِيهِ وإهمال لَهُ إِذْ كَانَ ذَلِك عَائِدًا بتحصين الْفروج وتطهير الْأَنْسَاب
(3/35)

وَأَن يبعدوا من أهل الرِّيبَة ويقربوا من أهل الْعِفَّة وَلَا يمضوا بيعا على شُبْهَة وَلَا عقدا على تُهْمَة وَإِلَى وُلَاة الْعيار بتخليص عين الدِّرْهَم وَالدِّينَار ليكونا مضروبين على الْبَرَاءَة من الْغِشّ والنزاهة من الزيف وتخصيصه بِالْإِمَامِ الْمُقَرّر بِمَدِينَة السَّلَام وحراسة السكَك من أَن تتداولها الْأَيْدِي المدغلة وتتناقلها الْجِهَات المبطلة 201 ب وَإِثْبَات اسْم أَمِير الْمُؤمنِينَ على مَا يضْرب مِنْهَا ذَهَبا وَفِضة وإجراء ذَلِك على الرَّسْم وَالسّنة وَإِلَى وُلَاة الطرز بِأَن يجروا الِاسْتِعْمَال فِي جَمِيع المناسج على أتم النيقة وَأسلم الطَّرِيقَة وَأحكم الصَّنْعَة وَأفضل الصِّحَّة وَأَن يثبتوا اسْم أَمِير المؤم على طرز الكسا والفرش والأعلام والبنود وَإِلَى وُلَاة الْحِسْبَة أَن يتصفحوا أَحْوَال الْعَوام فِي حرفهم ومتاجرهم ومجتمع أسواقهم ومعاملاتهم وَأَن يعايروا الموازين والمكاييل ويفرزوها على التَّعْدِيل والتكميل وَمن
(3/36)

اطلعوا مِنْهُ على حِيلَة أَو تلبيس أَو غيلَة أَو تَدْلِيس أَو بخس فِيمَا يُوفيه أَو استفضال فِيمَا يَسْتَوْفِيه نالوه بغليظ الْعقُوبَة وعظيمها وخصوه بوجيعها وأليمها واقفين بِهِ فِي ذَلِك عِنْد الْحَد الَّذِي يرونه لذنبه مجازيا وَفِي تأديبه كَافِيا فقد قَالَ الله تَعَالَى {ويل لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذين إِذا اكتالوا على النَّاس يستوفون وَإِذا كالوهم أَو وزنوهم يخسرون}
هَذَا عهد أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَيْك وحجته عَلَيْك وَقد وقفك بِهِ على سَوَاء السَّبِيل وأرشدك فِيهِ إِلَى وَاضح الدَّلِيل وأوسعك تعلميا وتحكيما وأقنعك تعريفا وتفهيما وَلم يألك جهدا فِيمَا عصمك وعصم على يدك وَلم يدخرك مُمكنا فِيمَا أصلح بك وأصلحك وَلَا ترك لَك عذرا فِي غلط تغلطه وَلَا طَرِيقا إِلَى تورط تتورطه بَالغا بك فِي الْأَوَامِر والزواجر إِلَى حَيْثُ يلْزم الآئمة أَن يندبوا النَّاس إِلَيْهِ ويحثوهم عَلَيْهِ مُقيما لَك على منجيات المسالك صارفا بك عَن مرديات المهالك مرِيدا فِيك مَا يسلمك فِي دينك ودنياك وَيعود بالحظ
(3/37)

عَلَيْك فِي آخرتك وأدلاك فَإِن اعتدلت وَعدلت فقد فزت وغنمت وَإِن تجانفت واعوججت فقد خسرت وندمت وَالْأولَى بك عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ مَعَ مغرسك الزاكي ومنبتك النامي وعودك الأنجب وعنصرك الأطيب أَن تكون لظَنّه فِيك محققا ولمخيلته فِيك مُصدقا وَأَن تستزيد بالأثر الْجَمِيل قربا من رب الْعَالمين وثوابا يَوْم الدّين وزلفى عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ وثناء حسنا 202 أَمن الْمُسلمين فَخذ مَا نبذ إِلَيْك أَمِير الْمُؤمنِينَ من معاذيره وَأمْسك بِيَدِك على مَا أعْطى من مواثيقه وَاجعَل عَهده مِثَالا تحتذيه وإماما تقتفيه واستعن بِاللَّه يعنك واستهده يهدك وأخلص إِلَيْهِ فِي طَاعَته يخلص لَك الْحَظ من معونته وَمهما أشكل عَلَيْك من خطب أَو أعضل عَلَيْك من صَعب أَو بهرك من باهر أَو بهظك من باهظ فأكتب إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ مَنْهِيّا وَكن إِلَى مَا يرد عَلَيْك منتهيا إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَالسَّلَام عَلَيْك وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته
(3/38)

وَعلي هَذَا النهج جرى الشَّيْخ شهَاب الدّين مَحْمُود الْحلَبِي فِيمَا كتب بِهِ للعادل كتبغا المنصوري عَن الْحَاكِم الأول وَهُوَ الإِمَام الْحَاكِم بِأَمْر الله أَحْمد بن الْحُسَيْن
وَهَذِه نسخته
هَذَا عهد شرِيف فِي كتاب مرقوم يشهده المقربون ويفوضه آل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْأَئِمَّة الأقربون
من عبد الله ووليه الإِمَام الْحَاكِم بِأَمْر الله أبي الْعَبَّاس أَحْمد أَمِير الْمُؤمنِينَ وسليل الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَالْأَئِمَّة المهديين رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ إِلَى السُّلْطَان الْملك الْعَادِل زين الدُّنْيَا وَالدّين كتبغا المنصوري أعز الله سُلْطَانه
أما بعد فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يحمد إِلَيْك الله الَّذِي جعل لَهُ مِنْك سُلْطَانا نَصِيرًا وَأقَام لَهُ بملكك على مَا ولاه من أُمُور خلقه عضدا وظهيرا وآتاك بِمَا نهضت بِهِ من طَاعَته نعيما وملكا كَبِيرا وخولك بِإِقَامَة مَا وَرَاء سَرِيره من مصَالح
(3/39)

202 - ب الْإِسْلَام بِكُل أَرض منبرا وسريرا وَجَاء بك لإعانته على مَا اسْتَخْلَفَهُ الله فِيهِ من أُمُور عباده على قدر وَكَانَ رَبك قَدِيرًا وَجمع بك الْأمة بعد أَن كَاد يزِيغ قُلُوب فريق مِنْهُم وعضدك لإِقَامَة إِمَامَته بأولياء دولتك الَّذِي رَضِي الله عَنْهُم وخصك بأنصار دينه الَّذين نهضوا بِمَا أمروا بِهِ من طَاعَتك وهم نازهون وَأَظْهَرَك على الَّذين {ابْتَغوا الْفِتْنَة من قبل وقلبوا لَك الْأُمُور حَتَّى جَاءَ الْحق وَظهر أَمر الله وهم كَارِهُون} واصطفاك لإِقَامَة الدّين وَقد اخْتلفت الْأَهْوَاء فِي تِلْكَ الْمدَّة وَلم بك شعث الْأمة بعد الِاضْطِرَاب فَكَانَ موقفك ثمَّ موقف الصّديق يَوْم الرِّدَّة
وَيشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة حَاكم بأَمْره مستنزل لَك بالإخلاص مَلَائِكَة تأييده وَأَعْوَان نَصره مسترهف بهَا سيف عزمك على من جاهره بشركه وحاربه بِكُفْرِهِ معتصم بتوفيقه فِي تفويضه إِلَيْك أَمر سره الَّذِي استودعه فِي الْأمة وجهره وَيُصلي
(3/40)

على سيدنَا مُحَمَّد رَسُوله الَّذِي استخرجه الله من عنصره وَذَوِيهِ وَشرف بِهِ قدر جده بقوله فِيهِ عَم الرجل صنو ابيه وَأسر إِلَيْهِ بِأَن هَذَا الْأَمر فتح بِهِ وَيخْتم ببنيه وعَلى آله وَصَحبه وَالْخُلَفَاء الرَّاشِدين من بعده الَّذين قضوا بِالْحَقِّ وَبِه كَانُوا يعدلُونَ وَجَاهدُوا أَئِمَّة الْكفْر الَّذين لَا إِيمَان لَهُم وَالَّذين هم برَبهمْ يعدلُونَ وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا
وَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ لما آتَاهُ الله من سر النُّبُوَّة واستودعه من أَحْكَام الْإِمَامَة الموروثة عَن شرف الْأُبُوَّة واختصه من الطَّاعَة الْمَفْرُوضَة على الْأُمَم وَفرض عَلَيْهِ من النّظر فِي الْأَخَص من مصَالح الْمُسلمين والأعم وعصم آراءه ببركة آبَائِهِ من الْخلَل وَجعل سهم اجْتِهَاده هُوَ الْمُصِيب أبدا فِي القَوْل وَالْعَمَل وَكَانَ السُّلْطَان فلَان هُوَ الَّذِي جمع الله بِهِ كلمة الْإِسْلَام وَقد كَادَت 203 أوثبت بِهِ الأَرْض وَقد اضْطَرَبَتْ بالأهواء ومادت وَرفع بِهِ منار الدّين بعد أَن شمخ الْكفْر بِأَنْفِهِ وَألف بِهِ شَمل الْمُسلمين وَقد
(3/41)

طمح الْعَدو إِلَى افتراقه وطمع فِي خَلفه وَحفظ بِهِ فِي الْجِهَاد حكم الْكتاب الَّذِي {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه} وَحمى بِهِ الممالك الإسلامية فَمَا شام الْكفْر مِنْهَا برق ثغر إِلَّا رمى من وباله بوابل وَلَا أطلق عنان طرفه إِلَى الْأَطْرَاف إِلَّا وَقع من سطوات جُنُوده فِي كَفه حابل وَلَا اطمأنوا فِي بِلَادهمْ إِلَّا أَتَتْهُم سراياه من حَيْثُ لم يرتقبوا وَلَا ظنُّوا أَنهم مانعتهم حصونهم من الله إِلَّا وأتاهم جُنُوده من حَيْثُ لم يحتسبوا وَألف جيوش الْإِسْلَام فَأَصْبَحت على الْأَعْدَاء بيمنه يدا وَاحِدَة وَقَامَ بِأُمُور الْأمة فأمست عُيُون الرعايا باستيقاظ سيوفه فِي مهاد الْأَمْن رَاقِدَة وَأقَام منار الشَّرِيعَة المطهرة فَهِيَ حاكمة لَهُ وَعَلِيهِ نَافِذ أمرهَا على أمره فِيمَا وضع الله مقاليده فِي يَدَيْهِ وَنَصره الله فِي مَوَاطِن كَثِيرَة وأعانه على من أضمر لَهُ الشقاق {بِالصبرِ وَالصَّلَاة وَإِنَّهَا لكبيرة} وأظفره بِمن بغى عَلَيْهِ فِي يَوْمه بعد حلمه عَنهُ فِي أمسه وأيده على الَّذِي خانوا عَهده {يَد الله فَوق أَيْديهم فَمن نكث فَإِنَّمَا ينْكث على نَفسه}
(3/42)

وَتعين لملك الْإِسْلَام فَلم يَك يصلح إِلَّا لَهُ وَاخْتَارَهُ الله لذَلِك فَبلغ بِهِ الدّين آماله وضعضع بِملكه عَمُود الشّرك وأماله وَأعَاد بسلطانه على الممالك بهجتها وعَلى الْملك رونقه وجلاله وأخدمه النَّصْر فَمَا أضمر لَهُ أحد سوءا إِلَّا وزلزل أقدامه وَعجل وباله ورده إِلَيْهِ وَقد جعل من الرعب قيوده وَمن الذعر أغلاله وأوطأ جَوَاده هام أعدائه وَإِن أنف أَن تكون نعاله
عهد إِلَيْهِ حِينَئِذٍ مَوْلَانَا الإِمَام الْحَاكِم بِأَمْر الله أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي كل مَا وَرَاء خِلَافَته المقدسة وَجَمِيع مَا اقتضته أَحْكَام إِمَامَته الَّتِي هِيَ على التَّقْوَى مؤسسة من إِقَامَة شعار الْملك الَّذِي جمع الله 203 ب الْإِسْلَام عَلَيْهِ وَظَهَرت أبهة السلطنة الَّتِي ألْقى الله وأمير الْمُؤمنِينَ مقاليدها إِلَيْهِ وَمن الحكم الْخَاص وَالْعَام فِي سَائِر ممالك الْإِسْلَام وَفِي كل مَا تَقْتَضِيه شَرِيعَة سيدنَا مُحَمَّد عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام وَفِي خَزَائِن الْأَمْوَال وإنفاقها وَملك الرّقاب وإعتاقها واعتقال الجناة وإطلاقها وَفِي كل مَا هُوَ فِي يَد
(3/43)

الْملَّة الإسلامية أَو يَفْتَحهُ الله بِيَدِهِ عَلَيْهَا وَفِي جَمِيع مَا هُوَ من ضوال الممالك الإسلامية الَّتِي سيرجعها الله بجهاده إِلَيْهَا وَفِي تَقْلِيد الْمُلُوك والوزراء وتقدمه الجيوش وتأمير الْأُمَرَاء وَفِي الْأَمْصَار يقر بهَا من شَاءَ من الْجنُود وَيبْعَث إِلَيْهَا وَمِنْهَا مَا شَاءَ من الْبعُوث والحشود وَيحكم فِي أمرهَا بِمَا أرَاهُ الله من الذب عَن حريمها ويتحكم بِالْعَدْلِ الَّذِي وسم الله بِهِ لظاعنها ومقيمها وَفِي تَقْدِيم حَدِيثهَا واستحداث قديمها وتشييد ثغورها وإمضاء مَا عرفه الله بِهِ وجهله سواهُ من أمورها وَإِقْرَار من شَاءَ من حكامها وإمضاء مَا شَاءَ من إتقان الْقَوَاعِد بِالْعَدْلِ وإحكامها وَفِي إقطاع خواصها واقتلاع مَا اقتضته الْمصلحَة من عمائرها وَعمارَة مَا شَاءَ من قلاعها وَفِي إِقَامَة الْجِهَاد بِنَفسِهِ الشَّرِيفَة وكتائبه ولقاء الْأَعْدَاء كَيفَ شَاءَ من تسيير سراياه وَبعث مواكبه وَفِي مصافة الْعَدو وحصاره ومقارعة شيعته وأنصاره وغزوه كَيفَ أرَاهُ الله فِي أَطْرَاف بِلَاده وَفِي عقر دَاره وَفِي الْمَنّ وَالْفِدَاء والإرقاق
(3/44)

وَضرب الهدن الَّتِي تسألها العدا وَهِي خاضعة الْأَعْنَاق وَأخذ مجاوري الْعَدو المخذول بِمَا رَآهُ الله من النكاية إِذا أمكن من نواصيهم وَحكم عَفوه فِي طائعهم وبأسه فِي عاصيهم وإنزال {الَّذين ظاهروهم من أهل الْكتاب من صياصيهم} وَفِي الجيوش الَّتِي ألف الْأَعْدَاء فتكات ألوفها وَعرفُوا أَن أَرْوَاحهم ودائع سيوفها وصبحتهم سَرَايَا رعبها المبثوثة إِلَيْهِم وتركهم خوفها {كَأَنَّهُمْ خشب مُسندَة يحسبون كل صَيْحَة عَلَيْهِم} وهم الَّذين ضَاقَتْ بمواكبهم إِلَى العدا سَعَة الفجاج وقاسمت رماحهم الْأَعْدَاء شَرّ قسْمَة فَفِي أَيْديهم كعوبها وَفِي صُدُور أُولَئِكَ الزّجاج وأذهبت عَن الثغور الإسلامية رِجْس الْكفْر وَظَهَرت من ذَلِك مَا جاور العذب الْفُرَات وَالْملح الأجاج وَعرفُوا فِي الحروب بتسرع الْإِقْدَام وثبات الْأَقْدَام وادخر الله لأيامه الشَّرِيفَة أَن يردفها بهم دَار السَّلَام إِلَى ملك الْإِسْلَام فيدر عَلَيْهِم مَا شَاءَ من إنعامه الَّذِي يُؤَكد طاعتهم ويجدد استطاعتهم
(3/45)

ويضاعف أعدادهم وَيجْعَل بصفاء النيات مَلَائِكَة الله أمدادهم ويحملهم على الثَّبَات إِذا لقوا الَّذين كفرُوا زحفا ويجعلهم فِي التعاضد على اللِّقَاء كالبنيان المرصوص فَإِن الله يحب الَّذين يُقَاتلُون فِي سَبيله صفا وَفِي أَمر الشَّرْع وتوليه قُضَاته وحكامه وإمضاء مَا فرض الله عَلَيْهِ وعَلى الْأمة من الْوُقُوف عِنْد حُدُوده وَالْمَشْي مَعَ أَحْكَامه فَإِنَّهُ لِوَاء الله الْمَمْدُود فِي أرضه وحبله المتين الَّذِي لَا نقض لإبرامه وَلَا إبرام لنقضه وَسنَن نبيه الَّذِي لَا حَظّ عِنْد الله فِي الْإِسْلَام لغير متمسك بسنته وفرضه وَهُوَ أعز الله سُلْطَانه سيف الله الْمَشْهُور على الَّذين غدوا وهم من أَحْكَام الله مارقون وَيَده المبسوطة فِي إِمْضَاء الحكم بِمَا أنزل الله {وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْفَاسِقُونَ} وَفِي مصَالح الْحَرَمَيْنِ الشريفين وثالثهما الَّذِي تشد أَيْضا إِلَيْهِ الرّحال وَإِقَامَة سبل الحجيج الَّذين يفدون على الله بِمَا أصحبهم من بره وعنايته فِي الْإِقَامَة والارتحال وَفِي عمَارَة الْبيُوت الَّتِي {أذن الله أَن ترفع وَيذكر فِيهَا اسْمه يسبح لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال رجال} وَفِي إِقَامَة الْخطب على المنابر واقتران اسْمه الشريف
(3/46)

مَعَ اسْمه بَين كل باد وحاضر والاقتصار على هَذِه التَّثْنِيَة فِي أقطار الأَرْض فَإِن الْقَائِل بالتثليث كَافِر وَفِي سَائِر مَا 204 ب تشمله الممالك الإسلامية وَمن تشْتَمل عَلَيْهِ شرقا وغربا وبعدا وقربا وَبرا وبحرا وشاما ومصرا وحجازا ويمنا وَمن يسْتَقرّ بذلك إِقَامَة وظعنا وفوض إِلَيْهِ ذَلِك جَمِيعه وكل مَا هُوَ من لَوَازِم خِلَافَته لله فِي أرضه مَا ذكر وَمَا لم يذكر تفويضا لَازِما وإمضاء جَازِمًا وعهدا محكما وعقدا فِي مصَالح ملك الْإِسْلَام محكما وتقليدا مُؤَبَّدًا وتقريرا على كرّ الجديدين مجددا وَأثبت ذَلِك وَهُوَ الْحَاكِم حَقِيقَة بِمَا علمه من اسْتِحْقَاقه وَالْحَاكِم بِعِلْمِهِ وَأشْهد الله وَمَلَائِكَته على نُفُوذ حكمه بذلك {وَالله يحكم لَا معقب لحكمه} وَذَلِكَ لما صَحَّ عِنْده من نهوض ملكه بإعباء مَا حمله الله من الْخلَافَة وَأدّى بِهِ الْأَمَانَة عَنهُ فِيمَا كتب الله عَلَيْهِ من الرَّحْمَة اللَّازِمَة والرأفة واستقلاله بِأُمُور الْجِهَاد الَّذِي أَقَامَ الله بِهِ الدّين واختصاصه وَجُنُوده بِعُمُوم مَا أَمر الله بِهِ الْأمة من قَوْله تَعَالَى {قاتلوهم يعذبهم الله بِأَيْدِيكُمْ ويخزهم وينصركم عَلَيْهِم ويشف صُدُور قوم مُؤمنين}
(3/47)

وَأَنه فِي الْجِهَاد سَهْمه الْمُصِيب وَله بِهِ أجر الرَّامِي المسدد وسيفه الَّذِي جرده على أَعدَاء الدّين وَله من فتاكته حَظّ المرهف الْمُجَرّد وظل الله فِي الأَرْض الَّذِي مده بيمن يَمِينه وَآيَة لنصره الَّذِي اخْتَارَهُ الله لمصَالح دُنْيَاهُ وَصَلَاح دينه الناهض بِفَرْض الْجِهَاد وَهُوَ فِي مُسْتَقر خِلَافَته وادع والراكض عَنهُ بخيله وخياله إِلَى الْعَدو الَّذِي لَيْسَ لَهُ غير فتكات سيوفه رادع والمؤدي عَنهُ فرض النفير فِي سَبِيل الله كلما تعين والمنتقم لَهُ من أهل الشقاق الَّذين يجادلون فِي الْحق بعد مَا تبين والقائم بِأَمْر الْفتُوح الَّتِي ترد بيع الْكفْر مَسَاجِد يذكر فِيهَا اسْم الله واسْمه وَيرْفَع على منابرها شعاره الشريف ورسمه وتمثل لَهُ بِإِقَامَة دَعوته صُورَة الْفَتْح كَأَنَّهُ ينظر إِلَيْهَا والناظر عَنهُ فِي عُمُوم مصَالح 205 أالإسلام وخصوصها تَعْظِيمًا لقدره وترفيها لسره وتفخيما لشرفه وتكريما لجلالة بَيته النَّبَوِيّ وسلفه وقياما لَهُ بِمَا عهد إِلَيْهِ ووفاء
(3/48)

من أُمُور الدّين وَالدُّنْيَا بِمَا وضع مقاليده فِي يَده
وليدل على عَظِيم سيرته المقدسة بكريم سيره وينبه على كَمَال سعادته إِذْ قد كفى بِهِ فِي أُمُور خلق الله تَعَالَى والسعيد من كفى بِغَيْرِهِ لم يَجْعَل أَمِير الْمُؤمنِينَ على يَده يدا فِي ذَلِك وَلَا فسح لأحد غَيره فِي أقطار الأَرْض أَن يدعى بِملك وَلَا مَالك بل بسط حكمه وتحكمه فِي شَرق الْبِلَاد وغبرها وَمَا بَين ذَلِك وَقد فرض طَاعَته على سَائِر الْأُمَم وَحكم بِوُجُوبِهَا على الْخَاص وَالْعَام وَمن ينْقض حكم الْحَاكِم إِذا حكم وَهُوَ يعلم أَن الله تَعَالَى قد أودع مَوْلَانَا السُّلْطَان سرا يستضاء بأنواره ويهتدى فِي مصَالح الْملك والممالك بمناره فَجعل لَهُ أَن الله تَعَالَى قد أودع مَوْلَانَا السُّلْطَان سرا يستضاء بأنواره ويهتدى فِي مصَالح الْملك والممالك بمناره فَجعل لَهُ أَن يفعل فِي ذَلِك كل مَا هدى الله قلبه إِلَيْهِ وَبَعثه بالتأييد الإلهي عَلَيْهِ وَاكْتفى عَن الْوَصَايَا بِأَن الله تَعَالَى تكفل لَهُ بالتأييد وَخَصه فِي كل خير بالمزيد وَجعل خلقه التَّقْوَى وكل خير فرع عَلَيْهَا وَنور بصيرته بِالْهدى فَمَا يدل على حسنه من أُمُور الدُّنْيَا وَالْآخِرَة إِلَّا وَهُوَ السَّابِق إِلَيْهَا وَالله تَعَالَى يَجْعَل أَيَّامه مؤرخة بالفتوح وَيُؤَيِّدهُ
(3/49)

بِالْمَلَائِكَةِ وَالروح على من يَدعِي الْأَب والإبن وَالروح وَيجْعَل أَسبَاب النَّصْر معقودة بِسَبَبِهِ وَالْملك {كلمة بَاقِيَة فِي عقبه}
وَيشْهد بِهَذَا الْعَهْد الشريف من شهده مَعَ الْمَلَائِكَة المقربين كل من حضر تِلَاوَته من سَائِر النَّاس أَجْمَعِينَ لتَكون حجَّة الله على خلقه أسبق وعهد أَمِير الْمُؤمنِينَ بِثُبُوتِهِ أوثق وَطَاعَة سُلْطَان الأَرْض قد زَادهَا الله على خلقه بذلك توكيدا وَشهد الله وَمَلَائِكَته على الْخلق بذلك وَكفى بِاللَّه شَهِيدا والاعتماد على الْخط الحاكمي أَعْلَاهُ حجَّة بِهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى
205 - ب وعَلى ذَلِك جرى الشَّيْخ شهَاب الدّين مَحْمُود الْحلَبِي أَيْضا
فِيمَا كتب بِهِ للْملك الْمَنْصُور حسام الدّين لاجين عَن الْحَاكِم الثَّانِي وَهُوَ الْحَاكِم بِأَمْر الله بن الْحُسَيْن الْمُقدم ذكره
(3/50)

وَهَذِه نسخته
هَذَا عهد شرِيف تشهد بِهِ الْأَمْلَاك لأشرف الْمُلُوك وتسلك فِيهِ من قَوَاعِد العهود المقدسة أحسن السلوك من عبد الله ووليه الإِمَام الْحَاكِم بِأَمْر الله أَمِير الْمُؤمنِينَ للسُّلْطَان الْملك الْمَنْصُور حسام الدُّنْيَا وَالدّين أبي الْفَتْح لاجين المنصوري أعز الله سُلْطَانه
أما بعد فَالْحَمْد لله مؤتى الْملك من يَشَاء من عباده ومعطي النَّصْر من يُجَاهد فِيهِ حق جهاده ومرهف حسام انتقامه على من جاهر بعناده ومفوض أَمر هَذَا الْخلق إِلَى من أودعهُ سر رأفته فِي محبته وَمُرَاد نقمته فِي مُرَاده وجامع كلمة الْإِيمَان بِمن اجتباه لإِقَامَة دينه وارتضاه ليرْفَع عماده ومقر الْحق فِي يَد من منع سَيْفه الْمُجَرّد فِي سَبِيل الله أَن يقر فِي أغماده وناصر من لم تزل كلمة الْفتُوح مستكنة فِي صُدُور سيوفه جَارِيَة على أَلْسِنَة صعاده وجاعل ملك الْإِسْلَام من حُقُوق من إِذا عد أهل الأَرْض على اجْتِمَاعهم كَانَ هُوَ الْمُتَعَيّن على انْفِرَاده الَّذِي شرف
(3/51)

أسرة ملك الْإِسْلَام بإستيلاء حسام دينه عَلَيْهَا وزلزل ممالك أعدائه بِمَا بعث من سَرَايَا رعبه إِلَيْهَا وَثَبت بِهِ أَرْكَان الأَرْض الَّتِي ستحتوي ملكه فِي طرفيها وضعضع بسلطانه قَوَاعِد مُلُوك الْكفْر فودعت مَا كَانَ مودعا لأيامه من ممالك الْإِسْلَام فِي يَديهَا وأقامه وليه بأَمْره فَلم يخْتَلف عَلَيْهِ وَاثْنَانِ من خلقه وقلده أَمر بريته لما أقدره عَلَيْهِ من 206 أالنهوض بحقهم وَحقه وأظهره على من نصب لَهُ الغوائل {وَالله غَالب على أمره} وَنَصره فِي مَوَاطِن كَثِيرَة لما قدره فِي الْقدَم من رفْعَة شَأْنه وإعلاء قدره وَجعل عدوه وَإِن أعرض عَن طلبه بجيوش الرعب محصورا وَكَفاهُ بنصره على الْأَعْدَاء التوغل فِي سفك الدِّمَاء فَلم {يسرف فِي الْقَتْل إِنَّه كَانَ منصورا} وَنقل إِلَيْهِ الْملك بِسَيْفِهِ والدماء مصونة وَحكمه فِيمَا كَانَ بيد غَيره من الأَرْض والبلاد آمِنَة والفتن مَأْمُونَة فَكَانَ أَمر من ذهب سَحَابَة صيف أَو خلسة طيف لم تحل لَهُ روعة فِي الْقلب وَلم يذعرها وَقد ألبسهُ الله مَا نزع
(3/52)

عَن سواهُ سالب وَلَا مسلوب إِجْرَاء لهَذِهِ الْأمة على عوائد فَضله العميم واختصاصا بِمَا آتَاهُ من ملكه {وَالله يُؤْتِي ملكه من يَشَاء وَالله وَاسع عليم}
يحمده أَمِير الْمُؤمنِينَ على مَا منح فِي أَيَّامه الدّين من اعتضاده بحسامه والاعتماد فِي ملك الْمُسلمين على من يَجْعَل جباه مُلُوك الشّرك تَحت أقدامه والاعتداد بمساعي من حصونه فِي الْجِهَاد ظُهُور جياده وقصوره أَطْرَاف حسامه
وَيشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة حَاكم بِمَا أرَاهُ حَامِد لَهُ فِي ملك الْإِسْلَام على مَا يسر مَا وطده وَدفع مَا عداهُ معتصم بِهِ فِي كل مَا أثْبته بِالْحَقِّ من قَوَاعِد الدّين وأوثقه بالتقوى من عراه مستمد مَلَائِكَة نَصره لمن أغنته عَزَائِمه فِي جِهَاد أَعدَاء الدّين عَن سيره فِي ذَلِك وسراه وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الَّذِي جعله من عصبته الشَّرِيفَة وعصبته وشرفه بوراثة خِلَافَته فِي أمته قدر رتبته وقصره على إِقَامَة من يرهب العدا بنشر
(3/53)

دَعوته فِي الْآفَاق مَعَ مواقع رغبته ويسأله أَن يُصَلِّي عَلَيْهِ صَلَاة تفتح لَهُ فِي الدُّنْيَا إِلَى الْعِصْمَة طَرِيقا وتجعله فِي الْأُخْرَى مَعَه وَمَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من آبَائِهِ الشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ {وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا} وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا 206 ب وَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ لما اختصه الله بِهِ من السِّرّ الْمُودع فِي قلبه والنور الَّذِي أصبح فِيهِ على بَيِّنَة من ربه والتأييد الْمُنْتَقل إِلَيْهِ عَمَّن شرف بِقُرْبِهِ وَالنَّص الَّذِي أسره رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى جده الْعَبَّاس من بَقَاء هَذَا الْأَمر فِي ورثته دون أَقَاربه وَصَحبه لم يزل يرغب إِلَى الله تَعَالَى ويستخيره فِي إِقَامَة من ينْهض فِي ملك الْإِسْلَام حق النهوض ويفوض أَمر الْأمة إِلَى من يرى أَدَاء الْأَمَانَة فيهم من آكِد الْفُرُوض وَمن إِذا قَالَ النفير يَا خيل الله ارْكَبِي سابقت خيله خياله وَجَازَت عَزَائِمه نصاله وَأخذ عَدو الدّين من مأمنه وغالب بِسَيْفِهِ الْأَجَل على انتزاع روحه من بدنه وَقَاتل
(3/54)

لتَكون كلمة الله هِيَ الْعليا وجاهد لإِقَامَة منار الْإِسْلَام لَا للتعرض إِلَى عرض الدُّنْيَا وقدمت لَهُ مُلُوك الدُّنْيَا حصونها وبذلت لَهُ مَعَ الطَّاعَة مصونها وأقيم لَهُ بِكُل قطر مِنْبَر وسرير وَجمع مُلُوك العدا فِي رق طَاعَته من هُوَ على جمعهم إِذا يَشَاء قدير وَمن يُقيم الْعدْل على مَا شرع وَالشَّرْع على مَا أَخذ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَسمع وَيُمِيت الْبدع بإحياء السّنَن وَيعلم أَن الله جعل لخلقه على لِسَان نبيه مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سننا وَلَا يعدل بهم عَن ذَلِك السّنَن
وَلما كَانَ السُّلْطَان الْملك الْمَنْصُور حسام الدُّنْيَا وَالدّين أَبُو الْفَتْح لاجين المنصوري خلد الله سُلْطَانه هُوَ الَّذِي جعل الله صَلَاح الْأمة على يَدَيْهِ وَاخْتَارَهُ لإِقَامَة دينه فساق ملك الْإِسْلَام عنْوَة إِلَيْهِ وأنهضه بذلك وَقد أمده بِجُنُود نَصره وَأنزل سكينته عَلَيْهِ وَجمع قُلُوب أهل الْإِسْلَام على حبه وَفرق أَعدَاء الدّين خوف حربه وَجعل النَّصْر حَيْثُ توجه من أشياعه وَحزبه
(3/55)

وعضده لنصرة الْإِسْلَام بملائكة سمائه وَأقَام بِهِ عَمُود الدّين الَّذِي بِالسَّيْفِ قَامَ وَلَا غرو فَإِن الحسام من أَسْمَائِهِ وَأَقْبَلت إِلَيْهِ طوائف 207 أجيوش الْإِسْلَام مذعنين وَأدّى فِي كرامتهم حُقُوق طَاعَة الله الَّذِي أيده بنصره وَبِالْمُؤْمِنِينَ وتلقاهم بشير كرامته ونعمه وَقَالَ ادخُلُوا مصر إِن شَاءَ الله آمِنين وطارت مخلقات البشائر بِملكه فِي الْآفَاق وأغص العدا بسلطانه فَمَا توهموا فِي أَمر الْإِسْلَام وَالِاخْتِلَاف حَتَّى تحققوا بِحَمْد الله ويمن أَيَّامه الْوِفَاق واختالت المنابر الإسلامية بِذكر أَمِير الْمُؤمنِينَ وَذكره وأعلنت الْأمة المحمدية بِحَمْد الله الَّذِي أقرّ بِهِ الْحق فِي مركزه ورد بِهِ شارد الْملك إِلَى وَكره وَتحقّق أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنه الْمكنون فِي طويته والمستكن فِي إضماره والقائم فِي عمَارَة بَيته النَّبَوِيّ وسلامته مقَام سلمانه وعماره فعهد إِلَيْهِ حِينَئِذٍ فِي كل مَا تَقْتَضِيه أَحْكَام إِمَامَته فِي أمة نبيه وَجعله فِي التَّصَرُّف الْمُطلق عَنهُ قَائِما مقَام وَصِيَّة فِي الْملَّة ووليه وقلده أَمر ملك الْإِسْلَام تقليدا عَاما وفوض إِلَيْهِ حكم السلطنة الشَّرِيفَة تفويضا تَاما
(3/56)

وَألبسهُ من ذَلِك مَا خلعه عَن سواهُ وَنشر عَلَيْهِ لِوَاء الْملك الَّذِي زوى ظله عَن غَيره وطواه وَحكمه فِي كل مَا تَقْتَضِيه خِلَافَته المقدسة وتمضية إِمَامَته الَّتِي هِيَ على التَّقْوَى مؤسسة من إِقَامَة منار الْإِسْلَام وَالْحكم الْعَام فِي أمة مُحَمَّد عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام وَفِي تَقْلِيد الْمُلُوك والوزراء وتقدمة الجيوش وتأمير الْأُمَرَاء وَفِي تجهيز العساكر والسرايا وإرسال الطَّلَائِع والروايا وَتَجْرِيد الْجنُود الَّذين مَا ندبهم إِلَى العدا إِلَّا أَتَوا بالنهاب وبالسبايا وَفِي غَزْو الْعَدو كَيفَ أرَاهُ الله إِن شَاءَ بِنَفسِهِ أَو جنده وَفِي استنزال النَّصْر بالثبات وَالصَّبْر فَإِن الله يَجْزِي الصابرين وَمَا النَّصْر إِلَّا من عِنْده وَفِي محاصرة الْعَدو ومصابرته وإنظاره ومناظرته وَإِنْزَالهمْ على مَا شرع الله فيهم من الْأَحْكَام والتوخي فِي ذَلِك مَا حكم بِهِ سعد بن معَاذ فِي زمن الرَّسُول عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام 207 ب وَفِي ضرب الهدن وإمضائها وَالْوَفَاء بِالْعُقُودِ الْمَشْرُوعَة إِلَى انْتِهَاء مددها وانقضائها وَفِي إرضاء السيوف مِمَّن نكث وَلم يتم عَهده إِلَى مدَّته فَإِن إسخاط الْكفْر فِي
(3/57)

إرضائها وَفِي الْأَمْصَار يقر بهَا من شَاءَ من الْجنُود وَيبْعَث إِلَيْهَا مَا شَاءَ من الْبعُوث والحشود وَفِي سداد الثغور بِالرِّجَالِ الَّذين تفتر بهم عَن شنب النَّصْر وتأمن بهم أعدادها من غوائل الْحصْر وتوفر سهامها من سِهَام الْقُوَّة الَّتِي ترمي العدا بشرر كالقصر وإمداد بحرها بالشواني المجربة الْمُجَرَّدَة والسفن الَّتِي كَأَنَّهَا الْقُصُور الممهدة على الصروح الممردة فَلَا تزَال تدب إِلَيْهِم من ذَوَات الأرجل عقاربها وتخطف غربانهم الطائرة بأجنحة القلوع مخالبها وَفِي تقدمة الألوف وتنفيذ السَّرَايَا الَّتِي لَا تزَال أسنتها إِلَى نحور الْأَعْدَاء مقومة وإنفاق مَا يرَاهُ فِي مصَالح الْإِسْلَام من القناطير المقنطرة من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَالْخَيْل المسومة وَفِي إعلاء منار الشَّرْع الشريف والانقياد إِلَيْهِ والمسارعة إِلَى نُفُوذ حكمه فِيمَا لَهُ وَعَلِيهِ وتقوية يَد حكامه على كل أَمِير ومأمور أقرّ الشَّرْع فِي يَده شَيْئا أَو انتزعه من يَدَيْهِ وتفويض الحكم إِلَى كل من يتَعَيَّن لذَلِك من أَئِمَّة الْأمة وَإِقَامَة الشَّرْع الشريف على قَوَاعِده الْأَرْبَع فَإِن اتِّفَاق الْعلمَاء حجَّة وَاخْتِلَافهمْ رَحْمَة وَفِي
(3/58)

مصَالح الْحَرَمَيْنِ الشريفين وثالثهما الَّذِي تشد الرّحال أَيْضا إِلَيْهِ وَفِي إِقَامَة سبل الحجيج الَّذِي دعاهم الله فلبوه واستدعاهم فقدموا عَلَيْهِ وفوض إِلَيْهِ كل مَا هُوَ من لَوَازِم خِلَافَته لله فِي أرضه مَا ذكر وَمَا لم يذكر تفويضا لَازِما وتقليدا جَازِمًا وعقدا محكما وعهدا فِي مصَالح الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين محكما وَاكْتفى عَن الْوَصَايَا بِمَا جبل عَلَيْهِ خلقه الشريف من التَّقْوَى وَهدى نَفسه النفيسة إِلَيْهِ من التَّمَسُّك بالسبيل الأقوم وَالسَّبَب الْأَقْوَى فَمَا يُنَبه على حسنه إِلَّا وَهُوَ 208 أأسبق إِلَيْهَا وَلَا يدل على معدلة إِلَّا وفكره الشريف أسْرع من فكر الدَّال عَلَيْهَا وَقد وثق بِبَرَاءَة الذِّمَّة من حق قوم أضحوا لفضل مثله راجين وَتَحْقِيق حُلُول النِّعْمَة على أمة أبدا إِلَى لاجين وَقد استخار أَمِير الْمُؤمنِينَ الله تَعَالَى فِي ذَلِك كثيرا ولجأ إِلَى الله فِي توفيقه وتوقيفه على الصَّوَاب مِمَّا يجده فِي الحكم بذلك هاديا ونصيرا وسارع إِلَى التَّسْلِيم لأمر الله تَعَالَى فِيمَا فوض إِلَيْهِ من أُمُور عباده
(3/59)

إِنَّه كَانَ بعباده خَبِيرا بَصيرًا وَأشْهد الله وَمَلَائِكَته وَمن حَضَره من الْمُؤمنِينَ على نَفسه بِمَا تضمنه هَذَا الْعَهْد الْكَرِيم وَحكم بِمُقْتَضَاهُ على الْأمة {فَمن بدله بعد مَا سَمعه فَإِنَّمَا إثمه على الَّذين يبدلونه إِن الله سميع عليم} والخط الشريف الإمامي الحاكمي أَعْلَاهُ حجَّة بِمُقْتَضَاهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وعَلى مثل ذَلِك كتب الْمولى شمس الدّين إِبْرَاهِيم بن القيسري
عهد السُّلْطَان الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون عَن الْحَاكِم بِأَمْر الله أَحْمد بن الْحُسَيْن الْمُقدم ذكره فِي سلطنته الثَّانِيَة عِنْد عوده من الْكَرم بعد خلع الْمَنْصُور لاجين
وَهَذِه نسخته
هَذَا عهد يعمر بك لِلْإِسْلَامِ الْمعَاهد وينصر مِنْك الاعتزام فتغنى عَن الموَالِي والمعاهد ويلقى إِلَيْك
(3/60)

مقاليد الْأُمُور لتجتهد فِي مراضي الله وتجاهد وَيَبْعَثُك على الْعَمَل بِالْكتاب وَالسّنة ليكونا شَاهِدين لَك عِنْد الله فِي أعظم الْمشَاهد فَخذ كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ بِقُوَّة تبركا بِأخذ يحيى عَلَيْهِ السَّلَام الْكتاب وحاسب نَفسك محاسبة تَجِد نَفعهَا يَوْم يقوم الْحساب اعْمَلْ صَالحا 208 ب فَالَّذِينَ آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات طُوبَى لَهُم وَحسن مآب
من عبد الله ووليه الإِمَام الْحَاكِم بِأَمْر الله أبي الْعَبَّاس أَحْمد أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى السُّلْطَان الْأَجَل الْعَالم الْعَادِل الْمُجَاهِد المرابط المظفر الْملك النَّاصِر نَاصِر الدُّنْيَا وَالدّين سُلْطَان الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين سيد الْمُلُوك والسلاطين فاتح الْأَمْصَار مبيد الأرمن والفرنج والتتار وَارِث الْملك سُلْطَان الْعَرَب والعجم وَالتّرْك خَادِم الْحَرَمَيْنِ صَاحب الْقبْلَتَيْنِ أبي الْفَتْح مُحَمَّد قسيم أَمِير الْمُؤمنِينَ أعز الله سُلْطَانه ولد السُّلْطَان الشَّهِيد الْملك الْمَنْصُور سيف الدّين قلاوون قدس الله روحه
أما بعد فَالْحَمْد لله الَّذِي أَقَامَ نَاصِر الْإِسْلَام وَأَهله
(3/61)

بِخَير نَاصِر وَأحل فِي السلطنة المعظمة من اسْتحقَّهَا بِذَاتِهِ الشَّرِيفَة وَشرف العناصر وَوضع الإصر بِمن كثرت مِنْهُ وَمن سلفه الْكَرِيم على الرعايا والأواصر وَعقد لِوَاء الْملك لمن هُوَ وَاحِد فِي الْجُود ألف فِي الوغى فَفِي حاليه تعقد عَلَيْهِ الخناصر وَجمع كلمة الْأمة بمتفرد فِي الْمَعَالِي متوحد فِي المفاخر متصف بمناقب أربى بهَا على أَرْبَابهَا من الْمُلُوك الْأَوَائِل والأواخر وَأقر النواظر والخواطر بِمن أشرق عَلَيْهِمَا نروه الباهر وَظهر آثَار وجود وجوده على البواطن والظواهر وَأعَاد شبيبة الْأَيَّام فِي اقتبال سر السرائر وسارت بشائر مقدمه فِي الْآفَاق سير الْمثل وَمَا ظَنك بِالْمثلِ السائر وَفعلت مهابته فِي التَّمْهِيد والتشييد فعل القنا المتشاجر وشفت الصُّدُور بِوُجُود الِاتِّفَاق وَعدم الشقاق بعد أَن بلغت الْقُلُوب الْحَنَاجِر وأورث الْبِلَاد والعباد صفة ذُرِّيَّة ورثوا السِّيَادَة كَابِرًا عَن كَابر وسرى سره إِذا ولد الْمَوْلُود مِنْهُم تهللت الأَرْض واهتزت إِلَيْهِ المنابر
وَالْحَمْد لله الَّذِي اجتبى سيدنَا مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من أشرف بَيت وقبيلة ومنح الْأمة برسالته من خيري
(3/62)

الدُّنْيَا 209 أَمِير الْمُؤمنِينَ وَالْآخِرَة الْوَسِيلَة وَأوجب الشَّفَاعَة لمن سَأَلَ الله لَهُ أَعلَى دَرَجَة لَا ينالها إِلَّا رجل وَاحِد وَهِي الْوَسِيلَة وَجعل شملهم بمبايعته فِي الْهِدَايَة نظيما وحض على ذَلِك بقوله تَعَالَى {إِن الَّذين يُبَايعُونَك إِنَّمَا يبايعون الله يَد الله فَوق أَيْديهم فَمن نكث فَإِنَّمَا ينْكث على نَفسه وَمن أوفى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ الله فسيؤتيه أجرا عَظِيما} وبلغهم بِهِ من السَّعَادَة غَايَة مطلوبهم وأيده بنصره وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَألف بَين قُلُوبهم وزان شَرِيعَته المطهرة بمحاسن أبهى منْظرًا ومخبرا من الْعُقُود وَفرض على الْمُؤمنِينَ أَن يوفوا بالعهود والعقود وأقدرهم على حمل الْأَمَانَة الَّتِي أشفقت السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال من حملهَا وَأنزل فِي كِتَابه الْعَزِيز {إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا}
وَالْحَمْد لله الَّذِي اخْتَار أَمِير الْمُؤمنِينَ من سلالة عَم نبيه الْعَبَّاس وَاصْطفى بَيته الْمُبَارك من خير أمة أخرجت للنَّاس وقوى بِهِ جأش الْمُسلمين وجيوش الْمُوَحِّدين على
(3/63)

الْمُلْحِدِينَ وآتاه بسيادة جده وسعادة جده مَا لم يُؤْت أحدا من الْعَالمين وَحفظ بِهِ للْمُؤْمِنين ذماما وَجعله لِلْمُتقين إِمَامًا وَخَصه بمزيد من الشرفين نسبه ومنصبه وَجعل مزية الرتبتين كلمة بَاقِيَة فِي عقبه وصان بِهِ حوزة الدّين صِيَانة العرين بالأسود وصير الْأَيْدِي الْبيض مشكورة لحاملي راياته السود
يحمده أَمِير الْمُؤمنِينَ حمد من اخْتَارَهُ من السَّمَاء فاستخلفه فِي الأَرْض وَجعل إمرته على الْمُؤمنِينَ فرضا لتقام بِهِ السّنة وَالْفَرْض وَيشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ {الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا من الْمَسْجِد الْحَرَام إِلَى الْمَسْجِد الْأَقْصَى} وَبلغ الْأمة بِهِ من النجَاة والنجاح الْغَرَض الْأَقْصَى وَيشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الَّذِي كشف بمبعثه عَن الْقُلُوب حجب الغي 209 ب وأشرقت أنوار نبوته فأضاء بهَا يَوْم دُخُوله الْمَدِينَة كل شَيْء صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَصَحبه الَّذين مِنْهُم من أَقَامَهُ فِي الْإِمَامَة مقَامه وَأَشَارَ إِلَى الِاقْتِدَاء بِهِ
(3/64)

من بعده وَمِنْهُم من أعز الله بِهِ الْإِسْلَام فِي كل قطر مَعَ قربه وَبعده وَمِنْهُم من كَانَت الْيَد الشَّرِيفَة النَّبَوِيَّة فِي بيعَة الرضْوَان خيرا لَهُ من يَده وَمِنْهُم من أَمر الله تَعَالَى بالمباهلة بالأبناء والنفوس فباهل خَاتم الْأَنْبِيَاء صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِهِ وبزوجه وَولده وعَلى بَقِيَّة الْعشْرَة الَّذين غَدَتْ بهم دَعْوَة الْحق مشتهرة منتشرة وعَلى عميه أَسد الله وَأسد رَسُوله عَلَيْهِ السَّلَام وجد الْأَئِمَّة المهديين أُمَرَاء الْمُؤمنِينَ وخلفاء الْإِسْلَام وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا
وَإِن الله تَعَالَى جعل سجية الْأَيَّام الشَّرِيفَة الإمامية الحاكمية أدام الله إشراقها وَقسم بهَا بَين الْأَوْلِيَاء والأعداء آجالها وأرزاقها رد الْحُقُوق إِلَى نصابها وإعادتها إِلَى مستحقيها وَلَو تمادت الْأَيَّام على اغتصابها وإقرارها عِنْد من هُوَ من دون الورى أولى بهَا ليحقق أَن نِسْبَة الشريف أظهر على أوامره دَلَائِل الإعجاز وحلى كلماتها بالإيجاز وهباتها بالإنجاز وَإِن الله جعل الِاسْم الشريف الحاكمي فِي الحكم بأَمْره على خير مُسَمّى وقوى مِنْهُ فِي تأييد كلمة الْحق جنَانًا وعزما وَلم يخرج من أَحْكَامه عَن اتِّبَاع أَمر الله قَضِيَّة وَلَا حكما
وَكنت أَيهَا السَّيِّد الْعَالم الْعَادِل السُّلْطَان الْملك
(3/65)

النَّاصِر نَاصِر الدُّنْيَا وَالدّين أَبُو الْفَتْح مُحَمَّد بن السُّلْطَان الشَّهِيد الْملك الْمَنْصُور سيف الدّين قلاوون قدس الله روحه أولى الْأَوْلِيَاء بِالْملكِ الشريف لما لسلفك من الْحُقُوق وَمَا أسلفوه من فضل لَا يحسن لَهُ التناسي وَلَا العقوق وَلما أوجب لَك على العساكر الإسلامية سَابق الْأَيْمَان وصادق الْإِيمَان ولأنك جمعت فِي الْمجد بَين طارف وتالد وفقت بزكي نفس وَأَخ ووالد وجلالة مَا ورثتها عَن كَلَالَة وخلال 210 أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا لَهَا بالسيادة إخلال ومفاخر تكاثر الْبَحْر الزاخر ومآثر أعجز وصفهَا النَّاظِم والناثر وَكَانَ ركابك العالي قد سَار إِلَى الكرك المحروس وَقَعَدت عَنْك الْأَجْسَام وسافرت مَعَك النُّفُوس ووثقت الخواطر بأنك إِلَى السلطنة تعود وَأَن الله يجدد لَك صعُودًا إِلَى مَرَاتِب السُّعُود وأقمت بهَا وذكرك فِي الْآفَاق سَائِر والآمال مبشرة بأنك إِلَى كرْسِي مملتك صائر فَلَمَّا احْتَاجَ الْملك الشريف فِي هَذِه الْمدَّة إِلَى ملك يسر سَرِيره وسلطان تَغْدُو بإستقراره عُيُون الْأَنَام وَالْأَيَّام قريرة لما للْمُسلمين فِي ذَلِك من
(3/66)

تيسير أوطار وتعمير أوطان وَلِأَنَّهُم لَا ينفذون فِي الْمصَالح الإسلامية إِلَّا بسُلْطَان لم يدر فِي الأذهان وَلَا خطر لقاص وَلَا دَان إِلَّا أَنَّك أَحَق النَّاس بالسلطنة الشَّرِيفَة وأولاهم برتبتها المنيفة وَلَا ذكر أحد إِلَّا حُقُوق بَيْتك وفضلها وَلَا قَالَ عَنْك إِلَّا بقول الله تَعَالَى {وَكَانُوا أَحَق بهَا وَأَهْلهَا} لِأَن الْبِلَاد فتوحات سُيُوفكُمْ ورعاياها فِيمَا هم فِيهِ من الْأَمْن وَالْخَيْر بِمَنْزِلَة ضيوفكم وَلِأَن العساكر الإسلامية استرقهم ولاؤك ووالوك لأَنهم أرقاؤك فَلم يقل أحد أَنى لَهُ الْملك علينا بل أقرّ كل مِنْهُم لَك بِالْيَدِ وقر بولايتك عينا وَأَخْلصُوا فِي موالاتك العقائد وَاسْتَبْشَرُوا مِنْك بمبارك الْوَجْه ماجد جائد وَلم يغب غَائِب خَلِيفَته جَيش أَبِيه وجده الصاعد وَرفعت الممالك يَد الضراعة سَائِلَة وراغبة وخطبتك لعقائلها ومعاقلها والخطباء على المنابر لَك خاطبة وبدعائك مُخَاطبَة وقصدت لذَلِك أبوابك الَّتِي لَا تزَال تقصد ودعيت للعود الْمُبَارك وعود مُحَمَّد للْأمة المحمدية أَحْمد وَفعلت الجيوش المنصورة من طَاعَتك كل مَا سر وأربت
(3/67)

فِي صدق النيات وبرها على كل من بر 210 ب ... وَلَو أَن مشتاقا تكلّف فَوق مَا
فِي وَسعه لسعى إِلَيْك الْمِنْبَر ...

فَمَا ضرّ بِحَمْد الله بعد الدَّار والآمال لساكنها مطيفة بل كَانَ لَك الذكرى فِي قلب الْخَلِيفَة نعم الْخَلِيفَة وَكنت لَدَيْهِ وَإِن غبت حَاضرا بجميل الذّكر ونأيت دَارا فقربك إِلَيْهِ حسن التَّصْوِير فِي الْفِكر وَكَانَ أَمِير الْمُؤمنِينَ قد شاهدك يافعا وَشهد خاطره أَن ستصير للْمُسلمين نَافِعًا وَتَأمل مِنْك أمائر أضحى لَهَا لترقيك آملا وهلاك دلته كرامته وَلَا تنكر لَهُ الْكَرَامَة على أَن سَيكون بَدْرًا كَامِلا وبلغه عَنْك من الْعدْل وَالْإِحْسَان مَا أعجز وَصفه بلاغتي الْقَلَم وَاللِّسَان فناداك نداه على بعد المزار وَلم يجد لَك نظيرا فَأطَال وأطاب لمقدمك السعيد الِانْتِظَار إِلَى أَن أقدمت إقدام اللَّيْث وقدمت إِلَى الْبِلَاد المتعطشة إِلَى نظرك الشريف قدوم الْغَيْث فلاح بك على الْوُجُود دَلِيل الْفَلاح وَحمد الرعايا سراك عَن الصَّباح والاستصباح وشاهدوا مِنْك أسدا فاق
(3/68)

بوثباته وثباته الأول وشخصا لَا يصلح إِلَّا لإدالة دوَل وَلَا تصلح إِلَّا لمثله الدول وَقَامَت بإختبارك على اختيارك الدَّلَائِل وعرفك سَرِير الْملك وَعرف فِيك من أَبِيك شمائل وَرَأى أَمِير الْمُؤمنِينَ من نجابتك فَوق مَا أخْبرت بِهِ مساءلة الركْبَان وَمن مهابتك مَا دلّ على خفض الشانئ وَرفع الشَّأْن وَمن محامدك كل مَا صغر الْخَبَر عَنْهَا الْخَبَر وأعلنت أَلْسِنَة الأقدار بِأَنَّهُ لم يبْق عَن تقليدك الممالك الإسلامية بِحَمْد الله تَعَالَى عذر فاختارك على علم على الْعَالمين واجتباك للذب عَن الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين واستختار الله تَعَالَى فِي ذَلِك فخار وأفاض عَلَيْك من بيعَته الْمُبَارَكَة مَعَ فخرك المشتهر حلل الفخار وعهد إِلَيْك فِي كل مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ دَعْوَة إِمَامَته المعظمة وَأَحْكَام خِلَافَته الَّتِي لم تزل بهَا عُقُود الممالك فِي الطَّاعَة منظمة وفوض 211 أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَيْك سلطنة الممالك الإسلامية برا وبحرا شاما ومصرا قربا وبعدا غورا ونجدا وَمَا سيفتح الله عَلَيْك من الْبِلَاد وتستقذه من أَيدي ذَوي الْإِلْحَاد وتقليد الْمُلُوك والوزراء وقضاة الحكم الْعَزِيز وتأمير الْأُمَرَاء وتجهيز العساكر والبعوث للْجِهَاد فِي سَبِيل الله ومحاربة من
(3/69)

ترى محاربته من الْأَعْدَاء ومهادنة من ترى مهادنته مِنْهُم وَجعل إِلَيْك فِي ذَلِك كُله العقد والحل والإبرام والنقض وَالْولَايَة والعزل وقلدك ذَلِك كُله تقليدا يقوم فِي تَسْلِيم الممالك إِلَيْك مقَام الإقليد وَيَقْضِي لقريبها وَيُعِيدهَا بِمَشِيئَة الله تَعَالَى بمزيد التَّمْهِيد والتشييد لتعلم أَن الله قد جعل الْأَيَّام الشَّرِيفَة الحاكمية أدامها الله تَعَالَى فلكا أبدى سالفا من الْبَيْت الشريف المنصوري أقمارا وأطلع مِنْهُم آنِفا بَدْرًا مَلأ الْخَافِقين أنوارا فَكلما ظهر لسلفه بَدَت مآثر خَلفه أظهر وَمن شاهدهم وَشَاهد شمس سعادته المنزهة عَن الأفول قَالَ هَذَا أكبر وَكلما ذكر لأَحَدهم فضل علم أَنه فِي أَيَّامه متزيد وَأَنه إِن مضى مِنْهُم سيد فِي سَبيله فقد قَامَ بأطراف الأسنة مِنْهُم سيد وصير الدولة الشَّرِيفَة الخليفية غابا إِن غَابَ مِنْهُم أسود خَلفهم شبْل بشرت مخائله أَنه عَلَيْهَا يسود فليتقلد السُّلْطَان الْملك النَّاصِر مَا قَلّدهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ وَليكن لدعوته الهادية من الملبين وَعَلَيْهَا من الْمُؤمنِينَ وليترق إِلَى هَذِه الرُّتْبَة الَّتِي اسْتحقَّهَا بِحَسبِهِ واسترقها بِنِسْبَة وليباشرها مُسْتَبْشِرًا وَيظْهر من شكر الله عَلَيْهَا مَا يَغْدُو بِهِ
(3/70)

مستظهرا فقد أَرَادَ أَمِير الْمُؤمنِينَ الْقيام فِي نصْرَة الدّين الحنيف فأقامك أَنْت مقَامه وَصرف بك بَين أهل الطَّاعَة والعصيان إكرامه وانتقامه رِعَايَة لعهد سلفك الْكَرِيم لوما استوجبته نَفسك النفيسة من وفور التَّعْظِيم والتكريم وعناية بالعساكر 211 ب المؤيدة الَّذين وجهوا وُجُوه آمالهم إِلَيْك وأبت كلمتهم الَّتِي صانها الله عَن التَّفَرُّق أَن تَجْتَمِع فِي الطَّاعَة والخدمة إِلَّا عَلَيْك ولديك ومنة عَلَيْهِم بسُلْطَان مَا برحوا من الله تَعَالَى يطلبونه وَملك نشأوا بأبوابه الْعَالِيَة فَلهَذَا يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ فاحمد الله الَّذِي جعل لَك فِي إِعَادَة الْملك أُسْوَة بِسُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام ورده إِلَيْك ردا لَا انْفِصَال لعروته وَلَا انفصام فأضحيت لأمور عباده سدادا ولثغور بِلَاده سدادا وللخليفة عضدا فِي الخليقة وَفِي الدَّهْر سامي الْحَقِيقَة حامي الْحَقِيقَة وللملك وَارِثا ورقاك رقيا أَصبَحت بِهِ فِي السلطنة وَاحِدًا وللخلافة المعظمة ثَانِيًا وللمقمرين ثَالِثا
وبشراك أَن الله أبرم سَبَب تأكيدك إبراما لَا تصل الْأَيْدِي إِلَى نقضه وَأَنَّك سُئِلت عَن أَمر طالما أتعب
(3/71)

غَيْرك سُؤَاله فِي بعضه وَأَن الله يحسن لَك العون وَبِك الصون فقد قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَا عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة لَا تسْأَل الْإِمَارَة فَإنَّك إِن أعطيتهَا عَن مَسْأَلَة وكلت إِلَيْهَا وَإِن أعطيتهَا عَن غير مَسْأَلَة أعنت عَلَيْهَا
وبشراك أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ خصك بمزيد الاعتناء وأقامك مقَامه فِي حسن الْغناء وحقق أَن السَّعَادَة فِي أَيَّامه مَوْصُولَة مِنْكُم بِالْآبَاءِ وَالْأَبْنَاء وبلغك بِهَذَا التَّقْلِيد الشريف الْأَمَانِي وَتوجه بِيَمِين قريبَة عهد باستلام الرُّكْن الْيَمَانِيّ واصطفاك بقلب أظهر لَهُ الكشوف إشراق تِلْكَ الستور وَغدا مغمورا بالهداية ببركة الْبَيْت الْمَعْمُور وَنظر زادته مُشَاهدَة الْحرم الشريف النَّبَوِيّ نورا على نور وقابل ذَلِك بِالْقيامِ فِي مهمات الْإِسْلَام وتدقيق النّظر فِي مصَالح الْخَاص وَالْعَام واجتهد فِي صِيَانة الممالك اجْتِهَادًا يحرس مِنْهَا الأوساط والأطراف وتنتظم بِهِ أحوالها أجل انتظام وتأتلف أجمل ائتلاف والوصايا كَثِيرَة وأولاها 212 أَمِير الْمُؤمنِينَ تقوى الله فليجعلها حلية لأوقاته ويحافظ عَلَيْهَا
(3/72)

مُحَافظَة من يتقيه حق تُقَاته ويتخذها نجى فكره وأنيس قلبه ويعظم حرمات الله {وَمن يعظم حرمات الله فَهُوَ خير لَهُ عِنْد ربه}
وَالشَّرْع الشريف فَهُوَ لعقد الْإِسْلَام نظام وللدين الْقيم قوام فتجتهد فِي اقتفاء سنَنه وَالْعَمَل بفروضه وسننه وتكريم أَهله وقضاته والتوسل بذلك إِلَى الله فِي ابْتِغَاء مرضاته
وأمراء دولتك فهم أنصار سلفك الصَّالح وذوو النصائح فِيمَا آثروه من الْمصَالح وخلصاء طاعتهم فِي السِّرّ والنجوى وأعوانهم على الْبر وَالتَّقوى وهم الَّذين أحلّهُم والدك من الْعِنَايَة الْمحل الْأَسْنَى وَالَّذين سبقت لَهُم بِحسن الطَّاعَة من الله الْحسنى وَلَو لم يكن لَهُم إِلَّا حسن الْوَفَاء لكفاهم عنْدك فِي مزِيد الِاعْتِمَاد والاستكفاء فَإِنَّهُم جادلوا فِي إِقَامَة دولتك وجالدوا ووفوا بالعهد فهم الموفون بعهدهم إِذا عَاهَدُوا وهم للوصايا بخدمتك واعون وَفِيمَا ائتمنتهم عَلَيْهِ لأمانتهم وَعَهْدهمْ رَاعُونَ قد أصفوا لَك النيات بِظهْر الْغَيْب وَأَخْلصُوا
(3/73)

الطويات إخلاصا لَا شكّ مَعَ وَلَا ريب وابوا عَنْك أحسن مناب وكفا كف الْعَدو فَمَا طَال لَهُ لافتراس وَلَا اختلاس ظفر وَلَا نَاب وَاتَّخذُوا لَهُم بذلك عِنْد الله وعندك يدا وأثلوا لَهُم بِهِ مجدا يبْقى حَدِيثه الْحسن الصَّحِيح عَنْهُم مُسْندًا
واستوص بهم وبسائر عساكرك المنصورة خيرا وأجمل لَهُم سريرة وَفِيهِمْ سيرا وأحمدهم عُقبى هَذِه الْخدمَة وأوردهم منهل إِحْسَان يُضَاعف لَهُم النِّعْمَة وَالنعْمَة لتؤكد طَاعَتك على كل إِنْسَان ويثقوا بِحسن الْمُكَافَأَة {هَل جَزَاء الْإِحْسَان إِلَّا الْإِحْسَان} ولتزداد أوامرك ونواهيك امتثالا وَلَا يَجدوا عَن محبَّة أيامك الشَّرِيفَة انتقالا وليقال فِي حسن خدمهم وإحسانك هَكَذَا هَكَذَا وَإِلَّا فَلَا لَا
وَأما الْغَزْو 212 ب وَالْجهَاد فِي سَبِيل الله تَعَالَى وَمَا أوجبه فيهمَا قَوْله {انفروا خفافا وثقالا} فَأَقل مَا يُجزئ فرض الْكِفَايَة مِنْهُ مرّة فِي كل عَام وَأما فرض الْعين فوجوبه على ذَوي الِاسْتِطَاعَة من الْمُسلمين عَام وَقد
(3/74)

عرفت سنَن السلطانين الشهيدين والدك وأخيك قدس الله روحيهما فِي الاعتناء بجهاد الْكفَّار وغزوهم فِي عقر الدَّار وموقف أَحدهمَا فِي موطن زلت فِيهِ الْأَقْدَام عَن الْإِقْدَام وَاجْتمعَ فِيهِ الْكفْر على الْإِسْلَام وشاب من هوله الْوَلِيد ومصابرته تجاه سيف من سيوف الله تَعَالَى الإِمَام خَالِد بن الْوَلِيد واستنقاذا لآخر الْبِلَاد الساحلية الَّتِي أنقذها الله من أَيدي الْمُشْركين على يَد الصَّالِحين وَفتح لَهما أَبْوَاب الْجنَّة ببركة الافتتاحين وَأَن والدك وأخاك سدا على الْمُشْركين الفجاج وطهرا من أرجاسهم العذب الْفُرَات وَالْملح الأجاج فالكتائب المنصورة أبانت التتار بِالسُّيُوفِ المشرفية والممالك الإسلامية زهت نظاما بالفتوحات الأشرفية فاجتهد فِي إعلاء كلمة الدّين أتم اجْتِهَاد وعززهما مِنْك بثالث فِي الْغَزْو وَالْجهَاد
والرعايا بعيدهم وقريبهم ومستوطنهم وغريبهم فيوفيهم من الرِّعَايَة حظهم ويجزل صيانتهم وحفظهم وكما يرى الْحق لَهُ فليرى الْحق عَلَيْهِ وَيحسن إِلَى رعاياه كَمَا أحسن الله إِلَيْهِ
(3/75)

وَأما الْعدْل فَإِنَّهُ للبلاد عمَارَة وللسعادة أَمارَة وللآخرة منجاة من النَّفس الأمارة فَلْيَكُن لَهُ شعارا ودثارا وَيظْهر لسجيته الزكية فِي آثارا وليؤكد مراسمه فِي الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر والمحافظة من ذَلِك على مَا يذكر بِهِ عِنْد الله ويشكر
وَالْحُدُود الشَّرْعِيَّة فليحل بإقامتها لِسَانه وطرسه وَلَا يتعدها بِنَقص وَلَا زِيَادَة {وَمن يَتَعَدَّ حُدُود الله فقد ظلم نَفسه} وَالله يخلد لَهُ رُتْبَة الْملك الَّتِي أَعلَى بهَا مقَامه ويديمه ناصرا للدّين الحنيف 213 أَمِير الْمُؤمنِينَ فأنصاره لَا يزالون ظَاهِرين إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَيجْعَل سَبَب هَذَا الْعَهْد الشريف مدى الْأَيَّام متينا ويجدد لَهُ فِي كل وَقت نصرا قَرِيبا وفتحا مُبينًا
والخط الشريف الحاكمي أَعْلَاهُ حجَّة بِمُقْتَضَاهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى
(3/76)

الْمَذْهَب الثَّانِي
فِي افْتِتَاح عهود الْمُلُوك عَن الْخُلَفَاء أَن يفْتَتح الْعَهْد بقوله من فلَان إِلَى فلَان كَمَا يبتدأ فِي المكاتبات ثمَّ يَأْتِي بعد ذَلِك بقوله أما بعد ثمَّ تَارَة يَأْتِي بعد البعدية بتحميد مثل أَن يَقُول أما بعد فَالْحَمْد لله ويخلص من ذَلِك إِلَى ذكر أَمر الْولَايَة وَمَا ينخرط فِي سلكها وَتارَة يَأْتِي بعد البعدية بخطاب الْمولى وَالدُّعَاء لَهُ ويتخلص مِنْهُ إِلَى مَقَاصِد الْعَهْد من الْوَصَايَا وَغَيرهَا
وعَلى هَذِه الطَّرِيقَة
كتب بِهِ عَن الطائع لله للْملك الْأَشْرَف شيرز بن عضد الدولة
وَهَذِه نسخته
من عبد الله عبد الكريم الإِمَام الطائع لله أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى شيرز بن عضد الدولة وتاج الْملَّة أبي شُجَاع مولى أَمِير الْمُؤمنِينَ سَلام عَلَيْك فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يحمد إِلَيْك
(3/77)

الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ ويسأله 213 ب أَن يُصَلِّي على مُحَمَّد عَبده وَرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
أما بعد أَطَالَ الله بَقَاءَك وأدام عزك وتأييدك وسعادتك ونعمتك وأمتع أَمِير الْمُؤمنِينَ بك وبالموهبة فِيك وعندك فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يرى أَن يحفظ على كل ولي أَحْمد مذاهبه وأرضى ضرائبه وَانْصَرف عَن الدُّنْيَا متمسكا بِطَاعَتِهِ متدينا بمشايعته حُقُوقه المتوحدة وحرماته المتمهدة فِيمَن يخلفه بعده من ولد أمل فِيهِ أَن يَرث عَنهُ مَحَله وَيقوم فِيهِ مقَامه وَفَاء لأهل الْولَايَة وتصرفا على أَحْكَام الرِّعَايَة وسياقة للصنيعة من سالف إِلَى خَالف وإمضائها من تالد إِلَى طارف هَذَا على الْأَمر الْجَامِع والعموم الشَّامِل فَإِذا اتّفق أَن تَنْتَهِي وراثة الْقرب إِلَيْهِ والمنازل لَدَيْهِ إِلَى النجباء الأفاضل والحصفاء الأماثل الَّذين يستحبون اسْتِئْنَاف الاصطناع لَهُم واستقبال التَّفْوِيض إِلَيْهِم بالمناقب الْمَوْجُودَة فيهم لَو انْفَرَدت عَمَّا حازوه عَن آبَائِهِم وأوليائهم أجْرى أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا يفيضه عَلَيْهِم من الأيادي ويرقيهم إِلَيْهِ من هضبات الْمَعَالِي مجْرى الْأَمر الْوَاجِب الَّذِي كثرت الدَّوَاعِي إِلَيْهِ
(3/78)

وَاتفقَ الرَّأْي وَالْهدى عَلَيْهِ وتطابق الإيثار وَالِاخْتِيَار فِيهِ واقترن الصَّوَاب والسداد بِهِ واشترك الْمُسلمُونَ فِي استثمار فَائِدَته وعائدته وَالِانْتِفَاع بتأديته وعاقبته وَالله يُخَيّر لأمير الْمُؤمنِينَ فِيمَا يمضيه من العزائم ويبنيه من الدعائم ويعتمده من الْمصَالح ويتوخاه من المناجح إِنَّه على ذَلِك قدير وَبِه جدير وَهُوَ حسب أَمِير الْمُؤمنِينَ وَنعم الْوَكِيل
وَقد علمت أدام الله عزك وأمتع الْمُؤمنِينَ بك أَن شَجَرَة بَيْتك الَّتِي تمكنت من الْخدمَة أُصُولهَا ونشأت على الطَّاعَة فروعها شَجَرَة لم تزل النجابة صَاحِبَة لَهَا والفضيلة منوطة بهَا وَأَسْبَاب التَّمام والدوام مجتمعة فِيهَا فَلذَلِك 214 أَمِير الْمُؤمنِينَ سبغت النِّعْمَة عَلَيْكُم وامتد ظلها إِلَيْكُم وتقلب فِيهَا قداحكم وتوفرت مِنْهَا حظوظكم فتداولتموها بَيْنكُم كَابِرًا عَن كَابر بمساعيكم الصَّالِحَة ومناهجكم الْوَاضِحَة وتعاضدكم على مَا لم شعث الدولة الجامعة وطرف عَنْهَا الْأَعْين الحاسدة
(3/79)

وَكَانَ شيخك عضد الدولة وتاج الْملَّة أَبُو شُجَاع رضوَان الله عَلَيْهِ صَاحب الرُّتْبَة الْعُظْمَى عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ وهمامها والممتطي غاربها وسنامها فَعَاشَ مَا عَاشَ مشكورا مَحْمُودًا ثمَّ انْقَلب إِلَى لِقَاء ربه سعيدا رشيدا وَأوجب أَمِير الْمُؤمنِينَ لَك وَله فِيك الْحُلُول بمكانه وحيازة خطره وشأنه إِذْ كنت أظفر وَلَده وَأول الْمُسْتَحقّين لوراثته وَكَانَت فِيك مَعَ ذَلِك الأدوات المقتضيات لِأَن يُفَوض الْأُمُور إِلَيْك ويعتمد فِيهَا عَلَيْك من كِفَايَة وغناء واستقلال ووفاء وسياسة وتدبير وشهامة وتشمير وَتصرف على طَاعَة أَمِير الْمُؤمنِينَ وإشبال على إخْوَتك أَجْمَعِينَ وَحسن أثر فِيمَا أنفذ أَمرك فِيهِ وإفاضة أَمن فِيمَن مَضَت ولايتك عَلَيْهِ وإحاطة بدلائل الجزالة ومخايل الْأَصَالَة بِمِثْلِهَا تنَال الغايات الأقاصي وتفترع الذوائب والنواصي فنولك أَمِير الْمُؤمنِينَ تِلْكَ الأثرة وخولك تِلْكَ الفخرة وَجعل
(3/80)

أَخَاك صمصام الدولة وشمس الْملَّة أَبَا كاليجار أمتع الله أَمِير الْمُؤمنِينَ بك ثانيك وتاليك والمتقدم بعْدك على ولد أَبِيك وأجراكما فِي التطبيق بَيْنكُمَا والتقرير لمنازلكما على مثل مَا جرى لأمر عَلَيْهِ بَين ركن الدولة أبي عَليّ ومعز الدولة أبي الْحُسَيْن سالفا ثمَّ بَين عضد الدولة وتاج الْملَّة أبي شُجَاع ومؤيد الدولة أبي مَنْصُور آنِفا تولاهم الله بِالرَّحْمَةِ ونفعهم بِمَا قبضهم عَلَيْهِ من وثائق الْعِصْمَة وخصك أَمِير الْمُؤمنِينَ بعد ذَلِك بِمَا يخص بِهِ ذَا الْقدر الشامخ وَالْفَخْر الباذخ والقدم السَّابِقَة 214 ب والمحلة السامية فذكرك بالتكنية ورفعك عَن التَّسْمِيَة ولقبك لقبين أَحدهمَا شرف الدولة لتشريفه بك أولياءه الَّذين أوطأهم عقبك وأعلقهم سَبِيلك وَالْآخر زين الْملَّة لزينة أَيَّامه بمعاليك وتضاعف جمَالهَا بمساعيك وَعقد لَك بِيَدِهِ لواءين يلويان إِلَيْك الْأَعْنَاق بالطوع مِمَّن سراه وأبهجاه والكره مِمَّن راعاه فأزعجاه وَأمر بِأَن تُقَام لَك الدعْوَة على مَنَابِر مَدِينَة السَّلَام وَمَا يجْرِي مَعهَا من الْأَعْمَال بَين
(3/81)

الدعْوَة لأمير الْمُؤمنِينَ وَبَين الدعْوَة لصمام الدولة وشمس الْملَّة أمتع الله أَمِير الْمُؤمنِينَ بكما وَأحسن الدفاع لَهُ عنكما إِلْحَاقًا لَك وَله بعْدك بأبيكما فِيمَا كَانَ شرف بِهِ من هَذِه الْحَال الَّتِي لم ينلها غَيره وَلَا أهل لَهَا أحد قبله وَأَن يثبت ذكرك باللقب والكنية فِيمَا ينقش من سِكَك الْعين وَالْوَرق فِي دور الضَّرْب باديا وَذكر صمصام الدولة كلأكما الله تاليا وحباك أَمِير الْمُؤمنِينَ مَعَ ذَلِك بخلع تَامَّة تفاض عَلَيْك وفرسين من جِيَاد خيله يقادان إِلَيْك بمركبي ذهب من خَاص مراكبه وَسيف مَاض من خِيَار أسيافه يعز الله منكبيك بنجاديه ويذل مناكب أعدائك بغراريه وطوق وسوارين وَأَن تجْرِي فِي الْمُكَاتبَة عَنهُ إِلَى الْغَايَة الَّتِي أجْرى أَبوك رَحمَه الله إِلَيْهَا وَهَذَا الْكتاب نَاطِق بهَا ودال عَلَيْهَا وَندب لإيصال الْجَمِيع إِلَيْك عَليّ بن الْحُسَيْن الْهَاشِمِي الزَّيْنَبِي وَأحمد بن نصر العباسي حَاجِبه ودجى خادمه فتلق شرف الدولة وزين
(3/82)

الْملَّة وَأَبا الفوارس أدام الله عزك بِمَا يحِق عَلَيْك من تقوى الله فِي سرك وجهرك ومراقبته فِي قَوْلك وعملك وابتغاء رِضَاهُ فِي مختلج خطراتك وفكرك وَاتِّبَاع طَاعَته فِي مخارج أَمرك ونهيك وقابل مَا أنعم بِهِ عَلَيْك وَأحسن فِيهِ إِلَيْك بالشكر الَّذِي موقعه من النِّعْمَة موقع الْقرى من 215 أَمِير الْمُؤمنِينَ الضَّيْف إِن وجده لم يذم وَإِن فَقده لم يقم وامدد على من وليت عَلَيْهِ من الْخَاصَّة والعامة ظلك ووطئ لَهُم كنفك واغمرهم بطولك وسسهم سياسة يكون بهَا صَلَاحهمْ مَضْمُونا وحريمهم مصونا وبلادهم معمورة ومنافعهم موفورة وحلبهم دَارا وعيشهم رغدا وثغورهم مسدودة وأعاديهم مذودة ومسالكهم محمية ومساكنهم مرعية ومرهم بِالْمَعْرُوفِ وانهم عَن الْمُنكر وابعثهم على الْحَسَنَات واكففهم عَن السَّيِّئَات وساو فِي الْحق بَين شريفهم ومشروفهم وقويهم وضعيفهم وقريبهم وغريبهم ومليهم وذميهم وَقوم سفهاءهم وجهالهم وانف دعارهم وخرابهم وَأكْرم صلحاءهم وحلماءهم وشاور فضلاءهم وعقلاءهم وجالس أدنياءهم وأعلياءهم ورتبهم
(3/83)

مَرَاتِبهمْ ونزلهم مَنَازِلهمْ وأرهم تمسكك بِالدّينِ ليقتدوا بك فِيهِ ورغبتك فِي الْخَيْر ليتقربوا إِلَيْك بِهِ وَخذ الْحق وأعطه وابسط الْعدْل وَقل بِهِ وادرأ الْحُدُود بِالشُّبُهَاتِ واقمعها وأمضها بِالْبَيِّنَاتِ لتَكون الرَّغْبَة إِلَيْك فِي رهب والرهبة مِنْك فِي رغب وَبِالْجُمْلَةِ فاحمل النَّاس على كتاب الله جلّ وَعز وآدابه وَسنة الرَّسُول وَمَا جا بِهِ
وَاعْلَم أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ قد جعل كِتَابه هَذَا عهدا إِلَيْك وَحجَّة لَك وَعَلَيْك وَأَن الْأَوَامِر والنواهي فِي العهود تكون كَثِيرَة وَإِنَّمَا قصر فِيهِ عَن استيفائها لارْتِفَاع طبقتك عَن الْحَاجة إِلَى استقصائها وللخروج إِلَى الله من الْحق فِي تَضْمِينه هَذِه الْجمل مِنْهَا فَإِذا وصل ذَلِك إِلَيْك مَعَ كرامات أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمُقدم ذكرهَا لَك فالبس خلعه وتقلد سَيْفه وَتحل بحلاه وابرز لمن يليك على حملانه وَأظْهر لَهُم ضروب إحسانه وامتنانه وانصب أمامك اللواءين وتكن وتلقب اللقبين وَكَاتب من
(3/84)

طَبَقَات النَّاس متلقبا بهما متكنيا إِلَّا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِن 215 ب الْأَدَب أَن لَا تكاتبه متلقبا بل متسميا وَلَيْسَ ذَلِك نَاقِصا لَك فِيمَا أَعْطيته وَلَا مرتجعا شَيْئا مِمَّا حبيته وَلكنه الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ والرسم المألوف وصل مَا بَيْنك وَبَين أَخِيك صمصام الدولة وشمس الْملَّة أدام الله الإمتاع بكما بالمودة كَمَا وَصله الله بالأخوة وكونا جَمِيعًا يدا فِي طَاعَة أَمِير الْمُؤمنِينَ واستقيما على كلمة سَوَاء فِي رِعَايَة الْمُسلمين وافتقا على مسالمة المسالمين وتعاضدا فِي محاربة الْمُحَاربين فان ذَلِك أرأب للصدع وأضم للنشر وأنظم للشمل وأليق بالأهل وأقم الدعْوَة لنَفسك على مَنَابِر الممالك بعد إِقَامَتهَا لأمير الْمُؤمنِينَ وَكَاتب أَمِير الْمُؤمنِينَ بأخبارك وطالعه بآثارك واستدع أمره فَأمره فِيمَا استعجم من التَّدْبِير عَلَيْك ورأيه فِيمَا استبهم من الْأُمُور دُونك واسترشده إِلَى الْحَظ يرشدك واستهده فِي الخطوب يهدك واستمده من المعونة يمددك واشكر آلاءه يزدك إِن شَاءَ الله تَعَالَى
(3/85)

أَطَالَ الله بَقَاءَك وأدام عزك وتأييدك وسعادتك ونعمتك وأمتع أَمِير الْمُؤمنِينَ بك وبالموهبة فِيك وعندك وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته
الْمَذْهَب الثَّالِث
أَن يفْتَتح الْعَهْد بِلَفْظ إِن أولى أَو إِ أَحَق وَمَا أشبه ذَلِك وَهِي طَريقَة غَرِيبَة خَارِجَة عَن أصُول الْكِتَابَة من حَيْثُ إِن رُتْبَة الْمُلُوك فِيمَا يكْتب لَهُم التَّعْظِيم وَمثل هَذَا الِافْتِتَاح إِنَّمَا يكْتب لأَصْحَاب الرتب السافلة الَّتِي لَا تقَارب رُتْبَة الْملك وَلَا مَا دونهَا
على أَنه قد كتب بذلك إِلَى ديوَان الْخلَافَة بِبَغْدَاد للسُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف على جلالة قدره بتقليد الديار المصرية والبلاد الشامية واليمنية فِي بعض الأحيان 216 أَمِير الْمُؤمنِينَ وَكَانَ ذَلِك إِنَّمَا وَقع حِين كَانَ الْخَلِيفَة النَّاصِر لدين الله متغيرا عَلَيْهِ حِين تلقب بِالْملكِ النَّاصِر لما فِي ذَلِك من مضاهاة لقب الْخَلِيفَة
وَهَذِه نُسْخَة الْعَهْد الْمَكْتُوب بِهِ على هَذِه الطَّرِيقَة
(3/86)

إِن أولى من جَادَتْ رباعه سحب الاصطناع وَخص من الاصطفاء والاحتباء بالصفايا والمرباع من توسم فِيهِ انتهاج الجدد القويم وَالطَّرِيق الْوَاضِح الْمُسْتَقيم واعتلق من الْأَوْلِيَاء بأوثق عصمه وحباله والفناء الَّذِي يَهْتَدِي بأنواره فِي متصرفاته وأعماله والتحلي بجميل الذّكر فِي سيرته وخلوص الاعتناء بِأُمُور عطيته وَكَانَ رَاغِبًا فِي اقتناء حميد الْخلال مُجْتَهدا فِي طَاعَة الله بِمَا يفيضه من الْعدْل الممتد الظلال عَاملا فِيمَا يناط بِهِ بِمَا يتضوع نشر مختبره ويجتني بِحسن صنعه يَانِع ثمره باذلا وَسعه فِي الصّلاح مؤذنة مساعيه بفوز القداح
وَلما كَانَ الْملك الْأَجَل السَّيِّد صَلَاح الدّين نَاصِر الْإِسْلَام عماد الدولة جمال الْأمة فَخر الْملَّة صفي الْخلَافَة تَاج الْمُلُوك والسلاطين قامع الْكَفَرَة
(3/87)

وَالْمُشْرِكين قاهر الْخَوَارِج والمتمردين عز الْمُجَاهدين ألب غَازِي بك بن يُوسُف بن أَيُّوب أدام الله علوه على هَذِه السجايا مُقبلا وبصفاتها الْكَامِلَة مُشْتَمِلًا مؤثرا تضَاعف المأثرات مثابرا متأثرا على مَا تزكو بِهِ الْأَعْمَال الصَّالِحَات متحليا بالمحامد الرائقة مستبدا بالمناقب الَّتِي هِيَ لجميل أَفعاله مُوَافقَة مُطَابقَة محصلا من رضَا الله تَعَالَى مَا يؤثره ويرومه من طَاعَة الدَّار العزيزة لَا زَالَت مشيدة الْبناء سابغة النعماء دائمة الاستبشار عزيزة الْأَنْصَار من اسْتِمْرَار الظفر مَا يستديمه
اقْتَضَت الآراء الشَّرِيفَة لَا زَالَ التَّوْفِيق قرينها والتأييد مظافرها ومعينها إِمْضَاء تصرفه وإنفاذ حكمه فِي بِلَاد 216 ب مصر وأعمالها والصعيد الْأَعْلَى والإسكندرية وَمَا يَفْتَحهُ من بِلَاد الغرب والساحل وبلاد الْيمن وَمَا افتتحه مِنْهَا واستخلصه بعد من ولايتها والتعويل فِي هَذِه الولايات عَلَيْهِ واستنقاذ مَا استولى عَلَيْهِ الْكفَّار من الْبِلَاد وإعزاز كل من أذلوه واضطهدوه من الْعباد لتعود الثغور بيمن نقيبته ضاحكة المباسم وبإصابة رَأْيه قَائِمَة المواسم
(3/88)

أمره بادئا بتقوى الله الَّتِي هِيَ الْجنَّة الواقية والذخيرة الْبَاقِيَة والعصمة الكافية والزاد إِذا أنفض وَفد الْآخِرَة وأرملوا والعتاد النافع إِذا وجدوا شَاهدا لَهُم وَعَلَيْهِم مَا عمِلُوا فَإِنَّهَا الْعلم الْمَنْصُوب للرشد قَالَ الله تَعَالَى {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله ولتنظر نفس مَا قدمت لغد}
وَأمره أَن يتَّخذ كتاب الله لزواجره ومواعظه وَيعْتَبر بتخويفه وملاحظة ويصغى إِلَيْهِ بسمعه وَقَلبه وجوارحه ولبه وَيعْمل بأوامره المحكمة وَيقف عِنْد نواهيه المبرمة ويتدبر مَا حوته آيَاته من الْوَعْد والوعيد والزجر والتهديد قَالَ الله عز وَجل {وَإنَّهُ لكتاب عَزِيز لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه تَنْزِيل من حَكِيم حميد}
وَأمره أَن يكون على صلَاته محافظا ولنفسه عَن الْإِخْلَال وَالتَّقْصِير فِي أَدَاء فَرضهَا واعظا فيغتنم الاستعداد
(3/89)

أَمَام أَوْقَاتهَا للْأَدَاء ويحترز من فَوَاتهَا وَالْحَاجة إِلَى الْقَضَاء موفيا حَقّهَا من الرُّكُوع وَالسُّجُود على الْوَصْف الْوَاجِب الْمَحْدُود مخلصا سره عِنْد الدُّخُول فِيهَا وناهيا نَفسه عَمَّا يصدها بالأفكار ويلهيها مُجْتَهدا فِي نفي الْفِكر والوسواس عَن قلبه منتصبا فِي إخلاص الْعِبَادَة لرَبه ليغدو بِوَصْف الْأَبْرَار منعوتا قَالَ الله تَعَالَى {إِن الصَّلَاة كَانَت على الْمُؤمنِينَ كتابا موقوتا}
وَأمره بِقصد الْمَسَاجِد الجامعة فِي أَيَّام الْجمع امتثالا لأمر الله المتبع بعزيمة فِي الْخَيْر صَادِقَة وَنِيَّة لِلْعِبَادَةِ مُوَافقَة وَفِي الأعياد إِلَى الْمُصَليَات 217 أَمِير الْمُؤمنِينَ المصحرة المجملة بالمنابر الحالية الَّتِي هِيَ من الأدناس مطهرة نابية فَإِنَّهَا من مَوَاضِع الْعِبَادَة ومواطنها ومظان تِلَاوَة الْقُرْآن الْمَأْمُور بِحِفْظ آدابها وسننها فقد وصف الله تَعَالَى من وَفقه لتجميل بيوته بالعمارة بِمَا أوضح فِيهِ الْإِشَارَة وشرفه بِوَضْع سمة الْإِيمَان عَلَيْهِ بالإكرام الفاخر فَقَالَ {إِنَّمَا يعمر مَسَاجِد الله من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر}
(3/90)

فيقيم الدعْوَة الهادية على المنابر على عَادَة من تقدمه ومنتهيا فِيهَا إِلَى أحسن مَا عَهده وَعلمه
وَأمره بِلُزُوم نزاهة الحرمات وَاجْتنَاب الْمُحرمَات والتحلي من العفاف والورع بأجمل القلائد الرائقة والتقمص بملابس التَّقْوَى الَّتِي هِيَ بأمثاله لائقة وسلوك مناهج الصّلاح الَّذِي يجمل بِهِ فعله ويصفو لَهُ عله ونهله وَأَن يمْنَع نَفسه من الْغَضَب ويردها عَمَّا يَأْمر بِهِ من سوء الْمكتب ويأخذها بآداب الله سُبْحَانَهُ فِي نهيها عَن الْهوى وَحملهَا على التَّقْوَى وردعها عَن التورط فِي المهاوي والشبه وكل أَمر يلتبس فِيهِ الْحق وَيشْتَبه ويلزمها الْأَخْذ بِالْعَفو والصفح والتأمل لمَكَان الْأَعْمَال فِيهِ واللمح قَالَ الله تَعَالَى {خُذ الْعَفو وَأمر بِالْعرْفِ وَأعْرض عَن الْجَاهِلين}
وَأمره بِإِحْسَان السِّيرَة فِي الرعايا بِتِلْكَ الْبِلَاد واختصاصهم بالصون الرَّائِح والغاد وَنشر جنَاح الرِّعَايَة على الْبعيد مِنْهُم والقريب وإحلال كل مِنْهُم مَحَله على الْقَاعِدَة وَالتَّرْتِيب وإشاعة المعدلة فيهم
(3/91)

وإسهام دانيهم من وافر ملاحظته وقاصيهم وَأَن يحمي سرحهم من كل داعر ويذود عَنْهُم كل موارب بِالْفَسَادِ وَمظَاهر حَتَّى تصفو لَهُم من الْأَمْن الشَّرَائِع وتضفو عَلَيْهِم من بركَة ولَايَته المدارع وتستنير بضوء الْعدْل مِنْهُم الْمطَالع ويحترم أكابرهم ويحنو على أصاغرهم ويشملهم بكنفه وَدِرْعه وَيَنْتَهِي فِي مصالحهم إِلَى غيه وَسعه وَلَا يألوهم 217 ب فِي النصح جهدا وَلَا يخلف لَهُم فِي الْخَيْر وَعدا ويشاورهم فِي أمره فَإِن المشورة دَاعِيَة إِلَى الْفَلاح ومفتاح بَاب الصّلاح قَالَ الله تَعَالَى {فَاعْفُ عَنْهُم واستغفر لَهُم وشاورهم فِي الْأَمر فَإِذا عزمت فتوكل على الله إِن الله يحب المتوكلين}
وَأمره بِإِظْهَار الْعدْل فِي الرّعية الَّتِي تضمها جَمِيع الأكناف والأطراف والتحلي من النصفة بأكمل الْأَوْصَاف وَحمل كافتهم على أقوم جدد وعصيان الْهوى فِي تَقْوِيم كل أود والمساواة بَين الْفَاضِل والمفضول فِي الْحق إِذا ظهر صدق دَلِيله والاشتمال عَلَيْهِم بالأمن الَّذِي يعذب لَهُم برد مقِيله وكشف ظلامة من انبسطت
(3/92)

إِلَى تحيفه الْأَيْدِي والأطماع وأعجزته النُّصْرَة لنَفسِهِ والدفاع وتصفح أَحْوَالهم بِعَين لَا ترنو إِلَى هوى يمِيل بهَا عَن الْوَاجِب وَسمع لَا يصغى إِلَى مقَالَة مائن وَلَا كَاذِب وَلَا يغْفل عَن مصلحَة تعود إِلَيْهِم وَيرجع نَفعهَا عَلَيْهِم وَلَا عَن كشف ظلامات بَعضهم من بعض وردهم إِلَى الْحق فِي كل رفع من أَحْوَالهم وخفض فَلَا يرى إِلَّا بِالْحَقِّ عَاملا وللأمور على سنَن الشَّرِيعَة حَامِلا مجتنبا إغفال مصالحهم وإهمالها وحارسا نظامها على تتَابع الْأَيَّام واتصالها ليَكُون ذَلِك إِلَى وفور الْأجر دَاعيا وَبِحسن الأحدوثة قَاضِيا مقتديا بِمَا نطق بِهِ الْقُرْآن {إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان}
وَأمره أَن يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ وَيُقِيم مناره وَيُنْهِي عَن الْمُنكر ويمحو آثاره فَلَا يتْرك مُمكنا من إِظْهَار الْحق وإعلانه وقمع الْبَاطِل وإخماد نيرانه ويعتمد مساعدة كل مرشد إِلَى الطَّرِيق الأقصد وناه عَن التظاهر بالمحظور فِي كل مشْهد فَإِنَّهُ تضحى معونته مُشَاركَة فِي إِحْرَاز
(3/93)

المثوبة ومساهمة ومساومة فِي اقتناء الْأجر ومقاسمة وَأَن يوعز بِإِزَالَة مظان الريب وَالْفساد فِي الداني من الْأَعْمَال والقاصي فَإِنَّهَا مَوَاطِن الشَّيْطَان وأماكن الْمعاصِي وَأَن يشد على أَيدي 218 الآمرين بِالْمَعْرُوفِ والناهين عَن الْمُنكر ويعينهم على ذَلِك بِمَا يطيب ذكره فِي كل مشْهد ومحضر ويجتهد فِي إِزَالَة كل مَحْظُور ومنكر مقدم فِي الْبَاطِل ومؤخر قَالَ الله تَعَالَى {وَأمر بِالْمَعْرُوفِ وانه عَن الْمُنكر}
وَأمره أَن يقدم الِاحْتِيَاط فِي حفظ الثغور ومجاوريها من الْكفَّار وَيسْتَعْمل غَايَة التيقظ فِي ذَلِك والاستظهار ليأمن عَلَيْهَا غوائل المكائد ويفوز من التَّوْفِيق لذَلِك بأنواع المحامد ويتجرد لجهاد أَعدَاء الدّين والانتقام من الْكَفَرَة المارقين أخذا بقول رب الْعَالمين {انفروا خفافا وثقالا وَجَاهدُوا بأموالكم وَأَنْفُسكُمْ فِي سَبِيل الله ذَلِكُم خير لكم إِن كُنْتُم تعلمُونَ} وَأَن يعْمل فِيمَا يحصل من الْغَنَائِم عِنْد فل جموعهم وافتتاح بِلَادهمْ وربوعهم بقول الله وَمَا أَمر بِهِ فِي قسمهَا وإيفاء كل
(3/94)

صَاحب حِصَّة مِنْهَا سالكا سَبِيل من غَدا لآثار الصّلاح مقتفيا وللفرض فِي ذَلِك مُؤديا وبهدى ذَوي الرشد مهتديا قَالَ الله تَعَالَى فِي مُحكم التَّنْزِيل {وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء فَأن لله خمسه وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل}
وَأمره أَن يُجيب إِلَى الْأمان لمن طلبه وَيكون وفاؤه مقترنا بِمَا تضمنه غير مُضْمر خلاف مَا يُعْطي بِهِ صَفْقَة أَمَانه وَلَا مُخَالف بَاطِنه مَا أظهره من مقارته إِلَى عقد الهدن وإتيانه ويجتنب الْغدر وَمَا فِيهِ من الْعَار وإسخاط الْملك الْجَبَّار قَالَ الله عز وَجل {وأوفوا بِعَهْد الله إِذا عاهدتم وَلَا تنقضوا الْأَيْمَان بعد توكيدها وَقد جعلتم الله عَلَيْكُم كَفِيلا إِن الله يعلم مَا تَفْعَلُونَ}
وَأمره بِأَن يَأْمر أَصْحَاب المعاون بمساعدة الْقُضَاة والحكام ومعونتهم بِمَا يقْضِي بلم شَمل الصّلاح فِي تَنْفِيذ القضايا والانتظام وَأخذ الْخُصُوم بإجابة الدَّاعِي إِذا استحضروا
(3/95)

إِلَى أَبْوَابهم للإنصاف والمسارعة إِلَى الْحق الْوَاجِب عَلَيْهِم من غير خلاف قَالَ الله تَعَالَى {وَأَكْثَرهم للحق كَارِهُون}
وَأمره بالعويل فِي الْمَظَالِم وأسواق الرَّقِيق ودور الضَّرْب والحسبة على من يأوى إِلَى عفاف وَدين وَعلم بِأَحْكَام الشَّرِيعَة وَصِحَّة يَقِين لَا يخفى عَلَيْهِ مَا حرمه الله تَعَالَى وأحله وَلَا يلتبس على علمه مَا أوضح إِلَى الْحق الْوَاضِح سبله وَإِلَى من يتَوَلَّى الْمَظَالِم بإيصال الْخُصُوم إِلَيْهِ وإنصافهم كَمَا أوجبه الله تَعَالَى عَلَيْهِ واستماع ظلاماتهم وإحسان النّظر فِي مشاجراتهم
وَأمره أَن يتلَقَّى النِّعْمَة الَّتِي أفرغت عَلَيْهِ وانساقت إِلَيْهِ بشكر ينْطق بِهِ لِسَانه ويترجم عَنهُ بَيَانه ليستديم بذلك الْإِكْرَام ويقترن الْإِحْسَان عِنْده بالالتئام وَأَن يوفيها حَقّهَا من دوَام الْحَمد 218 ب وَالْقَصْد إِلَى شكرها والعمد قَالَ الله تَعَالَى {وَمن شكر فَإِنَّمَا يشْكر لنَفسِهِ}
(3/96)

وليعلم أَنه قد بَين لَهُ من الصّلاح مَا اتضحت أَعْلَامه وأثبتت فِي المرامي سهامه وأرشد إِلَى مَا أودع هَذَا المنشور من جدد الْفَوْز بمرضاة الله تَعَالَى وشكر عباده عَاملا فِي ذَلِك بِمُقْتَضى جده واجتهاده ليحرز السَّبق فِي دُنْيَاهُ وعقباه ويتوفر عِنْده مَا منح بِهِ مِمَّا أرهف عزمه وحباه وَغدا بمكانه رافلا فِي ملابس الْفَخر والبهاء نائلا مِنْهُ مَا طَال بِهِ مناكب القرناء واختص بِمَا أَعلَى دَرَجَته فَتَقَاعَسَتْ عَنهُ آمال حاسديه وَتفرد بالمكانة عَن مقَام من يباريه ويناويه وَأولى من الإنعام مَا أَمن بِهِ سرب النِّعْمَة عِنْده وأصفى من مناهل الْإِحْسَان ورده وَأهْدى إِلَيْهِ من المواعظ مَا يجب أَن يودعه وَاعِيَة الأسماع وَيَأْخُذ بِالْعَمَلِ بِهِ كل رَاع فينهج أدام الله علوه محاج الْوَلَاء الَّذِي عهد من أَمْثَاله من الْأَوْلِيَاء متنزها عَن تَقْصِير مِنْهُ فِي عَامَّة الْأَوْقَات ومراعيا أَفعاله فِي جَمِيع التَّصَرُّفَات وَيعلم أَنه مسئول عَن كل مَا يلفظ بِهِ لِسَانه ناطقا وَنظر طرفه إِلَيْهِ رامقا قبل أَن يجانب هَوَاهُ وَيبقى رهينا بِمَا اكْتسبت يَدَاهُ وَلَا يغتر من الدُّنْيَا
(3/97)

وزخرفها بغرار لَيْسَ الْوَفَاء من طباعه ومعير مَا أقصر مُدَّة ارتجاعه وسبيل كَافَّة الْقُضَاة والأعيان ومقدمي العساكر والأجناد ورؤساء الْبِلَاد مُتَابَعَته وموافقته وَطلب مصالحهم من جَانِبه وَالتَّصَرُّف على استصوابه وَقد أكدت وصاته فِي الرِّفْق بهم والاشتمال عَلَيْهِم وَالْإِحْسَان إِلَيْهِم وإجمال السِّيرَة فيهم وَكلما أشكل عَلَيْهِ أَمر من المتجددات يطالع بِهِ الدِّيوَان الْعَزِيز مجده الله تَعَالَى لينهج لَهُ السَّبِيل إِلَى فتح رتاجه وسلوك منهاجه وَالله ولي والتوفيق وَالْهِدَايَة وَجمع الْكَلِمَة فِي كل إِعَادَة وبداية والمعونة على الْعِصْمَة من الزلل والتأييد فِي القَوْل وَالْعَمَل وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل
قلت وَقد عَابَ الْوَزير ضِيَاء الدّين بن الْأَثِير هَذَا التَّقْلِيد فِي كِتَابه الْمثل السائر وغض مِنْهُ وعارضه بتقليد أنشأه وَقد ذكرته فِي كتاب صبح الْأَعْشَى فِي كِتَابَة الإنشا لاتساعه وَبسط القَوْل فِيهِ افتتحه بقول أما بعد فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يبْدَأ بِحَمْد الله الَّذِي يكون
(3/98)

لكل خطْبَة قيادا وَلكُل أَمر مهادا
أهملت ذكره فِي هَذَا الْكتاب لكَونه لم يكْتب بِهِ لأحد
219
- الْمَذْهَب الرَّابِع
فِي عهود الْمُلُوك أَن يفْتَتح الْعَهْد بِالْحَمْد لله وَهُوَ الَّذِي اسْتَقر عَلَيْهِ عمل الْمُتَأَخِّرين من كتاب الديار المصرية على أَن الْمقر الشهابي بن فضل الله قد أنكر على الصاحب فَخر الدّين بن لُقْمَان حَيْثُ افْتتح الْعَهْد الَّذِي كتب بِهِ للظَّاهِر بيبرس بِالْحَمْد وَقَالَ لَيْسَ ابْن لُقْمَان بِحجَّة ثمَّ قَالَ على أَن القَاضِي مُحي الدّين قد تبعه فِيمَا كتب بِهِ للمنصور قلاوون وَلَا وَجه لإنكاره على ابْن لُقْمَان فقد كتب بِمثل ذَلِك من ديوَان الْخلَافَة بِبَغْدَاد عَن الإِمَام الْمُسْتَنْصر بِاللَّه بن الظَّاهِر بِأَمْر الله بن النَّاصِر لدين الله العباسي للسُّلْطَان الْملك الْكَامِل نصير الدّين مُحَمَّد بن الْعَادِل أبي بكر من إنْشَاء الْوَزير أبي الْأَزْهَر أَحْمد بن النَّاقِد بِخَط الْعدْل نَاصِر بن رشيد الخرنومي فِي شهر رَجَب الْفَرد سنة ثَلَاثِينَ وسِتمِائَة إِلَّا أَنه جرى فِيهِ على
(3/99)

الأسلوب الْقَدِيم من قَوْلهم فِي أوَامِر الْخلَافَة أمره بِكَذَا وَأمره بِكَذَا
وَهَذِه نسخته فِيمَا ذكره البوري فِي تَارِيخه
الْحَمد لله الَّذِي اطمأنت الْقُلُوب بِذكرِهِ وَوَجَب على الْخَلَائق جزيل حَمده وشكره ووسعت كل شَيْء رَحمته وَظَهَرت فِي كل أَمر حكمته وَدلّ على وحدانيته بعجائب مَا أحكم صنعا وتدبيرا وَخلق كل شَيْء فقدره تَقْديرا ممد الشَّاكِرِينَ بنعمائه الَّتِي لَا تحصى عددا وعالم الْغَيْب الَّذِي لَا يظْهر على غيبه أحدا لَا معقب لحكمه فِي الإبرام والنقض وَلَا يؤوده حفظ السَّمَوَات وَالْأَرْض تَعَالَى أَن يُحِيط بِهِ الضَّمِير وَجل أَن يبلغ وَصفه الْبَيَان وَالتَّفْسِير {لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير} وَالْحَمْد لله الَّذِي أرسل مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْحَقِّ بشيرا وَنَذِيرا {وداعيا إِلَى الله بِإِذْنِهِ وسراجا منيرا}
(3/100)

وابتعثه هاديا لِلْخلقِ وأوضح بِهِ مناهج الرشد وسبل الْحق واصطفاه من أشرف الْأَنْسَاب وأعز الْقَبَائِل واجتباه لإيضاح الْبَرَاهِين والدلائل وَجعله لَدَيْهِ أعظم الشفعاء وَأقرب الْوَسَائِل فقذف صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْحَقِّ على الْبَاطِل وَحمل النَّاس بِشَرِيعَتِهِ الهادية على المحجة الْبَيْضَاء وَالسّنَن الْعَادِل حَتَّى استقام اعوجاج كل زائغ وَرجع إِلَى الْحق كل جَاحد عَنهُ ومائل وَسجد لله كل شَيْء {يتفيأ ظلاله عَن الْيَمين وَالشَّمَائِل} صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَصَحبه الْكِرَام الأفاضل صَلَاة مستمرة بالغدوات والأصائل خُصُوصا على عَمه وصنو أَبِيه الْعَبَّاس ابْن عبد الملطب الَّذِي اشتهرت مناقبه فِي المجامع والمحافل وَدرت ببركة الاسْتِسْقَاء بِهِ أخلاف السحب الهواطل وفارقتتنصيص الرَّسُول على عقبَة فِي فِي الْخلَافَة المعظمة بِمَا لم يفز بِهِ أحد من الْأَوَائِل
وَالْحَمْد لله الَّذِي حَاز مَوَارِيث النُّبُوَّة والإمامة ووفر جزيل الْأَقْسَام من الْفضل والكرامة لعَبْدِهِ وخليفته ووارث نبيه ومحي شَرِيعَته الَّذِي أحله الله عز وَجل من معارج الشّرف والجلال فِي أرفع ذرْوَة وأعلقه من حسن
(3/101)

التَّوْفِيق الإلهي بأمتن عصمَة وأوثق عُرْوَة واستخرجه من أشرف نجار وعنصر واختصه بأزكى منحه وَأعظم مفخر ونصبه للْمُؤْمِنين علما وَاخْتَارَهُ للْمُسلمين إِمَامًا وَحكما وناط بِهِ أَمر دينه الحنيف وَجعله قَائِما بِالْعَدْلِ والإنصاف بَين القوى والضعيف إِمَام الْمُسلمين وَخَلِيفَة رب الْعَالمين أبي جَعْفَر الْمَنْصُور الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ بن الإِمَام السعيد النقي أبي نصر مُحَمَّد الظَّاهِر بِأَمْر الله بن الإِمَام الوفي أبي الْعَبَّاس أَحْمد النَّاصِر لدين الله بن الإِمَام السعيد الزكي أبي مُحَمَّد الْحسن المستضيء بِأَمْر الله أَمِير الْمُؤمنِينَ 220 صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وعَلى آبَائِهِ الطاهرين الْأَئِمَّة المهديين الَّذين قضوا بِالْحَقِّ وَبِه كَانُوا يعدلُونَ ولقوا الله تَعَالَى وَهُوَ عَنْهُم رَاض وهم عَنهُ راضون
وَبعد فبحسب مَا أفاضه الله تَعَالَى على أَمِير الْمُؤمنِينَ صلوَات الله عَلَيْهِ وَسَلَامه من خِلَافَته فِي الأَرْض وفوضه إِلَى نظره الْمُقَدّس فِي الْأُمُور من الإبرام والنقض واستخلصه لَهُ من حياطة بِلَاده وعباده ووكله إِلَى شرِيف نظره ومقدس اجْتِهَاده لَا يزَال صلوَات الله عَلَيْهِ يكلأ
(3/102)

الْعباد بِعَين الرِّعَايَة ويسلك بهم فِي الْمصَالح الْعَامَّة والخاصة مَذَاهِب الرشد وسبيل الْهِدَايَة وينشر عَلَيْهِم جناحي عدله وإحسانه وينعم لَهُم النّظر فِي إرشاد الْأُمَنَاء الصلحاء من خلصاء أكفائه وأعوانه متخيرا للاسترعاء من استحمد إِلَيْهِ بمشكور المساعي وتعرف إِلَيْهِ فِي سياسة الرعايا بجميل الْأَسْبَاب والدواعي وسلك فِي مَفْرُوض الطَّاعَة الْوَاجِبَة على الْخَلَائق قصد السَّبِيل وَعلم مِنْهُ حسن الاضطلاع فِي مصَالح الْمُسلمين بالعبء الثقيل وَالله عز وَجل يُؤَيّد أراء أَمِير الْمُؤمنِينَ صلوَات الله عَلَيْهِ بالتأييد والتسديد ويمده أبدا من أَقسَام التَّوْفِيق الإلهي بالموفور والمزيد ويقرن عَزَائِمه الشَّرِيفَة بِالْيمن والنجاح ويسنى لَهُ فِيمَا يَأْتِي ويذر أَسبَاب الْخَيْر وَالصَّلَاح وَمَا توفيق أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ يتوكل وَإِلَيْهِ ينيب
وَلما وفْق الله تَعَالَى نصير الدّين مُحَمَّد بن سيف الدّين أبي بكر بن أَيُّوب من الطَّاعَة الْمَشْهُورَة
(3/103)

والخدم المشكورة والحظوة فِي جِهَاد أَعدَاء الدّين بالمساعي الصَّالِحَة والفوز من المراضي الشَّرِيفَة الإمامية أجلهَا الله تَعَالَى بالمغانم الجزيلة والصفقة الرابحة لما وصل فِيهِ سالف شرِيف الِاخْتِصَاص بآنفه وشفع تالده فِي تَحْصِيل مأثور الاستخلاص بطارفة واستوجب بسلوكه من الطَّاعَة الْمَفْرُوضَة مزِيد الْإِكْرَام والتفضيل 220 ب وضرع فِي الإنعام عَلَيْهِ بمنشور شرِيف إمامي يسْلك فِي اتِّبَاعه هداه وَالْعَمَل بمراشده سَوَاء الصِّرَاط وَقصد السَّبِيل اقْتَضَت الآراء الشَّرِيفَة المقدسة زَادهَا الله تَعَالَى جلالا متألق الْأَنْوَار وقدسا يتساوى فِي تَعْظِيمه من هُوَ مستخف بِاللَّيْلِ وسارب بِالنَّهَارِ الإيعاز بإجابته إِلَى مَا وَجه أمله إِلَى الإنافة فِيهِ بِهِ إِلَيْهِ والجذب بضبعه إِلَى ذرْوَة الاجتباء الَّذِي تظهر أشعة أنواره الباهرة عَلَيْهِ فقلده على خيرة الله تَعَالَى الزعامة والغلات وأعمال الْحَرْب والمعاون والأحداث وَالْخَرَاج والضياع وَالصَّدقَات والجوالي وَسَائِر وُجُوه الجبايات وَالْعرض وَالعطَاء وَالنَّفقَة فِي الْأَوْلِيَاء والمظالم والحسبة فِي بِلَاده وَمَا يَفْتَحهُ
(3/104)

ويستولي عَلَيْهِ من بِلَاد الفرنج الملاعين وبلاد من تبرز إِلَيْهِ الْأَوَامِر الشَّرِيفَة بِقَصْدِهِ من المارقين عَن الْإِجْمَاع المنعقد من الْمُسلمين وَيَتَعَدَّى حُدُود الله تَعَالَى بمخالفة من حصل من الْأَعْمَال الصَّالِحَات بولائه الْمَفْرُوض على الْخَلَائق مَقْبُولَة وطاعته ضاعف الله جَلَاله بِطَاعَتِهِ وَطَاعَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَوْصُولَة حَيْثُ قَالَ الله عز من قَائِل {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم} وَاعْتمد صلوَات الله عَلَيْهِ وَسَلَامه فِي ذَلِك على حسن نظره ومدد رعايته وَألقى مقاليد التَّفْوِيض إِلَى وفور اجْتِهَاده وَكَمَال سياسته وَخَصه من هَذَا الإنعام الجزيل بِمَا يبْقى لَهُ على تعاقب الدَّهْر واستمراره ويخلد على ممر الزَّمَان حسن ذكره وجزيل فخاره وحباه بتقليد يوطد لَهُ قَوَاعِد الممالك وَيفتح بإقليده رتاج الْأَبْوَاب والمسالك ويفيد قَاعِدَته فِي بِلَاده زِيَادَة تَقْرِير وتمهيد ويطير بِهِ صيته فِي كل قريب وبعيد ووسمه بِالْملكِ الْأَجَل السَّيِّد الْكَامِل
(3/105)

الْمُجَاهِد المرابط نصير الدّين 221 أركن الْإِسْلَام أثير الْأَنَام تَاج الْمُلُوك والسلاطين قامع الْكَفَرَة وَالْمُشْرِكين قاهر الْخَوَارِج والمتمردين ألب غَازِي بك مُحَمَّد بن أبي بكر ابْن أَيُّوب معِين أَمِير الْمُؤمنِينَ رِعَايَة لسوابق خدمه وخدم أسلافه وآبائه عَن وفور اجتبائه وَكَمَال ازدلافه وإنافة من ذرْوَة الْقرب إِلَى مَحل كريم واختصاصا لَهُ بِالْإِحْسَانِ الَّذِي لَا يلقاه إِلَّا من هُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى {ذُو حَظّ عَظِيم} وثوقا بِصِحَّة ديانته الَّتِي يسْلك فِيهَا سَوَاء سَبيله واستنامة إِلَى أَمَانَته فِي الْخدمَة الَّتِي ينصح فِيهَا لله تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ وركونا إِلَى الإنعام عَلَيْهِ مَوْضُوعا بِحَمْد الله تَعَالَى فِي أحسن مَوضِع وَاقعا بِهِ لَدَيْهِ فِي خبر مُسْتَقر ومستودع
وأمير الْمُؤمنِينَ صلوَات الله عَلَيْهِ لَا زَالَت الْخيرَة مَوْصُولَة بآرائه والتأييد الإلهي مَقْرُونا بإنفاذه وإمضائه يستمد من الله عز وَجل حسن الْإِعَانَة فِي اصطفائه الَّذِي اقْتَضَاهُ نظره الشريف واعتماده وَأدّى إِلَيْهِ ارتياده الْمُقَدّس الإمامي واجتهاده وَحسب أَمِير الْمُؤمنِينَ الله وَنعم الْوَكِيل
(3/106)

وَأمره بتقوى الله تَعَالَى الَّتِي هِيَ الْجنَّة الواقية وَالنعْمَة الْبَاقِيَة والملجأ المنيع والعماد الرفيع والذخيرة النافعة فِي السِّرّ والنجوى والجذوة المقتبسة من قَول تَعَالَى {وتزودوا فَإِن خير الزَّاد التَّقْوَى} وَأَن يدرع بشعارها فِي جَمِيع الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال ويهتدي بأنوارها فِي مشكلات الْأُمُور وَالْأَحْوَال وَأَن يعْمل بهَا سرا وجهرا ويشرح للْقِيَام بحدودها الْوَاجِبَة صَدرا قَالَ الله تَعَالَى {وَمن يتق الله يكفر عَنهُ سيئاته ويعظم لَهُ أجرا}
وَأمره بِتِلَاوَة كتاب الله متدبرا غوامض عجائبه سالكا سبل الرشاد وَالْهِدَايَة فِي الْعَمَل بِهِ وَأَن يَجعله مِثَالا يتبعهُ ويقتفيه ودليلا يهتدى بمراشده الْوَاضِحَة فِي أوامره ونواهيه فَإِنَّهُ 221 ب الثّقل الْأَعْظَم وَسبب الله الْمُحكم وَالدّين الَّذِي يهدي بِهِ إِلَى الَّتِي هِيَ أقوم ضرب الله تَعَالَى فِيهِ لِعِبَادِهِ جَوَامِع الْأَمْثَال وَبَين لَهُ بهداه الرشد والضلال وَفرق بدلائله الْوَاضِحَة بَين الْحَرَام والحلال فَقَالَ عز من قَائِل {هَذَا بَيَان للنَّاس وَهدى وموعظة لِلْمُتقين}
(3/107)

وَقَالَ تَعَالَى {كتاب أَنزَلْنَاهُ إِلَيْك مبارك ليدبروا آيَاته وليتذكر أولُوا الْأَلْبَاب}
وَأمره بالمحافظة على مَفْرُوض الصَّلَوَات وَالدُّخُول فِيهَا على أكمل هَيْئَة من قوانين الْخُشُوع والإخبات وَأَن يكون نظره فِي مَوضِع نَجوَاهُ من الأَرْض وَأَن يمثل لنَفسِهِ فِي ذَلِك موقفه بَين يَدي الله تَعَالَى يَوْم الْعرض قَالَ الله تَعَالَى {قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ الَّذين هم فِي صلَاتهم خاشعون} وَقَالَ تَعَالَى {إِن الصَّلَاة كَانَت على الْمُؤمنِينَ كتابا موقوتا} وَأَن لَا يشغل بشاغل عَن أَدَاء فروضها الْوَاجِبَة وَلَا يلهو بِسَبَب عَن إِقَامَة سننها الرَّاتِبَة فَإِنَّهَا عماد الدّين الَّذِي نمت أعاليه ومهاد الشَّرْع الَّذِي رست قَوَاعِده ومبانيه قَالَ الله تَعَالَى {حَافظُوا على الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى وَقومُوا لله قَانِتِينَ} وَقَالَ سُبْحَانَهُ {إِن الصَّلَاة تنْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر}
(3/108)

وَأمره أَن يسْعَى إِلَى صلوَات الْجمع والأعياد وَيقوم فِي ذَلِك بِمَا فَرْضه الله تَعَالَى عَلَيْهِ وعَلى الْعباد وَأَن يتَوَجَّه إِلَى الْجَوَامِع والمساجد متواضعا ويبرز إِلَى الْمُصَليَات الضاحية فِي الأعياد خَاشِعًا وَأَن يحافظ فِي تشييد قَوَاعِد الْإِسْلَام على الْوَاجِب وَالْمَنْدُوب ويعظم باعتماد ذَلِك شَعَائِر الله الَّتِي هِيَ من تقوى الْقُلُوب وَأَن يَشْمَل بوافر اهتمامه واعتنائه وَكَمَال نظره وإرعائه بيُوت الله الَّتِي هِيَ محَال البركات ومواطن الْعِبَادَات والمساجد الَّتِي تَأَكد فِي تعظيمها وإجلالها حكمه والبيوت الَّتِي أذن الله أَن ترفع وَيذكر فِيهَا اسْمه وَأَن يرتب لَهَا من الخدم من يتبتل لإِزَالَة أدناسها ويتصدى لإذكاء مصابيحها فِي الظلام وإيناسها وَيقوم لَهَا بِمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من أَسبَاب الصّلاح والعمارات ويحضر إِلَيْهَا مَا يَلِيق من الْفرش والكسوات
وَأمره بِاتِّبَاع سنة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّتِي أوضح جددها وثقف أودها وَأَن يعْتَمد فِيهَا على الْأَسَانِيد الَّتِي
(3/109)

نقلهَا الثِّقَات وَالْأَحَادِيث الَّتِي صحت بالطرق السليمة وَالرِّوَايَات وَأَن يَقْتَضِي بِمَا جَاءَت بِهِ من مَكَارِم الْأَخْلَاق الَّتِي ندب صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى التَّمَسُّك بِسَبَبِهَا وَرغب أمته فِي الْأَخْذ بهَا وَالْعَمَل بآدابها قَالَ الله تَعَالَى {وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا} وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى {من يطع الرَّسُول فقد أطَاع الله}
وَأمره بمجالسة أهل الْعلم وَالدّين وأولي الاخلاص فِي طَاعَة الله والمتقين والاستشارة فِي عوارض الشَّك والالتباس وَالْعَمَل بآرائهم فِي التَّمْثِيل وَالْقِيَاس فَإِن الاستشارة لَهُم عين الْهِدَايَة وَأمن من الضلال والغواية وَبهَا تلقح عقم الأفهام والألباب ويقتدح زناد الرشد وَالصَّوَاب قَالَ الله تَعَالَى فِي الْإِرْشَاد إِلَى فَضلهَا وَالْأَمر فِي التَّمَسُّك بحبلها {وشاورهم فِي الْأَمر}
وَأمره بمراعاة أَحْوَال الْجند والعسكر فِي ثغوره وَأَن يشملهم بِحسن نظره الْجَمِيل وَجَمِيل تَدْبيره مستصلحا
(3/110)

نياتهم بإدامة التلطف والتعهد مستوضحا أَحْوَالهم بمواصلة التفحص والتفقد وَأَن يسوسهم سياسة تبعثهم على سلوك الْمنْهَج السَّلِيم ويهديهم فِي انتظامها واتساقها إِلَى الصِّرَاط الْمُسْتَقيم ويحملهم على الْقيام بشرائط الخدم والتلزم بهَا بأقوى الْأَسْبَاب وأمتن العصم ويدعوهم إِلَى مصلحَة التواصل والائتلاف ويصدهم عَن مُوجبَات التخاذل وَالِاخْتِلَاف وَأَن يعْتَمد فيهم شَرَائِط الحزم فِي الْإِعْطَاء وَالْمَنْع وَمَا تَقْتَضِيه مصلحَة أَحْوَالهم من أَسبَاب الْخَفْض وَالرَّفْع وَأَن يثيب المحسن على إحسانة ويسبل على الْمُسِيء مَا وَسعه الْعَفو واحتمله الْأَمر ذيل صفحه وامتنانه وَأَن يَأْخُذ بِرَأْي ذَوي التجارب مِنْهُم وَالْحكمَة ويجتني بمشاورتهم فِي الْأَمر ثَمَر الشّركَة إِذْ فِي ذَلِك أَمن من خطأ الِانْفِرَاد وتزحزح عَن مقَام الزيغ والاستبداد
وَأمره بالتبتل بِمَا يَلِيهِ من الْبِلَاد ويتصل بنواحيه من ثغور أولي الشّرك والعناد وَأَن يصرف مجامع الالتفاف
(3/111)

إِلَيْهَا ويخصها بوفور الاهتمام بهَا والتطلع عَلَيْهَا وَأَن يَشْمَل مَا ببلاده من الْحُصُون والمعاقل بالاحكام والاتقان وَيَنْتَهِي فِي أَسبَاب مصالحها إِلَى غَايَة الوسع وَنِهَايَة الْإِمْكَان وَأَن يشحنها بالميرة الْكَثِيرَة والذخائر ويمدها من الأسلحة والآلات بِالْعدَدِ المستصلح الوافر وَأَن يتَخَيَّر حراسها من الْأُمَنَاء التقاة ويسدها بِمن ينتخبه من الشجعان الكماة وَأَن يتَأَكَّد عَلَيْهِم فِي اسْتِعْمَال النَّفَقَات الْحفظَة والاستظهار ويوقظهم للاحتراس من غوائل الْغَفْلَة والاغترار وَأَن يكون الْمشَار إِلَيْهِم مِمَّن ربوا فِي ممارسة الحروب على مكافحة الشدائد وتدربوا فِي نصب الحبائل للْمُشْرِكين وَالْأَخْذ عَلَيْهِم بالمراصد وَأَن يعْتَمد هَذَا الْقَبِيل بمواصلة المدد وَكَثْرَة الْعدَد والتوسعة فِي النَّفَقَة وَالعطَاء وَالْعَمَل مَعَهم بِمَا يَقْتَضِيهِ حَالهم وتفاوتهم فِي التَّقْصِير والغناء إِذْ فِي ذَلِك حسم لمادة الأطماع فِي بِلَاد الْإِسْلَام ورد لكيد المعاندين من عَبدة الْأَصْنَام فمعلوم أَن هَذَا الْغَرَض أولى مَا وجهت إِلَيْهِ العنايات وصرفت وأحق مَا قصرت عَلَيْهِ الهمم ووقفت فَإِن الله تَعَالَى جعله من
(3/112)

أهم الْفُرُوض الَّتِي كرم فِيهَا الْقيام بِحقِّهِ وأكبر الْوَاجِبَات الَّتِي كتب الْعَمَل بهَا على خلقه فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هاديا فِي ذَلِك إِلَى سَبِيل الرشاد ومحرضا لِعِبَادِهِ على قيامهم بفروض الْجِهَاد {ذَلِك بِأَنَّهُم لَا يصيبهم ظمأ وَلَا نصب وَلَا مَخْمَصَة فِي سَبِيل الله وَلَا يطؤون موطئا يغِيظ الْكفَّار وَلَا ينالون من عَدو نيلا إِلَّا كتب لَهُم بِهِ عمل صَالح إِن الله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ وَلَا يُنْفقُونَ نَفَقَة صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة وَلَا يقطعون وَاديا إِلَّا كتب لَهُم لِيَجْزِيَهُم الله أحسن مَا كَانُوا يعْملُونَ} وَقَالَ تَعَالَى (واقتلو حَيْثُ ثقفتموهم) وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من نزل منزلا يخيف بِهِ الْمُشْركين ويخيفونه كَانَ لَهُ كَأَجر ساجد لَا يرفع رَأسه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَأجر قَائِم لَا يقْعد إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَأجر صَائِم لَا يفْطر وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام غدْوَة فِي سَبِيل الله أَو رَوْحَة خير مِمَّا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس هَذَا قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حق من سمع هَذِه الْمقَالة فَوقف لَدَيْهَا فَكيف بِمن
(3/113)

كَانَ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام أَلا أخْبركُم بِخَير النَّاس مُمْسك بعنان فرسه كلما سمع هيعة طَار إِلَيْهَا
وَأمره باقتفاء أوَامِر الله تَعَالَى فِي رعاياه والاهتداء إِلَى رِعَايَة الْعدْل والانصاف والاحسان بمراشده الْوَاضِحَة ووصاياه وَأَن يسْلك فِي السياسة سبل الصّلاح ويشملهم بلين الكنف وخفض الْجنَاح ويمد ظلّ رعايته على مسلمهم ومعاهدهم ويزحزح الأقذاء والشوائب عَن مناهلهم فِي الْعدْل ومواردهم فَينْظر فِي مصالحهم نظرا يُسَاوِي فِيهِ بَين الضَّعِيف وَالْقَوِي وَيقوم بأودهم قيَاما يَهْتَدِي بِهِ ويهديهم فِيهِ إِلَى الصِّرَاط السوي قَالَ الله تَعَالَى {إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان وإيتاء ذِي الْقُرْبَى وَينْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر وَالْبَغي يعظكم لَعَلَّكُمْ تذكرُونَ}
وَأمره بِاعْتِبَار أَسبَاب الِاسْتِظْهَار والأمنة واستقصاء الطَّاعَة المستطاعة وَالْقُدْرَة الممكنة فِي المساعدة على قَضَاء تفث حجاج بَيت الله الْحَرَام وزوار نبيه عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام وَأَن يمدهُمْ بالإعانة فِي ذَلِك على تَحْقِيق الرَّجَاء وبلوغ المرام ويحرسهم من التخطف
(3/114)

والأذى فِي حالتي الظعن وَالْمقَام فَإِن الْحَج أحد أَرْكَان الدّين المشيدة وفروضه الْوَاجِبَة الْمُؤَكّدَة قَالَ الله تَعَالَى {وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت}
وَأمره بتقوية أَيدي العاملين بِحكم الشَّرْع فِي الرعايا وتنفيذ مَا يصدر عَنْهُم من الْأَحْكَام والقضايا وَالْعَمَل بأقوالهم فِي مَا يثبت لِذَوي الِاسْتِحْقَاق والشد على أَيْديهم فِيمَا يرونه من الْمَنْع وَالْإِطْلَاق وَأَنه مَتى تَأَخّر أحد الْخَصْمَيْنِ عَن إِجَابَة دَاعِي الحكم أَو تقاعس فِي ذَلِك لما يلْزم من الْأَدَاء والعدم جذبه بعنان القسر إِلَى مجْلِس الشَّرْع واضطره بِقُوَّة الْإِنْصَاف إِلَى الْأَدَاء بعد الْمَنْع وَأَن يتوخى عُمَّال الْوُقُوف الَّتِي تقرب المتقربون بهَا واستمسكوا فِي ثَوَاب الله بمتين حبلها وَأَن يمدهُمْ بجميل المعاونة والمساعدة وَحسن المؤازرة والمعاضدة فِي الْأَسْبَاب الَّتِي تؤذن بالعمارة والاستنماء وتعود عَلَيْهَا بِالْمَصْلَحَةِ والاستخلاص والاستيفاء قَالَ الله تَعَالَى {وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى}
(3/115)

وَأمره أَن يتَخَيَّر من أولي الْكِفَايَة والنزاهة من يستخلصه للخدم والأعمال وَالْقِيَام بِالْوَاجِبِ من أَدَاء الْأَمَانَة والحراسة والتمييز لبيت المَال وَأَن يَكُونُوا من ذَوي الاضطلاع بشرائط الخدم الْمعينَة وأمورها والمهتدين إِلَى مسالك صَلَاحهَا وتدبيرها وَأَن يتَقَدَّم إِلَيْهِم بِأخذ الْحُقُوق من وجوهها المتيقنة وجبايتها فِي أَوْقَاتهَا الْمعينَة إِذْ ذَاك من لَوَازِم مصَالح الْجند ووفور الِاسْتِظْهَار وموجبات قُوَّة الشَّوْكَة لَهُ بِكَثِير الأعوان وَالْأَنْصَار وَأَسْبَاب الحيطة الَّتِي تحمى بهَا الْبِلَاد والأمصار وَيَأْمُرهُمْ بالجري فِي الطسوق والشروط على النمط الْمُعْتَاد وَالْقِيَام فِي مصَالح الْأَعْمَال على أَقْدَام الْجد وَالِاجْتِهَاد وَإِلَى العاملين على الصَّدقَات بِأخذ الزكوات على مَشْرُوع السّنَن المهيع وَقصد الصِّرَاط المتبع من غير عدُول فِي ذَلِك عَن الْمِنْهَاج الشَّرْعِيّ أَو تساهل فِي تَبْدِيل حكمهَا الْمَفْرُوض وقانونها المرعي فَإِذا أخذت من أَرْبَابهَا الَّذين يطهرون ويزكون بهَا كَانَ
(3/116)

الْعَمَل فِي صرفهَا إِلَى مستحقيها بِحكم الشَّرِيعَة النَّبَوِيَّة وموجبها وَإِلَى جباة الْجِزْيَة من أهل الذِّمَّة بالمطالبة بأدائها فِي أول السّنة واستيفائها مِنْهُم على حسب أَحْوَالهم بِحكم الْعَادة فِي الثروة المسكنة إِجْرَاء فِي ذَلِك على حكم الِاسْتِمْرَار والانتظام ومحافظة على عَظِيم شَعَائِر الاسلام
وَأمره أَن يتطلع على أَحْوَال كل من يَسْتَعْمِلهُ فِي أَمر من الْأُمُور ويصرفه فِي مصلحَة من مصَالح الْجُمْهُور تطلعا يَقْتَضِي الْوُقُوف على حقائق أماناتهم وَيُوجب تهذيبهم فِي حركاتهم وسكناتهم ذَهَابًا مَعَ النصح لله تَعَالَى فِي بريته وَعَملا فِيهِ بقول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كلكُمْ رَاع وكلكم مسئول عَن رَعيته وَأمره أَن يستصلح من ذَوي الاضطلاع والغناء من يرتب الْعرض وَالعطَاء وَالنَّفقَة فِي الْأَوْلِيَاء وَأَن يَكُونُوا من الْمَشْهُورين بالحزم والبصيرة والموسومين فِي المناصحة بإخلاص الطوية وإصفاء السريرة حَالين من الْأَمَانَة والصون بِمَا يزين
(3/117)

ناكبين عَن مظان الشّبَه والطمع الَّذِي يصم ويشين وَأَن يَأْمُرهُم بِاتِّبَاع عادات أمثالهم فِي ضبط أَسمَاء الرِّجَال وتحلية الْأَشْخَاص والأشكال وَاعْتِبَار شيات الْخُيُول وَإِثْبَات أعدادها وتحريض الْجند على تخيرها واقتناء جيادها وبذل الْجهد فِي قيامهم من الكراع واليزك وَالسِّلَاح بِمَا يلْزمهُم وَالْعَمَل بقوله تَعَالَى {وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قُوَّة وَمن رِبَاط الْخَيل ترهبون بِهِ عَدو الله وَعَدُوكُمْ وَآخَرين من دونهم لَا تَعْلَمُونَهُم الله يعلمهُمْ} فَإِذا نطقت جرائد الْجند الْمَذْكُورين بِمَا أثبت لديهم وحقق الِاعْتِبَار والعيان قيامهم بِمَا أوجب عَلَيْهِم أطلقت لَهُم المعايش والأرزاق بِحَسب إقراراتهم وأوصلت إِلَيْهِم بِمُقْتَضى واجباتهم واستحقاقاتهم فَإِن هَذَا الْحَال أصل حراسة الْبِلَاد والعباد وَقيام الْأَمر فِيمَا أوجبه الله تَعَالَى من الاستعداد بِفَرْض الْجِهَاد قَالَ الله تَعَالَى {وَالَّذين جاهدوا فِينَا لنهدينهم سبلنا وَإِن الله لمع الْمُحْسِنِينَ}
(3/118)

وَأمره بتفويض أَمر الْحِسْبَة إِلَى من يكون بأمرها مضطلعا وللسنة النَّبَوِيَّة فِي إِقَامَة حُدُودهَا مُتبعا فيعتمد فِي الْكَشْف عَن أَحْوَال الْعَامَّة فِي تصرفاتها الْوَاجِب ويسلك فِي التطلع إِلَى معاملاتهم السَّبِيل الْوَاضِح وَالسّنَن اللاحب وليهتم بالتطواف فِي الْأَسْوَاق لاختبار المكاييل والموازين ويقيمه فِي مُؤَاخذَة المطففين وتأديبهم بِمَا تَقْتَضِيه شَرِيعَة الدّين ويحذرهم من تعدِي حُدُود الْإِنْصَاف شدَّة نكاله ويقابل الْمُسْتَحق الْمُؤَاخَذَة بِمَا يرتدع بِهِ الْجمع الْكثير من أَمْثَاله قَالَ الله تَعَالَى {أَوْفوا الْكَيْل وَلَا تَكُونُوا من المخسرين وزنوا بالقسطاس الْمُسْتَقيم وَلَا تبخسوا النَّاس أشياءهم وَلَا تعثوا فِي الأَرْض مفسدين} وَقَالَ سُبْحَانَهُ {ويل لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذين إِذا اكتالوا على النَّاس يستوفون وَإِذا كالوهم أَو وزنوهم يخسرون أَلا يظنّ أُولَئِكَ أَنهم مبعوثون ليَوْم عَظِيم يَوْم يقوم النَّاس لرب الْعَالمين}
(3/119)

فليتول الْملك السَّيِّد الْكَامِل الْمُجَاهِد المرابط نصير الدّين ركن الْإِسْلَام أثير الإِمَام جمال الْأَنَام جلال الدولة فَخر الْملَّة عز الْأمة سَنَد الْخلَافَة تَاج المل والسلاطين قامع الْكَفَرَة وَالْمُشْرِكين قاهر الْخَوَارِج والمتمردين أَمِير الْمُجَاهدين غَازِي بك معِين أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا قَلّدهُ عبد الله وخليفته فِي أرضه الْقَائِم لَهُ بِحقِّهِ الْوَاجِب وفرضه أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ تَقْلِيد مطمئن بِالْإِيمَان وَينْصَح لله وَلِرَسُولِهِ صلوَات الله عيه وخليفته فِي السِّرّ والإعلان وليشرح بِمَا فوض إِلَيْهِ من هَذِه الْأُمُور صَدرا وليقم بِالْوَاجِبِ عَلَيْهِ من شكر هَذَا الإنعام الجزيل سرا وجهرا وليعمل بِهَذِهِ الْوَصَايَا الشَّرِيفَة الإمامية وليقف آثَار مراشدها المقدسة النَّبَوِيَّة وليظهر من أثر الْجد فِي هَذَا الْأَمر وَالِاجْتِهَاد وَتَحْقِيق النّظر الْجَمِيل لله والإرشاد مَا يكون دَلِيلا على تأييد الرَّأْي الْأَشْرَف الْمُقَدّس أَجله الله تَعَالَى فِي اصطناعه واستكفائه وإصابة مواقع النجح
(3/120)

والرشد فِي التَّفْوِيض إِلَى حسن قِيَامه وَكَمَال اعتنائه فليقدر النِّعْمَة عَلَيْهِ فِي هَذِه الْحَال حق قدرهَا وليكثر بأَدَاء الْوَاجِب بِمَا غلب عَلَيْهِ من جزيل الشُّكْر بسرها وليطالع مَعَ الْأَوْقَات بِمَا يشكل عَلَيْهِ من الْأُمُور الغوامض وَلينه إِلَى الْعُلُوم الشَّرِيفَة المقدسة أجلهَا الله تَعَالَى مَا يلتبس عَلَيْهِ من الشكوك والعوارض ليرد عَلَيْهِ من الْأَمْثِلَة مَا يُوضح لَهُ وَجه الصَّوَاب فِي الْأُمُور ويستمد من المراشد الشَّرِيفَة الَّتِي هِيَ شِفَاء لما فِي الصُّدُور بِمَا يكون وُرُوده عَلَيْهِ وتتابعه إِلَيْهِ نورا على نور إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَهَذِه نُسْخَة الْعَهْد الَّذِي كتب بِهِ للْملك الظَّاهِر بيبرس عَن الْحَاكِم بِأَمْر الله أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن الْحُسَيْن ثَانِي الْخُلَفَاء بالديار المصرية من إنْشَاء الصاحب فَخر الدّين ابراهيم بن لُقْمَان
وَهَذِه نسخته

الْحَمد لله الَّذِي أضفى ملابس الشّرف وَأظْهر
(3/121)

درره وَكَانَت خافية بِمَا استحكم عَلَيْهَا من الصدف وشيد مَا وَهِي من علائه حَتَّى أنسى ذكر مَا سلف وقيض لنصره ملوكا اتّفق على طاعتهم من اخْتلف
أَحْمَده على نعمه الَّتِي رتعت الْأَعْين مِنْهَا فِي الرَّوْض الْأنف والطاقة الَّتِي وقفت الشُّكْر عَلَيْهَا فَلَيْسَ لَهُ عَنْهَا منصرف وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة توجب من المخاوف أمنا وتسهل من الْأُمُور مَا كَانَ حزنا وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الَّذِي جبر من الدّين وَهنا وَصفيه الَّذِي أظهر من المكارم فنونا لَا فَنًّا صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله الَّذين أضحت مناقبهم بَاقِيَة لَا تفنى وَأَصْحَابه الَّذين أَحْسنُوا فِي الدّين فاستحقوا الزِّيَادَة من الْحسنى
وَبعد فَإِن أولى الْأَوْلِيَاء بِتَقْدِيم ذكره وأحقهم أَن يصبح الْقَلَم سَاجِدا رَاكِعا فِي تسطير مناقبه وبره من سعى فأضحى بسعيه الْجَمِيل مُتَقَدما ودعا إِلَى طَاعَته
(3/122)

فَأجَاب من كَانَ منجدا ومتهما وَمَا بَدَت يَد من المكرمات إِلَّا كَانَ لَهَا زندا ومعصما وَلَا استباح بِسَيْفِهِ حمى وغى إِلَّا أضرمه نَارا وأجراه دَمًا
وَلما كَانَت هَذِه المناقب الشَّرِيفَة مُخْتَصَّة بالْمقَام العالي المولوي السلطاني الملكي الظَّاهِرِيّ الركني شرفه الله تَعَالَى وَأَعلاهُ ذكره الدِّيوَان الْعَزِيز النَّبَوِيّ الإمامي المستنصري أعز الله تَعَالَى سُلْطَانه تنويها بشريف قدره واعترافا بصنعه الَّذِي تنفد الْعبارَة المسهبة وَلَا تقوم بشكره وَكَيف لَا وَقد أَقَامَ الدولة العباسية بعد أَن أقعدتها زمانة الزَّمَان وأذهبت مَا كَانَ لَهَا من محَاسِن وإحسان وعتب دهرها المسئ لَهَا فأعتب وأرضى عَنْهَا زمانها وَقد كَانَ صال عَلَيْهَا صولة مغضب فَأَعَادَ لَهَا سلما بعد أَن كَانَ عَلَيْهَا حَربًا وَصرف اهتمامه فَرجع كل متضايق من أمورها وَاسِعًا رحبا ومنح أَمِير الْمُؤمنِينَ عِنْد الْقدوم عَلَيْهِ حنوا وعطفا وَأظْهر لَهُ من الْوَلَاء رَغْبَة فِي ثَوَاب الله مَا لَا يحفى وَأبْدى من الاهتمام بالبيعة أمرا لَو رامه غَيره لامتنع عَلَيْهِ وَلَو تمسك بحبله
(3/123)

متمسك لانقطع بِهِ قبل الْوُصُول إِلَيْهِ لَكِن الله ادخر هَذِه الْحَسَنَة ليثقل بهَا فِي الْمِيزَان ثَوَابه ويخفف بهَا يَوْم الْقِيَامَة حسابه فَهَذِهِ منقبة أَبى الله إِلَّا أَن يخلدها فِي صحيفَة صنعه وتكرمة قَضَت لهَذَا الْبَيْت الشريف بجمعه بعد أَن حصل الْإِيَاس من جمعه وأمير الْمُؤمنِينَ يشْكر لَك هَذِه الصَّنَائِع وَيعرف أَنه لَوْلَا اهتمامك لاتسع الْخرق على الراقع وَقد قلدك الديار المصرية والبلاد الشامية والديار البكرية والحجازية واليمنية والفراتية وَمَا يَتَجَدَّد من الفتوحات غورا ونجدا وفوض أَمر جندها ورعاياها إِلَيْك حِين أَصبَحت فِي المكارم فَردا وَلَا جعل مِنْهَا بَلَدا من الْبِلَاد وَلَا حصنا من الْحُصُون مُسْتَثْنى وَلَا جِهَة من الْجِهَات تعد فِي الْأَعْلَى وَلَا الْأَدْنَى
فلاحظ أُمُور الْأمة فقد أَصبَحت لَهَا حَامِلا وخلص نَفسك من التَّبعَات الْيَوْم فَفِي غَد تكون مسئولا لَا سَائِلًا ودع الاغترار بالدنيا فَمَا نَالَ أحد مِنْهَا طائلا وَمَا رَآهَا أحد بِعَين الْحق إِلَّا رَآهَا خيالا زائلا فالسعيد من قطع آماله الموصولة وَقدم لنَفسِهِ زَاد التَّقْوَى فتقدمه غير
(3/124)

التَّقْوَى مَرْدُودَة لَا مَقْبُولَة وابسط يدك بِالْإِحْسَانِ وَالْعدْل فقد أَمر الله تَعَالَى بِالْعَدْلِ والاحسان فِي مَوَاضِع من الْقُرْآن وَكفر بِهِ عَن الْمَرْء ذنوبا وآثاما وَجعل يَوْمًا وَاحِدًا فِيهِ كعبادة العابد سِتِّينَ عَاما وَمَا سلك آحد سَبِيل الْعدْل والاحسان إِلَّا واجتنيت ثماره من أفنان وَرجع الْأَمر بِهِ بعد أَن تداعى أَرْكَانه وَهُوَ مشيد الْأَركان وتحصن بِهِ من حوادث زَمَانه والسعيد من تحصن من حوادث الزَّمَان وَكَانَت أَيَّامه فِي الْأَيَّام أبهى من الأعياد وَأحسن فِي الْعُيُون من الْغرَر فِي أوجه الْجِيَاد وَأحلى من الْعُقُود إِذا حلى بهَا عطل الأجياد
وَهَذِه الأقاليم المنوطة بك تحْتَاج إِلَى نواب وحكام وَأَصْحَاب رَأْي من أَصْحَاب السيوف والأقلام فَإِذا استعنت بِأحد مِنْهُم فِي أمورك فَنقبَ عَلَيْهِ تنقيبا وَاجعَل عَلَيْهِ فِي تَصَرُّفَاته رقيبا وسل عَن أَحْوَاله فَفِي الْقِيَامَة تكون عَنهُ مسئولا وَبِمَا أجرم مَطْلُوبا وَلَا تول مِنْهُم إِلَّا من تكون مساعيه حَسَنَات لَك لَا ذنوبا
(3/125)

وَأمرهمْ بالأناة فِي الْأُمُور والرفق وَمُخَالفَة الْهوى إِذا ظَهرت أَدِلَّة الْحق وَأَن يقابلوا الضُّعَفَاء فِي حوائجهم بالثغر الباسم وَالْوَجْه الطلق وَأَن لَا يعاملوا أحدا على الْإِحْسَان والإساءة إِلَّا بِمَا يسْتَحق وَأَن يَكُونُوا لمن تَحت أَيْديهم من الرّعية إخْوَانًا وَأَن يوسعوهم برا وإحسانا وَأَن لَا يستحلوا حرماتهم إِذا اسْتحلَّ الزَّمَان لَهُم حرمانا فالمسلم أَخُو الْمُسلم وَلَو كَانَ عَلَيْهِ أَمِيرا وسلطانا والسعيد من نسج ولاته فِي الْخَيْر على منواله واستن بسنته فِي تَصَرُّفَاته وأحواله وَتحمل عَنهُ مَا تعجز قدرته عَن حمل أثقاله
وَمِمَّا يؤمرون بِهِ أَن يمحى مَا أحدث من سيئ السّنَن وجدد من الْمَظَالِم الَّتِي هِيَ من أعظم المحن وَأَن يَشْتَرِي بإبطالها المحامد رخيصة بأغلى ثمن وَمهما جنى مِنْهَا من الْأَمْوَال فَإِنَّمَا هِيَ بَاقِيَة فِي الذَّم حَاصِلَة وأجياد الخزائن إِن أضحت بهَا حَالية فَإِنَّمَا هِيَ على الْحَقِيقَة مِنْهَا عاطلة وَهل أَشْقَى مِمَّن احتقب إِثْمًا واكتسب بالمساعي الذميمة ذما وَجعل السوَاد الْأَعْظَم يَوْم الْقِيَامَة خصما وَتحمل
(3/126)

ظلم النَّاس فِيمَا صدر عَنهُ من أَعمال {وَقد خَابَ من حمل ظلما}
وحقيق بالْمقَام الشريف المولوي السلطاني الملكي الظَّاهِرِيّ الركني أَن لَا تكون ظلامات الْأَنَام مَرْدُودَة بعدله وطاعته تخفف ثقلا لَا طَاقَة لَهُم بِحمْلِهِ فقد أضحى على الْإِحْسَان قَادِرًا وصنعت لَهُ الْأَيَّام مَا لم تَصنعهُ لمن تقدم من الْمُلُوك وَإِن جَاءَ آخرا فاحمد الله على أَن وصل إِلَى جنابك إِمَام هدى يُوجب لَك مزية التَّقْدِيم وينبه الْخَلَائق على مَا خصك الله بِهِ من الْفضل الْعَظِيم وَهَذِه أُمُور يجب أَن تلاحظ وترعى ويوالى عَلَيْهَا حمد الله فَإِن الْحَمد يجب عَلَيْهَا عقلا وَشرعا وَقد تبين لَك أَنَّك صرت فِي الْأُمُور أصلا وَصَارَ غَيْرك فرعا
وَمِمَّا يجب أَيْضا تَقْدِيم ذكره أَمر الْجِهَاد الَّذِي أضحى على الْأمة فرضا وَهُوَ الْعَمَل الَّذِي يرجع بِهِ مسود الصحائف مبيضا وَقد وعد الله الْمُجَاهدين بِالْأَجْرِ الْعَظِيم وَأعد لَهُم عِنْده الْمقَام الْكَرِيم وخصهم بِالْجنَّةِ الَّتِي لَا لَغْو فِيهَا وَلَا تأثيم وَقد تقدّمت لَك فِي الْجِهَاد يَد بَيْضَاء
(3/127)

أسرعت فِي سَواد الحساد وَعرفت مِنْك عزمه وَهِي أمضى مِمَّا تجنه ضمائر الأغماد واشتهرت بك مَوَاقِف فِي الْقِتَال هِيَ أشهر وأشهى إِلَى الْقُلُوب من الأعياد وَبِك صان الله حمى الْإِسْلَام أَن يبتذل وبعزمك حفظ على الْمُسلمين نظام هَذِه الدول وسيفك أثر فِي قُلُوب الْكَافرين قروحا لَا تندمل وَبِك يُرْجَى أَن يرجع مقرّ الْخلَافَة إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي الْأَيَّام الأول فأيقظ لنصرة الْإِسْلَام جفنا مَا كَانَ غافيا وَلَا هاجعا وَكن فِي مجاهدة أَعدَاء الله إِمَامًا متبوعا لَا تَابعا وأيد كلمة التَّوْحِيد فَمَا تَجِد فِي تأييدها إِلَّا مُطيعًا سَامِعًا وَلَا تخل الثغور من اهتمام بأمرها تبتسم لَهُ الثغور واحتفال يُبدل مَا دجا من ظلماتها بِالنورِ وَاجعَل أمرهَا على الْأُمُور مقدما وشيد مِنْهَا كل مَا غَادَرَهُ الْعَدو متهدما فَهَذِهِ حصون بهَا يحصل الِانْتِفَاع الِانْتِفَاع وعَلى الْعَدو دَاعِيَة افْتِرَاق دَاعِيَة افْتِرَاق لَا اجْتِمَاع وأولاها بالاهتمام مَا كَانَ الْبَحْر لَهُ مجاورا والعدو إِلَيْهِ ملتفتا نَاظرا وَلَا سِيمَا ثغور الديار المصرية فَإِن الْعَدو وصل إِلَيْهَا رابحا وَرَاح خاسرا واستأصلهم الله فِيهَا حَتَّى مَا أقَال مِنْهُم
(3/128)

عاثرا وَكَذَلِكَ الأسطول الَّذِي ترى خيله كالأهلة وركائبه سَابِقَة بِغَيْر سائق مُسْتَقلَّة وَهُوَ أَخُو الْجَيْش السُّلَيْمَانِي فَإِن ذَاك غَدَتْ الرّيح لَهُ حاملة وَهَذَا تكفلت بِحمْلِهِ الرِّيَاح السابلة وَإِذا لحظها الطّرف جَارِيَة فِي الْبَحْر كَانَت كالأعلام وَإِذا شبهها قَالَ هَذِه لَيَال تقلع بِالْأَيَّامِ وَقد سنى الله لَك من السَّعَادَة كل مطلب وآتاك من أَصَالَة الرَّأْي الَّذِي يُرِيك المغيب وَبسط بعد الْقَبْض مِنْك الأمل ونشط بالسعادة مَا كَانَ من كسل وهداك إِلَى مناهج الْحق وَمَا زلت مهتديا إِلَيْهَا وألزمك المراشد فَلَا تحْتَاج إِلَى تَنْبِيه عَلَيْهَا وَالله تَعَالَى يمدك بِأَسْبَاب نَصره ويوزعك شكر نعمه فَإِن النِّعْمَة تستتم بشكره
وَهَذِه نُسْخَة الْعَهْد الَّذِي كتبه القَاضِي مُحي الدّين بن عبد الظَّاهِر للْملك الْمَنْصُور قلاوون عَن الْخَلِيفَة الإِمَام أبي الْعَبَّاس أَحْمد الْحَاكِم الأول
(3/129)

الْحَمد لله الَّذِي جعل آيَة السَّيْف ناسخة لكثير من الْآيَات وفاسخة لعقود أولى الشَّك والشبهات الَّذِي رفع بعض الْخلق على بعض دَرَجَات وَأهل لأمور الْبِلَاد والعباد من جَاءَت بخوارق تملكة بِالَّذِي إِن لم يكن من المعجزات فَمن المكرمات
ثمَّ الْحَمد لله الَّذِي جعل الْخلَافَة العباسية بعد القطوب حَسَنَة الابتسام وَبعد الشحوب جميلَة الاتسام وَبعد التشريد كل دَار إِسْلَام لَهَا أعظم من دَار السَّلَام
وَالْحَمْد لله على أَن أشهدها مصَارِع أعدائها وَأحمد لَهَا عواقب إِعَادَة نصرها وإبدائها ورد تشتيتها بعد أَن ظن كل أحد أَن شعارها الْأسود مَا بقى مِنْهُ إِلَّا مَا صانته الْعُيُون فِي جفونها والقلوب فِي سويدائها
ونشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة يتلذذ بذكرها اللِّسَان وتتعطر بنفحاتها الأفواه والأردان وتتلقاها مَلَائِكَة الْقبُول فترفعها إِلَى أَعلَى مَكَان
(3/130)

ونصلى على سيدنَا مُحَمَّد الَّذِي أكرمنا الله بِهِ وَشرف لنا الْأَنْسَاب وأعزنا بِهِ حَتَّى نزل فِينَا مُحكم الْكتاب صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله الَّذين انجاب الدّين مِنْهُم عَن أنجاب وَرَضي الله عَن صحابته الَّذين هم خير صِحَاب صَلَاة ورضوانا يُوفى قَائِلهَا أجره يَوْم الْحساب من الْكَثْرَة بِغَيْر حِسَاب يَوْم الْحساب
وَبعد حمد الله على أَن أَحْمد عواقب الْأُمُور وَأظْهر لِلْإِسْلَامِ سُلْطَانا اشتدت بِهِ للْأمة الظُّهُور وشفيت الصُّدُور وَأقَام الْخلَافَة العباسية فِي هَذَا الزَّمن بالمنصور كَمَا أَقَامَهَا فِي مَا مضى بالمنصور وَاخْتَارَ لإعلان دعوتها من يحيي معالمها بعد العفاء ورسومها بعد الدُّثُور وَجمع لَهَا الْآن مَا كَانَ جمع عَلَيْهَا فِيمَا قبل من خلاف كل ناجم ومنحها مَا كَانَت تبشرها بِهِ من الْمَلَاحِم وأنفذ كلمتها فِي ممالك الدولة العلوية بِخَير سيف مشحوذ ماضي العزائم ومازج بَين طاعتها فِي الْقُلُوب وَذكرهَا فِي الْأَلْسِنَة وَكَيف لَا والمنصور هُوَ الْحَاكِم وَأخرج لحياطه الْأمة المحمدية ملكا تقسم البركات عَن يَمِينه وتقسم السَّعَادَة بِنور
(3/131)

جَبينه وتقهر الْأَعْدَاء بفتكاته وتمهر عقائل المعاقل بأصغر راياته ذُو السعد الَّذِي مَا زَالَ نوره يشف حَتَّى ظهر ومعجزه يرف إِلَى أَن بهر وجوهره ينْتَقل من جيد إِلَى جيد حَتَّى علا الجبين وسره يكمن فِي قلب بعد قلب حَتَّى علم وَالْحَمْد لله نبأ تَمْكِينه فِي الأَرْض بعد حِين فاختاره الله على علم واصطفاه من بَين عباده بِمَا جبله الله عَلَيْهِ من كرم وشجاعة وحلم وأتى الله بِهِ الْأمة المحمدية فِي وَقت الِاحْتِيَاج غوثا وَفِي إبان الاستمطار غيثا وَفِي حِين عيث الأشبال فِي غير الافتراس ليثا فَوَجَبَ على من لَهُ فِي أَعْنَاق الْأمة المحمدية مبايعة رضوَان وَعند أَيْمَانهم مصافحة أَيْمَان وَمن وَجَبت لَهُ الْبيعَة باستحقاقه لميراث منصب النُّبُوَّة وَمن تصح مِنْهُ كل ولَايَة شَرْعِيَّة يُؤْخَذ كتابها مِنْهُ بِقُوَّة وَمن هُوَ خَليفَة الزَّمَان وَالْعصر وَمن بدعواته ينزل الله عَلَيْكُم معاشر كماة الْإِسْلَام مَلَائِكَة النَّصْر وَمن نسبه بِنسَب نَبِيكُم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم متشج وحسبه بِحَسبِهِ ممتزج أَن يُفَوض مَا فوضه الله إِلَيْهِ من أَمر الْخلق إِلَى من يقوم عَنهُ بِفَرْض الْجِهَاد وَالْعَمَل بِالْحَقِّ
(3/132)

وَأَن يوليه ولَايَة شَرْعِيَّة تصح بهَا الْأَحْكَام وتنضبط أُمُور الْإِسْلَام وَتَأْتِي هَذِه الْعصبَة الإسلامية يَوْم تَأتي كل أمة بإمامهم من طَاعَة خليفتهم هَذَا بِخَير إِمَام وَخرج أَمر مَوْلَانَا أَمِير الْمُؤمنِينَ شرفه الله أَن يكون للْمقر العالي المولوي السلطاني الملكي المنصوري أَجله الله وَنَصره وأظفره وأقدره وأيده وأبده كل مَا فوضه الله لمولانا أَمِير الْمُؤمنِينَ من حكم فِي الْوُجُود وَفِي التهائم والنجود وَفِي الجيوش والجنود وَفِي الْمَدَائِن والخزائن وَفِي الظَّوَاهِر والبواطن وَفِيمَا فَتحه الله وَفِيمَا سيفتحه وَفِيمَا كَانَ فسد بالْكفْر والرجاء من الله أَنه سيصلحه وَفِي كل جود وَمن وَفِي كل عَطاء وَمن وَفِي كل هبة وتمليك وَفِي كل تفرد بِالنّظرِ فِي أُمُور الْمُسلمين بِغَيْر تشريك وَفِي كل تعاهد ونبذ وَفِي كل عَطاء وَأخذ وَفِي كل عزل وتولية وَفِي كل تَسْلِيم وتخلية وَفِي كل إرفاق وإنفاق وَفِي كل إنعام وَإِطْلَاق وَفِي كل استرقاق وإعتاق وَفِي كل تقليل وتكثير وَفِي كل اتساع وتقتير وَفِي كل تَجْدِيد وتعويض وَفِي كل حمد وتقريض
(3/133)

ولَايَة عَامَّة تَامَّة محكمَة محكمَة منضدة منظمة لَا يتعقبها نسخ من خلفهَا وَلَا من بَين يَديهَا وَلَا يعتريها فسخ يطْرَأ عَلَيْهَا يزيدها مر الْأَيَّام جدة يُعَاقِبهَا حسن شباب وَلَا يَنْتَهِي على الأعوام والأحقاب نعم ينتهى إِلَى مانصب الله للإرشاد من سنة وَكتاب وَذَلِكَ من شرع الله أَقَامَهُ للهداية علما وَجعله إِلَى اخْتِيَار الثَّوَاب سلما فَالْجَوَاب أَن يعْمل بجزئيات أمره وكلياته وَأَن لَا يخرج أحد عَن مقدماته
وَالْعدْل فَهُوَ الْغَرْس المثمر والسحاب الممطر وَالرَّوْض المزهر وَبِه تتنزل البركات وتخلف الهبات وتربى الصَّدقَات وَبِه عمَارَة الأَرْض وَبِه تُؤَدّى السّنة وَالْفَرْض فَمن زرع الْعدْل اجتنى الْخَيْر وَمن أحسن كفي الضَّرَر والضير
وَالظُّلم فعاقبته وخيمة وَمَا يطول عمر الْملك إِلَّا بالمعدلة الرحيمة
والرعية فهم الْوَدِيعَة عِنْد أولي الْأَمر فَلَا يخصص بِحسن النّظر مِنْهُم زيد وَلَا عَمْرو
(3/134)

وَالْأَمْوَال فَهِيَ ذخائر الْعَاقِبَة والمآل وَالْوَاجِب أَن تُؤْخَذ بِحَقِّهَا وتنفق فِي مستحقها
وَالْجهَاد برا وبحرا فَمن كنَانَة الله تفوق سهامه وتؤرخ أَيَّامه وينتضي حسامه وتجري منشآته فِي الْبَحْر كالأعلام وتنشر أَعْلَامه وَفِي عقر دَار الْحَرْب يحط ركابه ويخط كِتَابه وَترسل أرسانه وتجوس خلالها فرسانه فَيلْزم مِنْهُ ديدنا وليستصحب مِنْهُ فعلا حسنا
وجيوش الْإِسْلَام وكماته وأمراؤه وحماته فهم من قد علمت قدم هجره وَعظم نَصره وَشدَّة بَأْس وَقُوَّة مراس وَمَا مِنْهُم إِلَّا من شهد الفتوحات والحروب وَأحسن فِي المحاماة عَن الدّين الدءوب وهم بقايا الدول ونجايا الْمُلُوك الأول لَا سِيمَا أولو السَّعْي الناجح وَمن لَهُم نِسْبَة صالحية إِذا فَخَروا بهَا قيل لَهُم نعم السّلف الصَّالح فأوسعهم برا وَكن بهم برا وهم بِمَا يجب من خدمتك أعلم وَأَنت بِمَا يجب من حرمتهم أدرى
(3/135)

والثغور والحصون فَهِيَ ذخائر الشدَّة وخزائن العديد وَالْعدة ومقاعد لِلْقِتَالِ وكنائن الرِّجَال والآمال فَأحْسن لَهَا التحصين وفوض أمرهَا إِلَى كل قوي أَمِين وَإِلَى كل ذِي دين متين وعقل رصين
ونواب الممالك ونواب الْأَمْصَار فَأحْسن لَهُم الِاخْتِيَار وأجمل لَهُم الاختبار وتفقد لَهُم الْأَخْبَار
وَأما مَا سوى ذَلِك فَهُوَ دَاخل فِي حُدُود هَذِه الْوَصَايَا النافعة وَلَوْلَا أَن الله أمرنَا بالتذكير لكَانَتْ سجايا الْمقر الْأَشْرَف السلطاني الملكي المنصوري مكتفية بأنوار ألمعيته الساطعة وزمام كل صَلَاح يجب أَن يشغل بِهِ جَمِيع أوقاته هُوَ تقوى الله قَالَ الله تَعَالَى {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله حق تُقَاته} فَلْيَكُن ذَلِك نصب الْعين وشغل الْقلب والشفتين
وأعداء الدّين من أرمن وفرنج وتتار فاذقهم وبال أَمرهم فِي كل إِيرَاد للغزو وإصدار وثر لِأَن تَأْخُذ
(3/136)

للخلفاء العباسيين وَلِجَمِيعِ الْمُسلمين مِنْهُم الثار وَاعْلَم أَن الله نصيرك على ظلمهم وَمَا للظالمين من أنصار
وَأما غَيرهم من مجاوريهم من الْمُسلمين فَأحْسن باستنقاذك مِنْهُم العلاج وطبهم باستصلاحك فبالطب الملكي المنصوري مَا زَالَ ينصلح المزاج وَالله الْمُوفق بكرمه
تَنْبِيه قد ذكر مُحَمَّد بن عمر الْمَدَائِنِي أَنه كَانَ فِي الزَّمن الْمُتَقَدّم أَنه كَانَ يكْتب لِلْأُمَرَاءِ عَن الْخُلَفَاء فِي قرطاس من نصف طومار وَتقدم فِي آخر البيعات وعهود الْخُلَفَاء أَن المُرَاد قطع الْبَغْدَادِيّ وَكَانَت الْأُمَرَاء من متقلدي الممالك عَنْهُم قَائِمَة مقَام الْمُلُوك الْآن أما الَّذِي اسْتَقر عَلَيْهِ الْحَال فِيمَا يكْتب عَن خلفاء بني الْعَبَّاس بالديار المصرية لملوكها فَفِي قطع الْبَغْدَادِيّ الْكَامِل وَلم يزل الْأَمر على ذَلِك إِلَى أَن تملك الْملك الْمُؤَيد شيخ سُلْطَان الْعَصْر فَكتب عَهده فِي ورق يزِيد عرضه عَن قطع الْبَغْدَادِيّ بِقدر نصفه بقلم مُخْتَصر الطومار
(3/137)

الْفَصْل الثَّانِي من الْبَاب الرَّابِع

فِيمَا يكْتب عَن الْخُلَفَاء لمن دون الْمُلُوك من أَرْبَاب الْوَظَائِف والولايات وَهُوَ على خَمْسَة أساليب
الأسلوب الأول

أَن يفْتَتح مَا بكتب بِلَفْظ عهد من فلَان أَو هَذَا مَا عهد عبد الله أَبُو فلَان الإِمَام الْفُلَانِيّ أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى فلَان بن فلَان ويصفه بِمَا يَلِيق بِهِ ثمَّ يُقَال فقلده كَذَا وَكَذَا وَيذكر الْوَظِيفَة المولاة ثمَّ يُقَال أمره بِكَذَا وَأمره بِكَذَا إِلَى آخر الوصابا ثمَّ يُقَال هَذَا عهد أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَيْك على نَحْو مَا تقدم فِي عهود الْخُلَفَاء إِلَى الْمُلُوك وعَلى هَذَا جلّ مَا كَانَ يكْتب فِي الدولة العباسية بالعراق من وظائف أَرْبَاب السيوف والأقلام إِلَّا أَنه فِي آخر الدولة كَانَ يَقع الْوَصْف والإطراء فِي حق الْخَلِيفَة وَحقّ الْمولى أَكثر مِنْهُ مِمَّا قبل ذَلِك وَالْأَصْل فِي هَذَا الأسلوب مَا كتب بِهِ عَن أبي بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ لأمرائه الَّذين وجههم لقِتَال أهل الرِّدَّة
(3/138)

وَهَذِه نسخته

هَذَا عهد من أبي بكر خَليفَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لفُلَان حِين بَعثه لقِتَال من رَجَعَ عَن الْإِسْلَام عهد إِلَيْهِ أَن يتقى الله تَعَالَى مَا اسْتَطَاعَ فِي أمره كُله وسره وجهره
وَأمره بالجد فِي أَمر الله تَعَالَى ومجاهدة من تولى عَنهُ وَرجع من الْإِسْلَام إِلَى أماني الشَّيْطَان بعد أَن يعْذر إِلَيْهِم فيدعوهم بِدِعَايَةِ الْإِسْلَام فَإِن أجابوه أمسك عَنْهُم وَإِن لم يُجِيبُوهُ شن غارته عَلَيْهِم ويعطيهم الَّذِي لَهُم وَلَا ينظرهم وَلَا يرد الْمُسلمين عَن قتال عدوهم فَمن أجَاب إِلَى أَمر الله عز وَجل وَأقر لَهُ قبل ذَلِك مِنْهُ وأعانه عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ وَإِنَّمَا يُقَاتل من كفر بِاللَّه على الْإِقْرَار بِمَا جَاءَ من عِنْد الله فَإِذا أجَاب الدعْوَة لم يكن لَهُ عَلَيْهِ سَبِيل وَكَانَ الله حَسبه فِيمَا استسر بِهِ وَمن لم يجب إِلَى دَاعِيَة الله قوتل حَيْثُ كَانَ وَحَيْثُ بلغ مراغمه لَا يقبل الله من أحد شَيْئا أعطَاهُ إِلَّا الْإِسْلَام فَمن أَجَابَهُ وَأقر بِهِ قبل مِنْهُ
(3/139)

وَعلمه وَمن أَبى قَاتله فَإِن أظهره الله عز وَجل عَلَيْهِ قتل فيهم كل قتلة بِالسِّلَاحِ والنيران ثمَّ قسم مَا أَفَاء الله عَلَيْهِ إِلَّا الْخمس فَإِنَّهُ مبلغناه وَيمْنَع أَصْحَابه العجلة وَالْفساد وَأَن لَا يدْخل فيهم حَشْو حَتَّى يعرفهُمْ وَيعلم مَا هم لِئَلَّا يَكُونُوا عيُونا وَلِئَلَّا يُؤْتى الْمُسلمُونَ من قبلهم وَأَن يقْصد بِالْمُسْلِمين الرِّفْق ويرفق بهم فِي السّير والمنزل ويتفقدهم وَلَا يعجل بَعضهم عَن بعض ويستوصي بالمسليمن فِي حسن الصُّحْبَة وليت الْفِعْل
وَهَذِه نُسْخَة عهد بِقَضَاء الْقُضَاة بحاضرة بَغْدَاد وَسَائِر الْأَعْمَال كتب بِهِ عَن الإِمَام النَّاصِر لدين الله للْقَاضِي محيي الدّين أبي عبد الله مُحَمَّد بن فضلان من إنْشَاء عضد الدّين بن الضَّحَّاك
هَذَا مَا عهد عبد الله وخليفته فِي الْعَالمين المفترض الطَّاعَة على الْخلق أَجْمَعِينَ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد النَّاصِر لدين الله أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى مُحَمَّد بن يحيى بن فضلان
(3/140)

حِين سبر خلاله واستقراها وَاعْتبر طرائقه واستبراها فألفاه رشيدا فِي مذاهبه سديدا فِي أَفعاله وضرائبه موسوما بالرصانة حاليا بالورع والديانة مبرزا من الْعُلُوم فِي فنونها عَالما بمفروض الشَّرِيعَة المطهرة ومسنونها مدرعا ملابس العفاف قد أناف على أَمْثَاله فِي بوارع الْأَوْصَاف فقلده قَضَاء الْقُضَاة فِي مَدِينَة السَّلَام وَجَمِيع الْبِلَاد والأعمال والنواحي والأمصار شرقا وغربا وبعدا وقربا سكونا إِلَى مَا علم من حَاله واضطلاعه بالنهضة المنوطة بِهِ واستقلاله وركونا إِلَى قِيَامه بِالْوَاجِبِ فِيمَا أسْند إِلَيْهِ ونهوضه بعبء مَا عول فِي حفظ قوانينه عَلَيْهِ واستنامة إِلَى حُلُول الاصطناع عِنْده ومصادفته مِنْهُ مَكَانا تبوأه بِالِاسْتِحْقَاقِ وَحده وَالله تَعَالَى يعضد أَمِير الْمُؤمنِينَ بمزيد التَّوْفِيق فِي جَمِيع الْأُمُور وَيحسن لَهُ الْخيرَة فِيمَا يؤمه من مناظم الدّين وَصَلَاح الْجُمْهُور وَمَا توفيق أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ يتوكل وَإِلَيْهِ ينيب
أمره بتقوى الله تَعَالَى فِي إعلانه وإسراره وتقمص شعارها فِي إِظْهَار أمره وإظماره فَإِنَّهَا العروة الوثقى
(3/141)

والذخر الأبقى والسعادة الَّتِي مَا دونهَا فوز وَلَا فَوْقهَا مرقى وَهِي حِيلَة الْأَبْرَار وسيما الأخيار والمنهج الْوَاضِح والمتجر الرابح والسبيل الْمُؤَدِّي إِلَى النجَاة والخلاص يَوْم لَا وزر ولات حِين مناص وأنفع الْعدَد والذخائر وَخير العتاد يَوْم تنشر الصُّحُف وتبلى السرائر يَوْم تشخص الْأَبْصَار وتعدم الْأَنْصَار {وَترى الْمُجْرمين يَوْمئِذٍ مُقرنين فِي الأصفاد سرابيلهم من قطران وتغشى وُجُوههم النَّار} وَلَا ينجو من عَذَاب الله يَوْمئِذٍ إِلَّا من كَانَ زَاده التَّقْوَى وَتمسك مِنْهَا بِالسَّبَبِ الْأَقْوَى قَالَ الله تَعَالَى {وتزودوا فَإِن خير الزَّاد التَّقْوَى واتقون يَا أولي الْأَلْبَاب}
وَأمره أَن يَجْعَل كتاب الله تَعَالَى أماما يَهْتَدِي بمناره ويستصبح ببواهر أنواره ويستضئ فِي ظلم المشكلات بمنير مصباحه وَيقف عِنْد حُدُود محظوره ومباحه ويتخذه مِثَالا يحتذيه ودليلا يتبع أَثَره فيهديه
(3/142)

وَيعْمل بِهِ فِي قضاياه وَأَحْكَامه ويقتدي بأوامره فِي نقضه وإبرامه فَإِنَّهُ دَلِيل الْهدى ورائده وسائق النجح وقائده ومعدن الْعلم ومنبعه ومنجم الرشاد ومطلعه وَأحد الثقلَيْن اللَّذين جَعلهمَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْأمة وَالذكر الَّذِي جعله الله تبيانا لكل شَيْء وَهدى وَرَحْمَة فَقَالَ عز من قَائِل {ونزلنا عَلَيْك الْكتاب تبيانا لكل شَيْء وَهدى وَرَحْمَة وبشرى للْمُسلمين}
وَأمره بِاتِّبَاع الْآثَار النَّبَوِيَّة صلوَات الله على صَاحبهَا وَسَلَامه والاهتداء بشموسها الَّتِي تنجلي بِهِ دجنة كل مُشكل وظلامه والاقتداء بِسنة الشَّرِيعَة المتبوعة وتصفح الْأَخْبَار المسموعة وَالْعَمَل مِنْهَا بِمَا قَامَت أَدِلَّة صِحَّته من جَمِيع جهاته فاستحكمت الثِّقَة بنقلته عَنهُ عَلَيْهِ السَّلَام وَرُوَاته وسلمت أسانيده من قدح وَرِجَاله من ظنة وجرح فَإِنَّهَا التالية لِلْقُرْآنِ الْمجِيد فِي وجوب الْعَمَل بأوامره والانتهاء بروادعه وزواجره وَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام الصَّادِق الْأمين الَّذِي مَا ضل وَمَا غوى وَمَا ينْطق عَن الْهوى وَقد
(3/143)

قرن الله سُبْحَانَهُ طَاعَته بِطَاعَتِهِ وَالْعَمَل بكتابه وَالْأَخْذ بسنته فَقَالَ عز من قَائِل {وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا وَاتَّقوا الله إِن الله شَدِيد الْعقَاب}
وَأمره بمجالسة الْعلمَاء ومباحثة الْفُقَهَاء ومشاركتهم فِي الْأُمُور المشكلة وعوارض الحكومات المعضلة ليستبين سبل الصَّوَاب ويعري الحكم من ملابس الشّبَه والارتياب ويخلص من خطأ الِانْفِرَاد وغوائل الاستبداد فالمشورة بِالْيمن مقرونة والسلامة فِي مطاويها مَضْمُونَة وَقد أَمر الله تَعَالَى بهَا نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ شرف مَنْزِلَته وَكَمَال عصمته وتأييده بِرُوحِهِ وَمَلَائِكَته فَقَالَ سُبْحَانَهُ {وشاورهم فِي الْأَمر فَإِذا عزمت فتوكل على الله إِن الله يحب المتوكلين}
وَأمره بِفَتْح بَابه وَرفع حجابه وَأَن يجلس للخصوم جُلُوسًا عَاما وَينظر فِي أُمُورهم نظرا حسنا تَاما مُسَاوِيا بَينهم فِي نظره ولحظه وإصغائه وَلَفظه محترزا من
(3/144)

ذِي اللسن وجرأة جنانه متأنيا بِذِي الْحصْر عِنْد إِقَامَة برهانه فَرُبمَا كَانَ أحد الْخَصْمَيْنِ أَلحن بحجته وَالْآخر ضَعِيفا عَن مقاومته هَذَا مقَام الفحص والاستفهام والتثبت فِي إِمْضَاء الْأَحْكَام ليسلم من خديعة محتال وَكيد مغتال مائلا فِي جَمِيع ذَلِك مَعَ الْوَاجِب سالكا طَرِيق الْعدْل اللاحب غير فَارق فِي إِمْضَاء الحكم بَين الْقوي والضعيف والمشروف والشريف وَالْمَالِك والمملوك والغني والصعلوك قَالَ الله تَعَالَى {إِن يكن غَنِيا أَو فَقِيرا فَالله أولى بهما فَلَا تتبعوا الْهوى أَن تعدلوا} وَقَالَ تَعَالَى {وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ}
وَأمره بتصفح أَحْوَال الشُّهُود المسموعة أَقْوَالهم فِي الْحُقُوق وَالْحُدُود المرجوع إِلَى أمانتهم الْمَعْمُول بِشَهَادَتِهِم الَّذين بهم تُقَام الْحجَج وتدحض وتبرم الْأَحْكَام وتنقض وَتثبت الدعاوي وَتبطل وتمضي القضايا وتسجل مُجْتَهدا فِي الْبَحْث عَن طرائقهم وأحوالهم
(3/145)

وانتقاد تصاريفهم وأفعالهم واستشفاف سجاياهم وعرفان مزاياهم مُخَصّصا بالتمييز من كَانَ حميد الْخلال مرضِي الفعال رَاجعا إِلَى ورع وَدين متمسكا من الْأَمَانَة والنزاهة بِالسَّبَبِ المتين قَالَ الله تَعَالَى {وَأشْهدُوا ذَوي عدل مِنْكُم}
وَأمره بِالنّظرِ فِي أُمُور الْيَتَامَى وَأَمْوَالهمْ ومراعاة شئونهم وأحوالهم وَأَن يرتب بِسَبَب اتساق مصالحهم الثِّقَات الأعفاء والأمناء الأتقياء مِمَّن ظَهرت ديانته وَحسنت سيرته واشتهر باللطف والعفاف والتنزه عَن الطمع والإسفاف وَيَأْمُرهُمْ بحفظها من خلل يتخللها وَيَد خَائِنَة تدْخلهَا وَليكن عَلَيْهِم حدبا وَفِي فرط الحنو أَبَا وخلفا من آبَائِهِم فِي الإشفاق عَلَيْهِم وَحسن الِالْتِفَات إِلَيْهِم فَإِنَّهُ عَنْهُم مسئول والعذر عِنْد الله تَعَالَى فِي إهمالهم غير مَقْبُول وَأَن يَأْذَن لَهُم فِي الْإِنْفَاق عَلَيْهِم بِالْمَعْرُوفِ من غير إِسْرَاف وَلَا تقتير وَلَا تضييق وَلَا تبذير فَإِذا بلغ أحدهم النِّكَاح وآنس مِنْهُ أَمَارَات الرشد
(3/146)

وَالصَّلَاح دفع مَاله إِلَيْهِ وَأشْهد بِقَبْضِهِ عَلَيْهِ على الْوَجْه الْمَنْصُوص غير مَنْقُوص وَلَا منغوص ممتثلا أَمر الله تَعَالَى فِي قَوْله سُبْحَانَهُ {فَإِذا دفعتم إِلَيْهِم أَمْوَالهم فأشهدوا عَلَيْهِم وَكفى بِاللَّه حسيبا}
وَأمره بتزويج الْأَيَامَى اللواتي لَا أَوْلِيَاء لَهُنَّ من أكفائهن بمهور أمثالهن وَأَن يَشْمَل ذَوَات الْغنى والفقر مِنْهُنَّ بعدله ويتحرى لَهُنَّ الْمصلحَة فِي عقده وحله
وَأمره أَن يَسْتَنِيب فِيمَا بعد عَنهُ من الْبِلَاد ودنا وَقرب مِنْهُ ونأى كل ذِي علم واستبصار وتيقظ فِي الحكم واستظهار ونزاهة شائعة وأوصاف لأدوات الِاسْتِحْقَاق جَامِعَة مِمَّن يتَحَقَّق نهوضه بذلك واضطلاعه ويؤمن استنزاله وانخداعه وَأَن يعْهَد إِلَيْهِم فِي ذَلِك بِمثل مَا عهد إِلَيْهِ فَلَا يألوهم تَنْبِيها وتذكريرا وإرشادا وتبصيرا قَالَ الله تَعَالَى {وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان}
(3/147)

وَأمره بإمضاء مَا أَمْضَاهُ من قبله من الْحُكَّام من القضايا وَالْأَحْكَام غير متعقب أحكامهم بِنَقْض وَلَا تَبْدِيل وَلَا تَغْيِير وَلَا تَأْوِيل إِذا كَانَت جَائِزَة فِي بعض الْأَقْوَال ممضاة على وَجه من وُجُوه الِاحْتِمَال غير خارقة للْإِجْمَاع عَارِية من ملابس الابتداع وَإِن كَانَ ذَلِك منافيا لمذهبه جَارِيا على خلاف معتقده قَالَ الله تَعَالَى {وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ}
وَأمره أَن يتَّخذ كَاتبا قيمًا بِشُرُوط القضايا والسجلات عَارِفًا بِمَا يتَطَرَّق نَحْوهَا من الشّبَه والتأويلات ويتداخلها من النَّقْص والتلبيسات متحرزا فِي كل حَال متنزها عَن ذميم الْأَفْعَال وَأَن يتَخَيَّر حاجبا نقي الجيب مَأْمُون المشهد والغيب مستشعرا للتقوى فِي السِّرّ والنجوى سالكا للطريقة المثلى غير متجهم للنَّاس وَلَا مُعْتَمد مَا يُنَافِي بسط الْوَجْه والإيناس فَإِنَّهُ وصلتهم إِلَيْهِ ووجهة الْمَشْهُود قبل الدُّخُول عَلَيْهِ فلينتخبه من بَين أَصْحَابه
(3/148)

وَمن يرتضيه من أَمْثَاله وَأَضْرَابه
وَأمره بتسلم ديوَان الْقَضَاء وَالْحكم والاستظهار على مَا فِي خزائنه بالإثبات والخم وَالِاحْتِيَاط على مَا بِهِ من المَال والسجلات والحجج والمحاضر والولايات والقبوض والوثائق والأثبات والكفالات بِمحضر من الْعُدُول الْأُمَنَاء الثِّقَات وَأَن يرتب لذَلِك خَازِنًا يُؤَدِّي الْأَمَانَة فِيهِ ويتوخى مَا توجبه الدّيانَة وتقتضيه
وَأمره بمراعاة أَمر الْحِسْبَة فَإِنَّهَا من أكبر الْمصَالح وأهمها وأجمعها لمنافع الْخلق وأعمها وأدعاها إِلَى تحصين أَمْوَالهم وانتظام أَحْوَالهم وَأَن يَأْمر المستناب فِيهَا بِاعْتِبَار سَائِر المبيعات وَمَا فِيهَا من الأقوات وَغَيرهَا فِي عَامَّة الْأَوْقَات وَتَحْقِيق أَسبَاب الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فِي الأسعار والتصدي لذَلِك على الدَّوَام والاستمرار وَأَن يجْرِي الْأَمر فِيهَا بِحَسب مَا تَقْتَضِيه الْحَال الْحَاضِرَة وَالْمُوجِبَات الشائعة الظَّاهِرَة وَاعْتِبَار الموازين والمكاييل وإعادة الزَّائِد والناقص مِنْهَا إِلَى التَّسْوِيَة وَالتَّعْدِيل فَإِن
(3/149)

اطلع لأحد من المتعاملين على خِيَانَة فِي ذَلِك وَفعل ذميم أَو تطفيف عدل فِيهِ عَن الْوَزْن بالقسطاس الْمُسْتَقيم ناله من التَّأْدِيب واسباب التَّهْذِيب بِمَا يكون لَهُ رادعا وَلغيره زاجرا وازعا قَالَ الله تَعَالَى {ويل لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذين إِذا اكتالوا على النَّاس يستوفون وَإِذا كالوهم أَو وزنوهم يخسرون أَلا يظنّ أُولَئِكَ أَنهم مبعوثون ليَوْم عَظِيم يَوْم يقوم النَّاس لرب الْعَالمين}
هَذَا عهد أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَيْك وحجته عِنْد الله تَعَالَى عَلَيْك قد أولاك من صنوف النعم والآلاء وجزيل النعم والحباء مَا يُوجب عَلَيْك الِاعْتِرَاف بِقَدرِهِ واستيزاع شكره ووقف بك على محجة الرشاد وهداك مَنْهَج الْحق وَسنَن السداد وَلم يألك تثقيفا وتبصيرا وتنبيها وتذكيرا فَتَأمل ذَلِك متدبرا وقف عِنْد حُدُود أوامره ونواهيه مستبصرا واعمل بِهِ فِي كل مَا تَأتيه وتذره وتورده وتصدره وَكن للمخيلة فِي ارتيادك محققا والمعتقد فِيك مُصدقا تفز من خير الدَّاريْنِ بمعلى القداح
(3/150)

وإحماد السرى عِنْد الصَّباح وَحسب أَمِير الْمُؤمنِينَ الله وَنعم الْوَكِيل إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَهَذِه نُسْخَة عهد بتقليد الْمَظَالِم بِمَدِينَة السَّلَام
كتب بِهِ أَبُو اسحاق الصابي عَن الْمُطِيع لله إِلَى الْحُسَيْن بن مُوسَى الْعلوِي وَهُوَ
هَذَا مَا عهد عبد الله الْفضل الإِمَام الْمُطِيع لله ذأمير الْمُؤمنِينَ إِلَى الْحُسَيْن بن مُوسَى الْعلوِي حِين اجْتمع فِيهِ شرف الأعراق والأخلاق وتكامل فِيهِ يمن النقائب والضرائب وَعرف أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهِ فضل الْكِفَايَة والغناء ورشاد الْمَقَاصِد والأنحاء فِي سالف مَا ولاه إِيَّاه من أَعماله الثَّقِيلَة الَّتِي لم يزل فِيهَا مَحْمُود الْمقَام مستمرا على النظام مُصِيب النَّقْض والإبرام سديد الإسداء والإلحام زَائِدا على الزائدين راجحا على الموازين فائتا المحاذين مبرزا على المبارين فقلده النّظر فِي الْمَظَالِم بِمَدِينَة السَّلَام وسوادها وأعمالها وَمَا يجْرِي مَعهَا ثِقَة بِعِلْمِهِ وَدينه واعتمادا على بصيرته
(3/151)

ويقينه وسكونا إِلَى أَن الْأَيَّام قد زادته تحليما وتهذيبا وَالسّن قد تناهت بِهِ تحكيما وتجريبا وَأَن صَنِيعَة أَمِير الْمُؤمنِينَ مُسْتَقِرَّة مِنْهُ عِنْد أكْرم أكفائها وأشرف أوليائها برحمه الماسة الدانية وخدمته الشامخة الغالية ومعرفته الثاقبة الداعية إِلَى التَّفْوِيض إِلَيْهِ الباعثة على التعويل عَلَيْهِ وأمير الْمُؤمنِينَ يستمد الله فِي ذَلِك أحسن مَا عوده من هِدَايَة وتسديد ومعونة وتأييد وَمَا توفيقه إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ يتوكل وَإِلَيْهِ ينيب
أمره بتقوى الله الَّتِي هِيَ الْجنَّة الحصينة والعصمة المتينة وَالسَّبَب الْمُتَّصِل يَوْم انْقِطَاع الْأَسْبَاب والزاد الْمبلغ إِلَى دَار الثَّوَاب وَأَن يستشعرها فِيمَا يسر ويعلن ويعتمدها فِيمَا يظْهر ويبطن ويجعلها إِمَامه الَّذِي ينحوه ورائده الَّذِي يقفوه إِذْ هِيَ شِيمَة الْأَبْرَار والأخيار وَكَانَ أولى من تعلق بعلائقها وَتمسك بدقائقها لمفخرة الْكَرِيم ومنصبه الصميم واستظلاله مَعَ أَمِير الْمُؤمنِينَ بدوحة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّتِي
(3/152)

يكتنان فِي فنائها ويأويان إِلَى أفيائها وحقيق على من كَانَ مِنْهَا منزعه وإليها مرجعه أَن يكون طيبا زكيا طَاهِرا نقيا عفيفا فِي قَوْله وَفعله نظيفا فِي سره وجهره قَالَ الله تَعَالَى {إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيرا}
وَأمره بِتِلَاوَة الْقُرْآن وَتَأمل مَا فِيهِ من الْبُرْهَان وَأَن يَجعله نصبا لناظره ومألفا لخاطره فياخذ بِهِ وَيُعْطِي ويأتمر بِهِ وَيَنْتَهِي فَإِنَّهُ الْحجَّة الْوَاضِحَة والمحجة اللائحة والمعجزة الباهرة وَالْبَيِّنَة العادلة وَالدَّلِيل الَّذِي من اتبعهُ سلم وَنَجَا وَمن صدف عَنهُ هلك وَهوى قَالَ الله عَن من قَائِل تَعَالَى {وَإنَّهُ لكتاب عَزِيز لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه تَنْزِيل من حَكِيم حميد}
وَأمره أَن يجلس للخصوم جُلُوسًا عَاما وَيقبل عَلَيْهِم إقبالا تَاما ويتصفح مَا يرفع إِلَيْهِ من ظلأماتهم وينعم النّظر فِي أَسبَاب محادثاتهم فَمَا كَانَ طَرِيقه طَرِيق الْمُنَازعَة الْمُتَعَلّقَة بِنَظَر الْقُضَاة وشهادات الْعُدُول رده
(3/153)

إِلَى المتولى للْحكم وَمَا كَانَ طَرِيقه طَرِيق العصوب الْمُحْتَاج فِيهَا إِلَى الْكَشْف والفحص والاستشفاف والبحث نظر فِيهِ نظر صَاحب الْمَظَالِم وانتزع الْحق مِمَّن غصب عَلَيْهِ واستخلصه مِمَّن امتدت لَهُ يَد التَّعَدِّي والتغرر إِلَيْهِ وَأَعَادَهُ إِلَى مُسْتَحقّه وَأقرهُ عِنْد مستوجبه غير مراقب كَبِيرا لكبره وَلَا خَاصّا لخصوصه وَلَا شريفا لشرفه وَلَا متسلطا لسلطانه بل يقدم أَمر الله جلّ ذكره فِي كل مَا يَأْتِي ويذر ويتوخى رِضَاهُ فِيمَا يُورد ويصدر وَيكون على الضَّعِيف المحق حدبا ورءوفا حَتَّى يتصبر وينتصف وعَلى الْقوي الْمُبْطل شَدِيدا غليظا حَتَّى ينقاد ويذعن قَالَ الله جلّ وَعز {يَا دَاوُد إِنَّا جعلناك خَليفَة فِي الأَرْض فاحكم بَين النَّاس بِالْحَقِّ وَلَا تتبع الْهوى فيضلك عَن سَبِيل الله إِن الَّذين يضلون عَن سَبِيل الله لَهُم عَذَاب شَدِيد بِمَا نسوا يَوْم الْحساب}
وَأمره بِأَن يفتح بَابه ويسهل حجابه ويبسط وَجهه ويلين كنفه ويصبر على الْخُصُوم الناقصين فِي بيانهم حَتَّى تظهر حجتهم وينعم النّظر فِي أَقْوَال أهل
(3/154)

اللسن وَالْبَيَان مِنْهُم حَتَّى يعلم مغبتهم فَرُبمَا استظهر العريض الْمُبْطل بِفضل بَيَانه على الْعَاجِز المحق لعي لِسَانه وهنالك يجب أَن يتبع التصفح على الْقَوْلَيْنِ والاستبطال للأمرين ليؤمن أَن يَزُول الْحق عَن سنَنه ويزور الحكم عَن طَرِيقه قَالَ الله عز وَجل {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تصيبوا قوما بِجَهَالَة فتصبحوا على مَا فَعلْتُمْ نادمين}
وَأمره بِأَن لَا يرد للقضاة حكما يمضونه وَلَا سجلا ينفذونه وَلَا يعقب ذَلِك بِفَسْخ وَلَا يطْرق عَلَيْهِ بِنَقْض بل يكون لَهُم مُوَافقا مؤازرا ولأحكامهم عاضدا ناصرا إِذْ كَانَ الْحق وَاحِدًا وَإِن اخْتلفت الْمذَاهب إِلَيْهِ فَإِذا وجد الْقَضِيَّة قد سيقت والحكومة قد وَقعت فَلَيْسَ هُنَاكَ شكّ يُوقف عِنْده وَلَا ريب يحْتَاج إِلَى الْكَشْف عَنهُ وَإِذا وجد الْأَمر مشتبها وَالْحق ملتبسا والتغرر مُسْتَعْملا والتغلب مستجازا نظر فِيهِ نظر النَّاصِر لحق
(3/155)

المحقين الداحض لباطل المبطلين والمقوي لأيدي الْمُسْتَضْعَفِينَ الْآخِذ على أَيدي الْمُعْتَدِينَ قَالَ الله عز وَجل {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كونُوا قوامين بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لله وَلَو على أَنفسكُم أَو الْوَالِدين والأقربين إِن يكن غَنِيا أَو فَقِيرا فَالله أولى بهما فَلَا تتبعوا الْهوى أَن تعدلوا وَإِن تلووا أَو تعرضوا فَإِن الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا}
وَأمره أَن يستظهر على مَعْرفَته بمشاورة الْقُضَاة وَالْفُقَهَاء ومباحثة الربانيين وَالْعُلَمَاء فَإِن اشْتبهَ عَلَيْهِ أَمر استرشدهم وَإِن عزب عَنهُ صَوَاب اسْتدلَّ عَلَيْهِ بهم فَإِنَّهُم أزمة الْأَحْكَام وإليهم مرجع الْحُكَّام وَإِذا اقْتدى بهم فِي المشكلات وَعمل بأقوالهم فِي المعضلات أَمن من زلَّة العاثر وغلطة المستأثر وَكَانَ خليقا بِالْأَصَالَةِ فِي رَأْيه والإصابة فِي أبحاثه وَقد أَمر الله تقدست أسماؤه بالمشاورة فَعرف النَّاس فَضلهَا وأسلكهم سبلها بقوله لرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعَلى آله {وشاورهم فِي الْأَمر فَإِذا عزمت فتوكل على الله إِن الله يحب المتوكلين}
(3/156)

وَأمره أَن يكْتب لمن توجب لَهُ حق من الْحُقُوق إِلَى صَاحب الْكُوفَة بالشد على يَده والتمكن لَهُ مِنْهُ وَقبض الْأَيْدِي عَن منازعته وحسم الأطماع فِي معارضته إِذْ هُوَ مَنْدُوب لتنفيذ أَحْكَامه ومأمور بإمضاء قضاياه وَمَتى أَخذ أحد من الْخُصُوم إِلَى محاربة فِي حق قد حكم عَلَيْهِ بِهِ أَخذ على يَده وكفه عَن عدوانه ورده إِلَى حكم الله الَّذِي لَا يعدل عَنهُ قَالَ الله عز وَجل {وَمن يَتَعَدَّ حُدُود الله فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ}
هَذَا عهد أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَيْك وحجته عَلَيْك قد أرشدك وذكرك وهداك وبصرك فَكُن إِلَيْهِ منتهيا وَبِه مقتديا واستعن بِاللَّه يعنك واستكفه يكفك
وَكتب الناصح أَبُو الطَّاهِر فِي تَارِيخ كَذَا
وَهَذِه نُسْخَة عهد

بنقابة الطالبيين بِمَدِينَة السَّلَام وَسَائِر الْأَعْمَال
(3/157)

والأمصار كتب بِهِ أَبُو اسحاق الصابي عَن الطائع لله للشريف أبي الْحسن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الْعلوِي الموسوي مُضَافا إِلَيْهَا النّظر فِي الْمَسَاجِد وعماراتها واستخلافه لوالده الشريف أبي أَحْمد الْحُسَيْن بن مُوسَى على النّظر فِي الْمَظَالِم وَالْحج بِالنَّاسِ فِي سنة ثَمَانِينَ وثلاثمائة وَهِي
هَذَا مَا عهد عبد الله عبد الْكَرِيم الإِمَام الطائع لله أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن مُوسَى الْعلوِي حِين وصلته بِهِ الْأَنْسَاب وقرنته لَدَيْهِ الْأَسْبَاب وَظَهَرت دلَالَة عقله وامانته ووضحت مخايل فَضله ونجابته ومهد لَهُ بهاء الدولة وضياء الْملَّة أَبُو نصر بن عضد الدولة مَا مهد عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ من الْمحل المكين وَوَصفه بِهِ من الْحلم الرزين وَأَشَارَ بِهِ من رفع الْمنزلَة وَتَقْدِيم الرُّتْبَة والتأهيل لولاية الْأَعْمَال وَتحمل الأعباء والأثقال وَحَيْثُ رغبه فِيهِ سَابِقَة الْحُسَيْن أَبِيه فِي الْخدمَة والنصيحة والمشايعة الصَّحِيحَة والموقف المحمودة والمقامات المشهودة
(3/158)

الَّتِي طابت بهَا أخباره وَحسنت فِيهَا آثاره وَكَانَ مُحَمَّد متخلقا بخلائقه ذَاهِبًا على طرائقه علما وديانة وورعا وصيانة وعفة وَأَمَانَة وشهامة وصرامة وتفردا بالحظ الجزيل من الْفضل وَالْأَدب الجزل والتوجه فِي الْأَهْل والإيفاء فِي الناتب على لداته وأترابه والإبرار على قرنائه وَأَضْرَابه فقلده مَا كَانَ دَاخِلا فِي أَعمال أَبِيه من نقابة نقباء الطالبيين بِمَدِينَة السَّلَام وَسَائِر الْأَعْمَال والأمصار شرقا وغربا وبعدا وقربا واختصه بذلك جذبا بضبعه وإنافة بِقَدرِهِ وَقَضَاء لحق رَحمَه وترفيها لِأَبِيهِ وإسعافا لَهُ بإيثاره فِيهِ إِلَى مَا أَمر أَمِير الْمُؤمنِينَ باسخلافه عَلَيْهِ من النّظر فِي الْمَظَالِم وتسيير الحجيج فِي أَوَان المواسم وَالله يعرف أَمِير الْمُؤمنِينَ الْخيرَة فِيمَا أَمر ودبر وَحسن الْعَاقِبَة فِيمَا قضى وأمضى وَمَا توفيق أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ يتوكل وَإِلَيْهِ ينيب
أمره بتقوى الله الَّتِي هِيَ شعار الْمُؤمنِينَ وسيما الصَّالِحين وعصمة عباد الله أَجْمَعِينَ وَأَن يعتقدها سرا
(3/159)

وجهرا ويعتمدها قولا وفعلا فَيَأْخُذ بهَا وَيُعْطِي ويريش ويبرى وَيَأْتِي ويذر ويورد ويصدر فَإِنَّهَا السَّبَب المتين والمعقل الْحصين والزاد النافع يَوْم الْحساب والمسلك المفضي إِلَى دَار الثَّوَاب وَقد حض الله أولياءه عَلَيْهَا وهداهم فِي مُحكم كِتَابه إِلَيْهَا فَقَالَ {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله حق تُقَاته وَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ} وَقَالَ تَعَالَى {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقين}
وَأمره بِتِلَاوَة كتاب الله سُبْحَانَهُ مواظبا وتصفحه مداوما ملازما وَالرُّجُوع إِلَى أَحْكَامه فِيمَا أحل وَحرم وَنقض وأبرم وأثاب وعاقب وباعد وقارب فقد صحّح الله برهانه وحجته وأوضح منهاجه ومحجته فَجعله فجرا فِي الظُّلُمَات طالعا ونورا فِي المشكلات ساطعا فَمن أَخذ بِهِ سلم وَنَجَا وَمن عدل عَنهُ هلك وَهوى قَالَ الله عز وَجل {وَإنَّهُ لكتاب عَزِيز لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه تَنْزِيل من حَكِيم حميد}
(3/160)

وَأمره بتنزيه نَفسه عَمَّا تَدْعُو إِلَيْهِ الشَّهَوَات وتتطلع إِلَيْهِ النزوات وَأَن يضبطها ضبط الْحَلِيم ويكفها كف الْحَكِيم وَيجْعَل عقله سُلْطَانا عَلَيْهَا وتمييزه آمرا ناهيا لَهَا فَلَا يَجْعَل لَهَا عذرا إِلَى صبوة وَلَا هفوة وَلَا يُطلق مِنْهَا عنانا عِنْد ثورة وَلَا فورة فَإِنَّهَا أَمارَة بالسوء منصبة إِلَى الغي فالحازم يتهمها عِنْد تحرّك وطره وأربه واهتياج غيظه وغضبه وَلَا يدع أَن يغضها بالشكيم ويعركها عَرك الْأَدِيم ويقودها إِلَى مصالحها بالخزائم ويعتقلها عَن مقارفة الْمَحَارِم والمآثم كَيْمَا يعز بتهذيبها وتأديبها ويجل برياضتها وتقويمها والمفرط فِي أمره تطمح بِهِ إِذا طمحت ويجمح مَعهَا أَنى جمحت وَلَا يلبث أَن تورده حَيْثُ لَا صدر وتلجئه إِلَى أَن يعْتَذر وتقيمه مقَام النادم الواجم وتتنكب بِهِ سبل الراشد المسالم
وأحق من تحلى بالمحاسن وتصدى لِاكْتِسَابِ المحامد من ضرب بِمثل سَهْمه فِي نسب أَمِير الْمُؤمنِينَ الشريف
(3/161)

ومنصبه المنيف وَاجْتمعَ مَعَه فِي ذؤابة العترة الطاهرة واستظل بأوراق الدوحة الفاخرة فَذَاك الَّذِي تتضاعف لَهُ المآثر إِن آثرها والمناقب إِن أَسف إِلَيْهَا وَلَا سِيمَا من كَانَ مَنْدُوبًا لسياسة غَيره ومرشحا للتقليد على أَهله إِذْ لَيْسَ يَفِي بإصلاح من ولى عَلَيْهِ من لَا يَفِي بإصلاح مَا بَين جَنْبَيْهِ وَكَانَ من أعظم الهجنة أَن يَأْمر وَلَا يأتمر ويزجر وَلَا يزدجر قَالَ الله عز وَجل {أتأمرون النَّاس بِالْبرِّ وتنسون أَنفسكُم وَأَنْتُم تتلون الْكتاب أَفلا تعقلون}
وَأمره بتصفح أَحْوَال من ولي عَلَيْهِم واستقراء مذاهبهم والبحث عَن طرائقهم ودخائلهم وَأَن يعرف لمن تقدّمت قدمه مِنْهُم وتظاهر فَضله فيهم مَنْزِلَته ويوفيه حَقه ورتبته وَيَنْتَهِي فِي إكرام جَمَاعَتهمْ إِلَى الْحُدُود الَّتِي توجبها أسبابهم وأقدارهم وتقتضيها مواقفهم وأخطارهم فَإِن ذَلِك يلْزمه لسببين أَحدهمَا يَخُصُّهُ وَهُوَ النّسَب بَينه وَبينهمْ وَالْآخر يعمه
(3/162)

وَالْمُسْلِمين جَمِيعًا وَهُوَ قَول الله جلّ ثَنَاؤُهُ {قل لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى وَمن يقترف حَسَنَة نزد لَهُ فِيهَا حسنا} فالمودة لَهُم والإعظام لأكابرهم والإقبال على أصاغرهم متضاعف الْوُجُوب عَلَيْهِ ومتأكد اللُّزُوم لَهُ وَمن كَانَ مِنْهُم فِي دون تِلْكَ الطَّبَقَة من أَحْدَاث لم يحتنكوا أَو جذعان لم يقرحوا مجرين إِلَى مَا يزري بأنسابهم ويغض من أحسابهم عذلهم ونبههم ونهاهم ووعظهم فَإِن نزعوا وأقلعوا فَذَاك المُرَاد بهم وَالْمَقْصُود إِلَيْهِ فيهم وَإِن أصروا وتتابعوا أنالهم من الْعقُوبَة بِقدر مَا يكف ويردع فَإِن نفع وَإِلَّا تجاوزه إِلَى مَا يوجع ويلذع فِي غير تطرق لأعراضهم وَلَا انتهاك لأحسابهم فَإِن الْغَرَض فيهم الصيانة لَا الإهانة والإدالة لَا الإذالة وَإِذا وَجَبت عَلَيْهِم الْحُقُوق أَو تعلّقت بهم دواعي الْخُصُوم قادهم إِلَى الإغفاء بِمَا يَصح مِنْهَا وَيجب وَالْخُرُوج إِلَى سنَن الْحق فِيمَا يشْتَبه ويلتبس وَمَتى لزمتهم الْحُدُود أَقَامَهَا عَلَيْهِم بِحَسب مَا أَمر الله بِهِ فِيهَا بعد أَن
(3/163)

تثبت الجرائم وَتَصِح وَتبين وتتضح وتتجرد عَن الشَّك والشبهة وتتجلى من الظَّن والتهمة فَإِن الَّذِي يسْتَحبّ فِي حُدُود الله ان تدرأ عَن عباده مَعَ نُقْصَان الْيَقِين وَالصِّحَّة وَأَن تمْضِي عَلَيْهِم مَعَ قيام الدَّلِيل وَالْبَيِّنَة قَالَ الله عز وَجل {وَمن يَتَعَدَّ حُدُود الله فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ}
وَأمره بحياطة هَذَا النّسَب الأطهر والشرف الأفخر عَن أَن يَدعِيهِ الأدعياء وَيدخل فِيهِ الدخلاء وَمن انْتَمَى إِلَيْهِ كَاذِبًا وانتحله بَاطِلا وَلم يُوجد لَهُ بَيت فِي الشَّجَرَة وَلَا مصداق عِنْد النسابين المهرة أوقع بِهِ من الْعقُوبَة مَا يسْتَحقّهُ ووسمه بِمَا يعلم بِهِ كذبه وفسقه وشهره شهرة ينْكَشف بهَا غشه ولبسه وَينْزع بهَا غَيره مِمَّن تسول لَهُ مثل ذَلِك نَفسه وَأَن يحصن الْفروج عَن مناكحة من لَيْسَ لَهَا كُفؤًا وَلَا مشاركها فِي شرفها وَفَخْرهَا حَتَّى لَا يطْمع فِي الْمَرْأَة الحسيبة النسيبة إِلَّا من كَانَ مثلا لَهَا مُسَاوِيا ونظيرا موازيا فقد قَالَ الله تَعَالَى {إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيرا}
(3/164)

وَأمره بمراعاة متبتلي أَهله ومتهجديهم وصلحائهم ومجاوريهم وأراملهم وأصاغرهم حَتَّى يسد الْخلَّة من أَحْوَالهم ويدر الْموَاد عَلَيْهِم وتتعادل أقساطهم فِيمَا يصل إِلَيْهِ من وُجُوه أَمْوَالهم وَأَن يُزَوّج الْأَيَامَى ويربي الْيَتَامَى ويلزمهم الْمكَاتب ليتلقنوا الْقُرْآن ويعرفوا فَرَائض الْإِسْلَام وَأمره الْإِيمَان ويتأدبوا بالآداب اللائقة بذوي الأحساب فَإِن شرف الأعراق مُحْتَاج إِلَى شرف الْأَخْلَاق وَلَا حمد لمن شرف نسبه وسخف أدبه إِذْ كَانَ لم يكْسب الْفَخر الْحَاصِل لَهُ بِفضل سعي وَلَا طلب وَلَا اجْتِهَاد وَلَا دأب بل بصنع من الله عز وَجل لَهُ ومزيد فِي الْمِنَّة عَلَيْهِ وبحسب ذَلِك لُزُوم مَا يلْزمه من شكره سُبْحَانَهُ على هَذِه الْعَطِيَّة والاعتداد بِمَا فِيهَا من المزية وإعمال النَّفس فِي حِيَازَة الْفَضَائِل والمناقب والترفع عَن الرذائل والمثالب
وَأمره بإجمال النِّيَابَة عَن شَيْخه الْحُسَيْن بن مُوسَى فِيمَا أمره أَمِير الْمُؤمنِينَ باسخلافه عَلَيْهِ من النّظر فِي الْمَظَالِم وَالْأَخْذ للمظلوم من الظَّالِم وَأَن يجلس للمترافعين إِلَيْهِ
(3/165)

جُلُوسًا عَاما ويتأمل ظلاماتهم تأملا تَاما فَمَا كَانَ مِنْهَا مُتَعَلقا بالحاكم رده إِلَيْهِ ليحمل الْخُصُوم عَلَيْهِ وَمَا كَانَ طَرِيقه الغشم وَالظُّلم والتغلب وَالْغَصْب قبض عَنهُ الْيَد المبطلة وَأثبت فِيهِ الْيَد الْمُسْتَحقَّة وتحرى فِي قضاياه أَن تكون مُوَافقَة للعدل ومجانية للخذل فَإِن غايتى الْحَاكِم وَصَاحب الْمَظَالِم وَاحِدَة وَهِي إِقَامَة الْحق ونصرته وإبانته وإنارته وَإِنَّمَا يخْتَلف سَبِيلهَا فِي النّظر إِذْ الْحَاكِم يعْمل على مَا ثَبت وَظهر وَصَاحب الْمَظَالِم يفحص عَمَّا غمض واستتر وَلَيْسَ لَهُ مَعَ ذَلِك أَن يرد لحَاكم حُكُومَة وَلَا يعل لَهُ قَضِيَّة وَلَا يتعقب مَا ينفذهُ ويمضيه وَلَا يتتبع مَا يحكم بِهِ ويقتضيه وَالله يهديه ويسدده ويوفقه ويرشده
وَأمره أَن يسر حجيج بَيت الله إِلَى مقصدهم ويحميهم فِي بدأتهم وعودتهم ويرتبهم فِي مسيرتهم ومسلكهم ويرعاهم فِي آنَاء ليلهم ونهارهم حَتَّى لَا تنالهم شدَّة وَلَا تصل إِلَيْهِم مضرَّة
(3/166)

وَأَن يرعاهم فِي الْمنَازل ويرودهم المناهل ويناوب بَينهم فِي النهل والعلل ويمكنهم من الارتواء والاكتفاء مُجْتَهدا فِي الصيانة لَهُم ومعذرا فِي الذب عَنْهُم ومتلوما على متأخرهم ومتخلفهم ومنهضا لضعيفهم ومهيضهم فَإِنَّهُم حجاج بَيت الله الْحَرَام وزوار قبر الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَام قد هجروا الأوطان وفارقوا الْأَهْل والإخوان وتجشموا المغارم الثقال وتعسفوا السهول وَالْجِبَال يلبون دُعَاء الله عز اسْمه ويطيعون أمره ويؤدون فَرْضه ويرجون ثَوَابه وحقيق على الْمُسلم الْمُؤمن أَن يحرسهم مُتَبَرعا ويحوطهم مُتَطَوعا فَكيف من تولى ذَلِك وَضَمنَهُ وتقلده واعتنقه قَالَ الله {وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا}
وَأمره أَن يُرَاعِي أُمُور الْمَسَاجِد بِمَدِينَة السَّلَام وأطرافها وأقطارها وأكنافها وَأَن يجبي أَمْوَال وقوفها ويستقصي جَمِيع حُقُوقهَا وَأَن يلم شعثها ويسد خللها بِمَا يتَحَصَّل من هَذِه الْوُجُوه قبله حَتَّى لَا يتعطل رسم جرى
(3/167)

فِيهَا وَلَا تنقص عَادَة كَانَت لَهَا وَأَن يثبت اسْم أَمِير الْمُؤمنِينَ على مَا يعمره مِنْهَا وَيذكر اسْمه بعده بِأَن عمرانها جرى على يَده وصلاحها أَدَّاهُ قَول أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى فعله فقد فسح لَهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ بذلك تنويها باسمه وإشادة بِذكرِهِ وَأَن يُولى ذَلِك من قبله من حسنت أَمَانَته وَظَهَرت عفته وصيانته فقد قَالَ الله تَعَالَى {إِنَّمَا يعمر مَسَاجِد الله من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَأقَام الصَّلَاة وَآتى الزَّكَاة وَلم يخْش إِلَّا الله فَعَسَى أُولَئِكَ أَن يَكُونُوا من المهتدين}
وَأمره أَن يسْتَخْلف على مَا يرى الِاسْتِخْلَاف عَلَيْهِ من هَذِه الْأَعْمَال فِي الْأَمْصَار الدانية والنائية والبلاد الْقَرِيبَة والبعيدة من يَثِق بِهِ من صلحاء الرِّجَال ذَوي الْوَفَاء والاستقلال وَأَن يعْهَد إِلَيْهِم مثل الَّذِي عهد إِلَيْهِ ويعتمد عَلَيْهِم فِي مثل مَا اعْتمد عَلَيْهِ ويستقرى مَعَ ذَلِك آثَارهم ويتعرف أخبارهم فَمن وجده مَحْمُودًا أقره وَلم يزله وَمن وجده مذموما صرفه وَلم يمهله واعتاض مِنْهُ من ترتجي الْأَمَانَة عِنْده وَتَكون الثِّقَة معهودة مِنْهُ
(3/168)

وَأَن يخْتَار لكتابته وحجبته وَالتَّصَرُّف فِيمَا قرب مِنْهُ وَبعد عَنهُ من يزينه وَلَا يشينه وَينْصَح لَهُ وَلَا يغشه ويجمله وَلَا يهجنه من الطَّبَقَة الْمَعْرُوفَة بالظلف المصونة عَن النطف وَيجْعَل لَهُم من الأرزاق الكافية وَالْأُجْرَة الوافية مَا يصدهم عَن المكاسب الذميمة والمآكل الوخيمة فَلَيْسَ تجب عَلَيْهِم الْحجَّة إِلَّا مَعَ إِعْطَاء الْحَاجة قَالَ الله تَعَالَى {وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى وَأَن سَعْيه سَوف يرى ثمَّ يجزاه الْجَزَاء الأوفى}
وَأمره بِأَن يكْتب لمن يقوم بِبَيِّنَتِهِ عِنْده تنكشف حجَّته لَهُ إِلَى أَصْحَاب المعاقل بالشد على يَدَيْهِ وإيصال حَقه إِلَيْهِ وحسم الطمع الْكَاذِب فِيهِ وَقبض الْيَد الظالمة عَنهُ إِذْ هم مندوبون للتَّصَرُّف بَين أمره وَنَهْيه وَالْوُقُوف عِنْد رسمه وَحده
هَذَا عهد أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَيْك وحجته لَك وَعَلَيْك قد أنار فِيهِ سَبِيلك وأوضح دليلك وهداك وأرشدك
(3/169)

وجعلك على بَيِّنَة من أَمرك فاعمل بِهِ وَلَا تخَالفه وانته إِلَيْهِ وَلَا تتجاوزه وَإِن عرض لَك أَمر يعجزك الْوَفَاء بِهِ وَيشْتَبه عَلَيْك وَجه الْخُرُوج مِنْهُ أنهيته إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ مبادرا وَكنت إِلَى مَا أَمرك بِهِ صائرا إِن شَاءَ الله تَعَالَى مستهل رَمَضَان سنة ثَمَانِينَ وثلاثمائة
وَهَذِه نُسْخَة عهد بتقليد الصَّلَاة بحاضرة بَغْدَاد

كتب بِهِ أَبُو اسحاق الصابي عَن الطائع لله لعَلي بن أَحْمد بن الْفضل الْهَاشِمِي فِي ربيع الأول سنة أَربع وَسِتِّينَ وثلاثمائة وَهِي
هَذَا مَا عهد عبد الله ووليه عبد الْكَرِيم الإِمَام الطائع لله أَمِير الْمُؤمنِينَ لعَلي بن أَحْمد بن الْفضل بن عبد الْملك الْهَاشِمِي حِين قَلّدهُ جَمِيع مَا كَانَ يتقلده عبد الْوَاحِد بن الْفضل من الصَّلَاة بجانبي مَدِينَة السَّلَام وَمَا يتَّصل بهَا من الْأَعْمَال بسقى الْفُرَات والنهروانات وَسَائِر
(3/170)

مَا كَانَ دَاخِلا فِي تَقْلِيده من النواحي والأمصار الْقَرِيبَة والبعيدة وَطَرِيق خاراسان وَقرر أمره سكونا إِلَى دينه وأمانته وثقة بنزاهته وصيانته وصلَة لرحمه وَنسبه ورجاء لاستقلاله ووفائه وتقريرا لاضطلاعه وغنائه وأمير الْمُؤمنِينَ يسْأَل حسن تسديده فِي ذَلِك فِي جَمِيع آرائه الَّتِي يرتئيها وعزائمه الَّتِي يمضيها وَأَن يقرنها بالصلاح ويتولاها بالنجاح وَمَا توفيق أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ يتوكل وَإِلَيْهِ ينيب
أمره بتقوى الله فِي سره وجهره والمراقبة لَهُ فِي قَوْله وَفعله وَأَن يَجْعَل ذَلِك خلقا لَهُ وديدنا ويتخذه منهاجا وسببا ويتحلى لَهُ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقار فَإِنَّهُمَا شعار الأخيار الْأَبْرَار الَّذين هم حقيق بِأَن يتَقَبَّل فعالهم ويحتذى مثالهم بِمَا أسْهم الله فِيهِ من النّسَب الشريف وَأَهله من المفخر المنيف الَّذِي اسْتحق بِهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا فوض إِلَيْهِ وَاعْتمد فِيهِ عَلَيْهِ فَإِن الله جلّ ذكره حض النَّاس على التَّقْوَى وَوَعدهمْ عَلَيْهَا الْقرْبَة والزلفى
(3/171)

وَإِنَّهَا لحرية بِالْمُؤْمِنِينَ خَلِيقَة بعباد الله الصَّالِحين وَلَا سِيمَا من رقى المنابر تمطيا لَهَا وافترعها خَطِيبًا عَلَيْهَا وَكَانَ إِلَى الله دَاعيا وَعَن عباده مناجيا وَإِذا اطلع الله جلّ وَعز مِنْهُ على نقاء الصَّدْر وسلامة السِّرّ واستقامة الدّين وَصِحَّة الْيَقِين قبل صلَاته واستجاب دعاءه وأنهضه بِمَا استكفيه وأعانه على أَدَاء الْأَمَانَة فِيهِ وَجمع بَينه وَبَين من صلى خَلفه وَقفا أَثَره فِي فائض رَحمته وسابغ مغفرته وأحله محلّة عباده الصديقين وأوليائه الصَّالِحين وَالله تَعَالَى يَقُول وَقَوله الْحق {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله حق تُقَاته وَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ}
وَأمره أَن يسْعَى إِلَى ذكر الله عِنْد وجوب الصَّلَاة ويدخلها فِي حقائق الْأَوْقَات ويقيمها على حُدُودهَا وشروطها ويستوفيها على الْوَاجِب من مفروضها ومسنونها مرتلا لقرآنه مترسلا فِي تِلَاوَته جَامعا بَين نِيَّته وَلَفظه محترسا من مطامح فكره ولحظه متجنبا لجرائر غفلته وسهوه متحرزا من عوارض هجره ولعوه
(3/172)

مستظهرا على نَفسه فِي طَهَارَة جوارحه وتهذيب مَا بَين جوانحه فَإِن أفضل التأهب للصَّلَاة مَا اسْتَوَى بَاطِنه وعاليه وتوازن غائبه وَشَاهده وَلَيْسَ بالطاهر عِنْد الله من أَفَاضَ المَاء على أَطْرَافه وَجعل النَّجَاسَة حَشْو شغافه وَلكنه الْجَامِع بَين الْأَمريْنِ والفائز بكلتا الحسنيين وأحق من قصد ذَلِك ونحاه وَاعْتَمدهُ وتوخاه من اتَّخذهُ الْمُسلمُونَ إِمَامًا وقدموه أماما وَصَارَ بَينهم وَبَين الله وَسِيطًا وعَلى مَا فوضوه إِلَيْهِ من الصَّلَاة بهم أَمينا قَالَ الله تَعَالَى {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا نُودي للصَّلَاة من يَوْم الْجُمُعَة فَاسْعَوْا إِلَى ذكر الله وذروا البيع ذَلِكُم خير لكم إِن كُنْتُم تعلمُونَ} وَقَالَ تَعَالَى {إِن الصَّلَاة كَانَت على الْمُؤمنِينَ كتابا موقوتا} وَقَالَ تَعَالَى {وأقم الصَّلَاة إِن الصَّلَاة تنْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر}
وَأمره أَن يُقيم الدعْوَة على مَنَابِر حَضْرَة أَمِير الْمُؤمنِينَ لَهُ
(3/173)

خَاصَّة وَأَن يقيمها على مَنَابِر بَاقِي الْأَعْمَال النازحة عَن مقره لَهُ ثمَّ لحامل الأعباء عَنهُ والوسيط بَين جمَاعَة الْأَوْلِيَاء وَبَين عز الدولة أبي الْمَنْصُور أَحْمد بن معز الدولة أبي الْحُسَيْن مولى أَمِير الْمُؤمنِينَ ولولاة الْأَعْمَال بعده الَّذين يدعى لَهُم على مَنَابِر مَا يتقلدونه مِنْهَا على الْعَادة الْجَارِيَة فِيهَا وَإِن هَذِه الدعْوَة لَازِمَة وَالسّنة فِيهَا مُؤَكدَة وَهِي فرع مطرد على أصل الطَّاعَة الْوَاجِبَة على الْمُسلمين جَمِيعًا إِذْ يَقُول جلّ اسْمه لَهُم {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم} والعائدة فيهم لِأَن الله تَعَالَى إِذا أصلح الْوُلَاة عَلَيْهِم أصلح المسرة فيهم وأنهضهم بِمَا استرعاهم من أُمُورهم وَكَذَلِكَ يفعل الله إِنَّه سميع الدُّعَاء لطيف لما يَشَاء
هَذَا عهد أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَيْك وحجته عَلَيْك فاعمل بِهِ منتهيا إِلَى حُدُوده ومتبعا لرسومه ومتأدبا بآدابه وسالكا على منهاجه واستعن بِاللَّه يعنك ويسددك واستهده يهدك ويرشدك إِن شَاءَ الله تَعَالَى
(3/174)

وَهَذِه نُسْخَة عهد بِنَظَر الْأَوْقَاف بحاضرة بَغْدَاد وسوادها
كتب بهَا أَبُو إِسْحَاق الصابي عَن الطائع للحسين بن مُوسَى الْعلوِي
هَذَا مَا عهد عبد الله عبد الْكَرِيم الإِمَام الطائع لله أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى الْحُسَيْن بن مُوسَى الْعلوِي حِين طابت مِنْهُ العناصر ووصلته بأمير الْمُؤمنِينَ الأواصر جمع إِلَى شرف الأعراق الَّذِي وَرثهُ شرف الْخلق الَّذِي اكْتَسبهُ ووضحت آثَار دينه وأمانته وَبَانَتْ أَدِلَّة فَضله وكفايته فِي جَمِيع مَا أسْندهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَيْهِ من الْأَعْمَال وَحمله إِيَّاه من الأثقال فأضاف إِلَى مَا كَانَ ولاه من النّظر فِي الْوُقُوف الَّتِي كَانَت يَد فلَان فِيهَا الْوُقُوف بالحضرة وسوادها ثِقَة بسداده وسكونا إِلَى رشاده وعلما بِأَنَّهُ يعرف حق الصنيعة ويرعى مَا يستحفظه من الْوَدِيعَة وَيجْرِي فِي المنهل الَّذِي أَحْمَده أَمِير الْمُؤمنِينَ مِنْهُ فِي كل مَا فوض ووكل إِلَيْهِ وَالله يمد أَمِير الْمُؤمنِينَ بصواب الرَّأْي فِيمَا نحاه وتوخاه ويؤمنه من
(3/175)

عَاقِبَة النَّدَم فِيمَا قَضَاهُ وأمضاه وَمَا توفيق أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ يتوكل وَإِلَيْهِ ينيب
أمره بتقوى الله الَّتِي هِيَ عماد الدّين وشعار الْمُؤمنِينَ وَأَن يعتقدها فِي سره ونجواه ويجعلها الذَّخِيرَة لأولاده وأخراه ويتجنب المواقع الموبية ويتوقى الْمَوَارِد المردية ويغض طرفه عَن المطامح المغوية وَيذْهب بِنَفسِهِ عَن المطارح المخزية فَإِنَّهُ أَحَق من فعل ذَاك وآثره وَأولى من اعْتَمدهُ واستشعره بنسبه الشريف ومفخرة المنيف وعادته الْمَشْهُورَة وشاكلته المأثورة وتلاوة كتاب الله الَّذِي هُوَ والعترة الثَّقَلَان المخلفان فِي الْأمة وَقد جمعته وَأَحَدهمَا الْأَنْسَاب وجمعنا وَالثَّانِي عصمَة أولي الْأَلْبَاب وتوجهت حجَّة الله عَلَيْهِ بِمَا يرجع من هَذِه الْفَضَائِل إِلَيْهِ وَأَنه غُصْن من دوحة أَمِير الْمُؤمنِينَ الَّتِي تحداها الله بالإنذار قبل الْخَلَائق أَجْمَعِينَ إِذْ يَقُول لرَسُوله مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله {وأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين}
(3/176)

وَقد حض تبَارك وَتَعَالَى على التَّقْوَى ووعد عباده عَلَيْهَا الزلفى فَقَالَ {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقين}
وَأمره بالاشتمال على مَا أسْندهُ إِلَيْهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ من هَذِه الْوُقُوف مستنفدا طوقه فِي عمارتها مستفرغا وَسعه فِي مصلحتها دائبا فِي استغلالها وتثميرها مُجْتَهدا فِي تدبيرها وتوفيرها وَأَن يصرف فَاضل كل وقف مِنْهَا بعد الَّذِي يخرج مِنْهُ للنَّفَقَة على حفظ أَصله واستدرار حلبه والمؤنة الرَّاتِبَة للقوام عَلَيْهِ والحفظة لَهُ إِلَى أربابه الَّذِي يعود ذَلِك عَلَيْهِم فِي وجوهها الَّتِي سبل لَهَا ووقف عَلَيْهَا وَاضِعا جَمِيع ذَلِك موَاضعه موقعا لَهُ مواقعه خَارِجا إِلَى الله من الْحق فِيهِ مُؤديا الْأَمَانَة إِلَيْهِ وَأَن يشْهد على القابضين بِمَا يقبضونه من وقوفهم وَيكْتب البراءات عَلَيْهِم بِمَا يستوفونه من أَمْوَالهم ويستظهر لنَفسِهِ بإعداد الشواهد والأدلة على مَا يُنْفِقهُ من أَمْوَال هَذِه الْوُقُوف على مَصَالِحه ويصرفه
(3/177)

مِنْهَا إِلَى أَهلهَا ويخرجه مِنْهَا فِي حُقُوقهَا وأبواب برهَا وَسَائِر سبلها ووجوهها سالكا فِي ذَلِك مذْهبه الْمَعْرُوف فِي أَدَاء الْأَمَانَة وَاسْتِعْمَال الظلْف والنزاهة معقبا على من كَانَ نَاظرا فِيهَا من الخونة الَّذين لم يرعوا عهدا وَلم يحفظوا حَقًا وَلم يتصونوا عَن سحت المطاعم وظلم المآثم
وَأمره باستكتاب كَاتب مَعْرُوف بالسداد مَشْهُور بالرشاد مَعْلُوم مِنْهُ نصيحة الْأَصْحَاب والضبط لِلْحسابِ وتفويض ديوَان الْوُقُوف وتدبيره إِلَيْهِ وتوصبته بصيانة مَا يشْتَمل عَلَيْهِ من أصُول الْأَعْمَال وفروعها وَقَلِيل الْحجَج وكثيرها وَأَن يحْتَاط لأربابها فِي حفظ رسومها ومعاملاتها وحراسة طسوقها ومقاسماتها حَتَّى لَا يسْتَمر عَلَيْهَا حيف يبْقى أَثَره وَلَا يتَغَيَّر فِيهَا رسم يخَاف ضَرَره وَأَن ينصف الأكرة فِيهَا والمزارعين وَسَائِر المخالطين والمعاملين وَلَا يجشمهم حيفا وَلَا يسومهم خسفا وَلَا يغضي لَهُم عَن حق وَلَا يسمح لَهُم بِوَاجِب خلا مَا عَادَة السماحة بِهِ بِزِيَادَة عماراتهم وتآلف نياتهم
(3/178)

واجتلاب الْفَائِدَة مِنْهُم والعائدة بهم فَإِنَّهُ مؤتمن فِي ذَلِك كُله أَمَانَة عَلَيْهِ وَأَن يُؤَدِّيهَا وَيخرج من الْحق فِيهَا
وَأمره بِاخْتِيَار خَازِن حصيف قؤوم أَمِين يخزن حجج هَذِه الْوُقُوف وسجلاتها وَسَائِر دفاترها وحسباناتها فَإِنَّهَا ودائع أَرْبَابهَا عِنْده وواجب أَن يحْتَاط عَلَيْهَا جهده فَمَتَى شكّ فِي شَرط من الشُّرُوط أَو حَدثنِي من الْحُدُود أَو عَارض معَارض أَو شاغب مشاغب فِي أَيَّام نظره وَأَيَّام من عَسى أَن تنْتَقل ولَايَة هَذِه الْوُقُوف إِلَيْهِ ويناط تدبيرها بِهِ دفع مَا يحدث من ذَلِك بِهَذِهِ الْحجَج الَّتِي هِيَ معادن الْبُرْهَان وقواعد الْبُنيان وإليها الْمرجع فِي كل بَيِّنَة تبصر وتقام وشبهة تدحض وتضام
هَذَا عهد أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَيْك ووثيقته الْحَاصِلَة فِي يَديك فَاتبع آثَار أوامره وازدجر عَن نواهيه وزواجره واستمسك بِهِ تنج وتسلم واعمل بِهِ تفز وتغنم
(3/179)

واسترشد الله يرشدك وستهده يهدك واستعن بِهِ ينصرك وفوض إِلَيْهِ يَعْصِمك إِن شَاءَ الله تَعَالَى
الأسلوب الثَّانِي

أَن يفْتَتح مَا يكْتب بِلَفْظ أما بعد ثمَّ الَّذِي كَانَ فِي الزَّمن الْقَدِيم أَن يكْتب أما بعد فَإِن كَذَا وَيُؤْتى على مقصد الْولَايَة إِلَى أَخّرهُ ثمَّ انْتهى الْحَال فِي الدولة العباسية بالعراق إِلَى أَن يُقَال أما بعد فَالْحَمْد لله وَيُؤْتى بِخطْبَة مُنَاسبَة للْحَال ثمَّ يُؤْتى على مقصد الْولَايَة
وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ حِين ولى أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ الْقَضَاء كتب لَهُ كتابا افتتحه بأما بعد
وَهَذِه نسخته على مَا أوردهُ صَاحب العقد
أما بعد فَإِن الْقَضَاء فَرِيضَة محكمَة وَسنة متبعة فَافْهَم إِذا أدلي إِلَيْك وانفذ إِذا تبين لَك فَإِنَّهُ لَا ينفع تكلم بِحَق لَا نَفاذ لَهُ
(3/180)

آس بَين النَّاس فِي وَجهك وعدلك ومجلسك حَتَّى لَا يطْمع شرِيف فِي حيفك وَلَا ييأس ضَعِيف من عونك الْبَيِّنَة على من ادّعى وَالْيَمِين على من أنكر وَالصُّلْح جَائِز بَين الْمُسلمين إِلَّا صلحا أحل حَرَامًا أَو حرم حَلَالا لَا يمنعك قَضَاء قَضيته بالْأَمْس فراجعت فِيهِ الْيَوْم عقلك وهديت فِيهِ لرشدك أَن ترجع إِلَى الْحق فَإِن الْحق قديم ومراجعة الْحق خير من التَّمَادِي فِي الْبَاطِل
الْفَهم الْفَهم فِيمَا تلجلج فِي صدرك مِمَّا لَيْسَ فِي كتاب وَلَا سنة ثمَّ اعرف الْأَشْبَاه والأمثال وَقس الْأُمُور عِنْد ذَلِك بنظائرها واعمد إِلَى أقربها إِلَى الله وأشبهها بِالْحَقِّ وَاجعَل لمن ادّعى حَقًا غَائِبا أَو بَيِّنَة أمدا يَنْتَهِي إِلَيْهِ فَإِن أحضر بَيِّنَة أخذت لَهُ بِحقِّهِ وَإِلَّا استحللت الْقَضِيَّة عَلَيْهِ فَإِنَّهُ أنفى للشَّكّ وَأجلى للعمى
الْمُسلمُونَ عدُول بَعضهم على بعض إِلَّا مجلودا حدا أَو مجربا عَلَيْهِ شَهَادَة زور ظنينا فِي وَلَاء أَو نسب فَإِن الله يتَوَلَّى السرائر ويدرأ بِالْبَيِّنَاتِ والأيمان
(3/181)

إياك والقلق والضجر والتأذي بالخصوم والتنكر عِنْد الْخُصُومَات فَإِن الْحق فِي مَوَاطِن الْحق يعظم الله بِهِ الْأجر وَيحسن عَلَيْهِ الذخر وَالْجَزَاء فَمن صحت نِيَّته وَأَقْبل على نَفسه كَفاهُ الله مَا بَينه وَبَين النَّاس وَمن تخلق للنَّاس بِمَا يعلم الله أَنه لَيْسَ من نَفسه شانه الله فَمَا ظَنك بِثَوَاب الله فِي عَاجل رزقه وخزائن رَحمته وَالسَّلَام
قلت وَوَقع فِي بعض المصنفات ابْتِدَاء هَذَا الْعَهْد بقوله
من عمر بن الْخطاب إِلَى عبد الله بن قيس سَلام عَلَيْك أما بعد وَهُوَ الَّذِي اسْتندَ إِلَيْهِ من كتب من بعض الْمذَاهب السَّابِقَة فِي عهود الْمُلُوك عَن الْخُلَفَاء من عبد الله فلَان إِلَى فلَان وَوَقع فِي مُسْند الْبَزَّار أَن أَوله اعْلَم أَن الْقَضَاء فَرِيضَة محكمَة
مَعَ تَغْيِير بعض الْأَلْفَاظ وَتَقْدِيم بعض وَتَأْخِير بعض
وعَلى الِافْتِتَاح بأما بعد كتب عبد الحميد بن يحيى
(3/182)

عَن مَرْوَان بن مُحَمَّد آخر خلفاء بني أُميَّة لبَعض أُمَرَاء السَّرَايَا
أما بعد فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ عِنْدَمَا اعتزم عَلَيْهِ من توجيهك إِلَى عَدو الله الجلف الجافي الْأَعرَابِي المتكسع فِي حيرة الْجَهَالَة وظلم الْفِتْنَة ومهاوي الهلكة ورعاعه الَّذين عاثوا فِي الأَرْض فَسَادًا وانتهكوا حُرْمَة الْإِسْلَام اسْتِخْفَافًا وبدلوا نعْمَة الله كفرا وَاسْتَحَلُّوا سلمه جهلا أحب أَن يعْهَد إِلَيْك
إِلَى آخر مَا أَتَى بِهِ مِنْهُ وَهُوَ عهد طَوِيل جدا ضربت عَن ذكره لإطالته وَقد ذكرته بجملته فِي كتابي صبح الْأَعْشَى فِي كِتَابَة الإنشا وعَلى ذَلِك كَانَت عهود الوزراء من خلفاء بني الْعَبَّاس فِي الْعرَاق
وَهَذِه نُسْخَة عهد بالوزارة

كتب بِهِ الإِمَام المسترشد بِاللَّه لبَعض وزرائه وَهِي
أما بعد فَالْحَمْد لله الْمُنْفَرد بكبريائه المتفضل
(3/183)

على أوليائه مجزل النعماء وَكَاشف الغماء ومسبغ الْعَطاء ومسبل الغطاء ومسنى الحباء ومسدي الآلاء الَّذِي لَا تؤوده الأعباء وَلَا تكيده الْأَعْدَاء وَلَا تبلغه الأوهام وَلَا تحيط بِهِ الأفهام وَلَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار وَلَا تتخيله الأفكار وَلَا تهزمه الأعوام بتواليها وَلَا تعجزه الخطوب إِذا ادلهمت لياليها عَالم الهواجس الْفِكر وخالق كل شَيْء بِقدر مصرف الأقدار على مشيئه ومجريها ومانح مواهبه من أضحى بيد الشُّكْر يمتريها حمدا يصوب حَيَّاهُ ويعذب جناه وتتهلل أسرة الْإِخْلَاص من مطاويه ويستدعي الْمَزِيد من آلائه ويقتضيه
وَالْحَمْد لله الَّذِي استخلص مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من زكي الأصلاب وانتخبه من أشرف الْأَنْسَاب وَبَعثه إِلَى الخليقة رَسُولا وَجعله إِلَى مَنْهَج النجَاة دَلِيلا وَقد بوأ الشّرك بوار الذل وقضاه وَشهر عضب الْعِزّ وانتضاه والأمم عَن طَاعَة الرَّحْمَن عازفة وعَلى عبَادَة الْأَوْثَان عاكفة فَلم يزل بِأَمْر ربه صادعا وَعَن التَّمَسُّك بعرا الضلال الْوَاهِيَة وازعا وَإِلَى ركُوب
(3/184)

محجة الْهدى دَاعيا وعَلى قدم الِاجْتِهَاد فِي إبادة الغواية ساعيا حَتَّى أصبح نور الْحق منيرا مشرقا وَعوده بعد الذبول أَخْضَر مورقا وَمضى الْبَاطِل موليا أدباره ومستصحبا تتبيره وبواره وَقضى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعد أَن مهد من الْإِيمَان قَوَاعِده وَأحكم أساسه ووطائده وأوضح سبل الْفَوْز لمن اقتفاها ولحب طريقها بعد مَا دثرت صواها فصلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله الطاهرين وَصَحبه الأكرمين صَلَاة مُتَّصِلا سح غمامها مُسْفِرًا صبح دوامها
وَالْحَمْد لله على أَن صَار لأمير الْمُؤمنِينَ من أدب النُّبُوَّة مَا هُوَ أَجْدَر بحيازة فخره وَأولى بفيض غدره ووطأ لَهُ من الْخلَافَة المعظمة مهادا أحفزته نَحوه حوافز ارتياحه وجذبته إِلَيْهِ أزمة راعه واكتباحه إِلَى أَن أدْرك من ذَلِك مناه وَألقى الِاسْتِقْرَار الَّذِي لَا يريم عَصَاهُ وعضد دولته بالتاييد من سَائِر أنحائه ومراميه
(3/185)

وأغراضه ومغازيه حَتَّى فاقت الدول المتقادمة إشراقا وأعطتها الْحَوَادِث من التَّغَيُّر عهدا وفيا وميثاقا وأصبحت أَيَّامه أدامها الله حَالية بِالْعَدْلِ أجيادها جائلة فِي ميادين النضارة جيادها وَرَاح الظُّلم دارسة أطلاله مقلصا سرباله قد انجم سحابه وزمت للرحلة ركابه فَمَا يسْتَمر مِنْهَا أَمر إِلَّا كَانَ صنع الله سُبْحَانَهُ مؤيده والتوفيق مصاحبه أَنى يمم ومسدده وَهُوَ يستوزعه جلت عَظمته شكر هَذِه النِّعْمَة ويستزيده بالتحدث بهَا من آلائه الجمة ويستمد مِنْهُ المعونة فِي كل أرب قَصده وَأمه وشحذ لانتحائه عزمه وَمَا توفيقه إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ يتوكل وَإِلَيْهِ ينيب
وَلما كَانَت الوزارة قطب الْأُمُور الَّذِي عَلَيْهِ مدارها وَإِلَيْهِ إيرادها وَعنهُ إصدارها وخلا منصبها مِمَّن كَانَ يكون لَهَا أَهلا وينظم من جماله لَهَا شملا أجال أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيمَن يخْتَار لذَلِك فكره وانعم لأهل الاصطفاء لهَذِهِ الْمنزلَة نظره حَتَّى صرح مَحْض
(3/186)

رَأْيه عَن زبدة اختيارك وهداه صائب تَدْبيره إِلَى اقتراحك وإيثارك فَألْقى إِلَيْك المقاليد وعول فِي دولته الْقَاهِرَة على تدبيرك السديد وناط بك من أَمر الوزارة مَا لم يلف لَهُ سواك مُسْتَحقّا وَلَا لمتسنم استيجابه مترقى علما بِمَا تبديه كفايتك الْمَشْهُورَة وإيالتك المخبورة من تَقْوِيم مَا أعجز مياده وَصَلَاح مَا استشرى فَسَاده واستقامة كل حَال وَهِي عمادها وأصلد على كَثْرَة الاقتداح زنادها وتثبيتا لما تبتسم عَنهُ الْأَيَّام من آثَار نظرك المعربة عَن احتوائك على دَلَائِل الجزالة واستيلائك على مخايل الْأَصَالَة اللَّذين تنَال بهما غايات الْمَعَالِي وتفرع الذرا والأعالي
ثمَّ إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ بِمُقْتَضى هَذِه الدعاوي اللَّازِمَة وحرمات جدك وَأَبِيك السالفة المتقادمة الَّتِي استحصدت فِي الدَّار العزيزة قوى أمراسها وأدنت مِنْك الْآن ثَمَرَة غراسها رأى أَن يشيد هَذِه العارفة الَّتِي تأرج لديك نسيمها وبدت على أَعْنَاق نحرك رسومها وجادت رباعك
(3/187)

شآبيبها وضفت عَلَيْك جلابيبها بِمَا يزِيد أزرك اشتدادا وَبَاعَ أملك طولا وامتدادا فأدناك من شرِيف حَضرته مناجيا ومنحك من مزايا الْأَيَّام مَا يكسبك ذكرا فِي الأعقاب ساريا وعَلى الأحقاب بَاقِيا وأفاض عَلَيْك من الملابس الفاخرة مَا حزت بِهِ أَوْصَاف الْجمال وَجمع لَك أباديد الآمال وقلدك من الْفَخر مَا يَدُوم على مر الزَّمَان وَيبقى وأمطاك صهوة سابح يشأى الرِّيَاح سبقا ووسمك بِكَذَا وَكَذَا فِي ضمن التأهيل للتكنية إبانة عَن جميل معتقده فِيك ورعاية لوسائلك المحكمة المرائر وأواخيك
وأمرك بتقوى الله الَّتِي هِيَ أحصن المعاقل وأعذب المناهل وأنفع الذَّخَائِر يَوْم تبلى السرائر وَأَن تستشعرها فِيمَا تبديه وتخفيه وتذره وتأتيه فَإِنَّهَا أفضل الْأَعْمَال وأوجبها وأوضح المسالك إِلَى الْفَوْز بِرِضا الله تَعَالَى وألحبها وأجلب الْأَشْيَاء للسعادة الْبَاقِيَة وأجناها لقطوف الْخيرَات الدانية عَالما بِمَا فِي ذَلِك
(3/188)

من نفع تتكامل أقسامه وتتفتح عَن نور الصّلاح الْجَامِع أكمامه
قَالَ الله جلت آلاؤه وتقدست أسماؤه {وسارعوا إِلَى مغْفرَة من ربكُم وجنة عرضهَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض أعدت لِلْمُتقين} وَقَالَ تَعَالَى حاضا على تقواه ومخبرا عَمَّا خص بِهِ متقيه وحباه وَكفى بذلك رائدا إِلَيْهَا وباعثا عَلَيْهَا {إِن الله يحب الْمُتَّقِينَ}
وأمرك أَن تتوخى الْمَقَاصِد السليمة وتأتيها وتتوقى الْمَوَارِد الوخيمة وتجتويها وَأَن يشفع بالحزم أفعالك وَتجْعَل كتاب الله تَعَالَى إمامك الَّذِي تهتدي بِهِ ومثالك وَأَن تكف من نَفسك عِنْد جماحها وإبائها وتصدها عَن مُتَابعَة أهوائها وَتثني عِنْد احتدام سُورَة الْغَضَب
(3/189)

عنانها وتشعرها من حميد الْخَلَائق مَا يُوَافق إسرارها فِيهِ إعلانها فَإِنَّهَا لم نزل إِلَى منزلَة السوء المردية دَاعِيَة وَعَن سلوك مناهج الْخَيْر المنجية ناهية قَالَ الله تَعَالَى {إِن النَّفس لأمارة بالسوء إِلَّا مَا رحم رَبِّي إِن رَبِّي غَفُور رَحِيم}
وأمرك أَن تنجز للْخدمَة بَين يَديك من بلوت أخباره واستشففت أسراره فعلمته جَامعا أدوات الْكِفَايَة موسوما بالأمانة والدراية وعركته رَحا التجارب عَرك الثفال وحلب الدَّهْر أشطره على تصاريف الْأَحْوَال ليَكُون أَمر مَا تولاه على مَنْهَج الاسْتقَامَة جَارِيا وَعَن ملابس الْخلَل ولارتياب عَارِيا فَلَا يضع فِي مزلقة قدما وَلَا يَأْتِي مَا يقرع سنه لأَجله ندما وَأَن تمنح رعايا أَمِير الْمُؤمنِينَ من بشرك مَا يعقل شوارد الْأَهْوَاء ويلوي إِلَيْهِ بأعناق نوافرها اللَّاتِي اعتصمن بالجماح والإباء مازجا ذَلِك بِشدَّة تستولى حميا رهبتها على الْقُلُوب وتفل مرهفات بأسها صرف الخطوب من
(3/190)

غير إفراط فِي إستدامة ذَلِك يضيق بهَا على الطَّالِب وسيع مذْهبه ويغريها اتِّصَاله باستشعار وعر الْخَطَأ واستيطاء مركبه
وأمرك أَن تعذب موارد الْإِحْسَان لمن أحمدت بلاءه وتحققت غناءه واستحسنت أَثَره وارتضيت عيانه وَخَبره وتسدل أسمال الهوان على من بلوت فعله ذَمِيمًا وألفيته بعراص الْإِسَاءَة مُقيما وَإِلَى رباعها الموحشة مستأنسا مستديما كَيْلا لكل امْرِئ بصاعه واتباعا لما أَمر الله تَعَالَى باتباعه وتجنبا للإهمال الْجَاعِل المحسن والمسئ سَوَاء والمعيدهما فِي موقف الْجَزَاء أكفاء فَإِن فِي ذَلِك تزهيدا لِذَوي الْحسنى فِي الْإِحْسَان وتتابعا لأهل الْإِسَاءَة فِي الْعدوان وَلَوْلَا مَا فَرْضه الله تَعَالَى على الْمُؤمنِينَ من إِيجَاب الْحجَّة والفكاك من ربقة الِاجْتِهَاد ببلاغ المعذرة لثنى عنان الإطالة مُقْتَصرا وَاكْتفى بِبَعْض القَوْل مُخْتَصرا ثِقَة بامتناع سدادك ونهاك أَن رآك صَوَاب الْفِعْل حَيْثُ نهاك واستنامة إِلَى مَا خولك الله من الرَّأْي الثاقب المطلع من خَصَائِص البديهة على محتجب العواقب
(3/191)

فَارْتَبَطَ يَا فلَان هَذِه النعمى الَّتِي جَادَتْ ديمها مغانيك وحققت الْأَيَّام بمكانها أمانيك بشكر ينْطق بِهِ لِسَان الِاعْتِرَاف فَيُؤمن وَحشِي النعم من النفار والانحراف واسلك فِي جمال السِّيرَة والاقتداء بِهَذِهِ الْأَوَامِر المتينة الْمَذْكُورَة جددا يغري بحَمْدك الْأَلْسِنَة ويعرب عَن كونك من الَّذين يَسْتَمِعُون القَوْل فيتبعون أحْسنه وَالله يصدق مخيلة أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيك ويوزعك شكر مَا أولاك ويوليك وَيجْعَل الصَّوَاب غَرضا لنبال عَزَائِمه ويذود عَن دولته الْقَاهِرَة كتائب الخطوب بصوارم السعد ولهاذمه ويصل أَيَّامه الزاهرة بالخلود ويبسط على أقاصي الأَرْض ظله الْمَمْدُود مَا اسْتهلّ جفن الْغَيْث المدرار وابتسمت ثغور النوار إِن شَاءَ الله تَعَالَى
الأسلوب الثَّالِث

أَن يفتح مَا يكْتب بِخطْبَة مُبتَدأَة بِالْحَمْد لله وَهُوَ أسلوب نَادِر الْوُقُوع فِيمَا كتب بِهِ عَن الْخُلَفَاء لم يعرف مِنْهُ إِلَّا مَا تقدم ذكره من عهد الْملك الْكَامِل مُحَمَّد بن
(3/192)

الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب بمملكة الديار المصرية على مَا تقدم فِي عهود الْخُلَفَاء للملوك فِي الْفَصْل الأول من هَذَا الْبَاب إِلَّا أَنه كَانَ قد اسْتَقر عَلَيْهِ اصْطِلَاح الفاطميين بالديار المصرية
وَعَلِيهِ أورد على بن خلف مثل مَا يكْتب عَنْهُم فِي الولايات وتبعهم مُلُوك الديار المصرية من بني أَيُّوب فَمن بعدهمْ على ذَلِك على مَا هُوَ مَعْرُوف فِي ذَلِك
وَلما اسْتَقل الإِمَام المستعين بِاللَّه أَبُو الْفضل الْعَبَّاس بالخلافة والسلطنة جَمِيعًا عِنْد الْقَبْض على النَّاصِر فرج كتب عَنهُ كَمَا كَانَ يكْتب عَن الْمُلُوك قبله لم يخْتَلف الْحَال فِي ذَلِك إِلَّا فِي الألقاب السُّلْطَانِيَّة فَكَانَ يُقَال فَلذَلِك رسم بِالْأَمر الشريف العالي المولوي الإمامي النَّبَوِيّ المستعيني ثمَّ بَطل ذَلِك بانتقال السلطنة عَنهُ وَرجع الْأَمر فِي مَا يكْتب إِلَى السُّلْطَان إِلَّا فِي الْأُمُور الْخَاصَّة بالخلافة
(3/193)

وَهَذِه نُسْخَة تَفْوِيض شرِيف

كتب بِهِ عَن الإِمَام المعتضد بِاللَّه خَليفَة الْعَصْر الْمَوْضُوع لَهُ هَذَا الْكتاب بتفويض نظر الْجَامِع الْجَدِيد بِمصْر للْمقر الناصري مُحَمَّد بن الْبَارِزِيّ كَاتب السِّرّ الشريف بالممالك الإسلامية من إنْشَاء الشَّيْخ الإِمَام عَلامَة الدَّهْر تَقِيّ الدّين بن حجَّة وَهِي
الْحَمد لله الَّذِي جعل التَّفْوِيض العباسي مُتَّصِلا بِمُحَمد وَنفذ أَحْكَام الْخلَافَة الداوودية قَدِيما وحديثا إِلَى أَن تسلسل حَدِيثهَا الْمسند وعضد الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين بمعتضد مَا قَامَ فِي نصْرَة بَيته إِلَّا من هُوَ مؤيد نحمده على أَن أتحفنا من هَذَا الْبَيْت بِكُل أَمِين على الْأمة ورشيد ونشكره على أَن أَقَامَ لَهُ بعد أبي مُسلم أَبَا النَّصْر فأمسى وَهُوَ بأركان الشّرف مشيد
ونشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة تجمع بَين حسن النّظر وَالشَّهَادَة ونشهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الَّذِي هُوَ جَامع شَمل هَذِه الْأمة وقبلتها وسراجها الْمُنِير لِلْعِبَادَةِ صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَصَحبه
(3/194)

الَّذين تمسكوا بِطيب أَثَره وتبصروا بِحسن نظره صَلَاة تعلى منار الشَّهَادَتَيْنِ فِي جَوَامِع الْكَلم بركتها وَتَعْلُو فِي جَوَامِع الْأَمْصَار بِمُحَمد كلمتها مَا سجع على أفنان المنابر ساجع وغرد وأعلن تَحت العلمين العباسية بِقرب المعتضد من مُحَمَّد وَسلم تَسْلِيمًا
وَبعد فَإِن سجايا الْكَرم فِي آل بَيت النَّبِي مَا بَرحت لعقود المنائح خُلَاصَة وَكَيف لَا وَهُوَ الَّذِي أنزل بأكنافه {ويؤثرون على أنفسهم وَلَو كَانَ بهم خصَاصَة} لَا سِيمَا بَنو الْعَبَّاس فَإِن شجرتهم الَّتِي أَصْلهَا ثَابت وفرعها فِي السَّمَاء نعم الْخلف وَمَا مِنْهُم إِلَّا واثق بِاللَّه ومتوكل على الله ومعتضد بِهِ وَهَذَا غَايَة الشّرف فَمن أَخذ عَنْهُم حَدِيثا فِي أَمر بَيت من بيُوت الله فقد ظفر بِحسن نظر وَفضل جَامع فَإِن الْبَيْت والْحَدِيث لَهُم بِغَيْر مُنَازع فَلَا معبد إِلَّا وَله الطَّرب عِنْد جس عيدَان المنابر بأوصافهم الْمَشْهُورَة وَلَا خَائِف من عصاة الْأمة إِلَّا داس بِسَاط الطَّاعَة فِي جوامعهم وَدخل تَحت أعلامهم المنشورة فَمن قصد
(3/195)

الْقرب إِلَيْهِ فقد فَازَ بأعظم قربَة لَا سِيمَا إِن نهل من سقايتهم نهلة فَإِنَّهُ لم يجد بعْدهَا فِي المناهل منهلا مستعذبا للمحبة وَكَانَ الجناب الْكَرِيم العالي القاضوي الكبيري السفيري الناصري مُحَمَّد بن الْبَارِزِيّ الجهمي الشَّافِعِي صَاحب دواوين الْإِنْشَاء الشريف بالممالك الشَّرِيفَة المحروسة الإسلامية ضاعف الله تَعَالَى نعْمَته هُوَ الرُّكْن السَّامِي فِي قَوَاعِد بيتنا الشريف والمنتصب لرفع علمه العباسي حَتَّى تفيأ كل قَائِل بظله الوريف والملاحظ بِعَين سره الَّذِي هُوَ فِي نسبنا أبدع من بديع النسيب والسر المحمدي مَا برح لبنى الْعَبَّاس فِيهِ حَظّ وَنصِيب والمساعد بعد عمَارَة بيتنا فِي عمَارَة بَيت الله الَّذِي صَار بِحسن نظره قرير الْعين وَلَقَد أبدع فِي إنْشَاء نظمها حَتَّى تحقق النَّاس أَنه أعظم من إنْشَاء نظم الْبَيْتَيْنِ
فَلذَلِك رسم بِالْأَمر الشريف العالي المولوي الإمامي المعتضدي لَا زَالَت تفاويضه الشَّرِيفَة العباسية محروسة بالأسرار المحمدية أَن يُفَوض إِلَى الْمشَار إِلَيْهِ نظر الْجَامِع الْجَدِيد بِمصْر المحروسة وَوَقفه الْمَنْسُوب إِلَى السُّلْطَان الشَّهِيد الْملك النَّاصِر بقى الله تَعَالَى عَهده علما أَنه إِن شَمل نظره
(3/196)

الْجَامِع الْمصْرِيّ فقد مد الله هَذَا النّظر فِي سَائِر الْأَمْصَار وَيعلم أَنه يصير بِحسن مهاجره لموقفه الناصري من أعظم الْأَنْصَار ويحق لهَذَا الْجَامِع أَن يَقُول مَا بَرحت بِمصْر متممسكا من مُحَمَّد بالآثار وَلَقَد هام الْبَيْت الْعَتِيق إِلَى رُؤْيَة هَذَا الْبَيْت الْجَدِيد الَّذِي هُوَ بِالْمَدِينَةِ الآهلة بالجناب المحمدي وَدَار الْخلَافَة وود الْأَقْصَى أَن يكون الْأَدْنَى إِلَيْهِ ليطالع تَفْسِيره الَّذِي يَجْعَل من الْبَحْر اغترافه وَتمنى الْأمَوِي أَن يطير بأجنحة النسْر ليزوجه بعروسه الْعَالِيَة الْمنَار واستصغر تنكز نَفسه عَن مُقَابلَة النَّاصِر وَأحكم الْحَاكِم وَقصر طولون عَن السَّبق فِي هَذَا الْمِضْمَار وَقَالَ الْأَزْهَر هَذَا بِنور النّظر المحمدي أَزْهَر وَقَالَ الْأَقْمَر هَذَا بالطلعة البارزية أقمر فليتلق حَدِيث هَذَا التَّفْوِيض عَن أبي الْفَتْح عَن أبي النَّصْر ويتبرك بِسَنَدِهِ العالي ويملي مَا أَخذه من شَوَاهِد الْمحبَّة عَن المعتضد عَن الْمُؤَيد لَا عَن القالي وليباشر ذَلِك على مَا عهد من أدواته الَّتِي مَا نسبت إِلَى غير الْكَمَال فَإِن الْخلَل لم ينظر إِلَيْهِ بِعَيْنِه من خلال والوصايا كَثِيرَة وَلكنه بِحَمْد الله أَبُو عذرتها وَابْن
(3/197)

بجدتها وجهينة أَخْبَارهَا وَكَاتب أسرارها وَالله تَعَالَى يمد فروع أُصُوله حَتَّى تستظل الْأمة بِظِل هَذِه الشَّجَرَة وَيفتح لَهُ أَبْوَاب الْخَيْر بِأبي الْفَتْح فَإِن أَبْوَاب الْعلم لَدَيْهِ محررة ويديم على بيُوت الله بالممالك الإسلامية نظره والاعتماد على الْخط الشريف أَعْلَاهُ حجَّة بِمُقْتَضَاهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى
الأسلوب الرَّابِع

أَن يفتح مَا يكْتب بِلَفْظ أَحَق أَو أولى أَو نَحْو ذَلِك وَبِذَلِك كَانَ يكْتب فِي تواقيع صغَار الولايات
وَهَذِه نُسْخَة توقيع من ذَلِك

كتب بِهِ عَن الإِمَام النَّاصِر لدين الله للْقَاضِي محيى الدّين بن فضلان بتدريس الْمدرسَة النظامية بِبَغْدَاد فِي سنة أَربع عشرَة وسِتمِائَة وَهِي
أَحَق من أفيضت عَلَيْهِ مجاسد النعم وجذب بضبعه إِلَى مقَام التنويه وَتقدم الْقدَم من أَسْفر فِي أقضية
(3/198)

الْفَضَائِل صباحه وانتشر فِي الْعَالم علمه وأزهر مصباحه
وَلما كَانَ الْأَجَل الْعَالم محيى الدّين حجَّة الْإِسْلَام رَئِيس الْأَصْحَاب مفتى الْفَرِيقَيْنِ مُفِيد الْعُلُوم أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن يحيى بن فضلان أدام الله رفعته مِمَّن نظم فرائد المحامد عقده النضيد وَأَوَى من الْعلم وَالْعَمَل إِلَى ركن شَدِيد وَثبتت قدمه من الدّيانَة على مستثبت راسخ وقرار مهيد رئى التعويل فِي تَفْوِيض التدريس بِالْمَدْرَسَةِ النظامية إِلَيْهِ ثِقَة باضطلاعه واستقلاله وتبريزه فِي حلبات الاستباق على نظرائه وَأَمْثَاله وَأسْندَ إِلَيْهِ أدام الله رفعته النّظر فِي أوقاف الْمدرسَة الْمَذْكُورَة بأجمعها واعتماد مَا شَرطه الْوَاقِف فِي مصارفها وسبلها سكونا إِلَى كِفَايَته وركونا إِلَى سداده وأمانته
ورسم لَهُ تَقْدِيم تقوى الله تَعَالَى الَّتِي مَا زَالَ منتهجا لطرائقها مستمسكا بعصمها ووثائقها وَأَن يشْرَح صَدره للمتعلمين وَلَا يَأْخُذهُ ضجرة من المستفيدين وَلَا تعدو عَيناهُ عَن الطالبين وَلَا يتبرم بالمبالغة فِي تفهيم المبتدى وَلَا يغْفل عَن تذكير الْمُنْتَهى فَإِنَّهُ إِذا
(3/199)

احْتمل هَذِه الْمَشَقَّة وَأعْطى كل تلميذ حَقه كَانَ الله تَعَالَى كَفِيلا بمعونته بِحَسب مَا يُعلمهُ من حرصه عَلَيْهِم وإخلاص نِيَّته وَليكن بِسَائِر المتفقهة معتنيا رَفِيقًا وَعَلَيْهِم حدبا شفيقا يفرع لَهُم من الْفِقْه مَا وضح وتسهل وَيبين لَهُم مَا الْتبس من غوامضه وأشكل حَتَّى تستنير قُلُوبهم بأضواء عُلُوم الدّين وتنطلق ألسنتهم فِيهَا بِاللَّفْظِ الفصيح الْمُبين وَتظهر آثَار بركاته فِي مراشده وَتبين ولتتوفر همته فِي عمَارَة الْوَقْف واستنمائها والتوفر على كل مَا عَاد بتزايدها وزكائها بِحَيْثُ يَتَّضِح مَكَان نظره فِيهَا ويبلغ الْغَايَة الموفية على من تقدم ويوفيها وَلَا يَسْتَعِين إِلَّا بِمن يُؤَدِّي الْأَمَانَة ويوفيها وَيقوم بشرائط الاستحفاظ ويكفيها وَهُوَ أدام الله رفعته يجْرِي من عوائد المدرسين والمتولين على أوفى مَعْهُود ويرقى فِيهِ إِلَى أبعد مرتقى ومقام مَحْمُود وَأذن لَهُ فِي تنَاول إِيجَاب التدريس وَنظر الْوُقُوف الْمَذْكُورَة أُسْوَة من تقدمه فِي التدريس وَالنَّظَر فِي الْمَوْقُوف على كل مَا شَرطه الْوَاقِف فِي كل ورد وَصدر واعتماد كل مَا حد لَهُ فِي ذَلِك وَمثله من غير تجَاوز
(3/200)

الأسلوب الْخَامِس

أَن يفتح مَا يكْتب بِلَفْظ هَذَا كتاب ثمَّ يُقَال أما بعد فَالْحَمْد لله وَيُؤْتى بِخطْبَة مُنَاسبَة للْحَال وَرُبمَا أَتَى فِيهَا بِثَلَاث تحميدات ثمَّ أَتَى على الْمَقْصُود إِلَى آخِره وعَلى ذَلِك كَانَ يكْتب لزعماء أهل الذِّمَّة من البطاركة وَنَحْوهم
وَهَذِه نُسْخَة توقيع من ذَلِك
كتب بِهِ أَمِين الدولتين ابْن موصلايا عَن الْقَائِم بِأَمْر الله لعبد يسوع الجاثليق الفطرك بِمَدِينَة السَّلَام وَسَائِر الْبلدَانِ فِي ربيع الأول سنة سبع وَسِتِّينَ وَأَرْبع مائَة وَهِي
هَذَا كتاب أَمر بكتبه عبد الله أَبُو جَعْفَر عبد الله الإِمَام الْقَائِم بِأَمْر الله أَمِير الْمُؤمنِينَ لعبد يسوع الجاثليق الفطرك
أما بعد فَالْحَمْد لله الْوَاحِد بِغَيْر ثَان الْقَدِيم لَا عَن وجود زمَان الَّذِي قصرت صَنِيعَة الأوهام عَن إِدْرَاكه
(3/201)

وحارت وضلت صَنِيعَة الأفهام عَن بُلُوغ مدى صِفَاته وحالت المتنزه عَن الْوَلَد والصاحبة العاجزة عَن إحاطة الْعلم بِهِ دَلَائِل الْعُقُول الصافية الصائبة ذى الْمَشِيئَة الحالية بالمضاء وَالْقُدْرَة الْجَارِيَة عَلَيْهَا تصاريف الْقدر وَالْقَضَاء وَالْعَظَمَة الغنية عَن العون والظهير المتعالي بهَا عَن الْكُفْء والنظير والعزة المكتفية عَن الْعَضُد والنصير {لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير}
وَالْحَمْد لله الَّذِي اخْتَار الْإِسْلَام دينا وارتضاه وشام بِهِ عضب الْحق على الْبَاطِل وانتضاه وَأرْسل مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم منقذا من إشراك الضلة وكاشفا عَن الْإِيمَان مَا غمره من الْإِشْرَاك وأظله وَبَعثه ماحيا أثر الْكفْر عَن الْقُلُوب والأسماع وناحيا فِي اتِّبَاع مَا جد فِي البدار إِلَيْهِ والإسراع وأدلى مَا حمله أحسن الإدلاء وداوى بمعجزة النُّبُوَّة من النُّفُوس معضل الدَّاء وَلم يزل لأعلام الْهدى مُبينًا ولحبائل الغي حاسما مُبينًا إِلَى أَن خلص الْحق وَصفا وَغدا الدّين من أضداده منتصفا واتضح للحائر سنَن
(3/202)

الرشدوانقاد الأبي باللين والأشد فصلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله الطاهرين واصحابه المتخبين وخلفائه الْأَئِمَّة الرَّاشِدين وَسلم تَسْلِيمًا
وَالْحَمْد لله الَّذِي استخلص أَمِير الْمُؤمنِينَ من أزكى الدوحة والأرومة وأحله من عز الْإِمَامَة ذرْوَة للمجد غير مرومة وأصار إِلَيْهِ من تراث النُّبُوَّة مَا حواه بِالِاسْتِحْقَاقِ وَالْوُجُوب وَأصَاب بِهِ من مرامي الصَّلَاة مَا حميت شموسه من الافول وَالْوُجُوب وأولاه من شرف الْخلَافَة مَا استقدم بِهِ الْفَخر فلبى واستخدم مَعَه الدَّهْر فِيمَا تأبى ومنح أَيَّامه من ظُهُور الْعدْل فِيهَا وانتشاره ولقاح حوائل الْإِنْصَاف فِيهَا وَوضع عشاره مَا فضل بِهِ العصور الخالية وظلت السّير متضمنة من ذكرهَا مَا كَانَت من مثله عَارِية خَالِيَة ومو يستديمه سُبْحَانَهُ المعونة على مَا يقرب لَدَيْهِ ويزلف عِنْده ويستمده التَّوْفِيق الَّذِي يَغْدُو لعزائمه الميمونة أوفى الْعَضُد وَالْعدة وَمَا توفيق أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ يتوكل وَإِلَيْهِ ينيب
وأمير الْمُؤمنِينَ مَعَ مَا أوجب الله تَعَالَى عَلَيْهِ من اخْتِصَاص
(3/203)

رعاياه بأكنافه الَّذِي يمد عَلَيْهِم رواقها وَيرد بهَا إِلَى أَغْصَان صَلَاحهمْ أوراقها ويلقي على أجيادهم عقودها ويقي ريَاح ائتلافهم ركودها يرى أَن يولي أولي الاسْتقَامَة من أهل ذمَّته ضروب الرأفة وصنوفها وأقسام العاطفة الدافعة عَنْهُم حوادث الْغَيْر وصروفها بِمُقْتَضى عهودهم القوية القوى وذمتهم الَّتِي يلْزم أَن يحافظ عَلَيْهَا أهل الْعدْل وَالتَّقوى ويغتمدهم من الصون الغامر والإجمام المضاهى الآنف مِنْهُ الغابر بِمَا قنص يَد الضيم وكفه وَيفِيض عَلَيْهِم من الملاحظة كل مَا حسم الضير دونهم وكفه وَأَن يحتويهم من الحياطة يما يحرس رسومهم المستمرة من أَسبَاب الاختلال ويجريهم فِيهَا على مَا سنه السّلف الصَّالح مَعَهم من مألوف السجايا والخلال
وَلما أنهِي إِلَى حَضْرَة أَمِير الْمُؤمنِينَ تمييزك عَن نظرائك وتحليك من السداد بِمَا يسْتَوْجب مَعَه أمثالك الْمُبَالغَة فِي وصفك وإطرائك وتخصصك بالأنحاء الَّتِي فت فِيهَا
(3/204)

شأو أقرانك وأفدت بهَا مَا قصر مَعَه مساجلك من أَبنَاء جنسك أَن يعدلك فِي ميزانك وَمَا عَلَيْهِ أهل نحلتك من حَاجتهم إِلَى جاثليق كافل بأمورهم كَاف فِي سياسة جمهورهم مُسْتَقل بِمَا يلْزم الْقيام بِهِ غير مقل بِمَا يتَعَيَّن مثله فِي أدوات منصبه وَأَن كلا مِمَّن يرجع إِلَيْهِ مِنْهُم لما تصفح أَحْوَال مُتَقَدِّمي دينهم واستشف وأعمل الْفِكر فِي اخْتِيَار الْأَرْجَح مِنْهُم والأشف وَاتَّفَقُوا من بعد على إجالة الرَّأْي الَّذِي أفاضوا بَينهم قداحه وراضوا بِهِ زند الِاجْتِهَاد إِلَى أَن يورى حِين راموا اقتداحه فَلم يصادفوا من هُوَ بالرياسة عَلَيْهِم أَحَق وَأَحْرَى وللشروط الْمُوجبَة التَّقْدِيم فيهم أجمع وأحوى وَعَن أَمْوَال وقوفهم أعف وأروع وَمن نَفسه لداعي التَّحَرِّي فِيهَا أطوع وأتبع مِنْك اختاروك لَهُم رَاعيا وَلما يشد نظامهم ملاحظا مراعيا وسألوا إِمْضَاء نصهم عَلَيْك وَالْإِذْن فِيهِ وإجراء الْأَمر فِيمَا يخصك أَسد مجاريه وترتيبك فِيمَا أهلت لَهُ وحملت ثقله واختصاصك على من تقدمك من الأضراب بمزيد من الإرعاء والإيجاب وحملك وَأهل نحلتك على الشُّرُوط الْمُعْتَادَة والرسوم الَّتِي إِمْضَاء الشَّرِيعَة لَهَا أوفى الشَّهَادَة رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ الْإِجَابَة إِلَى مَا وجهت
(3/205)

إِلَيْهِ فِيهِ الرَّغْبَة واستخارة الله تَعَالَى فِي كل عزم يُطلق شباه ويمضي غربه مقتديا فِيمَا أسداه إِلَيْك وأسناه من النِّعْمَة لديك بِأَفْعَال الْأَئِمَّة الماضين وَالْخُلَفَاء الرَّاشِدين صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ مَعَ أمثالك من الجثالقة الَّذين سبقوا وَفِي مقامك اتسقوا وأوعز بترتيبك جاثليقا لنسطور النَّصَارَى بِمَدِينَة السَّلَام وَسَائِر الْبِلَاد والأصقاع زعيما لَهُم وللروم واليعاقبة طرا وَلكُل من تحويه ديار الْإِسْلَام من هَاتين الطَّائِفَتَيْنِ مِمَّن بهَا يسْتَقرّ وإليها يطرا وَجعل أَمرك فيهم ممتثلا وموضعك من الرياسة عَلَيْهِم متأثلا وَأَن تنفرد بالتقدم على هَذِه الطوائف أجمع ليَكُون قَوْلك فِيمَا يُجِيزهُ الشَّرْع الشريف فيهم يقبل وَإِلَيْك فِي أَحْوَالهم يرجع وَأَن تتَمَيَّز بأهبة الزعامة فِي مجامع النَّصَارَى ومصلياتهم عَامَّة من غير أَن يشركك فِيهَا أَو يشاكلك فِي النِّسْبَة الدَّالَّة عَلَيْهَا مطران أَو أَسْقُف للروم أَو اليعاقبة لتغدو شَوَاهِد ولايتك بالأوامر الإمامية بادية للسامع والناظر وآثار قصورهم عَن هَذِه الرُّتْبَة الَّتِي لم يبلغوها كَافَّة للمجادل مِنْهُم والمناظر وَمنعُوا بأسرهم عَن مساواتك
(3/206)

فِي كل أَمر هُوَ من شُرُوط الزعامة ورسومها والتزيي بِمَا هُوَ من علاماتها ووسومها إِذْ لَا سَبِيل لأَحَدهم أَن يمد فِي مباراتك بَاعه وَلَا أَن يخرج عَن الْمُوجب عَلَيْهِ من الطَّاعَة لَك والتباعة وحملك فِي ذَلِك على مَا يدل عَلَيْهِ المنشور المنشأ لمن تقدمك الممضي لَك وَلكُل من يَأْتِي بعْدك المجدد بِمَا حواه ذكر مَا نطقت بِهِ المناشير المقررة فِي أَيَّام الْخُلَفَاء الرَّاشِدين صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ لمن تقدمك فِي مقامك وأحرز سبق مغزاك ومرامك من كَون الْمَنْصُوب فِي الجثلقة إِلَيْهِ الزعامة على مَا تضمه ديار الْإِسْلَام من هَذِه الْفرق جمعا وَالْمَنْصُوص عَلَيْهِ فِي التَّقَدُّم الَّذِي لَيْسَ لغيره من رياضه مرعى وَتقدم أَمِير الْمُؤمنِينَ بحياطتك وَأهل نحلتك فِي نفوسكم وَأَمْوَالكُمْ وَبَيْعكُمْ ودياركم ومقار صلواتكم وحراسة أمواتكم واعتمادكم بأقسام الكلاءة على أجمل الرَّسْم مَعكُمْ وَأَن تحموا من نقض سنة رضية قررت لكم ودحض وتيرة حميدة اسْتعْملت فِي فرضكم وَأَن تقبض الْجِزْيَة من رجالكم
(3/207)

ذَوي الْقُدْرَة على أَدَائِهَا بِحَسب مَا جرت بِهِ عادتكم دون النِّسَاء وَمن لم يبلغ الْحلم دفْعَة وَاحِدَة فِي السّنة وتجروا فِي ذَلِك على السجية الَّتِي تناقلها الروَاة وتداولتها الْأَلْسِنَة من غير تَثْنِيَة وَلَا تَكْرِير وَلَا ترنيق لمنهل المعدلة عنْدكُمْ وَلَا تكدير وَأَن تحيى بالشد دَائِما وتقوية يدك على من نصبته فِي أُمُورهم نَاظرا ولشملهم ناظما ويفسح لَك فِي فصل مَا شجر بَينهم على سَبِيل الوساطة لتقصد فِي ذَلِك مَا يحسم دواعي الْخلف ويطوي بساطه وَأَن تمْضِي تثقيفك لَهُم وأمرك فيهم أُسْوَة مَا جرى عَلَيْهِ الْأَمر مَعَ من كَانَ قبلك يليهم لتحسن مَعَه السِّيرَة العادلة عَلَيْهِم بِحِفْظ السوام الْمُطَابقَة للشروط السائغة فِي دين الْإِسْلَام
وَأمر بإنشاء هَذَا الْكتاب مُشْتَمِلًا على مَا خصك بِهِ وأمضى أَن تعامل بِمُوجبِه فقابل نعْمَة أَمِير الْمُؤمنِينَ عنْدك بِمَا تستوجبه من شكر تبلغ فِيهِ المدى الْأَقْصَى وَبشر لَا يُوجد التصفح لَهُ عنْدك قصورا وَلَا نقصا وواظب على الِاعْتِرَاف بِمَا أوليته من كل مَا جملك وَصدق ظَنك وأملك واستزد الإنعام بِطَاعَة تطوي عَلَيْهَا الجوانح وأدعية لأيامه تتبع الغادي مِنْهَا بالرائح
(3/208)

وتجنب التَّقْصِير فِيمَا بك عدق وَإِلَيْك وكل وَعَلَيْك علق واحتفظ بِهَذَا الْكتاب جنَّة تمنع عَنْك ريب الدَّهْر وَغَيره وَحجَّة تحمل فِيهَا على مَا يحمي مَا منحته من كل مَا شعثه وغبره وليعمل بِهَذَا الْمِثَال كَافَّة المطارنة والأساقفة والقسيسين وَالنَّصَارَى أَجْمَعِينَ وليعتمدوا من اتِّبَاعه كل مَا يسْتَحقّهُ تقديمك على الْجَمَاعَة وليثقوا بِمَا يغمرهم من المعاطف الحامية سربهم من التَّفْرِيق والإضاعة إِن شَاءَ الله تَعَالَى
تَنْبِيه قد ذكر مُحَمَّد بن عمر الْمَدَائِنِي أَنه كَانَ يكْتب لِلْأُمَرَاءِ فِي قرطاس من نصف طومار وللعمال وَالْكتاب فِي قرطاس من ثلث طومار وللتجار وأشباههم فِي قرطاس من ربع طومار وللحساب والمساح فِي قرطاس من سدس طومار وَقد تقدم أَن المُرَاد بالطومار قطع الْبَغْدَادِيّ الْكَامِل وَلَا يخفى أَن الْمُنَاسب لقطع النّصْف قلم الثُّلُث الْخَفِيف ولقطع الثُّلُث قلم الْكُوفَة وَلما دون ذَلِك قلم الرّقاع
(3/209)

الْبَاب الْخَامِس

فِيمَا كَانَ يكْتب عَن الْخُلَفَاء من الإقطاعات وتحويل السنين وإلزام أهل الذِّمَّة الشَّرَائِط اللَّازِمَة لَهُم وَفِيه ثَلَاثَة فُصُول
الْفَصْل الأول

فِيمَا كَانَ يكْتب عَنْهُم من الإقطاعات وَقد كَانَ عاداتهم فِيهِ أَن يكْتب هَذَا كتاب من عبد الله فلَان الإِمَام الْفُلَانِيّ وَيَأْتِي على الْمَقْصد إِلَى آخِره من إقطاع استغلال وَهُوَ الَّذِي يُؤْخَذ فِيهِ خراج الأَرْض ورقبتها بَاقِيَة لبيت المَال أَو إقطاع تمْلِيك وَهُوَ أَن يملك الأَرْض ويقرر عَلَيْهِ قطيعة تُؤْخَذ مِنْهَا لبيت المَال وَتسَمى هَذِه المقاطعة
وَالْأَصْل فِي ذَلِك مَا رَوَاهُ الْحَافِظ بن عَسَاكِر فِي تَارِيخ الشَّام بِسَنَدِهِ إِلَى أبي قَائِد الدَّارِيّ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أعطَاهُ أَرضًا بفلسطين وَكتب لَهُ بهَا كتابا
(3/210)

فِي قِطْعَة أَدَم وَهُوَ بعد الْبَسْمَلَة هَذَا ذكر مَا وهب مُحَمَّد رَسُول الله للداريين إِذا أعطَاهُ الله الأَرْض وهب لَهُم بَيت عينون وحبرون وَبَيت ابراهيم بِمن فِيهِنَّ لَهُم أبدا
شهد عَبَّاس بن عبد الْمطلب وجهيم بن قيس وشرحبيل بن حَسَنَة وَكتب فَلَمَّا هَاجر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى الْمَدِينَة كتب لَهُم بذلك كتابا
ونسخته

هَذَا مَا أنطى مُحَمَّد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَمِيم الدَّارِيّ وَأَصْحَابه إِن أنطيتكم عينون وحبرون والرطوم وَبَيت ابراهيم برمتهم وَجَمِيع مَا فيهم نطية بت ونفذت وسلمت ذَلِك لَهُم ولأعقابهم من بعدهمْ أَبَد الْأَبَد فَمن آذاهم فِيهَا آذاه الله
شهد أَبُو بكر بن أبي قُحَافَة وَعمر بن الْخطاب وَعُثْمَان بن عَفَّان وَعلي بن أبي طَالب وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وَكتب
(3/211)

وَفِي رِوَايَة إِنَّمَا كتب أَولا هَذَا كتاب من مُحَمَّد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لتميم بن أَوْس الدَّارِيّ إِن لَهُ قَرْيَة حبرًا وَبَيت عينون قريتها كلهَا سهلها وجبلها ماءها وحرثها وأنباطها وبقرها ولعقبه من بعده لَا يحاقه فِيهَا أحد وَلَا يلجه عَلَيْهِم أحد بظُلْم فَمن طَلَبهمْ أَو أَخذ من أحدهم شَيْئا فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ وَكتب عَليّ
وروى الْحَافِظ بن مَنْدَه نَحوه فَصَارَ ذَلِك أسلوبا ينسج على منواله
قلت وَيُقَال إِن الرقعة مَوْجُودَة عَن التميميين بِبَلَد الْخَلِيل إِلَى الْآن فِي رقْعَة أَدَم
وَهَذِه نُسْخَة مقاطعة

كتب بهَا أَبُو اسحاق الصابي عَن الْمُطِيع لله بإقطاع أَرض إقطاع تمْلِيك وَهِي
(3/212)

هَذَا كتاب من عبد الله الْفضل الإِمَام الْمُطِيع لله أَمِير الْمُؤمنِينَ لفُلَان بن فلَان
إِنَّك رفعت قصتك تذكر حَال ضيعتك الْمَعْرُوفَة بِكَذَا وَكَذَا من رستاق كَذَا وَكَذَا من طسوج كَذَا وَكَذَا وَأَنَّهَا أَرض رقيقَة قد نزل عَلَيْهَا الخراب وانغلق أَكْثَرهَا بالسد والدغل وَأَن مثلهَا لَا تتسع يَد اللَّيَالِي للإنفاق عَلَيْهِ وعلب بالاسلة واستخراج سدوده وقفل أرضه وَلَا يرغب الأكرة فِي ازدراعه والمعامل فِيهِ وَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ مقاطعك عَن هَذِه الضَّيْعَة على كَذَا وَكَذَا من الْوَرق الْمُرْسل فِي كل سنة على اسْتِقْبَال سنة كَذَا وَكَذَا الخراجية مقاطعة مُؤَبّدَة مَاضِيَة مقررة نَافِذَة يسْتَخْرج مَالهَا فِي أول الْمحرم من كل سنة وَلَا تتبع بِنَقْض وَلَا يتَأَوَّل فِيهَا متأول وَلَا تعترض فِي مُسْتَأْنف الْأَيَّام مَا اجتهدت فِي عمارتها وتكلفت الْإِنْفَاق عَلَيْهَا واستخراج سدودها وتنقية أراضيها واحتفار سواقيها واجتلاب
(3/213)

الأكرة إِلَيْهَا وَإِطْلَاق البذور والتقاوي فِيهَا وإرغاب المزارعين بتَخْفِيف طسوقها بِحَق الرَّقَبَة ومقاسماتها وَكَانَ فِي ذَلِك توفير لحق بَيت المَال وَصَلَاح ظَاهر لَا يخْتل
وَسَأَلت أَمِير الْمُؤمنِينَ الْأَمر بذلك والتقدم بِهِ والإسجال لَك بِهِ وإثباته فِي ديوَان السوَاد ودواوين الحضرة وديوان النَّاحِيَة وتصييره مَاضِيا لَك ولعقبك وَأَعْقَابهمْ وَمن لَعَلَّ هَذِه الضَّيْعَة أَو شَيْئا مِنْهَا ينْتَقل إِلَيْهِ بِبيع أَو مِيرَاث أَو صَدَقَة أَو غير ذَلِك من ضروب الِانْتِقَال فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ بإيثاره الْفَلاح واعتماده أَسبَابه ورغبته فِيمَا عَاد بالتوفير على بَيت المَال والعمارة والترفيه للرعية أمرنَا بِالنّظرِ فِيمَا ذكرته واستقصاء الْبَحْث عَنهُ وَمَعْرِفَة وَجه التَّدْبِير وسبيل الْحَظ فِيهِ وَالْعَمَل بِمَا يُوَافق الرشد فِي جَمِيعه فَرجع إِلَى الدِّيوَان فِي تعرف مَا حكيته من أَحْوَال هَذِه الضَّيْعَة فأنفذ مِنْهُ رجلا مُخْتَارًا ثِقَة مَأْمُونا من أهل الْخِبْرَة بِأُمُور السوَاد وأعمال الْخراج قد عرف أَمِير الْمُؤمنِينَ أَمَانَته وديانته وَحكمه
(3/214)

ومعرفته وَأمره بالمصير إِلَى هَذِه النَّاحِيَة وَجمع أَهلهَا من الأدلاء والأكرة والمزارعين وثقات الْأُمَنَاء والمجاورين وَالْوُقُوف على هَذِه الأقرحة وإيقاع المساحة عَلَيْهَا وكشف أَحْوَال غامرها وعامرها والمسير على حُدُودهَا وَأخذ أَقْوَالهم وآرائهم فِي وَجه صَلَاح وَعمارَة قراح قراح مِنْهَا وَمَا يُوجِبهُ صَوَاب التَّدْبِير فِيمَا التمسته من المقاطعة بالمبلغ الَّذِي بذلته وَذكرت أَنه زَائِد على الِارْتفَاع وَالْكتاب بِجَمِيعِ ذَلِك إِلَى الدِّيوَان ليوقف عَلَيْهِ وَينْهى إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ لينْظر فِيهِ فَمَا صَحَّ عِنْده مِنْهُ أَمْضَاهُ وَمَا رأى الِاسْتِظْهَار على نظر النَّاظر فِيهِ استظهر فِيمَا يرى مِنْهُ حَتَّى يقف على حَقِيقَته ويرسم بِمَا يعْمل عَلَيْهِ
فَذكر ذَلِك النَّاظر أَنه وقف على هَذِه الضَّيْعَة وعَلى سَائِر أقرحتها وحدودها وطافها بمشهد من أهل الْخِبْرَة بأحوالها من ثِقَات الأدلاء والمجاورين والأكرة والمزارعين والأمناء الَّذين يرجع إِلَى أَقْوَالهم وَيعْمل
(3/215)

عَلَيْهَا فَوجدَ مساحة بطُون الأقرحة المزدرعة من جَمِيعهَا دون سواقيها وبرورها وتلالها ومستنقعاتها وَمَا لَا يعْتَمد من أرْضهَا بالجريب الْهَاشِمِي الَّذِي تمسح بِهِ الأَرْض فِي هَذِه النَّاحِيَة كَذَا وَكَذَا جريبا مِنْهَا قراح كَذَا وَكَذَا وقراح كَذَا وَكَذَا وَمِنْهَا الْحصن والبيوت والساحات والقراحات والخزانات وَوجد حَالهَا فِي الخراب والانسداد وتكدر الْعِمَارَة وَالْحَاجة إِلَى عَظِيم الْمعرفَة ومفرط النَّفَقَة على مَا حكيته وشكوته وَنظر فِي مِقْدَار أصل هَذِه الخزانات من هَذِه الضَّيْعَة وَمَا يجب عَلَيْهَا وَكَيْفِيَّة الْحَال فِي ذَلِك
وَنظر أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيمَا رَفعه هَذَا المؤتمن المنفذ من الدِّيوَان وَاسْتظْهر فِيهِ بِمَا يرَاهُ من الِاسْتِظْهَار وَوَجَب عِنْده من الِاحْتِيَاط فَوجدَ مَا رَفعه صَحِيحا صِحَة عرفهَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَعلمهَا وَقَامَت فِي نَفسه وَثبتت عِنْده
(3/216)

وَرَأى إِيقَاع المقاطعة الَّتِي التمستها على حق بَيت المَال فِي هَذِه الضَّيْعَة فقاطعك عَنهُ فِي كل سنة هلالية على اسْتِقْبَال سنة كَذَا وَكَذَا الخراجية على كَذَا وَكَذَا درهما صحاحا مُرْسلَة بِغَيْر كسر وَلَا حق حَرْب وَلَا جهبذة وَلَا محاسبة وَلَا زِيَادَة وَلَا شَيْء من جَمِيع الْمُؤَن وَسَائِر التوابع والرسوم تُؤَدّى فِي أول الْمحرم كل سنة حسب مَا تُؤَدّى المقاطعة مقاطعة مَاضِيَة مُؤَبّدَة نَافِذَة ثَابِتَة على مُضِيّ الْأَيَّام وكرور الأعوام لَا تنقض وَلَا تفسخ وَلَا تتبع وَلَا يتَأَوَّل فِيهَا وَلَا يعْتَبر على أَن يكون هَذَا المَال وَهُوَ من الْوَرق الْمُرْسل كَذَا وَكَذَا فِي كل سنة مؤدى فِي بَيت المَال ومصححا عِنْد من تورد عَلَيْهِ فِي هَذِه النَّاحِيَة أَمْوَال خراجهم ومقاطعاتهم وجباياتهم لَا يعتل فِيهَا بِآفَة تلْحق الغلات سَمَاوِيَّة وَلَا أرضية وَلَا يتعطل أَرض
(3/217)

وَلَا بقصور عمَارَة وَلَا نُقْصَان ريع وَلَا بانحطاط سعر وَلَا بتأخر قطر وَلَا تشرب عِلّة وَلَا حرق وَلَا سرق وَلَا بِغَيْر ذَلِك من الْآفَات بِوَجْه من الْوُجُوه وَلَا بِسَبَب من الْأَسْبَاب وَلَا يحْتَج فِي ذَلِك بِحجَّة يحْتَج بهَا التناء والمزارعون وأرباب الْخراج فِي الالتواء بِمَا عَلَيْهِم وعَلى أَن لَا يدْخل عَلَيْك فِي هَذِه المقاطعة يَد ماسح وَلَا مخمن وَلَا حازر وَلَا مقدم وَلَا أَمِين وَلَا حاظر وَلَا نَاظر وَلَا متتبع وَلَا متعرف لحَال زراعة وَعمارَة وَلَا كاشف لأمر زرع وغلة مَاضِيا ذَلِك لَك ولعقبك من بعْدك وَأَعْقَابهمْ وذريتك وذريتهم أبدا مَا تَنَاسَلُوا وَلمن عَسى أَن تنْتَقل هَذِه الأقرحة أَو شَيْء مِنْهَا إِلَيْهِ بِإِرْث أَو بيع أَو هبة أَو نحل أَو صَدَقَة أَو وقف أَو مناقلة أَو إِجَارَة أَو مُهَايَأَة أَو تمْلِيك أَو إِقْرَار أَو بِغَيْر ذَلِك من الْأَسْبَاب الَّتِي تنْتَقل بهَا الْأَمْلَاك من يَد إِلَى يَد وَلَا ينْقض ذَلِك وَلَا شَيْء مِنْهُ وَلَا يُغير
(3/218)

وَلَا يفْسخ وَلَا يزَال وَلَا يُبدل وَلَا يعقب وَلَا يعْتَرض فِيهِ بِسَبَب زِيَادَة عمَارَة وَلَا ارْتِفَاع سعر وَلَا وفور غلَّة وَلَا زكاء ريع وَلَا إحْيَاء موَات وَلَا إِعْمَال معطل وَلَا عمَارَة خراب وَلَا اسْتِخْرَاج غامر وَلَا صَلَاح سرب وَلَا استحداث غلات لم يجر الرَّسْم باستحداثها وزراعتها وَلَا يعد وَلَا يمسح مَا عَسى أَن يغْرس بِهَذِهِ الأقرحة من النّخل وأصناف الشّجر الْمَعْدُود والكروم وَلَا يتَأَوَّل عَلَيْك فِيمَا لَعَلَّ اصل المساحة أَن تزيد بِهِ فِيمَا تعمره وتستخرجه من الجبابين والمستنقعات ومواضع المشارب المستغنى عَنْهَا إِذْ كَانَ أَمِير الْمُؤمنِينَ قد عرف جَمِيع ذَلِك وَجعل مَا يجب على كل شَيْء مِنْهُ عِنْد وُجُوبه دَاخِلا فِي هَذِه المقاطعة وجاريا مَعهَا
وَأمر أَمِير الْمُؤمنِينَ بِإِثْبَات هَذَا الْكتاب فِي الدَّوَاوِين وَإِقْرَاره فِي يدك حجَّة لَك ولعقبك من بعْدك وَأَعْقَابهمْ
(3/219)

وورثتك وورثتهم وَثِيقَة فِي أَيْدِيكُم وَفِي يَد من عَسى أَن تنْتَقل هَذِه الضَّيْعَة أَو الأقرحة أَو شَيْء مِنْهَا إِلَيْهِ بِضَرْب من ضروب الِانْتِقَال الَّتِي ذكرت فِي هَذَا الْكتاب وَالَّتِي لم تذكر فِيهِ وَأَن لَا يخلفوا إيرادا من بعده وَلَا يتَأَوَّل عَلَيْكُم متأول فِيهِ
فَمن وقف على هَذَا الْكتاب أَو قَرَأَهُ أَو قرئَ عَلَيْهِ من جَمِيع الْأُمَرَاء وولاة العهود والوزراء وَالْكتاب والعمال والمشرفين والمتصرفين والمباشرين فِي أُمُور الْخراج وَأَصْحَاب السيوف على اخْتِلَاف طبقاتهم وتباين مَنَازِلهمْ وأعمالهم فليمتثل مَا أَمر بِهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ ولينفذ لفُلَان بن فلَان وورثته وورثتهم وعقبه وَأَعْقَابهمْ وَلمن تنْتَقل هَذِه الأقرحة أَو شَيْء مِنْهَا إِلَيْهِ هَذِه المقاطعة من غير مُرَاجعَة فِيهَا وَلَا استئمار عَلَيْهَا وَلَا تَكْلِيف أحد مِمَّن يقوم بأمرها إِيرَاد حجَّة بعد هَذَا الْكتاب بهَا وليعمل بِمثل ذَلِك من وقف على نُسْخَة من نسخ هَذَا الْكتاب فِي ديوَان من
(3/220)

دواوين الحضرة وأعمالها أَو النَّاحِيَة وليقر فِي يَد فلَان بن فلَان وَيَد من يُورِدهُ ويحتج بِهِ مِمَّن يقوم مقَامه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
تَنْبِيه قد تقدم عَن مُحَمَّد بن عمر الْمَدَائِنِي أَنه كَانَ يكْتب لِلْأُمَرَاءِ فِي قرطاس من نصف طومار وَأَن المُرَاد نصف قطع الْبَغْدَادِيّ وَمُقْتَضى ذَلِك أَن إقطاعاتهم كَانَت تكْتب فِي هَذَا الْقطع وَمن دونهم من الْجند كل مِنْهُم بِحَسب رتبته
الْفَصْل الثَّانِي

من الْبَاب الْخَامِس

فِيمَا كَانَ يكْتب فِي تَحْويل السنين الخراجية عَن الْخُلَفَاء وَهُوَ أَن يكْتب بِنَقْل السّنة الشمسية إِلَى السّنة الْهِلَالِيَّة بِالِاسْمِ دون الْحَقِيقَة تَوْفِيقًا بَينهمَا وَإِزَالَة للشُّبْهَة فِي أَمرهمَا وَذَلِكَ أَن أَيَّام السّنة الشمسية فِي الْمدَّة الَّتِي تقطع الشَّمْس الْفلك فِيهَا مرّة وَاحِدَة حسب مَا توجبه حركتها فِي ميلها فِي الْجنُوب وَالشمَال ثَلَاثمِائَة وَخَمْسَة
(3/221)

وَسِتُّونَ يَوْمًا وَربع يَوْم بالتقريب وَأَيَّام السّنة الْهِلَالِيَّة فِي الْمدَّة الَّتِي يقطع الْقَمَر الْفلك فِيهَا اثْنَتَيْ عشرَة دفْعَة ثَلَاثمِائَة وَأَرْبَعَة وَخَمْسُونَ يَوْمًا وَسدس يَوْم فَيكون التَّفَاوُت بَينهمَا أحد عشر يَوْمًا وَسدس يَوْم وَتَكون زِيَادَة السنين الشمسية على السنين الْهِلَالِيَّة فِي كل ثَلَاث سِنِين شهرا وَاحِدًا وَثَلَاثَة أَيَّام وَنصف يَوْم تَقْرِيبًا وَفِي كل ثَلَاث وَثَلَاثِينَ سنة سنة وَاحِدَة بالتقريب فَإِذا تَمَادى الزَّمَان زَاد تفَاوت مَا بَين السنين حَتَّى يكون كل ثَلَاثمِائَة سنة شمسية ثَلَاثمِائَة وتسع سِنِين هلالية وَعَلِيهِ حمل بعض الْمُفَسّرين قَوْله تَعَالَى {وَلَبِثُوا فِي كهفهم ثَلَاث مائَة سِنِين وازدادوا تسعا} وَرُبمَا كَانَ اسْتِحْقَاق الْخراج فِي أول سنة من السنين الْعَرَبيَّة ثمَّ ترَاخى الْحَال فِيهَا إِلَى أَن صَار اسْتِحْقَاقه فِي أواخرها ثمَّ ترَاخى حَتَّى يصير فِي السّنة الثَّانِيَة فَيصير الْخراج مَنْسُوبا للسّنة السَّابِقَة واستحقاقه فِي السّنة اللاحقة فَيحْتَاج حِينَئِذٍ إِلَى تَحْويل السّنة الخراجية السَّابِقَة إِلَى الَّتِي بعْدهَا حَتَّى انْتَهَت الْحَال فِي جباية الْخراج سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين
(3/222)

وَمِائَتَيْنِ فِي خلَافَة المتَوَكل وخراج كل سنة يجبى فِي السّنة الَّتِي بعْدهَا فَلَمَّا دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ كَانَ قد انْقَضى من السنين الَّتِي قبلهَا ثَلَاث وَثَلَاثُونَ سنة أولهنَّ سنة ثَمَان وَمِائَتَيْنِ من خلَافَة الْمَأْمُون فَاجْتمع من هَذَا الْمُتَأَخر فِيهَا أَيَّام سنة شمسية كَامِلَة وَهِي ثَلَاثمِائَة وَخمْس وَسِتُّونَ يَوْمًا وَربع يَوْم وَزِيَادَة الْكسر وتهيأ إِدْرَاك غلات سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ فِي صدر سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ فَأمر المتَوَكل بإلغاء ذكر سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ إِذْ كَانَت قد انْقَضتْ وَنسب الْخراج إِلَى سنة ثِنْتَيْنِ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَأمر ابراهيم بن الْعَبَّاس فَكتب كتابا عَنهُ بذلك وَهُوَ أول كتاب كتب فِي هَذَا الْمَعْنى وَلم أَقف على نسخته
وَجرى الْعَمَل بعد المتَوَكل على ذَلِك سنة بعد سنة إِلَى أَن انْقَضتْ ثَلَاث وَثَلَاثُونَ سنة آخِرهنَّ اننقضاء سنة أَربع وَسبعين وَمِائَتَيْنِ فَجرى فِيهَا خبط بَين الْكتاب وبقى الْأَمر إِلَى سنة ثَمَان وَسبعين وَمِائَتَيْنِ فِي خلَافَة المعتضد فَعرف مَا كَانَ من فعل المتَوَكل من نقل سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ إِلَى سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ فَأمر بِنَقْل
(3/223)

سنة ثَمَان وَسبعين وَمِائَتَيْنِ إِلَى سنة تسع وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَكَانَ هَذَا النَّقْل بعد مُضِيّ أَربع سِنِين من اسْتِحْقَاقه وَكتب بذلك كتاب عَن المعتضد وخلد فِي الدَّوَاوِين
ونسخته أما بعد فَإِن أولى مَا صرف إِلَيْهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ عنايته وأعمل فِيهِ فكره ورويته وشغل فِيهِ تفقده ورعايته أَمر الْفَيْء الَّذِي خصّه الله بِهِ وألزمه جمعه وتوفيره وحياطته وتكثيره وَجعله عماد الدّين وقوام أَمر الْمُسلمين وَفِيمَا يصرف مِنْهُ أعطيات الْأَوْلِيَاء والجنود وَمن يسْتَعْمل بِهِ فِيهِ لتحصين الْبَيْضَة والذب عَن الْحَرِيم وَحج الْبَيْت وَجِهَاد الْعَدو وسد الثغور وَأمن السَّبِيل وحقن الدِّمَاء وَصَلَاح ذَات الْبَين وأمير الْمُؤمنِينَ يسْأَل الله رَاغِبًا إِلَيْهِ ومتوكلا عَلَيْهِ أَن يحسن عونه على مَا حمله مِنْهُ ويديم توفيقه إِلَى مَا أرضاه وإرشاده إِلَى مَا يقْضِي بِالْخَيرِ عَنهُ وَله
(3/224)

وَقد نظر أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيمَا كَانَ يجْرِي عَلَيْهِ أَمر جباية هَذَا الْفَيْء فِي خلَافَة آبَائِهِ الْخُلَفَاء الرَّاشِدين صلوَات الله عَلَيْهِم فَوَجَدَهُ على حسب مَا كَانَ يدْرك من الغلات وَالثِّمَار فِي كل سنة أَولا على مجاري شهور سني الشَّمْس فِي النُّجُوم الَّتِي يحل مَال كل صنف مِنْهَا فِيهَا وَوجد شهور السّنة الشمسية تتأخر عَن شهور السّنة الْهِلَالِيَّة أحد عشر يَوْمًا وربعا وَزِيَادَة عَلَيْهِ وَيكون إِدْرَاك الغلات وَالثِّمَار فِي كل سنة بِحَسب تأخرها
فَلَا تزَال السنون تمْضِي على ذَاك سنة بعد سنة حَتَّى تَنْقَضِي مِنْهَا ثَلَاث وَثَلَاثُونَ سنة وَيكون عدد الْأَيَّام الْمُتَأَخِّرَة مِنْهَا أَيَّام سنة شمسية كَامِلَة وَهِي ثَلَاثمِائَة وَخَمْسَة وَسِتُّونَ يَوْمًا وَربع يَوْم وَزِيَادَة عَلَيْهِ فَحِينَئِذٍ يتهيأ بِمَشِيئَة الله وَقدرته إِدْرَاك الغلات الَّتِي تجْرِي عَلَيْهَا الضرائب والطسوق فِي اسْتِقْبَال الْمحرم من سني الْأَهِلّة وَيجب مَعَ ذَلِك إِلْغَاء ذكر السّنة الْخَارِجَة إِذْ كَانَت قد انْقَضتْ ونسبتها إِلَى السّنة الَّتِي أدْركْت الغلات وَالثِّمَار فِيهَا وَإنَّهُ وجد ذَلِك قد كَانَ وَقع فِي أَيَّام أَمِير الْمُؤمنِينَ المتَوَكل على الله رَحمَه الله عَلَيْهِ عِنْد انْقِضَاء ثَلَاث
(3/225)

وَثَلَاثِينَ سنة آخرتهن سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ فاستغنى عَن ذَلِك وَأمر بإلغائه وَنسبه إِلَى سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ فجرت المكاتبات والحسبانات وَسَائِر الْأَعْمَال بعد ذَلِك سنة بعد سنة إِلَى أَن مَضَت ثَلَاث وَثَلَاثُونَ سنة آخرتهن انْقِضَاء سنة أَربع وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَوَجَب إنْشَاء الْكتب بإلغاء ذكر سنة أَربع وَسبعين وَمِائَتَيْنِ ونسبتها إِلَى سنة خمس وَسبعين وَمِائَتَيْنِ فَذهب ذَلِك على كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمُعْتَمد على الله وَتَأَخر الْأَمر فِيهِ أَربع سِنِين إِلَى أَن أَمر أَمِير الْمُؤمنِينَ المعتضد بِاللَّه رَحمَه الله فِي سنة سبع وَسبعين وَمِائَتَيْنِ بِنَقْل خراج سنة ثَمَان وَسبعين وَمِائَتَيْنِ إِلَى سنة تسع وَسبعين وَمِائَتَيْنِ فَجرى الْأَمر على ذَلِك إِلَى أَن انْقَضتْ فِي هَذَا الْوَقْت ثَلَاث وَثَلَاثُونَ سنة أولَاهُنَّ السّنة الَّتِي كَانَ يجب نقلهَا فِيهَا وَهِي سنة خمس وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وآخرتهن انْقِضَاء شهور خراج سنة سبع وثلاثمائة وَوَجَب افْتِتَاح خراج مَا تجْرِي
(3/226)

عَلَيْهِ الضرائب والطسوق فِي أَولهَا من صَوَاب التَّدْبِير واستقامة الْأَعْمَال وَاسْتِعْمَال مَا يخف على الرّعية معاملتها بِهِ نقل سنة الْخراج لسنة سبع وثلاثمائة إِلَى سنة ثَمَان وثلاثمائة فَرَأى أَمِير الْمُؤمنِينَ لما يلْزم بِهِ نَفسه ويأخذها بِهِ من الْعِنَايَة بِهَذَا الْفَيْء وحياطة أَسبَابه وإجرائها مجاريها وسلوك سَبِيل آبَائِهِ الرَّاشِدين رَحْمَة الله عَلَيْهِم فِيهَا أَن يكْتب إِلَيْك وَإِلَى سَائِر الْعمَّال بالنواحي بِالْعَمَلِ على ذَلِك وَيكون مَا يصدر إِلَيْكُم من الْكتب وتصدرونه عَنْكُم وتجري عَلَيْهِ أَعمالكُم ورفوعكم وحسباناتكم وَسَائِر مناظراتكم على هَذَا النَّقْل
فَاعْلَم ذَلِك من رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ واعمل بِهِ مستشعرا فِيهِ وَفِي كل مَا تمضيه تقوى الله وطاعته ومستعملا ثِقَات الأعوان وكفاتهم مشرفا عَلَيْهِم ومقوما لَهُم واكتب بِمَا يكون مِنْك فِي ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَلم يزل الْأَمر جَارِيا على ذَلِك فِي كل ثَلَاث وَثَلَاثِينَ
(3/227)

سنة تنقل سنة إِلَى آخر الدولة العباسية بالعراق
قلت أما الديار المصرية فقد ذكر صَاحب الْمِنْهَاج فِي صَنْعَة الْخراج أَن أول نقل السنين فِيهِ كَانَ فِي سنة تسع وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة الْهِلَالِيَّة
وَكتب فِيهَا كتاب من إنْشَاء القَاضِي الْفَاضِل وَهِي مستمرة على النَّقْل فِي كل ثَلَاث وَثَلَاثِينَ سنة إِلَى زَمَاننَا هَذَا يكْتب بهَا عَن السُّلْطَان
الْفَصْل الثَّالِث

من الْبَاب الْخَامِس

فِيمَا كَانَ يكْتب عَن الْخُلَفَاء فِي إِلْزَام أهل الذِّمَّة مَا يلْزمهُم بشريطة عقد الذِّمَّة وَأَخذهم بذلك
وَأول مَا كتب بذلك فِي خلَافَة المتَوَكل على الله بن المعتصم بن هَارُون الرشيد وَذَلِكَ أَنه حج فَسمع رجلا يَدْعُو عَلَيْهِ فهم بقتْله فَقَالَ لَهُ الرجل وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ
(3/228)

مَا قلت مَا قلت إِلَّا وَقد ايقنت بِالْقَتْلِ فاسمع مقالي ثمَّ مر بقتلي فَقَالَ قل فَشَكا إِلَيْهِ استطالة كتاب أهل الذِّمَّة على الْمُسلمين فِي كَلَام طَوِيل فَخرج أَمر أَمِير الْمُؤمنِينَ المتَوَكل بِأَن يلبس النَّصَارَى وَالْيَهُود ثِيَاب العسلي وَأَن لَا يمكنوا من لبس الْبيَاض كي لَا يتشبهوا بِالْمُسْلِمين وَأَن تكون ركبهمْ خشبا وَأَن تهدم بيعهم المستجدة وَأَن تطلق عَلَيْهِم الْجِزْيَة وَلَا يفسح لَهُم فِي دُخُول حمامات خدمها من الْمُسلمين وَأَن تفرد لَهُم حمامات خدمها من أهل الذِّمَّة وَأَن لَا يستخدموا مُسلما فِي حوائجهم وأفردهم بِمن يحْتَسب عَلَيْهِم وَأمر أَن يكْتب بذلك كُله كتابا فَكتب
وَهَذِه نسخته

أما بعد فَإِن الله تَعَالَى اصْطفى الْإِسْلَام دينا فشرفه وَكَرمه وأناره ونضره وأظهره وفضله وأكمله فَهُوَ الدّين الَّذِي لَا يقبل غَيره قَالَ الله تَعَالَى {وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَة من الخاسرين}
(3/229)

بعث بِهِ صَفيه وَخيرته من خلقه مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جعله خَاتم النَّبِيين وَإِمَام الْمُتَّقِينَ وَسيد الْمُرْسلين {لينذر من كَانَ حَيا ويحق القَوْل على الْكَافرين} وَأنزل كتابا عَزِيزًا {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه تَنْزِيل من حَكِيم حميد} أسعد بِهِ أمته وجعلهم خير أمة أخرجت للنَّاس يأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر ويؤمنون بِاللَّه {وَلَو آمن أهل الْكتاب لَكَانَ خيرا لَهُم مِنْهُم الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرهم الْفَاسِقُونَ} وأهان الشّرك وَأَهله ووضعهم وصغرهم وقمعهم وخذلهم وتبرأ مِنْهُم وَضرب عَلَيْهِم الذلة والمسكنة وَقَالَ {قَاتلُوا الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَلَا بِالْيَوْمِ الآخر وَلَا يحرمُونَ مَا حرم الله وَرَسُوله وَلَا يدينون دين الْحق من الَّذين أُوتُوا الْكتاب حَتَّى يُعْطوا الْجِزْيَة عَن يَد وهم صاغرون} واطلع
(3/230)

على قُلُوبهم وخبث سرائرهم وضمائرهم فَنهى عَن ائتمانهم والثقة بهم لعداوتهم للْمُسلمين وغشهم وبغضائهم فَقَالَ {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا بطانة من دونكم لَا يألونكم خبالا ودوا مَا عنتم قد بَدَت الْبغضَاء من أَفْوَاههم وَمَا تخفي صُدُورهمْ أكبر قد بَينا لكم الْآيَات إِن كُنْتُم تعقلون} وَقَالَ تَعَالَى {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافرين أَوْلِيَاء من دون الْمُؤمنِينَ أتريدون أَن تجْعَلُوا لله عَلَيْكُم سُلْطَانا مُبينًا} وَقَالَ تَعَالَى {لَا يتَّخذ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافرين أَوْلِيَاء من دون الْمُؤمنِينَ وَمن يفعل ذَلِك فَلَيْسَ من الله فِي شَيْء إِلَّا أَن تتقوا مِنْهُم تقاة} وَقَالَ تَعَالَى {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَمن يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُم فَإِنَّهُ مِنْهُم إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين}
(3/231)

وَقد انْتهى إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن أُنَاسًا لَا رَأْي لَهُم وَلَا روية يستعينون بِأَهْل الذِّمَّة فِي أفعالهم ويتخذونهم بطانة من دون الْمُسلمين ويسلطونهم على الرّعية فيعسفونهم ويبسطون أَيْديهم إِلَى ظلمهم وغشهم والعدوان عَلَيْهِم فأعظم أَمِير الْمُؤمنِينَ ذَلِك وَأنْكرهُ وأكبره وتبرأ مِنْهُ وَأحب التَّقَرُّب إِلَى الله تَعَالَى بحسمه وَالنَّهْي عَنهُ وَرَأى أَن يكْتب إِلَى عماله على الكور والأمصار وولاة الثغور والأجناد فِي ترك استعمالهم لأهل الذِّمَّة فِي شَيْء من أَعْمَالهم وأمورهم والإشراك لَهُم فِي أُمُورهم وأماناتهم وَمَا قلدهم أَمِير الْمُؤمنِينَ واستحفظهم إِيَّاه إِذْ جعل فِي الْمُسلمين الثِّقَة فِي الدّين وَالْأَمَانَة على إخْوَانهمْ الْمُؤمنِينَ وَحسن الرِّعَايَة لما استرعاهم والكفاية لما استكفوا وَالْقِيَام بِمَا حملُوا بِمَا أغْنى عَن الِاسْتِعَانَة من الْمُشْركين بِاللَّه المكذبين برسله الجاحدين لآياته الجاعلين مَعَه إِلَهًا آخر لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَحده لَا شريك لَهُ
وَرَجا أَمِير الْمُؤمنِينَ بِمَا ألهمه الله من ذَلِك وَقذف فِي
(3/232)

قلبه جزيل الثَّوَاب وكريم المآب وَالله تَعَالَى يعين أَمِير الْمُؤمنِينَ على نِيَّته على تعزيز الْإِسْلَام وَأَهله وإذلال الشّرك وَحزبه
فلتعلم هَذَا من رَأْي أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلَا تستعن بِأحد من الْمُشْركين وَأنزل أهل الذِّمَّة مَنَازِلهمْ الَّتِي أنزلهم الله بهَا واقرأ كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ على أهل أعمالك وأشعه فيهم وَلَا يعلم أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنَّك استعنت وَلَا أحد من عمالك وأعوانك بِأحد من أهل الذِّمَّة فِي عمل الْإِسْلَام
قلت ثمَّ لم يزل الْخُلَفَاء بعد المتَوَكل يتداولون كِتَابَة مثل ذَلِك فِي كل زمن ويشددون فِيهِ حَتَّى أَن المقتدر بِاللَّه فِي سنة خمس وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ عزل كتاب النَّصَارَى وعمالهم وَأمر بِأَن لَا يستعان بِأحد من أهل الذِّمَّة وَقتل بعض النَّصَارَى وَكتب إِلَى عماله بهَا
نسخته

عوائد الله عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ تومى على عَادَة رِضَاهُ
(3/233)

وَنِهَايَة أمانيه وَلَيْسَ أحد يظْهر عصيانه إِلَّا جعله الله عظة للأنام وبادره بعاجل الاصطلام وَالله عَزِيز ذُو انتقام فَمن نكث وطغى وبغى وَخَالف أَمِير الْمُؤمنِينَ وَخَالف مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وسعى فِي إِفْسَاد دولة أَمِير الْمُؤمنِينَ عاجله أَمِير الْمُؤمنِينَ بسطوته وطهر من رجسه دولته وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين
وَقد أَمر أَمِير الْمُؤمنِينَ بترك الِاسْتِعَانَة بِأحد من أهل الذِّمَّة فليحذر الْعمَّال تجَاوز أَمر أَمِير الْمُؤمنِينَ ونواهيه
وَكَذَلِكَ وَقع فِي زمن الْآمِر الفاطمي بالديار المصرية أَمر بِكِتَاب كتاب عَنهُ بإلباس أهل الذِّمَّة الغيار وَإِنْزَالهمْ بالمنزلة الَّتِي أَمر الله تَعَالَى أَن ينزلُوا بهَا من الذل وَالصغَار وَأمر أَن لَا يولوا شَيْئا من أَعمال الْإِسْلَام وَأَن ينشأ فِي ذَلِك كتاب يقف عَلَيْهِ الْخَاص وَالْعَام فَكتب
وأوله الْحَمد لله المعبود فِي أرضه وسمائه والمجيب دُعَاء من يَدعُوهُ بأسمائه
(3/234)

وَهُوَ كتاب طَوِيل قصّ عَلَيْهِم فِيهِ كل نكال
وعَلى ذَلِك جرى مُلُوك الديار المصرية إِلَى أَن كَانَ آخر مَا كتب بِمثل ذَلِك عَن الْملك الصَّالح صَالح بن السُّلْطَان الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون فِي سنة خمس وَخمسين وَسبع مائَة
(3/235)

الْبَاب السَّادِس

فِي الْكتب الصادرة عَن الْخُلَفَاء وولاة الْعَهْد بالخلافة والكتب الصادرة إِلَى الْخُلَفَاء وولاة الْعَهْد من الْمُلُوك وَنَحْوهم وَفِيه فصلان
الْفَصْل الأول

فِي الْكتب الصادرة عَن الْخُلَفَاء وولاة الْعَهْد
أما الْكتب الصادرة عَن الْخُلَفَاء
فللكتاب فِي المكاتبات الْعَامَّة فِيهَا أَرْبَعَة مَذَاهِب
الْمَذْهَب الأول

أَن يفْتَتح الْكتاب بِلَفْظ أما بعد وَرُبمَا أَتَى فِيهِ بعد البعدية بالتحميد إِذا كَانَ الْكتاب مِمَّا يدل على نعْمَة ظَاهِرَة من فتح أَو غَيره وَقد يَنْتَهِي التَّحْمِيد إِلَى ثلثه وَقد يقصر فِيهِ على تَحْمِيدَة وَاحِدَة وَرُبمَا أهمل التَّحْمِيد وَوَقع الِافْتِتَاح بأما بعد فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ
وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ
(3/236)

يفْتَتح كتبه بأما بعد كَمَا كتب صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى نَصَارَى نَجْرَان
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم إِلَه ابراهيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب أما بعد فَإِنِّي أدعوكم إِلَى عبَادَة الله من عبَادَة الْعباد وأدعوكم إِلَى ولَايَة الله من ولَايَة الْعباد فَإِن أَبَيْتُم فالجزية فَإِن أَبَيْتُم فقد آذنتكم بِحَرب الْإِسْلَام
وعَلى ذَلِك

كتب أَمِير الْمُؤمنِينَ عُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله عَنهُ حِين حصر فِي دَاره إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ
أما بعد فقد بلغ السَّيْل الزبى والحزام الطبيين وطمع فِي كل من كَانَ يضعف عَن نَفسه وَلم يَغْلِبك مثل مغلب فَأقبل إِلَى صديقا كنت أم عدوا
(3/237)

.. فَإِن كنت مَأْكُولا فَكُن خير آكل
وَإِلَّا فأدركني وَلما أمزق ...
وعَلى مثل ذَلِك كتب يزِيد بن مُعَاوِيَة إِلَى أهل الْمَدِينَة وَقد خَرجُوا عَن طَاعَته
أما بعد فَإِن {الله لَا يُغير مَا بِقوم حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم وَإِذا أَرَادَ الله بِقوم سوءا فَلَا مرد لَهُ وَمَا لَهُم من دونه من وَال} وَإِنِّي وَالله قد لبستكم فأخلقتكم ورفعتكم على رَأْسِي ثمَّ على عَيْني ثمَّ على فمي ثمَّ على بَطْني وأيم الله لَئِن وضعتكم تَحت قدمي لأطأنكم وَطْأَة أقل بهَا عددكم وأترككم بهَا أَحَادِيث تنسخ مِنْهَا أخباركم كأخبار عَاد وَثَمُود
وعَلى هَذَا الأسلوب

كتب عَن المعتصم بِاللَّه إِلَى مُلُوك الْآفَاق من الْمُسلمين عِنْد
(3/238)

قبض الأفشين على بابك ملك الرّوم وَهُوَ من الْفتُوح الْعَظِيمَة فِي الْإِسْلَام
وَهَذِه نسخته

أما بعد فَالْحَمْد لله الَّذِي جعل الْعَاقِبَة لدينِهِ والعصمة لأوليائه والعز لمن نَصره والفلج لمن أطاعه وَالْحق لمن عرف حَقه وَجعل دَائِرَة السوء على من عَصَاهُ وصدف عَنهُ وَرغب عَن ربوبيته وابتغى إِلَهًا غَيره لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ يحمده أَمِير الْمُؤمنِينَ حمد من لَا يعبد غَيره وَلَا يتوكل إِلَّا عَلَيْهِ وَلَا يُفَوض أمره إِلَّا إِلَيْهِ وَلَا يَرْجُو الْخَيْر إِلَّا من عِنْده والمزيد إِلَّا من سَعَة فَضله وَلَا يَسْتَعِين فِي أَحْوَاله كلهَا إِلَّا بِهِ ويسأله أَن يُصَلِّي على مُحَمَّد عَبده وَرَسُوله وصفوته من عباده الَّذِي ارْتَضَاهُ لنبوته وابتعثه بوحيه واختصه بكرامته فَأرْسلهُ بِالْحَقِّ شَاهدا وَمُبشرا وَنَذِيرا وداعيا إِلَى الله بِإِذْنِهِ وسراجا منيرا وَالْحَمْد لله الَّذِي توجه لأمير الْمُؤمنِينَ بصنعه فيسر لَهُ
(3/239)

أمره وَصدق لَهُ ظَنّه وأنجح لَهُ طلبته وأنفذ لَهُ حيلته وَبلغ لَهُ بغيته وَأدْركَ الْمُسلمُونَ بثأرهم على يَده وَقتل عدوهم وأسكن روعهم ورحم فاقتهم وآنس وحشتهم فَأَصْبحُوا آمِنين مُطْمَئِنين مقيمين فِي دِيَارهمْ متمكنين من أوطانهم بعد الْقَتْل والحرق والتشريد وَطول العناء وتتابع الْبلَاء منا من الله عز وَجل على أَمِير الْمُؤمنِينَ بِمَا خصّه بِهِ وصنعا لَهُ فِيمَا وَفقه لطلبه وكرامة زَادهَا فِيمَا أجْرى على يَده فَالْحَمْد لله كثيرا كَمَا هُوَ أَهله ويرغب إِلَى الله فِي تَمام نعمه ودوام صنعه وسعة مَا عِنْده بمنه ولطفه وَلَا يعلم أَمِير الْمُؤمنِينَ مَعَ كَثْرَة أَعدَاء الْمُسلمين وتكنفهم إِيَّاه من أقطاره والضغائن الَّتِي فِي قُلُوبهم على أَهله وَمَا يترصدونه من الْعَدَاوَة وينطوون عَلَيْهِ من المكايدة إِذْ كَانَ هُوَ الظَّاهِر عَلَيْهِم والآخذ مِنْهُم عدوا كَانَ أعظم بلية وَلَا أجل خطبا وَلَا أَشد طلبا وَلَا أبلغ مكايدة وَلَا أرمى بمكروه من هَؤُلَاءِ
(3/240)

الْكَفَرَة الَّذين يغزوهم الْمُسلمُونَ فيستعلون عَلَيْهِم ويضعون أَيْديهم حَيْثُ شَاءُوا مِنْهُم وَلَا يقبلُونَ لَهُم صلحا وَلَا يميلون مَعَهم إِلَى موادعة وَإِن كَانَت لَهُم على طول الْأَيَّام وَتصرف الْحَالَات وَبَعض مَا لَا يزَال يكون من فترات وُلَاة الثغور أدنى دولة من دولات الظفر وخلسة من خلس الْحَرْب كَانَ مَالهم من خوف الْعَاقِبَة فِي ذَلِك منغصا لما تعجلوا من سروره وَمَا يتوقعون من الدَّوَائِر بعد تكدرا لما وصل إِلَيْهِم من فرحة
فَأَما اللعين بابك وكفرته فَإِنَّهُم كَانُوا يغزون أَكثر مِمَّا يغزون وينالون أَكثر مِمَّا ينَال مِنْهُم وهم المنحرفون عَن الْمُوَادَعَة المتوحشون عَن المراسلة وَمن أديلوا من تتَابع الدول وَلم يتجافوا عَاقِبَة تُدْرِكهُمْ وَلَا دَائِرَة تَدور عَلَيْهِم وَكَانَ مِمَّا وطأ ذَلِك ومكنه لَهُم أَنهم قوم ابتدءوا أَمرهم على حَال تشاغل من السُّلْطَان وتتابع من الْفِتَن واضطراب من الْحَبل فَاسْتَقْبلُوا أَمرهم بعزة من أنفسهم وَضعف واستشارة مِمَّن باراهم فأجلوا من
(3/241)

حَولهمْ لتخلص الْبِلَاد لَهُم ثمَّ أخربوا الْبِلَاد ليز مطلبهم وتشتد المؤونة وتعظم الكلفة ويقووا فِي ذَات أَيْديهم فَلم يتواف إِلَيْهِم قواد السُّلْطَان إِلَّا وَقد توافت إِلَيْهِم الْقُوَّة من كل جَانب فاستفحل أَمرهم وعظمت شوكتهم واشتدت ضراوتهم وَاسْتَجْمَعَ لَهُم كيدهم وَكثر عَددهمْ واعتدادهم وتمكنت الْمُصِيبَة فِي صُدُور النَّاس مِنْهُم وَتحقّق فِي نُفُوسهم أَن كل مَا يعدهم الْكَافِر ويمنيهم أَخذ بِالْيَدِ وَكَانَ الَّذِي بقى عِنْدهم مِنْهُ كَالَّذي مضى وَبِدُون هَذَا مَا يختدع الأريب ويستزل الْعَاقِل ويعتقل الفطن فَكيف من لَا فكرة لَهُ وَلَا روية عِنْده
هَذَا مَعَ كل مَا يقوم فِي قُلُوبهم من حسد أهل النعم ومنافستهم على مَا فِي أَيْديهم وتقطعهم حسرات فِي إِثْر مَا خصوا بِهِ وَأَنَّهُمْ إِلَّا يَكُونُوا يرَوْنَ أنفسهم أَحَق بذلك فَإِنَّهُم يرَوْنَ أنفسهم فِيهِ سَوَاء
وَلم يزل أَمِير الْمُؤمنِينَ قبل أَن تُفْضِي إِلَيْهِ الْخلَافَة
(3/242)

مَادًّا عُنُقه موجها همته إِلَى أَن يوليه الله أَمر هَؤُلَاءِ الْكَفَرَة ويملكه حربهم ويجعله المقارع لَهُم عَن دينه والمناجز لَهُم عَن حَقه فَلم يكن يألو فِي ذَلِك حرصا وطلبا واحتفالا فَكَانَ أَمِير الْمُؤمنِينَ رَضِي الله عَنهُ يَأْبَى ذَلِك لضنه بِهِ وصيانته بِقُرْبِهِ مَعَ الْأَمر الَّذِي أعده الله وآثره بِهِ وَرَأى أَن شَيْئا لَا يَفِي بقوام الدّين وَصَلَاح الْأَمر
فَلَمَّا أفْضى الله إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ بخلافته وَأطلق الْأَمر فِي يَده لم يكن شَيْء أحب إِلَيْهِ وَلَا آخذ بِقَلْبِه من المعاجلة للْكَافِرِ وكفرته فأعزه الله وأعانه الله فَللَّه الْحَمد على ذَلِك وتيسره فأعد من أَمْوَاله أحصرها وَمن قواد جَيْشه أعلمهم بِالْحَرْبِ وأنهضهم بالمعضلات وَمن أوليائه وَأَبْنَاء دَعوته ودعوة آبَائِهِ صلوَات الله عَلَيْهِم أحْسنهم طَاعَة وأشدهم نكاية وَأَكْثَرهم عدَّة ثمَّ أتبع الْأَمْوَال بالأموال وَالرِّجَال بِالرِّجَالِ من خَاصَّة موَالِيه وَعدد غلمانه وَقبل ذَلِك مَا اتكل عَلَيْهِ من صنع
(3/243)

الله جلّ وَعز وَوجه إِلَيْهِ من رغبته فَكيف رأى الْكَافِر اللعين وَأَصْحَابه الملاعين ألم يكذب الله ظنونهم ويشف صُدُور أوليائه مِنْهُم فَقَتَلُوهُمْ كَيفَ شَاءُوا فِي كل موطن ومعترك مَا دَامَت عِنْد أنفسهم مقاومة
فَلَمَّا ونوا وقلوا وكرهوا الْمَوْت صَارُوا لَا يتراءون إِلَّا فِي رُؤُوس الْجبَال ومضايق الطّرق وَخلف الأودية وَمن وَرَاء الْأَنْهَار وَحَيْثُ لَا تنالهم الْخَيل حبا للمطاولة وانتظارا للدوائر فكادهم الله عِنْد ذَلِك وَهُوَ خير الكائدين واستدرجهم حَتَّى جمعهم إِلَى حصنهمْ معتصمين فِيهِ عِنْد أنفسهم فَجعلُوا اعتصامهم لحين لَهُم وصنع لأوليائه وإحاطة مِنْهُ بِهِ تبَارك وَتَعَالَى فَجَمعهُمْ وحصرهم كي لَا تبقى مِنْهُم بَقِيَّة وَلَا يترجى لَهُم عَاقِبَة وَلَا يكون الدّين إِلَّا لله وَلَا الْعَاقِبَة إِلَّا لأوليائه وَلَا التعس والنكس إِلَّا لمن خذله
فَلَمَّا حصرهم الله تَعَالَى وحبسهم ودانتهم مصَارِعهمْ
(3/244)

سلطهم الله عَلَيْهِم كيد وَاحِدَة يختطفونهم بسيوفهم وينتظمونهم برماحهم فَلَا يَجدونَ ملْجأ وَلَا مهربا ثمَّ أمكنهم من أَهَالِيهمْ وَأَوْلَادهمْ وَنِسَائِهِمْ وخدمهم وصير الدَّار دَارهم والمحلة محلتهم وَالْأَمْوَال قسما بَينهم والأهل إِمَاء وعبيدا لَهُم وَفَوق ذَلِك كُله مَا فعل بهؤلاء وَأَعْطَاهُمْ من الرَّحْمَة وَالثَّوَاب وَمَا أعد لأولئك من الخزي وَالْعِقَاب وَصَارَ الْكَافِر بابك لَا فِي من قتل فَيسلم من ذل الْغَلَبَة وَلَا فِيمَن نجا فعاين فِي الْحَيَاة بعض الْعِوَض وَلَا فِيمَن أُصِيب فيشتغل بِنَفسِهِ عَن الْمُصِيبَة بِمَا سواهُ وَلكنه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أطلقهُ وسد مذاهبه وَتَركه ملددا بَين الذل وَالْخَوْف والغصة وَالْحَسْرَة حَتَّى إِذا ذاق طعم ذَلِك كُله وفهمه وَعرف بموقع الْمُصِيبَة وَظن مَعَ ذَلِك كُله أَنه على طَرِيق من النجَاة فَأَضْرب الله وَجهه وأعمى بَصَره وسد سَبيله وَأخذ بسمعه وبصره وحازه إِلَى من لَا يرق لَهُ وَلَا يرثى لمصرعه فامتثل مَا أَمر بِهِ الأفشين حيدر بن طَاوُوس مولى أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي أمره فَبَثَّ لَهُ الحبائل وَوضع عَلَيْهِ الأرصاد وَنصب لَهُ
(3/245)

الأشراك حَتَّى أظفره الله بِهِ أسيره ذليلا موثقًا فِي الْحَدِيد يرَاهُ فِي تِلْكَ الْحَالة من كَاد يرَاهُ رَبًّا وَيرى الدائرة عَلَيْهِ من كَانَ يظنّ أَنَّهَا سَتَكُون لَهُ
فَالْحَمْد لله الَّذِي أعز دينه وَأظْهر حجَّته وَنصر أولياءه وَأهْلك أعداءه حمدا يقْضى بِهِ الْحق وتتم بِهِ النِّعْمَة وتتصل بِهِ الزِّيَادَة
وَالْحَمْد لله الَّذِي فتح على أَمِير الْمُؤمنِينَ وحقق ظَنّه وأنجح سَعْيه وَحَازَ لَهُ هَذَا الْفَتْح وذخره وشرفه وَجعله خَالِصا لتمامه وكمله بأكمل الصنع وَأحسن الْكِفَايَة وَلم ير يَوْمًا فِيهِ يقذى عينه وَلَا خلا من سرُور يرَاهُ وَبشَارَة تتجدد لَهُ عَنهُ فَمَا يدْرِي أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا متع فِيهِ من الأمل أَو مَا ختم لَهُ من الظفر فَالْحَمْد لله أَولا وَالْحَمْد لله على عطاياه الَّتِي لَا تحصى ونعمه الَّتِي لَا تنسى
الْمَذْهَب الثَّانِي

فِيمَا يكْتب عَن الْخُلَفَاء من الْكتب أَن يفْتَتح الْكتاب بِلَفْظ من فلَان إِلَى فلَان
(3/246)

وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَن مُعظم كتب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الصادرة عَنهُ كَانَت على هَذَا النمط
كَمَا كتب عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى هِرقل ملك الرّوم من مُحَمَّد رَسُول الله إِلَى هِرقل عَظِيم الرّوم سَلام على من اتبع الْهدى
أما بعد فَإِنِّي أَدْعُوك بِدِعَايَةِ الْإِسْلَام أسلم تسلم أسلم يؤتك الله أجرك مرَّتَيْنِ فَإِن توليت فَإِن عَلَيْك إِثْم الأريسيين و {يَا أهل الْكتاب تَعَالَوْا إِلَى كلمة سَوَاء بَيْننَا وَبَيْنكُم أَلا نعْبد إِلَّا الله وَلَا نشْرك بِهِ شَيْئا وَلَا يتَّخذ بَعْضنَا بَعْضًا أَرْبَابًا من دون الله فَإِن توَلّوا فَقولُوا اشْهَدُوا بِأَنا مُسلمُونَ}
وَكَانَ أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ فِي خِلَافَته يكْتب عَنهُ من أبي بكر خَليفَة رَسُول الله ثمَّ الْبَاقِي من نِسْبَة مَا يكْتب عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
ثمَّ كتب عَن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ فِي أول
(3/247)

خِلَافَته من عمر خَليفَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى أَن لقب بأمير الْمُؤمنِينَ فَكتب من عمر أَمِير الْمُؤمنِينَ فلزمها من بعده من الْخُلَفَاء إِلَى أَن كَانَت خلَافَة الْمَأْمُون فَزَاد بعد التَّحْمِيد وأسأله أَن يُصَلِّي على مُحَمَّد عَبده وَرَسُوله فَتَبِعَهُ من بعده من الْخُلَفَاء على ذَلِك ثمَّ يُؤْتى بالبعدية وَيَدعِي للخليفة مثل أَطَالَ الله بَقَاءَك وَنَحْوه ثمَّ يُؤْتى على الْمَقْصُود وَكَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يكْتب فِي كتبه إِلَى أَصْحَابه بعد من مُحَمَّد رَسُول الله سَلام عَلَيْك فَإِنِّي أَحْمد إِلَيْك الله الَّذِي لَا إِلَيْهِ إِلَّا هُوَ
وَهَذِه نُسْخَة كتاب كتب بِهِ عَن أبي بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ إِلَى أهل الرِّدَّة حِين ارْتَدُّوا عَن الْإِسْلَام بعد وَفَاة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهِي
من أبي بكر خَليفَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى من بلغه كتابي هَذَا من عَامَّة وخاصة أَقَامَ على الْإِسْلَام أَو رَجَعَ عَنهُ
سَلام على من اتبع الْهدى وَلم يرجع بعد الْهدى إِلَى الضَّلَالَة والعمى فَإِنِّي أَحْمد إِلَيْكُم الله الَّذِي لَا
(3/248)

إِلَه إِلَّا هُوَ وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله وَأقر بِمَا جَاءَ بِهِ وأكفر من أَبى وأجاهده
أما بعد فَإِن الله أرسل مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ من عِنْده إِلَى خلقه بشيرا وَنَذِيرا وداعيا إِلَى الله بِإِذْنِهِ وسراجا منيرا {لينذر من كَانَ حَيا ويحق القَوْل على الْكَافرين} يهدي الله للحق من أجَاب إِلَيْهِ وَضرب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِإِذْنِهِ من أدبر عَنهُ حَتَّى صَار الْإِسْلَام طَوْعًا وَكرها ثمَّ توفى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد نفذ لأمر الله ونصح لأمته وَقضى الَّذِي عَلَيْهِ وَكَانَ الله قد بَين لَهُ ذَلِك وَلأَهل الْإِسْلَام فِي الْكتاب الَّذِي أنزل فَقَالَ {إِنَّك ميت وَإِنَّهُم ميتون} وَقَالَ {وَمَا جعلنَا لبشر من قبلك الْخلد أَفَإِن مت فهم الخالدون} وَقَالَ للْمُؤْمِنين {وَمَا مُحَمَّد إِلَّا رَسُول قد خلت من قبله الرُّسُل أَفَإِن مَاتَ أَو قتل انقلبتم على أعقابكم وَمن يَنْقَلِب على عَقِبَيْهِ فَلَنْ يضر الله شَيْئا وسيجزي الله الشَّاكِرِينَ}
(3/249)

فَمن كَانَ يعبدا مُحَمَّدًا فَإِن مُحَمَّدًا قد مَاتَ وَمن كَانَ يعبد الله وَحده لَا شريك لَهُ فَإِن الله بالمرصاد حَيّ قيوم لَا يَمُوت وَلَا تَأْخُذهُ سنة وَلَا نوم حَافظ لأَمره منتقم من عدوه بحزبه وَإِنِّي أوصيكم بتقوى الله وحظكم ونصيبكم من الله وَمَا جَاءَ بِهِ نَبِيكُم وَأَن تهتدوا بهديه وَأَن تعتصموا بدين الله فَإِنَّهُ من لم يهده الله صل وَمن لم يعافه مبتلى وكل من لم ينصره مخذول فَمن هداه الله كَانَ مهديا وَمن أضلّهُ كَانَ ضَالًّا {من يهد الله فَهُوَ المهتد وَمن يضلل فَلَنْ تَجِد لَهُ وليا مرشدا} وَلم يقبل مِنْهُ فِي الدُّنْيَا عمل حَتَّى يقر بِهِ وَلم يقبل لَهُ فِي الْآخِرَة صرف وَلَا عدل
وَقد بَلغنِي رُجُوع من رَجَعَ مِنْكُم عَن دينه بعد أَن أقرّ بِالْإِسْلَامِ وَعمل بِهِ اغْتِرَارًا بِاللَّه وجهالة بأَمْره وَإجَابَة للشَّيْطَان وَقَالَ الله جلّ ثَنَاؤُهُ {وَإِذ قُلْنَا للْمَلَائكَة اسجدوا لآدَم فسجدوا إِلَّا إِبْلِيس كَانَ من الْجِنّ ففسق عَن أَمر ربه أفتتخذونه وَذريته أَوْلِيَاء من دوني وهم لكم عَدو بئس للظالمين بَدَلا}
(3/250)

وَقَالَ {إِن الشَّيْطَان لكم عَدو فاتخذوه عدوا إِنَّمَا يَدْعُو حزبه ليكونوا من أَصْحَاب السعير} وَإِنِّي أنفذت إِلَيْكُم فلَانا فِي جَيش من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَالتَّابِعِينَ بِإِحْسَان وأمرته أَلا يعاجل أحدا وَلَا يقْتله حَتَّى يَدعُوهُ إِلَى مَا عِنْد الله فَمن اسْتَجَابَ لَهُ وَأقر وكف وَعمل صَالحا قبل مِنْهُ وأعانه عَلَيْهِ وَمن أَبى أَمرته أَن يقاتله على ذَلِك وَلَا يبقي على أحد مِنْهُم قدر عَلَيْهِ وَأَن يحرقهم بالنيران ويقتلهم كل قتلة وَيَسْبِي النِّسَاء والذراري وَلَا يقبل من أحد إِلَّا الْإِسْلَام فَمن آمن فَهُوَ خير لَهُ وَمن تَركه فَلَنْ يعجز الله وَقد أمرت رَسُولي أَن يقْرَأ كتابي فِي كل مجمع لكم والداعية الْأَذَان فَإِن أذن الْمُسلمُونَ فأذنوا كفوا عَنْهُم وَإِن لم يؤذنوا سلوهم عَمَّا عَلَيْهِم فَإِن أَبَوا عاجلوهم وَإِن أقرُّوا قبل مِنْهُم وَحَملهمْ على مَا يَنْبَغِي لَهُم
(3/251)

وَهَذِه نُسْخَة كتاب

كتب بِهِ عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ إِلَى عَمْرو بن الْعَاصِ وَقد بلغه فَاشِية مَال فَشَتْ لَهُ وَهُوَ يَوْمئِذٍ أَمِير مصر وَهِي
من عبد الله عمر أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى عَمْرو بن الْعَاصِ سَلام عَلَيْك
أما بعد فَإِنَّهُ قد بَلغنِي أَنه فَشَتْ لَك فَاشِية من خيل وإبل وبقر وَعبيد وعهدي بك قبل ذَلِك وَلَا مَال لَك فَاكْتُبْ إِلَيّ من أَيْن أصل هَذَا المَال
وَهَذِه نسخته كتاب من ذَلِك

كتب بِهِ عبد الْملك بن مَرْوَان إِلَى الْحجَّاج بن يُوسُف وَقد بلغه أَنه تعرض لأنس بن مَالك رَضِي الله عَنهُ وَهِي
من عبد الله عبد الْملك بن مَرْوَان إِلَى الْحجَّاج بن يُوسُف أما بعد فَإنَّك عبد قد علت بك الْأُمُور فطغيت وعلوت فِيهَا حَتَّى جزت حد قدرك وعدوت طورك وَايْم الله
(3/252)

لأغمزنك كبعض غمزات الليوث الثعالب ولأركضنك ركضة تدخل مِنْهَا فِي وجعاء أمك اذكر مكاسب آبَائِك فِي الطَّائِف إِذْ كَانُوا ينقلون الْحِجَارَة على أَعْنَاقهم ويحفرون الْآبَار والمناهر بِأَيْدِيهِم قد نسيت مَا كنت عَلَيْهِ أَنْت وآباؤك من الدناءة واللوم والضراعة وَقد بلغ أَمِير الْمُؤمنِينَ من استطاعتك على أنس بن مَالك جرْأَة مِنْك على أَمِير الْمُؤمنِينَ وغرة بِمَعْرِِفَة غَيره ونقماته وسطواته على من خَالف سَبيله وَعمد إِلَى غير محجته وَنزل عِنْد سخطه وأظنك أردْت أَن تروزه بهَا فتعلم مَا عِنْده من التَّغْيِير والتنكير فِيهَا فَإِن سوغتها نصبت قدما وَإِن غصصتها وليت دبرا أَيهَا العَبْد الْأَخْفَش الْعَينَيْنِ الأصك الرجلَيْن الْمَمْسُوح الْجَاعِرَتَيْنِ وَلنْ يخفى على أَمِير الْمُسلمين نبؤك و {لكل نبإ مُسْتَقر وسوف تعلمُونَ}
(3/253)

وَهَذِه نُسْخَة كتاب على هَذِه الطَّرِيقَة

كتب بِهِ أَبُو إِسْحَاق الصابي عَن الطائع إِلَى صمصام الدولة بن عضد الدولة بن بويه عِنْد قبض على كردويه الْكرْدِي شاكرا همته فِي ذَلِك فِي ربيع الأول سنة خمس وَسبعين وثلاثمائة وَهِي
من عبد الله عبد الْكَرِيم الإِمَام الطائع لله أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى صمصام الدولة وشمس الْملَّة أبي كاليجار ابْن عضد الدولة وتاج الْملَّة مولى أَمِير الْمُؤمنِينَ
سَلام عَلَيْك فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يحمد إِلَيْك الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ ويسأله أَن يُصَلِّي على مُحَمَّد عَبده وَرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
أما بعد أَطَالَ الله بَقَاءَك فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ وَإِن كَانَ قد بوأك الْمنزلَة الْعليا وأنالك من أثرته الْغَايَة القصوى وَجعل لَك مَا كَانَ لأَبِيك عضد الدولة وتاج الْملَّة رَحْمَة الله عَلَيْهِ من الْقدر وَالْمحل والموضع الأرفع الْأَجَل فَإِنَّهُ يُوجب لَك عِنْد ذَلِك أثرا يكون لَك فِي الْخدمَة
(3/254)

ومقاما حميدا تقومه فِي حماية الْبَيْضَة إنعاما بتظاهره وإكراما بتتابعه وتواتره وَالله يؤيدك من توفيقه وتسديده ويمدك بمعونته وتأييده وَيُخَير لأمير الْمُؤمنِينَ فِيمَا رَأْيه مُسْتَمر عَلَيْهِ من مزيدك وتمكينك والإبقاء بك وتعظيمك وَمَا توفيق أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ يتوكل وَإِلَيْهِ ينيب
وَقد عرفت أدام الله عزك مَا كَانَ من أَمر كردويه كَافِر نعْمَة أَمِير الْمُؤمنِينَ ونعمتك وجاحد صنعه وصنيعك فِي الوثبة الَّتِي وثبها والكبيرة الَّتِي ارتكبها وَتَقْدِيره أَن ينتهز الفرصة الَّتِي لم يُمكنهُ الله مِنْهَا بل كَانَ من وَرَاء ذَلِك دَفعه ورده عَنْهَا ومعاجلتك إِيَّاه الْحَرْب الَّتِي أصلاه الله نارها وَأتبعهُ عارها وشنارها حَتَّى انهزم والأوغاد الَّذين شركوه فِي إثارة الْفِتْنَة على أقبح أَحْوَال الذلة والقلة بعد الْقَتْل الذريع والإثخان الوجيع
فَالْحَمْد لله على هَذِه النِّعْمَة الَّتِي جلّ موقعها وَبَان على الْخَاصَّة والعامة أَثَرهَا وَلزِمَ أَمِير الْمُؤمنِينَ خُصُوصا
(3/255)

وَالْمُسْلِمين عُمُوما نشرها والْحَدِيث بهَا وَهُوَ الْمَسْئُول عَن إِقَامَتهَا وإدامتها برحمته
وَقد رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يجازيك عَن هَذَا الْفَتْح الْعَظِيم وَالْمقَام الْمجِيد الْكَرِيم بخلع تَامَّة ودابتين ومركبين ذَهَبا من مراكبه وَسيف وطوق وسوار مرصع فتلق ذَلِك بالشكر عَلَيْهِ والاعتداد بنعمته فِيهِ والبس خلع أَمِير الْمُؤمنِينَ وتكرمته وسر من بَابه على حملاته وَأظْهر مَا حباك بِهِ لأهل حَضرته ليعز الله بذلك وليه ووليك ويذل عدوه وعدوك إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَالسَّلَام عَلَيْك وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته
وعَلى نَحْو من هَذِه الطَّرِيقَة

كتب عَن الإِمَام المستكفي بِاللَّه أبي الرّبيع سُلَيْمَان بن الْحَاكِم بِأَمْر الله ثَانِي خلفاء بني الْعَبَّاس بالديار المصرية إِلَى الْملك الْمُؤَيد هزبر الدّين دَاوُد بن الْملك المظفر يُوسُف صَاحب الْيمن من مُلُوك بني رَسُول فِي الدولة الناصرية مُحَمَّد بن قلاوون فِي سنة سبع وَسَبْعمائة حِين منع صَاحب الْيمن
(3/256)

الْهَدِيَّة الَّتِي جرت الْعَادة بحملها من مُلُوك الْيمن إِلَى مُلُوك الديار المصرية يهدده فِيهِ ويطلبه بِالْقيامِ مَعَه فِي المساعدة لَهُ على التتار بِمَال يبْعَث بِهِ إِلَيْهِ مصدرا بِآيَة من الْقُرْآن مُتبعا للتصدير بِخطْبَة وَهِي {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم}
من عبد الله ووليه أبي الرّبيع سُلَيْمَان
أما بعد حمد الله مانح الْقُلُوب السليمة هداها ومرشد الْعُقُول إِلَى أَمر معادها ومبداها وموفق من اخْتَارَهُ إِلَى محجة صَوَاب لَا يضل سالكها وَلَا تظلم عِنْد اخْتِلَاف الْأُمُور الْعِظَام مسالكها وملهم من اصطفاه لابتغاء آثَار السّنَن النَّبَوِيَّة وَالْعَمَل بموجبات الْقَوَاعِد الشَّرْعِيَّة والانتظام فِي سلك من طوقته الْخلَافَة عقودها وأفاضت على سدته الجليلة برودها وملكته أقاصي الْبِلَاد وأناطته بأحكامه السديدة أُمُور الْعباد وسارت تَحت خوافق أَعْلَامه أَعْلَام الْمُلُوك والأكاسرة وشيدت بأحكامه مناجح الدُّنْيَا
(3/257)

ومصالح الْآخِرَة وتبختر كل مِنْبَر من ذكره فِي ثوب من السِّيَادَة معلم وتهللت من ألقابه الشَّرِيفَة أسارير كل دِينَار وَدِرْهَم
يحمده أَمِير الْمُؤمنِينَ على أَن جعل أُمُور الْخلَافَة ببنى الْعَبَّاس منوطة وَجعلهَا كلمة بَاقِيَة فِي عقبه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة محوطة وَيُصلي على ابْن عَمه مُحَمَّد الَّذِي أخمد الله بمبعثه مَا ثار من الْفِتَن وأطفأ برسالته مَا اضطرم من نَار الإحن صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَأَصْحَابه الَّذين حموا حمى الْخلَافَة وذادوا عَن مواردها وعمدوا إِلَى تشييد المعالم الدِّينِيَّة فأقاموها على قواعدها صَلَاة دائمة الغدو والرواح مُتَّصِلا أَولهَا بطرة اللَّيْل وَآخِرهَا بجبين الصَّباح هَذَا وَإِن الدّين الَّذِي فرض الله على الكافة الانضمام إِلَى شعبه وأطلع فِيهِ شموس هِدَايَة تشرق من مشرقه وَلَا تغرب فِي غربه جعل الله حكمه بأمرنا مَنُوطًا وَفِي سلك أحكامنا مخروطا وقلدنا من أَمر الْخلَافَة المعظمة سَيْفا طَال نجاده وَكثر أعوانه وأنجاده وفوض إِلَيْنَا أَمر الممالك الإسلامية فَإلَى حرمنا تجبى ثمراتها وَيرجع إِلَى ديواننا الْعَزِيز
(3/258)

نَفيهَا وإثباتها يخلف الْأسد فِي غابه إِن مضى شبله ويلفى فِي الْخَبَر وَالْخَبَر مثله
وَلما أَفَاضَ الله تَعَالَى علينا حلَّة الْخلَافَة وَجعل محلنا الشريف مَحل الرَّحْمَة والرافة وأقعدنا على سدة خلَافَة طالما أشرقت بالخلائف من آبَائِنَا وابتهجت بالسادة الغطاريف من أسلافنا وألبسنا خلعة من سَواد السؤدد مصبوغة وَمن سَواد الْعُيُون وسويداء الْقُلُوب مصوغة أمضينا على سدتنا الشَّرِيفَة أَمر الْخَاص وَالْعَام وقلدنا كل إقليم من أَعمالنَا من يصلح لسياسته على الدَّوَام واستكفينا بالكفاة من عمالنا على أَعمالنَا واتخذنا مصر دَار مقامنا وَبهَا سدة مقامنا لما كَانَت فِي هَذَا الْعَصْر قبَّة الْإِسْلَام وفيئة الإِمَام وثانية دَار السَّلَام تعين علينا أَن نتصفح جرائد أَعمالنَا ونتأمل نظام عمالنا مَكَانا مَكَانا وزمانا زَمَانا فتصفحناها فَوَجَدنَا قطر الْيمن خَالِيا من ولايتنا فِي هَذَا الزَّمن عرفنَا هَذَا الْأَمر من اتخذناه للممالك الإسلامية عينا وَقَلْبًا وصدرا ولبا وفوضنا إِلَيْهِ أَمر الممالك الإسلامية فَقَامَ فِيهَا مقَاما أقعد الأضداد وَأحسن فِي تَرْتِيب ممالكها نِهَايَة الإصدار وَغَايَة الْإِيرَاد وَهُوَ السُّلْطَان الْأَجَل السَّيِّد
(3/259)

الْملك النَّاصِر المبجل لَا زَالَت أَسبَاب الْمصَالح على يَدَيْهِ جَارِيَة وسحابة الْإِحْسَان من أفق رَاحَته سَارِيَة فَلم يعد جَوَابا لما ذَكرْنَاهُ وَلَا عذرا عَمَّا أبديناه إِلَّا بتجهيز شرذمة من جحافلة الْمَشْهُورَة وَتَعْيِين أنَاس من فوارسه الْمَذْكُورَة يقتحمون الْأَهْوَال وَلَا يعبأون بتغييرات الْأَحْوَال يرَوْنَ الْمَوْت معنما إِن صادفوه وشبا المرهف مكتسبا إِن صافحوه لَا يشربون سوى الدِّمَاء مدامة وَلَا يلبسُونَ غير السرابيل عِمَامَة وَلَا يعْرفُونَ طَربا إِلَّا مَا أصدره صليل الحسام من غنا وَلَا ينزلون قفرا إِلَّا وَنبت سَاعَة نزولهم من قِنَا وَلما وثقنا مِنْهُ بإنفاذهم راجعنا رَأينَا الشريف فَاقْتضى أَن يُكَاتب من بسط يَده فِي ممالكها واحتاط على جَمِيع مسالكها وَاتخذ أَهلهَا خولا وَأبْدى فِي خلال ديارها من عدم سياسة خللا برز مرسومنا الشريف النَّبَوِيّ أَن يُكَاتب من قعد على تخت مملكتها وَتصرف فِي جَمِيع أُمُور دولتها فطولع بِأَنَّهُ ولد السُّلْطَان الْملك المظفر يُوسُف بن عمر الَّذِي لَهُ شُبْهَة تمسك بأذيال المواقف المستعصمية وَهُوَ مستصحب الْحَال على زَعمه
(3/260)

أَو مَا علم الْفرق بَين الْأَحْيَاء والأموات أَو مَا تحقق الْحَال الَّتِي بَين النَّفْي وَالْإِثْبَات أصدرناها إِلَى الرحاب التَّعْزِيَة والمعالم اليمنية تشعر من تولى عَنْهَا فاستبد وَتَوَلَّى كبره فَلم يعرج على أحد أَن أَمر الْيمن مَا بَرحت نوابنا تحكم فِيهِ بِالْولَايَةِ الصَّحِيحَة والتفويضات الَّتِي هِيَ غير جريحة وَمَا زَالَت تحمل إِلَى بَيت المَال الْمَعْمُور مَا تمشى بِهِ الْجمال رويدا وتقذفه بطُون الْجَوَارِي إِلَى ظُهُور اليعملات وليدا ويطالعنا بِأَمْر مَصَالِحه ومفاسده وبحال دياره ومعاهده وَلَك أُسْوَة بوالدك فلَان هلا اقتفيت مَا سنه من آثاره ونقلت مَا دونته أَيدي الزَّمن من أخباره
واتصل بمواقفنا الشَّرِيفَة أُمُور صدرت مِنْك
مِنْهَا وَهِي الْعُظْمَى الَّتِي ترَتّب عَلَيْهَا مَا ترَتّب قطع الْميرَة عَن الْبَيْت الْحَرَام وَقد علمت أَنه وَاد غير ذِي زرع وَلَا يحل لأحد أَن يتَطَرَّق إِلَيْهِ بِمَنْع
وَمِنْهَا انصبابك إِلَى تَفْرِيغ مَال بَيت المَال فِي شرى
(3/261)

لَهو الحَدِيث وَنقض العهود الْقَدِيمَة بِمَا تبديه من حَدِيث
وَمِنْهَا تَعْطِيل أجياد المنابر من عُقُود اسمنا وخلو تِلْكَ الْأَمَاكِن من أُمُور عَقدنَا وحلنا وَلَو أوضحنا لَك مَا اتَّصل بِنَا من أَمرك لطال ولاتسعت فِيهِ دَائِرَة الْمقَال رسمنا بهَا وَالسيف يود لَو سبق الْقَلَم حَده وَالْعلم الْمَنْصُور يود لَو فَاتَ الْعلم واهتز بِتِلْكَ الروابي قده والكتائب المنصورة تخْتَار لَو بدرت عنوان الْكتاب وَأهل الْعَزْم والحزم يودون إِلَيْك إِعْمَال الركاب والجواري الْمُنْشَآت قد تكونت من ليل ونهار وبرزت كصور الأفيلة لَكِنَّهَا على وَجه المَاء كالأطيار وَمَا عمدنا إِلَى مُكَاتَبَتك إِلَّا للإنذار وَلَا احتجنا إِلَى مخاطبتك إِلَّا للإعذار فأقلع عَمَّا أَنْت بصدده من الْخُيَلَاء والإعجاب وانتظم فِي سلك من استخلفناه فَأخذ بِيَمِينِهِ مَا أعْطى من كتاب وصن بِالطَّاعَةِ من زعمت أَنهم مقيمون تَحت لِوَاء علمك ومنتظمون فِي سلك أوَامِر كلمك وداخلون تَحت طَاعَة قلمك فلسنا نشن الغارات على من نطق بِالشَّهَادَتَيْنِ لِسَانه وَقَلبه وامتثل أوَامِر الله المطاعة عقله ولبه ودان بِمَا يجب من الدّيانَة وتقلد عُقُود الصّلاح والتحف مطارف الْأَمَانَة ولسنا مِمَّن
(3/262)

يَأْمر بتجريد سيف إِلَّا على من علمنَا أَنه خرج عَن طاعتنا ورفض كتاب الله وَنزع عَن مبايعتنا فأصدرنا مرسومنا هَذَا إِلَيْهِ يقص عَلَيْهِ من أنباء حلمنا مَا أَطَالَ مُدَّة دولته وشيد قَوَاعِد صولته ونستدعي مِنْهُ رَسُولا إِلَى مواقفنا الشَّرِيفَة ورحاب ممالكنا المنيفة لينوب عَنهُ فِي قبُول الْولَايَة مناب نَفسه وليجن بعد ذَلِك ثمار شفقاتنا إِن غرس شجر طاعتها وَمن سَعَادَة الْمَرْء أَن يجنى ثمار غرسه بعد أَن يَصْحَبهُ من ذخائر الْأَمْوَال مَا كثر قيمَة وخف حملا وَتَعَالَى رُتْبَة وَحسن مثلا واشرط على نَفسك فِي كل سنة قطيعة ترفعها إِلَى بَيت المَال وَإِيَّاك ثمَّ إياك أَن تكون عَن هَذَا الْأَمر مِمَّن مَال ورتب جَيْشًا مُقيما تَحت علم السُّلْطَان الْأَجَل الْملك النَّاصِر للقاء الْعَدو المخذول التتار ألحق الله أَوَّلهمْ بِالْهَلَاكِ وَآخرهمْ بالبوار وَقد علمت تفاصيل أَحْوَالهم الْمَشْهُورَة وتواريخ سيرهم الْمَذْكُورَة فاحرص على أَن يخصك من هَذَا المشرب السائغ أوفر نصيب وَأَن تكون مِمَّن جهز جَيْشًا فِي سَبِيل الله فَرمى بِسَهْم فَلهُ أجر مصيبا كَانَ أَو غير مُصِيب ليعود رَسُولك من دَار الْخلَافَة بتقاليدها وتشاريفها حَامِلا أعلامنا
(3/263)

المنصورة شاكرا بر مواقفنا المبرورة وَإِن آل حالك إِلَى أَن استمريت على غيك واستحريت مدعى بفيك فقد منعناك التَّصَرُّف فِي الْبِلَاد وَالنَّظَر فِي أَحْكَام الْعباد حَتَّى تطَأ خَيْلنَا الْعتاق مشمخرات حصونك وتعجل حِينَئِذٍ سَاعَة منونك وَمَا أعلمناك غير مَا علمه قَلْبك وَلَا فهمناك غير مَا حدسه لبك وَلَا تكن كالصغير يزِيدهُ كَثْرَة التحريك نوما وَلَا مِمَّن غره الْإِمْهَال يَوْمًا فيوما أعلمناك ذَلِك فاعمل بِمُقْتَضَاهُ موفقا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وعَلى نَحْو من هَذِه الطَّرِيقَة فِي الِابْتِدَاء

كَانَ يكْتب عَن الإِمَام المستعين بِاللَّه أبي الْفضل الْعَبَّاس بن المتَوَكل على الله حِين اسْتَقل بالخلافة والسلطنة مَعَ زِيَادَة فِي ألقاب الْخَلِيفَة وَإِثْبَات ألقاب الْمَكْتُوب إِلَيْهِ الَّتِي يكْتب إِلَيْهِ بهَا فِي المكاتبات السُّلْطَانِيَّة فَكَانَ يكْتب عَنهُ لمن رتبته الْمقر الْكَرِيم من عبد الله ووليه الإِمَام المستعين بِاللَّه أبي الْفضل أَمِير الْمُؤمنِينَ وَإِمَام الْمُسلمين وَخَلِيفَة رب الْعَالمين المفترض طَاعَته على سَائِر الْخَلَائق أَجْمَعِينَ أعز الله بِبَقَائِهِ الدّين وأمتع بِهِ الْإِسْلَام
(3/264)

وَالْمُسْلِمين إِلَى الْمقر الْكَرِيم أَو إِلَى الجناب الْكَرِيم أَو الجناب العالي أَو الْمجْلس العالي أَو الْمجْلس السَّامِي أَو مجْلِس الْأَمِير بِالْأَلْقَابِ الَّتِي يكْتب بهَا عَن السُّلْطَان من ديوَان الْإِنْشَاء الْآن وَكَذَلِكَ فِي سَائِر الرتب
الْمَذْهَب الثَّالِث

مِمَّا يكْتب عَن الْخُلَفَاء أَن يفتح الْكتاب بِخطْبَة ثمَّ يُؤْتى ببعدية
وَمِنْهَا إِلَى مقصد الْكتاب
وعَلى ذَلِك كتب عَن الإِمَام الْحَاكِم بِأَمْر الله
أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن المستكفي بِاللَّه أبي الرّبيع سُلَيْمَان إِلَى السُّلْطَان الْملك النَّاصِر أَحْمد بن السُّلْطَان الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون مستدعى من الكرك إِلَى الديار المصرية لتقليده السلطنة بعد خلع أَخِيه الْأَشْرَف كجك بن النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون وإمساك الْأَمِير قوصون وَمن مَعَه من الْأُمَرَاء من إنْشَاء الْمقر الشهابي بن فضل الله تغمده الله برحمته
(3/265)

وَهَذِه نسخته مصدرة بِآيَة من الْقُرْآن

{ألم تروا أَن الله سخر لكم مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض وأسبغ عَلَيْكُم نعمه ظَاهِرَة وباطنة وَمن النَّاس من يُجَادِل فِي الله بِغَيْر علم وَلَا هدى وَلَا كتاب مُنِير}
فَالْحَمْد لله الَّذِي أَسْبغ نعمه الظَّاهِرَة والباطنة وَألف قُلُوب أوليائه المتفقة والمتباينة وَأخذ بنواصي أعدائه الكاذبة المائنة وَأَعْلَى جد هَذِه الدولة الْقَاهِرَة وأطلع فِي أسنة العوالي نجومها الزاهرة وحرك لَهَا العزائم فملكت والأمور بِحَمْد الله سَاكِنة والبلاد واطنة لله آمِنَة والرعايا فِي مظانها قاطنة وَالسُّيُوف فِي أغمادها مثل النيرَان فِي قُلُوب حسادها كامنة وَأقَام أهل الطَّاعَة بِالْفَرْضِ وَاسْتوْفى مِنْهُم الْقَرْض {وَقَالُوا الْحَمد لله الَّذِي صدقنا وعده وأورثنا الأَرْض} وأعز أنصار الْمقَام
(3/266)

العالي وأعز نَصره وَأعد لعَدوه حصره وأتى بدولته الغراء تسمو شموسها وتثمر غروسها وَتظهر فِي حلل الصَّباح الْمشرق عروسها وتجئ مِنْهُ بِخَير رَاع للرعية يسوسها وبشره بِالْملكِ والدوام وسره بِمَا اجْتمع لَهُ من طَاعَة الْأَنَام وأقدمه على كرْسِي ملكه تظله الْغَمَام وَأرَاهُ يَوْم أعدائه وَكَانَ لَا يظنّ أَن يرى فِي الْمَنَام وَلَا يزَال مؤيد الهمم مُؤَكد الذمم مُجَدد الْبيعَة على رِقَاب الْأُمَم وَلَا بَرحت أَيَّامه الْمُقبلَة مقبلة بِالنعَم خضر الأكناف على رغم من كَاد وغيظ من رغم وَلَا فتئت عهود سلفه الشَّرِيفَة تنشأ لَهُ كَمَا كَانَت ورعاياه تدين لَهُ بِمَا دَانَتْ وَجُنُوده تفديه من النُّفُوس بِأَعَز مَا ذخرت وَمَا صانت وسعادة سُلْطَانه تكشف الغمم وتنشر الرمم وتعيد إِلَى أنوف أهل الأنفة الشمم وَتحفظ على مَا بقى لأوليائه من بَيَاض الْوُجُوه وَسَوَاد اللمم
سطرها وأصدرها وَقد حققت بعوائد الله الظنون
(3/267)

وصدقت الخواطر الْعُيُون وأنجز الله وعده وَأتم سعده وَجمع على مقَامه الْكَرِيم قُلُوب أوليائه وَفرق فرق عدوه بإجابة ندائه ووطد لرقيه المنابر وَرجل لتلقيه العساكر وهيأ لمقاتل أعدائه فِي أَيدي أوليائه السيوف البواتر وأخفق قوصون وَأمْسك وَنهب مَاله واستهلك وهدمت أبنيته وَخَربَتْ دياره وقلعت آثاره وأخليت خزائنه وأخرجت من بطُون الأَرْض دفائنه وَمَا منعت عَنهُ تِلْكَ الربائب الَّتِي ظَنّهَا قساور وَلَا ناضلت تِلْكَ القسى الَّتِي طبعها أساور وَلَا أغْنى عَنهُ ذَلِك المَال الَّذِي ذهب وَلَا ذَلِك الْجَوْهَر الَّذِي كَانَ عرضا لمن نهب وأعيد إِلَى المهد ذَلِك الطِّفْل الَّذِي أكل الدُّنْيَا باسمه وقهر أبناءها بِحكمِهِ وموه بِهِ على النَّاس وأخلى لَهُ الغاب وَمَا خرج من الكناس وغالب بِهِ الغلب حَتَّى وطئ الرّقاب وداس الأعقاب وخادع ودله الشَّيْطَان بغروره ودلس عَلَيْهِ عَاقِبَة أُمُوره فاعتد بعتاده واغتر بعناده واغتر بِأَن الأَرْض
(3/268)

لَهُ وَمَا علم أَن الأَرْض لله يُورثهَا من يَشَاء من عباده فَأمْسك وَمَعَهُ رُؤُوس من أشياعه وحصرت بالخوف نفوس أَتْبَاعه وَمِنْهُم الطنبغا وَقد أحَاط بِهِ الْعلم الشريف بكيفية وُصُوله وَحَقِيقَة الْخَبَر وَمَا قاساه فِي طَرِيقه من العبر وداس عَلَيْهِ حَتَّى وصل من وخز الإبر وَكَذَلِكَ من جَاءَ مَعَه وَخلف وَرَاءه الْحق وَتَبعهُ بعد الْهَزِيمَة الَّتِي ألجأهم إِلَيْهَا خوف العساكر المنصورة الَّتِي قعدت لَهُم على الطَّرِيق وَأخذت عَلَيْهِم بمدارج أنفاسهم فِي فَم الْمضيق وعبئت لَهُم صُفُوف الرِّجَال وأعدت لَهُم حتوف الْآجَال وحيرتهم فِي سَعَة الفجاج وأرتهم بوارق الْمَوْت فِي سحب العجاج ثمَّ لم يصلوا إِلَّا وهم أشلاء ممزقة وأعضاء مفرقة قد فنى تَحْتهم الظّهْر وفنى بيومهم الدَّهْر وساقتهم سَعَادَة سُلْطَان الْمقَام العالي إِلَى شقاوتهم وهم رقود وعبئت لَهُم الْخَيل وَالْخلْع إِلَّا أَنَّهَا ملابس الذل وَهِي الْقُيُود فَأخذُوا جَمِيعًا هم وَمن كَانُوا على موالاته وفارقوا الْجَمَاعَة لمواتاته وحملوا إِلَى الْمجْلس النائي الْمَكَان وأودعوا أَحيَاء فِي ملحدة إِلَّا أَنهم
(3/269)

كالأموات وَقد فاتوا الْمَقْصد إِلَّا أَنهم مَا أمنُوا الْفَوات ووكل بحفظهم إِلَى أَن يشرف سَرِير الْملك بقعود مقَامه وعقود أَيَّامه الحوالى وسعود زَمَانه الَّتِي أزهرت بطلوعها اللَّيَالِي
وَهَذَا النَّصْر إِنَّمَا تهيأت وَللَّه الْحَمد أَسبَابه وَهَذَا الْفَتْح إِنَّمَا فتحت بِمَشِيئَة الله أبوابه بمنة الله تَعَالَى وَنِيَّة الْمقَام العالي لَا بمنة أحد وَلَا بِشدَّة بَأْس من أقرّ وَلَا يأس من جحد وَمَا قضى الله تَعَالَى بِهِ من سَعَادَة هَذِه الْأَيَّام وَمضى بِهِ الْقدر السَّابِق وعَلى الله التَّمام وبمظافرة الجناب الْكَرِيم السيفي قطلوبغا الفخري الساقي الناصري أدام الله نصرته بِهَذِهِ الْعِصَابَة المؤيدة وبمضاء عَزَائِمه الَّتِي مَا ونت وَقَضَاء قواضبه الَّتِي مَا انْثَنَتْ وبمؤازرة من التف عَلَيْهِ من أكَابِر الْأُمَرَاء وَبِمَا أَجمعُوا عَلَيْهِ من مظافرة الآراء ونزولهم على التيه لَا يضر بهم من خذلهم وَلَا يهينهم من بذلهم وَلَا يبالون بعساكر دمشق المقيمة
(3/270)

على حلب وَمن مَال إِلَيْهِم وتمالأ مَعَهم عَلَيْهِم وَمن انضاف إِلَيْهِم من جنود الْبِلَاد وجيوش العناد وَلَا لواهم مَا كَانَ يبْعَث إِلَيْهِم ذَلِك الخائن من وعيده وَلَا ولاهم مَا كَاد يخطف أَبْصَارهم من تهديده وَلَا بالوا بِمَا تالب بِهِ عَلَيْهِم جند الشَّام من كل أَوب وصب عَلَيْهِم سيوله من كل صوب وخادعهم بالرسائل الَّتِي مَا تزيدهم عَلَيْهِ إِلَّا إباء وَلَا تشككهم أَن السَّيْف أصدق مِنْهُ إنباء حى ولى لَا تَنْفَعهُ الخدع وَلَا تنصره الْبدع فَمَا أسعدته تِلْكَ الجموع الَّتِي جمعهَا وَلَا أَجَابَتْهُ تِلْكَ الْخُيُول الَّتِي سَار عيها إِلَى مكمن أَجله وَلَا وقته تِلْكَ السيوف الَّتِي لم يظْهر لَهُ بوارقها إِلَّا حمرَة خجلة حَتَّى أَخذ مَعَ طاغيته بل طاغوته بِمصْر ذَلِك الْأَخْذ الوبيل وَقذف بِهِ إِلَى مهوى هلكه سيل ذَلِك السَّبِيل وَقَامَ من بالديار المصرية قيام رجل وَاحِد وتظافروا على إِزَالَة ذَلِك الْكَافِر النِّعْمَة الجاحد وَلم يبْق من الْأُمَرَاء إِلَّا من بذل الْجهد وَجمع قُلُوب الرّعية والجند وَفعل فِي الْخدمَة الشَّرِيفَة مالم يكن مِنْهُ بُد حَتَّى حمد الْأَمر وخمد الْجَمْر وتواترت الْكتب بِمَا عَمت بِهِ
(3/271)

الْبُشْرَى من إِقَامَة الْبيعَة باسمه الْكَرِيم وَأَنه لم يبْق إِلَّا من أعْطى الْيَمين وَأعْطِي الثمين وَأتم الْحلف إتماما لَا يغدر مَعَه يَمِين وأقيمت لَهُ السِّكَّة وَالْخطْبَة وَرفع على المنابر اسْمه وتهلل بِهِ وَجه النُّقُود وَظهر على أسارير الْوُجُود وَضربت البشائر ونهبت المسرات السرائر وتشوقت أَوْلِيَاء هَذِه الدولة الْقَاهِرَة أدام الله سلطانها إِلَى حُضُور ملكهَا وسفور الصَّباح لإذهاب مَا أبقته عقائب تِلْكَ اللَّيْلَة من حلكها وَالْمقَام العالي مَا يزْدَاد علما وَلَا يُزَاد عزما وَهُوَ أدرى بِمَا فِي التَّأْخِير وَبِمَا فِي بعده من الضَّرَر الْكثير وَمثله لَا يعلم وَمِنْه يتَعَلَّم فَهُوَ أعلم بِمَا يجب من مسابقة قدومه للبشير وَمَا يتَعَيَّن من معاجلته لامتطاء جواديه ظهر الحصان وبطن السرير فَالله الله فِي تَعْجِيل حفظ هَذَا السوام المشرد وَضم هَذَا الشمل المشتت ونظم هَذَا العقد المبدد وَجمع كلمة الْإِسْلَام الَّتِي طالما افْتَرَقت وانتجاع عَارض هَذِه النِّعْمَة
(3/272)

الَّتِي أبرقت وَسُرْعَة الْمسير فَإِن صَبِيحَة الْيَوْم الْمُبَارك الَّذِي يعرف من أَوله قد أشرقت فَمَا بقى مَا بِهِ يعْتَذر وَلَا سوى مقدمه السعيد ينْتَظر
وَقد كتبناها ويدنا ممدودة لمبايعته وَقُلُوب الْخلق كلهَا مستعدة لمتابعته وكرسي الْملك قد أزلف إِلَيْهِ مَقْعَده ومؤمل الظفر قد أنْجز لَهُ موعده والدهر مطاوعه وَالزَّمَان مسعده وَطَوَائِف أوليائه ليَوْم لِقَائِه ترصده والعهد لَهُ قد كتب ولواء الْملك عَلَيْهِ قد نصب والمنبر باسمه عَلَيْهِ قد خطب وَالدِّينَار وَالدِّرْهَم هَذَا وَهَذَا لَهُ قد ضرب وَلم يبْق إِلَّا أَن يقترب وَترى الْعُيُون مِنْهُ مَا ترتقب وَيجْلس على السرير ويزمع المبشر ويعزم على الْمسير وتتزين الأقاليم ويتبين لتسيير شهابه مَا كَانَ يقْرَأ لَهُ فِي التقاديم لَا زَالَ جيب ملكه على الأقطار مزرورا وذيل فخاره على السَّمَاء مجرورا وجد وليه مُقبلا وَقَلبه مَسْرُورا ومقدمه يحوز لَهُ من إِرْث آبَائِهِ نعما جمة وملكا كَبِيرا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
(3/273)

الْمَذْهَب الرَّابِع

مِمَّا يكْتب بِهِ عَن الْخُلَفَاء أَن يفْتَتح الْكتاب بِالسَّلَامِ بِأَن يكْتب سَلام الله تَعَالَى وَرَحمته وَبَرَكَاته يخص الْمقر الْكَرِيم أَو الجناب الْكَرِيم أَو غير ذَلِك من الألقاب الَّتِي يكْتب بهَا عَن السُّلْطَان وَيُؤْتى على تِلْكَ الألقاب إِلَى آخرهَا ثمَّ يُقَال ويبدى لعلمه أَو يُوضح لعلمه على حسب مَا تَقْتَضِيه تِلْكَ الْمُكَاتبَة فِي السلطانيات
وعَلى ذَلِك كَانَت كتب الإِمَام المتَوَكل على الله أبي عبد الله مُحَمَّد بن الإِمَام المعتضد بِاللَّه أبي الْفَتْح أبي بكر بن المستكفي بِاللَّه أبي الرّبيع سُلَيْمَان وَولده الإِمَام المستعين بِاللَّه فِي أول ولَايَته وَلم يكن فِيهِ من المكاتبات الجليلة مَا يدون فأذكره
وَأما الْكتب الصادرة عَن وُلَاة الْعَهْد بالخلافة

فقد قَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس فِي كِتَابه صناعَة الْكتاب بعد أَن ذكر أَن صُورَة مَا يكْتب بِهِ عَن الْخَلِيفَة من عبد الله أبي فلَان فلَان الإِمَام الْفُلَانِيّ إِلَى فلَان أتبع ذَلِك
(3/274)

بِأَن قَالَ وَلَيْسَ أحد من الرؤساء يُكَاتب عَنهُ بالتصدير إِلَّا الإِمَام وَولى الْعَهْد وَلم يزدْ على ذَلِك
والتصدير على مَا فسره ابْن حَاجِب النُّعْمَان فِي كِتَابه ذخيرة الْكتاب هُوَ من عبد الله أبي فلَان فلَان إِلَى آخِره على مَا تقدم وَقد قَالَ النّحاس فِي الْكَلَام على العنوان إِنَّه يحذف من الْكتاب عَن ولى الْعَهْد لفظ أَمِير الْمُؤمنِينَ وَيُقَال فِيهِ ولي الْعَهْد وَمُقْتَضى ذَلِك أَن الْمُكَاتبَة عَن ولي الْعَهْد كالمكاتبة عَن الْخَلِيفَة إِلَّا أَنه لَا يُقَال فِيهِ ولي الْعَهْد الإِمَام ويقام لفظ ولي الْعَهْد فِيهِ مقَام أَمِير الْمُؤمنِينَ
فَيكْتب فِيهِ من عبد الله ابْن فلَان فلَان الواثق بِاللَّه مثلا ولي عهد الْمُسلمين سَلام عَلَيْك فَإِنِّي أَحْمد إِلَيْك الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وأسأله أَن يُصَلِّي على مُحَمَّد عَبده وَرَسُوله أما بعد فَإِن كَذَا وَيُؤْتى على الْمَقْصد إِلَى آخر الْكتاب على نَحْو مَا تقدم فِي الْكِتَابَة عَن الْخَلِيفَة
تَنْبِيه قد تقدم عَن مُحَمَّد بن عمر الْمَدَائِنِي أَنه كَانَ يكْتب عَن الْخُلَفَاء للإمراء فِي قرطاس نصف طومار وللعمال وَالْكتاب فِي قرطاس من ثلث طومار وللتجار وأشباههم
(3/275)

فِي قرطاس من ربع طومار وللحساب والمساح فِي قرطاس من سدس طومار وَتقدم بَيَان أَن المُرَاد بالطومار قطع الْبَغْدَادِيّ الْكَامِل
أما الَّذِي اسْتَقر عَلَيْهِ الْحَال فِيمَا يكْتب بِهِ عَن خلفاء بني الْعَبَّاس بالديار المصرية إِلَى مُلُوكهَا فقد ذكر صَاحب الدّرّ الْمُلْتَقط عَن الْمقر الشهابي بن فضل الله أَنه كتب الْكتاب الصَّادِر عَن الإِمَام الْحَاكِم بِأَمْر الله أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن المستكفي بِاللَّه أبي الرّبيع سُلَيْمَان إِلَى الْملك النَّاصِر أَحْمد بن النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون عِنْد استدعائه للسلطنة من الكرك على مَا تقدم ذكره فِي هَذَا الْفَصْل كتب فِي قطع الْبَغْدَادِيّ الْكَامِل فليجر الْأَمر على ذَلِك
(3/276)

الْفَصْل الثَّانِي

من الْبَاب السَّادِس

فِي الْكتب الصادرة عَن الْمُلُوك وَمن فِي معناهم إِلَى الْخُلَفَاء وولاة الْعَهْد بالخلافة
أما الْكتب الصادرة إِلَى الْخُلَفَاء

فللكاتب فِيهَا سِتَّة أساليب

الأسلوب الأول وَهُوَ أقدمها اصْطِلَاحا أَن يفْتَتح الْكتاب بِلَفْظ لفُلَان من فلَان ثمَّ يصدر بِالسَّلَامِ والتحميد وسؤال الصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ يُقَال أما بعد فَإِن كَذَا وَيخْتم بِالسَّلَامِ وَنَحْوه على نَحْو مَا تقدم فِي المكاتبات عَن الْخُلَفَاء لَا يخْتَلف ذَلِك فِي شَيْء إِلَّا فِي تَقْدِيم اسْم الْمَكْتُوب إِلَيْهِ على الْمَكْتُوب عَنهُ
وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَن الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم كَانُوا يَكْتُبُونَ فِي غَالب كتبهمْ إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لمُحَمد رَسُول الله
(3/277)

كَمَا كتب إِلَيْهِ خَالِد بن الْوَلِيد رَضِي الله عَنهُ بِإِسْلَام بني الْحَارِث بن كَعْب حِين وَجهه إِلَيْهِم
لمُحَمد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَسُول الله من خَالِد بن الْوَلِيد
السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول الله وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته فَإِنِّي أَحْمد إِلَيْك الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ
أما بعد يَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْك فَإنَّك بعثتني إِلَى بنى الْحَارِث بن كَعْب وأمرتني إِذا أتيتهم أَن لَا أقاتلهم ثَلَاثَة أَيَّام وَأَن أدعوهم إِلَى الْإِسْلَام فَإِن أَسْلمُوا قبلت مِنْهُم وعلمتهم معالم الْإِسْلَام ثَلَاثَة أَيَّام وَكتاب الله وَسنة نبيه وَإِن لم يسلمُوا قاتلتهم وَإِنِّي قدمت إِلَيْهِم فدعوتهم إِلَى الْإِسْلَام ثَلَاثَة أَيَّام كَمَا أَمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَبعثت فيهم ركبانا يَا بنى الْحَارِث أَسْلمُوا تسلموا فأسلموا وَلم يقاتلوا وَأَنا مُقيم بَين أظهرهم آمُرهُم بِمَا أَمرهم الله بِهِ وأنهاهم عَمَّا نَهَاهُم
(3/278)

الله عَنهُ وأعلمهم معالم الْإِسْلَام وَسنة النَّبِي حَتَّى يكْتب إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالسَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول الله وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته
وعَلى نَحْو من ذَلِك كتب إِلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
النَّجَاشِيّ ملك الْحَبَشَة والمقوقس صَاحب مصر أَيْضا فِي رِوَايَة ذكرهَا ابْن عبد الحكم وَقد ذكرت كِتَابَيْهِمَا فِي صبح الْأَعْشَى فِي كِتَابَة الإنشا
ثمَّ لما كَانَت خلَافَة عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ ولقب أَمِير الْمُؤمنِينَ وَزَاد فِي أول كتبه الصادرة عَنهُ لفظ عبد الله قبل اسْمه فَكَانَ يكْتب من عبد الله عمر أَمِير الْمُؤمنِينَ على مَا تقدم ذكره فِي المكاتبات الصادرة عَن الْخُلَفَاء اعتمدوا مثل ذَلِك فِي الْمُكَاتبَة إِلَيْهِ أَيْضا
كَمَا كتب عَمْرو بن الْعَاصِ لأمير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ فِي جَوَاب الْكتاب الْوَارِد من أَمِير الْمُؤمنِينَ عَلَيْهِ يذكر فِيهِ بِأَنَّهُ بلغه فَاشِية مَال فَشَتْ لَهُ
(3/279)

لعبد الله عمر أَمِير الْمُؤمنِينَ سَلام عَلَيْك فَإِنِّي أَحْمد إِلَيْك الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ
أما بعد فَإِنَّهُ أَتَانِي كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ يذكر فِيهِ فَاشِية مَال فَشَتْ لي وَأَنه يعرفنِي قبل ذَلِك وَلَا مَال لي وَإِنِّي أعلم أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنِّي بِبَلَد السّعر فِيهِ رخيص وَأَنِّي أعالج من الزِّرَاعَة مَا يعالجه النَّاس وَفِي رزق أَمِير الْمُؤمنِينَ سَعَة وَالله لَو رَأَيْت خِيَانَتك حَلَالا مَا خنتك
فِي كَلَام آخر وَجرى النَّاس بعد ذَلِك على هَذَا الأسلوب فِي الدولة الأموية وَأول الدولة العباسية
كَمَا كتب الْحجَّاج بن يُوسُف إِلَى عبد الْملك بن مَرْوَان
فِي جَوَاب كِتَابه إِلَيْهِ بتوبيخه لَهُ بِسَبَب تعرضه لأنس بن مَالك رَضِي الله عَنهُ على مَا تقدم ذكره
لعبد الله عبد الْملك أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِنِّي أَحْمد إِلَيْهِ الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ
(3/280)

أما بعد أصلح الله أَمِير الْمُؤمنِينَ وأبقاه وشلا حَظه وحاطه وَلَا أعدمناه فقد وصلني كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ أَطَالَ الله بقاه وَجَعَلَنِي من كل مَكْرُوه فدَاه يذكر شتمي وتوبيخي بآبائي وتعييري بِمَا كَانَ قبل نزُول النِّعْمَة بِي من عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ أتم الله نعْمَته عَلَيْهِ وإحسانه إِلَيْهِ وَيذكر أَمِير الْمُؤمنِينَ استطالة مني على أنس بن مَالك وأمير الْمُؤمنِينَ أَحَق من أقَال عثرتي وَعَفا عَن ذَنبي وأمهلني وَلم يعجلني عِنْد هفوتي للَّذي جبل عَلَيْهِ من كريم طباعه وَمَا قَلّدهُ الله من أُمُور عباده فَرَأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أصلحه الله فِي تسكين روعي وإفراج كربتي فقد ملئت رعْبًا وفرقا من سطواته وقحمات نقماته وأمير الْمُؤمنِينَ أقاله الله العثرات وَتجَاوز لَهُ عَن السَّيِّئَات وضاعف لَهُ الْحَسَنَات وَأَعْلَى لَهُ الدَّرَجَات أَحَق من صفح وَعَفا وتغمد وَأبقى وَلم يشمت بِي عدوا مكبا وَلَا حسودا مضبا وَلم يجرعني عصصا وَالَّذِي وصف أَمِير الْمُؤمنِينَ من صنيعته إِلَيّ وتقويمه بِمَا أسْند من عمله إِلَيّ وأوطأني رِقَاب رَعيته فصادق فِيهِ مَجْزِي عَلَيْهِ
(3/281)

بالشكر والتوسل منى إِلَيْهِ بِالْولَايَةِ والتقرب لَهُ بالكفاية وَقد خضعت عِنْد كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِن رأى طوقنى الله شكره وأعانني على تأدية حَقه وَبَلغنِي إِلَى مَا فِيهِ مُوَافقَة مرضاته وَمد فِي أَجله أَن يَأْمر بِالْكتاب إِلَى من رِضَاهُ وسلامة صَدره مَا يؤمنني بِهِ من سفك دمي وَيرد مَا شرد من نومي ويطمئن بِهِ قلبِي فعل فقد ورد عَليّ أَمر جليل خطبه عَظِيم أمره شَدِيد كربه أسأَل الله أَن لَا يسْخط أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ وَأَن ينيله فِي حزمه وعزمه وسياسته وفراسته ومواليه وحشمه وعماله وصنعائه مَا يحمد بِهِ حسن رَأْيه إِنَّه ولي أَمِير الْمُؤمنِينَ والذاب عَن سُلْطَانه والصانع لَهُ فِي أمره وَالسَّلَام
وَلما زَاد الْمَأْمُون فِي الْكتب الصادرة عَنهُ بعد التَّحْمِيد وأسأله أَن يُصَلِّي على مُحَمَّد عَبده وَرَسُوله ألحقت فِي الْكتب الْمَكْتُوبَة إِلَى الْخَلِيفَة أَيْضا وَيُؤْتى بعد البعدية بِالدُّعَاءِ للخليفة بِمَا يُنَاسِبه من طول الْبَقَاء وَنَحْوه
وَالَّذِي اسْتَقر عَلَيْهِ الْحَال بعد ذَلِك فِي الدولة العباسية فِي الْعرَاق على مَا ذكره قدامَة فِي كتاب الْخراج أَن يكْتب
(3/282)

لعبد الله فلَان أبي فلَان باسمه وكنيته ونعته ثمَّ يُقَال أَمِير الْمُؤمنِينَ سَلام على أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِنِّي أَحْمد إِلَيْهِ الله الَّذِي لَا إِلَيْهِ إِلَّا هُوَ وأسأله أَن يُصَلِّي على مُحَمَّد عَبده وَرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
أما بعد أَطَالَ الله بَقَاء أَمِير الْمُؤمنِينَ وأدام عزه وتأييده وكرامته وحراسته وَأتم نعْمَته عَلَيْهِ وَزَاد فِي إحسانه إِلَيْهِ وفضله عِنْده وَجَمِيل بلائه لَدَيْهِ وجزيل عطائه لَهُ
قَالَ فِي صناعَة الْكتاب ثمَّ يُقَال أما بعد فَإِن كَذَا وَكَذَا حَتَّى يَأْتِي على الْمعَانِي الَّتِي يحْتَاج إِلَيْهَا وَتَكون الْمُكَاتبَة وَقد فعل عبد أَمِير الْمُؤمنِينَ كَذَا فَإِذا زَادَت حَاله لم يقل عبد أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِذا بلغ إِلَى الدُّعَاء ترك فضاء وَكتب أتم الله على أَمِير الْمُؤمنِينَ نعْمَته وهنأه كرامته وَألبسهُ عَفوه وعافيته وأمنه وسلامته وَالسَّلَام على أَمِير الْمُؤمنِينَ وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته وَاعْلَم أَنه إِن كَانَ الْكتاب فِي معنى حُدُوث نعْمَة من فتح أَو غَيره أَتَى بعد البعدية
(3/283)

بِخطْبَة مفتتحة بِالْحَمْد وَرُبمَا زيد على ذَلِك إِلَى ثَلَاث تحميدات وَيكون خطاب الْخَلِيفَة بأمير الْمُؤمنِينَ وتعبير الْمَكْتُوب عَنهُ عَن نَفسه بِلَفْظ الْإِفْرَاد وَيخْتم الْكتاب بالإنهاء وَمَا فِي مَعْنَاهُ
وَهَذِه نُسْخَة كتاب كتب بِهِ أَبُو إِسْحَاق الصابي
عَن عز الدولة بن معز الدولة بن بويه الديلمي إِلَى الْمُطِيع لله عِنْد وُصُوله الْموصل وانهزام أبي تغلب بن حمدَان عَنْهَا فِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وثلاثمائة يُوضح لَك هَذِه الطَّرِيقَة وَيبين سبلها وَهُوَ
لعبد الله الْفضل الإِمَام الْمُطِيع لله أَمِير الْمُؤمنِينَ من عَبده وصنيعته عز الدولة بن معز الدولة مولى أَمِير الْمُؤمنِينَ سَلام على أَمِير الْمُؤمنِينَ وَرَحْمَة الله فَإِنِّي أَحْمد إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وأسأله أَن يُصَلِّي على مُحَمَّد عَبده وَرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَسلم
(3/284)

أما بعد أَطَالَ الله بَقَاء أَمِير الْمُؤمنِينَ وأدام لَهُ الْعِزّ والتأييد والتوفيق والتسديد والعلو وَالْقُدْرَة والظهور والنصرة وَالْحَمْد لله الْعلي الْعَظِيم الأزلي الْقَدِيم الْمُنْفَرد بالكبرياء والملكوت المتوحد بالعظمة والجبروت الَّذِي لَا تحده الصِّفَات وَلَا تحوزه الْجِهَات وَلَا تحصره قرارة مَكَان وَلَا يُغَيِّرهُ مُرُور زمَان وَلَا تتمثله الْعُيُون بنواظرها وَلَا تتخيله الْقُلُوب بخواطرها فاطر السَّمَوَات وَمَا تظل وخالق الأَرْض وَمَا تقل الَّذِي دلّ بلطيف صَنعته على جميل حكمته وَبَين بجلي برهانه على خَفِي وحدانيته وَاسْتغْنى بِالْقُدْرَةِ على الأعوان واستقلى بِالْعِزَّةِ على الأقران الْبعيد عَن كل معادل ومضارع الْمُمْتَنع عَن كل مطاول ومقارع الدَّائِم الَّذِي لَا يَزُول وَلَا يحول الْعَادِل الَّذِي لَا يظلم وَلَا يجور الْكَرِيم الَّذِي لَا يضن وَلَا يبخل الْحَلِيم الَّذِي لَا يعجل وَلَا يجهل ذَلِكُم الله ربكُم {لَا إِلَه إِلَّا هُوَ فَادعوهُ مُخلصين لَهُ الدّين} منزل الرَّحْمَة على كل ولي توكل عَلَيْهِ وفوض إِلَيْهِ وائتمر
(3/285)

بأوامره وازدجر بزواجره وَمحل النقمَة بِكُل عَدو صد عَن سَبيله وسننه وصدف عَن فَرَائِضه وسننه وحاد فِي مكسب يَده ومسعاه قدمه وخائنة عينه وخافية صَدره وَهُوَ راتع رتعة النعم السَّائِمَة فِي أكلاء النعم السابغة وجاهل جهلها بشكر آلائها ذاهل ذهولها عَن طرق استيفائها فَلَا يلبث أَن ينْزع سرابيلها صاغرا ويتعرى مِنْهَا حاسرا وَيجْعَل الله كَيده فِي تضليل ويورده شَرّ المورد الوبيل إِن الله لَا يصلح عمل المفسدين وَلَا يهدي كيد الخائنين
وَالْحَمْد لله الَّذِي اصْطفى للنبوة أَحَق عباده بِحمْل أعبائها وارتداء ردائها مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَسلم وَعظم خطره وكرم فصدع بالرسالة وَبَالغ فِي الدّلَالَة ودعى إِلَى الْهِدَايَة ونجى من الغواية وَنقل النَّاس عَن طَاعَة الشَّيْطَان الرَّجِيم إِلَى طَاعَة الرَّحْمَن الرَّحِيم وأعلقهم بحبال خالقهم ورازقهم وعصمة محييهم ومميتهم بعد انتحال الأكاذيب والأباطيل واستشعار المحالات والأضاليل والتهوك فِي الاعتقادات الذابة عَن النَّعيم إِلَى
(3/286)

الْعَذَاب الْأَلِيم فصلى الله عَلَيْهِ من نَاطِق بِالْحَقِّ ومنقذ لِلْخلقِ وناصح للرب ومؤد للْفَرض صَلَاة زاكية نامية رَائِحَة غادية تزيد على اخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار وتعاقب الأعوام والأدوار
وَالْحَمْد لله الَّذِي انتخب أَمِير الْمُؤمنِينَ أَطَالَ الله بَقَاءَهُ من ذَلِك السنح الشريف والعنصر المنيف والعترة الثَّابِت أَصْلهَا الممتد ظلها الطّيب جناها الْمَمْنُوع حماها وَحَازَ لَهُ مَوَارِيث آبَائِهِ الطاهرين صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ واختصه من بَينهم بتطاول أمد الْخلَافَة واستحصاف حبلها فِي يَده ووفقه لإصابة الْغَرَض من كل مرمى يرميه ومقصد ينتحيه وَهُوَ جلّ ثَنَاؤُهُ الْحقيق بإتمام ذَلِك عَلَيْهِ وَالزِّيَادَة فِيهِ لَدَيْهِ وأحمده سُبْحَانَهُ حمدا أبتديه ثمَّ أُعِيدهُ وأكرره وأستزيده على أَن أهل ركن الدولة أَبَا عَليّ وعضد الدولة أَبَا شُجَاع موليا أَمِير الْمُؤمنِينَ وأهلني للأثرة عِنْده الَّتِي نددنا فِيهَا الْأَكفاء وفتنا فِيهَا القرناء وتقطعت دونهَا أنفاس
(3/287)

المنافسين وتضرمت عَلَيْهَا أحشاء الحاسدين وَإِن أولاني فِي كل مغزى فِي خدمَة أَمِير الْمُؤمنِينَ أغزوه ومنحى أنحوه وثأئ أرأبه وشعث ألمه وعدو أرغمه وزائغ أقومه أفضل مَا أولاه عباده السليمة غيوبهم النقية جيوبهم اطأمونة ضمائرهم المشحوذة بصائرهم من تَمْكِين يَده وتثبيت قدمه ونصرة رَأْيه وإعلاء كَلمته وتقريب بغيته وإنالة أمْنِيته وَكَذَلِكَ يكون من إِلَى وَلَاء أَمِير الْمُؤمنِينَ اعتزاؤه وبشعاره اعتزازه وَعَن زناده قدحه وَفِي طَاعَته كدحه وَالله ولي بإدامة مَا خولنيه من هَذِه المنقبة وسوغنيه من هَذِه الموهبة وَأَن يتوحد أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي جَمِيع خدمه الذابين عَن حوزته المنتمين إِلَى دَعوته بيمن الطَّائِر وسعادة الطالع ونجاح الْمطلب وَإِدْرَاك الأرب وَفِي أعدائه العامطين لنعمته الناقضين مواثيق بيعَته بإضراع الخد وإتعاس الْجد وإخفاق الأمل وإحباط الْعَمَل بقدرته
وَلم يزل مَوْلَانَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَطَالَ الله بَقَاءَهُ يُنكر
(3/288)

قَدِيما من فضل الله بن نَاصِر الدولة أحوالا حَقِيقا مثلهَا بالإنكار ومستحقا من ارتكبها الْإِعْرَاض وَأَنا أذهب فِي حفظ غيبه وإجمال محضره وتمحل حجَّته وتلفيقها وتأليف معاذيره وتنميقها مذهبي الَّذِي أعمر بِهِ كل من جرى مجْرَاه من نَاشِئ فِي دولته ومغتذ بنعمته ومنتسب إِلَى ولَايَته ومشهور بصنيعته وأقدر أَن أستصلحه لأمير الْمُؤمنِينَ أَطَالَ الله بَقَاءَهُ وَأَصْلحهُ لنَفسِهِ بالتوقيف على مسالك الرشاد ومناهج السداد وَهُوَ يرينى أَن قد قبل وارعوى وَأبْصر واهتدى حَتَّى رغبت إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ الله فِيمَا شفعني مت فِيهِ من تَقْلِيده أَعمال أَبِيه والقناعة مِنْهُ فِي الضَّمَان بميسور بذله وإيثاره بِهِ على من هُوَ فَوْقه من كبراء إخْوَته وَأَهله
فَلَمَّا بلغ هَذِه الْحَال ألط بِالْمَالِ وخاس بالعهد وطرق لفسخ العقد وأجرى إِلَى أُمُور كرهتها ونفد الصَّبْر منى عَلَيْهَا وَخفت أَن أستمر على الإغضاء عَنْهَا والمسامحة فِيهَا فَيطلع الله مني على إِضَاعَة الِاحْتِيَاط فِي أَمر قلدني أَمِير الْمُؤمنِينَ زمامه وضمنني دركه وإرخاء
(3/289)

لبب رجل قبل فِي الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ رَأْيِي وعول فِي أَخذه بِمَا يلْزمه على نَظَرِي واستيفائي فتناولته بأطراف الْعدْل ملوحا ثمَّ بأثباجه مفصحا مُصَرحًا
ورسمت لعبد أَمِير الْمُؤمنِينَ الناصح أبي طَاهِر أَن يحل بِهِ وبوسطائه وسفرائه فِي حَال وَيدخل عَلَيْهِم من طَرِيق المشورة والرفق فِي أُخْرَى وينتقل مَعَه بَين الخشونة الَّتِي يقفو فِيهَا أثري واللين الَّذِي لَا يجوز أَن يحسه مني تَقْديرا لانثنائه وَزَوَال التوائه فَفعل ذَلِك على رسمه فِي التأني لكل فَاسد حَتَّى يصلح وَلكُل آب حَتَّى يسمح وَلم يدع التناهي فِي وعظه والتمادي فِي نصحه وتعريفه سوء عَاقِبَة اللجاج ومغبة الإحراج وَهُوَ يزِيد طَمَعا فِي الْأَمْوَال وشرها وعمى فِي الرَّأْي وعمها إِلَى أَن كَاد أمرنَا مَعَه يخرج عَن حد الِانْتِظَار إِلَى حد الرضى بالإصرار فاستألفت ادراع الحزم وامتطاء الْعَزْم ونهضت إِلَى أَعمال الْموصل وَعِنْدِي أَنه يغنيني عَن الْإِتْمَام ويتلقاني بالإعتاب وينقاد إِلَى المُرَاد ويتجنب طرق العناد
(3/290)

فحين عرف خبر مسيري وجدي فِيهِ وتشميري برز بروز الْمُخَالف المكاشف وتجرد تجرد المواقع المواقف وَهُوَ مَعَ ذَاك إِذا ازددت مِنْهُ قربا ازْدَادَ مني رعْبًا وَإِذا دلفت إِلَيْهِ ذِرَاعا نكص عني باعا
وتوافت إِلَى حضرتي وُجُوه الْقَبَائِل من عقيل وشيبان وَغَيرهمَا فِي الْجمع الكثيف من صعاليكهما وَالْعدَد الْكثير من صناديدهما داخلين فِي الطَّاعَة متصرفين فِي عوارض الْخدمَة
فَلَمَّا شارفت الحديثة انتقضت عزائم صبره وتقوضت دعائم أمره وَبَطلَت أمانيه ووساوسه واضمحلت خواطره وهواجسه واضطرب عَلَيْهِ من ثقاته وغلمانه من كَانَ بهم يعتضد وَعَلَيْهِم يعْتَمد وبدأوا بخذلانه وَالْأَخْذ لنفوسهم ومفارقته والطلب لحظوظهم وَحصل مِنْهُم بحضرتي إِلَى هَذِه الْغَايَة زهاء خَمْسمِائَة رجل ذَوي خيل مختارة وأسلحة شاكية فصادفوا عِنْدِي مَا أملوا من فائض الْإِحْسَان وغامر الإمتنان وَذكروا عَمَّن وَرَاءَهُمْ من نظرائهم التنزي إِلَى الانجذاب والحرص على الاستئمان وَأَنَّهُمْ يردون وَلَا يتأخرون ويبادرون وَلَا يتلومون
(3/291)

وَلما رأى ذَلِك لم يملك نَفسه أَن مضى هَارِبا على طَرِيق سنجار منكشفا عَن هَذِه الديار قانعا من تِلْكَ الآمال الخائبة والظنون الكاذبة بسلامة حشاشة هِيَ رهينة غيها وصريعة بغيها
وَكَانَ انهزامه بعد أَن فعل الْفِعْل السخيف وكاذ بالكيد الضَّعِيف بِأَن أغرق سفن الْموصل وعروبها وأحرق جسرها واستذم إِلَى أَهلهَا وتزود مِنْهُم اللَّعْن المطيف بِهِ أَيْن يمم الْكَائِن مَعَه حَيْثُ خيم
ودخلتها يومي هَذَا أيد الله أَمِير الْمُؤمنِينَ دُخُول الغانم الظافر المستعلي الظَّاهِر فسكنت من نفوس سكانها وشرحت صُدُور قطانها وأعلمتهم مَا أَمرنِي بِهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ أدام الله عزه وَأَعْلَى الله أمره من تأنيس وحشتهم ونظم ألفتهم وَضم نشرهم وَلم شعثهم وإجمال السِّيرَة فيهم فِي ضروب معاملاتهم وعلقهم وصنوف متصرفاتهم ومعايشهم وَكثر مِنْهُم الثَّنَاء
(3/292)

وَالدُّعَاء وَالله سامع مَا رفعوا ومجيب مَا سَأَلُوا وأجلت حَال هَذَا الْجَاهِل أيد الله أَمِير الْمُؤمنِينَ عَن أقبح هزيمَة وأذل هضيمة وأسواء رَأْي وَأنكر إخساء لِأَنَّهُ لم يلقنى لِقَاء الباخع بِالطَّاعَةِ المعتذر من سالف التَّفْرِيط والإضاعة وَلَا لِقَاء الْمُصدق لدعواه فِي الِاسْتِقْلَال بالمقارعة الْمُحَقق لزعمه فِي الثباث للمدافعة وَلَا كَانَ فِي هذَيْن الْأَمريْنِ بِالْبرِّ التقى وَلَا الْفَاجِر الغوي بل جمع بَين نقيصة شقاشقه وغدره وفضيحة جبنه وخوره متنكبا للصلاح عادلا عَن الصَّوَاب قد ذهب عَنهُ الرشاد وَضربت بَينه بَينه الأسداد وأنزله الله منزلَة مثله مِمَّن أَسَاءَ حفظ الْوَدِيعَة وَجوَار الصنيعة واستوجب نزعهما مِنْهُ وتحويلهما عَنهُ وتأملت أيد الله مَوْلَانَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أمره على التجريب وتصفحته بالتقليب فَإِذا هُوَ الرجل الَّذِي أطَاع أَبوهُ فِيهِ هوى أمه وَعصى دواعي رَأْيه وحزمه وَقدمه من وَلَده على من هُوَ آنس
(3/293)

رشدا وأكبر سنا وَأثبت جأشا وأجرأ جنَانًا وَأَشْجَع قلبا وأوسع صَدرا وأجدر بمخايل النجابة وشمائل اللبابة فَلَمَّا اجْتمعت لَهُ أَسبَاب الْقُدْرَة والثروة وأمكنته مناهز الْغرَّة والفرصة وثب عَلَيْهِ وثبة السرحان فِي ثلة الضان وجزاه جَزَاء أم عَامر بمجيرها إِذْ فرته بأنيابها وأظافرها وَاجْتمعَ وَأَخُوهُ من الْأُم المرتضع مَعَه لبان الْإِثْم المكنى أَبَا البركات وَلَيْسَ بأب لَهَا وَلَا جرى لشَيْء مِنْهَا على أَن نشزا عَنهُ وعقاه وقبضا عَلَيْهِ وأوثقاه وَأَقَرَّاهُ من قلعتهما بِحَيْثُ تقر العتاة وتعاقب الجناة ثمَّ أتبعا ذَلِك باستحلال دَمه وإفاضة مهجته غير راعيين فِيهِ حق الْأُبُوَّة وَلَا حانيين عَلَيْهِ حنو النُّبُوَّة وَلَا متندمين من الْإِقْدَام على مثله مِمَّن تقدّمت عِنْد سُلْطَانه قدمه وتوكدت أواصره وَعَصَمَهُ وَلَا راحمين لَهُ من ضعف شيخوخته ووهل كبرته وَلَا مصغيين إِلَى وَصِيَّة الله إيَّاهُمَا بِهِ الَّتِي نَصهَا فِي مُحكم كِتَابه وكررها فِي آيه وبيناته إِذْ يَقُول {أَن اشكر لي ولوالديك إِلَيّ الْمصير} وَإِذ يَقُول
(3/294)

{وَقضى رَبك أَلا تعبدوا إِلَّا إِيَّاه وبالوالدين إحسانا إِمَّا يبلغن عنْدك الْكبر أَحدهمَا أَو كِلَاهُمَا فَلَا تقل لَهما أُفٍّ وَلَا تنهرهما وَقل لَهما قولا كَرِيمًا واخفض لَهما جنَاح الذل من الرَّحْمَة وَقل رب ارحمهما كَمَا ربياني صَغِيرا} فَبِأَي وَجه يلقى الله قَاتل وَالِد حدب قد أَمر أَلا ينهره وَبِأَيِّ لِسَان ينْطق يَوْم يسْأَل عَمَّا استجازه فِيهِ وَفعله وتالله لَو أَن بمكانه عدوا لَهما قد قارضهما الذحول وقارعهما عَن النُّفُوس لقبح بهما أَن يلؤما ذَلِك اللؤم عِنْد الظفر بِهِ وَأَن يركبا تِلْكَ الخطة الشنعاء فِي الْأَخْذ بناصيته وَلم يرض فضل الله بِمَا أَتَاهُ إِلَيْهِ حَتَّى استوفى حُدُود قطع الرَّحِم بِأَن تتبع أكَابِر إخْوَته السالكين خلاف سَبيله المستبرئين إِلَى الله من عَظِيم مَا اكْتسب ووخيم مَا احتقب لما غضبوا لأبيهم وامتعضوا من المستحيل فِيهِ وَفِيهِمْ فَقبض على مُحَمَّد بن نَاصِر الدولة حِيلَة وغيلة وغدرا ومكيدة ونابذ حمدَان بن نَاصِر الدولة منابذة خار الله لَهُ فِيهَا بِأَن أصاره من فنَاء أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى الْجَانِب الْعَزِيز
(3/295)

والحرز الحريز وَأَن أجْرى الله على يَده الْحَرْب الْوَاقِعَة بَينه وَبَين الْمَعْرُوف بكنيته أبي البركات الَّتِي لقاه الله فِيهَا نحسه وأتلف نَفسه وصرعه بعقوقه وبغيه وقنعه بعاره وخزيه وَمَعَ ذَلِك لَا يتعظ وَلَا ينْزع وَلَا يقْلع وَلَا يزدجر إصرارا على الجرائر الَّتِي الله عَنْهَا حسيبه وَبهَا طليبه وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَة مرصدتان لَهُ بالجزاء المحقوق عَلَيْهِ وَالْعِقَاب الْمَسْبُوق إِلَيْهِ وَأعظم من هَذَا كُله أيد الله أَمِير الْمُؤمنِينَ خطبا وأوعر مسلكا ولحبا أَن من شَرَائِط الْعَهْد الَّذِي كَانَ عهد إِلَيْهِ وَالْعقد الَّذِي عقد لَهُ وَالضَّمان المخفف مبلغه عَنهُ الْمَأْخُوذ عَفوه مِنْهُ أَن يتناهى فِي ضبط الثغور وَجِهَاد الرّوم وَحفظ الْأَطْرَاف ورم الأكناف فَمَا وفى بِشَيْء من ذَلِك بل عدل عَنهُ إِلَى الاستئثار بالأموال واقتطافها وإحرازها فِي مكامنها وقلاعها والضن بهَا دون الْإِخْرَاج فِي وجوهها والوضع لَهَا فِي حُقُوقهَا وَأَن ترَاخى فِي أَمر عَظِيم الرّوم مهملا واطرح الْفِكر فِيهِ مغفلا حَتَّى هجم فِي الديار وَأثر الْآثَار وَنكى الْقُلُوب وأبكى الْعُيُون وصدع الأكباد
(3/296)

وأحر الصُّدُور فَمَا كَانَ عِنْده فِيهِ مَا يكون عِنْد الْمُسلم الْقَارئ لكتاب الله إِذْ يَقُول {إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ بِأَن لَهُم الْجنَّة يُقَاتلُون فِي سَبِيل الله فيقتلون وَيقْتلُونَ وَعدا عَلَيْهِ حَقًا فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْقُرْآن وَمن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الَّذِي بايعتم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم} بل صدف عَن ذكر الله لاهيا وَعدل عَن كِتَابه سَاهِيا واستفسخه ذَلِك البيع وَالْعقد وتنجزه الْوَعيد لَا الْوَعْد ولاطف طاغية الرّوم وهاداه وأماره وَأَعْطَاهُ وصانعه بِمَال الْمُسلمين الَّذين يلْزمه إِن سلم دينه وَصَحَّ يقينه أَن يُنْفِقهُ فِي مرابضهم ويذب بِهِ عَن حريمهم لَا أَن يعكسه عَن جِهَته ويلفته عَن وَجهه بِالنَّقْلِ إِلَى عدوهم وَإِدْخَال الوهن بذلك عَلَيْهِم وقاد إِلَيْهِ من الْخَيل الْعتاق مَا هُوَ الْآن عون للكفر على الْإِيمَان ونجدة للطاغية على السُّلْطَان وَكَانَ فِيمَا أتحفه بِهِ الْخمر الَّتِي حظر الله عَلَيْهِ أَن يشْربهَا
(3/297)

ويسقيها وتعبده بِأَن يجتنبها ويجتويها وصلبان ذهب صاغها لَهُ وتقرب بهَا إِلَيْهِ تقربا قد باعده الله فِيهِ عَن الْإِصَابَة والأصالة وَأَدْنَاهُ من الْجَهَالَة والضلالة حَتَّى كَأَنَّهُ عَامل من عماله أَو بطرِيق من بطارقته
فَأَما فشله عَن مكافحته ولهجه بملاطفته فضد الَّذِي أمره الله بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا قَاتلُوا الَّذين يلونكم من الْكفَّار وليجدوا فِيكُم غلظة وَاعْلَمُوا أَن الله مَعَ الْمُتَّقِينَ} وَأما مَا نَقله من الْخَيل عَن ديار الْمُسلمين إِلَى ديار أعدائهم فنقيض قَوْله عز وَجل {وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قُوَّة وَمن رِبَاط الْخَيل ترهبون بِهِ عَدو الله وَعَدُوكُمْ}
وَأما إهداؤه الْخمر والصلبان فخلاف عَلَيْهِ تبَارك اسْمه إِذْ يَقُول {إِنَّمَا الْخمر وَالْميسر والأنصاب والأزلام رِجْس من عمل الشَّيْطَان فَاجْتَنبُوهُ لَعَلَّكُمْ تفلحون} كل ذَلِك عنادا لرب الْعَالمين وطمسا لأعلام الدّين وضنا بِمَا
(3/298)

تحامى عَلَيْهِ من ذَلِك الحطام الْمَجْمُوع من الْحَرَام المثمر من الآثام المقتطع من فئ الْإِسْلَام وَقد فعل الْآن بِي وبالعسكر الَّتِي معي وَمن نضم من أَوْلِيَاء أَمِير الْمُؤمنِينَ الَّذين هم إخْوَته وَصَحبه إِن كَانَ مُؤمنا وأنصاره وَحزبه إِن كَانَ موقنا من توعير المسالك وتفريق العروب وتضييق الأقوات واستهلاك الأزواد ليوصل إِلَيْنَا الضّر وَيلْحق بِنَا الْجهد فعل الْعَدو الْمُبين الْمُخَالف فِي الدّين فَهَل يجْتَمع فِي أحد المساوى أيد الله أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا اجْتمع فِي هَذَا الناد الْعَائِد والشاذ الشارد وَهل يطْمع من مثله فِي حق يَقْضِيه أَو فرض يُؤَدِّيه أَو عهد يرعاه أَو ذمام يحفظه وَهُوَ لله عَاص ولإمامه مُخَالف ولوالده قَاتل ولرحمه قَاطع كلا وَالله بل هُوَ الْحقيق بِأَن تثنى إِلَيْهِ الأعنة وتشرع نَحوه الأسنة وتنصب لَهُ الأرصاد وتشحذ لَهُ السيوف الْحداد ليقطع الله بهَا دابره وَيجب غاربه ويصرعه مصرع الأثيم المليم الْمُسْتَحق
(3/299)

للعذاب الْأَلِيم أَو يفئ إِلَى الْحق إفاءة الدَّاخِل فِيهِ بعد خُرُوجه الْعَائِد إِلَيْهِ بعد مروقه التائب الْمُنِيب النَّازِل المستقيل فَيكون حكمه شَبِيها بِحكم الرَّاجِع عَن الرِّدَّة الْمَحْمُول على ظَاهر الشَّرِيعَة وَالله يهدي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم
وَالْحَمْد لله الَّذِي هدَانَا لمراشدنا ووقف بِنَا على السبل المنجية لنا والمقاصد المفضية إِلَى رِضَاهُ المعيذة من سطاه
وَالْحَمْد لله الَّذِي أعز أَمِير الْمُؤمنِينَ بالنصر وَأَعْطَاهُ لِوَاء الْقَهْر وَجعل أولياءه العالين الطاهرين وأعداءه السافلين الهابطين وهنأه الله هَذَا الْفَتْح وَلَا أخلاه من أشكال لَهُ تقفوه وتتبعه وأمثال تتلوه وتشفعه واصلا فِيهَا إِلَيّ فأوصل فِيهِ إِلَيْهِ من حيازته مهنأ لم يسفك فِيهِ دم وَلم ينتهك فِيهِ محرم وَلم ينل جهد وَلم يمسس نصب
أنهيت إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ ذَلِك ليضيف صنع الله لَهُ فِيهِ إِلَى السالف من عوارفه عِنْده وأياديه وليجدد من
(3/300)

شكره جلّ وَعلا مَا يكون دَاعيا إِلَى الإدامة والمزيد مقتضيا للعون والتأييد إِن شَاءَ الله تَعَالَى
الأسلوب الثَّانِي

مِمَّا يكْتب بِهِ إِلَى الْخُلَفَاء أَن يفْتَتح الْكتاب بِخطْبَة مفتتحة بِالْحَمْد لله وَرُبمَا كرر الْحَمد إِلَى ثَلَاث وَيَقَع ذَلِك فِي الْكتب الَّتِي تظهر فِيهَا النِّعْمَة كالفتوح وَنَحْوهَا
وَهَذِه نُسْخَة من ذَلِك

كتب بهَا الْعِمَاد الْأَصْفَهَانِي عَن السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب إِلَى الإِمَام النَّاصِر لدين الله بِفَتْح طبرية وعكا وَمَا مَعَهُمَا من سواحل الشَّام مصدرة بِآيَة من كتاب الله تَعَالَى وَهِي {وَلَقَد كتبنَا فِي الزبُور من بعد الذّكر أَن الأَرْض يَرِثهَا عبَادي الصالحون}
الْحَمد لله على مَا أنْجز من هَذَا الْوَعْد على نصْرَة هَذَا الدّين الحنيف من قبل وَمن بعد وعَلى أَن أجْرى هَذِه الْحَسَنَة الَّتِي مَا اشْتَمَل على مثلهَا كرائم
(3/301)

الصحائف وَلم يُجَادِل عَن مثلهَا فِي المواقف فِي الْأَيَّام الإمامية الناصرية زَادهَا الله غررا وأوضاحا ووالى البشائر إِلَيْهَا بالفتوح غدوا ورواحا وَمكن سيوفها فِي كل مازق من كل كَافِر ومارق وَلَا أخلاها من سيرة سَرِيَّة تجمع بَين مصلحَة مَخْلُوق وَطَاعَة خَالق وَأطَال أَيدي أوليائها لتحمي بِالْحَقِيقَةِ حمى الْحَقَائِق وأنجزها الْحق وَقذف بهَا على الْبَاطِل الزاهق وملكها هوادي المغارب ومرامي الْمَشَارِق وَلَا زَالَت آراؤها فِي الظُّلُمَات مصابح وسيوفها للبلاد مفاتح وأطراف أسنتها لدماء الْأَعْدَاء نوازح
وَالْحَمْد لله الَّذِي نصر سُلْطَان الدِّيوَان الْعَزِيز وأيده وأظفر جنده الْغَالِب وأنجده وجلا بِهِ جلابيب الظلماء وجدد جدده وَجعل بعد عسر يسرا وَقد أحدث الله بعد ذَلِك أمرا وهون الْأَمر الَّذِي مَا كَانَ الْإِسْلَام يَسْتَطِيع عَلَيْهِ صبرا وخوطب الدّين بقوله {وَلَقَد مننا عَلَيْك مرّة أُخْرَى} فَالْأولى فِي عصر النَّبِي وَالصَّحَابَة وَالْأُخْرَى هَذِه الَّتِي عتق فِيهَا من رق الكآبة فَهُوَ قد أصبح حرا
(3/302)

فالزمان كَهَيْئَته اسْتَدَارَ الْحق ببهجته قد استنار وَالْكفْر رد مَا كَانَ عِنْده من الْمُسْتَعَار وَغسل ثوب اللَّيْل بِمَ فجر الْفجْر مِنْهَا أَنهَار النَّهَار وأتى الله بُنيان الْكفْر من الْقَوَاعِد وشفى غليل صُدُور الْمُؤمنِينَ برقراق الْمَوَارِد ذَات البوارد أنزل مَلَائِكَة لم تظهر للعيون اللاحظة وَلم تخف عَن الْقُلُوب الحافظة عزت غزَاة الْإِسْلَام بمسوميها وترادف نَصره بمردفيها وَأخذت الْقرى وَهِي ظالمة فترى مُتْرَفِيهَا كَأَن لم تَرَ فِيهَا فكم أقدم بهَا حيزوم وركض فَأتبعهُ سَحَاب عجاج مركوم وَضرب فَإِذا ضربه كتاب جراح مرقوم وَإِلَّا فَإِن الحروب إِنَّمَا عقدت سجالا وَإِنَّمَا جمعت رجَالًا وَإِنَّمَا دعت خفافا وثقالا فإمَّا سيوف تقَاتل سيوفا أَو زحوف تقَاتل زحوفا فَيكون حد الْحَدِيد بيد مذكرا وَيَد مؤنثا وَهُوَ أَن السَّيْف فِي الْيَد الْمُوَحدَة يُغني بالضربة الْمُوَحدَة وَفِي الْيَد الْمُثَلَّثَة لَا يغنى بِالضَّرْبِ مثلثا وَذَلِكَ أَنه فِي فئتين التقتا وعدوتين لغير مَوَدَّة اعتنقتا وَإِن هَذِه النُّصْرَة
(3/303)

إِن رويت عَن مَلَائِكَة الله فَمَا جحدت كراماتهم وَإِن رويت عَن الْبشر فقد عرفت قبلهَا مقاماتهم فَمَا كَانَ سيف يتقيظ من جفْنه قبل أَن يُنَبه الصَّرِيخ وَلَا كَانَ ضرب يطير الْهَام قبل ضرب يرَاهُ النَّاظر وَيسمع المصيخ فكم ضَرْبَة كَأَنَّهَا هجره الْمَوْت وَبهَا التَّارِيخ وَكم طعنة تَخِر لَهَا هضاب الْحَدِيد وَهِي شماريخ
وَالْحَمْد لله الَّذِي أعَاد الْإِسْلَام جَدِيدا ثَوْبه حديدا حبله مبيضا نَصره مخضرا نصله متسعا فَضله مجتمعا شَمله وَالْخَادِم يشْرَح من نبأ هَذَا الْفَتْح الْعَظِيم والنصر الْكَرِيم يَا مَا يشْرَح صُدُور الْمُؤمنِينَ ويمنح الحبور لكافة الْمُسلمين ويكرر الْبُشْرَى بِمَا أنعم الله بِهِ من يَوْم الْخَمِيس الثَّالِث وَالْعِشْرين من شهر ربيع الآخر إِلَى يَوْم الْخَمِيس منسلخه وَتلك سبع لَيَال وَثَمَانِية أَيَّام حسوما سخرها الله على الْكفَّار {فترى الْقَوْم فِيهَا صرعى كَأَنَّهُمْ أعجاز نخل خاوية} ورايتها إِلَى الْإِسْلَام ضاحكة كَمَا كَانَت من الْكفْر باكية فَيوم الْخَمِيس الأول فتحت
(3/304)

طبرية وفاض ري النَّصْر من بحيرتها ووقفت على جسرها الفرنج بقلقها وحيرتها وَفِي يَوْم الْجُمُعَة والسبت كسر الفرنج الكسرة الَّتِي مَا لَهُم بعْدهَا قَائِمَة وَأخذ الله أعداءه بأيدي أوليائه أَخذ الْقرى وَهِي ظالمة وَفِي الْخَمِيس منسلخ الشَّهْر فتحت عكا بالأمان وأقيمت بهَا أَعْلَام الْإِيمَان وَهِي أم الْبِلَاد وَأُخْت إرم ذَات الْعِمَاد وأصبحت كَأَن لم تغن بالْكفْر وَلم تفْتَقر من الْإِسْلَام إِذْ بلغ الْمُسلمُونَ من أعدائهم المُرَاد
وَقد أصدر هَذِه المطالعة وصليب الصلبوت مأسور وقلب ملك الْكفْر الْأَسير جَيْشه المكسور مكسور وَالْحَدِيد الْكَافِر الَّذِي كَانَ فِي يَد الْكفْر يضْرب وَجه الْإِسْلَام قد صَار حديدا مُسلما يفرق خطوَات الْكفْر عَن الْإِقْدَام وأنصار الصلبوت وكباره وكل من المعمودية عمدته والدير دَاره قد أحاطت بِهِ يَد القبضة وَأخذ رهنا فَلَا تقبل فِيهِ القناطير المقنطرة من الذَّهَب وَالْفِضَّة وطبرية قد رفعت أَعْلَام الْإِسْلَام عَلَيْهَا وَنَكَصت من عكا مِلَّة الْكفْر على عقبيها وعمرت إِلَى أَن شهِدت يَوْم الْإِسْلَام وَهُوَ خير
(3/305)

يوميها بل لَيْسَ من أَيَّام الْكفْر يَوْم فِيهِ خير وَقد عسل من بِلَاد الْإِسْلَام بدماء الشّرك مَا كَانَ يتخللها فَلَا ضَرَر وَلَا ضير وَقد صَارَت البيع مَسَاجِد بهَا من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَصَارَت المناحر مَوَاقِف لخطباء المنابر واهتزت أرْضهَا لوقوف الْمُسلمين فِيهَا وطالما ارتجت لموقف الْكَافِر والبأس الإمامي الناصري قد أمضى فتكاته على يَد الْخَادِم حَتَّى بالدمى فِي الْكَنَائِس وَإِن عز أول الْإِسْلَام بحط تَاج فَارس فكم حطت سيوفه فِي هَذَا الْيَوْم من تَاج فَارس
فَأَما الْقَتْلَى وَالْأسَارَى فَإِنَّهَا تزيد على ثَلَاثِينَ الْفَا
وَأما فرسَان الداوية والاستبارية فقد أمضى حكم الله فيهم وَقطع بهم سيوف نَار الْجَحِيم وَوصل الراحل مِنْهُم إِلَى الشَّقَاء الْمُقِيم وَقتل بابرنس كَافِر الْكفَّار ومشيد النَّار من يَده فِي الْإِسْلَام كَمَا كَانَت يَد الكليم
(3/306)

وَعجل بجسده إِلَى السَّيْف وبروحه الخبيثة إِلَى النَّار وافترت النُّصْرَة عَن ثغر عكا بِحَمْد الله الَّذِي يسر فتحهَا وتسلمتها الْملَّة الإسلامية بالأمان وَعرفت فِي هَذِه الصَّفْقَة ربحها وَأما طبرية فاقتسرتها يَد الْحَرْب فأنهرت الْحَرْب جرحها
فَالْحَمْد لله حمدا لَا تضرب عَلَيْهِ الْحُدُود وَلَا تزكّى بأزكى مِنْهُ الْعُقُود وَكَأَنَّهُ بِالْبَيْتِ الْمُقَدّس وَقد دنا الْأَقْصَى من أقصاه وَبلغ الله فِيهِ الأمل الَّذِي علم أَن لن يُحْصِيه وأحاط بأجله وأقصاه لكل أجل كتاب وَأجل الْعَدو هَذِه الْكَتَائِب الجامعة وَلكُل عمل ثَوَاب وثواب من جزي بِطَاعَتِهِ جنَّات نعيمه الواسعة وَالله المشكور على مَا وهب والمسئول فِي إدامة مَا اسْتَيْقَظَ من حد الْإِسْلَام وهب
وَقد توجه من جَانب الْأَمِير رشيد الدّين دَامَ تأييده فِي إهداء هَذِه الْبُشْرَى نِيَابَة عَن الْخَادِم وَوصف مَا يسره
(3/307)

الله لأوليائه من العزائم والبلاد والمعاقل الَّتِي فتحت هِيَ طبرية عكا الناصرة صفورية قيسارية نابلس حيفا معليا القزلة الطّور الشقيف وقلاع بَين هَذِه كَثِيرَة وَالْولد المظفر تَقِيّ الدّين بصور وحصن تبنين وَالْأَخ الْعَادِل سيف الدّين نَصره الله قد أركب بالوصول من عِنْده من العساكر فَنزل فِي طَرِيقه على غَزَّة وعسقلان ويجهز مراكب الأصطول الْمَنْصُور فيكثر عَددهَا ويسيرها إِلَى ثغر عكا المحروس ويشحنها بِالرِّجَالِ ويوفر سلاحها وعددها والنهوض إِلَى الْقُدس فَهَذَا أَوَان فَتحه وَلَقَد دَامَ عَلَيْهِ ليل الضلال وَقد آن أَن يسْتَقرّ فِيهِ الْهدى مشكور الْإِحْسَان إِن شَاءَ الله تَعَالَى
الأسلوب الثَّالِث مِمَّا يكْتب للخلفاء أَن يفْتَتح الْكتاب بالتصلية على الْخَلِيفَة على مَذْهَب من يجوز من الْفُقَهَاء الصَّلَاة على غير الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام إِلَّا بطرِيق التّبعِيَّة
(3/308)

وَهَذِه نُسْخَة كتاب من ذَلِك

كتب بِهِ القَاضِي الْفَاضِل عبد الرَّحِيم البيساني عَن السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب أَيْضا فِي الْبُشْرَى بِفَتْح بلد من بِلَاد النّوبَة وانهزام ملكهَا بعساكره وَهِي
صلوَات الله الَّتِي أعدهَا لأوليائه وَذُخْرهَا وتحياته الَّتِي قذف بشهبها شياطين أعدائه ودحرها وَبَرَكَاته الَّتِي دَعَا بهَا كل موحد فَأجَاب وانقشع بهَا غمام الْغم وظلام الظُّلم فانجاب عَن أنجاب وزكاته الَّتِي هِيَ للْمُؤْمِنين سكن وَسَلَامه الَّذِي لَا يعترى الموقنين فِي ترديده حصر وَلَا لَكِن على مَوْلَانَا أَمِير الْمُؤمنِينَ عَاقد ألوية الْإِيمَان وَصَاحب دور الزَّمَان وساحب ذيل الْإِحْسَان وغالب حزب الشَّيْطَان الَّذِي زلزلت إِمَامَته قدم الْبَاطِل وحلت خِلَافَته ترائب الدَّهْر العاطل واقتضت سيوفه دُيُون الدّين من كل غَرِيم ماطل وأمضت غرب كل عزم للحق مفلول وأطلعت غارب كل نجم آفل وشفعت يقظات استغفاره
(3/309)

إِلَى غَافِر ذَنْب كل غافل وعَلى آبَائِهِ الْغَايَة والمفزع والملاذ فِي وَقت الْفَزع والقائمين بِحُقُوق الله إِذْ قعد النَّاس والحاكمين بِعدْل الله إِذْ عدم القسطاس والمستضيئين بأنوار الإلهام المؤرثة من الْوَحْي إِذا عجز الاقتباس وَالصَّابِرِينَ فِي البأساء وَالضَّرَّاء وَحين الْبَأْس خزان الحكم وحفاظها ومعاني النعم وألفاظها وأعلام الْعُلُوم المنشورة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وكالئي السروح المنتشرة من كلاءته بيد الْإِمَامَة وَمن لَا ينفذ سهم عمل إِلَّا إِذا شحن بِمُوَالَاتِهِمْ وَلَا بتألق صبح هِدَايَة إِلَّا إِذا استصبح الساري بدلالاتهم
الْمَمْلُوك يقبل الأَرْض بمطالع الشّرف ومنازله ومرابع الْمجد ومعاقله ومحابس الْجُود ومحال السُّجُود ومختلف أنباء الرَّحْمَة الْمنزلَة ومرسى أطواد البسيطة المتزلزلة ومفتر مباسم الْإِمَامَة ومجر مساحب الْكَرَامَة وَمَكَان جنوح أَجْنِحَة الملائك ومشتجر مَنَاسِك الْمَنَاسِك حَيْثُ يدْخلُونَ من كل بَاب مُسلمين وتتبعهم مُلُوك الأَرْض مستسلمين ومشاهد الْإِسْلَام كَيَوْم أنزل فِيهِ
(3/310)

{الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ} وَينْعَقد على الْولَايَة فَأَما غَيره فَلهُ قَوْله {قَاتلُوا الَّذين يلونكم} ويناجيها بِلِسَان جلي الْإِخْلَاص الصَّادِق عقيدته ونشط الْوَلَاء السَّابِق عقيلته وأرهف الْإِيمَان الناصح مضاربه وفسح المعتقد الناصح مذاهبه فأعرب عَن خاطر لم يخْطر فِيهِ لغير الْوَلَاء خطرة وقلب أَعَانَهُ عَليّ ورد الْوَلَاء صفاء المصفاة فِيهِ فطْرَة ويخبر أَنه مَا وَهن عَمَّا أوجبته آلاؤه وَلَا وَهِي وَلَا انثنى عزمه عَن أَن يقف حَيْثُ أظلت سِدْرَة الْمُنْتَهى ووضحت الأيات لأولي النهى وَالله سُبْحَانَهُ يزِيل عَنهُ فِي شرف المثول عوائق الْقدر وموانعه ويكشف لَهُ عَن قناع الْأَنْوَار الَّتِي لَيست همته بِمَا دون نظرها قانعة وَكَانَ توجه منصورا بِجَيْش دُعَائِهِ قبل جَيش لوائه وبعسكر إقباله قبل عَسْكَر قِتَاله وبنصال سُلْطَانه قبل نصال أجفانه لَا جرم أَن كتائب الرعب سَارَتْ أَمَام الْكَتَائِب وقواضب الحذر غمضت فِي جفونها عُيُون القواضب وَسَار أَوْلِيَاء أَمِير الْمُؤمنِينَ الَّذين تجمعُوا من كل أمة وتداعوا بِلِسَان النِّعْمَة وتصرفوا بيد الْخدمَة وصالوا بِسيف العزمة
(3/311)

متواخية نياتهم فِي الْإِقْدَام متألفة طوياتهم فِي طَاعَة الإِمَام كالبنيان المرصوص انتظاما وكالغاب المشجر أعلاما وكالنهار الساطع حديدا وهاجا كالليل السابل عجاجا عجاجا وكالنهر المتدافع أصحابا وكالمشط المطرد اصطحابا وَالْأَرْض ترحل برحلهم لما ترفعه الحوافر من غيومها وَالسَّمَاء تنزل بنزولهم لما تضعه الذوابل من نجومها فَمَا انتشرت رياضها المزهرة وغياضها المشجرة إلات دلّت على أَن السَّحَاب الَّذِي سقاهم كريم والإنعام الَّذِي غمرهم عَظِيم وَالدُّنْيَا الَّتِي وسعتهم من عزمتهم تظعن وتقيم وَلما علم الْعَدو أَن الْخطب المظنون قد صرح خطابه والأمل المخدوع قد صفر وطابه راسل ورأي سل السيوف يغمده وماكر وَمَا كرّ لعلمه أَن الحتف يعمده واندفع هَارِبا هائبا وخضع كائبا كَاذِبًا فَمضى الْمَمْلُوك قدما وَحمله ظلمه {وَقد خَابَ من حمل ظلما} وأجابه بِأَنَّهُ إِن وطئ الْبسَاط بِرجلِهِ وَإِلَّا وَطئه بِرَأْسِهِ وَإِن قدم على الْمَمْلُوك بأمله وَإِلَّا أقدمه ببأسه وَإِن لم يظْهر أثر التَّوْبَة وَإِلَّا أَقَامَ عَلَيْهِ الْحَد بسكرة الْمَوْت من كأسه فَلم
(3/312)

يخرج من مراوغة تحتهَا مغاورة ومكاسرة وَرَاءَهَا مكاشرة فاستخار الله فِي طلبه وانتهز فِيهِ فرْصَة شغل قبه بريبه وَلم يغره مَا أمْلى لَهُ فِي الْبِلَاد من تقلبه وَسَار وَلم يزل مُقْتَحِمًا وَتقدم أول الْعَسْكَر محتدما وَإِذا الدَّار قد ترحل مِنْهَا أَهلهَا فبانوا وظعنوا عَن ساحتها فكأنهم مَا كَانُوا وَلم يبْق إِلَّا مواقد نيران رحلت قُلُوبهم بضرامها وأثافي دهم أعجلت المهابة مَا رد سغبهم عَن طعامها وغربان بَين كَأَنَّهَا فِي الديار مَا قطع من رُؤُوس بنى حامها وعوافي طير كَانَت تنْتَظر من أشلائهم فطر صيامها وعادت الرُّسُل المنفذة لاقتفاء آثَارهم وَأَدَاء أخبارهم ذاكرة أَنهم لبسوا اللَّيْل حدادا على النِّعْمَة الَّتِي خلعت وغسلوا بِمَاء الصُّبْح أطماع نفس كَانَت قد تطلعت وَأَنَّهُمْ طلعوا الأوعار أوعالا وَالْعِقَاب عقبانا وَكَانُوا لمهابط الأودية سيولا ولأعالي الشّجر قضبانا
فَرَأى الْمَمْلُوك أَن الْكتاب فيهم قد بلغ أَجله والعزم مِنْهُم قد نَالَ أمله والفتك بهم قد أعمل منصله وَأَن سيوف عَسَاكِر أَمِير الْمُؤمنِينَ منزهة عَن أَن تريق إِلَّا دِمَاء أكفائها من الْأَبْطَال وَأَن تلقى إِلَّا وُجُوه أنظارها من الرِّجَال وَأَن الْمَذْكُورين
(3/313)

نمل حطمه سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام وَجُنُوده وَرمل أطاره العاصف الَّذِي يستحفه ويقوده وأصدر هَذِه الْخدمَة والبلاد من بعوثهم عَارِية والكلمة بانخفاضهم غَالِيَة عالية وَيَد الله على أعدائه عَادِية وأنفس المخاذيل فِي وثاق مهابته الْعَالِيَة عانية ورأي الْمَمْلُوك أَن يرتب بعده الْأَمِير فلَانا ليبذل الْأَمَانَات لسوقة أهل الْبِلَاد ومزارعيها ويفصل المحاكمات بَين متابعي السلطنة ومطاوعيها ويفسح مجَال الْإِحْسَان لمعاودي المواطن ومراجعيها فيعمر من الْبِلَاد مَا قد شغر ويشعر بالأمنة من لَا شعر فَإِن مقَام الْمَمْلُوك وَمن مَعَه من عَسَاكِر تمنع الشَّمْس من مطْلعهَا وَترد جرية الْبَحْر عَن موقعها مِمَّا يضر بالغلال وينسفها ويجحف بالرعايا ويعسفها
فَالْحَمْد لله الَّذِي جعل النَّصْر لائذا بأعطاف اعتزامه وأنامل الرعب السائر إِلَى الْأَعْدَاء محركة عذبات أَعْلَامه والعساكر المناضلة بسلاح ولائه تغني بأسمائها عَن
(3/314)

مرهفاتها والكتائب الْمُقَاتلَة بشعار علائه تقْرَأ كتب النَّصْر من حماتها إِن شَاءَ الله تَعَالَى
الأسلوب الرَّابِع

مِمَّا يكْتب بِهِ إِلَى الْخُلَفَاء أَن يفْتَتح الْكتاب بِالسَّلَامِ على الْخَلِيفَة قَالَ ابْن شيت فِي معالم الْكِتَابَة وَعَلِيهِ الْعَمَل فِي زَمَاننَا وَكَانَ فِي أَوَاخِر الدولة الأيوبية
وَهَذِه نُسْخَة كتاب من ذَلِك

كتب بِهِ القَاضِي الْفَاضِل عَن السُّلْطَان صَلَاح الدّين إِلَى الْخَلِيفَة بِبَغْدَاد يعْتَذر فِيهِ عَن تَأْخِير الْكتب وَيذكر خبر صَاحب قسطنطينية وَصَاحب صقلية من مُلُوك النَّصْرَانِيَّة من الرّوم والفرنج وَهِي
سَلام الله الأطيب وَبَرَكَاته الَّتِي يستدرها الْحَضَر والغيب وزكواته الَّتِي ترفع أولياءه إِلَى الدرج ونعمه الَّتِي لم تجْعَل على أهل الطَّاعَة فِي الدّين من حرج على مَوْلَانَا سيد الْخلق وساد
(3/315)

الْخرق ومسدد أهل الْحق ولابس الشعار الأطهر سوادا ومستحق الطَّاعَة الَّتِي أسعد الله من خصّه بهَا بدءا ومعادا وَمولى الْأمة الَّذِي تشابه يَوْم نداه وباسه إِن ركض جودا أَو جوادا وَوَاحِد الدَّهْر الَّذِي لَا يثنى وَإِلَيْهِ الْقُلُوب تثنى وَلَا يقبل الله جمعا لَا يكون بولائه جمع سَلامَة لَا جمع تكسير وَلَا اسْتِقْبَال قبْلَة مِمَّن لَا تكون محبته فِي قلبه تقيم واسْمه فِي عمله إِلَى الله يسير مَوْلَانَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وعَلى آبَائِهِ المالئي الأَرْض عدلا الملاء أَهلا فضلا والضاربين فيصلا والقائلين فصلا وَمن تَقول الْجنَّة لأَهْلهَا بهم أَهلا المخصوصين بالعناية الإلهية الْحَاكِمين فَكل أمة بطاعتهم مأمورة وَعَن معصيتهم منهية والمشرفى الأسارير على أسرة الشّرف فكم مَلَأت البهو مناظرهم البهية
الْمَمْلُوك يخْدم الْحرم الشريف باحترامه والفناء الْكَرِيم بإعظامه والبساط الْمقبل بطول استلامه والستر الَّذِي أسبله الله على الْعباد بتحيته وَسَلَامه وَيُنْهِي أَنه آخر الخدم عَن أَن يَنْتَظِم الْأَوْقَات المتجددة ويقتضب الْحَالَات
(3/316)

المتجردة وَالرسل عَن أَن تتوارد دراكا وتتوالى وشاكا والإنهاءات عَن أَن تثبت بالمقامات الشَّرِيفَة النَّبَوِيَّة ومجالس الْعرض الْعلية مَا انْتَهَت إِلَيْهِ الأقدار وَمَا أفْضى إِلَيْهِ من كثير المناجح وَقَلِيل الْأَعْذَار فَإِن أدب الأمساك عَن المطالعة كَالصَّوْمِ لَا يفض ختامه وَلَا يحل نظامه إِلَّا بعيد يطلع هلاله مبشرا ويبث خَبره فِي الْآفَاق معطرا فَلَو أَن متكلفا أفطر قبل موعده وَورد المَاء قبل مورده لَكَانَ مُفْسِدا لعقده نَاكِثًا لعهده
كَذَلِك الْمَمْلُوك أمسك حِين كَانَت الْأَخْبَار بجانبه مشتبهة والحقائق لَدَيْهِ غير متوجهة فَإِن طاغيتى الْكفْر بقسطنطينية وصقلية كَانَا قد أوقدا للحرب نَارا ورفعا لَهَا أوزارا واتخذا لَهَا اسطولا جَارِيا وعسكرا جرارا وتباريا وَلم يزدْ الله الظَّالِمين إِلَّا تبارا وكتبا إِلَى الفرنج بعد انهزامهم بالنجدة والنصرة وتضمنا لَهُم الْخُرُوج والكرة ويصفان مَا استعدا بِهِ بِمَا لَا يعبر إِلَّا بِالْكَثْرَةِ واستطارت الشناعة وتداولتها الألسن وَخرجت من الأفواه حَتَّى لقد كَادَت تدخل فِيمَا رَأَتْهُ الْأَعْين وَورد إِلَى الْمَمْلُوك رَسُول
(3/317)

من طاغية الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَهُوَ أقدم مُلُوك النَّصْرَانِيَّة قدما وَأَكْثَرهم مَالا منتمى يعرض عَلَيْهِ موادعة يكون بهَا عسكره مودعا وَيكون لَهُ بهَا مفزعا وَلِصَاحِب صقلية الَّذِي زعم أَنه أصل للشر يكون الشَّرّ مِنْهُ مفرعا فَلم يهن وَلم يجب إِلَى السّلم وَلم يزعه أَن عسكره خذله الله مبار فِي الْبر وَفِي اليم إِن شَاءَ الله تَعَالَى
الأسلوب الْخَامِس

مِمَّا يكْتب بِهِ إِلَى الْخُلَفَاء أَن تفتتح الْمُكَاتبَة بِالدُّعَاءِ بِشَيْء من متعلقات الْخلَافَة فِي الْجُمْلَة
وَهَذِه نُسْخَة كتاب من ذَلِك

كتب بِهِ إِلَى ديوَان الْخلَافَة بِبَغْدَاد عَن بعض مُلُوك بني أَيُّوب اعتذارا عَن التَّقْصِير فِي وصف إنعام صدر لَهُ عَن الْخَلِيفَة وَهُوَ
أسعد الله عُظَمَاء الْأَمْلَاك بالانتساب إِلَى الْخدمَة الشَّرِيفَة النَّبَوِيَّة وأوزعهم مَا أَمرهم بِهِ من طاعتها وخلد ملك
(3/318)

الدِّيوَان الْعَزِيز النَّبَوِيّ مَا دَامَت الأفلاك قَائِمَة والنجوم ناجمة ونقع بغمائمها غلل الآمال الحائمة وَفسّر بمكارمها حلم الْأَمَانِي الحالمة ورتق بتدبيراتها المعصومة فتوق النوب المتعاظمة وَأظْهر على أَيدي أوليائها معجزات نصرها وَصرف الْأَيَّام والليالي بَين المرضيين لله نهيها وأمرها وأودع بَرَكَات السَّمَاء وَالْأَرْض بمودعها ومستقرها
الْمَمْلُوك وَإِن كَانَ قد يسر الله لَهُ مذ أطلقت عذبة لِسَانه خدمَة الدولة العباسية فتفسح فِي وسيع مآثرها وتخير من بديع جواهرها وامتاح من نمير زواخرها فَإِنَّهُ لَا يعْتَذر عَن الْحصْر الَّذِي اعتراه فِي وصف الْمُنعم عَلَيْهِ بِهِ من الْخطاب الشريف الَّذِي لَوْلَا أَن عصمَة الْمُوَالَاة تثبت قلبه الخافق وتسدد لِسَانه النَّاطِق لما تعاطى وصف مَا أعطَاهُ من كِتَابه المرقوم وَسبق إِلَيْهِ من سحابه المركوم فَإِنَّهُ مِمَّا يشف عَنهُ الأمل ناكصا وَهُوَ كسير وينقلب دونه الْبَصَر خاسئا وَهُوَ حسير إِلَّا أَن الإنعام الشريف يبْدَأ الْأَوْلِيَاء بِمَا لَو وَكلهمْ إِلَى أمانيهم لتهيبت أَن تتعاطى خطبَته وَلَو فوضه إِلَى طلبتهم لنكلت
(3/319)

عَن أَن تترقى هضبته وَلَا غرو أَن للسحاب أَن يُصَافح قطره الثرى وللفجر أَن يشرق على غير الْكرَى والسرى
فَالْحَمْد لله الَّذِي قرب على الْمَمْلُوك منال الآمال وَثَبت قوى فُؤَاده لما لَا تستقل بِحمْلِهِ صم الْجبَال ويستنيب عَن جهر الشُّكْر بسر الْأَدْعِيَة ويقتصر على مَا يُفْضِي بِهِ إِلَى المحاريب وَإِن لم يقصر عَمَّا يفيضه فِي الأندية ويطالع بِأَن مَمْلُوك الْخدمَة وَابْن مملوكها أَخذ الْكتاب بِقُوَّة وشمر لخدمته تشمير خلَافَة لَا تشهير بنوة وتلقاه تلقي أَبِيه الأول الْكَلِمَات وَرَأى إطلاع الله لأمير الْمُؤمنِينَ على مَا فِي ضَمِيره من طَاعَته إِحْدَى المعجزات والكرامات وَسمع المشافهة خَاشِعًا متصدعا واشتمل عَلَيْهَا بفهمه ساميا طرفه متطلعا
وَلَقَد أشبه هَذَا الْكتاب الْكَرِيم بيعَة أخذت عَلَيْهِ مد لَهَا يَده آخِذا بكلتا يَدَيْهِ
(3/320)

والمملوك يَرْجُو بل يتَحَقَّق أَن هَذَا العَبْد الْمشَار إِلَيْهِ سيوفى على سابقه من عبيد الدولة العباسية فِي الزَّمَان وَيكون بِمَشِيئَة الله أسبق مِنْهُم بِالْإِحْسَانِ
وَقد صدرت خدمتان من جِهَته بعدهمَا تصدر الخدم وَلَا يألو جهدا فِي الخدمتين مباشرا بِيَدِهِ السَّيْف مستنبيا عَنْهَا للقلم وَله نصْرَة بَاقِيَة فِي الْوَلَاء وَهُوَ غَنِي عَن النظير وسريرة بادية فِي الطَّاعَة هُوَ إِلَيْهَا أسكن مِنْهُ إِلَى كل مشير
يعود الْمَمْلُوك إِلَى مَا لَا يزَال يفْتَتح بِهِ الصَّلَوَات الْمَفْرُوضَة ويختتم بِهِ الختمات المعروضة من الدُّعَاء الصَّالح الَّذِي إِن أغْنى الله وليه عَنهُ فقد أحْوج ذوى العقائد السليمة إِلَيْهِ لِأَنَّهُ مزك لأعمالهم بل متمم لإسلامهم وَكَيف لَا يدعونَ لمن يدعونَ بِهِ يَوْم يدعى كل أنَاس بإمامهم
فَيَقُول جمع الله لأمير الْمُؤمنِينَ طَاعَة خلقه وأذل رِقَاب الْبَاطِل بِسيف حَقه وَجعل الله مَا هُوَ قَبضته فِي
(3/321)

الْأُخْرَى قَبْضَة أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الأولى من الأَرْض الَّتِي هِيَ مَوْطُوءَة كالسماء ذَات الْعلَا وأدام نعمه على هَذِه الْأمة بإمامته وَأظْهر كَرَامَة نبيه عَلَيْهِ السَّلَام بِمَا يظاهره من كرامته وَعجل لمن لَا يقوم بِفَرْض ولائه إِقَامَة قِيَامَته ورد بسيوفه الَّتِي لَا ترد مَا الْإِسْلَام ممطول بِهِ من ظلامته وَأقَام بِهِ مناهج الدّين لأَهله وأظهره بمظاهرته على الدّين كُله حَتَّى يلقى الله وَمَا خلف فِي الدُّنْيَا كَافِرًا وَلَا ضميرا إِلَّا بِالتَّوْحِيدِ عَامِرًا وَلَا بَلَدا إِلَّا وَقد بَات بِالْإِسْلَامِ آهلا وَقد أصبح مِنْهُ الْكفْر داثرا
الأسلوب السَّادِس

أَن يفْتَتح الْكتاب بِالدُّعَاءِ لديوان الْخلَافَة وَعَلِيهِ الِاصْطِلَاح الْآن قَالَ فِي التَّعْرِيف وَكَانَ سَبَب مخاطبتهم الدِّيوَان الخضعان عَن مُخَاطبَة الْخَلِيفَة
ورسمه على مَا ذكره الْمقر الشهابي بن فضل الله فِي كِتَابه التَّعْرِيف بالمصطلح الشريف أَن يُقَال أدام الله أَيَّام
(3/322)

الدِّيوَان العزير المولوي السيدي الإمامي الْفُلَانِيّ ثمَّ يُؤْتى بِالدُّعَاءِ الْمَعْطُوف والصدر بالتعظيم المألوف وَقد يفْتَتح بِغَيْر هَذَا الدُّعَاء مثل أدام الله سُلْطَان الدِّيوَان الْعَزِيز وخلد الله سُلْطَان الدِّيوَان الْعَزِيز أَو أَيَّام الدِّيوَان الْعَزِيز وَمَا أشبه ذَلِك مِمَّا يَقْتَضِي الْعِزّ والدوام
والصدر نَحْو العَبْد أَو الْمَمْلُوك أَو الْخَادِم يقبل الأَرْض أَو العتبات أَو مواطئ المواقف أَو غير ذَلِك
وَيخْتم الْكتاب تَارَة بِالدُّعَاءِ وَتارَة ب طالع أَو أنهى أَو غَيرهمَا مِمَّا فِيهِ معنى الإنهاء ويخاطب الْخَلِيفَة فِي أثْنَاء الْكتاب بالديوان الْعَزِيز وبالمواقف المقدسة أَو المشرفة والأبواب الشَّرِيفَة وَالْبَاب الْعَزِيز وَالْمقَام الْأَشْرَف والجانب الْأَعْلَى أَو الشريف وبأمير الْمُؤمنِينَ مُجَرّدَة عَن سيدنَا ومولانا وَمرَّة غير مُجَرّدَة مَعَ مُرَاعَاة الْمُنَاسبَة والتسديد والمقاربة
وَأما خطاب الْمَكْتُوب عَنهُ فَاخْتلف بِحَسب من كتب عَنهُ فَكتب بعض مُلُوك بنى أَيُّوب بالديار المصرية والممالك الشامية الْخَادِم وَبَعْضهمْ الْمَمْلُوك وَبَعْضهمْ
(3/323)

العَبْد وَبَعْضهمْ أقل المماليك وَبَعْضهمْ أقل العبيد وَكَانَ عَلَاء الدّين خوارزم شاه صَاحب خوارزم وَمَا مَعهَا يكْتب الْخَادِم المطواع وَتَبعهُ ابْنه جلال الدّين على ذَلِك وَكَانَت أم جلال الدّين تكْتب الْأمة الداعية قَالَ فِي التَّعْرِيف والملوك والسوقة فِي ذَلِك لَا تخْتَلف
وَهَذِه نُسْخَة كتاب من ذَلِك

كتب بِهِ الْمقر الشهابي بن فضل الله إِلَى الْحَاكِم بِأَمْر الله أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن المستكفي بِاللَّه أبي الرّبيع سُلَيْمَان أحد الْخُلَفَاء العباسية بالديار المصرية عَن رُمَاة البندق بِالشَّام جَوَابا عَمَّا ورد عَلَيْهِ من كِتَابهمْ وَهُوَ يَوْمئِذٍ الْحَاكِم فِي رماية البندق فِي أَمر نَاصِر الدّين بن الْحِمصِي أحد الرُّمَاة وَهِي
أدام الله تَعَالَى أَيَّام الدِّيوَان الْعَزِيز المولوي السيدي النَّبَوِيّ الإمامي الحاكمي وَنصر بِهِ جمع الْإِيمَان وَبشر بأيامه الزَّمَان ومتعه بِالْملكِ الَّذِي لَا يَنْبَغِي لأحد من بعده بِمَا وَرثهُ من سُلَيْمَان
(3/324)

وَلَا زَالَ يخضع لمقامه كل جليل وَيعرف لأيامه كل وَجه جميل ويعترف لشرفه كل معترف بالتفضيل وَلَا كَانَ إِلَّا كرمه المأمول ودعاؤه المقبول وعدوه المصروع ووليه الْمَحْمُول وَلَا بَرحت طَاعَته يعْقد عَلَيْهَا كل جمع ومراسمه ينصت إِلَيْهَا كل سمع وَطَوَائِف الَّذين كذبُوا عَلَيْهِ لَا تتلى عَلَيْهِم آيَاته إِلَّا توَلّوا وأعينهم تفيض من الدمع
المماليك يقبلُونَ الأَرْض بالأبواب الْعَالِيَة الَّتِي هِيَ خطة شرفهم وَمَكَان تعبد القدماء مِنْهُم وَمن سلفهم ويلوذون بذلك الْمقَام ويعوذون بذلك الْحرم الَّذِي لَا يبعد نسبه من الْبَيْت الْحَرَام ويؤملون ذَلِك الْكَرم الَّذِي مَا مِنْهُم إِلَّا من سعد بِهِ طَائِره وجاءته بِهِ فِي وَجه الصَّباح أشائره وَفِي وَجه الْعشَاء بشائره فنالوا بِهِ أقْصَى المرام وقضوا بِهِ من الْعُمر مَا إِذا قَالُوا يَا سعد لَا يعنون بِهِ إِلَّا ذَلِك الإِمَام وينتهون إِلَى مَا ورد بِهِ المرسوم الشريف الَّذِي مَا من المماليك إِلَّا من مت إِلَيْهِ بقديم عبوديته ورقه وسارع إِلَى طَائِره الميمون وحماه بسبقه وَفتح لَهُ عينه وَظن أَنه حالم
(3/325)

وامتثلوا لأَمره وَكَيف لَا تمتثل الرُّمَاة أَمر الْحَاكِم وَلَا سِيمَا ابْن عَم سيدنَا رَسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الإِمَام الْحَاكِم وأجلوه عَن رَفعه إِلَى الْعين إِذْ كَانَت تِلْكَ منزلَة الْحَاجِب وَقدمُوا إِلَيْهِ خفوق قُلُوبهم الطائرة وَمَا علمُوا أَن كَانُوا قَامُوا بِالْوَاجِبِ ووقفوا على أَحْكَام حاكمه فَمَا شكوا أَن زمَان هَذَا الْفَنّ بِزَمَان ناصره فِي بَغْدَاد قد عَاد وَأَن مِثَاله المتمثل فِي سَواد الحدق مِمَّا حكته أَيَّامه العباسية من شعار السوَاد وَعَلمُوا مَا رسم بِهِ فِي معنى مُحَمَّد بن الْحِمصِي الَّذِي مَا نورت اللَّيْلَة الظلماء أكاريخه وَلَا بَعدت فِي الإقعاد لَهُ تواريخه بل أخمدت دموع ندمه نيرانه المشتعلة وَأصْبح بِهِ لَا يحمل الْقوس فِي يَده إِلَّا أَنه مشغله وَمَا كَانَ أنهاه إِلَى الدِّيوَان الْعَزِيز مِمَّا لم تذكر الخواطر الشَّرِيفَة بِأَنَّهُ فِيهِ المفترى وَأَنه صَاحب الْقوس إِلَّا أَن مَاله سَعَادَة الْمُشْتَرى وَأَنه موه تمويه الجاحد وتلون مثل قَوس قزَح وَإِلَّا فقوس البندق لون وَاحِد ودلى بغروره وَعرض الْمحْضر الَّذِي حمله على تغريره
(3/326)

وَذَلِكَ فِي غيبَة الْأَمِير بهاء الدّين البندقدار الحاكمي الَّذِي لَو كَانَ حَاضرا لنبأ بِخَبَرِهِ وَأحسن بالإعلام بِسوء محضره وتحيل لأخذ الْخط الشريف الَّذِي لَو عقل لَكَانَ حجَّة عَلَيْهِ ومؤكدا لإبطال رميه وقوسه وبندقه فِي يَدَيْهِ لما تضمنه الْخط الشريف الْمُقَيد اللَّفْظ المكتتب على المصطلح الساحب ذيل فخاره على المقترح الَّذِي هدى إِلَى الْخَيْر وَبَدَأَ بِهِ مَا وهب من الْملك السُّلَيْمَانِي الَّذِي أُوتِيَ من كل شَيْء وَعلم منطق الطير فَإِنَّهُ لم يكْتب لَهُ إِلَّا بِأَن يَرْمِي على الْوَجْه المرضي بساعده وَاسْتِيفَاء شُرُوط البندق وَالْخُرُوج من جَمِيع الأشكال عملا بقواعده وَيعلم أَنه إِنَّمَا رعى حق قَدمته وَلَا فعل فِي الْبَاب الْعَزِيز مَا يجب من التحلي بشعار الصدْق فِي خدمته وَأَنه خَالف عَادَة الْأَدَب وَأَخْطَأ فِي الْكل لكنه ندب وَذَلِكَ بعد أَن عمل لَهُ جيمع رُمَاة البندق وَسُئِلَ فَأجَاب بِأَنَّهُ سَالم من كل إِشْكَال يشكل وَأَنه بعد أَن أقعد رمى وَحمل وَحمل فَشهد عَلَيْهِ السَّادة الْأُمَرَاء وُلَاة الْعَهْد إخْوَة
(3/327)

أَمِير الْمُؤمنِينَ وَمن حضر وَكَتَبُوا خطوطهم فِي الْمحْضر وَمَا حصل الْآن عِنْد عرض قصَّة المماليك بالمواقف المقدسة ووضوح قَضيته المدنسة من التَّعَجُّب من اعْتِرَاف المماليك لكَوْنهم رموا مَعَه بعد أَن رَأَوْا الْخط الشريف وَهُوَ لفظ مُقَيّد وَأمر أيد بِهِ رَأْي الإِمَام الْحَاكِم بِأَمْر الله المسترشد بِاللَّه والمؤيد وكل مَا أَمر بِهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا معدل عَن طرقه وَلَا جِدَال إِلَّا بِهِ إِذا ألزم كل أَمر طَائِره فِي عُنُقه وأمير الْمُؤمنِينَ بَحر لَا يُورد إِلَّا عَن علمه وَهُوَ الْحَاكِم وَلَا راد لحكمه وَإِنَّمَا ابْن الْحِمصِي الْمَذْكُور عدم السداد وَخَالف جارى الْعَادة فِي الحمص فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي سلق فِي الافتراء بألسنة حداد وَلم يُوقف المماليك من الْخط الشريف إِلَّا على بعضه وَلَا أَرَاهُم من برقه المتهلل غير ومضه وَالَّذِي أوقفهم عَلَيْهِ مِنْهُ أَن يَرْمِي مُحَمَّد بن الْحِمصِي ويرمى مَعَه وَكلمَة أَمِير الْمُؤمنِينَ مستمعة ومراسيمه متبعة وَإِذا تقدم كَانَ النَّاس تبعه غير أَن الْمَذْكُور بَدَت مِنْهُ أُمُور قطع بهَا الْأَمِير صارم الدّين صاروجا الْحَاكِم البندقدار فِي حَقه وَأَقْعَدَهُ عَن قَدمته الَّتِي كَانَ
(3/328)

يمت فِيهَا بسبقه وانتقل عَنهُ غلمانه وَثقل عَلَيْهِ زَمَانه وَنُودِيَ عَلَيْهِ فِي جمع كَبِير يزِيد على تسعين قوسا وجرح لخطأ بندقه جرحا لَا يؤسى ثمَّ بعد مُدَّة سِنِين توسل بِولد الْأَمِير المرحوم سيف الدّين تنكز إِلَى أَبِيه وتوصل بِهِ إِلَى مراميه فَأمر أَن يرْمى مَعَه وهدد الْمُخَالف بِالضَّرْبِ وَلم يرم مَعَه أحد بِرِضَاهُ إِلَّا خوف أَن توقد نَار الْحَرْب فَلَمَّا مَضَت تِلْكَ الْأَيَّام وَانْقَضَت تِلْكَ الأحلام جمع مَمْلُوك الْأَبْوَاب الْعَالِيَة الْأَمِير عَلَاء الدّين بن الأبو بكري الْحَاكِم فِي البندق الْآن من رُمَاة البندق جمعا كثيرا واهتم بِهِ اهتماما كَبِيرا وَذكر أَمر الْمَذْكُور وأحضر محضره المسطور وَلم يكن عَلَيْهِ تعويل وَلَا فِي حكم الْحَاكِم الْمُقدم تَعْلِيل وَلَا عِنْد هَذَا الْحَاكِم الَّذِي ادّعى لَهُ وَادّعى عِنْده تجوز الأباطيل وَتحقّق أَن الْحق فِيمَا حكم عَلَيْهِ فتبع وَترجع أَن لَا يُقَام مِنْهُ من أقعد وَلَا يُوصل مِنْهُ مَا قطع فنفذ حكم الْحَاكِم الْمُتَقَدّم وَاسْتمرّ بقعوده المتحتم وَوَافَقَهُ على هَذَا سَائِر الرُّمَاة بالبلاد الشامية وحكامها وَمن يرجع إِلَيْهِ فِي الرماية وأحكامها وَبَطلَت
(3/329)

قدمة الْمَذْكُور الَّتِي ذهب فِيهَا عمره ضائعا وزمانه الَّذِي إِذا اشْتريت مِنْهُ سَاعَة بالعمر لم يكن نَافِعًا
وَلما ورد الْآن هَذَا المرسوم الشريف زَاده الله شرفا قبلوا الأَرْض لَدَيْهِ وأوقفوا عَلَيْهِ حاكمهم الْمُسَمّى فَوقف لَهُ وَعَلِيهِ وَجمع لَهُ جمعا لم يدع من الرُّمَاة مُعْتَبرا وَلَا من يلقم الْقوس وترا وَلَا من إِذا قعد كَالْعَيْنِ جرى مَا جرى ثمَّ قَرَأَ عَلَيْهِم مَا تضمن ودعوا لأمير الْمُؤمنِينَ وَلم يبْق مِنْهُم إِلَّا من دَعَا وَأمن وتضاعف سرورهم بِحكمِهِ الَّذِي رفع الْخلَل وَقطع الجدل وَقَالُوا لَا عدمنا أَيَّام هَذَا الْحَاكِم الَّذِي أنصف وَالْإِمَام الَّذِي عدل وبقى ابْن الْحِمصِي مثلَة وَنُودِيَ عَلَيْهِ إِنَّه من رمى مَعَه كَانَ مخطئا مثله ووقرت هَذِه المناداة فِي كل مسمع وقرت استقرارا انْفَصل عَلَيْهِ الْمجمع وَذَلِكَ بِمَا فهم من أَمِير الْمُؤمنِينَ وبنص كِتَابه الْمُبين وَبِمَا قضى الله بِهِ على لِسَان خَلِيفَته الْحَاكِم وَالله أحكم الْحَاكِمين وطالعوا بهَا وأنهوا صُورَة الْحَال وجمعوا فِي إمضائه الآمال لَا زَالَت سَعَادَة أَمِير الْمُؤمنِينَ منزهة عَن الشّبَه بعيدَة عَن الشّبَه
(3/330)

آخذة من خير الدَّاريْنِ كل اثْنَيْنِ فِي وَجه حَتَّى تحصل كل رمية من كثب وَلَا يرْمى فِي كل لعبة إِلَّا كل مصطحب مَا غب فِي السَّمَاء المرزم وَوَقع الْعقَاب على ثنيته يقرع سنه ويتندم وَعلا النسْر الطَّائِر وَالْوَاقِع على آثاره وَسَائِر طيور النُّجُوم والحوم إِن شَاءَ الله تَعَالَى
قلت وَهَذَا الْكتاب أنشأه الْمقر الشهابي بن فضل الله الْمُقدم ذكره بِنَاء على مذْهبه فِي أَن الْمُكَاتبَة إِلَى الْخَلِيفَة تكون بِالدُّعَاءِ للديوان الْعَزِيز من الْملك والسوقة لَا يخْتَلف وَفِيه نظر بل الَّذِي يَنْبَغِي أَن يفْتَتح الْكِتَابَة إِلَيْهِ بتقبيل الأَرْض على مَا يكْتب بِهِ للملوك إِذْ الْمُلُوك نوابه وَأَتْبَاعه وَلَا أَعلَى مِنْهُ رُتْبَة
وَأما الْكتب إِلَى وُلَاة الْعَهْد بالخلافة
فَقَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس فِي صناعَة الْكتاب وَيكون التصدير فِي الْمُكَاتبَة إِلَى ولي الْعَهْد على مَا تقدم فِي الْمُكَاتبَة إِلَى الْخُلَفَاء مَعَ تَغْيِير الْأَسْمَاء يعْنى أَنه لَا يُقَال فِيهِ الإِمَام وَلَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بل ولي عهد الْمُسلمين وَفِي
(3/331)

التصدير مَعَ السَّلَام وَبَرَكَاته فِي أول الْكتاب وَآخره وَفِي ولي الْعَهْد يحذف وَبَرَكَاته من التصدير فَكَانُوا يَكْتُبُونَ لوَلِيّ الْعَهْد لعبد الله أبي فلَان فلَان ولي عهد الْمُسلمين سَلام على ولي عهد الْمُسلمين وَرَحْمَة الله فَإِنِّي أَحْمد إِلَيْهِ الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وأسأله أَن يُصَلِّي على مُحَمَّد عَبده وَرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أما بعد أَطَالَ الله بَقَاء ولي عهد الْمُسلمين وَيَأْتِي على الْمَقْصد على مَا تقدم فِي الْكتب إِلَى الْخَلِيفَة ثمَّ يختمه بقوله وَالسَّلَام على ولي عهد الْمُسلمين وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته
أما على المصطلح المستقر عَلَيْهِ الْحَال فقد ذكر الْمقر الشهابي بن فضل الله فِي كِتَابه التَّعْرِيف أَنه يكْتب إِلَى ولي الْعَهْد بالخلافة مَا صورته ضاعف الله تَعَالَى جلال الْجَانِب الشريف المولوي السيدي النَّبَوِيّ الْفُلَانِيّ ثمَّ يدعى لَهُ قَالَ صَاحب التثقيف وَالْخطاب لَهُ بمولانا ولي الْعَهْد وَنَحْو ذَلِك وَالتَّعْبِير عَن الْمَكْتُوب عَنهُ بالخادم يقبل العتبات الشَّرِيفَة أَو الْيَد الشَّرِيفَة وَنَحْو ذَلِك والعلامة إِلَيْهِ الْخَادِم على نِسْبَة مَا فِي الصَّدْر والعنوان عَن نَظِير الألقاب الَّتِي فِي الصَّدْر قَالَ فِي التثقيف
(3/332)

وَهَذَا على عَادَة من تقدم من الْمُلُوك أما فِي زَمَاننَا وَقَبله بِمدَّة مديدة فَإِنَّهُ لم يكْتب إِلَى ولي عهد
قلت وَمِمَّا يجب التَّنْبِيه عَلَيْهِ قطع الْوَرق الَّذِي يكْتب فِيهِ إِلَى الْخَلِيفَة لَا شكّ فِي أَنه كَانَ يكْتب للخليفة وَولي الْعَهْد حِين كَانَت الْخلَافَة بالعراق فِي قطع الْبَغْدَادِيّ بقلم مُخْتَصر الطومار على مَا يظْهر أَو فِي ثُلثي الْقطع الْبَغْدَادِيّ على مَا ذكره مُحَمَّد بن عمر الْمَدَائِنِي حَيْثُ كَانَت بيعاتهم وعهودهم تكْتب فِي ذَلِك أما الْآن حَيْثُ صَارَت عهودهم وبيعاتهم تكْتب فِي قطع الشَّامي الْكَامِل بقلم الثُّلُث الْخَفِيف فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَن يكون الْكتب إِلَيْهِم على هَذَا النمط تأسيا بِمَا اعتمدوه فِي ذَلِك وَإِلَّا فَالْوَاجِب الْكِتَابَة فِي الْبَغْدَادِيّ الْكَامِل على مَا كَانَ الْأَمر عَلَيْهِ فِي الزَّمن الْقَدِيم
(3/333)

الْبَاب السَّابِع

فِي ذكر أَوَائِل منسوبة إِلَى الْخُلَفَاء وغرائب وملح وأعاجيب تتَعَلَّق بهم وَفِيه فصلان
الْفَصْل الأول

فِي ذكر نبذة من الْأَوَائِل المنسوبة إِلَيْهِم
أول من بُويِعَ بالخلافة أَبُو بكر الصّديق بعد وَفَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد مر ذكر ذَلِك فِي الْبَاب الأول فِي الْكَلَام على الطّرق الَّتِي تَنْعَقِد بهَا الْخلَافَة وَهُوَ أول خَليفَة ولى وَأَبوهُ حَيّ فَقيل لِأَبِيهِ أبي قُحَافَة اسْتخْلف أَبُو بكر قَالَ أقرَّت بذلك بَنو قصي قيل نعم قَالَ يفعل الله مَا يَشَاء وبقى أَبُو قُحَافَة بعد وَفَاة أبي بكر رَضِي الله عَنهُ سِتَّة أشهر وَأَيَّام ثمَّ توفى فِي الْمحرم سنة أَربع عشرَة
وَهُوَ أول من عهد بالخلافة عهد بهَا لعمر بن الْخطاب وَقد مر ذكره فِي الْبَاب الأول أَيْضا
وَهُوَ أول من جمع الْقُرْآن حِين قتل الْقُرَّاء بِالْيَمَامَةِ فِي
(3/334)

حَرْب مُسَيْلمَة الْكذَّاب وَسَماهُ مُصحفا وَكَانَ قبل ذَلِك مَكْتُوبًا فِي عسب النّخل أَو أكتاف الْإِبِل وَنَحْوهَا
أول خَليفَة سمى بأمير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب وَهُوَ أول من فتح الْفتُوح وَأول من مصر الْأَمْصَار وَهُوَ أول من دون الدَّوَاوِين فِي الْإِسْلَام قَالَ الْقُضَاعِي دونهَا فِي سنة تسع عشرَة وَقيل سنة عشْرين قَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَاخْتلف فِي سَبَب وَضعه فَقيل إِن أَبَا هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قدم عَلَيْهِ بِمَال من الْبَحْرين فَقَالَ مَاذَا جِئْت بِهِ قَالَ خَمْسمِائَة ألف دِرْهَم فاستكثره عمر وَقَالَ أَتَدْرِي مَا تَقول قَالَ نعم مائَة ألف خمس مَرَّات فَصَعدَ عمر الْمِنْبَر فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ أَيهَا النَّاس قد جَاءَ مَال كثير فَإِن شِئْتُم كلنا لكم كَيْلا وَإِن شِئْتُم عددنا لكم عدا فَقَالَ رجل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قد رَأَيْت الْأَعَاجِم يدونون ديوانا لَهُم قدون لنا أَنْت ديوانا فَأمر
(3/335)

بِوَضْع الدَّوَاوِين وَقيل بل بعث عمر رَضِي الله عَنهُ بعثا وَعِنْده الهرمزان فَقَالَ لعمر قد أَعْطَيْت أهل هَذَا الْبَعْث الْأَمْوَال فَإِن تخلف مِنْهُم رجل أخل بمكانه من أَيْن يعلم صَاحبه فَأثْبت لَهُم ديوانا فَسَأَلَهُ عَن الدِّيوَان ففسره لَهُ فَأمر بِوَضْع الدِّيوَان وَقيل إِن عمر اسْتَشَارَ الْمُسلمين فِي أَمر المَال فَقَالَ عَليّ نقسم كل سنة مَا اجْتمع إِلَيْك من المَال وَلَا تمسك مِنْهُ شَيْئا فَقَالَ عُثْمَان أرى مَالا كثيرا وَإِن لم تحص النَّاس حَتَّى تعلم من أَخذ مِمَّن لم يَأْخُذ انْتَشَر الْأَمر فَقَالَ خَالِد بن الْوَلِيد قد كنت بِالشَّام فَرَأَيْت مُلُوكهَا دونوا ديوانا وجندوا جُنُودا فدون ديوانا وجند جُنُودا فَأخذ بقوله
وَهُوَ أول من أرخ بعام الْهِجْرَة قَالَ فِي ذخيرة الْكتاب لما أَرَادَ وضع التَّارِيخ جمع النَّاس للمشورة فَقَالَ بَعضهم نؤرخ بمبعث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ بَعضهم بل بوفاته وَقَالَ بَعضهم بل بهجرته من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة لِأَنَّهَا أول ظُهُور الْإِسْلَام فصوبه عمر وَأجْمع رَأْيهمْ عَلَيْهِ وَكَانَت الْهِجْرَة فِي شهر ربيع الأول بعد عشر من النُّبُوَّة وَقدم الْمَدِينَة لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة خلت مِنْهُ فَاخْتَلَفُوا فِي
(3/336)

الشَّهْر الَّذِي يبدؤون بِهِ فَأَشَارَ بَعضهم بالبداءة برمضان لشرفه فَقَالَ عمر بل بالمحرم لِأَنَّهُ منصرف النَّاس من حجهم فَرجع الْقَهْقَرَى ثَمَانِيَة وَسِتِّينَ يَوْمًا وَهِي الْقدر الَّذِي مضى من أول الْمحرم إِلَى اثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة من ربيع الأول وَابْتِدَاء التَّارِيخ من أول الْمحرم لتِلْك السّنة
قَالَ أَبُو هِلَال العسكري أَرَادَ بذلك اجْتِمَاع الْأَشْهر الْحرم فِي سنة وَاحِدَة
وَهُوَ أول من اتخذ بَيت مَال فِيمَا ذكره العسكري عَن قَتَادَة
وَهُوَ أول من سنّ قيام شهر رَمَضَان وَجمع النَّاس على إِمَام وَاحِد فِي التَّرَاوِيح وَذَلِكَ فِي سنة أَربع عشرَة
وَهُوَ أول من عس بِاللَّيْلِ
وَهُوَ أول من عاقب شَاعِرًا على الهجاء عاقب الحطيئة حِين هجا الزبْرِقَان بن بدر بِأَن حَبسه فِي بِئْر ثمَّ أخرجه وَطلب شفرة يُوهِمهُ أَنه يُرِيد قطع لِسَانه تخويفا لَهُ ليكف عَن الهجاء
(3/337)

وَهُوَ أول من ضرب فِي الْخمر ثَمَانِينَ وَكَانَ أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ قبل ذَلِك يجلد فِيهِ أَرْبَعِينَ
وَهُوَ أول من حرم الْمُتْعَة بِالنسَاء وَهِي أَن تنْكح الْمَرْأَة على شَيْء إِلَى أجل وَكَانَت مُبَاحَة قبل ذَلِك
وَهُوَ أول من نهى عَن بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد وهبتهن وجعلهن مِيرَاثا
وَهُوَ أول من مسح سَواد الْعرَاق على يَد عُثْمَان بن حنيف وَهُوَ من أَرض الْموصل إِلَى عبادان طولا وَذَلِكَ مائَة وَخمْس وَعِشْرُونَ فرسخا وَمن عقبَة حلوان إِلَى الْقَادِسِيَّة عرضا وَذَلِكَ ثَمَانُون فرسخا وَبَلغت جربانه سِتَّة وَثَلَاثِينَ ألف ألف جريب
وَهُوَ أول من صَالح الْعمَّال على مَال يَأْخُذهُ مِنْهُم وَكَانَ من ذَلِك أَنه شاطر عَمْرو بن الْعَاصِ مَاله وَهُوَ أَمِير مصر يَوْمئِذٍ
(3/338)

وَهُوَ أول من حمل الطَّعَام من مصر فِي بَحر أَيْلَة إِلَى الْمَدِينَة حِين أقحطوا فِي عَام الرَّمَادَة والأمير على مصر يَوْمئِذٍ عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ الْقُضَاعِي حفر خليج الْقَاهِرَة من الْفسْطَاط إِلَى السويس فِي ثَمَانِيَة أشهر وَجَرت فِيهِ السفن بِالطَّعَامِ من عَامه فَكَانَ ينْقل مِنْهَا إِلَى السفن ببحر القلزم فَيحمل مِنْهَا إِلَى الْمَدِينَة
وَهُوَ أول من أعال الْفَرَائِض فِيمَا ذكره العسكري عَن ابْن عَبَّاس وَكَانَ ابْن عَبَّاس يُنكر القَوْل وَلم يظْهر ذَلِك إِلَّا بعد موت عمر فَقيل لَهُ هلا قلت ذَلِك فِي زمن عمر قَالَ كَانَ رجلا مهيبا فهبته
وَهُوَ أول من اتخذ الدرة وَحملهَا ليعذب بهَا الجناة وَكَانَت من الهيبة بِحَيْثُ قَالَ الشّعبِيّ إِن درة عمر لأهيب من سيف الْحجَّاج
أول خَليفَة ولى وَأمه فِي قيد الْحَيَاة عُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله عَنهُ ثمَّ مُوسَى وَهَارُون ابْنا الْمهْدي ثمَّ المعتضد ثمَّ الْمُطِيع
وَهُوَ أول من أقطع القطائع بالأرضين
(3/339)

من الْخُلَفَاء قَالَ العسكري فعل ذَلِك اقْتِدَاء بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وَهُوَ أول من حمى الْحمى لإبل الصَّدَقَة وَنَحْوهَا
وَهُوَ أول من خفض صَوته بِالتَّكْبِيرِ فِي الصَّلَاة فِيمَا ذكره العسكري عَن عَاصِم بن أبي محكن
وَهُوَ أول من خلق الْمَسْجِد
وَهُوَ أول من ارْتقى إِلَى مقَام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على الْمِنْبَر إِذْ كَانَ أَبُو بكر قد نزل عَنهُ دَرَجَة ثمَّ جَاءَ عمر فَنزل عَنهُ أُخْرَى فَلَمَّا جَاءَ عُثْمَان رقي إِلَى حَيْثُ كَانَ يرقى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ سلمَان الْيَوْم ولد الشَّرّ وَقد ذكر ذَلِك بعض الْخُلَفَاء فَأنكرهُ فَقَالَ لَهُ بعض الْحَاضِرين اشكره يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فلولا ذَلِك لَكُنْت الْيَوْم تخْطب فِي بِئْر
وَهُوَ أول من أرتج عَلَيْهِ فِي الْخطْبَة فَقَالَ أَيهَا النَّاس إِن اللَّذين تقدماني كَانَا يعدَّانِ لهَذَا الْموقف كلَاما وَأَنْتُم إِلَى إِمَام عَادل أحْوج مِنْكُم إِلَى إِمَام قَائِل وَسَتَأْتِيكُمْ الْخطْبَة على وَجههَا ثمَّ نزل
(3/340)

وَهُوَ أول من قدم الْخطْبَة قبل الصَّلَاة فِي الْعِيدَيْنِ حِين رأى كثيرا من النَّاس يذهبون قبل سَماع الْخطْبَة وَكَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان فِي أول خِلَافَته يصلونَ ثمَّ يخطبون كَمَا هُوَ الْآن
وَهُوَ أول من فوض إِلَى النَّاس إِخْرَاج زكواتهم بِأَنْفسِهِم من غير دَفعهَا إِلَى الإِمَام
وَهُوَ أول من اتخذ صَاحب شرطة
قَالَ الثعالبي فِي لطائف المعارف وَهُوَ أول من قيل تَنَح عَن الطَّرِيق عِنْد سير الْخَلِيفَة
أول من بَايع عليا رَضِي الله عَنهُ بالخلافة طَلْحَة وَكَانَت يَده شلاء فَقَالَ حبيب بن ذُؤَيْب أول من بَايعه أشل فَمَا أَظن أَن هَذَا الْأَمر يتم وَقيل أول من بَايعه الأشتر النَّخعِيّ
وَهُوَ أول خَليفَة وَقع فِي زَمَنه قتال بَين أهل الْقبْلَة وَذَلِكَ فِي وقْعَة الْجمل
وَهُوَ أول من اتخذ بَيْتا يطْرَح فِيهِ الْقَصَص حَتَّى كتبُوا شَتمه وألقوه فِيهِ فَتَركه ثمَّ اتَّخذهُ الْمهْدي أَيَّام خِلَافَته
(3/341)

وَهُوَ أول من فرق بن الْبَيِّنَة فِي شَهَادَة الْخُصُوم
أول من اتخذ ديوَان الْخَاتم مُعَاوِيَة جعل ديوانا لختم كتبه الَّتِي تكْتب عَنهُ وَكَانَ سَبَب ذَلِك فِيمَا ذكره الثعالبي أَن عَمْرو بن الزبير قدم عَلَيْهِ فَأمر لَهُ بِمِائَة ألف دِرْهَم وَكتب لَهُ بذلك كتابا إِلَى زِيَاد بالعراق ففض عَمْرو الْكتاب وَجعل الْمِائَة مِائَتَيْنِ فَلَمَّا أطلع مُعَاوِيَة على ذَلِك اتخذ ديوَان الْخَاتم
أول من بَايع لوَلَده مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان بَايع لِابْنِهِ يزِيد بالخلافة بعده
وَهُوَ أول من وضع الْبَرِيد فِي الْإِسْلَام نَقله عَن مُلُوك الْفرس وأحكمه بعد ذَلِك عبد الْملك بن مَرْوَان
وَهُوَ أول من سمى الغالية غَالِيَة شمها من عبد الله بن جَعْفَر بن أبي طَالب فَسَأَلَهُ عَنْهَا فوصفها لَهُ فَقَالَ إِنَّهَا غَالِيَة وَيُقَال إِنَّه شمها من مَالك بن أَسمَاء بن خَارِجَة وَكَانَت أُخْته هِنْد أول من صنعتها وَأنكر الجاحظ ذَلِك كُله وَقَالَ إِنَّا نجد فِي أشعار الْجَاهِلِيَّة ذكر الغالية وَرُبمَا قيل إِنَّهَا أَتَت الْعَرَب من جِهَة الْحَبَشَة
(3/342)

وَهُوَ أول من عمل الْمَقْصُورَة فِي الْجَامِع ليُصَلِّي فِيهَا قيل إِنَّه رأى على منبره كَلْبا فاتخذها وَقيل أول من اتخذها مَرْوَان بن الحكم اتخذها من حِجَارَة منقوشة وَجعل لَهَا كوى خوفًا على نَفسه وَقيل أول من اتخذها عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ خوفًا أَن يُصِيبهُ مَا أصَاب عمر
وَهُوَ أول من خطب جَالِسا حِين كثر شحمه وَعظم بَطْنه
وَهُوَ أول خَليفَة عبثت بِهِ رَعيته واجترأت عَلَيْهِ حَتَّى قَامَ إِلَيْهِ رجل فَقَالَ ليخبرنا أَمِير الْمُؤمنِينَ من كَانَ زوج أمه قبل أبي سُفْيَان فَقَالَ حَفْص بن الْمُغيرَة ثمَّ كلم ذَلِك الرجل عَمْرو بن الزبير فَأَغْلَظ عَلَيْهِ فِي كَلَامه فَأمر بِهِ فَضرب حَتَّى مَاتَ فَبلغ ذَلِك مُعَاوِيَة فلامه فَقيل إِنَّه الْقَائِل لَك كَذَا فَقَالَ إِذن قتلته وَأَنا أَحَق من وداه
وَهُوَ أول من أَمر بإقراء السَّلَام على الْخُلَفَاء وَأقرهُ عمر بن عبد الْعَزِيز
وَهُوَ أول من استلحق فِي الْإِسْلَام استلحق زيادا عملا بقول أَبِيه أبي سُفْيَان لَوْلَا أَن يشبرق عمر إهابي لعرفت أَن
(3/343)

زيادا قريب النّسَب مني أَنا غرسته فِي رحم أمه
وَهُوَ أول من اتخذ الخصيان لخاص خدمته
أول من أخرج الْمِنْبَر إِلَى الصَّحرَاء فِي الْعِيد مَرْوَان بن الحكم
وَهُوَ أول من أَخذ الْجَار بالجار فِيمَا ذكره العسكري أَخذ فَتى بِأَبِيهِ فجلده وتمثل بقول الشَّاعِر ... جانيك من يجنى عَلَيْك وَقد
تعدِي الصِّحَاح مبارك الجرب ...
فَقَالَ الْفَتى مَا هَكَذَا قَالَ الله تَعَالَى بل قَالَ {وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى} فرق لَهُ وخلاه
ويحكى مثل ذَلِك عَن الْحجَّاج بن يُوسُف
أول من نهى عَن الْكَلَام بِحَضْرَة الْخَلِيفَة عبد الْملك بن مَرْوَان وَكَانَ النَّاس قبل ذَلِك يراجعون الْخَلِيفَة فِيمَا يَقُول ويعترضون عَلَيْهِ فِيمَا يفعل وَأكْثر مَا كَانَ ذَلِك على عُثْمَان
(3/344)

وَهُوَ أول من ضرب الدَّرَاهِم فِي الْإِسْلَام وَكتب فِي أَولهَا {قل هُوَ الله أحد} سنة خمس وَسبعين وَجعل كل عشرَة مِنْهَا وزن سبع مَثَاقِيل فاستمر هَذَا الْوَزْن إِلَى الْآن وَإِنَّمَا كَانَ قبل ذَلِك الدَّرَاهِم المشخصة ثمَّ ضربهَا الْحجَّاج وَنقش عَلَيْهَا {الله أحد الله الصَّمد} وَنهى أَن يطبع أحد غَيره فطبع سهير الْيَهُودِيّ دَرَاهِمه السهيرية من فضَّة خَالِصَة وَجعل فِيهَا ذَهَبا فَأمر الْحجَّاج بقتْله فَقَالَ انْظُر فَإِن لم تكن أَجود من دراهمك فاقتلني فَوَجَدَهَا أَجود مِنْهَا فَأمر بقتْله لجرأته على ضربهَا قَالَ فَإِنِّي أعرض عَلَيْك أمرا فَإِن رَأَيْته أصلح للْمُسلمين من قَتْلِي فأعفني قَالَ هاته فَوضع الأوزان وزن ألف وَخمْس مائَة وثلاثمائة إِلَى وزن ربع قِيرَاط فَجَعلهَا حديدا ونقشها وَجَاء بهَا إِلَى الْحجَّاج فأعجبه وَعَفا عَنهُ وَكَانَ النَّاس قبل ذَلِك يَأْخُذُونَ الدِّرْهَم الوازن فيزنون بِهِ غَيره وَأكْثر ذَلِك يُؤْخَذ عددا
وَهُوَ أول من نقل الدِّيوَان من الفارسية بالعراق وَمن الرومية بِالشَّام إِلَى الْعَرَبيَّة
(3/345)

وَهُوَ أول من رفع يَده على الْمِنْبَر وَهُوَ أول خَليفَة بخل حَتَّى كَانَ يُقَال لَهُ رشح الْحجر لبخله كَمَا تقدم فِي تَرْجَمته يُقَال إِن بعض أخصائه لامه يَوْمًا على ذَلِك فَقَالَ أما سَمِعت قَول الْقَائِل أجع كلبك يتبعك فَقَالَ أما تخشى يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يلوح لَهُ غَيْرك بكسرة فيتركك ويتبعه
أول من اتخذ البيمارستان للمرضى فِي الْإِسْلَام الْوَلِيد بن عبد الْملك بنى بيمارستانا بِدِمَشْق وسبله على المرضى أما مصر فَأول من اتَّخذهُ بهَا أَحْمد بن طولون بناه بالفسطاط وَهُوَ بَاقٍ إِلَى الْآن ثمَّ اتخذ السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب بيمارستانا بِالْقَاهِرَةِ فِي قاعة من قاعات الْقصر أخبر أَنه لَا يدخلهَا النَّمْل وَهُوَ بَاقٍ إِلَى الْآن ثمَّ اتخذ الْمَنْصُور قلاوون البيمارستان الْكَبِير بَين القصرين فأنسى ذكر مَا كَانَ قبله
وَهُوَ أول من أجْرى الرَّوَاتِب على الْقُرَّاء والعميان وَأَصْحَاب العاهات
وَهُوَ أول خَليفَة أَقَامَ ناموس الْملك وَمنع من دُعَاء الْخَلِيفَة باسمه ومراجعته فِي الْكَلَام وَقَامَ بذلك خَطِيبًا فَقَالَ
(3/346)

أَيهَا النَّاس إِنَّكُم كُنْتُم تكَلمُون من قبلي من الْخُلَفَاء بِكَلَام الْأَكفاء تَقولُونَ يَا مُعَاوِيَة يَا يزِيد وَإِنِّي أعطي الله عهدا يأخذني بِالْوَفَاءِ بِهِ لَا يكلمني أحد بِمثل ذَلِك إِلَّا أتلفت نَفسه ثمَّ إِن رجلا قَالَ لَهُ بعد ذَلِك اتَّقِ الله يَا وليد فَإِن الْكِبْرِيَاء لله فَأمر بِهِ فوطئ بالأقدام فأيقظ النَّاس ذَلِك
أول خَليفَة اتخذ الأتراك أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور اتخذ حمادا التركي ثمَّ اتخذ الْمهْدي بعده مُبَارَكًا التركي وَغَيره
وَهُوَ أول خَليفَة جمع لعامل بَين الْحَرْث وَالْخَرَاج جمع بَينهمَا لخَالِد بن برمك بِفَارِس
أول خَليفَة زَاد فِي الْكتب وأسأله أَن يُصَلِّي على مُحَمَّد وَآله هَارُون الرشيد كَمَا تقدم فِي المكاتبات قَالُوا وَكَانَ ذَلِك من أفضل مناقبه
وَهُوَ أول خَليفَة جلس فِي المصائب على الْبسَاط دون أنماط تَحْتَهُ حِين نعي إِلَيْهِ ابراهيم بن صَالح بن عَليّ وَصَارَ إِلَى
(3/347)

دَاره وَقَالَ لَا يحسن بِأحد أَن يجلس فِي دَار حبيب من أَهله على نمط وَلَا نمرقة فاستن بَنو الْعَبَّاس ذَلِك فِي المصائب
أول من دعِي بنعته على الْمِنْبَر مُحَمَّد الْأمين فَقيل اللَّهُمَّ وَأصْلح عَبدك وخليفتك عبد الله مُحَمَّدًا الْأمين وَلم يذكر قبله نعت أحد من الْخُلَفَاء على مِنْبَر
أول من أخر النيروز المتَوَكل وَقد مر القَوْل عَلَيْهِ فِي الْكَلَام على نقل السّنة
وَهُوَ أول من أَمر بتغيير زِيّ أهل الذِّمَّة وَقد مر القَوْل على ذَلِك فِي بَابه أَيْضا
الْفَصْل الثَّانِي

فِي ذكر غرائب وملح وأعاجيب تتَعَلَّق بالخلفاء

غرائب تتَعَلَّق بِولَايَة الْخلَافَة

من ولى الْخلَافَة فِي حَيَاة أَبِيه

أَبُو بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ وَليهَا وَأَبوهُ حَيّ
(3/348)

الطائع لله انخلع لَهُ أَبوهُ الْمُطِيع مِنْهَا حِين ضعف وَعجز عَن الْقيام بهَا وَولى مَكَانَهُ وعاش أَبوهُ بعد ذَلِك أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ مَاتَ
من ولى الْخلَافَة وَله أَخ أسن مِنْهُ
أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ وَليهَا وَأَخُوهُ عقيل أسن مِنْهُ بِعشْرين سنة
يزِيد بن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وَليهَا وَأَخُوهُ عبد الله أسن مِنْهُ
هِشَام بن عبد الْملك وَليهَا وَأَخُوهُ مسلمة أسن مِنْهُ
يزِيد بن الْوَلِيد وَأَخُوهُ ابراهيم ولياها وأخوهما الْعَبَّاس وَغَيره من إخوتهما أسن مِنْهُمَا
أَبُو الْعَبَّاس السفاح وَليهَا وَأَخُوهُ أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور أسن مِنْهُ بسنين وأعقل مِنْهُ
(3/349)

هَارُون الرشيد وَليهَا وَأَخُوهُ مُحَمَّد بن الْمهْدي أسن مِنْهُ
مُحَمَّد الْأمين وَليهَا وَأَخُوهُ الْمَأْمُون أسن مِنْهُ بِسِتَّة أشهر وأعقل مِنْهُ
الواثق بِاللَّه وَليهَا وَأَخُوهُ مُحَمَّد وَالِد المستعين أسن مِنْهُ
المتَوَكل على الله وَليهَا وَأَخُوهُ أَحْمد اسن مِنْهُ
المعتز بِاللَّه وَليهَا وَأكْثر إخوانه أسن مِنْهُ القاهر بِاللَّه وَليهَا وَأَخُوهُ هَارُون أسن مِنْهُ
الْمُطِيع لله وَليهَا وَأَخُوهُ الْعَبَّاس وَغَيره من إخْوَته أسن مِنْهُ
الطائع لله وَليهَا وَأَخُوهُ عبد الْعَزِيز أسن مِنْهُ
من ولى الْخلَافَة من الْإِخْوَة
أَرْبَعَة إخْوَة ولوا الْخلَافَة هم الْوَلِيد وَسليمَان وَيزِيد وَهِشَام بَنو عبد الْملك بن مَرْوَان لَا يعرف ذَلِك لسواهم
ثَلَاثَة إخْوَة ولوا الْخلَافَة هم الْأمين والمأمون والمعتصم بَنو هَارُون الرشيد
(3/350)

والمنتصر والمعتز وَالْمُعْتَمد بَنو المتَوَكل
والمكتفي والمقتدر والقاهر بَنو المعتضد
والراضي والمقتفي والمطيع بَنو المقتدر
وَأما أَخَوان وليا الْخلَافَة فكثير مِنْهُم يزِيد وابراهيم ابْنا الْوَلِيد
والسفاح والمنصور ابْنا مُحَمَّد
وَالْهَادِي والرشيد ابْنا الْمهْدي
والواثق والمتوكل ابْنا المعتصم وَغَيرهم
من ولي صَبيا
جَعْفَر بن المقتدر ولى وَلم يستكمل إِحْدَى عشرَة سنة
مُعَاوِيَة بن يزِيد ولي وَله تسع عشرَة سنة
من ولي مسنا قد جَاوز السِّتين
أَبُو بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ ولى وَله إِحْدَى وَسِتُّونَ سنة
عبد الله بن الزبير ولى وَله أَربع وَسِتُّونَ سنة
مَرْوَان بن الحكم ولى وَله إِحْدَى وَسِتُّونَ سنة
(3/351)

اتفاقية عَجِيبَة فِي خلع الْخُلَفَاء

قَالَ الصولي النَّاس يرَوْنَ أَن كل سادس يقوم بِأَمْر الدّين مُنْذُ أول الْإِسْلَام لَا بُد أَن يخلع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وَالْحسن خلع
ثمَّ مُعَاوِيَة وَيزِيد وَمُعَاوِيَة ومروان وَعبد الْملك وَعبد الله بن الزبير فَخلع
ثمَّ لم يكن فِي الدولة الأموية من يكمل السِّتَّة فَكَانَ مِنْهُم يزِيد بن الْوَلِيد ثمَّ ابراهيم بن الْوَلِيد ثمَّ مَرْوَان بن مُحَمَّد وَهُوَ آخِرهم
ثمَّ أَتَى الله تَعَالَى بالدولة العباسية
فَكَانَ مِنْهُم السفاح والمنصور وَالْمهْدِي وَالْهَادِي والرشيد والأمين فَخلع
ثمَّ الْمَأْمُون والمعتصم والواثق والمتوكل والمنتصر والمستعين فَخلع
ثمَّ المعتز والمهتدي وَالْمُعْتَمد والمعتضد والمكتفي والمقتدر فَخلع فِي فتْنَة ابْن المعتز ثمَّ رد
(3/352)

قَالَ صَاحب رَأس مَال النديم ثمَّ الْقَائِم ثمَّ الراضي ثمَّ المقتفي ثمَّ المكتفي ثمَّ الْمُطِيع ثمَّ الطائع فَخلع
قَالَ الصّلاح الصَّفَدِي ثمَّ الْقَادِر ثمَّ الْقَائِم ثمَّ الْمُقْتَدِي ثمَّ المستظهر ثمَّ المسترشد ثمَّ الراشد فَخلع
ثمَّ المقتفي ثمَّ المستنجد ثمَّ المستضىء ثمَّ النَّاصِر ثمَّ الظَّاهِر ثمَّ المستعصم فَخلع وَقتل أَيَّام هولاكو ملك التتار
قلت ثمَّ بُويِعَ الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أَحْمد بن الظَّاهِر بالديار المصرية فِي الدولة الظَّاهِرِيَّة بيبرس وجهزه الْملك الظَّاهِر إِلَى بَغْدَاد ليقتلعها من التتر فَقتله التتر قبل وُصُوله إِلَيْهَا فَهُوَ فِي الْحَقِيقَة من خلفاء الْعرَاق وَإِن بُويِعَ لَهُ بِمصْر ثمَّ بُويِعَ بعده بالديار المصرية الْحَاكِم بِأَمْر الله أَحْمد بن الْحُسَيْن وَاسْتقر بهَا قدمه فَهُوَ فِي الْحَقِيقَة أول خلفائها ثمَّ كَانَ بعده بهَا ابْنه المستكفي سُلَيْمَان ثمَّ الْحَاكِم الثَّانِي أَحْمد بن المستكفي ثمَّ ابْنه الثَّانِي الواثق ابراهيم ثمَّ ابْنه الثَّالِث المعتضد أَبُو بكر ثمَّ المتَوَكل مُحَمَّد بن المعتضد أبي بكر فَخلع ثمَّ أُعِيد ثمَّ خلع ثمَّ أُعِيد ثمَّ كَانَ بعده ابْنه الإِمَام المستعين بِاللَّه أَبُو الْفضل الْعَبَّاس
(3/353)

ابْن المتَوَكل ثمَّ ابْنه الثَّانِي الإِمَام الْأَعْظَم المعتضد بِاللَّه أَبُو الْفَتْح دَاوُد خَليفَة الْعَصْر خلد الله أَيَّامه وَالله أعلم بِمن يكون السَّادِس فيخلع
ملح ونوادر تتَعَلَّق بالخلفاء

ثَمَانِيَة كَانُوا موجودين فِي زمن وَاحِد ولى كل مِنْهُم الْخلَافَة وهم
أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وَالْحسن وَمُعَاوِيَة وَعبد الله بن الزبير ومروان بن الحكم كلهم كَانُوا موجودين عِنْد وَفَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد ولى كل مِنْهُم الْخلَافَة
أحد عشر كَانُوا فِي زمن وَاحِد ولى كل مِنْهُم الْخلَافَة وهم
الْوَلِيد بن عبد الْملك وَسليمَان بن عبد الْملك وَعمر بن عبد الْعَزِيز وَيزِيد بن عبد الْملك وَهِشَام بن عبد الْملك والوليد بن يزِيد وَيزِيد بن الْوَلِيد وابراهيم بن الْوَلِيد ومروان بن مُحَمَّد وَأَبُو الْعَبَّاس السفاح وَأَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور كَانُوا موجودين
(3/354)

فِي آخر أَيَّام الْوَلِيد بن عبد الْملك وَقد ولوا الْخلَافَة
خَليفَة أَبُو عشرَة وأخو عشرَة وَعم عشرَة هُوَ
مَرْوَان بن الحكم
وَأَوْلَاده الْعشْرَة
عبد الْملك وَمُعَاوِيَة وَعبد الْعَزِيز وَبشر وَعمر وَمُحَمّد وَعبيد الله وَعبد الله وَأَيوب وَدَاوُد
وَإِخْوَته الْعشْرَة
عُثْمَان الْأَكْبَر وَعُثْمَان الْأَصْغَر والْحَارث وَعبد الرَّحْمَن وَصَالح وَأَبَان وَيحيى وحبِيب وَعَمْرو
وَأَوْلَاد إخْوَته الْعشْرَة
عبد الْوَاحِد وَعبد الْملك وَعبد الْعَزِيز وَسَعِيد أَوْلَاد الحكم وَحرب وَعُثْمَان وَعمر
(3/355)

أَوْلَاد الْحَارِث بن الحكم ويوسف وَسليمَان وَيحيى أَوْلَاد عبد الرَّحْمَن بن الحكم
خَليفَة جرت أَحْوَاله على شهر رَمَضَان
هُوَ عبد الْملك بن مَرْوَان كَانَ يَقُول ولدت فِي شهر رَمَضَان وفطمت فِي شهر رَمَضَان وأعذرت فِي شهر رَمَضَان وختمت الْقُرْآن فِي شهر رَمَضَان وَبَلغت الْحلم فِي شهر رَمَضَان وأتتني الْخلَافَة فِي شهر رَمَضَان وأخشى أَن أَمُوت فِي شهر رَمَضَان فَمَا دخل شَوَّال وَأمن مَاتَ
أَرْبَعَة خلفاء تزوجوا إِلَى رجل وَاحِد هم
الْوَلِيد بن عبد الْملك وَسليمَان بن عبد الْملك وَيزِيد بن عبد الْملك وَهِشَام بن عبد الْملك تزوج الْأَرْبَعَة بَنَات عبد الله بن عَمْرو بن عُثْمَان فَتزَوج الْوَلِيد بنته عَبدة وَسليمَان بنته عَائِشَة وَيزِيد بنته أم سعيد وَهِشَام بنته رقية وَلَا يعرف مثل ذَلِك
خَليفَة ركب الْبَرِيد
لَا يعرف ذَلِك إِلَّا لمُوسَى الْهَادِي كَانَ غَائِبا بجرجان
(3/356)

فَلَمَّا مَاتَ أَبوهُ الْمهْدي كتب إِلَيْهِ أَخُوهُ الرشيد بالْخبر وَأخذ الْبيعَة لَهُ بالخلافة وَوجه مَعَ الرَّسُول الْخَاتم والبردة والقضيب فَبلغ جرجان فِي ثَمَانِيَة أَيَّام ووافى مُوسَى بَغْدَاد على الْبَرِيد بعد ثَلَاثَة عشر يَوْمًا من موت الْمهْدي
خَليفَة سلم عَلَيْهِ بالخلافة عَمه وَعم أَبِيه وَعم جده هُوَ
الرشيد سلم عَلَيْهِ عَمه سُلَيْمَان بن الْمَنْصُور ثمَّ الْعَبَّاس بن مُحَمَّد عَم أَبِيه الْمهْدي ثمَّ عبد الصَّمد بن عَليّ عَم جده أبي جَعْفَر
خَليفَة سلم عَلَيْهِ سَبْعَة من أهل بَيته كلهم ابْن خَليفَة هُوَ
المتَوَكل سلم عَلَيْهِ مُحَمَّد بن الواثق وَأحمد بن المعتصم ومُوسَى بن الْمَأْمُون وَعبد الله بن الْأمين وَأَبُو أَحْمد بن الرشيد وَالْعَبَّاس بن الْهَادِي وَمَنْصُور بن الْمهْدي
خَليفَة قبل يَد خَليفَة ثمَّ قبل ذَلِك الْخَلِيفَة يَده هُوَ
المعتصم وقف لابراهيم بن الْمهْدي أَيَّام خِلَافَته ثمَّ نزل فَقبل يَده ثمَّ أدنى مِنْهُ ابْنه هَارُون فَقبل يَده وَقَالَ
(3/357)

يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ عَبدك هَارُون ابنى فَأمر لَهُ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم فَلَمَّا اسْتخْلف المعتصم وَكَانَ ابراهيم قد خلع فَقبل يَده وَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ عَبدك هبة الله ابنى فَأمر لَهُ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم ثمَّ حكى المعتصم هَذِه الْحِكَايَة لعَلي بن الْجُنَيْد فلامه على عدم إنصافه لإِبْرَاهِيم بن الْمهْدي وَقَالَ إِبْرَاهِيم إِنَّمَا أَمر لابنك هَارُون بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم وَفِي يَده بَغْدَاد فَقَط وَأَنت فِي يدك الدُّنْيَا فَقَالَ صدقت وَأمر لهبة الله بن ابراهيم بِعشْرَة آلَاف دِينَار قَالَ الصولي وَلَا يعرف خَليفَة قبل يَد خَليفَة ثمَّ قبل ذَلِك الْخَلِيفَة يَده إِلَّا فِي هذَيْن
خَليفَة جرت أُمُوره كلهَا على ثَمَانِيَة هُوَ
المعتصم لِأَنَّهُ الثَّامِن من ولد الْعَبَّاس وَالثَّامِن من خلفاء بني الْعَبَّاس وَالثَّامِن من أَوْلَاد الرشيد وَولد سنة ثَمَان وَسبعين وَمِائَة وَمَات وعمره ثَمَان وَأَرْبَعُونَ سنة وَملك ثَمَان سِنِين وَثَمَانِية أشهر وَثَمَانِية أَيَّام وَخلف ثَمَانِيَة
(3/358)

بَنِينَ وثمان بَنَات وَخلف الْعين ثَمَانِيَة آلَاف ألف دِينَار وَثَمَانِية وَعشْرين ألف ألف دِرْهَم وثماني عشر ألف دَابَّة وفتوحه ثَمَانِيَة وَتُوفِّي لثمان بَقينَ من ربيع الأول إِلَى غير ذَلِك من عدد الثَّمَانِية أُمُور قدرهَا الله تَعَالَى لَهُ
خَليفَة تنقل فِي خمس طَبَقَات هُوَ
ابراهيم بن الْمهْدي كَانَ فِي طبقَة أَبنَاء الْخُلَفَاء ثمَّ صَار خَليفَة ثمَّ صَار فِي طبقَة الندماء ثمَّ صَار فِي طبقَة المغنين ثمَّ صَار فِي مشيخة بني هَاشم
خَليفَة كَانَت خِلَافَته يَوْمًا أَو بعض يَوْم هُوَ
عبد الله بن المعتز وَقد تقدم ذكره
خَليفَة قتل ابْنه هُوَ
سُلَيْمَان بن عبد الْملك قتل ابْنه أَيُّوب صبرا
خَليفَة قتل أَبَاهُ هُوَ
الْمُنْتَصر قتل أَبَاهُ المتَوَكل بِأَن قيض لَهُ غلمانه من التّرْك فَقَتَلُوهُ
خَليفَة قتل أَخَاهُ هُوَ
(3/359)

المعتز قتل أَخَاهُ الْمُؤَيد بعد أَن خلعه من الْعَهْد
خَليفَة قتل عَمه هُوَ
أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور قتل عَمه عبد الله بن عَليّ
أما من قتل ابْن أَخِيه فكثير كالمعتصم قتل الْعَبَّاس ابْن أَخِيه الْمَأْمُون بالمرزاب
خَليفَة لَيْسَ لَهُ عقب هُوَ
مُعَاوِيَة بن يزِيد بن مُعَاوِيَة
خَليفَة انْقَطع عقبه هُوَ
أَبُو الْعَبَّاس السفاح
خَليفَة جَاوز سنه التسعين هُوَ
الْقَادِر بِاللَّه بلغ ثَلَاثًا وَتِسْعين سنة
خَليفَة لم يبلغ عمره عشْرين سنة هُوَ د
مُعَاوِيَة بن يزِيد بن مُعَاوِيَة
امْرَأَة تزَوجهَا خَليفَة وَابْنهَا خَليفَة وَزوج ابْنَتهَا خَليفَة هِيَ
فَاطِمَة بنت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم زَوجهَا
(3/360)

أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب وَابْنهَا الْحسن السبط وَزوج ابْنَتهَا أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ زوج بنتهَا أم كُلْثُوم بنت عَليّ
ثَلَاث نسْوَة لَا رَابِعَة لَهُنَّ ولدت كل وَاحِدَة مِنْهُنَّ خليفتين وَهن
ولادَة بنت الْعَبَّاس العبسية زَوْجَة عبد الْملك بن مَرْوَان ولدت الْوَلِيد وَسليمَان كل مِنْهُمَا ولي الخلاقة
وشاهريد بنت فَيْرُوز بن يزدجرد زَوْجَة الْوَلِيد بن عبد الْملك ولدت لَهُ يزِيد وابراهيم كل مِنْهُمَا ولى الْخلَافَة
والخيزران زَوْجَة الْمهْدي ولدت لَهُ مُوسَى الْهَادِي وَهَارُون الرشيد ولى كل مِنْهُمَا الْخلَافَة
امْرَأَة لَهَا اثْنَا عشر محرما كل مِنْهُم خَليفَة هِيَ
عَاتِكَة بنت يزِيد بن مُعَاوِيَة يزِيد أَبوهَا مُعَاوِيَة جدها مُعَاوِيَة بن يزِيد أَخُوهَا عبد الْملك بن مَرْوَان زَوجهَا مَرْوَان بن الحكم حموها يزِيد بن عبد الْملك
(3/361)

ابْنهَا الْوَلِيد وَسليمَان وَهِشَام بَنو زَوجهَا ابراهيم وَيزِيد ابْنا الْوَلِيد ابْنا ابْن زَوجهَا
وَنَحْوهَا فَاطِمَة بنت عبد الْملك أَبوهَا عبد الْملك وجدهَا لأَبِيهَا مَرْوَان وإخوتها الْوَلِيد وَسليمَان وَيزِيد وَهِشَام أَوْلَاد عبد الْملك وَبَنُو عَمها الْوَلِيد بن يزِيد وَيزِيد وابراهيم ابْنا الْوَلِيد وَزوجهَا عمر بن عبد الْعَزِيز وجدهَا لأَبِيهَا يزِيد بن مُعَاوِيَة وَأَبُو جدها مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وعمها مُعَاوِيَة بن يزِيد بن مُعَاوِيَة
وَقَرِيب مِنْهَا فِي بني الْعَبَّاس زبيدة بنت جَعْفَر بن أبي جَعْفَر الْمَنْصُور جدها الْمَنْصُور وأخو جدها السفاح وَزوجهَا الرشيد وعمها الْمهْدي وَابْنهَا الْأمين وابنا زَوجهَا الْمَأْمُون والمعتصم وابنا ابْن زَوجهَا الواثق والمتوكل
أم خَليفَة تزوجت بعد خلَافَة ابْنهَا هِيَ
أم خَالِد بنت أبي هِشَام أم معاوي بن يزِيد تزوجت بعد موت زَوجهَا مَرْوَان بن الحكم
امْرَأَة تزَوجهَا ثَلَاثَة خلفاء هِيَ
(3/362)

عَبدة بنت عبد الله بن يزِيد بن مُعَاوِيَة تزَوجهَا الْوَلِيد وَهِشَام بن عبد الْملك ومروان بن مُحَمَّد
لَيْلَة ولد فِيهَا خَليفَة وَمَات خَليفَة وَولى خَليفَة هِيَ
لَيْلَة السبت لأَرْبَع عشرَة لَيْلَة بقيت من ربيع الأول سنة سبعين وَمِائَتَيْنِ ولد بهَا الْمَأْمُون وَمَات الْهَادِي واستخلف الرشيد
أَعَاجِيب فِي سَعَة أَمْوَال الْخُلَفَاء

رَأَيْت فِي بعض التواريخ أَن يزِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان كَانَ قماشه يحمل على سِتّمائَة جمل وَأَنه خلف عشرَة آلَاف قَمِيص لنَفسِهِ وليقس على ذَلِك بَاقِي أَمْوَاله هَذَا والخلافة بعد لم تبلغ حد العظمة
وَحكى الثعالبي أَن أَبَا جَعْفَر الْمَنْصُور مَاتَ عَن تسع مائَة ألف ألف دِرْهَم وَخمسين ألف ألف دِرْهَم
وَحكى الصولي أَن الرشيد خلف مائَة ألف ألف دِينَار
وَحكى غَيره أَن الرشيد خلف من الْأَمْوَال مَا لم يخلف أحد مثله مُنْذُ كَانَت الدُّنْيَا وَذَلِكَ أَنه خلف من الأثاث وَالْعين
(3/363)

والجوهر وَالْوَرق وَالدَّوَاب مَا قِيمَته مائَة ألف ألف وَخَمْسَة وَعشْرين ألفا خَارِجا عَن الضّيَاع وَالْعَقار
وَحكى ابراهيم بن نوح أَن الَّذِي خَلفه المكتفي مِمَّا جمعه المعتضد وَمن بعده مائَة ألف ألف دِينَار والجوهر وَالطّيب وَمَا يجرى مجْرَاه عشرُون ألف ألف دِينَار وَالْكِسْوَة والفرش عشرُون ألف ألف دِينَار والكراع وَالسِّلَاح والغلمان عشرُون ألف ألف دِينَار والضياع وَالْعَقار والأملاك عشرُون ألف ألف دِينَار وَكَانَ فِيمَا أحصى من الْمَتَاع المخلف عَن المكتفي من الثِّيَاب المروزية والخراسانية ثَلَاثَة وَسِتُّونَ ألف ثوب وَمن الملاء ألف ملاءة وَمن العمائم المروزية ثَلَاثَة عشر ألف عِمَامَة وَمن الثِّيَاب المروزية الْمَقْصُورَة أَرْبَعَة آلَاف ثوب خَارِجا عَن الخام وَمن الْحلَل الوشى الْيَمَانِيّ الْمعدة والمنسوجة بِالذَّهَب ألف ألف وثمان مائَة حلَّة وَمن البطائن الَّتِي تحمل من كرمان فِي أنابيب قصب فَارس مِمَّا لم يعْهَد مثله ثَمَانِيَة عشر ألف أنبوبة بِيعَتْ كل أنبوبة مِنْهَا بدينارين وَمَا أحصي فِي خَزَائِن الْفرش من الْبسط الأرمينية وَغَيرهَا ثَمَانِيَة عشر ألف بِسَاط
(3/364)

وَعقد الْمَأْمُون فِي يَوْم وَاحِد لِأَخِيهِ المعتصم على الْمغرب وَأمر لَهُ بِخَمْسِمِائَة ألف دِينَار ولابنه الْعَبَّاس على الثغور والعواصم وَأمر لَهُ بِخَمْسِمِائَة ألف دِينَار ولعَبْد الله بن طَاهِر على الْجَبَل ومحاربة بابك وَأمر لَهُ بثلاثمائة ألف دِينَار ثمَّ أَمر لسَائِر القواد بسبعمائة ألف دِينَار فَكَانَ جملَة مَا فرقه فِي ذَلِك الْيَوْم ألفي ألف دِينَار فَقَالَ عَمْرو بن الْفرج الرخجي هَذَا يَوْم فرق فِيهِ من المَال مَا لم يفرق مثله مذ كَانَت الْحَيَاة
وَقد مر أَن المعتصم خلف ثَمَانِيَة آلَاف ألف دِينَار وَثَمَانِية وَعشْرين ألف دِينَار وَثَمَانِية عشر ألف دَابَّة خَارِجا عَمَّا عدا ذَلِك من الْأَمْوَال
وَيُقَال إِن المقتدر خلف نيفا وَسِتِّينَ ألف ألف دِينَار بتكرير الْألف مرَّتَيْنِ وَذَلِكَ مِمَّا جمعه الرشيد وَمن بعده
وَلما عملت دَعْوَة الْمَأْمُون حِين تزوج بوران بنت الْحسن بن سهل أَقَامَ أَبوهَا لِلْمَأْمُونِ وَلِجَمِيعِ قواده وَأَصْحَابه بِفَم الصُّلْح أنزالهم أَرْبَعِينَ يَوْمًا واحتفل بِمَا لم ير مثله نفاسة وَكَثْرَة
(3/365)

قَالَ الْمبرد سَمِعت الْحسن بن بغا يَقُول كُنَّا نجري أَيَّام مقَام الْمَأْمُون عِنْد الْحسن على سِتَّة وَعشْرين ألف ملاح وَلما كَانَت لَيْلَة الْبناء وجليت بوران على الْمَأْمُون فرش حَصِير من ذهب وجئ بمكتل مرصع فِيهِ در كبار فَنثرَتْ على من حضر من النِّسَاء وفيهن أم جَعْفَر وحمدونة بنت الرشيد فَمَا مس من حصر من الدّرّ شَيْئا فَقَالَ الْمَأْمُون شرفن أَبَا مُحَمَّد وأكرمنها فمدت كل وَاحِدَة يَدهَا فَأخذت درة وَبقيت سَائِر الدُّرَر تلوح على حَصِير الذَّهَب فَقَالَ الْمَأْمُون قَاتل الله الْحسن بن هَانِئ كَأَنَّهُ قد رأى هَذَا حَيْثُ يَقُول ... كَأَن صغرى وكبرى من فواقعها
حَصْبَاء در على أَرض من الذَّهَب ...
وَكَانَ فِي الْمجْلس شمعة عنبر فِيهَا مِائَتَا رَطْل فَضَجَّ الْمَأْمُون من دخانها فَعمِلت لَهُ مثل من الشمع فَكَانَ اللَّيْل مُدَّة مقَامه مثل النَّهَار وَلما كَانَت دَعْوَة القواد نثرت عَلَيْهِم رقاع فِيهَا أَسمَاء ضيَاع فَمن وَقعت فِي يَده رقْعَة بضيعة أشهد لَهُ الْحسن بهَا وَيُقَال إِنَّه أنْفق
(3/366)

فِي هَذِه الدعْوَة أَرْبَعَة آلَاف ألف دِينَار فَلَمَّا أَرَادَ الْمَأْمُون أَن يصعد أَمر لَهُ بِأَلف ألف دِينَار وأقطعه الصُّلْح وعتبه على احتفاله ذَلِك الاحتفال وَحمله على نَفسه فَقَالَ لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أيظن ذَلِك من مَال سهل وَالله مَا هُوَ إِلَّا مَالك رد إِلَيْك وَأَرَدْت أَن يفضل الله أيامك ونكاحك كَمَا فضلك على جَمِيع خلقه
فَانْظُر إِلَى هَذِه الدعْوَة وَمَا كَانَ فِيهَا وَهِي نغبة فِي بَحر الْخلَافَة
وَلما أعذر المتَوَكل ابْنه المعتز جلس بعد فرَاغ القواد والأكابر من الْأكل فَقدمت بَين يَدَيْهِ مرافع ذهب مرصعة بالجوهر وَعَلَيْهَا أَمْثِلَة من العنبر والمسك والند المعجون على جَمِيع الصُّور وَجعلت بساطا ممدودا وأحضر القواد والجلساء وَأَصْحَاب الْمَرَاتِب فَوضعت بَين أَيْديهم صوان من ذهب مرصعة بأصناف الْجَوْهَر من الْجَانِبَيْنِ وَبَين السماطين فُرْجَة وَجَاء الفراشون بزنابيل قد غشيت بِالْأدمِ مَمْلُوءَة دَرَاهِم ودنانير نِصْفَيْنِ نصت فِي الفرجة الَّتِي بَين السماطين حَتَّى ارْتَفَعت على الصواني وَأمر الْحَاضِرُونَ
(3/367)

أَن يشْربُوا وَيَأْخُذ كل وَاحِد مِمَّن يَأْكُل وَيشْرب من تِلْكَ الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير بِثَلَاث حفنات مَا حملت يَدَيْهِ وَكلما خف مَوضِع صب عَلَيْهِ من تِلْكَ الزنابيل حَتَّى يرد إِلَى حَالَته ووقف غلْمَان فِي آخر الْمجْلس وَقَالُوا إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يَقُول لكم ليَأْخُذ من شَاءَ مَا شَاءَ فَمد النَّاس أَيْديهم إِلَى المَال فَأَخَذُوهُ وَكَانَ الرجل يثقله مَا مَعَه فَيخرج بِهِ ويسلمه إِلَى غلمانه وَيرجع إِلَى مَكَانَهُ وَلما انْقَضى الْمجْلس خلع على النَّاس ألف خلعة وحملوا على ألف مركب بِالذَّهَب وَالْفِضَّة وَأعْتق ألف نسمَة
وَحكى العسكري فِي كِتَابه الْأَوَائِل عَن أَحْمد بن حمدون قَالَ عملت أم المستعين قلاية لم يبْق شَيْء حسن إِلَّا جعلته فِيهَا وأنفقت عَلَيْهَا مائَة ألف دِينَار وَثَلَاثِينَ ألف دِينَار وَسَأَلت ابْنهَا المستعين أَن يقف عَلَيْهَا قَالَ أَحْمد فَقَالَ لي ولأترجة الْهَاشِمِي اذْهَبَا وانظرا إِلَيْهَا وصفاها لي فمضينا فرأيناها فَمَا رَأينَا فِي الدُّنْيَا شَيْئا حسنا إِلَّا وَقد عمل فِيهَا ومددت أَنا يَدي إِلَى غزال من ذهب ملئ عنبرا عَيناهُ حبتا جَوْهَر وَعَلِيهِ سرج ولجام
(3/368)

وركاب من ذهب فَأَخَذته وَوَضَعته فِي كمي وَجِئْنَا فوصفنا لَهُ حسنها فَقَالَ لَهُ أترجة إِنَّه سرق مِنْهَا وغمز بِهِ عَليّ فَقلت يَا سَيِّدي ألام على مثل هَذَا فَقَالَ ارْجع فَخذ مَا أطقت حمله مِمَّا تريده فَقَالَ أترجة وَأَنا مَعَه قَالَ وَأَنت مَعَه فمضينا فملأنا أكمامنا وخفافنا وفتحنا أقبيتنا وَجَعَلنَا تحتهَا مَا قَدرنَا عَلَيْهِ وعقدنا أَطْرَاف الشفاشح فَوق ذَلِك وأقبلنا نمشي مشي الحبالى فَلَمَّا رآنا ضحك فَقَالَ لَهُ الجلساء فَنحْن مَا ذنبنا قَالَ قومُوا أَنْتُم أَيْضا وَقَالَ المغنون مثل ذَلِك فَأذن لَهُم وَجَاء فَوقف على الطَّرِيق ينظر كَيفَ يحملون مَا مَعَهم ويضحك فَنظر يزِيد المهلبي إِلَى سطل من ذهب مَمْلُوء مسكا فَأَخذه وَخرج فَقَالَ إِلَى أَيْن قَالَ إِلَى الْحمام فَضَحِك وَأمر الْأَطِبَّاء والخدم والفراشين فانتبهوا الْبَاقِي فوجهت إِلَيْهِ أمه تَقول سر الله أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي جَمِيع أَفعاله كنت أحب أَن ترَاهَا قبل أَن تفرقها فَقَالَ يُعَاد مثلهَا فأعيد مثلهَا فِي مُدَّة شَهْرَيْن
إِلَى غير ذَلِك من حكايات أَمْوَالهم الَّتِي لَا يَأْخُذهَا حصر وَلَا تدخل تَحت حد
(3/369)

وَللَّه خَزَائِن السَّمَوَات وَالْأَرْض
قَالَ الثعالبي وَكَانَ يُقَال لبني الْعَبَّاس فِي المَال فَاتِحَة وواسطة وخاتمة فالفاتحة الْمَنْصُور والواسطة الْمَأْمُون والخاتمة المعتضد المعتضد يُقَال إِن مَا جمعه إِلَى الرشيد فرقه الْأمين
اعْتِبَار وعظة فِي موت عُظَمَاء الْخُلَفَاء الَّذين ملكوا الأَرْض ودوخوا الْبِلَاد وَأَحَاطُوا بالأقاليم والأقطار وَحمل إِلَيْهِم أموالها
قَالَ أَحْمد بن أبي دَاوُد لقد شددت لحيي الْمَأْمُون والمعتصم والواثق بيَدي فَمَا تهَيَّأ لي فِي الْقيام على وَاحِد مِنْهُم عِنْد تِلْكَ الْحَالة وجود خرقَة أَشد بهَا لحييْهِ وَإِنَّمَا كَانَ معولي على الدراريع الَّتِي تكون معي أخرق مِنْهَا
وَلما مَاتَ المكتفي شغل النَّاس عَن مواراته بِأَمْر المقتدر الْمُسْتَخْلف بعده فاجتاز بِهِ صَاحب خزانَة الْكسْوَة فَوجدَ على وَجهه رِدَاء قصب فَأَخذه وَقَالَ هَذَا أطالب بِهِ فاجتاز بِهِ بعض خدمه فَبكى لما رَآهُ مكشوفا فَأخذ منديلا كَانَ على رَأسه فنشره على وَجهه وَلما نقل إِلَى دَار
(3/370)

الْغسْل والتكفين لم تُوجد مجمرة يبخر فِيهَا فَأخذت غضارة من غضائر الخزف الْأَحْمَر فبخر فِيهَا الْموضع وَكَانَ مِمَّا خَلفه أُلُوف من مجامر الذَّهَب وَالْفِضَّة وَقد مر ذكر مَا خَلفه فِي الْكَلَام عَن سَعَة أَمْوَال الْخُلَفَاء قبل هَذَا
وَللَّه أَبُو نواس حَيْثُ يَقُول ... إِذا اختبر الدُّنْيَا لَبِيب تكشفت
لَهُ عَن عَدو فِي ثِيَاب صديق ...
عِبْرَة قَالَ الصولي حَدثنِي الْحُسَيْن بن يحيى الْكَاتِب قَالَ لما ولى المعتز لم يمض إِلَّا مُدَّة حَتَّى أحضر النَّاس وَأخرج الْمُؤَيد فَقيل اشْهَدُوا أَنه دعِي فَأجَاب وَلَيْسَ بِهِ أثر ثمَّ مَضَت أشهر فأحضر النَّاس وَأخرج المستعين فَقَالَ إِن منيته أَتَت عَلَيْهِ وَهَا هُوَ لَا أثر فِيهِ فَاشْهَدُوا ثمَّ مَضَت مديدة واستخلف الْمُهْتَدي فَأخْرج المعتز مَيتا وَقيل اشْهَدُوا أَنه قد مَاتَ حتف أَنفه وَلَا أثر بِهِ ثمَّ لم تكمل السّنة حَتَّى اسْتخْلف الْمُعْتَمد فَأخْرج الْمُهْتَدي مَيتا وَقيل اشْهَدُوا أَنه قد مَاتَ حتف أَنفه من جراحته فتعجب النَّاس من تلاحقهم فِي مُدَّة يسيرَة
(3/371)

مثلهَا لما اشتدت عِلّة الواثق دخل أيتاخ لينْظر إِلَيْهِ هَل مَاتَ أم لَا فَلَمَّا دنا مِنْهُ نظر إِلَيْهِ الواثق بمؤخر عَيْنَيْهِ فَفَزعَ أيتاخ وجزع وَخرج الْقَهْقَرِي فَسقط على وَجهه هَيْبَة مِنْهُ فاندقت يَده وانكسر سَيْفه فَلم يمض إِلَّا سَاعَة حَتَّى مَاتَ الواثق فَعدل بِهِ إِلَى بَيت ليغسل فِيهِ فَجَاءَت فَأْرَة فَأكلت عينا فزع من لحظها أيتاخ حَتَّى تراجع وَسقط على سَيْفه فانكسر وَذَلِكَ فِي بعض يَوْم
نظيرها لما جىء بِرَأْس مَرْوَان بن مُحَمَّد آخر خلفاء بني أُميَّة إِلَى عبد الله بن عَليّ أَمر بعزله فَجَاءَت هرة فَقطعت لِسَانه وَجعلت تمضغه فَقَالَ عبد الله بن عَليّ أَو غَيره لَو لم يرنا الدَّهْر من عجائبه إِلَّا لِسَان مَرْوَان فِي فَم هَذِه لَكَفَانَا وَكَانَ مَرْوَان قبل ذَلِك قد عرض فِي ظهر الْحيرَة سبعين ألف عَرَبِيّ على سبعين ألف فرس ثمَّ قَالَ إِذا انْقَضتْ الْمدَّة لم تَنْفَع الْعدة
تعقيب قد تقدم فِي الْكَلَام على تراجم خلفاء بني
(3/372)

الْعَبَّاس بالديار المصرية أَنه مذ نقلت الْخلَافَة إِلَى الديار المصرية رادف خلفاؤها الْخُلَفَاء الماضين فِي القاب الْخلَافَة فتلقب أَحْمد بن الظَّاهِر أول من بُويِعَ بهَا بالمستنصر وتلقب أَحْمد بن الْحُسَيْن بعده بالحاكم وتلقب ابْنه بعده بالمستكفي ثمَّ تلقب بَنو المستكفي بالحاكم والواثق والمعتضد على مَا تقدم بَيَانه فِي تراجمهم وَهَذَا إِنَّمَا كَانَ يَنْبَغِي إِذا لم يتأت الْإِتْيَان بألقاب جَدِيدَة متقضبة وَذَلِكَ أَمر غير مُمْتَنع فَكَانَ من حَقهم أَن يقتضبوا لكل وَاحِد لقبا غير مَا تقدم
وَقد ذكر فِي نقط الْعَرُوس ألقابا تصلح للخلافة لم يتلقب بهَا أحد فعد مِنْهَا الْمعول على الله والمؤمل لله الرَّاغِب إِلَى الله السَّاعِي لله المحي لدين الله المستجيش بِاللَّه الْمُؤثر للحق فِي الله المرتقب فِي الله المراقب لله المتعزز بِاللَّه المستعد بِاللَّه المسدد بِاللَّه السديد بِاللَّه الشَّديد بِاللَّه المستهدي بِاللَّه المستعصم بِاللَّه العاضد لحق الله المعان بِاللَّه الْكَافِي فِي الله الْمظهر لدين الله الحامي فِي الله المحتمي فِي الله
(3/373)

الراجي لله المرتجي لله المكتفي بِاللَّه المرضي لأمر الله الْمُسلم لله المستسلم لله المحامي فِي الله المرشد إِلَى الله المحافظ فِي الله الْمَحْفُوظ بِاللَّه العائذ بِاللَّه اللائذ بِاللَّه الصادع عَن الله الْمُسْتَند إِلَى الله الذاب عَن دين الله وَهَذِه لم يتسم بهَا أحد من الْخُلَفَاء إِلَى الْآن وعد مِنْهَا المستكفي بِاللَّه الْحَافِظ لدين الله والمستعلي بِاللَّه وَهَذِه قد تلقب بهَا بعد زَمَانه فالمستكفي تلقب بهَا بعض خلفاء بني الْعَبَّاس والحافظ لدين الله والمستعلي بِاللَّه تلقب بهما بعض الْخُلَفَاء الفاطميين بِمصْر على أَن المتتبع لَو تتبع ذَلِك لأتى مِنْهُ بِالْقدرِ الْكَبِير وَالله أعلم
(3/374)

الخاتمة
فِيمَا يخْتَص بِالْإِمَامِ الْأَعْظَم المعتضد بِاللَّه خَليفَة الْعَصْر
الْمَوْضُوع لَهُ هَذَا الْكتاب

وَفِيه فصلان

الْفَصْل الأول

فِي نسبه

هُوَ الإِمَام الْأَعْظَم المعتضد بِاللَّه أَبُو الْفَتْح دَاوُد بن الإِمَام المتَوَكل على الله أبي عبد الله مُحَمَّد بن المعتضد بِاللَّه أبي الْفَتْح أبي بكر ابْن المستكفي بِاللَّه أبي الرّبيع سُلَيْمَان بن الْحَاكِم بِأَمْر الله أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن الْأَمِير الْحُسَيْن بن الْأَمِير أبي بكر بن الْأَمِير عَليّ الْمَعْرُوف بالقبي بن الْأَمِير حسن بن الراشد بِاللَّه أبي جَعْفَر الْمَنْصُور بن المسترشد بِاللَّه أبي مَنْصُور الْفضل بن المستظهر بِاللَّه أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن الْمُقْتَدِي بِأَمْر الله أبي مُحَمَّد عبد الله بن ذخيرة الدّين ولي عهد الْمُسلمين مُحَمَّد بن الْقَائِم بِأَمْر الله أبي جَعْفَر عبد الله بن الْقَادِر بِاللَّه أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن الْأَمِير
(3/375)

إِسْحَاق بن المقتدر بِاللَّه أبي الْفضل جَعْفَر بن المعتضد بِاللَّه أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن الْأَمِير الْمُوفق طَلْحَة بن المتَوَكل على الله أبي الْفضل جَعْفَر بن المعتصم بِاللَّه أبي اسحاق مُحَمَّد بن الرشيد أبي مُحَمَّد هَارُون بن الْمهْدي أبي عبد الله مُحَمَّد بن الْمَنْصُور أبي جَعْفَر بن مُحَمَّد الْكَامِل بن عَليّ السَّجَّاد بن عبد الله حبر الْأمة بن الْعَبَّاس عَم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ابْن عبد الْمطلب بن هَاشم بن عبد منَاف بن قصي بن كلاب ابْن مرّة بن لؤَي بن غَالب بن فهر بن مَالك بن النَّضر بن كنَانَة بن خُزَيْمَة بن مدركة بن الياس بن مُضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أدد بن مقوم بن ناحور بن تيرح بن يعرب بن يشجب بن نابت بن اسماعيل بن ابراهيم الْخَلِيل عَلَيْهِ السَّلَام بن تارح وَهُوَ آزر بن ناحور بن شاروح بن راغو بن فالغ بن عَابِر بن أرفخشد بن سَام بن نوح عَلَيْهِ السَّلَام بن لامك بن متوشلح بن خنوخ وَهُوَ ادريس عَلَيْهِ السَّلَام بن برد بن مهليل بن قينن بن يانش بن شِيث بن آدم عَلَيْهِ السَّلَام
هَذَا مَا ذكره ابْن إِسْحَاق فِي سيرته وَفِي كثير من
(3/376)

التواريخ مَا يُخَالف فِي بعض هَذِه الْأَسْمَاء فَيُقَال فِي نابت نبت وَفِي لامك لمك وَفِي خنوخ أَخْنُوخ بِأَلف فِي أَوله وَفِي مهليل مهلاييل وَفِي قينن قينان وَفِي يانش أنوش والمتفق عَلَيْهِ إِلَى عدنان وَفِيمَا وَرَاء ذَلِك إِلَى آدم اخْتِلَاف كثير
قلت وعَلى هَذَا النّسَب يكون من أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى آدم عَلَيْهِ السَّلَام خَمْسَة وَسَبْعُونَ أَبَا
مِنْهُ إِلَى الْعَبَّاس عَم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تِسْعَة وَعِشْرُونَ أَبَا وَمن الْعَبَّاس إِلَى آدم عَلَيْهِ السَّلَام سِتَّة واربعون أَبَا وَيكون نسبه الشريف قد اشْتَمَل على ثَمَانِيَة عشر خَليفَة مِنْهُم أَرْبَعَة خلفاء بِمصْر وهم المتَوَكل والمعتضد والمستكفي وَالْحَاكِم وَثَلَاثَة عشر خَليفَة بالعراق وَهُوَ الراشد والمسترشد والمستظهر والمقتدي والقائم والقادر والمقتدر والمعتضد والمتوكل والمعتصم والرشيد وَالْمهْدِي والمنصور وصحابيان وهما الْعَبَّاس عَم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَابْنه حبر الْأمة عبد الله وَسِتَّة أَنْبيَاء وهم اسماعيل وابراهيم ونوح وادريس وشيث وآدَم عَلَيْهِم السَّلَام ويلتقي مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي هَاشم وَكَذَلِكَ مَعَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب
(3/377)

ويلتقي مَعَ أبي بكر الصّديق فِي مرّة بن كَعْب وَمَعَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب فِي كَعْب بن مرّة وَمَعَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عُثْمَان بن عَفَّان وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وَسَائِر خلفاء بني أُميَّة فِي عبد منَاف وَمَعَ عبد الله بن الزبير فِي قصي بن كلاب وَأكْرم بِهِ من نسب طَابَ أَصله وزكت فروعه
الْفَصْل الثَّانِي

فِي ذكر طرف من مناقبه وأوصافه
هُوَ أجل من نطقت بمفاخره الأقلام وَحبر فِي وَصفه الْكَلَام وأجمل اللِّسَان فِي محاسنه البث وأعمل الْبَيَان نجب الأقلام فِي رقم محامده الْحَث وأتى بشيمه الَّتِي كم عطف هزته وَكم جواد فخار لزته وَكم عز أسمعته وسامع أعزته ومهارق عَادَتْ بتسطير مناقبه حبرًا وجم فَضَائِل كَانَت لذَلِك مُبْتَدأ وخبرا ... فَهِيَ الشيم الَّتِي لَو تجسدت
لكَانَتْ لوجه الدَّهْر عينا وحاجبا ...
(3/378)

من بخلافته فَخر الْعَصْر وَمن لَا تدْرك معاليه بإحصاء وَلَا حصر وَمن أَتَت صِفَاته من كل فضل بِالْجمعِ إِذا أَتَى غَيرهَا بِالْقصرِ وَمن غَدا بَابه الشريف محط رحال الآمال وملقى عَصا الترحال وسبيل غيث الجدا ومطلع نجم الْهدى وَمحل مَحل الحبا وموطن الْجُود والحبا لَا تعن لَهُ فرْصَة خير إِلَّا انتهزها وَلَا شاردة مثوبة إِلَّا أحرزها وَلَا مساءة إِلَّا حجبها وَلَا مبرة إِلَّا أبرزها فَلَا لِسَان عَن ذكر محاسنه عشا وَلَا ملك إِلَّا وَمن بَابه أَو بَاب آبَائِهِ الْخُلَفَاء الرَّاشِدين انتشى فَهُوَ على الْحَقِيقَة إِمَام الدّين وَخَلِيفَة الْإِسْلَام وَالْإِمَام الَّذِي اتَّصل نسبه بالأئمة فَهُوَ الإِمَام بن الإِمَام بن الإِمَام مَا تكلم إِلَّا أَتَى بِكُل معجب معجز وَلَا تحدث فأوجز إِلَّا ود الْمُحدث أَنه لم يوجز فَلَو كَانَ الْفَصْل راية لَكَانَ عرابتها أَو وُجُوهًا لَكَانَ وسامتها كم حلى من جيد وَأعَاد بمسرة الْإِحْسَان إِلَى الْخلق من عيد وأجرى من صدقَات وَنحل أبكار الْمَعَالِي من صدقَات وأضحى لأولي الرتب بِبَابِهِ
(3/379)

الشريف ازدحام ولثغر الرَّجَاء برحابه ابتسام فَالْمَال فِي وُجُوه الْمَعْرُوف يصرفهُ وَفِي المبرات يفنيه وَفِي القربات يتلفه ... فصير الشّطْر إنعاما وموهبة
وصير الشّطْر أحباسا وأوقافا ...
فساحته الَّتِي يأوي إِلَيْهَا الظاعن وَلَا يظعن عَنْهَا الْمُقِيم وبره الَّذِي غَدا للسَّائِل المنيل وَفِي دَعَتْهُ المنيم فمنهل بَابه العذب كثير الزحام ومسلكه العال للطلاب سهل الاقتحام وأفضاله متسقة الفرائد وبره يَانِع الرَّوْض للرائد فلجبهة الْخلَافَة مِنْهُ غرر ولأفقها من طلعته الميمونة نجم يربى على الْقَمَر فَكل رِدَاء يرتديه جميل وكل أَوْصَافه لَهَا إِلَى حسن الثَّنَاء سَبِيل حاجات الْمُضْطَرين توافيه فيقضيها وساعات يَوْمه فِي اصطناع الْمَعْرُوف يَقْضِيهَا ورحابه الفسيحة مستجمع الرَّائِح من النَّاس والغادي وملجأ الْحَاضِر والبادي ... لملتمسي الْحَاجَات جمع بِبَابِهِ
فَهَذَا لَهُ شَأْن وَهَذَا لَهُ شَأْن
فللبائس النعمى وللمعدم الْغنى
وللضاعن المأوى وللخائف الْأَمْن ...
(3/380)

فَلَا رَاحَة تَخْلُو من رَاحَة جوده وَلَا ساحة أمل تقفر من وفوده وَلَا مُنْقَطع إِلَّا وَله مِنْهُ صلَة وعائد وَلَا سَائل إِلَّا أجري من عطائه على أجمل العوائد قطوف الأجور لَدَيْهِ دانية ومعروفة الْمَعْرُوف يسري إِلَى كَافَّة الآنام سرا وَعَلَانِيَة فَلم يَأْتِ أحد يمثل إيثاره وَلم يسْتَطع فِي الْخَيْر سلوك آثاره فالرواة تَتَحَدَّث بأخباره والحداة تترنم بأسماره وَالْأمة تلقى عَصا تسيارها لَدَيْهِ وتهرع من كل فج إِلَيْهِ فتجد مآثره لَا تحصى عجائبها وَلَا تعد فرائدها وغرائبها وأنى تحصر مآثره وَهل تحصر الْبحار بمقال أَو يُحْصى وافر كرمه وَهل تحصى الرمال ... وَقد وجدت مَكَان القَوْل ذَا سَعَة
وَإِن وجدت لِسَانا قَائِلا فَقل ...
والمسئول من الله تَعَالَى أَن يديم أَيَّامه دواما لَا ينقصهُ اختزال ويمد رواق دولته مدا لَا يَعْتَرِيه زَوَال وَيجْعَل مدحه الظاعن وشخصه الْمُقِيم ويمنحه فِي هَذِه الدَّار النِّعْمَة وَفِي الدَّار الْآخِرَة النَّعيم إِنَّه ولي ذَلِك والقادر عَلَيْهِ وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل
(3/381)