Advertisement

مرآة الجنان وعبرة اليقظان 002



الكتاب: مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان
المؤلف: أبو محمد عفيف الدين عبد الله بن أسعد بن علي بن سليمان اليافعي (المتوفى: 768هـ)
وضع حواشيه: خليل المنصور
الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة: الأولى، 1417 هـ - 1997 م
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] انصرف ولم ينطق، فقيل له: ما منعك؟ قال: نظرت فإذا هو رائس من خمسين سنة، فخفت أن ينقطع فيفتضح في البلد فلن أكلمه.

سنة إحدى وسبعين ومائة
فيها توفي أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم العمري الذي روى عن نافع، كان محدثاً صالحاً، قلت وهو الذي وعظ هارون الرشيد، وهو في السعي على الصفا، فقال له: يا هارون، قال: لبيك يا عم، قال: انظر إليهم هل تحصيهم يعني الحجيج؟ فقال: ومن يحصيهم؟ قال: اعلم أن كلاً منهم يسأل عن خاصة نفسه، وأنت مسؤول عنهم كلهم، ثم قرعه بكلام قال في آخره: والله إن الرجل يسرف في ماله فيستحق الحجر عليه، فكيف من يسرف قي أموال المسلمين؟ وسمي العمري لانتسابه إلى عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو ممن واجه الرشيد بالموعظة الغليظة البالغة، وكذلك الفضيل بن عياض رضي الله عنه، وقد ذكرت موعظته البالغة الدامغة في كتابي روض الرياحين، وممن وعظه أيضاً ابن السماك وبهلول المجنون، رضي الله عنهم. وفي السنة المذكورة توفي أبو دلامة الشاعر المشهور، وكان عبداً حبشياً فصيحاً صاحب نوادر ومزاح، وقد تقدم شيء من ذلك.

سنة اثنتين وسبعين ومائة
فيها توفي الإمام أبو محمد سليمان بن بلال المدني مولى آل أبي بكر الصديق، كان حسن الهيئة عاقلاً مفتياً بالمدينة. وفيها توفي عم المنصور الفضل بن صالح بن علي أمير دمشق، وهو الذي أنشأ القبة العربية التي بجامع دمشق، وتعرف بقبة المال. وفيها توفي صاحب الأندلس أبو المطرف عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك الأموي، فر إلى المغرب عند زوال ولايتهم، فقامت معه اليمانية، فتولى الأندلس بعد أن هزم صاحبها يوسف، وولي بعده ولده هشام، وبقيت الأندلس لعقبه إلى حد الأربع مائة. قلت والمراد باليمانية من دخل بلاد المغرب من عرب اليمن، وقد تقدم ذكر سبب دخول من دخل منهم فيها مستنجداً بهم للنصرة.
(1/285)

وفيها أو في سنة ست وسبعين توفي حادي قلوب المشتاقين القارىء الواعظ تحفة الزاهدين وطرفة العابدين الصالح الولي صالح المري البصري، روى عن الحسن وجماعة، وكان شديد الخوف من الله، اذا وعظ كأنه ثكلى.

سنة ثلاث وسبعين ومائة
فيها توفي الإمام أبو خيثمة زهير بن معاوية الجعفي الكوفي نزيل الجزيرة، روى عن سماك بن حرب وطبقته، وكان أحد الحفاظ الأعلام. وفيها توفي عبد الرحمن بن أبي الموال المدني، مولى آل علي، رضي الله عنه، روى عن أبي جعفر الباقر وطائفة، وضربه المنصور على أن يدله على محمد بن عبد الله بن حسن، فلم يدله، وكان من شيعته. وفيها توفي جويرية بن أسماء بن عبيد الضبعي البصري، روى عن نافع والزهري، وكان ثقة كثير الحديث.

سنة أربع وسبعين ومائة
فيها توفي الإمام الحافظ أبو عبد الرحمن عبد الله بن لهيعة الحضرمي، روى عن الأعرج وعطاء بن أبي رباح وخلق كثير، وقد ولي قضاء مصر في خلافة المنصور.

سنة خمس وسبعين ومائة
فيها توفي شيخ الديار المصرية وعالمها، سامي المجد والعلا بالعلم والسخاء، الذي سما بها الملا، ابو الحارث ذو المجد والسعد، المشهور بالليث بن سعد الفهمي مولاهم وأصله فارسي أصفهاني، روى عن عطاء وابن أبي مليكة ونافع وخلق كثير، توفي يوم الجمعة يوم النصف من شعبان، وله إحدى وثمانون سنة، قال الشافعي الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به، وقال يحيى بن بكير: الليث أفقه من مالك، لكن الحظوة لمالك، وقال محمد بن رمح: كان دخل الليث في السنة ثمانين ألف دينار وما وجبت عليه زكاة قط، وكان من الكرماء الأجواد، روي أنه كان لا يتغدى كل يوم حتى يطعم ثلاث مائة وستين مسكيناً. وحكى بعضهم أنه ولي القضاء بمصر، وأن الإمام مالكاً أهدى إليه صينية فيها تمر،
(1/286)

فأعادها مملوءة ذهباً، وأنه كان يتخذ لأصحابه الفالوذج، ويعمل فيه الدنانير ليحصل لكل من أكل من أصحابه كثير، وكانت وفاته يوم الخميس منتصف شعبان، ودفن يوم الجمعة بمصر في القرافة الصغرى، وقبره أحد المزارات رحمة الله عليه، وقد أراده المنصور لإمرة مصر، فامتنع.

سنة ست وسبعين ومائة
فيها فتحت مدينة ريسة من أرض الروم، واشتد البلاء والقتل بين القيسية واليمانية في الشام، واستمرت بينهم إحن وأحقاد ودماء يهيجون لأجلها في كل وقت إلى اليوم. وفي السنة المذكورة توفي قاضي بغداد الرشيد أبو عبد الله سعيد بن عبد الرحمن الجمحي المدني، وكان من أولي العلم والصلاح، وتوفي أبو عوانة الوضاح مولى يزيد بن عطاء الواسطي البزار أحد الحفاظ الأعلام. وفيها توفي حماد بن أبي حنيفة، كان على مذهب أبيه، وكان من أهل الصلاح والخير، وكان ابنه إسماعيل قاضي البصرة، فعزل عنها بالقاضي يحيى بن أكثم، فلما وصل يحيى إلى البصرة فسافر إسماعيل نشيعه القاضي يحيى المذكور. وحكى إسماعيل المذكور قال: كان لنا جار طحان رافضي، وكان له بغلان، سمي أحدهما قاتله الله أبا بكر والآخر عمر، فرمح ذات ليلة أحد البغلين فقتله، فأخبر جدي أبو حنيفة به، فقال: انظروا فإني أخال أن البغل الذي سماه عمر هو الذي رمحه، فنظروا، فكان كما قال.

سنة سبع وسبعين ومائة
وفيها توفي الولي الكبير السيد الشهير عبد الواحد بن زيد البصري الذي قيل إنه صل الغداة بوضوء العشاء أربعين سنة. وقد ذكرت في كتاب روض الرياحين بعض حكاياته المشتملة على كراماته ومحاسن صفاته.
(1/287)

وفيها توفي شريك بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي أحد الأعلام وله نيف وثمانون سنة.

سنة ثمان وسبعين ومائة
فيها توفي جعفر بن سليمان الضبعي وكان أحد علماء البصرة، روى عن أبي عمران الجوني وطائفة، وأخذ عنه الشيخ عبد الرزاق اليماني.

سنة تسع وسبعين ومائة
فيها كانت فتنة الوليد بن طريف الشيباني الخارجي الذي قالت أخته المسماة بالفارعة لما قتل:
أيا شجر الخابور ما لك مورقا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف
فتى لا يحب الزاد إلا من التقى ... ولا المال إلا من قنا وسيوف
ولا الذخر إلا كل جردا هلدم ... معاودة للكد بين صفوف
كأنك لم تشهد هناك ولم تقم ... مقاماً على الأعداء غير خفيف
حليف الندى ما عاش يرضى به الندى ... فإن مات لا يرضى الندى بحليف
فقدناك فقدان الشباب وليتنا ... فديناك من دهمائنا بألوف
وما زال حتى أزهق الموت نفسه ... شجا لعدو أو ملجأ لضعيف
ألا يا لقومي للحمام وللبلى ... وللأرض همت بحلى برجوف
ألا يا لقومي للنوأئب والردى ... ودهر ملج بالكرام عنيف
وللبدر من بين الكواكب إذ هوى ... وللشمس لما أزمعت بكسوف
هو الليث كل الليث إذ يحملونه ... إلى حفرة ملحودة وسقيف
ألا قاتل الله الحثا حيث أضمرت ... فتى كان بالمعروف غير عنوف
فإن يك أراده يزيد بن مرثد ... فرب رجوف لفها برجوف
عليه سلام الله وقفا فإنني ... أرى المرت وقاعاً بكل شريف
وأول هذه المرثية:
بتل نباثي رسم قبر كأنه ... على جبل فوق الجبال منيف
تضمن مجداً عد مكياً وسؤددا ... وهمة مقدام ورأي خصيف
(1/288)

والعد مكي بالعين والدال المهملتين: المديم، ولها فيه مراثي كثيرة، قالوا: وكان يوم المصاف ينشد:
أنا الوليد بن الطريف الشاري ... قسورة لا يصطلي بناري
ويقال إنه لما انكسر جيشه وانهزم، تبعه يزيد بنفسه حتى لحقه على مسافة بعيدة، فقتله وأخذ رأسه، ولما علمت بذلك أخته المذكورة لبست عدة حربها وحملت على جيش يزيد، فقال يزيد: دعوها، ثم خرج فضرب بالرمح فرسها. وقال أعرابي: عرب الله عليك، فقد فضحت العشيرة، فاستحيت وانصرفت، والخابور نهر معروف يصب في الفرات، وعلى هذا النهر مدن صغار تشبه الكبار في عمارة بلادها وأسواقها وكثرة خيراتها، وطريف بفتح الطاء المهملة وكسر الراء وسكون الراء المثناة من تحت وبعدها فاء، وتل نباثي معروف مضاف إلى نباتي بضم النون وبعدها موحدة وبعد الألف مثلثة مفتوحه في برية الموصل والحثا في قولها ألا قاتل الله الحثا جمع حثية وقولها:
فتى لا يريد الزاد إلا من التقى ... ولا المال إلا من فتى وسيوف
قلت هذا البيت ظاهرة التناقض، فإن القائل يقول إن حصول المال بالقنا والسيوف ظاهره القتل والقتال ونهب الأموال، وهذا مناف للتقوى والجواب فيما يظهر والله تعالى أعلم: ان هذا لا تناقض فيه على مذهب الخوارج الذين يكفرون المسلمين بالذنب ويرون الخروج عليهم، والدليل على كونه منهم قوله أنا الوليد بن الطريف الشاري، فنسب نفسه إلى الشراة، وهم الخوارج المتسمون بهذا الاسم بكونهم بزعمهم باعوا نفوسهم بالجنة، وقد أبدعت أخته في شعرها المذكور، وبلغت في بلاغته نهاية من النظم المشكور، وما سمعت من أشعار النساء أبلغ من شعرها وشعر الخنساء، كلتاهما رثت أخاها، ومن شعر الخنساء البليغ فيه:
وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
أبدعت في التشبيه وناسبت بين طرفي البيت، لأنها لما جعلته هادي الهداة شبهته بدليل على دليل، وهما الجبل والنار، وأخت ابن طريف أيضاً أبدعت في مواضع من هذه الأبيات ومنها: تبكيتها لشجر الخابور، ومعاتبتها له على عدم تساقط ورقه لاحتراقه بنار الحزن على قتل أخيه الوليد المذكور، فاستعارت استعارة بالغة مشعرة بكون الكون جديراً بأن يحزن ويأسى على فقد من اتصف بالأوصاف الجميلة الثناء حيث قالت:
أيا شجر الخابور ما لك مورقاً ... كأنك لم تحزن على ابن طريف
(1/289)

وقال بعضهم: أظنه في بلد نصيبين، وهو موضع الوقعة والشاري بفتح الشين المعجمة وبعد الألف راء واحدة، الشراة بضم الشين وهم الخوارج سموا بذلك لقولهم: شرينا أنفسنا في طاعة الله أي بعناها بالجنة حين فارقنا الأئمة الجائرة. وكان الوليد المذكور أحد الشجعان الأبطال، وكان رأس الخوارج، خرج في خلافة هارون الرشيد وبغى وحشد جموعاً كثيرة، فأرسل إليه هارون جيشاً كثيفاً مقدمه أبو خالد يزيد بن مرثد بن زائدة الشيباني، فجعل يخاتله ويماكره وكانت البرامكة منحرفة عن يزيد، فأغروا به الرشيد، وقالوا إنه يراعيه لأجل الرحم وإلا فشوكة الوليد يسيرة، وهو يواعده وينتظر ما يكون من أمره، فوجه إليه الرشيد كتاب مغضب، وقال: لو وجهت أحد الخدام أو قال أصغر الخدم لقام بأكثر ما تقوم به، ولكنك مداهن متعصب، وأمير المؤمنين يقسم بالله لئن أخرت مناجزة الوليد ليبعثن إليك من يحمل رأسك إلى أمير المؤمنين، فالتقيا فظهر على الوليد فقتله، وذلك في سنة تسع وسبعين ومائة في شهر رمضان، وهي وقعة مشهورة مسطورة في التاريخ. وفي السنة المذكورة توفي إمام دار الهجرة وشيخ الأئمة الجلة أبو عبد الله مالك بن أنس الأصبحي، نسبة إلى بطن من حمير، يقال له ذو أصبح، ولد سنة أربع وتسعين، وسمع من نافع والزهري وطبقتهما وأخذ القراءة عرضاً عن نافع بن أبي نعيم، قال الإمام الشافعي: اذا ذكر العلماء فلمالك النجم. وكان مالك طويلاً جسيماً عظيم الهامة أبيض الرأس واللحية، وقيل تبلغ لحيته صدره، وقيل كان أشقر أزرق العينين يلبس الثياب العدنية الرفيعة البيض. وقال أشهب: كان مالك إذا أعتم جعل منها تحت ذقنه، ويسدل طرفيها بين كتفيه، وقال خالد بن خداش: رأيت على مالك طيلساناً وثياباً مروية جياداً، قيل: وكان يكره خلق الثياب، يعيبه ويراه من المثلة ولا يغير شيبه. وقال ابن عيينة لما بلغه موت مالك: ما ترك على وجه الأرض مثله. وقال أبو مصعب: سمعتعت مالكاً يقول: ما أفنيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك وعنه أنه قال: قل رجل كنت أتعلم منه ومات حتى يجيئني ويستفتيني. قلت أخبر رضي الله عنه بنعمة الله تعالى عليه، وقد يقع مثل هذه الغيرة وقد والحمد لله وقع لي ذلك، فبعض شيوخي التمس مني أن يقرأ علي بعض العلوم وبعضهم سألني عن بعض الأحكام الفقهية، وبعضهم رجع عن بعض ما أفتى به لما وقف على ما أفتيت به
(1/290)

مخالفاً لفتياه، وبعضهم جاء بمسائل عديدة من بلاد بعيدة اشكلت عليه، وسالني أن أنظرفيها رجاء وضوحها وزوال إشكالها، وهو شيخنا وسيدنا وبركتنا الإمام العالم العامل العابد، الخاشع الصالح الورع الزاهد حليف المحراب وبركة الأصحاب، بل بركة الزمن. ونور اليمن، جمال الدين محمد بن أحمد الذهيبي بضم الذال المعجمة وبالموحدة المثناتين من تحت المشهور بالنصال، قدس الله روحه ونور ضريحه، وزاده من الأنعام والأفضال. وبعض شيوخي المتصدرين للقضاء والتدريس وغيرهما من الفضائل الشرعية والمناصب العلية، لما قرأت عليه كتاب الحاوي في الفقه قال بعد ما أكملته للحاضرين به اشهدوا على أنه شيخي فيه، وقال لي لقد استفدت منك فيه أكثر ما استفدت مني وهو الامام الفاضل، ذو المحاسن والفضائل والأوصاف الحميدة، الجميلة العديدة، القاضي نجم الدين الطبري، رحمه الله تعالى. وبعض الفضلاء النجباء العلماء الألباء قال: لي ما نتكلم في فن إلا حسب سامعك أن ذلك فنك دون غيره، وبعضهم كان يسميني الفرضي لكونه حضر عندنا يوماً في حساب الفرائض مع أن اشتغالي بعلم الفرائض كان أقل من اشتغالي بغيره من العلوم، واشتغالي بالعلوم كان أقل من نصف عشر اشتغال غيري من العلماء، وكنت آتي جماعة من شيوخ الفقراء والفقهاء والصلحاء وأتبرك بهم، فلم يمض كثير من الزمان حتى جاءوني زائرين، وقد كانوا من العلماء المقتدين بهم والشيوخ المشار إليهم، وأنا إذ ذلك أمي لا أقرأ ولا أكتب، والحمد لله ذو الجلال والإكرام على ما عود فضله من الجميل والأنعام. رجعنا إلى ذكر الإمام مالك، قال ابن وهب: سمعت منادياً ينادي بالمدينة ألا لايفتي الناس إلا مالك بن أنس وابن أبي ذئب، وكان مالك إذا أراد أن يحدث توضأ وجلس صدر فراشه، وسرح لحيته وتمكن في جلوسه بوقار وهيبة، ثم حدث، فقيل له في ذلك، فقال: احب أن أعظم حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان يكره أن يحدث على الطريق أو قائماً أو مستعجلاً، ويقول: احب أن أفقههم ما أحدث به عن رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم، وكان لا يركب في المدينة مع ضعفه وكبر سنه، ويقول لا أركب في مدينة فيها جثة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مدفونة. وقال الشافعي: قال لي محمد بن الحسن: ايهما أعلم؟ صاحبنا أم صاحبكم، يعني الإمامين أبا حنيفة ومالكاً رضي الله عنهما، قال: قلت: على الأنصاف؟ قال: نعم قال: فقلت: ناشدتك الله من أعلم بالقرآن أو قال بكتاب الله صاحبنا أم صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم. قال: قلت: فأنشدك الله من أعلم بالسنة صاحبنا أم صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم، قال قلت: فأنشدك الله من أعلم بأقاويل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صاحبنا أم صاحبكم؟ قال اللهم صاحبكم، قال الشافعي: فلم يبق إلا القياس، والقياس لا يكون إلا على هذه الأشياء فعلى أي شيء يقيس. وقال الواقدي: كان مالك يأتي المسجد، ويشهد الصلوات والجمعة والجنائز، ويعود المرضى، ويقضي الحقوق، ويجلس في المسجد، ويجتمع إليه أصحابه، ثم ترك الجلوس في المسجد، وكان يصلي وينصرف إلى مجلسه، وترك حضور الجنائز، وكان يأتي أصحابها فيعزيهم، ئم ترك ذلك كله، فلم يكن يشهد الصلوات في المسجد ولا الجمعة، ولا يأتي أحد يعزيه، ولا يقضي له حقاً، واحتمل الناس له ذلك حتى مات عليه، وكان ربما قيل له في ذلك فيقول: ليس كل الناس يقدر أن يتكلم بعذره. وسعى به إلى جعفر بن سليمان بن علي عم أبي جعفر المنصور، وقالوا له إنه لا يرى إيمان بيعتكم هذه شيئاً، فغضب جعفر ودعا به وجرده وضربه بالسياط، ومدت يده حتى انخلعت كتفه، وارتكب منه أمراً عظيماً، فلم يزل بعد ذلك الضرب في علو ورفعة، وكأنما كانت تلك السياط حلياً حلي بها. وذكر ابن الجوزي في كتاب صدور العقول أنه ضرب مالك بن أنس تسعين سوطاً لأجل فتوى لم توافق غرض السلاطين، وقد تقدم أنه ولد سنة أربع وتسعين، وقيل خمس وتسعين، فعاش أربعاً وثمانين سنة، وقال الواقدي مات وله تسعون سنة، والله أعلم با لصواب. وحكى الحافظ أبو عبد الله الحميدي في كتاب جذوة المقتبس قال: حدث القعنبي قال: دخلت على مالك في مرضه الذي مات فيه، فسلمت عليه، ثم جلست، فرأيته يبكي، فقلت يا أبا عبد الله ما الذي يبكيك؟ فقال: يا ابن قعنب وما لي لا أبكي، ومن أحق بالبكاء مني؟ والله لوددت أني ضربت لكل مسألة أفتيت بها برائي بسوط، ولقد كانت لي السعة فيما سبقت إليه، وليتني لم أفت بالرأي أو كما قال، وكانت وفاته بالمدينة الشريفة، ودفن بالبقيع، ورثاه أبو محمد جعفر بن أحمد بن الحسين السراج بقوله: عليه وآله وسلم، وكان لا يركب في المدينة مع ضعفه وكبر سنه، ويقول لا أركب في مدينة فيها جثة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مدفونة. وقال الشافعي: قال لي محمد بن الحسن: ايهما أعلم؟ صاحبنا أم صاحبكم، يعني الإمامين أبا حنيفة ومالكاً رضي الله عنهما، قال: قلت: على الأنصاف؟ قال: نعم قال: فقلت: ناشدتك الله من أعلم بالقرآن أو قال بكتاب الله صاحبنا أم صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم. قال: قلت: فأنشدك الله من أعلم بالسنة صاحبنا أم صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم، قال قلت: فأنشدك الله من أعلم بأقاويل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله
(1/291)

وسلم صاحبنا أم صاحبكم؟ قال اللهم صاحبكم، قال الشافعي: فلم يبق إلا القياس، والقياس لا يكون إلا على هذه الأشياء فعلى أي شيء يقيس. وقال الواقدي: كان مالك يأتي المسجد، ويشهد الصلوات والجمعة والجنائز، ويعود المرضى، ويقضي الحقوق، ويجلس في المسجد، ويجتمع إليه أصحابه، ثم ترك الجلوس في المسجد، وكان يصلي وينصرف إلى مجلسه، وترك حضور الجنائز، وكان يأتي أصحابها فيعزيهم، ئم ترك ذلك كله، فلم يكن يشهد الصلوات في المسجد ولا الجمعة، ولا يأتي أحد يعزيه، ولا يقضي له حقاً، واحتمل الناس له ذلك حتى مات عليه، وكان ربما قيل له في ذلك فيقول: ليس كل الناس يقدر أن يتكلم بعذره. وسعى به إلى جعفر بن سليمان بن علي عم أبي جعفر المنصور، وقالوا له إنه لا يرى إيمان بيعتكم هذه شيئاً، فغضب جعفر ودعا به وجرده وضربه بالسياط، ومدت يده حتى انخلعت كتفه، وارتكب منه أمراً عظيماً، فلم يزل بعد ذلك الضرب في علو ورفعة، وكأنما كانت تلك السياط حلياً حلي بها. وذكر ابن الجوزي في كتاب صدور العقول أنه ضرب مالك بن أنس تسعين سوطاً لأجل فتوى لم توافق غرض السلاطين، وقد تقدم أنه ولد سنة أربع وتسعين، وقيل خمس وتسعين، فعاش أربعاً وثمانين سنة، وقال الواقدي مات وله تسعون سنة، والله أعلم با لصواب. وحكى الحافظ أبو عبد الله الحميدي في كتاب جذوة المقتبس قال: حدث القعنبي قال: دخلت على مالك في مرضه الذي مات فيه، فسلمت عليه، ثم جلست، فرأيته يبكي، فقلت يا أبا عبد الله ما الذي يبكيك؟ فقال: يا ابن قعنب وما لي لا أبكي، ومن أحق بالبكاء مني؟ والله لوددت أني ضربت لكل مسألة أفتيت بها برائي بسوط، ولقد كانت لي السعة فيما سبقت إليه، وليتني لم أفت بالرأي أو كما قال، وكانت وفاته بالمدينة الشريفة، ودفن بالبقيع، ورثاه أبو محمد جعفر بن أحمد بن الحسين السراج بقوله:
سقى الله جدثاً بالبقيع لمالك ... من المزن مرعاد السحائب مبراق
إمام موطأه الذي طبقت به ... أقاليم في الدنيا فساح وآفاق
أقام به شرع النبي محمد ... له حذر من أن يضام وإشفاق
له مسند عال صحيح وهيبة ... فللكل منه حين يرويه إطراق
وأصحابه بالصدق تعلم كلهم ... إنهم إن أنت سألت حذاق
(1/292)

ولو لم يكن إلا ابن ادريس وحده ... كفاه على أن السعادة أرزاق
وفي السنة المذكورة توفي خالد بن عبد الله الواسطي الحافظ المعروف بالطحان، قال إسحاق الأزرق: ما أدركت أفضل منه، وقال أحمد كان ثقة صالحاً، بلغني أنه اشترى نفسه من الله ثلاث مرات. وفيها توفي سلام بن سلم، احد الحفاظ الأثبات، وفي رمضان منها توفي امام أهل البصرة أبو إسماعيل حماد بن زيد بن درهم الأزدي مولاهم، سمع أبا عمران الجوني وأنس بن سيرين وطبقتهما. وقد تقدم قول عبد الرحمن بن مهدي: ائمة الناس أربعة: الثوري بالكوفة ومالك بالحجاز وحماد بن زيد بالبصرة والأوزاعي بالشام. وقال يحيى بن يحيى التميمي: ما رأيت شيخاً أحفظ من حماد بن زيد، وقال أحمد العجلي حماد بن زيد ثقة، كان حديثه أربعة آلاف حديث يحفظها، ولم يكن له كتاب. وقال ابن معين: ليس أحد أثبت من حماد بن زيد.

سنة ثمانين ومائة
فيها كانت الزلزلة العظمى التي سقط منها رأس منارة الاسكندرية، وفيها نزل الرشيد الرقة، واتخذها وطناً. وفيها توفي حفمى بن سليمان قارىء الكوفة وتلميذ عاصم، وقد حدث عن علقمة بن مرثد وجماعة، وعاش تسعين سنة، رحمة الله عليه. وفيها توفي محدث البصرة بعد حماد بن زيد عبد الوارث بن سعيد الحافظ، اخذ عن أيوب السختياني وطبقته، رحمة الله عليهم. وفيها توفي مبارك بن سعيد، اخو سفيان الثوري، وفقيه مكة: ابو خالد مسلم بن خالد الزنجي أحد شيوخ الإمام الشافعي، عاش ثمانين سنة، روى عن ابن أبي مليكة والزهري وطائفة، قال أحمد بن محمد الأزرقي كان فقيهاً عابداً يصوم الدهر، يلقب بالزنجي في صغره، وكان أشقر. وفيها توفيت الولية الكبيرة العارفة بالله الشهيرة ذات المقامات العلية والأحوال السنية:
(1/293)

رابعة العدوية البصرية، على خلاف ما تقدم في سنة خمس وثلاثين ومائة، وذكر شيء مما يتعلق بفضلها.

سنة احدى وثمانين ومائة
فيها توفي الإمام محدث الشام ومفتي أهل حمص إسماعيل بن عياش بالشين المعجمة العنسي قال يزيد بن هارون: ما رأيت شامياً ولا عراقياً أحفظ من إسماعيل بن عياش، ما أدري ما الثوري، وقال أبو اليمان: كان إسماعيل جارنا وكان يحيي الليل كله. وقال داود بن عمرو: ما حدثنا إسماعيل إلا من حفظ، وكان يحفظ عشرين ألف أو قال أكثر من عشرين ألف حديث. وفيها توفي قاضي مصر أبو معاوية، ومفضل بن فضالة القتباني كان زاهداً ورعاً قانتاً مجاب الدعوة عاش أربعاً وسبعين سنة. وفيها في شهر رمضان توفي الإمام العالم العامل مقر المحاسن والفضائل أبوعبد الرحمن عبد الله بن المبارك الحنظلي مولاهم المروزي الفقيه الحافظ الزاهد العابد ذو المناقب العديدة والسيرة الحميدة، تفقه بسفيان الثوري ومالك بن أنس، وروى عنه الموطأ، وكان كثير الانقطاع محباً للخلوة شديد التورع، كذلك كان أبوه ورعاً. يحكى عنه أنه كان يعمل في بستان لمولاه، اقام فيه زماناً طويلاً، ثم إن مولاه جاءه يوماً وقال له: اريد رماناً حلواً، فمضى إلى بعض الشجر وأحضر منها رماناً وكسره فوجده حامضاً، فحرد عليه وقال: اكلت الحلو وأحضرت لي الحامض، هات حلواً، فمضى وقطع من شجرة آخرى، فلما كسره وجده حامضاً، فاشتد حرده عليه، ثم كذلك مرة ثالثة، فقال له بعد ذلك: انت ما تعرف الحلو من الحامض؟ فقال: لا فقال: وكيف ذلك؟ فقال: لأني ما أكلت منه شيئاً حتى أعرفه، فقال: ولم لا تأكل؟ فقال: لأنك ما أذنت لي، فكشف عن ذلك فوجد قوله حقاً، فعظم في عينه وزوجه ابنته، قيل إن عبد الله بن المبارك من تلك الابنة فظهرت عليه بركة أبيه. قلت هكذا ذكر بعض أصحاب التواريخ، والذي كنا نعرفه، وذكرته في بعض كتبي
أن سبب زواجه إياها: ان سيده استشاره، وكانت له بنت قد خطبت إليه، ورغب فيها كثير من الناس، فقال له: يا مبارك، من ترى أن تزوجه هذه البنية؟ فقال له: يا سيدي الناس مختلفون في الأغراض فأما أهل الجاهلية فكانوا يزوجون للحسب، وأما اليهود فيزوجون
(1/294)

للمال، وأما النصارى فيزوجون للجمال، وأما هذه الأمة فيزوجون للدين، يعني الأخيارمنهم الدينين قلت والى هذه الأربع الخصال أشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله " تنكح المرأة لأربع " وذكرها ثم قال: " فاظفر بذات الدين " الحديث الصحيح، فلما سمع منه ذلك أعجبه عقله، فقال لأمها: والله ما لها زوج غيره، فزوجها منه، فجاءت له بهذه الدرة الفاخرة المشتملة على نفائس المحاسن الباطنة والظاهرة، وفي شيء من مناقبه المشتملة على فضائله ومحاسنه في ظاهره وباطنه، كتاب مستقل لبعض العلماء، وإلى وصفه الحسن أشار القائل وصدق وأحسن:
إذا سار عبد الله من مرو ليلة ... فقد سار عنها نورها وجمالها
وقد تتبع أصحابه ما ظهر لهم من مناقبه، فبلغت خمساً وعشرين من العلوم والصلاح والكرم والشجاعة في سبيل الله وحسن الخلق والعبادة والنجابة والفصاحة وحسن اللفظ في النثر والنظم. ومن شجاعته وصلاح سريرته ما روي عنه: خرج مرةً في بعض الغزوات، فبرز بعض العلوج ودعا المسلمين إلى المبارزة، فخرج إليه جماعة من المسلمين واحد بعد واحد، فقتل الجميع، فبرز إليه إنسان مثلهم، فقتل ذلك العلج، قال الراوي: فدنوت منه وتأملته، فإذا هو ابن المبارك، رضي الله عنه. ومن كرمه وشفقته على إخوانه وحسن صحبته ما اشتهر عنه أنه كان إذا أراد الحج يأتيه اخوانه، ويكلمونه في الصحبة، فينعم لهم، ويقول هاتوا ما أعددتم لذلك من النفقة، فاذا أتوه بها قبضها وكتب على كل نفقة اسم صاحبها، وأقفل على الجميع في صندوق، ثم يحج بهم وينفق عليهم ذهاباً وإياباً من أطيب الأطعمة، ويشتري لهم الهدية من مكة والمدينة، زادهما الله شرفاً، ثم إذا وصل إلى الموطن صنع لهم طعاماً نفيساً، ومد سماطاً عظيماً، قيل عد ما في سماط له من جفان الفالوذج وحده فبلغت خمساً وعشرين جفنة، ثم يناديهم من شاء الله من الفقراء والصلحاء فإذا فرغوا من. أكل الطعام جمع إخوانه الذين حجوا معه، فكساهم لباساً جديداً، ثم استدعى بالصندوق ففتحه، ورد إلى كل واحد منهم نفقته التي عليها اسمه. قلت وهذا مختصر ما روي في ذلك، معنى القصة إن لم يكن لفظ جميعه والفالوذج بالفاء والذال المعجمة وهو نوع من الحلواء ويحتمل أنه الخبيصة قال في الصحاح وقيل الأعرابي أتعرف الفالوذج قال اصفر رعديد. وذكر الجوهري أن الرعديد الرخص ويقال ذلك للمرأة الرخصة ويقال أيضاً للجبان
(1/295)

ومنه قول المتنبي:
إن ترمني نكبات الدهر عن كثب ... ترام امرأًغير رعديد ولا نكس
والرعديد بكسر الراء المهملة وسكون العين المهملة وكسر الدال والمثناة من تحت بين الدالين المهملتين والكثب بفتح الكاف والمثلثة وفي آخره موحدة القرب والنكس بكسر النون: الرجل الضعيف قلت ويحتمل أنهم أرادوا ضعيف الجسم ويحتمل ضعيف القلب. وأما ما ورد في الحديث: " أن المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف " فالأصح عند أئمة الحديث أن المراد به قوة القلب كما أن الغني المطلوب في الحديث هو غني النفس عندهم. وقد ورد عن بعض السلف أن الفالوذج لباب الحنطة يطبخ بالعسل، وقد اقتصرت على هذا القدر من محاسن ابن المبارك البحر، وعمره ثلاث وستون سنة، وسمع من هشام بن عروة وحميد الطويل ومن في طبقتهما، وصنف التصانيف الكثيرة، وحديثه نحو من عشرين ألف حديث. قال أحمد بن حنبل لم يكن في زمان ابن المبارك أطلب للعلم منه، وقال شعبة: ما قدم علينا مثله، وقال أبو إسحاق الفزاري: ابن المبارك إمام المسلمين. وعن شعيب بن حرب: ما لقي ابن المبارك مثل نفسه، وقال غيره: كانت له تجارة واسعة، وكان ينفق على الفقراء في السنة مائة ألف درهم، وكان يحج سنة ويغزو سنة. وروي عن الإمام سفيان الثوري أنه قال: رددت أن عمري كله بثلاثة أيام من أيام ابن المبارك، وموته قيل في هيت عند انصرافه من الغزو في شهر رمضان من السنة المذكورة، وقيل توفي في بعض البراري سائحاً مختاراً للعزلة والخمول بعد الشهرة والجاه العظيم الذي شرحه يطول، والله أعلم بحقيقة الأمور.

سنة اثنتين وثمانين ومائة
فيها سملت الروم عيني طاغيتهم قسطنطين، وملكوا عليهم أمه وفيها توفي عبد الله بن عبد الرحمن الكوفي الحافظ، وفيها توفي عمار بن محمد الثوري الكوفي ابن أخت سفيان، قال ابن عرفة: وكان لا يضحك، وكنا لا نشك أنه من الأبدال.
وفيها على الأصح توفي عالم أهل الكوفة يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الحافظ، عاش
(1/296)

ثلاثا وستين سنة، قال ابن المديني: انتهى العلم في زمانه إليه ما كان بالكوفة بعد الثوري أثبت منه. وفيها توفي الحافظ اللبيب يزيد بن زريع، قال يحيى القطان: ما كان هنا أثبت منه، وقال أحمد بن حنبل: كان ريحانة بالبصرة، وقال نصر بن علي الجهضمي: رأيته في المنام، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: دخلت الجنة. قلت: بماذا؟ قال: بكثرة الصلاة. وفيها توفي أبو يوسف القاضي يعقوب بن إبراهيم الكوفي قاضي القضاة، وهو أول من دعي بذلك، تفقه على الإمام أبي حنيفة، وسمع من عطاء بن السائب وطبقته. قال يحيى بن معين: كان القاضي أبو يوسف يصلي بعدما ولي القضاء كل يوم مائتي ركعة. وقال يحيى بن يحيى الذيسابوري: سمعت أبا يوسف يقول عند وفاته: كل ما أفتيت به فقد رجعت عنه إلا ما وافق الكتاب والسنة، سمع جماعة من كبار الأئمة، وجالس محمد بن أبي ليلى، ثم جالس أبا حنيفة، وكان الغالب عليه مذهبه، وخالفه في مواضع كثيرة، وروى عنه محمد بن الحسن الشيباني الحنفي والإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وآخرون. وكان قد تولى القضاء لثلاثة من الخلفاء: المهدي وابنه الهادي والرشيد، وكان الرشيد يكرمه ويجله، وكان عنده حظياً مكيناً، وسأله الرشيد يوماً عن إمام شاهد رجلاً يزني، هل يحده؟ قال أبو يوسف، فقلت: لا. فحين قلتها سجد الرشيد، فوقع لي أنه قد رأى بعض أهله على ذلك، ثم قال لي: من أين قلت هذا؟ قلت: لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " ادرؤوا الحدود بالشبهات " وهذه شبهة فسقط الحد معها، فقال: وأي شبهة في المعاينة؟ قلت ليس يوجب المعاينة لذلك أكثر من العلم بما جرى، والحدود لا تكون بالعلم، وليس لأحد أخذ حقه بعلمه، فسجد مرة آخرى، وأمر لي بمال جزيل وأن ألزم الدار، فما خرجت حتى جاءتني هدية ممن شوهد منه ذلك، وهدية من أمه وجماعته، وصار ذلك أصلاً للنعمة، ولزمت الدار، فصار هذا يستفتيني وهذا يشاورني، ولم يزل حالي يقوى حتى قلدني القضاء. قال ابن خلكان وهذا يخالف ما نقلوا: انه ولي القضاء لثلاثة من الخلفاء والله أعلم، انتهى كلام ابن خلكان. قلت وقول أبي يوسف وليس لأحد أخذ حقه بعلمه غير مسلم، بل إذا كان له حق على أحد، ولم يكن له من يشهد بذلك، وظفر بماله فله أن يأخذ قدر حقه، ولو قال وليس للقاضي أن يقضي في حدود الله بعلمه، كان صواباً.
(1/297)

قال هو أول من نشرعلم أبي حنيفة في أقطار الأرض، وقال أبو يوسف: سألني الأعمش عن مسألة فأجبته فيها، فقال لي: من أين لك هذا؟ فقلت: من حديثك الذي حدثتنا به أنت، ثم ذكر له الحديث، فقال لي: يا يعقوب إني لأحفظ من هذا الحديث قبل أن يجتمع أبواك، وما عرفت تأويله إلا الآن. وذكر بعضهم أنه كان يحفظ التفسير والمغازي وأيام العرب، وكان أول علومه الفقه، ولم يكن في أصحاب أبي حنيفة مثل أبي يوسف، رحمه الله. وقال حماد بن أبي حنيفة: رأيت أبا حنيفة يوماً، وعن يمينه أبو يوسف، وعن يساره زفر، وهما يتجادلان في مسألة، فلا يقول أبو يوسف قولاً إلا أفسده زفر، ولا يقول زفر شيئاً إلا أفسده أبو يوسف، الى وقت الظهر. فلما أذن المؤذن رفع أبو حنيفة يده، فضرب بها فخذ زفر، وقال: لا تطمع في رئاسة ببلدة فيها أبو يوسف، وقضى لأبي يوسف على زفر. وقيل كان يجلس إلى أبي يوسف رجل يطيل الصمت، فقال أبو يوسف ألا تتكلم؟ فقال بلى، متى يفطر الصائم؟ قال: اذا غابت الشمس، فقال: فإن لم تغب إلى نصف الليل؟ فضحك أبو يوسف، وقال أصبت في صمتك، وأخطأت أنا في استدعاء نطقك، ثم تمثل وأنشد:
عجبت لإرزاء الغبي بنفسه ... وصمت الذي قد كان بالقول أعلما
وفي الصمت ستر للغبي وانما ... صحيفة لب الأمر أن يتكلما
ومن كلام أبي يوسف: صحبة من لا يخشى العار عار يوم القيامة. وقيل كان يقول أبو يوسف: العلم شيء لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك، وأنت إذا أعطيته كلك كنت من أعطاه البعض على غرر. وقال بشر بن الوليد الكندي: قال لي القاضي أبو يوسف بينما أنا البارحة قد أويت إلى فراشي، وإذا داق يدق الباب دقاً شديداً، فأخذت علي إزاري وخرجت فإذا رسول الرشيد. فقال أجب أمير المؤمنين، فقلت: يا فلان هذا وقت كما ترى، ولست آمن أن يكون أمير المؤمنين قد دعاني لأمر من الأمور، فإن أمكنك أن تدفع ذلك إلى غد، فلعله يحدث له رأي، فقال ما إلى ذلك سبيل قلت: كيف كان السبب؟ قال: خرج إلي مسرور الخادم، فأمرني أن آتي بك أمير المؤمنين، فقلت: تأذن لي أن أصب علي ماء؟ وأتحفظ، فإن كان لأمر من الأمور كنت قد أحكمت شأني، لهان رزق الله العافية فلن يضرني، فأذن، فدخلت
(1/298)

فلبست ثياباً جدداً، وتطيبت بما أمكن من الطيب، ثم خرجنا فمضينا حتى أتينا دار أمير المؤمنين هارون الرشيد، فإذا هو واقف، فقال الرسول: قد جئت به، فقلت للمسرور: يا أبا هاشم، افتدري لم طلبني أمير المؤمنين؟ قال: لا. قلت: فمن عنده؟ قال: عيسى بن جعفر، قلت: ومن؟ قال: ما عندهما ثالث، ثم قال لي مر فإذا صرت في الصحن فإنه في الرواق، وهو جالس، فحرك رجلك، فإنه سيسألك، فقل: انا فلان. قال أبو يوسف: فجئت ففعلت ذلك، فقال: من هذا؟ فقلت يعقوب، قال: ادخل، فدخلت، وهوجالس وعن يمينه عيسى بن جعفر، فسلمت عليه فرد علي السلام، قال: اظننت روعناك فقلت اي والله، كذلك من خلفي، فقال: اجلس فجلست حتى سكن روعي، ثم التفت إلي وقال: اتدري يا يعقوب لم دعوتك؟ قلت: لا، قال دعوتك لأشهدك على هذا أن عنده جارية سألته أن يهبها إلي فامتنع، وسألته أن يبيعها فأبى، ووالله لئن لم يفعل لأقتلنه، قال أبو يوسف: فالتفت إلى عيسى، فقلت: وما بلغ الله جارية تمنعها أمير المؤمنين، وتنزل نفسك هذه المنزلة، قال: فقال: لي: عجلت علي في القول قبل أن تعرف ما عندي، قلت: وما في هذا من الجواب؟ قال: ان علي يميناً بالطلاق والعتاق وصدقة ما أملك أن لا أبيع هذه الجارية ولا أهبها، فالتفت الي الرشيد، فقال: هل له من ذلك من مخرج؟ قلت: نعم قال: وما هو؟ قلت: يهب لك نصفها ويبيعك نصفها، فيكون لم يهب ولم يبع، قال عيسى ويجوز ذلك؟ قلت: نعم. قال: فأشهدك أني قد وهبت ته نصفها وبعته نصفها الباقي بمائة ألف دينار، ثم قال: الجارية، فأتي بالجارية وبالمال، فقال: خذها يا أمير المؤمنين بارك الله لك فيها. فقال الرشيد: يا يعقوب بقيت واحدة، قلت: وما هي؟ قال: هي مملوكة ولا بد أن تستبرأ، ووالله لئن لم أبت معها ليلتي هذه إني لأظن أن نفسي ستخرج، فقلت يا أمير المؤمنين، تعتقها وتزوجها فإن الحرة لا تستبرأ، فقال: اني قد أعتقتها فمن يزوجنيها؟ افقلت: انا فدعي بمسرور وحسين، فخطبت وحمدت الله تعالى ثم زوجته إياها على عشرين ألف دينار، ودعا بالمال فدفعه إليها، ثم قال لي يا يعقوب انصرف ورفع رأسه إلى مسرور، فقال يا مسرور، قال: لبيك، فقال: احمل إلى يعقوب مائتي ألف درهم وكذا وكذا من الثياب، فحمل ذلك معي، قال بشر بن الوليد: فالتفت إلي أبي يوسف وقال، هل رأيت بأسا فيما فعلت؟ فقلت: لا. قال خذ حقك منها، قلت: وما حقي؟ قال: العشر، قال بشر: فشكرته ودعوت له وذهبت لأقوم، فاذا بعجوز قد دخلت فقالت: يا أبا يوسف إن بنتك تقرئك السلام وتقول لك: والله ما وصل إلي في ليلتي هذه من أمير المؤمنين إلا المهر الذي قد عرفته، وقد حملت إليك النصف منه وخلفت الباقي لما احتاج إليه. فقال: رديه ووالله لا أقبلها أخرجتها من الرق وزوجتها أمير المؤمنين وترضى لي بهذا؟ قال بشر فلم نزل نتلطف
(1/299)

به أنا وعمومتي حتى قبلها، وأمر لي منها بألف دينار، وقال أبو عبد الله اليوسفي بأن أم جعفر زبيدة ابنة جعفر زوجة الرشيد كتبت إلى أبي يوسف ما ترى في كذا؟ وأحبا الأشياء إلى أن يكون الحق فيه كذا فأفناها بما أحبت، فبعثت بجفن فضة فيه حقان مطبقان في كل واحد لون من الطيب، وفي جام دراهم وسطها جام فيه دنانير، فقال له جليس له: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " أهديت له هدية فجلساؤه شركاؤه فيها " فقال أبو يوسف ذ لك حين كانت الهدايا بالتمر واللبن. وقال يحيى بن معين كنت عند أبي يوسف القاضي، وعنده جماعة من أصحاب الحديث، وغيرهم، فوافته هدية أم جعفر احتوت على تخوت ديبقي ومصمت وشرب وطيب وثماثيل ند وغير ذلك، فذاكرني رجل بحديث رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم: " من أتته هدية وعنمه قوم جلوس فهم شركاؤه فيها ". فسمعه أبو يوسف، فقال لي: اتعرف ذلك إنما قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم والهدايا يومئذ الاقط والتمر والزبيب ولم يكن الهدايا ما ترون، يا غلام أمثل إلى الخزائن. وذكر بعضهم أن قاضي المبارك بلدة بين بغداد وواسط على شاطىء دجلة بلغه خروج الرشيد إلى البصرة، ومعه أبو يوسف القاضي في الحرافة فقال عبد الرحمن القاضي لأهل المبارك: اثبتوا علي عند أميرالممؤمنين وعند القاضي أبي بوسف، فأبوا عليه ذلك، فلبس ثيابه: وقلنسوة طويلة وطيلساناً أسود وجاء إلى الشريعة، فلما أقبلت الحرافة رفع صوته وقال: يا أمير المؤمنين، نعم القاضي قاضينا، قاضي صدق، ثم مضى إلى شريعة أخرى، فقال مثل مقالته الأول فالتفت الرشيد إلى أبي يوسف وقال: يا يعقوب، هذا شرقاض في الأرض في موضغ ص لا يثني عليه إلا رجل واحد، فقال له أبو يوسف: وأعجب من هذا يا أمير المؤمنين هو القاضي يثني على نفسه، قال: فضحك هارون وقال هذا أظرف الناس، هذا لا يعزل أبداً وكان الرشيد إذا ذكره يقول: هذا لا يعزل أبداً. وقال محمد بن سماعة سمعت أبا يوسف في اليوم الذي مات فيه يقول: اللهم إنك تعلم أني لم أؤخر في حكم حكمت فيه بين اثنين، من عبادك تعمداً، ولقد اجتهدت في الحكم بما وافق كتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وآله وسلم، وكل ما أشكل علي جعلت أبا حنيفة بيني وبينك، وكان عندي والله من يعرف أمرك، لا يخرج عن الحق وهو يعلمه. قال ابن خلكان: وأكثر العلماء على تفضيله وتعظيمه، قال:، وقد نقل الخطيب البغدادي في تاريخه ألفاظاً عن عبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح ويزيد بن هارون ومحمد بن إسماعيل البخاري وهارون بن يزيد وأبي الحسن الدارقطني وغيرهم، ينبو السمع عنها، فتركت ذكرها، والله أعلم بحالة، وأخباره كثيرة، عاش قريباً من سبعين سنة رحمة الله عليه. وفيها وقيل في التي قبلها، وقيل في التي بعدها، توفي يونس بن حبيب النحوي، كان مولى، قيل عاش مائة سنة وسنتين، وأخذ الأدب عن أبي عمرو بن العلاء وحماد بن أبي سلمة، وكان النحو أغلب عليه، وسمع من العرب، وروى سيبويه عنه كثير أو سمع منه الكسائي والفراء وكان من الطبقة الخامسة في الأدب. قال أبو عبيد معمربن المثنى: اختلفت إلى يونس أربعين سنة، قال أبو زيد: جلست إلى يونس بن حبيب عشر سنين، وجلس إليه خلف الأحمر عشرين سنة، وله عدة تصانيف. وقال يونس: والعرب تقول فرقة الأحباب سقم الألباب وأنشد: " من أتته هدية وعنمه قوم جلوس فهم شركاؤه فيها ". فسمعه أبو يوسف، فقال لي: اتعرف ذلك إنما قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم والهدايا يومئذ الاقط والتمر والزبيب ولم يكن الهدايا ما ترون، يا غلام أمثل إلى الخزائن. وذكر بعضهم أن قاضي المبارك بلدة بين بغداد وواسط على شاطىء دجلة بلغه خروج الرشيد إلى البصرة، ومعه أبو يوسف القاضي في الحرافة فقال عبد الرحمن القاضي لأهل المبارك: اثبتوا علي عند أميرالممؤمنين وعند القاضي أبي بوسف، فأبوا عليه ذلك، فلبس ثيابه: وقلنسوة طويلة وطيلساناً أسود وجاء إلى الشريعة، فلما أقبلت الحرافة رفع صوته وقال: يا أمير المؤمنين، نعم القاضي قاضينا، قاضي صدق، ثم مضى إلى شريعة أخرى، فقال مثل مقالته الأول فالتفت الرشيد إلى أبي يوسف وقال: يا يعقوب، هذا شرقاض في الأرض في موضغ ص لا يثني عليه إلا رجل واحد، فقال له أبو يوسف: وأعجب من هذا يا أمير المؤمنين هو القاضي يثني على نفسه، قال: فضحك هارون وقال هذا أظرف الناس، هذا لا يعزل أبداً وكان الرشيد إذا ذكره يقول: هذا لا يعزل أبداً. وقال محمد بن سماعة سمعت أبا يوسف في اليوم الذي مات فيه يقول: اللهم إنك تعلم أني لم أؤخر في حكم حكمت فيه بين اثنين، من عبادك تعمداً، ولقد اجتهدت في الحكم بما وافق كتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وآله وسلم، وكل ما أشكل علي جعلت أبا حنيفة بيني وبينك، وكان عندي والله من يعرف أمرك، لا يخرج عن الحق وهو يعلمه. قال ابن خلكان: وأكثر العلماء على تفضيله وتعظيمه، قال:، وقد نقل الخطيب البغدادي في تاريخه ألفاظاً عن عبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح ويزيد بن هارون
(1/300)

ومحمد بن إسماعيل البخاري وهارون بن يزيد وأبي الحسن الدارقطني وغيرهم، ينبو السمع عنها، فتركت ذكرها، والله أعلم بحالة، وأخباره كثيرة، عاش قريباً من سبعين سنة رحمة الله عليه. وفيها وقيل في التي قبلها، وقيل في التي بعدها، توفي يونس بن حبيب النحوي، كان مولى، قيل عاش مائة سنة وسنتين، وأخذ الأدب عن أبي عمرو بن العلاء وحماد بن أبي سلمة، وكان النحو أغلب عليه، وسمع من العرب، وروى سيبويه عنه كثير أو سمع منه الكسائي والفراء وكان من الطبقة الخامسة في الأدب. قال أبو عبيد معمربن المثنى: اختلفت إلى يونس أربعين سنة، قال أبو زيد: جلست إلى يونس بن حبيب عشر سنين، وجلس إليه خلف الأحمر عشرين سنة، وله عدة تصانيف. وقال يونس: والعرب تقول فرقة الأحباب سقم الألباب وأنشد:
ثنتان لوبكت الدماءعليهما ... عيناي حتى تؤذنا بذهاب
لم تبلغا المعشار من حقيهما ... شرخ الشباب وفرقة الأحباب
وقال أبو عبيد: قدم جعفر بن سلمان العباسي من عند المهدي الخليفة، فبعث الى يونس بن حبيب، فقال: اني وأمير المؤمنين اختلفنا في هذا البيت.
والشيب ينهض في السواد كأنه ... ليل يصيح بجانبيه نهار
فما الليل والنهار؟ فقال: اليل الذي لا يعرف، والنهار الذي يعرف. وحكي عنه أنه قال: اصل المثل في قولهم الصيد كل الصيد في جوف القرى أنه خرج رجال يتصيدون، فاصطاد رجل منهم حمار وحش، واصطاد الآخرون ما بين ضب وأرنب، واجتمعت نساؤهم، فجعلت المرأة تقول اصطاد زوجي كذا فيقول صاحبة الحمار: كل الصيد في جوف الفرى.
سئل يونس المذكور عن مجير أم عامر في قول القائل:
ومن يصنع المعروف في غير أهله ... يلاقي الذي لاقى مجير أم عامر
أعد لها لما استجارت ببيته ... قراها من ألبان اللقاح البهازر
فأشبعها حتى إذا ما تيظرت ... فرته بأنياب لها وأظافر
(1/301)

فقل لبني المعروف هذا جزاء من ... يجود لمعروف إلى غير شاكر
فقال أصل ذلك أنه خرج فتيان من العرب إلى الصيد، فأثاروا ضبعاً، فانقلبت من أيديهم ودخلت خباء بعض الأعراب، فخرج إليهم فقال: والله لا تصلون إليها قد استجارت بي فخلوها، فلما انصرفوا عمد إلى خبز ولبن وسمن فثرده وقربه إليها، فأكلت حتى شبعت، وتمددت في جانب الخباء، فغلب الأعرابي النوم، فلما استثقل وثبت عليه فقرضت حلقه وبقرت بطنه وأكلت حشوته وخرجت تسعى، فجاء أخو الأعرابي فلما نظر إليه أنشأه يقول الأبيات المذكورات. وفيها وقيل في التي قبلها توفي مروان بن أبي حفصة الشاعر المشهور من أهل اليمامة قدم بغداد، ومدح المهدي وهارون الرشيد، وهو من الشعراء المجيدين والفحول المقدمين. حكي أنه لما أنشد المهدي قصيدته التي يقول فيها:
إليك قسمنا النصف من صلواتنا ... مسيرة شهر بعد شهر نواصله
فلا نحن نخشى أن يخيب رجاؤنا ... إليك ولكن أهنأ الخيرعاجله
قال له المهدي: بحثت أنت كم في قصيدتك هذه من بيت؟ قال: سبعون بيتأ، قال: فلك سبعون ألف درهم، لا يتم إنشادك حتى يحضر المال، فأحضر المال وأنشد القصيدة وقبضه وانصرف. وذكره ابن المعتز في كتاب طبقات الشعراء فقال في حقه: وأجود ما قال مروان قصيدته الغراء اللامية، وهي التي فضل بها على شعراء زمانه، يمدح فيها معن بن زائدة الشيباني، ويقال إنه أخذ منه عليها مالاً كثيراً لا يقدر قدره، ولم ينل أحد من الشعراء الماضين ما ناله مروان بشعره، فما ناله صرة واحدة ثلاث مائة ألف درهم من بعض الخلفاء بسبب بيت واحد، انتهى كلام ابن المعتز، وقصيدته اللامية المذكورة تتناهى بستين بيتاً، ومن أبياتها:
بنو مطريوم اللقاء كأنهم ... أسود لهم في بطن خفان أشبل
هم يمنعون الجبار حتى كأنما ... لجارهم بين السماكين منزل
بها ليل في الإسلام سادوا ولم يكن ... كأولهم في الجاهلية أول
هم القوم إن قالوا أصابوا وان دعوا ... أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
وله في مدائح معن المذكور ومراثيه كل معنى بديع، وبعض ذلك مذكور في ترجمة
(1/302)

معن، في سنة احدى وخمسين ومائة.
وحكى ابن المعتز أيضاً عن شراحيل بن معن بن زائدة أنه حج يحيى بن خالد البرمكي هو والقاضي أبو يوسف الحنفي متعادلين، فعرض رجل من بني أسد ليحيى بن خالد، فأنشده شعراً، فقال له يحيى: يا أخا بني أسد، اذا قلت الشعر فقل كقول الذي يقول، فأنشد أبيات مروان اللامية في معن بن زائدة، فقال له أبو يوسف وقد أعجبته جداً: من قائل هذه الأبيات يا أبا الفضل؟ فقال يحيى: قالها مروان يمتدح بها أبا هذا الفتى، قال شراحيل: وأشار إلي وأنا على فرس أسير تحت قبة هما فيها، فرمقني أبو يوسف بعينيه، وقال: من أنت يا فتى؟ حياك الله قلت: انا شراحيل بن معن بن زائدة الشيباني، قال شراحيل؟ فو الله ما أنت علي قط ساعة كانت أقر بعيني من تلك الساعة ارتياحأ وسروراً. ويحكى أن ولداً لمروان بن أبي حفصة المذكور دخل على شراحيل المذكور فأنشده:
أيا شراحيل بن معن زائدة ... يا أكرم الناس من عجم ومن عرب
أعطى أبوك أبي مالاً فعاش به ... فأعطني مثل ما أعطى أبوك أبي
ما حل أرضاً أبي ثاو أبوك بها ... إلا وأعطاه قنطاراً من الذهب
قلت هكذا صواب هذا البيت، وإن كان بعض ألفاظه يخل وزنه، في الأصل المنقول منه: فأعطاه شراحيل قنطاراً من الذهب. ومما يقارب هذه الحكاية، ما روي: انه لما حبس عمر رضي الله عنه الحطيئة الشاعر المشهور لبذاءة لسانه وكثرة هجوه الناس، كتب إليه الحطيئة.
ماذا تقول لأفراخ بني مرخ ... حمر الحواصل لا ماء ولا شجر
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة ... فارحم هداك مليك الناس يا عمر
أنت الإمام الذي من بعد صاحبه ... ألقت إليك مقاليد النهي البشر
ما آثروك بها إذا ما قدموك لها ... لكن لأنفسهم قد كانت الأثر
فأطلقه وشرط عليه أن يكف لسانه عن الناس، فقال له: يا أمير المؤمنين، اكتب لي كتاباً إلى علقمة بن علاثة لأقصده به، فقد منعتني التكسب بشعري، فامتنع عمر من ذلك، فقيل له: يا أمير المؤمنين، ما عليك من ذلك، فعلقمة ليس هو من عمالك، وقد تشفع بك إليه، فكتب له بما أراد فمضى الحطيئة بالكتاب، فصادف علقمة قد مات والناس منصرفون عن قبره وابنه حاضر، فوقف عليه ثم أنشد:
لعمري لنعم من آل جعفر ... يجوز إن أمسى علقته الحبائل
(1/303)

فإن أححى لا أملك حياتي وإن تمت ... فما في حياة بعد موتك طائل
وما كان بيني لو لقيتك سالماً ... وما بين الغنى إلا ليال قلائل
فقال له ابنه كم ظننت أن علقمة كان يعطيك لو وجدته حياً؟ قال: مائة ناقة يتبعها مائة من أولادها، فأعطاه ابنه إياها، والبيتان الأخيران يوجدان في ديوان النابغة الذبياني، في قصيدة له يرثي بها اليعمر بن أبي شعير الغساني، وأخبار مروان بن أبي حفصة كثيرة، ونوادرة شهيرة.

سنة ثلاث وثمانين ومائة
فيها خرج أعداء الله الخزر بالخاء المعجمة والزاي والراء ومن قصتهم أن سبتت بنت ملك الترك خاقان خطيها الأمير الفضل بن يحيى البرمكي، وحملت إليه في عام أول، فماتت في الطريق، فرد من كان معها في خدمتها من العساكر، وأخبروا خاقان أنها قتلت غيلة، فاشتد غضبه، وتجهز للشر وخرج بجيوشه من الباب الحديد، وأوقع بأهل الإسلام وأهل الذمة، وقتل وسبى وبدع، وبلغ السبي مائة ألف، وعظم ما أصيب به المسلمون، انا لله وإنا إليه راجعون، فانزعج هارون الرشيد واهتم لذلك، وجهز البعوث، فاجتمع المسلمون وطردوا العدو عن أرمينية، ثم سدوا الباب الذي خرجوا منه. وفي السنة المذكورة توفي الإمام أبو معاوية هشيم بن بشير السلمي الواسطي، محدث بغداد، روى عن الزهري وطبقته، قال يعقوب الدورقي: كان عند هشيم عشرون ألف حديث، وقال يحيى القطان: هو أحفظ من رأيت بعد سفيان وشعبة قلت والمراد بسفيان إذا أطلقوه الثوري وعن عمرو بن عون قال: مكث هشيم يصلي الفجر بوضوء العشاء عشرين سنة قبل موته. وفيها توفي السميد الجليل المشكور محمد بن السماك الكوفي الواعظ المشهور مولى بني عجل، روى عن الأعمش وجماعة، وروى عن الإمام أحمد ونظراؤه، ومن كلامه: من جزعته الدنيا حلاوتها لميله إليها، جزعته الآخرة مرارتها لتجافيه عنها، وكان كبير القدر، خل على الرشيد فوعظه وخوفه، وكان هارون الرشيد قد حلف أنه من أهل الجنة، فاستفتى العلماء فلم يفته أحد أنه من أهل الجنة، فقيل له: سل عن ابن السماك، فاستحضره وسأله، فقال له: هل قدر أمير المؤمنين على معصية فتركها خوفاً من الله تعالى؟ فقال: نعم، كان لبعض الناس جارية فهويتها وأنا إذ ذاك شباب، ثم أني ظفرت بها مرة،
(1/304)

وعزمت على ارتكاب الفاحشة منها، ثم إني فكرت في النار وهولها، وأن الزنا من الكبائر، فأشفقت من ذلك، وكففت عن الجارية مخافة من الله تعالى، قال ابن السماك: قال الله عز وجل: " وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأةى " - النازعات: 40 - فسر هارون بذلك، قلت هذا الاستذلال فيه ما فيه، فإن الظاهر والله أعلم أن المراد بذلك استمرار الخوف من الله، والنهي للنفس عن ارتكاب الكبائر إلى الموت، فأما إذ وقع ذلك، ثم أعقبه الوقوع في الكبائر، ولقي الله تعالى عاصياً، فهو في خطر المشية مع الموت على الإسلام، فان لم يمت على الإسلام والعياذ بالله، فهو من أهل النار قطعأ، وعليه يحمل أول الآية: فأما من طغى إلى آخرها، نسأل الله التوفيق والغفران، ونعوذ به من الزيغ والخذلان، وقيل وعظ ابن السماك يوماً فأعجبه وعظه، ثم رجع إلى منزله ونام فسممع قائلاً يقول:
يا أيها الرجل المعلم غيره ... هذا لنفسك كان ذا التعليم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فاذا انتهت عنه فأنت حكيم
وأردت تلقح بالرشاد عقولنا ... قولاً وأنت من الرشاد عديم
تصف الدواء الذي السقام من الضنى ... ومن الضنى والداء أنت سقيم
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم
فانتبه وآلى على نفسه أن لا يعظ، شهراً. وفيها توفي السيد أبو الحسن موسى الكاظم ولد جعفر الصادق، كان صالحاً
عابداً جواداً حليمأ كبير القدر، وهو أحد الأئمة الاثني عشر المعصومين في اعتقاد الإمامية، وكان يدعى بالعبد الصالح من عبادته واجتهاده، وكان سخيأ كريمأ، كان يبلغه عن الرجل أن يؤذيه فيبعث إليه بصرة فيهما ألف دينار، وكان يسكن المدينة، فأقدمه المهدي بغداد فحبسه، فرأى في النوم أعني المهدي علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو يقول يا محمد " فهل عسيتم ان توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ". قال الربيع وأرسل الي المهدي ليلاً، فراعني ذلك، فجئته فإذا هو يقرأ هذه الآية، وكان أحسن الناس صوتاً، وقال علي بموسى بن جعفر، فجئته به فعانقه وأجلسه إلى جانبه وقال: يا أبا الحسن إني رأيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في النوم يقرأ علي كذا، فتؤمنني أن تخرج علي أو على أحد من أولادي، فقال: والله لا فعلت ذلك، وما هو من شأني، قال: صدقت أعطوه ثلاثة آلاف دينار، ورده إلئ أهله إلى المدينة، قال الربيع: فأحكمت أمره ليلاً، فما أصبح إلا وهو في الطريق، خوف العوائق ثم إن هارون
(1/305)

الرشيد حبسه في خلافته إلى أن توفي في حبسه. وروي أن هارون لما زار النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال السلام عليك يا ابن عم مفتخر بذلك، فقال موسى الكاظم السلام عليك يا أبة، فتغير وجه هارون، وروي أن هارون الرشيد قال: رأيت في المنام كأن حسيناً قد أتاني ومعه حربة، وقال إن خليت عن موسى بن جعفر الساعة وإلا نحرتك بهذه الحربة، فاذهب فخل عنه، وأعطه ثلاثين ألف درهم، وقل له إن أحببت المقام قبلنا فلك ما تحب، وإن أحببت المضي إلى المدينة فالإذن في ذلك لك، فلما أتاه وأعطاه ما أمره به قال له موسى الكاظم: رأيت في منامي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، اتاني فقال: " يا موسى حبست مظلوماً فقل هذه الكلمات فإنك لا تبيت هذه الليلة في الحبس " فقلت بأبي وأمي ما أقول؟ قال لي: قل " يا سامع كل صوت. ويا سابق الفوت، ويا كاسي العظام لحماً، ويا منشرها بعد الموت، اسألك بأسمائك الحسنى وباسمك الأعظم الأكبر المخزون المكنون الذي لم يطلع عليه أحمد من المخلوقين يا حليماً ذا أناءة لا يقوى على أناءته، يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبداً ولا يحصى عدداً فرج عني ". وله أخبار شهيرة ونوادر كثيرة.
وفيها توفي شيخ أصفهان وعالمها أبو المننر النعمان بن عبد السلام التيمي تيم الله بن ثعلبة، كان فقيهاً إماماً زاهداً عابداً صاحب تصانيف، اخذ عن الثوري وأبي حنيفة وطائفة، رحمهم الله تعالى. وفيها توفي الفقيه أبو عبد الرحمن بن يحيى بن حمزة الحضرمي السلمي قاضي دمشق ومحدثها، عاش ثمانين سنة.

سنة أربع وثمانين ومائة
فيها توفي السيد الجليل الزاهد العمري عبد الله بن عبد العزيز، كان إماماً فاضلاً رأساً في الزهد والورع، وفيها فقيه المدينة عبد العزيز بن أبي حازم.

سنة خمس وثمانين ومائة
وفيها توفي أو في التي تليها الإمام الغازي القدوة أبو إسحاق الفزاري، كان إماماً قانتاً مجاهداً مرابطاً اماراً بالمعروف، اذا رأى بالشعر مبتدعاً أخرجه. وفيها توفي يوسف بن يعقوب بن أبي سلمة الماجشون المدني ابن عم عبد العزيز الماجشون. وقيل وفيها توفى أبو خالد يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن صفرة الأزدي، ولاه
(1/306)

أبو جعفر المنصور مصر في سنة ثلاث وأربعين ومائة، ثم زار ابو جعفر المدكور بيت المقدس في سنة أربع وخمسين ومائة، ومن هناك سير يزيد بن حاتم المذكور إلى إفريقية لحرب الخوارج الذين قتلوا عامله عمر بن حفص، وجهز معه خمسين ألف مقاتل، واستقر يزيد المذكور والياً بإفريقية من يومئذ، وكان جواداً سرياً مقصوداً ممدوحاً، وقصده جماعة من الشعراء فأحسن جوائزهم، وهو الذي قال فيه أبو أسامة ربيعة بن ثابت الأزدي الرقي وفي يزيد بن أسيد بضم الهمزة السلمي وكان والياً على أرمينية من جهة أبي جعفر المنصور، وكان يزيد المذكور من أشراف الناس وشجعانهم، ومن ذوي الآراء الصائبة، فمدحه أبو أسامة المذكور بشعر أجاد فيه، وقصر هو في جائزته، فقال فيهما هذه الأبيات، وقد ذكرتها في غير هذا الموضع.
لشتان ما بين اليزيدين في الندى ... يزيد سليم والأغر بن حاتم
يزيد سليم سالم المال والغنى ... أخو الأزد للأموال غير مسالم
فهم الفتى الأزدي إتلاف ماله ... وهم الفتى القيسي جمع الدراهم
قيل لبعض الشعراء: من أشعركم؟ فقال: ايسرنا بيتاً. قال: من هو؟ قال: الذي يقول:
لشتان ما بين اليزيدين في الندى ... يزيد سليم والأغر بن حاتم
ولما عقد أبو جعفر ليزيد المهلبي المذكور على بلاد إفريقية، وليزيد المذكور على ديار مصر، خرجا معاً، فكان يزيد المهلبي يقوم بكفاية الجيش، فقال ربيعة الرقي: وقدم أشعب المشهور بالطمع على يزيد وهو بمصر، فجلس في مجلسه، فدعا يزيد بغلامه فساره بشيء، فقام أشعب، فقبل يده، فقال له يزيد: لم فعلت هذا؟ فقال: اني رأيتك تسار غلامك، فظننت أنك قد أمرت لي بشيء، فضحك منه وقال: ما فعلت، ولكني أفعل، ووصله وأحسن إليه. قلت ومما يحكى من طمع أشعب المذكور أنه رأى في المنام كأن له كباشاً، وكأن إنساناً ساومه فيها، وقال له: بكم تبيع كل واحد منها؟ فقال: بكذا وكذا، وذكر قيمة كثيرة، فقال له: بل بدرهمين. فقال: لا ثم استيقظ ولم يجد الكباش ولا الدراهم، فتغمض عينيه وتناوم، ومد يده وقال هات، يعني الدراهم في كل واحد. ومما يحكى أيضاً عن أشعب أنه كان يدخل وقت الفطور في شهر رمضان مع جماعة يفطرون عند بعض القضاة، وكان القاضي يضع كل ليلة فوق الطعام كبشاً مشوياً، وكان الجماعة يأكلون من حواليه ولا يجتري أحد منهم يمد يده إلى الشواء إلى أن كان بعض
(1/307)

الليالي، فقصد أشعب الشوي وسلخه بيده، فحرزه القاضي بعينيه، ثم قال: يا جماعة أعلموني من يصلي بالمحبوسين في هذا الشهر؟ قال يا سيدي: ما أحد يصلي بهم، فقال: المصلحة أن يذهب أشعب يصلي بهم في هذا الشهر، فقال أشهب: او المصلحة في غير ذلك، اصلح الله القاضي، قال: وما هي؟ قال: اتوب، فسكت عنه القاضي وضحك من فهم ذلك، ولم يعد إلى جذب الشواء يعدها. وقال الطرسوسي في كتاب سراج الملوك قال سحنون بن سعيد كان يزيد بن حاتم حكيماً يقول: والله ما هبت شيئاً قط هيبتي لرجل لطمته وأنا أعلم أنه لا ناصر له إلا الله، فيقول: حسبك الله بيني وبينك. وقيل وفد التميمي الشاعر على يزيد بن حاتم بإفريقية، فأنشده هذين البيتين:
إليك قصرنا النصف من صلواتنا ... مسيرة شهر ثم شهر نواصله
فلا نحن نخشى أن يخيب رجاؤنا ... لديك ولكن أهنأ البر عاجله
فأمريزيد بوضع العطاء في جنده، وكانوا خمسين ألف مرتزق كما تقدم، فقال: من أحب أن يسرني فليضع لزائري هذا من عطائه بدرهمين، فاجتمع له مائة ألف درهم، وضم يزيد إلى ذلك مائة ألف أخرى، ودفعهما إليه. قال ابن خلكان ثم وجدت البيتين المذكورين لمروان بن أبي حفصة، والله أعلم، انتهى كلامه. قلت وقد تقدم ذكرهما في ترجمة مروان المذكور في سنة اثنتين وثمانين ومائة في مدحه للمهدي. وذكر ابن عساكر في تاريخ دمشق: ان يزيد المذكور قال لجلسائه: استبقوا إلى ثلاثة أبيات. فقال صفوان بن صفوان: افيك؟ قال: فيمن شئتم، وكأنها كانت في فمه فقال:
لم أدر ما الجود إلا ما سمعت به ... حتى لقيت يزيداً عصمة الناس
لقيت أجود من يمشي على قدم ... مفضلاً برداء الجود والبأس
ولو نيل بالجود مجد، كنت صاحبه ... وكنت أولى به من آل عباس
ثم كف وقال أتمم، فقال: لا يصلح، وقال: يسمع هذا منك أحد. وفي يزيد بن حاتم أيضاً قال الشاعر:
وإذا تباع كريمة أو تشترى ... فسواك بايعها وأنت المشتري
(1/308)

وإذا تخيل من سحابك لامع ... صدقت مخيلته لدى المستمطر
وإذا الفوارس عددت أبطالها ... عدوك في أبطالهم بالخنصر
يعني عدوك أولهم. وقال فيه آخر:
يا واحد العرب الذي ... أضحى وليس له نظير
لو كان مثلك آخر ... ما كان في الدنيا فقر
فدعا يزيد بخازنه، وقال، وكم في بيت مالي؟ قال: فيه من العين والورق ما مبلغه عشرون ألف دينار، فقال: ادفعها إليه، ثم قال: يا أخي المعذرة إلى الله تعالى ثم إليك، والله لو كان في ملكي غيرها لما أدخرتها عنك. وفيها توفي المطلب بن زياد، والمعافى بن عمران. وفيها عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس رضي عنهم. وذكر أبو الفرج بن الجوزي أنه كانت فيه عجائب منها: انه ولد في سنة أربع ومائة، وولد أخوه محمد السفاح والمنصور سنة ستين، فبينهما ست وخمسون سنة، ومنها أنه حج يزيد بن معاوية في سنة خمسين، وحج عبد الصمد بالناس سنة خمسين ومائة، وهما في النسب إلى عبد مناف سواء، ومنها إنه أدرك السفاح والمنصور هما ابنا أخيه، ثم أدرك المهدي وهوعم أبيه، ثم أدرك الهادي وهو عم جده، ثم أدرك الرشيد، وفي أيامه مات. وقال يوماً للرشيد: هذا مجلس فيه أمير المؤمنين وعمه وعم عمه وعم عم عمه، وذلك أن سليمان بن أبي جعفر هو عم الرشيد، والعباس عم سليمان، وعبد الصمد عم العباس. ومنها أنه مات بأسنانه التي ولد بها ولم يثغر، يقال ثغر الصبي يثغر فهو مثغر ومثغور إذا سقطت أسنانه، وأثغر إذا نبتت، وأثغر بالمثلثة وبالمثناة من فوق مع التشديد أيضاً. وفيها توفي يزيد بن مزيد ابن أخي معن بن زائدة الشيباني، وكان من الأمراء المشهورين والشجعان المعروفين، كان والياً بأرمينية وآذربيجان، ولاه الرشيد ووجهه لحرب الوليد بن طريف الشيباني الخارجي لما خرج على هارون ببلاد الجزيرة بعدما وجه
(1/309)

إليه موسى بن حازم التيمي في جيش كثيف، فهزمهم الوليد وقتله، فوجه الرشيد معمر بن عيسى العبدي وكانت بينهما وقائع، وكثرت جموع الوليد، فوجه إليه الرشيد يزيد المذكور في عسكر ضخم، فقصده وجعل الوليد يراوغه، وكان ذا مكر ودهاء، وكانت بينهما حروب صعبة ثم بعث الرشيد خيلاً بعد خيل إلى يزيد، وأرسل إليه يعنفه على ترك جده في حربه، فالتقيا ودعاه يزيد إلى المبارزة فبرز إليه الوليد، ووقف العسكران فتطاردا ساعة، ولم يقدر أحداً منهما على صاحبه حتى مضت ساعات من النهار، فأمكنت يزيد فيه الفرصة فضرب رجله، فسقط وضاح بخيله، فبادروا إليه واجتزوا رأسه، فوجه به إلى الرشيد، ورثت الوليد أخته بأبيات تقدمت في ترجمة الوليد في سنة تسع وسبعين ومائة. وروي أن هارون لما جهز يزيد المذكور إلى حرب الوليد أعطاه ذا الفقار سيف النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقال خذه يا يزيد فإنك ستنصر به، فأخذه ومضى، وكان من قتله الوليد ما ذكروا في ذلك يقول مسلم بن الوليد الأنصاري في قصيدة يمدح فيها يزيد المذكور:
أذكرت سيف رسول الله، سنته ... وبأس أول من صلى ومن صاما
يعني بالبأس علي بن أبي طالب رضي الله عنه، اذ كان هو الضارب به. وذكر بعضهم أن ذا الفقار كان مع العاصي بن نبيه في يوم بدر، فقتل هو وأبوه نبيه وعمه منبه ابنا الحجاج، وكانا سيدي بني سهم في الجاهلية، وكانا من المطعمين، وكان الذي قتل العاصي هو علي، فأخذ منه ذا الفقار. وذكر بعضهم أن ذا الفقار كان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأعطاه علياً. وكان سبب وصول السيف المذكور إلى هارون فيما ذكره أبو جعفر الطبري بإسناد متصل أنه تلقاه من أخيه الهادي، والهادي من أبيه المهدي، والمهدي من جعفر بن سليمان العباسي، وجعفر من رجل من التجار، والتاجر من محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، فعه إليه يوم قتل بأربع مائة دينار كانت له عليه وعن الأصمعي قال: رأيت في ذي الفقار ثماني عشرة فقارة. وذكر الخطيب أن الرشيد قال ليزيد من الذي يقول فيك؟:
لا يعبق الطيب كفيه ومفرقه ... ولا تمسح عينيه من العجل
قد عود الطير عادات وثقن بها ... فهن يتبعنه في كل مرتحل
فقال لا أدري يا أمير المؤمنين، فقال يقال فيك مثل هذا ولا تعرف قائله؟! فانصرف
(1/310)

خجلاً، فاجتمع به الوليد بن مسلم، وأنشده هذه القصيدة فقال لوكيله: بع ضيعتي الفلانية وأعطه نصف ثمنها، واحبس نصفه لنفقتنا، فباعها بمائة ألف درهم، فأعطى مسلماً خمسين ألفاً، فبلغ ذلك الرشيد فأعطاه مائتي ألف درهم، وقال: استرجع الضيعة بمائة ألف، وزد الشاعر خمسين ألفاً، واحبس لنفسك خمسين ألفاً، وللشعراء فيه أشعار يطول ذكرها، وفي معنى البيت الذي ذكر فيه أن الطير تتبعه أشعار لجماعة من الشعراء منها قول أبي تمام:
وقد ظللت عقبان راياته ضحى ... بعقبان طير في الدماء تواحل
أقامت على الرايات حتى كأنها ... من الجيش إلا أنها لم تقاتل
وقال يزيد استدعى بي الرشيد يوماً فأتيته لابساً سلاحي، فضحك، وقال: من الذي تقول فيك.
تراه من الأمن في درع مضاعفة ... لا يأمن الدهر أن يدعى على عجل
فقلت: لا أعرفه يا أمير المؤمنين، فقال: سوأة لك من سيد قوم، تمدح بمثل هذا ولا تعرف قائله؟ وقد بلغ أمير المؤمنين، فرواه ووصل قائله وهو مسلم بن الوليد. قال فانصرفت فدعوت به ووصلته. وروي أن عمه معن بن زائدة كان يقدمه على أولاده فعاتبته امرأته لذلك، فقال لها: إني لأجد عندهم من الغنى ما ليس عنده، فلو كان ما يصنع به يزيد بعيداً لصار قريباً، أو عدواً لصار حبيباً، وسأريك في هذه الليلة ما تبسطين به عذري، ثم قال: يا غلام اذهب فادع لي حساناً وزائدة وعبد الله وفلاناً وفلاناً حتى أتى على جميع ولده، فجاؤوا في العلالي الطيبة والنعال السندية بعد ليل، فسلموا وجلسوا، ثم قال معن: يا غلام ادع يزيد، فجاء عجلاً وعليه سلاحه، فوضع رمحه بباب المجلس ودخل،، فقال له معن: ما هذه الهيئة يا أبا الزبير؟ فقال: جاء في رسول الأمير فسبق إلى وهمي أنه يريدني وهمتي، فلبست سلاحي، فقال معن: انصرفوا في حفظ الله، فلما خرجوا قالت له زرجته: قد تبين لي عذرك.

سنة ست وثمانين ومائة
فيها توفي الحافظ خالد بن الحارث البصري، وفقيه المدينة بعد مالك أبو هشام المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي، قيل عرض عليه الرشيد قضاء المدينة فامتنع.
(1/311)

سنة سبع وثمانين ومائة
فيها خلعت الروم من الملك السبت ايريني، وهلكت بعد أشهر وأقاموا عليهم تقفور، والروم تزعم أنه من ولد حفصة الغساني الذي تنصر، وكتب تقفور إلى هارون الرشيد من تقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب أما بعد فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ، وأقامت نفسها مقام البيدق، فحملت إليك من أموالها، ذلك لضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابي فأردد ما حصل قبلك، وافتد نفسك، وإلا فالسيف بيننا وبينك، فلما قرأ الرشيد الكتاب اشتد غضبه وتفرق جلساؤه خوفاً من بادرة تقع منه، ثم كتب بيده على ظهر الكتاب: من هارون أمير المؤمنين إلى تقفور كلب الروم، قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه دون ما تسمعه، ثم ركب من يومه وأسرع حتى نزل على مدينة هرقلة، وأوطأ الروم ذلاً وبلاءً فقتل وسبى، وذل تقفور وطلب الموادعة على خراج يحمله، فلما رد الرشيد إلى الرقة نقض تقفور العهد، فلم يجسر أحد أن يبلغ الرشيد، حتى عملت الشعر أبياتاً يلوحون بذلك، فقال: او قد فعل بها، فكر راجعاً في شقة الشتاء حتى أناخ بفنائه ونال منه مراده، وفي ذلك يقول أبو العتاهية:
ألا نادت هرقلة بالخراب ... من الملك الموفق للصواب
غدا هارون يرعد بالمنايا ... يبرق بالمذكرة العضاب
ورايات يحل النصر فيها ... تمر كأنها قطع السحاب
وفي السنة المذكورة أو التي قبلها توفي بشر بن المفضل أحد حفاظ البصرة، قال الإمام علي بن المديني: كان يصلي كل يرم أربع مائة ركعة، ويصوم يوماً ويفطر يوماً. وفيها توفي عبد العزيز بن عبد الصمد العمي الحافظ، وعبد العزيزبن محمد الدراوردي المدني، وكان فقيهاً صاحب حديث، وتوفي عبد السلام بن حرب الكوفي الحافظ. وفيها توفي أبو الخطاب السدوسي البصري المكفوف الحافظ، والإمام أبو محمد معتمر بن سليمان بن طرخان التيمي الحافظ أحد شيوخ البصرة. وقال بعضهم: كان عابداً صالحاً حجةً. رفيها توفى معاذ بن مسلم الكوفي النحوي شيخ الكسائي، عاش نحو مائة سنة وفيها
(1/312)

غضب الرشيد على البرامكة وضرب عنق جعفر بن يحيى البرمكي الوزير أحد الأجواد والفصحاء، قال بعض المؤرخين: كان من علو القدر ونفاذ الأمر وبعد الهمة وعظم المحل وجلالة المنزلة عند هارون الرشيد بمنزلة الفرد بها، ولم يشاركه فيها أحد، وكان سمح الأخلاق طلق الوجه ظاهر البشر، وأما جوده وسخاؤه وبذله وعطاؤه فكان أشهر من أن يذكر، وكان من ذوي الفصاحة والمشهورين باللسن والبلاغة، ويقال إنه وقع ليلة بحضرة الرشيد زيادة على ألف توقيع، ولم يخرج في شيء منها عن موجب الفقه، وكان أبوه قد ضمه إلى القاضي أبي يوسف حتى علمه وفقهه. ومما يحكى عنه أنه وقع إلى بعض العمال وقد شكا منه. فقال: كثر شاكوك فأما اعتذرت واما عتزلت. ومما ينسب إليه من الفطنة أنه بلغه أن الرشيد مغموم من أجل أن يهودياً زعم أن الرشيد يموت تلك السنة، فركب جعفر إلى الرشيد فرآه شديد الغم، فقال لليهودي: أنت تزعم أن أمير المؤمنين يموت إلى كذا أو كذا يوماً؟ قال: نعم. قال: وأنت كم عمرك؟ قال كذا وكذا. ذكر مدى طويلاً، فقال للرشيد اقتله حتى تعلم أنه كذب في أمدك كما كذب في أمده، فقتله فذهب ما كان بالرشيد من الغم، وشكره على ذلك، وأمر بصلب اليهودي، فقال أشجع السلمي في ذلك.
سل الراكب الموفي على الجزع هل رأى ... براكبه نجماً بدا غير أعورا
ولو كان نجم مخبراً عن منية ... لأخبره عن رأسه المتحيرا
يعرفنا موت الإمام كأنه ... يعرفه أبناء كسرى وقيصرا
أيخبرعن نحس لغيرك شؤمة ... ويحمل بادي النحس يا شر مخبرا
وكان جعفر من الكرم وسعة العطاء كما هو مشهور، ويقال إنه لما حج اختار في طريقه بالعقيق، وكانت سنة مجدبة، فأعرضت امرأة وأنشدت:
إني عبرت على العقيق وأهله ... يشكون من مطر الربيع تزورا
ما ضرهم إذ جعفر جاز بهم ... أن لا يكون ربيعه ممطورا
فأجزل للمرأة المذكورة العطاء، وقيل والبيت الثاني مأخوذ من قول الضحاك بن عقيل الجناحي من جملة أبيات له:
ولو جاوزتنا العام سمراء لم ينل ... على جدبنا أن لا يصوب ربيع
(1/313)

قال بعضهم: لله دره ما أحلى هذه الحشوة، وهي قوله على جدبنا، ومن مكانته عند الرشيد ونفوذ كلمته: ما ذكر صاحب كتاب الأماثل والأعيان عن جعفر في قصة ذكر في آخرها أن جعفر بن يحيى قال لعبد الملك بن صالح الهاشمي: اذكر حوائجك، قال: ان في قلب أمير المؤمنين موجدة علي فتخرجها من قلبه وتعيده إلى جميل رأيه في، قال: قد رضي عنك أمير المؤمنين وزال ما عنده منك، فقال: وعلي أربعة آلاف ألف درهم ديناً، فقال يقضي عنك وانها لحاضرة ولكن كونها من أمير المؤمنين أشرف لك وأدل على حسن ما عنده منك، قال: وإبراهيم ابني أحب أن أرفع قدره بصهر من ولد الخلافة، فقال قد زوجه أمير المؤمنين العالية ابنته، قال: وأوثر التنبيه على موضعه برفع لواء على رأسه، قال: قد ولاه أمير المؤمنين مصر، قال الراوي: وهو إبراهيم بن المهدي، فخرج عبد الملك ونحن متعجبون من قول جعفر وإقدامه على ذاك من غير استئذان فيه، ثم ركبنا من الغد إلى باب الرشيد ودخل جعفر، ووقفنا فما كان أسرع من أن دعي بأبي يوسف القاضي ومحمد بن الحسن وإبراهيم بن عبد الملك، ولم يكن بأسرع من خروج إبراهيم والخلع عليه واللواء بين يديه. وقد عقد له على العالية بنت الرشيد، وحملت إليه ومعها المال إلى منزل عبد الملك بن صالح، وخرج جعفر فتقدم إلينا بأتباعه إلى منزله، وصرنا معه، فقال: اظن قلوبكم تعلقت بأول أمر عبد الملك فأصبتم علم آخره، قلنا هو كذا وكذا، قال: وقلت بين يدي أمير المؤمنين وعرفته ما كان من أمر عبد الملك من ابتدائه إلى انتهائه، وهو يقول أحسن أحسن، قلت: يعني قضيته وقعت له معه كرهت ذكرها لاشتمالها على خلاعات ومنادمات ومحرمات لا يليق ذكرها بأرباب الديانات، واسترسال عبد الملك المذكور مع جعفر على طريق المو فقة بأشياء ليست له، بإعادته حيز القلب واسعاً، قال باريه وتوسد استمالته وتوصل إلى قضاء حاجته، وهي معروفة عند من له إلمام بمطالعة ما سطر في تواريخ الملوك والوزراء، واطلاع على أخبار الوقائع والأمراء. رجعنا إلى ذكر ما ذكره عن الرشيد قال: ثم قال فما صنعت معه فعرفته ما كان من قولي له فاستصوبه وأمضاه، وكان ما رأيتم، قال الراوي فوالله ما أدري أيهم أعجب فعلا، عبد الملك في تعاطيه ما ليس له بعادة، وكان رجل جد وتعفف ووقار وناموس، او إقدام جعفر على الرشيد بما أقدم، او إمضاء الرشيد ما حكم به عليه جعفر. وحكي أنه كان عنده أبو عبيدة الثقفي فقصدته خنفساتة، فأمر جعفر بازالتها، فقال أبو عبيدة: دعوها حتى يأتي بقصدها لي خيراً، فإنهم يزعمون ذلك فأمر له جعفر بألف دينار، وقال: تحقق زعمهم، وأمر بتنحيتها، ثم قصدته ثانياً فأمر له جعفر بألف دينار أخرى.
(1/314)

وحكى ابن القادسي في أخبار الوزراء أن جعفراً اشترى جارية بأربعين ألف دينار، فقالت لبائعها: اذكر ما عاهدتني عليه أنك لا تأكل لي ثمناً، فبكى مولاها وقال: اشهدوا أنها حرة وقد تزوجتها، فوهب له جعفر المال، ولم يأخذ منه شيئاً، وأخبار كرمه كثيرة، وكان أبلغ أهل بيته. قالوا: وكان الفضل أجود منه، وأول من وزر من آل برمك خالد بن برمك لأبي العباس السفاح، ولم يزل خالد على وزارته حتى توفي السفاح، وتولى أخوه أبو جعفر المنصور فأقر خالد على وزارته سنة وشهوراً، وكان أبو أيوب المورياني بالمثناة من تحت بين الراء والألف وفي آخره قيل ياء النسبة نون قد غلب على المنصور، فاحتال على خالد باشارته على المنصور أن يوليه أمرة بعض البلدان البعيدة، فلما بعد عن الحضرة استبد أبو أيوب بالأمر. وقال الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق: ولد خالد سنة تسعين من الهجرة وتوفي سنة خمس وستين ومائة، وكان جعفر متمكناً من عند الرشيد غالباً على أمره، واصلاً منه بالغاً علو والمرتبة عنده ما لم يبلغ سواه، حتى أن الرشيد اتخذ ثوباً له زيقان، وكان يلبسه هو وجعفر جملة، ولم يكن للرشيد صبر عنه، وكان الرشيد أيضاً شديد المحبة لأخته العباسة ابنة المهدي، وهي من أعز النساء عليه، لا يقدر على مفارقتها، كان متى غاب جعفر وهي، لا يتم للرشيد سرور، فقال: يا جعفر إنه لا يتم لي سرور إلا بك وبالعباسة، واني سأزوجها منك ليحل لكما أن تجتمعا. يعني عندي، لكن إياكما أن تجتمعا يعني اجتماع الرجال بالنساء، فتزوجها على هذا الشرط، ثم تغير الرشيد عليه وعلى البرامكة كلهم آخر الأمر، وملهم وقتل جعفراً، واعتقل أخاه الفضل وأباه يحيى بن خالد كما سيأتي في ترجمتهما إن شاء الله تعالى. وقد اختلف
أهل التاريخ في سبب تغير الرشيد عليهم، فمنهم من ذهب إلى أن الرشيد لما زوج أخته من جعفر على الشرط المذكور، بقي مدة على تلك الحالة، ثم اتفق أن أحبت العباسة جعفراً، وأرادت أن تجتمع به، فأبى وخاف، فلما أعيتها الحيلة عدلت الى الخديعة، فبعثت إلى عنابة أم جعفر أن أرسلني إلى جعفر كأني جارية من جواريك اللاتي ترسلين إليه، وكانت أمه ترسل إليه كل يوم جمعة جارية بكراً، فأبت عليها أم جعفر، فقالت: لئن لم تفعلي لأذكرن لأخي أنك خاطبتني بكيت وكيت، ولئن اشتملت من ابنك على ولد ليكون لكم الشرف، وما عسى أن يفعل أخي إن علم أمرنا، فأجابتها أم جعفر وجعلت تعد ابنها أن ستهدي إليه جارية عندها حسناء من هيئتها ومن صفتها، وهو يطالبها بالوعد المرة بعد المرة حتى علمت أنه قد اشتاق اليها، فأرسلت إلى العباسة أن تهيىء الليلة ففعلت، وأدخلت على جعفر، وكان لا يثبت صورتها لأنه كان عند الرشيد لا يرفع طرفه إليها مخافة، فلما قضى منها وطره قالت له: كيف رأيت خديعة بنات الملوك؟ فقال: وأي بنت ملك أنت؟ فقالت: انا مولاتك العباسة، فطاش عقله، وأتى إلى أمه، فقال لها: بعتني والله رخيصاً، وحملت العباسة منه، وجاءت بولد، فوكلت به غلاماً ما اسمه رياش، وحاضنة يقال لها مرة، ولما خافت ظهور الأمر بعثتهم إلى مكة، وكان أبو جعفر يحيى بن خالد ناظراً على قصر الرشيد وحرمه، ويغلق أبواب القصر وينصرف بالمفاتيح معه حتى ضيق على حرم الرشيد، فشكته زبيدة إلى الرشيد، وكان الرشيد يدعوه أبا فقال له: يا أبة الزبيدة تشكوك، فقال: امتهوم أنا في حرمك يا أمير المؤمنين؟ قال: لا. قال: فلا تقبل قولها علي، وازداد يحيى عليها غلظة وتشديداً، فقالت زبيدة للرشيد مرة أخرى في شكوى يحيى، فقال الرشيد لها: يحيى عندي غير متهم في حرمي، فقالت لم لم يحفظ ابنه مما ارتكبه؟ قال: وما هو؟ فخبرته بخبر العباسة، فقال: وهل على هذا دليل؟ قالت: وأي دليل أدل من الولد؟ قال: وأين هو؟ قالت: كان هنا نقلاً، فلما خافت ظهوره وجهته إلى مكة، قال: فهل علم بذلك سواك؟ فقالت: ليس بالقصر جارية إلا وقد علمت به، فسكت عنها وأظهر إرادة الحج، فخرج ومعه جعفر، فكتبت العباسة إلى الخادم والداية بالخروج بالصبي إلى اليمن، فوصل الرشيد مكة، فوكل من يثق به بالبحث عن أمر الصبي فوجده صحيحاً، فأضمر السوء للبرامكة، ذكر ذلك ابن بدرون في شرح قصيدة ابن عبدون التي رثى بها بني الأفطس التي أولها: أهل التاريخ في سبب تغير الرشيد عليهم، فمنهم من ذهب إلى أن الرشيد لما زوج أخته من جعفر على الشرط المذكور، بقي مدة على تلك الحالة، ثم اتفق أن أحبت العباسة جعفراً، وأرادت أن تجتمع به، فأبى وخاف، فلما أعيتها الحيلة عدلت الى الخديعة، فبعثت إلى عنابة أم جعفر أن أرسلني إلى جعفر كأني جارية من جواريك اللاتي ترسلين إليه، وكانت أمه ترسل إليه كل يوم جمعة جارية بكراً، فأبت عليها أم جعفر، فقالت: لئن لم تفعلي لأذكرن لأخي أنك خاطبتني بكيت وكيت، ولئن اشتملت من ابنك على ولد ليكون لكم الشرف، وما عسى أن يفعل أخي إن علم أمرنا، فأجابتها أم جعفر وجعلت تعد ابنها أن ستهدي إليه جارية عندها حسناء من هيئتها ومن صفتها، وهو يطالبها
(1/315)

بالوعد المرة بعد المرة حتى علمت أنه قد اشتاق اليها، فأرسلت إلى العباسة أن تهيىء الليلة ففعلت، وأدخلت على جعفر، وكان لا يثبت صورتها لأنه كان عند الرشيد لا يرفع طرفه إليها مخافة، فلما قضى منها وطره قالت له: كيف رأيت خديعة بنات الملوك؟ فقال: وأي بنت ملك أنت؟ فقالت: انا مولاتك العباسة، فطاش عقله، وأتى إلى أمه، فقال لها: بعتني والله رخيصاً، وحملت العباسة منه، وجاءت بولد، فوكلت به غلاماً ما اسمه رياش، وحاضنة يقال لها مرة، ولما خافت ظهور الأمر بعثتهم إلى مكة، وكان أبو جعفر يحيى بن خالد ناظراً على قصر الرشيد وحرمه، ويغلق أبواب القصر وينصرف بالمفاتيح معه حتى ضيق على حرم الرشيد، فشكته زبيدة إلى الرشيد، وكان الرشيد يدعوه أبا فقال له: يا أبة الزبيدة تشكوك، فقال: امتهوم أنا في حرمك يا أمير المؤمنين؟ قال: لا. قال: فلا تقبل قولها علي، وازداد يحيى عليها غلظة وتشديداً، فقالت زبيدة للرشيد مرة أخرى في شكوى يحيى، فقال الرشيد لها: يحيى عندي غير متهم في حرمي، فقالت لم لم يحفظ ابنه مما ارتكبه؟ قال: وما هو؟ فخبرته بخبر العباسة، فقال: وهل على هذا دليل؟ قالت: وأي دليل أدل من الولد؟ قال: وأين هو؟ قالت: كان هنا نقلاً، فلما خافت ظهوره وجهته إلى مكة، قال: فهل علم بذلك سواك؟ فقالت: ليس بالقصر جارية إلا وقد علمت به، فسكت عنها وأظهر إرادة الحج، فخرج ومعه جعفر، فكتبت العباسة إلى الخادم والداية بالخروج بالصبي إلى اليمن، فوصل الرشيد مكة، فوكل من يثق به بالبحث عن أمر الصبي فوجده صحيحاً، فأضمر السوء للبرامكة، ذكر ذلك ابن بدرون في شرح قصيدة ابن عبدون التي رثى بها بني الأفطس التي أولها:
الدهريفجع بعد العين بالأثر ... فما البكاء على الأشباح والصور
ولأبي نواس أبيات تدل على طرف من الواقعة التي ذكرها ابن بدرون.
ألا قل لأمين الله ... وابن القارة الساسه
إذا ما ناكث سرك ... أن يفقده رأسه
فلا تقتله بالسيف ... وزوجه بعباسه
وذكره غيره: أن الرشيد سلم إلى جعفر يحيى بن عبد الله بن الحسن، وكان قد خرج على خلفاء بني العباس، وأمره بحبسه عنده، فقال يحيى لجعفر: اتق الله في أمري، ولا تتعرض أن يكون خصمك جدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم. فرق له جعفر وقال: اذهب حيث شئت من البلاد، فقال أخاف أن أوخذ فأرد، فبعث معه من أوصله إلى مأمنه، وبلغ الخبر الرشيد فدعا به، وقال: يا جعفر ما فعل يحيى؟ قال:
(1/316)

يحيا له قال: بحياتي، فوجم وأحجم وقال لا وحياتك أطلقته حيث علمت أن لا سوء عنده، قال نعم الفعل وما عددت ما في نفسي، فلما نهض جعفر اتبعه بصره، قال قتلني الله إن لم أقتلك، وقيل: ما كان من البرامكة جناية توجب غضب الرشيد، ولكن طالت أيامهم وكل طويل مملول، ولقد استطال الناس الذي هم خير الناس أيام عمر بن الخطاب وما رأوا مثلها عدلاً وأماناً وسعة أموال وفتوح، وأيام عثمان فقتلوهما، ورأى الرشيد مع ذلك أنس النعمة بهم، وكثرة حمد الناس لهم، وآمالهم فيهم، ونظرهم إليهم دونه، او كما قيل وللملوك تنافس بأقل من هذا، فتعنت عليهم، وتجنى، وطلب مساويهم، ووقع منهم بعض الإزلال خصوصاً جعفر والفضل دون يحيى فإنه أحكم خبرة وأكثر ممارسة للأمور، ولاز بهم قوم من أعدائهم بالرشيد كالفضل بن الربيع وغيره فستروا منهم المحاسن وأظهروا القبائح حتى كان ما كان، وكان الرشيد بعد ذلك إذا ذكروا عنده بسوء أنشد ما معناه وغالب ألفاظه هذا:
أقول ملا ما لا أبا لأبيكم ... عن القوم أو سدوا المكان الذي سدوا
وقيل السبب أنه رفعت إلى الرشيد قصة لم يعرف رافعها، وفيها هذه الأبيات:
قل لأمين الله في أرضه ... ومن إليه الحل والعقد
هذا ابن يحيى قد غدا ملكاً ... مثلك، وما بينكما حسد
أمرك مردود إلى أمره ... وأمره ليس له رد
وقد بنى الدار التي ما بنى ... الفرس لها مثلا ولا الهند
الدر والياقوت حصباؤها ... وتربها العنبر والند
ونحن نخشى أنه وارث ... ملكك إن غيبك اللحد
ولن يباهي العبد أربابه ... إلا إذا ما بطر العبد
فوقف الرشيد عليها، وأضمر له السوء. وحكى بعضهم أن علية بنت المهدي قالت للرشيد بعد ايقاعه بالبرامكة: يا سيدي ما رأيت لك يوماً سروراً تاماً منذ قتلت جعفراً، فلأي شيء قتلته؟ فقال لها: لو علمت أن قميصي يعلم السبب في ذلك لمزقته. وقال السندي بن شاهك: كنت ليلة نائماً في غرفة الشرطة في الجانب الغربي، فرأيت في منامي جعفر بن يحيى واقفاً بإزائي، وعليه ثوب مصبوغ بالعصفر وهو ينشد:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
بلى نحن كنا أهلها وأبا دنا ... صروف الليالي واللحود العواثر
(1/317)

قلت ويروى هذا البيت السنون العواثر، يروى أنه أنشده عمرو بن مضاض الجرهمي بعد أن أخرج قومه من مكة، ونزلوا بلاد اليمن. قال: فانتبهت فزعاً وقصصتها على أحد خواصي، فقال: اضغاث أحلام، وليس كل ما يراه الإنسان يجب أن يفسر فعاودت مضجعي فلم تمتلي عيناي غمضاً حتى سمعت صيحة الرابطة والشرط وقعقعة نجم البريد ودق باب الغرفة، فأمرت بفتحها فصعد سلام الأبرش الخادم، وكان الرشيد يوجهه في المهمات، فانزعجت وأرعدت مفاصلي، وظننت أنه أمرني بأمر، فجلس إلى جانبي وأعطاني كتابأ، فقرأته وإذا فيه: هذا كتابنا بخطنا مختوم، بالخاتم الذي في يدنا، وموصله سلام الأبرش، فإذا قرأته فقبل أن تضعه من يدك امض إلى دار يحيى بن خالد لاحاطه الله، وسلام الأبرش معك حتى تقبض عليه، وتوقره حديداً، وتحمله إلى الحبس في مدينة المنصور المعروف بحبس الزنادقة، وتتقدم إلى بآدام بن عبد الله، وتأمره أو كما قال بالمسير إلى الفضل ابنه، مع ركوبك إلى دار يحيى، وقبل انتشار الخبر تفعل به مثل ما تقدم إليك في يحيى، وأن تحمله أيضا إلى حبس الزنادقة، ثم ابعث بعد فراغك من أمر هذين أصحابك في القبض على يحيى وأولاده وإخوته وقراباته، وذكر أشياء أخرى يطول ذكرها اقتضى الاقتصار حذفها. قال الراوي: ثم دعا السندي بن شاهك فأمره بالمضي إلى بغداد والتنكيل بالبرامكة وكتاباتهم وقراباتهم، وأن يكون ذلك سراً، ففعل السندي، ذلك، وكان الرشيد بالأنبار بموضع يقال له العمر بضم العين المهملة ومعه جعفر بمنزله، وقد دعا أبا زكار بالزاي قبل الكاف والراء في آخره وجواريه، ونصب الستائر وأبو زكار يغنيه.
ما يريد الناس منا ... ما ينام الناس عنا
إنما همهم أن ... يظهرواما قد دفنا
ودعا الرشيد ياسراً غلامه، وقال له: لقد انتخبتك لأمر، ولم أر له محمداً ولا عبد الله ولا القاسم، فحقق ظني، واحذر أن تخالف فتهلك، فقال: لو أمرتني بقتل نفسي لفعلت، فقال: اذهب إلى جعفر بن يحيى، وجئني برأسه الساعة، فوجم لا يجيب جواباً، فقال مالك: ويلك، قال: الأمر عظيم، وددت أني مت قبل وقتي هذا، فقال: امض لأمري، فمضى حتى دخل على جعفر، وأبو زكار يغنيه:
فلا تبعد فكل فتى سيأتي ... عليه الموت يطرق أويغادي
وكل ذخيرة لا بد يوماً ... وأن بقيت يصير إلى نفاد
ولو فديت من حديث الليالي ... فديتك بالطريف وبالتلاد
فقال! له: يا ياسر، سررتني بإقبالك، وسوأتني بدخولك من غير إذن، قال: الأمر أكبر
(1/318)

من ذلك، قد أمرني أمير المؤمنين كذا وكذا، فأقبل جعفر يقبل قدمي ياسر قال: دعني أدخل وأوصي، قال: لا سبيل إليه أوص بما شئت، فقال: لي عليك حق ولا تقدر على مكافاتي إلا الساعة، قال: تجدني سريعاً إلا في ما يخالف أمير المؤمنين، قال: فارجع وأعلمه بقتلي، فإن ندم كانت حياتي على يدك وإلا أنفذت أمره في، قال: لا أقدر، قال: فأسير معك إلى مضربه وأسمع كلامه ومراجعتك، فإن أصر فعلت، قال: اما هذا فنعم. ثم انه صار إلى مضرب الرشيد، فلما جمع حسه قال له: ما وراءك؟ فذكر له قول جعفر فيه، وقال: والله لئن راجعتني لأقدمنك قبله، فرجع فقتله وجاء برأسه، فلما وضعه بين يديه أقبل عليه ملياً ثم قال: يا ياسر جئني فلان وفلان، فلما أتى بهما قال لهما: اضربا عنق ياسر، فلا أقدر أن أرى قاتل جعفر، وقيل الذي هجم عليه مسرور الخادم بإرسال الرشيد له، وبعد ضرب عنقه صلب على الجسر ببغداد. وحكي أن جعفر آخر أيامهم أراد الركوب، فدعا بالاصطرلاب ليختار وقتاً وهو في داره على دجله، فمر رجل في سفينة وهو لا يرى جعفر ولا يدري ما يصنع، وهوينشد هذا البيت:
مريد بالنجوم وليس تدري ... ورب النجم يفعل ما يريد
فضرب بالاصطرلاب الأرض وركب. وحكي أنه رأى على باب قصر علي بن ماهان بخراسان صبيحة الليل التي قتل فيها جعفر كتاباً بقلم جليل فيه هذان البيتان.
إن المساكين بني برمك ... صتت عليهم غيرالدهر
إن لنا في أمرهم عبرة ... فليعتبر ساكن ذا القصر
ولما بلغ سفيان بن عيينة قتل جعفر وما نزل بالبرامكة، حول وجهه إلى القبلة، وقال: اللهم إنه كان قد كفاني مؤنة الدنيا فاكفه مؤنة الآخرة، فلما قتل جعفر أكثر الشعراء في ورثائه ورثاء آله فقال الرقاشي:
هدى الخالون من شجوي فناموا ... وعيني لا يلائمها منام
وما سهرت لأني مستهام ... إذا سهر المحب المستهام
ولكن الحوادث أرقتني ... فلي سهر إذا هجع الأنام
أصبت بسادة كانوا نجوماً ... بهم نسقي إذا انقطع الغمام
ولم يزل يقول إلى أن قال:
(1/319)

على المعروف والدنيا جميعاً ... لدولة آل برمك السلام
فلم أر قط قبلك يا ابن يحيى ... حساماً فله السيف الحسام
وأما والله لولا خوف واش ... وعين للخليفة لا تنام
لطفنا حول جذعك واستلمنا ... كما للناس بالحجر استلام
وقال أيضاً يرثيه وأخاه الفضل.
ألا ان سيفاً برمكياً مهندا ... أصيب بسيف هاشمي مهند
فقل للمطايا بعد فضل تعطلي ... وقل للرزايا كل يوم تجددي
وقال آخر:
ولما رأيت السيف صبح جعفرا ... ونادى مناد للخليفة في يحيى
بكيت على الدنيا وأيقنت إنما ... قصارى الفتى فيها مفارقة الدنيا
وغير ذلك مما رثوه من الأشعار مما يخرج عن حيز الاختصار إلى حيز الإكثار مع أن ترجمة جعفر، من أطال الكلام فيها فقد قصر. قال بعض المؤرخين ومن أعجب ما يؤرخ من تقلبات الدنيا بأهلها ما حكى بعضهم قال: دخلت على والدتي في يوم عيد الأضحى وعندها امرأة في ثياب رثة، فقالت لي والدتي أتعرف هذه؟ قلت: لا قالت لي: هذه أم جعفر البرمكي، فأقبلت عليها وتحادثنا زمانأ ثم قلت يا أمه، ما أعجب ما رأيت؟ فقالت: لقد أتى علي يا بني عيد مثل هذا وعلى رأسي أربع مائة وصيفة، واني لأعد ابني عاقاً لي، ولقد أتى علي يا بني هذا العيد وما منازي إلا جلدا شاتين، افترش أحدهما وألتحف بالآخر، قال: فدفعت لها خمس مائة درهم، وكادت تموت فرحاً بها، سبحان مقلب الدهور ومدبر الأمور. وفي السنة المذكورة توفي السيد الجليل الولي الخليل الإمام أبو علي المعروف بالفضيل أحد الأعلام الذين يقتدي بهم الأنام، قال ابن المبارك: ما على ظهر الأرض أفضل من الفضيل بن عياض، قالوا: وكان قد قدم الكوفة شاباً، فحمل عن منصور وطبقته، وقال القاضي شريك الفضيل حجة لأهل زمانه. ويحكى أن الرشيد قال للفضيل يوماً: ما أزهدك؟ فقال: الفضيل: انت أزهد مني فقال: وكيف ذلك؟ فقال لأني أزهد في الدنيا، وأنت تزهد في الآخرة، والدنيا فاتنة، والآخرة باقية، قلت: وللفضيل مع هارون حكاية عجيبة ذكرتها في غيرهذا الكتاب.
(1/320)

ومن كلام الفضيل: اذا أحب الله تعالى عبداً أكثر غمه، وإذا أبغض الله عبداً وسع عليه دنياه، وقال: لو أن الدنيا بحذافيرها عرضت علي لأحاسب عليها، لكنت أتقذرها كما يتقذر أحدكم الجيفة إذا مر بها أن يصيب ثوبه، وقال ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك، وقال لو كانت لي دعوة مستجابة لم أجعلها إلا في إمام، لأنه إذا صلح الامام أمن البلاد والعباد. وقال أبو علي الرازي: صحبت الفضيل ثلاثين سنة، ما رأيته ضاحكاً ولا متبسماً الا يوم مات ابنه علي، فقلت له في ذلك: فقال: ان الله تعالى أحب أمراً فأحببت ذلك الأمر، وكان ولده المذكور شاباً محبباً من كبار الصالحين. وقيل للفضيل: ان ابنك علياً يقول: وددت أني في مكان أرى الناس من حيث لا يروني، فبكى وقال: يا ويح علي، ليته أتمها فقال: لا أراهم ولا يروني. وكان ابن المبارك يقول: اذا مات الفضيل ارتفع الحزن من الدنيا، وهو معدود من الجماعة الذين شغفتهم محبة الله. ومناقب الفضيل كثيرة مشهورة، وسيرته بين الخلق جميلة مشكورة، ومولده بسمرقند، وقيل بغيرها من بلاد العجم وقدم الكوفة، وسمع الحديث بها، ثم انتقل إلى مكة فجاور بها إلى أن مات، وقبره فيها مزور مشهور. قلت: والمشهور من كلام المشايخ في كتب السلوك أنه كان في أول أمره شاطراً يقطع الطريق، وكانت سبب توبته أنه عتق جارية فبينا هو يرتقي الجدار إليها سمع تالياً: " ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر ال " - الحديد: 16 - فقال: بلى يا رب قد آن، فرجع وأواه الليل إلى خربة، فاذا فيها رفقة، فقال بعضهم: نرتحل وقال بعضهم: حتى نصبح فان فضيلاً على الطريق يقطع علينا، فتاب الفضيل وأمنهم. وروي أنه قال للرشيد: يا حسن الوجه، انت الذي أمر هذه الأمة في يدك وعنقك
لقد تقلدت أمراً عظيماً، فبكى الرشيد ثم أعطى كل واحد من الأولياء والعلماء الحاضرين بدرة، فكل قبلها إلا الفضيل، فقال له الرشيد: يا أبا علي، ان لم تستحل أخذها فأعطها ذا دين، او أشبع بها جائعاً، او إكس بها عارياً، فاستعفاه منها: قال الراوي وهو سفيان بن عيينة: فلما خرجنا قلت له: يا أبا علي أخطأت أن لا أخذتها وصرفتها في أبواب البر، فأخذ بلحيتي ثم قال، يا أبا محمد، انت فقيه البلد والمنظور إليه، وتغلط مثل هذا الغلط، لو
(1/321)

طابت لأولئك لطابت لي. وفي السنة المذكورة توفي يعقوب بن داود السلمي، كان كاتب إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، الذي خرج هو وأخوه علي أبي جعفر المنصور بالبصرة ونواحيها، وقتلا في سنة خمس وأربعين ومائة، وقصتهما مشهورة، وقد تقدم ذكرهما هنالك، وكان قد نشأ يعقوب المذكور في صنوف من العلوم، ولما ظهر المنصور على إبراهيم بن عبد الله المذكور، ظفر بيعقوب المذكور فحبسه في المطبق، وكان يعقوب سمحاً جواداً كثر البر والصدقة واصطناع المعروف مقصوداً ممدوحاً، مدحه أعيان شعراء عصره، فلما مات المنصور وقام بالأمر ولده المهدي، جعل يتقرب إليه حتى أدناه، واعتمد عليه وعلت منزلته عنده وعظم شأنه حتى خرج كتابه إلى الدواوين: ان أمير المؤمنين قد آخى يعقوب بن داود، فقال في ذلك سالم بن عمرو:
قل للإمام الذي جاءت خلافته ... يهدى إليه بحق يخر مردود
نعم القرين على التقوى أعنت به ... أخوك في الله يعقوب بن داود
فلم يكن ينفذ شيء من الكتب للمهدي حتى يرد كتاب من يعقوب، الى أن تكلم فيه الواشون والعذال، واكثر فيه الأعداء المقال، وذكروا خروجه على المنصور مع إبراهيم بن عبد الله، فوجد المهدي عليه، فأراد أن يمتحنه في ميله إلى العلوية، فقال له: هذا البستان، وأشار إلى بستان فيه صنوف من الأشجار، وهذه الجارية، وأشار إلى جارية عنده، لك وأمرت لك بمائة ألف درهم، ولي إليك حاجة أحب أن تضمن لي بقضائها. فقال: السمع والطاعة، فقال: والله؟ قال: والله ئلاث مرات. فقال له: ضع يدك على رأسي واحلف به، ففعل ذلك، فلما استوثقه قال له: هذا فلان ابن فلان رجل من العلوية أحب أن تكفيني مؤنته، وتريحني منه، يعني نقتله، فأمره بتحويل الجارية وما في المجلس من الأثاث والمال المذكور، فاشتد سروره بالجارية، وجعل فلان العلوي عنده في مجلس، فقال له العلوي ويحك يا يعقوب، تلقى الله بدم رجل من ولد فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال له يعقوب: خذ هذا المال، وخذ أي طريق شئت، فقال: طريق كذا آمن لي، فقال: امض مصاحباً بالسلامة، او كما قال، فسمعت الجارية الكلام كله، ووجهت مع بعض خدمها إلى الخليفة تعلمه بذلك، وقالت: هذا جزاء من آثرته بي على نفسك، فوجه المهدي في تلك الطريق من لحق العلوي، فرده إليه ومعه المال، وجعله في مجلس، ووجه إلى يعقوب، فلما حضر قال له: ما فعل الرجل؟ قال أراح الله منه أمير المؤمنين، قال: مات؟ قال: نعم، فحلفه على ذلك. فحلف وأقسم برأسه، فقال: يا غلام آخرء إلينا من في
(1/322)

هذا البيت، ففتح بابه عن العلوي والمال بعينه، فبقي يعقوب متحيراً لا يدري ما يقول، فقال له المهدي: لقد حل دمك ولو آثرت إراقته لأرقته، ولكن احبسوه في المطبق، فحبسوه، وأمر بأن يطوى خبره عن كل واحد، فأقام فيه سنتين وشهوراً في أيام المهدي والهادي وخمس سنين في أيام الرشيد، ثم شفع فيه يحيى بن خالد البرمكي، فأمر هارون بإخراجه، فخرج وقد ذهب بصرة، فأحسن إليه الرشيد ورد ماله، وخيرة المقام حيث يريد، فاختارمكة، فأذن له في ذلك، فأقام بها حتى مات، رحمه الله تعالى. وفي رواية عن أبيه قال: اخبرني أبي أن المهدي حبسه في بير، وبنى عليه قبة مكث فيها خمس عشرة سنة، وكان يدلي إليه كل يوم برغيف وكوز ماء، ويؤذن بأوقات الصلوات، قال فلما كان في رأس ثلاث عشرة أتاني آت في منامي فقال:
حنا على يوسف رب فأخرجه ... من قعر جب وبيت حوله غمم
قال فحمدت الله تعالى، وقلت أتاني الفرج، ثم مكثت حولاً لا أدري شيئاً فلما كان في رأس الحول الثاني أتاني ذلك الآتي فأنشدني:
عسى فرج يأتي به الله إنه ... له كل يوم في خليقته أمر
قال ثم مكثت حولاً آخر ثم أتاني ذلك فقال:
عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب
فيأمن خائف ويفك عان ... ويأتي أهله النائي والغريب
قال: فلما أصبحت نوديت، فظننت أن أوذن بالصلاة، فدلي لي حبل وقيل لي: اشدد به وسطك، ففعلت فأخرجوني، فلما قابلت الضوء غشي بصري، فانطلقوا بي، فأدخلت على الرشيد، فقيل لي: سلم على أمير المؤمنين، فقلت السلام على أمير المؤمنين المهدي ورحمة الله تعالى وبركاته، فقال لست به، فقلت السلام على أمير المؤمنين الهادي، فقال: لست به، فقلت: السلام على أمير المؤمنين الرشيد، فقال: يا يعقوب بن داود، والله ما شفع فيك إلي أحد، غير أني حملت الليلة صبيةً لي على عنقي، فذكرت حملك إياي على عنقك، فوثبت لك من المحل الذي كنت فيه، فأخرجتك، وكان يعقوب يحمل الرشيد وهو صغير.

سنة ثمان وثمانين ومائة
فيها توفي محدث الري الحافظ أبو عبد الله جرير بن عبد الحميد الضبي، وفيها على
(1/323)

الصحيح توفي الإمام أبو عمرو عيسى بن يونس بن أبي إسحاى السبيعي. وفيها أو في السنة الماضية توفي مرحوم بن عبد العزيز العطار بالبصرة، وكان محدثاً عابداً صالحاً. وفيها توفي أبو إسحاق إبراهيم بن ماهان التميمي مولاهم المعروف بالنديم الموصلي، ولم يكن من الموصل وإنما سافر إليها وأقام بها مدة، وهو من بيت كبير في العجم، وأول خليفة سمعه المهدي بن منصور، ولم يكن في زمانه مثله في الغناء واختراع الألحان. وحكي أن هارون الرشيد كان يهوى جارية هوى شديداً، فتغاضبا مرة ودام بينهما الغضب، فقال جعفر البرمكي للعباس بن الأحنف: احب أن تعمل في ذلك شيئاً فعمل:
راجع أحبتك الذين هجرتهم ... إن المتيم قل ما يتجنب
إن التجنب إن تطاول منكما ... رب السلو له فعز المطلب
وأمر إبراهيم الموصلي يغني به الرشيد، فلما سمعه بادر فترضاها، فسألت عن السبب فأخبرت بذلك، فأمرت لكل واحد من العباس بن الأحنف وإبراهيم بعشرة آلاف درهم، وسألت الرشيد أن يكافيهما، فأمر لهما بأربعين ألف درهم، وتوفي إبراهيم المذكور في السنة المذكورة بالقولنج وقيل في سنة ثلاث عشرة ومائتين، والأول أصح.

سنة تسع وثمانين ومائة
فيها الفداء الذي لم يسمع بمثله، حتى لم يبق في أيدي الروم مسلم إلا فودي به، وفيها توفي شيخ القراءات والنحو الإمام أبو الحسن علي بن حمزة الأسدي مولاهم الكوفي المعروف بالكسائي، احد القراء السبعة، كان إماماً في النحو واللغة والقراءات، ولم يكن له في الشعر يد حتى قيل: ليس من علماء العربية أجهل بالشعر من الكسائي، وكان يؤدب الأمين بن هارون الرشيد ويعلمه الأدب، وقيل والرشيد أيضاً، ولم يكن له زوجة ولا جارية فكتب إلى الرشيد يشكو العزبة في هنه الأبيات:
قل للخليفة ما تقول لمن ... أمسى إليك بحرمة بذلي؟
ما زلت مذ صار الأمير معي ... عبدي يدي، ومطيتي رجلي
وعلى فراشي من ينبهي ... من نومة، وقيامه قبلي
(1/324)

أسعى برجل منه بالية ... موقودة مني بلا رجل
وإذ ركبت أكون مرتدفاً ... قد أم سرجي راكب مثلي
فامنن علي بما يسكنه ... عني وأهدي الغمد للنصل
فأمر له الرشيد بعشرة آلاف درهم وجارية حسناء بجميع آلاتها، وخادم وبرذون بجميع آلاته. واجتمع يوماً بمحمد بن الحسن الفقيه الحنفي في مجلس الرشيد، فقال الكسائي من يتجر في علم يهدي إليه جميع العلوم، فقال له محمد: ما تقول فيمن سها في سجود السهو؟ هل يسجد مرة أخرى؟ قال الكسائي: لا قال: لم ذا؟ قال: لأن النحاة تقول المصغر لايصغر.
وذكر الخطيب في تاريخ بغداد أن هذه القضية جرت بين محمد بن الحسن المذكو والفراء، وهما ابنا خالة، قال ابن خلكان: وجدت هذه الحكاية على القول الأول في عدة مواضع، والله أعلم بالصواب. رجعنا إلى بقية الحكاية، فقال محمد: فما تقول في تعليق الطلاق أيصح؟ قال: لا يصح قلت يعني لا يصح وقوعه؟ قبل وجود الصفة المعلق عليها؟ قال: لم قال: لأن السيل لا يسبق المطر، وله مع سيبويه وأبي محمد اليزيدي مجالس ومناظرات وسيأتي ذكر بعضها في تراجم أربابها إن شاء الله تعالى. روى الكسائي عن أبي بكر بن عياش وحمزة الزيات وابن عيينة وغيرهم، وروى عن الفراء وأبو عبيد القاسم بن سلام وغيرهما، وتوفي بالري، وكان قد خرج إليها بصحبة هارون الرشيد، وقال السمعاني: وفي ذلك اليوم توفي محمد بن الحسن بالري أيضاً بزيتونة، قرية من قرى الري كذا قال ابن الجوزي في شذور العقود، وقيل إن الكسائي مات بطوس والله أعلم، ويقال إن الرشيد كان يقول: دفنت العربية والفقه بالري. قلت وقد تقدم قول الشافعي: من أراد أن يتبحر في النحو فهو عيال على الكسائي، وإنما قيل له الكسائي لأنه دخل الكوفة وجاء إلى حمزة بن حبيب الزيات، وهو ملتف بكساء، فقال حمزة: من يقرأ؟ فقيل له: صاحب الكساء، فبقي عليه هذا اللقب. وقيل بل أحرم في كساء فنسب إليه، رحمه الله تعلى. وفيها توفى قاضي القضاة وفقيه العصر محمد بن الحسن الكوفي منشأ الشيباني، مولى
(1/325)

أصله من قرية على باب دمشق فقدم أبوه من الشام إلى العراق وأقام بواسط، فولد محمد ونشأ بالكوفة، قال الشافعي لو أشاء أن أقول نزل القرآن بلغة محمد بن الحسن لقلت، لفصاحته. وقال أيضاً ما رأيت أحداً يسأل عن مسألة فيها نظر إلا تبينت في وجهه الكراهة إلا محمد بن الحسن. وقال غيره: لقي جماعة من أعلام الأئمة، وحضر مجلس أبي حنيفة سنتين، ثم تفقه على أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، وصنف الكتب الكبيرة النادرة، ومنها الجامع الكبير والجامع الصغير وغيرهما، وله في مصنفاته المسائل المشكلة خصوصاً المتعلقة بالعربية ونشر علم أبي حنيفة، وكان أفصح الناس، اذا تكلم خيل إلى سامعه أن القرآن نزل بلغته، ولما دخل الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه بغداد كان بها، وجرى بينهما مجالس ومسائل فظهر علو شأن الشافعي وبراعته في العلوم. وقد ذكرت شيئاً من ذلك في مختصر مناقب الإمام الشافعي، وروي عن الشافعي أنه قال: ما رأيت سميناً ذكياً إلا محمد بن الحسن. وحكى محمد بن الحسن أنه أتى أبو حنيفة بامرأة ماتت وفي جوفها ولد يتحرك، فأمرهم فشقوا جوفها واستخرجوا الولد، وكان غلاماً فعاش حتى طلب العلم، وكان يتردد إلى مجلس محمد بن الحسن رحمه الله، وسمي ابن أبي حنيفة. قلت وقد حكيت هذه الحكاية على غير هذا الوجه، فقيل إن الإمام الشافعي هو الذي أفتى بشق بطن أمه واخراج الولد، وكان بعض العلماء قد أفتى بالدفن مع الحمل، فنشأ الولد وتسلم العلم فسأل عن الذي كان قد أفتى بدفنه مع أمه فقال الإمام الشافعي هذا الذي أفتيت بقتله، والله أعلم أي ذلك كان ويحتمل أن تكونا قضيتين. قال محمد بن الحسن خلف أبي ثلاثين ألف درهم فأنفقت نصفها على النحو والشعر وأنفقت الباقي على الفقه ولما توفي هو والكسائي قال الرشيد دفنا الفقه والنحو بالري كما تقدم، ومحمد بن الحسن هو ابن خالة الفراء صاحب النحو واللغة.

سنة تسعين ومائة
فيها فتح هرقلة واستعد الرشيد وأمعن في بلاد الروم، ودخلها في مائة ألف وبضع وثلاثين ألف سوى المجاهدين تطوعاً، وبث جيوشه تغير وتغنم وتخرب، فلما فتح هرقلة
(1/326)

أخذها وسبى أهلها، وكان مقامه عليها شهراً وبلغ السبي من قبرس سته عشر الفاً، وكان فيهم اسقف قبرس، فنودي عليه فبلغ ألفي دينار وبعث تقفور جزية عن رأسه وامرأته وخواصه، وكان ذلك خمسين ألف دينار، واشترط عليه الرشيد أن لايعمر هرقلة، وأن يحمل في العام ثلاث مائة ألف دينار، وكتب تقفور إليه أما بعد فلي إليك حاجة أن تهب لابني جارية من سبي هرقلة كنت خطبتها له فاستعفني بها فأحضر الرشيد الجارية فزينت، وأرسل معها سرداقاً وتحفاً فأعطى تقفور للرسول خمسين ألفاً وثلاث مائة ثوب وبراذين وبزاة. وفيها توفي أبو عبيدة الحداد البصري. وعبيدة بن حميد الكوفي الحذاء الحافظ، وكان صاحب قرآن وحديث ونحو، ادب الأمين بعد الكسائي. وفيها توفي حميد بن عبد الرحمن الرواسي الكوفي، ويحيى بن خالد البرمكي توفي في سجن الرشيد، وبرمك من مجوس بلخ ولا يعلم هل أسلم أم لا قلت: ولأجل كون أصلهم مجوسياً أتهم الرشيد جعفر على ما حكي أنه استشاره في هدم إيوان كسرى، فأشارعليه بترك ذلك، فما طاب ذلك على هارون، وظن أنه أراد بها مشرف آثار المجوس، وربما قيل إنه شافهه بذلك مبكتاً له، فقال له: اهدموا فلم شرعوا في هدمه صعب الهدم، وتعسر لقوة أحكام بنائه، فاستشاره ثانياً في ترك الهدم، فأشار عليه بأن لا يترك ما شرع فيه من الهدم، فقال له: سبحان الله، اشرت أولاً بترك الهدم وأشرت ثانياً بالهدم، فقال ما معناه: اني إنما أشرت بترك الهدم ليعرف شرف الإسلام وعلوه وقوة تأييده كل من رأى تلك الآثار التي ظهر عليها الإسلام وأذل أهلها وأزال ملكهم الذي زواله لا يرام وعزة لا يضام، فلما لم تقبل مشورتي وشرعتم في هدمه واستشرتني في ترك ذلك، اشرت عليك بعدم الترك لئلا يدل ذلك على ضعف الإسلام، ويقال: عجز المسلمون عن هدم ما بناه المخالفون لدينهم، فعند ذلك عرف صواب رأيه وغزارة عقله، وقد كان غرم على هدم قطعة يسيرة أموالاً كثيرة. رجعنا إلى ذكر أولاد برمك: وساد ابنه خالد، وتقدم في الدولة العباسية، وتولى الوزارة لأبي العباس السفاح، وقال أبو الحسن المسعوعي في كتاب مروج الذهب: لم يبلغ مبلغ خالد بن برمك أحد من ولده في جوده ورأيه وبأسه وعلمه وجميع حاله، لا يحيى في رأيه ووفور عقله، ولا الفضل بن يحيى في جوده ونزاهته، ولا جعفر في كتابته وفصاحة لسانه، ولا محمد بن يحيى في شرفه وبعد همته، ولا موسى في شجاعته وبأسه.
(1/327)

ولما بعث أبو مسلم الخراساني قحطبة بن شبيب الطائي لمحاربة يزيد بن هبيرة الفزاري عامل مروان بن محمد على العراقين، وكان خالد بن برمك في جملة من كان معه، فنزلوا في طريقهم بقربة بينما هم على سطح بعض دورها يتغدون، اذ نظروا إلى الصحراء وقد أقبلت منها أقاطيع الوحوش من الظباء وغيرها حتى كادت تخالط العسكر، فقال خالد لقحطبة: ايها الأمير ناد في الناس ومرهم يسرجوا ويلجموا قبل أن يهجم عليهم الخيل، فقام قحطبة مذعوراً فلم ير شيئاً يروعه، فقال: يا خالد ما هذا الرأي؟ فقال: قد نهز إليك العدو أما ترى أقاطيع الوحش قد أقبلت إن وراءها لجمعاً كثيفاً، فما ركبوا حتى رأوا الغبار، ولولا خالد لهلكوا، وأما يحيى فإنه كان من النبل والعقل وجميل الخلال على أكمل حال، وكان المهدي قد ضم إليه ولده هارون الرشيد وجعله في حجره، فلما استخلف هارون عرف له حقه، وقال له: يا أبت أجلستني في هذا المجلس وببركتك ويمنك وحسن تدبيرك وقد قلدتك الأمر، ودفع له خاتمه، وفي ذلك يقول المولى الموصلي:
ألم تر أن الشمس كانت سقيمة ... فلما ولي هارون أشرق نورها
بيمن أمين الله هارون ذي الندا ... فهارون واليها ويحيى وزيرها
وكان يعظمه إذا ذكره، ويجعل إصدار الأمور وإيرادها إليه، الى أن نكب البرامكة، فغضب عليه وخلده في الحبس إلى أن مات فيه، وقتل ابنه جعفر حسب ما تقدم شرحه في ترجمته، وكان من العقلاء الكرماء البلغاء. ومن كلامه ثلاثة أشياء تدل على عقول أربابها: الهدية والكتاب والرسول، وكان يقول لولده: اكتبوا أحسن ما تسمعون، واحفظوا أحسن ما تكتبون، وتحدثوا بأحسن ما تحفظون. وقال الفضل بن مروان: سمعت يحيى بن خالد يقول من لم أحسن إليه فأنا مخير
فيه، ومن أحسنت إليه فأنا مرتهن له. وقال القاضي يحيى بن أكثم: سمعت المأمون يقول: لم يكن ليحيى بن خالد ولولده أحد كفؤاً في الكتابة والبلاغة والجود والشجاعة، ولقد صدق القائل حيث يقول:
أولاد يحيى أربع كأربع الطبائع ... فيهم إذا اختبرتهم طبائع الصنائع
قال القاضي: فقلت له يا أمير المؤمنين، اما الكتابة والبلاغة والسماحة فتعرفها بقي الشجاعة، فقال: في موسى بن يحيى، ولقد رأيت أن أوليه ثغر السند. وحكى إسحاق النديم، قال كانت صلاة يحيى بن خالد إذا ركب لمن تعرض له مائتي
(1/328)

درهم، فركب ذات يوم فتعرض له شاعر وأنشد:
باسمي الحضور يحيى أبيحت ... لك من فضل ربنا جنتان
كل من مر في الطريق عليكم ... فله من نوالكم مائتان
مائتا درهم لمثلي قليل ... هي منكم للقابس العجلان
قال له يحيى: صدقت، وأمر بحمله إلى داره، فلما رجع من دار الخليفة سأله عن حاله، فذكر أنه قد تزوج، وقد أخذ بواحدة من ثلاث: اما أن يؤدي المهر وهو أربعة آلاف، وإما أن يطلق، وإما أن يقيم للمرأة منزلاً وخادماً وما يكفيها إلى أن يتهيأ له نقلها، فأمر له يحيى بأربعة آلاف للمهر وأربعة آلاف لثمن منزل وأربعة آلاف للكفاية وأربعة آلاف للخدمة وما يتعلق بها، او كما قال وأربعة آلاف يستظهر بها، فانصرف بعشرين ألفاً. وذكر الخطيب في تاريخ بغداد في ترجمة أبي عبد الله محمد بن عمر الواقدي أنه قال: كنت خياطاً بالمدينة في يدي مائة ألف درهم للناس أضارب بها، فتلفت الدراهم، فشخصت إلى العراق، فقصدت يحيى بن خالد، فجلست في دهليزه وأنست الخدم والحجاب وسألتهم أن يوصلوني إليه، فقالوا: اذا قدم الطعام إليه لم يحجب عنه أحداً، ونحن ندخلك إليه ذلك الوقت، فلما حضر طعامه أدخلوني فأجلسوني معه على المائدة فسألني من أنت وما قصتك؟ فأخبرته، فلما رفع الطعام غسلنا أيدينا دنوت منه لأقبل رأسه فاشمأز من ذلك، فلما صرت إلى الموضع الذي نزلت فيه لحقني خادم معه كيس فيه ألف دينار، وقال: الوزير يقرأ عليك السلام ويقول لك: استعن بهذا على أمرك وعد إلينا من الغد، فأخذته وعدت إليه في اليوم الثاني فجلست معه على المائدة، فأنشأ يسألني كما سألني في اليوم الأول، فلما رفعوا الطعام دنوت منه لأقبل رأسه فاشمأز مني، فلما صرت إلى الموضع الذي نزلت فيه لحقني خادم معه كيس فيه ألف دينار، فقال له: كما قال في الأول ثم عاد إليه في اليوم الثالث، ثم كذلك إلى اليوم الرابع كل يوم يعطيه كيساً فيه ألف دينار، ثم بعد إعطاء الأربعة الأكياس مكنه من تقبيل رأسه وقال له: انما منعتك ذلك قبل هذا لأنه لم يكن وصل إليك من معروفي ما يقتضي هذا، والآن قد لحقك بعض النفع مني يا غلام أعطه الدار الفلانية يا غلام افرشه الفراش الفلاني يا غلام أعطه مائتي ألف درهم، يقضي دينة بمائة ألف، ويصلح شأنه بمائة ألف، ثم قال الزمني فكن في داري فقلت: اعز الله الوزير لو أذنت لي بالشخوص إلى المدينة لأقضي الناس أموالهم ثم أعود إلى حضرتك كان ذلك أرفق بي، قال: قد فعلت وأمر بتجهيزي فشخصت إلى المدينة وقضيت ديني ثم رجعت إليه فلم أزل في ناحيته.
(1/329)

ودخل عليه يوماً أبو قابوس الحميري فأنشده:
رأيت يحيى، اتم الله نعمته ... عليه يأتي الذي لم يأته أحد
ينسى الذي كان من معروفه ... أبداً إلى الرجال ولا ينسى الذي بعدا
ولمسلم بن الوليد الأنصاري:
أجدك هل تدرين أن رب ليلة ... كأن دجاها من قرونك ينشر
صبرت لها حتى تجلت بغرة ... كغرة يحيى حين يذكر جعفر
فقضى حوائجه ووصله بجملة من المال. قلت رفي جوده وجود عقبة ينشد هذان البيتان.
سألت الندى والجود حران أنتما ... فقالا كلانا عبد يحيى بن خالد
فقلت شرى ذلك الملك قال لا ... ولكن ورثنا والداً بعد والد
قلت هكذا قسم الكرم إلى الندى والجود والمعروف إنهما شيء واحد قال في الصحاح: والندى الجود وكان يحيى يقول إذا أقبلت الدنيا فأنفق فإنها لا تفنى، وإذا أدبرت فأنفق فإنها لا تبقى، وفي هذا المعنى يقول الشاعر:
ولا الجود يفني المال والجد مقبل ... ولا البخل يبقي المال والعبد مدبر
ونادى إسحاق بن إبراهيم الموصلي أحد غلمانه فلم يجبه، فقال: سمعت يحيى بن خالد يقول: يدل على حلم الرجل سوء أدب كلمانه، وكان يحيى يساير الرشيد يوماً، فوقف له رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، عطبت دابتي، فقال الرشيد: يعطي خمس مائة درهم، فغمزه يحيى، فلما نزلوا قال له الرشيد: يا أبة أومأت إلي بشيء فلم أعرفه، فقال: مثلك لا يجري هذا القدر على لسانه إنما يذكر مثلك خمسة آلاف عشرة آلاف، فقال: فإذا سأل مثل هذا كيف أقول؟ قال: تقول تشترى له دابة وأخبارهم كثيرة ومكارمهم شهيرة، فلنقتصر على هذا المقدار رغبة في الاختصار. ولم يزل يحيى في الحبس إلى أن مات كما تقدم، ودفن في شاطىء الفرات، فوجدت في جنبه رقعة فيها مكتوب بخطه: قد تقدم الخصم والمدعى عليه في الأثر والقاضي هو الحكم العدل الذي لا يجوز فلا يحتاج إلى بينة، وحملت الرقعة إلى الرشيد فلم يزل يبكي يومه كله، وبقي أياماً يتبين الأسى في وجهه.
(1/330)

سنة إحدى وتسعين ومائة
فيها توفي محمد بن الحسين الأزدي المهلبي البصري، وكان من عقلاء زمانه وصلحائه، ومعمر بن سليمان الرقي، وكان من أجلاء المحدثين ومحمد بن سلمة الحراني الفقيه محدث حران ومغنيها، وفيها توفي أبو أيوب مطرف بن مازن الكناني بالولاء، وقيل القيسي بالولاء اليماني الصنعاني ولي القضاء بصنعاء اليمن. وحدث عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج وجماعة كثيرة، وروى عنه الإمام الشافعي وخلق كثير، وطعن في روايته خلق كثير من المحدثين، وقال بعضهم: كان رجلاً صالحاً.

سنة اثنتين وتسعين ومائة
وفيها أول ظهور الخرمية، ثاروا بجبال آذربيجان، فغزاهم حازم بن خزيمة، فقتل وسبى. وفيها توفي الإمام الكبير أبو محمد عبد الله بن ادريس الأزدي الكوفي الحافظ العابد. وفيها توفي مفتي الأندلس وخطيب قرطبة، صعصعة بن سلام الدمشقي، اخذ عن الأوزاعي والكبار. وفيها توفي الأمير الفضل بن يحيى بن خالد البرمكي، مات في السجن وقيل في السنة التي تليها، وقد ولي أعمالاً جليلة، وكان أندى كفاً من أخيه جعفر، وله أخبار في السخاء المفرط حتى أنه وصل مرة بعض أشراف العرب بخمسين ألف دينار، وكان جعفر أبلغ في الرسائل والكتابة منه، وكان هارون الرشيد قد ولاه الوزارة قبل جعفر فأراد أن ينقلها إلى جعفر فقال لأبيهما يحيى: يا أبة وكان يدعوه كذلك، اني أريد أن أجعل الخاتم الذي لأخي الفضل لجعفر، وكان يدعو الفضل بأخي فإنهما متقاربان في المولد وكانت أم الفضل قد أرضعت الرشيد واسمها زبيدة من مولدات المدينة، قال وقد احتشمت من الكتاب إليه في ذلك فاكتب أنت إليه فكتب والده إليه قد أمر أمير المؤمنين بتحويل الخاتم من يمينك إلى شمالك فكتب إليه الفضل: سمعت مقالة أمير المؤمنين في أخي، وأطعت وما انتقلت عني عن نعمة صارت إليه، ولا غربت عنى، وقال شمس رتبة طلعت عليه فقال جعفر لله أخي،
(1/331)

ما أنفس نفسه وأبين دلائل الفضل عليه وأقوى العقل منه وأوسع في البلاغة درعه، وكان الرشيد قد ولاه خراسان، فأقام بها مدة، فوصل كتاب صاحب البريد بخراسان ويحيى جالس بين يديه، ومضمون الكتاب أن الفضل بن يحيى متشاغل بالصيد وإدمان اللذات عن النظر في أمور الرعية، فلما قرأه الرشيد رمى به إلى يحيى، وقال له: يا أبة اقرأ هذا الكتاب، واكتب إليه ما يردعه عن هذا، فكتب يحيى على ظاهر كتاب صاحب البريد: حفظك الله يا بني وأمنع بك، قد انتهى إلى أمير المؤمنين ما أنت عليه من التشاغل بالصيد ومداومة اللذات عن النظر في أمور الرعية ما أنكره، فعاود ما هو أزين بك، فإن من عاد إلى ما يزينه أو يشينه لم يعرفه أهل دهره إلا به والسلام. وكتب في أسفله أبياتاً مضمونها التحريض على التستر في الليل بما لا ينبغي إظهاره، والظهور بالنهار بما ينبغي اشتهاره، كرهت ذكرها في هذا الكتاب، فحذفتها، لتضمنها التحريض على التستر بالذات، وإيهام التنسك مع إخفاء تناول الشهوات المحرمات، وكان الرشيد ينظر إلى ما يكتب، فلما فرغ قال: ابلغت يا أبة، فلما ورد الكتاب على الفضل لم يفارق المسجد نهاراً إلى أن ينصرف عن عمله، وقيل له ما أحسن كرمك لولايته فيك فقال: تعلمت الكرم والتيه من عمارة بن حمزة، فقيل له: وكيف ذلك؟ فقال: كان أبي عاملاً على بعض بلاد فارس فانكسرت عليه جملة مستكثرة، فحمل إلى بغداد وطولب بالمال، فدفع جميع ما يملكه، وبقيت عليه ثلاثة آلاف درهم لا يعرف لها وجهاً، والطلب عليه حثيث، فبقي حائراً في أمره، وكانت بينه وبين عمارة بن حمزة منافرة ومواحشة لكنه علم أنه لا يقدر على مساعدته إلا هو، فقال لي يوماً وأنا صبي امض إلى عمارة وسلم عليه عني، وعرفه الضرورة التي صرنا إليها، واطلب منه هذا المبلغ على سبيل القرضة إلى أن يسهل الله سبحانه وتعالى، فقلت له أنت تعلم ما بينكما، وكيف أمضي إلى عدوك بهذه الرسالة؟ وأنا أعلم أنه لو قدر على إتلافك لأتلفك، فقال: لا بد أن تمضي إليه، لعل الله يسخره ويوقع في قلبه الرحمة، قال الفضل: فلم يمكني معاودته وخرجت وأنا أقدم رجلاً وأؤخر أخرى حتى أتيت داره، واستأذنت عليه في الدخول فأذن لي، فلما دخلت وجدته على صدر إيوانه متكئاً على مفارش وثيرة، وقد غلف شعر رأسه ولحيته بالمسك، ووجهه إلى الحائط، وكان من شدة بهته لا يقعد إلا كذلك، قال الفضل: فوقفت أسفل الإيوان وسلمت عليه فلم يرد السلام، فسلمت عليه عن أبي وقصصت عليه القصة فسكت ساعة، ثم قال: حتى ننظر، فخرجت من عنده نادماً على نقل خطواتي إليه. موقناً بالحرمان عاتباً على أبي كونه كلفني إذلال نفسه ونفسي بما لا فائدة فيه، وعزمت على أن لا أعود إليه غيظاً منه، فغبت عنه ساعة، ثم جئته وقد سكن ما عندي، فلما وصلت إلى الباب وجدت بغالاً محملة، فقلت: ما هذه؟ فقيل إن عمارة قد سير المال فدخلت على أبي
(1/332)

ولم أخبره بشيء مما جرى لي معه كي لا أكدر عليه إحسانه، فمكثنا قليلاً، وعاد أبي إلى الولاية وحصلت له أموال كثيرة فدفع لي ذلك المبلغ وقال تحمله إليه، فجئت به ودخلت عليه فوجدته على الهيئة الأولى فأسلمت عليه فلم يرد، وسلمت
عليه عن أبي وشكرت إحسانه وعرفته بوصول المال، فقال لي: ويحك أقسطاراً كنت لأبيك؟ يعني صيرفياً له اخرج عني لا بارك الله فيك. فخرجت ورددت المال إلى أبي وعجبنا من حاله فقال لي يا بني والله ما تسمح نفسي لك بذلك، ولكن خذ ألف ألف درهم واترك لأبيك ألفي ألف درهم قال: فتعلمت منه الكرم والتيه، وعمارة المذكور من أولاد عكرمة مولى ابن عباس، قال: وكان كاتب أبي جعفر المنصور ومولاه، وكان بهياً كريماً بليغاً فصيحاً، وكان المنصور وولده المهدي يقدمانه ويحتملان أخلاقه لفضله وبلاغته ووجوب حقه، وولي لهما الأعمال الكبار، وله رسائل مجموعة. ويحكى أن الفضل دخل عليه حاجبه يوماً، فقال: ان بالباب رجلاً زعم أن له سبباً يمن به إليك، فقال: ادخله، فأدخله فإذا هو شاب حسن الوجه رث الهيئة، فسفم، فأومى إليه بالجلوس فجلس، فقال له بعد ساعة: ما حاجتك؟ قال: اعلمتك بها رثاثة ملبسي، قال: نعم فما الذي يمن به؟ قال ولادة بقرب من ولادتك، وجوار يدنو من جوارك، واسم مشتق من اسمك، قال الفضل: اما الجوار فقد يمكن وقد يوافق الاسم الاسم ولكن من أعلمك بالولادة؟ قال: اخبرتني أمي أنها لما ولدتني قيل لها: ولد هذه الليلة ليحيى بن خالد غلام، وسمي الفضل فسمتني أمي فضيلاً إكباراً لاسمك أن يلحقني به، وصغرته لقصور قدري عن قدرك، فتبسم الفضل وقال: كم أتى عليك من السنين؟ قال: خمس وثلاثون سنة، قال: صدقت هذا المقدار الذي أعد، قال: فما فعلت أمك؟ قال: ماتت قال فما منعك من اللحاق بنا متقدماً؟ قال: لم أرض نفسي للقائك لأنها كانت في عامية معها حداثة تقعدني عن لقاء الملوك، وعلق هذا بقلبي منذ أعوام فشغلت نفسي بما يصلح للقائك حتى رضيت نفسي، قال: فما يصلح له؟ قال: الكبير من الأمر والصغير، قال يا غلام: اعطه لكل عام مضى من سنيه ألف درهم، وأعطه عشرة آلاف درهم يحمل بها نفسه إلى وقت استعماله، وأعطه مركوباً سرياً. قلت ومن المستغربات أيضاً ما حكي عن الفضل بن يحيى محمد بن يزيد الدمشقي الشاعر قال: ما شعرت في بعض الليالي إلا وإذا بقارع يقرع الباب قال: فخرجت إليه، وقلت: من؟ قال: اجب الأمير، قلت ومن الأمير؟ قال: الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك، قال: فقلت: لعلك غلطت في الرسالة، قال: الست محمد بن يزيد الدمشقي؟ قلت: بلى، قال: فإليك أرسلت، قال: فأخذت أطماراً كانت لي وخرجت أقفو أثره حتى وصل بي إلى دار فأجلسني على بابها وقال: اجلس يا محمد حتى أخرج إليك. قال: فما لبثت إلا يسيراً حتى خرج وقال: ادخل يا محمد فدخلت وطلعت فإذا أنا بمكان واسع وفوقه مرتبة وجمع كثير فيهم يحيى بن خالد والفضل وجعفر وسائر أهل الدولة. قال: فأخرج مولود من باب عن يمين الفضل، وكانت ليلة سابعة ولا علم لي به، فأقبلوا يقرؤون ومجامر الندى تختلف بينهم، والشماع المعنبرة تضيء بأيدي الخدم، فلما فرغوا من ختمتهم قام الشعراء، كل يهنيه بطلعته ويبشره برؤيته، فنثرت عليهم الدنانير مطيبة بالمسك، فما بقي أحد إلا أخذ في كمه، وأخذت معهم، وخرج الناس والشعراء، وخرجت معهم، فلحقني خادمان، وقالا: ارجع يا محمد، فرجعت فلقيت الفضل وهو جالس مع ابنه أو قال مع أبيه بالمثناة من تحت بعد الموحدة، فقال: يا محمد قد سمعت ما كان من هذه الليلة والله ما أعجبني من أشعارهم لا قليل ولا كثير، وقد أحببت أن تسمعني في المولود شيئاً، قال فقلت: يا سيدي هيبتك تمنعني من قول الشعر وغيره، قال: لا بد لك ولو بيتاً واحداً فقليلك كثير، فأطرقت ساعة، ثم قلت: يا سيدي، حضرني بيتان، قال: هاتهما فأنشأت أقول: هـ عن أبي وشكرت إحسانه وعرفته بوصول المال، فقال لي: ويحك أقسطاراً كنت لأبيك؟ يعني صيرفياً له اخرج عني لا بارك الله فيك. فخرجت ورددت المال إلى أبي وعجبنا من حاله فقال لي يا بني والله ما تسمح نفسي لك بذلك، ولكن خذ ألف ألف درهم واترك لأبيك ألفي ألف درهم قال: فتعلمت منه الكرم والتيه، وعمارة المذكور من أولاد عكرمة مولى ابن عباس، قال: وكان كاتب أبي جعفر المنصور ومولاه، وكان بهياً كريماً بليغاً فصيحاً، وكان المنصور وولده المهدي يقدمانه ويحتملان أخلاقه لفضله وبلاغته ووجوب حقه، وولي لهما الأعمال الكبار، وله رسائل مجموعة. ويحكى أن الفضل دخل عليه حاجبه يوماً، فقال: ان بالباب رجلاً زعم أن له سبباً يمن به إليك، فقال: ادخله، فأدخله فإذا هو شاب حسن الوجه رث الهيئة، فسفم، فأومى إليه بالجلوس فجلس، فقال له بعد ساعة: ما حاجتك؟ قال: اعلمتك بها رثاثة ملبسي، قال: نعم فما الذي يمن به؟ قال ولادة بقرب من ولادتك، وجوار يدنو من جوارك، واسم مشتق من اسمك، قال الفضل: اما الجوار فقد يمكن وقد يوافق الاسم الاسم ولكن من أعلمك بالولادة؟ قال: اخبرتني أمي أنها لما ولدتني قيل لها: ولد هذه الليلة ليحيى بن خالد غلام، وسمي الفضل فسمتني أمي فضيلاً إكباراً لاسمك أن يلحقني به، وصغرته لقصور قدري عن قدرك، فتبسم الفضل وقال: كم أتى عليك من السنين؟ قال: خمس وثلاثون سنة، قال: صدقت هذا المقدار الذي أعد، قال: فما فعلت أمك؟ قال: ماتت قال فما منعك من اللحاق بنا متقدماً؟ قال: لم أرض نفسي للقائك لأنها كانت في عامية معها حداثة تقعدني عن لقاء الملوك، وعلق هذا بقلبي منذ أعوام فشغلت نفسي بما يصلح للقائك حتى رضيت نفسي، قال: فما يصلح له؟ قال: الكبير من الأمر والصغير، قال يا غلام: اعطه لكل عام مضى من سنيه ألف درهم، وأعطه عشرة آلاف درهم يحمل بها نفسه إلى وقت استعماله، وأعطه مركوباً سرياً. قلت ومن المستغربات أيضاً ما حكي عن الفضل بن يحيى محمد بن يزيد الدمشقي الشاعر قال: ما شعرت في بعض الليالي إلا وإذا بقارع يقرع الباب قال: فخرجت إليه، وقلت: من؟ قال: اجب الأمير، قلت ومن الأمير؟ قال: الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك، قال: فقلت: لعلك غلطت في الرسالة، قال: الست محمد بن يزيد الدمشقي؟ قلت: بلى، قال: فإليك أرسلت، قال: فأخذت أطماراً كانت لي وخرجت أقفو أثره حتى
(1/333)

وصل بي إلى دار فأجلسني على بابها وقال: اجلس يا محمد حتى أخرج إليك. قال: فما لبثت إلا يسيراً حتى خرج وقال: ادخل يا محمد فدخلت وطلعت فإذا أنا بمكان واسع وفوقه مرتبة وجمع كثير فيهم يحيى بن خالد والفضل وجعفر وسائر أهل الدولة. قال: فأخرج مولود من باب عن يمين الفضل، وكانت ليلة سابعة ولا علم لي به، فأقبلوا يقرؤون ومجامر الندى تختلف بينهم، والشماع المعنبرة تضيء بأيدي الخدم، فلما فرغوا من ختمتهم قام الشعراء، كل يهنيه بطلعته ويبشره برؤيته، فنثرت عليهم الدنانير مطيبة بالمسك، فما بقي أحد إلا أخذ في كمه، وأخذت معهم، وخرج الناس والشعراء، وخرجت معهم، فلحقني خادمان، وقالا: ارجع يا محمد، فرجعت فلقيت الفضل وهو جالس مع ابنه أو قال مع أبيه بالمثناة من تحت بعد الموحدة، فقال: يا محمد قد سمعت ما كان من هذه الليلة والله ما أعجبني من أشعارهم لا قليل ولا كثير، وقد أحببت أن تسمعني في المولود شيئاً، قال فقلت: يا سيدي هيبتك تمنعني من قول الشعر وغيره، قال: لا بد لك ولو بيتاً واحداً فقليلك كثير، فأطرقت ساعة، ثم قلت: يا سيدي، حضرني بيتان، قال: هاتهما فأنشأت أقول:
ويفرح بالمولود من آل برمك ... ولا سيما إن كان من ولد الفضل
ويعرف فيه الخير عند ولادة ... ببذل الندى والجود والمجد والفضل
قال: فتهلل وجهه فرحاً وقال: ما سررت قط بمثل هذا، وأمر لي بعشرة آلاف دينار وقال: خذها يا محمد فهو أول حقك، فأخذت المال وخرجت وأنا من أشد الناس فرحاً، واشتريت به أرضاً وعقاراً وفتح الله علي وكثر مالي وعظم جاهي، فما أقمت إلا يسيراً حتى دارت على البرامكة الدائرة وكان عندي حمام بإزاء داري، فأمرت قيم الحمام أن ينظفه ولا يدخله أحد، ثم دخلت فيه وقضيت ما أحتاج إليه وأرسلت إلي قيم الحمام أطلب منه أن يرسل إلي بمن يدلكني ويغمزني، فأرسل إلي بصبي حسن الوجه فدلكني وغمزني، فلما استلقيت على قفاي ذكرت أيام البرامكة، ان جميع ما أملكه من فضل الله تعالى هو على يد الفضل وذكرت البيتين فقلت:
ويفرح بالمولود من آل برمك ... ولا سيما إن كان من ولد الفضل
ويعرف فيه الخير عند ولادة ... ببذل الندى والجود والمجد والفضل
قال فرأيت الصبي الذي كان يدلكني قد انقلبت عيناه وانتفخت أوداجه وسقط مغشياً عليه، فظننت أنه مجنون فأخذت ثيابي ومضيت إلى منزلي وأمرت إلى قيم الحمام، فلما حضر قلت: ارسلت إلي المجنون يدلكني ويغمزني الحمد لله على السلامة منه، قال والله يا سيدي ما به جنون، وإان له عندي سنا كثيرة ما رأيت منه شيئاً، فقلت: علي به الساعة، فلما حضر أنسته من نفسي حتى اطمأنت نفسه وقلت: وما ذلك العارض الذي رأيته منك؟ قال لي
(1/334)

ما رأيت مني قلت رأيت منك ما استحيي من ذكره، فقال: رأيت أني جننت؟ قلت: نعم. قال فما كنت تنشد في ذلك الوقت؟ قلت: بيتين من الشعر قال: ومن قائلهما؟ قلت: أنا قال: ففي من قلتهما؟ قلت: في ولد الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك قال ومن ولد الفضل بن يحيى بن خالد؟ قلت: لا أدري قال: انا ولد الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك، وأنا صاحب ذلك السابع، وفي قلت البيتين، كنت قد سمعتهما من قبل، فلما سمعتهما منك ضاقت علي الأرض بأجمعها، ورأيت مني ما رأيت، قال فقلت له: يا ولدي أنا والله شيخ كبير ولا لي قرابة يرثني وأرثها وقد عزمت أن أحضر شاهدين وأشهدهما أن جميع ما أملكه من فضل الفضل أبيك وعلى يديك فتأخذ المال وكون أعيش في فضلك إلى أن أموت، فتغرغرت عيناه بالدموع، وقال: والله لا انثنيت عليك في هبة وهبها لك والدي، وإن كنت محتاجاً إلى ذلك. قال: فحلفت عليه أن يأخذ الكل أو البعض فكره، وكان آخر عهدي به. ومما حكي في كتاب طرف الألباب وتحف الأحباب من حكايات بعض الشعراء والأعراب أنه خرج الفضل بن يحيى البرمكي يوماً إلى الصيد ومعه الأصمعي ومحمد بن يزيد العقيلي والحسن بن هاني، فلما قضى وطره من صيده ورجع يريد مضربه اعترضه أعرابي على راحلة له، فلما رأى الأعرابي المضارب تضرب والخيام تنصب والعسكر الكثير والجم الغفير، نزل عن راحلته وتقدم حتى مشى بين يديه وقال السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال: ويلك احفظ عليك ما تقول يا أخا العرب، فقال: السلام عليك أيها الوزير، قال: ويحك دون هذا، فقال: السلام عليك أيها الأمير، قال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته الآن قاربت فاجلس، فجلس بين يديه، فلما مثل بين يديه، قال: يا أخا العرب، من أين أقبلت؟ قال: من أرض قضاعة، قال: من أدناها أو من أقصاها؟ قال: بل من أقصاها، قال الأصمعي: فالتفت إلي الفضل وقال يا أصمعي، كم بين أقصى أرض قضاعة إلى العراق؟ قال قلت: ثمان مائة فرسخ، قال يا أخا العرب مثلك من يقصد من ثمان مائة فرسخ إلى العراق فلأي شيء قصدت؟ قال: قصدت هؤلاء الأنجاد الذين صار معروفهم شائعاً في البلاد، قال: من هم؟ قال: البرامكة. فقال: يا أخا العرب إن البرامكة خلق كثير وكلهم جليل خطير ولكل منهم خاصة وعامة، فهل اخترت من قصدته لنفسك وابتديته لحاجتك؟ قال: اجل. قال: من هو؟ قال: اطر لهم باعاً واسمحهم كفاراً أظهرهم أو قال وأشهرهم كرماً. قال: من هو؟ قال: الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك. قال: يا أخا العرب، ان الفضل جليل المقدار عظيم الخطر إذا جلس للناس مجلساً عاماً لم يحضر مجلسه إلا العلماء والفقهاء والأدباء والشعراء والكتاب والمذاكرون، افعالم أنت؟ قال: لا.
(1/335)

قال: فأديب أنت؟ قال: لا. قال: افعالم أنت بأخبار العرب وبأشعارها ونوادرها؟ قال: لا. قال: فوردت على الفضل بكتاب وسيلة؟ قال: لا. قال يا أخا العرب، لقد غرتك نفسك مثلك من يقصد الفضل وهو على ما عرفتك من جلاله بلا ذريعة ولا وسيلة؟ قال: والله يا أمير ما قصدته إلا لحسبه المعروف ولكرمه المألوف، وببيتين من الشعر قلتهما. قال: يا أخا العرب، اسمعني البيتين فإن كانا مما يصلح أن تلقى بهما الفضل أشرت عليك بلقائه، وإن كانا مما لا يصلح أن تلقى بهما الفضل بررتك بشيء من مالي ورجعت إلي ناديتك، ولم يخف نفسك، ولم يستخف شعرك، قال وتفعل ذلك لي أيها الأمير، قال: نعم. قال: فإني والله الذي يقول:
ألم تر أن الجود من لدن آدم ... نجود حتى صار يملكه الفضل
فلو أم طفل مسها جوع طفلها ... وغذته باسم الفضل لاستعصم الطفل
قال أحسنت والله: يا أخا العرب، قال: فإن قال لك الفضل هذان البيتان قد مدحنا بهما شاعر غيرك وأخذ الجائزة عليهما: فأنشد غيرهما ما كنت قائلاً؟ قال: اذن والله أقول يا أيها الأمير:
قد كان آدم حين حان وفاته ... أوصاك وهو يجود بالحواء
ببنيه أن ترعاهم فرعيتهم ... فكفيت آدم غيلة الأبناء
قال أحسنت والله يا أخا العرب، فإن قال لك الفضل وهذان البيتان أيضاً مسروقان ما كنت قائلاً؟ قال: اذن والله أقول أيها الأمير.
ملت جهابذ فضل دون نائله ... ومل كاتبه إحصاء ما يهب
لولاك فضل لم يمدح بمكرمة ... خلق ولم يرتفع مجد ولا حسب
قال: احسنت والله يا أخا العرب، فإن قال لك الفضل: وهذان البيتان أيضاً أخذتهما من أفواه الناس، انشدني غيرهما، وقد رمقتك الأدباء بأبصارهم، وامتدت إليك الأعناق فتحتاج أن تناضل عن نفسك، ما كنت قائلاً؟ قال: اذن والله أقول أيها الأمير:
وللفضل صولات على صلب ماله ... يرى المال فيه بالمذلة مذعنا
ولو أن رب المال أبصر جوده ... لصلى على مال الأمير وأذنا
قال: احسنت والله يا أخا العرب، فإن قال لك الفضل: وهذان البيتان أيضاً مسموعان، انشدني غيرهما، ماذا كنت قائلاً؟ قال: اذن والله أقول أيها الأمير:
ولو قيل للمعروف ناد أخا الندى ... لنادى بأعلى الصوت يا فضل يا فضل
(1/336)

ولو أن ما أنفقت من رمل عالج ... لأصبح من جدواك قد نفد الرمل
قال: احسنت والله يا أخا العرب، فإن قال لك الفضل: وهذان البيتان أيضاً مقولان، انشدني غيرهما، ما كنت قائلاً؟ قال: اذن والله أقول أيها الأمير:
وما الناس إلا اثنان صب وباذل ... وإني لذاك الصب، والباذل الفضل
على أن لي مثلاً إذا ذكر الهوى ... وليس لفضل في سماحته مثل
قال: احسنت والله يا أخا العرب، فإن قال لك الفضل: وهذان البيتان أيضاً مذكوران أنشدني غيرهما، ما كنت قائلاً؟ قال: اذن والله أقول أيها الأمير:
حكى الفضل عن يحيى سماحة خالد ... فقاربه التقوى وقاربه البذل
وقام به المعروف شرقاً ومغرباً ... ولم يك للمعروف بعد ولا قبل
قال: احسنت والله يا أخا العرب، فإن قال لك الفضل ضجرنا من الفضل والفضل أنشدني بيتين على الكنية لا على الاسم، ما كنت قائلاً؟ قال: اذن والله أقول أيها الأمير.
ألا يا أبا العباس يا أوجه الورى ... ويا ملكاً جد الملوك له نمل
إليك يسير الناس شرقاً ومغرباً ... فرادى وأزواجاً كأنهم غل
قال: احسنت والله يا أخا العرب، فمان قال لك الفضل أنشدني بيتين بغير الكنية وبغير الاسم وعلى غير القافية، ما كنت قائلاً؟ قال: اذن والله أقول يا أيها الأمير:
يا جبل الله المنيف الذي ... تسعى إليه في الملمات الورى
تؤم أبوابك طلاب الغنى ... كما يؤم البيت حجاج منى
قال: احسنت والله يا أخا العرب، فإن قال لك الفضل: وهذان البيتان أيضاً مسروقان، انشدني غيرهما، ما كنت قائلاً؟ قال: والله لئن زاد امتحاني الفضل لأقولن أربعة أبيات، ما سبقني إليها عربي ولا أعجمي، ولئن زاد امتحاني لأدخلن قوائم ناقتي هذه في كذا من أم الفضل، ولأرجعن إلى قضاعة خائباً خاسراً، ولا أبالي، قال: فنكس الفضل رأسه ملياً، ثم رفعه وقال: يا أخا العرب أسمعني الأبيات، فقال:
ولائمة لامتك يا فضل في الندى ... فقلت لها هل يقدح اللوم في البحر
أرادت لتنهي الفضل عن بذل ماله ... ومن ذا الذي ينهي السحاب عن القطر
كأن نوال الناس من كل وجهة ... تحدر صوب المزن في مهمة قفر
كأن وقود الناس من كل بلدة ... إلى الفضل، لاقوا عنده ليلة القدر
(1/337)

قال فخز الفضل على وجهه ضاحكاً ثم رفع رأسه وقال: يا أخا العرب، انا والله الفضل فقل ما شئت، قال: عزمت عليك يا أيها الأمير أنت الفضل؟ قال: انا الفضل قال: فأقلني على ما مضى من الكلام مني إليك، قال: اقالك الله، اذكر حاجتك، قال: عشرة آلاف دينار. قال: يا أخا العرب أزريت بنا وبنفسك لك عشرة ومثلها. قال: فحسده بعض الجلساء، وقال له: يا أمير تعطي شاعراً عشرين ألف دينار كان يقنع بالقليل عن الكثير، بالله يا أمير ألا ما ربيت عليه فإن دفع عن نفسه بيت من الشعر وإلا أخذت النصف، وكان في النصف الكفاية، قال: فسمع كلامه وأوتر القوس وركب السهم وقال يا أخا العرب ادفع عن نفسك ببيت من الشعر وإلا أخرجت هذا السهم من عينيك، فأنشأ الأعرابي يقول:
فقوسك قوس المجد والوتر الندي ... وسهمك سهم الجود فاقتل به فقري
فقال: زيدوه عشرين على العشرين. رجعنا إلى ذكر ما نزل بالبرامكة من البلاء، واستحالة تلك السراء إلى الضراء وتلك النعم إلى النقم وبهجة السرور إلى بؤس الشرور، قال أهل التاريخ: ثم إن الرشيد لما قتل جعفراً على ما تقدم في ترجمته، قبض على أبيه بيحيى وأخيه الفضل المذكور، وكانا بالرقة، فسجنهما بها، واستصغى أموال البرامكة، ويقال: ان الرشيد سير مسرور الخادم إلى السجن فجاءه وقال للموكل بهما: اخرج إلي الفضل، فأخرجه إليه، فقال له: ان أمير المؤمنين يقول لك إني قد أمرتك أن تصدقني عن أموالكم، فزعمت أنك قد فعلت وقد صح عندي أنك أبقيت لك مالاً كثيراً، وقد أمرني إن لم تطلعني على المال أن أضربك مائتي سوط، وأرى لك أن لا تؤثر مالك على نفسك، فرفع الفضل رأسه إليه وقال: والله ما كذبت فيما أخبرت به، ولو خيرت بين الخروج من ملك الدنيا وبين أن أضرب سوطاً واحداً لاخترت الخروج، وأمير المؤمنين يعلم ذلك، وأنت تعلم أنا نصون أعراضنا بأموالنا، فكيف صرنا نصون أموالنا بأنفسنا؟ فان كنت قد أمرت بشيء فامض له، فأخرج مسرور سوطاً كان معه في منديل فضربه مائتي سوط، وتولى ضربه بنفسه، فضربه أشد الضرب، وهم لا يحسبون الضرب، وكاد أن يتلفه، وكان هناك رجل بصيراً بالعلاج فطلبوه لمعالجته، فلما رآه قال: يكون قد ضربوه خمسين سوطاً، فقيل له: بل مائتي سوط، فقال: ما هذا إلا أثر خمسين لا غير، ولكن يحتاج أن ينام على ظهره على بارية وعدوس على صدره، ثم أخذ بيده فجذبه على البارية فتعلق بها من لحم ظهره شيء كثير، ثم أقبل يعالجه إلى أن نظر يوماً إلى ظهره فخر المعالج ساجداً، فقيل له: ما بالك؟ قال: قد برىء وقد نبت في ظهره لحم حي، ثم
(1/338)

قال: الست قلت هذا قد ضرب خمسين سوطاً؟ فقال: اما والله لو ضرب ألف سوط ما كان أثرها بأشد من هذا، وإنما قلت هذا حتى يقوى بنفسه فيعنني على علاجه، ثم إن الفضل اقترض من بعض أصحابه عشرة آلاف درهم وسيرها إليه، فردها عليه، فاعتقد أنه استقلها، فاقترض عليها عشرة آلاف أخرى وسيرها إليه، فأبى أن يقبلها، وقال: ما كنت لآخذ على معالجة فتى من الكرام كراء، والله لو كانت عشرين ألف ديناراً ما قبلتها، فلما بلغ الفضل ذلك قال: والله إن الذي فعله هذا بلغ من الذي فعلناه في جميع أيامنا من المكارم، وكان قد بلغه أن ذلك المعالج في شدة وفاقة، وكان الفضل ينشد وهو في السجن هذه الأبيات، قيل كأنها لأبي العتاهية:
إلى الله في ما نالنا نرفع الشكوى ... ففي يده كشف المضرة والبلوى
خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها ... فلا نحن في الأموات فيها ولا الأحيا
إذا جاءنا: السجان يوماً لحاجة ... عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا
وكان الفضل كثير البر بأبيه، وكان أبوه يتأذى من استعمال الماء البارد في زمن الشتاء، فيحكى أنه لما كان في السجن لم يقدر على تسخين الماء، وكان يأخذ إبريق النحاس وفيه الماء فيلصقه إلى بطنه زماناً عساه ينكر برودته بحرارة بطنه أو قال باطنه حتى يستعمله أبوه، وأخباره كثيرة وغرائبه غزيرة. وكانت ولادته لسبع بقين من ذي الحجة سنة تسع وأربعين ومائة، وتوفي في السجن في السنة المذكورة، وقيل بل في سنة ثلاث وتسعين ومائة في المحرم، ولما بلغ الرشيد موته قال: امري قريب من أمره، وكذا كان فإنه توفي في سنة ثلاث وتسعين ومائة. وفي السنة المذكورة وقيل قبلها وقيل بعدها توفي العباس بن الأحنف اليمامي الشاعر المشهور، ومن شعره:
إذا أنت لم يعطفك إلا شفاعة ... فلا خير في ود يكون بشافع
فأقسم ما تزكي عتابك عن قلبي ... ولكن لعلمي أنه غير نافع
وإني إذا لم ألزم الصبر طائعاً ... فلا بد منه مكرهاً غير طائع
حكى عمر بن شبة قال: ثم مات إبراهيم الموصلي المعروف بالنديم، ومات في ذلك اليوم الكسائي النحوي والعباس بن الأحنف، فرفع ذلك إلى الرشيد فأمر المأمون أن يصلي عليهم، فخرج فصفوا بين يديه فقال: من هذا؟ قالوا: ابراهيم الموصلي فقال: اخروه وقدموا العباس بن الأحنف، فقدم فصلى عليه، فلما فرغ وانصرف، نا منه هاشم بن عبد الله الخزاعي فقال: يا سيدي كيف آثرت العباس بن الأحنف بالتقدمة على من حضر؟ فأنشد بيتين من نظم العباس، ثم قال أليس من قال هذا الشعر أولى بالتقدمة.
(1/339)

قلت وهذا فيه اعتراض من وجهين: احدهما أن الكسائي كان أولى بالتقديم لفضائله المشهورة ولو لم يكن إلا كونه إماماً في قراءة الكتاب العزيز العربي ولسان اللغة العربية، والثاني أن في موته خلافاً، اين كان من البلاد، وقد قيل إنه مات بالري، وفي ذلك أيضاً إشكال، فإن بعضهم حكى أنه رأى العباس بعد موت هارون الرشيد، وبعضهم حكى أنه توفي قبل هذه السنة، وقد قدمنا ذكر ذلك فالله أعلم أي ذلك كان.

سنة ثلاث وتسعين ومائة
فيها سار الرشيد إلى خراسان ليمهد قواعدها، وكان في العام الماضي قد بعث من قبض الأمير علي بن عيسى بن ماهان، واستصفى أمواله وخزائنه، فبعث بها إلى الرشيد على ألف وخمس مائة جمل، فوافقته بجرجان. وفيها توفي الإمام العالم أبو بشر إسماعيل ابن علية البصري الأسدي مولاهم، قال شعبة ابن علية: سيد المحدثين، وقال يزيد بن هارون: دخلت البصرة وما بها أحد يفضل في الحديث على ابن علية. وتوفي بعده بأيام الحافظ محمد بن محمد بن جعفر المعروف بغندر، قال ابن معين: كان من أصح الناس كتاباً، وقال غيره: مكث خمسين سنة يصوم يوماً ويفطر يوماً. وفيها توفي السيد الجليل الإمام أبو بكر بن عياش الأسدي، مولاهم شيخ الكوفة في القراءة والحديث، قال بعضهم: كان لا يفتر من التلاوة قرأ اثني عشر ألف ختمة، وقيل أربعة وعشرين ألف ختمة، وعمره بضع وتسعون سنة، قال رحمه الله رأيت أعرابياً واقعاً بالكناسة على نجيب له ينشد:
خليلي عوجا من صدور الرواحل ... بمهجور جزوى فأبكيا بالمنازل
لعل انحدار الدمع يعقب راحة ... من الوجد أو يشفى عليل البلابل
فخلوت بنفسي فبكيت فاسترحت من مصيبة أصابتني، هذا ما رواه المبرد عنه. وفيها توفي الخليفة أبو جعفر هارون الرشيد بن المهدي محمد بن المنصور بطوس، وكانت خلافته ثلاثاً وعشرين سنة.
(1/340)

ومولده بالري سنة ثمان وأربعين ومائة، روى عن أبيه وجده، ومبارك بن فضالة، وحج مرات في خلافته، وغزا عدة غزوات حتى قيل فيه:
فمن يطلب لقاءك أو يرده ... فبالحرمين أو أقصى الثغور
وكان شهماً شجاعاً حازماً جواداً ممدوحاً، فيه دين وسنة وتخشع، وقيل: كان يصلي في اليوم مائة ركعة، ويتصدق كل يوم من صلب ماله بألف درهم، وكان يخضع للكبار ويتأدب معهم، ووعظه الفضيل وابن سماك وبهلول وغيرهم، وله مشاركة قوية في الفقه وبعض العلوم والأدب، وفيه انهماك على الذات ولقيان الجواري الفائقات الجمال وسماع أشعار مغازلاتهن بلسان الحال مما نظمه الشعراء من الأبيات النفائس، وسيأتي ذكر شيء من ذلك في ترجمة أبي نواس، وكذلك سيأتي في ترجمة الأصمعي ذكر أشياء كثيرة جرت له معه ومع غيره، فيها غرائب وعجائب.

سنة أربع وتسعين ومائة
فيها مبدأ الفتنة بين الأمين والمأمون، وكان الرشيد أبوهما قد عقد العهد للأمين ثم من بعده للمأمون، وكان المأمون على أمرة خراسان، فشرع الأمين في العمل على خلعه ليقوم ولده وهو ابن خمس سنين، وأخذ يبذل الأموال للقواد ليقوموا معه في ذلك، ونصحه أولو الرأي فلم يرعو حتى آل الأمر إلى قتله. وفيها توفي يحيى بن سعيد بن أبان الأموي الكوفي الحافظ، والشيخ العارف بالله السيد الجليل شقيق البلخي شيخ خراسان، وشيخ حاتم الأصم. وفيها على خلاف ما تقدم توفي إمام أئمة العربية حامل راية النحو الراقي فيه المرتبة العلية: ابو بشر عمر بن عثمان، الملقب بسيبويه الحارثي مولاهم، قيل: كان في علم النحو أعلم المتقدمين والمتأخرين، لم يوضع فيه مثل كتابه، وذكره الجاحظ يوماً فقال: لم يكتب الناس في النحو كتاباً مثله، وجميع كتب الناس عليه عيال. وقال الجاحظ: اردت الخروج إلى محمد بن عبد الملك الزيات وزير المعتصم، ففكرت في أي شيء أهديه له، فلم أجد شيئاً أشرف من كتاب سيبويه، فلما وصلت إليه قلت له: لم أجد شيئاً أهديه لك مثل هذا الكتاب، وقد اشتريته من ميراث الفراء، فقال:
(1/341)

والله ما أهديت إلي أحب إلي منه. وفي بعض التواريخ أن الجاحظ لما وصل إلى ابن الزيات بكتاب سيبويه أعلمه به قبل إحضاره إليه، فقال له ابن الزيات: او ظننت أن خزائننا خالية من هذا الكتاب؟ فقال الجاحظ: ما ظننت ذلك، ولكنها بخط الفراء ومقابلة الكسائي وتهذيب عمرو بن بحر الجاحظ، يعني نفسه، فقال ابن الزيات: هذه أجل نسخة توجد وأعزها، فأحضرها إليه، فسر بها، وقعت منه أجل موقع. أخذ سيبويه النحو من الخليل بن أحمد وعن عيسى بن عمرو ويونس بن حبيب وغيرهم، وأخذ اللغة عن أبي الخطاب المعروف بالأخفش الأكبر وغيره. وقال ابن النطاح: كنت عند الخليل بن أحمد فأقبل سيبويه فقال الخليل مرحباً بزائر لا يمل. قال أبو عمرو المخزومي، وكان كثير المجالسة للخليل: ما سمعت الخليل يقولها لأحد إلا سيبويه، وكان قد ورد إلى بغداد من البصرة والكسائي يومئذ يعلم الأمين بن هارون الرشيد، فجمع بينهما وتناظرا وجرى مجلس يطول شرحه، وزعم الكسائي أن العرب تقول كنت أظن أن الزنبور أشد لسعة من النحلة، فإذا هو إياها، فقال سيبويه: ليس المثل كذا، بل فإذا هو هي، وتشاجرا طويلاً واتفقا على مراجعة عربي خالص لا يشوب كلامه شيء من كلام الحضر، وكان الأمين شديد العناية بالكسائي لكونه معلمه، فاستدعى عربياً وسأله، فقال كما قال سيبويه، فقال له يزيد أن يقول كما قالى الكسائي، فقال: ان لساني لا تطاوعني على ذلك، فانه ما يسبق إلا على الصواب، فقرروا معه: ان شخصاً يقول قال سيبويه كذا وقال الكسائي كذا فالصواب مع من منهما؟ فيقول العربي مع الكسائي، فقال هذا يمكن، ثم عقد لهما المجلس واجتمع أئمة هذا الشأن وحضر العربي، فقيل له ذلك، فقال: الصواب مع الكسائي، وهو كلام العرب، فعلم سيبويه أنهم تحاملوا عليه وتعصبوا للكسائي، فخرج من بغداد وقد حمل في نفسه لما جرى عليه، وقصد بلاد فارس، فتوفي بقرية من قرى شيراز، يقال لها البيضاء، وقيل بل توفي بالبصرة، وقيل بل بمدينة ساوة. وفي السنة التي توفي فيها وفي مقدار عمره خلاف كثير، والذي ذكره الحافظ أبو الفرج بن الجوزي أنه توفي في السنة المذكورة وعمره اثنتان وثلاثون سنة، قيل وكان قلمه أبلغ من لسانه، وهو أثبت من حمل عن الخليل، وقال أبو زيد الأنصاري: كان سيبويه غلاما يأتي مجلسي وله ذوابتان وإذا سمعته يقول حدثني من أثق به فإنما يعينني، وقال إبراهيم
(1/342)

الحربي: سمي سيبويه لان وجنتيه كانتا كأنهما تفاحتان، وكان في غاية الجمال، وقال غيره: هو لقب فارسي معناه بالعربي رائحة التفاح.

سنة خمس وتسعين ومائة
فيها تسمى المأمون بإمام المؤمنين لما تيقن أن الأمين خلعه، وجهز الأمين علي بن عيسى بن ماهان في جيش عظيم أنفق عليهم أموالاً لا تحصى وأخذ معه قيد فضة ليقيد به المأمون بزعمه، فبلغ إلى الري وأقبل طاهر بن الحسين الخزاعي في نحو أربعة آلاف، فأشرف على جيش عيسى بن ماهان - وهم يلبسون السلاح، وقد امتلأت بهم الصحراء بياضاً وصفرة في العدد المذهبة، فقال طاهر: هذا ما لا قبل لنا به، ولكن اجعلوها خارجية واقصدوا القلب، ثم قيل ذلك ذكروا ابن ماهان البيعة التي في عنقه للمأمون فلم يلتفت وبرز فارس من جند ابن ماهان، فحمل عليه طاهر بن الحسين فقتله، وشد داود على علي بن عيسى بن ماهان فطعنه طعنة صرعه بها وهو لا يعرفه، ثم ذبحه بالسيف فانهزم جيشه، وحمل رأسه على رمح قلت: هكذا في الأصل رشد داود ولم يتقدم له ذكر، ولا بين من هو وأعتق طاهر مماليكه شكراً لله عز وجل. قلت: وقد ذكرت في غير هذا الكتاب ما حكى بعضهم أن الوزير علي بن عيسى المذكور ركب في موكب عظيم، فصار الغرباء يقولون من هذا؟ فقالت امرأة، الى كم تقولون من هذا من هذا؟ هذا عبد سقط من عين الله تعالى فابتلاه بما ترون، فسمعها علي بن عيسى فرجع إلى بيته واستعفى من الوزارة، ولحق بمكة فجاور بها إلى أن توفي رحمه الله، وهذان النقلان مختلفان، والله أعلم أي ذلك كان. وشرع أمر الأمين في سفال وملكه في زوال، قيل إنه بلغه قتل ابن ماهان وهزيمة جيشه، وكان يتصيد سمكاً فقال للبريد: ويلك دعني لكوثر، قد صاد سمكتين وأنا ما صدت شيئاً بعد، وندم في الباطن على خلع أخيه، وطمع فيه أمراؤه، وفرق عليهم أموالاً لا تحصى حتى فرغ الخزائن وما نفعوه، وجهز جيشاً فالتقاهم طاهر أيضاً بهمدان، وقتل في المصاف خلق كثير من الفريقين، وانتصر طاهر بعد وقعتين أو ثلاث، وقتل مقدم جيش الأمين عبد الرحمن الأنباري أحد الفرسان المذكورين بعد أن قتل جماعة، وزحف طاهر حتى نزل بحلوان. وفي السنة المذكورة ظهر بدمشق أبو العميطر السفياني، فبايعوه بالخلافة، واسمه علي بن عبد الله بن خليل ابن الخليفة يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، فطرد عاملها الأمير
(1/343)

سليمان بن المنصور، فسير الأمين عسكر الحربة، فنزلوا الرقة ولم يقدموا عليه. وفيها توفي إسحاق بن يوسف الأزرق محدث واسط، روى عن الأعمش وطبقته، وكان شيخاً حافظاً عابداً، يقال إنه بقي عشرين سنة لم يرفع رأسه إلى السماء. وفيها توفي أبو معاوية الضرير الكوفي الحافظ، وعبد الرحمن بن محمد المحاربي الحافظ. وفيها أو في التي قبلها توفي محمد بن فضيل بن غزوان الضبي مولاهم الكوفي الحافظ، ومحدث الشام أبو العباس الوليد بن مسلم الدمشقي، توفي بذي المروة راجعاً من الحج، روى عن ابن أبي مريم وخلائق، وصنف التصانيف، قال بعضهم: لم نزل نسمع أنه من كتب مصنفات الوليد، صلح أن يلي القضاء، وهي سبعون كتاباً. وفيها توفي مروج بن عمرو السدوسي النحوي البصري، اخذ العربية عن الخليل بن أحمد، وروى الحديث عن شعبة بن الحجاج وأبي عمرو بن العلاء وغيرهما وكان الغالب عليه الفقه والشعر، وله عدة تصانيف وشعر ومنه:
وفارفت حتى ما أراعي ما النوى ... وإن غاب جيران علي كرام
فقد جعلت نفسي على الناس تنطوي ... وعني على هجر الصديق تنام

سنة ست وتسعين ومائة
فيها توفي الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان ببغداد، فخلع الأمين في رجب وحبسه، ودعا إلى بيعة المأمون، فلم يلبث أن وثب الجند عليه فقتلوه، وأخرجوا الأمين وجرت أمور طويلة وفتنة كثيرة. فيها توفي قاضي البصرة أبو المثنى معاذ بن العنبري، وكان أحد الحفاظ. وفيها توفي قاضي شيراز ومحدثها سعد بن الصلت، روى عن الأعمش وطبقته وكان حافظاً. وفيها توفي أبو نواس الحسن بن هانىء الشاعر المشهرر، وذكر محمد بن داود بن الجراح أن أبا نواس ولد بالبصرة ونشأ بها، ثم خرج إلى الكوفة، ئم سار إلى بغداد. وقال
(1/344)

غيره: ولد بالأهواز، ونقل منها وعمره سنتان، وأمه هوزانية، وكان أبوه من جند مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية، وكان من أهل دمشق، فانتقل إلى الأهواز وتزوج وأولد عدة أولاد منهم أبو نواس وأبو معاذ، فأما أبو نواس فأسلمته أمه إلى بعض العطارين، فرآه أبو أسامة بن الحباب، فاستخلاه وقال له: ارى فيك مخائل أرى لا تضيعها، وستقول فاصحبني أخرجك فقال له: ومن أنت؟ قال أبو أسامة بن الحباب. قال: نعم أنا والله في طلبك، ولقد أردت الخروج إلى الكوفة بسببك لآخذ عنك وأسمع منك شعرك، فصار أبو نواس معه، وقدم به بغداد، وأول ما قاله من الشعر وهو صبي.
حامل الهوى تعب، يستخفه الطرب ... إن بكى بحق له، ليس مابه لعب
تضحكين لاهية، والمحب ينتحب ... تعجبين من سقمي، صحتي هي العجب
قالوا وهو في الطبقة الأولى من المولدين، وشعره عشرة أنواع، وهو مجيد في العشرة، وقد اعتنى بجمع شعره جماعة، فلهذا يوجد ديوانه مختلفاً. وحكي في بعض الكتب أن المأمون كان يقول: لو وصفت الدنيا نفسها لما وصفت بمثل قول أبي نواس:
ألا كل حي هالك وابن هالك ... وذو نسب في الهالكين غريق
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق
وإنما قيل له أبو نواس لذوابتين كانتا له تنوسان على عاتقه، وعن ابن عيينة أنه قال: هو أشعر الناس، وقال الجاحظ: ما رأيت أعلم باللغة منه، وقال أبو حاتم السجستاني: كانت المعاني مدفونة حتى أثرها أبو نواس، وقال: لولا أن العامة استبذلت هذين البيتين لكتبتهما بماء الذهب، وهما لأبي نواس:
ولو أني استزدتك فوق مالي ... من البلوى لأعوذك المزبد
ولو عرضت على الموتى حياتي ... بعيش مثل عيشي لم يريدوا
قلت: ويحكى له من النوادر والغرائب والمخترعات العجائب ما يطول في تعداد الحاسب، من ذتك ما حكي عن هارون الرشيد أنه كان ذات ليلة من الليالي يطوف في داره، فلقي جارية من جواريه، وكان يجد بها وجداً ويلتمس منها حاجته فتأبى عليه، فوجدها في تلك الليلة سكرى، فجمشها، فانحل إزارها وسقط خمارها عن منكبيها، فقالت: امهلني تلك الليلة يا أمير المؤمنين، فغداً أسير إليك، فخلاها، فلما كان الصبح أرسل إليها خادماً وقال: اجيبي أمير المؤمنين، فقالت: ارجع عليه وقل له: كلام الليل يمحوه النهار، فرجع إليه وعرفه بذلك، فقال له: انظر من على الباب من الشعراء، فلقى الرقاشي وأبا مصعب
(1/345)

وأبا نواس، فرجع إليه وعرفه بهم، فقال أدخلهم إلي، فلما حضروا بين يديه، قال لهم: عرفتم لم طلبتكم يا شعراء؟ قالوا: لا يا أمير المؤمنين، قال: اشتهي من كل واحد منكم شعراً في آخره كلام لليل يمحوه النهار فقال الرقاشي:
متى تصحو وقلبك مستطار؟ ... وقد منع القرار فلا قرار
وقد تركتك صباً مستهاماً ... فتاة، لا تزور، ولا تزار
إذا وعدتك صدت ثم قالت ... كلام الليل يمحوه النهار
وقال أبو مصعب:
أما والله لو تجدين وجدي ... لأذهب للكرى عنك الشرار
فكيف وقد تركت العين عبرى ... وفي الأحشاء من ذكراك نار
فقالت: انت مغرور بوعدي ... كلام الليل يمحوه النهار
وقال أبو نواس:
وليلاً أقبلت في القصر سكرى ... ولكن زين السكر الوقار
وهز الريح أردافاً ثقالاً ... وغصناً فيه رمان صغار
وقد سقط الردا عن منكبيها ... من التجميش وانحل الإزار
مددت يدي لها أبغي التماساً ... فقالت: في غد منك المزار
فقلت الوعد سيدتي؟ فقالت: ... كلام الليل يمحوه النهار
فأمر لكل واحد من الاثنين بألف دينار، وقال علي بسيف ونطع واضربوا فيه رقبة أبي نواس، فقال: ولم تضرب رقبتي يا أمير المؤمنين؟ فقال: كأنك كنت معنا البارحة، فقال: والله يا أمير المؤمنين ما بت إلا في داري، وإنما استدللت على ما قلت بكلامك، فقبل منه وأمر له بعشرة آلاف دينار. ومما يحكى من غرائب أبي نواس وعجائب اختراعاته أيضاً ما معناه: ان هارون الرشيد طرقه ذات ليلة قلق وسهاد منع الراحة منه والرقاد، ففكر فيما يزيل عنه ذلك، ويجلب له الانشراح، ودار في مواضع فيها النزهة والارتياح فما حصل له الغرض من ذلك حتى دخل على بعض سراريه، فوجدها نائمة وجواريها يضربن بالمعازف على رأسها، فلما دخل تفرقن من حولها، فكشف عن وجهها وقبل موضع خال في خدها، فانتبهت ذات فزع وقالت: من هذا؟ فقال: ضيف، فقالت: نكرم الضيف بسمعي والبصر فلما أصبح استدعى بأبي نواس، فقال: ابو نواس قل له إن ثيابي مرهونة عند الخمارة بست مائة درهم، ان استنفكها لي لبست وجئت، فالتزم الرشيد ذلك القدر فجاء فقال له أحب أن تنظم لي أبياتاً
(1/346)

على هذا اللفظ: نكرم الضيف بسمعي والبصر فقال:
طال ليلي عاودني السهر ... ثم فكرت وأحسنت النظر
جئت أمشي في زوايات الخبا ... ثم طوراً في مقاصير الحجر
إذ توجه فمر قد لاح لي ... آية الرحمن من بين البشر
ثم أقبلت إليه مسرعاً ... ثم طاطيت فقبلت الأثر
فاستقامت فزعاً قائلة ... يا أمين الله ما هذا السفر
قلت ضيف طارق في داركم ... هل تضيفوني إلى وقت السحر؟
فأجابت بسرور سيدي ... نكرم الضيف بسمعي والبصر
فقال هارون: يا تارك كنت البارحة تحت السرير تسمع كلامنا اضربوا عنقه، فحلف ما كان هذا، وشفعوا فيه، فقال: ان كنت صادقاً فقل في شيء أنا أبصره في هذه الساعة، وكانت جارية قبالة الرشيد تضرب شذراً في ظل شذرتين، لابسة في إحدى كفيها خاتمين، وهي في مكان لا يراها أبو نواس ولا أحد غير الرشيد من سائر الناس فقال:
نظرت عيني لحيني واشتكى ... وجدي لبني عند في السدرتين
شحنا مثل اللجين تضرب الشذر ... بكف وبأخرى خاتمين
فقال الرشيد أنت تبصرها يا فاعل اقتلوه، فحلف ما يبصر شيئاً، وتشفع فيه فلم يقبل، فقالت جارية بالقرب من الرشيد لا يبصرها غيره، ولا إلى سواها يبلغ كلامه بالله يا سيدي خله يروح، فقال لها الرشيد سراً إليها: ما أخليه حتى تمشي إلي عريانة فخلت ثيابها ومشت حتى جاءته، فخلاه فلما صار أبو نواس عند الباب قال إي والله يا سيدي:
ليس الشفيع الذي يأتيك متزراً ... مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا
فقال له يا شيطان، فخرج هارباً من ذلك بعدما أبدع فيما يقول، واخترع ما سحر به العقول. قلت وهذا البيت للفرزدق وهو مذكور في موضع آخر من هذا الكتاب في قضية مختصرها أنه اختصم هو وامرأته النوار إلى عبد الله بن الزبير، ونزل الفرزدق على حمزة بن عبد الله، ونزلت امرأته على امرأته، فتشفع كل واحد منهما لنزيله، فقبل ابن الزبير شفاعة امرأته دون شفاعة ابنه، فقال الفرزدق: ليس الشفيع إلى أخر البيت المذكور. ومما نحن بصدده مناسباً لما ذكرنا من حب الجواري الغانيات وأشعار أبي نواس الرائقات ما حكى الأصمعي قال: كنت عند الرشيد فأتي بجارية ليبتاعها فأعجبته، فقال
(1/347)

لمولاها: بكم الجارية؟ فقال: بمائة: الف درهم، فقال: ادفع المال إليه يا غلام، فلما ولى قال: ردوا الجارية، فردت، فقال: يا جارية أبكر، انت أم ثيب؟ فقالت: بل ثيب. فقال: ردوها على مولاها ثم أنشد.
قالوا عشقت صغيرةً فأجبتهم ... أشهى المطي إلي ما لم تركب
كم بين حبة لؤلؤ مثقوبة ... لبست وحبة لؤلؤ لم تثقب
فقالت الجارية: يا أمير المؤمنين أتأذن لي في الجواب؟ قال: نعم فأنشدت:
إن المطية لا يلد ركوبها ... حتى تذلل بالزمان وتركبا
والحب ليس بنافع أربابه ... حتى يفضل بالنظام ويثقبا
قال فضحك الرشيد، وقال يا غلام ادفع ثمنها إلى مولاها، وأمر لها بمائة ألف درهم في خاصة نفسها، قلت: والبيتان اللذان أنشدهما الرشيد هما من شعر أبي نواس، واللذان أنشدتهما الجارية هما من شعر مسلم بن الوليد الأنصاري. قلت ولي قصيدة في الحكم بين هذين المختلفين، وفي تفضيل ألوان الغواني بعضها على بعض، ووصف أعضائها ومحاسنها الحسناء، وذكر غرور الدنيا منها هذه الأبيات:
يا مسرعاً نحو الحسان لتخطبا ... تأن واختر مورداً مستعذبا
هذا الأجيرع والعوير مورد ... ماء العذيب الخالي المستعذبا
ودع المويلج والأزيلم جانباً ... يا من غدا بالغانيات معذبا
من بيض مجد عاليات الحسن أو ... من خضر سعد إن نشا أن تخطبا
أو صفر وجد من هوى راقي العلى ... حامي الذمار الماجد المستنجبا
عند الغواني والمعالي أيما ... تشأ فاختر بعد وصفي مذهبا
سلطان ألوان الغواني أبيض ... وله وزير أصفر قد قربا
والأخضر الميمون أضحى عنده ... أيضاً أميراً بالسعادة مخضبا
لم يبق إلا جندي أو سائس ... فاختر لما يهواه طبعك فاصحبا
كل امرء بالطبع يهوى مشرباً ... يحلو ولو أضحى أجاجاً مشربا
لكن بيض الغانيات تفاوتت ... ألوانها فاسمع مقالاً صوبا
أبهى أزهاها بياض مشرب ... من صفرة يحكي لجيناً مذهبا
إن عذب ما للظما جاء مذهبا ... فظمي الهوى تلقى له ذا مذهبا
ذاك الذي ما زلت أهوى والذي ... أختار من بين المذاهب مذهبا
دري لون معجب في ناهج ... في كفه العناب يزهو معجبا
(1/348)

في خده تفاح روض يحببا ... وبصدره رمانً مرة أرطبا
والدر منثوراً يرى في لفظه ... ومنظماً في بسمه مترتبا
والسفل في لحظ بأكحل فاتر ... ويرى مريضاً بالجفون محجبا
طرف المهمامع جيد ريم نفرت ... وتميزت بالحسن من بين الظبا
من بين نحري بدر حسن حاجز ... كالسيف لم يجر بحر يسكبا
والمسك مع شهد الماء حايم ... في درة ظلم المفلج أشيبا
في فرد بيت حدثاني ما حوى ... بعدها بيت أتى مستنجبا
ودعص رمل غصن بان مثقل ... على عمودي وبردي قد ركبا
وطول جعد كالغراب مجاور ... وجهأ حكى بدر الدياجي مذهبا
ولون بيض من نعام شبه ... المولى به الحور الحسان مرغبا
لكن على مقدار أفهام الورى ... قد شبه الرحمن تلك مقربا
هيهات ابن البيض ممن لو بدت ... في مشرق ليلاً أضاءت مغربا
أو في الأجاج البحر تبرق أودجا ... تبسمت ذا ضاء وذاك استعذابا
والمخ في ساق تراه من ورا ... سبعين من جلبابها لن يحجبا
وعجبت من قوم صفر رجحوا ... منها وممن مدح خضر أطيبا
مع أن لون الحور أقوى حجة ... للبيض لا تلقى بذلك مكذبا
والكل ذموا لون جص لم يكن ... ما رونق أو لون در أشربا
ولسمع لما في فضل بكر أنشدوا ... لأبي نواس في قولاً هذبا
قالوا عشقت صغيرة فأجبتهم ... أشهى المطي إلي ما لم تركبا
كم بين حبة لؤلؤ مثقوبة ... ليست، وحبة لؤلؤ لم تثقبا
مع قول هادي العيس أعني مسلما ... بخل الوليد المستنجد المغربا
إن المطية لا يلذ ركوبها ... حتى تذلل بالزمام وتركبا
والحب ليس بنافع أربابه ... حتى يفضل بالنظام ويثقبا
وجوابا جلد يافعي في الحمى ... أبداً مع التفضيل تفضيل النبا
أبدا قريضا في يراع حاكما ... ومبينا فضلا لكل مطيبا
أولى مطايا العبد ما لم يمتطي ... لن يعد روض ما يرى مستصعبا
والدر سهل الانتفاع تقية ... وغير ممغوث سهى جربا
هذا لعمري في الحكومة قد كفى ... فضلاً وإن فضلاً ترم يا مرحبا
فالبسط في نظم وشر عادة ... لي حببت والقلب مع ما حببا
مستثنياً قل في روض هجت ... محبوبة تلك الرعات تحببا
(1/349)

ما تهتدي فيه ثواني سهلة ... وتريك ما لا تهتديه مطربا
في الكل فضل معجب لكنه ... في غير ممغوث تراه أعجبا
هذا إذا ما في الجمال تساويا ... ما اختص بعض منهلاً مستطيبا
أما إذا إحداهما في حسنها ... فاقت فلن فيما سواها ترغبا
إلا إذا اختصت ببعض مرغب ... كالدين أو مال وجاه أو صبا
مهلاً هديت الرشد يا من قلبه ... نحو الغواني والأغاني قد صبا
اعلم بأناكم نفيس مطية ... قد امتطينا واختبرنا المركبا
فالكل الفينا سراباً كالهبا ... في قاع دنيا حين جر الهبا
وإليه عن حصب رأى كم سالك ... في سفره ملنا تام المجدبا
فلا سراباً فيه ألقينا ولا ... سرنا فألقينا البهيج المخصبا
مع ما ارتكبنا من مخوف كالتي ... عن ركبها مالت اليه لتشربا
ظنته ماء فانتحته فلم تجد ... شيئاً وخافت عنده أن ينهبا
وهكذا الأيام تنهب عمرنا ... في غير خير يختشى أن تذهبا

سنة سبع وتسعين ومائة
فيها حوصر الأمين ببغداد وأحاط به طاهر بن الحسين وهرثمة بن أعين وزهير بن المسيب في جيوشهم، وقاتلت مع الأمين الرعية وقاموا معه قياماً لا مزيد عليه، ودام الحصار سنة، واشتد بالبلاء وعظم الخطب. وفيها توفي قاضي صنعاء هشام بن يوسف من أبناء الفرس، سمع معمراً وابن جريج، وأخذ عنه ابن المدائني، وهو من رواة الصحيحين.
وفيها توفي محدث الشام الإمام أبو محمد بقية بن الوليد الكلاعي الحمصي الحافظ رحمه الله. وفيها توفي شعيب بن حرب المدائني الزاهد، احد علماء الحديث. وفيها توفي الإمام العالم أبو سفيان وكيع بن الجراح، روى عن الأعمش قال أحمد: ما رأيت أوعى للعلم ولا أحفظ من وكيع، قلت وهو الذي أشار إليه القائل بقوله:
(1/350)

شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأوصاني إلى ترك المعاصي
وعلله بأن العلم فضل ... وفضل الله لا يحويه عاصي
قال يحيى بن أكثم: صحبت وكيعاً، وكان يصوم الدهر، ويختم القرآن كل ليلة، وقال أحمد: ما رأت عيني مثل وكيع.
وفيها توفي الإمام أحد الأئمة الأعلام عبد الله بن وهب الفهري مولاهم الفقيه المالكي المصري، صحب الإمام مالك عشرين سنة، وصنف الموطأ الكبير والموطأ الصغير، وقال أحمد بن صالح: حدث بمائة ألف حديث، وقال مالك في حقه: عبد الله بن وهب إمام، وكان مالك يكتب إليه إذا كتب في المسائل: الى عبد الله بن وهب المفتي، ولم يكن يفعل هذا مع غيره. وذكر ابن وهب وابن القاسم عند الامام مالك فقال: ابن وهب عالم وابن القاسم فقيه، وقال يونس بن عبد الأعلى: كتب الخليفة إلى عبد الله بن وهب في قضاء مصر، فخير نفسه ولزم بيته، فاطلع عليه بعضهم يوماً وهو يتوضأ في صحن داره، فقال له ألا تخرج الى الناس فتقضي بينهم بكتاب الله وسنة رسوله؟ فرفع إليه رأسه وقال: الى هاهنا انتهى عقلك أما علمت أن العلماء يحشرون مع الأنبياء والقضاة مع السلاطين، وكان صالحاً جامعاً بين الفقه والرواية والعبادة، وله تصانيف معروفة، وسبب موته أنه قرىء عليه كتاب الأهوال من جامعه فأخذه شيء كالغشيان، فحمل إلى داره فلم يزل كذلك إلى أن قضى نحبه، رحمه الله.

سنة ثمان وتسعين ومائة
فيها ظفر طاهر بن الحسين بعد أمور يطول شرحها بالأمين فقتله، وصلب رأسه رمح، وكان مليحاً أبيض اللون جميل الوجه طويل القامة، عاش سبعاً وعشرين سنة، واستخلف ثلاث سنين وأياماً، وخلع في رجب سنة ست وتسعين، وحارب سنة ونصفاً، وهو ابن زبيدة بنت جعفر بن المنصور. وفي أول رجب منها توفي شيخ الحجاز وأحد الأعلام أبو محمد سفيان بن عييبة الهلالي مولاهم الكوفي الحافظ نزيل مكة، وله أحد وتسعون سنة، وحج سبعين حجة، قال الشافعي: لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز، وقال ابن وهب: لا أعلم أحداً أعلم
(1/351)

بالتفسير من ابن عيينة، وقال أحمد بن حنبل: ما رأيت أحداً أعلم بالسنن من ابن عيينة. وقال غيرهم من العلماء: كان إماماً عالمأ ثبتاً ورعاً مجمعاً على صحة حديثه وروايته. روى عن الزهري وأبي إسحاق السبيعي وعمرو بن دينار ومحمد بن المنكدر وأبي الزناد وعاصم بن أبي النجود المقري والأعمش وعبد الملك بن عمير وغير هؤلاء من أعيان العلماء. وروى عنه الإمام الشافعي وشعبة بن الحجاج ومحمد بن إسحاق وابن جريج والزبير بن بكار وعمرو بن مصعب وعبد الرزاق بن همام الصنعاني ويحيى بن أكثم القاضي وغير هؤلاء من العلماء الأعلام ممن يكثر عددهم من الأنام. وقال الشافعي: ما رأيت أحداً فيه من آلة الفتيا ما في سفيان، وما رأيت أكف عن الفتيا منه، وقال سفيان: دخلت الكوفة ولم يتم لي عشرون سنة، فقال أبو حنيفة لأصحابه ولأهل الكوفة: جاءكم حافظ علم عمرو بن دينار، قال فجاء الناس يسألوني عن عمرو بن دينار، فأول من صيرني محدثاً أبو حنيفة، فذاكرته فقال لي يا بني ما سمعت من عمرو إلا ثلاثة أحاديث يضطرب في حفظ تلك الأحاديث توفي سفيان رحمة الله عليه بمكة، قلت: وقبره معروف مكتوب عليه بالخط الكوفي اسمه. وفي جمادى الآخرة منها توفي الإمام أبو سعيد عبد الرحمن بن مهدي البصري اللؤلؤي الحافظ أحد أركان الحديث بالعراق، وله ثلاث وستون سنة. وفيها توفي الإمام أبو يحيى معن بن عيسى المدني القزاز صاحب مالك، وفي صفر توفي الإمام أبو سعيد يحيى بن سعيد القطان البصري الحافظ أحد الأعلام، قال بندار: اختلفت إليه عشرين سنة فما أظن أنه عصى الله قط، قال أحمد بن حنبل: ما رأيت مثله، وقال ابن معين: اقام يحيى القطان عشرين سنة يختم في كل ليلة، ولم يفته الزوال في المسجد أربعين سنة.

سنة تسع وتسعين ومائة
فيها توفي يونس بن بكير الشيباني الكوفي الحافظ صاحب المغازي. وفيها توفي سليمان بن إسحاف الرازي، وكان عابدأ خاشعاً، يقال إنه من الأبدال.
(1/352)

وفيها توفي حفص بن عبد الرحمن البلخي، كان ابن المبارك يزوره ويقول، اجتمع فيه الفقه والوقار والورع.

سنة مائتين
فيها توفي أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل بن مسلم المدني الحافظ رحمه الله تعالى. وفيها على القول الصحيح توفي الولى الكبير العارف بالله الشهير المجتبي المقرب الترياق المجرب مطلع الأنوار ومنبع الأسرار مظهر الآيات ومقر الكرامات العلية والأحوال السنيه أبو محفوظ معروف الكرخي، من موالي علي بن موسى الرضا وكان أبواه نصرانيين فأسلماه إلى مؤدب وهو صبي وكان المؤدب يقول له: قل ثالث ثلاثة فيقول معروف: بل هو الله الواحد القهار، فضربه المعلم يوماً على ذلك ضرباً مبرحاً فهرب منه، وكان أبواه يقولان ليته يرجع إلينا على أي دين شاء فنوافقه عليه، ثم إنه أسلم على يدي علي بن موسى الرضا، ورجع إلى أبويه، فدق الباب فقيل له: من بالباب؟ فقال: معروف، فقل: على أي دين؟ فقال: على الإسلام، فأسلم أبواه، وكان مشهوراً بإجابة الدعوة، وأهل بغداد يستسقون بقبره، ويقولون: قبر معروف ترياق مجرب. وكان السري تلميذه، فقال له يوماً: اذا كانت لك حاجة إلى الله تعالى فأقسم عليه بي. وأتاه مرة بإنسان إلى دكانه وأمره أن يكسوه فكساه، فقال معروف بغض الله اليك الدنيا، فقام من مجلسه ذلك وقد بغضت إليه الدنيا. وأتت امرأةً إلى معروف في بغداد وهي حزينة على ولد لها صغير ضاع، وقد سألته أن يدعو لها بردة عليها، فقال: اللهم إن السماء سماؤك، والأرض أرضك، وما بينهما لك فاحفظه واردده على أمه، او كما قال في دعائه، فإذا به قد جاء، فقالت له أمه: اين كنت؟ فقال: كنت الساعة في باب الأنبار. وقال السري: رأيت معروفاً في النوم كأنه تحت العرش، والباري جلت قدرته يقول للملائكة: من هذا؟ وهم يقولون: انت أعلم يا رب منا، فقال هذا معروف الكرخي، سكر من حبي، فلا يفيق إلا بلقائي.
(1/353)

وقال محمد بن الحسين: سمعت أبي يقول: رأيت معروفاً الكرخي في النوم بعد موته، فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، فقلت: بزهدك وورعك؟ قال: لا بل بقبول موعظة ابن السماك ولزومي الفقر ومحبتي للفقراء. وكانت موعظة ابن السماك قوله: من أعرض عن الله بكليته أعرض الله عنه جملته ومن أقبل على الله بقلبه أقبل الله برحمته عليه، وأقبل بوجوه الخلق إليه، ومن كان مرة ومرة فالله يرحمه وقتاً ما، قال فوقع كلامه في قلبي وأقبلت على الله تعالى وتركت جميع ما كنت عليه. وذكر بعضهم، انه سمع مشايخ بغداد يحكون أن عون الدين بن هبيرة كانت سبب وزارته أنه قال: قد ضاق ما بيدي. حتى فقدت القوة أياماً، فأشار علي بعض أهلي أن أمضي إلى قبر معروف الكرخي رضي الله تعالى عنه، واسأل الله عنده، فإن الدعاء عنده مستجاب، قال: فأتيت قبر معروف الكرخي، فصليت عنده، ودعوت، ثم خرجت لأقصد البلد يعني بغداد، فاجتزت بمحلة من محال بغداد، فرأيت مسجداً مهجوراً، فدخلله لأصلي فيه كعتين، فإذا بمريض ملقى على بارية، فقعدت عند رأسه وقلت له: ما تشتهي؟ فقال: سفرجلة، قال: فخرجت إلى بقال هناك، فرهنت ميزرتي على سفرجلتين وتفاحة وأتيته بذلك، فأكل من السفرجلة ثم قال أغلق باب المسجد فأغلقته فتحنى عن البارية، وقال: احفرها هنا، فحفرت فإذا بكوز، فقال: خذ هذا فأنت أحق به، فقلت أما لك وارث؟ قال: لا إنما كان لي أخ، وعهدي به بعيد، وبلغني أنه مات، ونحن من الرصافة، قال: فبينما هو يحدثني إذ قضى
نحبه، فغسلته وكفنته ودفنته، ثم أخذت الكوز وفيه مقدار خمس مائة ينار، وأتيت إلى دجلة لأعبرها، وإذا بملاح في سفينة عتيقة وعليه ثياب رثة، فقال: معي معي، فنزلت معه وإذا به من أكبر الناس شبهاً بذلك الرجل، فقلت: من أين أنت؟ فقال: من الرصافة ولي بنات، وأنا صعلوك، فقلت: ما لك أحد؟ قال: لا وكان لي أخ ولي عنه زمان وما أدري ما فعل الله به، فقلت: ابسط حجرك، فبسط فصببت المال فيه، فبهت فحدثته الحديث، فسألني أن آخذ نصفه، فقلت: والله ولا حبة، ثم صعدت إلى دار الخليفة، وكتبت رقعة، فخرج عليها أشراف المخزن، ثم تدرجت إلي الوزارة، ومناقب معروف كثيرة، وفضائله شهيرة، وموضع ذكر شيء منها كتب السلوك. وفيها توفي أبو البختري وهب بن وهب القرشي الأسلي المدني، حدث عن العمري وجعفر الصادق وهشام بن عروة وغيرهم. وروى عنه غير واحد، وكان متروك الحديث، ينسب إلى وضعه، وتولى القضاء
(1/354)

بالمدينة وغيرها، ثم عزل وأقام ببغداد إلى أن توفي بها، وكان فقيهاً أخبارياً نسابةً جواداً سرياً سخياً يحب المديح ويثيب عليه الجزيل، وكان إذا أعطى قليلاً أو كثيراً أتبعه عذراً إلى صاحبه، وكان يتهلل عند طلب الحاجة إليه حتى لو رآه من لا يعرفه لقال: هذا الذي قضيت حاجته، وكان جعفر الصادق وقد تزوج أمه. وذكره الخطيب في تاريخ بغداد وبالغ في مدحه، وقال دخل شاعر فأنشده:
إذا افتر وهب خلته برق عارض ... ينعق في الأرضين أسعده السكب
وما ضر وهباً ذم من خالف الملا ... كما لا يضر البدر ينبحه الكلب
لكل أناس من أبيهم ذخيرة ... وذخرتي، فهو عقيد الندى وهب
فاستهل ضاحكاً وأمر له بصرة فيها خمس مائة دينار، وقوله ينعق أي ابتعج السحاب بالمطر، وقوله عقيد الندى وهو بمعنى قولهم فلان عقيد الكرم، وفي البخل يقولون عقيد اللؤم إذا بالغوا في المدح والذم، قلت ولعله مأخوذ من عقد العسل إذا أثخن، قال الجوهري يقال عقد الرب وغيره إذا غلظ فهو عقيد. وحكى الخطيب أن أبا البختري قال: لأن أكون في قوم أعلم مني أحب إلي من أن أكون في قوم أنا أعلم منهم، لأني إن كنت أعلمهم لم أستفد وإن كنت مع من هو أعلم مني استفدت. قلت: والتعليل بغير هذا أحسن وأصوب، وهو أنه إذا كان أعلم منهم تقلد الأمور الخطيرة، وأسندت إليه الخطوب المضرة التي لعله لا يكمل للقيام بها، ولا يأمن الوقوع في عطبها، وإذا كانوا أعلم منه انتفى عنه ذلك المحذور، وأمن من الخوف في عواقب الأمور، وله تصانيف، منها كتاب فضائل الأنصار، وأخباره ومحاسنه كثيرة، وأقوال المحدثين في الطعن فيه شهيرة.
(1/355)

/إحدى ومائتين فيها عهد المأمون إلى علي بن موسى الرضا العلوي بالخلافة من بعده، وأمر الدولة بترك السواد، ولبس الخضرة، وأرسل إلى العراق بهذا، فعظم على بني العباس الذي ببغداد، ثم خرجوا عليه، وأقاموا منصور بن المهدي، ولقبوه بالمرتضى، وسيأتي ذكر ذلك، مع غيره في تاريخ موت علي بن موسى المذكور، في سنة ثلاث ومائتين إن شاء الله تعالى.
وفي السنة المذكورة أعني الأولى بعد المائتين أول ظهور بابك الخرمي، من الفرق الباطنية الزنادقة، فعاث وأفسد، وكان يقول بتناسخ الأرواح.
وفيها توفي حماد بن أسامة الكوفي الحافظ مولى بني هاشم، قال أحمد: ما كان أثبت، لا يكاد يخطىء، روى عن الأعمش والكبار.
وفيها توفي أبو الحسن الواسطي محدث واسط، روى عن الحسين بن عبد الرحمن، وعطاء بن السائب والكبار، وكان يحضر مجلسه ثلاثون ألفاً، فقال وكيع: أدركت الناس، والحلقة لعلي بن عاصم بواسط. وقال بعض المؤرخين: كان إماماً ورعاً صالحاً جليل القدر، وضعفه غير واحد لسوء حفظه.

اثنتين ومائتين
فيها توفي الإمام المقرىء النحوي اللغوي صاحب التصانيف الأدبية يحيى بن المبارك العدوي المعروف باليزيدي،، لصحبته يزيد بن منصور خال المهدي. كان نحوياً لغوياً شاعراً فصيحاً، أخذ عن الخليل من الغريب واللغة، وكتب عنه العروض، وله " كتاب النوارد في اللغة " ودخل مكة في رجب، فأقبل على العبادة والاجتهاد والصدقة الكثيرة، وقد حدث بها عن أبي عمرو بن العلاء وابن جريج.
وروى عنه محمد ابنه، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وإسحاق بن إبراهيم الموصلي،
(2/3)

وجماعة من أولاده، وأبو عمر الدوري، وأبو شعيب السوسي، وأبو حمدون الطيب بن إسماعيل، وأبو خلاد سليمان بن خلآد وغيرهم.
وخالف أبا عمرو في حروف يسيرة من القرآن، وكان يؤدب أولاد يزيد بن منصور خال المهدي، وإليه كان ينسب كما تقدم، ثم اتصل بهارون الرشيد، فجعل ولده المأمون حجره،. فكان يؤدبه، وكان ثقة، وهو أحد الفصحاء العالمين بلغات العرب، وله التصانيف الحسنة والنظم الجيد.
وأخذ علم العربية وأخبار الناس عن أبي عمرو الخليل بن أحمد كما مر، ومن كان معاصرهما، وكان يجلس في أيام الرشيد مع الكسائي في مجلس واحد، ويقرآن الناس، أن الكسائي يؤدب الأمين، ويأخذ عليه حرف حمزة، وهو يؤدب المأمون، ويأخذ عليه حرف أبي عمر، وقال: وجه إليه يوماً بعض خدمه فأبطأ عليه، فوجه إليه آخر فكذلك، قال: فقلت إن هذا الفتى ربما اشتغل بالبطالة.
فلما خرج مرت بحلة، وقومته، أو كما قال لتدلك عينه من البكاء، إذ قيل: هذا جعفر بن يحيى قد أقبل، فأخذ منه منديلاً فمسح عينيه، وجمع ثيابه عليه، وقام إلى فراشه، مد عليه متربعاً، ثم قبل ليدخل فدخل، وقمت عن المجلس، وخفت أن يشكوني إليه، فألقى منه ما أكره. قال: فأقبل عليه بوجهه، وحدثه حتى أضحكه، وضحك إليه.
فلما هم بالحركة دعا بدابتة، وأمر غلمانه فسعوا بين يديه، ثم سأل عني فجئت، فقال: خذ على ما بقي من حزبي، فقلت: يا أيها الأمير أطال الله بقاءك لقد خفت أن تشكوني إلى جعفر، فقال: حاشا لله، أتراني يا أبا محمد كنت أطلع الرشيد على هذا. فكيف بجعفر يطلع على أني محتاج إلى الأدب؟ يغفر الله لك، لقد بعد ظنك، خذ في أمرك، فقد خطر ببالك ما لا يكون أبداً، ولو عدت في كل يوم مائة مرة.
وحكى المرزباني وغيره قالوا: سأل المأمون اليزيدي عن شيء فقال: لا، وجعلني الله فداك يا أمير المؤمنين، فقال: لله درك، ما وضعت واواً قط موضعاً أحسن من موضعها في لفظها. انتهى.
قلت: وإنما حسن وضع الواو في لفظه المذكور، لأنه لو حذفها منه لاستحق بذلك الأدب من الملوك، بل القتل، لأنه حينئذ يكون نافياً لجعله فداء له، وإثباتها يثبت جعله فداء نفسه الكريمة مقدماً بقاءه على بقاء نفسه عند نزول النوائب، وذلك من أعظم الآداب وأحسن التخاطب.
(2/4)

وقال بعضهم: دخل اليزيدي يوماً على الخليل بن أحمد، وهو جالس على وسادة، فأوسع له وأجلسه معه، فقال له اليزيدي: أحسبني ضيقت عليك، فقال الخليل: ما ضاق موضع على متحابين، والدنيا لا تسع متباغضين.
وقال اليزيدي: دخلت على المأمون والحنيا غضة وعنده " نعم " تغنيه، وكانت من أجمل أهل دهرها، فأنشدت.
وزعمت أني ظالم فهجرتني ... ورميت في قلبي بسهم نافذ
فنعم هجرتك فاغفري وتجاوزي ... هذا مقام المستجير العائذ
ولقد أخذتم من فؤادي أنسه ... لا مثل ربي كف ذاك الآخذ
فاستعادها المأمون الصوت ثلاث مرات، ثم قال: يا يزيدي، أيكون شيء أحسن مما نحن فيه؟. قلت: نعم يا أمير المؤمنين، فقال: وما هو؟ قلت: الشكر لمن خولك هذا الإنعام العظيم فقال: أحسنت وصدقت. ووصلني وأمر بمائة ألف درهم يتصدق بها، وحكي: أنه وقع بين اليزيدي والكسائي تنازع في هذا البيت:
لا يكون العير مهراً ... لا يكون المهر مهر
فقال الكسائي: يجب أن يكون مهراً منصوباً على أنه خبر كان، ففي البيت على التقدير أقوال، وقد علم كون حرف الروي فيما قبله مرفوعاً، فقال اليزيدي: الرفع صواب، لأن الكلام قد تم عند قوله: لا يكون الثانية، وهي مؤكدة للأولى ثم استأنف وقال: المهر مهر، وضرب بقلنسوته الأرض، وقال: أنا أبو محمد، فقيل له: اتكتني بحضرة أمير المؤمنين. والله إن خطأ الكسائي مع حسن أدبه، لأحسن من صوابك مع سوء أدبك. فقال: إن حلاوة الظفر أذهب عني حسن التحفظ.
وفيها: توفي الفضل بن سهل وزير المأمون أبو العباس السرخسي أخو الحسن بن سهل وعم بوران التي تزوجها المأمون، قالوا: لما وزر للمأمون، استولى عليه حتى ضايقه في جارية أراد شراءها، وكانت فيه فضائل. وتلقب بذي الرياستين، وكان من أخبر الناس بعلم النجوم وأكبرهم إصابة في أحكامه فيها.
حكى أبو الحسين السلامي في تاريخ ولاة الخراسان أنه لما عزم المأمون على إرسال
(2/5)

طاهر بن الحسين إلى محاربة أخيه الأمين، نظر الفضل بن سهل في مسألته، فوجد الدليل في وسط السماء،. وكان ذا عينين، فأخبر المأمون بأن طاهراً يظفر بالأمين. وتلقب بذي اليمينين، فكان الأمر كذلك. فتعجب المأمون من إصابة الفضل، ولفب طاهراً بذلك. وولع المأمون بالنظر في علم النجوم، قال السلامي: ومما أصاب الفصل بن سهل فيه من أحكام النجوم، أنه اختار للطاهر بن الحسين حين سمي للخروج إلى الأمين وقتاً عقد فيه لواء، فسلمه إليه ثم قال له: لقد عقدت لك لواء لا يحل خمساً وستين سنة. وكان بين خروج طاهر بن الحسين إلى وجه علي بن عيسى بن هامان مقدم جيش الأمين وقبض يعقوب بن الليث بنيسابور، خمساً وستين سنة.
ومن إصاباته أيضاً ما حكم به على نفسه. وذلك أن المأمون طالب والدة الفضل بما خلفه، فحملت إليه سكة مختومة مقفلة، ففتح قفلها فإذا صندوق صغير مختوم، فإذا فيه درج، وفي الدرج رقعة حرير مكتوب فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما قضى الفضل بن سهل على نفسه، قضى أنه يعيش ثمان وأربعين سنة، ثم يقتل بين ماء ونار، فعاش هذه المدة ثم قتله غالب " خال المأمون " في حمام بسرخس كما سيأتي إن شاء الله تعالى وله غير ذلك إصابات كثيرة.
ويحكى أنه قال يوماً لثمامة بن الأشرس: ما أدري ما أصنع في طلاب الحاجات، فقد كثروا علي وأضجروني. فقال له: زل عن موضعك، وعلي أن لا يلقاك أحد منهم، قال: صدقت. وانتصب لقضاء أشغالهم. وكان قد مرض بخراسان، وأشفى على التلف. فلما أصاب العافية، جلس للناس، فدخلوا عليه، وهشوا بالسلامة، وتصرفوا في الكلام، فلما فرغوا من كلامهم، أقبل على الناس وقال: إن في العلل لنعماً، لا ينبغي للعاقل أن يجهلها بمحيص الذنوب والتعرض لثواب الصبر، والإيقاظ من الغفلة، والإذكار بالنعمة في حال الصحة، واستدعاء التوبة، والحض على الصدقة، وقد مدحه جماعة من أعيان الشعراء، وفيه يقول بعضهم، وقيل ابن أيوب التيمي:
لعمرك ما الأشراف في كل بلدة ... وإن عظموا للفضل إلا ضائع
ترى عظماء الناس للفضل خشعاً ... إذا ما بدا والفضل لله خاشع
تواضع لما زاده الله رفعة ... وكل جليل عنده متواضع
وقال فيه مسلم بن وليد الأنصاري من جملة قصيدة:
(2/6)

أقمت خلافة، وأزلت أخرى ... جليل ما أقمت، وما أزلتا
قالوا: ولما ثقل أمره على المأمون، دس عليه خاله غالباً، فدخل عليه الحمام بسرخس، ومعه جماعة فقتلوه مفاوضة، وذلك يوم الجمعة ثاني شعبان من السنة المذكورة، وقيل في التي تليها، وعمره أربعون، وقيل إحدى وأربعون سنة وخمسة أشهر والله أعلم ولما قتل مضى المأمون إلى والدته، ليعزيها، فقال لها: لا تأسي عليه، ولا تجزعي لفقده، فإن الله قد أخلف عليك مني ولداً به يقوم مقامه، فمهما كنت تنشطين إليه فيه، فلا تنصصي عني منه. فبكت ثم قالت: يا أمير المؤمنين، وكيف لا أحزن على ولد النسبي، ولد مثلك " وسرخس " المذكور بالسين المهملة مكررة قبل الراء وبعد الخاء المعجمة الساكنة مدينة بخراسان.

ثلاث ومائتين
فيها استوثقت الممالك للمأمون، وقدم بغداد في رمضان، من خراسان، واتخذها سكناً. وتوفي الإمام المقرىء الحافظ حسين بن علي الجعفي مولاهم الكوفي، روى عن الأعمش وجماعة، قال أحمد: ما رأيت أفضل منه ومن سعد بن عامر الضبعي، وقال يحيى بن يحيى النيسابوري: إن بقي أحد من الأبدال، فحسين الجعفي، وقال بعضهم: كان مع تقدمة في العلم رأساً في الزهد والعبادة.
وفيها: توفي زيد بن الحباب أبو الحسين الكوفي، كان حافظاً صاحب حديث، واسع الدخل، صابراً على الفقر والفاقة.
وفيها توفي محمد بن بشر العبدي الكوفي الحافظ، قال أبو داود: هو أحفظ ممن كان بالكوفة في وقته.
وفيها: توفي أبو أحمد الزبيري محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدي مولاهم الكوفي، قال أبو حاتم: كان ثقة حافظاً عابداً مجتهداً.
وفيها توفي أبو جعفر محمد بن جعفر الصادق، الملقب بالديباج، مات
(2/7)

بجرجان، ونزل المأمون في لحده. وكان عاقلاً شجاعاً متنسكاً. كان الديباج يصوم يوماً ويفطر يوماً.
وفيها: توفي الإمام أبو الحسن النضر بن شميل المازني البصري. كان رأساً في الحديث واللغة والنحو، والفقه والغريب والشعر وأيام العرب، صاحب سنة. وهو من أصحاب الخليل بن أحمد. ذكره أبو عبيدة وقال: ضاقت المعيشة على النضر بن شميل البصري بالبصرة، فخرج يريد خراسان فتبعه من أهل البصرة نحو ثلاثة آلاف رجل، ما فيهم إلا محدث أو نحوي أو لغوي أو عروضي أو اخباري، فلما صار بالمربد، جلس فقال: يا أهل البصرة، يعز علي فراقكم، والله لو وجدت كل يوم كيلجة باقلاً ما فارقتكم. قال: فلم يكن فيهم أحد يتكلف ذلك، وسار حتى وصل خراسان، وجمع بها مالاً، وكانت إقامته بمرو ونظير ضيق المعيشة عنه على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في ترجمة القاضي عبد الوهاب المالكي، وضيق معيشته ببغداد، وانتقاله إلى مصر، سمع النضر بن هشام بن عروة واسماعيل بن أبي خالد، وحميد الطويل، وعبد الله بن عون، وهشام بن حسان، وغيرهم من التابعين.
وروى عنه يحيى بن معين، وعلي بن المديني، وكل من أدركه من أئمة عصره. ودخل نيسابور فسمع عليه أهلها، وله مع المأمون نوادر، منها: أن المأمون روى عن هشيم بسنده المتصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنه إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها، كان فيها سداد من عود. ورواه بفتح السين من سداد، فرواه النضر من طريق آخر، عن عوف بن أبي جميلة بسنده المتصل: سداد، بكسر السين، فقال له المأمون تلحنني؟ فقال: إنما لحن هشيم.
قال: فما الفرق بينهما. قال: السداد: بالفتح: القصد في الدينه والسبيل. والسداد بالكسر: البلغة. وكل ما سددت به شيئاً، فهو سداد. قال: أو تعرف العرب ذلك. قال: نعم، هذا العرجى يقول:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
(2/8)

فقال المأمون: قبح الله من لا أدب له. ثم أخذ القرطاس وكتب، ولا يدري ماذا كتب، ثم قال: إذا أمرت أن تترب يعني الكتاب كيف تقول؟ قال: أترب. قال: فهو ماذا قلت: مترب. قال: فمن الطين؟ قال: طين. قال: فهو ماذا؟ قال: مطين: فقال هذه أحسن من الأولى. ثم قال: يا غلام أتربه وطينه، ثم أرسل بالكتاب إلى وزيره الفضل بن سهيل مع غلامه، وبعث معه النضر بن شميل، فلما قرأ الفضل الكتاب قال: يا نضر: إن أمير المؤمنين أمر لك بخمسين ألف درهم، فما كان السبب فيه؟ فأخبره، فقال: لحنت أمير المؤمنين قال: كلا، إنما لحن هشيم، فتبع أمير المؤمنين لحانه. فأمر له بثلاثين ألف درهم أخرى، فأخذ ثمانين ألف درهم بحرف استفيد منه. والبيت الذي استشهد به هو لعبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفان الأموي العرجي الشاعر المشهور، وهو من جملة أبيات، منها قوله:
أضاعوني، وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
وصبر عند معترك المنايا ... وقد شرعت أسنتها بنحر
وسبب عمله لهذه الأبيات أنه حبسه محمد بن هشام المخزومي خال هشام بن عبد الملك، وكان والياً على مكة. وأقام في حبسه تسع سنين حتى مات في الحبس، من أجل أنه كان يشبب بأمه، ولم يكن ذلك عن محبة له فيها، بل ليفضح ولدها المذكور، وعاش ثمانين سنة.
وفيها: توفي الإمام الحبر أبو زكريا يحيى بن آدم الكوفي المقرىء الحافظ الفقيه صاحب التصانيف.
وفيها: توفي أزهر بن سعد الباهلي مولاهم البصري. روى الحديث عن حميد الطويل، وروى عنه أهل العراق، وكان صحب أبا جعفر المنصور قبل أن يلي الخلافة، فلما وليها جاءه مهنئاً، فحجبه المنصور فترصد له في يوم جلوسه العام وسلم عليه، فقال له المنصور: ما جاء بك؟ قال: جئت مهنئاً بالأمر، فقال المنصور: أعطوه ألف دينار، وقولوا له: قد سمعت أنك مريض، فجئت عائداً، فقال: أعطوه ألف درهم، وقال: قد قضيت وظيفة العيادة، فلا تعد إلي فإني قليل الأمراض. فمضى وعاد في قابل، فحجبه، فدخل عليه في مثل ذلك المجلس، فسلم عليه، فقال له المنصور: ما جاء بك؟ فقال: سمحت منك دعاء، فجئت لأتعلمه منك، فقال له: يا هذا إنه غير مستجاب، إني في كل سنة أدعو الله تعالى به أن لا تأتيني وأنت تأتيني.
وله وقائع وحكايات مشهورة، قلت: وهذا من المنصور حلم، وطول روح، وهو
(2/9)

غريب بالنسبة إلى سطوته، ولو وقع مثل هذا التكرار والمعاودة مع الحجاج لكان يفضي إلى قتل أو عقوبة شديدة، ووقوع مثل هذا مع المنصور مع بذل هذه الأموال أمر عجيب.
وفيها: توفي الإمام الجليل المعظم سلالة السادة الأكارم أبو الحسن علي بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أحد الأئمة الأثني عشر، أولي المناقب الذين انتسبت الإمامية إليهم، وقصروا بناء مذهبهم عليه. وكان المأمون قد زوجه ابنته أم حبيية، وجعله ولي عهده، وضرب اسمه على الدينار والدرهم. وكان السبب في ذلك أنه استحضر أولاد العباس الرجال منهم والنساء، وهو بمدينة مرو من بلاد خراسان، وكان عددهم ثلاثة وثلاثين ألفاً بين كبير وصغير، واستدعى علياً المذكور، فأنزله أحسن منزل، وجمع خواص الأولياء، وأخبرهم أنه نظر في أولاد العباس وأولاد علي بن أبي طالب، فلم يجد أحداً في وقته أفضل، ولا أحق بالخلافة من علي الرضا فبايعه، وأمر بإزالة السواد من اللباس والأعلام، وإبدال ذلك بالخضرة.
ونمي الخبر إلى من بالعراق من أولاد العباس، فعلموا إن في ذلك خروج الأمير عليهم، فخلعوا المأمون، وبايعوا منصور بن المهدي عم المأمون، ولقبوه بالمرتضى، فضعف عن الأمر وقال: إنما أنا خليفة المأمون. فتركوه وعدلوا إلى أخيه إبراهيم بن المهدي، بايعوه بالخلافة، ولقبوه بالمبارك، وذلك يوم الجمعة لخمس خلون من المحرم من السنة المذكورة، وقيل سنة اثنتين وثلاث مائة.
وجرت بالعراق حروب شديدة وأمور مزعجة، والشرح في ذلك يطول.
وكانت ولادة علي الرضا يوم الجمعة في بعض شهور سنة ثلاث وخمسين ومائة بالمدينة، وقيل: بل ولد في سابع شوال، وقيل: ثامنه، وقيل سادسه سنة إحدى وخمسين ومائة، وتوفي: خامس ذي الحجة، وقيل: ثالث عشر ذي القعدة سنة ثلاث، وقيل: في آخر يوم من صفر سنة اثنتين ومائتين بمدينة طوس، وصلى عليه المأمون، ودفنه ملتصق قبر أبيه الرشيد.
وكان سبب موته على ما حكوا، أنه كل عنباً فكثر منه، وقيل: بل مات مسموماً،
(2/10)

وفيه يقول أبو نواس لما عتب عليه بعض أصحابه، وقال له: ما رأيت أوقح منك، ما تركت خمراً ولا معنى إلا قلت فيه شيئاً، هذا علي بن موسى الرضا في عصرك، ما قلت فيه شيئاً، فقال: والله ما تركت ذلك إلا إعظاماً له، وليس قدر مثلي يستحسن أن يقول في مثله، ثم أنشد بعد ساعة:
قيل لي أنت أحسين الناس طراً ... قي فنون من المقال النبيه
لك من جيد القريض مديح ... يثمر الدر في يدي مجتنيه
فعلى ما تركت مدح ابن موسى ... والخصال التي ذهبت هي فيه
قلت لا أستطيع مدح إمام ... كان جبريل خادماً لأبيه
قلت: وفي هذه الأبيات لفظان أصلحتهما، لاختلال وزنهما من جهة الكاتب. وقال فيه أيضاً أبو نواس:
مطهرون بقبات حياتهم ... تجري الصلاة عليهم أينما ذكروا
من لم يكن علوياً حين تنسبه ... فما له في قديم الدهر مفتخر
الله لما برا خلقاً فأتقنه ... صفاكم واصطفاكم أيها البشر
فأنتم الملأ الأعلى وعندكم ... علم الكتاب وما جاءت به السور
وقال المأمون يوماً لعلي بن موسى المذكور: ما يقول بنو أبيك في جدنا العباس بن عبد المطلب؟ فقال: ما يقولون؟ رجل فرض الله طاعة بنيه على خلقه فأمر له بألف ألف درهم.
وكان قد خرج أخوه زيد بن موسى بالبصرة على المأمون، وفتك بأهلها، فأرسل إليه المأمون أخاه علياً المذكور، يرده عن ذلك، فجاءه وقال له: ويلك يا زيد، فعلت بالمسلمين بالبصرة ما فعلت وتزعم أنك ابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والله، لأشد الناس عليك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يا زيد، ينبغي لمن أخذ برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أن يعطي به، فبلغ كلامه المأمون، فبكى وقال: فكذا ينبغي أن يكون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قيل: هذا الكلام مأخوذ من كلام زين العابدين، فقد قيل: إنه كان إذا سافر كتم نسبه، فقيل له في ذلك فقال: أنا أكره أن آخذ برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما لا أعطي به.

أربع ومائتين
فيها توفي إمام الأنام، وحيد الدهر وفقيه العصر أبو عبد الله محمد بن إدريس بن
(2/11)

فأسر العباس بن العثمان بن شلفع بن السائب بن عبيد بن يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف القريشي المطلبي الشافعي، يجتمع نسبه مع نسب رسول الله عليه وسلم في عبد مناف وهو رابع آباء رسول الله صلي الله عليه وسلم وعاشر آباء الشافعي، لأن النبي صلى الله عليه وسلم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، والشافعي نسبه كما تقدم قريباً، وكونه مطلبياً، هو من جهة الأب، وهو أيضاً هاشمي من جهات أمهات أجداده، وأزدي من جهة أمة. وقد أوضحت ذلك في اختصار مناقبه منقولاً عن العلماء الأعلام الأئمة الحفاظ منهم الحاكم أبو عبد مناف جد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات وذلك لأن أم السائب هي الشفا بنت الأرقم بن هاشم بن عبد مناف، وأم الشفا هي خليدة " بفتح الخاء المعجمة والدال المهمله وكسر اللام وسكون المثناة من تحت بينها وبين الدال " ابنة أسد بن هاشم بن عبد مناف، وأم عبد يزيد هي الشفا بنت هاشم بن عبد مناف، وذلك أن المطلب زوج ابنه هاشماً الشفا بنت هاشم بن عبد مناف، فولدت له عبد يزيد، فالشافعي ابن عم رسول الله عليه وسلم، وابن عمته، لأن المطلب عم رسول الله عليه وسلم، والشفا بنت هاشم بن عبد مناف أخت عبد المطلب، عمة رسول الله عليه وسلم.
وأيضاً قد نقل عن الشافعي أنه كان يقول: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ابن عمي وابن خالتي. وأما كونه ابن عم له فواضح، لكونه ثبت أنه مطلبي من طريق عديدة، منها قول الإمام ابن دريد في الأبيات الآتي ذكرها.
ترى ابن إدريس ابن عم محمد ... ضياء إذا ما أظلم الخطب ساطع
وقول الإمام المسلم بن الحجاج القشيري قال: عبد الله بن السائب والي مكة هو أخو شافع بن الشائب جد محمد بن إدريس الشافعي. قال بعض الأمة: ولا أن عبد الله بن السائب كان من بني المطلب، وقال الإمام داود بن علي الأصفهاني وقد ذكر بعض أقوال الشافعي قال: هذا قول المطلبي الذي علا الناس بنكته، وقهرهم بأدلته، وباينهم بشهامته، وظهر عليهم بديانته، التقي في دينه، النقي في حسبه، الفاضل في نفسه، المتمسك بكتاب ربه، المقتدي بسنة رسوله، الماحي لأرباب أهل البدع، الذاهب بخبرهم، الطامس لسيرهم، حتى أصبحوا كما قال الله تعالى: " فأصبح هشيماً تذروه الرياح ".
ومن ذلك إقرار الخليفة هارون الرشيد في ذلك قوله: أما علم محمد بن الحسن أنه إذا ناظر رجلاً من قريش أنه يقطعه لما بلغله أن الشافعي قطعه؟ وقوله؟ أيضاً: ألا إن بني
(2/12)

المطلب ما فارقوا آل رسول الله صلى الله عليه وسلم في شرف ولا في سخاء حين بلغه أن الشافعي فرق جميع ما أعطاه من الدنانير الألف وقول الرشيد لأبي يوسف أيضاً: ومحمد لن توازياه ولن تعادلاه، والله، قد أثبت الله له حق القرابة من رسوله صلى الله عليه وسلم، وحق الشرف وحق القرآن وحق العلم وقوله أيضاً للشافعي: كثر الله في أهلي مثلك. كل هذا مما نقله العلماء في مناقبه.
ومن ذلك شيوع ذلك واستفاضته، قالوا: وقد ثبت بالتواتر أن الشافعي كان يفتخر بهذا النسب، وأما كونه ابن خاله علي فلأنه قد تقدم أن أم السائب بن عبيد جد الشافعي هي الشفا بنت الأرقم بن عبد مناف، وأم هذه المرأة هي خليدة بنت أسد بن هاشم، وأم علي هي فاطمة بنت أسد بن هاشم.
قلت: وقد رويت السند الصحيح المتصل إلي الشيخ الكبير العارف بالله الشهير أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه أنه قال: ما مات الشافعي حتى قطب. رواه الشيخ الأمام العارف بالله شهاب الدين بن المليق عن الشيخ الفقيه الأمام العارف بالله تاج الدين بن عطاء الله، عن شيخه الشيخ الكبير المعظم ذي النون القدسي العارف بالله أبي العباس المرسي عن شيخه الشيخ الكبير العارف بالله ذي المقام العالي المشهود له بالقطبية أبي الحسن الشاذلي قدس الله أرواح الجميع.
وسبب رواية الشيخ ابن المليق لذلك أنه قال: قد جئت إلي الشيخ إمام تاج الدين بن عطاء الله الشاذلي المالكي، يا سيدي، أريد أن أصحبك بشرط أن تتركني على مذهبي، فإني أحب مذهب الشافعي، فقال: نعم، وأزيدك زويدة وهي أنه: ما مات الشافعي حتى قطب، روى ذلك بالسند المذكور إلى الشيخ القطب أبي الحسن الشاذلي رحمه الله.
قلت: وأرى لهذه القطبية احتمالين: أحدهما: القطبية التي تنتقل من واحد إلى واحد، وإليها الإشارة بقول بعضهم: محجوبة لن يراها اثنان في زمن.
الثاني: أن يكون للعلماء قطب للأولياء قطب والله أعلم.
قلت: ومن المشهور المذكور في رسالة الأستاذ أبي القاسم القشيري وغيرها عن الشيخ الكبير العارف بالله، الشهير ببلال الخواص رضي الله عنه أنه سأل الخضر عليه السلام عن الإمام الشافعي رضي الله عنه فقال: هو من الأوتاد.
قلت: وذلك قبل أن يرتقي إلي مقام القطبية.
رجعنا: إلى ذكر نسب الشافعي رضي الله عنه، قال العلماء: وجده " شافع " لقي رسول الله عليه وسلم، وهو متزعزع وكان السائب صاحب راية بني هاشم يوم بدر،
(2/13)

فأسر وفدى نفسه، ثم أسلم، فقيل له: لم لم تسلم قبل أن تفدي نفسك؟ فقال: ما كنت لأحرم المؤمنين طمعاً لهم في.
وباقي نسب الشافعي إلى معد بن عدنان معروف، وكان الشافعي رضي الله عنه كثير المناقب، جم المفاخر، عديم النظير، منقطع القرين، اجتمع فيه العلوم لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وكلام الصحابة رضي الله عنهم وآثارهم واختلاف أقاويل العلماء وكلام العرب من النحو واللغة والشعر وغير ذلك ما لم يجتمع في غيره، حتى أن الأصمعي مع جلالة قدره في هذا الشأن قرأ عليه أشعار الهذليين، وحتى أن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه وعن الجميع قال: ما عرفت ناسخ الحديث ومنسوخه حتى جالست الشافعي.
وقال له إسحاق بن راهويه وهو بمكة أكثر من عشر مرات: تعال أريك رجلاً ما رأت عيناك مثله، فأوقفه على الشافعي قلت: وحتى الزمخشري من أئمة المعتزلة أثنى على الإمام الشافعي، وعظمه، ورجح قوله، وقوى حجته، وجعله من أئمة اللغة المعتبرين، ومدحه مدحاً حسناً كما سيأتي ذكره.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: كا رأيت رجلاً قط أكمل من الشافعي، وقال الإمام أحمد: الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للبدن، هل لهذين من خلف أو عنهما عوض. وقال يحيى بن معين: كان الإمام أحمد نهانا عن الشافعي، ثم استقبلته يوماً، والشافعي راكب بغلته، وهو يمشي خلفه، فقلت: يا أبا عبد الله، تنهي عنه، وتمشي خلفه، قال: اسكت، لو لزمت البغلة انتفعت.
وحكى الخطيب في تاريخ بغداد عن ابن الحكم أنه قال: لما حملت أم الشافعي به، رأت كأن المشتري قد خرج من فرجها، حتى انقض بمصر، ثم وقع في كل بلد منه شظية فتأؤل أصحاب الرؤيا أنه يخرج منها عالم يخص علمه أهل مصر ثم يتفرق سائر البلدان.
وذكر الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله في مناقب الإمام الشافعي رضي الله عنه أنه أول من صنف في أصول الفقه، وقال: اتفق الناس على ذلك، وأنه الذي رتب أبوابه، وميز بعض أقسامه عن بعض، وشرح مراتبها في الضعف والقوة، قيل وما مثل الشافعي ومثل غيره إلا كما قال القائل:
نزلوا بمكة في قبائل نوفل ... ونزلت بالبيداء أبعد منزل
وذكر هو وغيره من الأئمة ما هو مشهور في مناف الشافعي، وهو أن إمام الحديث في،
(2/14)

زمانه المشكور المشهور عبد الرحمن بن مهدي التمس من الإمام الشافعي وهو شاب أن يضع له كتاباً يذكر فيه شرائط الإستدلال بالقرآن والسنة والإجماع والقياس وبيان الناسخ والمنسوخ ومراتب العموم والخصوص، فوضع الشافعي له كتاب الرسالة، وبعثها إليه، فلما قرأها قال: ما ظننت أن الله خلق مثل هذا الرجل، قلت: يعني من أئمة العلماء.
وكان الإمام أحمد يقول في الشافعي: فيلسوف في أربعة أشياء: في اللغة وإختلاف الناس والمعاني والفقه. وقال في الحديث الوارد: في أحداث الله من يجدد لهذه الأمة دينها على رأس كل مائة سنة، إنه كان على رأس المائة الأولى عمر بن عبد العزيز، وعلى رأس المائة الثانية محمد بن الحرشي الشافعي، وقد أوضحت في " كتاب المرهم في الأصول " من ذكر الأئمة المعتبرين من بعده على رؤوس المئين يكونون.
وقال الشافعي: رأيت في زمان الصبا بمكة رجلاً ذا هيئة، يؤم الناس في المسجد الحرام، فلما فرع، أقبل على الناس يعلمهم، قال: فدنوت منه، وقلت: علمني، فأخرج ميزاناً من كمه، فأعطانيه، وقال: هذا لك. قال: وكان هناك معبر، فعرضت عليه الرؤيا فقال: إنك ستصير إماماً في العلم، وتكون على السنة، لأن إمام المسجد الحرام أفضل الأئمة كلهم، وأما الميزان فإنك تعلم حقيقة الشيء في نفسه.
قلت: لا جرم أن الإمام الشافعي استنبط علوماً لم يستبق إليها، كاستنباطه علم أصول الفقه، وتلخيصه باب القياس تلخيصاً سنياً، ووضعه للخلق قانوناً كلياً، يرجع إليه في معرفة مراتب أدلة الشرع، كما سيأتي ذكر ذلك، فهو كما ذكر بعض العلماء أن نسبته إلى علم الأصول كنسبة أرسطا طاليس الحكيم إلى وضع المنطق في معرفة تركيب الحدود والبراهين، وكنسبة الخليل بن أحمد إلى علم العروض والأصول في معرفة وزن الشعر، والتمييز بين صحيحه وفاسده، وسيأتي ذكر مقامات أخرى له، رضي الله تعالى عنه.
وقال محمد بن عبد الحكم: ما رأيت مثل الشافعي، كان أصحاب الحديث يجيئون إليه، ويعرضون عليه غوامض علم الحديث، وكان يوقفهم على أسرار لم يقفوا عليها، فيقومون وهم متعجبون منه، وأصحاب الفقه الموافقون والمخالفون لا يقومون إلا وهم مذعنون له، وأصحاب الأدب يعرضون عليه الشعر، فيبين لهم معانيه. وكان يحفظ عشرة آلاف بيت لهذيل بإعرابها ومعانيها، وكان من أعرف الناس بالتواريخ، وكان ملاك أمره إخلاص العمل لله تعالى.
(2/15)

وكان لمزني يقول: لو وزن عقل الشافعي بعقل نصف أهل الأرض رجح. قلت: هكذا قال: أرض بالتنكير، فليعلم ذلك، وقال: لو رأيتم الشافعي لقلتم في كتبه أنها ليست من تصانيفه، والله إن لسانه كان أكثر من كتبه.
وقال القاسم بن سلام: ما رأيت رجلاً قط أضل ولا أورع ولا أفصح ولا أبسل من الشافعي، وكان أبو حاتم الرازي يقول: لولا الشافعي لكان أصحاب الحديث في عمى.
وقال بعض الأئمة: كان أئمة الحديث مأسورين في أيدي المعتزلة. حتى ظهر الإمام الشافعي، وقال الحسن بن محمد الزعفراني: إن محمد بن الحسن يعني صاحب الإمام أبي حنيفة قال: إن تكلم أصحاب الحديث يوماً فبلسان الشافعي.
وقال بشر المريسي من أئمة المبتدعة لما رجع من مكة إلى بغداد: رأيت شاباً بمكة من قريش ما أخاف على مذهبنا إلا منه، وكان الجاحظ من أئمتهم يقول: نظرت في كتب هؤلاء التابعة الذين اتبعوا في العلم يعني أهل السنة فلم أر أحسن تأليفاً من المطلبي، أن لسانه ينظم الدرر، وكذلك الزمخشري من أئمتهم، ومكانه من علم العربية معروف، صدر منه الإعتراف في كتابه " الكشاف " للشافعي: بالتقدم في علم العربية وإرتقائه في الفضل لدرجة العلية في تفسير قوله تعالى: " ذلك أدنى أن لا تعولوا ") النساء: 13، (وذكر فيه الوجوه المروية عن الشافعي، ثم بين وجه تصحيحها، ثم قال: وكلام مثل الشافعي من أعلام العلم وأئمة الشرع ورؤوس المجتهدين حقيق بأن يحمل على الصحة والسداد. قال: كفى بكتابنا المترجم " كتاب شافي العي من كلام الشافعي " شاهداً بأنه كان أعلى كعباً أطول باعاً في كلام العرب من أن يخفى عليه مثل هذا.
قلت: يعى في قول الشافعي معناه: يكثر عيالكم، وقول المفسرين معناه، تعيلوا وتجوروا، وإنه يقال: أعال، لا عال، إذا أريد كثرة العيال. قيل: إلا أن يحمل على العقبى، لأن المعيل قد يعول. وأنشد بعضهم على قول المفسرين:
وميزان حق لا يعول شعيره ... ووزان صدق، وزنه غير عائل
وأنشد أيضاً على قول الشافعي:
وإن الموت يأخذ كل حي ... بلا شك وإن أثرى وعالاً
وقال الأصمعي: قرأت شعر الشنفري " بفتح الشين المعجمة وسكون النون وفتح الفاء والراء " الأزدي على محمد بن إدريس الشافعي.
وقال المازني: قول محمد بن إدريس حجة في اللغة، وذكر نحوه عن ثعلب
(2/16)

والأزهري، ولما استدعى به هارون الرشيد قال: بعد قصص كثيرة: ما علمك بكتاب الله؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن علوم القرآن كثيرة، أفتسألني عن محكمه ومتشابهه؟. أو عن تقديمه وتأخيره؟ أو عن ناسخه ومنسوخه. أو عما ثبت حكمه وارتفعت تلاوته. أو عن عكس ذلك. أو عما ضرب الله به مثلاً. أو عن ما جعله الله اعتباراً؟ . أو عن أخباره، أو عن أحكامه، أو عن مكية ومدنية؟. أو عن ليلية ونهارية؟ أو عن سفرية وحضرية؟. أو عن تنسيق رصفه أو تسوية سوره؟. أو نظائره أو إعرابه؟. أو وجوه قراءته أو حروفه؟ أو معاني لغاته أو عدد آياته؟. قال الراوي: فما زال الشافعي يعدد هذه حتى عدد ثلاثة وسبعين نوعاً من أنواع علوم القرآن.
قال هارون: لقد أوعيت من القرآن علماً عظيماً، فقال: المحنة على الرجل كالنار على الذهب. وكذلك سأله عن السنة، فأجابه أنه يعرف منها ما خرج على وجه الإيجاب، وعلى وجه الخطر، وعلى وجه الخصوص، وعلى وجه العموم، وما خرج جواب سائل، وما خرج لإزدحام العلوم في صدره صلى الله عليه وآله وسلم، وما فعله فاقتدى به غيره، وما خص به صلى الله عليه وآله وسلم فقال الرشيد أجدت ووضعت كل قسم في مكانه، فقال: ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس، فقال: كيف بصرك بالعربية؟ فقال: هي مبدأنا طباعنا وألسنتنا، فقال: كيف معرفتك بالشعر. فقال: إني لأعرف الجاهلي منه والمخضرم والمحدث وطويله ومديده وكامله وسريعه ومجتثه ومنسرحة وخفيفه ورجزه وهزجه ومتقاربه وغزله وحكمته، وكذلك سأله عن الطب، فأجابه بأنه يعرف ما قاله علماؤه، وعددهم وغير ذلك من العلوم.
وكان شيوخ مكة يصفون الشافعي من أول صغره بالذكاء والعقل والصيانة، ويقولون: لم يعرف له صبوة.
وقال الشافعي: قدمت على مالك بن أنس، وقد حفظت الموطأ، فقال لي: أحضر من يقرأ لك، فقلت: أنا القارىء، فقرأت عليه الموطأ حفظاً، فقال: إن يك أحد يفلح، فهذا الغلام.
وروى الإمام أبو نعيم الأصفهاني أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم: " لا تؤموا قريشاً، وأتموا بها الحديث "، قال فيه فإن عالم قريش يملأ طباق الأرض علماً، وكان سفيان بن عيينة إذا جاء شيء من التفسير أو من الفتيا، التفت إلى الشافعي فقال: سلوا هذا.
وقال الحميدي: سمعت مسلم بن خالد الزنجي، يعني شيخ الشافعي يقول للشافعي: أفت يا أبا عبد الله، فقد والله لآن لك أن تفتي. وهو إذاك ابن. خمس عشرة سنة.
(2/17)

وقال محفوظ بن أبي توبة البغدادي: رأيت الإمام أحمد عند الإمام الشافعي في لمسجد الحرام، فقلت: يا أبا عبد الله، هذا سفيان بن عيينة في ناحية المسجد يحدث، قال: إن هذا يفوت، وذلك لا يفوت.
وقال أبو حسان الزيادي: ما رأيت محمد بن الحسن يعظم أحداً من أهل العلم تعظيمه للشافعي.
وقال الشافعي: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال لي: يا غلام، من أنت. قلت: من رهطك يا رسول الله، فقال: ادن مني، فدنوت منه، فأخذ من ريقه المبارك، فتحت فمي، فأمر من ريقه على لساني وفمي وشفتي، وقال: امض، بارك الله فيك.
قال: ورأيت علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في النوم أيضاً، فسلم، فصافحني، وخلع خاتمه وجعله في إصبعي، وكان لي عم، ففسرها لي فقال: أما مصافحتك لعلي فهو أمان من العذاب، وأما خلعه خاتمه وجعله في أصبعك، فسيبلغ اسمك ما بلغ اسم علي في المشرق والمغرب.
قلت: ومن التحدث بنعم الله، مما يقرب من مناسبته، هذا ما رأيت، والحمد لله، كأني أطوف بالكعبة، ومعي الملك الناصر، وفي إصبعي خاتم علي، فعسى أن يكون تأويلها إن شاء الله تعالى البركة والهدى والنصر والعلو في الدين.
وكذلك رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مراراً عديدة، دعا لي في بعضها، وفي بعضها أعطاني من ثمار الفاكهة الخضراء، وفي بعضها شكوت عليه شيئاً بلسان الحال، فتبسم وقال: أنا ظهرك، وأنا سندك، وسماني شيخاً وإماماً وفقيهاً، وأكلت من طبق رطب بين يديه، وحرص بعض الأخيار على حضور مجلس، وحملني صلى الله عليه وآله وسلم، فوضعني على منبر، وأركبت فرساً، وحملت الغاشية بين يدي. رأى كل هذا لي جماعة من الأولياء السادات.
ورأيت بعضه، ورأى بعضهم أني جالس على سجادة بيضاء مفروشة تجاه وجهه صلى
الله عليه وآله وسلم وناس من خلفي، والحمد لله على جميع الآلاء والأفضال، وعلى كل، حال من الأحوال.
رجعنا إلى ذكر الإمام الشافعي رضي الله عنه وذكر غير واحد من الأئمة ما تقدم من إن الشافعي أول من تكلم عن أصول الفقه، وهو الذي استنبطه، وأول من علل الحديث،
(2/18)

وكان حاذقاً في الرمي يصيب تسعة من عشرة، وروي عنه أنه قال: استعملت اللبان سنة للحفظ فأعقبني صب الدم.
وقال يونس بن عبد الأعلى: لو جمعت أمة لوسعهم عقل الشافعي.
وقال أبو ثور: من زعم أنه رأى مثل محمد بن إدريس في علمه وفصاحته ومعرفته وثباته وتمكنه فقد كذب، كان منقطع القرين في حياته، فلما مضى لسبيله لم يعتض منه.
وقال الإمام أحمد: ما أحد ممن بيده محبرة أو ورق إلا وللشافعي في رقبته منة.
وقال الزعفراني: كان أصحاب الحديث رقوداً، حتى جاء الشافعي، فأيقظهم، فتيقظوا، وفضائله أكثر من أن تعد، ومناقبه أجل من أن تحد فقد صنف الأئمة الجلة كالبيهقي وفخر الدين الرازي وداود الظاهري وغيرهم من العلماء فيها تصانيف قيل: ثلاثاً عشر مصنفاً.
وقد ذكرت نبذة مختصرة من مناقبه، وما جرى له في العراق من المناظرات وغيرها بحضرة الرشيد، وتصنيف كتبه المشتملة على قوله القديم في العراق وفي مصر المشتملة على فتيا " القول الجديد الموسوم بمنهل الفهوم " المروي من صدى الجهل المذموم في شر ألسنة العلوم، عند ذكر المراجعة في فن البديع بقولي:
فقلت لها: ما العلم. قالت: دراية ... وما ذاك في محض الروايات مسمعاً
وما الفقه؟. قالت: وصفا الفهم، ليس في ... مجرد ثقل صادق من له وعى
ويكفيك قول المصطفى، رب حامل ... دليلاً إذا ما فيه نودي: وتوزع
وعرف صلاح علم أحكام شرعنا ... بكسب وتفصيل الدليل تفرع
ومن جهة الإجمال علم أصوله ... دعا الله خيراً ذلك النهج أبدعا
إمام الهدى السامي على أو براعة ... ونور الوجود الباهج المتشعشعا
وبحر العلوم الزاخر الطامي الخضم ... تاج العلى الراقي المقام المرفعا
فتى نجل إدريس الرضا لأئمة ... بدور الدياجي قدوة الدين متبعا
فضائله تزهو الوجود بحسنها ... بها سارت الركبان غرباً ومطلعا
وما لخصال المدح في ذكر بعضها ... مجال نعتها الكتب، ضاقت لها وعا
إلى ذكره أتجر الكلام، ولم أرم ... مناقب ذي العلياء أمدح متبعا
ترى هل حصاني حين أرخى عنانه ... عتيقاً جواداً شافع السر سلفعا
ترى قاطعاً في شاوة من مساحة ... تطول لفضل الشافعي القطب إصبعا
كذاك بإسناد صحيح مقطب ... له قبل ما ناعى منيته نعى
(2/19)

عن الشاذلي المشهور شيخ زمانه ... إمام الهدى القطب الرضي المتورعا
وأيضاً من الأوتاد من قبل ذا إلى ... شهير روايات عن الخضر مسمعا
عليه سلام الله أكرم سيد ... حضيض اصطفى في قلبه السر أودعا
ومولده: سنة خمسين ومائة، وقد قيل أنه ولد في اليوم الذي توفي فيه الإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه.
قلت: وبيننا وبين الحنفية مقاولة على سمبيل المزاح، فهم يقولون إمامكم كان مخفياً حتى ذهب إمامنا، ونحن نقول: لما ظهر إمامنا هرب إمامكم. وكان مولده رضي الله تعالى عنه في بلاد غزة، وقيل بعسقلان، وقيل باليمن، والأول أصح. وحمل إلى مكة وهو ابن سنتين، ونشأ بها وقرأ القران الكريم.
وحديث رحلته مشهور فلا نطول بذكره، وقدم بغداد، فأقام بها سنتين، وصنف بها كتبه القديمة، ووقع بينه وبين محمد بن الحسن مناظرات كثيرة، وبارتفاع شأن الشافعي عند هارون الرشيد شهير، وقد أوضحت ذلك في غير هذا الكتاب.
وذكر بعضهم: أنه لما ظهر عليه الإمام الشافعي في بعض مناظراته، أمر الرشيد الشافعي بجر رجل محمد بن الحسن، فأخذ الشافعي عند ذلك يمدح محمد بن الحسن، ويقول: يا أمير المؤمنين، ما رأيت سمينا أفقه منه، فخلع الخليفة عليهما، وحمل كل واحد منهما على مركوب، وأمر للإمام الشافعي بخمسين ألف درهم، فما وصل الشافعي بيته، حتى تصدق بجميع ذلك، ووصل به الناس. ثم رجع إلى مكة، ثم عاد إلى بغداد، فأقام بها شهراً ثم خرج إلى مصر، وصنف بها كتبه الجديدة، ولم يزل بها إلى أن توفي في اليوم الجمعة آخر يوم من رجب، ودفن بعد العصر من يومه بالقرافة الكبرى، وقبره يزار بها، وعليه ضربت قبة عظيمة.
قال: الربيع المزادي: رأيت هلال شعبان وأنا راجع من جنازته، قال: ورأيت في المنام قبل موت الشافعي بأيام، كأن آدم صلى الله عليه وآله وسلم مات، والناس يريدون أن يخرجوا بجنازته، فلما أصبحت سألت بعض أهل العلم عن ذلك، فقال: هذا موت أعلم أهل الأرض، لأن الله تعالى علم آدم الأسماء كلها، فما كان إلا يسيراً، حتى مات الشافعي رحمه الله عليه.
(2/20)

قال: ورأيته بعد موته في المنام، فقلت له: يا أبا عبد الله، ما صنع الله بك. فقال: أجلسني على كرسي من ذهب، ونثر علي اللؤلؤ الرطب.
وقال شيخنا الكبير العارف بالله الخبير نور الدين علي بن عبد الله المعروف بالطواشي نسباً، الشافعي ثم الصوفي مذهباً، قدس الله روحه: رأيت الشافعي رضي الله تعالى عنه تحت سدرة المنتهى، وأشك، هل ذلك في المتام. أو في حال ورد عليه. وقد اتفق العله قاطبة من أهل الفقه والحديث والأصول واللغة والنحو وغير ذلك على جلالته وبراء وفضيلته وإمامته وتقواه وديانته وورعه وزهادته وجوده وسماحته ومروؤته ونزاهته وحسن سيرته ولطافته. وله من الأشعار ما يخرج عن حيز الإنحصار، وقد ذكرت شيئاً من ذلك كتابي المذكور قريباً، ومن القول المنسوب إليه:
بقدر الكد تكتب المعالى ... ومن رام العلى سهر الليالي
وقوله:
تغرب عن الأوطان في طلب العلى ... وسافر، ففي الأسفار خمس فوائد
تفرج هم، واكتساب معيشة ... علم وآداب وصحبة ماجد
وقوله:
أخي، لن تنال العلم إلا بستة ... سأنبيك عن مكنونها بيان
ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة ... وإرشاد أستاذ وطول زمان
ولما مات رثاه خلق كثير بمرات كثيرة. من ذلك قول بعض أئمة اللغة وهو ابن دريد:
ألم تر آثار ابن إدريس بعده ... دلائلها في المشكلات لوامع
معالم يفنى الدهر وهي خوالد ... وتنخفض الأعلام وهي قوارع
مناهج فيها للورى متصرف ... موارد فيها للرشاد شرائع
ظواهرها حكم ومستنبطاتها ... لما حكم التفريق فيها، جوامع
ترى ابن إدريس ابن عم محمد ... ضياء إذا ما أظلم الخطب ساطع
إذا المعضلات المشكلات تشابهت ... سما منه نور في دجاهن لامع
وقول نفطويه: مثل الشافعي في العلماء مثل البدر في نجوم السماء.
قلت: وذكر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي رحمه الله أن الإمام الورع الزاهد أبا جعفر محمد بن أحمد الترمذي رحمه الله تعالى، رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام المدينة في مسجده صلى الله عليه وآله وسلم عام حج، فسأله عمن يأخذ بقوله من أئمة
(2/21)

المذاهب، في كلام طويل قال في آخره: قلت: فأخذ يقول: الشافعي، قال ما هو له، يقول: إنه أخذ بسنتي ورد على من خالفها.
فكذلك ذكر الإمام الشيخ أبو إسحاق أيضاً في الطبقات، عن الإمام أبي عبد الله محمد بن نصر المروزي، أنه كان قاعداً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأغفى إغفاءة، فرأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فسأله عمن يأخذ بقوله كما تقدم، فعد إماماً بعد أمام، حتى جاء إلى الإمام الشافعي، قال: فقلت كتب رأي الشافعي؟ ، فطأطأ صلى الله عليه وآله وسلم رأسه. شبه الغضبان، وقال: تقول رأي ليس بالرأي، وهو رد على من خالف سنتي.
وشيوخ الشافعي الذين أخذ عنهم جماعة منهم: مسلم بن خالد الزنجي وسفيان بن عيينة، كلاهما في مكة، ومالك بن أنس في المدينة.
وأما أصحابه الذين أخذوا عنه، فمنهم الذين رووا كتبه القديمه في العراق، وهم جماعة منهم: الإمام أحمد بن حنبل، والزعفراني والكرابيسي وأبو ثور، ومنهم الذين رووا كتبه الجديدة بمصر وهم جماعة أيضاً، منهم المزني والبويطي وحرملة وابن عبد الأعلى وابن عبد الحكم، والربيعان المرادي، والحيري. ثم رجع ابن عبد الحكم بعد موت الشافعي إلى مذهب أبيه، وكان مالكياً، قيل: إنما فعل ذلك لما عدل الشافعي عن استخلافه وتقديمه في حلقته بعد موته، وقد كان استشرف بها إلى يعقوب البويطي، فإن الشافعي سئل: من يخلفك؟ فقال: سبحان الله، أيشك في هذا؟ يخلفني أبو يعقوب البويطي، فراعى الشافعي النصيحة والمصلحة محافظة على الدين، ولم يمل عن ذلك إلى محمد بن عبد الحكم مع كونه محبباً ومحسناً إليه.
وفي السنة المذكورة توفي فقيه الديار المصرية أشهب بن عبد العزيز العامري، صاحب الأمام مالك، وكان ذا مال وحشمة وجلالة. قال الشافعي: ما أخرجت مصر أفقه من أشهب، لولا طيش فيها، وذكروا أن المناقشة كانت بينه وبين ابن القاسم، وانتهت الرئاسة بمصر، بعد ابن القاسم. وقال ابن عبد الحكم: سمعت أشهب يدعو على الشافعي بالموت، فذكر ذلك للشافعي فقال متمثلاً:
تمنى رجال أن أموت وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد
فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى ... تزود بأخرى غيرها، وكأن قد..
قال: فلما مات الشافعي، اشترى أشهب من تركته عبداً، ثم مات أشهب، فاشتريت أنا ذلك العبد، وذكروا أنه كان موت أشهب بعد الشافعي بشهر وقيل بثمانية عشر يوماً.
(2/22)

وفيها: توفي الإمام أبو علي الحسن بن زياد اللؤلؤي قاضي الكوفة صاحب أبي حنيفة رضي الله عنهما، وكان يقول: كتبت عن ابن جريج اثني عشر ألف حديث وكان رأساً في الفقه.
وفيها: توفي الإمام أبو داود الطيالسي سليمان بن داود البصري الحافظ صاحب المسند، وكان يسرد من حفظه ثلاثين ألف حديث.
وفيها: توفي شجاع بن الوليد أبو بدر السكوني الكوفي، كان من صلحاء المحدثين وعلمائهم.
وفيها: وقيل في سنة ست توفي هشام بن محمد بن السائب الحلبي الأخباري النسابة، صاحب كتاب الجمهرة في النسب، وكان حافظاً علامة، إلا أنه متروك الحديث عند المحدثين، قيل فيه رفض، وتصانيفه تزيد على مائة وخمسين تصنيفاً في التاريخ والأخبار، وأحسنها وأنفعها كتاب الجمهرة في معرفة الأنساب، لم يصنف في بابه مثله.

خمس ومائتين
توفي فيها أبو محمد روح بن عبادة القيسي البصري الحافظ.
وفيها توفي الشيخ الكبير العارف بالله الشهير أبو سليمان الداراني العنسي بالنون بعد العين كان كبير الشأن، وله كلام رفيع معتبر في التصوف والمواعظ والعبر. ومن كلامه من أحسن في نهاره كوفىء في ليله، ومن أحسن في ليله كوفىء في نهاره، ومن صدق في ترك شهوة، ذهب الله سبحانه بها من قلبه، والله أكرم من أن يعذب قلباً بشهوة تركت له، وأفضل الأعمال خلاف هوى النفس.
وقال رضي الله تعالى عنه: نمت ليلة عن وردي، فإذا الحوراء تقول: أتنام وأنا أربى لك في الخيام منذ خمسمائة عام؟ والداراني نسبة إلى داريا بتشديد الياء وفتح الراء في أوله دال مهملة وهي قرية بغوطة دمشق، والنسبة إليها على هذه الصورة شافة والعنسي نسبة إلى عنس بن مالك، رجل من مذحج، قلت: وللشيخ أبي سليمان كرامات وحكايات عجيبات، ذكرت شيئاً منها في كتاب " روض الرياحين في حكايات الصالحين ".
وفي السنة المذكورة توفي محمد بن عبيد الطنافسي الكوفي الحافظ، وفيها توفي
(2/23)

قارىء أهل البصرة يعقوب بن إسحاق الحضرمي مولاهم المقرىء النحوي، أحد الأعلام من أهل بيت العلم والفقه المقرىء الثامن، له من القراءات رواية مشهورة، أخذ عنه جماعة من حرمين والعراقين والشام وغيرهم، وأخذ هو القراءة عوضاً عن سلام بن سليمان، ومهدي بن ميمون، وأبي الأشهب العطار وغيرهم، وروى عن حمزة حروفاً، لحروف من أبي الحسن الكسائي، وسمع من جده زيد بن عبد الله وشعبة.
أما إسناده في القراءة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه قرأ على سلام المذكور، وقرأ سلام على عاصم، وعاصم على أبي عبد الرحمن السلمي، وأبو عبد الرحمن كرم الله وجهه، وعلي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
روى القراءة عن يعقوب المذكور عرضاً جماعة منهم: روح بن عبد المؤمن، بن المتوكل، وأبو حاتم السجستاني وغيرهم، وسمع منه الزعفراني، واقتدى به في عامة البصريين بعد أبي عمرو بن العلاء، فهم وأكثرهم على مذهبه، وقال أبو حاتم السجستاني: كان يعقوب الحضرمي أعلم من أدركنا، ورأينا بالحروف والإختلاف في القرآن وتعليله ومذاهبه ومذاهب النحويين في القرآن الكريم، وله كتاب سماه " الجامع " جمع فيه عامة اختلاف وجوه القراءات، ونسب كل حرف إلى من قرأ به، وبالجملة فإنه كان، البصرة في عصره في القراءة.

ست ومائتين
فيها استعمل المأمون على بغداد إسحاق بن إبراهيم الخزاعي، فوليها مدة طويلة، وهو الذي امتحن الناس بخلق القرآن في أيام المأمون والمعتصم والواثق.
وفيها توفي أبو علي محمد بن المستنير النحوي اللغوي البصري المعروف بقطرب، أخذ الأدب عن سيبويه وجماعة من العلماء البصريين، وكان حريصاً على الإشتغال وكان يبكر إلى سيبويه قبل حضور أحد من التلامذة، فقال له يوماً: ما أنت إلا قطرب، فبقى عليه هذا اللقب، وقطرب: اسم دويبة لا تزال تدب، ولا تفتر، وهو بضم الراء وسكون الطاء المهملة بينهما، وكان من أئمة عصره.
من التصانيف: " كتاب فعاني القران "، و " كتاب الإشتقاق "، و " كتاب القوافي "، " كتاب النوادر "، و " كتاب الأزمنة "، و " كتاب الأصوات "، و " كتاب الصفات "، و " كتاب النحو "، و " كتاب الأضداد "، و " كتاب خفق الفرس "، و " كتاب خلق الإنسان "، " كتاب غريب الحديث "، و " كتاب الثمر "، و " كتاب فعل وأفعل "، و " كتاب الرد على الملحدين في متشابه القرآن " وغير ذلك، قيل: وهو أول من وضع المثلث في اللغة، وكتابه
(2/24)

وإن كان صغيراً فله فضيلة السبق، وبه اقتدى عبد الله ابن السيد البطليوسي، وكتابه كبير، وهناك مثلث آخر للخطيب أبي زكريا التبريزي، وهو كبير أيضاً اقتصر فيه على ما قيل، وكان قطرب معلم أولاد أبي دلف العجلي.
وفي السنة المذكورة توفي العباس بن وهب الأزدي البصري الحافظ.
وفيها توفي السيد الجليل الإمام الحفيل أبو خالد يزيد بن هارون الواسطي الحافظ، وروى عن عاصم الأحول والكبار، قيل: هو أحفظ من وكيع وعنه أنه قال: أحفظ أربعة وعشرين ألف حديث بأسنادها، ولا فخر، وقيل: إنه كان يحضر في مجلسه سبعون ألفاً.
وفيها وقيل في التي بعدها توفي الهيثم بن عدي الطائي، وكان راوية أخبارياً، نقل من كلام العرب وعلومها وأشعارها ولغاتها الكثير، وله عدة تصانيف، واختص بمجالسة المنصور والمهدي والهادي والرشيد، وروى عنهم.
قال الهيثم: قال لي المهدي: ويحك يا هيثم، إن الناس يخبرون عن الأعراب سخاء ولؤماً وكرماً وسماحاً، وقد اختلفوا في ذلك، فما عندك؟ قال: فقلت: على الخبير سقطت، خرجت من عند أهلي أريد ديار فرائد لي، ومعي ناقة أركبها، إذ ندت، فذهبت، فجعلت أتبعها حتى أمسيت فأدركتها، ونظرت فإذا خيمة أعرابي فأتيتها، فقالت رتة الخباء، من أنت. فقلت: ضيف، فقالت: وما يصنع الضيف عندنا. إن الصحراء لواسعة، ثم قامت إلى بر وطحنته وخبزته، ثم عجنته، ثم قعدت فأكلت، ولم ألبث أن أقبل زوجها، ومعه لبن، فسقم ثم قال: من الرجل؟ فقلت: ضيف، فقال: حياك الله، ثم قال: يا فلانة، ما أطعمت ضيفك شيئا؟ فقالت: نعم، فدخل الخباء، وملأ قعباً من لبن، ثم أتاني به، فقال اشرب فشربت شراباً هنياً، فقال: ما أراك أكلت شيئاً. وما أراها أطعمتك، فقلت: لا والله، فدخل عليها مغضباً، فقال: ويلك، أكلت وتركت ضيفك؟ قالت: ما أصنع به؟ أطعمه طعامي. وأخزاها الكلام حتى شجها، ثم أخذ شفرة، وخرج إلى ناقة، فنحرها. فقلت: ما صنعت عافاك الله. قال: لا والله ما يبيت ضيفي جائعاً، ثم جمع حطباً وأجج ناراً وأقبل يكبب ويطعمني، ويأكل ويلقي إليها، ويقول: كلي لا أطعمك الله حتى إذا أصبح، تركني ومضى، فقعدت مغموماً، فلما تعالى النهار أقبل، ومعه بعير ما يسأم الناظر، أن ينظر إليه، فقال: هذا مكان ناقتك، ثم زودني من ذلك اللحم، ومما حضره، فخرجت من عنده، فضمني الليل إلى خباء، فسلمت، فردت صاحبة الخباء السلام، وقالت: من الرجل؟ فقلت: ضيف،
(2/25)

فقالت: مرحبا بك، حياك الله، وعافاك الله، فنزلت، ثم عمدت إلى بر وطحنته وعجنته، ثم خبزته، ثم نبضته قبضة روتها بالزبد واللبن، ثم وضعتها بين يدي وقالت: كل ذا غدر، فلم، أن أقبل أعرابي كريه الوجه، فسلم، فرددت عليه السلام، فقال: من الرجل. فقلت: ضيف، فقال: وما يصنع الضيف عندنا؟ ثم دخل إلى أهله فقال: أين طعامي. فقالت: أطعمته الضيف، فقال: أتطعمين طعامي الأضياف؟. فتحاربا الكلام، فرفع عصاه، وضرب رأسها فشجها، فجعلت أضحك، فخرج إلي وقال: ما يضحكك. فقلت: خير، فقال: والله لتخبرني، فأخبرته بقصة المرأة والرجل اللذين نزلت عليهما قبله، فأقبل علي وقال: إن هذه التي عندي، أخت ذلك الرجل، وتلك التي عنده أختي، فبت متعجباً وانصرفت.
وحكى الهيثم أيضاً قال: صار سيف عمرو بن معد يكرب الزبيدي الذي كان يسمى الصمصامة، إلى " موسى الهادي " فجرد الصمصامة وجعله بين يديه، وأذن للشعراء، فدخلوا عليه، ودعا بمكتل فيه بدرة، وقال: قولوا في هذا السيف، فبدر ابن يامين البصري، وأنشد:
حاز صمصامة الزبيدي عمرو ... من بين جميع الأنام موسى الأمين
سيف عمرو، وكان فيما سمعنا ... خير ما أغمدت عليه الجفون
أخضر اللون بين خديه برد ... من دباج، يمس فيه المنون
أوقدت فوقه الصواعق ناراً ... ثم شابت به الذعاف المنون
فإذا سللته بهر الشمس ... ضياء فلم تكد تستبين
ما يبالي من انتضاه لضرب ... أشمال سطت به أم يمين؟.
وكأن الفرند والجوهر الجا ... ري في صفحته ماء معين
مع أبيات أخرى، فقال الهادي: أصبت والله ما في نفسي، واستخفه السرور، فأمر له كتل والسيف، فلما خرج، قال للشعراء: شأنكم بالمكتل، ففي السيف عناني، قال في مروج الذهب: فاشتراه الهادي منه بخمسين ألفاً.

سبع ومائتين
فيها توفي طاهر بن الحسين الخزاعي وقيل: مولاهم الملقب ذا اليمينين، كان من أعوان المأمون، فسيره إلى محاربة أخيه الأمين من خراسان، لما خلع الأمين بيعته، تقدم ذكر ذلك، وما جرى له في كسر الجيش الذي سيره الأمين مع علي بن عيسى بن ماهان وأخذه بغداد وقتله للأمين، وكان المأمون يرعى له خدمته ومناصحته، وكان أديباً
(2/26)

شجاعاً جواداً، ركب يوماً ببغداد في حراقته، فاعترضه مقدس بن صيفي الشاعر فقال: أيها الأمير، إن رأيت أن تسمع مني أبياتاً، فقال: قل، فأنشد يقول:
عجبت لحراقة ابن الحسين ... لا غرقت كيف لا تغرق
وبحران: من فوقها واحد ... وآخر من تحتها مطبق
وأعجب من ذاك أعوادها ... وقد مسها، كيف لا تورق
فقال طاهر: أعطوه ثلاثة آلاف درهم على هذه الثلاثة الأبيات، وقال: قولوا له: في زدنا حتى نزيدك، فقال: حسبي، وتواعد طاهر المذكور بالقتل الكاتب خالد بن جيلويه بالجيم والمثناة من تحت مكررة بعد الواو على وزن حمدويه فبذل له خالد من المال شيئاً كثيراً، فلم يقبل منه، فقال خالد قلت شيئاً فأسمعه، ثم شأنك وما أردت، فقال طاهر وكان يعجبه الشعر قل فأنشده:
زعموا بأن الصقر صادف مرة ... عصفور بر ساقه المقدور
فتكلم العصور فوق جناحه ... والصقر منقض عليه يطير
ما كنت يا هذا لمثلك لقمة ... ولئن سويت فإني لحقير
فتهاون الصقر المذل بصيده ... كرماً فأفلت ذلك العصفور
فقال طاهر أحسنت وعفا عنه.
قلت: هذه الأبيات قد ذكرها بعضهم في قضية جرت لإنسان مع هشام بن عبد الملك، فأنشده إياها لما تهدده بالقتل، وقد تقدم ذكرها في ترجمة هشام مع اختلاف في ألفاظ يسيرة من هذه الأبيات.
ويحكى أن إسماعيل بن جرير البجلي، كان مداحاً لطاهر المذكور، فقيل له: إنه يسرق الشعر ويمدحك به، فأراد أن يمتحنه في ذلك، وكان طاهر بفرد عين، فأمره أن يهجوه، فامتنع، فألزمه ذلك، فكتب إليه:
رأيتك لا ترى إلا بعين ... وعينك لا ترى إلا قليلاً
فأما إذا أصبت بفرد عين ... فخذ من عينك الأخرى كفيلاً
فقد أيقنت أنك عن قريب ... بظهرالكف تلتمس السبيلا
فلما وقف عليه قال له: احفر أن ينشد هذا أحد، ومزق الورقة، وأخبار طاهر كثيرة، وسيأتي ذكر ولده عبد الله في سنة ثلاثين، وولد ولده في سنة ثلاث مائة.
وحكي: أنه دخل طاهر على المأمون في، فقضاها وبكي، فقال له طاهر: يا
(2/27)

أمير المؤمنين، لم تبكي، لا أبكى الله عينك وقد دانت لك الدنيا وبلغت الأماني؟ فقال: كي لا عن ذل ولا حزن، ولكن لا تخلو نفسي عن شجن، فاغتنم طاهر وقال لحسين الخادم، حب المأمون في خلواته: أريد أن تسأل أمير المؤمنين عن موجب بكائه لما رآني، ثم أنفذ طاهر للخادم المذكور مائتي ألف درهم. فلما كان في بعض خلوات المأمون، سأله عن ذلك فقال: مالك ولهذا؟ ويلك، فقال: غمني بكاؤك، فقال: هو أمر إن خرج من رأسك أخذته، فقال: يا سيدي، ومتى أبحت لك سراً؟ فقال: إني ذكرت أخي محمداً وما ناله من الزلة، فخنقتني العبرة، ولن يفوت طاهراً مني ما يكره، فأخبر الخادم طاهراً بذلك، فركب طاهر إلى أحمد بن خالد، فقال له: إن الثناء مني ليس برخيص، وإن المعروف عندي ليس بضائع، فغيبني عن المأمون، فقال: مه، سأفعل، فبكر إلى غداء، وركب ابن خالد إلى المأمون فقال: لم أنم البارحة، فقال: ولم. قال: لأنك وليت خراسان غساناً وهو من أكلة رأس، وأخاف أن يصطلمه مصطلم، قال: فمن ترى. قال: طاهراً، فقال: هو جائع، قال: أنا ضامن له، فدعا به المأمون، وعقد له على خراسان، وأهدى له خادماً كان رباه، مره إن رأى ما يريبه أن يسمه، فلما تمكن طاهر من ولاية خراسان، قطع الخطبة للمأمون يوم الجمعة، فأصبح يوم السبت ميتاً، فقيل: إن الخادم سمه في كامخ، ثم إن المأمون استخلف ولد طاهر طلحة، وقيل: جعله بها نائباً لأخيه عبد الله بن طاهر، والله أعلم.
وفيها توفي الواقدي أبو عبد الله محمد بن عمر بن واقد الأسلمي المدني العلامة قاضي بغداد، كان يقول: حفظي أكثر من كتبي، وكانت كتبه مائة وعشرين جملاً في وقت انتقل فيه، لكن أئمة الحديث ضعفوه، وكان إماماً عالماً صاحب تصانيف في المغازي لمجرها، ومنها " كتاب الرعة " ذكر فيه ارتداد العرب بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حاربة الصحابة رضي الله تعالى عنهم بطلحة بن خويلد الأسدي، والأسود العنسي ومسيلمة الكذاب، وما أقص في الكتاب المذكور.
سمع من ابن أبي ذئب، ومعمر بن راشد، ومالك بن أنس، والثوري وغيرهم، وروى
عنه كاتبه محمد بن سعد الزهري وجماعة من الأعيان، وتولى القضاء بشرقي بغداد، وضعفوه في الحديث، وتكلموا فيه، وكان المأمون يكرم جانبه، ويبالغ في رعايته، فكتب إليه مرة يشكو ضائقة لحقته ودنيا ركبته يسبها، وعين مقداره في قضة، فرفع المأمون فيها بخطه: فيك خلتان، سخاء وحياء، فالسخاء أطلق يديك بتبذير ما ملكت، والحياء حملك أن ذكرت لنا بعض دينك، وقد أمرت لك بضيف ما سألت، فإن كنا قصرنا عن بلوغ حاجتك، فبجنايتك على نفسك، وإن كنا بلغنا بغيتك، فزد في بسط يدك، فإن خزائن الله
(2/28)

مفتوحه، ويده بالخير مبسوطه، وأنت حدثتني حين كنت على قضاء الرشيد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال للزبير: يا زبير: إن مفاتيح الرزق بإزاء العرش، ينزل الله سبحانه للعباد أرزاقهم على قدر نفقاتهم، فمن كثر كثر له، ومن قلل قلل عنه، قال الواقدي وكنت نسيت الحديث، فكانت مذاكرته إياي أعجب إلي من صلته، وروى عنه بشر الحافي رضي الله عنه أنه يكتب للحمى يوم السبت على ورقة زيتون، والكاتب على طهارة " جهنم غرثى "، وعلى ورقة أخرى " جهنم عطشى "، وعلى أخرى: " جهنم مقزورة "، ثم يجعل في خرقة وتشد في عضد المحموم الأيسر، قال الواقدي: جربته فوجدته نافعاً، هكذا نقل أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب أخبار بشر الحافي.
وروى المسعودي في كتاب مروج الذهب أن الواقدي قال: كان لي صديقان، أحدهما هاشمي، وكنا كنفس واحدة، فنالتني ضائقة شديدة، فكتبت إلى صديقي الهاشمي أسأله التوسعة علي، فوجه إلي كيساً مختوماً، ذكر أن فيه ألف درهم، فما استقر قراري حتى كتب إلي الصديق الآخر يشكو مثل ما شكوت إلى صديقي الهاشمي، فوتجهت إليه، الكيس بحاله، وخرجت إلى المسجد، فأقمت فيه ليلتي مستحياً عن امرأتي، فلما دخلت عليها استحسنت ما كان مني، ولم تعنفني عليه، وبينا أنا كذلك إذ وافاني صديقي الهاشمي ومعه الكيس كهيئته، فقال لي: أصدقني عما فعلته فيما وجهت به إليك، فعرفته الخبر على وجهه، فقال لي: إنك وجهت إلي وما أملك على الأرض إلا ما بعثت به إليك، فكتبت إلى صديقنا أسأله المواساة، فوجه كيسي بخاتمي.
قال الواقدي: فيواسينا الألف فيما بيننا، فأخرجنا للمرأة مائة درهم قبل ذلك، ونما الخبر إلى المأمون، فدعاني فشرحت له الخبر، فأمر لنا بسبعة آلاف دينار، لكل واحد منا ألفا دينار، وللمرأة ألف دينار.
وذكر الخطيب أيضاً هذه الحكاية في تاريخ بغداد مع اختلاف يسير بين الزوايتين.
وفيها توفي الإمام البارع النحوي يحيى بن زياد الفراء الكوفي أجل أصحاب الكسائي، كان رأساً في النحو واللغة، أبرع الكوفيين وأعلمهم بفنون الأدب على ما ذكر بعض المؤرخين.
وحكي عن أبي العباس ثعلب أنه قال: لولا الفراء لما كانت عربية، لأنه خلصها وضبطها، ولولاه لسقطت العربية، لأنها كانت تتنازع، ويدعيها كل واحد. أخذ الفراء النحو عن أبي الحسن الكسائي، وهو الأحمر من أشهر أصحابه وأخصهم به.
(2/29)

وحكي عن ثمامة بن الأشرس النميري المعتزلي وكان خصيصاً بالمأمون أنه صادف الفراء، على باب المأمون يروم الدخول عليه، قال: فرأيت أبهة أديب، فجلست إليه، ففاتشته عن اللغة، فوجدته بحراً، وفاتشته عن النحو، فشاهدته نسيج وحده، وعن الفقه فوجدته رجلاً فقيهاً عارفاً باختلاف القوم، وبالنجوم ماهراً، وبالطب خبيراً، وبأيام العرب وأشعارها حاذقاً، فقلت: من تكون؟. وما أظنك إلا الفراء؟. قال: أنا هو، فدخلت فأعلمت أمير المؤمنين المأمون، فأمر بإحضاره لوقته، وكان ذلك سبب إيصاله به.
وقال قطرب: دخل الفراء على الرشيد، فتكلم بكلام لحن فيه مرات، فقال جعفر بن يحيى بن البرمكي: إنه قد لحن يا أمير المؤمنين، فقال الرشيد: أتلحن؟ فقال الفراء: يا أمير المؤمنين، إن طباع أهل البدو الأعراب، وطباع أهل الحضر اللحن، فإذا تحفظت لم ألحن، وإذا رجعت إلى الطبع لحنت، فاستحسن الرشيد قوله.
قلت: وأيضاً فإن عادة المنتهين في النحو لا يتشدقون بالمحافظة على إعراب كل كلمه عند كل أحد، قد يتكلمون بالكلام الملحون تعمداً على جاري عادة الناس، وإنما يبالغ في النحو والتحفظ عن اللحن في سائر الأحوال، فالمبتدئون إظهاراً لمعرفتهم بالنحو وكذلك يكثرون البحث والتكلم بما هم مترسمون به من بعض فنون العلم، ويضرب لهم مثل في ذلك، فيقال، الإناء إذا كان ملآن كان عند حمله ساكناً، وإذا. كان ناقصاً اضطرب، وتخضخض بما فيه.
وحكى الخطيب: أن المأمون أمر الفراء أن يؤلف ما يجمع أصول النحو، وما سمع من العربية، وأمر أن يفرد في حجرة من حجر الدار، وأن يوصل إليه كل ما يحتاج إليه،، فأخذ في جمع ذلك والوراقون يكتبون حتى فرغ من ذلك في سنتين، وسماه " كتاب الحدود " وأمر المأمون بكتبه في الخزائن، وبعد الفراغ خرج من ذلك إلى الناس، وابتدأ " بكتاب المعاني ".
قال الراوي: فأردنا أن نعد الناس الذين اجتمعوا لإملاء كتاب المعاني، فلم يضبطهم عدد، فعددنا القضاة وكانوا ثمانين قاضياً، لم يزل يمليه إلى أن أتمه.
ولما فرغ من " كتاب المعاني " خزنه الوراقون عن الناس ليكتبوا، وقالوا: لا نخرجه إلا من أراد أن ينسخه على خمس أوراق بدرهم، فشكا الناس إلى الفراء، فدعا الوراقين فقال لهم في ذلك، فقالوا: إنا صحبناك لننتفع بك، وكل ما صنفته فليس بالناس إليه من الحاجة، ما بهم إلى هذا الكتاب، فدعنا نعيش به، قال: فقاربوهم ينتفعوا وتنتفعوا، فأبوا عليه، فأراد أن ينشىء للناس كتاباً أحسن من ذلك، فجاء الورقون إليه، ورضوا بإن يكتبوا للناس كل
(2/30)

عشرة أوراق بدرهم، وقال لأصحابه: اجتمعوا حتى أملي عليكم كتاباً في القرآن، فلما حضروا أمر قارئاً أن يقرأ فاتحة الكتاب، فقرأها ففسرها حتى مر في القرآن كله على ذلك.
وكتابه المذكور نحو ألف ورقة، وهو كتاب لم يعمل مثله.
وكان المأمون قد وكله يلقن ابنيه النحو، فلما كان يوما أراد النهوض لبعض حوائجه، فابتدرا إلى نعليه، أيهما يسبق بتقديم النعلين إليه، فتنازعا ثم اصطلحا، على أن يقدم كل واحد منهما نعل إحدى رجليه، وكان للمأمون على كل شيء صاحب خبر برفع الخبر إليه، فأعلمه بذلك، فاستدعى بالفراء وقال له: من أعز الناس؟ قال ما أعز من أمير المؤمنين، قال: بلى، من إذا نهض يقاتل على تقديم نعليه وليا عهد المسلمين، قال: يا أمير المؤمنين، لقد أردت منعهما عن ذلك، ولكن خشيت أن أدفعهما عن مكرمة سبقا إليها، أو كسر نفوسهما عن شريعة حرصًا عليها. وقد روي عن ابن عباس، أنه أمسك للحسن والحسير رضي الله تعالى عنهم ركابيهما حين خرجا من عنده، فقيل له في ذلك، فقال: لا يعرف الفضل إلا أهل الفضل، فقال المأمون لو منعتهما عن ذلك لأوجعتك لوماً وعتباً، وألزمتك ذنباً، وما وضع ما فعلاه من شرفهما، بل رفع من قدرهما، وبين عن جوهرهما، فليس يكسر الرجل وإن كان كبيراً عن ثلاث: عن تواضعه بسلطانه، ووالده ومعلمه، وقد عوضتهما مما فعلاه عشرين ألف دينار، ولك عشرة آلاف درهم على حسن أدبك لهما.
وقال الخطيب: كان محمد بن الحسن الفقيه ابن خالة الفراء، فقال الفراء يوماً له، قل رجل أمعن النظر في باب من العلم، فأراد غيره، إلا سهل عليه، فقال له محمد: يا أبا زكريا، قد أمعنت النظر في العربية، فنسألك في باب من الفقه، فقال: هات على بركة الله، قال: ما تقول في رجل سها في السجود السهو؟ ففكر الفراء ساعة ثم قال: لا شيء عليه، فقال له: ولم؟ فقال: لأن المصغر لا يصغر ثانياً، وإنما السجدتان تمام الصلاة، فليس للتمام تمام، فقال محمد: ما ظننت آدمياً يلد مثلك. قلت: وهذه الحكاية مذكورة في ترجمة الكسائي، وإنه هو صاحب هذا الجواب، والله تعالى أعلم.
وقال سلمة بن عاصم: إني لأعجب من الفراء، كيف كان يعظم الكسائي وهو أعلم بالنحو منه، وقال الفراء: أموت، وفي نفسي شيء من " حتى "، لأنها تخفض وترفع وتنصب، وله من التصانيف كتاب الحدود، وكتاب المعاني، وكتابان في المشكل، وكتاب اللغات، وكتاب المصادر في القرآن، وكتاب الوقف والإبتداء، وكتاب النوادر، وكتب أخرى.
وقال سلمة بن عاصم: أملى الفراء كتبه كلها حفظاً، لم يأخذ بيده نسخة إلا في كتابين: كتاب ملازم وكتاب نافع، وإنما قيل له الفراء ولم يكن يعمل الفراء ولا يبيعها
(2/31)

لأنه كان يفري الكلام، ذكر ذلك الحافظ السمعاني في كتاب الأنساب.
وذكر أبو عبيد الله المرزباني أن والد الفراء كان أقطع، لأنه حضر وقعة الحسين بن علي رضي الله عنهما، فقطعت يده في تلك الحرب.

ثمان ومائتين
فيها توفي أبو عبد الله هارون بن علي بن يحيى بن أبى منصور المنجم البغدادي الأديب الفاضل، كان حافظاً راوية الأشعار، وحسن المنادمة، لطيف المجالسة، صنف " كتاب البارع " في أخبار الشعراء، والذي جمع فيه مائة وإحدى وستين شاعراً، وافتتحه بذكر بشار وختمه بمحمد بن عبد الملك بن صالح واختار في من شعر كل واحد عيوبه، وأثبت منها الزبد دون الزبد، إلى غير ذلك من الكتب.
وفيها توفي سعيد بن عامر الضبعي البصري أحد الأعلام في العلم والعمل.
وفيها توفي الأمير الفضل بن الربيع، صاحب الرشيد لما أراد أن يروم التشبه بهم ومعارضتهم، ولم يكن له من القدرة ما يدرك به اللحاق بهم، وكان في نفسه منهم أحناء وشحناء.
ويحكى أن الفضل بن الربيع دخل يوماً على يحيى بن خالد البرمكي وقد جلس لقضاء حوائج الناس، وبين يديه ولده جعفر يوقع في القصص، فعرض عليه الفضل عشر رقاع للناس، فتعلل يحيى في كل رقعة بعلة، ولم يوقع في شيء منها البتة، فجمع الفضل الرقاع وقال: ارجعن خائبات خاسئات، ثم خرج وهو يقول:
وعسى يثني الزمان عنانه ... بتصريف حال، والزمان عبور
فتقضى لبانات وتسعى حسائف ... ويحدث من بعد الأمور أمور
قوله حسائف: جمع حسيفة " بالحاء والسين المهملتين والفاء " وهي: الطفيفة. فسمعه يحيى، وهو ينشد ذلك، فقال له: عزمت عليك يا أبا العباس إلا رجعت، فرجع، فوقع له في جميع الرقع، ثم ما كان إلا قليلاً حتى نكبوا على يديه، وكان أبوه وزيراً للمنصور،
(2/32)

وتولى هو بعد البرامكه وزاره الرشيد، وفي ذلك يقول أبو نواس:
ما دعى الدهر آل برمك لما ... أن رمى ملكهم بأمر فظيع
إن دهراً لم يرع عهداً ليحيى ... غير راع ذمام آل ربيع
ومات الرشيد، والفضل مستمر على وزارته، فكتب إليه أبو نواس يعزيه بالرشيد ويهنئة بولاية ولده الأمين:
تعز أبا العباس عن خير هالك ... بأكرم حي كان، أو هو كائن
حوادث أيام، يدور صروفها ... لهن مساوي مرة ومحاسن
وفي الحي بالميت الذي غيب الثرى ... فلا أنت مغبون ولا الموت غابن
وفي السنة المذكورة توفيت السيدة الكريمه صاحبة المناقب الجسيمة نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم، صاحبة المشهد الكبير المفخم الشهير بمصر، دخلت إليها مع زوجها إسحاق بن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه وعن الجميع، وقيل: بل مع أبيها الحسن، وكانت نفيسة من النساء الصالحات. ويروى أن الإمام الشافعي لما دخل مصر، حضر عندها، وسمع عنها الحديث، ولما توفي، أدخلت جنازته إليها، فصلت عليه في دارها، وكانت في موضع مشهدها اليوم، ولم تزل به إلى أن توفيت في شهر رمضان من السنة المذكورة، ولما ماتت عزم زوجها إسحاق بن جعفر على حملها إلى المدينة ليدفنها هناك، فسأله المصريون بقاءها عندهم، فدفنت في الموضع المعروف بها اليوم بين القاهرة ومصر، وكان يعرف ذلك المكان بدرب السباع، فخرب الدرب ولم يبق هناك سوى المشهد، وقبرها معروف مزور مشهور، قيل: الدعاء عنده مستجاب رضي الله تعالى عنها.
قلت: وقد قصدت زيارة مشهدها، فوجدت عنده عالماً من الرجال والنسوان والصحاح والعميان، ووجدت الناظر جالساً على الكرسي، ققام لي، وأنا لا أعرفه، فمضيت للزيارة، ولم ألتفت إليه، ثم بلغني أنه عتب علي، فأجبته بما معناه: إني غير راغب في الميل إلى أولي الحشمة والمناصب.

تسع ومائتين
فيها توفي عثمان بن عمر بن فارس العبدي البصري الرجل الصالح ويعلى بن
(2/33)

عبيد الطنافسي، والحسن بن موسى الأشيب بالشين المعجمة وبعدها مثناة من تحت ثم
وفي السنة المذكورة، وقيل في سنة إحدى عشرة، وقيل ثلاث عشرة، وقيل ست عشرة مائتين، توفي الإمام العلامة معمر بن المثنى التيمي، تيم قريش مولاهم أبو عبيدة. قال الحافظ: لم يكن في الأرض خارجي ولا جماعي أعلم بجميع العلوم منه، وقال ابن قتيبة في العوارف: كان الغريب وأخبار العرب وأيامها أغلب عليه، وكان مع معرفته، ربما لم يقم لبيت من الشعر، بل يكسره، وذكر فيه أشياء مما تقدح فيه، قال: وكان يرى رأي الخوارج.
وذكر غيره أن هارون الرشيد أقدمه من البصرة إلى بغداد سنة ثمان وثمانين ومائة، وقرأ عليه بها شيئاً من كتبه، وأسند الحديث إلى هشام بن عررة وغيره، وروى عن علي بن المغيرة، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو عثمان المازني، وأبو حاتم السجستاني، وعمر بن شعبة النميري وغيرهم، وقال أبو عبيدة: أرسل إلي الفضل بن الربيع إلى البصرة في الخروج إليه، فقدمت عليه، وكنت أخبر عن تحيره، فأذن لي، فدخلت عليه وهو في جلس طويل عريض، فيه بساط واحد قد ملىء وفي صدره فرش عالية لا يرتقى عليها إلا كرسي، وهو جالس على الفرش، فسلمت عليه بالوزارة، فرد وضحك إلي، واستدناني من فرشه، ثم سألني وبسطني وتلطف بي وقال: فأنشدني، فأنشدته من عيون أشعار جاهلية أحفظها، فقال: قد عرفت أكثر هذه، وأريد من مليح الشعر، فأنشدته، فطرب وضحك وزاد شاطاً، ثم دخل رجل في زي الكتاب، وله هيئة حسنة، فأجلسه إلى جانبي، وقال: أتعرف هذا؟ قلت: لا، فقال: هذا أبو عبيدة، علامة أهل البصرة، قدمنا لنستفيد من علمه، فدعا له لرجل، ثم التفت إلي وقال لي: كنت إليك مشتاقاً، وقد سألت عن مسألة، أفتأذن لي أن أعرفك إياها؟. قلت: هات، فقال: قال الله تعالى: " طلعها كأنه رؤوس الشياطين ":) الصافات: 65، (وإنما وقع الوعد والإيعاد بما قد عرف، وهذا لم يعرف، قال، فقلت: إنما كلم الله العرب على قدر كلامهم، أما سمعت قول امرىء القيس:
أتقتلني، والشر في مضاجعي ... ومسنونه زرق كأنياب أغوال
وهم لم يروا الغول قط، ولكنه لما أمر الغول بهولهم أو عدوا به، فاستحسن الفضل والسائل في ذلك، وأزمعت منذ ذلك اليوم أن ضع كتاباً في القرآن لمثل هذا وأشباهه، وما يحتاج إليه من علمه، فلما رجعت إلى البصرة، عملت كتابي الذي سميته " المجاز "، وسألت عن الرجل، فقيل لي: هو من كتاب الوزير وجلسائه.
(2/34)

وبلغ أبا عبيدة أن الأصمعي يعيب عليه كتاب المجاز، وقال يتكلم في كتاب الله برأيه، فسأل عن مجلس الأصمعي، في أي يوم هو، فركب حماره في ذلك اليوم، ومر بحلقته، فنزل عن حماره وسلم عليه، وجلس عنده، وحادثه، ثم قال له: يا أبا سعيد ما تقول في الخبز، أي شيء هو. فقال: هو الذي نخبزه ونأكله، فقال أبو عبيدة: فقد فسرت كتاب الله برأيك، فإن الله تعالى قال حكاية " أحمل فوق رأسي خبزاً ") يوسف: 36، (فقال الأصمعي: هذا شيء بان لي فقلته، ولم أفسر برأي، فقال أبو عبيدة، والذي تغيب علينا كله شيء بان لنا فقلناه، ولم نفسره برأينا، وقام يركب حماره وانصرف.
وزعم الباهلي صاحب كتاب المعاني، أن طلبة العلم كانوا إذا أتوا مجلس الأصمعي، اشتروا البعر في سوق الدر، وإذا أتوا مجلس أبي عبيدة اشتروا الدر في سوق البعر، لأن الأصمعي كان حسن الإنشاد والزخرفة لردي الأخبار والأشعار، حتى يحسن عنده القبيح، والفائده عنده مع ذلك قليلة، وأن أبا عبيدة كان معه سوء عبارة مع فوائد كثيرة وعلوم جمة.
قال المبرد: كان أبو زيد الأنصاري أعلم من الأصمعي وأبي عبيدة بالنحو، وكانا بعده يتقاربان.
وكان أبو عبيدة كمل القوم، لا يحكي عن العرب إلا الشيء الصحيح، وحمل أبو عبيدة الأصمعي إلى مجلس هارون للمجالسة، فاختار الأصمعي لأنه كان أصلح للمنادمة. وقيل لأبي نواس: ما تقول في الأصمعي. فقال: بلبل في قفص، قيل: فما تقول في أبي عبيدة. قال: ذاك أديم وطغوى علم، قيل: فما تقول في خلف الأحمر؟ قال: جمع علوم الناس وفهمها.
ولما قدم أبو عبيده على موسى بن عبد الرحمن الهلالي، وطعم من طعامه، صب بعض الغلمان على ذيله مرقة، فقال موسى: قد أصاب ثوبك مرق، وأنا أعطيك عوضه عشرة ثياب، فقال أبو عبيدة: لا عليك، فإن مرقكم لا يؤذي، أي: ما فيه دهن، ففطن لها موسى وسكت.
وكان الأصمعي إذا أراد دخول المسجد قال: انظروا لا يكون فيه ذاك، يعني أبا عبيدة، خوفاً من لسانه، وقيل: كان مدخول النسب، مدخول الدين، يميل إلي مذهب الخوارج، وإلى بعض الأمور القبيحة والله أعلم، وكانت تصانيفه تقارب مائتي مصنف.
(2/35)

عشرة ومائتين
في السنة المذكورة، كان بني المأمون ببوران بواسط، فقام بضعة عشر يوماً، فقام أبوها الحسن بن سهل فقام أمير المؤمنين بمصالح الجيش تلك الأيام، وغرم خمسين ألف ألف درهم، وكان العسكر خلقاً لا يحصى، فلم يكن فيهم من اشترى لنفسه ولا لدوائه حتى على الحمالين والمكارية والملاحين وكل من حضر في ذلك العسكر، فأمر له عند منصرفه بعشرة آلاف درهم، وكان عرساً لم يسمع بمثله في الدنيا، نثر فيه على الهاشميين والقواد والوجوه والكتاب بنادق مسك فيها رقاع بأسماء ضياع، وأسماء جوار ودواب وغير ذلك، وكل من وقع في حجره شيء منها ملك ما هو مكتوب فيها من هذه المذكورات، سواء كانت ضيعة أو فرساً أو جارية أو مملوكاً أو ملكاً أو غير ذلك، ثم نثر بعد ذلك على سائر الناس الدنانير والدراهم ونوافج المسك وبيض العنبر، وفرش للمأمون حصير منسوج بالذهب، فلقا وقف عليه نثرت على قدميه لالىء كثيرة، فلقا رأى تساقط اللآلىء المختلفة على الحصير المنسوج بالذهب، قال: قاتل الله أبا نواس كأنه شاهد هذه الحالة حين قال في صفة الخمر والحباب الذي تعلوها عند المزج:
كأن صغرى وكبرى من مواقعها ... حصباء در على أرض من الذهب
وقد غلطوا أبا نواس في هذا البيت المذكور لكونه ذكر فعلي أفعل التفضيل من غير إضافة ولا تعريف.
ثم إن المأمون أطلق له خراج فارس والأهواز مئة سنة وقالت الشعراء والخطباء فأطنبوا في ذلك. ومما يستطرف فيه قول محمد بن حازم الباهلي:
بارك الله للحسن ... ولبوران في الختن
يا ابن هارون قد ظفر ... ت ولكن ينت من
فلما نمي هذا الشعر إلى المأمون قال: والله ما ندري خيراً أراد أم شراً.
قال الطبري: دخل المأمون على بوران الليلة الثالثة من وصوله، فلما جلس نثرت عليها جدتها ألف درة، وكانت في طبقة ذهب، فأمر المأمون أن يجمع، وسألها عن عدد الدر كم هو؟. فقالت ألف حبة، فوضعها في حجرها، فقال لها: هذه تحيتك وسلي
(2/36)

حوائجك قالت لها جدتها كلمي سيدك، فقد أمرك، فسألته الرضى عن إبراهيم بن المهدي، فقال: قد فعلت، وأوقدوا في تلك الليلة شمعة عنبر، وزنها أربعون مناً في تور من ذهب، فأنكر المأمون عليهم ذلك وقال: هذا سرف.
وقال غير الطبري: لما طلب المأمون الدخول عليها، دافعوه لعذرها، فلم يندفع، فلما أدنيت إليه وجدها حائضاً فتركها، فلما قعد للناس من الغد دخل عليه أحمد بن يوسف الكاتب، وقال: يا أمير المؤمنين، هناك الله بما أخذت من الأمير باليمن والبركة وشدة الحركة والظفر بالمعركة، فأنشده المأمون:
فارس ماض بحرمته ... صادق بالطعن في الظلم
رام أن يدمي فريسته ... فأتقته من دم بدم
تعرض محيضها وهو من أحسن الكنايات، حكى ذلك أبو العباس الجرجاني في كتاب الكنايات.
وفي السنة المذكورة توفي أبو عمرو الشيباني إسحاق بن مرار الكوفي اللغوي صاحب التصانيف وله تسعون سنة، وكان ثقة خيراً فاضلاً.
وفيها توفي علي بن جعفر الصادق، وكان من جلة السادة الأشراف، ومحمد بن صالح الكلابي أمير عرب الشام وسيد قيس وفارسها وشاعرها والمقاوم للسفياني والمحارب له، حتى شتت جموعه فولاه المأمون دمشق، وفيها توفي مروان بن محمد الدمشقي صاحب سعيد بن عبد العزيز، كان إماماً صالحاً خاشعاً من جلة الشاميين.
وفيها توفي أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي البصري اللغوي العلامة الأخباري صاحب التصانيف، روى عن هشام بن عروة وأبي عمرو بن العلاء وكان أحد أوعية العلم، وقيل توفي في سنة إحدى عشرة.

إحدى عشرة ومائتين
فيها توفي أبو العتاهيه، إسماعيل بن هشام العنزي الشاعر المشهور، ومن شعره ما حكى أشجع الشاعر المشهور، قال: أذن الخليفة المهدي للناس في الدخول عليه، فدخلنا، وأمرنا بالجلوس، فاتفق أن جلس بجنبي بشار بن برد " بضم الموحدة " يعني الشاعر المشهور، قال: وسكت المهدي، فسكت الناس، فسمع بشاراً فقال لي: من هذا؟ فقلت: أبو العتاهية، قال: أتراه ينشد في هذا المحفل؟ فقلت: أحسبه سيفعل، قال: فأمره المهدي
(2/37)

أن ينشد فأنشد:
ألا ما لسيدتي ما لها ... أدلت فأحمل إدلالها؟
قال: فنخشني بشار بمرفقه وقال: ويحك، أرأيت من ينشد مثل هذا الشعر في هذا الموضع؟ حتى بلغ إلى قوله:
أتته الخلافة منقادة ... إليه تجر جرأ ذيالها
فلم تك تصلح إلا له ... ولم يك يصلح إلا لها
ولو رامها أحد غيره ... لزلزلت الأرض زلزالها
قال فقال لي بشار: انظر ويحك يا أشجع، هل طار الخليفة عن فرشه. قال: فو الله ما انصرف من ذلك المجلس بجائزة غير أبي العتاهية، ومن شعره أيضاً هذه الأبيات في عمرو بن العلاء.
إني أمنت من الزمان وصرفه ... لما علقت من الأمير حبالاً
لو بست طبع الناس من إجلاله ... تحذو له خشية الحدود فعالاً
إن المطايا تشتكيك لأنها ... قطعت إليك أسبابها ورمالاً
فإذا وردن بنا وردن خفائفاً ... وإذا صدرن بنا صدرن ثفالاً
قال: فأعطاه سبعين ألفاً، وخلع عليه، فغار الشعراء لذلك، فجمعهم وقال: يا معشر الشعرا، عجباً لكم، ما أشد حسدكم بعضكم بعضا، إن أحدكم يأتينا يمدحنا بقصيدة يشبب فيها بصديقه بخمسين بيتاً، فما يبلغها حتى تذهب لذاذة مدحه ورونق شعره، وقد أتى أبو العتاهية يشبب بأبيات يسيرة، ثم قال كذا وكذا وأنشد الأبيات المذكورة، فما لكم منه تغارون. انتهى الكلام، وهو من مقدمي المولدين في طبقة بشار وأبي نواس وتلك الطائفة.
ويحكى أنه لقي أبا نواس، فقال له: كم تعمل في يومك من الشعر. فقال البيت والبيتين، فقال أبو العتاهية: لكني أعمل في اليوم المائة والمائتين، فقال أبو نواس: لأنك تعمل مثل قولك.
يا عتب مالي ولك ... يا ليتني لم أرك
ولو أردت مثل هذا الألف والألفين لقدرت عليه وإنما أعمل مثل قولي، ثم أنشد شيئاً أبدع فيه، وقال: لو أردت مثل هذا لأعجزك الدهر، قلت: والذي أنشده كرهت ذكره ولا شتماً له على خلاعة وضيعة.
وحكى صاحب النصوص في اللغة أن أبا العتاهية زار يوماً بشار بن برد فقال له أبو
(2/38)

العتاهية: إني لا أستحسن قولك إعتذراً من البكاء إذ تقول:
كم من صديق سار لي ... فيه البكاء من الحياء
فإذا اتعظن لا منى ... فأقول ما بي من بكاء
لكن ذهبت لأرتدي ... فطرقت عيني بالرداء
فقال له: أيها الشيخ ما عرفته إلا من بحرك، ولا يحبه إلا من دخل، وأنت السابق حيث تقول:
وقالوا قد بليت، قلت كلا ... وهل يبلى من الجزع الخليل
فقالوا ما ولد معها سواء ... أقلت مقلتيك أصاب عود؟.
وحكي أن أبا العتاهية كان قد امتنع من الشعر، فأمر المدي بحبسه في سجن الجرائم، فلما دخل دهش، ورأى فنظر ما أهاله، فطلب موضعاً يأوي إليه فإذا هو يلهك حسن البزة، والوجه عليه سيماء الخير، فقصده وجلس إليه من غير سلام عليه شغلاً بما هو فيه من الجزع والحيرة، فمكث كذلك ليالي وإذا بالرجل ينشده:
تعود في الضر حتى ألقته ... أسلمني حسن العزاء إلى الصبر
وصرت في بأسي من الناس واثقاً ... بحسن صنع الله من حيث لا أدري
قال: فاستحسنت البيتين، وتبركت بهما، وثاب إلي عقلي، فقلت له: تفضل أعزك الله علي بإعادتهما، فقال: يا إسماعيل، ويحك ما أسوأ دبك وأقل عقلك ومروءتك، دخلت فلم تسلم علي تسليم المسلم على المسلم، ولا سألتني مسألة الراد على المقيم، حتى سمعت مني بيتين من الشعر الذي لم يجعل الله فيك خيراً ولا أدباً ولا معاشاً غيره، فطفقت تستنشدني ابتداء كان بيتاً لأنسها، وسالف مودة توجب بسط القبض، ولم تذكر ما كان منك، ولا اعتذرت، غير ما ترى بدا من إساءة أدبك، فقلت: اعذرني متفضلاً، فدون ما أنا فيه مدهش، قال: وفيم أنت تركت الشعر الذي هو جاهك عندهم، وسبيلك إليهم، لا يدرون بقوله، فتطلق، وأنا يدعى الشفاعة بي، فأطلب بعيسى بن زيد ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن ذللت لقيت الله بدمه، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خصمي فيه، وإلا قتلت، فأنا أولى بالحيرة منك.، وأنت ترى صبري؟ فقلت: يكفيك الله، وخجلت منه، فقال: لا أجمع عليك التوبيخ والمنع، اسمع البيتين، ثم أعادهما علي مراراً حتى حفظتهما، ثم دعي به وبي، فقلت له: من أنت أعزك الله؟ قال: أنا حاضن صاحب عيسى بن زيد، فأدخلنا على المهدى، فلما وقفنا بين يديه قال للرجل: أين عيسى بن زيد. فقال: وما أدري أين عيسى بن زيد، طلبته فهرب منك في البلاد وحبستني، فمن أين أقف
(2/39)

على خبره؟ قال له: أين كان متوارياً؟. ومتى آخر عهدك به؟. وعند من لقيته؟. منذ توارى، ولا عرفت له خبراً، قال: والله لتدلن عليه أو لأضربن عنقك الساعة، قال: اصنع ما بدا لك، فو الله لا أدلك على ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فألقى الله ورسوله بدمه، ولو كان بين ثوبي وجلدي ما كشفت لك عنه، قال: اضربوا عنقه، فأمر به فضربت عنقه، ثم دعاني وقال: أتقول الشعر أو ألحقك به؟ فقلت: بل أقول، قال: أطلقوه، فأطلقت.
ولما حضرت وفاة أبي العتاهية قال: أشتهي أن يجيء فلان المغني ويغني عند رأسي.
إذا ما انقضت علي من الدهر ... مدتي فإن عزاء الباكيات قليل
سيعرض عن ذكري وينسى مودتي ... ويحدث بعدي للخليل خليل
وفي السنة المذكورة توفي الحافظ العلامة المرتحل إليه من الآفاق الشيخ الإمام عبد الرزاق بن همام اليمني الصنعاني الحميري صاحب المصنفات عن ست وثمانين، روى عن معمر وابن جريج والأوزاعي وطبقتهم، ورحل إليه الأئمة إلى اليمن، قيل: ما رحل إلى أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مثلما دخل الناس إليه، روى عنه خلائق من أئمة الإسلام، منهم: الإمام سفيان بن عيينة والإمام أحمد ويحيى بن معين وإسحاق بن راهويه وعلي بن المديني ومحمود بن غيلان.
وفيها توفي عبد الله بن صالح العجلي الكوفي المقرىء المحدث والد الحافظ أحمد بن عبد الله العجلي نزيل المغرب.

اثنتي عشرة ومائتين
فيها أظهر المأمون القول بخلق القرآن مع ما أظهر في السنة الماضية من التشييع، فاشمأزت منه القلوب.
فيها توفي أسد بن موسى الأموي الملقب بأسد السنة والحافظ أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني محدث البصرة والحافظ أبو عبد الله محمد بن يوسف الفريابي، رحل إليه الإمام أحمد، فلم يدركه، بل بلغه موته بحمص، وإسماعيل بن حماد ابن الإمام أبي حنيفة رضي الله عنهم، وكان موصوفاً بالزهد والعبادة والعدل في الأحكام، ولي القضاء ببغداد ثم بالبصرة، وعبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون صاحب الإمام مالك رحمه الله وكان فصيحاً مفوهاً وعليه دارت الفتيا في زمانه بالمدينة، ومفتي الأندلس " الغافقي " كان صالحاً ورعاً مجاب الدعوة مقدماً في الفقه على يحيى بن يحيى.
(2/40)

ثلاث عشرة ومائتين
فيها توفي علي بن جبلة الشاعر المشهور أحد فحول الشعراء المبرزين، من الموالي، ولد أعمى، قيل: بل عمي من جدري أصابه وهو ابن سبع سنين، وكان أسود أبرص. قال ابن خلكان ومن فضائله الفائقة القصيدة التي يقول فيها:
إنما الدنيا أبو دلف ... بين مغزاه ومختضره
فإذا ولى أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره
كل من في الأرض من عرب ... بين باديه إلى حضره
يستعير منك مكرمة ... مكتبها يوم مفتخره
قلت: وحكى بعض أهل المعاني والبيان أن المأمون قال لأبي دلف الأمير المشهور:
أنت الذي قال فيك الشاعر: إنما الدنيا أبو دلف، وأنشد الأبيات، قال: لا يا أمير المؤمنين، بل أنا الذي قال في علي بن جبلة أو قال الشاعر:
أبا دلف، يا أكذب الناس كلهم ... سواي فإني في مديحك أكذب
فأعجب المأمون ذلك منه، ورضي عنه، لقه عزه في ظرافته وسرعة فهمه المنجي له من الردىء بما اتقى به من الهجاء، فلم يمشه البلاء، بل دفع حيلة باتقائه بهجاء ابن جبلة. ويحكى أن ابن جبلة المذكور مدح حميد بن عبد الحميد الطوسي بعد مدحه لأبي دلف بالقصيدة المذكورة، فقال له حميد: ما عسى أن تقول فينا بعد قولك في أبي دلف كذا وكذا. فقال: أصلح الله الأمير، قد قلت فيك ما هو أحسن من هذا، قال: وما هو. فأنشد:
إنما الدنيا حميد وأياديه الجسام ... فإذا ولى حميد فعلى الدنيا السلام
فتبسم ولم يرد جواباً، فأجمع من حضر المجلس من أهل العلم والمعرفة بالشعر أن هذا أحسن مما قاله في أبي دلف، فأعطاه، وأحسن جائزته، وقال ابن المعتز في طبقات الشعراء: ولما بلغ المأمون خبر هذه القصيدة غضب غضباً شديداً، وقال: اطلبوه حيثما كان، وأتوني به، فطلبوه فلم يقدروا عليه، لأنه كان مقيماً بالجبل، فلما اتصل به الحزب هرب إلى الجزيرة الفراتية، وقد كانوا كتبوا إلى الآفاق أن يؤخذ حيث كان، فهرب من
(2/41)

الجزيرة حتى توسط البلدان الشاميات، فظفروا به فأخذوه وحملوه مقيداً إلى المأمون، فلما صار بين يديه قال له: يا ابن اللخناء أنت القاتل في قصيدتك للقاسم بن عيسى، يعني أبا دلف " كل من في الأرض من عرب "، وأنشد البيتين، جعلنا ممن يستعير المكارم والإفتخار به. قال: يا أمير المؤمنين، أنتم أهل بيت لا يقدس بكم، لأن الله تعالى أحبكم لنفسه على عباده، وآتاكم الكتاب والحكم ملكاً عظيماً، وإنما ذهبت في قولي إلى أقران القاسم بن عيسى من هذه الناس وأشكاله، قال: والله ما أبقيت أحداً، ولقد أدخلتنا في الكل، وما استحل دمك بكلمتك هذه، ولكن استحله بكفرك في شعر، حيث قلت في عبد ذليل مهين، فأشركت بالله العظيم، وجعلت معه ملكاً قادراً، وهو قولك:
أنت الذي تنزل الأيام منزلها ... وتنقل الدهر من حال إلى حال
وما مددت مدى طرف إلى أحد ... إلا قضيت بأرزاق وآجال
ذاك الله عز وجل يفعله، أخرجوا لسانه من قفاه، فمات، وذكره صاحب كتاب الأغاني، كما ذكر ابن المعتز في قضيته مع المأمون.
قال ابن خلكان: ورأيت في " كتاب البارع " في أخبار الشعراء المولدين تأليف ابن المنجم هذين البيتين لخلف بن مرزوق مولى علي بن ريطة والله أعلم بالصواب مع بيت ثالث وهو:
تزور سخطاً فتمسي البيض راضية ... ويستهل فتبكي أعين المال
لقد أبدع في هذا البيت بمدحه جامعاً وصفين محمودين عند العرب مع حسن صنيعه في كليهما، وهما الشجاعة والكرم، فالشجاعة في قوله: " تزور سخطاً فتمسي البيض راضية "، يعني: يقصد الأعداء فتمسي السيوف راوية بدمائهم، فكنى عن ربها برضائهما والكرم في قوله: " ويستهل فتبكي أعين المال " يعني: يضحك استبشاراً بالضيفان، فيعقر ويذبح لهم السمان، وفي ضمن ذلك بكاؤها بما عرض لها من الأحزان.
ومن مدحه لحميد:
ويكفي سابهن الدنيا حميد ... فقد أضحوا له فيها عيالاً
كأن أباه آدم حين أوصى ... إليه أن يعولهم فعالاً
ولما مات حميد المذكور في يوم عيد الفطر سنة عشر ومائتين رثاه بقصيدة من جملتها:
فآدابنا ما أدب الناس قبلنا ... ولكنه لم يبق للصبر موضع
(2/42)

ورثاه أبو العتاهية بقوله:
أبا غانم أما فناك فواسع ... وقبرك معمور الجوانب محكم
وما ينفع المقبور عمران قبره ... إذا كان فيه جسمه يتهدم
قلت: لفظ فناك في البيت الأول ليس هو في الأصل المنقول منه، وإنه فيه " دارك " وهو لا يتزن فأبدله " بفناك ".
وفي السنة المذكورة توفي صاحب المسائل الأسدية التي كتبها عن ابن القاسم.
وفيها توفي الحافظ الزاهد العابد عبد الله بن داود، سمع الأعمش والكبار، وكان من أعبد أهل زمانه.
وفيها توفي إسحاق بن مرار " بكسر الميم وبالراء قبل الألف وبعدها " النحوي اللغوي الشيباني منزلاً، كان من الأئمة الأعلام أخذ عنه جماعة كبار منهم الإمام أحمد وأبو عبيد القاسم بن سلام ويعقوب بن السكيت، وقال في حقه: عاش مائة وثماني عشرة سنة، وكان يكتب بيده إلى أن مات.
وقال ابن كامل: مات في اليوم الذي مات فيه أبو العتاهية وإبراهيم النديم الموصلي.
وقيل توفي في سنة ست ومائتين، وعمره مائة وعشر سنين. قال ابن خلكان: وهو الأصح، وله مصنفات عديدة في اللغة وغريب الحديث والخيل والإبل وخلق الإنسان والنوادر وأشعار العرب ونحو ذلك، وكان الغالب عليه النوادر وحفظ الغريب وأراجيز العرب، وقال ولده لما جمع أشعار العرب ودونها كانت نبفاً وثمانين قبيلة، وكان كلما عمل منها قبيلة وأخرجها إلى الناس كتب مصحفاً وجعله في مسجد الكوفة حتى كتب نيفاً وثمانين مصحفاً.
وفي السنة المذكورة توفي عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي الحافظ، وكان إماماً في الفقه والحديث والقرآن، موصوفاً بالعبادة والصلاح لكنه من رؤوس الشيعة.
وفيها توفي الهيثم بن جميل البغدادي الحافظ نزيل أنطاكية، كان من صلحاء المحدثين وإثباتهم، رحمة الله عليهم.

أربع عشرة ومائتين
فيها التقى محمد بن حميد الطوسي وبابك الخزمي، وهزم بابك، وقتل
(2/43)

الطوسي، وفيها تقدم عبد الله بن طاهر بن الحسين أميراً على خراسان، وأعطاه المأمون خمسمائة ألف دينار.
وفيها توفي أبو عمر معاوية بن عمرو الكندي البغدادي الحافظ المجاهد، روى عن زائدة وطبقته، وأدركه البخاري، وكان بطلاً شجاعاً معروفاً بالإقدام كثير الرباط.
وفيها توفي أبو محمد عبد الله بن عبد الحكم الفقيه المالكي البصري انتهت إليه رئاسة الطائفة المالكية بعد أشهب، روى عن مالك الموطأ سماعاً، وكان من ذوي الأموال والرياع، وله جاه عظيم وقدر كبير، ويقال أنه دفع للإمام الشافعي عند قدومه إلى مصر ألف دينار من ماله، وأخذ له من تاجر ألف دينار، ومن رجلين آخرين ألف دينار، وهو والد أبي عبد الله محمد صاحب الإمام الشافعي وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى وأجل ما روى بشر بن بكير قال: رأيت مالك بن أنس في النوم بعدما مات بأيام، فقال: إن ببلدكم رجلاً يقال له ابن عبد الحكم خذوا عنه فإنه ثقة والله أعلم.

خمس عشرة ومائتين
فيها توفي الحافظ إسحاق بن عيسى بن الطباع البغدادي، وفيها توفي العلامة أبو زيد سعيد بن أوس الأنصاري البصري اللغوي، قال أصحاب التاريخ: كان من أئمة الأدب، وغلبت عليه اللغات النوادر والغريب، وكان ثقة في روايته.
وقال أبو عثمان المازني: رأيت الأصمعي، وقد جاء إلى حلقة أبي زيد المذكور، فقبل رأسه، وجلس بين يديه، وقال: أنت أديبنا وسيدنا منذ خمسين سنة.
وكان الإمام سفيان الثوري يقول: أما الأصمعي فأحفظ الناس، وأما أبو عبيدة فأجمعهم، وأما أبو زيد الأنصاري فأوثقهم.
وكان النضر بن شميل يقول: كنا ثلاثة في كتاب واحد، أنا وأبو زيد الأنصاري وأبو محمد اليزيدي، وكان أبو زيد المذكور له في الأدب مصنفات مفيدة منها: " كتاب اللغات "، و " كتاب النوادر "، و " كتاب خلق الإنسان "، و " كتاب الإبل "، و " كتاب الوحوش "، و " كتاب المصادر "، و " كتاب الفرق "، و " كتاب المياه "، و " كتاب حسن في البيان "، جمع فيه أشياء غريبة و " كتاب غريب الأسماء " وغير ذلك جميعها يقارب عشرين مصنفاً.
(2/44)

وحكى بعضهم قال: كنت في حلقة شعبة بن الحجاج، فضجر من إملاء الحديث، فرمى بطرفه، فرأى أبا زيد الأنصاري في أخريات الناس، فقال: يا أبا زيد، فجاءه، فجعلا يتحدثان ويتناشدان الأشعار، فقال بعض أصحاب الحديث: يا أبا بسطام، نقطع إليك ظهور الإبل لنسمع منك حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فتدعنا وتقبل على الأشعار؟ قال: فغضب شعبة غضباً شديداً ثم قال: يا هؤلاء، أنا أعلم بالأصلح إلي أنا والله الذي لا إله إلا هو في هذا أسلم مني في ذلك، قلت: كأنه والله أعلم يشير إلى ترويح القلب بالشعر عند سأمته، كما قال أبو الدرداء: إني لاحم نفسي بشيء من الباطل لأستعين به على الحق، ولأنه عند شرح الأحكام نخشى من الوقوع في خطر يؤدي إلى الأنام، وعمر رحمه الله تعالى حتى قارب المائة وقال بعض العلماء: كان الأصمعي يحفظ ثلث اللغة، وكان أبو زيد يحفظ ثلثها، وكان صدوقاً صالحاً، رحمة الله عليه.
وفيها، وقيل: في سنة سبع عشرة ومائتين توفي أبو الفضل عمرو بن مسعدة بن سعيد الكاتب، أحد وزراء المأمون وكان كاتباً بليغاً جزل العبارة وخيرها، شديد المقاصد والمعاني، أمره المأمون أن يكتب كتاباً إلى بعض العمال بالوصية عليه والإعتناء بأمره، فكتب له: كتابي إليك كتاب واثق ممن كتب إليه معتبي لمن كتب له، ولن يضيع بين الثقة والعتابة بوصله والسلام، وقيل هذا من كلام الحسن بن وهب، والأول أصح وأشهر، وله كل معنى بديع، وله رسالة بديعة كتبها إلى بعض الرؤساء، وقد تزوجت أمه فساءه ذلك، فلما قرأها ذلك الرئيس تسلى بها، وذهب عنه ما كان يجده، وهي الحمد لله الذي كفر عنا شر الخيرة، وهدانا لستر العورة، وجدع بما شرع من الحلال أنف الغيرة، ومع من عضل الأمهات، كما منع من وأد البنات استنزلاً للنفوس الأبية عن الحمية، حمية الجاهلية، ثم عرض بجزيل الأخذ من استسلم لواقع قضائه، وعرض جليل الذخر من صبر على نازل بلائه، وهناك الذي شرح للتقوى صدرك، ووسع في البلوى صبرك، وألهمك التسليم لمشيئته والرضا بقضيته.
قلت: هذا بعض الرسالة المذكورة، وقيل أنها لأبي الفضل ابن الحميد.
وقال أحمد بن يوسف الكاتب: وصلت إلى المأمون وهو ممسك كتاباً بيده، وقد أطال النظر فيه زماناً، وأنا ملتفت إليه، فقال: يا أحمد، أراك مفكراً فيما تراه مني، قلت: نعم، وقى أمير المؤمنين المكاره وأعاده من المخلوف، قال: فإنه لا مكروه فيه، ولكني قرأت كلاماً وجدته نظير ما سمعته من الرشيد، يقول في البلاغة، كان يقول: البلاغة التباعد عن الإطالة والتقرب من معنى البغية، والدلالة بالقليل من اللفظ على المعنى، أو قال: على الكثير من المعنى، وما كنت أتوهم أن أحداً يقدر على المبالغة في هذا المعنى، حتى قرأت
(2/45)

هذا الكتاب، قال: ورمى به إلي، وقال: هذا الكتاب من عمرو بن مسعده إلي، فإذا فيه كتابي إلى أمير المؤمنين، ومن قبلي من قواده وسائر أخياره في الأنقياد والطاعة على أحسن ما يكون عليه طاعة جند تأخرت أرزاقهم وانقياد كفاة تراخت عطياتهم، واختلت، كذلك أحوالهم، والثابت معهم أمورهم، فلما قرأته قال: إن استحساني إياه بعثني على أن أمرت للجند بعطياتهم بسبعة أشهر، وأنا على مجازاة الكاتب لما يستحقه من جل محله في صياغته أو صناعته.
وفيها توفي الأخفش الأوسط، إمام العربية، أبو الحسن سعيد بن مسعدة النحوي البلخي المجاشعي، أحد نحاة البصرة.
وأما الأخفش الأكبر فهو أبو الخطاب عبد الحميد بن عبد المجيد، وكان نحوياً لغولاً، وله ألفاظ لغوية انفرد بها عن العرب، وعنه أخذ أبو عبيدة وسيبويه وغيرهما، فمن في طبقتهما، ووقت وفاته مجهول فلهذا لم يفرد بترجمة.
وأما الأخفش الأصغر، وهو أبو الحسن علي بن سليمان البغدادي النحوي، أخذ عن ثعلب والمبرد، وسيأتي ترجمته إن شاء الله تعالى في سنة خمس عشرة وثلاث مائة، فبين موت أخفش الأوسط الأصغر مائة سنة، والأوسط المذكور كان من أئمة العربية، أخذ النحو عن سيبويه، وكان يقول: ما وضع سيبويه في كتابه شيئاً إلا وعرضه علي، وكان يرى أنه أعلم مني وأنا اليوم أعلم به، وهذا الأخفش المذكور، وهو الذي زاد في العروض واحداً من البحر على ما وضعه الخليل المشهور.
وحكى أبو العباس ثعلب عن أبي سعيد بن سلمة قال: دخل الفراء على سعيد بن مسعدة المذكور، فقال لنا: جاءكم ممتد أهل اللغة العربية، فقال الفراء: أما ما دام الأخفش يعيش فلا، وللأخفش المذكور عدة تصانيف، منها " الكتاب الأوسط " في النحو و " كتاب تفسير معاني القرآن "، و " كتاب الإشتقاق "، و " كتاب العروض "، و " كتاب القوافي "، و " كتاب معاني الشعر "، و " كتاب الملوك "، و " كتاب الأصوات "، و " كتاب المسائل الكبير "، و " كتاب المسائل الصغير " وغير ذلك، وكان أخلع " وهو الذي لا تنضم شفتاه على أسنانه "، " والأخفش " هو الصغير العينين مع سوء بصرهما، وكان يقال له الأخفش الأصغر حتى ظهر علي بن سليمان المعروف بالأخفش الأصغر فصار هذا وسطاً " ومسعدة " بفتح الميم وسكون السين وفتح الدال والعين المهملات وبعدهن هاء ساكنة " والمجاشعي " بضم الميم وقبل الألف جيم وبعدها شين معجمة مكسورة مهملة ثم عين ثم ياء النسبة إلى
(2/46)

الشاعر المشهور:
فوا عجباً حتى كليب يشينني ... كأن أباها مغهل أو جاشع
وفيها توفي محمد بن عبد الله الأنصاري قاضي البصرة وعالمها وسيدها، وهو من كبار شيوخ البخاري، عاش سبعاً وتسعين سنة.
وفيها توفي محمد بن المبارك الصوري أبو عبد الله الحافظ صاحب سعيد بن عبد العزيز، قلت: وهذا الإسم نسبة لمحمد بن المبارك الصوري تشفعت به شجرة الرمان إلى إبراهيم بن أدهم أن يتناول منها شيئاً أو بأقل من رمانها شيئاً، وقد تقدم ذكر ذلك، ومحمد بن المبارك هذا كان صحب إبراهيم بن أدهم، وإبراهيم بن أدهم توفي قبل هذا التاريخ بثلاث وخمسين سنه، فإنه توفي سنة اثنتين وستين ومائة، ويحتمل أنه هو والله أعلم.
وفيها: توفي أبو السكن " مكي بن إبراهيم البلخي الحافظ "، وأبو عامر قبيصة بن عقبة الكوفي الحافظ العابد الذي يقال له راهب الكوفة، وكان هناد بن السرفي إذا ذكره دمعت عيناه وقال: الرجل الصالح.
وفيها توفي محدث مرو علي بن الحسن كان حافظاً كثير العلم، كتب الكثير، حتى كتب التوراة والإنجيل، وجادل اليهود، وفيها توفي الحافظ يحيى بن حماد البصري الحافظ.
سنة ست عشرة ومائتين
فيها غزا المأمون، فدخل بلاد الروم، وأقام بها ثلاثة أشهر، وافتتح آخره عدة حصون، وأغار جيشه، فغنموا وسبوا، ثم رجع إلى دمشق، ودخل الديار المصرية.
وفيها توفيت زبيدة بنت جعفر بن المنصور أم محمد الأمين بن هارون الرشيد، وكان لها معروف كثير وفعل خير شهير، وقصتها في حجتها وما اعتمدته في طريقها شهيرة، وذكر ابن الجوزي أنها سقت أهل مكة الماء بعد أن كانت الرواية عندهم بدينار، وأنها أسالت الماء عشرة أميال بحط الجبال، ويجوب الصخرة، حتى عللت من الحل إلى الحرم، عملت عقبه البستان، فقال لها دليلها: يلزمك نفقة كثيرة، فقالت: اعمل ولو كانت ضربة
(2/47)

فاس بدينار.
قلت: وهذه العين المذكورة التي أجرتها، أثارها باقية مشتملة على عمارة عظيمة عجيبة مما يتنزه " برؤيتها على يمين الذاهب إلى منى من مكة، ذات بنيان محكم في الجبال، تقصر العبارة عن وصف حسنه، وينزل الماء منه إلى موضع تحت الأرض عميق ذي درج كثيرة جداً لا يوصل إلى قراره إلا بهبوط " كالبير يسمونه " لظلمته، يفزع بعض الناس إذا ترك فيه وحده نهاراً، فضلاً عن الليل.
قالوا: وكان لها مائة جارية يحفظن القرآن، لكل واحدة ورد عشر القرآن، وكان يسمع في قصرها كدوي النحل في قراءة القرآن، وأسمها أمة العزيز، ولقبها جدها المنصور زبيدة لبياضها ونضارتها، وقال الطبري: أعرس بها هارون في سنة خمس وستين ومائة. قلت: لعل هذه عاشت بعد الرشيد فوق عشرين سنة.
وفي السنة المذكورة توفي الإمام العلامة أبو سعيد عبد الملك بن قريب الباهلي الأصمعي المشهور اللغوي الأخباري البصري المشبه بنغمات بلبل الألفاظ المطربة على فتن بوجه فنون النوادر المعجمة، سمع ابن عون والكبار وأكثر عن أبي عمرو بن العلاء، وكانت الخلفاء تجالسه وتحب منادمته، عاش ثمانياً وثمانين سنة، وله عدة مصنفات، وكان إماماً في اللغة والأخبار والنوادر والمالح والغرائب والأشعار، وهو من أهل البصرة، ثم قدم بغداد في أيام هارون الرشيد. قيل لأبي نواس: قد حضر أبو عبيدة والأصمعي عند الرشيد، فقال: أما أبو عبيدة فإنهم إن أمكنوه قرأ عليهم أخبار الأولين والأخرين، وأما الأصمعي فبلبل يطربك بنغمات.
وعن الأصمعي أنه قال: أحفظ ستة عشر ألف أرجوزة، ويروى: أربعة عشر ألف أرجوزة، منها المائة والمائتان.
وقال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي يقول: ما عبر أحد من العرب بأحسن من عبارة الأصمعي، وقال إسحاق الموصلي: لم أر الأصمعي يدعي شيئاً من العلم، فيكون أحد أعلم به منه.
وقال أبو أحمد العكبري: لقد حرض المأمون على الأصمعي، وهو بالبصرة أن يصير إليه، فلم يفعل، واحتج بضعفه وكبره، وكان المأمون يجمع المشكل من المسائل، ويثير ذلك إليه، فيجيب عنه.
وذكر في كتاب المقتبس عن ابن عريد أو أبي حاتم قال: كنا عند الحسن بن سهل، وبالحضرة جماعة من أهل العلم، منهم جرير بن حازم، ومعمر بن المثنى، والأصمعي، والهيثم بن علي، في جماعة من هذا السن، وحاجب الحسن يعرض عليه قصصاً، وهو يوقع في كل قصة ما ينبغي لها، حتى مر بخمسين قصة، فلما نفض ما بين يديه أقبل علينا، فقال: قد فعلنا في يومنا خيراً كثيراً، ورفعنا في هذه القصص بما فيه فرح لأهلها، ونرجوا أن نكون في كل ذلك مثابين مشكورين، فأفيضوا بنا في حق أنفسنا نتذاكر العلم، فتكلم أبو عبيدة والأصمعي
(2/48)

والهيثم إلى أن بلغوا من ذكر ألفاظ من أصحاب الحديث، فأخذوا في الزهري والشعبي وقتادة وشعبة وسفيان، فقال أبو عبيدة: وما الحاجة إلى ذكر هؤلاء الجلة. وما ندري: أصدق الخبر عنهم أم كذب. إن بالحضرة رجلاً يزعم أنه ما نسي شيئاً، وأنه ما يحتاج أن يعيد نظره في دفتر، إنما هي نظرة، ثم قد حفظ ما فيه، " يقصد الأصمعي " فقال الحسن: نعم يا أبا سعيد، تخبر من هذا إنما ينكر جداً، فقال الأصمعي: نعم أصلحك الله ما أحتاج أن أعيد النظر في دفتر، وما أنسيت شيئاً قط، فقال الحسن: فنحن نجرب هذا القول بواحدة، يا غلام، هات الدفتر الفلاني، فإنه يجمع كثيراً مما قد أنشدتناه، وحدثتناه، قال: فأدبر الغلام ليأتي بالدفتر، فقال الأصمعي: أعزك الله وما الحاجة إلى هذا. أنا أريك ما هو أعجب منه، أنا أعيد القصص التي مرت وأسماء أصحابها وتوقيعاتها كلها، فامتحن ذلك بالنظر إليها، وقد كان الحسن قد عارض بتلك التوقيعات، وأثبتها في دفتر البيت، قال: فأكبر ذلك من حضر، وعجبوا واستضحكوا، فقال الحسن: يا غلام، اردد القصص، فردت وقد شدت في خيط كي يتحفظ، فابتدأ الأصمعي، فقال: القصة الأولى لفلان ابن فلان قصة كذا وكذا، ووقعت أعزك الله بكذا وبكذا - حتى أنفذ على هذا السبيل سبعاً وأربعين قصة، فقال الحسن بن سهل: يا هذا حسبك الساعة، والله أقبلك بعين، يعني أصبتك بعيني، يا غلام، أحضر خمسين ألفاً، فأحضرها بحراً، ثم قال: يا غلمان، احملوا معه إلى منزله، قال: فتبادر الغلمان بحملها، فقال: أصلحك الله تنعم بالحامل كما أنعمت بالمحمول. قال: هم لك، ولست منتفعاً بهم، واشتريتهم منك بعشرة آلاف درهم، احمل يا غلام مع أبي سعيد ستين ألفاً، قال: فحملت معه، وانصرف الباقون بالخيبة، فقال أبو حاتم: ما رأيت رجلاً أحسن ترجمة من الأصمعي، وسألته: لأي شيء قدم جرير بن قدامة. قال: كان أعرفهم وأعز لهم وأقدمهم رقة، وأتحمهم هجاء، قال أبو حاتم: معنى التحكم " بالمثناة من فوق والحاء المهملة " التي أنصبتهم.
وروى الرياشي عن الأصمعي قال: سألت أبا عمرو بن العلاء عن ثمانية آلاف مسألة، وما مات حتى أخذ وفي رواية أخرى: ما مات حتى كتب: أو رد عليه الحرف الذي لا يعرفه، فيقبله مني ويتعقد ثقة.
وذكر في " المقتبس " أنه لما قدم الرشيد البصرة، قال جعفر بن يحيى للصباح بن
(2/49)

عبد العزيز: قد عزم أمير المؤمنين على الركوب في زلال في نهر الأبلة ثم يخرج إلى دجلة، ويرجع في نهر معقد، وأحب أن يكون معه رجل عالم بالقصور والأنهار والقطائع، ليصفها له، فقال: لا أعرف من يفي بهذا، ويصلح له غير الأصمعي، قال: فأتني، فأتيته فتحدث بين يدي جعفر، فأضحكه وأعجبه، فأدخله إلى الرشيد، فركب معه، فجعل لا يمر بنهر ولا أرض إلا أخبر بأصلها وفرعها، وسمى الأنهار، ونسب القطائع، فقال الرشيد لجعفر: ويحك، ما رأيت مثل هذا قط، من أين غصت عليه؟ فلما قارب البصرة قال للرشيد: يا أمير المؤمنين والذي شرفني بخطابك، إن لي من كل ما مررت به موضع قدم، فضحك الرشيد وقال: اشتر يا جعفر أرضاً، فاشترى له بنهر الأبلة أربعة عشر جريباً بألف وأربع مائة دينار، وكان جعفر قد نهاه عن سؤاله، ووعده بكل ما يريد، فقال له: أما نهيتك عن سؤاله؟ قال: انتهزت الفرصة، فأخبرته خبري فكرم.
وقال الأصمعي: كنت بالبادية. كتب كل شيء أسمعه، فقال أعرابي منهم: أنت كمثل الحفظة، تكتب اللفظة، فكتبه أيضاً، قال: خرجت مع صديق لي بالبادية، فبينا نحن نسير، إذ ضللنا الطريق،، ثم نزلنا فإذا خيمة، فقصدناها فسلمنا، فإذا امرأة ترد علينا السلام، وقالت: ما أنتم؟ قلنا: قوم مارون أضللنا الطريق، فرأيناكم، فأنسنا بكم، فقالت: ولوا وجوهكم حتى أقضي من زمانكم ما أنتم له أهل، ففعلنا، فطرحت لنا مسحاً وقالت: اجلسا حتى يجيء ابني، فيقوم بما يصلحكم، فجلسنا، فجعلت ترفع طرف الخيمة وتنظر، إلى أن نظرت فقالت: أسألك الله بركة المقبل، أما البعير فبعير ابني، وأما الراكب فليس بابني، فجاء الراكب حتى وقف عليها، فقال: يا أم عقيل عظم أجرك في عقيل، قالت: ويحك، أمات ابني؟ قال: نعم، قالت: وما سبب موته؟ قال: ازدحمت الإبل على ابنك، فرمت به في البير، قالت: انزل، فاقض زمام القوم، فنزل فذبح لنا كبشاً وأصلحه مع ملح، وقربه إلينا، فأكلنا ونحن نتعجب من صبرها، فلما فرغنا خرجت إلينا فقالت: يا هؤلاء: هل، فيكم أحد يحسن من كتاب الله عز وجل شيئاً؟ قال: قلت نعم، قالت: فاقرأ علي آيات من كتاب الله أتعزى بها، قال: فقلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون "، فقالت: الله إنها لفي كتاب الله هكذا؟ قلت: الله إنها لفي كتاب الله هكذا، قالت: فالسلام عليك، ثم قامت فصفت قدميها، ثم صلت ركعتين، ورفعت يديها، وهي تقول: إنا لله وإنا إليه راجعون وعند الله أحتسب عقيلاً، تقول ذلك ثلاثاً، ثم قالت: اللهم إتني قد فعلت ما أمرتني، فأجزل ما وعدتني.
(2/50)

وقال: سهرت ليلة بالبادية، وأنا نازل على رجل من بني الصيد، وكان واسع الرحل كريم المحل، وأصبحت وقد عزمت على الرجوع إلى العراق، فأتيت أنا مثواي، فقلت له: إني قد هلعت من طول الغربة، واشتقت أهلي، ولم تفدني قدمتي هذه إليكم كبير علم، وإنما كنت أفتقر وحشة الغربة وجفاء البادية للفائدة، فقال: فأظهر توجعا، ثم أبرز غداء له، فتغديت معه، وأمر بناقة له مهرية، كأنها سبيكة لجين، فارتحلها واكتفلها، ثم ركب وأردفني وأقبلها مطلع الشمس، فما سرنا كثير مسير حتى لقينا شيخ على حمار، ذو جمة قد نعمها بالورس كأنها " قنبيطة " بالقاف المضمومة ثم النون المشددة ثم الموحدة ثم المثناة من تحت ثم الطاء المهملة وهو يترنم، فسلم صاحبي عليه، وسأله عن نسبه، فاعتزى أسدياً من بني ثعلبة، فقال له: يا ابن عم، أتنشد أم تقول؟ فقال: كلا قال: فأين تنزل؟ فأشار إلى ماء قريب، فأناخ الشيخ وقال لي: خذ بيد ابن عمك، فأنزله عن حماره، ففعله فألقى له كساء كان اكتفل به بعيره، فقال له: أنشدنا رحمك الله وتصدق على هذا الغريب بأبيات يعيهن عنك، ويذكرك بهن فأنشد:
لقد طال يا سوداء منك المواعد ... ودون الجدا المأمول منك الفوائد
تمنيتها غدواً وغيمكم غدا ... أصاب فلا صحواً ولا الغيم جامد
إذا أنت أعطيت الغنى ثم لم نجد ... بفضل الغنى ألقيت ما لك حامد
وقل غناء عنك مال جمعته ... إذا صار ميراثاً وواراك لأحد
إذا أنت لم يعزل بجنبك بعض ما ... تربت من الأدنى ورباك الأباعد
إذا العزم لم يفرج لك الشك لم تزل ... حبيباً كما استبلى لجيشة فائد
إذا أنت لم تترك طعاماً تحبه ... ولا مقعد أتدعى إليه السوائد
تجللت عاداً لا يزال بسبه ... سباب رجال نثرهم والقصائد
وأنشد:
تعز فإن الصبر بالحر أجمل ... وليس على شرب الزمان مقول
فإن تكن الأيام فينا تبدأت ... ببؤس ونعم والحوادث تفعل
فما لينت منا قناة صلابة ... ولا ذللتنا للذي ليس يحمل
ولكن نحلناها نفوساً كريمة ... فتجهل ما لا نستطيع فنجمل
وقينا بعزم الصبر منا نفوسنا ... فصحت لنا الأعراض والناس هزل
(2/51)

قال الأصمعي: فنمت والله قد أنسيت أهلي، وهانت علي الغربة وشطف العيش " يعني خشونته " سروراً بما سمعته.
وقال: رأيت بالبادية شيخاً قد سقط حاجباه على عينيه، فسألته عن سنه فقال: مائة وعشرون سنة، فقلت: أرى فيك بقية، فقال: تركت الحسد فبقي علي الحسد، فقلت له: هل قلت شيئاً؟ فقال: بيتين في إخواني فاستنشدته فقال:
ألا أيها الموت الذي ليس تاركي ... أرحني، فقد أفنيت كل خليل
أراك بصيراً بالذين تبيدهم ... كأنك تنحو نحوهم بدليل
وقال وكان بالبصرة أعرابي من بني تميم، يطفل أو قال: يتطفل على الناس، فعاتبته على ذلك، فقال: والله ما بنيت المنازل إلا لتدخل، ولا وضع الطعام إلا ليؤكل، وما قدمت هدية إلا لتقبل، فأتوقع رسولاً، وما أكره أن أكون ثقلاً ثقيلاً على من أراه شحيحاً بخيلاً، وأقتحم عليه مستأنساً، وأضحك إن رأيته عابساً، وآكل برغمه، وأوذعه بغمه، فما أعد للهوات طعام أطيب من طعام لا ينفق عليه درهم، ولا يعنى فيه خادم، ثم أنشأ يقول:
كل يوماً دور في عرصة الحي ... اسم القتار ثم ألف باب
فإذا ما رأيت آثار عرس ... وختان ومجمع للصحاب
لم أودع دون التقحم لا ... أرهب دفعاً ونكرت البواب
مع أبيات أخرى، وقال عمرو بن الحارث الحمصي ما رأى الأصمعي مثل نفسه قط، لقد قال الرشيد يوماً: أنشدونا أحسن ما قيل في العقاب، فعذر القوم، ولم يأتوا بشيء، فقال الأصمعي من أحسنه:
باتت بورقها في وكرها شعب ... وناهض مخلص الأقرات من فيها
ثم استمر بها عزم فحذرها ... كأنما الريح هبت من خوافيها
ما كان إلا كرجع الطرف أو رجعت ... فلا تمطرن مما في أسافيها
ثم قال: وهذا امرؤ القيس يقول:
كأن قلوب الطير رطباً ويابساً ... لدى وكرها العناب والخشف البالي
فقال الرشيد: لله درك ما من شيء إلا وجدت عندك فيه شيئاً، وقال عمرو: دخل العباس بن أحنف على الرشيد، وعنده الأصمعي، فقال له: أنشدنا من مكحل العربية، فأنشده:
(2/52)

إذا ما شئت أن تصنع شيئاً يعجب الناسا ... فصور هاهنا فوراً صور ثم عباسا
ودع بينهما شبراً، فإن زدت فلا بأسا ... وإن لم يدنوا حتى ترى رأسيهما رأسا
فكذبها وكذبه بما قاست وما قاسا
قال: فلما خرج قال الأصمعي: يا أمير المؤمنين؟ مسروق من العرب والعجم، فقال لي: ما كان من العرب. فقلت: رجل يقال له عمر، هوى جارية يقال لها قمراء:
إذا ما شئت أن تصنع شيئاً يعجب السرا ... فصور هاهنا قمراً وصورها هنا عمرا
فإن لم يدنوا حتى ترى بشريهما بشراً ... فكذبها بما ذكرت، وكذبه بما ذكرا
وقال: فما كان من العجم؟ قلت: رجل يقال له فلق " بسكون اللام بين الفاء المفتوحة والقاف " هوى جارية يقال لها روف، فقال:
إذا ما شئت أن تصنع شيئاً يعجب الخلقا ... فصور هاهنا روفا وصورها هنا فلقا
فإن لم يدنوا حتى ترى خلقيهما خلقا ... فكذبها بما لقيت وكذبه بما يلقى
قال: فبينا نحن كذلك إذ دخل الحاجب، فقال: عباس بالباب، فقال: ائذن له فدخلت فقال: يا عباس تسرق معاني الشعر، وتدعيه؟ فقال: ما سبقني إليه أحد، فقال هذا الأصمعي يحكيه عن العرب والعجم، ثم قال: يا غلام ادفع الجائزة إلى الأصمعي قال: فلما خرجنا قال العباس: كذبتني وأبطلت جائزتي، فقلت: أتذكر يوم كذا، ثم أنشأت أقول:
إذا ودندت امرؤاً فاحذر عداوته ... من يزرع الشوك لا يحصد به عنها.
قلت: وقد خطر لي حال إملائي على الكاتب أن أردف هذا البيت بيتين مما يناسب فقلت:
ومن من الخير لم يغرس بخيل علا ... لم يجتن من حسن الدنى رطبا
ومن بدنياه لم يتعب بطاعته ... فداركم يلقى لها تعبا
وقال الأصمعي: قال هارون الرشيد ليلة وهو يسير في قبة: يا أصمعي، حدثني، قلت: يا أمير المؤمنين، إن مزرد بن مرار كان شاعراً مليحاً ظريفاً، وإن أمه كانت تبخل عليه بزادها، وإنها غابت عن بيتها يوماً، فوثب مزرد على ما في بيتها فأكله وقال:
ولما غدت أمي تزوز بناتها ... أغرت على العلم الذي كان يمنع
خلطت بصاعي عجوة ... إلى صاع سمن فوقه يتردع
(2/53)

ودلت بأمثال الأثافي كأنها ... رؤوس نقبا ذرفت لا تجمع
وقلت ليتني لسر اليوم أنه ... حمى أمنا مما يفيد ويجمع
فإن كنت مصفوراً فهذا دواؤه ... وإن كنت غرثاناً فذا يوم يشبع
قال: فضحك الرشيد، وقال: الدنيا ليس فيها مثلك حسن، قال: فدعوت له وفضلته على الملوك بحبه العلم وإحسانه أهله " قوله علم بكسر العين هو نمط تجعل فيه المرأة ذخيرتها "، وكان الرشيد يحب الوحدة، وكان إذا ركب عاد له الفضل بن الربيع، وكان الأصمعي يسير قريباً منه بحيث يحادثه، وإسحاق الموصلي يسير قريباً من الفضل، وكان الأصمعي لا يحدث الرشيد شيئاً إلا وسر به وضحك، فحسده إسحاق، فقال إسحاق للفضل: كل ما يقوله كذب، فقال الرشيد: أي شيء قال؟ فأخبره، فغضب الرشيد، فقال: والله إن كان ما يقوله كذباًً إنه لأظرف الناس، وإن كان حقاً إنه لأعلم الناس.
قال الأصمعي: قال لي الرشيد: أما ترى قبيح أسماء سكك بغداد، مثل قطيعة الكلاب ونهر الدجاج وأشباه ذلك، فهل للعرب مواضع قبيحة الأسماء؟ قلت: نعم، قد قال: الراجز: " ما ترى ملح بارف سقيت ماؤه بير فشر ورى فقر درى لحنونا فلحسه " فقال: ولله درك يا أصمعي، ما رأيت مثلك، خلقت لهذا الشأنه وحدك.
وقال: قدمت على الرشيد، فاستبطأني، فقلت: ما لاقتني أرض حتى رأيت أمير المؤمنين، فلما خرج الناس، قال: ما معنى ما لاقتني؟ قلت: ما ألصقتني بها، ولا قبلتني، فقال: هذا حسن، ولكن لا تكلمني بين يدي الناس إلا بما أفهمه، حتى أجد جوابه، فإذا خلوت فقل ما شئت، وإنه لقبيح بالسلطان أن يسمع ما لا يدري، فإما أن يسكت ويعلم الناس أنه ما فهم، أو يجيب بغير الجواب، فيتحقق عندهم ذلك، فقلت: قد والله أفسدت إفساداً في أمير المؤمنين عن التأدب أكثر مما أفسدته، وقال: قال لي المأمون أيام الرشيد: لمن هذا البيت؟
ما كنت إلا كلحم ميت ... دعا إلى أكله اضطرار
فقلت: لابن عيينة المهلبي، فقال: كلام شريف، ثم قال لي: يا أصمعي، كأنه من قول الشاعر:
وأن يقوم سوده كالفاقة ... إلى سيد لو يظفرون بسيد
فقلت له: والله جاؤا به الأمير، وعجبت من فهمه مع صغر سنه.
(2/54)

قال: الأصمعي: كنت مع الرشيد في بعض أسفاره، فعطش، وقد تقدمته حمولة الثلج، فأتي بماء من ماء الرحل، فلما صار في فمه، مجه فقال له أبو البختري: يا أمير المؤمنين إني كنت ألتمس موضعاً لوعظك، فلا أقدر عليه، وقد وجدته، أفتأذن يا أمير المؤمنين. قال: نعم، قال: يا أمير المؤمنين، لو أكلت الطيب والخبيث وشربت الحار والقار، ولبست اللين والخشن، لكان أصلح لك، فإنك لا تدري ما يكون من صروف الزمان، قال: فانتفخ في ثوبه حتى خلته سمعت أرغته، ثم سكن فقال: يا أبا البختري، تلبس هذه النعمة ما لبسنا؟ فإذا أعوذ بالله زالت عنا رجعنا إلى عود غير حوار.
وسأل الرشيد يوماً أهل مجلسه عن صدر هذا البيت:
ومن يسأل الصعلوك أين مذاهبه، فلم يعرفه أحد، فقال إسحاق الموصلي: الأصمعي عليل، وأنا أمضي إليه وأسأله عنه، فقال الرشيد، احملوا إليه ألف دينار لنفقته، قال: فجاءت رقعة الأصمعي، وفيها أنشد في خلق الأحمر لأبي نسناس النهشلي.
وسائلته أين الرحيل وساءل ... ومن يسأل الصعلوك أين مذاهبه؟
ودوابه يخشى بها الري سرت ... بأبي النسناس فيها ركائبه
ليدرك ناراً أو ليكسب مغنماً ... جزيلاً وهذا الدهر جم عجائبه
وذكر القصيدة كلها، وقال الأصمعي: بينما أنا مع الرشيد بمكة، إذ عارضه العمري فقال: يا أمير المؤمنين، إني أريد أن أكلمك بكلام غليظ، احتمله لله عز وجل، فقال: أفعل، فو الله لقد بعث الله تعالى من هو خير منك إلى من هو شر مني، فقال: فقولا له ليناً.
قلت: ومما يناسب هذا الكلام ما شاع في بلاد اليمن بين العلماء والعوام، إن الإمام الكبير الولي الشهير إمام الفريقين وموضع الطريقين محمد بن إسماعيل الحضرمي، قدس الله روحه، كتب إلى الملك المظفر صاحب اليمن في سقيفة خزف: يا يوسف، فكتب المد يعاتبه ويقول: أرسل الله من هو خير منك إلى من هو شر مني.
وفي رواية: دع أنك موسى، ولست بموسى، وأني فرعون ولست بفرعون، وقد قال الله تز وحل: " فقولا له قولا ليناً " " طه: 44، " أما تكتب إلي في ورقة بفلس؟ قلت: وقدم ذكر وعظ العمري لهارون في ترجمته.
وقال الأصمعي: كنت عند الرشيد بالرقة، فبعث إلي فقمت وأنا وجل،. فدخلت هو جالس على بسط، وإذا كرسي خيزران إلى جانبه وجويرية خماسية جالسة على ذلك
(2/55)

فسلمت فلم يرد علي، وجعل ينكت في الأرض، فأيست من الحياة، فقال: يا أصمعي؟ ألم تر هذا الكذاب عبد بني حنيفة يقول لمعن بن زائدة، وإنما هو عبد عبيدي:
أقمنا باليمامة إذ يئسنا ... مقاماً لا يزيد به وبالاً
وقلنا أين نذهب بعد معن ... وقد ذهب النوال فلا نوالاً
وكان الناس كلهم لمعن ... إلى أن زار حفرته عيالاً
فجعلني وحشمي عيالاً لمعن، وقال: إن النوال قد ذهب، فما تصنع بنا؟ فقلت: يا أمير المؤمنين عبد من عبيدك، أنت أولى بأدبه، وهو بالباب، فقال علي به، فأدخل، فقال: السياط، فأخذ الخدم يضربونه فضرب أكثر من ثلاثمائة سوط، وهو يصيح ويقول: يا أمير المؤمنين، استبقني، واذكر قولي فيك وفي أبيك، قال: وما قلت فينا. فأنشده قصيدته التي يقول فيها:
ما تطفئون من السماء نجومها ... أو تمحقون من السمع هلالها
أم ترفعون مقالة عن ربه ... جبريل بلغها النبي فقالها
شهدت من الأنفال أحزابه ... إن أتهم فأرتمو إبطالها
فدعوا الأسود خوادراً في غيلها ... ألا تولغ دماءكم أشبالها
وقال: فأمر له بثلاثين ألف درهم وخلاه، فلما خرج قال لي: يا أصمعي من هذه؟.
قلت: لا أدري، قال: هذه مواسية بنت أمير المؤمنين، قم فقبل رأسها، فقلت: أفلت من واحدة، ووقعت في أخرى، إن فعلت أدركته الغيرة فقتلني، فقمت، وما أعقل، فوضعت كمي على رأسها وفمي على كفي، فقال لي: والله لو أخطأتها لقتلتك، قلت: يعني لو أخطأت هذه الفعلة التي فعلتها بهذه الصفة، قال: ثم قال: أعطوه عشرة آلاف درهم.
وقال الأصمعي: حضرت أنا وأبو عبيدة عند الفضل بن الربيع، فقال لي: كم كتابك في الخيل؟ فقلت: مجلد واحد، فسأل أبا عبيدة عن كتابه فقال: خمسون مجلداً، فقال له: قم إلى هذا الفرس وأمسكه عضواً عضواً منه، فقال: لست بيطاراً، وإنما هذا شيء أخذته من العرب، فقال لي: قم يا أصمعي، وافعل ذلك، فقمت وأمسكت ناصيته، وشرعت أذكر عضواً عضواً، وأضع يدي عليه، وأنشده ما قالت العرب فيه إلى أن فرغت منه، فقال: خذه، فأخذته، وكنت إذا أردت أن أغيظ أبا عبيدة كتبته إليه.
وروي عن طريق أخرى أن ذلك عند هارون الرشيد، وأن الأصمعي لما فرغ من كلام في أعضاء الفرس، قال الرشيد لأبي عبيدة: ما تقول في ما قال؟ قال: أصاب في بعض، وأخطأ في بعض، فالذي أصاب فيه مني تعلم، والذي أخطأ فيه ما أدري من أين أتى به.
(2/56)

وقال أبو العيناء: أنشدني أبو العالية الشامي:
لا در در بباب الأرض أن فجعت ... بالأصمعي لقد أبقت لنا أسفا
عش ما بدا لك في الدنيا فلست ترى ... في الناس منه ولا من علمه خلفا
قلت: وقد روي عن أبي العيناء في ذم الأصمعي، عن أبي قلابة بيتان يضادان ما مد في هذين البيتين، كرهت ذكرهما لكون ما مدح به معلوماً عند الخلق، وما ذمه به مجهولاً عندهم، وفهرست أسماء تصانيفه على ثلاثين كتاباً.
ومن مسنده عن عائشة رضي الله تعالى عنها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " إياكم ومحقرات الذنوب، فإن لها من الله طالباً ".
وبإسناده عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في الكنز مر به الخضر عليه السلام، كان لوحاً من ذهب مضروباً مكتوباً فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، عجباً لمن يعرف الموت كيف يفرح، ولمن يعرف النار كيف يضحك، ولمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها، ولمن يؤمن بالقضاء والقدر، كيف ينصب في طلب الرزق، ولمن يؤمن بالحساب كيف يعمل الخطايا، لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وبإسناده عن سلمة بن بلال قال: قال علي رضي الله تعالى عنه:
لا تصحب أخا الجهل وإياك وإياه ... فكم من جاهل أردى حليماً حين آخاه
وللشيء على الشيء مقاييس مقاييس ... يقاس المرء بالمرء إذا هو ما شاء
وبإسناده عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: هذا المال لا يصلحه إلا ثلاث: أخذه من فضله، ووضعه في حقه، ومنعه من السرف.
وقال: لقي عمر بن الخطاب رضي الله عنه بطرف الجمرة رجلاً فقال له: ما اسمك؟ قال: طارق، قال: ابن من. قال: ابن شهاب، قال: ممن. قال: من الحرقة، قال: أين منزلك؟ قال بجمرة النار، قال: بأيها؟ قال: بذات لظى، قال: أدرك أهلك فقد حرقوا فرجع إلى أهله فرجع إلى أهله فوجدهم قد احترقوا.
وبإسناده قال صلى الله عليه وآله وسلم: " من أنعم الله عليه، فليحمد الله ومن استبطأ عليه الرزق، فليستغفر الله، ومن حزبه أمر، فليقل: لا حول ولا قوة بالله ".
(2/57)

سبع عشرة ومائتين
وفيها توفي، وقيل في التي قبلها حجاج بن المنهال البصري الأنماطي الحافظ سمع شعبة، وطائفة رحمة الله عليهم.
وفيها توفي سريج بن النعمان البغدادي الحافظ وموسى بن داود الضبي الحافظ هشام بن إسماعيل الخزاعي الدمشقي الزاهد القدوة رحمة الله عليهم.

ثمان عشرة ومائتين
فيها: امتحن المأمون العلماء بخلق القرآن، وكتب إلى نائبه على بغداد، وبالغ في ذلك، وقام في هذه البدعة قيام متعبد بها، فأجاب أكثر العلماء على سبيل الإكراه، وتوقف طائفة، ثم أجابوا وناظروا، فلم يلتفت إلى قولهم، وعظمت المصيبة بذلك، وتهدد على ذلك بالقتل، فلم يقف، ولم يثبت من علماء العراق إلا أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح، قيل: وارسلا إلى المأمون، وهو بطرسوس، فلما بلغوا الرقة جاءهم الفرج بموت المأمون، وعهد بالخلافة إلى أخيه المعتصم.
وفيها: دخل كثير من أهل بلاد همدان في دين الخرمية وعسكروا فندب المعتصم لهم أمير بغداد إسحاق بن إبراهيم، فالتفاهم بأرض همذان، فكسرهم وقتل منهم ستين ألفاً، وانهزم من بقي إلى ناحية الروم.
وفيه: توفي أبو محمد عبد الملك بن هشام البصري الحميري الأصل المعافري اليمني النحوي صاحب المغازي، الذي هذب السيرة وتخصها، وكان أديباً أخبارياً نسابة، سكن مصر وبها توفي في شهر رجب.
وفيها توفي بشر المريسي رأس الضلالة الداعي إلى البدعة بالقول بخلق القرآن وغير ذلك من العقائد المخالفة لمذهب أهل الحق.
قيل: وكان مرجئاً، وإليه ينسب الطائفة المريسية من المرجئة، وكان يناظر الإمام شافعي، وهو لا يعرف النحو، بل يلحن لحناً فاحشاً، وقيل: كان أبوه يهودياً صباغاً
(2/58)

بالكوفة. " والمريسي " منسوب إلى مريس، قيل: قرية من قرى مصر، وقيل: بين بلاد النوبة والسودان وقيل: بل منسوب إلى درب المريس ببغداد حيث كان يسكن.
وفي السنة المذكورة أيضاً توفي المأمون أبو العباس عبد الله بن الرشيد هارون بن المهدي بن المنصور العباسي، وله ثمان وأربعون سنة وكأن أبيض ربعة، حسن الوجه أعين، طويل اللحية ذا رأى وعقل ودهاء وشجاعة وكرم وحلم ومعرفة بعلم الأدب وعلوم أخرى، وكان من أذكر العالم وله همة عالية، ذا رأي في الجهاد وغيره، وكان يقول: معاوية لعمرو " بفتح العين المهملة " وعبد الملك لحجاجه، وأنا لنفسي، وكان في اعتقاده شيعياً استقل بالخلافة عشرين سنة بعد قتل أخيه الأمين لما خلعه.
ومما يحكى من ذكائه وحسن أدبه، أنه كان أبوه الرشيد يميل إليه أكثر من أخيه الأمين، وكانت أم الأمين زبيدة تغار من ذلك، وتوبخ الرشيد على ميله إلى ولد الجارية فقال لها على طريق الإعتذار، سأبين لك فضلهما، أو قال: فضله على أخيه، فاستدعى بالأمين وكانت عنده مساويك فقال له: ما هذه يا محمد. فقال: مساويك، فقال: اذهب، ثم استدعى بالمأمون، فلما أحضر قال: ما هذه يا عبد الله؟ فقال: ضد محاسنك أمير المؤمنين، أو كما قال له من العبارة، كل ذلك وزبيدة تسمع ليمهد عذره عندها.
قلت: وهذا ما اقتصرت عليه في ترجمته، وله ما يكثر ذكره من الفضائل، وقد وقع ذكر شيء منها في غير هذا المكان.
وفيها توفي ناصر السنة محمد بن نوح العجلي، المحمول مقيد مع الإمام أحمد، مرض ومات في الطريق وكان يثبت أحمد ويشجعه.

تسع عشرة ومائتين
فيها: وقيل في التي بعدها: امتحن المعتصم الإمام أحمد وضرب بين يديه بالسياط حتى غشي عليه، فلما صمم ولم يجبهم إلى مرادهم أطلقه وندم على ضربه، وقد أوضحت في كتاب " المرهم في الأصول " كيفية ذلك الإمتحان، ومن حرض عليه من علمائهم، لحق المتولين ذلك من العقوبة.
وفيها توفي أبو أيوب سليمان بن علي الهاشمي، كان إماماً فاضلاً شريفاً، روي أن الإمام أحمد بن حنبل أثنى على سليمان بن علي، وقال: يصلح للخلافة.
(2/59)

وفيها توفي الإمام أبو نعيم الفضل بن دكين محدث الكوفة الحافظ. قال ابن معين: ما رأيت أثبت من أبي نعيم وعفان، وقال أحمد: كان يقظان في الحديث عارفاً، وقام في أمر الإمتحان بما لم يقم به غيره، وكان أعلم من وكيع بالرجال وأنسابهم، ووكيع أفقه منه، وقال غيره لما امتحنوه: قال: والله، عنقي أهون من زري هذا، ثم قطع زره ورمى به.
وفيها توفي أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي الكوفي الحافظ رحمة الله تعالى عليه

عشرين ومائتين
فيها عهد المعتصم للأفشين على حرب بابك الخرمي الذي هزم الجيوش وخرب البلاد منذ عشرين سنة، فالتقى الأفشين بابك، فهزمه وقتل من الخرمية نحو الألف، وهرب بابك، ثم جرت لهما أمور يطول شرحها، وفيها أمر المعتصم بإنشاء مدينة يتخذها داراً للخلافة، وسميت سر من رأى.
وفيها غضب المعتصم على وزيره الفضل بن مروان وأخذ منه عشرة آلاف دينار.
وفيها توفي آدم بن أبي إياس الخراساني ثم البغدادي نزيل عسقلان، كان صالحاً قانتاً لله، ولما احتضر قرأ الختمة ثم قال: لا إله إلا الله. وفارق الدنيا، " وعبد الله " بن جعفر الرقي الحافظ، " وعفان " بن مسلم الحافظ البصري أحد أركان الحديث، قال يحيى بن معين: أصحاب الحديث خمسة: ابن جريج ومالك والثوري وشعبة وعفان. قال حنبل: كتاب المأمون إلى متولي بغداد يمتحن الناس، وكتب: إن لم يجب عفان فاقطع رزقه، وكان له في الشهر خمسمائة درهم، فلم يجبهم وقال: وفي السماء رزقكم وما توعدون.
وفيها: توفي الإمام قالون قارىء أهل المدينة، صاحب نافع.
وفيها: توفي الشريف أبو جعفر محمد الجواد بن علي الرضى بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر، أحد الإثني عشر إماماً الذين يدعي الرافضة فيهم العصمة، وعمره خمس وعشرون سنة، وكان المأمون قد نوه بذكره، وزوجه بابنته، وسكن بها المدينة، وكان المأمون ينفذ إليه في السنة ألف ألف درهم. قلت: وقد تقدم أن المأمون
(2/60)

زوج ابنته من أبيه " علي الرضى " وكان زوج الأب والإبن بنتيه، كل واحد بنتاً، وقدم الجواد إلى بغداد وافدا على المعتصم، ومعه امرأته أم الفضل ابنة المأمون، فتوفي فيها، وحملت امرأته أم الفضل إلى قصر عمها المعتصم، فجعلت مع الحرم، وكان الجواد يروي مسنداً عن آبائه إلى علي بن أبي طالب رضوان الله تعالى عليهم أجمعين أنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى اليمن، فقال لي وهو يوصيني: يا علي، ما جار، أو قال: ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار، يا علي، عليك بالدلجة، فإن الأرض تطوي بالليل ما لا تطوي بالنهار، يا علي، أغد، فإن الله بارك لأمتي في بكورها، وكان يقول: من استفاد أخاً في الله، فقد استفاد بيتاً في الجنة. ولما توفي دفن عند جده موسى بن جعفر في مقابر قريش، وصلى عليه الواثق بن المعتصم.

إحدى وعشرين ومائتين
وفيها: توفي الإمام الرباني أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسلمة بن قعنب الحارثي المدني القعنبي الزاهد، سكن البصرة ثم مكة وبها توفي، وقيل بالبصرة، وهو أوثق من روى الموطأ، قال أبو زرعة: ما كتبت عن أحد أجل في عيني من القعنبي، وقال أبو حاتم: ثقة لم أر أخشع منه، وقال غيرهما من الأئمة هو والله عندي خير من مالك، وقال الفلاس: كان القعنبي مجاب الدعوة، وقال محمد بن عبد الوهاب الفراء: سمعتهم بالبصرة يقولون القعنبي من الإبدال.
قال عبد الله بن أحمد بن الهيثم: سمعت جدي يقول: كنا إذا أتينا عبد الله بن مسلمة القعنبي خرج إلينا كأنه مشرف على جهنم نعوذ بالله منها قلت: وقال الشيخ محيي الدين النووي في شرح البخاري: روينا عن أبي مرة الحافظ قال: قلت للقعنبي: حدث، ولم يكن يحدث، قال: رأيت كأن القيامة قد قامت، فصيح بأهل العلم، فقاموا فقمت معهم، فصيح. اجلس، فقلت: إلهي ألم أكن معهم أطلب؟ قال: بلى، ولكنهم نشروه وأخفيته، فحدث، قال النووي: وروينا عن الإمام مالك أن رجلاً جاءه فقال: قدم القعنبي، فقال مالك: قوموا بنا إلى خير أهل الأرض، وقال محيي الدين المذكور: سمع مالكاً والليث وحماد بن سلمة وخلائق لا يحصون من الأعلام وغيرهم. وروى عنه الذهلي والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والخلائق من الأعلام، وأجمعوا على جلالته وإتقانه وحفظه وإخلاصه وورعه وزهادته، وكانت وفاته يوم الجمعة لست خلت من المحرم من السنة المذكورة.
(2/61)

اثنتين وعشرين ومائتين
فيها التقى الأفشين والخرمية، فهزمهم ونجا بابك، فلم يزل الأفشين يتحيل عليه حتى أسره، وقد عاث هذا الشيطان وأفسد البلاد والعباد، وامتدت أيامه نيفاً وعشرين سنة، وأراد أن يقيم ملة المجوس، واستولي على كثير من البلدان.
وفي أيامه ظهر المازيار القائم بملة المجوس بطبرستان وبعث المعتصم إلى الأفشين بثلاثين ألف ألف درهم ليتقوى بها، وافتتحت مدينة بابك في رمضان بعد حصار شديد فاختفى بابك في غيضة وأسر جميع خواصة وأولاده، وبعث إليه المعتصم الأمان، فخرق به وسبه، وكان قوي النفس شديد البطش صعب المراس، فطلع من تلك الغيضة في طريق يعرفها في الجبل، وانفلت ووصل إلى جبال أرمينية، فنزل عند " البطريق سهل " فأغلق عليه، وبعث ليعرف الأفشين، فجاء الأفشينية فتسلموه، وكان المعتصم قد جعل لمن جاء به حياً ألفي ألف درهم، ولمن جاء برأسه ألف ألف درهم، وكان يوم دخل ببغداد يوماً مشهوداً.
وفيها توفي أبو اليمان الحكم بن نافع اليماني الحمصي الحافظ " وأبو عمرو " مسلم بن إبراهيم الفراهيدي مولاهم الحافظ محدث البصرة، سمع من ثمانية شيوخ بالبصرة، وكان يقول: ما أتيت حراماً ولا حلالاً قط.

ثلاث وعشرين ومائتين
فيها أتي المعتصم ببابك، فأمر بقطع رأسه وبصلبه.
وفيها توفي خالد بن خداش المهلبي البصري المحدث، وعبد الله بن صالح الجهني المصري الحافظ، وأبو بكر بن أبي الأسود قاضي همدان، وكان حافظاً مفتياً، وموسى بن إسماعيل البصري الحافظ أحد أركان الحديث رحمة الله عليهم.

أربع وعشرين ومائتين
فيها ظهر مازيار " بالزاي ثم الياء المثناة من تحت وفي آخره راء " بطبرستان، فسار لحربه عبد الله بن طاهر، وجرت له حروب وأمور، ثم اختلف عليه جنده، وكان قد ظلم وأسف وصادر وخرب أسوار بلدان منها: الري وجرجان وغير ذلك، وسيأتي ذكر قتله.
وفيها توفي الأمير إبراهيم بن المهدي العباسي، وكان فصيحاً أديباً شاعراً رأساً في معرفة الغناء وأبوابه، ولي أمرة دمشق لأخيه الرشيد، وبويع بالخلافة ببغداد، ولقب بالمبارك
(2/62)

عندما جعل المأمون ولي عهده علي بن موسى الرضى، وحورب فانكسر مرة بعد أخرى، واختفى، وبقي مختفياً سبع سنين، ثم ظفروا به، فعفا عنه المأمون.
وفيها توفي قاضي مكة أبو أيوب سليمان بن حرب الأزدي الواشجي البصري الحافظ، حضر مجلسه المأمون من وراء ستر. وأبو الحسن علي بن محمد المدائني البصري الأخباري صاحب التصانيف والمغازي والأنساب، وكان يسرد الصوم.
وفيها توفي العلامة العالم أبو عبيد القاسم بن سلام " بتشديد اللام " البغدادي صاحب التصانيف، سمع شريكاً وابن المبارك وطبقتهما، وقال إسحاق بن راهويه الحق يحدث الله: أبو عبيد أفقه مني وأعلم. وقال أحمد: أبو عبيد أستاذ، ووصفه غيره بالدين والسيرة الجميلة وحسن المذهب والفضل البارع، وكان أبوه عبداً رومياً لرجل من أهل هراة، اشتغل أبو عبيد بالحديث والفقه والأدب.
وقال القاضي أحمد بن كامل: أبو عبيد فاضل في دينه وعلمه، متفنن في أصناف علوم الإسلام من القرآن والفقه والعربية والأخبار وحسن الرواية، صحيح النقل، لا أعلم أحداً من الناس ظفر عليه في شيء من أمر دينه.
وقال إبراهيم الحربي: كان أبو عبيد كأنه جبل نفخ فيه الروح، يحسن كل شيء، ولي القضاء بمدينة طرسوس ثماني عشرة سنة، وروى عن أبي زيد الأنصاري والأصمعي وأبي عبيدة وابن الأعرابي والكسائي والفراء وجماعة كثيرة وغيرهم. وروى الناس من كتبه المصنفة نيفاً وعشرين كتاباً في القرآن الكريم والحديث وغريبه والفقه، وله مصنف " في الغريب " و " كتاب الأمثال "، و " معاني الشعر والمقصور والممدود "، و " القراءات والمذكر والمؤنث "، و " كتاب النسب "، و " كتاب الأحداث "، و " أدب القاضي "، و " عدداي القرآن "، و " الأيمان والنذور "، و " كتاب الأموال "، وغير ذلك من الكتب النافعة، ويقال أنه أول من صنف في غريب الحديث، ولما وضع كتاب الغريب عرضه على عبد الله بن طاهر، فاستحسنه وقال: إن عاقلاً بعث صاحبه على عمل هذا الكتاب حقيق أن لا يخرج إلى طلب المعاش، وأجرى له عشرة آلاف درهم في كل شهر.
وقال محمد بن وهب المسعودي: سمعت أبا عبيد يقول: كنت في تصنيف هذا الكتاب أربعين سنة، وربما كنت أستفيد الفائده من أفواه الرجال، فأضعها في موضعها من
(2/63)

الكتاب، فأبيت ساهراً فرحاً مني بتلك الفائدة، وأحدكم يجيئني، فيقيم أربعة أو خمسة أشهر، فيقول قد أقمت كثيراً.
وقال الهلال بن العلاء الرقي: من الله تعالى على هذه الأمة بأربعة في زمانهم: " بالشافعي " تفقه في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، " وبالإمام أحمد " ثبت في المحنة، ولولا ذلك لكفر الناس أو قال ابتدعوا، " ويحيى بن معين " نفى الكذب عن حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبأبي عبيد القاسم بن سلام، فسر غريب الحديث، ولولا ذلك لإقتحم الناس الخطأ.
وقال أبو بكر الأنباري: كان أبو عبيد يقسم الليل أثلاثاً: فيصلي ثلثه، وينام ثلثه، ويضع الكتاب ثلثه.
وقال أبو الحسن إسحاق بن راهويه: أبو عبيد أوسعنا علماً، وأكثرنا جمعاً، إنا نحتاج إلى أبي عبيد، وأبو عبيد لا يحتاج إلينا. وقال ثعلب: لو كان أبو عبيد في بني إسرائيل لكان عجباً، وكان يخضب بالحناء، أحمر الرأس واللحية، ذا وقار وهيبة، قدم بغداد فسمع الناس منه كتبه، ثم حج بمكة سنة اثنتين أو ثلاثاً وعشرين ومائتين، وقال البخاري: في سنة أربع وعشرين.
وذكر الإمام ابن الجوزي أنه لما قضى حجته، وعزم على الإنصراف، اكترى إلى العراق، فرأى في الليلة التي عزم على الخروج في صبيحتها في منامه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو جالس وعلى رأسه قوم يحجبونه، وأناس يدخلون، ويسلمون عليه ويصافحونه. قال: فكلما دنوت لأدخل منعت، فقلت: لم لا تخفون بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقالوا: والله، لا تدخل إليه، ولا تسلم عليه، وأنت خارج غداً إلى العراق، فقلت لهم: إني لا أخرج إذن، فأخذوا عهدي، ثم خلوا بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فدخلت وسلمت عليه، وصافحني، وأصبحت ففسخت الكري، وسكنت بمكة، قال: ولم يزل بها إلى أن توفي رحمة الله عليه.
قال أبو عبيد: كنت مستلقياً في المسجد الحرام، فجاءتني عائشة المكية، وكانت من العارفات، فقالت لي: يا أبا عبيدة يقال أنك من أهل العلم، اسمع مني ما أقوله لك: لا تجالسه إلا بالأدب وإلا محاك من ديوان العلماء، أو قالت: من ديوان الصالحين، أو كما قالت رضي الله تعالى عنها.
(2/64)

خمس وعشرين ومائتين
فيها توفي الإمام المالكي اصبغ بن الفرج مفتي مصر، قال ابن معين: كان من أعلم خلق الله، يرى برأي مالك، أو قال: لمذهب مالك، يعرفه مسألة مسألة، متى قالها مالك؟ ومن خالفه فيها. وله تصانيف حسان.
وفيها توفي أبو عبيد بن فياض اليشكري البصري.
وفيها توفي الأمير أبو دلف القاسم بن عيسى العجلي صاحب الكرخ، أحد الأبطال المذكورين والأجواد المشهورين، وهو أحد أمراء المأمون ثم المعتصم، وله وقائع مشهورة وصنائع مأثورة، أخذ عنه الأدباء الفضلاء، وله صنعة في الغناء، وله من الكتب " كتاب البزة والصيد "، و " كتاب السلاح "، و " كتاب سياسة الملوك " وغير ذلك، ولقد مدحه أبو تمام الطائي بأحسن المدائح، وكذلك بكر بن النطاح وفيه يقول:
يا طالباً للكيمياء وعلمه ... وابن عيسى الكيمياء الأعظم
لو لم يكن في الأرض إلا درهم ... ومدحته لأتاك ذاك الدرهم
ويقال أنه أعطاه على هذين البيتين عشرة آلاف درهم فأغفله قليلاً ثم دخل عليه، وقد اشترى بتلك الدراهم قرية في نهر الأبلة فأنشده:
بك ابتعت في نهر الأبلة قرية ... عليها قصير بالرماح مشيد
إلى جنبها أخت لها يعر ضونها ... وعندك يا للهبات عقد معقد
فقال له: وكم ثمن هذه الأخت؟ فقال: عشرة آلاف درهم فدفعها له، ثم قال: تعلم أن نهر الأبلة عظيم، وفيه قرى كثيرة، وكل أخت إلى جانبها أخرى، وإن فتحت هذا الباب اتسع علي الخرق فامتنع بهذه، فدعا له وانصرف، وكان أبو دلف قد شهد معركة فطعن فيه فارساً فنفذت الطعنة إلى أن وصلت إلى فارس فار آخر وراءه، فنفذت فيه السنان، فقتلهما، وفي ذلك يقول بكر بن النطاخ.
قالوا وينظم فارسين بطعنة ... يوم الهياج، ولا تراه كليلاً
لا تعجبوا فلو أن طول قناته ... ميل إذن نظم الفوارس ميلاً
وكان أبو عبد الله أحمد بن أبي صالح مولى بني هاشم أسود سيء الخلق، وكان فقيراً فقالت له امرأة: يا هذا، أن الأدب أراه قد سقط نجمه وطاش سهمه، فاعمد إلى سيفك ورمحك وفرسك، وادخل مع الناس في غزواتهم، عسى الله أن ينفلك من الغنيمة شيئاً فأنشد:
(2/65)

مالي ومالك قد كلفتني شططاً ... حمل السلاح وقول الدارعين، قف
أمن رجال المنايا خلتني رجلاً ... أمسي وأصبح مشتاقاً إلى التلف
تمسي المنايا إلى غيري فأكرهها ... فكيف أمشي إليها بارز الكتف
ظننت أن نزال الناس من خلقي ... أو أن قلبي في جنبي أبي دلف
فبلغ خبره أبا دلف، فوتجه إليه ألف دينار، وكان أبو دلف بكثرة عطائه، قد ركبته الديون، واشتهر ذلك عنه، فدخل عليه بعضهم وأنشده:
أيا رب المنائح والعطايا ... ويا طلق المحيا واليدين
لقد خبرت أن عليك دينا ... فزد في رقم دينك واقض ديني
فوصله وقضى دينه، ودخل عليه بعض الشعراء فأنشده:
الله أجرى من الأرزاق أكثرها ... على يديك العلم يا أبا دلف
ما خط لي كاتباه في صحيفته ... كما يخط لي في سائر الصحف
نادى الرماح فأعطى وهي جارية ... حتى إذا وقفت أعطى ولم يقف
وقد تقدم أنه حضر أبو دلف بين يدي المأمون فقال: يا أبا دلف، أنت الذي يقول فيك الشاعر:
إنما الدنيا أبو دلف ... بين بادية ومحتضره
فإذا ولى أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره
قال: لست ذاك يا أمير المؤمنين ولكنني الذي يقول فيه علي بن جبلة.
أبا دلف ما كذب الناس كلهم ... سواي فإني في مديحك أكذب
فرضي عنه وتعجب من ذكائه، واستنشد أبو دلف أبا تمام القصيدة التي رثا بها محمد بن حميد، فلما بلغ قوله:
توفيت الآمال بعد محمد ... وأصبح في شغل عن السفر السفر
وما كان إلا مال من قلة ماله ... وذخر المراثي، وليس له زخر
تردى ثياب الموت حمراً فما أتى ... لها الليل إلا وهي من سندس خضر
كأن بني نبهان يوم وفاته ... نجوم سماء خر من بينها البدر
فبكى أبو دلف وقال: وددت أنها في، فقال أبو تمام: بل سيطيل الله عز وجل الأمير، فقال: لم يمت من، قيل، فيه هذا و " السفر " بفتح السين، وسكون الفاء، جمع سافر، مثل
(2/66)

صاحب وصحب، يقال سفرت آسفر سفوراً أي خرجت إلى السفر، فأنا مسافر، وسفرت بين القوم أسفر سفاراً أي أصلحت، والسفير: الرسول، قلت: ولاشتقاق هذه اللفظه معان كثيرة، أوضحتها في " شرح المرسوم بمنهل الفهوم في شرح ألسنة العلوم ".
وحكى جماعة من أرباب التواريخ عن دلف " بضم الدال المهملة وفتح اللام وبعدها فاء "، ابن أبي دلف، قال: رأيت في المنام أتاني آت، فقال لي: أجب الأمير، فقمت معه فأدخلني داراً وحشة ذعرة، سوداء الحيطان مقلعة السقوف والأبواب، مشوهة البنيان وأصعدني على درج فيها، ثم أدخلني غرفة، في حيطانها أثر النيران، وإذا في أرضها أثر رمال، وإذا بأبي وهو عريان واضع رأسه بين ركبتيه كالحزين زماناً فقال لي، كالمستفهم: دلف. قلت: دلف، فأنشأ يقول:
أبلغن أهلنا ولا تخف عنهم ... ما لقينا في البرزخ الحيات
قد سئلنا عن كل ما قد فعلنا ... فارحموا وحشتي وما قد ألاقي
ثم قال فهمت قلت: نعم، ثم أنشد:
فلو كنا إذا متنا تركنا ... لكان الموت راحة كل حي
ولكنا إذا متنا بعثنا ... ونسأل بعده عن كل شيء
ثم قال: أفهمت، قلت: نعم، انتهت الحكاية، قلت: وإذا كانت بهجة الدنيا عاقبتها هذه العاقبة فتجارتها خاسرة، وصفقتها خائبة، وأحسن أحوالها أن يصحبها تقوى الله في أقوال النفوس وأفعالها، ولما وقفت على هذا المنام وما تضمنه من هذه الأمور الهائلات عن لي إنشاء نظم نقلت هذه العشرة الأبيات.
تسمع من الأيام تخبرك بالذي ... قضى في جميع الكائنات قديماً
ستبديه شيئاً بعد شيء إلى الورى ... يسوق شقاء نحوهم ونعيماً
فيا سعد ذي عيش يدوم نعيمه ... وخيبة مقطوع يؤول جحيماً
ويا ليت لذات مضت لم تكن ويا ... ضياع كريم، كم أتاك كريماً
إذا ضاع من أنفاس عمر جواهر ... به جل خسران يراه مقيماً
وما نفع من أمسى بدنيا مرقعاً ... وما ضر من طوطا بها وعديماً
إذا انعكس الحال القديم فأصبح ... الذميم حميداً والحميد ذميماً
سألتك بالقرآن من رحمة مع ... اللطف يا من لا يزال رحيماً
(2/67)

ووفق لما ترضى بجاه محمد ... وواصل له أزكى الصلاة مديماً
وللشمال أجمع غداً بأحبة ... يداولها نعم النديم نديماً
فنسأل الله الكريم التوفيق لسلوك منهج الهدى والسلامة من ارتكاب مسالك الزيغ الرديء، ومدائح أبي دلف كثيرة، وله أيضاً أشعار حسنة وكان أبوه شرع في عمارة مدينة الكرخ ثم أتمها هو وكان بها أهله وأولاده وعشيرته عفا الله عنه وعنا ورحمنا جميعاً وسامحنا.
وفيها توفي أبو عمرو إسحاق الجرمي العلامة النحوي، كان فقيهاً عالماً بالنحو واللغة، وهو من البصرة، فقدم بغداد، وأخذ النحو من الأخفش وغيره، ولقي يونس بن خبيب، ولم يلق سيبويه، أخذ اللغة من أبي عبيدة وأبي زيد الأنصاري والأصمعي وطبقتهم، وكان ديناً ورعاً حسن المذهب صحيح الإعتقاد، وله في النحو كتب جيدة، وناظر ببغداد الفراء، وروى الحديث، وحدث المبرد عنه. قال: قال لي أبو عمرو: قرأت ديوان الهذليين على الأصمعي، وكان أحفظ له من أبي عبيدة فلما فرغت منه قال لي: يا أبا عمرو، إذا فات الهذلي أن يكون شاعراً ورامياً أو ساعياً، فلا خير فيه، وقال المبرد: كان الجرمي أثبت القوم في كتاب سيبويه، وعليه قرأت الجماعة، وكان عالماً باللغة حافظاً لها، وله كتب انفرد بها، وكان جليلاً في الحديث والأخبار، وله كتب في السير عجيب و " كتاب غريب سيبويه "، و " كتاب العروض "، و " كتاب الأبنية "، و " مختصر في النحو ".
والجرمي: " بفتح الجيم وسكون الراء " نسبة إلى جرم، وفي العرب عدة قبائل، كل واحدة منها يقال لها جرم، منها من ينتسب إلى جرم بن علقمة بن أنمار، ومنهم من ينسب إلى جرم بن زبان، وذكر بعضهم أن الجرمي المذكور مولى جرم بن زبان.

ست وعشرين مائتين
فيها غضب المعتصم على أفشين، وسجنه وضيق عليه، ومنع من الطعام حتى مات أو خنق، ثم صلب إلى جانب بابك، قيل: أتي بأصنام من داره أتهم بعبادتها، فأحرقت، وكان أقلف متهماً في دينه، وخاف المعتصم منه أيضاً، وكان من أولاد الملوك الأكاسرة، واسمه حيدر بن كاؤس، وكان بطلاً شجاعاً مقداماً مطاعاً، ليس في الأمراء أكبر منه، وظفر المعتصم أيضاً بمازيار الذي فعل الأفاعيل بطبرستان وصلبه أيضاً إلى جانب بابك.
(2/68)

وفيها توفي سعيد بن كثير أبو عثمان المصري الحافظ العلامة قاضي الديار المصرية، وكان فقيها أخبارياً نسابة شاعراً كثير الإطلاع، قليل المثل شهير الفضل.
وفيها توفي شيخ خراسان الإمام يحيى بن يحيى بن بكير التميمي النيسابوري، كان يشبه بابن المبارك في وقته طرفاً، وروى عن مالك والليث وطبقته.
قال ابن راهويه: ما رأيت مثل يحيى بن يحيى، ولا أحسبه رأى مثل نفسه، ومات وهو إمام لأهل الدنيا.

سبع وعشرين ومائتين
وفيها قدم أبو المغيث أميراً على دمشق، فخرجت عليه قيس وأخذوا خيل الدولة من المرج، لكونه صلب منه خمسة عشر رجلاً، فوجه إليهم جيشاً فهزموه وحاصروا دمشق، وجاءهم جيش من العراق مع أمير، فأنذرهم القتال يوم الأثنين ثم كبسهم يوم الأحد وقتل منهم ألفاً وخمسمائة.
وفيها توفي الشيخ الكبير الولي الشهير العارف الرباني معدن الأسرار والمعارف الموفق في الورع والزهد المعروف بالحافي، أبو نصر بشر بن الحارث، ذكروا أنه سمع من حماد بن زيد وإبراهيم بن سعد، واعتنى بالعلم، ثم أقبل على شأنه، ودفن كتبه، وحدث بشيء يسير، وكان في الفقه على مذهب الثوري، وقد صنف العلماء في مناقبه وكراماته تصانيف، وهو مروزي الأصل من أولاد الرؤساء والكتاب.
وسبب توبته أنه أصاب في الطريق ورقة، فيها اسم الله مكتوب، وقد وطيها الأقدام، فأخذها واشترى بدرهم كان معه غالية، فطيب بها الورقة، وجعلها في شق حائط، فرأى في النوم كأن قائلاً يقول: يا بشر، طيبت اسمي، لأطيبن اسمك في الدنيا والآخرة، فلما انتبه من نومه تاب.
ويحكى أنه كان في داره مع جماعة ندماء له في اللعب واللهو، فدق عليه الباب داق، فقال للجارية، اذهبي، فانظري من بالباب، فذهبت وفتحت، وإذا فقير على الباب، فقال لها: سيدك حرام عبد؟ فقالت: بل حر، فقال: صدقت، لو كان عبداً لاستعمل داب العبيد، ثم ذهب وخلاها، فرجعت فسألها بشر عمن وجدت بالباب، وما قال لها، فأخبرته، فخرج يعدو
(2/69)

حافياً، وهو يقول: بل عبد فلم يلحقه، فرجع ولم يزل حافياً، فسئل عن ذلك فقال: الحالة التي صولحت وأبا عليها، لا أحب أن أغيرها.
ويحكى أنه أتى باب المعافي بن عمران، فدق عليه، فقيل: من هذا. فقال: بشر الحافي، فقالت بنت من داخل الدار لو اشتريت نعلاً بدانقين لذهب عنك اسم الحافي.
قيل: وإنما لقب بالحافي، لأنه جاء إلى إسكاف يطلب منه شسعاً لإحدى نعليه، وكان قد انقطع، فقال له الإسكاف: ما أكثر كلفتكم على الناس، فألقى النعل من يده، والأخرى من رجله، وحلف لا يلبس بعدها نعلاً، وقيل له: بأي شيء تأكل الخبز؟. فقال: اذكر العافية، فأجعلها إداماً، ومن دعائه. " اللهم إن كنت شهرتني في الدنيا لتفضحني في الآخرة، فاسلب ذلك عني "، " ومن كلامه "، عقوبة العالم في الدنيا أن ينمي بصر قلبه، وقال: من طلب الدنيا فتهيأ للذل.
وقال بعضهم: بعث بشر يقول لأصحاب الحديث: ما زكاة هذا الحديث؟ فقالوا: وما زكاته.، قال: اعملوا من كل مائتي حديث بخمسة أحاديث، وقيل له: لم لا تحدث؟ فقال: أني أحب أن أحدث، ولو أحببت أن اسكت لحدثت، يعني أخاف نفسي في هواها، وكان له رضي الله تعالى عنه ثلاث أخوات، كلهن زاهدات عابدات ورعات، مصنفة وهي الكبرى ومنحة وزبدة.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: دخلت امرأة على أبي، وقالت له: يا أبا عبد الله، إني امرأة أغزل في الليل على ضوء السراج، وربما طفىء السراج، فأغزل على ضوء القمر، فهل علي أن أبين غزل السراج من غزل القمر؟ فقال لها: إن كان عندك بينهما فرق فعليك أن تبيني ذلك، فقالت: يا أبا عبد الله، أتبين المريض؟ هل هو شكوى؟ فقال لها: إني لأرجو أن لا يكون شكوى، ولكن هو اشتكى، وإلى الله قال عبد الله فقال لي أبي: يا بني ما سمعت قط إنساناً يسأل عن مثل ما سألت هذه المرأة فاتبعها، قال عبد الله: فتبعتها إلى أن دخلت دار بشر الحافي، فعرفت إنها أخت بشر، فأتيت أبي، فقلت: إن المرأة أخت بشر الحافي، فقيل: اتق الله، هذا هو الصحيح، محال أن يكون هذه إلا أخت بشر.
وقال عبد الله أيضاً: جاءت " منحة " أخت بشر الحافي إلى أبي، فقالت: يا أبا عبد الله، رأس مالي دانقان أشتري بها قطناً فأغزله وأبيعه بنصف درهم، فأنفق دانقاً من الجمعة إلى الجمعة، وقد مر الطائف ليلة ومعه مشعل، فاغتنمت ضوء المشعل، وغزلت طاقين في ضوء، فعلمت أن الله سبحانه مطالب لي، فخلصني من هذا خلصك الله
(2/70)

فقال: تخرجين الدانقين، ثم تبقين بلا رأس مال حتى يعوضك الله خيراً منه، فقال عبد الله، فقلت لأمي: لو قلت لها حتى تخرج رأس مالها، قال: يا بني، سؤالها لا يحتمل التأويل، فمن هذه المرأة؟ قلت: هي منحة أخت بشر، فقال: من ها هنا أنت، قلت: وفي رواية أخرى: إن أخت بشر قالت له: إن مشاعيل الولاة تمر بنا، ونحن على سطوحنا، أفيحل لنا أن نغزل في شعاعها. فقال: من أنت رحمك الله؟ فقالت: أخت بشر الحافي، فقال: صدقت، من بينكم يخرج الورع الصافي، قال: الصادق، لا تغزلي في شعاعها. وتكلم بشر في الورع وعدم طيب المطاعم، فقيل له: ما نراك تكل إلا من حيث تأكل. فقال: ليس من يأكل وهو يبكي كمن يأكل وهو يضحك، وفي رواية: أكلتموها كباراً وأكلتها صغاراً.
وفي السنة المذكور توقني أبو عثمان سعيد بن منصور الخراساني الحافظ صاحب السنن.
وفي السنة المذكورة توفي الخليفة المعتصم محمد بن هارون الرشيد بن المهدي بن منصور العباسي، عهد إليه بالخلافة المأمون، وكان شجاعاً شهماً مهيباً، لكنه كثير اللهو مسرف على نفسه، وهو الذي افتتح عمورية من أرض الروم. ويقال له المثمن، لإنه ولد سنة ثمانين ومائة، في ثامن عشر منها، وهو ثامن الخلفاء من بني العباس، وفتح ثمان فتوحات، ووقف في خدمته ثمانية ملوك من العجم، ثم قتل ستة منهم، واستخلف ثماني سنين وثمانية أشهر وثمانية أيام، وخلف ثمانية بنين وثماني بنات، وخلف من الذهب ثمانية آلاف دينار، ومن الدراهم ثمانية عشر ألف ألف درهم، ومن الخيل ثمانين ألف فرس، ومن الجمال والبغال مثل ذلك، ومن الممالك ثمانية آلاف مملوك وثمانية آلاف جارية، وبنى ثمانية قصور، هكذا قيل في التواريخ، فان صحح هذا فهو من جملة العجائب. قالوا وكانت له نفس سبعية، إذا غضب لم يبال بمن قتل ولا بما فعل، وعمره سبع وأربعون سنة، وأقام بعده ابنه الواثق.

ثمان وعشرين ومائتين
فيها توفي عبد الله، وقيل: عبيد الله بن محقد بن حفص القريشي التيمي العائشي البصري الأخباري، أحد الفصحاء الأجواد، أمه عائشة بنت طلحة.
وقال مصعب بن عبد الله الزبيري: هي بنت عبد الله بن عبيد الله بن مغمر التيمي، قال يعقوب بن شبة: أنفق ابن عائشة على أخواته أربع مائة ألف دينار في الله، وقيل: جاءه وكيله
(2/71)

يوماً يثمن له مائة دينار وثلاث مائة درهم، وهو في المسجد، فوافاه سائل، فأدخل يده في كم الوكيل، فأخرج منها شيئاً، فدفعه إليه، فلم يزل السؤال يوافونه، وهو يرفع إليهم، حتى أفنى الدنانير والدراهم، وقال عبد الله بن شبة: رأيت ابن عائشة، وقف على قبر ابن له قد دفن، فرفرف مرة ثم قال:
إذا ما دعوت الصبر بعدك والبكاء ... أجاب البكاء طوعاً ولم يجب الصبر
فإن ينقطع منك الرجاء فإنه ... سيبقى عليك الحزن ما بقي الدهر
وكان يقول: أو روي عن أبيه أنه كان يقول: جزعك في مصيبة صديقك أحسن من صبرك، وصبرك في مصيبتك أحسن من جزعك، وكذلك روي عنه أنه قال: لا يعرف كلمة بعد كلام الله، وبعد كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخصر لفظاً ولا أكمل وضعاً، ولا أعم نفعاً من قول أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه: قيمة كل امرىء ما يحسن، وقال ابن عائشة المذكور لرجل من العرب أعجبه: أنت والله كما قال الشاعر:
لسنا وإن أحسابنا كرمت ... يوماً على الأحساب نتكل
نبني كما كانت أوائلنا ... ونفعل مثل ما فعلوا
وقال العايشي: أول الفراعنة سنان بن غلوان بن عبيد بن عوج بن عمليق، وهو الذي نزل به البلاء لما مد يده إلى سارة زوجة إبراهيم الخليل، صلى الله عليه وآله وسلم، فوهب لها هاجر أم إسماعيل عليهما السلام.
والفرعون الثاني فرعون يوسف صلى الله عليه وآله وسلم، وهو خير الفراعنة، واسمه الريان بن الوليد، ويرجع في نسبه إلى عمرو بن عمليق، ويقال أنه أسلم على يده صلى الله عليه وآله وسلم.
والفرعون الثالث فرعون موسى صلى الله عليه وآله وسلم، وهو أخبث الفراعنة، واسمه الوليد بن مصعب بن معاوية، يرجع إلى عمرو بن عمليق.
والفرعون الرابع نويفل الذي قتله بخت نصر حين غزا.
والفرعون الخامس كان طوله ألفي ذراع، وكانت قصيراه جسراً لنيل مصر دهراً طويلاً.
وقال ابن عائشة: دخل خالد بن صفوان مسجد الجامع، فإذا هو بالفرزدق جالساً في الشمس، فقال: يا أبا فراس، والله لو أن نسوة يوسف رأينك لما أكبرنك ولا قطعن أيديهن، فقال: وأنت والله لو أن نسوة مدين رأينك: لما قلن: استأجره، إن خير من استأجرت القوي
(2/72)

الأمين، وأنشد ابن أبي عائشة للزبير بن بكار:
ولو كان يستغني عن الشكر ماجد ... لغزة قدر أو علو مكان
لما أمر الله العباد بشكره ... فقال اشكروني أيها الثقلان
قلت: وهذا القول غير لائق بجلال الله تعالى ولا جائز في صفاته، فإنه يفهم أن الله سبحانه غير مستغن عن شكر العباد، وهو باطل تعالى الله عن ذلك بل غني عن كل شيء، كما قال تعالى: " ومن كفر فإن الله غني عن العالمين " " عمران: 97، " ولما قد علم عند العقلاء العالمين أنه متصف تعالى بالكمال المطلق، دلت على ذلك قواطع البراهين.
وفي السنة المذكورة توفي أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الله بن عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان صخر بن حرب الأموي المعروف بالعتبي الأخباري الفصيح الأديب.
قال الأصمعي: الخطباء من بني أمية: عبد الملك بن مروان، وعتبة بن أبي سفيان.
قال العتبي محمد بن عبد الله المذكور: حججت فمررت بنسوة وإذا فيهن جارية تشتهي، ما رأيت أجمل منها، فقلت لها: ممن الجارية؟. فقالت: أما الأعمام فسليم، وأما الأخوال فعامر، فقلت:
رأيت غزالاً من سليم وعامر ... فهل لي إلى ذاك الغزال سبيل
فضحكت ثم قالت:
وماذا يرجى من غزال رأيته ... وحطك من ذاك الغزال قليل
ولو قالت: وليس إلى ذلك الغزال وصول، كان أبلغ في نفي مرامه، إلا أن تكون أرادت بالقلة المحادثة والنظر، فقولها في هذا الوجه معتبر.
وقال بعض المؤرخين: كان أديباً فاضلاً شاعراً مجيداً راوياً للأخبار وأيام العرب، روى عن ابن عيينة وغيره، وروى عنه أبو حاتم السجستاني وأبو الفضل الرياشي وإسحاق بن محمد النخغي، وله عدة تصانيف، وروى له ابن قتيبة في كتاب المعارف:
رأين العوافي الشيب لاح بعارضي ... فأعرضن عني بالخدود النواضر
وكن متى أبصرنني أو سمعن بي ... سعين فرفعن بالكوايا المحاجر
فإن عطفت عني أعنة أعين ... نظرن بأحداق المهاوي الأجازر
فإني من قوم كريم ثناؤهم ... لأقوامهم صيغت رؤوس المنابر
خلايف في الإسلام، في الشرك سادة ... بهم وإليهم فخر كل مفاخر
(2/73)

وله أيضا:
لما رأتني سليماً قاصر البصر ... عنها، وفي الطرف عن أمثالها زور
قالت: عهدتك مجنوناً فقلت لها ... إن الشباب جنون برؤه الكبر
وله أيضا يرثي بعض أولاده:
أصبحت خدي للدموع رسوم ... أسفاً عليك وفي الفؤاد كلوم
والصبر يحمد في المواطن كلها ... إلا عليك فإنه مذموم
وفيها توفي مسدد بن مسرهد الحافظ أبو الحسن البصري.

تسع وعشرين ومائتين
فيها توفي الإمام أبو محمد خلف بن هشام شيخ القراء والمحدثين رحمهم الله.
وفيها توفي نعيم بن حماد بن المرزوي القرطبي الحافظ رحمهم الله.
وفيها توفي يزيد بن صالح الفراء النيسابوري العبد الصالح، وكان ورعاً قانتاً مجتهداً في العبادة رحمة الله عليه.

ثلاثين ومائتين
فيها توفي إبراهيم بن حمزة الزبيري المدني الحافظ " وأمير المشرق " عبد الله بن طاهر بن الحسين الخزاعي. وكان شجاعاً مهيباً عاقلاً جواداً كريماً، يقال أنه دفع على قصص صلات بلغت أربعة آلاف ألف درهم، وخلف من الدراهم خصوصاً أربعين ألف درهم، وكان قد تاب قبل موته، وكسر آلات الملاهي، وبعثه المأمون إلى خراسان، فلما دخلها مطرت مطراً كثيراً، وكان المطر قد انقطع عنها تلك السنة، فقام إليه رجل بزاز من حانوته وأنشد:
قد قحط الناس في زمانهم ... حتى إذا جئت جئت بالدرر
غيثان في ساعة لنا قدماً ... فمرحباً بالأمير والمطر
فاستفك أسارى بألفي درهم، وتصدق بأموال كثيرة، وكان أبو تمام الطائي قد قصده من العراق، فلما انتهى إلى قومس، وطالت به الشقة، وعظمت عليه المشقة قال:
(2/74)

تقول في قومس صحبي وقد أخذت ... مني السرى وخطا المهرية القود
أمطلع الشمس تنوي أن تؤم بنا ... فقلت: كلآ ولكن مطلع الجود
وقيل: هذان البيتان أخذهما أبو تمام من أبي الوليد مسلم بن الوليد الأنصاري المعروف بصريع الغواني الشاعر المشهور حيث يقول:
يقول صحبي وقد جدوا على عجل ... والخيل يفتن بالركبان في اللحم
أمغرب الشمس تنوي أن توم بنا ... فقلت: كلا ولكن مطلع الكرم
فإنه أغار على اللفظ والمعنى جميعاً، ولما وصل أبو تمام إليه أنشده قصيدته الثانية البديعة التي يقول فيها:
وركب كأطراف الأسنة عرسوا ... على مثلها، والليل تستر غياهبه
وفي هذه السفرة ألف أبو تمام " كتاب الحماسة " وكان سبب ذلك أنه لما وصل إلى همدان أشتد البرد، فأقام ينتظر زواله، وكان نزوله عند بعض الرؤساء بها، وفي دار ذلك الرئيس خزانة كتب فيها دواوين العرب وغيرها، فتفرغ لها أبو تمام، وطالعها واختار منها ما ضمنه كتاب الحماسة، وكان ابن طاهر المذكور مع أوصافه المتقدمة أديباً ظريفاً، وله شعر مليح ورسائل ظريفة، ومما قال فيه بعض الشعراء:
يقول الورى لي أن مصر بعيده ... وما بعدت مصر، وفيها ابن طاهر
وأبعد من مصر رجال تراهم ... بحضرتنا، معروفهم غير حاضر
عن الخير موتى، ما تبالي أزرتهم ... على طمع أزرت أهل المقابر
قلت: والمصراع الأول من البيت الأول غيرته بعض الفضلاء لخلل الوزن في الأصل المنقول منه.
وذكر بعض المؤرخين أن البطيخ المسقى بعبد اللاوي الموجود في الديار المصرية منسوب إلى عبد الله المذكور، قيل ليلة كان يستطيبه، أو أنه أول من زرعه هناك، وقيل أنه وقومه خزاعيون بالولاء، فإن جدهم رزيق مولى أبي محمد طلحة بن عبد الله المعروف بطلحة الطلحات الخزاعي المتولي على سجستان من قبل سالم بن زياد بن أبيه، وفيه يقول ابن الرقتات:
رحم الله أعظماً دفنوها ... بسجستان طلحة الطلحات
(2/75)

وفي السنة المذكورة توفي الإمام الحبر الحافظ أبو عبد الله محمد بن سعد كاتب الواقدي وصاحب الطبقات والتواريخ.
وفيها توفي الحافظ محدث بغداد أبو الحسن علي بن الجعد الهاشمي مولاهم، روى عن شعبة وابن أبي ذيب والكبار، وقيل: مكث سنين يصوم يوماً ويفطر يوماً.

إحدى وثلاثين ومائتين
فيها ورد كتاب الواثق على أمير البصرة يأمر بامتحان الأئمة والمؤذنين بخلق القرآن، وكان قد تبع أباه في امتحان الناس.
وفيها قتل أحمد بن نصر الخزاعي الشهيد، من أولاده أمراء الدولة، نشأ في علم وصلاح، وكتب عن مالك وجماعة، وحمل عن هشيم مصنفاته، قتله الواثق بيده لإمتناعه عن القول بخلق القرآن لكونه أغلظ للواثق في الخطاب، وقال له: يا صبي، وكان رأساً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقام معه خلق من المطوعة، واستفحل أمره، فخافت الدولة من فتن تحصل بذلك.
وروي أنه صلبه، فاسود وجهه، فتغيرت قلوب من راه بهذا الوصف، ثم ابيض وجهه بعد ذلك، فراه بعضهم في النوم، فسأله عن ذلك فقال: لما صلبت رأيت النبي صلى الله عليه، وآله وسلم قد أعرض عني بوجهه، فاسود وجهي من ذلك، فسألته صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك، أي سبب إعراضه عني فقال صلى الله عليه وآله وسلم: إنما أعرضت حياء منك إذا كان قتلك على يد واحد من أهل بيتي، فعندها زال ذلك السواد الذي رأيتم عني، وهذا معنى ما قيل في ذلك والله أعلم.
وفيها توفي الإمام العلامة أبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطي الفقيه صاحب الشافعي، مات في السجن والقيد ببغداد، ممتحناً بخلق القرآن، وكان عابداً دائم الذكر كبير القدر. قال الشافعي: ليس في أصحابي أعلم من البويطي، حمل من مصر في أيام الواثق فني زمن الفتنة، فامتنع من القول بخلق القرآن، فحبس حتى مات، وكان صالحاً متنسكاً، رحمة الله عليه.
قال الربيع بن سليمان: رأيت البويطي على بغلة، وفي عنقه غل، وفي رجليه قيد، وبين الغل والقيد سلسلة من حديد فيها طوية وزنها أربعون رطلاً.
وقال الشيخ أبو إسحاق في طبقات الفقهاء: وكان أبو يعقوب البويطى إذا سمع
(2/76)

المؤذن وهو في السجن يوم الجمعة، اغتسل ولبس ثيابه، ومشي حتى يبلغ باب السجن، فيقول السجان: أين تريد؟. فيقول: أجيب داعي الله، فيقول: ارجع عفاك الله فيقول: اللهم إنك تعلم أني قد أجبت داعيك فمنعوني.
وقال الربيع: كان الرجل ربما يسأل الشافعي عن المسألة فيقول: سل أبا يعقوب، فإذا أجابه أخبره، فيقول: هو كما قال: وقال الخطيب البغدادي: قال الشافعي: ليس أحد أحق بمجلس من يوسف بن يحيى، وقال الربيع: كنت عند الشافعي أنا والمزني وأبو يعقوب البويطي قال للبويطي: أنت تموت في الحديث، وقال لي: موتك في الحديث، وقال للمزني: هذا النواظر، الشياطين تطيعه.
وفيها توفي أبو تمام الطائي: حبيب بن أوس الحوراني، متقدم شعراء عصره في ديباجة لفظه وصناعة شعره وحسن أسلوبه، وله: كتاب الحماسة الدال على غزارة فضله واتقان معرفته وحسن اختياره، وله مجموع آخر سماه " فحول الشعراء " جمع فيه بين طائفة كثيرة من شعراء الجاهلية والمخضرمين والإسلاميين و " كتاب اختيارات من شعر الشعراء "، كان له من المحفوظات ما لا يلحقه فيه غيره قبل، كان يحفظ أربعة آلاف ديوان الشعر غير ألف أرجوزة للعرب غير القصائد والمقاطيع، ومدح الخلفاء، وأخذ جوائزهم، وجاب البلاد، وقصد البصرة، وبها عبد الصمد بن المعدل الشاعر، فلما سمع بوصوله وكان في جماعة من غلمانه وأتباعه خاف من قدومه أن يميل الناس إليه، ويعرضوا عنه، فكتب إليه قبل دخوله البلد:
أنت بين اثنين تبرز للناس ... وكلتاهما بوجه مذال
أيما يبقى لوجهك هذا ... بين ذل الهوى وذل السؤال
فلما وقف على هذا النظم أضرب عن مقصده ورجع، وقال: قد شغل هذا ما يليه، فلا حاجة لنا فيه، ولما قال ابن المعدل هذا النظم، كتبه ودفعه إلى وراق، وكان هو وأبو تمام يجلسان إليه، ولا يعرف أحدهما الآخر، وأمره أن يدفعه إلى أبي تمام، فلما قرأ الورقة أبو تمام قال:
(2/77)

أتى ينظم قول الزور والفند ... وأنت أنقص من لا شيء في العدد
أسرجت قلبك من غيظ على خنق ... كأنها حركات الروح في الجسد
أقدمت ويلك من هجوي على خطر ... كالعير يقدم من خوف على الأسد
وحضر عبد الصمد، فلما قرأ البيت الأول قال: ما أحسن، علم بالجدل أوجب زيادة ونقصاناً على معدوم، ولما نظر إلى البيت الثاني قال: الإسراج من عمل الفراشين، ولا مدخل له ها هنا، ولما قرأ البيت الثالث عض " على شفته وقال: فيك قلت، يعني بقوله فيك: إشارة إلى قوله: " كالعير تقدم من خوف على الأسد "، لأنهم قد ذكروا في باب انقياد بعض المكولات لبعض الأكلات أن الحمار يرمي بنفسه على الأسد إذا شم ريحه.
وقال بعض العلماء: خرج من قبيلة طيىء ثلاثة، كل مجيد في بابه: حاتم الطائي في جوده، وداود بن نصير الطائي في زهده، وأبو تمام حبيب بن أوس في شعره، وقد اشتهر أنه لما قال في مدح بعض الخلفاء:
إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في علم أحنف في ذكاء إياس
قال له الوزير: أتشبه أمير المؤمنين بأجلاف العرب؟ فأطرق ساعة، ثم رفع رأسه وأنشد:
لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلاً سروداً في الندى والناس
فالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلاً من المشكاة والنبراس
الفتيلة: للمصباح والمعنى: يعني قوله: " الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح " " النور: 35، "، الآية والنبراس: الفتيلة للمصباح، والمعنى أنه لما أنكر عليه في تشبيه الخليفة بعمرو بن معد يكرب وبحاتم، استشعر منهم اللوم في ذلك وعدم الجائزة وانحطاطها، فافتتح التفكر ملتمساً عذراً في كلام العرب وأشعارهم وأمثالهم، فلم يجد ما يشفي، ولا ما يكفي، فضرب عنان فكرته إلى كتاب الله تعالى وجواهر آية من فاتحته، إلى أن وجد ما دفع عنه المحذور في سورة النور، وظفر من الدليل بما يشفي الغليل، فأعجب من حضره بانفاذ قريحته، وسرعة. قدح زناد فكرته، فقال الوزير للخليفة، أي شيء طلبه أعطيه إياه، فإنه لا يعيش أكثر من أربعين يوماً، لأنه قد ظهر في عينيه الدم من شدة الفكرة، وصاحب هذا لا يعيش إلا هذا القدر، فقال الخليفة: ما تشتهي، قال: الموصل، فأعطاه إياها، فتوجه إليها، وبقي هذه المدة المذكورة ومات، هكذا قيل: وقال بعض أصحاب التواريخ: هذه القصة لا صحة لها أصلاً، فقد ذكر أبو بكر
(2/78)

الصولي في " كتاب أخبار أبي تمام " أنه لما أنشد هذه القصيدة لأحمد بن المعتصم، وانتهى إلى قوله، إقدام عمر والبيت المذكور، قال أبو يوسف يعقوب بن صباح الكندي الفيلسوف وكان حاضراً لأمر فوق من وصفت. فأطرق قليلاً ثم زاد البيتين المذكورين.
ولما أخذت القصيدة من يده لم يجدوا فيها هذين البيتين، فعجبوا من سرعة فطنته، قال أبو يوسف وكان فيلسوف العرب: هذا الفتى يموت قريباً، ثم قال بعد ذلك: وقد روي على خلاف ما ذكرته، وليس بشيء والصحح هو هذا، قال: وقد تبعتها، وحققت صورة ولاية الموصل، فلم أجد سوى أن الحسن بن وهب، ولآه يعني الموصل، فأقام أقل من سنتين ثم مات بها.
وذكر الصولحي: قال له ابن الزيات: يا أبا تمام، إنك لتجلي شعرك من جواهر لفظك وبديع معانيك ما يزيد حسناتها على الجوهر في أجياد الكواعب، وما يدخر لك شيء من جزيل المكافآت، إلا ويقصر عن شعرك في المواساة، وكان بحضرته فيلسوف فقال له: إن هذا الفتى يموت شاباً، فقيل له: ومن أين حكمت عليه بذلك. فقال: رأيت فيه من الحدة والذكاء والفطنة مع لطافة الحس وجودة الخاطر، ما علمت أن النفس والروحانية تأكل جسمه، كما يأكل السيف المهند غمده قالوا: وكذا كان. لأنه مات وقد نيف على ثلاثين سنة.
وقال بعضهم: هذا يخالف ما سيأتي في تاريخ مولده ووفاته، وذلك أن ولادته كانت في تسعين ومائة، وقيل ثمان وثمانين ومائة، وقيل اثنتين وسبعين ومائة، وقيل اثنتين وتسعين ومائة، في قرية من بلد الجيد، بين دمشق وطبرية ونشأ بمصر، وتوفي بالموصل في سنة إحدى وثلاثين ومائتين، وقيل سنة ثمان وعشرين، وقيل تسع وعشرين سنة، وقيل اثنتين وثلاثين ومائتين.
قلت: وهذا الإعتراض ليس بصحيح، فإنه يصدق كونه نيف على ثلاثين على بعض هذه الروايات، فإنه على رواية ولادته في سنة اثنتين وتسعين، وموته في سنة ثمان وعشرين يكون عمره ستاً وثلاثين سنة.
قال ابن خلكان: رأيت قبره في الموصل، وإليه الإشارة بقول ابن عنين:
سقى الله روح الغوطتين، ولا أرى ... من الموصلي الفيحاء إلا قبورها
قال البحتري: وبنى عليه أبو نهشل بن حميد الطوسي قبة، وممن رثاه الحسن بن وهب بقوله:
(2/79)

فجع القريض بخاتم الشعراء ... وغريد روضها حبيب الطائي
ماتا معاً فتجاورا في حفرة ... وكذاك كانا قبل في الأخباء
ورثاه محمد بن عبد الملك الزيات وزير المعتصم بقوله:
نبأ أتى من أعظم الأنباء ... لما ألم مقلقل الأحشاء
قالوا: حبيب قد توى، فأجبتهم ... ناشدتكم، لا تجعلوه الطائي
وفيها توفي إمام اللغة محمد بن زياد المعروف بابن الأعرابي من موالي بني العباس، وقيل: من موالي بني شيبان، والأول أصح، وكان راوية الأشعار واللغة، أخذ الأدب عن أبي معاوية الضرير والمفضل الضبي والكسائي وأخذ عنه من الأئمة: إبراهيم الحربي وثعلب وابن السكيت. وغيرهم، وناقش العلماء، واستدرك عليهم، وخطأ كثيراً من نقلة اللغة، وكان يزعم أن الأصمعي وأبا عبيدة لا يحسنان شيئاً، وكان يحضر مجلسه خلق كثير من المستفيدين.
قال ثعلب: كان يحضر مجلسه زهاء مائة إنسان، وكان يسأل ويقرأ عليه، فيجيب من غير كتاب، ولزمته بضع عشرة سنة، ما رأيت بيده كتاباً قط، ولقد أملى على الناس ما يحمل على أحمال، ولم ير أحد في علم الشعر أغزر منه، وله من التصانيف بضع عشر مصنفاً، منها كتاب النوادر، وكتاب الخيل، وكتاب تفسير الأمثال، وكتاب معاني الشعر.
ورأى يوماً في مجلسه رجلين يتحادثان، فقال لأحدهما: من أين أنت؟. فقال: من اسبيجاب " بكسر الهمزة وسكون السين المهملة وكسر الموحدة وسكون المثناة من تحت وقبل الألف جيم وبعدها موحدة "، مدينة في أقصى بلاد الشرق، وسأل الآخر فقال: من الأندلس وهي معروفة في أقصى بلاد المغرب، فتعجب من ذلك وأنشأ:
رفيقان شتى، ألف الدهر بيننا ... وقد يلتقي الشتاء فيما تلقان
ثم أملى على من حضر مجلسه بقية الأبيات وهي:
نزلنا على قيسية يمنية ... لها نسب في الصالحين هجان
فقالت وأرخت جانب الستر بيننا ... من أية أرضي أمنا الرجلان؟
فقلت لها: أما رفيقي فقوم ... تميم، وأما أسرتي فيمان
رفيقان شتى ألف بيننا ... وقد يلتقي الشتاء فيما تلقان
(2/80)

اثنتين وثلاثين ومائتين
فيها توفي الواثق بالله أبو جعفر، وقيل أبو القاسم هارون بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي العباسي، وكان أديباً شاعراً أبيض تعلوه صفرة، حسن اللحية، دخل في القول بخلق القرآن، وامتحن الناس وقوى عزمه القاضي أحمد بن أبي داود ولما احتضر ألصق وجهه بالأرض، وجعل يقول: يا من لا يزول ملكه، أرحم من قد زال ملكه. واستخلف بعده أخوه المتوكل، وأظهر السنة، ودفع المحنة، وأمر بنشر أحاديث الروية والصفات.
وفيها وقيل: في سنة ستين توفي الشريف العسكري الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى الرضى بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم أحد الأئمة الإثني عشر على اعتقاد الإمامية وهو والد المنتظر صاحب السرداب.
وفيها توفي عبد الله بن عوف الخزاز الزاهد البغدادي المحدث، وكان يقال: إنه من الأبدال.
وتوفي الإمام أبو يحيى هارون بن عبد الله الزهري العوفي المالكي، وقال أبو إسحاق الشيرازي: هو أعلم من صنف الكتب في مختلف قول مالك.

ثلاث وثلاثين ومائتين
فيها كانت الزلزلة المهولة بدمشق، ودامت ثلاث ساعات، وسقطت الجدران، وهرب الخلق، إلى المصلى يجأرون إلى الله، ومات كثير من الناس تحت الردم، وامتدت إلى أنطاكية، وذكروا أنه هلك من أهلها عشرون ألفاً، ثم امتدت إلى الموصل، وزعم بعضهم أنه هلك بها تحت الردم خمسون ألفاً.
وفيها توفي سهل بن عثمان العسكري الحافظ أحد الأئمة " والإمام " أبو زكريا يحيى بن معين الحافظ أحد الأعلام، توفي بمدينة النبي صلى الله عليه وآله وسلم متوجهاً إلى الحج، وغسل على الأعواد التي غسل عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، سئل: كم كتبت من الحديث؟. فقال: كتبت بيدي هذه ست مائة ألف حديث، روى عنه كبار أئمة الحديث، منهم البخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم، وكان بينه وبين الإمام أحمد صحبة
(2/81)

وإلفة، واشتراك في الإشتغال بعلوم الحديث، وكان ينشد:
المال يذهب حله وحرامه ... طراً ويبقى في غد آثامه
ليس التقي بمتق لإلهه ... حتى يطيب شرابه وطعامه
ويطيب ما يحوي ويكتب كفه ... ويكون في حسن الحديث كلامه
نطق النبي كتابه عن ربه ... فعلى النبي صلاته وسلامه
وقد ذكره الدارقطني فيمن روى عن الإمام الشافعي، وقد سبق في ترجمة الشافعي، ما جرى منه في حقه بينه وبين الإمام أحمد في مشية تحت ركاب بغلة الشافعي، وقول الإمام أحمد له: لو لزمت البغلة لانتفعت، وقيل: إنه لما خرج من المدينة سمع في النوم هاتفاً يقول: يا أبا زكريا أترغب عن جواري؟. فرجع وأقام بها ثلاثة، ثم توفي رحمة الله عليه.
وفي السنة المذكورة، وقيل في سنة سبع وأربعين، وهو اختيار الذهبي، توفي الإمام النحوي أبو عثمان بكر بن محمد المازني البصري، وكان إمام عصره في النحو والأدب، أخذ الأدب من أبي عبيدة والأصمعي وأبي زيد الأنصاري وغيرهم، وأخذ عنه أبو العباس المبرد، وانتفع به، وله تصانيف في فنون من العربية. قال أبو جعفر الطحاوي: سمعت القاضي بكار بن قتيبة قاضي مصر يقول: ما رأيت نحوياً يشبه الفقهاء إلا حيان بن هرمة المازني، وكان في غاية الورع بما روى عنه المبرد: أن بعض أهل الذمة قصده ليقرأ عليه كتاب سيبويه، وبذل له مائة دينار في تدريسه إياه، فامتنع أبو عثمان من ذلك، قال: فقلت: جعلت فداك، أترد هذه المنفعة مع فاقتك وشدة حاجتك. فقال: إن هذا الكتاب يشتمل على ثلاث مائة وكذا وكذا آية من كتاب الله عز وجل، ولست أرى أن أمكن منها ذمياً، غيرة على كتاب الله عز وجل وحمية له.
قال فاتفق أن غنت جارية بحضرة الواثق بقول العرجي " بفتح العين المهملة وسكون الراء وقيل ياء النسبة جيم ".
أظلوم أن مصابكم رجلاً ... رد السلام تحية ظليم
فاختلف من في الحضرة في إعراب " رجل "، فمنهم من نصبه وجعله اسم إن، ومنهم رفعه على أنه خبرها، والجارية مصرة على أن شيخها أبا عثمان المازني لقنها إياه بالنصب، فأمر الواثق بإشخاصه، قال أبو عثمان: فلما مثلت بين يديه قال: ممن الرجل؟ قلت: من بني مازن، قال: أي الموازن. أمازن تميم أم مازن قيس أم مازن ربيعة؟. ولم يذكر في الأصل مازن اليمن وهو مازن ابن الأزد بن الغوث، ونسبه معروف، إلى قحطان قال: قلت من مازن ربيعة، فكلمني بكلام قوم، فقال: ما إسمك؟ لأنهم كانوا يقلبون الميم باء،
(2/82)

والعكس قال: فكرهت أن أجيبه على لغة قومي لئلا أواجهه بالمكر، فقلت: بكر، يا أمير المؤمنين، ففطن لما قصدته، وأعجب به، ثم قال: ما تقول في قول الشاعر، " أظلوم إن مصابكم رجلاً " أترفع رجلاً أم تنصبه؟ فقلت: بل الوجه النصب يا أمير المؤمنين، فقال: ولم ذلك؟ فقلت: لأن مصابكم مصدر بمعنى أصابتكم، فأخذ اليزيدي في معارضتي، فقلت: هو بمنزلة قولك إن ضربك زيداً الظلم، فالرجل مفعول مصابكم، وهو منصوب به، والدليل على أنه معلق إلى أن يقول: ظلم، فيتم، قال: فاستحسنه الواثق، وقال: هل لك من ولد؟ فقلت بنية لا غير، قال: ما قالت لك حين ودعتها؟ قلت: أنشدت قول الأعشى:
أيا أبتا لا ترم عندنا ... فإنا بخير؟ إذا لم ترم
أدانا إذا أضمرتك البلاد ... يخفى ويقطع منا الرحم
قال: فما قلت لها. قال: قلت قول جرير:
ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنجاح
فقال ثق بالنجاح إن شاء الله تعالى وأمر لي بألف دينار، وردني مكرماً، ويروي أول البيت الأول، شعر: " أبانا فلا رمت من عندنا "، ويروي أيضاً " أبانا إلا لا ترم عندنا "، يقال: رام يريم ريماً أي برح يبرح، وقولها: فلا رمت أي: فلا برحت، وعلى رواية لا ترم بكسر الراء: لا تبرح، هذا من رام يريم ريماً، وأما رام يروم روماً. فإن معناه طلب يطلب طلباً، قال المبرد: فلما عاد إلى البصرة قال لي: كيف رأيت يا أبا العباس؟ رددنا لله مائة فعوضنا ألفاً.
قلت: هذا مختصر القصة وفيها كلام طويل، أنشد في آخره:
إن المعلم لا يزال مضعفاً ... ولرأيتني فوق السماء بناء
من علم الصبيان صبوا عقله ... حتى الخلفاء والأمراء
فقال لي: لله درك، كف لي بك؟. فقلت: يا أمير المؤمنين، إن الغنم والفوز في قربك والنظر إليك، ولكني ألفت الوحدة، وأنست بالإنفراد، ولي أهل يوحشني البعد عنهم، ويضربهم ذلك، ومطالبة العادة أشد منه مطالبة الطبع، فأمر لي بألف دينار وكسوة وطيب وقال: لا تقطعنا.
وفي السنة المذكورة مات وزير المعتصم المعروف بابن الزيات أبو جعفر محمد بن عبد الملك بن أبان، كان جده أبان يجلب الزيت من مواضعه إلى بغداد، فدعي بابن
(2/83)

الزيات، وكان من أهل الأدب الظاهر والفضل الباهر، أديباً فاضلاً بليغاً عالماً بالنحو واللغة، وكان أبو عثمان المازني، إذا اختلف أصحابه في مسألة يأمرهم أن يسألوه، ويعرفوا جوابه، فيجيب: إن الصواب الذي يرضاه أبو عثمان.
وقد ذكر فضله غير واحد من المؤرخين، وأوردوا له من شعره عدة مقاطيع، وكان في أول أمره من جملة الكتاب، فسأل المعتصم وزيره أحمد بن عمار البصري يوماً عن الكلأ، ما هو؟ قال: لا أعلم، وكان قليل المعرفة بالأدب، فقال المعتصم: خليفة أمي ووزير كلامي، وكان المعتصم ضعيف الكتابة، ثم قال: أبصروا من بالباب من الكتاب، فوجدوا ابن الزيات المذكور فأدخلوا إليه فقال: ما الكلأ. فقال: الكلأ العشب على الإطلاق، فإن كان رطباً فهو الخلا، وإن كان يابساً فهو الحشيش. وشرع في تقسيم أنواع النبات، فعلم المعتصم فضله فاستوزره وحكمه وبسط يده، وجرت بينه وبين القاضي أحمد بن أبي داود أشياء مذكورة في ترجمة ابن أبي داود المذكور.
وحكي أن أبا حفص الكرماني كاتب عمرو بن مسعدة، كتب إلى ابن الزيات: أما بعد: فإنك ممن إذا غرس سقى، وإذا أسس بنى، وبناؤك في وذي قد شارف الدروس، وغرسك عندي قد عطش وأشفى على البؤس، فتدارك بناء ما أسست وسقي ما غرست. فبلغ ذلك أبا عبد الرحمن العطوي فقال: في هذا المعنى يمدح محمد بن عمران بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك.
إن البرامكة الكرام تعلموا ... فعل الجميل وعلموه أناساً
كانوا إذا غرسوا سقوا وإذا بنوا ... لا يهدمون لما بنوه أساساً
وإذا هم صنعوا الصنائع في الورى ... جعلوا لها طول البقاء لباساً
فعلام تسقيني وأنت سقيتني ... كأس المودة من جفائك كأساً
آنسني منفصلاً أفلا ترى ... أن القطيعة توحش الإيناسا؟
قلت: يعني بالبيت الذي قبل الأخير: فعلام تسقيني من جفائك كأساً وأنت تسقيني كأس المودة.
ولإبن الزيات المذكور أشعار رائقة فمن ذلك قوله:
سماعاً يا عباد الله مني ... وكفوا عن ملاحظة الملاح
فإن الحب آخره المنايا ... وأوله يهيج بالمزاح
وقالوا دع مراقبة الثريا ... ونم فالليل مسود الجناح
فقلت وهل أفاق القلب حتى ... أفرق بين ليلي والصباح
(2/84)

وله ديوان رسائل جيدة، ولأبي تمام وجماعة من الشعراء في عصره فيه مدائح، فمن ذلك قول إبراهيم بن العباس الصولي:
أخ كنت آوي منه عند ذكاره ... إلى ظل آياء من العز شامخ
سمعت نوب الأيام بيني وبينه ... فاقلعي منه عن ظلوم وصارخ
وكان ابن الزيات المذكور قد اتخذ تنوراً من حديد، وأطرافه مساميره المحددة إلى داخل، يعذب به المصادرين وأرباب الدواوين المظلومين، فكلما تحرك واحد منهم من حرارة العقوبة تدخل المسامير في جسمه، فيجد لذلك أشد الألم ولم يسبقه أحد إلى مثل ذلك وكان إذا قال له أحد منهم: أيها الوزير، ارحمني، يقول: الرحمة خور في الطبيعة، فلما اعتقله المتوكل أمر بإدخاله في التنور، وقيده بخمسة عشر رطلاً من الحديد، فقال، يا أمير المؤمنين ارحمني، فقال: الرحمة خور في الطبيعة كما كان هو يقول للناس فطلب دواة وبطاقة فأحضر إليه فكتب:
هي السبيل فمن يوم إلى يوم ... كأنه ما تريك العين في النوم
لا تجزعن، رويداً إنها دول ... دينا تنقل من قوم إلى قوم
وسيرها إلى المتوكل واشتغل عنها، ولم يقف عليها إلا في الغد، فلما قرأها أمر بإخراجه، فجاؤوا إليه فوجدوه ميتاً، وكانت مدة إقامته في ذلك التنور أربعين يوماً. ولما جعل في التنور قال له خادمه: يا سدي، قد صرت إلى ما صرت إليه، وليس لك حامد فقال: وما نفع البرامكة صنيعهم؟ فقال له: ذكراهم هذه الساعة. قال: نعم. قلت: فهذا ما لخصته مختصراً من ترجمة ابن خلكان له، كما هو عادتي في تراجمة لغيره.

أربع وثلاثين ومائتين
فيها توفي الحافظ أبو خيثمة زهير بن حرب، والحافظ: أبو الربيع سليمان بن داود الزهراني، والحافظ أبو الحسن علي بن بحر القطان ويحيى بن يحيى الليثي الإمام المالكي المعتمد عليه في رواية الموطأ من الإمام مالك، وكان مالك يسميه عاقل الأندلس.
وسبب ذلك ما روي أنه كان في مجلس مالك مع جماعة من أصحابه، فقال قائل: جاء الفيل، فخرج أصحاب مالك كلهم لينظروا إليه، ولم يخرج يحيى، فقال له مالك: لم لا تخرج فتراه، لإنه لا يكون بالأندلس. فقال: إنما جنت من بلدي لأنظر إليك، وأعلم من هديك وعلمك. فأعجب به مالك، فسماه عاقل الأندلس. ثم عاد إلى الأندلس وانتهت الرئاسة إليه فيها، وبه انتشر مذهب مالك.
(2/85)

خمس وثلاثين ومائتين
فيها ألزم المتوكل جميع النصارى لبس الحلي فيميزوا به.
وفيها توفي إسحاق بن إبراهيم بن مالك التيمي الموصلي النديم. وكان رأساً في صناعة الطرب والموسيقى أديباً شاعراً أخبارياً عالماً ظريفاً نافق السوق عند الخلفاء إلى الغاية، وأول من سمعه المهدي، ولم يكن في زمانه مثله في الغناء واختراع الألحان، وكان من العلماء باللغة والأشعار وأخبار العرب والشعراء وأيام الناس. ذو فضائل جمة، وكان له يد طولى في الفقه والحديث وعلم الكلام.
قال محمد بن عطية الشاعر: كنت في مجلس القاضي يحيى بن كثم، فوافى إسحاق بن إبراهيم الموصلي، وأخذ يناظر أهل الكلام حتى اتصف منهم، ثم تكلم في الفقه فأحسن، وقاس واحتج، وتكلم في الشعر واللغة، ففاق من حضر، ثم أقبل على القاضي يحيى بن كثم فقال له: أعز الله القاضي، في شيء مما ناظرت فيه وحكيت نقص أو مطعن؟. قال: لا، قال: فما بالي أقوم بسائر هذه العلوم قيام أهلها، وأنسب إلى فن واحد قد اقتصر الناس عليه يعني الغناء! قال ابن عطية المذكور: فالتفت إلي القاضي يحيى وقال: الجواب في هذا عليك، وكان الراوي المذكور من أهل الجدل، فقال للقاضي يحيى: نعم أعز الله القاضي، الجواب علي. ثم أقبل على إسحاق وقال: يا أبا محمد، أنت كالفراء والأخفش؟. فقال: لا، فقال: أنت في اللغة ومعرفة الشعر كالأصمعي وأبي عبيدة؟. قال: لا، قال: فأنت في علم الكلام كأبي يزيد العلاف والنظام البلخي؟ قال: لا، قال: أنت في الفقه كالقاضي؟ وأشار إلى القاضي يحيى قال: لا، قال فأنت في قول الشعر كأبي العتاهية وأبي نواس؟ قال: لا، قال: فمن ها هنا مشيت إلى ما مشيت إليه، لأنه لا نظير لك فيه، وأنت في غيره دون رؤساء أهله فضحك وقام وانصرف، فقال القاضي لابن عطية: لقد وفيت الحجة حقها. وفيها ظلم قليل لإسحاق، وإنه ممن يقل في الزمان نظيره.
وذكر أبو المجد الموصلي أن إسحاق بن إبراهيم المذكور كان مليح المحاورة والنادرة، ظريفاً فاضلاً، كتب الحديث عن سفيان بن عيينة ومالك بن أنس، وهشيم بن بشير، وأبي معاوية الضرير، وأخذ الأدب عن الأصمعي وأبي عبيدة، وبرع في علم الغناء، فغلب عليه ونسب إليه، وكان الخلفاء يكرمونه ويقربونه، وكان المأمون يقول: لولا سبق لإسحاق على ألسنة الناس. واشتهر بالغناء لوليته القضاء، فإنه أولى وأعف وأصدق وأكثر
(2/86)

ديناً وأمانة من هؤلاء القضاة، لكنه اشتهر بالغناء، وغلب على جمع علوم مع صغرها عنده ولم يكن له فيه نظير. وله نظم جيد وديوان شعر، فمن شعره ما كتبه إلى هارون الرشيد.
وآمرة بالبخل قلت لها اقصري ... فليس إلى ما تأمرين سبيل
أرى الناس خلال الجواد ولا أرى ... بخيلاً في العالمين خليل
وإني رأيت البخل يزري بأهله ... فكرمت نفسي أن يقال بخيل
ومن خير حالات الفتى لو علمت ... إذا نال خيراً أن يكون سبيل
عطائي عطاء المكثرين تكرماً ... ومالي كما قد تعلمين قليل
وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنا ... ورأي أمير المؤمنين جميل
وكان كثير الكتب حتى قال أبو العباس ثعلب: رأيت الإسحاق الموصلي ألف جزء من لغات العرب، كلها سماعه، وما رأيت اللغة في منزل أحد قط كثر منها في منزل إسحاق منزل ابن الأعرابي. وكان المعتصم يقول: ما أغنى في إسحاق بن إبراهيم قط إلا خيل، إلا أنه قد زيد في ملكي، وأخباره كثيرة، وحكاياته شهيرة، وكان قد عمي آخر عمره.
وفيها توفي الإمام أحد الأعلام أبو بكر بن أبي شيبة صاحب التصانيف الكبار. قال أبو زرعة: ما رأيت أحفظ منه، وقال أبو عبيد: فانتهى علم الحديث إلى أربعة: أبي بكر بن أبي شيبة، وهو أسردهم له، وابن معين، وهو أجمعهم له. وابن المديني وهو أعلمهم به وأحمد بن حنبل، وهو أفقههم فيه. وقال نفطويه: لما قدم أبو بكر بن أبي شيبة بغداد في أيام المتوكل، حذروا مجلسه بثلاثين ألفاً.
وفيها: وقيل في سنة سبع وعشرين توفي أبو الهذيل شيخ المعتزلة البصريين المعروف بالعلاف مولى عبد القيس، صاحب مقالات في مذهبهم، ومجالس ومناظرات حسن الجدال، قوي الحجة، كثير الإستعمال للأدلة والإلزامات، توفي وله نحو مائة سنة.
وفيها توفي سريج بن يونس البغدادي، العابد المشهور بالصلاح والأوصاف الملاح، أجد أئمة الحديث جد أبي العباس سريج.

ست وثلاثين ومائتين
فيها توفي الحافظ محدث المدينة إبراهيم بن المنذر، والحافظ النسابة الأخبار مصعب بن عبد الله بن مصعب الأسدي الزبيري. قال الزبير: كان عمي مصعب وجه
(2/87)

قريش مروءة وعلماً وشرفاً وديناً وقدراً وجاهاً، وكان نسابة قريش.
وفيها توفي وزير المأمون الحسن بن سهل، وقد تقدم دخول المأمون بابنته بوران، الكلفة التي احتملها والدها، وكان أخوه الفضل وزيراً قبله، وكان الحسن عالي الهمة كثير فعطاء للشعراء وغيرهم، قصده بعض الشعراء وأنشده:
تقول خليلي لما رأيتني ... أشد مطيتي من حلل
أبو الفضل أين ترتحل المطايا ... فقلت نعم إلى الحسن بن سهل
قلت: لقد تناسب لفظ هذا البيت ومعناه، أعني، لفظ سهل، مع سهولة النظم سلاسته، وسهولة الخلق المذكور في نيل المقصود منه، مناسبة هذه السهولة لفظ اسمه، اجتمعت السهولة في ثلاث: في المدح واسم الممدوح وخلقه، فأعطى قائلها المذكور عطاء جزيلاً، وخرج يوماً مع المأمون يشيعه، فلما عزم على مفارقته قال له المأمون: يا أبا محمد ألك حاجة؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، تحفظه علي من قلبك ما لا أستطيع حفظه إلا بك.
وقال بعضهم: حضرت مجلس الحسن بن سهل، وقد كتب لرجل شفاعة، فجعل رجل يشكر، فقال الحسن: يا هذا علام تشكرنا. إنا نريد الشفاعات زكوة مروءتنا، بلغني أن الرجل يسأل في القيامة عن فضل جاهه، كما يسأل عن فضل ماله، ولم يزل على وزارة مأمون إلى أن ثارت عليه المرأة السوداء، لكثرة خدمة أخيه الفضل لما قيل، كما تقدم في ترجمته سنة اثنتين ومائتين.
وفي سنة ست وثلاثين أيضاً توفي هدبة " بالموحدة " ابن خالد العبسي البصري حافظ، قال عبدان: كنا لا نصلي خلف هدبة مما يطول، كان يسبح في الركوع والسجود نيفاً وثلاثين تسبيحة.

سبع وثلاثين ومائتين
فيها غضب المتوكل على أحمد بن أبي دؤاد القاضي وأهله، وصادرهم وأخذ منهم ستة عشر ألف درهم.
وفيها توفي الشيخ الجليل المكرم العارف بالله حاتم الأصم الناطق بالمعارف المواعظ والحكم، المكنى والملقب حين انفجرت فيه ينابيع الحكمة بأبي عبد الرحمن لقمان هذه الأمة. قلت: وقضته في الوعظ مع قاضي الري محمد بن مقاتل مشهورة،
(2/88)

واستحسان الإمام أحمد كلامه، ومدحه له. وإنما سمي الأصم، ولم يكن به صمم، لأن امرأة جاءت تكلمه في شيء، فسمع منها صوتاً، فخجلت، فقال: أسمعيني ما تقولين، فإني أصم، فذهب عنها ما بها نزل من شدة الخجل.
وفيها توفي وثيمة " بفتح الواو وكسر المثلثة وسكون المثناة من تحت وفتح الميم في أخره هاء " ابن موسى الوشاء الفارسي. كان يتخير في الوشي، وصنف كتاباً في أخبار الرقة وذكر فيه القبائل التي ارتدت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والسرايا التي سيرها أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وصورة مقاتلتهم، وما جرى بينهم وبين المسلمين في ذلك، ومن عاد منهم إلى الإسلام، وقتال مانعي الزكاة، وما جرى لخالد بن الوليد المخزومي مع مالك بن نويرة اليربوعي أخي متمم بن نويرة الشاعر صاحب المراثي المشهورة في أخيه مالك، وصورة قتله، وما قاله متمم وغيره من الشعر في ذلك، وهو كتاب جيد يشتمل على فوائد كثيرة. وذكر الواقدي أنه صنف كتاباً في الردة أيضاً، أجاده في ذكر جماعة من أجلاء المؤرخين، وقالوا: كان يتخير في الوشي، وهو نوع من الثياب المعموله من الإبريسم، وبه عرف جماعة منها وثيمة المذكور، وإذا قد ذكرنا مالكاً وأخاه متمماً، فلنذكر نبذة مشتملة من خبرهما.
كان مالك المذكور رجلاً ثرثاً نبيلاً يردف الملوك والإرداف إردافان فإن ردف يركب بعدهم على مركوبهم، وردف بخلفهم في الحكم إذا قاموا من مجالسهم. ومالك المذكور هو الذي يضرب به المثل، فيقال: مرعى ولا كالسعدان، وماء ولا كصداء، وفتى ولا كمالك. كان فارساً شاعراً مطاعاً في قومه، وكان فيه خيلاء وتقدم ذاملة كبيرة، وكان يقال له الحفول، قدم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوم من العرب، وأسلم فولاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم صدقة قومه.
ولما ارتدت العرب بعد موته عليه السلام بمنع الزكاة، كان مالك المذكور في جملتهم، ولما خرج خالد بن الوليد لقتالهم في خلافة أبي بكر رضي الله تعالى عنه، نزل على مالك وهو يقدم قومه بني يربوع وقد أخذ مركوبهم، وتصرف فيها، فكلمه خالد في فقال: أنا آتي الصلاة دون الزكاة، فقال له خالد: أما علمت: الصلاة والزكاة معاً، لا يلب واحد دون أخرى؟. فقال مالك: قد كان صاحبك يقول ذلك، قال خالد: وما تراه لا صاحباً، والله لقد هممت أن أضرب عنقك، ثم تحاولا في الكلام طويلاً، فقال له خالد إني قاتلك، قال أو بذلك أمرك صاحبك. قال: وهذه بعد تلك، والله لأقتلنك.
(2/89)

وكان عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما وأبو قتادة الأنصاري حاضرين، فكلما خالداً في أمره، فكره كلامهما، فقال مالك: يا خالداً بعثنا إلى أبي بكر، فيكون هو الذي يحكم فينا، فقد بعث إليه غيرنا ممن جرمه أكبر من جرمنا، فقال خالد: لا أقالني الله إن لم أقتلك. وتقدم إلى ضرار بن الأزور الأسدي بضرب عنقه، فالتفت مالك إلى زوجته أم متمم، وقال لخالد: هذه التي قتلتني وكانت في غاية الجمال فقال له خالد: بل الله قتلك برجوعك عن الإسلام، فمال مالك: أنا على الإسلام، فقال خالد: لا ضرار اضرب عنقه، فضرب عنقه، وجعل رأسه أثفية لقدر، وكان من أكثر الناس شعراً، وكان القدر على رأسه تطبخ الطعام، وما خلصت النار إلى سواه من كثرة شعره. هكذا قيل، وقبض خالد إمرأته، وقيل إنه اشتراها من الفيء وتزوجها، وقيل: إنها اعتدت بثلاث حيضات، ثم خطبها إلى نفسها فأجابته.
وقال لإبن عمر وأبي قتادة: تحضران النكاح، فأبيا وقال له ابن عمر: تكتب إلى أبي بكر، وتذكر له أمرها، فأبى وتزوجها، فقال في ذلك أبو زهير السعدي أبياتاً، نسب فيها خالداً إلى البغي.
قلت: ومنصب الصحابة منزه عن ذلك، يلتمس لهم أحسن المخارج كما ذكر العلماء في قتال بعضهم بعضاً، وكما سيأتي من إعتذار أبي بكر رضي الله تعالى عنه لخالد في القضية، على ما ذكر بعض المؤرخين. ومن أبيات أبي زهير المذكور:
ألا قل لحي أوطئوا بالسنابك ... تطاول هذا الليل من بعد مالك
قضى خالد بغياً عليه لفرسه ... وكان له فيما هو قبل ذلك
فأمضى خالد غير عاطف ... عنان الهوى عنها ولا متمالك
وأصبح ذا أهل وأصبح مالك ... إلى غير شيء هالك في الهوالك
فمن لليتامى والأرامل بعده ... ومن للرجال المعدمين الصعالك
أصيبت تميم عنها وسميتها ... بفارسها المرجو سحت الحوارك
قلت: قوله: " وكان له في ما هو قبل ذلك ": هكذا هو في الأصل المنقول فيه، والصواب فيك، التفاتا إلى المرأة، لمصبح كسر الكاف من ذلك. والحوارك تطلق على كواهل الخيل.
قالوا: ولما بلغ الخبر أبا بكر وعمر، قال عمر: إن خالداً قد زنى فارجمته قال: ما كنت لأرجمه، فإنه تأول فأخطأ، قال: فإنه قتل مسلماً فاقتله، قال: ما كنت لأقتله به، إنه فأخطأ، قال: فاعز له، قال: ما كنت لأشيم سيفاً سله الله عليهم أبداً. يعني ما كنت
(2/90)

لأغمده. هكذا ذكر هذه الواقعه الواقدي، والله أعلم، وممن رثاه به أخوه متمم قوله:
لقد لامني عند القبور على البكاء ... فبقي لتذراق الدموع السوافك
فقالوا: أتبكي كل قبر رأيته ... لقبر ثوى بين اللوى والدكادك
فقلت له: إن الشجي يبعث الشجى ... فدعني، فهذا كله قبر مالك
قلت: وقد تقدمت الإشارة إلى أن هذه الأبيات يستشهد بها المجنون وأرباب الشجون على أن الشجى يبعث الشجي، وكان قبر كل هالك قبر مالك، وكأن سائر الأشجان، على بابه شجون كل إنسان.

ثمان وثلاثين ومائتين
فيها: أقبلت الروم في البحر في ثلاث مائة مركب واهبة عظيمة، فكبسوا دمياط وسبوا وأحرقوا وأسرعوا الكرة في البحر، فأسروا ست مائة امرأة.
وفيها توفي الإمام عالم المشرق المحدث إسحاق بن راهويه الحنظلي المروزي النيسابوري الحافظ. روي أنه كان يحفظ سبعين ألف حديث، ويذاكر بمائة ألف ألف حديث، وقال: ما سمعت شيئاً قط إلا حفظته، ولا حفظت شيئاً فنسيته، وجمع بين الحديث والفقه والورع.
وذكره الدارقطني فيمن روى عن الشافعي، وعده البيقهي في أصحاب الشافعي، وقد ناظر الشافعي في جواز بيع دور مكة، وقد استوفى، فخر الدين الرازي صورة ذلك المجلس في كتابه " مناقب الشافعي "، فلما عرف إسحاق فضله نسخ كتبه وجميع مصنفاته بمصر.
وقال الإمام أحمد: إسحاق عندنا من أئمه المسلمين، وكان قد رحل إلى الحجاز والعراق واليمن والشام، وسمع من سفيان بن عيينة وطبقته، ومنه سمع البخاري ومسلم والترمذي، وعمر قريباً من ثمانين سنة، ولقب أبوه براهويه، لأنه ولد في طريق مكة، والطريق بالفارسية " راه ويه " معناه: وجده، فكأنه وجده في الطريق.
وفيها توقي أبو علي النيسابوري الحافظ، رحل وأكثر عن أبي بكر بن عياش وابن عيينة وطبقتهما، وعرض عليه قضاء نيسابور، فاختفى، ودعا الله فمات في اليوم الثالث رحمة الله عليه.
وفيها توفي عبد الملك بن حبيب، مفتي الأندلس، مصنف " الواضحة ".
وفيها توفني عبد الرحمن بن الحكم بن هشام صاحب الأندلس، وقد نيف على الستين وكانت أسامه إثنتين وثلاثين سنة وكان محمود السيرة عادلاً جواداً مفضلاً، له نظر
(2/91)

في العقليات، ويهتم بالجهاد، ويقيم للناس الصلاة.
وفيها توفي أبو سعيد يحيى بن سليمان الجعفي الكوفي المقرىء الحافظ، نزيل مصر، وقيل في السنة التي قبلها.

تسع وثلاثين ومائتين
فيها غزا المسلمون حتى شارفوا القسطنطينية، فأغاروا وأحرقوا ألف قرية، وقتلوا وسبوا. وفيها عزل يحيى بن أكثم من القضاء، وصودر،، وأخذ منه ألف دينار، وفيها توفي الحافظ عثمان بن أبي شيبة العبسي الكوفي، وكان أسن من أخيه أبي بكر، رحل وطوف، وصنف التفسير والمسند، وحضر مجلسه ثلاثون ألفاً.

أربعين ومائتين
فيها توفي قاضي القضاة أحمد بن أبي دؤاد " بضم الدال المهملة مكررة في أوله وآخره، والهمزة والمد، بينهما على وزن فواد "، الإيادي عن ثمانين سنة، وكان فصيحاً مفوهاً جواداً ممدحاً، وكان من أصحاب واصل بن عطاء المعتزلي، وهو الذي شغب على، الإمام أحمد بن حنبل، وأفتى بقتله. وكان قد مرض بالفالج قبل موته نحو أربع سنين، ونكب وصودر. وهو أول من افتتح الكلام مع الخلفاء، وكان لا يبدؤهم أحد حتى يبدؤوه.
وقال أبو العيناء: كان ابن أبي دؤاد فصيحاً شاعراً مجيداً بليغاً، وما رأيت رئيساً قط أفصح ولا أنطق منه، وقد ذكره دعبل بن علي الخزاعي في كتابه الذي جمع فيه أسماء الشعراء، وروى له أبياتاً حساناً. وكان يقول: ثلاث ينبغي أن يبخلوا أقدارهم: العلماء وولاة العدل والإخوان. فمن استخفت بالعلماء أهلك دينه، ومن استخف بالولاة أهلك دنياه، ومن استخف بالإخوان أهلك مروءته.
وقال إبراهيم بن الحسن: كنا عند المأمون، فذكروا من بايع من الأنصار ليلة العقبة، واختلفوا في ذلك، ثم دخل. ابن أبي دؤاد فعدهم واحداً واحداً بأسمائهم، وكناهم وأنسابهم، فقال المأمون: إذا استجلس الناس فاضلاً، فمثل أحمد، فقال أحمد: بل إذا جالس العالم خليفة فمثل أمير المؤمنين الذي يفهم، وكان أعلم بما يقوله منه، ومن كلام أحمد:. ليس بكامل من لم يحمل وليه على منبر ولو أنه حارس، وعدوه على جذع ولو أنه وزير.
(2/92)

وقال أبو العيناء: حسد أبو دلف القاسم بن عيسى العجلي، واحتيل عليه حتى شهد عليه بخيانة. وقيل عند أفشين، فأخذه ببعض أسبابه، وجلس له، وأحضر السياف ليقتله. فبلغ ابن أبي دؤاد الخبر، فركب في وقته مع من حضر من عدوله، ودخل على الأفشين، وقد جيء بأبي دلف ليقتل، ثم قال إني رسول أمير المؤمنين إليك، وقد أمرك أن لا تحدث في القاسم بن عيسى حدثاً حتى تسلمه إلي، ثم التفت إلى العدول، وقال: اشهدوا أني قد أديت الرسالة إليه، والقاسم حي معافى، فقالوا: شهدنا، وخرج فلم يقدر الأفشين على أن يحدث فيه مكروهاً، وسار ابن أبي دؤاد إلى المعتصم من وقته وقال: يا أمير المؤمنين، قد أديت عنك رسالة لم تقلها إني ما أعتد بعمل خير خيراً منها، وإني لأرجو لك الجنة بها. ثم أخبره الخبر فصوب رأيه، ووجه من أحضر القاسم، فأطلقه ووهب له، وعنف الأفشين فيما عزم عليه.
وكان المعتصم قد اشتد غيظه على محمد بن الجهم البرمكي، فأمر بضرب عنقه، فلما رأى ابن دؤاد ذلك وأن لا حيلة فيه، وقد شد برأسه وأقيم في النطع، وقد هزله السيف قال: ابن أبي دؤاد للمعتصم: وكيف تأخذ ماله إذا قتلته؟ قال: ومن يحول بيني وبينه؟ قال يأبى الله ذلك، ويأباه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويأباه عدل أمير المؤمنين، فإن المال للوارث، إذا قتلته، حتى تقيم البينة على ما فعله. وأمره بإستخراج ما أختانه أقرب عليك وهو حي، فقال: أجلسوه حتى نناظر، فتأخر أمره على ماله جملة وخلص بحمد الله تعالى.
وذكر الجاحظ أن المعتصم غضب على رجل من أهل الجزيرة، وأحضر السيف والنطع فقال له المعتصم: فعلت وصنعت وأمر بضرب عنقه، فقال له ابن أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين، سبق السيف العدل، فتأن في أمره، فإنه مظلوم، فسكن قليلاً، قال ابن أبي دؤاد: وأرهقني البول فلم أقدر على حبسه، وعلمت أني إن قمت قتل الرجل، فجعلت ثيابي تحتي، وبلت فيها حتى خلصت الرجل، فلما قمت نظر المعتصم إلى ثيابي رطبة فقال: يا أبا عبد الله، كأن تحتك ماء؟ قلت: لا يا أمير المؤمنين، ولكنه كان كذا وكذا، فضحك ودعا لي وقال: أحسنت، بارك الله عليك. قال الراوي: وخلع عليه، وأمر له بمائة ألف درهم.
وقال أحمد بن عبد الرحمن الكلبي: ابن أبي دؤاد روح كله من قرنه إلى قدمه، وقال بعضهم: ما رأيت قط أطوع لأحد من المعتصم لإبن أبي دؤاد، وكان يسأل الشيء فيمتنع منه، ثم يدخل ابن أبي دؤاد، فيكلمه في أهله، وفي أهل الثغور وفي الحرمين وفي أقاصي أهل المشرق والمغرب، فيجيبه إلى كل ما يريد، ولقد كلمه يوماً في مقدار ألف ألف درهم ليحفر بها نهراً في أقاصي خرسان فقال له: ونا علي من هذا النهر؟ فقال: يا أمير
(2/93)

المؤمنين، إن الله تعالى يسألك عن النظر في أقصى رعيتك كما يسألك عن النظر في أدناها، ولم يزل يرفق به حتى أطلقها.
وقال الحسين بن الضحاك الشاعر المشهور لبعض المتكلمين: ابن أبي دؤاد عندنا لا يعرف اللغة، وعندكم لا يحسن الكلام، وعند الفقهاء لا يدري الفقه، وهو عند المعتصم يعرف هذا كله.
وكان إبتداء أمر ابن أبي دؤاد بالمأمون أنه قال: كنت أحضر مجلس القاضي يحيى بن أكثم مع الفقهاء، وكنت عنده يوماً إذ جاء رسول المأمون وقال له: يقول لك أمير المؤمنين، إلينا أنت وجميع من معك من أصحابك. فلم يحب أن أحضر معه، ولم يستطع أن يؤخرني، فحضرت مع القوم، فتكلمت بحضرة المأمون، فأقبل المأمون ينظر إلي إذا شرعت الكلام، ويتفهم ما أقول، ويستحسنه، ثم قال لي: من تكون؟ فانتسبت له، فقال: ما أخرك عنا؟ فكرهت أن أحيل على يحيى، فقلت: حبس القدر وبلوغ الكتاب أجله. فقال: لا أعلمن يكون لنا مجلس إلا حضرته، قلت: نعم يا أمير المؤمنين، ثم اتصل الأمر.
وقيل: قدم يحيى بن أكثم قاضياً على البصرة من خراسان من قبل المأمون في آخر سنة
ومائتين وهو حدث، سنة نيف وعشرون سنة، فاستصحب جماعة من أهل العلم والمروءات منهم: ابن أبي دؤاد، فلما قدم المأمون بغداد في سنة أربع ومائتين قال ليحيى بن أكثم: اختر لي من أصحابك جماعة ليجالسونني، فاختار منهم عشرين، معهم ابن أبي داود. ثم قال اختر منهم خمسة فيهم ابن أبي دؤاد، واتصل أمره وأسند المأمون وصيته الموت إلى أخيه المعتصم، وقال فيها: وأبو عبد الله أحمد بن أبي دؤاد لا يفارقك، في المشورة في كل أمر، فإنه موضع ذلك، ولا تتخذن بعدي وزيراً. ولما ولي المعتصم الخلافة جعل ابن أبي دؤاد قاضي القضاة، وعزل يحيى بن أكثم، وخص به أحمد، كان لا يفعل فعلاً باطناً ولا ظاهراً إلا برأيه، وامتحن ابن أبي دؤاد الإمام وألزمه، وأطلق القول بخلق القرآن الكريم، وذلك في شهر رمضان من سنة عشرين ومائتين. قلت: في الأصل المنقول منه " ألزم الإمام وأطلق " وكأنه يعني الإمام أحمد ومعلوم أن الإمام أحمد لم يلتزم ذلك، ولا وافق عليه مع ما ناله من المكروه والضرر كما سيأتي في ترجمته.
ولما مات المعتصم وتولى بعده الواثق بالله حسنت حال ابن أبي دؤاد عنده، ولما مات وتولي أخوه المتوكل فلج ابن أبي دؤاد يعني، أصابه المرض المعروف بالفالج،، وذهب شقه الأيمن، فقلد المتوكل ولده محمد بن أحمد القضاء مكانه، ثم عزل محمد بن أحمد عن المظالم، وقلد يحيى بن أكثم، وكان الواثق قد أمر أن لا يرى أحد من الناس الوزير محمد بن عبد الملك الزيات إلا قام له، وكان ابن أبي دؤاد إذا رآه قام واستقبل القبلة
(2/94)

يصلي فقال ابن الزيات.
صلى الضحى لما استقاد عداوتي ... ولذا ينسك بعدها ويصوم
لا تعد من عداوة مسمومة ... تركتك تقعد تارة وتقوم
ومدح ابن أبي دؤاد جماعة من شعراء عصره قال الراوي: رأيت أبا تمام الطائي عند ابن أبي دؤاد، ومعه رجل ينشد عنده قصيدة منها:
لقد أنست مساوىء كل دهر ... محاسن أحمد بن أبي دؤاد
وما سافرت في الآفاق إلا ... ومن جدواك راحلتي وزادي
ودخل أبو تمام عليه يوماً، وقد طالت الأيام في الوقوف ببابه، ولا يصل إليه، فعتب عليه مع بعض أصحابه فقال له ابن أبي دؤاد: أحسبك عاتباً يا أبا تمام، فقال، إنما يعتب على واحد، وأنت الناس، فكيف يعتب عليك؟ فقال له: من أين لك هذا يا أبا تمام. فقال: من قول الحاذق، يعني أبا نؤاس للفضل بن الربيع.
وليس من الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
ولما ولي ابن أبي دؤاد المظالم قال أبو تمام يتظلم إليه قصيدة من جملتها:
إذا أنت ضيعت القريض وأهله ... فلا عجب أن ضيعته الأعاجم
فقد هز عطفيه القريض ترفعاً ... بعدلك مذ صارت إليك المظالم
ولولا خلا فيها الشعر ما درى ... نعاه العلى من أين تؤتى المكارم
ومدحه أبو تمام أيضاً بقصيدة، ما ألطف وأبدع وأبلغ وأبرع قوله فيها:
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار في ما جاورت ... ما كان يعرف طيب نشر العود
قلت: ومما يناسب هذا المعنى ما حصل لعائشة رضي الله تعالى عنها من الشرف الأسنى والمجد المقيم، بما أنزل الله تعالى في براءتها من القرآن الكريم، لما تكلم فيها ما بين حاسد أثيم ومخطىء للصواب عديم، ومتوعد بعذاب عظيم، ومدحه بعض الشعراء بأبيات من جملتها:
لقد حازت نزار كل مجد ... ومكرمة على رغم الأعادي
فقل للفاخرين على نزار ... ومنهم خندف وبنو إياد
رسول الله والخلفاء منا ... ومنا أحمد بن أبي دؤاد
(2/95)

ولما سمع هذا الشعر أبو هفان قال:
فقل للفاخرين على تزار ... وهم في الأرض ساداة العباد
رسول الله والخلفاء منا ... وتبرا من دعا لبني إياد
وما منا إياد إن أفوت ... بدعوة أحمد بن أبي دؤاد
فقال ابن أبي دؤاد: ما بلغ مني أحد ما بلغ مني هذا الغلام، لولا أني أكره أن أنبه عليه لعاقبته عقاباً لم يعاقب أحد بمثله، جاء إلى منقبة كانت لي فنقضها عروة عروة، قلت قوله: كره أن الله عليه، يعني: إذا عاقبت لعاقبته عقاباً لم يعاقب به الناس لقوله الذي ذمني فيه، وكان بين ابن أبي دؤاد وبين الوزير مناقشات وشحناء، فمنع الوزير بعض أصحاب القاضي المذكور من التردد إليه، فبلغ ذلك القاضي، فجاء إلى الوزير وقال: ما أتيتك متكثراً بك من قلة، ولا متعززاً من زلة، ولكن أمير المؤمنين رتبك رتبة أوجبت لقاءك، فإن لقيناك فله، وإن تأخرنا عنك فلك، ثم نهض من عنده " وهجا " بعض الشعراء الوزير ابن الزيات بقصيدة، عدد أبياتها سبعون، فبلغ خبرها القاضي ابن أبي دؤاد فقال:
أحسن من سبعين بيتاً هجا ... جمعك معناهن في بيت
ما أحوج الملك إلى قطرة ... تغسل عنه وضر الزيت
فبلغ ابن الزيات ذلك فقال:
يا ذا الذي يطمع في هجونا ... عرضت بي نفسك للموت
الزيت لا يزري بأحسابنا ... أحسابنا معروفة البيت
قبرتم الملك فلم تنقه ... حتى غسلنا القار بالزيت
واستمر ولد القاضي المذكور في مكانه لما فلج حتى سخط المتوكل على القاضي أحمد المذكور وولده محمد في سنة سبع وثلاثين ومائتين، فصرفه عن المظالم، ثم عن القضاء، وأخذ من ولده مائة ألف وعشرين ألف دينار، وجواهر بأربعين ألف دينار، وقيل: صالح على ضياعه وضياع أبيه بألف ألف دينار، وستره إلى بغداد وفوض القضاء إلى يحيى بن أكثم، قال أبو بكر بن دريد: كان ابن أبي دؤاد متألفاً لأهل الأدب من أي بلد كانوا وقد ضم منهم جماعة يعولهم ويمونهم، فلما مات حضر ببابه جماعة منهم، وقالوا: يدفن من كان على ساقة الكرم، وتاريخ الأدب، ولا يتكلم فيه إن هذا وهن وتقصير، فلما طلع سريره قام إليه ثلاثة منهم فقال أحدهم:
(2/96)

اليوم مات نظام الملك والسنن ... ومات من كان يسعد على الزمن
وأظلمت سبل الأدب إذا حجبت ... شمس المكارم في غيم من الكفن
وتقدم الثاني فقال:
ترك المنابر والسرير تواضعاً ... وله منابر لو يسافر وسرير
وله المحامد، ولغيره يجبى الخراج ... وإنما يجبى إليه محامد وسرير
وتقدم الثالث فقال:
وليس فتيق المسك ريح حنوطه ... ولكنه ذاك الثناء المخلف
وليس صرير العرش ما تسمعونه ... ولكنه أصلاب قوم تقصف
قلت: ومحاسنه كثيرة، ومناقبه شهيرة، سارت بها الركبان، لولا ما صدر عنه عن الإمتحان بخلق القرآن.
وفي السنة المذكورة توفي في الفقيه الإمام أحد العلماء الأعلام أبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي البغدادي، تفقه بالشافعي، وسمع من ابن عيينة وغيره، وبرع في العلم، ولم يقلد أحداً، قال أحمد بن حنبل: هو عندي في مسلاخ سفيان الثوري، أعرفه بالسنة منذ خمسين سنة في تصنيفه في الأحكام بين الحديث والفقه، وكان أول اشتغاله في مذهب أهل الرأي حتى قدم الشافعي العراق فاختلف إليه واتبعه ورفض مذهبه الأول.
وقال له محمد بن الحسن يوماً: يا أبا ثور، حسبت هذا الحجازي قد غلبنا عليك، فقال: أجل، الحق معه، ولم يزل مائلاً إلى مذهب الشافعي إلى أن توفي.
وفي السنة المذكورة توفي الحسن بن عيسى النيسابوري، وكان ورعاً دينا أسلم على يد ابن المبارك، وسمع الكثير منه ومن ابن الأحوص وطائفة، ولما مر ببغداد حدث بها، وعدوا في مجلسه اثني عشر ألف محبرة.
وفيها توفي أبو العميثل " بفتح العين والميم والمثلثة وسكون المثناة من تحت قبل المثلثة " عبد الله بن خليل مولى جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس، كان يعجم الكلام ويعربه، وكان كاتب عبد الله بن طاهر وشاعره، وكاتب أبيه طاهر من قبله، وكان مكثراً من ثقل اللغة، عارفاً بها شاعراً مجيداً، ومن شعره في عبد الله بن طاهر قوله:
يا من يحاول أن يكون صفاته ... كصفات عبد الله أنصت وأسمع
فلقد نصحتك في المشورة والذي ... حج الحجيج إليه فاسمع أودع
(2/97)

أصدق وعن وبر واصبر واحتمل ... واصفح وكاف ودار واحلم واسجع
والطيف ولن وتأن وارفق وابتد ... واحرم وجد رجام واحمل وارفع
ولقد محضتك إن قبلت نصيحتي ... وهديت للنهج الأسد المهيع
قلت: وعدد كلمات بيته الثالث والرابع كل واحد عشر كلمات، ولي بيت جمعت فيه اثنتي عشرة كلمة في مخاطبة الله عز وجل بالدعاء. وهو قولي في بعض القصائد:
وسبحانك اللهم يا سامع الدعاء ... ويا منقذ الهلكى ويا راحم الورى
أقل واسترا جبروا رفق ارزق وعاف واهدهوالطف تجاوز واعطف وارحم لنا اغفرا والألف التي بعد الراء من " اغفر "، أبدل من نون التأكيد أي اغفرن، ولما حجب أبو العميثل عن الدخول على عبد الله المذكور، وقد وصل إلى بابه قال:
سأترك هذا الباب ما دام إذنه ... على ما أرى حتى يخف قليلاً
إذا لم أجد يوماً إلى الإذن سلما ... وجدت إلى ترك اللقاء سبيلاً
فبلغ ذلك عبد الله، فأمر بدخوله، وكان أبو العميثل يقول: النعمان اسم من أسماء الدم، ولذلك قيل شقائق النعمان نسبت إلى الدم لحمرتها. قال: وقولهم إنها منسوبة إلى النعمان بن المنذر ليس بشيء. وقال ابن قتيبة: إن النعمان بن المنذر، وهو آخر ملوك الحيرة من الحمير، خرج إلى ظهر الكوفة، وقد اعتم بناته من بين أصفر وأحمر وأخضر، وإذا فيه من الشقائق شيء كثير، فقال: ما أحسنها، إحموها فحموها، فسمي شقائق النعمان، وكذا اذكر الجوهري أنها منسوبة إلى النعمان.
ويحكى أن أبا تمام الطائي لما أنشد عبد الله بن طاهر قصيدة مدحه بها، كان أبو العميثل حاضراً فقال: يا أبا تمام، لم لا تقول ما يفهم؟ فقال: يا أبا العميثل: لم لا تفهم ما يقال؟ وقبل يوماً كف عبد الله بن طاهر فاستخشن شاربه فقال أبو العميثل في الحال: شوك القنفذ لا يؤلم كف الأسد فأعجبه كلامه، وأمر له بجائزة سنية، وصنف كتباً منها " ما اتفق لفظه واختلف معناه "، و " كتاب التشابه "، و " كتاب الأبيات السائرة "، و " كتاب معاني شعر ".
وفيها توفي مفتي القيروان وقاضيه أبو سعيد عبد السلام بن سعيد، المعروف بسحنون المغربي المالكي، صاحب المدونة، والمدونة أصلها مسائل أخذها عن ابن قاسم، وكانت غير مرتبة، فرتب سحنون أكثرها وبوبها على ترتيب التصانيف، واحتج لبعض مسائلها بالآثار، وأول من شرع في جمع المدونة أسد بن الفرات الفقيه المالكي بعد رجوعه من العراق من أسئلة سأل عنها ابن القاسم، وكتبها عنه سحنون، ثم رحل بها إلى ابن
(2/98)

القاسم، فعرضها عليه، فاصلح فيها مسائل وحررها، ثم رجع بها إلى القيروان، وعلى نسخته يعتمدون. ولقب سحنوناً باسم طائر وحديد في المغرب يسمونه بذلك لحدة ذهنه وذكائه، أخذ عن أبي القاسم وابن وهب وأشهب.
وفيها توفي عبد العزيز بن يحيى الكناني المكي صاحب " كتاب الجيدة " سمع من سفيان بن عيينة، وناظر بشر المريسي فقطعه، وهو معدود من أصحاب الشافعي.

إحدى وأربعين ومائتين
فيها توفي إمام المحدثين في عصره السيد الكبير فريد دهره، ذو العلم والعمل والحق والتحقيق والزهد الصادق والورع الدقيق، المعظم المبجل أحمد بن حنبل الشيباني المروزي الأصل رضي الله تعالى عنه خرج من جماعة من الكبار، ورحل إلى اليمن وسمع من الإمام الحافظ عبد الرزاق في صنعاء، والإمام إبراهيم بن الحكم في عدن وغيرهما من شيوخ اليمن. وقيل: كان يحفظ ألف ألف حديث، وكان من أصحاب الإمام الشافعي وخواضه والمحبين له والمعتقدين فضله والمعظمين قدره والمبجلين محله. وقد تقدم في ترجمة الشافعي الإشارة إلى تفخيم الإمام أحمد له.
وكذلك كان الشافعي يفخمه، ولما ارتحل إلى مصر قال في حقه: خرجت من بغداد، وما خلفت بها أتقى ولا أفقه من ابن حنبل، ودعي بعد وفاة الشافعي لست عشرة سنة إلى خلق القرآن فلم يجب، وضرب فصبر مصراً على الإمتناع، وكان ضربه في العشر الأخير من شهر رمضان سنة عشرين ومائتين، أخذ عنه الحديث جماعة من الأماثل، منهم الإمامان الحافظان قدوتا المحدثين، محمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج النيسابوري، ولد سنة أربع وستين ومائة " وتوفي " ضحى نهار الجمعة لثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، وقيل: بل لثلاث عشرة بقين من الشهر المذكور، وقيل من ربيع الآخر، ودفن بمقبرة باب حرب، وقبره مشهور يزار رحمة الله عليه، وحزر من حضر جنازته من الرجال فكانوا ثمان مائة ألف، ومن النساء ستين ألفاً، وقيل: إنه أسلم يوم مات عشرون ألفاً من اليهود والنصارى والمجوس.
قلت: فإن صح ذلك فإسلامهم يحتمل سببين: أحدهما: أن يكون ذلك لكثرة من رأوا من الخلائق مجتمعين على فضله وتعظيمه والصلاة عليه والأسف على فراقه.
والثاني: أن يكون بعضهم رأى آية، كما رأى بعض اليهود في جنازة سهل بن عبد الله، وهي أنه لما نظر إلى جنازته قال: أترون ما أرى. قالوا: وما ترى؟ قال: أرى أقواماً ينزلون،
(2/99)

من السماء يتبركون بالجنازة، ثم أسلم وحسن إسلامه.
وحكي أن إبراهيم الحربي قال: رأيت بشر بن الحارث الحافي في المنام كأنه خرج من مسجد الرصافة، وفي كمه شيء يتحرك، فقلت: ما فعل الله بك. فقال: غفر لي وأكرمني، فقلت: ما هذا الذي في كمك. فقال: قدم علينا روح أحمد بن حنبل فنثر عليه الدر والياقوت، فهذا مما التقطته. قلت: فما فعل يحيى بن معين وفلان سماه من أئمة الحديث. قال: تركتهما، وقد زارا رب العالمين، ووضعت لهما الموائد. قلت: فلم لم تأكل معهما أنت؟ قال: قد عرفت هوان الطعام علي، فأباحني النظر إلى وجهه الكريم، وكان رضي الله تعالى عنه حسن الوجه، ربعة يخضب بالحناء خضاباً ليس بالثاني، وفي لحيته شعرات سود قد جاوز سبعاً وسبعين سنة، وقد جمع ابن الجوزي أخباره في مجلد، ذلك البيهقي والهروي.
ومن مناقبه أيضاً ما ذكر بعض العلماء في مناقب الإمام الشافعي عن الربيع قال: لما خرج الشافعي إلى مصر وأنا معه كتب كتابأ وقال: يا ربيع، خذ كتابي هذا، وامض به إلى عبد الله أحمد بن حنبل، وأتني بالجواب. قال الربيع: فدخلت بغداد ومعي الكتاب فلقيت أحمد بن حنبل في صلاة الصبح، فصليت معه، فلما انتقل من المحراب سلمت إليه شاب وقلت: هذا كتاب الشافعي من مصر، فقال أحمد: نظرت فيه؟ قلت: لا، فكسر الختم وقرأ الكتاب فتغرغرت عيناه بالدموع فقلت له: إيش فيه؟. فقال: يذكر أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال له: أكتب إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل، واقرأ عليه السلام وقل له: إنك ستمتحن وتدعي للقول بخلق القرآن، فلا تجبهم، فسترفع لك علم إلى يوم القيامة. قال الربيع: فقلت: البشارة فخلع قميصه الذي يلي جلده ودفعه إلي، وأخذت جواب الكتاب، وخرجت إلى مصر فسلمت الكتاب للشافعي وقال: يا ربيع، إيش الذي دفع إليك. قلت: القميص الذي يلي جلده، فقال الشافعي: لا نفجعك به، ولكن بله، وادفع إلي الماء حتى أكون شريكاً لك فيه.
وفيها توفي الإمام أبو علي الحسن بن حماد الحضرمي البغدادي، والحافظ أبو قدامة عبد الله بن سعيد رحمهم الله تعالى.

اثنتين وأربعين ومائتين
فيها توفي القاضي أبو حسان الزيادي الحسن بن علي بن عثمان، وكان إماماً ثقة، إخبارياً. مصنفاً كثير الإطلاع. وفيها توفي الإمام الرباني أبو الحسن محمد بن أسلم الطوسي الزاهد صاحب المسند في صاحب المسند والأربعين، وكان يشبه في وقته بابن المبارك. رحل وسمع من
(2/100)

يزيد بن هارون وجعفر بن عون وطبقتهما، وروى عنه إمام الأئمة المعروف بابن خزيمة. وقال: لم تر عيناي مثله، وقال غيره: يعد من الإبدال رحمة الله عليه.
وفيها توفي الفقيه العلامة المفخم القاضي المشهور يحيى بن أكثم " بالمثلثة " التميمي. كان فقيهاً بارعاً عالماً بصيراً بالأحكام، سالماً من انتحال البدعة، قائماً بكل معضلة، غلب على المأمون حتى أخذ بمجامع قلبه، فقلده القضاء وتدبير مملكته، وكانت الوزراء لا تعمل شيئاً إلا بعد مطالعته، كذا قال طلحة الشاهد، وقال غيره: جعل المتوكل يحيى في مرتبة ابن أبي دؤاد، ثم غضب عليه، وقال أبو حاتم فيه نظر، قلت: وقد تقدم في ترجمة ابن أبي دؤاد أنه قال: كان ابتداء اتصالي بالمأمون أني كنت أحضر مجلس يحيى بن أكثم مع الفقهاء، وأنا عنده يوماً إذ جاء رسول المأمون فقال له: يقول لك أمير المؤمنين: أنتقل إلينا أنت وجميع من معك من أصحابك. قال: فلم يحدث أن أحضر معه، ولم يستطع أن يؤخرني، فحضرت مع القوم، فتكلمت بحضرة المأمون، فأقبل المأمون ينظر إلي إلى آخر كلامه المتقدم.
ومنه أنه لما ولي المعتصم الخلافة جعل ابن أبي دؤاد قاضي القضاة، وعزل يحيى بن أكثم، وأنه سخط المتوكل على القاضي ابن أبي دؤاد وولده وصادرهما، وفوض القضاء إلى يحيى بن أكثم على ما ذكره ابن خفكان في تاريخه، وهو واضح في تقدم يحيى بن أكثم بولايته القضاء في زمن المأمون، ثم عزله بابن أبي دؤاد في زمن المعتصم، ثم عزل ابن أبي دؤاد، ابنه بابن أكثم في زمن المتوكل، وكل ذلك ظاهر على ما تقدم والله أعلم.
رجعنا إلى ذكر ابن أكثم. قال طلحة بن محمد المذكور: ولا نعلم أحداً غلب على سلطانه في زمانه إلا يحيى بن أكثم، وأحمد بن أبي دؤاد وسئل رجل من البلغاء عنهما ليهما لنبل فقال: كان أحمد يجد مع جاريته وابنته ويحيى، ويهزل مع خصيمه وعدوه، وكان يحيى سليماً من البلدة، وينتحل مذهب أهل السنة، بخلاف ابن أبي دؤاد في إعتقاده وتعصبه للمعتزلة.
وذكر الفقيه أبو الفضل عبد العزيز بن علي في " كتاب الفرائض " في آخر المسائل الملقبات، وهي أربع عشرة المعروفة بالمأمونية التي هي: أبوان وابنتان، ولم يقسم التركة حتى ماتت إحدى البنتين، وخلفت من المسألة، الأولى سميت المأمونية لأن المأمون أراد أن يولي رجلاً على القضاء، فوصف له يحيى بن أكثم، فاستحضره، فلما دخل عليه وكان ذميم الخلق استحقره المأمون، فعلم ذلك يحيى فقال: يا أمير المؤمنين سلني إن كان القصد علمي لا خلقي، فسأله عن هذه المسألة فقال: الميت الأول رجل أو امرأة، فعلم المأمون أنه قد علم المسألة. وفي رواية أنه قال له: إذا عرفت الميت الأول فقد عرفت
(2/101)

الجواب، وذلك أنه إن كان الميت الأول رجلاً فيصح المسألتان من أربعة وخمسين، وإن كان امرأة لم يرث الجد في المسألة الثانية، لأنه أب وأم، فتصبح المسألتان من ثمانية عشر سهماً. قال بعضهم، كان المأمون ممن برع في العلوم، فعرف من حال يحيى بن أكثم وما هو عليه من العلم والعقل.
وذكر الخطيب في تاريخ بغداد أن يحيى بن أكثم ولي قضاء البصرة وسنه عشرون سنة أو نحوها، فاستصغره أهل البصرة فقالوا: كم سن القاضي. فعلم أنه قد استضغر، فقال: أنا أكبر من عتاب بن أسيد الذي وجه به، أو قال: وجهه النبي صلى الله عليه وآله وسلم قاضياً على أهل مكة يوم الفتح، وأنا أكبر من معاذ بن جبل الذي وجه به النبي صلى الله عليه وآله وسلم قاضياً على أهل اليمن، وأنا أكبر من كعب بن سور " بضم السين المهملة " الذي وجهه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قاضياً على أهل البصرة فجعل جوابه احتجاجاً.
قلت: وقد روي أيضاً أنه كان سنة ثماني عشرة سنة، فقال: سني سن عتاب بن أسيد حين ولآه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على مكة ثمان عشر سنة، وكانت ولاية يحيى ابن أكثم على قضاء البصرة بعد إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة سنة اثنتين ومائتين.
وروى محمد بن منصور قال: كنا مع المأمون في طريق الشام، فأمر فنودي بتحليل المتعة، فقال يحيى بن أكثم لي ولأبي العيناء: بكراً غداً إليه. فإن رأيتما للقول وجهاً فقولا، وإلا فاسكتا إلى أن أدخل، قال: فدخلنا إليه وهو يستاك ويقول وهو مغتاظ: متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وعلى عهد أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وأنا أنهي عنهما، ومن أنت يا جعل حتى أنتهي عما فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو أبو بكر. قال محمد بن منصور وأومى أبو العيناء إلي إذا كان هذا القول يقوله في عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فكيف نكلمه نحن؟. فسكتنا حتى جاء يحيى بن أكثم فجلس وجلسنا. فقال المأمون ليحيى: ما لي أراك متغيراً فقال: يا أمير المؤمنين، لما حدث في الإسلام، قال: ما حدث في الإسلام؟ قال: النداء بتحليل الزنا. قال: نعم المتعة زنا، قال: ومن أين قلت هذا؟ قال: من كتاب الله تعالى وحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال الله تعالى: " قد أفلح المؤمنون "، إلى قوله: " والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون " " المؤمنون ا - 17 " يا أمير المؤمنين: زوجة المتعة ملك اليمين؟. قال: لا، قال: فهي الزوجة التي عند الله ترث وتورث، ويلحق منها الولد، ولها شرائطها. قال: لا؟ قال فقد صار متجاوز هذين من العادين. وهذا الزهري يا أمير المؤمنين روى عن عبد الله والحسن ابني محمد ابن الحنفية عن أبيهما عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم، قال: أمرني
(2/102)

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أنادي بالنهي عن المتعة وتحريمها، بعد أن كان قد أمر بها، فالتفت إلينا المأمون وقال: أمحفوظ هذا من حديث الزهري. فقلنا: نعم، يا أمير المؤمنين، رواه جماعة منهم، مالك بن أنس فقال: أستغفر الله، بادروا بتحريم المتعة فبادروا بها.
وقال أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل الأزدي القاضي الفقيه المالكي البصري، وقد ذكر يحيى بن أكثم فعظم أمره وقال: كان له يوماً لم يكن لأحد مثله، وذكر هذا اليوم، وكانت كتب يحيى في الفقه " أجل كتب، فتركها الناس لطولها، وله كتب في الأصول، وله كتاب أورده على العراقيين وبينه وبين داود بن علي مناظرات كثيرة ".
قالوا: وكان يحيى من أدهى الناس وأخبرهم بالأمور قال يوماً وزير المأمون أحمد بن أبي خالد وهو واقف بين يدي المأمون وابن أكثم معه على طرف السرير يا أمير المؤمنين، إن القاضي يحيى صديقي، ومن أثق به في جميع أمري، وقد تغير عما عهدته منه، فقال المأمون: يا يحيى، إن فساد أمر الملوك بفساد خاصتهم، وما بعد لكما عندي عهد، فما هذه الوحشة فيكما؟. فقال له يحيى: يا أمير المؤمنين، والله إنه ليعلم أني له على أكثر مما وصف، ولكنه لما رأى منزلتي منك هذه المنزلة حتى خشي أن أتغير عليه يوماً فأقدح فيه عندك. فأحدث أن يقول لك هذا ليأمن مني، وإنه لو بلغ نهاية مساوىء، ما ذكرته بسوء عندك أبداً. فقال المأمون: أكذلك هو يا أحمد؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، فقال. نستعين الله عليكما، فما رأيت أتم دهاء ولا أعظم فتنة منكما. وكان يحيى إذا نظر إلى رجل يحفظ الفقه سأله عن حديث، وإذا رآه يحفظ الحديث سأله عن النحو، وإذا رآه يعرف النحو سأله عن الكلام ليقطعه.
وذكر الخطيب في تاريخه أنه ذكر لأحمد بن حنبل رضي الله عنه ما يرمي الناس به يحيى بن أكثم، وينسبونه إليه من الهنات فقال: سبحان الله من يقول هذا أنكر ذلك إنكاراً شديداً.
وذكر الخطيب أيضاً أن المأمون قال ليحيى المذكور: من الذي يقول:
قاضي يرى الحد في الزنا ... ولا يرى على من يلوط من بأس
قال: أو ما تعرف يا أمير المؤمنين. قال: لا، قال: يقوله أحمد بن أبي نعيم الذي يقول:
لا أحسب الجور ينقضي ... وعلى الأمة وال من آل عباس
(2/103)

قال: فاقحم المأمون خجلاً وقال: ينبغي أن ينفى أحمد بن أبي نعيم إلى السند. وهذان البيتان من جملة أبيات له منها قوله:
لا أفلحت أمة، وحق لها ... يطول مكس، وطوله أنعاس
ترضى بيحيى يكون سائسها ... وليس يحيى لها بسواس
ومما يناسب إنشاد المأمون البيت المذكور وجواب ابن أكثم بالبيت المقحم له، ما يحكى أن معاوية بن أبي سفيان لما اشتد مرض موته، وحصل اليأس منه، دخل عليه بعض ذرية علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يعوده فوجده قد استند جالساً متجلداً، ثم ضعف عن القعود، فاضطجع وأنشد:
وتجلدي للشامتين أريهم ... أني لريب الدهر لا أتضعضع
فأنشد العلوي عند ذلك:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... الفيت كل تميمة لا تنفع
فتعجب الحاضرون من جوابه. وهذان البيتان من جملة قصيدة طويلة لأبي ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي، يرثي بها بنيه، وكان قد هلك له خمس بنين في عام واحد بالطاعون في طريق مصر، وقيل في طريق إفريقية، وقيل في طريق المغرب، ثم هلك هو بعدهم.
ومما يناسب الجواب المذكور، ما يحكى أن بعض الشعراء وهو عبد الله بن إبراهيم المعروف بابن المؤدب القيرواني امتدح ثقة الدولة بقصيدة رجا فيها صلته فلم يصله بشيء يرضيه، وكان قد بلغ ثقة الدولة عنه شيء، فلم يزل يرسل الطلب بعد حتى ظفر به فقال له: ما الذي بلغني عنك. قال: المحال، أيد الله الأمير. فقال: من هو الذي يقول في شعره: " فالحر ممتحن بأولاد الزنا "؟ فقال: هو الذي يقول: " وعداوة الشعراء بئس المقتنى "، فتسمر ساعة، ثم أمر له بشيء، وأخرجه من المدينة كراهية أن تثور عليه نفسه فيعاقبه، بعد أن عفا عنه، فخرج منها. وهذا المستشهد به عجزا البيتين من شعر المتنبي في قصيدة مدح بها ابن عمار. وصدر الأول منهما:
وإنه المسير عليك في نصلة ... فالحر ممتحن بأولاد الزنا
وصدر الثاني:
ومكائد السفهاء واقعة بهم ... وعداوة الشعر بئس المقتنى
رجعنا إلى ذكر القاضي يحيى بن أكثم ولما توتجه المأمون إلى مصر في سنة
(2/104)

خمس عشرة ومائتين، وكان معه القاضي يحيى، فولاه قضاء مصر، فحكم بها ثلاثة أيام، ثم خرج مع المأمون.
وروي عن يحيى أنه قال: اختصم إلي في " الرصافة " الجد الخامس يطلب ميراث ابن ابن ابن ابنه. قلت: ومثل هذا، وجد عندنا في يافع من بلاد اليمن، حتى كان يقول الإبن السافل: يا جد أجب جدك، وكان بعض الشعراء يتردد إليه ويغشى مجلسه، وكان بعض الأحيان لا يقدر على الوصول إليه، إلا بعد مشقة ومذلة يقاسيها، فانقطع عنه، فلامته زوجته في ذلك مراراً فأنشدها:
تكلفني إذلال نفسي لغيرها ... وكان عليها أن أهان لتكرما
تقول سل المعروف يحيى بن أكثم ... فقلت: سليه رب يحيى بن أكثما
ولم يزل الأحوال تختلف على ابن أكثم وتتقلب به الأيام إلى أن عزل محمد بن القاضي أحمد بن أبي دؤاد عن القضاء في أيام المتوكل، فولي ابن أكثم كما تقدم، وخلع عليه خمس خلع، ثم عزله وولي في رتبته جعفر بن عبد الواحد الهاشمي. فجاء كاتبه إلى القاضي يحيى فقال: سلم الديوان، فقال: شاهدان عادلان على أمير المؤمنين أنه أمرني بذلك، فأخذ الديوان منه قهراً، وغضب عليه المتوكل، فأمر بقبض أملاكه، وألزم بيته، ثم حج وحمل أخته معه، وعزم على أن يجاور، فلما اتصل به رجوع المتوكل له رجع يريد العراق، فلما وصل إلى الربذة توفي بها يوم الجمعة منتصف ذي الحجة من السنة المذكورة، وقيل في غيره سنة ثلاث وأربعين، ودفن هناك.
وحكى أبو عبد الله بن سعيد قال: كان يحيى بن أكثم القاضي صديقاً لي، وكان يودني وأوده، وكنت أشتهي أن أراه في المنام بعد موته، فأقول له: ما فعل الله بك. فرأيته ليلة، فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي إلا أنه وبخني، ثم قال لي: يا يحيى، خلطت علي في دار الدنيا، فقلت: يا رب إتكلت على حديث حدثني به أبو معاوية الضرير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنك قلت: إني لأستحيي أن أعذب ذا شيبة بالنار، فقال: قد عفوت عنك يا يحيى، وصدق نبيي، إلا أنك خلطت علي في دار الدنيا. ذكر كذلك الأستاذ أبو القاسم القشيري في رسالته.
قلت: ومما يناسب هذه الحكاية أو يقرب منها أنه توفي شيخ كان عندنا في بلاد اليمن وكيلاً على باب القاضي في عدن. فلما توفي راه بعض الناس في المنام، فقال له: ما فعل الله بك. قال: أوقفني بين يديه وقال: يا شيخ السوء جئتني بموبقات الذنوب، أو قال
(2/105)

بالذنوب الموبقات، فقال: قلت: يا رب، ما هكذا بلغني عنك. قال: وما الذي بلغك عني؟ قلت: العفو والكرم، قال: صدقت، أدخلوه الجنة أو كما قال.
ولما ذكرت هذه الحكاية عند ولد له وكيل أيضاً في الخصومات قال: نعم وهو وكيل ما يعجزه الجواب يعني أباه ما أجاب به. قلت: وكلامه هذا، إن كان مزاحاً فهو قبيح، وإن كان جداً فباطل غير صحيح، لأن الثبات في الآخرة ليس إلا بتوفيق الله، وما ينعم به من نوال لا بفصاحة اللسان وما يعرفه الإنسان في الدنيا من الجدال. نعوذ بالله من الإغترار والزيغ والضلال.

ثلاث وأربعين ومائتين
فيها توفي الشيخ الكبير العارف معدن الأسرار والحكم والمعارف وإمام الطريقة ولسان الحقيقة الحارث بن أسد المحاسبي " بضم الميم " البصري الأصل، ممن اجتمع له علم الظاهر والباطن، والفضائل الفاخرة، وجميل المحاسن. وله تصانيف في السلوك والمواعظ والأصول. ومن كتبه المشهورة النفيسة " كتاب الرعاية "، ومن دقيق ورعه أنه ورث من أبيه سبعين ألف درهم، فلم يأخذ منها شيئاً لأن أبان كان يقول بالقدر. قال: وقد صحت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " لا يتوارث أهل ملتين شتى "، ومات وهو محتاج إلى درهم، خلف أبوه ضياعاً وعقاراً، فلم يأخذ منه شيئاً.
ومن المشهور أنه كان محفوظاً إذا مد يده إلى طعام فيه شبهة يتحرك في إصبعه عرق، فيمتنع من تناوله، وكان يقول: فقدنا ثلاثة أشياء: حسن الوجه مع صيانة، وحسن القبول مع الأمانة، وحسن الإخاء مع الوفاء. وهو أحد شيوخ الجنيد.
وقيل له المحاسبي: لكثرة محاسبة نفسه، وهو من الخمسة الشيوخ الجامعين بين علم الظاهر والباطن في عصر واحد، وهم: " هو " و " أبو القاسم الجنيد "، و " أبو محمد رويم "، و " أبو العباس عطاء "، و " عمرو بن عثمان المكي " رحمهم الله تعالى.
وفيها توفي الفقيه الإمام أبو حفص حرملة بن يحيى التجيبي المصري الحافظ مصنف " المختصر والمبسوط " رحمه الله، روى عن ابن وهب مائة ألف حديث، وتفقه بالإمام الشافعي، قيل: وكان أكثر أصحابه اختلافاً إليه واقتباساً منه و " التجيبي ": بضم المثناة من فوق وكسر الجيم وسكون الياء المثناة من تحت وبعدها موحدة. نسبة إلى امرأة نسبت أولادها إليه.
وفيها توفني إبراهيم بن عباس الصولي الشاعر المشهور، كان من الشعراء المجيدين، وله ديوان شعر، كله نحت وهو صغير، ومن رقيق شعره:
(2/106)

ثنت بانا من عزتنا زيارة ... وشط بليلي عن دنو مزارها
وإن مقيمات بمنسرج اللوى ... لأقرب من ليلى، وهاتيك دارها
وله:
ولرب نازلة يضيق بها الفتى ... ورعاً وعند الله منها مخرج
كلمت فلما استحكمت حلقاتها ... فرجت وكنا نظنها لا تفرج
أولى البرية طراً أن تواسيه ... عند السرور الذي واساك في الحزن
إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان بالفهم في المنزل الخشن
وله هذان البيتان، وقيل هما في ديوان الوليد الأنصاري مجردان:
لا يمنعك خفض العيش في دعة ... نزوع نفس إلى أهل وأوطان
تلقى بكل بلاد إن حللت بها ... أهلا بأهل وجيراناً بجيران
وفيها توفي محمد بن يحيى بن أبي عمرو العداني الحافظ صاحب المسند، روى عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى.
وفي السنة المذكورة توفي ابن الراوندي أحمد بن يحيى بن إسحاق الراوندي، وله مقالة في علم الكلام، وينسب إلى الزيغ والإلحاد. وله مائة وبضع عشرة كتاباً، وله مجالس ومناظرات مع جماعة من علماء الكلام.
قال ابن خلكان بعدما أثنى على فضله، وقد انفرد بمذاهب نقلها عنه أهل الكلام في كتبهم قال: وكان من فضلاء عصره، ومن تصانيفه " كتاب فضيحة المعتزلة "، قلت: وهو رد عن المعتزلة، فأصحابنا ينسبونه إلى ما هو أضل وأفظع من مذهب المعتزلة. عاش نحواً من أربعين سنة. ونسبته إلى راوند. قرية من قرى قاسان بالسين المهملة بنواحي أصفهان غير التي بالشين المعجمة المجاورة لقم بضم القاف، و " راوند " أيضاً ناحية ظاهر نيسابور، وراوند هذه هي التي ذكرها أبو تمام في كتاب الحماسة في باب المراثي.
قلت: وذكر أصحابنا في باب النسخ من كتب الأصول أنة هو الذي لقن اليهود الإحتجاج على عدم جواز النسخ بزعمهم بنقل مفترى بأن قال لهم: قولوا أن موسى عليه السلام أمرنا أن نتمسك بالسبت، ما دامت السموات والأرض، ولا يجوز أن يأمر الأنبياء، إلا بما هو حق، وهذا القول بهت وافتراء على موسى صلى الله عليه وآله وسلم وعلى نبينا وعلى جميع النبيين والمرسلين.
(2/107)

أربع وأربعين ومائتين
فيها وقيل في سنة ست وأربعين ومائتين مات دعبل " بكسر الدال وسكون العين المهملين وكسر الموحدة وبعدها لام " ابن علي الخزاعي الشاعر المشهور، يرجع في نسبه إلى عامر بن مريقياً، كان شاعراً مجيداً بذيء اللسان، مولعاً بالهجو والحط من أقدار الناس. هجا الخلفاء فمن دونهم، وعمل في إبراهيم بن المهدي أبياتاً من جملتها:
ثغر ابن شكلة بالعراق وأهله ... فهقاً إليه كل أطلس مائق
يقال: فلان أحمق مائق إذا كان فيه حمق وغباوة، والأطلس الذي لا لحية له. فدخل إبراهيم على المأمون فشكا إليه حاله وقال: يا أمير المؤمنين، هجاني دعبل فانتقم لي منه فقال: ما قال لعل قوله: " ثغر ابن شكلة بالعراق وأهله "، وأنشد الأبيات فقال: هذا من بعض هجائه وقد هجاني بما هو أقبح من هذا: فقال المأمون لك أسوة بي فقد هجاني واحتملته وقال في:
أيسومني المأمون حظة جاهل ... أو ما رأى بالأمس رأس محمد
إني من القوم الذين سيوفهم ... فللت أخاك وشرفتك بمقعد
سادوا لذكرك بعد طول خموله ... واستنقذوك من الحضيض الأوهد
فقال إبراهيم: زادك الله حلماً يا أمير المؤمنين وعلماً، فما ينطق أحدنا إلا عن فضل علمك ولا يحلم إلا اتباعاً لحلمك، وأشار دعبل في هذه الأبيات إلى قضية طاهر بن الحسين الخزاعي وحصاره بغداد وقتله الأمير محمد بن الرشيد، وبذلك ولي المأمون الخلافة، ودعبل خزاعي فهو منهم، وكان المأمون إذا أنشد قوله هذا يقول: قبح الله دعبلاً ما أوقحه، كيف يقول علي هذا وقد ولدت في الخلافة ورضعت ثديها وربيت في مهدها؟ ومن شعره في الغزل:
لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى
يا ليت شعري كيف نومكما ... يا صاحبي إذا دمي سفكا
لا تأخذا بظلامتي أحداً ... قلبي طرفي في دمي اشتركا
(2/108)

ومن شعره في مدح المطلب بن عبد الله الخزاعي أمير مصر:
زمني بمطلب سقيت زماناً ... ما صرت إلا روضة وجنانا
كل الندى إلا نداك تكلف ... لم أرض غيرك كائناً من كانا
أصلحتني بالبر يدك فسدتني ... وتركتني السخط الإحسانا
ومما حكاه دعبل قال: كنا يوماً عند فلان ابن فلان الكاتب البليغ، وسماه، ولكن كرهت ذكره لوصفه له بما يقبح ذكره قال: وكان شديد البخل فأطلنا الحديث، واضره الجوع إلى أن استدعى بغذائه فأتي بقصعة فيها ديك فرم لا يقطعه السكين، ولا يؤثر ضرس، فأخذ كسرة خبز فخاض بها مرقته، وقلب جميع ما في القصعة، ففقد الرأس ق مطرقاً ساعة، ثم رفع رأسه، وقال للطباخ: أين الرأس؟ قال: رميت به، قال: ولم؟ قال ظننت أنك لا تأكله، قال: لبئس ما ظننت، ويحك، والله لأمقت من يرمي رجليه، فكيف من يرمي رأسه، والرأس رئيس، وفيه الحواس الأربع، ومنه يصيح، ولولا صوته لما فضل وفيه عرقه الذي يتبرك به، وفيه عيناه اللتان يضرب بهما المثل، فيقال شراب كعين الديك ودماغه عجيب لوجع الكليتين، ولم ير عظم قط أحسن من عظم رأسه، أو ما علمت أنه. من طرف الجناح ومن الساق والعنق؟ فإن كان قد بلغ مني بتلك أنك لا تآكله فانظر رميت به؟ قال: لا أدري أين هو، قال: لكني أدري أين هو، رميت به في بطنك، فالله حسيبك.
ولما مات دعبل وكان صديق البحتري وكان أبو تمام قد مات قبله رثاهما البحتري بأبيات منها:
قد زاد في كلفي وأوقد لوعتي ... مثوى حبيب يوم مات ودعبل
جوى لازال السماء محيلة ... يغشا كما يماء مزن مسبل
حدث على الأهواز يبعد دونه ... مسيري النغى ورمسة بالموصل
وفيها توفي الإمام اللغوي النحوي أبو يوسف يعقوب بن إسحاق المعروف بابن السكيت " بكسر السين المهملة وتشديد الكاف وسكون المثناة من تحت وبعدها مثناة فوق "، صاحب كتاب " إصلاح المنطق " وغيره من التصانيف في علم اللغة والنحو معاني الشعر، وفسر دواوين الشعر، وجمع في ذلك قول البصريين والكوفيين، وأجاد وجاوز فيها تفسير كل من تقدمه على ما ذكر المرزباني فقال: ولم يكن بعد ابن الأعرابي أعلم منه، وكان
(2/109)

عالماً بنحو الكوفيين وعلم القرآن واللغة والشعر راوية ثقة، قد أخذ عن البصريين، وسمع من الأعراب وقال: ابن عساكر: حكى أبو يوسف عن أبي عمرو وإسحاق بن مرار الشيباني محمد بن مهنا ومحمد بن صبيح بن السماك الواعظ. وروى عن الأصمعي وأبي عبيدة الفراء: وجماعة، وروى عنه أحمد بن فرج المقرىء ومحمد بن عجلان الأخباري، وأبو عكرمة الضبي، وأبو سعيد السكري، وميمون بن هارون الكاتب وغيرهم.
وقال، وقال محمد بن السماك: من عرف الناس داراهم، ومن جهلهم مارآهم، ورأس المداراة ترك المماراة، وكتبه جيدة صحيحة، وهو صحيح السماع، وله حظ من السنن والدين، وكان المتوكل قد ألزمه تأديب ولده المعتز بالله، فلما جلس عنده قال له: بأي شيء يحب الأمير أن نبدأ، يعني من العلوم؟ فقال: بالإنصراف، قال: فأقوم؟. قال المعتز: فأنا أحق نهوضاً منك، فقام المعتز واستعجل، فعثر بسراويله، وسقط، فالتفت إلى ابن السكيت كالخجل، قد احمر وجهه فأنشد ابن السكيت.
يصاب الفتى من عثرة بلسانه ... وليس يصاب المرء من عثرة الرجل
فعثرته في القول تذهب رأسه ... وعثرته في الرجل تترا على مهل
فلما كان من الغد، دخل ابن السكيت على المتوكل وأخبره، فأمر له بخمسين ألف درهم وقال: بلغني البيتان، وأمر له بجائزة.
قلت: ومن جناية اللسان على النفس المشار إليها في النظم الذي أنشده ما جرى له مع كونه محقاً مأجوراً شهيداً، وذلك ما ذكروا أنه بينما هو يوماً مع المتوكل، إذ جاء المعتز المؤيد، فقال المتوكل: يا يعقوب أنما أحب إليك، ابناي هذان أم الحسن والحسين؟. فغض ابن السكيت من ابنيه وذكر من محاسن الحسن والحسين ما هو معروف من فضلهما، أمر المتوكل الأتراك فداسوا بطنه، فحمل إلى داره ومات من الغد.
وفي رواية أخرى: إن المتوكل كان كثير التحامل على علي بن أبي طالب وابنيه حسن والحسين، رضوان الله عليهم، وكان ابن السكيت شديد المحبة لهم والميل إليهم، فقال تلك المقالة، فقال ابن السكيت: والله أن قنبر خادم علي رضي الله تعالى عنه، خير منك ومن ابنيك. فقال المتوكل: سلو لسانه من قفاه، ففعلوا به ذلك فمات، رحمه الله تعالى.
وقال ثعلب: أجمع أصحابنا أنه لم يكن بعد ابن الأعرابي أعلم باللغة من ابن السكيت، قلت: وهذا موافق لما تقدم من قول المرزباني، وقال أبو العباس المبرد: ما رأيت بغداديين كتاباً أحسن من كتاب ابن السكيت " إصلاح المنطق ". وقال غيره من العلماء:
(2/110)

إصلاح المنطق كتاب بلا خطبة، وأدب الكاتب خطبة بلا كتاب، لأن خطبته مطولة مودعة فوائد، وعددوا له أيضاً من التصانيف المفيدات غير كثير.

خمس وأربعين ومائتين
وفيها توفي محمد بن هشام بن عوف التميمي السعدي، كان ممدوحاً بالحفظ وحسن الرواية. قال مورج " بكسر الراء المشددة والجيم " أخذ مني كتاباً فحبسه ليلة، ثم جاء به، وحفظه بالحفظ وحسن الرواية. قال محمد بن هشام المذكور: لما قدمت مكة لزمت مجلس ابن عيينة فقال لي يوماً: لا أراك تخطىء بشيء مما تسمع؟. قلت: وكيف ذلك. قال: لا أراك تكتب؟ فقلت: إني أحفظه. فاستعاد مني مجالس، فأعدتها على الوجه.
قال: حدثنا الزهري عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: يولد في كل سبعين سنة من يحفظ كل شيء قال: وضرب بيده على جنبي وقال: أراك صاحب سبعين أو قال: من أصحاب السبعين، وقيل لسعدي المذكور: مات الضعفاء في هذا الغد، وسلم الأقوياء فقال: أنا سمعت:
رأيت جلتها في الحدب باقية ... ينقي الجواسي عنها حين يزدحم
لأن الرياح إذا ما أعصفت قصفت ... عيدان نجد لم يعبأ بها السلم
وأنشد أيضاً:
وما يواسيك في ما ناب من حدث ... إلا أخو ثقة فانظر بمن تثق
وفي السنة المذكورة توفي الشيخ الكبير الولي الشهير العارف بالله الخبير أبو الفيض ثوبان، وقيل الفيض بن إبراهيم المصرفي المعروف بذي النون، أحد رجال الطريقة، كان لسان هذا الشأن، وأوحد وقته علماً وورعاً وحالاً وأدباً، وكان أبوه نوبياً، سئل عن سبب توبته فقال: خرجت من مصر إلى بعض القرى، فنمت في الطريق في بعض الصحارى، ففتحت عيني فإذا أنا بقنبرة؟ عمياء سقطت من وكرها، فانشقت الأرض، فخرج منها سكرجتان إحداهما ذهب، والأخرى فضة، وفي إحداهما سم، وفي الأخرى ماء، فجعلت تأكل من هذا، وتشرب من هذا، فقلت: حسبي قد تبت، ولزمت الباب إلى أن قبلني، وكان قد سعوا به إلى المتوكل، فاستحضره من مصر، فلما دخل عليه وعظه، فبكى المتوكل، ورده مكرماً، وكان المتوكل إذا ذكر أهل الورع بين يديه يبكي ويقول: إذا ذكر أهل الورع حي هلا بذي النون.
(2/111)

ومن ورعه ما ذكروا أنه أهدي إليه طعام، وهو في سجن المتوكل، فأتاه رسول السجان فحمله إليه فامتنع من أكله، فقيل له في ذلك فقال: طعام أتاني على مائدة ظالم فلا آكله، أو كما قال، ويعني بمائدة الظالم كف السجان التي حملت الطعام إليه من باب السجن.
وقال إسحاق بن إبراهيم السرخسي: سمعت ذا النون يقول وفي يده الغل وفي رجله القيد، وهو يساق إلى المطبق، والناس يبكون حوله، وهو يقول: هذا من مواهب الله وعطاياه، وكل عذب حسن طيب، ثم أنشد:
لك من قلبي المكان المصون ... كل يوم علي فيك يهون
لك عزم بأن أكون قتيلاً ... فبك الصبر عنك ما لا يكون
ولما أخرج من السجن، وأدخل على المتوكل وعظه حتى بكى وخرج من عنده مكرماً. اجتمع إليه الصوفية في الجامع في بغداد، واستأذنوه في السماع، وحضر، القوال، وأنشد شعراً:
صغير هواك عذبني ... فكيف به إذا احتنك
وأنت جمعت من قلبي ... هوى قد كان مشتركاً
فتواجد ذو النون، وسقط فأنشج رأسه. وكان يقطر منه الدم، ولا يقع على الأرض، فقام شاب يتواجد، فقال ذو النون: الذي يراك حين تقوم، فقعد الشاب. قال بعض الشيوخ: كان ذو النون صاحب إشراف، والشاب صاحب إنصاف، يعني لما قيل منه، فقعد إذ لم يكن في قيامه كامل الصدق.
ومن كلام ذي النون: من علامة المحب لله متابعة حبيب الله صلى الله عليه وآله وسلم في أخلاقه وأفعاله وأوامره وسنته.
وسئل عن التوبة فقال: توبة العوام عن الذنوب، وتوبة الخواص من الغفلة. وله من الحكايات الغريبات والكرامات العجيبات ما يتعذر حصره، ولا يليق بهذا الكتاب.
وقد ذكرت شيئاً من ذلك في الكتب اللائقة ذكره بها، المحبوبة عند أهلها، ولكني أذكر من كراماته التي هي بفضله شاهدة ها هنا كرامة واحدة وهي ما ذكر خلائق من الصالحين، ورواه عنهم كثير من العلماء العاملين أن الشيخ الكبير المشهور أبا الفيض ذا النون المذكور كان مع بعض أصحابه في البراري في وقت القائلة، فقالوا: ما أحسن هذا
(2/112)

المكان لو كان فيه رطب، فقال رضي الله تعالى عنه: لعلكم تشهون الرطب، فقالوا: نعم، فقام إلى شجرة، وقال: أقسمت عليك بالذي خلقك، وابتدأك شجرة إلا ما نثرت علينا رطباً جنياً، فنثرت عليهم رطباً جنياً، فأكلوا ثم ناموا، فلما استيقظوا حركوا فنثرت عليهم شوكاً.

ست وأربعين ومائتين
فيها توفي موسى بن عبد الملك الأصفهاني صاحب ديوان الخراج. كان من جملة الرؤساء وفضلاء الكتاب، وله ديوان رسائل، وله شعر رقيق، وخدم جماعة من الخلفاء ومن شعره:
لما وردت الفارسية ... جئت مجتمع الدقاق
وشممت من أرض الحجاز ... نسيم أنفاس العراق
أيقنت لي ولمن أحب ... بجمع شمل واتفاق
وضحكت من فرح اللقاء ... كما بكيت من الفراق
ولهذه الأبيات حكاية مستظرفة ذكرها الحافظ أبو عبد الله الحميدي وغيره من مؤرخي المغاربة، وهي أن أبا علي الحسن بن الأسكري " بضم الهمزة والكاف وسكون السين المهملة بينهما وكسر الراء " المصري قال: كنت من جلساء الأمير تميم بن أبي تميم، فأرسل إلى بغداد، فاشترى له جارية رائقة فائقة الغناء، فلما وصلت إليه دعا جلساءه قال: وكنت فيهم، ثم مدت الستارة وأمرها بالغناء فغنت:
وبدا له بعدما اندمل الهوى ... بريق تألق موهناً لمعانه
الأبيات المعروفة، وأحسنت الجارية الغناء، فطرب الأمير تميم ومن حضر، ثم غنت:
ستسليك عما فات دولة مفضل ... أوأيله محمودة وأواخره
ثنى الله عطفيه وألف شخصه ... على البر مذ شذت إليه الموازره
قال فطرب تميم ومن حضر طرباً شديداً، ثم غنت بيتاً من قصيدة محمد بن رزق الكاتب البغدادي.
أستودع الله في بغداد لي قمراً ... بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه
فاشتد طرب الأمير المذكور، وأفرط جداً ثم قال لها: تمني ما شئت، فقالت: أتمنى عافية الأمير وسلامته، فقال: لا والله، لا بد أن تتمني. فقالت: على الوفاء أيها الأمير بما
(2/113)

أتمنى؟ فقال: نعم، فقالت: أتمنى أن أغني ببغداد قال: فامتقع لون تميم وتغير وجهه، وتكدر المجلس وقام، وقمنا، ثم أرسل إلي فرجعت فوجدته جالساً ينتظرني، فسلمت عليه، وقمت بين يديه فقال: ويحك، أرأيت ما امتحنا به؟. فقلت: نعم أيها الأمير. فقال: لا بد من الوفاء، ولا أثق في هذا بغيرك، فتأهب للسير معها إلى بغداد، فإذا غنت هناك فاصرفها، فقلت: سمعاً وطاعة، ثم قمت وتأهبت، وأمرها بالتأهب، وأصحبها جارية له سوداء، تعادلها وتخدمها، وأمر بناقة ومحمل، فأدخلت فيه، فسرنا إلى مكة مع القافلة، فقضينا حجنا، ثم دخلنا في خلنا في قافلة العراق وسرنا، فلما وردنا القادسية اتتني السوداء فقالت: تقول لك سيدتي أين نحن. فقلت لها: نزول بالقادسية. فأخبرتها فسمعت صوتها قد ارتفع بالغناء بالأبيات المذكورة، فتصايح الناس: أعيدي بالله، أعيدي بالله، فما سمع لها كلمة. ثم نزلنا " الياسرية " بالياء المثناة من تحت وكسر السين المهملة والراء وبعدها ياء النسبة. وبينها وبين بغداد خمسة أميال في بساتين متصلة ينزل الناس بها ثم يبكرون الدخول إلى بغداد، فلما كان وقت الصباح، إذا بالسوداء قد أتتني مذعورة فقلت: مالك. قالت: إن سيدتي ليست بحاضرة، فقلت: ويلك، وأين هي؟ فقالت: والله ما أدري. قال: فلم أحس لها أثراً بعد ذلك، ودخلت بغداد وقضيت حوائجي بها، ثم انصرفت إلى تميم فأخبرته خبرها، فعظم ذلك عليه واغتم لها غماً شديداً، ثم ما زال ذاكراً لها. وفي السنة المذكورة توفي الشيخ الكبير العارف بالله الإمام أحمد بن أبي الحواري، ريحانة الشام. سمع أبا معاوية وطبقته، وكان من كبار المحدثين وأجلاء الصوفية العارفين، صحب الشيخ الكبير العارف بالله الشهير أبا سليمان الداراني رحمهما الله تعالى.
ومن كلامه رضي الله تعالى عنه: من نظر إلى الدنيا نظر إرادة وحب، أخرج الله نور
اليقين والزهد من قلبه، ومن عمل بلا اتباع السنة، فعمله باطل وأفضل البكاء بكاء العبد على ما فاته من أوقاته، على غير الموافقة، وقال: ما ابتلى الله بشيء أشد من القسوة والغفلة.
وكان سيد الطائفة أبو القاسم الجنيد رضي الله تعالى عنه يقول: أحمد بن أبي الحواري ريحانة الشام. وكانت زوجته رائفة الشامية تقول له: أحبك حب الإخوان لا حب الأزواج. وكانت تطعمه الطيب وتطيبه وتقول: اذهب بنشاطك إلى أزواجك، وتقول عند تقريب الطعام إليه: كل فما نضج إلا بالتسبيح، وتقول إذا قامت من الليل:
قام المحب إلى الموصل قومة ... كاد الفؤاد من السرور يطير
وفيها توفي العباس بن عبد العظيم البصري الحافظ، أحد علماء السنة.
(2/114)

سبع وأربعين ومائتين
فيها توفي إبراهيم بن سعيد الجوهري البغدادي الحافظ صاحب المسند، المخرج في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في نيف وعشرين جزءاً.
وفي شوال منها قتل المتوكل على الله أبو الفضل جعفر بن المعتصم محمد بن الرشيد العباسي. فكتوا به في مجلس لهوه بأمر ابنه المنتصر، وهو الذي أحيى السنة وأمات البدعة، غير أنه كان فيه انهماك على اللذات والمكاره، وفيه كرم وتبذير. وكان قد عزم على خلع ابنه المنتصر من العهد وتقديم المعتز عليه لفرط محبته لأمه، وبقي يؤذيه ويتهدده إن لم ينزل عن العهد. وكان المتوكل قد صادر بعض رؤساء الدولة، فعملوا عليه، ودخل عليه خمسة بالسيوف في جوف الليل.

ثمان وأربعين ومائتين
فيها توفي الإمام العالم أبو جعفر أحمد بن صالح الطبري الحافظ. قال بعض المحدثين: كتبت عن ألف شيخ حجتي فيما بيني وبين الله رجلان أحمد بن صالح وأحمد بن حنبل رحمهما الله تعالى.
وفيها توفي الإمام الفقيه المتكلم الحسين بن علي الكرابيسي البغدادي. تفقه على الإمام الشافعي، وسمع من إسحاق الأزرق وجماعة، وكان متضلعاً من الفقه والأصول والحديث ومعرفة الرجال والكرابيس: الثياب الغلاظ. وله عدة تصانيف، وأخذ عنه الفقه خلق كثير.
وفيها توفي أمير خراسان طاهر بن عبد الله الخزاعي، والمنتصر بالله أبو جعفر محمد بن المتوكل على الله. وكانت خلافته سبعة أشهر، وعمره ستاً وعشرين سنة، وكان مهيباً مليح الصورة كامل العقل محباً في الخير، قيل أن أمراء الترك خافوه، فلما حم دسوا إلى طبيبه ابن طيفور ثلاثين ألف دينار، فقصده بريشة مسمومة، وقيل ثم نم في تكثرات، وحكي أنه قال لأمه: يا أماه، ذهبت مني الدنيا والآخرة، عاجلت أبي فعوجلت.

تسع وأربعين ومائتين
فيها توفي الحسن بن الصباح، الإمام أبو علي البرار، كان الإمام أحمد يرفع قدراً ويجله ويحترمه.
(2/115)

وفيها توفي عبد بن حميد الكشي الحافظ أبو محمد صاحب المسند والتفسير.
وفيها توفي أبو حفص عمرو بن علي الباهلي البصري الصيرفي الفلاس الحافظ، أحد الأعلام. قال أبو زرعة ذلك من فرسان الحديث.

خمسين ومائتين
فيها توفي أبو الحسن أحمد بن محمد البزي المقرىء، مؤذن المسجد الحرام وشيخ الإقراء به رحمه الله تعالى.
وفيها توفي وقيل في سنة خمس وخمسين ومائتين الإمام أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني النحوي اللغوي المقرىء، صاحب المصنفات. أخذ العربية عن أبي عبيدة الأصمعي، وقرأ القرآن على يعقوب، وكتب الحديث على طائفة من المحدثين. ولما مات حاتم بلغت قيمة كتبه أربعة عشر ألف دينار، فوجه ابن السكيت من اشتراها بدون هذا قليلاً، وحابوه فيها. قال أبو حاتم المذكور: مر رجل براهب فقال له: عظني، قال: أعظكم وفيكم القرآن، ومنكم محمد صلى الله عليه وآله وسلم. قال: نعم، قال: فاتعظ ببيت شعر، قاله رجل منكم:
تجرد من الدنيا فإنك إنما ... خرجت إلى الدنيا وأنت مجرد
وفيها توفي عمرو بن بحر أبو عثمان الجاحظ البصري، وقيل بل في سنة خمس وخمسين، وهنالك يأتي ترجمته إن شاء الله تعالى.
وفيها توفي أبو عمرو نصر بن علي الجهضمي البصري الحافظ، أحد أوعية العلم. كان المستعين قد طلبه ليوليه القضاء فقال لأمير البصرة. حتى أرجع، فأستخر الله، فرجع وصلى ركعتين وقال: اللهم إن كان لي عندك خيراً فأقبضني إليك، ثم نام، فنبهوه فإذا هو ميت.
وفيها توفي الخليع الحسين بن الضحاك البصري الشاعر. كان حسن الإفتنان في ضروب الشعر وأنواعه، واتصل في مجالسه الخلفاء ما لم يتصل إليه أحد إلا إسحاق بن إبراهيم النديم الموصلي، فإنه قاربه في ذلك، وقيل ساواه. وأول من صحب منهم الأمين بن هارون الرشيد ثم هلم جراً إلى المستعين. وهو في الطبقة الأولى من الشعراء المجيدين،، بينه وبين أبي نواس مجازاة لطيفة ووقائع ظريفة، وسمي خليعاً لكثرة هجوته وخلاعته، ومن شعره:
أطلب بخدي وخديك تلق عجيباً ... من معان يحار فيها الضمير
(2/116)

فبخديك للربيع رياض ... وبخدي للدموع غدير
وله:
إذا اخنتم بالغيب عهدي ... تدلون إدلال المقيم على العبد
صلوا وافعلوا فعل المدل بوصله ... وإلا فصدوا وافعلوا فعل ذي الضد
وفيها توفي الفضل بن مروان، وزير المعتصم، وله ديوان شعر، ومن كلامه: الكتاب كالدولاب، إذا تعطل تكسر. وكان قد جلس يوماً لقضاء حوائج الناس، فرفعت إليه قصص العامة، فرأى في جملتها ورقة فيها مكتوب:
تفرغت يا فضل بن مروان فاعتبر ... فقبلك كان الفضل والفضل والفضل
ثلاثة أملاك مضوا لسبيلهم ... بأيديهم الإقياد والحبس والقتل
فإنك قد أصبحت في الناس ظالماً ... ستودي كما أودى الثلاثة من قبل
أراد بالثلاثة: الفضل بن يحيى البرمكي، والفضل بن الربيع، والفضل بن سهل. ثم إن المعتصم تغير على الفضل بن مروان، وقبض عليه وقال: عصى الله في طاعتي، فسلطني عليه. ثم خدم بعد ذلك جماعة من الخلفاء.

إحدى وخمسين ومائتين
فيها توفي الإمام الحافظ أبو يعقوب إسحاق بن منصور المروزي.

اثنتين خمسين ومائتين
فيها توفي المستعين بالله أبو العباس أحمد بن المعتصم محمد بن الرشيد العباسي، بويع بعد المنتصر، وكان أمراء الترك قد استولوا على الأمر، وبقي المستعين مقهوراً معهم، فتحول من سامراً إلى بغداد غضبان، فوجهوا يعتذرون إليه، ويسألونه الرجوع، فامتنع، فعمدوا إلى الحبس، وأخرجوا المعتز بالله وخلفوا له. وجاء أخوه أبو أحمد لمحاصرة المستعين، فتهيأ المستعين ونائب بغداد ابن طاهر للحرب، وبنوا سور بغداد، ووقع القتال، ونصبت المجانيق، ودام الحصار أشهراً. واشتدت البلاء وكثرت القتلى، وجهد أهل بغداد حتى أكلوا الجيف، وجرت وقعات عديدة بين الفريقين، قتل في وقعة منها نحو الألفين من البغاددة، إلى أن كلوا وضعف أمرهم، وقوي أمر المعتز بالله. ثم تخلى ابن طاهر عن المستعين لما رأى من البلاء، فكاتب المعتز، ثم سعوا في المصالح على خلع المستعين فخلع نفسه على شروط مؤكدة، ثم نفذوه إلى واسط، فاعتقل تسعة أشهر، ثم أحضر إلى
(2/117)

سامراء فقتلوه بقادسية سامراء في آخر رمضان، وكان مسرفاً في تبذير الجوائز والذخائر.
وفيها توفي بندار محمد بن بشار البصري الحافظ رحمه الله تعالى.

ثلاث وخمسين ومائتين
فيها وقيل في سنة ست، وقيل إحدى وخمسين ومائتين توفي الشيخ الكبير العارف بالله الشهير ذو المقامات العلية والأحوال السنية والكرامات الخارقة والأنفاس الصادقة، حب الفضل العديد والعزم السديد والورع الشديد السري السقطي أحد أولاء الطريقة، ومعادن أسرار الحقيقة، خال الأستاذ أبي القاسم الجنيد وأستاذه وتلميذ الشيخ العارف بالله المقرب المعروف في بغداد بالترياق المجرب معروف القرخي، يقال: أن السري كان في دكان، فجاء معروف يوماً ومعه صبي يتيم فقال: اكس هذا، قال السري: فكسوته ففرح بذلك معروف وقال: بغض الله إليك الدنيا. وزاد بعضهم في روايته: وأراحك مما أنت.، فقال السري: فقمت من الدكان، وليس شيء أبغض إلي من الدنيا وكل ما أنا فيه من تركات معروف.
ويحكى أنه قال: منذ ثلاثين سنة أنا في الإستغفار من قولي مرة الحمد لله، قيل له: وكيف ذلك؟ قال: وقع ببغداد حريق فاستقبلني إنسان وقال: سلم حانوتك، فقلت: الحمد لله. فأنا نادم من ذلك الوقت على ما فعلت، حيث أردت لنفسي خيراً من الناس. وقال أبو قاسم الجنيد: دفع إلي السري رقعة وقال: هذه خير لك من سبع مائة قصة، فإذا فيها:
ولما ادعيت الحب قالت كذبتني ... فما لي أرى الأعضاء منك كواشيا
فما الحب حتى يلصق الظهر بالحشا ... وتذبل حتى لا تجيب المناديا
وتنحل حتى ليس يبقي لك الهوى ... سوى مقلة تبكي بها وتناجيا
وقال أيضاً: دخلت على السري يوماً وهو يبكي فقلت: ما يبكيك. قال: جاءتني البارحة الصبية فقالت: يا أبت، هذه ليلة حارة، وهذا الكوز أعلقه ها هنا، ثم إني حملتني، فنمت فرأيت جارية من أحسن الخلق قد نزلت من السماء، فقلت: لمن أنت. قالت: لمن لا يشرب الماء المبرد في الكيزان، وتناولت الكوز فضربت به الأرض. قال الجنيد: فرأيت الخزف المكسورة لم يرفعها حتى عفي عليه التراب، وفضائل السري ومحاسنه معروفة، وأوصافه بالجميل والجمال موصوفة قدس الله أسراره.
وفيها توفي الأمير محمد بن عبد الله بن طاهر، وصيف التركي، وكان من أكبر أمراء الدولة. وأبو جعفر أحمد بن سعيد بن صخر الدارمي السرخسي، أحد الفقهاء والأئمة في الأثر، رحمة الله عليه.
(2/118)

أربع وخمسين ومائتين
فيها توفي العسكري أبو الحسن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا بر موسى الكاظم بن جعفر الصادق العلوي الحسيني. عاش أربعين سنة، وكان متعبداً فقيهاً إماماً، استفتاه المتوكل مرة، ووصله بأربعة آلاف درهم وهو أحد الأثني عشر الذين تعتظ الشيعة الغلاة عصمتهم. وكان قد سعي به إلى المتوكل، وقيل له: إن في منزله سلاحاً وكتباً، وأوهموه أنه يطلب الخلافة، فوجه من هجم عليه وعلى منزله، فوجدوه وحده في بيت مغلق، وعليه مدرعة من شعر، وعلى رأسه ملحفة من صوف، وهو مستقبل القبلة، وليس بينه وبين الأرض بساط إلا الرمل والحصى، وهو يترم بآيات من القرآن في الوعد والوعيد، فحمل إليه على الصفة المذكورة، فلما رآه عظمه وأجلسه إلى جنبه. وكان المتوكل يشرب وفي يده كأس، فناوله الكأس الذي في يده فقال: يا أمير المؤمنين، ما خامر لحمي وعظمي قط، فاعفني عنه. فعفاه، وقال له: أنشدني شعراً أستحسنه، فقال: إني لقليل الزواية للشعر. قال: لا بد أن تنشدني، فأنشده:
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم ... غلب الرجال، فلم ينفعهم القلل
واستنزلوا بعد إعراض معاقلهم ... فأودعوا حفراً يا بئس ما نزلوا
ناداهم صارخ من بعدما قبروا ... أين الأسرة والتيجان والحلل
أين الوجوه التي كانت منغمة ... من دونها تضرب الأستار والكلل
فأفصح القبر عنهم حين سائلهم ... تلك الوجوه عليها الدود يقتتل
قال: فأشفق من حضر على العسكري، وظنوا أن بادرة تبدر إليه، فبكى المتوكل بكاء طويلاً حتى بلت دموعه لحيته، وبكى من حضره، ثم أمر برفع الشراب وقال: يا أبا الحسن، أعليك دين. قال: نعم أربعة آلاف، فأمر بدفعها إليه ورده إلى منزله مكرماً. وكانت ولادته في ثالث عشر رجب، وقيل في يوم عرفة سنة أربع، وقيل ثلاث عشرة ومائتين. وقيل له العسكري: لأنه لما كثرت السباية في حقه عند المتوكل أحضره من المدينة وكان مولده بها وأقره بسر من رأى، وهي تدعى بالعسكر، لأن المعتصم لما بناها انتقل إليها بعسكره فقيل له: العسكر، ثم نسب أبو الحسن المذكور إليها، لأنه أقام بها عشرين سنة وأشهراً، وتوفي بها، ودفن في داره رحمة الله عليه.
وفيها توفي العتبي صاحب العتبة في مذهب مالك، وهو محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن عتبة الأموي العتبي القطري الأندلسي الفقيه، أحد الأعلام ببلده. أخذ عن
(2/119)

يحيى بن يحيى، ورحل فأخذ بالقيروان عن سحنون، وبمصر عن أصبغ.

خمس وخمسين ومائتين
فيها خرج العلوي بالبصرة ودعا إلى نفسه، فبادر إلى إجابة دعوته عبيد أهل البصرة والسودان، ومن ثم الزنج، والتفت إليه كل صاحب فتنة حتى استفحل أمره، وهزم جيوش الخليفة واستباح البصرة وغيرها، وفعل الأفاعيل، وامتدت أيامه إلى أن قتل في سنة سبع وسبعين.
وفيها توفي الإمام الحبر أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن التميمي الدارمي، صاحب المسند المشهور، ورحل وطوف وسمع النضر بن شميل ويزيد بن هارون وطبقتهما.
وفيها قتل المعتز بالله، أبو عبد الله محمد بن المتوكل، خلعوه وأشهد على نفسه كرهاً، ثم أدخلوه بعد خمسة أيام حماماً فعطس حتى عاين الموت، وهو يطلب الماء بمنع، ثم أعطوه ماء بثلج فشربه. فسقط ميتاً. واختفت أمه وكانت ذات أموال عظيمة، منها ياقوت وزمرد وغيرهما من الجواهر، قوموها بألفي ألف دينار، ولم يكن في خزاين خلافة شيء، فطلبوا من أمه مالاً فلم تعطهم، فأجمعوا على خلعه، ولبسوا السلاح، أحاطوا بدار الخلافة، وهجم على المعتز طائفة منهم فضربوه بالدبابيس، وأقاموه في الشمس حافياً ليخلع فيه نفسه فأجاب، وأحضروا محمد بن الواثق من بغداد، فأول من بايعه معتز بالله، ولقبوا محمداً بالمهدي بالله.
وفيها توفي ذو النوادر والغرائب والظرف والعجائب من حوادث الزمان العوارض، أبو عثمان عمرو بن بحر المعروف بالجاحظ الكناني الليثي المعتزلي البصري العالم المشهور صاحب التصانيف المفيدة في فنون عديدة، له مقالة في أصول الدين، وإليه تنسب الفرقة معروفة بالجاحظية من المعتزلة، وهو تلميذ إبراهيم بن سيار البلخي المتكلم المشهور، ومن أحسن تصانيفه وأوسعها " كتاب الحيوان "، لقد جمع فيه كل غريبة، وكذلك " كتاب بيان والتبيين ". وكان مع فضائله مشوه الخليفة. وإنما قيل له الجاحظ، لأن عينيه كانتا جاحظتين، أي ناتئتين، ومن جملة أخباره أنه قال: ذكرت للمتوكل لتأديب بعض ولده، فلما رآني استبشع منظري، فأمر لي بعشرة آلاف درهم وصرفني، فخرجت من عنده ولقيت محمد بن إبراهيم يعني إبراهيم بن المهدي، وهو يريد الإنصراف إلى مدينة السلام، فعرض
(2/120)

علي الخروج معه والإنحدار في حراقته، وكان بسر من رأى، فركبنا في الحراقة، فلما انتهينا إلى فم نهر القاطوع نصب ستارة، وأمر بالغناء، فاندفعت عوادة فغنت:
كل يوم قطيعة وعتاب ... ينقضي دهرنا ونحن غضاب
ليت شعري أنا خصصت بهذا ... دون ذا الخلق أم كذا الأحباب
وسكتت فأمر الطنبور فغنت:
وارحمنا للعاشقين ... ما أن أرى لهم مغنيا
كم يهجرون ويصرمون ... ويقطعون ويضربونا
قال فقالت لها العوادة: فيصنعون ماذا. قالت: هكذا يصنعون، وضربت بيدها إلى الستارة فهتكتها، وبرزت كأنها فلقة قمر، فألقت نفسها في الماء، وعلى رأس محمد غلام يضاهيها في الجمال، وبيده مذبة، فأتى الموضع ونظر إليها وهي تصير بين الماء فأنشد:
أنت التي عرفتني ... بعد القضاء لو تعلمينا
وألقى نفسه في الماء في إثرها، فأدار الملاح الحراقة، فإذا بهما معتنقين، ثم غاصاً فلم يريا، فاستعظم محمد ذلك، وهاله أمره، ثم قال: يا عمرو لتحدثني ما يسليني عن فعل هذين، وإلا ألحقتك بهما، قال: فحضرني حديث يزيد بن عبد الملك، وقد قعد للمظالم وعرضت عليه القصص، فمرت به قصة فيها: إن رأى أمير المؤمنين أن يخرج إلى جارية حتى تغني ثلاثة أصوات فعل. فاغتاظ يزيد من ذلك، وأمر أن يخرج إليه، ويأتيه برأسه، أتبع الرسول رسولاً آخر، يأمره أن يدخل إليه الرجل، فأدخله، فلما وقف بين يديه قال له: ما الذي حملك على ما صنعت؟ قال: الثقة بحلمك والإتكال على عفوك. فأمره بالجلوس حتى لم يبق أحد من بني أمية إلا خرج، ثم أمر بالجارية فأخرجت ومعها عودها، فقال له الفتى: غني:
أفاطم مهلاً بعض هذا التدلل ... وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
فغنته، فقال له يزيد: قل، قال: غني:
تألق البرق نجدياً فقلت له ... يا أيها البرق إني عنك مشغول
فغنته، قال له يزيد: قل، قال: تأمر لي برطل شراب؟ فأمر له به، فما استتم شرابه حتى وثب وصعد على أعلى قبة ليزيد ورمى نفسه على دماغه فمات. فقال يزيد: إنا لله وإنا إليه راجعون، أتراه الأحمق الجاهلي ظن أني أخرج إليه جاريتى،. وأردها إلى ملكي؟ يا غلمان، خذوا بيدها، واحملوها إلى أهله إن كان له أهل وإلا فبيعوها وتصدقوا بثمنها
(2/121)

عنه. فانطلقوا بها إلى أهله، فلما توسطت الدار نظرت إلى حفرة في وسط دار يزيد قد أعدت للمطر، فجذبت نفسها من أيديهم وأنشدت:
من مات عشقاً فليمت هكذا ... لا خير في عشق بلا موت
فألقت نفسها في الحفيرة على دماغها فماتت، فسري عن محمد، وأجزل صلتي، وقال أبو القاسم السيرافي: حضرنا مجلس الأستاذ أبي الفضل ابن العميد، فجرى ذكر جاحظ، فقص عنه بعض الحاضرين وأزرى به، وسكت الوزير عنه، فلما خرج الرجل قلت: اسكت أيها الأستاذ عن هذا الرجل في قوله مع عادتك في الرد على أمثاله، فقال: لم أجد في مقابلة مقالته أبلغ من تركه على جهله، ولو وافيته وبينت له النظر في كتبه صار لك إنساناً يا أبا القاسم. فكتب الجاحظ: تعلم العقل أولاً والأدب ثانياً. ولم أستصلحه لذلك، قلت: يعني لم أره أهلاً لذلك. وكان الجاحظ في أواخر عمره قد أصابه الفالج، وكان يطلي نصفه الأيمن بالصندل والكافور لشدة حرارته، والنصف الأيسر لو قرض مقاريض لما أحس به من خدره وشدة برده. وكان يقول في مرضه: اصطلحت على جسدي الأضداد: إن أكلت بارداً أخذ برجلي، وإن أكلت حاراً أخذ برأسي. أنا من جانبي الأيسر مفلوج، لو قرض بالمقاريض ما علمت، ومن جانبي الأيمن منقرس، فلو مر به. الذباب لتألمت، وبي حصاة لا ينشرح لي البول معها، وأشد ما علي ست وتسعون سنة. وكان ينشد:
أترجو أن تكون وأنت شيخ ... كما قد كنت أيام الشباب
لقد كربتك نفس لبس ثوب ... دريس كالجديد من الثياب
وحكى بعض البرامكة قال: كنت توليت السند، فأقمت بها ما شاء الله ثم اتصل بي، انصرفت عنها وكنت قد كسبت ثلاثين ألف دينار، فخشيت أن يفجأني الصارف فيسمع بمكان المال فيطمع فيه، فصنعته عشرة آلاف أهليلجة، وكل أهليلجة ثلاثة مثاقيل. ولم يمكث الصارف أن أتى، فركبت البحر وانحدرت إلى البصرة، فخبرت أن الجاحظ بها أنه عليل بالفالج، فأحببت أن أراه قبل وفاته، فصرت إليه، فأفضيت إلى باب دار لطيف، فقرعته فخرجت إلي خادمة صفراء فقالت: من أنت. فقلت رجل غريب، وأحب أن أسر بالنظر إلى الشيخ، فبلغته الخادمة ما قلته، فسمعته يقول: قولي له: وما تصنع بشق مائل ولعاب سائل ولون حابل؟ فقلت للجارية: لا بد من الوصول إليه، فلما بلغته قال: هذا رجل اجتاز بالبصرة وسمع بعلتي فأراد الإجتماع بي ليقول: قد رأيت الجاحظ. ثم أذن لي
(2/122)

فدخلت فسلمت عليه فرد علي رداً جميلاً وقال: من تكون أعزك الله تعالى؟ فانتسبت له فقال: رحم الله أسلافك وآباءك السمحاء، فلقد كانت أيامهم رياض الأزمنة، ولقد انجيز بهم خلق كثير، فسقياً لهم ورعياً. فدعوت له وقلت له: أسألك أن تنشدني شيئاً من الشعر فأنشدني:
لئن قدمت قبلي رجال، فطالما ... شئت على رسلي فكنت المقدما
ولكن هذا الدهر تأتي صروفه ... فتبرم منقوضاً وتنقض مبرما
ثم نهضت، فلما قاربت الدهليز قال: يا فتى، أرأيت مفلوجاً ينفعه الإهليلج؟ قلت لا، قال: إن الإهليلج الذي معك ينفعني، فابعث لي منه، فقلت: نعم، وخرجت متعجباً من وقوفه على خبري مع كتماني. وبعثت إليه مائة إهليلجة، وقال أبو الحسن البرمكي أنشدني الجاحظ:
وكان لنا أصدقاء مضوا ... تفانوا جميعاً فما خلدوا
سقاهم جميعاً كؤوس المنون ... فمات الصديق ومات العدو
قلت: كان المناسب لقوله: " فمات الصديق ومات العدو " أن يذكر الأعداء الأصدقاء في البيت الأول، فيقال لنا: أصدقاء مضوا مع أعداء، فيكون قوله في آخر البيت الأخير: فمات الصديق ومات العدو مطابقاً لأول الأول.

ست وخمسين ومائتين
كان صالح بن وصيف التركي قد ارتفعت منزلته، وقتل المعتز وظفر بأمه، فصادر حتى استصفى نعمتها، وأخذ منها نحو ثلاثة آلاف ألف دينار، ونفاها إلى مكة، ثم صادر خاصة المعتز وكتابه، وقتل بعضهم.
فلما دخلت السنة المذكور أقبل موسى بن بغا وعبأ جيشه، ودخلوا سامراء ملبسين مجمعين على قتل صالح بن وصيف، وهم يقولون: قتل المعتز وأخذ أموال أمه وأموال الكتاب. وصاحت العامة: يا فرعون، جاءك موسى. ثم هجم بمن معه على المهتدي وأركبوه فرساً، وانتهبوا القصر، ثم أدخلوا المهتدي دار ناجور " بالنون والجيم والراء على ما ضبطه في الأصل المنقول منه "، وهو يقول: يا موسى، ويحك ما تريد؟ فيقول: وتربة المتوكل لا ينالك سوء. ثم حلفوه لا يمالىء صالح ابن وصيف عليهم، وبايعوه فطلبوا صالحاً ليناً، ظروه على أفعاله فأخرج، وردوا المهتدي إلى داره، وبعد شهر قتل صالح.
(2/123)

وفي رجب قتل المهتدي بالله أمير المؤمنين محمد بن الواثق بالله هارون بن المعتصم محمد بن الرشيد العباسي. وكانت دولته سنة، وعمره نحو ثمان وثلاثين سنة. وكان مليح، الصورة ورعاً تقياً متعبداً عادلاً شجاعاً قوياً في أمر الله تعالى خليقاً للإمارة، لكنه لم يجد ناصراً ولا معيناً على الخير. وقيل: إنه سرد الصوم مدة أمرته، وكان يقنع بعض الليالي بخبز وخل، وزيت، وكان يشبه بعمر بن عبد العزيز، وورد أنه كان له جبة صوف وكساء يتعبد، فيهما لله، وكان قد سد باب الملاهي والغناء، وحسم الأمراء عن الظلم. وكان يجلس بنفسه، لعمل حساب الدواوين، ثم إن الأتراك خرجوا عليه، فلبس السلاح وشهر سيفه وحمل عليهم فأسروه وخلعوه، ثم قتلوه إلى رحمة الله، وأقاموا بعده المعتمد على الله.
وفيها توفي أبو عبد الله الزبير المعروف بابن بكار القرشي الأسدي الزبيري كان من أعيان العلماء، تولى قضاء مكة، وصنف الكتب النافعة منها " كتاب أنساب قريش " جمع فيه كثيراً، وعليه إعتماد الناس في معرفة أنساب القرشيين. وله مصنفات غيره دلت على فضله واطلاعه. روى عن ابن عيينة ومن في طبقته، وروى عنه ابن ماجة القزويني وابن أبي الدنيا وغيرهما، وتوفي بمكة وهو قاض عليها وعمره أربع وثمانون سنة.
وفي ليلة عيد الفطر منها توفي البخاري الحافظ الإمام قدوة الأنام وعالي المقام جامع أصح الكتب المصنفة في السنن والأحكام، إمام المحدثين وشيخ الإسلام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزية البخاري مولى الجعفيين صاحب الجامع الصحيح وغيره من التصانيف، ولد سنة أربع وتسعين ومائة، ورحل سنة عشرة ومائتين، فسمع مكي بن إبراهيم وأبا عاصم النبيل وخلائق عدتهم ألف شيخ، وكتب بخراسان والجبال والعراق والحجاز والشام ومصر، وقدم بغداد فاجتمع إليه أهلها واعترفوا بفضله بفضله وشهدوا بتفرده في علم الرواية والدراية.
وحكى أبو عبد الله الحميدي في كتاب " جذوة المقتبس " والخطيب في " تاريخ بغداد " البخاري لما قدم بغداد سمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا وأعدوا له مائة حديث، متونها وأسانيدها، وجعلوا متن كل واحد لإسناد آخر، ودفعوها إلى عشرة أنفس إلى كل واحد عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس يلقون ذلك على البخاري، وعين الموعد للمجلس، فحضر المجلس جماعة من أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خرسان وغيرها. ومن البغداديين، فلما اطمأن المجلس بأهله انتدب أو قال: ابتدر واحد لعشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر فقال: لا أعرفه، فما زال يلقي عليه واحد بعد واحد حتى فرغ من عشرة، ثم كذلك كل واحد من العشرة جعلوا يسألونه عن الأحاديث المذكورة واحد بعد واحد والبخاري يقول: لا
(2/124)

أعرفه. وكان الفقهاء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعضهم، ويقولون: الرجل منهم. وما كان منهم ضد ذلك يقضي على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الفهم، فلما علم البخاري أنهم فرغوا التفت إلى الأول منهم وقال: أما حديثك الأول فهو كذا، وأما الثاني فهو كذا، وكذلك الثالث والرابع وباقي أحاديثه إلى تمام العشرة على الولاء، يرد كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه. ثم كذلك فعل بكل واحد من التسعة حتى رتب المائة جميعها كل واحد منها في موضعه إسناداً ومتناً، فأقر له الناس بالحفظ فاعترفوا له بالفضل. وكان ابن صاعد إذا ذكره يقول: الكيس النطاح. ونقل الفربري عنه أنه قال: ما وضعت في كتابي الصحيح حديثاً إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين. وعنه أنه قال: صنفت كتابي الصحيح لست عشرة سنة، خرجته من ست مائة ألف حديث، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله تعالى. قلت: وسيأتي إن شاء الله تعالى أن سنن أبي داود خرجها من خمس مائة ألف حديث.
وقال الفربري: سمع صحيح البخاري يعني عليه تسعون ألف رجل، فما بقي أحد يروي عنه غيري. وممن روى عنه أبو عيسى الترمذي. وكانت ولادة البخاري يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة، وقيل اثنتي عشرة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة. وتوفي ليلة السبت عند صلاة العشاء ليلة عيد الفطر، ودفن يوم العيد بعد صلاة الظهر، رحمة الله عليه ورضوانه.

سبع وخمسين ومائتين
فيها وثب العلوي قائد الزنج والسودان على الأيلة، فاستباحها وأحرقها، وقتل بها نحو ثلاثين ألفاً، فساق العسكر لحربه سعيد لحاجب فالتقوا فانهزم سعيد واستحر القتل بأصحابه، ثم دخلت الزنج البصرة، وخربوا الجامع، وقتلوا بها اثني عشر ألفاً، وهرب باقي أهلها بأسوأ حال فخربت.
وفي السنة المذكورة توفي الحافظ المعمر أبو علي الحسن بن عرفة العبدي البغدادي المؤذن، وله مائة وسبع سنين. " والحافظ " زهير بن محمد المروزي ثم البغدادي كان من أولياء الله، قال البغوي: ما رأيت بعد أحمد بن حنبل أفضل منه، كان يختم في رمضان تسعين ختمة رحمة الله عليهم.
وفيها توفي الحافظ صاحب التصانيف أبو سعيد الأشجع الكندي الكوفي.
(2/125)

ثمان وخمسين ومائتين
فيها توفي الإمام أبو جعفر الباقي اليامي قاضي الكوفة ثم قاضي همدان، وكان صالحاً عادلاً في أحكامه، وكان يسمى راهب الكوفة بعبادته.
وفيها توفي الحافظ أحمد بن الفرات أحد الأعلام، صنف المسند والتفسير وقال: كتبت ألف ألف حديث وخمسمائة ألف حديث.
وفيها توفي الإمام الحافظ أحد الأعلام محمد بن يحيى الذهلي النيسابوري، سمع عبد الرحمن بن مهدي وطبقته، وأكثر الترحال، وصنف التصانيف، وكان الإمام أحمد يجله ويعظمه، وقال أبو حاتم: كان إمام أهل زمانه.
وفيها توفي الشيخ العارف بحر الحكم والمعارف واعظ عصره وحكيم زمانه بحيى بن معاذ الرازي، ومن كلامه: كيف يكون زاهداً من لا ورع له. تورع عما ليس لك ثم أزهد في مالك. وكان يقول: الجوع للمريدين رياضة، وللتائبين تجربة، وللزهاد سياسة، وللعارفين مكرمة. وقال: من لم ينظر في الدقيق من الورع لم يصل الجليل من العطاء. وفي هذا المعنى قلت:
جليل العطايا في دقيق التورع ... فدقق تنل عالي المقام المرفع
وتسلم من المحظور في كل حالة ... وتغنم من الخيرات في كل موضع
وتحمد جميل السعي بالفوز في غد ... فسارع إليه اليوم مع كل مسرع
ولا تك مثلي وابناً متخلقاً ... لجوهر عمر عن شر مضيع

تسع وخمسين ومائتين
فيها استفحل أمر يعقوب بن الليث الصفار، واستولى على اقليم خراسان وأسر محمد بن طاهر أمير خراسان، وفيها توفي الإمام الحافظ محمد بن يحيى الأسفرائني شيخ الحافظ أبي عوانة.
وفيها توفي أبو عبد الله محمد بن موسى بن شاكر أحد الإخوة الثلاثة الذين ينسب إليهم حيل بني موسى، وهم مشهورون بها، وأسماء إخوانه أحمد والحسن، وكانت لهم إليهم عالية في تحصيل العلوم القديمة وكتب الأوائل. وأتعبوا أنفسهم في شأنها، وكان الغالب عليهم من علوم الهندسة والحيل والحركات والموسيقى والنجوم، وهو الأقل. ولهم في الخيل كتاب عجيب نادر، يشتمل على كل غريبة، وهو مجلد واحد، وصفه ابن خلكان بكونه ممتعاً، ومما اختصوا به في ملة الإسلام، وأخرجوه من القوة إلى الفعل، وإن كان
(2/126)

أرباب الأرصاد المتقدمون قد فعلوه، لكنه لم ينقل أن أحداً من أهل هذه الملة تصدى له وفعله الأهم، وهو ما سيأتي ذكره في ترجمة الصولي في سنة خمس وثلاثين وثلاث مائة، وهو إيضاح مساحة كرة الأرض أربعة وعشرين ألف ميل استخراجاً من ارتفاع القطب، وكون كل درجة من درج الفلك يقابلها من سطح الأرض ستة وستون ميلاً وثلثا ميل بالعمل، ومشيهم في الأرض المستوية في جهة الشمال، كما سيأتي واضحاً في السنة المذكورة إن شاء الله تعالى.

ستين ومائتين
فيها صال يعقوب بن الليث، وجال، وهزم الشجعان والأبطال، وترك الناس بأسوأ حال. ثم قصدا الحسن بن زيد العلوي صاحب طبرستان، فالتقوا فانهزم العلوي، وتبعه يعقوب في تلك الجبال، فنزل على أصحاب يعقوب بلاء سماوي نزل عليهم ثلج عظيم أهلكهم، مات فيه أربعون ألفاً، فذهب عامة خيله وأمواله.
وفيها توفي الإمام أبو علي الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني الفقيه الحافظ صاحب الإمام الشافعي. روى عن ابن عيينة، وطبقته مثل وكيع بن الجراح ويزيد بن هارون، وروى عنه البخاري في صحيحه وأبو داود السجستاني والترمذي وغيرهم. والزعفراني بفتح الزاي وسكون العين المهملة وفتح الفاء والراء نسبة إلى الزعفرانة وهي قرية بقرب بغداد. ودرب الزعفراني في بغداد منسوب إلى الإمام المذكور، قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء: وفيه مسجد الشافعي، وهو المسجد الذي كنت أدرس فيه، ولله الحمد والمنة، يعني في درب الزعفراني، وكان الزعفراني: يتولى كتب الشافعي، وهو أحد رواة أقواله القديمة. ورواتها أربعة هو والإمام أحمد بن حنبل وأبو ثور والكرابيسي ورواة أقواله الجديدة ستة، المزني والبويطي وحرملة ويونس بن عبد الأعلى، والربيع بن سليمان الجيزي، والربيع بن سليمان المرادي، وكان الزعفراني من أذكياء العلماء، وبرع في الفقه والحديث، وصنف فيها كتباً، ولزم الإمام الشافعي حتى بحر وسار ذكره في الآفاق.
وفيها توفي الشريف العسكري أبو محمد الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى الرضا بن جعفر الصادق، أحد الأئمة الإثني عشر على اعتقاد الإمامية، وهو والد المنتظر عندهم صاحب السرداب، ويعرف بالعسكري، وأبوه أيضاً يعرف بهذه النسبة. توفي في يوم الجمعة سادس ربيع الأول، وقيل ثامنه. وقيل غير ذلك من السنة المذكورة، ودفن بجنب قبر أبيه بسر من رأى، وقد تقدم ذكر سبب هذه النسبة.
وفيها توفي حنين بن إسحاق العبادي الطبيب المشهور، كان إمام وقته في صناعة
(2/127)

الطب، وكان يعرف لغة اليونانيين معرفة تامة، وهو الذي عرب كتاب إقليدس، ونقله من لغة اليونانيين إلى لغة العرب، ثم نقحه ثابت بن قرة، وهذبه كما تقدم في ترجمته، وكذلك كتاب المجسطي، وأكثر كتب الحكماء والأطباء كانت بلغة اليونانيين، فعربت، وكان حنين المذكور أشد اعتناء بتعريبها من غيره، وعرب غيره أيضاً بعض الكتب، ولولا ذلك التعريب لما انتفع أحد بتلك الكتب، لعدم المعرفة بلسان اليونان. لا جرم، كل كتاب لم يعربوه باق على حالا لا ينتفع به إلا من عرف تلك اللغة، وكان المأمون مغرياً بتعريبها وتحريرها وإصلاحها، ومن قبله جعفر البرمكي وجماعة أهل بيته أيضاً، لهم بها اعتناء. لكن عناية المأمون كانت أتم وأوفر، ولحنين المذكور مصنفات في الطب مفيدة. قال ابن خلكان: ورأيت في كتاب أخبار الأطباء أن حنيناً كان في كل يوم عند نزوله من الركوب يدخل الحمام، فيصب على رأسه الماء، ويخرج فيلتف قطيفة، ويشرب قدح شراب يعني من شراب الفساق ويأكل كعكة، ويتكىء حتى ينشف عرقه وربما نام ثم يقوم ويتبخر، ويقدم له طعام فروج كبير مسمن، قد طبخ بزبرباج، ورغيف وزنه مائتا درهم، فيحس من المرقة، ويأكل الفروج والخبز وينام. فإذا انتبه شرب أربعة أرطال شراباً عتيقاً يعني من الشراب المصحح للأبدان الهادم للأديان فإذا اشتهى الفاكهة الرطبة أكل التفاح الشامي والسفرجل، وكان ذلك دأبه إلى أن مات.

إحدى وستين ومائتين
فيها توفي الحافظ أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي الكوفي، نزيل طرابلس المغرب صاحب التاريخ والجرح والتعديل.
وفيها توفي أبو شعيب السوسي صالح بن زياد مقرىء أهل الرقة وعالمهم، قرأ على يحيى اليزيدي، وروى عن عبد الله بن نمير وطائفة، وتصدر للإقراء، وحمل عنه طائفة.
وفيها توفي الشيخ الكبير الولي الشهير العارف بالله الخبير صاحب المقام العالي المشكور والحال الحالي المشهور أبو يزيد المسمى بطيفور بن عيسى، ذو الفضل السامي الفتى المعروف بالبسطامي، قيل له: بأي شيء وجدت هذه المعرفة؟ قال ببطن جائع، وبدن عار. وقيل: ما أشد ما لقيته في سبيل الله؟ فقال: لا يمكن وصفه. فقيل: ما أهون ما لقيت نفسك منك. فقال: أما هذا فنعم، دعوتها إلى شيء من الطاعات فلم تجب، فمنعتها الماء سنة. وكان يقول: لو نظرتم إلى رجل أعطى من الكرامات حتى يرتفع في الهوى، فلا تعتبروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود وآداب الشريعة. وله مقالات علية، وكرامات سنية، ومجاهدات عظيمة، وشيم كريمة. توفي سنة إحدى، وقيل أربع وستين ومائتين.
(2/128)

وبسطام بفتح الموحدة وسكون السين وبالطاء المهملتين وبعد الألف ميم بلدة مشهورة من أعمال قومس. ويقال أنه أول بلاد خراسان من جهة العراق والله أعلم ومن جلالته وعظم هيبته قضية مشهورة مع الشاب الذي قال له أبو تراب: لو رأيت أبا يزيد وقد ذكرتها في غير هذا الكتاب ومختصرها أنه لما رآه وقد خرج من غيضة مات الشاب، فقال أبو تراب لأبي يزيد: قتلت صاحبنا. فقال: لا، بل كان صاحبكم صادقاً، وكان مستوراً عنه حاله، فلما رآنا تجلى له حاله في مرآتنا، فلم يطق حمل بطاقة فمات. فقال أبو يزيد: أقمت في الزهد ثلاثة أيام، زهدت في اليوم الأول في الدنيا، وزهدت في اليوم الثاني في الآخرة، وزهدت في اليوم الثالث فيما سوى الله تعالى.
وفي السنة المذكورة توفي الإمام الحافظ مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، أحد أركان الحديث، وصاحب الصحيح وغيره. ومناقبه مشهورة، وسيرته مشكورة. رحل إلى العراق والحجاز والشام ومصر، وسمع يحيى بن يحيى النيسابوري، وأحمد بن حنبل. وإسحاق بن راهويه، وعبد الله بن مسلمة القعنبي وغيرهم، وقدم بغداد غير مرة، وروى عنه أهلها، وروي عنه أنه قال: صنفت هذا المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة. وقد اختلف أئمة الحديث المتأخرون في تفضيل الصحيحين، فالأكثرون منهم فضلوا صحيح البخاري على صحيح مسلم، وبعضهم فضلوا صحيح مسلم، حتى قال أبو علي النيسابوري: ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم في علم الحديث. قلت: والمعروف أن كتاب البخاري أفقه، وكتاب مسلم أحسن سياقاً للروايات.
وقال الخطيب البغدادي: كان مسلم يناضل البخاري حتى أوحش ما بينه وبين محمد بن يحيى الذهلي بسببه، وقال أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ: لما استوطن البخاري بنيسابور أكثر مسلم من الإختلاف إليه، فلما وقع بين محمد بن يحيى والبخاري ما وقع في مسألة اللفظ نادى عليه، ومنع الناس من الإختلاف إليه حتى هجر وخرج من نيسابور. في تلك المحنة قطعه أكثر الناس غير مسلم، فإنه لم يتخلف عن زيارته، فأنهي إلى محمد بن يحيى أن مسلم بن الحجاج على مذهبه قديماً وحديثاً لم يرجع عنه. فقال: في مجلسه إلا من قال باللفظ: فلا يحل له أن يحضر مجلسنا. وأخذ مسلم الرداء فوق عمامته، وقام على رؤوس الناس، وخرج من مجلسه. وجمع كل ما كان كتب منه، وبعث به على ظهر حمال إلى باب محمد بن يحيى، فاستحكمت بذلك الوحشة، وتخفف عنه وعن زيارته.
(2/129)

اثنتين وستين ومائتين
فيها لما عجز المعتمد على الله عن يعقوب بن الليث، كتب إليه بولاية خراسان وجرجان، فلم يرض يوافي باب الخليفة، وأضمر في نفسه الإستيلاء على العراق. وخاف المعتمد، فتحول عن سامراء إلى بغداد، وجمع أطرافه وتهيأ للملتقى. وجاء يعقوب في سبعين ألف فارس، فنزل واسط، فتقدم المعتمد، وقصده يعقوب، وقدم المعتمد أخاه الموفق يجهز الجيش، فالتقيا في رجب. واشتد القتال فوقعت الهزيمة على الموفق، ثم ثبت وشرعت الكسرة على أصحاب يعقوب، فولاه الأدبار واستبيح عسكرهم. وكسب أصحاب الخليفة ما لا يحد ولا يوصف، وخلصوا محمد بن طاهر الذي كان مع يعقوب في القيود، ودخل يعقوب إلى فارس، وخلع المعتمد على محمد بن طاهر أمير خراسان، ورده على عمله وأعطاه خمسمائة ألف درهم. وفي السنة المذكورة توفي الحافظ أحد الأعلام يعقوب بن شيبة الدوسي، صاحب المسند المعلل الذي ما صنف أحد أكبر منه، ولم يتمه.

ثلاث وستين ومائتين
فيها توفي الحافظ محمد بن علي بن ميمون الرقي العطار. قال الحاكم: كان إمام أهل الجزيرة في عصره.
والحسن بن أبي الربيع الجرجاني الحافظ.
والوزير عبد الله بن يحيى بن خاقان وزير المتوكل.

أربع وستين ومائتين
وفيها أغارت الزنج على واسط، وهرب أهلها حفاة عراة، ونهبت ديارهم، وأحرقت فسار لحربهم الموفق.
وفيها غزا المسلمون الروم، وكانوا أربعة آلاف عليهم ابن كافور فلما نزلوا بعض المنازل تبعهم البطارقة وأخدقوا بهم، فلم ينج منهم إلا خمسمائة، واستشهد الباقون.
وفيها توفي أحمد بن يوسف السلمي النيسابوري الحافظ. كان ممن رحل إلى اليمن، وأكثر عن عبد الرزاق وطبقته، وكان يقول: كتبت عن عبد الله بن موسى ثلاثين ألف حديث.
(2/130)

وفيها توفي أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم القرشي مولاهم الرازي الحافظ، الأئمة الأعلام، في آخر يوم من السنة. رحل وسمع من أبي نعيم والقعنبي وطبقتهما. قال أبو حاتم: لم يخلف بعده مثله علماً وفقهاً وصيانة وصدقاً. وهذا ممن لا يرتاب فيه، ولا أعلم من المشرق والمغرب من كان يفهم هذا الشأن مثله. وقال إسحاق بن راهويه: " حديث لا يحفظه أبو زرعة ليس له أصل.
وفيها توفي الإمام أبو موسى يونس بن عبد الأعلى المصري الفقيه المقرىء المحدث. روى عن ابن عيينة وابن وهب، وتفقه على الشافعي، وأخذ عنه الحديث. وكان الشافعي يصف عقله ويقول: ما رأيت بمصر أعقل منه، وقرأ القرآن على ورش، وتصدر للإقراء والفقه، وكان ورعاً صالحاً عابداً كبير الشأن، وروى القراءة عنه من الأئمة جماعة منهم محمد بن إسحاق بن خزيمة، ومحمد بن جرير الطبري الإمامان الجليلان وغيرهما وكان محدثاً جليلاً من أفاضل أهل زمانه، وكان من العقلاء، ذكر ذلك عنه أبو عبد الله القضاعي، وروى غير القضاعي أن يونس روى عنه الإمام مسلم بن الحجاج القشيري، وأبو عبد الرحمن النيسابوري، وأبو عبد الله بن ماجة وغيرهم من أئمة الحديث الكبار. وقال قاضي مصر محمد بن الليث: لما عزم القاضي بكار لما ولي، وقد استشاره في من يشاوره عليك برجلين: أحدهما عاقل وهو يونس بن عبد الأعلى، فإني سعيت في دمه، فقدر فحقن دمي. والآخر أبو هارون موسى بن عبد الرحمن بن القاسم، فإنه رجل زاهد، فقال بكار: صف لي الرجلين، فوصفهما، فلما دخل مصر ودخل عليه الناس عرفهما فرفهما وقيل: إن موسى المذكور اختص به القاضي بكار، وكان يتبرك به لزهده، فقال له يوماً: أبا هارون، من أين المعيشة؟. فقال: من وقف وقفه أبي، فقال له بكار: يكفيك، قال: تكفيت به. وقال: قد سألني القاضي فأريد أن أسأله، قال: سل، قال: هل ركب القاضي دين بالبصرة حتى تولى بسببه القضاء؟ قال: لا. قال: فهل رزق ولداً أحوجه إلى ذلك قال: لا، ما نكحت قط. قال: فلك عيال كثير؟. قال: لا، قال: فهل أجبرك السلطان وعرض عليك العذاب وخوفك؟ قال: لا. قال: فضربت آباط الإبل من البصرة لغير حاجة ولا ضرورة. قال: لله علي، لا دخلت عليك أبداً، فقال: يا أبا هارون، أقلني، قال: أنت بدأت بالمسألة ولو سكت لسكت، ثم انصرف عنه ولم يعد إليه بعدها.
وقال يونس: قال لي الشافعي: دخلت بغداد؟ فقلت: لا، فقال: ما رأيت الدنيا، ولا رأيت الناس.. وتوفي يونس بمصر، ودفن بالقرافة.
(2/131)

وفيها توفي الفقيه الإمام أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني المصري الشافعي.
وكان زاهداً عابداً مجتهداً محجاجاً غواصاً على المعاني الدقيقة، اشتغل عليه خلق كثير، وقال الشافعي في صفة المزني: ناصر مذهبي. وهو إمام الشافعيين وأعرفهم بطريق الشافعي وفتاواه وما ينقله عنه. صنف كتباً كثيرة منها: " الجامع الكبير "، و " الجامع الصغير "، و " مختصر المختصر "، و " المنثور "، و " المسائل المعتبرة "، و " الترغيب في العلم "، " وكتاب الوثائق "، وغير ذلك. وكان إذا فرغ من مسألة وأودعها مختصره قام إلى المحراب، وصلى ركعتين شكراً لله تعالى. وقال أبو العباس بن شريح: يخرج مختصر المزني من الدنيا عذراء لم تفتض. وهو أصل الكتب المصنفة في مذهب الشافعي، وعلى مثاله رتبوا وبكلامه فسروا وشرحوا.
ولما ولي القضاء بكار بن قتيبة بمصر، وجاءها من بغداد، وكان حنفي المذهب، توقع الإجتماع بالمزني مئة فلم يتفق، واجتمعا يوماً في صلاة جنازة فقال القاضي بكار لبعض أصحابه: سل المزني شيئاً حتى أسمع كلامه، فقال له ذلك الشخص: يا أبا إبراهيم، قد جاء في الحديث تحريم النبيذ، وجاء تحليله، فلم قدمتم التحريم على التحليل؟. فقال المزني: لم يذهب أحد من العلماء إلى أن النبيذ كان حراماً في الجاهلية ثم حلل، ووقع الإتفاق على أنه كان حلالاً، فهذا يعضد صحة الأحاديث بالتحريم، فاستحسن ذلك منه وقيل: وهذا من الأدلة القاطعة.
وكان في غاية من الورع، وبلغ من احتياطه أنه كان يشرب في جميع فصول السنة من
كوز نحاس، فقيل له في ذلك فقال: بلغني أنهم يستعملون السرجين في الكيزان، والنار لا بطهر ذلك، وقيل: إنه إذا كان فاته الصلاة في جماعة، صلى منفرداً خمساً وعشرين صلاة استدراكاً لفضيلة الجماعة، مستنداً في ذلك إلى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين درجة "، وكان من الزهد على طريقة صعبة شديدة، وكان مجاب الدعوة، ولم يكن أحد من أصحاب الشافعي يحدث نفسه قدم عليه في شيء من الأشياء، وهو الذي تولى غسل الشافعي، وقيل: كان معه أيضاً الربيع، ومناقبه كثيرة. والمزني نسبة إلى مزينة بنت كلب، وفاته لست بقين من رمضان، ودفن بالقرب من تربة الشافعي بالقرافة الصغرى رحمة الله عليهما.

خمس وستين ومائتين
فيها توفي الشيخ الكبير العارف بالله الشهير أبو حفص الحداد النيسابوري، شيخ
(2/132)

خراسان. كان كبير الشأن صاحب أحوال وكرامات وسمو في المقامات، وكان عجباً في الجود والسماحة. ويقول: ما استحق اسم السخاء من ذكر العطاء، أو لمحه بقلبه. وقد نفد مرة بضعة عشر ألف دينار يستفك بها أسارى، وبات وليس له عشاء، ومن كلامه: حسن أدب الظاهر عنوان حسن أدب الباطن. والفتوة أداء الإنصاف، وترك مطالبة الإنتصاف. وقال: من لم يزن أفعاله وأحواله كل وقت بالكتاب والسنة، ولم يتهم خواطره، فلا تعده في ديوان الرجال.
وفيها توفي محمد بن الحسن العسكري بن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضى بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق العلوي الحسيني، أبو القاسم الذي تلقبه الرافضة بالحجة وبالقائم وبالمهدي وبالمنتظر، وبصاحب الزمان. وهم ينتظرون ظهوره في آخر الزمان من السرداب، وهو عندهم خاتم الأثني عشر الإمام. وضلال الرافضة ما عليه مزيد، فإنهم يزعمون أنه داخل السرداب الذي بسر من، رأى، وأمه تنظر إليه، فلم يخرج إليها، وذلك في سنة خمس وستين، وقيل ست وخمسين ومائتين وهو الأصح، فاختفى إلى الآن، وكان عمره لما عدم تسع سنين، وقيل أربع سنين، وقيل غير ذلك في سنه، وفي السنة التي عدم فيها. وهم ينتظرون ضالته منذ خمس مائة سنة، وما وجدوها ولا يجدونها.
قلت: والمهدي الذي وردت به الأخبار، اسمه محمد بن عبد الله، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: " يواطي اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي "، وقد أوضحت فساد مذهبهم، وما هم عليه من الضلالة والخرافات والمحال في " كتاب المرهم في علم الأصول ".
وفي السنة المذكورة توفي الإمام العلامة محمد بن سحنون المغربي المالكي، مفتي القيروان، تفقه على أبيه، وكان بارعاً مناظراً كثير التصانيف، معظماً بالقيروان، خرج له عدة أصحاب، وما خلف بعده مثله.
وفيها توفي يعقوب بن الليث الصفار الذي غلب على بلاد المشرق، وهزم الجيوش. وقام بعده أخوه عمرو بن ليث، وكانا شابين صفارين فيهما شجاعة مفرطة، فصحبا صالح بن النضر الذي كان يقاتل الخوارج بسجستان، فآل أمرهما إلى الملك، ولما مات يعقوب قام بعده أخوه بالعدل والدخول في طاعة الخليفة، وامتدت أيامه. وكان موت يعقوب بالقولنج. وكتب على قبره: هذا قبر يعقوب المسكين. وقيل أن الطبيب قال: لا دواء لك إلا الحقنة، فامتنع منها وخلف أموالاً عظيمة من الذهب ألف ألف دينار ومن المراهم خمسين، ألف درهم.
(2/133)

ست وستين ومائتين
فيها توفي الحافظ أحد أذكياء المحدثين أبو إسحاق إبراهيم بن أرومة الأصفهاني.
وفيها توفي محمد بن شجاع فقيه العراق، وشيخ الحنفية. تفقه بالحسن بن زياد اللؤلؤي، وصنف واشتغل، وتوفي ساجداً في صلاة العصر، وله نحو من تسعين سنة، رحمة الله عليه.

سبع وستين ومائتين
فيها برز قائد الزنج في ثلاثمائة ألف فارس وراجل، والمسلمون في خمسين ألفاً، وفصل النهر بين الجيشين، فلم يقع بينهم واقعة. وكان قبل ذلك قد هزم الموفق الزنج وقائدهم العلوي غائب عنهم فلما جاءته الأخبار بهزيمة جنوده إختلف إلى الكنيف مراراً وتقطعت كبده.
وفيها توفي يحيى بن محمد بن عبد الله الذهلي الحافظ شيخ نيسابور بعد أبيه، وكان أمير المطوعة المجاهدين.
وفيها توفي الحافظ أبو بشر إسماعيل بن عبد الله العبدي الأصفهاني.

ثمان وستين ومائتين
فيها توفي الحافظ أبو الحسن أحمد بن سيار المروزي، مصنف تاريخ مرو، وكان يشبه في عصره بابن المبارك علماً وزهداً، وكان صاحب وجه في مذهب الشافعي، أوجب الأذان للجمعة، والحافظ عيسى بن أحمد العسقلاني.
وفيها توفي الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري مفتي الديار المصرية، تفقه بالشافعي وأشهب، وروى عن ابن وهب وغيره من أصحاب الإمام مالك، فلما قدم الإمام الشافعي مصر، صحبه وتفقه عليه، وحمل في المحنة إلى القاضي أحمد بن أبي دؤاد الإيادي في بغداد، فلم يجب إلى ما طلب منه، فرد إلى مصر، وانتهت إليه الرئاسة بها. روى عنه أبو عبد الرحمن النسائي في سننه. وقال المزني: قال الشافعي: رددت لو أن لي ولداً مثله وعلي ألف دينار لا أجد لها قضاء.
وحكى عن محمد المذكور قال: كنت أتردد إلى الشافعي، فاجتمع قوم من أصحابنا
(2/134)

إلى أبي، وكان على مذهب مالك، فقالوا:. يا أبا محمد، إن محمداً ينقطع إلى هذا الرجل، ويتردد إليه الناس، إن هذا رغبة عن مذهب أصحابنا، فجعل أبي يلاطفهم ويقول: هو حدث، ويحب النظر في اختلاف أقاويل الناس ومعرفة ذلك، ويقول: لي في السر: يا بني، الزم هذا الرجل، فإنك لو جاوزت هذا البلد فتكلمت في مسائل، فقلت فيها: قال أشهب، لقيل لك من أشهب. قال: فلزمت الشافعي، فلما قدمت بغد، قلت في مسألة: قال أشهب عن مالك، فقال القاضي بحضرة جلسائه كالمنكر: ما أعرف أشهب قال: ابن خزيمة، ما رأيت أعرف بأقاويل الصحابة والتابعين منه. وقال غيره: له مصنفات كثيرة.

تسع وستين ومائتين
توفي إبراهيم بن منقذ الخولاني المصري صاحب ابن وهب وتوفي الأمير عيسى بن شيخ الذهلي، وكان قد ولي دمشق، فأظهر الخلاف، وأخذ الخزائن، وغلب على دمشق، فجاء عسكر المعتمد، فالتقاهم ابنه ووزيره، فهزموا، فقتل ابنه، وصلب وزيره، وهزم عيسى، ثم استولي على آمل وديار بكر مدة.

سبعين ومائتين
فيها التقى المسلمون وقائد الزنج الخبيث، واجتمع مع الموفق نحو ثلاث ألف مقاتل، فالتقى الخبيث إلى جبل، ثم تراجع هو وأصحابه إلى مدينتهم، فحاربهم المسلمون فانهزم الخبيث وأصحابه، وتبعهم أصحاب الموفق يقتلون ويأسرون، ثم استقبل هو وفرسانه، وحملوا على الناس فأزالوهم، فحمل عليه الموفق والتحم القتال، فإذا بفارس قد أقبل ورأس الخبيث في يده، فلم يصدقه الموفق، فعرفه جماعة من الناس، فحينئذ ترتجل الموفق وابنه المعتضد والأمراء، فخروا سجداً لله، وكبروا، وسار الموفق فدخل بالرأس بغداد، وعملت القباب " بالموحدة أو قال القنان بالنون " وكان يوماً مشهوداً، وشرعوا يتراجعون الأمصار التي أخذها الخبيث. وكانت أيامه خمس عشرة سنة، قال بعض المؤرخين: قتل من المسلمين ألف ألف وخمس مائة ألف، وقتل في يوم واحد بالبصرة ثلاثمائة ألف، وكان الخبيث خارجياً يسب عثمان وعلياً ومعاوية وعائشة، رضي الله تعالى عنهم، وقيل كان زنديقاً يتستر بمذهب الخوارج.
(2/135)

وفي السنة المذكورة توفي أمير الديار المصرية والشامية: أبو العباس أحمد بن طولون، وكان له أربعة عشر ألف مملوك، وكان كريماً جواداً شجاعاً مهيباً حازماً لبيباً، كان المعتز بالله قد ولاه مصر، ثم استولي على دمشق والشام أجمع وأنطاكية والثغور في مدة استعمال الموفق ابن المتوكل، وكان نائباً عن أخيه المعتمد على الله. وكان ابن طولون المذكور حسن السيرة ناقد البصيرة، يباشر الأمور بنفسه، ويعمر البلاد، ويتفقد أحوال الرعايا، ويصلح الفساد، ويحب أهل العلم ويحسن فيهم الإعتقاد. وكانت له مائدة يحضرها الخاص والعام في كل يوم من الأيام، وكان له في كل شهر ألف دينار للصدقة، فقال له وكيله: تأتيني المرأة وعليها الإزار وفي يدها خاتم الذهب، فتطلب مني فأعطيها، فقال، من مد يده إليه فاعطه، قال القضاعي: وكان طائش السيف، فأحصي من قتله صبراً ومن مات في سجنه، فكان عددهم ثمانية عشر ألفاً، وكان يحفظ القرآن الكريم، وكان كثير التلاوة حسن الصوت، وكان أبوه من مماليك المأمون. ملك أبو العباس المذكور الديار المصرية ست عشرة سنة، وبنى الجامع المنسوب إليه بين القاهرة ومصر في سنة تسع وخمسين ومائتين، على ما حكاه الفرغاني. وذكر القضاعي أنه شرع في عمارته في سنة أربع وستين، وفرغ منه في ستة وستين ومائتين، وأنفق على عمارته مائة ألف وعشرين ألف دينار، على ما حكاه بعضهم. وطولون بسكون الواوين وضم اللام بينهما والطاء المهملة وفي آخره نون وهو اسم تركي.
وفيها توفي أبو محمد الربيع بن سليمان المرادي مولاهم المؤذن المصري، صاحب الإمام الشافعي، روى أكثر كتبه القائل في حقه الشافعي: الربيع راويتي. وقال: ما أخذ مني أحد ما أخذ مني الربيع. وكان يقول له: يا ربيع، لو أمكنني أن أطعمك العلم لأطعمتك. وحكى الخطيب في تاريخه قال الربيع بن سليمان المرادي: كنا جلوساً بين يدي الشافعي، أنا والبويطي والمزني، فنظر إلى البويطي وقال: ترون هذا، إنه لن يموت إلا في الحديدة، ثم نظر إلى المزني فقال: ترون هذا، أما أنه سيأتي عليه زمان لا يفسر شيئاً فيخبطه، ثم نظر إلي وقال: إنه ما في القوم أحد أنفع لي منه، ولوددت أني حسوته العلم.
وفي رواية أخرى أنه قال لإبن عبد الحكم: وأما أنت يا فلان، فسترجع إلى مذهب مالك، والربيع هذا آخر من روى عن الشافعي بمصر، توفي في عشرة المائة، وكان إماماً ثقة صاحب حلقة بمصر. قال ابن خلكان: رأيت بخط الحافظ عبد العظيم المنذري شعراً للربيع
(2/136)

المذكور وهو:
صبراً جميلاً ما أسرع الفرجا ... من صدق الله في الأمور نجا
من خشي الله لم ير له أذى ... ومن رجا الله كان حيث رجا
وفيها توفي أبو محمد الربيع بن سليمان الجيزي صاحب الإمام الشافعي، لكنه كان قليل الرواية عنه، وكان ثقة. روى عنه أبو داود والنسائي. وتوفي في ذي الحجة من السنة المذكورة بالجيزة، وقبره بها كذا قاله القضاعي.
وفيها توفي داود بن علي الفقيه، الإمام الأصبهاني الظاهري صاحب التصانيف، سمع القعنبي وسليمان بن حرب وطبقتهما، وتفقه على أبي ثور وابن راهوية وكان زاهداً وناسكاً متقللاً كثير الورع، وكان من كثر الناس تعصباً للإمام الشافعي، وصنف في فضائله والثناء عليه كتابين، وكان صاحب مذهب مستقل بنفسه، وتبعه جمع كثير يعرفون بالظاهرية. وكان ولده أبو بكر على مذهبه، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى وانتهت إليه رياسة العلم ببغداد، وقيل: كان يحضر مجلسه أربعمائة طيلسان أخضر، قال داود: حضر مجلسي يوماً أبو يعقوب البويطي، وكان من أهل البصرة، وعليه أخرقتان، فتصدر لنفسه من غير أن يجلسه أحد، وجلس إلي جانبي وقال: سل عما بدا لك؟. فكأني أغضبت منه فقلت له مستهزئاً: أسألك عن الحجامة، فبرك، ثم روى طريق " أفطر " الحاجم والمحجوم ومن أرسله ومن أسنده ومن وقفه، ومن ذهب إليه من الفقهاء. وروى اختلاف طريق احتجام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأعطى الحجام أجره، ولو كان حراً، ما لم يعطه. وروى بطريق أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم احتجم بقرن، وذكر الأحاديث الصحيحة في الحجامة، ثم ذكر الأحاديث المتوسطة. مثل: ما مررت بملأ من الملائكة، ومثل: شفاء أمتي في ثلاث، وذكر الأحاديث الضعيفة مثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تحتجموا يوم كذا ولا ساعة كذا. ثم ذكر ما ذهب إليه أهل الطب من الحجامة في كل زمان، وما ذكروه فيها، ثم ختم كلامه بأن قال: أول ما خرجت الحجامة من أصفهان. فقلت له: والله لا أحقرن بعدك أحداً أبداً. وكان داود من عقلاء الناس، قال أبو العباس ثعلب في حقه: كان عقل داود كثر من علمه. وتوفي في ذي القعدة، وقيل في شهر رمضان، وقال ولده أبو بكر: رأيت أبي في المنام فقلت: ما فعل الله بك. فقال: غفر لي وسامحني. فقلت: غفر لك، فبم سامحك. فقال: يا بني، الأمر عظيم، والويل كل الويل لمن لم يسامح.
وفيها توفي محمد بن إسحاق الصاغاني البغدادي الحافظ الحجة.
(2/137)

وفيها توفي القاضي بكار بن قتيبة الثقفي، يرجع في نسبه إلى الحارث بن كلدة الثقفي الصحابي، كان بكار حنفي المذهب، تولى القضاء بمصر، وله مع ابن طولون صاحب مصر وقائع، وكان يدفع إليه كل سنة ألف دينار، غير المقرر له، فيتركها بختمها، ولا يتصرف فيها، فدعاه إلى خلع الموفق ابن المتوكل من ولاية العهد، وهو والد المعتضد، فامتنع القاضي بكار من ذلك، فاعتقله ابن طولون، ثم طالبه بجملة المبلغ الذي كان يأخذه كل سنة، فحمله إليه بختمه، وكان ثمانية عشر كيساً، فاستحيي أحمد منه، وكان يظن أنه أخرجها، وأنه يعجز عن القيام بها، فلهذا طالبه، وأمره أن يسلم القضاء إلى محمد بن شاذان الجوهري، ففعل وجعله كالخليفة له، وبقي مسجوناً مدة سنين، وكان يحدث في السجن من طاق فيه، بعد أن استأذن أصحاب الحديث، وشكوا إلى ابن طولون انقطاع السماع، وكان ابن بكار أحد البكائين والتالين لكتاب الله عز وجل، وكان إذا فرغ من الحكم حاسب نفسه، وعرض عليه القصص التي حكم فيها، ويقول: يا بكار ما يكون جوابك غداً؟. وتوفي مسجوناً وهو باق على القضاء رحمة الله عليه.

إحدى وسبعين ومائتين
كان ابن طولون قد خلع الموفق من ولاية العهد ومات، وقام بعده ابنه خمارويه على ذلك، فجهز الموفق ولده أبا العباس المعتضد في جيش كثير، وولاه مصر والشام. فسار حتى نزل بفلسطين، وأقبل خمارويه، فالتقى الجمعان بفلسطين، وحمي الوطيس، حتى جرت الأرض بالدماء، ثم انهزم خمارويه إلى مصر، ونهبت خزائنه، وكان سعد الأعسر كميناً لخمارويه، فخرج على المعتضد وجيشه، وهم غازون، فأوقعوا به، فانهزموا حتى وصلوا طرسوس في نفر يسير، وذهبت أيضاً خزائنه، حواها سعد وأصحابه.
وفي السنة المذكورة توفي عباس بن محمد الحافظ أبو الفضل مولى بني هاشم. ومحمد بن حماد الظهراني الرازي الحافظ. ويوسف بن سعيد الحافظ محدث المصيصة.
وفيها توفيت بوران بنت الحسن بن سهل، زوجة المأمون، وقد تقدم ذكر زواجها منه، وما عمل أبوها من الولائم والنثار والإنفاق في عرسها في سنة اثنتين ومائتين، ولم تزل
(2/138)

في صحبة المأمون إلى أن توفي عنها سنة ثمان عشرة ومائتين، وعاشت بعده إلى إحدى وسبعين ومائتين، وعمرها ثمانون سنة.

اثنتين وسبعين ومائتين
فيها توفي الحافظ أبو معين الرازي، الحسين بن الحسن. والحافظ سليمان بن يوسف محدث حران وشيخها. وأبو معشر المنجم، وكان بارعاً في فنه ماهراً فيه. وله عدة تصانيف، وكانت له إصابات عجيبة. حكي أنه كان متصلاً بخدمة بعض الملوك، وأن ذلك الملك طلب رجلاً من أكابر دولته ليعاقبه، فاستخفى، وعلم أن المنجم المذكور يدل عليه بالطريق الذي يستخرج به الخبايا، فأراد أن يعمل شيئاً لا يهتدي إليه، فأخذ طشتاً وعمل فيه دماً، وجعل في الدم هاون ذهب. وقعد على الهاون أياماً. وبالغ في طلبه الملك، فلم يجده، وعند العجز أحضر المنجم وسأله عن موضعه، فعمل العمل الذي يستخرج به في العادة، وسكت زماناً حائراً، فقال له الملك: ما سبب سكوتك وحيرتك. قال: أرى شيئاً عجباً، قال: وما هو؟ قال: أرى المطلوب على جبل من ذهب، والجبل في بحر من دم، ولا أعلم في العالم موضعاً على هذه الصفة. فقال له: أعد نظرك وجد، فأخذ الطالع، وفعل ثم قال: ما أراه إلا كما ذكرت. فلما أيس الملك من القدرة عليه بهذه الطريق، ناس في البلد بالأمان للرجل ولمن أجاءه. فلما وثق بأمانه ظهر وحضر، فسأله عن الموضع الذي كان فيه، فأخبره، فأعجبه حسن احتياله، ولطافة المنجم في استخراجه والفقيه الأديب الأوحد، أحد أوعية العلم محمد بن عبد الوهاب العبدي النيسابوري. والحافظ محمد بن عوف الطائي محدث حمص.
وفيها توفي سليمان بن وهب، كان شاعراً بليغاً مرسلاً فصيحاً، وله ديوان رسائل، وقد مدحه أبو تمام والبحتري، وحكي أنه بلغه يوماً أن الواثق نظر إلى أحمد بن الخطيب الكاتب فأنشد:
من الناس إنسانان ديني عليهما ... مليحان لو شاءا لقد صدقاني
خليلي أما أم عمر فإنها ... وأما عن الأخرى فلا تسألاني
فقال أحمد بن الخصيب بن عمرو، وأما الآخر فأنا. وكذلك كان. فإنه يكتبهما بعد أيام، ولما تولى سليمان بن وهب الوزارة وقيل تولاها ابنه عبد الله بن سليمان، كتب إليه عبد الله بن عبد الله بن طاهر:
(2/139)

أبي دهرنا إسعافنا في نفوسنا ... وأسعفنا فيمن تحب وتعظم
فقلت له: نعماك فيهم أتمها ... ودع أمرنا إن المهم المقدم

ثلاث وسبعين ومائتين
فيها توفي حنبل بن إسحاق أبو علي الحافظ ابن عم الإمام أحمد وتلميذه.
والحافظ الكبير محمد بن يزيد بن ماجة القزويني، صاحب السنن والتفسير والتاريخ.
كان إماماً في الحديث، عارفاً بعلومه وجميع ما يتعلق به، ارتحل إلى العراق والبصرة والكوفة وبغداد ومكة والشام ومصر والري لكتب الحديث. وكتابه في الحديث أحد الكتب الستة التي هي أصول الحديث وأمهاته. قلت: هكذا قال الذهبي: وهو مذهب بعض المحدثين ومذهب بعضهم، وبه قال الشيخ محيي الدين النواوي رحمه الله، إن أمهات الحديث خمسة: صحيحا البخاري ومسلم، وسنن أبي داود والترمذي والنسائي. والذين قالوا هي ستة اختلفوا، فبعضهم يقول: السادس هي سنن ابن ماجة المذكور، وبعضهم يقول هو الموطأ.
وفيها توفي صاحب الأندلس محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام الأمير الأموي، وكانت ولايته خمساً وثلاثين سنة، وكان فقيهاً عالماً فصيحاً مفوهاً، رافعاً لعلم الجهاد، قال الإمام الحافظ، بقي بن مخلد: ما رأيت ولا سمعت أحداً من الملوك أفصح منه ولا أعقل، وقال أبو مظفر ابن الجوزي: وهو صاحب وقعة وادي سليط التي لم يسمع بمثلها، يقال أنه قتل فيها ثلاثمائة ألف فارس.

أربع وسبعين ومائتين
فيها توفي خلف بن محمد الواسطي الحافظ، وعبد الملك بن عبد الحميد الفقيه الميموني. ومحمد بن عيسى المدايني رحمة الله عليهم.

خمس وسبعين ومائتين
فيها توفي أبو بكر المروزي، وكان أجل أصحاب الإمام أحمد، وكان إماماً في
(2/140)

الفقه والحديث كثير التصانيف، خرج مرة من الرباط فشيعه نحو خمسين من بغداد إلى سامراء.
وفيها توفي الإمام الكبير الحافظ سليمان بن الأشعث، أبو داود السجستانى الأزدي، أحد أئمة الحديث وحفاظه ومعرفة علمه وعلله، وكان في الدرجة العاليه من النسك والصلاح، طوف البلاد وكتب عن العراقيين والخراسانيين والشاميين والمصريين والحجازيين والحرميين، وجمع كتاب السنن، قديماً، فربما عرضه. على الإمام أحمد بن حنبل فاستجازه واستحسنه. وعده الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء، من أصحاب الإمام أحمد بن حنبل. وقال إبراهيم الحربي: لما صنف أبو داود كتاب السنن ألين لأبي داود الحديث كما ألين لداود عليه السلام الحديد. وكان يقول: كتبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب يعني السنن، جمعت فيه أربعة آلاف وثمان مائة حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه، ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث: أحدها قول النبي صلى الله عليه وسلم: " الأعمال بالنيات "، والثاني قوله: " ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه "، والثالث قوله: " لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه "، والرابع قوله: " الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات ". الحديث بكماله، وجاءه الشيخ الكبير الوالي الشهير العارف بالله الخبير سهل بن عبد الله التستري، فقيل له: يا أبا داود، هذا شهل عبد الله، قد جاءك زائراً. قال فرحب به وأجلسه فقال: يا داود، لي إليك حاجة، قال: هي؟ قال: تقول قضيتها، قال: قضيتها مع الإمكان. قال: اخرج لسانك الذي حدثت به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى أقبله، فأخرج لسانه فقبله، توفي رضي الله تعالى عنه يوم الجمعة منتصف شوال من السنة المذكورة. وكان رأساً في الحديث، رأساً الفقه، ذا جلالة وحرمة وصلاح وورع، حتى كان يشبه شيخه أحمد بن حنبل، رحمة الله عليهم.

ست وسبعين ومائتين
فيها توفي الإمام الحافظ أبو عبد الرحمن بقي بن مخلد الأندلسي، أحد الأعلام سمع يحيى بن يحيى، ويحيى بن بكير، وأحمد بن حنبل وطبقتهم، وصنف التفسير الكبير والمسند الكبير. قال ابن حزم أقطع. إنه لم يؤلف في الإسلام مثل تفسيره. وكان بقي بن
(2/141)

مخلد علامة فقيهاً مجتهداً صواماً قواماً متبتلاً عديم المثل.
وفيها توفي الإمام الحافظ أحد العباد أبو قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي البصري إنه كان يصلي في اليوم والليلة أربعمائة ركعة، ويقال إنه روى من حفظه ستين ألف حديث.
وفيها توفي محدث الأندلس قاسم بن محمد بن قاسم الأموي مولاهم الفقيه، تفقه على الحارث بن مسكين وابن عبد الحكم، وكان مجتهداً لا يقلد. قال رفيقه بقي بن مخلد: هو أعلم من ابن عبد الحكم. وقال ابن عبد الحكم: لم يقدم علينا من الأندلس أعلم من قاسم.
وفيها توفي محدث مكة أبو جعفر محمد بن إسماعيل الصائغ. ومحدث دمشق أبو القاسم يزيد بن محمد بن عبد الصمد. ومحدث الكوفة أبو عمرو ومحمد بن حازم الغفاري الحافظ.
وفيها توفي أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، وقيل المروزي الإمام صاحب " كتاب المعارف "، و " أدب الكاتب " كان فاضلاً ثقة، سكن بغداد وحدث بها عن إسحاق بن راهويه وأبي إسحاق إبراهيم بن سفيان الزيادي وأبي حاتم السجستاني وتلك الطبقة. وروى عنه ابنه أحمد وابن درستويه الفارسي، وله تصانيف كلها مفيدة، منها ما تقدم ومنها " غريب القرآن الكريم "، و " غريب الحديث "، و " عيون الأخبار "، و " مشكل القرآن "، و " مشكل الحديث "، و " طبقات الشعراء "، و " الأشربة "، و " إصلاح الغلط "، و " كتاب النفقة "، و " كتاب الخيل، و " كتاب إعراب القرآن "، و " كتاب الأنوار "، و " كتاب المسائل والجوابات "، و " كتاب الميسر والقداح " وغير ذلك. توفي في أول ليلة من رجب وقيل منتصف رجب من السنة المذكورة، وقيل سنة إحدى وسبعين، وقيل بل سنة سبعين، وكان موته فجأة، صاح صيحة سمعت من بعد، ثم أغمي عليه ومات، وقيل: أكل هريسة فأصابته حرارة، فصاح صيحة شديده ثم أغمي عليه إلى وقت الظهر، ثم اضطرب ساعة ثم هدأ، فما زال يتشهد إلى وقت السحر ثم مات. قلت: وقد تقدم ما قيل أن أكثر أهل العلم يقولون: " أدب الكاتب " خطبة بلا كتاب و " إصلاح المنطق "، كتاب بلا خطبة. قال ابن خلكان: وهذا فيه نوع تعصب عليه، فإن " أدب الكاتب " قد حوى على كل شيء، وهو مفنن، وما أظنهم حملهم على هذا القول، إلا أن خطبته طويلة، والإصلاح فيه قصير الخطبة، واسم كتابه المذكور " الاقتضاب في شرح أدب الكتاب ".
(2/142)

سبع وسبعين ومائتين
فيها توفي حافظ المشرق أبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلي الرازي في شعبان وكان بارع الحفظ واسع الرحلة، من أوعية العلم جارياً في مضمار البخاري وأبي الرازي رحمة الله عليهم.

ثمان وسبعين ومائتين
فيها مبدأ ظهور القرامطة بسواد الكوفة، وهم خوارج زنادقة مارقون من الدين وفيها توفي الموفق بن المتوكل، ولي عهد أخيه المعتمد، وكان ملكاً مطواعاً وشجاعاً ذا بأس وأيد ورأي وحزم، حارب الزنج حتى أبادهم، وقل طاغيتهم، وكان الجيوش إليه، ومحبباً إلى الخلق، وكان المعتمد مقهوراً معه، اعتراه نقرس فبرح به وأصاب رجله داء الفيل. وكان يقول: قد أطبق ديواني على مائة ألف مرتزق، وما أصبح، فيهم أسوأ حالاً مني، واشتد ألم رجله وانتفاخها إلى أن مات منها، وكان قد ضيق على أبنه أبي العباس وخاف منه. فلما احتضر رضي عنه، فلما توفي ولاه المعتمد ولاية العهد، ولقبه المعتضد، وكان بعض الأعيان يشبه الموفق بالمنصور في حزمه ودهائه ورأيه، قيل: وجميع الخلفاء الذين بعده من ذريته.
وفي السنة المذكورة توفي عبد الملك بن الهيثم الدير عاقولي.

تسع وسبعين ومائتين
فيها منع المعتضد من بيع كتب الفلاسفة والجدل، وتهدد على ذلك، ومنع المنجمين والقصاص من الجلوس.
وفيها توفي المعتمد على الله، وكانت خلافته ثلاثاً وعشرين سنة ويومين. ومات فجأة بين المغنين والندماء، فقيل: سم في رؤوس أكلها، وقيل: في كأس بالشراب. ودخل
(2/143)

عليه القاضي والشهود فلم يروا به أثراً، وكان منهمكاً في اللذات، فاستولي أخوه على المملكة وحجر عليه في بعض الأشياء، فاستصحب المعتضد الخال بعد أبيه، وكان للمعتضد شعر متوسط، وأمه أم ولد.
وفيها توفي الحافظ ابن الحافظ زهير بن حرب النسائي. ثم البغدادي مصنف التاريخ، وله أربع وتسعون سنة، سمع أبا نعيم وعفان وطبقتهما.
وفيها توفي جعفر بن محمد بن شاكر الصائغ وله تسعون سنة، وكان زاهداً عابداً ثقة ينفع الناس ويعلمهم الحديث.
وفيها توفي الإمام الحافظ مصنف الجامع في السنن أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة السلمي الترمذي الأئمة المقتدى بهم في علم الحديث، وكان يضرب به المثل، وهو تلميذ محمد بن إسماعيل البخارى، وشاركه في بعض شيوخه، وكان ضريراً، قيل ولد أكمه. رحمه الله تعالى.

ثمانين ومائتين
فيها توفي القاضي أبو العباس أحمد بن محمد بن عيسى البوني الفقيه الحافظ صاحب المسند. كان بصيراً بالفقه عارفاً بالحديث وعلله، زاهداً عابداً كبير القدر من أعيان الحنفية. والإمام الحافظ أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي صاحب المسند والتصانيف، أخذ الفقه عن البويطي، والعربية عن ابن الأعرابي، والحديث عن ابن المديني، وكان قائماً بالسنة مغيظاً للمبتدعة.

إحدى وثمانين ومائتين
فيها توفي الإمام أبو بكر محمد بن عبيد بن أبي الدنيا القرشي مولاهم البغدادي، صاحب التصانيف والإمام أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي الحافظ، سمع أبا معمر وأبا نعيم وطبقتهما، وصنف التصانيف، وكان محدث الشام في زمانه.
وفيها توفي العلامة محمد بن إبراهيم الإسكندراني المالكي، صاحب التصانيف، كان إليه المنتهى في تفريع المسائل.
(2/144)

اثنتين وثمانين ومائتين
فيها وقع الصلح بين المعتضد وخمارويه، وتزوج المعتضد بابنة خمارويه على مهر مبلغه ألف ألف درهم، فأرسلت إلى بغداد، وبني بها المعتضد، وقدم جهازها بألف ألف دينار، وأعطت الذي مشى في الدلالة مائة ألف درهم.
وفي السنة المذكورة توفي الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل الطوسي، سمع يحيى بن يحيى التميمي فمن بعده، وكان محدث الوقت وزاهده بعد محمد بن أسلم بطوس، صنف المسند الكبير في مائتي جزء.
وفيها توفي العلامة أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل الأزدي سمع مولاهم البصري الفقيه المالكي، مات ببغداد فجأة وله ثلاث وثمانون سنة. سمع الأنصاري ومسلم بن إبراهيم وطبقتهما، وصنف التصانيف في القراءة والحديث والفقه وأحكام القرآن والأصول، وتفقه على أحمد بن المعدل، وأخذ علم الحديث عن ابن المديني، وكان إماماً في العربية حتى قال المبرد: هو أعلم بالتصريف مني.
وفيها توفي الحافظ أبو الفضل جعفر بن محمد بن أبي عثمان الطيالسي البغدادي في رمضان، سمع عفان وطبقته، وكان ثقة متحرياً إلى الغاية.
وفيها توفي الحارث أبو محمد الحارث بن محمد بن أبي أسامة التميمي البغدادي صاحب المسند، يوم عرفة وله ست وتسعون سنة.
وفيها توفي الحسين بن الفضل بن عمير البجلي الكوفي المفسر، نزيل نيسابور، كان آية في معاني القرآن، صاحب فنون متعبداً، قيل إنه كان يصلي في اليوم والليلة ست مائة ركعة، وعاش مائة وأربع سنين. روى عن يزيد بن هارون والكبار.
وفيها توفي أبو الجيش خمارويه " بضم الخاء المعجمة وفتح الميم وبعدها ألف ثم راء ثم واو مفتوحتان ثم مثناة من تحت ثم هاء مكسورة "، ابن أحمد بن طولون.
لما كان سنة ست وسبعين ومائتين تحرك الأفشين بن محمد صاحب أرمينية والجبال في جيش عظيم، وقصد مصر، فلقيه خمارويه في بعض عمال دمشق، فانهزم الأفشين، واستأمن أكثر عسكره، وسار خمارويه حتى بلغ الفرات ودخل أصحابه الرقة، ثم عادوا، وقد ملك من الفرات إلى بلاد النوبة، ولما مات المعتمد وتولى المعتضد الخلافة، بادر إليه
(2/145)

خمارويه بالهدايا والتحف، فأقره المعتضد على عمله، وسأل خمارويه المعتضد أن يزوج ابنته أسماء الملقبة بقطر الندى للمكتفي بالله بن المعتضد، وهو إذ ذلك ولي العهد، فقال المعتضد: بل أنا أتزوجها، فتزوجها في سنة إحدى وثمانين ومائتين، ودخل بها في هذه السنة، وقيل في سنة اثنتين وثمانين ومائتين والله أعلم.
وكان صداقها ألف ألف درهم، وكانت موصوفة بفرط الجمال والعقل، حكي أن المعتضد خلى بها يوماً للأنس في مجلس أفرده لها، ما حضره سواها، فأخذت منه الكأس، فنام على فخذها، فلما استثقلته وضعت رأسه على وسادة، وخرجت فجلست في ساحة القصر، فاستيقظ ولم يجدها فاستشاط غضباً، ونادى بها فأجابته على قرب فقال: لم أجلل إكراماً لك؟ ألم أدفع إليك بهجتي دون سائر خصائصي؟ فتضعين رأسي على وسادة، فتذهبين؟. فقالت: يا أمير المؤمنين، ما جهلت قدر ما أنعمت به علي، ولكن فيما أدبني به أبي إذ قال، لا تنامي مع الجلوس، ولا تجلسي مع النيام. ويقال إن المعتضد أراد بنكاحها إفتقار الطولونية، وكذا كان، فإن أباها جهزها بجهاز لم يعمل مثله حتى قيل: إنه كان لها ألف هاون ذهباً، وشرط عليه المعتضد أن يحمل كل سنة بعد القيام بجميع وظائف مصر وأرزاق أجنادها مائتي ألف دينار، فأقام على ذلك إلى أن قتله غلمانه بدمشق على فراشه، وعمره اثنتان وثلاثون سنة. وكان شهماً صارماً، وقيل قتل قاتلوه أجمعون، وحمل تابوته إلى مصر ودفن عند أبيه بسفح المقطم، وكان من أحسن الناس خطاً. ولفا حملت قطر الندى ابنة خمارويه إلى المعتضد خرجت معها عمتها العباسية ابنة أحمد بن طولون مشيعة لها إلى آخر أعمال مصر من جهة الشام، ونزلت هناك، وضربت فساطيطها، وبنت هناك قرية فسميت بإسمها وقيل لها " العباسية " قال ابن خلكان: وهي عامرة إلى الآن، وبها جامع حسن وسوق قائم. وماتت قطر الندى سنة سبع وثمانين ومائتين، ودفنت داخل قصر الرصافة.
وفي السنة المذكورة توفي الحافظ أبو محمد الفضل بن محمد الشعراني، طوف الأقاليم وكتب الكثير، وجمع وصنف.
وفيها توفي العلامة أبو العيناء محمد بن القاسم البصري الضرير اللغوي الأخباري، صاحب النوادر والشعر والأدب. سمع من أبي عبيدة والأصمعي وأبي زيد الأنصاري والعتبي وغيرهم، وكان من أحفظ الناس وأفصحهم لساناً، ومن ظرفاء العالم، وفيه من اللسن وسرعة الجواب والذكاء ما ليس في أحد من نظرائه، وله أخبار حسان وأشعار ملاح، وها أنا أذكر شيئاً يسيراً من ذلك.
حضر يوماً مجلس بعض الوزراء، فجرى حديث البرامكة وما كانوا عليه من الجود، فقال الوزير لأبي العيناء وقد بالغ في وصفهم: قد أكثرت من ذكرهم، وإنما هذا تصنيف
(2/146)

الوراقين وكذب المؤلفين، فقال له أبو العيناء: فلم لا يكذب الوراقون عليك أيها الوزير؟ فكذبه الوزير، وعجب الحاضرون من إقدامه عليها. وشكا إلى الوزير عبيد الله بن سليمان سوء الحال فقال له: أليس قد كتبت إلى فلان من أمرك؟ قال: نعم، قد كتبت إلى رجل قد قصر من همته طول الفقر وذل الأسر ومعاناة الدهر، فأخفق سعي وخاب طلبي، فقال عبيد الله: أنت اخترته، فقال: وما علي أيها الوزير في ذلك، وقد اختار موسى من قومه سبعين رجلاً، فما كان فيهم رشد، واختار النبي صلى الله عليه وآله وسلم عبد الله بن أبي سرح كاتباً، فرجع إلى المشركين مرتداً واختار علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أبا موسى الأشعري حاكماً له، فحكم عليه. وقوله: ذل الأسر يعني أنه أسره علي بن محمد صاحب الزنج بالبصرة، وسجنه فنقب السجن وهرب. ودخل أبو العيناء يوماً على الوزير أبي الصفر فقال: ما الذي أخرك عنا يا أبا العيناء. فقال: سرق حماري، قال: وكيف سرق " قال: لم أكن مع اللص فأخبرك، قال: فهل أتيتنا على غيره؟ فقال: أقعدني عن السير قلة يساري، وكرهت ذلة المكاري، ومنة العواري. وخاصم علوياً فقال العلوي: أتخاصمني وأنت تقول: اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد؟ فقال: لكنني أقول الطيبين الطاهرين ولست منهم.
ووقف عليه رجل من العامة فقال: من هذا؟ قال: رجل من بني آدم، فقال: مرحباً بك أطال الله بقاءك ما كنت أظن هذا النسل إلا قد انقطع. ومر بباب بعض من بغضه وهو مريض فقال لغلامه: كيف حاله. فقال: كما تحب، فقال: مالي لا أسمع الصراخ عليه وذكر له أن المتوكل قال: لولا أنه ضرير لنا دمناه، فقال: إن عفاني من روية الأهلة وقراءة نقش القصوص، فأنا أصلح للمنادمة. وقال له ابن مكرم يوماً يعرض به: كم عدة المكذبيين بالبصرة؟ فقال: مثل عدد البغائين ببغداد. وقال له المتوكل يوماً: ما تقول في دارنا هذه فقال: الناس بنوا الدار في الدنيا، وأنت بنيت الدار في دارك، فاستحسن كلامه.

ثلاث وثمانين ومائتين
فيها ظفر المعتضد برأس الخوارج هارون الشاري " بالشين المعجمة " وجيء به راكباً فيلاً، وزينت بغداد.
وفيها أمر المعتضد في سائر البلاد بتوريث ذوي الأرحام وإبطال دواوب المواريث في ذلك، وكثر الدعاء له. وكان قبل ذلك قد أبطل النيروز وقيد النيران وأمات
(2/147)

ستة المجوس.
وفيها توفي أبو العباس علي بن العباس المعروف بابن الرومي مولى عبيد الله بن عيسى بن أبي جعفر المنصور العباسي الشاعر المجيد المشهور صاحب النظم العجيب والتوليد الغريب، يغوص على المعاني النادرة، ويستخرجها من مكامنها، ويبرزها بأحسن صورة، ولا يترك المعنى حتى يستوفيه إلى آخره، ولا يبقي فيه بقية، وكان شعره غير مرتب، فرتبه أبو بكر الصولي على الحروف، وجمعه وراق بن عبدوس من جميع النسخ، فزاد على كل نسخة مما هو على الحروف وغيرها نحو ألف بيت، وله القصائد المطولة والمقاطيع البديعة، وله في الهجاء والمديح كل طريق ومليح، من ذلك قوله:
كم ضن بالمال أقوام وعندهم ... وفر، وأعطى العطايا وهو يدان
أراكم ووجوهكم وسيوفكم ... في الحادثات إذا دجون نجوم
منها معالم للهدى ومصالح ... تجلو الدجى والأخريات رجوم
لما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد
وإلا فما يبكيه منها وإنها ... لأوسع مما كان فيه وأرغد
وله من المعاني البديعة قوله:
وإذا امرؤ مدح أمرأ لنواله ... وأطال فيه فقد أراه هجاءه
لو لم يقدر فيه بعد المستقى ... عند الورود لما أطال رشاءه
وكذلك قوله في ذم الخضاب:
إذا دام للمرء السواد فما خلت ... شبيبة ظن السواد خضابا
فكيف يروم الشيخ أن خضابه ... يظن سواداً أو يخال شبابا
قال بعض علماء الأدب: ما سبقه إلى هذا المعنى أحد. وله في بغداد وقد غاب عنها.
بلد صحبت به الشبيبة والصبا ... ولبست ثوب العيش وهو جديد
فإذا تمثل في الضمير رأيته ... وعليه أغصان الشباب تميد
وكان سبب موته في بغداد أن الوزير القاسم بن عبد الله وزير المعتضد كان يخاف من هجوه، فدس عليه ابن فراس، فأطعمه خشكنانة مسمومة، وهي في مجلسه، فلما أكلها أحس بالسم، فقال له الوزير: إلى أين تذهب. فقال إلى الموضع الذي بعثتني إليه. فقال:
(2/148)

سلم لي على والدي، فقال: ما طريقي على النار. فخرج من مجلسه وأتى منزله، وأياماً ثم مات. وكان الطبيب يتردد إليه ويعالجه بالأدوية النافعة للسم، فزعم أنه غلط عليه في بعض العقاقير.
قال إبراهيم بن محمد المعروف بنفطويه: رأيت ابن الرومي يجود بنفسه فقلت: ما حالك؟. فأنشد:
غلط الطبيب على غلط مورده ... عجزت موارده عن الإصدار
والناس يلجون الطبيب وإنما ... غلط الطبيب إصابة المقدار
وكان الوزير المذكور سفاكاً للدماء الصغير والكبير منه على وجل، لا يعرف أحد من أرباب الأموال منه نعمة، فلما توفي سنة إحدى وسبعين في خلافة المكتفي، وقد نيف الثلاثين، قال فيه عبد الله بن الحسين بن سعد.
شربنا عشية مات الوزير ... سروراً ونشرب في ثالثه
فلا رحم الله تلك العظام ... ولا بارك الله في وارثه
وفيها توفي قدوة السالكين، وحجة الله على العارفين، كريم المقامات وعظيم الكرامات، الولي الكبير المعظم الشهير أبو محمد سهل بن عبد الله التستري، قدس الله روحه، في شهر المحرم، وله نحو من ثمانين سنة، وله كلام جليل في السلوك والمواعظ وكان سبب سلوكه للطريق خاله محمد بن سوار، فإنه قال: كنت ابن ثلاث سنين، وكنت أقوم بالليل أنظر إلى صلاة خالي محمد بن سوار، وكان يقوم بالليل، وكان يقول: يا سهل اذهب ونم، فقد شغلت قلبي. وقال ليس يوماً خالي: ألا تذكر الله الذي خلقك؟. فقلت: كيف أذكر؟. فقال: قل بقلبك في الليل في فراشك ثلاث مرات من غير أن تحرك به لسان: الله معي، الله ناظري، الله شاهدي، فقلت ذلك عشر ليالي، ثم أعلمته فقال: قلها كل سبع مرات، فقلت ذلك، ثم أعلمته فقال: قلها كل يوم إحدى عشرة مرة. كذا قال بعضهم، وقال في الرسالة: قل في كل ليلة إحدى عشرة. وأرى هذا أصح وأنسب إذ الليل وقت الغفلة، والذكر فيه أفضل. قال: فقلت ذلك، فوقع في قلبي حلاوته. فلما كان بعد سنة قال لي: احفظ ما علمتك. ثم دم عليه إلى أن تدخل القبر، فإنه سينفعك في الدنيا والآخرة، قال: فلم يزل على ذلك سنين، فوجدت له حلاوة في سري، ثم قال لي يوماً خالي: كان الله معه وهو ناظره، وشاهده كيف يعصيه، إياك والمعصية. قال: فبعثوا بي إلى الكتاب فقلت: إني أخشى أن يفرق علي همي، ولكن شارطوا المعلم أني أذهب إليه ساعة، فأتعلم وأرجع. فحفظت القرآن وأنا ابن ست أو سبع، وكنت أصوم الدهر وقوتي خبز الشعير
(2/149)

اثنتي عشرة سنة، فوقعت لي مسألة وأنا ابن ثلاث عشرة سنة، فسألت أن يبعثوا بي إلى بصرة أسأل عنها. فجئت البصرة، وسألت علماءها، فلم يشفني ما سمعت، فخرجت إلى عبادان إلى رجل يعرف بأبي حبيب حمزة بن عبد الله العبادي. فسألته عنها، فأجابني، أقمت عنده مدة أنتفع بكلامه، وأتأدب بأدبه. ثم رجعت إلى تستر فجعلت قوتي اقتصاراً على أن يشتري لي بدرهم، فرق من الشعير، فيطحن ويختبز، فأفطر عند السحر كل ليلة على أوقية واحدة بغير ملح ولا أدام. وكان يكفيني ذلك الدرهم سنة، ثم عزمت على أن أطوي ثلاث ليال، ثم جعلتها خمساً ثم سبعاً حتى بلغت خمسة وعشرين ليلة، وكنت على ذلك عشرين سنة ثم خرجت أسيح في الأرض سنين، ثم عدت إلى " تستر "، وكنت أقوم الليل كله.
قلت: وله من الكرامات الشهيرات ما يطول ذكره، بل يشق ويتعذر حصره، من ذلك قصته المشهورة مع يعقوب بن الليث حين أصابته علة أعضلت الأطباء، فقيل له: ولايتك رجل صالح، يقال له سهل بن عبد الله، فلو استدعيت به لعلة يدعو لك، فاستدعى به، فلما حضر قال: ادع لي، فقال: كيف يستجاب دعائي فيك، وفي سجنك محبوسون؟ . فأطلق كل من في السجن، فقال سهل: اللهم كما أريته ذل المعصية فأره عز الطاعة، فعوفي في وقته، فعرض مالاً على سهل، فأبى أن يقبل، فقيل له: لو قبلته وفرقته على الفقراء. فنظر إلى الحصى في الصحراء، فإذا هي جواهر فقال: من أعطي مثل هذا أيحتاج إلى مال يعقوب بن الليث؟ وفيها توفي قاضي القضاه أبو الحسن علي بن محمد بن أبي الشوارب الأموي بصري. وكان رئيساً معظماً ديناً خيراً، روى عن أبي الوليد الطيالسي.

أربع وثمانين ومائتين
قال محمد بن جرير: فيها عزم المعتضد على لعن معاوية على المنابر، فخوفه الوزير من اضطراب العامة، فلم يلتفت. ومنع القصاص من الكلام ومن اجتماع الخلق في جوامع، وكتب كتاباً فيه مصائب ومعائب. فقال القاضي يوسف بن يعقوب: يا أمير مؤمنين، أخاف الفتنة عند سماعه. فقال: إن تحركت العامة وضعت فيهم السيف. قال:
(2/150)

فما تصنع بالعلوية الذين هم في كل ناحية قد خرجوا عليك؟. وإذا سمع الناس هذا من فضائل أهل البيت مالوا إليهم، وصاروا أبسط الألسنة. فأمسك المعتضد.
وفيها توفي محدث نيسابور ومفيدها الحافظ أحمد بن المبارك المستملي، سمع قتيبة وطبقته، وكان مع سعة روايته راهب عصره مجاب الدعوة.
وفيها توفي أبو عبادة البحتري " بضم الموحدة والمثناة من فوق وسكون الحاء " المهملة بينهما وكسر الراء "، منسوب إلى " بحتر " أحد أجداده. أمير شعراء العصر وحامل لواء القريض الوليد بن عبيد الطائي. أخذ عن أبي تمام الطائي، ولما سمع أبو تمام قال: نعيت إلى نفسي. وممن ذكره المبرد وقال: أنشدنا شاعر دهره ونسيج وحده أبو عبادة البحتري، ومدح براعته المؤرخون، وذكروا أنه ولد بمنبج ونشأ بها، ثم خرج إلى العراق ومدح جماعة من الخلفاء، أولهم المتوكل على الله وخلقاً كثيراً من الأكابر والرؤساء، ببغداد دهراً طويلاً ثم عاد إلى الشام. وله أشعار كثيرة ذكر فيها حلب وضواحيها، ويتغزل بها. وقد روي عنه أشياء من شعره أبو العباس المبرد، ومحمد بن أحمد الحليمي، وأبو بكر الصولي وغيرهم. قال صالح بن الأصبغ التنوخي المنبجي: رأيت البحتري ها هنا عندنا أن يخرج إلى العراق، اجتاز بنا في الجامع من هذا الباب، وأومى إلى جنبتي المسجد يمدح أصل البصل والباذنجان، وينشد الشعر في ذهابه ومجيئه، ثم كان منه ما كان. وحكي بكر الصولي في كتابه الذي وضعه في أخبار أبي تمام الطائي أن البحتري كان يقول: أول أمري في الشعر ونباهتي فيه أني ذاهب إلى أبي تمام وهو بحمص فعرضت عليه شعري وكان يجلس فلا يبقى شاعر إلا قصده، وعرض عليه شعره. فلما سمع شعري، أقبل وترك سائر الناس. فلما تفرقوا قال لي، أنت أشعر من أنشدني، فكيف حالك؟. فشكوت فكتب إلى أهل معرة النعمان، وشهد لي بالحذق، وشفع لي إليهم وقال: امتدحهم فصرت إليهم فأكرموني بكتابه، وقطعوا لي أربعة آلاف درهم، وكانت أول مال أصبته. وقال عبادة المذكور: أول ما رأيت أبا تمام، وما كنت رأيته قبلها، أني دخلت إلى أبي محمد بن يوسف فامتدحته بقصيدتي التي أولها.
لا فاق صب من هوى فأفيقا ... أم خان عهداً أم أطاع شفيقاً
فأنشدته، فلما أتممتها سر بها وقال لي: أحسن الله إليك يا فتى، فقال له رجل المجلس: هذا أعزك الله شعري بحلقته، فسبقني به إليك. فتغير أبو سعيد وقال لي: يا
(2/151)

فتى، قد كان في نسبك وقرابتك ما يكفيك أن نمت به إلينا، ولا تحمل نفسك على هذا، فقلت: هذا شعري أعزك الله فقال الرجل: سبحان الله يا فتى، لا تقل هذا. ثم ابتدأ فأنشد القصيدة أبياتاً، فقال لي أبو سعيد: نحن نبلغك ما تريد ولا تحمل نفسك على هذا. فخرجت متحيزاً لا أدري ما أقول، ونويت أن أسأل عن الرجل من هو، فما أبعدت حتى ردني أبو سعيد ثم قال لي: جنيت عليك فاحتمل. أتدري من هذا؟ قلت: لا. قال لي: هذا ابن عمك حبيب بن أوس الطائي أبو تمام، قم إليه، فقمت إليه فعانقته، ثم أقبل يقرطني ويصف شعري وقال: إنما فرجت معك. فلزمته بعد ذلك، وكبر عجبي من سرعة حفظه. ومعنى يقرظني أي: يمدحني. قال في الصحاح: والتقريظ مدح الإنسان وهو حي والتأبين: مدحه ميتاً. وقولهم فلان يقرظ صاحبه تقريظاً " بالظاء والضاد المعجمتين جميعاً " عن أبي زيد إذا مدحه بباطل أو حق. وهما يتقارظان المدح، إذا مدح كل منهما صاحبه.
وقيل للبحتري: أيما أشعر أنت أم أبو تمام؟ فقال: جيده خير من جيدى، ورديئي خير من رديئه وقال: يقال لشعر البحتري: سلاسل الذهب. وهو في الطبقه العليا، ويقال أنه قيل لأبي العلاء المعري: أي الثلاثة أشعر، أبو تمام أم البحتري أم المتنبي. فقال: حكيمان، والشاعر البحتري. قيل وما أنصفه ابن الرومي في قوله:
والفتى البحتري يسوق ما قال ... ابن أوس في المدح والتشبيب
كل بيت له يجود معناه ... فمعناه لإبن أوس حبيب
وقال ابن البحتري: أنشدت أبا تمام شيئاً من شعرى، فأنشد بيت أوس بن حجر " بفتح الحاء والجيم ":
إذا مقرم منا ذرا حدنا به ... تحمط فينا تاب آخر مقرم
وقال: نعيت إلى نفسي، فقلت: أعيذك بالله من هذا، فقال: إن عمري ليس يطول، وقد نشأ لطي مثلك. أما علمت أن خالد بن صفوان المنقرى رأى شبيب بن شيبه وهو من رهطه يتكلم فقال: يا بني، نعي إلى نفسي بإحسانك في كلامك، لأنا أهل بيت، ما نشأ فينا خطيب إلا مات من قبله. قال: فمات أبو تمام بعد سنة من هذا. وقوله: ذر أحدنا به، أي: سقط، وذروت الشيء أي: طيرته وأذهبته. وذرت الريح التراب وغيره تذروه ذرواً وتذريه ذرياً أي سفته. وأذريت الشيء إذا ألقيته كإلقاء الحب للزرع. وطعنه فأذراه عن ظهر دابته أي ألقاه. وتخمط بالخاء المعجمه والطاء المهملة يقال في الفحل إذا هدر، وفي الإنسان إذا تغضب وتكبر، وفي البحر إذا التطم " والمقرم " بضم الميم وسكون القاف وفتح الراء: المكرم، وكذلك القرم بفتح القاف. ومنه قيل سيد قوم مقرم وقال البحتري: أنشدت أبا تمام شعراً في بني حميد ووصلت به إلى مال خطير، فقال لي: أحسنت، أنت أمير الشعراء
(2/152)

بعدي، وكان قوله هذا أحب إلي من جميع ما حويته. وقال ميمون بن مهران: رأيت أبا جعفر أحمد بن يحيى البلاذري المؤرخ فسألته عن حاله فقال: كنت من جلساء المستعين بالله، يقصده الشعراء فقال: لست أقبل إلا ممن قال مثل البحتري في المتوكل.
لو أن مشتاقاً تكلف غير ما ... في وسعه لسعى إليك المنبر
قال فرجعت إلى بيتي وأتيته وقلت: قد قلت فيك أحسن مما قاله البحتري، فقال: هاته، فأنشدته:
ولو أن برد المصطفى إذ لبسته ... يظن لظن البرد أنك صاحبه
وقال فقد أعطيته ولبسته ... نعم، هذه أعطافه ومناكبه
فقال ارجع إلى منزلك وافعل ما آمرك به. فرجعت فبعث إلي بسبعة الألف دينار وقال ادخر هذه لحوادث من بعدي، ولكن على الجزاية والكفاية ما دمت حياً. قلت: ولا يخفى ما في بيتيه المذكورين من الخروج إلى حيز الكفر من تشيهه بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم. وللمتنبي في معنى قول البحتري في المنبر.
لو تعقل الشجر التي قابلتها ... مدت محبتها إليك الأغصنا
وسبقهما أبو تمام بقوله:
لوسعت نفقة لإعظام نعمي ... لسعى نحوك المكان الجديد
والبيت الذي للبحتري من جملة قصيدة طويلة أحسن فيها يمدح بها المتوكل على الله ويذكر خروجه لصلاة عيد الفطر وأولها.
أخفي هوى في الضلوع وأظهر ... وألام من كمد عليك وأعذر
والأبيات التي يرتبط بها البيت المقدم ذكر للبحتري.
بالبر صمت وأنت أفضل صائم ... وبسنة الله الرضية تفطر
فانعم بيوم الفطر عيداً إنه ... يوم أعز من الزمان مشهر
أظهرت عز الملك فيه بجحفل ... لجب يحاط الدين فيه وينصر
خلنا الجبال تسير فيه وقد غدت ... عدداً يسيرها العديد الأكبر
فالخيل تصهل والفوارس تدعي ... والبيض تلمع والأسنة تزهر
والأرض خاشعة تميد بنقلها ... والجو معتكر الجوانب أغبر
والشمس طالعة توقد في الضحى ... طوراً ويطفئها العجاج الأكدر
(2/153)

حتى طلعت بضوء وجهك فانجلى ... ذاك الدجى وانجاب ذلك العثير
وافتن فيك الناظرون فإصبع ... يومي إليك بها وعين تنظر
يجدون رؤيتك التي فازوا بها ... من أنعم الله التي لا تكفر
ذكروا طلعتك التي قد هللوا ... لما طلعت من الصفوف وكبروا
حتى انتهيت إلى المصلى لابساً ... نور الهدى يبدو عليك ويظهر
ومشيت مشية خاشع متواضع ... لله لا تزهو ولا تتكبر
فلو أن مشتاقاً تكلف غير ما ... في وسعه لمشى إليك المنبر
أبديت من فصل الخطاب بحكمة ... تنبي عن الحق المبين وتخبر
ووقفت في برد النبي مذكراً ... بالله تنذر تارة وتبشر
وقوله: وانجاب ذلك العثير هو بكسر العين المهملة وسكون المثلثة وفتح المثناة من تحت والمراد به: الغبار. قال بعض الفضلاء: وهذا الشعر هو السحر الحلال على الحقيقة، والسهل الممتنع، فلله دره ما أسلس قياده، وأعذب ألفاظه، وأحسن سبكه، وألطف مقاصده. وليس فيه من الحشو شيء، بل جميعه تحت، وديوانه موجود، وشعره سائر، فلا حاجة إلى الإكثار منه ها هنا لكن تذكر من وقائعه ما يستطرف.
فمن ذلك أنه كان بحلب شخص يقال له أحمد بن طاهر الهاشمي، مات أبوه وخلف له مقدار مائة ألف دينار، فأنفقها على الشعراء والوزراء وفي سبيل الله، فقصده البحتري من العراق. فلما وصل إلى حلب قيل له: إنه قد قعد في بيته لديون ركبته، فاغتم البحتري لذلك غماً شديداً، وبعث المدحة إليه مع بعض مواليه. فلما وصلته ووقف عليها بكى، ودعا بغلام له وقال له: بع داري، فقال له: لا تبع دارك، وتبقى على رؤوس الناس، فقال له: لا بد من بيعها، فباعها بثلاث مائة دينار وأنفذها إلى البحتري وكتب إليه معها هذه الأبيات:
لو يكون الحياء حسب ... أنت لدينا به محل وأهل
لحثيت اللجين والدر والياً ... قوت حثواً وكأن ذلك بقل
والأديب الأريب يسمع بالعذر ... إذا قصن الصديق المقل
فلما وصلت الرقعة للبحتري رد الدنانير وكتب إليه:
بأبي أنت أنت للبر أهل ... والمساعي بعد سعيك قبل
والنوال القليل يكثر إن شاء ... مرجيك والكثير يقل
غير أني رددت برك إذ كان ... ربا منك والربا لا يحل
فإذا ما جزيت شعراً بشعر ... قضي الحق والدنانير فضل
(2/154)

فلما عادت الدنانير إليه حل الصرة وضم إليها خمسين ديناراً أخرى، وحلف إنه يردها عليه، وسيرها إليه، فلما وصلت إلى البحتري أنشأ يقول:
شكرتك إن الشكر للسيد نعمة ... ومن يشكر المعروف بالله زائده
لكل زمان واحد يقتدى به ... وهذا زمان أنت لا شك واحده
قلت: وحكي أن هذين البيتين كتبهما الشيخ الإمام محيي الدين النووي، وأرسل بهما إلى الشيخ الإمام تقي الدين ابن دقيق العيد، رضي الله تعالى عنهما، لما بلغه أنه قيل دقيق " العيد "، لم لا تصنف في الفقه؟ فقال: قد صنف الشيخ محيي الدين النووي ما فيه كفاية، أو كما قال: ومثل هذا ما حكي أيضاً أن الإمام حجة الإسلام أبا حامد الغزالي قيل له: لم لا تصنف في التفسير؟. فقال: يكفي ما صنف فيه شيخنا الإمام أبو الحسن الواحدي رحمة الله عليهما. وكان البحتري قد اجتاز بالموصل وقيل برأس عين، فمرض مرضاً شديداً. وكان الطبيب يختلف إليه ويداويه، فوصف له يوماً مزورة، ولم يكن عنده من يخدمه سوى غلامه، فقال الغلام: أصنع هذه المزورة؟. وكان بعض رؤساء البلد حاضراً عنده، وقد جاء يعوده فقال ذلك الرئيس: هذا الغلام ما يحسن يطبخها، وعندي طباخ من نعته وصفته كيت وكنت، وبالغ في حسن صفته، فترك الغلام عملها اعتماداً على قوله، البحتري ينتظر، واشتغل الرئيس عنها ونسي أمرها. فلما أبطأت عليه وفات وقتها وصولها إليه، كتب إلى الرئيس:
وجدت وعدك زوراً في مزورة ... حلفت مجتهداً إحكام طاهيها
فلا شفى الله من يرجو الشفاء ... ولا علت كفه ملق كفه فيها
فاحبس رسولك عني أن يجيء بها ... فقد حبست رسولي عن تقاضيها
قوله: طاهيها أي طابخها، فالطهي: الطبخ صرح به في ديوان الأدب. وأخباره ومحاسنه كثيرة، ولم يزل شعره غير مرتب حتى جمعه أبو بكر الصولي، ورتبه على الحروف. وجمعه أيضاً علي بن حمزة الأصبهاني، ولم يرتبه على الحروف، بل على الأنواع كما صنع بشعر أبي تمام.
وللبحتري أيضاً كتاب حماسة على مثال حماسة أبي تمام، وله " كتاب معاني الشعر " وكانت ولادته سنة ست وقيل خمس ومائتين. قال ابن الجوزي، وتوفي وهو ابن ثمانين سنة. وقال الذهبي: ابن بضع وسبعين سنة، وقيل توفي في السنة التي قبل هذه، وقيل في التي بعدها، وقيل في سنة ست وثمانين. وقال الخطيب: كان يكنى أبا الحسن وأبا عبادة
(2/155)

، فأشير عليه في أيام المتوكل أن يقتصر على أبي عبادة، فإنها أشهر ففعل. قال ابن خلكان تاريخه: وأهل الأدب كثيراً ما يسألون عن قول أبي العلاء المعري: وقال الوليد: الينع ليس بمثمر، وأخطأ شرب الوحش من ثمر الينع. فيقولون: من هو الوليد المذكور؟ وأين قال: الينع ليس بمثمر؟ ولقد سألني عنه جماعة كثيرة. والمراد بالوليد هو البحتري المذكور، وله قصيدة طويلة منها:
وعبرتني سجال لعدم جاهلة ... والينع غير بان، ما في فرعه ثمر
وهذا البيت هو المشار إليه في بيت المعري.

خمس وثمانين ومائتين
فيها وثب صالح بن مدرك الطائي في طيىء، فانتهبوا الركب العراقي وبدعوا، وسبوا النساء وراح للناس ما قيمته ألف ألف دينار.
وفيها مات الإمام الحبر أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق بن بشر الحربي الحافظ أحد الأئمة الأعلام، وله سبع وثمانون سنة، سمع أبا نعيم وعفان وطبقتهما، وتفقه على الإمام أحمد، وبرع في العلم والعمل، وصنف التصانيف الكثيرة، وكان يشبه بأحمد بن حنبل في وقته.
توفي السنة المذكورة توفي إمام أهل النحو في زمانه، صاحب المصنفات النافعات: أبو العباس المبرد محمد بن يزيد الأزدي البصري، أخذ عن أبي عثمان المازني وأبي حاتم السجستاني، وتصدر للإشتغال ببغداد. وكان وسيماً مليح الصورة فصيحاً مفوهاً أخبارياً علامة ثقة، إماماً في النحو واللغة. وله التآليف النافعة في الأدب، منها " كتاب الكامل "، ومنها " الروضة "، و " المقتضب " وغير ذلك، وأخذ عنه نفطويه وغيره من الأئمة، وكان في المبرد المذكور أبو العباس الملقب بثعلب صاحب كتاب الفصيح عالمين فاضلين متعاصرين، قد ختم بهما تاريخ الأدباء. وفيهما يقول بعض أهل عصرهما، وهو أبو بكر بن الأزهر، أبياتاً من جملتها قوله:
أيا طالب العلم لا تجهلن ... وعد بالمبرد أو ثعلب
تجد عند هذين علم الورى ... فلا تك كالجمل الأجرب
علوم الخلائق مخزونة ... بهذين في الشرق والمغرب
(2/156)

قالوا: وكان المبرد يحب الإجتماع بثعلب للمناظرة والإستكثار من ذلك، وكان ثعلب يكره ذلك ويمتنع منه.
وحكى أبو القاسم جعفر بن محمد بن حمدان الفقيه الموصلي قال: قلت لأبي عبد الله الدينوي ختن ثعلب:. لم يأبى ثعلب الإجتماع بالمبرد. فقال: لأن المبرد حسن العبارة، حلو الإشارة، فصيح اللسان، وثعلب مذهبه مذهب المعلمين، فإذا اجتمعا في محفل، حكم للمبرد على الظاهر، إلى أن يعرف الباطن. وكان المبرد كثير الأمالي حسن النوادر.
وحكي عن بعضهم أنه رأى المبرد في المنام، وجرى له معه قصة عجيبة. وذلك أنه كان عنده " كتاب الكامل " للمبرد، و " كتاب العقد " لإبن عبد ربه، وهو يطالع فيها، قال: فرأيت في العقد في فصل ترجمته، قوله: ما غلط فيه على الشعراء، وذكر أبياتاً نسب أصحابها فيها إلى الغلط، وهي صحيحة. وإنما وقع الغلط ممن استدرك عليهم لعدم إطلاعه على حقيقة الأمر فيها، ومن جملة من ذكر المبرد فقال: ومثله قول محمد بن يزيد النحوي في كتاب الروضة، ورده على الحسن بن هانىء، يعني أبا نواس، في قوله:
وما لبكر بن وائل عصم ... إلا بحمقائها وكاذبها
فزعم أنه بحمقائها رجلاً، ولا يقال في الرجل حمقاً، وإنما أراد " دغه " بضم الدال وفتح الغين المعجمة العجلية، وعجل في بكر، وبها يضرب المثل في الحمق. هذا كلام صاحب العقد، وغرضه أن المبرد نسب أبا نواس إلى الغلط، يتوهمه أنه قصد " هبنقة " بفتح الهاء والباء الموحدة والنون المشددة والقاف وبه يضرب المثل في الحمق، فيقال أحمق من هبنقة، ولم يقصده وإنما قصد المرأة المذكورة، فالغلط حينئذ من المبرد لا من أبي نواس، قال: فلما كان بعد ليال قلائل من وقوفي على هذه الفائدة، رأيت في المنام كأنا قد صلينا الظهر، فلما فرغنا من الصلاة، قمت لأخرج، فرأيت شخصاً واقفاً يصلي، فقال لي بعض الحاضرين: هذا أبو العباس المبرد، فجئت إليه وقعدت إلى جانبه انتظر فراغه، فلما فرغ سلمت عليه وقلت له: أنا في هذا الزمان أطالع في كتابك الكامل، فقال لي: رأيت كتابي الروضة؟ فقلت: لا، وما كنت رأيته قبل ذلك. فقال: قم حتى أريك إياه. وصعد بي إلى بيته، فرأيت فيه كتباً كثيرة، فقعد يفتش عليه، وقعدت أنا ناحية عنه، فأخرج منه مجلداً، فدفعه إلي ففتحته وتركته في حجري، ثم قلت: قد أخذوا عليك فيه، فقال: أي شيء أخذوا؟ فقلت: إنك نسبت أبا نواس إلى الغلط في البيت الفلاني، وأنشدته إياه، فقال: نعم، غلط في هذا. فقلت: إنه لم يغلط بل هو على الصواب، ونسبوك إلى الغلط في تغليطه. فقال: وكيف هذا؟. فعرفته ما قاله صاحب العقد، فعض على رأس سبابته، وبقي
(2/157)

باهتاً ينظر إلي، وهو في صورته خجلان، ولم ينطق بشيء. ثم استيقظت من منامي، وهو على تلك الحال، قال: ولم أذكر هذا المنام إلا لغرابته.
وحكي أنه دخل على المبرد رجل، فأراد القيام، فقال: أنشدك الله أبا العباس، إن قمت، قال: فلم أخبا قيامي؟ وأنشد:
إذا ما بصرنا به مقبلاً ... حللنا الحبا وابتدرنا القياما
فلا تنكرون قيامي له ... فإن الكرام تجل الكراما
وكانت ولادة المبرد يوم الإثنين سنة عشر وقيل سبع ومائتين، وتوفي يوم الإثنين سنة خمس، وقيل ست وثمانين. فلما مات نظم فيه وفي ثعلب، ابن العلآف.
ذهب المبرد وانقضت أيامه ... وليذهبن إثر المبرد ثعلب
بيت من الآداب أصبح نصفه ... حزباً وباقي بيت تلك سيخبر
فابكوا لما سلب الزمان ووطنوا ... الدهر أنفسكم على ما يسلب
وتزودوا عن ثعلب فبكأس ما ... شرب المبرد عن قريب يشرب
وأرى لكم أن تكتبوا أنفاسه ... إن كانت الأنفاس مما يكتب
قلت: وهذه الألفاظ جميعاً لفظه، إلا لفظ " بيت تلك سيخرب " فإني أبدلته عن قوله: بيتها فسيخرب، كراهة لإدخال الفاء في سيخرب، وإن كان مما يتجوز فيه، فإن وزان لفظة، نحو قولك: زيد قائم وأبوه فسيقوم، ووزان لفظي: قام زيد وأخوه سيقوم، وهذا هو الجائز على قاعدة العربية، والرجل والمرأة المذكوران المنسوب إليهما الحمق، قيل: لأن الرجل شرد له بعير، فقال: من جاء به فله بعيران. فقيل له: أتجعل في بعير بعيرين؟ فقال إنكم لا تعرفون حلاوة الوجدان. فنسب إلى الحمق لهذا السبب، فسارت به الأشعار، واكتسب بذلك اشتهاراً، واستشهدوا على ذلك بما أثرت حذفه اختصاراً. وأما المرأة فسبب نسبتها إلى الحمق أنها ولدت، فصاح المولود، فقالت لامرأة: أيفتح الجعر فاه؟. فقالت المرأة: نعم، ويسب أباه، فصارت مثلاً والجعر بفتح الجيم وسكون العين المهملة وهو في الأصل روث كل ذي مخلب من السباع، وقد يستعمل في غيرها بطريق التجوز، فظنت بجهلها ولدت، أنه قد خرج منها المعتاد، فلما استهل المولود عجبت من ذلك وسألت عنه.
وكان سبب نسبتها إلى الحمق، وكانت مزوجة من بني العنبر بن عمرو بن تميم. فبنو العنبر يدعون لذلك بني الجعر. قال ابن خلكان: وهذا كله، وإن كان خارجاً عن المقصود، لكنها فوائد غريبة، فأحببت ذكرها.
(2/158)

وفي السنة المذكورة ظهر بالبحرين أبو سعيد القرمطي، وقويت شوكته، وانضم إليه جمع من الأعراب والزنج واللصوص، حتى تفاقم أمره، وهزم جيوش الخليفة مرات، فعاث وأفسد، وقصد البصرة، فحصنها المعتمد قبل، وذبح أبو سعيد المذكور في حمام بقصره، وخلفه ابنه أبو طاهر، وهو في الحقيقة أبو النجس القرمطي، الذي أخذ الحجر الأسود، ولم يرجع إلا بعد سنين كثيرة، وقيل بعد عشرين سنة.
وفيها توفي علي بن عبد العزيز أبو الحسن اللغوي المحدث بمكة، وقد جاوز التسعين، سمع أبا نعيم وطبقته وعم البغوي عبد الله بن محمد.

ست وثمانين ومائتين
فيها وقيل في التي قبلها وقيل في التي بعدها توفي الشيخ الكبير العارف بالله الشهير أبو سعيد أحمد بن عيسى الخزاز، من أهل بغداد، صحب ذا النون وأبا عبد الله التستري والسري وبشر أو غيرهم. قال رحمة الله عليه: كل باطن يخالفه ظاهره فهو باطل. وقال: رأيت إبليس في النوم وهو يمر عني ناحية فقلت: تعال، فقال: أي شيء أعمل بكم؟ أنتم طرحتم عن نفوسكم ما أخادع به الناس. قلت: وما هو. قال: الدنيا. فلما ولى عني التفت إلي وقال: غير أن لي فيكم لطيفة. قلت: وما هي. قال: صحبة الأحداث. وقال: صحبت الصوفية ما صحت، فما وقع بيني وبينهم خلاف. قالوا: لم. قال: لأني كنت معهم على نفسي. وقال: مررت بشاب ميت في باب بني شيبة، ونظرت في وجهه فتبسم، فقلت: يا حبيبي. أحياة بعد الموت؟. فقال: أما علمت يا أبا سعيد أن الأحباء أحياء، وإنما ينقلون من دار إلى دار. قيل: وهو أول من تكلم في علم الفناء والبقاء. وقال الجنيد: لو طالبنا الله تعالى بحقيقة ما عليه أبو سعيد الخزاز لهلكنا. وقيل لبعض المشايخ: إن أبا سعيد الخراز كان كثير التواجد عند الموت، فقال: لم يكن بعجيب أن تطير روحه اشتياقاً، وكان رضي الله تعالى عنه ينشد أبياتاً ترجمتها:
فأجسادهم في الأرض قتلى بحبه ... وأرواحهم في الحجب نحو العلى تسري
قلوبهم جوالة بمعسكر ... به أهل ود الله، كالأنجم الزهر
فما عرسوا إلا بقرب حبيبهم ... وما عرجوا من مس بؤس ولا ضر
وفي سنة الست المذكورة توفي محمد بن وضاح، محدث قرطبة الإمام الحافط.
(2/159)

وقيل: في التي قبلها.

سبع وثمانين ومائتين
فيها قصدت طيىء ركب العراق في رجوعه من الحج ليأخذه كالعام الماضي، وكانوا في ثلاثة آلاف وأمير الحجاج أو الأغر فواقعوهم يوماً وليلة، والتحم القتال، وجندلت الأبطال، ثم أيد الله الوفد، وقتل رئيس طيىء صالح بن مدرك وجماعة من أشراف قومه، وأسر خلق، وانهزم الباقوق، ثم دخل الركب بالأسرى والرؤوس على الرماح ببغداد.
وفيها سار العباس الغنوي في عسكر، فالتقى القرمطي، فأسر العباس وانهزم عسكره، وقيل: بل أسر سائر العسكر، وضربت رقابهم، وأطلق العباس وحده، فجاء إلى المعتضد برسالة القرمطي أن: كف عنا، واحفظ حرمتك.
وفيها توفي الإمام الحافظ أبو بكر بن عمرو بن عاصم الضحاك الشيباني البصري قاضي أصبهان، صاحب المصنفات. وأبو سعيد الهروي الحافظ، شيخ هراة ومحدثها وزاهدا.

ثمان وثمانين ومائتين
فيها توفي مفتي بغداد، الفقيه الإمام أبو القاسم عثمان بن سعيد البغدادي الأنماطي صاحب المزني. وهو الذي نشر مذهب الشافعي ببغداد، وعليه تفقه أبو العباس بن شريح.
وفيها توفي الحاسب الحكيم ثابت بن قرة الحراني. كان في مبتدأ أمره صيرفياً بحران، ثم انتقل إلى بغداد واشتغل بعلوم الأوائل، فمهر فيها، وبرع في الطب، وكان الغالب عليه الفلسفة. وله تآليف كثيرة في فنون من العلم، مقدار عشرين تأليفاً. وهذب " كتاب إقليدس " الذي عربه حنين بن إسحاق العبادي، ونقحه وأوضح منه ما كان مستعجماً. وكان من أعيان عصره في الفضائل. وجرى بينه وبين أهل مذهبه أشياء، أنكروها عليه في المذهب، فرفعوه إلى رئيسهم، فأنكر عليه مقالته، ومنعه من دخول الهيكل، فتاب ورجع عن ذلك، ثم عاد بعد مدة إلى تلك المقالة، فمنعوه من الدخول إلى المجمع، فخرج من حران، فلما قدم محمد بن موسى من بلاد الروم راجعاً إلى بغداد، اجتمع به، فرآه فاضلاً
(2/160)

فصيحاً، فاستصحبه إلى بغداد، فأولد بها أولاداً. وكان له ولد سمي إبراهيم، بلغ رتبة أبيه في الفضل، وكان من حذاق الأطباء، ومقتدى أهل زمانه في صناعة الطب، وعالج مرة للسري الشاعر، فأصاب العافية، فعمل فيه أبياتاً، وهي أحسن ما قيل في طبيب:
هل للعليل سوى ابن قرة شافي ... بعد الإله، وهل له من كافي
أحيى لنا رسم الفلاسفة الذي ... أؤدى، وأوضح رسم طب عافي
مثلت له قارورتي فرأى بها ... ما اكتن بين جوانحي وشغافي
يبدو له الداء الخفي كما بدا ... للعين بصراً من غدير الضافي
قلت: وقد ذكرت في أبيات بيتاً طغى فيه، حيث قال: وبئس ما قال.
فكأنه عيسى ابن مريم ناطقاً ... يهب الحياة بأيسر الأوصاف
ومن حفدة ثابت المذكور: ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة، وكان ببغداد في أيام معز الدولة ابن بابويه. وكان طبيباً عالماً نبيلاً يقرأ عليه كتب أبقراط وجالينوس، وكان فكاكاً للمعاني، سلك مسلك جده في نظرة الطب والهندسة، وجميع الصناعات الرياضية للقدماء، وما تشتمل عليه الفلسفة. وله تصنيف في التاريخ أحسن فيه. وقد قيل إن الأبيات المذكورة أولاً من نظم الزنجي السري، عملها فيه والله سبحانه وتعالى أعلم. والحراني نسبة إلى حران، وهي مدينة مشهورة بالجزيرة. وذكر ابن جرير الطبري في تاريخه أن هاران عم إبراهيم الخليل صلى الله عليه وآله وسلم عمرها، فسميت بإسمه، ثم إنها عربت فقيل: حران. وهاران المذكور أبو سارة زوجة إبراهيم عليه السلام. وكان لإبراهيم أخ يسمى هاران أيضاً، وهو أبو لوط صلوات الله على نبينا وعليه، وعلى جميع النبيين. قال في الصحاح: حران اسم بلد، وهو فعال، ويجوز أن يكون فعلان، فالنسبة إليه حرناني، على غير قياس، والقياس حراني على ما عليه العامة.

تسع وثمانين ومائتين
فيها توفي المعتضد أبو العباس أحمد بن الموفق، وولي عهد المسلمين أبو أحمد طلحة بن المتوكل، جعفر بن المعتصم العباسي تغير مزاجه من إفراط الجماع، وعدم الحمية في مرضه.
قلت: وقد ذكرت في آخر المجلد الثاني من كتاب المرهم شيئاً مما جرى له في مرضه
(2/161)

المذكور، وما عولج به، وما لاقى بعد إخراجه من التنور الموقد بحطب الزيتون. ولم يكن في اللبث فيه، ولا في ترك العود إليه بصبور، من أجل اشتداد الحرفية، والبرد عند الخروج منه، فلما أعيد فيه لأن لموته الحضور وبيان هذا وغيره أوضحته في الكتاب المذكور وكان شجاعاً مهيباً حازماً فيه تشيع.
وفيها توفي الحافظ حسين بن محمد العتابي النيسابوري، صاحب المسند والتاريخ.
وفيها توفي يحيى بن أيوب العلاف المصري، صاحب سعيد بن أبي مريم. والحافظ أبو جعفر صاحب سليمان بن حرب.

تسعين ومائتين
فيها حاصرت القرامطة دمشق، فقتل طاغيتهم يحيى بن زكرويه بالزاي في أوله فخلفه أخوه الحسين صاحب الشامة، فجهز المكتفي عشرة آلاف لحربهم، عليهم الأمير أبو الأغر في ألف نفس، فدخل حلب، وقيل تسعة آلاف. ووصل المكتفي إلى الرقة، وجهز الجيوش إلى أبي الأغر، وجاءت من مصر العساكر الطولونية، فهزموا القرامطة، وقتلوا منهم خلقاً، وقيل: بل كانت الوقعة بين القرامطة والمصريين بأرض مصر، وإن القرمطي صاحب الشامة انهزم إلى الشام مر على الرحبة، وبقي ينهب ويسبي الحريم حتى دخل الأهواز. وكان زكرويه القرمطي يكذب ويزعم أنه من آل الحسين بن علي رضي الله عنهما.
وفيها دخل عبد الله الملقب بالمهدي المغرب متنكراً، والطلب عليه من كل وجه، فقبض عليه متولي سجلماسة، وعلى ابنه، فحاربه أبو عبد الله السبعي داعي المهدي، فهزمه ومزق جيوشه، وجرت بالمغرب أمور هائلة، واستولي على المغرب المهدي المنتسب إلى الحسين بن علي، وكان باطل الإعتقاد، وهو الذي بنى المهدية في المغرب.
وفي السنة المذكورة توفي الحافظ أبو عبد الرحمن، عبد الله بن أحمد بن حنبل الشيباني، كان إماماً خبيراً بالحديث وعلله، مقدماً فيه.
(2/162)

إحدى وتسعين ومائتين
فيها نهض جيش من طرسوس، فأدخلوا في الروم حتى نازلوا أنطاكية وافتتحوها عنوة، وقتلوا من الروم نحو خمسة آلاف، وغنموا غنيمة لم يعهد مثلها، بحيث بلغ سهم الفارس ألف دينار.
وأما القرمطي صاحب الشامة، فعظم خطبه، والتزم له أهل دمشق بمال عظيم، حتى يرحل عنهم وتملك حمص وصار إلى حماة والمعرة فقتل، فعظم خطبه، وسبى وعطف إلى بعلبك، فقتل أكثر أهلها، ثم سار فأخذ سلمية، وقتل أهلها قتلاً ذريعاً، حتى ما ترك بها عيناً تطرف. وجاء جيش المكتفي فالتقاهم بقرب حمص، وأسر خلقاً من جنده. وركب هو وابن عمه وآخر، واخترقوا ثلاثتهم البرية، فمروا بداليه ابن طوق فأنكرهم والي تلك الناحية، فقررهم، فاعترفهم صاحب الشامة، فحملهم إلى المكتفي فقتلهم وحرقهم.
وفي السنة المذكورة توفي الإمام علامة الأدب أبو العباس المشهور بثعلب، أحمد بن يحيى الشيباني، مولاهم الكوفي النحوي صاحب التصانيف المفيدة، انتهت إليه رئاس الأدب في زمانه. " قال ابن خلكان " في تاريخه: قال أبو بكر ابن المجاهد المقرىء: قال لي ثعلب: يا أبا بكر، اشتغل أصحاب القرآن بالقرآن ففازوا، واشتغل أصحاب الحديث بالحديث ففازوا، واشتغل أصحاب الفقه بالفقه ففازوا، واشتغلت أنا بزيد وعمر، وفليت شعري ماذا يكون حالي في الآخرة. قال: فانصرف من عنده، فرأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تلك الليلة في المنام، فقال لي: أقرىء أبا العباس عني السلام وقل له: أنت صاحب العلم المستطيل. وقال العبد الصالح أبو عبد الله. الرودباري: أراد أن الكلام به يكمل. والخطاب به يحمل، وإن جميع العلوم مفتقرة إليه.
صنف " كتاب الفصحاء " وهو صغير الحجم كثير الفائدة و " كتاب إعراب القرآن " و " كتاب القراءات "، و " كتاب حد النحو "، و " كتاب معاني الشعر " وغير ذلك، وهو بضعة عشر صنفاً. وكان إمام الكوفيين في النحو واللغة، سمع من ابن الأعرابي والزبير بن
(2/163)

بكار، وروي عنه الأخفش الأصغر وابن الأنباري وأبو عمر والزاهد وغيرهم. وكان ثقة صالحاً مشهوراً الحفظ وصادق اللهجة والمعرفة بالعربية ورواية الشعر القديم، مقداماً عند الشيوخ منذ هو حدث. وكان أبن الأعرابي إذا شك في شيء قال له: ما تقول يا أبا العباس في هذا؟. لغزارة حفظه. قال ابن الأخباري: أنشدني ثعلب.
إذا كنت قوة النفسى ثم هجرتها ... فلم تلبث النفس التي أنت قوتها
ستبقى بقاء الضب في الماء أو كما ... يعيش لدى ديمومة البيت حوتها
قلت: هكذا حكاه عنه ابن خلكان. والذي نعرفه: " لو كما يعيش ببيداء المفاوزة حوتها ". وكان سبب وفاته أنه خرج يوم الجمعة من الجامع بعد العصر، وكان قد لحقه صمم لا يسمع إلا بعد تعب شديد، فكان في يده كتاب ينظر فيه في الطريق فصدمته فرس، فألقته في هوة، فأخرج منها هو كالمختلط، فحمل إلى منزله وهو على تلك الحال، وهو يتأوه من رأسه، فمات ثاني يوم. " والشيباني " نسبة إلى شيبان، حي من بني بكر بن وائل.
وفيها توفي مقرىء أهل دمشق هارون بن موسى المعروف بالأخفش صاحب ابن ذكوان، وفيها توفي قنبل قارىء أهل مكة عبد الرحمن المخزومي مولاهم المكي.

اثنتين وتسعين ومائتين
فيها خرج صاحب مصر هارون بن خمارويه الطولوني عن الطاعة، فسارت جيوش المكتفي بحربه، ووقعت لهم وقعات، ثم اختلف أمراء هارون واقتتلوا. فخرج ليسكنهم فجاءه سهم، فقتله. ودخل الأمير محمد بن سليمان قائد جيش المكتفي، فتملك الأقليم، واحتوى على الخزائن، وقتل من آل طولون بضعة عشر رجلاً، وحبس طائفة، وكتب بالفتح إلى المكتفي، وقيل إن هارون هم بالمضي إلى المكتفي فامتنع عليه امراؤه وسجنوه، فأبى فقتلوه غيلة.
وفيها توفي أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله البصري الحافظ صاحب السنن ومسند الوقت، وقد قارب المائة أو كملها، وكان محدثاً حافظاً محتشماً كبير الشأن، قيل إنه لما فرغوا من سماع السنن عليه عمل لهم مائدة، غرم عليها ألف دينار، وتصدق بجملة منها. ولما قدم بغداد ازدحموا عليه، حتى حزر على مجلسه بأربعين ألفاً وزيادة. وكان في
(2/164)

المجلس سبعة مبلغون، كل واحد يبلغ الآخر.
وفيها توفي المقرىء المحدث إدريس بن عبد الكريم.
وفيها توفي محدث واسط الحافظ أبو الحسين، أسلم بن سهل. وقاضي القضاة أبو خازم، عبد المجيد بن عبد العزيز الحنفي، من القضاة العادلة له أخبار ومحاسن. ولما احتضر كان يقول: يا رب من القضاء إلى القبر، ثم يبكي..
وفيها توفي الإمام أبو العباس محمد بن أحمد الهروي، كان فقيهاً محدثاً صاحب تصانيف. رحل إلى الشام والعراق وحدث عن أبي حفص الفلاس " بالفاء " وطبقته رحمه الله تعالى.
وفيها توفي يحيى بن منصور، أبو سعيد الهروي، أحد الأئمة في العلم والعمل حتى قيل: إنه لم ير مثل نفسه، رحمه الله تعالى.

ثلاث وتسعين ومائتين
وفيها عاثت القرامطة بالشام، وقتلوا وسبوا وبدعوا " بحوران "، و " طبرية " و " بصرة "، ودخلوا " السماوة " وطلعوا إلى " هيت " واستباحوها، ثم وثبت هذه الفرقة الطاغية على زعيمها أبي غانم فقتلوه، ثم جمع رأس القوم زكرويه جموعاً، ونازل الكوفة وقاتله أهلها، ثم جاءه جيش الخليفة فالتقاهم وهزمهم، ودخل الكوفة يصيح قومه يا ثارات الحسين، يعنون: صاحب الحال الذي من شامة ولد زكرويه.
وفيها توفي عبدان بن محمد بن عيسى المروزي، وكان فقيهاً علامة في الفقه وغوامضه، زاهداً عابداً.
وفيها توفي عيسى بن محمد المروزي اللغوي، كان إماماً في العربية، روى عن إسحاق بن راهويه، وهو الذي رأى بخوارزم المرأة التي بقيت نيفاً وعشرين سنة لا تأكل ولا تشرب.
(2/165)

قلت: وذكر الشيخ المشكور الولي المشهور صفي الدين بن أبي المنصور، أن امرأة بجيزة مصر أقامت ثلاثين سنة لا تأكل، ولا تشرب في مكان واحد، لا تتألم بحر ولا برد.
وفيها توفي محمد بن أسد المديني، أبو عبد الله الزاهد، ويقال أنه مجاب الدعوة، عمر أكثر من مائة سنة، رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الحافظ محمد بن عبدوس.

أربع وتسعين ومائتين
وفيها أخذ ركب العراق زكرويه القرمطي، وقتل الناس قتلاً ذريعاً، وحوى ما قيمته ألف ألف دينار، وهلك من الحجيج عشرون ألف إنسان، ووقع البكاء والنوح في البلدان، وعظم هذا على المكتفي، فبعث الجيش لقتاله، فالتقوا فأسر زكرويه وخلق من أصحابه، وكان مجروحاً فمات، وأراح الله منه بعد خمسة أيام، وحمل ميتاً إلى بغداد، وقتل أصحابه، ثم أحرقوا وتمزق أصحابه في البرية.
وفيها توفي الحافظ الكبير أبو علي صالح بن محمد الأسدي البغدادي، محدث ما وراء النهر، نزل بخارى، وليس معه كتاب، فروى به الكثير من حفظه، رروى عن سعدويه الواسطي، وعلي بن الجعد وطبقتهما، ورحل إلى الشام ومصر والنواحي، وصنف وخرج وعدل. وكان صاحب نوادر ومزاح.
وفيها توفي الإمام إسحاق بن راهويه، روى عن أبيه وعلي بن المديني.
وفيها توفي الحافظ أيوب بن يحيى البجلي الرازي محدث الري يوم عاشوراء، وهو في عشر المائة.
وفيها توفي الإمام، أحد الأعلام محمد بن نصر المروزي، وكان رأساً في الفقه والحديث والعبادة. روي أنه كان يقع الذباب على أذنه وهو في الصلاة فيسيل الدم، ولا يذبه، كان ينتصب كأنه خشبة.
وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: كان من أعلم الناس بالإختلاف، وصنف كتباً وقال شيخه في الفقه محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: كان محمد بن نصر عندنا إماماً، فكيف بخراسان؟. وقال غيره: لم يك للشافعية في وقته مثله.
(2/166)

فيها توفي الإمام موسى بن هارون أبو عمران البغدادي الحافظ، كان إمام وقف في حفظ الحديث وعلله، وقال بعضهم: ما رأيت في حفاظ الحديث أهيب، ولا أورع من موسى بن هارون.

خمس وتسعين ومائتين
فيها توفي الحافظ أحد أركان الحديث إبراهيم بن أبي طالب النيسابوري. قال بعضهم: إنما أخرجت نيسابور ثلاثة: محمد بن يحيى، ومسلم بن الحجاج، وإبراهيم بن أبي طالب.
وفيها توفي إبراهيم بن معقل، قاضي نسف، وعالمها ومحدثها، وصاحب التفسير والمسند، وكان بصيراً إماماً بالحديث، عارفاً بالفقه والإختلاف. روى الصحيح عن البخاري.
وفيها توفي الحكم بن معبد الخزاعي الفقيه، مصنف " كتاب السنة " بأصبهان، وكان من كبار الحنفية وثقاتهم.
وفيها توفي أبو علي بن عبد الله بن محمد الحافظ، أحد أركان الحديث، مصنف التاريخ والعلل.
وفيها توفي المكتفي بالله أبو الحسن علي بن المعتضد أحمد بن موفق بن المتوكل بن المعتصم بن هارون الرشيد العباسي، وكان جميلاً وسيماً، بديع الخلقة، معتدل القامة، دري اللون، أسود الشعر، استخلف بعد أبيه، وكانت دولته ست سنين ونصفاً، وولي بعده أخوه المقتدر وله ثلاث عشرة سنة وأربعون يوماً ولم يل أمر الأمة صبي قبله.
وفيها توفي عيسى بن مسكين قاضي القيروان وفقيه المغرب أخذ عن سحنون وعن الحارث بن مسكين، وكان إماماً ورعاً خاشعاً متمكناً من الفقه والآثار، ومستجاب الدعوة يشبه بسحنون في سمته وهديه. أكرهه ابن الأغلب الأمير على القضاء، فولي ولم يأخذ رزقاً، وكان يركب حماراً، ويتسقي الماء لبيته.
(2/167)

وفيها توفي الإمام أبو جعفر محمد بن أحمد الترمذي كبير الشافعية في العراق قبل ابن شريح، وكان زاهداً ناسكاً، قانعاً باليسير. قال الدارقطني: لم يكن للشافعية بالعراق أرأس ولا أورع منه، وكان صبوراً على الفقر، حدث عن جماعة كثيرة، منهم يحيى بن بكير المصري، وروى عنه جماعة، منهم أحمد بن كامل، وكان ثقة من أهل العلم والفضل، والزهد في الدنيا، والتقلل في المطعم، على حال عظيمة فقراً وورعاً وصبراً. روى بالإسناد أنه كان يقوت في سبعة عشر يوماً خمس حبات أو ثلاث حبات، فقيل له: كيف عملت؟ فقال: لم يكن عندي غيرها، فاشتريت بها لفتاً، فكنت آكل كل يوم واحدة.
وذكر أبو إسحاق الزجاج النحوي أنه كان تجري عليه في كل شهر أربعة دراهم، وكان لا يسأل أحداً شيئاً، وكان يقول: تفقهت على مذهب أبي حنيفة، فرأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مسجد المدينة عام حججت فقلت: يا رسول الله، تفقهت بقول أبي حنيفة، فآخذ به؟ فقال: لا، فقلت: آخذ بقول مالك بن أنس. فقال: خذ منه ما وافق سنتي، قلت: فآخذ بقول الشافعي. فقال: ما هو يقوله. إلا أنه أخذ بسنتي، ورد علي من خالفها، قال: فخرجت في أثر هذه الرؤيا إلى مصر، وكتبت كتب الشافعي. هكذا ذكره جماعة من أهل الطبقات والتواريخ، منهم الشيخ الإمام أبو إسحاق الشيرازي، والقاضي الإمام ابن خلكان.
وقال الدارقطني: هو ثقة مأمون ناسك. وكان يقول: كتبت الحديث تسعاً وعشرين سنة.
وفيها توفي الحافظ أبو بكر محمد بن إسماعيل الإسماعيلي، أحد المحدثين الكبار بنيسابور. له تصانيف موجودة، ورحلة واسعة.

ست وتسعين ومائتين
فيها مات ابن المعتز، مات مخنوقاً، وذلك أنه لما دخلت هذه السنة، والملأ يستصعبون المقتدر، ويتكلمون في خلافته، فاتفق طائفة على خلعه، وخاطبوا عبد الله بن المعتز، فأجاب بشرط أن لا يكون فيها حرب. وكان رأسهم محمد بن داود الجراح، وأحمد بن يعقوب القاضي، والحسين بن حمدان، واتفقوا على قتل المقتدر، ووزيره العباس بن الحسين، وفاتك الأمير. فلما كان عاشر ربيع الأول، ركب الحسين بن حمدان والوزير والأمراء، فشد ابن حمدان على الوزير فقتله، فأنكر قتله فعطف على فاتك فألحقه بالوزير، ثم ساق ليثلث بالمقتدر وهو يلعب بالصوالجة، فسمع الهيعة فدخل الدار، وأغلقت الأبواب. ثم نزل ابن حمدان بدار سليمان بن وهب، واستدعى ابن المعتز، وحضر الأمراء
(2/168)

والقضاة سوى خواص المقتدر، فبايعوه ولقبوه " الغالب بالله " وقيل: الراضي بالله، المرتضي بالله، فاستوزر ابن الجراح، واستحجب عن الخادم، ونفذت الكتب لخلافته إلى البلاد، وأرسلوا إلى المقتدر ليتحول من دار الخلافة، ولم يكن معه غير مؤنس الخادم ومؤنس الخازن، وخاله الأمير، وتحضنوا، وأصبح الحسين بن حمدان على محاصرتهم فرموه بالنشاب، وتناحوا ونزلوا على خيمته، وقصدوا ابن المعتز، فانهزم كل من حوله وركب ابن المعتز فرساً ومعه وزيره وصاحبه، وقد شهر سيفه وهو ينادي: معاشر العامة ادعوا لخليفتكم. وقصد سامراء ليثبت بها أمره، فلم يتبعه كثير أحد، وخذل فنزل عن فرسه، فدخل دار ابن الجصاص، واختفى وزيره، ووقع النهب والقتل في بغداد، وقتل جماعة من الكبار، واستقام الأمر للمقتدر. ثم أخذ ابن المعتز وقتل سراً، سلمه المقتدر إلى مؤنس الخادم، فقتله وسلمه إلى أهله ملفوفاً في كساء، وصودر ابن الجصاص. وقام بأعباء الخلافة الوزير ابن الفرات، ونشر العدل، واشتغل المقتدر باللعب.
وأما الحسين بن حمدان فأصلح أمره، وبعث إلى بعض الولايات، وابن المعتز المذكور وهو أبو العباس عبد الله بن المعتز بن المتوكل بن المعتصم بن هارون الرشيد العباسي. أخذ الأدب عن أبي العباس المبرد وأبي العباس ثعلب وغيرهما، وكان أديباً بليغاً شاعراً مطبوعاً مقتدراً على الشعر، قريب المأخذ، سهل اللفظ، جيد القريحة، حسن الإبداع للمعاني، مخالطاً للعلماء والأدباء، معدوداً من جملتهم، إلى أن جرت له الكاتبة المذكور في خلافة المقتدر، وله من التصانيف " كتاب الزهرة والرياض "، و " كتاب مكاتبات الشعر " و " كتاب الجوارح "، و " كتاب الصيد "، و " كتاب السرقات "، و " كتاب أشعار الملوك " و " كتاب الآداب "، و " كتاب حلي الأخبار "، و " كتاب طبقات الشعراء "، و " كتاب الجامع في العلم "، و " كتاب فيه أرجوزة في ذم الصبوح ". ومن كلامه: البلاغة البلوغ إلى المعنى وكان يقول: لو قيل لي ما أحسن شعر تعرفه؟. لقلت: قول العباس ابن الأحنف:
قد سحب الناس أذيال الطنون بنا ... وفرق الناس فينا قولهم فرقا
فكاذب قد رمى بالظن غيركم ... وصادق ليس يدري أنه صدقا
ورثاه علي بن محمد بن بسام يقول:
لله دره من ميت بمضيقة ... ناهيك في العلم والآداب والحسب
ما فيه لو، ولا لولا فتنقصه ... وإنما أدركته حرفة الأدب
ولإبن المعتز أشعار رائقة، وتشبيهات فائقة، من ذلك قوله:
(2/169)

كأنا وضوء الصبح يستعجل الدجى ... نظير غراباً ذا قوادم جون
يعني بالجون بفتح الجيم الأبيض، ويطلق على الأسود أيضاً لأنه من أسماء الأضداد، فشبه ظلام الليل حين يظهر فيه ضوء الصباح بأشخاص الغربان، ثم شرط أن يكون قوادم ريشها بيضاً، لأن ذلك البياض يقع من الظلمة في حواشيها، من حيث يلي معظم الصبح. وعموده ولمع نوره يتخيل منها في العين كشكل قوادم بيض، وجعل ضوء الصبح، لقوة ظهوره ودفعه لظلام الليل كأنه يدفع الدجى ويستعجله، ولا يرضى بأن يتمهل في حركته.
وفيها السنة المذكورة توفي المحدث أبو جعفر محمد بن حماد.
وفيها توفي أحمد بن يعقوب القاضي، أحد من قام في خلع المقتدر، احتساباً ذبح صبراً.
وفيها توفي محمد بن داود بن الجراح الإخباري العلامة، صاحب المصنفات وكان أوحد زمانه في معرفة أيام الناس.

سبع وتسعين ومائتين
فيها توفي الحافظ ابن الحافظ ابن الحافظ: محمد بن أحمد بن زهير بن حرب كان أبوه يستعين به في تصنيف التاريخ.
وفيها توفي الشيخ الكبير العارف بالله الشهير إمام السالكين، وقدوة العارفين أبو عبد الله عمرو بن عثمان المكي، شيخ الصوفية، أحد الخمسة المقتدى بهم في زمانهم، الجامعين بين علم الباطن والظاهر، صاحب التصانيف في الطريقة، كبير الشأن في أسرار الحقيقة.
وفيها توفي الإمام البارع محمد بن داود بن علي الأصبهاني المعروف بالظاهري الفقيه أبو بكر، أحد أذكياء زمانه صاحب " كتاب الزهرة ". تصدر للإشتغال والفتوى. كان فقيها أديباً شاعراً ظريفاً وكان يناظر أبا العباس بن شريح. وسيأتي ذكر شيء من ذلك في ترجمة ابن شريح.
ولما توفي، أبوه داود جلس في حلقته، وكان على مذهبه، فاستصغروه فدشوا إليه
(2/170)

رجلاً وقالوا: سله عن حد الشكر، فسأله: متى يكون الإنسان في داخلاً في حد السكران؟ فقال: إذا ضربت عنه الهموم، وباح بسره المكتوم، فاستحسن منه ذلك، وعلم موضعه العلم.
قلت: وهذا الذي ذكره في حد السكر هو الذي نقله أصحابنا عن الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه وإن اختلفا في بعض اللفظ والعبارة، فعبارة الشافعي: إنه الذي اختل كلامه المنظوم، وانكشف سره المكتوم.
وروى الشيخ الإمام أبو إسحاق بسنده في الطبقات: إن ابن داؤد المذكور جاءته امرأة فقالت له: ما تقول في رجل له زوجة، لا هو يمسكها، ولا هو يطلقها؟. فقال: اختلف في ذلك أهل العلم، فقال قائلون: يؤمر بالصبر والإحتساب، وتبعث على التطلب والإكتساب وقال قائلون: تؤمر بالإتفاق، ولا يحمل على الطلاق. فلم تفهم المرأة قوله، وأعاد مسألتها فقال لها: يا هذه، قد أجبتك عن مسألتك، وأرشدتك إلى طلبتك، ولست بسلطان فأمضي، ولا قاض فأقضي، ولا زوج فأرضي، فانصرفت ولم تفهم جوابه.
وصنف ابن داود كتابه " الزهرة " المذكور في عنفوان شبابه، وهو مجموع أدب أتى فيه. بكل غريبة ونادرة وشعر رائق.
واجتمع يوماً، هو وأبو العباس بن شريح في مجلس الوزير ابن الجراح، فتناظرا في الإيلاء، فقال له ابن شريح: أنت تقول: من كثرت لحظاته دامت حسراته، أبصر منك بالكلام في الإيلاء. فقال له ابن داود: لئن قلت ذلك فإني أقول.
أنزه في روض المحاسن مقلتي ... وأمنع نفسي أن تنال محرما
وأحمل من ثقل الهوى ما لو أنه ... يصب على الصخر الأصم تهدما
وينطق طرفي عن مترجم خاطري ... فلولا اختلاسي ورده لتكلما
رأيت الهوى دعوى من الناس كلهم ... فما أن حيا صحيحاً مسلماً
فقال له ابن شريح: ولم تفخر علي؟. ولو شئت أنا أيضاً لقلت:
ومسامر بالفتح من لحظاته ... قد بث أمنعه لذيذ سناته
ظناً بحسن حديثه وغنائه ... وأكدر اللحظات في وجناته
حتى إذا ما الصبح لاح عموده ... ولي بخاتم ربه وبراته
فقال ابن داود: نحفظ الوزير عليه ذلك حتى يقيم شاهدي عدل، أنه ولي بخاتم ربه، فقال ابن شريح: يلزمني في ذلك ما يلزمك في قولك.
(2/171)

أنزه في روض المحاسن مقلتي ... وأمنع نفسي أن تنال محرما
فضحك الوزير وقال: لقد جمعتم ظرفا ولطفاً وفهماً وعلماً. انتهى.
قلت: فإن اعترض معتوض وقال: لا يلزم ابن داود ما ادعاه ابن شريح في قول ابن داود: " أنزه في روض المحاسن مقلتي " البيت، لأن الروض الحقيقي لا يلزم بالنظر إليه ارتكاب محرم. قلت: القرينة دالة من لفظه، على أنه لم يرد بالروض حقيقته، وإنما أراد الإستعارة المجازية. والشاهد عليه قوله في عجز البيت: " وأمنع نفسي أن تنال محرما "، وهو مفهوم أيضاً من صدر البيت، أعني قوله: روض المحاسن، فأضاف الروض إلى المحاسن.
وكان ابن داود المذكور عالماً في الفقه، وله تصانيف عديدة منها: " كتاب الوصول إلى المعرفة الأصول "، و " كتاب الإنذار "، و " كتاب الأعذار "، و " كتاب الإنتصار " على محمد بن جرير، وعبد الله بن سرسير، وعيسى بن إبراهيم الضرير وغير ذلك.
توفي رحمه الله يوم الإثنين تاسع شهر رمضان من السنة المذكورة، وعمره إثنان وأربعون سنة. وفي يوم وفاته توفي القاضي يوسف بن يعقوب الأزدي.
قلت: ونقل ابن خلكان عنه حكاية لا تصح، فإنه قال: ويحكى أنه لما بلغته وفاة ابن شريح، كان يكتب شيئاً، فألقى الكراسة من يده وقال: ما كنت أحث نفسي وأجهزها على الإشتغال لمناظرته ومقاومته. فإن ظاهر هذا اللفظ أن ابن داود هو الذي بلغته وفاة ابن شريح، فقال هذا القول، وهذا لا يصح لأن ابن شريح مات بعده في سنة ست وثلاثمائة، اللهم إلا أن يكون أسقط الكاتب من اللفظ شيئاً، أعني: قال: بلغت وفاته، بإثبات التاء قبل الهاء، فأسقطها الكاتب. ومع هذا فهو بعيد أيضاً لكونه يقتضي أن الإمام المنتجب الملقب بالباز الأشهب أبا العباس بن شريح، ما كان يصنف إلا لمناظرة ابن داود الظاهري. نعم يحكى عنه أنه لما مات تأسف كيف تأكل الأرض مثله. والله أعلم بذلك.
وفي السنة المذكورة توفي الحافظ ابن الحافظ محمد بن عثمان بن أبي شيبة.
وفيها توفي القاضي يوسف بن يعقوب كما تقدم.

ثمان وتسعين ومائتين
فيها توفي السيد الجليل الشيخ العارف محمد بن مسروق الطوسي، أستاذ الجنيد.
وفيها توفي أستاذ الطريقة، وحامل لواء الحقيقة، سيد الطائفة، تاج العارفين،
(2/172)

قطب العلوم أبو القاسم الجنيد بن محمد القواريري الخزاز " بالخاء المعجمة والزاي المشددة المكررة " قدس الله تعالى روحه. وقيل: سنة سبع، وقيل: ست صحب خاله السري السقطي، والحارث بن أسد المحاسبي وغيرهما من جلة المشايخ. وممن صحبه من جلة الأئمة وأعلام الأئمة أبو العباس بن شريح الفقيه الشافعي المنتخب في العلوم المقتحم للخصوم. كان إذا تكلم في الأصول والفروع بكلام يعجب الحاضرين يقول لهم: أتدرون من أين لي هذا؟. هذا من بركة مجالستي أبا القاسم الجنيد.
وأصل الجنيد من نهاوند، ومولده ومنشأه العراق. وكان شيخ وقته وفريد عصره وكلامه في الطريقة وأسرار الحقيقة مشهور مدون، تفقه على أبي ثور صاحب الإمام الشافعي، وقيل بل كان فقيهاً على مذهب سفيان الثوري. وسئل عن العارف من هو؟. فقال من نطق عن شركه وأنت ساكت، وكان يقول: مذهبنا هذا مقيد بالأصول والكتاب والسنة.
وروي يوماً وفي يده سبحة، فقيل له: أنت مع شرفك تأخذ في يدك سبحة. فقال طريق وصلت به إلى ربي لا أفارقه. وقال: قال لي خالي السري: تكلم على الناس وكان في قلبي حشمة من الكلام على الناس فإني كنت أتهم نفسي في استحقاق ذلك، فرأيت في المنام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكانت ليلة الجمعة. فقال لي: تكلم عل الناس، وأتيت باب السري قبل أن أصبح، فدققت الباب فقال لي: لم تصدق حتى قيل لك فقعدت في غد للناس بالجامع، وانتشر في الناس أن الجنيد قعد يتكلم على الناس، فوقف علي غلام نصراني متنكراً وقال: أيها الشيخ، ما معنى قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله "؟ فأطرقت ساعة ثم رفعت رأسي، وقلت له أسلم فقد حان وقت إسلامك، فأسلم الغلام.
قلت: والناس يعتقدون أن في هذا للجنيد كرامة، وأقول: فيه كرامتان: إحداهما: اطلاعه على كفر الغلام.
والثانية: اطلاعه على أنه سيسلم في الحال.
وكل ذلك باطلاع الله تعالى له تفضيلاً وإكراماً وتخصيصاً وإنعاماً، وإن لم يكن ذلك مطرداً، فقد يعطي الكرامة المفضول، ويمنع الفاضل وعن أبي القاسم الجنيد أنه قال: ما انتفعت بشيء انتفاعي بأبيات سمعتها، قيل له: وما هي؟ قال: مررت بدرب القراطين فسمعت جارية تغني من دار فأنصت لها، فسمعتها تقول:
(2/173)

إذا قلت أبدى الهجر لي حلل البلا ... تقولين: لولا الهجر لم يطب الحب
وإن قلت هذا القلب أحرقه الهوى ... تقولي الهوى الذي تشرق القلب
فصفقت وصيحت، فبينا أنا كذلك، إذا أنا بصاحب الدار قد خرج فقال: ما هذا يا سيدي؟ فقلت: ما سمعت، فقال: أشهد أنها هبة مني لك، فقلت: وقد قبلتها وهي حرة لوجه الله تعالى. ثم دفعتها لبعض أصحابنا بالرباط، فولدت له ولداً نبيلاً، ونشأ أحسن نشوء، وحج على قدميه ثلاثين حجة على الوحدة.
وأخبار الجنيد كثيرة، ومناقبه شهيرة، وسيرته حميدة، وكراماته عديدة. قيل: توفي آخر ساعة من نهار الجمعة، وقيل غير ذلك، ودفن بالشونيزية عند خاله السري. وكان عند موته قد ختم القرآن، ثم ابتدأ بقراءته، فقرأ سبعين آية من البقرة ثم مات. وإنما قيل له الخزاز لأنه كان يعمل الخز، وإنما قيل له القواريري: لأن أباه كان قواريرياً.
قلت: وذكر بعض المشايخ أنه لما صنف عبد الله بن سعيد بن كلاب كتابه الذي رد فيه على جميع المذاهب قال: هل بقي أحد؟ قيل له: نعم بقي طائفة يقال لها الصوفية، قال: فهل لهم من إمام يرجعون إليه؟. قيل: نعم، الأستاذ أبو القاسم الجنيد. فأرسل إليه، فسأله عن حقيقة مذهبه، فرد عليه الجنيد الجواب، بأن مذهبنا إفراد القدم عن الحدث، وهجران الإخوان والأوطان، ونسيان ما يكون وما كان. فلما سمع ابن كلاب هذا الجواب تعجب من ذلك وقال: هذا شيء، أو قال: كلام لا يمكن فيه المناظرة. ثم حضر مجلس الجنيد وسأله عن التوحيد، فأجابه بعبارة مشتملة على معارف الأسرار والحكم فقال: أعد علي ما قلت، فأعاده لا بتلك العبارة، فقال: هذا شيء آخر. فأعده علي، فأعاده بعبارة أخرى فقال: ما يمكننا حفظ ما تقول، فأمله علينا، فقال: لو كنت أجريه كنت أمليه، فقال بفضله واعترف بعلو شأنه. قلت: وإلى قوله: لو كنت أجريه كنت أمليه، أشرت على لسان صاحب الحال الجاري على لسانه كلام بغير اختيار على طريق التغزل بسلمى، ويشبهها حيث أقول حاكياً لكلام شيخنا، قدس الله تعالى روحه. في حال غيبته بالحال الوارد عليه:
وما قلت قولاً، غير أني أعرتها ... لساني، فأومت للهوى يتكلم
فأسرارها منها علمت، وعندما ... شكرت جليسي شرها منه يعلم
أعني: يعلم الجليس السر الجاري على لسان المتكلم بواسطة الهوى المشار إليه بالتكلم من جهة المحبوب المكنى عنه سلمى تستر.
وروي عن بعض المشايخ الصوفية الجلة أنه قال: قال لي الكعبي من كبار أئمة المعتزلة رأيت لكم شيخاً ببغداد يقال له الجنيد، ما رأت عيني مثله، كانت الكتبة يحضرونه لألفاظه،
(2/174)

والفلاسفة لدقة كلامه، والشعراء لفصاحته، والمتكلمون لمعانيه وكلامه، ناء عن فهمهم وكان رضي الله تعالى عنه من صغره منطقاً بالمعارف والحكم، حتى أن خاله السري سئل عن الشكر والجنيد يلعب مع الصفار فقال له: ما تقول يا غلام. فقال: الشكر أن لا تستعين بنعمة على معاصيه، فقال السري: ما أخوفني عليك أن يكون حظك في لسانك. قال الجنيد: فلم أزل خائفاً من قوله هذا حتى دخلت عليه يوماً، وجئته بشيء كان محتاجاً إليه فقال لي: أبشر فإني دعوت الله عز وجل أن يسوق لي ذلك على يد مفلح، أو قال: موفق، اللهم إنا نسألك التوفيق، ونعوذ بك من الخذلان والتعويق، بجاه نبيك الكريم، عليه أفضل الصلاة والتسليم.
وعن الأستاذ أبي القاسم المذكور أنه قال: دخلت الكوفة في بعض أسفاري، فرأيت داراً لبعض الرؤساء، وقد سف عليها النعيم، وعلى بابها عبيد وغلمان، وفي بعض رواشتها جارية تغني وتقول:
ألا يا دار لا يدخلك حزن ... ولا يعبث بساكنك الزمان
فنعم الدار أنت لكل ضيف ... إذا ما الضيف أعوزه المكان
قال: ثم مررت بعد مدة، فإذا الباب مسود، والجمع مبدد، وقد ظهر عليها كآبة الذل والهوان، وأنشد لسان الحال:
ذهبت محاسنها وبان شجونها ... والدهر لا يبقي مكاناً سالماً
فاستبدلت من أنسها بتوحش ... ومن السرور بها عزاء وغما
قال: فسألت عن خبرها، فقيل لي: مات صاحبها، فآل أمرها إلى ما ترى. فقرعت الباب الذي كان لا يقرع، فكلمتني جارية بكلام ضعيف، فقال لها: يا جارية، أين بهجة هذا المكان؟. وأين أنواره؟ وأين شموسه؟ وأين أقماره؟. وأين قصاده؟. وأين زواره؟ فبكت، ثم قالت: يا شيخ، كانوا فيه على سبيل العلوية، ثم نقلتهم الأقدار إلى دار القرار، وهذه عادة الدنيا، ترحل من سكن فيها، وتسيء إلى من أحسن إليها. فقلت لها: يا جارية، مررت بها في بعض الأعوام، وفي هذا الروشن جارية تغني: " ألا يا دار لا يدخلك حزن "، فبكت وقالت: أنا والله تلك الجارية، لم يبق من أهل هذه الدار أحد غيري، فالويل لمن غرته دنياه. فقلت لها: فكيف قربك القرار في هذا الموضع الخراب؟ فقالت لي: ما أعظم جفاءك، أما كان هذا منزل الأحباب؟ ثم أنشأت:
قالوا اتغتي وقوفاً في منازلهم ... وليس مثلك لا يغني بحملها
فقلت والقلب قد ضجت أضالعه ... والروح تنزع والأشواق تبدلها
(2/175)

منازل الحب في قلبي معظمة ... وإن خلا من نعيم الوصل منزلها
فكيف أتركها، والقلب يتبعها ... حباً لمن كان قبل اليوم ينزلها
قال: فتركتها ومضيت، وقد وقع شعرها من قلبي موقعاً، وأزاد قلبي تولعاً.
قلت: ومن العبر العظيمات مما يناسب هذه الحكاية في سرعة الممات أنها قرئت علي هذه الترجمة لأبي القاسم الجنيد في منزلي، في بعض الليالي، وأنا حينئذ في المدينة الشريفة، وكانت زوجتي زينب بنت القاضي نجم الدين الطبري تسمع قراءتها، فذكرت في تلك الليلة شيئاً من هذه الحكاية، مما كان على ذهني منها. ثم أردت أن أكتبها، وألحقها بالترجمة المذكورة لنسمعها في ليلة أخرى زوجتي المشار إليها، فما تيسرت كتابتها إلا اليوم الثالث من موتها، ولا قرأنا شيئاً من هذا التاريخ في بيتها سوى ليلة، وقد نزل مرض الموت بها رحمها الله تعالى وأنزلها. داراً خيراً من دارها.
وفي السنة المذكورة توفي الشيخ الكبير العارف بالله تعالى الشهير أبو عثمان الحيري " بكسر الحاء المهملة والراء وسكون الياء المثناة من تحت بينهما " سعيد بن إسماعيل، شيخ نيسابور في زمانه، وواعظها وكبير الصوفية بها. صحب الشيخ الكبير الجليل أبا حفص النيسابوري، وكان كبير الشأن مجاب الدعوة.

تسع وتسعين ومائتين
فيها توفي شيخ نيسابور، أبو عمرو الخفاف، أحمد بن نصر الحافظ الزاهد. سمع إسحاق بن راهويه. وقال ابن خزيمة يوم وفاته: لم يكن بخراسان أحفظ للحديث منه.
وفيها توفي أبو الحسن محمد بن أحمد بن كيسان البغدادي النحوي، صاحب التصانيف في القراءة والجريب والنحو. وكان أبو بكر بن مجاهد يعظمه ويطريه ويقول: هو أنحى من الشيخين. يعني ثعلباً والمبرد.

ثلاث مائة
فيها توفي صاحب الأندلس: أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية الأموي. وكانت دولته خمساً وعشرين سنة. ولي بعد أخيه المنذر، وكان ذا صلاح وعبادة وعدل وجهاد، يلتزم الصلوات في الجامع، وله غزوات كبار، أشهرها غزوة ابن حفصون، وكان ابن حفصون في ثلاثين ألفاً، وهو في أربعة
(2/176)

عشر ألفاً، فالتقيا فانكسر ابن حفصون، وتبعه عبد الله يأسر ويقتل حتى لم ينج منهم أحد. وكان ابن حفصون من الخوارج.
وفيها توفي أبو الحسن علي بن سعيد العسكري، أحد أركان الحديث. وأبو الحسين مسدد بن قطن النيسابوري. قال الحاكم: كان مربي عصره، والمقدم في الزهد والورع.
وفيها توفي أبو أحمد يحيى بن علي المعروف بابن المنجم. كان أول أمره نديم الموفق طلحة بن المتوكل على الله، وكان الموفق نائباً عن أخيه المعتمد على الله، ولم يل الخلافة، ثم نادم يحيى المذكور الخلفاء بعد الموفق، واختص بمنادمة المكتفي بالله، وعلت رتبته عنده، وتقدم على خواصه وجلسائه. وكان متكلماً معتزلي الإعتقاد، وله في ذلك كتب كثيرة. وكان له مجلس يحضره جماعة من المتكلمين بحضره المكتفي، وله مع المعتضد وقائع ونوادر. من ذلك أنه قال: كنت يوماً بين يدي المعتضد، وهو مغضب، فأقبل بدر مولاه وهو شديد الغرام به، فلما رآه من بعيد ضحك وقال: يا يحيى، من الذي يقول من الشعراء:
في وجهه شافع يمحو إساءته ... من القلوب، وجيه حيث ما شفعا
فقلت: يقوله الحكم بن عمر والشاري. فقال: لله دره، أنشدني هذا الشعر، فأنشدته:
ويلي على من أطار النوم فامتنعا ... وزاد قلبي على أوداجه وجعا
كأنما الشمس في أعطافه لمعت ... حسناً أو البدر من أزراره طلعا
مستقبل بالذي يهوى وإن كثرت ... منه الذنوب، ومعذور متى صنعا
في وجهه شافع يمحو إساءته ... من القلوب، وجيه حيث ما شفعا
وفي حدود الثلاث مائة توفي أحمد بن يحيى الراوندي الملحد. وكان يلازم الرافضة والزنادقة، قال ابن الجوزي: كنت أسمع عنه العظائم حتى رأيت في كتبه ما يخطر على قلب أن يقوله عاقل، فمن كتبه: " كتاب نعت الحكمة "، و " كتاب قضب الذهب "، و " كتاب الزمرد "، وقال ابن عقيل: عجبي كيف لم يقتل، وقد صنف " الدامغ " يدمغ به على القرآن، و " الزمردة " يزري به عيب النبوات.
(2/177)

وذكر بعضهم أن له من التصانيف ما ينيف على مائة مصنف. قلت: والمشاهير من أهل الحق ينقلون عنه في كتب الأصول أشياء ينسبونه فيها إلى الزندقة والإلحاد، فلا اعتبار لمن يمدحه بالفضائل كابن خلكان وغيره.

إحدى وثلاث مائة
فيها قتل أبو سعيد القرمطي، صاحب هجر قتله خادم في الحمام " روادة "، ثم خرج فاستدعى رئيساً من خواض أبي سعيد القرمطي، فقال: السيد يطلبك، فلما دخل قتله، ثم آخر، ثم آخر كذلك، حتى قتل أربعة، يستدعيهم واحدا بعد واحد، ثم صاح النساء، فتكاثر الناس على الخادم، فقتلوه. وكان هذا الملحد قد تمكن وهزم الجيوش، ثم هادنه الخليفة، واسمه الحسن بن بهرام.
وفيها سار عبد الله المهدي المتغلب على المغرب على أربعين ألفاً ليأخذ مصر، حتى بقي بينه وبين مصر مسيرة أتام، فحجز أمير مصر النيل، وحال الماء بينه وبين مصر، ثم جرت بينهم وبين جيش المقتدر حروب، فرجع المهدي إلى برقة، بعد أن ملك الإسكندرية والفيوم.
وفيها توفي الحافظ العلامة جعفر بن محمد أبو بكر صاحب التصانيف. وكان من أوعية العلم.
وفيها توفي الحافظ أبو عبد الله محمد بن يحيى بن منده العبدي الأصبهاني، جد الحافظ الكبير محمد بن إسحاق بن منده.
وفيها توفي الأمير علي بن أحمد الراسي، أمير جند نيسابور، وخلف ألف فرس وألف ألف دينار أو نحو ذلك.
وفيها توفي البشامي علي بن محمد الشاعر المشهور. كان من أعيان الشعراء ومحاسن الظرفاء لسناً مطبوعاً في الهجاء. قالوا: لم يسلم منه أمير ولا وزير ولا صغير ولا
(2/178)

كبير، حتى وقع ذلك منه في أبيه وإخوته وسائر أهل بيته. ونقلوا في ذلك أشعاراً ومن شعره في غير الهجاء قوله:
وكانت بالسراة لنا ليال ... سرقناهن من ريب الزمان
جعلناهن تاريخ الليالي ... وعنوان المسرة والأمان
ومن قوله في هجاء بعض الكتاب:
تعس الزمان لقد أتى بعجاب ... ومحا رسوم الظرف والآداب
وأتى بكتاب لو انبسطت يدي ... فيهم رددتهم إلى الكتاب
ودخل وزير المعتضد، والمعتضد ينشد هجاء فيه، فلما رآه المعتضد استحيى منه وقال: اقطع لسان ابن بشام. فخرج الوزير مبادراً لقطع لسانه، فاستدعاه المعتضد وقال: اقطع لسانه بالبر والشغل، ولا تعرض له بسوء، فولاه البريد وبعض الأعمال والبشامي نسبة إلى الجد والهجاء الذي دخل الوزير، والمعتضد ينشده هو:
قل لأبي القاسم المروزي ... قابلك الدهر بالعجائب
مات لك ابن وكان زيناً ... وعاش ذو الشين والمعائب
حياة هذا كموت هذا ... فليس تخلو من المصائب
يعني بأبي القاسم: أبا الوزير المذكور، وكان قد مات له ابن هو أخو الوزير. والمعنى أن حياة الوزير مصيبة، كما أن موت أخيه مصيبة.
وفيها توفي الوزير أبو الفضل جعفر بن الفضل بن جعفر، المعروف بابن الفرات وكان وزير بني الأختل بمصر مدة إمارة كافور، وبعد وفاة كافور. وكان عالماً ومحباً للعلماء، وحدث عن محمد بن هارون الحضرمي وطبقته، وعن جماعة آخرين، وكان يملي الحديث بمصر، وهو وزيره، وقصده الأفاضل من البلدان الشاسعة، وبسببه سار الحافظ الحسن الدارقطني من العراق إلى مصر، ولم يزل عنده حتى فرغ من تأليف مسند، وله تأليف في أسماء الرجال والأنساب وغير ذلك. ومدحه المتنبي مع كافور، وكان كثير الخير أهل الحرمين. واشترى بالمدينة داراً ليس بينها وبين الضريح النبوي سوى جدار واحد وأوصى أن يدفن فيها، وقرر مع الأشراف ذلك، ولما مات حمل تابوته، وخرجت الأشراف إلى لقائه وفاء بما أحسن إليهم، وحجوا به وطافوا، ووقفوا، ثم ردوه إلى المدينة، ودفنوه بالدار المذكور، وقيل: دفن بالقرافة، وعلى قبره مكتوب اسمه.
(2/179)

أثنتين وثلاث مائة
فيها عاد المهدي إلى الإسكندرية، فوقعت وقعة كبيرة، قتل فيها نائبه، فرداً إلى القيروان.
وفيها أخذت طيىء الركب العراقي، وتمشرق الوفد في البرية، وأسروا من النساء مائتين وثمانين.
وفيها توفي العلامة فقيه المغرب أبو عثمان بن حداد الإفريقي المالكي. أخذ عن سحنون وغيره. برع في العربية والنظر. ومال إلى مذهب الشافعي، وجعل يسمي المدونة المزورة، فهجره المالكية، ثم أحبوه لما قام على أبي عبد الله السيفي، وناظره ونصر السنة.
وفيها توفي العلامة أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن الأصبهاني، إمام جامع أصبهان، أحد العباد والحفاظ.

ثلاث وثلاث مائة
فيها توفي الحافظ أحد الأئمة الأعلام، صاحب المصنفات، أبو عبد الرحمن أحمد بن علي النسائي، إمام عصره في الحديث، وله كتاب السنن وغيره، سكن مصر وانتشرت بها تصانيفه، وأخذ عنه الناس، وخرج إلى دمشق، فسئل عن معاوية وما روى من فضائله فقال: أما يرضى معاوية أن يخرج رأساً برأس حتى يفضل؟. وفي رواية أخرى: ما أعرف له فضيلة إلا: لا أشبع بطنك. وكان يتشيع، فما زالوا يدفعون في خطبته حتى أخرجوه من المسجد. وفي رواية أخرى: يدفعون في خطبته، وداسوه، ثم حمل إلى الرملة فمات بها.
وقال الحافظ أبو الحسن الدارقطني: لما امتحن النسائي بدمشق قال: احملوني إلى مكة، فحمل إليها فتوفي بها. وهو مدفون بين الصفا والمروة، وقال الحافظ أبو نعيم: لما داسوه بدمشق مات بسبب ذلك الدوس وهو مقتول.
قال: وكان قد صنف " كتاب الخصائص " في فضل علي رضي الله تعالى عنه، وأهل البيت. فقيل له: ألا تصنف كتاباً في فضائل الصحابة؟. فقال: دخلت دمشق، والمتحرف عن علي كثير، فأردت أن يهديهم الله تعالى بهذا الكتاب، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وكان موصوفاً بكثرة الجماع.
(2/180)

قال الحافظ ابن عساكر: كان له أربع زوجات، يقسم لهن وجواري، وقال الدارقطني: أدرك الشهادة، وتوفي بمكة ونسبته إلى نسا مدينة بخراسان.
وفيها توفي الحافظ الكبير أبو العباس الحسين بن سفيان الشيباني بفقه على أبي ثور. وكان يفتي بمذهبه قال الحاكم: كان محدث خراسان في عصره، مقدماً بالثبت والكثرة والفهم والأدب.
وفيها توفي أبو علي الجبائي، محمد بن عبد الوهاب، شيخ المعتزلة.
وفيها توفي يموت بن المزرع بن يموت العبدي البصري، قال الخطيب هو ابن أخت أبي عثمان الجاحظ، قدم يموت المذكور بغداد في سنة إحدى وثلاث مائة، وهو شيخ كبير، وحدث بها عن أبي عثمان المازني، وأبي حاتم السجستاني، وجماعة كثيرة. وروى عنه أبو بكر الخرائطي، وأبو بكر بن مجاهد المقرىء، وأبو بكر الأنباري وغيرهم. وكان أديباً أخبارياً، وله ملح ونوادر، وكان لا يعود مريضاً خوفاً من أن يتطير من اسمه، ويقول: بليت بالأسم الذي سماني به أبي فإذا عدت مريضاً فاستأذنت عليه، فقيل: من هذا؟ قلت: أنا ابن المزرع، وأسقطت اسمي. وقيل إنه كان قد سمى نفسه محمداً، ومدحه منصور بن الضرير فقال:
أنت تجيء والذي ... يكره أن تجيء يموت
أنت ضوء النفس بل ... أنت لروح النفس قوت
أنت للحكمة بيت ... لا خلت منك البيوت
ومن أخباره ما رووه عن الأصمعي قال: كنت عند الرشيد، وقد أتي بعبد الملك صالح الباسي، وهو يرفل في قيوده. فلما نظر الرشيد إليه قال: هيه يا عبد الملك كأني والله أنظر إلى شؤبوبها قد همع وإلى عارضها قد تبلع، وكأني بالوعيد أقلع عن براجم بلا عاصم، ورؤوس بلا عاصم، مهلاً مهلاً بني هاشم، فتى والله سهل لكم الوعر، وصفى الكدر، وألقت إليكم الأمور أزمتها، فخذوا حذاركم مني قبل حلول داهية، خيوط باليد والرجل.
قال عبد الملك: أفرداً أتكلم أم توأماً؟ فقال: بل توأماً، فقال: اتق الله يا أمير المؤمنين
(2/181)

فيما ولآك، وراقبه في رعاياك التي استرعاك، فقد سهلت والله لك الوعور، وجمعت على خوور، ورجا بك الصدور. وكنت كما قال أخو جعفر بن كلاب: ومقام ضيق فرجته بلسان وبيان، وجدل لو يقوم القيل أو قياك في مقام كمقامي لرجل، أو قال: نفسك فأراد يحيى بن خالد البرامكي أن يضع مقدار عبد الملك عند الرشيد فقال له: بلغني أنك حقود، فقال عبد الملك: إن يكن الحقد هو بقاء الخير والشر عندي فإنهما لباقيان في قلبي، قال. الأصمعي: فالتفت الرشيد إلي وقال: يا أصمعي، والله لو نظرت إلى موضع السيف من عنقه مراراً، يمنعني من ذلك إبقائي على قومي في مثله.
ومما روى يموت أيضاً أن أحمد بن محمد بن عبد الله المعروف بابن المدبر الكاتب أن إذا مدحه شاعر، ولم يرض شعره قال لغلامه: امض به إلى المسجد ولا تفارقه حتى يصلي مائة ركعة، ثم أطلقه. فتحاماه الشعراء من الأفراد المجيدين، فجاءه أبو عبد الله الحسن بن عبد السلام المعروف بالجمل، فاستأذنه في النشيد فقال: قد عرفت الشرط؟. قال: نعم، ثم أنشده.
أردنا في أبي حسن مديحاً ... كما بالمدح ينتجع الولاة
فقلنا: أكرم الثقلين طراً ... ومن كفاه دجلة والفرات
فقالوا: يقبل المدحات لكن ... جوائزه عليهن الصلاة
فقلت لهم: وما تغني صلاتي ... عيالي إنما الشأن الزكاة
فتأمرني بكسر الصاد منها ... وتصبح لي الصلاة هي الصلات
فضحك ابن المدبر واستطرفه، وقال: من أين أخذت هذا؟ فقال: من قول أبي تمام الطائي:
هن الحمام وإن كسرت عناقه ... من جابهن فإنهن حمام
فاستحسن ذلك، وأحسن صلته، وحدث ابن المزرع أيضاً عن خاله أبي عثمان الجاحظ أنه قال: طلب المعتصم جارية كانت لمحمود بن الحسن الشاعر المعروف بالوراق وكانت تسمى بشنوى، وكان شديد الغرام بها، وبذل في ثمنها سبعة آلاف دينار، فامتنع محمود من بيعها، لأنه كان يهواها أيضاً. فلما مات محمود بيعت الجارية للمعتصم تركته بسبعمائة دينار، فلما دخلت عليه قال لها: كيف رأيت تركتك حتى اشتريتك من سبعة آلاف دينار بسبعمائة دينار؟. فقالت: أجل. إذا كان الخليفة ينتظر لشهواته المواريث فإن سبعين ديناراً لكثيرة في ثمني، فضلاً عن سبعمائة، فخجل المعتصم.
وقال ابن المزرع: حدثني من رأى قبراً بالشام عليه مكتوب: لا يغترن أحد بالدنيا،
(2/182)

فإني ابن من كان يطلق الريح إذا شاء ويحبسها. وبحذائه قبر عليه مكتوب: كذب الماص بظر أمه. لا يظن أحد أنه ابن سليمان بن داود عليه السلام، إنما هو حداد يجمع الريح في الزق، ثم ينفخ بها الجمر.. قال: فما رأيت قبرين قبلهما يتشابهان. قلت: وفي هذا المعنى خطر لي وقت وقوفي عليه إنشاء بيت على طريق اللغز معيراً بارتحاله عن لسان حاله نائباً عنه في مقاله:
أنا ابن الذي للريح يمسك إن يشا ... ويرسلها إن شاء للنفع ثارها
ومما يناسب هذا مقال اثنين، مشهور لغزهما، ضمنته نظماً وآخرين اخترتهما لغزاً لفظاً ومعنى، وعن لغز الأربعة أشرت في بعض القصيدات بهذه الأبيات.
من اللغز قول اثنين كل مجاوب ... لبعض ولاة ناظماً مترفعاً
أنا ابن الذي ذلت رقاب الورى له ... ومخزومها منهم وهاشمها معا
إلى نحوها تأتي لأمر مطيعة ... فمرد بها والمال يأخذ خضعا
وقال الفتى الثاني له في جوابه ... وقد شام برق المجد من ذاك شعشعا
أنا ابن الذي لا ينزل الأرض قدره ... وإن نزلت تغلو وتعلا بمشبعا
ترى الناس أفواجاً إلى ضوء ناره ... وقد ملؤوا الرحب الفسيح الموسعا
وخذ ثالثاً قال اعتز متفاخراً ... لمجد وجد كي يصان ويرفعا
أنا ابن الفتى دباج كل سمينة ... ومزهق أرواح تماض مصرعا
ومفن بشجعان القرون محصنا ... لسفرك أقران التسفك ضجعا
ورابعهم قال افتخار أمنا هيا ... بأصل وفصل للسناء متطلعا
أنا ابن الذي يكسو الأنام صنيعه ... بها وزينا من له الغير صنعا
يوصل وقطع مبرم في فعاله ... لما لم يصل في الدهر غير ويقطعا
عن الأولين استنجزوا وترحلوا ... وقد سمعوا المجد الأثيل المرفعا
فقيل ابن حجام وطباخ اعتزل ... إلى المجد كل باحتيال ليخدعا
وقل ثالثاً يحل الجزار فرية ... ومن حائك من للثلاثة ربعا
أعني أن الأولين وردا على بعض الولاة، فسألهما عن أصلهما، فأجابا بالجوابين المذكورين اللذين بين كثير من الناس مشهورين. ثم عبرت عن مقالهما بنظمي المذكور، ثم أنشأت على وجه الإختراع لغزاً لإثنين آخرين ليس له عند أحد من الناس سماع، وأشرت إلى ذلك بقولي: " وخذ ثالثاً إلى الآخر "، ثم أوضحت وصف الأربعة يكون الأولين ابني حجام وطباخ، والآخرين ابني جزار وحائك. وقصيدتي المذكورة هي الموسومة بنزهة النطار، مشتملة على ستة من العلوم، ثم شرحتها شرحاً موسوماً بمنهل الفهوم المروي من صدى
(2/183)

الجهل المذموم في شرح ألسنة العلوم، وهي المعاني والبيان والبديع والعروض والقافية والسلوك، أعني سلوك منازل الطريقة للسائرين إلى الحضرة من أولي الحقيقة.

خمس وثلاث مائة
فيها قدم رسول ملك الروم يطلب الهدنة، فاحتفل للمقتدر بجلوسه له، وأقام الجيش بالسلاح، وكانوا عامة وستين ألفاً. ثم الغلمان وكانوا سبعة آلاف، وكانت الحجاب سبع مائة. وعلقت ستور الديباج، وكانت ثمانية وثلاثين ألف ستر من البسط وغيرها، ومما كان في الدار سبعمائة سلسلة. ثم أدخل الرسول دار الشجرة، وفيها بركة وفيها شجرة لها أغصان عليها طيور مذهبة، وورقه ألوان مختلفة، وكل طائر يصفر لوناً بحركات مصنوعة، ثم أدخل الفردوس، وفيها من الفرش والآلات ما لا يقوم. قلت: هذه التسمية بالفردوس تشبيهاً بما سماه الملك القدوس من الضلال وطغيان النفوس.
وفي السنة المذكورة توفي مسند العصر أبو حنيفة البصري الجمحي الفضل بن الحباب، وكان محدثاً متقناً أخبارياً عالماً.

ست وثلاث مائة
فيها أو قبلها: أمرت أم المقتدر في أمور الأمة، ونهت لركالة حال ابنها، فإنه لم يركب للناس ظاهراً منذ استخلف إلى سنة إحدى وثلاث مائة، ثم ولي ابنه علياً إمرة مصر وغيرها، وهو ابن أربع سنين، وهذا من الوهن والخلل الذي دخل على الأمة. ولما كان في السنة المذكورة أمرت أمه القهرمانة أن تجلس للمظالم، وتنظر في القصص كل جمعة بحضرة القضاة، وكانت تبرز التواقيع عليها خطها.
وفيها أقبل القائم محمد بن المهدي صاحب المغرب في جيوشه، فأخذ الإسكندرية وأكثر الصعيد، ثم رجع.
وفيها توفي القاضي الفقيه الإمام، علم الأعلام، الطراز المذهب الملقب بالباز الأشهب، حامل لواء مذهب الشافعي وناشره، ومؤيده في زمانه وناصره، أبو العباس أحمد بن عمر بن شريح، شيخ الشافعية، فقيه في زمانه، صاحب التصانيف الكثيرة
(2/184)

والفضائل الشهيرة. يشمل فهرست كتبه على أربعمائة مصنف، أخذ الفقه عن أبي القاسم الأنماطي عن المزني، والمزني عن الشافعي. قيل وكان يفضل على جميع أصحاب الشافعي حتى على المزني. قال أهل الطبقات: وعنه أخذ فقهاء الإسلام من الشافعية، واشتهر مذهب الشافعي في الآفاف. وانتشر، وقام بنصرة المذهب والرد على المخالفين، وفرع على كتب محمد بن الحسن الحنفي وكان شيخ طريقة العراق أبو حامد الأسفراييني يقول: نحن نجري مع أبي العباس في ظواهر الفقه دون دقائقه.
قلت: وسمعت من بعض شيوخنا أنه سأله إنسان: كيف يلبي المحرم؟. فقال: يقول لبيك، اللهم لبيك، اللهم لبيك، إلى آخر التلبية المعروفة، فقال السائل. صرت محرماً فقال ابن سريج " تزببت حصرماً "، قلت: قاله تحكماً، لأن الحصرم لا يجيء منه زبيب وإنما قال السائل: صرت محرماً، لأنه قيل أن ابن سريج كان يقول: يلزم الحكم بالحكا والله أعلم، وكان يناظر محمد بن داود الظاهري. حكى أنه قال له ابن داود يوماً: أبلعني ريقي، قال ابن سريج أبلعتك دجلة. وقال له يوماً: أمهلني ساعة، فقال: أمهلتك الساعة إلى أن تقوم الساعة، وقال له يوماً: أكلمك من الرجل فتجيبني من الرأس. فقال هكذا البقر إذا خفيت أظلافها وهنت قرونها.
وقال الشيخ الإمام المعروف بالفقه والإتقان أبو علي بن خيران: سمعت أبا العباس سريج يقول: رأيت كأنا مطرنا كبريتاً أحمر، فملأت أكمامي وحجري منه، فعبر لي أن أرزق علماً عزيزا كعزة الكبريت الأحمر. وكان يقال له في عصره: إن الله تعالى بعث عمر عبد العزيز على رأس المائة من الهجرة، فأظهر كل سنة وأمات كل بدعة، ومن الله تعالى على رأس المائتين بالإمام الشافعي، حتى أظهر السنة وأخفى البدعة. ومن الله تعالى رأس الثلاثمائة بك حتى قويت كل سنة، وضعفت كل بدعة.
قلت: هكذا ذكر في التاريخ، ولكن الذي صرح به الحافظ الإمام أبو القاسم عساكر أن الصحيح أنه كان على رأس الثلاثمائة الإمام أبو الحسن الأشعري، لأنه الذي على أئمة المبتدعة، ونصر مذهب أهل الحق والسنة. والناس في ذلك الزمان إلى إقامة الحق والذب عن السنة وإبطال مذاهب البدعة بقواطع الأدلة والبراهين المقحمة المقررة في علم الأصول، أحوج منهم إلى معرفة الفروع. وكان الشيخ أبو الحسن الأشعري أولى بأن يكون من المجددين الذين على رأس كل مائة سنة المشار إليهم في الحديث على وجه الإبهام دون التعيين. وسيأتي ذكر من على رأس المائتين اللاتي بعد إن شاء تعالى.
(2/185)

ولابن سريج المذكور مع فضائله نظم حسن، وفهم مشكور. عاش سبعاً وخمسين سنة وستة أشهر. وكان جده سريج رجلاً مشهوراً بالصلاح الوافر. وهو سريج بن يونس بن إبراهيم بن الحارث المروزي الزاهد العابد، صاحب الكرامات. وقد تقدم تاريخ موته في سنة خمس وثلاثين ومائتين، روى الحديث عن الحسن بن محمد الزعفراني.
وفي السنة المذكورة توفي الفقيه الإمام أبو الحسن منصور بن إسماعيل بن عمر التميمي المصري الفقيه الشافعي الضرير. أصله من " رأس عين " البلدة المشهورة بالجزيرة، وأخذ الفقه عن أصحاب الإمام الشافعي، وعن أصحاب أصحابه، وله مصنفات من المذهب مليحة، منها الواجب والمستعجل والمسافر والهداية، وغير ذلك من الكتب. وله شعر جيد ذكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء، وأنشد له:
عاب التفقه قوم لا عقول لهم ... وما عليه إذا عابوه من ضرر
ما ضر شمس الضحى والشمس طالعة ... أن لا يرى ضوءها من ليس ذا بصر
وحكي أنه أصابته مسغبة في سنة شديدة القحط، فرقي سطح داره، ونادى بأعلى صوته: الغياث، الغياث، نحن خلجاً لكم، وأنتم تجار، وإنما يحسن المواساة في الشدة، لا حين ترخص الأسعار. فسمعه جيرانه، فأصبح على بابه مائة جمل بر.
وفي السنة المذكورة توفي الشيخ الكبير أبو عبد الله بن الجلاء، أحمد بن يحيى. من أجل شيوخ الصوفية، صحب ذا النون المصري والكبار. كان قدوة أهل الشام، قال لأبويه: اشتهي أن تهباني لله عز وجل، فقال: قد وهبناك له فغاب عنهما مدة من الزمان، ثم جاء في ليلة ذات مطر وبرد، فقرع عليهما الباب، فقالا: من هذا. قال: ولدكما. قالا: ليس لنا ولد، وهبناه لله عز وجل، ونحن قوم عرب إذا وهبنا شيئاً لا نرجع فيه.
وفيها توفي الإمام الحافظ صاحب التصانيف أبو محمد عبدان بن أحمد الأهوازي الجوالقي.

سبع وثلاث مائة
فيها توفي أبو يعلى الموصلى التميمى الحافظ، صاحب المسند. والحافظ الكبير
(2/186)

أبو بكر محمد بن هارون الروياني صاحب المسند، وله تصانيف في الفقه.

ثمان وثلاث مائة
فيها ظهر اختلال الدولة العباسية، وخشيت الفتنة ببغداد، فركبت الجند، وسبب ذلك كثرة الظلم من الوزير حامد بن العباس، فقصد العامة داره، فحاربتهم غلمانه، وكان له مماليك كثيرة، ودام القتال أياماً، فقتل خلق كثير، ثم استفحل البلاء، ووقع النهب ببغداد. وجرت فتن وحروب بمصر، وملك العبيديون جيزة الفسطاط، وخرج الخلق، وشرعوا الحرب والحفل.
وفيها توفي الفقيه الصالح راوي صحيح مسلم، إبراهيم بن محمد بن س النيسابوري. قيل كان مجاب الدعوة.
وفيها توفي الحافظ الكبير أبو محمد عبد الله بن محمد الدينوري، سمع الكثير وطوف الأقاليم.
وفيها توفي أبو الطيب، محمد بن المفضل الضبي الفقيه الشافعي من كبار الفقهاء ومتقدميهم. أخذ الفقه عن أبي العباس سريج، وكان موصوفاً بفرط الذكاء، وله تصانيف، وله في المذهب وجوه حسنة وأبوه أبو طالب المفضل الضبي اللغوي صاحب التصانيف المشهورة في فنون الأدب ومعاني القرآن. وجده سلمة بن عاصم صاحب الفراء وراويته، وهم أهل بيت كلهم علماء نبلاء مشاهير، رحمهم الله تعالى، وقيل أن ابن الرومي هجا المفضل المذكور فقال:
لو تلففت في كساء الكسائي ... وتفريت فروة الفراء
وتخللت بالخليل، وأضحى ... سيبويه لديك رهن ضياء
وتلونت من سواد أبي الأسود ... شخصاً يكنى أبا السوداء
إلا بالله أن يعدك أهل العلم ... إلا في جملة الأغبياء
فلما بلغ هذا الهجاء الوزير إسماعيل بن بلبل شق عليه، وحرم ابن الرومي عطاياه، لأن المفضل المذكور كان له اتصال بالوزير المذكور.
وفيها توفي الحافظ أبو العباس الوليد بن أبان بأصبهان، صاحب المسند والتفسير.
وفيها توفي المفضل الجندي " بفتح الجيم والنون " اليمني.
(2/187)

وفيها توفي أبو الفرج يعقوب بن يوسف بن إبراهيم وزير العزيز بن المعتز العبيدي، صاحب مصر، قالوا: وكان يعقوب أولاً يهودياً يزعم أنه من أولاد هارون بن عمران، أخي موسى صلوات الله عليهما وقيل بل يزعم أنه من ولد السموأل بن عاديا اليهودي، صاحب الحصن المعروف بالأبلق، القائل على ما ذكره بعضهم نسبة إليه:
وما ضرنا أنا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثرين ذليل
في أبيات له منها:
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل
وإن هو لم يجمل على النفس ضمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل
وكان يعقوب قد قدم به أبوه من بغداد إلى مصر، وقد تعلم الكتاب والحساب، فجعله كافور الأخشيدي على عمارة داره، ثم لما رأى كافور نجابته وشهامته وصيانته ونزاهته وحسن إدراكه، ولم يقبل سوى قوته، فتقدم كافور إلى سائر الدواوين أن لا يمضي دينار ولا درهم إلا بتوقيعه، فوقع في كل شيء، وكان يبر ويصل من اليسير الذي يأخذه. كل هذا وهو على دينه، ثم إنه أسلم يوم اثنين لثماني عشرة ليلة مضت من شعبان سنة ست وخمسين وثلاثمائة، ولزم الصلاة ودراسة القرآن، ورتب لنفسه رجلاً من أهل العلم شيخاً عارفاً بالقرآن والنحو، حافظاً الكتاب السير، في مكان يبيت عندي، ويصلي به، ويقرأ عليه، ولم يزل حاله يتزايد مع كافور إلى أن توفي كافور في التاريخ المذكور، وكان ابن الفرات وزير كافور يحسده ويعاديه. ولما مات كافور قبض ابن الفرات على جميع الكتاب وأصحاب الدواوين، وقبض على يعقوب في جملتهم، ولم يزل يتوصل ويبذل المال حتى أفرج عنه. فلما خرج من الإعتقال توجه إلى بلاد المغرب، فلقي جوهراً الخادم، وهو متوجه بالعساكر والخزائن إلى الديار المصرية ليملكها، فرجع في صحبته، وقيل بل استمر على قصده، وانتهى إلى إفريقية، وتعلق بخدمة المعز، ثم رجع إلى الديار المصرية، فلم يزل يترقى إلى أن تولى الوزارة للعزيز، وعظمت منزلته، ومهد قواعد الدولة. وكان يعقوب يحب أهل العلم، ويجتمع عنده العلماء، ويقرأ عنده مصنفاته في ليلة كل جمعة، ويحضره القضاة والفقهاء والقراء وأصحاب الحديث والنحاة وجميع أرباب الفضائل وأعيان العدول وغيرهم من وجوه الدولة، فإذا فرغ من مجلسه قام الشعراء ينشدونه المدائح. وكان في داره قوم يتلون القرآن الكريم، وآخرون يتلون الحديث والفقه والأدب حتى الطب، وينصب كل يوم خواناً للخاصة وموائد عديدة لمن عداهم من أهل مجلسه. وكان يجلس كل يوم بعد صلاة الصبح ويعرض عليه رقاع الناس في الحوائج والظلامات. وكان في خدمته قواد من جملتهم
(2/188)

القائد أبو الفتوح فضل بن صالح الذي تنسب إليه " منية؟ لا القائد " وهي بليدة من أعمال الجزيرة من الديار المصرية، وكانت هيبته عظيمة، وجوده وافراً. وأكثر الشعراء من مدائحه وكان له طيور سابقة، وللعزيز كذلك طيور سابقة، فسابقه يوماً ببعض طيوره بعض طيور العزيز، فسبق طائر الوزير، فعز ذلك على العزيز فقيل له: إنه قد اختار من كل شيء أجوده لنفسه وأعلاه، ولم يبق منه إلا أدناه حتى الحمام. وقصدوا بذلك الإغراء به حسداً منهم لعله يتغير عليه، فاتصل ذلك بالوزير، فكتب إلى العزيز:
قل لأمير المؤمنين الذي ... له العلا والنسب الثاقب
طائرك السابق لكنه ... جاء وفي خدمته حاجب
فأعجبه ذلك منه، وسرى عنه ما كان وجده عليه.
ذكر بعضهم أن هذين البيتين له، وذكر بعضهم أنهما لولي الدولة المعروف بابن خيران. ولما مرض عاده العزيز. وقال له: لو كنت تشترى اشتريتك بملكي، وفديتك بولدي، هل من حاجة توصي بها؟ فبكى وقبل يده وقال: أما فيما تحضني فأنت أرعى لحقي من أن أسترعيك إياه، وأرأف علي من أن أوصيك به، ولكني أنصح لك مما يتعلق بدولتك سالم الروم ما سالموك، واقنع من الحمداني بالدعوة والسكة، ولا تبق على مفرح بن دغفل إن عرضت لك فيه فرصة، ومات، فأمر العزيز أن يدفن في داره، وهي المعروفة بدار الوزارة بالقاهرة داخل باب النصر في قبة كان بناها، وصلى عليه العزيز وألحده بيده في قبره وانصرف حزيناً لفقده، وأمر بغلق الدواوين أياماً بعده. وكان إقطاعه من العزيز في كل سنة مائة ألف دينار، وذكر بعضهم أنه كفن خمسين ثوباً، ويقال أنه كفن وحنط بما مبلغه عشر آلاف دينار.

تسع وثلاث مائة
فيها أخذت الإسكندرية، واستردت إلى نواب الخليفة، ورجع العبيدي إلى المغرب.
وفيها قضية الحسين بن منصور الحلاج، وهو من أهل " البيضاء " بلدة بفارس ونشأ بواسط والعراق، وصحب سهل بن عبد الله، ثم صحب أبا الحسين النوري وأبا القاسم الجنيد وغيرهم، والناس مختلفون فيه، فمنهم من يبالغ في تعظيمه، ومنهم من يبالغ في
(2/189)

تكفيره، ومنهم من يتوقف فيه. والمحققون اعتذروا عنه، وأجابوا عما صدر عنه بتأويلات، ومنهم القطب أستاذ العارفين الأكابر الذي خضعت لقدمه رقاب كل ولي من باد وحاضر، الشيخ الشريف الحسيب النسيب محي الدين عبد القادر الجيلي، والشيخ الكبير العارف بالله الشهير إمام الطريقة ولسان الحقيقة الشيخ شهاب الدين السهروردي، والإمام رفيع المقام حجة الإسلام أبو حامد محمد الغزالي وغيرهم ممن يطول ذكرهم، بل يتعذر حصرهم.
وممن قال به وقبله وصحح حاله وجعله أحد المحققين ولم يخرجه عن أئمة الصوفية العارفين السالكين المرشدين الشيوخ الجلة العارفين بالله الأئمة، الشيخ أبو العباس بن عطا، والشيخ أبو القاسم النصر أبادي، والشيخ أبو عبد الله بن خفيف المذكور بالحسين بن منصور، عالم رباني.
فمن كلام الشيخ عبد القادر رحمه الله فيه مما روى الشيخ أبو القاسم عمر البزار بالإسناد في مناقبه قال: سمعت سيدي الشيخ محمد الدين عبد القادر الجيلي رضي الله تعالى عنه يقول: عثر الحسين الحلآج، فلم يكن في زمنه من يأخذ بيده، ولو كنت في زمنه لأخذت بيده، وأنا لكل من عثر مركوبه من أصحابي ومريدي ومحبي إلى يوم القيامة آخذ: ومن كلامه فيه أيضاً قوله: فمن مناقبه المروية عنه: طار طائر عقل بعض العارفين عن وكره، سحره صورته، وعلا إلى السماء خارقاً صفوف الملائكة. كان بازياً من بزاة الملك، مخيط العينين بخيط وخلق الإنسان ضعيفا فلم يجد في السماء ما يحاول من الصيد، فلما لاحت له فريسة رأيت ربي زاد تحيره في قول مطلوبه: " أينما تولوا فثم وجه الله " " البقرة: 115، "، عادها بطاً إلى حظيرة خطة الأرض، طلب ما هو أعز من وجود النار في قعر البحار، تلفت بعين عقله فما شاهد سوى الآثار، فكر فلم يجد في الدارين مطلوباً سوى محبوبه، فطرب فقال بلسان شكر قلبه: أنا الحق، ترنم بلحن غير معهود من البشر، صغر في روضة الوجود صغراً لا يليق ببني آدم، لحن بصوته لحناً عرضه فخفقه، نودي في سره يا حلاج، اعتقدت أن قوتك بك؟ قال: لأن نيابته عن جميع العارفين حسب الواحد إفراد الواحد. قل يا محمد، أنت سلطان الحقيقة، أنت إنسان عين الوجود، على عتبة باب معرفتك تخضع أعناق العارفين، في حمى جلالتك توضع جباه الخلائق أجمعين.
ومن كلام الشيخ عبد القادر أيضاً في الحلاج مسطوراً عنده في مناقبه المروية بالأسانيد قال رضي الله تعالى عنه: طار واحد من العارفين إلى أفق الدعوى بأجنحة أنا الحق رأى روض الأبدية خالياً عن الحسيس والأنيس، صفر بغير لغة تعريضاً لخيفة، ظهر عليه عقاب الملك من مكمن أن الله لغني عن العالمين، أنشب في إهابه مخلاب كل نفس ذائقة الموت. قال له: شرع سليمان الزمان، لم تكلمت بغير لغتك، ثم ترنمت بلحن غير معهود من مثلك؟.
(2/190)

ادخل الآن إلى قفص وجودك، ارجع من طريق غيرة القدم إلى مضيق ذلة الحديث، قل بلسان اعترافك ليسمعك أرباب الدعاوى: حسب الواحد إفراد الواحد، مناط خفض الطريق، إقامة وظائف خدمة الشرع.
ومن كلام الشيخ شهاب الدين السهروردي ما روينا عنه في كتابه " عوارف المعارف " بإسنادنا العالي أنه قال: وما يحكى عن أبي يزيد رحمه الله قوله: سبحاني، حاشا أن يعتقد في أبي يزيد أنه يقول ذلك إلا على معنى الحكاية عن الله تعالى. قال: وهكذا ينبغي أن يعتقد في الحلآج رحمه الله قوله: أنا الحق.
وأما كلام الإمام حجة الإسلام أبي حامد الغزالي فقد ذكر في " كتاب مشكاة الأنوار "، فصلاً طويلاً في الإعتذار عن الألفاظ التي كانت تصدر عن الحلاج، مثل قوله: أنا الحق، وقوله: ما في الجبة إلا الله. وأمثال هذه الإطلاقات التي تنئو السمع عنها وعن ذكرها. قال ابن خلكان: وحملها كلها على محامل حسنة، وأولها قال: وقال هذا من فرط المحبة وشدة الوجد. قال: وجعل هذا مثل قول القائل:
أنا من أهوى، ومن أهوى أنا ... نحن روحان قد حللنا بدنا
فإذا أبصرته أبصرتني ... وإذا أبصرتني أبصرتنا
قلت: وهكذا اعتذر عنه وعن ما يصدر من الصوفية من الألفاظ الموهمة للحلول والإتحاد، في كتابه " المنقذ من الضلال ".
قلت: وأكثر المحققين حملوا على ما يقع منهم مخالفاً لظواهر الشرع من الأقوال على صدوره في حال سكرهم بواردات الأحوال. وإلى ذلك أشرت بالقصيدة المسماة بالدر المنضد في جيد الملاح، في بيان الإعتذار عن ما يصدر من المشايخ أرباب الأحوال الملاح.
وقتل الحلاج وما منه في ظاهر الشرع يستباح، وكونه شهيداً عند المشايخ لأن الغائب بالحال ما عليه جناح:
وبعض عن الأكوان فإن بعضهم ... به جاوز الإسكار حداً فعربدا
فسل عليه الشرع سيفاً حمى به ... حدوداً فرى الحلاج ماض محددا
فمات شهيداً عندكم من محقق ... وكم عندهم يخرج من النهج ملحدا
ولكن فتى بسطام رفقاً بحاله ... حمى عن عنايات عزيزاً ممجدا
(2/191)

أشرت في هذا إلى أن الحلاج ظفر به سلطان الشرع الظاهر، وأبو يزيد تحصن بدرع حال الذي هو عن سلاح تسلط السلطان ساتر.
قلت: وما أحسن ما أشار بعض أرباب الأحوال في وقوع الحلاج دون أبي يزيد حيث قال: الحلاج خرج من بحر الحقيقة إلى الساحل، وظفر به فأسر، وأقيم عليه الحد. وأما أبو يزيد فإنه لم يخرج من بحر الحقيقة والتحقيق، فلم يكن لهم إلى الظفر به طريق، هذا معنى كلامه والإشارة، وإن اختلف منا العبارة.
ومن كلام الشيخ العارف بالله تعالى السيد الجليل أبي الشموس أبي الغيث ابن جميل قدس الله روحه فيما نحن بصدده من السكر لمحبة الله تعالى والفناء عما سوى الله تعالى، لإشارة إلى من صدر منه مثل المقال في سكر وواردات الأحوال، قوله: هداك الله إلى شراب ماء عين، من حسا منها حسوة واحدة عدم عقله، فإن أكثر مما ذكرناه ادعى الربوبية، ودل على ضعفه لأن من كان قبلنا كان بهذا الوصف، لكن لباس ثوب العبودية لنا أكمل وأجمل، وذلك أقصى ما نروم ونطلب. فقد صرح في كلامه هذا بأن مثل هذا إنما يقع عمن سكر بالمشرب المذكور، وضعف عن احتمال تجلي الجمال والنور.
قلت: ومما يختشى من مثل هذا الضعف ما يروى عن غير واحد منهم أنهم كانوا يدافعون الأحوال الواردة عليهم، لئلا يقعوا في مثل هذا.
وكان بعضهم إذا ورد عليه الحال يدخل السوق، ويسمع كلام الناس، وما هو فيه من اللفظ. وبعضهم كان يأتي زوجته عن ذلك، وبعضهم كان يركب الفرس ويركض ويلهو به، وغير ذلك من اللهو في الأفعال التي تنافي الأحوال. رجعنا إلى ذكر الحلاج: قيل أنه سئل عن التصوف، وهو مصلوب فقال: هي نفسك إن لم تشغلها شغلتك. قلت: في لا بد لها من أن تشغل، فإن لم تشغلها بالطاعات ووظائف العبادات شغلتك بالخواطر المذمومات الموقعات في الهوى والآفات. ومن الشعر المنسوب إليه على اصطلاحهم:
سكوت ثم صمت ثم خرس ... وعلم ثم وجد ثم رمس
فطين ثم نور ثم نار ... وبرد ثم ظل ثم شمس
وحزن ثم سهل ثم قفر ... ونهر ثم بحر ثم يبس
وسكر ثم صحو ثم شوق ... وقرب ثم وصل ثم أنس
وقبض ثم بسط ثم محو ... وفرق ثم جمع ثم طمس
وأخذ ثم رد ثم جذب ... ووصف ثم كسف ثم لبس
عبارات لأقوام تساوت ... لديهم هذه الدنيا وقلس
(2/192)

وأصوات وراء الباب لكن ... عبارات الورى في القرب همس
وآخر ما يؤول إليه عبد ... إذا بلغ المداحيض نفس
لأن الخلق خدام الأماني ... وحق الحق في التحقيق قدس
ومما نظمه أيضاً على اصطلاحهم وإشاراتهم قوله:
لا كنت إن كنت أدري كيف كنت ولا
لا كنت إن كنت أدري كيف لم أكن
أرسلت تسأل عني كيف بت وما ... لاقيت بعدك من هم ومن حزن
وقوله أيضاً:
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء
وقوله أيضاً في كتابه إلى أبي العباس بن عطاء:
كتبت ولم أكتب إليك وإنما ... كتبت إلى نفسي بغير كتاب
وذاك لأن الروح لا فرق بينها ... وبين محبيها بفصل خطاب
وكل كتاب صادر منك وارد ... إليك فلا يحتاج رد جواب
وغير ذلك مما يجري هذا المجرى: ومن كلام الحلاج: المدبر وهو الخارج عن أسباب الدارين. وقال: من أسكرته أنوار التوحيد حجبت عن عبادة التجريد بل من أسكرته حقائق التجريد نطق عن حقائق التجريد. لأن السكران هو الذي ينطق لكل مكتوم، وقال بعضهم: لقيت الحلاج يوماً في حال رثة، فقلت له: كيف حالك؟. فأنشأ يقول:
لئن أمسيت في ثوب عديم ... لقد بلي على حر كريم
فلا يحزنك أن أبصرت حالاً ... يغيرني عن الحال القديم
فلي نفس ستتلف أو سترقى ... لعمر الله في أمر جسيم
قال بعضهم: سمعت الحسين بن منصور وهو على الخشبة يقول:
طلبت المستقر بكل أرض ... فلم أر لي بأرض مستقراً
أطعت مطامعي فاستعبدتني ... فلو أتي قنعت لكنت حراً
قلت: وله كلام فائق، وشعر رائق، فيهما الكثير من الناس في مسألك المؤاخذة، مضائق، وإيراد كل ذلك في هذا المختصر غير لائق، وحاصل الأمر أنه أفتى كثر علماء عصره بإباحة دمه.
(2/193)

ويقال: أن العباس بن سريج كان إذا سئل عنه يقول: هذا رجل خفي عليه حاله، وما أقول فيه شيئاً. قلت: هكذا قيل مع ابن سريج، توفي قبل قتل الحلاج بثلاث سنين. ويحتمل أن يكون قال ذلك في حياته لما سئل عنه قبل أن يقتل بمدة طويلة.
وكذلك ما قيل أن الجنيد وابن داود الظاهري من جملة من أفتى بقتله لا يصح، لأن الجنيد توفي سنة ثمان وتسعين ومائتين، قبل قتل الحلاج بإحدى عشرة سنة. ومحمد بن داود توفي قبل قصة الحلاج باثنتي عشرة سنة.
رجعنا إلى ذكر الحلاج. قالوا: وكان قد جرى منه كلام في مجلس حامد بن العباس وزير المقتدر بحضرة القاضي أبي عمر، فأفتى بحل دمه، وكتب خطه بذلك، وكتب معه من حضر المجلس من الفقهاء. وقال لهم الحلاج: ظهري حمى، ودمي حرام، وما يحل لك أن تناولوا علي بما يبيده، وأنا اعتقادي الإسلام، ومذهبي السنة وتفضيل الأئمة الأربعة والخلفاء الراشدين وبقية العشرة من الصحابة، ولي كتب في السنة موجودة في الوراقين، فالله الله في دمي. ولم يزل يردد هذا القول، وهم يكتبون خطوطهم، إلى أن استكملوا ما احتاجوا إليه. وانفضوا من المجلس، وحمل الحلاج إلى السجن. وكتب الوزير إلى المقتدر بخبره بما جرى في المجلس، وسير الفتوى، فعاد جواب المقتدر بأن القضاة إذا كانوا قد أفتوا بقتله فليسلم إلى صاحب الشرطة، وليتقدم فليضربه ألف سوط، فإن مات وإلا اضربه ألف سوط أخرى، ثم يضرب عنقه، فسلمه الوزير إلى الشرطي، وقال له ما رسم به المقتدر، وقال له: إن لم يتلف بالضرب فبقطع يدى ثم رجله، ثم تجز رقبته، وتحرق جثته. وإن خدعك وقال لك: أنا أجري لك الفرات ودجلة ذهباً وفضة فلا تقبل ذلك منه، ولا ترفع العقبربة عنه، فتسلمه الشرطي ليلاً وأصبح يوم الثلاثاء لسبع بقين من ذي الحجة من السنة المذكورة، فأخرجه إلى عند " باب الطاق "، وهو يتبختر في قيوده.
واجتمع من العامة خلق لا يحصى عددهم، وضربه الجلاد ألف سوط، ولم يتأوه، بل قال للشرطي لما بلغ الستمائة: ادع لي عندك، فإن لك عندي نصيحة تعدل فتح القسطنطينية. فقال له: قد قيل لي عنك أنك تقول هذا وكثر منه، وليس إلى رفع الضرب عنك سبيل. ولما فرغ من ضربه قطع أطرافه الأربعة. ثم جز رأسه، ثم أحرقت جثته. ولما صار رماداً ألقاه في الدجلة، ونصب الرأس ببغداد على الجسر.
وقيل: أن أصحابه جعلوا يعدون أنفسهم برجوعه بعد أربعين يوماً. واتفق أن دجلة زاد تلك السنة زيادة وافرة، فادعى أصحابه أن ذلك سبب إلقاء رماده فيها، وادعى بعض أصحابه
(2/194)

أنه لم يقتل، ولكن ألقي شبهه على عدو من أعداء الله. وشرح هذه القصة يطول، وفيما ذكرناه كفاية وعبرة لأولي العقول.
قلت وقد اقتصرت مع ما ذكرت عن المشايخ في هذه القضية على نقل ابن خلكان وهو أهون وكلامه في الصوفية أقرب وأنسب لما ذكرناه من تأويل أكابر المشايخ عنه. على المحامل التي تقدم ذكرها.
وأما ما نقل الذهبي، فذكر فيه أشياء فظيعة، وكثر التشنيع عليه، وبالغ مبالغة لا يناسب ما قدمنا عن المشايخ، بل يناسب اعتقاد الطاعنين عليه في شطحيات الصوفية، وما يصدر " عنهم من الأحوال مشتبهاً بمضمون العقيدة التفاشية، وما يناسبه من عقائد الحشوية في السادات من أولي الأحوال السيئة.
وفي السنة المذكورة توفي الشيخ الكبير العارف بالله الشهير أبو العباس بن عطاء، وكان من أجلاء المشايخ أكابر الجامعين بين علمي الباطن والظاهر.

عشر وثلاث مائة
فيها ببغداد توفي الحبر البحر الإمام أحد العلماء الأعلام صاحب التفسير الكبير والتاريخ الشهير والمصنفات العديدة والأوصاف الحميدة أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، كان مجتهداً لا يقلد أحداً.
قال إمام الأئمة المعروف بابن خزيمة: ما أعلم على وجه الأرض أفضل من محمد بن جرير، ولقد ظلمته الحنابلة.
وقال الفقيه الإمام مفتي الأنام أبو حامد الأسفراييني: لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل تفسير محمد بن جرير لم يكن كثيراً.
قلت: وناهيك بهذا الثناء العظيم والمدح الكريم من هذين الإمامين الجليلين البارعين النبيلين. ومولده بطبرستان سنة أربع وعشرين ومائتين، ركان ذا زهد وقناعة.
توفي في أواخر شوال من السنة المذكورة، وكان إماماً في فنون كثيرة، منها التفسير
(2/195)

والحديث والفقه والتاريخ وغير ذلك، وله مصنفات مليحة في فنون عديدة، يدل على سعة علمه وغزارة فضله، وكان ثقة في نقله وتاريخه. قيل: تاريخه أصح التواريخ وأثبتها، وذكره الشيخ أبو إسحاق في طبقات الفقهاء من جملة المجتهدين.
وفيها أو في التي قبلها توفي الفقيه الكبير الإمام الشهير محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، كان فقيهاً مطلعاً، ذكره الشيخ أبو إسحاق في طبقات الفقهاء ومال: صنف في اختلاف العلماء كتباً لم يصنف أحد مثلها، واحتاج إلى كتبه الموافق والمخالف، ومن كتبه المشهورة قي اختلاف العلماء " كتاب الأشراف "، وهو كتاب كبير يدل على كثرة وقوفه على مذاهب الأثمة، وهو من أحسن الكتب وأنفعها.
وفيها: وقيل في إحدى عشرة، وقيل في ست عشرة وثلاث مائة، توفي أبو إسحاق الزجاج إبراهيم بن محمد النحوي، كان من أهل العلم بالأدب والدين المتين، وله من التصانيف في معاني القرآن وعلوم الأدب والعربية والنوادر وغير ذلك بضع عشرة مصنفاً. أخذ الأدب عن المبرد وثعلب، وكان يخرط الزجاج، ثم تركه واشتغل بالأدب ونسب إليه، وعنه أخذ أبو علي الفارسي النحوي، وإليه ينسب أبو القاسم عبد الرحمن الزجاجي، صاحب كتاب الجمل في النحو.
وفيها توفي الإمام النحوي محمد بن العباس اليزيدي، كان إماماً في النحو والأدب ونقل النوادر وكلام العرب.
ومما رواه أن أعرابياً هوى أعرابية، فأهوى إليها ثلاثين شاة وزقاً من خمر مع عبد له أسود، فأخذ العبد شاة في الطريق، فذبحها وأكل منها، وشرب بعض الزق. فلما جاءها بالباقي عرفت أنه خانها في الهدية، فلما عزم على الإنصراف سألها: هل لك حاجة. فأرادت إعلام سيده بما فعله فقالت له: اقرأ عليه السلام وقل له: إن المرثوم كان عندنا محاقاً، وإن شحيماً راعي غنمنا جاء مرثوماً. فلم يدر العبد ما أرادت بهذه الكتابة. فلما بلغ سيده ذلك فطن لما أرادت، فدعا له بالهراوة وقال: لتصدقني وإلا ضربتك بهذه ضرباً، فأخبره الخبر فعفا عنه، وهذه من لطيف الكنايات وظريف الإشارات. والمرثوم بفتح الميم وسكون الراء وضم المثلثة: الملطخ بالدم، وهو في الزق مستعمل على وجه الإستعارة. والمحاق بكسر الميم: ثلاث ليالي من آخر الشهر.
وفيها توفي الطبيب الماهر أبو بكر محمد بن زكريا الرازي المشهور، ألف في الطب كتباً كثيرة، وكان إمام وقته في علم الطب، والمشار إليه في ذلك العصر، متقناً لهذه الصناعة، يشد إليه الرحال في أخذها عنه.
(2/196)

ومن تصانيفه: " كتاب الحاوي "، وهو من الكتب النافعة، و " كتاب الأقطاب "، و " كتاب المنصور ": وهو على صغر حجمه نافع، جمع فيه بين العلم والعمل. وغير ذلك من التصانيف المحتاج إليه.
ومن كلامه: مهما قدرت أن تعالج بالأغذية فلا تعالج، ومهما قدرت أن تعالج بدواء مفرد فلا تعالج بمركب.
ومن كلامه: إذا كان الطبيب عالماً، والمريض مطيعاً، فما أقل لبث العلة ومن كلامه: عالج في أول العلة بما لا يسقط القوة.
وحكي أن غلاماً من بغداد قدم الري، وكان ينفث الدم، وكان قد لحقه ذلك في طريقه. فاستدعى أبا بكر الرازي الطبيب وأراه ما ينفث، ووصف له ما يجد، فأخذ الرازي مجسة ورأى قارورة، واستوصف حاله، فنظر فيه أبو بكر الرازي، فأفكر فلم يظهر له دليل على علته، فاستنظره لقيام دليل يظهر، فقامت على العليل القيامة، ويئس من الحياة، فولد الفكر للرازي: سؤاله عن المياه التي شربها في طريقه، فأخبره أنه شرب من مستنقعات وصهاريج، فقال في نفس الرازي نجدة حذمه وجودة فطنته أن علقة علقت به من شرب بعض تلك المياه، وأن ذلك الدم بسببها، وقال له: إذا جئت غداً بيتك عالجتك بما يكون سبباً لبرئك، بشرط أن تأمر غلمانك بطاعتي، قال: نعم فانصرف الرازي وجمع له مركنين من طحلب، وأحضرهما من الغد معه وقال له: ابلع، فامتنع، فأمر غلمانه أن يضجعوه فألقوه على قفاه، وفتحوا فمه، فجعل الرازي يدس الطحلب في حلقه ويكبسه كبساً شديداً، ويطالبه ببلعه، ويهدده بالضرب إلى أن بلع ما في أحد المركنين، ثم قذف ما ابتلعه، وتأمل الرازي فإذا بالعلقة في الطحلب الذي قذفه، فنهض العليل معافى، فلم يزل رئيس هذا الشأن. وكان اشتغاله به بعد الأربعين من عمره.

إحدى عشرة وثلاث مائة
فيها دخل أبو طاهر القرمطي البصرة في الليل في ألف وسبعمائة فارس نصب السلاليم على السور، ونزلوا فوضعوا السيف في البلد، وأحرقوا الجامع، وهرب خلق إلى الماء فغرقوا، وسبوا الحريم. قاتل الله تعالى كل شيطان رجيم.
وفيها توفي الحافظ الزاهد المجاب الدعوة أبو جعفر أحمد بن حمدان بن علي بن سنان النيسابوري مصنف الصحيح على شرط مسلم، والفقيه الحبر أبو بكر الخلال البغدادي،
(2/197)

ونحوي العراق أبو إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج. وإمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري الحافظ صاحب التصانيف. رحل إلى الحجاز والشام والعراق ومصر وتفقه على المزني وغيره. قال أبو علي الحافظ: كان ابن خزيمة يحفظ الفقهيات من حديثه كما يحفظ القارىء السورة. وقال ابن حبان: لم أر مثل ابن خزيمة في حفظ الأسناد والمتن، وقال الدارقطني: كان إماماً معموم النظير.

اثنتي عشرة وثلاث مائة
فيها عارض أبو طاهر القرمطى ركب العراق، ومعه ألف فارس وألف راجل، فوضعوا السيف واستباحوا الحجيج، وساقوا الجمال بالأموال والحريم، وهلك الناس جوعاً وعطشاً، ونجا من نجا بأسوأ حال، ووقع النوح والبكاء ببغداد وغيرها، وامتنع الناس من الصلوات في المساجد، ورجم الناس الوزير ابن الفرات، وصاحوا عليه أنت القرمطي الكبير. فأشار على المقتدر أن يكاتب مؤنساً الخادم وهو على الرقة قد سعى ابن الفرات في إعادته إليها خوفاً منه فقدم مؤنس الخادم، فركب إلى دار ابن الفرات للسلام عليه، ولم يتم مثل هذا من وزير، أو قال الوزير: فأسرع مؤنس إلى باب داره، وقبل يده وخضع. وكان في حبس المحسن ولد الوزير جماعة في المصادرة، فخاف العزل، وأن يظهر عليه ما أخذ منهم فسم علي بن عيسى، وذبح مؤنساً خادم حامد بن العباس وعبد الوهاب ابن ما شاء الله، فكثر الضجيج من المقتولين على بابه، ثم قبض المقتدر على ابن الفرات وسلمه إلى مؤنس، فعاتبه مؤنس، وتذلل هو له، فقال له مؤنس: الساعة تخاطبني بالأستاذ، وأمس تبعدني إلى الرقة، واختفى المحسن، ثم ظفر به في زي امرأة قد خضبت يديها بالحناء، فعذب وأخذ خطه بثلاثة آلاف دينار. وولي الوزارة عبد الله بن محمد الخاقاني، فعذب ابن الفرات، واصطفى أموالهم، فيقال أخذ منهم ألفي دينار، ثم ألح مؤنس ونصر الخادم وهارون ابن خال المقتدر على المقتدر حتى أذن في قتل ابن الفرات وولده المحسن، فذبحا.
عاش ابن الفرات إحدى وسبعين سنة، وكان جباراً فاتكاً سائساً كريماً متمولاً يقدر على عشرة آلاف دينار، وقد ورد للمقتدر ثلاث مرات وقتل، وكان يدخل عليه من أملاكه في العام ألف ألف دينار. فكان القرمطي قد أسر طائفة من الحجاج، منهم الأمير أبو الهيجا عبد الله بن حمدان، فأطلقه وأرسل معه يطلب من المقتدر البصرة، والأهواز، فذكر أبو الهيجاء أن القرمطي قتل من الحجاج ألفي رجل ومائتين، ومن النساء ثلاثمائة، وفي الأسر
(2/198)

مثلهم بهجر.
وفي السنة المذكورة ذبح ابن الفرات وولده المذكوران، ويقال عنه أنه كانت الأعراب كبسوا بغداد، ولما ولي الوزارة في سنة أربع وثلاثمائة خلع عليه سبع خلع، كان يوماً مشهوداً بحيث أته سقى من داره في ذلك اليوم والليلة أربعين ألف رطل ثلج.
وفيها توفي سلمة بن عاصم الضبي الفقيه صاحب ابن سريج، أحد الأذكياء. صنف الكتب، وهو صاحب وجه، وكان يرى تكفير تارك الصلاة. وأبوه وجده من أئمة العربية.

ثلاث عشرة وثلاث مائة
فيها سار الركب العراقي ومعهم ألف فارس، فاعترضهم القرمطي بزبالة، وناوشهم القتال، فرد الناس ولم يحجوا، ونزل القرمطي على الكوفة، فقاتلوه فغلب على البلد ونهبه، فندب المقتدر مؤنساً وأنفق في الجيش ألف ألف دينار.
وفيها توفي الإمام اللغوي العلامة أبو القاسم ثابت بن حزم السرقسطي. قال ابن الفرضي: كان مفتياً بصيراً بالحديث والنحو واللغة والغريب والشعر، عاش خمساً وتسعين سنة.
وفيها توفي عبد الله بن زيدان، قال محمد بن أحمد بن حماد الحافظ: لم تر عيني مثله، كان أكثر كلامه في مجلسه: يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على طاعتك. وروي أنه مكث نحو ستين سنة، لم يضع جنبه على مضربه.
وفيها توفي الحافظ أبو العباس محمد بن إسحاق الثقفي مولاهم السراج، صاحب التصانيف. قال أبو إسحاق المزكي: سمعته يقول: ختمت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اثنتي عشرة ألف ختمة، وضحيت عنه اثنتي عشرة ألف أضحية، قال محمد بن أحمد الدقاق: رأيت السراج يضحي كل أسبوع أو أسبوعين أضحية، ثم يجمع أصحاب الحديث عليها، ولقد ألف السراج مستخرجاً على صحيح مسلم، وكان أماراً بالمعروف ونهاء عن المنكر، عاش سبعاً وتسعين سنة.

أربع عشرة وثلاث مائة
لم يحج فيها أحد من العراق خوفاً من القرامطة، ونزح أهل مكة عنها خوفاً منهم،
(2/199)

وفيها توفي أبو الليث نصر بن القاسم البغدادي الفرائضي، وكان ثقة.

خمس عشرة وثلاث مائة
فيها نازلت القرامطة الكوفة، فسار يوسف ابن أبي الساج، فالتقاهم، فأسر يوسف، وانهزم عسكره، وقتل منهم عدة. وسار القرمطي إلى أن نزل غربي الأنبار، فقطع المسلمون الجسر، فأخذ يتحيل في العبور، ثم عبر، وخرج نصر الحاجب ومؤنس، فعسكروا بباب الأنبار، وخرج أبو الهيجا ابن حمدان وإخوته، ثم رده القرامطة، فما صبر العسكر عليهم، ووقع عليهم الخذلان، وما كانت القرامطة سوى ألف وسبعمائة من فارس وراجل، والعسكر كانوا أربعين ألف فارس. ثم إن القرمطي قتل ابن أبي الساج وجماعة معه، وأشار إلى " هيت "، فبارز العسكر، ودخل الوزير علي بن عيسى على المقتدر وقال: قد تمكنت هيبة هذا الكافر من القلوب، فخاطب السيدة في مال تنفقه في الجيش، وإلا فمالك إلا أقاصي خراسان، فأخبر أمه بذلك، فأخرجت خمسمائة ألف دينار، وأخرج المقتدر ثلاث مائة ألف دينار. ونهض ابن عيسى في استخدام العساكر، وجددت على بغداد بخنادق، وعدمت هيبة المقتدر من القلوب، وشتمته الجند.
وفيها توفي الحافظ صاحب التصانيف أحمد بن علي بن الحسين الرازي النيسابوري.
وفيها توفي أبو الحسن الأخفش الصغير علي بن سليمان البغدادي النحوي، أخذ عن ثعلب والمبرد، وروى عنه المرزباني وأبو الفرج المعاني وغيرهما. وكان ثقة، قال المرزباني: لم يكن بالمتسع في الرؤية للأخبار، والعلم بالنحو، وما علمته صنف شيئاً البتة، ولا قال شعراً، وكان إذا سئل عن مسألة في النحو ضجر وانتهر من يسأله.
وقال أبو الحسن بن سنان: كان يواصل المقام عند أبي علي بن مقلة، وأبو علي يراعيه ويبره، فشكا في بعض الأيام ما هو فيه من شدة الفاقة، فسأله أن يعلم الوزير علي بن عيسى حاله، ويسأله إقرار رزق في جملة من يرتزق من أمثاله، فعرف الوزير أبو علي اختلال حاله، وتعذر الوقوف عليه في أكثر أيامه، وسأله أن يجري عليه رزقاً فانتهره الوزير انتهاراً شديداً في مجلس حافل، فشق على ابن مقلة ذلك، وقام من مجلسه، وصار إلى منزله لإيماء نفسه. ووقف الأخفش على الصورة المذكورة فاغتنم بها، وانتهت به إلى الحال التي
(2/200)

أكل الشحم، فقيل: إنه قبض على فؤاده، فمات فجأة في التاريخ المذكور. نسأل الله الكريم العفو والعافية واللطف الجميل واليسر الحصين في الدين والدنيا والآخرة، وقد تقدم ذكر الأخفش الأكبر والأوسط في سنة خمس عشرة ومائتين.

ست عشرة وثلاث مائة
فيها دخل القرمطي الزوحية بالسيف واستباحها ثم نازل الرقة، وقتل جماعة، وتحول إلى هيت، فرموه بالحجارة، وقتلو صاحبه أبا الدرداء، فسار إلى الكوفة، ثم انصرف وبني داراً سماها دار الهجرة، ودعا إلى المهدي وسار إليه كل مرتب، ولم يحج أحد هذه السنة، واستعفي ابن عيسى من الوزارة، وولي بعده علي بن مقلة، وهو كاتب. قلت: وهذا مشكل، وقد تقدم في سنة اثنتي عشرة وثلاث مائة أن علي بن عيسى سم ولكن يحتمل أنه سم ولم يمت بذلك السم.
وفيها توفي الشيخ الكبير الولي الشهير أبو الحسن بنان الحمال نزيل مصر وشيخها، كان ذا منزلة جليلة وأحوال جميلة وكرامات عديدة، صحب الجنيد، وحدث عن الحسن بن محمد الزعفراني وجماعة. توفي في رمضان وخرج في جنازته أكثر أهل مصر. ومن كراماته أنه جاءه إنسان، وذكر أنه ضاع له قرطاس فيه تنزيل، له صورة من المال، وسأله أن يدعو له بحفظه، فقال له: أنا رجل كبير وأشتهي الحلواء، اشتر لي كذا وكذا منها، فذهب واشترى له منها الذي طلب، فلما جاءه بها تناول منها شيئاً يسيراً ثم قال: اذهب وأطعمها صبيانك فلما ذهب بها إلى بيته وجد ذلك القرطاس هو الذي ضاع له.
ومنها أنه ألقاه بعض الخلفاء بين يدي الأسد في حال غضبه عليه، فصار الأسد يشمه، ولم ينله بسوء، فقيل له: كيف كنت في وقت شم الأسد لك؟ فقال: كنت أفكر في اختلاف العلماء في طهارة لعاب السباع.
(2/201)

ومنها أنه انبسط إلى إخوانه في شراء جارية فقالوا: يقدم النفر، فإذا قدم اشترينا له جارية تصلح له. فلما قدم النفر أجمع رأيهم على جارية أنها تصلح له، فكلموا صاحبها في بيعهم إياها فامتنع، فألحوا عليه فقال: إنها ليست للبيع، إنها أهدتها امرأة من سمرقند للشيخ بنان الجمال، فحملت إليه.
وفيها توفي الحافظ عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني.
وفيها توفي الحافظ أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الأسفرايني، صاحب المسند الصحيح، رحل إلى الشام والحجاز واليمن ومصر والجزيرة والعراق وفارس وأصبهان، روى عن يونس بن عبد الأعلى، وعلي بن حرب، ومحمد بن يحيى الذهلي، ومسلم بن الحجاج، والمزني والربيع والحسن الزعفراني وغيرهم ممن في طبقتهم. وعلى قبره مشهد بأسفرايين، وكان مع حفظه فقيهاً شافعياً إماماً، روى عنه جماعة، منهم أبو بكر الإسماعيلي، وحج خمس حجج وقال: كتب إلى محمد بن إسحاق:
فإن نحن التقينا قبل موت ... سقينا النفس من غصص العناب
وإن سبقت بنا أيدي المنايا ... فكم من غائب تحت التراب
وقال أبو عبد الله الحاكم: أبو عوانة من علماء الحديث وأثباتهم، ومن الرجالة في أقطار الأرض.
وفيها توفي محمد بن السري النحوي المعروف بابن السراج، كان أحد الأئمة المشاهير، مجمعاً على فضله وجلالة قدره في النحو والأدب، أخذ الأدب عن أبي العباس المبرد وغيره، وأخذ عنه جماعة من الأعيان، منهم السيرافي والرماني وغيرهما.
ونقل عنه الجوهري في الصحاح في مواضع عديدة، وله التصانيف المشهورة في النحو منها: " كتاب الأصول "، وهو من أجود الكتب المصنفة في هذا الشأن، وإليه المرجع عند اضطراب النقل واختلافه. " وشرح كتاب سيبويه "، و " كتاب الشعر والشعراء "، و " كتاب الرياح والهواء والنار " مع كتب أخرى، ومن الشعر المنسوب إليه.
ميزت بين جمالها وفعالها ... فإذا الملاحة بالخيانة لا تفي
حلفت لنا أن لا تخون عهودها ... وكأنما حلفت لنا أن لا تفي
(2/202)

قلت: وهذان البيتان يحسن استعارتهما لوصف الدنيا، وقيل أنهما لإبن المعتز وقيل: لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر معهما بيت ثالث وهو:
والله لا كلمتها ولو أنها ... كالبحر أو كالشمس أو كالمكتفي
فأنشدها وزير المكتفي له فقال: لمن هي؟ قال: لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر. فأمر له بألف دينار، فوصل إليه فقال ابن الزنجي: ما أعجب هذه القصة، يعمل ابن السراج أبياتاً تكون سبباً لوصول الرزق لإبن طاهر.

سبع عشرة وثلاث مائة
فيها هجم مؤنس الخادم وأكثر الجيش على دار الخلافة، وأخرج المقتدر وأمه وخالته وحرمه إلى دار مؤنس، وأحضروا محمد بن المعتضد من الحبس وبايعوه، ولقبوه القاهر بالله، وقلدوا لابن مقلة وزارته، ووقع النهب في دار الخلافة ببغداد، وأشهد المقتدر على نفسه بالخلع، وجلس القاهر من الغد، وصار " نازوك " حاجبه، فجاءت إلى ودخلوا، وطلبوا رزق البيعة ورزق سنة، وعظم الصياح، ثم وثب جماعة على نازوك فقتلوه، وقتلوا خادمه، ثم صاحوا فالمقتدر يا منصورة فهرب الوزير والحجاب والقاهر وساروا ووصلوا إلى مؤنس ليرد المقتدر، وسدت المسالك على القاهر وأبي الهيجاء، ثم جاشت نفسه فقال: يا آل ثعلب، فرمي بسهم فيما بين ثدييه وأخرى في نحره ثم جز رأسه وأحضروا المقتدر، وألقي بين يديه الرأس، ثم أسر القاهر، وأتي به إلى المقتدر، فاستدناه وقبل جبينه وقال: أنت لا ذنب لك يا أخي وهو يقول الله الله يا أمير المؤمنين في نفسي فقال: والله لا ينالك مني سوء، فطيف برأس نازوك، ورأس أبي الهيجا، ثم أتى مؤنس والقضاة، وجددوا البيعة للمقتدر، فبذل في الجند أموالاً عظيمة، وباع في بعضها ضياعاً وأمتعة، وماتت القهرمانة التي كانت تجلس للناس بدار العدل.
وحج بالناس منصور الديلمي فدخلوا مكة سالمين، فوافاهم يوم التروية عدو الله تعالى أبو طاهر القرمطي، فقتل الحاج قتلاً ذريعاً في المسجد وفي فجاج مكة، وقتل أمير مكة ابن محارب، وقلع باب الكعبة، واقتلع الحجر الأسود، فأخذه إلى " هجر " ولم يرد إلا في سنة تسع وثلاثين وثلاث مائة كما سيأتي، وكان معه تسعمائة أنفس، فقتلوا في المسجد ألفاً وسبعمائة نسمة، وقيل ثلاثة عشر ألفاً، وصعد على باب البيت وصاح:
(2/203)

أنا بالله وبالله أنا ... أنا أخلق الخلق وأفنيهم أنا
وقيل: إن الذين قتلوا بفجاج مكة، فظاهرها ثلاثون ألفاً، وسبي من النساء والصبيان نحو ذلك. وأقام بمكة ستة أيام ولم يحج أحد.
وقال محمود الأصبهاني: دخل القرمطي وهو سكران، فصفر لفرسه، فبال عند البيت. وقتل جماعة،. ثم ضرب الحجر الأسود بدبوس، فكسر منه، ثم قلعه وبقي الحجر الأسود بهجر نيفاً وعشرين سنة. ولما قلع الحجر الأسود قال شعراً يدل على عظيم زندقته حيث يقول:
فلو كان هذا البيت لله ربنا ... لصب عليا النار من فوقنا صباً
لأنا حججنا جاهلية ... محللة لم تبق شرقاً ولا غرباً
وإنا تركنا بين زمزم والصفا ... جبابر لا نبقي سوى ربها رباً
وشعر هذا الزنديق مشهور في التواريخ، قلت: وقد أوضحت في كتاب المرهم ظهور هؤلاء القرامطة الزنادقة في أي السنين، وفي أي البلاد، ومدة ظهورهم، وإمامهم ودعاته.
وكانت فتنتهم قد عمت كثيراً من الآفاق منها اليمن والشام والعراق، وكان من دعاتهم في اليمن الشيطان الزنديق علي بن فضل، ما زال يدعو إلى مذهبهم سراً مظهراً مذهب الرفض، وفي قلبه الكفر المحض، ويزعم أنه يدعو إلى مذهب أهل البيت وحبهم، إلى أن أفسد خلقاً كثيراً، وملك حصون اليمن شيئاً فشيئاً، ثم ملك مدنها منها عدن وزبيد وصنعاء. فطرد الناصر بن الهادي إمام الزيدية من " صعده "، واستولى على جبال اليمن وتهامة، وقتل خلائق لا يحصون من أهلها، فلما تمهد له الملك، وتمكن في الأرض، أظهر الزندقة والكفر المحض، وأمر جواريه أن يغنين بالدفوف على منبر الجند بشعره الذي تزندق فيه وألحد، وأنكر دين الإسلام وجحد وهو:
خذ الدف يا هذه واضربي ... وغني هزاريك ثم اطربي
توفي نبي بني هاشم ... وهذا نبي بني يعرب
فقد حط عنا فروض الصلا ... ة وحط الزكاة ولم يتعب
إذا الناس صلوا فلا تنهضي ... وإن صوموا فكلي واشربي
ولا تطلبي السعي عند الصفا ... ولا زورة القبر في يثرب
وشعر طويل وكله في إباحة محارم الله تعالى والتحليل، وجحد الفروض التي جاء بها محكم التنزيل، محرضاً اللعين على نبذ دين الإسلام والتضليل ثم قتل اللعين الشيطان
(2/204)

الرجيم، وذهب لا رده الله إلا إلى النار الجحيم، قتله بعض قبائل اليمن:
وكان ظهوره في الإبتداء في جبل " مسور " بكسر الميم وسكون السين المهملة وفتح الواو وفي آخره راء جبل في حراز في بلاد اليمن مشهور، وحواليه الإسماعيلية الآن متمسكون بمذهب الضلال والغرور، ويشعلون نار الحرب والشرور، ويشتغلون للقرامطة في البلدان ذكره يطول، ولم يزالوا متظاهرين بمذهب الزندقة والضلال، إلى أن ذهب مذهبهم الخبيث وزال، وبقيت الإسماعيلية الباطنية بإعتقاد مذهبهم الخبيث، يتظاهرون عندنا بالتمسك بأحكام الشرع، وعلى تعطيلها في الباطن واستباحة ما حرم الله تعالى يصرون. وكان ظهور مذهب القرامطة إحدى فتنتين عظيمتين في اليمن.
والفتنة الثانية: أن الشريف الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم، لما قام في " صعدة " ومخاليف صنعاء دعا الناس إلى التشيع عند استقراره في صنعاء، وهذه الفتنة أهون من الأولى، وكل أهل اليمن صنفان: إما مفتون بهم، وإما مخالف لهم متمسك بأحكام الشريعة.
وفي السنة المذكورة قتل بمكة الإمام أحمد بن الحسين شيخ الحنفية ببغداد، وقد ناظره مرة داود الظاهري، فقطع داود، ولكنه معتزلي الإعتقاد.
وفيها توفي الحافظ الشهيد أبو الفضل محمد بن أبي الحسين الهروي، قتل بباب الكعبة.
وفيها توفي المنجم المشهور الحاسب صاحب الزيج والأعمال العجيبة والأرصاد المتقنة محمد بن جابر الرقي البتاني " بفتح الموحدة وتشديد المثناة من فوق، وقيل ياء النسبة نون "، وأحد عصره في وقته. توفي في موضع يقال له الحضر، " بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة وبعدها راء "، وهي مدينة بالقرب من الموصل، وكان صاحبها الساطرون " بالسين والطاء والراء المهملات "، فحاصرها أزدشير أول ملوك الفرس، وأخذ البلد وقتله، وقيل إن الذي قتله سابور " بالسين المهملة والباء الموحدة " ذو الأكتاف، وهو الذي ذكره ابن هشام في سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قالوا: والأول أصح، وكان إقامة أزدشير على حصاره أربع سنين، ولم يقدر حتى فتحت له ابنة الملك
(2/205)