Advertisement

محض الصواب في فضائل عمر بن الخطاب 002



الكتاب: محض الصواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب
المؤلف: يوسف بن حسن بن أحمد بن حسن ابن عبد الهادي الصالحي، جمال الدين، ابن المبرد الحنبلي (المتوفى: 909هـ)
المحقق: عبد العزيز بن محمد بن عبد المحسن
الناشر: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية
الطبعة: الأولى، 1420هـ/2000 م
عدد الأجزاء: 3
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] فإنك بموضع لا يراك عمر ولا منادي عمر"، فقالت الصبية: "والله ما كنت لأطيعه في الملا وأعصيه في الخلا"، وعمر يسمع كل ذلك.
فقال: "يا أسلم اعلم الباب واعرف الموضع. ثم مضى في عسسه، فلما أصبح قال: "يا أسلم امض إلى الموضع فانظر من القائلة ومن المقول لها، وهل لهم بعل؟ "، فأتيت الموضع فنظرت فإذا الجارية أيم لا بعل لها، وإذا تيك أمها وإذا ليس لها رجل، فأتيت عمر فأخبرته، فدعى ولده فجمعهم، فقال: "هل فيكم من يحتاج إلى امرأة فأزوجه؟ "، ولو كان بأبيكم حركة إلى النساء ما سبقه منكم أحد إلى هذه الجارية".
فقال عبد الله: "لي زوجة". وقال عبد الرحمن: "لي زوجة"، وقال عاصم1: "يا أبتاه لا زوجة لي، فزوجني". فبعث إلى الجارية فزوجها من عاصم فولدت له بنتاً، وولدت البنت بنتاً، وولدت البنت عمر بن عبد العزيز، - رحمه الله تعالى -"2.
قال بعضهم: هكذا وقع في رواية، وهو غلط، وإنما الصواب: فولدت لعاصم بنتاً، وولدت البنت عمر بن عبد العزيز - رحمه الله -3.
وعن أنس بن مالك، قال: "بينا عمر رضي الله عنه يعس بالمدينة / [48 / ب] إذ مرّ برحبة4 من رحابها فإذا هو بيت من شعر لم يكن بالأمس، فدنا منه فسمع أنين امرأة، ورأى رجلاً قاعداً فدنا منه فسلم عليه، ثم قال: "من الرجل؟ "، فقال: "رجل من أهل البادية جئت إلى أمير المؤمنين أصيب فضله"، فقال: "ما هذا الصوت الذي أسمعه في البيت؟ "، قال: "انطلق يرحمك
__________
1 ابن عمر العدوي، ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم توفي سنة سبعين، وقيل: بعدها. (التقريب ص 286) .
2 ابن عبد الحكم: سيرة عمر ص 22، 23، الآجري: أخبار عمر ص 48، 49، ابن الجوزي: مناقب ص 5، ومناقب عمر بن الخطاب ص 84.
3 ابن الجوزي: مناقب ص 84، وانظر: ابن سعد: الطبقات 5/331.
4 الرّحبة: ما اتسع من الأرض، وجمعها: رُحَب. (لسان العرب 1/414) .
(1/391)

الله لحاجتك"، قال: "على ذاك ما هو؟ "، قال: "امرأة تمخض"، قال: "عندها أحد؟ "، قال: فانطلق حتى أتي منزله، فقال لامرأته أم كلثوم بنت عليّ - رضي الله عنها -: "هل لك في أجر ساقه الله إليك؟ "، قالت: "ما هو؟ "، قال: امرأة غريبة تمخض ليس عندها أحد. قالت: "نعم. إن شئت".
قال: "فخذي معك ما يصلح المرأة لولادتها من الخرق والدهن، وجيئيني ببرمَة1 وشحم وحبوب"، قال: فجات به، فقال: "انطلقي"، وحمل البرمة، ومشت خلفه حتى انتهى إلى البيت، فقال لها: "ادخلي إلى المرأة"، وجاء حتى قعد إلى الرجل فقال له: "أوقد لي ناراً"، ففعل، فأوقد تحت البُرمة حتى أنضجها، وولدت المرأة، فقالت امرأة: "يا أمير المؤمنين، بشّر صاحبك بغلام"، فلما سمع يا أمير المؤمين كأنه هابه فجعل يتنحى عنه، فقال له: "مكانك كما أنت"، فحمل البُرمة فوضعتها على الباب، ثم قال: "اشبعيها"، ففعلت، ثم أخرجت البرمة فوضعتها على الباب، فقام عمر رضي الله عنه فأخذها فوضعها بين يدي الرجل، وقال: "كُلْ وكُلْ قد سهرت من الليل"، ففعل ثم قال لامرأته: "اخرجي، وقال للرجل، إذا كان غداً فاتنا نأمر لك بما يصلحك"، ففعل الرجل فأجاره وأعطاه"2.
وعن عبد الله بن بريدة الأسلمي، قال: "بينما عمر بن الخطاب يعس ذات ليلة فإذا امرأة تقول:
هل من سبيل إلى خمر فأشربها ... أم هل سبيل إلى نصر بن حجاج3
__________
1 البرمة - بالضم - قدر من حجارة. (القاموس ص 1394) .
2 ابن الجوزي: مناقب ص 85، والتبصرة 1/427، 428.
3 ابن علاط السلمي. (الإصابة 3/260) .
(1/392)

فلما أصبح سأل عنه فإذا هو من بني سُليم، فأرسل إليه فإذا هو أحسن النّاس شعراً وأصبحهم وجهاً، فأمر عمر أن يُطمّ1 شعره ففعل، فخرجت جبهته فازداد حسناً، فأمره عمر أن يعتَمّ ففعل، فازداد حسناً، فقال عمر: "لا والذي نفسي بيده لا يجامعني بأرض أنا بها، فأمر له بما يصلحه وسيّره إلى البصرة"2.
وروي أن عمر رضي الله عنه بينما هو ذات ليلة يطوف في سكة من سكاك3 المدينة، سمع امرأة وهي تهتف من خِدرها4 وتقول:
هل من سبيل إلى خمر فأشربها ... أم هل سبيل إلى نصر بن حجاج
إلى فتىً ماجد الأعراق مُقتبلٍ ... سهلِ المُحيّا كريم غير مِلجاج5
فقال عمر: "لا أرى معي في المصر رجلاً تهتف به العواتق6 في خدورهن، عليّ بنصر بن حجاج فأتي به، فإذا هو أحسن الناس وجهاً وأحسنهم شعراً، فقال: عليّ بالحجام فجزّ شعره فخرجت / [49 / أ]
__________
1 في الأصل: (يضم) ، وهو تحريف. وطمّ شعره: أي: جزّه، وطم شعره أيضاً طوماً إذا عقصه. (الصحاح 5/1976، لسان العرب 12/370) .
2 ابن سعد: الطبقات 3/285، البلاذري: أنساب الأشراف (الشيخان: أبو بكر وعمر) ص 211، 212، ابن شبه: تاريخ المدينة 2/762، ابن الجوزي: مناقب ص 85، ابن حجر: الإصابة 6/260، وقال: "أخرجه ابن سعد والخرائطي بسند صحيح عن عبد الله بن بريدة". وهو منقطع لأن عبد الله بن بريد لم يدرك عمر.
3 السكة: أوسع من الزقاق، سميت بذلك لاصطفاف الدور فيها على التشبيه بالسّكة من النخل. (لسان العرب 10/441) .
4 الخِدر - بالكسر -: سترٌ يمدّ للجارية في ناحية البيت. (القاموس ص 490) .
5 اللجاج واللجاجة: الخصومة. (القاموس ص 260) .
6 العاتق: الجارية التي قد أدركت وبلغت فخُدّرت في بيت أهلها ولم تتزوج. (لسان العرب 10/235) .
(1/393)

وجنتان1 كأنهما شقتا قمر، فقال: اعتم فاعتم فافتتن الناس، فقال عمر: والله لا تساكني في بلد أنا فيه"، قال: "ولِمَ ذلك يا أمير المؤمنين؟ "، قال: "هو ما قلت لك"، فسيّره إلى البصرة وخشيت المرأة التي سمع عمر أن يبدر لها بشيء، فدست إليه أبياتاً تقول فيها:
قل للإمام الذي تُخشى بوادرُهُ ... ما لي وللخمر أو نصر بن حجاج
إني غنيت أبا حفص بغيرهما ... شرب الحليب وطرف فاتر ساج2
إن الهوى زمّه3 التقوى فقيده ... حتى أقرّ بإلجام4 وإسرج5
لا تجعل الظنّ حقاً لا تبيّنه ... إن السبيل سبيل الخائف الراجي
فبعث إليها عمر رضي الله عنه: "قد بلغني عنك خيراً، وإني لا أخرجه من أجلك، ولكن بلغني أنه يدخل على النساء فلست آمنهن، وبكى عمر وقال: الحمد الذي قيد الهوى بإلجام وإسراج"، ثم إن عمر كتب إلى عامله بالبصرة كتاباً فمكث الرسول عنده أياماً ثم نادى منادياً6: ألا إن بريد المسلمين يريد [أن] 7 يخرج فمن كانت له حاجة فليكتب.
فكتب نصر بن حجاج كتاباً ودسه في الكتب:
"بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عمر أمير المؤمنين، سلام عليك، أما بعد:
__________
1 الوجنة: ما ارتفع من الخدين للشدق والمحجر. (لسان العرب 13/443) .
2 طرف فاتر: فيه فتور وسُجُوّ ليس بحادّ النظر. (لسان العرب 5/44) .
3 زمّه: شده. (القاموس ص 1444) .
4 اللجام: حبلٌ أو عصاً تُدخل في فم الدابة وتُلزق إلى قفاه. (لسان العرب12/534) .
5 السّرج: رحل الدابة. (لسان العرب 2/297) .
6 في المناقب: (مناديه) .
7 سقط من الأصل.
(1/394)

لعمري1 لئن سيّرتني وفضحتني ... وما نلته مني عليك حرام
فأصحبت منفياً على غير ريبة ... وقد كان لي بالمكّتين مقام
أإن غنت الذلفاء يوماً بمنية ... وبعض أمانيّ النساء غرام
ظننت بي الظن الذي ليس بعده ... بقاءٌ فما لي في النّديّ كلام
ويمنعني مما تظن تكرّمي ... وآباء صدق سالفون كرام
ويمنعها مما تظن صلاتُها ... وحالٌ لها في قومِها وصيام
فهذان حالانا فهل أنت راجعي ... فقد جُبّ منّي كاهل2 وسنام3
قال عمر: "أما ولي سلطان فلا"، فما رجع إلى المدنية إلا بعد وفاة عمر رضي الله عنه، - ويقال: إن المتمنية هي أم الحجاج4 - وطال مكث نصر بالبصرة، فخرجت أمه يوماً بين الأذان والإقامة معترضة، فإذا عمر قد خرج في إزار ورداء وبيده الدرة فقالت: "يا أمير المؤمنين، والله لأقفن أنا وأنت بين يدي الله عزوجل وليحاسبك الله تعالى، يبيت عبد الله إلى جنبك وعاصم، وبيني وبين ابنِي الجبال والفيافي5 والأودية، فقال عمر: إن بنيّ لم
__________
1 انظر: ص 365، 425.
2 الكاهل: مقدم أعلى الظهر مما يلي العُنق وهو الثلث الأعلى فيه ست فِقَر. (لسان العرب 11/601، القاموس ص 1363) .
3 سنام البعير والناقة: أعلى ظهرها. (لسان العرب 12/306) .
4 الحجاج بن يوسف بن الحكم الثقفي ولاه عبد الملك الحجاز ثلاث سنين، ثم ولاه العراق فمكث عشرين سنة والياً عليها، فأصلحها وذلّل أهلها، وكان ظلوماً جباراً ناصبياً، سفاكاً للدماء، توفي سنة خمس وتسعين. (المعارف ص 395، سير أعلام النبلاء (4/343) .
5 الفيف: المفازة التي لا ماء فيها مع الاستواء والسّعة، وإذا أنثت فهي الفيفاة، وجمعها الفيافي. (لسان العرب 9/274، القاموس ص 1089) .
(1/395)

تهتف بهما العواتق في خدورهن"1.
وعن عبد الله بن بريدة: "أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج يعس المدينة فإذا هو بنسوة يتحدثن فإذا هن يقلن: "أي أهل المدينة أصبح؟ "، فقالت امرأة منهن / [49 / ب] : أبو ذئب2 فلما أصبح سأل عنه، فإذا هو من بني سليم، فأرسل إليه فإذا هو من أصبح الناس فلما نظر عمر إليه، قال: "أنت والله ذئبهن3 مرتين أو ثلاثاً، ولا والذي نفسي بيده لا تجامعني بأرض أنا بها"، قال له: "إن كنت لا بد مسيّري فسيّرني حيث سيّرت ابن عمي". فأمر له بما يصلح وسيّره البصرة"4.
وعن أبي سعيد5 قال: "كان عمر رضي الله عنه يعس في المسجد بعد العشاء الآخرة، فلا يدع أحداً إلا أخرجه إلا رجل قائماً يصلي، فمرّ ذات ليلة على نفر جلوس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "من أنتم؟ "، فقال أبي: "نفر من أهلك، يا أمير المؤمنين"، قال: "ما خلفكم بعد الصلاة؟ "، قال أبي: "إنا جلسنا لنذكر الله عزوجل"، قال: "فجلس معهم، ثم قال لأدناهم منه رجلاً: خذ، قال: فدعا ثم استقرأهم رجلاً رجلاً يدعون حتى انتهى إليّ، وأني جانبه، فقال لي: "ادع"، فحصرت وأخذتني الرّعدة - أفكل6 - حتى جعل يجد مسجد الأمير ذلك، فقال: "لو
__________
1 ابن قتيبة: عيون الأخبار 4/23، والأنطاكي: تزيين الأسواق ص 180، والسبكي: طبقات الشافعية 1/280، 281.
2 في الأصل: (أبو درين) ، وهو تحريف.
3 في الأصل: (درنهن) ، وفي المناقب: (دينهن) ، وهو تحريف.
4 ابن سعد: الطبقات 3/285، وإسناده حسن، لكن عبد الله بن بريدة لم يدرك عمر، البلاذري: وأنساب الأشراف (الشيخان: أبو بكر وعمر) ص 212، ابن الجوزي: مناقب ص 88.
5 مولى أبي أسيد يروي عن جماعة من الصحابة، روى عنه أبو نضرة، وثقه الهيثمي. (انظر: ابن سعد: الطبقات 7/128، والثقات لابن حبان 5/588، ومجمع الزوائد 7/229) .
6 في الطبقات: (من الرعدة أفْكَل) ، وفي القاموس ص 1349: "الأفكل: كأحمد: الرعدة".
(1/396)

أنك تقول: "اللهم اغفر لنا اللهم ارحمنا"، قال: ثم أخذ عمر يدعو، فما كان في القوم أكثر دمعة ولا أشد بكاء منه، ثم قال: لهم: إيهاً الآن تفرقوا"1.
وعن جعفر بن زيد العبدي2، قال: "خرج عمر رضي الله عنه يعس المدينة ذات ليلة فمرّ بدار رجل من الأنصار فوافقه قائماً يصلي فوقف يسمع قراءته، فقرأ: {وَالطُّورِ} ، حتى بلغ: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَّا لَهُ مِنْ دَافِع} ، [الطور: 1-8] ، فقال: "قم ورب الكعبة حقّ". ونزل عمر عن حماره فاستند إلى حائطه، فمكث ملياً، ثم رجع إلى منزله، فمرض شهراً يعوده3 الناس لا يدرون ما مرضه"4.
وذكر أبو القاسم عن السدي5 قال: "خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإذا هو بضوء ونار، ومعه عبد الله بن مسعود، قال: فاتبع الضوء حتى دخل داراً فإذا سراج في بيت فدخل وذلك في جوف الليل، فإذا شيخ جالس وبين يديه شراب وقينة تغنيه، فلم يشعر حتى هجم عليه، فقال عمر: "ما رأيت كالليلة منظراً أقبح من شيخ ينتظر أجله"، قال: فرفع الشيخ رأسه فقال: "بلى يا أمير المؤمنين، ما صنعت أنت أقبح، إنّك تجسست وقد نهي عن التجسس، ودخلت بغير إذن"، فقال عمر: "صدقت"، ثم خرج
__________
1 ابن سعد: الطبقات 3/294، وإسناده صحيح، البلاذري: أنساب الأشراف (الشيخان: أبو بكر وعمر) ص 236، ابن عساكر: تاريخ دمشق ج 13 / ق 11، ابن الجوزي: مناقب ص 88.
2 من أهل البصرة، يروي عن أبيه، روى عنه أبو عاصم النبيل. (الثقات 6/133) .
3 في الأصل: (يعدوه) ، وهو تحريف.
4 ابن الجوزي: مناقب ص 88، وفي إسناده انقطاع، وجعفر بن زيد لم يوثقه غير ابن حبان.
5 السدي: ثلاثة: إسماعيل بن عبد الرحمن صدوق يهم رومي بالتشيع، توفي سنة سبع وعشرين ومئة. وإسماعيل بن موسى الفزاري، صدوق يخطئ رمي بالرّفض، توفي سنة خمس وأربعين ومئة. ومحمّد بن مروان متهم بالكذب، من الثالثة. ولم يتميز عندي. (التقريب رقم: 463، 492، 6284) .
(1/397)

عاضاً على يديه يبكي، وقال: ثكلت عمر أمه إن لم يغفر له ربه، هذا كان يستخفي بهذا من أهله فيقول الآن: رآني عمر فيتتابع فيه".
قال: وهجر الشيخ مجالس عمر حيناً فبينا عمر بعد ذلك بحين جالس إذا هو به قد جاء شبه المستخفي حتى جلس في آخريات الناس، فرآه عمر / [50 / أ] فقال: "عليّ بهذا الشيخ"، فأتي فقيل له: "أجب"، فقام وهو يرى أن عمر سيؤنبه بما رأى منه، فقال له عمر: "ادن مني"، فما زال يدنيه حتى جلس بجنبه، فقال: "ادن مني أذنك"، فالتقم أذنه، فقال: "أما والذي بعث محمّداً بالحق رسولاً ما أخبرت أحداً من الناس بما رأيت منك ولا ابن مسعود، وكان معي"، فقال: "يا أمير المؤمنين! ادن مني أذنك"، فالتقم أذنه، فقال: "ولا أنا والذي بعث محمّداً صلى الله عليه وسلم بالحق رسولاً عدت إليه حتى جلست مجلسي هذا"، فرفع عمر صوته فكبر ما يدي الناس من أي شيء يكبّر"1.
وذكر ابن الجوزي في (التبصرة) ، وفي (سير عمر) ، القصة المتقدمة حيث ثابت2 عن أنس3 قال: "بينما عمر يعس المدينة إذ مرّ برحبة من رحابها، فإذا هو ببيت من شعر، فدنا منه فسمع أنين امرأة، ورأى رجلاً قاعداً فدنا منه فسلم عيله، ثم قال: "من الرجل؟ "، فقال: "رجل من أهل البادية جئت إلى أمير المؤمنين أصيب من فضله"، قال: "فما هذا الصوت في البيت؟ "، قال: "امرأة تمخض"، قال: "هل عندها أحد؟ "، قال: "لا"، قال: فانطلق حتى أتى منزله، فقال لامرأته أم كلثوم بنت عليّ: "هل لك في أجر ساقه الله إليك؟ "قالت:
__________
1 أبو القاسم: سير السلف ص 185، 186، وهو منقطع.
2 ثابت بن أسلم البناني، البصري، ثقة عابد، توفي سنة بضع وعشرين ومئة. (التقريب ص 132) .
3 ابن مالك.
(1/398)

"وما هو؟ "، قال: "امرأة غريبة تمخض ليس عندها أحد"، قالت: "نعم. إن شئت". وذكر باقي القصة1.
ومعنى تمخض: أي: حضرها المخاض، وهو النفاس والولادة. قال الله عزوجل: {فَأَجَاءَهَا المُخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ} ، [مريم: 23] ، أي: الولادة، وسمّي بذلك - والله أعلم -: من المخض؛ وهو شدة الحركة والانزعاج من داخل وخارج. ومنه مخض اللبن، وهو حركة إنائه من خارج وحركة ما فيه من داخل2، وقد يكون من الخوض، إذ هي تخوض في دمها والأوّل أظهر.
والعَسُّ: هو الذهاب بالليل3 لينظر ما عليه الناس، يقال: عَسَّ فهو عاسٌّ4. والعَسُّ: المشي وفي الحديث " كرهت أن أخرجكم تعسون "5. والعسّ بالضم: القدح ومنه الحديث:"أتي بعسّ من لبن"6. والعَسُّ: الدّخول أيضاً، وكذلك عَسْعَسَ، قال الله عزوجل: {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَس} ، [التكوير: 17] ، أي: أظلم وجنّ، والمعنى: دخل7.
__________
1 ابن الجوزي: التبصرة1/427، 428، ومناقب عمرص85، وقد سبق تخريجه ص392.
2 انظر: الجوهري: الصحاح 3/1105، ابن الأثير: النهاية 4/306، ابن منظور: لسان العرب 7/228، 229، 230.
3 في الأصل: (باليل) ، وهو تحريف.
4 انظر: الأزهري: تهذيب اللغة 1/79، الجوهري: الصحاح 3/949، ابن الأثير: النهاية 3/236، ابن منظور: لسان العرب 6/139.
5 لم أجده.
6 أحمد: المسند 6/458، بأطول. انظر: الأزهري: تهذيب اللغة 1/80، الجوهري: الصحاح 3/939، ابن الأثير: النهاية 3/236، ابن منظور: لسان العرب 6/140.
7 انظر: الأزهري: تهذيب اللغة 1/78، الجوهري: الصحاح 3/949، ابن الأثير: النهاية 3/236، ابن منظور: لسان العرب 6/139، 140.
(1/399)

والعَسَسُ: هم1 الذين يعسون2. [و] 3 يستعمل بعض الناس العسّ فيمن مشى لا يبالي بما مشى عليه من طين، أو شوك، أو نار، ونحو ذلك، ويقال لمن فعل ذلك: أتى يعسّ عساً؛ أي: لا يبالي به4. والله أعلم. / [50 / ب] .
__________
1 في الأصل: (وهو) ، وهو تحريف.
2 انظر: الأزهري: تهذيب اللغة 1/79، وابن الأثير: النهاية 3/236، ابن منظور: لسان العرب 6/139.
3 سقط من الأصل.
4 في تهذيب اللغة 1/79: "العَسُوس من السناء: التي لا يبالي أن تدنُو من الرجال".
(1/400)

المجلد الثاني
الباب الحادي والأربعون: غزواته مع الرسول وإنفاذه إياه في سرية
...
الباب الحادي والأربعون: في ذكر غزواته مع الرسول وإنفاذه إياه في سرية
في صحيح البخاري في تسمية من شهد بدراً عمر بن الخطاب العَدَوي، وفيه أحاديث كثيرة تدل على أنه شهدها1.
وفي الصحيح ما يدل على أنه شهد أحداً، وهو حديث أبي سفيان لما قدم فقال: "أفي القوم ابن أبي قحافة؟ "، قال: "لا تجيبوه"، قال: "أفي القوم ابن الخطاب؟ "، فقال: "إن هؤلاء قتلوا فلو كانوا أحياءً لأجابوا فلم يملك عمر نفسه، قال: "كذبت يا عدو الله، وأبقى الله لك ما يخزيك"2.
وفيهما ما يدل على أنه شهد الخندق ففيها عن جابر بن عبد الله: أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس، فجعل يسُبُّ كفّار قريش، وقال: "يا رسول الله ما كِدْتُ أن أُصلِّي حتى كادت الشمس تغرب"، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وأنا والله ما صليتُها"، فنَزَلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بُطحَان3، فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها، فصلى العصر بعدما غربتالشمس، ثم صلى بعدها المغرب"4.
__________
1 البخاري: الصحيح، كتاب المغازي 4/1477.
2 البخاري: الصحيح، كتاب المغازي 4/1486، رقم: 3817.
3 بُطحان: هو بضم الباء وسكون الطاء، هكذا هو عند جميع المحدّثين في رواياتهم وفي ضبطهم، وقال أهل اللغة: هو بفتح الباء وكسر الطاء، وهو أحد أودية المدينة يأتيها من الشرق من الحرة الشرقية فيمر من العوالي ثم قرب المسجد النبوي، ولا يعرف الآن بهذا الاسم، وإنما يطلق عليه في كل مثناة اسم؛ فأوله عند ما ينقض من الحرة يسمى: أم عُشرَ، ووسطه قربان، وإذا مرّ داخل المدينة سمي أبو جيدة. (معجم البلدان 1/446، معجم معالم الحجاز 1/231، 233) .
4 البخاري: الصحيح، كتاب مواقيت الصلاة 1/214، رقم: 571، مسلم: الصحيح: كتاب المساجد ومواضع الصلاة 1/438، رقم: 631.
(2/403)

وفيها ما يدل على أنه شهد غزوة ذات الرقاع1، ففيهما عن سالم ابن عبد الله2 بن عمر عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بإحدى الطائفين، والطائفة الأخرى مواجهة العدوّ، ثم انصرفوا فقاموا في مقام أصحابهم أولئك، فجاء أولئك، فصلى بهم ركعة ثم سلم عليهم، ثم قام هؤلاء فقضوا ركعتهم، وقام هؤلاء فقضوا ركعتهم"3.
وفيهما ما يدل على أنه كان في الحديبية4 كما تقدم5.
وعن زيد بن أسلم عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسير في بعض أسفاره، وعمر يسير معه ليلاً فسأله عمر عن شيء فلم يجبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سأله فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، وقال عمر: "ثكلتك أمك يا عمر! نزَّرتَ6 رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، كل ذلك لا يجيبك، قال عمر: فحركت بعيري ثم تقدّمت أمام المسلمين، وخشيت أن ينزل فيّ قرآن،
__________
1 غزوة ذات الرقاع هي: غزوة بني محارب وبني ثعلبة من غطفان.
وسميت بذات الرقاع؛ لأنهم لفوا في أرجلهم الخرق بعد أن تنقّبت خفافهم، واختلفوا متى وقعت والراجح أنها وقعت بعد خيبر؛ لأن أبا موسى شهدها وقد قدم من الحبشة بعد فتح خيبر مباشرة، وأبا هريرة شهدها وقد أسلم حين فتح خيبر. (انظر: صحيح البخاري رقم: 3899، فتح الباري 7/416-421، والسيرة الصحيحة 2/462) .
2) في الأصل: (عن ابن عمر عن أبيه) والتصويب من الصحيح، ولعله سهو من المؤلف. فقد ثبت أن ابن عمر شهد غزوة ذات الرقاع. (السيرة الصحيحة2/462) .
3 البخاري: الصحيح، كتاب المغازي 4/1514، رقم: 3904، وصحيح مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها 1/574، رقم: 839.
4 كان خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية في يوم الاثنين مستهل ذي القعدة من السنة السادسة. وقد قصد بخروجه العمرة. (السيرة النبوية الصحيحة 2/434) .
5 سبق تخريجه ص: 205.
6 النَّزر: الإلحاح في السؤال. (تهذيب اللغة 13/187، ولسان العرب 5/203) .
(2/404)

فما نشبت1 أن سمعت صارخاً يصرخ بيّ، قال: قلت: لقد خشيت أن يكون قد نزل فيّ قرآن، وجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه، فقال: "لقد أنزل الله عليّ الليلة سورة هي أحبّ إليّ مما طلعت عليه الشمس، ثم قرأ: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيْناً} [الفتح: 1] 2.
قال البخاري: "يستصرخني من الصراخ، استصرخني: استغاث بي، بمصرخيّ: بمغيثيّ"34.
وقال ابن الأعرابي: "النّزر: الإلحاح"5.
ويقال: "نزره ينْزره نزراً: إذا ألح وأخرج ما عنده"6.
قلت: "وهذا في غزوة الحديبية".
وفي الصحيح: أنه بايع تحت الشجرة عن نافع قال: "إن الناس يتحدّثون أن ابن عمر أسلم قبل عمر، وليس كذلك، ولكن عمر يوم الحديبية أرسل عبد الله إلى فرس له عند رجل من الأنصار، يأتي به ليقاتل عليه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع / [51 / أ] عند الشجرة وعمر لا يدري بذلك فبايعه عبد الله ثم ذهب إلى الفرس فجاء به عمر، وعمر يستلئم للقتال. فأخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع تحت الشجرة، قال: فانطلق فذهب معه حتى بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم
__________
1 في الأصل: (فانشبت) وهو تحريف.
2 البخاري: الصحيح، كتاب المغازي 4/1531، رقم: 3943.
3 البخاري: الصحيح، كتاب التفسير 4/1734، باب تفسير سورة إبراهيم.
4 انظر: الأزهري: تهذيب اللغة 7/135، ابن منظور: لسان العرب 3/33.
5 انظر: الأزهري: تهذيب اللغة 13/187، ابن منظور: لسان العرب 5/203.
6 انظر: الأزهري: تهذيب اللغة 13/187، ابن منظور: لسان العرب 5/203.
(2/405)

فهي التي يتحدّث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر"1.
وعن ابن عمر أن الناس كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية تفرّقوا في ظلال الشجر، فإذا الناس محدقون2 بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا عبد الله انظر ما شأن الناس قد أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم؟، فوجدهم يبايعون، فبايع، ثم رجع إلى عمر، فخرج فبايع، هذا لفظ البخاري3.
وفي الصحيح مايدل أنه كان في غز وة حنين 4
ففيه عن ابن عمر قال: "لما قفلنا من حُنين، سأل عمر النبي صلى الله عليه وسلم عن نذرٍ كان نذره في الجاهلية، اعتكاف، فأمره5 النبي صلى الله عليه وسلم بوفائه"6.
وعن أبي قتادة7 قال: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة، فرأيت رجلاً من المشركين قد علا رجلاً من المسلمين، فضربته من ورائه على حبل عاتقه8 بسيف9 فقطعت الدِّرْعَ
__________
1 البخاري: الصحيح، كتاب المغازي 4/1533، رقم: 3950.
2 حَدَقوا به يحدقون: أطافوا به. (القاموس ص 1127) .
3 البخاري: الصحيح، كتاب المغازي 4/1534، رقم: 3951.
4 حنين: مكان يقع على طريق مكة من نخلة اليمانية، يبعد عن مكة 26 كيلا شرقا، ويسمى الآن الشرائع، فيه وقعت غزوة حنين سنة ثمان بين النبي صلى الله عليه وسلم وهوازن. (انطر: السيرة النبوية 2/ 437، معجم معالم الحجاز 3/ 71) .
5 في الأصل: (فأمر) والتصويب من البخاري.
6 البخاري: الصحيح، كتاب المغازي 4/1569، رقم: 4065.
7 الحارث بن ربْعي السلَمي الأنصاري، شهد أحداً وما بعدها، توفي سنة أربع وخمسين. (التقريب ص 666) .
8 العاتق: ما بين المنكب والعنق. (لسان العرب 10/237) .
9 في صحيح البخاري: (بالسيف) .
(2/406)

وأقبل علي فضمني ضمَّة وجدت منها ريح الموت فأرسلني، فلحقت عمر بن الخطاب فقلت: ما بال الناس؟ قال: "أمر الله"، ثم رجعوا فجلس النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "من قتل رجلاً له عليه بينة فله سلبه"، فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مثله، فقمت، فقال: "ما لك يا أبا قتادة؟ "، فأخبرته، فقال رجل: "صدق وسلبُه عندي، فأرضه مني"، فقال أبو بكر: "لاَهَا الله، إذاً لا يعمِد إلى أسد من أسد الله، يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "صدق فأعطه"، فأعطانيه، فابتعت به مخرافاً1 في بني سلمة2، وإنه لأوّل مال تأثَّلتُه3 في الإسلام"4.
ومن طريق آخر: "نظرت إلى رجل من المسلمين يقاتل رجلاً من المشركين وآخر من المشركين يختلُهُ من ورائه ليقتله، فأسرعت إلى الذي يختلُهُ5، فرفع يده ليضربني، فأضرب يده فقطعتها، ثم أخذني فضمني ضماًَ شديداً حتى تخوفت، ثم ترك، فتحلل6، ودفعته ثم قتلته، وانهزم المسلمون، وانهزمت معهم، فإذا بعمر بن الخطاب في الناس، فقلت له: ما شأن الناس؟ قال: "أمر الله"، ثم تراجع الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أقام بينة على قتيل قتله فله سلبه"، فقمت لألتمس بينة على قتيلي، فلم أرَ أحداً يشهد لي،
__________
1 أي: حائطاً يخرف منه الرطب. (انظر: لسان العرب 9/65، فتح الباري 8/40) .
2 بنو سلمة بكسر اللام: هم بطن من الخزرج من الأنصار، وهم قوم أبي قتادة. (جمهرة أنساب العرب ص 358، فتح الباري 8/41) .
3 تأثّل المال: اكتسبه. (القاموس ص 1240) .
4 البخاري: الصحيح، كتاب المغازي 4/570، رقم: 4066، 4067.
5 ختله: أي: خدعه. (الصحاح 4/1682) .
6 مطموس في الأصل، سوى (فتحد) .
(2/407)

فجلست، ثم بدا لي فذكرت أمره لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل من جُلسائه: "سلاح هذا القتيل الذي1 يذكر عندي، فأرضه مني"، فقال أبو بكر: "كلا، لا يعطيه2 أُصَيْبغ3 من قريش، ويدع أسداً من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله"، قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدّاه إليّ، فاشتريت منه خرافاً، كان أوّل مالٍ تأثلته في الإسلام"4.
وفيه ما يدل على أنه كان في غزوة الطائف.
ففيه صفوان بن يعلى5 أن يعلى6 كان يقول: "ليتني أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ينزل7 عليه، قال: فبينا النبي صلى الله عليه وسلم بالجِعْرَانة8، وعليه ثوب قد أظلّ به، معه ناس من أصحابه، إذ جاءه أعرابي عليه جُبَّة متضمِّخ9 بطيب، فقال: "يا رسول الله كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبة بعد ما تضمخ
__________
1 ق 52/أبياض وليس ثمة نقص فالكلام متصل، وقد انتقل المؤلف من 52/ب، إلى هامش 51/ب، ولعل المؤلف أضافه بعد تأليف الكتاب.
2 في صحيح البخاري: (لا يعطه) .
3 الأصبغ: نوع من الطير، أو شبهه بنبات ضعيف، يقال له: الصبغاء إذا طلع من الأرض يكون أوّل ما يلي الشمس منه أصغر. (لسان العرب 8/438، فتح الباري 8/41) .
4 البخاري: الصحيح، كتاب المغازي 4/1570، رقم: 4067.
5 ابن أمية التميمي، المكي، ثقة، من الثالثة. (التقريب ص 277) .
6 يعلى بن أمية التميمي، حليف قريش، صحابي مشهور، توفي سنة بضع وأربعين. (التقريب ص 609) .
7 في الأصل: (ينز) والتصويب من صحيح البخاري.
8 الجِعْرَانة: بكسر أوّله إجماعاً، ثم إن أصحاب الحديث يكسرون عينه ويشددون راءه، وأهل الأدب يخطؤونهم ويسكنون العين ويخففون الراء، هي تقع شمال مكة مع ميل إلى الشرق، وتبعد عن مكة بتسعة وعشرين كيلاً. (معجم معالم الحجاز 2/149، 151) .
9 الضمخ: لطخ الجسد بالطيب حتى كأنما يقطر. (لسان العرب 3/36) .
(2/408)

بالطيب؟ "، فأشار عمر إلى يعلى بيده: أن تعالَ، فجاء يعلى فإذا النبي صلى الله عليه وسلم مُحْمَرّ الوجه، يغط1 كذلك ساعة، ثم سرِّي عنه قال: "أين الذي يسألني عن العمرة آنفاً؟ "، فالتمس الرجل فأتي به، فقال: "أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبّة فانزعها، ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك" 2، 3.
قال ابن الجوزي: "اتفق العلماء على أن عمر رضي الله عنه شهد بدراً، وأحداً، والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يغب عن غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم"4.
وعن ابن سعد5، قال: "قالوا - يعني العلماء بالسير - شهد عمر رضي الله عنه بدراً، وأحداً، والمشاهد كلها"6.
فأما خروجه في السرية بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تُربة.
قال ابن سعد: "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب إلى تربة في شعبان سنة سبع من مهاجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثين رجلاً إلى عُجز7 هوازن بتربة - وهي بناحية العبلاء8، على أربع مراحل من
__________
1 الغط، هو: الصوت الذي يخرج مع نفس النائم، وهو تردده حيث لا يجد مساغاً. (لسان العرب 7/362) .
2 البخاري: الصحيح، كتاب فضائل القرآن 4/1906، رقم: 4700، ومسلم: الصحيح، كتاب الحج 2/838، رقم: 1180.
3 هامش ق 51/أوكتب: (يتلوه الورقة) أي: 51/ب.
4 ابن الجوزي: مناقب ص 89.
5 في الأصل: (سعيد) وهو تحريف.
6 ابن سعد: الطبقات 3/272.
7 العجز: مؤخر الشيء. (القاموس ص 663) .
8 في الأصل: (الفلا) وهو تحريف.
(2/409)

مكة1 -، فخرج، وخرج معه دليل من بني هلال2، فكان يسير الليل ويكمن النهار، فأتى الخبر هوازن فهربوا، وجاء عمر محالهم فلم يلق منهم أحداً، فانصرف راجعاً إلى المدينة رضي الله عنه"3.
وفي الصحيح عن طارق بن شهاب4، أن ناساً5 من اليهود قالوا: "لو نزلت هذه الآية فينا لاتخذنا ذلك اليوم عيداً"، فقال: "عمر: أية آية؟ "، فقالوا: {اليَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيْتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيْناً} ، [المائدة: 3] ، فقال عمر: "إني لأعلم أيّ مكان أُنزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة"6.
وفي مسند الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب أنه قال: "غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوتين في شهر رمضان يوم بدر، ويوم الفتح، فأفطرنا فيهما"7.
وفي مسند الروياني8 عن بريدة الأسلمي قال: "لما كان بحيث نزل
__________
1 تُربة: واد يقع شرق الحجاز يصُبّ صوب عالية نجد، أعلاه لزهران، ووسطه للبقوم، وأسفله لسُبيع، وفيه بلدة تربة. بلدة عامرة للبقوم، وكان في صدر الإسلام لهلال بن عامر بن صعصة. (التعليقات والنوادر 1/391، معجم البلدان 2/21، معجم معالم الحجاز 2/21، 22) .
2 هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن. (جمهرة أنساب العرب ص 273) .
3 ابن سعد: الطبقات 3/272، وفيه الواقدي، ابن الجوزي: مناقب ص 89.
4 البجلي الأحمسي: الكوفي، رأى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه، توفي سنة اثنتين، أو ثلاث وثمانين. (التقريب ص 281) .
5 في صحيح البخاري: (أناساً) .
6 البخاري: الصحاح، كتاب المغازي 4/1600، رقم: 4145، مسلم: الصحيح، كتاب التفسير 4/2312، رقم: 3017.
7 أحمد: المسند 1/216، رقم: 140، قال أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند رقم: 140: "إسناده ضعيف لانقطاعه) .
8 محمّد بن هارون الروياني صاحب المسند المشهور، توفي سنة سبع وثلاث مئة. (سير أعلام النبلاء 4/507) .
(2/410)

رسول الله صلى الله عليه وسلم بحضرة أهل خيبر أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواءَ1 عمر بن الخطاب، فنهض معه من نهض معه من الناس، فلقوا أهل خيبر فانكشف عمر وأصحابه، فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يجبنه أصحابه وجبنهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لأعطين اللواء غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله"، فلما كان غداً تصدّر2 لها أبو بكر، وعمر، فدعا عليّاً، وهو أرمد3 فتفل في عينيه وأعطاه اللواء، ونهض معه من الناس من نهض، قال: فتلقى أهل خيبر فإذا مرحب يرجز ويقول:
قد علمت خيبر أني مرحب ... شاك السلاح بطل مجرب
أطعن أحياناً وحيناً أضرب ... إذ الليوث أقبلت تلهب
فاختلف هو وعليّ - رضي الله عنه - فضربه عليّ على هامته حتى عض السيف منه بيض4 رأسه، وسمع أهل العسكر صوت ضربته، فما تتام آخر الناس مع عليّ حتى فتح الله لهم، وله"5. / [51/ ب] 6.
__________
1 اللواء: العلم، والراية ولا يمسكها إلا صاحب الجيش. (لسان العرب 15/266) .
2 تصدّر: نصب صدره في الجلوس، وجلس في صدر المجلس. (القاموس ص 543) .
3 الرمد: وجع العين وانتفاخها. (لسان العرب 3/185) .
4 البيضة: الخوذة. (لسان العرب 7/125) .
5 لم أجده فيما تبقى من مسند الرواني، والحديث أخرجه أحمد: المسند 5/358، وإسناده ضعيف لأجل ميمون أبو عبد الله البصري. قال الحافظ: "ضعيف". (التقريب ص 556) .
6 هذه الورقة أوردتها في مكانها الصحيح، وقد أوردت الترتيب الصحيح كما بدا لي.
(2/411)

الباب الثاني والأربعون: غزواته بعد الرسول صلى الله عليه وسلم وفتوحه
...
الباب الثاني والأربعون: في غزواته بعد الرسول وفتوحه
في الصحيحين عن جُبير بن حية1، قال: "بعث عمر [الناس] 2 في أفناء3 الأمصار يقاتلون المشركين، فأسلم الهرمزان4، فقال: "إنّي مستشيرك في مغازيّ هذه "قال: "نعم، مثلها ومثل من فيها من الناس من عدوّ المسلمين مثل طائر له رأس، وله جناحان، وله رجلان، فإن كسر أحد الجناحين نهضت الرّجلان بجناحٍ والرّأس، فإن كسر جناح الآخر نهضت الرّجلان والرّأس، فإن شُدخَ5 الرّأس، ذهبت الرّجلان، والجناحان والرأس، فالرأس كسرى، والجناح قيصر، والجناح الآخر فارس، فمر المسلمين فلينفروا إلى كسرى "قال: "فندبنا عمر، واستعمل علينا النعمان ابن مقرن6، حتى إذا كنا بأرض العدوّ خرج علينا عامل كسرى في أربعين ألفاً، فقام الترجمان فقال: "ليكلمني رجل منكم" فقال المغيرة7: "سل عما شئت" فقال: "ما أنتم"؟
__________
1 ابن مسعود الثقفي، ثقة جليل، توفي في خلافة عبد الملك. (التقريب ص 138) .
2 سقط من الأصل.
3 أفناء: أي: أخلاط، والأمصار: جمع مصر، وهي: البلد. (لسان العرب 5/176، 15/165) .
4 أسلم الهرمزان بعد قتال كثير بينه وبين المسلمين بمدينة تستر، ثم نزل على حكم عمر فأسره أبو موسى وأرسل به إلى عمر فأسلم، فصار يقربه ويستشيره، ثم اتهمه عبيد الله بن عمر بأنه واطأ أبا لؤلؤة على قتل عمر، فقتله بعد قتل عمر. (فتح الباري 6/264) .
5 كسر. (لسان العرب 3/28) .
6 النعمان بن مقرن المزني، صحابي، مشهور، كان معه لواء مزينة يوم الفتح وفتح أصبهان، واستشهد بنهاوند سنة إحدى وعشرين. (الإصابة 6/246) .
7 ابن شعبة الثقفي.
(2/412)

قال: "نحن أناس من العرب كنا في شقاء شديد [وبلاءٍ شديدٍ] 1 نمص الجلد والنوى من الجوع، ونلبس الوبر والشعر، ونعبد الشجر، والحجر، فبينما نحن كذلك إذ بعث رب السموات ورب الأرضين إلينا نبياً من أنفسنا نعرف أباه وأمّه، فأمرنا رسول ربّنا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية وأخبرنا نبيّنا صلى الله عليه وسلم عن رسالة ربّنا: أنّه من قتل منا صار إلى الجنّة في نعيم ولم ير مثلها قط، ومن بقي منا ملك رقابكم".
فقال النعمان: "ربما أشهدك الله مثلها مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يندمك ولم يخزك، ولكني شهدت القتال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا لم يقاتل في أول النهار انتظر حتى تهب الأرواح، وتحضر الصلوات"2.
وعن محمد بن عبد الله بن سواد3، وطلحة بن الأعلم4، وزياد بن سرجس الأحمري5، بإسنادهم قالوا: "أول ما عمل به عمر رضي الله عنه أن ندب الناس مع المثنى بن حارثة الشيباني6 إلى فارس قبل صلاة الفجر، من الليلة التي مات فيها أبو بكر الصديق رضي الله عنه ثم أصبح فبايع الناس، وعاد فندب الناس إلى فارس فندبهم ثلاثاً كلّ يوم، فلا ينتدب أحد، وكان وجه فارس من أكره الوجوه وأثقلها عليهم، لشدة سلطانهم
__________
1 سقط من الأصل.
2 البخاري: الصحيح، كتاب الجزية 2/1152، رقم: 2959.
3 لم أجد له ترجمة.
4 الحنفي، يروي عن الشعبي، روى عنه الثوري ومروان بن معاوية. (الثقات 6/488) .
5 لم أجد له ترجمة.
6 صحابي مشهور، أسلم سنة تسع، وكان شهماً شجاعاً، ميمون النقيبة حسن الرأي أبلى في حروب العراق بلاء شديداً، توفي سنة أربع عشرة. (الإصابة 6/41) .
(2/413)

وشوكتهم، / [52 / ب] فلما كان اليوم1 الرابع، عاد فندب الناس، فكان أوّل من انتدب أبو عُبيد بن مسعود23، أجابه في اليوم الرابع أوّل الناس فانتخب عمر من أهل المدينة ومن حولها ألف رجل، وأمّر عليهم أبا عبيد، فقيل له: "استعمل عليهم رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم"، فقال: "لاها الله4، آذن لكم يا أصحاب النبي أندبكم فتنكلون، وينتدب غيركم بل أؤمر عليكم أولكم، إنما فضلتموهم بتسرعكم إلى أمثال".
ثم بعث إلى أهل نجران، ثم ندب5 أهل الرّدّة، فأقبلوا سراعاً، فر [مى] 6 بهم العراق، والشام، وكتب إلى أهل اليرموك7: بأن عليكم أبا عبيدة بن الجراح، وكتب إليه رضي الله عنه إنك على الناس، فإن أظفركم الله بهم فاصرف أهل العراق إلى العراق، فكان أوّل فتح أتاه اليرموك على عشرين ليلة من متوفى أبي بكر رضي الله عنه"8.
وعن عمر بن عبد العزيز9 رضي الله عنه: قال: "لما انتهى قتل
__________
1 في الأصل: (يوم) والتصويب من تاريخ الطبري.
2 في الأصل: (أبو عبد الله) وهو تحريف.
3 الثقفي، استشهد في جماعة من المسلمين يوم جسر أبي عبيد سنة ثلاث عشرة. (الإصابة 7/127) .
4 هكذا في الأصل، وفي الصحاح 6/2557: "لاها اللهِ ذا: أصل لا والله هذا، ففرّقت بين ها وذا، وجعلت الاسم بينهما وجررته بحرف التنبيه، والتقدير: لا والله ما فعلت هذا، فحذف واختصر لكثرة استعمالهم هذا في كلامهم) .
5 في الأصل: (اندب" وهو تحريف.
6 سقط من الأصل.
7 اليرموك: واد بناحية الشام في الغور يصب في نهر الأردن ثم يمضي إلى البحيرة المنتنة، كانت به حرب بين المسلمين والروم في أيام أبي بكر الصديق. (معجم البلدان 5/434) .
8 الطبري: التاريخ 3/444، بأخصر من طريق سيف ابن عمر وهو معضل. ابن الجوزي: مناقب ص 89، 90.
9 ابن مروان الأموي.
(2/414)

أبي عبيد - رحمه الله - إلى عمر، واجتماع1 أهل فارس على رجل من آل كسرى، نادى في المهاجرين والأنصار، وخرج حتى أتي2 صِرار، وقدّم طلحة بن عبيد الله، وسمى لميمنته عبد الرحمن بن عوف، ولميسرته الزبير بن العوام، واستخلف عليّاً رضي الله عنه على المدينة، واستشار الناس فكلهم أشاروا عليه بالمسير إلى فارس، فنهاه عبد الرحمن وقال: "إن يُهزم جيشك فليس كهزيمتك"، وأشار عليه بسعد3 فذهب إلى القادسية4، وعاد إلى المدائن ففتحها"5.
وعن قيس العجلي6، قال: "لما قُدم بسيف كسرى ومنطقته7 إلى عمر رضي الله عنه قال: "إن قوماً أدوا هذا لذوو8 أمانة"، قال عليّ رضي الله عنه: "إنك عتفت فعفت الرعية"9.
__________
1 في الأصل: (واجتمع) وهو تحريف.
2 كذا في تاريخ الطبري. وفي الأصل: (حتى يأتي) .
3 سعد بن أبي وقاص.
4 القادسية: موضع في العراق غربي النجف، بينها وبين الكوفة خمسة عشر فرسخاً، وفيها حدثت المعركة الفاصلة التي قصمت ظهر فارس، وجعلتها أثراً بعد عين، فلم تقم لها بعد هذه الوقعة المظفرة، وكانت سنة أربع عشرة. (انظر: معجم البلدان 4/291، تاريخ الطبري 3/480) .
5 الطبري: التاريخ 3/481، وإسناده ضعيف لإعضاله، وفيه أيضاً سيف بن عمر، وابن إسحاق وقد عنعن. ابن الجوزي: مناقب ص 90.
6 لم أجد له ترجمة.
7 انتطق الرجل: أي: لبس المِنْطق، وهو كل ماشددت به وسطك. (لسان العرب 10/355) .
8 في الأصل: (لذوا) وهو تحريف.
9 الطبري: التاريخ 4/20، وفيه قيس العجلي، لم أعثر له على ترجمة، وسيف بن عمر. ابن الجوزي: مناقب ص90، المتقي الهندي: كنْز العمال2/586، ونسبه لابن عساكر.
(2/415)

قال ابن الجوزي: "وفي أيام عمر رضي الله عنه مصرت الأمصار: البصرة، وفتحت الأهواز، ورامَهُرْمُزَ1، وتستر، والسوس2، وجُنْديْسابُور3، وخراسان، وخُوْز4، واصطخر، وفَسَا5، ودار ابْجرد6، وهي التي تولاها سارية بن زنيم7، وقال على المنبر: "يا سارية الجبل"، وكرِمَان وسجستان، ومُكرَان، وحمص، وقِنَّسرين"8.
وعن محمّد بن بكار9 قال: "قرئ على أبي معشر10 قال: "بويع لعمر رضي الله عنه وكانت وقعة فحل1112، ويقال بكسر الحاء، في ذي القعدة على رأس خمسة أشهر من خلافته، وحج بالناس عبد الرحمن
__________
1 مدنية مشهورة بنواحي خوزستان. (معجم البلدان 3/17) .
2 السوس: بلدة بخوزستان، فيها قبر دانيال النبي عليه السلام. (معجم البلدان 3/280) .
3 مدينة بخوزستان، بناها سابور فُنسبت إليه، وأسكنها طائفة من جنده. معجم البلدان 2/171) .
4 خُوْز: بلاد خوزستان، يقال لها: الخوز. (معجم البلدان 2/404) .
5 فَسَا: - بالفتح، والقصر - كلمة عجمية، مدينة بفارس بينها وبين شيراز أربع مراحل، هي أكبر مدن كورة دار أبجرد. (معجم البلدان 4/216) .
6 دار ابجرد: ولاية بفارس. (معجم البلدان 4/419) .
7 الدئلي، له صحبة، ولاه عمر ناحية فارس، وافتتح أصبهان صلحاً وعنوة. (الإصابة 3/52، 53) .
8 ابن الجوزي: مناقب ص 91) .
9 ابن الرّيّان الهاشمي مولاهم، ثقة، توفي سنة ثمان وثلاثين ومئتين. (التقريب ص: 470) .
10 نجيح بن عبد الرحمن السِّندي، مولى هاشم، ضعيف، توفي سنة سبعين ومئة. (التقريب ص 559) .
11 فِحْل، - بكسر أوّله، وسكون ثانيه وآخره لام -: اسم موضع بالشام كانت فيه وقعة للمسلمين مع الروم. (معجم البلدان 4/237) .
12 وبه قال ابن إسحاق، وقال ابن الكلبي: "كانت سنة أربع عشرة"، ورجّحه خليفة. (تاريخ خليفة ص 126، تاريخ الطبري 4/441) .
(2/416)

ابن عوف رضي الله عنه في سنة ثلاث عشرة، وكان فتح دمشق في رجب سنة أربع عشرة1، وحج عمر سنة أربع عشرة، ثم نزع خالد بن الوليد رضي الله عنه وأمر أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه وكانت عَمَواس2 الجابية3 في سنة ست عشرة، وحجّ فيها عمر رضي الله عنه / [53 / أ] ثم كانت سرغ في سنة4 سبع عشرة’ وحجّ [فيها] 5 عمر، وكان الرمادة في سنة ثمان عشرة، وفيها طاعون عَمَواس، وفيها حجّ عمر رضي الله عنه ثم كان فتوح جَلولاء6 في سنة تسع عشرة7 وأميرها سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ثم كانت
__________
1 وبه قال ابن إسحاق والواقدي وخليفة. (تاريخ خليفة ص 125، تاريخ الطبري 4/441) .
2 عمواس: ضيعة جليلة على بعد ستة أميال من الرملة على طريق بيت المقدس، ومنها كان ابتداء الطاعون في أيام عمر بن الخطاب، ثم فشا في أرض الشام، وتعرف اليوم بالقبيبة، بقضاء القدس. (معجم البلدان 4/175، بلاد فلسطين 1/80، 104) .
3 قرية في الشام من ناحية الجولان قرب مرج الصفر في شمالي حوران إذا وقف الإنسان في الصنمين، واستقبل الشمال ظهرت له، وتظهر من نوى أيضاً. وفيها خطب عمر بن الخطاب خطبته المشهورة لما قدم الشام سنة ست عشرة، وباب الجابية الذي بدمشق منسوب إليها. (معجم البلدان 2/91) .
4 أبي بلغ فلما أخبر بوقوع الطاعون بالشام رجع منه ولم يدخل الشام، فعمر رضي الله عنه أتى الشام أربع مرات، مرتين في سنة ست عشرة، ومرتين في سنة سبع عشرة، ولم يدخلها في الأولى من الآخرتين. (تاريخ الطبري 4/59، البلاذري: أنساب الأشراف (الشيخان: أبو بكر وعمر) ص 193) .
5 سقط من الأصل.
6 جَلُولاء: طسوج من طساسيج السواد في طريق خراسان، بينها وبين خانقين سبعة فراسخ. (معجم البلدان 2/156) .
7 اختلف في وقعة جَلُولاء متى كانت، فذهب سيف ومن معه ورجحه الطبري إلى أنها في سنة ست عشرة، وخالفهم الواقدي وزعم أن جلولاء فتحت سنة تسع عشرة. وقال خليفة: سنة سبع عشرة. (تاريخ الطبري4/24، 102، تاريخ خليفة ص 136) .
(2/417)

قيسارية في ذلك العام، وأميرها معاوية1، 2، وحجّ عمر سنة تسع عشرة، ثم فتح مصر في سنة عشرين، وأميرها عمرو3 بن العاص4، وحجّ فيها عمر رضي الله عنه [ثم وقعة نهاوند5 سنة إحدى وعشرين] 6 وأميرها النعمان بن مقرن رضي الله عنه، ثم كانت أذربيجان سنة اثنتين وعشرين7 وأميرها المغيرة بن شعبة، وحجّ عمر، وكانت اصطخر الأولى وهمذان في سنة ثلاث وعشرين8 وحجّ فيها عمر"9.
وعن الحسن10 - رحمه الله - قال: "ومصر الأمصار عمر: المدينة،
__________
1 ابن أبي سفيان.
2 وقد وافق الواقدي وخليفة أبا معشر، وقالا: "فتحت سنة تسع عشرة". وقال ابن إسحاق: "كان فتح قيسارية سنة عشرين". أما سيف فإنه قال: "كان فتحها في سنة ست عشرة". انظر: تاريخ الطبري 4/102، تاريخ خليفة ص 141.
3 في الأصل: (عمر) وهو تحريف.
4 القول بأن مصر فتحت سنة عشرين قول ابن إسحاق، والواقدي، وخليفة، وقال سيف:"فتحت سنة ست عشرة". (تاريخ خليفة ص142، تاريخ الطبري4/104) .
5 نهاوند: مدينة عظمية في قبله همذان بينها ثلاثة أيام، وفيها كانت وقعة نهاوند المشهورة وقتل فيها قائد الجيش النعمان بن مقرن، وكانت سنة إحدى وعشرين، وقال سيف: "كانت نهاوند في سنة ثمان عشرة". (تاريخ خليفة ص 147، تاريخ الطبري 4/114، معجم البلدان 5/313) .
6 بياض في الأصل، بمقدار أربع كلمات.
7 وبه قال خليفة ورجّحه الطبري، وقال سيف: "كان فتح إذريبجان سنة ثمان عشرة". (تاريخ خليفة ص 151، تاريخ الطبري 4/146) .
8 وبه قال الواقدي، وقال خليفة: "فتحت سنة اثنتين وعشرين". (تاريخ خليلة ص 151، تاريخ الطبري 4/148) .
9 ابن الجوزي: مناقب ص 91، 92، وهو ضعيف لإعضاله.
10 الحسن البصري.
(2/418)

والبحرين، والبصرة، والكوفة، والجزيرة، والشام"1.
وقال أبو عبد الله محمّد بن سلامة2 في كتابه: (عيون المعارف) : "كانت في أيامه فتوح الأمصار؛ منها: دمشق فتحت صلحاً، على يد أبي عبيدة وخالد بن الوليد، وبيسان3، وطبرية4، وقيسارية، وفلسطين، وعسقلان، وسار بنفسه ففتح بيت المقدس صلحاً، وفتحت أيضاً بَعْلبك، وحمص، وحلب، وقنسرين، وأنطاكية، والرّقّة5، وحران، والموصل، والجزيرة، ونصيبين، وآمد6، والرّها، وفتحت القادسية، والمدائن على يد سعد بن أبي وقاص، وزال ملك الفرس، وانهزم يزدجرد ملك الفرس، ولجأ إلى فرغانة، والترك، وفتحت أيضاً كور دجلة، والأبلّة7 على يد عتبة بن غزوان، وفتحت كور الأهواز على يد أبي موسى الأشعري، وفتحت أيضاً نهاوند، واصطخر، وتُستر، والسوس، وأذريبجان، وبعض أعمال خراسان، وفتحت مصر على يد عمرو بن العاص غرة محرم سنة عشرين، وفتح عمرو8 أيضاً الإسكندرية، وأنطابُلس9 - وهي برقة وطرابلس المغرب -، وفي
__________
1 ابن سعد: الطبقات 3/284، ابن الجوزي: مناقب ص 92، وهو منقطع.
2 في الأصل: (أسامة) وهو تحريف.
3 مدينة بالأردن، بالغور الشامي، بين حوران وفلسطين. (معجم البلدان 1/527) .
4 بليدة من أعمال الأردن في طرف الغور، مطلة على البحيرة المعروفة ببحيرة طبرية. (معجم البلدان 4/17) .
5 الرّقة: مدينة مشهورة على الفرات بينها وبين حران ثلاثة أيام، معدودة في بلاد الجزيرة لأنها من جانب الفرات الشرقي. (معجم البلدان 3/59) .
6 في الأصل: (وامدر) وهو تحريف.
7 الأُبلة: بلدة على شاطئ دجلة البصرة العظمى في زاوية الخليج الذي يدخل إلى مدينة البصرة. (معجم البلدان 1/77) .
8 ابن العاص.
9 مدينة بين الإسكندرية وبرقة. (معجم البلدان 1/266، 388) .
(2/419)

أيامه. . . 1 فتوح الشام ومسالحها. . . 2، وهو الذي سمي الغزوات الشواتي3 والصوائف4، وفي أيامه غزا معاوية5 الروم حتى بلغ غوربه6، وفي أيامه مصرت البصرة سنة سبع عشرة باختلاف7، ومصرت الكوفة. . . 8، سعد بن أبي وقاص، وفيها كان عام الرمادة سنة ثمان عشرة، فاستسقى بالعباس رضي الله عنه فسقي، وفيها كان طاعون عَمَواس مات فيه خمسة وعشرون ألفاً، منهم أبو عبيدة، ومعاذ، وذلك في سنة ثمان عشرة"9.
ونحن نذكر ما وقع على مقتضى ما ذكره ابن كثير10 وغيره من أهل التاريخ:
لما توفي الصديق في سنة ثلاث عشرة استخلف عمر، فكان11 مما وقع في هذه السنة: وقعة المثنى بن حارثة في العراق، بعد مسير خالد إلى
__________
1 الفراغ كلمة لم أتبينها وهذا رسمها: (ــدت) .
2 الفراغ كلمة لم أتبينها، وهذا رسمها: (وحد ـدورنها) .
3 أي: الغزو في الشتاء.
4 الصائفة: غزوةالروم لأنهم كانوا يغزون صيفاً لمكان البرد والثلج. (القاموس ص1072) .
5 ابن أبي سفيان.
6 لم أجد تحديد هذا المكان. ولعل المراد: (عمورية) .
7 وفي خليفة: التاريخ ص 128، والطبري: التاريخ 3/590: "أنها مصرت سنة أربع عشرة". وهو الراجح، لأن عتبة بن غزوان هو الذي مصرها، وقد توفي سنة سبع عشرة. قال سيف: "مصرت البصرة سنة ست عشرة". (انظر: تاريخ الطبري 3/590، والإصابة 4/215) .
8 الفراغ كلمة لم أتبينها وهذا رسمها: (ـرها) .
9 محمّد بن سلامة: عيون المعارف ق 54 / ب إلى قوله: فلسطين.
10 إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي، الدمشقي، حافظ مؤرخ فقيه. صنف: (تفسير القرآن الكريم) و (البداية والنهاية) وغيرهما، توفي سنة أربع وسبعين وسبع مئة. (الدرر الكامنة 1/373، والأعلام 1/320) .
11 في الأصل: (فكا) .
(2/420)

الشام بأمر الصديق على الصحيح1، ووهم من قال: "إن عمر هو الذي بعثه بعد موت الصديق"2.
وذلك أن خالداً لما سار إلى الشام، استغنم الفرس غيبت3 خالد، واجتمعوا بعد مقتل ملكهم وابنه وبعثوا / [53 / ب] إلى المثنى جيشاً نحواً من عشرة آلاف، وكتب شهرياز4 إليه: "إني قد بعثت إليك جنداً من أوخش5 أهل فرس، إنما هم رعاة الدجاج والخنازير، ولست أقاتلك إلا بهم".
فكتب المثنى "إنما أنت أحد رجلين إما باغ فذلك شرّ لك، وخير لنا، وإما كاذب6 فأعظم الكذابين عقوبة وفضيحة عند الله في الناس الملك الكاذب، وأما الذي ذكرت أنك تقاتلنا بهم من الرعاة فإنا نرى أنكم قد اضطررتم إليهم، فالحمد لله الذي ردّ كيدكم إلى رعاة الدجاج والخنازير، وأحوجكم إليهم".
فلامه فارس7 على كتابه ذلك، ثم واقعوه فظفر المثنى بهم، ثم استخلف على العراق، وسار إلى المدينة؛ لأنه كان قد استبطأ خبر الصديق، لأنه مشتغل بأهل الشام عنه، فوجد الصديق في السياق وعهد إلى عمر بن الخطاب فقال لعمر: "إذا أنا مِت فاندب الناس إلى الجهاد بأرض العراق مع المثنى، وصلة لمن بقي من المقاتلة بعد ذهاب خالد عنها"8.
__________
1 ابن كثير: التاريخ 4/5، الطبري: التاريخ 3/415، 408.
2 لم أجده.
3 في الأصل: (عيبته) وهو تصحيف.
4 في ابن كثير: التاريخ: (شهريار) وفي الطبري: التاريخ: (شهريراز) .
5 الوخش: رذال الناس، وسقاطهم. (القاموس ص 786) .
6 مطموس في الأصل سوى: (كا) .
7 أي: أهل فارس.
8 ابن كثير: التاريخ 4/17، 18، الطبري: التاريخ 3/412، 413، 414، من طريق سيف بن عمر.
(2/421)

ومن ذلك وقعة اليرموك، واختلفوا فيها:
فقيل: كانت في خلافة عمر سنة خمس عشرة1.
وقيل: بل كانت في خلافة الصديق، وبعضها وقع في خلافة عمر، وأن البريد أتاهم في نفس حربها بموت الصديق، وتوليه عمر، وعزله خالداً عن الإمرة، وتولية أبي عبيدة بن الجراح2.
وقد ذكرنا صفة ذلك في: (فضائل أبي بكر الصديق) ، وأن عمر أرسل إلى أبي عبيدة إن كذّب خالد نفسه فقرّه على الإمرة، وإلا فاخلعه وقاسمه3 ماله نصفين، فقال لخالد، فقال: "استشير أختي"، فاستشارها، فقالت له: "إن عمر لا يحبك، وإنه سيعزلك وإن كذبت نفسك"، فخرج وخلع نفسه فقاسمه ماله كله، وهو يقول: "سمعاً وطاعةً لأمير المؤمنين"، حتى أخذ نعله الواحدة4.
حتى نزل مرج الصُّفرّ5، وعزم على / [54 / أ] قتال أهل دمشق ثم سار أبو عبيدة فاجتمع من الروم بفحل من أرض الغور، فكتب إلى الفاروق بأيهما يبدأ، فكتب إليه: [أن] 6 يبدأ بدمشق، ويرسل جيشاً إلى أولئك
__________
1 ابن كثير: التاريخ 4/4، وقال: "قال ابن عساكر: وهذا هو المحفوظ. وأما ما الله سيف من أنها قبل فتح دمشق سنة ثلاث عشرة فلم يتابع عليه".
2 ابن كثير: التاريخ 4/12، الطبري: التاريخ 3/398، من طريق سيف بن عمر.
3 في الأصل: (وقام) وهو تحريف.
4 ابن كثير: التاريخ 4/19، والخبر بنحوه في الطبري: التاريخ 3/436، 437، وهو ضعيف لإعضاله.
5 مرج الصفرّ - بالضم، وبتشديد الفاء - بدمشق. (معجم البلدان 5/101) .
6 سقط من الأصل.
(2/422)

ليشغلهم عنه. فبعث إليهم أحد عشر أميراً فقتلوهم وغنموهم، وكان سار هو إلى دمشق فنزل على باب الجابية، ونزل خالد على باب شرقي، فاتفق أنه ولد لبطريقهم ولد فجمعهم وسقاهم الخمر، فاشتغلوا عن الرصد1، ففطن لها خالد فجاء إلى الخندق هو وجماعة من أصحابه فقطعه سباحة بالقرب، وطلع على السور ونصب سلاليم2 حبال من شرفات3 السور إلى ظاهر الخندق، وكان قال لأصحابه: "إذا سمعتم تكبيرنا على السور فتعالوا حتى تصعدوا إلينا"، فلما علاه كبّر، فجاء أصحابه، وصعدوا في السلاليم4، ثم هبطوا بالتكبير إلى البوابين فقتلوهم وقطعوا أغاليق5 الباب بالسيوف، ودخل الجيش، وجعلوا يقتلون من أتاهم، حتى انتهوا إلى نصف البلد، فسألوا عن أمير الجيش فدلوا على أبي عبيدة فذهبوا إليه فصالحوه، وأدخلوه6 من باب الجابية، وكانوا قبل ذلك يأبون عليه الصلح، فدخل معهم بمن معه حتى انتهى إلى النصف، فوجد خالداً وأصحابه يقتلون من وجدوا، فقال لهم: "إنا أمناهم فَلِمَ تقتلوهم؟ "، فقال خالد: "بل أنا فتحتها عنوة معهم الآن". ثم أقر على الصلح، وكفّ خالد ومن معه عن القتل7.
__________
1 رصدَه رصْداً ورصداً: رقبه، والمرصاد الطريق والمكان يرصد فيه العدو. (القاموس ص 361) .
2 في ابن كثير: (سلالم) .
3 كذا في ابن كثير: التاريخ: (شرفات) وفي الأصل: (شراريف) .
4 في ابن كثير: (سلالم) .
5 في الأصل: (غاليق) والتصويب من تاريخ ابن كثير.
6 في الأصل: (ووادخلوه) .
7 ابن كثير: التاريخ 4/19، 20، 21، بأطول.
(2/423)

وقيل: إن أبا عبيدة لم يعلم خالداً بعزله حتى فتحت دمشق1. ثم بعث أبو عبيدة خالداً إلى البِقاع2 ففتحها3 بالسيف4، وبعث دحية بن خليفة إلى تدمر، وأبا الزهراء5 إلى البثينّة6 وحوران، فصالح أهلها، ثم صالح أهل حمص7، وفتح شرحبيل8 الأردن كلها عنوة خلا طبرية فصلحاً، وصالح أهل بعلبك9.
وقيل: إن فتح هذه البلاد كان فيما بعد هذه السنة10. فالله أعلم.
ولما مات الصديق ندب عمر الناس لغزو العراق ثلاثة أيام، ولم يقم أحد، فلما كان اليوم الرابع كان أوّل من انتدب أبو عبيد بن مسعود الثقفي، ثم تتابع / [54 / ب] الناس، فأمر عمر طائفة من أهل المدينة، وأمر على الجميع أبا عبيدة، ولم يكن صحابياً، فقيل لعمر: هلا أمرت رجلاً من الصحابة، فقال: إنما أُمر أوّل من استجاب إنما سبقتم الناس بنصرة هذا الدين،
__________
1 ابن كثير: التاريخ 4/23.
2 البِقاع: أرض واسعة بين بعلبك وحمص ودمشق، فيها قرى كثيرة ومياه غزيرة نميرة. (معجم البلدان 1/470) .
3 في الأصل: (فتحها) وهو تحريف.
4 ابن كثير: التاريخ 4/25، خليفة: التاريخ ص 130.
5 القشيري، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وشهد فتح دمشق. (الإصابة 7/79) .
6 البثنية: اسم ناحية من نواحي دمشق، وقيل: هي قريبة بين دمشق وأذرعات. (معجم البلدان 1/338) .
7 ابن كثير: التاريخ 4/25، الطبري: التاريخ 3/441.
8 شرحبيل بن عبد الله الكندي، حليف بني زهرة، وهو ابن حسنة، صحابي جليل، كان أميراً في فتح الشام، توفي سنة ثمان عشر. (التقريب ص 265) .
9 ابن كثير: التاريخ 4/25، خليفة: التاريخ ص 129، 130، والطبري: التاريخ 3/441، إلا أن خليفة جعلها من فتوح سنة خمس عشرة.
10 ابن كثير: التاريخ 4/25، خليفة: التاريخ ص 129.
(2/424)

ثم وصاه بنفسه وبمن معه من المسلمين، وأمره أن يستشير الصحابة فصار إلى أرض العراق في سبعة آلاف1وكتب عمر إلى أبي عبيدة: أن يوجه أصحاب خالد الذين قدموا إلى العراق.
فجهز أبو عبيدة إلى العراق عشرة آلاف، وأمّر عليهم هاشم بن عتبة2، 3.
وأرسل عمر جرير بن عبد الله البجلي4 في أربعة آلاف، فقدمالكوفة، ثم خرج منها فواقع هرمزان5 على المدار6 فقتله. وانهزم جيشه وغرق أكثرهم، فلما وصل الناس إلى العراق وجدوا الفرس ولوا رستماً، فكانت وقعة النمارق، بعث رستم أميراً بعسكر فالتقوا مع أبي عبيد بمكان يقال له: النمارق7 بين الحيرة8، والقادسية، فهزموهم وقتلوهم، وغنموهم9.
ثم كانت وقعة جِسر10 أبي عبيد، اجتمع من الفرس خلق كثير، وساروا
__________
1 ابن كثير: التاريخ 4/26، سبق تخريجه ص 455.
2 في الأصل: (هشام) وهو تحريف. وهو هشام بن عتبة بن أبي وقاص الزهري الشجاع المشهور، المعروف بالمرقال، صحابي، قتل بصفين مع عليّ رضي الله عنه. (الإصابة 6/275) .
3 ابن كثير: التاريخ 4/26، الطبري: التاريخ 3/543.
4 صحابي مشهور، توفي سنة إحدى وخمسين، وقيل: بعدها. (التقريب ص 139) .
5 في ابن كثير: التاريخ (هرقران) .
6 لم أجد تحديد هذا المكان.
7 النمارق: موضع قرب الكوفة من أرض العراق نزله عسكر المسلمين في أوّل ورودهم العراق. (معجم البلدان 5/304) .
8 الحيرة - بالكسر، ثم السكون - وراء، مدينة كانت على ثلاثة أميال من الكوفة على طريق النجف، كانت مسكن ملوك العرب في الجاهلية. (مراصد الإطلاع 1/441) .
9 ابن كثير: التاريخ 4/27.
10 الجِسر - بكسر الجيم -، إذا قالوا الجسر ويوم الجسر، ولم يضيفوه إلى شيء فإنما يريدون الجسر الذي كانت فيه الوقعة بين المسلمين والفرس قرب الحيرة. (معجم البلدان 2/140) .
(2/425)

إلى المسلمين عند الجسر1، ومعهم فيلة فيها جُلاجل2 فأرسلوا3 إلى المسلمين: إما تعبروا إلينا، وإما نعبر إليكم، فقال أبو عبيدة: "ما هم بأجرأ منا على الموت"، ثم اقتحم عليهم، فاجتمعوا في مكان ضيق فاقتتلوا قتالاً شديداً لم يعهد مثله، والمسلمون في نحو من عشرة آلاف، وأرسل الفرس الفيلة بالجلاجل لتذعر خيول المسلمين، فجعلوا كلما حملوا على المسلمين فرت خيولهم من الفيلة، وما تسمع من الجُلاجل، ولا يثبت منها إلا القليل، وإذا حمل المسلمون لا تقدم خيولهم، ورشقتهم الفرس بالنبل فنالوا منهم خلقاً، وقتل المسلمون منهم مع ذلك ستة آلاف.
وأََمَر أبو عبيد المسلمين أن يقتلوا الفيلة فاحتاشوها4 فقتلوها / [55/أ] عن آخرها، فقدمت الفرس بين أيديهم فيلاً أبيض هو أعظمها، فتقدم إليه أبو عبيد فضربه بالسيف فقطع زلقومه5 فصاح صيحة عظيمة، وحمل على أبي عبيد فتخبطه برجليه فقتله، ووقف فوقه، فحمل على الفيل خليفة أبي عبيد الذي أوصى أن يكون أميراً بعده فقتله، ثم آخر فقتله، حتى قتل سبعة من ثقيف كان نص أبو عبيد عليهم، حتى صارت إلى المثنى6 بمقتضى الوصية أيضاً، وكانت امرأة أبي عبيد رأت مناماً يدل على ما وقع، فلما رأى المسلمون ذلك وهنوا، وضعف أمرهم، وذهب ريحهم، وولوا مدبرين، وساق الفرس خلفهم فقتلوا بشراً
__________
1 في الأصل: (جسر) وهو تحريف.
2 الجُلجل: الجرس الصغير. (القاموس ص 1265) .
3 في الأصل: (فارسلوا) .
4 احتوش القومُ فلاناً وتحاوشوه بينهم: جعلوه وسطهم. (لسان العرب 6/290) .
5 زلقوم الفيل: خرطومه. (لسان العرب 12/272) .
6 ابن حارثة.
(2/426)

كثيراً، وركب الناس أمراً بليغاً، وجاءوا إلى الجسر، فمرّ بعض الناس، وانكسر الجسر، فتحكم الفرس فيمن وراءه فقتلوا من المسلمين، وغرق في الفرات1 نحواً من أربعة آلاف، فإنا2 لله وإنا إليه راجعون.
وكان الناس لما انهزموا جعل بعضهم يلقي نفسه في الفرات3 فيغرق، فقال المثنى: "على هينتكم فإني واقف على فم الجسر لا أجوز حتى لا يبقى منكم أحد". فلما تعدّ الناس إلى الناحية الأخرى، سار المثنى فنزل بهم أوّل منزل، وقام يحميهم هو، وشجعان المسلمين، وقد خرج أكثرهم مذعوراً، وذهب بالخبر عبد الله بن زيد بن عاصم4، فوجد عمر على المنبر، فقال له عمر: "ما وراءك يا عبد الله بن زيد؟ "، فقال: "أتاك الخبر اليقين"، ثم صعد إليه المنبر فأخبره سراً ولم يؤنب عمر أحداً ممن رجع إلى المدينة، بل قال: "أنا أكفيهم أمرهم"5، 6.
وتوفي في هذه السنة المثنى بن حارثة، وكان قد جرح يوم الجسر، فانقضَّ عليه ومات منه7.
__________
1 في الأصل: (الفراء) .
2 في الأصل: (فا لله) وهو تحريف.
3 في الأصل: (الفراه) .
4 المازني، أبو محمّد صحابي شهير، يقال: إنه هو الذي قتل مسيلمة الكذاب، واستشهد بالحرّة سنة ثلاث وستين. (التقريب ص 304) .
5 في ابن كثير: التاريخ: (أنا فيئتكم) .
6 ابن كثير: التاريخ4/28، 29، الطبري: التاريخ3/454، 455، من طريق سيف بن عمر.
7 ابن كثير: التاريخ 4/30، 37، 50.
(2/427)

وقيل: خالد بن سعيد1، وسعد بن عبادة2، وجماعة قتلوا قبل ذلك باليرموك، وأجنادين34، ذكرناهم في: (خلافة الصديق) .
السنة الرابعة عشرة5؛ وهي الثانية من خلافته / [55 / ب] فيها أرسل عمر سعداً إلى العراق، بعد أن كان هو عزم على6 المسير إليها، فثناه الصحابة عن ذلك، وأمروه بإرسال غيره، فسار حتى قرب من العراق ومن لقاء من هناك من المسلمين، توفي أمير المسلمين هناك المثنى، فلما وصل سعد هناك تزوج امرأته7.
ثم كانت غزوة القادسية، فإن سعداً سار فنزل القادسية، وبثّ سراياه وأقام بها شهراً لم ير أحداً من الفرس، وجعلت السرايا تأتي بالميرة من كل مكان، فعجت8 رعايا الفرس إلى يزدجر من النهب والسبي، وقالوا: "إن لم تنجدونا وتقاتلوا عنا وإلا سلمنا بأيدينا وسلمنا الحصون". فاجتمع رأي الفرس إلى إرسال رستم، فأمّره يزدجر على الجيش، فلما قرب من جيش المسلمين بعث يطلب رجلاً عاقلاً يسأله، فبعث إليه سعد المغيرة بن شعبة،
__________
1 ابن العاص الأموي، من السابقين الأوّلين، استشهد يوم مرج الصفرّ، وقيل: يوم أجنادين. (الإصابة 2/92) .
2 الأنصاري الخزرجي، أحد النقباء وسيد الخزرج وأحد الأجواد، توفي بأرض الشام سنة خمس عشرة. وقيل: غير ذلك. (التقريب ص 231) .
3 أجنادين، موضع معروف من كورة بيت جبرين من نواحي فلسطان، كانت به وقعة بين المسلمين مشهورة هزم فيها الروم، وكانت سنة ثلاث عشرة. (معجم البلدان 1/103) .
4 ابن كثير: التاريخ 4/33، الطبري: التاريخ 3/480، 486.
5 في الأصل: (عشر) .
6 في الأصل: (عن) وهو تحريف.
7 ابن كثير: التاريخ 4/37.
8 عجّ: صاح ورفع صوته. (القاموس ص 253) .
(2/428)

فلما قدم عليه، قال له: "أنتم جيراننا، ونحن نحسن إليكم، ونكفّ الأذى عنكم، فارجعوا إلى بلادكم، ونحن لا نمنع تجاركم من دخول بلادنا". فقال له المغيرة: "إنا لسنا نطلب الدنيا، وإنما نطلب الآخرة". في كلام طويل. ثم بعث إليه رسولاً آخر وهو ربعي بن عامر1 فأجاد وحسن الكلام. ثم طلبوا في اليوم الثاني [رجلاً] 2 فبعث سعد حذيفة بن محصن3، ثم طلبوا4 في اليوم الثالث فأرسل المغيرة أيضاً5.
ثم كانت وقعة القادسية، فلما تواجه الصفان كان سعد قد أصابه عرق النّسا6، ودَمَامِيل7 في جسده فهو لا يستطيع الركوب، وإنما هو في قصر متكئ على صدره فوق وسادة، وهو ينظر إلى الجيش ويدبر أمره، فتقاتلوا حتى كان الليل، وقد قتل من الفريقين بشر كثير، ثم اليوم الثاني حتى أمسوا، ثم اليوم الثالث وسموا هذه / [56 / أ] الليلة: ليلة الهرير8، ولما كان اليوم الرابع اقتتلوا قتالاً شديداً، وقد قاسوا من الفيلة بسبب نفرة الخيول أمراً عظيماً، قد أباد الصحابة الفيلة ومن عليها وقلعوا عيونها بالرماح، فلما كان
__________
1 ابن خالد بن عمرو التيمي، أمدَّ عُمَر به المثنى بن حارثة، وكان من أشرف العرب، وشهد نهاوند، وولاّه الأحنف على طخارستان. (الإصابة 2/194) .
2 سقط من الأصل.
3 الغلفاني، استعمله أبو بكر على عمان، وعمر على اليمامة، وله ذكر في الفتوح. (الإصابة 1/332) .
4 مطموس في الأصل سوى: (طلـ) .
5 ابن كثير: التاريخ 4/38، بأطول، والخبر مفرقاً في الطبري: التاريخ 3/496، حتى 520.
6 النسا: عرق من الورك إلى الكعب. (القاموس ص 1725) .
7 الدّمَّل: واحد دماميل: القروح. (الصحاح 4/1699) .
8 هرّ الشّيء يُهرّه هرّاً وهريراً: كرهه. (لسان العرب 5/260) . .
(2/429)

وقت الزوال من هذا اليوم هبت1 ريح شديدة فرفعت خيام الفرس، وألقت سرير رستم، فبادر فركب بغلته، وهرب فأدركه المسلمون فقتلوه، وهرب الفرس، وتبعهم المسلمون يقتلون، ويأسرون، وغنموا شيئاً كثيراً لا يحد ولا يوصف، وبعثوا بالخمس والبشارة إلى عمر، وكان عمر يخرج من المدينة إلى ناحية العراق يستنشق الأخبار، فبينما هو ذات يوم إذا راكب يلوح من بعد فاستقبله عمر، فقال الراكب: فتح الله على المسلمين بالقادسية، وجعل يحدثه وهو لا يعرف عمر، وعمر ماش تحت راحلته، فلما اقترب من المدينة، جعل الناس يحيّون عمر بالإمارة، فعرف الرجل عمرَ، فقال: "يرحمك الله يا أمير المؤمنين، هلا أعلمتني"، فقال: "لا حرج عليك يا أخي"2.
وكان سعد حال شدة الحرب في القصر، ولا يغلق عليه الباب لشجاعته، ولو فرّ الناس لأخذته الفرس قبضاً باليد، وعنده امرأته سلمى بنت حفص3، 4، و. . . 5 قبله امرأته المثنى، فلما فرّ بعض الخيل فزعت المرأة من ذلك، وقالت: "وامثناه، ولا مثنى لي اليوم"، فغضب سعد من ذلك، فلطم وجهها، فقالت: "أغيرة وجبناً"، تعيره بجلوسه في القصر يوم الحرب، وهذا عناد منها، فإنها أعلم الناس بعذره، وكان أبو محجن6 عند سعد في القصر
__________
1 في الأصل: (ذهبت) وهو تحريف.
2 ابن كثير: التاريخ 4/44، 45.
3 في تاريخ الطبري: (خصفة) ولإصابة: (حفصة) .
4 سلمى بنت خصفة التيمية، البكرية زوج المثنى بن حارثة، تزوجها سعد بعد موت المثنى، زوجها صحابي، يحتمل أن تكون صحابية. (تاريخ الطبري 3/489، الإصابة 8/110) .
5 الفراغ كلمة لم أتبينها وهذا رسمها: (وكـ) ولعلها: (وكانت) .
6 مختلف في اسمه، فقيل: عمرو بن حبيب الثقفي، وقيل: مالك، وقيل: غير ذلك، صحابي شهد الفتوح مع سعد بن أبي وقاص، وتوفي بأذربيجان، وقيل: بجرجان. (الإصابة 7/171) .
(2/430)

مقيد لما كان يتعاطاه من السكر، وقد حدّ فيه سبع مرات، فلما رأى الخيول تجول والفرسان قال - وكان من الشجعان الأبطال - رضي الله عنه / [56 / ب] :
كفى حَزَناً أن تدحمَ1 الخيل بالقنا2 ... وأترك مشدوداً عليّ وثاقيا
وقد كنتُ ذا مالٍ كثيرٍ وإخوةٍ ... فقد تركوني مفرداً لا أخا ليا
ثم سأل من أم ولد سعد أن تطلقه وتعيره فرس سعد وحلف أن يرجع آخر النّهار فيضع رجله في القيد فأطلقته وركب فرس سعد، وخرج فقاتل قتالاً شديداً وجعل سعد ينظر إليه فيشبهه بأبي محجن، ويشبه الفرس بفرسه، ويشك لأنه مسجون مقيد، فلما كان آخر النهار رجع فوضع رجله في القيد، ونزل سعد فرأى فرسه يعرق وهو مكدود3، فقال: "ما هذا؟ "، فذكر له، فرضي عنه وأطلقه، وقال: "لا أحِدك أبداً"، فقال: "وأنا لا أشرب مسكراً أبداً"4.
وكتب سعد5 إلى عمر يخبره بالفتح والنصر، ومن قتل من المسلمين وعدة6 من قتل من الكفار وصورة الكتاب:
__________
1 في تاريخ الطبري: (تردى) .
2 القنا: جمع: قناة. وهي الرمح. (القاموس ص 1710) .
3 الكدّ: الإتعاب. (لسان العرب 2/378) .
4 قال ابن حجر: "وأنكر ابن فتحون قول من روى أن سعداً أبطل الحد وقال: لا يظن هذا بسعد. (الإصابة 7/171) .
5 في الأصل: (سعدا) .
6 في الأصل: (وعد) .
(2/431)

"أما بعد: فإن الله نصرنا على فارس، بعد قتال طويل، وزلازل1 شداد، لم يرَ الراؤون مثلهما، فإنهم أتونا في عسكر، وعدد لم ير مثلها، فلم ينفعهم الله بذلك، بل سلبهم ذلك كله، ونفله المسلمون، واتبعهم المسلمون على الأنهار، وفجاج الطرق، يقتلونهم حيث كانوا، وأصيب من المسلمين سعد بن عبيد القارئ2، وفلان وفلان، ورجال لا يعلمهم إلا الله، فإنه بهم عالم، كانوا يدوون3 بالقرآن إذا جن عليهم الليل كدوي النحل، وهم أسود في النهار بل لا تشبههم الأسود، ولم يفضل من مضى منهم من بقي إلا بفضل الشهادة إذا لم تكتب لهم".
فيقال: "إن عمر قرأ هذه البشارة على الناس، ثم قال عمر للناس: "إني حريص على أن لا أرى حاجة إلا سددتها ما اتسع بعضنا لبعض، فإذا عجز ذلك عنا تأسينا في عيشنا حتى نستوي في الكفاف، ولوددت أنكم علمتم من نفسي مثل الذي وقع فيها لكم، ولست ملكتكم إلا بالعمل، إني والله لست بملك فأستعبدكم، ولكني عبد الله عرض عليّ الأمانة فإن أنا أديتها ورددتها عليكم / [57 / أ] واتبعتكم حتى تشبعوا في بيوتكم وترووا4 سعدت بكم، وإن حملتها واستتبعتكم إلى بيتي شقيت بكم، ففرحت قليلاً وحزنت طويلاً، فبقيتُ لا أقال ولا أرد فأستعتب"5.
__________
1 في ابن كثير: التاريخ: (وزلزل شديد) .
2 ابن النعمان الأنصاري الأوسي، شهد بدراً، وقتل في القادسية شهيداً. (الإصابة3/81) .
3 الدوي: صوت ليس بالعالي كصوت النحل ونحوه. (لسان العرب 14/281) .
4 في الأصل: (وتروو) .
5 ابن كثير: التاريخ 4/45، 46، 47، وقد أورد الطبري بعضه بنحوه مفرقا. (التاريخ 3/542، 548، 550) .
(2/432)

وفي هذه السنة جمع عمر الناس في التراويح على أبي بن كعب، قاله ابن جرير1 والواقدي2، وكتب إلى سائر الأمصار بذلك3.
وفيها بعث عمر عتبة بن غزوان إلى البصرة، وأمره أن ينزل بها بمن معه من المسلمين، فمصرت البصرة4 في هذه السنة. فركب إليهم صاحب الفرات5 أربعة آلاف أسوار6، فالتقاه عتبة فقتلوهم عن آخرهم، وأسروا صاحب الفرات7، فقام عتبة في الناس خطيباً فقال في خطبته: "إن الدنيا قد آذنت بصُرْم8، وولّت حذّاء9، ولم يبق منها إلا صُبَابة10 كصبابة الإناء". هذا في صحيح مسلم11.
وبعث عمر إليه كتاباً جليلاً عظيماً يوصيه فيه، وأرسل إلى العلاء12 يمده
__________
1 محمّد بن جرير الطبري.
2 محمّد بن عمر بن واقد الأسلمي.
3 الطبري: التاريخ 3/90، وقال: "زعم الواقدي" ابن كثير: التاريخ 4/48.
4 انظر: ص 373.
5 في الأصل: (الفراه) وهو تحريف.
6 في الأصل: (سوار) وهو تحريف. والإسوار والأُسْوَار: الواحد من أساور فارس، وهو الفارس من فُرسانهم المقاتل. (لسان العرب 4/388) .
7 في الأصل: (الفراه) وهو تحريف.
8 بصرم: أي: بانقطاع وانقضاء. (الصحاح 5/1965، لسان العرب 12/335) .
9 حذاء: مسرعة الانقطاع. (شرح صحيح مسلم للنووي 18/102) .
10 الصبابة: البقية اليسيرة تبقى في الإناء من الشراب. (لسان العرب 1/516، القاموس ص 133) .
11 مسلم: الصّحيح، كتاب الزهد والرقائق 4/2278، رقم: 2967، وأورد الخطبة فقط بأطول.
12 العلاء بن عبد الله بن عماد الحضرمي، حليف بني أمية، صحابي جليل عمل على البحرين للنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، توفي سنة أربع عشرة. (التقريب ص 434) .
(2/433)

بجيش1.
وفي هذه السنة ضرب عمر ابنه عبيد الله في الشراب سبع مرات2، وضرب معه3 ابن أمية بن خلف4.
وفيها توفي عتبة بن غزوان، وابن أم مكتوم، والمثنى بن حارثة، وأبو زيد الأنصاري5، وأبو قحافة والد الصديق6، وهند بنت عتبة7، وخلق من الصحابة8.
ثم دخلت سنة خمس عشرة:
قال ابن جرير وغيره: "فيها مصّر سعد الكوفة"9.
وفيها كانت وقعة حمص الأولى، حصرهم المسلمون ثم كان بعد ذلك
__________
1 ابن كثير: التاريخ4/49، والخبر في الطبري: التاريخ3/591، وفيه عمرو بن عيسى العدوي صدوق اختلط، وخالد بن عمير العدوي مقبول. (التقريب رقم:1663، 5089) . وأما كتاب عمر إلى عتبة فرواه الطبري من طريق سيف، وأبي محنف.
2 في ابن كثير: التاريخ: "ضرب عمر بن الخطاب ابنه عبيد الله في الشراب وهو وجماعة معه، وفيها ضرب أبا محجن الثقفي في الشراب أيضاً سبع مرات".
3 ربيعة بن أمية الجمحي، أسلم عام الفتح وشهد حجة الوداع، ثم ارتد عن الإسلام ولحق بالروم، ومات هنالك. (تعجيل المنفة ص 87) .
4 ابن كثير: التاريخ 4/50، والخبر بنحوه في الطبري: التاريخ 3/597.
5 قيس بن السكن البخاري الأنصاري شهد بدراً، واستشهد يوم جسر أبي عبيد. (تاريخ ابن كثير 4/50، الإصابة 5/255) .
6 عثمان بن عبد الله التيمي، أسلم عام الفتح، وتوفي سنة أربع عشرة. (الإصابة 4/223) .
7 هند بنت عتبة القرشية العبشمية، والدة معاوية بن أبي سفيان، أسلمت عام الفتح وتوفيت في أوّل خلافة عمر. (الإصابة 8/206) .
8 ابن كثير: التاريخ 4/50.
9 الطبري: التاريخ 3/598، ابن كثير: التاريخ 4/53.
(2/434)

الصلح1.
وفيها كانت وقعة قِنّسرين، بعث أبو عبيدة خالدَ بن الوليد ففتحها عنوة، وقتل خلقًاً كثيراً، فلما بلغ عمر ما فعل خالد قال: "يرحم الله أبا بكر، كان أعلم بالرجال مني، والله إني لم أعزله عن ريبةٍ2، ولكن خشيت أن يوكل الناس إليه"3.
[و] 4 فيها هرب هِرَقْل من الشام إلى بلاد الروم ثم سار حتى نزل القسطنطينية، واستقر بها ملكه5.
وفيها كانت وقعة قَيْساريّة / [57 / ب] أمرّ عمر معاوية على قَيساريّة وكتب إليه: "أما بعد: فقد وليتك في قَيْساريّة فسر إليها واستنصر الله عليهم، وأكثر من قول: لا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم، الله ربنا وثقتنا ورجاؤنا ومولانا، فنعم المولى ونعم النصير".
فسار إليها، وفتحها بعد قتال شديد6.
وفيها كتب عمر إلى عمرو بن العاص بالمسير إلى إيلياء7 ومناجزة صاحبها فمر على طائفة منهم عند الرملة8، فكانت وقعة أجنادين وكان على ذلك
__________
1 الطبري: التاريخ 3/599، ابن كثير: التاريخ 4/53.
2 الريبة: الظنة والتهمة. القاموس ص: 118.
3 ابن كثير: التاريخ 4/54، الطبري: التاريخ 3/601، من طريق سيف بن عمر.
4 سقط من الأصل.
5 ابن كثير: التاريخ 4/54، الطبري: التاريخ 3/602.
6 ابن كثير: التاريخ4/55، والخبر في الطبري: التاريخ3/604، من طريق سيف بن عمر.
7 إيلياء: اسم مدينة بيت المقدس. (معجم البلدان 1/293) .
8 الرملة: مدينة عظيمة بفلسطين، وكانت قصبتها وقد خربت الآن - في زمن ياقوت - وكانت رباطاً للمسلمين. (معجم البلدان 3/69) .
(2/435)

الجيش الأرطبون - وكان أدهى الروم - فكتب عمرو إلى عمر فلما جاءه الكتاب قال: "رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب، فانظروا عمّ تنفرج"؟ - وكان عمرو1 من الدهاة - ثم أرسل عمرو الرسل إلى أرطبون فلم يشتف بهم، فذهب إليه بنفسه كأنه رسول، فبلّغه وسمع كلامه، وتأمل حصونه، وعرف ما أراد، فلما أراد الانصراف، قال أرطبون: "إن هذا لعمرو، أو أنه الذي يأخذ عمرو برأيه، وما كنت أصيب القوم بأمرٍ هو أعظم من قتلي هذا".
فدعا حرسيّا فساره، وأمره بقتله في مكان عينه له، ففطن عمرو فقال للأرطبون2: "أيها الأمير إني قد سمعت كلامك وسمعت كلامي، وإني واحد من عشرة بعثنا عمر بن الخطاب لنكون مع هذا الوالي نشهد أموره، وإني قد أحببت أن آتيك بهم ليسمعوا كلامك". قال: "نعم. فاذهب فأتني بهم".
ثمّ دعى رجلاً فساره فقال: "اذهب إلى فلان فرده" ثم جاء عمرو ودخل عسكره، ثم تحقق أرطبون أنّه عمرو فقال: "خدعني الرجل، هذا والله أدهى العرب" وبلغ عمر فقال: "لله در [عمرو] 3". ثم ناهضه عمرو فاقتتلوا بأجنادين4 قتالاً عظيماً كقتال اليرموك، فكتب أرطبون إلى عمرو يترقق / [58 / أ] له، فكتب عمرو إليه: "إني صاحب فتح هذه البلاد" فكتب إليه: "إنك لست بصاحب فتحها، إنما صاحب فتحها رجل
__________
1 في الأصل: (عمر) وهو تحريف.
2 في الأصل: (الأرطبون) والتصويب من تاريخ ابن كثير.
3 سقط من الأصل.
4 وفي رواية ابن إسحاق: أن وقعة أجنادين كانت في سنة ثلاث عشرة بقين من جمادى الأولى. وبه قال الذهبي. (تاريخ خليفة ص 119، تاريخ الطبري 3/418، سير أعلام النبلاء (1/314، تاريخ الإسلام ص 82) .
(2/436)

اسمه على ثلاثة أحرف" فكتب إلى عمر بخبره، فعزم عمر على الدخول إلى الشام لذلك ثم سار إليها فكان فتح بيت المقدس على يد عمر بن الخطاب.
واستخلف على المدينة علي بن أبي طالب، وسار العباس بن عبد المطلب على مقدمته فلما قدم تلقاه أبو عبيدة ورؤوس الأمراء فترجل أبو عبيدة وترجل عمر، فأراد أبو عبيدة أن يقبل يد عمر، فهم عمر بتقبيل رجله، فكف أبو عبيدة وكف عمر، ثم سار حتى صالح نصارى بيت المقدس، ثم دخل المسجد من الباب الذي دخل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء، ويقال: إنه لبى حين دخله، فصلى فيه تحية المسجد بمحراب داود، وصلى بالمسلمين فيه صلاة الغداة فقرأ في الأولى (بص) وفي الثانية (ببني إسرائيل) 1، ثم جاء إلى الصّخرة فاستدل على مكانها من كعب2، وأشار عليه كعب أن يجعل المسجد من ورائها، فقال: "ضاهيت اليهودية" ثم جعل المسجد قبلي بيت المقدس، وهو العمري اليوم، ثم نقل التراب عن الصخرة في طرف ردائه، ونقل المسلمون معه، وسخّر3 أهل الأردن في نقل بقيته، وكانت الروم جعلوا الصخرة مزبلة، لأنها قبلة اليهود، حتى إن المرأة كانت ترسل بخرق حيضها من داخل البحور4 ليلقى على الصخرة مكافأة لما كانت اليهود عملت
__________
1 أي: سورة الإسراء وفي تاريخ الطبري 3/611: "وقرأ بهم في الثانية صدر (بني إسرائيل) . وهذا أقرب؛ لأنه يستحب أن يقرأ بهم في الركعة الثانية أطول من الأولى.
2 كعب بن ماتع الحميري المعروف بكعب الأحبار.
3 في الأصل: (صخر) . وفي اللسان 4/353، والقاموس ص 519: "سخره: كلفه ما لا يريد وقهره".
4 في ابن كثير: التاريخ: (الحوز) .
(2/437)

بالقمامة وخطب عمر هناك خطبة بليغة1.
وفي هذه السنة سار سعد2 في جنود عظيمة وخلف الحريم بالعتيق3 مع جيش كثيف، فجاءبا. . . 4 فوجد عسكراً من الفرس فهزمهم، ففرقة ذهبت إلى المدائن، وفرقة إلى نهاوند، فسار سعد نحو المدائن فلقوا جمعاً آخر فاقتتلوا قتالاً شديداً، وبارز أمير الفرس فبرز إليه نائل الأعرجي5 من شجعان بني تميم، فتجاولا / [58 / ب] بالرّماح ثم ألقياها، وتقاتلا بالسيوف ثم تعانقا، وسقطا عن فرسيهما، فوقع أمير الفرس على صدر نائل وأخرج خنجراً ليذبحه بها فوقعت أصبعه في فم نائل فقضمها حتى شغله عن نفسه، وألقى الخنجر فأخذه فذبحه بها6.
ثم كانت وقعة بهرسير7 وقد قاتل سعد في دربها طوائف كثيرة، وكانوا
__________
1 ابن كثير: التاريخ 4/55، 56، 57، والخبر بنحوه في الطبري: التاريخ 3/605، 606، 607، من طريق سيف بن عمر.
2 ابن أبي وقاص.
3 في الأصل: (العقيق) وهو تحريف. وفي معجم البلدان 4/83: "عَتيق الشاجة: قرية بين أذربيجان وبغداد استولت عليها دجلة فخربتها، واسم الموضع معروف إلى الآن ". وفي تاريخ الطبري: (العقيق) .
4 مطموس في الأصل بمقدار كلمة.
5 في الأصل: (الأعرج) وهو تحريف. والأعرجي، نسبة للأعرج، وهو الحارث بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، قطع رجله غيلان بن مالك بن عمرو تميم. (انظر: جمهرة النسب للكلبي ص 234، وجمهرة أنساب العرب ص 221) .
6 ابن كثير: التاريخ4/61، 62، الطبري: التاريخ3/619، 621من طريق سيف ابن عمر.
7 في الأصل، وتاريخ ابن كثير: (نهر شير) وهو تصحيف. والمثبت من الطبري، وفي معجم البلدان 1/515: (بَهْرُسَير) من نواحي سواد بغداد قرب المدائن. قال أبو مُقرّن:
تولّى بنو كسرى وغاب نصيرهم ... على بهر سير فاستهدّ نصيرها
ولما فرغ سعد من القادسية نزل بهر سير ففتحها".
(2/438)

قد وضعوا في درب المسلمين أسداً عظيماً لكسرى فتقدم [هاشم ابن] 1 عتبة بن أخي سعد فقتله، والناس ينظرون، فسمي سيفه يومئذ المتين2 فقبّل سعد رأسه فقبل هاشم قدمه، وحمل هاشم على الفرس فهزمهم3.
وفيها حج بالناس عمر، وفيها توفي سهيل بن عمرو4، وعامر بن مالك بن أهيب5، وعبد الله بن سفيان بن عبد الأسد6، و [قيس بن أبي صعصعة] وعمرو بن زيد بن عوف7، ونضير8 بن الحارث910.
ثم دخلت سنة ست عشرة:
استهلت وسعد مُنَازِل مدينة بهر سير11 إحدى12 مدينتي كسرى، وينصب المجانيق13 وغيرها، ثم
__________
1 سقط من الأصل.
2 في تاريخ الطبري: (المتن) .
3 ابن كثير: التاريخ4/63، الطبري: التاريخ 3/622، 623، من طريق سيف بن عمر.
4 في الأصل: (عمر) .
5 الزهري، أخو سعد بن أبي وقاص، أسلم قديماً وهاجر الهجرة الثانية إلى الحبشة وقدم مع جعفر، وتوفي بالشام في خلافة عمر. (الإصابة 4/16) .
6 المخزومي، ابن أخي أبي سلمة، هاجر إلى الحبشة، واستشهد باليرموك. (الإصابة 4/79) .
7 الأنصاري المازني، شهد العقبة وبدراً، وكان أحد أمراء الكراديس يوم اليرموك وقتل يومئذ. (تاريخ الإسلام (عهد الخلفاء) ص 154، الإصابة 5/256) .
8 في الأصل، وتاريخ ابن كثير: (نصُير) بالصاد المهملة، وهو تصحيف.
9 نُضير بن الحارث بن علقمة العبدري، أسلم عام الفتح، واستشهد باليرموك. (تاريخ الإسلام (عهد الخلفاء) ص 154، الإصابة 6/238) .
10 ابن كثير: التاريخ 4/63، 64.
11 في الأصل: (نهر شير) وهو تصحيف.
12 في الأصل: (احد) .
13 في الأصل: (المناجنيق) وهو تحريف.
(2/439)

فتحها سعد بعد قتال شديد، وأشرف منها قبل الفتح رجل على المسلمين، فقال: "يقول لكم الملك: هل لكم إلى المصالحة على أن لنا ما يلينا من دجلة إلى جبلنا، ولكم ما يليكم إلى جبلكم، أما شبعتم لا أشبع الله بطونكم" فبدر إليه بالجواب رجل يقال له: أبو مفزّر12 فانطقه الله بكلام لم يدر ما قال، فرجع الرجل إلى الملك وإلى أهل البلد فأخبرهم بما سمع، قال: فرأيناهم يقطعون إلى المدائن، فقال له الناس: "ماذا قلت له"؟ قال: "والذي بعث محمداً بالحق ما أدري"؟ ثم بعد ذلك نادى رجل من البلد بالأمان فأمنوه، فقال:"والله ما بالبلد أحداً" فتسوَّر الناس السور، فلم يجدوا أحداً، بل هربوا إلى المدائن، فسألوا ذلك: لأي شيء هربوا؟ قال: "إن / [59 / أ] الملك بعث رجلاً يعرض عليكم الصلح فأجابه رجل منكم: بأنه لا يكون بيننا وبينكم صلح أبداً حتى نأكل عسل أفرندين3 بأترج كوثى4" فقال الملك: "ياويلاه، إن الملائكة لتتكلم على ألسنتهم، ترد علينا، وتجيبنا عن العرب"5.
ثم أمر بالرحيل إلى المدائن، فلما دخلوا نهرسير ثم أمر بالرحيل إلى المدائن فلما لاح لهم القصر الأبيض في المدائن الذي ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه
__________
1 في الأصل، وابن كثير: (مُقرّن) وهو تحريف.
2 الأسود بن قطبة أبو مفرز - بفتح الفاء وتشديد الراء المكسورة بعدها راء -، شهد فتح القادسية، واليرموك. (الإصابة 1/108) .
3 أفردندين: موضع بين الري ونيسابور. (معجم البلدان 1/228) .
4 كوثى العراق كوثيان: أحدهما كوثى الطريق، والآخر كوثى ربى، وهما من أرض بابل، وسار سعد من القادسية سنة ست عشرة ففتح كوثى. (معجم البلدان 4/487) .
5 ابن كثير: التاريخ 4/64، 65، الطبري: التاريخ 4/7.
(2/440)

سيفتح على أمته1، وكان أول من رآه ضرار بن الخطاب2 فقال: "الله أكبر أبيض كسرى هذا ما وعدنا الله ورسوله، ثم ساروا نحو المدائن فوعظهم سعد واقتحم بهم البحر، فلما اقتحموه والفرس على حافته جعلوا يقولون: "ديونا ديونا" - يعني: مجانين - فلما رأوهم لا يغرقون قالوا: "إنما نقاتل جناً" ثم لما خرجوا دخلوا المدائن فوجدوا كسرى قد هرب فأخذوا أمواله وكنوزه، وصدق الله قول رسوله: في تمزيق ملكه3 [و] 4 في أنهم يملكون كنوزه وأنها تنفق في سبيل الله. ثم سال سعد من الجيش أن يهبوا له ثياب كسرى وبساط إيوانه ففعلوا، وأرسل ذلك إلى عمر، وكان ذلك لا يحد ولا يوصف فلما وصل ذلك إليه قال5: "إن قوماً أدوا هذا لأمناء"، فقال له علي: "عففت فعفوا ولو رتعت لرتعوا" ثم ألبس ثياب كسرى خشبة، وذم الدنيا وزينتها6.
ثم ألبسها سراقة بن مالك بن جُعْشُم7 وألبسه سواريه8، وقال: "الحمد
__________
1 أحمد: المسند 5/89، مسلم: الصّحيح، كتاب الإمارة 3/1453، رقم: 1822.
2 الفهري، أسلم عام الفتح، وله ذكر في الفتوح. وقيل: استشهد باليمامة. (الإصابة 3/270) .
3 البخاري: الصحيح، كتاب العلم 1/36، رقم: 64.
4 سقط من الأصل.
5 في الأصل: (فقال) .
6 ابن كثير: التاريخ 4/65، 66، 67، والخبر في الطبري: التاريخ مفرقاً 4/15-23، من طريق سيف بن عمر.
7 المُدلجي، صحابي مشهور، من مسلمة الفتح، توفي في خلافة عثمان سنة أربع وعشرين. (التقريب ص 29) .
8 السُّوار والسّوار: القلب؛ سِوَار المرأة. (لسان العرب 4/387) .
(2/441)

لله سواري كسرى في يدي أعرابي من بني مدلج"1، 2 وجعل ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسراقة ونظر إلى ذراعيه: "كأني بك وقد لبست سواري كسرى" وقال له لما ألبسه: "قل: الله أكبر" فقال. فقال: "قل: الحمد لله الذي سلبهما كسرى وألبسهما سراقة بن مالك أعرابي من بني مدلج"3.
وروي عنه: أنه لما أمره بلبس ذلك طمع أيهبهن له، فقال له: "أدبر" فأدبر، فقال له "أقبل" فأقبل، ثم قال: "بخّ بخّ4 أعرابي من بني مدلج عليه قباء5 كسرى، وسراويله، وسيفه، ومنطقه، وتاجه، وخفاه / [59 / ب] رب يوم يا سراقة بن مالك، لو كان عليك فيه هذا من متاع كسرى وآل كسرى، كان شرفاً لك ولقومك، انزع" فنزعت، فقال: "اللهم إنك منعت هذا رسولك ونبيك، وكان أحب أهل الأرض إليك، ومنعته أبا بكر وكان أحب إليك مني، وأكرم عليك مني، وأعطيتنيه، فأعوذ بك أن تكون أعطيتنيه لتمكر بي"، ثم بكى حتى رحمه من كان حاضراً، ثم قال لعبد الرحمن بن عوف: "أقسمت عليك لما بعته ثم قسمته قبل أن تمسي"6.
__________
1 مُدلج بن مرة بن عبد مناة بن كنانة. (جمهرة أنساب العرب ص 187) .
2 البيهقي: دلائل النبوة 6/325، عن الحسن مرسلاً، وابن كثير: التاريخ 4/69، من طريق الهيثم بن عدي.
3 البيهقي: دلائل النبوة6/325، 326، حكاية عن الشافعي، وابن كثير: التاريخ 4/69.
4 بخّ بخّ؛ مسكنين، وَمُنَوَّنين، ومشددين: كلمة تقال عن الرضى والإعجاب بالشيء، أو الفخر والمدح. (القاموس ص 317) .
5 القباء: ممدود، من الثياب: الذي يلبس مشتق من ذلك لاجتماع أطرافه. (لسان العرب 15/168) .
6 ابن كثير: التاريخ 4/69، وفيه الهيثم بن عدي، وهو متروك الحديث. (الجرح والتعديل 9/85، وأسامة بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف. (التقريب ص 98) .
(2/442)

وكان في ذلك سيف كسرى، فقال عمر: "الحمد لله الذي جعل سيف كسرى فيما يضره، ولا ينفعه، ثم قال: إن كسرى لم يزد على أن تشاغل بما أوتي من الدنيا عن آخرته، فجمع لزوج امرأته أو لزوج ابنته ولم يقدم لنفسه، ولو قدم لنفسه ووضع1 الفضول في مواضعها لحصل له"2.
وقد حصل لعلي بن أبي طالب قطعة من بساط كسرى، فباعها بعشرين ألفاً، وكان قيد شبر في شبر3.
ثم إن كسرى هرب من المدائن إلى حلوان، ووضع وراءه جيشاً كثيفاً، وأقسموا أن لا يفروا حتى يقتلوا العرب، فأرسل إليه سعد ابن أخيه هاشم في جيش بأمر عمر له ذلك، فسار إليهم فاقتتلوا قتالاً شديداً، فكانت وقعة جلولاء، وإنما سميت بذلك؛ لأن القتلى جللت الأرض. وغنموا قدر ما غنموا من المدائن، ثم بعث سعد بالخمس إلى عمر، وكان مع ذلك في جملة من قدم عليه زياد بن أبي سفيان4، فسأله عن كيفية الواقعة فذكرها فأعجب عمر إيراده، وأحب أن يسمع المسلمون ذلك، فقال: "أتستطيع أن تخطب الناس"؟ قال: "نعم، إنه ليس أحد على وجه الأرض أهيب عندي منك، وقد سمعت كلامي فكيف لا أقوى5 على أعظم من هذا مع غيرك"؟ فخطب الناس، فقال عمر: "إن هذا لهو الخطيب المصقع" يعني الفصيح6، ثم حلف
__________
1 مطموس في الأصل سوى: (وع) .
2 ابن كثير: التاريخ 4/70، عن سيف بن عمر.
3 الخبر بأطول في الطبري: التاريخ 4/22، من طريق سيف بن عمر.
4 زيادة بن أبيه.
5 في الأصل: (لاقوى) .
6 في لسان العرب 8/203: خطيب مِصْقعٌ: بليغ.
(2/443)

عمر أن لا يجن هذا المال سقف حتى يقسمه. فبات عبد الله1 بن أرقم2، وعبد الرحمن / [60 / أ] ابن عوف يرحسانه إلى الغد3.
ولما فتح هاشم4 جلولاء5 أمره عمر أن يقيم بها، ويرسل القعقاع6 إلى حلوان، فهرب كسرى منها إلى الرّيّ، وجاء القعقاع ففتحها7.
ثم كان فتح الموصل، وتكريت8، وما سبذان9، وقرقيسياء10، وهيت1112.
وفيها بعث أبو عبيدة عمرو بن العاص إلى قنسرين فصالح أهل حلب،
__________
1 في الأصل: (زيد) وهو وهم، والمثبت من تاريخ الطبري وابن كثير.
2 الزهري.
3 ابن كثير: التاريخ4/70، 71، 72، والطبري عن سيف مفرقاً. (التاريخ4/24-30) .
4 في الأصل: (هشام) وهو تحريف.
5 في الأصل: (رجولا) وهو تحريف.
6 القعقاع بن عمرو التميمي الداري، أحد الشجعان الفرسان، كان له في قتال الفرس بالقادسية وغيرها بلاء عظيم، وشهد فتح دمشق. (الإصابة 5/245) .
7 ابن كثير: التاريخ 4/73، الطبري: التاريخ 4/34، من طريق سيف بن عمر.
8 تكريت: بلدة مشهورة بين بغداد والموصل، وهي إلى بغداد أقرب. (معجم البلدان 2/38) .
9 في الأصل: (ما سندان) وهو تصحيف.
10 قَرْقيسياء: بلد على نهر الخابور قرب رحبه مالك بن طوق على ستة فراسخ، وتسمى اليوم البصيرة. (معجم البلدان 4/338، مجلة العرب ص 268) .
11 هيت: بلدة على الفرات من نواحي بغداد فوق الأنبار. (معجم البلدان 5/421) ، وعندها مِصبّ الخابور في الفرات. (معجم البلدان 4/328) .
12 ابن كثير: التاريخ 4/73، 74، الطبري: التاريخ 4/35، 36، 37، من طريق سيف ابن عمر
(2/444)

ومنبج، وأنطاكية على الجزية1، وفتح سائر بلاد قنسرين عنوة2.
وفيها غرب عمر أبا محجن3.
وفيها تزوج عبد الله بن عمر صفية4 بنت أبي عبيد أمير يوم الجسر5.
وفيها حج عمر بالناس، واستخلف على المدينة زيد بن ثابت67.
وفيها توفيت مارية أم إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم وسريته وكانت من الصالحات الكبار8.
ثم دخلت سنة سبع عشرة:
فيها انتقل سعد من المدائن إلى الكوفة بأمر عمر، لأنهم استوخموا9 المدائن، وبنوا الكوفة بالقصب فاحترقت في أثناء السنة، فأمرهم عمر أن يبنوها باللبن ولا يسرفوا، فعمل سعد المسجد وبنى عند محرابه قصر الإمارة، وبنى له قصراً عند السوق وكان يغلق باب قصره من غوغاء10 الناس، فأرسل عمر محمد بن مسلمة11 وأمره إذا انتهى إلى
__________
1 ابن كثير: التاريخ4/75، الذهبي: تاريخ الإسلام (عهد الخلفاء الراشدين) ص 162.
2 ابن كثير: التاريخ4/75، الذهبي: تاريخ الإسلام (عهد الخلفاء الراشدين) ص: 162.
3 ابن كثير: التاريخ 4/75، الطبري: التاريخ 4/38، عن الواقدي.
4 الثقفية، توفيت في إمارة عبد الله بن الزبير. (الإصابة 8/131) .
5 ابن كثير: التاريخ 4/75، الطبري: التاريخ 4/38، عن الواقدي.
6 الأنصاري النجاري، صحابي مشهور، كتب الوحي، توفي سنة خمس وأربعين. (التقريب ص 222) .
7 ابن كثير: التاريخ 4/75، الطبري: التاريخ 4/38، 39، عن الواقدي.
8 ابن كثير: التاريخ 4/76، ابن حجر: الإصابة 8/185.
9 في الأصل: (استوحموا) وهو تصحيف. قال ابن منظور: "بلدة وخمة ووخيمة: إذ لم يوافق سكنها) . (لسان العرب 12/361) .
10 الغوغاء: سَفِلة الناس. (لسان العرب 15/142) .
11 الأنصاري صحابي مشهور، توفي بعد الأربعين. (التقريب ص 75) .
(2/445)

الكوفة أن يقدح زناده، ويجمع حطباً، ويحرق باب قصره، ثم يرجع من فوره فانتهى ففعل ما أمر به، وأمر سعد أن لا يغلق بابه ولا يجعل بابه على أحد1.
وفي هذه السنة حصر الروم أبا عبيدة وأصحابه بحمص فسار إليهم عمر من المدينة، وكتب إلى سعد أن يرسل جيشاً إليهم، وإلى أهل الجزيرة جيشاً, لأنهم قدموا معهم لنصرهم، فلما سمع بذلك أهل الجزيرة ساروا إلى بلدهم، فافتتحها عياض بن غَنْم2 أمير السرية إليهم، وخرج أبو عبيدة ومن معه من حمص فبارزهم فهربوا، وكان عمر قد وصل إلى سَرْغ فرجع لأجل الوباء3.
وفيها تزوج عمر أم كلثوم بنت عليّ4.
وفيها كانت قضية المغيرة ورميه بالزنا، وعزله عنها، وولاّها أبا موسى الأشعري5.
وفيها فتحت الأهواز ومنَاذر6 / [60 / ب] ونهرتِيري78، وقدم العلاء بن الخضرمي على بلاد فارس من جهة البحر في المراكب، وكان عمر يكره ذلك، وكان عن غير أمر عمر بل هو بادر ذلك، فحصل لمن معه من الجيش مشقة، وحبس الكفار لهم، فعزله عن الجيش وأمر سعداً أن يرسل إليهم جيشاً
__________
1 ابن كثير: التاريخ4/76، 77، الطبري: التاريخ4/40-47، من طريق سيف بن عمر.
2 الفهري، شهد بدراً وأحداً والمشاهد، توفي بالمدينة سنة عشرين. (الإصابة 5/50) .
3 ابن كثير: التاريخ 4/83، الطبري: التاريخ 4/51، 52، 57.
4 ابن كثير: التاريخ 4/83، الطبري: التاريخ 4/69، عن الواقدي.
5 ابن كثير: التاريخ4/83، الطبري: التاريخ4/69، 70، 71، عن الواقدي، وسيف بن عمر.
6 منَاذر: بلدتان بنواحي خوزستان: مناذر الكبرى ومناذر الصغرى. (معجم البلدان 5/199) .
7 نهرتيري: بلد من نواحي الأهواز. (معجم البلدان 5/319) .
8 ابن كثير: التاريخ 4/84، الطبري: التاريخ 4/72، من طريق سيف بن عمر.
(2/446)

ففعل، فسار الجيش فوجدوهم في حصر شديد، وقد اجتمع عليهم من الجيوش ما لا يحصى فهزموا الكفار1، ثم كان فتح السوس، ورامهَرُمُز، وأسر الهرمزان بعد أن صولح ونقض العهد مرتين، وقدم به على عمر، فلما دنوا به من المدينة ألبسوه ثيابه ودخلوا به، فسألوا عن عمر، فقيل: نائم في المسجد، فجاءوا إليه وهو نائم متوسد بُرْنُساً2 ودرته معلقة في يده، فقال الهرمزان: "أين عمر؟ "، قالوا: "هوذا"، وجعلوا3 يحفظون أصواتهم هيبة له، لئلا ينبهوه خوفاً منه، وجعل الهرمزان يقول: "فأين حُجّابه؟، أين حرسه؟! " قالوا: "ليس له حُجّاب ولا حرس". فقال: "ينبغي أن يكون نبيّاً"، فقالوا له: "إنه ليس بنبيّ، ولكن يعمل عمل النبيّ، فاستيقظ عمر، فقال: "الهرمزان؟ "، قالوا: "نعم". ثم وقع له أمور يطول ذكرها، ثم أسلم إلى أن قتله عبيد الله بن عمر4.
ثم دخلت سنة ثمان عشرة:
فكان فيها القحط المعروف بعام الرمادة، وطاعون عَمَواس5.
وفيها حجّ بالناس عمر، وفتحت الرّقّة، والرّها، وحرّان على يد عياض بن غَنْم، ورأس عين الوردة6 على يد عمير بن سعد78، وفتحت
__________
1 ابن كثير: التاريخ 4/85، 86، الطبري: التاريخ 4/79، من طريق سيف بن عمر.
2 البَرْنس - بالضم - قَلَنْسُوَةٌ طويلة، أو كل ثوبٍ راسه منه، دُرَّاعة كان أو جُبّة أو ممطراً. (القاموس ص 685) .
3 في الأصل: (وجعلوا) .
4 ابن كثير: التاريخ 4/87، الطبري: التاريخ 4/83، من طريق سيف بن عمر.
5 ابن كثير: التاريخ 4/92، الطبري: التاريخ 4/96.
6 رأس عينٍ: مدينةكبيرةمن مدن الجزيرة بين حَرّان ونصيبين ودُنيسر. (معجم البلدان3/14) .
7 في الأصل، وابن كثير: (عمر بن سعد بن أبي وقاص) . وهو وهم؛ لأن عمر بن سعد لم يدرك ذلك، والمثبت من الطبري.
8 الأنصاري الأوسي، صحابي، كان عمر يسميه: نسيبح وحده. (التقريب ص 431) .
(2/447)

شمشاط1، وسار عياض2 إلى الموصل فافتتحها3.
ومن أعيان من توفي في طاعون عَمَواس: الحارث بن هشام4، وشرحبيل بن حسنة، ومعاذ بن جبل، وأبو عبيدة بن الجراح أمير المسلمين ببلاد الشام، والفضل بن عباس5، ويزيد بن أبي سفيان6، وأبو جندل7، وأبو مالك الأشعري8، وغيرهم9.
ثم دخلت سنة [تسع] 10 عشرة:
وفيها قتل صفوان بن المعطّل11.
وفيها كانت وقعة / [61 / أ] بأرض العراق12.
وفيها توفي أبي بن كعب سيد القرّاء13.
__________
1 شمشاط: مدينة بالروم على شاطئ الفرات، شرقيها بالوية وغربيها خرتبرت، وهي الآن محسوبة من أعمال خرتبرت. (معجم البلدان 3/362) .
2 ابن غنم.
3 ابن كثير: التاريخ 4/95، الطبري: التاريخ 40/101، عن الواقدي.
4 ابن المغيرة المخزومي، صحابي، أسلم يوم الفتح ثم حسن إسلامه، وتوفي في طاعون عَمَواس. (الإصابة 1/307) .
5 ابن عبد المطب.
6 الأموي، أمير الشام، أسلم عام الفتح. (الإصابة 6/431) .
7 ابن سهيل بن عمرو القرشي له صحبة وجهاد. (تاريخ الإسلام ص 184، الإصابة 7/33) .
8 كعب بن عاصم الأشعري، نزل الشام ومصر. (التقريب ص 461، ابن كثير: التاريخ 4/98) .
9 ابن كثير: التاريخ 4/97، 98، الذهبي: تاريخ الإسلام ص: 183، 184، 185.
10 سقط من الأصل.
11 السلمي الذكواني، صاحب النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم يوم الإفك: "ما علمت عليه إلا خيراً". الذهبي: تاريخ الإسلام (عهد الخلفاء الراشدين) ص: 189.
12 ابن كثير: التاريخ 4/98، الذهبي: تاريخ الإسلام ص: 187، 188.
13 ابن كثير: التاريخ 4/99، الذهبي: تاريخ الإسلام ص: 191.
(2/448)

ثم دخلت سنة عشرين:
فيها كان فتح بلاد مصر، والإسكندرية على يد عمرو بن العاص، وكان نيل مصر لا يزيد كل سنة حتى تشترى له جارية بكر أبويها، وتزين وتلقى فيه، فمنعهم عمرو من ذلك، فلم يزد حتى هم أهل مصر بالجلاء عنها، فكتب إلى عمر بذلك، فكتب إليه عمر قد أصبت وإني قد بعثت إليك ببطاقة داخل كتاب فألقها في النيل، فأخذ عمرو1 البطاقة فإذا فيها مكتوب: "من عبد الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، إلى نيل مصر، أما بعد:
فإن كنت إنما تجري من قِبَل نفسك، وبأمرك فلا تجري ولا حاجة لنا بك، وإن كنت إنما تجري بأمر الله القادر على كل شيء، فنسأل الله القادر على كل شيء أن يجريك. قال: فألقى البطاقة فيه، والنيل قد تقلص ونقص جداً، فأصبح في اليوم الثاني، وقد أجرى الله النيل وزاد ستة عشر ذراعاً في ليلة واحدة2.
فيها دخل عبد الله بن قيس3 أرض الروم فسلم وغَنِم4.
وفيها عزل عمر قدامة5 عن البحرين وحده في الشراب6.
وفيها شكى أهل الكوفة سعداً إلى عمر فعزله عنها7.
__________
1 في الأصل: (عمر) وهو تحريف.
2 ابن كثير: التاريخ 4/91، 102.
3 أبو بحرية البراعيمي مشهور بكنيته. (الإصابة 7/22) .
4 ابن كثير: التاريخ 4/103، الطبري: التاريخ 4/112) .
5 ابن مظعون القرشي الجمحي، أحد السابقين الأوّلين هاجر الهجرتين، وشهد بدراً، توفي سنة ست وثلاثين. (الإصابة 5/232) .
6 في الأصل: (الشرب) وهو تحريف.
7 ابن كثير: التاريخ 4/103.
(2/449)

وفيها أجلى عمر يهود خيبر، ونصارى نجران، ودوّن الدواوين، وفيها بعث عمر علقمة1 إلى الحبشة في البحر فأصيبوا، فآلى عمر على نفسه أن لا يبعث جيشاً في البحر2.
وفيها مات بلال، وأُسيد بن حُضَير3، وأنيس بن مرثد4، وسعيد ابن عامر5، وعياض بن غَنم، وأبو سفيان بن الحارث6، وأبو الهيثم بن التيهان7، وزينب بنت جحش أم المؤمنين، وصفية بنت المطلب8 أم الزبير وعمة النبي صلى الله عليه وسلم وعويم بن ساعدة. ثم دخلت سنة إحدى وعشرين:
فيها كان فتح (نهاوند) ، ويقال لها: فتح الفتوح، فإنه لم يقع على المسلمين بأرض العراق أشد منها، لم يرعبهم أكثر منها، ولا هاب عمر غيرها، وعزم أن يسير إلى العراق فمنعه الصحابة من ذلك، ثم كان الظفر فيها للمسلمين بعد حرب كثير جداً، وقتل فيها جماعة من المسلمين، وقتل من الكفار ما لا يحصى، وغنموا نحو ما غنموا من المدائن9 10.
__________
1 ابن مجزز المدلجي، صحابي، شهد اليرموك، وحضر الجابية وكان عاملاً لعمر على فلسطين. (الإصابة 6/267) .
2 ابن كثير: التاريخ 4/103، الطبري: التاريخ 4/112، عن الواقدي.
3 الأنصاري الأشهلي.
4 ابن أبي مرثد الغنوي، هو وأبوه وجده صحابة. (تاريخ ابن كثير 4/104، الإصابة 1/77، 78) .
5 ابن خذيم الجمحي، أسلم قبل خيبر، ولاه عمر حمص وكان مشهوراً بالخير. (الإصابة 3/99) .
6 الهاشمي ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخوه من الرضاعة. (الإصابة 6/86) .
7 الأنصاري الأوسي، شهد بدراً والعقبة والمشاهد كلها. (الإصابة 7/209) .
8 الهاشمية. (الإصابة 8/128) .
9 ابن كثير: التاريخ 4/104، 105، 106.
10 ابن كثير: التاريخ 4/107، 108، 109، الطبري: التاريخ 4/114، 115.
(2/450)

وبعدها فتحت مدينة جَي وأصبهان1 بعد قتال كثير / [61/ب] وفتح أبو موسى قم2 وقاشان3، وفتح سهيل بن عدي4 كرمان، وفتحعمرو بن العاص طرابلس، وبعث عقبة بن نافع5 إلى زويلة6 فافتتحها.
وفيها ولى عمر عمارَ بن ياسر على الكوفة، وجعل عبد الله بن مسعود على بيت المال، فاشتكى أهل الكوفة عماراً، واستعفى هو أيضاً فعزله، وولى جبير بن معطم7، ثم عزله قبل المسير، وولى المغيرة بن شعبة فلم يزل عليها إلى أن قتل عمر8.
وفيها توفي خالد بن الوليد سيف الله وسيف رسوله، وطليحة بن خويلد الأسدي سيد الفرسان المعدود بألف، وعمرو بن معدي كرب9 كبير الشجعان، والعلاء بن الحضرمي المجاب الدعوة، والنعمان بن مقرن10.
__________
1 جيّ - بالفتح ثم التشديد -: اسم مدية ناحية أصبهان القديمة، وهي الآن كالخراب منفردة. (معجم البلدان 4/397) .
2 قُمُّ - بالضمّ، وتشديد الميم -: مدينة تذكر مع قاشان، وتقع بين أصبهان وساوة. (معجم البلدان 4/397) .
3 قاشَان: مدينة قرب أصبهان تذكر مع قُمّ. (معجم البلدان 4/296) .
4 الأزدي حليف بني عبد الأشهل. (الإصابة 3/145) .
5 الفهري، ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد فتح مصر مع عمرو بن العاص، وبنى القيروان، وقتل سنة ثلاث وستين. (الإصابة 5/81) .
6 زَوِيلة: بلد مقابل أجدابية في البرّ بين السودان وإفريقية. (معجم البلدان 3/160) .
7 القرشي النوفلي، صحابي عارف بالأنساب، توفي سنة ثمان - أو تسع - وخمسين. (التقريب ص 138) .
8 ابن كثير: التاريخ 4/114، 115.
9 الزبيدي أحد فرسان العرب أسلم في السنة التاسعة، شهد القادسية وله فيها بلاء حسن. (الإصابة 4/18) .
10 ابن كثير: التاريخ 4/115، 121، 122، 123، الذهبي: تاريخ الإسلام (عهد الخلفاء الراشدين) ص: 229، 239.
(2/451)

ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين:
كان فيها فتح هَمَدان ثانية والرّيَ، وأذربيجان، وقُومِس1 فتحها سويد بن مقرن2، وجُرجان3، وطبرستان4، وباب الأبواب5 وغيرها6، وكان في هذه السنة فتوحات كثيرة7.
وفيها كان فتح أرمينية، وجبال ألان8، وتَفِلِيس9، ومُقان10.
ولما استقر أمر تلك البلاد كتب عمر إلى عبد الرحمن بن ربيعة11 يأمره
__________
1 قُومِس - بالضم ثم السكون، وكسر الميم -: كورة كبيرة واسعة تشتمل على مدن وقرى ومزارع، وهي في ذيل جبل طبرستان وأكبر ما يكون في ولاية ملكها. (معجم البلدان 4/414) .
2 المزني، صحابي، نزل الكوفة مشهور. (التقريب ص 260) .
3 جُرجان: مدينة مشهورة عظيمة بين طبرستان وخراسان، فبعض يعدها من هذه وبعض يعدها من هذه. (معجم البلدان 2/119) .
4 طَبَرستان: بلدان واسعة كثيرة يشملها هذا الاسم، وهذه البلاد مجاروة لجيلان وديلمان، وهي بين الريّ وقومس والبحر وبلاد الديلم والجبل، فمن أعيان بلدانها: دهشتان، وجرجان، وآمل. (معجم البلدان 4/13) .
5 باب الأبواب: مدنية على بحر طبرستان، وهو بحر الخزر. (معجم البلدان 1/303) .
6 في الأصل " غيرهم " وهو تحريف.
7 ابن كثير: التاريخ 4/123، 125، الطبري: التاريخ 4/146-157.
8 جبال أللان: بلاد واسعة لهم بلاد متاخمة للدربند في جبال القبْق وليس هناك مدينة كيبرة مشهورة. (معجم البلدان 1/245) .
9 تفليس - يفتح أوّله ويكسر -: بلد بأرمينية الأولى وبعض يقول بارّان، وهي قصبة ناحية جرْزان قرب باب الأبواب. (معجم البلدان 2/35) .
10 مُوقان - بالضم ثم السكون -: ولاية فيها قرى ومروج كثيرة تحتلها التركمان للرّعي فأكثر أهلها منهم، وهي بأذربيجان يمرّ القاصد نمن أردييل إلى تبريز في الجبال. (معجم البلدان 5/225) .
11 الباهلي، شهد القادسية، استعمله عمر على الباب والأبواب، وقتال الترك واستشهد في بلنجر في خلافة عثمان. (الإصابة 4/159) .
(2/452)

بغزو بلاد الترك، وكان، وصدق الله حديث رسوله12.
وفيها حجّ بالناس عمر3.
وفيها غزا الأحنف خراسان، فافتتحها بعد أمور شديدة، وفتح حذيفة الدينور عنوة4.
ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين5:
وكانت وقعة سارية بن زُنَيم، وفتح كرمان، وسجستان، ومكران6.
وفيها كانت وقعة الأكراد7.
وفي هذه السنة قتل عمر - رضي الله عنه.
وقال جماعة: فتح الفتوح8، ومصر الأمصار، وجند الأجناد، ووضع الخراج9، ودون الدواوين، وفرض الأعطية، واستقضى القضاة، وكور الكور، مثل السواد، والأهواز، والجبال10، وفارس وغيرها.
__________
1 يشير إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوماً نعالهم الشعر، وحتى تقاتلوا الترك صغار الأعين". الحديث: (صحيح البخاري، كتاب المناقب 3/1315، رقم: 3394، صحيح مسلم، كتاب الفضائل رقم: 2364) .
2 ابن كثير: التاريخ 4/126.
3 ابن كثير: التاريخ 4/129، 130، 133، الطبري: التاريخ 4/167.
4 ابن كثير: التاريخ 4/129، 130، 133، الطبري: التاريخ 4/167.
5 في الأصل: (ثلاث عشرة) وهو تحريف.
6 ابن كثير: التاريخ 4/134، 137، الطبري: التاريخ 4/178، 189.
7 ابن كثير: التاريخ 4/134، 137، الطبري: التاريخ 4/178، 189.
8 في الأصل: (فتح فتوح) والتصويب من تاريخ ابن كثير.
9 في الأصل: (الخزاد) وهو تحريف. .
10 يطلق اسم إقليم الجبال على البلاد الجبلية الواسعة الممتدة من سهول العراق، والجزيرة في الغرب إلى مفازة فارس الملحية في الشرق ثم سمي هذا الإقليم بعراق العجم. (مراصد الإطلاع 1/309، فتوح البلدان للبلاذري ص 703) .
(2/453)

وفتح الشام كلّه، والجزيرة، والموصل، وميا فارقين1، وآمد وأرمينية، ومصر، وإسكندرية، وطرابلس الغرب، وبرْقة2، ومدن الشام كلّها، وحلب، وأنطاكية، والرّها، والرّقّة، وديار بكر34، وديار ربيعة5، وبلاد الموصل كلّها / [62 / أ] ، وسائر مدن كسرى كالقادسية والحيرة، وبهرسير6، وساباط7، وكور الفرات8، ودجلة، والأُبلة9، والبصرة، والأهواز، وفارس، ونهاوند، وهمذان، والرّيّ، وقومس، وخراسان، واصطخر، وأصبهان، والسوس، ومرو، ونيسابور، وجرجان، وأذربيجان، وغير ذلك10.
__________
1 في الأصل: (منافارين) وهو تحريف.
2 برقة - بفتح أوّله والقاف -: اسم صُقع كبير يشتمل على مُدن وقرى بين الأسكندرية وإفريقية، واسم مدينتها أنطابلس. (معجم البلدان 1/388) .
3 ديار بكر: هي بلاد كبيرة واسعة، حدّها ما غرّب من دجلة إلى بلاد الجبل المطلّ على نصيبين إلى دجلة، ومنه: حصن كيفا آمد ومَيّافارقين. (معجم البلدان 2/494) .
4 في الأصل: (منافارين) وهو تحريف.
5 ديار ربيعة: بين الموصل إلى رأس عين نحو بقعاء الموصل ونصيبين، ورأس عين ودُنيسر والخابور جميعه وما بين ذلك من المدن والقرى. (معجم البلدان 2/494) .
6 في الأصل: (نهر شير) وهو تصحيف.
7 ساباط كسرى: بالمدائن موضع معروف، سمي بساباط بن باطا الذي كان ينزل به. معجم البلدان 3/166) .
8 في الأصل: (الفراه) وهو تحريف.
9 الأبلة: بلدة على شاطئ دجلة العظمى في زاوية الخليج يدخل إلى مدينة البصرة. (معجم البلدان 1/76، 77) .
10 ابن كثير: التاريخ 4/138.
(2/454)

الباب الثالث والأربعون: حجاته
...
الباب الثالث والأربعون: في ذكر حجاته
تقدم حديث محمّد بن بكار1: "أن أوّل سنة حجّ عبد الرحمن بن عوف على رأس خمسة أشهر من خلافته، وهي سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وفي سنة أربع عشرة حجّ عمر، وحجّ سنة خمس عشرة، وحجّ سنة ست عشرة، وحجّ سنة سبع عشرة، وحجّ سنة ثمان عشرة، وحجّ سنة تسع عشرة، وحجّ سنة إحدى وعشرين، وحجّ سنة اثنتين وعشرين، وحجّ سنة ثلاث وعشرين"2.
وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - ولي عمر فاستعمل عبد الرحمن يعني على الحجّ، ثم كان هو يحجّ سنينه حتى مات3.
وقال أبو عبد الله محمّد بن سلامة4، في كتاب: (عيون المعارف) : "حجّ بالناس عشر سنين متوالية آخرها سنة ثلاث وعشرين"5.
وفي الصحيح عن إبراهيم6 عن أبيه7 عن جده8: أذن عمر لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حجة حجّها فبعث معهن عثمان وعبد الرحمن9.
__________
1 الهاشمي مولاهم.
2 سبق تخريجه ص 494-496.
3 الطبري: التاريخ 2/479، وفيه أبو معشر وهو ضعيف. (التقريب ص 470) .
4 في الأصل: (أسامة) ، وهو تحريف.
5 محمّد بن سلامة: عيون المعارف ق 55 / أ.
6 إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الزهري، نزيل بغداد، ثقة تُكلم فيه بلا قادح، توفي سنة خمس وثمانين ومئة. (التقريب ص 89) .
7 سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، ولي قضاء المدينة، وكان ثقة فاضلاً عابداً، توفي سنة خمس وعشرين ومئة. (التقريب ص 230) .
8 إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، قيل: له رؤية، وسماعة من عمر أثبته يعقوب بن شيبة، توفي سنة خمس وتسعين. (التقريب ص 91) .
9 البخاري: الصحيح، كتاب الإحصار وجزاء الصيد 2/658، رقم: 1761.
(2/455)

الباب الرابع والأربعون: تركه السواد غير مقسوم ووضعه الخراج
...
الباب الرابع والأربعون: في ذكر تركه السّواد غير مقسوم ووضعه الخراج
ذكر ابن الجوزي عن إبراهيم التيمي1، قال: "لما افتتح المسلمون السواد قالوا لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: "اقسمه بيننا"، فأبى، فقالوا: "إنا فتحناه عنوة"، قال: "فما لمن جاء بعدكم من المسلمين؟ فأخاف أن تفاسدوا بينكم في المياه، وضرب على رؤوسهم الضراب - يعني الجزية - وعلى أرضهم الطسْق2 - يعني الخراج - ولم يقسمها بينهم"3.
وعن أسلم عن عمر رضي الله عنه قال: "لولا أني أترك الناس ببّاناً4 لا شيء لهم ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر"5.
وعن يزيد بن أبي حبيب6، قال: "كتب عمر إلى سعد رضي الله عنه حين افتتح العراق: أما بعد: فقد بلغني كتابك تذكر أن الناس سألوك أن تقسم عليهم مغانمهم، وما أفاء الله عليهم، فإذا أتاك كتابي
__________
1 إبراهيم بن يزيد التيمي، الكوفي العابد، ثقة إلا أنه يرسل ويدلس، توفي سنة اثنتين وتسعين، وله أربعون سنة. (التقريب ص 95) .
2 الطسق: الوظيفة من خراج الأرض المقرر، وهو فارسي معرب. (النهاية 3/124) .
3 ابن الجوزي: مناقب ص 92، سعيد بن منصور: السنن 2/227، ابن زنجويه: الأموال 1/191، والخطيب: تاريخ بغداد 1/7، وهذا الأثر ضعيف، لأن التيمي لم يدرك عمر.
4 ببّاناً - بموحدتين مفتوحتين الثانية ثقيلة -: قال ابن مهدي: "يعني: شيئاً واحداً"، وقال الأزهري: "الببّا؛ المعدم الذي لا شيء له". (تهذيب اللغة 15/592، فتح الباري 7/490) .
5 البخاري: الصحيح، كتاب المغازي 4/1548، رقم: 3994.
6 المصري، ثقة فقيه، وكان يرسل، توفي سنة ثمان وعشرين ومئة. وقد قارب الثمانين. (التقريب ص 600) .
(2/456)

هذا فانظر ما أجلب الناس عليك من كراع أو مال فاقسمه بين من حضر من المسلمين، واترك الأرضين والأنهار لعمّالها ليكون ذلك في أعطيات المسلمين، فإنك إن قسمتها فيمن حضر لم يكن لمن بقي بعدهم شيء"1.
وعن ابن أبي ليلى2 عن الحكم3 أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعث عثمان بن حنيف4 يمسح السواد فوضع على كل جريب5 عامر أوغامر6 حيث يناله الماء قفيزاً7ودرهماً، قال وكيع8: يعني: الحنطة والشعير.
ووضع على كلّ جريب الكرم عشرة دراهم، ووضع على كلّ جريب الرطاب خمسة دراهم9.
وعن الشعبي: أن عمر بعث عثمان بن حنيف يمسح السواد فوجده ستة
__________
1 أبو عبيد: الأموال ص 64، ابن زنجويه: الأموال 1/194، الخطيب: تاريخ بغداد 1/8، البيهقي: السنن 9/134، وهو ضعيف؛ لأن يزيد بن أبي حبيب لم يدرك عمر، فروايته عنه منقطعة.
2 محمّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري، الكوفي، صدوق سيء الحفظ جداً توفي سنة ثمان وأربعين ومئة. (التقريب ص 493) .
3 الحكم بن عُتبة الكندي، ثقة ثبت فقيه إلا أنه ربما دلس، توفي سنة ثلاث عشرة، أو بعدها. (التقريب ص 175) .
4 الأنصاري الأوسي، صحابي شهير، استعمله عمر على مساحة أرض الكوفة، وعليّ على البصرة قبل الجمل، توفي في خلافة معاوية. (التقريب ص 383) .
5 الجريب يساوي: 1366 متراً مربعاً، أي: ما يعادل دونماً وثلث تقريباً. (الأموال في دولة الخلافة ص 59) .
6 الغامر: هو الذي يصلح للزراعة ويحتملها ولكنه لم يزرع، سمي غامراً لأن الماء يغمره. (النهاية 3/383) .
7 القفيز يساوي 113، 36 كغم. (الأموال في دولة الخلافة ص 63) .
8 وكيع بن الجراح الرؤاسي، ثقة، توفي أوّل سنة سبع وتسعين ومئة. (التقريب ص 734) .
9 ابن أبي شيبة: المصنف 4/463، الخطيب: تاريخ بغداد 1/11، وهو ضعيف؛ لأن ابن أبي ليلى سيء الحفظ جداً، والحكم لم يدرك عمر، فروايته عن عمر منقطعة.
(2/457)

وثلاثين ألف ألف جريب فوضع على كل جريب درهماً وقفيزاً"1.
قال أبو عبيد2: "أرى حديث مُجالد3 عن الشعبي هو المحفوظ"4 / [62 / ب] ، قال ابن الجوزي: "ويقال إن حدّ السواد الذي وضعت عليه المساحة، من لدن تُخوم5 الموصل ماداً مع الماء إلى ساحل البحر، ببلاد عَبَّادان6 من شرق دِجْلة هذا طوله، فأما عرضه؛ فحده منقطع الجبل من أرض خلوان إلى منتهى طرف القادسية بالعُذَيب7 من أرض العرب، فهذه حدود السواد وعليها وقع الخراج"8.
__________
1 أبو عبيد: الأموال ص 75، ابن أبي شيبة: المصنف 2/430، ابن زنجويه: الأموال 1/214، والخطيب: تاريخ بغداد 1/11، وهو ضعيف، ففي إسناده ابن أبي شيبة حجاج بن أرطأة صدوق كثير الخطأ والتدليس. (التقريب رقم: 1119، ورواية الباقين عن الشعبي وروايته عن عمر مرسلة، وبطريقيه يرتقي لدرجة الحسن لغيره.
2 القاسم بن سلاّم البغدادي، الإمام المشهور، ثقة فاضل مصنف، توفي سنة أربع وعشرين ومئتين. (التقريب ص 450) .
3 ابن سعيد الهمداني، ليس بالقوي وقد تغير في آخر عمره، توفي سنة أربع وأربعين. (التقريب ص 520) .
4 أبو عبيد: الأموال ص 79، ابن الجوزي: مناقب ص 93، وقد خالف ابن القيم ما ذهب إليه أبو عبيد من أخذه بالأثر الذي فيه أن عمر لم يجعل على الكرم، والنخل، والرطاب، شيئاً واستنكر على أبي عبيد أخذه بالأثر الضعيف ورده للآثار الثابتة بأخذ الخراج على النخيل، والكرم، والرطاب وغيرها. (انظر: أحكام أهل الذمة 1/110، 111) .
5 التخوم-بالضم-: الفصل بين الأرضين من المعالم والحدود. (القاموس ص1399) .
6 عبّادان: مكان منسوب لعباد بن الحصين التميمي، وهو تحت البصرة قرب البحر الملح، فإن دجلة إذا قاربت البحر انفرقت فرقتين، عبادان في هذه الجزيرة التي بين النهرين. (معجم البلدان 4/74) .
7 العُذيب: تصغير العذب، وهو الماء الطيب، وهو ماء بين القادسية والمغيثة. (معجم البلدان 4/92) .
8 ابن الجوزي: مناقب ص93، أبو عبيد: الأموال ص78، الخطيب: تاريخ بغداد 1/11) .
(2/458)

وعن هشام بن محمّد بن السائب1 قال: "سمعت أبي يقول: إنما سمي السواد؛ لأن العرب حين جاءوا نظروا إلى مثل الليل من النخل، والشجر، والماء فسموه سواداً "2.
وهنا أربعة فصول
الفصل الأوّل:
السواد الذي فتح عنوة، ولم يقسم كأرض الشام، والعراق، ومصر، إلا أن أرضاً بالعراق فتحت صلحاً وهي، الحيرة، والليس3، وبانِقيا4، وأرض بني صلوبا، وهذه الأراضي وقفها عمر رضي الله عنه على المسلمين وأقرّها في أيدي أربابها بالخراج الذي ضربه أجرة لها في كلّ عام، ولم يقدر مدتها لعموم المصلحة فيها5.
الفصل الثاني
إن عمر رضي الله عنه هو أوّل من ترك السواد غير مقسوم وضع عليه الخراج، ثم الأرض ثلاثة أضرب:
- ما فتحت عنوة، وهي ما أجلي عنها أهلها بالسيف، فيخير الإمام بين قسمها ووقفها على المسلمين، ويضرب عليها خراجاً مستمراً، يوجده من هي معه
__________
1 قال أبو حاتم: "كان صاحب أنساب وسمر وهو أحب إليّ من أبيه. (الجرح والتعديل 9/69) .
2 ابن الجوزي: مناقب ص 93.
3 أُلّيس: موضع في أوّل العراق من ناحية البادية، كانت فيه وقعة بين المسلمين والفرس. (معجم البلدان 1/248) .
4 بانقيا - بكسر النون - ناحية من نواحي الكوفة، كانت على شاطئ الفرات. (مراصد الإطلاع 1/158) .
5 انظر: ابن رجب: الاستخراج لأحكام الخراج ص 271.
(2/459)

يكون أجرة لها لكل عام1.
وعن أحمد في رواية أخرى: أنها تصير وقفاً بنفس الاستيلاء عليها2.
وعنه رواية أخرى: تقسم بين الغانمين3.
- الضرب الثاني: ما أجلي عنها أهلها خوفاً، فتصير وقفاً بنفس الظهور عليها4.
وعن أحمد رواية أخرى: حكمها حكم العنوة5.
- الضرب الثالث: ما صولحوا عليه وهو ضربان:
تارة نصالحهم على أنّ الأرض لنا، ونُقرّها معهم بالخراج، فهذه تصير وقفاً أيضاً6.
وتارة نصالحهم على أنها لهم، ولنا الخراج عنها، فهذه ملك لهم وخراجها كالجزية إن أسلموا سقط عنهم، وإن انتقلت إلى مسلم فلا خراج، ويقرون فيها بغير جزية؛ لأنهم في غير دار الإسلام بخلاف التي قبلها7.
__________
1 ابن قدامة: المقنع ص 91، المرداوي: الإنصاف 4/190، الحجاوي: الإقناع 2/31.
2 ابن قدامة ص 91، المجد: المحرر 2/178، ابن مفلح: الفروع 6/240، المرداوي: الإنصاف 4/190.
3 ابن قدامة: المقنع ص 91، المجد: المحرر 2/178، ابن مفلح: الفروع 6/240، المرداوي: الإنصاف 191.
4 ابن قدامة: المقنع ص 91، المجد: المحرر 2/179، ابن مفلح: الفروع 6/240، المرداوي: الإنصاف 4/191، الحجاوي: الإقناع 2/32.
5 ابن قدامة: المقنع ص 91، المجد: المحرر 2/179، ابن مفلح: الفروع 6/240، المرداوي: الإنصاف 4/191.
6 ابن قدامة: المقنع ص 91، المجد: المحرر 2/179، ابن مفلح: الفروع 6/240، المرداوي: الإنصاف 4/191، الحجاوي: الإقناع 2/32.
7 ابن قدامة: المقنع ص 91، المجد: المحرر 2/179، ابن مفلح: الفروع 6/241، المرداوي: الإنصاف 4/192، الحجاوي: الإقناع 2/32.
(2/460)

ما يناله الماء مما لا يمكن زرعه فلا خراج فيه، فإن أمكن زرعه عاماً بعد عام، ويؤخذ1 نصف خراجه في كلّ عام2.
والخراج على المالك دون المستأجر، وهو كالدين يحبس به الموسر ويُنظر به المعسر، ومن عجز عن عمارة أرضة أجبر على إجارتها أو رفع يده عنها3.
ويجوز أن يرشو العامل ويهدى له ليدفع عنه الظلم في خراجه، ولا يجوز / [63 / أ] له ذلك ليدع4 له منها شيئاً، وإذا رأى الإمام المصلحة في إسقاط الخراج عن إنسان جاز5، ولا يجوز من غير مصلحة.
الفصل الثالث
المرجع في الخراج والجزية إلى اجتهاد الإمام في الزيادة والنقصان على قدر الطاقة في إحدى الروايتين عن أحمد6.
والرواية الأخرى: ترجع إلى ما ضربه عمر رضي الله عنه لا يزاد ولا ينقص7.
وعنه رواية ثالثة: تجوز الزيادة دون النقص8.
__________
1 في الأصل: (وخذ) .
2 ابن قدامة: المقنع ص 91، المجد: المحرر 2/179، ابن مفلح: الفروع 6/241، المرداوي: الإنصاف 4/195، 196.
3 ابن قدامة: المقنع ص91، 92، ابن مفلح: الفروع 6/242، الحجاوي: الإقناع2/34.
4 في الأصل: (يدع) ، والتصويب من المقنع.
5 ابن قدامة: المقنع ص 92، المجد: المحرر 2/180، ابن مفلح: الفروع 6/242، المرداوي: الإنصاف 4/197.
6 ابن قدامة: المقنع ص91، ابن مفلح: الفروع6/241، المرداوي: الإنصاف4/193.
7 ابن قدامة: المقنع ص91، ابن مفلح: الفروع6/241، المرداوي: الإنصاف4/194.
8 ابن قدامة: المقنع ص91، ابن مفلح: الفروع6/241، المرداوي: الإنصاف 4/193.
(2/461)

قال أحمد وأبو عبيد: "أعلى وأصح حديث في أرض السواد حديث عمروبن ميمون1"2.
قال الشيخ موفق الدين وغيره: "يعني أن عمر وضع على كلّ جريب درهماً وقفيزاً".
وقال: "القفيز: ثمانية أرطال - يعني بالمكي - فتكون ستة عشر رطلاً بالعراقي"3.
والجريب: عشر قصبات في عشر قصبات، والقصبة: ستة أذرع، وهو ذراع وسط، وقبضة، وإبهام قائمة"45.
الفصل الرابع
ما فتح عنوة ولم يقسم، لا يصح بيعه، فلا يصح بيع أرض الشام ومصر والعراق، إلا المساكن والأراضي التي بالعراق فتحت صلحاً، وذلك لأن عمر وقفها، والوقف لا يجوز بيعه6.
وعن أحمد - رحمه الله تعالى - رواية أخرى: "أنه كره بيعها، وأجاز شراءها"7.
__________
1 الأودي، ثقة عابد، نزل الكوفة، توفي سنة أربع وسبعين. (التقريب ص 427) .
2 ابن قدامة: المقنع ص 91، الكافي 4/327.
3 انظر: ص 544.
4 انظر: ص 544.
5موفق الدين: الكافي4/327، 328، المقنع ص91، المجد: المحرر2/197، الحجاوي: الإقناع2/33
6 انظر: المجد: المحرر 2/180، ابن قدامة: الكافي 4/324، ابن مفلح: الفروع 4/38.
7 انظر: ابن قدامة: الكافي 4/325، المغني 4/193، ابن مفلح: الفروع 4/38.
(2/462)

وعلى قولنا لا يجوز بيعها ويجوز إجارتها؛ لأن الوقف تجوز إجارته1، وإذا باعها، وقلنا بصحة البيع انتقل الخراج إلى المشتري، وإن قلنا بعد الصحة فالخراج على البائع2.
وإذا أجّرها فالخراج على المؤجر دون المستأجر3.
وقد أطال ابن رجب الكلام على ذلك في كتاب: (الاستخراج لأحكام الخراج"4.
فصل
في: (الموطّأ) عن ابن عمر: "أن عمر بن الخطاب كان يأخذ من النبط من الحنطة والزبيب5، نصف العشر، يريد بذلك أن يكثر الحَمْل إلى المدينة، ويأخذمن القِطْنِيّة6 العشر"7.
وعن السائب بن يزيد8 أنه قال: "كنت غلاماً مع عبد الله بن عتبة بن مسعود9 على سوق المدينة، في زمان عمر، فكُنَّا نأخذ من النَّبْط العشر"10.
__________
1 انظر: ابن قدامة: الكافي 4/324.
2 انظر: ابن قدامة: المغني 4/195.
3 انظر: الحجاوي: الإقناع 2/34.
4 ابن رجب: الاستخراج لأحكام الخراج ص 271.
5 في الأصل: (الزيت) ، وهو تحريف.
6 القطنية - بالضم وبالكسر -: ما سوي الحنطة والشعير والزبيب والتمر. (القاموس ص 1581) .
7 مالك: الموطّأ 1/738، وإسناده صحيح.
8 الكندي، ابن أخت النّمر، صحابي صغير، توفي سنة إحدى وتسعين، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة. (التقريب ص 228) .
9 الهُذَلي، ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ووثقه العجلي وجماعة، توفي بعد السبعين. (التقريب ص 313) .
10 مالك: الموطّأ 1/288، وإسناده صحيح.
(2/463)

وعن مالك: أنه سأل ابن شهاب على أيّ وجه أخذ عمر بن الخطاب من النّبط العشر؟، قال: "كان يؤخذ منهم في الجاهلية، فألزمهم ذلك عمر بن الخطاب"1.
وعن مالك أنه بلغه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس البحرين. وأن عمر بن الخطاب أخذها من مجوس فارس، وأن عثمان بن عفان أخذها من البربر23.
وعن جعفر بن محمّد4 عن أبيه: أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس فقال: "ما أدري كيف أصنع في أمرهم؟ "، فقال عبد الرحمن بن عوف: "أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" 5.
وعن أسلم مولى عمر: أن عمر ضرب الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الورق أربعين درهماً، مع ذلك أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام6.
وعن زيد بن أسلم عن أبيه: أن عمر كان يؤتى بنعم كثيرة من نعم الجزية7. / [63 / ب] .
__________
1 مالك: الموطّأ 1/289، وإسناده صحيح إلى ابن شهاب.
2 البربر: قبيلة بالمغرب من ولد قبط بن حام، وقد انتسب بعضهم في حمير، وأنكر ذلك أكثر الناس. (القصد والأمم ص 36) .
3 مالك: الموطّأ 1/289، وهو منقطع، والخبر في أبي عبيد: الأموال ص 37، عن ابن شهاب وهو ضعيف، لانقطاعه.
4 في الأصل: (محمّد بن جعفر) ، والتصويب من الموطّأ.
5 مالك: الموطّأ1/289، وهو ضعيف، لانقطاعه، وأخرجه البخاري عن عبد الرحمن بن عوف، الصحيح، كتاب أبواب الجزية والموادعة 3/1151، رقم: 2987.
6 مالك: الموطّأ 1/290، وإسناده صحيح.
7 مالك: الموطّأ1/291، عن زيد بن أسلم، في رواية أبي مصعب الزهري، ولم يدر في رواية يحيى.
(2/464)

الباب الخامس والأربعون: عدله ورئاسته
...
الباب الخامس والأربعون: في ذكر عدله ورئاسته
ذكر ابن الجوزي عن عامر الشعبي قال: "قال عمر رضي الله عنه: "والله لقد لان قلبي حتى لهو ألين من الزبد، ولقد اشتد قلبي حتى لهو أشد من الحجر"1.
وعن عروة2 قال: "كان عمر رضي الله عنه إذا أتاه الخصمان برك على ركبتيه وقال: "اللهم أَعِنِّي عليهما فإن كل واحد منهما يريدني عن ديني"3.
وعن أبي فراس4 قال: "خطب عمر رضي الله عنه فقال: "أيها الناس إنما كنا نعرفكم إذ بين ظهرينا النبي صلى الله عليه وسلم وإذ ينزل الوحي، وإذ ينبئنا الله من أخباركم، ألا وإن النبي صلى الله عليه وسلم قد انطلق وانقطع الوحي، ألا وإنما نعرفكم بما نقول لكم: من أظهر منكم خيراً ظننا به خيراً، وأجبناه عليه، ومن أظهر لنا شرّاً ظننا به شرّاً وأبغضناه عليه، سرائركم بينكم وبين ربكم، ألا إنه قد أتى عليّ حين وأنا أحسب أن من قرأ القرآن يريد الله وما عنده، فقد خيّل إليّ بآخره5 أن رجالاً قد قرأوه يريدون به ما عند الناس، فأريدوا الله بقراءتكم، وأريدوه بأعمالكم، ألا وإني والله ما أرسل عمالي إليكم ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم
__________
1 ابن الجوزي: مناقب ص 94، أبو نعيم: الحلية 1/5، المتقي الهندي: كنْز العمال 12/585، وهو ضعيف، لانقطاعه.
2 ابن الزبير.
3 ابن سعد: الطبقات 3/289، وفي إسناده الواقدي، وابن الجوزي: مناقب ص 94.
4 في الأصل: (فارس) ، وهو تحريف. وهو أبو فراس الهندي، قيل اسمه: الربيع بن زياد، مقبول من الثانية. (التقريب ص 665) .
5 في الأصل: (آخر) .
(2/465)

وسنتكم، فمن عمل به سوى ذلك فليرفعه إليّ، فوالذي نفسي بيده لأُقِصّنه منه".
فوثب عمرو بن العاص فقال: "يا أمير المؤمنين، أفرأيت إن كان رجل من المسلمين على رعيه، فأدب بعض رعيته، إنك لتقصنه منه؟!، قال: "إي، والذي نفس عمر بيده، إذاً لأقصّنه منه، أنّى1 لا أقصّ منه وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقصّ من نفسه، ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم، ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم"23.
وعن جرير بن عبد الله البجلي أن رجلاً كان مع أبي موسىالأشعري، وكان ذا صوت4، ونكاية في العدو، فغنموا مغنماً فأعطاه أبو موسى بعض سهمه، فأبى أن يقبله إلا جميعاً، فجلده أبو موسى عشرين سوطاً، وحلقه، فجمع الرجل شعره ثم ترحل إلى عمر بن الخطاب حتى قدم عليه، فدخل على عمر بن الخطاب قال جرير: "وأنا أقرب الناس من عمر"، فأدخل يده فاستخرج شعره ثم ضرب به صدر عمر، ثم قال: "أما والله لولا النار"، فقال عمر: "صدق والله، لولا النار"، فقال: "يا أمير المؤمنين إني كنت ذا صوت ونكاية"، فأخبره بأمره، وقال: "ضربني أبو موسى عشرين سوطاً، وحلق رأسي، وهو يرى أنه لا يقتص منه". فقال / [64 / أ] عمر رضي الله عنه: "لأن يكون الناس كلهم على صرامة هذا، أحب
__________
1 في الطبقات: (وما لي) .
2 مطموس في الأصل سوى: (فتضيعـ) .
3 أحمد: المسند 1/279، قال أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند رقم: 286: "إسناده حسن". البلاذري: أنساب الأشراف (الشيخان: أبو بكر وعمر) ص 168، 169، الطبري: التاريخ 4/204، ابن الجوزي: مناقب ص 95، وقد سبق تخريج نحو منه ص 383.
4 في الأصل: (صوتا) ، وهو تحريف.
(2/466)

إليّ من جميع ما أفاء الله علينا".
فكتب عمر إلى أبي موسى: "السلام عليك، أما بعد: فإن فلاناً أخبرني بكذا وكذا، فإن كنت فعلت ذلك في ملاء من الناس، فعزمت عليك لما قعدت له في ملاء من الناس، حتى يقتص منك، وإن كنت فعلت ذلك خلاء من الناس، فاقعد له في خلاء الناس، حتى يقتص منك". فقدم الرجل فقال له الناس: "أعف عنه"، فقال: "لا والله، لا أدعه لأحد من الناس"، فلما قعد له أبو موسى ليقتص منه، رفع الرجل رأسه إلى السماء ثم قال: "اللهم إني قد عفوت عنه"1.
وعن عمر بن شبّه2، قال: عمرو بن العاص لرجل من تُجِيب3: "يا منافق". فقال التجيبِي: "ما نافقت منذ أسلمت، ولا أغسل رأسي ولا أدهنه حتى آتي عمر"، فأتى عمر فقال: "يا أمير المؤمنين إن عمراً نفّقني، فلا والله ما نافقت منذ أسلمت"، فكبّر عمر رضي الله عنه وكان إذا غضب كبّر وكتب: "إلى عمرو بن العاص، أما بعد: فإن فلاناً التجيبِي ذكر أنك نفّقته، وقد أمرته إن أقام عليك شاهدين أن يضربك أربعين، أو قال سبعين"، فقال: "أشهد الله رجلاً سمع عمراً نفّقني إلا قام فشهد، فقام عليه من في المسجد، فقال له: "أتريد أن تضرب الأمير؟ "، وعرض عليه الأرش، فقال: "لو ملئت لي هذه الكنيسة ما قبلت"، فقال له حشمه: "أتريد أن تضربه؟ "،
__________
1 ابن أبي شيبة: المصنف 13/30، وإسناده حسن، فيه عطاء بن السائب صدوق اختلط. (التقريب رقم: 4592) ، وأورده ابن الجوزي: مناقب ص 95.
2 النميري، البصري، صدوق له تصانيف، توفي سنة اثنتنين ومئتين. (التقريب ص 413) .
3 تُجيب - بالضم -: بطن من كندة، وهم بنو عدي، وبنو سعد، ابن أبي أشرف ابن شبيب بن السكون بن أشرس بن كندة، أمهما تجيب بنت ثوبان، نسبوا إليها. (جمهرة أنساب العرب ص 429) .
(2/467)

فقال: "ما أرى لعمر ههنا طاعة"، فلما ولى قال عمرو: "ردّوه"، فأمكنه من السوط وجلس بين يديه، فقال: "أتقدر أن تمتنع مني لسلطانك؟ "، قال: "لا، فامض إلى ما أمرت به"، قال: "فإني قد عفوت عنك"1.
وعن سلاّم2 قال: "سمعت الحسن3 - رحمه الله - يقول: "جيء إلى عمر رضي الله عنه بمال فبلغ حفصة بنت عمر أم المؤمنين - رضي الله عنها - فقالت: "يا أمير المؤمنين، حقّ أقربائك من هذا المال، قد أوصى الله عزوجل بالأقربين"، فقال لها: "يا بنية حقّ أقربائي في مالي، وأما هذا، ففئ المسلمين، غششت أباك، ونصحت أقرباءك، قومي"، فقامت والله تجرّذيلها4.
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "قدم علينا عمر بن الخطاب رضي الله عنه حاجاً، فصنع له صفوان بن أمية طعاماً، قال: فجاءوا بجفنة يحملها أربعة، فوضعت بين القوم، فأخذ القوم يأكلون وقام الخدم، فقال عمر: "ما لي أرى خدامكم لا يأكلون معكم، أترغبون عنهم؟ "، فقال سفيان بن عبد الله5: " [لا] 6 والله يا أمير المؤمنين، ولكننا نستأثر عليهم"، فغضب غضباً شديداً، ثم قال: "ما لقوم يستأثرون على خدامهم،
__________
1 ابن شبه: تاريخ المدينة 3/807، 808، وفي إسناده انقطاع بين عبد الملك بن أبي القاسم، وبين عمرو بن العاص، وعبد الملك لم يوثقه ابن حبان. (الثقات 7/101) .
2 ابن مسكين الأزدي، البصري، ثقة رُمي بالقدر، وتوفي سنة سبع وستين ومئة. (التقريب ص 261) .
3 البصري.
4 أحمد: الزهد ص116، ابن زنجويه: الأموال: 1/517، ابن سعد: الطبقات 3/278، بنحوه، ابن الجوزي: مناقب ص 96، وهو ضعيف لانقطاعه، الحسن لم يدرك عمر.
5 لعله ابن أبي ربيعة الثقفي، أسلم مع وفد ثقيف، استعمله عمر على صدقات الطائف. (الإصابة 3/105) .
6 سقط من الأصل.
(2/468)

فعل الله بهم وفعل"، / [64 / ب] ثم قال: للخدم: [اجلسوا فكلوا، فقعد الخدم] 1 يأكلون، ولم يأكل أمير المؤمنين"2.
وعن سالم بن عبد الله، "أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يدخل يده في دبر البعير، ويقول: "إني خائف أن أسأل عمّا بك"3.
وعن المسيب بن دارم4، قال: "رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يضرب جمّالاً يقول: "حملت جملك ما لا يطيق"، قال: "ورأيته مرّ به سائل على ظهر جراب5 مملوء طعاماً، فأخذه فنثره للنواضح6، ثم قال: "الآن سل ما بدا لك"7.
وعن السائب بن الأقرع8: أنه كان جالساً في إيوان9 كسرى، قال: فنظرت إلى تمثال يشير بإصبعه إلى موضع، قال: فوقع في رُوعي10 أنه يشير إلى كنز فاحتفرت ذلك الموضع، فأخرجت11 منه كنزاً عظيماً، فكتبت إلى عمر خبره،
__________
1 سقط من الأصل.
2 ابن الجوزي: مناقب ص 96.
3 ابن سعد: الطبقات 3/286، وإسناده صحيح، ابن الجوزي: مناقب ص 97.
4 أبو صالح، يَرْوِي عن عمر قصة السائل، روى عنه أبو خلدة بن دينار. (الجرح والتعديل 8/294، الثقات 5/437) .
5 الجراب: المِزودة أو الوعاء. (القاموس ص 85) .
6 الناضح: البعير أو الثور، أو الحمار الذي يستقى عليه الماء. (لسان العرب 2/619) .
7 ابن حبان: الثقات 5/437، وابن الجوزي: مناقب ص 97، وفيه المسيب بن دارم لم يوثقه غير ابن حبان.
8 الثقفي، صحابي صغير، شهد فتح نهاوند، وولي أصبهان ومات بها. (الإصابة 3/58) .
9 إيوان كسرى: في مدائن كسرى وهو من أعظم الأبنية وأعلاها. (معجم البلدان 1/294) .
10 روعي: نفسي وخلدي. (النهاية 2/277) .
11 البُناني.
(2/469)

وكتبت إن هذا شيء أفاءه الله عليّ من دون المسلمين، فكتب عمر: إنك أمير من أمراءالمسلمين فاقسمه بين المسلمين1.
وعن ثابت2: أن أبا سفيان3 ابتنى داراً بمكة فأتى أهل مكة عمر فقالوا: "إنه ضيق علينا الوادي، وسيل علينا الماء"، قال: فأتاه عمر، فقال: "خذ هذا الحجر فضعه ثمة، وخذ هذا الحجر فضعه ثمة، ثم قال عمر: الحمد لله الذي أذل أبا سفيان بأبطح4 مكة"5.
وعن يحيى بن عبد الرحمن6 بن حاطب7 عن أبيه قال: "قدمنا مكة مع عمر، فأقبل أهل مكة يسعون: يا أمير المؤمنين أبو سفيان حبس مسيل الماء ليهدم منازلنا، فأقبل عمر ومعه الدِرّة، فإذا أبو سفيان قد نصب أحجاراً، فقال: "ارفع هذا"، فرفعه، ثم قال: "وهذا"، حتى رفع أحجاراً كثيرة، خمسة أو ستة، ثم استقبل عمر الكعبة، فقال: "الحمد لله الذي جعل عمر يأمر أبا سفيان ببطن مكة فيطيعه"8.
وعن الحسن9 رضي الله عنه قال: "حضر باب عمر رضي الله عنه
__________
1 ابن الجوزي: مناقب ص 97، وبنحوه ابن أبي شيبة: المصنف 12/573، 574.
2 البُناني.
3 ابن حرب.
4 الأبطح، يضاف إلى مكة وإلى منى، لأن المسافة بينه وبينهما واحدة، وربما كان إلى منى أقرب، وهو المحصّب، وهو خيف بني كنانة. (معجم البلدان 1/74) .
5 ابن الجوزي: مناقب ص 97.
6 في الأصل: (عبد الواحد) ، وهو تحريف.
7 ابن أبي بلتعة، ثقة، توفي سنة أربع ومئة. (التقريب ص 593) .
8 ابن الجوزي: مناقب ص 97.
9 البصري.
(2/470)

سهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، وأبو سفيان بن حرب في نفر من قريش من تلك الرؤوس، وصُهيب، وبلال، وتلك الموالي الذين شهدوا بدراً، فخرج آذن عمر فأذن لهم، وترك أولئك، فقال أبو سفيان: "لم أرَ كاليوم قط، يأذن لهؤلاء العبيد، ويتركنا على بابه لا يلتفت إلينا"، فقال سهيل بن عمر - وكان رجلاً عاقلاً -: "أيها القوم، إني - والله - أرى الذي في وجوهكم إن كنتم غضاباً فاغضبوا على أنفسكم دُعي القوم ودُعيتم، فأسرعوا وأبطأتم، وكيف بكم إذا دعوا يوم القيامة وتُرِكتم؟ "1.
وعن نوفل بن عمار2 قال: "جاء الحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، إلى عمر بن الخطاب فجلسا عنده، وهو بينهما، فجعل المهاجرون الأوّلون يأتون عمر، فيقول: ههنا يا سهيل، ههنا يا حار3، فينحيهما عنه، فجعل الأنصار يأتون، فينحيهما، حتى صار في آخر [الناس] 4 فلما خرجا من عند عمر قال الحارث بن هشام لسهيل بن عمرو: "ألم تر ما صنع بنا؟ "، فقال له سهيل: "أيها الرجل لا لوم عليه، ينبغي أن نرجع إلى أنفسنا / [65 / أ] دُعي القوم فأسرعوا، ودُعي بنا فأبطأنا فلما قاما من عند عمر أتياه فقالا له: "يا أمير المؤمنين، قد رأينا ما فعلت اليوم، وعلمنا أنا أتينا من أنفسنا، فهل من شيء نستدرك [به] 5؟، فقال لهما: "لا أعلمه إلا هذا الوجه، وأشار لهما إلى ثغر
__________
1 أحمد: الزهد ص 113، 114، وهو ضعيف، لانقطاعه، وأورده ابن الجوزي: مناقب ص 98، وابن حجر: الإصابة 3/146.
2 النوفلي، يروي عن هشام بن عروة والمدنيين. (الثقات 7/540) .
3 ترخيم حارث.
4 سقط من الأصل.
5 سقط من الأصل.
(2/471)

الروم، فخرجا إلى الشام فماتا بها - رحمهما الله -"1.
وعن الحسن2 - رحمه الله -: "أن رجلاً أتى أهل ماء فاستسقاهم فلم يسقوه حتى مات عطشاً، فأغرمهم عمر بن الخطاب ديته"3.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "كنا عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذ جاءه رجل من أهل مصر، فقال: "يا أمير المؤمنين، هذا مقام العائذ بك"، قال: "وما لك؟ "، قال: أجرى عمرو بن العاص بمصر الخيل فأقبلت، فلما ترآها الناس، قام محمّد بن عمرو فقال: "فرسي ورب الكعبة، فلما دنا منه عرفته، فقلت: فرسي ورب الكعبة، فقام إليّ يضربني بالسوط، ويقول: "خذها وأنا ابن الأكرمين". قال: فوالله ما زاده عمر أن قال له: "اجلس، ثم كتب إلى عمرو إذا جاءك كتابي هذا فأقبل، وأقبل معك بابنك محمّد، قال: فدعا عمرو ابنه فقال: "أحدثت حدثاً؟ أجنيت جناية؟ "، قال: "لا"، قال: "فما بال عمر يكتب فيك؟ "، قال: فقدم على عمر، قال أنس: فوالله إنا عند عمر حتى إذا نحن بعمرو، وقد أقبل في إزار ورداء، فجعل عمر يلتفت هل يرى ابنه؟، فإذا هو خلف أبيه، قال: "أين المصري؟ "، قال: "ها أنا ذا"، قال: "دونك الدّرة فاضرب ابن الأكرمين، اضرب ابن الأكرمين"4.
قال فضربه حتى أثخنه، ثم قال: أحلِها5 على صلعة عمرو، فوالله ما ضربك إلا بفضل سلطانه، فقال: "يا أمير
__________
1 ابن الجوزي: مناقب ص 98، وهو ضعيف لإعضاله.
2 البصري.
3 عبد الرزاق: المصنف 10/51، ابن أبي شيبة 9/412، ابن حزم: المحلى 8/522، ابن الجوزي: مناقب ص 98، وهو ضعيف لانقطاعه، الحسن لم يدرك عمر.
4 في الأصل: (الأمير) ، وهو تحريف.
5 في مناقب عمر: (أجلها) .
(2/472)

المؤمنين، قد ضربت من ضربني"، قال: "أما والله لو ضربته ما حلنا بينك وبينه حتى تكون أنت الذي تدعه، يا عمرو متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم1 أحراراً؟ "، ثم التفت إلى المصري فقال: "انصرف راشداً فإن رابك ريب فاكتب إليّ"2.
وفي صحيح البخاري عن السائب بن يزيد قال: "كنت قائماً في المسجد فحَصَبني3 رجل فنظرت فإذا عمر بن الخطاب، فقال: "اذهب فأتني بهذين"، فجئته بهما، قال: "ممن أنتما4، أو من أنتما، أو من أين أنتما؟ "، قالا: "من أهل الطائف"، قال: "لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم"5.
وفي الأوّل من القراءة على الوزير أبي القاسم بن عليّ بن عيسى بن الجراح الكاتب6، عن عبد الله الباهلي7، عن ضبة بن محصن8، قال: "دخل ضبة بن محصن من الليل فتحدث عندي، حتى خشيت عليه الحرس، قال: فكان فيما حدثني، قال: "شاكيت أبا موسى في بعض ما يشاكي الرجل
__________
1 في الأصل: (أمهم) ، والمثبت من الكنز.
2 ابن الجوزي: مناقب ص 98، 99، المتقي الهندي: كنْز العمال 12/660، ونسبه لابن عبد الحكم.
3 الحصباء: الحصى، واحدتها: حصبة، وحصبه رماه بها. (القاموس ص 95) .
4 قوله: "ممن أنتما"، لم أجدها في نسخ البخاري الموجودة بين يدي.
5 البخاري: الصحيح، كتاب المسجد 1/179، رقم: 458.
6 عيسى بن عليّ بن الجراح الوزير، البغدادي، أملى مجالس في البغوي وطبقته، كان ثبت السماع، صحيح الكتاب، توفي سنة إحدى وتسعين وثلاث مئة. (تاريخ بغداد 11/179، ميزان الاعتدال 3/318، سير أعلام النبلاء (16/549) .
7 ابن الأقنع الباهلي، يروي عن الأحنف وضبه بن محصن، روى عنه حميد بن جلال والمغيرة بن النعمان. (الثقات لابن حبان 7/27، 28) .
8 العَنْزِي، بصري، صدوق، من الثالثة. (التقريب ص 279) .
(2/473)

أميره؟، قال: فانطلقت أثووا عليه - يعني أشي به1 عند / [65 /ب] عمر -، قال: وذلك عند حضور وفادة أبي موسى، فكتب أبو موسى إلى عمر رضي الله عنه والبرد2 إذ ذاك على الإبل، قال: فكتب: "السلام عليك، أما بعد:
فإني كتبت إليك وأنا خارج إليك في كذا وكذا، قال: وكتب إليه: وضبة بن محصن قد خرج من عندي بغير إذن، وهو بيني وبينك، فأحببت أن تعلم ذاك يا أمير المؤمنين، قال: فسبقني كتابه، فقدمت المدينة فجئت إلى باب عمر، فقلت: السلام عليك أيدخل ضبة بن محصن، فقال عمر: "لا مرحباً ولا أهلاً". قال: قلت: أما المرحب فمن الله، وأما الأهل فلا أهل ولا مال، قال فأعدت ذلك ثلاث مرات، فأعاد هو ثلاثاً، ثم قال: "ادخل، أو قال لي فدخلت، قال: قلت: يا أمير المؤمنين الرجل يظلمه سلطانه فإذا انتهى إلى أمير المؤمنين لم يجده عنده غيراً، فوالله يا أمير المؤمنين، إن الأرض لواسعة، وإن العدو لكثير، قال: فكأنه كشف عن وجهه غطاء، فقال: "ادن دونك، فقال: إيهِ3، ثم قال: إيه، قال: قلت: أبو موسى اصطفى لنفسه أربعين من الأساورة، قال: فقال: "اكتب"، فكتب، قال: ثم قال: "إيه"، قلت: أبو موسى له مكيالان يكيل الناس بغير الذي يكتال به، قال: "اكتب"، فكتب، ثم قال: "إيه"، قلت: عَقِيلة سُرِّيته لها قصعة4 غادية رائحة يأكل منها أشارف الجند، قال: "اكتب"، فكتب فما لبث إلا يسيراً
__________
1 انظر: القاموس ص 1624.
2 البُرد: الرسل. (لسان العرب 3/86) .
3 إيه - بكسر الهمزة والهاء، وفتحها وتُنوّن المكسورة -: كلمة استزادةٍ واستنطاقٍ. القاموس ص 1604) .
4 القصعة: الصحفة. (القاموس ص 971) .
(2/474)

حتى قدم أبو موسى، قال: فمشيت إلى جنبه أعطفه، وأذكره أمير المؤمنين، قال: حتى انتهى إلى أمير المؤمنين، فقال له: "ما بال أربعين اصطفيتهم لك من أبناء الأساورة؟ "، قال: "يا أمير المؤمنين، اصطفيتهم وخشيت أن يخدع الجند عنهم، ففديتهم واجتهدت في فدائهم، وكنت أعلم بفدائهم، ثم خمست وقسمت. قال ضبة: وصادق والله، ما كذبه أمير المؤمنين وما كذبته، قال: "فما بال مكيال تكتال به، وتكيل الناس بغيره؟ "، قال: مكيال أكيل به قوت أهلي وأرزاق دوابي، وما كلت به لأحد، وما كلته به من أحد". قال ضبة: وصادق1 والله، فوالله ما كذبه أمير المؤمنين وما كذبته، قال: "فما بال قصعة عَقِيلة الغادية الرائحة؟ "، قال: فسكت ولم يعتذر منها شيء، قال: فقال لوفده: "أنشد الله رجلاً أكل منها"، قال: فسكت القوم، ثم دعا ثلاث مرات، قال: فقال / [66 / أ] وكيع بن قشر التميمي2: "قبح الله تلك القصعة3، فإنا أخالنا قد أصبنا منها"، قال: فقال عمر: "لا جَرَمَ4 والذي نفسي بيده، لا ترى عَقِيلة العراق ما دمت أملك شيئاً"، فاحتبسها عنده.
قال: فذكرت هذا لأبي بردة فقال: "ألا أحدثك بنحو من هذا؟، خرج أبو موسى على خمسة أبعرة بعضها بختي5، خرج وافداً إلى عمر، قال:
__________
1 في الأصل: (وصادقاً) .
2 لم أجد له ترجمة.
3 في الأصل: (القصة) ، وهو تحريف.
4 لا جَرَمَ، ولا جَرُمَ ككَرُمَ، ولا جُرْمَ - بالضم - أي: لا بُدَّ أو حقاً، أو لا محالة، أو هذا أصله، ثم كَثُر حتى تحول إلى معنى القسم. (القاموس ص 1405) .
5 البُخْت: دخيل في العربية، أعجمي مُعَرّب؛ وهي الإبل الخراسانية، تُنتَج من عريبة وفالجٍ. (لسان العرب 2/9) .
(2/475)

ومعه فتاه فلان المولد1، كان يسافر به، قال: وأوقر البختي دقيقاً وسويقاً حتى دَبَر، قال: وكان عمر ممن إذا قدم وافداً إليه أبو موسى ففرغ مما يسأله يقول له: "أعرض عليَّ ظهرك الذي جئت عليه"، قال: فربما قال: أغزّ به في سبيل الله، فيفعل، قال: فلما دَبَر2 البختي، قال فتى أبي موسى له: "يا أبا موسى لا تعرض هذا البختي على عمر فيما تعرض، فوالله لئن رأى ما به لا تنالن عنده نالة أبداً"، قال أبو بردة: "فما أدري أنسي وصية فتاه، أو تأثم أن يكتمه عمر حين يسأله أمير المؤمنين". قال: فعرضه فيما يعرض، فشخصت أو قال: فسمت عينا عمر إليه، فدعا به فإذا به دَبِرَة، قال: فدعا بإناء فيه ماء، فجعل يغسل عنه بيده حتى أنقاها، ثم دعا بذرور3 فجعل ينثر بها دبرة البعير، قال: "من وَلِيَ بختيك هذا يا أبا موسى؟ "، قال: فتاي فلان؛ قال: "لا جرم والذي نفسي بيده، لا ترى العراق ما دمت أملك شيئاً"، قال أبو بردة: "فما رأت عَقِيلة ولا فتاة العراق حتى قبض عمر رضي الله عنه"4.
__________
1 في الأصل: (المولود) ، وهو تحريف.
2 الدبَرة: قرحة الدابة والبعير. (لسان العرب 4/273) .
3 ذرّالشيء يذرّه، أخذه بأطراف أصابعه، ثم نثره على الشيء. (لسان العرب 4/303) .
4 ابن شبه: تاريخ المدينة 3/809، 810، 811، والخبر مختصراً في أبي عبيد: الأموال ص 132، ابن زنجويه: الأموال: 1/325، 326، البيهقي: السنن: 6/323، ومداره على عبد الله بن يزيد الباهلي، ولم يوثقه غير ابن حبان، والطبري بنحوه من طريق سيف بن عمر. (التاريخ 4/184) .
(2/476)

الباب السادس والأربعون: قوله وفعله في بيت المال
...
الباب السادس والأربعون: في قوله وفعله في بيت المال
في الصحيحين عن سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، أن حكيم ابن حزام1 قال: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال لي: "يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى" قال حكيم: فقلت يا رسول الله: والذي بعثك بالحق لا أرزأ2 أحداً بعدك شيئاً حتى أفارق الدنيا، فكان أبو بكر يدعو حكيم اً ليعطيه العطاء فيأبى أن يقبل منه شيئاً، ثم إن عمر دعاه ليعطيه فأبى أن يقبله، فقال: "يا معشر المسلمين إني أعرض عليه حقه الذي قسم الله له من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه، فلم يرزأ حكيم أحداً من الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم"3.
في الصحيح عن عائشة قالت: "فأما صدقته يعني: النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة فدفعها عمر إلى علي، وعباس، وأما خيبر وفدك4 فأمسكها عمر، وقال: "هما / [66 / ب] صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت لحقوقه التي تعروه ونوائبه، وأمرهما إلى من
__________
1 الأسدي، المكي، أسلم يوم الفتح، وصحب، توفي سنة أربع وخمسين، وكان عالماً بالنسب. (التقريب ص 176) .
2 ما رزأ فلاناً شيئاً، أي: ما أصاب من ماله شيئاً ولا نقص منه. (لسان العرب 1/85) .
3 البخاري: الصحيح، كتاب الخمس 3/1145، رقم: 2974، مسلم: الصّحيح، كتاب الزكاة 2/717، رقم: 1035.
4 فَدَك: واد ذو نخيل وعيون، والآن هو بلد يعرق باسم: (الحائط) ، تابع لإمارة حائل. (شمال المملكة ص 1023) .
(2/477)

ولي الأمر، فهما على ذلك إلى اليوم"1.
وفي الصحيح عن مالك بن أوس2 قال: "بينما أنا جالس في أهلي حين مَتَع3 النهار، إذا رسول عمر بن الخطاب يأتيني، فقال: أجب أمير المؤمنين، فانطلقت معه حتى أدخل على عمر، فإذا هو جالس على رمال4 سرير وليس بينه وبينه فراش، متكئ على وسادة من أدم، فسلّمت عليه ثم جلست، فقال: "يا مالك إنه قدم علينا من قومك أهل أبيات، وقد أمرت فيهم برضخ5 فاقبضه، فاقسمه بينهم.
قلت: "يا أمير المؤمنين لو أمرت له غيري، قال: "فاقبضه أيها المرء" فبينما أنا جالس عنده أتاه حاجبه يرفأ، وقال: هل لك في عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، يستأذنون؟ قال: "نعم" فأذن لهم فدخلوا فسلموا وجلسوا ثم جلس يرفأ يسيراً، ثم قال: "هل لك في علي، وعباس"؟ قال: "نعم" فأذن لهما، فدخلا فسلما وجلسا، فقال عباس: "يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا" وهما يختصمان فيما أفاء الله على رسوله من مال بني النضير، فقال الرهط عثمان وأصحابه: "يا أمير المؤمنين اقض بينهما، وأرح أحدهما من الآخر".
فقال عمر: "تيدكم6، أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض،
__________
1 البخاري: الصحيح، كتاب الخمس 3/1126، رقم: 2926.
2 ابن الحدثان النصري، له رؤية، وروى عن عمر، توفي سنة اثنتين وتسعين، وقيل: سنة إحدى. (التقريب ص 516) .
3 متع النهار: ارتفع قبل الزوال. (القاموس ص 985) .
4 الرمال: جمع رمل بمعنى مرمول: والمراد أنه كان السرير قد نُسج وجهه بالسّعف ولم يكن على السرير وطاء سوى الحصير. (لسان العرب 11/295) .
5 الرضخ: العطاء. (لسان العرب 3/19) .
6 التيد: الرفق، قال: تيدك هذا، أي: اتئد. (القاموس ص 344) .
(2/478)

هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا نورث ما تركنا صدقة" يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه؟ قال الرهط: "قد قال ذلك" فأقبل عمر على عليّ، وعباس، فقال: "أنشد كما بالله هل تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال ذلك"؟ قالا: "قد قال ذلك" قال عمر: "فإني أحدثكم عن هذا الأمر، إن الله قد خصّ رسوله في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحداً غيره، ثم قرأ: {وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُم فَمَا أَوْجَفْتُم عَلَيْهِ مِنْ خِيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ} إلى قوله - {قَدِيرٌ} [الحشر: 6] .
فكانت هذه خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ووالله ما احتازها دونكم، ولا استأثر بها عليكم، فقد أعطاكموها، وبثها فيكم، حتى بقي منها هذا المال، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال، ثم يأخذ ما بقي فيجعله مال الله، فعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك حياته، أنشدكم بالله هل تعلمون ذلك؟ قالوا: "نعم" ثم قال لعلي، وعباس: أنشدكم بالله، هل تعلمان ذلك؟ قالا: "نعم" قال عمر: "ثم توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: "أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبضها أبو بكر، فعمل فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم والله يعلم إنه فيها لصادق بار راشد تابع للحق، ثم توفى الله أبا بكر، فكنت أنا ولي أبي بكر فقبضتها سنتين من إمارتي، أعمل فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وما عمل فيها أبو بكر، [والله] 1 يعلم إني فيها لصادق بار راشد تابع للحق، ثم جئتماني تكلماني، وكلمتكما واحدة، وأمركما واحد، جئتني يا عباس، تسألني نصيبك من ابن أخيك، وجاءني هذا "يريد عليا" - يريد نصيب امرأته من [أبيها] 2
__________
1 لفظ الجلالة مطموس في الأصل.
2 سقط من الأصل.
(2/479)

فقلت لكما: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا نورث ما تركنا صدقة". فلما بدا لي أأدفعه إليكما؟، قلت: إن شئتما دفعتها إليكما، على أن عليكما عهد الله وميثاقه: لتعملان فيها بما عمل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما عمل أبو بكر، وما عملت فيها منذ وليتها، فقلتما: ادفعها إلينا، فبذلك دفعتها إليكما، فأنشدكم بالله هل / [67 / أ] دفعتها إليكما بذلك؟ " قال الرهط: "نعم". ثم أقبل على عليّ وعباس فقال: "أنشدكما بالله هل دفعتها إليكما بذلك؟ "، قالا: "نعم". قال: "فتلتمسان مني قضاء غير ذلك، فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي فيها قضاء غير ذلك، فإن عجزتما عنها فادفعاها إليّ فإني أكفياكهما"1.
وفي الصحيح عن ثعلبة بن أبي مالك، أن عمر بن الخطاب قسم مروطاً بين نساء من نساء أهل المدينة، فبقي منها مرطٌ جيدٌ، فقال له بعض من عنده: "يا أمير المؤمنين، أعط هذا بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم التي عندك، يريدون أم كلثوم بنت عليّ"، فقال عمر: "أم سليط أحق به"، وأم سليط من نساء الأنصار ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عمر: "فإنها كانت تُزْفِرُ القِرَب يوم أحد"2.
وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: "خرجت مع عمر بن الخطاب إلى السوق، فلحقت عمر امرأةٌ شابةٌ، فقالت: "يا أمير المؤمنين، هلك زوجي، وترك صبية صغاراً، والله ما يُنضِجون كراعاً، ولا لهم زرع ولا ضرع، وخشيت أن تأكلهم الضّبع3، وأنا بنت خفاف بن إيماء الغفاري، وقد شهد أبي الحديبية مع النبي صلى الله عليه وسلم فوقف معها عمر ولم يمض، ثم قال: "مرحباً بنسب قريب"، ثم انصرف إلى
__________
1 البخاري: الصحيح، كتاب الخمس 3/126، رقم: 2927، مسلم: الصّحيح، كتاب الجهاد والسير 3/1377، رقم: 1757.
2 سبق تخريجه ص 419.
3 الضبع: السنة المُجْدِبة. (القاموس ص 956) .
(2/480)

بعير ظَهير كان مربوطاً في الدار، فحمل عليه غراراتين، ملأَها طعاماً، وحمل1 بينهما نفقة وثياباً، ثم ناولها بخطامه، ثم قال: "اقتاديه فلن يفنى حتى يأتيكم الله بخير"، فقال رجل: "يا أمير المؤمنين، أكثرت لها"، فقال عمر: "ثكلتك أمك، والله إني لأرى أبا هذه وأخاها قد حاصرا حصناً زماناً فافتتحاه، ثم أصبحنا نستفيء سُهْمَانَهُمَا فيه"2.
وفي الصحيح عن زيد عن أبيه أنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "أما والذي نفسي بيده لولا أن أترك آخر الناس ببّاناً ليس لهم شيء، ما فُتحت عليّ قريةٌ إلا قسمتها، كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر، ولكني أتركها خِزَانَةً لهم يقتسمونها"3.
وقوله: "بباناً"، ببائين موحدتين من أسفل، والثالثة نون موحدة من فوق، وهو: الفارغ الخاوي، كلمة حبشية4.
وعن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر قال عمر: "لولا آخر المسلمين، ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر"5.
وعن قتادة6 قال: "آخر ما قدم عمر رضي الله عنه ثمان مئة ألف درهم من البحرين، فما قام من مجلسه حتى أمضاه، ولم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم بيت مال، ولا لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأوّل من اتخذ بيت المال
__________
1 في الرواية السابقة: (وجعل) .
2 سبق تخريجه ص 419.
3 البخاري: الصحيح، كتاب المغازي 4/1548، رقم: 3994، وقد سبق تخريجه ص 542.
4 انظر: الأزهري: تهذيب اللغة 15/592، ابن حجر: فتح الباري 7/490.
5 البخاري: الصحيح، كتاب المغازي 4/1548، رقم: 3995.
6 قتادة بن دعامة السدوسي، ثقةثبت، توفي سنة بضع عشر ومئة. (التقريب ص 453) .
(2/481)

عمر رضي الله عنه"1.
وعن مالك بن أوس قال: "كان رضي الله عنه يحلف على أيمان ثلاث، يقول: "والله ما من أحد أحق بهذا المال من رجل، وما أنا بأحق من أحد، ووالله ما من المسلمين من أحد إلا وله في هذا المال من نصيب إلا عبداً مملوكاً، ولكنا على منازلنا من كتاب الله عزوجل وقسمنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم / [67 / ب] فالرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وقِدَمُه في الإسلام، والرجل وغناه في الإسلام، والرجل وحاجته، والله لئن بقيت لهم ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال، وهو يرعى مكانه"2.
وعن موسى بن عُليّ3 عن أبيه4: أن عمر بن الخطاب خطب الناس بالجابية، فقال: "من أراد أن يسأل عن القرآن، فليأت أبي بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فإن الله تعالى جعلني خازناً وقاسماً، وإني بادئ بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ثم المهاجرين الأوّلين أنا وأصحابي، أخرجنا من مكة من ديارنا، وأموالنا، ثم الأنصار {الَّذِينَ
__________
1 ابن شبه: تاريخ المدينة 3/857، 858، وفيه: "آخر مال أتي به النبي صلى الله عليه وسلم". ابن الجوزي: مناقب ص 99، وهو ضعيف لانقطاعه، قتادة لم يدرك عمر ولم يصرح عمن رواه.
2 أبو داود: السنن 3/136، رقم: 2950، ابن زنجويه: الأموال: 2/569، البيهقي: السنن: 6/346، وفي إسناده محمّد بن إسحاق وقد عنعن وهو مدلس. وابن سعد: الطبقات 3/299، ومن طريقه البلاذري: أنساب الأشراف (الشيخان: أبو بكر وعمر) ص 239، وفي إسنادهما الواقدي. وأورده ابن الجوزي: مناقب ص 99، 100.
3 موسى بن عُلَيّ اللخمي، صدوق، ربما أخطأ، توفي سنة ثلاث وستين ومئة. (التقريب ص 553) .
4 عُلَيّ - بالتصغير - ابن رباح اللخمي، ثقة، توفي سنة بضع عشرة ومئة. (التقريب ص 401) .
(2/482)

تَبَوَّءْوا الدَّارَ وَالإِيْمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [الحشر: 9] ، ثم قال: فمن أسرع إلى الهجرة أسرع به العطاء، ومن أبطأ عن الهجرة أبطأ به العطاء، فلا يلومنّ رجل إلا مناخ راحلته"1.
وعن نافع عن ابن عمر، قال: "قدم على عمر رضي الله عنه مال من العراق، قال: فأقبل يقسمه، قال: فأقبل إليه رجل فقال: "يا أمير المؤمنين، لو أبقيت من هذا المال لعدو إن حضر، أو نائبة إن نزلت؟ "، فقال عمر: "ما لك، قاتلك الله، نطق بها على لسانك شيطان، كفاني2 الله حجتها، والله لا أغصبن اليوم لغد، لا ولكن أعدّ لهم ما أعد رسول الله صلى الله عليه وسلم"3.
وعن أبي هريرة قال: "قدمت على عمر بن الخطاب من عند أبي موسى الأشعري بثمان مئة ألف درهم، فقال لي: "بماذا قدمت؟ "، قلت: "بثمان مئة ألف درهم"، قال: "إنما قدمت بثمانين ألف درهم"، قلت: "إنما قدمت ثمان مئة ألف درهم"، قال: "إنما قدمت بثمانين ألف درهم"، قلت: "قدمت بثمان مئة ألف درهم"، قال: "ألم أقل إنك يمان أحمق، إنما قدمت بثمانين ألف درهم، فكم ثماني مئة ألف درهم؟ "، فعددت مئة ألف، ومئة ألف،
__________
1 سعيد: السنن 2/124، أبو عبيد: الأموال ص 235، 236، ابن زنجويه: الأموال: 2/499، وإسنادهم ضعيف لانقطاعه، مداره على عليّ بن رباح وعليّ لم يدرك عمر، وفيه أيضاً موسى بن عليّ صدوق ربما أخطأ. وأورده ابن الجوزي: مناقب ص 100، ابن سعد مختصراً: الطبقات 2/348، عن الواقدي عن موسى بن عُليّ.
2 في الحلية: (لقاني) .
3 أبو نعيم: الحلية 1/45، وفي إسناده عبد الله بن محمّد بن الغيرة، قال أبو حاتم: "ليس بالقوي". (الجرح والتعديل 5/158، وأورده ابن الجوزي: مناقب ص 100، والمتقي الهندي: كنز العمال 2/661، ونسبه للحلية.
(2/483)

حتى عددت ثمان مئة ألف، فقال: "أطيب ويلك؟ "، قلت: "نعم". قال فبات عمر ليلة أرقاً1 حتى إذا نودي لصلاة الفجر، قالت له امرأته: "يا أمير المؤمنين، ما نمت الليلة؟ "، قال: "كيف ينام عمر بن الخطاب، وقد جاء الناس ما لم يكن جاءهم مثله منذ كان الإسلام، فما يؤمِّن عمر لو هلك، وذلك المال عنده، لم يضعه في حقه.
فلما صلى الصبح اجتمع إليه نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: "إنه قد جاء الناس الليلة ما لم يأتهم منذ كان الإسلام، وقد رأيت رأياً، فأشيروا عليّ أن أكيل للناس بالمكيال". فقالوا: "لا تفعل، يا أمير المؤمنين، إن الناس يدخلون في الإسلام، ويكثر المال، ولكن أعطهم على كتاب، فكلما كثر الإسلام وكثر المال أعطيتهم". قال: "فأشيروا عليّ بمن أبدأ منهم". قالوا: "بك يا أمير المؤمنين، إنك ولي ذلك، ومنهم من قال: أمير المؤمنين أعلم". قال: "لا. ولكن أبدأ برسول الله / [68 / أ] صلى الله عليه وسلم ثم الأقرب فالأقرب إليه". فوضع الديوان على ذلك، قال عبيد الله2: "بدأ بهاشم والمطلب فأعطاهم، ثم أعطى بني شمس، ثم بني نوفل بن عبد مناف"3.
وعن الأحنف قال: "كنا جلوساً بباب عمر، فمرت جارية فقالوا: سرية أمير المؤمنين"، فقالت: "ما هي لأمير المؤمنين بسرية، وما تحل له، إنها من
__________
1 الأرق: السَّهَر بالليل. (القاموس ص 1116) .
2 في الأصل: (عبد الله) ، وهو تحريف. وهو عبيد الله بن عبد الرحمن بن مَوْهب التيمي، ويقال: عبد الله، ليس بالقوي، من السّابعة. (التقريب ص 372) .
3 البيهقي: السنن: 6/364، وابن الجوزي: مناقب ص 101، وفي إسناد البيهقي عبيد الله بن عبد الله، قال عنه الحافظ: "مقبول". وفيه أيضاً، عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب التيمي، ليس بالقوي، من السابعة. (التقريب ص 372) . ووثّقه ابن حبان. (الثقات 7/147) .
(2/484)

مال الله". فقلنا: "فماذا يحل له من مال الله؟، فما هو إلا قدر أن بلغت، فجاء الرسول فدعانا، فأتيناه، فقال: "ماذا قلتم؟، قلنا: لم نقل بأساً، مرت جارية فقلنا: هذه سرية أمير المؤمنين، فقالت: "ما هي لأمير المؤمنين بسرية وما تحل له، إنها من مال الله". فقلنا: ماذا يحل له؟ "، قال: "أنا أخبركم بما استحل منه؛ حلتان، حلة في الشتاء، وحلة في القيظ1 وما أحج عليه وأعتمر من الظهر، وقوتي وقوت أهلي كقوت رجل من قريش، ليس بأغناهم ولا بأفقرهم، ثم أنا بعد رجل من المسلمين يصيبني ما أصابهم"2.
وعن عروة: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "لا يحل لي من هذا المال إلا ما كنت آكلاً من صلب مالي"3.
وعن محمّد بن إبراهيم4، قال: "كان عمر يستنفق كل يوم درهمين له ولعياله، وأنفق في حجته ثمانين ومئة درهم"5.
وعن ابن سعد بإسناده عن عمر أنه قال: "إني أنزلت مال الله مني6،
__________
1 القيظ: صميم الصيف، من طلوع الثريا إلى طلوع سهيل. (القاموس ص 901) .
2 ابن سعد: الطبقات 3/276، ومن طريقه البلاذري: أنساب الأشراف (الشيخان: أبو بكر وعمر) ص 168، وهو ضعيف لانقطاعه، عروة لم يدرك عمر بن الخطاب. وأورده ابن الجوزي: مناقب ص 102.
3 ابن سعد: الطبقات 3/276، ومن طريقه البلاذري: أنساب الأشراف (الشيخان: أبو بكر وعمر) ص 168، وهو ضعيف لانقطاعه، عروة لم يدرك عمر بن الخطاب. وأورده ابن الجوزي: مناقب ص 102.
4 ابن الحارث التيمي.
5 ابن سعد: الطبقات 3/308، وهو ضعيف لانقطاعه، وأورده ابن الجوزي: مناقب ص 102، وابن عساكر: تاريخ دمشق 13 / ق 110، عن مجاهد مرسلاً.
6 في الأصل: (عني) ، وهو تحريف. وفي مناقب عمر: (عندي) .
(2/485)

بمنزلة اليتيم، فإن استغنيت عففت عنه، وإن افتقرت أكلت بالمعروف"1.
وعن عمر2 أنه إذا احتاج أتى صاحب بيت المال [فاستقرضه، فربما أعسر، فيأتيه صاحب بيت المال] 3 يتقاضاه فيلزمه فيحتال له عمر، وربما4 خرج عطاؤه فقضاه5.
وخرج يوماً حتى أتى المنبر، وقد كان اشتكى شكوى فنعت6 له7 العسل، وفي8 بيت المال عكة9، فقال: "إن أذنتم لي فيها أخذتها، وإلاّ فإنها عليّ حرام" فأذنوا له فيها.10
وقال عمر رضي الله عنه: "ما مثلي ومثل هؤلاء إلا كقوم سافروا
__________
1 ابن سعد: الطبقات 3/276، وفي إسناده زكريا بن أبي زائدة ثقة. وكان يدلس وسماعه من أبي إسحاق بآخره. (التقريب ص 216) . وهنا لم يصرح بالسماع. وقد أورده ابن الجوزي: مناقب ص 102، وسيأتي نحو منه ص 577، 624.
2 في الطبقات، وتاريخ الطبري: (أخبرنا عمران أن عمر) .
3 سقط من الأصل.
4 في الأصل: (وبما) ، وهو تحريف.
5 ابن سعد: الطبقات 3/276، ومن طريقه الطبري: التاريخ 4/208، ابن شبه: تاريخ المدينة 2/703، 704، ابن الجوزي: مناقب ص 102، السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 139، وهو ضعيف لانقطاعه، لأن عمران بن عبد الله الخزاعي لم يدرك عمر. (التقريب ص 429) .
6 في الأصل: (فنعث) ، وهو تصحيف.
7 في الأصل: (إليه) ، وهو تحريف.
8 في الأصل: (في) .
9 العُكّة - بالضم -: آنية السمن أصغر من القربة. (التقريب ص 1225) .
10 ابن سعد: الطبقات 3/276، 277، ومن طريقه الطبري 4/ 208، والبلاذري أنساب الأشراف (الشيخان أبوبكر وعمر) ص 170، وهو ضعيف لأن في إسناديهما رجل مجهول. ابن الجوزي: مناقب ص 102، والسيوطي: تاريخ الخلفاء ص 139.
(2/486)

فدفعوا نفقاتهم إلى رجل منهم، فقالوا: "أنفق علينا"، فهل يحل له أن يستأثر منها بشيء؟ "، قالوا: "لا، يا أمير المؤمنين"، قال: "فكذلك مثلي ومثلهم"1.
وقال أبو أمامة2 بن سهل3: "مكث عمر رضي الله عنه زماناً لا يأكل من المال شيئاً حتى دخلت عليه في ذلك خصاصة، فأرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستشارهم، فقال: "قد شغلت نفسي في هذا الأمر، فما يصلح لي منه؟ "، فقال عثمان رضي الله عنه: "كل وأطعم"، وقال ذلك سعيد بن زيد، وقال لعلي: "ما تقول أنت؟ "، قال: "غذاءً وعشاءً"، فأخذ عمر بذلك"4.
وعن ابن عمر، قال: "جمع عمر الناس بالمدينة حين انتهى إليه فتح القادسية، ودمشق، فقال: "إني كنت امرءاً تاجراً، وقد شغلتموني بأمركم5 هذا، فماذا ترون أنه يحل لي من هذا المال؟ "، فأكثر القوم، وعليّ رضي الله عنه ساكت، فقال: "يا عليّ ما تقول؟ "، قال: "ما يصلحك ويصلح عيالك بالمعروف، وليس لك من هذا الأمر غيره". فقال: "القول ما قال عليّ بن أبي طالب"6.
وعن أسلم قال: "قام رجل إلى عمر رضي الله عنه فقال: "مايحل لك
__________
1 سبق تخريجه ص 382، 383.
2 في الأصل: (أبو ثمامة) ، وهو تحريف.
3 أسعد بن سهل بن حنيف الأنصاري، معروف بكنيته، معدود في الصحابة، له رؤية ولم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم توفي سنة مئة. (التقريب ص 104) .
4 ابن سعد: الطبقات 3/307، وفيه الواقدي، ابن الجوزي: مناقب ص 102، 103.
5 في الأصل: (بأمرهم) ، وهو تحريف.
6 الطبري: التاريخ 3/616، من طريق سيف بن عمر، ابن الجوزي: مناقب ص 103.
(2/487)

من هذا المال؟ "، فقال: "ما أصلحني وأصلح عيالي بالمعروف، وحلة للشتاء وحلة للصيف، / [68/ب] وراحلة عمر للحج، والعمرة، ودابة لحوائجه وجهاده"1.
وعن الزهري قال: "انكسرت قلوص من إبل الصدقة، فنحرها عمر، ودعا الناس عليها، فقال العباس رضي الله عنه: "لو كنت تصنع بنا هكذا"، فقال عمر: "إنا والله ما وجدنا إلى هذا سبيلاً، إلا أن يؤخذ من حق، فيوضع في حق، ولا يمنع من حق"2.
وعن حارثة بن مُضَرّب3، قال: قال عمر رضي الله عنه: "إني أنزلت نفسي من هذا المال بمنزلة والي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن احتجت استقرضت، فإذا أيسرت قضيت"4.
وعن عليّ رضي الله عنه قال: " [قال] 5 عمر للناس: "قد فضل عندنا فضل من هذا المال"، فقال الناس: "يا أمير المؤمننين، قد شغلناك عن أهلك، وصنعتك وتجارتك، فهو لك"، فقال لي: "ما تقول أنت؟ "، فقلت: قد أشار عليك القوم"، قال: "فقل"، فقلت: "لِمَ تجعل يقينك ظنا؟ "، قال: "لتخرجن مما قلت"، فقلت: أجل والله لأخرجن منه أتذكر حين بعثك نبي الله صلى الله عليه وسلم ساعياً فأتيت العباس بن عبد المطلب، فمنعك صدقته، فكان بينكما شيء،
__________
1 الطبري: التاريخ 3/616، من طريق سيف بن عمر، ابن الجوزي: مناقب ص103.
2 ابن الجوزي: مناقب ص 103، وقد سبق نحواً منه، عن سعيد بن المسيب ص 369.
3 العبدي، الكوفي، ثقة، من الثالثة. (التقريب ص 149) .
4 ابن سعد: الطبقات 3/276، وإسناده صحيح، والبلاذري: أنساب الأشراف (الشيخان: أبو بكر وعمر) ص 169، وابن شبه: تاريخ المدينة 2/694، وابن الجوزي: مناقب ص 103.
5 سقط من الأصل.
(2/488)

فقلت: انطلق معي إلى نبي الله، فوجدناه خاثراً1، فرجعنا، ثم غدونا عليه فوجدناه طيب النفس، فأخبرته بالذي صنع، فقال لك: "أما علِمت أن [عم] 2 الرجل صِنو أبيه؟ "، وذكرنا له الذي رأينا من خثوره في اليوم الأوّل، والذي رأينا من طيب نفسه في اليوم الثاني، فقال: "إنكما أتيتماني في اليوم الأوّل وقد بقي عندي من الصدقة ديناران، فكان الذي رأيتما من خثوري لهن وأتيتماني اليوم الثاني وقد وجهتها، فذاك الذي رأيتما من طيب نفسي، فقال عمر: "صدقت، والله لأشكرن [لك] 3 الأولى والآخرة"4.
وعن الربيع بن زياد الحارث: "أنه وفد على عمر رضي الله عنه فأعجبه هيئته، فشكى عمر وجعاً به من الطعام يأكله، فقال: "يا أمير المؤمنين، إن أحق الناس بمطعم طيب، ومبلس لين ومركب وطئ [لأنت] 5، وكان متكئاً، وبيده جريدة فاستوى جالساً، فضرب بها رأس الربيع بن زياد، وقال: "والله ما أردت بهذا إلا مقاربتي، وإن كنت لأحسب فيك خيراً! ألا أخبرك بمثلي ومثل هؤلاء؟، إنما مثلنا كمثل قوم سافروا، فدفعوا نفقتهم إلى رجل منهم، فقالوا له: أنفق علينا، فهل له أن يستأثر عليهم بشيء؟ "، قال: "لا"6.
__________
1 خاثر النفس: أي: ثقيلها غير طيب ولا نشيط. (لسان العرب 4/230) .
2 سقط من الأصل.
3 سقط من الأصل.
4 أحمد: المسند 2/98، رقم: 725، وضعّفه أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند رقم: 725، وقال: "إسناده ضعيف لانقطاعه، أبو البختري أحاديث عن عليّ مرسلة".
5 سقط من الأصل.
6 سبق تخريجه ص 450.
(2/489)

وعن الحسن1، قال: قال عمر بن الخطاب: "السنة ثلاث مئة وستون يوماً، وإن حقا على عمر يكسح2 بيت المال في كل سنة يوماً عذراً إلى الله عزوجل، إني لم أدع فيه شيئاً"3.
وعن الحسن4 أن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان - رضي الله عنهما - كانا يرزقان الأئمة، والمؤذنين، والمعلّمين، والقضاة5.
وعن الحسن6 رضي الله عنه قال: "بينما عمر رضي الله عنه يمشي في سكة من سكك المدينة، إذا هو بصبية تطيش7 على وجه الأرض، تقوم مرة، وتقع أخرى، فقال عمر: "يا حوبتها8، يا بؤسها من يعرف هذه منكم؟ "، فقال عبد الله بن عمر: "أما تعرفها يا أمير المؤمنين؟ "، قال: "لا، ومن هي؟ "، قال: "هذه إحدى بناتك"، قال: "وأيّ9 بناتي هذه؟ "، قال: "هذه فلانة بنت عبد الله بن عمر"، قال: "ويحك، وما صيرها إلى ما أرى؟ "، قال: "منعك10 ما عندك"، قال: "ومنعي ما عندي "يمنعك" أن تطلب لبناتك ما يكسب القوم لبناتهم، إنك والله ما لك عندي غير
__________
1 البصري.
2 كسح: كنس. (القاموس ص 304) .
3 ابن الجوزي: مناقب ص 105، وهو ضعيف، لانقطاعه، الحسن لم يدرك عمر، ورويته عنه مرسلة.
4 البصري.
5 الخطيب: تاريخ بغداد: 2/1، ابن الجوزي: مناقب ص105، وهو ضعيف، لانقطاعه.
6 البصري.
7 الطيش: النّزق والخفة. (القاموس ص 770) .
8 الحوبة: الحاجة، وفي حديث الدعاء: "إليك أرفع حوبتي"، أي: حاجتي. (لسان العرب 1/337) .
9 في الأصل: (ولي) ، وهو تحريف.
10 في الأصل: (ما منعك) ، وهو تحريف.
(2/490)

سهمك من فيء المسلمين، وسعك أو عجزك هذا كتاب الله بيني وبينكم"1.
وعن مالك بن أوس، قال: قال عمر: "ما أحد إلا وله في هذا المال حق إلا ما ملكت أيمانكم"2.
وعن عاصم بن عمر - رضي الله عنهما - قال: بعث / [69 / أ] إليّ عمر عند الهَجِير3، أو عند صلاة الصبح فأتيته، فوجدته جالساً في المسجد فحمد الله عزوجل وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد: فإني لم أكن أرى شيئاً من هذا المال يحل لي قبل أن أليه إلا بحقه، ثم ما كان أحرم عليّ منه حين وليته، فعاد أمانتي، وإني كنت أنفقت عليك من مال الله شهراً4، فلست بزائدك عليه، وإني أعطيت ثمرك بالعالية5 فبعه6، فخذ ثمنه، ثم ائت رجلاً من تجار قومك فكن إلى جانبه، فإذا ابتاع شيئاً فاستشركه، وأنفق عليك وعلى أهلك". قال: "فذهبت ففعلت"7.
__________
1 ابن سعد: الطبقات 3/277، البلاذري: أنساب الأشراف (الشيخان: أبو بكر وعمر) ص 179، ابن أبي الدنيا: إصلاح المال ص 246، ابن الجوزي: مناقب ص 105، الذهبي: تاريخ الإسلام (عهد الخلفاء الراشدين) ص: 271، وهو ضعيف لانقطاعه، الحسن لم يدرك عمر بن الخطاب.
2 الشاقعي: المسند ص 325، ابن زنجويه: الأموال 1/110، وإسنادهما صحيح.
3 الهَجِير: نصف النهار عند زوال الشمس مع الظهر. (القاموس ص 638) .
4 في الأصل: (شيئا) ، وهو تحريف.
5 هكذا في الأصل ولعله: (وإني أعطيتك ثمري بالعالية) .
6 في الطبقات: (ولكني معينك بثمر مالي بالغابة) . وفي الأموال: (وقد أعنتك بثمر مالي بالعالية) .
7 ابن سعد: الطبقات 3/277، وإسناده صحيح. ابن شبه: تاريخ المدينة 2/699، البلاذري: أنساب الأشراف (الشيخان: أبو بكر وعمر) ص 170، ابن زنجويه: الأموال: 2/518، ابن الجوزي: مناقب ص 107.
(2/491)

وعن قتادة، قال: "كان معيقيب1 على بيت مال لعمر، فكسح بيت المال يوماً فوجد فيه درهماً، فدفعه إلى ابن عمر، قال معقيب: ثم انصرفت إلى بيتي، فإذا رسول عمر قد جاء يدعوني، فجئت فإذا الدرهم في يده، فقال: "ويحك يا معيقيب أوجدت عليّ في نفسك شيئاً؟ "، أو ما لي ولك؟ "، قلت: "وما ذلك؟ "، قال: "أردت أن تخاصمني أمة محمّد صلى الله عليه وسلم في هذا الدرهم يوم القيامة؟ "2.
وروى عمر بن شبه، أن عبد الله بن الأرقم قال لعمر: "إن عندنا حلية من حلية جلواء، وآنية وفضة، فانظر ما تأمر فيها"، فقال: "إذا رأيتني فارغاً فآذني"، فجاءه يوماً، فقال: "يا أمير المؤمنين، إني أراك اليوم فارغاً"، قال: "ابسط لي نطعاً"3، فبسط، ثم أتي بذلك المال فصب عليه، فأتى فوقف4، فقال: "اللهم إنك ذكرت هذا المال، فقلت: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالبَنِيْنَ وَالقَنَاطِيْرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ} [آل عمرن: 14] .
وقلت: {لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَاءَاتَاكُم} [الحديد: 23] .
اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينت لنا، اللهم إني أسألك أن تضعه في حقه، وأعوذ بك من شرّه". قال: فأُتي بابن له يقال له عبد الرحمن
__________
1 معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي، من السابقين الأوّلين هاجر الهجرتين وشهد المشاهد، وولي بيت المال لعمر، وتوفي في خلافة عثمان أو علي. (التقريب ص 542) .
2 ابن الجوزي: مناقب ص 106، وهو ضعيف لانقطاعه، قتادة لم يدرك خلافة عمر، ولم يصرح عمن رواه.
3 النطع - بالكسر وبالفتح والتحريك -: بساط من الأديم. (القاموس ص 991) .
4 في الأصل: (واقف) ، والمثبت من تاريخ المدينة.
(2/492)

بن لُهيّة1، فقال: "يا أبتاه هب لي خاتماً"، قال: "اذهب إلى أمك تسقيك سويقاً2فما أعطاه شيئاً"3.
وعن عبد الرحمن بن غنم، قال: "شهدت عمر رضي الله عنه ينظر في أمور المسلمين حتى تعالى النهار، وافترق الناس وقام إلى منزله، واستتبعني فلما صار فيه قال لجاريته: "آتينا غداءنا"، فقّربت زيتاً وخبزاً، فقال: "ويحك ألا جعلت مكان الزيت سمنا؟ "، قالت: "يا أمير المؤمنين، إنك جلعت مال الله في أمانتي، وإن فَرقَ4 الزيت يقوم بكذا وكذا [وفرق السمن يقوم بكذا وكذا] 5، فقال: "ويحك، أما علمت أن داود عليه السلام كان يعمل فيأكل من عمل يده"6.
وعن عاصم بن عمر [عن عمر] 7 قال: "إني لأجده يحل لي أن آكل من مالكم هذا إلا كما كنت آكل من صلب مالي، الخبز والزيت [و] 8
__________
1 عبد الرحمن الأوسط، وأمه لُهيّة أم ولد، وهو أبو المجبر. (أنساب الأشراف الشيخان: أبو بكر وعمر ص 146، 290.
2 السويق: ما يتخذ من الحنطة والشعير. (لسان العرب 10/170) .
3 ابن شبة: تاريخ المدينة 2/699، 700، وفي إسناده هشام بن سعد المدني، صدوق له أوهام، ورمي بالتشيع. (التقريب ص 572) ، وعبد الله بن أحمد: الزهد ص115، عن هشام بن سعد، ابن الجوزي: مناقب ص 106، والمتقي الهندي: كنْز العمال 12/641، 642.
4 الفَرْق: مكيال بالمدينة يَسَع ثلاثة آصع، ويحرك وهو أفصح، أو يسع ستة عشر رطلاً. (القاموس ص 1183) .
5 سقط من الأصل.
6 ابن شبه: تاريخ المدينة 2/704، وفي إسناده سعيد بن سليمان الدمشقي، مجهول. الجرح والتعديل 4/26، ابن الجوزي: مناقب ص 106، 107.
7 سقط من الأصل.
8 سقط من الأصل.
(2/493)

الخبز والسمن". قال: فكان ربما يؤتى بالجفنة قد صنعت بالزيت وما يليه منها بسمن/ [69/ب] 1 فيعتذر إلى القوم، ويقول: "إني رجل عربي ولست أستمرئ2 الزيت"3.
قال أسامة بن مرشد4 الذي اختصر (سيرة عمر) ، لابن الجوزي - بعد هذا الحديث، قلت: "من غير رد على الشيخ المصنف - يعني ابن الجوزي - أمير المؤمنين منزه عن هذا وقد أجمع أصحاب السير أنه حرم على نفسه السمن، وأكل الزيت حتى اسودَّ لونه، فكيف يأكل من جفنة واحدة بين يديه سمن، وبين يدي مواكليه زيت؟!، هذا ينافي فعله وخلقه"5.
قلت: وهذا الكلام ساقط من وجهين:
الأوّل: أن كلامه يدل على إنكار على ابن الجوزي، ولا مدخل له في ذلك، فإنه أثر ذكره كما ورد.
فإن قيل: قد قال: من غير رد على الشيخ، قيل: الظاهر أن قوله: من غير رد على الشيخ، كأنه احتقر نفسه عند المصنف، فإن قوة اللفظ تعطي ذلك مع أنه أنكر عليه، وليس عليه إنكار فإنه نقل الخبر كما مرّ.
الثاني: أن قوله: "أمير المؤمنين منزه عن ذلك"، لا أرى التنزه عن ذلك
__________
1 ق 69 / ب بياض وليس ثمة نقص، فالكلام متصل.
2 مرا: طَعِمَ. (القاموس ص 66) .
3 هناد: الزهد 2/363، وإسناده صحيح. وابن الجوزي: مناقب ص 107، المحب الطبري: الرياض النضرة 2/378، وقال: "خرجه أبو معاوية الضرير".
4 أسامة بن مرشد الكناني الكلبي، أمير من أكابر بني مُنقذ أصحاب قلعة شيزر، ومن العلماء الشجعان، توفي سنة أربع وثمانين وخمس مئة. (البداية والنهاية 12/331، الأعلام 1/291) .
5 أسامة بن مرشد: مختصر مناقب عمر ص 107.
(2/494)

وجهاً، فإنه1 كان يفعل ذلك في بعض الأوقات لعلة، فلهذا فيه2: "كان ربما"، فدلك على أن ذلك كان يفعله بعض الأوقات وفيه ما يدل على أنه كان يفعله لعلة، ولو كان لغير علة فإنه يجوز له، فيجوز لصاحب الغداء أن يضع بين يديه ما هو أجود مما يضعه بين يدي ضيفه. وليس في هذا شيء يدل على أن ذلك كان من مال المسلمين. والله أعلم.
وقال القاسم: "خطب عمر الناس، فقال: "إن أمير المؤمنين يشتكي بطنه من الزيت، فإن رأيتم أن تحلوا له ثلاثة دراهم ثمن عكة سمن من بيت مالكم، فافعلوا"3.
وهذا يدل على أنه إنما فعل ذلك لعلة، وأنه لم يأكل الزيت معهم لعلة فيه، ولا يقدر أن يطعم الجميع السمن وفيه ضرر.
وعن ناشرة بن سُمّي اليَزَني4 قال: "سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول يوم الجابية وهو يخطب الناس: "إن الله عزوجل جعلني خازناً لهذا المال وقاسمه، ثم قال: بل الله يقسمه، وأنا بادئ بأهل النبي صلى الله عليه وسلم ثم أشرفهم"، فَفَرَض لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف درهم إلا جويرية وصفية وميمونة، قالت عائشة: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعدل بيننا"، فعدل بينهن عمر، ثم قال: "إني بادئ بأصحابي المهاجرين الأوّلين، فإنا أخرجنا من ديارنا
__________
1 في الأصل: (فإن) .
2 أي: في كلام ابن الجوزي: حيث قال: "فكان ربما يؤتى. . . " ص 463.
3 ابن شبه: تاريخ المدينة 2/705، وابن الجوزي: مناقب ص 107، وهو ضعيف لانقطاعه، القاسم لم يدرك عمر، ولم يصرح عمن رواه.
4 المصري، ثقة، من الثانية. (التقريب ص 557) .
(2/495)

ظلماً وعدواناً ثم أشرافهم". ففرض لأصحاب بدر منهم خمسة آلاف، ولمن كان شهد بدراً من الأنصار أربعة آلاف، قال: "ومن أسرع في الهجرة أسرع به في العطاء، ومن أبطأ في الهجرة أبطأ به في العطاء، فلا يلومنّ رجل إلا مناخ راحلته، وإني أعتذر إليكم من خالد بن الوليد إني أمرته / [70/أ] 1 أن يحبس هذا المال على ضعفة المهاجرين فأعطاه ذا البأس، وذا الشرف، وذا اللسان، فنزعته وأمرت أبا عبيدة بن الجراح"2.
وعن أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، أن عمر رضي الله عنه كتب المهاجرين على خمسة آلاف، والأنصار على أربعة آلاف، فمن لم يشهد بدراً من أبناء المهاجرين على أربعة آلاف، فكان منهم عمر بن أبي سلمة ابن عبد الأسد المخزومي3، وأسامة بن زيد4، ومحمّد بن عبد الله بن جحش الأسدي5، وعبد الله بن عمر، فقال عبد الرحمن بن عوف: "إن ابن عمر ليس من هؤلاء، إنه وإنه"، فقال ابن عمر: "إن كان لي حق فأعطني، وإلا فلا تعطني". فقال عمر لابن عوف: "اكتبه على خمسة آلاف واكتبني على أربعة آلاف"، فقال عبد الله: "لا أريد هذا"، فقال عمر: "والله لا أجتمع أنا وأنت على خمسة آلاف"6.
فرض عمر رضي الله عنه لأهل بدر عربيهم ومولاهم في خمسة آلاف،
__________
1 ق 70 / أنصفها بياض وليس ثمة ما يشير إلى نقص فالكلام متصل.
2 أحمد: المسند 3/475، 476، وإسناده صحيح، والبيهقي: السنن: 6/349) .
3 ربيب النبي صلى الله عليه وسلم صحابي صغير، توفي سنة ثلاث وثمانين على الصحيح. (التقريب ص 413) .
4 ابن حارثة.
5 صحابي صغير، وأبوه من كبار الصحابة، وعمته زينب أم المؤمنين. (التقريب ص 487) .
6 البيهقي: السنن: 6/350، وفيه عليّ بن زيد بن جدعان، ابن الجوزي: مناقب ص 108.
(2/496)

وقال: "لأفضلنهم على من سواهم"1.
وعن الزهري قال: "فرض عمر للعباس عشرة آلاف"2.
وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن3، قال: "قال عمر رضي الله عنه: "إني متخذ4 المسلمين على الأعطية ومُدَوِّنهم، ومتحرّ الحق، فقال عبد الرحمن وعثمان وعلي - رضي الله عنهم - "ابدأ بنفسك"، فقال: "لا، بل أبدأ بعم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم الأقرب فالأقرب منهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ففرض للعباس فبدأ به، ثم فرض لأهل بدر خمسة آلاف، ثم فرض لمن بعد أهل بدر إلى الحديبية أربعة آلاف أربعة آلاف، ثم فرض لمن بعد الحديبية إلى أن أقلع أبو بكر رضي الله عنه عن أهل الردة ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف، ودخل في ذلك من شهد الفتح، ثم فرض لأهل القادسية، وأهل الشام أصحاب اليرموك، ألفين ألفين، وفرض لأهل البلاء البارع منهم ألفين وخمس مئة ألفين وخمس ومئة، فقيل له: "لو ألحقت أهل القادسية بأهل الأيام؟ "، قال: "لم أكن لألحقهم بدرجة من لم يدركوا، لاها الله إذاً"5، وقيل له: "قد سويتهم على بعد دارهم ممن قربت داره؟ "، فقال: "هم حق بالزيادة لأنهم كانوا ردءاً لهتوف6، وشجى لعدو، وايم الله ما سويتهم حتى استبطنتهم7،
__________
1 البخاري: الصحيح، كتاب المغازي 4/1475، رقم: 3797، بنحوه.
2 ابن الجوزي: مناقب ص 108، وهو ضعيف لانقطاعه.
3 ابن عوف.
4 في الأصل: (مجتد) ، وهو تحريف.
5 انظر: ص 577.
6 الهتف والهاتف: الصوت الجافي العالي. (لسان العرب 6/344) .
7 في الأصل: (استبطهم) ، وهو تحريف.
(2/497)

والرّوادف1 الذين ردفوا بعد فتح القادسية، واليرموك ألفاً ألفاً، ثم الروادف الثني خمس مئة خمس مئة، ثم الروادف الثلث2 بعدهم ثلاث مئة ثلاث مئة. سوّى كل طبقة في العطاء ليس بينهم فيما بينهم تفاضل قويهم وضعيفهم، وعربيهم وأعجميهم في طبقاتهم سواء [حتى] 3 إذا حوى أهل الأمصار ما حووا من سباياهم، وردفت الرّبع من الروادف فرض لهم على خمسين ومئتين، وفرض لمن ردف من الروادف الخمس على مئتين، وكان آخر من فرض له عمر رضي الله عنه أهل هجر4 على مئة. ومات عمر على ذلك. وأدخل عمر في أهل بدر أربعة من غير أهل بدر: الحسن والحسين، وأبا ذر وسلمان، - رضي الله عنهم -5.
وعن زهرة بن أبي سلمة6، قال: "فرض للعباس على خمسة وعشرين ألفاً"7.
وقال الزهري: "على اثني عشر ألفاً، وجعل نساء أهل بدر على خمس مئة، خمس مئة، ونساء من بعد بدر إلى الحديبية على أربع مئة، أربع مئة، ونساء بعد ذلك إلى الأيام على ثلاث مئة، ثم نساء القادسية على مئتين مئتين، ثم سوى بين النساء بعد ذلك، وجعل الصبيان من أهل بدر وغيرهم على مئة، مئة، وفرض
__________
1 الروادف: أتباع القوم المؤخرون. (لسان العرب 11/116) .
2 في الطبري: (التليث) ، وهما سواء.
3 سقط من الأصل.
4 هجر: مدينة وهي قاعدة البحرين، فُتحت في أيام النبي صلى الله عليه وسلم قيل: في سنة ثمان، وقيل: في سنة عشر، ومدينة هجر تبعد ميلين عن الأحساء المعروفة، شرق المملكة. (معجم البلدان 5/393، المنطقة الشرقية 4/1829) .
5 الخبر بنحوه في الطبري: التاريخ 3/614، ابن الجوزي: مناقب ص 109، ابن الأثير: الكامل 2/502، 503، بدون إسناد.
6 لم أجد له ترجمة، وفي مناقب عمر: (أبي زهرة) .
7 الطبري: التاريخ 3/614، ابن الجوزي: مناقب ص 109، بدون إسناد.
(2/498)

لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف إلاّ من جرى عليها الملك، وفضل عائشة - رضي الله عنها - ألفين، فأبت، فقالت: "بفضل ميزاتك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أخذت فشأنك"1.
وعن أبي سلمة2، ومحمّد3، والمهلب4 وطلحة5، قالوا: "لما أعطى عمر رضي الله عنه وذلك في سنة خمس عشرة، وكان صفوان بن أمية قد أفرض في أهل القادسية، وسهيل بن عمرو6 فلما دعي صفوان وقد رأى ما أخذ أهل بدر ومن بعدهم إلى الفتح، فأعطاه في أهل الفتح، فقال: "لست آخذاً أقل من هو دوني"، فقال: "إنما أعطيتهم على السابقة في الإسلام لا على الأحساب"، قال: "فنعم إذا". / [70/ب] فأخذ وقال: "أهل ذلك هم"، ولما بلغ القسم سهيل بن عمرو والحارث بن هشام، قالا: "أنت تعرف قريشاً وتقصر بنا"، قال: "إنما القسم على السابقة وقد سبقتما"، قالا: "نعم، إذا ولئن كنا سبقنا إلى ذلك لا نسبق إلى الجهاد وأخذا"7.
وعن عبد الملك بن عمير8 قال: "أصاب المسلمين يوم المدائن، بساط بهار كسرى، ثقُل عليهم أن يذهبوا به، وكانوا يعدونها للشتاء، إذا ذهبت
__________
1 الطبري: التاريخ3/614، ابن الجوزي: مناقب ص109، 110، وهو ضعيف لانقطاعه.
2 لعله ابن عبد الرحمن بن عوف.
3 محمّد بن نويرة روى عن أم عثمان عن ابن مكنف روى عنه سيف بن عمر. (الجرح والتعديل 8/110) .
4 ابن عقبة.
5 ابن الأعلم الحنفي.
6 في الأصل " عمر " وهو تحريف.
7 ابن الجوزي: مناقب ص 110، وبنحوه في الطبري: التاريخ 3/613، ابن الأثير 2/502.
8 اللخمي.
(2/499)

الرياحين، وكانوا إذا أرادوا الشرب شربوا [عليه] 1 فكأنهم2 في رياض بساط واحد ستين في ستين، أرضه بذهب3، ووشِيَه4 بفصوص، وثمره بجوهر، وورقه بحرير وماء ذهب، فلما قسم سعد فيهم فضل، ولم يتفق قسمه، فجمع سعد المسلمين فقال: "إن الله تعالى قد ملأ أيديكم، وقد عسر قسم هذا البساط، ولا يقدر على شرائه أحد، فأرى أن تطيبوا به نفساً لأمير المؤمنين يضعه حيث يشاء"، ففعلوا. فلما قدم على عمر رضي الله عنه بالمدينة رأى رؤياً فجمع الناس، وحمد الله وأثنى عليه، واستشارهم في البساط، وأخبرهم خبره، فمن مشير بقبضه، وآخر مُفوّض إليه، وآخر مرقق فقام عليّ رضي الله عنه حين رأى عمر يأبى حتى انتهى إليه، فقال: "لِمَ تجعل عملك جهلاً ويقينك شكاً؟ إنه ليس لك من الدنيا إلا ما أعطيت فأمضيت، أو لبست فأبليت، أو أكلت فأفنيت"، قال: "صدقتني"، فقطعه فقسمه بين الناس، فأصاب عليّاً رضي الله عنه قطعة منه فباعها بعشرين ألفاً، وما هي بأجود تلك القطع"5.
وعن الزهري أن عمر كسا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فلم يكن فيها ما يصلح للحسن والحسين فبعث إلى اليمن فأتى لهما بكسوة فقال: "الآن طابت نفسي"6.
__________
1 سقط من الأصل.
2 في الأصل: (فإنهم) ، وهو تحريف.
3 في الأصل: (بذهب وذهب) .
4 الوشي: نقش الثوب. (القاموس ص 1730) .
5 الطبري: التاريخ 4/22، وهو ضعيف لانقطاعه عبد الملك بن عُمير لم يدرك عمر، وأورده ابن الجوزي: مناقب ص 110، وقد سبق مختصراً ص 525.
6 ابن الجوزي: مناقب ص 111، وهو ضعيف لانقطاعه.
(2/500)

وعن أبي وائل1، قال: "استعملني ابن زياد2 على بيت المال، فأتى رجل بصك فقال فيه: "أعط صاحب المطبخ ثمان مئة درهم"، فقلت له: مكانك، ودخلت على ابن زياد فحدثته فقلت: إن عمر استعمل عبد الملك بن مسعود على القضاء وبيت المال، وعثمان بن حنيف على ما سقي الفرات، وعمار بن ياسر على الصلاة والجند، ورزقهم كل يوم شاة، فجعل نصفها وسقطها وأكارعها3 لعمار، لأنه كان في الصلاة والجند، وجعل لعبد الله بن مسعود ربعها، وجعل لعثمان بن حنيف ربعها، ثم قال: "إن مالاً يؤخذ منه كل يوم شاة، فإن ذلك فيه لسريع"، فقال ابن زياد: "ضع المفتاح واذهب حيث شئت"4.
فما ورد عنه في بيت المال وقيامه فيه، ونظر في مصالحه، وحذره من أن يأخذ هو أو أحد من أهله منه شيئاً بغير حقه، لم يرد عن أحد من الأمة رضي الله عنه، وجزاه عن المسلمين خيراً. إنه على كل شيء قدير.
__________
1 شقيق بن سلمة الأسدي.
2 عبد الملك بن زياد بن أبيه أمير العراقيين، ليزيد بن معاوية، قتل في أيامه وعلى يده الحسين بن عليّ رضي الله عنه وقتله إبراهيم بن الأشتر سنة سبع وستين. (تاريخ الطبري 6/86) .
3 في الأصل: (وأكراعها) .
4 البيهقي: السنن: 6/354، وفي إسناده عامر بن شقيق، قال الحافظ: "لين الحديث". التقريب ص 287) ، وأورده ابن الجوزي: مناقب ص 111.
(2/501)

الباب السابع والأربعون: حذره من المظالم وخروجه منها
...
الباب السابع والأربعون: في حذره من المظالم وخروجه منها
ذكر ابن الجوزي عن الأحنف بن قيس قال: "وفدنا إلى عمر بفتحٍ عظيم، فقال: "أين نزلتم؟ "، فقلت: في مكان كذا، فقام معنا حتى انتهينا إلى مناخ رواحلنا، فجعل يتخللها ببصره ويقول: "ألا اتقيتم الله في ركابكم هذه؟، أما علمتم أن لها عليكم حقاً؟، ألا خليتم عنها فأكلت من نبت الأرض؟ ".
فقلنا: يا أمير المؤمنين، إنا قدمنا بفتح عظيم، فأحببنا التسرع إلى أمير المؤمنين، وإلى المسلمين بما يسرهم، ثم انصرف راجعاً ونحن معه، فلقيه رجل، فقال: "يا أمير المؤمنين، انطلق معي فأعدني على فلان فإنه ظلمني". قال: فرفع الدرة فخفق1 بها رأسه، وقال: "تدعون عمر / [71 / أ] وهو مُعرِضٌ لكم حتى إذا اشتغل بأمرٍ من أمور المسلمين أتيتموه: أعدني، أعدني".
فانصرف الرجل وهو يتذمّر2، فقال عمر: "عليّ بالرجل"، فألقى إليه المخِفقة3، فقال: "أمسك"، قال: "لا ولكن أدعها لله ولك"، قال: "ليس كذلك، إما تدعها لله وإرادة ما عنده، أو تدعها لي فأعلم ذلك". قال: "أدعها لله"، قال: "انصرف". ثم جاء يمشي حتى دخل منزلة، ونحن معه، فافتتح الصلاة، فصلى ركعتين، ثم جلس، فقال: "يا ابن الخطاب، كنت وضيعاً فرفعك الله، وكنت ضالاً فهداك الله، وكنت ذليلاً فأعزّك الله، ثم حملك على رقاب المسلمين، لجاء رجل يستعديك فضربته، ما تقول لربك غداً إذا أتيته؟ "، فجعل يعاتب نفسه
__________
1 الخفق: ضربك الشيء بدرة أو بعريض. (القاموس ص 1126) .
2 يتذمّر: أي: يجترئ عليه ويرفع صوته في عتابه. (النهاية 2/167) .
3 المخفقة: الدرة. (النهاية 2/56) .
(2/502)

معاتبة ظننت أنه من خير أهل الأرض"1.
وعن إياس بن سلمة2 عن أبيه، قال: "مرّ عمر رضي الله عنه وأنا في السوق، وهو مار في حاجة، ومعه الدّرّة، فقال: "هكذا أمِطْ3 عن الطريق يا سلمة". قال: ثم خفقني بها خفقة فما أصاب إلا طرف ثوبي، فأمطت عن الطريق، فسكت عني حتى كان في العام المقبل، فلقيني في السوق، فقال: "يا سلمة، أردت الحج العام؟ "، قلت: نعم. يا أمير المؤمنين، فأخذ بيدي، فما فارقت يدي يده حتى دخل في بيته، فأخرج كيساً فيه ست مئة درهم، فقال: "يا سلمة، استعن بهذه، واعلم أنها من الخفقة التي خفقتك عام أوّل". قلت: والله يا أمير المؤمنين، ما ذكرتها حتى ذكرتنيها، قال: "والله ما نسيتها بعد"4.
وعن عاصم بن عبيد الله5، قال: "قال6 عمر بن الخطاب رضي الله عنه تحت شجرة في طريق مكة، فلما اشتدت عليه الشمس أخذ عليه ثوبه، فقام فناداه رجل غير بعيد منه: يا أمير المؤمنين، هل لك في رجل قد ربْدت حاجته، وطال انتظاره؟، قال: "من ربدها؟ "، قال: "أنت"، فجاراه القول حتى ضربه
__________
1 ابن عساكر: تاريخ دمشق ج 13 / ق 102، وفي سلامة بن صبيح، لم أجد له ترجمة. وابن الجوزي: مناقب ص111، 112، والمتقي الهندي: كنْز العمال12/671، 672، ونسبه لابن عساكر.
2 ابن الأكوع الأسلمي، المدني ثقة، توفي سنة تسع عشرة ومئة. (التقريب ص 116) .
3 ماطه وأماطه: نحّاه ودفعه. (لسان العرب 7/409) .
4 الطبري: التاريخ 4/224، وإسناده ضعيف، فيه عكرمة بن عمار، قال الحافظ فيه: "صدوق يغلط". (التقريب ص 396) ، وأورده ابن الجوزي: مناقب ص 112.
5 ابن عاصم بن عمر بن الخطاب، العدوي، ضعيف، توفي سنة اثنتين وثلاثين ومئة. التقريب ص 285) .
6 قال؛ من القيلولة: وهو نومة نصف النهار. (لسان العرب 11/577) .
(2/503)

بالمخفقة، فقال: "عجلت عليّ قبل أن تنظرني، فإن كنت مظلوماً رددت إلي حقي، وإن كنت ظالماً رددتني"1، فأخذ عمر طرف ثوبه، وأعطاه المخفقة، وقال له: "اقتص"، قال: "ما أنا بفاعل"، فقال: "والله لتفعلن كما فعل المنصف من حقه"، قال: "فإني أغفرها"، فأقبل عمر على الرجل، فقال: "أنصف من نفسي أصلح من أن ينتصف مني، وأنا كاره"، فلو كنت في الأراك لسمعت حنين عمر - يعني: بكاءه"2.
قوله: "ربدتها: يعني: حبستها3، 4.
وعن سالم بن عبد الله، قال: "نظر عمر رضي الله عنه إلى رجل أذنب ذنباً فتناوله بالدّرّة، فقال الرجل: "يا عمر إن كنت أحسنت فقد ظلمتني، وإن كنت أسأت فما علمتني". قال: "صدقت، فاستغفر الله لي5 فاقتد من عمر، فقال الرجل: "أهبها لله وغفر الله لي ولك"6.
قال ابن الجوزي أو ابن مرشد الذي اختصر سيرته والظاهر أنّه من كلام ابن الجوزي: "فإن قال قائل: كيف جاز لعمر أن يقول لمن ضربه: اقتص منّي، والقصاص لا يكون في الضرب بالعصا إجماعاً"7. / [71 / ب] .
قال: "وأبلغ من هذا ما روى محمّد بن سعد من حديث الفضل
__________
1 في الأصل: (ردتني) ، وهو تحريف.
2 انظر: منظور: لسان العرب 13/129.
3 انظر: ابن منظور: لسان العرب 3/170.
4 ابن الجوزي: مناقب ص112، 113، وهو ضعيف لإعضاله، ولضعف عاصم بن عبيد الله.
5 في الأصل: (ذنوبك) ، وهو تحريف.
6 ابن الجوزي: مناقب ص 113.
7 ابن الجوزي: مناقب ص 113.
(2/504)

بن العباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أيما رجل كنت أصبت من عِرِضه شيئاً، فهذا عرضي فليقتص منّي، أو من بَشَره شيئاً فهذا بشري فليقتص، أو من ماله شيئاً فهذا مالي فليأخذ، واعلموا أن أولاكم بيَ رجل كان له من ذلك شيء1 فأخذه وحلّلَني، فلقيت ربّي وأنا محلَّل لي "2.
قال: فالجواب أما النبي صلى الله عليه وسلم فإنه منزه أن يكون ضرب أحداً بغير حق، إنما أبان بما قال الواجب على من ضرب أحداً بغير حق يعزر، والتعزير ضرب لكنه لايقع قوداً، لكن تعزيراً، وكذلك قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "من كنت ضربته بغير حق، فليضربني على وجه التعزير، لا معنى القصاص، فإن عمر هو الإمام، وإذا وجب لبعض رعيته عليه حق جاز أن يأذن له في استيفائه، وإقامته، فأما القصاص في الضرب بالعصا فقد أجمع الفقهاء أنه لا قصاص في ذلك، ولا يعدل عن الإجماع بخبر محتمل، ثم لا يحوز للنبي صلى الله عليه وسلم ولا لعمر أن يبيحا من أنفسهما ما لم يبحه الله تعالى من الضرب، كما لا يجوز لأحد أن يقول لآخر: اجرحني، أو اقتلني، لأن النفوس محترمة لحق الله تعالى، وإنما أبيح القصاص في الجراح والقتل"3.
قلت: وهذا الكلام مردود من وجهين:
الأوّل: أنه لا يمتنع أن يظن النبي صلى الله عليه وسلم الحق في ضرب رجل فيضربه ثم يظهر الحق في عدم ضربه، فقد قال عليه السلام: "إنما أنا بشر مثلكم، أنْسى كما تنسون" 4، وقال: "إني بشر مثلكم، وإنكم تختصمون إليّ، وإن
__________
1 في الأصل: (شيئاً) .
2 ابن سعد: الطبقات 2/255، بأطول، وإسناده ضعيف لجهالة أحد رجال السَّند.
3 ابن الجوزي: مناقب ص 113، 114.
4 البخاري: الصحيح، كتاب القبلة 1/156، رقم: 392، مسلم: الصّحيح، كتاب المساجد ومواضع الصلاة 1/402، رقم: 572.
(2/505)

بعضكم ألحن بحجته1 من بعض" 2.
فإذا كان الخطأ في الاجتهاد جائزاً في حق النبي صلى الله عليه وسلم ففي حق عمر من باب أولى.
الثاني: أن قوله: "لا قصاص في العصا بالإجماع"، ليس بمسلم، بل يكون فيه القصاص، حتى قال بعض أصحابنا: القصاص في الكلام أيضاً، وهو اختيار الشيخ تقي الدين ابن تيمية، أنه إذا شُتم، أو لعن، يجوز أن يقتص منه بالكلام، وكذلك إذا ضرب يجوز أن يضرب من ضربه3، وقال الله عزوجل: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] .
وقوله عزوجل: {وَالجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: 45] ، لا يلزم منه أن لا يكون القصاص في غير الجروح، بل هنا أثبت القصاص في الجروح، وسكت عن غيرها، وأي دليل في ثبوت القصاص في ذلك أعظم من قول النبي صلى الله عليه وسلم وقول عمر، ولو لم يكن قول النبي صلى الله عليه وسلم فقول الصحابي حجة4.
وقوله: "لا يجوز لهما أن يبيحا من نفسهما ما لم يبحه الله تعالى".
نقول: "هذا ليس مما لم يبحه الله تعالى، فإن هذا مباح، بل واجب، أي:
__________
1 في الأصل: (بحت) ، وهو تحريف.
2 البخاري: الصحيح، كتاب الحيل 6/2555، رقم: 6566، مسلم: الصّحيح، كتاب الأقضية 3/1337، رقم: 1713.
3 ابن تيمية: مجموع الفتاوى 34/163، 11/547.
4 انظر عن حجية قول الصحابي: روضة الناظر وجنة المناظر 2/165، والوجيز في أصول الفقه ص 261، 262.
(2/506)

لأجل / [72 / أ] الخروج من المظلمة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من كان عنده حق لأخيه فليتحلله" 1، وهذا حق فإن ضربه بغير حق فإثم ذلك عليه".
وقوله: "كما لا يجوز أن يقول لرجل: اقتلني، أو اجرحني".
هذا ليس بمسلم، وهذا ليس كهذا، فإنه لا يجوز أن يقول له اقتلني أو اجرحني بغير حق عليه، وهناك عليه حق، بل نقول: لو جرح الإمام رجلاً ظلماً، وجب عليه أن يقول له: اجرحني، وإذا ضربه وجب أن يقول له: اضربني، وإذا أخذ من ماله شيئاً، وجب عليه دفعه إليه، والضرب بالعصا كذلك.
وقوله: "إن ذلك تعزير".
هذا مردود بل كونه قصاصاً أولى، فإن النبي صلى الله عليه وسلم منَزَّهٌ أن يعزر وليس بمنزه عن دفع الحق إلى أهله، وهو محمود عليه، وكذلك عمر، ولأن التعزير لا يكون إلا من الإمام في حق غيره، ولا يكون من غير الإمام في حق الإمام، وما قاله هذا القائل لا معول عليه، ولو سكت عن هذه المقالة كان أولى، بل هي مقالة لا يلتفت إليها، وما أظن ابن الجوزي يقول ذلك.
وذكر أبو القاسم الأصفهاني عن حماد بن يحيى المكي2 عن أبيه3، قال: "قدمت المدينة أنا، وأهلي، فانطلقت إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه، ثم أقبلت فلقيتني المرأة في بعض الطريق، فقمت معها أسألها عن بعض الأمر، فبينا أنا أكلمها إذ ضربة على رأسي، فالتفت فإذا عمر ابن الخطاب رضي الله عنه، فقلت: "يا أمير المؤمنين، ظلمتني، هذا والله امرأتي، قال: "أفلا كلمتها
__________
1 البخاري: الصحيح، كتاب الرقاق 5/2394، رقم: 6169، بنحوه.
2 لم أعثر له على ترجمة، في المصادر الأخرى.
3 لم أعثر له على ترجمة، في المصادر الأخرى.
(2/507)

خلف باب أو ستر؟ ": قلت: "يا أمير المؤمنين، لقيتني فسألتها عن بعض الأمر"، فألقى إليّ الدّرّة، وقال: "اقتص"، قلت: "لا"، قال: "فاعف". قلت: "لا". فأخذ بيدي، فانطلق بيَ إلى منزل أبي بن كعب، فاستأذن فخرج إليه ابنه، فقال: "حاجتك يا أمير المؤمنين؟ "، فقال: "قل لأبيك يخرج"، قال: فخرج إلي1 أبيض الرأس واللحية، فجلس معه، ثم قال عمر: "اقرأ عليّ: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِيْنَ وَالمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا} [الأحزاب: 58] .
فقرأها عليه، فقال عمر: "في عمر نزلت؟ "، قال: "لا"، قال: "فإني أضرب المؤمنين، ولا يضربونني، وأشتمهم ولا يشتمونني، وأوذيهم ولا يؤذنوني"، قال: "لا ولكن2 أحدّثك حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كان يوم القيامة ينادي منادٍ من قبل الله: ألا لا يرفعن أحد كتابه حتى يرفع عمر بن الخطاب، فيجاء بك مبيض وجهك تزف إلى ربك كتابك بيمينك" 3.
فرضي الله عنه ما كان أحذره من المظالم الكبير منها والصغير، وما كان أجهده في الخروج من مظالم الناس، وأن لا يترك لأحد عنده مظلمة. رضي الله عنه.
__________
1 في السير: (إليه) .
2 في الأصل: (لكن) .
3 أبو القاسم الأصفهاني: سير السلف ص 188، 189، بدون سند.
(2/508)

الباب الثامن والأربعون: ملاحظته لعماله ووصيته إياهم
...
الباب الثامن والأربعون: في ملاحظته لعماله ووصيته إياهم
في الصحيح عن زيد بن أسلم عن أبي / [72 / ب] أن عمر بن الخطاب استعمل مولى له يدعى هُنَيّاً1 على الحِمى، فقال: "يا هُنَيّ اضْمُمْ جناحك على المسلمين، واتق دعوة المظلوم، فإن دعوة المظلوم مستجابة، وأدخل ربَّ الصّرَيْمَة2 وربَّ الغنيمة، وإياي، ونعم ابن عوف، ونعم ابن عفان، فإنهمها إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى زرع، ونخل، وإن ربّ الصريمة، ورب الغنيمة، إن تهلك ماشيتهما يأتني ببنيه فيقول: يا أمير المؤمنين، يا أمير المؤمنين3، أفتاركهم أنا لا أبا لك؟، فالماء، والكلأ أيسر عليّ من الذهب والورق، وأيم الله إنهم ليرون أني قد ظلمتهم، إنها لبلادهم قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام، والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله، ما حميت عليهم من بلادهم شبراً"4.
وفي الصحيح أيضاً عن عبد الله بن عامر5، أن عمر استعمل قدامة ابن مظعون6 على البحرين، وكان شهد بدراً، وهو خال عبد الله بن عمر وحفصة7.
__________
1 هني - بالتصغير - مولى عمر، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم واستعمله عمر على الحِمى. (الإصابة 6/303) .
2 الصريمة - بالكسر -: القطعة من الإبل ما بين العشرين إلى الثلاثين. . وقيل: غير ذلك. (القاموس ص 1458) .
3 قوله: "يا أمير المؤمنين"، غير مكرر في الصحيح.
4 البخاري: الصحيح، كتاب الجهاد 3/1113، رقم: 2894.
5 ابن ربيعة العنْزي.
6 الجمحي.
7 البخاري: الصحيح، كتاب المغازي 4/1473، رقم: 2788.
(2/509)

وعن يحيى بن معين، قال: "كان شريح قاضي عمر بن الخطاب، وكان عبد الله بن مسعود على بيت المال"1.
قال نافع: "استعمل عمر زيداً على القضاء، وفرض له رزقاً"2.
ذكر ابن الجوزي عن عمرو بن ميمون، قال: "رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل أن يصاب بالمدينة، وقف على حذيفة بن اليمان، وعثمان ابن حنيف، فقال: "كيف فعلتما أتخافان أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق؟ "، قالا: "لا"، فقال عمر: "لئن سلمني الله لأدعن أرامل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي أبداً". فما أتت عليه رَابِعةٌ حتى أصيب"3
وعن عمارة بن خزيمة بن ثابت4 - رحمه الله -، قال: "كان عمر بن الخطاب - رحمه الله - إذا استعمل عاملاً كتب عليه كتاباً، وأشهد عليه رهطاً من الأنصار: أن لا يركب برذوناً5، ولا يأكل نقيّاً، ولا يلبس رقيقاً، ولا يغلق بابه دون حاجات6 المسلمين، ثم يقول: "اللهم اشهد".
__________
1 سبق تخريجه ص 596.
2 سبق تخريجه ص 596.
3 ابن الجوزي: مناقب ص 114، والحديث أخرجه البخاري: الصحيح، كتاب فضائل الصحابة 3/1353، رقم: 3497.
4 الأوسي، ثقة، توفي سنة خمس مئة. (التقريب ص 409) .
5 البرذون: الدابة، والبرذون من الخيل: ما كان من غير نتاج العراب. (لسان العرب 13/51) .
6 الطبري: التاريخ 4/207، ابن الجوزي: مناقب ص 114، وهو ضعيف لانقطاعه، وفي إسناد الطبري: عاصم بن بهدلة، قال الحافظ عنه: "صدوق له أوهام". (التقريب ص 285) ، وعبد الرزاق: المصنف 11/324، عن عاصم بن أبي النجود.
(2/510)

وعن عمرو بن مرّة1 [قال] 2: "كان عمر رضي الله عنه يكتب إلى أمراء الأمصار بأن لكم معشر الولاة حقاً على الرعية، ولهم مثل ذلك، فإنه ليس من حكم3 أحب إلى الله تعالى ولا أعم نفعاً من حكم4 إمام ورفقه، وإنه ليس جهل أبغض إلى الله ولا أعم ضراً من جهل إمام وخرقه، وإنه من يطلب العافية فيمن هو بين ظهرانيه، ينزل الله عليه العافية من فوقه"5.
وعن ابن سعد، قال: "كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل النعمان6 على ميسان7 وكان يقول الشعر، فقال:
ألا هل أتى الحسناء أن حليلها ... بميسان يُسقي في زجاج وحَنْتَم8
إذا شئت غنتني دهَاقين9 قريةٍ ... ورقاصة تجثوا10 على كل مَنْسم
فإن كنت ندماني فبالأكبر11اسقني ... ولا تسقني بالأصغر المتثلم
__________
1 الجملي، المرادي، ثقة عابد كان لا يدلس ورمي بالإرجاء، توفي سنة ثماني عشرة ومئة (التقريب ص 426) .
2 سقط من الأصل.
3 في الزهد والمناقب: (حلم) .
4 في الزهد والمناقب: (حلم) .
5 هناد: الزهد 2/602، ابن الجوزي: مناقب ص 114، وهو ضعيف لانقطاعه، عمرو بن مرة لم يدرك عمر، وفي إسناد هناد: واصل بن ثوبان لم أجد له ترجمة.
6 النعمان بن عدي بن نضلة العدوي. (الإصابة 6/243) .
7 ميسان - بالفتح ثم السكون، وسين مهملة، وآخره نون، -: اسم كورة واسعة كثيرة القرى والنخل يبن البصرة وواسط قصبتها ميسان. (معجم البلدان 5/242) .
8 الحَنْتَمُ: الجرّة الخضراء. (القاموس ص 1419) .
9 الدّهقان-بالكسر والضم-: زعيم فلاحي العَجَم، ورئيس الإقليم. (القاموس ص1546) .
10 في الأصل: (تحذوا) .
11 في الأصل: (فالأكبر) ، وهو تحريف.
(2/511)

لعل أمير المؤمنين يسوؤه ... تنادمنا بالجوسق1 المتهدم
فلما بلغ عمر قوله، قال: "نعم إنه والله ليسوءني: من لقيه فليخبره أني قد عزلته"، فقدم عليه رجل / [73 / أ] من قومه فأخبره بعزله، فقال: "والله ما صنعت شيئاً مما قلت، ولكني كنت امرأً شاعراً، فوجدت فضلاً من قول، فقلت فيه الشعر"، فقال عمر: "والله لا تعمل لي على عمل ما بقيتُ، وقد قلتَ ما قلتَ"2.
وعن عثمان الحِزامي3 عن أبيه4 قال: "لما بلغ عمر بن الخطاب هذا الشعر، كتب إلى النعمان بن نضلة5: بسم الله الرحمن الرحيم {حم. تَنْزِيْلُ الكِتَابِ مِنَ الله العَزِيْزِ العَلِيم غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيْدِ العِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ المَصِيْرُ} ، [غافر: 1-3] .
أما بعد: فقد بلغني قولك:
لعل أمير المؤمنين يسوءه ... تنادمنا بالجوسق المتهدم
وأيم الله إنه ليسوءني "وعزله، فلما قدم على عمر بكَّته6 بهذا الشعر، فقال: "يا أمير المؤمنين، ما شربتها قط، وما ذاك الشعر إلا شيء فطح على اللسان"، فقال عمر: "أظن ذلك، ولكن لا تعمل
__________
1 الجوسق: القصر. (القاموس ص 1125) .
2 ابن سعد: الطبقات 4/140، وفيه الواقدي، وابن الجوزي: مناقب ص 115، وابن حجر: الإصابة 6/243.
3 عثمان بن الضحاك المدني، يقال هو: الحزامي، ضعيف، من السابعة. (التقريب ص384) .
4 الضحاك بن عثمان الحزامي، المدني، صدوق يهم من السابعة. (التقريب ص 79) .
5 النعمان بن عدي بن نضلة العدوي. (الإصابة 6/243) .
6 التبكيت: التقريع والتوبيخ. (لسان العرب 2/11) .
(2/512)

لي عملاً أبداً"1.
قال ابن الجوزي: "جاء في الشعر: تجثو2، وتجذو، والصحيح: [تجذو] 3 ومعناه: ينتصب4. والمَنْسِم: استعارة، وهو من البعير بمنزلة الظفر من الإنسان5. والجوسق: فارسي معرب، وهو تصغير قصر كوشك، أي: صغير67.
وعن محمّد بن عبد الغفار8 قال: "استعمل عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلاً من قريش فبلغه أنه قال:
اسقني شربة ألذ عليها
واسق بالله مثلها ابن هشام
فأشخص9 إليه وذُكِرَ إنما أشخص10 إليه من أجل البيت، فضم إليه آخر، فلما قدم عليه، قال: "ألست القائل:
اسقني شربة ألذ عليها ... واسق بالله مثلها ابن هشام
__________
1 ابن الجوزي: مناقب ص 116، وهو ضعيف لانقطاعه، وفيه عثمان بن الضحاك الحزامي، قال الحافظ: "ضعيف". (التقريب ص 384) ، وأورده بنحوه ابن عبد البر: الاستيعاب 4/1502) .
2 في الأصل: (تجدوا) ، وهو تحريف.
3 سقط من الأصل.
4 في لسان العرب 14/136، 137: "جذا الشيء يجذو جذواً وجُذوّاً وأجذى لغتان كلاهما: ثبت قائماً، وقيل: الجاذي كالجاثي، قال أبو عمرو: "جذا وجثا لغتان، وأجذى وجذا بمعنى إذا ثبت قائماً".
5 انظر: ابن منظور: لسان العرب 12/574.
6 انظر: ابن منظور: لسان العرب 12/35.
7 ابن الجوزي: مناقب ص 116.
8 لم أعثر له على ترجمة في المصادر الأخرى.
9 في مناقب عمر: (فأشخصه) .
10 في مناقب عمر: (فأشخصه) .
(2/513)

قال:
عسلاً بارداً بماء سحاب ... إنني لا أحب شرب المدام
فقال: الله، الله، قال: ارجع إلى عملك"1.
وعن ابن المسيب2، عن عمر رضي الله عنه قال: "أيما عاملٍ لي ظلم أحداً، وبلغتني فلم أغيرها فأنا ظلمته"3.
وعن عياض الأشعري4، قال: "قدم على عمر فتح من الشام، فقال لأبي موسى: "ادع كاتبك يقرأه على الناس في المسجد"، قال أبو موسى: "إنه نصراني لا يدخل المسجد"، قال عمر: "ولِمَ استكتبت نصرانياً؟ "5.
وعن أُسِّقَ6، قال: "كنت عبداً نصرانياً لعمر، فقال: "أسلم حتى نستعين بك على بعض أمور المسلمين، لأنه لا ينبغي لنا أن نستعين علىأمورهم بمن ليس منهم"، فأعتقني، وقال: "اذهب حيث شئت"7.
__________
1 ابن الجوزي: مناقب ص 116.
2 سعيد بن المسيب.
3 ابن سعد: الطبقات 3/305، وفيه الواقدي، وابن الجوزي: مناقب ص 116، والمتقي الهندي: كنْز العمال 12/659، ونسبه لابن سعد.
4 عياض بن عمرو الأشعري، صحابي له حديث، وجزم أبو حاتم بأن حديثه مرسل، وأنه رأى أبا عبيدة بن الجراح، فيكون مخضرماً. (التقريب ص 4379) .
5 ابن الجوزي: مناقب ص116، وبنحوه ابن قتيبة: عيون الأخبار1/43، وإسناده حسن.
6 ذكره ابن حجر: الإصابة 1/107 باسم أسبق، ووضعه في القسم الثالث من كتابه، أي: أنه أدرك الجاهلية ولم يلق النبي صلى الله عليه وسلم فهو مخضرم".
7 ابن سعد: الطبقات 6/158، أبو عبيد: الأموال ص: 39، ابن زنجويه: الأموال: 1/145، وأشار إليه البخاري: التاريخ 8/268، وأورده ابن كثير: التفسير 1/459، ونسه لابن أبي حاتم، والسيوطي: الدر المنثور 1/330، ونسبه لسعيد بن منصور وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ومدار الحديث على شريك بن عبد الله النخعي، وهو صدوق، يخطئ كثيراً. (التقريب ص 266) .
(2/514)

وعن الأحنف بن قيس، قال: "قدمت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فاحتبسني عنده حولاً، فقال: "يا أحنف قد بلوتك وخبرتك، فرأيت أن علانيتك حسنة، وأنا أرجو أن تكون سريرتك على مثل علانيتك، وإن كنا لنُحَدّث بما يُهلك هذه الأمة كل منافق عليم"1.
وعن الأحنف بن قيس: أنّه قدم على عمر رضي الله عنه فاحتبسه حولاً / [73 / ب] ثم قال: "أتدري لِمَ احتبستك؟ "، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خوفنا من كلّ منافق عليم اللسان، ولست منهم"2.
وعن عبد الرحمن بن أبي عطية3، قال: "كتب إلينا عمر بن الخطاب رضي الله عنه إن مَترَس بالفارسية، هو الأمان، فمن قلتم له ذلك ممن لا يفقهلسانكم فقد أمنتموه"4.
وعن عبد الرحمن بن سابط5، قال: "بلغ عمر رضي الله عنه أن عمالاً من عماله اشتكوا، فأمرهم أن يوافوه فلما أتوه، قام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أيتها الرعية، إن لنا عليكم حقّاً، النصيحة بالغيب، والمعاونة على
__________
1 الذهبي: سير أعلام النبلاء (4/88، وإسناده ضعيف، فيه علي بن زيد بن جدعان، قال الحافظ: "ضعيف". (التقريب ص 400) .
2 الذهبي: سير أعلام النبلاء (4/88، وأخرج أحمد نحوه عن أبي عثمان النهدي: المسند 1/217، وصحّحه أحمد شاكر في تعليقه على أحاديث المسند رقم: 143، وقال: "إسناده ضعيف".
3 في سنن سعيد، ومصنف ابن أبي شيبة: (عن أبي عطية) ، وهو أبو عطية الهمداني اسمه: مالك بن عامر، وقيل: غير ذلك، توفي في حدود السبعين. (التقريب ص 658) .
4 ابن أبي شيبة: المصنف 12/455، وفي سنده انقطاع، وسعيد: السنن 2/233، وإسناده صحيح، وابن الجوزي: مناقب ص 117.
5 عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط، الجمحي، ثقة كثير الإرسال، توفي سنة ثماني عشرة ومئة. (التقريب ص 340) .
(2/515)

الخير، أيتها الرعاة إن للرعية عليكم حقّاً، اعلموا أنه لا حلم إلى الله، أحب، ولا أعم نفعاً من حلم إمام ورفقه1، وأنه ليس جهل أبغض إلى الله، ولا أعم من جهل إمام وخرقه، اعلموا أنه من يأخذ بالعافية فيمن بين ظهرانيه، يرزق العافية فيمن هو دونه"2.
وعن قيس3 قال: "بعث عمر جريراً4 على الجيش، فسقطت رِجلُ رَجلٍ من المسلمين من البرد، فبلغ ذلك عمر، فأرسل جريراً مسمعاً، إنه من يُسمع، يُسمَعِ الله به يعني إنك خرجت في البرد لكي يقال: قد غزا في البرد"5.
وعن مُحارب بن دثار6، عن عمر رضي الله عنه أنه قال لرجل قاضي: "من أنت؟ "، قال: "قاضي دمشق". قال: "كيف تقضي؟ "، قال: "أقضي بكتاب الله"، قال: "فإذا جاءك ما ليس [في كتاب الله؟ "، قال: "أقضي بسنة رسول الله"، قال: "فإذا جاءك ما ليس في] 7 سنة رسول الله؟ "، قال: "أجتهد رأيي وأوامر جلسائي"، قال: "أحسنت". قال: وإذا جلست فقل: إني أسألك أن أفتي بعلم، وأن أقضي بحلم، وأسألك العدل في الغضب والرضى". قال: فسار الرجل ما شاء أن يسير، ثم رجع إلى عمر، فقال: "ما أرجعك؟ "، قال: "رأيت الشمس والقمر يقتتلان، مع كل واحد
__________
1 في الأصل: (وفقه) ، وهو تحريف.
2 ابن شبه: تاريخ المدينة2/774، وهو ضعيف، لانقطاعه، وقد سبق عن عمرو بن مرة، ص 480.
3 ابن أبي حازم.
4 جرير بن عبد الله البجلي.
5 وكيع: الزهد 2/585، وإسناده صحيح، أحمد: الزهد ص 44، هناد: 2/441، وابن الجوزي: مناقب ص 117.
6 السدوسي، الكوفي، ثقة إمام زاهد، توفي سنة ست عشرة ومئة. (التقريب ص 521) .
7 سقط من الأصل.
(2/516)

منهما جنود من الكواكب"، فقال: "مع أيهما كنت؟ "، قال: "مع القمر"، قال: "يقول الله عزوجل: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} [الإسراء: 12] ، لاتل [لي] 1 عملاً"2.
وعن الحسن3، قال: "قال عمر: "أعياني أهل الكوفة، إن استعملت وجدت رجلاً قوياً، أميناً مسلماً، أستعمله عليهم"، فقال رجل: "يا أمير المؤمنين، أنا والله أدلك على الرجل القوي الأمين المسلم"، فأثنى عليه عمر، وقال: "من هو؟ "، قال: "عبد الله بن عمر"، قال عمر: "قاتلك الله، والله ما أردت4 الله بها"5.
وعن الحسن6، قال: "قال عمر رضي الله عنه: "هانَ شيء أُصْلِح به قوماً، أُبدّلهم أميراً مكان أمير"7.
وعن عبد الملك8،: "أن عمر كتب إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه
__________
1 سقط من الأصل.
2 ابن الجوزي: مناقب ص 117، 118، وهو ضعيف لانقطاعه، محارب بن دثار لم يدرك عمر، والمتقي الهندي: كنْز العمال 5/809، ونسبه لابن أبي الدنيا وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة: المصنف 11/74، عن عطاء بن السائب وهو منقطع أيضاً، وابن عبد البر: الاستيعاب 1/279، ابن حجر: الإصابة 1/285، قال: "ونقل بعض أهل العلم بالأخبار..".
3 البصري.
4 في الأصل: (ماردت) ، وهو تحريف.
5 ابن الجوزي: مناقب ص 118، وهو ضعيف لانقطاعه.
6 البصري.
7 ابن سعد: الطبقات 3/284، ابن شبه: تاريخ المدينة 3/805، ابن الجوزي: مناقب ص 118، وهو ضعيف لانقطاعه.
8 عبد الملك بن عمير اللخمي.
(2/517)

أن شاور طليحة الأسدي، وعمرو بن معدي كرب، في أمر حربك، ولا تولهما من الأمر شيئاً، فإن كل صانع هو أعلم بصنعته"1.
وعن عاصم بن بَهْدَلة2، قال: "كان عمر رضي الله عنه جالساً مع أصحابه، فمرّ به رجل فقال له: "ويل لك، يا عمر من النار"، فقال رجل: "يا أمير المؤمنين، ألا ضربته؟ "، فقال رجل أظنه عليّاً: "ألا سألته؟ "، فقال عمر: "عليّ بالرجل عليه3 فقال له: "لِمَ؟ "، قال: "تستعمل"، العامل وتشترط عليه شروطاً ولا تنظر في / [74 / أ] شروطه".
قال: "وما ذاك؟ "، قال: "عاملك على مصر اشترطت عليه شروطاً فترك ما أمرته به وانتهك ما نهيته عنه"، وكان عمر رضي الله عنه إذا استعمل عاملاً شرط عليه أن لا يركب دابة، ولا يلبس رقيقاً، ولا يأكل نقيّاً، ولا يغلق بابه دون الناس وحوائجهم، وما يصلحهم، قال: فأرسل إليه رجلين، فقال: "سلا عنه، فإن كان كذب عليه فأعلماني، وإن كان صدق فلا تملكاه من أمره شيئاً حتى تأتياني به".
فسألا عنه فوجداه قد صدق عليه، فاستأذنا ببابه، فقال: "إنه ليس عليه آذن"، فقالا: "ليخرجن إلينا أو لنحرقن بابه"، وجاء أحدهما بشعلة من نار، فلما رأى ذلك آذنه أخبره، فخرج إليهما، فقالا: "إنا رسولا عمر، لتأتينه"، قال: "إن لي حاجة تزود"، قالا: "ما أنت4 بالذي5 تأتي أهلك"، فاحتملاه فأتيا به عمر رضي الله عنه
__________
1 ابن أبي شيبة: المصنف 13/15، وهو ضعيف لانقطاعه، ابن عبد البر: الاستيعاب 3/1205، ابن الجوزي: مناقب ص 118.
2 ابن أبي النجود الأسدي.
3 في الأصل: (الرجل) .
4 مطموس في الأصل، سوى: (أنت) .
5 مطموس في الأصل، سوى: (الذي) .
(2/518)

فقال: "من أنت ويلك؟ "، قال: "عاملك على مصر"، وكان رجلاً بدوياً، فلما أصاب من ريف مصر ابيضّ وسمن، فقال: "استعملتك وشرطت عليك شروطاً، فتركت ما أمرتك به، وانتهكت ما نهيتك عنه، أما والله لأعاقبنك عقوبة أبلغ إليك فيها، إيتوا بدرّاعة1 من كساء، وعصا وثلاث مئة شاة من شياه الصدقة، فقال: "ألبس هذه الدّارعة، فقد رأيت أباك وهذه خير من دُرّاعته، وهذه خير من عصاه، اذهب بهذه الشاء فارعها2 في مكان كذا وكذا - وذلك في يوم صائف - فلا تمنع السائل من ألبانها شيئاً وأعلم أنا آل عمر لم نصب من شاء الصدقة، ومن ألبانها ولحومها شيئاً، فلما أمعن رده، فقال: "أفهمت ما قلت لك؟ "، ورد عليه الكلام ثلاثاً فلما كان في الثالثة ضرب بنفسه الأرض بين يديه، وقال: "ما أستطيع ذلك، فإن شئت فاضرب عنقي"، قال: "فإن رددتك فأي رجل تكون؟ "، قال: "لا ترى إلا ما تحب فرده فكان خير عامل"3.
وعن المنصفق4: أن عمر رضي الله عنه كتب لرجل عهداً، وجاء بعض ولده فأقعده في حجره، فقال الرجل: "ما أخذت ولداً لي قط"، قال: "فما ذنبي إن كان الله عزوجل نزع الرحمة من قلبك؟، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء". ثم انتزع العهد من يده"5.
__________
1 الدراعة: ثوب من صوف. (القاموس ص 923) .
2 في الأصل: (فارعاها) .
3 ابن الجوزي: مناقب ص 119، 120، والطبري: التاريخ 4/207، مختصراً، وهو ضعيف لانقطاعه، وفيه عاصم وهو صدوق له أوهام. .
4 في مناقب عمر: (المصفق) ، ولم أجد له ترجمة.
5 ابن الجوزي: مناقب ص 120، وأخرجه بنحوه أحمد بن مروان: الجزء الثاني من التاسع عشر من المجالسة ق 125 / ب عن محمّد بن سليم مرسلاً، وكيع: الزهد 2/814، عن إبراهيم النخعي مرسلاً.
(2/519)

وعن أبي عثمان1 قال: "استعمل عمر رضي الله عنه رجلاً من بني أسد على عمل فدخل ليسلم عليه، فأتى عمر بعض ولده فقبله، فقال الأسدي: "أتقبل هذا يا أمير المؤمنين؟، والله ما قبلت ولداً قط"، فقال عمر: "فأنت والله بالناس أقل رحمة لا تعمل لي عملاً أبداً، فرد عهده"2.
وعن الشعبي، قال: "قال عمر: "لا أوتى برجل فضلني على أبي بكر إلا جلدته أربعين"3.
قال: "وكان عمر إذا بعث عاملاً كتب ماله"4.
وعن ابن سيرين5، قال: "قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "والله لأنزعن [عن] 6 القضاء فلاناً، ولأستعملن على القضاء رجلاً / [74 / ب] إذا رأه الفاجر فرقه"7.
__________
1 النهدي.
2 ابن الجوزي: مناقب ص 120، البخاري بنحوه: الأدب المفرد ص 48، قال الألباني: "حسن الإسناد". (صحيح الأدب المفرد ص 64) .
3 ابن الجوزي: مناقب ص 120، وهو ضعيف لانقطاعه، الشعبي لم يدرك عمر، وأخرجه بنحوه أحمد: فضائل الصحابة 1/200، وأروده ابن تيمية في الصارم المسلول ص 585، ونسبه لأحمد وصحح إسناده.
4 ابن سعد: الطبقات 3/307، وفيه الواقدي، وابن الجوزي: مناقب ص 120، والسيوطي: تاريخ الخلفاء ص 141.
5 محمّد بن سيرين الأنصاري.
6 سقط من الأصل.
7 ابن الجوزي: مناقب ص 120، وهو ضعيف، لانقطاعه، وكيع: أخبار القضاة 1/274 عن أنس بن الحسن.
(2/520)

وعن زيد بن وهب1، قال: "خرج جيش في زمن عمر رضي الله عنه نحو الجبل، فانتهوا إلى نهر ليس عليه جسر، فقال أمير ذلك [الجيش] 2 لرجل من أصحابه: "انزل وانظر في مخاضة نجوز فيها"، في يوم شديد البرد، فقال ذلك الرجل: إني أخاف إن دخلت الماء أن أموت"، فأكرهه فدخل فقال: "يا عمراه يا عمراه"، ثم لم يلبث أن هلك، فبلغ ذلك عمر وهو في سوق المدينة، فقال: "يا لبيكاه"، وبعث إلى أمير ذلك الجيش فنزعه، وقال: "لولا أن يكون سنة بعدي لأقدت منك، لا تعمل لي عملاً أبداً"3.
وعن الحسن4، قال: "قال عمر رضي الله عنه: "لئن عشت إن شاء الله تعالى لأسيرن في الرعية حولاً، فإني أعلم أن للناس حوائج تقطع عني، أما هم فلا يصلون إليّ، وأما عمّالهم فلا يرفعونها إليّ، فأسير إلى الشام فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى مصر فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى البحرين فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى الكوفة فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى البصرة فأقيم بها شهرين"5.
وروى ابن شبه: أن عمر رضي الله عنه عتب على بعض عماله، فكلم
__________
1 الجهني.
2 سقط من الأصل.
3 ابن شبه: تاريخ المدينة 3/812، البيهقي: السنن: 8/323، ومداره على الأعمش، وهو مدلس وقد عنعن، وأورده ابن الجوزي: مناقب ص 120، والمتقي الهندي: كنْز العمال 15/81، ونسبه للبيهقي، والأعمش من المرتبة الثانية التي تحمل الأئمة تدليسهم.
4 البصري.
5 ابن شبه: تاريخ المدينة 3/821، الطبري: التاريخ 4/201، 202، ابن الجوزي: مناقب ص 121، وهو مرسل من مراسيل الحسن ضعيفة.
(2/521)

امرأة عمر، فقالت له: "يا أمير المؤمنين فيم وجدت عليه؟ "، فقال: "يا عدوة الله، وفيم أنت وهذا؟ "، إنما أنت لعبة يلعب بك ثم تتركين"1.
وكان عمر يقول: "أشكوا إلى الله جلد الخائن وعجز الثقة"2.
وروى أبو القاسم الأصفهاني بسنده إلى عمير بن سلمة الديلي3، أنه خرج مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه أو أخبره من كان مع عمر، قال: "أتينا عمر نصف النهار، وهو قائل في ظل شجرة، إذ جاءت أعرابية فتوسمت الناس فجاءته، فقالت: "إني امرأة مسكينة ولي بنون، وإن أمير المؤمنين كان بعث محمّد بن مسلمة ساعياً فلم يعطنا4، فلعلك - يرحمك الله - أن تشفع لنا إليه، قال: فصاح يا يرفأ ادع لي محمّد بن مسلمة، فقالت: "إنّه أنجح لحاجتي أن تقوم معي إليه، قال: "إنه سيفعل إن شاء الله"، فجاءه يرفأ فقال: "أجب"، فجاء فقال: "السلام عليك يا أمير المؤمنين"، فاستحيت المرأة، فقال عمر رضي الله عنه: "والله ما آلو أن أختار5 خياركم، فكيف أنت قائل إذا سألك الله عن هذه؟ "، فدمعت عينا محمّد / [75/أ] ثم قال عمر: "إن الله بعث إلينا نبيه محمّداً صلى الله عليه وسلم فصدقناه، واتبعناه، فعمل بما أمره الله، فجعل الصدقة لأهلها من المساكين حتى قبضه الله على ذلك، ثم
__________
1 ابن شبه: تاريخ المدينة 3/818، بأطول وإسناده منقطع، ثابت البناني لم يدرك هلال بن أمية، وأورده ابن الجوزي: مناقب ص 121.
2 ابن الجوزي: مناقب ص 121.
3 عمير بن سلمة البكري، روى عن عمر بن الخطاب، وروى عنه أبو الأسود يتيم عروة. (الجرح والتعديل 6/376) .
4 في الأصل: (يعطينا) ، وهو تحريف.
5 في الأصل: (أختاركم) ، وهو تحريف.
(2/522)

استخلف الله أبا بكر، فعمل بسنته حتى قبضه الله، ثم استخلفني فلم آل أن أختار خياركم، فأدّ إليها صدقة العام، وعام الأوّل، وما أدري لعلي لا أبعثك"، ثم دعا لها بجمل وأعطاها دقيقاً، وزيتاً، وقال: خذي هذا حتى تلحقينا بخيبر، فإنا نريدها". فأتت بخيبر فدعا بجملين آخرين، فقال: "خذي هذا فإن فيه بلاغاً حتى يأتيكم محمّد، فقد أمرته أن يعطيك حقك للعام، وعام أوّل"1.
وفي الصحيح عن جابر بن سمرة2، قال: "شكا أهل الكوفة سعداً إلى عمر فعزله، واستعمل عليهم عماراً فشكوا حتى ذكروا أنه لا تحسن تصلي"، فأرسل إليه فقال: "يا أبا إسحاق، إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي"، فقال: "أما أنا - والله - فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أَخْرم عنها، أصلي صلاة العشاء، فأركد3 في الأوّليين وأحذف4 - أو قال: - وأخفّ في الأخريين". قال: "ذاك ظني بك5 يا أبا إسحاق أو ذلك الظن بك يا أبا إسحاق"، فأرسل معه رجلاً أو رجالاً إلى الكوفة، يسأل عنه أهل الكوفة، ولم يدع مسجداً إلا سأل عنه، ويثنون معروفاً، حتى دخل مسجداً لبني عبس6 فقام
__________
1 أبو القاسم الأصفهاني: سير السلف ص180، 181، أبو عبيد: الأموال ص 591، وإسنادهما ضعيف فيه ابن لهيعة، صدوق خلط بعد احتراق كتبه. (التقريب ص319) .
2 جابر بن سمرة السوائي، صحابي ابن صحابي، نزل الكوفة ومات بها بعد سنة سبعين. (التقريب ص 136) .
3 أركد: أي: أسكن وأطيل القيام في الركعتين الأوليين من الصلاة الرباعية. (لسان العرب 3/184) .
4 مسلم: الصّحيح، كتاب الصلاة 1/334، رقم: 453.
5 مسلم: الصّحيح، كتاب الصلاة 1/335، رقم: 453.
6 عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مضر، وهي القبيلة المشهورة، التي ينسب إليها العبسيون بالكوفة، ولهم بها مسجد وفيهم كثرة. (الأنساب للسمعاني 4/1309) .
(2/523)

رجل منهم يقال له: أسامة ابن قتادة1، يُكنى أبا سعدة، قال: "أما إذ نشدتنا فإن سعداً كان لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية"، فقال سعد: "أما والله لأدعون بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذباً، قام رياء وسمعة، فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه بالفتن"، وكان بعدُ إذا سئل يقول: "شيخ كبير مفتون، أصابتني، أو قال: أصابته دعوة سعد"، قال عبد الملك2: "فأنا رأيته بعدُ، قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري في الطريق يغمزهن3، 4.
ورواه الإمام أحمد عن جابر بن سمرة، قال: "شكا أهل الكوفة سعداً، إلى عمر، فقالوا: "لا يحسن يصلي"، فذكر عمر له فقال: أما صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كنت أصلي بهم، أركد في الأوليين، وأحذف في الأخريين"، قال: "ذاك الظن بك يا أبا إسحاق"5.
وفيه عن عَباية بن رفاعة6، قال: "بلغ عمر أن سعداً لما بنى القصر قال: "انقطع الصُوَيت"، فبعث إليه محمّد بن مسلمة، فلما قدم أخرج زَنْده، وأورى7 ناره،
__________
1 أسامة بن قتادة العبسي، ذكره ابن حجر في القسم الثال: وهم الذين أدركوا الجاهلية ولم يثبت أنّهم لقوا النبي صلى الله عليه وسلم. (الإصابة 1/106) .
2 عبد الملك بن عمير اللخمي.
3 غمزه بيده يغمزه: شبه نخسه، وبالعين والجفن والحاجب: أشار. (القاموس ص 668) .
4 البخاري: الصحيح، كتاب صفة الصلاة 1/262، رقم: 722، مسلم: الصّحيح، كتاب الصلاة 1/334، رقم: 453.
5 أحمد: المسند3/79، قال أحمد شاكر في تعليقه على أحاديث المسند رقم: 1557: "إسناده صحيح".
6 ابن رافع بن خَديج الأنصاري الزرقي، ثقة من الثالثة. (التقريب ص 294) .
7 ورى الزند: خرجت ناره. (لسان العرب 15/388) .
(2/524)

وابتاع حطباً بدرهم، وقيل لسعد: "إن رجلاً فعل كذا وكذا"، فقال: "ذاك محمّد بن مسلمة"، فخرج إليه، فحلف بالله ما قاله، فقال: "نؤدّي عنك الذي تقول، ونفعل لما أمرنا به"، فأحرق الباب، ثم أقبل يعرض عليه / [75 / ب] أن يزوّده، فأبى، فخرج فقدم على عمر فهَجَّر1 إليه فسار ذهابه ورجوعه تسع عشرة فقال: "لولا حسن الظن بك لرأينا أنك لم تؤد عنا"، قال: "بلى، وأرسل يقرأ السلام ويعتذر، ويحلف بالله ما قاله"، قال: "فهل زوّدك شيئا؟ "، قال: "لا"، قال: "فما منعك أن تزودني أنت؟ "، قال: "إني كرهت أن أمر لك فيكون لك البارد، ولي الحار، وحولي أهل المدينة قد قتلهم الجوع، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يشبع الرجل دون جاره" 2.
وفيه عن ابن الساعدي3، أنه قال: "استعملني عمر بن الخطاب على الصدقة فلما فرغت منها، وأديتها إليه أمر لي بعمالة، فقلت له: إني عملت لله عزوجل وأجري على الله، فقال: "خذ ما أعطيت، فإني قد عملت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعَمِّلني4، فقلت مثل قولك، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أعطيت شيئاً من غير أن تسأل فكل وتصدق" 5.
__________
1 التهجير: التبكير في كل شيء والمبادرة إليه. (لسان العرب 5/255) .
2 أحمد: المسند 1/321، وضعّفه أحمد شاكر في تعليقه على أحاديث المسند رقم: 390، وقال: "إسناده ضعيف لانقطاعه".
3 ابن الساعدي، هو: عبد الله بن السعدي القرشي العامري، واسم أبيه: وقدان، وقيل: غير ذلك، صحابي، يقال: توفي في خلافة عمر، وقيل: عاش إلى خلافة معاوية. (تهذيب التهذيب 5/207، التقريب ص 305) .
4 فعمِّلني: أي: أعطاني عُمالتي وأجرة عملي. (لسان العرب 11/476) .
5 أحمد: المسند 1/313، وصحّحه أحمد شاكر في تعليقه على أحاديث المسند رقم: 371، وقال: "إسناده صحيح". والحديث أخرجه مسلم: الصّحيح، كتاب الزكاة 2/723، رقم: 1045.
(2/525)

وعن هشام بن عروة1 عن أبيه: أن هشام بن حكيم بن حزام2 أتى على عامل لعمر بن الخطاب بالشام، وقد أمر برجال فحبسوا في الشمس من أجل الجزية، فدخل عليه فقال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله عزوجل يعذب يوم القيامة من يعذب الناس في الدنيا، فأرسلهم "3.
قال: فكان عمر إذا رفع إليه الأمر يكرهه، قال: أما ما كنت أنا وهشام على وجه الأرض، فإن هذا شيء لا يكون4. قال: وكان إذا رأى شيئاً يكرهه لم يقره، فمات هشام، قال: وولدت أنا فسماني أبي باسمه".
__________
1 ابن الزبير.
2 الأسدي القرشي، صحابي ابن صحابي، توفي قبل أبيه، ووهم من زعم أنه استشهد بأجنادين. (التقريب ص 572) .
3 أخرجه بنحوه أحمد: المسند 3/404، مسلم: الصّحيح، كتاب البر والصلة والآداب 4/2017، رقم: 2613.
4 ابن عبد البر: الاستيعاب 4/1538، عن مالك مرسلاً، والذهبي: سير أعلام النبلاء 3/52، عن الزهري مرسلاً.
(2/526)

الباب التاسع والأربعون: حذره من الإبتداع وتحذيره منه
...
الباب التاسع والأربعون: في حذره من الابتداع وتحذيره منه
في الصحيح عن المسور بن مخرمة1، وعبد الرحمن بن عبدٍ القاري أنهما سمعا عمر بن الخطاب يقول: "سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان، في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة، لم يقرئنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فكدت أساوره2 في الصلاة، فانتظرته حتى سلم، فلببته3، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ "، قال: "أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم"، فقلت له: "كذبت، فوالله إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لهو أقرأني هذه السورة التي سمعتك"، فانطلقت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أقوده، فقلت: "يا رسول الله إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، وإنك أقرأتني سورة الفرقان"، قال: "يا هشام اقرأها"، فقرأها القراءة التي سمعته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هكذا أنزلت"، ثم قال: "اقرأ يا عمر"، فقرأت القراءة التي أقرأنيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هكذا أنزلت"، ثم قال رسول الله: "إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسر منه" 4
وذكره ابن الجوزي من طريق المسور أن عمر رضي الله عنه / [76 / أ] قال:
__________
1 الزهري له ولأبيه صحبة، توفي سنة أربع وستين. (التقريب ص 532) .
2 ساوره مساورة وسواراً: واثبه. (لسان العرب 4385) .
3 لبّبه تليبباً: جمع ثيابه عند نحره في الخصومة، ثم جره. (القاموس ص 171) .
4 البخاري: الصحيح، كتاب فضائل القرآن 4/1923، رقم: 4754، مسلم: الصّحيح، كتاب صلاة المسافرين وقصرها 1/560، رقم: 818.
(2/527)

"سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان، فقرأ فيها حروفاً لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم أقرأنيها، فأردت أن أساوره وأنا في الصلاة، فلما فرغت قلت: من أقرأك هذه القراءة؟، فقال: "رسول الله صلى الله عليه وسلم"، فقلت: كذبت، والله ما أقرأك هكذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت بيده أقوده، فانطلقت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إنك أقرأتني سورة الفرقان، إني سمعت هذا يقرأ فيها حروفاً لم تكن أقرأتنيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقرأ يا هشام"، فقرأ كما كان قرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هكذا أنزلت"، ثم قال: "اقرأ يا عمر"، فقرأت، فقال: "هكذا أنزلت"، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن القرآن أنزل على سبعة أحرف" 1.
وعن عابس بن ربيعة2، قال: "رأيت عمر نظر إلى الحجر، وقال: "أما والله لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبِّلك ما قبّلتك، ثم قبّله"3.
وعن عبد الله بن سَرْجس4، قال: "كان الأصلع - يعني عمر - إذا استلم الحجر قال: "إني لأعلم أنك حجر لا تضرّ ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبّلك ما قبّلتك"5.
__________
1 ابن الجوزي: مناقب ص 121، والحديث أخرجه أحمد: المسند 1/224، وصححه أحمد شاكر في تعليقه على أحاديث المسند رقم: 158، وقال: "إسناده صحيح".
2 النخعي الكوفي، ثقة مخضرم، من الثانية. (التقريب ص 285) .
3 أخرجه بنحوه البخاري: الصحيح، كتاب الحج 2/579 رقم: 1520، ومسلم: الصّحيح، كتاب الحج 2/925، رقم: 1270.
4 عبد الله بن سرجس المزني حليف بني مخزوم، صحابي سكن البصرة. (التقريب ص305) .
5 مسلم: الصّحيح، كتاب الحج 2/925، رقم: 1270.
(2/528)

وعن أبي سعيد الخدري، قال: "حججنا مع عمر رضي الله عنه أوّل حجة حجها من إمارته، فلما دخل المسجد الحرام، دنا من الحجر الأسود فقبّله، واستلمه، وقال: "أعلم أنك حجر لا تضرّ ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبّلك واستلمك، ما قبّلتك ولا استلمتك"، فقال له عليّ رضي الله عنه بلى يا أمير المؤمنين، إنه ليضر وينفع، ولو علمت تأويل ذلك من كتاب الله، لعلمت أن الذي أقول لك، [كما] 1 أقول، قال الله عزوجل: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتِهِمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف: 172] ، فلما أقروا أنه الربّ عزوجل وأنهم العبيد، كتب ميثاقهم في رقّ ثم ألقمه الحجر، وله عينان، ولسان، وشفتان، يشهد [لمن] 2 وافاه بالموافاة، فهو أمين الله في هذا المكان". فقال عمر رضي الله عنه: "لا أبقاني الله بأرض لست بها يا أبا الحسن"3.
قال أسامة بن مرشد: "إنما قال عمر رضي الله عنه في الحجر ما قال، لأنهم كانوا قد أنسوا بلمس الحجارة في الجاهلية، وعبادتها، فأخبر عمر أنه إنما يمس هذا الحجر ويقبّله؛ لأنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسه، ويقبّله، ولولا ذلك لم يفعل ذلك"4.
وقال نافع5: "كان الناس يأتون الشجرة التي بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم
__________
1 مطموس في الأصل.
2 سقط من الأصل.
3 الحاكم: المستدرك 1/457، وفي إسناده أبو هارون العبدي، قال الحافظ: "متروك ومتهم من كذبه شيعي". (التقريب ص 408) ، وابن الجوزي: مناقب ص 122، وابن حجر: الإصابة3/262وقال: "وفي إسناده أبو هارون العبدي وهوضعيف جداً".
4 أسامة بن مرشد: مختصر مناقب عمر ص 122.
5 مولى ابن عمر.
(2/529)

تحتها بيعة الرضوان، فيصلون عندها، فبلغ ذلك عمر فأوعدهم فيها، وأمر بها فقطعت"1.
وعن [سعيد بن] 2 المسيب - رحمه الله - قال: "قضى عمر رضي الله عنه بقضاء في الأصابع ثم أخبر بكتاب كتبه النبي صلى الله عليه وسلم لابن حزم3، فأخذ به، وترك أمره الأول"4.
وعن المعرور بن سويد5، قال خرجنا مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حجة حجها، قال: فقرأ بنا في الفجر: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بأَصْحَابِ الفِيْلِ} ، [الفيل: 1] ، / [76 / ب] و {لإِيلاَفِ قُريشٍ} [قريش: 1] ، فلما انصرف، رأى6 الناس مسجداً فبادروه، فقال: "ما هذا؟ "، فقالوا: "هذا مسجد صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم"، فقال: "هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم، اتخذوا آثار أنبيائهم بيعاً من عرضت له فيه صلاة فليصل، ومن لم تعرض له صلاة فليمض"7.
__________
1 ابن سعد: الطبقات 2/100، ابن الجوزي: مناقب ص 122، ابن حجر: فتح الباري، وقال: "إسناده صحيح".
2 سقط من الأصل.
3 عمرو بن حزم الأنصاري، صحابي مشهور، شهد الخندق فما بعدها، وكان عامل البني صلى الله عليه وسلم على نجران، توفي بعد الخمسين. (التقريب ص 420) .
4 البيهقي: السنن: 8/93، وإسناده حسن فيه جعفر بن عون، قال الحافظ: "صدوق". (التقريب ص 141) ، الخطيب: الفقيه والمتفقه ص 139، ابن الجوزي: مناقب ص 123.
5 الأسدي، ثقة، من الثانية، عاش مئة وعشرين سنة. (التقريب ص 540) .
6 في الأصل: (فرأى) .
7 عبد الرزاق: المصنف 2/118، 119، ابن أبي شيبة: المصنف 2/376، وفي إسناده الأعمش وهو مدلس وقد عنعن، وابن وضاح: البدع والنهي عنها ص 41، وابن تيمية: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص 203، واقتضاء الصراط المستقيم 2/744، وعزاه لسعيد بن منصور، وابن حجر: فتح الباري 1/569.
(2/530)

وعن عبد الملك بن هارون بن عنترة12، عن أبيه3 عن جده4، قال: "قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المنبر: "ألا إن أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فأفتوا برأيهم، فضلوا وأضلوا، ألا وإنا نقتدي، ولا نبتدي، ونتبع، ولا نبتدع، ما نضل ما تمسكنا بالأثر"5.
وعن عمرو6 بن ميمون7 عن أبيه8 قال: "أتى عمر بن الخطاب رجل فقال: "يا أمير المؤمنين، إنا لما فتحنا المدائن أصبنا كتاباً فيه كلام معجب، قال: "أمن كتاب الله؟ "، قال: "لا". فدعا بالدّرّة فجعل يضربه بها وجعل يقرأ: {الر تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ المُبِيْنِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرْبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} ، إلى قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الغَافِلِيْنَ} [يوسف: 1-3] ، ثم قال: "إنما هلك من كان قبلكم أنهم أقبلوا على كتب علمائهم، وأساقفتهم، وتركوا التوراة والإنجيل، حتى درسا9 وذهب ما فيهما من العلم"10.
__________
1 في الأصل: (عنيزة) ، وهو تحريف.
2 عبد الملك بن هارون روى عن أبيه، قال أحمد: "ضعيف الحديث"، وقال يحيى بن معين: "كذاب"، وقال أبو حاتم: "متروك الحديث ذاهب الحديث". (الجرح والتعديل 5/374، الميزان 2/666) .
3 هارون بن عنترة الشيباني، الكوفي لا بأس به، توفي سنة اثنتين وأربعين ومئة. (التقريب ص 56) .
4 عنترة بن عبد الرحمن الكوفي، ثقة، من الثالثة، وهم من زعم أن له صحبة وهو جد عبد الملك بن هارون. (التقريب ص 433) .
5 الخطيب: الفقيه والمتفقه ص 181، وفي إسناده عبد الملك، وهو متروك، وابن الجوزي: مناقب ص 123.
6 في الأصل: (عمر) ، وهو تحريف.
7 عمرو بن ميمون الجزري، ثقة فاضل، توفي سنة سبع وأربعين، وقيل: غير ذلك. (التقريب ص 427) .
8 ميمون بن مهران.
9 دَرَسَ الشيء: عفا. (لسان العرب 6/79) .
10 ابن الضريس: فضائل القرآن ق 76 / ب، وأبي نصر المقدسي: الحجة على ترك المحجة، رقم: 661، وابن الجوزي: مناقب ص 123، وإسناده ضعيف، لانقطاعه، ميمون بن مهران لم يدرك عمر.
(2/531)

وعن ابن عون1 عن إبراهيم2: "أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلغه أن رجلاً كتب كتاب دانيال، وقال فكتب إليه يرتفع إليّ، فلما قدم عليه جعل عمر رضي الله عنه يضرب بطن كفه بيده، ويقول: {الر تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ المُبِيْنِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرْبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القَصَصِ} [يوسف 1-3] ، فقال عمر: أقصص أحسن من كتاب الله؟ فقال: "يا أمير المؤمنين، اعفني، فوالله لأمحونه"3.
وعن أسلم قال: "سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "فيمَ4 الرّمَلان5 الآن والكشف عن المناكب، وقد أطّأ6 الله الإسلام، ونفى الكفر وأهله، ومع ذلك لا ندع شيئاً كنا نفعله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ "7.
وعن السائب بن يزيد أنه قال: "أتى رجل عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: "يا أمير المؤمنين، إنا لقينا رجلاً يسأل عن تأويل القرآن"، فقال: "اللهم أمكني
__________
1 عبد الله بن عون.
2 النخعي.
3 عبد الرزاق: المصنف 6/114، وإسناده حسن إلى إبراهيم، البلاذري: أنساب الأشراف (الشيخان: أبو بكر وعمر) ص 273، ابن الضريس: فضائل القرآن ق 76 / أ، الخطيب: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 2/223، ابن الجوزي: مناقب ص 124، السيوطي: الدر المنثور 4/497.
4 في الأصل: (ما في) ، وهو تحريف.
5 الرّملان: الرّمل، والسعي، الرّمل: أن يهزّ منكبيه ويُسرع في المشي. (لسان العرب 11/295) .
6 في الأصل: (أطال) ، وهو تحريف. ومعنى أطّأ: ثبته، وأرساه. (النهاية 1/53) .
7 أحمد: المسند 1/293، وعنه أبو داود: السنن 2/178، وصحّحه أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند رقم: 317، وأخرجه بنحوه البخاري: الصحيح، 2/582، رقم: 1528.
(2/532)

منه"، فبينا عمر ذات يوم جالساً، يغدي الناس، إذ جاءه، وعليه ثياب وعمامه، حتى إذ فرغ، قال: "يا أمير الممؤنين، {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً فَالحَامِلاَتِ وِقْراً} [الذاريات: 1-2] ، فقال عمر رضي الله عنه: "أنت هو؟ "، فقام إليه وحسر1 عن ذراعيه، فلم يزل يجلده حتى سقطت عمامته، فقال: "والذي نفس عمر بيده، لو وجدتك محلوقاً لضربت رأسك، ألبسوه ثيابه، واحملوه على قِتْب2، ثم أخرجوه حتى تقدموا به بلاده، ثم ليقم خطيباً ثم ليقل: "إن صبيغاً3 ابتغى العلم فأخطأه".
فلم يزل وضيعاً4 في قومه حتى هلك5.
وعن أبي عثمان النهدي، عن صبيغ، أنه سأل عمر عن المرسلات، والذاريات، والنازعات، فقال له عمر: " [ضع] 6 ما على رأسك فإذا / [77 / أ] له ظفران7، قال: "لو وجدتك محلوقاً لضربت الذي فيه عيناك"، ثم كتب إلى أهل البصرة: أن لا تجالسوه، قال أبو عثمان:
__________
1 حسر عن ذراعيه: أي: أخرجهما من كميه. (لسان العرب 4/187) .
2 القِتْب، والقَتْب: إكاف البعير. (لسان العرب 1/660) .
3 صَبِيغ - بوزن عظيم - ابن عسل، ويقال: ابن عسيل الحنظلي، سأل عمر عن متشابه القرآن، واتهمه عمر برأي الخوارج، توفي في خلافة معاوية. (الإصابة 3/258، تاريخ دمشق 8/233) .
4 في الأصل: (ضيعاً) .
5 اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة 4/634، 635، ابن عساكر: تاريخ دمشق ج 8 ق 232، ابن الجوزي: مناقب ص 124، ابن حجر: الإصابة 3/258، وعزاها إلى (ابن الأنباري) ، وصحح إسنادها.
6 سقط من الأصل.
7 في المناقب: (ظفيرتان) .
(2/533)

"فكان لو أتانا، ونحن مئة لتفرقنا عنه"1.
وعن إبراهيم التيمي2، قال: "جاء رجل إلى عمر بن الخطاب يقال له: "صبيغ"، فسأل عن: النازعات، والمرسلات، وأشباههما، وعليه برنس، فقال عمر بقضيبه فرفع البرنس فإذا شعر، فقال لو كنت محلوقاً لضربت عنقك ثم كتب إلى أهل البصرة: لا تجالسوه ولا تبايعوه، قال: فمكث حولاً حتى أصابه الجهد، فقام إلى أسطوانة3 من أساطين المسجد فاستغاث، وروجع عمر رضي الله عنه فكتب: أن لا تخالطوه، وكونوا منه على حذر"4.
وعن قيس بن أبي حازم، قال: "جاء رجل إلى عمر بن الخطاب يسأله، قال: "جئت أطلب العلم"، قال: "بل جئت تبتغي الضلالة"، ثم كشف عن رأسه فوجده ذا شعر، فقال: "لو كنت محلوقاً لضربت عنقك"5.
وعن سعيد بن المسيب، قال: "جاء صَبيغ التميمي إلى عمر فقال: "يا أمير المؤمنين، أخبرني عن {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً} [الذاريات: 1] ، قال: هي الريح، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته، قال: أخبرني عن {فَالحَامِلاَتِ وِقْراً} [الذاريات: 2] ، قال: "السحاب، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته"، قال: "فأخبرني عن {فَالمُقَسِّمَاتِ أمْراً} [الذاريات: 5] ، قال: "وهي الملائكة، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته"، قال: "فأمر به
__________
1 ابن عساكر: تاريخ دمشق ج 8 / ق 233، ابن الجوزي: مناقب ص 125، ابن حجر: الإصابة 3/258، وعزاه للخطيب وابن عساكر.
2 إبراهيم بن يزيد التيمي.
3 الأسطوانة - بالضم -: السارية. (القاموس ص 1555) .
4 ابن الجوزي: مناقب ص 125، وهو ضعيف لانقطاعه بين إبراهيم التيمي وعمر.
5 ابن الجوزي: مناقب ص 125، بدون إسناد.
(2/534)

عمر فضرب مئة، وجعل في بيت فإذا برأ دُعي فضرب مئة أخرى، ثم حمله على قتب، وكتب إلى أبي موسى الأشعري حرم على الناس1 مجالسته2، فلم يزل كذلك، حتى أتى أبا موسى، فحلف له بالأيمان المغلظة ما يجد في نفسه، مما كان شيئاً، فكتب في ذلك إلى عمر، فكتب إليه: ما أخاله إلا قد صدق، فخلّ بينه وبين مجالس الناس".
عن الزهري، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جلد صبيغاً التميمي عن مساءلته عن حروف القرآن، حتى اضطربت الدماء في ظهره"3.
__________
1 في تاريخ ابن عساكر والمناقب وعقيدة السلف: (مجالسة) .
2 البزار كما في تفسير ابن كثير 7/391، الصابوني: عقيدة السلف أصحاب الحديث ص 51، 52، ابن عساكر: تاريخ دمشق ج 8 ق 231، الأصفهاني: سير السلف ص 179، ابن الجوزي: مناقب ص 125، الهيثمي: مجمع الزوائد 7/112، 113، وقال: "رواها البزار وفيه أبو بكر بن أبي سبرة وهو متروك". ابن حجر: الإصابة 3/258، وعزاها إلى الدارقطني في الإفراد وأعلها بأبي بكر بن أبي سيرة، وقال: "وهو ضعيف، والراوي عنه أضعف منه". وقال ابن كثير: "قال البزار: "وأبو بكر ابن أبي سيرة لين، وسعيد بن سلام ليس من أصحاب الحديث". وقال ابن كثير: "هذا الحديث ضعيف رفعه، وأقرب ما فيه أنه موقوف على عمر، فإن قصة صبيغ ابن عسل مشهورة مع عمر، وإنما ضربه لأنه ظهر من أمره فيما يسأل تعنتاً وعناداً، والله أعلم". تفسير ابن كثير 7/391) . وقال الآجري في الشريعة ص 74: "فإن قال قائل: فمن سأل عن تفسير: {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً. فَالحَامِلاَتِ وِقْراً} ، استحق الضرب والتنكيل به والهجر، قيل له: لم يكن ضرب عمر رضي الله عنه له بسبب هذه المسألة، ولكن لما بلغ عمر رضي الله عنه ما كان يسأل عنه من متشابه القرآن من قبل أن يراه، علم أنه مفتون قد شغل نفسه بما لا يعود عليه نفعه، وعلم أن اشتغاله بطلب علم الواجبات من علم الحلال والحرام أولى به، وتطلب علم سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى به، فلما علم أنه مقبل على ما لا ينفعه، سأل عمر رضي الله عنه ربّه أن يمكّنه حتى ينكل به، وحتى يحذر غيره، لأنه راعٍ يجب تفقد رعيته، في هذا وفي غيره، فأمكنه الله عزوجل منه". اهـ.
3 تاريخ دمشق 8/232، عن الزهري عن أنس، ابن الجوزي: مناقب ص 126، وابن حجر في الإصابة 3/258، ونسبه للخطيب وابن عساكر.
(2/535)

وعن الحسن1 أن عمران بن حصين أحرم من البصرة فقدم على عمر فأغلظ له ونهاه عن ذلك، فقال: "يتحدث الناس أن رجلاً من أصحاب محمّد صلى الله عليه وسلم أحرم من مصرٍ من الأمصار"2.
وعن نافع3 أن عمر رضي الله عنه رأى على طلحة بن عبيد الله4 ثوبين ممشقين5، فقال: "ما هذا؟ "، فقال: "إنما هو طين"، فقال: "إنكم أصحاب محمّد صلى الله عليه وسلم يقتدى بكم وينظر إليكم"6.
وذكر أبو القاسم الأصفهاني، عن أبي وائل7، قال: كنت جالساً على كرسي شيبة بن عثمان8 في الكعبة، فقال: لقد جلس هذا المجلس عمر، فقال: "لقد هممت أن لا أدع فيه صفراء ولا بيضاء [إلا قسمتها"، فقلت: "ما كنت لتفعل"، قال:
__________
1 البصري.
2 ابن قدامة: المغني 5/67، وعزاه لسعيد بن منصور، ابن الجوزي: مناقب ص 126، والهيثمي: مجمع الزوائد 3/216، 217، وقال: "رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح، إلا أن الحسن لم يسمع من عمر".
3 مولى ابن عمر.
4 في الأصل: (عبد الله) ، وهو تحريف.
5 المِشْق، والمَشْق: طين يصبغ به الثوب، يقال: ثوب مُمَشّق. (لسان العرب10/345) .
6 ابن سعد: الطبقات 3/219، 220، وأورده بإسنادين: الأوّل فيه فليح بن سليمان صدوق كثير الخطأ، والثاني فيه محمّد بن إسحاق عنعن وهو مدلس. (التقريب رقم: 5443، 4752) ، وابن الجوزي: مناقب ص 126.
7 شقيق بن سلمة.
8 شيبة بن عثمان بن أبي طلحة القرشي العبدي، حاجب الكعبة، توفي سنة تسع وخمسين. وقيل: في خلافة يزيد بن معاوية. (الإصابة 3/218) .
(2/536)

"ولِمَ؟ "، قلت: "إن صاحبيك لم يفعلا"، قال: "هما المرآن أقتدي بهما"] 12.
__________
1 ما بين المعقوفتين مطموس في الأصل، والتصويب من سير السلف.
2 أبو القاسم: سير السلف ص 158، وأحمد: المسند 3/410، وإسناده صحيح، والطبراني في: المعجم الكبير 7/300.
(2/537)

الباب الخمسون: جمعه القرآن في المصحف
...
الباب الخمسون: في جمعه القرآن في المصحف
وفي الصحيح عن الزهري، أخبرني ابن السباق1، أن زيد بن ثابت الأنصاري، وكان ممن يكتب الوحي، قال: "أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة2، وعنده عمر، فقال أبو بكر: "إن عمر أتاني فقال: "إن القتل قد استحرّ3 يوم اليمامة بالناس، وإني أخشى4 أن يستحرّ القتل بالقرّاء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن، إلا أن تجمعوه، وإني لأرى5 أن تجمع القرآن"، قال أبو بكر: "فقلت لعمر: كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ "، قال عمر: "هو والله خير"، فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيت الذي [رأى] 6 عمر". فقال7 زيد بن ثابت: وعمر جالس عنده لا يتكلم، فقال أبو بكر: "إنك رجل شاب عاقل [و] 8 لا نتهمك كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتّبع القرآن فاجمعه".
__________
1 عبيد بن السباق الثقفي، من الثالثة. (التقريب ص 377) .
2 اليمامة: معدودة من نجد وقاعدتها حجر، وكان اسمها قديماً جوّاً فسميت باليمامة بنت سهم بن طسم، وكان فتحها وقتل مسيلمة في أيام أبي بكر رضي الله عنه، وفتحها خالد ابن الوليد. (معجم البلدان 5/442) .
3 استحر: اشتد وكثر. (لسان العرب 4/179) .
4 مطموس في الأصل، سوى: (شى) .
5 مطموس في الأصل، سوى: (رى) .
6 مطموس في الأصل.
7 في صحيح البخاري: (قال) .
8 مطموس في الأصل.
(2/538)

فوالله لو كلفوني نقل1 جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلان شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟، فقال أبو بكر: "هو والله خير". فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صَدْرِي للذي شرح الله له صَدْرِي أبي بكر وعمر، فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من2 الرّقاع والأكتاف، والعُسُب3، وصدور الرجال، حتى وجدت من سورة التوبة / [77 / ب] آيتين مع خزيمة الأنصاري4، لم أجدهما مع أحد غيره {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ} [التوبة: 128-129] ، إلى آخرهما. فكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عمر حتى توفاه الله [ثم] 5 عند حفصة بنت عمر"6.
وذكر ابن الجوزي عن الحسن7، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل عن آية في كتاب الله عزوجل فقيل: "كانت مع فلان فقتل يوم اليمامة، فقال: "إنا لله"، وأمر بالقرآن فجمع، فكان أول من جمعه في المصحف8.
وعن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، قال: "أراد عمر بن الخطاب
__________
1 مطموس في الأصل، سوى (ل) .
2 مطموس في الأصل، سوى (ن) .
3 العسب: الذي لم ينبت عليه الخوص من السعف. (القاموس ص 147) .
4 خزيمة بن ثابت الأنصاري، ذو الشهادتين، قتل مع عليّ بصفين. (التقريب ص 193) .
5 مطموس في الأصل.
6 البخاري: الصحيح، كتاب التفسير 4/1907، رقم: 4701.
7 البصري.
8 ابن الجوزي: مناقب ص 126، والخبر في ابن أبي داود: المصاحف ص 16، إسناده ضعيف لانقطاعه، الحسن لم يسمع من عمر، وفيه مبارك بن فضالة عنعن وهومدلس.
(2/539)

رضي الله عنه أن يجمع القرآن، فقام في الناس، فقال: "من كان تلقى من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً من القرآن فليأتنا به"، وكانوا قد كتبوا ذلك في الصحف، والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئاً حتى يشهد شاهدان"1.
وعن عبد الله بن فضالة2، قال: "لما أراد عمر بن الخطاب أن يكتب القرآن أقعد له نفراً من أصحابه، فقال: "إذا اختلفتم في اللغة فاكتبوها بلغة أهل مضر3، فإن القرآن نزل على رجل من مضر"4.
وعن جابر بن سمرة، قال: "سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: لا يملين في مصاحفنا إلا غلمان قريش، وغلمان ثقيف"5.
قال أسامة بن مرشد: "قد كان عمر عزم على جمع القرآن والسنة أيضاً، ثم بدأ له"6.
وروي عن عروة7، قال: "أراد عمر أن يكتب للناس السنن، فاستخار الله
__________
1 ابن أبي داود: المصاحف ص 16، 17، وإسناده ضعيف لانقطاعه، يحيى بن عبد الرحمن لم يدرك عمر، وفي إسناده محمّد بن عمران بن علقمة صدوق له أوهام. (التقريب رقم: 6188) ، وابن الجوزي: مناقب ص 126، 127.
2 الزهراني الليثي، له رؤيةمرسلة، عاش إلى زمن الوليدبن عبد الملك. (التقريب ص317) .
3 في المصاحف، والمناقب: (بلغة مضر) .
4 ابن أبي داود: المصاحف ص 17، وإسناده حسن. فيه إسماعيل بن أسد، وهَوْدَة بن خليفة وهما صدوقان. (التقريب رقم: 424، 7327) ، وابن الجوزي: مناقب ص127.
5 ابن أبي داود: المصاحف ص 17، 18، وإسناده حسن، وفيه شيبان الحبطي، صدوق يهم. (التقريب رقم: 269) ، لكن له شاهد مرسل عن عبد الله بن معقل. (المصاحف ص 17، وأورده ابن الجوزي: مناقب ص 127، وابن حجر: فتح الباري 3/19، وعزاه لابن أبي داود.
6 أسامة بن مرشد: مختصر مناقب عمر لابن الجوزي ص 127.
7 عروة بن الزبير.
(2/540)

شهراً، ثم أصبح وقد عزم لهن فقال: "ذكرت قوماً كتبوا كتاباً فأقبلوا عليه وتركوا كتاب الله عزوجل"1.
وفي الصحيح عن أنس بن مالك: أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح إرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: "يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب، اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف نَنْسَخُها في المصاحف ثم نردّها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام2، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: "إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم". ففعلوا حتى إذا نسخوا الصّحف في المصاحف ردّ عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كلّ أفقٍ3 بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة، أو مصحف أن يحرق4. أو قال: "يخرق"5.
وفي مسند الإمام أحمد عن عباد بن عبد الله بن الزبير6، قال:
__________
1 ابن عبد البر: جامع بيان العلم وفضله ص 109، والخطيب: تقييد العلم ص 50، وابن الجوزي: مناقب ص 127، وأورده عن الزهري ابن سعد: الطبقات 3/287، والبلاذري: أنساب الأشراف (الشيخان: أبو بكر وعمر) ص 217) .
2 المخزومي، له رؤية، وكان من كبار ثقات التابعين، توفي سنة ثلاث وأربعين. (التقريب ص 338) .
3 الأفق: الناحية. (القاموس ص 1116) .
4 البخاري: الصحيح، كتاب فضائل القرآن 4/1908، رقم: 4702.
5 قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري 9/20: "وفي رواية الأكثر: "أن يخرق"، بالخاء المعجمة.
6 ابن العوام، كان قاضي مكة زمن أبيه وخليفته إذا حج، ثقة، من الثالثة. (التقريب ص 290) .
(2/541)

"أتى الحارث بن خَزْمة1 بهاتين الآتين من آخر براءة: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ} [التوبة: 128-129] إلى عمر بن الخطاب، فقال: "من معك على هذا؟ " قال: "لا أدري، والله إني أشهد لسمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ووعيتها وحفظتها"، فقال عمر: "وأنا أشهد لسمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم"، ثم قال: "لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة، فانظروا سورة من القرآن فضعوها فيها". فوضعتها في آخر براءة"2. / [78 / أ] .
__________
1 الحارث بن خَزْمة المخزومي الأنصاري، شهد بدراً وما بعدها، توفي بالمدينة سنة أربعين. (أسد الغابة 1/389، الإصابة 1/290) .
2 أحمد: المسند 3/162، وإسناده ضعيف، قال أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند رقم: 1715: "إسناده ضعيف، لانقطاعه، عباد بن عبد الله، ثقة، ولكنه لم يدرك قصة جمع القرآن، بل ما أظنه أدرك الحارث بن خرمة، ولئن أدركه لما كان مصححاً للحديث، إذ لم يروه عنه، بل أرسل القصة إرسالاً". والحديث في ابن أبي داود: المصاحف ص 30، والهيثمي: مجمع الزوائد، وقال: "رواه أحمد، وفيه ابن إسحاق، وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات". قال أحمد شاكر: "ولم ينتبه الحافظ الهيثمي لتعليله بالإرسال".
(2/542)

الباب الحادي والخمسون: مكاتباته
...
الباب الحادي والخمسون: في ذكر مكاتباته
في الصحيح عن عمرو1، قال: "كنت جالسا مع جابر بن زيد2 وعمرو بن أوس3، فحدّثهما بجالة4 سنة سبعين، عام حج مصعب بن الزبير5 بأهل البصرة عند درج زمزم، قال: "كنت كاتباً لجزء بن معاوية6 عمّ الأحنف، فأتانا كتاب عمر بن الخطاب قبل موته بسنة: "فرقوا بين كل ذي محرم من المجوس، ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس، حتى شهد عبد الرحمن بن عوف: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر"7.
وفي صحيح مسلم عن أسير بن جابر8، قال: "كان عمر إذا أتى عليه
__________
1 عمرو بن دينار المكي، الأثرم، الجمحي مولاهم، ثقة ثبت، توفي سنة ست وعشرين. (التقريب ص 421) .
2 أبو الشعثاء البصري، مشهور بكنيته، ثقة فقيه، من الثالثة، توفي سنة ثلاث وتسعين. ويقال: ثلاث ومئة. (التقريب ص 136) .
3 الثقفي، الطائي، تابعي كبير من الثانية، وَهِمَ مَنْ ذَكَرَهُ في الصحابة، توفي بعد التسعين من الهجرة. (التقريب ص 418) .
4 بجالة بن عَبَدة التميمي العنبري البصري، ثقة، من الثانية. (التقريب ص 120) .
5 ابن العوام الأسدي أمير العراق لعبد الله بن الزبيرن قتل سنة إحدى وسبعين. تاريخ الطبري 6/151، جمهرة أنساب العرب ص 124) .
6 التميمي السعدي، صحابي، كان عامل عمر على الأهواز، وعاش إلى أن ولي لزياد بعض عمله. (الإصابة 1/244) .
7 البخاري: الصحيح، كتاب الجزية والموادعة 6/257، رقم: 3156.
8 يُسَير بن جابر، وقيل: أصله أسير، فُسَّهلت الهمزة، مختلف في نسبته، له رؤية، توفي سنة خمس وثمانين. (التقريب ص 607) .
(2/543)

أمداد أهل اليمن، سألهم: أفيكم أُويس بن عامر؟ "1، حتى أتى على أويس، فقال: "أنت أويس بن عامر؟ "، قال: "نعم". قال: "من مرادٍ ثم من قرن؟ "2، قال: "نعم"، قال: "بك برص فبرأت منه إلا موضع درهم؟ "، قال: "نعم"، قال: (لك والدة؟ "، قال: "نعم"، قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مرُادٍ، ثم من قرن، كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها برّ، لو أقسم على الله لأبرّه، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل"، فاستغفر لي فاستغفر له.
فقال له عمر: أين تريد؟، قال: "الكوفة"، قال: ألا أكتب لك إلى عاملها؟، قال: "أكون في غَبْرَاء3 الناس أحب إليّ".
قال: فلما كان من العام المقبل حج رجل من أشرافهم، فوافق عمر فسأله عن أويس بن عامر، قال: "تركته رثّ4 البيت، قليل المتاع". قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن، من مرادٍ ثم من قرنٍ، كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها برّ، لو أقسم على الله لأبرّه، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل". فأتى أويساً فقال: "استغفر لي"، قال: "أنت أحدث عهداً بسفرٍ صالح فاستغفر لي". [قال: "استغفر لي"، قال: "أنت أحدث عهداً بسفر صالح فاستغفر لي] 5، قال:
__________
1 القرني، سيد التابعين، روى له مسلم من كلامه، مخضرم، قتل بصفين. (التقريب ص116) .
2 قرن بن ردمان بن ناجية بن مراد بن مالك بن أدد. (جمهرة أنساب العرب ص 406، 407) .
3 غَبْراء الناس بالمد: أي: في فقرائهم. (لسان العرب 5/6) .
4 الرثّ: رديء المتاع، وأسقاط البيت من الخُلقان. (لسان العرب 2/151) .
5 سقط من الأصل.
(2/544)

"لقيت عمر؟ " قال: "نعم"، فاستغفر له، ففطن له الناس، فانطلق على وجهه، قال أُسَيْر: وكسوته بردة، فكان كلما رآه إنسان، قال: "من أين لأويس هذه البردة؟ "1.
وذكر ابن الجوزي عن أبي عثمان2، قال: "جاءنا كتاب عمر رضي الله عنه ونحن بأذربيجان، يا عتبة بن فرقد3، إياكم والتنعم، وزي أهل الشرك، ولبوس الحرير، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا عن لبس الحرير، قال: إلا هكذا" ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم إصبعيه"4.
وعن أبي عثمان النهدي: أن عمر رضي الله عنه قال: "اتّزروا وارتدوا وانتعِلوا وألقوا الخفاف السراويلات وألقوا الرّكب، وانزوا نزواً، وعليكم بالمعدّيّة، وارموا الأغراض وذروا التنعم وزيّ العجم، وإياكم والحرير، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى عنه، و [قال] 5: "لا تلبسوا من الحرير إلا ما كان هكذا"، وأشا ر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإصبعيه"6.
__________
1 مسلم: الصّحيح، كتاب فضائل الصحابة 4/1969، رقم: 2542.
2 النهدي.
3 السلمي، صحابي، نزل الكوفة، وهو الذي فتح الموصل زمن عمر. (التقريب ص 381) .
4 ابن الجوزي: مناقب ص 127، وأحمد: المسند 1/194، رقم: 92، واللفظ له، والبخاري: الصحيح، كتاب اللباس 5/2193، رقم: 5490، مختصراً، ومسلم: الصّحيح، كتاب اللباس والزينة 3/1642، رقم: 2069.
5 سقط من الأصل.
6 أحمد: المسند 1/285، وصحّحه أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند رقم: 301، البيهقي: السنن: 10/14، والإسماعيلي كما في فتح الباري 10/286، ابن الجوزي: مناقب ص 127، 128، وعبد الرزاق: المصنف 11/85، عن قتادة.
(2/545)

قوله: "اتزروا1: أي: شدّوا الأزر، وارتدوا2: صغوا عليكم الأردية. وانتعلوا3: ألبسوا النعال، وألقوا الخفاف4: يعني: من الثياب. وألقوا الرّكب5: حتى يعتادوا ركوب الخيل بغير رُكُب"6.
وقال أصحابنا: "يستحب للإنسان أن يعتاد الوثوب7 من الأرض إلى ظهر الدابة؛ لأنه ربما حضر في الحرب وليس ما يركب به، فيفعل ذلك"8. / [78 / ب] .
وقوله: "وانزوا نزواً، قال بعضهم: "ثبوا وثباً"9، والمراد أسرعوا في المشي.
وقال أصحابنا: "يستحب الإسراع في المشي بحيث لا يتعب نفسه"10.
__________
1 انظر: لسان العرب 4/16.
2 انظر: لسان العرب 14/316، 317.
3 انظر: لسان العرب 11/667.
4 في اللسان 9/82: "الخُفاخف: صوت الثوب الجديد إذا لُبس وحركته".
5 الرُّكاب للسّرج: كالفرز للرَّحل، والجمع: رُكبٌ. (غريب الحديث لأبي عبيد 3/325، لسان العرب 1/430، القاموس ص 117) .
6 انظر: ابن قندس: الحاشية على كتاب الفروق ق 76، والسفاريني: غذاء الألباب 2/341، قال ابن قندس: "لم أر في ذلك نقلاً أعتمد عليه فيعلم ذلك".
7 في الأصل: (يثب) ، وهو تحريف.
8 لم أجده.
9 انظر: الأثير: النهاية 5/44، ابن منظور: لسان العرب 15/319، الفيروز آبادي القاموس ص 1724، ابن مفلح: الفروع 1/361، ابن قندس: الحاشية على كتاب الفروع ق 76، السفاريني: غذاء الألباب 2/341) .
10 انظر: ابن القيم: زاد المعاد 1/167، السفاريني: غذاء الألباب 2/349.
(2/546)

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا مشى كأنما ينحط من صبب.1 2
وقوله: "عليكم بالمعدية: هي لبسة خشنة نسبة إلى معد بن عدنان".3
وعن أبي أمامة بن سهل4 قال: "كتب عمر إلى أبي عبيدة: علموا غلمانكم العوم، ومقاتلتكم الرمي". 5
وعن عياض الأشعري قال: "شهدت اليرموك، قال عمر: "إذا كان قتال فعليكم بأبي عبيدة بن الجراح". قال فكتب: إليه إنه قد جاش6 إلينا الموت، واستمددناه، فكتب: إنه قد جاءني كتابكم تستمدّونني وأنا أدلكم على من هو أعزّ نصراً وأحضر جنداً، الله عزوجل فاستنصروه، فإن محمّداً صلى الله عليه وسلم قد نصر يوم بدر في أقل من عدّتكم، فإذا أتاكم كتابي هذا، فقاتلوهم، ولا تراجعوني. قال: فقاتلناهم فهزمناهم، وقتلناهم أربعة فراسخ، وأصبنا أموالاً كثيرة"7.
وعن المثنى بن موسى بن سلمة8 بن المُحَبَّق9 الهذلي، عن
__________
1 الصبب: أي موضع منحدر (النهاية 3/ 3) .
2 أحمد المسند 2/ 106، الترمذي: السنن 5/598 وقال: " هذا حديث حسن صحيح ". وصححه أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند رقم 746.
3 انظر: ابن الأثير: النهاية 4/ 342، ابن منظور: لسان العرب 3/ 407.
4 أسعد بن سهل بن حنيف الأنصاري.
5 سيأتي تخريجه ص 558.
6 جاش: أي: فاض وتدفق وأقبل. (النهاية1/323، لسان العرب6/276، القاموس ص756) .
7 أحمد: المسند 1/304، ابن أبي شيبة: المصنف 13/34، 35، وإسنادهما صحيح. وصحّحه أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند رقم: 344.
8 في الأصل: (موسى بن المثنى بن سلمة) ، ولعله سهو من المؤلف.
9 المثنى بن موسى الهذلي، يروي عن أبيه، روى عنه محمّد بن عباد الهنائي. (الثقات لابن حبان 9/193) .
(2/547)

أبيه1 عن جده2 قال: "شهدت فتح الأبلة3، وأميرنا قطبة بن قتادة السدوسي4، فاقتسمت الغنائم، فدفعت إليّ قِدْر من نحاس فلما صارت في يدي تبين لي أنها من ذهب، وعرف ذلك المسلمون فشكوني إلى أميرنا، فكتب إلى عمر رضي الله عنه يخبره5 بذلك فكتب إليه عمر - رضي الله عنه -: أصبر6 يمينه إن لم يعلم أنها ذهب، إلا بعدما صارت إليه، فإن حلف فادفعها إليه، وإن أبى فاقسمها بين المسلمين، فحلف فدفعها إليه، وكان فيها أربعون ألف مثقال7. قال جدي: "منها أموالنا التي نتوارثها إلى اليوم"8.
وعن سعيد بن أبي بردة9، قال: "كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: "أما بعد: فإن أسعد الرعاة10 من سعدت به رعيته، وإن أشقى
__________
1 موسى بن سلمة بن المُحَبّق الهذلي البصري، ثقة، من الرابعة. (التقريب ص 551) .
2 سلمة بن المُحَبّق الهذلي، صحابي، سكن البصرة. (التقريب ص 248) .
3 في الأصل: (ابلة) ، والمثبت من معجم البلدان 1/77، وفيه: الأُبلة - بضم أوّله وثانيه، وتشديد اللام وفتحها -، وهي بلدة على شاطئ دجلة البصرة العظمى في زاوية الخليج الذي يدخل إلى مدينة البصرة) .
4 أبو الحويصلة، قال البخاري: "له صحبة". (الإصابة 5/242) .
5 في الأصل: (يخبر) ، وهو تحريف.
6 الصّبر: أن تأخذ يمين إنسان تقول صَبَرْتُ يمينه، أي: حلّفته. (لسان العرب 4/438) .
7 المثقال: واحد مثاقيل الذهب، ووزنه: درهم واحد وثلاثة أسباع درهم على التحرير. (لسان العرب 11/87) .
8 الطبري: التاريخ 3/596، مختصر، وابن الجوزي: مناقب ص 128، 129، وفيه المثنى بن موسى الهذلي لم يوثقه غير ابن حبان.
9 ابن أبي موسى الأشعري، الكوفي، ثقة ثبت وروايته عن ابن عمر مرسلة، من الخامسة. (التقريب ص 233) .
10 في الأصل: (الرعا) .
(2/548)

الرعاة عند الله من شقيت به رعيته، إياك أن ترتع، فيرتع عُمّالك، فيكون مثلك عند ذلك مثل البهيمة، نظرت إلى خضرةٍ من الأرض، فرعت فيها تبغي بذلك السمن، وإنما حتفها في سمنها، والسلام"1.
وعن عامر الشعبي، قال: "كتب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى: "من خلصت نيته كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين للناس بغير ما يعلمه الله من قلبه شأنه الله، فما ظنك بثواب عند الله في عاجل رزقه، وخزائن رحمته، والسلام"2.
وعن أبي البختري3: أن عمر كتب إلى أبي موسى: "لا تؤخر عمل اليوم إلى غد، فتدال عليك الأعمال فتضيع، فإن للناس نفرة عن سلطانهم، أعوذ بالله أن تدركني وإياكم ضغائن محمولة، ودنيا مؤثرة، وأهواء متّبعة"4.
وعن أبي عمران الجوني5، "أن عمر، كتب إلى أبي موسى: "أن كاتبك الذي كتب إليّ لحن، فاضربه سوطاً"6.
__________
1 ابن أبي شيبة: المصنف 8/466، والحلية 1/50، ابن الجوزي: مناقب ص 129، والمتقي الهندي: كنْز العمال 16/160، ونسبه لابن أبي شيبة، والحلية، وهو ضعيف لانقطاعه، سعيد بن أبي بردة لم يدرك عمر.
2 هناد: الزهد 2/436، وعنه أبو نعيم: الحلية 1/50، وإسناده ضعيف جداً، فيه السري بن إسماعيل الهمداني متروك. (التقريب ص 2221) ، والشعبي لم يسمع من عمر. وأورده ابن الجوزي: مناقب ص 129.
3 سعيد بن أبي فيروز الطائي مولاهم، الكوفي، ثقة ثبت، فيه تشيع قليل كثير الإرسال. من الثالثة، مات سنة ثلاث وثمانين. (التقريب ص 240) .
4 البيهقي: السنن: 10/35، وابن الجوزي: مناقب ص 129، وهو ضعيف لانقطاعه، أبو البختري لم يدرك عمر بن الخطاب، والمتقي الهندي: كنْز العمال 5/778.
5 عبد الملك بن حبيب الأزدي، مشهور بكنيته، ثقة، من كبار الرابعة توفي سنة ثمان وعشرين ومئة وقيل بعدها. (التقريب ص 362) .
6 ابن الجوزي: مناقب ص 129، وهو ضعيف لانقطاعه.
(2/549)

وعن يزيد بن أبي حبيب / [79 / أ] : أن كاتب عمرو بن العاص كتب إلى عمر رضي الله عنه فكتب بسم ولم يكتب فيها سيناً، فكتب عمر إلى عمرو: أن اضربه سوطاً، فضربه، فقيل له: "فيم ضربك؟ "، قال: "في سين"1.
وعن الحسن2، قال: "كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى وهو بالبصرة: "بلغني أنك تأذن للناس جماً غفيراً، فإذا جاءك كتابي هذا فأذن لأهل الشرف وأهل القرآن، والتقوى، والدين، إذا أخذوا مجالسهم فأذن للعامة"3.
وعن جعفر بن بُرْقَان4، أن عمر رضي الله عنه كتب إلى بعض عماله وكان في آخر كتابه: "أن حاسب نفسك في الرخاء، قبل حساب الشدة، [فإنه من حاسب نفسه في الرخاء قبل حساب الشدة] 5 عاد مرجعه إلى الرضا والغبطة ومن ألهته حياته، وشغلته أهواؤه، عاد أمره إلى الندامة والحسرة، فتذكر ما توعظ به، لكيما تنتهي عما تُنهى عنه، وتكون عند التذكرة والموعظة من أولي النهى"6.
وعن عروة بن رُوَيم اللخمي7، قال: كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه
__________
1 ابن الجوزي: مناقب ص 129، وهو ضعيف لانقطاعه.
2 البصري.
3 ابن الجوزي: مناقب ص 130، وهو ضعيف لانقطاعه، الحسن لم يدرك عمر، لم يصرح عمن روى عنه.
4 الكلابي الرّقي، صدوق يهم في حديث الزهري، من السابعة، توفي سنة خمسين ومئة. (التقريب ص 140) .
5 سقط من الأصل.
6 ابن عساكر: تاريخ دمشق ج 13 ق 135، وإسناده ضعيف لانقطاعه، ابن الجوزي: مناقب ص 130، والمتقي الهندي: كنْز العمال 16/155، وعزاه للبيهقي في الزهد وابن عساكر.
7 أبو القاسم، صدوق يرسل كثيراً، من الخامسة، توفي سنة خمس وثلاثين على الصحيح. (التقريب ص 389) .
(2/550)

إلى أبي عبيدة بن الجراح كتاباً فقرأه على الناس بالجابية: "أما بعد: فإنه لم يُقِم أمرَ الله في الناس إلا حصيف العُقدة1، بعيد الغِرّة2، لايطّلع الناس منه على عورة، ولا يحنق في الحق على جرّته3، ولا يخاف في الله لومة لائم، والسلام عليكم"4.
وكتب عمر رضي الله عنه: "أما بعد، فإني كتبت إليك بكتاب لم آلك5 ونفسي فيه خيراً، ألزم خمس خصالٍ يسلم لك دينك، وتحظ بأفضل حظّك، إذا حضرك الخصمان فعليك بالبيّنات العُدُول، والأيمان القاطعة، ثم أدنُ الضعيف حتى ينبسط لسانه ويجترئ قلبه، وتعاهد الغريب فإنه إذا طال حَبْسه ترك حاجته، وانصرف إلى أهله وإذا الذي أبطل حقه من لم يرفع به رأساً، واحرص على الصلح، ما لم يبن لك القضاء. والسلام"6.
وعن أبي حريز الأزدي7، قال: "كان رجل لا يزال يهدي لعمر فخذ جزور، إلى أن جاء ذات يوم بخصم، فقال: "يا أمير المؤمنين8، اقض بيننا قضاء
__________
1 حصيف العُقدة: الحصيف: المُحكُم العقل، والعُقدة: الرأي والتديبر. (لسان العرب 9/48) .
2 بعيد الغرّة: أي: من بعد حفظه لغفلة المسلمين. (النهاية 3/355) .
3 ولا يحنق في الحق على جرّته: أي لايحقد على رعيته، والحنق الغيظ. ما يخرجه البعير من جوفه ويمضغه (النهاية 1/451) .
4 ابن أبي شيبة: المصنف 13/43، وابن أبي الدنيا: الإشراف ص 71، وإسناده ضعيف لانقطاعه، عروة بن رويم لم يدرك عمر، ابن الجوزي: مناقب ص 130، والمتقي الهندي: كنْز العمال 5/776، وعزاه لابن أبي الدنيا في كتاب الإشراف.
5 في الأصل: (لما لك) ، وهو تحريف.
6 وكيع: أخبار القضاة 1/74، وإسناده ضعيف لانقطاعه، الشعبي لم يدرك عمر، ابن الجوزي: مناقب ص 130.
7 عبد الله بن حسين الأزدي، البصري، صدوق يخطئ من السادسة. (التقريب ص 300) .
8 قوله: "أمير المؤمنين"، تكرر في الأصل.
(2/551)

فصلاً، كما يفصل الفخذ عن سائر الجزور". قال عمر: "فما زال يرددها عليّ حتى خفت على نفسي". فقضى عليه عمر، وكتب إلى عماله: "أما بعد، فإياكم والهدايا، فإنها من الرشا"12.
وعن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: "كنا مع عمر في مسير فأبصر رجلاً يسرع في سيره، فقال: "إن هذا الرجل يريدنا"، فأناخ ثم ذهب لحاجته، فجاء الرجل فبكى، وبكى عمر رضي الله عنه وقال: "ما شأنك؟ "، فقال: يا أمير المؤمنين، إني شربت الخمر فضربني أبو موسى وسود وجهي، وطاف بي، ونهى الناس أن يجالسوني، فهممت أن آخذ سيفي فأضرب به أبا موسى، أو آتيك فتحولني إلى بلد لا أُعرف فيه، أو ألحق بأرض الشرك". فبكى عمر رضي الله عنه، وقال: "ما يسرني أنك لحقت بأرض الشرك، وأن لي كذا وكذا، وقال: "إن كنت مِمَّن شرب [الخمر، فلقد شرب] 3 الناس الخمر في الجاهلية"، ثم كتب إلى أبي موسى: "إن فلاناً أتاني فذكر كذا وكذا، فإذا أتاك كتابي هذا فَمُرِ الناس أن يجالسوه، وأن يخالطوه وإن تاب فاقبل شهادته، وكساه وأمر له بمائتي درهم"4.
__________
1 الرّشا: الرشوة - بكسر الراء، وضمها والجمع: رشا - بكسر الراء وضمها -، وقد رشاه من باب عدا. وارتشى: أخذ الرشوة، واسترشى في حكمه، طلب الرشوة عليه. (المختار ص 194) .
2 البيهقي: السنن: 10/138، وإسناده ضعيف لإعضاله، وابن الجوزي: مناقب ص 130، 131، وكيع: أخبار القضاة 1/56، عن أبي حريز الشعبي، وابن عساكر: تاريخ دمشق ج 13 / ق 117، وهو ضعيف، لانقطاعه، لأن الشعبي، لم يسمع من عمر، والمتقي الهندي: كنْز العمال 5/823، وعزاه لابن أبي الدنيا في كتاب الإشراف، ووكيع في الغرر، والبيهقي.
3 سقط من الأصل.
4 البيهقي: السنن: 10/214، وإسناده حسن، فيه سماك بن حرب، وأحمد بن محمّد أبو سهل القطان، وهما صدوقان. (التقريب رقم: 255، وسير أعلام النبلاء (15/521) ، وأورده ابن الجوزي: مناقب ص131، والمتقي الهندي: كنْز العمال 5/505، وعزاه للبيهقي.
(2/552)

وعن بجالة1 قال: "كنت كاتباً لجزء بن معاوية عمّ الأحنف بن قيس، فأتانا كتاب عمر بن الخطاب قبل موته بسنةٍ: أن اقُتلوا كل ساحر، وربما قال: وساحرة، وفرّقوا بين كل مَحْرَمٍ من المجوس، وانهوهم عن الزمزمة"2. فقتلنا ثلاث سواحر، وجعلنا نُفَرّق / [76 / ب] بين الرجل وحريمته في كتاب الله، وصنع جزء طعاماً كثيراً، وعرض السيف على فخذه ودعا3 المجوس، فألقوا وقرَ4 بغلٍ أو بغلتين من وَرقٍ وأكلوا بغير زمزمة، ولم يكن عمر رضي الله عنه أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر"5.
وعن يزيد بن الأصم6: "أن رجلاً كان ذا بأس، وكان يوفد إلى عمر لبأسه، وكان من أهل الشام، وإن عمر فقده فسأل عنه، فقيل: "يتابع في هذا الشراب"، فدعا كاتبه7، فقال: اكتب: "من عمر إلى فلان بن فلان، سلام عليكم، فإني
__________
1 بجالة بن عبدة التميمي.
2 الزمزمة: كلام يقوله المجوس عند أكلهم بصوت خفي. (النهاية 2/313) .
3 مطموس في الأصل سوى (ود) .
4 الوِقر - بكسر الواو - الحمل، وأكثر ما يستعمل في حِمْل البغل والحمار. (النهاية 5/213) .
5 الشافعي: الرسالة ص 432، والأم 4/174، والطيالسي: المسند رقم: 225، أحمد: المسند 3/123، أبو عبيد: الأموال ص 36، وإسنادهما صحيح، وصحّحه أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند رقم: 1657، والبيهقي: السنن: 8/247، وقد مضى إيراد المؤلف له عن صحيح البخاري ص 511.
6 يزيد بن عمرو البكائي، كوفي نزل الرقة، وهو ابن أخت ميمونة أم المؤمنين، يقال له رؤية، ولا يثبت، هو ثقة، توفي سنة ثلاث ومئة. (التقريب ص 599) .
7 مطموس في الأصل، سوى: (كاتب) .
(2/553)

أحمد الله إليك الذي {لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ المَصِيْرُ} [غافر: 3] ، ثم دعا وأمن من عنده، ودعوا له أن يُقبل لله عزوجل بقلبه1، أن يتوب عليه، فلما أتت الصحيفة الرجل جعل يقرأها ويقول: {غَافِرِ الذَّنْبِ} ، [غافر: 3] ، قد وعدني الله عزوجل أن يغفر لي، {وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيْدِ العِقَابِ} [غافر: 3] ، قد حذرني2 الله من عقابه: {ذِي الطَّوْلِ} [غافر: 3] ، والطول: الخير الكثير {إليه المصير} [غافر: 3] ، فلم يزل يرددها على نفسه، ثم بكى، ثم نزع، فأحسن النزع، فلما بلغ عمر رضي الله عنه خبره، قال: "هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخاً لكم زلّ زلّة فسددوه، ووفقوه، وادعوا الله أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعواناً للشيطان3 عليه"4.
وعن عبد الرحمن بن عبد القاري5، عن أبيه عن جده: أن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى معاوية بن أبي سفيان: "أما بعد، فالزم الحقّ يبين لك الحقّ منازل الحقّ يوم لا يقضى إلا بالحق. والسلام"6.
وعن رفيع بن حزام بن معاوية7 قال: "كتب إلينا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن أدبوا الخيل، ولا ترفعوا8 بين ظهرانيكم الصلب،
__________
1 في المناقب: (أن الله يقبله) .
2 في الأصل: (حذني) ، وهو تحريف.
3 قوله: "أعواناً"، تكرر في الأصل.
4 ابن الجوزي: مناقب ص 132، وهو ضعيف لانقطاعه، يزيد بن الأصم لم يدرك عمر.
5 عبد الرحمن بن محمّد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري.
6 ابن الجوزي: مناقب ص 132، والمتقي الهندي: كنْز العمال 16/156، وعزاه لأبي الحسن بن رزقويه في جزئه.
7 لم أعثر له على ترجمة.
8 في الأصل: (ولا ترفع) ، وهو تحريف.
(2/554)

ولا تجاورنكم الخنازير"1.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "اكتبوا عن الزاهدين في الدنيا، فإن الله عزوجل وكل بهم ملائكة واضعة أيديهم على أفواههم لا يتكلمون إلا بما هيأ الله لهم"2.
وعن أبي عبد الله بن إدريس3، قال: "أتيت سعيد4 بن أبي بردة، فسألته عن رسائل عمر بن الخطاب التي كان يكتب بها إلى أبي موسى، وكان أبو موسى قد أوصى إلى أبي بردة5، قال: فأخرج إليّ كُتباً فرأيت في كتاب منها:
"أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، فافهم إذا أُدلي إليك فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، آسِ6 بين الاثنين في مجلسك ووجهك، حتى7 لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس وضيع، وربما قال: ضعيفٌ من عدلك، الفهمَ الفهْمَ مما يتلجْلجُ8 في صدرك، وربما قال: في نفسك، فيشكل عليك وما لم ينزل في الكتاب، ولم تجربه السنة، فاعرف الأشباه والأمثال، ثم قِسِ الأمور بعضها ببعض، وانظر أقربها إلى الله عزوجل وأشبهها بالحقّ فاتّبعه واعمد إليه، ولا يَمنعك قضاء قضيته بالأمس، راجعت
__________
1 عبد الرزاق: المصنف 6/61، 9/248، ابن الجوزي: مناقب ص 132، والمتقي الهندي: كنْز العمال 4/467.
2 ابن الجوزي: مناقب ص 132.
3 إدريس بن يزيد الأودي، ثقة، من السادسة. (التقريب ص 97) .
4 في الأصل: (سعد) ، وهو تحريف.
5 أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، ثقة، توفي سنة أربع ومئة. (التقريب ص 621) .
6 آس بين الناس: أي: سوّ بينهم. (الكامل في اللغة 1/17) .
7 في الأصل: (حيث) ، وهو تحريف.
8 تلجلج: أي: تردّد في صدرك، وقلق ولم يستقر. (لسان العرب 2/356) .
(2/555)

فيه نفسك، وهُديت فيه لرشدك، فإن مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل. المسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجلوداً في حد، أو مُجرّباً عليه شهادة زور أو ظنيناً1 في ولاء أو قرابة، اجعل لمن ادعى حقاً غائباً أمداً ينتهي إليه / [80 / أ] أو بيّنة عادلة، فإنه أثبت في الحجّة، وأبلغ في العذر، فإن أحضر بيّنة إلى ذلك الأجل أخذ بحقّه، وإلا وجهت عليه القضاء. البيّنة على من ادّعى، واليمين على من أنكر. إن الله تولى منكم السّرائر، ودرأ عنكم الشُّبهات، وإياك والقلق2 والضجر، والتأذي بالناس، والتنكّر3 للخصم في مجالس القضاء التي يوجب الله تعالى بها الأجر، ويحسن فيها الذّخر، من خلصت نيته فيما بينه وبين الله عزوجل كفاه ما بينه وبين الناس، والصلح جائز بين الناس إلا صلحاً أحلّ حراماً4، أو حرّم حلالاً، ومن تزين للناس بما يعلم الله عزوجل غير ذلك شانه الله، فما ظنك بثواب غير الله5 في عاجل وآجل آخره"6.
__________
1 أو ظنيناً في ولاء أو نسب: أي: متهم. (لسان العرب 1/18) .
2 القلق: الانزعاج. (لسان العرب 10/323) .
3 في الأصل: (الشكر) ، وهو تحريف.
4 في الأصل: (حرام) .
5 كذا في الأصل، والكامل، ومناقب عمر، والسنن للبيهقي، وأخبار القضاة، وسنن الدارقطني، وفي أعلام الموقعين: (فما ظنك بثواب عند الله) ، قال ابن القيم: "يريد به تعظيم جزاء المخلص، وبيان أن جزاء العاملين كما ذكر في القرآن مراراً لا يقدّر قدره عند الله، وأنهم سيوفون أجرهم في هذه الحياة الدنيا وفي الآخر".
6 وكيع: أخبار القضاة ص 70، 71، وإسناده صحيح إلى سعيد بن أبي بردة، ابن الجوزي: مناقب ص 133، البيهقي: السنن: مختصراً 10/119، 135، عن سعيد بن أبي بردة مرسلاً، الدارقطني: السنن 1/206، 207، عن أبي المليح الهذلي، وفي إسناده عبيد الله بن أبي حميد متروك الحديث. (التقريب ص 4285) ، البيهقي: السنن: 10/150، والمتقي الهندي: كنْز العمال 5/806، وإسناد البيهقي ضعيف لانقطاعه، أبو العوام البصري توفي بين الستين والسبعين بعد مئة. وأورده المبرد: الكامل 1/16، 17، وابن خلدون: المقدمة 1/276.
(2/556)

وعن أبي عِمران الجوني قال: "كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري: أنه لم يزل للناس وجوه يرفعون حوائجهم للناس، فأكرم وجوه الناس، فيستحيي المسلم الضعيف من العدل والقسمة"1.
وفي فوائد أبي القاسم تمام الرازي2: "وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى معاوية: "ألا لا إمرة لك على عبادة3، واحمل الناس على ما قال، فإنه هو الأمير يعني عبادة"4.
وفي صحيح البخاري عن أبي عثمان5 قال: كنا مع عتبة6 فكتب إليه عمر رضي الله عنه: "إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يلبس أحد7 الحرير في الدنيا إلا لم يلبس8 في الآخرة منه" 9.
__________
1 ابن أبي الدنيا: الإشراف في منازل الأشراف ص 112، البيهقي: السنن: 8/168، وإسناده ضعيف لانقطاعه، أبو عمران الجوفي لم يدرك عمر، ابن الجوزي: مناقب ص 134، والمتقي الهندي: كنْز العمال 5/567، وعزاه لابن أبي الدنيا في الأشراف، والبيهقي، والدارقطني في الجامع.
2 تمام بن محمّد أبو القاسم البجلي الرازي.
3 عبادة بن الصامت الخزرجي، أحد النقباء، بدري، مشهور، توفي سنة أربع وثلاثين. (الإصابة 4/28، التقريب ص 292) .
4 لم أجده في فوائد تمام المطبوعة. والخبر بنحوه في الحاكم: المستدرك 3/355، وابن عبد البر: الاستيعاب 2/802، الذهبي: تاريخ الإسلام (عهد الخلفاء الراشدين) ص: 423، وسير أعلام النبلاء 2/7.
5 النهدي.
6 ابن فرقد.
7 قوله: "أحد"، ليست في صحيح البخاري.
8 في صحيح البخاري: "إلا لم يلبس منه شيء في الآخرة"، وانظر: فتح الباري 10/287) .
9 البخاري: الصحيح، كتاب اللباس 5/2193، رقم: 5492.
(2/557)

وفي رواية: أتانا كتاب1 عمر ونحن مع عتبة بن فرقد بأذربيجان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس الحرير إلا هكذا، وأشار بإصبعيه اللتين تليانالإبهام، قال: فيما علمنا أنه يعني الأعلام23.
وفي رواية: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس الحرير إلا هكذا، وصفّ لنا النبي صلى الله عليه وسلم إصبعيه، ورفع زهير4 الوُسطى والسّبّابة5.
وفي "مسند" الإمام أحمد عن أبي أمامة بن سهل، قال: "كتب عمر إلى أبي عبيدة بن الجراح، أن علموا غلمانكم العومَ، ومُقاتلتكم الرومي، فكانوا يختلفون إلى الأغراض6، فجاء بينهم سَهْمٌ غربٌ7 إلى غلام فقتله، فلم يوجد له أصل، وكان في حجر خاله، فكتب فيه أبو عبيدة إلى عمر: [إلى من أدفع عقله8؟] "9، فكتب إليه عمر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "الله ورسوله مولى من لا مولى له، والخال وارث من لا وارث له" 10.
__________
1 في الأصل: (كتا) ، والتصويب من صحيح البخاري.
2 أي: الذي حصل في علمنا أن المراد بالمستثنى الأعلام. وهو ما يكون في الثياب من تطريف وتطريز ونحوهما. (فتح الباري 10/286) .
3 البخاري: الصحيح، كتاب اللباس 5/2193، رقم: 5490، مسلم: الصّحيح، كتاب اللباس والزينة 3/1643، رقم: 2068.
4 ابن معاوية أبو خيثمة الجعفي، الكوفي، نزيل الجزيرة، ثقة ثبت، إلا أن سماعه عن أبي إسحاق بأخرة، توفي سنة اثنتين وسبعين ومئة. (التقريب ص 218) .
5 البخاري: الصحيح، كتاب اللباس 5/2193، رقم: 5491.
6 الغرض: هدف يُرمى فيه. (القاموس ص 836) .
7 سهم غرب: أي: لا يدرى راميه. (القاموس ص 154) .
8 العقل: الدية. (القاموس ص 1336) .
9 سقط من الأصل.
10 أحمد: المسند 1/295، 296، الترمذي: السنن 4/421، وقال: "هذا حديث حسن صحيح". وابن ماجه: السنن 2/912، والحديث صحّحه أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند رقم: 323، والألباني: صحيح سنن الترمذي 2/214، رقم: 1708، وصحيح سنن ابن ماجه رقم: 2737.
(2/558)

فصل
قال أصحابنا: "لا بأس بالمراسلة ويستحب التحري في كتابتها لطريق / [80 / ب] 1 السلف، وأن يبدأ فيها {بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، وبحمد الله، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يسلم على من كتب إليه، ويخبره بقصده، ويكره أن يكتب يُقبل الأرض، ذكره جماعة"2.
قال شيخنا الشيخ زين الدين الحبال3 - رحمه الله -: "لأنه إن قبل الأرض فقد فعل منهياً عنه، وإن لم يقبله فقد كذب"4. وينبغي أن يوصي من كتب إليه بتقوى الله، والخير، ويرغبه في الطاعة، ويكتب بعد الحمد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أما بعد5، ويشرع ختم الكتاب6، ولا ينبغي لمن أرسل معه أن يقرأه، ولا يفضه، لأنه ربما يكون فيه سرّ، وينبغي أن يبيّن ممن هو، نحو قوله: من فلان7، أو يكتب اسمه فيه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتب: من محمّد رسول الله
__________
1 ق 80 / ب أعلى الصفحة بياض وليس هناك نقص فالكلام متصل.
2 انظر: ابن مفلح: الآداب الشرعية 1/385، 409، 411.
3 عبد الرحمن بن إبراهيم بن يوسف بن الحبال الحنبلي، الفقيه المقرئ، توفي مبطوناً في شهر رمضان سنة ست وستين وثمان مئة. (الجوهر المنضد ص 64، الضوء اللامع 4/43، السحب الوابلة ص 116) .
4 انظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوى 1/372.
5 انظر: النووي: شرح صحيح مسلم 12/109.
6 انظر: ابن حجر: فتح الباري 10/324، 325.
7 البخاري: الصحيح، كتاب بدء الوحي 1/7، رقم: 7.
(2/559)

إلى فلان، ويكره أن يكتب يقبل الأيادي، لأنه كذب، وقد ذكر عن الحافظ إبراهيم المقدسي (المعروف بالعِماد) 1 أن رجلاً قال له: "ولدي يقبل يدك"، فقال له: "لا تكذب"2.
ويجوز الكتاب إلى الكفار3، ويكتب من القرآن الآية نحو: {بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، و {الحَمْدُ لله} ، ونحو: {يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوا إِلَى كَلْمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ الله} [آل عمران: 64] ، ونحو ذلك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك4.
وفي (الموطّأ) عن عبد الله بن دينار5، أن عبد الله بن عمر كتب إلى عبد الملك بن مروان يبايعه، فكتب إليه: "بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، لعبد الله بن عبد الملك6 أمير المؤمنين من عبد الله بن عمر، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله لا إله إلا هو، وأقرّ لك بالسمع والطاعة على سنة الله ورسوله فيما استطعت"7. / [81 / أ] .
__________
1 إبراهيم بن عبد الواحد بن عليّ المقدسي، الجماعيلي الحنبلي الزاهد الحافظ، كان قويّاً في أمر الله، وتوفي سنة أربع عشرة وست مئة. (ذيل طبقات الحنابلة 1/93، سير أعلام النبلاء (22/47) .
2 ابن رجب: ذيل طبقات الحنابلة 1/95.
3 النووي: شرح صحيح مسلم 12/113.
4 البخاري: الصحيح، كتاب الجهاد 3/1074، رقم: 2782، ومسلم: الصّحيح، كتاب الجهاد والسير 3/1396، رقم: 1773.
5 عبد الله بن دينار العدوي مولاهم، المدني، ثقة، من الرابعة، توفي سنة سبع وعشرين ومئة. (التقريب ص 302) .
6 عبد الملك بن مروان الأموي، الدمشقي، ملك ثلاث عشرة سنة استقلالاً، وقبلها منازعاً لابن الزبير تسع سنين، توفي ست وثمانين. (التقريب ص 365) .
7 مالك: الموطّأ رواية يحيى بن يحيى ص 538، وإسناده صحيح، ابن سعد: الطبقات 4/183، 184.
(2/560)

الباب الثاني والخمسون: زهده
...
الباب الثاني والخمسون: في ذكر زهده
عن مجاهد1 قال: قال عمر رضي الله عنه: "وجدنا خير عيشنا الصبر"2، 3.
وعن الأحوص بن حكيم4 عن أبيه5 قال: "أُتي عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلحم فيه سمن، فأبى أن يأكلهما، وقال: "كل واحد منهما أدم"6.
قال ابن سعد: "قال ابن عمر: "كان أبي لا يتزوج النساء لشهوة إلا طلب الولد"7.
وعن الحسن8 قال: "ما ادَّهنَ عمر رضي الله عنه حتى قتل إلا بسمن أو إهالة9 وزيت"10، يريد أنه لم يَدَّهِن بطيب11.
__________
1 ابن جبر.
2 في صحيح البخاري، والزهد لابن المبارك ووكيع: " بالصبر".
3 ابن المبارك: الزهد ص 222، وكيع: الزهد 2/449، أحمد: الزهد ص 117، وإسناده صحيح إلى مجاهد، لكنه منقطع، وأبو نعيم: الحلية 1/50، البخاري معلقاً جازماً الصحاح كتاب الرقاق 5/2375، وابن حجر: فتح الباري 11/303، وعزاه لأحمد في الزهد وقال: "بسند صحيح". والحاكم كما في فتح الباري 11/202، من رواية مجاهد عن سعيد بن المسيب.
4 العنْسي، أو الهمداني، ضعيف الحفظ، من الخامسة. وكان عابداً. (التقريب ص 96) .
5 حكيم بن عمير، الحمصي، صدوق يهم من الثالثة. التقريب ص 177) .
6 ابن سعد: الطبقات 3/319، وابن الجوزي: مناقب ص 136، وهو ضعيف لانقطاعه، وفيه الأحوص بن حكيم ضعيف.
7 ابن سعد: الطبقات 3/324، 325، وفي إسناده الواقدي، وابن الجوزي: مناقب ص 126.
8 الحسن البصري.
9 الإهالة: للشحم، أو ما أذيب منه أو الزّيت وكلِّ ما ائتُدم به. (القاموس ص1245) .
10 في المصنف والطبقات: (أو زيت مقتت) .
11 ابن أبي شيبة: المصنف 13/269، وابن سعد: الطبقات 3/319، وإسنادهما حسن إلى الحسن، والحسن لم يدرك عمر، فيهما جفعر بن سليمان، ومالك بن دينار، وهما صدوقان. (التقريب رقم: 942، 6435) ، وابن الجوزي: مناقب ص 136.
(2/561)

وعن حبيب1 بن أبي ثابت عن عمر رضي الله عنه قال: "قدم علينا ناس من أهل العراق منهم جرير بن عبد الله2، قال: فأتاهم بجفنة3 قد صنعت بخبز وزيت، "فأخذوا أخذاً ضعيفاً، فقال لهم: "قد أرى ما تقرمون4، فأي شيء تريدون؟، أحلواً أو حامضاً أو بارداً5، ثم قذفاً في البطون"6.
وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى7 قال: "قدم على عمر رضي الله عنه ناس من قراء العراق، فرأى كأنهم يأكلون تعذيراً، فقال: "ما هذا يا أهل العراق؟ ولو شئت أن نُدُهْمَقَ8 لكم لفعلت، ولكنا نستقبِي من دنيانا ما نجده لآخرتنا أما سمعتم قول الله تعالى: {أَذْهَبْتُم طيِّبَاتِكُم فِي حَيَاتِكُمُ
__________
1 حبيب بن أبي ثابت الأسدي مولاهم، ثقة فقيه جليل وكان كثير الإرسال والتدليس، من الثالثة، توفي سنة تسع عشرة ومئة. (التقريب ص 150) .
2 البجلي.
3 الجفنة: القصعة. (القاموس ص 1531) .
4 القرم: الأكل ما كان، وقال ابن السكيت: "قرم يقرم قرماً: إذا أكل أكلاً ضعيفاً". (لسان العرب 12/474) .
5 في الأصل: (لحواً وحامضاً وحاراً أو بارداً) ، والتصويب من الزهد.
6 ابن أبي شيبة: المصنف 13/75، وهناد: الزهد 2/360، أبو نعيم: الحلية 1/49، ابن الجوزي: مناقب ص 136، والحديث ضعيف إسناده منقطع، حبيب بن ثابت لم يدرك عمر، وفيه الأعمش مدلس، وقد عنعن، وفي إسناد الزهد والحلية مجهول.
7 الأنصاري، ثقة، اختلف في سماعه من عمر، توفي بوقعة الجحاجم سنة ثلاث وثمانين، وقيل: إنه غرق. (التقريب ص 349) .
8 دهمق الطعام: طيّبه ورقّقه ولينه. (القاموس ص 1142) .
(2/562)

الدُّنْيَا} [الأحقاف: 20] . الآية1.
وعن سالم بن عبد الله، أن عمر بن الخطاب كان يقول: "والله ما نعبأ بلذات العيش أن نأمر بصغار المعزى أن تسمط2 لنا، ونأمر بلبابه3 الخبر فيخبز لنا، ونأمر بالزبيب فينبذ لنا في الأسعان45 حتى إذا صار مثل عين اليعقوب6 أكلنا هذا وشربنا هذا، ولكنا نريد أن نستبقي طيّباتنا؛ لأنا سمعنا الله يقول: {أَذْهَبْتُم طيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا} ، [الأحقاف: 20] . الآية7.
وعن الحسن8 - رحمه الله - أن عمر - رضوان الله عليه - قال: "والله إني لو شئت كنت ألينكم طعاماً وأرقّكم عيشاً، إني والله ما أجهل عن كُرَاكِرَ وأَسْنِمة9، وعن صلاء10، وصناب11، وصلائق12، ولكني
__________
1 ابن أبي شيبة: المصنف 13/273، وإسناده صحيح، ومن طريقه أبو نعيم: الحلية 1/49، وأورده ابن الجوزي: مناقب ص 136، 137.
2 سمط الجدي، يَسْمِطُه، ويَسْمُطه: نتف صوفه بالماء الحار. (القاموس ص 867) .
3 اللباب: الخالص من كل شيء. (النهاية 4/223) .
4 في الأصل: (الأسعار) ، وهو تحريف.
5 الأسعان: جمع سعن، والسُّعْن: قربة تقطع من نصفها وينتبذ فيها، وقد يستقى بها. (القاموس ص 1555) .
6 اليعقوب: الحجل. (القاموس ص 149) .
7 أبو نعيم الحلية1/49، وإسناده ضعيف لانقطاعه، سالم لم يدرك عمر بن الخطاب، وفيه موسى بن سعد بن زيد لم يوثّقه غير ابن حبان. (تهذيب التهذيب 10/307) ، وابن الجوزي: مناقب ص 137.
8 البصري.
9 ما أجهل عن كراكر وأسنمة: يريد إحضارها للأكل، فإنها من أطايب ما يؤكل من الإبل. (النهاية 4/166) . وكراكر: واحدتها: كركرة: الصدر من ذي خف. (المعجم الوسيط 2/790) .
10 الصلاء - بالمد والكسر -: الشواء. (النهاية 3/51) .
11 الصناب: الخردل المعمول بالزيت، وهو صباغ يؤتدم به. (النهاية 3/55، ولسان العرب 1/531) .
12 الصلائق: الرقاق، واحدتها: صليقة. وقيل: هي الحملان المشوية. (النهاية 3/48، ولسان العرب 10/206) .
(2/563)

سمعت الله1 عيّر قوماً بأمر فعلوه [فقال] 2: {أَذْهَبْتُم طيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} [الأحقاف: 20] 3.
وعن خلف بن حوشب4، أن عمر رضي الله عنه قال: "نظرت في هذا الأمر، فجعلت إن أردت5 الدنيا، أضرّ بالآخرة، وإن أردت الآخرة، أضرّ بالدنيا، فإن كان الأمر هكذا، فأضرّ بالفانية"6.
وعن الحسن7 قال: "خطب عمر الناس، وهو خليفة، وعليه إزار فيه اثنتا عشرة رقعة"8.
وعن أنس9 رضي الله عنه قال: "نظرت في قميص عمر رضي الله عنه
__________
1 في الأصل: (سمعت الله يقول عير) ، وهو تحريف.
2 سقط من الأصل.
3 ابن سعد: الطبقات 3/279، وإسناده صحيح إلى الحسن، لكنه منقطع، وبنحوه ابن المبارك: الزهد ص 204، أبو نعيم: الحلية 1/49، وابن عساكر: تاريخ دمشق ج 13 / 106، وابن الجوزي: مناقب ص 137، والمتقي الهندي: كنْز العمال 12/622، عن أبي موسى وعزاه لابن المبارك وابن سعد وابن عساكر.
4 خلف بن حوشب الكوفي، ثقة، من السادسة. توفي بعد الأربعين ومئة. (التقريب ص194) .
5 في الأصل: (نظرت) ، وهو تحريف.
6 أبو نعيم: الحلية 1/50، وهو ضعيف لانقطاعه بين خلف وعمر، وابن الجوزي: مناقب ص 137.
7 البصري.
8 أحمد: الزهد ص 124، وإسناده صحيح إلى الحسن، وابن عساكر: تاريخ دمشق ج 13/ق109، وهوضعيف لانقطاعه بين الحسن وعمر، وابن الجوزي: مناقب ص137، لكنه يتقوى بماجاء موصولاًمن حديث أبي عثمان النهدي وأنس بن مالك، ص533.
9 ابن مالك.
(2/564)

فإذا بين كتفيه أربع رقاع لا يشبه بعضها بعضاً"1.
وعن أنس2 قال: "كنا عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعليه قميص فيه أربع رقاع، فقرأ: {وَفَاكِهَةً وَأَبّاً} [عبس: 31] ، ثم قال: ما الأبّ؟ 3، ثم قال: إن هذا لهو التكلف، وما عليك أن لا تدري ما الأبّ"4.
وعن أبي عثمان النهدي، قال: "رأيت عمر قد رقع / [81 / ب] إزاره بقطعة من أدمٍ"5.
وعنه قال: "رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يطوف بالبيت، وعليه إزار، عليه6 اثنتا عشرة رقعة، إحداهن بأدم أحمر"7.
قال عبد العزيز بن أبي جميلة8: "أبطأ عمر رضي الله عنه جمعة بالصلاة، فخرج فلما صعد المنبر، اعتذر إلى الناس، قال: "إنما حبسني قميصي هذا، لم يكن لي قميص غيره". كان يخاط [له] 9 أبيض سُنْبلاني10 لا يجاوزكمه
__________
1 الخبر بنحوه في ابن المبارك: الزهد ص 208، ابن أبي شيبة: المصنف 13/265، هناد: الزهد2/367، وأسانيدهم صحيحة. ابن عساكر: تاريخ دمشق ج13/ق 108.
2 ابن مالك.
3 الأبّ: الكلأ. (لسان العرب 1/204، القاموس ص 74) .
4 ابن سعد: الطبقات 3/327، وإسناده صحيح، وابن الجوزي: مناقب ص 138.
5 ابن سعد: الطبقات 3/328، وفيه عليّ بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، لكن تابعه سعيد الجريري بسند صحيح كما يأتي بعده. انظر: الأثر الذي بعده.
6 في الطبقات، والمناقب: (فيه) .
7 ابن سعد: الطبقات 3/328، وإسناده صحيح، وابن الجوزي: مناقب ص 138.
8 الأنصاري، يروي عن أنس بن مالك، روي عنه سلام بن مسكين. (الثقات5/124) .
9 سقط من الأصل.
10 قميص سُنبلاني - بالضم -: سابغ الطول، منسوب إلى بلد بالروم. (القاموس ص 1314) .
(2/565)

رسغ1 كفيه"2.
وعن قتادة3، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبطأ على الناس يوم الجمعة، قال: ثم خرج فاعتذر إليهم في احتباسه، وقال: "إنما حبسني غسل ثوبي هذا، كان يغسل، ولم يكن لي ثوب غيره"4.
وعن زيد بن وهب قال: "رأيت عمر بن الخطاب خرج إلى السوق، وبيده الدّرّة، وعليه إزار فيه أربع عشرة رقعة بعضها من أدم"5.
وعن عبد الله بن عمر أنه رأى عمر - رضي الله عنهما - يرمي الجمرة، وعليه إزار، فيه اثنتا عشرة رقعة، بعضها من أدم، وإن منها ما قد خيط بعضه على بعض، إذا قعد ثم قام، انتخل منه التراب"6.
وعن أبي محصن الطائي7، قال: "صلى بنا عمر رضي الله عنه وعليه
__________
1 في الأصل: (رصغ) ، وهو تحريف. والرُّسْغ - بالضم -: مفصِل ما بين الساعِد والكفّ. (القاموس: 1010) .
2 ابن سعد: الطبقات 3/329، ابن الجوزي: مناقب ص 138، وهو ضعيف لانقطاعه، عبد العزيز أبي جميلة لم يدرك عمر، ولم يوثّقه غير ابن حبان.
3 ابن دعامة السدوسي.
4 أحمد: الزهد ص 124، ابن الجوزي: مناقب ص 138، وإسناده ضعيف لانقطاعه، قتادة لم يدرك عمر.
5 ابن عساكر: تاريخ دمشق ج 13 / ق 109، وفيه الأعمش مدلّس وقد عنعن. وابن الجوزي: مناقب ص 138.
6 ابن أبي الدنيا: إصلاح المال ص 325، وفيه عليّ بن محمّد لم أعثر له على ترجمة، ابن شبه: تاريخ المدينة 3/804، وهو ضعيف جداً، فيه يوسف بن عطية الصفار وهو متروك. (التقريب رقم: 7873) ، وابن الجوزي: مناقب ص 138.
7 لم أجد من ترجم له، ولعلّه أبو محشي الطائي حليف بني أسد، من المهاجرين الأوّلين وممن شهد بدراً. (الإصابة 7/173) .
(2/566)

إزار فيه رقاع بعضاً من أدم وهو أمير المؤمنين"1.
وعن نافع قال: "سمعت ابن عمر يقول: "والله ما شمل النبي صلى الله عليه وسلم في بيته، ولا خارج بيته ثلاثة أثواب، ولا شمل أبو بكر في بيته ثلاثة أثواب، غير أني كنت أرى كساهم إذا أحرموا كان لكل واحد منهم ميرز مشتمل، لعلها كلها بثمن درع أحدكم، والله لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرقع ثوبه، ورأيت أبا بكر تخلل بالعباء، ورأيت عمر يرقع جبته برقاع من أدم، وهو أمير المؤمنين، وإني أعرف في وقتي من يجيز بالمئة ولو شئت قلت: ألفاً".
وعن أسلم قال: "أصاب الناس سنة غلا فيها السمن، فكان عمر رضي الله عنه يأكل الزيت، فتقَرْقِر2 بطنه، فيقول: "قرقر3 ما شئت، فوالله لا تأكل السمن حتى يأكله الناس، ثم قال: اكسر عني حره بالنار"، فكنت أطبخه له فيأكله"4.
وعن أنس5 قال: "تقرقر بطن عمر عام الرّمادة، فكان يأكل الزيت، وكان قد حرّم على نفسه السمن، قال: "فنقر بطنه بإصبعه، وقال: تقرقر إنه ليس عندنا غيره حتى يحيى الناس"6.
__________
1 ابن سعد: الطبقات 3/328، وهناد: الزهد 2/367، ومداره على أبي محصن الطائي ولم أجد له ترجمة.
2 تقرقر بطنه: صوّت. (لسان العرب 5/90) .
3 في الأصل: (قر) .
4 أحمد: الزهد ص 120، ابن سعد: الطبقات 3/313، وإسنادهما صحيح. وابن الجوزي: مناقب ص 139.
5 ابن مالك.
6 ابن سعد: الطبقات 3/313، وإسناده صحيح. وعبد الله بن أحمد في زوائده على الزهد لأحمد ص 117، وابن الجوزي: مناقب ص 139، أبو القاسم الأصفهاني: سير السلف ص 191.
(2/567)

وعن الحسن1 قال: قال عمر رضي الله عنه: "والله لا تنخل الدقيق"2.
وعن يسار بن نمير3 قال: "والله ما نخلت لعمر الدقيق قط إلا وأنا له عاص"4.
وعن أبي أمامة5 قال: "بينا عمر رضي الله عنه في أصحابه إذ أتى بقيمص له
/ [82 / أ] كرابيس6 فلبسه فما جاوز تراقيه7 حتى قال: "الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي، وأتجمل به في حياتي". ثم أقبل على القوم، فقال: "هل تدرون لم قلت: هؤلاء الكلمات؟ "، قالوا: "لا، إلا أن تخبرنا"، قال: "فإني شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وقد أتي بثياب له جدد فلبسها، ثم قال: "الحمد لله الذي كساني ما أواري عورتي، وأتجمل به في حياتي"، ثم قال: "والذي بعثني بالحق ما من عبد مسلم كساه الله ثياباً جدداً فعمد إلى شيء من أخلاق ثيابه8، وكساه عبداً مسلماً مسكيناً،
__________
1 في الأصل: (الحسين) ، وهو تحريف. والحسن هو البصري.
2 ابن المبارك: الزهد ص 206، ابن الجوزي: مناقب ص 139، وهو ضعيف لانقطاعه بين الحسن وعمر، وفيه مبارك بن فضلاة صدوق يدلس وقد عنعن. (التقريب ص 6464) .
3 المدني، مولى عمر، ثقة، نزل الكوفة، من الثانية. (التقريب ص 607) .
4 ابن المبارك: الزهد ص 206، ابن أبي شيبة: المصنف 13/268، ابن سعد: الطبقات 3/319، وهناد: الزهد 2/362، وأسانيدهم صحيحة، إلا أن مداره على الأعمش وهو مدلس وقد عنعن. لكن عنعنته عن أبي وائل شقيق، وأمثاله محمولة على السماع. وابن سعد: الطبقات 3/319، وفي إسناده أبو عاصم الغطفاني ولم أجد له ترجمة.
5 صُدي بن عجلان الباهلي.
6 الكِرْباس - بالكسر -: ثوبٌ من القطن الأبيض، معرب. (القاموس ص 735) .
7 التَّرْقُوة ولا تضم تاؤه: العظيم بين ثُغر النحر والعاتق. (القاموس ص 1124) .
8 خَلَقَ الثوبُ: بلي، وثوب أخْلاقٌ: إذا كانت الخلوقة في كله. (القاموس ص 1137) .
(2/568)

لا يكسوه إلا لله عزوجل إلا كان في جوار الله، وفي ضمان الله، ما كان عليه منها سلك حيّاً وميّتاً حيّاً وميّتاً".
قال: ثم مدّ عمر كمّ قميصه فوجد فيه فضلاً عن أصابعه، فقال لعبد الله بن عمر: "أي بني هات الشَّفْرَة أو المدية"1، فقام فجاء بها فمدّ عمر كم قميصه، فنظر ما فضل عن أصابعه، فقدّه، قال أبو أمامة قلنا: يا أمير المؤمنين، ألا نأتي بخياط فيكفّ هدبه؟، قال: "لا". قال أبو أمامة: فلقد رأيت عمر بعد ذلك وإن هدب ذلك القميص لمنتشر على أصابعه، ما يكفه"2.
وعن [عبد الله بن] 3 عامر بن ربيعة4، قال: "خرجت مع عمر ابن الخطاب رضي الله عنه حاجاً من المدينة إلى مكّة، إلى أن رجعنا، فما ضرب له فسطاطاً5، ولا خباء، كان يلقي الكساء6 والنطع7 على الشجرة فيستظل تحته"8.
__________
1 الشَّفرة: السكين العظيم، وما عرض من الحديد. والمُدْيَة: الشَّفْرة. (القاموس ص 536، 1719) .
2 هناد: الزهد ص 350، وإسناده ضعيف، فيه عبيد الله بن زَحْر صدوق يخطئ، ومطروح بن يزيد ضعيف. (التقريب رقم: 4290، 6704) ، وابن الجوزي: مناقب ص 140، وأخرجه مختصراً من طريق آخر، أحمد: المسند 1/286، الترمذي: السنن 5/558، رقم: 356، وقال: "هذا حديث غريب"، ابن ماجه: السنن 2/1178، عبد بن حميد: المسند 1/57، ومدار الحديث على أبي العلاء الشامي وهو مجهول. (التقريب رقم: 8288) ، وقال أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند رقم: 305: "إسناده ضعيف". وضعّفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي ص466، رقم: 713.
3 سقط من الأصل.
4 العنْزي.
5 الفسطاط: بيت من شعر. (لسان العرب 7/371) .
6 في الطبقات والمناقب: (أو النطع) .
7 النّطْعُ - بالكسر وبالفتح والتحريك -: بساط من الأديم. (القاموس ص 991) .
8 ابن سعد: الطبقات3/279، وإسناده صحيح، وابن عساكر: تاريخ دمشق ج 13/ ق 109، 110، ابن الجوزي: مناقب ص 140.
(2/569)

وعن عبد الله بن عمر قال: "لبس عمر قميصاً جديداً ثم دعاني بشفرة فقال: "مدّ يا بني كم قميصي، وألصق يديك بأطراف أصابعي، ثم اقطع ما فضل عنها". قال: فقطعت الكمين من جانبيه جميعاً، فصار فم الكم بعضه فوق بعض، فقلت1: يا أبت لو سويته بالمقص، قال: "دعه، هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل". فما زال عليه حتى تقطع، وكان ربما رأيت الخيوط تساقط على قدميه"2.
وعن العلاء بن أبي عائشة3، أن عمر رضي الله عنه دعا حلاقاً فحلقه بموس - يعني جسده - فاستشر له الناس، فقال: "إن هذا ليس من السنة، ولكن النورة4 من النعيم، فكرهتها"5.
وعن الحسن6: أن عمر رضي الله عنه أتي بشربة عسل، فذاقها، فإذا ماء وعسل، فقال: "اعزلوا عني حسابها، اعزلوا عني مؤنتها"7.
__________
1 في الأصل: (فقالت) ، وهو تحريف.
2 أبو نعيم: الحلية 1/45، وفي إسناده أبو سلمة بن عبيد الله، لم أعثر على ترجمته. وابن الجوزي: مناقب ص 140.
3 الجزري، يروي عن عمر بن الخطاب، روي عنه محمّد بن قيس الأسدي وحصين بن عبد الرحمن. (الثقات لابن حبان 5/247) .
4 النّورة - بالضم -: الهناء: وتنّور تطلّى بها. (القاموس ص 628) .
5 ابن سعد: الطبقات 3/391، وإسناده رجاله ثقات ما عدا العلاء فإنه لم يوثّقه غير ابن حبان. ابن الجوزي: مناقب ص 141.
6 البصري.
7 أحمد: الزهد ص 119، وإسناده ضعيف لانقطاعه بين الحسن وعمر، وفيه سيار العنْزي صدوق له أوهام. (التقريب رقم: 2714) . ابن الجوزي: مناقب ص 141.
(2/570)

وعن حميد بن هلال1 قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "والذي نفسي بيده لولا تنقص حسناتي لخالطتكم في لين عيشكم"2.
وعن يحيى بن وَثَّاب3 قال: "أمر عمر رضي الله عنه غلاماً4 له أن يعمل عَصِيدَة5 بزيت، وقال: "أنضج كيْ تذهب حرارة الزيت، فإن ناساً تعجلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا"6.
وعن الحسن7 قال: "ما أكل عمر رضي الله عنه إلا معلوثاً8 بشعير حتى لحق الله عزوجل وكان بطنه ربما قرقر فيضربه بيده ويقول: "اصبر فوالله ما عندي إلا ما ترى حتى تلحق بالله"9.
وعن أبي عمران الجوني - رحمه الله - قال: "قال عمر بن الخطاب: لنحن أعلم بلين الطعام / [82 / ب] من كثير من آكيله، ولكنا ندعه ليوم {يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كلُّ مُرْضِعَةٍ عمَّا أَرْضَعَتْ وتَضَعُ كلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا} [الحجّ: 2] ، قال أبو
__________
1 العدوي، البصري، ثقة عالم، من الثالثة. (التقريب ص 182) .
2 الخبر بأطول في ابن سعد: الطبقات 3/280، وهو ضعيف لانقطاعه، حُميد لم يدرك عمر، ابن الجوزي: مناقب ص 141، والمتقي الهندي: كنْز العمال12/624، وعزه لابن سعد، وعبد بن حميد.
3 الأسدي، مولاهم، المقرئ ثقةعابد، من الرابعة. توفي سنةثلاث ومئة (التقريب ص598) .
4 في الأصل: (عالا) ، وهو تحريف.
5 العصيدة: دقيق يُلتُ بالسمن ويطبخ. (لسان العرب 3/291) .
6 ابن الجوزي: مناقب ص 141، وهو ضعيف لانقطاعه، يحيى بن وثاب لم يدرك عمر. وأحمد: الزهد ص 119، وهناد: الزهد 2/363، من قول ابن عمر وإسنادهما صحيح.
7 البصري.
8 المعلوث - بالعين -: المخلوط، وفلان يأكل العَليثَ، - بالعين والغين - إذا كان يأكل خبزاً من شعير وحنطة. (الصحاح 1/287، لسان العرب 2/168) .
9 ابن الجوزي: مناقب ص 141.
(2/571)

عمران: والله ما كان يصيب من الطعام هو وأهله إلا تقوتاً"1.
وعن عاصم بن محمّد العُمري2 عن أبيه3 قال: "دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد أصابه الغُرَثُ، فقال: "عندكم شيء؟ "، فقالت امرأته: "تحت السّرير"، فتناول قناعاً فيه تمر، فأكل ثم شرب الماء، ثم مسح بطنه، ثم قال: "ويح لمن أدخله بطنه النار".
الغَرَثُ: الجوعُ4. قال حسان5:
حَصَانٌ رَزَانٌ ما تُزَانُ بِرِيبَةٍ ... وتُصْبحُ غَرْثى من لُحوم الغَوافِل6
أي: جائعه7.
وعن عمرو8 بن البختري9، قال: قال عمر رضي الله عنه لأصحابه: "لولا مخافة الحساب غداً؛ لأمرت بحمل10 يشوي لنا في التّنور"11.
وعن نافع12 عن ابن عباس - وكان يحضر طعام عمر - قال: "كانت له
__________
1 ابن الجوزي: مناقب ص141، وهوضعيف لانقطاعه، أبو عمران الجوني لم يدرك عمر.
2 ابن زيد المدني، ثقة، من السابعة. (التقريب ص 286) .
3 محمّد بن زيد بن عبد الله بن عمر، ثقة، من الثالثة. (التقريب ص 479) .
4 انظر: الصحاح 1/289، ولسان العرب 2/172.
5 ابن ثابت الأنصاري، الخزرجي، شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي سنة أربع وخمسين. (التقريب ص 157) .
6 ديوان حسان ص 377.
7 ابن الجوزي: مناقب ص 142، وهو ضعيف لانقطاعه، محمّد بن زيد لم يدرك عمر.
8 في مناقب عمر: (معن) .
9 لم أجد له ترجمة.
10 الحَمَل: الخروف، وقيل: هو من ولد الضأن فما دونه. (لسان العرب 11/181) .
11 ابن الجوزي: مناقب ص 142.
12 مولى ابن عمر.
(2/572)

كلّ يوم إحدى عشرة لقمة، إلى مثلها من الغد"1.
وعن مصعب بن سعد بن أبي وقاص، قال: قالت حفصة بنت عمر لعمر: "يا أمير المؤمنين [لو لبست] 2 ثوباً هو ألين من ثوبك هذا3، وأكلت طعاماً هو ألين وأطيب من طعامك، فقد وسع الله من الرزق، وأكثر من الخير"، فقال: "إني سأخاصمك إلى نفسك، أما تذكرين ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى من العيش؟ "، فما زال يذكرها حتى أبكاها، فقال لها: "أما والله إن قلت ذاك لمكاني، والله إن استطعت لأشاركنهما في مثل عيشهما الشديد لعلي أدرك معها عيشهما الرخي"4.
وعن الحسن5 أنّ ناساً كلموا حفصة فقالوا لها: "لو كلمت أباك في أن يلين
__________
1 ابن أبي الدنيا: إصلاح المال ص 312، ابن الجوزي: مناقب ص 142، ورجال إسناده ابن أبي الدنيا ثقات ما عدا أبو ساسان، ذكره ابن عدي، ولم يذكر شيئاً يدل على لينه. (الميزان 4/527) .
2 سقط من الأصل.
3 في الأصل: (من هذا ثوبك) .
4 أحمد: الزهد ص 125، ابن سعد: الطبقات 3/277، وهناد: الزهد 2/360، أبو نعيم: الحلية 1/48، من طريق أحمد، وإسنادهم صحيح، إن كان مصعب سمعه من حفصة وإسحاق كما في المطالب العالية 3/156، وقال الشيخ الأعظمي: "وفي المسندة: رواه (س) - أي: النسائي - في السنن الكبرى، عن سويد بن نصر عن ابن المبارك عن إسماعيل فإن كان مصعب سمعه من حفصة فهو صحيح، وإلا فهو مرسل صحيح الإسناد". وابن أبي شيبة: المصنف 13/227، الفسوي: المعرفة والتاريخ 2/188، من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أخيه عن مصعب بن سعد عن حفصة، وإسماعيل له إخوة أربعة، ولم يتبين أيهم ولعلّه نعمان كما صرح به في بعض الروايات. وهو مجهول. (الجرح والتعديل 8/447) ، وعند بن حميد: المسند 1/79، أبو القاسم الأصفهاني: سير السلف ص 175، عن إسماعيل عن أخيه نعمان. ونعمان هذا مجهول.
5 البصري.
(2/573)

من عيشه"، فجاءته فقالت: "يا أبتاه1، [أ] 2 ويا أمير المؤمنين، إن ناساً من قومك، كلّموني في أن أكلمك في أن تلين من عيشك"، فقال لها: "يا بنية غششت أباك ونصحت لقومك"3.
وعن سالم بن عبد الله4 قال: "لما ولّي عمر رضي الله عنه قعد على رزق أبي بكر رضي الله عنه الذي كانوا فرضوا له، كان بذلك فاشتدت حاجته، فاجتمع نفرٌ من المهاجرين فيهم عثمان، وعليّ، وطلحة، والزبير - رضي الله عنهم - فقالوا: "لو قلنا لعمر في زيادة نزيدها إياه في رزقه".
فقال عليّ: "وددْنا أنه فعل ذلك، فانطلقوا بنا"، فقال عثمان: "إنه عمر فهلموا فنسبر5 ما عنده من وراء وراء، نأتي حفصة فنكلمها ونستكتمها أسماءنا". فدخلوا عليها وسألوها أن تخبر بالخبر عن نفرٍ، ولا تسمى أحداً إلا أن يقبل، وخرجوا من عندها، فلقيت عمر رضي الله عنه في ذلك، فعرفت6 الغضب في وجهه، فقال: "من هؤلاء؟ "، / [83 / أ] قالت: "لا سبيل إلى علمهم حتى أعلم ما رأيك؟ "، فقال: لو علمت من هم لسودت وجوههم، أنت بيني وبينهم، أناشدكِ بالله ما أفضل ما اقتنى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتكِ من الملبس؟ "، قالت: "ثوبين مُمَشَّقَين كان يلبسُهما للوفد ويخطب فيهما للجُمَعِ".
__________
1 قوله: " يا أبتاه"، تكرر في الأصل.
2 سقط من الأصل.
3 ابن سعد: الطبقات 3/278، وهو مرسل حسن، الحسن لم يسمع من عمر، فهو ضعيف لانقطاعه. وابن الجوزي: مناقب ص 142.
4 ابن عمر بن الخطاب.
5 السّبْر: امتحان غور الجُرْح وغيره. (القاموس ص 517) .
6 في الأصل: (فلقيت) ، وهو تحريف.
(2/574)

قال: "فأي طعام ناله عندكِ أرفع؟ "، قالت: "خبزنا خبزة شعير فصببنا عليها وهي حارة أسفل عكة لنا، فجعلناها هشة1 دسماءَ حلوةً، فأكل منها، وتطعِم منها2 استطابة لها. قال: "فأي مبسط عندك كان أوطأ؟ "، قالت: "كساءٌُ لنا ثخينٌ كنا نربعه في الصيف فنجعله ثخيناً، فإذا كان الشتاء ابتسطنا نصفه، وتدثرنا نصفه".
قال: "يا حفصة، فأبلغيهم عني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدّر فوضع الفضول مواضِعها، وتبلغ بالتزجية3، وإنما مثلي، ومثل صاحبي كثلاثة نفر سلكوا طريقاً فمضى الأوّل، وقد تزود زاداً فبلغ، ثم تبعه الآخر فسلك طريقه فأفضى إليه، ثم تبعهما الثالث فإن لزِم طريقهما ورضي بزادهما لحق بهما، وكان معهما، وإن سلك غير طريقهما لم يجامعهما أبداً"4.
وعن الربيع بن زياد قال: "قدمت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه في وفد من العراق، فأمر لكل رجل منا بعباء عباء، فأرسلت إليه حفصة - رضي الله عنها - فقالت: "يا أمير المؤمنين، أتاك ألباب5 العراق، ووجوه الناس، فأحسن كرامتهم"، فقال: "ما أزيدهم على العباء، يا حفصة أخبريني بألين فراشٍ فرشت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأطيب طعام أكل عندكِ"، فقالت: "كان لنا كساء، من هذه الملبدة، أصبناه يوم خيبر، فكنت أفرشه لرسول الله صلى الله عليه وسلم [كلّ] 6 ليلة
__________
1 في كنْز العمال: (حَيْسة) .
2 كذا في تاريخ دمشق وكنْز العمال.
3 التزجية: دفعُ الشيء كما تزجي البقرة ولدها، أي: تَسُوقه. (لسان العرب 14/354) .
4 ابن عساكر: تاريخ دمشق د 13 / ق 92، وهو ضعيف لانقطاعه، وفيه سيف بن عمر وهو متروك.
5 لبّ كلّ شيء، ولبابه: خالصه، وخياره. (لسان العرب 1/729) .
6 سقط من الأصل.
(2/575)

وينام عليه، وإني ربعته ذات ليلة، فلما أصبح قال: "ياحفصة أعيديه لمرته الأولى، فإنه منعتني وطأته البارحة من الصلاة"، قال: "وكان لي صاع من سلت - يعني: من حنطة رديئة1 - وإني نخلته ذات يوم، وطحنته لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكان لنا قعب2 من سمن فصببت عليه، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل إذ دخل أبو الدّرداء3، فقال: إني أرى سمنكم قليلاً، وعندنا قعب من سمن".
فأرسل إليه أبو الدرداء، فصبّ عليه، فأكلا، فقالت حفصة: "فهذا ألين فراش فرشته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا أطيب طعام أكله". فأرسل عمر عينيه بالبكاء، وقال: "والله لا أزيدهم على العباء شيئاً، وهذا طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا فراشه"4.
وعن حذيفة5 رضي الله عنه قال: "أقبلت فإذا الناس بين أيديهم القصاع6، فدعاني عمر رضي الله عنه فأتيته فدعا بخبز غليظ، وزيت، فقلت له: "أمنعتني أن آكل الخبز واللحم، ودعوتني على هذا؟ "، قال: "إنما دعوتك على طعامي، فأما هذا فطعام المسلمين"7.
__________
1 انظر: الجوهري: الصحاح 1/253، ولسان العرب 2/45.
2 القَعْب: القدح الضّخم، الغليط، الجافي. (لسان العرب 1/683) .
3 عُويمر بن زيد الأنصاري، أوّل مشاهده أحد، وكان عابداً، توفي في آخر خلافة عثمان. (التقريب ص 434) .
4 ابن الجوزي: مناقب ص 143، بدون إسناد.
5 ابن اليمان.
6 القصعة: الصَّحْفَة. (القاموس ص 971) .
7 أحمد: الزهد ص 121، وإسناده صحيح. وابن أبي شيبة: المصنف 12/326، ابن الجوزي: مناقب ص 144.
(2/576)

وعن أبي أمامة1 رضي الله عنه قال: بينا نحن عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يجول في سكك المدينة، ومعنا الأشعث بن قيس2، فأدرك عمر الأعياء، فقعد، وقعد إلى جنبه الأشعث بن قيس، وقد أتي عمر بِمِرْجَلٍ3 فيه / [/ 83 / ب] لحم، فجعل يأخذ منه فينهشه فينضح على الأشعث بن قيس، فقال الأشعث: "يا أمير المؤمنين، لو أمرت بشيء من سمن فصُب على هذا اللحم، ثم طبخ حتى يبلغ أناته، كان ألين له"، فرفع عمر يده فضرب بها صدر الأشعث بن قيس، ثم قال: "أدمان في أدم؟ كلا! إني لقيت صحابي، وصحبته، فأخاف إن خالفتهما يخالف بي عنهما، فلا أُنْزل معهما حيث يُنْزلان"4.
وعن ثابت5 قال: "اشتهى عمر رضي الله عنه الشّراب فأتي بشربة من عسل، فجعل يدير الأناء في كفّه فيقول: "أشربها وتذهب حلاوتها، وتبقى مراراتها"، ثم دفعها إلى رجل من القوم فشربها"6.
وعن الأحنف بن قيس، قال: "خرجنا مع أبي موسى الأشعري وفوداً إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان لعمر ثلاث خبزات يأدمهن يوماً بلبن وسمن، ويوماً بلحم، ويوماً بزيت، فجعل القوم يعذرون، فقال عمر: "والله
__________
1 الباهلي.
2 الكندي، صحابي، نزل الكوفة، توفي سنة أربعين. (التقريب ص 113) .
3 المِرْجَل: القِدر من الحجارة والنحاس. (لسان العرب 11/274) .
4 ابن أبي الدنيا: إصلاح المال ص 318، وفي إسناده عليّ بن محمّد لم أعثر له على ترجمة. وابن الجوزي: مناقب ص 144، 145.
5 البناني.
6 ابن عساكر: تاريخ دمشق ج 13 / ق 104، وهو ضعيف لانقطاعه، ثابت لم يدرك عمر، ابن الجوزي: مناقب ص 145، والمتقي الهندي: كنْز العمال12/632، وعزاه لابن المبارك.
(2/577)

إني لأرى تعذيركم وإني لأعلمكم بالعيش، ولو شئت لجعلت كرَاكرَ، وأَسْنِمة وصَلاء، وصنابٍ، وصَلائِق، ولكني أستبقي حسناتي، إن الله عزوجل ذكر قوماً فقال: {أَذْهَبْتُم طَيِّبَاتِكُم فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنيَا واسْتَمْتَعْتُم بهَا} [الأحقاف: 20] الآية1.
وعن محمّد بن قيس2 قال: "دخل ناس على حفصة بنت عمر - رضي الله عنهما - فقالوا: "إن أمير المؤمنين قد بدا عِلباءُ3 رقبته من الهزال، فلو كَلَّمتِهِ أن يأكل طعاماً هو ألين من طعامه، ويلبس ثياباً ألين من ثيابه، فقد رأينا إزاره مرقعاً برقع غير ثوبه، ويتخذ فراشاً ألين من فراشه، فقد أوسع الله على المسلمين فيكون ذلك أقوى على أمرهم"، فبعثوا إليه حفصة فذكرت ذلك له، فقال: "أخبريني بألين فراش فرشته لرسول الله قط"، قالت: "عباه كنا نثنيها4 له باثنين، فلما غلظت عليه جعلتها له بأربعة"، قال: "فأخبريني بأجود ثوب لبسه؟ "، قالت: "نَمِرَةٌ5 صبغناها له، فرآها إنسان، فقال: أكسنيها يا رسول الله فأعطاه إياه"، فقال: "ايتوني بمِقناع6 من تمر"، فأمرهم فنَزعوا نواه، ثم قال: "انزعوا تفاريقه"، ففعلوا ثم أكله كله، فقال: "تروني لا أشتهي الطعام إني لآكل السمن، وعندي
__________
1 ابن الجوزي: مناقب ص 145، وقد سبق تخريجه ص 564، عن الحسن البصري.
2 محمّد بن قيس شيخ لأبي معشر، من الرّابعة، ضعيف، ووهم من خلطه بالذي قبله. (ميزان الاعتدال 4/16، التقريب ص 503) .
3 العِلباء: عَصَبُ العُنُق، وهما عِلباوان يميناً وشمالاً بينهما منبت العنق. (لسان العرب 1/627) .
4 في الأصل: (نثا) ، وهو تحريف.
5 النَّمْرَة: الحِيَرَة، وشَمْلةٌ فيها خطوط بيض وسود، أو بُردَةٌ من صوف تلبَسُها الأعراب. (القاموس ص 627) .
6 القِنْع والقِناعُ: الطبقُ الذي يؤكل عليه الطعام. (لسان العرب 8/301) .
(2/578)

اللحم، وآكل الزيت وعندي السمن، وآكل الملح وعندي الزيت، وآكل البحث1 وعندي الملح، ولكن صاحباي سلكا طريقاً فأخاف أن أخالفهما فيخالف بيَ"2.
قال سفيان3: "كان عمر رضي الله عنه يشتهي الشيء لعلّه يكون ثمن درهم فيؤخره سنة"4.
وعن العُتْبيّ5: "بُعث إلى عمر رضي الله عنه بحلل فقسمها6 فأصاب كل رجل منا7 ثوب ثم صعد المنبر وعليه حلة والحلة ثوبان فقال: "أيها الناس ألا تستمعون؟ "، فقال سلمان8 رضي الله عنه: "لا نسمع". فقال عمر: "ولِمَ يا أبا عبد الله؟ "، قال: "إنك قسمت علينا ثوباً ثوباً وعليك حلة"، فقال: "لا تعجل يا أبا عبد الله، ثم نادى عبد الله فلم يجبه أحد، فقال: يا عبد الله بن عمر"، فقال: "لبيك يا أمير المؤمنين"، قال: الثوب الذي اتزرت9 به هو ثوبك؟ " قال: "اللهم نعم". فقال سلمان: "الآن فقل نسمع"10.
__________
1 البحُثُ: كلّ ما أُكِلَ وحده، مما يُؤدَم. (لسان العرب 2/9) .
2 ابن شبه: تاريخ المدينة 3/802، بنحوه، ابن الجوزي: مناقب ص 145، 146، وهو ضعيف لانقطاعه بين محمّد بن قيس وعمر، ومحمّد بن قيس ضعيف، وفي إسناد ابن شبه أبو معشر السندي، وهو ضعيف. (التقريب رقم: 7100) .
3 ابن عيينة الهلالي، ثقة حافظ ففيه إمام حجة، إلا أنه تغير حفظه بأخَرَه، وكان ربما دلس لكن عن الثقات، توفي سنة ثمان وتسعين ومئة. (التقريب ص 245) .
4 ابن شبه: تاريخ المدينة 3/805، بنحوه: ابن الجوزي: مناقب ص 146، وهو ضعيف لإعضاله.
5 محمّد بن عبيد الله الأموي البصري، توفي سنة ثمان وعشرين ومئتين. (المعارف ص 538، سير أعلام النبلاء (11/96) .
6 في الأصل: (فقسمتها) .
7 هكذا في الأصل، وابن الجوزي.
8 الفارسي.
9 كذا في الأصل، وفي القاموس ص 437: "وائتزر به وتأزر به، ولا تقل اتزر وقد جاء في بعض الأحاديث ولعله من تحريف الرواة". وفي النهاية 1/44: "إنه خطأ لأن الهمزة لا تدغم في التاء".
10 ابن قتينة: عيون الأخبار 1/55، وابن الجوزي: مناقب ص 146.
(2/579)

وعن أبي عثمان1، قال: "لما قدم عتبة بن فرقد أذربيجان أتي بالخبِيصِ2، فلما أكله وجد شيئاً حلواً طيباً فقال "والله لو صنعت لأمير المؤمنين من هذا" فجعل له سفطين عظيمين3، ثم حملهما على بعير مع رجلين، فسرح / [84 / أ] بهما إلى عمر رضي الله عنه فلما قدما عليه فتحهما، قال: "أي شيء هذا"؟ قالوا: "خبيص" فذاقه فإذا شيء حلو، فقال للرسول: "أَكُلُّ المسلمين4 شبع من هذا في رحالهم"؟ قال: "لا" قال: "أما لا، فارددهما" ثم كتب إليه أما بعد: فإنه ليس من كدّك ولا كدّ أمك أشبع المسلمين مما تشبع منه في رحلك"5.
قال عتبة بن فرقد: "قدمت على عمر رضي الله عنه بسلال خبيص عظام، ما آلو6 أن أحسن وأجيد، فقال: "ما هذه"؟ قلت: طعام أتيتك به، لأنك تقضى حاجات الناس أول النهار، فأحببت إذا رجعت أن ترجع إلى طعام فتصيب منه، فيقويك، قال: فكشف عن سلة منها، فقال: "عزمت عليك يا عتبة إذا رجعت إلا رزقت كل رجل من المسلمين منه" فقلت7: والذي يصلحك يا أمير
__________
1 النهدي.
2 الخَبِيص: المعمُول من التَّمر والسَّمن. (القاموس ص 795) .
3 السَّفَط: واحد الأسفاط. وهو كالجوالق. (لسان العرب 7/315) .
4 في الأصل: (المسلمون) ، ولعله سهو من المؤلف.
5 ابن أبي شيبة: المصنف 12/325، هناد: الزهد 2/365، وإسنادهما صحيح. ابن الجوزي: مناقب ص 146، 147، والمتقي الهندي: كنْز العمال 12/627، 628، وأصله في مسلم: الصّحيح 3/1642 رقم: 2069.
6 في الأصل: (ألون) ، وهو تحريف.
7 في الأصل: (قال) ، وهو تحريف.
(2/580)

المؤمنين لو أنفقت مال قيس1 كلها ما وسع ذلك، قال: "فلا حاجة لي منه" ثم دعا بقصعة من خبر جريش، ولحم غليظ، وهو يأكل معي أكلاً شهياً2، فجعلت أهوى إلى البضعة3 البيضاء أحسبها سناما فإذا هي عصبة، والبضعة من اللحم أمضغها فلا أسيغها فإذا غفل عني جعلتها بين الخوان4 والقصعة، ثم دعا بعس من نبيذ قد كاد يكون خلا، فقال: "اشرب" فأخذته وما أكاد أسيغه ثم أخذه فشرب، ثم قال: "اسمع يا عتبة إننا ننحر كل يوم جزورا فأما ودكها، وأطايبها فلمن حضرنا من آفاق المسلمين، وأما عنقها فلآل عمر نأكل هذا اللحم الغليظ، ونشرب هذا النبيذ الشديد، يقطعه5 في بطوننا أن يؤذينا"6.
وعن عتبة بن فرقد السلمي قال: "قدمت على عمر رضي الله عنه وكان ينحر جزورا كل يوم، أطيبها للمسلمين وأمهات المؤمنين، ويأمر بالعنق والعلباء فيأكله هو، وأهله، فدعا بطعام فأتى به فإذا خبز خشن، وكسور من لحم غليظ، فجعل يقول: "كل" فجعلت آخذ البضعة فألوكها فلا أسيغها، فنظرت فإذا بضعة بيضاء ظننتها من السنام، فأخذتها فإذا هي من علباء العنق،
__________
1 يريد: قيس بن عيلان بن مضر، جد سليم بن منصور القبيلة التي ينتمي إليها عتبة. (جمهرة أنساب العرب ص 261) .
2 في الأصل: (شيها) ، وهو تحريف.
3 في هامش الأصل: (لعله: القطعة) ، وفي القاموس ص 909، البَضْعَة وقد تكسر: القِطعَة من اللحم.
4 الخوان، - كغراب -: ما يؤكل عليه الطعام. (القاموس ص 1452) .
5 في الأصل: (قطعه) ، والتصويب من الزهد.
6 ابن أبي شيبة: المصنف 12/326، هناد: الزهد 2/364، وإسنادهما صحيح، ابن الجوزي: مناقب ص 147، والمتقي الهندي: كنْز العمال 12/627.
(2/581)

وإني إن سلكت غير طريقهما سلك بيَ غير طريقهما، وإني / [84 / ب] ، والله لأشركنهما في مثل عيشهما الشديد، لعلّي أدرك معهما عيشهما الرخي.
يعني بصاحبيه1: النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر رضي الله عنه"2.
وعن أشياخ من الأنصار، قالوا: "أتانا عمر بن الخطاب بقباء، فأُتي بشربة من عسل، فقال: "إيتني بشربة هي أهون عليّ في المسألة من هذه يوم القيامة"3.
وعن أنس4 قال: "صليت إلى جنب عمر بن الخطاب رضي الله عنه عام الرّمادة؛ وكان عام قحط، فتقرقر بطنه، فقال لبطنه: اسكن فوالله ما لك عندنا غير هذا، حتى يحيى الناس، وكان يأكل الزيت"5.
قال ابن أبي نجيح6: "كان لعمر كل شهر ثلاثة دراهم لحم"7.
وعن الأشهب8 عمن9 ذكره قال: "مرّ عمر رضي الله عنه على مزبلة فاحتبس عندها، فكأن أصحابه تأذوا بها، فقال: "هذه دنياكم التي تحرصون عليها، وتبكون عليها"10.
__________
1 في الأصل: (لصاحبيه) ، وهو تحريف.
2 أبو القاسم الأصفهاني: سير السلف ص 157، والأثر تقدم تخريجه ص 681.
3 أبو القاسم الأصفهاني: سير السلف ص 187، بدون إسناد وقد مضى بنحوه عن ثابت البناني، والحسن ص 566، 577.
4 ابن مالك.
5 سبق تخريجه ص 675.
6 عبد الله بن أبي نجيح المكي، ثقة، رمي بالقدر، ربما دلس، توفي سنة إحدى وثلاثين ومئة. (التقريب ص 326) .
7 أبو القاسم الأصفهاني: سير السلف ص 191، بدون إسناد.
8 جعفر بن حيّان السعدي.
9 في الأصل: (عن ذ) ، وهو تحريف.
10 أحمد: الزهد ص 118، عن أبي الأشهب عن الحسن، ومن طريقه أبو نعيم: الحلية 1/48، وإسناده صحيح إلى الحسن، وأبو القاسم الأصفهاني: سير السلف ص 191.
(2/583)

وفي (مسند) الإمام أحمد عن عليّ رضي الله عنه قال: "قيل يا رسول الله، من نؤمر بعدك؟ "، قال: "إن تؤمروا أبا بكر تجدوه أميناً، زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة، وإن تؤمروا عمر تجدوه قويّاً أميناً زاهداً في الدنيا، راغباً في الآخرة، وإن تؤمروا عثمان تجدوه قويّاً أميناً لا يخاف في الله لومة لائم، وإن تؤمروا عليّاً ولا أراكم فاعلين تجدوه هادياً مهدياً يأخذ بكم الطريق المستقيم"1.
قال ابن الجوزي: "نبذ الدنيا من وراء ظهره، فتخفف من الأثقال لأجل السباق، كان يخطب وفي إزاره ثنتا عشرة رقعة، كفّ كفّه عن المال زاهداً فيه، حتى أَمْلَقَ أهلُه. رأى يوماً صبية تمشي في السُّوق، والريحُ تلقيها لضعفها، فقال: "من يعرف هذه؟ "، فقال ابنه عبد الله: "هذه إحدى بناتك"، قال: "أي بناتي؟ "، قال: "بنت عبد الله بن عمر"، قال: "فما بلغ بها ما أرى؟ "، قال: "إمساكك ما عندك"، قال: "إمساكي ما عندي يمنعك أن تطلب لبناتك ما يطلب الناس، أما والله ما لك عندي إلا سَهْمك مع المسلمين وَسِعك أو عجزَ عنك، بيني وبينكم كتاب الله"2.
وقد أنشد فيه:
عفَّ عن الدّنيا وقد تزخرفت ... مُمْكنةً وعافَها وقد قدر
__________
1 أحمد: المسند 2/157، وإسناده صحيح وصحّحه أحمد شاكر في تعليقه على أحاديث المسند رقم: 859 والبزار كما في كشف الأستار 3/225، والهيثمي: مجمع الزوائد 5/176، وقال: "رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط ورجال البزار ثقات". قال أحمد شاكر: "فيظهر لي أن الهيثمي لم يعرف عبد الحميد بن أبي جعفر، ورأى إسناد البزار معروفاً له فوثّق رجاله".
2 سبق تخريجه ص 584.
(2/584)

مُحَكَّم في النّاس يقضي بينهم ... بمحكم الآي ومَنْصوص السُّوَر
حدَّثْت عنه مثلَ ما تحدّثت عن ... كرم1 الأغصان حَلْوَاءُ الثّمر2/ [85 / أ] .
__________
1 في الأصل: (فن الزم) ، وهو تحريف.
2 ابن الجوزي: التبصرة 1/426، 427.
(2/585)

الباب الثالث والخمسون: تواضعه
...
الباب الثالث والخمسون: في ذكر تواضعه
ذكر ابن الجوزي عن جبير بن نُفير1، أن نفراً قالوا لعمر بن الخطاب: "ما رأينا رجلاً أقضى بالقسط، ولا أقولَ بالحقّ ولا أشدّ على المنافقين منك يا أمير2 المؤمنين، فأنت خير الناس بعد رسول الله، فقال عوف بن مالك3: "كذتم - والله - لقد رأينا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، [فقال: "من هو؟ "، فقال: "أبو بكر"] 4 فقال عمر: "صدق عوف، وكذبتم، والله لقد كان أبو بكر أطيب من ريح المسك، وأنا أضل من بعير أهلي"، - يعني: قبل أن يسلم -، لأن أبا بكر أسلم قبله بست سنين"5.
وعن مُجالد بن سعيد قال: "لما أتى عمر رضي الله عنه [الخبر] 6 بنزول رستم القادسية، كان يستخبر الركبان عن أهل القادسية منذ حين يُصبح إلى انتصاف النهار، ثم يرجع إلى أهله، فلما لقيه البشير، سأله من أين جاء؟ فأخبره، فقال: "يا عبد الله حدّثني"، قال: "هزم الله العدوّ"، وعمر رضي الله عنه يخُبّ7 معه
__________
1 الحضرمي، ثقة جليل، من الثانية، مخضرم، ولأبيه صحبة، توفي سنة ثمانين. (التقريب ص 138) .
2 مطموس في الأصل، سوى: (أمير) .
3 الأشجعي، صحابي مشهور، من مسلمة الفتح، وسكن دمشق، توفي سنة ثلاث وسبعين. (التقريب ص 433) .
4 سقط من الأصل.
5 ابن الجوزي: مناقب ص 148، أبو نعيم: تثبيت الإمامة ص 104، ابن عساكر: تاريخ دمشق 9/704، 705، وأورده والمتقي الهندي: كنْز العمال 12/497، وعزاه لأبي نعيم في فضائل الصحابة، وقال ابن كثير: "إسناده صحيح".
6 سقط من الأصل.
7 الخَبَبُ: ضربٌ من العدوّ. (القاموس ص 99) .
(2/586)

ويستخبره، والآخر يسير على ناقته ولا يعرفه حتى1 دخل المدينة فإذا الناس يسلّمون عليه بإمرة المؤمنين، فقال الرجل: "فهلاّ أخبرتي - رحمك الله - أنك أمير المؤمنين، وجعل عمر يقول: "لا عليك يا أخي"2.
وعن عبد الله بن مصعب3 قال: "قال عمر رضي الله عنه: "لا تزيدوا مهور النساء على أربعين أوقية4، وإن كانت بنت ذي الغُصّة - يعني: يزيد بن الحصين الحارثي5 - فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال، فقالت امرأة من صفّ النساء طويلة، في أنفها فَطْسٌ6: "ما ذاك لك"، قال: "ولم؟ " قالت: "لأن الله تعالى يقول: {وآتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذوا منه شَيئاً أَتَأْخُذًُونَه بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً} " [النساء: 20] ، فقال عمر رضي الله عنه: "امرأة أصابت ورجل أخطأ"7.
وعن مسروق8 بن الأجدع9 قال: "ركب عمر
__________
1 مطموس في الأصل، سوى: (تى) .
2 الطبري: التاريخ 3/583، ابن الجوزي: مناقب ص 148، 149، ابن الأثير: التاريخ 2/484، والخبر ضعيف لانقطاعه بين مجالد وعمر، ومجالد ضعيف، وفي إسناده سيف بن عمر ضعيف. (التقريب رقم: 2724، 6478) .
3 ابن ثابت بن عبد الله بن الزبير، يروي عن أبي حازم، روى عنه إبراهيم بن خالد الصنعاني مؤذن مسجد صنعاء. (الثقات 7/569) .
4 الأوقية - بالضم - سبعة مثاقيل. (القاموس ص 1731) .
5 كذا في الأصل، وفي الإصابة 2/23: "حصين بن يزيد بن شداد الحارثي ذو الغصة، لقب بذلك لأنه كان في حلقه شبه الحوصلة، وفد على النبي صلى الله عليه وسلم.
6 الفَطْس: تطامن قصبة الأنف وانتشارها. (القاموس ص 726) .
7 ابن الجوزي: مناقب ص 149، ابن كثير: التفسير 2/213، وعزاه للزبير بن بكار، وقال: "فيه انقطاع".
8 مطموس في الأصل، سوى (سروق) .
9 الهمداني الكوفي، ثقة عابد مخضرم، من الثانية توفي سنة اثنتين وستين. (التقريب ص 528) .
(2/587)

رضي الله عنه منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطب الناس فقال: "أيها الناس ما إكثاركم في صَدُقات النساء فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه [يقللون] 1 وإنما الصَّدقُات ما بين أربع مئة درهم فما دون، ولو كان الإكثار في ذلك تقوى، أو تكرمة لم تسبقوهم إليها، فلا أعرفَنْ ما زاد رجل في صداق امرأة على أربع مئة درهم".
ثم نزل، فاعترضته امرأة من قريش، فقالت: "يا أمير المؤمنين، أنهيت الناس أن يزيدوا النساء في صدقاتهن على أربع مئة درهم؟ "، قال2: "وما ذاك؟ ". قالت: "أما سمعت ما أنزل الله في القرآن؟ "، قال: "وأي ذلك؟ "، قالت: "أو ما سمعت الله يقول: {وآتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذوا منه شَيئاً أَتَأْخُذًُونَه بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً} " [النساء: 20] ، فقال: "اللهم غفراً كل إنسان أفقه من عمر"، ثم رجع فركب المنبر، فقال: "أيا الناس إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربع مئة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحبّ وطابت به نفسه فليفعل"3.
وعن أبي الغالية الشامي4 قال: "قدم عمر رضي الله عنه الجابية على جمل أورق5، تلوح صلعته للشمس، ليس عليه قلنسوة ولا عمامة، تصطفق6 رجلاه
__________
1 سقط من الأصل.
2 في الأصل: (قلت) ، والتصويب من الهامش.
3 أبو يعلى كما في المطالب العالية 2/4، 5، ابن الجوزي: مناقب ص 149، ابن كثير: التفسير 2/212، وعزاه لأبي يعلى وقال: "إسناده جيد"، والهيثمي: مجمع الزوائد 4/283، 284، وقال: "رواه أبو يعلى في الكبير وفيه مجالد بن سعيد وفيه ضعف وقد وثّق".
4 لم أجد له ترجمة.
5 الأوْرق: ما في لونه بياض إلى سواد. (القاموس ص 1198) .
6 كذا في تاريخ المدينة، وتاريخ ابن كثير. وفي الأصل: (تصفق) .
(2/588)

بين شعبتي رحله بلا ركاب، وطاؤه كساء انبجاني ذو صوف، هو وطاؤه إذا ركب وفراشه إذا نزل، حقيبته نمرة أو شملة محشوة ليفاً، هي حقيبته إذا ركب، ووسادته إذا نزل، عليه قميص من كرابيس1، قد دسم وتخرق جبيه، / [85 / ب] فقال: "ادعوا لي رأس القرية"، فدعوا له الجلموس2، فقال: "غاسلوا قميصي وخيطوه وأعيروني قميصاً، أو ثوباً". فأتي بمقيص كتان3، فقال: "ما هذا؟ "، قالوا: "كتان"، قال: "وما الكتّان؟ "، فأخبروه، فنزع قميصه فغُسل، ورقع، وأتي به، فنزع قميصهم ولبس قميصه، فقال له الجلموس: "أنت ملك العرب، وهذه بلاد لا تصلح بها الإبل". فأتي ببرذون فطرح عليه قطيفة، [لا سرج] 4 ولا رحل وركبه، فقال: "احبسوا احبسوا، ما كنت أظن الناس يركبون الشياطين قبل هذا"، فأتي بجملة فركبه"5.
وعن هشام بن عروة عن أبيه،6 قال: "قدم عمر رضي الله عنه الشام، فتلقاه أمراء الأجناد، وعظماء أهل الأرض، فقال عمر: "أين أخي؟ "، قالوا: "من؟ "، قال: "أبو عبيدة بن الجراح"، قالوا: "يأتيك الآن"، فجاء على ناقة مخطومة بحبل، فسلم عليه، فسأله، ثم قال للناس: "انصرفوا عنا"، فسار معه
__________
1 كرابيس: جمع كِرْباس، وهو القُطْن. (لسان العرب 6/195) .
2 في تاريخ ابن كثير: " الجلوس".
3 الكتّان: ثياب مُعتدلة في الحرّ والبرد واليبوسة، ولا تلزق بالبدن، ويقلّ قمله. (القاموس ص 1583) .
4 سقط من الأصل.
5 ابن شبه: تاريخ المدينة 3/824، 825، ابن الجوزي: مناقب ص 151، ابن كثير: التاريخ 4/61، وعزاه لابن أبي الدنيا، والخبر ضعيف فيه عبد الله بن مسلم بن هرمز، ضعيف. (التقريب رقم: 3616) .
وأبو الغالية الشامي لم أجد له ترجمة.
6 ابن الزبير.
(2/589)

حتى منزله، فنزل عليه، فلم ير في بيته إلا سيفه، وترسه، ورحله، قال له عمر: "لو اتخذت متاعاً؟ "، أو قال: "شيئاً؟ "، فقال أبو عبيدة رضي الله عنه: "يا أمير المؤمنين، إن هذا سيبلغنا المقيل"1.
وعن طارق بن شهاب قال: "لما قدم عمر رضي الله عنه الشام عرضَت له مخاضة، فنزل عن بعيره، وقلع موقيه فأمسكهما بيده، فخاض عمر الماء ومعه بعيره، فقال له أبو عبيدة رضي الله عنه: "قد صنعت صنيعاً عظيماً عند أهل الأرض كذا وكذا"، قال: فصك في صدره، وقال: "أوهْ2 لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة، إنكم كنتم أذلّ الناس، وأحقر الناس، وأقلَّ الناس، فأعزَّكم الله بالإسلام، فمهما تطلبوا العزّةَ بغير الله يذلكم الله"3.
وذكر أبو القاسم الأصفهاني عن طارق4 بن شهاب قال: "قدم عمر الشام فتلقته الجنود، وعليه إزار وخفان وعمامة، وهو آخذ برأس5 راحلته، فقالوا: "يا أمير المؤمنين، تلقاك الجنود، والبطارقة وأنت على حالك هذه؟! "، فقال: "إنا قوم أعزّنا الله بالإسلام، فلن نلتمس العزّة بغيره"6.
__________
1 ابن المبارك: الزهد ص 208، وإسناده صحيح إلى عروة.
2 أوه: كلمة تقال عند الشكاية أو التّوجع. (القاموس ص 1604) .
3 ابن المبارك: الزهد ص 208، وإسناده صحيح، الحاكم: المستدرك 3/82، أبو أو نعيم: الحلية 1/47، ابن الجوزي: مناقب ص 150، 151، ابن كثير: التاريخ 4/61، والمتقي الهندي: كنْز العمال 12/618، وعزاه لابن المبارك وهناد والحاكم والحلية والبيهقي في شعب الإيمان. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين لاحتجاجهما جميعاً بأيوب بن عائذ الطائي وسائر رواته ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي. (المستدرك 1/62) .
4 في الأصل: (صارى) ، وهو تحريف.
5 في الأصل: (بروس) ، وهو تحريف.
6 أبو القاسم الأصفهاني: سير السلف ص 186، وابن أبي شيبة: المصنف 13/41، الحاكم: المستدرك 1/62، وفي إسناده الأعمش مدلس وقد عنعن.
والأثر ثابت من طريق آخر، كما مرّ. قال الحاكم: "وله شاهد من حديث الأعمش عن قيس بن مسلم". (المستدرك 1/62، الحلية 1/47) .
والأعمش من المرتبة الثانية الذين احتمل الأئمة تدليسهم واحتجوا بحديثهم.
(2/590)

وعن أسلم مولى عمر رضي الله عنه أنه كان مع عمر رضي الله عنه وهو يريد الشام، حتى إذا دنا من الشام، أناخ عمر، وذهب لحاجة له، قال أسلم: "فطرحت فروتي بين شعبتي رحلي، فلما خرج عمر عمد إلى بعير أسلم فركبه على الفور، وركب بعير عمر فخرجا يسيران، حتى لقيهما أهل الأرض، قال أسلم: فلما دنوا منا أشرت لهم إلى عمر، فجعلوا يتحدّثون بينهم، فقال عمر: "تطمح أبصارهم إلى1 مراكب من لا خلاق له، كأن عمر [يريد] 2 مراكب العجم"3.
وعن إسماعيل4 عن5 قيس6 قال: "لما قدم عمر الشام استقبله الناس وهو على بعيره فقالوا: "يا أمير المؤمنين لو ركبت برذوناً يلقاك عظماء الناس ووجوههم؟ "، فقال: "لا أراكم7 ههنا، [إنما الأمر من ههنا] 8". وأشار بيده
__________
1 في الأصل: (إلا) ، وهو تحريف.
2 سقط من الأصل.
3 ابن المبارك: الزهد ص 207، وإسناده صحيح. وابن أبي شيبة: المصنف 13/39، ابن شبه: تاريخ المدينة 3/821، 822، ابن الجوزي: مناقب ص 151، والمتقي الهندي: كنْز العمال 12/653، وعزاه لابن المبارك وابن عساكر.
4 ابن أبي خالد.
5 في الأصل: (ابن) ، وهو تحريف.
6 ابن أبي حازم.
7 في الأصل: (ألا راكم) ، وهو تحريف.
8 سقط من الأصل.
(2/591)

إلى السماء، خلّوا جملي"1.
وعن عبيد الله بن عباس2 قال: "كان للعبّاس ميزاب على طريق عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلبس عمر ثيابه يوم الجمعة، وقد كان ذبح للعباس فرخان، فلما وافى الميزاب، صُبَّ ماءٌ بدم الفرخين، فأصاب / [86 / أ] عمر، فأمر عمر بقلعه، ثم رجع عمر رضي الله عنه فطرح ثيابه ثم لبس ثياباً غير ثيابه، ثم جاء فصلى بالناس فأتاه العباس، فقال: "والله إنه لَلمضوْضِعُ3 الذي وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم"، فقال عمر: "فأنا أعزم عليك لما صعدت عليّ4 حتى تضعه في الموضع الذي وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلمففعل ذلك العباس رضي الله عنه"5.
وعن محمّد بن سعد يرفعه إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "لقد رأيتني ومالي من أكال6 يأكله الناس إلا أن لي خالاتٍ من بني مخروم كنت استعذب لهن الماء فيقبضن لي القبضات من الزبيب". ثم نزل، فقيل له: "ما أردت إلى هذا يا أمير المؤمنين؟ "، قال: "إني وجدت من نفسي شيئاً فأردت أن
__________
1 وابن أبي شيبة: المصنف 13/40، وإسناده صحيح، وأبو نعيم: الحلية 1/47، من طريق ابن أبي شيبة، ابن شبه: تاريخ المدينة3/831، ابن الجوزي: مناقب ص151.
2 ابن عبد المطلب الهاشمي، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم من صغار الصحابة، توفي بالمدينة سنة سبع وثمانين. (التقريب ص 371) .
3 في الأصل: (الموضع) ، والمثبت من المسند والطبقات.
4 قوله: " عليّ"، غير واضح في الأصل.
5 أحمد: المسند 3/224، ابن سعد: الطبقات 4/20، وإسنادهما ضعيف لانقطاعه، وقال أحمد شاكر في تعليقه على أحديث المسند رقم: 1790: "إسناده ضعيف لانقطاعه، هشام بن سعد صدوق، ولكنّه لا يروي إلا عن التابعين، توفي سنة ستين ومئة. وعبيد الله بن عباس من صغار الصحابة". وأورده ابن الجوزي: مناقب ص151.
6 الأكال: يقال: ما ذقت أكالاً - بالفتح -، أي: طعاما. (الصحاح 4/1625) .
(2/592)

أطأطئ1 منها"2.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوماً وخرجت معه حتى دخل حائطاً فسمعته يقول وبيني وبينه جدار، وهو في جوف الحائط: عمر أمير المؤمنين بَخْ بَخْ والله بُنيّ3 الخطاب لتتقين الله، أو ليعذبنك"4.
وقال أبو إسحاق الفزاري5: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إن أحب الناس إليّ من أهدى إليّ عيوبي"6.
وعن عبد الرحمن بن حفصة7 قال: "قدمنا على عمر رضي الله عنه في وفد من بني صبة8، وأنا غلام فقضوا حوائجهم وتركوني فمرّ عمر رضي الله عنه في السوق على ناقة فوثبت9 وثبة فإذا أنا خلفه، فضرب بين
__________
1 في الأصل: (طأطئ) .
2 ابن سعد: الطبقات 3/293، وإسناده ضعيف لإبهام أحد رجال السند. وابن الجوزي: مناقب ص 152.
3 في الأصل: (وبُني) ، وهو تحريف.
4 مالك: الموطّأ ص 542، ومن طريقه ابن سعد: الطبقات 3/292، وإسناده صحيح، أبو نعيم: المعرفة 1/216، أبو القاسم الأصفهاني: سير السلف ص 154، وأورده ابن الجوزي: مناقب ص 152، المحب الطبري: الرياض النضرة 1/376، وعزاه لابن أبي الدنيا في محاسبة النفس، والمتقي الهندي: كنْز العمال 12/618.
5 إبراهيم بن محمّد الفزاري الإمام، ثقة، حافظ له تصانيف، توفي سنة خمس وثمانين ومئة. (التقريب ص 92) .
6 ابن الجوزي: مناقب ص 152، وهو ضعيف لإعضاله، وبنحوه في ابن سعد: الطبقات 3/293، عن سفيان بن عيينة.
7 لم أجد له ترجمة.
8 في مناقب عمر: (منبه) .
9 في الأصل: (فوثب) .
(2/593)

كتفي وقال: "ممن أنت؟ "، فقلت1: ضَبِّي، قال: "جسور"، قلت: على العدو، وقال: "وعلى الصديق، حاجتك؟ "، فقضى حاجتي، ثم قال: "فرغ لنا ظهر راحلتنا"2.
وعن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه قال: "خرجنا مع عمر رضي الله عنه إلى حجّ أو عمرة، حتى مرّ بشعاب ضَجنَان3 فالتفت إليها فقال: "لقد رأيتني في هذه4 الشعاب، في إبل الخطاب وكان فظاً غليظاً، أحتطب مرّة، وأختبط عليها أخرى، ثم أصبحت اليوم فضرب الناس بجنباتي ليس فوقي أحد، ثم قال:
لا شيء فيما ترى إلا بشاشته ... يبقي الإلهُ ويودي المالُ والولد5
وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: "نادى عمر في الناس الصلاة جامعة، ثم جلس على المنبر فما تكّلم حتى امتلأ المسجد ثم قام، فقال: "الحمد لله لقد رأيتني أوجز6 نفسي بطعام ثم أصبحت على ما ترون،
__________
1 قوله: " فقلت"، في الأصل فوق السطر.
2 ابن الجوزي: مناقب ص 152.
3 ضجِنان: حرة مستطيلة من الشرق إلى الغرب ينقسم عنها سيل وادي الهدَة. ويمر بها الطريق من مكّة إلى المدينة بنفصها الغربي على أربع وخمسين كيلاً من مكّة. ويعرف هذا النصف اليوم بخشم المحسنية. (معجم البلدان 3/453، معجم معالم الحجاز 5/189) .
4 كذا في مناقب عمر، وفي الأصل: (هذا) .
5 أبو عبيد: غريب الحديث 3/392، 393، وإسناده حسن. وابن عساكر: تاريخ دمشق ج 13 / ق 144، ابن الجوزي: مناقب ص 153، والمتقي الهندي: كنْز العمال 12/652، وعزاه لأبي عبيد في الغريب، وابن سعد، وابن عساكر.
6 في سير السلف ومناقب عمر: (أواجر) .
(2/594)

فلما نزل قيل له: " [ما] 1 حملك على ذلك؟ "، قال: "إظهار الشّكر"2.
وعن محارب بن دِثار عن ابن عمر قال: "صعد عمر المنبر فجلس، ونودي الصلاة جامعة، فما زالوا يردون حتى امتلأ المسجد، فقام عمر فقال: "أحمد الله إليكم، إني كنت أوجز نفسي ثم أصبحت يضرب الناس بجنبتي ليس فوقي أحد". ونزل فقال له ابن عمر: "يا أمير المؤمنين ما دعاك إلى ما قلت؟ "، قال: "إن أباك أعجبته نفسه فأحبّ أن يضعها"3.
وعن الحسن4: "أن رجلاً أثنى على عمر فقال: "أتهلكني وتهلك نفسك؟ "5.
[وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنها - قال: "نادى عمر الصلاة جامعة، ثم جلس على المنبر فما تكلَّم حتى امتلأ المسجد ثم قام فقال: "الحمد لله لقد] 6 رأيتني أواجر نفسي بطعام بطني، ثم أصبحت على ما ترون"، فقيل له: "ما حملك على ما تقول؟ "، قال: "إظهار الشّكر"7.
وعن محمّد بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن حزم8 عن رجل من جهينة
__________
1 سقط من الأصل.
2 أبو القاسم الأصفهاني: سير السلف ص 186، ابن الجوزي: مناقب ص 153، بدون إسناد.
3 ابن الجوزي: مناقب ص 153، وهو ضعيف لانقطاعه بين محارب بن دثار وعمر.
4 البصري.
5 ابن الجوزي: مناقب ص 153.
6 مطموس في الأصل، والتصويب من سير السلف.
7 سبق تخريجه.
8 لم أجد له ترجمة. ولعلّه: عبد الرحمن بن محمّد بن أبي بكر بن محمّد بن عمرو بن حزم الأنصاري، مقبول، من السابعة. (الطبقات الكبرى القسم المتمم لتابعي أهل المدينة ص 463، التقريب ص 349) .
(2/595)

قال: "بعثني أبي في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بجداءٍ1 أبيعهن بالمدينة، فلما كنت يوماً من المدينة/ [86 / ب] إذا أنا برجل عامد إلى المدينة، وقد مال حِمْلُ حماري فقلت: "يا عبد الله أعني على حِمْل حماري، حتى أعدله"، قال: "نعم، يا بني". فقام معي حتى عدله، ثم قال لي: "من أنت؟ "، فقلت: "أنا فلان بن فلان الجهني"، فقال: "إذا أتيت أباك فقل له: "إن أمير المؤمنين يقول لك: إياك وذبح الجداية، فإن2 ودك3 العتود4 خير من أنفحه الجدي". قلت: "من أنت - يرحمك الله -؟ "، قال: "أنا عمر أمير المؤمنين"5.
وعن عبد الجبار بن عبد الواحد التنوخي67، قال: "قال عمر رضي الله عنه وهو على المنبر: "أنشدكم الله لا يعلم رجل مني عيباً إلا عابه"، فقال: رجل: "نعم، يا أمير المؤمنين، فيك عيبان"، قال: "وما هما؟ "، قال: "تديل بين البردين، وتجمع بين الأدمين، ولا يسع ذاك الناس"، قال: "فما دال8 بين بردين، ولا جمع بين أدمين، حتى لقي الله عزوجل".
__________
1 الجَدْيُ من أولاد المعز: ذكرُها الذي لم يبلغ سنة. (لسان العرب 14/135، القاموس ص 1638) .
2 في الأصل: (كل) ، وهو تحريف.
3 الوَدَك: الدَّسَم. (القاموس ص 1235) .
4 العَتُود: الحَوْليُّ من أولاد المعز. (القاموس ص 379) .
5 ابن أبي الدنيا: إصلاح المال ص 218، وهو ضيعف لإبهام أحد رجال السند. وابن الجوزي: مناقب ص 153، 154.
6 في الأصل: (التنوخي) بالهامش.
7 لم أجد له ترجمة.
8 في الأصل: (دان) ، وهو تحريف.
(2/596)

قوله: "تديل بين البردين: أي: تلبس قميصاً، وتخليه وتلبس غيره"12.
وقال سالم الأفطس3: "جاءت وفود فارس إلى عمر رضي الله عنه يطلبونه فلم يجدوه في منزله، فقيل لهم: هو في المسجد. يشير إلى أنه لم يكن له موضع للحكم"4
وذكر أبو القاسم الأصفهاني عن تميم بن سلمة5 قال: "لما قدم عمر رضي الله عنه الشام تلقاه أبو عبيدة بن الجراح فخاض إليه عمر الماء في خفيه، فقال له أبو عبيدة: "يا أمير المؤمنين إنك بإزاء العدوّ"، فقال: "دعنا منك، فإنّ الله أعزّنا بالإسلام"، قال: وقبل أبو عبيدة يده، ثم خلوا فجعلا يبكيان"6.
__________
1 انظر: ابن منظور: لسان العرب 11/252.
2 ابن أبي الدنيا: إصلاح المال ص 37، ابن الجوزي: مناقب ص 154، وهو ضعيف في إسناد ابن أبي الدنيا من لم أجد له ترجمة.
3 سالم بن عجلان الأفطس، الأموي مولاهم، ثقة رمي بالإرجاء، توفي سنة اثنتين وثلاثين ومئة. (التقريب ص 227) .
4 ابن شبه: تاريخ المدينة 2/692، وابن الجوزي: مناقب ص 154، وهو ضعيف لانقطاعه بين سالم وعمر بن الخطاب، وهو في ابن سعد: الطبقات 3/293، وإسناده صحيح، وابن عساكر: تاريخ دمشق ج 13 / ق 116، بإسناد آخر.
5 السلمي، ثقة، توفي سنة مئة. (التقريب ص 130) .
6 أبو القاسم الأصفهاني: سير السلف ص 166، 167، وهو منقطع بين تميم وعمر ابن الخطاب.
(2/597)

الباب الرابع والخمسون: حلمه
...
الباب الرابع والخمسون: في ذكر حلمه
في الصحيح عن أبي الدّرداء1 قال: "كنت جالساً عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أقبل أبو بكر آخذاً بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبتيه2، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أما صاحبكم فقد غامر" 3، فسلم، وقال: "إني كان بيني وبين ابن الخطاب شيء فأسرعت إليه ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبى عليّ، فأقبلت إليك"، فقال: "يغفر الله لك يا أبا بكر"، ثلاثاً. ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فسأل: أثمَّ أبو بكر؟ قالوا: "لا". فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يسلم عليه فجعل وجه النبي صلى الله عليه وسلم يتمعر4 حتى أشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه، فقال: "يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم، مرتين"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله بعثني إليكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت5، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟ " مرتين، فما أوذي بعدها"6.
ومن طريق آخر: "كان بين أبي بكر وعمر محاورة فأغضب أبو بكر عمر، فانصرف عمر عنه مغضباً، فاتّبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له فلم يفعل حتى أغلق بابه في وجهه، فأقبل أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، - فقال أبو الدّرداء:
__________
1 عويمر بن زيد الأنصاري.
2 في صحيح البخاري: (ركبته) .
3 غامر: أي: خاصم غير. (لسان العرب 5/30) .
4 تمعر: تغير وعلته صُفرة. (لسان العرب 5/181) .
5 في صحيح البخاري: (صدق) .
6 البخاري: الصحيح، كتاب فضائل الصحابة 3/1339، رقم: 3461.
(2/598)

ونحن عنده - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما صاحبكم هذا فقد غامر"، قال: وندم عمر على ما كان منه، فأقبل حتى سلم وجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقصّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر، قال أبو الدّرداء: وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل أبو بكر يقول: "والله يا رسول الله، لأنا كنت أظلم"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هل أنتم تاركوا لي صاحبي، هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟ إني قلت: يا أيها الناس، إني رسول الله إليكم جميعاً، فقلتم كذبت، وقال أبو بكر: صدقت" 1.
وفي الصحيح عن ابن عباس، قال: "قدم عيينة بن حصن بن حذيفة فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس2، وكان من النفر الذي يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته، كهولاً كانوا أو شُباناً، فقال عيينة لابن أخيه: "يابن أخي هل لك أو قال: لك وجه عند الأمير، فاستأذن لي عليه". قال: "سأستأذن لك عليه"، قال ابن عباس: فاستأذن / [87 / أ] الحرُ لعيينة، فأذن له عمر، فلما دخل عليه قال: "إيهْ، أو هِيْ3 يابن الخطاب، فوالله ما تعطينا
__________
1 البخاري: الصحيح، كتاب التفسير 4/1701، رقم: 4364.
2 الفزاري، صحابي، أسلم مع وفد فزارة. (الإصابة 2/5) .
3 إيه - بكسر الهمزة والهاء، وفتحها وَتُنَوَّن المكسورة -: كلمة استزادةٍ واستنطاقٍ، وإيه، بإسكان الهاء: زجرٌ بمعنى: حسبك. كما يقال: "إيه عنا أي: كفّ"، وهِيْ، بكسر ثم سكون، وفي بعضها، هيه - بكسر الهاء من بينهما تحتية ساكنة - قال النووي بعد أن ضبطها: "هكذا هي كلمة تقال في الاستزادة"، وقال ابن الملقن: "هِيْ يا ابن الخطاب، بمعنى: التهديد له"، وقال الزركشي: "هي يا ابن الخطاب - بكسر الهاء وآخره همزة مفتوحة - تقول للرجل إذا استزدته "هيه وإيه"، قال ابن حجر: "وقوله: وآخره همزة مفتوحة لا وجه له، ولعله من الناسخ، أو سقط من كلامه شيء، والذي يقتضيه السياق أنه أراد بهذه الكلمة الزجر وطلب الكفّ لا الازدياد". (الصحاح 6/2226، لسان العرب 13/474، القاموس ص 1604، فتح الباري 13/258، 259) .
(2/599)

الجزل1 ولا تحكم فينا بالعدل". فغضب عمر حتى هم أن يوقع به، فقال له الحرّ: "يا أمير المؤمنين إن الله تعالى قال لنبيه: {خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بالعُرْفِ وأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199] ، وإن هذا من الجاهلين". والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافاً عند كتاب الله"2.
ورواه ابن الجوزي عن ابن عباس بلفظه إلا أن فيه: "وكان القراء أصحاب مجلس عمر"3، وهي في بعض طرق الصحيح4.
وعن إبراهيم بن حمزة5، قال: "أُتي عمر رضي الله عنه ببرود فقسمها بين المهاجرين والأنصار - رضي الله عنهم - وكان فيها برد فاضل لها، فقال: "إن أعطيته واحداً منهم غضب أصحابه ورأوا أني فضلته عليهم، فدلّوني على فتى من قريش نشأ نشأة حسنة أعطيه إياه". فسمّوا له المسور ابن مخرمة، فدفعه إليه، فنظر إليه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه فقال: "تكسوني هذا البرد وتكسوا ابن أخي مسوراً أفضل منه؟ "، قال: "يا أبا إسحاق، إني كرهت أن أعطيه واحداً منكم فيغضب أصحابه، فأعطيته فتى نشأ نشأة حسنة لا يتوهم فيه أني أفضله عليكم"، فقال سعد: "إني قد حلفت لأضربن بالبرد الذي أعطيه رأسك"، فخضع له عمر رأسه وقال: "عندك يا أبا إسحاق وليرفق الشيخ بالشيخ".
__________
1 الجزيل: العظيم. وأجزلت له من العطاء، أي: أكثرت. (لسان العرب 11/109) .
2 البخاري: الصحيح، كتاب الاعتصام 6/2657، رقم: 6856، 4366.
3 ابن الجوزي: مناقب ص 154.
4 البخاري: الصحيح، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة 6/2657، رقم: 6856.
5 ابن محمّد بن حمزة بن مصعب الزُّبيري، المدني، صدوق، من العاشرة، توفي سنة ثلاثين ومئتين. التقريب ص 89) .
(2/600)

فضرب رأسه بالبرد"1.
وعن الحسن2 قال: "كان بين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبين رجل كلام في شيء، فقال له رجل: "اتّق الله يا أمير المؤمنين"، فقال له رجل من القوم: "أتقول لأمير المؤمنين: اتّق الله؟ "، فقال له عمر رضي الله عنه: "دعه فليقلها لي، نعم، ما قال، ثم قال عمر: لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نقبلها منكم"3.
وعن عليّ بن رباح عن ناشرة4، قال: "سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول يوم الجابية، وهو يخطب الناس: "إن الله جعلني خازناً لهذا وقاسماً له، ثم قال: بل الله يقسمه وأنا بادئ بأهل النبي صلى الله عليه وسلم"، ففرض لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف، عشرة آلاف، إلا جويرية وصفية وميمونة، فقالت عائشة - رضي الله عنها -: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعدل بيننا"، فعدل بينهن عمر رضي الله عنه، ثم قال: "إني بادئ بي وأصحابي المهاجرين الأوّلين فإنا أخرجنا من ديارنا ظلماً وعدواناً ثم أشرفهم"، ففرض لأصحاب بدر منهم، خمسة آلاف، خمسة آلاف، ولمن شهد بدراً من الأنصار، أربعة آلاف، أربعة آلاف، وفرض لمن شهد الحديبية، ثلاثة آلاف، ثلاثة آلاف، وقال: "من أسرع بالهجرة أسرع به العطاء ومن أبطأ في الهجرة أبطأ به العطاء، فلا يلومن
__________
1 ابن الجوزي: مناقب ص 155، الفارسي: العقد الثمين 7/199، وعزاه للزبير بن بكار بدون إسناد.
2 البصري.
3 ابن شبه: تاريخ المدينة 2/773، وهو ضعيف لانقطاعه بين الحسن وعمر، وفيه مبارك بن فضالة مدلس وقد عنعن. (التقريب رقم: 6464) ، وأورده ابن الجوزي: مناقب ص 155.
4 ابن سمّي اليَزَني.
(2/601)

رجل إلا مناخ راحلته، وإني أعتذر إليكم من خالد بن الوليد فإني أمرته أن يحبس هذا المال على ضعفة المهاجرين، فأعطى ذا البأس، وذا الشرف، وذا اللسان فنزعته / [87 / ب] وأمرت أبا عبيدة بن الجراح". فقام أبو عمرو بن حفص بن المغيرة1، فقال: "والله ما اعتذرت يا عمر، ولقد [نزعت] عاملاً استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأغمدت سيفاً سله رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضعت امرأ2 نصبه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقطعت رحماً، وحسدت ابن العم". فقال عمر رضي الله عنه: "إنك قريب القرابة، حديث السن، تغضب في ابن عمك"3.
وعن أصبغ بن نُباتة4، قال: "خرجت أنا وأبي من زَرُوْد5 حتى ننتهي إلى المدينة في غلس6، والناس في الصلاة فانصرف الناس من صلاتهم وخرج الناس إلى أسواقهم، فدخل إلينا رجل معه درّه، فقال: "يا أعرابي أتبيع؟ "، فلم يظل يساوم أبي7 حتى أرضاه على ثمن، وإذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فجعل يطوف في السوق، ويأمرهم بتقوى الله يقبل فيه ويدبر، ثم مرّ على أبي، فقال: "حبستني ليس هذا وعدتني"، ثم مرّ الثانية، فقال له مثل ذلك، فردّ عليه عمر: "لا أريم حتى أوفيك"، ثم مرّ به الثالثة فوثب أبي مغضباً
__________
1 المخزومي، ويقال فيه: أبو حفص بن عمرو بن المغيرة. (الإصابة7/136، التقريب ص 660) .
2 في مسند: (لواء) .
3 سبق تخريجه ص 590.
4 التميمي الحنظلي، الكوفي، متروك، رمي بالرّفض من الثالثة. (التقريب ص 113) .
5 زَرُوْدُ: من أشهر منازل الحاجّ العراقي بعد الثّعلبية وقبل الأجفر للمتجه إلى مكّة، ويبعد عن الإجفر 58 كيلاً، وعن مدينة حائل بنحو 170 كيلاً، وهي لبني مجاشع من تميم، والآن مياه قبيلة شمر. (المناسك ص 299، المعجم الجغرافي (شمال المملكة) 2/632-637) .
6 الغَلَس: ظلمة آخر الليل. (القاموس ص 723) .
7 في الأصل: (أفيك) .
(2/602)

فأخذ ثياب عمر، فقال له: "كذبتني وظلمتني"، ولهزه1، فوثب المسلمون إليه: يا عدوّ الله، لهزت أمير المؤمنين، فأخذ عمر رضي الله عنه ثياب أبي فجره لا يملك من نفسه شيئاً وكان شديداً فانتهى إلى قصاب، فقال: "عزمت عليك أو أقسمت عليك لتعطين هذا حقّه، وأهبك ربحي"، وكان عمر باع الغنم منه، فقال: "يا أمير المؤمنين لا، ولكن أعطي هذا حقّه، وأهبك ربحك"، فأخرج حقّه، فأعطاه، فقال له عمر: "استوفيت؟ "، فقال: "نعم"، فقال عمر رضي الله عنه "بقي حقنا عليك لهزتك التي لهزتني، قد تركتها لله عزوجل ولك"، قال أصبغ: فكأني أنظر إلى عمر أخذ ربحه لحماً فعلقه في يده، وفي يده اليمنى الدّرّة يدور في الأسواق حتى دخل رحله"2.
وعن الحسن3 رضي الله عنه قال: "خرج عمر رضي الله عنه في يوم حار واضعاً رداءه على رأسه، فمرّ به غلامٌ على حمار، فقال: "يا غلام احمِلني معك"، قال: "فوثب الغلام عن الحمار فقال: "اركب يا أمير المؤمنين"، فقال: "لا أركب، وأركب خلفك، تريد أن تحملني على المكان الخشن، وتركب على المكان الموطأ4، ولكن اركب أنت، وأكون أنا خلفك". قال: فدخل المدينة وهو خلفه،
__________
1 لَهَزَهُ: ضربه بجُمعه في لهازمه ورقبته. (لسان العرب 5/407) .
2 ابن أبي الدنيا: إصلاح المال ص 250، وابن الجوزي: مناقب ص 156، وفيه أصبغ ابن نباتة وهو متروك.
3 البصري.
4 في تاريخ دمشق وكنْز العمال: " تريد أن تحملني على المكان الواطي وتركب أنت على الموضع الخشن".
(2/603)

والناس ينظرون إليه"1.
وفي مسند الإمام أحمد، عن أبي ظبيان2: أن عمر أُتي بامرأة قد زنت، فأمر برجمها فذهبوا بها ليرجموها، فلقيهم عليّ رضي الله عنه فقال: "ما هذه؟ "، قالوا: "زنت فأمر عمر برجمها"، فانتزعها عليّ من أيديهم وردّهم، فرجعوا إلى عمر، فقال: "ما ردّكم؟ "، قالوا: "ردنا عليّ"، فقال: "ما فعل هذا إلا لشيء قد علمه"، فأرسل إلى عليّ فجاء هو شبيه المغضب، فقال: "ما لك رددت هؤلاء؟ "، فقال: "أما سمعت [النبي صلى الله عليه وسلم] يقول: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستييقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المبتلى حتى يعقل". قال عليّ: "هذه مُبتلاة بني فلان، فعلّه3 أتاها وهو بها". فقال عمر: "لا أدري". قال: "وأنا لا أدري"، فلم يرجمها"4. / [88 / أ] .
وفي أمالي الجوهري5 عن عبد الله [بن] 6 صبعة العبدي7، عن أبيه8،
__________
1 ابن عساكر: تاريخ دمشق ج 13 / ق 116، ابن الجوزي: مناقب ص 157، والمتقي الهندي: كنْز العمال 12/654، وعزاه للدنيوري، وهو ضعيف لانقطاعه بين الحسن وعمر بن الخطاب.
2 حُصَين بن جندب الجُنْبي، الكوفي، ثقة من الثانية، توفي سنة تسعين. (التقريب ص169) .
3 في المسند: (فلعله) .
4 أحمد: المسند 2/335، وإسناده صحيح، وصحّحه أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند رقم: 1327.
5 الحسن بن عليّ الشيرازي ثم البغدادي، المحدّث الصدوق، كان من بحور الرواية روى الكثير، وأملى عدة مجالس، وكان ثقة أميناً، توفي سنة أربع وخمسين وأربع مئة. (تاريخ بغداد 7/393، سير أعلام النبلاء (18/68) .
6 سقط من الأصل.
7 لم أجد له ترجمة.
8 لم أجد له ترجمة.
(2/604)

عن جده1، قال: "أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلان سألاه عن طلاق الأمة، فقام معهما يمشي حتى أتى حلقة في المسجد فيها رجل أصلع، فقال: "أيها الأصلع، ما ترى في طلاق الأمة؟ "، فرفع رأسه إليه ثم أومأ إليه بإصبعيه السبابة والوسطى، فقال لهما عمر: "تطليقتان) ، فقال أحدهما: "سبحان الله جئناك وأنت أمير المؤمنين فمشيت معنا حتى وقفت على هذا الرجل فسألته فرضيت منه أن أومأ إليك؟! " فقال لهما: "ما تدريان من هذا؟، هذا عليّ بن أبي طالب، أشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم لسمعته وهو يقول: "إن السماوات السبع والأرضين السبع لو وضعتا في كفّة، ووضع إيمان عليّ في كفّة ميزان لرجّح إيمان عليّ" 2.
__________
1 لم أجد له ترجمة.
2 لم أجده.
(2/605)

الباب الخامس والخمسون: ورعه
...
الباب الخامس والخمسون: في ذكر ورعه
ذكر ابن الجوزي عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: "اشتريت إبلاً وارتجعتُها1 إلى الحمِى، فلما سمنت قدمت بها، قال: فدخل عمر رضي الله عنه السوق فرأى إبلاً سماناً، فقال: "لمن هذه الإبل؟ "، فقيل: "لعبد الله بن عمر"، فجعل يقول: "يا عبدَ الله بن عمر! بخٍ بخٍ، ابنُ أمير المؤمنين"، قال: "فجئته أسعى، فقلت: ما لك يا أمير المؤمنين؟ "، قال: "ما هذه الإبل؟ "، قال: [قلت] 2: "إبل اشتريتها وبعثت بها إلى الحمى أبتغي ما يبتغي المسلمون"، قال: "يقال: ارْعوا إبل ابن أمير المؤمنين، اسقوا إبل ابن أمير المؤمنين، يا عبد الله بن عمر، اغد ابن عمر اغد على رأس مالك واجعل باقيه في بيت مال المسلمين"3.
وعن جُميع بن عُمير التيمي4، قال: "سمعت عبد الله بن عمر يقول: "شهدت جلولاء فاتبعت من الغنائم بأربعين ألفاً، فقال: "يا عبد الله ابن عمر [لو] 5 انطلق بيَ إلى النار، كنت مفتدي؟ "، قلت: "نعم. بكل
__________
1 في سنن البيهقي: (وانجعتها) ، والرّجيع من الإبل ما رجعته من سفر إلى سفر وهو الكالّ. (لسان العرب 8/116) .
2 سقط من الأصل.
3 ابن الجوزي: مناقب ص 159، البيهقي: السنن: 6/147، وفي إسناده يونس بن أبي يعفور، صدوق يخطئ كثيراً. (التقريب رقم: 792) ، وابن أبي شيبة: المصنف 12/325، وفيه نبيح العنزي، مقبول. (التقريب رقم: 7093) ، وأورده والمتقي الهندي: كنْز العمال12/658، وعزاه لسعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبيهقي.
4 الكوفي، صدوق يخطئ ويتشيع، من الثالثة. (التقريب ص 142) .
5 مطموس في الأصل.
(2/606)

شيء أملك". قال: "فإني مخاصمٌ، وكأني بك تبايع بجلواء ويقولون: [هذا] 1 عبد الله بن عمر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن أمير المؤمنين وأكرم أهله عليه، وأن يرخصوا عليك كذا وكذا درهماً أحبَّ إليهم من أن يغلوا عليك بدرهم، وسأعطيك من الربح أفضل ما ربح رجل من قريش".
ثم أتى باب صفية بنت أبي عبيد، فقال: يا صفية بنت أبي عبيد أقسمت عليك أن تُخرجي من بيتك شيئاً، أو تخرجين منه وإن كان عنق طَبِيَّةٌ2، قالت: "يا لأمير المؤمنين ذلك لك"، ثم تركني سبعة أيام، ثم استدعى التجار، ثم قال: "يا عبد الله بن عمر إني مسؤولٌ"، فباع من التجار متاعاً بأربع مئة ألف، فأعطاني ثمانين ألفاً وأرسل بثلاث مئة وعشرين ألفاً إلى سعد، فقال: "أقسم هذا المال فيمن شهد الوقعة، فإن كان أحد منهم مات فابعث بنصيبه إلى ورثته"3.
وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: "استأذنت عمر في الجهاد، فقال: "أي بني إني أخاف عليك الزنى"، فقلت: أو على مثلي تتخوف ذلك4؟!، قال: "تلقون العدوّ فيمنحكم الله أكتافهم، فتقتلون المقاتلة،
__________
1 سقط من الأصل.
2 الطّبِيُ: حلمات الضّرع التي من خفٍ وظلفٍ وحافرٍ وسبع. (لسان العرب 15/64، القاموس ص 1684) .
3 أبو عبيد: الأموال ص 273، ابن زنجويه: الأموال: 2/592، البلاذري: أنساب الأشراف (الشيخان: أبو بكر وعمر) ص 171، 172، وأورده ابن الجوزي: مناقب ص 158، والمتقي الهندي: كنْز العمال 12/668، وعزاه لأبي عبيد والخبر مداره على الصلت بن بهرام ولم يوثّقه إلا ابن حبان. (الثقات 6/471) .
4 مطموس في الأصل، سوى: (لك) .
(2/607)

وتسبون الذّرية، وتجمعون المتاع، فتقام جارية في المغنم فينادى عليها، فتسوم بها فينكل1 الناس عنك، يقولون: ابن أمير المؤمنين، ولله وللرسول ولذي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، فيهم حقّ فتقع عليها، فإذا أنت زانٍ، اجلس"2.
وعن [إسماعيل بن محمّد بن] 3 سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: "قدم على عمر رضي الله عنه مسك وعنبر من البحرين، قال عمر: "والله لوددت أني أجد امرأة حسنة الوزن تزن [لي] 4 هذا الطيب حتى أفرقه على المسلمين"، فقالت له امرأته عاتكة: "أنا جيدة الوزن، فهلمُ / [88 / ب] أزن لك"، قال: "لا"، قالت: (ولِمَ؟ "، قال: "أخشى أن تأخذيه هكذا، فتجعليه هكذا - وأدخل إصبعيه في صدغيه - وتمسحين بها عنقكِ فأصبت فضلاً على المسلمين"5.
وعن نعيم بن العطارة6، قال: "كان عمر يدفع إلى امرأته طيباً من7 طيب المسلمين، قال فتبيعه امرأته، قالت: "فبايعتني عطارة
__________
1 في الأصل: (فنكل) .
2 ابن أبي الدنيا: إصلاح المال ص 144، وفيه عطية العوفي، صدوق يخطئ كثيراً، وكان شيعياً مدلساً. (التقريب رقم: 4616) ، وقد عنعن، وأورده ابن الجوزي: مناقب ص 158.
3 سقط من الأصل.
4 مطموس في الأصل.
5 أحمد: الزهد ص 119، وابن شبه: تاريخ المدينة 2/703، وإسنادهما ضعيف، لانقطاعه، إسماعيل بن محمّد لم يدرك عمر بن الخطاب، وأورده ابن الجوزي: مناقب ص 159، والمتقي الهندي: كنْز العمال 12/642، وعزاه لأحمد في الزهد.
6 لم أجد له ترجمة.
7 في الأصل: (في) ، وهو تحريف.
(2/608)

فجعلت تُقوم1 وتزيد وتنقص، وتكسره بأسنانها، فيعلق بإصبعها شيء منه، فقالت به هكذا، بإصبعيها2 في فيها، ثم مسحت به على خمارها، قالت: فدخل عمر، فقال: "ما هذه الريح؟ "، فأخبرته الذي كان، فقال: "طيب المسلمين تأخذينه أنت فتطيبين به"، قال فانتزع الخمار من رأسها، أخذ جزءً من ماء فجعل يصبّ الماء على الخمار، ثم يدلكه في التراب ثم يشمه، ففعل ذلك ما شاء الله، قالت: العطارة: "ثم أتيتها مرة أخرى فلما وزنت لي علق بإصبعها منه شيء، فعمدت فأدخلت إصبعها في فيها، ثم مسحت بإصبعها التراب، قالت: فقلت: ما هكذا صنعت أوّل مرة، قالت: "أو ما علمت ما لقيت منه، لقيت منه كذا، لقيت منه كذا"3.
وعن أنس:4 "أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ هذه الآية: {فَأَنْبَتْنا فِيهَا حَبّاً وعِنَباً وقَضْباً وزَيْتُوناً ونَخْلاً وحَدَائقَ غُلْباً وفَاكِهَةً وأَبّاً} [عبس: 27-31] ، فقال: "هذه5 الفاكهة والقضب، وهذه الأشياء قد عرفناها، فما الأب؟ ".
فوضع يده على رأسه، ثم قال6: "إن هذا لهو التكلّف7، يابن أم عمر، ما عليك أ، لا تدري ما الأب؟ "8. ظاهر هذا البحث يعطي الإعراض عن
__________
1 مطموس في الأصل، سوى (تقو) .
2 مطموس في الأصل، سوى (بأصبعيـ) .
3 ابن الجوزي: مناقب ص 159.
4 ابن مالك.
5 مطموس في الأصل، سوى (هـ) .
6 مطموس في الأصل، سوى (قا) .
7 في الأصل: (الكلف) ، وهو تحريف.
8 الطبري: التفسير 15/59، وابن الجوزي: مناقب ص 159، ابن كثير: التفسير 8/348، وعزاه للطبري وقال: "إسناده صحيح"، ابن حجر: فتح الباري13/271، وعزاه لعبد بن حميد في التفسير. وأخرجه الحاكم بنحوه المستدرك 3/290، وصحّحه ووافقه الذهبي.
(2/609)

تفسير الغريب وليس المراد به ذلك.
قال أبو بكر بن مِقسم1: "ما عرف عمر عين الأب من النبت، لأنه ليس من لغته، وليس بالناس إلى البحث عنه حاجة، فجعل ذلك مثلاًيعمل2 عليه، خوفاً مما نظرت فيه الخوارج وأهل البدع"3.
وعن عبد الرحمن الأشعري4: أنه خرج إلى عمر رضي الله عنه فنزل عليه، وكان لعمر ناقة يحلبها، فانطلق غلامه ذات يوم فسقاه لبناً، فأنكره، فقال: "ويحك من أين هذا اللبن؟ "، قال: "يا أمير المؤمنين إن الناقة انفلت عليها ولدها فشرب لبنها، فحلبت لك ناقة من مال الله"، فقال له عمر "ويحك سقيتني ناراً ادع لي عليّ بن أبي طالب"، فدعاه، فقال: "إن هذا عمد إلى ناقة من مال الله فسقاني لبنها أفتحله لي؟ "، قال: "نعم. يا أمير المؤمنين، هو حلال5 لك ولحمها"6.
__________
1 العلامة المقرئ محمّد بن الحسن بن مقسم البغداديّ العطار، ثقة من أحفظ الناس لنحو الكوفيين، وأعرفهم بالقراءات، صنف في التفسير والمعاني كتاب: (الأنوار في علم القرون) ، وكتاب الوقف والابتداء) ، وغيرهما، توفي سنة أربع وخمسين وثلاث مئة. (تاريخ بغداد 2/206، سير أعلام النبلاء (16/105، غاية النهاية في طبقات القراء 2/142) .
2 مطموس في الأصل، سوى (يعمـ) .
3 ابن الجوزي: مناقب ص 160.
4 عبد الرحمن بن غنم الأشعري، مختلف في صحبته، توفي سنة ثمان وسبعين. (التقريب ص 348) .
5 مطموس في الأصل، سوى (حلا) .
6 ابن شبه: تاريخ المدينة 2/703، وابن الجوزي: مناقب ص 160، والخبر أخرجه ابن شبه عن ابن لهيعة من رواية وهب، فهو حسن، قال الحافظ: "صدوق خلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما". (التقريب ص 319) .
(2/610)

وفي (الموطّأ) : عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: "مُرَّ على عمر بن الخطاب1 رضي الله عنه بغنم من الصدقة فرأى فيها شاة حافلاً ذات ضرع عظيم، فقال عمر: "ما هذه الشاة؟ "، فقالوا: "شاة من الصدقة"، فقال عمر: "ما أعطي هذه أهلها وهم طائعون لا تفتنوا الناس، لا تأخذوا حزراتِ2 المسلمين، نكّبوا عن الطّعام"34.
وفيه عن زيد بن أسلم رضي الله عنه / [89 / أ] أنه قال: "شرب عمر بن الخطاب لبناً فأعجبه، فسأل الذي سقاه: من أين لك هذا اللبن؟ "، فأخبره أنه ورد على ماء سماه، فإذا نعم من نعم الصدقة وهم يسقون، فحلبوا لي من ألبانها، فجعلته في سقائي هذا، فأدخل عمر إصبعه فاستقاءه"5.
وفيه عن سليمان بن يسار6: أن أهل الشام قالوا لأبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه: "خذ من خيلنا ورقيقنا صدقة"، فأبى ثم كتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأبى، ثم كلّموه أيضاً فكتب إلى عمر بن الخطّاب رضي الله عنه فكتب إليه عمر: "إن أحبّوا فخذها منهم وارددها عليهم
__________
1 مطموس في الأصل، سوى (الخطأ) .
2 الحَزْرةُ: ما حزر بأيدي القوم من خيار أموالهم. (لسان العرب 4/186) .
3 نكّبوا عن الطعام: أي: أعرضوا عن الأكولة وذوات اللبن ولا تأخذوها في الزكاة ودعوها لأهلها. (لسان العرب 1/770، 771) .
4 مالك: الموطّأ ص 133، (رواية يحيى بن يحيى) ، بلاغاً، والبيهقي: السنن: 4/158، وإسناده صحيح.
5 مالك: الموطّأ ص 134، (رواية يحيى بن يحيى) بلاغاً، والبيهقي: السنن: 7/14، من طريق مالك، والمتقي الهندي: كنْز العمال 12/665، وعزاه لمالك والبيهقي.
6 الهلالي، مولى ميمونة، ثقة فاضل أحد الفقهاء السبعة. توفي بعد المئة. (التقريب ص255) .
(2/611)

وارزُق رقيقهم"1.
قال مالك - رحمه الله تعالى -: "ومعنى قوله عمر بن الخطّاب رضي الله عنه اردُدها عليهم؛ أي: ارددها على فُقَرائهم".
وفيه عن أنس2 عن رجل من أهل الكوفة: أن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه كتب إلى عامل جيش كان بعثه: إنه بلغني أن رجالاً منكم يطلبون العلج حتى إذا اشتدّ في الجبل وامتنع، قال الرجل: مَتْرَس، يقول: "لا تخف"3، فإذا أدركه قتله، وإني والذي نفسي بيده لا يبلغني أن أحداً فعل ذلك إلا ضربت عنقه".
قال مالك: "وليس الحديث بالمجمع عليه"4.
وفي حديث عفان بن مسلم الصّفّار5، عن عبد الله بن عمر أنه ارتجع أنقاضاً6 عجافاً فبعث بها إلى الحِمى، فقدمت تطير ويومها ترغي7 تكاد تئطط8 من السمن إذ سمعه عمر، فجاء إلى السوق، فنادى من أقصى السوق:
__________
1 مالك: الموطّأ ص 139، (رواية يحيى بن يحيى) ومن طريقه البيهقي: السنن: 4/118، عن مالك عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار، وهو منقطع، سليمان بن يسار لم يدرك عمر.
2 هكذا في الأصل، وفي الموطّأ رواية يحيى: (عن مالك عن رجل) ، وفي رواية أبي مصعب: حدّثنا مالك بن أنس عن رجل) .
3 في القاموس ص 688: "المَتْرس: فارسيه، أي: لا تخف معها".
4 مالك: الموطّا (رواية أبي مصعب) 1/358، وهو ضعيف لجهالة أحد رجال الإسناد، والخبر سبق بنحوه من رواية عبد الرحمن بن أبي عطية ص 484.
5 الباهلي، البصري، ثقة ثبت، توفي بعد تسع عشرة ومئتين بيسير من كبار العاشرة. (التقريب ص 393) .
6 النقض: المهزول من الإبل والخيل. (لسان العرب 7/234) .
7 إبل مراغي: لألبانها رغوة كثيرة. (القاموس ص 1663) .
8 الأطيط: صوت الرحل والإبل من ثقل أحمالهما. (لسان العرب 7/256) .
(2/612)

"يا عبد الله بن عمر لم ارتجعت أنقاضك هذه؟ "، قلت: يا أمير المؤمنين تبعي استردته، قال لي: "ألك حميت الحمى؟ "، إنما حميته لإبل الصدقة والضّعيف، أقسم بالله لتخبرني بأثمانها وإلا خلطتها1 في مال الله كلها". فعلمت أنه سوف يفعل، فأخبرته، بأثمانها، فقال: "اذهب إلى مال لله فخذ الذي لك"، قال: فأخذته، فتعلق يحمل عليها ابن السبيل، ويعطيها من يراه لذلك أهلاً حتى فرغ منها"2.
وفي موعظة الأوزاعي3: أن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه قال: "اللهم إن كنت تعلم أني أبالي إذا قعد الخصمان على من كان الحقّ من قريب أو بعيد فلا تمهلي طرفة عين"4.
__________
1 في الأصل: (خلطها) ، وهو تحريف.
2 لم أجده فيما تبقى من أحاديث عفان، والخبر مضى بنحوه ص 719.
3 عبد الرحمن بن عمرو.
4 أبو نعيم: الحلية 6/140، بلاغاً، والخبر بنحوه في ابن سعد: الطبقات 3/290، عن يحيى بن سعيد وإسناده صحيح إلى يحيى. وأورده والمتقي الهندي: كنْز العمال 15/808، وعزاه لابن سعد.
(2/613)

الباب السادس والخمسون: بكائه
...
الباب السادس والخمسون: في ذكر بكائه
روي عن علقمة بن وقاص1 قال: "كان عمر يقرأ في العشاء الآخرة سورة يوسف وأنا في مؤخر حتى إذا ذكر يوسف - عليه السلام -[89 / ب] سمعت نشيجه"23.
وعن عبد الله بن شداد بن الهاد4 قال: "سمت عمر بن الخطّاب رضي الله عنه يقرأ في صلاة الصبح سورة يوسف، فسمعت نشيجه وإني لفي آخر الصفوف، وهو يقرأ {إِنَمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى الله} [يوسف: 86] 5.
وعن عبد الله بن عيسى6 قال: "كان في وجه عمر بن الخطّاب رضي الله عنه خطان أسودان من البكاء"7.
__________
1 الليثي المدني، ثقة ثبت، من الثالثة، توفي في خلافة عبد الملك. (التقريب ص 397) .
2 النّشيج: أشد البكاء. (لسان العرب 2/377) .
3 عبد الرزاق: المصنف 2/111، وإسناده صحيح، وابن أبي شيبة: المصنف: 1/355، وأورده ابن الجوزي: مناقب ص 167.
4 الليثي المدني، ولد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ومات بالكوفة مقتولاً سنة إحدى وثمانين. (التقريب ص 307) .
5 عبد الرزاق: المصنف 2/144، وابن أبي شيبة: المصنف: 1/355، وسعيد بن منصور في السنن كما في فتح الباري 2/6، وأسانيدهم صحيحة. البخاري: الصحيح، معلقاً، كتاب الجماعة والإمامة 1/253، ابن الجوزي: مناقب ص 167، والمتقي الهندي: كنْز العمال 12/574.
6 ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى، الأنصاري، ثقة فيه تشيع، من السادسة. توفي سنة ثلاثين ومئة. (التقريب ص 317) .
7 أحمد: فضائل الصحابة 1/253، والزهد ص 131، وأبو نعيم: الحلية 1/51، ابن الجوزي: مناقب ص 168، وصفة الصّفوة 1/286، وهو ضعيف لانقطاعه بين عبد الله بن عيسى وعمر.
(2/614)

وفي رواية: "خطّان أسودان مثل الشراك من البكاء"1.
وعن الحسن2 قال: "كان عمر رضي الله عنه يمر بالآية من ورده بالليل فيبكي حتى يسقط، ويبقي بالبيت حتى يعاد للمرض"3.
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "رأيت عمر رضي الله عنه نشج حتى اختلفت أضلاعه"4.
وعن أبي عثمان النهدي: أن عمر رضي الله عنه كان يطوف بالبيت وهو يبكي ويقول: "اللهم إن كنت كتبتنا عندك في شِقوة وذنب فإنك تمحو ماتشاء وتثبت وعندك أم الكتاب، فاجعلها سعادة ومغفرة"5.
وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: "غلب على عمر رضي الله عنه البكاء، وهو يصلي بالناس صلاة الصبح، فسمعت حنينه من وراء ثلاثة صفوف"6.
__________
1 ابن الجوزي: مناقب ص 168.
2 البصري.
3 ابن أبي شيبة: المصنف 13/269، أحمد: الزهد ص 119، وإسنادهما حسن إلى الحسن لكنه منقطع بين الحسن وعمر، أبو نعيم: الحلية 1/51، أبو القاسم الأصفهاني: سير السلف ص 175، ابن الجوزي: مناقب ص 168.
4 يأتي تخريجه ص 744، 746.
5 ابن جرير: التفسير 8/167، وإسناده حسن. فيه أبو حكيمة الغزال قال أبو حاتم: "ملحة الصدق"، وابن بطة: الإبانة جـ 1 / ق 114 ب، جـ 2 / ق 197، 198، اللالكائي: أصول اعتقاد أهل السنة جـ 2/ 664، رقم: 1207، ابن الجوزي: مناقب ص 168، ابن كثير: التفسير 4/390، والمتقي الهندي: كنْز العمال 2/676، وعزاه للالكائي.
6 أبو نعيم: الحلية: 1/52، في إسناده عبد الرحمن بن إسحاق بن الحارث، وهو ضعيف. (التقريب رقم: 3799) ، ابن الجوزي: مناقب ص 168.
(2/615)

وعن عمر بن شبه بإسناده: أن عمر زار أبا الدّرداء - رضي الله عنهما - فقال له أبو1 الدرداء: "أتذكر حديثاً حدّثناه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ "، قال: "أي حديث؟ "، قال: "ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب"، قال: "نعم"، قال: "فماذا فعلنا بعده يا عمر؟ "، قال: فما زالا يتجاوبان بالبكاء، حتى أصبحا"2.
وذكر أبو القاسم الأصفهاني: أنه كان في وجه عمر خطان أسودان من البكاء3.
وعن الحسن4: "كان عمر رضي الله عنه يمرّ بالآية في وِرْدِهِ فتخنقه فيبكي حتى يسقط، ثم يلزم بيته حتى يعاد يحسبونه مريضاً"5.
وقال البخاري في صحيحه، قال عبد الله بن شداد: "سمعت نشيج عمر وأنا في آخر الصفوف يقرأ: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إِلَى اللهِ} [يوسف: 86] 6.
وفي فوائد أبي الفرج مسعود بن الحسن بن القاسم الثقفي7 عن الحسن8: "أن قوماً أتوا عمر بن الخطّاب رضي الله عنه فقالوا: "يا أمير المؤمنين، إن لنا إماماً شاباً إذا
__________
1 مطموس في الأصل، سوى (أتذكر) .
2 لم أجد في تاريخ المدينة لعمر بن شبه، والخبر في ابن الجوزي: مناقب ص 168.
3 أبو القاسم الأصفهاني: سير السلف ص 175، والخبر سبق تخريجه ص 729.
4 البصري.
5 سبق تخريجه ص 728.
6 البخاري: الصحيح، كتاب الجماعة والإمامة 1/252، تعليقاً، ووصله سعيد في السنن والبيهقي في شعب الإيمان كما في تغليق التعليق لابن حجر، وقال الحافظ بعد ذكر إسناديهما: "هذا إسناد صحيح". (تغليق التعليق 2/300) .
7 الأصبهاني، توفي سنة اثنتين وستين وخمس مئة. (سير أعلام النبلاء (20/469، لسان الميزان 6/24، 25) .
8 البصري.
(2/616)

صلى لا يقوم من المحراب حتى يتغنى بقصيدته"، قال عمر: "فامضوا بنا إليه، إنا إن دعوناه يظن بنا أنا تجسسنا، نريد قبح أمره، فقام عمر رضي الله عنه والقوم معه حتى إن قرعوا بابه1 عليه، قال: "يا أمير المؤمنين، ما الذي جاء بك؟ إن كنت جئتني في حاجتي فقد كان الواجب عليّ أن أتي، وإن تكن2 الحاجة لك، فأحقّ من عظمنا خليفة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمير المؤمنين، وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم"، قال: "بلغني عنك أمر ساءني"، قال: "فإني أعيذك بالله يا أمير المؤمنين ما الذي بلغك عني؟ "، قال: "بلغني3 عنك أنك تتغني4 بين يديك"، قال: "نعم، قال يا أمير المؤمنين، [إنما عظة] 5 أعظ بها نفسي، قال له عمر: "قل"، قال: "إني أخاف الشُّنعة6 أن أفعل7 بين يديك"، قال له: "قل فإن كان حسناً قلت معك، وإن كان قبيحاً نهيتك عنه". قال: فأطرق الفتى ثم أنشأ يقول8:
وفؤادي كلما نبهته ... عاد في اللّذات يبغي تعبي
لا أراه الدّهر إلا لاهياً ... في تماديه فقد برح بيَ
يا قرين السّوء ما هذا الصّبا ... فني العمر كذا باللّعب
__________
1 مطموس في الأصل، سوى (با) .
2 مطموس في الأصل، سوى (تكـ) .
3 مطموس في الأصل، سوى (بلغـ) .
4 مطموس في الأصل، سوى (تتغـ) .
5 غير واضح في الأصل، والمثبت من فوائد أبي الفرج.
6 الشّنعة: الفظاعة. لسان العرب 8/186، القاموس ص 949) .
7 مطموس في الأصل، سوى (أفعـ) .
8 مطموس في الأصل، سوى (يقـ) .
(2/617)

وشباب1 بان مني فمضى ... قبل أن أقضي منه أربي / [90/أ]
ما أرجي بعده إلا الغنى ... ضيق الشّيب عليَ مطلبي
ويح نفسي لا أراها أبداً ... في جميل لا ولا في أدب
نفسي لا كنت ولا كان الهوى ... راقبي مولاك وخافي وارهبي
فبكى عمر رضي الله عنه وقال: "هكذا ينبغي كلّ من يكره"، قال عمر رضي الله عنه: "وأنا أيضاً أقول:
نفسي لا كنت ولا كان الهوى ... راقبي مولاك وخافي وارهبي2
__________
1 في الأصل: (وشاب) ، وهو تحريف.
2 أبو الفرج: الفوائد ق 98 / ب، 99 / أ، عن الحسن مرسلاً وبنحوه في ابن عساكر: تاريخ دمشق جـ 13 / ق 113 عن الحسن.
(2/618)

الباب السابع والخمسون: خوفه من الله عز وجل
...
الباب السابع والخمسون: في ذكر خوفه من الله عزوجل
في صحيح البخاري عن المسور بن مخرمة، قال: "لما طعن عمر جعل يألم، فقال له ابن عباس وكأنه يجزّعه: "يا أمير المؤمنين، ولا كان ذلك1 لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسنت صحبته، ثم فارقت2 وهو عنك راضٍ، ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته، ثم فارقت وهو عنك راضٍ، ثم صحبت صحبتهم فأحسنت صَحَبتهُم3، ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهم عنك راضون"، فقال: "أما ما ذكرت من صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضاه، فإن ذلك منّ من الله منّ به عليّ، وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه فإنما ذلك منّ من الله منّ به عليّ، وأما ما ترى من جزعي فهو من أجلك ومن أجل أصحابك فوالله لو أن لي طلاع الأرض ذهبا لافتديت به من عذاب الله عزوجل قبل أن أراه"4.
وفيه عن أبي بردة بن أبي موسى، قال: "قال لي عبد الله بن عمر: "هل تدري ما قال أبي لأبيك"؟ قال قلت: لا، قال: "فإن أبي قال لأبيك:
__________
1 أي: لا يكون ما تخافه. وفي رواية الأكثر: (ولئن كان ذلك) ، وفي رواية الكشميهني: (ولا كل ذلك) ، أي: لا تبالغ في الجزع فيما أنت فيه. (انظر: فتح الباري 7/52) .
2 كذا بحذف المفعول، والكشميهني: (ثم فارقته) . (انظر: فتح الباري 7/52) .
3 وفي رواية: (ثم صحبتهم فأحسنت صحبتهم) . يعني: المسلمين. قال ابن حجر: "ثم صحبت صحبتهم". بفتح الصاد والحاء الموحدة، أي: أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وفيه نظر، للإتيان بصيغة الجمع موضع التثنية، قال عياض: "يحتمل أن يكون) (صحبت) زائدة، وإنما هو ثم صحبته أي: المسلمين"، قال: والرواية الأولى هي الوجه". (انظر: فتح الباري 7/52) .
4 البخاري: الصحيح، كتاب فضائل الصحابة 3/1350، رقم: 3489.
(2/619)

يا أبا موسى هل يسرك أن إسلامنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهجرتنا معه وجهادنا معه، وعملنا كله معه بَرَدَ لنا1 وأن كل عمل عملناه بعده نجونا منه كفافا رأساً برأسٍ"؟ فقال أبي: "لا والله قد جاهدنا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلينا، وصمنا وعملنا خيراً كثيراً، وأسلم على أيدينا بشر كثير، وإنا لنرجوا ذلك "فقال أبي" لكني أنا والذي نفس عمر بيده لوددت أن ذلك برد لنا، وأن كل شيء عملناه بعده نجونا منه كفافاً رأساً برأسٍ" فقلت: "إن أباك والله خير من أبي"2.
وذكر ابن الجوزي عن أبي بردة عن ابن عمر قال: "لقي أبي أباك فقال: "أيسرك أنك خرجت من عملك خيره وشره، وشره بخيره لا لك ولا عليك"؟ قال قلت: "والله يا أمير المؤمنين لقد قدمت البصرة وإن الجفا فيهم لفاش، فعلمتهم القرآن والسنة، وغزوت بهم في سبيل الله، وإني لأرجوا بذلك فضيلة" قال: "ولكن وددت أني قد خرجت من عملي خيره وشره، وشره بخيره، كفافاً لي ولا عليّ، وخلص لي عملي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "إن أباك خير من أبي"3.
وعن مسروق4، قال: "دخل عبد الرحمن5 على أم سلمة - رضي الله عنها - فقالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن من أصحابي من لا يراني بعد أن أموت أبداً" قال فخرج عبد الرحمن من عندها مذعوراً حتى دخل على عمر
__________
1 بَرَدَ: ثبت. (لسان العرب 3/86) .
2 البخاري: الصحيح، كتاب فضائل الصحابة 3/1425، رقم: 3702.
3 ابن الجوزي: مناقب ص 160، والحاكم في التاريخ كما ذكر ابن حجر في فتح الباري7/254، 255، والمتقي الهندي: كنْز العمال12/620، وعزاه لابن عساكر.
4 ابن الأجدع الهمداني.
5 ابن عوف.
(2/620)

فقال له: "اسمع ما تقول أمك" فقام عمر حتى أتاها فدخل عليها فسألها، ثم قال: "أنشدك الله أمنهم أنا"؟ فقالت: "لا، ولن أبرئ بعدك أحدا"1.
وعن داود بن علي2 قال: قال عمر رضي الله عنه "لو ماتت شاة على شط3 الفرات ضائعة، لظننت أن الله عز وجل سائلي عنها يومالقيامة"4.
وعن عبد الله بن عمر قال: كان عمر بن الخطّاب رضي الله عنه يقول: لو مات جدي بطف5 الفرات لخشيت أن يحاسب الله به عمر6.
وعن علي رضي الله عنه قال: "رأيت عمر بن الخطّاب رضي الله عنه على قتب يعدو، فقلت: "يا أمير المؤمنين أين تذهب؟ قال: "بعير نَدَّ7 من إبل الصدقة أطلبه" فقلت: "لقد أذللت الخلفاء بعدك، فقال: "يا أبا الحسن لا تلمني [90 / ب] فوالذي بعث محمداً بالنبوة لو أن عناقاً8 أخذت بشاطيء الفرات لأخذ بها عمر يوم القيامة"9.
__________
1 أبو يعقوب بن شيبة: مسند أمير المؤمنين عمر ص 91، البزار كما في كشف الأستار3/172، ابن الجوزي: مناقب ص160، والهيثمي: مجمع الزوائد9/72، وقال: "رواه البزار ورجاله رجال الصحيح". وابن عساكر: تاريخ دمشق جـ13 /ق111.
2 ابن عبد الله بن عباس، أمير مكّة وغيرها، مقبول، توفي سنة ثلاث وثلاثين ومئة. (التقريب ص 199) .
3 الشّطُّ: شاطئ النهر. (القاموس ص 870) .
4 أبو نعيم: الحلية 1/53.
5 الطّفّ: الشاطئ. (القاموس ص 1076) .
6 ابن الجوزي: مناقب ص 161، ومسدد عن الحسن بنحوه كما في المطالب العالية 4/41، وابن سعد عن عبد الرحمن بن حاطب: الطبقات 3/305، وابن أبي شيبة عن حميد بن عبد الرحمن: المنصف 13/277، والطبري: التاريخ 4/202، وهو حسن لغيره.
7 نَدَّ: شَرَدَ ونَفَرَ. (القاموس ص 411) .
8 العناق: الأنثى من المعزّ ما لم يتمّ له سنة. (لسان العرب 10/275) .
9 ابن الجوزي: مناقب ص 161.
(2/621)

وعن طارق1 قال قلنا لابن عباس: "أي رجل كان عمر؟ قال: كان كالطائر الحذر الذي كأن له بكل طريق شركاً"2.
وعن أبي سلامة3 قال: "انتهيت إلى عمر وهو يضرب رجالاً ونساء في الحرم على حوض يتوضئون منه، حتى فرق بينهم، ثم قال: "يا فلان"، قلت: لبيك، قال "لا لبيك ولا سعديك، ألم آمرك أن تتخذ حياضا للرجال وحياضا للنساء"، قال: ثم اندفع فلقيه علي رضي الله عنه فقال: "أخاف أن أكون هلكت" قال: "وما أهلكك"؟ قال: "ضربت رجالاً ونساء في حرم الله عز وجل قال: يا أمير المؤمنين أنت راع من الرعاة، فإن كنت على نصح وإصلاح فلن يعاقبك الله، وإن كنت ضربتهم على غش فأنت الظالم المجرم"4.
وقال الحسن البصري رضي الله عنه "بينما عمر رضي الله عنه يجول في سكك المدينة إذ عرضت له هذه الآية: {والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا} [الأحزاب: 58] ، فحدث نفسه، فقال: "لعلّي أوذي المؤمنين والمؤمنات"، فانطلق إلى أبي بن كعب فدخل عليه بيته وهو جالس على وسادة، فانتزعها أبي من تحته وقال: "دونكها يا أمير المؤمنين"، قال: فنبذها برجله وجلس، فقرأ عليه هذه الآية، وقال: "أخشى أن أكون أنا صاحب الآية، أوذي المؤمنين"، قال: "لا تستطيع إلا أن تعاهد رعيتك، فتأمر وتنهى"، فقال عمر
__________
1 طارق بن شهاب.
2 ابن الجوزي: مناقب ص 161.
3 في الأصل: (أسامة) ، وهو تحريف. وهو السلمي، ويقال: الحبيبي. (الإصابة 7/90) .
4 عبد الرزاق: المصنف 1/75، 76، وإسناده حسن، ابن الجوزي: مناقب ص 161، 162، والمتقي الهندي: كنْز العمال 9/754، وعزاه لعبد الرزاق.
(2/622)

رضي الله عنه: "قد قلت والله أعلم"1.
وعن الحسن2، قال: "كان عمر رضي الله عنه ربما تُوقِد النار ثم يدلي يده منها، ثم يقول: "ابن الخطاب، هل لك على هذا صبر؟ "3.
وعن الضّحاك4، قال: قال عمر رضي الله عنه: "ليتني كنت كبش أهلي، سمنوني ما بدا لهم5، حتى إذا كنت آمن ما يكون6 زارهم بعض من يحبون فجعلوا بعضي شواء وبعضي قديداً، ثم أكلوني فأخرجوني عذرة ولم أك بشراً"7.
وعن عبد الله بن عامر بن ربيعة، قال: "رأيت عمر رضي الله عنه أخذ تبنة من الأرض، فقال: ليتني كنت هذه التبنة8، ليتني لم أُخلق ليت أمي لم تلدني، ليتني لم أك شيئاً ليتني نسياً منسياً"9.
__________
1 ابن الجوزي: مناقب ص 162.
2 البصري.
3 ابن الجوزي: مناقب ص 162.
4 الضّحاك بن مزاحم الهلالي، صدوق كثير الإرسال، توفي بعد المائة. (التقريب ص280) .
5 مطموس في الأصل، سوى (ما بدا) .
6 في الزهد، والحلية: (أكون) .
7 هناد: الزهد 1/258، وأبو نعيم: الحلية 1/52، وهو ضعيف لانقطاعه، الضّحاك لم يدرك عمر بن الخطاب، وأورده ابن الجوزي: مناقب ص 162، والمتقي الهندي: كنْز العمال 12/619، وعزاه لهناد، والحلية وشعب الإيمان.
8 مطموس في الأصل، سوى (التبنـ) .
9 ابن المبارك: الزهد ص 79، وابن أبي شيبة: المصنف 13/276، ابن سعد: الطبقات 3/360، وفي إسناده عاصم بن عبيد الله وهو ضعيف. (التقريب رقم: 3065) ، وأورده ابن الجوزي: مناقب ص 162، والمتقي الهندي: كنْز العمال 12/619.
(2/623)

وعن قتادة1، قال: "لما ورد عمر الشام صُنع له طعام لم ير قبله مثله، فلما أتي به، قال: "هذا لنا فما لفقراء المسملين الذي باتوا لا يشبعون من خبز الشعير؟ "، فقال خالد بن الوليد: "لهم الجنة"، فاغرورقت عيناه، فقال: "إن كان حظنا في هذا، ويذهب أولئك بالجنة2 / [91 / أ] لقد بانوا بَوْباً بعيداً"3.
وعن أبي جحيفة4، قال: "جاء قوم إلى عمر رضي الله عنه يشكون الجهد فأرسل عيينة بأربع، ثم رفع يديه فقال: "اللهم لا تجعل هلكتهم على يدي، وأمر لهم بطعام"5.
وعن القاسم بن محمّد بن أبي بكر قال: "بعث سعد بن أبي وقاص أيام القادسية إلى عمر رضي الله عنه بقباء كسرى، وسيفه ومنطقته، وسراويله، وقميصه، وتاجه، وخفيه، قال: فنظر عمر رضي الله عنه في وجوه القوم فكان أجسمهم وأمدّهم قامة سراقة بن جعشم المدلجي، فقال: "يا سراقة قم فالبس"، [قال] 6: "فطمعت فيه فقمت ولبست"، فقال: "أدبر" فأدبرت"، ثم قال: "أقبل"، فأقبلت، ثم قال: "بخٍ بخٍ، أعرابي من بني مدلج عليه قباء كسرى، وسراويله، وسيفه، ومنطقته، وتاجه، وخفاه، ربّ يوم يا سراق بن مالك لو كان عليك فيه من متاع كسرى كان شرفاً لك ولقومك، انزع فنزعت"،
__________
1 مطموس في الأصل، سوى (قتاد) ، وهو ابن دعامة.
2 مطموس في الأصل، سوى (الجن) .
3 المتقي الهندي: كنْز العمال 12/613، وعزاه لعبد بن حميد في التفسير، والطبري في تهذيب الآثار، وهو ضعيف لانقطاعه، قتادة لم يدرك عمر.
4 وهب بن عبد الله السُّوائي.
5 ابن الجوزي: مناقب ص 163.
6 سقط من الأصل.
(2/624)

فقال: "اللهم إنّك منعت هذا رسولك ونبيك وكان أحبّ إليك مني وأكرم عليك مني، ومنعته أبا بكر وكان أحبّ إليك مني، وأكرم عليك مني، ثم أعطيتنيه فأعوذ بك أن تكون أعطيتنيه لتمكر بيَ ثم بكى - رحمه الله - حتى من عنده". ثم قال لعبد الرحمن: "أقسمت عليك لما بعته ثم قسمته قبل أن تمسي"1.
وعن أبي بكر بن عياش2، قال: "جيء بتاج كسرى إلى عمر رضي الله عنه فقال: إن قوماً أدوا هذا لأمناء، فقال عليّ رضي الله عنه إن القوم رأوك عففت فعفوا، ولو رتعت لرتعوا"3.
وعن أبي سنان الدّؤلي4: أنه دخل على عمر رضي الله عنه وعنده نفرٌ من المهاجرين، فأرسل عمر رضي الله عنه إلى سَفَطٍ5 أُتي به من قلعة من العراق، فكان فيه خاتم، فأخذه بعض بنيه فأدخله في فيه فانتزعه عمر منه ثم بكى فقال من عنده: "لم تبكي، وقد فتح الله لك وأظهرك على عدوّك وأقرَّ عينك؟ "، فقال: عمر "إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تفتح الدنيا على أحد إلا ألقى [الله] 6 بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة"، وأنا أُشفق من ذلك"7.
__________
1 ابن كثير: التاريخ 4/69، وفيه الهيثم بن عدي، وهو متروك، وانظر: ص 413.
2 الأسدي، مشهور بكنيته، والأصح أنها اسمه، ثقة عابد إلا أنه لما كبر ساء حفظه وكتابه صحيح، توفي سنة أربع وتسعين ومئة. (التقريب ص 624) .
3 الطبري: التاريخ 4/20، 23، ابن كثير: التاريخ 4/69، 70، من عدة طرق ومداره على سيف بن عمر.
4 يزيد بن أمية الدّؤلي، ثقة من الثانية، ومنهم مَن عَدَّه من الصحابة. (التقريب ص 599) .
5 في الأصل: (سقاط) ، وهو تحريف.
6 سقط من الأصل.
7 أحمد: المسند 1/194، وصحّحه أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند رقم: 93، عبد بن حميد في المسند 1/98، وأورده ابن الجوزي: مناقب ص 164، والمتقي الهندي: كنْز العمال 3/716، وعزاه لأحمد.
(2/625)

وعن [ابن] 1 أبي ربيعة2 قال: "لما نظر عمر رضي الله عنه إلى مال جلولاء ونهاوند في المسجد حين طلعت عليه الشّمس، فحميت الآنية، وبرقت الحلية، بكى، فقيل له: "يا أمير المؤمنين ما هذا بيوم حزن ولا بكاء"، فقال: "قد عرفت، ولكنه لم يفش المال بين قوم قط إلا ألقى الله بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة"3.
وعن إبراهيم بن سعد4 أن5 عمر بن الخطّاب رضي الله عنه لما أتي بكنوز كسرى قال عبد الله بن الأرقم: "اجعلها في بيت المال حتى نقسمها"، فقال عمر: "والله لا آويها إلى سقف حتى / [91 / ب] أمضيها"، فوضعها في وسط المسجد، وباتوا عليها يحرسونها فلما أصبح كشف عنها فرأى الحمراء والبيضاء، فبكى عمر، فقال له عبد الرحمن: "ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ والله إن هذا اليوم يوم شكر ويوم فرح وسرور"، فقال عمر: "إنه لم يعطه قوم إلا ألقيت بينهم العداوة والبغضاء"6.
وعن الحسن7، قال: لما أتي عمر بخزائن كسرى، قال: "والله لا يظلها سقف بيت دون السماء"، فطرحت بين صُفَّتي المسجد، صُفّة النساء وصُفَّة الرجال،
__________
1 سقط من الأصل.
2 الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، أمير الكوفة، صدوق، توفي قبيل السبعين. (التقريب ص 146) .
3 ابن الجوزي: مناقب ص 164، وهو ضعيف لانقطاعه، الحارث لم يدرك عمر.
4 في الزهد وتاريخ دمشق: (عن الزهري عن إبراهيم بن عبد الرحمن) .
5 الزهري.
6 ابن المبارك: الزهد ص 265، وإسناده صحيح. وابن عساكر: تاريخ دمشق جـ 13 / ق 126، وابن الجوزي: مناقب ص 164.
7 البصري.
(2/626)

فطرحت عليه الأنطاع، وباتت عليها الخزان، فلما أصبح غدا عليها فلما نظر إليها بكى، فقال له عبد الرحمن بن عوف: "ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ أليس هذا يوم شكر؟ "، [قال] 1: "لا والله ما فتح هذا على قوم قط إلا جعل بأسهم بينهم"2.
وعن سعيد بن المسيب: "أنّ سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أصاب يوم جلولاء ثلاثين ألف ألف مثقال واف، وأخذ منها ستة آلاف ألف، فبعث بها مع زياد الذي يدعى ابن أبي سفيان، وهو يومئذ يدعى بابن عبيد، فلما قدم بذلك عليه ونظر إليه، قال: "والله لا يكنه سقف بيت حتى أقسمه فبات عبد الله بن الأرقم، وعبد الرحمن بن عوف يحرسانه في سقائف المسجد، فلما أصبح عمر غدا عليه فكشف عن جلابيبه - وهي الأنطاع3 فنظر إليه ثم بكى، فقال له عبد الرحمن: "ما يبكيك، فوالله إن هذا لمن مواطن الشكر؟ ". قال: "والله ما ذاك أبكاني، ولكن والله ما أعطى الله هذا قوماً إلا ألقى بأسهم بينهم". ثم جلس عمر فقسمها بين المهاجرين4 والأنصار، فبدأ بأهل بدر، ثم بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم فما فرغ، وأعطى عبد الله بن عمر دون نظرائه، قال: "يا أمير المؤمنين، تضرب لي دون نظرائي؟ "، قال: "يا عبد الله، إن لك أسوة في عمر، لا يسألني الله يوم القيامة أني ملت إلى أحد"5.
__________
1 سقط من الأصل.
2 ابن الجوزي: مناقب ص 164، 165، بدون إسناد.
3 انظر: ابن منظور: لسان العرب 1/271.
4 مطموس في الأصل، سوى (المهاجر) .
5 ابن الجوزي: مناقب ص 165.
(2/627)

وعن ابن عباس1 - رضي الله عنهما - أنه دخل على عمر وبين يديه مال، فنشج حتى اختلفت أضلاعه، ثم قال: "وددت إني أنجو كفافاً لا لي ولا عليّ"2.
وعن عبد الرحمن بن سابط، قال: "أرسل عمر رضي الله عنه إلى سعيد بن عامر، فقال: "إنا مستعملوك على هؤلاء تجاهد بهم"، فقال: "لا تفتني"، فقال عمر: "والله لا أدعكم، جعلتموها في عنقي ثم تخليتم عني"3.
وعن أبي عبد الله4، قال: قال عمر رضي الله عنه: "من خاف الله لم يشف غيظه، ومن اتقى الله لم يصنع ما يريد، [و] 5 لولا يوم القيامة لكان غير ما ترون"، كذا ذكره من اختصر سيرة ابن الجوزي عن أبي عبد الله ولا أعرف من هو6.
وعن عبد الرحمن بن عوف، قال: "أرسل إليّ - يعني عمر بن الخطّاب رضي الله عنه - فأتيته فدخلت عليه فإذا أنا بنحيب7، فإذا أمير / [92/أ] المؤمنين هكذا بوصف8 ابن عوف: أنه نائم على وجهه، فقلت: "إنا لله، اعترى أمير المؤمنين؟، قال:
__________
1 عبد الله بن عباس.
2 يأتي تخريجه ص 630.
3 وأبو نعيم: الحلية 1/246، والمتقي الهندي: كنْز العمال 5/691، وهو ضعيف لانقطاعه، عبد الرحمن بن سابط لم يدرك عمر، عبد الرزاق: المصنف 11/348، عن جعفر بن برقان مرسلاً.
4 في تاريخ دمشق: (عن إبراهيم بن أدهم عن عبد الله، قال: قال عمر) . وأبو عبد الله لم أجد له ترجمة.
5 سقط من الأصل.
6 ابن الجوزي: مناقب ص 166، وابن عساكر: تاريخ دمشق جـ 13 / ق 111، وهو ضعيف، لانقطاعه، ولجهالة بعض رجال الإسناد والمتقي الهندي: كنْز العمال 16/264.
7 النَّحْبُ: أشدُّ البُكاء. (القاموس ص 174) .
8 في مناقب عمر: (يصف) .
(2/628)

فوضعت يدي عليه فقلت: يا أمير المؤمنين ليس عليك بأس"، فأخذ بيدي فأدخلني بيتاً فإذا جفنتان بعضها فوق بعض، فقال: "ههنا هَانَ آلُ الخطاب على الله، أما والله لو كرمنا عليه لكان هذا إلى صاحبيَّ بين يدي، فأقاما لي فيه أمر أقتدي به"، فقلت: "اجلس نتفكر، قال: فكتبنا المحقين1 في سبيل الله تعالى، أربعة" - يعني آلاف - وأصاب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أربعة أربعة، وأصاب من دون ذلك ألفين ألفين، حتى وزَّعنا ذلك المال"2.
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "كان عمر رضي الله عنه إذا صلى صلاة جلس للناس، فمن كانت له حاجة كلّمه، وإن لم يكن لأحد حاجة قام فدخل فصلى صلوات لا يجلس3 فيها للناس، فحضرت الباب، فقلت: يا يرفأ أبأمير4 المؤمنين شكاة؟ قال: "ما بأمير المؤمنين شكاة"، فجلست، فجاء عثمان فجلس، فخرج يرفأ، فقال: "قم يا ابن عفان، قم يا ابن عباس"، فدخلنا على عمر فإذا بين يديه صبر من مال على كل صبرة منها كتِف5، فقال: "إني نظرت في أهل المدينة فوجدتكما في أكثر أهلها عشيرة، فخذا هذا المال فاقسماه، فما كان من فضل فرُدّا، ثم قال: أما كان هذا عند الله ومحمّد وأصحابه يأكلون القِدّ6؟ "، فقلت: بلى والله لقد كان هذا عند الله ومحمّد وأصحابه يأكلون القدّ، وقلت: بلى والله لقد كان عند الله،
__________
1 في الأموال ومناقب عمر: (المخففين) .
2 أبو عبيد: الأموال ص 263، وإسناده صحيح. ابن الجوزي: مناقب ص 166.
3 في الأصل: (لا جلس) ، وهو تحريف.
4 في الأصل: (أيا أمير) .
5 الكتف: عظم عريض يكون في أصل كتف الحيوان من الناس والدواب. (لسان العرب 9/294) .
6 القِدّ: السير الذي يُقَدُّ من الجلد. (لسان العرب 3/344) .
(2/629)

ومحمّد وأبو نعيم: الحلية ولو عليه لصنع غير الذي تصنع، فغضب، فقال: "إذاً صنع ماذا؟ "، قال: قلت: إذاً أكل وأطمعنا، فنشج عمر حتى اختلفت أضلاعه، ثم قال: "وَدِدْتُ لو أني خرجت منها كفافاً لا عليّ ولا لي"1.
وفي الصحيح عن ابن أبي مليكة، قال: "كاد الخيِّران يهلكان، أبو بكر وعمر، رفعا أصواتهما عند النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه ركب بني تميم2، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع، وأشار الآخر برجل آخر، قال نافع3: "لا أحفظ اسمه"، فقال أبو بكر لعمر: "والله ما أردت إلا خلافي"، قال: "ما أردت خلافك"، فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل الله: {يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْواَتكُم فَوْقَ صَوتِ النَّبيِّ ولاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَولِ كَجَهْرِ بَعْضِكُم لِبَعضٍ} [الحجرات: 2] الآية. قال ابن الزبير4: "فما كان عمر يُسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه، ولم يذكر ذلك عن أبيه، يعني أبا بكر الصّديق
__________
1 ابن سعد: الطبقات 3/288، وإسناده صحيح. الفسوي: المعرفة والتاريخ 1/521، 522. أبو يعقوب بن الصلت: مسند عمر ص 98، 99، والحميدي كما في المطالب العالية 2/178، والبزار كما في كشف الأستار 4/255، 256، البيهقي: والسنن: 6/358، 359، وابن الجوزي: مناقب ص 166.
2 وهو بنو تميم بن مُرّ بن أُدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر، وفد أشرافهم على النبي صلى الله عليه وسلم في السنة التاسعة وأثنى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "هم أشدّ أُمتي على الدجال"، قال: "وجاءت صدقاتهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذه صدقات قومنا"، وكانت سبيّة منهم عند عائشة، فقال: "أعتقيها فإنها من ولد إسماعيل". (البخاري: الصحيح رقم: 4108، سيرة ابن هشام 4/277، جمهرة أنساب العرب ص 206) .
3 نافع بن عمر الجمحي، ثقة ثبت، توفي سنة تسع وستين ومئة. (التقريب ص 558) .
4 عبد الله بن الزبير.
(2/630)

- رضي الله عنهما -"1.
وفي رواية، فقال أبو بكر: "أَمِّر القعقاع بن معبد2"، وقال عمر: "بل أمِّر الأقرع بن حابس"3.
قال أسامة بن مرشد: "وكان عمر رضي الله عنه لشدة خوفه من الله تعالى، يسأل الناس عن نفسه"4.
عن بُسر بن عبيد الله5 أن عمر رضي الله عنه قال لحذيفة6: "نشدتك الله، وبحق الولاية عليك، كيف / [92 / ب] تراني؟ "، قال: "ما علمت إلا خيراً"، فنشده بالله، فقال: "إن أخذت فيء الله فقسمته في ذات الله فأنت7 أنت، وإلا فلا". فقال: "والله إن الله ليعلم وما آكل إلا حصتي، وما آكل إلا وجبتي، ولا ألبس إلا حلتي"8.
وقال مالك صاحب الدار: "غدوت على عمر رضي الله عنه فقال: "كيف
__________
1 البخاري: الصحيح، كتاب التفسير 4/1833، رقم: 4564.
2 الدارمي.
3 مختارات من الخطب الملكيّة: التفسير 4/1834، رقم: 4566.
4 أسامة بن مرشد: مناقب عمر لابن الجوزي ص 167.
5 في الأصل: (بشر بن عبد الله) ، وفي مناقب عمر: (بشر بن عبد الله) ، وفي تاريخ المدينة: (عن زيد بن واقد عن بشر بن عبيد الله) ، وفي الأموال: (زيد بن واقد بن بسر ابن عبيد الله يرويه عن عائذ الله أبي إدريس". ولعلّه الصواب. قال ابن حجر: "بُسر بن عبيد الحضرمي الشّاميّ، ثقة حافظ من الرابعة". (التقريب ص122) .
6 ابن اليمان.
7 مطموس في الأصل، سوى (فأنـ) .
8 ابن زنجويه: الأموال: 2/602، وإسناده صحيح، وابن شبه: تاريخ المدينة 2/777، الفسوي: المعرفة والتاريخ 2/769، ابن الجوزي: مناقب ص 167.
(2/631)

أصبح الناس؟ "، قلت: بخير، قال: "سمعتَ شيئاً؟ "، قلت: "ما سمعتُ إلا خيراً"1.
وقال عطاء الخراساني2: "دخل فتى شاب على عمر رضي الله عنه فقال له عمر: "ما رأيتَ3 مني؟ "، قال: "رأيتك ألقيت إزارك وفيه4 ملبس"5.
وفي مسند الإمام أحمد عن دُجَين أبو الغصن6 البصري، قال: "قدمت المدينة، فلقيت أسلم مولى عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، فقلت: حدّثني عن عمر، قال: "لا أستطيع أخاف أن أزيد أو أنقص كنا إذا قلنا لعمر: حدّثنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أخاف أن أزيد حرفاً أو أنقص، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من كذب عليّ فهو في النار" 7.
وفي أحاديث عفان بن مسلم الصفار عن كعب8 قال: "كنت عند عمر بن الخطّاب رضي الله عنه فقال: "يا كعب خوفنا"، قلت: يا أمير المؤمنين أو ليس فيكم كتاب الله وحكمة رسوله؟ "، قال: "بلى، ثم قال: "خوفنا يا كعب"، فقلت:
__________
1 ابن شبه: تاريخ المدينة 2/778، وابن الجوزي: مناقب ص 167.
2 عطاء بن أبي مسلم الخراساني، صدوق يهم كثيراً ويرسل ويدلس، توفي سنة خمس وثلاثين ومئة. (التقريب ص 392) .
3 في الأصل: (رأيت) ، وهو تحريف.
4 في الأصل: (أوفيه) ، وهو تحريف.
5 ابن شبه: تاريخ المدينة2/778، وهو ضعيف لانقطاعه، ابن الجوزي: مناقب ص167.
6 دُجين بن ثابت اليربوعي البصري، ضعيف. (ميزان الاعتدال 2/23) .
7 أحمد: المسند 1/296، وإسناده ضعيف، وضعّفه أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند رقم: 326، وقال: "إسناده ضعيف، دجين البصري ضعيف"، الذهبي: ميزان الاعتدال 2/24، وعزاه لابن عدي الهيثمي: مجمع الزوائد 1/142، وقال: "رواه أحمد وأبو يعلى وفيه دجين بن ثابت أبو الغصن وهو ضعيف ليس بشيء".
8 كعب بن ماتع الحميري.
(2/632)

"يا أمير المؤمنين، اعمل عمل رجل لو وافيته يوم القيامة بعمل سبعين نبياً لا زدرأت عملك مما ترى، فأطرق عمر ملياً، ثم قال: "زدنا يا كعب"، قال: فقلت: يا أمير المؤمنين لو فتح من جهنم قدر منخر ثور بالمشرق، ورجل بالمغرب لغلا دماغه حتى يسيل من حرّها، قال: فأطرق عمر ملياً ثم قال: "زدنا يا كعب"، قلت: يا أمير المؤمنين إن جهنم لتزفِر1 زفرةً لا يبقى ملك مقرب، ولا نبي مرسل إلا خرّ جاثياً2 على ركبتيه، حتى إن إبراهيم خليله ليخرّ جاثياً على ركبتيه، ويقول: ربِّ نفسي نفسي، لا أسألك اليوم إلا نفسي، فأطرق عمر ملياً، قلت: يا أمير المؤمنين، أوليس تجدون هذا في كتاب الله؟ قال: "كيف؟ "، قلت: قوله تعالى في هذه الآية: {وَيَومَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عن نَفْسِهَا وتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُم لا يُظْلَمُون} [النحل: 111] 3.
وعن وهب بن كيسان4 قال: "سئل عمر5 هل على النساء آذان؟ قال: [أنا] 6 أنهى عن ذكر الله؟ "7.
وفي "مسند" الشافعي8 عن مولى عثمان بن عفان، قال: (بينا أنا مع
__________
1 لتزفر زفرة: سمع لتوقّدها صوت. (القاموس ص 513) .
2 جثا: جلس على ركبتيه. (لسان العرب 14/131) .
3 ابن المبارك: الزهد ص 75، 76، وإسناده صحيح إلى شريح بن عبيد، لكنه مرسل. أحمد: الزهد ص 121، 122، وفي إسناده عليّ بن زيد بن جدعان وهو ضعيف.
4 القرشي مولاهم، ثقة، من كبار الرابعة، توفي سنة سبع وعشرين ومئة. (التقريب ص 585) .
5 في المصنف: (سئل ابن عمر) .
6 سقط من الأصل.
7 وابن أبي شيبة: المصنف 1/223، وإسناده حسن، فيه محمّد بن عجلان وهو صدوق. وأبو خالد الأحمر وهو صدوق يخطئ. (التقريب رقم: 2457، 6136) .
8 محمّد بن إدريس المطلبي الشافعي، المكي، نزيل مصر، رأس الطبقة التاسعة، وهو المجدّد لأمر الدين على رأس المائتين. توفي سنة أربع ومئتين. وله أربع وخمسون سنة. (التقريب ص 467) .
(2/633)

عثمان بن عفان في ماله بالعالية، في يوم صائف إذ رأى رجلاً يسوق بكرين، على الأرض مثل الفراش من الحرّ، فقال: ما على هذا لو أقام المدينة حتى يبرد الحرّ ثم يروح؟ "، ثم دنا الرجل، فقال: انظر فنظرت فإذا عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، فقلت: هذا أمير المؤمنين، فقام عثمان فأخرج رأسه من الباب فإذا نفح السموم، فأعاد رأسه حتى حاذاه، فقال: "ما أخرجك هذه الساعة؟ "، فقال: "بكران من إبل الصدقة فأردت أن ألحقها بالحِمى، وخشيت أن يضيعا فيسألني الله عنهما"، فقال عثمان: "يا أمير المؤمنين، هلم إلى الماء ونكفيك"، فقال: "عد إلى ظلك ومائك"، ومضى، فقال عثمان: "من أراد أن ينظر إلى القويّ الأمين فلينظر إلى هذا، فعاد إلينا فألقى نفسه"1.
وكان رضي الله عنه يقول: "لو مات جدي بطف الفرات لخشيت أن يحاسب الله به"2. / [93 / أ] .
__________
1 الشافعي: المسند ص 390، وهو ضعيف لجهالة أحد رجال الإسناد.
2 سبق تخريجه ص 736، 737.
(2/634)

الباب الثامن والخمسون: تعبده واجتهاده
...
الباب الثامن والخمسون: في ذكر تعبّده واجتهاده
ذكر ابن الجوزي عن أسلم، قال: "كان عمر بن الخطّاب رضي الله عنه يصوم الدّهر"1.
وعن ابن عباس قال: "ما مات عمر رضي الله عنه حتى اسودّ من الصّيام"2.
وعن ابن عمر: "أن عمر رضي الله عنه سرد الصّيام قبل أن يموت بسنتين"3.
وعنه قال: "كان عمر رضي الله عنه يسرد الصّيام إلا يوم الأضحى ويوم الفطر وفي السفر"4.
وعن سعيد بن المسيب، قال: "كان عمر يُحِبُّ الصّلاة في كبد الليل - يعني وسط الليل -"56.
وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: "ولي عمر فاستعمل عبد الرحمن7 - يعني: على الحاجّ - ثم كان هو يحجّ سنينه كلّها حتى مات"8.
__________
1 ابن الجوزي: مناقب ص 169، بدون إسناد.
2 ابن الجوزي: مناقب ص 169، بدون إسناد.
3 وابن أبي شيبة: المصنف 3/7، وإسناده صحيح، ابن الجوزي: مناقب ص 169.
4 البيهقي: السنن 4/301، عن نافع مرسلاً. وفي إسناده عبد الله بن عمر العمري وهو ضعيف. ابن الجوزي: مناقب ص 169، والمتقي الهندي: كنْز العمال8/619، وعزاه لابن جرير وجعفر الفريابي في السنن والبيهقي.
5 انظر: لسان العرب 3/376.
6 ابن سعد: الطبقات 3/278، وفي إسناده عاصم بن العباس، لم أجد له ترجمة. ابن الجوزي: مناقب ص 169.
7 عبد الرحمن بن عوف.
8 سبق تخريجه ص 540.
(2/635)

وعن أسلم: أن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه كان يصلي ما شاء الله حتى إذا كان من آخر الليل أيقظ أهله ويقول: "الصلاة، الصلاة ويتلو هذه الآية: {وَأْمُر أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ} [طه: 132] 1 الآية.
وعن ابن عمر، قال: "خرج عمر رضي الله عنه إلى حائط له فرجع وقد صلى الناس العصر، قال: "إنما خرجت إلى حائطي فرجعت وقد صلى الناس، حائطي صدقة على المساكين"، قال ليث2: "إنما فاتته الجماعة"3.
وعن أبي مسلم4 أنه صلى مع عمر رضي الله عنه أو حدّثه من صلى مع عمر رضي الله عنه المغرب، فسمّي5 بها أو شغله بعض الأمر حتى طلع نجمان، فلمافرغ من صلاته أعتق رقبتين6.
وفي أحاديث عفان بن مسلم الصفار عن أبي ظبيان7 عن أبيه8، قال: "دخل عمر رضي الله عنه المسجد فصلى ركعة ثم انصرف، فلحقه رجل فقال: "يا أمير المؤمنين، إنما صليت ركعة واحدة"، قال: "إنما هو تطوع فمن شاء
__________
1 مالك: الموطّأ 1/113، (رواية أبي مصعب) ، وإسناده صحيح. ابن الجوزي: مناقب ص 169، والمتقي الهندي: كنْز العمال 2/559، وعزاه لمالك والشافعي.
2 لم أستطع تمييزه.
3 ابن الجوزي: مناقب ص 169، بدون إسناد.
4 الأزدي: ولم أجد له ترجمة.
5 في الزهد: (فمستى) ، وفي مناقب عمر: (فتمس) .
6 ابن مالك: الزهد ص 187، وهو ضعيف، فيه أبو مسلم، لم أجد له ترجمة، وفيه محمّد بن عبد الرحمن بن أبي مسلم لم يوثّقه غير ابن حبان. (الثقات 7/410، وابن عساكر: تاريخ دمشق جـ 13 / ق 112، عن محمّد بن عبد الرحمن به، ابن الجوزي: مناقب ص 170.
7 حُصَين بن جندب بن الحارث الجنْبي.
8 لم أجد له ترجمة.
(2/636)

زاد ومن شاء نقص"1.
فجميع ما ذكر في سيرته من الأحاديث يدل على شدّة تعبّده واجتهاده، فإنه كان من الصلاة إلى الغاية القصوى، والصوم فإنه كان يصوم الدّهر في آخر أمره، والصدقة كان لا يترك شيئاً، والحجّ كان لما ولي الخلافة يحجّ كلّ عام، والجهاد غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم جميع المشاهد، وغزا بعده وجميع ما وقع في خلافته من الغزوات والفتوحات فله أجره، لأنه سببه.
وفي أحاديث أبي عليّ بن الصّواف2 قال عمر: "إن الأعمال تباهي، فتقول الصدقة: أنا أفضلكم"3.
__________
1 لم أجده فيما تبقى من أحاديث عفان. والأثر في عبد الرزاق: المصنف: 3/154 عن أبي ظبيان. قال: (دخل عمر) ، وإسناده ضعيف، فيه قابوس بن أبي ظبيان قال الحافظ: "فيه لين". (التقريب رقم: 5445) ، والمتقي الهندي: كنز العمال 8/320.
2 محمّد بن أحمد بن الحسن بن الصواف، إمام ثقة حجة، توفي سنة تسع وخمسين وثلاث مئة. (تاريخ بغداد 1/289، الوافي بالوفيات 2/44) .
3 أبو علي الصواف: الفوائد ص 87، وإسناده ضعيف، فيه أحمد بن معاوية بن بكر، قال ابن عدي: "حدث بأباطيل، وكان يسرق الحديث". (ميزان الاعتدال 1/157) ، وأبو قرة مجهول. الإسماعيلي: مسند عمر ص 29، 30، عن أبي قرة به. الحاكم: المستدرك 1/461، عن أبي قرة به، لكن وقع في المستدرك (قرة) وهو غلط، وابن خزيمة: الصحيح 4/95، ووقع فيه: (ثنا أبو الحسن النضر بن إسماعيل عن أبي فروة) ، لعلّه النضر بن شميل عن أبي قرة. ومما يؤيّد أنه تصحيف أن كنية النضر بن شميل، أبو الحسن، وكنية النضر بن إسماعيل أبو المغيرة، والنضر بن إسماعيل ضعيف. (انظر: الجرح والتعديل 8/474) .
(2/637)

الباب التاسع والخمسون: كتمانه التعبد وستره إياه
...
الباب التاسع والخمسون: في ذكر كتمانه التّعبّد وستره إياه
ذكر ابن الجوزي عن نافع1 قال: "كان البّر لا يعرف في عمر، ولا ابنه حتى يقولا أو يعملا"2.
وقد ذكرنا عن طلحة3 أنه خرج ليلة4 فرأى عمر رضي الله عنه فتبعه لينظر أين يذهب؟، فدخل داراً، ثم خرج منها، فدخل طلحة الدّار، فوجد فيها عمياء مقعدة، فقال: "من هذا الذي دخل إليك؟ "، قالت: "هذا رجل يأتيني منذ زمن يأتيني بما أحتاج / [93 / ب] إليه، ويخرج عني الأذى رضي الله عنه. "5.
__________
1 مولى ابن عمر.
2 ابن الجوزي: مناقب ص 170، وأبو نعيم: الحلية 1/53، وفي إسناد عبد العزيز الدّراوردي صدوق كان يحدث من كتب غيره فيخطئ، وحديثه عن عبد الله العمري منكر. (التقريب رقم: 4119) . وروايته هنا عن عبيد الله العمري، ابن سعد: الطبقات 3/291، عن عبيد الله بن عتبة، وإسناده صحيح إلى عبيد الله. والمتقي الهندي: كنْز العمال 3/806.
3 ابن عبيد الله.
4 قوله: "ليلة" تكرر في الأصل.
5 سبق تخريجه ص 420.
(2/638)

الباب الستون: دعاؤه ومناجاته
...
الباب الستون: في ذكر دعائه ومناجاته
عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: "كان أوّل خطبة خطبها عمر - الليلة التي دفن فيها أبو بكر - رضي الله عنهما - فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "إن الله نَهَجَ سبيله، وكفانا برسوله، فلم يبق إلا الدّعاء والاقتداء، فالحمد لله الذي ابتلاني بكم وابتلاكم بيَ، والحمد لله الذي أبقاني فيكم بعد صاحِبَيَ كنفر ثلاثة اغتربوا الطِيَّة1؛ فأخذ أحدهم مهلة إلى داره وقراره، فسلك أرضاً مضلة، فتشابهت الأسباب والأعلام، فلم يزل عن السبيل، ولم يخرم2 عنه حتى أسلمه إلى أهله، فأفضى إليهم سالماً، ثم تلاه الآخر فسلك سبيله واتبع أثره فأفضى إليه سالماً ولقي صاحبه، ثم تلاه الثّالث فإن سلك سبيلهما، واتبع أثرهما، أفضى إليهما سالماً ولاقاهما، وإن هو زلّ يميناً أو شمالاً لم يجامعهما أبداً، ألا إن العرب جمل أنف3 فلا أعطيت بخطامه، ألا وإني حامله على المحجة، مستعين بالله، ألا وإني داعٍ فأمنّوا، اللهم إني شحيح فسخني، اللهم إني غليظ فليّني، اللهم إني ضعيف فقوّني، اللهم أوجب لي بموالاتك وموالاة أوليائك، ولايتك ومعونتك، وأبرني بمعاداة عدوّك من الآفات"4.
__________
1 الطِيَّة: النيّة، قال الخليل: "الطِيّة تكون منزلاً وتكون منتأى. تقول منه: مضى لطِيّة، أي: لنيته التي انتواها. (الصحاح 6/2415) .
2 لم يخرم: أي: ما عدل. (الصحاح 5/1911) .
3 الجمل الأنف: أي: المأنوف وهو الذي عقر الخشاش أنفه فهو لا يمتنع على قائده للوجع الذي به. (النهاية 1/75) .
4 ابن الجوزي: مناقب ص 170، 171، وهو منقطع، بين سالم بن عبد الله، وعمر ابن الخطاب
(2/639)

وعن الأسود بن هلال المحاربي1، قال: "لما ولي عمر قام على المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أيها الناس إني داعٍ فهيمنوا2: اللهم إني غليظ فليّني، وشحيح فسخّني، وضعيف فقوّني"3.
وعن عمر بن ميمون الأودي، عن عمر أنه كان فيما يدعو: "اللهم توفّني مع الأبرار، ولا تخلفني في الأشرار، وألحقني بالأخيار"4.
وعن أبي عبد الرحمن5، قال: "كان عمر بن الخطّاب رضي الله عنه يقول: "اللهم لا تكثر لي من الدنيا فأطغى، ولا تُقِلَّ لي منها فأنسى، فإنه ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى"6.
وعن الشعبي قال: "خرج عمر رضي الله عنه يستسقي بالناس، فما زاد على الاستغفار حتى رجع، قالوا: "يا أمير المؤمنين، ما نراك استسقيت؟ "، قال: "لقد طلبت المطر بمجَادِيح7 السماء التي يستنزل بها المطر، ثم قرأ: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُم
__________
1 الكوفي مخضرم، ثقة جليل، من الثانية، توفي سنة أربع وثمانين. (التقريب ص 111) .
2 هَيْمَنَ: قال: آمن. (القاموس ص 1600) .
3 أبو نعيم: الحلية 1/53، وإسناده صحيح، ابن سعد: الطبقات 3/274، عن جامع ابن شداد عن ذي قرابة له وإسناده صحيح إلى جامع بن شداد. وابن أبي شيبة: المصنف 10/321، ابن الجوزي: مناقب ص 171.
4 البخاري: الأدب المفرد ص 220، وإسناده صحيح. وصحّحه الألباني. (صحيح الأدب المفرد ص 235) ، ابن الجوزي: مناقب ص 171، والمتقي الهندي: كنْز العمال 2/675.
5 ميكائيل الخراساني، يروي عن عمر بن الخطاب، روى عنه طعمة بن غيلان. (الثقات 5/463) .
6 ابن أبي شيبة: المصنف 10/323، 13/280، وفي إسناد ميكائيل الخراساني لم يوثّقه غير ابن حبان. ابن الجوزي: مناقب ص 171.
7 مَجَادِيحُ السماء: أنواؤها. (لسان العرب 2/421) .
(2/640)

ذإِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً. يُرْسِلُ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَاراً} [نوح: 10-11] ، ثم قرأ: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُم ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} [هود: 52] 1.
وعن أسلم: أنه سمع عمر بن الخطّاب رضي الله عنه يقول: "اللهم لا تجعل قتلي على يد عبدٍ قد سجد لك سجدة يحاجني بها يوم القيامة"2.
وعن سُليم بن حنظلة3 عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أنه كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك أن تأخذني [على] 4 غرة، أو تذرني في غفلة، أو تجعلني من الغافلين"5.
وعن عبد الله بن خِرَاش6 عن عمّه7 قال: "سمعت عمر بن الخطّاب
__________
1 ابن سعد: الطبقات 3/320، من طريق الواقدي. وابن أبي شيبة: المصنف10/311، وإسناده صحيح إلى الشعبي. وأورده من طريق آخر متصل صحيح. (المصنف10/311) ، وابن شبه: تاريخ المدينة 2/737، ابن الجوزي: مناقب ص 171، وابن عساكر: تاريخ دمشق جـ 13 / ق 130، ابن كثير: التاريخ 4/94، وعزاه لابن أبي الدنيا.
2 أبو نعيم: الحلية 1/53، وإسناده صحيح. ابن الجوزي: مناقب ص 172.
3 في الأصل: (سليمان) ، وهو تحريف. وهو البكري، الكوفي، سمع عمر، وأبي، وعبد الله، روى عنه هارون بن عنْتَرة، وعياش العامري. (التاريخ الكبير 4/22، الطبقات 6/120، الثقات 4/131) .
4 سقط من الأصل.
5 ابن أبي شيبة: المصنف 10/323، وهو ضعيف، في إسناده ليث بن أبي سيلم صدوق اختلط جداً ولم يتميز حديثه فترك. (التقريب رقم: 5685) ، وسليم بن حنظلة لم يوثّقه غير ابن حبان. أبو نعيم: الحلية 1/54، عن ابن أبي شيبة به، ابن الجوزي: مناقب ص 172.
6 الشيباني الكوفي، ضعيف، وأطلق عليه ابن عمار الكذب، توفي بعد الستين ومئة. (التقريب ص 301) .
7 العوام بن حوشب الشيباني، ثقة، فاضل توفي سنة ثمان وأربعين ومئة. (التقريب ص433) .
(2/641)

رضي الله عنه يقول في خطبته: "اللهم اعصمنا بحفظك، وثبّتنا على أمرك"1.
وروى ابن أبي الدنيا2 في كتاب: "القناعة" عن ميكائيل أبي عبد الرحمن، قال: "كان عمر رضي الله عنه يقول في دعائه: "اللهم لا تكثر لي من الدنيا فأطغى، ولا تقلّ لي منها فأنسى، فإنه ما قل وكفى خير مما كثر وألهى"3.
فائدة
قد تقدم أنه كان يبكي في الصلاة / [94 / أ] حتى يسمع نشيجه من آخر الصفوف، فالبكاء في الصلاة إن كان من خشية الله تعالى لا يبطل الصلاة مطلقاً، وإن لم يكن من خشية الله تعالى فإن بان فيه حرفان من حروف الهجاء فهو كالكلام، يبطل الصلاة عمده وسهوه4. وقيل: "يبطل الكثير دون اليسير في السهو، وأن لا يبين منه حرفان، فإن كان يسيراً لم يبطل وإن كان كثيراً أبطل"5.
__________
1 أبو نعيم: الحلية 1/54، وهو ضعيف، لانقطاعه، وعبد الله بن خراش ضعيف. ابن الجوزي: مناقب ص 172.
2 عبد الله بن محمّد بن عبيد الله القرشي مولاهم، صدوق حافظ، صاحب تصانيف. توفي سنة إحدى وثمانين، وله ثلاث وسبعون. (التقريب ص 321) .
3 لم أجده في كتاب القناعة والتعفف المطبوع، والأثر سبق تخريجه ص 759.
4 انظر: ابن قدامة: المغني 2/453، ابن مفلح: الفروع 1/491، المرداوي: الإنصاف 2/138.
5 انظر: ابن مفلح: الفروع 1/490، 491، المرداوي: الإنصاف 2/137.
(2/642)

الباب الحادي والستون: كراماته
...
الباب الحادي والستون: في ذكر كراماته
ذكر ابن الجوزي عن [زيد بن] 1 أسلم ويعقوب بن زيد2، قالا: "خرج عمر بن الخطّاب رضي الله عنه يوم الجمعة إلى الصلاة، فصَعِد المنبر ثم صاح: يا سارية بن زنيم الجبلَ، ظلم من استرعى الذّئبَ الغنم، قال: ثم خطب حتى فرغ؛ فجاء كتابُ سارية بن زنيم إلى عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: إن الله عزوجل فتح علينا يوم الجمعة الساعةَ كذا وكذا، لِتلك الساعةِ التي خرج فيها عمر فتكلم على المنبر، قال سارية: "فسمعت صوتاً: يا سارية بن زنيم الجبل، ظلم من استرعى الذّئبَ الغنم، فعلوتُ بأصحابي الجبل، ونحن قبل ذلك في بطنِ وادٍ، ونحن محاصَرو العدوّ، ففتح الله علينا". فقيل لعمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "ما ذاك الكلام؟ "، فقال: "والله ما ألقيت له بالاً، شيء أتي به على لساني"3.
وعن نافع مولى ابن عمر - رضي الله عنهما - أن عمر رضي الله عنه قال على المنبر: "يا سارية بن زنيم الجبل، فلم يدر الناس ما يقول، حتى قدم سارية المدينة على عمر رضي الله عنه فقال: "يا أمير المؤمنين، كنا محاصري العدوّ وكنّا نقيم الأيام لا يخرج علينا منهم أحد نحن في خفض من الأرض،
__________
1 سقط من الأصل.
2 التيمي، المدني، قاضي المدينة، صدوق، من الخامسة. (التقريب ص 608) .
3 ابن الجوزي: مناقب ص 172، ابن كثير: التاريخ 4/135، والمتقي الهندي: كنْز العمال 12/581، وعزاه لابن سعد. والخبر ضعيف لانقطاعه بين زيد بن أسلم ويعقوب بن زيد، وبين عمر بن الخطاب، وهو من طريق الواقدي. قال ابن كثير بعد إيراده هذا الخبر من عدة طرق: "فهذه طرق يشد بعضها بعضاً".
(2/643)

وهم في حصن عال فسمعت صائحاً ينادي بكذا وكذا، يا سارية بن زنيم الجبل، فعلوت بأصحابي الجبل فما كان إلا ساعة حتى فتح الله علينا"1.
وعن نافع مولى ابن عمر أن عمر رضي الله عنه خطب يوماً بالمدينة، فقال: "يا سارية بن زنيم الجبل، من استرعى الذّئب فقد ظلم"، قال: قيل له: "تذكر سارية، وسارية بالعراق؟ "، فقال الناس لعليّ رضي الله عنه: "أما سمعت عمر يقول: يا سارية، وهو يخطب على المنبر"، فقال: "ويحكم دعوا عمر فإنه ما دخل في شيء إلا خرج منه". فلم يلبث [إلا] 2 يسيراً حتى قدمسارية فقال: "سمعت صوت عمر رضي الله عنه فصعدت الجبل"3.
وعن قيس بن الحجاج4 قال: "لما فتحت مصر، أتى أهلها إلى عمرو بن العاص حين دخل بؤنة من أشهر العجم، فقالوا: "أيها الأمير، إن لنيلنا هذا سُنَّة لا يجري إلا بها، فقال لهم: "وما ذاك؟ "، قالوا له: "إذا كانت اثنتا
__________
1 ابن الجوزي: مناقب ص 172، وهو منقطع بين نافع وعمر. وعبد الله بن أحمد في زوائده على فضائل الصحابة 1/269، عن نافع عن ابن عمر. وإسناده حسن في إسناده محمّد بن عجلان وهو صدوق. (التقريب رقم: 6136) . وأبو نعيم: دلائل النبوة ص 579، اللالكائي: أصول اعتقاد أهل السنة 4/330، ابن تيمية: الفرقان ص 74، قال ابن كثير عقب إيراده الخبر: "وهذا إسناد جيد حسن". (تاريخ ابن كثير 4/135) ، وابن حجر: الإصابة 3/53، وقال: "إسناده حسن". والسخاوي: المقاصد الحسنة ص 474، وقال: "إسناده حسن كما ذكر شيخنا"، وابن حجر الهيثمي: الصواعق المحرقة ص 101 وحسّن إسناده.
2 سقط من الأصل.
3 ابن الجوزي: مناقب ص 173، بدون إسناد. قال ابن كثير: "رواه الحافظ أبو القاسم اللالكائي من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر، وفي صحته من حديث مالك نظر". (تاريخ ابن كثير 4/135) . قال محقّق السنة للالكائي: "قلت: لم يورد اللالكائي عن مالك في كتابه هذا ولعلّ ذلك وهم من ابن كثير إلا إذا أراد كتاباً آخر". (السنة 4/1330، حاشية رقم: 1) .
4 الكلاعي، صدوق، توفي سنة تسع وعشرين ومئة. (التقريب ص 456) .
(2/644)

عشرة ليلة تخلوا من هذا الشهر عمَدْنا إلى جارية بكر بين أبويها، فأرضينا أباها، وحملنا عليها من الحلي والثّياب، أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في النّيل".
فقال لهم عمرو: "إن هذا شيء لا يكون في الإسلام، وإن الإسلام يهدِمُ ما كان قبله، فأقاموا بؤنة1، وأبيب، ومسرى، لا يجري قليلاً ولا كثيراً / [94 / ب] حتى همّوا بالجلاء منها، فلما رأى ذلك عمرو بن العاص كتب إلى عمر رضي الله عنه فكتب إليه عمر رضي الله عنه: "إنك قد أصبتَ بالذي فعلت، إن الإسلامَ يهدم ما كان قبله". وكتب بطاقة داخل كتابه، وكتب إلى عمرو: وإني قد بعثت إليك بطاقة في داخل كتابي إليك فألقها في النيل إذا وصل كتابي إليك، فلما قدم كتاب عمر رضي الله عنه إلى عمرو بن العاص أخذ البطاقة فإذا فيها مكتوب:
"من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر، أما بعد: فإن كنت إنما تجري من قِبَلِك فلا تجرِ، وإن كان الله الواحد القهّار هو الذي يجريك فنسأل الله الواحد القهّار أن يجريك".
فألقى البطاقة في النيل قبل يوم الصليب بيومٍ، وقد تهيّأ أهلُ مصر للجلاء والخروج؛ لأنهم لا تقوم مصلحتهم فيها إلا بالنيل، فلما ألقى البطاقة أصبحوا يوم الصليب قد أجراه الله تعالى ستة عشر ذراعاً في ليلة واحدة، فقطع الله تلك السنة السوء عن أهل مصر إلى اليوم"2.
__________
1 بؤنة: حزيران. وأبيب: تموز ومسرى: آب. (انظر: مروج الذهب للمسعودي1/349) .
2 ابن عبد الحكم: فتوح مصر ص 150، 151، أبو الشيخ: العظمة 4/1424، 1425، وابن كثير: البداية والنهاية 4/102، كلهم عن ابن لهيعة عن قيس بن الحجاج عمن حدّثه، وإسناده ضعيف، ابن لهيعة ضعيف، وأيضاً فيه راوٍ مبهم، وأورده ياقوت الحموي: معجم البلدان 5/335، ابن الجوزي: مناقب ص 173، 174، السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 127، والمتقي الهندي: كنْز العمال12/560، وعزاه لابن عبد الحكم، والعظمة وابن عساكر.
(2/645)

وعن خوَات بن جبير1 قال: "أصاب الناس قحط شديد على عهد عمر رضي الله عنه فخرج بالناس فصلى بهم ركعتين، وخالف بين طرفي ردائه، فجعل اليمين على اليسار، واليسار على اليمين، ثم بسط يده فقال: "اللهم إنا نستغفرك ونستسقيك"، فما برح مكانه حتى مطر، فبينما هم كذلك إذا أعرابٌ قد قدموا على عمر رضي الله عنه فقالوا: "يا أمير المؤمنين بينما نحن بوادينا في يوم كذا في ساعة كذا، إذ أَظَلَّنا غمامٌ فسمعنا فيه صوتاً: أتاك الغوث أبا حفصٍ، أتاك الغوثُ أبا حفصٍ"2.
وذكر أبو القاسم الأصفهاني عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن عمر رضي الله عنه بعث جيشاً، وأمّر عليهم رجلاً يدعى: "سارية"، قال: فبينا عمر بن الخطّاب رضي الله عنه يخطب الناس يوماً جعل يصيح وهو على المنبر: "يا ساري الجبل، يا ساري الجبل"، قال: فقدم رسول الجيش فسأله، فقال: "يا أمير المؤمنين لقينا عدوّنا فإذا بصائح يصيح: يا ساري الجبل، يا ساري الجبل، فأسندنا ظهورنا إلى الجبل فهزمهم الله"، فقيل لعمر: "إنك تصيح بذلك"3.
وفي رواية أبي بلج4، قال: "بينما عمر بن الخطّاب رضي الله عنه قاعد
__________
1 الأنصاري، صحابي، قيل: إنّه شهد بدراً. توفي سنة أربعين أو بعدها (التّقريب ص196.
2 وابن عساكر: تاريخ دمشق جـ13/ق129، وإسناده ضعيف، فيه عطاء بن مسلم، صدوق يخطئ كثيراً. (التقريب رقم: 4599) ، وأيضاً منقطع يبن العمري وخوات بن جبير. ابن الجوزي: مناقب ص174، والمتقي الهندي: كنْز العمال 8/432) .
3 أبو القاسم الأصفهاني: سير السلف ص 177، وقد تقدم تخريجه ص 608.
4 في أصول اعتقاد أهل السنة: (عن أبي بلج بن عليّ بن عبد الله) ، ولم أجد شخصاً بهذا الاسم والكنية، وفي التقريب ص 625: "أبو بلج يحيى بن سليم القزاري، صدوق ربما أخطأ من الخامسة".
(2/646)

على المنبر يوم جمعة يخطب الناس، فبينا هو في خطبته قال بأعلى صوته: "يا ساري الجبل، يا ساري الجبل، ثم أخذ في خطبته، فأنكر الناس ذلك منه، فلما نزل وصلى قيل له: "يا أمير المؤمنين قد صنعت اليوم شيئاً ما كنا نعرفه"، قال: "وما ذاك؟ "، قيل: "قلت كذا وكذا"، وذكروا ما نادى به، فقال: "ما كان شيء من هذا"، قالوا: "بلى والله لقد كان ذلك يا أمير المؤمنين". قال: "فأثبتوا من هذا اليوم من هذا الشهر، ثم ابصروا"، وكان بعث سارية في بعث فظفر العدوّ فلجؤوا إلى الجبل، فقال سارية لما انصرف: "بينا نحن نقاتل العدوّ إذ سمعنا صوتاً لا ندري ما هو: "يا ساري الجبل ثلاثاً، فدفع الله عزوجل عنا به، فنظروا في ذلك اليوم فإذا هو اليوم قال فيه عمر ما قال"1.
وقال يحيى بن أيوب2: "كان بالمدينة فتى3 يعجب عمر بن الخطّاب رضي الله عنه فانصرف ليلة من صلاة العشاء فتمثلت له امرأة بين يديه فعرضت له نفسها ففتن بها ومضت، فأتبعها حتى وقف على بابها فأبصر وجُلّي عن قلبه وحضرته هذه الآية: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقُوا إِذَا مَسَّهُم طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذّكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُون} [الأعراف: 201] فخرّ مغشياً عليه فنظرت إليه المرأة فإذا هو كالميت، فلم تزل هي وجارية لها يتعاونان حتى ألقياه على باب داره، فخرج أبوه فرآه ملقى على باب الدار لما به، فحمله وأدخله فأفاق،
__________
1 اللالكائي: أصول اعتقاد أهل السنة 4/1330، وفي إسناده عليّ بن عبد الله، لم أجد له ترجمة. أبو القاسم الأصفهاني: سير السلف ص 178، والمتقي الهندي: كنْز العمال 12/573.
2 لم يتميز عندي.
3 مطموس في الأصل، سوى (تى) .
(2/647)

فسأله: ما أصابك يا بني؟، فلم يخبره فلم يزل به حتى أخبره، فلما تلا الآية شهق شهقة فخرجت نفسه، فبلغ عمر قصته، فقال: "ألا آذنتموني بموته، فذهب حتى وقف على قبره، فنادى: يا فلان: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن: 46] ، فسمع صوتاً من داخل القبر: قد أعطاني ربِّي يا عمر"1.
فصل: كرامات الأولياء حقّ وأدناها الفراسة
فإن منهم من يسير البعيد في المدّة القريبة، وفي الأثر: "الدنيا خطوة مؤمن"2.
وفي الصحيح: "إن من عباد3 الله من لو أقسم على الله لأبره" 4.
ومن ذلك / [95 / ب] 5: برء الأسقام عند لمسه كما وجد ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم في عدة مواطن6، وكما تفل في عيني عليّ فبرأتا7.
__________
1 لم أجده في المصادر الأخرى.
2 ابن تيمية: الفتاوى18/123وقال: "هذا لا يعرف عن النبيصلى الله عليه وسلمولا عن غيره من سلف الأمة ولا أئمتها". وابن عراق: تنزيه الشريعة2/402وقال ابن تيمية: "موضوع".
3 في الأصل: (عباده) ، وهو تحريف.
4 البخاري: الصحيح، كتاب الصلح 2/962، رقم: 2556، ومسلم: الصّحيح، كتاب القسامة 3/1302، رقم: 1675.
5 هذه الورقة وردت في مكانها الصحيح، وقد أوردت الترتيب الصحيح كما بدا لي.
6 البخاري: الصحيح، كتاب المغازي 4/ 1482 رقم 3813، ابن هشام: السيرة 3/ 81 وإسناده صحيح، 3/ 119 مرسل عاصم بن عمر بن قتادة ولم تثبت من طريق صحيحة.
7 البخاري: الصحيح، كتاب الجهاد 3/1077، رقم: 2783، ومسلم: الصّحيح، كتاب فضائل الصحابة 4/1872، رقم: 2406.
(2/648)

ومن ذلك: زيادة الأشياء بدعائه، كزيادة تمر جابر عند دعاء النبي صلى الله عليه وسلم1، وبركة الطعام عند أكله2، ونحو ذلك3.
والأولياء يكرهون إظهار ذلك عنهم واشتهاره، فإن قيل: النبي صلى الله عليه وسلم كان يظهر ذلك ويفعله المرة بعد المرة في مشاهد الناس.
قيل: النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف الناس، فإن النبي صلى الله عليه وسلم المقصود منه الإظهار ليتبعه الناس، ويصدقوه ويعلمون صدق قوله، وهي آيات له تدل على نبوّته وصدق قوله، وهو مأمور بإظهار آياته كما هو مأمور بإظهار دينه، فإنها من جملة دليله، وهو مأمور بإقامة الدليل.
وأما غيره، فإنه ينبغي له الإخفاء والتستّر حتى لا يعلم الناس به، فإنه ربما حصل له نوع مدح وشهرة ورياء، والله يكره ذلك للآدمي، ولهذا لم يرد عن الصحابة كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ وغيرهم، فعل ذلك بمشهد الناس، وإن وقع منهم خفية4.
فإن قيل: فعمر قد قال على المنبر: "يا ساري الجبل".
__________
1 البخاري: الصحيح، كتاب البيوع 2/748، رقم: 2020، 2266.
2 البخاري: الصحيح، كتاب المغازي 4/1505، رقم: 3876، ومسلم: الصّحيح، كتاب الأشربة 4/1610، رقم: 2039، 2040.
3 الصّحيح أن ما كان في حقّ الرسول صلى الله عليه وسلم يسمى آية، أو معجزة، قال شيخ الإسلام: "وإن كان اسم المعجزة يعم كلّ خارق للعادة في اللغة، وعرف الأئمة المتقدمين كالإمام أحمد بن حبل وغيره، يسمّونها: الآيات. لكن كثيراً من المتأخرين يفرق في اللفظ بينهما، فيجعل المعجزة للنبي، والكرامة للولي، وجماعها الأمر الخارق للعادة". (مجموع فتاوى ابن تيمية 11/311) .
4 الكرامة تقع من أولياء الله بمحضر من الناس كما وقع من أبي بكر وعمر وخبيب والبراء بن مالك وغيرهم، وتقع لإعزاز الدين أو لحاجة المسلمين، وقد تقع سراً. قال شيخ الإسلام: "وخيار أولياء الله كراماتهم الحجة في الدين أو الحاجة بالمسلمين كما كانت معجزات نبيّهم صلى الله عليه وسلم كذلك". وقد ذكر شيخ الإسلام أكثر من ثلاث وعشرين كرامة وقعت لبعض الصحابة والتابعين. (مجموع الفتاوى 11/274، 277) ، وانظر عن الكرامات: ابن سيد الناس: المقامات العلية في الكرامات الجلية.
(2/649)

قيل: الجواب عن ذلك من أوجه:
الأوّل: كأنه وقع منه فلتة ثم أنكره، فلهذا قال بعد ذلك: "لم أقل شيئاً".
والثّاني: فعله للحاجة إليه؛ لأنه لو لم يقل ولو لم يوجد منه ربما حصل لأصحابه هلاك.
والثّالث: أنه أُجْرِي على لسانه من غير إشعار بذلك وبحضور جماعة؛ لأنه لما حصلت له المشاهدة لأصحابه أولئك اشتغل قلبه بهم، فلما اشتغل قلبه بهم لهي عمن هو فيهم، ولم يدر أنه فيهم فخاطب أولئك يظنه معهم.
وقد صار في زماننا هذا من الزنادقة ونحوهم من يظهر ما لا يدخل على الدين، بل يدل على الفساد، ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون1. كما يفعل طائفة من الصوفية2 من دخول النار ونحو ذلك3، وأخبرني شخص عن رجل منهم أنه يدعو الطير فيأتي إليه، ويدعو الوحوش فتأتي إليه فيظهر ذلك ويقول لهم: "انظروا"، ويفعل أشياء من هذا القبيل فكنت قلت له: "ما أظن هذا على خير4، فبعد
__________
1 في الأصل: (الكاذبون) ، وهو تحريف.
2 في الأصل: (الصوفة) ، وهو تحريف.
3 انظر: تيمية: مجموع الفتاوى 11/465.
4 قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى 11/466: "قال يونس بن عبد الأعلى للشافعي: "أتدري ما قال صاحبنا" - يعني: الليث بن سعد؟ - قال: "لو رأيت صاحب هوى يمشي على الماء فلا تغتر به". فقال الشافعي: "لقد قصر الليث، لو رأيت صاحب هوى يطير في الهواء فلا تغتر به".
(2/650)

مدة أخبرني أنه أراد أن يلوط بغلام وأنه سقط من أعين الناس، ولم يصدقوه بعد ذلك. والله الموفق. / [96 / أ] 1.
__________
1 هذه الورقة وردت في مكانها الصحيح، وقد أوردت الترتيب الصحيح كما بدا لي لاتصال الكلام.
(2/651)

الباب الثاني والستون: تزويج النبي بحفصة وفضلها
...
الباب الثاني والستون: في تزويج النبي صلى الله عليه وسلم بحفصة وفصلها
في الصحيح عن عبد الله بن عمر: أن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه حين تأيّمت1 حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي2 - وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - قد شهد بدراً، توفي بالمدينة، قال عمر: "فلقيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة، فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، قال: "سأنظر في أمري"، فلبثت ليالي، فقال: "قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا"، قال عمر: فلقيت أبا بكر، فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر فصمت أبو بكر فلم يرجعْ إليَ شيئاً، فكنت عليه أوجد مني على عثمان، فلبثت ليالي، ثم خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر، فقال: "لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك؟ "، قلت: نعم، قال: "فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو تركها لقبلتها"3.
وفي الصحيح عن عمر رضي الله عنه قال: "خطب النبي صلى الله عليه وسلم إليّ حفصة فأنكحته"4.
__________
1 الأيم من النساء التي لا زوج لها بكراً كانت أو ثيّباً. (لسان العرب 12/39) .
2 من السابقين وهاجر إلى الحبشة ثم رجع فهاجر إلى المدينة وشهد بدراً وأصابته جراحة يوم أحد فمات منها. (الإصابة 2/142) .
3 البخاري: الصحيح، كتاب المغازي 4/1471، رقم: 3783.
4 البخاري: الصحيح، كتاب النكاح 4/1968، رقم: 4830.
(2/652)

قال الذهبي: "تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم سنة ثلاث من الهجرة، قال: وتزوجت أوّلاً بخنيس بن حذافة السهمي فتوفي عنها، استشهد بأحد وكان بدرياً، قال: وقد عرضها عمر عند انقضاء عِدّتها على أبي بكر فسكت، فتألم عمر، ثم عرضها على عثمان لما ماتت رقي ة، فقال: "ما أريد أن أتزوج اليوم"، فشكاه عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يتزوجها من هو خير منه، ويتزوج عثمان من هي خير منها" 1، ثم تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم.
فلقي أبو بكر عمر، فقال: "لا تجد علي فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها، فلم أكن أفشي سرّه ولو تركها لتزوجتها"2.
قال أبو عبيدة3: "تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم سنة اثنتين"4.
قال الذهبي: "على كلّ حال أن خنيساً استشهد بأحد، وأن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج بها عام أحد، أو قبل أحد، اللهم إلا أن يكون خنيس طلقها. فالله أعلم"5.
وقد روى موسى بن عليّ بن رباح عن أبيه عن عقبة بن عامر6، قال: "طلق رسول الله حفصة فبلغ ذلك عمر فحثا على رأسه التراب، وقال:
__________
1 أبو يعلى في المسند 1/18، وفي إسناد سويد بن سعيد، صدوق في نفسه إلا أنه عمي فصار يتلقن ما ليس من حديثه. (التقريب ص 260) .
2 الذهبي: التذهيب 4 / ق / 320، تاريخ الإسلام (عهد معاوية) ص 43، سير أعلام النبلاء 2/228، والبخاري: الصحيح، كتاب المغازي 4/1471، وهو قطعة من الحدث السابق.
3 معمر بن المثنى التيمي، مولاهم البصري، صدوق أخباري، وقد رمي برأي الخوارج، توفي سنة ثمان ومئتين. (التقريب ص 541) .
4 ابن عبد البر: الاستيعاب 4/1810، الذهبي: التذهيب 4 / ق / 320.
5 الذهبي: التذهيب 4 / ق / 320.
6 الجهني.
(2/653)

"ما يعبأ الله / [95 / أ] بعمر وابنته بعد هذا"، فنزل جبريل من الغد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "إن الله يأمرك أن تراجع حفصة رحمة لعمر" 1.
وقال الذهبي: "تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم سنة ثلاث من الهجرة"2.
وفي الصحيحين: أن عمر دخل على حفصة، فقال لها: "أي حفصة أتغاضب إحداكن النبي صلى الله عليه وسلم اليوم حتى الليل؟ "، قالت: "نعم". فقلت: "قد خبت وخسرت، أفتأمنين أن يغضب الله لغضب رسوله، فتهلكي، لا تستكثري النبي صلى الله عليه وسلم ولا تراجعيه في شيءٍ ولا تَهْجُريه، وسليني ما بدا لك، ولا يُغرَّنَّك أن كانت جارتُك أوضَأَ منك وأحبَّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم - يريد عائشة - ثم دخل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: لو رأيتني وقد دخلت على حفصة، فقلت: لا يُغرَّنَّك أن كان جارتُكِ أوضأَ منك وأحبَّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم"3.
وفي الصحيح عن عائشة قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب عسلاً عند زينب بنت جحش، ويمكث عندها، فتواطيت أنا وحفصة على: أيّتنا دخل [عليها] 4 فلتقل له: ": أكلت مغافير5، فإني أجد
__________
1 الطبراني في المعجم الكبير 17/291، وفي إسناده عمرو بن صالح الخضرمي لم أجد له ترجمة. والهيثمي: مجمع الزوائد 9/244، وقال: "رواه الطبراني وفيه عمرو بن صالح الحضرمي ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات".
2 الذهبي: سير أعلام النبلاء 2/227، تاريخ الإسلام (عهد معاوية) ص 42، التذهيب 4 / ق / 320.
3 البخاري: الصحيح، كتاب النكاح 5/1991، 1992، رقم: 4895، بأطول، ومسلم: الصّحيح، كتاب الطلاق 2/1111، رقم: 1479.
4 سقط من الأصل.
5 المغافير: صمغ شبيه بالناطف ينضحه العرفط فيوضع في ثوب ثم ينضح بالماء فيشرب. (لسان العرب 5/28) .
(2/654)

منك ريح مغافير"1.
وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "إن نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كُنَّ حزبين؛ فحزبٌ فيه عائشة وحفصة وصفية2 وسودة3، والحزب الآخر: أم سلمة وسائر نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم"4.
قال الذهبي: "حفصة بنت عمر بن الخطاب أم المؤمنين العدوية، يقال: وُلِدَت قبل المبعث بخمسة أعوام، روى عنها ابن عمر وابنه حمزة5، وشُتَير بن شَكَل العبسي6، وعبد الله بن صفوان بن أمية7، والمطلب بن أبي وداعة8، وصفية بنت أبي عبيد9، وأبو مجلز10، وآخرون"11.
وذكر بقيّ بن مَخْلَد12: "أنها روى ستين حديثاً"13.
__________
1 البخاري: الصحيح، كتاب التفسير 4/1866، رقم: 4628.
2 صفية بنت حُيَيّ.
3 سَوْدَة بنت زمعة.
4 البخاري: الصحيح، كتاب الهبة 2/911، رقم: 2442.
5 حمزة بن عبد الله بن عمر، شقيق سالم، ثقة، من الثالثة. (التقريب ص 180) .
6 الكوفي، ثقة، من الثانية. (التقريب ص 264) .
7 الجُمحي، ولد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وقُتل وهو متعلق بأستار الكعبة سنة ثلاث وسبعين. (التقريب ص 308) .
8 السّهمي، صحابي، أسلم يوم الفتح ونزل المدينة ومات بها. (التقريب ص 535) .
9 الثقفية.
10 لاحق بن حُميد السّدوسي، مشهور بكنيته، ثقة، توفي سنة ستة وقيل تسع ومئة. (التقريب ص 586) .
11 الذهبي: التذهيب 4 / ق / 319.
12 شيخ الإسلام، أبو عبد الرحمن الأندلسي القرطبي، صاحب التفسير والمسند، كان إماماً مجتهداً صالحاً، رأساً في العلم، توفي سنة ست وسبعين ومئتين. (سير أعلام النبلاء 13/285) .
13 بقي بن مخلد: مقدمة المسند ص 85.
(2/655)

قال أبو معشر المدني: "توفيت سنة إحدى وأربعين"1.
وكذا قال أحمد بن أبي خيثمة2 وزاد: "أوّل ما بُويع لمعاوية"3.
وقال الواقدي: "توفيت حفصة عام فتحت أفريقية"4.
روت عن النبي صلى الله عليه وسلم ستين حديثاً، ذكره أبو عبد الرحمن بقي بن مخلد. رحمه الله تعالى.
__________
1 ابن عبد البر: الاستيعاب 4/1812، المزي: تهذيب الكمال 35/154، الذهبي: التذهيب 4 / ق / 320.
2 أحمد بن زهير بن حرب الحَرَشي البغدادي، ثقة حافظ بصير بأيام الناس، توفي سنة تسع وسبين ومئتين. (تاريخ بغداد 4/162، سير أعلام النبلاء 11/492) .
3 المزي: تهذيب الكمال 35/154، الذهبي: التذهيب: 4 / ق / 320.
4 المزي: تهذيب الكمال 35/154، الذهبي: التذهيب 4 / ق / 320، عن ابن وهب عن مروان بن الحكم وهو أمير المدينة. (ابن سعد: الطبقات 8/86، تهذيب الكمال 35/154، تاريخ الإسلام ص 44، سير أعلام النبلاء 2/229، تهذيب التهذيب 12/439) .
(2/656)

الباب الثالث والستون: نبذ من مسانيده
...
الباب الثالث والستون: في ذكر نبذ من مسانيده
روى عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة.
ذكر له بقي بن مخلد: خمس مئة حديث وسبعة وثلاثين حديثاً"1.
وذكر2 بعض من شرح العمدة3.
وقال أبو نعيم الأصبهاني: "أسند عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من المتون سوى الطرق مائتي حديث ونيفاً"4.
فأما الذي أخرج له في الصحاح؛ ففي الصحيحين أحد وثمانون حديثاً، المتفق عليه من ذلك ستة وعشرون حديثاً، وانفرد البخاري بأربعة وثلاثين، ومسلم بأحد وعشرين5.
ونحن نذكر نبذة من أحاديثه تبركاً بها، وجميع ما أذكره لنا به السند المتصل إليه، لكن تركت ذكر السند لأجل الاختصار، فإني ذاكرُ ذلك من الصحيحين، ومسند الإمام أحمد، وسندنا فيهن مشهور. / [96 / ب] .
الحديث الأوّل: عن علقمة بن وقاص عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنما الأعمال بالنيّات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته6 إلى الله
__________
1 بقي بن مخلد: مقدمة المسند ص 81.
2 قوله: "وذكر"، تكرر في الأصل، ولعله: (ذلك) .
3 ابن الملقن: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام ق 10 / ب.
4 أبو نعيم: الحلية 1/229.
5 ابن الملقن: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام ق 10 / ب.
6 مطموس في الأصل، سوى (فهجـ) .
(2/657)

ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه". رواه1 الثلاثة2.
الحديث الثّاني: عن ابن عمر قال: قال عمر: "أنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على خفيه في السفر". رواه الإمام أحمد3.
الحديث الثّالث: عن ابن عمر، قال: "سأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم: تصيبني الجنابة من الليل فما أصنع؟، قال: "اغسل ذكرك"، ثم توضأ ثم ارقد"4.
الحديث الرّابع: عن ابن عباس، قال: "شهد عندي رجال مَرْضِيُّون - وأرضاهم عندي عمر - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا صلاة بعد صلاتين: بعد الصّبح حتى تطلع الشّمس، وبعد العصر حتى تغرب الشّمس" 5.
الحديث الخامس: عن عبد الرحمن بن أبي ليلى6، عن عمر قال: "صلاة السفر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفجر ركعتان، وصلاة
__________
1 مطموس في الأصل، سوى (روا) .
2 أحمد: المسند 1/227، رقم: 168، البخاري: الصحيح، كتاب بدء الوحي 1/3 رقم: 1، مسلم: الصّحيح، كتاب الإمارة 3/1515، رقم: 1907.
3 أحمد: المسند 1/212، وإسناده ضعيف، في عاصم بن عبيد الله بن عاصم، ضعيف. (التقريب رقم: 3065) ، وضعّفه أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند رقم: 128) .
4 البخاري: الصحيح، كتاب الغسل 1/110، رقم: 286، مسلم: الصّحيح، كتاب الحيض 1/249، رقم: 305.
5 أحمد: المسند1/203، وإسناده صحيح، البخاري: الصحيح، كتاب مواقيت الصلاة 1/211، رقم: 556، مسلم: الصّحيح، كتاب صلاة المسافرين وقصرها1/567، رقم: 826.
6 الأنصاري، ثقة، اختلف في سماعه من عمر، توفي بوقعة الجماجم سنة ثلاث وثمانين، قيل: إنه غرق. (التقريب ص 34) .
(2/658)

الجمعة ركعتان، تمام من غير قصر على لسان محمّد صلى الله عليه وسلم" 1.
الحديث السّادس: عن ابن عباس قال: قال لي عمر: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الميّت يعذّب ببكاء أهله عليه" 2.
الحديث السّابع: عن راشد بن سعد3 عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه وحذيفة بن اليمان: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأخذ من الخيل والرقيق صدقة4.
الحديث الثّامن: عن سعيد بن المسيب عن عمر، قال: "غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم5 في رمضان والفتحَ في رمضان فأفطرنا فيهما"6.
الحديث التّاسع: عن عاصم بن عمر7 عن أبيه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
__________
1 أحمد: المسند 1/266، رقم: 257، والنسايئ: السنن 3/111، وقال: "عبد الرحمن بن أبي ليلى، لم يسمع من عمر". وإسنادهما ضعيف، لانقطاعه بين عمر وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وضعّفه أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند رقم: 257، وقال: "إسناده ضعيف، لانقطاعه". وابن ماجه: السنن 1/338، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة عن عمر، وإسناده صحيح. وصحّحه أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند 1/267، وصحّحه الألباني: صحيح ابن ماجه قم: 1063-1064.
2 أحمد: المسند 1/319، وإسناده صحيح، وصحّحه أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند رقم: 386، وبنحوه البخاري: الصحيح، كتاب الجنائز 1/432، رقم: 1626، مسلم: الصّحيح، كتاب الجنائز 1/642، رقم: 928.
3 المَقْرَئي الحمصي، ثقة كثير الإرسال، توفي سنة ثمان، وقيل: عشرة ومئة. (التقريب ص204) .
4 أحمد: المسند 1/204، وإسناده ضعيف. وضعّفه أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند رقم: 113، وقال: "إسناده ضعيف، لانقطاعه، راشد بن سعد لم يدرك عمر، ولأن أبا بكر بن عبد الله بن أبي مريم ضعيف، لاختلاطه وسوء حفظه". (التقريب رقم: 7974) .
5 ورد في حديث آخر: " يوم بدر ".
6 أحمد: المسند 1/216، وإسناده ضعيف. لانقطاعه يبن سعيد وعمر. وضعّفه أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند رقم: 140.
7 ابن الخطاب.
(2/659)

"إذا أقبل، وقال: مرّة: جاء الليل من ههنا، ذهب النهار من ههنا، فقد أفطر الصائم"، - يعني: المشرق والمغرب"1.
الحديث العاشر: عن ابن عمر عن عمر: أنه قال: "يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف في المسجد الحرام، لعلّه قال: "فأوف بنذرك" 2.
الحديث الحادي عشر: عن سويد بن غَفَلة3، قال: "رأيت عمر يُقبِّل الحجر ويقول: "ني لأعلم أنك حجر لا تضرّ ولا تنفع، ولكني رأيت أبا القاسم بك حَفِيّاً"4، 5.
الحديث الثّاني عشر: عن عمرو بن ميمون، قال: "سمعت عمر بن الخطّاب رض ي الله عنه يقول: "كان أهل الجاهلية لا يفيضون من جَمْع6 حتى يرّوا الشمسَ على ثبير، وكانوا يقولون: أشرِق ثَبير كيما نُغير، فأفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل طلوع الشمس على ثبير"7.
الحديث الثّالث عشر: عن ابن المسيب أن عمر قال:
__________
1 أحمد: المسند 1/238، رقم: 192، وإسناده صحيح. البخاري: الصحيح، كتاب الصوم2/691، رقم: 1853، مسلم: الصّحيح، كتاب الصيام2/772، رقم: 1100.
2 أحمد: المسند 1/265، رقم: 255، وإسناده صحيح. البخاري: الصحيح، كتاب الاعتكاف2/718، رقم: 1937، مسلم: الصّحيح، كتاب الأيمان3/1277، رقم: 1656.
3 الجُعْفي، مخضرم، من كبار التابعين. قدم المدينة يوم دفن النبي صلى الله عليه وسلم وكان مسلماً في حياته، ثم نزل الكوفة، وتوفي سنة ثمانين، وله مئة وثلاثون سنة. (التقريب ص 260) .
4 حفيّاً: معتنياً. (لسان العرب 14/188) .
5 أحمد: المسند 1/273، وإسناده صحيح. مسلم: الصّحيح، كتاب الحج 2/926، رقم: 1271.
6 جمع: هو المزدلفة. (معجم البلدان 1/163) .
7 أحمد: المسند 1/283، وإسناده صحيح. البخاري: الصحيح، كتاب الحج 2/604، رقم: 1600.
(2/660)

"إن من آخر ما أُنْزِل آية الربا، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي ولم يفسرها، فدعو الرّبا والرِّيبة"1.
الحديث الرّابع عشر: عن عمر قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الذّهب بالذّهب ربا إلاّ هاءَ وهاء23، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء4، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء5، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء" 6، 7
الحديث الخامس عشر: عن ابن عمر عن عمر قال: "حملت على فرس في سبيل الله فأضاعه صاحبه، فأردت أن أبتاعه وظننت أنه بائعه رخص، فقلت: حتى أسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "لا تبتعه وإن أعطاكه بدرهم8، فإن
__________
1 أحمد: المسند 1/262، وابن ماجه: السنن 2/764، وإسناده ضعيف، لانقطاعه سعيد بن المسيب لم يسمع من عمر. وضعّفه أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند، رقم: 246، وقال: "إسناده ضعيف، لانقطاعه". وابن كثير: التفسير1/85، عن المسند. والسيوطي: الدر المنثور 1/365، ونبسه لابن جرير وابن المنذر.
2 في الأصل: (هات) ، وهو تحريف.
3 إلا هاء وهاء: فيه لغتان: المدّ والقصر، والمدّ أفصح وأشهر. وأصله: هاك. فأبدلت المدة من الكاف، ومعناه: أن يقول كلّ واحدٍ من البيّعين: هاءَ، فيعطيه ما في يده. كالحديث الآخر: "إلا يداً بيدٍ". يعني: مقابضة في المجلس. وقيل: معناه: هاكَ وهاتِ. أي: خذ وأعط. (النهاية 1/237، لسان العرب 15/482، فتح الباري 4/378) .
4 في الأصل: (هات) ، وهو تحريف.
5 في الأصل: (هات) ، وهو تحريف.
6 في الأصل: (هات) ، وهو تحريف.
7 أحمد: المسند 1/225، رقم: 162، وإسناده صحيح. البخاري: الصحيح، كتاب البيوع 2/750، رقم: 2027. مسلم: الصّحيح، كتاب المساقاة 3/1290، رقم: 1586.
8 في الأصل: (بدهم) ، وهو تحريف.
(2/661)

الذي يعود في صدقته كالكلب يعود في قيئه" 1. / [97/أ] .
الحديث السّادس عشر: عن معدان بن أبي طلحة قال: "قال عمر: "ما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة2، حتى طعن بإصبعه في صدري، وقال: "تكفيك آية الصّيف3 التي في آخر سورة النساء" 4.
الحديث السّابع عشر: عن عمرو5 بن شعيب6 عن أبيه7 عن جدّه8 ع ن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يرث المال من يرث الوَلاءَ" 9.
الحديث الثّامن عشر: عن عمرو بن شعيب قال: قال عمر: "لولا أني
__________
1 أحمد: المسند 1/75، رقم: 281، وإسناده صحيح. البخاري: الصحيح، كتاب الجهاد 3/1093، رقم: 2841، مسلم: الصّحيح، كتاب الهبات3/1239، رقم: 1620.
2 الكلالة: الرجل الذي لا ولد له ولا والد. (لسان العرب11/592، تفسير ابن كثير2/36) .
3 آية (176) : {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ} ، الآية. وسميت آية الصيف؛ لأنها نزلت في الصيف. (انظر: تفسير الطبري 8/44) .
4 أحمد: المسند 1/231، رقم: 179، وإسناده صحيح. مسلم: الصّحيح، كتاب الفرائض 3/1236، رقم: 1617.
5 في الأصل: (عمر) ، وهو تحريف.
6 ابن محمّد بن عبد الله، صدوق، توفي سنة عشرة ومئة. (التقريب ص 423) .
7 شعيب بن محمّد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، صدوق ثبت سماعه من جدّه، من الثالثة. (التقريب ص 267) .
8 عبد الله بن عمرو بن العاص.
9 أحمد: المسند 1/220، وإسناده حسن. في إسناده ابن لهيقة، وهو سيء الحفظ، لكن تابعه محمّد بن عجلان. (ابن الجارود رقم: 788، البيهقي: السنن: 8/37) ، والهيثمي: مجمع الزوائد 4/231، وقال: "رواه ابن ماجه وغيره بغير هذا السياق، ورواه أحمد وإسناده حسن". وصحّحه أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند، رقم: 147، الألباني في إرواء الغليل 7/269.
(2/662)

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ليس للقاتل شيء"، لورّثتك، قال: ودعا أخا المقتول فأعطاه الإبل" 1.
الحديث التّاسع عشر: عن مُحَرِّر بن أبي هريرة2 عن أبيه عن عمر: "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن العزل عن الحرّة إلا بإذنها"3.
الحديث العشرون: عن أنس بن سيرين4 قال: قلت لا بن عمر: "حدّثني عن طلاقك امرأتك؟ "، قال: "طلّقتها وهي حائض، فذكرت لعمر، فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مُرْه فليراجعها فإذا طهرت فليطلّقها في طهرها" 5.
الحديث الحادي والعشرون: عن ابن عمر أن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله عزوجل ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم"، قال عمر: "فوالله ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها، ولا تكلمت بها ذاكراً ولا آثراً6"7.
__________
1 أحمد: المسند 1/305، وإسناده ضعيف. لانقطاعه بين عمرو بن شعيب وعمر، وضعّفه أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند، رقم: 347.
2 يروي عن أبيه، وروى عنه الشعبي وأهل الكوفة. (الثقات 460) .
3 أحمد: المسند 1/247، ابن ماجه: السنن 1/620، وإسناده ضعيف. فيه ابن لهيعة وهو ضعيف. وضعّفه البوصيري، وقال: "في إسناده لهيعة وهو ضعيف". (مصباح الزجاجة 2/99) ، والألباني (ضعيف سن ابن ماجه ص 148) .
4 الأنصاري، أخو محمّد، ثقة توفي سنة ثماني عشرة، وقيل: سنة عشرين ومئة. (التقريب ص 115) .
5 أحمد: المسند 1/286، وإسناده صحيح. وصحّحه أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند، رقم: 304.
6 آثراً: أي: مخبراً عن غيري أنه حلف به. (لسان العرب 4/6) .
7 أحمد: المسند 1/204، رقم: 112، وإسناده صحيح. البخاري: الصحيح، كتاب الأيمان والنذور 6/2449، رقم: 6271، مسلم: الصّحيح، كتاب الأيمان 3/1266، رقم: 1646.
(2/663)

الحديث الثّاني والعشرون: عن عبد الله بن الزبير، قال: "سمعت عمر يقول في خطبته: "إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من يلبس الحرير في الدنيا فلا يُكسَاه في الآخرة" 1.
الحديث الثّالث والعشرون: عن عقبة بن عامر2، قال: "حدّثني عمر أنه سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من مات يؤمن بالله واليوم الآخر، قيل له: ادخل من أيّ أبواب الجنة الثمانية شئت" 3.
الحديث الرّابع والعشرون: عن عمار بن أبي عمار45: أن عمر قال: "إن6 رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في يد رجل خاتماً من ذهب فقال: "ألق ذا"، فألقاه7 فتختم8 بخاتم من حديد، فقال: "ذا شرّ منه"، فتختم بخاتم من
__________
1 أحمد: المسند 1/210، رقم: 123، وإسناده صحيح. البخاري: الصحيح، كتاب اللباس 5/2916، رقم: 5496، بنحوه، مسلم: الصّحيح، كتاب اللباس والزينة 3/1641 رقم: 2096.
2 الجهني، صحابي ولي إمرة مصر لمعاوية ثلاث سنين. وكان فقيهاً فاضلاً، توفي قرب الستين. (التقريب ص 395) .
3 أحمد: المسند 1/196، وإسناده حسن، فيه شَهْر بن حوشب وهو صدوق كثير الإرسال والأوهام. (التقريب رقم: 2830) ، وله شاهد من حديث عبادة بن الصامت بنحوه. (مسلم: الصّحيح 1/57) ، وصحّحه أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند، رقم: 97. وقال: "شهر بن حوشب ثقة تكلم فيه بغير حجة".
4 مطموس في الأصل، سوى (مار) .
5 مولى بني هاشم، صدوق ربما أخطأ، توفي بعد العشرين ومئة. (التقريب ص 408) .
6 في الأصل: (قال) ، وهو تحريف.
7 في الأصل: (فاقاه) ، وهو تحريف.
8 مطموس في الأصل، سوى (تختم) .
(2/664)

فضه فسكت عنه"1.
الحديث الخامس والعشرون: عن جابر: أن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أخبره، أنه رأى رجلاً توضأ للصلاة فترك موضع ظُفْر على ظهر قدمه، فأبصره النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ارجع فأحسن وُضوءك"، فرجع فتوضأ ثم صلى"2.
الحديث السّادس والعشرون: عن أبي عثمان النهدي عن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافقٍ عليم ساحر" 3.
الحديث السّابع والعشرون: عن عمرو بن ميمون عن عمر "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من خمس: "من البخل، والجبن، وفتنة الصدر4، وعذاب القبر، وسوء العمل" 5، 6.
الحديث الثّامن والعشرون: عن عبد الله بن عمور قال: قال عمر ابن الخطّا ب رضي الله عنه: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يقاد لوالد من ولده" 7.
__________
1 أحمد: المسند 1/213، وإسناده ضعيف. لانقطاعه. عمار بن أبي عمار لم يدرك عمر. وضعّفه أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند، رقم: 132.
2 أحمد: المسند 1/214، وإسناده حسن فيه ابن لهيعة وهو صدوق. وصحّحه أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند، رقم: 134، مسلم: الصّحيح، كتاب الطهارة 1/215، رقم: 243، عن معقل عن أبي الزبير عن جابر.
3 أحمد: المسند 1/217، رقم: 143، وإسناده صحيح. وصحّحه أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند، رقم: 143.
4 فتنة الصدر: أن يموت الرجل في فتنة لم يتب منها. (مسند أحمد رقم: 388) .
5 في الأصل: (العمر) ، وهو تحريف.
6 أحمد: المسند 1/218، وإسناده صحيح. وصحّحه أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند، رقم: 143.
7 أحمد: المسند 1/220، وإسناده صحيح. وصحّحه أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند، رقم: 148. وقد مرّ قريباً.
(2/665)

الحديث التّاسع والعشرون: عن زيد بن أسلم عن أبيه ع ن عمر أنه قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ مرّةً مرّة"1.
الحديث الثّلاثون: عن ابن عباس عن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تُطْروني2 كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد الله ورسوله" 3.
الحديث الحادي والثّلاثون: عن النعمان بن بشير عن عمر قال: "لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَلْتَوِي ما يجد ما يملأ به بطنه من الدَّقل"4. 5
الحديث الثّاني والثّلاثون: عن يزيد بن أبي زياد6 عن أبيه7 عن عمر بن الخطّاب ر ضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الولد للفراش" 8.
__________
1 أحمد: المسند 1/220، وإسناده ضعيف، فيه ابن لهيعة. الترمذي: السنن 1/61، وقال: "وليس هذا بشيء، والصحيح ما روى ابن عجلان وهشام بن سعد وسفيان الثوري وعبد العزيز بن محمّد بن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم". البخاري: الصحيح، 1/70، رقم: 156، عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس.
2 الإطراء: مجاوزة الحدّ في المدح والكذب فيه. (النهاية 3/33 لسان العرب 15/6) .
3 أحمد: المسند 3/226، رقم: 164، و154، وإسناده صحيح. البخاري: الصحيح، كتاب الأنبياء 1271، رقم: 3261.
4 الدّقل - بفتح الدال والقاف -: رديء التمر ويابسه. (النهاية 2/127) .
5 أحمد: المسند 1/ 224 رقم 159 وإسناده صحيح، مسلم: الصحيح، كتاب الزهد 4/ 2285 رقم 2978.
6 يزيد بن أبي زياد الهاشمي مولاهم، الكوفي، ضعيف، كبر فتغير وصار يتلقن، وكان شيعياً، توفي سنة ست وثلاثين مئة. (تهذيب التهذيب 11/287، التقريب ص 601) .
7 لم أجد له ترجمة.
8 أحمد: المسند 1/171، وإسناده ضعيف. والحديث رواه ابن ماجه: السنن 1/646، عن أبي شيبة عن سفيان بن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد عن أبيه عن عمر. ورواه البيهقي: السنن الكبرى: 7/402، من طريق الشافعي عن ابن عيينة بإسناده، وفيه قصة ورجال هذا الإسناد ثقات. وقال أحمد شاكر: "وهذا إسناد صحيح. أبو يزيد المكي والد عبيد الله ذكره ابن حبان في الثقات. فيحتمل جداً أن يكون هذا الإسناد هو الأصل، ثم أخطأ الناسخون". ومن طريق آخر رواه البخاري: الصحيح، كتاب البيوع 2/724، رقم: ومسلم: الصّحيح، كتاب الرضاع 2/1080، رقم: 1457.
(2/666)

الحديث الثّالث والثّلاثون: عن ابن عمر عن عمر أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: "أرأيت ما نعمل فيه، أقد فرغ منه، أو في مبتدأٍ أو أمر مبتدع؟ قال: "فيما فرغ منه"، فقال عمر: "ألا نتّكل؟ "، فقال: / [97 / ب] "اعمل يا ابن الخطاب، فكلّ ميسر، أما من كان من أهل السعادة فيعمل للسعادة، وأما أهل الشقاء فيعمل للشقاء" 1.
الحديث الرّابع والثّلاثون: عن أبي تميم الجيشاني2 سمع عمر بن الخطّاب رضي الله عنه ي قول: "إنه سمع نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لو أنكم تتَوَكلُون على الله حقّ توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً" 3، 4.
الحديث الخامس والثّلاثون: عن أبي عثمان5 عن عمر: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في الحرير في إصبعين"6.
__________
1 أحمد: المسند 1/240، وإسناده ضعيف. لضعف عاصم بن عبيد الله. وضعّفه أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند، رقم: 196، والحديث معناه ثابت في حديث آخر رواه أحمد: المسند 1/234.
2 عبد الله بن مالك الجَيْشاني المصري، ثقة، مخضرم، توفي سنة سبع وسبعين. (التقريب ص 319) .
3 أي: تغدو بكرة وهي جياع وتروح عشاء وهي ممتلئة الأجواف. (النهاية 2/80) .
4 أحمد: المسند 1/243، رقم: 205، وإسناده صحيح. ابن ماجه: السنن 2/1394، الترمذي: السنن 4/573، وصحّحه أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند، رقم: 205، والألباني: (صحيح سنن الترمذي 2/274، رقم: 1911، وصحيح ابن ماجه رقم: 4164) .
5 النهدي.
6 أحمد: المسند 1/261، رقم: 242، وإسناده صحيح. وصحّحه أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند، رقم: 242، وقد سبق تخريجه ص 545.
(2/667)

الحديث السّادس والثّلاثون: عن ابن عباس قال: قال عمر: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كان منكم ملتمساً ليلة القدر فليلتمسها في العشر الأواخر وتراً" 1.
الحديث السّابع والثّلاثون: عن أبي عثمان النهدي، عن عمر أنه قال: "اتّزروا واتدُوا وانتَعِلوا، وألقوا الخفافَ والسراويلاتِ وألقوا الرّكبَ، وانزووا نزواً، وعليكم بالمعدّيّة، وارموا الأغراض، وذروا التّنعّم وزيّ العجم، وإياكم والحرير، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد2 نهى عنه، و [قال] 3: "لا تلبسوا من الحرير إلا ما كان هكذا، وأشار رسول الله بإصبعه" 4.
الحديث الثّامن والثّلاثون: عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطّاب رضي الله عن هـ قال: "إياكم أن تهلِكوا عن آية الرجم، وأن يقول قائل: لا نجد حدّين في كتاب الله، فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رجم ورجمنا بعده"5.
__________
1 أحمد: المسند 1/284، وإسناده صحيح، وصحّحه أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند، رقم: 298.
2 في الأصل: (عن) ، وهو تحريف.
3 سقط من الأصل.
4 سبق تخريجه ص 558.
5 أحمد: المسند 1/285، رقم: 302، وإسناده ضعيف، سعيد بن المسيب لم يسمع من عمر. والحديث ثابت من طريق آخر، عن ابن عباس عن عمر بأطول، أحمد: المسند 1/223، رقم: 156، والبخاري: الصحيح، كتاب المحاربين 6/2503، رقم: 6442، ومسلم: الصّحيح، كتاب الحدود 3/1317، رقم: 1691.
(2/668)

الحديث التّاسع والثّلاثون: عن عثمان بن عبد الله بن سراقة1، عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أظلّ رأس غازٍ أظله الله يوم القيامة، ومن جهّز غازياً حتى يستقلّ بجهازه كان له مثل أجره، ومن بنى مسجداً يذكر فيه اسم الله بنى الله له بيتاً في الجنة" 2.
الحديث الأربعون: عن سالم عن أبيه عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال في سوق: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت بيده الخير وهو على كلّ شيء قدير، كتب الله له بها ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة، وبنى له بيتاً في الجنة" 3.
هذا الحديث ليس من الصحيحين، ولا من المسند4. / [98 /أ] .
__________
1 العدوي، المدني، سبط عمر، ثقة ولي مكّة، توفي سنة ثماني عشرة ومئة. (التقريب ص384) .
2 أحمد: المسند1/316 رقم: 376، ابن ماجه: السنن1/921، ابن حبان: الصحيح 7/70، الحاكم: المستدرك 2/89، وصحّحه، ووافقه الذهبي. والحديث ضعيف. لانقطاعه، عثمان بن عبد الله لم يدرك عمر، وروايته عنه مرسلة. (انظر: جامع التحصيل في أحكام المراسيل ص 287، تهذيب التهذيب 7/119) . قال البوصيري في مصباح الزجاجة: "إسناده صحيح، إن كان عثمان بن عبد الله سمع من عمر". فقد قال في التهذيب: "إن روايته عنه مرسلة". وضعّفه أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند، رقم: 376. والألباني في ضعيف ابن ماجه ص 222، رقم: 603، وضعيف الجامع رقم: 5547.
3 أحمد: المسند 1/297، وإسناده ضعيف جداً. فيه عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير ضعيف. (التقريب رقم: 5025) . وضعّفه أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند، رقم: 327. وقال: "إسناده ضعيف جداً".
4 هذا وهم من المؤلّف، الحديث في مسند الإمام أحمد.
(2/669)

الباب الرابع والستون: كلامه في الزهد والرقائق
...
الباب الرابع والستون: في ذكر كلامه في الزهد والرقائق
ذكر ابن الجوزي عن ثابت بن الحجاج1 قال: قال عمر رضي الله عنه: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، أهون عليكم في الحساب غداً، أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنْكُم خَافِيَةٌ} [الحاقة: 18] 2.
وعن جابر بن عبد الله، قال: "رأى عمر بن الخطّاب رضي الله عنه في يدي لحماً معلقاً، قال: "ما هذا؟ "، قلت: اشتهيت لحماً فاشتريته، فقال عمر: "كلما اشتهيت اشتريت! أما تخاف هذه الآية: {أَذْهَبْتُم طَيِّبَاتِكُم فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا} [الأحقاف: 1] 3.
وعن الحسن4 قال: "دخل عمر رضي الله عنه على ابنه عبد الله وإذا عندهم لحم، فقال: "ما هذا اللحم؟ "، قال: "اشتهيته"، قال: "وكلما
__________
1 الكلابي، الرّقي، ثقة، من الثالثة. (التقريب ص 812) .
2 ابن الجوزي: مناقب ص 178، أحمد: الزهد ص 120. وأبو نعيم: الحلية 1/52، ومداره على ثابت فيكون إسناده ضعيفاً لانقطاعه، ثابت بن الحجاج لم يدرك عمر. وابن أبي شيبة: المصنف 13/270، وإسناده منقطع وفيه رجل مبهم، وابن المبارك: الزهد ص 103، عن مالك بن مغول وهو ضعيف لانقطاعه. ومالك: الموطّأ2/111 (رواية أبي مصعب) ، وإسناده منقطع بين يحيى بن سعيد وعمر. والترمذي: السنن 4/638. وقال: "ويروى عن عمر بدون إسناد".
3 أحمد: الزهد ص 123، 124، وإسناده ضعيف. لإبهام أحد رواته. والطبري في تهذيب الآثار (مسند عمر) 2/718، رقم: 1038. وإسناده ضعيف، فيه عبد الله ابن عمر بن حفص العدي وهوضعيف. وابن الجوزي: مناقب ص178، بدون إسناد.
4 البصري.
(2/670)

اشتهيت شيئاً أكلته! كفى بالمرء سرفاً أن يأكل كلما اشتهى"1.
وعن الحسن2 قال: "مرّ عمر رضي الله عنه على مَزْبَلة3 فاحتبس عندها، فكأن أصحابه تأذوا بها، فقال: "هذه دنياكم التي تحرصون عليها"4.
وعن الأحنف بن قيس قال: قال عمر: "يا أحنف من كثر ضحكه قلت هيبته، ومن مزح استخف به، ومن أكثر من شيء عرف به، ومن كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه قلّ حياؤه، ومن قلّ حياؤه قلّ ورعه، ومن قلّ ورعه مات قلبه"5.
وعن عبيد الشيباني6 قال: قال عمر لابنه: "يا بني اتّق الله، وأقرض الله يجزك، واشكره يزدك، واعلم أنه لا مال لمن لا رفق له، ولا جديد لمن لا خلق له، ولا عمل لمن لا نية له"7.
__________
1 أحمد: الزهد ص 123، وإسناده صحيح إلى الحسن، لكنه منقطع بين الحسن وعمر. وابن المبارك: الزهد ص 266، بنحوه عن الحسن. وفيه مبارك بن فضالة هو مدلس وقد عنعن. ابن الجوزي: مناقب ص 178، والمتقي الهندي: كنْز العمال 12/620، 621.
2 البصري.
3 الزِّبل: السَّرجين، والمُزْبَلَةُ: ملقاة. (النهاية 2/294، لسان العرب 11/300) .
4 أحمد: الزهد ص 118، وإسناده صحيح إلى الحسن، لكنه ضعيف؛ لانقطاعه؛ الحسن لم يسمع من عمر. وأبو نعيم: الحلية ص 48، عن أحمد بن حنبل، ابن الجوزي: مناقب ص178، الهندي: كنْز العمال3/716، وعزاه لأحمدفي الزهد، والحلية.
5 ابن أبي الدنيا: الصمت ص 221، 443، ابن حبان: روضة العقلاء ص 80، الطبراني: المعجم الأوسط 3/136، ومداره على دريد بن مجاشع ولم أعرفه. وابن الجوزي: مناقب ص 178، والمتقي الهندي: كنْز العمال 16/364.
6 عبيد بن فيروزالشيباني مولاهم، أبو الضحاك الكوفي، ثقة. من الثالثة. (التقريب رقم4388) .
7 ابن الجوزي: مناقب ص 178، وهو ضعيف لانقطاعه. عبيد الشيباني لم يدرك عمر. وابن عساكر: تاريخ دمشق جـ 13 / ق 135، بنحوه عن عوانه وهو ضعيف لانقطاعه. والمتقي الهندي: كنْز العمال 16/155، وابن أبي الدنيا: إصلاح المال مختصراً ص 333، وفيه عبد الله بن عمر العمري وهو ضعيف.
(2/671)

وعن زيد1 قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "من عرض نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن، ومن كتم سرّه كانت الخيرة في يده، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المسلم شرّاً وأنت تجد لها في الخير محملاً2، وما كافأت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه، وعليك بإخوان الصدق، فكثر في اكتسابهم3، فإنهم زين في الرخاء، وعدة عند عظيم البلاء، ولا تهاون في الحلف فيهنك الله"4.
وعن مجاهد قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: ثلاث يصفين لك ود أخيك؛ أن تسلم عليه إذا لقيته، وأن توسع له في المجلس، وأن تدعوه بأحبّ أسمائه إليه، وثلاث من الغَيّ أن تجد على الناس فيما تأتي، وأن ترى من أخيك، أو من الناس ما يخفى عليك من نفسك، وأن تؤذي جليسك فيما لا يعنيك"5.
وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - عن عمر رضي الله عنه قال:
__________
1 لم يتميز عندي.
2 في الأصل: (محلاً) ، وهو تحريف.
3 في الأصل: (فكسر في اكسابهم) ، وهو تحريف.
4 ابن الجوزي: مناقب ص 179، بدون إسناد.
5 ابن الجوزي: مناقب ص 179، بدون إسناد، وهو ضعيف لانقطاعه، مجاهد لم يدرك عمر بن الخطاب. وابن عساكر: تاريخ دمشق جـ 13 / ق 147، عن شهاب بن خراش عن عمه، وهو ضعيف لانقطاعه.
(2/672)

"استعيذوا بالله من معاداة العاقل"1.
وعن محمّد بن شهاب قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "لا تعترض بما لا يعنيك، واعتزل عدوّك، وتحفظ من خليلك إلا الأمين فإن / [98 / ب] الأمين في القوم لا يعادله شيء، ولا تصحب الفاجر فيعلمك فجوره، ولا تفش إليه سرّك، واستشر في أمرك الذين يخشون الله عزوجل"2.
وعن وديعة الأنصاري3 قال: "سمعت عمر بن الخطّاب رضي الله عنه يقول وهو يعظ رجلاً وهو يقول: لا تكلّم فيما لا يعنيك واعتزل عدوّك، واحذر صديقك إلا الأمين، ولا أمين إلا من يخشى الله عزوجل ولا تمش مع الفاجر فيعلمك فجوره، ولا تُطلِعه على سرّك، ولا تشاور في أمرك إلا الذين يخشون الله عزوجل"4.
وعن سليمان بن عبدة5 قال: "قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه:
__________
1 لم أجده.
2 ابن أبي شيبة: المصنف 13/265، 8/572، وأبو نعيم: الحلية 1/55، من طريق ابن أبي شيبة، وابن عساكر: تاريخ دمشق جـ 13 / ق 137، 138، وإسناده ضعيف لانقطاعه، ابن شهاب لم يدرك عمر رضي الله عنه. ابن المبارك: الزهد ص 491، عن عبد الرحمن بن يزيد أخبرني بعض أشياخنا وإسناده ضعيف.
3 لعلّه وديعة بن عمرو الجهني حليف الأنصار، شهد بدراً. (الإصابة 6/315) .
4 ابن أبي شيبة: المصنف 13/275، وفيه وديعة لم أعرفه، ابن أبي الدنيا: الصمت ص 267، وإسناده ضعيف، وفيه وديعة لم أعرفه. ابن الجوزي: مناقب ص 179، وصفوة الصفوة 1/287، بدون إسناد. وابن عساكر: تاريخ دمشق جـ 13 / ق 137، عن مالك بن أنس حدّثني من أرضى، وإسناده ضعيف. وابن حبان: روضة العقلاء ص 89، 90، عن سعيد بن المسيب بأطول، وهو حسن بمجموع طرقه. وانظر: الأثر الذي قبله.
5 لم أجده. ولعلّه عبدة بن سليمان الكلابي، ثقة ثبت. توفي سنة سبع وثمانين ومئة. (التقريب ص 369) .
(2/673)

"لا تظن بكلمة خرجت من امرئ مسلم شرّاً، وأنت تجد لها في الخير محملاً"1.
وعن أبي حاتم2 قال: "قال أبو عبيدة3: "كان عمر بن الخطّاب رضي الله عنه يقول: "كفى بك عيباً أن يبدو لك من أخيك ما يغبى4 عليك من نفسك، وأن تؤذي جليسك بما تأتي مثله"5.
وعن ابن [أبي] 6 نجيح7 عن أبيه8 قال: "قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "إني أحبّ أن يكون الرجل في أهله كالصبي فإذا احتيج إليه كان رجلاً"9.
وعن ابن سلام10 قال: "بينما عمر رضي الله عنه ذات يوم يمشي وبين يديه رجل يخطر11 ويقول: "أنا ابن بطحاء مكّة كُدَيّها
__________
1 ابن الجوزي: مناقب ص 179.
2 العلامة سهل بن محمّد بن عثمان السجستاني ثم البصري، النحوي اللغوي صاحب التصانيف المفيدة، إعراب القرآن، الفصاحة، القراءات، وغيرها، توفي سنة خمس وخمسين ومئتين. (سير أعلام النبلاء 12/268، معجم الأدباء 11/263) .
3 معمر بن المثنى.
4 غَبِيَ الشيء: لم يَفطُن له. (لسان العرب 15/114) .
5 لم أجده من هذا الطريق. وهو ضعيف لانقطاعه بين أبي عبيدة وعمر، وقد سبق تخريجه عن مجاهد ص 672.
6 سقط من الأصل.
7 عبد الله بن أبي نجيح المكي.
8 يسار المكي، مشهور بكنيته، ثقة، توفي سنة تسع ومئة. (التقريب ص 607) .
9 ابن الجوزي: مناقب ص 180، وهو ضعيف لانقطاعه.
10 محمّد بن سلام الجُمحي مولاهم، كان علامة إخبارياً صدوقاً، صنف كتاب: (طبقات الشعراء) ، توفي سنة إحدى وثلاثين ومئتين. (معجم الأدباء 18/204، سير أعلام النبلاء 10/650) .
11 الخاطِر: المُتبختر؛ يقال: خطر يخطر إذا تبختر. (لسان العرب 4/250) .
(2/674)

وكدّائها1، فوقف عليه عمر رضي الله عنه فقال: "إن يكن لك دين فلك كرم، وإن يكن لك عقل فلك مروءة، وإن يكن لك مال فلك شرف، وإلا فأنت والحمار سواء"2.
وعن عبد الله بن عبيد3 قال: "قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "يا معشر المهاجرين لا تكثروا الدخول على أهل الدنيا فإنه مسخطة للرزق4، 5.
وعن مجاهد قال: قال عمر رضي الله عنه: "أيها الناس إياكم والبطنة6 من الطعام فإنه مُكسلة عن الصلاة، مُفسدة للجسد مورثة للسقم، فإن الله عزوجل يبغض الحبر السمين، ولكن عليكم بالقصد في قوتكم فإنه أدنى من الصلاح، وأبعد من السَرَف، وأقوى على عبادة الله عزوجل ولن يُهلَكَ
__________
1 كَدَاء-بالفتح والمد-: جبل بأعلى مكّة عند المحصب، بين جبل الحُجُون وقُعيقان، تصل بين وادي ذي طوى والأبطح، وتعرف الآن باسم الحجون أو الحجول.
وكُدَى-بالضم والتنوين-: ثنية بمكّة يخرج منها الطريق من الحرم إلى جرول. تفصل بين نهاية قعيقان في الجنوب الغربي وجبل الكعبة، وتعرف الآن بريع الرسام. (انظر: معجم البلدان 4/439، معجم معالم الحجاز 7/196، 202) .
2 ابن الجوزي: مناقب ص 180، وهو ضعيف لانقطاعه، وابن أبي الدنيا: إصلاح المال ص 167، والإشراف في منازل الأشراف ص 111، عن فضله، وإسناده ضعيف فيه بكر الغفاري، وفضلة، ولم أجد لهما ترجمة.
3 ابن عمير الليثي.
4 في الأصل: (الرزق) .
5 ابن المبارك: الزهد ص 263، وإسناده ضعيف لانقطاعه، وفيه عبيد الله الوصَافي ضعيف. (التقريب رقم: 4350) ، وابن الجوزي: مناقب ص 180، والمتقي الهندي: كنْز العمال 3/715، وعزاه لابن المبارك.
6 البطنة: الامتلاء الشديد من الطعام. (النهاية 1/136) .
(2/675)

عبدٌ حتى يُؤثِر شهوته على دينه"1، 2.
وعن مالك بن الحارث3، قال: "قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه "التؤدة4 في كلّ شيء خير إلا ما كان من أمر الآخرة"5.
وعن هشام عن أبيه6، قال: عمر رضي الله عنه: "تعلموا أن الطمع فقر وأن اليأس غنى وأن المرء إذا يئس من شيء استغنى عنه"7.
وعن عون بن عبد الله8 قال: "قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه "جالسوا التوابين فإنهم أرق شيء أفئدة"9.
__________
1 في الأصل: (الشرف) ، وهو تصحيف.
2 ابن أبي الدنيا: إصلاح المال ص311، وإسناده ضعيف لانقطاعه، وفيه معلى الجعفي اتفق النقاد على تكذيبه. (التقريب رقم: 6807) ، وابن الجوزي: مناقب ص180.
3 السُّلمي الرقيّ، ويقال: الكوفي، ثقة، من الرابعة، توفي سنة أربع وتسعين. (التقريب ص 6430) .
4 مطموس في الأصل، سوى (التؤد) .
5 وكيع: الزهد 2/523، أحمد: الزهد ص 119، عن وكيع به وإسناده ضعيف لانقطاعه، وفيه الأعمش مدلس، وقد عنعن. وابن الجوزي: مناقب ص 180، والمتقي الهندي: كنْز العمال 3/694.
6 عروة بن الزبير.
7 ابن المبارك: الزهد ص 223، وإسناده صحيح إلى عروة. وكيع: الزهد 2/426، أحمد: الزهد ص 117، عن أبي معاوية ووكيع به، وإسناده صحيح إلى عروة. والمروذي في زيادات زهد ابن المبارك ص 354، وأبو نعيم: الحلية 1/50، وابن الجوزي: مناقب ص 181.
8 الهذلي، الكوفي ثقة عابد، من الرابعة، توفي قبل سنة عشرين ومئة (التقريب ص 434) .
9 ابن المبارك: الزهد ص 223، وإسناده صحيح إلى عون، لكنه منقطع بين عون وعمر. (جامع التحصيل ص 305) ، وكيع: الزهد 2/544، أحمد: الزهد ص 120، عن وكيع به، وابن أبي شيبة: المصنف 13/272، ابن حبان: روضة العقلاء ص 31، وأبو نعيم: الحلية، ابن الجوزي: مناقب ص 181.
(2/676)

وعن سمير بن واصل1 قال: "قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "إذا كان الرجل مقصراً في العمل ابتلى بالهم ليكفر عنه"2.
وعن عبيد بن عمير3 عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه قال: "لا ينبغي لمن أخذ بالتقوى، ووزن بالورع أن يذل لصاحب الدنيا"4.
وعن عمران بن عبد الرحمن5 / [99 / أ] قال: قال عمر بن الخطّابرضي الله عنه: "عليكم بذكر الله فإنه شفاء، وإياكم وذكر الناس فإنه داء"6.
وعن سعيد بن المسيب قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "ما من امرئ مسلم يأتي فضاء من الأرض، فيصلي فيه الضحى ركعتين ثم يقول: "اللهم لك الحمد، أصبحت، عبدك على عهدك ووعدك خلقتني ولم أك شيئاً أستغفرك لذنبي، فإنه قد أرهقتني ذنوبي، وأحاطت بيَ إلا أن تغفر لها، فاغفرها يا أرحم الراحمين، إلا غفر الله له في ذلك المقعد ذنبه،
__________
1 لم أجد له ترجمة.
2 ابن الجوزي: مناقب ص 181، بدون إسناد.
3 الليثي.
4 ابن الجوزي: مناقب ص 181، بدون إسناد.
5 ابن شرحبيل بن حسنة، روى عن أبي خراش، روى عنه عياش بن عباس القتباني المصري. (الجرح والتعديل 6/301) .
6 هناد: الزهد /537، وابن أبي الدنيا: الصمت ص 324، والغيبة 7 / ق أ، والأثر مداره على محرز الشامي وهو مدلس وقد عنعن وأيضاً منقطع بين عمران بن عبد الرحمن، وعمر. وابن الجوزي: مناقب ص 181، والقرطبي: التفسير 16/336، وجعفر شمس الخلافة: كتابالآداب ص 32، وأحمد: الزهد ص 122، من طريق آخر، وقد أرسله الأعمش إلى عمر.
(2/677)

وإن كان مثل زبد البحر"1.
وعن حفص بن عاصم2 قال: "قال عمر رضي الله عنه: "خذوا بحظكم من العزلة"3.
وعن محمّد بن سيرين قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "لا يحزنك أن يجعل لك كثير حظ من أمر دنياك، إذا كنت ذا رغبة في أمر آخرتك"4.
وعن أبي عبد الله الخراساني، قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "من اتقى الله لم يشف غيظه، ومن خاف الله لم يفعل ما يريد، ولولا يوم القيامة لكان غير ما ترون"5.
وعن علي بن حسين6، قال: "قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "ماجرع عبد جرعة7 أحبّ إلى الله من جرعة غيظ"8.
__________
1 ابن الجوزي: مناقب ص 181، بدون إسناد. والمتقي الهندي: كنْز العمال 8/399، وعزاه لابن راهويه وابن أبي الدنيا في الدعاء. وقال: "قال البوصيري في زوائده: "في سنده: أبو قرة الأسدي، قال فهي ابن خزيمة: "لا أعرفه بعدالة ولا جرح". وباقي رجال الإسناد رجال الصحيح".
2 ابن عمر بن الخطاب العمري، ثقة. من الثالثة. (التقريب ص 172) .
3 وكيع: الزهد 2/517، إسناده صحيح إلى حفص، وحفص لم يدرك عمر. وابن سعد: الطبقات 4/161، نعيم بن حماد في زيادته على الزهد لابن المبارك ص 3. ابن أبي عاصم: الزهد والصمت ص 85، عن نعيم بن حماد به. الخطابي: العزلة ص 12، عن نعيم بن حماد به. ابن حبان: روضة العقلاء ص 81، عن نعيم بن حماد به. ابن الجوزي: مناقب ص 181، والمتقي الهندي: كنْز العمال 3/772) .
4 ابن الجوزي: مناقب ص 181، وهو منقطع، ابن سيرين لم يدرك عمر.
5 سبق تخريجه ص 628.
6 ابن عليّ بن أبي طالب.
7 في الأصل: (ما جزع عبد جزعة) ، وهو تصخيف.
8 ابن الجوزي: مناقب ص 182، والمتقي الهندي: كنْز العمال 3/784، وعزاه لأحمد في الزهد.
(2/678)

وعن الأجلح1، قال: قال عمر رضي الله عنه: "إني لأعلم أجود الناس وأحلم الناس، أجود الناس من أعطى من حرمه2، وأحلم الناس من عفى عمن ظلمه"3.
وعن إسماعيل بن أبي خالد قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "كونوا أوعية للكتاب، وينابيع للعلم، وسلوا الله رزق يوم بيوم، وعدوا أنفسكم في الموتى، ولا يضركم أن لا يكثر لكم"4.
وعن نافع5 قال: "سمعت ابن عمر يحدّث قال: "بلغ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أن يزيد بن أبي سفيان6 يأكل أنواع الطعام، فقال لغلام له يقال له: يرفأ: "إذا حضر طعامه فأعلمني"، فلما حضر طعامه جاء فأعلمه فأتى عمر رضي الله عنه فسلم واستأذن فأذن له فدخل فجاءه بلحم، فأكل عمر رضي الله عنه معه منه، ثم قرب شواء فبسط كفّه، فكفّ عمر يده، ثم قال له: "يا يزيد ابن أبي سفيان، طعامٌ بعد طعام؟، والذي نفس عمر بيده، لئن خالفتم عن سنتهم ليخالفن بكم عن طريقهم"7.
__________
1 أجْلَح بن عبد الله الكندي، يقال اسمه: يحيى، صدوق شيعي، من السابعة، توفي سنة خمس وأربعين ومئة. (التقريب ص 96) .
2 في الأصل: (وجهه) ، وهو تحريف.
3 ابن الجوزي: مناقب ص 182، وهو ضعيف لانقطاعه، الأجلح لم يدرك عمر.
4 أحمد: الزهد ص 120، وأبو نعيم: الحلية 1/51، وابن الجوزي: مناقب ص 182، والمتقي الهندي: كنْز العمال 16/159، وهو ضعيف لانقطاعه.
5 مولى ابن عمر.
6 الأموي، صحابي أسلم عام الفتح، وتوفي سنة تسع عشرة. (الإصابة 6/341) .
7 ابن المبارك: الزهد ص 203، 204، ومن طريقه ابن شبه: تاريخ المدينة 3/831، وإسناده ضعيف فيه إسماعيل بن عياش ضعيف في غير أهل الشام. (التقريب ص 473) . قال ابن حجر: "قال ابن صاعد: "تفرد به ابن المبارك".
قلت: وإسماعيل ضعيف في غير أهل الشام. (الإصابة 6/341) ، وابن الجوزي: مناقب ص 182، والمتقي الهندي: كنْز العمال 12/621.
(2/679)

وعن عبد الرحمن بن غنم قال: "قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "ويلٌ لديان من في الأرض من ديان السماء يوم يلقونه إلا من أمر بالعدل، وقضى الحق، ولم يقض على هوى ولا قرابة، ولا رغب، ولا رهب، وجعل كتاب الله بين عينيه"1.
وعن هشام بن عروة، قال: "قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "إذا رأيتم الرجل يضيع الصلاة فهو لغيرها من حق الله أشد تضييعاً"2.
وعن عبد الله بن سليمان3، أن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه قال: "أي الناس أفضل؟ قالوا: المصلون، قال: إن المصلي يكون براً وفاجراً، قالوا: الصائمون، قال: إن الصائم يكون براً وفاجراً، قالوا: المجاهدون في سبيل الله، قال: إن المجاهد يكون4 براً وفاجراً، قال عمر رضي الله عنه: لكن الورع في دين الله يستكمل طاعة الله عزوجل"5.
وعن مجاهد، قال: "كُتب إلى عمر بن الخطّاب رضي الله عنه رجل لا يشتهي المعصية ولا يعمل بها أفضل، أم رجل يشتهي المعصية ولا يعمل بها؟ فكتب عمر رضي الله عنه: "إن الذين يشتهون المعصية
__________
1 أحمد: الزهد ص 125، وإسناده صحيح، وابن الجوزي: مناقب ص 182.
2 ابن الجوزي: مناقب ص 183، ومالك: الموطّأ 1/6 (رواية أبي مصعب) عن نافع وإسناده صحيح.
3 لم أستطع تمييزه.
4 في الأصل: (المجاهدون) ، وهو تحريف.
5 ابن الجوزي: مناقب ص 183.
(2/680)

ولا يعملون بها {أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ الله قُلُوبَهُم لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظيم} [الحجرات: 3] 1.
وعن عطاء بن عجلان2 قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "أوشك أن يقبض هذا العلم قبضاً سريعاً، فمن كان عنده منه شيء فلينشره، غير الغالي3 فيه ولا الجافي4 عنه"5.
وعن عدي بن سهيل الأنصاري6 / [99 / ب] قال: "قام عمرفي الناس خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أما بعد: فإني أوصيكم بتقوى الله ويفني ما سواه7، والذي بطاعته ينفع أولياءه، وبمعصيته يضرّ أعداءه، فإنه ليس لهالك هلك عذر في بعض8 ضلالة حسبها هدى، ولا ترك حقّ حسب ضلالة، قد ثبتت الحجة وانقطع العذر، فلا حجة لأحد على الله عزوجل ألا إن أحق ما تعاهد الراعي رعيته أن يتعاهدهم، بالذي لله عليهم، من وظائف دينهم الذي هداهم به، وإنما علينا أن نأمركم بالذي أمركم الله من طاعته، وأنهاكم عما
__________
1 أحمد: الزهد كما في تفسير ابن كثير7/348، وإسناده صحيح إلى مجاهد. وابن الجوزي: مناقب ص183، والمتقي الهندي: كنْز العمال2/507، ونسبه لأحمد في الزهد.
2 الحنفي البصري العطار، متروك، بل أطلق عليه ابن معين والفلاس وغيرهما الكذب، من الخامسة. (التقريب ص 391) .
3 الغُلُوّ: التشدد، ومجاوزة الحد. (النهاية 3/3829) .
4 الجفاء: ترك الصلة والبر. (لسان العرب 14/148) .
5 ابن الجوزي: مناقب ص 183، وهو ضعيف لانقطاعه، وفيه أيضاً عطاء بن عجلان وهو متروك.
6 لم أجد له ترجمة.
7 مطموس في الأصل، سوى (ما سو) . والعبارة هكذا في الأصل، ومناقب عمر، ولعلّ فيه سقط: (الذي يبقى، ويفني ما سواه) .
8 في الأصل: (بعد) .
(2/681)

نهاكم الله عنه من معصيته، وأن نقيم أمر الله في قريب الناس وبعيدهم، لا نبالي من قال الحق، ليتعلم الجاهل ويتعظ المفرط، وليقتدي المقتدي، وقد علمت أن أقواماً منهم من يقول: بما أمر به، وفعله متول1 عن ذلك وأن أقواماً يتمون2 في أنفسهم ويقولون: نحن نصلي مع المصلين، ونجاهد مع المجاهدين، ننتحل الهجرة، ونقاتل العدوّ، وكل ذلك يفعله أقوام لا يحتملونه بحقه، فإن الإيمان ليس بالتمني ولكنه بالحقائق، فمن قام على الفرائض وسدد نيته وخشيته فذلك الناجي، ومن زاد اجتهاداً وجد عند الله مزيداً، وإن الجهاد سنام العمل، وإنما المهاجرون الذين يهجرون السيّئات ومن يأتي بها، ويقول أقوام جاهدنا3 وإنما الجهاد في سبيل الله اجتناب المحارم مع مجاهدة العدوّ، وإن الأمر جدّ فجدوا، وقد يقاتل أقوام لا يريدون إلا الأجر، وآخرون لا يريدون إلا الذّكر، وإن الله رضي منكم باليسير، وأثابكم على اليسير الكثير، الوظائف الوظائف أدناها يؤدّكم4 إلى الجنة، السنة السنةَ الزموها تنجكم من البدعة، تعلموا ولا تعجزوا فإنه من عجز تكلم، وإن شرار الأمور محدثاتها، وإن الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في الضلالة، فافهموا ما توعظون به، فإن الحَرِيبَ5 من حُرِبَ دينه6، وإن السعيد من وعظ بغيره، وإن الشقي من شقي في بطن أمه، وعليكم بالسمع والطاعة فإن الله قضى لها
__________
1 في الأصل: (متويل) ، وهو تحريف.
2 في الأصل: (ينتمون) ، وهو تصحيف.
3 في الأصل: (هاجرنا) ، وهو تحريف.
4 في مناقب عمر: (أدوها تؤد بكم) .
5 في الأصل: (الخريب من خرب) ، وهو تصحيف.
6 حرب دينه: أي: سُلِبَ دينه. (لسان العرب 1/304) .
(2/682)

بالعز، وإياكم والمعصية والتفرق فإن الله قضى لهما بالذل، وإن للناس نفرة عن سلطانهم، فعائذ بالله أن يدركني"1.
وعن الأعمش عن إبراهيم2 قال: "سمع عمر رضي الله عنه رجلاً يقول: اللهم إني أستنفق نفسي ومالي في سبيل الله، فقال عمر: "أولا يسكت أحدكم فإن ابتلي3 صبر، وإن عوفي شكر"4.
وعن عبد الله بن عبيد5، قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "لا تدخلوا على [أهل] 6 الدنيا فإنه مسخطة 7للرزق"8.
وعن محمّد بن مرّة البسري9، قال: قال: قال عمر رضي الله عنه: "الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن"10.
وعن حبيب بن أبي ثابت قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "تعاهدوا الرجال في الصلاة، فإن كانوا مرضى فعودوهم، وإن كانوا غير
__________
1 ابن الجوزي: مناقب ص 183، 184.
2 النخعي.
3 في الأصل: (ابلى) ، وهو تحريف.
4 أبو نعيم: الحلية 1/51، وابن الجوزي: مناقب ص 185، والمتقي الهندي: كنْز العمال 3/351، الأثر ضعيف لانقطاعه، إبراهيم لم يدرك عمر.
5 الليثي.
6 مطموس في الأصل.
7 في الأ صل " مسخط ".
8 سبق تخريجه ص 675.
9 لم أجد له ترجمة. ولعلّه القرشي الكوفي، صدوق، من السابعة. (التقريب ص 506) .
10 ابن الجوزي: مناقب ص 185، وفيه محمّد بن مرة لم أجد له ترجمة. ابن المبارك: الزهد ص 210، عن بقية بن الوليد، وهو ضعيف لانقطاعه، والمتقي الهندي: كنْز العمال 3/715، ونسبه لابن المبارك.
(2/683)

ذلك فعاتبوهم"1.
وعن أبي فراس قال: قال عمر رضي الله عنه: "أيها الناس إنما كنا نعرفكم إذ بين أظهرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذ ينْزل الوحي وينبئنا الله من أخباركم، فقد ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم وانقطع الوحي، وإنما نعرفكم بها2 فأقول لكم: من أظهر منكم خيراً ظننا به خيراً، وأحببناه عليه، ومن أظهر منكم شرّاً ظننا به شرّاً / [100 / أ] وأبغضناه عليه، سرائركم بينكم وبين ربّكم، ألا وإنه قد أتى عليّ حينٌ، وأنا أرى أنه من قرأ القرآن إنما يريد الله وما عنده وقد خيل إليّ بآخرةٍ أن رجالاً يقرؤونه، يريدون ما عند الناس، فأريدوا الله بقراءتكم وأعمالكم"3.
وعن عبد الله بن عُكيم4، قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "إنه لا حلَم أحبّ إلى الله من حلم إمام ورفقه، ولا جهل أبغض إلى الله من جهل إمام وخُرقِه5، ومن يعمل بالعفو بين ظهرانيه، فإن العافية من فوقه، ومن ينصف الناس من نفسه يُعطى الظفر في أمره، والذّلّ في الطاعة أقرب إلى البرّ من التعزّز6 في المعصية"7.
__________
1 ابن الجوزي: مناقب ص 185، هو ضعيف لانقطاعه، حبيب بن أبي ثابت لم يدرك عمر.
2 في مسند أحمد: (بما تقول) ، وفي مناقب عمر: (بها فأقول) ، وفي هامش الأصل: (لعلّه: أظهرتم) .
3 سبق تخريجه ص 554.
4 في الأصل: (حكيم) ، وهو تحريف. وهو الجهني.
5 الخرق - بالضم - الجهل والحمق، وقد خَرِقَ يَخْرق خَرَقاً فهو أخرق والاسم الخُرق بالضم. (النهاية 2/26) .
6 في الأصل: (التعزّر) ، وهو تصحيف.
7 هناد: الزهد 2/602، وإسناده ضعيف، فيه عبد الرحمن بن إسحاق ضعيف. (التقريب رقم 3799) ، وابن الجوزي: مناقب ص 186، والمتقي الهندي: كنْز العمال 5/770، ونسبه لهناد.
(2/684)

وعن سلمة بن شهاب العبدي1، قال: قال عمر رضي الله عنه: "أيتها الرعية إن لنا عليكم حقّ النصيحة في الغيب، والمعاونة على الخير، وإنه ليس شيء أحبّ إلى الله وأعم نفعاً من حلم إمام ورفقه وليس شيء أبغض إلى الله من جهل إمام وخرقه"2.
وعن سفيان3 رضي الله عنه، قال: "كتب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى: "إن الحكمة ليست عن كبر السن، ولكنه عطاء الله يعطيه من يشاء، وإياك ودناءة الأمور"4.
وعن هشام5 عن أبيه قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه في خطبته: "الطمع فقر، وإن المرء إذا أيس من شيء استغنى عنه"6.
وفي رواية: "عليكم باليأس مما في أيدي الناس، فما يأس عبد من شيء إلا استغنى عنه، وإياكم والطمع فإن الطمع فقر"7.
__________
1 يروي المراسيل، روى عنه إسماعيل بن أبي خالد. (الثقات 6/397) .
2 هناد: الزهد 2/602، وفيه سلمة بن شهاب لم يوثّقه غير ابن حبان. باقي رجاله ثقات. وابن الجوزي: مناقب ص 186، والمتقي الهندي: كنْز العمال 5/769، 770، وقد سبق تخريجه من طرق أخرى ص 608، 614.
3 الثوري.
4 ابن أبي الدنيا: الإشراف ص 112، وهو ضعيف لانقطاعه، وابن الجوزي: مناقب ص 186، والمتقي الهندي: كنْز العمال 16/265، ونسبه لابن أبي الدنيا في كتاب الإشراف، والدينوري.
5 في الأصل: (عروة) ، وهو تحريف.
6 سبق تخريجه ص 638.
7 ابن الجوزي: مناقب ص 186، بدون إسناد.
(2/685)

وعن العلاء بن المسيب1 قال: قال عمر رضي الله عنه: "تعلّموا العلم، وتعلموا للعلم السكينة، والحلم، وتواضعوا لمن تعلموا منه، ولا تكونوا جبابرة العلماء، فلا يقوم عملكم2 بجهلكم"3.
وعن مجاهد قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "يا أهل العلم والقرآن، لا تأخذوا للعلم4 والقرآن ثمناً، فتسبقكم الزّناة إلى الجنة"5.
وعن قيس بن أبي حازم، قال: "قدمنا على عمر بن الخطّاب رضي الله عنه فقال: "من مؤذنيكم؟ "6، فقلنا: عبيدنا وموالينا"، فقال بيده يقبلها: "عبيدنا وموالينا، إن ذلك بكم لنقص شديد، لو أطقت الآذان مع الخلافة لأذنت"7.
وعن عثمان النهدي، قال: قال عمر رضي الله عنه: "إن خفق8 النعال خلق الأحمق، قلما تبقى من دينه"9.
__________
1 الكاهلي، الكوفي، ثقة ربما وهم، من السادسة. (التقريب ص 436) .
2 في الأصل: (عليكم) ، وهو تحريف.
3 أحمد: الزهد ص120، عن العلاء بن عبد الكريم عن بعض أصحابه. وإسناده ضعيف لانقطاعه، ولجهالة أحد رجال السند. وابن الجوزي: مناقب ص 186، بدون إسناد.
4 في الأصل: (العلم) ، وهو تحريف.
5 الخطيب البغدادي: الجامع 1/356، وإسناده ضعيف لانقطاعه، مجاهد لم يدرك عمر، ابن الجوزي: مناقب ص 186، والمتقي الهندي: كنْز العمال 2/336، ونسبه للخطيب في الجامع.
6 في السنن، ومناقب عمر، والكنْز: (مؤذنكم) .
7 عبد الرزاق: المصنف 1/486، وإسناده صحيح. وابن أبي شيبة: المصنف 1/224، ابن سعد: الطبقات 3/290، بأخصر، البيهقي: السنن 1/426، ابن الجوزي: مناقب ص 186، 187، والمتقي الهندي: كنْز العمال 8/339.
8 الخفق: صوت النعال وما أشبهها من الأصوات. (لسان العرب 10/83) .
9 ابن الجوزي: مناقب ص 187، عن الحسن البصري.
(2/686)

وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: "كان عمر بن الخطّاب رضي الله عنه يأمرنا أن نعلق نعائلنا1 في شمائلنا، ونمشي حفاة، وقال: كان يعلق نعليه ويمشي من القرية إلى القرية حافياً"2.
وعن النعمان بن بشير - رضي الله عنهما - قال: "سئل عمر رضي الله عنه عن التوبة النصوح، فقال: التوبة / [100 / ب] النصوح؛ أن يتوب الرجل من العمل السيء، ثم لا يعود إليه أبداً"3.
وعن يزيد بن الأصم، قال: "سمع عمر بن الخطّاب رضي الله عنه رجلاً يقول: "أستغفر الله وأتوب إليه"، فقال: "ويحك، أتبعها أختها، فاغفر لي وارحمني"4.
وذكر أبو القاسم الأصفهاني: أن عمر قال في خطبته: "أيها الناس حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا وتزينوا للعرض الأكبر يوم تعرضون لا تخفى منكم خافية"5.
قال ومن كلامه وهو يخطب: "أيها الناس إن بعض الطمع فقر، وبعض اليأس غنى، وإنكم تجمعون ما لا تأكلون، وتأملون6 ما لا تدركون، إنكم كنتم تؤخذون بالوحي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن أسرّ أخذ بسريرته،
__________
1 في مناقب عمر: (نعالنا) .
2 ابن الجوزي: مناقب ص 187.
3 ابن أبي شيبة: المصنف 3/279، وإسناده صحيح، وابن الجوزي: مناقب ص 187.
4 هناد: الزهد 2/464، وأحمد: الزهد ص: 122، وإسنادهما حسن إلى يزيد بن الأصم، وهو منقطع يبن زيد وبين عمر. وابن الجوزي: مناقب ص 187.
5 أبو القاسم الأصفهاني: سير السلف ص 187، 188، وقد سبق تخريجه ص 764.
6 مطموس في الأصل، سوى (وتأما) .
(2/687)

ومن أعلن أخذ بعلانيته، فأرونا أحسن أعمالكم، الله أعلم بما يغيب عنا منكم، أرونا علانية حسنة، فإنه من يحدّثنا منكم أن سريرته حسنة لم نصدقه إن كانت علانيته سيّئة، واعلموا أن بعض الشحّ شعبة من النفاق فأنفقوا1 خيراً لأنفسكم {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} [الحشر: 9] 2.
وقال عمر رضي الله عنه: "إذا رأيت من الرجل خصلة تسوءك فاعلم أن لها أخوات، وإذا رأيت من الرجل خصلة تسرّك3 فاعلم أن لها أخوات، واعلم أن الرجل ليس بالرجل4 الذي إذا وقع في الأمر تخلص منه، ولكن الرجل الذي يتوقى الأمر حتى لا يقع فيه، واعلم أن اليأس غنى، وأن الطمع فقر حاضر، وأن المرء إذا يئس من شيء استغنى عنه"5. / [101 / أ] .
__________
1 مطموس في الأصل، سوى (فأنففـ) .
2 أبو القاسم الأصفهاني: سير السلف ص 188.
3 في الأصل: (ترك) ، وهو تحريف.
4 مطموس في الأصل، سوى (الرجـ) .
5 أبو القاسم الأصفهاني: سير السلف ص 188.
(2/688)

الباب الخامس والستون: ماتمثل به من الشعر
...
الباب الخامس والستون: في ذكر ما تمثل به من الشّعر
ذكر ابن الجوزي عن سفيان الثوري، قال: "بلغني أن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه كان يتمثل:
لا يغُرّنك عيشُ1 ساكن ... قد يوافي بالمنيات السَّحَر2
وعن معاذ بن عبد الله بن خُبيب3 عن أبيه4 قال: قلما خطبنا عمر بن الخطّاب رضي الله عنه إلا قال:
إنّ شرخ5 الشباب والشّعر الأسود ... ما لم يُعَاصَ كان جنوناً6
وعن مسروق قال: "خرج إلينا7 عمر بن الخطّاب رضي الله عنه ذات يوم وعليه حلة قطن8، فنظر إليه الناس نظراً شديداً فقال:
لا شيءَ فيما ترى إلا بشاشته ... يبقى الإله ويُودَى9 المال والولد
__________
1 في الأصل: (عيشاً) ، وفي مناقب عمر: (عشاءٌ) .
2 ابن الجوزي: مناقب ص 187، والمتقي الهندي: كنْز العمال 3/818، ونسبه لابن أبي الدنيا في قصر الأمل.
3 الجهني، صدوق، ربما وهم، من الرابعة. (التقريب ص 536) .
4 الجهني، حليف الأنصار، مدني، له صحبة. (التقريب ص 301) .
5 الشّرخ: أول الشباب. (القاموس ص 324) .
6 ابن أبي شيبة: المصنف3/793، وإسناده حسن. وابن الجوزي: مناقب ص187، 188.
7 في الزهد، ومناقب عمر، والكنز: (علينا) .
8 في الأصل: " وعليه فطر " وهو تحريف.
9 يودي: أودى الرجل: هلك، فهو مُودٍ. (مختار الصحاح ص 566) .
(2/689)

والله ما الدنيا في الآخرة ... إلا كنفجة1 أرنبٍ2.
وعن سعيد بن المسيب، قال: حج عمر رضي الله عنه فلما كان بضجنان قال: لا إله إلا الله العظيم المعطي ما شاء لمن شاء، كنت أرعى أبل الخطاب بهذا الوادي، في مدرعة صوف، وكان فظاً، ويتعبني إذا عملت، ويضربني إذا قصرت، وقد أمسيت ليس بيني وبين الله أحد ثم تمثل:
لا شيء فيما ترى تَبْقى بَشَاشَته ... يَبْقَى الإله ويفنى المال والولد
لم تُغن عن هُرْمُزٍ يوماً خزَائنه ... والخُلْدَ قد حاولت عادٌ3 فما خلدُو
ولا سُليمانُ إذ تجري الرِّياحُ له ... والأُنس والجِنُّ فيما بينها تردُ
أين الملوكُ التي كانت نَوَافِلُها ... من كلّ أوْبٍ إليها راكبٌ يفدُ
حوضاً4 هناك5 مورداً بلا كِذبٍ ... لا بدَّ من وِرِدِهِ يوماً كما وَردوا6
وعن عمر المديني7 قال: قال عمر رضي الله عنه: والله ما وجدت لأبي بكر
__________
1 كنفجة الأرنب: أي: كوثبة من مَجْثَمِهِ، يريد تقليل مدتها، وقد ورد في الحديث: "فانتفجت منه الأرانب"، أي: وثبت. (النهاية 5/88) .
2 هناد: الزهد 1/318، وفي سنده مجالد بن سعيد - ليس بالقوي -. وقد تغير في آخر عمره. (التقريب رقم: 6487) . وابن الجوزي: مناقب ص 188، والمتقي الهندي: كنْز العمال 12/629، ونسبه لهناد وابن أبي الدنيا في قصر الأمر.
3 في الأصل: (عاداً) ، وهو تحريف.
4 في الأصل: (حوضنا) ، وهو تحريف.
5 في تاريخ الطبري: (هنالك) .
6 البلاذري: أنساب الأشراف (الشيخان: أبو بكر وعمر) ص 155، والطبري: التاريخ 4/219، وفي إسنادهما ابن جُعْدُبة الليثي كذبه مالك وغيره. (التقريب رقم: 7761) . وابن عساكر: تاريخ دمشق جـ 13 / ق 115، عن ابن جعدبة.
7 لم أجد له ترجمة.
(2/690)

مثلاً، إلا ما قاله أبو نميلة السلمي1:
من يسع كي يدركَ أفعاله ... يجتهدُ السَد بأرض فضاء
والله لا يدرك أفعاله ... ذو مئزر ضاف ولا ذو رداء2
وعن أبي عبيدة قال: بلغني عن ثابت البناني رضي الله عنه عن أنس أن عمر رضي الله عنه كان يتمثل:
لا تأخُذُوا عقلاً من القوم إنني ... أرى الجرحَ يَبْقَى والمعاقل تذهبُ3
وعن الأصمعي4، قال: "ما قطع عمر رضي الله عنه أمراً إلا تمثل ببيت من الشعر"5.
وعن الشعبي قال: "كان عمر رضي الله عنه شاعراً"6.
قال شارح العمدة: "وروي أنه قال حين احتضر ورأسه في حجر ابنه عبد الله:
ظلومٌ لنفسي غير أني مسلم ... أصلي الصلاة كلّها وأصوم7.
__________
1 لم أجد له ترجمة.
2 ابن الجوزي: مناقب ص 188.
3 ابن الجوزي: مناقب ص 188.
4 عبد الملك بن قُرَيب الباهلي الأصمعي، صدوق سني، توفي سنة ست عشرة ومئتين. (التقريب ص 364) .
5 ابن الجوزي: مناقب ص 188.
6 البلاذري: أنساب الأشراف (الشيخان: أبوبكروعمر) ص159، وابن الجوزي: مناقب ص188.
7 ابن الملقن: الإعلام فوائدعمدةالأحكام ق10/ب، وابن عبد البر: الاستيعاب3/1157.
(2/691)

الباب السادس والستون: فنون أخباره
...
الباب السادس والستون: في فنون أخباره
عن محمّد بن سيرين، قال: "كان عمر بن الخطّاب رضي الله عنه قد اعتراه نسيان في الصلاة، فجعل رجل خلفه يلقنه، فإذا أومأ إليه أن يسجد أو يقوم فعل"1.
وعن يحيى بن جعدة2 قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه:3 "لولا أن أسير في سبيل الله، أو أضع جنبي لله في التراب أو أجالس قوماً يلتقطون طيب القول كما يلتقط طيب الثمر، لأحببت أن أكون قد لحقت بالله"4.
وعن ابن سعد قال: قال / [101 / ب] عمر رضي الله عنه: "والله ما أدري خليفة أنا أم ملك، فإن كنت ملكاً فهذا أمر عظيم، فقال قائل: "يا أمير المؤمنين، إن بينهما فرقاً"، قال: "ما هو؟ "، قال: "الخليفة لا يأخذ إلا حقاً، ولا يضعه إلا بحق، وأنت بحمد الله كذلك. والملك يَعْسِفُ الناسَ، فيأخذ من هذا، ويُعطي هذا". فسكت عمر"5.
وعن الزّهري قال: "كان جلساء عمر أهل القران كهولاً كانوا
__________
1 ابن سعد: الطبقات 3/286، وهو ضعيف لانقطاعه، محمّد بن سيرين لم يدرك عمر. وابن الجوزي: مناقب ص 189.
2 المخزومي ثقة، وقد أرسل عن ابن مسعود ونحوه، من الثالثة. (التقريب ص 588) .
3 قوله: " قال " مكررة في الأصل.
4 وكيع: الزهد 1/315، 316، ورجاله ثقات، ولكنه منقطع، يحيى بن جعدة لم يدرك عمر. وابن سعد: الطبقات 3/290، وابن أبي شيبة: المصنف 13/272، عبد الله ابن أحمد في زيادات على الزهد ص 117، والمروذي في زيادات زهد ابن المبارك ص 417، وأبو نعيم: الحلية 1/51.
5 ابن سعد: الطبقات 3/306، وفيه الواقدي.
(2/692)

أوشُبَّاناً"1.
عن محمّد بن المنكدر2 قال: "مرّ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه بحفارين يحفرون3 قبر زينب بنت جحش - رضي الله عنها - في يوم صائفٍ، فضرب عليهم فسطاطاً، فكان أوّل فسطاطٍ4 ضُرب على قبر"5.
وعن عبد الله بن بريد، قال: "ربما أخذ عمر رضي الله عنه بيد الصبي فيجيء به فيقول: "ادع لي فإنك لم تذنب بعد"6.
وعن محمّد7 قال: "كان عمر رضي الله عنه يشاور حتى المرأة"8.
وعن يحيى بن سعيد، قال: "أمر عمر رضي الله عنه حسين بن عليّ - رضي الله عنهما - أن يأتيه في بعض الحاجة، قال حسين: فلقيت عبد الله بن عمر فقلت: من أين جئت؟، قال: استأذنت على عمر فلم يأذن لي، فرجع حسين، فلقيه عمر فقال: ما منعك يا حسين أن تأتيني؟، قال: قد أتيتك ولكن أخبرني عبد الله
__________
1 البخاري: الصحيح، كتاب التفسير 4/1702، رقم: 4366.
2 التيمي، المدني، ثقة فاضل، من الثالة، توفي سنة ثلاثين أو بعدها. (التقريب ص 508) .
3 في الأصل: (يحفروا) ، وهو تحريف.
4 الفُسطاط: بيت من شعر. (لسان العرب 7/371) .
5 ابن سعد: الطبقات 8/113، وابن أبي شيبة: المصنف 3/336، وابن أبي الدنيا: الأشراف ص 197، وهو ضعيف لانقطاعه، محمّد بن المنكدر لم يدرك عمر. وفيه أبو معشر المدني وهو ضعيف. (التقريب رقم: 710) ، وابن الجوزي: مناقب ص 189.
6 ابن الجوزي: مناقب ص189، وهو ضعيف لانقطاعه، عبد الله بن بريدلم يدرك عمر.
7 محمّد بن سيرين.
8 ابن الجوزي: مناقب ص 190، والمتقي الهندي: كنْز العمال 3/789، ونسبه للبيهقي في شعب الإيمان. وإسناده ضعيف لانقطاعه، محمّد بن سيرين لم يدرك عمر ابن الخطاب.
(2/693)

بن عمر أنه لم يؤذن له عليك، فرجعت، فقال عمر رضي الله عنه: وأنت عندي مثله1، وهل أنبت الشعر على الرأس غيركم"2.
وعن إبراهيم بن سعد3 قال: "سمعت أبي يحدّث عن أبيه، قال: "رأيت عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أحرق بيت خمار يقال له رشيد4، قال: وكان تقدم إليه، فكأني أنظر إلى بيته فحمة حمراء"5.
وعن أبي مجلز6 قال: "قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "ما أبالي على ما أصبحت، على ما أحبّ، أو على ما أكره، لأني لا أدري الخيرة لي فيما أحبّ أو ما أكره"7.
وعن أبي عمران الجوني، قال: "مرّ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه بدير راهب، فناداه: يا راهب، قال: فأشرف عليه، فجعل عمر رضي الله عنه ينظر إليه ويبكي، فقيل له: "يا أمير المؤمنين ما يبكيك، من هذا؟ "،
__________
1 قوله: "وأنت عندي مثله"، تكرر في الأصل.
2 الخطيب: تاريخ بغداد 1/141، عن يحيى بن سعيد عن عبيد بن حنين قال: حدّثني الحسين بن عليّ، وابن الجوزي: مناقب ص 190، وابن منظور: مختصر تاريخ دمشق 7/126، والذهبي: سير أعلام النبلاء 3/285، وقال: "إسناده صحيح". وابن حجر: الإصابة 2/15، وصحّح إسناده وعزاه للخطيب.
3 ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف.
4 الثقفي، صهر بني عدي بن نوفل بن عبد مناة. (الإصابة 2/214) .
5 ابن زنجويه: الأموال: 1/272، وإسناده صحيح، وابن الجوزي: مناقب ص 190، وابن حجر: الإصابة 2/214، وأبو عبيد: الأموال ص 114، عن نافع عن ابن عمر وإسناده صحيح.
6 في الأصل: (مجالد) ، وهو تحريف.
7 ابن المبارك: الزهد ص 143، وإسناده صحيح إلى أبي مجلز، لكنه منقطع بين أبي مجلز وعمر. وابن الجوزي: مناقب ص 190، والمتقي الهندي: كنْز العمال 3/712.
(2/694)

قال: "ذكرتُ قول الله عزوجل: {عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ تَصْلَى نَاراً حَامِيَةٌ} [الغاشية: 3-4] فذلك الذي أبكاني"1.
وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - "أن عمر لم يكن يُكَبِّر حتى تستوي الصفوف، ويوكل رجلاً بذلك"2.
وعن أبي عثمان النهدي، قال: "رأيت عمر بن الخطّاب رضي الله عنه إذا أقيمت الصلاة يستدبر القبلة، ثم يقول: " [تقدم] 3 يا فلان، تأخر يا فلان، سووا صفوفكم، فإذا استوى الصفّ أقبل على القبلة وكبّر"4.
وعن ابن عمر قال: "تعلم عمر بن الخطّاب رضي الله عنه سورة البقرة في ثنتي عشرة سنة، فلما ختمها نحر جزوراً"5.
وعن أنس قال: "كان يُطرح لعمر بن الخطّاب رضي الله عنه الصاع من التمر فيأكله حتى حشفه"67.
__________
1 الحاكم: المستدرك 2/521، 522، وابن الجوزي: مناقب ص 190، وابن كثير: التفسير 8/406، 407، والمتقي الهندي: كنْز العمال 2/550، وهو ضعيف لانقطاعه، الجوني لم يدرك عمر. قال الذهبي: "الجوني لم يدرك عمر لكنها حكاية في موضعها". (المستدرك 3/522) .
2 مالك: الموطّأ (رواية أبي مصعب الزهري) 1/163، وعبد الرزاق: المصنف 2/47، 48، وإسناده صحيح.
3 سقط من الأصل.
4 عبد الرزاق: المصنف 2/53، بنحوه، وإسناده صحيح. وابن الجوزي: مناقب ص 191، والمتقي الهندي: كنْز العمال 8/296، وعزاه لعبد الرزاق.
5 ابن عساكر: تاريخ دمشق جـ 13 / ق 99، وفي إسناده أبو بلال الأشعري لم أجد له ترجمة. وابن الجوزي: مناقب ص 191.
6 الحشف: أَرْدَأُ التَّمر. (القاموس ص 1034) .
7 مالك: الموطّأ (رواية يحيى بن يحيى) ص 516، وابن سعد: الطبقات 3/318، وابن أبي شيبة: المصنف 13/279، وإسنادهما صحيح. وابن الجوزي: مناقب ص 191.
(2/695)

وعن سويد بن غفلة قال: "كان عمر رضي الله عنه يغلس بالفجر، وينور، ويصلي بين ذلك، ويقرأ سورة هود وسورة يوسف ومن قاصر المثاني من المفصل"1.
وعن سالم عن أبيه: أن رجلاً قال لرجل: "والله ما أنا بزانٍ ولا ابن زانٍ"، فرفع ذلك إلى عمر - رضي الله عنه - فضربه الحدتاماً"2.
وقال مَعْمَر3: "عامة علم ابن عباس من ثلاثة؛ من عمر، وعليّ، وأبي بن كعب"4.
وعن يوسف بن يعقوب الماجشون5، قال: "قال لي ابن شهاب ولأخ لي، ولابن عم لي، ونحن صبيان أحداث: "لا تحقروا أنفسكم لحداثة أسنانكم، فإن عمر رضي الله عنه كان إذا نزل به الأمر دعا الصبيان فاستشارهم، يبتغي حدة عقولهم"6.
وعن الحسن7 قال: "كان رجل لا يزال يأخذ من لحية / [102 / أ] عمر بن الخطّاب رضي الله عنه الشيء، قال: فأخذ يوماً من لحيته فقبض عمر رضي الله عنه على يده، فإذا ليس في يده شيء، فقال:
__________
1 ابن الجوزي: مناقب ص 191 بدون إسناد.
2 مالك: الموطّأ (رواية أبي مصعب الزهري) 2/27، وإسناده صحيح، ومن طريقه البيهقي: السنن: 8/252، ابن الجوزي: مناقب ص 191.
3 ابن راشد.
4 ابن الجوزي: مناقب ص 191، الذهبي: سير أعلام النبلاء 1/398.
5 المدني، ثقة، توفي سنة خمس وثمانين ومئة. وقيل: قبل ذلك. (التقريب ص 612) .
6 ابن عبد البر: جامع بيان العلم ص 139، وابن الجوزي: مناقب ص 191، والذهبي: سير أعلام النبلاء 8/372.
7 البصري.
(2/696)

"إن الملق1 من الكذب من أخذ من لحية الرجل2 شيئاً فليره إياه"3.
وعن الحسن4 أن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه كان يذكر الأخ من أخوانه فيقول: "يا طولها من ليلة"، فإذا صلى الغداة غدا إليه، فإذا لقيه التزمه واعتنقه"5.
وعن عبد الله بن خليفة6 عن عمر رضي الله عنه أنه انقطع شسع7 نعله فاسترجع، وقال: كلما ساءك مصيبة8.
وعن أبي بكرة9 قال: "وقف أعرابي على عمر بن الخطّاب رضي الله عنه فقال: يا عمر
يا عمر الخير جزيت الجنة ... أكس بُنَيَّاتي وأمهنّه
__________
1 قوله: "إن الملق" تكرر في الأصل.
2 في مناقب عمر: (أخيه المؤمن) .
3 ابن الجوزي: مناقب ص 191، 192، وهو ضعيف لانقطاعه بين الحسن وعمر.
4 البصري.
5 أحمد: الزهد ص 123، وإسناده ضعيف لانقطاعه بين الحسن وعمر، وفيه عمارة المعولي لم يوثّقه غير ابن حبان. (الثقات 7/262) وابن الجوزي: مناقب ص 192.
6 الهمداني، مقبول، من الثانية. (التقريب ص 301) .
7 الشِّسْعُ - بالكسر -: قُبال النّعْل. (القاموس ص 947) .
8 ابن أبي شيبة: المصنف 9/109، هناد: الزهد 1/245، عبد الله بن أحمد في زوائده على الزهد ص 216، والأثر مداره على أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة، وعبد الله بن خليفة لم يوثّقه غير ابن حبان، والسبيعي مدلس وقد عنعن. (جامع التحصيل ص 300، تهذيب التهذيب 5/174) . لكن الأثر يتقوى بما أخرج ابن أبي شيبة: المصنف 9/109، عن عبيد الله بن موسى، أخبرنا شيبان، عن منصور عن مجاهد عن سعيد بن المسيب، بنحوه، وهذا سند صحيح. وأورده ابن الجوزي: مناقب ص 193، والمتقي الهندي: كنْز العمال 3/750.
9 نفيع بن الحارث الثقفي.
(2/697)

أقسمت بالله لتفعلنه.
قال: "فإن لم أفعل يكن ماذا؟ "، قال: "إذاً أبا حفص لأذهبنه"، قال: "وإذا ذهبت يكون ماذا؟ "، قال:
يكون عن حالي1 لتسألنّه ... يوم يكون الأعطيات هنه
قال: فبكى عمر رضي الله عنه حتى اخضل لحيته، وقال لغلامه: "يا غلام، أعطه قميصي هذا، لذلك2 اليوم لا لشعره، ثم قال: والله ما أملك غيره"3.
وعن الأوزاعي قال: "بلغني أن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه سمع صوت بكاء في بيت، فدخل ومعه غيره، فمال عليهم ضرباً حتى بلغ النائحة فضربها حتى سقط خمارها، وقال: "اضرب فإنها نائحة لا حرمة لها إنها لاتبكي لشجوكم، إنما تهرق دمعها على أخذ دراهمكم، إنها تؤذي أمواتكم في قبورهم وأحياءكم في دورهم، إنها تنهى عن الصبر الذي أمر الله به، [و] 4 تأمر بالجزع الذي نهى الله عنه"5.
وذكر أبو القاسم الأصفهاني: قال عمر رضي الله عنه: "والله لقد لان قلبي في الله حتى لهو ألين من الزبد، واشتد في الله حتى لهو أشد
__________
1 في الأصل: (حالتي) ، وهو تحريف.
2 في الأصل: (كذلك) ، وهو تحريف.
3 وابن عساكر: تاريخ دمشق جـ 13 / ق 131، وفي إسناده المسيب بن شريك، وعبد الوهاب بن عبيد الله، لم أجد لهما ترجمة. وابن الجوزي: مناقب ص 192، والمتقي الهندي: كنْز العمال 12/587، وعزاه لابن عساكر.
4 سقط من الأصل.
5 ابن شبه: تاريخ المدينة 3/799، وابن الجوزي: مناقب ص 192، 193، وهو ضعيف لانقطاعه بين الأوزاعي وعمر.
(2/698)

من الحجر"1.
قال: "وروي أنه كان في وجه عمر بن الخطّاب رضي الله عنه خطان أسودان من البكاء"2.
وفي الصحيح عن أبي عُبَيْدٍ3 مولى ابن أزهر4، أنه شهد يوم الأضحى مع عمر بن الخطّاب رضي الله عنه فصلى قبل الخطبة، ثم خطب الناس فقال: "أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهاكم عن صوم أو صيام هذين العيدين؛ أما أحدهما فَيَوْمُ فِطرِكم من صَيَامِكُم، وأما الآخر: فيومُ تأكلون فيه من نسككم"5.
وفيه عن ابن عمر قال: "خطب عمر رضي الله عنه على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمس أشياء: العنب والتمر والحنطة والشعير والعَسَل، والخمر ما خامر العقل. وثلاث ودِدتُ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفارقنا حتى يعهد إلينا عهداً: الجَدّ، والكلالة، وأبوابٌ من أبواب الربا"6.
وفي الصحيح عن أنس بن مالك "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج فقام عبد الله بن حذافة7 فقال: "من أبي؟ "، فقال: "أبوك حذافة ". ثم أكثر أن يقول: "سَلُوني، فبرك عمر على ركبتيه، فقال: "رضينا
__________

__________
1 أبو القاسم الأصفهاني: سير السلف ص 174، والخبر سبق تخريجه ص 554.
2 أبو القاسم الأصفهاني: سير السلف ص174، والخبر سبق تخريجه ص 729، 730.
3 سعد بن عبيد الزهري، ثقة من الثانية، وقيل: له إدراك. (التقريب ص 231) .
4 عبد الرحمن بن أزهر الزهري، صحابي صغير، مات قبل الحرة. (التقريب ص 336) .
5 البخاري: الصحيح، كتاب الأضاحي 5/2116، رقم: 5251، مسلم: الصّحيح، كتاب الصيام 2/799، رقم: 1137.
6 البخاري: الصحيح، كتاب الأشربة 5/2122، رقم: 5266.
7 القرشي السهمي، من قدماء الهاجرين، مات بمصر في خلافة عثمان. (التقريب ص 300) .
(2/699)

بالله ربّاً وبالإسلام ديناً، وبمحمّد نبيّاً"، فسكت" 1.
وعن أبي موسى قال: "سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أشياء كرَهَهَا، فلما أُكثِر عليه غضب، ثم قال للناس: / [102 ب] "سلوني عم شئتم"، قال: رجل: "من أبي؟ "، قال: "أبوك حذافة"، فقام آخر، فقال: "من أبي؟ "، قال: "أبوك سالم مولى شيبة" 2، فلما رأى عمر ما في وجهه، قال: "يا رسول الله إنا نتوب إلى الله عزوجل"3.
وعن ابن عباس قال: "لما اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه، قال: "ائْتُوني بكتابٍ" 4، وفي رواية: "بكتف أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً" 5. قال عمر: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم: غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا"، فاختلفوا، وكثر اللغط6، قال: "قوموا عَنِّي فلا ينبغي عندي تنازع"، فخرج ابن عباس يقول: "إن الرَّزِيَّة7 كل الرَّزِيَّة ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كتابه"8.
__________
1 البخاري: الصحيح، كتاب العلم 1/47، رقم: 93، مسلم: الصّحيح، كتاب الفضائل 4/1834، رقم: 2359.
2 سعد بن سالم مولى شيبة بن ربيعة، صحابي. (فتح الباري 1/187) .
3 البخاري: الصحيح، كتاب العلم 1/47، رقم: 92، مسلم: الصّحيح، كتاب الفضائل 4/1834، رقم: 2360.
4 البخاري: الصحيح، كتاب العلم1/54، رقم: 114.
5 البخاري: الصحيح، كتاب الجزية 3/1155، رقم: 2997.
6 اللغط: صوت وضَجَّة لا يُفهم معناه. (النهاية 4/257) .
7 الرزية: المصيبة. (القاموس ص 52) .
8 البخاري: الصحيح، كتاب العلم 1/54، رقم: 114، مسلم: الصّحيح، كتاب الوصية 3/1257، رقم: 1637.
(2/700)

وعن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه1 قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب، فقال: "إني أجنبت فلم أصب الماء" فقال عمار بن يسار لعمر بن الخطاب: "أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت2 فصليت، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: "إنما كان يكفيك هكذا"، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم بكفّيه الأرضَ، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وَجْهَه وكفّيه"3.
ورأى عمرُ أنسَ بن مالك يصلي عند قبرٍ، فقال: "القبرَ القبرَ"، ولم يأمره بالإعادة4.
وعن عبد الله بن عمر: أن المسجد كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مبنيّاً باللّبن وسَقْفُهُ الجرِيدُ، وعُمُدُهُ خشبُ النَّخل فلم يزد فيه أبو بكر شيئاً، وزاد فيه عمرُ وبناهُ على بنيانِهِ في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم باللّبِنِ والجرِيدِ، وأعاد عُمُدَهُ خَشَباً5.
وعن عبّاد بن تميم6 عن عمه7 أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مستلقياً
__________
1 عبد الرحمن بن أبْزى الخزاعي مولاهم، صحابي صغير، وكان في عهد عمر رجلاً، وكان على خراسان لعليّ. (التقريب ص 336) .
2 تمعك: تمرّغ في ترابه، والمعك: الدّلك. (النهاية 4/343) .
3 البخاري: الصحيح، كتاب التميم 1/129، رقم: 331، ومسلم: الصّحيح، كتاب الحيض 1/280، رقم: 368.
4 البخاري: الصحيح، كتاب المساجد 1/165، تعليقاً. والأثر وصله وعبد الرزاق: المصنف 1/404، وإسناده صحيح، والبيهقي: السنن: 2/435، وانظر: تغليق التعليق 2/228.
5 البخاري: الصحيح، كتاب المساجد 1/171، رقم: 435.
6 الأنصاري المازني، ثقة، من الثالثة، وقد قيل إن له رؤية. (التقريب ص 289) .
7 عبد الله بن زيد بن عاصم المازني.
(2/702)

في المسجد، واضعاً إحدى رجليه على الأخرى1.
وعن سعيد بن المسيب قال: "كان عمر وعثمان يفعلان ذلك"2.
وفي الصحيح في حديث سجود السهو، وفي القوم أبو بكر وعمر فهابا أن يُكَلّماه، يعني النبي صلى الله عليه وسلم 3.
وعن عروة أن عائشة قال: "أَعْتَمَ4 رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة بالعِشاءِ، وذلك قبل أن يَفْشُو5 الإسلامُ، فلم يخرج حتى قال عمر: "نام النِّساءُ والصبيانُ"6.
وعن ابن عباس قال: "لعن النبي صلى الله عليه وسلم المُخَنَّثِين من الرجال، والمُتَرَجِّلات من النِّساء"، وقال: "أَخْرِجوهم من بيوتكم". قال: فأخرج النبي صلى الله عليه وسلم فلاناً، وأخرج عمر فلاناً"7. / [103 / أ] .
__________
1 البخاري: الصحيح، كتاب المساجد 1/180، رقم: 463، مسلم: الصّحيح، كتاب اللباس والزينة 3/1662، رقم: 2100.
2 البخاري: الصحيح، كتاب المساجد 1/180، رقم: 463.
3 البخاري: الصحيح، كتاب السهو 1/412، رقم: 117.
4 العتمة: ثلثُ الليل الأوّل بعد غيبوبة الشفق. (القاموس ص 1465) .
5 فَشَا: انتشر. (القاموس ص 1703) .
6 البخاري: الصحيح، كتاب مواقيت الصلاة 1/207، رقم: 541.
7 البخاري: الصحيح، كتاب اللباس 5/2207، رقم: 5547.
(2/703)

الباب السابع والستون: كلامه في الفنون
...
الباب السابع والستون: في ذكر كلامه في الفنون
وقال ابن مسعود: "لو وضع علم أحياء العرب في كفة ميزان، ووضع علم عمر في كفة، لرجح علم عمر، ولقد كانوا يرون أنه ذهب بتسعة أعشار العلم، ولمجلس كنت أجلسه مع عمر أوثق في نفسي من عمل سنة"1.
عن يحيى بن عبد الملك2 أن عمر رضي الله عنه قال: "لا مال لمن لا رفق له، ولا جديد لمن لا خلاق له"3.
وعن محمّد بن سيرين عن أبيه4 قال: "شهدت مع عمر بن الخطّاب رضي الله عنه المغرب، فأتى علي ومعي رُزيمة5 لي، فقال: "ما هذا معك؟ "، فقلت: رزيمة لي أقوم في هذا السوق، فأشتري وأبيع، فقال: "يا معشر قريش لا يغلبنكم هذا وأصحابه (. . . .) 6 على التجارة، فإن التجارة ثلث الإمارة"7.
__________
1 عبد الله بن أحمد في زوائده على فضائل الصحابة 1/295، مختصراً وإسناده صحيح، الطبري: العجم الكبير 9/179، وفي إسناده الأعمش مدلس عنعن، والهيثمي: مجمع الزوائد 9/69، وقال: "رواه الطبراني بأسانيد ورجال هذا رجال الصحيح غير أسد بن موسى وهو ثقة".
2 الخزاعي، الكوفي، صدوق له أفراد، توفي سنة بضع وثمانين ومئة. (التقريب ص 593) .
3 ابن الجوزي: مناقب ص193، وهو ضعيف لانقطاعه، والخبر سبق تخريجه ص 634.
4 سيرين أبو عمرة، مولى أنس، يروي عن عمر، روى عنه ابناه: محمّد وأنس ابنا سيرين. (الثقات 4/349) .
5 الرّزمة - بالكسر - ما شّدَّ في ثوب واحد. (القاموس ص 1438) .
6 كلمة لم أتبين قراءتها وهذا رسمها: (ساهه) .
7 ابن أبي الدنيا: إصلاح المال ص248، وإسناده ضعيف، فيه محمّد بن رزق الله لم أجد له ترجمة. وسيرين لم يوثّقه غيرابن حبان. وابن الجوزي: مناقب ص193بدون إسناد.
(2/704)

وعن جَوَّاب [التيمي] 1، 2 قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "يا معشر القراء3 ارفعوا رؤوسكم، فقد وضح الطريق، واستبقوا الخيرات، ولا تكونوا عيالاً على المسلمين"4.
وعن الحسن5 قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "من اتجر في شيء ثلاث مرات فلم يصب فيه شيئاً فيلتحول إلى غيره"6.
وعن شيخ من قريش قال: قال عمر رضي الله عنه: "لو كنت تاجراً ما اخترت على العطر شيئاً، إن فاتني ربحه لم يفتني ريحه"7.
وعن سعيد بن المسيب قال: قال عمر رضي الله عنه: "نعم الرجل فلان لولا بيعته"8، فقيل: لسعيد بن المسيب: "وما كان يبيع؟ "، قال: "الطعام"، قال: "وببيع الطعام باس؟ "، قال: "قلما باعه رجل إلا وجد للناس"9"10".
__________
1 مطموس من الأصل.
2 جوَّاب بن عبيد الله التيمي الكوفي، صدوق رُمي بالإرجاء من السادسة. (التقريب ص 143) .
3 في الأصل: (الفقراء) ، والمثبت من الهامش.
4 ابن أبي الدنيا: إصلاح المال ص 248، وابن الجوزي: مناقب ص 193، والمتقي الهندي: كنْز العمال 16/158، وهو ضعيف لانقطاعه، جوّاب التيمي لم يدرك عمر.
5 البصري.
6 ابن أبي الدنيا: إصلاح المال ص 254، وإسناده حسن إلى الحسن، وابن قتيبة: عيون الأخبار 1/250، وإسناده ضعيف، فيه عون بن عمارة ضعيف. (التقريب رقم: 5224) . وأورده ابن الجوزي: مناقب ص 193.
7 ابن أبي الدنيا: إصلاح المال ص 262، وابن الجوزي: مناقب ص 193، وهو ضعيف لجهالة الشيخ من قريش.
8 في إصلاح المال: (بيعة) .
9 في الأصل: (وكذا للناس) ، وفي المناقب: (إلا ورد للناس الغلاء) ، ووجد يجد موجدة، أي: غضب. والمعنى: أنه لبُخسة أو غشة، يغضب الناس عليه. (النهاية 5/155) .
10 ابن أبي الدنيا: إصلاح المال ص 264، 265، وإسناده صحيح إلى سعيد بن المسيب، وابن الجوزي: مناقب ص 193، 194.
(2/705)

وعن [أبي] 1 الأكدر الفارض2 قال: قال عمر: "تعلموا المهنة فإنه يوشك أن يحتاج أحدكم إلى مهنته"3.
وعن بكر بن عبد الله4 قال: قال عمر رضي الله عنه: "مكسبة فيها بعضالدناءة، خير من مسألة الناس"5.
وعن ذكوان6 قال: قال عمر رضي الله عنه: "إذا اشترى أحدكم جملاً فليشتره عظيماً سميناً طويلاً، فإن أخطاه خيره، لم يخطه سوقه"7.
وعن الأحنف بن قيس، قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "تفقّهوا قبل أن تسُوَّدوا"8، 9.
__________
1 سقط من الأصل.
2 ذكر ابن أبي حاتم فيمن روى عنه مسافر بن حنظلة. (الجرح 8/112) .
3 ابن أبي الدنيا: إصلاح المال ص 294، وابن الجوزي: مناقب ص 194، وإسناده ضعيف، لانقطاعه، ولجهالة أبي الأكدر.
4 المزني، ثقة ثبت جليل، من الثالثة، توفي سنة ست ومئة. (التقريب ص 127) .
5 ابن حبان: الثقات 8/204، ابن أبي الدنيا: إصلاح المال ص 298، وإسناده ضعيف، لانقطاعه بين بكر المزني وعمر، وفيه عمر بن حفص لم يوثّقه غير ابن حبان. وابن الجوزي: مناقب ص 194.
6 لم يتميز لي، وفيه ذكوان: أبو صالح السمان. وذكوان مولى عائشة، وكلاهما لم يدرك عمر. (التقريب رقم: 1841، 1482) .
7 ابن الجوزي: مناقب ص 194، عن ذكوان مرسلاً، وابن قتيبة: عيون الأخبار1/250، وفي إسناده عون بن عمارة وهو ضعيف. وابن أبي الدنيا: إصلاح المال ص 273، عن محمّد بن إسحاق وهو ضعيف لانقطاعه، محمّد بن إسحاق لم يدرك عمر.
8 تُسَوّدوا: أي: تعلموا العلم ما دمتم صغاراً، قبل أن تصيروا سادة منظوراً إليكم فتستحيوا أن تتعلموا بعد الكبر فتبقوا جهالاً. (النهاية 2/18) .
9 ابن أبي شيبة: المصنف 8/728، 729، وإسناده صحيح. البخاري: الصحيح، كتاب العلم 1/39 تعليقاً، الدارمي: السنن 1/79، وإسناده صحيح، وابن عبد البرّ: جامع بيان العلم ص 141، وابن الجوزي: مناقب ص 194، والمتقي الهندي: كنْز العمال 10/251. قال الحافظ: "أخرجه ابن أبي شيبة وإسناده صحيح". (فتح الباري 1/166) .
(2/706)

وعن ابن جُحادة1 قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "أعقل الناس أعذرهم لهم"2.
وعن كَهْمَس بن الحسن3: "أن رجلاً تنفس عند عمر كأنه يتحازن4، فلكزه أو قال: "فلكمه"5.
وعن زيد بن وهب قال: رأى عمر رضي الله عنه قوماً يتبعون أناساً، قال: فرفع الدّرّة، فقالوا: "يا أمير المؤمنين، اتق الله، قال: "أما علمتم أنها فتنة للمتبوع مذلة للتابع"6.
وعن مجاهد قال: "كان عمر بن الخطّاب رضي الله عنه ينهى أن يُعرض الحادي بذكر النساء وهو محرم"7.
وعن سالم عن أبيه غيلان بن سلمة الثقفي8 أسلم وتحته عشر نسوةٍ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اختر منهن أربعاً"، فلما كان في عهد عمر رضي الله عنه
__________
1 محمّدبن جحادة، ثقة، من الخامسة، توفي سنةإحدىوثلاثين ومئة. (التقريب ص471) .
2 ابن الجوزي: مناقب ص 194، وهو ضعيف، لانقطاعه بين محمّد بن جحادة وعمر، وابن شبه: تاريخ المدينة 2/771، عن القاسم بن الوليد وهو منقطع.
3 التميمي، ثقة، توفي سنة تسع وأربعين ومئة. (التقريب ص 462) .
4 الحُزن والحَزن: نقيض الفرح، وهو خلاف السرور. (لسان العرب 13/111) .
5 ابن الجوزي: مناقب ص 194، وهو ضعيف لانقطاعه بين كهمس وعمر.
6 لم أجده.
7 ابن الجوزي: مناقب ص 194، وهو ضعيف، لانقطاعه بين مجاهد وعمر.
8 أسلم بعد قتح الطائف، وتوقي قي آخر خلافة عمر. (الإصابة 5/193) .
(2/707)

طلق نساءه وقسم ماله بين بنيه، فبلغ ذلك عمر بن الخطّاب رضي الله عنه فقال: "إني لأظن الشيطان فيما يسترق السمع سمع بموتك فقذفه في نفسك، ولعلّك أن لا تمكث إلا قليلاً، وأيم الله لتراجعن نساءك ولترجعن في ملكك أو لأورثهن منك، ولآمرن بقبرك فيرجم كما رجم قبر أبي رُغالٍ"1.
وعن أبي عثمان قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "يأتي على الناس زمان يكون صالح الحي لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، إن غضبوا، غضبوا لأنفسهم وإن رضوا، رضوا لأنفسهم، لا يغضبون / [103 / ب] لله ولا يرضون لله"2.
وعن النعمان بن بشير قال: "سمعت عمر بن الخطّاب رضي الله عنه يقول: {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} [التّكوير: 7] ، قال: الفاجر مع الفاجر، والصالح مع الصالح"3.
وسمعت عمر يقول: "التوبة النصوح أن يخشى الرجل العمل السوء، كان يعمله، فيتوب إلى الله عزوجل ثم لا يعود فيه أبداً فتلك التوبة النصوح"4.
__________
1 أحمد: المسند 6/288، وأبو يعلى: المسند 9/325، والدارقطني: السنن 3/271، 272، والبيهقي: السنن: 7/183، وقال: "قال الدارقطني: "تفرد به سرار بن مجشر، وهو بصري ثقة". وأبو الشيخ: جزء فيه أحاديث أبي محمّد ص 236، وأروده ابن حجر: التلخيص 3/169، وقال: "رجاله ثقات". وقال أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند، رقم: 4631: "إسناده صحيح".
2 ابن الجوزي: مناقب ص 195، بدون إسناد.
3 ابن أبي شيبة: المصنف 13/279، وإسناده صحيح. وابن جرير: التفسير 15/69، الحاكم: المستدرك 2/128، 129، وصحّحه ووافقه الذهبي. وابن الجوزي: مناقب ص 195، وابن كثير: التّفسير 8/355، والمتقي الهندي: كنْز العمال 2/546.
4 سبق تخريجه ص 815.
(2/708)

وعن إبراهيم1 قال: قال عمر رضي الله عنه: "إياكم والمعاذير فإن كثيراً منها كذب"2.
وعن الشعبي قال: "أتى عمر بن الخطّاب رضي الله عنه رجل فقال: "إن ابنة لي كنتُ وأدتها3 في الجاهلية فاستخرجناها قبل أن تموت، فأدركت معنا الإسلام فأسلمت، ثم أصابها حدّ من حدود الله، فأخذت الشّفرة لتذبح نفسها، وأدركناها وقد قطعت بعض أوداجها4، فداويتها حتى برأت، ثم أقبلت بعد توبة حسنةٍ، وهي تخطبُ إلى قوم، فأخبرهم بالذي كان؟ "، فقال عمر رضي الله عنه: "أتعمد إلى ما ستره الله فتبديه، والله لئن أخبرت بشأنها أحداً لأجعلنك نكالاً لأهل الأمصار، أنكحها نكاح العفيفة المسلمة"5.
وعن سعد بن إبراهيم6 قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "الخرق7 في المعيشة أخوف عندي عليكم من العوز"8"9"، إنه لا يبقى مع
__________
1 النخعي.
2 هناد: الزهد 2/636، وإسناده ضعيف، لانقطاعه بين النخعي وعمر، وفيه الأعمش مدلس، وقد عنعن. وابن الجوزي: مناقب ص 195.
3 في الأصل: (ولدتها) ، وهو تحريف.
4 الوَدَجُ: عرقٌ في العنق. (القاموس ص 267) .
5 هناد: الزهد 2/647، وإسناده صحيح إلى الشعبي. لكنه منقطع بين الشعبي وعمر. والمتقي الهندي: كنْز العمال 3/733. وعزاه إلى هناد والحارث.
6 ابن عبد الرحمن بن عوف.
7 الخرق: الجهل والحمق، وقد خَرِقَ يَخْرِقُ خرقاً فهو أخرق. والاسم: الخُرق بالضم. (النهاية 2/26) .
8 في الأصل: (مع القول) ، وهو تحريف.
9 العوَز - بالفتح -: العد وسوء الحال. (النهاية 3/320) .
(2/709)

الفساد شيء ولا يقلّ مع الصلاح شيء"1.
وعن حنش2 بن الحارث النخعي عن أبيه3 - وكان شهد القادسية - قال "رجعنا من القادسية فكان أحدنا تنتج فرسه من الليل، فإذا [أصبح] 4 نحر مهرها، فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فكتب إلينا أن أصلحوا ما رزقكم الله، فإن في الأمر نفساً"5.
وعن أبي العالية6 قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "يكتب للصغير حسناته، ولا يكتب عليه سيّئاته"7.
وعن أبي أمامة8 قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "أدبوا الخيل، وتسوكوا، وانتضلوا، واقعدوا بالشمس، ولا تجاورنكم الخنازير، ولا يرفع فيكم صليب، ولا تأكلوا على مائدة يشرب عليها الخمر، وإياكم وأخلاق العجم، ولا يحل لمؤمن أن يدخل الحمام إلا بمئرز، ولا يحل لامرأة أن تدخل الحمام إلا من سقم، فإن عائشة أم المؤمنين حدّثتني: قالت: حدّثني خليلي
__________
1 وكيع: الزهد 3/784، ورجاله ثقات لكنه منقطع. سعد بن إبراهيم لم يلق أحداً من الصحابة. (تهذيب التهذيب 3/364) . وهناد: الزهد 2/654، وابن الجوزي: مناقب ص 196.
2 في الأصل: (الحسن) ، وهو تحريف.
3 الحارث بن لقيط النخعي، ثقة مخضرم، من الثانية. (التقريب ص 147) .
4 سقط من الأصل.
5 سبق تخريجه ص 492، 497، 504، 507، 508.
6 رفيع بن مِهران الرّياحي، ثقة كثير الإرسال، من الثانية، توفي سنة تسعين، وقيل: ثلاث وتسعين. وقيل: بعد ذلك. (التقريب ص 210) .
7 ابن الجوزي: مناقب ص 196، بدون إسناد.
8 صدي بن عجلان أبو أمامة الباهلي.
(2/710)

صلى الله عليه وسلم على مفرشي هذا، قال: "إذا وضعت المرأة خمارها في غير بيت زوجها هتكت سترها بينها وبين الله".
قال: وكان يكره أن يصور الرجل نفسه كما تصور المرأة نفسها، وأن لا يزال يُرى كل يوم مكتحلاً، وأن يحف لحيته وشاربه، كما تحف المرأة"1.
وعن المسيب بن دارم2 قال: "سمع عمر رضي الله عنه سائلاً وهو يقول: "من يُعَشِّ السائل - رحمه الله -"، قال عمر: "عشوا السائل"، ثم دار إلى دار الإبل فسمع صوته وهو يقول: "من يعش السائل - رحمه الله -"، فقال عمر رضي الله عنه: "ألم آمل أن تعشوا السائل"، فقالوا: "قد عشيناه"، قال: "فأرسل إليه فإذا معه جراب مملوء خبزاً، فقال: "إنك لست سائلاً أنت تاجر تجمع لأهلك"، قال: ثم أخذ بطرف الجراب ثم نبذه بين الإبل، قال: وأحسبها كانت إبل الصدقة"3.
وعن الأحنف بن قيس قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "من مزح استخفّ به"4.
وعن ليث بن سعد: أن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه قال: "هل تدرون لم سمي المزاح؟ "، قالوا: "لا". قال: "لأنه زاح
__________
1 لم أجده.
2 يروي عن عمر قصة السائل، روى عنه أبو خلدة بن دينار. (الثقات 5/437) .
3 ابن حبان: الثقات 5/437، ابن الجوزي: مناقب ص 197، وفيه المسيب بن دارم لم يوثّقه غير ابن حبان.
4 سبق تخريجه ص 797.
(2/711)

عن الحق"12.
وعن معاوية بن قرة3 عن أبيه4 عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه قال: لم يعط5 أحد بعد كفر بالله شيئاً شرّاً من امرأة حديدة اللسان سيّئة الخلق، ولم يعط بعد الإيمان شيئاً خيراً من امرأة / [104 / أ] حسنة الخلق ودود ولود. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن منهنّ غنماً لا يجدي6، [وإن] 7 منهن غلالاً8 يفادى منه" 9.
__________
1 قال القاضي عياض في بغية الرائد لما في حديث أم زرع من الفوائد ص 182-183: "وأما قول من قال: "إنما سمي المزاح مزاحاً لأنه زاح عن الحق" فلا يصح لفظاً ولا معنىً، أما المعنى: فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يمزح ولا يقول إلا حقاً، وأما اللفظ: فإن الميم في المزاح أصلية ثابتة في الاسم والفعل، ولو كان أصله كما قال كانت زائدة ساقطة من الفعل"، أورده الغزالي في الإحياء 3/111.
2 ابن أبي الدنيا: الصمت ص 445، وإسناده حسن إلى الليث. لكنه منقطع بين الليث وعمر. وابن الجوزي: مناقب ص 197، والمتقي الهندي: كنْز العمال 3/880، وعزاه لابن أبي الدنيا في الصمت.
3 المزني، البصري، ثقة، من الثالثة، توفي سنة ثلاث عشرة وهو ابن ست وسبعين سنة. (التقريب ص 538) .
4 قرة بن إياس المزني، صحابي، نزل البصرة، توفي سنة أربع وستين. (التقريب ص 455) .
5 في الأصل: (لم يعطي) ، وهو تحريف.
6 في الأشراف، وتاريخ دمشق: (ما يحذي منه) .
7 سقط من الأصل.
8 في كْنز العمال: (غلاماً) .
9 ابن أبي الدنيا: الأشراف ص125، 126، وإسناده صحيح، والبيهقي: السنن: 7/82، وابن عساكر: تاريخ دمشق جـ 13 / ق 138، وابن الجوزي: مناقب ص 197، والمتقي الهندي: كنْز العمال 16/494، وعناد: الزهد2/598، عن مورق العجلي، قال: قال عمر، بنحوه وإسناده صحيح.
(2/712)

وعن أبي عثمان النهدي، قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "أما في المعاريض ما يغني المسلم عن الكذب؟ "1.
وعن معاوية بن قرة أن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه قال: "ما يسرني بما أعلم من معاريض القول مثل أهلي ومالي، ومثل أهلي ومالي"2.
وعن أنس بن مالك قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "إن شقاشق3 الكلام من شقاشق الشيطان"4.
وعن حفص بن عثمان5 قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "لا تشغلوا أنفسكم بذكر الناس فإنه بلاءٌ، وعليكم بذكر الله فإنه رحمة"6.
__________
1 ابن أبي شيبة: المصنف 8/723، وإسناده صحيح، وهناد: الزهد 2/636، والبخاري: الأدب المفرد2/333، وابن جرير: تهذيب الآثار 1/121، والبيهقي: السنن: 10/199، وابن الجوزي: مناقب ص 197، والمتقي الهندي: كنْز العمال 3/876.
2 وابن أبي شيبة: المصنف 8/722، 723، وإسناده صحيح، وابن الجوزي: مناقب ص 197، والمتقي الهندي: كنْز العمال 3/876.
3 ما يتكلم به. (وأصله من الشقشقة التي يخرجها الجمل من جوفه، وهي جلدة حمراء ينفخ فيها، وتظهر من شِدقِه، فشبه بها الكلام، لخروجه من الفم) . (ابن الأثير: منال الطالب ص 511) .
4 ابن أبي الدنيا: الصمت ص 292، والغيبة: 3 / ق، وفي إسناده عبد الله العمري وهو ضعيف. وابن الجوزي: مناقب ص 197، والغزالي: الإحياء 3/104، والزبيدي: الإتحاف 7/477، والمتقي الهندي: كنْز العمال 3/837.
5 روى عن عمر بن الخطاب مرسل، روى عنه أبو عقيل يحيى بن المتوكل. (الجرح والتعديل 3/184) .
6 ابن أبي الدنيا: الصمت ص 320، الغيبة 6 / ق ب. وإسناده ضعيف، لانقطاعه بين حفص وابن عثمان وعمر، وفيه أيضاً يحيى بن المتوكل أبو عقيل ضعيف. (التقريب رقم: 7633، وابن الجوزي: مناقب ص 197، والمتقي الهندي: كنْز العمال 2/240، وقد سبق تخريجه من طريق آخر ص 804.
(2/713)

وعن جعفر بن محمّد عن أبيه قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "إنه ليعجبني الشاب الناسك، نظيف الثوب طيب الريح"1.
وعن محمّد بن عبد الله القرشي2 عن أبيه3 قال: "نظر عمر إلى شاب قد نكس رأسه، فقال له: "يا هذا ارفع رأسك إن الخشوع لا يزيد على ما في القلب، فمن أظهر للناس خشوعاً فوق ما في قلبه فإنما أظهر للناس نفاقاً على نفاقٍ"4.
وعن عدي بن ثابت5 قال قال عمر رضي الله عنه: "أحبكم إلينا ما لم نركم: أحسنكم أسماء، فإذا رأيناكم فأحبكم إلينا أحسنكم أخلاقاً، فإذا اختبرناكم فأحبكم إلينا أصدقكم حديثاً، وأعظمكم أمانة"6.
__________
1 ابن الجوزي: مناقب ص 198، وهو ضعيف لانقطاعه بين محمّد بن عليّ وبين عمر. وكيع: الزهد 2/3448، وابن شبه: تاريخ المدينة 2/772، عن طلحة بن عمرو عن عطاء، وهو ضعيف جداً، لانقطاعه بين عطاء وعمر، وطلحة بن عمرو متروك. (التقريب رقم: 3030) ، وأبو نعيم: الحلية 6/328، عن مالك بلاغاً، والسمعاني: أدب الإملاء والاستملاء ص 27، وهو ضعيف، لانقطاعه بين ابن المنكدر وعمر، وفيه مسلم بن خالد بن الزنجي، صدوق كير الأوهام. (التقريب رقم: 6625) .
2 محمّد بن عبد الله بن الزبير الأسدي مولاهم، الكوفي، ثقة ثبت، إلا أنه قد يخطئ في حديث الثوري، توفي سنة ثلاث ومئتين. (التقريب ص 487) .
3 لم أجد له ترجمة.
4 ابن الجوزي: مناقب ص 198، وفيه عبد الله القرشي لم أجد له ترجمة. وبنحوه والمتقي الهندي: كنْز العمال 3/806، عن الحارث النهدي، وعزاه لرسته في الإيمان والعسكري في المواعظ.
5 لم أجد له ترجمة.
6 ابن أبي الدنيا: الصمت ص 494، 495، وابن الجوزي: مناقب ص 198، وهو ضعيف لانقطاعه بين عدي بن ثابت وعمر.
(2/714)

وعن أبي عبد الرحمن بن عطية بن دلاف1 عن أبيه2 قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "لا تنظروا إلى صلاة امرئ ولا إلى صيامه، ولكن انظروا إلى صدق حديثه وإلى ورعه إذا أشفى3، وإلى أمانته إذا أوتمن"4.
وعن هشام5 عن أبيه عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أنه قال: "لا تنكحوا المرأة الرجل الدميم القبيح، فإنهن يُحببن لأنفسهن ما تُحبون لأنفسكم"6.
وعن أسلم قال: قال عمر رضي الله عنه: "إذا تم لون المرأة وشعرها فقد تم حسنها، والغيرة7 إحدى الوجهين"8.
وعن عبيد الله9 بن عدي بن الخيار قال: سمعت عمر بن الخطّاب رضي الله عنه يقول: "إن العبد إذا تواضع لله رفع الله حكمته10، وقال11 له:
__________
1 عمر بن عبد الرحمن بن عطية دلاف المزني، روى عن أبي أمامة وأبيه روى عنه مالك وعبيد الله العمري وقريش بن حيان. (الجرح والتعديل 6/101) .
2 عبد الرحمن بن عطية المزني، يروي المراسيل، روى عنه بكر بن سودة. (الثقات7/66) .
3 أَشْفَى: أي: أشرف على الدنيا وأقبل عليه. (النهاية 2/489) .
4 المروزي في زيادته عن أبيه وإسناده ضعيف، عمر بن عبد الرحمن لم أجد من وثّقه، وعبد الرحمن لم يوثّقه غير ابن حبان. وابن الجوزي: مناقب ص 98، والمتقي الهندي: كنْز العمال 3/677.
5 في الأصل: (عروة) .
6 سعيد بن منصور: السنن 1/211، وابن شبه: تاريخ المدينة بنحوه 2/769، وإسناده صحيح إلى عروة، وابن الجوزي: مناقب ص 198.
7 في الأصل فوق السطر: (والشعر) .
8 ابن الجوزي: مناقب ص 198، بدون إسناد.
9 في الأصل: (عبد الله) ، وهو تحريف.
10 حكمته: أي: قدره ومنزله. يقال: له عندناحكمة، أي: منزلة. (لسان العرب12/144) .
11 في الأصل: (قال) .
(2/715)

انتعش نعشك الله، فهو في نفسه صغير، وفي أعين الناس عظيم، وإذا تكبر وعتا1 وهصه2 الله إلى الأرض وقال: اخسأ أخسأك الله، فهو في نفسه عظيم، وفي أعين الناس حقير3، حتى يكون عندهم أحقر من الخنْزير"4.
اخسأ: بمعنى: أبعد5، ووهصه6: بمعنى: كسره7.
وعن أسلم عن عمر رضي الله عنه قال: "لا يُتعلم العلم لثلاث، ولا يترك لثلاث: لا يتعلم ليماري به، ولا ليباهي به، لا ليراءَى به، ولا يترك حياءً من طلبه، ولا زهادةً فيه، ولا رضى بالجهل منه"8.
وعن هشام عن أبيه قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "تعلموا أنسابكم لتصلوا أرحامكم"9.
__________
1 عَتَا: استكبر وجاوز الحدَّ. (القاموس ص 1688) .
2 في الأصل: (وهضه) ، وهو تصحيف. .
3 في المصنف: (صغير) .
4 ابن أبي شيبة: المصنف ج 9 / 90، ج 13 / 270، وإسناده حسن، وفيه محمّد بن عجلان صدوق. (التقريب رقم: 6136) ، وابن شبه: تاريخ المدينة 2/750، وابن الجوزي: مناقب ص 199، والمتقي الهندي: كنْز العمال 3/828) .
5 انظر: ابن الأثير: النهاية 2/31.
6 في الأصل: (وهضه) ، وهو تصحيف.
7 وفي النهاية 5/232: "وهصه: أي: رماه رمياً شديداً، كأنه غَمزه إلى الأرض، والوهص - أيضاً -: كسر الشيء الرّخو". وانظر: القاموس ص 819.
8 ابن الجوزي: مناقب ص 199، بدون إسناد.
9 هناد: الزهد 2/487، ورجاله ثقات، وإسناده منقطع، بين عروة وعمر. وابن الجوزي: مناقب ص 199، والمتقي الهندي: كنْز العمال 10/280، والبخاري: الأدب المفرد رقم: 72، موصولاً عن الزهري عن محمّد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن عمر، وإسناده حسن.
(2/716)

وعن عمارة بن القعقاع1 قال: قال عمر رضي الله عنه: "تعلموا من النجوم ما تهتدون بها، وتعلموا من الأنساب ما تصلون بها"2.
وعن [المطلب بن] 3 عبد الله بن حَنْطَب4 قال: قال عمر بنالخطّاب رضي الله عنه: "ما أخاف عليكم أحد رجلين، مؤمن قد تبين إيمانه، وكافر قد تبين كفره، إنما أخاف عليكم منافقاً يتعوذ بالإيمان، ويعمل بغيره"5.
وعن زياد بن حُدَير6 قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: (يهدم الإسلام زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلّون"7.
وعنه قال: "قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "إن أخوف ما أخاف عليكم ثلاثة: منافق يقرأ القرآن لا يخطئ منه واواً ولا ألفاً، يجادل الناس أنه أعلم منهم8 ليضلهم عن الهدى، وزلة عالم، وأئمة مضلون"9.
__________
1 الضبي، الكوفي، ثقة، أرسل عن ابن مسعود، وهو من السادسة. (التقريب ص 409) .
2 هناد: الزهد 2/487، وإسناده منقطع بين عمارة بن القعقاع وعمر. وابن الجوزي: مناقب ص 199، والمتقي الهندي: كنْز العمال 10/274.
3 سقط من الأصل.
4 المخزومي صدوق، كثير التدليس والإرسال، من الرابعة. (التقريب ص 534) .
5 الفريابي: صفة المنافق ص 37، وإسناده ضعيف، لانقطاعه بين المطلب بن عبد الله وعمر. وابن الجوزي: مناقب ص 199، والمتقي الهندي: كنْز العمال 10/269، وعزاه للفريابي.
6 الأسدي، ثقة، عابد، من الثانية. (التقريب ص 218) .
7 الفريابي: صفة المنافق ص 39، وإسناده صحيح، والدارمي: السنن 1/71، وابن عبد البر: جامع بيان العلم ص 439، والخطيب: الفقيه والمتفقه 1/234، وابن الجوزي: مناقب ص 199، والمتقي الهندي: كنْز العمال 10/266.
8 في الأصل: (منه) ، وهو تحريف.
9 الفريامي: صفة المنافق ص 37، 38، وفي إسناده زكريا بن أبي زائدة مدلس وقد عنعن. وابن الجوزي: مناقب ص 199، والمتقي الهندي: كنْز العمال 10/270.
(2/717)

وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "خطبنا عمر بن الخطّابرضي الله عنه فقال: "أخوف ما أخاف عليكم تغير الزمان، وزيغة [عالم] 1، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون يضلون الناس بغير علم"2.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه: "أن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه خطب الناس بالجابية، قال: "إن الله تعالى يضل من يشاء ويهدي من يشاء"، فقال القس: "الله أعدل أن يضل أحداً"، فبلغ ذلك عمر بن الخطّاب رضي الله عنه فبعث إليه: بل الله أضلّك، ولولا عهدك لضربت عنقك"3. / [104 / ب] .
وعن أبي وائل قال: "كنا بخانقين4 فأهللنا هلال شوّال - يعني: نهاراً - فمنا من صام ومنا من أفطر، فأتانا كتاب عمر رضي الله عنه إن الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهاراً فلا تفطروا إلا أن يشهد رجلان أنهما أهلاه5 بالأمس"6.
__________
1 سقط من الأصل.
2 أبو الجهم: جزء أبي الجهم ق 64 / أ، وإسناده ضعيف لأجل مجالد بن سعيد، ابن الجوزي: مناقب ص 200، والمتقي الهندي: كنْز العمال 10/267، وعزاه لأبي الجهم في جزئه.
3 ابن الجوزي: مناقب ص 200، بدون إسناد. وأخرجه عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، ابن أبي حاتم: التفسير ق 222/أ، وعبد الله بن أحمد: السنة 2/423، والفريابي: القضاء والقدر ق 13، والبيهقي: القضاء والقدر ق 6 / ب، والآجري: الشريعة ص 200، 201، واللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة 4/659، 661، والأصبهاني: الحجة على المحجة 2/6.
4 بلدة من نواحي السواد في طريق همذان من بغداد. (معجم البلدان 2/340) ، وهي مثبتة على الخرائط الحديثة.
5 مطموس في الأصل، سوى (أهلـ) .
6 وعبد الرزاق: المصنف 4/162، وابن أبي شيبة: المصنف 3/67، البيهقي: والسنن: 4/213، 248، وفيه الأعمش مدلس وقد عنعن، وابن الجوزي: مناقب ص 200.
(2/718)

وعن إبراهيم1 قال: "كتب عمر إلى عتبة بن فرقد إذا رأيتم الهلال أوّل النهار فأفطروا فإنه من الليلة الماضية، وإذا رأيتموه من آخر النهار فأتموا صومكم فإنه لليلة المقبلة"2.
وعن إبراهيم3 قال: "بلغ عمر رضي الله عنه أن قوماً رأوا الهلال بعد زوال الشّمس فأفطروا، فكتب إليهم يلومهم، وقال: إذا رأيتم الهلال قبل زال الشمس فأفطروا، وإذا رأيتموه بعد زوال الشمس فلا تفطروا"4.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "إن الرجف من كثرة الزنا، وإن قحوط المطر من قضاة السوء، وأئمة الجور"5.
وعن حارثة بن مُضَرَّب قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "استعينوا على النساء بالعري، فإن إحداهن إذا كثرت ثيابها وحسنت زينتُها أعجبها الخروج"6.
وعن حسان العبسي7 قال: قال عمر رضي الله عنه: "إن الجبت،
__________
1 النخعي.
2 وعبد الرزاق: المصنف 4/163، ورجاله ثقات، لكنه منقطع بين إبراهيم وعمر. وابن أبي شيبة: المصنف 3/66، والبيهقي: السنن: 4/213، عن إبراهيم، وابن الجوزي: مناقب ص 200.
3 النخعي.
4 البيهقي: السنن: 4/213، وابن الجوزي: مناقب ص 200، والمتقي الهندي: كنْز العمال 8/594، وهو ضعيف، لانقطاعه بين النخعي وعمر.
5 ابن الجوزي: مناقب ص 200، بدون إسناد. وابن كثير: مسند الفاروق 1/224.
6 ابن أبي شيبة: المصنف 4/420، وإسناده صحيح، وابن الجوزي: مناقب ص 200، والمتقي الهندي: كنْز العمال 16/571، وعزاه لابن أبي شيبة.
7 حسان بن فائد العبسي، كوفي، يروي عن عمر، روى عه أبو إسحاق السبيعي. (الثقات لابن حبان 4/163) .
(2/719)

السحر والطاغوت: الشيطان، والشجاعة والجبن، غرائز تكون في الرجل، ويقاتل الشجاع عن من لا يعرف ويفر الجبان من أمه، وإن كرم الرجل دينه، وحسبه خلقه، وإن كان فارسياً أو نبطياً"1.
وعن مُوَرِّق2 العجلي3 قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "تعلموا السنن والفرائض واللحن كما تعلموا القرآن"4.
وعن الحسن5 قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "عليكم بالتفقه في الدين وحسن العبادة والتفهم في العربية"6.
وعن أبي عمرو بن العلاء7 قال: قال عمر رضي الله عنه: "تعلموا
__________
1 البخاري: الصحيح، 4/1673، معلقاً بأخصر، ووصله سعيد بن منصور: السنن 2/208، وفيه حسان العبسي لم يوثقه غير ابن حبان، وابن جرير: التفسير 4/131، وابن الجوزي: مناقب ص 200، وابن حجر: فتح الباري 8/252، وقال: "وصله عبد بن حميد في تفسيره ومسدد في مسند، وعبد الرحمن بن رسته في كتاب الإيمان كلهم من طريق أبي إسحاق عن حسان بن فائد عن عمر مثله، وإسناده قوي، وقد وقع التصريح بسماع أبي إسحاق له من حسان، وسماع حسان من عمر في رواية رسته".
2 في الأصل: (مسروق) ، وهو تحريف.
3 مورق بن مُشَمْرِج العجلي، ثقة، عابد، توفي بعد المئة. (التقريب ص 549) .
4 البيهقي: السنن: 6/209، وإسناده ضعيف. لانقطاعه بين مروق وعمر، وابن الجوزي: مناقب ص 201، والمتقي الهندي: كنْز العمال 10/252، وأخرجه ابن أبي شيبة: المصنف 11/234، وسعيد: السنن 1/28، عن إبراهيم النخعي مرسلاً.
5 الحسن البصري.
6 ابن الجوزي: مناقب ص201، والمتقي الهندي: كنْز العمال10/254، وعزاه لأبي عبيد.
7 أبو عمرو بن العلاء المازني، النحوي، القارئ، ثقة، من علماء العربية، توفي سنة أربع وخمسين ومئة. (التقريب ص 660) .
(2/720)

العربية فإنها تثبت العقول وتزيد في المروءة"1.
وعن زيد بن عقبة2 قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "الرجال ثلاثة، والنساء ثلاث: امرأة هينة لينة، عفيفة مسلمة، ودود ولود، تعين أهلها على الدهر، ولا تعين الدهر على أهلها، وقلما تجدها، وأخرى وعاء للولد لا تزيد على ذلك شيئاً، وأخرى غُلٌّ قملٌ3 يجعلها الله في عنق من يشاء، وينزعه إذا شاء، والرجال ثلاثة: رجلٌ عاقلٌ إذا أقبلت الأمور وتشبهت، يأتمر فيها أمره، وينْزل4 عند رأيه، وآخر حائر بائر، لا يأتمر رشداً ولا يطيع مرشداً"5.
وعن حفص بن عمر6 قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "من رقّ وجهه رقّ علمه"7.
وعن أبي عمرو الشيباني8 قال: خُبِّر عمر رضي الله عنه برجل يصوم
__________
1 ابن الجوزي: مناقب ص 201، وهو ضعيف لانقطاعه، وبنحوه ابن قتيبة: عيون الأخبار 1/296، بدون إسناد.
2 الفزاري الكوفي، ثقة، من الثالثة. (التقريب ص 224) .
3 غلٌّ قملٌ: كانوا يأخذون الأسير فيشدونه بالقد وعليه الشعر، فإذا يبس قمِلَ في عنقه، فتجتمع عليه محنتان: الغُلّ والقمل. ضربه مثلاً للمرأة السيّئة الخلق الكثيرة المهر، لا يجد بعلُها منها مخلصاً. (النهاية 3/381) .
4 في الأصل: (نزل) .
5 ابن شبه: تاريخ المدينة 2/771، ابن أبي الدنيا: الأشراف ص 125، وإسنادهما حسن لكن من طريق ابن أبي الدنيا، ابن الجوزي: مناقب ص 201، والمتقي الهندي: كنْز العمال 16/263.
6 لم يتميز لي.
7 ابن الجوزي: مناقب ص 201.
8 سعد بن إياس الشيباني، الكوفي، ثقة، مخضرم، من الثانية، توفي سنة خمس وتسعين وهو ابن عشرين ومئة. (التقريب ص 230) .
(2/721)

الدهر فجعل يضربه بمخفقته1، وجعل يقول: كل يا دهر، كل يا دهر"2.
وعن أبي وائل: أن عمر رضي الله عنه قال: "ما يمنعكم إذا رأيتم السفيه يخرّق أعراض الناس، أن تُعرّبوا3 عليه". قالوا: "نخاف لسانه"، قال: "ذاك أدنى أن لا تكونوا شهداء"4.
وعن سعيد بن المسيب عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول: "إن الناس لن يزالوا مستقيمين ما استقامت أئمتهم وهداتهم"5.
وعن سعيد بن المسيب، أن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه قال: "عجلوا الفطر، ولا تنطعوا تنطع أهل العراق"6.
وعن ابن المسيب عن أبيه7 قال: كنت جالساً عند عمر رضي الله عنه إذ جاءه راكب من أهل الشام فطفق عمر يسأله عن حالهم، فقال: "هل يعجل أهل الشام الإفطار؟ "، قال: "نعم". قال: "لن يزالوا بخير ما فعلوا
__________
1 المِخْفَقَةُ: الدرة التي يضرب بها. (الصحاح 4/1469) .
2 عبد الرزاق: المصنف 4/298، وإسناده حسن. وابن أبي شيبة: المصنف 3/79، وابن الجوزي: مناقب ص 201.
3 عَرّب عليه: قبح قوله وفعله، وغيره عليه وردّه عليه. (لسان العرب 1/590) .
4 ابن أبي الدنيا: الغيبة والنميمة ص 89، 90، والصمت ص 352، وإسناده صحيح. وابن الجوزي: مناقب ص 202، والزبيدي: الإتحاف 7/545، وعزاه لابن أبي الدنيا.
5 ابن سعد: الطبقات: 3/292، وإسناده حسن إلى سعيد بن المسيب، وابن الجوزي: مناقب ص 202، والمتقي الهندي: كنْز العمال 5/765.
6 ابن الجوزي: مناقب ص 202.
7 المسيب بن حَزْن المخزومي صحابي، عاش إلى خلافة معاوية. (التقريب ص 532) .
(2/722)

ذلك، ولم ينتظروا النجوم انتظار أهل العراق"1.
وعن سعيد بن جبير: "أن عمر رضي الله عنه قال: "كل من الحائط ولا تتخذ خُبنة"23.
وعن سعيد بن المسيب قال: "كان عمررضي الله عنه ينهى الصائم أن يُقَبِّل"، يقول: "إنه ليس لأحدكم من الحفظ والعفة ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم"4.
وعن حميد بن نعيم5: أن عمر بن الخطّاب وعثمان بن عفان دعيا إلى طعام فأجابا، فلما خرجا، قال عمر لعثمان: "لقد شهدت طعاماً وودت أني لم أشهده، قال: وما ذاك؟ "، / [104 / أ] 6، قال: خشيت أن يكون جعل مباهاة"78.
__________
1 عبد الرزاق: المصنف 4/225، وإسناده صحيح، وابن أبي شيبة: المصنف 3/12، بنحوه، وابن الجوزي: مناقب ص 202، والمتقي الهندي: كنْز العمال 8/613.
2 في الأصل: (جنة) ، وهو تحريف. وقال في القاموس ص 1539: "الخُبْنَةُ: ما تحمله في حضنك".
3 أبو عبيد: الغريب 3/261، البيهقي: السنن: 9/359، وابن الجوزي: مناقب ص 202، والمتقي الهندي: كنْز العمال 9/275.
4 عبد الرزاق: المصنف 4/182، وإسناده صحيح إلى ابن المسيب، والطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد 3/66، وقال: "رواه الطبراني في الأوسط وفيه زين بن حيان الرقي وقد وثّقه ابن حبان وغيره وفيه كلام". وابن الجوزي: مناقب ص202، والمتقي الهندي: كنْز العمال 8/615.
5 ابن عبد الله كاتب عمر بن عبد العزيز، روي عن عمر بن عبد العزيز، روى عنه رجاء بن أبي سلمة سمعت أبي يقول ذلك. (التاريخ الكبير 2/351، الجرح والتعديل 3/229) .
6 ق 10 / أب، تكررت في الاصل، ولعلّه سهو من المؤلف، ويحتمل أنه بسبب ما أضافه المؤلف، وقد أبقيت الترقيم كما هو في أصل المخطوطة، لانتشار المخطوط بهذا الترقيم.
7 المباهاة: المفاخرة. (لسان العرب 14/99) .
8 ابن المبارك: الزهد ص 66، 67، أحمد: الزهد ص 126، وإسنادهما ضعيف لانقطاعه بين حميد بن نعيم وعمر بن الخطاب، البخاري: التاريخ الكبير 2/352، وهو ضعيف لانقطاعه بين ابن محيريز وعمر، وفيه أيضاً عبد الله بن نعيم لين الحديث. (التقريب رقم: 3604، 3667) ، وابن الجوزي: مناقب ص 203.
(2/723)

وعن أنس قال: "سمعت عمر رضي الله عنه وقد سلم عليه رجل فرد عليه السلام، فقال عمر للرجل: "كيف أنت؟ "، فقال الرجل: "أحمد الله إليك"، قال عمر: "هذا أردت منك"1.
وعن سالم قال: "سمع عمر رضي الله عنه ضوضاء2 في دار، فقال: "ما هذه الضوضاء؟ "، فقالوا: "عرس"، قال: "فهلا حركوا غرابيلهم3، يعني الدفوف"4.
وعن الحسن5 أن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه رأى رجلاً عظيم البطن فقال: "ما هذا؟ "، فقالوا: "بركة من الله"، قال: "بل عذاب من الله"6.
وعن علي بن نديمة7 قال سمعت عمر بن الخطّاب رضي الله عنه يقول: "ردوا الخصم، فإن القضاء يورث الشنآن"8"9.
__________
1 مالك: الموطّأ (يحيى بن يحيى) ص 528، بلاغاً، وابن المبارك: الزهد ص: 68، وإسناده صحيح، والبخاري: الأدب المفرد ص 386، وابن الجوزي: مناقب ص 203، والمتقي الهندي: كنْز العمال 3/736، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد ص 437.
2 الضّوَة: الجلبة، كالضوضاة. (القاموس ص 1684) .
3 الغِربال: الدّف. (القاموس ص 1341) .
4 ابن الجوزي: مناقب ص 203، بدون إسناد.
5 البصري.
6 ابن الجوزي: مناقب ص 203، بدون إسناد.
7 علي بن نديمة، يكنى أبا عبد الله، توفي سنة ست وثلاثين ومئة. (طبقات خليفة ص319) .
8 الشنآن: البغض. (الصحاح 5/2146) .
9 ابن الجوزي: مناقب ص 203، بدون إسناد. وبنحوه ابن شبه: تاريخ المدينة 2/769، عن محارب بن دثار.
(2/724)

وعن أبي حصين1 قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "إذا رزقك الله مودّة امرئ مسلم فتشبث بها ما استطعت"2.
وعن مصعب بن سعد3 قال: قال عمر رضي الله عنه: "الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم"4.
وعن ابن عمر قال: "خطبنا عمر رضي الله عنه فقال: "أيها الناس إن الله جعل ما أخطأت أيديكم رحمة لفقرائكم، فلا تعودوا فيه"، قال بقية5: "ما أخطأ المنجل"67.
وعن كعب القرظي8 عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أنه قال: "ما ظهرت نعمة إلا وجدت لها حاسداً، ولو أن امرأً كان أقوم من قدحٍ لوجدت له غامزاً"9، 10.
__________
1 عثمان بن عاصم الأسدي، الكوفي، ثقة سُنّي وربما دلس، من الرابعة توفي سنة سبع وعشرين ومئة. (التقريب ص 384) .
2 ابن الجوزي: مناقب ص 203.
3 ابن أبي وقاص.
4 ابن الجوزي: مناقب ص 203.
5 بقية بن الوليد الكلاعي، صدوق كثير التدليس عن الضعفاء من الثانية، توفي سنة سبع وتسعين ومئة. (التقريب ص 126) .
6 المِنْجَل: ما يحصد به. (لسان العرب 11/647) .
7 ابن الجوزي: مناقب ص 203.
8 كعب بن سليم القرظي، من أهل المدينة، يروي عن عليّ بن أبي طالب روى عنه ابنه محمّد بن كعب. (الثقات 5/334) .
9 معيباً طاعناً. (لسان العرب 5/390) .
10 ابن الجوزي: مناقب ص 203، والمتقي الهندي: كنْز العمال 3/810، وعزاه لأبي نعيم النرسي في أنس العاقل.
(2/725)

وعن محمّد بن سيرين: "أن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه خرج من الخلاء يقرأ القرآن، فقال له أبو مريم1: "يا أمير المؤمنين تقرأ القرآن وأنت غير طاهر؟ "، فقال له "مسيلمة أمرك بهذا؟! "2.
وعن نعيم بن أبي هند3 قال: قال عمر رضي الله عنه: "من قال: أنا مؤمن، فهو كافر، ومن قال: هو عالم، فهو جاهل، ومن قال: هو في الجنة، فهو في النار"4.
وعن جبير بن مطعم أنه سمع عمر بن الخطّاب رضي الله عنه يقول على المنبر: "تعلموا أنسابكم ثم صلوا أرحامكم، والله إنه ليكون بين الرجل وبين أخيه الشيء ولو يعلم الذي بينه وبينه من داخل5 الرّحم لوزعه6 ذلك عن انتهاكه"7.
__________
1 إياس بن صبيح الحنفي، يروي عن عمر وعثمان روى عنه ابنه عبد الله ومحمّد بن سيرين، ولي قضاء البصرة لعمر. (الثقات 4/34) .
2 مالك: الموطّأ (يحبى بن يحيى) ص 99، وعبد الرزاق: المصنف 1/339، ورجاله ثقات، لكنه منقطع بين محمّد بن سيرين وعمر، والبخاري: التاريخ الكبير 1/436، 437، وإسناده صحيح، والبيهقي: السنن 1/90، وابن الجوزي: مناقب ص 204، والمتقي الهندي: كنْز العمال 2/315.
3 نعيم بن أبي هند الأشجعي، ثقة رمي بالنصب من الرابعة. توفي سنة عشر ومئة. (التقريب ص 565) .
4 البوصيري: الإتحاف 1/1/49، وقال: "رواه أحمد في مسنده عن معتمر عن أبيه عن نعيم بن أبي هند قال: قال عمر". وبالرجوع إلى مسند أحمد لم أجده في مسند عمر، وإسناده ضعيف، لانقطاعه بين نعيم بن أبي هند وعمر.
5 في الأدب: (داخلة) .
6 وزَعته: كففته، فاتّزع هو: كف. (القاموس ص 995) .
7 البخاري: الأدب المفرد ص 39، قال الألباني: "حسن الإسناد وصحّ مرفوعاً". صحيح الأدب المفرد ص 55، سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم 277) .
(2/726)

وعن إبراهيم التيمي عن أبيه1 قال: "كنا جلوساً عند عمر فأثنى رجل على رجل في وجهه، فقال: "عقرتَ الرجلَ عقرك الله"2.
وعن قبيصة بن جابر3 عن عمر رضي الله عنه قال: "لا يُرحم من لم يَرحم، ولا يُغفر لمن لا يَغفر، ولا يُتاب على من لا يتوب، ولا يُوقَّ من لم يوقِّ"4.
وعن عبد الرحمن بن عجلان5 قال: "مرّ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه برجلين يرميان، فقال أحدهما للآخر: "أسَبْتَ"6. فقال عمر: "سوء اللحن أشدّ من سوء الرمي"7.
وعن عمارة بن سعد التجيبِي8 قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه:
__________
1 يزيد بن شريك التيمي، الكوفي، ثقة، من الثانية، توفي في خلافة عبد الملك. (التقريب ص 602) .
2 ابن أبي شيبة: المصنف 9/6، 8، البخاري: الأدب المفرد ص 123، قال الألباني: "حسن الإسناد". صحيح الأدب المفرد ص 136) ، وابن الجوزي مناقب ص204، والمتقي الهندي: كنْز العمال 3/878.
3 الأسدي، الكوفي، ثقة، من الثانية، مخضرم، توفي سنة تسع وستين. (التقريب ص 453) .
4 البخاري: الأدب المفرد ص 136، قال الألباني: "حسن". صحيح الأدب المفرد ص 148، وانظر: الصحيحة رقم: 483) ، وابن الجوزي: مناقب ص 204.
5 بصري، من الثالثة، أرسل حديثاً، وهو مجهول الحال. (التقريب ص 346) .
6 يريد: (أصبت) .
7 ابن سعد: الطبقات 3/284، البخاري: الأدب المفرد ص 304، وهو ضعيف، لجهالة عبد الرحمن، قال الألباني: "ضعيف الإسناد لجهالة عبد الرحمن". (ضعيف الأدب المفرد ص 80) ، وابن الجوزي: مناقب ص 204.
8 مقبول، من الثالثة، توفي سنة خمسين ومئة. (التقريب ص 407) .
(2/727)

"من ملأ عينيه من قاعة بيت قبل أن يؤذن له فقد فسق"1.
وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه جاءه يستأذن عليه يوماً فأذن له ورأسه في يد جارية له ترجله فنزع رأسه، فقال له: "دعها ترجلك"، فقال له: "يا أمير المؤمنين لو أرسلت إليّ جئتك"، فقال عمر: "إنما الحاجة لي"2.
وقال الأحنف بن قيس: "قال لنا عمر: "تفهموا قبل أن تُسَوَّدوا"، قال سفيان: "لأن الرجل إذا فقه لم يطلب السؤدد"3.
وعن قبيص بن جابر، قال: قال لي عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "إنك رجل حدث السن، فصيح اللسان، فسيح الصدر، وأنه يكون في الرجل عشرةُ أخلاق حسنة، وخلق سيئ فيغلب الخلق السيئ التسعة الأخلاق الحسنة، فاتق عثرات الأشياء"4.
وعن يونس بن عبيد5 أن عمر رضي الله عنه قال: "بحسب امرئ من الغي أن يؤذي جليسه فيما لا يعنيه، أو يجد على الناس فيما يأتي، وأن يظهر له من الناس ما يخفى عليه من نفسه"6.
__________
1 البخاري: الأدب المفرد ص 374، وهو ضعيف، لانقطاعه بين عمار وعمر، وقال الألباني: "ضعيف الإسناد، موقوف، عمار هذا لم يدرك عمر". ضعيف الأدب المفرد ص 95) . وابن الجوزي: مناقب ص 204.
2 ابن الجوزي: مناقب ص 204، 205.
3 سبق تخريجه ص 837، 874.
4 عبد الرزاق: المصنف 4/406، وإسناده صحيح، ومن طريقه البيهقي: السنن: 5/181، وابن الجوزي: مناقب ص 205، والمتقي الهندي: كنْز العمال 5/252، 3/801.
5 ابن دينار العبدي مولاهم أبو عبيد البصري، ثقة. (تهذيب التهذيب 11/442) .
6 ابن الجوزي: مناقب ص 205، بدون إسناد، وقد مرّ بنحوه ص 799، 872، عن أبي عبيدة.
(2/728)

وعن أبي / [104 ب] عثمان النهدي أن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه قال: "احترسوا من الناس بسوء الظن"1.
وعن البراء بن عازب2 رضي الله عنه قال: كنت مع سلمان بن ربيعة3 في بعث وإنه بعثني إلى عمر في حاجة له في الأشهر4 الحرم، فقال عمر: "أيصوم سلمان؟ "، فقلت: "نعم". فقال: "لا يصوم فإن التقوى له على الجهاد أفضل من الصوم"5.
وعن عبيد بن أم كلاب6 أنه سمع عمر بن الخطّاب رضي الله عنه يخطب الناس يقول: "لا يعجبكم من الرجل طنطنته7، ولكن من أدى الأمانة، وكفّ عن أعراض الناس فهو الرجل"8.
وعن يزيد بن حيان9 قال: "كان عمر بن الخطّاب رضي الله عنه يقول: ولا تعجبنكم طنطة الرجل بالليل - يعني صلاته - فإن الرجل كل الرجل من أدّى
__________
1 ابن الجوزي: مناقب ص 205، بدون إسناد.
2 الأنصاري، الأوسي.
3 الباهلي، يقال له: صحبة، ولاه عمر قضاء الكوفة وغزا أرمينية في زمن عثمان فاستشهد. (التقريب ص 246) .
4 في الأصل: (أشهر) .
5 ابن الجوزي: مناقب ص 205، بدون إسناد. وابن أبي شيبة: المصنف 12/329، 330، عن البراء بن قيس بنحوه.
6 عبيد بن أم كلاب عن عبد الله بن جعفر وعنه أبو الأسود. (تعجيل المنفعة ص 184) .
7 ابن المبارك: الزهد ص 242.
8 البيهقي: السنن: 6/288، وفي إسناده عبيد بن أم كلاب، مجهول. ابن الجوزي: مناقب ص 205، والمتقي الهندي: كنْز العمال 3/677.
9 التيمي، سمع زيد بن أرقم، وعياش بن عقبة عن ابن مسعود، وروى عنه سعيد بن مسروق، وأبو حيان والأعمش. (التاريخ الكبير 8/324، الثقات 7/626) .
(2/729)

الأمانة إلى من ائتمنه، ومن سلم الناس من لسانه ويده"1.
وعن أبي قِلابة2: أن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه قال: "لا تنظروا إلى صيام أحد ولا صلاته ولكن انظروا إلى صدق حديثه إذا حدث وإلى أمانته إذا ائتمن، وورعه إذا أشفى"3.
وعن أبي صالح4 قال: قال عمر رضي الله عنه: "الراحة في ترك خلطاء السوء"5.
وعن مسروق قال: "تذاكرنا عند عمر بن الخطّاب رضي الله عنه الحسب فقال: "حسب المرء دينه، وأصله عقله، ومروءته خلقه"6.
وعن الحسن7 قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "الكرم
__________
1 لم أجده من هذا الطريق، وقد تقدم من غير هذا الطريق.
2 عبد الله بن زيد الجرمي.
3 ابن الجوزي: مناقب ص 206، بدون إسناد، البيهقي: السنن: 6/288، وإسناده صحيح، وانظر: ص 847.
4 لم يتميز لي.
5 ابن الجوزي: مناقب ص 206، وابن أبي شيبة: المصنف 13/275، عن إسماعيل بن أمية، وهو ضعيف لانقطاعه بين إسماعيل بن أمية وعمر. وابن أبي عاصم: الزهد ص 37، عن الأعمش وهو منقطع بين الأعمش وعمر. والحافظ ابن حجر في فتح الباري 11/331، وقال: "أخرجه ابن أبي شيبة رجاله ثقات عن عمر أنه قاله، ولكن في سنده انقطاع".
6 ابن الجوزي: مناقب ص 206، بدون إسناد. وابن أبي شيبة: المصنف 8/520، عن الشعبي، ورجاله ثقات، لكنه منقطع بين الشعبي وعمر. البيهقي: السنن 10/195، عن ابن أبي السفر، قال: سمعت الشعبي يقول: "سمعت زياد بن حدير يقول: سمعت عمر) . قال البيهقي: "هذا الموقوف إسناده صحيح". والمتقي الهندي: كنْز العمال 16/265.
7 البصري.
(2/730)

التقوى، والحسب المال"1.
وعن محمّد بن عاصم2 قال: "بلغني أن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه كان إذا رأى فتى فأعجبه، سأل عنه: هل له حرفة؟، فإن قيل: لا، سقط من عينه3.
وعن إبراهيم بن أدهم4: أن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه قال: "لؤم بالرجل أن يرفع يديه من الطعام قبل أصحابه"5.
وعن المسور6 أن رجلاً أثنى على رجل عند عمر رضي الله عنه فقال له: "أصحبته في السفر؟ "، قال: "لا". قال: "فعاملته؟ "، قال: "لا"، قال: "فأنت القائل ما لا تعلم"7.
وسمع عمر بن الخطّاب رضي الله عنه رجلاً يثنى على رجل،
__________
1 ابن الجوزي: مناقب ص 206، وهو ضعيف لانقطاعه بين الحسن وعمر، والبيهقي: السنن: 7/136، عن الحسن عن سمرة مرفوعاً.
2 اليقفي، الأصبهاني، صدوق إلا أن سماعه من ابن عُيينة بعد أن تغير من صغار العاشرة، توفي سنة اثنتين وستين ومئتين. (التقريب ص 485) .
3 ابن الجوزي: مناقب ص 206، وتلبيس إبليس ص 347، وهو ضعيف لإعضاله، والمتقي الهندي: كنْز العمال 4/123، وعزاه للدينوري.
4 العجلي، وقيل: التميمي، الزاهد، صدوق من الثامنة، توفي سنة اثنتين وستين ومئة. (التقريب ص 87) .
5 ابن الجوزي: مناقب ص 206، وهو ضعيف لإعضاله. وابن ماجه: السنن 2/1096، عن ابن عمر مرفوعاً، وفي إسناده عبد الأعلى بن أعين وهو ضعيف. (التقريب رقم: 3729) .
6 ابن مخرمة.
7 ابن الجوزي: مناقب ص 206، بدون إسناد، السخاوي: المقاصد الحسنة ص 241، وعزاه للدينوري في المجالسة عن عبد الله العمري. وهو ضعيف لانقطاعه بين عبد الله العمري وعمر. وأيضاً عبد الله العمري ضعيف.
(2/731)

فقال: "أسافرت معه؟ "، قال: "لا"، قال: "أخالطته؟ "، قال: "لا". قال: "والله الذي لا إله إلا هو ما تعرفه"1.
وعن عطاء2 قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "لأن أموت بين شعبتي رَحْلٍ أسعى في الأرض أبتغي من فضل الله كفاف وجهي أحبّ إلي من أن أموت غازياً"3.
وعن الحسن قال: كان عمر رضي الله عنه قاعداً ومعه الدّرة والناس حوله إذ أقبل الجارود4، فقال رجل: "هذا سيد ربيعة". فسمعها عمر ومن حوله، وسمعها الجارود فلما دنا منه خفقه بالدرّة فقال: "مالي ولك يا أمير المؤمنين، مالي ومالك؟ "، أما لقد سمعته؟ قال: "سمعتها فمه؟ "، قال: "خشيت أن يخالط قلبك منها شيء فأحببت أن أُطأطي منك"5.
وعن ثابت البناني قال: "بلغنا أن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه قال: "من أحبّ أن يصل أباه في قبره فليصل إخوان أبيه بعده"6.
__________
1 ابن أبي الدنيا: الصمت ص 552، 553،، وهو ضعيف لانقطاعه بين عبد الملك الخزاعي وعمر. وأورده الغزالي: الإحياء 3/139، والزبيدي: الإتحاف 7/571، وعزاه لابن أبي الدنيا.
2 عطاء بن أبي رباح.
3 ابن الجوزي: مناقب ص 206، والسيوطي: الدر المنثور 6/280، وعزاه لسعيد بن منصور، وعبد حميد وابن المنذر. والمتقي الهندي: كنْز العمال 4/133، وعزاه لسعيد وعبد بن حميد، وابن المنذر وشعب الإيمان.
4 الجارود بن المعلى العبدي، صحابي، استشهد سنة إحدى وعشرين. (التقريب ص 137) .
5 ابن أبي الدنيا: الصمت ص 548، ورجاله ثقات إلا أن الحسن لم يسمع من عمر. ابن الجوزي: مناقب ص 207، والمتقي الهندي: كنْز العمال 3/809، وعزاه لابن أبي الدنيا في الصمت، والزبيدي: الإتحاف 7/571، عزاه لابن أبي الدنيا.
6 ابن الجوزي: مناقب ص 207، وهو ضعيف لانقطاعه، وابن حبان في صحيحه 2/175، عن ثابت البناني عن أبي بردة قال: "قدمت المدينة فأتاني عبد الله بن عمر فقال: أتدري لم أتيتك؟، قال: قلت: لا، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أحبّ أن يصل أباه في قبره فليصل إخوان أبيه بعده". وقال محققه: "إسناده صحيح على شرط البخاري" ونسبه ابن حجر في المطالب العالية 8/25 إلى أبي يعلى.
(2/732)

وعن عبيد بن كريز1، قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "إن أخوف ما أخاف عليكم إعجاب المرء برأيه، فمن قال: إنه عالم فهوجاهل، ومن قال: إنه في الجنة، فهو في النار"2.
وعن كعب بن علقمة3 فال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "ما أنعم الله على عبد إلا وجد له في الناس حاسداً، ولو أن امرأً أقوم من القدح لوجد له الناس من يغمز عليه، فمن حفظ لسانه ستر الله عورته"4.
وعن سعيد بن المسيب قال: قال عمر رضي الله عنه: "الدعاء يحجب دون السماء حتى يصلي على محمّد، فإذا صلي على محمّد صعد الدعاء إلى الله"5.
__________
1 الخزاعي، سمع عبد الله بن معقل، روى عنه ابن طلحة. (التاريخ الكبير 5/397، الثقات 5/74) .
2 مسدد كما في الإتحاف 1/14، وفي إسناده موسى بن عبدة الربذي وهو ضعيف. وابن الجوزي: مناقب ص 207، وابن حجر: المطالب العالية 3/97، وعزاه لمسدد، والمتقي الهندي: كنْز العمال 3/826، وقال: "سنده ضعيف وفيه انقطاع". وقال البوصيري: "رواه مسدد بسند ضعيف وفيه انقطاع". (الإتحاف 1/14) .
3 التنوخي، صدوق، من الخامسة، توفي سنة سبع وعشرين ومئة. وقيل بعدها. (التقريب ص 461) .
4 ابن الجوزي: مناقب ص 207، بدون إسناد.
5 الترمذي: السنن 2/356، وفي إسناده أبو قرة الأسدي مجهول تفرد عنه النضر بن شميل. (ميزان الاعتدال 4/564، التقريب رقم: 8315) ، وحسّنه الألباني في صحيح سنن الترمذي 1/150، والصحيحة 5/56، 57، رقم: 2035، وقال القاضي أبو بكر بن العربي عقب ذكره لقول عمر هذا: "ومثل هذا إذا قاله عمر لا يكون إلا توقيفاً، لأنه لا يدرك بنظر". عارضة الأحوذي 2/273) .
(2/733)

وعن عمر رضي الله عنه: / [105 / أ] أنه كان يقول: "إياكم وكثرة الحمام، وكثرة إطلاء1 النورة، والتواطئ2 على الفراش، فإن عباد الله ليسوا من المتنعمين"3.
وعن عكرمة قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "من كتم سرّه كانت الخيرة في يده، ومن عرض نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن"4.
وعن صفوان بن عمرو5 قال: "سمعت أيفع بن عبد6 يقول: "لما قدم خراج العراق على عمر رضي الله عنه خرج عمر ومولى له، فجعل عمر يعد الإبل، فإذا هي أكثر من ذلك، وجعل عمر يقول: "الحمد لله، وجعل مولاه يقول: يا أمير المؤمنين هذا والله من فضل الله ورحمته، فقال عمر:
__________
1 في الأصل: (إطلاق) ، وهو تحريف.
2 في الزهد: (التوطي) ، وفي اللسان 1/198: (الوطيء: ما سهل ولان) .
3 ابن المبارك: الزهد 263، وإسناده ضعيف، لإبهام بعض رواته، ابن الجوزي: مناقب ص 207، والمتقي الهندي: كنْز العمال 3/715، وعزاه لابن المبارك.
4 ابن أبي الدنيا: الصمت ص 619، وفي إسناده محمّد بن عبد الله الجدي، وعلي بن نوح لم أجد لهما ترجمة. وفيه انقطاع بين عكرمة وعمر. وابن الجوزي: مناقب ص 208، والمتقي الهندي: كنْز العمال 3/804، وعزاه لابن أبي الدنيا في الصمت. وقد مرّ بنحوه ص 635 عن مجاهد.
5 السّكسكي، الحمصي، ثقة، من الخامسة، توفي سنة خمس وخمسين ومئة. أو بعدها. (التقريب ص 277) .
6 أَيْفَع: بوزن أحمد: ضعيف، من الخامسة. (التاريخ الكبير 2/63، الثقات 4/55، التقريب ص 117) .
(2/734)

"كذبت1 ليس هذا الذي يقول الله تعالى يقول: {قُلْ بِفَضْلِ الله وبِرَحْمَتِه فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} [يونس: 58] .
يقول بالهدى والسنة والقرآن فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون، وهذا مما يجمعون"2.
وعن محمّد بن سيرين: أن عمر رضي الله عنه كان إذا سمع صوت دفّ أنكر، فإن قالوا3: عرس أو ختان سكت"4.
وعن أسامة بن زيد5 عن أبيه قال: "خرجنا مع عمر بن الخطّاب رضي الله عنه للحج فسمع رجلاً يغني، فقيل: "يا أمير المؤمنين، إن هذا يغني وهومحرم، فقال عمر رضي الله عنه: "دعوه فإن الغناء6 زاد الراكب"7.
وعن زيد بن أسلم قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "زوجوا أولادكم إذا بلغوا ولا تحملوا8 آثامهم"9.
__________
1 كذبت: أخطأت. في لغة الحجاز. (لسان العرب 1/709) .
2 الطبراني: مسند الشاميين 2/125، ابن أبي حاتم في التفسير كما في ابن كثير: التفسير 4/212، وهو ضعيف لانقطاعه بين أيفع بن عبد وعمر، وأيفع ضعيف، وفيه بقية بن الوليد كثير التدليس عن الضعفاء وقد عنعن. وابن الجوزي: مناقب ص 208.
3 في الأصل: (فقالوا) .
4 سعيد بن منصور: السنن 1/173، 174، ورجاله ثقات، لكنه منقطع بين محمّد ابن سيرين وعمر. وابن أبي شيبة: المصنف 4/192، عن ابن سيرين، البيهقي: السنن: 7/290، عن ابن سيرين، ابن الجوزي: مناقب ص 208، والمتقي الهندي: كنْز العمال 16/511.
5 ابن أسلم.
6 الغناء: الحداء. (لسان العرب 15/137) .
7 ابن الجوزي: مناقب ص 208.
8 في الأصل: (ولا تحملوهم) ، وهو تحريف.
9 ابن الجوزي: مناقب ص 208، وهو ضعيف لانقطاعه بين زيد بن أسلم وعمر.
(2/735)

وعن إبراهيم1 قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "يثغر الغلام لسبع سنين، ويحتلم لأربع عشرة سنة، وينتهي طوله لأحد وعشرين، وينتهي عقله إلى ثماني وعشرين سنة، ويكمل ابن أربعين سنة"2.
وعن ليث3 قال: "قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "ثلاث يصفين لك ود أخيك: أن تسلم عليه إذا لقيته، وتوسع له إذا جلس إليك، وتدعوه بأحب أسمائه، وكفى بالمرء من الغي أن يبدوا من أخيه ما يخفى عليه، من نفسه مما يأتي، وأن يؤذي جليسه بما لا يعنيه"4.
وفي الصحيح عن عمر رضي الله عنه أنه قال: "مقاطع5 الحقوق عند الشروط"6.
وروى أبو الحسن بن السكري في "فوائده" عن نافع عن ابن عمر أنه رأى سعد بن مالك وهو يمسح على الخفين، فقال: "إنكم لتفعلون ذلك"، فاجتمعوا عند عمر، فقال سعد لعمر: "أفت ابن أخي في المسح على الخفين"، فقال عمر: "كنا ونحن مع نبينا صلى الله عليه وسلم نمسح على خفافنا فلا ترى بذلك بأساً"،
__________
1 النخعي.
2 ابن الجوزي: مناقب ص 208، وهو ضعيف لانقطاعه بين إبراهيم وعمر.
3 لم يتميز لي.
4 ابن الجوزي: مناقب ص 208، وهو ضعيف لانقطاعه. وأبو الشيخ: عواليه ق 57 عن الحسن مختصراً، وقد مرّ بنحوه عن مجاهد ص 798.
5 في الأصل: (مقاطيع) .
6 البخاري: الصحيح، كتاب الشروط 2/970، معلقاً، وصله ابن أبي شيبة: المصنف 4/199، وإسناده صحيح، وابن حجر في تغليق العليق 3/409، وقال في فتح الباري 5/333: "وصله ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور من طريق إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر عن عبد الرحمن بن غنم) . (انظر: الفتح 9/217) .
(2/736)

فقال ابن عمر: "وإن جاءه من الغائط؟ "، قال: "نعم"1.
وفي "عوالي" أبي محمّد بن عبد الله بن محمّد بن حيان عن2 حفص بن عاصم، قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: "خذوا حظكم من العزلة"3.
[و] 4 في "نسخة" إبراهيم بن طهمان5عن ابن المسيب: أنه حدّث أنّ عمر بن الخطّاب رفعت إليه امرأة تطلب ميراثها من دية زوجها، فقال عمر: "إنما الدية للعاقلة، فلا أعلم لك شيئاً"، فقال الضحاك ابن سفيان6: "أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إليَّ أن أورث امرأة أَشْيَم الضبابي7 من دية زوجها فورثها عمر"8. / [106 / ب] 9.
__________
1 مالك: الموطّأ (رواية أبي مصعب الزهري) 1/40، وإسناده صحيح، وأحمد: المسند 1/259، 260. البخاري: الصحيح 1/85، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بنحوه.
2 في الأصل: (ابن) ، وهو تحريف.
3 لم أجده في أحاديث عبد الله بن محمّد بن حيان المطبوع، والمخطوط، وقد سبق تخريجه ص 805.
4 الزيادة يقتضيها السياق.
5 الخراساني، ثقة يغرب وتُكلم فيه للإرجاء ويقال: رجع عنه. من السابعة، توفي سنة ثمان وستين ومئة. (التقريب ص 90) .
6 الكلابي، صحابي معروف، كان من عمال النبي صلى الله عليه وسلمعلى الصدقة. (التقريب ص279) .
7 أشيم - بوزن أحمد - الضبابي قتل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. (الإصابة 1/51) .
8 أحمد: المسند 2/452، أبو داود: السنن 3/129، والترمذي: السنن 4/425، وقال: "هذا حديث حسن صحيح". والحديث صحيح إن كان سعيد سمع من عمر. وصحّحه الألباني. (صحيح الترمذي / 215، 216، رقم: 1714، صحيح سنن ابن ماجه رقم: 2642) . مالك: الموطّأ (رواية أبي مصعب الزهري) 2/245، عن ابن شهاب عن عمر. قال الحافظ: "أخرجه أصحاب السنن من حديث الضحاك، وأخرجه أبو يعلى من طريق مالك عن الزهري عن أنس. قال: كان قتل أشيم خطأ، وهو في الموطّأ عن الزهري بغير ذكر أنس. قال الدارقطني في الغرائب: وهو المحفوظ". (الإصابة 1/51) .
9 وردت هذه الورقة في مكانها الصحيح حسب الترتيب كما بدا لي.
(2/737)

وفي صحيح البخاري قال عمر: "تفقهوا قبل أن تُسوّدوا"1.
وفيه: أن عمر توضأ بالحمَيم2، ومن بيت نصرانية3.
وفيه: أن عمر قال: "إنا لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل التي فيها الصور"4.
وفيه: أن عمر أمر ببناء المسجد، وقال: "أكن الناس من المطر، وإياك، أن تُحمِّر أو تُصفِّر فتفتن الناس"5.
وعن عبد الله بن عمر قال: سمعت عمر رضي الله عنه يقول: "من ضفّر6 فليحلق ولا تشبهوا بالتلبيد"78.
وفي مسند الإمام أحمد عن عليّ قال: "كان أبو بكر يخافت بصوته إذا قرأ، وكان عمر يجهر بقراءته، وكان عمار إذا قرأ يأخذ من هذه السورة وهذه، فذُكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال لأبي بكر: "لم تخافت؟ "، قال: "إني
__________
1 البخاري: الصحيح، كتاب العلم 1/39، تعليقاً. وقد سبق تخريجه ص 837.
2 الحميم: الماء الساخن. (فتح الباري 1/299، القاموس ص 1417) .
3 البخاري: الصحيح، كتاب الوضوء1/82، تعليقاً، وصله عبد الرزاق: المصنف1/174، وإسناده صحيح. قال الحافظ: "وصله سعيد بن منصور وعبد الرزاق وغيرهما، بإسناد صحيح". (فتح الباري 1/299، تغليق التعليق 2/130) .
4 البخاري: الصحيح، كتاب المساجد 1/167، تعليقاً، وصله عبد الرزاق: المصنف 1/411، وإسناده صحيح. والبخاري: الأدب المفرد ص 427، وإسناده ضعيف فيه عنعنة ابن إسحاق، وضعّفه الألباني. (ضعيف الأدب المفرد ص 111) .
5 البخاري: الصحيح، كتاب المساجد 1/171، تعليقاً: ولم أجده موصولاً.
6 ضَفْر الشّعر: إدخال بعضه في بعض. (النهاية 3/92) .
7 تلبيد الشعر: أن يجعل فيه شيء من صمغ عند الإحرم، لئلا يشعث ويقمل إبقاء على الشعر. (النهاية 4/224) .
8 البخاري: الصحيح، كتاب اللباس 5/2212، رقم: 5570.
(2/738)

لأسمع من أناجي"، وقال لعمر: "لم تجهر بقراءتك؟ "، قال: "أفزع الشيطان وأوقظ الوسنان". وقال لعمار: "لم تأخذ من هذه السورة وهذه السورة؟ "، قال: "أتسمعني أخلط به ما ليس منه؟ "، قال: "لا"، قال: "فكله طيب" 1.
وفي الصحيح عن عمر أنه قال: "إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة، أو قال: في صلاتي"2.
وفي مسند الإمام أحمد عن الحارث بن معاوية الكندي3: أنه ركب إلى عمر يسأله عن ثلاث خلال، قال: "فقدم المدينة فسأله عمر: "ما أقدمك؟ "، قال: لأسألك عن ثلاث خلالٍ، قال: "وما هن؟ "، قال: "ربما كنت أنا والمرأة في بناء ضيق فتحضر الصلاة فإن صليت أنا وهي كانت بحذائي، وإن صلت خلفي خرجت من البناء، فقال عمر: "تستُر بينك وبينها بثوب، ثم تصلي بحذائك إن شئت". وعن الركعتين بعد العصر؟ فقال: نهاني عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن القصص فإنهم أرادوني على القصص؟ فقال: "ما شئت"، كأنه كره أن يمنعه، قال: "إنما أردت أن أنتهي إلى قولك، قال: "أخشى عليك أن تقص فترتفع عليهم في نفسك، ثم تقص فترتفع حتى
__________
1 أحمد: المسند 4/159، رقم: 865، وإسناده ضعيف فيه زكريا بن أبي زائدة عنعن وهو مدلس. وسماعه من أبي إسحاق بأخرة. (التقريب رقم: 2022، 5065) .
2 البخاري: الصحيح، كتاب العمل في الصلاة 1/408، تعليقاً، ووصله ابن أبي شيبة: المصنف 2/424، وإسناده صحيح، قال الحافظ: "وصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن أبي عثمان النهدي عنه بهذا سواء". (فتح الباري 3/90، تغليق التعليق 2/448) .
3 روى عن عمر، وعنه عبد الرحمن بن جبير وسليم بن عامر، وأبو أمامة الباهلي، وغضيف بن الحارث، وثّقه ابن حبان والعجلي، وذكره ابن مندة في الصحابة، والذي يظهر أنه من المخضرمين. (تعجيل المنفعة ص 56) .
(2/739)

يخيل إليك أنك فيهم بمنزلة الثريا فيضعك الله تحت أقدامهم يوم القيامة بقدر ذلك"1.
وفي مسند الرّوياني عن زيد بن خالد الجهني2: أنه رآه عمر بن الخطّاب رضي الله عنه - وهو خليفة - ركع بعد العصر ركعتي، فمشى إليه فضربه بالدّرة وهو يصلي كما هو، فلما انصرف قال: "زدنا يا أمير المؤمنين فوالله لا أدعهما أبداً بعد إذ رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصليهما، قال عمر: "يا زيد بن خالد، لولا أني أخشى أن يتخذهما الناس سلماً إلى الصلاة حتى الليل لم أضرب فيهما"3.
وفي مسند الإمام أحمد عن حكيم بن عمير4 وضمرة بن حبيب5 قالا: قال عمر بن الخطّاب: "من سرّه أن ينظر إلى هدي رسول الله فلينظر إلى هدي عمرو بن الأسود"67.
__________
1 أحمد: المسند 1/203، رقم: 111، وإسناده صحيح. وصحّحه أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند، رقم: 111.
2 صحابي مشهور، توفي سنة ثمان وستين بالكوفة. (التقريب ص 223) .
3 لم أجده فيما تبقى من مسند الروياني، والحديث أخرجه عبد الرزاق: المصنف 2/431، 432، وإسناده ضعيف، فيه أبو سعد الأعمى، ذكره البخاري وابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً. والسائب مولى القاريين لم يوثّقه غير ابن حبان. (الكنى للبخاري ص 36، الجرح والتعديل 9/379، الثقات 4/326) .
4 أبو الأحوص الحمصي.
5 الزبيدي، الحمصي، ثقة، من الرابعة، توفي سنة ثلاثين ومئة. (التقريب ص 280) .
6 العَنسي، حمصي، سكن داريا، مخضرم، ثقة عابد، من كبار التابعين، توفي في خلافة معاوية. (التقريب ص 418) .
7 أحمد: المسند 1/205، وإسناده ضعيف، لانقطاعه بين حكيم بن عمير، وضمرة بن حبيب وبين عمر. وفيه أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم وهو ضعيف. (التقريب رقم: 7974) .
(2/740)

وفي الصحيح قال عمر: "نعم العِدلان1 ونعم العِلاوة2 / [106 / أ] 3 {الَّذِين إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لله وَإِنَّا إِلِيه رَاجِعُون أُولَئِكَ عَلَيْهِم صَلَوَاتٌ مِّنْ رَّبِّهِم وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ} 4 [البقرة: 156-157] .
وفيه أن عمر كان يقول: "لا يرث المؤمن الكافر"5.
وعن أبي وائل قال: "جلست مع شيبة6 على الكرسي في الكعبة، فقال: "لقد جلس هذا المجلس عمر، فقال: "لقد هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمته". قلت: "إن صاحبيك لم يفعلا"، قال: "هما المرآن أقتدي بهما"7.
وفيه: أن عمر قال لنشوانَ8 في رمضان: "ويلك، وصبياننا صيام،
__________
1 العِدْل والعَدْل - بالكسر والفتح -: المثل، والعدلان: المثلان. (النهاية 3/191، فتح الباري 3/172) .
2 العِلاوة: ما يحمل على البعير وغيره، وهوماوضع بين العِدلين. (لسان العرب15/89) .
3 ق 106 / أوردت في مكانها الصحيح، وهذا هو الترتيب الصحيح كما بدا لي.
4 البخاري: الصحيح، كتاب الجنائز 1/438، تعليقاً. ووصله الحاكم: المستدرك 2/270، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ولا أعلم خلافاً بين أئمتنا أن سعيد بن المسيب أدرك أيام عمر، وإنما اختلفوا في سماعه". ومن طريقه البيهقي: السنن 4/65، قال الحافظ ابن حجر بعد إيراد الحديث: "هذا إسناد صحيح". (تغليق التعليق 2/470) . قلت: "إسناده صحيح إلى سعيد بن المسيب".
5 البخاري: الصحيح، كتاب الحج 2/575 رقم 1511 قال الحافظ في فتح الباري 3/452: " ويختلج في خاطري أن القائل: " وكان عمر ... " هو ابن شهاب فيكون منقطعا عن عمر ".
6 ابن عثمان.
7 سبق تخريجه ص 638.
8 نشوانٌ: سكران. (القاموس ص 1725) .
(2/741)

فضربه"1.
وفيه عن ابن عباس أنه قال: "بلغ عمر أن فلاناً باع خمراً، فقال: "قاتل الله فلاناً، ألم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها" 2.
وعن أبي البختري3 قال: سألت ابن عمر عن السلم في النخل، فقال: "نهى عمر4 عن بيع الثمر حتى يصلح، ونهى عن الورق بالذهب نساءً بناجز"5.
وفي الصحيح قال عمر: "من أحيا أرضاً ميتة فهي له" 6.
وفيه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم ق ال: "من أعمرَ أرضاً ليست لأحد فهو أحقّ"، قال عروة7: "قضى به عمر في خلافته"8.
وفيه أن عمر قال: "اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينته لنا، اللهم
__________
1 البخاري: الصحيح، كتاب الصوم 2/692، تعليقاً، وصله سعيد بن منصور في السنن كما في تغليق التعليق 3/196، وإسناده صحيح، والبغوي في الجعديات كما في تغليق التعليق 3/196، وابن حزم: المحلى 6/269، والحافظ ابن حجر: تغليق التعليق 3/196.
2 البخاري: الصحيح، كتاب البيوع 2/774، رقم: 2110.
3 سعيد بن فيروز.
4 في البخاري: "نُهيَ عن بيع".
5 البخاري: الصحيح، كتاب السلم 2/783، ر قم: 2131.
6 البخاري: الصحيح، كتاب المزارعة 2/823، تعليقاً، ووصله مالك: الموطّأ2/466، وراية أبي مصعب، وإسناده صحيح.
7 ابن الزبير.
8 البخاري: الصحيح، كتاب المزارعة 2/823، تعليقاً، قال الحافظ ابن حجر: "قوله عروة، هو موصول بالإسناد المذكور إلى عروة، ولكن عن عمر مرسلاً، لأنه ولد في آخر خلافة عمر". (فتح الباري 5/20) .
(2/742)