Advertisement

مرآة الجنان وعبرة اليقظان 001



الكتاب: مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان
المؤلف: أبو محمد عفيف الدين عبد الله بن أسعد بن علي بن سليمان اليافعي (المتوفى: 768هـ)
وضع حواشيه: خليل المنصور
الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة: الأولى، 1417 هـ - 1997 م
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
قال العبد الفقير إلى لطف الله الكريم سيدنا الشيخ الإمام العالم العلامة علم العلماء وقدوة العرفاء أبو محمد عبد الله بن أسعد بن علي نزيل الحرمين الشريفين اليمني المعروف باليافعي: اما بعد حمدا لله المتوحد بالإلهية والكمال والعظمة والسلطان مميت الأحياء ومحيي الأموات المعروف بالرحمة والإحسان موجد الوجود ومفيض الفضل والجود في سائر الأكوان، الأزلي الأبدي، الحي الباقي، وكل من عليها فان. وصلواته وسلامه على رسوله الحبيب الكريم المنتخب من نسل عدنان النازل في ذروة علياء المفاخر المجلي عند استباق الأصفياء النجباء يوم الرهان وعلى آله وأصحابه الغر الكرام المعز بهم دين الإسلام السامي على سائر الأديان. فهذا كتاب لخصته واختصرته، مما ذكره أهل التواريخ والسير أولو الحفظ والاتقان في التعريف بوفيات بعض المشهورين المذكورين الأعيان، وغزوات النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وشيء من شمائله، ومعجزاته، ومناقب أصحابه وأموره، وأمور الخلفاء والملوك، وحدوثها في أي الأزمان على وجه التقريب لمعرفة المهم من ذلك دون الاستيعاب، واستقصاء ذكر الأوصاف والأنساب لأستغني به في معرفة ما تضمنه عن الحاجة إلى استعارة التواريخ للمطالعة في بعض الأحيان، معتمداً في الشمائل والمناقب على ما أفصح به كتاب الشمائل للترمذي وجامعه والصحيحان، وفي التواريخ على ما قطع به الذهبي، أو أوله وصحح، ومودعه أشياء من الغرائب والنوادر والظرف والملح ملتقطاً ذلك من نفائس جواهر نوادر الفضلاء، ومعظمها من تاريخ الإمام ابن خلكان وشيئاً من تاريخ ابن سمرة في قدماء علماء اليمن أولي الفقه والحكمة والبيان مختصراً في جميع ذلك على الاختصار بين التفييط المخل، والإفياط الممل، محافظاً على لفظ المذكورين في غالب الأوقات حاذفاً للتطويل، وما يكره المتدين ذكره من الخلاعات، على حسب ما أشرت إليه في هذه الأبيات.
أيا طالباً علم التواريخ لم تشن ... بإخلال تفييط وإملال إفياط
تلق كتاباً قد أتى متوسطاً ... وخير أمور حل منها بأوساط
تجلى بأشعار زهت ونوادر ... وما لاق من إثبات ذكر وإسقاط
(1/7)

به تجتلى الأسماع عند غرائب ... ولياً منقى من قشور وأخلاط
ومن درر الألفاظ عين معاني ... ونجباة خودات نقاوة لقاط
بذاك اعبتار واطلاع مطالع ... على علم دهر رافع الخلق حطاط
وتصريف أيام حكيم مداول ... لها مسقط في خلقه غير قساط
فكم في تواريخ الوقائع عبرة ... لمعتبر خاشي العواقب محتاط
فنى من صروف الدهرحزم مجانب ... تعاطى أمور معطيات لمتعاطي
قنوع بما فيه الخبير أقامه ... وقدره راضي القضا غير مسخاط
أجر رب من كل البلايا وفتنة ... بدنيا بها كم ذي افتنان وكم خاطي
وكم غارق في بدرها جاء شطه ... فكيف بمن للبدر قد جاوز الشاطي
وسميته مرآة الجنان وعبرة اليقطان في معرفة حوادث الزمان وتقليب أحوال الإنسان، وتاريخ موت بعض المشهورين من الأعيان، مرتباً على سني الهجرة النبوية، والله الموفق المستعان، والحمد لله رب العالمين على كل حال.

السنة الأولى من الهجرة
هاجر صلى الله عليه وآله وسلم من مكة المعظمة إلى المدينة المكرمة بالتأييد والتوفيق في صحبة الصديق السابق بالتصديق، ومعهما عامر بن فهيرة ورجل آخر من أهل الحيرة بالطريق، فدخلها صلى الله عليه وآله وسلم ضحى يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، فبنى صلى الله عليه وآله وسلم مسجده ومساكنه، وآخى بين المهاجرين، والأنصار، رضي الله تعالى عنهم، وأسلم عبد الله بن سلام، وتوفي نقيبان أسعد بن زرارة الأنصاري من بني النجار والبراء بن معرور السلمي.
(1/8)

السنة الثانية
فيها حولت القبلة إلى الكعبة، قال محمد بن حبيب الهاشمي: حولت في ظهر يوم الثلاثاء نصف شعبان، وكان صلى الله عليه وآله وسلم في أصحابه، فجاءت صلاة الظهر في منازل بني سلمة، فصلى بهم ركعتين من الظهر في مسجد القبلتين إلى القدس، ثم أمر في الصلاة باستقبال الكعبة، وهو راكع في الركعة الثانية فاستدار واستدارت الصفوف خلفه صلى الله عليه وآله وسلم، فأتم الصلاة فسمي مسجد القبلتين. وفي شعبان أيضاً فرض صوم رمضان، وفي رمضان كانت وقعة بدر يوم الجمعة في السابع عشر منه، فاستشهد من المسلمين أربعة عشر رجلاً، منهم ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبو عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب قلت: هكذا ذكروا في التواريخ، ولم يبينوا من هم، وقد بينهم علماء السير، فقالوا: كان من قريش ستة أولهم أبو عبيدة بن الحارث ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعمير بن أبي وقاص الزهري، وذو الشمالين بن عبد عمرو، وعاقل بن البكير ومهجع مولى عمر بن الخطاب، وصفوان ابن بيضاء، ومن الأنصار ثمانية خمسة من الأوس سعد بن خيثمة، ومبشر بن عبد المنذر من بني عمرو بن عوف، وزيد بن الحارث من بني سلمة، ورافع بن المعلى من بني خثيم، وثلاثة من الخزرج من بني النجار، حارثة بن سراقة، وعوف ومعوذ ابنا عفراء، رضي الله عنهم. وقتل من الكفار سبعرن، وأسر سبعون، ومن المقتولين رأس الكفرة أبوجهل المخزومي، وعتبة بن ربيعة العبشمي، فهما المقدمان في الجيش والكبيران في قريش. وفيها توفيت رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زوجة عثمان رضي الله تعالى عنهما، وفي شوال منها دخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعائشة، وفيها بنى علي بفاطمة رضي الله عنهما.
وفيها توفي عثمان بن مظعون رضي الله عنه بالمدينة، وهو أول من مات من المهاجرين في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة بعد رجوعه من بدر، ولما دفن
(1/9)

قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " نعم السلف هو لنا عثمان بن مظغون ". وأعلم صلى الله عليه وآله وسلم قبره بحجر، وكان يزوره، وكان عابداً مجتهداً من فضلاء الصحابة، وكان ممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية، وقال: لا أشرب شراباً يذهب عقلي، ويضحك بي من هو أدنى مني على أن أنكح كريمتي، فلما حرمت الخمر، وأعلم بتحريدها قال: تباً لها، قد كان بصري منها ثاقباً، ورأته امرأته فقالت:
ياعين جودي بدمع غير ممنوع ... على رزية عثمان بن مظعون
على أمرء بان في رضوان خالقه ... طوبى له من فقيد الشخص مدفون
مع أبيات أخرى، ومن فضائله أنه لما مات قبله النبى صلى الله عليه وآله وسلم، وأعلم على قبره، ودفن بجنبه ولده ابراهيم رضي الله تعالى عنه، وأنه لما سمع لبيداً ينشد شعراً:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
قال: صدقت، فلما قال:
وكل نعيم لا محالة زائل
قال: كذبت نعيم الجنة لا يزول، فقال لبيد: يا معشر قريش أكذب في مجلسكم، فلطم بعض الحاضرين عثمان بن مظعون على وجهه حتى اخضرت إحدى عينيه، وذلك في أول الإسلام، فقال له عتبة بن ربيعة: لو بقيت في منزلي ما أصابك هذا، وقد كان في نزله، ثم رده عليه، وقال له عثمان: ان عيني الأخرى لفقيرة إلى ما أصاب أختها في سبيل الله، وفيها ولد عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما.

السنة الثالثة
في رمضان منها ولد الحسن رضوان الله عليه قلت: ولم أرهم ذكروا تاريخ ولادة أخيه الحسين رضي الله تعالى عنه، والذي يقتضيه ما ذكروا من تاريخ مدة عمرهما وزمان وفاتهما أن تكون ولادة الحسين في السنة الخامسة، والله تعالى أعلم، ثم وقفت على كلام للأمام القطبي المالكي يذكر فيه أنه ولد في شهر شعبان في

السنة الرابعة، فعلى هذا ولد الحسين، قبل تمام السنة من ولادة الحسن ومثل هذا غريب في العادة. نادر الوقوع. ويؤيد هذا ما وقفت عليه، بعد ذلك من نقل الواحدي أن فاطمة رضي الله تعالى عنها، علقت بالحسين بعد مولد الحسن بخمسين ليلة، والله أعلم. وفي الثالثة أيضا دخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحفصة رضي الله تعالى عنها.
(1/10)

وفي رمضان أيضاً دخل بزينب بنت جحش، وبزينب بنت خزيمة العامرية أم المساكين، وعاشت عنده نحواً من ثلاثة أشهر. ثم توفيت. وفيها تزوج عثمان رضي الله عنه بأم كلثوم بنت النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وفيها تحريم الخمر، ووقعة أحد يوم السبت السابع من شوال، وصحح بعضهم أنها في الحادي عشر منه، فاستشهد فيها عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، الأسد المتغلب أبو يعلى حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه، ومناقبه مشهورة، وسيرته مشكورة. وشجاعته معروفة. ونجابته موصوفة، وقد ورد أنه لما بلغه أن أبا جهل آذى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمكة قصده حمزة، فشجه بقوس كانت في يده. جاء بها من الصيد ومشاهده معروفة منها يوم بدر، ويوم أحد قتل فيها جماعة وبلي فيها بلاء حسناً، وكان ممن قتل يوم بدرعتبة بن ربيعة، وقيل: بل أخوه شيبة مبارزة، وما ندبه صلى الله عليه وآله وسلم إلى البراز يوم بدر للعدى إلا لما علم فيه من النجدة، ومكافحة الأقران أولى الاعتداء، وكان يقال له: أسد الله، وأسد رسوله أسلم في السنة الثالثة، وقيل في السنة السادسة من مبعثه، صلى الله عليه وآله وسلم ولم يسلم من إخوته سوى العباس، وكانوا تسعة، وقيل عشرة، وقيل اثنا عشر، وهم حمزة، والعباس، وأبو طالب، واسمه عبد مناف، والحارث، وهو أكبرهم سناً، والزبير، وعبد الكعبة، والمقوم، والمغيرة، وضرار، وأبو لهب، واسمه عبد العزى، والغيداق، وعبد الله والد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولما وقف صلى الله عليه وسلم عليه مقتولاً ممثلاً به يوم أحد حلف ليقتلن به سبعين من قريش، فأنزل الله عز وجل " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بل نصبر "، وكفرعن يمينه، ورثاه كعب ابن مالك، وقيل عبد الله بن رواحة، فقال:
بكت عيني، وحق لنا بكاها ... وما يغني البكاء ولا العويل
على أسد ألا له غداة قالوا ... لحمزة ذاكم الرجل القتيل
أصيب المسلمون به جميعاً ... هناك وقد أصيب به الرسول
(1/11)

أبا يعلى بك الأركان هدت ... فأنت الماجد البر الوصول
عليك سلام ربك في جنان ... يخالطها نعيم ل ايزول
وفيها قتل الذي لبس في الله إهاب كبش، بعدما كان من الذين يلبسون ويتنعمون، فقال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: " دعاه حب الله ورسوله إلى ما ترون " مصعب بن عمير العبدري قتل مع تتمة سبعين رجلاً من المسلمين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. وفي الحديث هاجرنا، فوجب أجرنا على الله فمنا من مضى لسبيله، ولم يأكل من أجره شيئاً منهم مصعب بن غمير قتل يوم أحد، وليس له إلا نمرة إن غطينا بها رأسه بدت رجلاه، وإن غطينا بها رجليه بدا رأسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " غطوا بها رأسه، واجعلوا على رجليه من الأذخر "، ومنا من أينعت له ثمرة فهويهديها، وكان أبواه يحبانه، ويغذيانه بأطعم الطعام والشراب، ويلبس أحسن ملابس الثياب، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " ما رأيت رجلاً أحسن ملة، ولا أرق حلة ولا أنعم نعمة من مصعب بن عمير "، وكان إسلامه في دار الأرقم ولما قدم من بعض الأسفار بدأ بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل أمه فغضبت، فقالت قدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحداً أو كانت في يده راية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر، ويوم أحد فلما قتل أخذها ليث بني غالب علي بن أبي طالب. وغزوة بدر الصغرى في هلال في القعدة، وفيها غزوة بني النضير عند بعضهما، وذكر بعض المحققين أنها في الرابعة.
السنة الرابعة
فيها غزوة بن معونة في صفر، قال أنس: كانوا سبعين، فقتلوا يومئذ، وقال غيره: وكانوا أربعين، وكان يقال لهم: القراء، فاستشهدوا كلهم، ونزل فيهم قرآن. وغزوة بني النضير في الربيع الأولى، فنزلوا صلحاً، وارتحلوا إلى خيبر. وغزوة ذات الرقاع في أول المحرم. وغزوة الخندق عند بعضهم، وكان مدة إقامة
(1/12)

الأحزاب فيها خمسة عشر يوماً، ثم هزمهم الله تعالى، وكذلك نزول التيمم، وزواج أم سلمة.

السنة الخامسة
ذكر بعضهم فيها صلاة الخوف، وغزوة دومة الجندل، وغزوات ذات الرقاع عند نعضهم خلإذا لما تقدم، وغزوة الخندق عند بعضهم في شوال، ثم غزوة بني قريظة، وممن ذكر هذا الذهبي، قلت: والعجب من الشيخ محيي الدين النواوي رحمه الله كيف صحح كون غزوة الخندق في الرابعة، وغزوة بني قريظة في الخامسة ذكر ذلك في الروضة مع أنها وقعت عقبها وظاهرهذا النقل التناقض. اللهم إلا أن يكون غزوة الخندق في آخرالرابعة عنده، وغزوة بني قريظة في أول الخامسة. اعني دامت إلى أول الخامسة، فيصح ذلك لكني أراه بعيداً لوجهين: أحدهما ما تقدم من كون غزوة الخندق في شوال، وهذا النقل وإن احتمل خلفه، فالوجه الثاني لايحتمل خلافه، وهو ما قد علم من نصوص الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم توجه إلى بني قريظة في اليوم الذي انصرف فيه الأحزاب من غزوة الخندق بعدما أخبره جبرائيل عليه السلام بأن الله تعالى يأمره بالتوجه إلى بني قريظة، والغزوة إذا أطلقت حملت على ابتدائها دون دوامها، وغزوة الخندق هي غزوة الأحزاب، ولم يكن فيها سوى الرمي بالنبل، والمصابنة أكثر من عشرين يوماً، وقيل: خمسة عشر يوماً، وخرج فيها للمبارزة عمرو بن عبد ود، فبارزه علي رضي الله تعالى عنه فقتله. وفي السنة المذكورة توفي سعد بن معاذ سيد الأوس الذي اهتز عرش الرحمن بموته، وقال صلى الله عليه وآله وسلم فيه: " قوموا إلى سيدكم ". وقال: " لقد حكم بحكم الله " الحديث لما حكم في بني قريظة بما هو معروف، وقال: " لمناديل سعد في الجنة خير من هذا " مشيراً إلى الحرير الذي أعجبهم كل هذه من بعض مناقبه، مات رضي الله عنه شهيداً من سهم أصابه في غزوة الخندق، وعاش بعده حتى حكم في بني قريظة، وعدل في حكمه الذي وافق فيه حكم الله عز وجل.
(1/13)

وقال ابن عبد البر: روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " لقد نزل من الملاتكة في جنازة سعد بن معاذ سبعون ألفاً ما وطأوا الأرض قبل ذلك ". قال ابن عبد البر: وبلغني عن بعض السلف أن جبرائيل عليه السلام نزل من السماء معتماً بعمامة من استبرق، وقال: يا نبي الله من هذا الذي فتحت له أبواب السماء واهتزله العرش؟ فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سريعاً يجر ثوبه فوجد سعداً وقد قبض، وفي ذلك يقول رجل من الأنصار شعراً.
وما اهتز عرش الله من موت هالك ... علمنا به إل السعد أبي عمرو

السنة السادسة
فيها بيعة الرضوان في ذي القعدة، وموت سعد بن خولة بمكة، وذكر بعضهم فيها غزوة بني المصطلق، وفرض الحج فيها، وقيل سنة خمس، وكسفت الشمس ونزل حكم الظهار.

السنة السابعة
فيها غزوة خيبر، وفتحها في صفر، وأكرم فيها بالشهادة بضعة عشر. وتزوج صلى الله عليه وآله وسلم صفرة، وميمونة، وأم حبيبة، وجاءته مارية القبطية هدية، وبغلته دلدل، وقدم جعفر بن أبي طالب وأصحابه من الحبشة رضي الله عنهم، وأسلم أبو هريرة رضي الله عنه. وفيها عمرة القضاء في ذي القعدة التي قضاها المسلمون عن عمرة الحديبية.

السنة الثامنة
فيها غزوة مؤتة في جمادى الأولى، فاستشهد الأمراء الثلاثة الأجلة السادة زيد بن حارثة الكلبي مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن فضائله تقديم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الإمارة. على الأمراء، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " وإن كان خليقأ للأمرة " أي حقيقاً بها، وكان قد أسرته العرب، وهو صبي، فجلب إلى المدينة. فسمع به قرابته، فقدم منهم جماعة لأجله وفيهم أبوه وعمه، فوجدوه قد ملكه النبي صلى الله عليه
(1/14)

وآله وسلم، وأعتقه، فكلموه صلى الله عليه وآله وسلم فيه، فجعل صلى الله عليه وآله وسلم الخيرة إلى زيد أن اختار قومه أرسله معهم وإن اختار النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقام معه، فرغبه أهله إلى أن يختارهم، فأبى، واختار النبي صلى الله عليه وآله وسلم للسعادة السابقة، وكان صلى الله عليه وآله وسلم يحبه، وفيه نزل " وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه " الأحزاب قيل أنعم الله تعالى عليه بالإيمان، وأنعمت عليه بالعتق والإحسان. وزوجة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زينب بنت جحش، فأقامت عنده. إلى أن فارقها لما فهم أن لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيها رغبة موثراً بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على نفسه، فزوجها الله تعالى عند ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما أخبر سبحانه بقوله " فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكما " عوضها الله تعالى أشرف الخلق وأكرمهم صلى الله عليه وآله وسلم، لما انقادت وأطاعت في زواج زيد بعد أن كانت قد كرهته هي وأخوها لكونه مولى، فلما أنزل الله عز وجل في ذلك: " وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم " الآية إذعناً وأطاعا واستسلما لحكم الله تعالى فأعقبها ذلك السعادة الكبرى في الدنيا والآخرة. وقال ابن عبد البر: كان قد سبي في الجاهلية، وهو غلام، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بأربع مائة درهم، فلما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تبناه صلى الله عليه وآله وسلم بمكة قبل النبوة، فهو ابن ثمان سنين، فقال أبوه حارثة حين فقده. أشعاراً:
بكيت على زيد ولم أدر ما فعل ... أحي يرجى أم أتى دونه الأجل
فو الله ما أدري وإن كنت سائلاً ... أغالك سهل الأرض أم غالك الجبل
تذكرنيه الشمس عند طلوعها ... ويعرض ذكراه إذا قارب الطفل
وإن هبت الأرواح هيجن ذكره ... فيا طول ما حزني عليه وما وجل
سأعمل نضر العيش في الأرض جاهداً ... ولا أسأم التطواف أوتشأم الأبل
حياتي أو تأتي علي منيتي ... وكل امرء فان وإن غره الأمل
فحج بعد ذلك ناس من كلب فرأوا زيداً، فعرفهم، وعرفوه، فقال لهم أبلغوا أهلي الأبيات فإني أعلم أنهم قد جزعوا علي فأنشد أشعاراً:
أحن إلى قومي وإن كنت نائياً ... فإني قعيد البيت عند المشاعر
(1/15)

فكفوا من الوجد الذي قد شجاكم ... ولا تعلموا في الأرض نض الأباعر
فإني بحمد الله في خيرأسرة ... كرام معد كابن بعد كابن
فانطلق الكلبيون وأعلموا أباه فخرج أبوه وعمه لفدائه، وقدما مكة والياً النبي صلى اله عليه وآله وسلم، وقالا له: يا ابن عبد المطلب يا ابن هاشم، يا ابن سيد قومه أنتم أهل حرم الله. وجيرانه تفكون العاني وتطعمون الأسير، جئناك في ابننا، فامنن علينا وأحسن إلينا في فدائه، قال: " من هو؟ " قالوا: زيد بن حارثة، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: " فهلا غير ذلك " قالوا: وما هو؟ قال: " ادعوه فأخبره فإن اختاركم، فهو لكم وإن اختارني، فو الله ما أنا بالذي اختارعلى من اختارني أحداً " قالوا: قد زدتنا على النصف، وأحسنت، فدعاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وخيره، فقال: ما أنا بالذي اختار عليك أحداً أنت مني مكان الأب والعم، فقالوا: ويحك يا زيد أتختار العبودية على الحرية، وعلى أبيك وعمك، وأهل بيتك؟ قال: نعم قد رأيت من هذا الرجل شيئاً ما أنا بالذي أختار عليه أحداً، فلما رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك، أدخله الحجر، وقال: " يا من حضر اشهدوا أن زيداً ابني، يرثني وأرثه " فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت أنفسهما وانصرفا، فادعي يومئذ زيد بن محمد. وذكر معمر في جامعه عن الزهري، قال: ما علمنا أحداً أسلم قبل زيد بن حارثة قال عبد الرزاق، وما أعلم أحداً ذكر هذا غير الزهري، وقد روي عن الزهري من وجوه أن أول من أسلم خديجة، وشهد زيد بدراً، وزوجه صلى الله عليه وآله وسلم مولاته أم أيمن، فولدت له أسامة، وكان يقال له: حب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكذا يقال: لزيد، ثم زوجه صلى الله عليه وآله وسلم زينب على ما تقدم والله أعلم. ثم استشهد بعده جعفربن أبي طالب، وهو ابن إحدى وأربعين سنة. ومن فضائله ارسال النبي صلى الله عليه وآله وسلم له أميراً، وحصول الهجرتين له ولأصحابه، وصدقه بين يدي النجاشي في أن عيسى صلوات الله عليه وسلامه عبد الله ورسوله مع اتخاذ النصارى له إلهاً وقتلهم من يصفه بكونه عبداً، واسهامه صلى الله عليه وآله وسلم ولأصحابه يوم خيبر، ولم يكونوا شهدوا الوقعة، وشدة شفقته على المساكين وبره لهم كما ورد في الحديث. قلت: هذا ما لخصته من أقوال العلماء، وكان يشبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في
(1/16)

خلقه وخلقه، وكان أكبر من علي بعشر سنوات، وعقيل أكبر من جعفر بعشر سنين، وطالب أكبر من عقيل بعشر سنين أيضاً، " ولما قتل عوضه الله بقطع يديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء " رواه الزبير بن بكار في تاريخه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ورواه ابن أبي شيبة. ثم استشهد بعدهما عبد الله بن رواحة الخزرجي ومن فضائله أنه أحد النقباء ليلة العقبة وإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعله أميراً بعد جعفر ومنها قوة إيمانه ومن ذلك قوله شعراً.
والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إذ لاقينا
إن الأعادي قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا
وقوله:
وفينا رسول الله يتلو كتابه ... إذا انشق معروف من الفجر ساطع
أتانا الهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقنات أن ما قال واقع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالمشركين المضاجع
ثم أخذ الراية خالد بن الوليد المخزومي لما أصيب الأمراء الثلاثة المذكورون من غير إمرة فاستظهر على المشركين، وتحيز بالمسلمين. وهي أول مشاهده في الإسلام قلت وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: " ثم أخذها سيف من سيوف الله " مدح عظيم، وفخر وتنويه إلى آخر الدهر. وفي السنة المذكورة فتح مكة في رمضان، وغزوة حنين في شوال، ثم حصار الطائف ونصب المنجنيق عليها، ثم رحل المسلمون عنها وأسلم أهلها في العام القابل، وفيها غزوات ذات السلاسل وغلاء السعر فقالوا سعر لنا يا رسول الله فاعلمهم أن الله تعالى هو المسعر، وهو القابض والباسط. وفيها ولد ابراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوفيت ابنته زينب، وهي أكبر أولاده صلى الله عليه وسلم.
(1/17)

السنة التاسعة
فيها وقعت غزوة تبوك في رجب وحج أبو بكر رضي الله تعالى عنه بالناس، وصلى النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي صلاة الغائب، ووصفه صلى الله عليه وسلم بالصلاح، وموته رحمه الله في رجب، وتوفيت أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابن أبي ابن سلول، ي ذي القعمة وقتل عروة بن مسعود الثقفي، قتله قومه إذ دعاهم إلى الإسلام، وكان من دهاة العرب الأربعة المعدودين الآتي ذكرهم بعد إن شاء الله تعالى، وهو أحد الرجلين اللذين قال المشركون: لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم. هو من الطائف، والوليد بن المغيرة من مكة وتوفي سهل ابن بيضاء الفهري، صلى الله عليه وسلم في المسجد. وقتل ملك الفرس، وملكوا عليهم بوارن بنت كسرى، إليها الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: " لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ".

السنة العاشرة
فيها حجة الوداع، ووفاة ابراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو ابن سنة ونصف، فحزن عليه صلى الله عليه وآله وسلم، وقال: " العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بفراقك يا ابراهيم لمحزونون " قلت: وفي الحديث الصحيح. وقد تقدم إن الشمس كسفت في السنة السادسة. وفيه بعض إشكال، فإنه لم ينقل أن الشمس كسفت. في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غير مرة، فإن كسفت مرتين فلا إشكال، وإلا فأحد النصين لا يصح، بل كسفت في العاشرة، أو مات ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في السادسة، والله أعلم. وقد ذكر بعض أصحابنا الشافعية: أن الشمس كسفت في غير اليوم الثامن والعشرين،
(1/18)

محتجاً بكسوفها يوم مات ابراهيم، رداً على أهل علم الفلك، زاعماً أن موت ابراهيم في غير اليوم المذكور، فهذا يحتاج إلى نقل صحيح، فإن العادة المستقرة كسوفها في اليوم المذكور، والله أعلم.
ولما ولد ابراهيم رضوان الله عليه، بشر به أبو رافع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فوهب له عبداً، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: " ولد لي ولد فسميته باسم أبي ابراهيم صلى الله عليه وآله وسلم " وذكر ابن بكار أن الأنصار تنازعوا في من يرضعه، فدفعه صلى الله عليه وآله وسلم إلى أبي سيف، فلما توفي قال صلى الله عليه وآله وسلم: " إن له مرضعة في الجنة ". وفيها إسلام جرير ونزول قوله تعالى: " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي " - المائدة: 3 - وظهور الأسود العنسي بالنون بعد العين المهملة الدجال المدعي للنبوة، وكان له شيطان. يخبره ببعض الأشياء الغائبة عن الناس، فضل به خلق كثير واستولى على اليمن، إلى أن قتل في العام القابل في صفر وكان بين ظهوره وقتله نحو من أربعة أشهر، وكثرت الوفود في السنة العاشرة، ودخل الناس في دين الله أفواجاً. وبعضهم ذكر الوفود في التاسعة، وكانت غزوات النبي صلى الله عليه وآله وسلم خمساً وعشرين، وقيل سبعاً وعشرين، وسراياه ستاً وخمسين، وقيل غير ذلك والله أعلم.

السنة الحادية عشر
توفي فيها المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم في وسط نهار الاثنين في ربيع الأول. قلت وفيما قيل: إنه توفي في الثاني عشر منه أشكال، لأنه صلى الله عليه وسلم كانت وقفته بالجمعة في السنة العاشرة إجماعاً، فإذا كان ذلك لا يتصور وقوع يوم الاثنين في ثاني عشر ربيع الأول من السنة التي بعدها، وذلك مطرد في كل سنة، تكون الوقفة قبله بالجمعة على كل تقدير، من تمام الشهور ونقصانها، وتمام بعضها ونقصان بعض. ولم يعتمر صلى الله عليه وآله وسلم بعد الهجرة سوى أربع عمر، كلهن في ذي القعدة، ما خلا التي مع حجته، فإن أفعالها وقعت في ذي الحجة. وسميت حجة الوداع لأن
(1/19)

النبي صلى الله عليه وآله وسلم ودع الناس فيها، ولم يحج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد الهجرة سواها. وأما قبل الهجرة فلم يضبط عدد حجاته صلى الله عليه وآله وسلم، غير أنه أقام بعد النبوة بمكة ثلاث عشرة سنة على القول الراجح المشهور، وقيل عشراً، وقيل خمس عشرة، وأقام بالمدينة عشراً بالاجماع، كان مبعثه صلى الله عليه وآله وسلم على رأس أربعين سنة من مولده. وروى البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أنزل القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين سنة وعن عائشة مثل ذلك. وتوفي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين سنة وفي إقامته بمكة والمدينة يقول أبو ليث صرمة بن قيس الأنصاري.
ثوى في قريش بضع عشرة حجة ... وذكر لو يلقى صديقاً موليا
ويعرض في أهل المواسم فنه ... ولم يرمن يؤوي ولم ير داعيا
فلما أتانا واستقر به السوى ... وأصبح مسروراً بطيبة راضيا
وأصبح لا يخشى ظلامة ظالم ... بعيد، ولا يخشى من الناس باغيا
بذلنا له الأموال من جل مالنا ... وأنفسنا، عند الوغى ولا ناسيا
نادى الذي عادى من الناس كلهم ... جميعاً وإن كان الحبيب الموليا
ونعلم أن الله لا شيء غيره ... وأن كتاب الله أصبح هاديا
وكان مولده صلى الله عليه وآله وسلم عام الفيل بمكة، في شعب بني هاشم، في الدار التي كانت تدعى بعد ذلك لمحمد بن يوسف أخي الحجاج. وتوفي جده عبد المطلب وهو ابن ثمان سنين في أحد الأقوال، وشهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بناء الكعبة وتراضت قريش بحكمه وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة على أحد الأقوال فيما نقل ابن عبد البر. قلت هذا مشكل، فإنهم نقلوا في السيرة أنه كان وهو صبي صغير، وفي ذلك قضية مشهورة وقعت له حين نزع بردته ووضعها على كتفه يتقي بها الحجارة فحصل له في ذلك عشرين سنة على القول المشهور.
(1/20)

وفرضت الصلوات الخمس ليلة الإسراء بمكة بعد النبوة لعشر سنين وثلاثة أشهر، قيل ليلة سبع وعشرين من رجب، وقيل بل في الربيع الأول، وقيل في الثاني، وقيل في رمضان، وأما الصوم ففرض بعد الهجرة بسنتين، واختلفوا في الزكاة هل فرضت قبل الصوم أم بعده؟!. قلت ومناقبه صلى الله عليه وسلم ومحاسنه قد ملأت الوجود شهرة، ولو اجتمع الخلق على أن يحصوها. كان وصفهم من بحرها قطرة، ولم يتعرض الذهبي لشيء من شمائله صلى الله عليه وسلم، ولا رأيت أحداً من أهل التواريخ تعرض لذلك، مع تعرضهم لأوصاف الناس الذين يؤرخون موتهم، فكان ذكر وصفه صلى الله عليه وسلم أولى وأحرى وأبهج وأبهى: وها أنا أذكر شيئاً مما رويناه بسندنا من ذلك مما أخرجه الحافظ أبو عيسى الترمذي رحمه الله غير ملتزم لترتيبه وأذكر شيئاً من أوصافه صلى الله عليه وسلم ومحاسن خلقه وخلقه وأقدم على ذلك ذكر نسبه صلى الله عليه وسلم. أما نسبه عليه أفضل الصلوات والسلام، المتفق عليه بين العلماء الأعلام، فهم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، ذا هو نسبه المتفق عليه إلى عدنان. أما ما فوقه ففيه خلاف لا يهتدى إلى معرفة حقيقته بإيضاح وبيان. وأما صفته صلى الله عليه وآله وسلم فقد روينا في كتاب شمائله صلى الله عليه وآله وسلم، تصنيف الشيخ الإمام الحافظ أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، حمه الله، بسندنا المتصل عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس بالطويل البائن ولا بالقصير ولا بالأبيض الأمهق ولا بالأدم ولا بالجعد القطط ولا بالسبط، بعثه الله تعالى على رأس أربعين سنة، فأقام بمكة عشر سنين وبالمدينة عشر سنين، وتوفاه الله تعالى على رأس ستين سنة، وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء. قلت وقد تقدم أن القول الراجح أنه صلى الله عليه وآله وسلم أقام بعد النبوة بمكة
(1/21)

ثلاث عشرة سنة، والصحيح عند جمهور العلماء أن عمره صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث وستون سنة. وبسندنا المتصل في الكتاب المذكور أيضا إلى البراء بن عازب رضي الله عنه أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلاً مربوعاً، بعيد ما بين المنكبين عظيم الجمة إلى شحمة أذنيه، عليه حلة حمراء ما رأيت شيئا قط أحسن منه، وفي الرواية الأخرى عنه ما رأيت من ذي لمة في حلة حمراء أحسن من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، له شعر يضرب منكبيه، بعيد ما بين المنكبين، لم يكن بالقصير ولا بالطويل. وروينا فيه أيضا عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه كان إذا وصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: لم يكن بالطويل الممعط، لا بالقصير المتردد، كان ربعة من القوم، لم يكن بالجعد القطط ولا بالسبط، كان جعداً رجلاً، ولم يكن بالمطهم ولا بالمكلثم، في وجهه تدوير أبيض مشرب أدعج العينين أهدب الأشفار جليل المشاس والكتداجرد ذو مسربة شثن الكفين والقدمين، إذا مشى تقلع، كأنما ينحط من صبب، وإذا التفت التفت معاً. بين كتفيه خاتم النبوة أجود الناس صدراً، وأصدق الناس لهجة، وألينهم عريكة، وأحسنهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله، صلى الله عليه وآله وسلم. قال أبو عيسى: سمعت أبا جعفر محمد بن الحسين، يقول: سمعت الأصمعي يقول في تفسير صفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم: الممعط الذاهب طولاً، والمتردد الداخل بعضه في بعض قصراً وأما القطط فشديد الجعودة، والرجل الذي في شعره حجولة، أي تثن قليلاً يعني الرجل بكسر الجيم وأما المطهم فالبادن الكثير اللحم، والمكلثم المدور الوجه والمشرب
الذي في بياضه حمرة. والأدعج الشديد سواد العين، والأهدب الطويل الأشفار، والكتد المجتمع الكتفين، وهو الكاهل، والمسربة الشعر الدقيق الذي كأنه قضيب من الصدر إلى السرة والشثن الغليظ الأصابع من الكفين والقدمين، والتقلع إن يمشي بقوة والصبب الحدور، قول: انحدرنا في صبب وصبوب، قوله: جليل المشاس يريد رؤوس المناكب، والعشرة الصحبة، والعشير الصاحب، والبديهة المفاجأة، يقال: بدهته بأمر: أي فجأته. وروينا فيه أيضا عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: سألت خالي هند بن أبي هالة، وكان وصإذا لحلية النبي صلى الله عليه وسلم، وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئا أتعلق به، فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخماً مفخماً يتلألأ وجهه تلألأ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع وأقصر من المشذب، عظيم الهامة رجل الشعر، إن انفرقت عقيصته فرق، وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه، إذا هو وفره أزهر اللون واسع الجبين، ازج الحواجب، سوابغ في غير قرن بينهما عرق يدره الغضب، أقنى العرنين، له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأجله اشم، كث اللحية سهل الخدين، ضليع الفم مفلج الأسنان دقيق المسربة، كان عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، معتدل الخلق بادن متماسك سواء البطن والصدر عريض الصدر بعيد ما بين المنكبين ضخم الكراديس أنور المتجرد موصول ما بين اللبة، والسرة، بشعر يجري كالخط عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك لشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر طويل الزندين رحب الراحة شثن الكفين والقدمين سائل الأطراف أو قال شائل الأطراف خمصان الأخمصين مسيح القدمين ينبو عنهما الماء إذا أزال زال قلعاً يخطو تكفياً، ويمشي هوناً ذريع المشية إذا مشى كأنما ينحط من صبب، إذا التفت التفت جميعاً، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة، يسوق أصحابه، ويبدر من لقي بالسلام. وروينا فيه أيضاً عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ضليع الفم، أشكل العين منهوش العقب قال شعبة: قلت لسماك يعني أحد رواة هذا الحديث: ما ضليع الفم؟ قال: عظيم الفم، قلت: ما أشكل العين؟ قال: طويل شق العين: قلت منهوش العقب؟ قال: قليل لحم العقب. وفي رواية أخرى عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ليلة أضحيان، وعليه حلة حمراء، فجعلت انظر إليه وإلى القمر، فلهو عندي أحسن من القمر. قلت: يعني في حسن لونه وريق بهجته، وأما باقي محاسن صورته. فليس القمر مشاركة في شيء منها. وروينا فيه أيضاًعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " عرض على الأنبياء فإذا موسى ضرب من الرجال كأنه من رجال شنوءة ورأيت عيسى ابن مريم فإذا هو أقرب من رأيت به شبهاً عروة بن مسعود ورأيت ابراهيم فإذ هو أقرب من رأيت به شبهاً صاحبكم يعني نفسه ورأيت جبرائيل، إذا هو أقرب من رأيت به شبهاً دحية " صلوات الله وسلامه على نبينا، وعليهم أجمعين. وروينا فيه أيضاً عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أفلج الثنيتين، إذا كلم رئي كالنور يخرج من بين ثناياه صلى الله عليه وآله وسلم. في بياضه حمرة. والأدعج الشديد سواد العين، والأهدب الطويل الأشفار، والكتد المجتمع الكتفين، وهو الكاهل، والمسربة الشعر الدقيق الذي كأنه قضيب من الصدر إلى السرة والشثن الغليظ الأصابع من الكفين والقدمين، والتقلع إن يمشي بقوة والصبب الحدور، قول: انحدرنا في صبب وصبوب، قوله: جليل المشاس يريد رؤوس المناكب، والعشرة الصحبة، والعشير الصاحب، والبديهة المفاجأة، يقال: بدهته بأمر: أي فجأته. وروينا فيه أيضا عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: سألت خالي هند بن أبي هالة، وكان وصإذا لحلية النبي صلى الله عليه وسلم، وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئا أتعلق به، فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخماً مفخماً يتلألأ وجهه تلألأ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع وأقصر من المشذب، عظيم الهامة رجل الشعر، إن
(1/22)

انفرقت عقيصته فرق، وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه، إذا هو وفره أزهر اللون واسع الجبين، ازج الحواجب، سوابغ في غير قرن بينهما عرق يدره الغضب، أقنى العرنين، له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأجله اشم، كث اللحية سهل الخدين، ضليع الفم مفلج الأسنان دقيق المسربة، كان عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، معتدل الخلق بادن متماسك سواء البطن والصدر عريض الصدر بعيد ما بين المنكبين ضخم الكراديس أنور المتجرد موصول ما بين اللبة، والسرة، بشعر يجري كالخط عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك لشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر طويل الزندين رحب الراحة شثن الكفين والقدمين سائل الأطراف أو قال شائل الأطراف خمصان الأخمصين مسيح القدمين ينبو عنهما الماء إذا أزال زال قلعاً يخطو تكفياً، ويمشي هوناً ذريع المشية إذا مشى كأنما ينحط من صبب، إذا التفت التفت جميعاً، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة، يسوق أصحابه، ويبدر من لقي بالسلام. وروينا فيه أيضاً عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ضليع الفم، أشكل العين منهوش العقب قال شعبة: قلت لسماك يعني أحد رواة هذا الحديث: ما ضليع الفم؟ قال: عظيم الفم، قلت: ما أشكل العين؟ قال: طويل شق العين: قلت منهوش العقب؟ قال: قليل لحم العقب. وفي رواية أخرى عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ليلة أضحيان، وعليه حلة حمراء، فجعلت انظر إليه وإلى القمر، فلهو عندي أحسن من القمر. قلت: يعني في حسن لونه وريق بهجته، وأما باقي محاسن صورته. فليس القمر مشاركة في شيء منها. وروينا فيه أيضاًعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " عرض على الأنبياء فإذا موسى ضرب من الرجال كأنه من رجال شنوءة ورأيت عيسى ابن مريم فإذا هو أقرب من رأيت به شبهاً عروة بن مسعود ورأيت ابراهيم فإذ هو أقرب من رأيت به شبهاً صاحبكم يعني نفسه ورأيت جبرائيل، إذا هو أقرب من رأيت به شبهاً دحية " صلوات الله وسلامه على نبينا، وعليهم أجمعين. وروينا فيه أيضاً عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أفلج الثنيتين، إذا كلم رئي كالنور يخرج من بين ثناياه صلى الله عليه وآله وسلم.
(1/23)

تواضعه صلى الله عليه وآله وسلم
عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ". وعن أنس بن ماللك رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعود المريض، ويشهد الجنازة، ويركب الحمار، ويجيب دعوة العبد، وكان يوم قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف عليه أكاف من ليف. وعنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعى إلى خبز الشعير والإهالة السخنة فرجيب. وعنه أيضاً قال: حج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، على رجل رث وعليه قطيفة خلق، لا يساوي أربعة دراهم، فقال اللهم اجعله حجاً مبروراً لا رياء فيه ولا سمعة. وعنه أيضاً قال: لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكانوا إذا رأوه ولم يقوموا له، لما يعلمون من كراهيته لذلك. وعن الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما قال: سألت أبي عن دخول النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: اذا أوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء جزءاً لله وجزءاً لأهله وجزءاً لنفسه ثم جزأ جزءاً بينه وبين الناس، فيودي ذلك بالخاصة على العامة، ولا يدخر عنهم شيئاً للعامة، وكان من سيرته في جزء الأمة، إيثار أهل الفضل باذنه، وقسمه على قدر فضلهم في الدين، فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم، ويشغلهم عما أصلحهم، الأمة من مسألتهم عنه. قلت: هذا في الشمائل من مسألتهم عنه وفي كتاب الشفاء، من مسألته عنهم، وأخبارهم بالذي ينبغي لهم، ويقول: " ليبلغ الشاهد منكم الغائب، وابلغوني حاجة من لا يستطيع ابلاغها، إنه من أبلغ سلطاناً حاجة من لا يستطيع ابلاغها، ثبت الله قدميه يوم القيامة، لا يذكر عنده إلا ذلك، ولا يقبل من أحد غيره، يدخلون رواداً، ولا يفترقون إلاعن
(1/24)

ذواق، ويخرجون أدلة يعني على الخير ". قلت: وقوله عن ذواق؟ قيل: ذواق العلم والفوائد، لأنه صلى الله عليه وآله وسلم ما كان عنده شيء من الدنيا يسع به الخلايق، قال: فسألته عن مخرجه كيف كان يصنع فيه؟ قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخزن لسانه إلا فيما يعنيه، ويؤلفهم ولا ينفرهم، ويكرم كريم كل قوم، ويوليه عليه، ويحذر الناس، ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره، ولا بخلقه، ويتفقد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس، ويحسن الحسن ويصوبه، ويقبح القبيح ويوهيه، معتدل الأمر غير مختلف لا يغفل، مخافة أن يغفلوا، أو يميلوا لكل امرىء عنده عتاد، يعني أهبة لا يقصر عن الحق ولا يجاوزه الذين يلونه من الناس، خيارهم وأفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومواراة. قال فسألته عن مجلسه فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، فإذا انتهى إلى قوم، جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك. يعطي كلا ًنصيبه لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه ممن جالسه. ومن سأله عن حاجته لم يرده ألا بها أو بميسور من القول قد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أباً وصاروا عنده في الحق سواء مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم. يتعاطفون فيه بالتقوى متواضعين، يوقرون فيه الكبير، ويرحمون فيه الصغير ويوثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب. وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " لو أهدي إلي كراع لقبلت ولو دعيت إليه لأجبت ". وعن عمرة قالت: قيل لعائشة رضي الله تعالى عنها: ماذا كان يعمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيته؟ فقالت: كان بشراً من البشر، يفلي ثوبه، ويحلب شاته ويخدم نفسه. وروى الترمذي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: كان يعلف البعير، ويقم البيت ويخصف النعل، ويرقع الثوب، ويعلف الشاة، ويأكل مع الخادم ويطحن معه إذا أعيى، وكان لا يمنعه الحياء أن يحمل بضاعته من السوق إلى أهله، ويصافح الغني والفقير، ويسلم مبتدياً، ولا يحقر ما دعي إليه ولو إلى حشف الثمر، وكان هين المؤنة لين الخلق كريم
(1/25)

الطبيعة جميل المعاشرة طلق الوجه بساماً من غير ضحك، محزوناً من غير عبوس، متواضعاً من غير مذلة، جواداً من غير سرف، رقيق القلب رحيماً بكل مسلم، لم يتجشأ قط من شبع، ولم يمد يده إلى الطمع، صلى الله عليه وآله وسلم وعلى أصحابه وبارك وشرف كرم.

ذكر شيءمن حيائه
مما ورد في حيائه صلى الله عليه وآله وسلم روينا في كتاب الحافظ أبي عيسى المذكور عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. أشد حياء من العنراء في خدرها، وكان إذا كره الشيء عرفناه في وجهه. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما نظرت إلى فرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقالت ما رأيت فرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ذكر شيءمن خلقه
يسير مما ورد من محاسن خلقه صلى الله عليه وآله وسلم
اعلم إنه ما يهتدي أحد من خلق الله عز وجل، إلى معرفة ما حوى خلقه الحسن من المحاسن الكريمة، وجميل الأخلاق الكاملة العظيمة وقد أجمل الله تعالى من وصفه في محكم تنزيله ما لا تتسع الدفاتر لتفصيله. فقال في الذكر الحكيم: " وإنك لعلى خلق عظيم " فأعظم بما وصفه العظيم بكونه عظيماً. فإنه لا يهتدي الخلق إلى إدراك كنه ذلك العظيم، تفصيلاً لمجموع محاسنه، وتعميماً. ولكني أذكر شيئاً مما ورد في ذلك من الأخبار بحسب التبرك والتذكار. روينا في الكتاب المذكور عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشر سنين، فما قال لي أف قط، وما قال لشيء صنعته لم صنعته، ولا لشيء تركته لما تركته. وكان صلى الله عليه وآله وسلم من أحسن الناس خلقاً، ولا مسست خزاً قط، ولا حريراً ولا شيئاً ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا شممت مسكاً قط ولا عطراً كان أطيب من عرق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يكاد يواجه أحداً بشيء يكرهه، وكان عنده رجل به أثر صفرة، فلما قام قال صلى الله عليه وآله وسلم للقوم: " لو قلتم له يدع هذه الصفرة ". وروينا عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاحشاً، ولا متفحشاً ولا صخاباً في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، لكن يعفو ويصفح.
(1/26)

وعنها أيضاً قالت: ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده شيئاً قط إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا ضرب خادماً ولا امرأة. وعنها قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منتصراً لنفسه من مظلمة ظلمها قط، ما لم ينتهك من محارم الله شيء فإذا انتهك من محارم الله شيء، كان أشدهم في ذلك غضباً. وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً. وعنها قالت: استأذن رجلاً على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا عنده فقال بئس ابن العشيرة أو أخو العشيرة ثم أذن له، فألان له القول، فلما خرج قلت: يا رسول الله قلت ما قلت ثم ألنت له القول فقال: " يا عائشة إن من شر الناس من تركه الناس أو ودعه الناس اتقاء فحشه ". وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " كنت لك كأبي زرع لأم زرع الحديث " وأوله قالت: جلست إحدى عشرة امرأة. تعاهدن وتعاقدن، أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئاً، ثم ذكرت ما قالت: كل واحدة منهن في حديث طويل، ذكره البخاري رضي الله تعالى عنه. وفي آخره قالت الحادية عشر زوجي أبو زرع، وما أبو زرع؟ أناس من حلي أذني، وملأ من شحم عضدي، ويجحني فبجحت إلى نفسي الحديث. قال في آخره: لما ذكرت ما أعطاها زوجها الثاني، بقولها: وأعطاني من كل رائحة زوجاً، وقال كلي أم زرع، وميري أهلك، فلو جمعت كل شيء أعطانيه ما بلغ أصغرآنية أبي زرع. قالت عائشة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كنت لك كأبي زرع لأم زرع. وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: ما سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً قط فقال لا. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان، حتى ينسلخ فيأتيه جبرائيل عليه السلام، فيعرض عليه القرآن، فإذا لقيه جبرائيل، كان صلى الله عليه وآله وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة. وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فسأله أن يعطيه، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ما عندي شيء، ولكن اتبع
(1/27)

علي، فإذا جاءني شيء قضيته، فقال عمر: يا رسول الله، قد أعطيته، فما كلفك الله ما لا تقدر عليه، وكره صلى الله عليه وآله وسلم قول عمر، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله انفق ولا تخش من ذي العرش إقلالاً، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعرف البشر في وجهه لقول الأنصاري، ثم قال بهذا أمرت. وعن الربيع بنت معوذ ابن عفراء رضي الله تعالى عنهما، قالت: اتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقناع من رطب، وأجر زغب فأعطاني ملء كفيه حلياً وذهباً. وفي رواية. وعليه أجر من قثاء زغب، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحب القثاء، فأتيت بها، وعنده حلية قد قدمت عليه من البحرين، فملأ يده منها وأعطانيه. وعن علي رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم دائم البشر سهل
الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب ولا فحاش ولا عياب ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهيه، ولا يوئس منه، ولا يجيب فيه، قد ترك نفسه من ثلاث: الرياء والإكثار وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحداً، ولا يعيبه، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، وإذا تكلم أطرق جلساؤه، كأنما على رؤوسهم الطير إذا سكت تكلموا، لا يتنازعون عنده الحديث، ومن تكلم عنده انصتوا له، حتى يفرغ حديثهم عنده، حديث أولهم يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته، حتى إن كان أصحابه ليستجلبونه ويقول: " إذا رأيتم صاحب حاجة يطلبها فارقدوه " ولا يقبل الثناء إلا من مكافىء، لا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز، فيقطعه بنهي أو قيام. ن الجانب، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب ولا فحاش ولا عياب ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهيه، ولا يوئس منه، ولا يجيب فيه، قد ترك نفسه من ثلاث: الرياء والإكثار وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحداً، ولا يعيبه، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، وإذا تكلم أطرق جلساؤه، كأنما على رؤوسهم الطير إذا سكت تكلموا، لا يتنازعون عنده الحديث، ومن تكلم عنده انصتوا له، حتى يفرغ حديثهم عنده، حديث أولهم يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته، حتى إن كان أصحابه ليستجلبونه ويقول: " إذا رأيتم صاحب حاجة يطلبها فارقدوه " ولا يقبل الثناء إلا من مكافىء، لا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز، فيقطعه بنهي أو قيام.

ذكر شيء من عبادته
مما جاء في عبادته صلى الله عليه وآله وسلم عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى انتفخت قدماه، فقيل له: اتتكلف هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: أفلا أكون عبداً شكوراً. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه نحوه إلا أنه قال: يصلي حتى تورمت قدماه. وفي رواية عنه. حتى تنتفخ. وفي الجميع يقول النبي صلى الله عليه وآله سلم " أفلا أكون عبداً شكوراً ".
(1/28)

وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان ينام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أول ليلة، ثم يقوم، فإذا كان من السحر، أوتر ثم أتى فراشه فإذا كانت له حاجة ألم بأهله فإذا سمع الأذان وثب فإن كان جنباً إذاض عليه من الماء وإلا توضأ وخرج للصلاة. وعنها وقد سئلت. كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. في رمضان فقالت: ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشر ركعة، يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً. قالت: قلت: يا رسول الله أتنام قبل أن توتر؟ قال: يا عائشة إن عيني تنامان. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان صلى الله عليه وآله وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا لم يصل من الليل منعه من ذلك النوم أو غلبت عيناه صلى من النهار اثنتي عشر ركعة. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " إذا قام أحدكم من الليل، فليفتح صلاته بركعتين خفيفتين ". وعن حذيفة اليمان رضي الله تعالى عنهما أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الليل قال فلما دخل في الصلاة قال الله أكبر ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة، ثم قرأ البقرة، ثم ركع، وكان ركوعه نحواً من قراءته، وكان يقول سبحان ربي العظيم سبحان ربي العظيم، ثم رفع رأسه وكان قيامه نحواً من ركوعه، وهو يقول: لربي الحمد لربي الحمد، ثم سجد، فكان سجوده نحواً من قيامه، وكان يقول سبحان ربي الأعلى سبحان ربي الأعلى، ثم رفع رأسه فكان بين السجدتين نحو من السجود، وكان يقول: رب اغفر لي، رب اغفر لي، حتى قرأ البقرة وآل عمران والنساء والمائدة أو الأنعام. شك شعبة. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بآية من القرآن ليلة. وعن عبد الله يعني ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال: صليت ليلة مع رسول الله
(1/29)

صلى الله عليه وآله وسلم فلم يزل قائماً حتى هممت بأمر سوء قيل: وما هممت به؟ قال: هممت أن أقعد، وأدع النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وعن عبد الله بن شقيق، قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن تطوعه، فقالت: كان يصلي ليلاً طويلاً قائماً وليلاً طويلاً قاعداً، فإذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ وهو جالس ركع وسجد وهو جالس. وعن معاذة، قالت: قلت: لعائشة رضي الله تعالى عنها أكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي الضحى؟ قالت: نعم أربع ركعات. وعن أنس رضي الله تعالى عنه أنه كان صلى الله عليه وآله وسلم يصلي الضحى ست ركعات. وعن عبد الرحمن بن أبي يعلى قال: ما أخبرني أحد أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويصلي الضحى إلا أم هاني فإنها حدثت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دخل بيتها يوم فتح مكة، فاغتسل، فسبح ثماني ركعات ما رأيته صلى صلاة قط أخف منها غير أنه، كان يتم الركوع والسجود، قلت: الحديث الصحيح المشهور أن ذلك في أعلى مكة عند قدومه لفتحها. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي الضحى حتى نقول لا يدعها وبدعها حتى نقول لا يصليها. وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى لله عليه وآله وسلم كان يدمن أربع ركعات عند زوال الشمس، وقال إن أبواب السماء تفتح، عند زوال الشمس ولا ترتج حتى يصلي الظهر، فأحب أن يصعد لي في تلك الساعة خير. وفي رواية أخرى. عمل صالح. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي قبل الظهر ركعتين وبعدها ركعتين، وبعد المغرب اثنتين، وبعد العشاء ركعتين، وقبل الفجر اثنتين. وعن علي رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي قبل
(1/30)

الظهر
أربعاً، وبعدها ركعتين، وقبل العصر أربعاً، يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين، والنبيين ومن تبعهم من المؤمنين والمسلمين قلت: وفي حديث آخر: يصلي قبل الظهر أربعاً وبعدها أربعاً. ركعتين، وقبل العصر أربعاً، يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين، والنبيين ومن تبعهم من المؤمنين والمسلمين قلت: وفي حديث آخر: يصلي قبل الظهر أربعاً وبعدها أربعاً.

ذكر شيء من بكائه
ما ورد من بكائه صلى الله عليه وآله وسلم عن مطرف بن عبد الله بن الشخيرعن أبيه قال أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يصلي، ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء. وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل عثمان بن مظعون، وهو ميت، وهو يبكي، أو قالت: وعيناه تهرقان. وعن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم: اقرأ علي، فقلت: يا رسول الله اقرأ عليك، وعليك أنزل قال: أني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأت سورة النساء، حتى بلغت " وجئنا بك على هؤلاء شهيداً " النساء قال: فرأيت عيني النبي صلى الله عليه وآله وسلم تهملان.

ذكر شيء من معجزاته
صلى الله عليه وآله وسلم منها انشقاق القمر. ومنها نبع الماء من بين أصابعه، وتكثيره. وتكثير الطعام لبركة دعائه، صلى الله عليه وآله وسلم. وكلام الشجرة وشهادتها له بالنبوة. وأجابتها دعوته لما قال له أعرابي: من يشهد لك؟ والشجرة التي جاءت إليه صلى الله عليه وآله وسلم، حتى قضى حاجته خلفها. وحنين الجذع إليه، صلى الله عليه وآله وسلم. وتسبيح الطعام الذي كان يأكل منه، صلى الله عليه وآله وسلم. وتسبيح الحصى في كفه، وتسليم الأشجار والأحجار عليه، صلى الله عليه وآله وسلم. ورجف أحد به وببعض أصحابه، صلى الله عليه وآله وسلم. وكلام الضب والذئب له والجمل. وذلك ما روي أن أعرابياً صاد ضباً، فجاءه والنبي صلى الله عليه وآله وسلم بين أصحابه، فقال: ما هذا؟ قالوا: نبي الله، فقال: واللات والعزى لا آمنت بك أو تؤمن هذا الضب، وطرحه بين يدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " يا ضب " فأجاب بلسان مبين لبيك وسعديك يا زين من وافى القيامة، فقال " من تعبد "؟ قال: الذي في السماء عرشه، وفي الأرض سلطانه، وفي الجنة رحمته، وفي النار عقابه قال: " فمن أنا " قإل: رسول رب العالمين، وخاتم النبيين، قد أفلح من صدقك، وخاب من كذبك، فأسلم الأعرابي.
(1/31)

وروينا أن ذئباً أخذ ظبياً فدخل الظبي الحرم، فانصرف الذئب، فعجب من رآه من الكفار، فقال الذئب: أعجب من ذلك، محمد بن عبد الله بالمدينة، يدعوكم إلى الجنة، وتدعونه إلى النار. وروي أن بعيراً جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فوضع مشفره في الأرض، وبرك بين يديه، فسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن شأنه، فأخبر: ان أهله أرادوا ذبحه. وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لهم: إنه يشكو كثرة العمل وقلة العلف. وفي رواية شكا إلي أنكم أردتم ذبحه، بعد أن استعملتموه في شاق العمل من صغره، فقالوا نعم. وروي أن حمام مكة أظلت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم فتحها فدعا لها بالبركة. وروي أنه أمر حمامتين فوقفتا بفم الغار، وإن العنكبوت نسجت على بابه، فلما رأى ذلك الطالبون له، انصرفوا. وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان في صحراء فنادته ظبية؟ يا رسول الله: قال: " ما حاجتك ": قال صادني هذا الأعرابي ولي خشفان في ذلك الجبل، فأطلقني حتى أذهب فأرضعهما، وأرجع، قال: " وتفعلين " قالت: نعم فأطلقها فذهبت ورجعت فأوثقها فانتبه الأعرابي وقال يا رسول الله ألك حاجة؟ قال: " أطلق هذه الظبية "، فأطلقها، فخرجت تعدو في الصحراء، وتقول أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. ومنها حديث الناقة التي شهدت عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم لصاحبها، أنه ما سرقها وإنها ملكه، وكلام الحمار الذي أصابه صلى الله عليه وآله وسلم بخيبر، وقال له اسمي يزيد بن شهاب، فسماه النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعفورا. والعنز التي أتت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عسكر. وقد أصابهم عطش، فحلبها صلى الله عليه وآله وسلم، فأروى الجند الحديث وفيه طول. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: ان يهودية أهدت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بجنب شاة مصلية سمتها، فأكل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منها، وأكل القوم، فقال: ارفعوا أيديكم فإنها أخبرتني أنها مسمومة، فمات بشر بن البراء، فقال صلى الله عليه وآله وسلم لليهودية: " ما حملك على ماصنعت؟ " قالت: إن كنت نبياً لم يضرك
(1/32)

الذي صنعت، وإن كنت ملكاً أرحت الناس منك، فأمر بها، فقلت، وفي حديث آخر قالت: أردت قتلك، فقال: ما كان الله ليسلطك على ذلك. وأصيبت عين قتادة بن النعمان يوم أحد، حتى وقعت على وجنته، فردها رسول الله صلى الله عليه آله وسلم، وكانت أحسن عينيه. وعن حبيب بن يزيد: أن أباه ابيضت عيناه، فكان لا يبصر بهما شيئاً، فنفث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيهما، فأبصر. وتفل في عين علي رضي الله تعالى عنه يوم خيبر، وكان رمداً، فصار بارئاً. وكانت في كف شرحبيل الجعفي سلعة تمنعه القبض على السيف وعنان الدابة فشكاها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فما زال يطحنها بكفه حتى لم يبق لها أثر. ودعا صلى الله عليه وآله وسلم لعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل، فاستجيب له في عمر رضي الله تعالى عنه. قال ابن مسعود: فما زلنا أعزة مذ أسلم عمر، رضي الله تعالى عنه. ودعا صلى الله عليه وآله وسلم في الاستسقاء فسقوا، ثم شكوا إليه المطر، فدعا فارتفع. ودعا لابن عباس رضي الله تعالى
عنهما اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل، فصار حتى سمي الحبر وترجمان القرآن ودعا لجماعة بالبركة فظهرت عليهم البركات، وربحوا في التجارات، نهم عبد الله بن جعفر والمقداد وعروة بن أبي الجعد. قال: كنت أقوم بالكراسة فما ارجع حتى أربح أربعين ألفاً. وقال البخاري في حديثه: وكان لو اشترى التراب ربح فيه. ودعا على مضر فقحطوا، حتى استعطفته قريش ودعا لهم. ودعا على كسرى حين مزق كتابه أن يمزق ملكه فلم تبق له باقية. وقال لعتبة بن أبي لهب " اللهم سلط عليه كلباً من كلابك "، فأكله أسد. وقال لرجل رآه يأكل بشماله: " كل بيمينك ": فقال: لا أستطيع. فقال: " لا استطعت " فلم يرفعها إلى فيه. ودعا على الحكم بن أبي العاص، وكان يختلج بوجهه، ويغمز عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: " كذلك كن " فلم يزد يختلج إلى أن مات. وغير ذلك مما يخرج عن الانحصار. هذا منه قطرة من بحار، وللعلماء في المعجزات تصانيف مستقلات، وإلى شيء من محاسنه الباهية في ظاهره وباطنه أشرت في بعض القصائد هذه الأبيات. نهما اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل، فصار حتى سمي الحبر وترجمان القرآن ودعا لجماعة بالبركة فظهرت عليهم البركات، وربحوا في التجارات، نهم عبد الله بن جعفر والمقداد وعروة بن أبي الجعد. قال: كنت أقوم بالكراسة فما ارجع حتى أربح أربعين ألفاً. وقال البخاري في حديثه: وكان لو اشترى التراب ربح فيه. ودعا على مضر فقحطوا، حتى استعطفته قريش ودعا لهم. ودعا على كسرى حين مزق كتابه أن يمزق ملكه فلم تبق له باقية. وقال لعتبة بن أبي لهب " اللهم سلط عليه كلباً من كلابك "، فأكله أسد. وقال لرجل رآه يأكل بشماله: " كل بيمينك ": فقال: لا أستطيع. فقال: " لا استطعت " فلم يرفعها إلى فيه. ودعا على الحكم بن أبي العاص، وكان يختلج بوجهه، ويغمز عند النبي صلى الله
(1/33)

عليه وآله وسلم، فقال: " كذلك كن " فلم يزد يختلج إلى أن مات. وغير ذلك مما يخرج عن الانحصار. هذا منه قطرة من بحار، وللعلماء في المعجزات تصانيف مستقلات، وإلى شيء من محاسنه الباهية في ظاهره وباطنه أشرت في بعض القصائد هذه الأبيات.
صلاة وتسليم يفوح شذاهما ... على سيد الكونين من آل هاشم
نبي علا فوق النبيين منصباً ... يدا نوره من قبل نشوة آدم
وجبة صبيح الوجه مصباح ظلمة ... محا بضيا العدل ظلام المظالم
حليم كريم مشفق متعطف ... رؤوف بكل المؤمنين وراحم
مبيد للأعادي ذو انتقام وسطوة ... غليظ على الكفار للكفر هادم
مقر الندى بجر خضم وفي الوغا ... هزبر من الأسد الليوث الضراغم
يروي القنا عند اللقا من دم العدى ... وبالبيض يقري البيض حتى الجماجم
سراج الدنيا شرقاً وغرباً نقي الطغى ... بسمر القنا والمرهقات الصوارم
به الدهر أضحى ضاحكاً متبسماً ... عبوساً على أعدائه غير باسم
مليح فصيح أبيض أدعج إذا ... تبسم خلت البرق بين المباسم
إلى شحمة الأذنين يكسوه وفروة ... حكت جنح ليل مظلم اللون فاحم
أغر به يستنزل القطر قد سقت ... أنامله جيشاً ربيعا لقادم
شفيع البرإيا صاحب الحوض واللوا ... غياث الورى عند الدواهي الدواهم
ومخترق سبعاً طباقاً بليلة ... بها في محل القدس أنس التنادم
براقاً ومعراجاً من الكون قد علا ... إلى رتبة لا يرتقي بسلالم
من الفرش حتى العرش شاهد في ... سرى كسبعة آلاف سنين توامم
وكان له الروح الأمين مسائراً ... إلى سدرة من فوقها غير صارم
له الرسل والأملاك تخدم في السماء ... فأكرم بمخدوم هناك وخادم
يهنيه كل بالكرامة قائلاً ... لأحمد أهلاً مرحباً خير قادم
وبات له بعداً محياك باسماً ... على أرضه لا تفخري وتعاظمي
أميطت له حجب الجلال فجازها ... إلى مكرمات حازها بعزايم
من النور كم حجب تعدى وابحرا ... بها غير محجوب هناك وعايم
إلى أن دنا من حضرة القدس والملا ... بعيداً وهم ما بين حان وقائم
فوافى شراب الحب في الكلس قد ... صفا وقد طابت الأحباب وقت التنادم
(1/34)

فقال التي قد رام موسى ولم يقل ... لدى الطور في أعلى السما غير دائم
فقال لسان الحال في ذاك منشداً ... يعبر عن موسى بنظم ملائم
قضاها لغيري وابتلاني بحبها ... بسابق علم لست فيه بعالم
أنا طالب والغير مطلوب أنا ... بها مغرم أهريق في حبها دمي
معنى بها والغير فيها منعم ... ولكم بين مشغوف معنى وناعم
فلا نلت ما قد رمت منها ولا أنا ... من العتب أو بلوى هواها بعالم
نهار التجلي صعقة قد لقيتها ... بها ضل عقلي زائلاً غير فاهم
كفى شرفاً أن الحبيب مثبت ... لمذهب عقل للكليم وكالم
لطرف أديب لم يرغ لا ولا طغى ... وقلب لبيب ساكن غيرهائم
رأى ووعى ما لم ير غيره ولا ... وعى في السما من آية ومعالم
علا فوق كل المصطفين مقرباً ... بأعلى مقام ما له من مزاحم
وعاد قرير العين في خلع الرضا ... وغانم ما لم يغتنم كل غانم
بيمناه سيف الحق والرأس مكرم ... بتاج العلى والظهر بزهو بخاتم
ألا يا رسول الله يا معدن الندى ... ويا بحر جود يا مقر المكارم
ويا من ملأ الكونين فضلاً وسؤدداً ... فياضاً لفضل للخلائق عاصم
ومن أمتي والرسل نفسي مقالهم ... يقول وهم ما بين جاث وجاثم
من الهول يا غوث الورى من جهنم ... إذا ظن كل أنه غير سا لم
لعاص فقير يافعي يماني ... لمداحكم يا سيد الرسل خادم
أغث وأجر واشفع له ولعشرة ... مضى ذكرهم في نظمه المتقادم
فاصل واصل ثم شيخ وأهله ... وصهر وذي الأرحام أهل التراحم
وخل وقارىء كتبه ثم سامع ... وجار فكم حق على الجار لازم
فأنت الذي لا شك تحت لوائه ... غدا آدم يمشي فمن دون آدم
عليك صلاة الله ثم سلامه ... يصوغان نشراً محييا كل شامم
وآلك أهل الفضل والفخر والعلى ... وأصحابك الزهر النجوم النواجم
وأزواجك الغر القوانت في الدجى ... ذوات الصلاح القانتات الصوائم
وسبحان من ذاتاً ووصفاً مقدس ... وأشرف مبد وذكر وخاتم

ذكر خاتم النبوة
روينا في الكتاب عن السائب بن يزيد قال: ذهبت بي خالتي إلى رسول الله
(1/35)

صلى الله عليه وآله وسلم، فقالت: يا رسول الله إن ابن اختي وجع، فمسح رأسي وروي برأسي فدعا بالبركة، وتوضأ فشربت من وضوئه، وقمت خلف ظهره، فنظرت إلى الخاتم بين كتفيه، فإذا هو مثل زر الحجلة. وعن أبي نضرة قال: سألت أبا سعيد الخدري عن خاتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يعني خاتم النبوة، فقال: كان في ظهره بضعة ناشزة. وعن عبد الله بن سرجس قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في أناس من الناس من الصحابة، فدرت هكذا من خلفه، فعرف الذي أريد فألقى الرداء عن ظهره، فرأيت مثل الخاتم على كتفيه، مثل الجمع حولها خيلان، أنها ثآليل قلت: قوله مثل الجمع بضم الجيم وسكون الميم. قال في الصحاح جمع الكف بالضم، وهو حين يقبضها يقال: ضربته بجمع كفي.

صفة خاتم كفه وصفة تختمه
عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: كان خاتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ورق، وكان فضه حبشياً. وفي رواية أخرى عنه من فضة فصه منه وفي حديث آخر عنه أيضاً كان نقش خاتم النبي صلى الله عليه وآله وسلم محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر. وفي رواية أخرى عنه: كأني أنظر إلى بياضه في كفه، وأنه كان إذا دخل الخلاء نزع عن كفه. وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: اتخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاتماً من ورق، فكان في يده، ثم كان في يد أبي بكر وعمر، ثم كان في يد عثمان، ثم وقع. وروي حتى وقع في بيراريس نقشه محمد رسول الله. وعن علي رضي الله عنه: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يلبس خاتمه في يمينه.
(1/36)

وعن عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنهما: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتختم في يمينه. وكذا رواه ابن عباس وجابر بن عبد الله رضي الله عنهم. وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله وآله وسلم اتخذ خاتماً من فضة، وجعل فصه مما يلي كفه. وروى بعض أصحاب الحديث عن قتادة عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنه كان يتختم في يساره أيضاً. قال الترمذي وهو حديث لايصح. وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: اتخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاتماً من ذهب، فكان يلبس في يمينه، فاتخذ الناس خواتيم من ذهب، فطرحه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال لا ألبسه أبداً، فطرح الناس خواتيمهم.

ذكر شعره صلى الله عليه وسلم
عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من إناء واحد، وكان له شعر فوق الجمة ودون الوفية. وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان شعر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليس بالجعد ولا بالسبط، كان يبلغ شحمة أذنيه. وفي رواية أخرى عنه كان إلى انصاف أذنيه. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يسدل شعره، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، وكان أهل الكتاب يسلمون رؤوسهم، وكان يحب موافقة أهل الكتاب، فيما لم يؤمر بشيء، ثم فرق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأسه. وعن أم هانىء رضي الله تعالى عنها قالت: رأيت شعر رسول الله ذا ضفائر أربع.

ذكر شيبة صلى الله عليه وآله وسلم
عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: ما عددت في رأس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولحيته إلا أربع عشرة شعرة بيضاء. وقال غيره: نحواً من، عشرين. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال أبو بكر: رسول الله قد شبت، قال:
(1/37)

" شيبتني وهود والواقعة والمرسلات وعم تسألون وإذا الشمس كورت: " وفي حديث آخر. شيبتي هود وأخواتها.

ذكرلباسه صلى الله عليه وسلم
عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: كان أحب الثياب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القميص. وعن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها قالت: كان كم قميص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرسغ. وعن أنس رضي الله عنه قال: كان أحب الثياب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يلبسه الحبرة. وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: ما رأيت أحداً من الناس أحسن في حلة حمراء من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إن كانت جمته لتقرب قربا من منكبه صلى الله عليه وآله وسلم. وعن أبي رمثة رضي الله عنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعليه بردان أخضران. وعن قيلة بنت مخرمة رضي الله عنها قالت رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعليه أسمال مليتين كانتا بزعفران وقد نفضه قلت المليتين تصغير ملايتين تثنية ملاءة وهي نوع من الثياب. وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لبس جبة رومية ضيقة الكمين. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذات غداة وعليه مرط شعر أسود قلت ذكر في الصحاح أن المرط بالكسر كساء من صوف أو خز. وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
(1/38)

" البسوا البياض فإنها أطهر وأطيب وكفنوا فيها موتاكم ". وعن جابر رضي الله تعالى عنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمكة وعليه عمامة سوداء.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أعتم سدل عمامته بين كتفيه. وعن الأشعث بن سليم قال: سمعت عمتي تحدث عن عمها قال: بينما أنا أمشي بالمدينة. إذا إنسان خلفي يقول: ارفع إزارك فإنه أنقى وأبقى. فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت: يا رسول الله إنما هي بردة ملحا، فقال: " أما لك في اسوة " فنظرت، فإذا إزاره إلى نصف ساقيه.

ذكر نعله صلى الله عليه وآله وسلم
عن قتادة رضي الله عنه قال: قلت: لأنس بن مالك كيف كان نعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لها قبالان وفي رواية أخرى أخرج لنا أنس بن مالك نعلين جرداوين لهما قبالان. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يلبس النعال التي ليس فيها شعر، ويتوضأ فيها، فأنا أحب أن ألبسها لما قيل له رأيتك، تلبس النعال السبتية. وعن ابن بريدة رضي الله عنهما أن النجاشي أهدى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم خفين أسودين ساذجين، فلبسهما ثم توضأ، فمسح عليهما.

ذكر صفة مشيه صلى الله عليه وسلم
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: ما رأيت شيئاً أحسن من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كأن الشمس تجري في وجهه، وما رأيت أحداً أسرع في مشيه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كأن الأرض تطوى له، انا لنجهد أنفسنا، وأنه لغير مكترث. وعن علي رضي الله تعالى عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا مشى تكفى
(1/39)

تكفياً، كإنما ينحط من صبب.

ذكر جلسته صلى الله عليه وسلم
عن قيلة بنت مخرمة رضي الله عنها: إنها رأت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد قاعداً القرفصاء. عن عباد بن تميم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا جلس في المسجد أحبتى بيديه.

ذكر خبزه صلى الله عليه وسلم
عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما شبع آل محمد من خبز الشعير يومين متتابعين، حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبيت الليالي متتابعة طاوياً وأهله لا يجدون عشاء وكان أكثر خبزهم خبز الشعير. وعن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه أنه قيل له: أكل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم النقى يعني الحواري فقال: ما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم النقي حتى لقي الله، فقيل له: هل كانت لكم مناخل على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: ما كانت لنا مناخل: قيل: كيف كنتم تصنعون بالشعير؟ قال: كنا ننفخه فيطير منه ما طار، ثم نعجنه. وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: ما أكل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على خوان ولا سكرجة ولا خبز مرقق، قال: فقلت: لقتادة فعلى ما كانوا يأكلون؟ قال: على هذه السفر.

ذكر إدامه صلى الله عليه وسلم
عن جابر وعائشة رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " نعم الإدام الخل ". وفي حديث عبد الله نعم الادم أو الادام الخل. وعن أبي أسيد رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " كلوا
(1/40)

بالزيت وادهنوا به ". وعن ابن عمر مثله. وكذلك عن زيد بن أسلم. وعن يوسف بن عبد الله رضي الله عنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخذ كسرة من خبز شعير، فوضع عليها تمرة، وقال هذا دام هذه.

ذكر شرابه صلى الله عليه وسلم
عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان أحب الشراب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحلو البارد. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنا وخالد بن الوليد على ميمونة فجاءتنا بإناء من لبن، شرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأنا عن يمينه وخالد عن شماله، فقال لي: الشربة لك. فإن شئت آثرت بها خالد أفقلت: ما كنت لأوثر على سورك أحداً. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " من أطعمه الله طعاماً فليقل اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيراً منه ومن سقاه الله لبناً فليقل اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه " وقال صلى الله عليه وآله وسلم: " ليس شيء يجزئك عن مكان الطعام والشراب غير اللبن ". قال أبو عيسى وميمونة بنت الحارث زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، هي خالة خالد بن الوليد وخالة ابن عباس وخالة يزيد بن الأصم رضي الله عنهم.

ذكر أكله صلى الله عليه وسلم
عن كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يلعق أصابعه ثلاثاً وفي رواية أخرى كان يأكل بأصابعه الثلاث، ويلعقهن وفي رواية عن أنس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أكل طعاماً لعق أصابعه الثلاث. وعن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " أما أنا فلا آكل متكئاً ". وعن أنس قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: بتمر، فرأيته يأكل وهو مقع من الجوع قلت: هذا من جلسة الإقعاء المعروفة.
(1/41)

ذكر شربه صلى الله وسلم
عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم شرب من زمزم وهو قائم. وعن علي رضي الله تعالى عنه أنه أتي بكوز من ماء، وهو في الرحبة فأخذ منه كفاً فغسل يديه، ومضمض، واستنشق، ومسح وجهه وذراعيه ورأسه، وهو قائم، ثم قال: " هذا وضوء من لم يحدث " هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعل. وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يتنفس في الإناء ثلاتاً إذا شرب، ويقول: " هو أروى وامرأ ".

قوله صلى الله عليه وسلم عند الطعام،
وعندما يفرغ منه عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما أنه د خل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعنده طعام: فقال: " ادن يا بني فسم الله وكل بيمينك وكل مما يليك ". وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إذا أكل أحدكم فنسي أن يذكر اسم الله على طعامه فليقل بسم الله أوله واخره ". وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا فرغ من طعامه قال: " الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين ". وعن أبي إمامة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا رفعت المائدة من بين يديه يقول: " الحمد لله حمداً كثيرا ًطيبا ًمباركاً فيه غير مودع ولا مستغني عنه ربنا " وفي الحديث الآخر. غير مكفي ولا مكفور ولا مودع إلى آخره. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يأكل طعاماً في ستة من أصحابه، فجاء اعرابي فأكله بلقمتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " لو سمى لكفاكم ". وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة أو يشرب الشربة فيحمده عليها ".

ذكروضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم
عن زاذان عن سلمان رضي الله عنهما قال قرأت في التوراة أن بركة الطعام الوضوء
(1/42)

بعده، فذكرت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأخبرته بما قرأت في التوراه، قال رمسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده ".

ذكر عيشه صلى الله عليه وسلم
وما أكل من الألوان أو مدحه عن أبي طلحة رضي الله تعالى عنه قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الجوع، ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن حجرين. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ساعة لا يخرج فيها، ولا يلقاه فيها أحد، فأتاه أبو بكر، فقال: ما جاء بك يا أبا بكر؟ قال: خرجت ألقى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وانظر في وجهه وأسلم عليه، فلم يلبث إن جاء عمر، فقال: ما جاء بك يا عمر؟ قال: الجوع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وأنا قد وجدت بعض ذلك " فانطلقوا إلى منزل أبي الهيثم بن التيهان الأنصاري وكان رجلاً كثير البخل والشماء، ولم يكن له خدم، فلم يجدوه وقالوا لامرأته: اين صاحبك؟ قالت: انطلق يستعذب لنا الماء. فلم يلبثوا أن جاء أبو الهيثم بقربة يزعبها فوضعها، ثم جاء يلتزم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويفديه بأبيه وأمه، ثم انطلق بهم إلى حديقته، فبسط لهم بساطاً ثم انطلق إلى نخله، فجاء بقنو فوضعه، فقال النبى صلى الله عليه وآله وسلم: " أفلا تنقيت لنا من رطبه " فقال: يا رسول الله إني أردت أن تختاروا أو تخيروا من رطبه وبسره فأكلوا وشربوا من ذلك الماء، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة ظل بارد ورطب طيب وماء بارد " فانطلق أبو الهيثم ليصنع لهم طعاماً، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " لا تذبحن ذات در " فذبح لهم عناقاً أو جدياً فأتاهم بها، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " هل لك خادم؟ " قال: لا قال: فإذا أتانا سبي فأتنا فأتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم برأسين ليس منهما ثالث، فأتاه أبو الهيثم، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " اختر منهما " فقال: يا نبي الله اختر لي، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " إن المستشار مؤتمن خذ هذا فأني رأيته يصلي واستوص به معروفاً " فانطلق به أبو الهيثم إلى امرأته، فأخبرها بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقالت امرأته: ما أنت ببالغ ما قال فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا أن تعتقه. قال: فهو عتيق. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " إن الله لم يبعث نبياً ولا خليفة إلا وله بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر وبطانة لا تألوه خبالاً ومن
(1/43)

يوق بطانة السوء فقد وقي ". وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " لقد أخفت في الله وما يخاف أحد ولقد أوذيت في الله وما يؤذي أحد ولقد أتت علي ثلاثون ما بين ليلة ويوم وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه أبط بلال ". وعن نوفل بن إياس الهذلي رضي الله عنه قال: كان عبد الرحمن بن عوف لنا جليساً، وكان نعم الجليس، وأنه انقلب بنا ذات يوم حتى إذا دخلنا بيته، دخل فاغتسل، ثم خرج وأتانا بصحفة فيها خبز ولحم، فلما وضعت بكى عبد الرحمن، وقلت له: يا أبا محمد ما يبكيك؟ قال: هلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يشبع هو وأهل بيته من خبز الشعير، فلا أرانا أخرنا لما هو خير لنا. وعن أم هانىء بنت أبي طالب رضي الله عنها قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: اما عندك شيء؟ فقلت: لا إلا خبزاً يابس وخل. فقال هاتي: ما أفقر بيت من أدم فيه خل وقد تقدم أيضاً عن جابر رضي الله تعالى عنه نعم الأدام الخل وكذلك عن عائشة وعن عبد الله رضي الله عنهما بمعناه.
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأكل لحم الدجاج. وعن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعجبه الدباء. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحب الحلواء والعسل. وعن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يأكل القثاء بالرطب. وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يأكل البطيخ بالرطب. وعنها أيضاً قالت: ما كان صلى الله عليه وآله وسلم يحب الذراع إلا لأنها أعجل اللحم نضجاً.
(1/44)

وعن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " إن أطيب اللحم لحم الظهر ". وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يعجبه الثفل قال بعض الرواة يعني ما بقي من الطعام. وعن أبي عبيد قال: طبخت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم قدراً، وكان يعجبه الذراع، فناولته الذراع، ثم قال ناولني النراع فناولته، ثم قال ناولني الذراع فقلت: يا رسول الله كم للشاة من ذراع فقال: " والذي نفسي بيده لو سكت لناولتني الذراع ما دعوت ". وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " أفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ". وعن أنس رضي الله عنه قال: اولم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتمر وسويق. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي عليه السلام يأتي فيقول أعندك غداء؟ فأقول: لا قالت: فيقول أني صائم قالت: فأتى يوماً فقلت يا رسول الله أهديت لنا هدية قال: وما هي قلت حيس قال أما أني أصبحت صائماً قالت ثم أكل. وعنها قالت: ما شبع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض قلت: وأما ما ذكر في الأحاديث من كونه صلى الله عليه وآله وسلم كان يحب الحلواء والعسل. وأنه يأكل لحم الدجاج ونحو ذلك مما يستطاب، فينبغي أن يعلم أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان لا يقصد أن يصنع له شيء من ذلك، لكن إذا حضر بين يديه اتفاقا أكله. كما كان يأكل ما حضر من خبز شعير وغيره، ولا يتوقف صلى الله عليه وآله وسلم على طعام مخصوص ولا لباس مخصوص ولا هيئة مخصوصة، وينبغي لغيره إذا اشتهى شيئاً طئباً لا يجعله عادة مستمر، بل إن كان ولا بد فأحياناً، وينبغي مع ذلك أن يطعم منه المساكين. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان أحب الشراب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحلو البارد. كما تقدم وتقدم أيضا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " من أطعمه الله طعاماً فليقل اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيراً منه ومن سقاه الله لبناً فليقل اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه " وقال صلى الله عليه وآله وسلم: " اليس شيء يجزىء مكان الطعام والشراب سوى اللبن ".
(1/45)

ذكر شيء من الوضوء للطعام
مما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم في الوضوء للطعام، وما يقال عند الطعام عن سلمان رضي الله عنه قال: قرأت في التوراة أن بركة الطعام الوضوء بعده، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: " بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده " قلت هذا الحديث قد تقدم عن سلمان رواية ولفظاً. وعن راشد بن جندل التابعي عن حبيب بن أوس عن أبي أيوب الأنصاري قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوماً، فقرب إليه طعام، فلم أرى أعظم بركة منه أول ما أكلنا ولا أقل بركة في آخره. فقلنا: يا رسول الله: كيف هذا؟ قال: " إنا ذكرنا اسم الله حين أكلنا ثم قعد من أكل ولم يسم فأكل معه الشيطان ". وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إذا أكل أحدكم فنسي أن يذكر الله عند طعامه فليقل بسم الله أوله وآخره ". وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا فرغ من طعامه قال: " الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين ".

ذكر شيء مما جاء في تطييبه
صلى الله عليه وآله وسلم وترجيل شعره وخضابه وتكحيله عن أنس رضي الله عنه قال: كانت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سكة يتطيب منها. وفي رواية أخرى. كان لا يرد الطيب. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه ". وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أرجل شعر رأس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا حائض. وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكثر دهن رأسه، وتسريح لحيته. وعن أبي رمثة رضي الله عنه قال: اتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع ابن لي، فقال " ابنك؟ " فقلت: نعم أشهد به قال: " لا يجني عليك ولا تجني عليه " ورأيت الشيب أحمر. قال أبو عيسى هذا أحسن شيء روي في هذا الباب، وأفسر من الروايات الصحيحة
(1/46)

أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يبلغ الشيب. وعن قتادة رضى الله عنه قال: قلت لأنس هل خضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: لم يبلغ ذلك إنما كان شيبه في صدغه، ولكن أبو بكر خضب بالحناء والكتم. وفي رواية أخرى عن أنس رضي الله عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مخضوباً. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحب التيمن في طهوره إذا تطهر، وفي ترجله إذا ترجل، وفي انتعاله إذا انتعل. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " اكتحلوا بالاثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر ". ومثله من رواية ابن عمر. وعن ابن عباس كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكتحل بالاثمد ثلاثا ثلاثاً قبل أن ينام.

كلامه صلى الله عليه وسلم
عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعيد الكلمة ثلاثاً ليعقل عنه. وعن هند بن أبي هالة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم متواصل الأحزان دائم الفكر، ليست له راحة، طويل السكوت لا يتكلم في غير حاجة، ويتكلم بجوامع الكلم، بكلامه فصل لا فضول ولا تقصير، ليس بالجافي ولا المهين، يعظم النعمة وإن دقت، ولا يذم منها شيئاً، غير أنه لم يكن يذم ذواقاً، ولا يمدحه ولا يغضبه الدنياوما كان لها، فإذا تعدى الحق لم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له. ولا يغضب لنفسه، ولا ينتصر لها، الحديث. قال في آخره. وإذا غضب أعرض وأشاح جل ضحكه التبسم.
(1/47)

مزاحه صلى الله عليه وسلم
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالوا: يا رسول الله إنك تداعبنا قال: " إني لا أقول إلا حقا ". تداعبنا يعني تمازحنا.
عن أنس رضي الله عنه أن رجلاً استحمل رسول الله صلى الله عليه وآله فقال إني حاملك على ولد الناقة فقال: يا رسول الله ما أصنع بولد الناقة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " وهل تلد الإبل إلا النوق ". وعن المبارك بن فضالة عن الحسين قال: اتت عجوز النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله، ادع الله لي أن يدخلني الجنة. فقال: " يا أم فلان أن الجنة لا يدخلها عجوز " قال: فولت تبكي فقال: " أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز " إن الله عز وجل يقول " إنا أنشأناهن انشاء فجعلناهن أبكارًا عرياً أتراباً ".

كلامه صلى الله عليه وسلم في الشعر
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم
وعن عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يتمثل بشعر ابن رواحة ويقول طرفة. " ويأتيك بالأخبارما لم تزود ". وعن جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: اصاب حجر إصبع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدميت فقال:
هل أنت إلا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت
وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: وقد قيل له أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعني يوم حنين؟ فقال: لا والله ما ولي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن سرعان الناس تلقتهم، او قال رشقتهم هوازن بالنبل ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على بغلته، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب آخذ بلجامها، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:
(1/48)

أنا النبي لاكذب ... أنا ابن عبد المطلب
وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: جالست النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكثرمن مائة مرة، فكان أصحابه يتناشدون الشعر، ويتذاكرون أشياء من أمر الجاهلية، وهو صلى الله عليه وآله وسلم ساكت، وربما تبسم معهم.

ضحكه صلى الله عليه وآله وسلم
وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان لا يضحك إلا تبسماً، وكنت إذا نظرت إليه قلت أكحل العينين وليس بأكحل. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إني لأعرف آخر أهل النار خروجاً " الحديث. وفيه. فيقول: تسخر بي وأنت الملك قال: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ضحك حتى بدت نواجذه.

كلامه صلى الله عليه وسلم في السمر
عن عائشة رضي الله عنها قالت حدث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات ليلة نساء حديثاً، فقالت امرأة منهن: كان الحديث حديث خرافة، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: " أتردون ما خرافة؟ ان خرافة كان رجلاً من عذرة أسرته الجن في الجاهلية فمكث فيهم دهراً ثم ردوه إلى الأنس فكان يحدث الناس بما رأى فيهم من الأعاجيب فقال الناس حديث خرافة.

نومه صلى الله عليه وآله وسلم
عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أخذ مضجعه وضع كفه اليمنى تحت خده الأيمن، قال: " رب قني عذابك يوم تجمع عبادك ". وعن حذيفة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أوى إلى فراشه فقال " اللهم باسمك أموت وأحيا " وإذا استيقظ قال: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور ". وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه فنفث فيهما، وقرأ فيهما " قل هو الله أحد " والمعوذتين، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما رأسه ووجهه ثم ما أقبل من جسده، يصنع ذلك
(1/49)

ثلاث مرات. وفي رواية رويناها في جامعه الكبير يبدأ بهما على رأسه.
وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أوى إلى فراشه قال: " الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي ". وعن أبي قتاة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا عرس بليل اضطجع على شقة الأيمن، وإذا عرس قبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه.

فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم
عن عائشة رضي الله عنها قالت: إنما كان فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان ينام عليه آدماً حشوه ليف.
وعن حفصة بنت عمر رضي الله تعالى عنها قالت: كان فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مسحاً تثنيه ثنيتين، فينام عليه، فلم كان ذات ليلة ثنيته بأربع ثنيات، فلما أصبح قال: " ما فرشتموني " وقال " أفرشتموني الليلة " قالت: قلنا هو فراشك إلا أنا ثنيناه بأربع ثنيات قلنا هو أوطأ لك قال: " ردوه بحاله الأول فإنه منعتني وطأته صلاتي لليلة ".

حجامته صلى الله عليه وآله وسلم
عن أنس رضي الله عنه قال: احتجم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حجمه أبو طيبة، فأمر له بصاعين من طعام، وكلم أهله فوضعوا عنه. وفي رواية ابن عمر رضي الله عنهما: دعا حجاماً فحجمه، وسأله كم خراجك، فقال ثلاثة أصع فوضع عنه صاعاً من خراجه وأعطاه أجره، وقال: " إن أفضل ما تداويتم به الحجامة " أو أن من أمثل دوائكم الحجامة. وروى الترمذي أيضاً أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم احتجم في الأخدعين وبين الكتفين، وأعطى الحجام أجره ولو كان حراماً لم يعط. وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى عليه وآله وسلم يحتجم في الأخدعين والكاهل، وكان يحتجم لسبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين.
(1/50)

وعن أنس أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم احتجم وهو محرم بملل على ظهر القدم.

في أسمائه صلى الله عليه وآله وسلم
عن جبير بن مطعم عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " ان لي أسماء أنا محمد وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعدي نبي ". وعن حذيفة رضي الله عنه قال: لقيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بعض طرق المدينة، فقال: " أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي، وأنا نبي الرحمة، ونبي التوبة، وأنا المقفي، وأنا الحاشر ونبي الملاحم " قلت وروى غير الترمذي أن له أسماء أخر يطول عددها.

في سنه صلى الله عليه وآله وسلم
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مكث النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمكة ثلاث عشرة سنة، يعني بعد نبوته، وبالمدينة عشراً. وعن عائشة رضي الله عنها: ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم مات وهو ابن ثلاث وستين.

في وفاته صلى الله عليه وآله وسلم
عن أنس رضي الله عنه قال: آخر نظرة نظرتها الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كشف الستارة يوم الاثنين، فنظرت الى وجهه، كأنه ورقة مصحف، والناس خلف أبي بكر فأشار الى الناس أن استولوا، وأبو بكر يؤمهم، وألقى السجف وتوفي من آخر ذلك اليوم. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو بالموت، وعنده قدح فيه ماء، وهو يدخل يده في القدح، ثم يمسح وجهه بالماء، ثم يقول: " اللهم أعني على سكرات الموت أو سكرة الموت ". وعنها قالت: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، اختلفوا في دفنه، فقال
(1/51)

أبو بكر رضي الله عنه: سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً ما نسيته، قال: ما قبض الله نبياً إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه، ادفنوه في موضع فراشه. وعنها وعن ابن عباس أن أبا بكر قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعدما مات، وفي روايتها الآخرى فوضع فمه بين عينيه، ووضع يديه على ساعديه، وقال: وانبياه واصفياه واخليلاه.
وعن أنس رضي الله عنه قال: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء، وما نفضنا أيدينا عن التراب، وأنا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا، وعن سفيان بن عيينة عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الاثنين، فمكث ذلك اليوم وليلة الثلاثاء ويوم الثلاثاء، ودفن من الليل. وقال سفيان وقال غيره سمعت صوت المساحي من آخر الليل.

استخلافه أبا بكر في الصلاة
عن سالم بن عبيد رضي الله عنه وكانت له صحبة قال: اغمي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه، فإفاق، فقال: " حضرت الصلاة "؟ فقالوا: نعم. فقال: " مروا بلالاً فليؤذن، ومروا أبا بكر فليصل للناس "، او قال بالناس، ثم أغمي عليه، فأفاق، فقال: " مروا بلالاً فليؤذن، ومروا أبا بكر فليصل بالناس ". فقالت عائشة: ان أبى. وفي الحديث الآخر. ان أبا بكر رجل أسيف، اذا قام مقامك يبكي ولا يستطيع، فلو أمرت غيره، قال: ثم أغمي عليه، فأفاق، فقال: " مروا بلالاً فليؤذن ومروا أبا بكر فليصل بالناس "، فإنكن صواحب أو قال صواحبات. وفي الحديث الآخر. صويحبات يوسف، قال: فأمر بلال فأذن وأمر أبو بكر فصلى بالناس ثم إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجد خفة، فقال: " انظروا إلى من اتكىء عليه " فجاءته بريرة ورجل آخر فاتكأ عليهما، فلما رآه أبو بكر ذهب لينكص فأومى إليه أن يثبت مكانه ولفظه في صحيح مسلم ادعي لي أباك أبا بكر وأخاك، حتى أكتب كتاباً، فإني أخاف أن يتمنى متمن، ويقول قائل: انا ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر انتهى. رجعنا إلى لفظ الترمذي: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبض، فقال عمر: والله لا أسمع أحداً يذكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبض إلا ضربته
(1/52)

بسيفي. هذا الحديث قال في آخره: فجاء أبو بكر حتى أكب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسه فقال: " إنك ميت وإنهم ميتون " فعلموا أنه قد صدق قلت وفي الحديث الآخر، ان أبا بكر رضي الله عنه لما خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الناس، قرأ " ومامحمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل " - آل عمران: 44 - قالوا: ياصاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتصلي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ال نعم. قالوا وكيف قال: يدخل قوم فيكبرون ويصلون ويدعون، ثم يخرجون حتى يدخل الناس الحديث.
قال فيه ثم أمرهم أن يغسله بنو أبيه، واجتمع المهاجرون يتشاورون، فقالوا: انطلقوا بنا إلى إخواننا من الأنصار، ندخلهم معنا في هذا الأمر، فقالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من له مثل هذه الثلاث " ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه " من صاحبه؟ لا تحزن إن الله معنا، مع من؟ ثم قال: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده، فبايعه، وبايعه الناس بيعة حسنة جميلة. وعن أنس رضي الله عنه قال: لما وجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من كرب الموت ما وجد، قالت فاطمة رضي الله عنها: واكرباه: فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " لا كرب على أبيك بعد اليوم، قد حضر بأبيك ما ليس بتارك منه أحدا، الموإفاة يوم القيامة ".

في ميراثه صلى الله عليه وآله وسلم
عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: " لا تقسم ورثتي ديناراً ولا درهماً ما تركته بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة ". وفي الباب عن عمر وعائشة رضي الله عنهما وفي رواية عائشة رضي الله عنها: ما ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ديناراً ولا درهماً ولا شاة ولا بعيراً. قال الراوي وأشك في العبد والأمة.

رؤيته صلى الله عليه وسلم في المنام
عن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي ". وقي رواية أبي هريرة لا يتصور أو لا يتشبه بي. وفي رواية ابن عباس لا يستطيع أن يتشبه بي، فمن رآني في النوم فقد رآني. وفي رواية أبي قتادة من رآني يعني في النوم، فقد رأى الحق.
(1/53)

وفي رواية أنس لا يتخيل بي، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: " رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة " انتهى ما لخصت من شمائله، مما رويناه في تصنيف الإمام الحافظ أبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي قلت ولما بلغ سماع هذا التاريخ علي إلى هذا المكان، اخبرني بعض الفقراء الصالحين المجردين الصادقين أنه رأى في المنام تاريخي هذا مكتوباً بالذهب في ورق أصفر بغدادي، ووصف من حسن ذلك ما لا يحضرني الآن ذكره، مما يستحسن ويجل قدره، وكان استماعه في الروضة الشريفة بازاء الحجرة المباركة المنيفة. وفي السنة الحادية عشرة أيضاً توفيت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ورضي الله عنها، بعد وفاة أبيها بأشهر، وصحح بعضهم أنها ستة أشهر. ومن فضائلها قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها: " إن فاطمة وفي الرواية الأخرى إن ابنتي بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما أذاها ".
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لها: " أما ترضين أن تكوني سيدة نساء الجنة؟ " تزوجها علي رضي الله عنهما، وعمرها خمس عشرة سنة وخمسة أشهر ونصف، وعمره إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر، ولم يتزوج عليها حتى ماتت، كأمها لم يتزوج عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى ماتت، وكانت إذا دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رحب بها، وكانت أشبه الناس بأبيها، ثلى الله عليه وآله وسلم في مشيتها وحديثها، ولما توفيت غسلتها أسماء بنت عميس وعلي رضي الله عنه وعن الجميع، ودفنها ليلاً..وفي السنة المذكورة توفيت أم أيمن حاضنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومولاته رضي الله عنها. ومن فضائلها: ان رسول الله صلى الله عه وآله وسلم كان يزورها، فلما توفي صلى الله عليه وآله وسلم، قال أبو بكر لعمر: رضي الله عنهما، انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يزورها.
(1/54)

وفيها قتل عكاشة بن محصن الأسدي رضي الله عنه. ومن فضائله قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " أنت منهم " لما ذكر صلى الله عليه وآله وسلم أنه " يدخل الجنة من أمته سبعون ألفاً بغير حساب " فقال: ادع الله أن يجعلني منهم الحديث.
وفيها قتل خالد مالك بن النويرة الحنظلي مع رهط من قومه، وكان ممن منع الزكاة وهو من الرجال المعدودين، وفيه يقول أخوه.
لقد لامني عند القبور على البكا ... صحابي لتذارف الدموع السوافك
فقالوا أتبكي كل قبر رأيته ... لقبر ثوى بين اللوى والدكادك
فقلت لهم إن الشجى يبعث الشجى ... دعوني فهذا كله قبرمالك
قلت وبهذا البيت يستشهد أولو العرفان أن ذكر الشجى يهيج الأشجان ورؤية منازل الأحباب تورث الأحزان، عند تعطلها عن السكان، وفي ذلك يقول القائل.
كفى حزناً بالواله الصب أن يرى ... منازل من يهوى معطلة قفرا
قلت:
يذكرهم عيشاً بنعمان ناعماً ... حمام الحمى تعزي نسيم العواصف
ثير الصبا من كل صب صبابة ... فيصبو إلى عهد الصبا والمآلف
فهم بين مشتاق وباك وضاحك ... سروراً وصراخ وراج وخائف
لذكر اللقا والهجر والوصل والجفا ... وقرب وبعد ناشر جمع لاقف
وفي ناشر جمع لأقف معنيان أحدهما الإشارة إلى اللف والنشر المودعين هذين البيتين والثاني أن البعد ينشر الاجتماع وتفرقة بعد القرب.

السنة الثانية عشرة
فيها غزوة اليمامة - وقتل مسيلمة الكذاب - وفتحت اليمامة صلحاً على يد خالد بعد أن استشهد من الصحابة نحو من أربع مائة وخمسين، وقيل ست مائة، وقتل منهم ومن غيرهم من المسلمين ألفاً ومائتان رجل، ومن الصحابة زيد بن الخطاب، وكان أسن من عمر، وأسلم قبله، وكانت معه راية المسلمين يومئذ، فلم يزل يتقدم بها في نحر العدو حتى
(1/55)

قتل، فوجد عليه عمر، وكان يقول: أسلم قبلي واستشهد قبلي، وما هبت الصبا إلا وانا أجدر ريح زيد، وأبو حذيفة بن عروة بن ربيعة. ومولاه سالم، وثابت بن قيس بن شماس وهو الخطيب الفصيح من الأنصار، كان يخطب عند ورود الوفود على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعليه أحال في الكلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لما أتى مسيلمة يطلب الملك بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال له صلى الله عليه وآله وسلم: " لن تعدو قدر الله فيك وإذا أدبرت عقرك الله " وذهب وتركه خاسئاً. وقال هذا ثابت بن قيس بن شماس. واستشهد أيضاً أبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري الساعدي. ومن مناقبه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذ سيفاً يوم أحد، فقال: من يأخذ هذا مني؟ فبسطوا أيديهم، كل إنسان منهم يقول أنا أنا قال فمن يأخذه بحقه؟ فأحجم القوم يعني تأخروا وكفوا، فقال سماك أبو دجانة: انا آخذه بحقه فأخذه فعلق به هام المشركين. قيل وإنه ممن شارك في قتل مسيلمة يوم اليمامة. ومن المقتولين بشر بن سعد الأنصاري. وعباد بن بشر. والطفيل بن عمرو الدوسي. قلت: وفي شهر ذي الحجة توفي صهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم زوج ابنته زينب أبو العاص بن الربيع القرشي العبشمي ابن أخت خديجة هالة بن خويلد، كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يثني عليه، وكانت العرب قد ارتدت ومنعت الزكاة، حتى لم يبق خطبة يخطب بها سوى في ثلاث مساجد: مسجدي الحرمين ومسجد ثالث في البحرين، وإلى ذلك أشار شاعر بقوله:
والمسجد الثالث الشرقي كان لنا ... والمنبران وفصل القول في الخطب
أيام لا منبر في الناس نعرفه ... إلا بطيبة والمحجوج ذي الحجب
فعزم أبو بكر رضي الله عنه على جهادهم، ووافقه أصحابه رضي الله عنهم بعد أن كانوا خالفوا في ذلك محتجين بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " من قال لا إله إلا الله فقد عصم دمه وماله " وكانوا قد متعوه الزكاة، فقال رضي الله عنه: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: الا بحق الإسلام وروى عصم دمه وماله إلا بحقه أي بحق المال. قال الشيخ الإمام أبو إسحاق الشيرازي: فانظر كيف منع من التعليق بعموم الخبر من طريقين أحدهما أنه بين أن الزكاة من حق المال فلم يدخل مانعها في عموم الخبر والثاني أنه بين أنه ينص الخبر في الزكاة كما خص في الصلاة فخص مرة بالخبر وأخرى بالنظر وهذه غاية ما ينتهي إليه المجتهد المحقق والعالم المدقق انتهى قلت ولم يزل بقاتلهم، ويجيش
(1/56)

الجيوش عليهم حتى ردهم إلى الإسلام. وقام في ذلك مقاماً لم يقمه إلا نبي وإلى ذلك أشرت في الأبيات في ترجمته رضي الله عنه.

السنة الثالثة عشرة
فيها وقعة اجنادين بالنون بعد الجيم بقرب الرملة واستشهد يومئذ جماعة من الصحابة، ثم كان النصر والحمد لله تعالى وكان قد بعث الصديق فيها البعوث إلى الشام، وأمرعلى الجيش جماعة منهم أبو عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمه وعمرو بن العاص ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل ابن حسنة، وبعث إلى العراق خالد بن الوليد فافتتح الأبلة، أغار على السواد، وحاصر عين التمر، وأرى الفرس ذلاً وهواناً ثم خرق البرية إلى الشام واجتمع بجيوش المسلمين هنالك.
وفيا توفي ذو المجد والفخار علم المهاجرين والأنصار والسابق بالفضل والتصديق الخليفة المقدم أبو بكر الصديق عبد الله وقيلعتيق بن أني قحافة عثمان بن عامر التيمي القرشي رضوان الله تعالى عليهما في جمادى الآخرة عن ثلاث وستين سنة، وأوصى أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس، أن يكفن في ثوبيه، وقال: انما هما للبلى، والحي أولى بالجديد.
فصلى عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ودفن في حجرة ابنته عائشة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وإلى قربه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومصاحبته له حياً وميتاً. وإلى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلا ". وإلى رده المرتدين عن دين الإسلام وقيامه في ذلك أحسن القيام أشرت بقولي في بعض القصيدات هذه الأبيات.
مقام نبي قام يوم ارتداد ... عن الإسلام والسيف أشهرا
إلى أن أطاعوه والإسلام رده ... إلى طيه من بعد ما قد تنشرا
فوالله لو كان النبي مخالبلاً ... خليلاً سوى الرب الذي خلقه برا
لكان أبو بكر خليلاً وسالقاً ... بخلته كلاً يميناً بلا افترا
(1/57)

خليفته المرضي خير خليفة ... وصاحبه في الغار حياً وفي الثرى
وأشرت إلى ذلك أيضا في أخرى بقولي.
شيخ الوقار وثاني الغار شاهده ... في مجده القبة الحسناء والغار
مقدم الفضل والعليا له شرف ... في ذكر كتب أعداء له عار
وانجلى له مسفرات عن محاسنها ... بيض العلى عاليات الحسن أبكار
على أبي بكر الصديق فائحة من ... نشر علياه آصال وأبكار
وأشرت إلى ذلك أيضا في أخرى بقولي.
له مفخر في الغارحياً ومفخر ... له في الثرى في مضجع خير مضجع
أضاءت به ظلماً دياجي ارتدادهم ... رجوعاً إلى دين الهدى خير مرجع
وكم مفخر كم من مناقب كم علا ... وكم سؤدد في فضله المتنوع
فصديقهم ذو المجد سابقهم ... إلى علا كل فضل نافياً كل مبدع
وقد اقتصرت فيه على أربعة أبيات من كل واحدة من هذه القصائد المذكورات، وفيه يقول حسان رضي الله تعالى عنه.
إذا تذكرت شجواً من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
خير البرية أتقاها وأعدلها ... إلا النبي وأوفاها بما حملا
الثاني الثاني المحمود مشهده ... وأول الناس حقاً صدق الرسلا
ومناقبه مشهورة غير محصورة. ومن مناقبه رضي الله عه: قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم " ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ " أي ثالثهما بالنظر والمعونة والتسديد والرعاية، وقول صلى الله عليه وآله وسلم: " إن الله قد بعثني فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركون لي صاحبي؟ " فما أوذي بعدها الحديث.
قلت هذا نهاية المدح لأبي بكر رضي الله عنه، في صدق إيمانه وكمال يقينه، فإنه صلى الله عليه وآله وسلم أخبر في هذا الحديث: انهم كذبوه في وجهه، وصدقه أبو بكر في غيبته، وهنا أبلغ ما يكون في التصديق والتكذيب، فإن الإنسان قد يصدق في الوجه ولا يصدق في الغيبة، ويكذب في الغيبة ولا يكذب في الوجه، وهذا واضح لمن تأمله، وهذا مما ظفرت إذ لا أعرف أحداً من العلماء ذكره. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لما قيل له: من أحب الناس إليك؟ قال: " عائشة ". قيل: ومن الرجال؟ قال: " أبوها ".
(1/58)

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم له: " وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر "، لما ذكر أبواب الجنة الثمانية، من يدخل منها فقال أبو بكر هل يدعى منها كلها أحد؟. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر ". وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " يأبى الله ورسوله والمؤمنون إلا أبا بكر ". وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلأ ". وقول ابن عمر رضي الله عنهما: نخير بين الناس في زمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فنخير أبا بكر ثم عمر ثم عثمان. كل هذه الأحاديث مروية في الصحاح. وفى صحيح مسلم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " من أصبح منكم اليوم صائمأ؟ " قال أبو بكر: انا قال: " من تبع منكم اليوم جنازة؟ " قال أبو بكر: انا قال: " من أطعم اليوم منكم مسكيناً؟ " قال أبو بكر: انا قال: " من عاد منكم اليوم مريضاً؟ " قال أبو بكر: انا قال رسول الله صلى الله عليه وآلة وسلم: " ما اجتمعن في امرىء إلا دخل الجنة ". قال بعض العلماء: معناه دخل الجنة بلا محاسبة ولا مجازاة على قبيح الأعمال إلا فمجرد الإيمان يقتضي دخول الجنة بفضل الله تعالى. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه الترمذي " أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وما لأحد عندنا يد إلا وقد كافيناه بها إلا أبا بكر، فإن له عندنا يدأ يكافيه الله بها يوم القيامة، وما نفعني مال رجل ما نفعني مال أبي بكر، وما عرضت الإسلام على أحد إلا كان له كبوة إلا أبا بكر فإنه لم يتلعثم ". الحديث. ومن مناقبه أيضاً: مجيئه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بماله كله، وقوله الله ورسوله لما قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " ما تركت لأهلك " وغير ذلك مما يطول ذكره بل تعذر حصره. وروينا في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " بينما راع في غنمه عدا عليه الذئب فأخذ منها شاة، فطلبه الراعي، فالتفت الذئب إليه فقال: من لها يوم السبع يوم لبس لها راع غيري، وبينما رجل يسوق بقرة قد حمل عليها، فالتفت إليه فقالت: اني لم أخلق لهذا، لكنني إنما خلقت للحرث " فقال الناس: سبحان الله أبقرة تتكلم، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " فإني أومن بذلك وأبو بكر وعمر " وروينا في صحيح مسلم بتقديم قصه البقرة على قصة الشاة. قلت: وناهيك بهذا فضلاً وشرفاً لهما شهادته بالإيمان الكامل. مع كونهما أنهما كانا غائبين
(1/59)

عن ذلك المجلس، كما في الحديث. قال العلماء: انما قال صلى الله عليه وآله وسلم ذلك لصدق إيمانهما: هما وقوة يقينهما، وفي ذلك لهما فضل ظاهر، وما ورد من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " ما فضلكم أبو بكر بكثرة صلاة، ولا صوم ولكن بشيء وقر في صدره " وما جاء أنه كان إذا تنفس يشم منه رائحة الكبد المشوية. واختلف في تسميته عتيقاً، فقيل لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " من سره أن ينظر إلى عتيق من النار فلينظر إلى أبي بكر ". وقيل لجمال وجهه، وهو في نسبه يجتمع مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مرة بن كعب، وهو في العدد مثله بين كل واحد منهما وبين مرة ستة أباء، لأنه أبو بكر بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة وأمه سلمى وهي أم الخير بنت صخر بن عامر بن عمرو التيمية. ولد رضي الله عنه بعد عام الفيل بسنتين وأربعة أشهر إلا أياماً وهو أول من أسلم من الرجال رضي الله عنه، وكان خلافته سنتين وأشهراً، وولي الخلافة بعده عمر بن الخطاب باستخلافه له، فرضي المسلمون بذلك، ولم يختلف عليه اثنان. وفي السنة المذكورة توفي أمير مكة عتاب بن أسيد الأموي، واستعمله النبي صلى الله عليه وآله وسلم على مكة حين خروجه إلى حنين، فأقام للناس الحج تلك السنة.

السنة الرابعة عشرة
فتحت فيها دمشق في رجب صلحاً من أبي عبيدة وعنوة من خالد، ثم أمضيت صلحاً بعد أن حوصرت حصاراً طويلاً، وعزل عمر خالداً وجعل الأمر كله إلى أبي عبيدة بن الجراح، وخيف من فتنة تحدث من عزل خالد إذا بلغه الخبر، فلما بلغه ذلك قال: والله لو ولي علي عمر امرأة لسمعت وأطعت، فاستصوب ذلك منه واستحسن، وكان قد نفذه أبو بكر إلى العراق أميراً مقدماً لإقدامه وشجاعته، وعزله عمر لأنه كان يرد المهالك ويغدر بالمسلمين، ولأنه نازع أبا عبيدة وكان أميراً في الشام على المسلمين، وكان عمر يحب أبا عبيدة حباً شديداً، وكان يحفظ الغنائم مع قوله صلى الله عليه وآله وسلم واصفاً له أمين هذه الأمة. مع كون عمر قد أشار على أبي بكر رضي الله عنهما: بتقديم خالد في حرب بني حنيفة، وإنما عزله بعد ذلك لرجحان مصلحة ظهرت له في أبي عبيدة، كان المسلمون
(1/60)

قد راجعوا عمر في أن يمضوا بالصلح.
وفي السنة المذكورة كانت وقعة جسر أبي عبيد، واستشهد يومئذ طائفة منهم أبو عبيد بن مسعود الثقفي، هو والد المختار الكذاب، وكان من أجلة الصحابة، وهذه الوقعة في مكان على مرحلتين من الكوفة. وعن الشعبي قال: قتل أبو عبيد في ثمان مائة من المسلمين. وفيها مصر البصرة عتبة بن غزوان، وأمر ببناء مسجدها الأعظم. وفيها فتحت بعلبك وحمص صلحاً. وهرب هرقل عظيم الروم إلى القسطنطينية.

السنة الخامسة عشرة
فيها وقعة اليرموك، كان المسلمون ثلاثين ألفاً، والروم أزيد من مائة ألف قد سلسلوا أنفسهم الخمسة والستة في سلسلة لئلا يفروا فداستهم الخيل. وقيل كان المسلمون أربعين أو خمسين ألفاً، والروم ألف ألف مع أربعة من ملوكهم، والرماة منهم مائة ألف، وجبلة بن الأيهم ملك غسان معهم بعدما ارتد هو وقومه من العرب لحقوا بهم فصدروهم لقتال المسلمين، وقالوا أنتم تلتقون بني عمكم من العرب فإن كفيتموناهم وإلا لقيناهم نحن، فتقدموا نحو المسلمين وهم ستون ألفاً، فبرز لهم من المسلمين ستون رجلاً انتقاهم خالد من قبائل العرب، فقاتلوهم يوماً كاملاً، ثم نصر الله ستين من المسلمين فهزموهم، وهرب جبلة، وقتلوهم حتى لم ينج منهم إلا القليل، ثم التقى المسلمون مع الروم مرة بعد أخرى حتى أبادوهم بالقتل، وهرب البقية من تحت الليل. واستشهد في اليرموك طائفة من المسلمين، منهم عكرمة بن أبي جهل وعياش بن أبي ربيعة المخزوميان، وكان عكرمة قد حسن إسلامه وقوي إيمانه، حتى كان إذا نظر في المصحف يبكي. وعبد الرحمن بن العوام أخو الزبير، وعامر بن أبي وقاص أخو سعد، فظهرت هناك نجدة جماعة من الصحابة منهم الزبير والفضل بن عباس وخالد بن الوليد في آخرين وعبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين.
وفي شوال وقعة القادسية بالعراق، وقيل كانت في سنة ست عشرة وأمير المؤمنين يومئذ سعد بن أبي وقاص ورأس المجوس رستم ومعه الجالينوس وذو الحاجب، وكان المسلمون نحواً من سبعة آلاف والمجوس ستين، وقيل أربعين ألفاً، وكان معهم سبعون فيلاً
(1/61)

فحصرهم المسلمون في المدائن وقتلوا رؤوسهم الثلاثة المذكورين، وغيرهم. وممن استشهد عمرو ابن أم مكتوم الأعمى المؤذن المذكور في قوله تعالى " أن جاءه الأعمى ". وفي قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم " وأبو زيد الأنصاري، واسمه سعد بن عبيد. وفيها افتتحت الأردن عنوة إلا طبرية، فإنها افتتحت صلحاً. وفيها توفي سعد بن عبادة سيد الخزرج بحوران في جش فمات لوقته. فيقال إن الجن أصابته، وأنه سمع قائلاً في بعض آبار المدينة يقول:
نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة ... ورميناه بسهم فلم يخط فؤاده
قلت قوله نحن من الخرم المعروف في علم العروض بالخاء المعجمة وهو ما يزاد في أول البيت زائداً على وزنه وأكثر ما يكون أربعة أحرف.

السنة السادسة عشرة
فيها افتتحت حلب وانطاكية صلحاً، وفيها مصر سعد بن أبي وقاص الكوفة، وأنشأها وفيها نزل عمر رضي الله عنه على بيت المقدس، وكان المسلمون قد حاصروا تلك المدينة المباركة، وطال حصارهم، فقال لهم أهلها: لا تتعبوا فلن يفتحها إلا رجل نحن نعرفه، له علامة عندنا فإن كان إمامكم به تلك العلامة سلمناها له من غير قتال، فأرسل المسلمون إلى عمر يخبرونه بذلك، فركب رضي الله تعالى عنه راحلته، وتوجه إلى بيت المقدس، وكان معه غلام له يعاقبه في الركوب نوبة بنوبة، وقد تزود شعيرأ وتمراً وزيتاً، وعليه مرقعة، لم يزل يطوي القفار الليل والنهار إلى أن قرب من بيت المقدس، فتلقاه المسلمون، وقالوا له: ما ينبغي أن يرى المشركون أمير المؤمنين في هذه الهيئة، ولم يزالوا به حتى ألبسوه لباساً غيرها، وأركبوه فرساً، فلما ركب وهسل به الفرس، داخله شيء من العجب، فنزل عن الفرس، ونزع اللباس ولبس المرقعة، وقال أقيلوني، ثم سار في هذه الهيئة إلى أن وصل، فلما رآه المشركون من أهل الكتاب كبروا، وقالوا: هذا هو، وفتحوا له الباب.
وفيها توفيت مارية القبطية أم ابراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. اهداها له المقوقس ملك الاسكندرية ومصر.
(1/62)

السنة السابعة عشرة
فيها استسقى عمر بالعباس رضي الله عنهما، وقال ما معناه: اللهم أنا كنا إذا قحطنا توسلنا إليك بنبينا صلى الله عليه وآله وسلم فتسقينا، وإنا نتوسل إليك اليوم بعم نبينا فاسقنا. فسقوا، ثم خرج عمر فيها إلى جهة الشام ورجع لما سمع بالطاعون، بعد ان اختلف المسلمون في ذلك، فأشار عليه بعضهم بالقدوم وأشار بعضهم بالرجوع، فلما عزم على الرجوع قال له أبو عبيدة: افراراً من قدر الله تعالى؟ فقال: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة. نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله. ثم ضرب له مثلاً في ذلك معناه أن موضع الخصب يرعى وفي يرغب وموضع الجدب لا يقرب، ثم جاء عبد الرحمن بن عوف، روى لهم حديثاً موافقاً لرأي عمر، معناه أنه لما سمع بالوباء بأرض لا يقدم عليه، وإذا وقع بأرض هو فيها لا يخرج منها، ففرح عمر بذلك، وحمد الله تعالى إذ وافق رأيه الحديث المذكور، وهذا كله معنى الحديث الصحيح الوارد في ذلك. وفي السنة المذكورة زاد عمر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفيها افتتح أمير البصرة أبو موسى الأشعري الأهواز، وفيها كانت وقعة جلولاء، وقتل فيها من المشركين مقتلة عظيمة، وبلغت الغنائم فيها ثمانية عشر ألف ألف، وقيل ثلاثين ألف ألف، وفيها تزوج عمر رضي الله عنه بأم كلثوم بنت فاطمة الزهراء، رضي الله عنهما.

السنة الثامنة عشرة
فيها طاعون عمواس بالعين والسين المهملتين وفتح الأحرف الثلاثة الأولى في ناحية الأردن فاستشهد فيها أبو عنيدة بن الجراح القرشي الفهري أمين هذه الأمة وأمير أمراء الشام، وهو ممن شهد بدراً وما بعدها من المشاهد، وهو الذي انتزع من وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حلقتي الدرع، والمراد به المغفر ومن مناقبه العظيمة: قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إن لكل أمة أميناً وإن أمينك أيتها الأمة أبو عبيدة بن الجراح ". حديث صحيح. وكان من أجمل الناس وجهاً وأشجعهم قلباً، شهد مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعض الغزوات، وحجة الوداع، وأردفه خلفه. وممن استشهد فيه أيضاً الفضل بن عباس، ومعاذ بن جبل الأنصاري الخزرجي.
(1/63)

وعمره ست وقيل ثمان وثلاثون سنه، وفضائله مشهوره.
ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم والله: " إني لأحبك يا معاذ " ومنها أنه بعثه صلى الله عليه وآله وسلم إلى اليمن قاضياً، وقال له " بم تقضي؟ " قال: بكتاب الله. قال: " فإن لم نجد؟ " قال: بسنة رسول الله. قال: " فإن لم نجد؟ " قال: اجتهد برأيي. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضاه رسول الله " ومعلوم أنه لا يبعث صلى الله عليه وآله وسلم قاضياً إلا عالماً أميناً، ويكفيك في علمه أنه بين طرق الأحكام فأجاد. قلت فإن قيل: ومن طرق الأحكام أيضاً الإجماع ولم يذكره معاذ فالجواب إن حكم الإجماع متعذر مع بقائه صلى الله عليه وآله وسلم ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه: " وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ " الحديث ومنها أنه من الأربعة الذين جمعوا القرآن من الخزرج، وذكر بعض المؤرخين أنه لا خلاف أنه الذي بنى مسجد الجند. وفي السنة المذكورة توفي يزيد بن أبي سفيان بن حرب الأموي. وأبو جندل بن سهيل. وأبوه سهيل بن عمر والقرشي العامري كان من رؤوس قريش وخطبائها البلغاء الفصحاء، موصوفاً بالحلم والعقل، قام بمكة يوم مات النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تسكين الناس، مثل ما قام أبو بكر في المدينة بعدما خاف أمير مكة عتاب بن أسيد وتعب، ولعل هذا المقام الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله لعمر لعله يقوم مقاماً تحمده عليه، لما قال له عمر: دعني أكسر ثناياه حتى لا يقوم عليك خطيباً بعدها في قريش، بقوله في منصرفهم من بدر بأسرى قريش وهو فيهم. قلت ومن عقله وحلمه ما ذكر أهل السير أنه قدم المدينة في جماعة من شيوخ قريش، منهم أبو سفيان بن حرب. فاستأذنوا على عمر، فلم يأذن لهم، واستأذن عليه أناس من فقراء المسلمين وضعفائهم، فأذن لهم، فقال أبو سفيان، يا معشر قريش: ما رأيت كاليوم عجباً، انه ليؤذن لهؤلاء المساكين، او قال الموالي فيلجون، وكبار قريش في الباب تسقى في وجوههم الريح التراب، ولا يلتفت إليهم، فقام سهيل بن عمرو وقال: تالله إني لأرى ما في وجوهكم من الغضب، فإن كنتم ولا بد غاضبين فاغضبوا على أنفسكم، فإن الله تعالى دعا هؤلاء فأسرعوا، ودعاكم فأبطأ ثم، والله إن الذي سبقوكم فيه، من الخير خير من الذي تنافسون فيه في هذا الباب، ولا أرى لأحد منكم أن يلحق بهم إلا أن يخرج إلى هذا الوجه من الجهاد، لعل الله تعالى يرزقه الشهادة، ثم ركب وسافر إلى الشام ليجاهد مع من فيه من المسلمين، قال الحسن البصري: بعد كلامه في هذه القضية: لله دره ما أعقله!.
(1/64)

قلت ومن عقله أيضاً انه كان يقرأ القرآن على بعص الموالي بمكه، ويتردد إليه، فعاب عليه بعض المتكبرين من قريش، فقال سهيل ما معناه: هذا الكبر والله الذي حال بيننا وبين الخير. ولما رآه صلى الله عليه وآله وسلم يوم الحديبية مقبلاً رسولاً من قريش قال سهل لكم أمركم، م وقع الصلح على يده. وفي السنة المذكورة مات شرحبيل ابن حسنة. والحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي، كلاهما من الرؤوس الجلة وقيل إن الحارث المذكور استشهد في اليرموك، وهو أخو أبي جهل بن هشام، وفيها افتتحت حران والموصل والسوس وتستر.

السنة التاسعة عشرة
فيها فتحت تكريت وقيساريه، وتوفي أبو المنذر أبي بن كعب الأنصاري الخزرجي سيد القراء، رضي الله عنه على اختلاف في زمان موته في أي سنة هو وسيأتي ذكره بعد. ويزيد بن أبي سفيان على الخلاف المتقدم.

سنة عشرين
فيها افتتح عمرو بن العاص بعض ديار مصر، وتوفي بلال بن حمامة الحبشي مؤذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بداريا من بلاد الشام وفضائله مشهورة: منها تقدمه بالإسلام، وصبره على تعذيبه واذائه، وجد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم له تجاهه في الجنة. ولما حضرته الوفاة كانت امرأته تقول: واحزناه وهو يقول: واطرباه غداً نلقى الأحبة محمداً وحزبه. وفيها توفيت أم المؤمنين زينب بنت جحش القرشية الأسدية رضي الله عنها، ومن فضائلها: قوله تعالى " فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها " - الأحزاب: 37 - وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لنسائه: " اسرعكن لحاقاً بي أطولكن يداً " وكانت أطولهن يدا في الصدقة والجود وفعل الخير، فماتت أولهن، فعلموا أن المراد طول اليد في الصدقة والجود، وكانت سودة أطولهن يداً بالجارحة، وزينب هي التي كانت تسامي عائشة في المنزلة. وفيها توفي أبو الهيثم بن التيهان الأنصاري وهو الذي قصده النبي صلى الله عليه وآله
(1/65)

وسلم وأبو بكر وعمر فأكرمهم، وقال: من أكرم اليوم منا ضيفاً؟. وفيها توفي أسيد بن حضير الأنصاري، وهو الذي رأى السكينة عند قراءة القرآن، والذي قال: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، لما نزلت آية التيمم لما وقفوا في السفر على غير ماء عند فقد عائشة رضي الله عنها العقد. وفيها توفي عياض بن غنم الفهري نائب أبي عبيدة على الشام، وفيها توفي أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي، وسعيد بن عامر الجمحي، وهرقل ملك الروم، وقيل قتل مسلماً في الباطن.

سنة إحدى وعشرين
فيها فتح مصر وتوفي الأمير الكبير البطل الشهير ميمون النقيبة ذو الهمة النجيبة سيف الله أبو سليمان خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي ابن ستين سنة على فراشه بعد ارتكابه العظائم بين القتا والصوارم في كثير من المعارك، فسلمه الله من المهالك، وهو من بعثه صلى الله عليه وآله وسلم: الى اليمن، ومناقبه مشهورة ويكفي فيها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ثم " أخذها يعني الراية سيف من سيوف الله عن غير إمرة ففتح الله على يده ". وفيها وقعة نهاوند. دامت المصاف فيها ثلاثة أيام، ثم جاء النصرة، واستشهد أمير المؤمنين النعمان بن مقرن المزني، وكان من سادات الصحابة، فنعاه عمر للناس على المنبر، وأخذ حذيفة بن اليمان الراية من بعده، ففتح الله على يده، وولى عمار بن ياسر إمامة الصلاة بالكوفة، لما شكا أهلها سعد بن وقاص، وولى عبد الله بن مسعود بيت المال. وفيها توفي العلاء بن الحضرمي، استشهد فيها بنهاوند طليحة بن خويلد الأسدي، وكان قد ارتد وادعى النبوة، ثم أسلم وحسن إسلامه، وكان يعد بألف فارس.

سنة اثنتين وعشرين
فيها فتح آذربيجان على يد المغيرة بن شعبة، ومدينة نهاوند صلحاً والدينور مع همدان عنوة على يد حذيفة، وطرابلس المغرب على يد عمرو بن العاص. وفيها افتتحت جرجان، وتوفي أبي بن كعب مع خلاف تقدم فيه في التاسعة عشر. ومن مناقبه أنه من الأربعة الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله
(1/66)

وسلم وكلهم من الأنصار: معاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وأبو زيد فييما رواه مسلم وروى غيره حفظ جماعات من الصحابة في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وذكر بعض العلماء منهم خمسة عشر صحابياً، وثبت في الصحيح قتل يوم اليمامة سبعون ممن جمع القرآن، وكانت اليمامة قريباً من وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فهؤلاء ممن جمعوه وقيل فكيف بالذين جمعوه ولم يقتلوا، وهذا يرد على بعض الملاحدة في ادعائه عدم تواتر القرآن. ومن مناقب أبي أيضاً قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " وأقرأكم أبي " وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " إن الله أمرني أن أقرأ عليك لم يكن الذين كفروا " قال: وسماني؟ قال: نعم. قال: فبكى، وفي رواية فجعل يبكي، وكان بكاؤه مسروراً واستصغاراً لنفسه عن تأهله لهذه النعمة العظيمة والمنزلة الكريمة. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم " ليهنك العلم أبا المننر والأربعة المذكورون الذين حفظوا القرآن من الأنصار كلهم من الخزرج ". وفي الأوس أربعة لهم مناقب يقابل بهم هؤلاء الأربعة، وهم سعد بن معاذ الذي اهتز لموته عرش الرحمن، وحنظلة بن الراهب غسيل الملائكة، وقتادة بن النعمان الذي رد النبي صلى الله عليه وآله وسلم عينه بعدما سألت، وذو الشهادتين خزيمة بن ثابت رضي الله تعالى عنهم.

سنة ثلاث وعشرين
فيها توفي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب القرشي العدوي رضي الله عنه شهيدأ، طعنه غلام المغيوة بن شعبة في صلاة الصبح لليالي بقين من ذي الحجة. ومن مناقبه: قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " بينما أنا نائم رأيتني في الجنة فإذا امرأة إلى جانب قصر فقلت لمن هذا القصر قالوا لعمر " الحديث أخرجه البخاري. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " بينما أنا نائم إذ رأيت قدحاً أوتيت به وفيه لبن فشربت منه حتى انظر إلى الري يجري في ظفري ". او قال في أظفاري " ثم ناولت عمر " قالوا فما أولت؟ قال: " المعلم ". رواه مسلم. وفي رواية الترمذي قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " رأيت كأني أتيت بقدح لبن فشربت منه فأعطيت فضلي عمر بن الخطاب "
(1/67)

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " بينما أنا نائم رأيت الناس عرضوا علي وعليهم قميص منها ما يبلغ الثدي ومنها ما يبلغ دون ذلك وعرض علي عمر وعليه قميص اجتره " قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: " الدين ". رويناه في الصحيحين وفي رواية مسلم يجره. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " إيه يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك " رواه البخاري. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم " لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدثون، فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر ". رويناه في الصحيحين واللفظ للبخاري.
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم وقد رجف بهم أحد ومعه أبو بكر وعمر وعثمان: " اثبت فما عليك إلا نبي أوصديق أو شهيد ". وفي حديث آخر " أو شهيدان " رواه البخاري. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " رأيت في المنام أني أنزع بدلو وبكرة على قليبة "، وذكر أبا بكر إلى أن قال: " ثم جاء عمر " فاستحالت غرباً فلم أرعبقرياً يفري فرية حتى روى الناس وضربوا بعطن. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم في كلام السبع: " فإني أؤمن بذلك وأبو بكر وعمر " كما تقدم. وقول علي رضي الله عنه لما توفي عمر: ما خلفت أحداً أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك وأيم الله إن كنت أظن أن يجعلك الله مع صاحبيك وحسبت أني كنت كثيراً أسمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " ذهبت أنا وأبو بكر وعمر ودخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر " رواه البخاري وفي الترمذي قال صلى الله عليه وآله وسلم لأبي بكر وعمر: " هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين ". وروى أبو داود والترمذي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " إن أهل الدرجات العلى ليتراءون من تحتهم كما تراؤون النجم الطالع في أفق السماء وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما ". ومما جاء في فضل عمر أيضاً ما كشف له عند قوله يا سارية الجبل. والحديث المشهور أنه سراج أهل الجنة. وقول عمر رضي الله عنه في الحديث الصحيح: وافقت ربي في ثلاث في مقام ابراهيم، وفي الحجاب، وفي أسرى بدر، قلت: وقد وافق القرآن أيضاً في ثلاث أخرى مذكورة بنصوص أخرى: وهي عسى ربه أن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً
(1/68)

منكن. وفي منع الصلاة على المنافقين، وفي تحريم الخمر، وبشره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالجنة، وكذا بشر أبا بكر وعثمان يوم بيراريس، شهد له النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الله تعالى جعل الحق على لسانه وقلبه.
وروي أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم: " لو كان نبياً بعدي لكان عمر ". وقال في وصف أمته صلى الله عليه وآله وسلم: " وأشدهم في الله عمر ". وكانت أيامه باهجة زاهرة وسيرته الحسناء محمودة فاخرة، والعناية مؤيدة له ناضرة، وتوفي وعمره ثلاث وستون سنة، وقيل خمس وخمسون، وخلافته عشر سنين وسبعة أشهر وخمس ليال، وقيل غير ذلك ودفن مع صاحبيه في حجرة عائشة رضي الله عنها، بعد أن استأذنها في حياته، وأوصى أن يستأذن أيضاً بعد موته، فأذنت وهو في نسبه يجتمع مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كعب بن لؤي، بينه وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم سبعة آباء، وبينه وبين عمر ثماني آباء، لأنه عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي. وقد روي عن بعض السلف الأخيار وهو سليمان بن يسار رحمه الله أنه قال: ناحت الجن على عمر رضي الله عنه.
عليك سلام من أمير وباركت ... يد الله في ذاك الأديم الممزق
قضيت أموراً ثم غادرت بعدها ... بوائق في أكمامها لم تفتق
فمن يسع أو يركب جناحي نعامة ... ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق
أبعد قتيل بالمدينة أظلمت ... له الأرض يهتز العصاة بأسوق
وفضائله أشهر من أن تذكر، وأكثر من أن تحصر، وسيرته أحسن من أن تمدح وتشهر، وإلى شيء من فضائله أشرت بقولي:
وفاروقهم ما في الطغا منه بالوغا ... لقيصر إرعاد وكسرى وتبع
ومن عجب أن الملوك تهابه ... ويخشاه ناء في قميص مرقع
أبى عن لذيذ العيش محدث منزل ... وعش، نداه مخصحب كل مرتع
سراج جنان الخلد محمود سيرة ... نطوق بحق خائف متورع
وقولي في أخرى.
أقام شعار الدين أعلى منارة ... على همة فيه وجل وشمرا
له سيرة محمودة فيه هيبة ... ومن مهجة الشيطان يبعد مدبرا
إذا قال قولاً وافق هيبة ... نطوق بحق ليس في ذاك امترا
(1/69)

لسان هدى لا يخشى لومة لائم ... إدا لامه في الله أو فيه عيرا
وقولي في أخرى.
ومظهر الدين في أعزازه عمر ... مذلل الكفر قد هابته كفار
سراج جنات عدن منه باهجة ... رياضها الغربا لأنوار زهار
ولما حضرته الوفاة، قيل له: الا تستخلف؟ قال: لا أتحملها حياً وميتاً فروجع في ذلك، فقال: الخليفة بعدي أحد هؤلاء الستة. وذكر عثمان وعلياً وطلحة والزبير وسعداً وعبد الرحمن بن عوف، جعل الأمر شورى بينهم، فتشاوروا، ثم أمضى الأمر إلى عثمان رضي الله عنهم أجمعين. وفي السنة المذكورة توفي قتادة بن النعمان الظفري الذي وقعت عينه يوم أحد فردها النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى مكانها، فكانت أحسن عينيه، وفي ذلك يقول ابنه: لما سأله بعض الخلفاء من بني أمية من أنت.
أنا ابن الذي سألت على الخد عينه ... فردت بكف المصطفى أحسن الرد
وكان قتادة المذكور بدرياً نزل في قبره عمر رضي الله عنهما.

سنة أربع وعشرين
في أولها بويع ذو النورين عثمان رضي الله عنه بالخلافة، وقد أوضحت كيفية بيعته في كتاب: في علم الأصول، وتوفي فيها سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، وكان إسلامه حسناً.

سنة خمس وعشرين
فيها انتقض أهل الري فغزاهم أبو موسى الأشعري، أهل الاسكندرية فغزاهم عمرو بن العاص، فقتل وسبا، واستعمل عثمان على الكوفة أخاه لأمه الوليد بن عقبة بن أبي معيط، فجهز سليمان بن ربيعة الباهلي في اثني عشر ألفاً إلى برذعة فقتل وسبا.
(1/70)

سنة ست وعشرين
فتحت سابور على يد عثمان بن أبي العاص، صالحهم على ثلاثة آلاف ألف درهم، وزاد عثمان في المسجد الحرام.

سنة سبع وعشرين
فيها ركب معاوية بالجيش في البحر، وغزا قبرص، لت هذا ذكره بعض المؤرخين قبرس بالسين دون الصاد. وقيل كانت هذه الغزوة في

سنة ثمان وعشرين، وعزل عمرو بن العاص بعبيد الله بن سعد بن أبي سرح عن مصر، فغزا عبيد الله إقليم إفريقية وافتتحها، فأصاب كل إنسان ألف دينار، وقتل ملكهم جرجير، وكان في مائة ألف، وبلغ سهم الفارس وفرسه ثلاثة آلاف دينار. وفيها توفيت أم حرام بنت ملحان بقبرس، كانت مع زوجها عبادة بن الصامت رضي الله عنهما.
سنة ثمان وعشرين
فيها انتقض أهل آذربيجان، غزاهم الوليد بن عقبة، ثم صالحوه.

سنة تسع وعشرين
فيها افتتح عبد الله بن عامر بن كريز بالمثناة من تحت بين الراء والزاي مدينة اصطخر عنوة بعد قتال عظيم. وفيها عزل عثمان أبا موسى عن البصرة، وعثمان بن أبي العاص عن فارس، وجمع لعبد الله بن عامر، وكان شهماً شجاعاً، فافتتح فتحاً كبيراً بلاد فارس، ثم بلاد خراسان جميعاً في

سنة ثلاثين.
سنة ثلاثين
فيها توفي حاطب بن أبي بلتعة، وكان بدرياً، وفيه قال صلى الله عليه وآله وسلم: لما
(1/71)

قال عمر: دعني أضرب عنقه لما كتب إلى قريش بعلمهم بعزم النبي صلى الله عليه وآله وسلم على قصد مكة بالعساكر لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: " اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ". وفي حاطب المذكور نزل قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة " - الممتحنة: 1 -. ولما قيل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ليدخلن حاطب النار: قال صلى الله عليه وآله وسلم: " كذبت لا يدخلها فإنه شهد بدر أو الحديبية ". وفيها افتتح ابن عامر سجستان مع فارس وخراسان، هرب ابن كسرى، واعتمر ابن عامر، فاستخلف الأحنف بن قيس على خراسان، اجتمعوا جمعاً لم يسمع بمثله، فالتقاهم الأحنف فهزمهم، ولما كثرت الفتوحات في العام المذكور، وأتى الخراج من كل جهة، اتخذ عثمان له الخزائن، وقسمه وكان يأمر للرجل بمائة ألف.

سنة إحدى وثلاثين
تكامل فيها فتح خراسان، وتوفي أبو سفيان بن حرب الأموي، وقيل في السنة الآتية ومما حصل له من المناقب من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما روينا في الصحيح أنه قال: يا نبي الله ثلاث أعطيكهن قال نعم قال عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها قال نعم، قال: ومعاوية تجعله كاتباً بين يديك، قال: نعم، وقال وتؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين، قال: نعم. قال: ابو زميل بضم الزاي وفتح الميم وسكون المثناه من تحت وهو راوي ذلك عن ابن عباس لولا أنه طلب ذلك من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما أعطاه، ذلك لأنه لم يكن يسأل شيئاً إلا قال نعم. قلت هذا الحديث مشكل عند المحدثين لأن أبا سفيان ما أسلم إلا يوم فتح مكة، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد تزوج بأم حبيبة قبل ذلك بزمن طويل، تزوجها وهي في أرض الحبشة كانت مع الذين هاجروا من المسلمين إلى أرض الحبشة، وأبو سفيان المذكور هو المقدم رئيس قريش بعد رؤوسهم المقتولين في بدر، وذهبت كلتا عينيه في الجهاد، احداهما في تبوك، والأخرى في اليرموك. وفيها توفي الحكم بن أبي العاص الأموي والد مروان قرابة عثمان عفان رضي الله عنه، وكان يفشي سر النبي صلى الله عليه وآله وسلم. قيل: كان يحاكيه في مشيه فطرده صلى الله عليه وآله وسلم إلى الطائف، فلم يزل طريداً إلى أن استخلف عثمان فأدخله المدينة، واعتذر لما طعن في ذلك بأنه كان قد شفع فيه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فوعده برده.
(1/72)

قلت هكذا رأيت أن أذكر عذر عثمان رضي الله تعالى عنه في ذلك. وأما قول الذهبي: طرده النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلما استخلف عثمان أدخله المدينة وأعطاه مائة ألف من غير ذكر عذر لعثمان، فإطلاق قبيح يستشنعه كل ذي إيمان بفضل الصحابة أولي الحق والإحسان.

سنة اثنتين وثلاثين
فيها توفي العباس عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابن ست وثمانين سنة ومن مناقبه من عقبه جميع الخلفاء المعروفين ببني العباس، وأن عمر رضي الله تعالى عنه استسقى به في خلافته بكونه عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسقوا. وكان يوم حنين هو وابن أخيه أبو سفيان بن الحارث، احدهما آخذ بلجام بغلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والآخر آخذ بركابها لما انهزم المسلمون إلا جماعة منهم، فأمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يبادي بأصحاب الشجرة ثم بالأنصار، فردوا لما عرفوا صوته وكان صيتاً ينادي من جبل صلع غلمانه وهم في الغابة من آخر الليل، فيسمعهم، ومسافة ذلك قدر ثمانية أميال. وتوفي في السنة المذكورة عبد الرحمن بن عوف الزهري، احد العشرة المشهود لهم بالجنة، وصنائعه معروفة، وسعة غنائه بالمكارم محفوفة منها أنه باع مرة أرضاً بأربعين ألف دينار، فتصدق بها، ومنها ما ورد أنه تصدق بعير له كبيرة أقبلت من الشام، وبما عليها من أنواع البضائع. قلت وذكر الشيخ الحافظ أبو عبد الله محمد بن عمران بن موسى المرزباني في كتاب المقتبس قال: قتل عبيد الله بن معمر التيمي لأربعين سنة برستاق من رساتيق اصطخر في زمن عثمان بن عفان، ولم يبين في أي سنة، وقال اشترى عبيد الله بن معمر جارية فارهة بعشرين ألف دينار، كانت تسمى الكاملة في عمل الغناء وجودة الضرب ومعرفة الألحان والقرآن والشعر والكتابة وفنون الطبيخ والعطر، وكانت عند فتى قد أدبها لنفسه، وكان بها معجباً وواجداً بها وجداً شديداً، فلم يزل ينفق عليها حتى أتلف واحتاج، فحمل يسأل اخوانه. قلت ذلك حيناً، وهو في نكد وضيق شديد في معيشتهما، فقالت الجارية والله إني لأرى لك، وأشفق عليك، وأرغب بك، عن ما أنت فيه، ولو أنك بعتني، نلت غنى الدهر ولعل الله أن يصنع لنا جميلاً، فحملها إلى عبيدة الله بن معمر فأعجبته، فاشتراها بالثمن المذكور، فلما قبض الفتى المال، استشعر كل واحد منهما إلى صاحبه فأنشدت.
هنيئاً لك المال الذي قد حويته ... ولم يبق في كفي إلا تفكري
أقول لنفسي وهي في عين كربة ... أقلي فقد بان الحبيب أو اكثري
(1/73)

إذا لم يكن للمرء عندك حيلة ... ولم تجد شيئاً سوى الصبر فاصبر
فقال الفتى:
ولولا قعود الدهر بي عنك لم يكن ... يفرقنا شيء سوى الموت فاعذري
أبوء بحزن من فراقك موجع ... أناجي به قلباً طويل التفكر
عليك سلام لا زيارة بيننا ... ولا وصل إلا أن يشاء ابن معمر
فقال عبيد الله ورق لهما خذ بيدها، وانصرفا راشدين، والمال الذي نقدته في ثمنها أنفقه عليها، والله لا أخذت منه درهماً، او قال شيئاً قال ومات ابنه عمر بالشام في موضع يقال له ضمير بضم الضاد المعجمة، قيل الراء مثناة، رثاه الفرزدق بأبيات أولها.
يا أيها الناس لا تبكوا على أحد ... بعد الذي بضمير وافق القدرا
كانت يداه لكم سيفاً يعاذ به ... من العدو وغيثاً ينبت الشجرا
أتى قريش أبو حفص فقد رزيت ... بالشام أو فارقتك الناس والظفرا
وفي السنة المذكورة توفي مقر الفضائل والسعود عبد الله بن مسعود الهذلي رضي الله عنه ومن مناقبه رضي الله عنه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " خذوا القرآن عن أربعة وذكر منهم ابن مسعود ". ومنها أنه كان هو وأمه من رآهما حسب أنهما من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من كثرة دخولهما ولزومهما له، ومنها إنه كان عالماً بكتاب الله، قال ولقد علم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إني أعلمهم بكتاب الله، ولو أعلم أن أحداً أعلم مني لرحلت إليه. قال الراوي: فجلست في حلق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فما سمعت أحداً يرد ذلك عليه ولا يعيبه.
قال العلماء وفي هذا دليل بجواز ذكر الإنسان بنفسه بالفضيلة والعلم ونحوه للحاجة، ومناقبه كثيرة شهيرة وهو الذي جز رأس أبي جهل يوم بدر بعد ما أثخنته الجراح من الأنصاريين، ولم يبق فيه إلا الرمق. وروي أن أبا جهل قال لما أراد أن يجز رأسه: لقد رقيت مرقى صعباً يا رويغى الغنم وكان رضي الله عنه مفتياً مرجوعاً إليه في المشكلات، بالاتفاق بين علماء الحجاز والشام والعراق، وهو الذي أشار إليه بعض الصحابة: لا تسألوني عن شيء، ما دام هذا الحبر بين أظهركم.
وفي السنة المذكورة توفي أبو الدرداء عويمر بن زيد وقيل ابن عبيد الله الأنصاري
(1/74)

الخزرجي، أسلم بعد بدر، وكان حكيم هذه الأمة، ولي قضاء دمشق، وفضائله معروفة ومحاسنه موصوفة، وكان سلمان مواخياً له، وكان يغذ له فيما هو فيه من شدة المجاهدة، وهو القائل لامرأته أم الدرداء لما قالت له ما عندنا شيء يعني من النفقة: يا هذه إن بين أيدينا عقبة كؤدا لا يجوزها إلا المحققون. ولما دخل بيتهم رآها متبذلة، قال لها: ما شأنك؟ قالت: ان أخاك ليس له حاجة في الدنيا. فوعظه وقال إن لربك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، واضيفك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، فاعط كل ذي حق حقه. وفيها توفي أبو ذر جندب بن جنادة الغفاري الذي عند انتهاك المحارم لا تأخذه في الله لومة لائم وفضائله كثيرة، منها تقدم إسلامه وما تحمل فيه من الشدائد عند إعلانه بالصدق بين ظهراني في كل كفور من قريش معايذاً، ما لاقى في ضمن ذلك من المحن، وتغذيه بماء زمزم حتى ظهر فيه السمن. وتوفي أبو سفيان بن حرب على خلاف فيه تقدم، وعبد الله بن يزيد بن عبد ربه الأنصاري الذي أري الأذن وكان بدرياً.

سنة ثلاث وثلاثين
فيها توفي المقداد بن الأسود الكندي، وقد شهد بدراً، وهو القائل يومئذ: والله يا رسول الله ما نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى " اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون " ولكن نقاتل عن يمينك وعن شمالك ومن أمامك ومن خلفك. فسر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، حتى رؤي البشر في وجهه، وكان يومئذ فارساً قطعاً. وفي الزبير اختلاف دون غيرهما بلا اختلاف، وفضائله في الشجاعة والنجابة معروفة، وهو من الصحابة، وفيها غزا عبد الله بن سعد بن أبي سرح بلاد حبشة.

سنة أربع وثلاثين
فيها أخرج أهل الكوفة سعيد بن العاص، رضوا بأبي موسى، وكتبوا فيه إلى عثمان، فأمره عليهم، ثم رد عليهم سعيد، فخرجوا ومنعوه. وفيها توفي أبوطلحة الأنصاري أحد النقباء ليلة العقبة، الذي قال فيه صلى الله عليه وآله وسلم: " صوت أبي طلحة في الجيش خير من فئية " وعبادة بن الصامت الخزرجي أحد النقباء ليلة العقبة مات بالرملة، قيل بالقدس، بعد أن ولى قضاءها. وفيها توفي أعلم أهل الكتاب به وبالآثار المشهور بكعب الأحبار، اسلم في زمان أبي
(1/75)

بكر وروى عن عمر، وفيها توفي مسطح بن أثاثة وكان بدرياً.

سنة خمس وثلاثين
فيها توفي عامر بن ربيعة وعبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، وكان جليلاً نبيلاً من أحسن الناس وجهاً، ولاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الجند بفتح الجيم والنون ومخاليفها من بلاد اليمن. وفي أواخر السنة المذكورة حصر المصريون عثمان بن عفان القرشي الأموي رضي الله عنه ليخلع نفسه من الخلافة، ولم يزالوا حاصرين له إلى أن آن الوقت الذي تصيبه فيه المصيبة التي أخبر عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: " فتح له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه ". والتي أشار صلى الله عليه وآله وسلم إلى نيله الشهادة بها بقوله صلى الله عليه وآله وسلم لما تحرك جبل أحد: " أسكن أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان ". وكان عليه صلى الله عليه وآله وسلم ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، فتجرأ عليه أراذل من رعاء القبائل، واقتحموا عليه داره، فقتلوه، قيل: وكان المتعصبون عليه حينئذ أربعة آلاف. وسبب قتلهم له على ما قيل إنهم طلبوا منه ما لهم من العادة التي يأخذه الجند من ولاة الأمر، فأمر من كتب لهم بذلك إلى عامله في مصر، فلما كانوا في أثناء الطريق، فتحوا الكتاب، فوجدوا فيه الأمر بقتلهم، فرجعوا إليه، وقالوا كيف تأمر بقتلنا؟ فقال: ما كتبت الكتاب وإنما كتبه غيري. فقالوا: ان كان خطك فقد أمرت بقتلنا، وإن كان خط غيرك فقد زور عليك، وتغلب على أمرك، فما تصلح للخلافة. قلت وليس في هذا حجة لهم. بل قولهم ظاهر البطلان، فإن الأخيار ليسوا بمعصومين من تزوير الأشرار. ويقال إن الذي زورعليه مروان. والله أعلم بذلك ممن كان. وروينا في جامع الترمذي أنه جاء عبد الله بن سلام إلى عثمان فقال له: ما جاء بك؟ فقال: جئت في نصرتك. قال: اخرج إلى الناس، فأخبرهم عني فإنك خارج خير لي من داخل، فخرج عبد الله بن سلام، فقال: ايها الناس إنه كان اسمي في الجاهلية فلان فسماني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبد الله. ونزلت عليه آيات من كتاب الله، ونزلت في قوله تعالى " وشهد شاهد من بني
(1/76)

إسرائيل على مثله " الأحقاف الآية ونزلت في " قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب " الرعد، ان لله سيفاً مغموداً عنكم، وإن الملائكة قد جاورتكم في بلدكم هذا الذي نزل فيه نبيكم، الله الله في هذا الرجل، ان تقتلوه فو الله إن قتلتموه لتطردن جيرانكم من الملائكة، وليسلن سيف الله المغمود عنكم، فلا يتغمد إلى يوم القيامة، فقالوا: اقتلوا اليهودي واقتلوا عثمان. قال الترمذي هذا حديث حسن غريب.
قال علماء السير والتاريخ: وكان قتلهم له في يوم الجمعة ثاني عشر ذي الحجة والمصحف بين يديه، فانتضح الدم، ووقع على قوله تعالى: " فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم " البقرة وعمره يومئذ بضع وثمانون سنة، وقيل تسعون، وقيل غير ذلك والله أعلم. وقد اشتهر عنه رضي الله عنه أنه ما أراد القتال، والدفع عن نفسه بل قال لارقائه: وكانوا مائة عبد، وقيل أربع مائة من أغمد سيفه فهو حر لله، فأغمدوا سيوفهم كلهم إلا واحد منهم، فإنه قاتل حتى قتل. وإن علياً كرم الله وجهه أرسل إليه ابنه الحسن بماء للشرب، وقال له إن اخترت أن آتيك للنصر أتيت، فقال رضي الله عنه: لا فإني رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول لي إن قاتلتهم نصرت عليهم، وإن لم تقاتل أفطرت الليل عندنا، وأنا أحب أن أفطر عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان رضي الله عنه صائماً. ونقل عن علي رضي الله عنه أيضاً أنه لما بلغه قتله قال: الله المستعان ما كنا نظن أن يبلغ الأمر إلى هذا الحد وصلى عليه جبير بن مطعم، وقيل غيره ودفن في البقيع، رضي الله عنه وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة وأياماً وقيل الأشهر وكانت ولايته بجعل عمر الخلية بعده شورى بين الستة الجلة من الصحابة المشهورين في الحديث كما تقدم، فتشاورا، بينهم، ثم آل الأمر إليه، واتفق الصحابة كلهم عليه. ونسبه يجتمع مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عبد مناف، وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبينه ثلاثة آباء، وبين عثمان وبينه أربعة، لأنه عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة وأم أروى أم حكيم بنت عبد المطلب، الملقبة بالبيضاء توأمة عبد الله بن عبد المطلب. فجدة عثمان من قبل أمه عمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد قال لي بعض من يبغضه على وجه الطعن فيه مع إظهار التبجيل له: ما بال عثمان وهو من سادات الصحابة ما دفن إلا بعد يومين أو ثلاثة أيام؟ فقلت له: ليس ذلك بأشنع ولا أفظع من تطواف الفجرة بالبلدان برأس الحسين ابن المصطفى من ولد عدنان فخشي وولى وسكت خجلاناً.
(1/77)

واتفق أهل الحق من جميع علماء أهل السنة أن عثمان رضي الله عنه قتل مظلوماً شهيداً، وللقتل أسباب تقتضيه لم يأت عثمان شيئاً منها، وجميع ما أنكر عليه أجيب عنه رحمة ابثه تعالى عليه ومن أوجب قتله لم يكن ذلك إلى مثل هؤلاء السفلة أولي الشرور وإنما يكون إلى أهل الحل والعقد في الأمور. قلت وليس يحصى فضائل عثمان وما له من المحاسن والإحسان الشاهدة له بالشهادة الحسنة والسعادة بالجنة. منها قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لبوا به لماء جاء يستأذن: " إيذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه " أخرجه البخاري وأخرجه مسلم من طرق قال في إحداها: فقال اللهم صبراً والله المستعان. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم وقد صعد أحداً ومعه أبو بكر وعمر وعثمان فرجف: " اسكن أحد فليس عليك إلا نبي وصديق وشهيدان " قال الراوي وهو أنس أظنه ركضه برجله وقال اسكن أحد الحديث أخرجه البخاري وقد تقدم. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " لا أستحيي ممن يستحي منه الملائكة " وفي بعض النسخ: " من رجل يستحي منه الملائكة " لما قالت له عائشة: دخل أبو بكر فلم تهش له، ولم تباله، ثم دخل عمر، ولم تهش له، ولم تباله، ثم دخل عثمان، فجلست فسويت ثيابك. ورواية البخاري أنه كان صلى الله عليه وآله وسلم قاعداً في مكان فيه ماء قد انكشف عن ركبته أو ركبتيه فلما دخل عثمان غطاها. وفي رواية مسلم كان صلى الله عليه وآله وسلم مضطجعاً في بيته كاشفاً عن فخذيه أو ساقيه فاستأذن أبو بكر الحديث. وفي حديث مسلم الآخر أن عثمان رجل حيي وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحال أن لا يبلغ إلي في حاجته. وفي الحديث المتقدم عن ابن عمر رضي الله عنهما في تفضيلهم بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر ثم عمر ثم عثمان. ومن مناقبه أيضاً تزويج النبي عليه السلام بابنتيه رقية وأم كلثوم، ولذلك لقب بذي النورين، يقال إنه ما تزوج من بني آدم ابنتي نبي سواه. ومنها تجهيزه جيش العسرة، وحفره بير رومة روينا في جامع الترمذي أيضاً عن عبد الرحمن بن سمرة قال: جاء عثمان إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بألف دينار حين جهز جيش العمرة، فنشرها في حجره، فجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقلبها بيده
(1/78)

ويقول: " ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم ". وروينا في جامع الترمذي أيضاً عن عبد الرحمن بن خباب قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحض على تجهيز جيش العسرة، فقام عثمان بن عفان، فقال: يا رسول الله علي مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض على الجيش، فقام عثمان وقال: يا رسول الله علي ثلاث مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، قال: فأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينزل عن المنبر، ويقول بأعلى صوت: " ما ضر عثمان ما فعل بعد هذه ". ومن مناقبه أيضاً قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " من جهز جيش العسرة فله الجنة ". ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " من حفر بير رومة فله الجنة ". ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم في وصف أمته: " وأصدقهم حياء عثمان بن عفان ". ومبايعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم نيابة عنه بضرب إحدى كفيه على الأخرى، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: وهذه عن عثمان في بيعة الرضوان لما غاب بإرساله صلى الله عليه وآله وسلم له إلى مكة رسولاً إلى قريش إذ لم يكن في الصحابة من له منعة في قومه مثله. ومنها حفظه القرآن، وكثرة تلاوته، وقيامه به في صلواته، وكثرة نسكه وعبادته، وإلى شيء من فضائله الجليلات أشرت حيث أقول في بعض القصيدات هذه الأبيات.
وذي النور والبرهان والحلم والندى ... خشوع وللقرآن بالك يجمع
قنوت الدياجي والعيون هواجع ... بلذة عيش بالتهجد مولع
لقدمته يستحيي ملائكة السماء ... فما ضرذا لحم شريف مبضع
وقلت في أخرى:
والصائم القائم المحمود مشهده ... عثمان ذي النورين في قتله جاروا
شرار قوم من الأرذال في دمه ... في مصحف ظل للفجار فجار

سنة ست وثلاثين
فيها وقعة الجمل والكلام فيها طويل وها أنا أشير منه إلى شيء يسير مما ذكره أهل
(1/79)

السير وتلخيص ذلك أنه لما قتل عثمان صبرا توجع له المسلمون، وسقط في أيدي جماعة، وكم بكى عليه من محزون، وسالت من بعده دماء الفتن كما تسيل ماء العيون. وصدق قول حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما الذي لمجد الفضائل سما: والله لو كان قتل عثمان حقاً لأمطرتكم السماء رحمة ولكنها أمطرتكم دماً وسار طلحة والزبير وعائشة رضي الله عنها وعنهم نحو البصرة. قال بعض علماء السنة طالبين الثأر بدم عثمان، وكانت عائشة قد اعتمرت وهي راجعة إلى المدينة، فلما بلغها قتل عثمان رجعت إلى مكة، وأرادوا من ابن عمران يخرج معهم إلى العراق، فامتنع فلما خرجوا من مكة، جاء مروان بن الحكم إلى طلحة والزبير، وقال على أيكما أسلم بالإمارة وأنادي بالصلاة؟ فسكتا فقال عبد الله بن الزبير: على أبي، وقال محمد بن طلحة: على أبي، فأرسلت عائشة إلى مروان أتريد أن ترمي الفتنة بيننا، او قالت بين أصحابنا مروا ابن أختي، فليصل بالناس. يعني عبد الله بن الزبير. وقال بعض المحققين من المتأخرين من أئمتنا خرجوا تغيباً عن الفتنة التي أبدت قرنيها من الشام ورجليها من العراق في ذلك الزمان. وذلك أن إمام الحق علياً كرم الله وجهه أرسل إلى أميري الشام والعراق معاوية وابن عامر يستدعيهما الطاعة والوصول إليه فلم يكن من معاوية إلا تجهيز جيوش الشام وجمع العساكر، وخرج أبو الحسن إلى جهة الكوفة وسارت جيوش العراق بين يديه، فالتقيا بعد وقعة الجمل، وكان من قدر الله في سفك دماء الفريقين ما كان. واعتذر عن ذلك أعلام أئمة السنة بأن معاوية كان طالباً أخذ الثأر من قتلة عثمان إذ كان له نسب في بني أمية وأن علياً لم يمكنه تسليمهم لأخذ الثأر منهم في أول خلافته قبل أن تقوى شوكة الهمة العلية. ثم وقعت وقعة الجمل بينه وبين طلحة والزبير ومن معهما، وذلك أنه رآهم خارجين عن طاعته، فاعترضهم من المدينة ليردهم من بعض الطرق، ففاتوه وسلموا من لزمه التعويق، فتقدموا حتى أتوا البصرة، واستعانوا منها ببيت المال ومن أهلها بالنصرة، وأرسل علي رضي الله عنه إذ فاتوا إلى المدينة يستدعي بالعدد والعدد طالباً بذلك الاستعانة على الحرب والمدد. عالماً بأن ما فعلوا ذلك إلا والخلاف منهم وقد اشتد، وأرسل ابنه الحسن إلى الكوفة مع ناصر الحق عمار. يستنفران من فيها رجاء المعونة والانتصار، ثم لما وصل إلى العراق ليردهم إلى طاعته خرج معه أهل الكوفة، وخرج معهم أهل البصرة، وحاول الصلح والرجوع إلى مبايعته، فلما عزموا عليه ثار الأشرار، ورموا بين
(1/80)

الفريقين النار، حين خافوا أن يصطلحوا ما يسوء الفجار، من إقامة الحدود، والأخذ لدم عثمان بالثأر. فأشعلوا نار الحرب بالليل. حتى التقى الرجالة والخيل. وجرى دماء الفريقين كالسيل. فكل من مد يده إلى خطام الجمل الذي عليه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها راكبة لم يرجع إليه يده بل هي بضرب السيوف الماضيات ذاهبة وتقاتل الأقران. وتناشدوا عند ذلك الاشعار. وقطع على خطام الجمل سبعون يداً من بني ضبة كلما قطعت يد أخذ الزمام آخر وهم ينشدون.
نحن بنو ضبة أصحاب الجمل ... ننازل الموت إذ الموت نزل
والموت أشهس عنط نط مش العسل
وكانوا من حزب عائشة وطلحة والزبير، وبلغت القتلى يومئذ ثلاثة وثلاثين ألفاً على ما ذكر أهل التوإريخ، ل ذلك وعائشة رضي الله عنها راكبة على الجمل، فأمر علي بعقر ذلك الجمل المسمى بعسكر، فخمل الشر عند ذلك وظهر علي رضي الله عنه وانتصر، ثم جاء علي إلى عائشة فقال: غفر الله لك فقالت: ولك، ملكت فاسجح فما أردت إلا الإصلاح فبلغ من الأمر ما ترى، فقال: غفر الله لك، فقال: ولك، ثم إنه أمر معها عشرين امرأة من ذوات الشرف والدين من أهل البصرة يمضين معها إلى المدينة، وأنزلها في دار وأكرمها، ثم سفرها إلى المدينة الشريفة وشيعها بأولاده وودعها. وقتل ذلك اليوم طلحة بن عبيد الله القرشي التيمي أحد العشرة الكرام المشكورين في الأنام قيل رماه مروان بن الحكم، والله تعالى أعلم، مع أنه كان معهم ومن حزبهم لا من حزب علي رضي الله عنه، لكن قيل رماه من أجل ضغن كان في قلبه منه. ومن مناقبه أنه وقى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيده يوم أحد، وقول الذي صلى الله عليه وآله وسلم " أوجب طلحة " أي وجبت له الجنة لما رفع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الصخرة، وكونه من العشرة المشهود لهم بالجنة. وممن قتل ذلك اليوم محمد بن طلحة، كان فضله مشهوراً، وإليه يشير قائل بقوله:
وأشعث قوام بآيات ربه ... قليل الأذى فيما يرى العين مسلم
يناشدني حاميم والرمح شاجر ... فهلا تلا حاميم قبل التقدم
الأبيات إلى قوله فخر صريعاً لليدين وللفم. وقتل الزبير بن العوام القرشي الأسدي حواري النبي صلى الله عليه وآله وسلم وابن عمته صفرة، وأول من سل سيفاً فى سبيل الله تعالى، الذي قال صلى الله عليه وآله وسلم في قاتله في بعض الأخبار: " وبشروا قاتل ابن صفرة بالنار ". قتله ابن جرموز بوادي السباع
(1/81)

بقرب البصرة منصرفاً تاركاً للقتال طالباً للسلامة من الفتن، وما يترتب عليها من الآقات والداء العضال، فلحقه الشيطان المذكور في الوادي المذكور، وأوهمه أنه له مسائر فأمنه، ولم يشعر أنه غادر، فاستغفل الهزبر الذي كانت يكسر العساكر فقتله، وحد أمنه وأخذ سيفه ذلك التعيس الفاجر. ثم جاء إلى علي بسيفه ليبشره بزعمه بذلك، فبشره علي بالنار التي يشربها النبي صلى الله عليه وآله وسلم قاتله الخاسر الشقي. فقال له التعيس عندها بطريق الحجاج لا التندم: يا ويلنا إن قاتلناكم ويا ويلنا إن قاتلناكم معكم فنحن في النار. وذكر بعضهم أنه لما نظر على سيف الزبير معه قال بعدما بشره بالنار: طالما فرج به الكرب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فقال: انا لله وإنا إليه راجعون إن قاتلناكم فنحن في النار وإن قاتلنالكم أو قال معكم فنحن في النار. فقال له علي: ويلك ذلك شيء سبق لابن صفرة فقال والله ما قتلته إلا لهواك ثم ولى مغضباً. ومن مناقب الزبير قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " لكل نبي حواري وحوايي الزبير " والحواري: الناصر، وقيل: الخاصة. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " بشر قاتل ابن صفرة بالنار ". ومنها أنه ابن عمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأول من سل سيفاً في سبيل الله عز وجل. وكونه من العشرة المشهود لهم بالجنة. وله معارك مشهورة في اليرموك وغير مشهورة. وقد روي عن علي كرم الله وجهه أنه وقال والله إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير من أهل هذه الآية: " ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرد متقابلين " - الحجر: 47 - قلت وما ينكر سعادة الجميع منهم، وغفران الله لهم، ما جرى بينهم إلا باغض ذو ابتداع، او جاهل ليس لهم بفضائلهم سماع. ومن جملة تلك الفضائل والمنحة قوله صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد: " أوجب طلحة " أي وجبت له الجنة كما تقدم، وقصته في رفعه له في الحديث مشهورة، وفعلته في وقايته له بيده عن ضرب السيف مشكورة، ولم يزل الفخر في شلل يد طلحة من تلك الوقاية فاخراً. والشرف في فعله ذلك بين الخلائق ظاهراً. ومما يؤيد تلك السعادة التي يخص الله بها من يحب، والكرامة التي يشرح بها الصدور، والقلوب تطرب، ما روي بالإسناد عن بعض الصالحين: انه خرج يوماً إلى ظاهر البصرة مع الولي الكبير العارف بالله الشهيد الشيخ أبي محمد المعروف بابن عبد الله البصري رضي الله عنه، ثم أتى إلى تربة طلحة بن عبيد الله المذكور زائر، قال: فلما رأى الشيخ أبو
(1/82)

محمد القبر من بعيد رجع القهقرى، ثم بعد ذلك رجع، فأتى القبر وزار وهو مطرق متأدب. قال الراوي المذكور فلما خرج سألته عن ذلك فقال: لما أشرفت على قبره رأيته جالساً عليه حلة خضراء وتاج مكلل بالدرر والجواهر، وقال بالدر والياقوت الأحمر، وعنده حوريتان، فاستحييت، ورجعت لوجهي، فاقسم علي أن أرجع فرجعت إليه رحمة الله ورضوانه عليه. وممن قتل يوم الجمل زيد بن صوحان. وكان من سادة التابعين صواماً قواماً وجملة من قتل ذلك اليوم من الفريقين نحو من عشرة آلاف على ما نقله بعض العلماء الأعلام وهذا خلاف لما تقدم من الأعلام والله سبحانه الخبير العلام. وفي أول السنة المذكورة توفي حذيقة بن اليمان أحد الصحابة أهل النجدة والنجابة. الذي كان يعرف المؤمنين من المنافقين بالسر الذي خصه سيد المرسلين قال: كان الناس يتعلمون الخير من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكنت أتعلم منه الشر مخافة أن أقع فيه. وكذلك توفي فيها سلمان الفارسي وفضله مشهور مشكور، ومن ذلك الفضل الذي حكيت قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " سلمان منا أهل البيت " وسيرته مشهورة في خروجه من بلاده في طلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وما لاقى في ذلك، وقوة إيمانه وصدقه وحرصه على معرفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومحبته له وغرسه له صلى الله عليه وآله وسلم بيده عوناً له في براءة ذمته، وما حصل في ذلك من يمنه صلى الله عليه وآله وسلم وظهور بركته. وتوفي أمير مصر عبد الله بن أبي سرح وهو من السابقين.

سنة سبع وثلاثين
وفيها وقعة صفين بين جيش على العراقيين، وجيش معاوية الشاميين، في شهر صفر. وقال الإمام أحمد في تاريخه في شهر ربيع الأول، ودامت أياماً وليالي، وقتل بين الفريقين على ما نقلوا ستون ألفاً. وروي عن ابن سيرين أنهم سبعون ألفاً منهم أبو اليقظان عمار بن ياسر العنسي رضي
(1/83)

الله عنه الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم: " تقتلك الفئة الباغية " وقتلوه أصحاب معاوية. وفي رواية ويح ابن سمية تقتله الفئة الباغية، وسمية أمه وويح كلمة معناها الترحم، وكان من أهل النجابة في سبيل الله، والصدق في دين الله، بمكانة حفيلة بعثه علي رضي الله عنه ومعه ابنه الحسن ليستغفر أهل الكوفة في حرب يوم الجمل كما تقدم، فاستنفراهم، وقال في خطبته والله إني لأعلم أنها زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الدنيا الآّخرة، يعني عائشة رضي الله عنها، ولكن الله تعالى ابتلاكم بها ليعلم أتطيعونه أم تطيعونها، وعاتبه رجلان جليلان ممن توقف عن القتال لما التقى الفريقان في كلام معناه ما رأينا منكم قط شيئاً نكرهه سوى سراعك في هذا الأمر، يعني فى القتال مع علي، او نحو ذلك من المقال. وهذا مما يدل على أن المسلمين اختلف علمهم في ذلك، فالموافقون منهم اتضح لهم الحق مع علي فبايعوه، ومنهم من توهم أن الحق مع معاوية فبايعه، ومنهم من أشكال عليه الحال فتوقف، ومن المتوقفين سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر بن الخطاب وأسامة بن زيد ومحمد بن سلمة وآخرون رضي الله عنهم، وكان عمار رضي الله عنه من السابقين المهاجرين من اليمن إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وممن عذب في الله فلم يصده ذلك عن دين الله ومناقبه كثيرة جليلة شهيرة. وقتل مع علي أيضاً ذو الشهادتين خزيمة بن ثابت الأنصاري ويقال إنه بدري. وأبو ليلى الأنصاري والد عبد الرحمن المعروف بابن أبي ليلى. ومن غير الصحابة عبيد الله بن عمر الخطاب رضي الله عنه العدوي، قتل مع معاوية وكان على جيل الشام يومئذ، ولما طعن والده سل سيفه، ووثب على الهرمزان صاحب تستر فقتله. قلت ويحتمل أن ذلك بسبب كون قاتل عمر له به تعلق، والله أعلم. وذكر أهل التواريخ أشياء أخرى في قتال صفين ما لا ينبغي أن يذكر، وقتل مع علي أيضاً: هاشم بن عتبة بن أبي وقاص المعروف بالمرقال والسيرحال راوية علي يومئذ، ويقال إنه من أصحابه. وعبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي وكان على رجالة علي وأبو حسناء قيس بن المكشوح المرادي. احد الأبطال وأحد من أعان على قتل الأسود العنسي. وجندب بن زهير الغامدي الكوفي، ويقال له صحبة. وقيل وجد في قتلى أصحاب علي رضي الله عنه السيد الجليل العارف بالله الذي ملأ
(1/84)

فضله الآفاق، واشتهر دنوه صلى الله عليه وآله وسلم بفضله في البدو والحضر الولي الكبير المفضل على سائر التابعين من غير شك فيه ولأمراء بشهادة إمام المرسلين وسيد الورى صلى الله عليه وآله وسلم: اويس بن عامر اليمني المرادي. ومناقبه أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تشهر ويكفيه من ذلك أخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه خير التابعين في صحيح مسلم وقد ذكرت شيئاً من فضائله في كتاب روض الرياحين وفيه وفي سائر من سقى شراب المحبة من الساسات قلت هذه الأبيات.
سقى الله قوماً من شراب وداده ... فهاموا به ما بين باد وحاضر
يظنهم الجهال جنوا وما بهم ... جنون سوى حب على القوم ظاهر
سكارى عن الأكوان غابوا فما يرى ... سوى واله فى حب مولاه ذاكر
يناجونه في ظلمة الليل عندما ... به قد خلوا منهم أويس بن عامر
شهير يماني حوى المجد والعلى ... لنا فيه عالي الفجرعند التفاخر
وقتل أيضا مع معاوية: حابس الطائي قاضي حمص وكان على رجالة معاوية، وقتل من أمراء معاوية ذو الكلاع الحميري نزيل حمص وهو أحد من شهد اليرموك وكان على ميمنة معاوية وكان من أعظم أصحابه خطر الشرفة ودينه وطلب منه معاوية أن يخطب الناس ويحضهم على القتال. قال الجوهري في الصحاح: ذو الكلاع بالفتح اسم ملك من ملوك اليمن وقال يزيد بن هارون: سمعت الجراح بن المباهل يقول: كان عند ذي الكلاع اثنا عشر ألف بيت من المسلمين، يعني تحت ملكه، فبعث إليه عمر، فقال: نشتري ونستعين بهم على عدوهم، فقال: لا هم أحرار. فأعتقهم في ساعة واحدة.
قال بعض من له اطلاع على علم الحد يث: الجراح متروك الحد يث وكان جيش معاوية سبعين ألفاً، وجيش علي قيل مائة ألف وقيل تسعين وقيل خمسين ألفاً وذكر الزبير بن بكار أن جيش معاوية كان خمسة وثلاثين ومائة ألف وكان جيش علي عشرين أو ثلاثين ومائة ألف وأنشد في ذلك بعض أصحاب معاوية.
فلو شهدت حمل مقامي ومشهدي ... بصفين يوماً شاب منه الذوائب
غداة أتى أهل العراق كأنهم ... من البحر لجج موجه متراكب
(1/85)

وجئناهم نمشي كأن صفوفنا ... شهاب حريق رفعتها الجنائب
فقالوا لنا إنا نرى أن تبايعوا ... علياً فقلنا بل نرى أن تضاربوا
فطارت إلينا بالرماح كماتهم ... وطرنا إليهم بالأكف قواضب
إذانحن قلنا استهزموا عرضت لنا ... كتائب منهم وأزحجت كتائب
فلاهم مولون الظهور فيدبروا ... فراراً كفعل الجاذرات الذرائب
يعني بالذرايب الضواري: يقال ذرب على الشيء إذا تعوده. قال ابن شهاب فأنشدت عائشة رضي الله تعالى عنها أبياته هذه فقالت ما سمعت شاعراً أصدق شعراً منه. قال أهل التاريخ وصح عن أبي وائل عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل أنه قال رأيت كأن قبابا في رياض، فقيل هذه لعمار بن ياسر وأصحابه، فقلت: وكيف وقد قتل بعضهم بعضأ؟ قال انهم وجدوا الله واسع المغفرة. وممن قتل يومئذ مع معاوية أيضاً كريب بن صباح الحميري أحد الأبطال المذكورين، قتل جماعة بارزة، ثم بازرعلياً، فقتله علي رضي الله عنه. وذكر أن علياً واجه في بعض تلك المعارك معاوية فقال له علي: هلك المسلمون بيني وبينك، ابنزلي، فإذا قتل أحدنا صاحبه استراحوا من القتل والقتال، او كما قال، فسكت معاوية، ثم ذكر ذلك لوزيره عمرو بن العاص، فقال: انصفك الرجل. فقال له معاوية: ما أظنك إلا طمعت فيها قلت يعني إنك تعلم أني ما أنا له بمقاتلة، فإذا قتلني أخذ الخلافة بعدي. وقال بعض أصحاب التواريخ: بلغنا أن الأشعث بن قيس الكندي برز في ألفين وبرز أبو الأعور السلمي في خمسة آلاف، ثم اقتتلوا، فغلب الأشعث على الماء، وأزالهم عنه. التقى أصحاب علي وأصحاب معاوية يوم الأربعاء سابع صفر ويوم الخميس ويوم الجمعة وليلة السبت، ثم لما خاف أهل الشام الكثرة رفعوا المصاحف بإشارة عمرو بن العاص، ودعوا إلى الحكم بما في كتاب الله، فأجاب علي رضي الله عنه إلى تحكيم الحكمين، فاختلفت عليه جيشه، وخرجت الخوارج، وقالوا لا حكم إلا لله وكفروا علياً ثم حاربهم. فقتل منهم جمعاً كثيراً. ورجع إليه منهم جمع كثير وبقي منهم على الخلاف جمع. ولهم قصص طويلة في القتال والمقال. اوضحتها في كتاب المرهم ففيه لذكرها مجال. وسيأتي ذكر شيء منها في سنة أربعين في ترجمة علي رضي الله عنه. وفي تحكيم الحكمين هو ما روي أنه اجتمع في رمضان أبو موسى الأشعري ومن معه
(1/86)

من الوجوه وعمرو بن العاص ومن معه كذلك بدومة الجندل للتحكيم فخلى عمرو بأبى موسى وخدعه، وقال له: تكلم قبلي فأنت أفضل وأكبر سابقة، وأرى أن تخلع علياً ومعاوية، ويختار المسلمون لهم رجلاً يجتمعون عليه، فوافقه على هذا ولم يشعر يخدعه، فلما خرجا وتكلم أبو موسى وحكم بخلعهما قام عمرو بن العاص وقال: اما بعد فإن أبا موسى قد خلع علياً كما سمعتم، وقد وافقته على خلعه ووليت معاوية. وقيل إنهما اتفقا على أن يصعد أبو موسى على المنبر وينادي: يا معشر المسلمين اشهدوا علي أن قد خلعت علياً من الخلافة، كما خلعت خاتمي هذا. ففعل ذلك وأخرج خاتمه من اصبعه ورمى به إليهم، ثم صعد عمرو وأخرج خاتمه أولاً وقال أشهدوا علي أني قد أدخلت معاوية في الخلافة كما أدخلت خاتمي هذا في اصبعي، وأدخله في اصبعه. قالوا: ثم سار الشاميون، وقد بنوا على هذا الظاهر، ورجع أصحاب علي إلى الكوفة عارفين أن الذي فعله عمرو حيلة وخديعة لا يعبأ بها.

سنة ثمان وثلائين
في شعبان قتلت الخوارج عبد الله بن خباب، فيها كانت وقعة النهروان بين علي والخوارج، فقتل رأس الخوارج عبد الله بن وهب الشيباني، وقال بعضهم الراسبي، وقتل أكثر أصحابه، وقتل من أصحاب علي اثنا عشر رجلأ، ويقال كانت هذه الوقعة في العام القابل وتوفي صهيب بن سنان المعروف بالرومي في شوال بالمدينة الشريفة وكان من السابقين الأولين وسهل بن حنيف الأوسي في الكوفة وكان بدرياً ذا علم وعقل ورياسة وفضل صلى عليه علي رضي الله عنهم. وفيها قتل محمد بن أبي بكر الصديق، وكان قد سار إلى مصر واليا عليها لعلي وبعث معاوية عسكراً وأمرعليهم معاوية بن خديج الكندي، فالتقى هو ومحمد فانهزم عسكرمحمد، واختفى هو في بيت امرأة، فدلت عليه، فقال: احفظوني في أبي بكر، فقال معاوية بن خديج قتلت ثمانين من قومي في دم عثمان، وأتركك وأنت صاحبه، فقتله وصيره في بطن حمار وأحرقه بالنار. يعني بقوله وأنت صاحبه: اي صاحب قتله اشارة إلى ما يقال
(1/87)

إن محمد بن أبي بكر من جملة قتلته، والله أعلم ولا ينبغي آن يعتقد السوء في السلف إلاما صح، والصحيح يلتمس له محامل ومخارج، مع القطع بأن عثمان قتل شهيداً مظلوماً، ولم يكن له قاتل إلا رعاء اجتمعوا عليه وأراذل. وقال شعبة عن عمرو بن دينار إن عمراً هو الذي قتل محمد بن أبي بكر، قلت هكذا أطلق: عمراً. والله أعلم من أراد به عمرو بن العاص أم عمرو بن عثمان أم غيرهما.
وفيها مات الأشتر النخعي، وكان قد بعثه علي أميراً على مصر، وهلك في الطريق، فيقال إنه سم، وإن عبد العثمان لقيه فسقاه عسلاً مسموماً، وكان الأشتر من الأبطال وكان سيد قومه وخطيبهم وفارسهم. وقد ذكر بعض إنه شارك في قتل عثمان رضي الله عنه قلت وقد قيل: ان دهاة العرب أربعة عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان وعروة بن مسعود الثقفي والأشتر النخعي اسمه مالك بن الحارث وكأنهم يعنون بالدهاء الكيد والرأي والمكر. وقال في الصحاح الداهية الأمر العظيم والدهى بسكون الهاء، الفكر وجودة الرأي، يقال رجل داهية بين الدهى بسكون الهاء والدهاء ممدود والهمزة فيه منقلبة من الياء لا من الواو وهما دهيا وإن وما دهاك أي ما أصابك.

سنة تسع وثلاثين
فيها توفيت أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية بسرف في الموضع الذي بنى بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه وذلك من الاتفاقات العجيبة وقبرها هنالك معروف بين مكة وبطن مر وفيها تنازع أصحاب علي وأصحاب معاوية رضي الله عنهما في إقامة الحج فمشى في الصلح أبو سعيد الخدري على أن يقيم الموسم شيبة بن عثمان الحجبي أي من أهل حجابة الكعبة.

سنة أربعين
فيها توفي خوات بن جبير الأنصاري البدري أحد الشجعان المذكورين وأبو مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري. نزل بماء، وقيل على ماء بدر، فقيل له البدري، وهو ممن شهد العقبة. وأبو أسيد الساعدي مالك بن ربيعة بدري مشهور، وقيل بقي إلى سنة ستين ومعيقيب الدوسي هاجر إلى الحبشة وشهد بدراً على اختلاف. وفيها مات الأشعث بن قيس الكندي بالكوفة في ذي القعدة، وكان شريفاً مطاعاً جواداً شجاعاً وله صحبة، ثم إنه ارتد، ثم أسلم فحسن إسلامه، وكان من أجل أمراء علي رضي الله عنه، وتزوج أخت أبي بكر الصديق، وأمر غلمانه أن ينحروا ويذبحوا ما وجدوا من
(1/88)

البهائم في شوارع المدينة، ففعلوا ذلك، فصاح الناس، وقالوا: ارتد الآشعث، اشرف عليهم من الدار، فقال: يا أيها الناس إني قد تزوجت عندكم ولو كنت في بلادي لأولمت وليمة مثلي ولكن قلت: اقتلوا ما حضر من هذه البهائم وكل من له منها شيءفليأتني أسلم له قيمته. وكان في أول الإسلام ممن هاجر من أهل اليمن في ثمانين رجلاً من قومه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعه عمرو بن معد يكرب الزبيدي من زبيد، رتدا معا بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم أسلما في أيام أبي بكر وحسن إسلامهما، وشهد المشاهد المشهورة بهما هكذا ذكر الإمام ابن سمرة في كتابه الموسوم بطبقات فقهاء اليمن وعيون من أخبار رؤساء الزمن. وفي السنة المذكورة استشهد أمير المؤمنين سامي المفاخر والمناقب أبو الحسن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، ولا زالت نفحات رحمته واصلة إليه، وثب عليه أشقى من أجرم عبد الرحمن بن ملجم الخارجي، فضربه في يافوخه بخنجر، فبقي يوما ثم قتل ابن ملجم وأحرق وما كان كفوءاً لشجاعة علي رضي الله عنه ولا عليه من ذوي الاقتدار لولا مساعدة الأقدار ولقد صدق فيه الذي قال:
وما كنت من أنداده يا ابن ملجم ... ولولا قضاء ما أطقت له عينا
وليس في الخلفاء الأربعة ولا في غيرهم من الصحابة من هو أقرب نسباً إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم سواه، فإنه يجتمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عبد المطلب، بين كل واحد منهما وبينه أب واحد. فهو صلى الله عليه وآله وسلم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب وهو علي بن أبي طالب واسمه عبد مناف بن عبد المطلب القرشي الهاشمي ابن عم الرسول وزوج البتول، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف أول هاشمية ولدت الهاشمي، ويكنى أبا الحسن، وكناه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبا تراب لما وجده نائماً في المسجد وقد علق التراب بجسمه، فأيقظه صلى الله عليه وآله وسلم وقال: " قم أبا تراب " ويلقب أيضاً حيدرة، كانت أمه قد أسلمت وهاجرت وتوفيت بالمدينة، فخلع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قميصه وألبسه إياها وتولى دفنها، وقال: " كانت أحسن خلق الله صنيعاً إلي بعد أبي طالب "، وكان قتله رضي الله عنه صبيحة ليلة الجمعة لسبع عشرة خلت من رمضان وقد نيف على ستين. وقيل ابن ثلاث وستين. وقيل ثمان وخمسين، وصلى عليه ابنه الحسن، ودفن في قصر الإمارة عند الجامع وغيب قبره، وكانت خلافته أربع سنين وأربعة أشهر وأياماً، وكان إسلامه وهو ابن ثمان سنين. وقيل تسع، وقيل غير ذلك.
(1/89)

ومن مناقبه رضي الله عنه: قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم خيبر: " لأعطين هذه الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه، يجب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله " الحديث الصحيح. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم له: " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى
غير أنه لا نبي بعدي " الحديث الصحيح، وفيه خلف رسوله الله صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب في غزوة تبوك، قال يا رسول الله أتخلفني في النساء والصبيان؟ فقال: " أما ترضى " الحديث. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه ". رواه الإمام أحمد. وروى مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه إن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما قال له: ما منعك إن تسب أبا تراب؟ فقال: اما ما ذكرت ثلاث قالهن له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلن أسبه، لأن يكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم، سمعت رسول الله عليه وآله وسلم يقول: وذكر ما تقدم من تخليف النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ". وقوله " يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ". ولما نزلت هذه الآية " فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم " - آل عمران: 61 - دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: " اللهم هؤلاء أهلي ". وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " وأقضاكم علي " ودعاؤه صلى الله عليه وآله وسلم له لما بعثه إلى اليمن قاضياً، ففي رواية عن علي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا له فقال: " اللهم اهد قلبه ولسانه " فقال علي: فما شككت في قضاء قضيته بين اثنتين. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم في دعائه له: " اللهم ادر الحق معه حيث دار " رواه الترمذي. قلت وناهيك بفضائله ما اشتهر به من براعته في الشجاعة والعلوم، واهتمامه بنصرة الحق، واظهار شعائر الإسلام على العموم، وفيه أقول في هذا المنظوم.
ورابع السادة المولى أبو حسن ... سيف القضاء وبحر العلم زخار
ومعدن الجود والدنيا مطلقها ... بتاً ثلاثاً فتى بالفضل مشهار
قلت ومناقبه رضي الله عنه، وماله من المفاخر يخرج في التعداد عن حصر الحاضر، وإلى شيء من فضائله الشهيرات أشرت أيضاً في بعض القصيدات بهذه الأبيات.
(1/90)

ونائب وارث علم النبوة عن ... رسوله البدر ماحي الظلمة الجالي
وحامل الراية البيضا لسنته ... الغراء والبدعة العوجا لها قالي
وكاشف عن محيا كل غامضة ... خمارها المجتلي للحسن والحال
وعاء مكنون أسرار مخدرة ... ذي المنهل المستطاب المشرب الحالي
ان قيل من ذابلته قل أبوحسن ... عالي المعالي على الضيغم الكالي
حازالثلاث التي سعد الرضي روى ... عن سيد الرسل لم يوصف بإرسال
مع أنت مني يحب الله ثالثها ... أو لا في أهل ولا يؤتي بأمثال
يكفيك في فضائله ما صح مسنده ... فنسجه العالي لم ينسج بأمثال
من بعد تفضيلنا الشيخين معتقدي ... نفضله قبل في النورين في بال
تفضيل صحب لعثمان عليه أتى ... حال البداية لا في طول آجال
ففي النهاية كم حازت محاسنه ... فضائل كان عنها قبلها خال
كالروض من بعد محل يانع خضر ... مذيح الوشى بسيفي ويل هطال
هذا اعتقادي الذي ما شابه غرض ... ولا تعصب بدعات وإضلال
والأكثرون من الأعلام مذهبهم ... تفضيل عثمان عن إطلاق إجمال
ومال جمع كبار من أئمتنا ... إلى علي بترجيح وإجلال
وفيها من التفاضل بعض قدوتنا ... توافقوا عن شكوك ذات اشكال
فاروقهم مسند يروي توقفه ... في ستة في البخاري إسنادها عال
والظاهر الآن عندي ما أقول به ... والله أعلم ما في باطن الحال
إن الإمام شهيد الدار خاشعهم ... الناسك الجامع القرآن والتالي
القانت المنفق الأموال حيث رضي ... مولاه مولى عفيفاً طاهر أذيال
مجلل منه تستحيي ملائكة ... ذوحياء وحلم غير مذلال
ليست فضائل ذي النورين مذكرة ... لكن كم قوم حاوى لفضل مفضال
ليس الذي ينفق الأموال محتسباً ... في نصرة الدين سمحا فيه بالمال
كباذل نفسه في الله محتسباً ... في كل هيجا جنود الكفر قتال
كل حميد ولكن ليس جود فتى ... بالمال كالجود بالروح الزكي الغالي
وليس تالي كتاب الله جامعه ... كناشر لمعالم دينه العالي
وبعد هذه الأبيات قولي:
ونائب وارث علم النبوة عن ... رسوله البدر ماحي الظلمة الجال
الأبيات المتقدمة إلى قول بدعات وإضلال، لأني بديت من وسط أبيات القصيدة
(1/91)

الموسومة بحادي الأظغان في تفضيل علي على عثمان، رضي الله تعالى عنهما ومطلعها:
يا سائق الظعن تحدوها بترحال ... ارفق بها أنت بين الشيخ والضال
انزل بروض الحمى ما بين ذي سلم ... وبين سلع بقرب المنهل الحال
واقرأ السلام على أهل الخيام وبح ... بحب سلما وباهي حسنها الغال
وعم بالحب والمدح ولا تحب ... بعضاً وبعضاً مبغضاً قالي
كل الصحابة سادات نجوم هدى ... من يخل عن حب كل عن هدى خال
وأفضل الغر صديق سبوق عل ... وبعده المساجد الفاروق جاتال
أما الإمامان رأس القوم بعدهما ... ففيهما من خلاف بعض أقوال
وبعد هذه الأبيات ما تقدم من قولي، والأكثرون من الأعلام مذهبهم إلى آخر ما تقدم، ثم ختمت القصيدة بقوله:
ثم الصلاة على أعلى الأنام علي ... المرتضى دون قاب المنصب العالي
وآله الغر والصحب الكرام معاً ... ما غنت الورق أو ناحت بأطلال
وقد أفهمت ترتيبها كل من أراد أن يكتبها كلها، جملتها خمسة وثلاثون بيتاً. وفي قتل علي رضي الله تعالى عنه قصة مشهورة، وذلك أن الخوارج اجتمعوا وقالوا: إن علياً ومعاوية وعمرو بن العاص قد أفسدوا أمر هذه الأمة، فلو قتلناهم لعاد الأمر إلى حقه، وزال كل فساد لاحقه، فالتمسوا حيلة يتوصلون بها إلى قتلهم، ودبروا أمرهم بأن يكون قتل الثلاثة في ليلة واحدة، ثم تراجعوا في ثلاثة رجال ينتدبون لقتل الثلاثة، فقال عبد الرحمن بن ملجم: انا أقتل علياً، قالوا: وكيف لك بذلك؟ قال: اغتاله. وقال الحجاج بن عبد الله الضميري: وأنا أقتل معاوية. وقال دادويه العنبري: انا أقتل عمراً واتفقوا على أن يكون ذلك في سبع عشرة من رمضان فدخل ابن ملجم الكوفة وعلي رضي الله تعالى عنه بها، فاشترى سيفاً بألف درهم، وسقاه السم، وكمن لعلي رضي الله تعالى عنه، فلما خرج علي رضي الله عنه لصلاة الصبح ضربه على رأسه، وقيل كان ذلك في صلاة الجمعة. وأما الذي تكفل بقتل معاوية فدخل دمشق وضربه وهو في الصلاة فجرح إليته، ويقال إنه قطع عرق النسل فما أحبل بعدها. وأما رفيق عمرو بن العاص، فإنه دخل مصر وأراد قتله، وكان من قضاء الله في سلامة عمرو أنه استخلف خارجة بن حذافة في صلاة الصبح، وظن دادويه الخارجي أنه عمرو
(1/92)

فقتله، فأخذ وأدخل على عمرو بن العاص. فقال: من هذا الذي أدخلتموني عليه؟ فقالوا عمرو بن العاص. فقال: فمن قتلت؟ قالوا خارجة فقال: اردت عمراً وأراد الله خارجة. وقيل إن عمراً هو الذي قال ذا القول، فصار هذا مثلاً لمن أراد شيئاً ففعل غيره غلطاً، وذكر أهل النسب والأخبار أن عمرو بن العاص أرسل من مصر إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، يستمده بثلاثة آلاف فارس، فأمده بالزبير بن العوام والمقداد بن الأسود وخارجة بن حذافة المذكور، وذكر شجاعة الثلاثة مشهور، وهذا الذي قتل خارجة أعني دادويه على وزن خالويه، يل: هو من بني العنبر بن عمرو بن تميم وقيل مولى لهم. وقيل إن خارجة الذي قتله الخارجي على ظن أنه عمرو بن العاص، نه من بني سهم رهط عمرو بن العاص. وقيل ليس بصحيح، وقيل إن عمرو بن العاص إنما تخلف عن الصلاة واستنابه لأجل وجع أصابه في بطنه وكان عمرو يقول: ما نفعني وجع بطني قط إلا تلك الليلة، وإلى قتل خارجة وسلامة عمرو أشار عبد الحميد بن عبدون الأندلسي في قصيدة من جملتها هذا البيت:
وليتها إذ فدت عمراً بخارجة ... فدت علياً بما شاءت من البشر
وكان عمرو بن العاص من دهاة العرب وشجعانها. وأما شجاعة علي رضي الله عنه فشائعة في كل مصر وريف، ولا يحتاج في شهرتها إلى تعريف، وكم له من مشاهد يستوجب فيها عظيم الثناء وجميل المحامد عند اضطرام الملاحم وانتهام المعالم، فهو هزبر غاياتها وحبر غامضاتها صارف عن وغاها نارها وكاشف عن حلاها خمارها. قلت: وقد أوضحت في كتاب المرهم في علم الأصول كيفية صفة بيعة أبي بكر واستخلافه عمر، وصفة قتل عمر بطعن الشيطان أبي لؤلؤة له وهو إمام في صلاة الصبح في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وجعله الأمر بعده شورى بين ستة عثمان، وعلي وطلحة - والزبير - وسعد - وعبد الرحمن بن عوف، رجوع الأمر إلى تقديم عثمان وصفة والبيعة له، وكذلك صفة البيعة لعلي بعد قتل عثمان، وكذلك صفة خروج عائشة رضي تعالى الله تعالى عنها وطلحة والزبير إلى البصرة، وخروج علي بعدهم، ونباح كلاب الحوأب وهمها بالرجوع عند ذلك لذكرها ما قال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك على ما هو معروف في الحديث. وكذلك صفة خروج الخوارج على علي رضي الله تعالى عنه، وقتاله وقتله لهم بعد إرساله ابن عباس إليهم، ومناظرته إياهم، ورجوع الخوارج
(1/93)

بعضهم، وذكر عددهم وها أنا أشير إلى شيء من ذلك.

ذكر شيء من قصة الخوارج
وما جرى بينهم وبين علي رضي الله تعالى عنه ذكر بعض أهل التواريخ أنهم لما استقروا في حروراء وهم في ستة آلاف مقاتل، وقيل ثمانية آلاف،، مضى إليهم علي بنفسه وخطبهم متوكئاً على قوسه، وقال هذا يوم من فلح فيه يعني من ظهرت حجته فلح يوم القيامة، انشدكم الله هل تعلمون أن لا أحد أكره مني للحكومة، قالوا: اللهم نعم: قال: فهل علمتم أنكم أكرهتموني عليها؟ قالوا: اللهم نعم: قال: فعلام خالفتموني ونابذتموني؟ قالوا: اتينا ذنباً عظيماً، فتبنا إلى الله تعالى منه، فتب أنت إليه منه واستغفر نعد إليك، قال: فإني أستغف الله من كل ذنب فرجعوا معه، فلما استقروا بالكوفة أشاعوا أن علياً رجع عن التحكيم، وتاب منه، ورآه ضلالاً، فأتاه الأشعث بن قيس، وقال له: يا أمير المؤمنين إن الناس قد تحدثوا أنك، قد رأيت الحكومة ضلالاً والإقامة عليها كفراً، وأنك قد بدا لك، ورجعت عنها، فخطب الناس وقال: من زعم أني رجعت عن الحكومة فقد كذب، ومن رآها ضلالاً فهو أضل منها، فلما سمعت الخوارج منه هذا خرجت من المسجد، فقيل إنهم خارجون، فقال: لا أقاتلهم حتى يقاتلوني، وسيفعلون، فوجه إليهم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، فلما أتاهم رحبوا به وأكرموه، وقالوا ما جاء بك يا ابن عباس؟ قال: جئتكم من عند صهر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابن عمه، وأعلمنا بربه وسنة نبيه، ومن عند المهاجرين والأنصار. قالوا: يا ابن عباس إنا أتينا ذنباً عظيماً حين حكمنا الرجال في دين الله تعالى، فإن تاب كما تبنا ونهض لمجاهدة عدونا رجعنا إليه، فقال لهم ابن عباس: انشدكم الله إلا ما صدقتم، اما علمتم أن الله تعالى أمر بتحكيم الرجال في أرنب تساوي ربع درهم يصاد في الحرم؟ فقال عز من قائل: " يحكم به ذو عدل منكم هدياً بالغ الكعبة ". - المائدة: 95 - وكذا في شقاق رجل امرأته بقوله تعالى: " فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما " - النساء: 35 - فقالوا: اللهم نعم. قال: فأنشدكم الله هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمسك عن القتال للهدنة بينه وبين قريش في الحديبية؟ قالوا اللهم نعم ولكن علياً سما نفسه عن الخلافة بالتحكيم. قال ابن عباس: ليس ذلك يزيلها عنه، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم محا اسم النبوة يوم الصحيفة، فلم يزل ذلك عنه اسم النبوة، حيث قال لعلي: " اكتب الشرط بيننا بسم الله الرحمن الرحيم " هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال المشركون: لو علمنا أنك رسول الله
(1/94)

لاتبعناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فأمر علياً أن يمحوها، فقال غلي: والله لا أمحوها فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " أرني مكانها "، فأراه مكانها، فمحاها، وكتب: ابن عبد الله فلما سمع الخوارج منه ذلك رجع منهم ألفان، وبقي أربعة آلاف أو ستة على الخلاف فأجمع رأيهم على البيعة لعبد الله بن وهب الراسبي، فبايعوه وخرج بهم إلى النهروان، فتبعهم علي رضي الله عنه، فأوقع بهم فقتل منهم ألفين وثمان مائة رجل. ومنهم ذو الثدية الذي ذكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علامة على الفرقة التي تمرق مروق السهم من الرمية بعد أن قال لهم علي رضي الله عنه: ارجعوا أو ادفعوا إلينا قاتل عبد الله بن خباب قالوا: كلنا قتله وشرك في دمه: وذلك أنهم لما خرجوا إلى النهروان لقوا مسلماًونصرانياً فقتلوا المسلم وأطلقوا النصراني، وأوصوا به خيراً، وقالوا احفظوا وصية نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم، ثم لقوا بعده عبد الله بن خباب بن الأرت صاحب رسول صلى الله عليه وآله وسلم أعني خباباً وفي عنقه المصحف ومعه جاريته وهي حامل، قالوا: ان هذا الذي في عنقك يأمرنا بقتلك فقال: احيوا ما أحيا القرآن وأميتوا ما أمات القرآن. قلت. يعني أحيوا ما حكم القرآن بإحيائه وأميتوا ما حكم بإماتته فقالوا حدثنا عن أبيك قال لهم نعم حدثني أبي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول تكون فتنة بموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه، يمسي مؤمناً ويصبح كافراً، فكن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل، قالوا: فما تقول في أبي بكر وعمر؟ فأثنى خيراً، قالوا: فما تقول في علي قبل التحكيم وفي عثمان قبل الحديث؟ فأثنى خيراً أيضاً قالوا: فما تقول في الحكومة والتحكيم؟ قال: اقول: ان علياً أعلم بالله منكم وأشد توقياً على دينه، قالوا: انك لست بمتبع الهدى، فأخذوه وقربوه إلى شاطىء النهر، فذبحوه فاندفق دمه على الماء يجري مستقيماً، وقتلوا جاريته رحمة الله عليهما، وكانت خلافة علي في الظاهر كلها خلاف وكدر، وخلافة عمر على عكس ذلك كلها اتفاق وصفاء، وأول خلافة أبي بكر كدر وآخرها صفاء، وعلى عكس ذلك خلافة عثمان أولها صفاء وآخرها كدر على ما جرى به القلم وسبق به القدر. ومن الأجوبة المعجبة المقحمة ما روي أنه قيل لعلي رضي الله عنه: ما بال خلافة أبي بكر وعمر كانت صافية وخلافتك أنت وعثمان منكدرة؟ فقال: رضي الله عنه للسائل: لأني كنت أنا وعثمان من أعوان أبي بكر وعمر، وكنت أنت وأمثالك من أعوان عثمان وأعواني. ومنها أنه لما قال له بعض اليهود: ما أتي عليكم يا معشر المسلمين بعد موت نبيكم، إلا كذا وكذا من زمان ذكره، حتى علا بعضكم بالسيف رأس بعض. قال له علي رضي الله
(1/95)

عنه: فإنكم ما جفت أقدامكم من البحر حتى قلتم معشر اليهود يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة. ثم بعد وفاة علي بويع لابنه الحسن رضي الله عنهما، وتمت بخلافته ثلاثون سنة، وتحقق ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكاً " الحديث.

سنة إحدى وأربعين
في ربيع الآخر منها سار أمير المؤمنين الحسن بن علي في جيوشه، وسار معاوية في جيوشه، يقصد كل منهما صاحبه للقتال، فالتقوا في ناحية الأنبار فوفق الله تعالى الحسن لحقن الدماء. والتحقيق بما أشار إليه جده المطلع على الأنباء صلى الله عليه وآله وسلم: " إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين ". فصالح معاوية، فأخرج نفسه عن أمر الخلافة بعد أن شرط عليه شروطاً، وبرز بين الصفين، وقال: اني قد اخترت ما عند الله وتركت هذا الأمر لك، فإن كان لي فقد تركته لله، وإن كان لك فما ينبغي لي أن أنازعك، فكبر الناس واختلطوا في تلك الساعة وسميت تلك السنة سنة الجماعة. فقيل له: يا مذل المؤمنين فقال: بل أنا معز المؤمنين. هكذا نقل بعض أهل العالم. وروينا في صحيح البخاري عن الحسن البصري قال: سمعت أبا موسى يقول: استقبل والله الحسن بن علي إلى معاوية بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص: اني لأرى كتائب لا تتولى حتى تقتل أقرانها، فقال معاوية: وكان والله خير الرجلين، اي عمر وإن قتل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء من لي بأمور المسلمين من لي بنسائهم؟ من لي بضعفتهم؟ فبعث معاوية رجلين من قريش من بني عبد شمس عبد الله بن سمرة وعبد الله بن عامر، فقال: اذهبوا إلى هذا الرجل فاعرضوا عليه، وقولا له واطلبا إليه، فأتيا فدخلا عليه وتكلما، فقالا له وتطلبا إليه فقال الحسن بن علي: انا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها قالا فإنه يعرض كذا وكذا ويطلب إليك ويسألك، قال: فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به. فما سألهما شيئاً إلا قالا نحن لك به فصالحه. قال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه، وهو يقبل على الناس تارة وعليه أخرى، ويقول: " إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين ". قلت فهذا الحديث الصحيح كما نرى. ورووا في التواريخ: ان أهل العراق بايعوا الحسن، وسار بهم نحو الشام وجعل على مقدمته قيس بن
(1/96)

سعد، وأقبل معاوية حتى نزل منبج، فبينما الحسن بالمداين إذ نادى مناد في عسكره: قتل قيس بن سعد، فشد الناس على خيمة الحسن فنهبوها، وطعنه رجل بخنجر، فتحول إلقصر الأبيض وسبهم وقال: لا خير فيكم قتلتم أبي بالأمس واليوم تفعلون بي هذا. ثم ذكروا أمورأ أخرى في الصلح رأيت حذفها أصلح ومن إثباتها أملح.
وفي السنة المذكورة توفيت أم المؤمنين حفصة بنت عمر. وقيل توفيت سنه خمس وأربعين. وصفوان بن أمية الجمحي، وكان قد شهد اليرموك أميراً وله رواية في صحيح مسلم. فهو من أشراف قريش وأعيانهم قيل ملك قنطاراً من الذهب.
وقيل توفي فيها لبيد بن ربيعة العامري الشاعر المشهور الذي قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم " أصلق كلمة قالتها العرب كلمة لبيد ألاكل شيء ما خلا الله باطل "، وفد على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحسن إسلامه. وقيل: مات في إمرة عثمان بالكوفة ابن مائة وخمسين سنة.

سنة اثنتين وأربعين
فيها توفي عثمان الحجبي، وغزا عبد الرحمن بن سمرة سجستان فافتتح بعضها، وسار راشد بن عمرو وشن الغارات وتوغل في بلاد السند.

سنة ثلاث وأربعين
فيها افتتح عقبة بن نافع بعض بلاد السودان، وسبي بسر بن أبي أرطأة بأرض الروم وتوفي عمرو بن العاص السهمي أمير مصر ليلة عيد الفطر، وكان من الدهاة أولي الحزم والرأي، وولي امرة جيش ذات السلاسل. وذكر أبو العباس المبرد في كتاب الكامل أن عمرو بن العاص لما حضرته الوفاة دخل عليه ابن عباس رضي الله عنهم فقال: يا أبا عبد الله كنت أسمعك كثيراً ما تقول: وددت لو رأيت رجلاً حضرته الوفاة حتى أسأله عن ما يجد. فكيف تجد؟ قال: اجد كأن السماء مطبقة على الأرض، وكأني بينهما، وكأنما وأتنفس من خرم ابنة ثم قال: اللهم خذ مني حتى ترضى، فدخل عليه ولده عبد الله فقال له: يا ولدي خذ ذلك الصندوق. فقال: لا حاجة لي به. فقال: انه مملوء مالاً. فقال: لا حاجة لي به، ليته مملوء بعراً، ثم رفع يده وقال: اللهم إنك أمرت فعصينا، ونهيت فارتكبنا فلا بري فاعتذر، ولا قوي فانتصر، ولكن لا إله إلا
(1/97)

أنت. ثم فاضت روحه. وتوفي عبد الله بن سلام الإسراتيلي رضي الله عنه الذي شهد له النبي صلى الله عليه وآله وسلم. والذي قالت فيه اليهود قبل أن تعلم إسلامه: خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا. والمرجوع إلى ما قال في أحكام التوراة. والمراد عند بعض المفسرين بقوله تعالى: " ومن عنده علم الكتاب " - الرعد: 43 -. وتوفي محمد بن مسلمة الأنصاري بالمدينة في صفر، وكان بدرياً اعتزل الفتنة، واتخذ سيفاً من خشب.

سنة أربع وأربعين
في ذي الحجة منها توفي أبو موسى الأشعري اليمني المقري الأمير عبد الله بن قيس. استعمله النبي صلى الله عليه وآله وسلم على عدن، واستعمله عمر على الكوفة والبصرة، وفتحت على يديه عدة أمصار، وهو الذي استمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى قراءته وقال: " لقد أوتي مزماراً من مزامير آل داود " وقال صلى الله عليه وآله وسلم فيه وفي قومه الأشعريين: " هم مني وأنا منهم " بعد أن وصفهم بأوصاف جميلة وأبو موسى المذكور ممن هاجر من اليمن إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع اثنين وخمسين رجلاً من قومه من أهل زمع وزبيد فوافى النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين افتتح خيبر، فقسم لهم ولم يقسم لأحد، لم يشهد الفتح غيرهم وغير أصحاب السفينة التي قدموا فيها مع جعفر بن أبي طالب، وكان أبو موسى قد ركب هو وأصحابه في البحر فألقتهم الريح إلى بلاد الحبشة، وكانوا مع جعفر بن أبي طالب ومن معه من المسلمين إلى أن جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم جميعاً، فوجدوه قد افتتح خيبر، ووصف عمر أبا موسى فقال: كيس ووصفه علي فقال: صبغ بالعلم صبغة، وكان قد بعثه النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو ومعاذاً إلى اليمن، ثم قال يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا.
وفي السنة المذكورة افتتح عبد الرحمن بن سمرة مدينة كابل. وغزا المهلب في أرض الهند، والتقى العدو فهزمهم، وفيها توفيت أم حبيبة بنت أبي سفيان أم المؤمنين رضي الله عنها.

سنة خمس وأربعين
وفيها غزا معاوية بن خديج إفريقية، وتوفي أبو خارجة بن ثابت الأنصاري المقري الفرضي الكاتب رضي الله عنه، وله ست وخمسون سنة، وكان عمر رضي الله عنه يستخلفه على المدينة إذا حج، وقيل بقي إلى سنة أربع وخمسين، ومن مناقبه قوله صلى الله عليه وآله
(1/98)

وسلم: " أفرضكم زيد " وكونه من الأربعة الذين حفظوا القرآن من الأنصار، وما اجتمع له من شرف العلم والصحبة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وروي أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يأتي بابه وينتظره حتى يخرج ليسمع منه العلم، فإذا خرج قال: يا ابن عباس هلا كنت لتيك أنا فيقول: العلم يؤتى ولا يأتي فإذا ركب أخذ بركابه فيقول: ما هذا يا ابن عباس؟ فيقول: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا فأخذ زيد كفه ويقبلها ويقول: هكذا أمرنا وعلى الجملة فزيد بن ثابت غصن مجده في أعلى ذروة المعالي نابت. وفيها توفي عاصم بني عدي سيد بني العجلان، وكان قد رده النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بدر في شغل، وضرب له بسهم، وقتل أخوه معن يوم اليمامة.

سنة ست وأربعي
فيها ولي الربيع بن زياد الحارثي سجستان، زحف كابل شاه في جمع من الترك وغيرهم، فالتقوا فهزمهم وفيها توفي عبد الرحمن بن خالد بن الوليد وكان شريفاً جواداً محدوحاً مطاعاً، وعليه كان لواء معاوية يوم صفين.

سنة سبع وأربعين
فيها غزا رويفع بن ثابت الأنصاري أمراء طرابلس المغرب إفريقية، فدخلها ثم انصرف، وفيها حج بالناس عنبسة بن أبي سفيان.

سنة ثمان وأربعين
فيها استشهد عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي، مات الحارث بن قيس الجعفي صاحب ابن مسعود رضي الله عنه.

سنة تسع وأربعين
في ربيع الأول منها توفي سيد شباب أهل الجنة وريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبو محمد الحسن بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي، رضي الله تعالى عنهما، على ما ذكره الواقدي وغيره. والأكثرون قالوا في

سنة خمسين.
ومن مناقبه رضي الله تعالى عنه: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " إن ابني هذا سيد
(1/99)

وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين " وحمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم له على عاتقه وهو صغير. وإعلامه صلى الله عليه وآله وسلم بأنه وأخاه ريحانتاه وقطعه صلى الله عليه وآله وسلم الخطبة، ونزوله إليهما، ورفعه لهما ووضعه بين يديه قلت ومن أعظمهما قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما ".
سنة خمسين
فيها توفي الحسن بن علي المذكور رضي الله تعالى عنهما على الخلاف المذكور في المدينة الشريفة، وعمره سبع وأربعون سنة، قلت ومناقبه بالأنساب والاكتساب والقرابة والنجابة والمحاسن في الظاهر والباطن معروفة مشهورة، وفي تعدادها غير محصورة، وكان مع نهاية الشرف والارتفاع، في غاية التلطف والاتضاع، ومن ذلك ما روي أنه حج ماشياً على رجليه، والنجائب تقاد بين يديه خمساً وعشرين عمرة وحجة.
ومن زهده ما روي أنه خرج لله تعالى، عن ماله ثلاث مرات، وشاطره مرتين حتى في نبله. ومن جوده أنه سأله إنسان فأعطاه خمسين ألف درهم وخمس مائة دينار وقال: ابيت بجمال يحمل لك فأتي بجمال، فأعطاه طيلسانه، قال يكون كراء الجمال من قبلي. ومن جوده أيضاً وشدة تواضعه: ما ذكره جماعة من العلماء في تصانيفهم أنه مر بصبيان معهم كسر خبز فاستضافوه، فنزل من فرسه فأكل معهم، ثم حملهم إلى منزله وأطعمهم وكساهم، وقال اليد لهم لأنهم لم يجدوا غير ما أطعموني وأنا نجد أكثر منه. ومن توكله ما روي أنه بلغه أن أبا ذر يقول الفقر أحب إلي من الغنا والسقم أحب من الصحة، فقال: رحم الله أبا ذر أما أنا فأقول: من اتكل على حسن اختيار الله تعالى له لم يختر غير ما اختار الله له ويروى أيضاً أن هذا الكلام قول أخيه الحسين رضي الله تعالى عنهما. وفيها توفي عبد الرحمن بن سمرة بن جندب بن ربيعة العبسي، كعب بن مالك السلمي أحد الثلاثة الذين خلفوا، والمغيرة بن شعبة الثقفي، وكان من رجال العزم والحزم والرأي والدهاء، ويقال: انه أحصن ثلاث مائة امرأة وقيل ألف امرأة. وفيها توفيت أم المؤمنين صفرة بنت حيي رضي الله عنها.
(1/100)

سنة إحدى وخمسين
فيها توفى سعيد بن زيد بالمدينة يعني سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل القرشي العدوي المجاب الدعوة في القصة المشهورة في المرأة التي ادعت عليه أنه غصب شيئاً من أرضها، احد العشرة الكرام المشهود لهم بالجنة على لسان سيد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام، اسلم قبل عمر وهو ابن عمه وتحته أخته فاطمة بنت الخطاب، وبسببها كان إسلام عمر رضي الله عنه وعن الجميع، وضرب صلى الله عليه وآله وسلم له ولطلحة سهميهما يوم بدر، وكان قد أرسلهما إلى طريق الشام يتجسسان الأخبار ذكر ذلك الواقدي. وفي السنة المذكورة وقيل في التي تليها توفي أبو أيوب الأنصاري خالد بن زيد، كان عقبياً بدرياً، كثير المناقب رضي الله عنه. قلت ومن أعظمها قدراً وأشرفها فخراً، انه نزل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بيته أول قدومه المدينة، وناهيك بها مكرمة ومنقبة معظمة. وفي منزله المذكور بنيت المدرسة المعروفة بالشهابية، وفيها بيت يقال له المبروكة، وبه يتبرك ويذكر أنه موضع مبرك ناقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبروك ناقته صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك المكان من أعظم الدلائل على فضله وفضل من حوله من السكان: وفيها توفيت ميمونة، قلت هكذا قال بعضهم ميمونة وأطلق وقد تقدم وفاة ميمونة أم المؤمنين في، سنة سبع وثلاثين. وفيها قتل حجر بن عدي الكندي وأصحابه، يقال بأمر معاوية. وله صحبة ووفادة وجهاد، وعبادة وفيها توفي زيد بن ثابت بخلف.

سنة اثنتين وخمسين
فيها توفي عمران بن حصين الخزاعي، عثه عمر رضي الله عنهما يفقه أهل البصرة، وولي قضاءها، وكان الحسن البصري يحلف ما قدم البصرة خير لهم من عمران، وكان يسمع تسليم الملائكة عليه حتى يكتوي بالنار، فانحبس ذلك عنه عاماً ثم أكرم الله تعالى برد ذلك عليه، وهو الراوي لقوله صلى الله عليه وآله وسلم في وصف المتوكلين: " الذين لا
(1/101)

يرقون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون ". وفيها توفي كعب بن عجرة الأنصاري من أهل بيعة الرضوان، ومعاوية بن خديج الكندي التجيبي الأمير، له صحبة ورواية وفيها توفي أبو بكرة الثقفي نفيع بن الحارث، وقيل: ابن مشروح تدلى من حصن الطائف ببكرة فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم مسلماً، وفيها توفي سيد بجيلة جرير بن عبد الله البجلي على القول الأصح من كرام قومه. ومن مناقبه دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم له: " اللهم اجعله هادياً مهدياً " وقوله ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم وندبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم لتخريب الكعبة اليمانية وهو بيت أصنام يقال له ذو الخلصة فخربها وحرقها حتى صارت كما قال: كأنها جمل أجرب يعني مطلياً بالقطران، وكان معه من جيل من أحمس مائة وخمسون، دعا لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في انتدابهم لما أمرهم به صلى الله عليه وآله وسلم عما حكاه بقوله وبرك على جيل أحمس خمس مرات، وكان جرير جميلاً باهج الحسن سماه عمر يوسف هذه الأمة، وكان يخضب لحيته بالزعفران، وقد على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ستة عشر، وأسلم وسكن الكوفة إلى خلافة علي رضي الله عنه، وكان طويلاً ونعله ذراع.

سنة ثلاث وخمسين
توفي فيها عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وكان من الزهاد الشجعان قتل يوم اليمامة سبعة، وفيها توفي الأمير زياد ابن أبيه الذي استلحقه معاوية وزعم أنه ولد أبي سفيان، قالوا: وكان لبيباً فاضلاً يضرب المثل بدهائه جمع له معاوية إمرة العراقين. وفيها وقيل قبلها توفي عمرو بن حزم الأنصاري الخزرجي، لي العمل على نجران وله سبع عشرة سنة.
وفيها توفي فيروز الديلمي قاتل الأسود العنسي، له صحبة ورواية وفيها عند بعضهم توفي فضالة بن عبيد الأنصاري قاضي دمشق لمعاوية وخليفته عليها، وقيل توفي سنة تسع.

سنة أربع وخمسين
توفي فيها أسامة بن زيد بن حارثة الكلبي حب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابن حبه، ومن مناقبه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قدمه أميراً على جيش، فيهم الأكابن والسادات من المهاجرين والأنصار، وثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
(1/102)

بحمص، وفيها توفي جبير بن مطعم بن عبد الله بن نوفل بن عبد مناف، وكان من سادة قريش وحلمائها، فيها توفي حسان بن ثابت الشاعر الأنصاري، وله مائة وعشرون سنة، نصفها في الجاهلية ونصفها في الإسلام، قيل: وكذا أبوه وجده عاش كل منهما هذا القدر. ومن مناقبه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " اهجم وجبرائيل معك " وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " إن الله يؤيد حسان ما نافح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو فاخر ". وكان ينصب المنبر له في المسجد، ومن شعره يخاطب أبا سفيان بن الحارث في قصيدة طويلة منها قوله شعراً:
هجوت محمداً فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء
اتهجوه ولست له بكفر ... فشر كما لخير كما فداء
فإن أبي ووالدتي وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء
ومنها:
عدمنا خيلنا إن لم نراها ... تثير النقع موردها كداء
يبارين الأعنة مصعدات ... على أكتافها الأسل الظماء
ولم يزل يقول إلى أن قال: وكان الفتح وانكشف الغطاء. وكان كما قال: وفيها توفي حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد يخلف تقدم، وكان أحد الأشراف الأجواد، باع داراً بستين ألفاً من معاوية فتصدق بها، وأعتق مائة نسمة في الجاهلية ومائة في الإسلام، ثم دخل الكعبة المعظمة المباركة. وقال لابن الزبير: كم ترك أبوك من الدين؟ قال ألف ألف درهم قال علي.
ثكلت بنيتي إن لم تروها ... تثيرالنقح من كنفي كداء
صحيح مسلم نصفها وكانت والدته ولدته داخل الكعبة المعظمة المباركة وفيها توفي أبو قتادة الأنصاري السلمي الحارث بن ربيع فارس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، شهد أحداً والمشاهد وفيها توفي مخرمة بن نوفل الزهري.

سنة خمس وخمسين
فيها توفي أبو إسحاق سعد بن أبي وقاص الزهري القرشي أحد العشرة ومقدم جيوش الإسلام في فتح العراق، وأول من رمى بسهم في سبيل الله تعالى، ومناقبه كثيرة شهيرة.
(1/103)

ومن مناقبه أنه كان مجاب الدعوة من ذلك قول الذي دعا عليه: اصابني دعوة سعد في الحديث الصحيح. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم " ليت رجلاً صالحاً يحرسني الليلة " فوفق الله تعالى سعداً لذلك، فجاء وبات يحرس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك قبل نزول قوله تعالى: " والله يعصمك من الناس " - المائدة: 67 -. ومنها ما روي عن علي رضي الله تعالى عنه، قال: ما جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبويه لأحد غير سعد بن مالك، فإنه جعل يقول " ارم فداك أبي وأمي ". وتوفي أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري السلمي الذي أسر العباس يوم بدر، وتوفي الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي أحد السابقين، وقيل توفي في سنة ثلاث وخمسين.

سنة ست وخمسين
فيها استشهد قثم بن العباس بن عبد المطلب في جهة سمرقند مع سعيد بن عثمان بن عفان المولى على خراسان بتولية معاوية بن أبي سفيان، وكان قثم يشبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خلق صورته، وهو آخر من طلع من لحد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفيها توفيت أم المؤمنين جويرية بنت الحارث المصطلقية، رضي الله عنها.

سنة سبع وخمسين
فيها عزل سعيد بن عثمان بن عفان عن خراسان، وأضيفت إلى عبد الله بن زياد، وتوفي عبد الله بن السعدي العمري، له صحبة وفيها وقيل في ثمان وخمسين وفي رمضان توفيت أم المؤمنين الصديقة ابنة الصديق الفقيهة المحدثة الفصيحة ذات التحقيق. ومن مناقبها نزول القرآن الكريم في براءتها، ونزول جبرائيل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في لحافها، وكونها أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما ورد في الحديث الصحيح.
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الأطعمة " وعرضها في الحرير على النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يتزوجها. وقوله صلى الله عليه وآله لابنته فاطمة رضي الله عنها: " إن كنت تحبيني فأحبي هذه "
(1/104)

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " إنها ابنة أبي بكر " يعني في فهمها وحسن نظرها، وقولها قبضه الله بين سحري ونحري، تعني أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومات صلى الله عليه وآله وسلم في يومها. وقوله صلى الله عليه وسلم لها: " إن جبرائيل يقرىء عليك السلام " ونزول آية التيمم عند انحباس الناس عن السفر بسببها لالتماس، عقدها حين ضاع، ولم يتزوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكراً غيرها. وفيها آيات الكتاب المبين تتلى إلى يوم الدين، وإلى ذلك أشرت بقولي في بعض القصائد مخصصاً لابنة الصديق عائشة رضي الله تعالى عنهما، من صورة النور تعلو تلك الأنوار، ذات المحاسن الحميدة والمناقب العديدة، عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما. وتوفي أبو هريرة الدوسي الحافظ عند بعضهم، وعند جماعة في سنة ثمان، وعند آخرين في سنة تسع وخمسين، وكان كثير الذكر والعبادة حسن الأخلاق، ولي امرة المدينة في أيام معاوية، وتحمل يوماً حزمة حطب على ظهره، وقال طرقوا للأمير. وروي عنه أنه كان يصلي خلف علي رضي الله عنه، ويأكل من سماط معاوية ويعتزل القتال، فسأل عن ذلك وقال: الصلاة خلف علي أفضل، وسماط معاوية إذ سم وترك القتال أسلم، هكذا حكي عنه رضي الله عنه.

سنة ثمان وخمسين
توفي جبير بن مطعم عند بعضهم، وشداد بن أوس الأنصاري نزيل بيت المقدس وعقبة بن عامر الجهني الأمير بمصر لمعاوية، وكان مقرئاً فصيحاً مفوهاً من فقههاء الصحابة وعبيد الله بن عباس بن عبد المطلب، وله صحبة ورواية، وكان أحد الأجواد، لي اليمن العلي رضي الله عنه. ومن جوده أنه كاده بعض الناس وأشاع عنه بأنه يدعو الناس إلى وليمة فحضر الناس وامتلأت داره فقال: ما الخبر؟ فأخبر أنه قيل إنك دعوتهم، فأمر غلمانه أن تهيؤوا طعاماً ويحضروه، فأحضروه، حتى تغدى جميع من حضر، ثم التفت إلى غلمانه وقال: ايمكن أن تهيؤوا لنا كل يوم مثل هذا؟ فقالوا: نعم فأمر أن ينادي في الناس أن يحضروا عنده كل يوم للغداء.
(1/105)

سنة تسع وخمسين
توفي أبو محذورة الجمحي المؤذن، وله صحبة ورواية وفيها، وقيل في التي قبلها توفي شيبة بن عثمان الحجبي العبدري المتولي فتح الكعبة. وتوفي سعيد بن العاص التي ولي إمرة الكوفة لعثمان رضي الله عنه، وافتتح طبرستان، وكان ممدوحاً كريماً عاقلاً حليماً، اعتزل يوم الجمل وصفين. وتوفي أبو عبد الرحمن بن عامر بن كريز العبشمي أمير عثمان رضي الله عنهما.

سنة ستين
توفي معاوية بن أبي سفيان في رجب منها بدمشق، وله ثمان وسبعون سنة، ولي الشام لعمر ولعثمان رضي الله عنه عشرين سنة، وولي الملك بعد علي رضي الله عنه عشرين سنة أخرى. وتوفي سمرة بن جندب الفزاري في أولها، وبلال بن الحارث المزني وعبد الله بن المغفل المزني من أهل بيعة الرضوان، وفيها أوفى ما قبلها أبو حميد الساعدي.

سنة إحدى وستين
استشهد فيها يوم عاشوراء ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسبطه وسلالة النبوة مقر المحاسن والمناقب والفتوة أبو عبد الله الحسين بن علي بكربلاء، عمره خمس وستون سنة، وكان قد أنف من إمرة يزيد بن معاوية، فلم يبايعه وكان قد بايعه المسلمون كلهم إلا أربعة: عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر وهو رابعهم رضي الله عنهم، وجاءته كتب أهل الكوفة يحضونه على القدوم عليهم فاغتر، وسار في أهل بيته حتى بلغ كربلاء، فعرض له أعداء الله وقتلوه في قصة طويلة، وقتل معه ولداه علي الأكبر وعبد الله وإخوته جعفر ومحمد وعتيق والعباس الكبير. وابن أخيه قاسم بن الحسن. وأولاد عمه محمد وعون، وابنا عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وابناه عبد الله وعبد الرحمن، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
(1/106)

قلت هذا ما نقل بعضهم على وجه الإجمال، وها أنا أذكر ما فصل بعضهم على وجه الاختصار، وحاصل ما ذكروا أن يزيد أرسل إلى الوليد بن عتبة أن يأخذ له البيعة على الناس، فأرسل إلى الحسين بن علي وإلى عبد الله بن الزبير ليلاً فأتى بهما، فقال: بايعا فقالا مثلنا لا يبايع سراً، ولكن نبايع على رؤوس الأشهاد إذا أصبحنا، فرجعا إلى بيوتهما وخرجا من ليلتهما إلى مكة، وذلك لليليتين بقيتا من رجب، فأقام الحسين بمكة شهر شعبان ورمضان وشوال وفي القعدة، وخرج يوم التروية يريد الكوفة، فبعث عبيد الله بن زياد ابن أبيه خيلاً وأمرعليهم أميراً سموه من أولاد بعض الصحابة أكره ذكره فأدركه بكربلاء، وما زال عبيد الله بن زياد يزيد العساكر إلى أن بلغوا اثنين وعشرين الفاً، ووعد الأمير المذكور أن يملكه مدينة الري، فباع الفاسق الرشد بالغي وفيه يقول:
أأترك ملك الري والري بغيتي ... وارجع مأثوماً بقتل حسين
قلت ولو قال:
أأترك ملك الري بل هو بغيتي ... وإن عدت مأثوماً يقتل حسين
لكان هذا الإنشاد أدل على المراد، فضيق عليه الفاسق أشد تضييق، وسد بين يديه واضح الطريق إلى أن قتله يوم الجمعة وقيل يوم السبت وقيل يوم الأحد، واتفقوا على أنه يوم عاشوراء بقرب الكوفة بموضع يقال له كربلاء، وعليه جبة خز بعد أن حموه عن الماء وفي ذلك يقول الشاعر.
فدونك يا ماء العذيب تعرضت ... مياه رحيمات عن الوصل صدت
حميت كما كان الحسين بكربلا ... عن الماء يحمي مثل حالته التي
وقتل معه اثنان وثمانون من أصحابه مبارزة، ثم قتل جميع بنيه إلا علي بن الحسين المعروف بزين العابدين، فإنه كان مريضاً وأخذ أسيراً بعد قتل أبيه وقتل أكثر إخوة الحسين وأقاربه، وفيهم يقول القائل:
عيني أبكي بعبرة وعويل ... أو اندبي إن ندبت آل رسول
سبعة كلهم لصلب علي ... قد أصيبوا وستة لعقيل
ورووا عن جعفر الصادق رضي الله عنه أنه وجد بالحسين ثلاث وثلاثون طعنة وأربع وثلاثون ضربة واختلفوا في قاتله رضي الله تعالى عنه اختلافاً كثيراً وذكر بعضهم أنه قتل معه من أولاد فاطمة رضي الله تعالى عنها سبعة عشر رجلاً.
(1/107)

وذكر أبو عمر بن عبد البر عن الحسن البصري قال أصيب مع الحسين بن علي ستة عشر رجلاً من أهل بيته ما على وجه الأرض لهم شبيه، وقيل إنه قتل مع الحسين بن علي من ولده وإخوته وأهل بيته ثلاثة وعشرون رجلاً غير من قتل منهم من غيرهم كما تقدم، وقيل إن ابن زياد كان قد بعث على الجيش أميراً وهو الحارث بن يزيد التميمي، لما حقت له الحقائق ورأى الأمر يؤول إلى ما آل تاب، وانحاز إلى فئة الحسين، وقاتل معهم حتى قتل، وجز رأس الحسين بعض الفجرة الفاسقين، وحمله إلى ابن زياد، ودخل به عليه وهو يقول:
أقر ركابي فضة وذهباً ... أنا قتلت الملك الحمجبا
قتلت خير الناس أماً وأباً ... وخيرهم إذ يذكرون النسبا
فغضب ابن زياد من قوله، وقال: اذا علمت أنه كذلك فلم قتلته، والله لا نلت مني خيرا أبداً، ولألحقنك به، ثم قدمه فضرب عنقه، وقيل إن يزيد بن معاوية هو الذي قتل القاتل. وروى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك قال: اتي عبيد الله بن زياد برأس الحسين، فجعل في طست، فجعل ينكت فني فيه، وقال في حسنه شيئاً، قال أنس كان أشبههم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان مخضوباً بالوسمة قلت وهذا الفعل يدل على عظيم الزندقة والفجور. وذكر الإمام القرطبي في كتاب التذكرة عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال حدثنا حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم نصف النهار أشعث أغبر ومعه قارورة فيها دم يلتقطه، قال: فقلت: يا رسول الله ما هذا؟ قال " دم الحسين وأصحابه لم أزل أتبعه منذ اليوم "، قال عمار: فحفظنا ذلك اليوم، فوجدناه قتل في ذلك اليوم. وأخرج الإمام أحمد أيضاً في مسنده بسنده إلى أنس رضي الله عنه أن مالك المطر استأذن أن يأتي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأذن له، فقال لأم سلمة املكي علينا الباب لا يدخل علينا أحد، قال: وجاءه الحسين ليدخل فمنعته، فوثب فدخل فجعل يقعد على ظهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم: وعلى منكبيه وعلى عاتقه قال فقال الملك للنبي صلى الله عليه وسلم: اتحبه؟ قال: نعم قال أما أن أمتك ستقتله، وإن شئت لأريتك المكان الذي يقتل فيه، فضرب بيده فجاء بطينة حمراء فأخذتها أم سلمة، فصيرتها في خمارها. وقيل وضعتها في قارورة، فلما قرب وقت قتل الحسين نظرت في القارورة فإذا الطين قد
(1/108)

استحال دماً. ولما قتل الحسين وأصحابه سيقت حريمهم كما تساق الأسارى قاتل الله فاعل ذلك، وفيهن جمع من بنات الحسين، وبنات علي رضي الله عنهما، وعن الجميع ومعهن زين العابدين مريضاً. روي أنه لما قتل السادة الأخيار، مال الفجرة الأشرار إلى خيام الحريم المصؤنة، وهكتوا الأستار، فقال بعض من حضر: ويلكم إن لم تكونوا أتقياء في دينكم، فكونوا إحراراً في دنياكم، وذكروا مع ذلك ما يعظم من الزندقة والفجور؛ وهو أن عبيد الله بن زياد أمر أن يقور الرأس المشرف المكرم حتى ينصب في الرمح، فتحامى الناس عن ذلك، فقام من بين الناس رجل يقال له طارق بن المبارك بل هو ابن المشؤم المذموم، فقوره ونصبه بباب المسجد الجامع، وخطب خطبة لا يحل ذكرها. ثم دعا بزياد بن حر بن قيس الجعفي فسلم إليه رأس الحسين، ورؤوس اخوته وبنيه وأصحابه، ودعا بعلي بن الحسين، فحمله وحمل عماته وأخواته إلى يزيد على محامل بغير وطاء، والناس يخرجون إلى لقائهم في كل بلد ومنزل حتى قدموا دمشق، ودخلوا من باب توما، وأقيموا على درج باب المسجد الجامع حيث يقام السبي، ثم وضع الرأس المكرم بين يدي يزيد، فأمر أن يجعل في طست من ذهب وجعل ينظر إليه ويقول مفتخراً بما إليه من الخزي نقل يؤول.
صبرنا وكان الصبر منا عزيمة ... وأسيافنا يقطعن كفاً ومعصما
يعلق هاماً من رجال أعزة ... علينا وهم كانوا أغر وأظلما
وأمر بالرأس أن يصاب بالشام، واختلف الناس أين حمل الرأس المكرم من البلاد وأين دفن، فذكر الحافظ أبو العلاء الهمداني أن يزيد حين قدم عليه رأس الحسين بعث إلى المدينة فأقدم عليه عدة من موالي بني هاشم، وضم إليهم عدة من موالي أبي سفيان، ثم بعث ينتقل رأس الحسين ومن بقي من أهله، وجهزهم بكل شيء ولم يدع لهم حاجة إلا أمر لهم بها، وبعث برأس الحسين إلى عمرو بن سعيد بن العاص وهو إذ ذاك عامله على المدينة، فقال عمرو: وددت أنه لم يبعث به إلي ثم أمر عمرو بن سعيد برأس الحسين رضوان. الله عليه فكفن ودفن في البقيع عند قبر أمه فاطمة رضي الله عنها. قال: هذا أصح ما قيل فيه، وكذلك قال الزبير بن بكار وأن الرأس حمل إلى المدينة.
(1/109)

وما ذكر أنه نقل إلى عسقلان أو القاهرة لا يصح، وقد قتل الله تعالى قاتله صبرأ ولقي حزناً طويلاً وذعراً، ووضع رأس الخبيث المذمم حيث وضع رأس الحسين الطيب المكرم. وروى الترمذي بسنده إلى عمارة بن عمير قال: لما جيء برأس عبيد الله بن زياد وأصحابه نصبت في المسجد في الرحبة، فانتهيت إليه وهم يقولون قد جاءت قد جاءت فإذا حية يتخلل الرؤوس حتى دخلت في منخري عبيد الله، فمكثت هنية ثم خرجت، فذهبت حتى تغيبت، ثم قالوا قد جاءت قد جاءت فدخلت ففعلت ذلك مرتين أو ثلاثاً. قال العلماء وذلك مكإفأة لفعله برأس الحسين رضي الله عنه، وهي من آيات العذاب الظاهرة عليه. قلت هذا تلخيص ما ذكروا في ذلك مختصرأ وأما حكم قاتل الحسين والأمر بقتله، فمن استحل منها قتله فهو كافر، وإن لم يستحل ففاسق فاجر، وكان الحسين رضي الله تعالى عنه يفرعن مبايعة معاوية فضلاً عن مبايعة يزيد. وقد ذكروا أنه لما حج معاوية، وأراد الرجوع إلى الشام، كلم الحسن أخاه الحسين رضي الله عنهما أن يذهبا إليه ويودعاه، فامتنع الحسين من ذلك، وذهب إليه الحسن وودعه، وأعطاه مالاً جزيلاً، وقد علم أنه صالحه على شروط وحقن دماء المسلمين، فتحقق بما أشار إليه سيد المرسلين بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين ". وفي السنة المذكورة توفي حمزة بن عمرو الأسلمي وله صحبة ورواية، وكذلك أم المؤمنين هند بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومية المعروفة بأم سلمة رضي الله عنها. وقيل توفيت سنة تسع وخمسين رضي الله عنها، وهي آخر أمهات المؤمنين وفاة. ومن مناقبها أنه صلى الله عليه وآله وسلم خطبها فاعتذرت بأعذار كونها كبيرة السن وذلت أولاد وفيها الغيرة فذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم لها أنه أيضاً كبير وذو أولاد. وأما المغيرة فقال صلى الله عليه وآله وسلم: " أنا أدعو الله أن يذهبها عنك " وكانت امرأة عاقلة جميلة، امرت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم الحديبية أن ينحر ويحلق، وقالت له: اذا فعلت ذلك تابعك أصحابك. قالت له ذاك لما امتنعوا منه، ودخل عليها وهو
(1/110)

مغضب، لما فعل ما أشارت بادر الصحابة إلى فعل ذلك.
ومن مناقبها أيضاً رؤيتها جبرائيل عليه السلام في صورة دحية الكلبي، المذكورات من أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذه التواريخ سبع، ولم أرهم تعرضوا لتاريخ موت اثنين منهن، وهما أم حبيبة وسودة رضي الله تعالى عنهما.

سنة اثنتين وستين
فيها توفي بريدة بن الحصيب الأسلمي، وعبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي، وله صحبة ورواية وكذلك على الأصح علقمة بن قيس النخعي الكوفي الفقيه صاحب ابن مسعود، وكان يشبهه في هدية ودله وسمته، وكان غير واحد من الصحابة يستفتونه. وتوفي أبو مسلم الخولاني بن مخلد السيد الجليل ذو المناقب والمحاسن في الظاهر واالباطن والكرامات العديدة والسيرة الحميدة اليمني من سادات التابعين لا يكاد يوجد له منهم نظير إلا نادراً جداً قليلاً، وقد اشتهر أن الأسود العنسي أمر بنار عظيمة، وألقى أبا مسلم فيها، فلم يضره، فنفاه لئلا يضطرب اتباعه ويحصل فيهم ارتياب، ويرجع بهم الشكل في أمره عن متابعته. وفد رضي الله عنه على أبي بكر مسلماً فقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم من فعل به مثل ما فعل بابراهيم الخليل عليه السلام، وله كرامات أخرى منها أنه لما استبطأ السرية في بعض الغزوات بينما هو يصلي راكز رمحه جاء طير فوقع على رأس الرمح، وخاطبه مبشراً له أن السرية سالمة غانمة، وهي تقدم في وقت كذا وكذا، وكان الأمر كذلك.

سنة ثلاث وستين
فيها كانت وقعة الحرة: وذلك أن أهل المدينة خرجوا على يزيد لقلة دينه لحربهم
(1/111)

جيشاً أميره مسلم بن عقبة، فالتقوا بظاهر المدينة لثلاث بقين من ذي الحجه، فقتل من أولاد المهاجرين والأنصار ما نيف على ثلاث مائة، وقتل من الصحابة معقل بن سنان الأشجعي وعبد الله بن خنظلة بن الغسيل الأنصاري وعبد الله بن زيد بن عاصم المازني الذي حكى وضوء النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وممن قتل يومئذ محمد بن ثابت بن قيس بن شماس، ومحمد بن عمرو بن حزم ومحمد بن أبي جهم بن حذيفة ومحمد بن أبي كعب ومعاذ بن الحارث أبو حليمة الأنصاري الذي أقامه عمر يصلي التراويح بين الناس ويعقوب من نسل طلحة بن عبيد الله التيمي وكثير بن أفلح أحد كتاب المصاحف الذي أرسلها عثمان وأبوه أفلح مولى أبي أيوب. وفي السنة المذكورة توفي مسروق بن الأجدع الهمداني الفقيه العابد المشهور المحمود صاحب عبد الله بن مسعود، وكان يصلي حتى تورم قدماه، وحج فما نام إلا ساجداً. وعن الشعبي قال ما رأيت أطلب للعلم منه، كان أعلم بالفتوى من شريح.

سنة أربع وستين
في أولها هلك مسلم بن عقبة الذي استباح المدينة، عجل الله قصمه، والعجب أنه شهد الوقعة وهو مريض في محفة كأنه مجاهد في سبيل الله، وكذلك عجل الله تعالى يزيد بن معاوية فمات بعد نيف وسبعين يوماً منها، وله ثمان وثلاثون سنة، بايع له أبوه الناس في حياته، ويقال إنه قال له: قد أسست لك الأمر ومهدته، وبايعت لك الناس، ولم يبق منهم إلا أربعة: الحسين بن علي وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر. فأما الحسين فاستوص به خيراً المكانة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وأما عبد الله بن عمر فقد وقذته العبادة، فليس له في الملك حاجة. وأما عبد الرحمن بن أبي بكر فمغرم بالنساء، فأرغبه في المال. وأما الذي يكمن لك ويثب عليك وثبة الأسد فكذا وكذا، وذكروا كلاماً معناه التحذير منه والتحريض على قتاله، والله أعلم بصحة ذلك. وكانت مدة ولايته ثلاث سنين وثمانية أشهر، وعهد بالأمر من بعده إلى ابنه معاوية بن
(1/112)

يزيد، فبقي في الولاية شهرين آو أقل، ومات، وكان يذكر فيه الخير، عاش إحدى وعشرين سنة، ولما احتضر قالوا له ألا تستخلف؟ فامتنع وقال: لم أصب حلاوتها فلا أتحمل مرارتها، وقد تقدم أن عبد الله بن الزبير لم يبايع ليزيد، وكان قد آوى إلى مكة، فحاصره عسكر يزيد، فنصبوا المنجنيق على الكعبة ورموها بالأحجار وبالنار قيل ومما احترق بالنار فيها قرناً كبش إسماعيل عليه السلام. وقتل في الحصار بحجر المنجنيق المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري له صحبة ورواية وشرف، وجاء نعي يزيد، فترحل عسكره وبايع أهل الحرمين ابن الزبير، ثم أهل العراق وأهل اليمن وغيرهم، حتى كاد تجتمع الأمة عليه، وغلب على دمشق الضحاك بن قيس الفهري، في صحبته خلاف، فدعا إلى ابن الزبير، م تركه، ودعا إلى نفسه، وانحاز عنه مروان بن الحكم في بني أمية إلى أرض حوران، فوإفاهم عبيد الله بن زياد ابن أبيه من الكوفة منهزماً من أهلها، فوفى عزم مروان على طلب الملك الذي ذكره صلى الله عليه وآله وسلم بعد الثلاثين وسموهم خلافة، فالتقى هو والضحاك بعد أن جرت قصة طويلة، فقتل الضحاك وقتل معه نحو ثلاثة آلاف، وانتصر مروان، سار أمير حمص يومئذ النعمان بن بشير الأنصاري الصحابي لينصر الضحاك، فقتله أصحاب مروان. وفيها توفي بالطاعون الوليد بن عتبة بن أبي سفيان بن حرب، وقد كان جواداً حليماً، عين للخلافة بعد يزيد، وولي امرة المدينة غير مرة. وفيها توفي ربيعة الجرشي بضم الجيم وفتح الراء وكسر الشين المعجمة وكان فقيه الناس في زمن معاوية. وفيها نقض أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير الكعبة، وبناها على قواعد ابراهيم صلى الله عليه وآله وسلم، وأدخل الحجر في البيت، وكان قد تشقق أيضاً من المنجنيق واحترق سقفه.

سنة خمس وستين
فيها توجه مروان إلى مصر فتملكها، واستعمل عليها ابنه عبد العزيز، ومهد قواعده،
(1/113)

ثم عاد إلى دمشق ومات في رمضان، فعهد إلى ابنه عبد المللك بن مروان، وكان مروان من الفقهاء، وكان كاتب السر لابن عمه عثمان، وفيها ولي خراسان المهلب بن أبي صفرة لابن الزبير. وفيها خرج سليمان بن صرد الخزاعي والمسيب الفزاري صاحب علي في أربعة آلاف يطلبون بدم الحسين، وكان مروان قد جهز ستين ألفاً مع عبيد الله بن زياد ليأخذ العراق، فالتقى مقدمة عبيد الله وعليهم شرحبيل بن ذي الكلاع هم وأولئك بالجزيرة، فانكسروا وقتل سليمان والمسيب وطائفة، وكان لسليمان صحبة ورواية رضي الله عنه. وفيها مات على الصحيح عبد الله بن عمرو بن العاص السهمي، وكان أصغر من أبيه بإحدى عشرة سنة، وكان دينا صالحاً كبير القدر ذا عبادة واجتهاد وورع، يلوم أباه على القيام في الفتنة. وفيها توفي الحارث بن عبد الله الهمداني الكوفي الأعور الفقيه صاحب علي وابن مسعود رضي الله عنهم وحديثه في السنن الأربعة.

سنة ست وستين
فيها توفي جابر بن سمرة السوائي بالكوفة، وقيل بل في سنة أربع وسبعين وأبوه صحابي أيضاً وزيد بن أرقم الأنصاري. وقيل في سنة ثمان وقد غزا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم سبع عشرة غزوة، وقتل عمر بن سعد بن أبي وقاص، والذين قتلوا الحسين بن علي قاتلهم الله، وجهز المختار بن أبي عبيد جيشاً ضخماً مع ابراهيم بن الأشتر النخعي، وكانوا ثمانية آلاف لحرب عبيد الله بن زياد، وكانت وقعة الجارز بأرض الموصل، وقيل كانت في سبع وستين وصححه بعض المعتمدين، وكان ملحمة عظيمة. وفي السنة المذكورة قويت شوكة الخوارج واستولى نجدة الحروري على اليمامة والبحرين.

سنة سبع وستين
قيل كانت وقعة الجارز في المحرم وفيه الخلاف المقدم. وفيها حصل الاصطلام لعسكر أهل الشام وكانوا أربعين ألفاً ظفر بهم ابراهيم بن الأشتر، فقتلت امراؤهم عبيد الله بن
(1/114)

زياد ابن أبيه وحصين بن نمير السكوني الذي حاصر ابن الزبير رضي الله عنهما وشرحبيل بن ذي الكلاع، وقيل قتلوا في السنة التي قبلها، وبعث برؤوسهم فنصبت بمكة والمدينة.
وفيها وقيل في التي قبلها توفي عدي بن حاتم الطائي رئيس طيىء وله مائة وعشرون سنة رضي الله عنه، ولما أسلم سنة سبع أكرمه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وألقى إليه وسادة، وقال: " إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه ". ولما تحقق عبد الله بن الزبير كذب المختار بن أبي عبيد الثقفي، بعث أخاه مصعب بن الزبير على العراق، فدخل البصرة وتاهب منها وسار على ميمنته المهلب بن أبي صفرة وعلى ميسرته عمرو بن عبد الله التيمي، فجهز المختار لحربهم جيشاً عليهم احمر بن شميط بالشين المعجمة والمثناة من تحت بين الميم والطاء المهملة وأبو عمرة كيسان، فهزمهم مصعب. وقتل احمر وكيسان، وقتل من عسكر مصعب محمد بن الأشعث بن قيس الكندي ابن أخت الصديق وعبيد الله بن علي بن أبي طالب، وقتل من جند المختار عمر الأكبر ابن علي بن أبي طالب، ثم ساق عسسكر مصعب بن الزبير فدخلوا الكوفة وحصروا المختار بقصر الإمارة أياماً إلى أن قتله الله تعالى في رمضان، وكان كذاباً يزعم أن جبرائيل عليه السلام ينزل عليه، وصفت العراق لمصب رحمة الله عليه.

سنة ثمان وستين
توفي فيها بحر العلوم. حبر الأمة على العموم، الذي دعا له صلى الله عليه وآله وسلم بالفقه والدين وعلم التأويل: عبد الله بن العباس الهاشمي الفقيه المحدث المفسمر البارع في العلوم، وكان وفاته رضي الله عنه بالطائف وله إحدى وسبعون سنة رضي الله عنه. ومن مناقبه دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم له بالفقه وعلم التأويل، وادخال عمر له مع المشايخ الكبار الجلة، وما تميز به من العلوم والفضائل والقرابة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان قد ذهب بصره في آخر عمره، فقال فيما نقل بعضهم عنه.
إن يأخذ الله من عيني بنورهما ... ففي لساني وقلبي منهما نور
قلبي زكي وذهني غير ذي دخل ... وفي فمي صارم كارم كالسيف مطرور
وفيها عزل ابن الزبير أخاه مصعباً، وولى ابنه حمزة، وفيها توفي أبو شريح الخزاعي وأبو واقد الليثي، وكان ممن شهد فتح مكة، وعاش بضعاً وسبعين سنة وفيها قتل عبد الله بن
(1/115)

عمر وزيد بن أرقم وزيد بن خالد الجهني رضي الله عنهم.

سنة تسع وستين
فيها كان طاعون الجارف بالبصرة وكان ثلاثة أيام مات في كل يوم نحو من سبعين ألفاً على ما رواه المدائني عمن أدرك ذلك. وروى غيره قال مات لأنس بن مالك رضي الله عنه في الجارف سبعون ابناً وقيل مات في طاعون الجارف عشرون ألف عروس، وأصبح الناس في اليوم الرابع، ولم يبق منهم إلا اليسير، وصعد ابن عامر يوم الجمعة وما في الجامع إلا سبعة ومن النساء امرأة فقال ما فعلت الوجوه؟ فقالت المرأة: تحت التراب أيها الأمير. وفيها قتل نجدة الحروري، تله أصحابه واختلفوا عليه، وقيل بل ظفروا به أصحاب ابن الزبير، قيل وفيها مات بطاعون الجارف قاضي البصرة أبو الأسود الديلي صاحب النحو انشاء وترتيباً بعد اشارة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وتأسيسه رضي الله عنه على ما ذكر بعض أئمة النحو، وكان من سادات التابعين وأعيانهم، وقيل بل مات في خلافة عمر بن عبد العزيز سنة تسع وتسعين، وهناك تبسط الكلام فيما يتعلق بترجمته مما هو من صفته. وفيها مات قبيصة بن جابر الأسدي، كان فصيحاً مفوهاً روى عبد الملك بن عمير عنه قال: قال لي عمر أراك شاباً فصيح اللسان فسيح الصدر وفيها أعاد ابن الزبير مصعباً على الفراق، وعزل ابنه حمزة بن عبد الله، فقصد هو وعبد الملك كل منهما الآخر، ثم فصل بينهما الشتاء فوثب على دمشق في غيبة عبد الملك عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق مريداً للغلافة، جاء عبد الملك وجرى بينهما قتال وحصار، ثم نزل إليه بالإيمان.

سنة سبعين
فيها قيل غدر عبد الملك بعمرو بن سعيد، وذبحه صبراً بعد أن آمنه وحلف له وجعله ولي عهده من بعده، وفيها توفي عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي وكان مولده في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفيها مات ملك السكسك صاحب معاذ رضي الله عنه.
(1/116)

وقال ابن جرير: وفيها ثارت الروم وقووا على المسلمين، فصالح عبد الملك بن مروان ملك الروم على أن يؤدي إليه في كل جمعة ألف دينار خوفاً منه على المسلمين، قيل: وهذا أول وهن دخل على الإسلام، وما ذاك إلا لاختلاف الكلمة ولكون الوقت فيه خليفتان يتنازعان الأمر، وما شاء الله كان.

سنة إحدى وسبعين
فيها توفي عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي أحد من بايع تحت الشجرة وله روايات أحاديث في غير الكتب الستة.

سنة اثنتين وسبعين
فيها توفي البراء بن عازب أبو عمارة الأنصاري الحارثي، وكان من أقران ابن عمر استصغر يوم بدر، ومعبد بن خالد الجهني وكان صاحب لواء جهينة يوم الفتح، له حديث عن أبي بكررضي الله عنهم. وفيها على الصحيح عند الذهبي، وقال ابن خلكان في سبع وستين على الأشهر توفي أبو البحر الضحاك بن قيس التميمي المعروف بالأحنف أحد الأشراف ومن يضرب بحلمه المثل المتفق على جلالته بلا خلاف، كان من سادات التابعين، ادرك عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يصحبه وقال ابن قتيبة في كتاب المعارف: لما أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بني تميم يدعوهم إلى الإسلام كان الأحنف فيهم، فلم يجيبوا إلى اتباعه، فقال الأحنف: انه ليدعوكم إلى مكارم الأخلاق، وينهاكم عن ملاءئمها، أسلموا وأسلم الأحنف ولم يفد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما كان زمان عمر وفد عليه، قلت ما ذكره من كون النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتي بني تميم يدعوهم إلى الإسلام يوهم أنه صلى الله عليه وآله وسلم سافر إليهم، وهذا غير معروف، ومعروف أنه خرج إليهم بعد ما وفدوا عليه، وقالوا: يا محمد اخرج إلينا: فإن مدحنا زين وذمنا شين، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: " ذلكم الله " الحديث وفي ذلك نزل قوله تعالى " إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون " - الحجرات: 4 - وكان الأحنف المذكور من جلة التابعين وأكابرهم سيد قومه موصوفاً بالعقل والدهاء والحلم، روى عن عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم. وروى عن الحسن البصري وأهل البصرة، وشهد مع علي رضي الله عنه وقعة صفين ولم يشهد وقعة الجمل مع أحد من الفريقين، ولما استقر الأمر لمعاوية دخل عليه يوماً فقال
(1/117)

له معاوية: والله يا أحنف ما أذكر يوم صفين إلا كانت حزارة في قلبي إلى يوم القيامه. وقال له الأحنف: والله يا معاوية إن القلوب التي أبغضناك بها لفي صدورنا، وإن السيوف اك قاتلناك بها لفي أغمادنا، وإن تدن من الحرب فتدانونا منها شبراً، وإن تمش إليها نهرول نحوها، او قال إليها، ثم قام وخرج. وكانت أخت معاوية من وراء الحجاب تسمع كلامه، فقالت: يا أمير المؤمنين من هذا الذي يتهدد ويتوعد؟ فقال: هذا الذي إذا غضب غضب لغضبه مائة ألف فارس من بني تميم، لا يدرون فيهم غضب. وروي أن معاوية لما نصب ولده يزيد في ولاية العهد، اقعده في قبة حمراء، فجعل الناس يسلمون على معاوية: ثم يميلون إلى يزيد، حتى جاء رجل ففعل ذلك ثم رجع إلى معاوية، فقال: يا أمير المؤمنين لو لم تول هذا أمور المسلمين لأضعتها. والأحنف بن قيس جالس. فقال له معاوية: ما بالك لا تقول يا أبا بحر؟ فقال: اخاف الله إن كذبت، وأخافكم إن صدقت، فقال له معاوية: جزاك الله خيراً عن الطاعة وأمر له بألوف، فلما خرج لقيه ذلك الرجل، فقال: يا أبا بحر إني لأعلم كذا وكذا وذم يزيد ولكنهم قد استوثقوا من هذه الأموال بالأبواب والاقفال فليس يطمع في استخراجها إلا بما سمعت، فقال الأحنف: ان ذ الوجهين خليق أن لا يكون عند الله وجهياً، او قال: لا يكون له عند الله وجه. وقال الأحنف كثرة الضحك تذهب الهيبة، وكثرة المزاح تذهب المروة، من لزم شيئاً عرف به، قلت كلامه هذا من الحكمة الغريبة، وذمه كثرة الضحك مع تلقيه بالضحاك دليل على أنه لقب معروف يعرف به لا صفة متصف بها. وسئل عن الحلم ما هو؟ فقاك: العفو عن الذل مع الصبر، وكان يقول إذا عجب الناس من حلمه. اني لأجد ما تجدون ولكني صبور، وقال: ما تعلمت الحلم إلا من قيس بن عاصم المنقري. قيل: وما بلغ من حلمه؟ قال: قتل ابن أخ له بعض بنيه فأتي بالقاتل مكتوفاً يقاد إليه، قال: ذعرتم الفتى: ثم أقبل عليه، وقال: يا بني بئس ما صنعت نقصت عددك وأوهنت عضدك وأشمت عدوك وأسأت بقومك. خلوا سبيله، واحملوا إلى أم المقتول ديته فإنها غريبة. فانصرف القاتل، وما حل قيس حبوته ولا تغير وجهه، قلت وقيس هذا هو الذي قال الشاعر في مرثيته: شعراً.
فما كان قيسى هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما
وروي أنه دخل الأحنف بن قيس على أمير العراق في زمانه، وجلس معه على سريره، فغضب الأمير من ذلك، فقال الأحنف عجباً لمن يغسل القذرة بيده كل يوم مرتين، كيف
(1/118)

يتكبر؟! ومناقبه رحمه الله كثيرة أشهر من أن تذكر وأكثر من أن تحصر. وررى الحسن البصري أنه قال: ما رأيت شريف قوم أفضل من الأحنف. وقد يتوهم بعض الناس أن الأحنف بن قيس أخ الأشعث بن قيس، وهو غلط، فإن الأحنف من تميم، والأشعث كندي كما هو مشهور في ترجمة كل واحد منهما، وكل منهما شريف رئيس في قومه، ولكن الأحنف متميز بفضل الحلم وغيره من المحاسن الدينية. وفي السنة المذكورة توفي عبيدة السلماني المرادي الفقيه المفتي فيها على الصحيح تفقه بعلي وابن مسعود. قال الشعبي: كان يوازي شريحأ في القضاء: وفيها وقعة دير الجاثليق بالجيم ثم المثلثة بين الألف واللام ثم المثناة من تحت ثم القاف تجهز عبد الملك ومصعب كل منهما يطلب صاحبه، فالتقى الجمعان هناك، فخان مصعباً بعض جيشه ولحقوا بعبد الملك، وكان عبد الملك قد كتب إليهم يمنيهم ويعدهم حتى أفسدهم، وجعل مصعب كلما قال لمقدم من امرأته: تقدم. لا يطيعه، فاستظهر عبد الملك، ثم أرسل إلى مصعب يبذل له الأمان، فقال إن مثلي لا ينصرف عن هذا الموطن إلا غالباً أو مغلوباً، ثم إنهم أثخنوه بالرمي، ثم شد عليه زياد بن عمرو - وكان من جيشه - فخانه وطعنه، وقال بالثارات المختار، وذهب إلى عبد الملك، وقتل مع مصعب ولداه عيسى وعروة، وإبراهيم بن الأشتر سيد النخع وفارسها ومسلمة بن عمر الباهلي، استولى عبد الملك على العراق وما يليها، فأقر أخاه بشراً على العراق، وبعث الأمراء على الأعمال، وجهز الحجاج بن يوسف الثقفي إلى مكة لحرب بن الزبير، قلت وفي ولاية بشر المذكور ينشد البيت المشهور:
تد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق

سنة ثلاث وسبعين
فيها توفي عوف بن مالك الأشجعي المشهور المشكور، وأبو سعيد بن العلاء الأنصاري، وله صحبة ورواية وربيعة بن عبد الله التميمي عم محمد بن المنكدر. وفيها نازل الحجاج ابن الزبير فحاصره، ونصب المنجنيق على أبي قبيس، ودام القتال أشهراً إلى أن قتل عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي أمير المؤمنين فارس قريش وابن حواري رسول الله صلى الله عليه وآله رسلم، وأول مولود ولد فى الإسلام بعد الهجرة،
(1/119)

وحنكه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان اول ما دخل بطنه ريق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسماه عبد الله، وكان صواماً قواماً منطاقاً فصيحاً بطلاً شجاعاً.
قيل: كان حجر المنجنيق يصيب ثوبه وهو ساجد فلا يرفع رأسه، ويأكل أكلة واحدة ما بين مكة والمدينة، ولما طال الحصار على أصحابه وتفرقوا عنه، دخل على أمه أسماء بنت الصديق رضي الله عنهم فأخبرها أن أصحابه قد تفرقوا عنه وأن خصومه قالوا له: ان شئت سلم نفسك لعبد الملك بن مروان يرى فيك رأيه ولك الأمان، واستشارها في ذلك، فقالت له: يا ولدي إن كنت قاتلت لغير الله فقد هلكت وأهلكت، وإن كنت قاتلت لله فلا تسلم نفسك لبني أمية يلعبون بك، فإن قلت: لم يبق معي معين على القتال، فلعمري إنك معذور، ولكن شأن الكرام أن يموتوا على ما عاشوا عليه، فخرج من عندها حينئذ إلى أن التقى جيوش عبد الملك في أعلى مكة فحمل عليهم. وقال رضوان الله تعالى عليه ولو كان قرني واحداً لكفيته فأجابه واحد منهم نعم وألفاً يا غلام، ولم يزل يقاتل إلى أن أصابه في رأسه رمية فراخ رأسه ووقع، فصاحت مولاة لآل الزبير واأميراه! فعرفوه، ولم يكونوا عرفوه في ذلك الحال لما عليه من لباس الحرب، فقصدوه في كل مكان، فقتلوه، قاتلهم الله ثم وقف عليه أميرهم الحجاج وأمير آخر معه، قال ذلك الأمير: ما ولدت بنات آدم أذكر من هذا الرجل يعني أفحل منه فقال له الحجاج: اتقول فيه هذا القول وقد خالف أمير المؤمنين وخرج عن طاعته؟ يعني عبد الملك بن مروان. فقال: ان هذا لا عذر لنا عند أمير المؤمنين، وإلا فما عذرنا في قتلنا له؟ اشهراً وهو يربي علينا فيها بالغلبة. قال الشيخ محيي الدين النواوي رحمة الله عليه في شرح مسلم فذهب لحل الحق: ان ابن الزبير كان مظلوماً، وإن الحجاج ورفقته كانوا خوارج عليه وروي أنه لما ولد كبر الصحابة، ولما قتل كبر أهل الشام، فقال ابن عمر: الذين كبروا على مولده خير من الذين كبروا على قتله، وكان قد ملك الحجاز واليمن والعراق. وقال الشيخ أبو إسحاق: بويع على الخلافة ولا يبايع على الخلافة إلا من كان فقيها " مجتهدا "، واستعمل ابن الزبير على اليمن الضحاك بن فيروز سنة ثم عزله، وولى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المخزومي على صنعاء، ثم استعمل جماعة واحداً بعد واحد. ولما قتله الحجاج صلبه بين القبور في موضع هناك معروف إلى الآن ببناء بني هناك علامة، ثم أرسل الحجاج إلى أمه أسماء بنت أبي بكر أعوانه، وقال لهم قبحه الله: هاتوها
(1/120)

فكلموها في أن تمشي معهم إليه، فأبت وقالت: ان كان أمركم أن تسحبوني فاسحبوني، فلما رجعوا إليه بغير مطلوبه لبس نعليه ومشى حتى جاءها، فقال لها: كيف رأيت ما صنعت با بنك؟ فقالت: يا مسكين أي شيء صنعت؟ افسدت عليه دنياه، وأفسد عليك أخرتك، وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " أن في ثقيف كذاباً ومبيرأً " فأما الكذاب فرأيناه، وأما المبير فلا أخالك إلا إياه، تعني بقولها: رأيناه المختار بن أبي عبيد. والمراد بالمبير المهلك. يقال أباه الله أي أهلكه ويقال أيضاً رجل جائر بائر. قال في الصحاح: البور بضم الباء الموحدة: الرجل الفاسد الهالك الذي لا خير فيه. قلت ومن هذا قوله تعالى " وكنتم قوماً بوراً " - الفتح: 120 - وقد اتفق العلماء على أن المراد بالكذاب هنا هو المختار بن أبي عبيد، والمبير هو الحجاج بن يوسف، وكان المختار المذكور شديد الكذب، يزعم أن جبرائيل عليه السلام ينزل عليه كما تقدم ذكر ذلك. وقتل مع ابن الزبير عبد الله بن صفوان بن أمية الجمحي من رؤوس مكة، لما حج معاوية قدم له ابن صفوان المذكور ألفي شاة وقيل قتل معه بحجر المنجنيق عبد الله بن مطيع بن الأسد العدوي، وقتل معه أيضاً عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي ممن أسلم يوم الحديبية. وتوفيت أسماء بنت أبي بكر الصديق أم عبد الله بن الزبير بعد مصاب ابنها بيسير، وهي في عشر المائة وهي من المهاجرات الأول، وتلقبت بذات النطاقين، وسبب ذلك معروف في الحديث، وهو أنه لما هاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم شقت نطاقها نصفين، فربطت بأحدهما وعاء زاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر رضي الله عنه. وفي السنة المذكورة قوي سلطان عبد الملك بن مروان لقتل ابن الزبير وأنشد لسان حاله: خلا لك الجو فبيضي واصفري
وولي الحجاج إمرة الحجاز، فنقض من الكعبة جهة الحجر، وأعادها إلى ما كانت عليه من بناء قريش، فسد بابها الغربي ورفع الشرقي وصيرها على ما هي عليه الآن، مخرجاً من الحجر ما جاء في الحديث أنه من البيت، وهو ستة أذرع أو ستة ونصف أو جميعه على اختلاف روايات وردت في الحديث الصحيح.
(1/121)

قلت هذا هو الصواب الذي ذكره العلماء أنه إنما نقض الحجاج من جهة الحجر خاصة، وأما قول الذهبي: فنقض الكعبة وأعادها إلى بنائها في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فظاهره أنه نقض الكعبة كلها، وليس بصحيح. قلت وقد روي أن عبد الملك بن مروان لما حج طاف، وهو متكىء على كتف بعض من عنده معروف، جناء الكعبة حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك فقال: ما أظن أبا خبيب: يعني ابن الزبير سمع من عائشة ما يزعم أنه سمع منها. فقال: انا سمعت ذلك منها، فقال سمعتها تقول ماذا قال، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لي: " إن قومك استقصروا في النفقة، ولولا حدثان وروى حداثة عهد قومك بالكفر لأعدت البيت على ما كان عليه من زمن إبراهيم " قال فنكت عبد الملك بعود كان بيده في الأرض، وقال: وددت أني تركته وما تحمل، وكان قد كتب إليه الحجاج أن أبا خبيب قد أحدث في البيت، او قال في الكعبة ما لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم استأذنه في ردها إلى ما كانت عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأذن له في ذلك، وكان ابن الزبير قد استشار أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بناء، لما توهن بناء قريش بما تقدم ذكره من الرمي بالمنجنيق، وقيل جمرت فطارت الشرور واحترق بعض خشبها فتوهنت، وأشار عليه أكثرهم أن لا يفعل ذلك ومنهم ابن عباس وغيره من كبارهم، وقالوا: تخشى أن يفعل ذلك كل من ولي الأمر فيما بعد، ويذهب حرمة هذا البيت من قلوبهم، ونحو ذلك من المقال، وأشار عليه القليل منهم بنقضها، فلما عزم على ذلك خرجوا من مكة خشية أن ينزل بهم عقوبة بسبب ذلك، بعضهم خرج إلى الطائف، وبعضهم إلى منى، وأنكر العمال عن نقضها، فعلاها ابن الزبير بنفسه وأخذ في هدمها. قيل واستعمل في ذلك عبداً حبشياً دقيق الساقين بأن يكون ذلك هو ما جاء في الحديث من كونها " يهدمها ذو السويقين من الحبشة "، ولم يرجع من خرج من مكة إليها حتى أخذ في بنائها، وبعضهم حتى أكمل بناؤها، وكان أراد أن يجعل طينها من الورس، قيل له: انه لا يقيم ولا يستمسك البناء كالجص، فأرسل في جص فبعث به إليه من صنعاء اليمن. فلما فرع من بنائها قال من لي عليه طاعة فليخرج يعتمر شكراً لله عز وجل، فخرج في السابع والعشرين من رجب ماشياً، وخرج الناس معه فلم يروا يوم أكثرعتقاً ونحراً وذبحاً وصدقة من ذلك اليوم، قيل نحرهو فيه مائة من الإبل كل ذلك في جهة التنعيم وطرف الحل الذي يحرم منه للحمرة، ومن هاهنا صار كثير من الناس يعتمرون في اليوم المذكور من كل
(1/122)

سنة ولا بأس بذلك إذا سلم من بدع قد أحدثوها في هذه الأزمان من الأجتماع هنالك على وجه التنزه وخروج النسوان متزينات باللباس والحلي واختلاف الألوان، وقد أوضحت ذلك في " الدررالمستحسنة في استحباب العمرة في سائر السنة ". وأما سبب اخراج الحجرمن البيت في بناء قريش فإنه قصر ما عندهم من الحلال عن اكمال بنائها بادخال الحجر فيها، وذلك إن بناءها كان قد توهن في زمانهم فزموا علىنقضها وبناءها، فمنعتهم الحية المشهورة، وهي حية كانت تحرس البيت خمس مائة سنة، رأسها مثل رأس الجدي، وسببها أن أربعة من جرهم تسلقوا جدار الكعبة ليأخذوا ما يهدى إليها من الجواهرولم يكن لها سقف يومئذ فأصابتهم عقوبة في ذلك الوقت، بعضهم سقط فاندقت عنقه فمات، فبعث الله من يومئذ تلك الحية تمنع الناس من دخول الكعبة، لا تزال على بابها، فلما منعت قريشاً من نقضها اجتمع عقلاؤهم وقالوا: اللهم إنا لا نريد ببيتك إلا خيراً فان كانت الخيرة في ذلك فاصرف هذه الحية عنا، فانقض في ذلك الوقت طائر من الجو، فاحتملها ورمى بها في أجياد، ويقال إنه الدابة التي تخرج عند اقتراب الساعة والله أعلم بذلك. ثم إن قريشاً اجتمعوا وقالوا: لا ينبغي أن يبنى بيت الله إلا بالحلال فجمعوا ما عندهم من الحلال فلم يف بإكمالها على ما كانت عليه من زمن ابراهيم صلى الله عليه وآله وسلم، وأخرجوا الحجر منها كما أشار إليه في الحديث. واختلفوا في الكعبة كم بنيت من مرة؟ فقيل: سبعاً وقيل: خمساً ومنشأ الخلاف
هل بنيت قبل بناء ابراهيم أم هو أول من بنائها؟ واحتج للقول الأول بما روي أنه لما حج آدم صلى الله عليه وآله وسلم قالت الملائكة عليهم السلام: حجك يا آدم قد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام وللقول الثاني بظاهرالقرآن وما ورد أن ابراهيم قال لإسماعيل عليهما السلام: ان الله قد أمرني أن أبني له بيتاً فهل أنت معين لي على ذلك؟ فقال: نعم، او كما قال: وكان ابراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة. قلت قد أطلت الكلام في بيان ما يتعلق ببناء الكعبة لاستشراف كثير من الناس إلى معرفة ذلك، ولم أرالاقتصارعلى ما ذكروا في التاريخ من قولهم بناها ابن الزبير وهدمها الحجاج، ولم أرلهم زيادة على هذا وهذا الذي ذكرته اعتمادي في إملائه على ما في ذهني مما رويناه في كتاب الأزرقي وغيره عمن بالعلم تقدم، والله سبحانه بكل شيء عليم، رجعنا إلى ذكر أن الزبير قتل في جمادى الأولى نيف برأسه في مصر وغيرها. بنيت قبل بناء ابراهيم أم هو أول من بنائها؟ واحتج للقول الأول بما روي أنه لما حج آدم صلى الله عليه وآله وسلم قالت الملائكة عليهم السلام: حجك يا آدم قد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام وللقول الثاني بظاهرالقرآن وما ورد أن ابراهيم قال لإسماعيل عليهما السلام: ان الله قد أمرني أن أبني له بيتاً فهل أنت معين لي على ذلك؟ فقال: نعم، او كما قال: وكان ابراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة. قلت قد أطلت الكلام في بيان ما يتعلق ببناء الكعبة لاستشراف كثير من الناس إلى معرفة ذلك، ولم أرالاقتصارعلى ما ذكروا في التاريخ من قولهم بناها ابن الزبير وهدمها الحجاج، ولم أرلهم زيادة على هذا وهذا الذي ذكرته اعتمادي في إملائه على ما في ذهني مما رويناه في كتاب الأزرقي وغيره عمن بالعلم تقدم، والله سبحانه بكل شيء عليم، رجعنا إلى ذكر أن الزبير قتل في جمادى الأولى نيف برأسه في مصر وغيرها.
(1/123)

سنة أربع وسبعين
فيها توفي السيد الجليل، الفقيه المحدث، القدوة ذو الأوصاف الملاح، الذي شهد له النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالصلاح، ابو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي رضي الله عنهما، وكان قد عين للخلافة يوم الحكمين مع وجود علي وكبار من الصحابة رضي الله عنهم. ومن مناقبه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " أرى عبد الله رجلاً صالحاً والصالح هو القائم بحقوق الله تعالى وحقوق العباد " وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل " ثم لما سمع ذلك واظب على الصلاة بالليل ومنها محافظته على اتباع السنة وكثرة تعبده حتى روي أنه اعتمر أكثر من ألف عمرة ولما حضرته الوفاة أمرهم أن يدفنوه ليلاً، ولا يعلم الحجاج لئلا يصلي عليه قال الأزرقي في تاريخ مكة قبره في ذات اذخر يعني فوق القرية التي يقال لها المعايدة وبعض الناس يزعم أنه في الجبل الذي فوق البستان قريباً من السور على يمين الخارج من مكة، متوجهاً إلى المحصب، هو خلاف قول الأزرقي المذكور. قال الإمام المهذب سعيد بن المسيب يوم مات ابن عمر رضي الله عنهما: ما في الأرض أحد أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منه.
وقوله ابن المسيب: هذا نحو ما قال علي في عمر يوم مات، وقال أبو داود مات ابن عمر بمكة أيام الموسم، يعني سنة ثلاث وسبعين. وتوفي بعده أبو سعيد الخدري وهو سعد بن مالك الأنصاري، وكان من فقهاء الصحابة وأعيانهم، شهد الخندق وبيعة الرضوان وغير ذلك. وسلمة بن الأكوع الأسلمي، كان بطلاً شجاعاً رامياً يسبق الفرس شدا، وله مشاهد محمودة، وهو ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الموت يوم الحديبية وأبو جحيفة السوائي وقيل تأخر إلى بعد الثمانين. وتوفي محمد بن حاطب بن الحارث الجمحي وله صحبة ورواية، وهو أول من دعى
(1/124)

محمداً في الإسلام بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتوفي رافع بن حديج الأنصاري، اصابه يوم أحد سهم فنزعه، وبقي النصل في جسمه إلى أن مات، وعاصم بن حمزة السلولي، وفي مالك بن عامر الأصبحي جد الإمام مالك، وتوفي عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي بالمدينة، وكان كثير الحديث والفتيا، وتوفي عبد الله بن عمر الليثي رضي الله عنهم.

سنة خمس وسبعين
فيها حج عبد الملك بن مروان، وخطب على منبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعزل الحجاج عن الحجاز، وأمره على العراق. وفيها توفي العرباض بن سارية السلمي وأبو ثعلبة الخشني وعمرو بن ميمون الأودي قدم مع معاذ من اليمن فنزل الكوفة، وكان قانتاً صالحاً لله قال بعض الأئمة حج مائة حجة وعمرة وكان إذا رؤي ذكر الله، والأسود بن يزيد النخعي الكوفي الفقيه العابد، وورد أنه كان يصلي في اليوم والليلة سبع مائة ركعة، وهو الذي استسقى به معاوية بن أبي سفيان فقال: اللهم إنا نستسقي إليك بخيرنا وأفضلنا الأسود بن يزيد. ثم قال: ارفع يديك. فرفع يديه فدعا، فسقوا وتوفي بشر بن مروان الأموي أمير العراقين بعد مصعب، وسليم التجيبي قاضي مصر وناسكها.

سنة ست وسبعين
فيها وجه الحجاج زائدة بن قدامة الثقفي ابن عم المختار لحرب شبيب بن قيس الخارجي الشيباني، وكان خروجه في ولاية عبد الملك بن مروان، والحجاج بن يوسف يومئذ مولىعليها، فاستظهر شبيب وقتل زائدة، واستفحل أمره وهزم العساكر مرات.

سنة سبع وسبعين
فيها بعث الحجاج لحرب شببب عتاب بن ورقاء الرياحي بالموحدة والحاء المهملة، فالتقى شبيباً بسواد الكوفة، فقتل أيضا عتاباً وهزم جيشه، فجهز الحجاج لقتاله الحارث بن معاوية الثقفي فقتل أيضاً الحارث بن معاوية، فوجه الحجاج أبا الورد البصري فقتل أيضاً فوجه طهمان مولى عثمان فقتل أيضاً، ففرق الحجاج وسار بنفسه، فالتقوا واشتد القتال،
(1/125)

وتكاثروا على شبيب فانهزم فقتلت غزالة امرأة شبيب، ونجا هو بنفسه في فوارس من أصحابه، وكانت بحيث يضرب بشجاعتها المثل وكانت نذرت أن تدخل مسجد الكوفة فتصلي فيه ركعتين تقرأ فيها سورة البقرة وآل عمران، فأتوا الجامع في سبعين رجلاًِ، فصلت فيه وخرجت عن نذرها، وحجز بينهم الليل، وسار شبيب إلى ناحية الأهواز وبها محمد بن موسى بن علي التيمي، فخرج لقتال شبيب، ثم بارزه فقتله شبيب، وسار إلى كرمان فتقوى ورجع إلى الأهواز فبعث الحجاج لحربه سفيان بن الأبرد الكلبي وحبيب بن عبد الرحمن الحكمي، فالتقوا واشتد القتال حتى حجز بينهم الظلام. ثم ذهب شبيب وعبر على جسر دجيل، لما سار على الجسر قطع به فغرق، وقيل: بل نفر به فرسه، وعليه الحديد الثقيل، من درع ومغفر وغيرهما فألقاه في الماء، فقال له بعض أصحابه: اغرقاً يا أمير المؤمنين؟ قال: ذلك تقدير العزيز العليم. فألقاه دجيل ميتاً في ساحله، فحمل على البريد إلى الحجاج، فأمر بشق بطنه، فاستخرج قلبه فإذا هو كالحجر إذا ضرب به الأرض بناء عليها، فشق فإذا في داخله قلب صغير، كالكرة الصغيرة، فشق أيضاً فوجد في داخله علقة دم، ولما غرق أحضر إلى عبد الملك بن عتبان، فقال له: الست القائل يا عدو الله:
فإن يك منكم كان مروان وابنه ... وعمرو ومنكم هاشم وحبيب
فقال لم أقل هكذا يا أمير المؤمنين، وإنما قلت:
فمنا حصين والبطين وقنب ... ومنا أمير المؤمنين شبيب
فاستحسن قوله وأمر بتخلية سبيله، وكان إليه المنتهى في الشجاعة والبأس وأكثر ما يكون في مائتي نفس من الخوارج فيهزمون الألوف. وفيها غزا عبد الملك بنفسه، فدخل في الروم وافتتح مدينة هرقلة قلت وسيأتي أيضاً أنها فتحت في خلافة بني العباس، ويحتمل أن الكفار ملكوها بعد هذا ثم فتحت ثانية في الدولة العباسية. وفي السنة المذكورة توفي أبو تميم الجيشاني، قرأ القرآن على معاذ، وكان من عباد مصر وعلمائهم.
(1/126)

سنة ثمان وسبعين
فيها ولي خراسان المهلب بن أبي صفرة، وتوفي جابر بن عبد الله السلمي الأنصاري، وهو آخر من مات من أهل العقبة، وعاش أربعاً وتسعين سنة، وكان كثير العلم ومن أهل بيعة الرضوان، وبشره النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما استشهد أبوه يوم أحد " مازلت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع ". وفيها على الأصح توفي زيد بن خالد الجهني من مشاهيرالصحابة، وعبد الرحمن بن غنم الأشعري، كان قد بعثه عمر يفقه الناس، وكان من رؤوس التابعين. وفيها وقيل في سنة ثمانين توفي أبو أمية شريح بن الحارث الكندي القاضي، ولي قضاء الكوفة لعمر فمن بعده وعاش أكثر من مائة سنة، وولي القضاء خمساً وسبعين سنة، واستعفى من القضاء قبل موته بعام فأعفاه الحجاج، وكان فقيهاً شاعراً محسناًَ صاحب مزاح، وكان أعلم الناس بالقضاء، ذا فطنة وذكاء، ومعرفة وعقل وإصابة، وهو أحد السادات الطلس، وهم أربعة: عبد الله بن الزبير - وقيسى بن سعد بن عبادة - والأحنف بن قيس الكندي الذي يضرب به المثل في الحلم والقاضي شريح المذكور والأطلس: الذي شعر في وجهه. وحكي عن بعض أصحاب قيس بن سعد أنه قال: لو كانت اللحى تشترى بالدراهم، او قال بالدنانير، او كما قال، لاشترينا لقيس بن سعد لحية. ومن مزاح شريح المذكور: انه دخل عليه عدي بن أرطأة، فقال له: اين أنت أصلحك الله؟ قال بينك وبين الحائط، قال اسمع مني، قال قل أسمع، قال: اني رجل من أهل الشام قال: مكان سحيق، قال: وتزوجت عندكم قال بالرفاء والبنين، قال وأردت أن أرحلها قال الرجل أحق بأهلها، قال وشرطت لها دارها قال: الشرط لها دارها، او قال: المؤمنون عند شروطهم، قال: فاحكم الآن بيننا قال قد فعلت، من حكمت قال فعلى ابن أمك، قال بشهادة من قال، بشهادة ابن أخت خالتك.
(1/127)

وحكي أن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه دخل مع خصم ذمي الى القاضي شريح، فقام له فقال: هذا أول جورك، ثم أسند ظهره الى الجدار وقال لو أن خصمي كان مسلماً لجلست بجنبه. وروي عنه ايضاً كرم الله وجهه أنه قال: اجمعوا إلي القراء، فاجتمعوا في رحبة المسجد، فقال: اني أوشك أن أفارقكم، فجعل يسألهم ما تقولون في كذا؟ وشريح ساكت، ثم سأله، فلما فرغ منهم قال: اذهب فأنت من أفضل الناس أو قال: من أفضل العرب، وتزوج شريح امرأة من تميم تسمىزينب، فنقم عليها شيئاً فضربها ثم ندم وقال:
رأيت رجالاً يضربون نساءهم ... فشلت يميني لو أضرب زينبا
أأضربها من غير ذنب أتت به ... فما العدل في ضرب من ليس مذنبا
وزينب شمس والنساء كواكب ... اذا طلعت لم تبصر العين كوكبا
ذكر الحكاية صاحب العقد. ويحكى أن زياد ابن أبيه كتب إلى معاوية: يا أمير المؤمنين إني قد ضبطت العراق لشمالي، وفرغت يميني لطاعتك، فولني الحجاز، فبلغ ذلك عبد الله بن عمر وكان بمكة مقيماً فقال: اللهم اشغل يمين زياد، فأصابه الطاعون، او قال الآكلة في يمينه فجمع الأطباء واستشارهم فأشارواعليه بقطعها، فاستدعى القاضي شريحاً المذكور وعرض عليه ما أشار به الأطباء فقال له: لك أجل معلوم ورزق مقسوم وإني لأكره إن كان لك مدة أن تعيش في الدنيا بلا يمين، وان كان قد دنا أجلك أن تلقى ربك مقطوع اليد، فإذا سألك لم قطعتها قلت بغضاً في لقائكك وفراراً من قضائك. قلت يعني قال له لسان حالك، ويحتمل أنه لسان المقال اذا ختم على الأفواه يوم الخزي والنكال، نسأل الله الكريم العفو والسلامة ونعوذ به من الخزي والندامة. قالوا ومات زياد من يومه، فلام الناس شريحاً على منعه من القطع لبغضهم في زياد، فقال: انه استشارني والمستشار مؤتمن، ولولا الأمانة في المشورة لوددت أنه قطعت يده يوماً ورجله وما وسائر جسده يوماً وفي السنة المذكورة قتل أبو المقدام شريح، ابن هاني المدلجي صاحب علي وله مائة وعشرون سنة.

سنة تسع وسبعين
فيها وقيل في التي قبلها قتل رأس الخوارج قطري بن فجأة التميمي، ثر به فرسه فأهلك، وأتي الحجاج برأسه، وكان الحجاج يستنفر جيشاً بعد جيش وهو يستظهر عليهم،
(1/128)

وكان المباشرلقتله سوادة وقيل سودة بن أبجر الدارمي، وكان رجلاً شجاعاً مقداماً كثير الحروب والوقائع قوي النفس لا يهاب الموت، وفي ذلك يقول مخاطباً نفسه.
أقول لها وقد طارت شعاعاً ... من الأبطال ويحك لا تراعي
فانك لو سألت بقاء يوم ... على الأجل الذي لك لم تطاعي
فصبراً من مجال الموت صبراً ... فما نيل الخلود بمستطاع
سبيل الموت غاية كل حي ... وداعيه لأهل الأرض داعي
مع أبيات أخرى وهو معدود في جملة خطباء العرب المشهورين بالبلاغة والفصاحة. وتوفي عبيد الله بن أبي بكرة، وكان قد بعثه الحجاج أميراً على سجستان في العام الماضي، وكان جواد ممدوحاً يعتق في كل عيد مائة عبيد. وفيها مات عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الهذلي، رحمه الله تعالى.

سنة ثمانين
فيها بعث الحجاج على سجستان عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الكندي، فلما استقربها خلع الحجاج وخرج، ثم كانت بينهما حروب يطول شرحها، وفيها مات عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الهاشمي، وهو أحد من رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم صغره من بني هاشم، ولد بالحبشة، ويقال لم يكن أحد في الإسلام في جوده، وسخائه، وكان يسمى الجواد.
ومن فضائله ومكارمه قرابته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما روي في الصحيح أنه قال لابن الزبير: اتذكر إذ تلقينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنا وأنت وابن عباس؟ قال: نعم. فحملنا وتركك. وفيها مات أبو ادريس الخولاني عائذ الله بن عبد الله فقيه أهل الشام وقاضيهم، سمع من أبي الدرداء وطبقته، وقال عمر بن عبد البر سماع أبي إدريس عندنا من معاذ صحيح.
(1/129)

وفيها مات أسلم مولى عمرو كان فقيهاً نبيلاً، وفيها مات أبو عبد الرحمن جبير بن نفير الحضرمي، عبد الرحمن بن عبد القاري، وفيها صلب عبد الملك معبد الجهني في القدر، وقيل بل عذبه الحجاج بأنواع العذاب، وقتله. وفيها توفي ملك عرب الشام حسان بن النعمان بن المنذر الغاني غازياً للروم، وحاصر المهلب بن أبي صفرة بلاد العجم.

سنة إحدى وثمانين
فيها قام مع ابن الأشعث عامة أهل البصرة من العلماء والعباد، فاجتمع له جيش عظيم، والتقوا عسكر الحجاج يوم الأضحى فانكشف عسكر الحجاج وانهزم هو، وتمت بينهم عدة وقعات حتى قيل كان بينهما أربع وثمانون وقعة في مائة يوم، ثلاث وثمانون على الحجاج والآخرة كانت له. وفيها وقيل في التي بعدها توفي أبو القاسم محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي المعروف بابن الحنفية وخولة بنت جعفر بن قيس، يقال كانت من بني حنيفة من سبي اليمامة، وصارت إلى علي رضي الله عنه، وقيل بل كانت سندية سوداء أمه لبني حنيفة، ولم تكن منهم، وإنما صالحهم خالد بن الوليد على الرقيق من الجواري والعبيد ولم يصالحهم على أنفسهم، وعاش سبعين سنة إلا وتكنيته بأبي القاسم، قيل رخصة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنه قال لعلي رضي الله عنه: " سيولد لك غلام وقد نحلته اسمي وكنيتي ولا يحل لأحد من أمتي بعده ". قلت وقد جمع بين الكنية والاسم المذكورين جماعة كثيرة من أهل الفضل، وفي ذلك مذاهب للعلماء مشهورة، واختار جماعة من العلماء أن النهي عن الجمع بين التسمي باسمه والتكني بكنيته كان مخصوصاً بزمانه صلى الله عليه وآله وسلم، وعلله بأن اليهود كانوا يقولون يا أبا القاسم فإذا سمعهم صلى الله عليه وآله وسلم التفت إليهم، فيقولون ما عنينك، وكان يحصل منهم في ذلك ايذاء له صلى الله عليه وآله وسلم، فنهى حينئذ عن التكني بأبي القاسم، وقد زالت هذه العلة بعده، فارتفع النهي.
(1/130)

وكان ابن الحنفية المذكور كثير العلم والورع، وقد ذكره أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء: وكان شديد القوة، وله في ذلك أخبار عجيبة، منها: ما حكاه المبرد في الكامل: ان أباه علياً رضي الله عنه استطال درعاً كانت له فقال له: انقص منها كذا وكذا حلقه، فقبض محمد إحدى يديه على ذيلها والأخرى على فضلها، ثم جذبها فانقطع من الموضع الذي حده أبوه، قال: وكان عبد الله بن الزبير إذا حدث بها غضب واعترته الرعدة، قيل لأنه كان يحسده على قوته، وكان ابن الزبير أيضاً شديد القوة. ومن قوة ابن الحنفية أيضاً ما حكاه المبرد: ان ملك الروم وجه إلى معاوية أن الملوك قبلك كانت تراسل الملوك منا وتجهد بعضهم أن يغلب على بعض أفتأذن في ذلك؟ فأذن له، فوجه إليه برسولين أحدهما طويل جسيم والآخر أيد فقال معاوية لعمرو بن العاص: اما الطويل فقد أصبنا كفوه وهو قيس بن سعد بن عبادة، وأما الآخر فقد احتجا إلى رأيك. فقال عمرو: ها هنا رجلان كلاهما إليك بغيض؛ محمد ابن الحنفية وعبد الله بن الزبير. قال معاوية: من هو أقرب إلينا على حال أو قال على كل حال؟ فلما دخل الرجلان للذان بشهما ملك الروم وجه معاوية إلى قيس بن سعد يعلمه، فدخل قيس، فلما مثل بين يدي معاوية نزع سراويله، فرمى بها إلى العلج فلبسها فبلغت ثندوته فأطرق مغلوباً، قيل إن قيساً لاموه في ذلك وقيل له: لما تبذلت هذا التبذل بحضرة معاوية؟ هلا وجهت إليه غيرها؟ فقال:
أردت لكيما يعلم الناس أنها ... سراويل قيس والوفود شهود
وأن لا يقولوا غاب قيس وهذه ... سراويل عاد ثمة وثمود
وأني من القوم اليمانين سيد ... وما الناس إلا سيد ومسود
وبد جميع الخلق أصلي ومنصبي ... وجسمي به أعلو الرجال سديد
ثم وجه معاوية إلى ابن الحنفية رضي الله عنه فحضر، فخبر بما دعى إليه فقال: قولوا له إن شاء فليجلس وليعطني يده حتى أقيمه أو يقعدني، وإن شاء فليكن القاعد وأنا القائم، فاختار الرومي الجلوس فأقامه محمد وعجز هو من إقعاده، ثم اختار أن يكون محمد هو القاعد فجذبه محمد فأقعده، وعجز الرومي عن اقامته فانصرفا مغلوبين، وكان الراية يوم صفين بيده.
(1/131)

ويحكى أنه توقف أول يوم في حملهما لكونه قتال المسلمين، ولم يكن قبل ذلك شهد مثله، فقال له علي: وهل عندك شك في جيش مقدمه أبوك؟ فحملها قلت هكذا ذكر بعضهم. وذكر غيره أنه قال له أبوه يوم الجمل: تقدم بالراية وقد ازدحمت الأقران والرؤوس تقطع عن الأبدان، فقال: إلى أين أتقدم؟ والله إن هذه هي المصيبة العمياء. فقال له علي: ثكلتك أمك أتكون
مصيبة وأبوك قائدها؟ وقيل لمحمد كيف كان أبوك يقحمك المهالك، ويولجك المضائق، دون أخويك الحسن والحسين؟ فقال: لأنهما كانا عينيه، وكنت يديه، وكان يقي عينيه بيديه. ولما دعا ابن الزبير إلى نفسه، وبايعه أهل الحجاز بالخلافة، دعا عبد الله بن العباس ومحمد ابن الحنفية إلى البيعة، فأبيا وقال لانبايعك حتى يجتمع لك البلاد والعباد، فتهددهما وجرى ما يطول شرحه وكان الشيعة قد لقبته المهدي، وتزعم شيعته أنه لم يمت وأنه بجبل رضوى مختفيأ عنده عسل وماء، وإلى ذلك أشار كثير عزة وكان كيسانياً حيث قال:
ألا إن الأئمة من قريش ... ولاة الحق أربعة سواء
علي والثلاثة من بنيه ... هم الأسباط ليس بهم خفاء
فسبط سبط إيمان وبر ... وسبط غيبته كربلاء
وسبط لا يذوق الموت حتى ... يقود الخيل يقدمها اللواء
نراه مخيماً بجبال رضوى ... مقيماً عنده عسل وماء
وفيها توفي سويد بن غفلة الجعفي بالكوفة، ومولده عام الفيل فيما قيل، وكان فقيهاً إماماً عابداً قانعاً كبير القدر، رحمة الله عليه. وفيها حجت أم الدرداء الوصابية اليمنية الحميرية، وكان لها نصيب وافي من العلم والعمل، ولها حرمة زائدة بالشام، وقد خطبها معاوية بعد أبي الدرداء فامتنعت وقتل مع ابن الأشعث ليلة دجيل أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود الهذلي، وعبد الله بن شداد بن الهاد الليثي
(1/132)

ابن خالة خالد بن اللوليد، وكان فقيهاً كثير الحديث، لقي كبار الصحابة، وأدرك معاذ بن جبل رضي الله عنهم.

سنة اثنتين وثمانين
كانت الحروب تشتعل بين الحجاج وابن الأشعث، وكاد ابن الأشعث أن يغلب على العراق، وبلغ جيشه ثلاثة وثلاثين ألف فارس ومائة وعشرين ألف راجل، ولم يختلف عنه كثير قاموا على الحجاج لله. وفيها توفي المهلب بن أبي صفرة الأزدي أمير خراسان صاحب الحروب والفتوحات قال وإسحاق السبيعي: لم أر أمير اليمن نقبة ولا أشجع لقاء، ولا أبعد مما يكره، ولا أقرب مما يحب من المهلب. وقال بعض المؤرخين: روي أنه قدم على عبد الله بن الزبير أيام خلافته بالحجازوالعراق وتلك النواحي، وهو يومئذ بمكة، فخلا به عبيد الله يشاوره، فدخل عليه عبد الله بن صفوان بن أمية الجمحي، فقال: من هذا الذي شغلك يا أمير المؤمنين يومك هذا؟ فقال: او ما تعرفه؟ قال: لا. قال: هذا سيد أهل العراق: قال: فهو المهلب بن أبي صفرة؟ قال: نعم. فقال المهلب: من هذا يا أمير المؤمنين؟ قال هذا سيد قريش. قال فهو عبد الله بن صفوان؟ قال نعم وكان الذي استعمله على خراسان عبد الملك بن مروان، وكان له كلمات لطيفة واشارات مليحة تدل على مكارمه، وخلف المهلب عدة أولاد نجباء كرام أجواداً أمجاداً قال ابن قتيبة يقال إنه وقع إلى الأرض من صلب المهلب ثلاث مائة ولد، وله آثار حميدة وفضائل عديدة، ولما مات أكثر الشعراء فيه من المراثي من ذلك قول بعضهم:
ألا ذهب العز المقرب للفتى ... ومات الندى والجود بعد المهلب
أقاما بمرو الروذ لا يبرحانها ... وقد عدلا عن كل شرق ومغرب
وفيها توفي زر بن حبيش الأسدي القاري، وله مائة وعشرون سنة، وكان عبد الله بن مسعود يسأله عن العربية فيما قيل، وقتل الحجاج كميل بن زياد النخعي صاحب علي، وكان شريفاً مطاعاً. وفيها قتل أبو الشعثاء مع ابن الأشعث بظاهر البصرة، وفيها قتل الحجاج محمد بن سعد بن أبي وقاص لقيامه مع ابن الأشعث.
(1/133)

وفيها توفي جميل بن عبد الله بن معمر الشاعر المشهور من بني عذرة صاحب بثينة أحد عشاق العرب، تعلق قلبه بها وهو غلام فلما كبر خطبها، فرد عنها، فقال الشعر فيها. قال المؤرخون ومنهم الحافظ ابن عساكر، وكان يأتيها ومنزلها بوادي القرى وله ديوان شعر كثير ذكره لها فيه فقيل له: لو قرأت القرآن كان أعود عليك من الشعر؟ فقال: هذا أنس بن مالك أخبرني أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " إن من الشعر لحكمة " وبثينة أيضاً من بني عذرة وكانت تكنى أم عبد الملك والجمال والعشق في بني عنرة، قيل لرجل منهم ممن أنت؟ قال: من قوم إذا أحبوا ماتوا، فقالت جارية سمعته: هذا عذري ورب الكعبة وقيل لآخر: ما بال قلوبكم كأنها قلوب طير ينماع كما ينماع الملح في الماء؟ اما تتجلدون؟ فقال: انا ننظر إلى محاجرعيون لا تنظرون إليها. وذكر صاحب كتاب الأغاني أن كثيرعزة راوية جميل، وجميل راوية هدبة، وهدبة راوية الحطيئة، والحطيئة راوية زهير بن أبي سلمى وابنه كعب بن زهير، ومن شعر جميل:
وجزعاني أن تبماء منزل ... لليلى إذا ما الصيف ألقى المراسيا
فهذي شهور الصيف إن قد انقضت ... فما للنوى يرمي بليلى المراميا
قال ابن خلكان ومن الناس من يدخل هذه الأبيات في قصيدة مجنون ليلى، وليست له، وتيماء خاصةً منزل لبني عذرة، وفي هذه القصيدة يقول جميل:
وما زلتم تأبون حتى لو أنني ... من الشوق أستبكي الحمام بكى ليا
وما زادني الواشون إلا صبابة ... ولا كثرة الناهين إلا تماديا
ومن شعره أيضاً
يقضي الديون وليس ينجز موعدا ... هذا الغريم لنا وليس بمعسر
ما أنت بالوعد الذي تعدينني ... إلا كبرق سحابة لم تمطر
قلت والبيت الأول منهما وقول كثيرعزة، قضى كل في دين فوفى غريمه. وبيته المعروف، احدهما يستمد من الآخر، ومن شعر جميل:
وإني لأستحيي من الناس أن أرى ... رديفاً لوصل أوعلى رديف
وإني للماء المخالط للقذى ... إذا كثرت وراده لعيوف
قلت والبيت الثاني من هذين غير مناسب للأول منهما، فإنه في الأول كره لأن يكون
(1/134)

رديفا وأن يكون الذي قبله واحداً، اذ الرديف يصدق على ذلك وفي الثاني قيد العيوف بكثرالوارد. قلت ومما ذكره المؤرخون ما يكره المتدين ذكره، استغفر الله من ذكره واسأل العافية من مثله، قالوا: قال كثيرة عزة لفتى مرة جميل بثينة فقال من أين أقبلت؟ فقلت من عند الحبيبة يعني بثينة، قال: الى أين تمضي؟ فقلت إلى الحبيبة يعني عزة، فقال لابد أن ترجع عودك على بدنك فتتخذ لي موعداً من بثينة، فقلت: عهدي بها الساعة وأنا أستحي أن أرجع، فقال: لا بد من ذلك. فقلت: ومتى عهدك ببثينة؟ فقال من أول الصيف وقعت سحابة بأسفل واد الروم، فخرجت ومعها جارية لها تغسل ثياباً، فلما أبصرتني أنكرتني فضربت يدها إلى ثوب في الماء فالتحفت به، وعرفتني الجارية فأعادت الثوب إلى الماء، وتحدثنا ساعة حتى غابت الشمس، وسألتها الموعد فقالت: اهلي سائرون، وما لقيتها بعد ذلك، ولا وجدت أحداً منه فأرسله إليها. قال كثير فقلت هل لك أن آتي الحي فأتعرض بأبيات شعر أذكر فيها هذه العلامة إن لم أقدرعلىالخلوة بها؟ قال: ذلك هو الصواب، قال فخرجت حتى أنخت بهم. فقال أبوها: ما ردك يا ابن أخي؟ قال قلت أبيات عرضت فأحببت أن أعرضها عليك. قال: هات. قال: فأنشدته شعراً، وبثينة تستمع، فقلت لها:
يا عز أرسل صاحبي ... إليك رسولاً والرسول موكل
بأن تجعلي بيني وبينك موعداً ... وأن تأمريني ما الذي فيه أفعل
وآخرعهدي منك يوم لقيتني ... بأسفل واد الروم والثوب يغسل
قال فضربت بثينة خدرها، وقالت: اخسأ اخسأ. فقال لها أبوها: مهيم: يا بثينة قالت: كلب يأتينا إذا نوم الناس من وراء الرابية، ثم قالت للجارية: ابغينا من الدومات حطباً لنذبح لكثير شاةً ونشويها له، فقال كثير: انا أعجل من ذلك وراح إلى جميل فأخبره، فقال له جميل موعدنا الدومات، وخرجت بثينة وصواحبها إلى الدومات، وجاء جميل وكثير إليهن فما برحوا حتى برق الصبح، وكان كثير يقول ما رأيت مجلساً قط أحسن من ذلك المجلس ولا مثل علم أحدهما بضمير الآخر ما أدري أيهما كان أفهم. وقال الحافظ أبو عيسى ابن عسكرفي تاريخه الكبير قال ابن الأنباري أنشدني أبي هذه الأبيات لجميل:
ما زلت أبغي الحي أطلب أهلهم ... حتى دفعت إلى رؤيبة هودج
فدنوت مختفياً ألم ببيتها ... حتى ولجت إلى حفى المولج
(1/135)

فتناولت رأسي لتعرف سنه ... لمخضب الأطراف غير مشيخ
قالت وعيش أخي ونعمة والدي ... لأنبهن القوم إن لم تخرج
فخرجت خيفة قولها فتبسمت ... فسلمت أن يمينها لم تلحج
قلت وبعد هذا بيت حذفته كراهية ذكره. وقال هارون بن عبد الله القاضي قدم جميل بن معمر مصر على عبد العزيز بن مروان ممتدحاً له، فأذن له وسمع مدائحه وأحسن جائزته، وسأله عن حبيبته بثينة فذكر، وحمد كثيراً فوعده في أمرها وأمره بالمقام، وأمر له بمنزل وما يصلحه فأقام قليلاً حتى مات هناك. وذكر الزبير بن بكار عن عباس بن سهل الساعدي قال: بينا أنا بالشام إذ لقيني رجل من أصحابي، فقال هل لك في جميل؟ فإنه ثقيل نعوده، فدخلنا عليه وهو يجود بنفسه، فنظر إلي ثم قال: يا ابن سهل ما تقول في رجل لم يشرب الخمر قط، ولم يزن ولم يقتل النفس ولم يسرق يشهد أن لا إله إلا الله؟ قلت: اظنه قد نجا، وأرجو له الجنة. فمن هذا الرجل؟ قال: انا قنت والله ما أحسبك سلمت وأنت تشبب منذ عشرين سنة ببثينة. فقال: لا نالتني شفاعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإني في أول يوم من أيام الآخرة آمر يوم من أيام الدنيا إن كنت وضعت يدي عليها لريبة. قال: فما برحنا حتى مات. وذكر في الأغاني عن الأصمعي قال: حدثني رجل شهد جميلاً لما حضرته الوفاة بمصر أنه دعا به فقال: هل لك إن أعطيتك كل ما أخلفه على أن تفعل شيئاً أعهده إليك؟ قال فقلت نعم قال إذا نامت فخذ حلتي هذه وأعز لها جانباً وكل ما سواها، لك وادمل إلى رهط بثينة فإذا صرت إليها فارتحل ناقتي هذه واركبها، ثم البس حلتي هذه واشققها، ثم اعل على شرف وصح بهذين البيتين:
صرح البغي وما كنا بجميل ... وثوى بمصر ثوى بغير قفول
قومي بثينة فاندبي بعويل ... وابكي خليلاًدون كل خليل
قال فقلت ما أمرني به فما تممت الإنشاد حتى خرجت بثينة كأنها بدر في دجنة، وهي تنثني في مرطها حتى أتتني، فقالت: يا هذا والله إن كنت صادقاً لقد قتلتني، وإن كنت كاذباً فقد فضحتني، فقلت: والله ما أنا لا صادقاً وأخرجت حلته، فلما رأتها صاحت بأعلى صوتها وصكت وجهها، واجتمع نساء الحي يبكين معها ويندبنه حتى صعقت، فمكثت مغشياً عليها ساعة ثم قامت وهي تقول:
وإن سكتموني عن جميل لساعة ... من الدهر ما حانت ولا حان حينها
سواء علينا يا جميل بن معمر ... إذا مت بأساء الحياة ولينها
(1/136)

سنة ثلاث وثمانين
فيها في قول غير واحد وقعة دير الجماجم وكان شعار الناس يادبارات الصلاة لأن الحجاج كان يميت الصلاة ويؤخرها حتى يخرج وقتها. وقتل مع ابن الأشعث البحتري والطائي مولاهم، كان من كبار فقهاء الكوفة، وغرق مع ابن الأشعث عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي الفقيه المقري. قال ابن سيرين رأيت أصحابهم يعظمونه كانه أمير. وتوفي فيها أبو الجوزاء الربعي البصري، وقاضي مصر عبد الرحمن الخولاني، وكان عبد العزيز بن مروان يرزقه في السنة ألف دينار فلا يدخرها.

سنة أربع وثمانين
فيها فتحث المصيصة على يد عبد الله بن عبد الملك بن مروان. وفيها قتل أيوب بن زيد الهلالي المعروف بابن القرية بكسر القاف وبالراء والمثناة من تحت وتشديدهما في آخرها اسم جدته، كان اعرابياً أمياً وهو معدود من جملة خطباء العرب المشهورين بالفصاحة والبلاغة، وكان عامل الحجاج يغدي كل يوم ويعشي، فوقف ابن القرية ببابه فرأى الناس يدخلون، فقال أين يدخل هؤلاء قالوا: الى طعام الأمير، فدخل فتغذى وقال: اكل يوم صنع الأمير ما أرى؟ فقيل: نعم، فكان كل يوم يأتيه للغداء والعشاء الى أن ورد كتاب من الحجاج على العامل، وهو عربي غريب لا يدري ما هو فأمر لذلك طعامه فجاء ابن القرية فلم ير العامل يتغذى، فقال ما بال الأمير اليوم لا يأكل ولا يطعم؟ فقالوا: غم لكتاب ورد عليه من الحجاج عربي غريب لا يدري ما هو، فقال: ليريني الأمير الكتاب وأنا أفسره إن شاء الله تعالى، وكان خطيباً لسناً بليغاً فذكر أن للوالي فدعي به، فلما قرىء عليه الكتاب عرف الكلام وفسره للوالي حتى عرف جميع ما فيه. فالتمس الوالي منه أن يكتب له الجواب، فقال: لست أقرأ ولا أكتب ولكن أقعد عندي كاتباً يكتب ما أمليه ففعل فكتب جواب الكتاب، فلما قرىء الكتاب على الحجاج رأى كلاماً غريباً فعلم أنه ليس من كلام كتاب الخراج فدعى برسائل عامل عين اليمن فنظر فيها فإذا هي ليست ككتاب ابن القرية فكتب الحجاج إلى العامل.
(1/137)

أما بعد فقد أتاني كتابك بعيداً من جوابك بمنطق غيرك، فإذا نظرت في كتابي هذا فلاتضعه من يدك حتى تبعث إلي بالرجل الذي سطر لك الكتاب والسلام. فقرأ العامل الكتاب على ابن القرية، فقال له تتوجه نحوه، وقال لا بأس عليك، وأمر له بكسوة، ونفقة وحمله إلى الحجاج، فلما دخل عليه قال ما اسمك؟ قال: ايوب. قال اسم نبي وأظنك أمياً تحاول البلاغة؟ ولا يستصعب عليك المقال وأمر له بنزل ومنزل، فلم يزل يزداد به عجباً حتى أوفده على عبد الملك بن مروان. فلما خلع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي الطاعة بسجستان وهي واقعة مشهورة، بعثه الحجاج إليه فلما دخل عليه قال لتقومن خطيباً ولتخلعن عبد الملك ولتشتمن الحجاج أو لأضربن عنقك. قال: ايها الأمير إنما أنا رسول. قال: هو ما أقول لك فقام وخطب، وخلع عبد الملك وشتم الحجاج، وقام هناك فلما انصرف ابن الأشعث منهزماً كتب الحجاج إلى عماله بالري وأصبهان وما يليها يأمرهم أن لا يمر بهم أحد من قيل أو قال من أصحاب ابن الأشعث إلا بعثوا به أسيراً إليه، وأخذ ابن القرية في من أخذ فلما دخل على الحجاج قال أخبرني عما أسألك عنه. قال: سلني عمن شئت. قال أخبرني عن أهل العراق؟ قال: اعلم الناس بحق وباطل. قال: فأهل الحجاز؟ قال: اصرع الناس إلى فتنة وأعجزهم فيها قال: فأهل الشام؟ قال أطوع الناس لخلفائهم. قال فأهل مصر؟ قال عبيد من خلب يعني من خدع. قال فأهل البحرين؟ قال: بسط استعربوا قال: فأهل عمان؟ قال: عرب استنبطوا قال: فأهل الموصل؟ قال: اشجع فرسان وأقبل للأقران، قال فأهل اليمن؟ قال أهل أهواء أو قال أهواء ونقاء، واصبر عند اللقاء. قال: فأهل اليمامة؟ قال: اهل جفاء واختلاف وريف كثير وقرى يسير. قال: اخبرني عن العرب قال: سلني. قال: قريش؟ قال: اعظمها أحلاماً واكرمها مقاماً. قال: فبنو عامر بن صعصعة؟ قال: اطولها رماحاً وأكرمها صباحاً. قال: فبنو سليم؟ قال: اعظمها مجالس وأكرمها محاسن. قال: فثقيف؟ قال أكرمها جدوداً وأكثرها وفوداً. قال: فبنو زيد؟ قال ألزمها للرايات وأدركها للثارات. قال: فقضاعة؟ قال: اعظمها أحطاراً رأكرمها نجاراً وأبعدها آثاراً يعني النجار بالنون والجيم والراء بعد الألف الأصل والحسب. قال فالأنصار؟ قال أثبتها مقاماً وأحسنها إسلاماً، وأكرمها أياماً. قال: فتميم؟ قال: اظهرها جلداً وأثراها عدداً. قال: فبكر بن وائل؟ قال أثبتها صفوفاً واحدها سيوفاً..قال فعبد القيس؟ قال أسبقها إلى الغايات وأصبرها تحت الرايات. قال فبنو أسد؟ قال أهل عدد وجلد وعز ونكد. قال فلخم؟ قال ملوك وفيهم نوك يعني بالنوك بفتح النون الحمق. قال فجذام؟ قال يسعرون الحرب ويوقدونها ويلحقونها ثم يمرونها. قال فبنو الحارث؟ قال رعاة للقديم حماة عن الحريم. قال فمك؟ قال ليوث جاهدة في قلوب
(1/138)

فاسدة قال فثعلب؟ قال يصدقون إذ ألقوا ضرباً ويسعرون الأعداء حرباً. قال فغسان؟ قال أكرم العرب أحساباً وأبينها أنساباً. قال فأي العرب في الجاهلية كانت أمنع من أن يضام؟ قال قريش أهل رهوة لا يستطاع ارتقاؤها
وهضبة لا يرام انتزاؤها في بلدة حمى الله دمارها ومنع جارها. قال فأخبرني عن مآثر العرب في الجاهلية؟ قال: كانت العرب تقول حمير أرباب الملك وكندة لباب الملوك، ومذحج أهل الطعان، وهمدان أحداس الخيل يعني يفتنونها ويلزمون ظهورها. والأزدآسات الناس. قال: فأخبرني عن الأرضين قال: سلني. قال: الهند قال بحر هادر، وجبلها ياقوت، وشجرها عود، وورقها عطر، وأهلها طعام يقطع الحمام، او قال للقطع الحمام. قال فخراسان قال ماؤها جامد وعدو هنيئاً جاحد. قال فعمان؟ قال حرها شديد وصيدها عتيد. قال فالبحرين؟ قال كماشة بين المصريين. قال فاليمن؟ قال أصل العرب وأهل البيوتات والحسب. قال فمكة؟ قال رجالها على علماء جفاة ونساؤها كساة عراة. قال والمدينة؟ قال رسخ العلم فيها وظهر منها. قال فالبصرة؟ قال شتاؤها جليد وحرها شديد وماؤها ملح وحربها صلح. قال فالكوفة؟ قال ارتفعت عن حرالبحر وسفلت عن برد الشام فطاب ليلها وكثر خيرها. قال فواسط؟ قال جنة بين حماة وكنة قال وما حماتها وكنتها. قال البصرة والكوفة يحسدانها، وما ضراها ودجلة يتجاريان بإفاضة الخير عليها، قال فالشام؟ قال عروس بين نسوة جلوس. قال: ثكلتك أمك يابن القرية، لولا اتباعك أهل العراق وكنت أنهاك عنهم أن تتبعهم فتأخذ من تفاقم. ثم دعا بالسيف وأومى إلى السياف أن أمسك، فقال ابن القرية ثلاث كلمات أصلح الله الأمير كأنهن ركب وقف تكن مثلاً بعدي، قال: هات قال لكل جواد كبوة ولكل صارم نبوة ولكل حليم هفوة. قال الحجاج ليس هذا وقت المزاح يا غلام رحب جرحه فضرب عنقه. قيل لما أراد قتله قال له العرب تزعم أن لكل شيء آفة، قال: صدقت العرب أصلح الله الأمير. قال فما آفة الحليم؟ قال الغضب. قال: فما آفة العقل؟ قال العجب. قال فما آفة العلم؟ قال النسيان. قال فما آفة السخاء؟ قال المن عند البلاء. قال فما آفة الحديث؟ قال الكذب. قال فما آفة الكرام؟ قال مجاورة اللئام قال فما آفة الشجاعة؟ قال البغي. قال فما آفة العبادة؟ قال العترة. قال فما آفة الذهن؟ قال حديث النفس. قال فما آفة المال؟ قال سوء التبذير. قال فما آفة الكامل من الرجال؟ قال العدم. قال فما آفة الحجاج بن يوسف؟ قال أصلح الأمير: الآفة لمن كرم حسبه وطاب نسبه وزكى فرعه، قال: امتلأت شقاقاً وأظهرت شقاق ثم قال اضربوا عنقه، فلما رآه قتيلاً ندم. ذكر هذا كله بعض المؤرخين في تاريخه ناقلاً له. وفي السنة المذكورة ظفر أصحاب الحجاج بعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي وقتلوه بسجستان وطيف برأسه في البلدان. وتوفي عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي حنكه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند ولادته والأسود بن هلال المحاربي. وتوفي عمران بن حطان السدوسي المصري أحد رؤوس الخوارج وشاعرهم البليغ. وتوفي عتبة بن النذر السلمي، روح الجذامي سيد جذام أمير فلسطين وكان منظماًعند عبد الملك لا يكاد يفارقه وكان عنده بمنزلة وزير وكان ذا علم وعقل ورأي ودين. هضبة لا يرام انتزاؤها في بلدة حمى الله دمارها ومنع جارها. قال فأخبرني عن مآثر العرب في الجاهلية؟ قال: كانت العرب تقول حمير أرباب الملك وكندة لباب الملوك، ومذحج أهل الطعان، وهمدان أحداس الخيل يعني يفتنونها ويلزمون ظهورها. والأزدآسات الناس. قال: فأخبرني عن الأرضين قال: سلني. قال: الهند قال بحر هادر، وجبلها ياقوت، وشجرها عود، وورقها عطر، وأهلها طعام يقطع الحمام، او قال للقطع الحمام. قال فخراسان قال ماؤها جامد وعدو هنيئاً جاحد. قال فعمان؟ قال حرها شديد وصيدها عتيد. قال فالبحرين؟ قال كماشة بين المصريين. قال فاليمن؟ قال أصل العرب وأهل البيوتات والحسب. قال فمكة؟ قال رجالها على علماء جفاة ونساؤها كساة عراة. قال والمدينة؟ قال رسخ العلم فيها وظهر منها. قال فالبصرة؟ قال شتاؤها جليد وحرها شديد وماؤها ملح وحربها صلح. قال فالكوفة؟ قال ارتفعت عن حرالبحر وسفلت عن برد الشام فطاب ليلها وكثر خيرها. قال فواسط؟ قال جنة بين حماة وكنة قال وما حماتها وكنتها. قال البصرة والكوفة يحسدانها، وما ضراها ودجلة يتجاريان بإفاضة الخير عليها، قال فالشام؟ قال عروس بين نسوة جلوس. قال: ثكلتك أمك يابن القرية، لولا اتباعك أهل العراق وكنت أنهاك عنهم أن تتبعهم فتأخذ من تفاقم. ثم دعا بالسيف وأومى إلى السياف أن أمسك، فقال ابن القرية ثلاث كلمات أصلح الله الأمير كأنهن ركب وقف تكن مثلاً بعدي، قال: هات قال لكل جواد كبوة ولكل صارم نبوة ولكل حليم هفوة. قال الحجاج ليس هذا وقت المزاح يا غلام رحب جرحه فضرب عنقه. قيل لما أراد قتله قال له العرب تزعم أن لكل شيء آفة، قال: صدقت العرب أصلح الله الأمير. قال فما آفة الحليم؟ قال الغضب. قال: فما آفة العقل؟ قال العجب. قال فما آفة العلم؟ قال النسيان. قال فما آفة السخاء؟ قال المن عند البلاء. قال فما آفة الحديث؟ قال الكذب. قال فما آفة الكرام؟ قال مجاورة اللئام قال فما آفة الشجاعة؟ قال البغي. قال فما آفة العبادة؟ قال العترة. قال فما آفة الذهن؟ قال حديث النفس. قال فما آفة المال؟ قال سوء التبذير. قال فما آفة الكامل من الرجال؟ قال العدم. قال فما آفة الحجاج بن يوسف؟ قال أصلح الأمير: الآفة لمن كرم حسبه وطاب نسبه وزكى فرعه، قال: امتلأت شقاقاً وأظهرت شقاق ثم قال اضربوا عنقه، فلما رآه قتيلاً ندم. ذكر هذا كله بعض المؤرخين في تاريخه ناقلاً له. وفي السنة المذكورة ظفر أصحاب الحجاج بعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي وقتلوه بسجستان وطيف برأسه في البلدان.
(1/139)

وتوفي عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي حنكه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند ولادته والأسود بن هلال المحاربي. وتوفي عمران بن حطان السدوسي المصري أحد رؤوس الخوارج وشاعرهم البليغ. وتوفي عتبة بن النذر السلمي، روح الجذامي سيد جذام أمير فلسطين وكان منظماًعند عبد الملك لا يكاد يفارقه وكان عنده بمنزلة وزير وكان ذا علم وعقل ورأي ودين.

سنة خمس وثمانين
فيها توفي عبد العزيز بن مروان بن الحكم أمير مصر والمغرب، عند جماعة وقال بعضهم في السنة التي قبلها، وولي مصر عشرين سنة وكان ولي العهد بعد عبد الملك عقد لهما أبوهما كذلك فلما مات عقد عبد الملك من بعده العهد لولده، وبعث لي عامله إلى المدينة، هشام بن إسماعيل المخزومي ليبايع له الناس بذلك، فامتنع عليه سعيد بن المسيب، وصمم، فضربه هشام بن إسماعيل بستين سوط، وطوف به. وفيها توفي واثلة بن الأسقع الليثي أحد فقراء الصفة، وله ثمان وتسعون سنة وكان فارساً شجاعاً ممدوحاً فاضلاً، شهد غزوة تبوك رضي الله عنه. وفيها توفي عمرو بن حريث المخزومي، هـ صحبة ورواية، ومولده في زمن الهجرة. وفيها توفي عمرو بن سلمة الجرمي البصري، في قول ويقال إن له صحبة، وهو الذي صلى بقومه في عهد النبي صلى الله وآله وسلم، وعمرو بن سلمة الهمداني، وعبد الله بن عامر بن ربيعة العنبري حليف آل عمر بن الخطاب رضي الله عنهم، وروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حديثاً ليس بمتصل، خرجه أبو داود له رواية عن الصحابة.
(1/140)

وفيها توفي خالد بن يزيد بن معاوية بن أي سفيان الأموي، قيل كان له معرفة بفنون من العلم، منها علم الطب والكيمياء كان متقناً لهما: قال ابن خلكان: وله رسائل دالة على علمه ومعرفته وبراعته، اخذ الصناعة من رجل رومي من الرهبان، وله أشعار مطولات ومقاطع دالة على حسن تصرفه، ومن شعره:
تجول خلاخيل النساء ولا أرى ... لرملة خلخالاً تجول ولا قلبا
أحب بني العوام من أجل حبها ... ومن أجلها أحببت أخوالها
من قصيدة له طويلة في زوجته رملة بنت الزبيربن العوام، وشكا إلى عبد الملك بن مروان، فقال: يا أمير المؤمنين، ان الوليد بن عبد الملك قد احتقر ابن عمه عبد الله واستصغره، يعني أخاه، فقال عبد الملك: " إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون " - النمل: 34 - فقال خالد: " وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً " - الإسراء: 16 - فقال عبد الملك: أفي عبد الله تكلمني؟ والله لقد دخل علي فما أقام لسانه لحناً، فقال له خالد: افعلى الوليد تقول؟ فقال: عبد الملك: ان كان يلحن فإن أخاه سليمان، يعني أنه كان فصيحاً زكياً كما سيأتي ترجمته، فقال خالد: ان كان عبد الله يلحن فإن أخاه خالد، فقال له الوليد: اسكت يا خالد فوالله ما تدعي في العير ولا في النفير، فقال خالد: ويحك ومن للعير والنفير غيري؟ وجدي أبو سفيان صاحب العير، وجدي عتبة بن ربيعة صاحب النفير، ولكن لو قلت غنيمات والطائف رحم الله عثمان لقلنا صدقت، قلت وأشار بذلك إلى العير التي خرج لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ليأخذوها، وخرج المشركون من مكة ليقاتلوا دونها، وكان في العير أبو سفيان هو المقدم وهو جده من جهة أبيه، وفي النفير عتبة بن ربيعة مقدم على القوم وهو جده من جهة الأم، فإن ابنته هند أم معاوية.
وأما الغنيمات: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفى الحكم جد الوليد إ لىالطائف وكان يرعى الغنم، ولم يزل كذلك إلى أن ولي عثمان بن عفان فرده. وروي أن عثمان كان قد شفع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في رده، فأنعم له بذلك، وأذن له في رده، وفي ذلك تبكيت للوليد لما صدر منه من الاحتقار له ولأخيه والله أعلم.

سنة ست وثمانين
فيها ولي قتيبة بن مسلم الباهلي خراسان، وافتتح بلاد صاغان من الترك صلحاً،
(1/141)

وتوفي أبو إمامة الباهلي رضي الله عنه وله مائة وست وستون سنة. وفيها وقيل في سنة ثمان توفي عبد الله بن أبي أوفى الأسلمي رضي الله عنه، وهو آخر من مات بالكوفة من الصحابة رضي الله عنهم، وآخر من شهد بيعة الرضوان. وفيها توفي على الصحيح وقيل سنة ثمان عبد الله بن الحارث بن جزء بفتح الجيم وسكون الزاي مع الهمزة الزبيدي رضي الله عنه، اخر من مات بمصر من الصحابة، وتوفي قبيصة بن ذويب الخزاعي الفقيه بدمشق، روى عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهم، قال: مكحول: ما رأيت أعلم منه. وقال الزهري: كان من علماء الأمة. وفي شوال مات خليفتهم عبد الملك بن مروان وله ستون سنة، وكانت ولايته المجمع عليها بعد ابن الزبير ثلاث عشرة سنة وأشهراً، وقد عده أبو الزناد في طبقة ابن المسيب، وقال نافع رأيت أهل المدينة وما بها شاب أشد تشميراً ولا أفقه ولا أقرأ لكتاب الله من عبد الملك، وولي بعده ابنه الوليد بن عبد الملك. ومن المشهور أن عبد الملك المذكور رأى في منامه كأنه بال في المحراب أربع مرات، فوجه إلى سعيد بن المسيب من يسأله عن ذلك، فقال: يملك من ولده لصلبه أربعة، وكان كما قال: فإنه ولي الوليد وسليمان وهشام ويزيد أولاد عبد الملك. وقيل رأى أنه بال في زوايا المسجد الأربع، فقال ابن المسيب يلد أربعة أولاد يملكون الأرض.

سنة سبع وثمانين
فيها استعمل الوليد على المدينة عمربن عبد العزيز، وفيها ابتدأ ببناء جامع دمشق، ودام العمل والجد والاجتهاد في بنائه وزخرفته أكثر من عشر سنين، وكان فيها اثنا عشر ألف صانع. وفيها توفي عتبة بن عبد السلمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وله أربع وتسعون سنة، والمقدام بن معد يكرب الكندي الصحابي، وهو ابن إحدى وتسعين سنة، رضي الله عنهما.
(1/142)

سنة ثمان وثمانين
فيها زحفت الترك، وأهل فرغانة والصفد، عليهم ابن أخت ملك الصين في جمع عظيم، يقال كانوا مائتي ألف، فالتقاهم قتيبة بن مسلم وهزمهم، وفيها توفي عبد الله بن بسر المازني، وهو آخر من مات من الصحابة بحمص، قلت هكذا ينبغي أن يقال: وأما قول الذهبي أنه أخر من مات من الصحابة مقتصراً على هذا فغير صحيح، وكلامه بعد هذا ينقصه، توفي سهل بن سعد الساعدي في

سنة إحدى وتسعين، وأنس بن مالك في سنة ثلاث وتسعين على القول الراجح الذي قطع به هو في مختصر، وذكر أيضا أن عبد الله بن بسر المذكور أرخه عبد الصمد بن سعيد في سنة تسع وتسعين. قلت وهذا يمكن أن يقال على هذا القول إنه آخر الصحابة موتاً، لكن ينبغي النظر في شيء آخر، وهو: ان الصحابي من هو؟ فعلى أحد الأقوال أنه من رأى النبي صلى اللهء وآله وسلم مسلماً، وكذا في حكم الإسلام متى يصح من الإنسان فإن محمود بن الربيع عقل في مجة مجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بير في دارهم وهو ابن أربع سنين، وموته كان في سنة تسع وتسعين. وأبو الطفيل الكناني نقل العلماء أنه آخر من رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الدنيا يعنون آخرهم موتاً، وموته في سنة مائة، لكن لا أدري هل رآه مسلماً أم لم يسلم بعد؟ فليبحث عن ذلك. وقد علم أيضاً أن الصغيريحكم بإسلامه تبعاً كما هو معروف في كتب الفقه، هذا ما أردت من التنبيه على ذلك فليعلم، والله تعالى بكل شيء أعلم.

سنة تسع وثمانين
فيها توفي على القول الصحيح عبد الله بن ثعلبة العذري، مسح النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأسه، ودعا له فوعى ذلك، وسمع من عمر رضي الله عنهما.

سنة تسعين
فيها ولي امرة مصرقرة بن شريك، وكان جباراً ظالماً. وفيها ظفر قتيبة بأهل
(1/143)

الطالقان، قتل منهم صبرا مقتلة لم يسمع بمثلها، وطلب سماطين طول أربعين فراسخ في نظام واحد: يعني طلب تحصيل تسبحين مما يمد عليه السماط لأكل العساكر الممدود عليه. وفيها توفي أبو ظبيان جبير بن جندب الجهني الكوفي والد قابوس. وفيها توفي على الصحيح خالد بن يزيد بن معاوية، وكان موصوفاً بالعلم والدين والعقل، وهو الذي تقدم الكلام بينه وبين عبد الملك بن مروان خاله، وظهر عليه ببلاغة اللسان. وتوفي عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة الزهري الفقيه، وأبو الخير مرثد بن عبد الله اليزني مفتي أهل مصر في وقته، تفقه على عقبة بن عامر.
سنة إحدى وتسعين
توفي فيها أبو العباس سهل بن سعد الساعدي الأنصاري، وقد قارب المائة، وهو آخرمن مات بالمدينة من الصحابة، رضي الله عنهم. وفيها توفي وقيل في سنة ثمان وثمانين السائب بن يزيد الكندي، قال حج بي أبي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم حجة الوداع وأنا ابن سبع سنين، ورأيت خاتم النبوة بين كتفيه.

سنة اثنتين وتسعين
فيها افتتح اقليم الأندلس على يد طارق مولى موسى بن نصير، تمم موسى فتحه في سنة ثلاث. وتوفي مالك بن أوس بن الحدثان، ادرك الجاهلية، ورأى أبا بكر رضي الله عنهما. وفيها توفي ابراهيم بن يزيد التيمي الكوفي العابد المشهور، قتله الحجاج ولم يبلغ أربعين سنة، روى عن عمرو بن ميمون الأوثي وجماعة. وفيها توفي طويس المغني. قال ابن قتيبة في كتاب المعارف: طويس مولى أروى بنت
(1/144)

كريز، وهي أم عثمان بن عفان رضي الله عنه، واسمه عبد الملك. قال أبو الفرج في كتاب الأغاني: اسمه عيسى بن عبد الله، وقال الجوهري في الصحاح: اسمه طاوس فلما ثخنث أو قال خنث سمي طويس، وكان من المبرزين في الغناء المجيدين فيه، وممن يضرب به الأمثال، وإياه عنى الشاعر بقوله في مدح معبد المغني.
يغني طويس والشريحي بعده ... وما قصبات السبق إلآ لمعبد
وطويس المذكور هو الذي يضرب به المثل في الشوم، فيقال أشأم من طويس، لأنه ولد في اليوم النمي قبض فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفطم في اليوم الذي مات فيه الصديق رضي الله تعالى عنه، وختن في اليوم الذي قتل فيه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وقيل بل بلغ الحلم في ذلك اليوم، وتزوج في اليوم الذي قتل فيه عثمان رضي الله تعالى عنه، وولد مولود له في اليوم الذي قتل فيه علي رضي الله تعالى عنه، وقيل بل في يوم مات الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما، فلذلك تشاءموا به. قلت وهذا إن صح من عجائب الاتفاقات، وكان مفرطاً في طوله مضطرباً في خلقه أحول العين، سكن المدينة، ثم انتقل عنها إلى السويداء على مرحلتين من المدينة في طريق الشام، وبها توفي، وطويس تصغير طاوس بعد حذف الزيادات.

سنة ثلاث وتسعين
فيها افتتح قتيبة عدة فتوح، وهزم الترك، ونازل سمرقند في جيش عظيم، ونصب المجانيق، فجاءت نجدة الترك، فأكمن لهم كميناً، فالتقوا في نصف الليل فاقتتلوا قتالاً عظيماً، فلم يفلت من الترك إلا اليسير، وافتتح سمرقند صلحاً، وبنى بها الجامع والمنبر وقيل صالحهم على مائة ألف رأس وعلى بيوت النار وحلية الأصنام فسلبت ثم وضعت قدامه، وكانت كالقصر العظيم يعني الأصنام فأمر بتحريقها. ثم جمعوا من بقايا ما كان فيها من مسامير الذهب والفضة خمسين ألف مثقال. وفيها توفي من سادات الصحابة ذو الفضائل والإنابة خادم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الموهل لذلك السيد الجليل أبو حمزة أنس بن مالك الأنصاري. وقيل توفي سنة تسعين، وقيل في سنة إحدى وتسعين، وقيل في سنة اثنتين وتسعين، قدم النبي صلى عليه وآله وسلم المدينة وهو ابن عشر سنين، ومن فضائله: دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم له بالبركة فيما أعطي حتى أنه دفن من أولاده قبل مقدم الحجاج بن يوسف مائة
(1/145)

وعشرين، وكان نخله يثمر في السنة مرتين. وتوفي فيها بلال بن أبي الدرداء روى عن أبيه، وقد ولي امرة دمشق. وأبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي الفقيه بالبصرة. قال ابن عباس: لو أن أهل البصرة نزلوا عند قول أبي الشعثاء لأوسعهم علماً عما في كتاب الله عز وجل.
وفيها توفي أبو الخطاب عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة القرشي المخزومي الشاعر المشهور، قيل لم يكن في قريش أشعر منه، وهو كثير الغزل والنوادر والوقائع والمجون والخلاعة، وله في ذلك حكايات مشهورة، وكان يتغزل في شعره بالثريا ابنة علي بن عبد الله ابن الحارث بن أمية بن عبد شمس الأموية: قال السهيلي في الروض الأنق: وجدتها قتيلة بضم القاف وفتح المثناة من فوق وتسكين المثناة من تحت ابنة النضر بن الحارث التي أنشدت عقب وقعة بدر الأبيات التي من جملتها.
ظلت يهوف بني أمية يبسة ... لله أرحام هناك تمزق
أمحمد ولأنت نجل نجيبة ... من قومها والفحل فحل معرق
ما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المخنق
فالنضر أقرب من تركت وصيلة ... وأحقهم إن كان عتق يعتق
ويروى فالنضر أقرب أن أردت قرابة. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: " لو سمعت شعرها قبل أن أقتله لما قتلته ".
قلت وهذا مما احتج به للقول الصحيح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان له أن يجتهد في الأحكام، وكان النضر المذكور شديد العداوة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان من جملة أسارى بدر، فلما توجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبلغ الصفراء أمرعلياً وقيل المقداد بن الأسود رضي الله تعالى عنه بقتله، فقتله صبراً بين يديه، وممن قتل معه عدو الله الآخرعتبة بن أبي معيط، فقال يا محمد من للصبية؟ فقال صلى عليه وآله وسلم: " النار ". وكانت الثريا المذكورة موصوفة بالجمال، فتزوجها سهل بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، ونقلها إلى مصر، وكان عمر المذكور يضرب المثل في زواجه بالثريا وسهيل النجمين المعروفين في هذين البيتين المشهورين.
أيها المنكح الثريا سهيلاً ... عمرك الله كيف يلتقيان؟
هي شامية إذا ما استقلت ... وسهيل إذا استقل يمان
(1/146)

ومن شعر عمر المذكور:
أي طيف من الأحبة زارا ... بعدما صرى الكرى السمارا؟
طارقاً في المنام تحت دجى الليل ... ضنيناً بأن يزور نهارا
قلت ما بالنا خفينا وكنا ... قبل ذاك الأسماع والأبصارا؟
قال ما كنا عهدنا ولكن ... شغل الحلي أهل أن يعارا
قلت ومن شعره أيضاً: ما ذكره الفقهاء في كتب الفقه في قتال المشركين مستشهدين به على كون المرأة لا تقتل، اعني قوله:
إن من أكبر الكبائرعندي ... قتل بيضاء جوده عيطول
كتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جر الذيول
وكانت ولادته في الليلة التي قتل فيها عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، وكان الحسن البصري رحمه الله يقول: اذا ذكرت الليلة التي قتل فيها عمر وولد فيها عمر أي حق رفع وأي باطل وضع، وكان جده أبو ربيعة يلقب ذا الرمحين، وكان أبوه عبد الله أخا أبي جهل بن هشام المخزومي.
قلت ومما يحكى من ذكائه وخلاعته والله أعلم بكذب ذلك وصحته أنه أتته امرأة وقالت له أن امرأة تريد مسامرتك، وكان ذلك بالليل، فقام معها، فغطت عينيه بشيء شدته عليهما حتى لا يعرف البيت الذي يدخل ولا المرأة التي أرادت أن تسمع كلامه، وكانت ذوات المناصب، فأخذ حناه وقيل زعفراناً وعجنه وحمله بيده، فلما وصلت به إلى باب الدار التي المرأة فيها لطخ خارج الباب بالحناء ثم دخل، فبات يتحدث معها وينشدها الأشعار إلى ما شاء الله من الليل، ثم خرج، فلما أصبح قال لغلامه: اذهب وطف بالشوارع وتصفح الأبواب وانظرأي باب فيه حناء أو قال زعفران، وطاف الغلام حتى وجد الباب المذكور فأعلمه بذلك الباب وذكروا لمن هو، ولكني أكره أن أعين ذلك، وكان موته بحرق، غزا في البحر فأحرقت السفينة فاحترق وعمره مقدار سبعين، وقيل ثمانين سنة وتوفي أبو العالية رفيع بن مهران الرياحي مولاهم البصري المقري المفسر وقد دخل علىأبي بكروقرأ القرآن على أبي. قال أبو العالية: كان ابن عباس يرفعني على السرير وقريش أسفل، وقال أبو بكر بن أبي داود: ليس أحد بعد الصحابة أعلم بالقرآن من أبي العالية وبعده سعيد بن جبير.
(1/147)

وفيها توفي زرارة بن أوفى العامري قرأ في الصبح: " فإذا نقر في الناقور " - المدثر: 8 - فخر ميتاً. وفيها توفي عبد الرحمن بن يزيد بن جارية الأنصاري المدني، روى عن الصحابة، وولي قضاء المدينة، وعن الأعرج قال: ما رأيت بعد الصحابة أفضل منه.

سنة أربع وتسعين
فيها توفي السيد المجمع على جلالته وديانته وإمامته الذي سما كل سيد تابعي بعد السيد العارف بالله أويس القرني أبو محمد سعيد بن المسيب المخزومي المدني مفتي الأنام أحد الأئمة الأعلام، وقيل توفي في سنة ثلاث، قال مكحول وقتادة والزهري وغيرهم: ما رأينا أعلم من ابن المسيب. وقال ابن عمر لأصحابه: لو رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لسره. وقال الزهري أخذ سعيد علمه عن زيد بن ثابت، وجالس ابن عباس وابن عمر وسعد بن أبي وقاص، ودخل على أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم عائشة وأم سلمة، وسمع عثمان وعلياً وصهيباً ومحمد بن مسلمة، وجل روايته المسند عن أبي هريرة، وسمع من أصحاب عمر وعثمان، وكان يقال ليس أحد أعلم بكل ما قضى عمروعثمان منه، قال القاسم بن محمد: هو سيدنا وأعلمنا، وقال قتادة: ما جمعت علم الحسن إلى علم أحد من العلماء إلا وجدت له عليه فضلاًغيرأنه كان إذا أشكل عليه شيء كتب إلى سعيد بن المسيب يسأله. وقال زين العابدين علي بن الحسين: سعيد بن المسيب أعلم الناس بما تقدمه من الآثار، وأفضلهم في روايته، وسئل الزهري ومكحول من أفقه من أدركتما؟ فقالا: سعيد بن المسيب. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لما مات العبادلة عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ثار الفقه في جميع البلدان إلى الموالي. ففقيه مكة عطاء، وفقيه اليمن طاوس، وفقيه اليمامة يحيى بن كثير، وفقيه البصرة الحسن، وفقيه الكوفة ابراهيم النخعي، وفقيه الشام مكحول، وفقيه خراسان عطاء الخراساني إلا المدينة فإن الله تعالى خصها بقرشي فيه غير مدفع سعيد بن المسيب رضي الله
(1/148)

عنهم، ذكر هذه النقولات الشيخ أبو إسحاق في الطبقات. قلت وهو المتقدم في فقهاء المدينة السبعة، جمع بين الحديث والفقه والورع والعبادة، وقال ابن عمر فيه: وقد أفتي في مسألة ألم أخبركم بأنه أحد العلماء، وروي أنه قال: حججت أربعين حجة، وعنه أيضاً أنه قال: ما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين سنة، وما نظرت إلى قفاء رجل في الصلاة منذ خمسين سنة يعني المحافظة على الصف الأول. قيل إنه صلى الصبح بوضوء العشاء خمسين سنة، وكان قد أخذ من أزواج الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وأكثر روايته عن أبي هريرة، وكان زوج ابنته، والمسيب بفتح المثناة من تحت مشددة وروي عنه أنه كان يقول بكسرها ويقول إنه سيب الله من يسيب أبي وفضائله كثيرة معروفة شهيرة وقد أورد بعض العلماء في مناقبه مجلداً مستقلاً، ومن محاسنه وتواضعه وزهادته في الدنيا ومحبته للفقراء دون الأمراء ما اشتهر عنه أنه خطب ابنته بعض ملوك بني أمية فامتنع من تزويجه بها، وزوجها من بعض الفقراء المشتغلين عليه بالعلم، فذكر ذلك الفقير ذلك لأمه فقالت له البعيد مجنون سعيد بن المسيب يزوجك وبنته يخطبها الملوك، فسكت عنها، فلما كان الليل إذا بالباب يدق، فقال من هذا؟ قال سعيد فخرج اليه فإذا هو سعيد بن المسيب وبنته تحت ثوبه، فقال له: خذ إليك أهلك فإني كرهت أن ابنيك عزباً فأخذ زوجته وأدخلها البيت، فقالت أمه والله ما تقربها حتى تصلح من شأنها فأعلمت جارتها فاجتمعن وهيأن لها ما يصلح للعروس على حسب ما تيسر في ذلك الوقت: ثم زادها أبوها بعد ذلك، وبرهما بشيء من الدنيا رضي الله عنه.
قلت ومما يناسب هذه القصة: قصة أبي القواس شاه شجاع الكرماني فإنه لما زاد في الملك زهد في الملك، ودخل في طريق القوم خطبت ابنته بعض الملوك فلم يزوجها منه، وطاف في المساجد فوجد فقيراً يحسن صلاته، فقال له: الك زوجة؟ قال: لا. قال: فهل لك في زوجة جميلة تقرأ القرآن؟ فقال أنا رجل فقير ما يزوجني أحد. قال: اما تقدرعلى درهمين؟ قال: بلى. قال: فاشتر بدرهم خبزاً وبدرهم طيباً، فقد تم الأمر، ففعل فزوجه بابنته، فلما دخلت بنته بيت الفقير المذكور رأت قرصاً في البيت رجعت على ورائها، فسألها عن رجوعها فذكرت كلاماً معناه أني لا أرضى أبيت على معلوم، فأما أخرجه وإلا خرجت، فاخرج الرغيف فطابت نفسها، فاستقرت عنده. هذا مختصر القصة وقد أوضحتها في غير هذا الكتاب، رضي الله عنها وعن أبيها وعن سائر الصالحين، ونفعنا الله ببركاتهم أجمعين آمين. وفي السنة المذكورة توفي أيضاً من الفقهاء السبعة السيد الجليل أبو محمد عروة بن الزبيرالجامع بين السيادة والعلم والعبادة، كان حافظاً للعم صواماً قواماً حتى روي أنه مات
(1/149)

وهوصائم، ومما اشتهر عنه أنه قطعت رجله وهو في الصلاة لآكلة وقعت بها ولم تشعر بذلك. وقال الإمام الزهري: رأيت عروة بحراً لا ينزف، ويروى بحراً لا تكدره الدلا، وهذه السنة تسمى سنة الفقهاء، لأنه مات فيها جماعة منهم، وإنما قيل الفقهاء السبعة لأنهم كانوا بالمدينة في عصر واحد. ومنهم انتشر العلم والفتيا. وقيل لأن الفتوى بعد الصحابة صارت إليهم وشهروا بها، وسيأتي ذكر كل واحد منهم في موضعه، وقد جمعهم لعض العلماء فى بيتين فقالى:
ألا كل من لا يقتدى بأئمة ... فقسمته ضيزى عن الحق خارجه
وخذهم عبيد الله عروة قاسم ... سعيد أبو بكر سليمان خارجه
وكان في عصرهم جماعة من العلماء التابعين مثل سالم بن عبد الله بن عمر وأمثاله، ولكن الفتوى لم يكن إلا لهؤلاء السبعة، هكذا قال الحافظ السلفي. ووالدا عروة كلاهما ذو الجلالة والقدر، فأبوه الزبير بن العوام الصحابي أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، رضي الله عنهم ابن صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما وعروة شقيق أخيه عبد الله الزبير بخلاف أخيهما مصعب فإن أمه أخرى سمع عروة من خالته عائشة رضي الله عنها. وروى عنه ابن شهاب الزهري وغيره، وكان عالماً صالحاً ولما قطعت رجله من الأكلة لم يشعر الوليد بن عبد الملك بقطعها، وهو حاضر عنده لعدم تحركه حتى كويت، فوجد رائحة الكي على ما ذكر ابن قتيبة. قال: ولم يترك ورده تلك الليلة، وعاش بعد قطع رجله ثماني سنين ولما قتل أخوه عبد الله قال لعبد الملك بن مروان: اريد أن تعطيني سيف أخي. فقال: هو بين السيوف ولا أميزه فقال عروة: اذا حضرت السيوف فأنا أميزه فأمر عبد الملك باحضارها، فلما حضرت أخذ عروة منها سيفاً مقلل الحد، وقال: هذا سيف أخي. فقال عبد الملك: كنت تعرفه قبل الآن؟ فقال: لا فقال: كيف عرفته؟ فقال: بقول النابغة الذبياني:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
وعروة هو الذي احتفر البير المسماة ببير عروة في المدينة الشريفة، وليس فيها بير
(1/150)

أعذب ماء منها، وكان ولادته سنة اثنتين، وقيل سنة ست وعشرين. قال ابن خلكان وتوفي في قرية له دون المدينة، يقال لها فرع بضم الفاء وسكون الراء من ناحية الربذة بينها وبين المدينة أربع ليال، وهي ذات نخل ومياه. وذكر العتبي أن المسجد الحرام جمع بين عبد الله بن الزبير وأخويه عروة ومصعب وعبد الملك بن مروان أيام تألفهم بعد موت معاوية، فقالوا: هلم فلنمنه، فقال عبد الله بن الزبير: منيتي أن أملك الحرمين ويقال الخلافة، وقال مصعب: منيتي أن أملك العراقين فأجمع بين جميلتي قريش سكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة، وقال عبد الملك: منيتي أن أملك الأرض كلها وأخلف معاوية. فقال عروة: ليست في شيء مما أنتم فيه، منيتي الزهد في الدنيا والفوز بالجنة في الأخرى، وإن أكون ممن يروى عنه العلم، فقال: فما ماتوا حتى بلغ كل واحد منهم إلى أمله، وكان عبد الملك بن مروان لذلك يقول: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى عروة بن الزبير. وفيها توفي أيضاً من الفقهاء السبعة أبو بكرعبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي الملقب براهب قريش لعبادته وفضله، وكان مكفوفاً، وأبوه الحارث من جملة الصحابة، وهو أخو أبي جهل.
وفيها توفي زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم. روى عن جماعة من السلف إنهم قالوا: ما رأينا أورع وبعضهم قالوا أفضل منه منهم سعيد بن المسيب، وقال أيضاً: بلغني أن علي بن الحسين كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة إلى أن مات، قال: وسمي زين العابدين لعبادته، وقال بعضهم كان عبد الملك بن مروان يحبه ويحترمه، وكان الحسين يوم قتل والده مريضاً فلم يتعرض له، وأمه سلافة بنت يزدجرد آخر ملوك فارس. وذكر أبو القاسم الزمخشري في كتاب ربيع الأبرار: ان الصحابة لما أتوا المدينة بسبي فارس في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيهم ثلاث بنات ليزدجرد، فأمر ببيعهن فقال له علي رضي الله عنه إن بنات الملوك لا تعاملهن معاملات غيرهن، فقال: فكيف الطريق إلى بيعهن؟ فقال: تقومهن ومهما بلغ ثمنهن يقوم به من يختارهن، فقومهن وأخذهن علي بن أبي طالب، فدفع واحدة لعبد الله بن عمر، وأخرى لولده الحسين، وأخرى
(1/151)

لمحمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم، فأولد عبد الله من التي آخذ سالماً، وأولد الحسين زين العابدين، وأولد محمد ولده القاسم، فهؤلاء الثلاثة بنو خالة، وأمهاتهم بنات ملك الفرس المذكور. وحكى المبرد في كتاب الكامل أن رجلاً من قريش لم يسمه قال: كنت أجالس سعيد بن المسيب، فقال لي يوماً: من أخوالك؟ فقلت: امي فتاة وكأني نقصت من عينه فأمهلت حتى دخل سالم بن عبد الله بن عمر، فلما خرج من عنده قلت يا عم من هذا؟ قال سبحان الله أتجهل مثل هذا من قومك؟! هذا سالم بن عبد الله بن عمر. قلت: فمن أمه؟ قال: فتاة ثم أتاه القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، فجلس ثم نهض قلت يا عم من هذا؟ قال أتجهل من أهلك مثله؟ ما أعجب هذا هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق قلت فمن أمه؟ قال فتاة. قال فأمهلت شيئاً حتى جاء علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فسلم عليه ثم نهض فقلت: يا عم من هذا؟ قال هذا الذي لا يسع مسلماً أن يجهله، هذا علي بن الحسين بن أبي طالب، قلت: من أمه. قال فتاه قلت يا عم رأيتني نقصت من عينك لما علمت أني لأم ولد فما لي في هؤلاء أسوة، قال فجللت في عينه جداً، وكان أهل المدينة يكرهون اتخاذ السراري حتى نشأ فيهم هؤلاء الثلاثة، وفاقوا أهل المدينة فقهاً وورعاً فرغب الناس في السراري، وقيل إن أم زين العابدين يقال لها غزالة، وقيل سلامة من بلاد السند والله أعلم. وروي أن زين العابدين كان كثير البر بأمه فقيل له إنا نراك من أبر الناس بأمك، ولسنا نراك تأكل معها في صحفة، فقال أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عينها. وروي أيضاً أنه كان إذا توضأ اصفر لونه، وإذا قام إلى الصلاة أخذته رعدة، فقيل له ما لك؟ فقال ما تدرون بين يدي من أقوم؟ وكان إذا هاجت الريح سقط مغشياً عليه وقع حريق في بيت هو فيه، وهو ساجد، وجعلوا يقولون له: يا ابن رسول الله النار، فما رفع رأسه. فقيل له في ذلك فيما بعد: فقال ألهتني عنها النار الأخرى. وكان يقول: ان قوماً ما عبدوا الله عز وجل رهبة فتلك عبادة العبد، وآخرين عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار، وآخرين عبدوه شكراً فتلك عبادة الأحرار، وكان لا يحب أن يعينه على طهوره أحد، كان يسقي الماء لطهوره ويخمره قبل أن ينام، فإذا قام من الليل بدأ بالسواك ثم يتوضأ ويأخذ في صلاته، ويقضي ما فاته من ورد النهار. وروي أنه تكلم رجل فيه وافترى عليه فقال له زين العابدين: ان كنت كما قلت
(1/152)

فاستغفرالله، وإن لم تكن كما قلت فغفر الله لك، فقام إليه الرجل وقبل رأسه وقال: جعلت فداك لست كما قلت فاغفر لي. قال غفر الله لك، فقال الرجل الله أعلم حيث يجعل رسالته. وسيأتي الأبيات التي قالها فيه الفرزدق لما جاء يستلم الحجر الأسود أعني قوله:
هذا ابن خيرعباد الله كلهم ... هذا التقي النقي الطاهر العلم
الأبيات الآتية في سنة عشر ومائة، ومناقبه ومحاسنه كثيرة شهيرة، اقتصرت منها على هذه النبذة اليسيرة. وفيها توفي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري أحد الأئمة الكبار، رحمة الله تعالى عليهم أجمعين.

سنة خمس وتسعين
فيها أراح الله المسلمين بقلعه الحجاج بن يوسف الثقفي في ليلة مباركة لسبع وعشرين من رمضان، وله ثلاث وقيل أربع وقيل خمس وخمسون سنة، قالوا: وكان شجاعاً مقداماً مهيباً فصيحاً مفوهاً بليغاً سفاكاً للدماء عاملاً لعبد الملك بن مروان، ولي الحجاز سنتين ثم العراق وخراسان عشرين سنة، ولما توفي عبد الملك، وتولى ولده الوليد، اقره على ما بيده. وذكر في كتاب التعبير أنه أتي رجل ابن سيرين فقال: اني رأيت على شرفات مسجد المدينة حمامة بيضاء فعجبت من حسنها، فجاء صقر فاختطفها، فقال له ابن سيرين: إن صدقت رؤياك تزوج الحجاج ابنة عبد الله بن جعفر الطيار. فما مضى إلا يسير حتى تزوجها، فقيل له: يا أبا عبد الله كيف تخلصت إلى ذلك؟ فقال: ان الحمامة امرأة وبياضها نقاء حسنها، والشرفات شرفها، فلم أجد في المدينة امرأة أنقى حسناً ولا أشرف نسباً من ابنة عبد الله بن جعفر، ونظرت في الصقر فإذا هو سلطان ظالم غشوم، فلم أر في السلاطين أصقر من الحجاج بن يوسف. وذكر المسعودي في كتاب مروج الذهب أن أم الحجاج الفارعة بالفاء والراء والعين المهملة بنت همام بن عروة بن مسعود الثقفي كانت تحت الحارث بن كلدة الثقفي الطائفي حكيم العرب، فدخل عليها ذات ليلة في السحر فوجدها تخلل أسنانها، فبعث إليها بطلاقها، فأرسلت إليه: لم فعلت ذلك الشيء رابك مني؟ قال: نعم دخلت عليك في السحر وأنت تخللين، فإن كنت بادرت في الغداء فأنت شرهة، وإن كنت بت والطعام بين أسنانك فأنت قذرة، فقالت: كل ذلك لم يكن، لكني تخللت من شظايا السواك، فتزوجها بعده
(1/153)

يوسيف بن أبي عقيل الثقفي، فولدت له الحجاج لا دبر له فنقب عن دبره، وأبى أن يقبل ثدي أمه وغيرها، فأعياهم أمره، فيقال إن الشيطان تصور لهم في صورة الحارث بن كلدة حكيم العرب المذكور، فقال: ما خبركم؟ فقالوا: ابن ولد ليوسف من الفارعة وقد أبى أن يقبل ثدي أمه، فقال: اذبحوا جدياً وألقوه، او قال والعقوه دمه فإذا كان في اليوم الثاني فافعلوا به كذلك، واذبحوا له في الثالث تيساً أسود وافعلوا بدمه كما تقدم، ثم اذبحوا له أسود سالخاً. قلت: كأنه يعني ثعبان أسود قد سلخ جلده واستبدل آخر، وأمرهم أن يطعموه دمه، ويطلوا به وجهه، وأخبرهم أنهم إذا فعلوا ذلك فإنه يقبل الثدي في اليوم الرابع، ففعلوا به ذلك فكان لا يصبر عن سفك الدماء لما كان عنه في أول أمره. وكان الحجاج يخبر عن نفسه: ان أكبر لذاته سفك الدماء وارتكاب أمور لا يقدر عليها غيره. وقيل إن الحجاج خطب يوماً، فقال في أثناء كلامه: ايها الناس إن الصبر عن محارم الله أهون من الصبر على عذاب الله، فقام له رجل وقال: ويحك يا حجاج ما أصفق وجهك وأقل حياؤك، فأمر به فحبس، فلما نزل عن المنبر دعا به فقال له اجترأت علي، فقال له: اتجترىء على الله فلا تنكره، وتجترىء عليك فتنكره؟! فخلي سبيله. وذكر أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب تلقيح فهوم أهل الأثرة أن الفارعة أم الحجاج كانت تحت المغيرة بن شعبة، وإن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه طاف ليلة في المدينة، فسمع امرأة تنشد فيه خدرها.
هل من سبيل إلى خمر فاشربها ... أم هل سبيل إلى نصر بن حجاج
فقال عمر لا أرى معي في المدينة رجلاً يهتف به العواتق من خدورهن، علي بنصر بن الحجاج، فأتي به فإذا هو أحسن الناس وجهاً وأحسنهم شعراً بفتح الشين والعين. فقال عمر عزيمة من أمير المؤمنين لتأخذن من شعرك فأخذ منه فخرج له وجنتان كأنهما فلقتا قمر فقال له: اعتم فاعتم ففتن الناس بعينيه، فقال عمر: والله لا يساكنني ببلدة، فقال ما ذنبي يا أمير المؤمنين: قال: هو ما أقول لك، وسيره إلى البصرة. وأخبار الحجاج كثيرة هو الذي بنى مدينة واسط، وسميت بذلك لتوسطها بين البصرة والكوفة. قالوا ولما حضرته الوفاة دعا منجماً فقال له: هل ترى في علمك ملكاً يموت؟ فقال نعم ولست، فقال ولم؟ قالط: لأن الذي يموت اسمه كليب فقال الحجاج: والله بذلك سمتني أمي فأوصى عند ذلك وكان ينشد في مرض موته ما قاله عبيد بن سفيان العكلي.
(1/154)

يا رب قد حلف الأعداء واجتهدوا ... ايمانهم أنني من ساكني النار
أيحلفون على عمياء ويحهم ... ماظنهم بعظيم العفوغفار
وكان مرضه بالآكلة وقعت في بطنه، فدعا بالطبيب فأخذ لحماً وعلقه في خيط وسرحه في حلقه وتركه ساعة ثم أخرجه وقد علق به دود كبيرة، وسلط الله عليه بها الزمهريرة، وكانت الكوانين تجعل حوله مملوءة ناراً وتدني منه حتى يحرق جلده وهو لا يحس بها، فشكا ما يجده إلى الحسن البصري فقال له: قد نهيتك أن تتعرض للصالحين. وقيل إن الحسن سجد يشكر الله تعالى لما مات الحجاج، فقال: اللهم كما أمته فأمت عنا سنته، وكان قد رأى الحجاج أن عينيه قلعتا، وكانت تحته هند بنت المهلب وهند بنت أسماء بن خارجة فطلق الهندين ظناً منه أن رؤياه تتأول بهما، فلم يلبث أن جاءه نعي أخيه محمد بن يوسف من اليمن في اليوم الذي مات فيه ابنه محمد، فقال هذا والله تأويل رؤياي محمد ومحمد في يوم واحد إنا الله وإنا إليه راجعون ثم قال من يقول شعراً ليسليني فقال الفرزدق.
إن الرزية لا رزية مثلها ... فقدان مثل محمد ومحمد
ملكان قد خلت المنابر منهما ... أخذ الحمام عليهما بالمرصد
وكان أخوه محمد بن يوسف المذكور والياً على اليمن، وكانت وفاة الحجاج في رمضان كما تقدم. قلت فقصته السم القاتل والشوم العاجل بقتل السيد الفاضل سعيد بن جبير كما سيأتي ذكر قتله له في شعبان من السنة المذكورة فأراح الله العباد والبلاد من الحجاج وما كان فيه من الإفساد. وذكرابن عبد ربه في العقد أن الفارعة كانت زوجة المغيرة بن شعبة فطلقها من أجل التخلل المذكور في الحكاية والله أعلم، وإن الحجاج وأباه كانا يعلمان الصبيان بالطائف، ثم لحق الحجاج بروح الجذامي وزير عبد الملك بن مروان وكان في عديد شرطته إلى أن رأى عبد الملك انحلال عسكره، وإن الناس لا يرتحلون برحيله، ولا ينزلون بنزوله، فشكا ذلك إلى وزيره المذكور، فقال لهم: ان في شرطتي رجلاً لو قلده أمير المؤمنين أمر عسكره لأرحل الناس برحيله وأنزلهم بنزوله يقال له الحجاج، قال: فإنا قد قلدناه ذلك، فقال لا
(1/155)

يقدر أحد أن يتخلف عن الرحيل والنزول إلا أعوان الوزير المذكور، فوقف عليهم يوماً وقد أرحل الناس وهم على طعام يأكلون، فقال لهم: ما منعكم أن ترحلوا برحيل أمير ألمؤمنين؟ فقالوا له: انزل يا ابن اللخناء وكل معناه. فقال لهم: هيهات ذهب ذلك ثم أمرهم فجلدوا بالسياط، وطوف بهم في العسكر، وأمر بفساطيط الوزير فأحرقت بالنار، فدخل الوزير على عبد الملك شاكياً باكياً، فقال: علي به، فلما دخل عليه قال ما حملك على ما فعلت؟ فقال: انا ما فعلت شيئاً، قال: فمن فعل؟ قال أنت فعلت أنا يدي يدك وسوطي سوطك وما على أمير المؤمنين أن يعوض عن ذلك ولا يكسرني فيما قدمني له فعوض الوزير ما ذهب له، وكان ذلك أول ما عرف من كفاية الحجاج وسطوته، ثم كان له في سفك الدماء والعقوبات غرائب لم يسمع بمثلها.
ويقال إن زياد ابن أبيه أراد أن يتشبه بعمر بن الخطاب في ضبطه الأمور والقيام بالسياسات فاسرف وتجاوز الحد، وأراد الحجاج أن يتشبه بزياد فأهلك ودمر، فأهلكه الله ودمره. وفي السنة المذكورة توفي الإمام الكبير السيد الشهير العبد الصالح سعيد بن جبدر الأسدي مولاهم المقري الفقيه المحدث المفسر، قتله الحجاج كما تقدم في شهر شعبان. وكان أحد علماء التابعين، اخذ العلم عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر، فقال له ابن عباس: حدث. فقال: احدث وأنت هاهنا؟! فقال: اليس من نعمة الله عليك أن تحدث وأنا هاهنا: فإن أصبت فداك، وإن أخطأت علمتك، وكان لا يستطيع أن يكتب مع ابن عباس في الفتيا، فلما عمي ابن عباس كتب وأخذ عنه أيضاً القراءة عرضا وسمع منه التفسير، وأكثر روايته عنه، وروي أنه قرأ القرآن في ركعة في البيت الحرام، وعن بعض السلف قال: كان سعيد بن جبير يؤمنا في شهر رمضان فيقرأ ليلة بقراءة ابن مسعود وليلة بقراءة زيد بن ثابت وليلة بقراءة أخرى وهكذا أبداً. وقال وفاء بن إياس قال لي سعيد بن جبير في رمضان أمسك علي القرآن فما قام من مجلسه حتى ختم، وقال بعضهم كان أعلم التابعين بالطلاق سعيد بن المسيب، وبالحج عطاء، وبالحلال والحرام طاوس، وبالتفسير مجاهد، وأجمعهم لذلك سعيد بن جبير، رحمة الة عليهم. وذكر الإمام أبو نعيم الأصفهاني في تاريخ أصفهان أنه دخلها وأقام بها مدة، ثم ارتحل منها إلى العراق، وروى محمد بن حبيب أنه كان بأصفهان يسألونه عن الحديث ولا يحدث،
(1/156)

فلما رجع إلى الكوفة حدث، فقيل له في ذلك، فقال: انشر يدك حيث تعرف، وقيل للحسن البصري أن الحجاج قد قتل سعيد بن جبير، فقال: اللهم أنت على فاسق ثقيف، والله لو أن من أهل المشرق والمغرب اشتركوا في قتله لكبهم الله في النار. وقال الإمام أحمد بن حنبل قتل الحجاج سعيد بن جبير وما على وجه الأرض أحد إلا وهو مفتقر إلى علمه، ولم يسلطه الله بعده على قتل أحد. وذكر بعضهم أنه لما أراد أن يقتله قال له: ما اسمك. قال: سعيد قال ابن من؟ قال: ابن جبير قال الحجاج: بل أنت شقي بن كثير قال: الله أعلم بي إذ خلقني قال: وجهوا به القبلة واقتلوه، فلما فعلوا به ذلك قال وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً، وما أنا من المشركين. قال: حولوا وجهه عن القبلة فحولوه، فقال: فأينما تولوا فثم وجه الله. ولما قتله سال منه دم كثير، فاستدعى الحجاج الأطباء وسألهم عن ذلك، وعمن كان قبله فإنهم كان يسيل منه دم قليل، فقالوا: لأن هذا قتلته ونفسه معه والدم تبع النفس، وغيره قتلتهم وأنفسهم ذاهبة من الخوف فلذلك دمهم قليل. وقيل إن الحجاج لما حضرته الوفاة كان يغيب ثم يفيق ويقول: ما لي؟ ولسعيد بن جبير وأنه قيل له في النوم بعد موته ما فعل الله تعالى بك؟ قال قتلني بكل قتيل قتلة واحدة وقتلني بسعيد بن جبير سبعين قتلة، فإنه كان في مدة مرضه إذا نام رأى سعيد بن جبير أخذ بمجامع ثوبه يقول يا عدو الله فبم قتلتني؟ فيستيقظ مذعوراً ويقول ما لي ولسعيد؟ كان عمر بن جبير تسعاً وتسعين سنة، وقبره يزار في واسط، رضي الله عنه. وفي السنة المذكورة توفي أبو إسحاق ابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف روى عن أبيه وسعيد وجماعة. وفيها توفي السيد الجليل الصفوة الفقيه العابد المجاب الدعوة مطرف بن عبد الله بن الشخير بكسر الشين والخاء المعجمتين والتشديد وسكون الياء المثناة من تحت وفي آخره راء العامري البصري روى عن علي وعمار. وفيها توفي فقيه العراق الإمام بالاتفاق أبو عمران ابراهيم بن يزيد النخعي، اخذ عن علقمة والأسود ومسروق، ورأى عائشة وهو صبي، ولما حضرته الوفاة جزع جزعاً شديداً فقيل له في ذلك فقال: وأي خطر أعظم مما أنا فيه؟ أتوقع رسولاً يرد علي إما بالجنة وأما بالنار والله لوددت أنها تجلجل في حلقي إلى يوم القيامة يعني نفسه والنخع بفتح النون والخاء المعجمة وبعدها عين مهملة قبيلة كبيرة من مذحج باليمن سميت باسم الجد لأنه
(1/157)

انتخع من قومه أي بعد عنهم. وفيها توفي حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، سمع من خاله عثمان وهو صغير، وكان عالماً فاضلاً مشهوراً مشكوراً.

سنة ست وتسعين
فيها قلع الله قرة بن شريك القيسي أمير مصر، قيل كان ظالماً فاسقاً إذا انصرف الصناع من بناء جامع مصر دخله فدعا بالخمر والملاهي، ويقول لنا الليل ولهم النهار. وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله فيما روي عنه الوليد بالشام والحجاج بالعراق وقرة بمصر وعثمان بن حيان بالحجاز امتلأت والله الأرض جوراً. وفيها توفي خليفتهم الوليد بن عبد الملك، وكان مع ظلمه كثير التلاوة للقرآن، قيل كان يختم في ثلاث، ويقرأ في رمضان سبع عشرة ختمة، وعظمت سعادته في الدنيا، ونجاح أشياء من أمور الدين منها: أنشأؤه جامع دمشق وافتتاح بلاد الهند في أيامه وبلاد الترك والأندلس وكثرة الصدقات، وجاء عنه أنه قال: لولا ذكر الله فعل قوم لوط في القرآن ما ظننت أن أحداً يقتله. وفي آخرها قتل قتيبة بن مسلم الباهلي أمير خراسان بعدما وليها عشر سنين، قبل خلع سليمان بن عبد الملك فقتلوه، وكان بطلاً شجاعاً شهماً مقداماً هزم الكفار غير مرة وافتتح خوارزم وسمرقند وبخارى وقد كانوا كفروا، وكذلك فتح فرغانة بالفاء والغين المعجمة والنون، فلما مات الوليد بن عبد الملك وتولى أخوه سليمان، خافه قتيبة، فخرج عليه وأظهر الخلاف، وكان قتيبة قد عزل وكيع بن أبي الأسود عن رياسة بني تميم، فحقد عليه وكيع وسعى في تأليب الجند سراً ثم عرج عليه فقتله مع أحد عشر من أهله وفي قتله يقول جرير.
ندمتم على قتل الأعز ابن مسلم ... وأنتم إذا لاقيتم الله أندم
لقد كنتم في غزوة في غيمة ... وأنتم لمن لاقيتم اليوم مغنم
على أنه أفضي إلي حور جنة ... ويطبق بالبلوى عليكم جهنم
والباهلي نسبة إلى باهلة القبيلة المشهورة، وكانت العرب تستنكف من الانتساب إليها حتى قال الشاعر:
(1/158)

وما ينفع الأصل من هاشم ... إذا كانت النفس من باهلة
وقال الآخر:
ولوقيل للكلب يا باهلي ... عوى الكلب من لوم هذا النسب
وقال قتيبة بن مسلم لهبيرة بن مسروح: اي رجل أنت؟! لو كانت أخوالك من سلول، فلو بادلت: فقال: اصلح الله الأمير بادل بهم من شئت من العرب وجنبني باهلة.

سنة سبع وتسعين
فيها توفي سعيد بن مرجانة صاحب أبي هريرة والفقيه طلحة بن عبد الله بن عوف الزهري قاضي المدينة، وهو أحد الطلحات الموصوفين بالجود وفيها أو في سنة ثمان توفي قيس بن أبي حازم الأحمسي البجلي الكوفي وقد جاوز المائة، سمع أبا بكرة وطائفة من البدريين، كان من علماء الكوفة. وفيها أو في سنة ست توفي محمود بن لبيد الأنصاري الأشهلي. قال البخاري له صحبة، وذكره مسلم غيره في التابعين، وله عدة أحاديث. قال بعض المحدثين حكمها لارسال، وحج فيها بالناس خليفتهم سليمان بن عبد الملك، وتوفي معه بوادي القرى أبو عبد الرحمن موسى بن نصير الأعرج الأمير الذي افتتح الأندلس وأكثر المغرب، وكان من رجال العالم حزماً وعزماً ورأياً وهمة ونيلا وشجاعة واقداماً لم يهزم له جيش قط. قلت وكان والده نصير على جيوش معه، ومنزلته عنده مكينة، وكان عبد الله بن مروان أخو عبد الملك بن مروان والياًعلى مصر وإفريقية، فبعث ابن أخيه الوليد بن عبد الملك أيام خلافته يقول له: ارسل معي موسى بن نصير إلى إفريقية، وذلك في سنة تسع وثمانين من الهجرة، وقيل سبع وسبعين، فلما قدمها ومعه جماعة من الجند بلغه أن بأطراف البلاد جماعة خارجين عن الطاعة، فوجه ولده عبد الله فأتاه بمائة ألف رأس - قلت، هكذا هو في نسخة الأصل - وبعده قال الليث فبلغ الخمس ستين ألف رأس، وهذا لا يوافق قوله مائة ألف، ولا بد أن يكون أحد اللفظين غلطاً، فأما أن يكون الصحيح قول الليث ويكون الجملة ثلاث مائة ألف، وأما أن يصح رواية مائة ألف فيكون الخمس عشرين ألفاً، او يكون غلطه الكاتب في قوله ستين ألف رأس، وإنما هي ستون ألف دينار أو درهم على حسب ارتفاع
(1/159)

القيم وانخفاضها والله سبحانه أعلم. وقال أبو شبيب الصدفي لم يسمع في الإسلام بمثل سبايا موسى بن نصير، وكانت البلاد في قحط شديد فأمر الناس بالصلاة والصوم وإصلاح ذات البين، وخرج بهم إلى الصحراء ومعه سائر الحيوانات، وفرق بينها وبين أولادها، فوقع البكاء والصراخ والضجيج، فأقام على ذلك إلى منتصف النهار، ثم صلى وخطب الناس، ولم يذكر الوليد ابن عبد الملك، فقيل له ألا تدعو لأمير المؤمنين؟ فقال هذا مقام لا يدعى فيه لغير الله عز وجل، فسقوا حتى رووا.
وقتل من البربر خلقاً كثيراً، وسبى سبياً عظيماً، حتى انتهى إلى السوس الذي لايدافعه أحد، ونزل بقية البربر على الطاعة، وطلبوا الأمان، وولي عليهم والياً، واستعمل على طنجة وأعمالها مولاه طارق بن زياد البربري، ومهد البلاد ولم يبق له منازع من البربر ولامن الروم، وترك خلقاً كثيراً من العرب يعلمون البربر القرآن وفرائض الإسلام، فلما تقرر القواعد كتب إلى طارق وهو بطنجة يأمره بغزو بلاد الأندلس في جيش من البربر، ليس فيه من العرب إلا قدر يسير، فامتثل طارق أمره وركب البحرمن سنته إلى الجزيرة الخضراء من الأندلس، وصعد إلى جبل يعرف اليوم بجبل طارق، لأنه نسب إليه لما حصل عليه وذكر عن طارق أنه كان نائماً في المركب وقت التغدية، وأنه رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم والخلفاء الأربعة رضي الله عنهم يمشون على الماء حتى مروا، وبشره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالفتح، وأمره بالرفق بالمسلمين والوفاء بالعهد. وكان صاحب طليطلة ومعظم بلاد الأندلس ملكاً يقال له الذريق، ولما نزل طارق من الجبل بالجيش الذي معه كتب نائب للذريق يقال له تذمير؛ أنه قد وقع بأرضنا قوم لا ندري من السماء هم أم من الأرض فأقبل الذريق في سبعين ألف فارس ومعه العجل يحتمل الأموال والمتاع، وهو على سريره بين دابتين عليه قبة مكللة بالدر والياقوت والزبرجد. فلما دنا من طارق وعسكره قال طارق لمن معه أين المفر والبحرمن ورائكم والعدو أمامكم فليس عليكم والله إلا الصدق والصبر، وليس لكم وزير إلا سيوفكم، فلما التقوا
(1/160)

حمل طارت على سرير الذريق وقد رفع على رأسه رواق ديباج يظله، وهو في غاية من النبوة والأعلام، وبين يديه المقاتلة والسلاح، وحمل أصحاب طارق معه، فتفرقت المقاتلة من بين يدي الذريق، فخلص إليه طارق فضربه بالسيف على رأسه فقتله على سريره، فلما رأى أصحابه مصرع ملكهم اقتحم الجيشان وكان النصر للمسلمين ولم يزل طارق يفتح البلاد ووموسى بن نصير التحق به إلى أن بلغ ساحل البحر المحيط.

سنة ثمان وتسعين
فيها غزا المسلمون قسطنطينية وعلى المسلمين مسلمة بن عبد الملك، وفيها افتتح يزيد بن المهلب جرجان. وتوفي أبو عمرو الشيباني الكوفي وله مائة وعشرين سنة، روى عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما: وكان يقرىء الناس بمسجد الكوفة. وفيها توفي أبو هاشم عبد الله بن محمد ابن الحنفية الهاشمي، رحمة الله عليها. وفيهاأوفي التي بعدها توفي عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد النخعي الفقيه العابد، أدرك عمر وسمع من عائشة رضي الله عنهما. وفيها على الصحيح توفي عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي الضريرأحد فقهاء المدينة السبعة، وفيها توفي كنزالعلم كريب مولى ابن عباس، كان كثيرالعلم كبيرالقدر، قال موسى بن عقبة، وضع عندنا كريب عدل بعيرمن كتب ابن عباس، وفيها توفيت الفقيهة عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية، وكانت في حجرعائشة رضي الله عنهما، فاكثرت في الرواية عنها.

سنة تسع وتسعين
فيهاعلى اختلاف تقدم ذكره توفي أبوالأسود ظالم بن عمروالديلي، بكسر الدال المهملة وبعدها مثناة من تحت مهموزة من فوق، ويقال: بضم الدال بعدها واو مهموزة من فوق نسبة إلى الديل قبيلة من كنانة بفتح الهمزة في النسبة قال وإنما فتحت لئلا يتوالى الكسرات كما قالوا في النسب إلى نمرة نمري بالفتح وهي قاعدة مطردة والدال اسم دابة بين
(1/161)

ابن عرس والثعلب. وفي اسمه ونسبه اختلاف كثير، كان من سادات التابعين وأعيانهم، وصاحباً لعلي أبي طالب رضي الله عنه، معه شهد وقعة صفين، وهو بصري من أكمل الرجال رأياً وأرجحهم عقلاً، وهو أول من وضع النحو، وفي سبب ذلك اختلاف كثير. قيل: ان علياًرضي الله عنه وضع له: الكلام كله ثلاثة اسم، وفعل وحرف، ثم دفعه إليه وقال: وتم على هذا، وقيل إنه كان يعلم أولاد زياد ابن أبيه وهو والي العراقين يومئذ، فجاء يوماً ماوقال له: اصلح الله الأمير إني أرى العرب قد خالطت هذه الأعاجم وتغيرت ألسنتهم أفتأذن لي أن أضع للعرب ما يعرفون أو يقيمون به كلامهم؟ قال: لا فجاء رجل إلى زياد، وقال: اصلح الله الأمير توفي أبونا وترك بنين فقال: ادعوا أبا الأسود، فلما حضر قال ضع للناس الذي نهيتك أن تضع لهم. وقيل إنه دخل يوماً بيته فقال له بعض بناته يا أبة ما أحسن السماء وذكرت ذلك برفع النون من أحسن وجرت الهمزة من السماء، فقال: يا بنية نجومها فقالت إني لم أرد أي شيء منها، احسن إنما تعجبت من حسنها، فقال اذن قولي ما أحسن السماء وحينئذ وضع النحو قلت وإنما رد عليها لأنها رفعت النون من أحسن، وجرت الهمزة من آخر السماء، ومثل هذا يقع استفهاماً عن أي شيء في السماء أحسن؟ فلما فهم منها أنها لم ترد ذلك وإنما أرادت التعجب من حسن السماء أمرها أن تفتح النون والهمزة المذكورتين معاً، كما هو المعروف من وضع العربية في التعجب. وحكى ولده أبو حرب: قال أول باب رسم والدي التعجب. وقيل لأبي الأسود: من أين لك هذا العلم يعنون النحو؟ قال: تلقنت حدوده من علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وقيل إن أبا الأسود كان لا يخرج شيئاً أخذه عن علي بن أبي طالب حتى بعث إليه زياد المذكور أن أعمل شيئاً يكون للناس إماماً ويعرف به كتاب الله عز وجل، فاستعفاه أبو الأسود من ذلك حتى سمع أبو الأسود قارئاً يقرأ إن الله بريء من المشركين ورسوله بالكسر، قال ما ظننت أن أمر الناس يؤول إلى هذا، فرجع إلى زياد فقال أفعل ما أمر به الأمير، فليعني كاتباً لقناً يفعل ما أقول، فأتي بكاتب من عبد القيس فلم يرضه، فأتي بآخر فقال له أبو الأسود إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحررف فانقط بين نقطة فوق، وإن ضممت فمي فانقط بين يدي الحروف، فإن كسرت فاجعل النقط من تحت، ففعل ذلك وإنما سمي النحو نحو الآن أبا الأسود المذكور، قال استأذنت علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن أضع نحو ما وضع، فسمي لذلك نحواً والله أعلم. وكان لأبي الأسود بالبصرة داراً وله جاراً يتأذى منه في كل وقت، فباع الدار فقيل له:
(1/162)

بعت دارك؟! فقال: بل بعت جاري. فأرسلها مثلاً قلت يعني سار لفظه هذا مثلاً لمن باع الدار هرباً من الجار، فيقول ما بعت داري بل بعت جاري أو بعت جاري لا داري. ومن كلام أهل المعرفة الجار قبل الدار أي اعرف جوارك قبل أن تشتري دارك. ودخل أبو الأسود يوماً على عبيد الله بن أبي بكرة نقيع بن الحارث بن كلدة الثقفي، وقيل على المنذر بن جارود، وعليه جبة رثة كان يكثر لبسها، فقال يا أبا الأسود أما تمل لبس هذه الجبة؟ فقال رب مملوك لا يستطاع فراقه، فلما خرج من عنده سير إليه مائة ثوب، فكان ينشد بعد ذلك:
كساني ولم أستكسه فحمدته ... أخ لك يعطيك الجزيل وناصر
وان أحق الناس إن كنت شاكراً ... بشكرك من أعطاك والعرض وافر
ويروى وناصر بالنون وياصر بالياء المثناة، من تحت ولكل واحد منها معنى فمعناه بالنون ظاهر لأنه عن النصرة وبالياء من التعطف والحنو يقال فلان ياصر على فلان إذا كان يعطف عليه ويمن وله أشعار كثيرة فمن ذلك قوله:
وما طلب المعيشة بالتمني ... ولكن ألق دلوك في الدلاء
يجيء بملئهاطوراً وطورا ... يجيء بحمأة وقليل ماء
ومن شعره أيضاً وله ديوان شعر:
صبغت أمية في الدماء أكفنا ... وطوت أمية دوننا دنياها
قلت كأنه يعني بني أمية أوردونا معارك القتال وبخلوا علينا بالمال. ويحكى أنه أصابه فالج فكان يخرج إلى السوق يجر رجله، وكان موسراً ذا عبيد واماء، فقيل له قد أغناك الله سبحانه عن السعي في حاجتك، فلو جلست في بيتك، قال لا ولكني أخرج وأدخل، فيقول الخادم: قد جاء، ويقول الصبي: قد جاء ولو جلست في البيت فبالت الشاة علي ما منعها أحد عني، قلت يحتمل قوله قد جاء معنيين أحدهما الاشارة إلى أنه يجيء بشيء يفرحون به من السوق فيكون في ذلك تجدد فرح لهم بعد فرح، والثاني أنهم يخافون منه فمجيئه يجدد لهم خوفاً بعد خوف ويكون ذلك وسيلة إلى التأدب به والحذرمنه، وآخر كلامه يدل على المعنى الثاني والله أعلم. وحكى خليفة بن خياط أن عبد الله بن عباس كان عاملاً لعلي رضي الله عنهما على البصرة، فلما شخص إلى الحجاز استخلف أبا الأسود عليها، فلم يزل حتى قتل علي رضي الله عنه، وسمع رجلاً يقول من يعشي الجائع؟ فقال: علي به فعشاه، ثم ذهب ليخرج،
(1/163)

فقال أين تريد؟ قال: اهلي، قال: هيهات ما عشيتك إلا على أن لا تؤذي المسلمين الليلة ثم وضع في رجله القيد حتى أصبح، وتوفي أبو الأسود بالبصرة. وفيها توفي محمود بن الربيع الأنصاري الخزرجي، كان قد عقل مجة مجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في وجهه من بير في دارهم وهو ابن أربع سنين. وفيها توفي نافع بن جبير بن مطعم النوفلي، وكان هو وأخوه محمد من علماء قريش وأشرافهم، توفي قريباً من أخيه. وفيها توفي عبد الله بن محيريز الجمحي المكي نزيل بيت المقدس، وكان عابد الشام في زمانه رحمةالله عليه. وقال رجاء بن حيوة إن تفخر علينا أهل المدينة بعابدهم ابن عمر، فإنا نفخر عليهم بعابدنا ابن محيريز، وإن كنت لأعد بقاءه أماناً لأهل الأرض. وفي عاشر صفر توفي خليفتهم سليمان بن عبد الملك الأموي، وله خمس وأربعون سنة، وكانت خلافته أقل من ثلاث سنين، وكان فصيحاً فهماً محباً للعدل والغزو ذا همة عالية، جهز الجيوش لحصار القسطنطينية، وسافر فنزل على قنسرين رداً لهم، وقرب ابن عمه عمر بن عبد العزيز وجعله وزيره ومشيره، ثم عهد إليه بالخلافة، وكان أبيض مليح الوجه مقرون الحاجبين يضرب شعره منكبيه. قلت حكي أنه قدم عليه من بلاد الهند حكيم فقال له: بم جئتني؟ قال: جئتك بثلاث قال: ما هي؟ قال: تأكل ولا تشبع، وتنكح ولا تفتر، وتسود شعرك ولا تبيض، فقال له: كلهن يرغب العاقل عنهن. أما كثرة الأكل فأقل ما في ذلك كثرة دخول إلى المرحاض وشم الروائح الخبيثة، وأما كثرة النكاح فأقل ما في ذلك أنه يقبح لمثلي خليفة يبقى أسيرامرأة، وأما تسويد الشر فقبيح أن يسود المرء نوراً أكرم الله تعالى به عبده المسلم مشيراً إلى الحديث من شاب شيبة في الإسلام كانت له نوراً يوم القيامة الحديث.
(1/164)

سنة مائة
فيها توفي أبو إمامة أسعد بن سهل بن حنيف الأنصاري، ولد في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وروى عن عمر وجماعة، وكان من علماء المدينة. وفيها وقيل في سنة عشر ومائة توفي أبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني الليثي بمكة، وهوآخر من رأى النبي صلى الله عليه وآله رسلم موتاً، ويروى عنه هذا البيت.
وما شاب رأسي عن سنين تنابعت ... علي ولكن شيبتني الوقائع
وتوفي بسر بن سعيد المدني الزاهد العابد المجاب الدعوة، روى عن عثمان وزيد بن ثابت، وفيها وقيل بعدها بعام أو قبلها توفي سالم بن أبي الجعد الكوفي من مشاهير المحدثين. وفيها توفي خارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري المدني المفتي أحد الفقهاء السبعة، تفقه على والده. وتوفي أبو عثمان النهدي عبد الرحمن بن مل بالبصرة، وكان قد أسلم وأدى الزكاة الى عمال النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وحج في الجاهلية، وعاش مائة وثلاثين سنة، صحب سلمان الفارسي اثنتي عشرة سنة. وفيها توفي شهر بن حوشب الأشعري، قرأ القرآن على ابن عباس، وكان كثير الرواية حسن الحديث. وفيها توفي مسلم بن يسار روى عن ابن عمر وغيره، وكان من عباد البصرة وفقهائها، قال ابن عون: كان لا يفضل عليه أحد في ذلك الزمان، وقال غيره: كان ثقة فاضلاً عابداً ورعاً. وفيها توفي عيسى بن طلحة بن عبيد الله التيمي أحد أشراف قريش وحكمائها وعقلائها، وروى عن أبيه وجماعة.

سنة إحدى ومائة
في رجب منها توفي السيد الفاضل الإمام العادل أميرالمؤمنين وخامس الخلفاء الراشدين أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن مروان الأموي بدير سمعان من أرض المعرة،
(1/165)

وفي موته المذكور يقول جرير نظمه المشهور:
لو كنت أملك والأقدار غالبة ... تأتي رواحاً تبياتاً وتتبكر
رددت عن عمر الخيرات مصرعه ... بدير سمعان لكن يغلب القدر
وجملة عمره أربعون سنة، وخلافته سنتان وخمسة أشهر كأيام مدة خلافة الصديق، وكان أبيض جميلاً نحيف الجسم حسن اللحية بجبهته أثر حافي فرس شجه وهو صغير، وكان يقال له أشج بني أمية، حفظ القرآن في صغره، فبعثه أبوه من مصر فتفقه في المدينة حتى قيل إنه بلغ رتبة الاجتهاد. ومن كلامه المنقول عنه أنه قال: ينبغي أن يكون في القاضي خمس خصال: العلم بما يتعلق به، والحلم عند الخصومة، والنزهة عند الطمع، والاحتمال للأئمة، والاستشارة لذوي العلم. ومناقبه كثيرة شهيرة، وقد صنف فيها غير واحد من العلماء تصانيف مستقلات مشتملات على كثير من المحاسن الغراب، وجده لأمه عاصم بن عمر بن الخطاب، وجدته هي البنية التي سمعها عمربن الخطاب في الليل تقول لأمها المقالة المشهورة في قصة اللبن، لما أمرتها أمها أن تخلط الماء في اللبن فقالت لها البنية أما سمعت منادي عمر بالأمس ينهي عن ذلك؟ فقالت أمها مقالاً معناه أن عمرلا يدري عنك، فقالت البنية: والله ما كنت لأطيعه علانية وأعصيه سراً. وعمر رضي الله عنه يسمع كلامهما، فأعجبه عقل هذه البنية ودينها، فزوجها من ابنه المذكور. وقال السيد الجليل رجاء بن حيوة بت ليلة عند عمر بن عبد العزيز: فهم السراج أن يطفأ فقمت إليه لأصلحه، فأقسم علي عمر أن أقعد، فقام هو وأصلحه، فقلت له: تقوم أنت يا أمير المؤمنين: فقال: قمت وأنا عمر، ورجعت وأنا عمر. وقال قومت ثياب عمربن عبد العزيز وهو يخطب باثني عشر درهماً، كانت قباء وعمامة وقميصاً وسراويل ورداء وخفين وقلنسوة. وروي أنه كان يؤتي بالحلة قبل أن يلي الخلافة بألف درهم، فيقول ما أحسنها لولا خشونة فيها: ويؤتي بالحلة حين ولي الخلافة بأربعة أو خمسة دراهم، فيقول: ما أحسنها لولا نعومة فيها فسئل عن ذلك فقال: إن لي نفساً ذواقة تواقة، كلما ذاقت شيئاً تاقت إلى ما فوقه، فلم تزل تذوق وتتوق إلى أن ذاقت الخلافة فتاقت إلى ما فوقها، ولم يكن في الدنيا شيء فوقها فتاقت إلى ما عند الله تعالى في الدار الآخرة، وذلك لا ينال إلا بترك الدنيا.
(1/166)

وروي أنه دخل عليه مسلمة بن عبد الملك وهو مريض فرأى ثوبه وسخاً، فقال لزوجته فاطمة بنت عبد الملك: اغسلوا ثوب أمير المؤمنين، فقالت: نفعل إن شاء الله تعالى، ثم كذلك لم يزل يدخل عليه والثوب على حاله، فخاصم أخته فقالت له: إنه ليس ثوب غيره، إذا غسلناه لم يجد ثوباً يلبسه. وروي أن سليمان بن عبد الملك استشار في مرض موته السيد الجليل رجاء بن حيوة فيمن يعهد إليه بأمر الخلافة بعده، فأشار إليه بعمر بن عبد العزيز، فقال: كيف يمكن ذلك وأولاد عبد الملك لا يطيعون؟ فقال: افعل ما آمرك به والأمر يتصلح إن شاء الله تعالى. فقال: ما تأمرني؟ فقال: اكتب كتاب العهد له واختمه. ففعل ذلك ثم قال له: مر منادياً فليناد بالناس يحضرون عندك، فإذا حضروا فمرهم فليبايعوا لمن عهدت له فيه، ففعل ذلك. قال رجاء بن حيوة: فلما انصرفنا من عنده إذا بمركب خلفي فالتفت فإذا بهشام بن عبد الملك، فقال لي يا رجاء: اعلمني من صاحب العهد فإن أكن أنا هو عرفت ذلك، والا تكلمت قبل أن يفرط الأمر. قال: فأجبته بجواب أطمعته فيه من غير تصريح، فسكت وانصرف، ثم التفت: فإذا أنا بعمر بن عبد العزيز. فقال لي: يا رجاء اعلمني لمن كتب هذا العهد فإن لمن لغيري سكت، وإن يكن لي تكلمت في صرفه عني ما دام في الأمر سعة. قال: فأوهمته مراده فلما توفي سليمان أمرت من عنده يكتم موته، وقلت مروا منادياً فليناد بالناس ليبايعوا أمير المؤمنين ثانياًعلى السمع والطاعة لمن في الكتاب، ففعلوا ذلك، فلما حضروا وبايعوا قلت أعظم الله أجوركم في أمير المؤمنين، ثم فتح الكتاب فإذا صاحب العهد عمر بن عبد العزيز، فوخم لذلك بنو عبد الملك ولم يقدروا يفعلون شيئاً. ثم أخرجت جنازته فخرج بنو عبد الملك ركباناً، وخرج عمر بن عبد العزيز ماشياً. فلما رجعوا من دفنه أرسل عمر إلى نسائه رسولاً يقول لهن من أرادت منكن الدنيا فلتلحق بأهلها، فإن عمر قد جاءه أمر يشغله، قال: فسمعت النوائح يومئذ في بيت عمر بن عبد العزيز وعدله رضي الله عنه وحسن سيرته الحسناء وأوصافه الجميلة قد ملأت الوجود شهرة، رحمة الله تعالى ورضوانه عليه. وفيها توفي أبو صالح السمان ذكوان صاحب أبي هريرة رحمه الله. وفيها أو في التي قبلها توفي ربعي بن حراش أحد علماء الكوفة وعبادها، وقيل إنه لم يكذب قط، قال: قد آلى أن لا يضحك حتى يعلم أفي الجنة هو أو في النار. وفيها
وقيل في سنة خمس وتسعين توفي الحسن بن محمد ابن الحنيفة الهاشمي العلوي، ورد أنه صنف كتاباً في الأرجاء ثم ندم عليه، وكان من عقلاء قومه وعلمائهم. وفيها استعمل يزيد بن عبد الملك أخاه مسلمة على امرة العراقين وأمره بمحاربة يزيد بن المهلب، وكان قد خرج واستقل بالدعوة لنفسه، فحاربه حتى قتل يزيد المذكور في السنة الآتية كما سيأتي. وممن توفي بعد المائة ابراهيم بن عبد الله بن جبير المدني، وابراهيم بن عبد الله بن سعيد بن عياش الهاشمي المدني، والقطامي الشاعر المشهور، ومعاذة العدوية الفقيهة العابدة بالبصرة، وبشير بن يسار المدني الفقيه، وعبد الرحمن بن كعب بن مالك الأنصاري وحفصة بنت سيرين، وعائشة بنت طلحة التيمية التي أصدقها مصعب بن الزبير مائة ألف دينار، وكانت من أجمل النساء، وهي إحدى عقيلتي قريش اللتين تمناهما مصعب فنالهما كما تقدم، والثانية سكينة بنت الحسين، وذو الرمةالشاعر المشهور، وأبو الأشعث الصنعاني الشامي، وزياد الأعجم الشاعر، وأبو بكر بن أبي موسى الأشعري القاضي. يل في سنة خمس وتسعين توفي الحسن بن محمد ابن الحنيفة الهاشمي العلوي، ورد أنه صنف كتاباً في الأرجاء ثم ندم عليه، وكان من عقلاء قومه وعلمائهم.
(1/167)

وفيها استعمل يزيد بن عبد الملك أخاه مسلمة على امرة العراقين وأمره بمحاربة يزيد بن المهلب، وكان قد خرج واستقل بالدعوة لنفسه، فحاربه حتى قتل يزيد المذكور في السنة الآتية كما سيأتي. وممن توفي بعد المائة ابراهيم بن عبد الله بن جبير المدني، وابراهيم بن عبد الله بن سعيد بن عياش الهاشمي المدني، والقطامي الشاعر المشهور، ومعاذة العدوية الفقيهة العابدة بالبصرة، وبشير بن يسار المدني الفقيه، وعبد الرحمن بن كعب بن مالك الأنصاري وحفصة بنت سيرين، وعائشة بنت طلحة التيمية التي أصدقها مصعب بن الزبير مائة ألف دينار، وكانت من أجمل النساء، وهي إحدى عقيلتي قريش اللتين تمناهما مصعب فنالهما كما تقدم، والثانية سكينة بنت الحسين، وذو الرمةالشاعر المشهور، وأبو الأشعث الصنعاني الشامي، وزياد الأعجم الشاعر، وأبو بكر بن أبي موسى الأشعري القاضي.

سنة اثنتين ومائة
وفيها توفي يزيد بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي، وكان أمير البصرة لسليمان بن عبد الملك، فلما ولي عمر بن عبد العزيز عزله وسجنه، فلما توفي عمر أخرجه خواصه من السجن، فوثب على البصرة وفر منه عاملها. عدي بن أرطأة الفزاري، ونصب يزيد رايات سوداً وتسمى بالقحطاني، وقال ادعو إلي سيرة عمر بن الخطاب، فجاء مسلمة وحاربه، ثم قتل يزيد بن المهلب في صفر، وكان جواداً ممدوحاً كثير الغزو والفتوح. قال ابن خلكان وأجمع علماء التاريخ أنه لم يكن في دولة بني أمية أكرم من بني المهلب، كما لم يكن في دولة بني العباس أكرم من البرامكة، وقال بعضهم لما حمل رأس يزيد بن المهلب إلى يزيد بن عبد الملك نال منه بعض جلسائه، فقال مه، إن يزيد طلب جسيماً وركب عظيماً ومات كريمأ. وذكر ابن الجوزي في كتاب الأذكياء أن يزيد بن المهلب وقعت عليه حية فلم يرفعها عن نفسه، فقال أبوه ضيعت العقل من حيث حفظت الشجاعة. وفيها توفي يزيد بن أبي مسلم الثقفي مولاهم، وكان مولى الحجاج بن يوسف الثقفي
(1/168)

كاتبه، وكان فيه كفاية ونهضة، وقدمه الحجاج بسبب ذلك، ولما حضرته الوفاة استخلفه بالعراق، وأقره الوليد بن عبد الملك، وقيل إن الوليد هو الذي ولاه بعد موت الحجاج، وقال الوليد: يوماً مثلي ومثل الحجاج ويزيد بن أبي مسلم كرجل ضاع له درهم فوجد ديناراً. قلت مثل في هذا الحجاج بالدرهم ويزيد بالدينار، فلما مات الحجاج خلفه يزيد فكأنه وجد ديناراً بعد ضياع الدرهم لما رأى من فضل يزيد وحسن عقله وبلاغة لسانه، ولم مات الوليد وتولى أخوه سليمان عزل يزيد المذكور، واستحضره فرآه دميماً كبير البطن قبيح الوجه فقال لعن الله من أشركك في أمانته وحكمك في دينه، فقال: يا أمير المؤمنين، لا تقل فإنك رأيتني والأمور مدبرة عني، ولو رأيتني وهي مقبلة علي لاستعظمت ما استصغرت ولاستجللت ما احتقرت، فقال سليمان: قاتله الله ما أشد عقله وأعذب لسانه. ثم قال سليمان: يا يزيد أترى صاحبك الحجاج يهوي بعد في نار جهنم أم قد استقر في قعرها، فقال: لا تقل ذلك يا أمير المؤمنين، فإن الحجاج عاد عدوكم ووالى وليكم وبذل مهجته لكم، فهو في يوم القيامة عن يمين عبد الملك وعن يسار الوليد، فاجعله حيث أحببت. وفي رواية أخرى: يحشر بين اثنين أبيك وأخيك فضعهما حيث شئت. قال سليمان: قاتله الله أوفى لصاحبه إذا اصطنعت الرجال فلتصطنع مثل هذا. فقال: بعض الحاضرين: اقتله يا أميرالمؤمنين فقال يزيد: من هذا؟ قالوا فلان ابن فلان، فقال: والله لقد بلغني أن أمه ما كان يوراي شعرها أذنيها، فما تمالك سليمان إن ضحك وأمر بتخليته، ثم كشف عنه سليمان فلم يجد له خيانة في دينار ولا درهم، فهم باستكتابه، فقال له عمر بن عبد العزيز: أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن تحيي ذكر الحجاج باستكتابك كاتبه، فاعلمه سليمان أنه لم يخن قط في دينار ولا في درهم، فأجابه عمر بأن إبليس لم يخن فيهما وقد أهلك هذا الخلق، فتركه سليمان. وفيها توفي بخراسان الضحاك بن مزاحم الهلالي صاحب التفسير فقيه مكتب عظيم فيه ثلاثة آلاف صبي، وكان يركب حماراً يدورعليهم إذا أعيى. وفيها لما قتل يزيد بن المهلب في المعركة عمد ابنه معاوية فأخرج من الجيش عدي بن أرطأة وجماعة فذبحهم صبراً فقال الأصمعي: إن الحجاج قبض على يزيد وأخذه بسوء العذاب يعني في زمن ولاية الحجاج على العراق، قال فسأله أن يخفف عنه العذاب على أن يعطيه كل يوم مائة ألف درهم، فإن أداها ولا عذبه في الليل، أوقال إلى الليل فجمع يوماً مائة ألف درهم ليشتري بها نفسه من عذاب ذلك اليوم، فدخل عليه الأخطل الشاعر فقال:
(1/169)

أبا خالد نادت حراسان بعدكم ... وقال ذووالحاجات أين يزيد
فلا نظر الراؤون بعدك منظراً ... ولا اخضر بالمروين بعدك عود
فما السرير الملك بعدك بهجة ... ولا الجواد بعد جودك جود
قال: فأعطاه المائة الألف، فبلغ ذلك الحجاج فدعى به وقال: أكل هذا الكرم وأنت بهذه الحالة؟! قد وهبت لك عذاب يومك وما بعده.

سنة ثلاث ومائة
فيها توفي عطاء بن يسار المدني الفقيه مولى ميمونة أم المؤمنين، كان إماماً روى عن كبار الصحابة، وفيها توفي الإمام أبو الحجاج مجاهد بن جبر المكي عن نيف وثمانين سنة، قيل: وكان أعلمهم بالتفسير، قال: قرأت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة، وقال لي ابن عمر: وودت أن نافعاً يحفظ حفظك، وقال سلمة بن كهيل: ما رأيت أحداً أراد لهذا العلم وجه الله إلا عطاء وطاوساً ومجاهداً. وفيها توفي مصعب بن سعد بن أبي وقاص الزهري، كان فاضلاً كثير الحديث. وفيها توفي موسى بن طلحة بن عبيد الله التيمي، روى عن عثمان ووالده، وقال أبوحاتم: هو أفضل إخوته بعد محمد، وكان يسمى في زمانه المهدي. وفيها توفي مقرئ الكوفة يحيى بن وثاب الأسدي مولاهم، اخذ عن ابن عباس وطائفة، قال الأعمش: اذا رأيته قد جاء قلت هذا قد وقف للحساب يعد ذنوبه، رحمهما الله تعالى. وفيها توفي يزيد بن الأصم العامري ابن خالة ابن العباس، روى عن خالته عن ميمونة وطائفة.

سنة أربع ومائة
توفي فيها وقيل في التي قبلها وقيل بعدها فجأة الحبر العلامة أبو عمرو، وعامر بن
(1/170)

شراحيل السعبي الكوفي، وله بضع وثمانون سنة. قال ابن المديني: ابن عباس في زمانه والشعبي في زمانه وسفيان الثوري في زمانه، قيل جد الشعبي من إقبال اليمن من حمير، وهو تابعي جليل القدر وافي العلم، روي أن ابن عمر مر به يوماً وهو يحدث بالمغازي وقال: شهدت القوم وهو أعلم بها مني. وحكى الشعبي قال أنفذني عبد الملك بن مروان إلى ملك الروم، فلما وصلت جعل لا يسألني إلا أجبته، وكانت الرسل لا تطيل عنده فحبسني أياماً كثيرة حتى استحببت خروجي، فلما أردت الانصراف قال لي من أهل بيت المملكة أنت؟ فقلت: لا ولكنني رجل من العرب في الجملة، فهمس بشيء، فرفعت إلي رقعة وقال: اذا أديت الرسائل إلى صاحبك فأوصل إليه هذه الرقعة، قال: فأديت الرسالة عند وصولي إلى عبد الملك، ونسيت الرقعة، فلما صرت في بعض الدار أريد الخروج تذكرتها، فرجعت فأوصلتها إليه، فقال: قرأها وقال لي: اقال لك شيئاً قبل أن يدفعها إليك، قلت: نعم. قال لي: من أهل بيت المملكة أنت؟ قلت: لا ولكني من العرب في الجملة ثم خرجت من عنده، فلما بلغت الباب رددت، قال لي: اتدري ما في الرقعة؟ قلت: لا. قال: فاقرأها، فقرأتها، فإذا فيها عجبت من قوم فيهم مثل هذا كيف ملكوا غيره، فقلت: والله لو علمت ما حملتها، وإنما قال هذا لأنه لم يرك. قال: افتدري لم كتبها قلت: لا. قال: حسدني عليك، وأراد أن يغريني بقتلك، فتأدى ذلك إلى ملك الروم وقال: ما أردت إلا ما قال. قلت وقول الشعبي وإنما قال هذه لأنه لم يرك صدر عن بلاغة فهم ثاقب، واق من الوقوع في المغاضب أعني أنه مدح عبد الملك بما سكن به ثوران الغضب المؤدي عنذ هيجانه إلى سفك الدماء والعطب، وذلك أن مدح ملك الروم للإمام الشعبي مشتمل على أمرين خطيرين: احدهما أنه رفعه رفعاً ينحط به فضل عبد الملك، وحينئذ يكره أن يبقى مرفوعاً، ويقتضي أن يكون في جنبه موضوعاً، فلما مدحه الشعبي فكأنه قال: لو رأى فضلك لاحتقر فضلي في جنب فضلك، وكان ذلك سبباً لتسكين عبد الملك وحقن دم الشعبي. والثاني أن الرومي أوهم عبد الملك أن الشعبي أحق بالملك منه، فخشي أن يؤول الأمر إلى انتقال الملك منه إليه، كما خشي هارون الرشيد أن ينتقل ملكه إلى الأمام الشافعي لما جرى من الفضائل فجرى له معه ما جرى كما هو معررف في سيرة الشافعي. فلما مدح الشعبي عبد الملك، وخلع عن نفسه خلعة الفضل وألبسها إياه، وكأنه قال: تاج الملك لا
(1/171)

يصلح إلا لك، فعند ذلك سحكنت نفس عبد الملك، وسلم الشعبي من الوقوع في المهالك. وقال الزهري: العلماء أربعة ابن المسيب بالمدينة، والحسن بالبصرة، والشعبي بالكوفة، ومكحول بالشام. وذكر بعض المؤريخين أن الحجاج قال له يوماً: كم عطاك في السنة؟ قال: الفين، فقال: كم عطاؤك؟ قال: الفان. فقال: كيف لحنت أولاً؟ قال: لحن الأمير فلحنت، فلما أعرب أعربت، وما أمكن أن يلحن الأمير وأعرب أنا، فاستحسن ذلك منه وأجازه، قلت وأراد بقوله لحن الأمير: قول الحجاج.
ولاكم عطاك أولا
بغير واو ولا مد بين الألف والكاف وكان مزحاً. وقد اشتهر عن الشعبي أنه قال: ما أروي شيئاً أو قل ما أحفظ أقل من الشعر، ولوشئت أن أنشده شهراً ولا أعيد بيتاً لفعلت. وقال أبو بكر الهذلي للشعبي: اتحب الشعر؟ قال: نعم. فقال: اما إنه يحبه فحول الرجال ويكرهه مؤنثهم. وقال الشعبي ما أودعت قلبي شيئاً فخانني، وقال الشعبي: انما الفقيه من ورع عن محارم الله تعالى، والعالم من خاف الله عز وجل، وقال: اتقوا الفاجر من العلماء والجاهل من المتعبدين. قال: ولقد أدركت خمس مائة أو أكثر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منهم عمر وعلي رضي الله عنهم. وحكي أنه دخل على عبد الملك بن مروان، فقال له: انشدني أحكم ما قالته العرب وأوجزه، فقال قول امرىء القيس:
صبت عليه وما تنصب عن أمم ... إن الشفاء على الأشقين مكتوب
وقول زهير:
ومن يجعل المعروف من دون عرضه ... يقره ومن لا يتقي الشتم يشتم
وقول النابغة:
ولست بمستبق أخاً لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب
(1/172)

وقول عدي بن زيد:
عن المرء لا تسأل وأبصر قرينه ... فإن القرين بالمقارن مقتد
وقوله طرفة بن العبد:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود
وقول الحطيئة:
من يفعل الخير لا يعدم جوائزه ... لا يذهب الخير بين الله والناس
مع أبيات أخرى من أشعار العرب، رغبت في حذفها أختصاراً. وقال الشعبي: وقد قيل له: ما تقول في النابغة؟ فقال: خرج عمر بن الخطاب وببابه وفد غطفان، فقال يا معشرغطفان أي شعرائكم الذي يقول:
حلفت قلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب
لأن كنت قد بلغت عني رسالة ... لمبلغك الواشي أغش وأكذب
ولست بمستبق أخاً لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب
قالوا: النابغة يا أمير المؤمنين. قال: فأيكم الذي يقول:
وإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
مع أبيات أخرى سأل عن قائلها، فقالوا: النابغة يا أمير المؤمنين، فقال: هذا أشعر شعرائكم. انتهى مختصراً. وقال أبو العيناء: دخل الشعبي على الحجاج فقال: يا شعبي أدب وافر وعقل فاخر. قال: صدقت أيها الأمير، العقل عزيزة والأدب تكلف، ولولا أنتم معشر الملوك ما تأدبنا، قال: فالمنة لنا في ذلك دونكم، قال: صدقت أيها الأمير. قال: وكنا مع المغيرة بظهرالكوفة، فقيل له هذا دير هند، فقال: لو دخلناه فدخلنا فإذا هي جالسة عليها ثياب صوف سود لم أر قط أجمل منها، فقال لها المغيرة: هل لك فيما أحل الله تعالى؟ فقالت: كأنك أردت أن يقال تزوج المغيرة هند ابنة النعمان، ان ذلك غير كائن إليك فاخرج. قال: وخرجنا مع زياد بعد ذلك إلى ظاهر الكوفة، فمر بدير هند، فقيل له هذا دير هند، فقال: ادخلوا بنا فدخلنا فإذا هند وأختها جالستان عليهما ثياب صوف سود. قال الشعي فما أنسى جمالها فقال زياد: يا هند حدثيني عن ملككم، وما كنتم فيه، فقالت: اجمل أم أفسر؟ قال: اجملي قالت: اصبحنا وكل من رأيت لنا عبيد، وأمسينا وعدونا يرحمنا.
قلت لقد أبدعت في بلاغة هذا الإيجاز، وضمنت بمختصره المعاني الكثيرات الغزار،
(1/173)

فانظر إلى ما أدرجت تحت مملكة انقاد لها الإنام عبيداً وطوت تحت زوال نعم يرثي من زوالها من كان حسوداً، وقصرت طول زمان ملك طال أشهراً وسنينا يقولها عند وصف ذلك: فأصبحنا وأمسينا فانظر إلى بعد التفاوت بين هذه الأطراف وما جمعت في ذلك من الحسن المقابل بالاعتراف، ولعل مراد الإمام الشعبي رحمه الله تعالى بقوله: فما أنسى جمالها أي في هذا الخطاب المشتمل على أحسن الجواب، ومما يدل على ذلك أن انسياق الكلام كان في حكاية الشعبي: الإيجاز في الخطاب وحسن النظام، وقد صرحت في بعض قصائدي أن المحاسن المعنوية تفضل على المحاسن الجسمية. وقال المغيرة استقضى الشعبي والحسن في أيام عمر بن عبد العزيز، فشكيا جميعاً فعزلا: قلت هذا النقل غريب لا يكاد يعرف، والشعبي نسبة إلى شعب بفتح الشين المعجمة وسكون العين المهملة، قال ابن خلكان بطن من همدان، وقال الجوهري في الصحاح هذه النسبة إلى جبل باليمن نزله حسان بن عمرو الحميري هو وولده ودفن به، قلت: وشعب في بلاد اليمن مكان معروف بالقرب من موضعنا، والله اعلم أي لك هو. وفي السنة المذكورة توفي خالد بن معدان الكلاعي الفقيه العابد، قيل إنه كان يسبح في اليوم أربعين ألف تسبيحة، وأنه قال لقيت سبعين من الصحابة. وفيها وقيل قبل المائة توفي عامر بن سعد بن أبي وقاص، وكان ثقة كثير العلم. وفيها وقيل في سنة سبع توفي أبو قلابة الجرمي عبد الله بن زيد الإمام البصري وقد طلب للقضاء فهرب، وقدم الشام فنزل بداريا، وكان رأساً في العلم والعمل، وفيها وقيل في التي قبلها وقيل في ست أو سبع ومائة توفي أبو بردة عامر بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري قاضي الكوفة، كان أبوه صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قدم علمه من اليمن مع الأشعريين فأسلموا، وهو الذي قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في صوته: " لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود " وقد تقدم هذا مع غيره في ترجمته، ثم صار ابنه المذكور قاضياً على الكوفة، وليها بعد القاضي شريح على ما ذكر بعضهم في الطبقات، وله مكارم ومآثر مشهورة، وتولى ولده بلا قضاء البصرة، وهم الذين يقال فيهم ثلاثة قضاة في نسق. وفيهم قلت:
ثلاثة أمجاد قضاة جميعهم ... على نسق للاشعري انتسابهم
وأعي أبا موسى الصحابي ذا العلا ... فتى صوته مزمارهم وربابهم
وبيان النسق المذكور أن أبا موسى قضى بالبصرة لعمر. ثم بالكوفة لعثمان رضي الله
(1/174)

تعالى عنهم، وولده وولده في الكوفة والبصرة كما ذكرنا، وفي بلال المذكور يقول ذو الرمة:
سمعت الناس ينتجعون غيثاً ... فقلت لصيدح انتجعي بلا لا
وصيدح اسم ناقته، وأبو برده بن أبي موسى الأشعري قاضي الكوفة.

سنة خمس ومائة
فيها توفي كثيرعزة عبد الرحمن الخزاعي، كان شيعياً غالياً يؤمن بالرجوع بالدنيا بعد الموت، وهو أحد عشاق العرب المشهورين به صاحب عزة بنت جميل بن حفص من بني حاجب بن غفار، وله معها حكايات نوادر وأمور مشهورة، وأكثر شعره فيها، وكان يدخل على عبد الملك بن مروان وينشده، وكان كثير التعصب لآل طالب. حكى ابن قتيبة في طبقات الشعراء أن كثير أدخل على عبد الملك فقال له عبد الملك: بحق علي بن أبي طالب هل رأيت أحد أعشق منك؟ قال: يا أمير المؤمنين لو نشدتني بحقك لأخبرتك، قال: نشدتك بحقي إلا ما أخبرتني قال: نعم بينا أنا أسير في بعض الصلوات أذا أنا برجل قد نصب حبالة، فقلت: ما أجلسك هاهنا؟ قال: اهلكني وأهلي الجوع، فنصبت حبالتي هذه لأصيد لهم شيئاً ولنفسي ما يكفينا ويعصمنا يومنا هذا، قلت: ارأيت إن أقمت معك فأصبت صيداً، اتجعل لي منه جزء؟ قال: نعم فبينا نحن كذلك إذ وقعت ظبية في الحبالة، فخرجنا نبتدر، فبدرني إليها، فحلها وأطلقها، فقلت له: ما حملك على هذا؟ قال دخلتني لها رأفة لشبها بليلى، وأنشأ يقول:
يا شبه ليلى لا تراعي فإنني ... لك اليوم من وحشية لصديق
أقول وقد أطلقتها من وثاقها ... فأنت لليلى ما حييت طليق
ولما عزم عبد الملك على الخروج إلى محاربة مصعب بن الزبير ناشدته زوجته عاتكة بنت يزيد بن معاوية أن لا يخرج بنفسه، وأن يستنيب غيره في حربه، ولم تزل تلح عليه في المسألة وهو يمتنع من الإجابة، فلما يئست أخذت في البكاء حتى بكى من كان حولها من جواريها وحشمها، فقال عبد الملك: قاتل الله ابن أبي جمعة، يعني كثيراً كأنه رأى موقفنا هذا حين قال:
إذا ما أراد الغزو لم تثن عزمه ... حسان عليها نظم در بزينها
نهته فلما لم ترالنهي عاقه ... بكت فبكى من ماشجاها قطينها
(1/175)

القطين: الخدم والاتباع. ثم عزم عليها أن تقصر فاقتصرت، وخرج لقصده. قلت هكذا هو في الأصل المنقول عنه حصان بالصاد وحاء مكسورة، وما أراه صحيحاً بل إن كان بالصاد فهو بفتح الحاء، ويحسن أن يكون بالسين والحاء المكسورة جمع حسن، ويقال إن عزة دخلت على أم البنين ابنة عبد العزيز وهي أخت عمر بن عبد العزيز تزوجها الوليد بن عبد الملك الأموي فقالت لها: ارأيت قول كثير:
قضى كل ذي ديني فوفى غريمه ... وعزة ممطول معنى غريمها
ما كان ذلك الدين؟ فقلت: وعدته قبله فتحزجت منها، فقالت أم البنين: انجزيها وعلي إثمها. قلت وذكر بعض العلماء في بعض التصانيف: ان أم البنين المذكورة أعتقت كذا وكذا من رقبة عن هذه الكلمة التي صدرت منها، وقولها فتحرجت منها بالحاء بعد الفاء من الحرج وله معان منها الضيق ومنها الاثم يقال فلان يتحرج من كذا أي تركه خوف الاثم. وكان لكثير غلام عطار بالمدينة وربما باع نساء العرب بالنسأة، فأعطى عزة وهو لا يعرفها شيئاً من العطر، فمطلته أياماً وحضرت إلى حانوته في نسوة، فطالبها فقالت له: حباً وكرامة ما أقرب الوفاء وأسرعه فأنشد متمثلاً.
قضى كل في دين فوفى غريمه ... وعزة ممطول معنى غريمها
فقالت النسوة تدري من غريمك؟ فقال: لا والله، فقلن: هي والله عزة، فقال: اشهد الله إنها في حلى من مالي في قبلها، ثم مضى إلى سيده فأخبره بذلك، فقال: وأنا أشهد الله أنك حر لوجهه، ووهبه جميع ما في حانوت العطر، وكان ذلك من عجائب الاتفاق وغرائب المحبين العشاق. ولكثير في مطالها بالوعد شعر كثير، فمن ذلك قوله:
أقول لها عزيز مطلت ديني ... وشر الغانيات ذوو المطال
قالت: ويح غيرك كيف أقضي؟ ... غريماً ما ذهبت له بمال
وذكر صاحب كتاب الأغاني أن كثيراً خرج من عند عبد الملك بن مروان وعليه مطرف، فاعترضته عجوز في الطريق اقتبست ناراً فى روثة، فتافق كثير من وجهها، فقالت: من أنت؟ قال: كثير عزة. فقالت: الست القائل؟:
فما روضة زهراء طيبة الثرى ... تمج الندا حثحاثها وعرارها
(1/176)

باطيب من أراد أن عزة موهنا ... إذا أوقدت بالمندل الرطب نارها
فقال كثير نعم. فقالت: لو وضع المندل الرطب على هذه الروثة لطيب ريحها هلا قلت كما قال امرؤ القيس؟.
ألم تراني كلما جئت زائراً ... وجدت بها طيباً وإن لم تطيب
فناولها المطرف، وقال أشتري على هذا قالت، وقوله نعم بعد قولها: الست القائل؟ فما روضة البيتين صوابه أن يقول بلى، كقوله عز وجل: " ألست بربكم قالوا بلى " - الأعراف: 172 - ولو قالوا نعم لكان كفراً، لأنه تقرير للنفي والحثحاث بالحاء المهملة والراء والثاء المثلثة مكررتين: نبت طيب الرائحه والعرار بالعين المهملة والراء المكررة: بهار البر، وهو طيب أيضاً وإليه أشار الشاعر في قوله:
تمتع من شميم عرارنجد ... فما بعد العشية من عرار
وكان كثير ينسب إلى الحمق، ويروى أنه دخل يوماً على يزيد بن عبد الملك، فقال يا أمير المؤمتين ما يعني الشماخ بقوله:
إذ الأرطا توسدا برديه ... خدود جواري بالرمل عين
فاقال يزيد: ما يضرني أن لا أعرف ما عنى هذا الأعرابي الجلف واستحمقه وأمربإخراجه ودخل كثير على عبد العزيز بن مروان والد عمر يعود في مرضه، وأهله يتمنون أن يضحك، وهو يومئذ أمير مصر، فلما وقف عليه قال: لولا أن سرورك لا يتم بأن تسلم واسقم لدعوت ربي أن يصرف ما بك إلي، ولكني أسأل الله عز وجل لك العافية، ولي في كنفك النعمة، فضحك عبد العزيز، وأنشد كثير:
ونعود سيدنا وسيد غيرنا ... ليت التشكي كان بالعواد
لوكان يقبل فديتي لفديته ... بالمصطفى من طارقي وتلادي
قلت يعني بقوله المصطفى إلى آخر البيت: الذي يختاره من المال الحادث والقديم. ومما يستجاد من شعركثير: قصيدته النائية التي يقول من جملتها:
وإني وتهيامي لعزة بعدما ... تسليت من وجد بها وتسلت
لك المرتجى ظل الغمامة كلما ... تبوأ منها للمقيل اضمحلت
وكان كثير بمصر وعزة بالمدينة، فاشتاق إليها، فسافر للاجتماع بها، فلقيها في الطريق
(1/177)

وهي متوجهه إلى مصر وجرى بينهما كلام يطول شرحه، ثم إنها تمت في سفرها إلى أن قدمت مصر، وتأخر كثير بعدها مدة ثم عاد إلى مصر، فوفاها والناس منصرفون عن جنازتها، وكثير تصغير كثير، وإنما صغر لأنه كان شديد القصر: وفي السنة المذكورة توفي خليفتهم أبو خالد يزيد بن عبد الملك بن مروان، وجده لأمه يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، عاش أربعاً وثلاثين، وولي أربع سنين وشهراً، وكان أبيض جسيماً مدور الوجه، قيل لما استخلف قال سيروا سيرة عمر بن عبد العزيز، فأتوه بأربعين شيخاً شهدوا له أن الخلفاء لا حساب عليهم ولا عذاب، نعوذ بالله مما سيلقى الظالمون من شدة العذاب. وحكى الحافظ ابن عساكر أنه لما حج يزيد بن عبد الملك طلب حالقاً، فجاء فحلق رأسه، فأمر له بألف درهم، فتحير ودهش وقال هذه الألف أمضي بها إلى أمي فلانة أسرها بها، فقال: اعطوه ألفاً أخرى، فقال: امرأتي طالق إن حلقت رأس أحد بعدك فقال: اعطوه ألفين آخرين. قلت هكذا هو في الأصل المنقول عنه ليزيد بن عبد الملك، ولكن هذه القصة وقعت في أثناء ترجمة يزيد بن المهلب، فلا أدري هو غلط من الكاتب أو أدخل حكاية من حكايات ابن عبد الملك مع حكايات ابن المهلب. وفيها وقيل في التي قبلها، وقيل في التي بعدها، وقيل في سنة سبع، وقيل في سنة خمس عشرة، توفي عكرمة مولى ابن عباس أحد الأعلام المستضيء بها الأنام، اصله من البربر من أهل المغرب، وهب لابن عباس فاجتهد في تعليمه القرآن والسنين، وسماه بأسماء العرب. حدث عن مولاه عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري والحسن بن علي وعائشة رضي الله عنهم، وهو أحد فقهاء مكة من التابعين فيها، وكان كثير النقل في الأقاليم، خل اليمن وأصفهان وخراسان ومصر والمغرب وغيرها، وكانت الأمراء تكرمه وتصله، قال عكرمة طلبت العلم أربعين سنة. وروي أن عباس قال له: انطلق فأفت الناس، وقيل لسعيد بن جبير: هل تعلم أحداً أعلم منك؟ قال: عكرمة، وروى عنه الزهري وعمرو بن دينار والشعبي غيرهم. ولما مات مولاه، باعه ولده علي بن عبد الله بن عباس بن خالد بن يزيد بن معاوية بأربعة آلاف دينار، فقال له عكرمة: بعت علم أبيك بأربعة آلاف دينار. فاستقاله، فأقاله، ثم أعتقه.
(1/178)

وروى الواقدي بسنده أنه مات عكرمة وكثير عزة في يوم واحد، وصلى عليهما جميعاً، فقال الناس: مات أفقه الناس وأشعر الناس، وكان موتهما بالمدينة الشريفة. وفي السنة المذكورة على الصحيح توفي أبو رجاء العطاردي بالبصرة، وله مائة وعشرون سنة أو أقل، اسلم في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأخذ عن عمر رضي الله عنه وطائفة. وفيها توفي الأخوان عبيد الله وعبد الله ابنا عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأبان بن عثمان الأموي المدني الفقيه، روى عن أبيه.

سنة ست ومائة
فيها استعمل هشام بن عبد الملك على العراق خالد بن عبد الله القسري، فدخلها وقبض على متوليها عمر بن هبيرة الفزاري وسجنه، فعمد غلمانه فنقبوا سرباً إلى السجن وآخرجوه منه، وهرب إلى الشام فأجاره مسلمة بن عبد الملك، ثم مات قريباً من ذلك. وفيها توفي القاضي عبد الملك بن عمير، كان قاضياً على الكوفة بعد الشعبي، من كبار التابعين وثقاتهم، رأى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وروى عن جابر عبد الله، ومن أخباره؛ قال: كنت عند عبد الملك بن مروان بقصر الكوفة حين جيء برأس مصعب بن الزبير فوضع بين يديه، فرأني قد ارتعت لذلك، فقال لي: ما لك؟ فقلت: اعيذك بالله يا أمير المؤمنين، كنت بهذا القصر مع عبيد الله بن زياد، فرأيت رأس الحسين بن علي أبي طالب بين يديه في هذا المكان، ثم كنت فيه مع المختار بن أبي عبيد الثقفي، فرأيت رأس عبيد الله بن زياد بين يديه، ثم كنت فيه مع مصعب بن الزبير هذا، فرأيت رأس المختار فيه بين يديه، ثم هذا رأس مصعب بين يديك، قال: فقام عبد الملك من موضعه، وأمر بهدم ذلك الطاق. وفي السنة المذكورة توفي سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي المدني الفقيه القدوة، كان خشن العيش يلبس الصوف ويخدم نفسه، قال مالك: لم يكن أحد في زمانه أشبه بمن مضى من الصالحين في الفضل والزهد منه. وقال أحمد وإسحاق: اصح الأسانيد
(1/179)

الزهري عن سالم عن أبيه قلت ورجع غيرهما من المحدثين روايه مالك عن نافع عن ابن عمر، وسيأتي أن رواية الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر يسميها المحدثون سلسلة الذهب، وقال بعض المؤرخين دخل سليمان بن عبد الملك الكعبة، فرأى سالماً واقفاً، فقال: سلني حوائجك. فقال: والله لا سألت في بيت الله غير الله. وفيها توفي الفقيه الإمام آخر سادات الأعلام علماً وعملاً طاوس بن كيسان اليماني الجندي بفتح الجيم والنون الخولاني بمكة. في ذي الحجة، اخذ عن أبي هريرة وابن عباس وعائشة وطائفة، وكان فقيهاً جليل القدر نبيل الذكاء، قال عمرو بن دينار: ما رأيت أحداً قط مثل طاوس، ولما ولى عمر بن عبد العزيز الخلافة كتب إليه طاوس: ان أردت أن يكون عملك خيراً كله فاستعمل أهل الخير، فقال عمر: كفى بها موعظة، وتوفي حاجاً بمكة قبل يوم التروية بيوم، وصلى عليه هشام بن عبد الملك في ولايته، قلت كان هشاماً، كان في ذلك الوقت بمكة قادماً للحج، قال بعض العلماء: لم يتهيأ آخراج جنازته لكثرة الناس حتى وجه أمير مكة بالحرس. ولقد رأيت عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب واضعاً السرير على كاهله، وقد سقطت قلنسوة كانت على رأسه ومزق رداؤه من خلفه. قلت والمشهور عن طاوس رحمه الله تعالى أنه سأل عن مسألة، فقال: اخاف إن تكلمت، وأخاف إن سكت، وأخاف أن اخذ بين الكلام والسكوت. وذكر بعضهم: انه تولى قضاء صنعاء والجند، وأخذ عنه عمرو بن دينار والزهري وابنه عبد الله بن طاوس، وتولى ابنه المذكور القضاء بعده، وكان فقيهاً جليلاً. وفيها توفي أبو مجلز لاحق بن حميد البصري أحد علماء البصرة، لقي كباراً من الصحابة كأبي موسى وابن عباس رضي الله عنهم، قال هشام بن حسان: كان قليل الكلام، فإذا تكلم كان من الرجال.

سنة سبع ومائة
توفي سليمان بن يسارالمدني أحد فقهاء المدينة السبعة، اخذ عن ابن عباس وأبي هريرة وعائشة وأم سلمة، وروى عن الزهري وجماعة، وكان سعيد بن المسيب إذا استفتاه أحد يقول اذهب إلى سليمان بن يسار، فإنه أعلم من بقي اليوم، وله إخوة مشهورون منهم عطاء بن يسار. وفيها وقيل في سنة ثمان. وقيل في سنة اثنتي عشرة ومائة. وقيل إحدى وقيل اثنتين ومائة توفي القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي المدني الإمام، نشأ في حجر عمته عائشة، فأكثرمنها، قال يحيى بن سعيد: ما أدركنا أحداً تفضله بالمدينة على القاسم، وعن
(1/180)

أبي الزناد قال: ما رأيت فقيهاً أعلم منه، وقال ابن عيينة، كان القاسم افضل زمانه، وعن عمر بن عبد العزيز قال: لو كان أمر الخلافة إلي لما عدلت عن القاسم، واتفقوا على أنه من كبار سادات التابعين، وأحد فقهاء المدينة السبعة الجلة. وقال محمد بن إسحاق: جاء رجل إلى القاسم بن محمد فقال: انت أعلم أم سالم؟ يعني سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم، فقال ذاك مبارك، قال ابن إسحاق: كره أن يقول هو أعلم فيكذب، او يقول أنا أعلم فيزكي نفسه.

سنة ثمان ومائة
فيها توفي أبو عبد الله المزني، البصري الفقيه، روى عن المغيرة بن شعبة وجماعة، وفيها وقيل في سنة ست توفي أبو بصرة العبدي المنذر بن مالك أحد شيوخ البصرة، اعا علياً وطلحة والكبار، وقيل في سنة تسع ويزيد بن عبد الله بن الشخير، عاش نحواً من تسعين سنة، وكان ثقة جليل القدر، لقي عمران بن حصين وجماعة، وقيل بقي إلى سنة إحدى عشرة ومحمد بن كعب القرظي، روى عن كبار الصحابة، ولد في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكان كثير العلم موصوفاً بالعلم والورع والصلاح.

سنة تسع ومائة
فيها توفي أبو نجيح يسار المكي مولى ثقيف، روى عن أبي سعيد وجماعة، قال الإمام أحمد: كان من خيار عباد الله، وفيها توفي أبو الحارث بن أبي الأسود الديلي البصري، روى عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وجماعة.

سنة عشر مائة
فيها توفي الإمام القدوة المجمع على جلالله وصلاحه وزهادته وفضله وأمانته أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن البصري، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، وسمع خطبة عثمان رضي الله تعالى عنهما، وشهد يوم الدار، وكثرة شهرته تغني عن مدحته، قال بعض أهل
(1/181)

الطبقات كان جامعاً عالماً رفيعاً فقيهاً حجة مأموناً عابداً ناسكاً كثير العلم فصيحاً جميلاً وسيماً، رحمة الله عليه. وقال غيره: كان من سادات التابعين وكبرائهم، وجمع من كل من علم وزهد وورع وعبادة، وأبوه مولى زيد بن ثابت الأنصاري، وأمه مولاة أم سلمة، زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وربما غابت أمه في حاجة، فيبكي، فتعطيه أم سلمة ثديها تعلله به إلى أن تجيء أمه، فتدر عليه فيروى، ان تلك الحكمة والفصاحة من بركة ذلك. قال أبو عمرو بن العلاء: ما رأيت أفصح من الحسن البصري ومن الحجاج بن يوسف الثقفي. فقيل له: فأيهما كان أفصح؟ قال: الحسن. وكان من أجمل أهل البصرة، ولما ولي عمرو بن هبيرة الفزاري العراق، وأضيفت إليه خراسان في أيام يزيد بن عبد الملك، استدعى الحسن البصري ومحمد بن سيرين والشعبي، وذلك في سنة ثلاث ومائة، فقال لهم: ان يزيد خليفة الله استخلفه على عباده، وأخذ عليه الميثاق بطاعته، وأخذ عهودنا بالسمع والطاعة، وقد ولاني ما ترون، فيكتب إلي بالأمر من أموره فأقلده ما يقلده من ذلك الأمر، فقال ابن سيرين والشعبي: قولاً فيه تقية. فقال ابن هبيرة: ما تقول يا حسن؟ فقال: يا ابن هبيرة خف الله في يزيد، ولا تخف يزيد في الله، فإن الله يمنعك من يزيد، ولا يمنعك يزيد من الله، ويوشك أن يبعث إليك ملكاً فيزيلك عن سريرك، ويخرجك من سعة قصر إلى مضيق قبر، ثم لا ينجيك إلا عملك. يا ابن هبيرة، اياك أن تعصي الله، فإنما جعل الله هذا السلطان ناصر الدين الله وعباده، فلا تتركن دين الله وعباده بهذا السلطان، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فأجازهم ابن هبيرة، وأضعف جائزة الحسن، فقال محمد بن سيرين والشعبي: سفسفنا فسفسف لنا. قلت: السفاف الردي من العطية. وروي أنه كتب عمربن عبد العزيز إلى الحسن رضي الله عنهما يقول له: اني قد ابتليت بهذا الأمر، فانظر لي أعواناً يعينوني عليه، فكتب إليه الحسن كتاباً يقول في أثنائه: اما أبناء الدنيا فلا تريدهم، وأما أبناء الآخرة فلا يريدونك، فاستعن بالله والسلام. ورأى الحسن يوماً رجلاً وسيماً حسن الهيئة، فسأل عنه، فقيل: انه يتمسخر للملوك ويحبونه، فقال: لله أبوه أو قال: لله دره ما رأيت أحداً يطلب الدنيا بما يشبهها إلا هذا، قلت يعني أن الدنيا رذيلة، فأخذها بالرذائل أنسب من أخذها بالفضائل، وكان أكثر كلامه حكماً وبلاغة. ولما حضرته الوفاة أغمي عليه قبل موته، ثم أفاق فقال: لقد نبهتموني من جنات وعيون ومقام كريم، وقال رجل كريم قبل موته لابن سيرين: رأيت كأن طائراً أخذ حصاة بالمسجد، فقال: ان صدقت رؤياك مات الحسن، فلم يكن إلا قليلاً حتى مات الحسن، فتبع الناس جنازته، فلم تقم صلاة العصر بالجامع، وما علم أنها تركت فيه مذ كان الإسلام
(1/182)

إلا يومئذ، لأنهم تبعوا الجنازة حتى لم يبق من يصلي في المسجد، قلت وله مع الحجاج وقعات عظيمة واجهه فيها بكلام صادع، وسلمه الله من شره، ومما روي من تفحيم الحجاج أنه جاء ذات يوم راكباً على برذون أصفر، فأم الجامع، فلما دخله رأى فيه حلقات متعددة فأم حلقة الحسن، فلم يقم له بل وسع في المجلس، فجلس إلى جنبه. قال الراوي: فقلنا: اليوم ننظر إلى الحسن، هل يتغير من عادته في كلامه وهيئته؟ فلم يغير شيئاً من ذلك بل أخذ على نسق وأخذ عادته من غير زيادة ولانقص. فلما كان في آخر المجلس قال الحجاج: صدق الشيخ عليكم بهذه المجلس، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا ". ولولا ما ابتلينا من هذا الأمر لم تغلبونا عليها، او قال لم تسبقونا إليها، ثم افترعن لفظ أعجب به الحاضرون، ثم نهض فمشى طريقه. وذكر أهل علم التعبير أن الحسن رأى كأنه لابس صوف وفي وسطه كستيج بضم الكاف وسكون السين المهملة وكسر المثناة من فوق وسكون المثناة من تحت وفي آخره جيم، وفي رجله قيد وعليه طيلسان عسلي، وهو قائم على مزبلة وفي يده طنبورة يضربه، وهو مستند إلى الكعبة، فقصت رؤياه على ابن سيرين، فقال: اما لبسه الصوف فزهده، وأما كستيجه فقوته في دين الله، وأما عسيلته فحبه للقرآن وتفسيره للناس، وأما قيده فثباته في ورعه، وأما قيامه على المزبلة
فدنياه جعله تحت قدميه، اما ضرب طنبوره فنشره حكمته بين الناس، وأما استناده إلى الكعبة فالتجاؤه إلى الله تعالى. وأرى أيضاً في المنام كأنه عريان جرد لا يستحي من الناس، وبيده سيف له بريق يضربه على أحجار وهو يشقها، فأرسل من يقص رؤياه على ابن سيرين، فقال أما تجرده فقلة ذنوبه واخلاصه بين الناس، وأما سيفه فلسانه وكلمته، وأما الأحجار فقلوب الناس، وأما شقها فدخول موعظته وحكمته في قلوبهم والحسن البصري منسوب إلى البصرة، والبصرة في الأصل بفتح الموحدة وكسرها وسكون الصاد المهملة حجارة رخوة ترجع إلى البياض، وبها سميت البصرة بصرة فإذا أسقطت الهاء قيل بصر بالكسر، وإنما قالوا بالنسب بصري كذلك قاله ابن قتيبة وغيره. والبصرتان: البصرة والكوفة، والكوفة قديمة جاهلية والبصرة حادثة إسلامية بناها عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في سنة أربع عشرة من الهجرة على يد عتبه بن غزوان. وفيها توفي يوم الجمعة في شوال شيخ البصرة مع الحسن في أوانه وإمام المعبرين في زمانه أحد الجلة الورعين محمد بن سيربن، كان إماماً يقتدى به، سمع من أبي هريرة وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعمران بن حصين وأنس بن مالك رضي الله تعالى عنهم. وروى عنه جماعة من الأئمة، منهم قتادة وخالد الحذاء وأيوب السختياني وغيرهم من الأئمة، قال أيوب: اريد على القضاء، ففر إلى الشام وإلى اليمامة. وقال بعض السلف: ما رأيت أفقه في ورعه من محمد بن سيرين، وقال هشام بن حسان: حدثني أصدق من رأيت من البشر، او قال من العالمين محمد بن سيرين وقال ابن عون: لم أر مثل محمد بن سيرين. وكان الشعبي يقول عليكم بذاك الأصم، يعني ابن سيرين، فإنه كان في إذنه صمم، كان أبوه عبد أنس بن مالك رضي الله عنه، كاتبه على أربعين ألف درهم وقيل عشرين ألفاً فأدى ما كوتب عليه، وكانت أمه مولاة لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، طيبها ثلاث من أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ودعون لها، وحضر أملاكها ثمانية عشر بدرياً فيهم أبي بن كعب، وكان ولادته لسنتين بقيتا من خلافة عثمان رضي الله عنه، وتوفي بعد الحسن بمائة يوم، وكان قد حبس بدين كان عليه، ذكر المعبرون أنه جاءه رجل يقال رأيت على ساقي رجل شعراً كثيراً فقال: يركبه دين ويموت في السجن، فقال له الرجل: لك رأيت هذه الرؤيا، فاسترجع. قيل: ومات في السجن وعليه أربعون ألف درهم قضى عنه ذلك بعض الصالحين، وقيل كان عليه ثلاثون ألف درهم فقضاها ولده عبد الله، فما مات عبد الله حتى قوم ماله ثلاث مائة ألف درهم، وولد لابن سيرين ثلاثون ولداً من امرأة واحدة عربية، ولم يبق منهم إلا عبد الله. وحكي إن امرأة جاءت إلى ابن سيرين وهو يتغدى، فقالت: يا أبا بكر رأيت رؤيا، فقال لها: تقصين أو تتركين حتى آكل؟ فقالت: بلى أتركك، فلما فرغ، قال لها: قصي رؤياك. فقالت: رأيت القمر قد دخل في الثريا، فناداني مناد أن أمضي إلى ابن سيرين، فقصى عليه هذا، قال: فقبض ابن سيرين يده، وقال: ويلك كيف رأيت؟ فأعادت عليه، فاصفر وجهه، وقام وهو آخذ ببطنه، فقالت له أخته: ما لك؟ قال: قد زعمت هذه المرأة أني أموت إلى سبعة أيام، قال فعدوا من ذلك اليوم سبعة أيام فدفن في اليوم السابع. وحكي أنه جاء رجل فقال له: اني رأيت طائراً سميناً، ما أعرف ما هو، وقد تدلى من السماء، فوقع على شجرة، وجعل يلتقط الزهر، ثم طار، فتغير وجه ابن سيرين، وقال: هذا، اموت العلماء، فمات في ذلك العام الحسن البصري ومحمد بن سيرين رحمة الله علبهما. اه جعله تحت قدميه، اما ضرب طنبوره فنشره حكمته بين الناس، وأما استناده إلى الكعبة فالتجاؤه إلى الله تعالى. وأرى أيضاً في المنام كأنه عريان جرد لا يستحي من الناس، وبيده سيف له بريق يضربه على أحجار وهو يشقها، فأرسل من يقص رؤياه على ابن سيرين، فقال أما تجرده فقلة ذنوبه واخلاصه بين الناس، وأما سيفه فلسانه وكلمته، وأما الأحجار فقلوب الناس، وأما شقها فدخول موعظته وحكمته في قلوبهم والحسن البصري منسوب إلى البصرة، والبصرة في الأصل بفتح الموحدة وكسرها وسكون الصاد المهملة حجارة رخوة ترجع إلى البياض، وبها سميت البصرة بصرة فإذا أسقطت الهاء قيل بصر بالكسر، وإنما قالوا بالنسب بصري كذلك قاله ابن قتيبة وغيره. والبصرتان: البصرة والكوفة، والكوفة قديمة جاهلية والبصرة حادثة إسلامية بناها عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في سنة أربع عشرة من الهجرة على يد عتبه بن غزوان. وفيها توفي يوم الجمعة في شوال شيخ البصرة مع الحسن في أوانه وإمام المعبرين في زمانه أحد الجلة الورعين محمد بن سيربن، كان إماماً يقتدى به، سمع من أبي هريرة وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعمران بن حصين وأنس بن مالك رضي الله تعالى عنهم.
(1/183)

وروى عنه جماعة من الأئمة، منهم قتادة وخالد الحذاء وأيوب السختياني وغيرهم من الأئمة، قال أيوب: اريد على القضاء، ففر إلى الشام وإلى اليمامة. وقال بعض السلف: ما رأيت أفقه في ورعه من محمد بن سيرين، وقال هشام بن حسان: حدثني أصدق من رأيت من البشر، او قال من العالمين محمد بن سيرين وقال ابن عون: لم أر مثل محمد بن سيرين. وكان الشعبي يقول عليكم بذاك الأصم، يعني ابن سيرين، فإنه كان في إذنه صمم، كان أبوه عبد أنس بن مالك رضي الله عنه، كاتبه على أربعين ألف درهم وقيل عشرين ألفاً فأدى ما كوتب عليه، وكانت أمه مولاة لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، طيبها ثلاث من أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ودعون لها، وحضر أملاكها ثمانية عشر بدرياً فيهم أبي بن كعب، وكان ولادته لسنتين بقيتا من خلافة عثمان رضي الله عنه، وتوفي بعد الحسن بمائة يوم، وكان قد حبس بدين كان عليه، ذكر المعبرون أنه جاءه رجل يقال رأيت على ساقي رجل شعراً كثيراً فقال: يركبه دين ويموت في السجن، فقال له الرجل: لك رأيت هذه الرؤيا، فاسترجع. قيل: ومات في السجن وعليه أربعون ألف درهم قضى عنه ذلك بعض الصالحين، وقيل كان عليه ثلاثون ألف درهم فقضاها ولده عبد الله، فما مات عبد الله حتى قوم ماله ثلاث مائة ألف درهم، وولد لابن سيرين ثلاثون ولداً من امرأة واحدة عربية، ولم يبق منهم إلا عبد الله. وحكي إن امرأة جاءت إلى ابن سيرين وهو يتغدى، فقالت: يا أبا بكر رأيت رؤيا، فقال لها: تقصين أو تتركين حتى آكل؟ فقالت: بلى أتركك، فلما فرغ، قال لها: قصي رؤياك. فقالت: رأيت القمر قد دخل في الثريا، فناداني مناد أن أمضي إلى ابن سيرين، فقصى عليه هذا، قال: فقبض ابن سيرين يده، وقال: ويلك كيف رأيت؟ فأعادت عليه، فاصفر وجهه، وقام وهو آخذ ببطنه، فقالت له أخته: ما لك؟ قال: قد زعمت هذه المرأة أني أموت إلى سبعة أيام، قال فعدوا من ذلك اليوم سبعة أيام فدفن في اليوم السابع. وحكي أنه جاء رجل فقال له: اني رأيت طائراً سميناً، ما أعرف ما هو، وقد تدلى من السماء، فوقع على شجرة، وجعل يلتقط الزهر، ثم طار، فتغير وجه ابن سيرين، وقال: هذا، اموت العلماء، فمات في ذلك العام الحسن البصري ومحمد بن سيرين رحمة الله علبهما.
وفيها توفيت فاطمة بنت الحسين بن علي رضي الله عنهم، التي أصدقها الديباج عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان ألف ألف درهم، قلت وقد تقدم أن أختها سكينة تزوجها
(1/184)

مصعب بن الزبير هي وعائشة بنت طلحة، وأنه أصدق عائشة المذكورة مائة ألف دينار. وفيها توفي جرير والفرزدق الشاعران الشهيران، قال ابن خلكان: كان جرير من فحول شعراء الإسلام، وكانت بينه وبين الفرزدق مهاجاة، قال وهو أشعر من الفرزدق عند أكثرأهل العلم بهذا الشأن. وقال أجمعت العلماء أنه ليس في شعراء الإسلام أشعر من ثلاثة: جرير والفرزدق والأخطل. قال: ويقال: ان بيوت الشعر أربعة فخر ومديح وهجاء وتشبيب، وفي الأربعة فاق جرير غيره، في الفخر قوله:
إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهم غضابا
ويروى وجدت الناس. وفي المديح قوله:
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح
وفي الهجاء قوله:
فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعباً بلغت ولا كلابا
وفي التشبيب قوله:
إن العيون التي في طرفها حور ... يقتلننا ثم لا يحيين قتلابا
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك له ... وهن أضعف خلق الله أركانا
قلت قوله: قد أجمعت العلماء على أنه ليس في شعر الإسلام مثل ثلاثة جرير والفرزدق والأخطل، ليس بصحيح، بل الخلاف بينهم واقع، وقد رجح كثير من المتآخرين بل أكدرهم قول ثلاثة آخر على الثلاثة المذكورين، وهم أبو تمام والبحتري - والمتنبي -، ثم اختلفوا أيضاً اختلافاً كثيراً في الثلاث المتآخرين، ايهم أرجح؟ وفصل بعضهم في التفضيل بينهم في أشياء يطول ذكرها، وقد أوضحت ذلك في الشرح الموسوم بمنهل المفهوم المروي من صداء الجهل المذموم في شرح ألسنة العلوم، وسيأتي إن شاء الله تعالى في ترجمة المتنبي إيضاح ذلك مشبعاً موصولاً ومفرعاً. ومن أخبار جرير ما حكى صاحب الجليس والأنيس في كتابه أنه قيل لجرير: ما كان أبوك صائغاً؟ حيث يقول:
لو كنت أعلم أن آخرعهدهم ... يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل
(1/185)

قال: كان يقلع عينيه، ولا يرى مظعن أحبابه. وذكر أبو الفرج الأصفهاني في كتاب الأغانى في ترجمة جرير أنه قال مسعود بن بشر لابن مناذر بمكة: من أشعر الناس؟ قال: من إذا شبب لعب، وإذا طلب جد، فإذا لعب أطمعك لعبه، وإذا رميته أو قال رمته بعد عنك وإذا جد فيما قصدته آيسك من نفسه، قال: مثل من. قال: مثل جرير حيث قال:
إن الذين غد وابليلي غادروا ... وشدا بعينك ما يزال معينا
غيضن من عبراتهن وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا
ثم قال حين جد شعراً:
إن الذي حرم المكارم تغلبا ... جعل النبوة والخلافة فينا
مضر أبي وأبو الملوك فهل لكم ... يا خزر تغلب من أب كأبينا
هذا ابن عمي في دمشق خليفة ... لو شئت ساقكم إلي قطينا
قال: فلما بلغ عبد الملك بن مروان قوله، قال: ما زادا ابن كذا وكذا على أن جعلني شرطياً له، اما أنه لو قال: لو شاء ساقكم إلي قطينا لسقتهم إليه كما قال. قلت وهنا الانكار الذي أنكره عليه عبد الملك ظاهر حتى لقد أدركه ولدي عبد الرحمن وهو صغير حين أمليته على الكاتب ووصلت إلى قوله لو شئت أنكره وقال لو شاء، ثم قال أرى أنه يحب أنه عنده عزيز يفعل له ما يشاء، فأعجبني ذلك من نباهته بارك الله تعالى فيه، ووفقنا جميعاً لما يرضيه. وأبيات جرير المذكورات في مهاجاة الشاعر المذكور المشهور المعروف بالأخطل التغلبي وقوله: جعل النبوة والخلافة فينا لأنه تميمي النسب وتميم ترجع إلى مضر بن نزار بن معد بن عدنان جد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقوله يا خزر تغلب خزر بضم الخاء المعجمة وسكون الزاي وبعدها راء هو جمع أخزر مثل أحمر وحمر والأخزر الذي في عينه ضيق وصغر، وهذا الوصف موجود في العجم أو في بعضهم كما هو معروف في الترك، وكأنه نسبه إلى غير العرب. قالوا: وهذا عند العرب من النقائص الشنيعة وقوله: هذا ابن عمي في دمشق يريد بذلك عبد الملك بن مروان والقطين بفتح القاف الخدم والاتباع.
ومن أخبار جرير أيضاً أنه دخل على عبد الملك بن مروان فأنشده قصيدة أولها:
أتصحو أم فؤادك غير صاح ... عشية هم صحبك بالرواح
تقول العاذلات علاك شيب ... لهذا الشيب يمنعني مزاحي
(1/186)

تغرب أم حزرة ثم قالت ... رأيت الموردين ذوي اللقاح
ثقي بالله ليسى له شريك ... ومن عند الخليفة يا لنجاح
سأشكر إن رددت إلي رئيتي ... وأثبت القوادم من جناح
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح
قال جرير: فلما انتهيت إلى هذا البيت كان عبد الملك متكئاً فاستوى جالساً، وقال من مدحنا منكم فليمدحنا بمثل هذا أو فليسكت، ثم التفت إلي وقال يا جرير أترى أم حزرة ترويها مائة ناقة من نعم بني كلب؟ فقلت يا أمير المؤمنين: ان لم تروها فلا أرواها الله. قال: فأمر بها لي كلها سود الحدق. قلت: يا أمير المؤمنين نحن مشايخ وليس بأحدنا فضل عن راحلته، والإبل أباق فلو أمرت لي بالرعاء، فأمر لي بثمانية، وكان بين يديه صحاف من الذهب وبيده قضيب، فقلت: يا أمير المؤمنين، والمحلب وأشرت إلى أحد الصحاف، فنبذها إلي بالقضيب، وقال: خذها لنفسك. قالوا ولما مات الفرزدق بكى. وقال أما والله إني لأعلم أني قليل البقاء بعده، ولقد كان نجمنا واحداً وكل واحد منا مشغول بصاحبه، وقال ما مات ضد أو صديق إلا وتبعه صاحبه، وكذلك كان، وتوفي في سنة عشر ومائة التي فيها مات الفرزدق، وكانت وفاته باليمامة ونيف في عمره على ثمانين سنة، وهو جرير بن عطية ويكنى أبا حزرة بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي وفتح الراء وبعدها هاء. وعن أبي عمرو قال: حضرت الفرزدق وهو يجود بنفسه فما رأيت أحسن ثقة بالله منه. فلم أنشب أن قدم جرير من اليمامة فاجتمع إليه الناس فما أنشدهم ولا وجدوه كما عهدوه، فقلت له في ذلك، فقال: اطفأ موت الفرزرق والله جمرتي، وأسأل عبرتي، وقرب مني منيتي، ثم شخص إلى اليمامة فنعى لنا في شهر رمضان من تلك السنة، وقيل كان عمر بن عبد العزيز لا يأذن لأحد من الشعراء أن يدخلوا عليه إلا لجرير. وذكروا أنه أدينهم وأن أبا عمرو بن العلاء رأى في يده سبحة فقل له: ويحك يا جرير أليس هذا خير لك من المهاجاة؟ فقال: والله ما هجوت أحداً ابتداء. وأما الفرزدق فهو أبو الأخطل همام بن غالب من جلة قومه وسراتهم يرجع في نسبه إلى مجاشع بن دارم وأمه ليلى بنت حابس أخت الأقرع بن حابس. قيل له ولأبيه مناقب مشهورة ومحامد مأثورة. من ذلك أنه أصاب أهل الكوفة مجاعة وهو بها فخرج أكثر الناس إلى البوادي، وكان هو رئيس قومه، وكان آخر يقال له سحيم بن وثيل بعد المثلثة مثناة من تحت الرياحي بالياء المثناة من تحت من بعد الراء رئيس قومه أيضاً، فخرجوا إلى مكان على
(1/187)

مسيرة يوم من الكوفة، فعقر غالب لأهله ناقة وصنع منها طعاماً، وأهوى إلى قوم من بني تميم لهم جلالة جفانا من ثريد، ووجه إلى سحيم جفنة، فكفأها، وضرب الذي أتاه بها، وقال: انا مفتقر إلى طعام غالب؟ اذا نحر ناقة نحرت أنا آخرى، فعقر ناقة لأهله. فلما كان من الغد عقر لهم غالب ناقتين، فعقر سحيم لأهله ناقتين، فلما كان اليوم الثالث عقر غالب ثلاثة، فعقر سحيم ثلاثاً، فلما كان اليوم الرابع عقر غالب مائة ناقة ولم يكن عند سحيم هذا القدر فلم يعقر شيئاً. وأسرها في نفسه. فلما انقضت المجاعة ودخل الناس الكوفة، قال بنو رياح لسحيم: جررت علينا عار الدهر هلا نحرت مثل ما نحروا كنا نعطيك مكان كل ناقة ناقتين، فاعتذر أن ابله كانت غائبة وعقر ثلاث مائة، وقال للناس: شأنكم ولا أكل كان ذلك على خلافة علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، فاستفتى في حل الأكل منها فقضى بحرمتها، وقال: هذي ذبحت لغير مأكلة، ولم يكن المقصود منها إلا المفآخرة والمباهاة، فألقيت لحومها على كناسة الكوفة فأكلتها الكلاب والعقبان والرخم. وهي قصة مشهورة عمل فيه الشعراء أشعاراً كثيرة من ذلك قول جرير يهجو الفرزدق في قصيدة منها مذا البيت:
تعدون عقر الذيب أفضل مجدكم ... بني ضعطر هلا الكمى المقنعا
يقول تفتخرون بالكرم هلا افتخرتم بالشجاعة؟ وبينهما من المهاجاة والتجاوب ما شاع في المشرق والمغرب. وينسب إلى الفرزدق مكرمة يرتجي له بها الرحمة في دار الآخرة؛ وهي أنه لما حج هشام بن عبد الملك في أيام أبيه طاف وجهد أن يصل إلى الحجر الأسود ليستلمه، فلم يقدر عليه لكثرة الزحام، فنصب له منبر، فجلس عليه ينظر إلى الناس ومعه جماعة من أعيان أهل الشام، فبينهما هو كذلك إذا أقبل زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم أجمعين وكان من أحسن الناس وجهاً وأطيبهم ريحاً، قلت بل أطيبهم وأشرفهم ذاتاً وطبعاً وأصلاً وفرعاً، وطاف بالبيت، فلما انتهى إلى الحجر تنحى له الناس حتى استلم، فقال رجل من أهل الشام: من هذا الذي هابه الناس هذه الهيبة؟ فقال هشام: لا أعرفه مخافة أن يرغب فيه أهل الشام وكان الفرزدق حاضراً فقال: انا أعرفه فقال الشامي من هذا يا أبا فراس؟ فقال:
هذا الذي يعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم ... هذا النقي التقي الطاهر العلم
إذا رأته قريش قال قائلها ... إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
(1/188)

ينمي إلى ذروة العز الذي قصرت ... عن نيلها عرب الإسلام والعجم
يكاد يمسكه عرفان راحته ... عند الحطيم إذا ما جاء يستلم
في كفة خيزران ريحه عبق ... من كف أروع في عرنينه شمم
يغضي حياء ويغضي من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم
يبين نور الهدى عن بدر غرته ... كالشمس ينجاب عن إشراقها القتم
منشقة عن رسول الله نبعته ... طابت عناصره والخيم والشيم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله ... بجده أنبياء الله قد ختموا
الله شرفه قد ما وعظمه ... جرى بذاك له في لوحه القلم
فليس قولك من هذا بضايره ... العرب تعرف من أنكرت والعجم
كلتا يديه غياث عم نفعهما ... تستوكفان ولا يعروهما عدم
سهل الخليقة لا تخشى بوادره ... يزينه اثنان حسن الخلق والشيم
حمال أثقال أقوام إذا قد حوا ... حلو الشمائل يحلو عنده نعم
لا يخلف الوعد ميمون نقيبته ... رحب الفناء أريب حين يعترم
عم البرية بالإحسان فانقشعت ... عنه العناية والإملاق والعدم
من معشر حبهم دين وبغضهم ... كفر وقربهم منجأ ومعتصم
إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم ... أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم
لا يستطيع جواد يعد غايتهم ... ولا يداينهم قوم وإن كرموا
هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت ... والأسد أسد الشرى الباس محتدم
مقدم بعد ذكر الله ذكرهم ... في كل بدء مختوم به الكلم
يأبى لهم أن ينحل الذم ساحتهم ... خيم كريم وأيد بالندى هضم
من يعرف الله يعرف أولية ذا ... والدين من بيت هذا ناله الأمم
ما قال لاقط إلا في تشهده ... لولا التشهد كانت لاؤه نعم
فلما سمع هشام هذه القصيدة غضب وحبس الفرزدق، فأنفذ له زين العابدين اثني عشر ألف درهم فردها، وقال: ما مدحته إلا لله تعالى لا للعطاء، فقال زين العابدين: " إنا أهل البيت إذا وهبنا شيئاً لا نستعيده " فقبلها الفرزدق. وقوله في الأبيات ميمونة النقيبة أي مظفر بالمطلوب. قالوا: وصعد الوليد بن عبد الملك فسمع صوت ناقوس، فقال: ما هذا؟ فقيل: البيعة، فأمر بهدمها وتولى نقض ذلك بيده، فتتابع الناس يهدمون، فكتب إليه الأخرم ملك الروم: ان هذه البيعة قد أقرها من كان قبلك، فإن يكونوا أصابوا فقد أخطأت، وإن تكن أصبت فقد أخطأوا، فقال: من يجيبه؟ فقال الفرزدق: يكتب إليه " وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا
(1/189)

آتينا حكماً وعلماً " - الأنبياء: 78و79 -. قلت وحكي أنه سأل بعض أهل العلم عن السبايا المزوجات من الكفار هل يحل لمن سباها وطيبها؟ فأبطأ المسؤول في الجواب فأجاب الفرزدق بقوله:
وذات خليل أنكحتها رماحنا ... حلالاً لمن يبني بها لم يطلق
وأخبار الفرزدق كثيرة ذات اشتهار، والأولى عند خوف الإملال الاختصار وتوفي بالبصرة قبل جرير بأربعين وقيل ثمانين يوماً، قال قتيبة: وقد قارب المائة. وقال المبرد: التقى الحسن البصري والفرزدق في جنازة، فقال الفرزدق للحسن أتدري ما يقول الناس يا أبا سعيد؟ يقولون اجتمع في هذه الجنازة خير الناس وشر الناس، فقال الحسن: كلا لست بخيرهم ولست بشرهم، ولكن ما أعددت لهذا اليوم؟ قال شهادة أن لا إله إلا الله مذ ستين سنة. وقيل إن الفرزدق لقي علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، والله أعلم بحقائق الأمور أوائلها وعواقبها وفي السنة المذكورة توفي سليم بن عامر الكلاعي الحمصي، وقد أدرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم، روى عن أبي الدرداء وغيره، وتوفي فيها عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أخو الفقيه عبد الله، امام زاهد قانت واعظ كثير العلم، لقي ابن عباس والكبار.

سنة إحدى عشرة ومائة
فيها توفي عطية بن سعد العوفي الكوفي، روى عن أبي هريرة وطائفة، وضربه الحجاج أربع مائة سوط على أن يشتم علياً رضي الله تعالى عنه فلم يشتم. وتوفي القاسم بن مخيمرة الهمداني الكوفي، روى عن أبي سعيد وعلقمة، وكان عالماً نبيلاً زاهداً نجيباً.

سنة اثنتي عشرة ومائة
فيها توفي أبو المقدام رجاء بن حيوة الكندي الشامي الفقيه، كان شريفاً نبيلاً كامل السؤدد، قال مطر الوراق: ما رأيت شامياً أفقه منه: وقال مكحول: هو سيد أهل الشام. وقال مسلمة: الأمير في كندة رجاء بن حيوة وعبادة بن نسي وعدي بن عدي، ان الله لينزل بهم الغيث، وينصر بهم على الأعداء انتهى وكان رجاء بن حيوة يجالس عمر بن عبد العزيز، وكان يوماً عند عبد الملك بن مروان، وقد ذكر عنده شخص بسوء، فقال عبد الملك: والله
(1/190)

إن أمكنني الله منه لأفعلن به ولأصنعن، فلما أمكنه الله منه هم بإيقاع الفعل به، فقام إليه رجاء بن حيوة المذكور، وقال: يا أمير المؤمنين، قد صنع الله لك ما أحببت، فاصنع ما يحب الله من العفو، فعفا عنه وأحسن إليه، وقد تقدم أنه هو الذي أشار على سليمان بن عبد الملك في مرض موته أن يجعل ولي العهد بعده عمر بن عبد العزيز، ففعل، وكتب ذلك في كتاب ثم ختمه، وجمع الناس وأمرهم أن يبايعوا المذكور في باطن الكتاب فبايعوا وهم لا يدرون من فيه، ثم كذلك لما مات سليمان جمع الناس قبل أن يعلموا بموته فقال لهم أمير المؤمنين يأمركم أن تبايعوا لمن في هذا الكتاب فبايعوا، ثم قال لهم أعظم الله أجركم في أمير المؤمنين، ثم فتحوا الكتاب فعرفوا أن المبايع فيه عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، كل ذلك بإشارة رجاء بن حيوة ونصيحته وتوفيقه للصواب وهدايته، رحمة الله تعالى. وفيها توفي القاسم بن عبد الرحمن الدمشقي الفقيه. قال أبو إسحاق الحواني: كان خياراً فاضلاً، ادرك أربعين من المهاجرين والأنصار. وفيها توفي طلحة بن مصرف الهمداني الكوفي، وكان يسمى سيد القراء. وقال فيها أبو معشر: ما يرى بعده مثله.

سنة ثلاث عشرة ومائة
فيها توفي فقيه الشام أبو عبد الله مكحول مولى بني هذيل، سمع من طائفة من الصحابة، وأرسل عن طائفة منهم، قال أبو حاتم: ما أعلم بالشام أفقه من مكحول. وقال سعيد بن عبد العزيز: اعطوا مكحولاً عشرة آلاف دينار، وكان يعطي الرجل خمسين وقال الزهري: العلماء أربعة سعيد بن المسيب بالمدينة، والشعبي بالكوفة، والحسن بالبصرة، ومكحول بالشام. ولم يكن في زمنه أبصر منه بالفتيا، وكان لا يفتي حتى يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، هذا رأي والرأي يخطىء ويصيب.
وفيها وقيل في العام القابل توفي أبو إياس معاوية بن قرة المزني المصري، وفيها توفي في شهر بن حوشب.

سنة أربع عشرة ومائة
فيها توفي فقيه الحجاز ذو الأوصاف الملاح الإمام أبو محمد عطاء بن أبي رباح
(1/191)

المكي مولى قريش، سمع من عائشة وأبي هريره وابن عباس وجابر بن عبد الله وابن الزبير وخلق كثير من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وروى عنه عمرو بن دينار والزهري وقتادة ومالك بن دينار والأعمش والأوزاعي وخلق كثير، وإليه والي مجاهد انتهت فتوى مكة في زمانهما. وقال إبراهيم بن كيسان: وكان في زمان بني أمية يأمرون في الحاج صائحاً يصيح: لا يفتي الناس إلا عطاء بن أبي رباح. وقال أبو حنيفة رحمه الله: ما رأيت أفقه منه. وقال ابن جريج: كان المسجد فراش عطاء عشرين سنة، وكان من أحسن الناس صلاة. وقال الأوزاعي: مات عطاء يوم مات وهو أرضى أهل الأرض عند الناس، وقال إسماعيل بن أمية: كان عطاء يطيل الصمت فإذا تكلم يخيل إلينا أنه يؤيد، وقال غيره: كان لا يفتر من الذكر. قلت وأما ما نقل في بعض كتب الفقه أنه كان يرى إباحة وطي الجواري بإذن أربابهن، وما نقل بعضهم أنه كان يبعث جواريه إلى ضيفانه، فقد قال بعض أهل العلم الذي أعتقد أن هذا بعيد، فإنه لو رأى الحل كانت المروة والغيرة تأبى ذلك، فكيف يظن هذا بمثل ذلك السيد الإمام والله. سبحانه العلام. قلت وينبغي أن يحمل ذلك على بعث الجواري لسماع القول منهن على تقدير صحة ذلك عنه، فنحو من هذا ما نقل المشايخ في كتب التصوف في باب السماع أنه كان يأمر جواريه يسمعن أصحابه عند اجتماعهم، وفي ذا ما فيه أيضاً، فإن صح فينبغي أن يحمل على ما إذا لم يخش فتنة بحضورهن وسماع أصواتهن، وإذا قلنا إن صوت المرأة ليس بعورة. وفي السنة المذكورة وقيل في سنة تسع عشرة وقيل في ثماني عشرة وهو الذي إليه مال
جماعة من المؤرخين - توفي أبو محمد علي بن عبد الله بن عباس جد السفاح والمنصور. كان سيداً شريفاً بليغاً، وكان أصغر أولاد أبيه وأجمل قرشي على وجه الأرض وأوسمه وأكثره صلاة، وكان يدعى السجاد لذلك له خمس مائة أصل، وكان يصلي كل يوم إلى كل أصل ركعتين، فيجتمع من الجميع ألف ركعة.
(1/192)

وروي أنه لما ولد أتى، علي بن أبي طالب إلى أبيه رضي الله عنهما فهنأه وقال شكرت الواهب وبورك لك في الموهوب ما سميته؟ قال: او يجوز لي أن أسميه حتى تسميه؟ فأمر به وأخرج إليه فحنكه ودعا له، ثم رده إليه، وقال خذ إليك أبا الأملاك، ويروى أبا الخلائف، قد سميته علياً، وكنيته أبا الحسن، فلما كان زمن ولاية معاوية قال: ليس لكم اسمه وكنيته، وقد كنيته أبا محمد فجرى عليه، هكذا قال المبرد في الكامل. وقال الحافظ أبو نعيم الأصفهاني في حلية الأولياء لما قدم على عبد الملك بن مروان قال له: غير اسمك وكنيتك فلا صبر لي عليهما، فقال أما الاسم فلا وأما الكنية فأكنى بأبي محمد، فغير كنيته انتهى. قيل وإنما قال عبد الملك هذه المقالة لبغضه في علي بن أبي طالب رضي الله عنه. إذ اسمه وكنيته كذلك. وذكر الطبري في تاريخه أنه دخل على عبد الملك بن مروان فأكرمه وأجلسه على سريره، وسأله عن كنيته فأخبره، فقال لا يجمع في عسكري هذا الاسم وهذه الكنية لأحد، وسأله هل له من ولد فأخبره بولده محمد، وكناه أبا محمد. وقال الواقدي ولد أبو محمد يعني علي بن عبد الله المذكور في الليلة التي قتل فيها علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والله أعلم بالصواب. قلت هذا يناقض ما تقدم من أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه حنكه ودعا له، ولا يصح أن يقال فعل ذلك، ثم قتل من ليلته، اذ ورد أنه حنكه بعد صلاة الظهر. وقال المبرد: ضرب علي المذكور بالسياط مرتين كلتاهما ضربه الوليد بن عبد الملك. إحداهما في تزويجه لبابة بنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وكانت عند عبد الملك، فعض تفاحة ثم رمى بها إليها وكان أبخر، فدعت بسكين فقال: ما تصنعين بها؟ فقالت أميط عنها الأذى، فطلقها، وتزوجها علي بن عبد الله المذكور، فضربه الوليد، وقال: انما يتزوج بأمهات الخلفاء ليضع منهم، ان مروان بن الحكم إنما تزوج بأم خالد بن يزيد بن معاوية ليضع منه، فقال علي بن عبد الله: انما أرادت الخروج من هذا البلد وأنا ابن عمها فتزوجتها لأكون لها محرماً. وأما ضربه إياه في المرة الثانية: فقد حدث محمد بن شجاع بإسناد متصل. قال: رأيت علي بن عبد الله مضروباً بالسوط، يدار به على بعير، ووجهه مما يلي ذنب البعير، وصائح يصيح هذا علي بن عبد الله الكذاب، فأتيته. وقلت: ما هذا الذي نسبوا إليك من الكذب؟ قال: بلغهم أني قلت إن هذا الأمر سيكون في ولدي، والله ليكونن فيهم حتى يملكهم عبيدهم الصغار العيون العراض الوجوه، واختلفوا في الذي تولى ضرب علي، وذكر بعضهم أنه مات مقتولاً.
(1/193)

وروي أن علي بن عبد الله دخل على هشام بن عبد الملك ومعه ابنا ابنه الخليفتان السفاح والمنصور، فأوسع له على سريره، وسأله عن حاجته، فقال: ثلاثون ألف درهم علي دين، فأمر بقضائها. قال ويستوصي بابني هذين خيراً، ففعل فشكره، وقال وصلتك رحم فلما ولي قال هشام لأصحابه إن هذا الشيخ قد اختل وخلط فصار يقول إن هذا الأمر سينقل إلى ولده، فسمعه علي وقال: والله ليكونن ذلك وليملكن هذان وكان عظيم المحل عند أهل المحجاز، حتى روي أنه كان إذا قدم مكة حاجاً أو معتمراً عطلت قريش مجالسها في المسجد الحرام، وهجرت مواضع حلقها، ولزمت مجلسه إعظاماً وإجلالاً وتبجيلاً، فإن قعد قعدوا وإن نهض نهضوا وإن مشى مشوا جميعاً حوله حتى يخرج من الحرم، وكان طويلاً جسيماً ذا لحية طويلة وقدم عظيم جداً لا يوجد له نعل ولا خف حتى يستعمله مفرطاً في طوله، اذا طاف كأنما الناس حوله مشاة وهو راكب، وكان مع هذا الطول إلى منكب أبيه عبد الله، وكان عبد الله إلى منكب أبيه العباس، وكان العباس إلى منكب أبيه عبد المطلب ذكر هذا كله المبرد. وذكر أيضاً أن العباس كان عظيم الصوت، جاءته مرة غارة وقت الصبح، فصاح بأعلى صوته. واصباحاه فلم تسمعه حامل في الحي إلا وضعت. وذكر الحازمي ما تقدم وأن العباس كان يقف على سلع وهو جبل عند المدينة فينادي غلمانه وهم بالغابة فيسمعهم، وذلك من آخر الليل وبين الغابة وسلع ثمانية أميال. وفيها توفي علي بن عبد الله رحمه الله ابن ثمانين سنة، وكانت ولادته ليلة الجمعة سابع عشر رمضان سنة
أربعين، وقيل غير ذلك. وذكر الطبري في تاريخه أن الوليد بن عبد الملك أخرج علي بن عبد الله من دمشق، وأسكنه الميمة ولم يزل ولده بها إلى أن زالت دولة بني أمية، وولد له بها نيف وعشرون ولداً ذكراً. وفيها توفي أبو جعفر الباقر محمد بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم، احد الأئمة الاثني عشر في اعتقاد الإمامية، وهو والد جعفر الصادق، لقب بالباقر لأنه بقر العلم أي شقه وتوسع فيه، ومنه سمي الأسد باقر البقرة بطن فريسة وفيه يقول الشاعر: بعين، وقيل غير ذلك. وذكر الطبري في تاريخه أن الوليد بن عبد الملك أخرج علي بن عبد الله من دمشق، وأسكنه الميمة ولم يزل ولده بها إلى أن زالت دولة بني أمية، وولد له بها نيف وعشرون ولداً ذكراً. وفيها توفي أبو جعفر الباقر محمد بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم، احد الأئمة الاثني عشر في اعتقاد الإمامية، وهو والد جعفر الصادق، لقب بالباقر لأنه بقر العلم أي شقه وتوسع فيه، ومنه سمي الأسد باقر البقرة بطن فريسة وفيه يقول الشاعر:
(1/194)

يا باقر العلم لأهل التقى ... وخير من ركب على الأجبل
وقال عبد الله بن عطاء ما رأيت العلماء عند أحد أصغر علماً منهم عند محمد بن علي ومن كلامه رضي الله عنه: من دخل قلبه صافي خالص دين الله شغله عما سواه، وما عسى أن تكولن الدنيا؟ هل هو إلا مركب ركبته، او ثوب لبسته، او امرأة أصبتها، او أكلة أكلتها. وقال إن أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مؤنة وأكدرهم معونة، ان نسيت ذكروك، وإن ذكرت أعانوك، قوالين بحق الله تعالى قوامين بأمر الله عز وجل، فأنزل الدنيا كمنزل نزلت به وارتحلت عنه، او كما أصبته في منامك فاستيقظت وليس معك منه شيء، وقال الغناء والعز يجولان في قلب المؤمن فإذا وصل إلى مكان فيه التوكل استوطنا. قلت يعني وإن لم يجدا فيه توكلا رحلاً عنه، وفي معنى ذلك قلت:
يجول الغنا والعز في قلب مؤمن ... فإن الذيا جوف القلوب توكلا
أقاما فأمسى العبد بالله ذاعناً ... عزيز وإن لم يلقياه ترحلا
وقال رضي الله عنه: كان لي أخ في عيني عظيماً، وكان الذي عظمه في عيني صغر الدنيا في عينيه، عاش رضي الله تعالى عنه ستاً وخمسين سنة، ودفن في البقيع مع أبيه وعم أبيه الحسن بن علي والعباس رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
وفي السنة المذكورة توفي أبو عبد الله وهب بن منبه اليماني الصنعاني الإمام العلامة، وله ثمانون سنة. روي عن ابن عباس، وقيل عن أبي هريرة وغيره من الصحابة، وولي القضاء لعمر بن عبد العزيز، وكان شديد الاعتناء بكتب الأولين وأخبار الأمم وقصص الماضيين بحيث كان يشبه بكعب الأحبار في زمانه. وحكى عنه ابن قتيبة قال: قرأت من كتب الله اثنتين وسبعين كتاباً وله تصنيف ترجمة بذكر الملوك المتوجه من حمير وأخبارهم وقصصهم وقبورهم وأشعارهم في مجلد واحد وهو من الكتب المفيدة. وكان له إخوة منهم همام بن منبه كان أكبر من وهب. وروى عن أبي هريرة رضي الله
تعالى عنه، وهو معدود من جملة الأبناء، ومعنى قولهم فلان من جملة الأبناء: ان أبا مرة سيف بن ذي يزن الحميري صاحب اليمن لما استولت الحبشة على ملكه توجه إلى كسرى أنوشروان ملك الفرس يستنجده عليهم، وقصته في ذلك مشهورة وخبره طويل وخلاصة الأمر أنه سير معه سبعة آلاف وخمس مائة فارس من الفرس وجعل مقدمهم وهوز، هكذا قاله ابن قتيبة. وقال محمد بن إسحاق: لم يسر معه سوى ثمان مائة فارس فغرق منهم في
(1/195)

البحر مائتان وسلم ست مائة. قال أبو القاسم السهيلي: والقول الأول أشبه بالصواب إذ يبعد مقاومة الحبشة بست مائة فارس، فلما وصل الجيش إلى اليمن جرت الوقعة بينهم وبين الحبشة فاستظهرت الفرس عليهم وأخرجوهم من البلاد، وملك سيف بن ذي يزن ووهوز وأقاموا أربع سنين، وكان سيف بن ذي يزن قد اتخذ من أولئك الحبشة خدماً، فخلوا به يوماً وهو في مصيد له فرموه بحرابهم فقتلوه، وهربوا في رؤوس الجبال، وطلبهم أصحابه فقتلوهم جميعاً، وانتشر الأمر باليمن، ولم يملكوا عليهم أحداً غير أن كل ناحية ملكوا عليهم رجلاً من حمير، فكانوا ملوك الطوائف حتى أتى الله بالإسلام، ويقال إنها بقيت في أيدي الفرس ونواب كسرى فيها، وبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وباليمن من قواد ملكهم عاملان، احدهما فيروز الديلمي والآخر دادويه، فأسلما، وهما اللذان دخلا على الأسود العنسي مع قيس بن المكشوح لما دعى الأسود النبوة باليمن وقتلوه، والمقصود من هذا كله إن جيش الفرس لما استوطنوا اليمن تأهلوا ورزقوا الأولاد، فصار أولادهم وأولاد أولادهم يدعون الأبناء لأنهم من أبناء أولئك الفرس، وكان طاوس العالم المقدم ذكره في سنة ست ومائة منهم، وتوفي وهب المذكور بصنعاء اليمن وعمره تسعون سنة، رحمة الله عليه.

سنة خمس عشرة ومائة
فيها وقيل في التي قبلها توفي الفقيه أبو محمد الحكم بن عتيبة الكوفي مولى كندة، كان إذا قدم المدينة أخلوا سارية النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي إليها، قال الأوزاعي: قال لي عبدة بن أبي لبابة ألقيت الحكم؟ قلت: لا قال: فألقه فما بين لابتيها أفقه منه. وفيها توفي القاضي أبو سهل عبد الله بن بريدة الأسلمي، روى عن عائشة وطائفة، وفيها توفي الضحاك بن فيروز الديلمي من أبناء الفرس الذين سكنوا اليمن، صحب ابن الزبير وعمل له على بعض بلاد اليمن، وروى عن أبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهم.

سنة ست عشرة ومائة
فيها توفي عدي بن ثابت الأنصاري الكوفي وعمرو بن مرة المرادي، وكان حجة حافظاً. قال معمر: ما أدركت أحداً أفضل منه، وفيها توفي محارب بن دثار الدوسي قاضي الكوفة، سمع ابن عمر وجابر أو طائفة رضي الله عنهم.
(1/196)

سنة سبع عشرة ومائة
فيها توفي أبو الجناب سعيد بن يسار المدني مولى ميمونة، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وعبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة التيمي المدني، ولى القضاء لابن الزبير، وكان مؤذناً في الحرم. وفيها توفي فقيه أهل دمشق عبد الله بن أبي زكريا الخزاعي، وكان عمر بن عبد العزيز يجلسه معه على السرير، وقال أبو مسهر: كان سيد أهل المسجد أو قال أهل دمشق قيل: بم سادهم؟ قال بحسن الخلق. وفيها وقيل في سنة ثمان عشرة توفي الحافظ أبو الخطاب قتادة بن دعامة الدوسي عالم أهل البصرة، قال أقمت عند سعيد بن المسيب ثمانية أيام، فقال في اليوم الثالث: ارتحل أعمى فقد أبرمتني. وقال قتادة: ما قلت لمحدث قط أعده على ما سمعت شيئاً إلا وعاه قلبي. وفيها توفي قاضي الجزيرة ميمون بن مهران، وكان من العلماء العاملين، روى عن عائشة وأبي هريرة رضي الله عنهما.
وفيها توفي فقيه المدينة أبو عبد الله نافع مولى عبد الله بن عمر، كان نبيلا من كبار التابعين، سمع مولاه وأبا سعيد الخمري. وروى عنه الزهري وأيوب السختياني ومالك بن أنس، وهو من المشهورين بالحديث، ومن الثقات الذين يؤخذ عنهم الضابطين الإثبات وكان قد بعثه عمر بن عبد العزيز إلى مصريعلمهم السنن، ومعظم حديث ابن عمر عليه دار، قال مالك: كنت إذا سمعت حديث نافع عن ابن عمر لا أبالي أن لا أسمعه من أحد، وأهل الحديث يقولون رواية الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر سلسلة الذهب بجلالة كل واحد من هؤلاء الرواة.
وفيها توفيت السيدة سكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم، وقيل اسمها أمينة وقيل أميمة وهو الراجح، وسكينة لقب لها، وأمها الرباب ابنة امرئ
(1/197)

القيس بن عدي، وكانت سكينة المذكورة من أجمل النساء وأظرفهن وأحسهن أخلاقا، تزوجها مصعب بن الزبير فهلك عنها ثم تزوجها عبد الله بن عثمان بن عفان ثم عبد الله بن حكيم بن حزام ثم تزوجها زيد بن عمرو بن عثمان بن عفان، فأمره سليمان بن عبد الملك طلاقها ففعل، وقيل في ترتيب أزواجها غير هذا.
ولها نوادر وحكايات ظريفة: من ذلك أنها سمعت بعض أشعار عروة بن أذينة، وكان من اعيان العلماء وكبار الصالحين وله أشعار رائقة، فانكرت عليه أشياء بلطافة وظرافة، لا أطول الكتاب بذكرها وكان لعروة المذكور أخ اسمه بكر فرثاه عروة بقوله:
سرى همي وهم المرء يسري ... وغاب النجم إلا قيد فتر
أراقب في المجرة كل نجم ... تعرض أو على المجارة تجري
لهم ما أزال له قريناً ... كأن القلب أبطن حر جمر
على بكر أخي فارقت بكراً ... وأي العيش يصلح بعد بكر
فلما سمعت سكينة هذا الشعر قالت: ومن هو بكر هذا؟ فوصف لها، فقالت: اهو ذاك الأسيود الذي كان يمر بنا؟ قالوا: نعم قالت: لقد طاب بعده كل شيء حتى الخبز والزيت.
ويحكى أن بعض المغنين غنى بهذه الأبيات عند الوليدبن يزيد الأموي وهو في مجلس أنسه، فقال للمغني: من يقول هذا الشعر؟ قال: عروة بن أذينة، فقال الوليد: اي العيش يصلح بعد بكر؟ هذا العيش الذي نحن فيه. والله لقد تحجر واسما.
وكان عروة المذكور كثير القناعة وله في ذلك أشعار سائرة، وكان قد وفد من الحجاز على هشام بن عبد الملك بالشام في جماعة من الشعراء، فلما دخلوا عليه عرف عروة، فقال: الست القائل:
ولقد علمت وما الإسلاف من خلقي ... أن الذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعى له فيمييني تطلبه ... ولوقعدت أتاني لايعنيني
وما أراك فعلت كما قلت، فإنك أتيت من الحجاز إلى الشام في طلب الرزق. فقال: لقد وعظت يا أمير المؤمنين فما بلغت في الوعظ، وأذكرت ما أنسانيه للدهر، وخرج من فوره إلى راحلته فركبها وتوجه راجعاً إلى الحجاز، فمكث هشام يومه غافلا عنه، فلما كان فى الليل استيقظ من منامه وذكره، وقال: هذا رجل من قريش قال حكمة، ووفد إلي فجبهته
(1/198)

ورددته عن حاجته، وهو مع هذا شاعر لا اّمن لسانه، فلما أصبح سأل عنه، فأخبر بانصرافه. فقال: لا جرم ليعلم أن الرزق يأتيه ثم دعا بمولى له وأعطاه الذي دينار، وقال له: الحق بهذا عروة بن أذينة فأعطه إياها. قال: فلم أدركه إلا وقد دخل في بيته، فقرعت عليه الباب فخرج فأعطيته المال، فقال أبلغ أمير المؤمنين السلام وقل له: كيف رأيت قولي؟ سعيت فاكذبت ورجعت إلى بيتي فأتاني فيه الرزق، وهذه الحكاية وإن كانت دخيلة ليست مما نحن فيه لكن حديث عروة ساقها. ولبعض الشعراء وهو محمد بن ادريس الأندلسي في معنى هذين البيتين وأحسن فيه.
مثل الرزق الذي تطلبه ... مثل الظل الذي يمشي معك
أنت لاتدركه متبعاً ... فإذا وليت عنه تبعك
وتوفيت سكينة بالمدينة الشريفة رحمها الله تعالى. قلت: هكذا ذكر موتها بالمدينة في كل تاريخ، وقفت عليه خلاف ما يقوله العامة من أنها مدفونة خارج مكة في القبة التي في الزاهر في طريق العمرة. وفي السنة المذكورة توفي ذو الرمة أبو الحارث غيلان بن عقبة الشاعر المشهور أحد فحول الشعراء، ويقال إنه كان ينشد شعره في سوق الإبل، فجاء الفرزدق فوقف عليه وسمعه، فقال ذو الرمة: كيف ترى ما تسمع يا أبا فراس؟ فقال: ما أحسن ما تقول: قال: فما لي لا أذكر مع الفحول؟ قال قصرتك عن غايتهم بكاؤك في الدمن ووصفك للأباعر والعطن. وهو أحد عشاق العرب المشهورين بذلك ومعشوقته مية ابنة مقاتل بن طلبة بن قيس بن عاصم المنقري الذي قال فيه الشاعر يرثيه:
وما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما
والذي مدحه الأحنف بن قيس بالحلم كما تقدم، وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " هذا سيد أهل الوبر " لما قدم عليه في وفد بني تميم، وهو أول من وأد البنات غيرة وانفة، وكان ذو الرمة كثير التشبيب بمية المذكورة في شعره وإياها عني أبو تمام الطائي بقوله في قصيدة له:
ما ربع مية معمورا يطوف به ... غيلان أبهى ربى من ربعها الخرب
وقال ابن قتيبة في طبقات الشعراء: قال أبو ضرار الغنوي، رأيت مية وإذا معها بنون
(1/199)

لها، فقلت: صفها لي، فقال: مستوية الوجه طويلة الخد شماء الأنف عليها وسم جمال. قلت: اكانت تنشدك شيئا مما قال فيها ذو الرمة؟ قال نعم. ومن شعره السائر:
إذا هبت الأرواح من نحو جانب ... فقد هاج في قلبي تشوق هبوبها
هوى تذرف العينان منه وإنما ... هوى كل نفس حيث حل حبيبها
وكان ذو الرمة يشبب أيضا بخرقاء، وهي من بني عامر بن صعصعة، وسبب تشبيبه بها أنه مر في سفر ببعض البوادي فإذا خرقاء خارجة من خباء، فنظر إليها فوقعت في قلبه، فخرق أدواته ودنا منها يستطعم كلامها، فقال: اني رجل على ظهر سفر وقد تخرقت أداوتي فأصلحها لي. فقالت: اني والله لا أحسن العمل، وأني لخرقاء، والخرقاء التي لا تعمل شغلا لكرامتها على أهلها، فشبب بها ذو الرمة وسماها خرقاء.
قلت الخرق في اللغة ضد الرفق، ومنه قول الإمام الشافعي في الطهارة بالماء قد يرفق بالقليل فيكفي ويخرق بالكثير لا يكفي، ومن شعره المشار به إلى خرقاء بطريق المبالغة المفرطة قوله:
وما شبنا خرقاء واهبة الكلا ... سقى بهما ساق ولم يتبلل
باضيع من عينيك للدمع كلما ... تذكرت ربعا أو توهمت منزل
اوقال أبو الفضل العتبي كنت أنزل على بعض الأعراب إذا حججت، فقال لي يوما هل لك أن أريك خرقاء صاحبة ذي الرمة؟ فقلت: ان فعلت فقد بررتني فتوجهنا جميعا نريدها، فعدل بي عن الطريق بقدر ميل، ثم أتينا أبيات شعر واستفتح بيتا ففتح له فخرجت علينا امرأة طويلة حسناء بها قوة، وسلمت وجلست تحدثنا ساعة، ثم قالت لي: هل حججت قط؟ قلت غير مرة فقالت أما سمعت قول ذي الرمة:
تمام الحج أن تقف المطايا ... على خرقاء كاشفة اللثام
أما علمت أني من مناسك الحج؟ مع كلام آخر حذفت ذكره. وإنما قيل لها ذو الرمة لقوله في الوتد أشعث باقي رمة التقليد والرمة بضم الراء الحبل وبكسرها العظم البالي. ومن قول ذي الرمة يمدح بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه مخاطبا ناقته:
إذا ابن أبي موسى بلالاً بلغته ... فقام بفأس بين وصليك حارز
وهذا المعنى أخذه من قول الشماخ في عرابة الأوسي يخاطب ناقته:
(1/200)

إذا بلغتني وحملن رحلي ... عرابة فاشرقي بدم الوتين
وجاء بعدهما أبو نواس فأوضح هذا المعنى بقوله في الأمير محمد بن هارون الرشيد:
وإذا المطي بنا بلغن محمدا ... فظهورهن على الرجال حرام
فأحسن في هذا المعنى لأنهما أوعدا ناقتيهما بالذبح، وأبو نواس وعدهما بتحريم الركوب على ظهرها وأراحها من الكد في الأسفار، وقابلها بالاحسان لكونها بلغته إلى احسان استغنى به عن الأسفار، وإن كان هذا الاستغناء مفهوماً من قولهما قبله لكن هما جازاها بالذبح والانعطاب، وهو بالاستراحة من الأسفار وما فيها من العذاب.

سنة ثمان عشرة ومائة
فيها توفي علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب جد الخلفاء العباسية بأرض البلقاء. ولد ليلة قتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكان من أجمل قريش وأجلها، قال الأوزاعي وغيره: كان يسجد كل يوم ألف سجدة ولذلك يقال له السجاد قلت وقد تقدم هذا مع غيره. وفيها توفي عمرو بن شعيب، وأبو عشانة بالعين المهملة والشين المعجمة والنون.

سنة تسع عشرة ومائة
فيها توفي إياس بن سلمة بن الأكوع، وحبيب بن أبي ثابت فقيه الكوفة ومفتيها، وقيس بن سعد المكي صاحب عطاء وكان المفتي بمكة في وقته.

سنة عشرين ومائة
فيها توفي أنس بن سيرين، وفقيه الكوفة أبو إسماعيل حماد بن أبي سليمان صاحب إبراهيم النخعي، روى عن أنس بن مالك وسعيد بن المسيب وطائفة، وكان سريا محتشما يفطر كل ليلة في رمضان خمس مائة إنسان، وقال شعبة: كان صدوق اللسان، وعاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الأنصاري شيخ محمد بن إسحاق، وكان اخبارياً علامة بالمغازي، وأبو معبد عبد الله بن كثير الكناني مولاهم الفارسي الأصل قارىء أهل مكة وقاضي الجماعة فيها، وهو من الطبقة الثانية من التابعين، قرأ على عبد الله بن السائب المخزومي وعلى مجاهد، وحدث عن أبي الزبير وغيره.
(1/201)

وفيها توفي علقمة بن مرثد الحضرمي الكوفي، كان نبيلاً في الحديث، وقيس بن مسلم، ومحمد بن إبراهيم التيمي المدني الفقيه.

سنة احدى وعشرين ومائة
فيها توفي مسلمة بن عبد الملك بن مروان، وكان موصوفاً بالشجاعة والاقدام والرأي والدهاء، قتل زيد بن علي بن الحسين بن علي بالكوفة، وكان قد بايعه خلق كثير، وحارب متولي العراق يومئذ الأمير يوسف بن عمر الثقفي فقتله يوسف المذكور وصلبه، قلت وقد يتوهم بعض الناس أن يوسف بن عمر الثقفي هذا أبو الحجاج، وليس كذلك بل الحجاج بن يوسف عم أبيه، فإنه يوسف بن عمر بن محمد بن يوسف، هكذا ذكر بعض المؤرخين نسبه، ولما خرج زيد أتته طائفة كثيرة وقالوا له تبرأ من أبي بكر وعمر حتى نبايعك، فقال: بل أتبرأ ممن يتبرأ منهما. فقالوا: اذن نرفضك فمن ذلك الوقت سموا الرافضة وسميت شيعة زيد زيدية.

سنة اثنتين وعشرين ومائة
فيها توفي قاضي البصرة إياس بن معاوية بن قرة المزني اللسن البليغ والألمعي المطيب والمعدوم مثلاً في الذكاء والفطنة ورأساً لأهل البيان والفصاحة، كان صادق الظن لطيفاً في الأمور مشهوراً بفرط الذكاء، وإياه عنى الحريري بقوله في المقامة السابعة: فإذا ألمعيتي ألمعية ابن عباس، وفراستي فراسة إياس أحد من يضرب به المثل في الذكاء، وهو المشار إليه في قول أبي تمام:
إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس
ولي قضاء البصرة في خلافة عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، وقيل لوالده معاوية بن قرة: كيف ابنك لك؟ قال: نعم. الابن كفاني أمر دنياي، وفرغني لآخرتي، وكان إياس المذكور أحد العقلاء الفضلاء الدهاة. ويحكى من فطنته أنه كان في موضع، فحدث فيه ما يقتضي الخوف، وهناك ثلاث نسوة لا يعرفهن، فقال: ينبغي أن يكون هذه حاملاً وهذه مرضعاً وهذه عذراء، فكشف عن ذلك فكان كما تفرس، فقيل له من أين لك هذا؟ فقال: عند الخوف لا يضع الإنسان يده إلا على أعز ما له ويخاف عليه، فرأيت الحامل وضعت يدها على جوفها فاستدللت بذلك على
(1/202)

حملها، والمرضع وضعت يديها على ثديها فعلمت أنها مرضع، والعذراء وضعت يدها بين رجليها أوكما قال فعلمت أنها بكر. وسمع يهودياً يقول: ما أحمق المسلمين يزعمون أن أهل الجنة يأكلون ولا يحدثون، فقال له: افكلما تأكله تحدثه؟ قال: لا لأن الله تعالى يجعله غذاء، قال: فلم تنكر أن تعالى يجعل كل ما يأكله أهل الجنة غذاء. ونظر يوماً إلى آجرة بالرحبة وهو بمدينة واسط، فقال: تحت هذه الآجرة دابة. فرفعوا الآجرة فإذا تحتها حية منطوية، فسألوه عن ذلك فقال: اني رأيت ما بين الآجرتين ندياً من بين تلك الرحبة، فعلمت أن تحتها شيئاً يتنفس. وقال رأيت في المنام كأني وأبي على فرسين، فجريا معاً فلم أسبقه ولم يسبقني، وعاش أبي ستاً وسبعين سنة وها أنا فيها، فلما كانت آخر لياليه قال: هذه ليلة استكمل فيها عمر أبي، ونام، فأصبح ميتاً رحمه الله تعالى. وله من ذا غرائب وعجائب يعجز عن حصرها الكاتب. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى نائبه بالعراق عدي بن أرطأة أن أجمع بين إياس بن معاوية والقاسم بن ربيعة الجرشي قبول قضاء البصرة أنفذهما، فجمع بينهما، فقال إياس: ايها الأمير سل عني وعنه فقيهي المصر الحسن وابن سيرين، وكان القاسم يأتيهما وإياس لا يأتيهما، فعلم القاسم أنه إن سألهما أشارا به، فقال: لا تسأل عنه ولا عني، فوالله الذي لا إله إلا هو إنه أفقه وأعلم بالقضاء مني. فإن كنت كاذباً فما يحل لك أن توليني وأنا كاذب، وإن كنت صادقاً فينبغي لك أن تقبل قولي، فقال له إياس إنك جئت برجل أوقفته على شفير جهنم فنحى نفسه عنها بيمين كاذبة يستغفر الله تعالى منها وينجو مما يخاف فقال عدي بن أرطأة: اما إذ فهمتنا فأنت لها فاستقضاه. وروي عن إياس إنه قال ما غلبني أحد قط سوى رجل واحد، وذلك أني كنت في مجلس القضاء فدخل علي رجل شهد عندي أن البستان الفلاني وذكر حدوده هو ملك فلان، فقلت له كم عدد شجره فسكت، ثم قال: لي منذ كم يحكم سيدنا القاضي في هذا المجلس؟ فقلت: منذ كذا. فقال: كم عدد خشب سقفه؟ فقلت: الحق معك، وأجزت شهادته.
وكان يوماً في برية فأعوزهم الماء وسمع نباح كلب، فقال: هذا على رأس بير فاستقرؤوا النباح فوجدوه كما قال، فقيل له في ذلك فقال: لأني سمعت الصوت كالذي يخرج من بير أو قال كأنه يخرج من بير.
(1/203)

سنة ثلاث وعشرين ومائة
فيها توفي بالبصرة السيد الجليل الولي الكبير الفاضل الشهير ثابت البناني من سادات التابعين علماً وشغلاً وعبادة وزهداً، وفيها توفي سماك بن حرب الهذلي الكوفي أحد الكبار، قال أدركت ثمانين من الصحابة وذهب بصري فدعوت الله عز وجل فرده علي. وفيها توفي السيد الجليل الولي الحفيل محمد بن واسع الأزدي الملقب زين القراء ذو الفضائل المشهورة والسيرة المشكورة الذي قال فيه بعضهم: كنت إذا وجدت فترة أو قال قسوة نظرت في وجه محمد بن واسع فاعمل على ذلك جمعة وقال شهراً، والذي قال له مالك بن دينار: ما أحوج مثلي بمعلم مثلك لما نبهه على بعض دقائق الورع في قضية ذكرتها في غير هذا الكتاب.

سنة أربع وعشرين ومائة
فيها توفي في رمضان الإمام أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري أحد الفقهاء والمحدثين والأعلام التابعين، حفظ علم الفقهاء السبعة، ورأى عشرة من الصحابة رضي الله عنهم، سمع من سهل بن سعد وأنس بن مالك وخلائق، وروى عنه جماعة من الأئمة منهم مالك بن أنس وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة. قال ابن المديني: له نحو الذي حديث، وكان قد حفظ علم الفقهاء السبعة، وقال عمر بن عبد العزيز: لم يبق اعلم بسنة ماضية من الزهري، وكذا قال مكحول. وقال الليث. قال ابن شهاب: ما استودعت قبي علماً فنسيته. وقال غيره: من أهل العلم كان معظماً وافر الحرمة عند هشام بن عبد الملك أعطاه مرة سبعة آلاف دينار. وقال عمرو بن دينار ما رأيت الدينار والدرهم عند أحد أهون منه عند الزهري، كأنها عنده بمنزلة البعر، وكان إذا جلس في بيته وضع كتبه حوله فيشتغل بها عن كل شيء من أمور الدنيا، فقالت له امرأته: والله لهذه الكتب أشد علي من ثلاث ضرائر، ولم يزل مع عبد الملك، ثم مع هشام بن عبد الملك، واستقضاه يزيد بن عبد الملك. وحضر يوماً مجلس هشام وعنده أبو الزناد عبد الله بن ذكوان، فقال هشام: اي شهر كان يخرج العطاء فيه لأهل المدينة؟ فقال الزهري: لا أدري. فسأل أبا الزناد فقال: في المحرم. فقال هشام للزهري: يا أبا بكر هذا علم استفدته اليوم، فقال: مجلس المؤمنين
(1/204)

أهل أن يستفاد منه العلم وقيل له الزهري بضم الزاي نسبة إلى زهرة ين كلاب بن مرة: فخذ من أفخاذ قريش. ومنهم آمنة بنت وهب أم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعبد الرحمن بن عوف كما تقدم وخلق كثير من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.

سنة خمس وعشرين ومائة
فيها توفي أبو الوليد هشام بن عبد الملك الأموي خليفتهم، وكانت ولايته عشرين سنة إلا شهراً، وكانت داره عند الحوامر بدمشق، فعمل منها السلطان نور الدين مدرسة، وكان ذا رأي وحزم وحلم وجمع للمال، عاش أربعاً وخمسين سنة، وكان أبيض جميلاً يخضب بالسواد. ومما يحكى عن هشام بن عبد الملك أنه خرج ذات يوم إلى الصيد، فنظر إلى ظبي فتبعه، فأحالته الكلاب إلى أن وصل به إلى صبي يرعى غنماً، فقال له: يا صبي دونك الظبي أيتني به. فقال له الصبي: فقدت الحياة لو نظرت إلي باستصغار وعاشرتني باحتقار وكلامك كلام جبار وفعلك فعل حمار. قال: يا غلام أو لم تعرفني قال بلى قد عرفني بك سوء أدبك إذ بدأتني بكلامك قبل سلامك. قال له: وأنا هشام بن عبد الملك. قال: لا قرب الله دارك ولا حيا قرارك. قال: فوألله ما استتم كلامه حتى أحدقت به الخيول والجيوش من كل جانب ومكان، كل له يقول السلام عليك يا أمير المؤمنين، السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال: اقصروا من السلام واحفظوا بالغلام، والحقوني به، قال: ثم ركب مغضباً إلى داره، فلما وصل إلى داره وركب على سرير ملكه أقبلت إليه الحرفاء والوزراء والأمراء والكتاب، كل يقول السلام عليك يا أمير المؤمنين السلام عليك يا أمير المؤمنين، وذلك الصبي ساكت، قد أرسل ذقنه على صدره، وقرن عينيه وسكت عن الكلام وامتنع عن السلام. فقال له بعض الوزراء: يا كلب العرب ما منعك أن تسلم على أمير المؤمنين؟ قال: يا بردعة الحمار منعني من ذلك طول الطريق ونهر الدرجة. فقال له بعض الحرفاء: يا جحش العرب بلغ من فضولك أن تخاطب أمير المؤمنين كلمة بكلمة. فقال: رمتك الجندل ولامك الهبل أو ما سمعت قول الله عز وجل في كتابة المنزل على نبيه المرسل " يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها " - النحل: 111 - فإذا كان الله تعالى يجادل جدالاً، فمن هشام حتى لا يخاطب خطاباً فعند ذلك اغتاظ الملك من كلامه، وقال: علي برأس الغلام فقد أكثر الكلام، فوضع ذلك
(1/205)

الصبي في نطع الدم، وخرد سيف النقمة ليضرب عنقه، فقال له الضراب: يا سيدي عبدك المذل بنفسه المنقلب إلى رمسه أضرب عنقه وأنا بريء من دمه. قال: اضرب عنقه: فاستأذنه ثانية فأذن له، ثم استأذنه ثالثة فأذن له، فضحك ذلك الصبي وهو في نطع الدم، فقال أقيموه، ثم قال له: يا غلام أنت تضحك في الممات، وتجادل في الحياة، اتستهزىء بنا أم بنفسك؟ قال: يا أمير المؤمنين اسمع مني كلمتين وأفعل ما بدا لك قال: قل قال: فوالله إن هذا أول أوقاتي من الآخرة وآخر أوقاتي من الدنيا، فوالله لئن كان من المدة تقصير وفي الأجل تأخير لا يضرني من كلامك هذا لا قليل ولا كثير، ولكن يا أمير المؤمنين أبيات من الشعر حضرتني اسمعها مني قل: قال: فقال:
نبئت أن الباز خلف مرة ... عصفور برساقه المقدور
فتكلم العصفور في أظفاره ... والباز منهمك عليه يطير
ما في ما يغني لمثلك شبعة ... ولئن أكلت فأنني لحقير
فتعجب الباز المدل بنفسه ... عجباً وأفلت ذلك العصفور
قال فخر هشام بن عبد الملك على وجهه ضاحكاً، وقال: والله لو تلفظ بهذا الكلام في وقت من أول أوقاته وطلب ما دون الخلافة لأعطيته إياه، يا غلام احش فاه دراً وجوهراً، قال: فحشى فاه دراً وجوهراً وأعطاه الجائزة والكسوة وراح إلى أهله مسروراً. وفي السنة المذكورة توفي أبو سعيد بن أبي سعيد المقبري، روى عن سعد بن أبي وقاص، وأكثر عن أبي هريرة رضي الله عنه. وفيها توفي أشعث بن أبي الشعثاء المحاربي الكوفي. وتوفي أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي والد السفاح والمنصور، عاش ستين سنة، وكان وسيماً جميلاً مهيباً نبيلاً، وكانت دعاة بني العباس يكاتبونه يلقبونه بالإمام، وكان سبب انتقال الخلافة إلى بني العباس أن محمد ابن الحنفية كانت الشيعة تعتقد إمامته بعد أخيه الحسين، فلما توفي محمد ابن الحنفية انتقل الأمر إلى ولده أبي هاشم، وكان عظيم القدر وكانت الشيعة تتولاه، فحضرته الوفاة بالشام ولا عقب له، فأوصى إلى محمد بن علي المذكور وقال له أنت صاحب هذا الأمر وهو في ولدك، ودفع إليه كتبه وصرف الشيعة نحوه، ولما حضر محمد الوفاة أوصى إلى ولده إبراهيم
(1/206)

المعروف بالإمام، فلما حبسه مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية وتحقق أن مروان يقتله أوصى أخيه السفاح، وهو أول من ولي الخلافة من أولاد العباس. هذه خلاصة الأمر والشرح فيه طويل. وفيها وقيل في سنة أربع توفي يزيد بن أبي أنيسة الجزري الرهاوي بضم الراء الحافظ أحد علماء الجزيرة، عاش أربعين سنة، روى عن جماعة من التابعين. وفيها أو بعدها توفي زيادة بن علاقة الثعلبي الكوفي، روى عن طائفة وكان معمراً، ادرك ابن مسعود وسمع من جرير بن عبد الله وصالح مولى التوأمة المدني.

سنة ست وعشرين ومائة
فيها في جمادى الآخرة قتل خليفتهم الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وكانت ولايته سنة وثلاثة أشهر، وكان من أجمل الناس وأقواهم وأجودهم نظماً، ولكن ذكروا عنه أشياء قبيحة في الدين والعرض أكره ذكرها، والله أعلم بذلك، قالوا: ولذلك قاموا عليه مع ابن عمه يزيد بن الوليد الملقب بالناقص لكونه نقص الجند عطياتهم، وبويع ليزيد بن المذكور، فمات في العشرين من ذي الحجة في السنة المذكورة وله ست وثلاثون سنة، وكان فيه زهد وعدل وخير ولكن كان قدرياً. قال الإمام الشافعي رضي الله: ولي يزيد بن الوليد فدعا الناس إلى القدر، وحملهم عليه. وفيها وقيل في سنة تسع، وقيل في سنة خمس وعشرين ومائة، توفي عمرو بن ديناراليمني الصنعاني عن ثمانين سنة، من أبناء الفرس الذين أرسلوا مع سيف بن ذي يزن وتوالدوا في اليمن، تفقه عمرو بن دينار عن ابن عباس وابن عمر وجابر بن عبد الله زيد وطاوس والزهري وسعيد بن جبير، وسكن مكة، وعده الشيخ أبو إسحاق هو وعطاء في فقهاء التابعين بمكة، اخذ عنه سفيان بن عيينة الهلالي المكي أحد شيوخ الشافعي، وأبو الوليد بن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، قال سفيان بن عيينة: قيل لعطاء: بمن تأمر قال بعمرو بن دينار، وقال طاوس لابنه: يا بني إذا قدمت مكة فجالس عمرو بن دينار فإن أذن قمع العلماء، يعني القمع بكسر القاف وسكون الميم وبعدها عين مهملة، إناء واسع الأعلى ضيق الأسفل يصب فيه الدهن ونحوه فينزل في إناء تحته لئلا يتبدد. وفيها توفي عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر المدني الفقيه، كان إماماً
(1/207)

ورعاً كثير العلم، وفيها توفي سعيد بن مسروق والد سفيان الثوري رحمه الله. وفيها هلك تحت العذاب الشاق خالد بن عبد الله القسري الدمشقي أمير العراق، تولى من قبل هشام بن عبد الملك، وولي قبل ذلك مكة، وكان معدوداً من خطباء العرب المشهورين بالفصاحة والبلاغة، وكان جواداً كثير العطاء، خل فيه عليه شاعر يوم جلوسه للشعراء، وكان قد أراد مدحه ببيتين، فلما رأى اتساع الشعراء في القول، استصغر قوله فسكت حتى انصرفوا، فقال له خالد: ما حاجتك؟ قال: مدحت الأمير فلما سمعت قول الشعراء احتقرت بيتي، فقال: وما هما؟ فأنشدته:
تبرعت لي بالجود حتى تعيشني ... وأعطيتني حتى حسبتك تلعب
فأنت الندى وابن الندى وأبو الندى ... حليف الندى، ما للندى عنك مذهب
فقال: ما حاجتك؟ فقال علي دين. فأمر بقضائه وأعطاه مثله. وكتب إليه هشام بن عبد الملك: بلغني أن رجلاً قام إليك فقال: ان الله جواد وأنت جواد، وإن الله كريم وأنت كريم، حتى عد عشر خصال، والله لئن لم تخرج من هذا لأستحلن دمك. فكتب إليه خالد: نعم يا أمير المؤمنين، قام إلي فلان فقال: ان الله كريم يحب الكريم فأنا أحبك بحب الله إياك ولكن أشد من هذا مقام ابن سقي البجلي إلى أمير المؤمنين، فقال خليفتك أحب إليك أم رسولك؟ فقال: بل خليفتي. فقال: انت خليفة الله ومحمد رسول الله، والله لقتل رجل من بجيلة أهون على العامة والخاصة من كفر أمير المؤمنين، هكذا ذكره الطبري في تاريخه، ان هشاماً عزل خالداً عن العراقين وولي يوسف بن عمر الثقفي ابن عمر الحجاج مكانه، وأمر بمحاسبة خالد وعماله، فأخذ خالداً وعماله وحبسه، وعذبه بأن وضع قدميه بين خشبين وعصرهما حتى انقصفا، ثم إلى وركيه ثم إلى صلبه فلما انقصفت صلبه ومات وهو في ذلك لا يتأوه ولا ينطق، وكان ذلك في الحيرة منزل نعمان بن المنذر أحد ملوك العرب على فرسخ من الكوفة، ولما كان خالد في السجن مدحه أبو الأشعث العبسي بهذه الأبيات:
ألا أن خير الناس حياً وميتاً ... أسير ثقيف عندهم في السلاسل
لعمري لقد عمرتم السجن خالداً ... وأوطأتموه وطأة المتثاقل
لقد كان نهاضاً بكل ملمة ... ومعطي اللها غمراً كثير النوافل
وقد كان يبني المكرمات لقومه ... ومعطي اللها في كل حق وباطل
يعني باللها العطية. يقال فلان يعطي اللها: اذا كان جواداً يعطي الشيء الكثير. وكان يوسف قد جعل على خالد في كل يوم حمل مال معلوم أن لم يقم به من يومه
(1/208)

عذبه، فلما مدحه العبسي بهده الأبيات كان قد حصل من قسط يومه سبعين ألف درهم، فأنفذها إليه، فقال اعذرني فقد ترى ما أنا فيه فردها، وقال لم أمدحك لمال وأنت على هذه الحالة ولكن لمعروفك وافضالك، فأنفذها إليه ثانياً، فاقسم عليه لتأخذنها فأخذها، وبلغ ذلك يوسف، فدعاه وقال ما جرأك على فعلك ألم تخش العذاب؟ فقال لئن أموت عذاباً أسهل علي من كفي، لاسيما على من مدحني. وذكر أبو الفرج الأصفهاني أن خالداً كان من ولد شق الكاهن، وذكروا أنه كان شق ابن خالة سطيح الكاهن، وكان شق وسطيح من أعاجيب الدنيا. أما سطيح فكان جسداً ملقى لا جوارح له، وكان وجهه في صدره، ولم يكن له رأس ولا عنق، وكان لا يقدر على الجلوس إلا إذا غضب انتفخ فجلس، وقيل كان يطوى مثل الأديم وينقل من مكان إلى مكان إذا أراد الانتقال، وكان شق نصف إنسان، وكانت له يد واحدة ورجل واحدة، وفتح عليهما في الكهانة ما هو مشهور عنهما، وكان ولادتهما في يوم واحد. وفي ذلك اليوم توفيت ظريفة الكاهنة الحميرية زوجة عمر، ومزيقيا بن عامر ماء السماء. ولما ولد ادعت لكل واحد منهما وتفلت في فيه، وزعمت أنه سيخلفها في كهانتها، ثم ماتت لساعتها ودفتت في الجحفة، وعاش كل واحد من شق وسطيح. وسطيح هو الذي بشر بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقصته في تأويل الرويا مشهورة وذكرها مستوفي في السيرة. وفي السنة المذكورة توفي الكميت الأسدي الشاعر.

سنة سبع وعشرين ومائة
فيها سار مروان بن محمد بن مروان من أرمينية إلى دمشق يطلب الأمر لنفسه لما بلغه وفاة يزيد الناقص، فجهز إبراهيم الخليفة أخويه بشراً ومسروراً بالجيش فكسرهما مروان وحبسهما، ثم نزل بمرج دمشق فحاربه سليمان بن هشام بن عبد الملك، ثم انهزم سليمان فعسكر خليفتهم ابن الوليد بظاهر دمشق وبذل الخزائن فخذلوه، فهرب وبايع الناس مروان، فأتاه إبراهيم فخلع نفسه وبايع مروان.
(1/209)

وفي السنة المذكورة قتل يوسف بن عمر الثقفي الذي كان أمير العراق في السجن بدمشق، ذكر بعض المؤرخين أنه ولى هشام بن عبد الملك يوسف بن عمر اليمن، فلم يزل والياً بها حتى كتب له هشام أن سر إلى العراق فقد وليتك إياه، وإياك أن يعلم بك، واشفني من ابن النصرانية يعني خالد بن عبد الله القسري، وكان والياً عل العراق فاستخلف يوسف ابنه الصلت على اليمن، وسار إلى العراق في سبعة عشر يوماً، ودخل المسجد مع الفجر، فأمر المؤذن بالإقامة، فقال: حتى يأتي الإمام، فانتهره فأقام وتقدم يوسف فصلى وقرأ إذا وقعت الواقعة وسأل سائل، ثم أرسل إلى خالد وخليفته طارق وأصحابهما، وكان طارق قد ختن ابنه فأهدي إليه ألف عتيق وألف وصيف وألف وصيفة سوى المال والثياب، فحبس يوسف خالداً، فصالحه أبان بن الوليد عنه وعن أصحابه بتسعة آلاف ألف درهم، ثم ندم يوسف وقيل له لو لم تقبل هذا المال لأخذت منه مائة ألف ألف درهم، وقيل غير ذلك مع قصص يطول ذكرها، وعاقبة ذلك أنه مات خالد المذكور تحت العذاب الشاق وقد تقدم ذكر ذلك في ترجمته في سنة ست وعشرين.
ثم آل الأمر بعد أمور يطول ذكرها إلى أن تولى يزيد بن الوليد بن عبد الملك، واطاعة أهل الشام وانبرم له الأمر، فولى منصور بن جمهور العراق، فبلغ خبره يوسف بن عمر، فهرب وسلك طريق السماوة حتى أتى إلى البلقاء فاستخفى بها، وكان أهله مقيمين فيها، فلبس زي النساء وجلس بينهن، فبلغ يزيد بن الوليد خبره، فأرسل إليه من يحضره، فوصل إليه وأخذه بعد أن فتش عليه كثيراً فوجده جالساً على تلك الهيئة بين نسائه وبناته، فجاءوا به في وثاق، فحبسه يزيد عند الحكم وعثمان ابني الوليد بن يزيد، وكان يزيد بن الوليد قد حبسهما عند قتله أباهما في الحضراء وهي دار بدمشق مشهورة قبل جامعها. قال ابن خلكان وقد خربت ومكانها معروف عندهم فأقام يوسف بن عمر في السجن إلى أن مات يزيد بن الوليد، وتولى بعده أخوه إبراهيم بن الوليد، ومن بعده عبد العزيز بن الحجاج، ثم تولى بعد الكل مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية، وغلب على الأمر، خافت جماعة إبراهيم بن الوليد أن يدخل مروان دمشق فيخرج الحكم وعثمان ابني الوليد من السجن ويجعل لهما الأمر فيفتكان فيهم، فأجمع رأيهم على قتلهما، فأرسلوا يزيد بن خالد القسري ليتولى ذلك، فانتدب في جماعة من أصحابه لذلك، فدخلوا السجن، وشدخوا
(1/210)

الغلامين بالعمد وأخرجوا يوسف بن عمر، فضربوا عنقه لكونه قتل خالد بن عبد الله القسري والد يزيد المذكور. ولما قتلوه أخذوا رأسه عن جسده وشدوا أرجله، وقتل في مذاكيره حبل وهو يجر في ذلك الموضع نعوذ بالله من جميع الشرور ونسأله حسن عاقبة الأمور. وفيها توفي الحكم وعثمان ولدا الوليد بن عبد الملك المذكوران. وفيها توفي عبد الله بن دينار. مولى ابن عمر، وعمير بن هاني العنسي بالنون بعد العين المهملة الداراني، روى عن أبي هريرة وعن معاوية قال له عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: اراك لا تفتر من الذكر فكم تسبح؟ قال: مائة ألف إلا أن يخطي الأصابع رحمه الله تعالى. وفيها توفي عبد الرحمن بن مالك الحراني الحافظ، ووهب بن كيسان، وقاضي المدينة سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري. قال شعبة: كان يصوم الدهر ويختم كل يوم، وقيل مات في سنة ست والإمام السدي المفسر الكوفي المشهور. وفيها وقيل في سنة ثمان توفي أبو إسحاق السبيعي شيخ الكوفة وعالمها، عاش نحو المائة. وفيها توفي السيد الكبير الولي الشهير ذو الإيمان الوثيق والورع الدقيق والمناقب العديدة والسيرة الجميلة الجليل الفضل والمقدار: ابو يحيى مالك بن دينار صاحب الهمة العلية والفضائل السنية، روي أنه أقام أربعين سنة لم يأكل من رطب البصرة ولا من تمرها. وروي أنه قد وقع حريق في البصرة، فقال شباب الحي بيت أبي يحيى مالك بن دينار، فخرج متزراً ببارية وبيده مصحف وقال: فاز المخففون أو قال: نجا المخففون، وكان عالماً زاهداً ورعاً لا يأكل إلا من كسبه، وكان يكتب المصاحف بالأجرة. وحكى أبو القاسم بن خلف الأندلسي في كتابه قال: بينا مالك بن دينار يوماً جالساً إذ جاءه رجل، فقال: يا أبا يحيى ادع الله لامرأة حبلى منذ أربع سنين قد أصبحت في كرب شديد، فغضب المالك وأطبق المصحف ثم قال: ما يرى هؤلاء القوم إلا أننا أنبياء، ثم قرأ ثم دعا فقال: اللهم هذه المرأة إن كان في بطنها جارية فأبدلها بها غلاماً فإنك تمحو ما يشاء وتثبت وعندك أم الكتاب، ثم رفع مالك يده فما حطها حتى طلع الرجل من باب المسجد
(1/211)

وعلى رقبته غلام ابن أربع سنين، قد استوت أسنانه وما قطعت جراره. وقال مالك: لو قيل ليخرج شر من في المسجد ما سبقني إلى الباب أحد وقيل له: الا تستسقي له؟ فقال: انتم تنتظرون المطر وأنا أنتظر الحجارة قلت وقد اقتصرت من ذكر فضائله الكثيرة على هذه الألفاظ اليسيرة.

سنة ثمان وعشرين ومائة
فيها ظهر الضحاك بن قيس الخارجي وقتل متولي الموصل واستولى عليها، وكثرت جموعه وأغار على البلاد، فخافه مروان فسار بنفسه فالتقى الجيشان بنصيبين، وكان قد أشار على الضحاك أمراؤه أن يتقهقر، فقال: ما لي في ديناكم من حاجة، وقد جعلت لله علي إن رأيت هذا الطاغية أن أحمل عليه حتى يحكم الله بيننا وعلي دين سبعة دراهم معي منها ثلاثة دراهم، فدار الحرب إلى آخر النهار وقتل الضحاك في المعركة في نحو ستة آلاف من الفريقين، اكدرهم من الخوارج، وانهزم مروان ولكن ثبت أمير الميمنة وجاء بعض الخوارج فملك مخيم مروان وقعد على سريره، فنظف، نحو ثلاثة آلاف فأحاطت بذلك الخارجي فقتل، وقام بأمر الخوارج شيبان فتحيز بهم فخندقوا على نفوسهم وجاء مروان فنازلهم وقاتلهم عشرة أشهر كل يوم راية مروان مكسورة، وكانت فتنة هائلة تشبه فتنة الأشعث من الحجاج، ثم رحل شيبان نحو شهرزور، ثم توجه إلى كرمان، ثم كر إلى ناحية البحرين، فقتل هناك، وفيها ولي العراقين يزيد بن عمر بن هبيرة.
وفيها توفي عاصم بن أبي النجود الأزدي مولاهم قارىء الكوفة في زمانه وأحد القراء السبعة، وكان صالحاً حجة للقرآن صدوقاً في الحديث، قرأ على عبد الرحمن السلمي وزر بن حبيش رضي " الله عنهم. وفيها توفي يحيى بن يعمر العدواني البصري كان تابعياً، لقي عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس. وغيرهما من الصحابة، وروى عنه قتادة السدوسي وإسحاق العدوي، وهو أحد القراء بالبصرة، وانتقل إلى خراسان وتولى القضاء بمرو، وكان عالماً بالقرآن
(1/212)

الكريم والنحو ولغات العرب، اخذ النحو عن أبي الاسود الديلي، وكان يحيى المذكور من الذين يقولون بتفضيل أهل البيت على غيرهم من غير تنقيض لذي فضل من غيرهم. وحكى عاصم بن أبي النجود المقري إن الحجاج بن يوسف الثقفي كتب إلى قتيبة بن مسلم وإلى خراسان أن أبعث إلي يحيى بن يعمر، فبعث به إليه، فلما قام بين يديه قال: انت الذي تزعم أن الحسن والحسين من ذرية رسول الله والله لآلقين الأكثر منك شعراً أو لتخرجن من ذلك. فقال: فهو أماني إن خرجت؟ قال: نعم قال فإن الله جل ثناؤه يقول " ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحاً هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين " - الأنعام: 84 - وزكريا ويحيى وعيسى الآية وما بين عيسى وإبراهيم أكثر مما بين الحسن والحسين ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم. فقال له الحجاج ما أراك إلا قد خرجت، والله لقد قرأتها وما عملت بها قط، وهذا من الاستنباطات البديعة الغريبة المجيبة، فلله دره ما أحسن ما استنبط مع شدة التهديد من ما في وعيده أفرط، قال عاصم: ثم إن الحجاج قال له: اين ولدت؟ قال: بالبصرة قال: ايزننشأت؟ قال: بخراسان قال: فهذه العربية إني مع ذلك قال: رزق قال: خبرني عني هل ألحن؟ فسكت. فقال: اقسمت عليك. قال: اما إذا سألتني أيها الأمير فإنك ترفع ما يوضع وتضع ما يرفع. قال: ذلك والله اللحن السيىء، وقال ثم كتب إلى قتيبة إذا جاءك كتابي هذا فاجعل يحيى بن يعمرعلى قضاءك والسلام. وعن يونس بن حبيب قال: قال الحجاج ليحيى بن يعمر: اتسمعني ألحن؟ قال في حرف واحد، قال في أي؟ قال في القرآن، قال ذلك أشنع ما هو؟ قال تقول: قل إن كان أباؤكم وأبناؤكم إلى قوله أحب إليكم، فتقرأها بالرفع، قال الراوي: كأنه لما طال الكلام نسي ما ابتدأ به، قال الحجاج: لا جرم لا تسمع لحناً أبداً، وقال: خالد الحذاء: كان لابن سيرين مصحف منقوط، نقطه يحيى بن يعمر، وكان ينطق بالعربية المحضة واللغة الفصحاء، طبعه فيه غير متكلف، وأخباره ونوادره كثيرة. وفيها توفي أبو عمران الجوني البصري، وأبو الزبير المكي محمد بن مسلم أحد العقلاء والعلماء، وفيها فقيه مصر وشيخها أبو رجاء بن أبي حبيب الأزدي مولاهم، قال لليث: هو مولانا وسيدنا.
(1/213)

سنة تسع وعشرين ومائة
في رمضان منها كان ظهور أبي مسلم الخراساني صاحب الدعوة لبني العباس بمرو. وفيها توفي عالم المغرب وعابدها خالدبن أبي عمران التجيبي التونسي قاضى إفريقية. وفيها توفي على الصحيح يحيى بن أبي كثير أبو نصر أحد الأعلام في الحديث، وفيها توفي قاري المدينة الزاهد العابد أبو جعفر يزيد بن القعقاع، اخذ عن أبى هريرة وابن عباس، وقرأ عليه نافع، وله ذكر في سنين أبي داود.

سنة ثلاثين ومائة
فيها وقيل فى السنه الآتية توفي السيد الفقيه القدوة الحافظ القانت الزاهد محمد بن المنكدر، وسمع من عائشة وأبي هريرة، وكان بيته مأوى الصالحين ومجتمع المفلحين من الزاهدين والعابدين. وتوفي فيها يزيد بن رومان المدني، احد شيوخ نافع في القراءة، رحمه الله.

سنه إحدى وئلاثين ومائه
فيها استولى أبو مسلم صاحب الدعوة على ممالك خراسان، وهزم الجوش، وأقبلت دولة بني العباس، وولت دولة بني أمية. وفيها توفي فقيه أهل البصرة أيوب السختياني أحد الأعلام قال شعبة: كان سيد الفقهاء، وقال ابن عيينة: لم ألق مثله، وقال حماد بن زيد: كان أفضل من جالسته وأشد اتباعاً للسنة، وقال ابن المديني: له نحو ثمان مائة حديث. وفيها توفي أبو الزناد الفقيه أحد علماء المدينة، وهو أبو عبد الرحمن عبد الله بن ذكوان، لقي عبد الله بن جعفر وأنساً. قال الليث: رأيت أبا الزناد حلقه ثلاث مائة تابع من
(1/214)

طالب فقه وعلم وشعر وصوف، تم لم يلبث أن بقي وحده، وأقبلوا على ربيعه، وكذا ربيعة أقبلوا على مالك وتركوه، صدق الله العظيم: " وتلك الأيام نداولها بين الناس " - آل عمران: 140 - قال أبو حنيفة: وكان أبو الزناد أفقه من ربيعة. وفيها توفي واصل بن عطاء المعتزلي المعروف بالغزال أحد أئمة المعتزلة، كان من البلغاء المتكلمين في العلوم، وكان ألثغ يبدل الراء غيناً. قال المبرد: كان أحد الأعاجيب، وذلك أنه كان قبيح اللثغة في الراء وكان يخلص كلامه من الراء، ولا يلقن لذلك لقتداره على الكلام وسهولة ألفاظه، وفي ذلك يقول بعض الشعراء:
عليهم بإبدال الحروف وقامع ... لكل خطيب يغلب الحق باطله
وقال آخر:
ويجعل البر قمحاً في تصرفه ... وخالف الراء حتى احتال للشعر
ولم يطق مطراً والقول يجعله ... فعاد بالغيث إشفاقاً من المطر
وذكر السمعاني في كتاب الأنساب: ان واصل بن عطاء كان يجلس إلى الحسن البصري، فلما ظهر الاختلاف: وقالت الخوارج بتكفير مرتكب الكبائر، وقالت الجماعة بأنهم مؤمنون وإن فسقوا بالكبائر، خرج واصل بن عطاء من الفريقين وقال: ان الفاسق من هذه الأمة لا مؤمن ولا كافر منزلة بين منزلتين، فطرده الحسن عن مجلسه، واعتزل عنه، وجلس إليه عمرو بن عبيد، فقيل لهم المعتزلة. قال وكان واصل بن عطاء يضرب به المثل في اسقاطه حرف الراء من كلامه، واستعمل الشعراء ذلك في شعرهم كثيراً، فمنهم قول أبي محمد الخازن في قصيدة يمدح بها الصاحب بن عباد.
نعم تجنبت لايوم العطاء كما ... تجنب ابن عطاء لفظة الراء
وقال آخر:
أعد لثغة لو أن واصل حاضر ... يسمعها ما أسقط الراء واصل
وقال آخر:
أجعلت وصل الراء لم ينطق به ... وقطعتني حتى كأنك واصل
ولقد أحسن في قوله: وقطعتني حتى كأنك واصل، حسبنا بالغاً عند من يفهم المعاني
(1/215)

الحسان، وقد عمل الشعراء في هذه اللثغة كثيراً، ففي ابدال ااثاء من السين ما يعزى إلى أبي نواس من قوله:
وشادن سألته عن اسمه ... فقال لي: اثمي مرداث
بات يعاطبني سخامية ... فقال لي: قد هجع الناث
أما ترى حيشاً كليلتنا ... زينها الذيران والآث
فعدت من لثغة الثغا ... فقلت: اين الطاث والكاث
قوله سخامية هو بضم السين المهملة والخاء المعجمة وبعد الميم مثناة من تحت وهي: الحمر اللينة السلسلة. قلت وما سمعت من بعض شيوخنا في هذا المعنى:
والثغ سألته عن اسمه ... فقال لي إثمي عباث
فعدت من لثغة الثغا ... فقلت: اين الطاث والكاث
وقال المبرد في كتاب الكامل: لم يكن واصل بن عطاء غزالاً ولكن كان يلقب بذلك، لأنه كان يلزم الغزالين ليعرف المنقطعات من النساء فيجعل صدقته لهن، قال: وكان طويل العنق وله عدة تصانيف في علم الكلام وغيره، وأقواله في الا! عتقاد في كتب الأصول. وفي السنة المذكورة توفي عبد الله بن يحيى بن أبي يحيى المكي المقري صاحب مجاهد.
وفيها توفي السيد الكبير الوالي الشهير أحد زهاد البصرة العابدين الشيوخ المباركين من السلف الصالح فرقد السبخي، كان هو ومحمد بن واسع ومالك بن دينار وحبيب العجمي وثابت البناني وصالح المري متصاحبين، رحمهم الله، حدث عن أنس رضي الله عنه. وفيها توفي متصور بن زاذان شيخ البصرة وزاهدها وعابدها، روى عن أنس وجماعة، وكان يصلي من بكرة إلى العصر، ثم يسبح إلى الغروب. وفيها توفي همام بن منبه اليماني صاحب أبي هريرة، قال أحمد: كان يعرف بمجالس أبي هريرة، وكان يشتري الكتب لأخيه وهب.
؟؟؟؟؟؟؟؟

سنة اثنتين وثلاثين ومائة
فيها، ابتداء دولة بني العباس حتى بويع السفاح أبو العباس عبد الله بن محمد بالكوفة
(1/216)

، وجهز عمه عبد الله بن علي لمحاربة مروان فزحف إليه مروان إلى أن نزل بقرب الموصل، فالتقوا في جمادى الآخرة، فانكسر مروان، واستولى عبد الله بن علي على الجزيرة، وطلب الشام فهرب مروان إلى مصر، وخذل وانقضت أيامه. فنزل عبد الله على دمشق وحاصرها وبها ابن عم مروان الوليد بن معاوية بن مروان، فأخذت بالسيف وقتل بها من الأمويين عدة ألوف منهم أميرها الوليد وسليمان بن هشام بن عبد الملك وسليمان بن يزيد بن عبد الملك. وفيها توفي عبد الله بن طاوس اليماني النحوي، روى عن أبيه قال معمر: كان من أعلم الناس بالعربية وأحسنهم خلقاً، ما رأيت ابن فقيه مثله. وروي أن أمير المؤمنين أبا جعفر المنصور استدعى عبد الله بن طاوس ومالك بن أنس، فلما دخل عليه أطرق ساعة ثم التفت إلى ابن طاوس، فقال له: حدثني عن أبيك، فقال حدثني أبي أن أشد الناس عذاباً يوم القيامة رجل أشركه الله في سلطانه فأدخل عليه الجور في حكمه، فأمسك أبو جعفر ساعة قال مالك قصرت ثيابي خوفاً أن يصيبني دمه، ثم قال له المنصور: ناولني تلك الدواة. ثلاث مرات فلم يفعل، فقال: لم لا تناولني؟ فقال: اخاف أن تكتب بها معصية فأكون قد شاركتك بها، فلما سمع ذلك قال: قوما عني، قال: ذلك ما كنا نبغي، قال مالك: فما زلت أعرف لابن طاوس فضيلة من ذلك اليوم. وفيها توفي الإمام الحافظ أبو عتاب منصور بن المعتمر السلمي الكوفي أحد العلماء، أخذ من أبي وائل وكبار التابعين، وقال ما كتبت حديثاً قط، وقال عبد الرحمن بن مهدي: لم يكن بالكوفة أحفظ منه. وقال زائدة: صام منصور أربعين سنة، وقام ليلها. وكان يبكي الليل كله، وقيل كان قد عمش من البكاء، وأكره على قضاء الكوفة فقضى شهرين، ومناقبه كثيرة شهيرة. وتوفي بالمدينة إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري الفقيه، وكان مالك لا يقدم عليه أحداً. وفيها توفي أبو عبيد الله صفوان بن سليم المدني الفقيه القدوة، روى عن ابن عمرو جابر وجماعة، قال أحمد بن خنبل: ثقة من خيار عباد الله يستنزل بذكره القطر. وفيها توفي يونس بن ميسرة المقري الأعمى، عاش مائة وعشرين سنة روى عن الكبار، وكان موصوفاً بالفضل والزهد كبير القدر، وقتل الأمير محمد بن عبد الملك بن مروان، والأمير أبو خالد يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري أمير العراقين لمروان، وله خمس وأربعون سنة، وكان شهماً شجاعاً خطيباً مفوهاً مفرط الأكل، واقع بني العباس فهزموه،
(1/217)

وتحصن بواسط فحاصره أبو جعفر المنصور أخو السفاح مدة ثم أمنه وغدر به، وقال لا يغير ملك وهذا فيه، فقتله، وهو معدود من جملة من جمع له العراقان، فكان أولهم زياد ابن أبيه، استخلفه معاوية، وآخرهم يزيد المذكور، ولم يجمعا لأحد بعده. وقيل بل أن أبا مسلم الخراساني وصل إلى السفاح، يحضه على قتله، ويقول: طريق السهل لا يصلح أن يكون فيها حجر، وكان يركب في موكب كبير وعسكر كثر إذا جاء إلى أبي جعفر المنصور، فمنع من ذلك، فصار يأتي في نفر يسير، ثم صار يأتي في ثلاثة، ولما قتل رثاه أبو عطاء السندي بقوله:
ألا إن عينا لم تجد يوم واسط ... عليك يجاري دمعها بجمود
عشية قام النائحات وشققت ... جيوبها بأيدي مأتم وخدود
وكان قد قاتل دونه ولده داود، فقتل مع جماعة من أصحابه، ثم قتل هو ساجد لله تعالى. وذكر بعض المؤرخين أنه لما طال حصار ابن هبيرة ثبت معن بن زايدة معه، وكان أبو جعفر المنصور يقول: ابن هبيرة يخندق على نفسه مثل النساء، وبلغ ابن هبيرة ذلك، فأرسل أليه المنصور: انت القائل كذا؟ ابرز إلي لترى فأرسل إليه ما أجد لي ولك مثلاً إلا كالأسد لقي خنزيراً فقال له الخنزير بارزني: فقال الأسد ما أنت بكفؤ لي، فإن بارزتك فنالذي منك سوء كان عاراً علي، وإن قتلتك قتلت خنزيراً فلم أحصل على حمد ولا في قتلك فخر، فقال الخنزير: لئن لم تبارزني لأعرفن السباع أنك جبنت عني، فقال الأسد: احتمالي لذلك أيسر من تلطيخ براثني بدمك. ثم إن المنصور كاتب القواد، وفهم ابن هبيرة، فطلب الصلح، فأجابه. وقال له ابن هبيرة يوماً إن دولتكم بكر فأذيقوا الناس حلاوتها وجنبوهم مرارتها تصل محبتكم إلى قلوبهم، ويعذب ذكركم على ألسنتهم، وما زلنا منتظرين لدعوتكم. وكان بينهما ستر فرفعه المنصور وقال في نفسه: عجباً لمن يأمرني بقتل هذا، فصار ابن هبيرة يتردد إليه ويتغذى ويتعشى عنده، وبالغ السفاح في حث أبي جعفر في قتله وعنف عليه إن لم يفعل، وهو يمتنع من ذلك، فلم يزل به إلى أن أمر بقتله كما تقدم بإشارة أبي مسلم الخراساني صاحب الدعوة العباسية. قال ابن عساكر: كان ابن هبيرة إذا أصبح أتي بقدح كبير من لبن قد حلب على عسل أحياناً بسكر، فيشربه بعد طلوع الشمس، ويدعوا بالغداء فيأكل دجاجتين وفرخي حمام ونصف جدي وألواناً من اللحم، ثم يخرج فينظر في أمور الناس إلى نصف النهار، ثم يدخل
(1/218)

فيدعوا بالغداء فيأكل ويعظم اللقم ويتابعها ومعه جماعة من الأعيان، فإذا فرغوا من الأكل تفرقوا، ثم دخل إلى نسائه ثم يخرج إلى صلاة الظهر، وينظر في أمور الناس، فإذا صلى العصر وضع له سرير ووضعت للناس كراسي، فإذا أخذوا مجالسهم أتوهم بأقداح اللبن والعسل وأنواع الأشربة، ثم يوضع الأطعمة والسفرة للعامة، ويوضع له ولأصحابه خوان مرتفع، فيأكل معه الوجوه إلى المغرب، ويسامره سماره حتى يذهب عامة الليل، وكان يسأل كل ليلة عشر حوائج، فإذا أصجح قضيت، وكان رزقه ست مائة ألف، وكان يقسم في كل شهر في أصحابه ووجوه الناس وأهل البيوتات. وفيها قتل مروان بن محمد بن مروان الخليفة، وهو الملقب بالجعد، عبر الذيل طالباً الحبشة، فلحقه صالح بن علي عم السفاح وبيته ببوصير، فقاتل حتى قتل وكان بطلاً شجاعاً ظالما أشهل العينين كثير اللحية أبيض ربعة، عاش بضعاً وخمسين سنة، ذكره بعضهم فقال: لله دره ما كان أحزمه وأسوسه وأعفه عن الغي. وقتل معه أخ لعمر بن عبد العزيز كان أحد الفرسان، ولكن تقنطر به فرسه فقتله. وفيها توفي الأمير سليمان بن كثير الخزاعي المروزي أحد نقباء بني العباس، قتله أبو مسلم الخراساني، وقتل بمصر عبد الله بن أبي جعفر الليثي مولاهم البصري الفقيه أحد العلماء وا لزهاد. وفيها وقيل في سنة ثمان وعشرين، وقيل ثلاثين ومائة، توفي أبو جعفر يزيد ابن القعقاع القارىء مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي، اخذ القراءة عرضاً عن ابن عباس، وعن مولاه عبد الله بن عياش، وعن أبي هريرة وسمع عبد الله بن عمر، ويقال قرأ على زيد بن ثابت، وروى القراءة عنه عرضاً نافع بن عبد الرحمن وسليمان بن مسلم وغيرهما، وكان يقرأ بالمدينة الشريفة، وقيل هو مولى أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكان من أفضل الناس، وكان بياض بين نحره وفؤاده قيل هو نور القرآن، ورؤي بعد موته في المنام وهو على ظهر الكعبة بخبر أنه من الشهداء الكرام رحمة الله عليهم.
(1/219)

سنة ثلاث وثلاثين ومائة
فيها بعث أبو مسلم الخراساني مرار الضبي فقتل الوزير أبا مسلمة السبيعي مولاهم الكوفي وفيه قيل هذا البيت:
إن الوزير وزير آل محمد ... أودى فمن يسأل كان وزيرا
وفيها توفي أبو أيوب بن موسى الأموي المكي الفقيه، روى عن عطاء ومكحول. وفيها مات بمكة الأمير داود بن علي بن عبد الله بن عباس، وكان فصيحاً مفوهاً. وفيها أو في الماضية توفي يحيى بن يحيى بن قيس الغساني سيد أهل دمشق في وقته. وفيها توفي مغيرة بن مقسم الضبي مولاهم الكوفي الفقيه الأعمى أحد الأئمة وعمر بن أبي سلمة على ما ذكر بعضهم.

سنة أربع وثلاثين ومائة
فيها تحول الخليفة السفاح عن الكوفة ونزل الأنبار، وفيها توفي الفقيه يزيد بن يزيد بن جابر الأزدي الدمشقي، روى عن مكحول وطائفة، وقال أبو داود: اجازه الوليد بن يزيد مرة بخمسين ألف دينار، وذكر القضاء فإذا هو أكبر من القضاء، وفيها توجه من العراق موسى بن كعب إلى حرب منصور بن جمهور الكلبي الدمشقي، فالتقى منصوراً في اثني عشر ألفاً فهزم منصور ومات في البرية عطشاً وكان قدرياً.

سنة خمس وثلاثين ومائة
فيها توفي أبو العلاء برد بن سنان الدمشقي نزيل البصرة، وأبو عقيل زهرة بن معبد التيمي بالاسكندرية، قال الدارمي زعموا أنه من الأبدال. وفيها توفي عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني شيخ مالك والسفيانين. روى عن أنس وجماعة، وكان كثير العلم. وفيها توفي عطاء الخراساني نزيل بيت المقدس، وهو كثير الارسال عن الصحابة، قال ابن جابر كنا نغزو معه، وكان يحيي الليل صلاة إلا نومة السحر، وكان يعظنا ويحضنا على التهجد.
(1/220)

وفيها توفيت السيدة الولية ذات المقامات العلية والأحوال السنية رابعة ابنة إسماعيل العدوية الشهيرة الفضل البصرية، على ما ذكره ابن الجوزي في شذور العقود وقال غيره: توفيت في سنة خمس وثمانين يعني ومائة، قلت وليس صحيحاً قول من ذكر لها حكاية مع السري السقطي، فإنه عاش حتى نيف على خمسين ومائتين من الهجرة. قال الأستاذ أبو القاسم القشيري في رسالته كانت تقول في مناجاتها: الهي تحرق بالنار قلباً يحبك فهتف بها هاتف مرة: ما كنا نفعل هذا، فلا تظنني بنا ظن السوء. وقال عندها يوماً سفيان الثوري: واحزناه، فقالت: لا تكذب بل قل: واقلة حزناه. لو كنت محزوناً لم يتهيأ لك أن تتنفس. وروي أنها سمعته مرة يقول: اللهم إنا نسألك رضاك. فقالت: اما تستحي أن تسأل رضا من لست عنه براض؟. قلت ومثل هذا ما أخبرني بعض أهل العلم قال: سمعني الشيخ عمر الهوري وأنا أقول في الملتزم: الهي إني أسألك رضاك، فقال لي: يا فقيه، لقد تجرأت، انا منذ ثلاثين سنة ما جسرت أدعو الله تعالى بهذا الدعاء. وقالت رابعة: استغفارنا هذا يحتاج إلى استغفار وقال بعضهم كنت أعود الرابعة العدوية، فرأيتها في المنام تقول: هداياك تأتينا على أطباق من نور مخمر بمناديل من نور، وكانت تقول: ما ظهر من أعمالي لا أعده شيئاً. ومن وصاياها اكتموا حسناتكم كما تكتمون سيآتكم، وأورد لها الشيخ شهاب الدين السهروردي في عوارف المعارف.
إني جعلتك في الفؤاد محمدي ... وأبحت جسمي من أراد جلوسي
فالجسم مني للجليس مؤانس ... وتجيب قلبي في الفؤاد أنيسي
قال ابن خلكان قبرها على رأس جبل يسمى الطور بظاهر القدس. قلت وسمعت من بعض أهل بيت المقدس يذكر أن المدفونة في الجبل المذكور رابعة أخرى غير العدوية، والله أعلم. وروى ابن الجوزي بسند له متصل إلى عبدة خادمة رابعة العدوية، قالت: كانت رابعة تصلي الليل كله، فإذا طلع الفجر هجعت في مصلاها هجعة خفيفة حتى يسفر الفجر، فكنت
(1/221)

أسمعها تقول إذا وثبت من مرقدها ذلك وهي فزعة يا نفس إلى كم تنامين؟ وإلى كم تقومين؟ يوشك أن تنامي نومة لا تقومين منها إلا لصرخة يوم النشور، وكان هذا دأبها دهرها حتى ماتت. ولما حضرتها الوفا دعتني وقالت: يا عبدة لا تؤذني بموتي أحداً، وكفني في جبتي هذه جبة من شعر كانت تقوم فيها إذا هدأت العيون، قالت: فكفناها في تلك الجبة وفي خمار صوف كانت تلبسه، ثم رأيتها بعد ذلك بسنة أو نحوها في منامي عليها حلة استبرق وخمار من سندس أخضر لم أر قط شيئاً أحسن منه، فقلت: يا رابعة ما فعلت الجبة التي كفناك فيها وخمار الصوف؟ قالت: انه والله نزع عني وأبدلت به ما ترينه علي، وطويت أكفاني وختم عليها، ورفعت في عليين يكمل لي بها ثوابها يوم القيامة، فقلت لها: لهذا كنت تحملين أيام الدنيا؟ فقالت وما هذا عند ما رأيت من كرامة الله عز وجل لأوليائه فقلت لها: وما فعلت عبيدة بنت أبي كلاب؟ فقالت: هيهات هيهات. والله سبقتنا إلى الدرجات العلى. فقلت: وبم وقد كنت عند الناس أكبر منها؟ قالت: انها لم تكن تبالي على أي حال أصبحت على الدنيا أو أمست، فقلت لها ما فعل أبو مالك أعني ضيغما؟ قالت: يزور الله عز وجل متى شاء. فقلت فما فعل بشربن منصور؟ قالت: بخ بخ أعطي والله فوق ما كان يؤمل. قلت فمريني بأمر أتقرب به إلى الله عز وجل قالت: عليك بكثرة ذكره، يوشك أن يعطي بذلك في قبرك.

سنة ست وثلاثين ومائة
فيها توفي حصين بن عبد الرحمن السلمي الكوفي الحافظ عن ثلاث وتسعين سنة، وربيعة بن أبي عبد الرحمن الفقيه أبو عثمان عالم المدينة، ويقال له ربيعة الرأي، سمع أنساً وابن المسيب، وكانت حلقة الفتوى أخذ عنه مالك. قال عبيد الله بن عمر العمري: هو صاحب معضلاتنا وعالمنا وأفضلنا، وذكروا أنه أدرك جماعة من الصحابة. وقال بكر بن عبد الله الصنعاني أتيت مالك بن أنس فجعل يحدثنا عن ربيعة، فكنا نستزيده من حديث ربيعة، فقال لنا يوماً: ما تصنعون بربيعة؟ وهو، او قال: ها هو نائم في ذلك الطاق، فأتينا ربيعة وقلنا له: انت ربيعة؟ قال: نعم قلنا: انت الذي يحدث عنك مالك بن أنس؟ قال: نعم قلنا، كيف حظي بك مالك وأنت لم تحظ بنفسك؟ قال أما علمتم أن مثقالاً من دولة خير من حمل علم. وكان يوماً يتكلم في مجلسه، فوقف عليه أعرابي، فأطال الوقوف والإنصات إلى
(1/222)

كلامه فظن ربيعة أنه قد أعجبه كلامه فقال: يا أعرابي عندكم؟ قال: الإيجاز مع اصابة المعنى، فقال: وما المعنى؟ قال ما أنت فيه منذ اليوم، فخجل ربيعة. وتوفي في الهاشمية مدينة بناها السفاح بأرض الأنبار وكان يسكنها ثم ينتقل إلى الأنبار. قال مالك بن أنس في ما حكى ابن خلكان: ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة الرأي، رحمة الله عليه. وفيها توفي زيد بن أسلم العدوي مولاهم الفقيه العابد، لقي ابن عمر وجماعة وكانت له حلقة الفتوى والعلم بالمدينة. قال أبو حازم: لقد رأينا في حلقة زيد بن أسلم أربعين فقيهاً، ادنى خصلة فينا التواسي بما في أيدينا ونقل البخاري: ان زين العابدين علي بن حسين بن علي كان يجلس إلى زيد بن أسلم. وفيها توفي أبو العباس السفاح عبد الله بن محمد الخليفة العباسي أول خلفاء بني العباس، كانت دولته خمس سنين، وكان طويلاً أبيض جميلاً حسن اللحية مات بالجدري في الأنبار. وفيها توفي العلاء بن الحارث الحضرمي الفقيه الشامي صاحب مكحول، روى عن عبد الله بن بسر بضم الموحدة وسكون المهملة وطائفة، وكان ثقة نبيلاً مفتياً جليلاً. وفيها توفي عطاء بن السائب الثقفي الكوفي الصالح، روى عن عبد الله بن أبي أوفى الصحابي وطائفة، قال أحمد بن حنبل: هو رجل صالح، كان يختم كل ليلة من سمع منه قديماً كان صحيحاً.

سنة سبع وثلاثين ومائة
في أولها بلغ عبد الله بن علي موت ابن أخيه السفاح، فدعا إلى نفسه بالإسلام وعسكر، وزعم أن السفاح عهد إليه بالأمر وأقام شهوداً بذلك، فجهز أبو جعفر المنصور لحربه أبا مسلم الخراساني، فالتقى الجمعان بنصيبين في جمادى الآخرة، فاشتد القتال، ثم انهزم جيش عبد الله، وهرب هو إلى البصرة وبها أخوه، وحاز أبو مسلم خزائنه، وكانت خزائن عظيمة، لأنه كان قد استولى على جميع أموال بني أمية، فبعث المنصور إلى أبي مسلم أن احتفظ بما في يدك، فصعب ذلك على أبي مسلم وعزم على خلع المنصور، وسار نحو خراسان فأرسل إليه المنصور يستعظمه ويمنيه، وما زال به حتى ظفر به فقتل في
(1/223)

شعبان، ولما حج أبو مسلم المذكور أمر منادياً في طريق مكة: برئت الذمة من رجل أوقد ناراً في عسكر الأمير. فلم يزل يغديهم ويعشيهم حتى بلغ مكة، وأوقف في المسعى خمس مائة وصيف على رقابهم المناديل، يسقون الأشربة من سعى من الحاج بين الصفا والمروة، ولما وصل الحرم نزل وخلع نعليه ومشى حافياً تعظيماً للحرم، وهو أبو مسلم عبد الرحمن بن مسلم صاحب دعوة بني العباس منشىء دولتهم، خل خراسان وهو شاب فما زال يتحيل بإعانة وجوه شيعة بني العباس ونقبائهم حتى وثب على مرو فملكها. وحاصل الأمر أنه خرج من خراسان بعد أن حكم عليها وضبطها، فقاد جيشاً هائلاً، ومهد لبني العباس بعد أن قتل خلقاً لا يحصون محاربة وصبراً قيل كان حجاج زمانه.
وذكروا أن أباه رأى في المنام أنه جلس للبول فخرج من إحليله نار، وارتفعت في السماء وسدت الآفاق وأضاءت الأرض ووقعت بناحية المشرق، فقص رؤياه على عيسى بن معقل فقال: ان في بطن جاريتك غلاماً يكون له شأن أو كما قال، ثم فارقه ومات، فوضعت الجارية أبا مسلم، ونشأ عند عيسى فلما ترعرع اختلف مع ولده إلى المكتب، فخرج أديباً لبيباً يشار إليه في صغره، ثم إنه اجتمع على عيسى بن معقل وأخيه ادريس جد أبي دلف العجلي بقايا من الخراج تقاعدا من أجلها من حضور مؤدي الخراج بأصفهان، فأنهى عامل أصفهان خبرهما إلى خالد بن عبد الله القسري وإلى العراقين، فأنقذ من الكوفة من حملهما إليه، فتركهما في السجن، فصادفا فيه عاصم بن يونس العجلي محبوساً ببعض الأسباب، وقد كان عيسى بن معقل أرسل أبا مسلم إلى قرية من رستاق. فابق لاحتمال غلتها، فلما بلغه أن عيسى حبس باع ما كان احتمله من الغلة وأخذ ما اجتمع عنده من ثمنها ولحق بعيسى، فأنزله عيسى في بني عجل، وكان يختلف إلى السجن، ويتعهد عيسى وإدريس ابني معقل، وكان قد قدم الكوفة جماعة من نقباء الإمام محمدبن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب مع عدة من شيعته، فدخلوا على العجليين السجن مسلمين، فصادفوا أبا مسلم عندهم، فأعجبهم عقله ومعرفته وأدبه وكلامه، ومال هو إليهم، ثم إنه عرف أمرهم وأنهم دعاة، واتفق مع ذلك هرب عيسى وادريس من السجن، فعدل أبو مسلم من دور بني عجل إلى هؤلاء النقباء، ثم خرج معهم إلى مكة حرسها الله تعالى، فأورد النقباء على إبراهيم بن محمد بن علي، وقد تولى الإمامة بعد وفاة أبيه عشرين دينار ومائتي ألف درهم، وأهدوا إليه أبا مسلم، فأعجب به وبمنطقه وعقله وأدبه فأقام أبو مسلم عنده يخدمه حضراً أو سفراً.
(1/224)

ثم إن النقباء عادوا إلى إبراهيم الإمام وسألوه رجلاً يقوم بأمر خراسان فقال: إني قد جربت هذا الأصفهاني وعرفت ظاهره وباطنه، فوجدته حجر الأرض. ثم دعا أبا مسلم وقلده الأمر وأرسله إلى خراسان، وكان من أمره ما كان، وكان أبو مسلم يدعو الناس إلى رجل من بني هاشم، وأقام على ذلك سنين وفعل في خراسان وتلك البلاد ما هو مشهور، فلا حاجة للإطالة بذكره. وكان مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية يحتال على الوقوف على حقيقة الأمر، وإن أبا مسلم إلى من يدعو، فلم يزل على ذلك حتى ظهر له أن الدعاء لإبراهيم الإمام، وكان مقيماً عند أهله وإخوته، فأرسل إليه وقبض عليه وأحضر مالي حران، فأوصى إبراهيم بالأمر بعده لأخيه السفاح، ولما وصل إبراهيم إلى حران حبسه مروان بها، ثم غمه بجراب طرح فيه نؤرة، وجعل فيه رأسه، وسد عليه إلى أن مات. ثم سار أبو مسلم يدعو الناس إلى أبي العباس السفاح، وكان بنو أمية يمنعون بني هاشم من نكاح الحارثيات لما رأوا في ذلك عن سلفهم أن هذا الأمر يتم لابن الحارثيه، فلما قام عمر بن عبد العزيز بالأمر أتاه محمد وقال: اني أردت أن أتزوج ابنة خالي من بني الحارث بن كعب، افتأذن لي؟ قال تزوج من شئت فتزوج ريطة بنت عبد الله منهم فأولدها السفاح فتولى الخلافة. وذكر الزمخشري في كتاب ربيع الأبرار أن أبا مسلم نهض بالدعوة وهو ابن ثمان عشرة سنة، وقيل هو ابن ثلاث وثلاثين، فإنه كان عظيم القدر يلقاه القاضي ابن أبي ليلى المشهور فقبل يده، فقيل له في ذلك فقال: قد لقي أبو عبيدة بن الجراح عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما وقبل يده، فقيل له: اتشبه أبا مسلم بعمر؟ فقال: اتشبهونني بأبي عبيدة. وكان أول ظهور أبي مسلم بمرو من خراسان في سنة تسع وعشرين ومائة والوالي بها يومئذ من جهة مروان نصر بن سيار الليثي وكتب إليه قول ابن هريم البجلي الكوفي.
أرى خلل الرماد وبيص نار ... ويوثسك أن يكون لها ضرام
فإن النار بالزندين توري ... وإن الحرب أولها كلام
(1/225)

لئن لم يطفها عقلاء قوم ... يكون وقودها جثث وهام
أقول من التعجب ليت شعري ... أأيقاظ أمية أم نيام
فإن كانوا لحينهم نياماً ... فقل قوموا فقد حان القيام
فهذا مثل ما يحكى من قول بعضهم لما خرج محمد بن عبد الله بن الحسن وأخوه إبراهيم علي أبي جعفر المنصور.
أرى ناراً أنست على يفاع ... لها في كل ناحية شعاع
وقد رقدت والعباس عنها ... وباتت وهي آمنة رتاع
كمارقدت أمية ثم هبت ... تدافع حين لا يغنى الدفاع
وفي سنة اثنتين وثلاثين ومائة وثب أبو مسلم على مقدم خراسان فقتله، وقعدا في الدست، وسلم عليه بالأمرة وخطب ودعا للسفاح، وانقطعت ولاية بني أمية عن خر اسان. ولما مات السفاح وتولى أخوه أبو جعفر المنصور صدرت عن أبي مسلم إساءات وقضايا غيرت قلب المنصور عليه فعزم على قتله وقتله كما تقدم. وقيل إن منصوراً قال لسالم بن قتيبة بن مسلم الباهلي: ما ترى أبي مسلم؟ فقال: " لوكان فيهما الهة إلا الله لفسدتا " - الأنبياء: 22 - فقال: حسبك يا بن قتيبة لقد أودعتها أذناً واعية. وكان أبو مسلم ينظر في كتب الملاحم ويجد خبره فيها، وأنه مميت دولة ومحيي دولة، وأنه يقتل ببلاد الروم، كان المنصور يومئذ برومية المدائن التي بناها كسرى ولم يخطر لأبي مسلم أنها موضع قتله، بل راح وهمه إلى بلاد الروم، وكانت رومية المذكورة قد بناها الإسكندر ذو القرنين لما أقام بالمدائن، وكان قد طاف الأرض شرقاً وغرباً ولم يختر منها منزلاً سوى المدائن، فنزلها وبنى رومية المذكورة على ما ذكروا والله أعلم. فلما عاد أبو مسلم من سفر حجه المتقدم ذكره دخل على المنصور، فرحب به ثم إمره بالانصراف إلى مخيمه، وانتظر المنصور فيه الغرض والغوائل، ثم إن أبا مسلم ركب إليه مراراً فأظهر له التحني، ثم جاءه يوماً فقيل له أنه يتوضأ للصلاة، فقعد تحت الرواق، ورتب له المنصور جماعة يقفون وراء السرير فإذا عاتبه وضرب يداً على يد ظهروا وضربوا عنقه، ثم جلس المنصور وأذن له فدخل وسلم فرد، وأمره بالجلوس وحادثه ثم عاتبه، وقال: فعلت وفعلت فقال أبو مسلم: ما يقال هذا بعد بيعتي واجتهادي، وما كان مني، فقال له: يا ابن الخبيثة إنما فعلت ذلك تحرياً وحفظاً ولو كان مكانك أمة سوداء لعملت عملك. ألست
(1/226)

الكاتب إلي تبدأ بنفسك قبلي؟ ألست الكاتب يخطب عني آسية وتزعم أنك من ولد سليط بن عبد الله بن عباس، لقد ارتقيت لا أم لك مرتقى صعباً، فأخذ أبو مسلم بيده يعركها ويقبلها ويعتذر إليه، فقال له المنصور: وهو آخر كلامه قتلني الله إن لم أقتلك، ثم صفق بإحدى يديه على الأخرى فخرج إليه القوم وخبطوه بسيوفهم، والمنصور يصيح اضربوا قطع الله أيديكم، وكان أبو مسلم قد قال عند أول ضربة استبقني يا أمير المؤمنين لعدوك، فقال لا أبقاني الله أبداً وأي عدو أعدى منك؟ ولما قتله أدرجه في بساط، فدخل عليه جعفر بن حنظلة، فقال له المنصور: ما تقول في أمر أبي مسلم؟ فقال: يا أمير المؤمنين إن كنت أخذت من رأسه شعرة فاقتل ثم اقتل ثم اقتل، فقال له المنصور وفقك الله ها هو في البساط، فلما نظر إليه قتيلاً قالى: يا أمير المؤمنين عد هذا اليوم أول خلافتك، ثم أقبل المنصور على من حضره وأبو مسلم طريح بين يديه وأنشد.
زعمت أن الدين لا يقتضى ... فاستوف بالكيل أبا مخرم
اشرب بكأس كنت تسقي ... بها أمر في الحلق من العلقم
وكان المنصور بعد قتله كثيراً ما ينشد جلساؤه نظماً لبعضهم من جملته.
وأقدم لما لم يجد عنه مذهباً ... ومن لم يجد بداً من الأمر أقدما
قيل ومن ها هنا أخذ البحتري قوله في مدح الفتح بن خاقان صاحب المتوكل على الله، ولقد لقي أسداً على طريقه فلم يقدم عليه، ثم أقدم عليه فقتله الفتح، والمقصود منها قوله:
فأحجم لما لم يجد فيك مطمعاً ... وأقدم لما لم يجد منك مهربا
واختلف في نسب أبي مسلم: فقيل من العرب، وقيل من العجم، وقيل من الأكراد، وفي ذلك يقول أبو دلامة:
أبا مخرم ما غير الله نعمة ... على عبده حتى يغيرها العبد
أفي دولة المنصور حاولت غدرة ... ألا إن أهل الغدر أباؤك الكرد
أبا مخرم خوفت بالقتل فاتحاً ... عليك بما خوفتني الأسد الورد
ووصف المدائني أبا مسلم فقال كان قصير السمر جميلاً حلواً أنقى البشرة أحور العين عريض الجبهة حسن اللحية وافرها طويل الشعر قصير الساق والفخذ خافض الصوت فصيحاً بالعربية والفارسية حلو المنطق راوية للشعر عالماً بالأمور، ولم يرى ضاحكاً ولا مازحاً إلا في وقته، ولا يكاد يقطب في شيء من أحواله، تأتيه الفتوحات العظام فلا يظهر عليه أثر
(1/227)

السرور، وتنزل به الحوادت القادحة فلا يرى مكتئباً، وإذا غضب لم يستقره الغضب، ولا يأتي النساء في السنة إلا مرة، وكان من أشد الناس غيرة، وقيل له: بم بلغت ما بلغت؟ فقال: ما أخرت أمر يومي إلى غد قط. وفيها قتل أحد الأشراف بدمشق وهو عثمان بن سراقة الأزدي، وكان قد وثب عند موت السفاح وسب بني العباس على منبر دمشق، وأقام قي الخلافة هاشم بن يزيد بن خالد بن يزيد بن معاوية، فبعثهم يحيى بن صالح عم السفاح، فلم يقووا لحربه، واختفى هاشم، وضرب عنق ابن سراقة.

سنة ثمان وثلاثين ومائة
فيها أقبل طاغية الروم قسطنطين في مائة ألف حتى نزل بدابق بكسر الموحدة بعد الألف، فالتقاه صالح بن علي عم المنصور، فهزمه والحمد لله على ظهور دين الإسلام على كل دين. وفيها توفي العلاء بن عبد الرحمن، وليث بن أبي سليم يخلف فيه، وزيد بن واقد.

سنة تسع وثلاثين ومائة
فيها توفي يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي المدني الفقيه الأعرج يروي عن شرحبيل بن سعد وطبقته من التابعين، ويونس بن عبيد شيخ البصرة، رأى أنساً وأخذ عن الحسن وطبقته، قال سعيد بن عامر: ما رأيت رجلاً قط أفضل منه، وأهل البصرة على ذا. قال أبو حاتم: هو أكبر من سليمان التيمي، ولا يبلغ سليمان منزلته، وقال يونس: ما كتبت شيئاً قط يعني لحفظه وذكائه. وفيها توفي خالد بن يزيد المصري الفقيه، يروي عن عطاء والزهري وطبقتهما.

سنة أربعين ومائة
فيها نزل جبريل بن يحيى الأمير من جهة صالح بن علي بالمصيصة مرابطاً فأقام بها سنة حتى بناها وحصنها. وفيها توفي أبو حازم سلمة بن دينار الفارسي المدني الأعرج عالم أهل المدينة
(1/228)

وزاهدهم وواعظهم، قال ابن خزيمة: لم يكن في زمانه مثله، له حكم ومواعظ. وفيها توفي داود بن أبي هند البصري الفقيه الحافظ المفتي النبيل السيد الجليل، وففيه واسط أبو العلاء أيوب بن أبي مسكين، وسهل بن أبي صالح السمان، روى عن أبيه وطبقته وأخذ عنه مالك والكبار. وفيها توفي عمرو بن قيس الكندي السكوني، عاش مائة تامة، وروى عن عبد الله بن عمر والكبار، وقيل إنه أدرك سبعين صحابياً.

سنة إحدى وأربعين ومائة
قال بعضهم فيها ظهر قوم خراسانيون، يقولون بتناسخ الأرواح وإن ربهم الذي يطعمهم ويسقيهم المنصور، وإن الهيثم بن معاوية جبرائيل، فأتوا قصر المنصور وطافوا به، فقبض على مائتين من كبارهم وحبسهم، فغضب الباقون وحفوا بنعش وحملوا هيئة جنازة ثم مروا بالسجن، فشدوا على الناس وفتحوا السجن، وأخرجوا أصحابهم، وقصدوا المنصور في ست مائة مقاتل، فأغلقوا باب البلدة وحاربهم العسكر مع معن بن زائدة، ثم وضعوا السيف فيهم وأصيب عثمان بن نهيك الأمير، فاستعمل المنصور مكانه على الحرمين أخاه عيسى وكان ذلك بالهاشمية قال المدائني: فحدثني أبو بكر الهذلي قال: اطلع المنصور فقال رجل إلى جانبي: هذا رب العزة الذي يطعمنا ويرزقنا، تعالى الله الملك الحق المبين عن مقالة أهل الضلالة الملحدين. وفي السنة المذكورة توفي موسى بن عقبة المدني صاحب المغازي، قال الواقدي: كان موسى فقيهاً يفتي رحمه الله. وفيها توفي أبان بن تغلب الكوفي القارىء المشهور، رحمه الله. وفيها توفي موسى بن كعب التميمي المروزي أحد نقباء بني العباس. وفيها أو في التي يليها توفي أبو إسحاق الشيباني الكوفي سليمان بن فيروز، وقيل ابن خاقان.

سنة اثنتين وأربعين ومائة
وفيها توفي خالد الحذاء البصري الحافظ، يروي عن كبار التابعين، وقد رأى أنساً،
(1/229)

وكان يجلس بالحذائين فلقب بالحذاء، وفيها توفي عاصم بن سليمان، احد حفاظ البصرة، رحمة الله عليهم. وفيها أو في التي بعدها توفي عمرو بن عبيد البصري الزاهد العابد المعتزلي القدري، صحب الحسن ثم خالفه واعتزل خلقته، فلذا قيل المعتزلة. وفيها توفي محمد بن أبي إسماعيل الكوفي، روى عن أنس وجماعة قال شريك: رأيت أولاد أبي إسماعيل أربعة، ولدوا في بطن واحد، وعاشوا.
وفيها توفي أبو هانىء حميد بن هانىء الخولاني المصري، روى عن علي بن رباح وعدة، وأدركه ابن وهب.

سنة ثلاث وأربعين ومائة
وفيها ثارت الديلم وقتلوا خلائق من المسلمين، فانتدب أهل الإسلام لغزوهم. وفيها سار الأمير محمد بن الأشعث إلى المغرب، فالتقى الاباضية فهزمهم، وقتل زعيمهم أبو الخطاب في المصاف، وفيها توفي حجاج بن أبي عثمان أحد حفاظ البصرة المعروف بالصواف، روى عن الحسن وغيره. وفيها على الصحيح توفي حميد الطويل أحد ثقات التابعين البصريين، كان فيها قائماً يصلي فسقط ميتاً سمع أنساً وطائفة. وكنيته أبو عبيدة. وفي ذي القعدة توفي سليمان بن طرخان أبو المعتمر التيمي أحد علماء البصرة وعبادها سمع أنساً وطائفة. قال شعبة: كان إذا حدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تغير لونه، وما رأيت أصدق منه، وقال المعتمر: مكث أبي أربعين سنة يصوم يوماً ويفطر يوماً ويصلي الفجر بوضوء العشاء، وعاش سبعاً وتسعين سنة. وفيها توفي مطرف بن طريف الكوفي الزاهد، وفيها توفي يحيى بن سعيد الأنصاري المدني الفقيه أحد الأعلام، ولي قضاء المنصور، ومات بالرصافة قبل أن يبني بغداد. قال ايوب السختياني: ما رأيت بالمدينة أفقه منه، وكان يحيى القطان يقدمه على الزهري، وقال الثوري: كان من الحفاظ.
(1/230)

وفيها توفي على الأصح ليث بن أبي سليم الكوفي أحد الفقهاء. قال الفضيل بن عياض: كان أعلم أهل زمانه في المناسك.

سنة أربع وأربعين ومائة
فيها حج بالناس المنصور، وأهمه شان محمد بن عبد الله بن الحسن وأخيه إبراهيم لتخلفهما عن الحضور عنده، فوضع عليها العيون وبذل الأموال وبالغ في طلبهما لأنه عرف مرامهما، وجرت أمور يطول شرحها، وقبض على أبيهما فسجنه، وجهز جيش العراق والجزيرة لغزو الديلم وعلى الناس محمد بن السفاح. وفيها توفي سعيد بن إياس محدث البصرة، وعبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بالمدينة في حبس المنصور. قال الواقدي: كان من العباد، وله شرف وهيبة ولسان شديد بالشين المعجمة على ما ضبط في الأصل المنقول منه. وفيها توفي عمرو بن عبيد المعتزلي المتكلم الزاهد المشهور ومولى بني عقيل، كان أبو يختلف إلى أصحاب الشرط بالبصرة، فكان الناس إذ رأوا عمراً مع أبيه قالوا: هذا خير الناس من شر الناس فيقول أبوه صدقتم هذا إبراهيم وأنا آزر. وإذا قيل لأبيه عبيد إن ابنك يختلف إلى الحسن البصري ولعله أن يكون منه خير، فقال: وأي خير يكون من ابني وأمه؟ اصبتها من غلول وأنا أبوه، ثم صار عمرو شيخ المعتزلة في وقته. وسئل الحسن البصري عنه فقال للسائل: سألت عن رجل كأن الملائكة أدبته، وكأن الأنبياء ربته، ان قام بأمر قعد به، وإن قعد بأمر قام به، وإن أمر بشيء كان ألزم الناس له، وإن نهى عن شيء كان أترك الناس له، ما رأيت ظاهراً أشبه بباطن ولا باطناً أشبه بظاهر منه. ودخل يوماً على الخليفة أبي جعفر المنصور وكان صديقاً له قبل الخلافة، فقربه وقال عظني، فقال: ان هذا الأمر الذي في يدك لو بقي في يد أحد ممن كان قبلك لم يصل إليك، فاحذر من ليلة تمحض بيوم لا ليلة بعده، وغير ذلك من المواعظ فلما أراد النهوض قال: قد أمرنا لك بعشرة آلاف درهم قال: لا حاجة لي فيها. قال: والله تأخذها. قال: والله لا آخذها، وكان المهدي حاضراً فقال يحلف أمير المؤمنين وتحلف أنت؟ فالتفت عمرو إلى المنصور وقال: من هذا الفتى؟ قال: هذا المهدي ولدي وولي عهدي. فقال: اما فقد ألبسته
(1/231)

لباساً ما هو لباس الأبرار وسميته باسم ما استحقه ومهدت له أمراً أمنع ما يكون به أشغل ما يكون عنه، ثم التفت إلى المهدي وقال: نعم يا ابن أخي إذا حلف أبوك اخشه، لأن أباك أقوى على الكفارات من عمك، فقال له المنصور: هل من حاجة؟ قال: لا تبعث إلي حتى آتيك، فقال المنصور: اذن لا نلتقي. قال عمرو: هي حاجتي فاتبعه المنصور نظره، وقال:
كلكم يمشي رويدا ... كلكم يطلب صيدا
غير عمرو بن عبيد
ولما حضرته الوفاة قال لصاحبه: نزل بي الموت ولم أتأهب، ثم قال: اللهم إنك تعلم أنه لم يسنح لي أمران في أحدهما رضى لك، وفي الآخر هوى لي إلا اخترت رضاك على هوائي فاغفر لي، وتوفي وهو راجع من مكة بموضع يقال له مران بفتح الميم وبعدها راء مشددة، وفيه دفن أيضاً تميم بن مر الذي ينسب إليه بنو تميم القبيلة المشهورة، ورثا المنصور عمراً المذكور بقوله:
صلى الإله عليك من متوسد ... قبراً به قبرعلى مران
قبراً تضمن مؤمناً متحنفاً ... صدق الإله ودان بالعرفان
لو أن هذا الدهر أبقى صالحاً ... أنقى لنا عمراً أبا عثمان
قالوا ولم يسمع بخليفة رثى من هو دونه سواه، ولعمرو المذكور رسائل وخطبات، وكتاب التفسير عن الحسن البصري، وكتاب الرد على القدرية، قلت هكذا قال بعض المؤرخين، والذي حكى أصحابنا عنه في كتب الأصول: قول شنيع وكفر فظيع في نفيه المقدر، وهو ما روى الإمام الطبري أنه قال: ان كان تبت يدا أبي لهب في اللوح المحفوظ، فما على أبي لهب من لوم. وذكر الإمام الطرسوسي المالكي في كتابه، في الخلاف عنه، أنه لما ذكر حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه الذي رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن حبان، المشتمل على قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الجنين: " ويؤمر بأربع كلمات يكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد ". قال: لو سمعته من الأعمش لكذبته، ولو سمعته من أن مسعود لما صدقته، ولو سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقلت: ما بهذا بعثت الرسل، ولو سمعته من الله عز وجل ما على هذا أخذت مواثيقنا، قال أئمتنا: وليس يزيد على كفره كفر.
(1/232)

وفيها توفي فقيه الكوفة أبو شبرمة عبد الله بن شبرمة الضبي القاضي، روى عن أنس والتابعين، وكان عفيفاً عارفاً عاقلاً، يشبه النساك، شاعراً جواداً. وفيها توفي عقيل بضم العين المهملة مولى بني أمية، وكان حافظاً حجة، ومجالد بالجيم ابن سعيد الهمداني الكوفي صاحب الشعبي.

سنة خمس وأربعين ومائة
قالوا فيها ظهر محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن الحسني، وخرج في مائتين وخمسين نفساً بالمدينة، وهو راكب على حمار وذلك في أول رجب، فوثب على متولي المدينة فسجنه، وتتبع أصحابه، ثم خطب الناس، وبايعه بالخلافة أهل المدينة قاطبة طوعا وكرهاً، وأظهر أنه قد خرج غضباً لله عز وجل، وما تخلف عنه من الوجوه إلا نفر يسير، واستعمل على مكة عاملاً وعلى اليمن وعلى الشام، فلم يتمكن عماله وندب المنصور لحربه ابن عمه عيسى بن موسى، وقال: لا أبالي أيهما قتل صاحبه، وإنما قال ذلك لأن عيسى المذكور كان ولي العهد بعد المنصور على ما عهد في ذلك السفاح. قيل: وكان المنصو يود هلاكه ليولي ولده المهدي مكانه، فسار عيسى في أربعة آلاف، وكتب إلى الاشراف يستميلهم ويمنيهنم، فتفرق عن محمد ناس كثير، وأشير عليه بالمسير إلى مصر ليتقوى منها، فأبى وتحصن في المدينة وعمق خندقها، فلما وصل عيسى تفرق عن محمد أصحابه حف بقي في طائفة قليلة، فراسله عيسى يدعوه إلى الإنابة ويبذل له الأمان فلم يسمع، ثم أنذر عيسى أهل المدينة ورغبهم ورهبهم أياماً، ثم زحف على المدينة فظهر عليها، ونادى محمداً وناشده الله ومحمد لا يرعوي. قال عثمان بن محمد بن خالد أني لأحسب محمداً قتل بيده يومئذ سبعين رجلاً وكان معه ثلاث مائة مقاتل، ثم قتل في المعركة، وبعث عيسى برأسه إلى المنصور. وفي السنة المذكورة خرج أخوه إبراهيم بن عبد الله إلى البصرة، وكان قد سار إليها من الحجاز فدخلها سراً في عشرة أنفس، فجرت له أمور غريبة في اختفائه، ربما يقع به بعض الأعوان فيصطنعه، ثم دعى إلى نفسه سراً بالبصرة حتى تابعه نحو أربعة آلاف، وجاء خير أخيه وما جرى له بالمدينة فوجم واغتم. ولما بلغ المنصور خروجه تحول فنزل الكوفة حتى يأمن غايلة أهلها، وألزم الناس
(1/233)

لبس السواد، وجعل يقتل كل من اتهمه أو يحبسه، وكان بالكوفة ابن عامر يبايع لإبراهيم سراً وتهاون متولي البصرة في أمر إبراهيم حتى اتسع الخرق وخرج أول ليلة من رمضان، وتحصن منه متولي البصرة، وأقبل الخلق إلى إبراهيم ما بين ناصر وناظر، ونزل متوليها بالأمان، ووجد إبراهيم في الحواصل ست مائة ألف ففرقها بين أصحابه خمسين خمسين، وبعث عاملاً إلى الأهواز ليفتحها، وبعث آخر إلى فارس، وآخر إلى واسط، فجهز المنصور لحربه خمسة آلاف، ثم التقوا فكان بين الفريقين عدة وقعات، وقتل خلق من أهل البصرة وواسط، وبقي إبراهيم سائر رمضان يفرق العمال على البلدان ليخرج على المنصور من كل جهة، فأتاه مصرع أخيه بالمدينة قبل الفطر بثلاث، فعيد الناس وهم يرون فيه الانكسار، وكان المنصور في جمع يسير وعامة جيوشه في النواحي، فالتزم بعد ذلك أن لا يفارقه ثلاثون ألفاً، فلم يبرح إلى أن رد من المدينة عيسى بن موسى، فوجهه إلى إبراهيم، ومكث المنصور لا يقر له قرار، وجهز العساكر ولم يأو إلى فراش خمسين ليلة، وكان كل يوم يأتيه فتق من ناحية هذا ومائة ألف سيف كامنة له بالكوفة، قالوا: ولولا السعادة لسل عرشه بدون ذلك إلى أن هدم عزه وذهث وهو بالمثلثة، وكان مع ذلك صقراً أحوذياً مشمراً ذا عزم ودهاء.
وعن داود بن جعفر قال: احصى ديوان إبراهيم بالبصرة فبلغوا مائة ألف، وقال غيره: بل قام معه عشرة آلاف، فلو هجم الكوفة لظفر بالمنصور، ولكنه كان فيه دين، قال: اخاف إن هجمتها أن يستباح الصغير والكبير، فقيل له: فخرجت على مثل المنصور، وتتوقى قتل الصغير والكبير، وكان أصحابه مع قلة رأيه يختلفون عليه، وكل يشير برأي، إلى أن التقى الجمعان على يومين من الكوفة، فاشتد الحرب وظهر أصحاب إبراهيم، وكان على مقدمة جيوش المنصور حميد بن قحطبة فانهزم، وجعل عيسى بن موسى يثبت الناس، وقد بقي في مائة من حاشية، فأشاروا عليه بالفرار، فقال: لا أزول حتى أظفر أو أقتل، وكان يضرب المثل بشجاعته، ثم دار أبناء سليمان بن علي في طائفة، وجاءوا من وراء إبراهيم، وحملوا على عسكره، قال عيسى لولا أبناء سليمان لافتضحنا، ومن صنع الله عز وجل أن أصحابنا انهزموا فاعترض لهم نهر ولم يجدوا مخاضة، فرجعوا، فوقعت الهزيمة على أصحاب إبرأهيم حتى بقي في سبعين، وأقبل حميد بن قحطبة فحمل بأصحابه واشتد القتال حتى تفانى خلق تحت السيف طول النهار، وجاء سهم غرب لا يدرى من رمى به في حلق إبراهيم، فأنزلوه وهو يقول وكان أمر الله قدراً مقدوراً أردنا أمراً وأراد الله غيره، واجتمع
(1/234)

اصحابه يحمونه، فأنكر حميد اجتماعهم، فحمل عليهم فتفرقوا عن إبراهيم، فنزل جماعة واحتزوا رأسه وبعث به إلى المنصور في الخامس والعشرين من ذي القعدة وعمره ثمان وأربعون سنة، وكان قد أذاه يومئذ الحرب وحرارة الزردية فحسروها عن صدره فأصيب في ليته، ووصل إلى المنصور خلق كثير منهزمين، وهيىء النجائب ليهرب إلى الري، وكان يتمثل.
ونصبت نفسي للرماح درية ... إن الرئيس لمثل ذاك فعول
قال: الأصمعي الدرية غير مهموز وهي دابة يستتر بها الصائد فإذا أمكنه الصيد رمى، وقال أبو زيد هو مهموز لأنها تدرأ نحو الصيد أي تدفع قال الأخطل:
فإن كنت قد أقصدتني إذ رميتني ... بسهمك فالرامي يصيب ولا يدرا
أي لا يستتر ولا يختل يقال: اقصد السهم: اي أصاب فقتل، فلما أسرعوا إليه بالبشارة وبالرأس تمثل بقول البارقي:
فألقت عصاها واستقرت لها النوى ... كما قر عيناً بالإياب المسافر
قال خليفة: خرج مع إبراهيم هيثم وأبو خالد الأحمر وعيسى بن يونس وعباد بن العوام ويزيد بن هارون، وكان أبو حنيفة يجاهر في أمره ويأمر بالخروج معه، قال أبو نعيم: فلما وصل قتل إبراهيم، هرب أهل البصرة براً وبحراً واستخفى الناس. وفي السنة المذكورة أمر المنصور فأسست بغداد وابتدأ بإنشائها ورسم هيئتها وكيفيتها أولاً بالرماد، وفرغت في أربعة أعوام بالجانب الغربي، قيل وبغداد في وقتنا اكثرها من الجانب الشرقي. وفي السنة المذكورة وقيل في سنة ست توفي إسماعيل بن أبي خالد البجلي مولاهم الكوفي الحافظ، احد أعلام الحديث، وكان صالحاً ثبتاً حجة. وفيها توفي عمرو بن ميمون بن مهران الجزري الفقيه، وكان يقول: لو علمت أنه بقي علي حرف من السنة باليمن لأتيتها.
وفيها توفي عبد الملك بن أبي سليمان الكوفي الحافظ أحد المحدثين الكبار، كان شعبة مع جلالته يتعجب من حفظ عبد الملك.
(1/235)

وفيها توفي محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، كان حسن الحديث كثير العلم مشهوراً، اخرج له البخاري، وفيها توفي أبو حيان يحيى بن سعيد التيمي الكوفي، وكان ثقة إماماً صاحب سنة.

سنة ست وأربعين ومائة
في صفر منها تحول المنصورإلى بغداد قبل تمام بنائها، وكان لا يدخلها أحد راكباً، حتى إن عمه عيسى اشتكى إليه المشي فلم يأذن له. وفيها توفي الأشعث بن عبد الملك الحمراني مولى الحمران مولى عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكان ثقة ثبتاً حاقظاً. وفيها توفي محمد بن السائب الكلبي، الكوفي صاحب التفسير والأخبار والأنساب، قال: انما سميت العرب شعوباً لأنهم قيل لهم ذلك حين تفرقوا من ولد إسماعيل صلى الله على نبينا وعليه وآله وسلم ومن ولد قحطان وتشعبوا، وقال: العرب كلهم بنو إسماعيل إلا اربع قبائل السلف والأوزاع وحضرموت وثقيف، وأول من تكلم العربية يعرب بن الهميسع ابن بنت ابن إسماعيل، قال: وكل نبي ذكر في القرآن فهو من ولد إبراهيم غير ادريس ونوح ولوط وهود وصالح، قلت وكأنه لم يستثن آدم صلى الله على نبينا وعليه وآله وسلم لشهرة كونه أباً للكل، وقال: لم يكن في العرب في الأنبياء إلا هود وصالح وإسماعيل ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وروي عن ابن عباس أن أصحاب سفينة نوح كانوا ثمانين رجلاً، نزلوا فمكثوا حتى كثروا، وملكهم نمرود بن كنعان بن حازم بن نوح، فلما كفروا ابدل الله ألسنتهم وتفرقوا على الاثنين وسبعين لساناً، وفهم الله العربية عمليق واميم وطسم بني لاوذ بن سام، وعاد وعبيل بن عوص بن آرم بن سام، وثمود وجديش ابني جابر بن أرم بن سام، وبني قنطور بن عامر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، صلى الله على نبينا وعليه وآله وسلم، قلت وقع في كلام الكلبي تناقض، فإنه ذكر أن اللغة العربية فمها الله تعالى عمليقاً، وذكر من بعده من ذرية نوح، بعدما ذكر أن أول من تكلم بالعربية يعرب من ذرية إسماعيل، وهذا أيضاً مخالف لما جاء إن إسماعيل عليه السلام تعلم العربية من جرهم لما نشأ بينهم. والكلبي المذكور فيه مطاعن من جهة المذهب وغيره. وقد قيل إنه لما نزل نوح صلى الله على نبينا وعليه وآله وسلم ومن معه من السفينة،
(1/236)

وكانوا ثمانين، خلق الله تعالى في قلوبهم لغات مختلفة فأصبح كل واحد منهم يتكلم بلغة، والله تعالى أعلم. وفيها توفي هشام بن عروة بن الزبير الفقيه أبو المنذر أحد أثمة الحديث، ادرك عمه عبد الله بن الزبير، وقال: مسح ابن عمر برأسي ودعا لي، قال وهيب: قدم علينا هشام بن عروة وكان مثل الحسن، وابن سيرين وكان من المكثرين من الحديث المعدودين في أكابر العلماء وجلة التابعين، ورأى جابر بن عبد الله الأنصاري وأنس بن مالك وسهل بن سعد، وقيل إنه سمع من عمه عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر، روى عنه جماعة من جلة المحدثين منهم يحيى بن سعيد القطان ووكيع، وقدم الكوفة في أيام أبي جعفر المنصور فسمع منه الكوفيون، وقيل ولد عمر بن عبد العزيز وهشام بن عروة والزهري وقتادة والأعمش ليالي قتل الحسين بن علي، وكان قتله يوم عاشوراء سنة إحدى وستين من الهجرة، وقدم هشام بغداد على المنصور، وتوفي بها، فصلى عليه المنصور، ودفن بمقبرة الخيزران، رحمه الله تعالى.

سنة سبع وأربعين ومائة
فيها ألح المنصور وأكثر وتحيل بكل ممكن على ولي العهد عيسى بن موسى بالرغبة والرهبة حتى خلع نفسه كرهاً، وقيل بل عوضه عشرة آلاف درهم على أن يكون ولي العهد بعده المهدي بن منصور. وفيها توفي رؤبة بن العجاج البصري التميمي السعدي، هو وأبوه راجزان مشهوران، كل منهما له ديوان رجز ليس فيه شعر. قلت هكذا قال بعضهم مع أن الصحيح أن الرجز شعر وهو مذهب سيبويه والصحيح عند المحققين خلافاً للأخفش وتابعيه، وهما مجيدان في رجزهما، وكان رؤبة بصيراً باللغة عارفاً بوحشيها وعريبها. حكى يونس بن حبيب النحوي، قال: كنت عند أبي عمرو بن العلاء فجاءه شبيل بن عزرة الضبعي، فقام إليه أبو عمرو وألقى إليه لبد بغلته فجلس عليه، ثم أقبل عليه يحدثه، فقال: يا أبا عمر، وسألت رؤبتكم عن اشتقاق اسمه فأعرفه يعني رؤبة. قال يونس: فلم أملك نفس عند ذكره فقلت له لعلك تظن أن معد بن عدنان أفصح منه ومن أبيه؟ افتعرف ما الرؤبة والرؤبة والرؤية والرؤبة والرؤبة غلام رؤبة؟ فلم يخرج جواباً، فقام مغضباً وأقبل على أبي عمرو، وقال: هذا رجل شريف يزور مجالسنا ويقضي حقوقنا، وقد أسأت فما فعلت
(1/237)

مما واجهته به، فقلت: لم املك نفسي عند ذكر رؤبة، فقال: او قد سلطت على تقويم الناس ثم فسر يونس ما قاله فقال الرؤبة خميرة اللبن والرؤبة قطعة من الليل والرؤبة الحاجة، يقال فلان لا يقوم برؤبة أهله أي بما أسند إليه من خوائجهم، والرؤبة حمام ماء الفحل، والرؤبة بالهمز القطعة التي يشعث بها الإناء والجميع بسكون الواو وضم الراء التي قبلها إلا رؤبة فإنه بالهمز، وكان رؤبة مقيماً بالبصرة. فلما ظهر إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم، وخرج على أبي جعفر المنصور، وجرت الواقعة المشهورة، خاف رؤبة على نفسه فخرج إلى البادية ليجتنب الفتنة، فلما وصل إلى الناحية التي قصدها أدركه أجله بها، فتوفى هناك وكان قد اسن، ورؤبة بضم الراء وسكون الهمزة وفتح الموحدة في آخرها هاء وهي في الأصل قطعة من الخشب يشعث بها الإناء وجمعها رياب وباسمها سمي الراجز المذكور. وفيها توفي عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز بن مروان الأموي، كان فقيهاً عالماً، وفيها انهزم الجيش على الأمير عبد الله ابن عم المنصور الذي هزم مروان وافتتح دمشق، وكان من رجال الدهر رأياً ودهاء وشجاعة وحزماً. وفيها توفي الإمام أبو عثمان عبيد الله بن عمربن حفمص بن عاصم بن عمربن الخطاب، وكان أفضل إخوته وأكثرهم علماً وصلاحاً وعبادة، وروى عن القاسم وسالم ونافع. وفيها توفي هشام بن حسان الأزدي الحافظ محدث البصرة.

سنة ثمان وأربعين ومائة
فيها توفي الإمام السيد الجليل سلالة النبوة ومعدن الفتوة أبوعبد الله جعفر الصادق ابن أبي جعفر محمد الباقر بن زين العابدين علي بن الحسين الهاشمي العلوي، وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، فهو علوي الأب بكري الأم، ولد سنة ثمانين في المدينة الشريفة، وفيها توفي ودفن بالبقيع في قبر فيه أبوه محمد الباقر وجده زين العابدين وعم جده الحسن بن علي رضوان الله عليهم أجمعين، وأكرم بذلك القبر وما جمع من الأشراف الكرام أولي المناقب، وإنما لقب بالصادق لصدقه في مقالته، وله كلام نفيس في علوم التوحيد وغيرها، وقد ألف تلميذه جابر بن حيان الصوفي كتاباً يشتمل على ألف ورقة يتضمن رسائله وهي خمس مائة رسالة. وذكر بعض المؤرخين أنه سأل أبا حنيفة فقال: ما تقول في محرم كسر رباعية ظبي؟ فقال يا ابن رسول الله ما أعلم ما فيه فقال له: انت ابتداء ولا تعلم أن الظبي لا يكون له
(1/238)

رباعية وهو ثني أبداً، يعني من الدهاء في قوة الفهم وجوعة النظر، وجعفر المذكور معدود عند الإمامية الاثني عشرية من أئمتهم الاثني عشر، وكل واحد منهم مذكور في موضعه. وفيها توفي الإمام محدث الكوفة وعالمها أبو محمد سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي مولاهم الأعمش. روي عن ابن ابي أوفى وأبي وائل والكبار، قال يحيى القطان: هو علامة الإسلام، وقال وكيع: بقي الأعمش قريباً من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى. وقال غيره: الأعمش الكوفي الإمام المشهور كان ثقة عالماً فاضلاً، وقال السمعاني كان يقارب بالزهري في الحجاز، ورأى أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وكلمه لكنه لم يسمع عليه وما يرويه عنه فهو ارسال أخذه عن أصحابه ولقي كبار التابعين. وروى عنه سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج وحفص بن غياث وخلق كثير من جلة العلماء، وكان لطيف الخلق مزاحاً، جاءه أصحاب الحديث يوماً ليسمعوا عليه فخرج إليهم وقال لولا أن في منزلي من هو أبغض إلي منكم ما خرجت إليكم. وجرى بينه وبين زوجته كلام يوماً فدعا رجلاً ليصلح بينهما، فقال لها الرجل: لا تنظرين إلى عموشة عينيه وخموشة ساقيه فإنه إمام وله قدر، فقال له ما أردت إلا أن تعرفها عيوبي، وقال له داود بن عمر الحايك ما تقول في شهادة الحائك؟ فقال تقبل مع عدلين، وعاده جماعة في مرضه، فأطالوا الجلوس عنده، فأخذ وسادته وقام وقال: شفى الله مريضكم بالعافية.
وقيل عنده يوماً: قال صلى الله عليه وآله وسلم: " من نام عن قيام الليل بال الشيطان في أذنه " فقال: ما عمشت عيني إلا من بول الشيطان في أذني. وقال أبو معاوية الضرير بعث إليه هشام بن عبد الملك أن أكتب إلي مناقب عثمان ومساوىء علي، فأخذ الأعمش القرطاس وأدخله في فم شاة فلاكته، وقال للرسول: قل له هذا جوابك، فقال له الرسول: انه قد آلى أن يقتلني إن لم آته بجوابك، وتحمل عليه باخوانه، وقالوا له: يا أبا محمد نجه من القتل، فلما ألحوا عليه كتب: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فلو كانت لعثمان مناقب أهل الأرض ما نفعتك، ولو كانت لعلي مساوىء أهل الأرض ما ضرتك، فعليك بخويصة نفسك والسلام، وقيل إنه ولد يوم قتل الحسن رضي الله عنه يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، رحمة الله عليه
(1/239)

وفيها توفي شبل بن عباد قارىء أهل مكة وتلميذ ابن كثير، وفيها توفي أبو حاتم الرازي، احفظ الناس في زمانه. وفيها توفي أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصارية الفقيه قال أحمد بن أبي يونس: كان أفقه أهل الدنيا، تولى القضاء بالكوفة، وأقام حاكماً ثلاثاً وثلاثين سنة، ولي لبني أمية ثم لبني العباس، وكان فقيهاً مفتياً، تفقه بالشعبي وأخذ عنه الثوري، وقال دخلت على عطاء فجعل يسالذي فأنكر بعض من عنده وكلمه في ذلك، فقال: هو أعلم مني، وفيها توفي محمد بن عجلان المدني، وكان عابداً ناسكاً صادقاً له حلقة بمسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم للفتوى.
؟ سنة تسع وأربعين ومائة فيها توفي المثنى بن الصباح اليماني بمكة، يروي عن مجاهد وعمرو بن شعيب وطائقة، وكان من أعبد الناس. وفيها توفي كهمس بن الحسين البصري يروي عن أبي الطفيل وجماعة. وفيها توفي زكريا بن أبي زائدة، وفيها توفي أبو عمر عيسى بن عمر الثقفي النحوي البصري، قيل كان مولى خالد بن الوليد ونزل في ثقيف، فنسب إليهم وكان صاحب تقعير في كلامه استعمال للغريب فيه وفي قراءته، وكانت بينه وبين أبي عمرو بن العلاء صحبة، ولهما مسائل ومجالس، وأخذ سيبويه عنه النحو، وله الكتاب الذي سماه الجامع في النحو، ويقال إن سيبويه أخذ هذا الكتاب وبسطه وحشى عليه من كلام الخليل وغيره، ولما كمل بالبحث والتحشية نسب إليه وهو كتاب سيبويه المشهور. والذي يدل على صحة هذا القول: ان سيبويه لما فارق عيسى بن عمر المذكور ولازم الخليل بن أحمد سأله الخليل عن مصنفات عيسى فقال صنف نيفاً وسبعين مصنفاً في النحو، وأن بعض أهل اليسار جمعها وأتت عنده عليها آفة فذهبت، ولم يبق منها في الوجود سوى كتابين، احدهما اسمه الإكمال وهو بأرض فارس عند فلان، والآخر الجامع وهو هذا الكتاب الذي استعمل فيه وأسألك عن غوامضه، فأطرق الخليل ساعة، ثم رفع رأسه. وقال رحم الله عيسى وأنشد:
ذهب النحو جميعاً كله ... غير ما أحدث عيسى بن عمر
(1/240)

ذاك إكمال وهذا جامع ... وهما للناس شمس وقمر
أشار بالإكمال إلى الغائب، وبالجامع إلى الحاضر الكتابين المذكورين، وكان الخليل قد أخذ عنه أيضاً، ويقال إن أبا الأسود الديلي لم يضع في النحو إلا باب الفاعل والمفعول فقط، وإن عيسى بن عمر وضع كتاباً على الأكثر، وبوبه وهذبه وسمي ما شذ على الأكثر لغات، وكان يطعن على العرب، ويخطىء المشاهير منهم مثل النابغة في بعفر أشعاره وغيره، روى الأصمعي قال: قال عيسى بن عمر لأبي عمرو بن العلاء: انا أفصح من معد بن عدنان، فقال له أبو عمر: ولقد تعديت فكيف تنشد هذا البيت:
قد كن يخبئن الوجوه تسترا ... فاليوم حين بدأن للنظار
أو بدين للنظار فقال عيسى بدأن، فقال له أبو عمرو: اخطأت يقال بدأ يبدوا إذا ظهر، وبدأ يبدأ إذا أسرع في المشي.
ومن جملة تقعيره في الكلام: ما حكاه الجوهري في الصحاح، انه سقط عن حمار له فاجتمع عليه الناس، فقال: ما لكم تكأكأتم علي تكأكؤكم على ذي جنة أفرنقعوا عني معناه ما لكم تجمعتم علي كتجمعكم على مجنون انكشفوا عني ويروى أن عمر بن هبيرة الفزاري والي العراقين كان قد ضربه بالسياط وهو يقول وقد أخذه الجزع: والله إن كانت إلا اثباتاً في اسقاط فنصبها عشاروك وقيل إن الذي ضربه كان يوسف بن عمر أمير العراقين. وكان سبب ضربه إياه أنه لما تولى العراقين بعد خالد بن عبد الله القسري تتبع أصحابه، وكان بعض جلسائه قد أودع عند عيسى المذكور وديعة، فتنهى الخبر إلى يوسف فكتب إلى نائبه بالبصرة يأمره أن يحمل إليه عيسى بن عمر مقيداً، فدعا حداداً أو أمر بتقييده، فلما قيده قال له الوالي لا بأس عليك إنما أرادك الأمير لتأديب ولده، قال فما بال القيد اذن؟ فبقيت هذه الكلمة مثلاً بالبصرة. قلت يعني مثلاً لمن توهم أنه يراد به خير ويفعل به ما يدل على الشر كالقيد المذكور، ووصل إلى يوسف فسأله عن الوديعة فأنكر، فأمر به فضرب، فقيلت المقالة المذكورة.
؟ سنة خمسين ومائة
فيها توفي أبو الحسن مقاتل بن سليمان الأزدي بالزاي الخراساني، كان مشهوراً بتفسير كتاب الله العزيز، وله التفسير المشهور، اخذ الحديث عن مجاهد بن جبر
(1/241)

وعطاء بن أبي رباح وأبي إسحاق السبيعي والضحاك بن مزاحم ومحمد بن مسلم الزهري وغيرهم، وروى عنه بقية وعبد الرزاق الصنعاني وحرمي بن عصارة وعلي بن الجعد، وكان من العلماء الأجلاء. حكي عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه قال: الناس كلهم عيال على ثلاثة: على مقاتل بن سليمان في التفسير، وعلى زهير بن أبي سلمى في الشعر، وعلى أبي حنيفة في الكلام. وروي أن أبا جعفر كان جالساً فسقط عليه الذباب فطيره، فعاد إليه فألح عليه وجعل يقع على وجهه وأكثر من السقوط عليه مراراً حتى أضجره، فقال المنصور: انظروا من بالباب، فقيل له مقاتل بن سليمان، فقال علي به، فأذن له فلما دخل عليه، قال هل تعلم لماذا خلق الله الذباب؟ قال: نعم ليذل الله عز وجل به الجبابرة فسكت المنصور. وقال مرة مقاتل سلوني عن ما دون العرش، فقيل له من حلق رأس آدم عندما حج، فقال ليس هذا من علمكم، ولكن الله تعالى أراد أن يبتليني لما أعجبتني نفسي. وقال له آخر الذرة أو النملة معاؤها في مقدمها أو مؤخرها؟ فبقي لا يدري ما يقول له. قال الراوي: فظننت أنها عقوبة عوقب بها. وقد اختلف العلماء في أمره، فمنهم من وثقه في الرواية، وطعن فيه خلق كثير من الأئمة، ونسبوه إلى الكذب. وفيها توفي فقيه العراق الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، مولى بني تيم الله بن ثعلبة، ومولده سنة ثمانين، رأى أنساً، وروى عن عطاء بن أبي رباح وطبقته، وتفقه على حماد بن أبي سليمان، وكان من الأذكياء جامعاً بين الفقه والعبادة والورع والسخاء، وكان لا يقبل جوائز الولاة، بل ينفق ويؤثر من كسبه، له دار كبيرة لعمل الخز وعنده صناع الخز. قال الثمافعي: كل الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة، وقال يزيد بن هارون: ما رأيت أورع ولا أعقل من أبي حنيفة، رضي الله عنه. وعن أبي يوسف قال: بينما أنا أمشي مع أبي حنيفة إذ سمعت رجلاً يقول لآخر: هذا أبو حنيفة لا ينام الليل، فقال والله لا يتحدث عني بما لم أفعل، فكان يحيي الليل صلاة ودعاء وتضرعاً. وقيل إن المنصور سقاه سما فمات شهيداً رحمه الله، سمه لقيامه مع إبراهيم بن عبد الله بن حسن، وكان قد أدرك أربعة من الصحابة، هم أنس بن مالك بالبصرة وعبد الله بن أبي أوفى بالكوفة وسهل بن سعد الساعدي بالمدينة وأبو الطفيل عامر بن واثلة بمكه رضي الله عنهم.
(1/242)

قال بعض أصحاب التواريخ: ولم يلق أحداً منهم ولا اخذ عنه، واصحابه يقولون لقي جماعة من الصحابة وروى عنهم، قال: ولم يثبت ذلك عند النقاد. وذكر الخطيب في تاريخ بغداد: انه رأى أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه كما تقدم، وأخذ الفقه عن حماد بن أبي سليمان، وسمع عطاء بن أبي رباح وأبا إسحاق السبيعي ومحارب بن دثار والهيثم بن حبيب الصواف ومحمد بن المنكدر ونافعاً مولى عبد الله بن عمرو وهشام بن عروة وسماك بن حرب، روى عنه عبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح والقاضي أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني وغيرهم، وكان عالماً عاملاً زاهداً ورعاً تقياً كثير الخشوع دائم التضرع إلى الله تعالى. ونقله أبو جعفر المنصور من الكوفة إلى بغداد على أن يوليه القضاء فأبى، فحلف لتفعلن وحلف أبو حنيفة أنه لا يفعل، فقال الربيع بن يونس الحاجب: الا ترى أمير المؤمنين يحلف؟ فقال أبو حنيفة أمير المؤمنين على كفارة أيمانه قد رمني على كفارة أيماني، وأبى أن يبلى فأمر به إلى الحبس في الوقت، والعوام يدعون أنه تولى أياماً ولم يصح هذا من جهة النقل. وقال الربيع رأيت المنصور يكلم أبا حنيفة في أمر القضاء وهو يقول اتق الله ولا تدع في أمانتك إلا من يخاف الله، والله ما أنا مأمون الرضى، فكيف أكون مأمون الغضب؟ ولو اتجه الحكم علي ثم تهددتني أن تغرقني في الفرات أو إلى الحكم لاخترت أن أغرق، ولك حاشية يحتاجون إلى من يكرمهم، ولا أصلح لذلك، فقال له: كذبت أنت تصلح، فقال قد حكمت لي على نفسك، فكيف يحل لك أن تولي قاضياً على أمانتك وهو كذاب؟. قال الخطيب أيضاً في بعضى الروايات: ان المنصور لما بنى مدينة ونزلها، ونزل المهدي في الجانب الشرقي وبنى مسجد الرصافة، ارسل إلى أبي حنيفة فجيء به، فعرض عليه قضاء الرصافة فأبى، فقال له: ان لم تفعل ضربتك بالسياط. قال: او تفعل؟ نعم، فقعد في القضاء يومين فلم يأته أحد، فلما كان
في اليوم الثالث أتاه رجل صفار ومعه آخر، فقال الصفار: لي على هذا درهمان وأربعة دوانق ثمن تور صفر. فقال أبو حنيفة: اتق الله وانظر فيما يقول الصفار، فقال ليس علي شيء، فقال أبو حنيفة للصفار: ما تقول؟ فقال: استحلفه لي فقال أبو حنيفة: قل والله الذي لا إله إلا هو، فجعل يقول، فلما رآه أبو حنيفة مقداماً على اليمين قطع عليه وأخرج من صرة في كمه درهمين ثقيلتين، وقال للصفار خذ هذا عوض ما لك عليه، فلما كان بعد يومين اشتكى أبو حنيفة فمرض ستة أيام ثم مات. وكان يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري أمير العراقين أرده للقضاء بالكوفة أيام مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية، فأبى عليه، وضربه مائة سوط وعشرة سواط، كل يوم عشرة أسواط. وهو على الامتناع، فلما رأى ذلك خلى سبيله، وكان الإمام أحمد بن حنبل إذا ذكر ذلك بكى وترحم على أبي حنيفة، وذلك بعد إن ضرب الإمام أحمد على ترك القول بخلق القرآن، يعني البكاء والترحم. وذكر الخطيب في تاريخه أيضاً أن أبا حنيفة رضي الله عنه رأى في المنام أنه ينبش قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فبعث من سأل محمد بن سيرين، فقال ابن سيرين: صاحب هذه الرؤيا يثور علماً لم يسبقه إليه أحد. وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه قيل لمالك هل رأيت أبا حنيفة؟ قال نعم رأيت رجلاً لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهباً لقام بحجته وروى حرملة ين يحيى عن الشافعي، قال: الناس عيال على هؤلاء الخمسة من أراد أن يتبحر في الفقه فهو عيال على أبي حنيفة، ومن أراد أن يتبحر في التفسير فهو عيال على مقاتل ين سليمان، ومن أراد أن يتبحر في النحو فهو عيال على الكسائي ومن أراد أن يتبحر في الشعر فهو عيال على زهير بن أبي سلمى، ومن أراد أن يتبحر في المغازي فهو عيال على بن محمد بن إسحاق. وفيها توفي وقيل في التي قبلها وقل في التي بعدها أبو الوليد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريح القرشي مولاهم المكي، كان أحد العلماء المشهورين، ويقال إنه أول من صنف الكتب في الإسلام، قال رحمه الله: كنت مع معن بن زائدة باليمن فحضر وقت الحج، فلم يخطر لي نية، فخطر ببالي قول عمرو بن ربيعة: اليوم الثالث أتاه رجل صفار ومعه آخر، فقال الصفار: لي على هذا درهمان وأربعة دوانق ثمن تور صفر. فقال أبو حنيفة: اتق الله وانظر فيما يقول الصفار، فقال ليس علي شيء، فقال أبو حنيفة للصفار: ما تقول؟ فقال: استحلفه لي فقال أبو حنيفة: قل والله الذي لا إله إلا هو، فجعل يقول، فلما رآه أبو حنيفة مقداماً على اليمين قطع عليه وأخرج من صرة في كمه درهمين ثقيلتين، وقال
(1/243)

للصفار خذ هذا عوض ما لك عليه، فلما كان بعد يومين اشتكى أبو حنيفة فمرض ستة أيام ثم مات. وكان يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري أمير العراقين أرده للقضاء بالكوفة أيام مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية، فأبى عليه، وضربه مائة سوط وعشرة سواط، كل يوم عشرة أسواط. وهو على الامتناع، فلما رأى ذلك خلى سبيله، وكان الإمام أحمد بن حنبل إذا ذكر ذلك بكى وترحم على أبي حنيفة، وذلك بعد إن ضرب الإمام أحمد على ترك القول بخلق القرآن، يعني البكاء والترحم. وذكر الخطيب في تاريخه أيضاً أن أبا حنيفة رضي الله عنه رأى في المنام أنه ينبش قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فبعث من سأل محمد بن سيرين، فقال ابن سيرين: صاحب هذه الرؤيا يثور علماً لم يسبقه إليه أحد. وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه قيل لمالك هل رأيت أبا حنيفة؟ قال نعم رأيت رجلاً لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهباً لقام بحجته وروى حرملة ين يحيى عن الشافعي، قال: الناس عيال على هؤلاء الخمسة من أراد أن يتبحر في الفقه فهو عيال على أبي حنيفة، ومن أراد أن يتبحر في التفسير فهو عيال على مقاتل ين سليمان، ومن أراد أن يتبحر في النحو فهو عيال على الكسائي ومن أراد أن يتبحر في الشعر فهو عيال على زهير بن أبي سلمى، ومن أراد أن يتبحر في المغازي فهو عيال على بن محمد بن إسحاق. وفيها توفي وقيل في التي قبلها وقل في التي بعدها أبو الوليد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريح القرشي مولاهم المكي، كان أحد العلماء المشهورين، ويقال إنه أول من صنف الكتب في الإسلام، قال رحمه الله: كنت مع معن بن زائدة باليمن فحضر وقت الحج، فلم يخطر لي نية، فخطر ببالي قول عمرو بن ربيعة:
بالله قولي له من غيرمعتبة ... ماذا أردت بطول المكث في اليمن
إن كنت حاولت ذنباً أونعمت بها ... فما أخذت بترك الحج من ثمن
قال فدخلت على معن فأخبرته أتي قد عزمت على الحج، فقال لي: ما يدعوك إليه؟ ولم تكن تذكره، فقلت: وذكرت بيتين لعمرو بن أبي ربيعة، وأنشدته إياهما فجهزني وانطلقت.

سنة إحدى وخمسين ومائة
فيها توفي شيخ البصرة وعالمها الإمام عبد الله بن عون، والإمام محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي مولاهم المدني صاحب السيرة، وكان بحراً من بحور الحلم ذكياً حافظاً طلابة للعلم اخبارياً نسابة ثبتاً في الحديث عند أكثر العلماء، وأما في المغازي والسير فلا يجهل إمامته.
(1/244)

قال ابن شهاب الزهري: من أراد المغازي فعليه بابن إسحاق وذكره البخاري في تاريخه. وروي عن الشافعي أنه قال: من أراد أن يتبحر في المغازي فهو عيال على ابن إسحاق. وقال سفيان بن عيينة ما أدركت أحداً يتهم ابن إسحاق في حديثه. وقال شعبة بن الحجاج محمد بن إسحاق أمير المؤمنين يعني في الحديث.
وحكي عن يحيى بن معين وأحمد بن حنبل ويحيى بن سعيد القطان أنهم وثقوا محمد بن إسحاق واحتجوا بحديثه، وإنما لم يخرج البخاري عنه وقد وثقه وكذلك مسلم بن الحجاج لم يخرج عنه إلا حديثاً واحداً في الزجر من أجل طعن مالك بن أنس فيه وإنما طعن فيه مالك لأنه بلغه عنه أنه قال هاتوا حديث مالك فأنا طبيب لعلله. وتوفي ببغداد رحمه الله تعالى، ودفن في مقبره الخيزران بالجانب الشرقي، وهي منسوبة إلى الخيزران أم هارون الرشيد وأخيه الهادي، وإنما نسبت إليها لأنها مدفونة فيها، وهي أقدم المقابر التي في الجانب الشرقي، ومن كتب ابن إسحاق المذكورأخذ عبد الملك بن هشام سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك كل من تكلم في هذا الباب فعليه اعتماده وإليه استناده. وفيها قتلت الخوارج غيلة الأمير معن بن زائدةالشيباني أمير سجستان أحد الأبطال والأجوا د. ومن أخباره ما حكى عنه مروان بن أبي حفصة قال: اخبرني معن بن زائدة وهو يومئذ متولي بلاد اليمن أن المنصورجد في طلبه وجعل لمن يحمله إليه مالاً قال: فاضطررت لشدة الطلب إلى أن تعرضت للشمس حتى لوحت وجهي، وخفعت أوقال وخففت عارضي، ولبست جبة صوف وركبت جملاً متوجهاً إلى البادية لأقيم بها، فلما خرجت من باب حرب، وهو أحد أبواب بغدادتبعني أسود متقلداً بسيف، حتى إذا غبت عن الحرس قبض على خطام الجمل فأناخه، وقبض على يدي، فقلت ما لك؟ فقال: أنت طلبة - أميرالمؤمنين، فقلت ومن أنا حتى أطلب؟ قال: انت معن بن زائدة، فقلت: يا هذا اتق الله عز
(1/245)

وجل أين أنا من معن، فقال: دع هذا فو الله اني لأعرف منك بك، قال: فلمارأيت منه الجد قلت له: هذا عقد جواهرقد حملته معي بأضعاف ما جعله المنصور لمن يأتيه بي فخذه ولا تكن سبباً في سفك دمي، قال: هاته فأخرجته إليه، فنظر إليه ساعة وقال: صدقت في قيمته، ولست قابله حتى أسألك عن شيء فإن صدقتني أطلقتك، فقلت قل قال: إن الناس قد وصفوك بالجود فأخبرني هل وهبت مالك كله قط؟ قلت: لا قال: فنصفه؟ قلت لا. قال: فثلثه؟ قلت: لا حتى بلغ العشر فاستحييت وقلت أظن أني قد فعلت هذا، فقال ما ذاك بعظيم أنا والله رجل ورزقي من المنصور كل شهر عشرون درهماً، وهذا الجوهر قيمته ألوف دنانير، وقد وهبته لك، ووهبتك لنفسك ولجودك المأثوربين الناس، ولتعلم أن في الدنيا أجود منك فلا تعجبك نفسك، ولتحتقر بعد ذلك كل شيء تفعله ولا تتوقف عن مكرمة، ثم رمى العقد في حجري وترك خطام البعير وولى منصرفاً، فقلت له: يا هذا قد والله نصحتني، ولسفك دمي أهون علي مما فعلت، فخذ ما دفعته لك فأني عنه غني، فضحك وقال أردت أن تكذبني في مقالتي هذه فو الله لا آخذ به ولا آخذ بمعروف ثمناً أبداً ومضى لسبيله. قال: فوالله لقد طلبت بعد أن أمنت، وبذلت لمن يجيء به ما شاء، فما عرفت له خبراً وكأن الأرض ابتلعته، وإنما كان معن خائفاً من المنصور لأنه كان في أيام بني أمية منتقلاً في ولايتهم موالياً لابن هبيرة، فلما انتقلت الدولة إلى بني العباس قاتل معن مع ابن هبيرة المنصور، فلما قتل ابن هبيرة خاف معن من المنصور فاستتر عنه، قال الراوي ولم يزل معن مستتراً حتى كان يوم الهاشمية، وهو يوم مشهور ثار فيه جماعة من أهل خراسان على المنصور، ووثبوا عليه وجرت مقتلة بينهم وبين أصحاب المنصور بالهاشمية التي بناها السفاح بالقرب من الكوفة، وقد تقدم ذلك في سنة احدى وأربعين وكان معن متوارياً بالقرب منهم، فخرج متنكراً معتماً ملثماً، وتقدم إلى القوم وقاتل قتالأ بان فيه عن نجدة وشهامة، وفرقهم، فلما أفرج عن المنصور قال له من أنت ويحك فكشف لثامه وقال: أنا طلبتك يا أمير المؤمنين معن بن زائدة، فأمنه المنصور وأكرمه وحباه وكساه وزينه، أو قال: ورتبه وصار من خواصه. ثم دخل بعد ذلك عليه في بعض الأيام، فلما نظر إليه قال: هيه يا معن تعطي مروان ابن أبي حفصة مائة ألف درهم على قوله:
معن بن زائدة الذي زيدت به ... شرفاً على شرف بنو شيبان
فقلت: كلا يا أمير المؤمنين إنما أعطيته على قوله في هذه القصيدة:
مازلت يوم الهاشمية معلناً ... بالسيف دون خليفة الرحمن
(1/246)

فمنعت حوزته وكنت وقايةً ... من وقع كل مناهل وسنان
فقال أحسنت يا معن، وقال له يوماً يا معن ما أكثر وقوع الناس في قومك؟ فقال أمير المؤمنين:
إن العراقين تلقاها محسدة ... ولا ترى للئام الناس حسادا
ودخل عليه يوماً قد اسن، فقال له: لقد كبرت يا معن، فقال: في طاعتك يا أميرالمؤمنين. فقال: انك المجلد. فقال: على أعدائك يا أمير المؤمنين. فقال: وفيك تقية. فقال: هي لك يا أمير المؤمنين. وعرض هذا الكلام على عبد الرحمن بن زيد زاهد أهل البصرة، فقال: ويح هذا ما ترك لربه شيئاً. وحكى الأصمعي قال وفد اعرابي على معن بن زائدة فمدحه وطال مقامه على بابه ولم تحصل له جائزة، فعزم على الرحيل، فخرج معن راكباً إليه فقام وأمسك عنان دابته فقال:
وما في يديك الخيريا معن كله ... وفي الناس معروف وعنك مذاهب
ستدرين بنات العم ما قد أتيته ... إذا فتشت عند الإياب الحقائب
فأمر معن باحضار خمس نوق من كرام ابله وأوقرهن له ميرة وبراً وثياباً، وقال انصرف يا ابن أخي في حفظ الله إلى بنات عمك فلئن فتشن الحقائب لتجدن فيها ما يسترهن، فقال: صدقت وبيت الله. ومما يحكى عن معن بن زائدة أنه كان ذات يوم من الأيام جالساً على سرير مملكته، وحوله الوزراء والأمراء والحرفاء والكتاب والمذاكرون في النوادر والغرائب، إذ أقبل أعرابي يتخطى الصفوف صفاًصفاً حتى وقف بين يديه، وقال:
أتعرف إذ قميصك جلد كبش ... وإذ نعلاك من جلد البعير
قال نعم اعرف ذلك. قال:
فسبحان الذي أعطاك ملكاً ... وعلمك الجلوس على السرير
قال ذاك بحمد الله لا بحمدك قال:
فلست مسلماً لوعشت دهراً ... على معن بتسليم الأمير
قال إذن والله لا أبالي بك قال:
ولا آتي بلاداً أنت فيها ... ولو جار الزمان على الفقير
(1/247)

قال أفتعلم لك موضعاً تختفي فيه؟ قال:
فمرلي يا بن زائدة بمال ... وزاد إذ عزمت على المسير
قال يا غلام أعطه ألف درهم قال:
قليل ما أمرت به وأني ... لأطمع منك بالشيء الكثير
قال: يا غلام زيادة ألف درهم.
كأنك إذ ملكت الملك زرنا ... بلا عقل ولا جاه خطير
قال يا غلام زيادة ألف درهم قال:
ملكت الجود والأفضال جميعاً ... فبذل يديك كالبحر الغزير
قال ضاعف له الحسنات، فضاعف له الحسنات بستة آلاف، ولمعن تروى أشعار جيدة، فمن ذلك قوله في خطاب ابن أخي عبد الجبار وقد رآه يتبختر بين السماطين بعدما لقي الخوارج وفر منهم:
هلا مشيت كذا غداة لقيتهم ... وصبرت عند الموت يا خطاب
نجاك خوار العنان كأنه ... تحت العجاج إذ كان تحت عقاب
وتركت صحبك والرماح تنوشهم ... وكذاك من قعدت به الأحساب
ومما روى الخطيب في تاريخه عن أبي عثمان المازني النحوي قال: حدثني صاحب شرطة معن قال: بينما أنا على رأس معن إذا هو براكب يوضع، فقال معن ما أحسب الرجل يريد غيري، ثم قال لحاجبه لا تحجبه، قال فجاء حتى مثل بين يديه وأنشد.
أصلحك الله قل ما بيدي ... فما أطيق العيال إن كثروا
ألح دهر ألقى بكلكلة ... فأرسلوني إليك وانتظروا
فقال معن وأخذته أريحية: لا جرم والله لأعجلن أوبتك. ثم قال: يا غلام الناقة الفلانية وألف دينار، فدفعها إليه وهو لا يعرفه، قلت وهذا كله مما يدل على عظم جود معن وشجاعته. ومما يدل على حلمه وشماحته: ما حكي أنه لما طلب أبو جعفر المنصور الإمام سفيان الثوري لينتقم منه بزعمه لما كان سفيان ينكر عليه ويغلظ له القول، سافر إلى أرض اليمن متغيباً عن شره، فلم يزل ينتقل في اليمن من بلد إلى بلد ومن قرية إلى قرية، وكان يقرأ عليهم حديث الضيافة ليضيفوه ويسلم من سوء الهم، فلما أوى بعض القرى ذات ليلة
(1/248)

سرق فيها لبعض الناس شيء، فاتهموا سفيان لكونه غريباً عندهم، وأتوا به إلى معن بن زائدة وقالوا له: اصلح الله الأمير، هذا سرق متاعنا وأنكر، فقال له معن: ما تقول؟ قال ما أخذت لهم شيئاً. فقال لمن حوله: فقوموا فلي معه كلام، فلما بعدوا عنه قال ما اسمك؟ قال: أنا عبد الله، قال ابن من؟ قال: ابن عبد الله، قال: قد علمت أن الناس كلهم عبد الله وأبناء عبيد الله، قال ما اسمك الذي سمتك به أمك؟ قال سفيان، قال: ابن من؟ قال ابن سعيد، قال الثوري قال: أبغية أمير المؤمنين؟ قال: فنكت بعود بيده في الأرض ساعة، ثم رفع رأسه لي وقال: اذهب حيث شئت فلو كنت تحت قدمي هذه ما حركتك هذا معنى ما حكي في ذلك إن لم يكن لفظه بعينه، والله تعالى أعلم. وأخبار معن ومحاسنه كثيرة، وكان قد ولي سجستان في آخر أمره، وله آثار وقصده الشعراء بها، فلما كان سنة إحدى وخمسين وقيل سنة اثنتين وخمسين وقيل ثمان وخمسين ومائة بينما هو في داره والصناع يعملون له شغلاً، اندس بينهم قوم من الخوارج فقتلوه وهو يحتجم، ثم تبعهم ابن أخيه يزيد بن مرثد بن زائدة فقتلهم بأسرهم. ولما قتل معن رثاه الشعراء بأحسن المراثي، فمن ذلك قول مروان بن أبي حفصة:
مضى لسبيله معن وأبقى ... مكارم لن تبيد ولن تنالا
كأن الشمسس يوم أصيب معن ... من الإظلام ملبسة جلالا
هوالجيل الذي كانت نزار ... تهد من العدو به الجبالا
فعطلت الثغور لفقد معن ... وقد يروى بها الأسل النهالا
وأظلمت العراق وأوترتنا ... مصيبه المخللة اختلالا
وظل الشام يرجف جانباه ... ويركن العز حين وهي فمالا
وكانت من تهامة كل أرض ... ومن نجد تزول غداة زالا
فإن تعل البلاد له خشوع ... فقد كانت تطول به اختيالا
أصاب الموت يوم أصاب معناً ... من الأحياء أكرمهم فعالا
وكان الناس كلهم لمعن ... إلى أن زار حفرته عيالا
إلى آخر ما قاله من قصيدة فيه طويلة من أولها هذه العشرة الأبيات. وقال عبد الله بن المعتز في كتاب طبقات الشعراء: ادخل مروان بن أبي حفصة على جعفر البرمكي، فقال له: ويحك أنشدتي مرثيتك في معن بن زائدة. فقال: بل أنشدك
(1/249)

مدحي فيك، فقال جعفر: أنشدني مرثيتك في معن، فانشأ يقول القصيدة المشهورة الى أن قال:
وكان الناس كلهم لمعن ... إلى أن زار حفرته عيال
واستمر حتى فرغ منها، وجعفر يرسل دموعه على خده، فلما فرغ قال له جعفر: هل أثابك على هذه المرثية أحد من ولده وأهله شيئاً؟ قال: لا. قال: فلو كان معن حياً، ثم سمعها كم كان يثيبك عليها؟ قال: أصلح الله الوزير ربع مائة دينار. قال جعفر: فإنا نظن أنه كان لا يرضى لك بذلك، قد أمرنا لك عن معن رحمه الله الضعف بما ظننت، وزدناك مثل ذلك، فاقبض من الحارث ألفاً وست مائة دينار قبل أن تنصرف إلى رحلك، فقال مروان يذكر جعفراً وما سمع به عن معن:
نفخت مكافياًعن قبرمعن ... لنامما تجود به سجالا
فعجلت العطية يا بن يحيى ... لراثيه ولم ترد المطال
فكأني عن صداء معن جواد ... بأجود راحة بذل النوال
بنى لك خالد وأبوك يحيى ... بناء في المكارم لن تنال
كأن البرمكي بكل مال ... يجود به نداه يفيد مال
ثم قبض المال وانصرف. وحكى أبو الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني عن محمد البيذق النديم: أنه دخل على هارون الرشيد قال له: أنشدني مرثية مروان بن أبي حفصة في معن بن زائدة، فأنشده بعضها فبكى الرشيد. ويقال إن مروان بعد هذه المرثية لم ينتفع بشعره، فإنه كان إذا مدح خليفة أو من دونه قال له أنت قلت مرثيتك:
وقلنا أين نرحل بعد معن ... وقد ذهب النوال فلا نوالا
فلا يعطيه الممدوح شيئاً ولا يسمع ما يقوله فيه من المدح. وحكى الفضل بن الربيع قال: رأيت مروان بن أبي حفصة وقد دخل على المهدي بعد موت معن بن زائدة في جماعة من الشعراء، فأنشده مديحاً، فقال له: من أنت؟ فقال شاعرك مروان بن أبي حفصة. فقال: ألست القائل: فقلنا أين نرحل بعد معن البيت المذكور؟ وقد جئت تطلب نوالنا وقد ذهب النوال لا شيء عندنا جروه برجله. قال فجروه برجله حتى آخرجوه.
(1/250)

فلما كان من العام المقبل، تلطف حتى دخل مع الشعراء، وإنما كانت الشعراء تدخل على الخلفاء كل عام مرة، فمثل بين يديه وأنشد قصيدته التي أولها:
طرقتك زائرة فجاء خيالها
فأنصت لها المهدي، ولم يزل يرجف كلما سمع شيئاً منها حتى زال عن البساط اعجاباً بما سمع، ثم قال له: كم بيتاً هي فقال: مائة ألف، فأمر له بمائة ألف درهم. ويقال إنها أول مائة ألف أعطيها شاعر في خلافة بني العباس. قال الفضل بن الربيع: فلم يلبث من الأيام إلى أن أفضت الخلافة إلى هارون الرشيد، فأنشده شعراً، فقال له: من أنت؟ فقال: شاعرك مروان بن أبي حفصة. فقال: ألست القائل كذا؟ وأنشده البيت، ثم قال خذوه بيده فأخرجوه فإنه لا شيء له عندنا، ثم تلطف حتى دخل بعد ذلك، فأنشده وأحسن جائزته. ومن المراثي النادرة أيضاً أبيات الحسين بن مطير بن الأشيم الأسدي في معن بن زائدة أيضاً وهي من أبيات الحماسة:
ألما على معن وقولاً لقبره ... سقتك الغوادي مربعاً ثم مربعا
فيا قبر معن كيف واريت جوده ... وقد كان منه البر والبحر مترعا
مع أبيات أخرى. وقال الصاحب بن عباد: قرأت في أخبار معن بن زائدة أن رجلاً قال له: احملني أيها الأمير، فأمر له بناقة وفرس وبغل وحمار وجارية، ثم قال: لوعلمت أن الله سبحانه خلق مركوباً غير هذه لحملتك عليه، وقد أمرنا لك من الخز بجبة وقميص وعمامة ودراعة وسراويل ومنديل ومطرف ورداء وكساء وجورب، ولو علمنا لباساً آخر يتخذ من الخز لأعطيناكه. قال بعض المؤرخين: ولولا خوف الإطالة لا تبت من محاسنه بكل نادرة بديعة.

سنة اثنتين وخمسين ومائة
فيها توفي عباد بن منصور. روى عن عكرمة وجماعة، وفيها توفي يونس بن يزيد صاحب الزهري، روى عن القاسم وسالم وجماعة. وفيها توفي واصل بن عبد الرحمن البصري، روى عن الحسن وطبقته.

سنة ثلاث وخمسين ومائة
فيها غلبت الخوارج الإباضية على إفريقية، وهزموا عسكرها، وقتلوا متوليها عمر بن
(1/251)

حفص الأزدي، وكانت الإباضية في مائة وعشرين ألف فارس وأمم لا يحصون من رجالة. وفي السنة المذكورة ألزم المنصور الناس لبس القلانس المفرطة الطول، وكانت تعمل من كاغذ ونحوه على قصب، ويعمل عليها السواد. وفيها توفي أبو خالد ثور بن يزيد الكلاعي الحافظ محدث حمص. قال يحيى القطان: ما رأيت شامياً أوثق منه، قال أحمد: كان يرى القدر ولذلك نفاه أهل حمص.
وفي رمضان منها توفي معمر بن راشد الأزدي مولاهم البصري الحافظ قال أحمد ليس يضم معمر إلى أحد إلا وجدته فوقه، وقاك غيره كان صالحاً خيراً، وهو أول من ارتحل في طلب الحديث إلى اليمن، فلقي بها همام بن منبه اليمني، فسمع منه ومن الزهري وهشام بن عروة، وارتحل إليه الثوري وابن عيينة وابن المبارك وغندر وهشام بن يوسف قاضي صنعاء، وأخذ عنه عبد الرزاق فقيه اليمن ومحدث صنعاء، وله الجامع المشهور والمنسوب إليه في السنن، وهو أقدم من الموطأ. وفيها توفي هشام بن عبد الله الدستوائي البصري الحافظ، قال أبو داود الطيالسي كان أمير المؤمنين في الحديث، وقال غيره بكى هشام حتى فسدت عينه. وفيها توفي وهيب بن الورد المكي الولي الكبير السيد الشهير صاحب المواعظ والرقائق والمعارف والحقائق: قلت وكان يحكى عنه في الورع أمر عظيم، وكان لا يأكل مما في الحجاز شيئاً، فسأل عن سبب ذلك فقال: فيه المصافي. يعني أن ولاة الأمر اصطفوا منه مواضع لا تفهم ولمن شاء من حاشيتهم فقيل له: ومن الشام ومصر أيضاً كذلك؟ فوجم من ذلك حتى غشي عليه، فلما أفاق قال الفضيل لو درينا أنه يبلغ بك هذا المبلغ ما حركناك، أو كما قيل رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

سنة أربع وخمسين ومائة
فيها أهم المنصور أمر الخوارج واستيلاؤهم على بلاد المغرب، فسار إلى الشام وزار القدس، وجهز يزيد بن حاتم في خمسين ألف فارس وعقد له على المغرب فقيل إنه أنفق على ذلك الجيش ثلاثة وستين ألف ألف درهم. وفيها توفي وزير المنصور سليمان بن مخلد، وقيل ابن داود المورياني، كان وزير
(1/252)

أبي جعفر المذكور، تولى وزارته بعد خالد بن برمك جد البرامكة، وتمكن منه تمكناً بالغاً، وسبب ذلك أنه كان في ابتداء أمره يكتب لسليمان بن حبيب بن المهلب الأزدي وكان المنصور قبل الخلافة ينوب عن سليمان المذكور في بعض كور فارس، فاتهمه أنه أخذ المال لنفسه، فضربه بالسياط ضرباً شديداً، وغرمه المال، فلما ولي الخلافة ضرب عنقه، وكان سيمان قد عزم على قتله عقب ضربه، فخلصه منه كاتبه أبو أيوب المذكور، فاعتدها المنصور له واستوزره، ثم إنه فسدت نيته فيه ونسبه إلى أخذ الأموال، وهم أن يوقع به، فتطاول ذلك فكان كلما دخل عليه ظن أنه سيوقع به، ثم يخرج سالماً، فقيل إنه كان معه شيء من الدهن قد عمل فيه سحراً وكان يدهن به حاجبيه إذا دخل على المنصور فصار في العامة دهن أبي أيوب وصار مثلاً.
ومن ملح أمثاله ما ذكر خالد بن يزيد بن الأرقط قال: بينا أبو أيوب المذكور جالس في أمره ونهيه، اتاه رسول منصور فتغير لونه، فلما رجع تعجبنا من حالته، فضرب مثلا لذلك، وقال: زعموا أن البازي قال للديك: ما في الأرض حيوان أقل وفاء منك. قال وكيف ذلك؟ قال أخذك أهلك بيضة فحضنوك، ثم خرجت على أيديهم، وأطعموك في أكفهم، ونشأت بينهم حتى إذا كبرت صرت لا يدنو منك أحد إلا طرت هاهنا وهاهنا وصدت، وأخذت أنا مسيباً من الجبال فعلموني وألقوني ثم تخلى عني فأخذ صيداً في الهواء وأجيء به إلى صاحبي. فقال له الديك: انكم لو رأيتم من البزاة في سفافيد هم المعدة للشيء مثل الذي رأيت من الديوك لكنتم أنفر مني، يعني أيها البزاة ولكنكم أنتم لو علمتم أعلم لم يتعجبوا من خوفي مع ما ترون من تمكن حالي ثم إنه وقع به في سنة ثلاث وخمسين ومائة وعذبه وأخذ أمواله. ثم مات في السنة التي تليها والمورياني بضم الميم وسكون الواو وكسر الراء وبالمثناة من تحت وبعد الألف نون ثم ياء النسبة إلى موريان وهي قرية من قرى الأهواز. وفيها توفي الحكم بن أبان العدني، روى عن طاوس وجماعة، وكان شيخ أهل اليمن وعالمهم بعد معمر، وكان إذا هدأت العيون وقف في البحر إلى ركبتيه يذكر الله حتى يصبح. وفيها توفي مقرىء البصرة أبو عمرو بن العلاء بن عمار التميمي المازني البصري أحد السبعة القراء وعمره أربع وثمانون سنة، قرأ على أبي العالية وجماعة وروى عن أنس وغيره. قال أبو عمرو كنت رأساً والحسن حي ونظرت في العلم قبل أن أختن. وقال أبو عبيدة: كان أبو عمرو أعلم الناس بالقرآن والعربية، والشعر وأيام العرب. قال: وكانت دفاتره ملء بيت
(1/253)

إلى السقف، ثم تنسك فأحرقها، وهو في النحو من الطبقة الرابعة من علي بن ابي طالب رضي الله عنه. قال الأصمعي سألت أبا عمرو عن ألف مسألة فأجابري فيها بألف حجة. وكان أبو عمرو رأساً في حياة الحسن البصري مقدماً في عصره، وكانت كتبه التي كتب عن العرب الفصحاء قد ملأت بيتاً له إلى قريب من السقف كما تقدم. ثم ذكر إحراقه لها. قال: فلما رجع إلى علمه الأول لم يكن عنده إلا ما حفظه يقلبه، وكانت عامة أخباره عن إعراب قد أدركوا الجاهلية.
قال الأصمعي جلست إلى أبي عمرو بن العلاء عشر حجج، فلم أسمعه يحتج ببيت إسلامي قال وفيه يقول الفرزدق:
ما زلت أغلق أبواباً وأفتحها ... حتى أتيت أبا عمرو بن عمار
والصحيح أن كنيته اسمه وكان رحمه الله تعالى إذا دخل شهر رمضان لم ينشد بيت شعر حتى ينقضي. وعنه أنه قال ما زدت في شعر العرب قط إلا بيتاً واحداً وهو أنكرتني وما كان الذي أنكرت من الحوادث إلا الشيب والصلعا. وهذا البيت يوجد في جملة أبيات للأعشى مشهورة. قال أبو عبيدة دخل أبو عمرو بن العلاء على سليمان بن علي وهو عم السفاح، فسأله عن شيء، فصدقه، فلم يعجبه ما قال، فوجد أبو عمرو في نفسه فخرج وهو يقول:
أنفت من الذل عند الملوك ... وإن أكرموني وإن قربوا
إذا ما صدقتم خفتهم ... ويرضون مني بأن أكذب
قلت وهذا يعرفك بجواز الإقواء المعروف في علم القافية لوقوعه من هذا الإمام الذي هو للاحتجاج من أقوى دليل أعني رفعه للباء من: اكذب لموافقة القافية المتقدمة، مع دخول أن الناصبة للفعل المضارع، وقد اعتذر عنه بعضهم ذاهباً إلى ألن أن هاهنا وقعت مخففة من الثقيلة، او أنها ملغاة من العمل. وفي قوله هذا نظر، فإن كونها مخففة من الثقيلة يحتاج إلى شروطه: منها أن يكون الفعل بمعنى العلم أو الظن على أحد الوجهين، وشرط بعضهم السين في الفعل كقوله تعالى علم أن سيكون. وحكي عن ابن محمد النوفلي قال: سمعت أبي يقول: قلت لأبي عمرو بن العلاء: اخبرني عما وضعت مما سميته عربية لم يدخل فيه كلام العرب كله، فقال: لا. فقلت: فكيف تصنع؟ فيما خالفتك فيه العرب وهو حجة قال: اعمل على الأكثر واسمي ما خالفني لغات.
(1/254)

قلت وذكر شيخنا الإمام الرضي الطبري رحمة الله عليه في كتاب شهاب القبس عن أبي عمرو بن العلاء، انه قال: اول العلم الصمت، والثاني حسن الاستماع، والثالث حسن السؤال، والرابع حسن اللفظ، والخامس نشره عند أهله. وذكر عن أبي عبيدة أنه فاخر مصري يميناً بحضرة أبي عمرو، فاستعلاه اليمني، فقال أبو عمرو المصري: قل له لنا النبوة والخلافة والكعبة والسدانة وزمزم والسقاية واللواء والرفادة والشورى والندوة والسبق بالإيمان والهجرة، ولنا فتوح الآفاق وتفرقة الأرزاق، وبنا سميت الأنصار أنصاراً، ومنا أول من تنشق عنه الأرض وصاحب الحوض وأول شافع ومشفع وأول من يدخل الجنة وسيد ولد آدم وكرم الناس أباً وأماً صلى الله عليه وسلم. ومنا الأسباط والأنبياء عليهم السلام، وجبابرة الملوك العظماء، فمن عزمنكم فنحن أعززناه، ومن ذل فنحن أذللناه، قال: فعجب الناس من كلامه حتى أنه لو كان قد أعده أو قرأ، من كتاب ما زاد على ذلك، وقال فوت الحاجة خير من طلبها من غير أهلها، وقال: ما تساب اثنان إلا غلب ألامهما، وقال: اذا تمكن الإخاء فتح الثاء، وقال ما ضاق مجلس بين متحابين، وما اتسعت الدنيا بين متباغضين، وقال: احسن المراثي ابتداء قول فضالة بن كندة العبسي:
أيتها النفس اجملي جزعا ... إن الذي تحذرين قد وقعا
بان الذي جمع السماحة ... والنجدة والبر والتقى جمعا
الألمعي الذي يظن بك الظن ... كأن قد رأى وقد سمعا
وقال ما قالت العرب بيتاً أبدع من قول النابغة:
والنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع
وقال الأصمعي: سمع أبو عمرو رجلاً ينشد، وكان مستتراً من الحجاج.
اصبرالنفس عند كل مهم ... إن في الصبر حيلة المحتال
لاتضيقن في الأمور فقد ... تكشف غماؤها بغير احتمال
ربما تجزع النفس في الأمر ... ماله فرجة كحل العقال
سمعها بسحره وكان ... قد خرج يريد الانتقال
فقال له ما الأمر؟ فقال: مات الحجاج. فلم أدر بأيهما أنا أفرح بموت الحجاج أم
(1/255)

بقوله فرجة وكنا نقول فرجة من الفرج وغيره وبالضم فرجة الحائط وفي رواية قال يقال فرجة بالفتح بين الأمرين وبالضم بين الجبلين يعني بالفتح والضم في الفاء وقال أبو عمرو: وحججنا سنة فمررنا ذات ليلة بواد، فقال لنا المكري: ان هذا واد كثير الجن فأقلوا الكلام حتى تقطعوه، قال: مررنا بهم في الرمل مخبتين يتبين منهم الرؤوس واللحى، نسمع حسهم ولا نراهم، فسمعنا منهم هاتفاً يقول:
وإن امرءاً دنياه أكبر همه ... لمستمسك منها بحبل غرور
قال فوالله لقد ذهب عنا ما كنا فيه من الغم، وأخبار أبي عمرو كثيرة وفضائله شهيرة، وكانت ولادته سنة سبعين وقيل ثمان وستين وقيل خمس وستين من الهجرة بمكة، وتوفي سنة أربع وقيل ست وقيل تسع وخمسين ومائة بالكوفة، وقال ابن قتيبة مات في طريق الشام ونسب في ذلك إلى الغلط، فقد ذكر بعض الرواة أنه رأى قبر أبي عمرو بالكوفة مكتوباً عليه هذا قبر أبي عمرو بن العلاء، فلما حضرته الوفاة كان يغشى عليه ويفيق، فأفاق من غشيته فإذا ابنه بشر يبكي، فقال: وما يبكيك وقد أتت على أربع وثمانون سنة، ورثاه بعضهم بقوله:
رزينا أبا عمرو ولا حي مثله ... فلله ريب الحادثات بمن فجع
فإن تك قد فارقتنا وتركتنا ... ذوي حلة ما في انسداد لها طمع
فقد جز نفعاً فقدنا لك أننا ... أمنا على كل الرزايا من الجزع
قيل رثاه بها عبد الله بن المقنع، وقيل يحيى بن زياد الشاعر المشهور خال السفاح، وقيل غير من ذكر.

سنة خمس وخمسين ومائة
فيها فتح يزيد بن حاتم إفريقية، واستعادها من الخوارج، وهزمهم وقتل كبارهم، ومهد قواعدها أميراً من جهة المنصور.
وفيها توفي الراوية حماد بن أبي ليلى الديلمي الكوفي، وقال ابن قتيبة: انه مولى لابن زيد الخيل الطائي الصحابي، كان من أعلم الناس بأيام العرب وأخبارها وأشعارها وأنسابها ولغاتها، هو الذي جمع السبع الطوال، فيها ذكره أبو جعفر بن النحاس، وكانت ملوك بنى أمية تقدمه وتؤثره وتستزيره، فيفيد عليهم وينال منهم، ويسألونه عن أيام العرب وعلومها. وقال له الوليد بن يزيد الأموي يوماً وقد حضر مجلسه: بما استحققت هذا الاسم فقيل
(1/256)

لك الراوية؟ فقال: اني أروي لكل شاعر تعرفه يا أمير المؤمنين أو سمعت به، ثم أروي الأكثر منهم ممن تعرف أنك لا تعرفه ولا أسمعت به، ثم لا ينشدني أحد شعراً قديماً ولا حديثاً إلا ميزت القديم من الحديث، فقال له: فكم مقدار ما تحفظ من الشعر؟ فقال: كثير، ولكنني أنشدك على كل حرف من حروف المعجم مائة قصيدة كبيرة سوى المقطعات من شعر الجاهلية دون شعر الإسلام، فقال: سأمتحنك في هذا، وأمره بالإنشاد فأنشد حتى ضجر الوليد، ثم وكل به من استخلفه إن يصدقه عنه ويستوفي عليه، فأنشده ألفين وتسع مائة قصيدة جاهلية، فأخبر الوليد بذلك، فأمر له بمائة ألف درهم. وذكر الحريري صاحب المقامات في كتابه درة الغواص ما مثاله: قال حماد الراوية: كان انقطاعي إلى يزيد بن عبد الملك بخلافته، وكان أخوه هشام يحقدني لذلك، فلما مات يزيد وتولى هشام خفته، ومكثت في بيتي سنة لا أخرج إلا إلى من أثق به من إخواني سراً فلما لم أسمع أحداً ذكرني في السنة أمنت فخرجت يوماً أصلي الجمعة بالرصافة، فإذا شرطيان قد وقفا علي، وقالا يا حماد، اجب الأمير، فقلت في نفسي: من هذا كنت أخاف، ثم قلت لهما: هل لكما أن تدعاني حتى آتي أهلي فأودعهم وداع من لا يرجع إليهم ثم أسير معكما؟ فقالا: ما إلى ذلك سبيل، فاستسلمت في أيديهما، فمثلت إلى الأمير على العراق، وهو في الإيوان الأحمر، فسلمت عليه، فرد علي السلام، ورمى إلي كتاباً فيه بسم الله الرحمن الرحيم من عند هشام أمير المؤمنين إلى فلان ابن فلان أمير العراق. أما بعد فإذا قرأت كتابي هذا فابعث إلى حماد الراوية من يأتيك به من غير ترويع، وادفع له خمس مائة دينار وجملاً مهرياً يسير عليه اثنتي عشرة ليلة إلى دمشق، قال: فأخذت الدنانير، ونظرت فإذا جمل مر حول، فركبته وسرت، حتى وافيت دمشق في اثنتي ليلة، فنزلت على باب هشام واستأذنت فأذن لي، فدخلت عليه في دار قوراء مفروشة بالرخام وبين كل رخامتين قضيب ذهب، وهشام جالس على طنفسة حمراء، وعليه ثياب حمر من الخز، وقد تضمخ بالمسك والعنبر، فسلمت عليه فرد علي السلام، فاسدناني فدنوت منه حتى قبلت رجله، فإذا جاريتان لم أر مثلهما قط في أذن كل جارية حلقتان فيهما لؤلؤتان تتقدان، فقال: كيف أنت يا حماد؟ وكيف حالك؟ فقلت: بخير يا أمير المؤمنين، فقال: اتدري فيما بعثت إليك؟ قلت: لا فقال: بسبب بيت خطر ببالي لا أعرف قائله،
(1/257)

قلت: وما هو؟ قال:
ودعوا بالصبوح يوماً فجاءت ... قينة في يمينها إبريق
قلت يقوله عدي بن يزيد العبادي في قصيدة، فقال: انشدنيها، فأنشدته:
بكر العاذلون في وضح الصبح ... يقولون لي أما تستفيق
ويلومون فيك يا ابنة عبد ... الله والقلب عندكم موثوق
لست أدري إذا كثر العذل فيها ... أعدو يلومني أم صديق
قال: فأنشدته حتى انتهيت إلى قوله:
ودعوا بالصبوح يوماً فجاءت ... قينة في يمينها إبريق
مع أبيات أخر يطول ذكرها، قال: فطرب هشام، ثم قال: احسنت يا حماد. قال ابن خلكان: وفي هذه الحكاية زيادة قال اسقيه يا جارية فسقتني، قال: وهذا ليس بصحيح، فإن هشاماً لم يشرب، ثم قال: يا حماد سل حاجتك، فقلت كائنة ما كانت، قال: نعم. قلت: احدى الجاريتين، قال: هما جميعاً لك بما عليهما وما لهما، وأنزله في داره، ثم نقله إلى دار أعدها له، فوجد فيها جاريتين وكل ما لهما وكل ما يحتاج إليه، وأقام عنده مدة، وصله بمائة ألف درهم، ولما مات حماد رثاه عبد الأعلى المعروف بابن كناسة:
لو كان نجي من الردى حذر ... نجاك مما أصابك الحذر
يرحمك الله من أخي ثقة ... لم يك في صفو وده كدر
فهكذا يفسد الزمان ويفنى ... العلم وتدرس الأثر
ودفن بقرية من أعمال ماسبدان، وفي ذلك يقول مروان بن أبي حفصة شعراً منه هذا البيتان، وقد غيرت المصراع الأول من الأول منهما ليكون عدولاً عما لا يجوز من لفظ:
سقى الله قبراً من سحائب رحمة ... ثوى فيه حماد بماسبدان
عجبت لأيد هالت الترب فوقه ... ضحى، كيف لم ترجع بغير بنان
ولفظه الذي غيرته هو قوله:
وأكرم قبر بعد قبر محمد ... نبي الهدى قبر بما سبدان
فقد فضله كما ترى على جميع الأولياء، بل على جمع الأنبياء غير نبينا، صلى الله عليه
(1/258)

وآله وسلم، على ما نقله عنه أهل التواريخ، وبئس القول والقائل. وفيها توفي مسعر بن كدام الهلالي الكوفي، وصفوان بن عمرو السكسكي، وعث ابن أبي العاتكة الدمشقي.

سنة ست وخمسين ومائة
فيها توفي شيخ البصرة وعالمها، وأول من دون العلم بها، الإمام أبو النضر سعيد ابن أبي عروبة العدوي، وشيخ إفريقية وقاضيها الزاهد الواعظ عبد الرحمن بن زياد الشعباني الإفريقي. وفيها وقيل في سنة ثمان توفي قارىء الكوفة أبو عمارة حمزة بن حبيب التيمي، مولى تيم بن ربيعة الكوفي الزيات السيد الجليل، احد القراء السبعة، قرأ على التابعين، وتصدر للإقراء فقرأ عليه جل أهل الكوفة، وكان رأساً في القرآن والفرائض قدوة في الورع، وقال القرآن ثلاث مائة ألف حرف وثلاثة وسبعون ألف حرف ومائتان وخمسون حرفاً، وقصته في رؤيته الحق سبحانه في المنام وتضميخه له بالغالية وما ذكر فيها من وعده تعالى بالكرامة لأهل القرآن مشهورة.

سنة سبع وخمسين ومائة
فيها توفي الفقيه القدوة العلامة إمام الشاميين أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، روى عن الزهري وعطاء وخلق كثير من التابعين، وروى عنه الثوري وأخذ عنه ابن المبارك وجماعة كثيرة، وكان رأساً في العلم والعمل كثير المناقب بارعاً في الكتابة والترسل. قال الفضل بن زياد: اجاب الأوزاعي في سبعين ألف مسألة. وقال إسماعيل بن عياش سمعت الناس سنة أربعين ومائة يقولون: الأوزاعي اليوم عالم الأمة، وقال الوليد بن مسلم: ما رأيت أكثر اجتهاداً في العبادة من الأوزاعي. وقال أبو مسهر: كان يحيي الليل صلاة وقرآناً وبكاء، ومات في الحمام أغلقت عليه امرأته باب الحمام ونسيته فمات رحمه الله يوم الأحد لليلتين بقيتا من صفر، وقيل في شهر
(1/259)

ربيع الأول من السنة المذكورة، ورثاه بعضهم بقوله:
جاد الحيا بالشام كل عشية ... قبراً تضمن لحده الأوزاعي
قبر تضمن فيه طود شريعة ... سقياً له من عالم نفاع
عرضت له الدنيا فأعرض مقلعاً ... عنها بزهد أيما إقلاع
قلت ولو كان في البيت الأول سقى عوض جاد، كان صواباً لأنه حينئذ ينصب قبراً وتقديره أسقى الحبا قبراً وأما نصبه بجاد فلا يحسن بل لا يصح إلا بتعصب يعيد وإضمار محذوف يكون تقديره جاد فسقى قبراً وكذلك قوله في البيت الثاني تضمن فيه كان يعني قوله تضمن عن فيه فقوله فيه من التكرر المذموم العاري عن تضمن فائدة من تأكيد وغيره ورأى أن يكون بالمثناة من تحت أصح من المثناة من فوق وحينئذ يكون تضمن للحال ولا يكون لفظ فيه مذموماً على هذا بل يكون معناه يودع فيه بخلاف المثناة من فوق فإن معناه تضمن هو فلفظ في هذا بعد مستقبح والأوزاعي نسبة إلى الأوزاعي وهي بطن من ذي الكلاع من اليمن وقيل الأوزاع قرية بدمشق على طريق باب الفراديس ولم يكن منهم وإنما نزل فيه فنسب إليهم وقيل غير ذلك. وقال بعض المعبرين: قال يعلى بن عبيد: كنت عند سفيان الثوري فقال له رجل: رأيت البارحة كأن ريحانة رفعت إلى السماء من ناحية المغرب حتى توارت في السماء، فقال سفيان: ان صدقت رؤياك فقد مات الأوزاعي، فوجده قد مات في تلك الليلة. وروي أن الإمام سفيان الثوري المذكور والمشهور السيد المشكور لما حج الأوزاعي خرج حتى لقيه بذي طوى فحل سفيان الحبل المقود به رأس بعيره ووضعه على رقبته، ومشى وهو يقول الطريق للشيخ. وفيها توفي الحسن بن واقد المروزي قاضي مرو ومحمد بن عبد الله ابن أخي الزهري.
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

سنة ثمان وخمسين ومائة
فيها صادر المنصور خالد بن برمك وأخذ منه ثلاثة آلاف درهم، ثم رضي عنه، وأمره
(1/260)

على الموصل. وفيها في ذي القعدة بمكة توفي المنصور أبو جعفر عبد الله بن محمد العباسي وله ثلاث وستون سنة، وكانت خلافته اثتين وعشرين سنة، وكان ذا حزم وعزم ودهاء ورأي وشجاعة وعقل، وفيه جبروت وظلم، ولي بعده ولده المهدي، ولما عزم المنصور على قتل أبي مسلم الخراساني صاحب الدعوة لبني العباس كتب إليه ابن عمه عيسى بن موسى:
إذا كنت ذا رأي فكن ذا روية ... فإن فساد الرأي أن تتعجلا
وكتب إليه المنصور.
إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة ... فإن فساد الرأي أن تترددا
ومن أخبار المنصور: ما رووا عن أبي بكر الهذلي الشاعر المشهور، قال: قال لي المنصور: قد بلغت أربعين سنة وأريد الحج، وأنا داخل على أبي العباس أكلمه أن يعينني على سفري، يعني أخاه السفاح، فأعني بالقول، قال: قلت: افعل فلما دخل عليه ودخلت كلمه واستغنى عن كلامي، فحج، فما كان ببعض الطريق أتاه نعي أبي العباس، فأقبل على كل صعب وسهل حتى أتى دار الخلافة فظفر بالأموال. قال الراوي فلما توفيت امرأة الهذلي المذكور، وكانت أم ولده والقيمة في منزله، وجد عليها، فبلغ ذلك المنصور، فأمر حاجبه الربيع أن يأتيه ويعزيه ويقول له: ان أمير المؤمنين متوجه إليك الليلة بجارية نفيسة لها أدب وطرب وهيئة ومعرفة تسليك عن امرأتك، وتسد موضعها وتقوم بأمر منزلك، ويأمر لك مع ذلك بفرش وكسوة، قال: فلم يزل الهذلي يتوقع ذلك فلم يره، ونسيه المنصور فلم يذكره، ولم يذكره بذلك أحد ثم إن المنصور لما حج وكان الهذلي منه قال وهو بالمدينة الشريفة: اني أحب أن أطوف الليلة في المدينة، فأنظروا إلي رجلا يعرف منازل أهل المدينة ومساكنها ورباعها وطرقها وأخبارها يكون معي فيعرفني ذلك، فقالوا له: ما نعلم أحداً أعلم بذلك ولا أعرف به من أبي بكر الهذلي، فأمره بالحضور، فلما كان في الليل خرج المنصور على حمار يطوف في سكك المدينة وهو معه، فجعل يسأله عن ربع ربع وسكة سكة وموضع وموضع فيخبره بمن هو ولمن كان، يقص قصة الحال فيه حتى مر ببيت عاتكة، فسأل عنه فقال: يا أمير المؤمنين، هذا بيت عاتكة
(1/261)

الذي قال فيه الأحوص بن محمد الأنصاري:
يا بيت عاتكة التي أتعزله ... حذر العدى وبه الفؤاد موكل
وأنشد القصيدة حتى بلغ قوله:
وأراك تفعل ما تقول وبعضهم ... مذق الحديث يقول ما لا يفعل
فقال المنصور له: ويحك يا أبا بكر وفي الدنيا أحد يعد ولا ينجز ويقول ما لا يفعل؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين، اذا نسي. قال: فضحك المنصور وقال: صدقت أذكرتني ما كنت وعدتك، لا جرم والله لا تصبح حتى يأتيك ذلك، قال: فلم يصبح حتى وجه إلي بجارية نفيسة بفرشها وأثاثها وآلاتها ووصلني بمال. قلت ذكر بعضهم إن العاتكة المذكورة هي بنت عبد الله بن أبي سفيان الأموي، وذكروا أيضاً في بني أمية عاتكة بنت يزيد بن معاوية زوجة عبد الملك بن مروان، وروي عن الهذلي أيضاً أنه قال: طلبت الإذن على المنصور فوعدت بيوم أدخل عليه فيه، فوافيت ذلك اليوم فوجدت أبا حنيفة وعمرو بن عبيد قد سبقاني، فقعدا قليلاً ثم خرج الأذن لنا فدخلنا، وقد كنت هيأت كلاماً ألقى به المنصور، وهيأ أبو حنيفة مثل ذلك، فلما رأيناه ارتج علينا، وكان جهدنا أن أقمنا التسليم فسلمنا فأومى برأسه وأقبلت ألاحظ أبا حنيفة أعجبه مما نالني وناله من الدهش، فرفع عمرو رأسه فقال. بسم الله الرحمن الرحيم " والفجر وليال عشر " - الفجر: 1 - إلى قوله تعالى: " فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد " - الفجر: 13و14 - يا أمير المؤمنين: بالمرصاد، لمن عمل مثل عملهم إن ينزل به مثل ما نزل بهم، فاتق الله يا أمير المؤمنين فإن وراءك نيراناً تأجج من الجور ما يعمل بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم. قلت أرى في هذا الكلام شيئاً ساقطاً في موضعين. أحدهما قوله: ان ينزل به يحتمل أن يكون فليحذر أن ينزل به، والثاني قوله تأجج من الجور ما يعمل، يحتمل أن يكون من الجور لمن يعمل، فقال: يا أبا عثمان، انا لنكتب إليهم في الطوامير نأمرهم بالعمل بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فإن لم يفعلوا فما عسى أن نصنع، فقال: يا أمير المؤمنين، مثل أذن فأر يجزيك من الطوامير، تكتب إليهم في حاجة نفسك فينفذونها، وتكتب إليهم في حاجة الله فلا تنفذ، انك والله لو لم ترض من عمالك إلا بالعدل، اذن ليقرب إليك من لانية له فيه.
(1/262)

ثم ذكر سليمان بن مجالد ومعارضته لعمرو، فقال له عمرو: يا ابن مجالد، خزنت نصيحتك عن أمير المؤمنين، ثم أردت أن تحول بينه وبين من أراد أن ينصحه يا أمير المؤمنين، ان هؤلاء اتخذوك سلماً لشهواتهم، فأنت كالآخذ بالقرنين وغيرك يحلب، فاتق الله يا أمير المؤمنين، فإنك ميت وحدك، ومبعوث وحدك ومحاسب وحدك، لن يغني عنك هؤلاء من الله شيئاً، قال: فأطرق أبو جعفر يفكر في كلامه، ثم دعا خادماً على رأسه فسار بشيء، فأتاه الخادم بمنديل فيه دنانير، فقال: يا أبا عثمان بلغني ما الناس فيه من الشدة، فاصرف هذه حيث شئت، قال ما كنت لآخذها، قال لتأخذها والله قال لا آخذها، قال والله لتأخذنها، قال والله لا آخذها، فقال له المهدي وكان حاضراً، يحلف أمير المؤمنين لتأخذه وتحلف أنت لا تأخذه؟! قال عمرو: يا ابن أخي إن أمير المؤمنين أقدر على الكفارة مني، فقال أبو جعفر للمهدي اسكت فإن عمك بناء واثق، قال: فسكت وقعد قليلاً ثم قمنا، فقلت لأبي حنيفة عند خروجنا: انا نسينا ما أردنا من الكلام، فكيف ذهب عنا أن نجيء بما جاء به عمرو ومن كتاب الله؟!. قلت عمرو بن عبيد المشهور بالزهادة والعبادة من المعتزلة، وله في الاعتقاد أقوال شنيعة في الابتداع مضيعة في الأسماع، ذكرت بعضها في الكتاب الموسوم بالمرهم، ولما اعتزل هو وأصحابه حلقة الحسن البصري وباينوا أهل السنة، سموا معتزلة من يومئذ. وقال الهذلي المذكور: قال السفاح: بأي شيء بلغ حسنكم ما بلغ؟ يعني الحسن البصري. قلت: يا أمير المؤمنين، جمع كتاب الله وهو ابن اثنتي عشرة سنة فلم يجارز سورة إلى غيرها حتى يعرف تأويلها وفيما أنزلت، ولم يقلب درهماً في تجارة، ولم يل للسلطان امارة ولم يأمر بشيء فيهم حتى يفعله، ولا يترك شيئاً حتى بدعه، او كما قال، فقال: بهذ بلغ الشيخ ما بلغ. وقال الأصمعي: قال لي الرشيد: قال المنصور للمهدي: يا عبد الله إن الخليفة لا يصلحه إلا التقوى، والسلطان لا يصلحه إلا الطاعة، والرعية لا يصلحها إلا العدل، وأولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة، وأنقص الناس عقلاً من ظلم من هو دونه. وذكر في المقتبس أيضاً: انه لما أتم المنصور بناء مدينة السلام بغداد، وأراد النقلة إلى قصره بباب الذهب، وقف على باب القصر يتأمله، فإذا على الحائط مكتوب.
(1/263)

ادخل القصر لا تخاف زوالا ... بعد ستين من سنيك رحيل
فوقف ملياً، وتغرغرت عينه، ثم قال: بقية لعاقل وفسحة لجاهل، كأنه حسب ما بقي من عمره من السنين، وكان قد مكث قبل بنائها سنة يتردد ليرتاد موضعاً يبنيه، فبينا هو كذلك إذا براهب قد أشرف عليه من بنيان مقيم فيه، فقال: اراك منذ شهور تدور وتكثر الترداد في هذا الموضع، فقال: اريد أن أبني فيه مدينة، فقال له الراهب: لست صاحبها، انا نجد أن صاحبها يقال له مقلاص. فقال أبو جعفر: انا والله صاحبها، كنت أدعى وأنا صبي في الكتاب بمقلاص، فأمر حينئذ ببنائها، وكتب إلى البلدان أن يوجه إليه ما يحتاجه ويتوقف عمارتها عليه، ثم قال لنوبخت بالنون ثم بالموحدة بعد الواو ثم الخاء المعجمة والمثناة من فوق في آخره المنجم: اختر لي موضعاً أضع له فيه الأساس والبناء، فاختار له فوضع الأساس، ثم قال له: احكم الآن فقال: يتم بناؤها وتكون مدينة ليس في شرق ولا غرب لها نظير، ويعمرعمراناً لم ير مثله، قال أبو جعفر: ثم ماذا؟ قال: ثم تخرب بعد موتك خراباً ليس بصحراء ولكن دون العمران، ووزنت لبنة سقطت من السور فكان وزنها اثنتين وثمانين رطلاً، وكان قد وضع المنصور أول لبنة بيده، وقال: بسم الله والحمد لله إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين. وفي السنة المذكورة على الصحيح توفي حيوة بن شريح التجيبي المصري أحد العلماء السادة الزهاد أولى التوفيق والسعادة وكان مجاب الدعوة. وفيها توفي الإمام زفر بن الهذيل صاحب الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنهم.

سنة تسع وخمسين ومائة
فيها ألح المهدي على ولي العهد عيسى بن موسى بكل ممكن وبالترغيب والترهيب في خلع نفسه ليولي العهد ولده موسى الهادي، فأجاب خوفاً على نفسه، فأعطاه المهدي عشرة آلاف ألف درهم وإقطاعات، وفيها توفي السيد الجليل عبد العزيز بن أبي رواد. ومما يحكى من فضائله أن امرأة بمكة تقرأ القرآن رأت كأن حول الكعبة وصائف عليهن معصفرات وبأيديهن ريحان، وكأنها قالت: سبحان الله هذا حول الكعبة، يعني هذا التزين المتخذ للهو، فقيل لها: اما علمت أن عبد العزيز بن أبي رواد زوج الليلة، فانتبهت
(1/264)

فإذا عبد العزيز بن أبي رواد قد مات رحمه الله. وفيها توفي الإمام أبو الحارث محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن أبي يزيد القرشي المدني، روى عن عكرمة ونافع وخلق، قال الإمام أحمد: كان يشبه بسعيد بن المسيب وما خلف مثله، قال: وكان أفضل من مالك إلا أن مالكاً كان أشد تنقية للرجال.
وقال الواقدي كان يصلي الليل أجمع ويجتهد في العبادة، فلو قيل له أن القيامة تقوم غداً ما كان فيه مزيد من الاجتهاد، وقال أخوه كان يصوم يوماً ويفطر يوماً ثم سرده، وكان شديد الحال يتعشى بالخبز والزيت، وكان من رجال العلم صواماً قوالاً بالحق، وقال أحمد: ادخل ابن أبي ذئب على أبي جعفر يعني المنصور، فلم يهله من الهول أن قال: ان الظلم ببابك فاش وأبو جعفر قلت يعني في الهيبة والغلظة والانتقام، ومعناه: مدح ابن أبي ذئب بهذا الاقدام. وفيها توفي مالك بن مغول البجلي الكوفي، روى عن الشعبي وطبقته، وكان كثير الحديث ثقة حجة، قال ابن عيينة: قال له رجل: اتق الله، فوضع خده بالأرض.

سنة ستين ومائة
في أولها كان خلع عيسى بن موسى، وفيها افتتح المسلمون مدينة كبيرة بالهند، وفيها فرق المهدي في الحرمين أموالاً عظيمة، فيل ثلاثين ألف ألف درهم، وفرق من الثياب مائة ألف وخمسين ألف ثوب، وحمل محمد بن سليمان الأمير الثلج للمهدي حتى وافاه به مكة، قيل: وهذا شيء لم يتهيأ لأحده. وفيها توفي الإمام أبو بسطام العتكي مولاهم الواسطي شعبة بن الحجاج بن الورد شيخ البصرة وأمير المؤمنين في الحديث، روى عن معاوية بن قرة وعمرو بن مرة وخلق من التابعين؛ قال الشافعي: لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق. وقال ابن المديني: له نحو ألفي حديث، وقال سفيان لما بلغه موت شعبة: مات الحديث، وقال أبو زيد الهروي: رأيت شعبة يصلي حتى يدمي قدماه، وأثنى جماعة من كبار الأئمة عليه ووصفوه بالعلم والزهد والقناعة والرحمة والخير، وكان رأساً في العربية والشعر سوى الحديث، رحمة الله عليه. وفيها توفي المسعودي عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الكوفي، روى
(1/265)

عن الحكم بن عتيبة وعمرو بن مرة وخلق، وقال ابو حاتم: كان أعلم زمانه بحديث ابن مسعود، رضي الله عنه.

سنة إحدى وستين ومائة
فيها ظهر عطاء الساحر الشيطان الذي ادعى الربوبية بناحية مرو، واستغوى خلائق لا يحصون، وأري الناس قمراً ثانياً فيئ السماء، كان يرى ذلك إلى مسيرة شهرين. وفيها توفي أبو دلامة بن زند بن الجون، وكان صاحب نوادر وحكايات وأدب ونظم، ذكر ابن الجوزي أنه توفيت لأبي جعفر المنصور ابنة عم فحضر جنازتها وحو متألم لفقدها كئيب، فاقبل أبو دلامة وجلس قريباً فقال له المنصور: ويحك ما أعددت لهذا المكان؟ وأشار إلى القبر، فقال: ابنة عم أمير المؤمنين، فضحك المنصور حتى استلقى، ثم قال له: ويحك فضحتنا بين الناس. ولما قدم المهدي بن منصور من الري إلى بغداد، خل عليه أبو دلامة للسلام والتهنية بقدومه، فقال له المهدي: كيف أنت يا أبا دلامة؟ فأنشد:
إني حلفت لئن رأيتك سالماً ... بقرى العراق وأنت ذو وفر
لتصلين على الرسول محمد ... ولتملأن دراهماً حجري
فقال له المهدي: اما الأولى فنعم، وأما الثانية فلا، فقال: جعلني الله فداك، انهما كلمتان لا تفرق بينهما، فقال: يملأ حجر أبي دلامة دراهم، فقعد وبسط حجره فملأه دراهم، وقال له: قم الآن يا أبا دلامة، فقال: ينحرق قميصي يا أمير المؤمنين، فردها إلى الاكياس، ثم قام. ومن أخباره: انه مرض ولده فاستدعى طبيباً ليداويه، وشرط له جعلا معلوماً، فلما برأ قال له والله ما عندنا شيء نعطيك، ولكن ادع على فلان اليهودي، وكان ذا مال كثير بمقدار الجعل، وأنا وولدي نشهد بذلك، فمضى الطبيب إلى القاضي يومئذ، وحمل اليهودي إليه، وادعى عليه بذلك المبلغ، فأنكر اليهودي، فقال: ان لي عليه بينة وخرج لاحضار البينة، فأحضر أبا دلامة وولده، فدخلا إلى المجلس، وخاف أبو دلامة أن يطالبه القاضي بالتزكية فأنشد في الدهليز قبل دخوله إلى القاضي بحيث يسمع القاضي:
إن الناس غطوني تغطيت عنهم ... وإن بحثوا عني ففيهم مباحث
وإن ينبثوا بيري نبثت بيارهم ... ليعلم قوم كيف تلك البثائث
ثم حضر بين يدي القاضي وأديا الشهادة، فقال له القاضي: كلامك مسموع وشهادتك
(1/266)

مقبولة، ثم غرم القاضي المبلغ من عنده، واطلق اليهودي، وما امكنه أن يرد شهادتهما خوفاً من لسانه، فجمع بين المصلحتين بتحمل الغرم من ماله، وكان القاضي محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وقيل عبد الله بن شبرمة. وفي كتاب أخبار البصرة أن أبا دلامة كتب إلى سعيد بن دعلج، وكان يومئذ يتولى الأحداث بالبصرة، وأرسل الكتاب من بغداد مع ابن عم له.
إذا جئت الأمير فقل سلام ... عليك ورحمة الله الرحيم
وأما بعد ذاك فلي غريم ... من الأعراب قبح من غريم
له ألف علي ونصف أخرى ... ونصف النصف في صك قديم
دراهم ما انتفعت بها ولكن ... وصلت بها شيوخ بني تميم
فسير له دعلج ما طلب: وكان روح بن حاتم المهلبي والياً على البصرة، فخرج إلى حرب الجيوش الخراسانية ومعه أبو دلامة، فخرج من صف العدو مبارزاً فخرج إليه جماعة، فقتلهم واحداً بعد واحد، فتقدم روح إلى أبي دلامة لمبارزته، فامتنع، فألزمه ذلك فاستعفاه، فلم يعفه، فأنشد:
إني أعوذ بروح أن يقدمني ... إلى القتال فيخزي بي بنو أسد
إن المهاب حب الموت أورثكم ... ولم أورث قط حب الموت من أحد
إن الدنو إلى الأعداء أعلمه ... مما يفرق بين الروح والجسد
فاقسم عليه ليخرجن، وقال: لماذا تأخذ رزق السلطان؟ قال: لأقاتل عنه. قال: فما بالك الآن لا تبرز إلى العدو؟ فقال: ايها الأمير إن خرجت إليه لحقت بمن مضى، وما الشرط أن أقتل عن السلطان بل أقاتل عنه، فحلف روح ليخرجن إليه فتقتله أو تأسره أو تقتل دون ذلك، فلما رأى أبو دلامة الجد منه قال: ايها الأمير تعلم أن هذا أول يوم من أيام الآخرة ولا بد فيه من الزوادة، فأمر له بذلك فأخذ رغيفاً على دجاجة ولحم وسطيحة من شراب وشيئاً من بقل، وشهر سيفه وحمل، وكان تحته فرس جواد فأقبل يجول ويلعب بالرمح وكان مليحاً في الميدان والفارس لا يلحظه، ويطلب منه غرة حتى إذا وجدها حمل عليه، والغبار كالليل فأغمد أبو دلامة سيفه وقال للرجل: لا تعجل، واسمع مني عافاك الله كلمات ألقيهن إليك، فإنما أتيتك في مهم، فوقف مقابله، وقال: ما هو المهم؟ قال أتعرفني؟ قال: لا. قال: انا أبو دلامة. قال: قد سمعت بك، حياك الله، فكيف برزت إلي وطمعت في بعد من قتلت من أصحابك ممن رأيت؟ قال: ما خرجت لأقتلك ولا أقاتلك ولكني رأيت لياقتك وشهامتك فاشتهيت أن تكون لي صديقاً، وإني لأدلك على ما هو أحسن
(1/267)

من قتالنا، قال: قل على بركة الله تعالى، قال: أراك قد تعبت وأنت سقيان ظمآن قال: كذلك هو، قال: فما علينا من خراسان والعراق. إن معي خبزاً ولحماً وشراباً وبقلاً كما يتمنى المتمني، وهذا غدير ماء تميز بالقرب منا، فهلم بنا إليه نصطبح، وأترنم إليك بشيء من إحدى الأعراب، فقال: هذا غاية أملي، قال: فها أنا انتظر ذلك فاتبعني حتى تخرج من حلقة النضال، ففعلا وروح يتطلب صاحبه. فلا يجده، والخراسانية تتطلب فارسها فلا تجده، فلما طابت نفس الخراساني قال له أبو دلامة: ان روحاً كما علمت من أبناء الكرام، وحسبك يا بن المهلب جوداً، وأنه يبذل لك خلعة فاخرة وفرساً جواداً ومركباً مفضضاً وسيفاً محداً ورمحاً طويلاً وجارية بربرية، وأنه ينزلك في أكبر العطاء وهذا خاتمه معي لك بذلك، فقال: ويحك وما أصنع بأهلي وعيالي، قال: استخر الله تعالى وأسرع معي ودع أهلك فالكل يخلف عليك، فقال سر بنا على بركة الله تعالى فسارا حتى قدما من وراء العسكر، فهجما على روح، فقال يا أبا دلامة، اين كنت؟ قال في حاجتك، اما قتل الرجل فما أطيقه، وأما سفك دمي فما طبت به نفساً وأما الرجوع خائباً فلم أقدم عليه، وقد تلطفت وأتيتك بالرجل أسير كرمك، وقد بذلت له عنك كيت وكيت، فقال: يمضي إذا وثق لي. قال بماذا؟ قال: ينقل أهله فقال الرجل: اهلي على بعد ولا يمكنني نقلهم الآن، ولكن أمدد يديك أصافحك وأحلف لك متبرعاً بطلاق الزوجة أني لا أخونك، فإن لم أف إذا حلفت بطلاقها لم ينفعك نقلها، قال: صدقت، فحلف له وعاهده ووفى بما ضمنه أبو دلامة وزاد عليه، وانقلب الخراساني معهم يقاتل الخراسانية وينكأ فيهم أشد نكاية، وكان أكثر أسباب ظفر روح وكان المنصور قد أمر بهدم دور كثيرة منها دار أبي دلامة فكتب إلى المنصور:
يا ابن عم النبي دعوة شيخ ... قد دنا هدم داره وبواره
فهو كالماخض الذي اعتادها ... الطلق، وما تقر قراره
لكم الأرض كلها فأعيروا ... عبدكم ما أحتوى عليه جداره
وفي شعبان منها توفي الإمام العالم أبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري الكوفي الفقيه سيد أهل زمانه علماً وعملاً وورعاً وزهداً وعمره ست وستون سنة. روى عن عمرو بن مرة وسماك بن حرب وخلق كثير. قال ابن المبارك: كتبت عن ألف ومائة شيخ ما فيهم أفضل من سفيان. وقال شعبة ويحيى بن معين وغيرهما: سفيان أمير المؤمنين فى الحديث، وقال أحمد بن حنبل لا يتقدم سفيان في قلبي أحد، وقال يحيى بن سعيد القطان: ما رأيت أحداً احفظ من الثوري وهو فوق مالك في كل شيء، وقال سفيان ما استودعت قلبي شيئاً قط فخانني، وقال ورقاء لم ير الثوري مثل نفسه، وقال الشيخ أبو اسحاق في الطبقات: قال عبد الله بن المبارك: لا نعلم على وجه الأرض أعلم من سفيان، قال: وقال علي بن
(1/268)

المديني: سألت يحيى بن سعيد فقلت أيما أحب إليك؟ رأي مالك أو رأي سفيان؟ فقال: سفيان لا نشك في هذا، ثم قال يحيى: سفيان فوق مالك في كل شيء. قال وقال أحمد بن حنبل: دخل الأوزاعي وسفيان على مالك فلما خرجا قال مالك: احدهما أكبر علماً من صاحبه، ولا يصلح للإمامة، والآخر يصلح للإمامة، فسأل من الذي عنى مالك أنه علم الرجلين، اهو سفيان؟ قال: نعم. سفيان أوسعهما علماً. وعن أبي صالح شعيب بن حرب المدائني، وكان أحد السادة الأئمة الكبار في الحفظ والدين أنه قال: اني لأحسب يجاء سفيان الثوري يوم القيامة حجة من الله على الخلق، يقال لهم إن لم تدركوا نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم فقد أدركتم سفيان الثوري ألا اقتديتم به. وكان سفيان كثير الحظ على المنصور، فهم به وأراد قتله، فما أقدره الله تعالى على ذلك قلت وقصتهم معه مشهورة أعني في أمر المنصور يلزم سفيان في مكة لما قرب المنصور من دخولها، واقسام سفيان رضي الله تعالى عنه في الملتزم برب الكعبة أنه لا يدخلها، فلم يدخلها، بل مات خارجاً عنها، وقد اجتمع الناس على جلالة سفيان وإمامته وصلاحه وزهادته وورعه وعبادته. ويقال كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رأس الناس في زمانه، وكان بعده ابن عباس في زمانه، وكان بعده الشعبي في زمانه، وكان بعده الثوري في زمانه، سمع الحديث من أبي إسحاق السبيعي والأعمش ومن في طبقتهما من الجلة، وسمع منه الجلة كمالك وسفيان بن عيينة وابن المبارك والأوزاعي وابن جريج ومحمد بن اسحاق ومن في طبقتهم. وذكر المسعودي في مروج الذهب ما مثاله قال القعقاع بن الحكم: كنت عند المهدي فأتى سفيان الثوري فلما دخل عليه سلم تسليم العامة، ولم يسلم عليه بالخلافة، والربيع قائم على رأسه، متكىء على سيفه، يرقب أمره، فاقبل عليه المهدي بوجه طلق، وقال: يا سفيان تفر منا هاهنا وهاهنا، وتظن أنا لو أردناك بسوء لم نقدر عليك، فقد قدرنا عليك الآن، فما عسى أن نحكم فيك بهواناً، فقال سفيان: ان تحكم في يحكم فيك ملك قادرعادل، يفرق في حكمه بين الحق والباطل. فقال له الربيع: يا أمير المؤمنين ألهذا الجاهل أن يستقبلك بمثل هذا؟ ائذن لي أضرب عنقه، فقال له المهدي: اسكت ويحك، وهل يريد هذا وأمثاله إلا أن تقتلهم فتشقى بسعادتهم أو قال لسعادتهم؟ اكتبوا عهده على قضاء الكوفة على أن لا يعترض عليه في حكم، فكتب عهده ودفعه إليه فأخذوه وخرج، فرمى به في دجلة وهرب، فطلب في كل بلد فلم يوجد، ولما امتنع من قضاء الكوفة وتولاه
(1/269)

شريك بن عبد الله النخعي قال الشاعر:
تحرز سفيان وفز بدينه ... وأمسى شريك مرصداً للدراهم
وحكي عن أبي صالح شعيب بن حرب المدائني وكان أحد الأئمة الكبار السادة المشهورين بالحفظ والدين أنه قال: اني لأحسب يجاء بسفيان الثوري يوم القيامة حجة من الله تعالى على الخلق. توفي رحمه الله تعالى بالبصرة سنة إحدى. وقيل اثنتين وستين ومائة متوارياً من السلطان، ومولده في سنة خمس. وقيل ست. وقيل سبع وتسعين من الهجرة، وله رضي الله تعالى عنه من المناقب والمحاسن الجميلات ما لا يسعه إلا مجلدات، قلت وهو القائل رضي الله عنه لمن رآه بعد موته فسأله عن حاله فيما رآه كثير من الشيوخ العارفين والأئمة الهادين:
نظرت إلى ربي عياناً فقال لي ... هنياً رضاي عنك يا بن سعيد
لقد كنت قواماً إذا ظلم الدجى ... بعبرة مشتاق وقلب عميد
فدونك فاختر أي قصر تريده ... وزرني فإني عنك غير بعيد
وفي أول السنة المذكورة توفي أبو الصلت زائدة بن قدامة الثقفي الكوفي الحافظ. قيل وفي السنة المذكورة توفي أبو بشر عمرو بن عثمان المعروف بسيبويه إمام النحو الحارثي مولاهم، اخذ النحوعن عيسى بن عمر ويونس بن حبيب وخليل بن أحمد، واللغة عن أبي الخطاب الأخفش وغيره، وقال المبرد: لم يقرأ أحد كتاب سيبويه عليه، وإنما قرىء بعده على ابن الحسين سعيد بن مسعدة الأخفش، وكان ممن قرأه على الأخفش صالح بن إسحاق الجرمي. وقال أبو زيد النحوي: كلما حكى سيبويه في كتابه بقوله أخبرني الثقة فأنا أخبرته، يفتخر بذلك، وقال الأخفش: جاءنا الكسائي إلى البصرة، وسألني أن أقرئه كتاب سيبويه، ففعلت، فوجه إلي خمسين ألف ديناراً، قيل وكان الأخفش أسن من سيبويه، وقال ابن سلام: سألت سيبويه عن قوله عز وجل: " فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس " - يونس: 98 - على أي شيء نصبت إلا؟ قال: الا إذا كانت بمعنى لكن نصبت.
(1/270)

وقال ابن دريد: مات سيبويه بشيراز، وقبره بها. وقال ابن قانع: مات بالبصرة سنة احدى وستين ومائة، وقال المرزباني وهم فيهما جميعاً، يعني المكان والزمان، قال: وعمره ثمان وثلاثون سنة، وقيل له في علته التي مات فيها ما تشتهي؟ قال: اشتهي أن أشتهي. قلت: كأنه يشير إلى أن المرض حال بينه وبين الشهوات، ولكن قيل لبعض الصالحين في وقت الصحة ما تشتهي: فقال: اشتهي أن أشتهي لأترك ما أشتهي فلا أشتهي، وهذا يشير إلى أن صحة قلبه واشتغاله بالله ومحبته له حال بينه وبين اشتهاء الشهوات، فهو يشتهي شيئاً منها ليخالف نفسه، ويتركها الله عز وجل، فلا يشتهي شيئاً.

سنة اثنتين وستين ومائة
فيها توفي السيد الكبير الولي الشهير ذو السيرة الزاهرة والآيات الباهرة العارف بالله المقرب المكرم أبو إسحاق إبراهيم بن أدهم، قلت: وهذا اشارة إلى قطرة من بحر مناقبه ومحاسنه وما يليق بوصفه في ظاهره وباطنه. وأما قول بعض المؤرخين: الذهبي وغيره: وفيها توفي إبراهيم بن أدهم البلخي الزاهد واقتصارهم في وصفهم له في الزهد الذي هو من أوائل مقامات المريدين المبتدين في مقامات السالكين فذلك غض من قدره وعلو مرتبة، وحط له عن رفيع منزلته، كذلك فعلوا في غيره من السادات العارفين الأولياء المقربين، فالعجب منهم في ذلك كل العجب في اقتصارهم في وصفهم على وصف من هو بالنسبة إلى جلالة قدرهم حقير مع وصفهم لمن هو حقير بالنسبة إليهم ومدحهم له بمدح كثير، والعجب الأكبر قول الذهبي روي عن منصور ومالك بن دينار وطائفة وثقه النسائي وغيره. يا للعجب كل العجب ممن يستشهد على التوثيق والتعديل يقول معدل للمولى المعظم الذي اشتهرت فضائله وكراماته في العرب والعجم. وأغنى من مدحته تلفظ مادحه بابن أدهم. كأنه فيما يخبر به منهم. وهو القائل رضي الله تعالى عنه.
تركت الخلق طراً في رضاكا ... وأيتمت العيال لكي أراكا
فلو قطعتني في الحب إرباً ... لما حن الفؤاد إلى سواكما
وقد ذكرت في غير هذا الكتاب نبذة من مناقبه وكراماته ومحاسن سيرته وسياحاته، وكيف كان أول خروجه وسماعه الهاتف من قربوس سرجه، وها أنا هنا أقتصر على ذكر
(1/271)

كرامة واحدة من كراماته مما نقلها العلماء والاولياء منهم الأستاذ أبو القاسم القشيري في رسالته. قال محمد بن المبارك الصوري: كنت مع إبراهيم بن أدهم في طريق بيت المقدس، فنزلنا وقت القيلولة تحت شجرة رمان، فصلينا ركعات، وسمعت صوتاً من أصل تلك الرمانة: يا أبا إسحاق أكرمنا بأن تأكل منا شيئاً فطأطأ رأسه ثلاث مرات ثم قال: يا محمد كن شفيعاً إليه ليتناول منا شيئاً، فقلت: يا أبا إسحاق، لقد سمعت، فقام وأخذ رمانتين فأكل واحدة وناولني الأخرى فأكلتها وهي حامضة، وكانت شجرة قصيرة، فلما رجعنا من زيارتنا إذا هى شجرة عالية ورمانها حلو، وهي تثمر في كل عام مرتين، وسموها رمانة العابدين، ويأوي إلى ظلها العابدون. وفي السنة المذكورة وقيل في سنة ستين توفي السيد الجليل الولي الفضيل البارع في العلم والعمل زهداً وورعاً وعبادة لله عز وجل: داود بن نصير الطائي الكوفي. ومن كلامه رضي الله عنه: صم عن الدنيا، واجعل فطرك الموت، وفر من الناس فرارك من الأسد. وفيها توفي قاضي السراق أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي شبرمة القرشي العامري المدني، وولي القضاء بعده القاضي أبو يوسف. وفيها توفي أبو المنذر بن زهير بن محمد المروزي الخراساني.

سنة ثلاث وستين ومائة
فيها بالغ سعيد الجرشي في حصار عطاء المقنع الساحر الفاجر، فلما أحس الشيطان بالغلبة استعمل سماً وسقى نساءه فمتن، ثم سقى نفسه، فهلك الجميع، ودخل المسلمون الحصن، فقطعوا رأسه ووجهوا به إلى المهدي، وكان يقول بالتناسخ، وأن الله تعالى عن قوله تحول إلى صورة آدم ولذلك سجدت له الملائكة، ثم تحول إلى صورة نوح، ثم إلى غيره من الأنبياء والحكماء، ثم إلى صورة أبي مسلم الخراساني، ثم إلى صورته هو الفاجر، تعالى الله العظيم الشأن عما يقول الظالمون علواً كبيراً وكل شيطان وكل مفتر ذي بهتان وعن كل ما لا يليق بجلال كماله من حدث ونقصان، وكان لا يسفر عن وجهه، فلذلك قيل له المقنع، اتخذ وجهاً من ذهب فتقنع به كي لا يرى وجهه وقبح صورته، وكان قد عبده خلق وقاتلوا دونه مع ما عاينوا من عظيم ادعائه وقبح صورته وإنما غلب على عقولهم
(1/272)

بالتمويهات التي أظهرها من ذلك صورة قمر يطلع ويراه الناس من مسافة شهرين من موضعه ثم يغيب وإليه أشار المعزي بقوله:
أفق أيها البدر المقنع رأسه ... ضلال وغي مثل بدر المقنع
وكان في قلعة في ما وراء النهر. وفيها توفي إبراهيم بن ظهران الخراساني، وفيها عيسى بن علي عم المنصور.

سنة أربع وستين ومائة
فيها توفي الماجشون يعقوب سمع ابن عمرو عمر بن عبد العزيز، ومحمد بن المنكدر، وروى عنه ابناه يوسف وعبد العزيز وابن أخيه عبد العزيز عبد الله، وقال ابن الماجشون: عرج بروح الماجشون فوضعناه على سرير الغسل فدخل غاسل إليه يغسله فرأى عرقاً يتحرك في أسفل قدميه، فلم يعجل بغسله، فمكث ثلاثاً على حاله، والناس يترددون إليه ليصلوا عليه، ثم استوى جالساً، وقال: ائتوني بسويق، فأتي به فشربه، فقلنا له: خبرنا ما رأيت فقال: نعم عرج بروحي فصعد بي الملك حتى إلى سماء الدنيا، فاستفتح فقتح له، ثم عرج هكذا في السموات حتى انتهى إلى السماء السابعة، فقيل له: من معك؟ قال الماجشون. قيل: لم يأن له بعد بقي من عمره كذا وكذا سنة وكذا وكذا شهراً وكذا وكذا ساعة، ثم هبطت فرأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبا بكر عن يمينه وعمر عن يساره وعمر بن عبد العزيز بين يديه، فقلت للملك الذي معي: من هذا؟ قال عمر بن عبد العزيز، قلت إنه لقريب من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: انه عمل بالحق في زمن الجور وإنهما عملا بالحق في زمن الحق، ذكر هذا يعقوب بن أبي شيبة في ترجمة الماجشون هكذا ذكر ابن خلكان وفاته ووفاة عمه في السنة المذكورة، ولم يذكر الذهبي عمه المذكور. وفيها عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون المدني الفقيه، وكان إماماً مفتياً صاحب حلقة. وفيها توفي مبارك بن فضالة البصري مولى قريش، كان من كبار المحدثين والنساك. قال: جالست الحسن ثلاث عشرة سنة، قال أحمد: ما رواه عن الحسن يحتج به.
(1/273)

سنة خمس وستين ومائة
فيها غزا المسلمون غزوة مشهورة، وعليهم هارون الرشيد وهو صبي أمرد، فساروا حتى بلغوا خليج قسطنطينية، وقتلوا وسبوا وفتحوا ماجدة، وغنموا مالاً لا يحصى حتى بيع الفرس بدرهم، وصالحتهم ملكة الروم على مال جليل. وفيها توفي عبد الرحمن بن ثابت الدمشقي الزاهد المجاب الدعوة ومعروف بن مشكان قارىء أهل مكة، سمع من عطاء وغيره، والحافظ وهيب بن خالد البصري، وخالد بن برمك وزير السفاح جد جعفر البرمكي.

سنة ست وستين ومائة
فيها توفي صدقة بن عبد الله السمين من كبار محدثي دمشق، ومعقل بن عبد الله الجزري من كبار علماء الجزيرة، روى عن عطاء بن أبي رباح وميمون بن مهران والكبار.

سنة سبع وستين ومائة
فيها أمر المهدي بالزيادة في المسجد الحرام، وغرم على ذلك أموال عظيمة ودخلت فيه دور كثيرة. قلت ذكر الأزرقي في تاريخ مكة كلاماً معناه أنه: لما حج المهدي رأى الكعبة في شق المسجد غير متوسطة فيه، فقال: ما ينبغي أن يكون بيت الله هكذا، وأمر بشراء دور كثيرة من جهة أجياد فاشتريت بثمن كثير، وأدخلت فيه، وهو الذي عمر المسجد الحرام بأساطين الرخام، والله تعالى أجل وأعلم. وفيها توفي عالم البصر الحافظ حماد بن سلمة، سمع قتادة وأبا جمرة الضبعي وطبقتهما وكان سيد وقته: قال ابن المدائني: كان عند يحيى ابن فلان سماه عن حماد بن سلمة عشرة آلاف حديث. وقال عبد الرحمن بن مهدي: لو قيل لحماد بن سلمة إنك تموت غداً ما قدر أن يزيد في العمل شيئاً، وقال غيره: كان فصيحاً مفوهاً إماماً في العربية صاحب سنة له تصانيف في الحديث، وقيل كان يعد من الابدال. وقال موسى بن إسماعيل: لو قلت ما رأيت حماد بن سلمة ضاحكاً لصدقت، كان يحدث أو يسبح أو يقرأ أو يصلي قد قسم النهار على ذلك.
(1/274)

وفيها توفي الحسن بن صالح الهمداني فقيه الكوفة وعابدها، قال وكيع: كان يشبه سعيد بن جبير، كان هو وأخوه علي وأمهما قد جزءا الليل ثلاثة أجزاء، فماتت أمهما فقسما الليل بينهما، فمات علي، فقام الحسن الليل كله. وفيها توفي فقيه الشام بعد الأوزاعي أبو محمد سعيد بن عبد العزيز التنوخي، عاش نحواً من ثمانين سنة، كان صالحاً قانتاً خاشعاً، قال الحاكم: هو لأهل الشام كمالك لأهل المدينة. وفيها توفي أبو حمزة محمد بن ميمون المروزي السكري، كان شيخ بلده ؤ والفضل والعبادة. وفيها وقيل في التي تليها، قتل بشار بن برد، العقيلي مولاهم الشاعر المشهور، كان أكمه جاحظ العينين قد تغشاها لحم أحمر، وكان ضخماً عظيم الخلق طويلاً، وهو في أول مرتبة المحدثين من الشعراء والمجيدين في الشعر، ومن شعره المشهور:
إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... بحزم نصيح أو نصاحة حازم
ولا تجعل الشورى عليك غضاضة ... قريش الخوافي تابع قوة للقوادم
وما خير كف أمسك الغل أختها ... وما خير سيف لم يؤيد بقائم
وفي شعره أيضاً:
يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا
قالوا لمن لا ترى تبدي فقلت لهم ... الأذن كالعين تؤتي القلب ما كان
أخذ معنى البيت الأول أبو حفص المعروف بابن الشحنة الموصلي في قوله قصيدة يمدح بها السلطان صلاح الدين:
وإني امرؤ أحببتكم لمكارم ... سمعت بها والأذن كالعين تعشق
وشعر بشار كثير سائر شاهد ببلاغته، فلا حاجة إلى التطويل بالاكثار من كتابته، وكان يمدح المهدي بن المنصور أمير المؤمنين العباسي فرمي عنده بالزندقة، فأمر بضربه، فضرب سبعين سوطاً، فمات من ذلك في البطيحة بالقرب من البصرة، فجاء بعض أهله فحمله إلى البصرة فدفنه بها، وقد نيف على التسعين وقيل والله أعلم به أنه كان يفضل النار على الأرض يعني الطين، ويصوب رأى إبليس في امتناعه عن السجود لآدم صلى الله عليه وآله
(1/275)

وسلم، وينسب إليه من الشعر في التفضيل المذكور هذا البيت:
الأرض مظلمة والنار مشرقة ... والنار معبودة مذ كانت النار
يقال إن هذا قوله والله أعلم، ولهذا قلت: وينسب إليه هذا البيت. وأما قول ابن خلكان: وينسب إليه في ذلك قوله: فمختل المعنى، لأنه إذا كان قوله لا يصح أن يقول وينسب إليه، ولكن يقال ويدل على ذلك قوله: وقيل إنه فتشت كتبه فلم يوجد فيها شيء مما كان يرمي به. وقال الطبري في تاريخه إن سبب قتل المهدي له أن المهدي ولى صالحاً أخا يعقوب بن داوود وزير المهدي ولاية، فهجاه بشار بقوله ليعقوب:
هم حملوا فوق المنابر صالحاً ... أخاك فضجت من أخيك المنابر
فبلغ يعقوب، فجاء فدخل على المهدي فقال له: ان بشاراً هجاك، قال ويحك ماذا قال؟ قال: يعفيني أمير المؤمنين من إنشاء ذلك، فقال لا بد فأنشده:
خليفة يزني بعماته ... يلعب بالبيوق والصولجان
إبدلنا الله به غيره ... ودس موسى في زيارة حر الخيزران
ثم ذكر كلمة فظيعة في آخر هذا البيت أكره ذكرها غير أني أذكر حرفاً حرفاً هجاها وهما ح ر وبعدهما لفظ الخيزران وهي امرأة المهدي وإليها ينسب دار الخيزران بمكة، فطلبه المهدي، فخاف يعقوب أن يدخل عليه فيمدحه فيعفو عنه، فوجه إليه من تلقاه في البطيحة وقتله والله أعلم.

سنة ثمان وستين ومائة
فيها مات السيد الأمير أبو محمد الحسن بن يزيد بن السيد الحسن بن علي بن أبي طالب شيخ بني هاشم في زمانه وأمير المدينة للمنصور ووالد الست نفيسة، خافه المنصور فحبسه، ثم أخرجه المهدي وقربه. وفيها توفي أبو الحجاج خارجة بن مصعب من كبار المحدثين بخراسان وقيس بن الربيع الأسدي الكوفي الحافظ، وفيها توفي الأمير عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن
(1/276)

عبد الله بن عباس، ولي عهد السفاح بعد أخيه المنصور، وقد مضى ذكر خلعه.

سنة تسع وستين ومائة
فيها عزم المهدي على أن يقدم هارون في العهد، ويؤخر موسى الهادي، فطلبه وهو بجرجان فلم يقدم، وفيها توفي المهدي أبو عبد الله بن أبي جعفر المنصور وهو في طلب الصيد، وذلك أنه ساق خلف صيد فدخل خربة، فتبعه المهدي فوقع به صدمة في باب الخربة لشدة سوقه فتلف لساعته، وقيل بل أكل طعاماً سمته جاريته لضرتها، فلما وضع يده فيه ما جسرت تقول هيأته لضرتي، وكانت خلافته تنيف على عشرين سنة، وكان ممدوحاً محباً إلى الناس وصولاً لأقاربه قصاماً للزنادقة طويلاً أبيض مليحاً جواداً، يقال إن المنصور خلف في الخزائن ألف ألف وستين ألف ألف درهم، ففرقها المهدي كلها، ولم يل الخلافة أحد أكرم منه ولا أبخل من أبيه، ويقال إنه أعطى شاعراً مرة خمسين ألف دينار. وذكر بعض المؤرخين أن المهدي خرج إلى الأنبار متنزهاً، فدخل عليه الربيع بن يونس ومعه قطعة من جراب فيه كتابة برماد وخاتم من طين قد عجن بالرماد وهو مطبوع بخاتم الخلافة، فقال: يا أمير المؤمنين، ما رأيت أعجب من هذه الرقعة، جاءني بها أعرابي وهو ينادي: هذا كتاب أمير المؤمنين، لوني على هذا الرجل الذي يسمى الربيع، فقد أمرني أن أدفعها إليه، فأخذها المهدي وضحك وقال: صدق، هذا خطي وهذا خلقي، افلا أخبركم بالقصة كيف كانت؟ قلنا: يا أمير المؤمنين أعلى رأياً في ذلك، فال: خرجت أمس إلى الصيد في غير سيمائي فلما أصبحت هاج علينا ضباب شديد، وفقدت أصحابي حتى ما رأيت منهم أحداً، وأصابني من البرد والجوع والعطش ما الله به أعلم، فتحيرت عند ذلك، فذكرت دعاء سمعته من أبي يحكيه عن أبيه عن جده عن ابن عباس رضي الله عنهم يرفعه قال: من قال إذا أصبح وإذا أمسى: بسم الله وبالله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وقي وكفي وهدي وشفي من الحرق والغرق والهدم وميتة السوء، فلما قلتها رفع الله لي ضوء نار، فقصدتها فإذا بهذا الأعرابي في خيمة له، وإذا هو يوقد ناراً بين يديه، فقلت: ايها الأعرابي هل من ضيافة؟ قال: انزل فنزلت، فقال لزوجته هاتي ذلك الشعير، فأتت به، فقال: اطحنيه فابتدأت بطحنه، فقلت: اسقني ماء، فإني بسقاء فيه مذقة من لبن أكثرها ماء، فشربت منها شربة ما شربت شيئاً قط إلا وهي أطيب منه، وأعطاني حلساً له يعني كساء رقيقاً وهو بالحاء والسين المهملتين وبينهما لام ساكنة قال: فوضعت رأسي عليه ونمت نومة ما نمت أطيب منها وألذ، ثم انتبهت فإذا هو قد وثب إلى شويهة فذبحها، وإذا امرأته تقول له:
(1/277)

ويحك قتلت نفسك وصبيتك، انما كان معاشكم من هذه الشاة فذبحتها، فبأي شيء نعيش؟ قال: فقلت: لا عليك هات الشاة، وشققت جوفها، واستخرجت كبدها بسكين كانت في خفي، فشرحتها ثم طرحتها على النار فأكلتها، ثم قلت له: هل عندك شيء أكتب فيه؟ فجاءني بهذه القطعة من جراب، وأخذت عوداً من الرماد الذي بين يديه، وكتبت له هذا الكتاب، وختمته بهذا الخاتم، وأمرته أن يجيء ويسأل عن الربيع فيدفعها إليه، فإذا فيها خمس مائة ألف درهم فقال: والله ما أردت إلا خمسين ألف درهم، ولكن جدت بخمس مائة ألف درهم لا أنقص والله منها درهماً واحداً، ولم يكن في بيت المال غيرها، احملوها معه، قال فما كان إلا قليل حتى كثرت إبله وشاءه وصار منزله من المنازل ينزله الناس من أراد الحج وسمي منزل مضيف أمير المؤمنين المهدي. ولما مات المهدي أرسلوا بالخاتم والقضيب إلى الهادي فأسرع على البريد وقدم بغداد. وفيها خرج الحسين بن علي بن الحسن بن الحسين بن علي بالمدينة، وبايعه عدد كثير، وحارب العسكر الذي بالمدينة، وقتل مقدمهم خالد بن اليزيد ثم تأهب وخرج في جمع إلى مكة، فالتفت عليه خلق كثير فأقبل ركب العراق معهم جماعة من أمراء بني العباس في عدة وخيل المهدي فالتقوا بفخ. قلت هذه اللفظة سمعتها من بعض عوام مكة بالفاء والخاء المعجمة ورأيتها في بعض التواريخ فيها نقطة الجيم وهو اسم مكان على يسار الخارج من مكة للعمرة وهو إلى أدنى الحل أقرب منه إلى مكة، فقتل في الموضع المذكور الحسين المذكور في مائة من أصحابه، وقتل الحسن بن محمد بن عبد الله الذي خرج أخوه على المنصور، وهرب ادريس بن عبد الله بن الحسن إلى المغرب، فقام معه أهل طنجة، ثم تخيل الرشيد وبعث من بينهم ادريس فقام بعده ادريس بن ادريس. وفيها توفي نافع بن أبي نعيم أبو عبد الرحمن الليثي مولاهم قارىء أهل المدينة وأحد القراء السبعة، قال موسى بن طارق: سمعته يقول قرأت على سبعين من التابعين، وقال مالك: نافع إمام
الناس في القراءة، وقال ابن أبي أويس: قال لي مالك قرأت على نافع ومن المشهور أنه كان له راويان: ورش وقالون. الناس في القراءة، وقال ابن أبي أويس: قال لي مالك قرأت على نافع ومن المشهور أنه كان له راويان: ورش وقالون.
(1/278)

سنة سبعين ومانة
وفيها توفي الخليفة الهادي موسى بن المهدي محمد بن المنصور عبد الله، قيل مات من قرحة أصابته، وقيل قتلته أمه الخيزران لما هم بقتل أخيه هارون الرشيد. وفيها توفي أبو النضر جرير بن حازم الأزدي البصري، احد فصحاء البصرة ومحدثيها، روى عن الحسن والكبار. وفيها توفي أبو معشر السندي صاحب المغازي والأخبار، وفيها مات كاتب المهدي ووزيره معاوية بن عبد الله، وكان من خيار الوزراء، صاحب علم وفضل وعبادة وصدقات. وفيها توفي الربيع بن يونس حاجب المنصور، كان كثير الميل إليه، حسن الاعتماد عليه، فقال له يوماً: يا ربيع سل حاجتك، قال: حاجتي أن تحب ابني، فقال: ويحك إن المحبة تقع بأسباب، فقال: قد أمكنك الله من ايقاع سببها، قال: وما ذاك؟ قال: تفضل عليه فإنك إذا فعلت ذلك أحبك، وإذا أحبك أحببته، قال: والله قد أحببته وقد حببته إلي قبل إيقاع السبب، ولكن كيف اخترت له المحبة دون كل شيء؟ قال لأنك إذا أجبته كبرعندك صغير إحسانه، وصغرعندك كبير إساءته، وكانت ذنوبه كذنوب الصبيان، وحاجته إليك كحاجة الشفيع العريان، قيل: اشار بذلك إلى قول الفرزدق:
ليس الشفيع الذي يأتيك متزراً ... مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا
وهذا البيت من جملة أبيات له في عبد الله بن الزبير بن العوام، لما طلب الخلافة لنفسه، واستولى على الحجاز والعراق واليمن في أيام خلافة عبد الملك بن مروان، وكان قد اختصم الفرزدق هو وزوجته النوار، فمضيا من البصرة إلى مكة ليفصل الحكم بينهما عبد الله بن الزبير، فنزل الفرزدق عند ابنه حمزة، ونزلت النوار عند زوجته، وشفع كل واحد منهما لنزيله، فقضى عبد الله للنوار، وترك الفرزدق، فقال الأبيات المذكورة، فصار الشفيع العريان مثلاً يضرب لكل من قبلت شفاعته. قلت وهذا يرد قول من يزعم أن هذا المثل في هذا النظم من اختراع أبي نواس مخاطباً
(1/279)

به هارون الرشيد كما سيأتي في ترجمته. وقال المنصور له يوماً: ويحك يا ربيع ما أطيب الدنيا لولا الموت، فقال: ما طابت إلا بالموت، قال: وكيف ذلك؟ قال: لولا الموت لم تقعد هذا المقعد، قلت يعني أنه لو لم يمت الخليفة الذي قبلك لما وصلت الخلافة إليك، بل لو لم يمت أول ملك من ملوك الدنيا لما ملك أحد بعده، قال: صدقت، وقال له المنصور لما حضرته الوفاة: يا ربيع بعنا الآخرة بنومه. وقال ربيع: كنا يوماً وقوفاً على رأس المنصور، وقد طرحت للمهدي، وهو ولي عهده وسادة، اذا أقبل صالح بن المنصور، وكان قد رسخه لتولية بعض أموره، فقام بين السماطين والناس على قدر أنسابهم ومراتبهم، فتكلم فأجاد، فمد المنصور يده إليه، وقال يا بني، واعتنقه، ونظر إلى وجوه الناس، هل فيهم من يذكر مقامه ويصف فضله، وكلهم كرهوا ذلك بسبب المهدي خيفة منه، فقام شبة بضم الشين المعجمة وفتح الباء الموحدة ابن عقال التميمي، فقال: لله در خطيب قام عندك يا أمير المؤمنين: ما أفصح لسانه وأحسن بيانه وأمضى جنانه وأبل ريقه وأسهل طريقه! وكيف لا يكون كذلك، وأمير المؤمنين أبوه، والمهدي أخوه، وهو كما قال الشاعر:
هو الجواد فإن يلحق بشأوهما ... على تكاليفه فمثله لحقا
أويسبقاه على ما كان من مهل ... فمثل ما قد، ما من صالح سبقا
فعجب من حضر لجمعه بين المدحين وإرضائه المنصور وخلاصه من المهدي. قال الربيع: فقال لي المنصور: لا يخرج التميمي إلا بثلاثين ألف درهم، فلم يخرج إلا بها. وقال الطبري: مات الربيع في سنة تسع وستين ومائة خلاف ما قدمناه وقيل: ان الهادي سمه، وقيل: بل مرض ثمانية أيام، والله سبحانه العلام. وفي السنة المذكورة توفي يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي، كان والياً على إفريقية خمس عشرة سنة وثلاثة أشهر، وكان جواداً سرياً ممدوحاً، قصده جماعة من الشعراء فأعطاهم عطايا سنية، وهو الذى قصده ربيعة بن ثابت الأسدي الرقي فأحسن إليه، وكان ربيعة المذكور قد مدح يزيد بن أسيد بضم الهمزة السلمي، فقصر يزيد في حقه، فقال يمدح يزيد بن حاتم ويهجو يزيد السلمي بقصيدته التي من جملتها:
لشتان ما بين اليزيدين في الندى ... يزيد سليم والأعز بن حاتم
فهم الفتى الأزدي إتلاف ماله ... وهم الفتى القيسي جمع الدراهم
فلا تحسب التمتام أني هجوته ... ولكنني فضلت أهل المكارم
(1/280)

هوالبحر إن كلفت نفسك خوضه ... تهالكك في أمواجه بالتلاطم
وقد قيل إن يزيد بن حاتم المذكور توفي سنة خمس وثمانين ومائة، وسنعيد ذكر ترجمته هناك مع زيادات على ترجمته هنا، ان شاء الله تعالى، ويزيد بن حاتم المذكور أخوه روح بضم الراء وسكون الواو قبل الحاء المهملة ابن حاتم من الكرماء الأجواد، ولي لخمسة من الخلفاء: السفاح والمنصور والمهدي والهادي والرشيد، ويقال: انه لم يتفق مثل هذا إلا لأبي موسى الأشعري الصحابي، رضي الله تعالى عنه، فإنه ولي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولأبي بكروعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم. وكان روح والياً على السند بتولية المهدي بن أبي جعفر المنصور في سنه تسع وخمسين، وقيل ستين ومائة، وكان قد ولاه في أول خلافته الكوفة، ثم عزله عن السند سنة إحدى وستين ومائة، ثم ولاه البصرة. فلما توفي أخوه يزيد في السنة المذكوره بإفريقية في مدينة القيروان، وكان قد قال أهل إفريقية: ما أبعد ما يكون بين قبري هذين الأخوين: فإن هذا هنا وأخاه بالسند، فاتفق أن الرشيد عزل روحاً عن السند، وسيره إلى موضع أخيه يزيد، فوصل إلى إفريقية في أول رجب سنة إحدى وسبعين ومائة، ولم يزل والياً عليها إلى أن توفي بها، فدفن مع أخيه في قبر واحد، فعجب الناس من هذا الاتفاق بعد ذلك التباعد والافتراق، وكان تولية المنصور يزيد المذكور على إفريقية عندما قتلت الخوارج عامله فيها، وجهز معه خمسين ألف مقاتل حين زار المنصور بيت المقدس، وكان قد ولاه قبل ذلك على مصر. وفي السنة المذكورة توفي إمام اللغة والعروض والنحو الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي، وقيل في سنة خمس وسبعين ومائة، وقيل في ستين ومائة، وقيل ثلاثين ومائة، وغلط ناقل هذا القول الأخير، وممن نقله ابن الجوزي والواقدي، وهو الذي استنبط علم العروض وحصر أقسامه في خمس دوائر، استخرج منها خمسة عشر بحراً، ثم زاد فيه الأخفش بحراً، سقاه المجتث، قلت وله أسماء أخرى ذكرتها في علم العروض، وقيل إن الخليل دعا بمكة أن يرزق علماً لم يسبق إليه أحد، فلما رجع من حجه فتح عليه بعلم العروض، وله معرفة بالايقاع والنغم، وتلك المعرفة أحدثت له علم العروض، فإنهما متقاربان في المأخذ. وقال حمزة بن الحسن الأصفهاني في كتابه المسمى بالتنبيه على حدوث التصحيف: وبعد فإن دولة الإسلام لم تخرج أبدع العلوم التي لم يكن لها عند علماء العرب أصول إلا
(1/281)

من الخليل، وليس على ذلك برهان أوضح من علم العروض الذي لا عن حكيم أخذه ولا على مثال تقدمه احتذاه، وإنما اخترعه من ممر له بالقصارين من وقع مطرقة على طست، وقيل: وهو في اختراعه عالم العروض الذي هو لصحة الشعر وفساده ميزان كارسطاطاليس الحكيم في اختراعه علم المنطق الذي هو ميزان المعاني وصحة البرهان، وفي ذلك أقول على طريق التشبيه والبيان:
بميزان حبر بارع كن بما أتى ... يجيء أرسطاطاليس صنعاً ويبدعا
بحيث سما علياً النجابة واضعاً ... عروضاً حكت روضاً زها متنوعا
يظل به من يهتدي الحسن مولعاً ... ومن لايحسن يهتدي متولعا
كأن بها الحسن من تلك بدرة ... بدا من سما مجد الخليل مشعشعا
ومن تأسيس الخليل بناء كتاب العين الذي يحضر فيه لغة أمة من الأمم، ثم من إمداد سيبويه من علم النحو بما صنف منه كتابه المشهور، ومن براعة ذكائه: ما ذكر في كتاب المقتبس أنه كان للناس رجل يعطي دواء لظلمة العين ينتفع الناس به، فمات، فاحتيج إلى ذلك الدواء، ولم يعرف ما هو، فذكر ذلك للخليل فقال: اله نسخة معروفة؟ قالوا: لم نجد نسخته. قال: فهل كانت له آنية يعمل فيها؟ قالوا: نعم إناء كان يجمع فيه الأخلاط، قال: فأتوني به، فجاءوه به، فجعل يتشممه ويخرج نوعاً نوعاً حتى ذكر خمسة عشر نوعاً، ثم عمله وأعطاه الناس فشفوا به، ثم وجدت النسخة والأخلاط المذكورة فيها ستة عشر، لم يغفل إلا واحداً. قلت ومما يناسب هذا الفهم العظيم ما حكي عن حكيم، وذلك أنه عمي بعض الحكماء في بلاد الشام، ولم يدر ما سبب عماه حتى يعالجه بما يناسبه من أضداد العلة المفذهبة للبصر، فسمع بحكيم في بلاد الهند، فارتحل إليه، فلما قدم عليه عرض عليه ما أصاب عينيه، فنظر فيهما ذلك الحكيم، ثم قال له: العلة في ذهاب نور بصرك أنك بلت في يوم حار على حية ميتة في سبخة من الأرض، فطلع في عينيك بخارها، ثم استدعى بغلامه، فأتي بكحل، فكخل به عينيه، فأبصر في الحال، ثم رجع إلى بلاده فأراد أن يختبر صحة ما قاله الحكيم، فتتبع موضع الحياث حتى ظفر بحية فقتلها، ثم رمى بها في سبخة تشرق عليها الشمس، وتهب عليها الريح مدة من الزمان، ثم أتى فبال عليها فعمي في الحال، ثم قال لغلامه: الرحيل فرحل إلى ذلك الحكيم، وتنكر جهده حتى لا يعرفه، وقال لغلامه: اذا رفع المرود ليكحل به عيني فخذه من يده وضعه في فمي، فقال: نعم إن شاء الله، فلما وصل إليه قال له: انا رجل غريب وقد ذهب بصري، عسى من أجل الله تعالى أن تعالجه بما يرد
(1/282)

عليه نوره، فقال له: كأني قد رأيتك قبل هذا اليوم، فغالطه فاستدعى ذلك الحكيم بالدواء الذي كحله به أولاً، فلما وضع طرفي المرود فيه ورفعه إلى عينيه خطف غلامه المرود من يده ووضعه في فم سيده فطعمه وشمه، فعرف فيه تسعاً وتسعين نوعاً من الأدوية، وغرب عنه نوع منها تمام المائة لم يعرف، فعرف ذلك الحكيم، فسأله فأخبر بذلك الذي لم يدركه، فرجع إلى بلاده وجمع تلك الأدوية من العقاقير، واكتحل فعاد إليه بصره، فسبحان اللطيف الخبير، الذي هو على كل شيء قدير، مسبب الأسباب، وميسر الأمور الصعاب. رجعنا إلى ذكر الخليل، والخليل أول من جمع جميع الحروف في بيت واحد حيث قال:
صف خلق جود كمثل الشمس إذ بزغت
يخطي الضجيع بها بخلاء معطار
وقال النضر بن شميل جاء رجل من أصحاب يونس، فسأله عن مسألة، فأطرق الخليل يفكر، وأطال إلى أن انصرف الرجل، فعجبنا منه وعاتبناه، فقال لنا: ما كنتم أنتم قائلين فيها؟ قلنا: كذا وكذا، قال: فإن قال لكم كذا؟ قلنا: كنا نقول كذا. قال: فيزيدكم كذا فلم يزل يعترض على قولنا إلى أن انقطعنا وأقبلنا نتفكر، فقال: ان المجيب إذا ابتدأ في الجواب قبح به أن يفكر بعد ذلك، ثم قال: ما أجبت بجواب قط إلا وأنا أعرف ما علي فيه، يعني من الاعتراضات والمؤاخذات. وقال بعض المؤرخين: كان الخليل رجلاً صالحاً عاقلاً حليماً وقوراً، وقال تلميذه النضر بن شميل: اقام الخليل في خص من أخصاص البصرة لا يقدر على فلس، وأصحابه يكسبون بعلمه الأموال، قال ولقد سمعته يوماً يقول: اني لأغلق علي بابي فما يجاوزه همي، وكتب إليه سليمان بن حبيب بن المهلب يستدعي حضوره، وكان في ولايته أرض فارس والأهواز، فكتب إليه الخليل جوابه:
أبلغ سليمان أني عنه في سعة ... وفي غنى غيرأني لست ذا مال
شحاً بنفسي أني لا أرى أحداً ... يموت هزلاً ولا يبقى على حال
والرزق عن قمر لا الضعف ينقصه ... ولا يزيدك فيه حول محتال
والفقر في النفس لا في المال تعرفه ... ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال
وقيل: اجتمع الخليل وابن المقنع ليلة يتحدثان إلى الغداة، فلما تفرقا قيل للخليل: كيف رأيت ابن المقنع؟ فقال: رأيت رجلاً علمه أكثر من عقله، وقيل لابن المقنع: كيف رأيت الخليل؟ فقال: رأيت رجلاً عقله أكثر من علمه. وللخليل عدة تصانيف. وقال الخليل
(1/283)

كان يتردد إلى شخص يتعلم العروض، وهو بعيد الفهم، فأقام مدة، ولم يعلق على خاطره شيء منه، فقلت له يوماً: قطع هذا البيت:
إذا لم تستطع شيئاً فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
فشرع في تقطعيه على قدر معرفته، ثم نهض ولم يجىء بعد إلي، فعجبت من فطنته لما قصدته في ذلك البيت مع بعد فهمه. ويقال إن أبا الخليل أول من سمي بأحمد بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ذكره صاحب كتاب المقتبس نقلاً عن أحمد بن أبي خيثمة، ومن النظم المنسوب إلى الخليل قوله:
وما هي إلا ليلة تم يومها ... وحول إلى حول وشهر إلى شهر
مطايا يقربن الجديد إلى البلى ... ويدنين أرحال الكرام إلى القبر
ويتركن أزواج الغيور لغيره ... ويقسمن ما يحوي الشحيح من الوفر
وقوله:
ألا ينهاك شيبك عن صباكا ... ويترك ما أضلك من هواكا
أترجو أن يعطيك قلب سلمى ... وتزعم أن قلبك قد عصاك
وغير ذلك من الأشعار التي يطول ذكرها، وكان كثيراً ما ينشد قول الأخطل:
وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ... ذخراً يكون كصالح الأعمال
وسأل الأخفش الخليل: لم سميت بحر الطويل طويلاً؟ قال: لأنه تمت أجزاؤه. قال فالبسيط؟ قال: لأنه انبسط على يدي الطويل. قال فالمديد؟ قال: لتمدد سباعيه حول خماسيه. قال فالوافر؟ قال: لوفورالأجزاء وتداً بوتد. قال فالكامل؟ قال لأن فيه ثلاثين حركة، لم يجتمع في غيره. قال فالرجز؟ قال: لاضطرابه كاضطراب قوائم الناقة الرجزاء. قال فالرمل؟ قال: لأنه يشبه رمل الحصير بضم بعضه إلى بعض. قال فالهزج؟ قال: لأنه يضطرب شبه هزج الصوت. قال فالسريع؟ قال: لأنه يسرع على اللسان. قال فالمنسرح؟ قال: لانسراحه وسهولته قال فالخفيف؟ قال: لأنه أخف السباعيات. قال فالمقتضب؟ قال: لأنه اقتضب من الشعر لقلته. قال فالمضارع؟ قال لأنه ضارع المقتضب. قال والمجتث؟ قال: لأنه اجتث أي قطع من طول دائرته. قال فالمتقارب؟ قال لتقارب أجزائه، وإنها خماسية كلها يشبه بعضها بعضاً. وقيل: لما دخل الخليل البصرة عزم على مناظرة أبي عمرو، فجلس في حلقته، ثم
(1/284)