Advertisement

مرآة الجنان وعبرة اليقظان 003



الكتاب: مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان
المؤلف: أبو محمد عفيف الدين عبد الله بن أسعد بن علي بن سليمان اليافعي (المتوفى: 768هـ)
وضع حواشيه: خليل المنصور
الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة: الأولى، 1417 هـ - 1997 م
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] الساطرون، " بكسر الطاء " وسبب ذلك أنها كانت عادتهم إذا حاضت المرأة أنزلوها إلى الربض وحاضت ابنة الملك المذكور، وكانت في غاية الجمال، فأنزلوها إلى الربض، فأشرفت ذات يوم فأبصرت أزدشير من أجمل الرجال، فهوته، وأرسلت إليه أن يتزوجها وتفتح له الحصن، واشترطت عليه. فألزم لها ما طلبت، ثم اختلفوا في السبب الذي دلته عليه حتى فتح الحصن، فالذي قاله الطبري أنها دلته على طلسم في الحصن، وكان في علمهم أنه لا يفتح حتى تؤخذ حمامة زرقاء، ثم يرسل الحمامة فتنزل على سور الحصن، فيقع الطلسم، فيفتح الحصن، ففعل أزدشير ذلك، واستباح الحصن حينئذ، وخربه وأباد أهله. وسار ببنت الملك، وتزوجها. فبينا هي نائمة على فراشها ليلاً إذ جعلت تتململ لا يأخذها النوم، فقال لها زوجها: أراك لا تنامين؟ قالت: ما نمت على فراش أحسن من هذا الفراش، وأنا أحس شيئاً يؤذيني. فأمر بالفراش فأبدل، فلم تنم أيضاً حتى أصبحت وهي تشتكي جنبها، فنظر إليها فإذا ورقة آس قد لصقت ببعض عكتها، وقد عذبتها، فعجب من ذلك وقال: أهذا الذي أسهرك. قالت: نعم، قال: فما كان أبوك يصنع لك. قالت: كان يفرش لي الديباج، ويلبسني الحرير، ويطعمني المخ والزبد والشهد من أبكار النحل، ويسقيني الخمر الصافي. قال: فكان جزاء أبيك ما صنعت به؟ أنت إلي بذلك أسرع. ثم أمر بها فشدت دوائبها إلى فرسين جامحين، ثم أرسلا فقطعاها. قال بعض المؤرخين: وإنما ذكرت هذه الحكاية لكونها غريبة.
وفيها توفي مضر بن أحمد الخبزارزي. كان أمياً، وكان يخبز خبز الأرز وينشد الأشعار المقصودة على الغزل، والناس يزدحمون عليه، ويتطرفون باستماع شعره، ويتعجبون من حاله وأمره، وذكره جماعة من كبار المؤرخين، وأوردوا له عدة مقاطع من شعره، فمن ذلك قوله:
خليلي هل أبصرتما أوسمعتما ... بكرم من مولى يمشي إلى عبد
أتي زائراً من غير وعد وقال لي ... أجلك عن تعليق قلبك بالوعد
فما زال نجم الوصل بيني وبينه ... تدور بأفلاك السعادة والسعد
وحكى الخالد بأن الشاعر المشهور في كتاب الهدايا والتحف الخبزارزي المذكور، أهدى إلى والي البصرة فصاً وكتب معه:
أهديت ما لو أن أضعافه ... مطرح عندك ما بانا
كمثل بلقيس التي لم يبن ... إهداؤها عند سليمانا
هذا امتحان لك إن ترضه ... بان لنا أنك ترضانا
(2/206)

والشيء بالشيء يذكره. وفي الكتاب المذكور نادرة لطيفة ظريفة، وفي ذكرها إتحاف وإظراف لسامعها، وهي أن اللبادي الشاعر خرج من بعض مدن أذربيجان يريد أخرى وتحته مهر له راتع، وكانت السنة مجدبة، فضمه الطريق وغلاماً حدثاً على حمار له، قال فحادثته فرأيته أديباً راوية للشعر، خفيف الروح، حاضر الجواب، جيد الحجة. فسرنا بقية يومنا، فأمسينا إلى خان على ظهر الطريق، وطلبت من صاحبه شيئاً تأكله، فامتنع أن يكون عنده شيء، فرفقت به إلى أن جاءني برغيفين، فأخذت واحداً، ودفعت إلى الغلام الآخر. وكان غمي على المهر أن يبيت بغير علف أعظم من غمي على نفسي، فسألت صاحب الخان عن الشعير فقال: ما أقدر منه على حبة واحدة، فقلت: فاطلب، وجعلت له جعلاً على ذلك، فمضى وجاءني بعد زمن طويل وقال: وجدت مكوكين عند رجل، وحلف بالطلاق أنه لا ينقصهما عن مائة درهم، فقلت: ما بعد يمين الطلاق كلام، فدفعت إلى خمسين درهماً، فجاءني بمكوك، فعلفته على دابتي، وجعلت أحادث الفتى، وحماره واقف بغير علف، فأطرق ملياً ثم قال: اسمع أيدك الله أبياتاً حضرت الساعة، فقلت: هاتها فأنشد:
يا سيدي، شعري نفاية شعركا ... فلذاك نظمي لا يقوم بنثركا
وقد انبسطت إليك في إنشاد ما ... هو في الحقيقة قطرة من بحركا
آنستني وبررتني وقريتني ... وجعلت أمري من مقدم أمركا
وأريد أذكر حاجة إن تقضها ... لك عند مدحك ما حييت وشكركا
أنا في ضيافتك العشية ها هنا ... فاجعل حماري في ضيافة مهركا
فضحكت واعتذرت إليه من إغفال أمر حماره، وابتعت المكوك الآخر بخمسين درهماً، ودفعته إليه.

ثمان عشرة وثلاث مائة
فيها توفي الحافظ الحجة محمد بن يحيى بن صاعد البغدادي مولى بني هاشم.
قال أبو علي النيسابوري: لم يكن بالعراق في أقران ابن صاعد أحد أجل في الفهم والحفظ من ابن صاعد، وهو فوق أبي بكر بن داود فهماً.
وفيها توفي الحافظ عبد الله بن محمد بن مسلم الأسفرايني المصنف.
وفيها توفي الحافظ أبو عروبة، الحسن بن أبي معشر محمد بن مودود السلمي
(2/207)

الحراني، وهو في عشر المائة.
وفيها: وقيل في التي تليها توفي الحسن بن علي بن عوف بن العلاف النهرواني الشاعر المشهور. حدث عن أبي عمرو الدوري المقرىء، وحميد بن مسعدة المصري، ونصر بن علي الجهضمي وغيرهم، وروى عنه جماعة منهم: أبو حفص بن شاهين وغيره، وكان ينادم الإمام المعتضد بالله. وحكى قال: بت ليلة في دار المعتضد مع جماعة من ندمائه، فأتانا خادم ليلاً فقال: أمير المؤمنين يقول: أرقت الله بعد انصرافكم. فقلت:
ولما انتهينا للخيال الذي سرى ... إذ الدار قفر والمزار بعيد
قد أرتج على تمامه، فمن أجازه بما يوافق غرضي أمرت له الجائزة. قال: فأرتج على الجماعة، وكلهم شاعر فاضل، فابتدرت وقلت:
فقلت لعيني عاودي النوم واهجعي ... لعل خيالاً طارقاً سيعود
فرجع الخادم، ثم عاد فقال: أمير المؤمنين يقول: قد أحسنت، وأمر لك بجائزة.

تسع عشرة وثلاث مائة
فيها استوحش مؤنس من المقتدر والوزير، وجعل يمقت على المقتدر، ويتحكم عليه في إبعاد الناس وتقريب غيرهم، ثم خرج بأصحابه إلى الموصل معارضاً، فاستولى الوزير على حواصله، وفرح المقتدر بالوزير، وكتب اسمه على السكة. وكان مؤنس في ثمانمائة، فحارب جيش الموصل، وكانوا ثلاثين ألفاً، فهزمهم وملك الموصل في سنة عشرين. ولم يحج أحد من بغداد، وأخذ الديلمي الدينور، ففتك بأهلها، ووصل إلى بغداد من الهزم، ورفعوا المصاحف على القضيب، واستغاثوا وسبوا المقتدر، وغلقت الأسواق، وخافوا من هجوم القرامطة.
وفيها توفي الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن القرشي محدث دمشق.
وفيها توفي الكعبي شيخ المعتزلة أبو القاسم البلخي.
وفيها توفي السيد الجليل محمد بن الفضل البلخي الواعظ. قيل مات في مجلسه أربعة أنفس.
(2/208)

وفيها أو قبلها توفي أبو عبد الله الزبير بن أحمد الزبيري الفقيه الشافعي المازني والزبيري نسبة إلى الزبير بن العوام كان إمام أهل البصرة في عصره ومدرسها، حافظ المذهب، مع حظ من الأدب. قدم بغداد وحدث بها عن جماعة، وروى عنه النقاش صاحب التفسير وآخرون. وكان ثقة صحيح الرواية، وله مصنفات كثيرة منها: " الكافي " في الفقه، و " كتاب رياضة المتعلم "، و " كتاب النية "، و " كتاب الهداية "، وغير ذلك من الكتب، وله في المذهب وجوه كثيرة.

عشرين وثلاث مائة
فيها تجهز مؤنس والعساكر إلى بغداد، فأشار الأمراء على المقتدر بالإنفاق على العساكر، فعزم على التوجه إلى واسط في الماء ليستخدم منها ومن البصرة والأهواز، فقال له محمد بن ياقوت: اتق الله ولا تسلم بغداد بلا حرب. فلما أصبحوا ركب في موكبه وعليه البردة وبيده القضيب، والقراء والمصاحف حوله، والوزير خلفه فسبق بغداد إلى الشماسية، وأقبل مؤنس في جيشه، وشرع القتال، فوقف المقتدر على تل، ثم جاء إليه ابن ياقوت وأبو العلا بن حمدان، فقال له: تقدم، وهم يستدرجونه حتى صار في وسط المصاف في طائفة قليلة، فانكشف أصحابه، وأسر منهم جماعة، وأبلى ابن ياقوت وهارون بن غريب بلاء حسناً، وكان معظم جيش مؤنس خادم البريد، فعطف جماعة من البريد على المقتدر، فضربه رجل من خلفه ضربة فسقط إلى الأرض، وقيل رماه بحربة وجز رأسه بالسيف، ورفع على رمح، ثم سلب ما عليه، وبقي مهتوك العورة حتى ستر بالحشيش، ثم حفر له حفرة، فضمته وعفى أثره، وكانت خلافته خمساً وعشرين سنة إلا بضعة عشر يوماً. وكان مسرفاً مبذراً، ناقص الرأي، يمحق الذخائر، حتى أنه أعطى بعض جواريه الدرة اليتيمة، وزنها ثلاثة مثاقيل، يقال أنه ضيع من الذهب ثمانين ألف دينار.
وفي أيامه اضمحلت دولة الخلافة العباسية وضعفت. قالوا: وكان جيد العقل والرأي، لكنه يؤثر اللعب والشهوات، غير ناهض بأعباء الخلافة. وكانت أمه وخالته والقهرمانة يدخلن في الأمور الكبار والولايات والحل والعقد.
ولما حمل رأس المقتدر إلى مؤنس بكى وندم وقال: قتلتموه، والله لتقتلن كلنا. فأظهروا أن قتله كان عن غير قصد، ثم بايعوا القاهر بالله الذي قد بايعوه في سنة سبع عشرة،
(2/209)

فصادر بعض أصحاب المقتدر، وعذب أمه وهي مريضة ثم ماتت وهي معلقه بحبل. وبالغ في الظلم، فمقته القلوب. وكان ابن مقلة قد نفي إلى الأهواز، فاستحضره واستوزره.
وفيها توفي الحافظ محدث الشام، أبو الحسن محمد بن عمر.
وفيها أو قبلها أو بعدها توفي القاضي الحافظ محمد بن يحيى المدني، قاضي عدن، نزيل مكة. كان من جملة الحفاظ وأكابر العلماء، سمع منه الإمامان الحافظان: مسلم بن الحجاج النيسابوري، وأبو عيسى محمد بن سورة الترمذي. أخذ عن سفيان بن عيينة الهلالي، وعبد العزيز المراوردي، ووكيع بن الجراح، وأبي معاوية وغيرهم، وروى عنه الترمذي أنه قال: حججت ستين حجة ماشياً على قدمي.
وفيها توفي أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر الفربري، صاحب البخاري.
وفيها توفي قاضي القضاة محمد بن يوسف الأزدي مولاهم، وكان من خيار القضاة حلماً وعقلًا وصلابة وذكاء وإصابة.
وفيها توفي الفقيه الإمام الكبير الشأن المشهور بأبي علي بن خيران الشافعي المذهب. عرض عليه القضاء ببغداد في خلافة المقتدر، فامتنع وختم على بيته، وضيق عليه عدة أيام ليقبل، فلم يقبل. وكان يعاتب ابن شريح على توليته ويقول: هذا الأمر لم يكن فينا، وإنما كان في أصحاب أبي حنيفة رحمهم الله تعالى وعوتب الوزير علي بن عيسى على تضييقه فقال: إنما قصدت ذلك ليقال: كان في زماننا من وكل بداره لتقليد القضاء فلم يقبل.
وفيها توفي أمير المؤمنين المقتدر بالله، أبو الفضل جعفر بن المعتضد بالله بن الموفق بن المتوكل بن المعتصم العباسي، كما تقدم ذكر قتله، وكان عمره ثمانياً وثلاثين سنة.
وفيها توفي أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد البرمكي على خلاف فيه يأتي مع بعض أوصافه في سنة أربع وعشرين.
(2/210)

إحدى وعشرين وثلاث مائة
فيها بدت من القاهر شهامة وإقدام، فتحيل حتى قبض على مؤنس الخادم وجماعة، ثم أمر بذبحهم، ثم طيف برؤوسهم ببغداد، فاستقامت له بغداد، وأطلقت أرزاق الجند وعظمت هيبة القاهر في النفوس، ثم أمر بتحريم القينات والخمر، وقبض على المغنن ونفى المخنثين، وكسر آلات الطرب، إلا أنه قيل: كان لا يكاد يصبر من السكر، ويسمع القينات.
وفيها توفي أبو جعفر، أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي الأزدي الفقيه الحنفي المصري. برع في الفقه والحديث، وصنف التصانيف المفيدة. قال الشيخ أبو إسحاق: انتهت إليه رئاسة الحنفية بمصر، وقال غيره: كان شافعي المذهب، يقرأ على المزني، فقال له يوماً: والله لا جاء منك شيء، فغضب أبو جعفر من ذلك. وانتقل إلى جعفر بن عمران الحنفي، واشتغل عليه، فلما صنف مختصره قال: رحم الله أبا إبراهيم يعني المزني لو كان حياً لكفر عن يمينه.
وذكر أبو علي الخليلي في كتاب الإرشاد في ترجمة المزني: إن الطحاوي المذكور كان ابن أخت المزني، وأن محمد بن أحمد الشروطي قال: قلت للطحاوي: لم خالفت خالك، واخترت مذهب أبي حنيفة. فقال: لأني كنت أرى خالي يديم النظر في كتب أبي حنيفة، فلذلك انتقلت إليه. وصنف كتباً مفيدة، منها: " أحكام القرآن "، و " اختلا العلماء "، و " معاني الآثار "، و " الشروط " وله " تاريخ " كبير، وغير ذلك. ونسبته إلى " طحا " وهي قرية بصعيد مصر، وإلى الأزد وهي قبيلة كبيرة مشهورة من قبائل اليمن.
وفيها توفي أبو هاشم الجبائي شيخ المعتزلة، وابن شيخهم، وكان له ولد عامي لا يعرف شيئاً،، فدخل يوماً على الصاحب بن عباد، فظنه عالماً، فكرمه ورفع مرتبته، سأله عن مسألة فقال: لا أدري نصف العلم، فقال الصاحب: صدقت يا ولدي، لأن أباك تقدم بالنصف الآخر. " والجبائي " بضم الجيم وتشديد الموحدة، نسبة إلى جبا، قرية من
(2/211)

قرى البصرة، وقيل كورة ذات قراء.
وفيها توفي الإمام الحافظ اللغوي العلامة أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي البصري، صاحب التصانيف، عاش ثمانياً وتسعين سنة. قال بعضهم: ما رأيت أحفظ من ابن دريد، ما رأيته قرىء عليه ديوان إلا وهو يسابق في قراءته. وقال الدارقطني: تكلموا فيه، وتصانيفه بضع عشرة منها: " كتاب الجمهرة "، وهو من الكتب المعتبرة في اللغة. و " كتاب غريب القرآن " ولم يكمله، و " كتاب الوشاح " صغير مفيد، وله نظم رائق جداً. وقد قال بعضهم: ابن دريد أعلم بالشعر، وأشعر العلماء. ومن مليح شعره قوله:
عن الوجلت الخدور شعاعها ... للشمس عند طلوعها لم تشرق
غصن على دعص تأود فوقه ... قمر تألف تحت ليل مطبق
لو قيل للحسن احتكم لم يعدها ... أو قيل خاطب غيرها لم ينطق
فكأننا من فرعها في مغرب ... وكأننا من وجهها في مشرق
تبدو فتهف بالعيون ضياؤها ... الويل حل بمقلة لم تطبق
أخذ عن أبي حاتم السجستاني والرياشي وعبد الرحمن بن عبد الله ابن أخي الأصمعي، وأبي عثمان سعيد بن هارون وغيرهم، وتنقل في البلدان، فسكن البصرة وعمان ونواحي فارس وصحب ابني ميكائيل وكانا يومئذ على عمالة فارس وعمل لهما " كتاب الجمهرة "، وقلداه ديوان فارس، وكانت تصدر كتب فارس عن رأيه، ولا ينفذ الأمر إلا بعد توقيعه، فأفاد منها أموالاً عظيمة.
وكان مبيداً لا يمسك درهماً شحاً وكرهاً. ومدحهما بقصيدته المقصورة، فوصلاه بعشرة آلاف درهم، وهكذا، قال ابن خلكان: ابني ميكائيل.
وقال في موضع آخر من تاريخه في مدح عبد الله بن محمد بن ميكائيل وولده ويقال أنه أحاط فيها بأكثر المقصورة أولها:
إما تري رأسي حاكى لونه ... طرة صبح تحت أذيال الدجى
واشتعل المبيض في مسودة ... مثل اشتعال النار في جزل الفضا
ثم انتقل ابن دريد من فارس إلى بغداد سنة ثمان وثلاثمائة بعد عزل ابني ميكائيل وانفصالهما إلى خراسان، فأمر المقتدر أن يجرى عليه كل شهر خمسون ديناراً، ولم تزل جارية عليه إلى حين وفاته. وكان واسع الرواية، وعرض له في رأس تسعين من عمر، فالج،
(2/212)

سقي له الترياق فبرىء، وصح ورجع إلى إسماع تلامذته، ثم عاوده الفالج، فبطلت حركته، وكان إذا دخل عليه الداخل ضج وتألم. قال تلميذه ابن القالي: فكنت أقول في نفسي: عاقبه الله تعالى لقوله في مقصورته.
مارست من لو هوت الأفلاك ... من جوانب الحق عليه ما شكا
وما كان يصيح صياح من يغشى، أو يسأل بالمسائل، والداخل بعيد منه، ومع ذلك ثابت الذهن كامل العقل، يرد فيما يسأل عنه رداً صحيحاً، وعاش بعد ذلك عامين وكان كثيراً ما يتمثل:
فواحزني أن لا حياة لذيذة ... ولا عمل يرضى به الله صالح
وتوفي يوم توفي فيه أبو هاشم الجبائي المعتزلي. فقال الناس: مات اليوم علم والكلام " ودريد " تصغير درد، وهو الذي ليس فيه سن، كسويد في تصغير أسود. وكان قد قام مقام الخليل بن أحمد، وأورد أشياء، وكان يذهب بالشعر كل مذهب، " ومقصورته " خلق من المتقدمين والمتأخرين، ومن أجود شروحها شرح الفقيه محمد بن أحمد اللخمي السبتي، وعارضه جماعة، ورثاه بعضهم فقال:
فقدت بابن دريد كل فائدة ... لما عدا نالت الأحجار والتراب
وكنت أبكي لفقد الجود منفرداً ... فصرت أبكي لفقد الجود والأدب
وفيها توفي مؤنس الخادم الملقب بالمظفر، وعمره نحو تسعين سنة، وكان معظماً شجاعاً منصوراً، وقد تقدم ذكر قتله، ولم يبلغ أحد من الخدام منزلته إلا كافور الأخشيدي صاحب مصر. وسيأتي ذكره في ترجمته إن شاء الله تعالى قلت يعنون ولايات الدنيا ورفعتها عند أهلها.

اثنتين وعشرين وثلاث مائة
فيها قبض المماليك القاهر، هجموا عليه وهو سكران نائم، فقام مرعوباً، وهرب فتبعوه إلى السطح، وبيده سيف، ففوق واحد منهما سهماً وقال: انزل وإلا قتلتك، فقبضوا عليه بعد أن قال: انزل فنحن عبيدك. وأخرجوا محمد بن المقتدر، ولقبوه الراضي بالله، وكحل القاهر، ووزر ابن مقلة قال الصولي: كان القاهر أهوج سفاكاً للدماء، السيرة، مدمن الخمر. كان له حربة يحملها، فلا يضعها حتى يقتل إنساناً، ولولا جودة
(2/213)

حاجبه سلامة لأهلك الحرث والنسل.
وفيها اشتهر محمد بن علي الشلغماني " بالشين والغين المعجمتين وقيل ياء النسبة نون "، موضع ببغداد، وشاع أنه يدعي الألوهية وأنه يحيي الموتى، وكثر أتباعه، وأحضره ابن مقلة عند الراضي، وسمع كلامه، فأنكر الألوهية وقال: إن لم ينزل العقوبة بعد ثلاثة، وكثره سبعة أيام وإلا فدمي حلال. وكان قد أظهر الرفض، ثم قال بالتناسخ والحلول. وتخرق على الجهال، وضل به طائفة. وأظهر شأنه الحسين بن روح، زعيم الرافضة. فلما طلب هرب إلى الموصل، وغاب سنتين، ثم عادوا دعى الألوهية، فتبعه فيما قيل جماعة، منهم إبراهيم بن عون، فقبض عليه ابن مقلة، وكنس بيته، فوجد فيه رقاعاً وكتباً فيما قيل، يخاطبونه في الرقاع بما لا يخاطب به البشر، وأحضر فأصر على الإنكار، فضعفه ابن عبدوس. وأما ابن أبي عون فقال: إلهي وسيدي ورازقي، فقال الراضي: للشلغماني: أنت زعمت أنك لا تدعي الربوبية، فما هذا؟ فقال: وما علي من قول ابن أبي عون. ثم أحضروه غير مرة، وجرت لهم فصول، وأحضرت الفقهاء والقضاة، ثم أفتى الأئمة بإباحة دمه، فأحرق، ثم ضربت رقبة ابن أبي عون، ثم أحرق، وكان فاضلاً مشهوراً صاحب تصانيف أدبية، من رؤساء الكتاب، أعني ابن أبي عون، وشلغمانة من أعمال واسط. ولم يحج أحد إلى سنة سبع وعشرين خوفاً من الفرامطة.
وفيها توفي حافظ الأندلس أحمد بن خالد، قال القاضي عياض: كان إماماً في وقته في مذهب مالك، وفي الحديث لا ينازع.
وفيها توفي السيد الكبير الولي الشهير القدوة العارف، بحر المعارف أبو الحسين خير النساج البغدادي، وكانت له حلقة يتكلم فيها، وعمر دهراً، قيل إنه لقي سريا السقطي، وله أحوال كبيرة وكرامات شهيرة.
وفيها توفي المهدي عبيد الله، والد الخلفاء الباطنية العبيدية المقبري، المدعي. أنه من ولد جعفر الصادق، وكان بسلمية من بلاد الشام، فبعث دعاته إلى اليمن والمغرب، وحاصل الأمر أنه استولى على مملكة المغرب، وامتدت دولته بضعاً وعشرين سنة، ومات
(2/214)

بالمهدية التي بناها، وكان يظهر الرفض ويبطن الزندقة، وقال أبو الحسن القابسي صاحب " الملخص " الذي قتله عبيد الله وبنوه بعده أربعة آلاف رجل في دار النحر في العذاب، ما بين عالم وعابد ليردهم عن الترضي عن الصحابة، فاختاروا الموت. ومن ذلك قول بعضهم في قصيدة:
وأحل دار النحر في إعلاله ... من كان ذا تقوى وذا صلوات
قلت: ولم يزل الباطنية منهم في بعض جبال اليمن، وقد جرت لهم هناك أمور وزند وفجور، أوضحت ذلك في " كتاب المرهم " وتقدمت الإشارة في سنة سبع عشرة وثلاثين من هذا الكتاب إلى شيء من ذلك.
وفي السنة المذكور توفي الشيخ العارف أبو بكر محمد بن علي الكتابي شيخ الصوفية نزيل مكة، أخذ عن أبي سعيد الخراز وغيره وهو مشهور.
وفيها توفي الشيخ الكبير العارف بالله الشهير أبو علي الروذباري البغدادي نزيل مصر، من كبار شيوخها في زمانه، صحب الجنيد وجماعة، وكان إماماً محققاً، روي أنه قال: أستاذي في التصوف الجنيد، وفي الحديث إبراهيم الحربي، وفي الفقه ابن سريج وفي الأدب ثعلب. قلت: وناهيك بفضائل هؤلاء الأربعة المذكورين:

ثلاث وعشرين وثلاث مائة
فيها محنة ابن شنبوذ، كان يقرأ في المحراب بالشواذ، فطلبه الوزير ابن مقله وأحضر القاضي والقراء وفيهم ابن مجاهد فناظروه، فأغلظ للحاضرين في الخطاب ونسبهم إلى الجهل، فأمر الوزير بضربه لكي يرجع، فضرب سبع درر وهو يدعو على الوزير، فتوبوه غضباً، وكتبوا عليه محضراً، وكان مما أنكر عليه: فأمضوا إلى ذكر الله وذروا البيع، وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصباً. وهذا الأنموذج مما روي ولم يتواتر.
وفيها توفي قتيبة شيخ الحنابلة البرنهاري " بالباء الموحدة والراء المكررتين "، فنودي أن لا يجتمع اثنان من أصحابه، وحبس منهم جماعة واختفى هو.
(2/215)

وفيها أخذ القرمطي أبو طاهر الركب العراقي، وانهزم الأمير لؤلؤ وبه ضربات، وقتل خلق من الوفد، وسبيت الحريم، وهلك محمد بن ياقوت في الحبس بعدما طلب الجند أرزاقهم، وأغلظوا له، وقبض الراضي بالله عليه، وعظم شأن الوزير ابن مقلة وتفرد بالأمور.
وفيها توفي الحافظ أبو بشر أحمد بن محمد الكندي المروزي، روى عن محمود ابن آدم وطائفة، وهو أحد الوضاعين الكذابين، مع كونه محدثاً إماماً في السنة والرد على المبتدعة.
وفيها توفي نفطوية النحوي، أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة الواسطي، صاحب التصانيف الحسان في الآداب، وكان بارعاً فصيحاً في الخطاب، ولا يكاد يخلو ذو فضل من أين يطعن فيه ويعاب، ولهذا هجاه بعض الناس ببيتين الثاني منهما:
أحرقه الله بنصف اسمه ... وصير الثاني صراخاً عليه
وعجز الأول: فليجتهد أن لا يرى نفطويه، وصدره كرهت ذكره فحذفته، روى عن شعيب بن أيوب وطبقته.
وفيها توفي الحافظ الجوال الفقيه أبو نعيم عبد الملك بن محمد الجرجاني، سمع علي بن حرب وعمر بن شبة وطبقتهما، قال الحاكم: كان من أئمة المسلمين. وقال أبو علي النيسابوري: ما رأيت بخراسان بعد ابن خزيمة مثل أبي نعيم، كان يحفظ المرفوعات والمراسيل، كما نحن نحفظ المسانيد. عمر إحدى وثمانين سنة.
وفيها توفي أبو عبيد المحاملي القاسم بن إسماعيل أخو القاضي حسين.

أربع وعشرين وثلاث مائة
فيها قبض على الوزير ابن مقلة، وأحرقت داره، وضرب وأخذ خطه بألف ألف دينار، وجرت عظائم من الضرب والتعليق وغير ذلك، وجرت أمور طويلة يخالف فيها أهل الدولة، وبطلت الوزارة والدواوين، وضعف أمر الخلافة، وبقي الراضي بالله صورة.
وفيها توفي مفتي العراق أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد، وكان
(2/216)

بصيراً بالقراءة وعللها ورجالها، عديم النظير.
وفيها توفي أبو الحسن أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد البرمكي المعروف بجحظة " بفتح الجيم وسكون الحاء المهملة وفتح الظاء المعجمة وبعدها هاء " على خلاف فيه تقدم، كان صاحب فنون وأخبار ونجوم ونوادر ومنادمة، وقد جمع المرزباني أخباره وأشعاره، وكان من ظرفاء عصره، وله أشعار رائقة منها قوله:
أيا ابن أناس مول الناس جودهم ... فأصبحوا حديثاً للنوال المشهد
فلم يخل من إحسانهم لفظ مخبر ... ولم يخل من تقريطهم دفن دفتر
وكان مشوه الخلق، وفي ذلك يقول ابن الرومي مشيراً إلى قبح صورته وحسن منادمته.
يا رحمة لمنادمته تحملوا ... علم العيون للذة الآذان
التقريظ مدح الإنسان وهو حي، والتأبين مدحه ميتاً.
وفيها توفي الفقيه الشافعي الحافظ صاحب التصانيف والرحلة الواسعة، عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري، سمع محمد بن يحيى الذهلي، ويونس بن عبد الأعلى. قال الحاكم: كان إمام عصره للشافعية بالعراق، ومن أحفظ الناس للفقهيات واختلاف الصحاب وقال الشيخ أبو إسحاق، كان زاهداً يفتي الناس أربعين سنة، لم ينم الليل، يصلي الصبح بوضوء العشاء، وجمع بين الفقه والحديث.

خمس وعشرين وثلاث مائة
فيها دخل القرمطي الكوفة فعاث فيها.
وفيها توفي الحافظ البارع المصنف أحمد بن أحمد بن محمد بن الحسن، تلميذ مسلم.

ست وعشرين وثلاث مائة
فيها قبض الراضي بالله على ابن مقلة، وقطع يده حين أخذ يكاتب في بعض أمور السلطنة والمضاهاة لبعض أهل الدولة. ثم بعد أيام قطع ابن واثق لسانه، لكونه كاتب
(2/217)

بعض الأمراء، فأقبل بجيوشه من واسط، ودخل بغداد، فكرمه الراضي ولقبه أمير الأمراء، وولاه الحضرة، وضعف عن قتاله ابن واثق. فاختفى.
وفيها توفي عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن الحجاج الناسخ المصري.
وفيها توفي محمد بن القاسم المحاربي.

سبع وعشرين وثلاث مائة
فيها توفي الحافظ العالم عبد الرحمن ابن الحافظ الجامع، محمد بن إدريس بن المنذر التميمي الرازي " بالراء " وقد قارب التسعين، وقال أبو يعلى الخليلي: أخذ علم أبيه وأبي زرعة، وكان بحراً في العلوم ومعرفة الرجال صنف في الفقه واختلاف الصحابة والتابعين وعلماء الأمصار، قال: وكان زاهداً يعد من الأبدال.
وفيها توفي محمد بن جعفر الخرائطي، مصنف مكارم الأخلاق ومساوئها، وغير ذلك.
وفيها توفي مبرمان النحوي، شرح سيبويه، وما أتمه، وهو محمد بن علي العسكري، أخذ من المبرد.

ثمان وعشرين وثلاث مائة
فيها التقى سيف الدولة ابن حمدان الدمشقي قاتله الله فهزمه.
وفيها توفي الإمام العلامة أبو سعيد الأصطخري، الحسن بن أحمد شيخ الشافعية بالعراق، روي عن سعدان بن نصر وطبقته، وصنف التصانيف، وعاش نيفاً وثملاثين سنة، وكان موصوفاً بالزهد والقناعة، وله وجه في المذهب، تولى حسبة بغداد، واستقضاه المقتدر على سجستان، فسار إليها، ونظر في مناكحاتهم، فوجد معظمها على غير إعتبار الولي، فأنكرها وأبطلها عن آخرها. وكان ورعاً، وهو من نظراء أبي العباس ابن سريج وأقران علي بن أبي هبيرة.
وفيها توفي الفقيه الواعظ، أحد الأئمة، أبو علي الثقفي محمد بن عبد الوهاب النيسابوري، عاش أربعاً وثمانين سنة، سمع في كبره من موسى بن نصر الرازي وأحمد بن ملاعب وطبقتهما. وكان له جنازة لم يعهد مثلها، وهو من ذرية الحجاج. قال الفقيه أبو الوليد: دخلت على ابن سريج، وسألني عن من درست الفقه؟ قلت: على أبي علي الثقفي، قال: لعلك تعني الحجاجي الأزيرق؟. قلت: نعم، قال: ما جاءنا من خراسان أفقه منه،
(2/218)

وقال أبو بكر الضبعي: ما عرفنا الجدل والنظر حتى ورد علينا أبو علي الثقفي في العراق وذكره السلمي في طبقات الصوفية.
وفيها توفي أبو الحسن محمد بن أحمد بن شنبوذ المقرىء البغدادي، أحد الأئمة من مشاهير القراء وأعيانهم، وكان ديناً، وقيل كان فيه سلامة صدر وحمق منفرداً بقراءة الشواذ، وكان يقرأ بها في المحراب، فأنكر عليه ذلك، وبلع علمه أبا علي ابن مقلة الوزير فاستحضره واعتقله في داره أياماً، ثم استحضر القاضي أبا الحسين عمر بن محمد والمقرىء أبا بكر المعروف بابن مجاهد وجماعة من أهل القرآن، وأحضر ابن شبنوذ المذكور، ونواظر في حضرة الوزير، فأغلظ في الحديث للوزير وللقاضي وللمقرىء ابن مجاهد، ونسبهم إلى قلة المعرفة وغيرهم، بأنهم ما سافروا في طلب العلم كما سافر واستشار القاضي أبا الحسين المذكور، فأمر الوزير ابن مقلة بضربه، فأقيم، وضرب سبع درر، فدعا وهو يضرب على الوزير ابن مقلة بأن يقطع الله تعالى يده، ويشتت شمله وكان الأمر كذلك، كما سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى. وأنكر ما كان ينكر عليه من الحروف التي كان يقرأ بها مما هو شنيع، وقال فيما سوى ذلك، فرابه قوم، فاستتابوه فقال: إنه رجع عما كان يقرأ، وإنه لا يقرأ إلا بمصحف عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، وكاتب علي الوزير محضراً بما قاله، وكتب بخطه ما يدل على توبته.
ومما حكي أنه كان يقرأ: فامضوا إلى ذكر الله، وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصباً، وليكن منكم فئة يدعون إلى الخير وغير ذلك.
وفيها توفي الوزير أبو علي محمد بن علي بن الحسن بن مقلة الكاتب المشهور كان في أول أمره يتولى بعض أعمال فارس، ويجبي خراجها، وتنقلت أحواله إلى استوزره الإمام المقتدر، فخلع عليه، فبقي في الوزارة سنتين وشهرين، ثم نفاه إلى بلاد فارس بعد أن صادره، ثم استوزره الإمام القاهر بالله، فأرسل إليه إلى فارس رسولاً يجيء به، ورتب له نائباً، فوصل يوم الأضحى من سنة عشرين وثلاثمائة، ولم يزل وزيره إلى اتهمه بالمعاضده على الفتك به. وبلغ ابن مقلة الخبر فاستتر.
ولما ولي الراضي بالله سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة فاستوزره أيضاً، وكان المظفر ياقوت مستحوذاً على أمور الراضي. وكان بينه وبين ابن مقلة وحشة وقرر ابن ياقوت الغلمان أنه إذا جاء قبضوا عليه، وأن الخليفة لا يخالفه في ذلك، وربما سره. فلما حصل
(2/219)

ابن مقلة في دهليز دار الخلافة وثب الغلمان عليه، ومعهم ابن ياقوت، وقبضوا عليه، وأسلموه إلى الراضي يعرفونه صورة الحال، وعدوا له ذنوباً وأسباباً تقتضي ذلك، فرد جوابهم وهو يستصوب ما فعلوا، واتفق رأيهم على توزير عبد الرحمن بن عيسى بن داود الجراح، وقلده الراضي الوزراة، وسلم إليه ابن مقلة، فضربه بالمقارع، وجرى عليه من المكاره بالتعليق وغيره من العقوبة شيء كثير، وأخذ خطه بألف ألف دينار، ثم خلص، وجلس بطالاً في دار.
ثم إن ابن رائق استولى على الخلافة، وخرج عن طاعتها، فاستماله الراضي، وفوض إليه تديير المملكة، وجعله أمير الأمراء، وأمر أن يخطب له على جميع المنابر، وقوي أمره، وعظم شأنه، وتصرف برأيه، وأحاط على أملاك ابن مقلة وضياعه وأملاك ولده أبي الحسن، فأخذ ابن مقلة في السعي بابن رائق، وكتب إلى الراضي يشير عليه بإمساكه، وضمن له متى فعل ذلك، وقلده الوزارة فاستخرج له ثلاثمائة ألف ألف دينار، وكانت مكاتبة على يد ابن هارون المنجم النديم، فأطمعه الراضي بالإجابة إلى ما سأل، فلما استوثق ابن مقلة من الراضي ركب من داره وقد بقي من رمضان ليلة واحدة، واختار هذا الطالع لأن القمر يكون تحت الشعاع، وهو يصلح للأمور المستورة فلما وصل إلى دار الخليفة لم يمكنه من الوصول إليه، ووجه إلى ابن رائق، وأخبره بما جرى، وأنه احتال على ابن مقلة حتى حصله في أسره، ثم أظهر الراضي أمر ابن مقلة، وأخرجه من الإعتقال، وحضر صاحب ابن رائق وجماعة من القواد، وتقابلا فالتمس ابن رائق قطع يده التي كتب به المطالعة، فقطعت يده اليمنى، ورد إلى مجلسه. ثم ندم الراضي على ذلك، وأمر الأطباء بمداواته، فداووه حتى برىء. وكان ذلك نتيجة دعاء ابن شنبوذ المقرىء بقطع يده كما تقدم.
وقال أبو الحسن ثابت بن سنان الطبيب: كنت إذا دخلت إليه في تلك الحال سألني عن أحوال ولده، فأعرفه استتاره وسلامته، فتطيب نفسه، ثم يتوجه على يده ويقول: كتبت بها القرآن الكريم مرتين، تقطع كما تقطع اللصوص. فأسليه وأقول: هذا انتهاء المكروه، فينشدني:
إذا ما مات بعضك قاتلاً بعضاً ... فإن البعض من بعض قريب
ثم عاد وأرسل الراضي من بعد قطع يده، وأطمعه في المال، وطلب الوزارة وقال: إن قطع اليد ليس بعد قطع اليد، وليس مما يمنع الوزارة. وكان يشد القلم على ساعده ويكتب، ثم أمر بعض التمين إلى ابن رائق يقطع لسانه أيضاً، فقطع فأقام في الحبس مدة طويلة ولم يكن له من يخدمه، وكان يستسقي الماء لنفسه من البير، فيجذب بيده اليسري جذبة ونعمه الأخرى. وله أشعار في شرح حاله، من ذلك قوله:
(2/220)

ما سئمت الحياة لكن توثقت ... بإيمانهم فزالت يميني
وليس بعد اليمين لذة عيش ... يا حياتي بانت يميني فبيني
ومنه أيضاً:
لست ذا ذلة إذا عصى الدهر ... ولا شامخاً إذا أو أتاني
ومن ذلك:
وإذا رأيت فتى بأعلى رتبة ... في شامخ من عزة المترفع
قالت له النفس العروف بقدرها ... ما كان أولاني بهذا الموضع
ولم يزل على هذه الحالة إلى أن توفي في موضعه، ودفن في مكان، ثم نبش بعد زمان وسلم إلى أهله. وهو أول من نقل هذه الطريقة من خط الكوفيين إلى هذه الصورة، هو وأخوه على خلاف فيه، وله ألفاظ منقولة مستعملة، من ذلك قوله: إذا أحببت تهالكت، وإذا اتعظت أهلكت، فإذا رضيت أبدت، وإذا غضبت أبرت.
ومن كلامه: يعجبني من يقول الشعر تأدباً لا تكسباً، ويتعاطى الغناء تطرباً لا تطلباً قيل: وله كل معنى مليح في النظم والنثر. وكان ابن الرومي الشاعر يمدحه، فمن معاتبة المقولة فيه قوله:
أن يخدم القلم السيف الذي خضعت ... له الرقاب ودانت خوفه الأمم
كذا قضى للأقلام مذ برئت ... إن السيوف لها مذ أرهفت خدم
وكل صاحب سيف دائم أبداً ... ما زال يتبع ما يجري به القلم
وكان أخوه الحسن بن علي بن مقلة كاتباً أديباً بارعاً، قيل: والصحيح أنه صاحب الخط، وفي عزل ابن مقلة من الوزارة، قال بعض الشعراء:
يقال العزل للأحرار حيض ... نجاة الله من أمر بغيض
ولكن الوزير أبا علي ... من اللائي يئسن من المحيض
وفيها توفي العلامة إمام اللغة صاحب المصنفات أبو بكر محمد ابن الأنباري النحوي اللغوي، عمر سبعاً وخمسين سنة، سمع في صغره من الكديمي بضم الكاف وإسماعيل القاضي، وأخذ عن أبيه وثعلب وطائفة.
قال أبو علي القالي: كان شيخنا أبو بكر يحفظ فيما قيل ثلاثمائة ألف بيت شاهد في القرآن، وقال محمد بن جعفر التميمي: ما رأيت أحفظ من ابن الأنباري، ولا أغزر بحراً
(2/221)

منه. روي عنه أنه قال: أحفظ ثلاثه عشر صندوقاً.
قال: وحدث أنه كان يحفظ مائة وعشرين تفسيراً للقرآن العظيم بأسانيدها. وقيل: إنه أملى غريب الحديث في خمسة وأربعين ألف ورقة، وكان علامة وقته في الآداب وأكثر الناس حفظاً لهما. وكان صدوقاً ثقة ديناً خيراً، من أهل السنة. وصنف كتباً كثيرة في علوم القرآن وغريب الحديث والمشكل، وكان يملي في ناحية من المسجد، وأبوه في ناحية أخرى.
وفيها توفي الأستاذ أبو الحسن المزين، العارف بالله الولي الكبير، شيخ الصوفية، صحب الجنيد وسهل بن عبد الله، وجاور بمكة، وله مناقب كثيرة ومحاسن شهيرة، ومما حكي عنه أنه قال: كنت بمكة، فوقع لي إرادة السفر إلى المدينة، فلما بلغت بير ميمون، وجدت شاباً يجود بنفسه، فقلت له: قل لا إله إلا الله، ففتح عينيه، ونظر إلي وقال:
أنا إن مت فالهوى حشو قلبي ... وبداء الهوى يموت الكرام
ثم خرجت روحه، فغسلته وكفنته، وصليت عليه ودفنته، فسكن ما كان في نفسي من خاطر السفر، فرجعت إلى مكة وكان بعد ذلك يوبخ نفسه ويقول: حجام يلقن أولياء الله الشهادة واشوقاه. وقوله: بير ميمون يعني أنها البير المسماة اليوم بالنوارية، والله أعلم بالصواب. وبعض الناس يسميها بير ميمونة، وهي قريبة من قبرها.
وفيها توفي الشيخ الكبير العارف بالله الشهير: أبو محمد المرتعش، عبد الله بن محمد النيسابوري، أحد مشايخ العراق، صحب الجنيد وغيره، ومن كلامه: الإرادة حبس النفس عن مراداتها، والإقبال على أوامر الله تعالى، والرضوان بموارد القضاء، وقيل له: إن فلاناً يمشي على الماء فقال، عندي من مكنه الله تعالى من مخالفة الهوى، هو أعظم من المشي في الهواء، وكان يقال له: إشارات الشبلي، ونكت المرتعش، وحكايات الخزيمي.
وفيها توفي أحمد بن محمد بن عبد ربه القرطبي صاحب " العقد "، الأموي مولاهم. كان رأس العلماء المكثرين، والإطلاع على أخبار الناس. حوى كتابه من كل شيء، وله ديوان شعر جيد، ومن شعره:
(2/222)

إن الغواني لو رأينك طاوياً ... برد الشباب طوين عنك وصالا
وإذا دعونك عمهن فإنه ... نسجت يزيدك عندهن خيالا
والقرطبي نسبة إلى قرطبة، وهي مدينة كبيرة من بلاد الأندلس، وهي دار مملكتها.

تسع وعشرين وثلاث مائة
فيها: استخلف المتقي لله، وتوفي الراضي بالله أبو إسحاق محمد. وقيل: أحمد المقتدر بالله جعفر بن المعتضد بالله العباسي. وكانت أمه جارية رومية، وهو آخر خليفة له شعر مدون وآخر خليفة انفرد بتدبير الجيوش، وآخر خليفة خطب يوم الجمعة إلى خلافة الحاكم العباسي، فإنه خطب أيضاً مرتين، وآخر خليفة جالس الندماء، ولكنه كان مقهوراً مع أمرته، وكان سمحاً كريماً محباً للعلماء والأدباء، سمع الحديث من البغوي وعمره إحدى وثلاثون سنة.
وفيها توفي يوسف بن يعقوب بن إسحاق التنوخي الأنباري الأزرق الكاتب، وله نيف وتسعون سنة. وأبو نصر محمد بن حمدويه المروزي.

ثلاثين وثلاث مائة
فيها حدث الغلاء المفرط والوباء ببغداد، وبلغ الكر مائتين وعشرة دنانير، أكلوا الجيف. وفيها وصلت الروم، فأغارت على أعمال حلب، وبدعوا، وسبوا عشرة آلاف نسمة. وفيها أقبل أبو الحسين علي بن محمد بن البريدي بالجيوش، فالتقاه المتقي وابن رائق إلى الموصل، واختفى وزيره أبو إسحاق القراريطي، ووقع النهب في بغداد، واشتد القحط حتى بلغ الكر ثلاثمائة وستة عشر ديناراً، وهذا شيء لم يعهد بالعراق. ثم عم البلاء بزيادة دجلة، فبلغت عشرين ذراعاً، فغرق الخلق.
وأما ناصر الدولة ابن حمدان فإنه جاءه محمد بن رائق، فوضع رجله في الركاب، إذ وثب به الفرس، فوقع فصاح ابن حمدان: لا يفوتنكم، فقتلوه، ثم دفن، وعفى قبر وجاء ابن حمدان إلى المتقي، فقلده المتقي مكان ابن رائق، ولقبه ناصر الدولة، ولقب
(2/223)

أخاه علياً سيف الدولة. وعاد وهما معه، وهرب البريدي من بغداد، وكان مدة استيلائه عليها ثلاثة أشهر وعشرين يوماً، ثم نهب البريدي وعاد، فالتقاه سيف الدولة بقرب المدائن، ودام القتال يومين، وكان الهزيمة على ابن حمدان والأتراك، ثم كانت على البريدي، وقتل جماعة من أمراء الديلم، وأسر آخرون، وهرب البريدي إلى واسط بأسوأ حال، وساق وراءه سيف الدولة، ففر إلى البصرة.
وفي رجب من السنة المذكورة توفي الفقيه الكبير الإمام الشهير أبو بكر الصيرفي الشافعي، صاحب المصنفات في المذهب، وصاحب وجه فيه. كان من جلة الفقهاء، أخذ الفقه عن أبي العباس بن سريج، واشتهر بالحذق في النظرة والقياس وعلم الأصول، وله في أصول الفقه كتاب لم يسبق إليه. قال أبو بكر القفال: كان أعلم الناس بالأصول بعد الشافعي، وهو أول من انتدب من أصحابنا للشروع في علم الشروط، وصنف فيه كتاباً، أحسن فيه كل إحسان. والصيرفي نسبة مشهورة لمن يصرف الدنانير والدراهم.
وفيها توفي الشيخ الكبير أبو يعقوب النهرجوري، شيخ الصوفية. صحب الجنيد وغيره، وجاور مكة، وكان من كبار العارفين رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الإمام الكبير القاضي أبو عبد الله المحاملي الشهير، الحسين بن إسماعيل الضبي البغدادي. عاش خمساً وتسعين سنة. قال أبو بكر الداؤدي: كان يحضر مجلس المحاملي عشرة آلاف رجل.
وفيها توفي الحافظ أبو عبد الله، محمد بن عبد الملك القرطبي. ألف كتاباً على سنن أبي داود، وكان بصيراً بمذهب مالك.
وفيها توفي الحافظ أبو عبد الله محمد بن يوسف الهروي، من أعيان الشافعية والراحلين في طلب الحديث، عاش مائة سنة.
وفيها توفي الزاهد العابد، صاحب المسجد المشهور بظاهر باب شرقي، يقال اسمه مفلح، وكان من الصوفية العارفين.
وفيها وقيل بعدها على ما حكاه ابن الهمداني في ذيل تاريخ الطبري توفي
(2/224)

ببغداد وقيل بل في سنة أربع وعشرين وثلاثمائة الشيخ الإمام ناصر السنة، وناصح الأمه، إمام أئمة الحق، ومدحض حجج المبدعين المارقين، حامل راية منهج الحق ذي النور الساطع والبرهان القاطع، أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحاق بن سلام بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة بن أبي موسى، عبد الله بن قيس الأشعري الصحابي رضي الله عنه. قلت هذا، ذكر اسمه ونسبه، وذكر الإمام السمعاني الأشعري نسبه إلى أشعر، أحد أجداده، وهو ثبت بن داود بن يشجب. قال: وإنما قيل له أشعر لأن أمه ولدته والشعر على يديه. انتهى.
قلت: نسبته المعروفة المتفق عليها إلى أبي موسى الأشعري الصحابي، وهو من الأشاعر: قبيلة من اليمن، ونسلهم إلى الآن باق،، وهم عرب يسكنون قريباً من زبيد، مشهورون بالنسب المذكور.
وأما ذكر مناقبه، وما ورد في السنة من الأحاديث الدالة على شرف أصله وكبر مجلسه، وما أمره به النبي صلى الله عليه وآله وسلم في منامه، من النظر في سنته واتباعه لها ونصرته لمذهب الحق، وما شهد له به العلماء من الفضيلة والسيرة الجميلة، وما عرف به من العلم والعمل والعبادة والتقلل من الدنيا والزهادة، وعقوبة من أساء الظن به، واعتقد بطلان مذهبه وفساده، وبيان صحة إعتقاده وإعتداله وسداده، وما رئي له في المنام، مما يدل على أنه لمذهب الحق والهدى إمام، وأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم باتباعه واتباع أصحابه للمسائل التي سأله في منامه، وما ورد عليه من الأمر بإقتدائهم في جوابه، وما مدحه به العلماء الأحبار من الفضائل بالنثر والأشعار، وغير ذلك مما لا يدخل تحت قيد الإنحصار، فإنه يحتاج في تدوين الجملة إلى تصانيف مفردة مستقلة كبار.
وقد صنف في ذلك كتاباً نفيساً الإمام الحافظ المحقق المسند الماهر، صاحب تاريخ الشام في ثمانين مجلداً، وأبو القاسم المعروف بابن عساكر صنفه في مجلد، وقد اختصرته في كتاب سميته " الشاش المعلم شاووش، كتاب المرهم المعلم بشرت المفاخر العلية في مناقب الأئمة الأشعرية "، ذكرت فيه نبذة من مناقبهم الجليلة، ومحاسنهم الجميلة، وسيرهم الحميدة، وعقائدهم السديدة التي وافقوا فيها عقيدة إمام الأئمة. أبي الحسن الأشعري المذكور، ناصر الحق البارع القامع للبدع المشكور. وحذفت ما ذكر ابن العساكر من الروايات والأسانيد في تآليفه وجمعه، رغباً في الإختصار، وهرباً من الملل في الإكثار، فجاء كتابي من كتابه قدر ربعه.
(2/225)

قلت: ومما يدل على جلالة قدره وإرتفاعه وكثرة مصنفاته، فقد روى الحافظ أبو القاسم بسنده أنها عدت تراجمهم، ففاقت على ثلاثمائة وثمانين مصنفاً، منها " كتاب الفضول " في الرد على المحدثين والخارجين عن الملة، كالفلاسفة والتابعين والدهريين وأهل التشبيه والقائلين بقدم الدهر، على اختلاف مقالاتهم وأنواع مذاهبهم، ورد فيه على البراهمة واليهود والنصارى والمجوس. وهو كتاب مشتمل على اثني عشر كتاباً.
وكذلك " كتاب الموجز " يشتمل على اثني عشر كتاباً، على حسب تنوع مقالات المخالفين من الخارجين عن الملة، كالفلاسفة والداخلين، ورد على سائر أنواع المبتدعين في كتبه، تعميماً وتخصيصاً.
ومما يدل على ذلك أيضاً خطبة كتابه الذي صنفه في تفسير القرآن والرد على من خالف البيان من أهل الإفك والبهتان. قال: أما بعد، فإن أهل الزيغ والبدع والتضليل تأولوا القرآن على رأيهم، وفسروه على أهوالهم تفسيراً، لم يزل الله تعالى به سلطاناً، ولا أوضح به برهاناً، ولا رووه عن رسول رب العالمين، ولا عن أهل بيته الطيبين، ولا عن السلف المتقدمين من الصحابة والتابعين، افتراء على الله، قد ضلوا وما كانوا مهتدين، ثم قال في أثناء كلامه: وشيوخهم الذين قلدوهم، فأضلوهم وما هدوهم. قال: ورأيت الجبائي قد ألف كتاباً في تفسير القرآن، أوله على خلاف ما أنزله الله عز وجل لغة أهل قرية المعروفة بجبا، وليس من أهل اللسان الذي نزل به القرآن، وما روى في كتابه حرفاً واحداً عن المفسرين. وإنما اعتمد على ما وسوس به صدره وشيطانه، ولولا أنه استغوى بكتابه كثيراً من العوام، واستنزل به عن الحق كثيراً من العظام، لم يكن للتشاغل به وجه.
ثم ذكر المواضع التي أخطأ فيها الجبائي في تفسيره، وبين ما أخطأ فيه من تأويله من القرآن بعون الله تعالى وتيسيره، وكل ذلك مما يدل على جلة وكثرة علمه، وظهور فضله، جزاه الله تعالى عن جهاده في دينه بلسانه الحسنى، وأحله بإحسانه في مستقر جنانه. المحل الأسنى. واسم كتابه الذي ألفه في تفسير القرآن " المتحفون ".
قال الإمام الماهر في الفقه: محمد بن موسى بن عمار، فيما روى عنه الثقات الأخيار والعلماء الأحبار. ذكر لي بعض أصحابنا أنه رأى من تفسيره المذكور طرفاً وكان بلغ فيه سورة الكهف وقد أنهى مائة كتاب، ولم يترك آية يتعلق بها يدعي، إلا بطل تعلقه بها، وجعلها حجة لأهل السنة، وبين المجمل، وشرح المشكل، أو قال: المستشكل. قال: ومن وقف على تآليفه رأى أن الله تعالى قد أمده بإمداد توفيقه، وأقامه لنصرة الحق والذب عن طريقه.
(2/226)

وكل من تعلق اليوم بمذهب السنة، وتفقه في معرفة أصول عن سائر المذاهب، نسب إلى أبي الحسن الأشعري، لكثرة تآليفه، وكثرة قراءة الناس لها، ولم يكن أول متكلم بلسان أهل السنة، إنما يجري على سنن غيره، وعلى نصرة مذهب معروف، فزاد المذهب حجة وبياناً، ولم يبتدع مقالة اخترعها، ولا مذهباً انفرد به.
ألا ترى أن مذهب أهل المدينة نسب إلى مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه؟ ومن كان على مذهب أهل المدينة يقال له مالكي، ومالك إنما جرى على سنن من كان قبله، وكان كثير الإتباع، إلا أنه زاد المذهب بياناً وبسطاً وحجة وشرحاً وألف كتابه الموطأ.
وأما ما أخذ عنه من الأسمعة والفتاوى، فنسب إليه لكثرة بسطه وكلامه فيه، وكذلك الإمام أبو الحسن الأشعري، لا فرق، فليس له في المذهب كثر من بسطه وشرحه وتأليفه في نصرته، فنجب في تلاميذه خلق كثير من المشرق. وكانت شوكة المعتزلة بالعراق شديدة، وأعظم ما كانت المحنة زمن المأمون والمعتصم، فتورع عن مجادلتهم أحمد بن حنبل، فموهوا بذلك على الملوك وقالوا: إنهم يعنون أهل السنة، يفرون من المناظرة لما يعلمون من ضعفهم على نصرة الباطل، وأنه لا حجة بأيديهم، وشنعوا بذلك عليهم، حتى امتحن في زمانهم أحمد بن حنبل وغيره، حتى أخذ الناس حينئذ بالقول بخلق القرآن، حتى ما كان تقبل شهادة شاهد، ولا يستقضي قاض، ولا يفتي مفت إلا يقول بخلق القرآن.
قال: وكان في ذلك الوقت جماعة من المتكلمين، كعبد العزيز المكي، والحارث المحاسبي، وعبد الله بن كلاب، وجماعة غيرهم، وكانوا أولي زهد، لم ير واحد منهم أن يطأ لأهل البدع بساطاً، ولا أن يداخلهم. وكانوا يردون عليهم، ويؤلفون الكتب في إدحاض حججهم، إلى أن أنشأ بعدهم، وعاصر بعضهم ابن أبي بشر الأشعري، يعني الشيخ أبا الحسن المذكور، فصنف في هذا العلم لأهل السنة التصانيف، وألف لهم التآليف، حتى أدحض الله تعالى حجج المعتزلة، وكسر شوكتهم. وكان يقصدهم بنفسه. ويناظرهم، فكلم في ذلك وقيل له: كيف تخالط أهل البدع، وتقصدهم بنفسك، وقد أمرت بهجرهم؟. فقال: هم أهل رئاسة، منهم الوالي والقاضي. ولرئاستهم لا ينزلون إلي، فإذا كانوا لا ينزلون إلى، ولا أسير أنا إليهم، فكيف يظهر الحق، ويعلمون أن للسنة ناصراً بالحجة؟.
قال: وكان أكثر مناظراته مع الجبائي المعتزلي، وله معه في الظهور عليه مجالس كثيرة، فلما كثرت تآليفه، ونصر مذهب أهل السنة وبسطه، تعلق بها أهل السنة من المالكية والشافعية وبعض الحنفية. فأهل السنة بالمشرق والمغرب بلسانه يتكلمون، وبحجته يحتجون.
(2/227)

وأما أتباعه، فقد ذكر الإمام الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في كتابه، من أعيانهم، قريباً من ثمانين إماماً، ثم أردفتهم من جلة الأئمة ما صار للمائة تماماً. فمن اقتدى به، وتبعه في الإعتقاد من المحققين النظار النقاد، ممن جمع بين العلم والدين، وأقام قواطع الحجج والبراهين، كالإمام أبي بكر الباقلاني، والأستاذ أبي إسحاق الاسفرايني، والإمام ابن فورك، والشيخ الإمام أبي إسحاق الشيرازي، وأبي المعالي إمام الحرمين الجويني، والإمام حجة الإسلام أبي حامد الغزالي، والإمام فخر الدين الرازي، والإمام عز الدين بن عبد السلام، والشيخ الإمام محيي الدين النواوي، والإمام تقي الدين بن دقيق العبد، وغير هؤلاء العشرة من ذوي المناقب الشهيرة.
وكذلك جماعة من أكابر المشايخ الجلة العارفين السالكين الربانيين المربين، كالشيخ أبي عبد الله القرشي، والأستاذ أبي القاسم القشيري، والشيخ شهاب الدين السهروردي، والشيخ أبي الحسن الشاذلي، وغيرهم من منابع الأسرار ومطالع الأنوار. وكان حامل رأيه من ماله من المناقب، وناصر مذهبه دون المذاهب، الإمام المحقق الحبر البارع ذو البرهان القاطع، والعلم الواسع، البحر الطامي، القاضي أبو بكر الباقلاني. وهو الذي رجح غير واحد من العلماء، أنه هو الذي كان على رأس المائة الرابعة لاحتياج الناس في قمع المبتدعين إلى علم أصول الدين.
قالوا: وكان على رأس " المائة الأولى " من الذين أشار صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث: " إن الله يحدث على رأس كل مائة سنة لهذه الأمة، من يجدد لها أمر دينها "، عمر بن عبد العزيز، وعلى رأس " المائة الثانية " محمد بن إدريس الشافعي، وعلى رأس " المائة الثالثة " أبو الحسن الأشعري، وعلى رأس " المائة الرابعة " القاضي أبو بكر الباقلاني، وعلى رأس " المائة الخامسة " أبو حامد الغزالي. كل هؤلاء المذكورين نص عليهم الإمام الحافظ ابن عساكر وغيره من الأئمة، ونص على الأولين الإمام أحمد بن حنبل، ولم ينص على المائتين الأخريين، لأنه لم يدركها، وقد قيل أنه كان على رأس " المائة السادسة " فخر الدين الرازي، وعلى رأس " المائة السابعة " تقي الدين بن دقيق العبد. والله أعلم.
وكان الشيخ أبو الحسن المذكور شافعياً، يجلس في أيام الجمع في بدايته، في حلقة الفقيه الإمام أبي إسحاق المروزي الشافعي، في جامع المنصور.
قال الحافظ أبو نعيم: أخبرنا الأستاذ الإمام أبو منصور عبد القاهر البغدادي. وقال: سمعت عبد الله بن محمد بن طاهر الصوفي يقول: رأيت أبا الحسن الأشعري في مسجد البصرة، وقد أبهت المعتزلة في المناظرة، فقال له بعض الحاضرين: قد عرفنا تبحرك في
(2/228)

علم الأصول، وأريد أن أسألك عن مسألة في الفقه، قال: اسأل عما شئت، فقال له: ما تقول في الصلاة بغير الفاتحة: قال: حدثنا زكريا بن يحيى قال: حدثنا عبد الجبار قال حدثنا سفيان، قال: حدثني الزهري عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ".
وحدثنا زكريا قال: حدثنا بندار قال: حدثني يحيى بن سعيد بن جعفر بن ميمون قال حدثني أبو عثمان عن أبي هريرة قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أنادي بالمدينة أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب. قال: فسكت القائل، ولم يقل شيئاً.
قال الإمام الحافظ أبو القاسم ابن عساكر: وفي هذه الحكاية دلالة ظاهرة على أن أبا الحسن كان يذهب مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه قال: كذلك ذكر أبو بكر بن فورك، يعني الإمام المشهور في كتاب طبقات المتكلمين، وذكر غيره عن أئمتنا وشيوخنا الماضين.
وروى الإمام الحافظ أبو القاسم ابن عساكر المذكور، بسنده إلى الإمام الأستاذ أبي إسحاق الاسفرايني قال: كنت في جنب الشيخ أبي الحسن الباهلي كقطرة في البحر وسمعت الشيخ أبا الحسن الباهلي يقول: كنت في جنب الشيخ أبي الحسن الأشعري كقطر في البحر.
قلت: يعني بالباهلي المذكور شيخه، وشيخ الإمام ابن فورك، وتلميذ الشيخ أبي الحسن الأشعري. كما روى الحافظ أبو القاسم ابن عساكر، بسنده إلى القاضي أبي بكر الباقلاني قال: كنت أنا والأستاذ أبو إسحاق الاسفرايني، والأستاذ ابن فورك معاً في درس الشيخ أبي الحسن الباهلي، تلميذ الشيخ أبي الحسن الأشعري، قال: وكان من شدة اشتغاله بالله تعالى مثل واله أو مجنون، وكان يدرس لنا في كل جمعة مرة واحده، وكان منا في حجاب، يرخي الستر بيننا وبينه كي لا نراه. انتهى. قلت: وإنما لم أترجم لهذا السب المذكور يعني أبا الحسن الباهلي لأني لم أقف على تاريخ موته.
وفيه مثل ما ذكر عنه في تدريسه في الجمعة مرة، سمعت من بعض أهل الخير والصلاح أنه كان يقيم في جبل " عدن " رجل مشتغل بالله تعالى، وله معرفة بالغة في النحو وكان ينزل إلى عدن يوماً في الجمعة، يشتغل الناس عليه في النحو.
والمشتغلون بالله والعلم على ثلاثة أقسام: منهم من لا يشتغل بالخلق بالكلية، لا بعلم ولا بعمل. ومنهم من يشتغل بالعلم وبالعمل معاً دائماً. ومنهم من يشتغل بهما أو بأحدهما في نادر من الأوقات كهذين السيدين المذكورين.
(2/229)

ومن القسم الأول: الفقيه الإمام أحد الأولياء الكرام العالي المقام، صاحب الكرامات العظام، الشيني سفيان اليمني الحضرمي، ترك الإشتغال لما قيل له: إذا أردتنا فاترك القولين والوجهين.
ومن القسم الثاني: الفقيهان الإمامان الكبيران السيدان الوليان الشهيران، صاحبا المقامات العلية والكرامات الرضية، والمناقب العديدة والمحاسن الحميدة، زين الزمن وبركة اليمن: أبو الذبيح إسماعيل بن محمد الحضرمي، وأبو العباس أحمد بن موسى المعروف بابن عجيل. رضي الله عنهما.
رجعنا إلى ما كنا نحن بصدده، قال إمام المحدثين عمدة المسندين الحافظ الكبير السيد الشهير، قدوة الأئمة أكابر أبو القاسم ابن عساكر رحمه الله فكفى أبا الحسن فضلاً أن يشهد بفضله مثل هؤلاء الأئمة، وحسبه فخراً أن يثني عليه الأماثل من علماء الأمة، ولا يضر قدح من قدح فيه لقصور الفهم وعناءة الهمة، ولم يبرهن على ما يدعيه في حقه، إلا بنفس الدعوى ومجرد التهمة.
وقاد الإمام الحافظ الحبر المحقق الماهر، والبحر الخضم الطامي الزاخر، المشتمل على نفيس الدرر وعوالي الجواهر، الجامع بين المعقول والمنقول، والفروع والأصول. الصافي من سائر البدع، النقي أحمد بن الحسين، المكنى بأبي بكر البيهقي في أثناء رسالته: " الحسناء البالغة المرضية في مكاتبة العميد واستعطافه لنصرة الأشعرية ". ثم إنه أعز الله تعالى نصره صرف كلمته العالية إلى نصرة دين الله تعالى، وقمع أعداء الله عز وجل، بعدما تقرر للكافة حسن اعتقاده بتقرير خطباء أهل مملكته، على لعن من استوجب اللعن من أهل البدع ببدعته. فألقوا في سمعه ما فيه مساءة أهل السنة والجماعة كافة، ومصيبتهم عامة، من الحنفية والمالكية والشافعية، الذين لا يذهبون في التعطيل مذهب المعتزلة، ولا يسلكون في التشبيه طرق المجسمة من مشارق الأرض ومغاربها، ليتسلوه بالأسوة معهم في هذه المسماة، بما يسوءهم من اللعن والقمع في هذه الدولة المنصورة، يثبتها الله تعالى إن شاء، ونحن نرجوا عثوره عن قريب، على ما قصدوا وقوعه على ما أرادوا، ليستدرك بتوفيق الله عز وجل ما يدر منه فيما ألقي إليه، ويأمر بعزل من زور عليه، وقيح صورة الأئمة بين يدين، وكأنه خفي عليه أدام الله تعالى عزه حال شيخنا أبي الحسن الأشعري رحمه الله تعالى ورضوانه وما يرجع إليه من شرف الأصل وكبر المحل في العلم والفضل، وكثرة الأصحاب من الحنفية والمالكية والشافعية الذين رغبوا في علم الأصول، وأحبوا معرفة أوائل العقول. وفضائل الشيخ أبي الحسن الأشعري ومناقبه أكثر من أن يمكن حصرها في هذه الرسالة، لما في الإطالة من خشية الملالة.
(2/230)

قلت: فهذا ما اقتصرت على ذكره من رسالته المليحة البالغة في الذب والنصرة والنصيحة، وكذلك الرسالة الأخرى في ذلك، البالغة في البلاغة والملاحه والبيان والفصاحة، للإمام الأستاذ العارف بالله، السالك بحر العلوم، وعلم العلماء الأعلام شيخ الشيوخ، أدلاء الطريقة وجمال الشريعة والحقيقة، زين الإسلام أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، قدس الله روحه، وبل ثراه بماء الرحمة، ونور ضريحه.
ومن جملة كلامه فيها قوله: ظهر ببلد نيسابور من قضايا التقدير، في مفتتح سنة خمس وأربعين وأربعمائة من الهجرة، ما دعا أهل الدين إلى شق طراز خيرهم، وكشف قناع سرهم، بل طلب الملة الحنيفية يشكو عليلها، ويبدي عويلها، وينصب أعرابي رحمة الله عليه على من يسمع شكواها، ويصغي ملائكة السماء حين تبدت شجواها، ذلك مما أحدث من لعن إمام اللين، وسراح في اليقين، ومحي السنة وقامع البدعة، وناصر الحق وناصح الخلق، الزكي الرضي أبي الحسن الأشعري، قدس الله روحه، وسقي بماء الرحمة ضريحه، وهو الذي ذب عن الدين بأوضح حجج، وسلك في قمع المبتدعة وسائر أنواع المبتدعة أبين نهج، واستبذل وسعه في التصفح عن الحق، وأورث المسلمين بعد وفاته. كتبه الشاهدة بالصدق.
قلت: وهذا ما اقتصرت على ما ذكره أيضاً من رسالة الأستاذ المذكور في الذب عن الشيخ أبي الحسن الإمام المشكور، ونصرة مذهبه الظاهر الزاهر بالشرف والعز المنصور الذي قلت في معالي شرفه المشهور:
له منهج من نوره الكون باهج ... مضى لهدى الأشعرية مشعر
له بيض رايات العلى مع أئمة ... عزيز بحمد الله ما زال ينصر
عقيدة حق قد ذهب بجمالها ... عن السنة الغزاء، والحق يسفر
ومن كلام الأستاذ المذكور في الذب عن الإمام شيخ السنة الناصر، ما ذكر الإمام الحافظ أبو القاسم ابن عساكر قال: دفع إلي عبد الواحد بن عبد الأحد بن عبد الواحد بن عبد الكريم بن هوازن القشيري الصوفي النيسابوري بدمشق مكتوباً بخط جده الإمام أبي القاسم القشيري، وأنا أعرف الخط، فوجدت فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. اتفق أصحاب الحديث أن أبا الحسن علي بن إسماعيل الأشعري كان إماماً من أئمة أصحاب الحديث، مذهبه ومذهب أصحاب الحديث، تكلم في أصول الديانات وعلى طريقة أهل السنة، ورد على المخالفين من أهل الزيغ والبدعة، وكان على المعتزلة والروافض والمبتدعين من أهل القبلة والخارجين عن الملة سيفاً مسلولاً، ومن طعن فيه أو قدح فيه أو لعنه أو سبه، فقد
(2/231)

بسط لسان السوء في جميع أهل السنة، بذلنا خطوطنا طائعين بذلك في هذا الكتاب، من ذي القعدة سنة ست وثلاثين وأربعمائة.
والأمر على هذه الجملة المذكورة في هذا الذكر كتبه عبد الكريم بن هوازن القشيري، وفيه: خط أبي عبد الله الخبازي المقرىء. كذلك يعرفه محمد بن علي الخبازي، وهذا خطه، وبخط الإمام أبي محمد الجويني. الأمر على هذه الجملة المذكورة فيه، وكتبه عبد الله بن يوسف وبخط أبي الفتح الشاشي، الأمر على الجملة التي ذكرت، وكتبه بضرب محمد بن الشاشي.
قلت: وذكر جماعة من الأئمة، قريباً من عشرين، منهم أبو الفتح الهروي، وأبو عثمان الصابوني، والشريف البكري، ومنهم: الشيخ أبو إسحاق الشيرازي. وهذا لفظه فيما نقله الإمام الحافظ ابن عساكر، الجواب: وبالله التوفيق، إن الأشعرية هم أعيان أهل السنة، وأنصار الشريعة، انتصبوا للرد على المبتدعة من القدرية والرافضية وغيرهم، فمن طعن فيهم فقد طعن عن أهل السنة، وإذا رفع أمر من يفعل ذلك إلى الناظر في أمر المسلمين، وجب عليه تأديبه بما يرتاع به كل أحد.
وكتب إبراهيم بن علي الفيروزابادي، وكذلك الإمام قاضي القضاة الدامغاني، والإمام أبو بكر محمد بن أحمد الشاشي، وغيرهم، وقال الإمام أبو القاسم المذكور، بعد أن ذكر خطوط الجميع: هذه الخطوط على من ذلك الدرج. ونقلها غيري من الفقهاء. قلت: فهذا ما أردت الإقتصار عليه في ترجمته، وهو قليل بالنسبة إلى جلالته، وإنما أرخيت العنان في ذلك إرخاء، لكوني رأيت بعض المؤرخين قد أعرض عن التعرض لذكره، وبعضهم ذكره بأوصاف يسيرة لا تليق بقدره، معرضاً عن ذكر فضائله ومرتبته العلية، لكونه رضي الله تعالى عنه منائياً بمذهبه الجامع بين المعقول والمنقول والحشوية، الواقفين مع ظواهر المنقول. وإن كان مستحيلاً في العقول، ومجانباً لعكسه أعيني مذاهب المبتدعة القائلين بالمعقول دون المنقول متوسطاً بين الطرفين المذمومين، سالكاً للنهج الأوسط المحمود، ومنبعه في كل صدور وورود رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ومن فضله الكريم في دار النعيم جازاه.

إحدى وثلاثين وثلاث مائة
فيها قلل ناصر الدولة ابن حمدان رواتب المتقي، وأخذ صناعته، وصادر العمال، وكرهه الناس، وزوج بنته بابن المتقي على مائتي ألف دينار، وهاجت الأمراء " بواسط
(2/232)

" على سيف الدولة، فهرب، وسار آخوه ناصر الدولة إلى الموصل، فنهبت داره، وبرح خلق كثير من بغداد من تتابع الفن والخوف إلى الشام ومصر.
وفيها توفي أبو علي، حسن بن سعد بن إدريس الحافظ القرطبي، وكان فقيهاً صالحاً.
وفيها توفي الشيخ العارف محمد بن إسماعيل الفرغاني الصوفي، وكان من العابدين، وله نزهة حسنة، ومعه مفتاح منقوش، يصلي ويضعه بين يديه، كأنه تاجر، وليس له بيت، بل ينطرح في المسجد، ويطوي أياماً.
وفيها توفي الشيخ الجليل أبو محمود، عبد الله بن محمد بن منازل النيسابوري المجرد على الصدق والتحقيق. صحب حمدون القصار، وحدث بالمسند الصحيح أحمد بن سلمة النيسابوري، وكان له كلام رفيع في الإخلاص والمعرفة.
وفيها توفي الشيخ الكبير أبو الحسن، علي بن محمد بن سهل الدينوري. كان صاحب أحوال ومواعظ، ومن كلامه: من أيقن أنه لغيره، فماله أن يبخل بنفسه.
وفيها توفي الحافظ أبو عبيد الله بن محمد بن مخلد العطار الدوري، له تصانيف.

اثنتين وثلاثين وثلاث مائة
فيها كاتب المتقي بني حمدان، ليحكم توزون " بالمثناة من فوق وبين الواوين زاي " على بغداد. فقدم الحسين بن سعيد بن حمدان في جيش كثيف، فخرج المتقي والهاً ووزيره وساروا إلى " تكريت " ظنا أن سيف الدولة يراقب قدوم سيف الدولة على المتقي. وأشار بأن يصعد إلى الموصل. فتألم المتقي وقال: ما على هذا عاهدتموني. فتقلل أصحابه، وبقي في طائفة، وجاء توزون فاستعد للحرب ببغداد، فجمع ناصر الدولة جيشاً من الأعراب والأكراد، وسار إلى تكريت، ثم وقع القتال أياماً، فانهزم الخليفة والحمدانية إلى الموصل، ثم عملوا مصافاً أخرى، فانهزم سيف الدولة، فتبعه توزون، فانهزم بنو حمدان والمتقي إلى نصيبين، واستولى توزون على الموصل، وأخذ من أهلها مائة ألف دينار مصادرة، فراسل الخليفة توزون في الصلح وإعتذر بأنه ما خرج من بغداد إلا لما قيل
(2/233)

أنك اتفقت، أنت والبريدي علي، والان قد آثرت رضاي، فصالح ابني حمدان، وأنا أرجع إلى داري. فأجاب إلى الصلح، ولم يحج الركب لموت القرمطي الطاغية أبي طاهر " بهجر " من جدري أهلكه، وأراح الله تعالى منه العباد والبلاد. وقام بعده أبو القاسم القرمطي.
وفيها توفي الحافظ أبو العباس، أحمد بن محمد الكوفي الشيعي، أحد أركان الحديث. وكان آية من آيات الله تعالى في الحفظ، حتى قال الدارقطني: أجمع أهل بغداد أنه لم يرد بالكوفة من زمن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه إلى زمن ابن عقدة أحفظ منه. قال: وقد سمعته يقول: أنا أجيب في ثلاثمائة ألف حديث من حديث أهل البيت وبني هاشم.
وروي عن ابن عقدة أنه قال: أحفظ مائة ألف حديث بأسنادها، وأذاكر بثلاثمائة ألف حديث. وقال أبو سعيد الماليني: تحول ابن عقدة مرة، وكانت كتبه ستمائة جمل، وقال بعض المحدثين: قد ضعفوه واتهمه بعضهم بالكذب، وقال بعضهم: كان يملي علي مثالب أصحابه فتركته.
وفيها توفي الإمام أبو العباس، أحمد بن محمد بن الوليد التيمي المصري، صنف " كتاب الانتصار " لسيبويه على المبرد. وكان شيخ الديار المصرية في العربية، مع أبي جعفر النحاس.

ثلاث وثلاثين وثلاث مائة
فيها حلف توزون أيماناً صعبة للمتقي، فسار من " الرقة " واثقاً بأيمانه، فلما قرب من الأنبار جاء توزون، وتلقاه، وقبل الأرض، وأنزله في مخيم ضرب له. ثم قبض على الوزير أبي الحسن بن علي بن مقلة، وكحل المتقي، فصاح المسلمون، فصرخ النساء، فأمر توزون بضرب الرباب حول المخيم، وأدخل بغداد مسمولاً مخلوعاً، وبويع عبد الله بن المكتفي، ولقب بالمستكفي بالله، فلم يحل الحول على توزون.
وفيها تملك سيف الدولة بن حمدان " حلب " وأعمالها، وهرب متوليها إلى مصر، فجهز الإخشيذ " بكسر الهمزة وبالخاء والشين والذال المعجمات والياء المثناة من
(2/234)

تحت بعد الشين " ومعناه في لسان الترك ملك الملوك جيشاً، فالتقاهم سيف الدولة فهزمهم وأسر منهم ألف نفس، ثم سار إلى دمشق فملكها، وسار الإخشيذ ونزل على " طبرية " فخامر خلق من عسكر سيف الدولة إلى الإخشيذ، فانكسر سيف الدولة وجمعه فقصده الإخشيذ، فالتقاه، فانهزم سيف الدولة، ودخل الاخشيذ حلب. وأصاب بغداد قحط لم ير مثله، وهرب الخلق، وكان النساء يخرجن عشرين عشرين، وعشرة عشرة، تمسك بعضهم ببعض، بصحن الجوع الجوع، ثم تسقط الواحدة بعد الواحدة ميته.
وفيها توفي أبو علي اللؤلؤي، محمد بن أحمد البصري، راوي السنن عن أبي داود

أربع وثلاثين وثلاث مائة
فيها دثرت بغداد، وتداعت إلى الحراب من شدة القحط والفتن والجور.
وفيها اصطلح سيف الدولة والإخشيذ، وصاهره، وتقرر لسيف الدولة حلب وحمص وأنطاكية، وقصد معز الدولة بغداد، فاختفى الخليفة، وتسللت الأتراك إلى الموصل، وأقامت الديلم ببغداد، ونزل معز الدولة بباب الشماسية، وقدم له الخليفة التقاديم والتحف، ثم دخل إلى خدمة الخليفة وبايعه، فلقبه يومئذ معز الدولة، ولقب أخويه: علياً: عماد الدولة، والحسن: ركن الدولة، وضربت لهم السكة، واستوثقت المملكة لمعز الدولة، فلما تمكن كحل المستكفي بالله، وخلعه من الخلافة، لكون " علم القهرمانة " كانت تأمر وتنهي، فعملت دعوه عظيمة، حضرها خرشيد مقدم الديلم وعدة أمراء، فخاف معز الدولة من غائلتها، ولأن بعض الشيعة كان يثير الفتن، فآذاه الخليفة وكان معز الدولة متشيعاً فلما كان في جمادى الآخرة، ودخل الأمراء إلى الخليفة، ودخل معز الدولة فتقدم اثنان وطلبا من المستكفي رزقهما، فمد لهما يده ليقبلاها، فجذباه إلى الأرض وسحباه، فوقعت الصيحة، فنهبت دور الخلافة، وقبضوا على " علم " وخواص الخليفة وساقوا الخليفة ماشياً. وكانت خلافته سنة وأربعة أشهر، وصار ثلاثة خلفاء مكحولين: هو والذي قبله، والقاهر. ثم أحضر معز الدولة أبا القاسم الفضل بن المقتدر، فبايعه، ولقبه المطيع لله، وقرر له معز الدولة كل يوم مائة دينار للنفقة، وانحطت رتبة الخلافة إلى هذه المنزلة.
قلت: ما صار للخليفة من الخزائن، وما يدخل من جميع الدنيا؟ إجراء هذه القدر للنفقه، مع شدة الغلاء. فإنهم في هذه السنة في شعبان منها، كانوا ببغداد يأكلون الميتات والآدميين، ومات الناس على الطرق، وبيع العقار بالرغيفين
(2/235)

واشتروا للمطيع كر دقيق بعشرة آلاف درهم.
قلت: والكر على ما قيل ستة وآلاف رطل بغدادي، فعلى هذا يكون قيمة كل رطل درهمين إلا ثلث درهم وهذا الغلاء وإن كان شديداً فقد وقع بمكة ما هو أشد منه، بلغ من الرطل الدقيق نحو درهمين في سنة ست وسبعمائة. بلغ في الزمن القديم على ما أخبرني من أثق به من شيوخ المجاورين فوق أربعة دراهم، وقع ذلك في زمانه. وبلغ في تهامة اليمن نحو هذا المبلغ، قبيل التاريخ المذكور، وقبل التاريخ المذكور، إنشاء تاريخي هذا بسنة.
وفيها توفي الإخشيذ محمد بن طفج، ملك مصر والشام ودمشق والحجاز وغيرها، التركي الفرغانجي، صاحب سرير الذهب، وأصله من أولاد ملوك فرغانة، ولاه المقتدر دمشق، فسار إليها،. ولم يزل بها إلى أن ولاه القاهر بالله مصر في شهر رمضان سنة إحدى وثلاثمائة، ثم ضم إليه الراضي بالله الجزيرة والحرمين وغير ذلك من البلاد المذكورة، ثم ضم إليه المتقي لله والحجاز وغير ذلك، مع ما تقدم. والإخشيذ لقب لقبه به الراضي، وهو لقب ملوك فرغانة، وتفسيره " ملك الملوك " كما تقدم. وكل من ملك ملك للناحية لقبوه بهذا اللقب، كما لقبوا كل من ملك بلاد فارس " كسرى "، وملك الترك " خاقان "، وملك الروم " هرقل "، وملك الشام " قيصر "، وملك اليمن " تبع "، وملك مصر " فرعون "، وملك الحبشة " النجاشي " وغير ذلك.
وقيصر: كلمة فرنجية تفسيرها بالعربية: شق عنه. وسببه أن أمه ماتت عنه من المخاض، وشق بطنها، وأخرج، فسمي قيصر.
وكان يفتخر على غيره من الملوك بذلك، ودعي لإخشيذ على المنابر بهذا اللقب، واشتهر به، وصار كالعلم عليه. وكان. ملكاً حازماً كثير التيقظ في حروبه، ومصالح دولته، وحسن التدبير، مكراراً للجند، شديد القوى.
وذكر بعضهم أن جيشه كان يحتوي على أربعمائة ألف رجل، وله ثمانية آلاف مملوك، ويحرسه في كل ليلة ألفان منهم،، ويوكل بجانب خيمته الخدم إذا سافر، ثم لم يثق ذلك حتى يمضي إلى خيم الفراشين ينام فيها، ولم يزل على مملكته إلى أن توفي في الساعة الرابعة من يوم الجمعة، لثمان بقين من ذي الحجة في السنة المذكورة بدمشق. وحمل تابوته إلى بيت المقدس ودفن فيه. وكانت ولادته يوم الاثنين منتصف رجب من سنة ثمان وستين ومائتين ببغداد، وهو أستاذ كافور الأخشيذي المشهور، فاتك المجنون، ثم قام كافور المذكور بتربية ابني مخدومه أحسن قيام، وهما: أبو القاسم وأبو الحسن. وستأتي ولاية
(2/236)

كافور، وما يتعلق به. وأقام الجند بعد كافور أبا الفوارس أحمد بن علي بن الإخشيذي، وجعل خليفته في تدبير أموره الحسن بن عبد الله، وهو ابن عم أبيه وفيه يقول المتنبي:
إذا صلت لم أترك مصالاً لفاتك ... وإن قلت لم أترك مقالاً لعالم
وإلا فخانتني القوافي عافني ... عن ابن عبيد الله ضعف العزائم
وفي قصيدة طويلة يقول فيها:
أرى دون ما بين الفرات وبرقة ... سراباً لمشي الخيل فوق الجماجم
وطعن عصاريف كأن أكفهم ... عرفن الردينيات قبل العواصم
وهم يحسنون الكر في حومة الوغى ... وأحسن منه كرهم في المكارم
وهم يحسنون العفو عن كل مذنب ... ويحتملون الغرم عن كل غارم
حبيسون إلا أنهم في نزالهم ... أقل حياء من شفاء الصوارم
ولولا احتقار الأشد شبهتها بهم ... ولكنهم معدودة في البهائم
وكان امتداده له في ولايته الرملة، وانقراض دولة الإخشيذ في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة. ودخل إلى مصر رايات المغاربة الواصلين صحبة القائد جوهر وسيأتي ذكره.
وفيها توفي قاضي القضاة أبو الحسن أحمد بن عبد الله الخرقي.
وفيها توفي الوزير العدل علي بن عيسى بن داود بن الجراح البغدادي الكاتب، وزر مرات للمقتدر، ثم للقاهر. وكان محدثاً عالماً ديناً خيراً، عالي الأسناد، روى عن أحمد بن بديل، والحسن الزعفراني وطائفة، قيل: وكان في الوزراء كعمر بن عبد العزيز في الخلفاء.
قال القاضي أحمد بن كامل: سمعت الوزير علي بن عيسى يقول: كسبت سبعمائة ألف دينار، أخرجت منها في وجوه البر ستمائة ألف دينار وثمانين ألف دينار. وآخر من روى عنه ابنه عيسى في أماليه.
قلت: ومما يدل على فضله وما خصته به العناية قضيتان ذكرتهما في كتابي روض الرياحين: إحداهما: أن بعض المضطرين من أهل الخير المشغولين، رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في النوم في وقت ضرورة وهو يقول له: إذا أصبحت اذهب إلى الوزير علي بن عيسى، وقل له: بإمارة ما صلى علي عند قبري كذا وكذا من مرة يدفع إليك كذا وكذا. وعين شيئاً كثيراً من الصلاة عليه ومن المال. فلما أصبح ذهب إلى الوزير المذكور ومعه المقرىء بن مجاهد المشهور فقال الوزير لابن مجاهد: ما حاجتك يا أبا بكر؟ فقال: يدني
(2/237)

الوزير هذا الشيخ ويسمع كلامه، فسأل ذلك الشيخ عن قصته، فأعلمه بضرورته، وما قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد رفعت عينا علي بن عيسى، وقال: صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وصدقت أيها الشيخ، هذا شيء لم يكن أطلع عليه إلا الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم. ثم استدعى بالكيس، فعدله ألفاً، ثم عدد ألفاً آخر وقال: هذا شكر ما ذكرت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأشك في ألف ثالث دفعه إليه بشارة.
وأما القضية الثانية: فما ذكروا أنه ركب علي بن عيسى الوزير يوماً في موكبه، فصار الغرباء يقولون: من هذا؟ من هذا؟. فقالت امرأة: إلى كم تقولون من هذا، من هذا؟ هذا عبد سقط من عين الله، فابتلاه بما ترون. فسمعها علي بن عيسى، فرجع إلى منزله، واستعفى من الوزارة، وذهب إلى مكة فجاور بها.
وفي السنة المذكورة توفي الإخشيذ التركي الفرغاني ملك مصر والشام ودمشق وغيرها.
وفيها توفي القائم بأمر الله، أبو القاسم نذار بن المهدي عبيد الله الداعي الباطني. صاحب المغرب، وقد سار مرتين إلى مصر ليملكها، فما قدر له دخول الإسكندرية في المرتين معاً وتملكها.
وفي الثانية: جاء بعسكر عظيم، وبلغ " الجيزة " فوردت الأخبار بذلك إلى بغداد، فجهز المقتدر مؤنساً الخادم إلى محاربته بالرجال والأموال، فجد في السير، فلما وصل إلى مصر التقيا، وجرت بين العسكرين حروب لا توصف، ووقع في عسكر القائم الوباء والغلاء والأهوال، فمات الناس والخيل، فرجع إلى إفريقية ومعه عسكر مصر. وكان وصوله إلى " المهدية " في رجب سنة سبع وثلاثمائة، وفي أيامه خرج أبو يزيد مخلد بن كندار الخارجي، وجرت له أمور يطول شرحها ومات في المهدية.
وفيها توفي الشيخ الكبير العارف بالله الشهير صاحب المعارف السنية والأحوال القوية: أبو بكر الشبلي دلف بن جحدر، اشتغل في أول أمره بالفقه، وبرع في مذهب مالك، ثم سلك وصحب الجنيد وغيره من مشايخ عصره، وكان نسيج وحده حالاً وطرفاً وعلماً، وقيل: تاب في ابتداء أمره في مجلس خير النساح. ومجاهداته في أول أمره فوق الحد،
(2/238)

ويقال أنه اكتحل بكذا وكذا من الملح لعتاد السهر، وكان يبالغ في تعليم الشرع، وإذا دخل رمضان جد في الطاعات ويقول: هذا شهر عظمه ربي عز وجل، فأنا أولى بتعظيمه.
ودخل يوماً على شيخه الجنيد، فوقف بين يديه، وصفق بيديه وأنشد:
عودوني الوصال والوصل عذب ... ورموني بالضد والضد أصعب
زعموا حين عاتبوا أن ذنبي ... قر طبعي لهم وما ذاك أذنب
ألا وحق الخضوع عند التلاقي ... ما جزاء من يحب إلا يجب
فقال الجنيد: نعم يا أبا بكر. وكانت امرأة الجنيد عنده حاضرة، فأرادت أن تشتري منه، فقال لها الجنيد: لا عليك، وهو غائب لا يراك. ثم بكى بعد إنشاده فقال الجنيد: اشتري منه الآن فقد حضر.
وقال بعضهم: دخلت على الشبلي يوماً في داره، وهو يصيح ويقول: على بعدك لا يصبر من عادته القرب، ولا يقوى على هجرك من يتمه الحب، فإن لم ترك العين فقد أبصرك القلب.
وقال الشبلي: رأيت معتوهاً عند جامع الرصافة يقول: أنا مجنون، أنا مجنون، فقلت له: لم لا تصلي. فأنشأ يقول:
يقولون زرنا واقض واجب حقنا ... وقد أسقطت حالي حقوقهم عني
إذا هم رأوا حالي فلم يأنفوا لها ... ولم يأنفوا منها أنفت لهم مني
وقال بعضهم: دخلت على الشبلي، فرأيته ينتف شعر حاجبه بالملقاط، فقلت له: سيدي، إنك تفعل هذا، وألمه يعود إلي، فقال: ظهرت لي الحقيقة فلم أستطع حملها، فإذا دخل على نفسي الألم لكي يستتر عني، فلا وجدت الألم، ولا هي استترت عني، ولا أنا أطيق حملها. وكان أبوه من حجاب الدولة، وله مقالات وحكايات وعجيبات، ذكرت شيئاً منها في غير هذا الكتاب.
وقد سأله بعض الفقهاء عن مسألة في الحيض امتحاناً فأجابه، وذكر فيها ثمانية عشر قولاً للعلماء، وكان قد أراد تخجيله وإظهار جهله في مجلسه بين الخلق، لكون خلقتهم بطلت باجتماع الناس على الشبلي، ولم يكن عند ذلك الفقيه من الأقوال المذكورة سوى ثلاثة.

خمس وثلاثين وثلاث مائة
فيها تملك سيف الدولة دمشق بعد موت الإخشيذ، فحاربه به جيوش مصر، فدفعته
(2/239)

إلى " الرقة " بعد حروب وأمور واصطلح معز الدولة بن بويه، وناصر الدولة بن حمدان.
وفيها توفي الفقيه الإمام أبو العباس ابن القاص الطبري الشافعي، وله مصنفات مشهورة، تفقه على الإمام أبي العباس بن سريج.
وفيها توفي العلامة الأخباري الأديب، صاحب التصانيف محمد بن يحيى البغدادي الصولي الشطرنجي، قال ابن خلكان: كان أحد الأدباء الفضلاء المشاهير، روى عن أبي داود السجستاني، وأبي العباس ثعلب والمبرد وغيرهم.
وروى عنه الإمام الحافظ أبو الحسن الدارقطني، والإمام أبو عبد الله المرزباني وغيرهما ونادم المكتفي ثم المقتدر ثم الراضي، وكان أغلب فنونه أخبار الناس، وله رواية واسعة ومحفوظات كثيرة، وكان حسن الإعتقاد، جميل الطريقة، مقبول القول، وكان أوحد وقته في لعب الشطرنج، لم يكن في عصره مثله في معرفته، والناس الأن يضربون به المثل، فيقولون لمن يبالغون في حسن لعبه: فلان يلعب الشطرنج مثل الصولي.
قال ابن خلكان: ورأيت خلقاً كثيراً يعتقدون أن الصولي هو الذي وضع الشطرنج وهو غلط، فإن الذي وضعه " صصه " بالصاد المهملة المكررة بكسر الأولى منها وفتح الثانية وتشديدها وسكون الهاء في آخره ابن داهر الهندي، وضعه للملك " شيرام " بكسر الشين المعجمة وسكون الياء المثناة من تحتها والراء المكررة بعد الياء والميم، وكان " أزدشير " يفتح الهمزة والدال وسكون الراء بينهما وكسر الشين المعجمة وسكون المثناة من تحت وفي آخره راء، ابن بابك أول ملوك الفرس الأخيرة، قد وضع " النرد "، ولذلك قيل له " النردير " نسبة إلى واضعه المذكور، وجعله مثلا للدنيا وأهلها، فرتب الرقعة اثني عشر بعدد شهور السنة، وجعل القطع ثلاثين قطعة بعدد أيام كل شهر، وجعل الفصوص مثل القدر، ويقبله أهل الدنيا فالكلام في هذا يطول ويخرج عما نحن بصدده، فافتخرت الفرس بوضع النرد على ملك الهند، وكان ملك الهند يومئذ بلهيت " بفتح الموحدة وسكون اللام وفتح الهاء وسكون المثناة من تحت وبعدها مثناة من فوق على ما ضبطه بعض الناسخين " والله أعلم بصحة ذلك.
قلت: واسم الملك المذكور مخالف لما تقدم، من أن اسم الملك الذي وضع له شيرام، ويحتمل أن يكون أحد اللفظين إسماً له، والآخر لقباً. فلما وضع الشطرنج المذكور
(2/240)

قضت حكماء ذلك العصر بترجيحه على النرد، ويقال أن " صصه " لما وضعه وعرضه على الملك المذكور أعجبه، وفرح به كثيراً، وأمر أن يكون في بيت الديانات، ورآها أفضل ما عمل، لأنها آلة الحرب، وعز الدين والدنيا، وأساس لكل عدل، وأظهر الشكر والسرور على ما أنعم عليه في ملكه بها. وقال لصصه: اقترح علي ما تشتهي، فقال: اقترحت أن تضع حبة بر في البيت الأول، ولا تزال تضعفها في كل بيت حتى تنتهي إلى آخرها، فمهما بلغ تعطيني. فاستصغر الملك ذلك، وأنكر عليه كونه قابله بالبر واليسير التافه الحقير، وكان قد أضمر له شيئاً كثيراً فقال: ما أريد إلآ هذا، وأصر على ذلك، فأجابه إلى مطلوبه، وتقدم له به، فلما قيل لأرباب الديوان أحسبوه قالوا: ما عندنا حب يفي بهذا، ولا بما يقاربه. فلما قيل للملك ذلك استنكر هذه المقالة، وأحضر أرباب الديوان، وسألهم فقالوا: لو جمع كل حب من البر في الدنيا، ما بلغ هذا القدر، فتعجب من مقالهم، وطالبهم بإقامة البرهان على ذلك، فقعدوا وحسبوه، وظهر لي صدق قولهم، فقال الملك: لصصه: أنت في اقتراحك ما اقترحت أعجب حالاً من وضعك الشطرنج.
قال ابن خلكان: وطريق هذا التضعيف أن يضع الحاسب في البيت الأول حبة، وفي الثاني حبتين، وفي الثالث أربع حبات، وفي الرابع ثماني حبات، وهكذا إلى آخره، فكلما انتقل إلى بيت أضعف ما قبله، وأثبته فيه. قال: ولقد كان في نفسي شيء من هذه المبالغه حتى اجتمع لي بعض حساب الإسكندرية، وذكر لي طريقاً يتبين صحة ما ذكروه، وأحضر لي ورقة بصورة ذلك، وهو أنه ضاعف الأعداد إلى البيت السادس عشر، وأثبت فيه وثلاثين ألفاً وسبع مائة وثماني وستين حبة، وقال: يجعل هذه الجملة مقدار قدح، قال: فغيرناها، فكانت كذلك، والعهدة عليه في هذا النقل، ثم ضاعف القدح في أبي السابع عشر، وهكذا حتى بلغ بيته في البيت العشرين، ثم انتقل إلى الوبيات ومنها إلى الأرادب، ولم يزل يضاعفها حتى انتهت في الأربعين إلى مائة ألف أردب، وأربعة وسبعين ألف أردب وسبع مائة واثنتين وستين أردباً وثلاثين أردباً. وقال: يجعل هذه الجملة في شونة، فقال: يجعل هذه مدينة، فإن المدينة لا يكون فيها أكثر من هذه الشون، وأي مدينة يكون فيها هذه الجملة من الشون؟. ثم ضاعف المدن حتى انتهت إلى بيت الرابع والستين، وهو آخر أبياته، دفعه الشطرنج إلى ستة عشر ألف مدينة وثلاثمائة وأربع وثمانين مدينة، وقال: نعلم أن ليس في الدنيا مدن أكثر من هذا العدد، فإن دور كرة الأرض معلوم بطريق الهندسة، وهو ثمانية آلاف فرسخ، بحيث لو وضعنا طرف حبل على أي موضع كان من الأرض وأدرنا الحبل على كرة الأرض، حتى، انتهينا بطرف الآخبر إلى ذلك الموضع
(2/241)

الأرض، والتقى طرف الحبل، فإذا مسحنا ذلك الحبل كان طوله أربعة وعشرين ألف ميل، وهي ثمانية آلاف. قال: وذلك قطعي لا شك فيه.
وقد أراد المأمون أن يقف على حقيقة ذلك، وكان معروفاً بعلوم الأوائل وتحقيقها
ورأى فيها أن دور كرة الأرض عشرون ألف ميل. فسأل بني موسى بن شاكر - وكانوا قد اجتهدوا في معرفة علم الهندسة وغيرها من علم الأوائل - فقالوا: نعم، هذا قطعي، فقال: أريد منكم أن تعلموا الطريق الذي ذكره المتقدمون، حتى يبصر هل ينجز ذلك أم لا. فسألوا عن الأراضي المتساوي البلاد فقيل لهم: صحراء سنجار في غاية الاستواء، وكذلك وطأة الكوفة، فأخذوا معهم جماعة ممن يثق المأمون إلى أقوالهم، ويركن إلى معرفتهم بهذه الصناعة، وخرجوا إلى صحراء سنجار، فوقفوا في موضع منها، وأخذوا ارتفاع القطب الشمالي ببعض الآلات، وضربوا في ذلك الموضع وتداً، وربطوا فيه حبلاً طويلاً، ثم مشوا إلى الجهة الشمالية على الاستواء من غير انحراف. إلى يمين أو شمال، بحسب الإمكان، فلما فرغ الحبل نصبوا في الأرض وتداً آخر، وربطوا فيه حبلاً آخر، ومشوا إلى جهة الشمال أيضاً كفعلهم الأول، ولم يزل دأبهم ذلك، كلما فرغ الحبل ضربوا وتداً، وربطوا فيه طرف ذلك الحبل الذي فرغ، وطرف حبل آخر، ومشوا إلى جهة الشمال حتى انتهوا إلى موضع، أخذوا فيه ارتفاع القطب المذكور، فوجدوا قد زاد عن الارتفاع الأول درجة. فمسحوا ذلك القدر الذي قدروه من الأرض بالحبال، فبلغ ستة وستين ميلاً وثلثي ميل.
ومن المعلوم أن عدد درج الفلك ثلاثمائة وستون درجة، لأن الفلك مقسوم باثني عشر برجاً، كل برج ثلاثون درجة، فضربوا عدد درج الفلك الثلاث مائة والستين، في ستة وستين ميلاً وثلثين التي هي حصة كل درجة، فكانت الجملة أربعة وعشرين ألف ميل، وهي ثمانية آلاف فرسخ، وهذا محقق لا شك فيه، فلما عاد بنو موسى إلى المأمون، وأخبروه بما صنعوا وكان موافقاً لما رآه في الكتب القديمة من استخراج الأوائل طلب تحقيق ذلك في موضع آخر أيضاً، فصيرهم إلى أرض الكوفة، ففعلوا فيها كما فعلوا في سنجار، فتوافق الحسابان، فعلم المأمون صحة ما حرره القدماء في ذلك. انتهى كلام ابن خلكان في ذكر مساحة دور كرة الأرض.
قلت: فعلى هذا يكون دور كرة الأرض مسيرة ألف مرحلة، وذلك مسيرة ثلاث سنين إلا ثمانين يوماً في مسير النهار دون الليل، أو الليل دون النهار، لأن المرحلة ثماني فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، كما هو معلوم في حساب مسافة القصر الشرعية. ولكن هذا ينافي ما قد اشتهر أن الأرض مسيرة خمسمائة سنة، مع أن طول الشيء أقل من دوره، وتعلم من
(2/242)

ذلك أيضاً أن في كل ثلاث مراحل إلا خمسة أميال وثلث في السير إلى جهة الشمال يرتفع القطب درجة، ويكون عرض البلد الذي انتهى إليها زائداً بدرجة على عرض التي ابتدأ بالسير منها، بالثلاث المراحل المذكورة، إذ كانت المرحلة أربعاً وعشرين ميلاً، كما قدروها في مسافة القصر.
ومما يدلك على صحة هذا، أن عرض " المدينة المشرفة " تزيد على عرض مكة المعظمة بثلاث درج، والله أعلم. وهذا لعمري يخالف ما قيل في أثر، وورد في الخبر أن الأرض مسيرة خمسمائة عام، والله سبحانه العلام.
رجعنا إلى كلام ابن خلكان وقال: يعلم ما في الأرض من المعمور، وهو قدر ربع الكرة بطريق التقريب، وقد انتشر الكلام، وخرجنا عن المقصود، ولكنه ما خلا عن فائدة أحببت إثباتها، ليقف عليها من يستنكر ما قالوه في تضعيف الخبر المذكور في رقعة الشطرنج، يعني أنه يبلغ قدره إلى ما ذكر، وإن كان ذلك مما يستنكر.
ثم قال: ولنرجع إلى حديث الصولي: حكى المسعودي في كتاب مروج الذهب قال: وقد ذكر أن الصولي في بدء دخوله على الإمام المكتفي لعب مع الماوردي بالشطرنج، وكان الماوردي متقدماً عند المكتفي، متمكناً من قبل، معجباً به للعب، فلما لعبا جميعاً بحضرة المكتفي حمد المكتفي حسن رأيه في الماوردي، وتقدم الحرمة والألفة على نصرته وتشجيعه وتنبيهه، حتى أدهش ذلك الصولي في أول وهلة، فلما اتصل اللعب بينهما، وجمع له الصولي هذه وقصده بكليته، غلبه غلبة لا يكاد يرد عليه شيئاً، وتبين حسن لعب الصولي للمكتفي، فعدل عن هواه ونصرته للماوردي، وقال له عاد ماء وردك بولاً.
قال ابن خلكان: وأخبار الصولي، وما جرى له أكثر من أن تحصى، ومع فضائله والاتفاق على تفننه في العلوم، وخلاعته وظرافته، ما خلا من منتقص هجاه هجواً لطيفاً، وهو أبو سعيد العقيلي بضم العين المهملة وفتح القات فإنه رأي له بيتاً مملوءاً كتباً، قد صنفها، وجلودها مختلفة الألوان، وكان يقول: هذه كلها سماعي وإذا احتاج إلى معاودة شيء منها قال: يا غلام هات الكتاب الفلاني، فقال أبو سعيد المذكور هذه الأبيات:
إنما الصولي شيخ ... أعلم الناس خزانة
إن سألناه بعلم ... طلب منه إبانة
(2/243)

قال يا غلمان هاتوا ... رزمة العلم فلانة
توفي رحمه الله سنة خمس، وقيل سنة ست وثلاثين وثلاثمائة بالبصرة مستتراً، لأنه روى خبراً في حق علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، فطلبه الخاصة والعامة ليقتلوه، فلم يقدروا عليه. وكان قد خرج من بعد مضايقة لحقته.
وفي السنة المذكور توفي الحافظ أبو سعيد الشاشي، صاحب المسند، محدث ما وراء النهر.

ست وثلاثين وثلاث مائة
فيها توفي الحافظ أبو الحسين بن المنادي. صنف وجمع وسمع من جده وخلق كثير.
وفيها توفي أبو طاهر المحمدأبادي، ومحمد بن الحسن النيسابوري، أحد أئمة اللسان، كان إمام الأئمة. ابن خزيمة إذا شك في لغة سأله عنها.
وفيها توفي أبو العباس الأثرم محمد بن أحمد المقرىء البغدادي.

سبع وثلاثين وثلاث مائة
فيها كان الفرق ببغداد، فبلغت دجلة إحدى وعشرين ذراعاً، وهلك خلق كثير تحت الهدم. وفيها قوي معز الدولة على صاحب الموصل ابن حمدان، وقصده، فقر ابن حمدان إلى نصيبين ثم صالحه على ثمانية آلاف ألف في السنة وفيها: خرجت الروم وهرب سيف الدولة عن مرعش وملكوها. وهي بالعين والشين المعجمتين، كذا ضبطها بعضهم.
وفيها توفي الشيخ العارف بالله أبو إسحاق شيبان القرميسيني، صحب أبا عبد الله المغربي والخواص وغيرهما. ومن كلامه قوله: علم الفناء والبقاء يدور على إخلاص الوحدانية، وصحة العبودية، وما كان غير هذا فهو المغاليط والزندقة.

ثمان وثلاثين وثلاث مائة
فيها تعذر خروج ركب العراق للحج، وفيها توفي المستكفي بالله عبد الله ابن
(2/244)

المكتفي بالله علي بن المعتضد بالله، أحمد.
وفيها توفي عماد الدولة أبو الحسن علي بن بويه الديلمي بضم الموحدة وفتح الواو وسكون المثناة من تحت والهاء. كان أبوه صياداً، ليست معيشته إلا من صيد السمك وكانوا ثلاثة إخوة: عماد الدولة، وركن الدولة، ومعز الدولة، والجميع ملكوا، وكان عماد الدولة وهو أكبرهم سبب سعادتهم وانتشار صيتهم، واستولى على البلاد وملوك العراقين والأهواز وفارس، وساسوا أمور الرعية أحسن سياسة، ثم لما ملك عضد الدولة بن ركن الدولة، اتسعت مملكته، وزادت على ما كانت لأسلافه.
وذكر هارون بن العباس المأموني في تاريخه: أن عماد الدولة المذكور اتفقت له أسباب عجيبة، كانت سبباً لثبات مملكته، منها أنه اجتمع أصحابه في أول ملكه، وطالبوه بالأموال، ولم يكن معه ما يرضيهم، وأشرف على الانحلال، فاغتم لذلك. فبينا هو يفكر قد استلقى على ظهره في مجلسه، إذ رأى حية خرجت من موضع من سقف من ذلك المجلس، ودخلت في موضع آخر منه، فخاف أن يسقط عليه، فدعا الفراشين، وأمرهم بإحضار سلم وأن تخرج الحية، فلما صعدوا وبحثوا عن الحية، وجدوا ذلك السقف يفضي إلى غرفة بين سقفين، فعرفوه ذلك، فأمرهم بفتحها، ففتحت، فوجد فيها عدة صناديق من المال والصياغات، قدر خمسمائة ألف دينار، فحمل المال إلى بين يديه، فسر به فأنفقه في رجاله، وثبت أمره بعد أن كان قد أشفى على الانخرام، ثم إنه قطع ثياباً، وسأل عن خياط حاذق، فوصف له خياط كان لصاحب البلد فأمر بإحضاره وكان أطروشاً فوقع له أنه قد سعي به إليه في وديعة كانت عنده لصاحب البلد، وأنه طلبه لهذا السبب، فلما خاطبه حلف أنه ليس عنده إلا اثني عشر صندوقاً لا يدري ما فيها، فعجب عماد الدولة من جوابه ووجه معه من حملها، فوجدوا فيها أموالاً وثياباً بجملة عظيمة، وكانت هذه من الأسباب الدالة على قوة سعادته، ثم تمكنت حاله، واستقرت فيها قواعده.
وفيها توفي أبو جعفر النحاس أحمد بن محمد النحوي المصري. ناظر ابن الأعرابي ونفطويه، وله تصانيف كثيرة مفيدة منها: " تفسير القرآن الكريم "، و " كتاب إعراب القرآن " و " كتاب الناسخ والمنسوخ "، و " التفاحة " في، النحو و " كتاب في الاشتقاق "، و " تفسير أبيات سيبويه "، ولم يسبق إلى مثله، وفسر عشرة دواوين وأملاها، و " كتاب في شرح المعلقات السبع "، و " كتاب طبقات الشعراء " وغير ذلك، وهي بضعة عشر مصنفاً، مما يتعلق بالنحو والأدب، ونحو ذلك مما يرجع إلى العربية.
(2/245)

وفيها توفي الإمام الحافظ علي بن حمشاذ بالشين والذال المعجمتين وبينهما ألف وفي أوله حاء مهملة مكسورة وميم مكسورة مشددة النيسابوري. رحل وطوف وصنف، وله سند كبير وتفسير. توفي فجأة في الحمام. قال أحمد بن إسحاق الضبعي: صحبت علي بن حمشاذ في الحضر والسفر، فما أعلم أن الملائكة كتبت عليه خطيئة.
وفيها توفي الفقيه الصالح محمد بن عبد الله بن دينار النيسابوري. قال الحاكم: كان يصوم النهار، ويقوم الليل، ويصبر على الفقر، ما رأيت في مشايخنا لأصحاب الرأي أعبد منه.
وفيها توفي الحسن أخو الوزير علي بن مقلة.

تسع وثلاثين وثلاث مائة
فيها دخل سيف الدولة بن حمدان بلاد الروم في ثلاثين ألفاً، فافتتح حصوناً، وسبى وغنم. فأخذت الروم عليه الدروب، واستولوا على عسكره قتلاً وأسراً، ونجا هو في عدد قليل، وتوصل من سلم بأسوأ حال.
وفيها أعادت القرامطة الحجر الأسود إلى مكانه، وكان بعض الأمراء قد دفع فيه لهم خمسين ألف دينار فأبوا.
وفيها توفي الحافظ أبو محمد، أحمد بن محمد الطوسي. قال الحاكم: كان أوحد عصره في الحفظ والوعظ، وأخرج صحيحاً على وضع مسلم.
وفيها توفي أبو عبد الله محمد بن عبد الله الأصبهاني. صنف في الزهد وغيره، وصحب العباد، وكان من أكبر الحفاظ حديثاً، قال الحاكم: هو محدث عصره، مجاب الدعوة، لم يرفع رأسه إلى السماء فيما بلغنا نيفاً وأربعين سنة.
وفيها توفي القاهر بالله أبو منصور محمد بن المعتضد العباسي.
وفيها توفي أبو نصر، محمد بن محمد التركي الفارابي الحكيم المشهور، صاحب التصانيف في المنطق والموسيقى وغيرهما من العلوم. قيل: هو أكبر فلاسفة المسلمين، لم يكن فيهم من بلغ رتبته في فنونه، والرئيس أبو علي بن سينا بكتبه تخرج، وبكلامه انتفع في تصانيفه. خرج أبو نصر المذكور من بلده، ولم يزل تنتقل به الأسفار إلى أن وصل إلى بغداد وهو يعرف اللسان التركي وعدة لغات غير العربي، فشرع في اللسان العربي،
(2/246)

فتعلمه، وأتقنه غاية الاتقان، ثم اشتغل بعلوم الحكمة، ولما دخل بغداد كان فيها أبو بشر قسطا بن يونس الحكيم المشهور، وهو شيخ كبير يعلم الناس فن المنطق، وله إذ ذاك صيت عظيم، وشهرة وافية، ويجتمع في حلقته كل يوم خلق كثير وهو يقرأ كتاب أرسطاطاليس ليس في المنطق، ويملي على تلامذته شرحه، فكتب عنه وفي شرحه سبعون سفراً، ولم يكن في ذلك الوقت أحد مثله في فنه.
وكان في تآليفه حسن العبارة، لطيف الإشارة. وكان يستعمل في تصانيفه البسط والتذييل، حتى قال بعض علماء هذا الفن: ما أرى أبا نصر الفارابي أخذ طريق تفهيم المعاني الجزلة بالألفاظ السهلة إلا من أبي بشر، يعني: شيخه المذكور. وكان أبو نصر يحضر مجلسه من جملة تلامذته، فأقام بذلك برهة ثم ارتحل إلى مدينة حران.
وفيها توفي ابن خيلان بالخاء المعجمة والياء المثناة من تحت الحكيم النصراني، فأخذ عنه طرفاً من المنطق أيضاً، ثم قفل راجعاً إلى بغداد، وقرأ بها علوم الفلسفة، وتناول جميع كتب أرسطاطاليس، وتمهر في استخراج معانيها والوقوف على أغراضه فيها، ويقال أنه وجد. كتاب النفس لأرسطاطاليس عليه مكتوب بخط أبي نصر الفارابي: قرأت هذا الكتاب مائتي مرة.
ونقل عنه أنه كان يقول: قرأت السماع الطبيعي لأرسطاطاليس أربعين مرة، وأرى أني محتاج إلى معاودة قراءته، وروي عنه أنه سئل: من أعلم بهذا الشأن: أنت أم أرسطاطاليس؟ فقال: لو أدركته لكنت أكبر تلامذته، ذكره أبو العباس ابن خلكان حاكياً له عن أبي القاسم بن صاعد القرطبي في كتاب طبقات الحكماء.
وحكي عنه أنه قال: إني في التحقيق على جميع علماء الفلاسفة الإسلاميين، وشرح غامضها، وكشف سرها، وقرب تناولها، وجمع ما تحتاج إليه منها على ما أغفله الكندي وغيره من صناعة التعاليم، وأوضح الغفل فيها من عواد المنطق الخمسة، وعرف طريق استعمالها، وكيف يصرف صورة القياس في كل مادة، وجاءت كتبه في الغاية الكاملة والنهاية الفاضلة.
قلت: قوله الغقل هو بضم الغين المعجمة وسكون الفاء، يقال أرض غقل، لا علم بها ولا أثر عمارة، ودابة غفل: لا سمة عليها، ورجل غقل: لم يجرب الأمور، ذكره الجوهري، ثم له بعد ذلك كتاب شريف، لم يسبق إليه في إحضإر العلوم والتعريف
(2/247)

بأغراضها، ولا ذهب أحد مذهبه فيه، ولا يستغني طلاب العلوم كلها عن الاهتداء به. انتهى كلام ابن صاعد.
قال ابن خلكان: ولم يزل أبو نصر ببغداد مكباً على الاشتغال بهذا العلم والتحصيل له إلى أن برز، أو قال: برع فيه، وفاق أهل زمانه. قال: ورأيت في بعض المجاميع أن أبا نصر لما ورد على سيف الدولة وكان مجلسه مجمع الفضلاء في جميع المعارف فأدخل عليه، وهو بزي الأتراك وكان ذلك دأبه دائماً فوقف، فقال له سيف الدولة اقعد فقال: حيث أنا أم حيث أنت؟ فقال حيث أنت، فتخطى رقاب الناس حتى انتهى إلى مسند سيف الدولة، وزاحمه فيه، حتى أخرجه عنه، وكان على رأس سيف الدولة مماليك، ولهم معهم لسان خاص يسارهم به، قل أن يعرفه أحد، فقال لهم بذلك اللسان: أن هذا الشيخ قد أساء الأدب، وإني سائله في أشياء، إن لم يعرف بها فأحرقوا به. فقال له أبو نصر بذلك اللسان: أيها الأمير، اصبر، فإن الأمور بعواقبها، فتعجب سيف الدولة وقال له: أتحسن بهذا اللسان. فقال: نعم، أحسن بأكثر من سبعين لساناً، فعظم عنده، ثم أخذ يتكلم مع العلماء حاضرين في المجلس في كل فن، فلم يزل كلامه يعلو، وكلامهم يسفل، حتى صمت الكل، وبقي يتكلم وحده. ثم أخذوا يكتبون ما يقوله، وصرفهم سيف الدولة، وخلا به فقال: هل لك أن تأكل؟ قال: لا، قال: فهل تشرب؟ قال: لا، قال: فهل تسمع؟ قال: نعم فأمر سيف الدولة بإحضار القيان، فحضر كل من هو من أهل هذه الصناعة بأنواع الملاهي، فلم يحرك أحد منهم آلته إلا وعابه أبو نصر، وقال له: أخطأت، فقال له سيف الدولة: وهل تحسن في هذه الصنعة شيئاً؟ قال: نعم، ثم أخرج من وسطه خريطة، وفتحها، وأخرج منها عيداناً، فركبها، ثم ضرب بها، فضحك كل من في المجلس، ثم فكها غير تركيبها، وضرب بها، فبكى كل من في المجلس، ثم فكها وركبها تركيباً آخر، وضرب بها فنام من في المجلس حتى البواب، فتركهم نياماً وخرج.
ويقال إن الآلة المسماة بالقانون من وضعه، وهو أول من ركبها هذا التركيب، وكان منفرداً بنفسه لا يجالس الناس، وكان زاهداً في الدنيا، لا يحتمل بأمر مكسب، ولا مكف، ولم يزده سيف الدولة على أربعة دراهم في كل يوم لقناعته.

أربعين وثلاث مائة
فيها جمع سيف الدولة جيشاً عظيماً، ودخل في بلاد الروم، فغنم وسبى سبياً كثيراً وعاد سالماً. وذلت القرامطة، فأمن الوقت، وحج الركب.
وفيها توفي ابن الأعرابي المحدث الصوفي القدوة أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد
(2/248)

البصري، نزيل مكة، روى عن إسحاق الزعفراني. وخلق كثير، وجمع وصنف، ورحل إليه.
وفيها توفي الفقيه الإمام الكبير أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المروزي، إمام عصره في الفتوى والتدريس، أخذ الفقه عن أبي العباس بن سريج، وبرع فيه، وانتهت إليه الرئاسة بالعراق بعد ابن شريح، وصنف كتباً كثيرة وشرح مختصر المزني وأقام ببغداد زمناً طويلاً يدرس ويفتي، ونجب من أصحابه خلق كثير، وإليه ينسب درب المروزي ببغداد. ثم ارتحل إلى مصر في آخر عمره، فأدركه أجله فيها، ودفن بالقرب من تربة الإمام الشافعي.
وفيها توفي العلامة شيخ الحنفية بما وراء النهر، أبو محمد عبد الله بن محمد البخاري، وكان محدثاً رأساً في الفقه، صنف التصانيف. وقال الحاكم: هو صاحب عجائب عن الثقات، وقال أبو زرعة: هو ضعيف.
وفيها توفي أبو القاسم الزجاجي، عبد الرحمن بن إسحاق النهاوندي، صاحب التصانيف، أخذ عن اليزيدي وابن دريد وابن الأنباري، وصحب أبا إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج، وإليه نسب، وبه عرف. وسكن دمشق، وانتفع به الناس، وانتفع بكتابه خلق لا يحصون.
فقيل: إنه جاور بمكة مئة، كان إذا قرع الباب طاف أسبوعاً، ودعا بالمغفرة، وأن ينتفع بكتابه قارئه. قلت: وأخبرني بعض فضلاء المغاربة أن عندهم لكتابه مائة وعشرين شرحاً، قال ابن خلكان: وهو كتاب نافع، لولا طوله بكثرة الأمثلة.
قلت: ولعمري إن كتابين قد عظم النفع بهما، مع وضوح عبارتهما، وكثرة أمثلتهما، وهما " جمل الزجاجي " المذكور، و " الكافي في الفرائض " للصروفي، من أهل اليمن رضي الله تعالى عنه، هما كتابان مباركان ما اشتغل أحد بهما إلا انتفع خصوصاً أهل اليمن بكتاب الكافي المذكور، وبالجمل في بلاد الإسلام على العموم، وما ذكر عن مصنفه من الطواف والدعاء قد ذكر عن غير واحد من المصنفين، ومنهم الإمام الشيخ شهاب الدين السهروردي في تصنيف عقيدته، وبعضهم جعل الصلاة عوضاً عن الطواف بعد كل مسألة، على ما قيل.
ومنهم الإمام الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتابه التنبيه، والله أعلم بصحة ذلك عنهم ولعمري إن صح ذلك وهو من الهمم العالية في الاهتمام بصلاح الدين، والنفع العام للمسلمين، والتوفيق الخاص من رب العالمين.
توفي الزجاجي رحمه الله في شهر رمضان، وقيل في رجب في طبرية، وقيل في
(2/249)

دمشق، في السنة المذكورة، وقيل في سنة تسع وثلاثين وثلاث مائة، والله أعلم.
وفي السنة المذكورة توفي الحافظ الإمام، محدث الأندلس، أبو محمد قاسم بن أصبغ القرطبي، صنف كتاباً على وضع سنن أبي داود، وكان إماماً في العربية.
وفيها توفي أبو الحسن الكرخي شيخ الحنفية بالعراق، وانتهت إليه رئاسة المذهب، وخرج له أصحاب أئمة. وكان إماماً قانعاً متعففاً عابداً صواماً قواماً كثير القدر.

إحدى وأربعين وثلاث مائة
فيها ظهر رجل وامرأة من التناسخية، يزعم الرجل أن روح علي رضي الله عنه انتقلت إليه. وتزعم المرأة أن روح فاطمة رضي الله تعالى عنها انتقلت إليها. وآخر يدعي أنه جبريل، فضربهم الوزير المهلبي، فتعززوا بالانتماء إلى أهل البيت. وكان بعض الولاة إذ ذاك شيعياً، فأمر بإطلاقهم. وفيها أخذت الروم مدينة سروج.
وفيها توفي طاهر المنصور، إسماعيل بن القائم بن المهدي العبيدي الباطني، صاحب المغرب. حارب مخلداً الأباضي الذي قد قمع بني عبيد، واستولى على مماليكه، فأسره وسلخه بعد موته، وحشى جلده. وكان المنصور المذكور بطلاً شجاعاً فصيحاً مفوهاً، يرتجل الخطب. وكان سبب موته أنه أصابهم مطر، نزل فيه برد كبير، وهبت ريح شديدة، فأوهن ذلك جسمه، واشتد عليه البرد، ومات أكثر من معه، فأراد أن يدخل الحمام، فنهاه طبيبه إسحاق بن سليمان الإسرائيلي، فلم يقبل منه، ودخل الحمام فنالت الحرارة الغريزية منه، ولازمه السهر، فأقبل إسحاق يعالجه، والسهر باق على حاله، فاشتد ذلك عليه، فقال لبعض الخدم: أما بالقيروان طبيب يخلصني من هذا. فقيل: هنا شاب قد نشأ، يقال له إبراهيم، فأمر بإحضاره، فحضر، فعرفه، وشكا ما به، فجمع له أشياء منومة، وجعلت في قنينة على النار، وكلفه شمها. فلما أدمن شمها نام، وخرج إبراهيم مسروراً بما فعل، وجاء إسحاق ليدخل عليه فقالوا: هو نائم، فقال: إذا كان قد صنع له شيئاً ينام به فقد مات، فدخلوا عليه، فوجدوه قد مات، فأرادوا قتل إبراهيم، فقال إسحاق: ما له ذنب، إنما داوأه بما ذكره الأطباء، غير أنه جهل أصل المرض، وما عرفتموه ذلك، إني كنت
(2/250)

أعالجه، وأنظر في تقويه الحرارة الغريزية، وبها يكون النوم، فلما عولج بما يطفئها علمت أنه قد مات، ثم دفن بالمهدية.

اثنتين وأربعين وثلاث مائة
فيها توفي العلامة أبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب، شيخ الشافعية بنيسابور سمع بخراسان والعراق والحجاز والجبال، فأكثر وبرع في الحديث، وأفتى نيفاً وخمسين سنة، وصنف الكتب الكبار في الفقه والحديث، قال محمد بن حمدون: صحبته عدة سنين فما ترك قيام الليل، وقال الحاكم: كان يضرب المثل بعقله ورأيه، وما رأيت في جميع مشايخنا أحسن صلاة منه، وكان لا يدع أحداً يغتاب في مجلسه.
وفيها توفي الشيخ الكبير إبراهيم بن أحمد الرقي الواعظ، شيخ الصوفية أخذ عن الجماعة وجنيد.
وفيها توفي أبو القاسم علي بن محمد التنوخي القاضي الحنفي، وكان من أذكياء العالم، راوية الأشعار، عارفاً بالكلام والنحو، وله ديوان شعر، ويقال أنه حفظ ستمائة بيت في يوم وليلة.
وفيها توفي الناشىء الأصغر: علي بن عبد الله بن وصيف الشاعر المشهور. " كان متكلماً بارعاً، وهو من كبار الشيعة، وله تصانيف عديدة وأشعار حميدة، منها قوله:
إني ليهجرني الصديق تجنباً ... فأريه أن لهجره أسبابا
وأخاف إن عاتبته أغريته ... فأري له ترك العتاب عتابا
وإذا بليت بجاهل متغافل ... يدعو المحال من الأمور صوابا
أوليته مني السكوت وربما ... كان السكوت عن الجواب جوابا
وقوله:
إذا أنا عاتبت الملوك فإنما ... أخط بأقلام على الماء أحرفا
وهبه ارعوى بعد العتاب، ألم تكن ... مودته طبعاً فصار تكلفا
وكان المتنبي وهو صبي يحضر مجلسه في الكوفة، وكتب من إملائه من قصيدة له:
كأن سنان ذابله ضمير ... فليس عن القلوب له ذهاب
وصارمه كبيعتة لحم ... مقاصدها من الخلق الرقاب
(2/251)

فنظم المتنبي هذا وقال:
كأن الهام في الهيجا عيون ... وقد طبعت سيوفك من رقاد
وقد صغن الأسنة من هموم ... فما يخطرن إلا في فؤاد

ثلاث وأربعين وثلاث مائة
فيها توفي شيخ الكوفة أبو الحسن علي بن محمد بن محمد الشيباني. قال ابن حماد الحافظ: كان شيخ المصر، والمنظور إليه، ومختار السلطان والقضاة، صاحب جماعة وفقه وتلاوة.

أربع وأربعين وثلاث مائة
فيها توفي العلامة أبو الفضل القشيري البصري المالكي، صاحب التصانيف في الأصول والفروع.
وفيها توفي الإمام العلامة أبو بكر محمد بن أحمد المعروف بابن الحداد، شيخ الشافعية، صاحب التصانيف الحسنة المفيدة، ولد يوم وفاة المزني، وسمع من النسائي، وكان صاحب وجه في المذهب، متبحراً في الفقه، متفنناً في العلوم، معظماً في النفوس، وعاش ثمانين سنة، وكان يصوم صوم داود، ويختم في اليوم والليلة، وكان حداداً، صنف كتاب الفروع في المذهب، وهو كتاب صغير الحجم كثير الفائدة، تصدى جماعة من الأئمة الكبار لشرحه، كالقفال المروزي، والقاضي أبي الطيب الطبري، والشيخ أبي علي السجزي، قيل وشرحه أحسن الشروح. أخذ ابن الحداد الفقه عن أبي إسحاق المروزي، وكان فقيهاً محققاً غواصاً على المعاني، تولى القضاء بمصر، والتدريس والفتاوى، وكانت الرعايا تعظمه وتكرمه. وكان يقال في زمنه: عجائب الدنيا ثلاثة: غضب الجلاد، ولطافة ابن السماد، والرد على ابن الحداد.
وفيها توفي أبو النضر محمد بن محمد الطوسي الشافعي مفتي خراسان. كان أحد من اعتنى بالحديث، ورحل فيه، وصنف كتاباً على وضع مسلم، وكان قد جزأ الليل: ثلثاً للتصنيف، وثلثاً للتلاوة، وثلثاً للنوم. قال الحاكم: كان إماماً بارع الأدب، ما رأيت أحسن صلاة منه، كان يصوم النهار، ويقول بالليل، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويتصدق بما فضل عن قوته.
(2/252)

وفيها توفي الحافظ أبو عبد الله محمد بن يعقوب الشيباني، محدث نيسابور، صنف المسند الكبير، وصنف على الصحيحين. ومع براعته في الحديث والعلل والرجال، لم يرحل من نيسابور.
وفيها توفي الحافظ الأديب المفسر أبو زكريا يحيى بن محمد العنبري النيسابوري.

خمس وأربعين وثلاث مائة
فيها غلبت الروم على طرسوس، وقتلوا وسبوا وأحرقوا قراها.
وفيها توفي الفقيه الإمام شيخ الشافعية في عصره، أبو علي الحسن بن الحسين بن أبي هريرة الفقيه الشافعي. أخذ عن أبي العباس بن سريج، وأبي إسحاق المروزي. وشرح مختصر المزني، وعلق عنه الشرح أبو علي الطبري، وله مسائل في الفروع، ووجه في المذهب، درس ببغداد، وتخرج عليه خلق كثير، وانتهت إليه إمامة العراقين، وكان معظمتاً عند السلاطين والرعايا، إلى أن توفي في رجب من السنة المذكورة.
وفيها توفي الحافظ العلامة أبو الحسن القزويني القطان. سرد الصوم ثلاثين سنة، وكان يفطر على الخبز والملح، ورحل إلى العراق واليمن، وروى عن أبي حاتم الرازي وطبقته.
وفيها توفي الإمام اللغوي الزاهد صاحب ثعلب، أبو عمرو محمد بن عبد الواحد البغدادي المعروف بالمطرز. قيل: أنه أملى ثلاثين ألف ورقة في اللغة من حفظه، وكان آية في الحفظ والذكاء. استدرك على كتاب الفصيح كتاب شيخه ثعلب جزءاً لطيفاً سماه " فايت الفصيح "، وشرحه أيضاً في جزء آخر، وله " كتاب اليواقيت "، و " كتاب النوادر " و " كتاب التفاحة "، و " كتاب فايت العين "، و " كتاب فايت الجمهرة "، و " كتاب تفسير أسماء الشعراء "، و " كتاب القبائل "، وكتب أخرى تنيف الجميع على عشرين كتاباً. وكان لسعة روايته وغزارة حفظه يكذبه أدباء زمانه في أكثر نقل اللغة، ويقولون: لو طار طائر لقال: حدثنا ثعلب عن ابن الأعرابي، ويذكر في معنى ذلك شيئاً. وأما روايته الحديث، فإن المحدثين يصدقونه ويوثقونه. وكان أكثر ما يمليه من التصانيف يلقنه بلسانه من غير صحيفة يراجعها، وكان يسأل عن شيء قد تواطأت الجماعة على وضعه، فيجيب عنه، ثم يترك
(2/253)

سنة، ويسأل عنه فيجيب بذلك الجواب بعينه.
ومما جرى له في ذلك أنهم سألوه: ما البيطرة عند العرب. فقال: كذا وكذا، فتضاحكوا سراً، وتركوه شهراً، ثم أمروا شخصاً سأله عن اللفظة بعينها فقال: أليس سألت عن هذه المسألة مدة كذا وكذا، وأجبت عنها بكذا وكذا؟ فتعجبوا من فطنته واستحضاره للمسألة والوقت.
وكان لمعز الدولة غلام اسمه خواجا، وكان المطرز المذكور قد بلغ من إملاء " كتاب اليواقيت " إلى ذكر الخبر، فقال: اكتبوا ياقوتة، وخواجا، " الخواج في أصل لغة العرب الجوع " ثم فرع على هذا باباً وأملاه، فعد الناس ذلك كذباً عظيماً، ثم تتبعوه في كتب اللغة، فوجدوا عن ثعلب عن ابن الأعرابي: الخواج، الجوع.
وكان المطرز المذكور يؤدب ولد القاضي محمد بن يوسف، فأملا يوماً على الغلام مسائل في اللغة، وذكر غريبها، وختمها ببيتين من الشعر، وحضر ابن دريد وابن الأنباري، وابن مقسم عند القاضي المذكور، فعرض عليهم تلك المسائل، فما عرفوا شيئاً، وأنكروا الشعر، فقال لهم القاضي: ما تقولون فيها؟ فقال ابن الأنباري: أنا مشغول بتصنيف مشكل القرآن، ولست أقول شيئاً. وقال ابن مقسم مثل ذلك، واحتج باشتغاله بالقراءآت. وقال ابن دريد: هذه المسائل من موضوعات المطرز لا أصل لشيء منها في اللغة. ثم انصرفوا، فبلغ المطرز ذلك، فاجتمع بالقاضي، وسأله إحضار دواوين جماعة من قدماء الشعراء عينهم، ففتح القاضي خزائنه، وأخرج له تلك الدواوين، فلم يزل المطرز يعمد إلى كل مسألة، ويخرج لها شاهداً من بعض تلك الدواوين، ويعرضه على القاضي، حتى استوفى جميعها، ثم قال: هذان البيتان أنشدناهما ثعلب بحضرة القاضي، وكتبهما القاضي بخطه على ظهر الكتاب الفلاني، فأحضر القاضي الكتاب، فوجد البيتين على ظهره بخطه، كما ذكر بلفظه.
وقال رئيس الرؤساء: وقد رأيت أشياء كثيرة مما أنكر عليه، ونسب فيه إلى الكذب، فوجدتها مدونة في كتب أهل اللغة، وخاصة في غريب أبي عيد، وقال عبد الواحد بن علي بن برهان الأسدي، لم يتكلم في علم اللغة أحد من الأولين والآخرين أحسن من كلام أبي عمرو الزاهد يعني المطرز وله " كتاب غريب الحديث " صنفه على مسند الإمام أحمد بن حنبل، وكان ابن برهان المذكور يستحسنه جداً، وله شعر رائق.
وفيها توفي الوزير محمد بن علي البغدادي الكاتب، وكان من الصلحاء واليه المنتهى في المعروف. قيل: إنه أعتق في عمره ألف رقبة، وأنفق في حجة حجها مائة ألف دينار، وبلغ ارتفاع مداخله بمصر من أملاكه في العام أربع مائة ألف دينار.
(2/254)

وفيها توفي المسعودي المؤرخ.

ست وأربعين وثلاث مائة
فيها قل المطر، ونقص البحر نحواً من ثمانين ذراعاً، فظهر فيه جبال وجزائر وأشياء لم تعهد، وكان بالري زلازل عظيمة، وخسف ببلد الطالقان في ذي الحجة، ولم يفلت من أهلها إلا نحو من ثلاثين رجلاً، وخسف بخمسين ومائة قرية من قرى الري، فيما نقل بعض المؤرخين قال: وعلقت قرية بين السماء والأرض، ونحن فيها نصف يوم، ثم خسف بها.
وفيها توفي يوم عاشوراء أبو القاسم إبراهيم بن عثمان القيرواني، شيخ المغرب في النحو واللغة، حفظ كتاب سيبويه، والمصنف الغريب، وكتاب العين وإصلاح المنطق وغير ذلك.
وفيها توفي الحافظ الكبير أبو يعلى عبد المؤمن بن خلف السيفي. رحل وطوف. ووصل إلى اليمن، ولقي أبا حاتم الرازي وخليفته، وكان مفتياً ظاهرياً أثرياً، وفيه زهد وتعبد.
وفيها توفي أبو العباس المحبوبي محمد بن أحمد بن محبوب المروزي، محدث مرو وشيخها ورئيسها.
وفيها توفي مسند الأندلس، الفقيه الإمام المالكي وهب بن ميسرة التميمي. كان محققاً في الفقه، بصيراً بالحديث وعلله، مع زهد وورع.

سبع وأربعين وثلاث مائة
فيها فتكت الروم خذلهم الله تعالى ببلاد الإسلام، وقتلوا خلائق، وأخذوا عدة حصون بنواحي آمد وفارقين، ثم وصلوا إلى قنسرين، فالتقاهم سيف الدولة بن
(2/255)

حمدان، فعجز عنهم، وقتلوا معظم رجاله، وأسروا أهله، ونجا هو في عدد يسير.
وفيها سار معز الدولة، واستولى على إقليم الجزيرة، وفر بين يديه صاحبها ناصر الدولة، فقدم على أخيه سيف الدولة بحلب، وجرت أمور طويلة، ثم إن سيف الدولة راسل معز الدولة يستعطفه، فعقد له على الموصل، وكان ناصر الدولة قد نكث بمعز الدولة مرات، ومنعه الحمل والخراج.
وفيها توفي الحافظ البارع أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى، صاحب تاريخ مصر: تاريخ كبير للمصريين، وتاريخ صغير يختص بالغرباء الواردين فيها، وذيلهما أبو القاسم يحيى بن علي الحضرمي، وبنى عليهما.
وأبو سعيد المذكور حفيد يونس بن عبد الأعلى صاحب الإمام الشافعي، والناقل لأقواله الجديدة. كان خبيراً بأحوال الناس ومطلعاً على تواريخهم، ولما توفي رثاه عبد الرحمن بن إسماعيل الخولاني الحساب المصري النحوي العروضي بقوله:
ثبت علمك تصنيفاً وتقريباً ... وعدت بعد الزيد لعيسى مندوبا
أبا سعيد وما نالوك أن تشرب ... عنك الدواوين تصديقاً وتصويبا
ما زلت تلهج بالتاريخ تكتبه ... حتى رأيناك في التاريخ مكتوبا
مع أبيات أخرى حذفتها اختصارا.
وفيها توفي الحافظ أبو الحسين محمد بن عبد الله بن جعفر الرازي، والد الحافظ تمام.
وفيها توفي الأمير تميم المعز الحميري، رفعوا نسبه إلى سبأ ن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عابر. قالوا: وهو هود عليه السلام بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام، هكذا ذكره العماد في الجزيرة، وتميم المذكور ملك إفريقية، وما والاهما بعد أبيه المعز. وكان حسن السيرة، محمود الآثار، محباً للعلماء، معظماً لأرباب الفضائل، حتى قصدته الشعراء من الآفاق. وجده المثنى بن المسور أول من دخل منهم إلى إفريقية. وقال أبو الحسن بن رشيق القيرواني في الأمير تميم المذكور.
أصح وأوعى ما سمعناه في النداء ... من الخبر المأثور منذ قديم
أحاديث ترويها السنون عن الحيا ... عن البحر عن كف الأمير تميم
ولتميم المذكور أشعار كثيرة حسنة منها.
(2/256)

سل المطر العام الذي عم أرضكم ... أجاء بمقدار الذي فاض من دمعي
إذا كنت مطبوعا على الصد والجفا ... فمن أين لي صبر فأجعله طبعي

ثمان وأربعين وثلاث مائة
فيها عمل الخطيب عبد الرحيم بن نباتة خطبة الجهاد، يحرض المسلمين على غزو الروم، وكانوا قد ظفروا بسرية فأسروها، وأسروا أميرها محمد بن ناصر الدولة بن حمدان، ثم أغاروا على الرها وحران، وقتلوا وسبوا، وكروا على ديار بكر.
وفيها توفي الفقيه الحافظ صاحب التصانيف، شيخ الحنابلة السجاد أحمد بن سليمان، وكان له حلقتان: حلقة للفتوى، وحلقة للإملاء. وكان رأساً في الفقه، ورأسا في الحديث، قيل: كان يصوم الدهر، ويفطر على رغيف، ويترك منه لقمة، فإذا كان ليلة الجمعة أكل تلك اللقم، وتصدق بالرغيف. قلت: ومثل هذا من الفقيه عزيز كثير، ومثله مذكور عن بعض أهل الرياضة من الفقراء المجردين الذي هو في حقهم قليل حقير.
وفيها توفي الشيخ الكبير أبو محمد جعفر بن محمد بن نصر، شيخ الصوفية ومحدثهم. سمع من أبي أسامة، وعلي بن عبد العزيز البغوي وطبقتهم، وصحب الجنيد وأبا الحسن النوري، وأبا العباس بن مسروق. وكان إليه المرجع في علم القوم وتصانيفهم وحكاياتهم، وحج ستاً وخمسين حجة، وعاش خمساً وتسعين سنة.

تسع وأربعين وثلاث مائة
فيها أوقع غلام سيف الدولة بالروم، فقتل وأسر، وفرح المؤمنون.
وفيها وقعت وقعة هائلة ببغداد بين أهل الستة والرافضة، وقويت الرافضة ببني هاشم ومعز الدولة، وعطلت الصلوات في الجوامع، ثم رأى معز الدولة المصلحة في القبض على جماعة من الهاشميين، فسكتت الفتنة.
وفيها حشد سيف الدولة، ودخل بلاد الروم، فأغار وفتك وسبى، ورجعت إليه جيوش الروم، فعجز عن لقائهم، فوفي ثلاثمائة، وذهبت خزانته، وقتل جماعة من أمرائه. وفيها كان إسلام الترك، قال ابن الجوزي أسلم من الترك مائتا ألف.
(2/257)

وفيها توفي أبو الفوارس الصابوني، أحمد بن محمد السندي الفقيه المعمر، مسند ديار مصر، عن يونس بن عبد الأعلى والمزني والكبار.
وفيها توفي الفقيه العلامة أبو الوليد، حسان بن محمد القرشي الأموي النيسابوري، شيخ الشافعية بخراسان، وصاحب شريح صاحب التصانيف، وكان بصيراً بالحديث وعلله، وأخرج كتاباً على صحيح مسلم، وهو صاحب وجه في المذهب، وقال الحاكم: هو إمام أهل الحديث بخراسان، وأزهد من رأيت من العلماء وأعبدهم.
وفيها توفي الحافظ أحد الأعلام أبو علي الحسين بن علي بن يزيد النيسابوري. قال الحاكم: هو أوحد عصره في الحفظ والإتقان والورع والمذاكرة والتصنيف.
وفيها توفي الحافظ أبو أحمد العتباني محمد بن أحمد قاضي أصفهان. قال الحافظ أبو نعيم: كان من كبار الحفاظ.

خمسين وثلاث مائة
قالوا فيها بنى معز الدولة ببغداد دار السلطنة في غاية الحسن والكبر، غرم عليها ثلاثة عشر ألف ألف درهم، وقد درست آثارها في حدود الستمائة، وبقي مكانها تأوي إليه الوحوش، وبعض أساسها موجود، فإنه حفر لها في الأساسات نيفاً وثلاثين ذراعاً.
وفيها توفي أبو شجاع فاتك الكبير، المعروف بالمجنون، كان روميا أخذ صغيراً هو وأخ له وأخت لهما من بلاد الروم، فتعلم بفلسطين، وهو ممن أخذه الإخشيذ من سيده بالرملة كرهاً بلا ثمن، فأعتقه صاحبه، وكان معهم حراً في عدة المماليك، وكان كريم النفس بعيد الهمة شجاعاً، كثير الإقدام، ولذلك قيل له المجنون. وكان رفيق الأستاذ كافور في خدمته الاخشيذ، فلما مات مخدومهما، وتعزز كافور في تربية ابن الاخشيذ، أنف فاتك من الإقامة بمصر، كي لا يكون كافور أعلى رتبة منه، ويحتاج إلى أن يركب في خدمته. وكانت الفيوم وأعمالها إقطاعاً، فانتقل واتخذها سكناً له، وهي بلاد وبية كثيرة الوخم، فلم يصح بها له جسم، وكان كافور يكرمه ويخافه فزعاً منه، وفي نفسه منه ما فيها، واستحكمت العفة في جسم فاتك وإخوته، فاحتاج إلى دخول مصر للمداواة، فدخلها.
وبها دخل المتنبي ضيفاً للأستاذ كافور، وكان يسمع فاتك كثرة سخائه، غير أنه لا يقدر على قصد خدمته خوفاً من كافور، وفاتك يسأل عنه ويراسله السلام، ثم التقيا في الصحراء مصادقة من غير ميعاد، وجرى بينهما مفاوضات، فلما رجع فاتك إلى داره حمل للمتنبي في ساعته هدية قيمتها ألف دينار، ثم أتبعها بهدايا بعدها، فاستأذن المتنبي كافوراً
(2/258)

في مدحه، فأذن له، فمدحه بقصيدة من غرر القصائد، أولها:
لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم يسعد الحال
وما أحسن القول فيها:
كفاتك ودخول الكاف منقصة ... كالشمس قلت وما للشمس أمثال
لما توفي رثاه المتنبي، وكان قد خرج من مصر، بقصيدة أولها:
الحزن يعلق والتحمل يردع ... والدمع بينهما عصي طيع
وما أرق قوله:
إني لأجبن من فراق أحبتي ... وتمس نفسي بالحمام فأشجع
ويزيدني غضب الأعادي قسوة ... ويلم بي عتب الصديق فأجزع
تصفو الحياة لجاهل أو غافل ... عما مضى منها وما يتوقع
ولمن يغالط في الحقائق نفسه ... ويسومها طلب المحال فتطمع
وفيها توفي الفقيه أبو علي الحسن بن القاسم الطبري الفقيه الشافعي، أخذ عن أبي علي بن أبي هريرة، وسكن ببغداد، ودرس بها بعد شيخه أبي علي بن أبي هريرة، وصنف التصانيف " كالمحرر في النظر " وهو أول كتاب صنف في الخلاف "، و " المجرد في الخلاف "، و " الإيضاح "، و " العدة " كلاهما في الفقه، وصنف كتابا في أصول الفقه " والطبري " نسبة إلى طبرستان، والنسبة إلى طبرية طبراني، وهو صاحب وجه في المذهب.
وفيها توفي خليفة الأندلس الناصر لدين الله أبو المظفر عبد الرحمن بن محمد الأموي وكانت دولته خمسين سنة، وقام بعده ولده المستنصر بالله، وكان كبير القدر كثير المحاسن أنشأ " مدينة الزهراء "، وهي عديمة الحسن في النظير، غرم أهلها من الأموال ما لا يحصى، ولما بلغه ضعف أحوال الخلافة بالعراق، ورأى أنه أمكن منهم والي تلقب باللقب المذكور.
وفيها توفي فاتك أبو شجاع الرومي الإخشيذي، رفيق الأستاذ كافور وأحد أمراء الدولة، وكان كافور يخافه، وقد مدحه المتنبي، فوصله فاتك بألف دينار.

إحدى وخمسين وثلاث مائة
فيها نازل طاغية الروم مدينة عين زربة بضم الزاي وسكون الراء وفتح
(2/259)

الموحدة في مائة ألف وستين ألفاً، فأخذها وقتل خلقاً لا يحصون، وأحرقها ومات أهلها في الطرقات جوعاً وعطشاً، إلا من نجا بأسوأ حال، وهدم حولها نحواً من خمسين حصناً أخذ بعضها بالأمانة، ورجع فجاء سيف الدولة على عين زربة، وأخذ بتلافي الأمر، وبلم شملها، واعتقد أن " بعضها بالأمان " الطاغية لا يعود، فدهمه الملعون، ونازل حلب بجيوشه، فلم يقاومه سيف الدولة، ونجا في نفر يسير. وكانت داره بظاهر حلب، فدخلها الملعون، ونزل بها، واحتوى على ما فيها من الخزائن، وحاصر أهل حلب، إلى أن انهدمت ثلمة من السور، فدخلت الروم منها، فدفعهم المسلمون عنها، وبنوها في الليل، ونزلت أعوان الوالي إلى بيوت العوام، فنهبوا فوقع الصائح في الأسوار: الحقوا منازلكم، فنزلت الناس حتى خلت الأسوار، فبادرت الروم، فتسلقوا، وملكوا البلد، ووضعوا السيف في المسلمين حتى كلوا وملوا، واستباحوا حلب، ولم ينج إلا من صعد إلى القلعة.
وأما بغداد، فرفعت المنافقون رؤوسها، وقامت دولة الرافضة، وكتبوا على أبواب المساجد لعن معاوية، ولعن من غصب فاطمة حقها، ولعن من نفى أبا ذر، فمحاه أهل السنة بالليل، فأمره معز الدولة بإعادته، فأشار إليه الوزير المهلبي أن يكتب: ألا لعنة الله على الظالمين لآل محمد، ولعن معاوية فقط.
وأنزل الروم من منبج الأمير أبا فراس بن سعيد بن حمدان، وبقي في أسرهم سنين.
وفيها توفي قاضي الحرمين وشيخ الحنفية في عصره أبو الحسين أحمد بن محمد النيسابوري، ولي قضاء الحجاز مدة، وكان تفقه على أبي الحسين الكرخي، وبرع في الفقه.
وفيها توفي المهلبي الوزير في قول.
وفيها توفي دعلج أبو محمد السجزي. قال الحاكم: أخذ عن أبي خزيمة مصنفاته، وكان يفتي بمذهبه، وقال الدارقطني: لم أر في مشايخنا أثبت من دعلج، وقال الحاكم: لم يكن في الدنيا أيسر منه، اشترى بمكة دار العباس بثلاثين ألف دينار، وقيل:
(2/260)

كان الذهب في داره بالقفاف، وكان كثير المعروف والصلاة.
وفيها توفي الحافظ أبو الحسن عبد الباقي ين قانع بن مرزوق، صنف التصانيف.
وفيها توفي أبو بكر النقاش، محمد بن الحسن الموصلي ثم البغدادي المقرىء المفسر صاحب التصانيف في التفسير والقراءات.

اثنتين وخمس وثلاث مائة
فيها يوم عاشوراء، ألزم معز الدولة أهل بغداد النوح والمأتم، وأمر بغلق الأبواب، وعلقت عليها المسوح، ومنع الطباخين من عمل الأطعمه، وخرجت نساء الرافضة منشرات الشعر، مسمحات الوجوه، يلطمن ويفتن الناس. قيل: وهذا أول ما نيح عليه.
وفيها يوم ثامن عشر في الحجة الرافضة عيد الغدير: غدير خم بضم الخاء المعجمة، ودقت الكوسات، وصلوا بالصحراء صلاة العيد.
وفيها أو في التي قبلها توفي الوزير المهلبي الحسن بن محمد، على الخلاف المتقدم، وكان وزير معز الدولة بن بويه بضم الموحدة وفتح الواو وسكون المثناة من تحت وفي آخره هاء الديلمي، وكان من ارتفاع القمر واتساع الصدر وعلو الهمة وفيض الكف، على ما هو مشهور به، وكان في غاية الأدب والمحبة لأهله وكان قبل اتصاله بمعز الدولة في شدة عظيمة من الضرورة، ولقي في سفره مشقة صعبة، اشتهى اللحم، فلم يقدر عليه فقال ارتجالاً:
ألا موت يباع فأشتريه ... فهذا العيش ما لا خير فيه
ألا موت لذيذ الطعم يأتي ... يخلصني من الموت الكريه
إذا أبصرت قبراً من بعيد ... فودي أنني مما يليه
ألا رحم المهيمن نفس حر ... تصدق بالوفاء على أخيه
وكان بمصر له رفيق يقال له أبو عبد الله الصوفي، وقيل أبو الحسن العسقلاني، فلما
سمع الأبيات اشترى له بدرهم لحماً، وطبخه وأطعمه، وتفارقا، وتنقلب بالمهلبي الأحوال، وتولى الوزارة ببغداد لمعز الدولة، وضاقت الأحوال برفيقه في السفر، الذي اشترى له اللحم، وبلغه وزارة المهلبي، فقصده، وكتب إليه.
ألا قل للوزير فديت نفسي ... مقالة مذكر ما قد نسيه
أتذكر إذ تقول لضيق عيش ... ألا موت يباع فأشتريه.
فلما وقف عليها تذكره وهوته أريحية الكرم، فأمر له في الحال بسبعمائة درهم
(2/261)

ووقع في ورقته " مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء " سورة البقرة، الآية 261، ثم دعا به، وخلع عليه، وقلده عملاً يرتفق به، ومن المنسوب إلى الوزير المذكور في وقت الإضافة من الشعر، ما كتبه إلى بعض الرؤساء قوله، وقيل أنه لأبي نواس:
ولو أني استزدتك فوق ما بي ... من البلوى لأعوزك المزيد
ولو عرضت على الموتى حياة ... لعيش مثل عيشي لم يزيدوا
وقال أبو إسحاق الصابي، صاحب الرسائل: كنت يوماً عند الوزير المهلبي، فأخذ ورقة وكتب، فقلت:
يديها يد برعت جوداً بنائلها ... ومنطق درة في الطرس ينتثر
فخاتم كامن في بطن راحته ... وفي أناملها سحبان مستتر
وكان من رجال الدهر عزماً وحزماً وسؤدداً وعقلاً وشهامة ورأياً.
وفيها توفي علي بن إسحاق البغداي الزاهي الشاعر المشهور، كان وصافاً محسناً، كثير الملح، أحسن الشعر في التشبيهات وغيرها.
ومن قوله في تشبيه البنفسج.
ولا زور دية تزهو بزرقتها ... بين الرياض على جمر اليواقيت
كأنها فوق قامات ضعفن بها ... أوائل النار في أطراف كبريت
ويروى: فوق طاقات، ومن محاسن شعره:
وبيض بألحاظ العيون كأنما ... هززن سيوفاً أو سللن خناجرا
تصدين لي يوماً بمنعرج اللوى ... فغادرن قلبي بالتصبر غادرا
سفرن بدوراً وانتقبن أهلة ... ومسن غصوناً والتفتن جآذرا
واطلعن في الأخبار بالدر أنجماً ... جعلن لحيات القلوب صرائرا
وهذا تقسيم ظريف، قد استعمل جماعة من الشعراء، لمكنهم قصرت بهم القريحة عن بلوغ هذه الصنيعة. ونحوه قول المتنبي:
بدت قمراً ومالت خوط بان ... وفاحت عنبر أورثت غزالا
قلت: ولست أدري أيهما سلك طريق الآخر تابعاً له في هذه المآخذ، وهما متعاصران. توفي المتنبي بعده في سنة أربع.
(2/262)

ومن التقسيم الحسن أيضاً قول بعض الشعراء:
وسائلة تسائل عنك قلنا ... لها في وصفك العجب العجيبا
رنا ظبياً وغنى عندليباً ... ولاح شقائقاً ومشى قضيبا
وأما نسبة الزاهي فقال السمعاني: ولست أدري نسبة الزاهي المذكور إلى أي شيء، لكن جماعة نسبوا هذه النسبة إلى قرية من قرى نيسابور.
وفيها توفي ابن المنجم علي بن عبد الله الشاعر المشهور، ذو نسب عريق في ظرفاء الأدباء، وندماء الخلفاء، يفضون إليه بأسرارهم، ويأمنونه على أخبارهم. وله أشعار حسان منها:
بيني وبين الدهر فيك يمجه ... سيطول إن لم يجبه اعتاب
يا غائبا لوصاله وكتابه ... هل يرتجى من غيبتيك إياب؟
لولا التعلل بالرجاء لتقطعت ... نفس عليك شعارها الأوصاب
لا بأس من روح الإله فربما ... يصل القطيع ويحضر الغياب
وفيها توفي الحافظ، أحد أركان الحديث بالأندلس، أبو القاسم خالد بن سعد، صنف التصانيف، وكان عجباً في معرفة الرجال والعلل. وقيل كان يحفظ الشيء من فرد مرة، وورد أن المستنصر بالله قال: إذا فاخرنا أهل المشرق بيحيى بن معين نحن فاخرناهم بخالد بن سعد.

ثلاث وخمسين وثلاث مائة
فيها تحارب معز الدولة وناصر الدولة أمير الموصل، فانهزم أولاً ناصر الدولة، ثم انتصر وأخذ حواصل معز الدولة ونقله، وأسر عدة من الأتراك.
وفيها توفي الحافظ البارع أبو سعيد أحمد بن محمد، والسيد الجليل الشيخ أبي عثمان سعيد بن إسماعيل الحبري النيسابوري شهيداً بطرسوس. صنف التفسير الكبير والصحيح على رسم مسلم، وغير ذلك.
وفيها توفي الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن حمزة بأصبهان في رمضان، وهو في عشر الثمانين، قال أبو نعيم لم ير بعد عبد الله بن مظاهر في الحفظ مثله، جمع
(2/263)

الشيوخ والمسند.
وفيها توفي أبو الفوارس: شجاع بن جعفر الواعظ ببغداد وقد قارب المائة.
وفيها توفي الحافظ أبو علي محمد بن هارون بن شعيب الأنصاري الدمشقي.

أربع وخمسين وثلاث مائة
فيها توفي المتنبي، الشاعر العصر الملقب بأبي الطيب، أحمد بن الحسين بن الحسن الجعفي نسباً الكوفي، ثم الكندي منزلاً، قدم الشام في صباه، وجال في أقطاره، واشتغل بفنون الأدب، ومهر فيها، وكان من المكثرين في نقل اللغة والمطلعين على غريبها ووحشيها، فلا يسأل عن شيء إلا ويستشهد فيه بكلام العرب من النظم والنثر، حتى قيل: إن الشيخ أبا علي الفارسي، صاحب الإيضاح والتكملة قال له: كم لنا من الجموع على وزن فعلى بكسر الفاء وسكون العين وفتح اللام. - فقال المتنبي في الحال: " حجلى " و " ظربى ". قال أبو علي: فطالعت كتب اللغة ثلاث ليال على أن أجد لهذين الجمعين ثالثاً، فلم أجد.
قلت: وناهيك به. معرفة، في حق من يقول الإمام الجليل في العربية له هذه المقالة، ويشهد له بهذه الشهادة السنية. قال بعضهم: " وحجلى " جمع حجلة، وهو الطائر المسمى القبج: بفتح القاف وسكون الموحدة وبالجيم. " والظربى ": بكسر الظاء المعجمة وسكون الراء وبعدها موحدة: جمع ظربان، على وزن قطران، وهي دويبة منتنة الرائحة. وأما شعر المتنبي فكثرة شعره تغني عن مدحته.
قال ابن خلكان: والناس في شعره على طبقات: فمنهم من يرجحه على شعر أبي تمام ومن بعده، ومنهم من يرجح أبا تمام عليه، قال: واعتنى العلماء بديوانه فشرحوه، وذكروا أن أحد مشايخه الذين أخذ عنهم قال: وقفت له على أكثر من أربعين شرحاً، ما بين مطولات ومختصرات، ولم أر هذا بديوان غيره. وقال: ولا شك أنه رزق من شعره السعادة التامة. انتهى.
قلت: ولأهل الفضل من المتقدمين والمتأخرين خلاف كثير في تفضيل جماعة من الشعراء، بعضهم على بعض، وقد أوضحت ذلك في آخر الجزء الثاني من كتابي " الموسوم بمنهل المفهوم في شرح ألسنة العلوم ".
وعن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: اتفقوا على أن أشعر الشعراء امرؤ القيس والنابغة وزهير. قلت: يعني بذلك من الشعراء القدماء، ومعلوم أن كثيراً من الشعراء البارعين حذقوا
(2/264)

بعد أبي عمرو كأبي تمام والبحتري والمتنبي قال: وكان يشبه ثلاثة من شعراء الإسلام بثلاثة من شعراء الجاهلية: الفرزدق بزهير، وجرير بالأعشى، والأخطل بالنابغة، فامرىء القيس من اليمن والنابغة، وزهير إذا رعب، وامرء القيس إذا ركب، والأعشى إذا طرب، أو قال: غضب.
وسئل الشريف الرضي عن هؤلاء الثلاثة فقال: أما أبو تمام فخطيب منبر، وأما أبو العبادة فواصف جود، وأما المتنبي فقائد عسكر، أو قال: منذر عسكر.
وقال بعض المتأخرين: ليس في العلم أشعر منه، وأما مثله فقليل، وقال أبو عمرو: قلت لجرير: ما تقول في الفرزدق. قال: أهجانا وأمدحنا، قلت: فما تقول في ذي الرمة؟ قال: نقط عروس وأبعار ظباء. قلت: فالأخطل. قال: أثنى للقمر والخمر. قلت: فما تقول فيك. قال أنا مدينة الشعر الذي أقول:
غيضن من عبراتهن وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا؟
وقال أبو حاتم السجستاني: قيل لابن هرمة: بسكون الراء من أشعر الناس. قال: من إذا لعب لعب، وإذا جد جد، مثل جرير يقول:
غيضن من عبراتهن وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا؟.
ثم جاء فقال:
إن الذي حرم الخلافة تغلباً ... جعل النبوة والخلافة فينا
مضر أبي وأبو الملوك فهل لكم ... يا حرز تغلب من أب كأبينا؟
هذا ابن عمي في دمشق خليفة ... لو شئت ساقكم إلى قطينا
قلت: وقد تقدم في تاريخ موت جرير نحو من هذا، مع زيادة في سنة عشر ومائة، وتقدم هناك تفسير الحرز والقطين.
وذكر بعض أئمة النحو أن أهل البصرة كانوا يقدمون امرؤ القيس، وأن أهل الكوفة كانوا يقدمون الأعشى، وإن أهل الحجاز والبادية كانوا يقدمون زهيراً.
وقال النابغة: ما تهاجى شاعران قط في جاهلية ولا إسلام، إلا وغلب أحدهما صاحبه، غير الفرزدق وجرير، فإنهما تهاجيا نحو ثلاثين سنة، ولم يغلب واحد منهما الآخر، وقال الأصمعي: قيل لحسان: من أشعر الناس. قال: أشعرهم رجلاً أو قبيلة. قالوا: بل قبيلة. قال: هذيل، قال الأصمعي: فهم أربعون شاعراً سلفاً، وكفهم يعدو على رجليه ليس فيهم فارس، وقال أبو حاتم: سألت الأصمعي: من أشعرهم. قال النابغة
(2/265)

الذبياني، وما قال الشعر إلا قليلاً، والنابغة الجعدي قال الشعر ثلاثين سنة ثم نبغ، فالشعر الأول من قوله جيد بالغ، والآخر كأنه مسروق، وقال: تسعة أعشار شعر الفرزدق سرقة، وكان يكابر، وأما جرير فله ثلاثمائة قصيدة، وما علمت سرق شيئاً قط إلا نصف بيت، ولا أدري لعله وافق شيء شيئاً. قلت: يعني أشاروا إليه في قولهم: قد يقع الحافر على الحافر.
رجعنا إلى ذكر المتنبي: ذكروا أنه مدح عدة ملوك، وقيل إنه وصل إليه من ابن العميد ثلاثون ألف دينار، ومن عضد الدولة صاحب شيراز مثلها. وأما تلقبه بالمتنبي، فذكروا أنه ادعى النبوة في بادية السماوة، وتبعه خلق كثير في تلك الناحية من كلب وغيرهم، فعند ظهور هذه الدعوى العظيمة التي تكذبها الآية الكريمة والأحاديث الصحيحة وإجماع الأمة بالأقوال الصريحة، خرج إليه لؤلؤ أمير حمص نائب الإخشيذ، فأسره، وتفرق أصحابه، وحبسه طويلاً ثم استتابه، وأطلقه وقيل غير ذلك، قالوا وادعاء النبوة أصح. ثم التحق بالأمير سيف الدولة بن حمدان في سبع وثلاثين وثلاثمائة، ثم فارقه ودخل مصر سنة ست وأربعين وثلاثمائة، فمدح كافوراً الإخشيذي، وكان يقف بين يديه وهو محتمل بسيف ومنطقة ويركب بحاجبين من مماليكه، وهما بالسيوف والمناطق، ولما لم يرضه هجاه وفارقه ليلة عيد النحر سنة خمسين وثلاثمائة، ووجه كافور في طلبه رواحل إلى جهات شتى فلم يلحق، وكان كافور قد ولاه بولاية بعض أعماله، فلما رأى تعاطيه في شعره السمو بنفسه خافه، وعوتب فيه فقال: يا قوم من ادعى النبوة بعد محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أما يدعي المملكة مع كافور الإخشيذي. فحسبكم.
قال أبو الفتح بن جني: كنت أقرأ ديوان أبي الطيب عليه، فقرأت عليه قوله في كافور القصيدة التي أولها:
ألا ليت شعري هل أقول قصيدة ... ولا أشتكي فيها ولا أتعتب
وفيما يدور الشعر عني أقله ... ولكن قلبي يأتيه القوم قلب
قال: فقلت له تغر علي كيف يكون هذا الشعر في ممدوح غير سيف الدولة؟ فقال: حذرناه وأنذرناه فما نفع، ألست القائل فيه:
أخا الجود أعط الناس ما أنت مالك ... ولا تعطين الناس ما أنت قائل
فهذا الذي أعطاني كافور بسوء تدبيره وقلة تميزه.
وكان لسيف الدولة مجلس بحضرة العلماء كل ليلة يتكلمون بحضرته، فوقع بين
(2/266)

المتنبي وابن خالويه النحوي كلام، فوثب ابن خالويه على المتنبي، فضرب وجهه بمفتاح كان بيده، فشجه فخرج ودمه يسيل على ثيابه، فغضب وخرج إلى مصر، وامتدح كافوراً ثم رحل عنه، وقصد بلاد فارس، ومدح عضد الدولة الديلمي، فأجزل جائزته. ولما رجع من عنده قاصداً إلى بغداد ثم إلى الكوفة في شعبان لثمان خلون منه، عرض له فاتك بن أبي الجهل الأسدي في عدة من أصحابه، وكان مع المتنبي أيضاً جماعة من أصحابه، فقاتلوهم فقتل المتنبي وابنه محسد " بضم الميم وفتح الحاء والسين المشددة بين المهملتين " وغلامه مفلح بالقرب من النعمانية، في موضع يقال له الصافية، وقيل خيال الصافية، من الجانب الغربي من سواد بغداد عند دير العاقول، بينهما مسافة ميلين.
وذكر ابن رشيق في " كتاب العمدة " في باب منافع الشعر ومضاره أن أبا الطيب لما فر حين رأى الغلبة، قال له غلامه: لا يتحدث الناس عنك بالفرار أبداً وأنت القائل:
الخيل والليل والبيداء تعرفني ... والحرب والضرب والقرطاس والقلم
فكر راجعاً حتى قتل.
وكان سبب قتله هذا البيت، وذلك يوم الأربعاء لست بقين، وقيل لليلتين بقيتا من شهر رمضان سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، وقيل يوم الاثنين لثمان بقين، وقيل لخمس بقين. ومولده سنة ثلاث وثلاثمائة بالكوفة، في محلة تسمى كندة، فنسب إليها. وليس هو من كندة التي هي قبيلة، بل هو جعفي القبيلة بضم الجيم وسكون العين المهملة وبعدها فاء ولما قتل المتنبي رثاه القاسم بن المظفر بقوله:
لا رعى الله شرب هذا الزمان ... إذ دهانا في مثل ذاك اللسان
ما رأى الناس ثاني المتنبي ... أي ثان يرى أنكر الزمان
كان من نفسه الكبير في ... جيش وفي كربادي سلطان
لو يكن جاء من الشعر أنبى ... ظهرت معجزاته في المعاني
قلت: وهذا البيت الأخير غيرت ألفاظ مصراعه الأول إلى هذه الألفاظ المذكورة، عدولاً عن بشاعة لفظه، وما يتضمن ظاهره من الكفر الموافق لما ادعاه المتنبي، فإنه قال في المصراع المذكور:
وهو في شعره نبي ولكن ... ظهرت معجزاته في المعاني
ويحكى أن المعتمد بن عباد اللخمي صاحب قرطبة وأشبيلية أنشد يوماً بيت المتنبي وهو من جملة قصيدته المشهورة:
(2/267)

إذا ظفرت منك العيون بنظرة ... أثاب بها معنى المطي ورازمه
وجعل يردده استحساناً له وفي مجلسه أبو محمد عبد الجليل بن وهيون الأندلسي، فأنشد ارتجالاً:
لئن جاد شعر ابن الحسين فإنما ... تجيد العطايا واللهى تفتح اللهى
تنبا عجباً للقريض ولو درى ... بأنك تدري شعره لنالها
قلت: يعني بالبيت الثاني أن المتنبي إنما تنبأ، أي ادعى النبوة إعجاباً منه بعشره، ولو درى أنك ستدري شعره وتستحسنه لناله، أي: ادعى الإلهية.
وقوله في البيت الأول: واللهى تفتح اللهى الأولى: بضم اللام، جمع لهوة بالضم، وهو ما يجعل في الرحى من الحب. والثانية بفتح اللام، جمع لهاة، وهي الهيئة المطبقة في أقصى سقف الفهم، واستعار بذلك استعارة حسنة، يعني إنما تفتح تلك اللها لأجل ما يوضع في فمه من المآكل الطيبة، والمراد إنما يجيد شعره ما يأخذه من أموال السلاطين والولاة. وذلك الذي حمله على تجويد شعره. ولقد أبدع عبد الجليل المذكور في هذين البيتين من ثلاثة أوجه: الأول: الارتجال، والثاني: ما تضمنا من المعاني الحسنة المطابقة للحال، والثالث ما ضمنه من الجناس الحسن.
وقيل: المتنبي أنشد لسيف الدولة في الميدان قصيدة " لكل امرىء من دهره ما تعودا "، فلما عاد سيف الدولة إلى داره، استعاده إياها، فأنشدها قاعداً. فقال بعض الحاضرين ممن يريد أن يكيد أبا الطيب: لو أنشدها قائما لأسمع، فأكثر الناس لا يسمعونه، فقال أبو الطيب: أما سمعت أولها " لكل امرىء من دهره ما تعودا "، وهذا من مستحسن الأجوبة. ومحمود أخباره ومستحسن آثاره نحوت فيها نحو الاختصار، فلم أذكر شيئاً مما له من المدائح والأشعار استغناء بما فيها من الاشتهار.
وفي السنة المذكورة توفي العلامة الحبر الحافظ صاحب التصانيف أبو حاتم محمد بن حبان بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة التميمي البستي، وكان من أوعية العلم في الحديث والفقه واللغة والوعظ وغير ذلك حتى الطب والنجوم والكلام، ولي قضاء سمرقند ثم قضاء نسا، وغاب دهراً عن وطنه ثم رد إلى بست وتوفي فيها.
وفيها توفي المحدث محمد بن عبد الله بن إبراهيم البغدادي الشافعي. قال
(2/268)

الخطيب: كان ثقة ثبتاً، حسن التصانيف، قال: ولما منعت الديلم الناس من ذكر فضائل الصحابة كتبوا السب على أبواب المساجد، وكان يتعمد إملاء أحاديث الفضائل في الجامع.

خمس وخمسين وثلاث مائة
فيها أخذ ركب مصر والشام، وهلك الناس، وتمزقوا في البراري، أخذتهم بنو سليم.
وفيها توفي الحافظ أبو بكر محمد بن عمر بن محمد بن سليم التميمي البغدادي.
روي عنه أنه قال: أحفظ أربعمائة ألف حديث، وأذاكر ستمائة ألف حديث. وذكر الدارقطني أنه خلط وأنه شفي.
وفيها توفي أبو الحكم منذر بن سعيد البلوطي قاضي الجماعة بقرطبة، وكان ظاهري المذهب فطناً مناظراً ذكياً بليغاً مفوهاً شاعراً كثير التصانيف، قوالاً للحق، ناصحاً للخلق، عزيز المثل رحمه الله تعالى.
فيها توفي أبو محمد مسلم بن معمر بن ناصح الدهلي الأديب بأصبهان.

ست وخمسين وثلاث مائة
فيها أقامت الرافضة المآتم على الحسين على العادة المارة في هذه السنوات.
وفيها توفي السلطان معز الدولة أحمد بن بويه الديلمي، وكان في صباه يخطب، وأبوه يصيد السمك، فما زال يترقى في مراقي الدنيا إلى أن ملك بغداد نيفاً وعشرين سنة، ومات بالإسهال وكان حازماً سائساً مهيباً رافضياً عالماً، وقيل أنه رجع في مرضه عن الرفض، وندم على الظلم، وهو عم عضد الدولة وعماد الدولة وركن الدولة، وسيأتي ذكرهم بعد إن شاء الله تعالى.
وفيها توفي أبو محمد المغفلي بفتح الغين المعجمة والفاء المشددة أحمد بن عبد الله الهروي، أحد الأئمة. قال الحاكم: كان إمام أهل خراسان بلا مدافعة، وكان فوق الوزراء، وكانوا يصدرون عن رأيه.
وفيها توفي أبو علي إسماعيل بن القاسم البغدادي النحوي الأخباري، صاحب
(2/269)

التصانيف، ونزيل الأندلس بقرطبة، في ربيع الآخر. أخذ الأدب عن ابن كبريت وابن الأنباري، وسمع من أبي يعلى الموصلي والبغوي وطبقتهما، وألف كتاب البارع في اللغة، في خمسة آلاف ورقة، لكن لم يتمه.
وفيها توفي صاحب كتاب الأغاني أبو الفرج علي بن الحسين القرشي الأموي المرواني، الأصبهاني الأصل، البغدادي المنشأ، الكاتب الأخباري. كان أديباً نسابة علامة شاعراً، كثير التصانيف وقال بعض المؤرخين: ومن العجائب أنه مرواني شيعي وكان عالماً بأيام الناس والأنساب والسير روى عن كثير من العلماء.
قال التنوخي: كان يحفظ من الشعر والأغاني والأخبار والآثار والأحاديث المسندة ما لم أر قط من يحفظ مثله، ويحفظ دون ذلك من علوم أخرى. منها: اللغة والنحو والخرافات والسير والمغازي، ومن آلة المنادمة شيئاً كثيراً، مثل علم الجوارح والبيطرة والطب والنجوم والأشربة وغير ذلك. وله شعر يجمع إتقان العلماء وإحسان الظرفاء الشعراء. وله المصنفات المستملحة، منها كتاب الأغاني الذي وقع الاتفاق عليه أنه لم يعمل في باب مثله، يقال أنه جمعه في خمسين سنة، وحمله إلى سيف الدولة بن حمدان، فأعطاه ألف دينار واعتذر إليه.
وحكي، عن الصاحب بن عباد أنه كان يستصحب في أسفاره وتنقلاته، حمل ثلاثين جملاً من كتب الأدب ليطالعها، فلما وصل إليه كتاب الأغاني لم يكن بعده يستصحب سوأه، مستغنياً به عنها. ومنها " كتاب القيان "، و " كتاب الإماء الشواعر "، و " كتاب الدرايات "، و " كتاب دعوة التجار "، و " كتاب مجرد الأغاني "، و " كتاب الألحانات وأدب الغرباء "، وكتب صنفها لبني أمية ملوك أندلس وسيرها إليهم سراً. منها كتاب نسب بني عبد شمس " و " كتاب أيام العرب "، ألف وسبع مائة يوم و " كتاب التعديل والانتصاف " في مآثر العرب ومثالبها، و " كتاب جمهرة النسب "، و " كتاب نسب بني شيبان "، و " كتاب نسب المهالبة "، و " كتاب نسب بني تغلب ونسب بني كلاب "، و " كتاب المغنين الغلمان " وغير ذلك. وكان منقطعاً إلى الوزير المهلبي، وله فيه مدائح، من قوله قوله:
ولما انتجعنا لائذين بظله ... أعان، وما عنا، ومن وما منا
وردنا عليه معترين فراشنا ... وزدنا نداه مجدبين فأخصبنا
وله فيه من قصيدة يهنىء فيها بمولود جاءه من سرية رومية:
أسعد بمولود أتاك مباركاً ... كالبدر أشرق جنح ليل مقمر
(2/270)

سعد لوقت سعاد جاءت به ... أم حصان من بنات الأصفر
متبجج في ذر ولي شرف الورى ... بين المهلب منتماه وقيصر
شمس الضحى قرنت إلى بدر الدجى ... حتى إذا اجتمعا أتت بالمشتري
وأشعاره كثيرة، ومحاسنه شهيرة، وكانت ولادته سنة أربع وثمانين ومائتين.
وفيها توفي سيف الدولة الأمير الجليل الشأن علي بن عبد الله بن حمدان التغلبي الجزري، صاحب الشام، توفي بحلب وعمره بضع وخمسون سنة. وكان بطلاً شجاعاً أديباً شاعراً جواداً ممدحاً وقال أبو منصور الثعالبي في كتاب " يتيمة الدهر ": كان بنو حمدان ملوكاً، وجههم للصباحة، وألسنتهم للفصاحة، وأيديهم للشجاعة، وعقولهم للراحة، وسيف الدولة مشهور بسيادتهم، وواسطة قلادتهم، حضرته مقصد الوفود، ومطلق الجود، وقبلة الآمال ومحل الرحال، وموسم الأدباء، وحلية الشعراء. قيل إنه لم يجتمع بباب أحد من الملوك بعد الخلفاء ما اجتمع ببابه من شيوخ الشعر ونجوم الدهر، وإنما السلطان سوق يجلب إليها ما ينفق لديها، وكان أديباً شاعراً مجيداً محباً لجيد الشعر، شديد الاهتزاز له. وكان كل من أبي محمد وعبد الله بن محمد الغياض الكاتب، وأبي الحسن علي بن محمد الشمساطي، قد اختار من مدائح الشعر لسيف الدولة عشرة آلاف بيت.
ومن محاسن شعر سيف الدولة في وصف قوس قزح الأبيات الآتيات، وقد أبدع فيه كل الإبداع، وقيل إنها لأبي الصقر القميصي، والقول الأول ذكره الثعالبي في كتاب اليتيمة.
وساق صبيح للصبوح دعوته ... فقام وفي أجفانه سنة الغمض
يطوف بكاسات العقار كأنجم ... فمن بين منفض علينا ومنفض
وقد نشرت أيدي الجنوب مطارفاً ... على الجود كنار الحواشي على الأرض
يطرزها قوس السحاب بأصفر ... على أحمر في أخضر تحت مبيض
كأذيال خود أقبلت في غلائل ... مصيغة، والبعض أقصر من بعض
قال ابن خلكان: وهذا من التشبيهات الملوكية التي لا يكاد يحضر مثلها للسوقية، والبيت الأخير أخذ معناه أبو علي الفرج. بن محمد المؤدب البغدادي، فقال في فرس أدهم محجل: لبس الصبيح والدجنة بردين فأرخى برداً وقلص برداً وقيل إنها لعبد الصمد بن المعدل.
وكانت له جارية من بنات ملوك الروم في غاية الجمال، فحسدها بقية الخطايا، لقربها منه ومحلها من قلبه، وعزم على إيقاع مكروه بها من سم أو غيره، فبلغه الخبر، وخاف عليها، فنقلها إلى بعض الحصون احتياطاً وقال:
(2/271)

راقبتني العيون فيك فأشفقت ... ولم أخل قط من إشفاق
ورأيت العدو يحسدني فيك ... محداً يا أنفس الأعلاق
فتمنيت أن تكوني بعيداً ... والذي بيننا من الود باق
رب هجر يكون من خوف هجر ... وفراق يكون من خوف فراق
قال ابن خلكان: رأيت هذه الأبيات بعينها في ديوان عبد المحسن الصوري، والله تعالى أعلم لمن هي، منهما ومن شعره أيضاً:
أقبله على جزع ... أكثر بالطائر الفزع
رأى ماء فأطعمه ... وخاف عواقب الطمع
وصادف خلسة فدنا ... ولم يلتذ بالجزع
ويحكى أن ابن عمه أبا فراس كان يوماً بين يديه في نفر من ندمائه، فقال سيف الدولة: أيكم يجيز قولي، وليس له إلا سيدي، يعني أبا فراس:
لك جسمي بعله ... فدمي لم تحله
فارتجل أبو فراس وقال:
إن كنت مالكاً ... فلي الأمر كله
فاستحسنه وأعطاه ضيعة بأعمال منبج المدينة المعروفة، تغل ألفي دينار كل سنة ومن شعر سيف الدولة أيضاً:
تجني علي الذنب والذنب ذنبه ... وعاتبني ظلماً وفي شقه العنب
إذا برم المولى بخدمة عبده ... يجني له ذنباً وإن لم يكن ذنب
وأعرض لما صار قلبي بكفه ... فهلا جفاني حين كان لي القلب
وذكر الثعالبي في اليتيمة أن سيف الدوله كتب إلى أخيه ناصر الدولة:
رضيت لك العليا وإن كنت أهلها ... وقلت لهم بيني وبين أخي فرق
ولم يك لي عنها نكول وإنما ... تحافيت عن حقي فتم لك الحق
ولا بد لي من أن أكون مصلياً ... إذا كنت أرضى أن يكون لك السبق
ويحكى أن سيف الدولة كان يوماً بمجلسه، والشعراء ينشدونه، فتقدم إنسان رث
(2/272)

الهيئة وهو بمدينة حلب فأنشده:
أنت علي هذه حلب ... قد نفذ الزاد وانتهى الطلب
بهذه هجر البلاد وبالأمير ... تزهو على الورى العرب
وعبدك الدهر قد أضر به ... إليك من جور عبدك الهرب
فقال سيف الدولة: أحسنت والله وأمر له بمائتي دينار، وقال أبو القاسم عثمان بن محمد قاضي عين زربة بالزاي ثم الراء ثم الموحدة حضرت مجلس الأمير سيف الدولة بحلب، وقد وافاه القاضي أبو نصر محمد بن محمد النيسابوري، وقد طرح في كمه كيساً فارغاً، ودرجاً فيه شعر، استأذن في إنشاده، فأذن له فأنشد قصيدة أولها:
جنابك معتاد وأمرك نافذ ... وعبدك محتاج إلى ألف درهم
فلما فرغ من شعره ضحك سيف الدولة ضحكاً شديداً، وأمر له بألف درهم، فجعلت في الكيس الفارغ الذي كان معه.
وكان أبو بكر محمد، وأبو عثمان سعيد، ابنا هاشم المعروف بالخالد من الشعراء المشهورين، أبو بكر أكبرهما، وقد وصلا إلى حضرة سيف الدولة، ومدحاه فأنزلهما وقام بواجب حقهما، وبعث لهما مرة وصيفاً ووصيفة، ومع كل واحد منهما بدرة، وتخت ثياب من عمل مصر، فقال أحدهما من قصيدة طويلة:
لم يعد شكرك في الخلائق مطلقاً ... إلا ومالك في النوال حبيس
حولتنا شمساً وبدراً أشرقت ... بهما الدنيا الظلمة الحنديس
رسالة أتانا وهو حسناء يوسف ... وغزالة هي بهجة بلقيس
وهذا ولم تقنع بذا وبهذه ... حتى بعثت المال وهو نفيس
أتت الوصيفة وهي تحمل بدرة ... وأتى على ظهر الوصيف الكيس
وحبوتنا مما أحادث حوله ... مصر وزادت حسنة بئيس
فغدا لنا من جودك المأكول ... والمشروب والمنكوح والملبوس
فقال سيف الدولة: أحسنت إلا في لفظة المنكوح، فليس مما يخاطب الملوك بها.
ومن أشعار سيف الدولة، وقد جرت بينه وبين أخيه وحشة، فكتب إليه سيف الدولة:
لست أجفو وإن جفيت ولا ... أترك حقاً علي في كل حال
إنما أنت والد، والأب ... الجافي يجازي بالصبر والاحتمال
وكتب إليه مرة أخرى ما تقدم من قوله قريباً: " رضيت لك العليا وإن كنت أهلها ".
(2/273)

وكان الذي لقيهما ناصر الدولة وسيف الدولة. الخليفة المتقي لله، وعظم شأنهما، وكان الخليفة المكتفي بالله قد ولى أباهما عبد الرحمن بن حمدان الموصل وأعمالها. وناصر الدولة أكبر سناً من سيف الدولة، فملك الموصل بعد أبيه، وكان أقدم منزلة عند الخلفاء.
فلما توفي سيف الدولة تغيرت أحواله كما سيأتي في ترجمته. وأخبار سيف الدولة كثيرة مع الشعراء، خصوصاً مع المتنبي والسري الرفاء واليامي والببغا. ولو أراد تلك الطبقة في تعدادهم طول. وكانت ولادته يوم الأحد سابع عشر ذي الحجة، سنة ثلاث وثلاث مائة، وقيل سنة إحدى وثلاث مائة. وتوفي يوم الجمعة ثالث ساعة وقيل رابع ساعة، لخمس بقين من صفر، السنة المذكورة بحلب وقد نقل إلى فارقين ودفن في تربة.
وكان قد جمع له من بعض الغبار الذي يجتمع عليه في غزواته شيئاً وعمله بقدر الكف، وأوصى أن يوضع خده عليها في لحده، فنفذت وصيته في ذلك، وكان تملكه بحلب في سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، انتزعها من يد أحمد بن سعيد الكلابي صاحب الإخشيذ: قلت ولعله المراد بقول الشاعر:
ما زلت أسمع والركبان تخبرني ... عن أحمد بن سعيد أطيب الخبر
حتى التقينا فلا والله ما سمعت ... أذني بأحسن مما قد رأى بصري
على ما ذكر بعض أهل المعاني والبيان، أنه أحمد بن سعيد، والذي ذكره ابن خلكان وغيره أنه جعفر بن فلاح، وإن قائلهما ابن هانىء الأندلسي، وغلط من قال خلاف هذا، والبيتان المذكوران في ترجمة جعفر المذكور في سنة ستين وثلاثمائة.
وملك بعد سيف الدولة ولده سعد الدولة أبو المعالي شريف بن سيف الدولة. وطالت مدته أيضاً في المملكة، ثم عرض له قولنج أشرف منه على التلف، وفي اليوم الثالث من عافيته واقع جاريته، فلما فرغ منها سقط عنها، وقد جف شقه الأيمن، فدخل عليه طبيبه، فأمر أن يسحق عنده الند والعنبر، فأفاق قليلاً، فقال الطبيب له: أرني مجسك، فناوله يده اليسرى، فقال: أريد اليمنى، فقال: ما تركت اليمين يميناً، وكان قد حلف وغدر.
وتوفي ليلة الأحد لخمس بقين من شهر رمضان سنة إحدى وثمانين وثلاث مائة، وعمره أربعون سنة وست أشهر وعشرة أيام، وتولى بعده ولده أبو الفضل سعد ولم يذكروا تاريخ وفاته، وبموته انقرض ملك بني سيف الدولة.
(2/274)

وفي السنة المذكورة، وقيل في العام الآتي توفي أبو المسك كافور الحبشي الأسود الخادم الإخشيذي، صاحب الديار المصرية. اشتراه الإخشيذ صاحب مصر والحجاز والشام، فتقدم عنده حتى صار من أكبر قواده، لعقله ورأيه وشجاعته، ثم صار أتابك ولده الأكبر أبي القاسم بعده وكان صبياً فبقي الاسم لأبي القاسم ولد الكافور، فأحسن سياسة الأمور إلى أن مات أبو القاسم سنة تسع وأربعين وثلاث مائة. وأقام كافور في الملك بعده وتولى بعده أخوه أبو الحسن علي، فاستمر كافور على نيابته وحسن سيرته إلى أن توفي علي المذكور سنة خمس وخمسين ثلاث مائة، وقيل بل أربع وخمسين.
ثم استقل كافور بالمملكة من هذا التاريخ وكان وزيره أبو الفضل جعفر ابن الفرات وكان يرغب في أهل الخير ويعظمهم، وكان شديد السواد، اشتراه الإخشيذ بثمانية عشر ديناراً على ما قيل.
وكان أبو الطيب المتنبي قد فارق سيف الدولة بن حمدان مغاضباً كما تقدم وقصد مصر وامتدح كافوراً بمدائح حسان، فمن ذلك قوله في أول قصيدة، وقد وصف الخيل:
قواصد كافور تدارك غيره ... ومن قصد البحر استقل السواقيا
فجاءت بنا إنسان عين زمانه ... فحقت بياضاً خلفها ومآقيا
فأحسن في هذا إحساناً بلغ الغايات القصوى، قلت: ولدي أنه لو قال: " يومين بحراً تاركين سواقيا " ومن قصد البحر إلى آخره، كان أحسن وأنشد أيضاً القصيدة التي يقول فيها:
وأخلاق كافور إذا شئت مدحه ... وإن لم أشأ تملى علي فأكتب
إذا ترك الإنسان أهلاً وراءه ... ويم كافوراً فما يتغرب
ومن جملتها:
ويصلحك في ذي العبد كل حبيبة ... خلاني فأبكي من أحب وأندب
أحسن إلى أهلي وأهوى لقاءهم ... وأين من المشتاق عنقاء مغرب
فإن لم يكن إلا أبو المسك أوهم ... فإنك أحلى في فؤادي وأعذب
وكل امرىء يؤتى الجميل يحبه ... وكل مكان ينبت العز أطيب
ومن قصيدة هي آخر شيء أنشده:
أرى لي بقربي منك عيناً قريرة ... وإن كان قرباً بالبعاد خباب
(2/275)

وهل نافعي أن ترفع الحجب بيننا ... ودون الذي أمليت منك حجاب
وفي النفس حاجات وفيك فطانة ... سكوتي بيان عنهما وخطاب
وما أنا بالباغي على الحب رشوة ... ضعيف هوى يبغى عليه ثواب
وما شئت إلا أن أدل عواذلي ... على أن رأيي في هواك صواب
وأعلم قوماً خالفوني فشرقوا ... وغربت إني قد ظفرت وخابوا
جرى الخلف إلا فيك أنك واحد ... وأنك ليث والملوك ذباب
وأن مديح الناس حق وباطل ... ومدحك حق ليس فيه كذاب
إذا نلت منك الود فالمال هين ... وكل الذي فوق التراب تراب
وما كنت لولا أنت إلا مهاجراً ... له كل يوم بلدة وصحاب
ولكنك الدنيا إليك حبيبة ... فما عنك لي إلا إليك ذهاب
وأقام المتنبي بعد إنشاد هذه القصيدة بمصر سنة لا يلقى كافوراً غضباً عليه، يركب في خدمته خوفاً منه، ولا يجتمع به، واستعد للرحيل في الباطن، وجهز جميع ما يحتاج إليه، وقال في يوم عرفة سنة خمسين وثلاثمائة قبل مفارقته مصر بيوم واحد قصيدته الدالية التي هجا كافوراً فيها، وفي أخرها:
من علم الأسود المخصي تكرمة ... أأمه البيض أم آباؤه الصيد
وله فيه من الهجو كثير، تضمنه ديوانه، ثم فارقه، وبعد ذلك دخل إلى عضد الدولة.
وذكر بعضهم قال: حضرت مجلس كافور الإخشيذي، فدخل رجل ودعا له، فقال في دعائه: أدام الله تعالى أيام مولانا " بكسر الميم " من أيام، فتكلم جماعة من الحاضرين في ذلك وعلبوه، فقام رجل من أوساط الناس، وأنشد مرتجلاً:
لا غرو إن لحن الداعي لسيدنا ... أو غض من دهش بالريق أو نهر
فتلك هيبة حالت جلالتها ... بين الأديب وبين القول بالحصر
وإن يكن خفض الأيام من غلط ... في موضع النصب لا عن قلة النظر
فقد تفاءلت من هذا لسيدنا ... والفأل مأثورة عن سيد البشر
بأن أيامه خفض بلا نصب ... وأن أوقاته صفو بلا كدر
قوله بالحصر " بفتح الحاء والصاد المهملتين ": العي، وهو أيضاً ضيق الصدر وأخبار كافور كثيرة، ولم يزل مستقلاً بالأمر بعد أمور يطول شرحها إلى أن توفي يوم الثلاثاء لعشر بقين من جمادى الأولى من السنة المذكورة بمصر على القول الصحيح، ودفن بالقرافة، وقبته هناك مشهورة، ولم تطل مدته في الاستقلال على ما ظهر من تاريخ موت علي بن
(2/276)

الأخشيذ إلى هذا التاريخ. وكانت بلاد الشام في مملكته أيضاً مع مصر، وكان يدعى له على المنابر بمكة والحجاز جميعه، والديار المصرية وبلاد الشام، من دمشق وحلب وأنطاكية وطرسوس ومصيصة وغير ذلك، وعاش نيفاً وستين سنة.

سبع وخمسين وثلاث مائة
لم يحج الركب فيها لفساد الوقت وموت للسلاطين في الشهور الماضية.
وفيها توفي الحافظ صاحب التصانيف أبو سعيد النخعي البسري.
وفيها توفي المتقي لله أحمد بن الموفق العباسي المخلوع المسمول العينين، توفي في السجن وكانت خلافته أربع سنين، وكان فيه صلاح وكثرة صلاة وصيام، ولم يكن يشرب، وفي خلافته انهدمت القبة الخضراء المنصورية التي كانت فخر بني العباس.
وفيها توفي الحافظ المحدث عمر بن جعفر البصري رحمه الله.
وفيها توفي أبو فراس الحارث بن أبي العلاء، سعيد بن حمدان، ابن عم سيف الدولة. قال الثعالبي في وصفه: كان فرد دهره، وشمس عصره أدباً وفضلاً، وكرماً ومجداً وبلاغة وبراة، وفروسية وشجاعة، وشعره مشهور سائر بين الحسن والجودة، والسهولة والجزالة، والعذوبة. والفخامة والحلاوة ومعه ذو الطبع وسمة الظرف وعزة الملك ولم تجتمع هذه الخلال قبله إلا في شعر عبد الله بن المعتز. وأبو فراس يعد أشعر منه عند أهل الصنعة ونقدة الكلام. وكان ابن عباد يقول بدىء الشعر بملك، وختم بملك، يعني امرىء القيس وأبا فراس. وكان المتنبي يشهد له بالتقدم والتبريز، ويتحامى جانبه، ولا يمتري لمماراته، ولا يجتزي لمجازاته، وإنما لم يمدحه ومدح من دونه من آل حمدان، إعظاماً وإجلالاً، لا إغفالاً وإخلالاً، وكان سيف الدولة يعجب جداً بمحاسن أبي فراس، ويميزه بالإكرام على سائر قومه، ويستصحبه في غزواته، ويستخلفه في أعماله. وكانت الروم أسرته في بعض وقائعها، وهو جريح قد أصابه سهم، بقي نصله في فخذه، وأقام في الأسر أربع سنين في قسطنطينية، وأسرته الروم مرة قبلها، وذهبوا إلى قلعة يجري الفرات تحتها ويقال أنه ركب فرسه، وركض برجله، فأهوى به من أعلى الحصن إلى الفرات.
وقيل أنه لما مات سيف الدولة عزم على التغلب على حمص، فاتصل خبره بأبي المعالي بن سيف الدولة وغلام لأبيه، فأنفذ إليه من قاتله، فأخذ وقد ضرب ضربات فمات في الطريق، وقيل: بل مات من حرب بينه وبين موالي أسرته، وقال بعضهم: كان أبو فراس خال أبي المعالي، فقلعت أم أبي المعالي عينها، لما بلغها وفاته، وقيل: بل لطمت وجهها فقلعت عينها. وقيل: بل قتله غلام سيف الدولة، ولم يعلم أبو المعالي، فلما بلغه الخبر
(2/277)

شق عليه. والله تعالى أعلم أي ذلك كان.
وله ديوان شعر من جملته قوله:
قد كنت عدتي التي أسطو فيها ... ويدي إذا اشتد الزمان وساعدي
فرميت منك بضد ما أملته ... والمرء يشرب بالزلال البارد
وله:
أساء فزادته الإساءة حظوة ... حبيب على ما كان منه حبيب
يعددني الواشون منه ذنوبه ... ومن أين للوجه المليح ذنوب
وله:
ونحن أناس لا توسط بيننا ... لنا الصدر دون العالمين أو القبر
تهون علينا في المعالي نفوسنا ... ومن خطب الحسناء لم يغلها المهر
وله:
كانت مودة سلمان له نسباً ... ولم يكن بين نوح وابنه رحم

ثمان وخمسين وثلاث مائة
فيها كان خروج الروم من الثغور، فأغاروا وقتلوا وسبوا، ووصلوا إلى حمص، وعظم المصائب، وجاءت المغاربة مع القائد جوهر المغربي، وأخذوا ديار مصر، وأقام الدعوة لبني عبيد الرافضة، مع أن الدعوة بالعراق في هذه المدة رافضية، وشعارهم قائم يوم عاشوراء ويوم الغدير، وستأتي قصة القائد جوهر المذكور، إن شاء الله تعالى.
وفيها توفي ناصر الدولة الحسن بن أبي الهيجا، عبد الله بن حمدان التغلبي، صاحب الموصل. وكان أخوه سيف الدولة يتأدب معه لسنة ومنزلته عند الخلفاء، وكان هو كثير المحبة لسيف الدولة، فلما توفي حزن عليه ناصر الدولة، وتغيرت أحواله، وضعف عقله، فبادره ولده أبو ثعلب الغضنفر، عمدة الدولة، فحبسه في حصن السلامة، ومنعه من التصرف، وقام بالمملكة، ولم يزل ناصر الدولة معتقلاً إلى أن مات.
وفيها توفي أبو القاسم زيد بن علي العجل العجلاني الكوفي، شيخ الإقراء ببغداد.
وفيها توفي محدث دمشق محمد بن إبراهيم القرشي الدمشقي، وكان ثقة مأموناً جواداً مفضلاً، أخرج له الحافظ ابن منده ثلاثين جزءاً.
(2/278)

تسع وخمسين وثلاثين ومائة
فيها توفي الفقيه الإمام الشافعي أحمد بن محمد المعروف بابن القطان، أخذ الفقه عن ابن سريج، ثم من بعده عن أبي إسحاق المرزوي، وأخذ عنه العلماء، وله مصنفات في أصول الفقه وفروعه، انتهت إليه الرياسة.
وفيها توفي الفقيه مسند أصفهان، أحمد بن بندار السفار، وأحمد بن يوسف بن خلاد النصيبيني.
وفيها توفي المحدث الحجة أبو علي بن الصواف البغدادي، قال الدارقطني: ما رأت عيناي مثله ومثل آخر بمصر.

ستين وثلاث مائة
فيها لحق المطيع فالج أبطل نصفه وأثقل لسانه. وأقامت الشيعة عاشوراء باللطم والعويل والأنواح، وعيد الغدير بالكوسات واللهو والأفراح.
وفيها توفي جعفر بن الكثامي بضم الكاف وبعدها مثلثة الذي ولي دمشق للباطنية، وهو أول نائب وليها لبني عبيد وكان أحد قواد المعز العبيدي، وكان قد سار إلى الشام، فأخذ الرملة ثم دمشق، بعد أن حاصر أهلها أياماً، ثم قدم لحربه الحسن بن أحمد القرمطي الذي تغلب قبله على دمشق وكان جعفر مريضاً فأسره القرمطي وقتله. وكان رئيساً جليل القدر ممدوحاً. وفيه يقول أبو القاسم محمد بن هانىء الأندلسي الشاعر المشهور:
كانت مساءلة الركبان تخبرني ... عن جعفر بن فلاح طيب الخبر
حتى التقينا فلا والله ما سمعت ... أذني بأحسن مما قد رأى بصري
قلت: وبعضهم يرويه بأطيب، وبعضهم يقول عن أحمد بن سعيد أعني: الممدوح والناس يقولون هما لأبي تمام.
قال ابن خلكان: هو غلط، بل هما لمحمد بن هانىء المذكور، وقال يرويهما عن أحمد بن سعيد وداود وليس كذلك بل عن جعفر بن فلاح. انتهى.
وفيها توفي الحافظ العلم مسند العصر أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب
(2/279)

اللخمي الطبراني في ذي القعدة بأصبهان، وله مائة سنة وعشرة أشهر، وكان ثقة صدوقاً، واسع الحفظ، بصيراً بالعلل والرجال والأبواب، كثير التصانيف. وأول سماعاته بطبرية، ثم رحل إلى القدس، ثم إلى حمص وجبلة ومدائن الشام. وحج ودخل اليمن، ورد إلى مصر، ثم رحل إلى العراق وأصفهان وفارس. وروى عن أبي زرعة الدمشقي وغيره من تلك الطبقة.
وفيها توفي الحافظ أبو عمرو بن مطر النيسابوري، وكان متعففاً قانعاً باليسير، يحيي الليل، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويجتهد في متابعة السنة.
وفيها توفي الآجري محمد بن الحسين البغدادي الفقيه المحدث، كان صالحاً عابداً. روى عن جماعة، منهم أبو شعيب الحراني، وأحمد بن يحيى الحلواني، والفضل بن محمد الجندي " بفتح الجيم والنون " وخلق كثير. وصنف في الحديث والفقه كثيراً، وروى عنه جماعة من الحفاظ، منهم: أبو نعيم الأصفهاني صاحب كتاب " حلية الأولياء "، جاور بمكة وتوفي بها. وقيل أنه لما دخلها أعجبته فقال: اللهم ارزقني الإقامة بها سنة، وسمع هاتفاً يقول له: بل ثلاثين سنة، فعاش بها ثلاثين سنة، ثم توفي رحمه الله.
وفيها توفي أبو القاسم بن أبي يعلى الهاشمي الشريف لما أخذ العبيديون دمشق، ثم قام هذا الشريف، وقام معه أهل الغوطة والسبات، واستفحل أمره في ذي الحجة سنة تسع وخمسين، وطرد عن دمشق متوليها، ولبس السواد، وأعاد الخطبة لبني العباس، فلم يلبث إلا أياماً حتى جاء عسكر المغاربة، وحاربوا أهل دمشق، وقتل بين الفريقين جماعة، ثم هرب الشريف في الليل، وصالح أهل البلد العسكر، وأسر الشريف عند تدمر، أسره جعفر بن فلاح على جمل، وبعث به إلى مصر.
وفيها توفي الشيخ العارف أبو الحسن بن سالم البصري، وكان له أحوال ومجاهدات، وعنه أخذ الأستاذ الشيخ العارف أبو طالب المكي صاحب القوت وأبو الحسن المذكور آخر أصحاب شيخ الشيوخ العارفين سهل بن عبد الله التستري وفاة.
وفيها توفي الوزير أبو الفضل محمد بن الحسين، المعروف بابن العميد. كان وزير.
(2/280)

ركن الدولة ابن بويه، وكان متوسعاً في علوم الفلسفة والأجرام، وإمام الأدب والترسل، فلم يقاربه فيه أحد في زمانه، وكان كامل الرئاسة، جليل المقدار. ومن بعض أتباعه الصاحب ابن عباد، ولأجل صحبته قيل له: الصاحب، وكانت له في الرئاسة اليد البيضاء، وفي براعته في الكتابة قيل: بدأت الكتابة بعبد الحميد، وختمت بابن العميد. وقصده جماعة من مشاهير الشعراء بالمدائح، منهم المتنبي، مدحه بقصيدته التي أولها:
باد هواك صبرت أو لا تصبرا ... وبكاك إن لم يجر دمعك أو جرى
وقلت وفي إعراب قافية هذا البيت وقع بحث، وحاصله أن الألف هنا منقلبة عن نون التأكيد الخفيفة. فأعطاه ثلاثة آلاف دينار. ولما مات ابن العميد رتب ركن الدولة مكانه ابنه ذا الكتابتين: أبا الفتح علياً، وكان جليلاً نبيلاً ثرياً. ثم قبض عليه ركن الدولة في آخر الأمر، وصادره حتى بلغة عتاب العذاب. نسأل الله تعالى العافية من غرور الدنيا، وما فتنت به كل مصاب.
وفيها توفي الحافظ أبو محمد الرامهرمزي والجابري عبد الله بن جعفر الموصلي.
وفيها توفي أبو عبد الرحمن: عبد الله بن عمر المروزي الجوهري، محدث مرو.
وفيها توفي أبو جعفر الدراوردي محمد بن عبد الله بن بردة. حدث بهمدان.

إحدى وستين وثلاث مائة
فيها أخذ ركب العراق، اعترضته بنو هلال، وقتلوا خلقاً. وبطل الحج إلا طائفة نجت، ومضت مع أمير الركب الشريف أبي أحمد الموسوي، والد الشريف المرتضى.
وفيها توفي الحافظ أبو عبد الله: محمد بن الحارث بن أسد الخشني القيرواني مصنف " كتاب الاختلاف والافتراق " في مذهب مالك و " كتاب الفتيا " و " كتاب تاريخ الأندلس "، و " كتاب تاريخ إفريقية "، و " كتاب النسيب ".

اثنتين وستين وثلاث مائة
فيها توفي عالم البصرة الإمام الكبير أبو حامد المروزي: أحمد بن عامر الشافعي
(2/281)

صاحب التصانيف، وصاحب أبي إسحاق المروزي. تفقه به أهل البصرة.
وفيها توفي أبو إسحاق المزكي النيسابوري قال الحاكم: هو شيخ نيسابور في عصره، وكان من العباد المجتهدين المحاجين المنفقين على العلماء والفقراء، وكان مثرياً متمولاً، دفن بنيسابور.
وفيها توفي الأمير الأديب الممدوح بمقصورة ابن دريد: إسماعيل بن عبد الله بن محمد بن ميكائيل.
وفيها توفي أبو جعفر البلخي الهندواني، الذي كان من براعته في الفقه يقال له أبو حنيفة الصغير. توفي ببخارى، وكان شيخ تلك الديار في زمانه.
وفيها توفي ابن فضالة المحدث الأموي، مولاهم الدمشقي.
وفيها توفي حامل لواء الشعر بالأندلس أبو الحسن محمد بن هانىء الأزدي الأندلسي الشاعر المشهور. قيل: إنه من ولد يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي، وقيل: بل هو من ولد أخيه روح، وكان أبوه هانىء من قرية من قرى المهدية بإفريقية. وكان شاعراً أديباً، فانتقل إلى الأندلس، فولد بها محمد المذكور بمدينة أشبيلية، ونشأ بها واشتغل، وحصل له حظ وافر من الأدب، وعمل الشعر فمهر فيه. وكان حافظاً أشعار العرب وأخبارهم، واتصل بصاحب أشبيلية، وحظي عنده. وكان منتهكاً للحرمات منهمكاً في اللذات، متهماً بالعقائد الفلسفيات. ولى اشتهر عنه ذلك نقم عليه أهل أشبيلية، وساءت المقالة في حق الملك بسببه، واتهم بمذهبه أيضاً، فأشار الملك عليه بالغيبة عن البلد مدة، ينسى فيها خبره، فانفصل عنها وعمره يومئذ سبعة وعشرون عاماً. وحديثه طويل، وخلاصته أنه خرج فلقي جوهراً القائد، مولى المنصور، فامتدحه، ولم يزل يرحل ويمتدح ولاة الأمر إلى أن نمي خبره إلى المعز أبي تميم معد بن المنصور العبيدي، ما انتهى إليه بالغ في الإنعام عليه، ثم توجه المعز إلى الديار المصرية كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى فشيعه ابن هانىء المذكور، ورجع إلى المغرب لأخذ عياله والالتحاق به، فتجهز وتبعه. فلما وصل إلى برقة، أضافه شخص من أهلها، فأقامه عنده أياماً في مجلس الأنس، فيقال أنهم عربدوا عليه، فقتلوه، وقيل: خرج من تلك الدار وهو سكران، فنام في
(2/282)

الطريق، وأصبح ميتاً ولم يعرف سبب موقه. وقيل أنه وجد في ساقية من سواقي برقة مخنوقاً بتكة سرواله، وكان ذلك في بكرة يوم الأربعاء لسبع ليال بقين من رجب سنة اثنتين وستين وثلاث مائة، وعمره ست وثلاثون سنة، وقيل اثنتان وأربعون سنة رحمه الله هكذا قيده صاحب كتاب أخبار القيروان، وأشار إلى أنه كان في صحبة المعز، وهو مخالف لما ذكرته أولاً من تشيعه للمعز ورجوعه لأخذ عياله. ولما بلغ المعز وفاته بمصر أسف عليه كثيراً وقال: هذا الرجل كنانة جود إن تفاخر به شعراء المشرق فلم يقدر لنا ذلك. وله في معز عزيز المدائح ونحت الشعر، فمن ذلك قصيدته النونية التي أولها:
هل من أعتقه عالج بيرين ... أم منهما بقر الحدوج العين
ولمن ليالي باذ منا عهدها ... مذكر إلا أنهن شجون
والمشرقات كأنهن كواكب ... والناعمات كأنهن غصون
أومى لها المجان صفحة خده ... وبكى عليها اللؤلؤ المكنون
قلت قوله: الحدوج المراد بالحدوج هنا جمع: حدج وهو مركب من مراكب النساء مثل المحفة.
قال ابن خلكان: وديوانه كبير، ولولا ما فيه من الغلو في المدح والإفراط المفضي إلى الكفر لكان من أحسن الدواوين. وليس للمغاربة من هو في طبقته لا من متقدميهم ولا متأخريهم، بل هو أشعرهم على الإطلاق، وهو عندهم كالمتنبي عند المشارقة، وكانا متعاصرين، وإن كان في المتنبي مع أبي تمام من الاختلاف ما فيه. قال: ويقال أن أبا العلاء المعري، كان إذا سمع شعره يقول: ما أشبهه إلا برحى يطحن قروناً، لأجل القعقعة في ألفاظه، ويزعم أنه لا طائل تحت تلك الألفاظ. قال: ولعمري ما أنصفه في هذا المقال وما حمله على هذا إلا فرط تعصبه للمتنبي، قال: وبالجملة فما كان إلا من المحسنين في النظم، والله أعلم، انتهى.
وقال في أول ترجمته " أبو نواس الأندلسي " فكناه بكنية أبي نواس الحسن بن هانىء الحكمي العراقي، وهذا محمد بن هانىء الأزدي الأندلسي، فقد اتفقا في اسم الأبوين، وهو هانىء، وقد يتوهم من لا يدري التاريخ والنسب أنهما أخوان، كما ذكر ذلك في بعض الناس فيما مضى متوهماً لاتفاق اسم الأبوين، أو مقلداً متوهماً، ولو اطلع على التاريخ لعلم بطلان ذلك، فإن هذا المغربي توفي في سنة اثنتين وستين وثلاث مائة، وذلك المشرقي توفي في سنة ست وتسعين ومائة، فبينهما مائة وست وستون سنة، والأخوان لا يتباعد ما بينهما هذا التباعد في مثل زمانهما، هذا من حيث التاريخ.
(2/283)

وأما من حيث النسب، فلما ذكروا أن المغربي أزدي، والمشرقي حكمي، ولعل ابن هانىء المغربي المذكور وهو الذي وقع بينه وبين المتنبي ما يحكى من القصة العجيبة عنده وصوله إلى قابس لمدح صاحب الإفريقية. وقد ذكرتهما في آخر علم البديع من كتاب منهل المفهوم في شرح ألسنة العلوم فإن الشاعر الذي ذكروا أنه رد المتنبي عن ملاقاة صاحب الأندلس، ومدحه بالجملة التي ذكرها داهية في المكر، فإنه حكى أن المتنبي لما خيم بإزاء قصره في زي أمير في الحشمة والغلمان والخدم والخيل والأتباع والحشم، فزع صاحب قابس من ذلك، وسأل عنه، فلما قيل له: إنه شاعر أتى ليمدحك، كره ذلك وقال: أي شيء يرضي صاحب هذه الهيئة، ويقنعه من الجائزة؟ فقال شاعره أنا أرده عنك، وغالب ظني أنهم قالوا إنه ابن هانىء، فقال له. بأي وجه ترده عني. فقال: بوجه جميل، فقال: افعل فأخذ شاة رديئة ولبس لباس بدوي، وجعل يقود الشاة متوجهاً إلى جهة منزل المتنبي، وهو في مخيم كأنه مخيم أمير، فلما قرب منه قال: طرقوا إلى الأمير، فصاروا يضحكون عليه، ويتعجبون منه. فلما وصل إليه وهو يقود الشاة في تلك الهيئة التي اتصف هو وشاته بها ضحك منه، هو ومن حوله، وقال له: ما هذه الشاة؟ قال: هذه جائزتي من الملك. قال: جائزة؟ فال: نعم، قال: جائزة علام ذا. قال: على مدحي له. فتعجب من ذلك وقال: عسى أن تكون جائزته على قدر مدحه، ثم قال له: أسمعني مدحك له، كيف قلت فيه؟ قال: قلت:
ضحك الزمان وكان قدماً عابساً ... لما فتحت يجد عزمك قايسا
أنكحتها عذراء وما أمهرتها ... إلا فتى وصوارماً وفوارسا
من كان بالسمر العوالي خاطباً ... جلبت له بيض الحصون عرائسا
فتحير المتنبي عند سماع شعره وقال: أنا ما أقدر أقول مثل هذا الذي أجازك عليه بهذه الشاة، فارتحل راجعاً من حيث جاء، هكذا حكى لي بعض أهل الخير ممن له إلمام ومعرفة ببعض الشعراء من جهة المغرب، أو ما يقرب منها، بهذا اللفظ أو ما يقرب منه معناه. ولكن ما رأيت أحداً من المؤرخين ذكر للمتنبي دخولاً إلى بلاد المغرب. والله أعلم.

ثلاث وستين وثلاث مائة
فيها ظهر ما كان المطيع يستره من الفالج، فثقل لسانه، فدعا حاجب السلطان
(2/284)

عز الدولة إلى خلع نفسه، وتسليم الخلافه لولده الطائع لله، ففعل ذلك، وأتيت على خلعه قاضي القضاة.
وفيها أقيمت الدعوة بالحرمين للمعز العبيدي، وقطعت خطبة بني العباس، ولم يحج ركب العراق لأنهم وصلوا إلى بعض الطريق، فرأوا هلال ذي الحجة، وأعلموا أن الماء معدوم قدامهم، فعدلوا إلى مدينة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فزاروا، ثم رجعوا.
وفيها توفي الحافظ أبو الحسين الشهيد محمد بن أحمد بن سهل الرملي، سلخه صاحب مصر المعز، وكان قد قال: لو كان معي عشرة أسهم لرميت الروم بسهم ورميت بني عبيد بتسعة، فبلغت القائد جوهراً، فلما ظفر به قرره، فاعترف وأغلظ لهم، فقتلوه، وكان عابداً صالحاً زاهداً قوالاً بالحق.
وفيها توفي الحافظ محدث الشام أبو العباس محمد بن موسى السمسار الدمشقي.
وفيها توفي صاحب المعز العبيدي وقاضيه النعمان بن محمد، المكنى بأبي حنيفة، كان من أوعية العلم والفقه والدين والنقل، على ما لا مزيد عليه، كذا ذكر بعض المؤرخين وغير ذلك، وذكر بعض المؤرخين أنه كان في غاية الفضل من أهل القرآن، والعلم بمعانيه، وعالماً بوجوه الفقه، وعلم اختلاف الفقهاء واللغة والشعر والمعرفة بأيام الناس، مع عقل وإنصاف، وألف لأهل البيت من الكتب آلاف أوراق بأحسن تأليف، وأملح أسجع، وعمل في المناقب والمثالب كتاباً حسناً، وله ردود على المخالفين لأبي حنيفة ومالك والشافعي وابن شريح وكتاب اختلاف الفقهاء ينتصر فيه لأهل البيت، وقصيدة فقهية. وكان ملازماً صحبة المعز، ووصل معه إلى الديار المصرية أول دخوله إليها من إفريقية، ولما مات صلى عليه المعز.

أربع وستين وثلاث مائة
فيها أو بعدها ظهرت العيارون واللصوص ببغداد، واستفحل شرهم حتى ركبوا الخيل، وتلقوا بالقواد، وأخذوا الضريبة من الأسواق والدروب، وعم البلاء وفيها قطعت خطبة الطائع لله ببغداد خمسين يوماً، فلم يخطب لأحد، لأجل شعث وقع بينه وبين عضد الدولة عند قدومه العراق، فإن عضد الدولة قدم من شيراز، فأعجبته مملكة العراق فاستمال الأمراء، وجرت أمور يطول ذكرها.
(2/285)

وفيها توفي الحافظ أبر بكر ابن السني الدينوري، صاحب كتاب عمل اليوم والليلة، رحل وكتب الكثير، وروى عن النسائي وأبي حنيفة وطبقتهما، وبينما هو يكتب، وضع القلم، ورفع يديه يدعو الله تعالى، فمات.
وفيها توفي المطيع لله الفضل بن المقتدر: جعفر بن المعتضد العباسي. والأمير جعفر بن علي بن أحمد بن حمدان الأندلسي، كان شيخاً كثير العطاء مؤثراً لأهل العلم، وفيه يقول الشاعر محمد بن هانىء الأندلسي:
المدنقان من البرية كلها ... جسمي وطرف بابلي أجور
والمشرقات النيرات ثلاثة ... الشمس والقمر المنير جعفر
قلت وقوله هذا استقي من منهل الشاعر، ويستدل بنجوم نظمه الزواهر في قوله:
هو في آفاق الأسهار سائر ... ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها
شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر

خمس وستين وثلاث مائة
فيها توفي الشيخ الكبير إسماعيل بن نجيد الإمام النيسابوري، شيخ الصوفية بخراسان، أنفق أمواله على الزهاد والعلماء، وصحب الجنيد وأبا علي عثمان الحيري، وسمع إبراهيم بن محمد البوشنجي، وأبا مسلم الكجي وطبقتهما، وكان صاحب أحوال ومناقب.
وفيها توفي الحافظ أحد أركان الحديث أبو علي الماسرجسي، رحل إلى العراق ومصر والشام. قال الحاكم: هو سفينة عصره في كثير الكتاب، صنف المسند الكبير مذهباً معللاً، جمع حديث الزهري جمعاً لم يسبق إليه، وكان يحفظه مثل الماء. وصنف كتاباً على البخاري وآخر على مسلم.
وفيها توفي الحافظ الكبير أبو أحمد عبد الله بن محمد بن القطان الجرجاني، مصنف الكامل في الجرح.
(2/286)

وفيها توفي الحاكم أبو عبيد الله وفي ست وستين عند السمعاني، وفي ست وثلاثين عند الشيخ أبي إسحاق الشيرازي.
وفيها توفي الإمام النحرير الفاضل الشهير المعروف بالقفال الكبير، الشاشي، الفقيه الشافعي، إمام عصره بلا منازع، وفريد دهره بلا مدافع، صاحب المصنفات المفيدة والطريقة الحميدة. كان فقيهاً محدثاً أصولياً لغوياً شاعراً، لم يكن بما وراء النهر للشافعيين مثله في وقته، رحل إلى خراسان والعراق والحجاز والشام والثغور، وأخذ الفقه عن ابن سريج، وهو أول من صنف الجدل الحسن من الفقهاء، وله كتاب في أصول الفقه، وله شرح الرسالة، وعنه انتشر مذهب الشافعي في بلاده روى عن أكابر من العلماء. منهم: الإمامان الكبيران محمد بن جرير الطبري، وإمام الأئمة محمد بن خزيمة وأقرانهما، وروى عنه جماعة من الكبار، منهم: الحاكم، وأبو عبد الله بن منذر، وأبو عبد الرحمن السلمي وغيرهم.
قلت وهذا القفال الشاشي المذكور، قد يثبه على بعض الناس بقفال وشاشي آخرين، وها أنا ذا أوضح ذلك أيضاً بالغاً مما أوضحت ذلك في نظيره في الثلاثة النحويين المسمين بالأخفش.
اعلم أنهم ثلاثة قفال شاشي: وهو هذا، وقد ذكرنا عن من أخذ ومن أخذ عنه، وهو والد القاسم صاحب كتاب " التقريب "، وقيل إنه صاحب " كتاب التقريب " لا ولده، وللشك في ذلك يقال: قال صاحب التقريب، وأبو حامد الغزالي قال في كتاب الرهن: لما ذكر صاحب التقريب قال: أبو القاسم، فغلطوه في ذلك وقالوا: صوابه القاسم، والتقريب المذكور قليل الوجود في أيدي الناس، وهناك تقريب آخر يكثر وجوده في أيدي الناس، وهو لسليم، وبه تخرج فقهاء خراسان. والشاشي بشينين معجمتين بينهما ألف نسبة إلى الشاش مدينة وراء النهر سيحون - خرج منها جماعة من العلماء.
وإذا علم أن القفال هو الشاشي، فاعلم أن هناك قفالاً آخر شاشي وشاشياً، غير قفال. وثلاثتهم يكنون بأبي بكر، ويشترك اثنان منهم في اسمهما دون اسم أبيهما، واثنان في اسم أبيهما. فالقفال غير الشاشي هو القفال المروزي، وهو عبد الله بن أحمد، وعنه أخذ القاضي حسين والشيخ أبو محمد الجويني وولده إمام الحرمين. وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في سنة سبع عشرة وأربع مائة.
(2/287)

والشاشي غير القفال هو فخر الإسلام محمد بن أحمد، مصنف المستظهري شيخ الشافعية في زمانه. تفقه على محمد بن بنان الكازروني، ثم لزم الشيخ أبا إسحاق وابن الصباغ ببغداد، وصنف وأفتى، وولي تدريس النظامية، ودفن عند الشيخ أبي إسحاق، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في سنة سبع وخمسمائة التي توفي فيها. فهذا الكلام فيهم قد أوضحته جداً حتى عن حد البيان تعدى. والقفال الشاشي المذكور في سنة خمس وستين وثلاثمائة، المذكور صاحب وجه في المذهب، وممن نبه على الخلاف في أن كتاب التقريب له أو لولده الإمام العجلي، وشرح مشكلات الوجيز والوسيط، ذكر ذلك في " كتاب التيمم ".
قلت: وإنما بسطت الكلام في هذا، وخرجت إلى الإسهاب الخارج عن مقصود الكتاب، لاحتمال أنه اتفق عليه من يحتاج إليه من الفقهاء. ونسأل الله تعالى التوفيق وسلوك الطريق الصواب.
وقال الحليمي: كان شيخنا القفال أعلم من لقيته من علماء عصره، وفي وفاته اختلاف.
وفيها توفي المعز لدين الله: أبو تميم معد بن المنصور إسماعيل بن القائم بن المهدي العبيدي، صاحب المغرب والديار المصرية. ولما افتتح مولاه جوهر سجلماسة مع فاس، وسعه إلى البحر المحيط، وخطب له في بلاد المغرب، وبلغه موت كافور الاخشيذي صاحب مصر، جهز جوهر المذكور الجيوش والأموال، قيل خمسمائة ألف دينار، أنفقها على جميع قبائل المغرب حتى البربر، فأخذ الديار المصرية، وبنى مدينة القاهرة المغربية، وكان مستظهراً للتشيع، معظماً لحرمة الإسلام، حليماً كريماً، وقوراً حازماً سرياً، يرجع إلى إنصاف مجرى الأمور على أحسن أحكامها. ولما كان منتصف شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة، وصلت البشارة بفتح الديار المصرية، ودخول عساكره إليها، وانتظام الحال بمصر والشام والحجاز، وإقامة الدعوة له بهذه المواضع، فسر بذلك سروراً عظيماً، واستخلف على إفريقية، وخرج متوجهاً إلى ديار مصر بأموال جليلة المقدار، ورجاء عظيمة الأخطار، فدخل الإسكندرية لست بقين من شعبان من سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، وركب فيها ودخل الحمام. وقدم عليه قاضي مصر أبو طاهر، وأعيان أهل البلاد، وسلموا عليه، وجلس لهم عند المنارة، وخاطبهم بخطاب طويل يخبرهم أنه لم يرد فيه بدخول مصر لزيادة مملكته وللمال، وإنما أراد إقامة الحج والجهاد، وأن يختم عمره بالأعمال الصالحة،
(2/288)

ويعمل بما أمره به جده صلى الله عليه وآله وسلم. ووعظهم حتى بكى بعض الحاضرين، وخلع على القاضي وبعض الجماعة، وحملهم، ثم ودعوه وانصرفوا. ورحل منها في أواخر شعبان، ونزل يوم السبت ثاني شهر رمضان سنة اثنتين وستين وثلاثمائة على جزيرة ساحل مصر، فخرج إليه القائد جوهر، وترجل عند لقائه، وقبل الأرض بين يديه، وأقام هناك ثلاثة أيام، ثم رحل ودخل القاهرة، ولم يدخل مصر، وكانت قد زينت له، وظنوا أنه يدخلها وأهل القاهرة لم يستعدوا للقائه لظنهم أنه يدخل مصر أو لا يدخلها ولما دخل القاهرة دخل القصر، ثم دخل مجلساً منه، وخر فيه ساجداً لله عز وجل، ثم صلى فيه ركعتين، وانصرف الناس عنه، وفي يوم الجمعة لثالث عشرة ليلة بقيت من المحرم سنة أربع وستين وثلاثمائة، عزل المعز القائد جوهراً عن داود بن مصر وجباية أموالها ومما ينسب إلى المعز من الشعر:
لله ما صنعت بنا تلك المحاجر ... أمضى وأقضى في النفوس من الحناجر
ولقد تعبت بينكم تعب المهاجر في الهواجر
وكانت ولادته بالمهدية يوم الاثنين حادي عشر شهر رمضان سنة تسع عشرة وثلاثمائة، وتوفي يوم الجمعة الحادي عشر من شهر ربيع الآخر، من السنة المذكورة بالقاهرة المشهورة.

ست وستين وثلاثمائة
فيها حجت جميلة بنت الملك ناصر الدولة بن حمدان، وصار حجها يضرب به المثل، فإنها أغنت المجاورين، وقيل كان معها أربعمائة كجاوة لا يدرى في أيها هي، لكونهن كلهن في الحسن والزينة يشتبهن، ونثرت على الكعبة لما دخلتها عشرة آلاف دينار.
وفيها مات ملك القرامطة الحسن بن أحمد بن أبي سعيد القرمطي، الذي استولى على أكثر الشام، وهزم جيش المعز، وقتل قائدهم جعفر بن فلاح، وذهب إلى مصر، وحاصرها شهراً قبل مجيء المعز، وكان يظهر الطاعة للطائع لله، وله شعر وفضيلة، ولد بالأحساء ومات بالرملة.
وفيها توفي ابن المرزبان أبو الحسن علي بن أحمد البغدادي الفقيه الشافعي، كان فقيهاً ورعاً من جملة العلماء. أخذ الفقه عن أبي الحسن بن القطان، وعنه أخذ الشيخ أبو حامد الأسفراييني أول قدومه بغداد.
(2/289)

وحكي عنه أنه قال: ما أعلم أن لأحد علي مظلمة. ومفهومه أنه لم يغتب أحداً. إذ الغيبة من جملة المظالم. درس ببغداد، وله وجه في المذهب الشافعي، ومعنى المرزبان بكسر الراء وضم الزاي: صاحب الجد، وهو لفظ فارسي، في الأصل اسم من كان دون الملك.
وفيها توفي المستنصر بالله أبو مروان صاحب الأندلس عبد الرحمن بن محمد الأموي المرواني. وكان مشغوفاً بجمع الكتب والنظر فيها، بحيث أنه جمع منها ما لم يجمعه أحد قبله ولا بعده حتى ضاقت خزائنه.
وفيها توفي القاضي الفقيه الفاضل أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني الشافعي. كان فقيهاً أديباً شاعراً، ذكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتاب " طبقات الفقهاء " وقال: له ديوان شعر، وهو القائل:
يقولون لي فيك انقباض وإنما ... رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما
من قصيدة له طويلة، وذكره الثعالبي في كتاب يتيمة الدهر فقال: هو فرد الزمان، ونادرة الفلك، وإنسان حدقة العلم، وقبة تاج الأدب، وفارس عسكر الشرع، مجمع خط ابن مقلة إلى نثر الجاحظ، ونظم البحتري. وقد كان في صباه اقتبس من العلوم والأدب، ما صار به في العلوم علماً وفي الكمال عالماً، ومن شعره:
وقال توصل بالخضوع إلى الغنى ... وما علموا أن الخضوع هو الفقر
وبيني وبين الحال شبان حرما ... علي الغنى: نفس الأبية والفقر
إذا قيل هذا اليسر أبصرت دونه ... مواقف خير من وقوفي بها الضرر
وله في الصاحب بن عباد:
ولا ذنب للأفكار أنت تركتها ... إذا احتشدت لم تنتفع باحتشادها
سبقت بأفراد المعاني وألفت ... خواطرك الألفاظ بعد شرادها
فإن نحن حاولنا اختراع بديعة ... حصلنا على مسروقها ومعادها
وله فيه يهنئه بالعافية:
وفي كل يوم للمكاره روعة ... لها في قلوب المكرمات وجيب
تقسمت العلياء جسمك كله ... فمن أين للأسقام فيك نصيب
إذا ألمت نفس الوزير تألمت ... لها أنفس تحيى بها وقلوب
(2/290)

وله:
ما تطعمت لذة العيش حتى ... صرت للبيت والكتاب جليسا
ليس شيء أعز عندي من العلم ... فما أبتغي سواه أنيسا
إنما الذل في مخالطة الناس ... فدعهم وعش عزيزا رئيسا
قال ابن خلكان: وشعره كثير، وطريقه سهل، وله " كتاب الوساطة " بين المتنبي وخصومه، أبان فيه من فضل عزيز، وإطلاع كثير، ومادة متوفرة.
وفيها توفي الرجل الصالح المقرىء أبو الحسن محمد النيسابوري السراج. قال الحاكم: قل من رأيت أكثر اجتهاداً وعبادة منه. توفي يوم عاشوراء رحمه الله.

سبع وستين وثلاثمائة
فها توقني الشيخ الكبير العارف بالله الشهير أبو القاسم النصرأباذي، شيخ الصوفية والمحدثين في خراسان صحب الشبلي وأبا علي الروذباري، وسمع ابن خزيمة وابن صاعد وكان صاحب فنون من الفقه والحديث والتاريخ وعلم سلوك الصوفية. وحج وجاور بمكة سنتين، ومات بها قال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي: سمعت أبا القاسم النصرأباذي يقول: إذا بدا لك شيء من بوادي الحق، فلا تلتفت معه إلى جنة، ولا إلى نار، فإذا رجعت عن تلك الحال، فعظم ما عظمه الله تعالى.
وقيل أن بعض الناس يجالس النسوان، ويقول: أنا معصوم في رؤيتهن، فقال: ما دامت الأشباح باقية فالأمر والنهي باق أو قال: باقيان والتحليل والتحريم مخاطب به.
وقال: التصوف ملازمة الكتاب والسنة، وترك الأهواء والبدع، وتحريم حرمات المشايخ، وروية أعذار الخلق، والمداومة على الأوراد، وترك ارتكاب الرخص والتأويلات.
وفيها توفي معز الدولة الديلمي، والغضنفر عمدة الدولة ابن الملك ناصر الدولة بن حمدان.
وفيها توفي القاضي محمد بن عبد الرحمن المعروف بابن قريعة " بضم القاف وفتح الراء وسكون الياء المثناة من تحت وبعدها عين مهملة " البغدادي قاضي السندية " بكسر
(2/291)

السين والدال المهملتين وسكون النون بينهما وتشديد الياء المثناة من تحت وبعدها هاء " وهي قرية بين بغداد والأنبار، وينسب إليها سندواني، ليحصل الفرق بين هذه النسبة والنسبة إلى بلاد السند المجاورة لبلاد الهند.
وقال ابن خلكان: وكان من أحد عجائب الدنيا في سرعة البداهة بالجواب في جميع ما يسأل عنه، في أصح لفظ وأملح سجع، وله مسائل وأجوبة مدونة في كتاب مشهور بأيدي الناس. وكان رؤساء ذلك العصر وفضلاؤه يلاعبونه، ويكتبون إليه بالمسائل الغريبة المضحكة، فيكتب الجواب، من غير توقف ولا تلبث، مطابقاً لما سألوه، وكان الوزير أبو محمد المهلبي، يغري به جماعة يضعون له من الأسئلة الهزلية على معان شتى من النوادر الظريفة، ليجيب عنها بتلك الأجوبة.
فمن ذلك ما كتبه إليه العباس بن المعلى الكاتب، ما يقول القاضي وفقه الله تعالى في يهودي زنى بنصرانية، فولدت ولداً جسمه للبشر، ووجهه للبقر وقد قبض عليها فيما يرى القاضي فيهما؟ فكتب جوابه بديهاً، هذا من أعدل الشهود على الملاعين اليهود بأنهم أشربوا حب العجل في صدورهم؟ حتى خرج من أيورهم، وأرى أن يناط برأس اليهود رأس العجل، ويصلب على عنق النصرانية الساق مع الرجل، ويسحبا على الأرض، وينادى عليهما: ظلمات بعضها فوق بعض والسلام.
ولما قدم الصاحب بن عباد إلى بغداد، حضر مجلس الوزير أبي محمد المهلبي وكان في المجلس القاضي أبو بكر المذكور فرأى من ظرفه وسرعة أجوبته مع لطافتها ما عظم تعجبه، فكتب الصاحب إلى أبي الفضل بن العميد كتاباً يقول فيه: وكان في المجلس شيخ خفيف الروح يعرف بالقاضي ابن قريعة، جاراني في مسائل خفتها، يمنع من ذكرها، إلا أني استظرفت من كلامه، وقد سأله كهل بيطار بحضرة الوزير أبي محمد عن حد القفاء، فقال: ما اشتمل عليه جربانك، ومازحك فيه إخوانك، وأدبك فيه سلطانك، وباسطك فيه غلمانك، فهذه حدود أربعة وجميع مسائله على هذا الأسلوب، وقوله: جربانك " هو لفظ فارسي بضم الجيم والراء وتشديد الموحدة وبالنون بين الألف والكاف ": لينة الثوب، وهي: الخرقة العريضة التي فوق القب تستر القفا. قال ابن خلكان: ولولا خوف الإطالة لذكرت جملة منها، وقد سرد محمد بن شرف القيرواني الشاعر المشهور، في كتابه الذي سقاه " أبكار الأفكار " عدة مسائل، وجواباتها من هذه المسائل.
وفيها توفى ابن قوطية محمد بن عمر الأندلسي. كان منا أعلم زمانه باللغة
(2/292)

والعربية، وكان مع ذلك حافظاً للحديث والفقه والخبر والنوادر، راوياً للأشعار والآثار، لا يلحق شاوه، ولا يشق غباره، روى عنه الشيوخ والكهول. وكان قد لقي مشايخ عصره بحضرة الأندلس، وأخذ عنهم، وصنف الكتب المفيدة في اللغة، منها كتاب " تصاريف الأفعال " وهو الذي فتح هذا الباب، فجاء من بعده ابن القطاع، ولقد أعجز من يأتي بعده وفاق من تقدمه، وكان مع هذه الفضائل من العباد النساك، وكان جيد الشعر، صحت الألفاظ واضح المعاني، حسن المطالع والمقاطع، إلا أنه ترك ذلك ورفضه.
حكى الأديب الشاعر يحيى بن هذيل التميمي أنه توجه يوماً إلى ضيعة له بسفح جبل قرطبة، وهي من بقاع الأرض الطيبة المونقة، فصادف ابن القوطية المذكور صادراً عنها وكانت له أيضاً هناك ضيعة، قال: فلما رآني خرج علي واستبشر بلقائي، فقلت له على البداهة مداعباً له:
من أين أقبلت يا من لا شبيه له ... ومن هو الشمس، والدنيا له فلك
قال فتبسم وأجاب بسرعة:
من منزل يعجب النساك خلوته ... وفيه ستر على الفتاك إن فتكوا
قال: فما تمالكت أن قبلت يده، إذ كان شيخي، ومجدته، ودعوت له و " القوطية " " بضم القاف وسكون الواو وكسر الطاء المهملة وتشديد المثناة من تحت وبعدها هام " جدة جد نسبة إلى قوط بن حام بن نوح عليه السلام، وقوط أبو السودان والهند والسند، وكانت القوطية المذكورة وفدت إلى هشام بن عبد الملك في الشام متظلمة من عمها، فتزوجها عيسى بن مزاحم، وسافر بها إلى الأندلس.

ثمان وستين وثلاثمائة
فيها توفي أبو سعيد الحسين بن عبيد الله. وقال بعضهم: ابن عبد الله بن المرزباني السيرافي النحوي. كان من أعلم الناس بنحو البصريين، وشرح كتاب سيبويه، وأجاد فيه، وشرح مقصورة ابن دريد، وله تصانيف أخرى، وتصدر لإقراء القراءات والنحو واللغة والفقه والفرائض والحساب والكلام والشعر والعروض والقوافي، وكان نزهاً عفيفاً جميل
(2/293)

السيرة حسن الأخلاق، رأساً في النحو، قرأ القراءات على ابن مجاهد، واللغة على ابن دريد، والنحو على ابن السراج. وكان ورعاً يأكل من النسخ، وينسخ الكراس بعشرة دراهم لبراعة خطه. يذكر عنه الاعتزال، ولم يظهر منه، والله أعلم به، وكان كثيراً ما ينشد في مجلسه.
أسكن إلى سكن تسربه ... ذهب الزمان وأنت منفرد
ترجو غداً وغدا كحاملة ... في الحي لا يدرون ما تلد
وكان بينه وبين أبي الفرج صاحب الأغاني ما جرت به العادة من التنافس بين الفضلاء، فعمل فيه أبو الفرج شعراً ذكره ابن خلكان كرهت ذكره: والسيرافي بكسر السين المهملة وسكون الياء المثناة من تحت وبعد الراء والألف فاء نسبة إلى مدينة سيراف.
وفيها توفي الشيخ الزاهد العائد أبو أحمد محمد بن عيسى النيسابوري، راوي صحيح مسلم عن ابن سفيان. قال الحاكم: هو من كبار عباد الصوفية، يعرف مذهب سفيان وينتحله.
وفيها توفي أبو الحسن محمد بن محمد النيسابوري، الحافظ المقرىء العبد الصالح الصدوق. سمع بمصر والشام والعراق وخراسان، وصنف في العلل والشيوخ والأبواب. قال الحاكم: صحبته نيفاً وعشرين سنة، فما أعلم أن الملك كتب عليه خطيئة.
وفيها وردت الدعوة العباسية على يد بعض أهل الدولة من العراقين، حارب المصريين والتقى هو وجوهر العبيدي، فانكسر جوهر، وذهب إلى مصر، وصادف العزيز صاحب مصر قد جاء في نجدته، فرد معه، فالتقاهم عسكر العراق، فأخذوا مقدمه أسيراً، ثم من عليه العزيز، وأطلقه.
وفيها توفي أبو طاهر محمد بن محمد بن نقية، وزير عز الدولة بن بويه. وكان من جملة الرؤساء، وأكابر الوزراء، وأعيان الكرماء، وكان قد حمل عز الدولة على محاربة ابن عمه عضد الدولة، فالتقيا على الأهواز، وكسر عز الدولة، فنسب ذلك إلى رأيه ومشورته. وفي ذلك يقول أبو غسان الطبيب بالبصرة.
أقام على الأهواز خمسين ليلة ... يدبر أمر الملك حتى تدمرا
فدبر أمراً كان أوله عمى ... وأوسطه بلوى وآخره خسرا
ولما قبض عليه سمل عينيه، فلزم بيته، ثم إنه طلبه بعد ذلك، ورماه بين أرجل
(2/294)

الفيلة فمات من ذلك ولم يزل مصلوباً إلى أن توفي عضد الدولة فأنزل عن الخشبة، ودفن في موضعه، فقال فيه أبو الحسن ابن الأنباري:
لم يلحقوا بك عاراً إذا صلبت بلى ... بأؤا بمنك ثم استرجعوا ندما
واتفقوا أنهم في فعلهم غلطوا ... وأنهم نصبوا من سؤدد علما
فاسترجعوك وواروا منك طودعلا ... بدفنه دفنوا الأفضال والكرما
لئن بليت لما تبلى بذاك، ولا ... تنسى، وكم هالك ينسى إذا قدما
تقاسم الناس حسن الذكر فيك كما ... ما زال مالك بين الناس منقسما

تسع وستين وثلاثمائة
فيها توفي الشيخ الكبير أبو عبد الله أحمد بن عطاء الروذباري، شيخ الصوفية، نزيل صور، شيخ الشام في وقته.
وفيها توفي الإمام الكبير أبو سهل الصعلوكي: محمد بن سليمان النيسابوري الفقيه، شيخ الشافعية بخراسان. قال فيه الحاكم: أبو سهل الصعلوكي الشافعي اللغوي المفسر النحوي المتكلم المفتي الصوفي خير زمانه، وبقية أقرانه. " ولد " سنة تسعين ومائتين، واختلف إلى ابن خزيمة، ثم إلى أبي علي الثقفي، وناظر، وبرع، وسمع من أبي العباس السراج وطبقته، ولم يبق موافق ولا مختلف إلا أفر بفضله وتقدمه. وحضره المشايخ مرة بعد أخرى، ودرس، وأفتى في نيسابور وأصفهان وبلاد شتى، وقال الصاحب بن عباد: ما رأى أبو سهل مثل نفسه، ولا رأينا مثله. قلت: لأبي سهل مناقب كثيرة، وفضائل شهيرة، ذكرت شيئاً منها في " الشاش المعلم شاوش كتاب المرهم ".
وفي السنة المذكورة توفي النقاش المحدث الحافظ غير المقرىء.
سنة سبعين وثلاثمائة
فيها رجع عضد الدولة من همدان، فلما قرب من بغداد بعث إلى الخليفة الطائع لله أن يتلقاه، فما وسعه التخفف لضعف الخلفاء حينئذ، وقوة المملوك المتصرفين في البلدان. وما جرت عادة بذلك قط، أي بلقاء الخلفاء لهم، قال قبل دخوله من تكلم أو دعا له قتل.
(2/295)

فما نطق مخلوق. قلت: هكذا أطلق بعضهم، ولم يبين من هو القابل ذلك منهما، هل نهى عضد الدولة أن يدعى للخليفة؟ أو نهى الخليفة أن يدعى لعضد الدولة. في ذلك احتمالان آخران: أحدهما أن يكون نهى الخليفة عن الدعاء لنفسه خوفاً أن يغار عضد الدولة، ويظهر منه غيظ وغضب. والثاني أن يكون الناهي هو عضد الدولة، نهى أن يدعى له تواضعاً للخليفة. والله أعلم بحقيقة ذلك، أيهما كان هو الناهي عن أن يدعى لنفسه. فقد أحسن في ذلك. وفي السنة المذكورة توفي شيخ الحنفية ببغداد الفقيه أحمد بن علي صاحب أبي الحسن الكرخي، وإليه انتهت رئاسة المذهب. وكان مشهوراً بالزهد والدين، عرض عليه قضاء القضاة فامتنع. وله عدة مصنفات.
وفيها توفي محمد بن الحسن بن رشيق المصري.
وفيها توفي النحوي اللغوي، صاحب التصانيف، وشيخ أهل الأدب: الحسين بن أحمد الهمداني، المعروف بابن خالويه، دخل بغداد، وأدرك جلة من العلماء مثل ابن الأنباري، وابن مجاهد المقرىء، وأبي عمر والزاهد، وابن دريد، وقرأ على السيرافي، وانتقل إلى الشام، واستوطن حلب، وصار بها أحد أفراد الدهر في كل قسم من أقسام الأدب، وكانت الرحلة إليه من الآفاق. وآل حمدان يكرمونه، ويدرسون عليه، ويقتبسون منه وهو القائل: دخلت يوماً على سيف الدولة، فلما مثلت بين يديه قال لي: اقعد، ولم يقل: اجلس. فتبينت بذلك إعلاقه بأهداب الأدب، واطلاعه على أسرار كلام العرب.
قال ابن خلكان وإنما قال ابن خالويه هذا لأن المختار عند أهل الأدب أن يقال للقائم اقعد وللنائم والساجد اجلس. وعلله بعضهم بأن القعود هو الانتقال من العلو إلى السفلى، ولهذا قيل لمن أصيب برجله مقعد. والجلوس هو الانتقال من السفل إلى العلو. ولهذا قيل: لنجد جلساً لارتفاعها، وقيل لمن أتاها: جالس، وقد جلس منه قول مروان بن الحكم لما كان والياً بالمدينة يخطب الفرزدق:
قل للفرزدق، والسفاهة كاسمها ... إن كنت تارك ما أمرتك فاجلس
أي اقصد الجلسا، وهي بحذو هذا البيت من جملة أبيات، وهذا كله في غير موضعه لكن للكلام شجون.
ولابن خالويه المذكور كتاب كبير في الأدب سماه " كتاب ليس " وهو يدل على اطلاع عظيم، فإن مبني الكلام من أوله إلى آخره على أنه ليس في كلام العرب كذا. وله كتاب لطيف سماه " الآل "، وذكر في أوله أن الآل ينقسم إلى خمسة وعشرين قسماً، وما اقتصر
(2/296)

فيه، وذكر فيه الأئمة الأثني عشر، وتاريخ مواليدهم، ووفاتهم وأمهاتهم، والذي دعاه إلى ذكرهم أنه قال في جملة أسام الآل وآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنو هاشم. وله " كتاب الاشتقاق "، و " كتاب الجمل في النحو "، و " كتاب القراءات "، " كتاب إعراب ثلاثين سورة من الكتاب العزيز "، و " كتاب المقصور والممدود "، " كتاب المذكر والمؤنث " و " كتاب الألقاب "، و " كتاب شرح مقصورة ابن دريد "، و " كتاب الأسد " وغير ذلك، ولابن خالويه المذكور مع أبي الطيب المتنبي المذكور مجالس ومباحث عند سيف الدولة، وقد تقدم في ترجمة المتنبي بعض ما جرى بينه وبينه في سنة خمس وأربعين وثلاثمائة، حتى غضب المتنبي، وارتحل إلى كافور الإخشيذي صاحب مصر. ولابن خالويه شعر حسن ومنه على ما نقله الثعالبي في كتاب " اليتيمة ":
إذا لم يكن صدر المجالس سيداً ... فلا خير فيمن صدرته المجالس
وكم قائل: مالي رأيتك راجلاً ... فقلت له: من أجل أنك فارس
وفيها توفي الإمام العلامة صاحب المصنفات الكبار الجليلة المقدار " كتهذيب اللغة " وغيره: اللغوي النحوي الشافعي: أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهر الهروي الأزهري بقي في أسر القرامطة مدة طويلة، وكان متفقاً على فضله وثقته ودرايته وورعه. وروى عن أبي العباس ثعلب وغيره. وأدرك ابن دريد، ولم يرو شيئاً واحداً عن نفطويه، وعن ابن السراج النحوي. وكان قد رحل وطوف في أرض المغرب في طلب اللغة، فخالط قوماً يتكلموا بطباعهم البدوية، ولا يكاد يوجه في منطقهم لحن أو خطأ فاحش، فاستفاد من محاورتهم ومخاطبة بعضهم بعضاً ألفاظا ونوادر كثيرة وقع أكثرها في " كتاب التهذيب " وسبب مخالطته لهم أنه كان قد أسرته القرامطة، وكان القوم الذين وقع في سهمهم عرباً نشؤوا في البادية ينقون مساقط الغيث، ويرعون الغنم، ويعيشون بألبانها. وكان جامعاً لأشتات اللغات، مطلعاً على أسرارها ودقائقها. وتهذيبه المذكور أكثر من عشر مجلدات، وله تصنيف في غريب الألفاظ التي يستعملها الفقهاء من اللغة المتعلقة بالفقه.
وفيها توفي الحافظ أبو بكر محمد بن جعفر البغدادي الملقب غندر " بضم الغيم المعجمة وسكون النون وفتح الدال المهملة في آخره راء " المحدث المشهور، رحال جوال توفي بأطراف خراسان غريباً، سمع بالشام والعراق ومصر والجزيرة.
وفيها توفي الإمام المتكلم في الأصول، صاحب التصانيف الكثيرة، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن يعقوب بن مجاهد الطائي، صاحب الشيخ الإمام أبه الحسن
(2/297)

الأشعري، وليس بابن مجاهد المقرىء. وعنه أخذ القاضي أبو بكر الباقلاني، وكان ديناً صيناً خيراً ذا تقوى.

إحدى وسبعين وثلاثمائة
فيها توفي الإمام الجامع الخبر النافع ذو التصانيف الكبار في الفقه والأخبار: أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الجرجاني، الحافظ الفقيه الشافعي المعروف بالجرجاني، وكان حجة، كثير العلم، حسن الدين.
وفيها توفي شيخ المالكية بالمغرب: أبو محمد عبد الله بن إسحاق القيرواني. قال القاضي عياض: ضربت إليه آباط الإبل من الأمصار، وكان حافظاً فصيحاً بعيداً عن التصنع والرياء.
وفيها توفي الإمام الكبير الفقيه الشهيد الزاهد: أبو زيد محمد بن أحمد المروزي الشافعي، كان من الأئمة الأجلاء، حسن النظر، مشهورا بالزهد، حافظاً للمذهب، وله فيه وجوه غريبة روى الصحيح عن الفربري، وحدث بالعراق ودمشق ومكة، وسمع منه الحافظ أبو الحسن الدارقطني، ومحمد بن أحمد المحاملي، قال أبو بكر البزار: عاد الفقيه أبو زيد من نيسابور إلى مكة، فما أعلم أن الملائكة كتبت عليه يعني خطبته وكان في أول أمره فقيراً، ثم أقبلت عليه الدنيا في آخر عمره، وقد تساقطت أسنانه، وبطلت حاسة الجماع، فيقول مخاطباً للنعمة: لا بارك الله فيك، ولا أهلاً بك، ولا سهلاً، أقبلت حيث لا ناب ولا نصاب. ومات بمرو في رجب وله تسعون سنة.
قال الحاكم: كان من أحفظ الناس لمذهب الشافعي، وأحسنهم نظراً، وأزهدهم في الدنيا. وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: هو صاحب أبي إسحاق المروزي، أخذ عنه أبو بكر القفال المروزي وفقهاء مرو.
وفيها توفي الشيخ الكبير العارف أبو عبد الله محمد بن خفيف الشيرازي، شيخ إقليم فارس، صاحب الأحوال والمقامات. قال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي: هو اليوم شيخ المشايخ، تاريخ الزمان، لم يبق للقوم أقدم منه سناً، ولا أتم حالاً، متمسك بالكتاب والسنة، فقيه على مذهب الشافعي. كان من أولاد الأمراء، وتزهد. توفي ثالث رمضان، وله خمس وتسعون سنة، وقيل عاش مائة وأربع سنين.

اثنتين وسبعين وثلاثمائة
فيها توفي عضد الدولة ابن الملك ركن الدولة، وهو أول من خوطب ب " شاهنشاه "
(2/298)

في الإسلام، وأول من خطب له على المنابر ببغداد بعد الخليفة، وكان أديباً فاضلاً محباً للفضلاء، مشاركاً في فنون من العلم، وله صنف أبو علي الفارسي " الإيضاح "، و " التكملة " في النحو، وقصده الشعراء من البلاد كالمتنبي وأبي الحسن السلامي، ومدحوه بالمدائح الحسنة. وكان شيعياً غالياً شهماً، مطاعاً، حازماً ذكياً، متيقظاً مهيباً سفاكاً للدماء، له عيون كثيرة تأتيه بأخبار البلاد القاصية، وليس في بني عمه مثله، وكان قد طلب حساب ما يدخله في العام، فإذا هو ثلاثمائة ألف ألف وعشرون ألف درهم، وجدد مكوساً ومظالم. ولما نزل به الموت كان يقول: ما أغنى عني ماليه، هلك عني سلطانيه. وله أشعار ومنها قوله في قصيدة هذه الأبيات التي لم يفلح بعدها:
ليس شرب الروح إلا في المطر ... وغناء من جوار في السحر
غانيات سالبات للنهى ... ناغمات في تضاعيف الوتر
مبرزات الكأس من مطلعها ... ساقيات الراح من فاق البشر
عضد الدولة وابن ركنها ... ملك الأملاك غلاب القدر
نعوذ بالله من غضب الله ومن مثل هذا القول.
وممن حكى هذه الأبيات عنه أبو منصور الثعالبي في كتاب " يتيمة الدهر "، وإليه ينسب المارستان العضدي ببغداد، غرم عليه مالاً عظيماً، قيل وليس في الدنيا مثل تزيينه، وهو الذي أظهر قبر علي رضي الله تعالى عنه بزعمه بالكوفة، وبنى عليه المشهد، ودفن فيه. وللناس في هذا القبر اختلاف كثير، وأصخ ما قيل فيه أنه مدفون بقصر الإمارة بالكوفة كرم الله وجهه ومما يمدح الشعراء عضد الدولة قول المتنبي في قصيدة له:
أروح وقد ختمت على فؤادي ... بحبك أن يحل به سواكا
ومنها:
فلو أني استطعت غضضت طرفي ... فلم أنظر به حتى أراكا
وقول السلامي:
وبشرت آمالي بملك هو الورى ... ودار في الدنيا ويوم هو الدهر
وقد أخذ هذا المعنى القاضي الأرجاني في قوله:
(2/299)

لو زرته فرأيت الناس في رجل ... والدهر في ساعة والأرض في دار
ولكن أين الثرى من الثريا؟ وكذلك هذا المعنى موجود في قول المتنبي:
هي الغرض الأقصى ورؤيتك المنى ... ومنزلك الدنيا وأنت الخلائق
لكنه ما استوفاه، فإنه ما تعرض لذكر اليوم الذي جعله السلامي وهو الدهر ومع هذا فليس له طلاوة بيت السلامي الذي هو السحر الحلال.
في السنة المذكورة أو في غيرها من عشر الثمانين توفي الإمام الكبير الفقيه الشافعي الشهير إمام مرو، ومقدم الفقهاء الشافعية في زمانه ومكانه، أبو عبد الله محمد بن أحمد الفارسي المروزي الخضري " بكسر الخاء وسكون الضاد المعجمتين وبالراء " وكان من أعيان تلامذة أبي بكر القفال المروزي، أقام بمرو ناشراً فقه الشافعي، وكان يضرب به المثل في قوة الحفظ، وقلة النسيان، وله في المذهب وجوه غريبة، نقلها الخراسانيون عنه. وروي عن الشافعي رضي الله. تعالى عنه صحيح لدلالة الصبي على القبلة، وقال معناه: أن يدل على قبلة تشاهد في الجامع، فأما موضع الاجتهاد فلا يقبل.
وذكر الإمام أبو الفتوح العجلي في كتاب شرح " مشكلات الوجيز والوسيط " إن الإمام أبا عبد الله الخضري المذكور سئل عن قلامة ظفر المرأة، هل يجوز للرجل الأجنبي النظر إليها. فأطرق طويلاً ساكتاً، وكانت تحته ابنه الشيخ أبي علي " الشبوي " بفتح الشين المعجمة والموحدة، فقالت له: لم تفكر؟ قد سمعت أبي يقول في جواب هذه المسألة: إن كانت من قلامة أظفار اليدين جاز النظر إليها، وإن كانت من أظفار الرجلين لم يجز، لأنها عورة. ففرح الخضري وقال: لو لم أستفد من اتصالي بأهل العلم إلا هذه المسألة لكانت كافية. انتهى كلام أبي الفتوح العجلي.
وقال أبو العباس ابن خلكان: هذا التفصيل بين اليدين والرجلين فيه نظر، فإن أصحابنا قالوا: اليدان ليستا بعورة في الصلاة، فأما بالنسبة إلى نظر الأجنبي فما نعرف بينهما فرقاً. انتهى كلام ابن خلكان.
قلت: كلام ابن خلكان المذكور ليس بصواب من وجهين: أحدهما قوله: قالوا اليدان ليستا بعورة، ولم يقل: الكفان. والثاني، قوله: ما يعرف بينهما فرقاً فإنه وإن كان لم يطلع على الفرق، وما في ذلك من الخلاف، فإنه قال ذلك على وجه الاعتراض، وكان حقه أن لا يقول مثل هذا إلا بعد اطلاعه على كلام الأصحاب، فالمسألة منصوص عليها.
قال الإمام الرافعي: النظر إلى وجه الأجنبية وكفيها، إن خاف الناظر، فيه حرام، وإن
(2/300)

لم يخف فوجهان. قال أكثر الأصحاب لا سيما المتقدمون. لا يحرم بقول الله تعالى " ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها " سورة النور: الآية 31، وهو مفسر بالوجه والكفين، لكن يكره، قال ذلك الشيخ أبو حامد وغيره. والثاني يحرم، قاله الاصطخري وأبو علي الطبري، واختاره الشيخ أبو محمد والإمام، وبه قطع صاحب المهذب ووجهه الروياني باتفاق المسلمين على منع النساء من الخروج سافرات، وبأن النظر مظنة الفتنة، وهو مدركة الشهوة، فاللائق بمحاسن الشرع سد الباب والإعراض عن تفاصيل الأحوال كالخلوة بالأجنبية. انتهى كلام الإمام الروياني. قلت: وقد علم من هذا بما حكته زوجة الخضري عن أبيها صواب على الوجه الأول والله أعلم.

ثلاث وسبعين وثلاثمائة
في أولها ظهرت وفاة عضد الدولة. وكانت قد أخفيت حتى أحضروا ولده صمصام الدولة، فجلس للعزاء، ولطموا عليه في الأسواق أياماً، وجاء الطائع إلى صمصام الدولة، فعزاه ثم ولاه الملك، وعقد له لوائين ولقبه شمس الدولة، وبعد أيام جاء الخبر بموت مؤيد الدولة أخي عضد الدولة. ولد بجرجان وولي مملكته أخوه فخر الدولة الذي وزر له إسماعيل بن عباد.
وفيها القحط الشديد ببغداد، وبلغ حساب الغرارة الشامية أربعمائة درهم.
قلت وقد بلغت الغرارة الحجازية بمكة إلى هذه القيمة المذكورة، وهي نحو من ثلث الشامية، في سنة ست وستين وسبع مائة.
وفيها توفي الأمير أبو الفتح الصنهاجي نائب المعز العبيدي على المغرب. وكان محمود السيرة، حسن السياسة، ولي القيروان اثنتي عشرة سنة، وكانت له أربعمائة سرية، يقال أنه ولد: له في فرد يوم سبعة عشر ولداً. وكان استخلاف المعز له عندما توجه إلى الديار المصرية في سنة إحدى وستين وثلاثمائة، وأوصاه بأمور كثيرة، وأكد عليه في فعلها، ثم قال: إن نسيت ما أوصيتك به فلا تنس ثلاثة أشياء: إياك أن ترفع الجبايا عن أهل البادية، والسيف عن البربر، ولا تول أحداً من إخوتك وبني عمك، فإنهم يرون أنهم أحق بهذا الأمر منك، وافعل مع أهل الحاضرة خيراً. وأمر بالسمع والطاعة له.
وفيها توفي الشيخ الكبير العارف بالله الشهير: أبو عثمان المغربي الصوفي سعيد بن سلم قال: هكذا " ابن سلم ". ذكر في بعض النسخ، وفي بعضها " ابن سلام " بزيادة ألف بعد
(2/301)

اللام، نزيل نيسابور.
قال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي: لم نر مثله في علو الحال وصون الوقت. وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري رحمه الله سمعت الأستاذ أبا بكر بن فورك رحمه الله يقول: كنت عند أبي عثمان المغربي حين قرب أجله، فلما تغير عليه الحال أشرنا على علي بالسكوت، ففتح الشيخ أبو عثمان عينيه وقال: لم لا يقول على شيء. فقلت لبعض الحاضرين: سلوه، وقولوا: علام يسمع المستمع، فإني أحتشمه في هذه الحالة؟ فسألوه فقال: إنما يسمع من حيث يسمع.
ومن كلامه رضي الله تعالى عنه: التقوى هي الوقوف على الحدود، لا يقصر فيها ولا يتعداها، وقال: من أثر صحبة الأغنياء على مجالسة الفقراء، ابتلاه الله تعالى بموت القلب.
قلت: وقد سمعت من أهل العلم والفضل بيتين في مدح سعيد بن سلم، لا أدري: أهو هذا المذكور أو غيره، وقد تضمنا لمدح عظيم بالغ، وهما:
ألا قل لساري الليل لا تخش ضلة ... سعيد بن سلم ضوء كل بلاد
لنا سيد أربى على كل سيد ... جواد، حثى في وجه كل جواد
قلت: وقوله: حتى في وجه كل جواد: يحتمل معنيين: أحدهما وهو الأظهر والله أعلم أنه بمعنى: حثى التراب في وجهه معناه حقره. والثاني: أن يكون جاد على كل جواد، وحثى في وجهه من المال ما يراد.
لما أمليت هذين الوجهين ذكر بعض من حضرني من الأصحاب أنه يحتمل معنى ثالثاً، وهو أن الجواد السابق من الخيل إذا سبق حثى التراب بحافره في وجه المسبوق. وهو معنى حسن غريب يحتمل أن قائله مصيب.
وفيها توفي الفضل بن جعفر الرجل الصالح المؤذن بدمشق: أبو القاسم التميمي.

أربع وسبعين وثلاثمائة
فيها توفي العلامة أبو سعيد، عبد الرحمن بن محمد بن خشكا الحنفي الحاكم بنيسابور.
وفيها توفي خطيب الخطباء أبو يحيى عبد الرحيم بن محمد بن إسماعيل ابن نباتة " بضم النون وبالموحدة وفتح المثناة من فوق بعد الألف " الفارقي اللخمي، العسقلاني المولد، المصري الدار، مصنف الخطب المشهورة. ولي خطابة حلب. لسيف الدولة، كان
(2/302)

إماماً في علوم الأدب ورزق السعادة في خطبه التي وقع الإجماع على أنه ما عمل مثلها، وفيها دلالة على غزارة علمه، وجودة قريحته. وذكروا أنه سمع على المتنبي بعض ديوانه في خدمة سيف الدولة، وكان سيف الدولة كثير الغزوات، فلهذا أكثر من خطب الجهاد ليحض الناس، ويحثهم على الجهاد. كان رجلاً صالحاً، ورأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في المقابر، فأشار بيده إلى القبور وقال: كيف قلت يا خطيب؟ كيف قلت يا خطيب؟: لا يخبرون بما إليه آلوا، ولو قدروا على المقاد لقالوا، قد شربوا من الموت كأساً مرة، فلم يفقدوا من أعمالهم ذرة، والى عليهم الدهر إليه برة أن لا يجعل لهم إلى دار الدنيا كرة كأنهم لم يكونوا للعيون قرة، ولم يعهدوا في الأحياء مرة، أسكتهم الله الذي أنطقهم، وأبادهم الذي خلقهم، وسيجددهم كما خلقهم، ويجمعهم كما فرقهم.
ثم نقل صلى الله عليه وآله وسلم في فيه، فاستيقظ من منامه على وجهه أثر نور وبهجة لم يكن قبل. وقص رؤياه على الناس، وقال: سماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطيباً. وعاش بعد ذلك ثمانية عشر يوماً لا يستطعم طعاماً ولا شراباً من أجل تلك التفلة وبركتها. وهذه الخطبة التي فيها هذه الكلمات: تعرف بالمناسبة لهذه الواقعة.
وذكر بعضهم أنه ولد في سنة خمسين وثلاثمائة، وتوفي في السنة المذكورة، أعني سنة أربع وسبعين وثلاثمائة.
وعن بعضهم أنه قال: رأيت الخطيب ابن نباتة في المنام بعد موته، وقلت له: ما فعل الله تعالى بك. فقال: رفع لي ورقة، وفيها سطران بالأحمر. وهما: قد كان أمن لك من قبل ذا، واليوم أضحى لك أمنان، والصفح لا يحسن عن محسن، وإنما يحسن عن جان. قال: فانتبهت من النوم وأنا كررهما.
وفيها توفي تميم بن معز بن المنصور بن القائم بن المهدي، كان أبوه صاحب الديار المصرية والمغرب، وهو الذي بنى القاهرة. وكان تميم المذكور فاضلاً شاعراً ماهراً لطيفاً ظريفاً، ولم يل المملكة، لأن ولاية العهد كانت لأخيه العزيز، تولاها بعد أبيه. وللعزيز أيضاً أشعار جيدة، ذكرها أبو منصور الثعلبي في اليتيمة. ومن شعر تميم المذكور:
أما والذي لا يملك الأمر غيره ... وهو بالسر المكتم أعلم
لئن كان كتمان المصائب مؤلماً ... فأعد أنها عندي أشر وآلم
وفي كل ما تبكي العيون أقله ... وإن كنت منه دائماً أتبسم
ومنه:
وما أم خشف ظل يوماً وليلة ... ببلقية بيداء ظمآن صاديا
(2/303)

تهيم فلا تدري إلى أين تنتهي ... مولهة خبرى تجوب الفيافيا
أضر بها حر الهجير فلم تجد ... لغلتها من بارد الماء ساقيا
فلما عنت من خشفها انعطفت له ... فألفته ملهوف الجوانح طاويا
فأوجع مني يوم شدت حمولهم ... ونادى منادي الحي أن لا تلاقيا
ولما توفي غسله القاضي أبو محمد بن النعمان، وكفنه في ستين ثوباً، وحضر أخوه العزيز الصلاة عليه.
قلت: قد قدمت في سنة سبع وأربعين ترجمة تميم بن المعز، وليس هو هذا، بل ذلك حميري وأفقه. هذا في اسمه واسم أبيه قد تشبهان، فلهذا انتبهت عليه. والمتقدم هو الممدوح بالبيتين المتقدمين في ترجمته، أعني قول ابن رشيق في أولهما أصح، وفي آخرهما عن كف الأمير تميم.

خمس وسبعين وثلاثمائة
فيها توفي الحافظ أبو زرعة أحمد بن الحسين الرازي الصغير، رحل وطوف وجمع وصنف.
وفيها توفي أبو مسلم ابن مهران الحافظ العابد العارف عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن مهران البغدادي. رحل إلى البلدان، منها خراسان والشام والجزائر وبخارى وصنف المسند، ثم تزهد وانقبض عن الناس، وجاور بمكة. وكان يجتهد أن لا يظهر للمحدثين، ولا لغيرهم. قال ابن أبي الفوارس: صنف أشياء كثيرة، وكان ثقة زاهداً ما رأينا مثله.
وفيها توفي الإمام الشهير الفقيه الكبير أبو القاسم عبد العزيز بن عبد الله الداركي الشافعي نزيل نيسابور ثم بغداد. انتهى إليه معرفة المذهب، قال أبو حامد الأسفراييني: ما رأيت أفقه منه، وقال غيره: كان صاحب وجه في المذهب، تفقه على أبي إسحاق المروزي، وحدث عن جده لأمه الحسن بن محمد الداركي. ودارك من قرى أصفهان.
وفيها توفي الأبهري القاضي، أبو بكر التميمي، صاحب التصانيف، وشيخ المالكية العراقيين. سئل أن يلي قضاء القضاة، فامتنع رحمه الله تعالى.

ست وسبعين وثلائمائة
فيها وقع قتال بين الديلم وكانوا تسعة عشر ألفاً وبين الترك، وكانوا ثلاثة آلاف،
(2/304)

فانهزمت الديلم، وقتل منهم نحو ثلاثة آلاف، وكانوا مع صمصام الدولة، وكانت الترك مع أخيه، شرف الدولة، فخفوا به وقدموا به بغداد، فأتاه الخليفة الطائع طائعاً يهنئه، ثم خفي خبر صمصام الدولة فلم يعرف.
وفيها توفي الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المستملي البلخي. سمع الكثير، وخرج لنفسه معجماً، وحدث بصحيح البخاري عن الفربري.
وفيها توفي الواعظ أبو بكر محمد بن عبد الله بن عبد العزيز بن شاذان الصوفي الرازي.

سبع وسبعين وثلاثمائة
فيها رفع شرف الدولة عن العراق مظالم كثيرة، فمن ذلك أنه رد على الشريف أبي الحسين محمد بن عمر جميع أملاكه، وكان مبلغها في العام ألفي ألف وخمسمائة درهم، وكان الغلاء ببغداد دون الوصف.
وفيها توفي الإمام النحوي أبو علي الحسن بن أحمد الفارسي، اشتغل ببغداد، ودار البلاد، وأقام بحلب عند سيف الدولة ابن حمدان. وكان إمام وقته في علم النحو، وجرت بينه وبين المتنبي مجالس، ثم انتقل إلى بلاد فارس، وصحب عضد الدولة، وتقدم عنده، وعلت منزلته حتى قال عضد الدولة: أنا غلام أبي علي في النحو. وصنف له " كتاب الإيضاح والتكملة " في النحو، وله تصانيف أخرى تزيد على عشرة.
ويحكى أنه كان يوماً في ميدان شيراز، يساير عضد الدولة، فقال له: أنصب المستثنى في قولنا قام القوم إلا زيداً فقال الشيخ: بفعل مقدر. فقال له: كيف تقديره. فقاد: أستثني زيداً، فقال عضد الدولة: هلا رفعته، وقررت الفعل، امتنع زيد. فانقطع الشيخ وقال: الجواب ميداني، ثم إنه لما رجع إلى منزله، وضع في ذلك كلاماً، وحمله إليه فاستحسنه. وذكر في كتاب الإيضاح أنه بالفعل المتقدم تقويه إلا.
وحكى أبو القاسم بن أحمد الأندلسي قال: جرى ذكر الشعر بحضرة أبي علي وأنا حاضر فقال: إني لا أغبطكم على قول الشعر، فإن خاطري لا يوافقني على قوله، مع
(2/305)

تحقيقي العلوم التي هي من مواده، فقال له رجل: فما قلت قط شيئاً منه؟ فقال: ما أعلم أن لي شعراً إلا ثلاثة أبيات، وذكرها في السبب، ولم أذكرها أنا في هذا الكتاب، لأنه أبدى فيه عيباً وذماً، وهو: " في الشرع نور ووقار "، كما ورد به في حديث النبي صلى الله عليه واله وسلم في قصة إبراهيم عليهما أفضل الصلاة والتسليم.
وذكر بعض المؤرخين أنه ذكر له إنسان في المنام أن لأبي علي مع فضائله شعراً حسناً. وأنشده في المنام منها هذا البيت:
الناس في الخير لا يرضون عن أحد ... فكيف ظنك يسمو الشر أو ساموا
وقيل: إن السبب في استشهاده في باب " كان " من كتاب الإيضاح ببيت أبي تمام:
من كان مرعى عزمه وهمومه ... روض الأماني لم يزل مهزولا
لأن عضد الدولة كان يحب هذا البيت وينشده كثيراً، وعدوا له من المصنفات عدة كتب، وفضله أشهر من أن يذكر، وكانت وفاته ببغداد، وقبره في الشونيزية.
وفيها توفيت أمة الواحد ابنة القاضي أبي عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي، حفظت القرآن والفقه والنحو والفرائض، وغيرها من العلوم، وبرعت في مذهب الإمام الشافعي، وكانت تفتي مع أبي علي بن أبي هريرة.
وفيها توفي ابن لؤلؤ الوراق أبو الحسن علي بن محمد الثقفي البغدادي الشيعي، وكان ثقة يحدث بالآخرة.
وفيها توفي أبو الحسن الأنطاكي علي بن محمد المقرىء الفقيه الشافعي. دخل الأندلس، ونشر بها العلم، وقال ابن الفرضي: أدخل الأندلس علماً جماً، وكان رأساً في القراءات، لم يتقدمه فيها أحد.
وفيها توفي الحافظ الغطريفي محمد بن أحمد بن الحسين بن القاسم بن السري بن الغطريف الجرجاني الرباطي.

ثمان وسبعين وثلائمائة
فيها توفي الشيخ الكبير، شيخ الصوفية، وصاحب كتاب " اللمع في التصوف "، أبو
(2/306)

نصر السراج عبد الله بن علي الطوسي.
وفيها توفي الحافظ صاحب التصانيف، وأحد أئمة الحديث، أبو أحمد الحاكم محمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق النيسابوري. روى عن ابن خزيمة، وعبد الله بن زيدان محمد بن الفيض الغساني وغيرهم، وأكثر الترحال، وكتب ما شاء الله. قال الحاكم ابن البيع: أبو أحمد الحافظ إمام عصره، صنف على الصحيحين، وعلى جامع الترمذي، وألف " كتاب الكنى "، و " كتاب العلل "، و " كتاب الشروط "، و " المخرج على المزني "، وولي قضاء الشاش، ثم قضاء طوس، ثم قدم نيسابور، ولزم مسجده، وأقبل على العبادة والتصنيف، وكف بصره قبل موته بسنتين رحمة الله عليه.

تسع وسبعين وثلاثمائة
فيها وفي التي تليها اشتد البلاء، وعظم الخطب ببغداد بأمر العبادين، صاروا حزبين، ووقعت بينهم حروب، واتصل القتال بين أهل الكرخ وباب البصرة، وقتل طائفة ونهبت أموال الناس، وتواترت الفتن وأحرق بعضهم دروب بعض.
وفيها توفي شرف الدولة سلطان بغداد ابن السلطان عضد الدولة الديلمي، وكان فيه خير وقلة ظلم، وكان موته بالاستسقاء، ولي بعده أخوه أبو نصر.
وفيها توفي الإمام العالم المتكلم أحد أئمة الأشعرية الكبار في وقته، وعنه أخذ أبو علي بن شاذان: محمد بن أحمد أبو جعفر الجوهري البغدادي النقاش.
وفيها توفي أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي الإشبيلي، شيخ العربية بالأندلس وصاحب التصانيف. وأدب المؤيد بالله ولد المستنصر، كان واحد عصره في علم النحو وحفظ اللغة، أخبر أهل زمانه بالإعراب والمعاني والنوادر، إلى علم السير والأخبار،، يكن مثله في وقته. وله كتب تدل على وفور علمه، منها مختصر " كتاب العين "، و " كتاب طبقات النحويين واللغويين " في المشرق والأندلس، من زمن أبي الأسود الدؤلي إلى زمنه وعدة كتب أخرى، وتولى قضاء أشبيلية، وكان كثيراً ما ينشد:
الفقر في أوطاننا غربة ... والمال في الغربة أوطان
والأرض شيء كلها واحد ... والناس إخوان وجيران
(2/307)

والزبيدي بضم الزاي وفتح الموحدة وسكون المثناة من تحت وبعدها دال مهملة نسبة إلى زبيد، واسمه منبه بن صعب بن سعد العشيرة بن مذحج بفتح الميم وسكون الذال المعجمة وكسر الحاء المهملة وبعدها جيم وهو في الأصل اسم أكمة حمراء باليمن، ولد عليها مالك بن رد، فسمي باسمها، ثم كثر ذلك في تسمية العرب، حتى صاروا يسمون بها، ويجلونه علماً على المسمى، وقطعوا النظر عن تلك الأكمة. وزبيد قبيلة كبيرة باليمن وكذا مذحج.

ثمانين وثلاثمائة
فيها توفي الحافظ المحدث الأندلسي أبو عبد الله محمد بن أحمد الأموي مولاهم القرطبي. سمع وصنف، ومن مصنفاته " فقه الحسن البصري " في سبع مجلدات، و " فقه الزهري " في أجزاء عديدة.
وفيها توفي الوزير أبو الفرج، وزير صاحب مصر العزيز بالله، وكان يهودياً بغدادياً، عجباً في الدهاء والفطنة والمكر، يتوكل للتجارة بالرملة، فانكسر وهرب إلى مصر، فأسلم بها، واتصل بالأستاذ كافور، ثم دخل المغرب، وأنفق عند المعز، وتقدم ولم يزل في الارتقاء إلى أن مات. وكان عظيم الهيبة، وافر الحشمة، عالي الهمة، وكان معلومه على مخدومه في السنة مائة ألف دينار، وقيل إنه خلف أربعة آلاف مملوك، ويقال أنه حسن إسلامه.

إحدى وثمانين وثلاثمائة
فيها أمر الخليفة الطائع بحبس الحسين بن المعلم وكان عن خواص بهاء الدولة فعظم عليه ذلك، ثم دخل على الطائع وفيه هيبة، دخلوا للخدمة، فلما قرب منه قبل الأرض، وجلس على الكرسي، وتقدم أصحابه فجذبوا الطائع بحمائل سيفه من السرير، ولفو، في كساء حتى أتوا به دار السلطنة، واختبطت بغداد، وظن الأجناد أن القبض على بهاء الدولة من جهة الطائع، فوقعوا من النهب ثم إن بهاء الدولة أمر بالنداء بخلافة القادر بالله، فأكره الطائع على خلع نفسه، وعمل بذلك سجل، ونفد إلى القادر وهو بالبطايح،
(2/308)

وأخذوا جميع ما في دار الخلافة، حتى الرخام والأبواب، واستباحت الرعاع قلع الشبابيك، وأقبل القادر بالله أحمد ابن الأمير إسحاق بن المقتدر بالله، وله يومئذ أربع وأربعون سنة، وكان كثير التهجد والخير والبر، صاحب سنة وجماعة.
وفيها توفي العبد الصالح المقرىء مصنف " كتاب الغاية " والشامل في القراءات: الأستاذ أبو بكر أحمد بن الحسين بن مهران الأصبهاني ثم النيسابوري. قال الحاكم: كان إمام عصره في القراءات، وأعبد من رأينا من القراء، وكان مجاب الدعوه.
وفيها توفي القائد أبو الحسن جوهر بن عبد الله المعروف بالكاتب الرومي، كان من موالي المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي صاحب الإفريقية. جهزه في جيش كثيف ليفتتح ما استعصى من بلاد المغرب، فسار إلى فاس، ثم إلى سجلماسة، ثم توجه إلى البحر المحيط فاتحاً للبلاد، وصاد من سمك البحر، وجعله في قلال الماء، وأرسله إلى المعز، ثم رجع ومعه صاحب فاس أسير في قفص حديد. وقد مهد البلاد، وحكم على أهل الزيغ والعناد من إفريقية إلى البحر المحيط من جهة المغرب، وفي جهة المغرب مر إفريقية إلى أعمال مصر، ولم يبق بلد من هذه البلاد إلا أقيمت فيه دعوته، وخطب له في جميعه جمعيه وجماعية إلا مدينة سبتة فإئها بقيت لبني أمية أصحاب الأندلس.
ولما وصل الخبر إلى المعز بموت كافور الإخشيذي صاحب مصر، بعث المعز القائد جوهراً المذكور إلى جهة المغرب لإصلاح أموره، وجميع قبائل العرب، وجنى القطائع التي كانت على البربر، وكانت خمسمائة ألف دينار، وخرج المعز بنفسه إلى المهدية، فأخرج من قصور آبائه خمسمائة حمل دنانير، وعاد إلى قصره، وعاد جوهر بالرجال والأموال، فجهزه إلى الديار المصرية ليأخذها، وسير معه العساكر في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، فتسلم مصر، وصعد المنبر خطيباً، ودعا لمولاه المعز ووصلت البشائر إلى المعز بأخذ البلاد وأقام بها حتى وصل إليه المعز وهو نافذ الأمر واستمر على علو منزلته وارتفاع درجته متولياً للأمور إلى سابع عشر المحرم سنة أربع وستين، فعزله المعز، وكان محسناً إلى الناس ولما توفي لم يبق شاعر إلا رثاه.
وكان سب انفاذ مولاه المعز إلى مصر أن كافورا الإخشيذي كما تقدم بسكون
(2/309)

الخاء وكسر الشين والذال المعجمات وسكون المثناة من تحت بين الشين والذال، الخادم المشهور، لما توفي دعا لأحمد بن علي الإخشيذي على المنابر بمصر وأعمالها، والبلدان الشاميات والحرمين، وبعده الحسن بن عبد الله، فاضطرب الجند لقلة الأموال وعدم الانفاق فيهم وكان تدبير الأموال إلى الوزير أبي الفضل جعفر بن الفرات فكتب جماعة من وجوههم إلى المعز بإفريقية ويطلبون إنفاذ العساكر ليسلموا له مصر، فأمر القائد جوهر المذكور بالتجهيز إلى الديار المصرية، وجهز له ما يحتاج إليه من المال والسلاح والرجال، فبرز بالعساكر ومعه أكثر من مائة ألف فارس وأكثر من ألف ومائتي صندوق من المال، وخرج المعز لوداعه ثم قال لأولاده: انزلوا لوداعه، فنزلوا عن خيولهم، ونزل أهل الدولة لنزولهم، والمعز متكىء على فرسه، وجوهر واقف بين يديه، ثم قبل جوهر يد المعز وحافر فرسه، فقال له: اركب، فركب وسار بالعساكر.
ولما رجع المعز إلى قصره، أنفذ إلى جوهر ملبوسه وكل ما كان عليه سوى خاتمه وسراويله وكتب المعز إلى عبده أفلح صاحب برقة أن يرتحل للقائد جوهر، ويقبل يده عند لقائه فبذل أفلح مائة ألف دينار على أن يعفي من ذلك، فلم يعف، وفعل ما أمر به عند لقائه ووصل الخبر إلى مصر بوصوله مع العساكر، فاضطرب أهلها، واتفقوا مع الوزير ابن الفرات على المراسلة في الصلح وطلب الأمان، وأرسلوا بذلك أبا جعفر مسلم بن عبيد الله الحسني، بعد أن التمسوا منه أن يكون سفيرهم، فأجابهم، وشرط أن يكون معه جماعة من البلد. وكتب الوزير معهم كتاباً بما يريد، فتوجهوا نحو القائد جوهر، وكان قد نزل في بالقرب من الإسكندرية، فوصل إليه الشريف بمن معه، وأدى إليه الرسالة، فأجابه إلى ما التمسوه، وكتب له جوهر عهداً بما طلبوه، فاضطرب البلد اضطراباً شديداً، وأخذت الإخشيذية والكافورية وجماعة العسكر الأهبة للقتال، ورجعوا عن الصلح فبلغ ذلك جوهراً، فرحل إليهم، فتهيأ للقتال، وساروا بالعساكر نحو الجيزة، ونزلوا بها، وحفظوا الجسر. ووصل القائد جوهر، وابتدأ بالقتال، وأسرت رجال، وأخذت خيل، ومضى جوهر إلى ميتة الصيادين وأخذ المخاضة يمنة سلفان، واستأمن إلى جوهر جماعة من العسكر في مراكب، وجعل أهل مصر على المخاضة من يحفظها، فلما رأى ذلك جوهر قال لجعفر بن فلاح، لهذا اليوم أرادك المعز، فعبر عرياناً في سراويل وهو في مركب ومعه الرجال خوضاً، حتى خرجوا إليهم، ووقع القتال، فقتل خلق كثير من الإخشيذية وأتباعهم، وانهزموا في الليل، ودخلوا مصر، وأخذوا من دورهم ما قدروا عليه. وخرجت حرمهم
(2/310)

ماشيات ودخلن على الشريف أبي جعفر في مكاتبة القائد بإعادة الأمان. فكتب إليه يهنئه بالفتح، ويسأله إعادة الأمان، فعاد الجواب بأمانهم، ثم ورد رسوله إلى جعفر بأن يجتمع به مع جماعة من الأشراف والعلماء ووجوه البلد، فاجتمعوا به في الجيزة، ونادى مناد: ينزل الناس كلهم، إلا الوزير والشريف. فنزلوا وسلموا عليه واحداً بعد واحد، والوزير عن شماله، والشريف عن يمينه، ولما فرغوا من السلام ابتدؤوا بدخول البلد، فدخلوا وقت زوال الشمس، وعليهم السلام والعدد، ودخل جوهر بعد العصر، وخيوله وجنوده بين يديه، وعليه ثوب ديباج، وتحته فرس أصفر، ونزل في موضع القاهرة اليوم، واختط موضع القاهرة، ولما أصبح المصريون حضروا عند القائد للتهنئة، فوجدوه قد حفر أساس القصر في الليل، وكان فيه دورات جاءت غير معتدلة لم تعجبه، ثم قال: حفرت في ساعة سعيدة لا أغيرها. وأقام عسكره يدخل البلد سبعة أيام، وبادر جوهر بالكتاب إلى مولاه يبشره بالفتح، وأنفذ إليه رؤوس القتلى في الوقعة، وقطع خطبة بني العباس عن منابر الديار المصرية، وكذلك أسمهم على السكة، وجعل ذلك كله باسم مولاه المعز، وزال الشعار الأسود، وألبس الخطباء الثياب البيض، وفي يوم الجمعة أمر جوهر بزيادة عقب الخطبة: اللهم صل على محمد المصطفى، وعلى علي المرتضى، وعلى فاطمة البتول، وعلى الحسن والحسين سبطي الرسول اللذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، اللهم صل على الأئمة الطاهرين آباء أمير المؤمنين. وعاد في الجمعة الأخرى وأذن بحي على خير العمل. ودعا الخطيب على المنبر للقائد جوهر، فأنكر جوهر عليه وقال: ليس هذا رسم موالينا. وشرع في عمارة الجامع بالقاهرة.
قال ابن خلكان: وأظن هذا الجامع هو المعروف بجامع الأزهر، فإن الجامع الآخر بالقاهرة مشهور بجامع الحاكم. وأقام جوهر مستقلاً بتدبير مملكة مصر قبل وصول مولاه المعز إليها أربع سنين وعشرين يوماً. ولما وصل المعز إلى القاهرة خرج جوهر من القصر إلى القائد، ولم يخرج معه شيء إليه سوى ما كان عليه من الثياب، ثم لم يعد إليه، ونزل في داره بالقاهرة، وسيأتي أيضاً طرف من خبره وخبر سيده المعز في ترجمته إن شاء الله تعالى.
وكان ولده الحسين قائد القواد للحاكم صاحب مصر، وكان قد خاف على نفسه من الحاكم وولده وصهره القاضي عبد العزيز زوج أخته، فأرسل الحاكم من برهم وطيب قلوبهم، وآنسهم مدة مديدة، ثم حضروا للخدمة، فتقدم الحاكم إلى سيف النقمة وأشد، فاستصحب عشرة من الغلمان الأتراك، وقتلوا الحسين وصهره القاضي، وأحضروا رأسيهما بين يدي الحاكم " في القيامة يكون التحاكم ".
(2/311)

وفيها توفي سعد الدولة أبو المعالي شريف بن سيف الدولة بن حمدان الثعلبي صاحب حلب، وولي بعده ابنه سعد، فلما مات ابنه سعد انقرض ملك سيف الدولة من جهة ذريته.
وفيها توفي الحافظ أبو بكر ابن المقرىء محمد بن إبراهيم الأصفهاني صاحب الرحلة الواسعة، وقاضي الجماعة أبو بكر القرطبي المالكي صاحب التصانيف، وأحفظ أهل زمانه لمذهبه.

اثنتين وثمانين وثلاثمائة
فيها منع أبو الحسن بن المعلم الكوكبي الرافضة من عمل المآتم يوم عاشوراء الذي كان يعمل من نحو ثلاثين سنة، وأسقط طائفة من كبار الشهود الذين ولوا بالشفاعات، وقد كان استولى على أمور السلطان بهاء الدولة كلها.
وفيها شغبت الجند، وعسكروا، وبعثوا يطلبون من بهاء الدولة أن يسلم إليهم ابن المعلم، وصمموا على ذلك إلى أن قال له رسولهم: أيها الملك، اختر بقاءه أو بقاءك، فقبض حينئذ عليه وعلى أصحابه، ما زالوا به حتى قتلوه رحمة الله عليه.
وفيها توفي أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري، أحد الأئمة في الأدب والحفظ، وهو صاحب أخبار ونوادر واتساع في الرواية، وله التصانيف المفيدة. وكان الصاحب بن عباد يريد الاجتماع به، ولا يجد إليه سبيلاً، فقال لمخدومه مريد الدولة: إن البلد الفلاني قد اختل حاله، وأحتاج إلى كشف، فأذن لي في ذلك، فأذن، فلما أن وصل توقع أن يزوره أبو أحمد المذكور، فلم يزره، فكتب الصاحب إليه:
ولما أبيتم أن تزوروا وقلتم ... ضعيف فلم نقدر على الوجدان
أتيناكم من بعد أرض نزوركم ... منزل بكر عندنا وعوان
وكتب مع ذلك شيئاً من نثر بحال أبي أحمد. والبيت المشهور:
أهم بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنزوان
فعجب الصاحب من اتفاق هذا البيت له، وذكر أنه لو عرف أنه يقع له هذا البيت لغير الروي. والبيت المذكور لأخي الخنساء صخر بن عمرو بن الشريد مع أبيات أخرى، وكان قد حضر محاربة بني أسد، فطعنه ربيعة بن ثور الأسدي، فأدخل بعض حلقات الدرع في جنبه، وبقي مدة حول في أشد ما يكون من المرض، وأمه وزوجته سلمى تمرضانه، فضجرت زوجته منه، فمرت بها امرأة، فسألتها عن حاله فقالت: لا هو حي فيرجى، ولا
(2/312)

هو ميت فينسى فسمعها صخر فأنشد:
أرى أم صخر لا تمل عيادتي ... وملت سليمى مضجعي ومكاني
وما كنت أخشى أن أكون جنازة ... عليك، ومن يغتر بالحدثان
لعمري لقد نبهت من كان نائماً ... وأسمعت من كانت له أذنان
وأي امرىء ساوى بأم جليلة ... فلا عاش إلا في شقى وهوان
أهم بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنزوان
فللموت خير من حياة كأنها ... معرس يعسوب برأس سنان

ثلاث وثمانين وثلاثمائة
فيها توفي أبو محمد بن حزم بن الفرضي: كان جليلاً زاهداً شجاعاً مجاهداً، ولاه المستنصر القضاء فاستعفاه، وكان فقيهاً صلباً ورعاً، وكان يشبهونه بسفيان الثوري في زمانه.
وفيها توفي الزاهد الواعظ شيخ الكرامية، ورأسهم بنيسابور إسحاق بن حمشاد.
قال الحاكم: كان من العباد المجتهدين، يقال أسلم على يديه أكثر من خمسة آلاف، قال: ولم أر بنيسابور جنازة أكثر جمعاً من جنازته.
وفيها توفي محمد بن العباس الخوارزمي الشاعر المشهور ابن أخت محمد بن جرير الطبري العلاة المشكور، كان إماماً في اللغة والأنساب والأشعار. من الشعراء المجيدين الكبار.
يحكى أنه قصد حضرة الصاحب بن عباد، فلما وصل بابه قال لبعض حجابه: قل للصاحب: على الباب أحد أرباب الأدب، وهو يستأذن في الدخول، فدخل الحاجب فأعلمه بما قد تكلمه، فقال الصاحب: قل له: قد ألزمت نفسي ألا يدخل علي من أولي الأدب إلا من يحفظ عشرين ألف بيت من شعر العرب، فخرج إليه الحاجب، فأعلمه بما قال، فقال ارجع إليه وقل له: من شعر النساء أم من شعر الرجال؟ فدخل الحاجب، وأعاد عليه ذلك القول، فأذن الصاحب له حينئذ في الدخول، فدخل عليه، فعرفه، وانبسط في الكلام معه وله ما حوى من الفضائل ديوان شعر وديوان رسائل. من نظمه المشتمل على المعاني
(2/313)

الحسان هذان البيتان:
رأيتك إن أيسرت خيمت عندنا ... مقيماً وأن أعسرت زرت لماما
فما أنت إلا البدر إن قل ضوءه ... أغب، وإن زاد الضياء أقاما
وله ملح شهيرة ونوادر كثيرة، وكان قد فارق الصاحب بن عباد غير راض عنه، فقال في الإنشاد:
لا تحمدن ابن عباد وإن هطلت ... يداه بالجود حتى أخجل الديما
فإنها خطرات من وساوسه ... يعطي ويمنع لا بخلاً ولا كرماً
فبلغ ذلك ابن عباد، فلما بلغه خبر موته أنشد:
أقول لركب من خراسان قافل ... أمات خويرزميكم؟ قيل لي: نعم
فقلنا اكتبوا بالجص من فوق قبره ... ألا لعن الرحمن من كفر النعم

أربع وثمانين وثلاثمائة
فيها اشتد البلاء بالعباد ببغداد، وقووا على الدولة وعلى رأسهم عزيزاً التفت عليهم خلق عظيم، فنهض السلطان وتفرغ لهم فهربوا. ولم يحج أحد الركب المصري.
وفيها توفي الحافظ أبو الفضل الهمداني السمسار الذي لما أملى الحديث باع طاحوناً له بسبع مائة دينار، ونثرها على المحدثين، قيل: كان ركناً من أركان الحديث، ديناً ورعاً، لا يخاف في الله لومة لائم، وله عدة مصنفات. والدعاء عند قبره مستجاب.
وفيها توفي محمد بن عمران المرزباني البغدادي المولد وصاحب التصانيف المشهورة، والمجاميع الغريبة. كان راوية للأدب، صاحب أخبار، وتواليفه كثيرة، وكان ثقة في الحديث مائلاً إلى التشيع في المذهب، حدث عن عبد الله بن محمد البغوي وأبي بكر بن داد السجستاني وآخرين. وهو أول من جمع ديوان يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وهو صغير الحجم يدخل في مقدار ثلاث كراديس، وجمعه جماعة من بعده، وزادوا فيه أشياء
(2/314)

ليست له. وشعره مع قلته في نهاية من الحسن، ومن محاسن شعره الأبيات التي منها قوله:
إذا رمت من ليلى على البعد نظرة ... لتطفي جوي بين الحشا والأضلع
تقول نساء الحي تطمح أن ترى ... محاسن ليلى من بداء المطامع
وكيف ترى ليلى بعين ترى بها ... سواها وما طهرتها بالمدامع
وتلتذ منها بالحديث وقد جرى ... حديث سواها في حزوق المسامع
أجلك يا ليلى عن العين إنما ... أراك بقلب خاشع لك خاضع
حزوق بالقاف هو المشهور عند الجمهور ورواه بعضهم بالتاء المثناة من فوق. رجعنا إلى ذكر المرزباني. روى عن دريد وابن الأنباري، وروى عنه أبو عبد الله الضميري وأبو القاسم التنوخي وأبو محمد الجوهري وغيرهم، والمرزباني لا يطلق عند العجم إلا على الرجل المقدم المعظم القدر، وتفسيره بالعربية حافظ الحد.
وفيها توفي المحسن بن علي بن محمد التنوخي الذي يقول فيه أبو عبد الله الشاعر:
إذا ذكر القضاة وهم شيوخ ... تخيرت الشباب على الشيوخ
ومن لم يرض لم اسقمه إلا ... بحسرة سيدي القاضي التنوخي
وله " كتاب الفرج بعد الشدة "، و " كتاب نشوار المحاضرة "، " كتاب المستجاد من فعالات الأجواد "، وديوان شعر أكبر من ديوان أبيه، وسمع بالبصرة من أبي العباس الأثرم وأبي بكر الصولي. والحسين بن محمد بن يحيى وطبقتهم. ونزل بغداد وأقام بها، وحدث بها إلى حين وفاته، وكان أديباً شاعراً أخبارياً، ولاه الإمام المطيع لله القضاء بعسكر المكرم ورامهرمز وتقفد أعمالاً كثيرة في نواحي مختلفة. ومن شعره في بعض المشايخ، وقد خرج يستقسي وكان في السماء سحاب فلما دعا أصحت السماء، فقال التنوخي المذكور:
خرجنا لنستسقي بفضل دعائه ... وقد كاد هدب الغيم أن يلحق الأرضا
فلما ابتدا يدعو تكشفت السما ... فما تم إلا والغمام قد انقضى
ومن الشعر المنسوب إليه:
قل للمليحة في الخمار المذهب ... أفسدت نسك أخي التقى المترهب
(2/315)

نور الخمار ونور خدك تحته ... عجباً لوجهك كيف لم يتلهب
وجمعت بين المذهبين فلم يكن ... للحسن عن ذهبيهما من مذهب
وإذا أتيت عيني لتسرق نظرة ... قال الشعاع لها اذهبي، لا تذهبي
قال ابن خلكان: وقد أذكرتني هذه الأبيات في الخمار المذهب حكاية وقفت عليها منذ زمان بالموصل، وهي أن بعض التجار قدم مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومعه حمل من الخمر السود فلم يجد لها طالباً، فكسدت عليه، وضاق صدره، فقيل له: ما ينفقها لك إلا المسكين الدارمي، وهو من مجيدي الشعراء الموصوفين بالطواف والخلاعة، فقصده، فوجده قد تزهد وانقطع في المسجد، فأتاه، وقص عليه القصة فقال: وكيف أعمل، وأنا قد تركت الشعر، وعكفت على هذه الحالة. فقال له التاجر: أنا رجل غريب، وليس معي بضاعة سوى هذا الحمل، وتضرع إليه، فخرج من المسجد، وأعاد لباسه الأول، وعمل هذين البيتين، وشهرهما:
قل للمليحة في الخمار الأسود ... ماذا أردت بناسك متعبد
قد كان شمر للصلاة إزاره ... حتى قعدت له بباب المسجد
وشاع بين الناس أن المسكين الدارمي قد رجع إلى ما كان عليه، وأحب واحدة ذات خماراً أسود، فلم يبق بالمدينة ظريفة إلا وطيب خمار أسود، فباع التاجر الحمل الذي كان معه بأضعاف ثمنه لكثرة رغباتهن فيه، فلما فرغ منه عاد مسكين إلى تعبده وانقطاعه.
وللتنوخي المذكور ولد كان أديباً فاضلاً، وكان يصحب أبا العلاء المعري، وأخذ عنه كثيراً، وكان يروي الشعر الكثير، وهم أهل بيت كلهم فضلاء أدباء ظرفاء. " والمحسن " بضم الميم وفتح الحاء المهملة وكسر السين المهملة المشددة وبعدها نون.
وفيها توفي الرماني شيخ العربية أبو الحسن علي بن عيسى النحوي ببغداد. وله قريب من مائة مصنف، أخذ عن ابن دريد وابن السراج، وكان متفنناً في علوم كثيرة من القرآن والفقه والنحو والكلام على مذهب المعتزلة والتفسير واللغة.
وفيها توفي الحافظ أبو الحسن محمد بن العباس بن أحمد بن الفرات البغدادي.
سمع من أبي عبد الله المحاملي وطبقته، وجمع ما لم يجمعه أحد في وقته. قال الخطيب: بلغني أنه كان عنده عن علي بن محمد المصري وحده مائة جزء وإنة كتب مائة تفسير ومائة تاريخ وهو حجة ثقة.
وفيها توفي الإمام أبو الحسين الماسرجسي، شيخ الشافعية بخراسان محمد بن علي النيسابوري. قال الحاكم: كان أعرف الأصحاب بالمذهب وترتيبه، وتفقه بخراسان والعراق
(2/316)

والحجاز، وصحب الإمام أبا إسحاق المروزي مدة، وتفقه عليه، وصار ببغداد معيد أبي علي بن أبي هريرة، وهو صاحب وجه في المذهب، وعليه تفقه القاضي أبو الطيب الطبري، وسمع من أصحاب المزني ويونس بن عبد الأعلى والمؤمل بن الحسن، وعقد له مجلس الإملاء في دار السنة.

خمس وثمانين وثلاثمائة
فيها توفي الصاحب المعروف بابن عباد، وهو أبو القاسم إسماعيل بن أبي الحسن عباد بن أحمد بن إدريس الطالقاني. كان نادرة الدهر وأعجوبة العصر في فضائله ومكارمه. أخذ الأدب من أبي الحسين أحمد بن فارس اللغوي، صاحب كتاب المجمل في اللغة. وأخذ عن أبي الفضل بن العميد وغيرهما. وقال أبو منصور الثعلبي في كتابه اليتيمة في حقه: ليست بحضرتي عبارة أرضاها للإفصاح عن علو محله في العلم والأدب وجلالة شأنه في الجود والكرم، وتفرده بالغايات في المحاسن، وجمعه أشتات المفاخر، لأن همه قوتي ينخفض عن بلوغ أدنى فواضله ومعاليه، وجهد وصفي يقصر عن أيسر فضائله ومساعيه. ثم شرع في شرح بعض محاسنه وطرف من أحواله. وقال أبو بكر الخوارزمي في حقه: الصاحب نشأ من الوزارة في حجرها، ودب ودرج من وكرها، ورضع أفاويق درها، وورثها عن آبائه، كما قال أبو سعيد الرستمي في حقه:
ورث الوزارة كابراً عن كابر ... موصولة الأسناد بالأسناد
وروى عن العباد بن عباد: وقال بعضهم رأيت في أخباره أنه لم يسعد أحد بعد وفاته كما كان في حياته غير الصاحب، فإنه لما توفي أغلقت مدينة الري، واجتمع الناس على باب قصره ينتظرون خروج جنازته، وحضر مخدومه فخر الدولة، وسائر القواد، وقد غيروا لباسهم.
قلت إنه لم يسعد واحد بعد موته كما كان في حياته غيره من أرباب ولايات الدنيا، وما يفتخرون به من المناصب التي هي إن لم يسلم الله تعالى ما طيب، وهو أول من لقب بالصاحب من الوزراء، لأنه كان يصحب أبا الفضل بن العميد، فقيل له: صاحب بن العميد، ثم أطلق عليه هذا اللقب لما تولى الوزارة، وبقي علماً عليه.
وذكر الصابي في " كتاب الناجي " أنه إنما قيل له الصاحب لأنه صحب مؤيد الدولة منذ الصبا، وسماه الصاحب فاستمر هذا اللقب عليه، واشتهر به، ثم سمي به كل من تولى
(2/317)

الوزارة بعده. وكان أولاً وزير مؤيد الدولة أبي منصور بويه بضم الموحدة وفتح الواو وسكون المثناة من تحت وفي آخره هاء ساكنة ابن ركن الدولة الديلمي، تولى وزارته بعد أبي الفتح علي بن أبي الفضل بن العميد، فلما توفي مؤيد الدولة في سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة، استولى على مملكته أخوه فخر الدولة أبو الحسن، فأقر الصاحب على وزارته، وكان مبجلاً عنده معظماً نافذ الأمر، وكان حسن الفطنه. كتب بعضهم إليه رقعه أغار فيها على رسائله، وسرق جملة من ألفاظه، فوقع تحتها هذه: " بضاعتنا ردت إلينا ".
وحبس بعض عياله في مكان ضيق بجواره، ثم صعد السطح يوماً، فأطلع عليه، فرآه، فناداه المحبوس بأعلى صوته، فاطلع فرآه في سواء الجحيم، فقال الصاحب: اخسؤوا فيها ولا تكلمون " قلت ": معنى أنك خاطبتنا بخطاب من هو معذب فأجبناك بالجواب الذي يجاب به أهل النار.
وله نوادر وتصانيف كثيرة، منها كتاب " المحيط " في اللغة، وهو سبع مجلدات، و " كتاب الكشف " عن مساوىء شعر المتنبي و " كتاب أسماء الله تعالى "، وصفاته، وكتب أخرى، وله رسائل بديعة ونظم جيد من جملته قوله:
رق الزجاج ورضت الخمر ... فتشابها فتشاكل الأمر
وكأنما خمر قدح ... وكأنما قدح ولا خمر
قلت وهذان البيتان يتمثل بهما في الأمور المحتملة المتشابهة، وممن يتمثل بهما شيخ عصره وإمام دهره شهاب الدين السهروردي قدس الله روحه.
وحكى أبو الحسين الفارسي النحوي أن نوح بن منصور أحد ملوك بني ساسان كتب إليه ورقة يستدعيه ليفوض إليه وزارته وتدبير أهل مملكته، فكان من جملة اعتذاره إليه أنه يحتاج لنقل كتبه إلى أربعمائة جمل في الظل لمن يبقى بها من التحمل.
وقال الإمام الحافظ أبو القاسم ابن عساكر: حكى لي من أثق به أن الصاحب بن عباد كان إذا انتهى إلى ذكر الباقلآني وابن فورك والأستاذ أبي إسحاق الأسفراييني وكانوا متناصرين من أصحاب الشيخ أبي الحسن الأشعري قال: الباقلآني بحر مغرق، وابن فورك جبل مطرق، والأسفراييني نار محرق.
قال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر: وكأن روح القدس نفث في روعه، حيث أخبر عن هؤلاء الثلاثة بما هو حقيقة الحال فيهم. انتهى.
وأخبار الصاحب بن عباد كثيرة، وفضائله بين أهل هذا الفن شهيرة، اقتصرت منها
(2/318)

على هذه النبذة اليسيرة. وكانت وفاته ليلة الجمعة الرابع والعشرين من صفر من السنة المذكورة بالري، ثم نقل إلى أصبهان، ودفن بمحلة تعرف بباب درية، ولما خرج نعشه صاح الناس بأجمعهم وقيل الأرض ومشى فخر الدولة أمام الجنازة مع الناس، وقعدوا للعزاء أياماً.
وقال أبو القاسم بن أبي العلاء الشاعر الأصبهاني: رأيت في المنام قائلاً يقول: لم لم ترث الصاحب مع فضلك وشعرك فقلت: ألجمتني كثرة محاسنه، فلم أدر بما أبدأ منها، وخفت أن أقصر، وقد ظن في الاستيفاء لها. فقال: احفظ واسمع ما أقوله فقلت: قل.
قال: ثوى الجود والكافي معاً تحت حفرة فقلت: ليأنس كل منهما بأخيه فقال: هما اصطحبا حيين ثم تعانقا فقلت: ضجيعين في لحدٍ بباب درية فقال: إذا ارتحل الثاوون من مستقرهم فقلت: أقاما إلى يوم القيامة فيه ومما رثاه الشعراء قول أبي سعيد الرستمي:
أبعد ابن عباد يهش إلى السرى ... أخو أهل ويستماح جواد
أبى الله إلا أن يموتا بموته ... فما لهما حتى المعا معاد
وفي السنة المذكورة توفي الإمام الحافظ المشهور، صاحب التصانيف الدارقطني أبو الحسن علي بن عمر البغدادي الدارقطني. قال الحاكم: صار أوحد عصره في الحفظ والفهم والورع، وإماماً في النجاة، صادفته فوق ما وصف لي، وله مصنفات يطول ذكرها.
وقال الخطيب كان فريد عصره، وقريع دهره، ونسيج وحده. وإمام وقته، انتهى إليه علم الأثر والمعرفة بمذاهب العلماء والأدب والشعر، قيل إنه يحفظ دواوين جماعة وقال أبو ذر الهروي: قلت للحاكم: هل رأيت مثل الدارقطني. فقال: هو لم ير مثل نفسه، فكيف أنا؟ وقال البزقاني: كان الدارقطني يملي علي العلل من حفظه وقال القاضي أبو الطيب الطبري: الدارقطني أمير المؤمنين في الحديث وقال غيره: أخذ الفقه عن أبي سعيد الأصطخري الفقيه الشافعي. " قلت " يعني الإمام المشهور صاحب الوجوه في المذهب، قيل بل أخذه عن صاحب لأبي سعيد، وأخذ القراءات عرضاً وسماعاً عن محمد بن الحسن النقاش، وعلي بن سعيد القزاز، ومحمد بن الحسين الطبري، ومن في طبقتهم وسمع من ابن مجاهد وهو صغير، وروى عنه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني صاحب حلية الأولياء
(2/319)

وجماعة كثيرة. وصنف " كتاب السنن "، و " المؤتلف والمختلف " وغيرهما، وخرج من بغداد إلى مصر قاصداً أبا الفضل جعفر بن الفرات وزير كافور الأخشيذي، فإنه بلغه أن أبا الفضل عازم على تأليف مسند، فمضى إليه ليساعده عليه، وأقام عنده مدة، وبالغ أبو الفضل في إكرامه، وأنفق عليه نفقة واسعة، وأعطاه شيئاً كثيراً، وحصل له بسببه مال جزيل، ولم يزل عنده حتى فرغ المسند. وكان يجتمع هو والحافظ عبد الغني على تخريج المسند وكتابته، إلى أن تبحر. وقال الحافظ عبد الغني المذكور: أحسن كلاماً على حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة: علي بن المديني في وقته، وموسى بن هارون في وقته، والدارقطني في وقته أو كما قال.
وسأل الدارقطني يوماً أحد أصحابه: هل رأى الشيخ مثل نفسه. فامتنع من جوابه، وقال: قال الله تعالى " فلا تزكوا أنفسكم " سورة النجم، آية 32، فألح عليه فقال: إن كان في فن واحد، فقد رأيت من هو أفضل مني، وإن كان من اجتمع فيه ما اجتمع في فلان، كان متفنناً في علوم كثيرة.
قلت: فهذا ما لخصته من أقوال العلماء في ترجمته، وكل ذلك مدح في حقه، إلا سفره إلى مصر من أجل الوزير المذكور، فإنه وإن كان ظاهره كما قالوا لمساعدة له في تخريج المسند المذكور، فلست أرى مثل هذا الإيقاع بأهل العلم، ولا بأهل الدين. ثم لما كان مثل هذه المساعدة بعض أهل العلم والدين لا يشوبه شيء من أمور الدنيا كان حسناً منه، وفضلاً وحرصاً على نشر العلم، والمساعدة في الخير. وبعيد عن تطاوع النفوس لمثل هذا إلا إذا وفق الله، وذلك نادر أو معدوم، وما على الفاضل المتدين من أرباب الولايات ألفوا أو لم يألفوا نعم، لو أرسل إليه بعضهم وقال: أرو عني كتابي وكان فيه نفع للمسلمين فلا بأس، فقد روينا عن شيخنا رضي الدين أربعين حديثاً، تخريج السلطان للملك، فظفر صاحب اليمن، وتوفي الدارقطني رحمه الله، وقد قارب الثمانين، أو كاد يبلغها، وصلى عليه الشيخ أبو حامد الأسفراييني.
وفي السنة المذكورة " توفي " الحافظ المفسر الواعظ صاحب التصانيف: أبو حفص ابن شاهين عمر بن أحمد البغدادي. قال الحسين بن المهدي بالله: قال لنا ابن شاهين صنف ثلاثمائة وثلاثين مصنفاً، منها " التفسير الكبير " ألف جزء، و " المسند " ألف وثلاثمائة
(2/320)

جزء، و " التاريخ " مائة وخمسون جزءاً. وقال ابن أبي الفوارس: ابن شاهين ثقة مأمون، جمع وصنف ما لم يصنفه أحد.
وفيها توفي أبو الحسن محمد بن عبد الله المعروف بابن سكرة، الأديب الهاشمي العباسي البغدادي، الشاعر المشهور، لا سيما في المزاح والمجون. وكان هو وابن نجاح يشبهان في وقتهما بجرير والفرزدق، ويقال إن ديوان ابن سكرة يزيد على خمسين ألف بيت. قال الثعالبي: وهو شاعر متسع العبارة في أنواع الإبداع، فاق في قول الظرف والملح على الفحول والأفراد، جاد في ميدان المجون والسخف ما أراد. قالوا وهو من ولد علي بن المهدي بن أبي جعفر المذكور المنصور الخليفة العباسي ومن بديع تشبيهه ما قاله في غلام رآه وفي يده غصن عليه زهر:
غصن بان بدا وفي اليد منه ... غصن فيه لؤلؤ منظوم
فتحيرت بين غصنين في ذا ... قمر طالع وفي ذا نجوم
ويقال إن الملحي البغدادي الشاعر كتب إلى ابن سكرة الهاشمي:
يا صديقاً أفادنيه زمان ... فيه ضيق بالأصدقاء ونصح
بين شخصي وشخصك بعد ... غير أن الخيال بالوصل سمح
إنما أوجب التباعد منا ... أنني سكر وأنك ملح
فكتب إليه ابن سكرة:
هل يقول الخليل يوماً لخل ... شاب منه محض المودة قدح
بيننا سكر فلا تفسدنه ... أم يقول بيني وبينك ملح؟
هكذا صوابه. أعني إن الأبيات الأولى لابن سكرة، والبيتين الأخيرين للملحي، خلاف ما رأيته في بعض التواريخ، حيث عكس ذلك، وهو غير مناسب لمفهوم نظمهما. ولابن سكرة أيضاً في الشباب:
لقد بان الشباب وكان غصناً ... له تمر وأوراق تظلك
وكان البعض منك فمات فاعلم ... متى ما مات بعضك مات كلك
وله أيضاً من أبيات له في هجاء بعض الرؤساء:
(2/321)

ولا تقل ليس في عيب ... قد تقذف الحرة العفيفه
والشعر نار بلا دخان ... وللقوافي رؤى لطيفه
كم من ثقيل المحل شام ... هوت به أحرف خفيفه
لو هجي المسك وهو أهل ... لكل مدح لصار جيفه
وله:
قيل ما أعددت للبر ... د فقد جاء بشدة
قلت: دراعة عري ... تحتها جية رعدة
وله في الشتاء الكافات المشهورة.
وفي إعراضها قلت مشيراً إلى نصحتين: الأولى لبني الدنيا الراغبين، والثانية لبني الدين الزاهدين:
وهي كانون مصطل، ففصل ... الشتاء يا صاح بالبرد مقبل
وأوله في الفجر سبع لشوكه ... وشمس تجدي لذي شوى وتوكل
بأول كانونين خامس عشرة ... تكون فإن كنت أنصحت فقل
فخذ عشر كافات خلت عن خلاعة ... على الفسق تغري الفاسقين وتحمل
كل الكبش واكتس بالكسافي أريكة ... للحلا زكت والكبش عندك يكمل
ولكن أولى النصح ما فيه قلته ... وإن لم أكن ممن إذا قال يفعل
تمسكن وكن في كن كونك ناسكاً ... وكل كلما يلقى إليك التوكل
تأس بمسكين وواس بممكن ... وفكر بمن فوق المزابل ينزل
وللنفس قل هل من نعيم ورفعة ... كمثل جنان هم بها منك أفضل
بخمس ما بين سابقون بخيرها ... لهم في علاها فوق رأسك منزل
وهذا إذا صادفت سعد عناية ... وقرب بها باقون من تلك يدخل
قصور وحور لا تطاق صفاتها ... وكل نعيم ما له العقل يعقل
إلهي بجاه المصطفى لا حرمتنا ... نعيماً بها يا نعم مولى مؤمل
وصل على تاج العلى سيد الورى ... رسول كريم لا يساويه مرسل
وفي السنة المذكورة توفي الفقيه العلامة الزاهد الورع الخاشع البكاء المتواضع، أبو بكر الأودني، شيخ الشافعية ببخارى. ومن غرائب وجوهه في المذهب أن الربا حرام في كل شيء، فلا يجوز بيع شيء بجنسه متفاضلاً.
وفيها توفي أبو محمد يوسف بن أبي سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي النحوي
(2/322)

اللغوي الإخباري الفاضل ابن الفاضل، قد تقدم ذكر أبيه في سنة ثمان وستين مع ذكر شيء من فضائله، وهو السيرافي المشهور بين النحاة، وهذا ابنه كان عالماً بالنحو، وتصدر في مجلس أبيه بعد موته، وخلفه على ما كان عليه، وكمل كتاب أبيه الذي سماه " الإقناع " وهو كتاب جليل نافع في بابه. فإن أباه كان قد شرح كتاب سيبويه، وظهر له بالإطلاع والبحث في حال التصنيف ما لم يظهر لغيره من المعاني، ثم صنف " الإقناع " وكأنه ثمرة استفادته حال البحث والتصنيف، ومات قبل إكماله فكمله ولده المذكور. وليوسف عدة كتب، منها: " شرح أبيات كتاب سيبويه " وهو في غاية من الجودة. و " شرح أبيات كتاب إصلاح المنطق "، وأجاد فيه أيضاً، وكذلك " شرح أبيات المجاز " لأبي عبيدة، و " أبيات معاني الزجاج "، و " أبيات غريب أبي عبيد القاسم بن سلام " وغير ذلك. وكانت كتب اللغة تقرأ عليه مرة رواية، ومرة دراية، و " كتاب البارع " للمفضل بن سلمة في عدة مجلدات هذب " كتاب العين " في اللغة المنسوب إلى الخليل، وأضاف إليه من اللغة طرفاً صالحاً وعن عبد السلام البصري خازن دار العلم ببغداد قال: كنت في مجلس أبي سعيد السيرافي وبعض أصحابه يقرأ عليه إصلاح المنطق لابن السكيت فمر ببيت جميل:
ومطوية الأتراب أما نهارها ... فمكث وأما ليلها فذميل
وقال أبو محمد يوسف بومطوية بالخفض أصلح. ثم التفت إلينا وقال: هذه وأورب فقلت: أطال الله بقاء القاضي، إن قبله ما يدل على الرفع، فقال: ما هو. قلت:
إياك في الله الذي أنزل الهدى ... والنور والإسلام عليك دليل
ومطوية الأتراب، قال فعاد وأصلحه، وكان ابنه أبو محمد حاضر، فتغير وجهه لذلك، ونهض لساعته إلى دكانه، فباعه واشتغل بالعلم إلى أن برع فشرح كتاب المنطق وحدث من وراءه بعمل هذا الشرح، وبين يديه أربعمائة ديوان، ولم يزل أمره على سداد واشتغال وإفادة إلى أن توفي، وكان ديناً صالحاً ورعاً متقشفاً رحمه الله.
؟؟

ست وثمانين وثلاثمائة
فيها توفي شيخ الإسلام، قدوة الأولياء الكرام أبو طالب المكي صاحب قوت القلوب محمد بن علي بن عطية الحارثي، نشأ بمكة، وتزهد، ولقي الصوفية، وصنف ووعظ، وكان في البداية صاحب رياضة ومجاهدة، وفي النهاية صاحب أسرار ومشاهدة وأستاذه الشيخ الكبير العارف بالله الشهير أبو الحسن بن سالم البصري.
وفيها توفي العزيز بالله أبو منصور، نزار بن المعز بالله معد بن المنصور إسماعيل القاسم بن محمد بن المهدي العبيدي الباطن، صاحب المعز ومصر والشام، ولي الأمر بعد
(2/323)

أبيه. وكان شجاعاً جواداً حليماً قريباً من الناس، لا يحب سفك الدماء، له أدب وشعر، وكان مغرماً بالصيد، وقام بعده ابنه الحاكم.
وذكر بعض المؤرخين أنه هو الذي اختط أساس الجامع بالقاهرة مما يلي باب الفتوح، وفي أيامه بني قصر البخرة بالقاهرة الذي لم يبن مثله شرقاً ولا غرباً، وقصر الذهب، وجامع القرافة. وقيل: كتب نزار المذكور إلى المرواني صاحب الأندلس كتاباً يسبه فيه ويهجوه، فكتب إليه: أما بعد فإنك قد عرفتنا، فهجوتنا، ولو عرفتك لأجبتك، والسلام فاشتد على نزار، وأقحم عن الجواب وأكثر أهل العلم بالأنساب لا يصححون نسب العبيديين إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ما حكاه بعضهم.
قلت وسيأتي ذكر الطعن في نسبه في محضر فيه خطط جماعة من الأئمة المشهورين في العراق، وفي مبادي ولاية العزيز المذكور صعد المبرد يوم الأحد فوجد هناك ورقة، فيها مكتوب.
إنا سمعنا نسباً منكراً ... يتلى على المنبر في الجامع
إن كنت فيما تدعي صادقاً ... فاذكر ما بعد الأب الرابع
وإن ترد تحقيق ما قلته ... فأنسب لنا نفسك كالطائع
وفيها توفي أبو عبد الله محمد بن حسن الأسترابادي، ختن أبي بكر الإسماعيلي، وكان صاحب وجه في المذهب، وله مصنفات، وكان أديباً بارعاً مفسراً مناظراً. روى عن أبي نعيم عبد الملك بن عدي الجرجاني، وعاش خمساً وسبعين سنة، وتوفي يوم عرفة رحمه الله تعالى.
سنة سبع وثمانين وثلاثمائة
فيها توفي الشيخ العارف المنطق بالحكم والمعارف، والحبر الواعظ الإمام السيد جليل، قدوة الأنام، سني الأحوال الذي على فضله الأفاضل مجمعون، عالي المقام أبو حسين محمد بن أحمد المعروف بابن شمعون.
قال الإمام الحافظ أبو بكر بن إسماعيل: أبو الحسين الواعظ المعروف بابن شمعون كان واحد دهره، وفريد عصره في الكلام على الخواطر والإشارات، ولسان الوعظ دون ناس حكمه، وجمعوا كلامه، قال: وكان بعض شيوخنا إذا حدث عنه قال: حدثنا الشيخ جليل المنطق بالحكمة أبو الحسين بن شمعون.
(2/324)

وقال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي: محمد بن أحمد بن شمون لسان الوقت، والمرجوع إليه في آداب الظاهر، يذهب إلى أشد المذاهب، وهو إمام التكلم على هذا الشأن في الوقت، والمعبر عن الأحوال بألطف بيان، مع ما يرجع إليه من صحة الاعتقاد، وصحبة الفقراء.
وروى الحافظ أبو القاسم ابن عساكر بسنده إلى أبي بكر الأصفهاني خادم الشيخ أبي بكر الشبلي قال: كنت بين يدي الشبلي في الجامع، يوم الجمعة، فدخل أبو الحسين ابن شمعون وهو صبي على رأسه قلنسوة فجاز علينا، وما سلم، فنظر الشبلي إلى ظهره وقال: يا أبا بكر: أتدري أي شيء لله تعالى في هذا الفتى من الذخائر.
وبسند الحافظ أبي القاسم إلى النجيب عبد الغفار بن عبد الواحد الأموي قال: كان القاضي أبو بكر الأشعري، وأبو حامد يقبلان يد ابن شمعون يعني الإمامين ناصر السنة وقامع البدعة شيخ الأكابر من أئمة الأصول الجهابذة الحذاق، والإمام الكبير السيد الشهير شيخ طريقة العراق. قال: وكان القاضي - يعني الباقلاني - يقول: ربما خفي علي من كلامه بعض شيء لدقته.
وروى الحافظ أبو القاسم أيضاً بسنده: إنه كان في أول عمره ينسخ بأجرة، ويعول بأجرة نسخه على نفسه وعلى أمه، وكان كثير البر لها فجلس يوما ينسخ وهي جالسة بقربه فقال لها: أحب أن أحج، قالت: يا ولدي، كيف يمكنك الحج، وما معك نفقة، ولا لي ما أنفقه. إنما عيشنا من أجرة هذا النسخ، وغلب عليها النوم، فنامت، وانتبهت بعد ساعة فقالت: يا ولدي، حج، فقال لها: منعت قبل النوم، وأذنت بعده. فقالت: رأيت الساعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول: دعيه، فإن الخيرة له في حجه في الآخرة والأولى. ففرح، وباع من دفاتره ماله قيمة، ودفع إليها من ثمنها نفقتها، وخرج مع الحجاج، فأخذ العرب الحاج، وأخذ في الجملة.
قال ابن شمعون: فبقيت عرياناً، فوجدت مع رجل عباءة كانت على عدل، فقلت له: هب لي هذه العباءة أستر نفسي بها، فقال: خذها، فجعلت نصفها على وسطي، ونصفها على كتفي وكان عليها مكتوب: يا رب سلم مبلغ رحمتك، يا أرحم الراحمين. وكنت إذا غلب علي الجوع، ووجدت قوماً يأكلون، وقفت أنظر إليهم، فيدفعون إلي كسرة، فأقنع بها ذلك اليوم. ووصلت إلى مكة، فغسلت العبادة، وأحرمت بها، وسألت أحد بني شيبة أن يدخلني البيت. وعرفته فقري، فأدخلني بعد خروج الناس، وأغلق الباب، فقلت: اللهم
(2/325)

أنك بعلمك غني عن إعلامي بحالي، اللهم ارزقني معيشة أستغني بها عن سؤال الناس؟ فسمعت قائلاً يقول من ورائي: اللهم إنه ما يحسن أن يدعوك، اللهم ارزقه عيشاً بلا معيشة. فالتفت فلم أر أحداً، فقلت: هذا الخضر أو أحد الملائكة الكرام على الجميع السلام قال: فأعدت القول، فأعاد الدعاء، فأعدت، فأعاد ثلاث مرات وعدت إلى بغداد، وكان الخليفة قد حرم جارية من جواريه، وأراد إخراجها من الدار، فكره ذلك إشفاقاً عليها. قال أبو محمد ابن السني: فقال الخليفة: اطلبوا رجلاً مستوراً، يصلح أن يزوج هذه الجارية. فقال بعض من حضر: قد وصل ابن شمعون من الحج، وهو يصلح لها، فاستصوب الجماعة قوله، وتقدم بإحضاره وبكل حضار الشهود فأحضروا، وزوج بالجارية، ونقل معها من المال والثياب والجواهر ما يحمل بالملوك. وكان ابن شمعون يجلس على الكرسي للوعظ فيقول: أيها الناس، خرجت حاجاً، وكان من حالي كذا وكذا وشرح حاله جميعه وأنا اليوم علي من الثياب ما ترون، ووطئتي ما تعرفون، ولو وطئت على العتبة تألمت من الدلال، ونفسي تلك.
وروى الحافظ والخطيب عنه: إنه خرج من مدينة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قاصداً بيت المقدس، وحمل في صحبته تمراً صيحانياً، فلما وصل إلى بيت المقدس طالبته نفسه بأكل الرطب، فأقبل عليها باللائمة، وقال: من أين لنا في هذا الموضع رطب. فلما كان وقت الافطار، عمد إلى التمر ليأكل منه، فوجده رطباً صيحانياً، فأكل منه شيئاً، ثم عاد إليه من الغد، فوجده تمرا على حالته، فأكل منه، أو كما قال.
وكان له حسن الوعظ، وحلاوة الإشارة، ولطف العبارة. أدرك جماعة من جلة المشايخ، وروى عنه منهم الشيخ الكبير العارف أستاذ الطريقه، ولسان الحقيقة، وبحر المعارف أبو بكر الشبلي، وروى عن أبي بكر بن داود وجماعة، وأملى عدة مجالس، وروى الصاحب بن عباد قال: سمعت ابن شمعون يوماً، وهو على الكرسي في مجلس وعظ يقول: سبحان من أنطق باللحم، وبصر بالشحم، وأسمع بالعظم إشارة إلى اللسان والعين والأذن وهذه عن لطائف الاشارات.
ومن كلامه أيضاً: رأيت المعاصي نزلة، فتركتها مروءة، فاستحالت ديانة. وله كل معنى لطيف كان لأهل العراق فيه اعتقاد كثير، ولهم به غرام شديد، وإياه عنى الحريري في المقامة الحادية والعشرين وهي الرازية بقوله في أوائلها: رأيت ذات بكرة زمرة أسرر تمرات،. وهم منتشرون انتشار الجراد، مستنون استنان الجياد، ومتواصفون واعظاً يقصدونه، ويجعلونه ابن شمعون دونه وكان مولده سنة ثلاثمائة، وتوفي رحمه الله في نصف ذي القعدة يوم الجمعة، وقيل ذي الحجة من السنة المذكورة، ولم يخلف ببغداد بعده
(2/326)

مثله رحمه الله.
وفيها توفي أبو طاهر ابن الفضل بن محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي.
والفقيه الإمام أبو عبد الله ابن بطة الحنبلي.

ثمان وثمانين وثلاثمائة
فيها توفي الحافظ أبو بكر، أحمد بن عبدان الشيرازي الصيرفي، كان من كبار المحدثين.
وفيها توفي الحافظ أبو عبد الله: حسيين بن أحمد بن عبد الله بن بكير البغدادي الصيرفي. كان عجباً في حفظ الحديث وسرده.
وفيها توفي الإمام الكبير الخير الشهير أبو سليمان الخطابي أحمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي الشافعي. كان فقيهاً أديباً محدثاً، وله التصانيف البديعة، منها " أعلام السنن " في شرح البخاري، و " معالم السنن " في شرح سنن أبي داود، و " غريب الحديث "، و " كتاب إصلاح غلط المحدثين "، و " كتاب الشرح "، و " كتاب بيان الدعاء " وغير ذلك، سمع بالعراق أبا علي الصفار، وأبا جعفر الرزاز وغيرهما.
وروى عنه الحاكم أبو عبد الله بن البيع النيسابوري، وعبد الغفار بن محمد الفارسي، وأبو القاسم عبد الوهاب بن أبي سهل الخطابي، وذكر صاحب يتيمة الدهر، وأنشد له:
وما غمة الإنسان في شقة النوى ... ولكنها والله في عدم الشكلي
وإلى غريب بين بست وأهلها ... وإن كان فيها أسرتي وبها أصلي
(2/327)

قلت يعني بالشكلي: المشاركة في أوصافه، وأسرة الرجل بالضم رهطه والغمة بالضم الكربة. وأنشد له أيضاً:
فسامح ولا تستوف حقك كله ... وأبق فلم يستوف قط كريم
ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد ... كلا طرفي قصد الأمور ذميم
قلت هكذا يحفظ ذميم، وفي الأصل الذي وقفت عليه من نقل ابن خلكان سليم، ومعناه غير صحيح، فإن الطرفين إما إفراط، وإما تفريط. قالوا: وكان يشبه في عصره بأبي عبيد القاسم بن سلام علماً وأدباً وزهداً وورعاً وتدريساً وتأليفاً. والبستي بضم الموحدة، وسكون السين المهملة، والمثناة من فوق نسبة إلى بست: مدينة من بلاد كابل، بين هراة وغزنة، كثيرة الأشجار والأنهار..
قال الحاكم أبو عبد الله: سألت أبا القاسم المظفر بن طاهر عن اسم أبي سليمان الخطابي: أحمد أو حمد؟ فقال: سمعته يقول اسمي الذي سميت به حمد، ولكن الناس كتبوا أحمد، فتركته عليه.
وقال أبو القاسم المذكور: أنشدنا أبو سليمان لنفسه:
ما دمت حياً فدار الناس كلهم ... فإنما أنت في دار المداراة
من يدر دارى، ومن لم يدر سوف يرى ... عما قليل نديماً للندامات
قلت داري قوله هذا: مأخوذ من القول السائر في ألسنة الناس، متضمناً للجناس: " دارهم ما دمت في دارهم " قلت: وهذا الإطلاق الذي أطلقه وأجمله، أرى فيه تقييداً وتفصيلاً، وقد خطر لي وقت وقوفي على هذين البيتين معارضتهما ببيتين، فقلت:
إن كنت بالناس مشغولاً فدارهم ... أو كنت بالله ذا شغل وهمات
فلا تعلق سوى بالله ذائقة ... إن المهيمن كافيك المهمات
وفيها توفي الحاتمي محمد بن الحسن بن المظفر الكاتب اللغوي البغدادي، أحد الأعلام المشاهير المطلعين المكثرين. أخذ الأدب عن أبي عمرو الزاهد المعروف بالمطرز غلام ثعلب. روى عنه وعن غيره أيضاً، وأخذ عنه جماعة من النبلاء، منهم القاضي أبو قاسم التنوخي، وله الرسالة الحاتمية التي شرح فيها ما جرى بينه وبين المتنبي من إظهار سرقاته وإبانة عيوب شعره، ولقد دلت رسالته على غزارة مادته وتوقر إطلاعه، وسماها
(2/328)

الموضحة، وهي كثيرة في اثنتي عشرة كراسة، شهدت لصاحبها بالفضل الباهر، مع سرعة الاستحضار، وإقامة الشاهد، وله " كتاب حلية المحاضرة " يدخل في مجلدين و " الحاتمي " نسبة إلى بعض أجداد له اسمه حاتم.
حكى في أول رسالته المذكورة السبب الحامل له على إنشائها، فقال: لما ورد أحمد بن الحسين المتنبي مدينه السلام منصرفاً عن مصر ومتعرضاً للوزير أبي محمد المهلبي بالتخيم عليه، والمقام لديه، التحف رداء الكبر، وأرسل ذيول التيه، ونأى بجانبه استكباراً وثنى عطفه وازدراءاً. وكان لا يلاقي أحداً إلا أعرض عنه بها، وزخرف عليه القول تمويهاً، تخيل عجباً إليه أن الأدب مقصور عليه، وأن الشعر بحر لم يرد به غيره، وروض لم ير نواره سواه، فهو يجني جناه، ويقطف قطوفه دون من تعاطاه، وكل مجرى في الخلاء يستر، ولكل نبأ مستقر، فغير جار على هذه الوتيرة مديدة، أحرز به رسن البغي فيها، فظل يموج في تيهه حتى إذ تخيل لأنه السابق الذي لا يجارى في مضمار، ولا يساوى عذاره بعذار، وأنه رب الكلام ومفضض عذارى الألفاظ، ومالك رق الفصاحة. نثراً ونظماً، وقريع دهره الذي لا يقارع فضلاً وعلماً، وثقلت وطأته على كثير ممن وسم نفسه بميسم الأدب، وأنيط من مائه أعذب مشرب، فطأطأ بعض رأسه، وخفض بعض جناحيه، وظاهر من أعلى التسليم له طرفة. وساء معز الدولة أحمد بن بويه، وقد صورت حاله أن يرد حضرته - وهي دار الخلافة ومستقر العز، بيضة الملك - رجل صدر عن حضرته سيف الدولة ابن حمدان، وكان عدواً مبايناً لمعز الدولة، فلا يلقى أحداً بمملكته يساويه في صناعته، وهو ذو النفس الأبية والعزيمة الكسروية، والهمة التي لو هممت بالدهر لما قصرته بالإحراز صروفه، ولا دارت عليهم دوائره وحنوقه، وتخيل الوزير المهلبي رجماً بالغيب أن أحداً لا يستطيع مساجلته، ولا يرى نفسه كفوءاً له، ولا يصلح بأعيانه فضلاً عن التعلق بشيء من معانيه، ولم يكن هناك مزية يتميز أبو الطيب بها تميز الهجين الجذع من أبناء الأدب، فضلاً عن العتيق القارح إلا الشعر، ولعمري إن افتاته كانت فيه ريطبة ومجانبة عذبة له منيعاً عواره، معلماً أظفاره، ومذيعاً أسراره، وناشراً مطاويه، ومنقذاً من نظمه ما تسمح فيه، ومتوخياً أن يجمعنا دار يشار إلى ربها، فأجري أنا وهو في مضمار، ويعرف فيه السابق من المسبوق، واللاحق من المقصر عن اللحوق، وكنت إذ ذاك ذا سحاب مدرار، وزند في كل فضيلة ودار، وفظيع يناسب صفو العقار، إذا وصبت بالحباب ووسبت به سرائر الأكواب، والخيل تجري يوم الرهان بإقبال أربابها لا بعروقها ونصابها، ولكل امرىء حظ من مواتاة زمانه،
(2/329)

يقضى في ظله أرب، وبذلك مطلب، ويتوسع مراد ومذهب، حتى إذا عدت عن اجتماعنا عواراً من الأنام قصدت مستقره، وتحتي بغلة سفوا تنظر عن عيني بارويتشوف بمثل قادمتي نسر، كأنني كوكب وقاد، من تحته عمامة، يقتادها زمام الجنوب، ومن بين يدي عدة من الغلمان الورقة مماليك وأحرار، يتهافتون تهافت فريد الدر عن أسلاكه، ولم أذكر هذا تبجحاً ولا تكبراً بل لأن أبا الطيب شاهد جميعه ولم يرعه روعته، ولا استنطفه زبرجه، ولا زادته تلك الحالة الجميلة التي ملأت طرفه وقلبه إلا عجباً بنفسه وإعراضاً عني بوجهه، فألفيت هناك فتية تأخذ عنه شيئاً من شعره، فحين أوذن بحضوري، واستؤذن عليه لدخولي، نهض عن مجلسه مسرعاً، ووارى شخصه مستخفياً، فأعجلته نازلاً عن البغلة - وهو يراني - ودخلت، فأعظمت الجماعة قدري، وأجلستني في مجلسه، وإذا تحته أحلاق عناقد الحب عليها الحوادث فهي رسوم دائرة، وأسلاك متناثرة، فلم يكن إلا ريثما جلست، فنهضت، ووفيته حق السلام، غير مشاح له في القيام، لأنه إنما اعتمد نهوضه عن الموضع لئلا ينهض إلي، والغرض في لقائه غير ذلك، وحين لقيته تمثلت بقول الشاعر:
وفي الممشى إليك علي عار ... ولكن الهوى منع القرارا
فتمثل بقول الآخر:
يسقى رجال، ويسقى آخرون بهم ... ويسعد الله أقواماً بأقوام
وليس رزق الفتى من فضل حليته ... لكن جدود وأرزاق بأقسام
كذلك الصيد بحرمة الرامي المجيد وقد ... يرمي فيحرزه من ليس بالرامي
وإذا به لابس سبعة أقبية، كل قباء منها لون، وكنا في وغرة القيظ وجمرة الصيف، وفي يوم تكاد ودائع الهامات تسيل فيه، فجلست مستوفزاً، وجلس محتقراً، وأعرض عني لاهياً، وأعرضت عنه ساهياً، أؤنب نفسي في قصده، وأستخف رأيها في تكفف ملاقاته بعز هيئته، ثانياً عطفه، لا يعيرني طرفه، وأقبل على تلك الرغفة التي بين يديه، وكل يومىء إليه، ويرجي بلحظه، ويشير إلى مكاني بيده، ويوقظه من سنته وجهله، ويأتي الازدراء نفاراً وعتواً واستكباراً، ثم أيان يثني جانبه إلي، ويقبل بعض الإقبال علي، فأقسمت بالوفاء والكرم فإنهما من محاسن القسم أنه لم يزد علي أن قال: ايش خبرك. فقلت: بخير، ولا ما جنيت على نفسي من قصدك، ووسمت به قدري من ميسم الذل بزيارتك، وتجشمت رأيي من السعي إلى مثلك، ممن لم تهذبه تجربة، ولا أدبته بصرة، ثم تحدرت عليه تحدر لسيل إلى قوارة الوادي، وقلت له: أبن لي مم تيهك وخيلاؤك وعجبك وكبرياؤك؟ وما الذي يوجب ما أنت عليه من الذهاب بنفسك. والرمي بهمتك إلى حيث يقصر عنه باعك، لا يطول اليك ذراعك؟ هل هاهنا نسب تنتسب إلى المحدثة، أو شرف علقت بأذياله، أو
(2/330)

سلطان تسلطت بعزه، أو علم يقع الإشارة إليك به. إنك لو قدرت نفسك بقدرها، أو وزنتها بميزانها، ولم يذهب بك البتة مذهباً لما عددت أن تكون شاعراً مكتسباً فامتقع لونه، وغض بريقه، وجعل يلين في الاعتذار، ويرغب في الصفح والاعتذار، ويكرر الإيمان أنه لم يتبين، ولا اعتمد التقصير في. فقلت: يا هذا، إن قصدك شريف في نسبه تجاهلت نسبه، أو عظيم في أدب صغرت أدبه، أو متقدم عند سلطان حفظت منزلته، فهل المجد تراث لك دون غيرك؟ كلا والله، لكنك مددت الكبر ستراً على نقصك، وضربته رواقاً حائلاً دون مباحثك، فعاود الاعتذار نقلت: لا عذر لك مع الإصرار، وأخذت الجماعة في الرغبة أني في مباشرته وقبول عذره واستعمال الأناة الذي تستعملها الحرمة عند الحفيظة، وأنا على شاكلة واحدة في تقريعه وتوبيخه، وذم خليقته، وهو يؤكد القسم أنه لم يعرفني معرفة ينتهز معها الفرصة في قضاء حقي، فأقول لم يستأذن عليك باسمي ونسبي، أما في هذه الجماعة من كان يعرفني لو كنت جهلتني؟ وهب أن ذلك كذلك، ألم تر شاربي. أما شممت عطر نشري؟ ألم تميز في نفسك عن غيرك. وهو في أثناء ما أخاطب به وقد ملأت سمعه تأنيباً وتفنيداً يقول: خفف عليك، أكفف عن عزتك، اردد من صورتك، فإن الأناة من شيم مثلك فأصحب حينئذ جانبي له، يعني: انقاد بعد صعوبته، ولانت عريكتي في يده، واستحييت من تجاوز الغاية التي انتهيت إليها في معاتبة، وذلك بعد أن روضته رياضة الصعب من الإبل، وأقبل علي معظماً، وتوسع في تقريظي مفخماً، وأقسم أنه ينازع منذ ورد العراق ملاقاتي، ويعد نفسه بالاجتماع معي، ويسومها التعلق بأسباب مودتي، فحين استوفى القول في هذا المعنى استأذن عليه فتى من الفتيان الطالبين الكوفيين، فأذن له، فإذا حدث مرهف الأعطاف يمثل به نشوة الصبي، فتكلم، فأعرب عن نفسه، وإذا لفظ رخيم، ولسان حلو وأخلاق فكهة، وجواب حاضر وثغر باسم في إناة الكهول ووقار المشايخ، فأعجبني ما شاهدته من شمائله، وملكني ما تبئنته من فضله، فجازاه أبياتاً. ومن ها هنا كان افتتاح الكلام بينهما في إظهار سرقاته ومعايب شعره.
قلت هذا ما نقله ابن خلكان مع خلل في ألفاظ يسيرة من نقله، قال: وقد طال الكلام، لكنه لزم بعضه بعضاً، فما أمكن قطعه وهذه الرسالة تشتمل على فوائد جمة، فإن كان كما ذكر أنه أبان له جميعها في ذلك المجلس، فما هذا الاطلاع عظيم. قلت: والأمر على ما ذكر ابن خلكان، أعني إن كان هذا الكلام صدر عنه في مجلس واحد فقد أبدع ما صنع، وجمع من الفوائد.

تسع وثمانين وثلاثمائة
فيها توفي الإمام الكبير الشهير أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني المالكي، شيخ المغرب، وإليه انتهت رئاسة المذهب. قال القاضي عياض: حاز رئاسة الدين والدنيا،
(2/331)

رحل إليه من الأقطار، ونجب أصحابه، وكثر الآخذون عنه، وهو الذي لخص المذهب وملأ البلاد من تآليفه، وكان يسمى مالكاً الأصغر.
وفيها توفي أبو الطيب ابن غلبون الحلبي، المقرىء الشافعي، صاحب الكتب في القراءات.
وفيها توفي أبو الهيثم الكشميهني محمد بن مكي المروزي، راوية البخاري عن الفربري، وله رسائل أنيقة. توفي يوم عرفة رحمه الله.

تسعين وثلاثمائة
فيها توفي ابن فارس اللغوي، أبو الحسين أحمد بن فارس الرازي. كان إماماً في علوم شتى. وخصوصاً اللغة فإنه أتقنها، وألف " كتاب المجمل " فيها، جمع على اختصاره شيئاً كثيراً، وله " كتاب حلية الفقهاء "، ورسائل أنيقة، ومسائل في اللغة تفانى بها الفقهاء، ومنه اقتبس الحريري صاحب المقامات ذلك الأسلوب ووضع المسائل الفقهية في المقامة الطيبية وهي مائة مسألة وكان مقيماً بهمدان، وعليه اشتغل بديع الزمان الهمداني صاحب المقامات المتقدمة على مقامات الحريري، وله أشعار جيدة فمنها قوله:
وقالوا: كيف حالك قلت: صبراً ... يقضي حاجة وتفوت حاج
إذا ازدحمت هموم الصدر قلنا ... عسى يوماً يكون بها انفراج
وله شعر:
مرت بنا هيفاء مجدولة ... تركة تنمى لتركي
تريق بطرف فاتر فاتن ... أضعف من حجة نحوي
(2/332)

وقوله:
إذا كنت في حاجة مرسلاً ... وأنت بها كلف مغرم
فارسل حكيماً ولا توصه ... وذاك الحكيم هو الدرهم
وغير ذلك من أشعار حذفتها للاختصار.
وفيها توفيت أمة الإسلام بنت القاضي أحمد بن كامل البغدادية، كانت دينة حافظه فاضلة، رحمها الله تعالى.
وفيها توفي الحافظ أبو زرعة الكشي محمد بن يوسف الجرجاني.
وفيها توفي القاضي أبو الفرج النهرواني، المعافى بن زكريا الجريري، تفقه على مذهب محمد بن جرير الطبري، وسمع من البغوي وطبقته. قال الخطيب: كان من أعلم الناس في وقته بالفقه والنحو واللغة وأصناف الآداب. وله شعر حسن، ومنه ما روى القاضي أبو الطيب:
ألا قل لمن كان لي حاسداً ... أتدري على من أست الأدب
أسأت على الله في فعله ... لأنك لم ترض لي ما وهب
فجازاك عني بأن زادني ... وشد عليك وجوه الطلب
وذكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في " كتاب طبقات الفقهاء " وأثنى عليه، ثم قال وأنشدني قاضي بلدنا أبو علي الداودي، قال: أنشدني أبو الفرج لنفسه:
أأقتبس الضياء من الضباب ... وألتمس الشراب من السراب
أريد من الزمان النذل بدلاً ... وأربأ من جنى سلع وصاب
أرجي أن ألاقي لاشتياقي ... خيار الناس في زمن الكلاب
يعني ما لا يرى العسل، ومن شعره أيضاً:
مالك العالمين ضامن رزقي ... فلماذا أملك الخلق رقي
قد قضى لي بما علي ومالي ... خالقي جل ذكره قبل خلقي
صاحب البذل والندى في يساري ... ورفيقي في عسرتي حين رفقي
(2/333)

فكما لا يرد عجز رزقي ... فكذا لا يجر رزقي حذقي
وله عدة تصانيف ممتعة في الأدب و " كتاب الجليس والأنيس " تصنيفه. وروى عن الفقيه عبد الباقي أنه كان يقول: إذا حضر القاضي أبو الفرج فقد حضرت العلوم كلها، ولو أوصى رجل بشيء أن يدفع إلى أعلم الناس لوجب أن يدفع إليه.

إحدى وتسعين وثلاثمائة
فيها توفي الحسين المعروف بابن الحجاج الشاعر، له ديوان شعر في عشر مجلدات، تولى حسبة بغداد، وقيل إنه عزل بأبي سعيد الاصطخري الإمام الشافعي. ومن شعره:
يا صاحبي استيقظا من رقدة ... تزري على عقل اللبيب الأكيس
هذي المجرة والنجوم كأنها ... نهر تدفق في حديقة نرجس
وفيها توفي الفقيه إمام أهل الظاهر في عصره أبو الحسن عبد العزيز بن أحمد الخوزي بالخاء المعجمة والزاي قال عبد الله الضميري: ما رأيت فقيهاً أنظر منه ومن أبي حامد الأسفراييني الشافعي.
وفيها توفي حسام الدولة مقلد بن المسيب بن رافع العقيلي، صاحب الموصل تملكها بعد أخيه، قتله غلام له، ورثاه الشريف الرضي وأبو القاسم بن أحمد الشيباني.

اثنتين وتسعين وثلاثمائة
فيها زاد أمر الشطار، وأخذوا الناس ببغداد نهاراً جهاراً، وقتلوا وبدعوا وأضلوا بعد ذلك ببعض، وكثروا، وصار فيهم هاشميون، فسير بهاء الدولة وكان غائباً عميد الجيوش إلى العراق ليسوسها، فقتل وصلب ومنع السنة والشيعة من إظهار مذهب، وقامت الهيبة.
وفيها توفي الفقيه أبو محمد عبد الله بن إبراهيم المغربي، وكان عالما بالحديث، رأساً في الفقه. قال الدارقطني: لم أر مثله.
وفيها توفي أبو عبد الرحمن بن أبي شريح: محمد الأنصاري، محدث هراة.
وفيها توفي أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي النحوي. كان إماما في العربية، صاحب تصانيف في النحو والعروض والقوافي، وشرح ديوان المتنبي، لازم أبا علي
(2/334)

الفارسي، وكان أبوه مملوكاً رومياً. وسئل المتنبي عن قوله " صبرت أم لم تصبرا " في ثبوت الألف مع لم الجازمة، فقال: لو كان أبو الفتح هنا لأجابك، يعني ابن جني. قلت: وهذه الألف بدل من نون التأكيد الخفيفة، أصله " أم لم تصبرن " ومنه قول الأعشى: ولله فاعبدا، أصله: فاعبدن. ولابن جني تصانيف كثيرة مفيدة، منها " التنبيه "، و " المهذب " و " اللمع ". و " التبصرة "، ويقال إن أبا إسحاق أخذ تسمية كتبه منه.
وفيها توفي الوليد بن أبي بكر الأندلسي الحافظ. رحل وروى عن ابن رشيق. وعلي بن الخطيب وخلق، قال ابن الفرضي: كان إماماً في الفقه والحديث، عالماً باللغة والعربية، لقي في الرحلة أزيد من ألف شيخ.

ثلاث وتسعين وثلاثمائة
فيها توفي الحسن بن الضبي المعروف بابن وكيع الشاعر المشهور، ذكره الثعالبي وقال: كان شاعراً بارعاً وعالماً جامعاً، قد برع على أهل زمانه، فلم يتقدمه أحد في أوانه وله كل بديعة، يسخر الأوهام، ويستعبد الأفهام، وله ديوان شعر جيد، وله كتاب بين في سرقات المتنبي سماه المصنف ومن شعره:
لقد قنعت همتي بالخمول ... وصدت عن الرتب العالية
وما جهلت طعم طيب العلا ... ولكنها تؤثر العافية
قال بعض الفقهاء: أنشدت الشيخ أبا الفتح القضاعي المدرس بتربة الشافعي في القرافة بيتي ابن وكيع المذكورين، فأنشدني لنفسه على البديهة:
بقدر الصعود يكون الهبوط ... فإياك والرتب العالية
وكن في مكان إذا ما سقطت ... تقوم رجلاك في عافية
ولابن وكيع أيضاً:
سلا عن حبك القلب المشوق ... فما يسبو إليك ولا يتوق
جفاؤك كان عنك لنا عزاء ... وقد يسلى عن الولد العقوق
وفيها توفي الإمام أبو نصر، صاحب الصحاح الجوهري إسماعيل بن حماد التركي اللغوي أحد أركان اللغة. قيل: كان في جودة الخط في طبقة ابن مقلة ومهلهل، أكثر الترحال، ثم سكن نيسابور، وقيل كان متردياً من سطح بيت بنيسابور، وقيل إنه تسود. وعمل له شبه جناحين وقال: أريد أن أطير، فطار، فهلك رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الطائع له عبد الكريم بن المطيع لله الفضل بن المقتدر جعفر بن
(2/335)

المعتضد أحمد بن الموفق طلحة بن المتوكل العباسي. كانت دولته أربعاً وعشرين سنة، خلع من الخلافة في شعبان سنة إحدى وثمانين بالقادر بالله، إلى أن مات ليلة الفطر من سنة ثلاث وتسعين، وله ثلاث وسبعون سنة، وصلى عليه القادر بالله، ولم يؤذوه، بل بقي مكرماً محترماً في دار ابن عمه القادر بالله، وشيعه من الأكابر، ورثاه الشريف الرضي.
وفيها توفي السلامي محمد بن عبد الله المخزومي الشاعر. قال الثعالبي: هو من أشعر أهل العراق قولاً بالإطلاق، وشهادة بالاستحقاق. ومن شعره قوله في عضد الدولة:
إليك طوى عرض البسيطة جاعل ... قصارى المطايا أن يلوح لها القصر
فكنت وعزمي في الظلام وصارمي ... ثلاثة أشياء كما اجتمع النسر
وبشرت إياك بملك هو الورى ... ودار هي الدنيا ويوم هو الدهر
وقد أخذ القاضي أبو بكر الأرجاني معنى البيت الأخير، وسبكه في قوله:
يا سائلي عنه لما ظلت أمدحه ... هذا هو الرجل العاري من العار
لو زرته لرأيت الناس في رجل ... والدهر في ساعة والأرض في دار
وقد استعمل المتنبي أيضاً هذا المعنى، لكنه لم يكمله، بل أتى ببعضه في النصف الأخير من هذا البيت.
هي الغرض الأقصى ورؤيتك المنى ... ومنزلك الدنيا وأنت الخلائق
ولما ذكر ابن خلكان ما بعد نظم السلامي قال: وإن كان في معنى ذلك لكن ليس فيه رشاقته، ولا عليه طلاوته. وكان عضد الدولة يقول: إذا رأيت السلامي في مجلسي ظننت أن عطارد قد نزل من الفلك إلي.

أربع وتسعين وثلاثمائة
فيها توفي أبو عمر عبد الله بن عبد الوهاب السلمي الأصبهاني المقرىء.
وفيها توفي أبو الفتح إبراهيم بن علي البغدادي.
وفيها توفي أبو عبد الله محمد بن عبد الملك اللخمي القرطبي الحداد.
(2/336)

خمس وتسعين وثلاثمائة
فيها توفي الحافظ أبو القاسم عبد الوارث بن سفيان القرطبي.
وفيها توفي الخفاف أبو الحسين أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عمر الزاهد النيسابوري.

ست وتسعين وثلاثمائة
فيها توفي الحافظ العلم أحمد بن عبد الله اللخمي الأشبيلي، كان يحفظ عدة مصنفات، وكان إماماً في الأصول والفروع.
وفيها توفي الإمام أبو سعيد بن إسماعيل، شيخ الشافعية بجرجان.
وفيها توفي ابن شيخهم إسماعيل بن أحمد. كان صاحب فنون وتصانيف، توفي ليلة الجمعة، وهو يقرأ في صلاة المغرب " إياك نعبد وإياك نستعين " الفاتحة: 15، ففاضت نفسه وله ثلاث وستون سنة.
وفيها توفي الحافظ أبو عمرو محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر النيسابوري المزكي، صاحب الأربعين المروية.

سبع وتسعين وثلاثمائة
فيها توفي الإمام أصبغ بن الفرج الأندلسي المالكي مفتي قرطبة.
وفيها توفي أبو الحسن القصار البغدادي المالكي، صاحب كتاب " مسائل
(2/337)

الخلاف. قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: لا أعرف لهم كتاباً في الخلاف أحسن مشه. وقال أبو ذر الهروي: هو أفقه من لقيت من المالكية.
وفيها توفي من طبقته أبو الحسن بن القصار علي بن محمد بن عمر الرازي الفقيه الشافعي. كان مفتياً قريباً من ستين سنة، وكان له من كل علم حظ، وعاش قريباً من مائة سنة.

ثمان وتسعين وثلاثمائة
فيها ثارت فتنة هائلة ببغداد. قصد رجل شيخ الشيعة ابن المعلم وهو الشيخ المفيد وأسمعه ما يكره، فثار تلامذته، وقاموا، واستنفروا الرافضة، وأتوا قاضي القضاة أبا محمد الأكفاني، والشيخ أبا حامد الأسفراييني، فسبوهما، فحميت الفتنة، ثم إن أهل السنة أخذوا مصحفاً قيل إنه على قراءة ابن مسعود، فيه خلاف كثير، فأمر الشيخ أبو حامد والفقهاء بإتلافه، فأتلف بمحضر منهم، فقام ليلة النصف رافضي، وشتم فأخذ، فثارت الشيعة، ووقع القتال بينهم وبين السنية، واختفى أبو حامد، واستنفرت الروافض، وصاحوا حاكم يا منصور، فغضب القادر بالله، وبعث خيلاً لمعاونة السنية، فانهزمت الرافضة، حرق بعض دورهم، وذلوا وأمر عميد الجيوش بإخراج ابن المعلم من بغداد، فأخرج، وحبس جماعة، ومنع القصاص مدة.
وفيها زلزلت الدينور، فهلك تحت الردم أكثر من عثرة آلاف، وزلزلت سيراف السبت، وغرق عدة مراكب، ووقع برد عظيم، وبلغ وزن واحدة منه مائة وستة دراهم.
وفيها هدم الحاكم العبيدي الكنيسة المعروفة بالقمامة بالقدس، لكونهم يبالغون في إظهار شعارهم، ثم هدم الكنائس التي في مملكته. ونادى: من أسلم وإلا فليخرج من مملكتي أو يلتزم بما أمر. ثم أمر بتعليق صلبان كبار على صدورهم، وزن الصليب أربعة أرطال بالمصري، وبتعليق خشبة كبد المكمدة، وزنها ستة أرطال في عنق اليهودي إشارة إلى رأس العجل الذي عبدوه، فقيل: كانت الخشبة على تمثال رأس عجل، وبقي هذا مدة
(2/338)

سنين، ثم رخص لهم في الردة كونهم مكرهين، وقال: تنزه مساجدنا عمن لا نية له في الإسلام.
وفيها توفي أبو الفضل أحمد بن الحسين الهمداني الأديب العلامة بديع الزمان، صاحب المقامات الفائقة التي هي بالاختراع سابقة، وعلى منوالها نسج الحريري مقاماته، واحتذى حذوه واقتفى أثره، واعترف في خطبته بفضله، وأنه الذي أرشده إلى سلوك ذلك المنهج، وإلى ذلك أشار بقوله:
فلو قبل مبكاها بكيت صبابة ... بسعدى شفيت النفس قبل التندم
ولكن بكت قبلي فهيج لي البكا ... بكاها، فقلت الفضل للمتقدم
والبديع المذكور أحد الفضلاء الفصحاء، وله رسائل بديعة ونظم مليح، سكن هراة من بلاد خراسان. فمن رسائله الماء إذا طال مكثه ظهر خبثه، وإذا سكن متنه تحرك نتنه. فكذلك الضيف، يسمح لقاؤه إذا طال ثواؤه، ويثقل ظله إذا انتهى محله والسلام.
ومن رسائله أيضاً: حضرته التي هي كعبة المحتاج، لا كعبة الحجاج، ومشعر الكرام لا مشعر الحرام، ومنى الضيف لا منى الخيف، وقنبلة الصلاة لا قبلة الصلاة وله من تعزية الموت خطب قد عظم حتى هان، ومس خشن حتى لان، والدنيا قد تنكرت حتى صار الموت أخف خطوبها، وجنت حتى صار أصغر ذنوبها، فانظر يمنة، هل ترى إلا محنة، ثم انظر يسرة هل ترى إلا حسرة؟! ومن شعره من جملة قصيدة طويلة:
وكاد يحكيك صوب الغيث منسكباً ... لو كان طلق المحيا يمطر الذهبا
والدهر لو لم يحن والشمس لو نطقت ... والليث لو لم يصد والبحر لو عذبا
وله كل معنى مليح حسن من نظم ونثر توفي رحمة الله مسموماً بهراة.
وقال بعضهم: سمعت الثقات يحكون أنه مات من السكتة، وعجل دفنه، فأفاق في قبره، وسمع صوته بالليل، ونبش عنه، فوجد قد قبض على لحيته، ومات من هول القبر والله أعلم.

تسع وتسعين وثلاثمائة
فيها رجع الركب العراقي خوفاً من ابن الجراح الطائي، فدخلوا بغداد قبل العيد.
وأما ركب البصرة فأجازه بنو زغب الهلاليون. وقال ابن الجوزي: أخذوا للركب ما قيمته ألف ألف دينار.
وفيها توفي أحمد بن محمد الدارمي الشاعر المشهور، كان من فحول شعراء عصره
(2/339)

وخواص مداح سيف الدولة بن حمدان. وكان عنده تلو المتنبي في المنزلة، وله معه وقائع ومعارضات في أناشيد. ومن شعره في القاضي أبي طاهر صالح بن جعفر الهاشمي:
أمير العلا إن العوالي كواسب ... علاك في الدنيا وفي جنة الخلد
يمر عليك الحول سيفك في الطلى ... وطرفك ما بين الشكيمة والورد
ويمضي عليك الدهر، فعليك للعلى ... وقولك للتقوى وكفك للرفد
قلت هذا هو في الأصل المنقول منه، وصوابه علاك من الدنيا ومن جنة الخلد والطلى: بضم الطاء المهملة وتشديدها: الأعناق، وهو مراده في هذا البيت وبكسرها: القطران وما طبخ من عصير العنب حتى ذهب ثلثاه، والخمر عند بعض العرب وبفتحها: الولد من ذوات الظلف. والطلي بكسر اللام: الصغير من أولاد الغنم والطرف بكسر الطاء: الكريم من الخيل.
وفيها توفي أبو الحسن علي بن عبد الرحمن بن أحمد بن يونس الصدفي بضم الصاد المنجم المصري صاحب الزيج بكسر الزاي وسكون المثناة من تحت، وفي آخره جيم الحاكمي، المشهور المعروف بزيج ابن يونس، وهو زيج كبير في أربع مجلدات، بسط القول والعمل فيه، وما أقصر في تحريره، وذكر أن الذي أمره بعمله وابتدأه للعزيز بن الحاكم صاحب مصر.
قال بعضهم كان ابن يونس المذكور أبله مغفلاً يعتم على طرطور طويل، ويجعل رداءه فوق العمامة، وكان طويلاً، إذا ركب ضحك منه الناس لشهرته ورثاثة لباسه وسوء حالته، وكان له مع هذه الهيئة إصابة بديعة غريبة في النخامة، لا يشاركه فيها أحد، وكان متفنناً في علوم كثيرة، وقد أفنى عمره في النجوم والسير والتوليد، ولا نظير له في ذلك، وكان يضرب بالعود على جهة التأدب به، وله شعر حسن منه قوله:
أحمل نشر الريح عند هبوبه ... رسالة مشتاق لوجه حبيبه
بنفسي من تحيى النفوس بقربه ... ومن طابت الدنيا به وبطيبه
لعمري لقد عطلت كأسي بعده ... وغيبتها عني لطول مغيبه
وجدد وجدي طائف منه في الكرى ... سرى موهناً في خفية من رقيبه
ويحكى أن الحاكم العبيدي صاحب مصر قال وقد جرى في مجلسه ذكر ابن يونس
(2/340)

وتغفله: دخل إلى عندي يوماً ومداسه في يده فقبل الأرض، وجلس وترك المداس إلى جانبه، وأنا أراه وأراها، وهو بالقرب مني، فلما أراد الانصراف قبل الأرض، وقدم المداس ولبسه، وانصرف. قيل: ذكر هذا في معرض غفلته، وقلة اكتراثه. وكانت وفاته فجأة.
وفيها توفي القدوة أبو الفضل أحمد بن أبي عمران نزيل مكة رحمه الله.
وفيها توفي أحمد بن محمد. الأنطاكي الشاعر ومن شعره قوله في مدح وزير العزيز ابن المعز العبيدي:
قد سمعنا مقاله واعتذاره ... وأقلنا ذنبه وعثاره
والمعاني لمن عفت ولكن ... بك عرضت فاسمعي يا جاره

أربع مائة
فيها أقبل الحاكم العبيدي على التأله والدين على مقتضى مذهبه، وأمر بإنشاء دار العلم بمصر، وأحضر فيها الفقهاء والمحدثين، وعمر الجامع المعروف بجامع الحاكم في القاهرة، وكثر الدعاء له، فبقي كذلك ثلاث سنين، ثم أخذ يقتل أهل العلم، وأغلق تلك الدار، ومنع من فعل كثير من الخير.
وفيها توفي أبو نعيم الأسفراييني عبد الملك بن الحسن، راوي المسند الصحيح عن الحافظ أبي عوانة، وكان عبداً صالحاً.
وفيها توفي أبو الفتح علي بن محمد الكاتب البستي، الشاعر المشهور، صاحب الطريقة الأنيقة في التجنيس الأنيس البديع التأسيس، فمن نثره البديع قوله: من أصلح فاسده، أرغم حاسده. ومن أطاع غضبه أضاع أدبه. عادات السادات سادات العادات. من سعادة جدك وقوفك عند حدك. أجمل الناس من كان للإخوان مذللاً وعلى السلطان مدللاً. الفهم شعاع العقل. المنية تضحك من الأمنية. حد العفاف الرضي بالكفاف، بالخرق الرقيع ترقيع. يعني بالرقيع: الأحمق. قلت: ولو قال: على الإحسان مذللاً، عوضاً عن قوله وعلى السلطان، كان أصلح وعند أهل الخير أملح، لكنه ممن لهم رغبة في القرب السلطان، فللرهبة، ولهذا قال أيضاً: الرشوة رشاء الحاجات: ما دخل نجاس النجاسات في جواهر الجناسات. ومن بديع نظمه قوله:
إن هز أقلامه يوماً ليعلمها ... أنساك كل كمي هن عامله
وإن أمر على رق أنامله ... أقر بالرق كتاب الأنام له
(2/341)

وقوله:
إذا تحدثت في قوم لتؤنسهم ... بما تحدثت من ماض ومن آت
فلا تعد لحديث إن طبعهم ... مؤكل بمعاداة المعاداة
وقوله:
تحمل أخاك على ما به ... فما في استقامته مطمع
وإن له خلق واحد ... وفيه طبائعه الأربع
وكم قدروا له أشعاراً شهيرة تجنيساً وغيره.
وفيها توفي السيد الجليل الفقيه الفاضل الصالح العالم العامل الورع الزاهد جعفر ابن عبد الرحيم التيمي، من حوالي الجند بفتح الجيم والنون سأله والي الجند الإقامة في بعض تلك البلاد لنفع الخلق بالفتوى والتدريس ونشر العلم، فأجابه إلى ذلك بشرطين أحدهما: إعفاؤه من الحكم، والثاني أن لا يأكل من طعام الوالي شيئاً، فأقام على ذلك مدة، ثم اتفق أنه حضر يوماً عقداً عند الوالي، فأحضر من الطعام ما جرت العادة بإحضاره عند العقد، ثم خص الوالي الفقيه المذكور بشيء من الموز وقال: هذا أهداه لي فلان وذكر إنساناً تطيب به النفس، فكل منه موزتين، ثم خرج، فتقيأهما في دهليز الوالي. ثم لما ملك البلاد ابن الصليحي، سأله أن يتولى القضاء فقال له: لا أصلح لذلك. فأعرض عنه ابن الصليحي مغضباً، فخرج من عنده، فافتقده فلم يجده، فأمر بعض من عنده من الجند أن يلحقوه، ويبطشوا به، فلحقه منهم في بعض الطريق خمسة عشر رجلاً، فضربوه بسيوفهم فلم تقطع فيه شيئاً، ثم كرروا الضرب حتى آلمتهم أيديهم، فلم يؤثر فيه، فرجعوا وأعلموا ما مضى من ابن الصليحي، فأمرهم بكتمان ذلك.
وسئل الفقيه المذكور عن حاله وقت الضرب فقال: كنت أقرأ سورة يس فلم أشعر بالضرب.
(2/342)

/سنة احدى واربع مائة
فيها أقام صاحب الموصل الدعوة ببلده للحاكم أحد خلفاء الباطنية، لأن رسل الحاكم تكررت إلى صاحب الموصل قرواش بفتح القاف والراء وبعد الألف شين معجمة ابن مخلد بفتح اللام فأفسدوه، فسار قرواش إلى الكوفة، فأقام بها الخطبة للحاكم وبالمدائن، وأمر خطيب الأنبار بذلك، فهرب وأبدى قرواش صفحة الخلاف، وعاث، وأفسد، فأرسل القادر بالله، إلى الملك بهاء الدولة الإمام أبي بكر الباقلاني فقال: قد كاتبنا أبا علي عميد الجيوش في ذلك، ورسمنا بأن ينفق في العسكر مائة ألف دينار، وإن دعت الحاجة إلى مجيئنا قدمنا. ثم إن قرواش خاف الغلبة فأرسل يعتذر، وأعاد الخطبة العباسية، ولم يحج ركب العراق لفساد الوقت. وفيها توفي عميد الجيوش أبو علي الحسين بن أبي جعفر، وكان أبوه من حجاب عضد الدولة. وخدم أبو علي بهاء الدولة، وترقت مرتبته، فولاه نائباً عنه بالعراق، فأحسن سياستها، وأبطل عاشوراء الرافضة، وأباد الحرامية والشطار، وصار عدله ذا اشتهار. وفي عدله وهيبته حكايات ذكرها العلماء والأخيار. وفيها توفي العالم الكبير أبو عمرو أحمد بن عبد الملك الاشبيلي المالكي. انتهت إليه رئاسة العلم بالأندلس في زمانه، مع الورع والصيانة، ودعي إلى القضاء بقرطبة مرتين فامتفع، وصنف كتاب الاستيعاب في مذهب مالك في عشر مجلدات. وفيها توفي صاحب كتاب الغريبين أحمد بن محمد الهروي. كان من العلماء، وما أقصر في كتابه المذكور، وكان يصحب أبا منصور الأزهري اللغوي، وعليه اشتغل، وبه انتفع وتخرج، وكتابه المذكور جمع فيه بين تفسير غريب القرآن الكريم وغريب حديث الرسول عليه السلام، وهو من الكتب النافعة التي سارت في الإذاق الشاسعة. وفيها توفي أبو عمر أحمد بن محمد القرطبي الأموي مولاهم، روى عن قاسم بن
(3/3)

أصبغ وخلق، وهو أكبر شيخ لابن حزم.
وفيها توفني قاضي قضاة العبيديين وابن قاضيهم؛ عبد العزيز بن محمد بن نعمان. قتله الحاكم وقتل معه قائد القواد حسين أبن القائد جوهر، وبعث من حمل إليه رأس قاضي طرابلس أبي الحسين علي بن عبد الواحد، لكونه سلم عزاز إلى متولي حلب. وفيها توفي أبو الحسن العلوي النيسابوري شيخ الأشراف، وكان سيداً نبيلاً صالحاً. قال الحاكم: عقد له مجلس الإملاء، واتتقبت له ألف حديث، وكان يعد في مجلسه ألف محبرة. وفيها وقيل في التي قبلها ترفي أبو الفتح علي بن محمد البستي الكاتب الشاعر المشهور، ومن ألفاظه المليحة ما تقدم من قوله: من أصلح فاسده أرغم حاسده، إلى آخرها.

سنة اثنتين واربع مائة
فيها كتب محضر ببغداد في القدح في النسب الذي يدعيه خلفاء مصر العبيديون وفي عقائدهم، وأنهم زنادقة منسوبون إلى الخرمية بضم الخاء المعجمة وفتح الراء وكسرالميم وفتح المثناة من تحت مشددة وفي آخره هاء إخوان الكافرين، شهادة يتقرب بها إلى رب العالمين، وإن الناجم بمصر وهو منصور بن نزار الملقب بالحاكم حكم الله تعالى عليه بالبوار مع كلام طويل قاله فيه: لما صار الملقب بالمهدي إلى المغرب، تسمى بعبيد الله، وتلقب بالمهدي، وهو ممن تقدم من سفلة الأنجاس، أدعياء خوارج، لا نسب لهم في ولد علي رضي الله تعالى عنه، وقد كان هذا الإنكار شائعاً بالحرمين، ولا نعلم أحداً من الطالبيين توقف في إطلاق القول في هؤلاء الخوارج أنهم ادعياء، وإن هذا الناجم بمصر وسيلة كفار وفساق بمذهب التنوية والمجوسية معتقدون قد عطلوا الحدود، وأباحوا الفروج، وسفكوا الدماء، وسبوا الأنبياء، ولعنوا السلف، وادعوا الربوبية. وكتب في ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعمائة، وكتب خلق في المحضر: منهم الشريف المرتضى وأخوه الشريف الرضي وجماعة من الكبار العلوية، والقاضي أبو محمد الأكفاني، والإمام أبو حامد الاسفراييني، والإمام أبو الحسين القدوري، وخلق كثير.
(3/4)

وفيها توفي أبو المطرف عبد الرحمن بن محمد الأندلسي القرطبي صاحب التصانيف. كان من جهابذة المحدثين وحفاظهم، جمع ما لم يجمعه أحد من أهل عصره بالأندلس، وكان يملي من حفظه. وقيل: إن كتبه بيعت بأربعين ألف دينار قاسمية ولي القضاء والخطابة، وعزل بعد تسعة أشهر، وله كتاب أسباب النزول في مائة جزء وكتاب فضائل الصحابة والتابعين في مائتين وخمسين جزءاً. وفيها توفي الإمام أبو الحسن بن اللبان الفرضي، محمد بن عبد الله البصري. روى سنن أبي داود، وسمعها منه القاضي أبو الطيب. قال الخطيب: انتهى إليه علم الفرائض، وصنف فيها كتباً. وروى عنه بعضهم أنه قال: ليس في الأرض فرضي إلا من أصحابي أو أصحاب أصحابي إلا ويحسن شياً. وكان إماماً في الفقه والفرائض، صنف فيهما كتباً نفيسة، وبه وبالإمام أبي حامد الاسفرائيني تفقه الحاقظ محمد بن يحيى المعروف بابن سراقة والقاضي الإمام أبو عبد الله الجعفي الكوفي الحنفي المعروف بابن النهرواني.

سنة ثلاث وأربع مائة
فيها أخذ الركب العراقي وفيها توفي الإمام الكبير الفقيه الشهير القاضي أبو عبد الله الحسين بن الحسن الحليمي الجرجاني البخاري الشافعي، صاحب التصانيف المستحسنة والآثار الحسنة والفضائل المتفقة وهو صاحب وجه في المذهب، تفقه على أبي بكر الأودن، وأبي بكر القفال. ثم صار إماماً معظماً مرجوعاً إليه في ما وراء النهر. وفيها توفي شيخ الحنابلة القاضي أبو يعلى صاحب المصنفات في أنواع مختلفات. وفيها توفي الوليد بن محمد بن يوسف الأزدي الأندلسي القرطبي الحافظ المعروف بابن الفرضي. كان فقيهاً عالماً في فنون العلم من الحديث وعلم الرجال والأدب البارع، وله من التصانيف تاريخ علماء الاندلس، وله كتاب حسن في المؤتلف والمختلف وفي مشتبه النسبة وكتاب في أخبار شعراء الأندلس وغير ذلك، ورحل من الأندلس إلى المشرق، فحج وأخذ عن العلماء، وسمع منهم، وكتب من إمامهم. ومن شعره:
أسير الخطايا عند بابك واقف ... على وجل مما به أنت عارف
يخاف ذنوباً لم يخف عنك عيبها ... ويرجوك فيها فهو راج وخائف
فمن ذا الذي يرجى سواك ويتقي ... وما لك من فضل القضاء مخالف
فيا سيدي، لا تخزني في صحيفتي ... إذا نشرت يوم الحساب الصحائف
(3/5)

وكن مؤنسي في ظلمة القبر عندما ... يصد ذوو القربى ويحفوا الموالف
فإن ضاق عني عفوك الواسع الذي ... أرجي لإسرافي فإني لتالف
قلت ما أحسسن هذه الأبيات إذا تضرع فيها بقلب وجلة الرجل المتوجه إلى الله عز وجل، إلا أن فيها شيئين: احدهما قوله أنت عارف والله تعالى لا يقال له عارف وإنما يقال: عالم وفيه بحث يطول موضع ذكره في كتب الأصول. والثاني أن في الأصل المنقول منه يخاف ذنوباً لم يخف عنك عيبها بتقديم لم وهو مكسور، ولعله من غلط الكاتب، وصوابه على ما ذكرته. توفي شهيداً، قتلته البربر رحمه الله يوم فتح قرطبة، وروي عنه أنه قال: تعلقت بأستار الكعبة فسألت الله الشهادة. وفيها توفي سيف السنة وناصر الملة الإمام الكبير الحبر الشهير، لسان المتكلمين وموضح البراهين، وقامع المبتدعين وقاطع المبطلين، القاضي أبو بكر محمد بن الطيب المشهور بابن الباقلاني الأصولي المتكلم المالكي الأشعري المجدد به دين الأمة على رأس المائة الرابعة على القول الصحيح. وقد أوضحت ذلك، وذكرت طرفاً من مناقبه في الشاش المعلم شاؤش كتاب المرهم ومناقب مائة إمام من أعيان أئمة الأشعرية، وإنه كانت محاسن القاضي أبي بكر المذكور الباطنة أكثر من محاسنه الظاهرة، وكان كل ليلة إذا قضى ورده كتب خمساً وثلاثين ورقة تصنيفاً من حفظه. وكان فريد عصره في فنه. وله التصانيف الكبيرة المسندة الشهيرة، وإليه انتهت الرئاسة في هذا العلم، وكان ذا باع طويل في بسط العبارة، مشهوراً بذلك، حتى إنه جرى بينه وبين أبي سعيد الهاروني مناظرة يوماً، فأطال قاضي أبو بكر فيها الكلام، ووسع في العبارة، وزاد في الإسهاب، وبالغ في الإيضاح الإطناب، ثم التفت إلى الحاضرين وقال: اشهدوا على أنه إن أعاد ما قلت لأغير الايضاح، ولم أطالب بالجواب، فقال الهاروني: اشهدوا على أنه إن أعاد كلام نفسه سلمت له ما قال.
وقال الحافظ أحمد بن علي الخطيب البغدادي: محمد بن الطيب أبو بكر القاضي معروف بابن الباقلاني، المتكلم على مذهب الأشعري، وكان ثقة، أعرف الناس بعلم الكلام وأحسهم خاطراً وأجودهم لساناً، وأصحهم عبارة، وله التصانيف الكثيرة في الرد على المخالذين من الرافضة والمعتزلة والجهمية والخوارج وغيرهم، وقال: حدثت أن ابن المعلم شيخ الرافضة ومتكلمها حضر بعض مجالس النظر مع أصحابه، فأقبل القاضي أبو بكر الأشعري، فالتفت ابن المعلم إلى أصحابه وقال: قد جاءكم الشيطان، فسمع القاضي كلامه وكان بعيداً فلما جلس أقبل على ابن المعلم وأصحابه، وقال: قال الله تعالى " أنا ارسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً " - مريم 83 -.
(3/6)

وقال الشيخ أبو القاسم بن برهان النحوي: من سمع مناظرة القاضي أبي بكر لم يستلذ بعدها لسماع كلام أحد من المتكلمين والفقهاء والخطباء والمترسلين، ولا الأغاني أيضاً لطيب كلامه وفصاحته وحسن نظامه وإشارته. وله التصانيف الكثيرة في الرد على المخالذين من المعتزلة والرافضة والخوارج والمرجئة والمشبهة والحشوية. وحكى الحافظ ابن عساكر عن أهل العلم أنه قال: كان القاضي أبو بكر فارس هذا العلم مباركاً علي هذه الأمة، يلقب سيف السنة ولسان الأمة، وكان مالكياً فاضلاً متورعاً ممن لم يحفظ عليه زلة قط، ولا تنسب إليه نقيصة. وذكر الإمام القاضي أبو المعالي بن عبد الملك، عن الشيخ الإمام أبي الحاكم القزويني قال: كان الإمام أبو بكر الأشعري يضمر من الورع والديانة والزهد والصيانة أضعاف ما كان يظهره، فقيل له في ذلك فقال: إنما ظهر ما أظهره غيظاً لليهود والنصارى والمبتدعين المخالذين، لئلا يستحقروا علماء الحق والدين. وقال الحافظ ابن عساكر: كان الانتساب إلى الاعتزال فاشياً منتشراً، وكل من كان متسنناً مستخفياً مستتراً إلى أن قام القاضي أبو بكر بنصرة المذهب، واشتهر في المشرق والمغرب. وكان مظهره بدار السلام التي هي قبة الإسلام، فلم يظهر لذلك تغيير من الأنام، ولا نكرة من العلماء والعوام بل كان الكل يتقلدون منه المنة من العوام، والأئمة يلقبونه بأجمعهم سيف السنة ولسان الأمة. وكان بينه وبين جماعة من الحنابلة مخالطة ومؤانسة واجتماع ومجالسة. ونقل الحافظ ابن عساكر بسنده إلى أبي بكر الخوارزمي قال: كل مصنف ببغداد، إنما ينقل من كتب الناس إلى تصانيفه، سوى القاضي أبي بكر، فإن صدره يحوي علمه وعلم الناس. وروى الحافظ الخطيب أنه كان القاضي أبو بكر يهم أن يختصر ما يصنفه، فلا يقدرعلى ذلك لسعة علمه وكثرة حفظه. ولما توفي حضر الشيخ أبو الفضل التميمي الحنبلي حافياً مع إخوانه وأصحابه، وأمر أن ينادي بين يدي جنازته: هذا ناصر السنة والدين، هذا إمام المسلمين، هذا الذي كان يذب عن سنة الشريعة المخالذين، هذا الذي صنف سبعين ألف ورقة ردا على الملحدين. وروى الحافظ أبو القاسم بسنده إلى القاضي أبي الفخر قال: سمعت الطائي يقول: كنت أشتهي أن أرى القاضي الإمام أبا بكر في النوم، فلم يتفق لي، فنمت ليلة، وصليت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ألف مرة، وسألت الله تعالى ونمت، فلما كان وقت السحر، رأيت جماعة حسنة ثيابهم، بيضاء وجوههم، طيبة
(3/7)

روائحهم، ضاحكة أسنانهم، فقلت لهم: من أين جئتم؟ فقالوا: من الجنه. فقلت: ما فعلتم؟ فقالوا: زرنا القاضي الإمام أبا بكر الأشعري، فقلت: وما فعل الله به؟ فقالوا: غفر له، ورفع له في الدرجات. قال: ففارقتهم، ومشيت، وكأني رأيت القاضي أبا بكر، وعليه ثياب حسنة، وهو جالس في رياض خضرة نضرة، فهممت أن أساله عن حاله، وسمعته يقرأ " أفهو في عيشة راضية في جنة عالية " - الحاقة 21 - 22 - فهالذي ذلك فرحاً، وانتبهت. ولما توقني رثاه بعضهم في هذين البيتين:
انظر إلى جبل تمشي الرجال به ... وانظر إلى القبر ما يحوي من السلف
انظر إلى صارم الإسلام منغمداً ... وانظر إلى درة الإسلام في الصدف
قلت: لقد ضمن هذين البيتين مدحاً عظيماً يليق بجلالة الإمام المذكور، ويناسب حاله المشهور، ولكن لو أبدل لفظين من بيته كان أحسن وأنسب - فيما أرى - أحدهما قوله ما يحوي من السلف لو قال: من الشرف، والثاني قوله درة الإسلام لو قال: درة التوحيد، لتغاير بين اللفظين، فإنه قد قال في هذا البيت: صارم الإسلام والتوحيد. وإن كان الإسلام داخلاً فيه، فالمغايرة بين الألفاظ وإن اتحدت معانيها أحسن وأبعد من كراهة التكرير ومن قصيدة مدحه بها أبو الحسن السكري، قال بعد ذكر الغزل:
ملكت محبات القلوب ببهجة ... مخلوقة من عفة وتخبب
فكأنما من حيثما قابلتها ... شيم الإمام محمد بن الطيب
اليعربي بلاغة وفصاحة ... والأشعري إذا اعتزى للمذهب
قاض إذا التبس القضاء على الحجى ... كشفت له الآراء كل مغيب
لا تستريح إذا الشكوك تخالجت ... إلا إلى لب كريم المنصب
وصلته همته بأبعد غاية ... أعني المريد بها سلوك المطلب
أهدي له ثمر القلوب محبة ... وحباه حسن الذكر من لم يحبب
ما زال ينصر دين أحمد صارعاً ... بالحق يهدي لطريق الأصوب
والناس بين مضلل ومضلل ... ومكذب فيما أتى ومكذب
حتى انجلت تلك الضلالة فاهتدى ... الساري وأشرق جنح ذاك الغيهب
وفيها توفي الأمير شمس المعالي أبو الحسن قابوس بن أبي طاهر الجيل، أمير جرجان وبلاد الجيل وطبرستان. قال الثعالبي في اليتيمة: أختم هذا الكتاب بذكر خاتم الملوك، وغرة الزمان، وينبوع العدل والإحسان، ومن جمع الله سبحانه له إلى عزة العلم
(3/8)

بضبطه القلم، وإلى فضل الحكم فصل الحكم. ومن. مشهور ما ينسب إليه من الشعر قوله:
قل للذي بصروف المصر عيرنا ... هل حارب الدهر إلا من له خطر
أما ترى البحر يعلو فوقه جيف ... ويستقر بأقصى قعره الدرر
فإن تكن عبثت أيدي الزمان بنا ... ونالنا من تمادي بؤسه ضرر
ففي السماء نجوم ما لها عدد ... وليس يكسف إلا الشمس والقمر
وله من النظم والنثر أشياء مستحسخة، وكذلك كان خطه في نهاية من الحسن. وكان الصاحب ابن عباد إذا رآه قال: هذا خط قابوس أم جناح الطاوس؟ وينشد قول المتنبي:
في خطه من كل قلب شهوة ... حتى كأن مداده الأهواء
ولكل عين قرة في قربه ... حتى كأن مغيبه الأقذاء
وكان الأمير المذكور صاحب جرجان وتلك النواحي، وكانت من قبله لأبيه، ثم انتقلت مملكة جرجان عنهم إلى غيرهم، وشرح ذلك يطول. وكان ملك قابوس المذكور لها في سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، وكانت المملكة قد انتقلت إلى أبيه من أخيه. قالوا: وكان قابوس من محاسن الدنيا وبهجتها، غير أنه على ما خص به من المناقب والرأي البصير بالعواقب من السياسة لا يساغ كأسه، ولا تؤمن سطوته وبأسه، يقابل زلة القدم، ولا يذكر العفو عند الغضب على من أجرم، فما زال على هذا الخلق قابوس حتى استوحشت منه النفوس، وانقلبت عنه القلوب، وتجافى الصاحب عن المصحوب، فأجمع أهل عسكره على خلعه عن ولايته، ونزع الأيدي عن طاعته، وحالوا بينه وبين جرجان، وملكوها، وبعثوا إلى ولده أبي منصور ليعقد البيعة له، فأسرع في الحضور. فلما وصل إليهم أجمعوا على طاعته أن خلع أباه، فلم يسعه في تلك الحال إلا المداراة، فأجابهم خوفاً على خروج الملك عن بيتهم ولما رأى قابوس هذا المرام، توجه بمن معه من خواصه إلى ناحية بسطام، لينظرما يستقر عليه الأمر. فلما سمعوا بخروجه حملوا ولده على قصده وإزعاجه عن مكانه، ومقابلته بالشر. فسار معهم مضطراً إلى أبيه، فتلاقيا، وتباكيا لما جرى من تغير الحال، وتشاكيا، وعرض الولد نفسه أن يكون حجاباً بينه وبين أعاديه، فلو قوبل بالقتال لقتل، وذهب نفسه فيه. ورأى الوالدان ذلك لا يجدي، ولا توجد نجدة، وأن ولده أحق بالولاية والملك بعده، فسلم إليه خاتم المملكة، واستوصاه خيراً بنفسه ما زال في قيد الحياة واتفقا على أن يكون الوالد في بعض القلاع إلى حلول أجله والأنسلاخ من الحياة والانقطاع، أو فناء أعاديه من البلاد والقلاع. فانتقل إلى قلعة
(3/9)

هنالك، وشرع الولد في الإحسان إلى الجيش وهم يسومون والده المهالك، فلم يزالوا يسيؤون، وهو يحسن إليهم حتى قتلوا والده خشية قيامه عليهم فآل الأمر إلى ما ذكر من إكساف الشمس والقمر.

سنة أربع وأربع مائة
فيها، وقيل في سنة اثنتين وأربع مائة وقيل ذلك توفي الإمام الجليل السيد الحفيل أبو الطيب الصعلوكي سهل ابن الإمام أبي سهل العجلي النيسابوري الشافعي، مفتي خراسان،، قال الحاكم: هو أنظر من رأينا تخرج به جماعة. واختلفوا فيه وفي القاضي أبي بكر الباقلاني، أيهما كان على رأس المائة الرابعة في كونه مجدد الدين للأمة؟ فقيل: هو، لكثرة فنونه واتساع فضائله العلمية والعملية، وقيل: القاضي أبو بكر، لاحتياج الناس في زمن البدع إلى علم الأصول أكثر من علم الفروع وغيره لادحاض حجج المبتدعين بقواطع جراهين. وقد تقدم أن هذا القول أصح. وممن رجحه من الأئمة الجلة الالأكابر، الإمام الحافظ أبو القاسم بن عساكر، وذلك أن الباقلاني المذكور كان بارعاً في علم الأصول، كان فيه الغالب عليه من بين العلوم، أنفق فيه أوقات عمره، فهو بالتقدم فيه مشهور. وقد ذكرت أيضاً في الشاش المعلم شيئاً من مناقب سهل المذكور ومناقب أبيه.

سنة خمس وأربع مائة
فيها توفي الإمام الكبير الفقيه الشهير أبو القاسم المعروف بابن كج يوسف بن حمد الدينوري. كان يضرب به المثل في حفظه لمذهب الشافعي، وكان بعض الفقهاء يفضله على الشيخ أبي حامد الاسفرائيني وهو صاحب وجه في المذهب وقد قيل له: يا أستاذ؛ الاسم لأبي حامد والعلم لك، فقال: ذاك رفعة بغداد، وجعلني الدينور قتله العيارون بالدينور ليلة السابع والعشرين من رمضان. وفيها توفي الواعظ الزاهد أبو القاسم بكر بن شاذان قال الخطيب: كان عبداً صالحاً. وأبو محمد الأكفاني، قال: أبو إسحاق ابراهيم بن أحمد الطبري: من قال إن أحداً أنفق على أهل العلم مائة ألف دينار فقد كذب غير أبي محمد بن الأكفاني. وفيها توفي عبد العزيز بن عمر بن نباته الشاعر التميمي السعدي. جمع في شعره بين حسن السبك وجودة المعنى، طاف البلاد، ومدح الملوك والوزراء والرؤساء، وله في سيف
(3/10)

الدولة بن حمدان غرر القصائد ونخب المدائح، وكان قد أعطاه فرساً أدهم أغر محجلاً فكتب إليه.
يا أيها الملك الذي أخلاقه ... من خلقه، ورؤاه من رأيه
قد جاءنا الطرف الذي أهديته ... هادية تعقد أرضه بسمائه
أولاته وليتنا فبعثته ... رمحاً يشيب العرف عقد لوائه
نجياك منه على أغر محجل ... ما للدياجي قطرة من مائه
فكأنما لطم الصباح جبينه ... فاقتض منه فخاض في أحشائه
في أبيات أخرى. وله أيضاً في سيف الدولة.
لم يبق جودك لي شيئاً أوصله ... تركني أصحاب الدنيا بلا فعل
وهذا المعنى، فيه يقول البحتري:
وقطعتني بالجود حتى إنني ... متخوف أن لا يكون لقاء
أخجلتني تبدي يديك فسودت ... ما بيننا تلك الندا البيضاء
وفي معناه أيضاً قول دعبل:
أصلحتني بالبر حتى أفسدتني ... وتركتني أتسخط الإحسانا
وهذا المعنى مطروق للشعراء. وما ألطف قول المعري فيه:
لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط في الخصر
الخصر بفتح الخاء المعجمة والصاد المهملة وبعدها راء: البرد الشديد. والمعنى: إن الماء إذا أفرط في شدة برودته ترك شربه، وقال محمد بن وشاح: سمعت عبد العزيز بن نباتة يقول: كنت يوماً في دهليزي، فدق علي الباب، فقلت: من؟ قال: رجل من أهل المشرق. فقلت: ما حاجتك؟ فقال: أنت القائل:
ومن لم يمت بالسيف مات بغيره ... تنوعت الأسباب والداء واحد
فقلت نعم، فقال: أرويه عنك؟ فقلت: نعم. ثم كذلك ذكر أنه سأله آخر من المغرب، فأجابه كذلك وقال: عجبت كيف وصل إلى الشرق والغرب. ولعبد العزيز المذكور أيضاً:
متع لحاظك من خل تودعه ... فما أخالك بعد اليوم بالوادي
قال أبو الحسن محمد بن علي البغدادي صاحب كتاب المفاوضة عدت أبا نصر بن
(3/11)

نباتة في اليوم الذي توفي فيه، فأنشدني هذا البيت، وودعته وانصرفت، فأخبرت في طريقي أنه توفي.
وفيها توفي الإمام الكبير الحافظ الشهير أبو عبد الله محمد بن عبد الله، المعروف بالحاكم ابن البيع النيسابوري، إمام أهل الحديث في وقته. كتب عن نحو الذي حديث شيخ، وبرع في معرفة الحديث وفنونه، وصنف التصانيف، وتفقه على الإمام أبي سهل الصعلوكي الفقيه الشافعي، ولازمه الدارقطني، وسمع منه الإمام أبو بكر القفال الشاشي وغيره من الأئمة. وفيها وقيل في سنة ثلاث وستين وأربع مائة توفي ابن زيدون المخزومي الأندلسي الشاعر المشهور. ومن شعره:
يا بائعاً حظه مني ولو بذلت ... لي الحياة بحظي منه لم أبع
يكفيك أني إن حملت قلبي ما ... لا يستطيع قلوب الناس يستطع
ته أحتمل واستطل أصبر وعز ... أهن وول أقبل اسمع ومر أطع
ومن شعره أيضاً:
تكاد حين تناجيكم ضمائرنا ... يقضي علينا الأسى لولا تأسينا
حالت لبعدكم أيامنا فغدت ... سوداً، وكانت بكم بيضاً ليالينا
بالأمس كنا وما نخشى تفرقنا ... واليوم نحن وما يرجى تلاقينا
ومنه أيضاً:
لم تدر ما خلتعيناك في خلديمن الغرام ولا ما كابدت كبدي

سنة ست واربع مائة
فيها توفي الإمام الجليل الفاضل، مقر النجابة والفضائل، الشيخ أبو حامد أحمد بن
(3/12)

أبي طاهر محمد بن أحمد الاسفرائيني الفقيه الشافعي، شيخ طريقة العراق، وإمام الشافعية بالاتفاق. انتهت إليه رئاسة الدنيا والدين ببغداد، وكان يحضر مجلسه أكثر من ثلائمائة فقيه هكذا ذكر بعضهم، وقال بعضهم: سبع مائة فقيه، علق على مختصر المزني تعاليق، وطبق الأرض بالأصحاب، وله فى المذاهب: التعليقة الكبرى في نحو خمسين مجلداً، وكتاب البستان، ذكر فيه غرائب، وهو كتاب صغير. أخذ الفقه عن أبي الحسن بن المرزباني، ثم عن أبي القاسم الداركي. واتفق أهل عصره على جلالته وتفضيله وتقديمه في جودة النظر. وذكر الخطيب أنه حدث بشيء يسير عن عبد الله بن عدي، وأبي بكر الاسماعيلي، وابراهيم بن محمد الاسفرائيني وغيرهم. وقال: وكان ثقة، ورأيته غير مرة، وحضرت تدريسه، وسمعت من يذكر أنه كان يحضر درسه سبعمائة متفقه. وكان الناس يقولون: لو رآه الشافعي لفرح به. وحكى الشيخ أبو إسحاق في كتاب الطبقات أن أبا الحسن القدوري كان يعظمه ويفضله على كل أحد، وأن الوزير أبا القاسم علي بن الحسن حكى له عن القدوري أنه قال: أبو حامد عندي أفقه وأنظر من الشافعي. قال الشيخ أبو إسحاق: فقلت له: هذا القول من القدوري، حمله عليه اعتقاده في الشيخ أبي حامد، وتعصبه للحنفية على الشافعي، ولا يلتفت إليه فإن أبا حامد، ومن هو أعلم منه وأقدم على بعد من تلك الطبقة، وما مثل الشافعي ومثل من بعده إلا كما قال الشاعر:
نزلوا بمكة في قبائل نوفل ... ونزلت بالبيداء أبعد منزل
وقال تلميذه الإمام سليم الرازي: كان لا يخلو له وقت عن اشتغال، حتى إنه كان إذا أبوأ القلم قرأ القرآن أو سبح، وكذلك إذا كان ماراً في الطريق. وروى القاضي الإمام طاهر ابن الإمام العلامة صاحب البيان يحيى بن أبي الخير العمراني اليمني بسنده عن بعض شيوخه بالسند المتصل عن الإمام أبي الفتوح يحيى بن عيسى بن ملامس، عن والده قال: لقيت الشيخ الإمام أبا حامد الاسفرائيني بمكة في بعض المواسم، فرأيت عليه ثياباً ثمينة من ثياب الملوك، ورأيته يركب مراكب الملوك، ورأيته في الطواف والناس يعظمونه فقرأ في الطواف قارىء: " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً " - القصص 83 - فبكى الشيخ أبو حامد بكاء شديداً، وسمعته يقول: أما العلو يا رب فقد أردناه، وأما الفساد فلم نرده. وروي أنه قابله بعض الفقهاء في مجلس المناظرة بما لا يليق، ثم أتاه في الليل معتذراً إليه، فأنشده أبو حامد:
جفاء جرى جهراً لدى الناس وانبسط ... وعذراً أتى سراً فأكد ما فرط
(3/13)

ومن ظن أن يمحو جلي جفائه ... خفى اعتذار فهو في أعظم الغلط
وفي الإمام أبي حامد المذكور ما هو عن بعضهم بهذا اللفظ مسطور، لما عاد مريضاً أنشأ المريض يقول:
مرضت فاشتقت إلى عائد ... فعادني العالم في واحد
ذاك الإمام ابن طاهر ... أحمد ذو الفضل أبو حامد
وكانت ولادته رحمه الله في سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، وقدم بغداد في سنة ثلاث وستين وثلاثمائة. وقال الخطيب: سنة أربع وستين. ودرس الفقه بها من سنة سبعين إلى أن توفي في السنة المذكورة، ودفن في داره، ثم نقل إلى باب حرب في سنة عشر وأربعمائة. قلت: وهذا يقتضي أنه نقل بعد موته بأربع سنين، وأن جسده ما بلي، ويكون ذلك كرامة في حقه. وقال الخطيب: صليت على جنازته في الصحراء، وكان الإمام في الصلاة عليه عبد الله بن المهدي، خطيب جامع المنصور، وكان يوماً مشهوراً بعظم الحزن وكثرة الناس وشدة البكاء. ونسبته إلى إسفراين بكسر الهمزة وسكون السين المهملة وفتح الفاء والراء وكسر الياء المثناة من تحت وبعدها نون هي بلدة بخراسان بنواحي نيسابور على منتصف الطريق إلى جرجان.
وفيها توفي الشيخ الكبير العارف بالله الشهير، وحيد عصره ونسيج وحده، الأستاذ أبو علي الحسن بن علي الدقاق النيسابوري. وفيها توفي الإمام الكبير الأستاذ الشهير محمد بن الحسن بن فورك بضم الفاء وسكون الواو وفتح الراء الأصفهاني، صاحب التصانيف الحميدة والسيرة السديدة والفضائل العديدة والعزيمة الشديدة والشمائل الجريدة والأوصاف السعيدة، المتكلم الأصولي، الأديب النحوي الواعظ. دخل العراق، وأقام بها مدة يدرس العلم، ثم توجه إلى الري، فسمعت به المبتدعة، فراسله أهل نيسابور، والتمسوا منه التوجه إليهم، ففعل، وورد نيسابور، فبنى له مدرسة وداراً، وأحيى الله به أنواعاً من العلوم. ولما استوطنها ظهرت بركته على جماعة المشتغلين بالعلم، وبلغت مصنفاته في أصول الفقه والدين ومعاني القرآن قريباً من مائة مصنف، ورحل إلى مدينة غزنة بفتح الغين المعجمة والنون وسكون الزاي بينهما مدينة عظيمه في أوائل الهند من جهة خراسان، وجرت له بها مناظرات كثيرة. ومن كلامه رضي الله تعالى عنه: الشغل بالعيال نتيجة متابعة شهوة الحلال، فما ظنك
(3/14)

بقضية شهوة الحرام. وكان شديد الرد على أصحاب عبد الله بن كرام، ثم عاد إلى نيسابور، فسم في الطريق، فمات هناك، ونقل إلى نيسابور، ومشهده ظاهر هنالك، يزار، ويستسقى به لنزول الأمطار، وتجاب الدعوة عنده رحمة الله عليه ورضوانه. وفي السنة المذكورة توفي الشريف الرضي أبو الحسن محمد بن الحسين بن موسى الحسيني الموسوي البغدادي الشيعي، نقيب الأشراف، ذو المناقب ومحاسن الأوصاف، صاحب ديوان الشعر. ذكره الثعالبي في كتابه اليتيمة، وقال: ابتدأ يقول الشعر بعد أن جاوز عشر سنين بقليل، وهو اليوم أبدع أهل الزمان إنشاء، وأعجب سادة أهل العراق يعني الجهابذة الحذاق يتحلى مع محتده الشريف ومفخره المنيف بأدب ظاهر، وفضل باهر، وحظ من جميع المحاسن وافر، ثم هو أشعر الطالبين على كثرة شعرائهم المفلقين يعني بالمفلقين بضم الميم وسكون الفاء وكسر اللام والقاف: الدهاة الآتين بالأمر العجيب. قال: ولو قلت إنه أشعر قريش لم أبعد عن الصدق، وسيشهد بما أخبرته شاهد عدل من شعره العالي المدح، الممتنع في وصفه عن القدح الذي يرجع إلى السلاسة متانة، وإلى السهولة رصانة، ويشتمل على معان يقرب جناها، ويبعد مداها. ومن غرر شعره ما كتبه إلى الإمام القادر بالله أبي العباس أحمد بن المقتدر من جملة قصيدة:
عطفاً أمير المؤمنين فإننا ... في دوحة العلياء لا نتفرق
ما بيننا يوم الفخار تفاوت ... أبداً كلانا في المعالي معرق
إلا الخلافة ميزتك فإنني ... أنا عاطل منها، وأنت مطوق
ويقال: أعرق الرجل: إذا كان له عرق في الكرم، كذلك الفرس، ويقال أيضاً في اللؤم، بضم اللام. ومن جيد قوله أيضاً:
رمت المعالي فامتنعن ولم يزل ... أبداً يمانع عاشقاً معشوق
وصبرت حتى نلتهن ولم أقل ... ضجراً دواء الفارك التطليق
وديوان شعره كبير، يدخل في أربع مجلدات، وهو كثير الوجود، فلا حاجة إلى الإكثار من ذكره. وذكر أبو الفتح ابن جني النحوي أن الشريف المذكور أحضر إلى ابن السيرافي النحوي وهو طفل لم يبلغ عمره سنين، فلقنه النحو، وقعد معه يوماً في الحلقة، فذاكره بشيء من الإعراب على عادة التعليم، فقال له: إذا قلنا: رأيت عمر، فما علامة النصب في عمر؟ فقال له الرضي: بغض علي فعجب السيرافي والحاضرون من حدة خاطره. وذكر أنه حفظ القرآن
(3/15)

في مدة يسيرة، وصنف كتاباً في معاني القرآن يتعذر وجود مثله، دال على توسعه في علم النحو واللغة، وصنف كتاباً في مجازات القرآن، فجاء نادراً في بابه. وقال الخطيب: سمعت أبا عبد الله الكاتب بحضرة أبي الحسين بن محفوظ يقول: سمعت جماعة من أهل العلم بالأدب يقولون الرضي أشعر قريش، فقال ابن محفوظ: هذا صحيح، وقد كان في قريش من يجيد القول، إلا أن شعره قليل، فأما مجيد مكثر فليس إلا الرضي.

سنة سبع واربع مائة
فيها سقطت القبة العظيمة التي على صخرة بيت القدس. وفيها هاجت فتنة مهولة بواسط بين الشيعة وأهل السنة، ونهبت دور الشيعة، أحرقت، وهربوا، وقصدوا علي بن مزيدة واستنصروا به. وفيها توفي الحافظ أبو بكر أحمد بن عبد الرحمن الشيرازي مصنف كتاب الألقاب. وفيها توفي محمد بن أحمد بن شاكر القطان المصري، مؤلف فضائل الشافعي. وفيها توفي أبو الحسن المحاملي محمد بن أحمد بن القاسم بن اسماعيل الطيبي. البغدادي الشافعي الفرضي شيخ سليم الرازي. وفيها توفي الوزير فخر الملك أبو غالب محمد بن علي، وزير بهاء الدولة وسلطان الدولة. وكان فخر الدولة من أعظم وزواء آل بويه على الإطلاق بعد أبي الفضل محمد بن العميد، والصاحب بن عباد، وكان واسع النعمة، فسيح مجال الهمة، جم الفضائل، جزيل سطايا والنوال. قصده جماعة من أعيان الشعراء، ومدحوه، وقرضوه بنجب المدائح، منهم أبو نصر بن نباتة بقصيدة منها قوله:
لكل فتى قرين حين يسمو ... وفخر الملك ليس له قرين
أنخ بجنابه واحكم عليه ... بما أملته وأنا الضمين
وحكي أنه مدحه بعض الشعراء بعد هذه القصيدة، فلم يجزه بما يرضيه، فجاء إلى ابن نباتة المذكور وقال له: أنت غررتني، وأنا ما مدحته إلا ثقة بضمانك، فتعطيني ما يليق بمثل قصيدتي، فأعطاه من عنده شيئاً رضي به، فبلغ ذلك الملك، فسير لابن نباتة جملة مستكثرة
(3/16)

لهذا السبب. وقال فيه بعضهم:
أرى كبدي وقد بردت قليلاً ... أمات الهم أم عاش السرور
أم الأيام خافتني لأني ... بفخر الملك منها أستجير
ومن أجله صنف ابن الحاسب كتاب الفخري في الجبر والمقابلة. وحكي أنه رفع إليه قصة سعى فيها بهلاك شخص، فوقف فخر الملك عليها، وقلبها وكتب في ظهرها: السعاية قبيحة وإن كانت صحيحة، فإن كنت أجريتها مجرى النصح فخسرانك فيها أكثر من الربح، ومعاذ الله تقبل من مهتوك في مستور، ولولا أنك في حقارة سبيل لقابلناك بما يشبه مقالك، ويروع به أمثالك، فاكتم هذا العيب، واتق من يعلم الغيب، والسلام. ولم يزل فخر الملك في عزة وجاهة وحرمة إلى أن نقم عليه مخدومه سلطان الدولة المذكور بسبب، فقتله. قلت: وكم من تعاسة تنال ذوي الولايات، ثم لا يرتدعون من طلب الرئاسات.

سنة ثمان وأربع مائة
فيها وقعت فتنة عظيمة بين السنية والشيعي، وتفاحشت، وقتل طائفة من الفريقين، وعجز صاحب الشرطة عنهم، وقاتلوه، فأطلق الذيران في سوق نهر الدجاج. وفيها استتاب القادر بالله وكان صاحب سنة طائفة من المعتزلة والرافضة، وأخذ خطوطهم في التوبة، وبعث إلى السلطان في ذلك الوقت يبث السنة بخراسان، ففعل ذلك، وبالغ وقتل جماعة، ونفى خلقاً كثيراً من المعتزلة والرافضة والاسماعيلية والجهمية والمشبهة، وأمر بلعنهم على المنأبو. وفيها قتل الدوري وقطع لكونه ادعى ربوبية الحاكم. وفيها توفي أبو الفضل الخزاعي محمد بن جعفر الجرجاني المقرىء، مصنف كتاب الواضح، وكان كثير التطواف في طلب القراءات. وفيها توفي أبو عمر البسطامي محمد بن الحسين الشافعي، قاضي نيسابور وشيخ الشافعية بها، رحل وسمع الكثير، ودرس المذهب، وأملى على الطبراني وطبقته.
(3/17)

سنة تسع وأربعمائة
فيها توفي الحافظ الكبير النسابة عبد الغني بن سعيد الأزدي المصري، صاحب التصانيف النافعة، منها كتاب المؤتلف والمختلف. كان الدارقطني يفخمه ويقول: كأنه شعلة نار. وقال منصور الطرسوسي: خرجنا نودع الدارقطني بمصر، فبكينا، فقال: تبكون وعندكم عبد الغني؟ وقال البرقاني: ما رأيت بعد الدارقطني أحفظ من عبد الغني رحمه الله. وفيها توفي ابن الصلت محمد بن أحمد الأهوازي. وفيها توفي الشيخ الكبير عبد الله بن يوسف، نزيل نيسابور، من كبار الصوفية وثقات المحدثين.

سنة عشر وأربع مائة
فيها افتتح السلطان محمود بن ناصر الدولة الهند، وأسلم نحو من عشرين ألفاً، وقتل من الكفار نحو خمسين ألفاً، وهدم مدينة الأصنام، وبلغ عدد الخمس من الرقيق ثلاثة وخمسين ألفاً، واستولى على عدة قلاع وحصون، وكان جيشه ثلاثين ألف فارس سوى الرجالة والمطوعة، ولم يزل يفتح في بلاد الهند إلى حيث لم تبلغه في الإسلام راية، وطهرها من أرجاس الشرك، وبنى مساجد وجوامع. وتفصيل حاله في الحروب والفتح يطول شرحه. ولما فتح بلاد الهند كتب كتاباً إلى بغداد يذكر فيه ما فتح الله عل يديه من بلاد الهند، وأنه كسر الضم المشهور بسومنات، وذكر في كتابه أن هذا الصنم عند الهنود يحيي ويميت، ويفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ويبرىء من العلل، وربما كان يتفق لشقوتهم برء عليل بقصده، ويوافقه طيب الهواء، وكثرة الحركة، ويزيدون به افتناناً ويقصدونه من أقاصي البلاد رجالاً وركباناً، ومن لم يصادف منهم انتعاشاً أجنح بالذنب وقال: إنه لم يخلص له الطاعة، فلم يستحق منه الإجابة. ويزعمون أن الأرواح إذا فارقت الأجسام اجتمعت لديه على مذهب أهل التناسخ وتشبيهها فيمن شاء، وأن مد البحر وجزره عبادة له على قدر طاعته، وكانوا بحكم هذا الاعتقاد يحجونه من كل صقع بعيد، ويأتونه من كل فج عميق، يتحفونه بكل مال نفيس، ولم يبق في بلاد الهند والسند على تباعد أقطارها وتفاوت أديانها ملك ولا سوقة إلا
(3/18)

وقد تقرب إلى هذا الصنم بما عز عليه من أمواله وذخائره، حتى بلغت أوقافه عشرة آلاف قرية في تلك البقاع، وامتلأت خزانته من أصناف الأموال. وفي خدمته من البراهمة ألف رجل يخدمونه، وثلاث مائة رجل يحلقون رؤوس حجاجه ولحاهم عند الورود عليه، وثلاثمائة رجل وخمس مائة امرأة يغنون ويرقصون عند بابه، ويجري من الأوقات المصدرة له لكل طائفة من هؤلاء رزق معلوم. وكان بين المسلمين وبين القلعة التي فيها الصنم المذكور مسيرة شهر في مفازة موصوفة بقلة الماء وصعوبة المسالك واستيلاء الرمل على طرقها. وسار إليها السلطان محمود في العدد المذكور مختاراً له من عدد كثير، وأنفق عليهم من الأموال ما لا يحصى، فلما وصلوا إلى القلعة وجدوها حصناً منيعاً، ففتحوها في ثلاثة أيام، ودخلوا بيت الصنم وحوله من أصنام الذهب والمرصع بأنواع الجواهر عدة كثيرة محيطة بعرشه يدعون أنها الملائكة فأحرق المسلمون الصنم، ووجد وافي أذنه نيفاً وثلاثين حلقة، فسألهم محمود عن معنى ذلك فقالوا: لكل حلقة عبادة ألف سنة، وكلما عبدوه ألف سنة علقوا في أذنه حلقة. وذكروا من أخبار هذا الصنم هذياناً يطول ذكره، حذفت بعضه، وذكرت بعضه، وبعض المؤرخين حذف الجميع، وبعضهم ذكر الجميع. ومما ذكروا عن السلطان محمود ما هو مشهور، ومن فضل مذهب الشافعي معدود ما سيأتي الآن ذكره، ويعلم منه فضل المذهب المذكور وفخره، قضية عجيبة مشتملة على نادرة غريبة، وهي ما ذكره إمام الحرمين: فحل الفروع والأصليين أبو المعالي عبد الملك ابن شيخ الإسلام، أبي محمد الجويني في كتابه الموسوم بمغيث الخلق في اختيار الحق أن السلطان محمود المذكور كان على مذهب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه وكان مولعاً بعلم الحديث، وكان الناس أو قال: الفقهاء يسمعون الحديث من الشيوخ بين يديه، وهو يسمع، وكان يستفسر الأحاديث، فوجد أكثرها موافقاً لمذهب الشافعي رضي الله عنه، فوقع في خلده حبه، فجمع الفقهاء من الفريقين في مرو، والتمس منهم الكلام في ترجيح أحد المذهبين على الآخر، فوقع الاتفاق على أن يصلوا بين يديه ركعتين على مذهب الشافعي، وركعتين على مذهب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنهما، يقتصر فيهما على أقل الفروض، لينظر فيها السلطان، ويتفكر، ويختار. ما هو أحسنه، فصلى القفال المروزي بطهارة مسبغة وشرائط معتبرة من الطهارة والسترة واستقبال القبلة، واتى بالأركان والفرائض على وجه الكمال والتمام، وكانت صلاة لا يجوز الشافعي دونها، ثم صلى ركعتين على ما يجوز أبو حنيفة، ولبس جلد كلب مدبوغ، ولطخ ربعه بالنجاسات، وتوضأ بنبيذ التمر وكانت في صميم الصيف في المفازة، فاجتمع عليه الذباب والبعوض، وكان وضوءه منكوساً منكساً، ثم استقبل القبلة، وأحرم بالصلاة من غير نية للوضوء، وكبر بالفارسية، ثم قرأ آية بالفارسية دوبرك كل سبز ثم نقر نقرتين كنقرات الديك من غير فصل ومن غير ركوع، وتشهد وضرط
(3/19)

في آخره من غير نية
السلام، وقال: أيها السلطان هذه صلاة أبي حنيفة، فقال السلطان: إن لم يكن هذه صلاة أبي حنيفة قتلتك، لأن مثل هذه الصلاة لا يجوزها ذو دين، فأنكرت الحنفية أن يكون هذه صلاة أبي حنيفة، فأمر القفال بإحضار كتب أبي حنيفة، فأمر السلطان نصرانياً كاتباً يقرأ المذهبين جميعاً، فوجدت الصلاة على مذهب أبي حنيفة على ما حكاه القفال، فأعرض السلطان عن مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه، وتمسك بمذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه انتهى كلام إمام الحرمين. لام، وقال: أيها السلطان هذه صلاة أبي حنيفة، فقال السلطان: إن لم يكن هذه صلاة أبي حنيفة قتلتك، لأن مثل هذه الصلاة لا يجوزها ذو دين، فأنكرت الحنفية أن يكون هذه صلاة أبي حنيفة، فأمر القفال بإحضار كتب أبي حنيفة، فأمر السلطان نصرانياً كاتباً يقرأ المذهبين جميعاً، فوجدت الصلاة على مذهب أبي حنيفة على ما حكاه القفال، فأعرض السلطان عن مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه، وتمسك بمذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه انتهى كلام إمام الحرمين.

سنة احدى عشرة وأربع مائة
فيها كان الغلاء المفرط بالعراق، حتى أكلوا الكلاب. وفيها توفي الحاكم بأمر الله أبو علي منصور بن العزيز بن نزار بن المعز العبيدي صاحب مصر والشام والحجاز والمغرب، فقد في شوال وله ست وثلاثون سنة. جهزت أخته ست الملك عليه من قتله، وكان شيطاناً مهيباً خبيث النفس متلون الاعتقاد، سمحاً جواداً سفاكاً للدماء، قتل عدداً كثيرأ من كبراء دولته صبراً، وأمر بشتم الصحابة، وكتبه على أبواب المساجد، وأمر بقتل الكلاب حتى لم يبق بمملكته منها إلا القليل، وأبطل الفقاع والملوخية والسمك الذي لا فلوس له، وأتى لمن باع ذلك سراً فقتلهم ونهى عن بيع الرطب، ثم جمع منه شيئاً عظيماً فأحرقه، وأباد أكثر الكروم، وشدد في الخمر، وألزم أهل الذمة حمل الصلبان في أعناقهم، وأمرهم بلبس العمائم السود، وهدم الكنائس، ونهى عن تقبيل يد من له ديانة، وأمر بالسلام فقط، وبعث إليه عامله على المغرب ينكر عليه، فأخذ في استمالته، وحمل في كمه الدفاتر ولزم التفقه، وأمر الفقهاء ببث مذهب المالك، واتخذ له مالكيين يفقهانه، ثم ذبحهما صبراً، ونفى المنجمين من بلاده، وحرم على النساء الخروج، فما زلن ممنوعات سبع سنين وسبعة أشهر حتى قتل، وتزهد، وتأله، ولبس الصوف، وبقي يركب الحمار ويمر وحده في الأسواق، ويقيم الحسبة بنفسه. ويقال إنه أراد أن يدعي الإلهية كفرعون، وشرع في ذلك، وخوفه خواصه عن زوال دولته، فانتهى. وكان المسلمون وأهل الذمة في كرب وبلاء شديد معه، حتى إنه أوحش أخته بمراسلات قبيحة، وأتها تزني، وطلبت ابن دواس القائد وكان خائفاً من الحاكم فاتفقت معه على قتل الحاكم وسيرته طويلة عجيبة وأقامت أخته بعده ولده الطاهر علي بن منصور، وقتلت ابن دواس وسائر من اطلع على سرها، وأعدمت جيفة الحاكم، ولم يجدوا إلا جبة الصوف، وقد صبغت بالدماء، وقطعت بالسكاكين.
(3/20)

سنة اثنتي عشرة وأربعمائة
فيها توفي الشيخ الكبير العارف بالله الشهير الحافظ أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين ابن موسى النيسابوري السلمي الصوفي. صحب جده أبا عمرو بن نجيد، وسمع الأصم وطبقته، وصنف التفسير والتاريخ وغير ذلك، وبلغت مصنفاته مائة. وقال الخطيب: قدر أبي عبد الرحمن عند أهل بلده جليل، وكان مع ذلك مجلوداً صاحب حديث. توفي في شعبان رحمه الله تعالى. وفيها توفي أبو عبد الله بن جعفر التميمي النحوي، المعروف بالقزاز القيرواني. كان الغالب عليه النحو واللغة، وله عدة تآلي، وكان العزيز بن المعز العبيدي صاحب مصر قد تقدم إليه أن يؤلف كتاباً، يجمع فيه سائر الحروف التي ذكر النحويون أن الكلام كله اسم وفعل وحرف جاملي. قال ابن الخزاز: وما علمت أن نحوياً ألف شيئاً من النحو على حروف المعجم سواه. وقال ابن رشيق: وكان مهيباً عند الملوك والعلماء وخاصة الناس، محبوباً عند العامة، قليل الخوض إلا في علم دين أو دنيا، وله شعر مطبوع منصوع، من ذلك قوله:
أما ومحل حبك في فؤادي ... وقدر مكانه فيه المكين
لو انبسطت لي الآمال حتى ... يصير من عنانك في يميني
لصنتك في مكان سواد عيني ... وحطت عليك من حذر جفوني
فأبلغ منك غايات الأماني ... وآمن فيك آفات الظنون
فلي نفس تجرع كل يوم ... عليك بهن كاسات المنون
إذا أمنت قلوب الناس خافت ... عليك خفي ألحاظ العيون
فكيف وأنت دنياي ولول ... عتاب الله فيك لقلت ديني
وقوله:
أحين علمت أنك نور عيني ... وأني لا أرى حتى أراكا
جعلت مغيب شخصك عن عياني ... يغيب كل مخلوق سواكا
وبلغ جملة الكتاب الذي ألفه العبيدي ألف ورقة، جمع فيه المفرق من الكتب النفيسة على أقصر سبيل، وأقرب ما يؤخذ، وأوضح طريق، وكأنه قد اقترح عليه أن يؤلفه على حروف المعجم، على وجه لم يسبق إليه كما تقدم.
(3/21)

سنة ثلاث عشرة وأربع مائة
فيها تقدم بعض الباطنية من المصريين إلى الحجر الاسود، فضربه بدبوس، فقتلوه في الحال. قال محمد بن علي بن عبد الرحمن العلوي: قام يضرب الحجر ثلاث ضربات، وقال: إلى متى يعبد الحجر؟ ولا محمد ولا علي فيمنعني ما أفعله، فإني اليوم أهدم هذا البيت. فأنفاه أكثر الحاضرين، وكاد أن يفلت وكان أحمر أشقر جسيماً طويلاً وكان على باب المسجد عشر فوارس ينصرونه، فاحتسب رجل، ووجأه بخنجر، ثم تكاثروا عليه، فهلك، وأحرق، وقتل جماعة ممن اتهم بمعاونته، واختبط الوفد، ومال الناس على ركب مصريين بالنهب. وتخشن وجه الحجر، وتساقط منه شظايا يسيرة، وتشقق، وظهر مكسرة أسمر يضرب إلى صفرة محبباً مثل الخشخاش، فعجن الفتات بالمسك، وأكد، وحشيت الشقوق، وطلبت، فهو يبين لمن تأمله. وفيها توفي عالم الشيعة وإمام الرافضة صاحب التصانيف الكثيرة، شيخهم المعروف بالمفيد وبابن المعلم أيضاً، البارع في الكلام والجدل والفقه. وكان يناظر أهل كل عقيدة مع الجلالة والعظمة في الدولة البويهية. قال ابن أبي طي: وكان كثير الصدقات، عظيم الخشوع، كثير الصلاة والصوم، خشن اللباس، وقال غيره: كان عضد الدولة ربما زار الشيخ المفيد، وكان شيخاً ربعة نحيفاً أسمر، عاش ستاً وسبعين سنة، وله اكثر من مائتي مصنف، كانت جنازته مشهودة، وشيعه ثمانون ألفاً من الرافضة والشيعة، وأراح الله منه. وكان موته في رمضان.

سنة أربع عشرة وأربع مائة
فيها توفي الشيخ أبو الحسن، المعروف بابن جهضم الهمداني، شيخ الصوفية بالحرم الشريف ومؤلف كتاب بهجة الأسرار في التصوف وفيها توفي الحافظ ابن الحافظ أبو القاسم تمام بن محمد البجلي الرازي الدمشقي. وفيها توفي القاضي عبد الجبار بن أحمد، من رؤوس أئمة المعتزلة وشيوخهم
(3/22)

، صاحب التصانيف والخلاف العنيف.

سنة خمس عشرة وأربع مائة
فيها توفي الإمام أبو الحسن المحاملي، شيخ الشافعية، أحمد بن محمد الضبي، تفقه على والده وعلى الشيخ أبي حامد الاسفرائيني، وبرع في الفقه، ودرس في أيام شيخه أبي حامد وبعده، وسمع الحديث من محمد بن المظفر وطبقته، ورحل به أبوه إلى الكوفة، وسمعه بها، وصنف عدة كتب منها المجموع والمقنع والقباب، وصنف في الخلاف كثيرا. وكان عديم النظير في الذكاء. وقال الشيخ أبو حامد: هو اليوم أحفظ للفقه مني والمحاملي نسبة إلى عمل المحامل الذي يركب فيها في السفر.

سنة ست عشرة وأربع مائة
فيها انتشر العيارون ببغدا، وخرقوا الهيبة، واصلوا العملات والقتل، وأخذوا الناس نهاراً جهاراً. وكانوا يمشون بالليل بالشمع والمشاعل، ويكبسون البيوت، ويأخذون أصحابها، ويعذبونهم إلى أن يقروا لهم بذخائرهم، وأحرقوا دار الشريف المرتضى. ولم يخرج فيها ركب من بغداد. وفيها توفي أبو عبد الله بن الحذاء القرطبي اليمني المالكي المحدث، مؤلف كتاب البشرى في تعبير الرؤيا في عشرة أسفار، وتولى قضاء إشبيلية وغيرها وفيها توفي أبو الحسن علي بن محمد التهامي، الشاعر المشهور. ومن شعره في ذم الدنيا:
طبقة على كدر وأنت تريدها ... صفواً من الأقذاء والأكدار
ومكلف الأيام ضد طباعها ... متطلب في الماء جذوة نار
وإذا رجوت المستحيل فإنما ... تبني الرجاء على شفير هار
سجن في القاهرة، ثم قتل سراً، ورآه بعض أصحابه في النوم فقال: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، فقال: بأي عمل؟ قال: بقولي في مرثية ولدي الصغير:
(3/23)

جاورت أعدائي وجاور ربه ... شتان بين جواره وجواري
والتهامي نسبة إلى تهامة، وهي خطة متسعة بين الحجاز وأطراف اليمن. وله:
إني لأرحم حسدي لحرما ... ضمنت صدورهم من الإوغار
نظروا صنيع الله بي فعيرتهم ... في جنة وقلوبهم في نار

سنة سبع عشرة وأربع مائة
فيها هجمت الجند على الكر، فنهبوه وأحرقوا الأسواق، فوقعت الرعاع في النهب، وأشرف الناس على التلف، فقام المرتضى وطلع إلى الخليفة، فخلع وتكلم في القضية، فجعل يعير عليه، ثم ضبطت محال بغداد، وشرعوا في المصادرات. وفيها توقني الإمام أبو بكر القفال المروزي، عبد الله بن أحمد شيخ الشافعية بخراسان، حذق في صنعته حتى عمل قفلاً بمفتاحه وزن أربع حبات، فلما صار ابن ثلاثين سنة أحس في ذكاء، وحبب الله إليه الفقه، واشتغل به، فشرع فيه وهو صاحب طريقة الخراسانيين وفي الفقه. عاش تسعين سنة. قال ناصر العمري: لم يكن في زمانه أفقه منه، ولا يكون بعده. كنا نقول إنه ملك في صورة آدمي قلت: وهو القفال المتقدم ذكره مع السلطان محمود، الملقب يمين الدولة وأمين الملة ابن ناصر الدولة، ولة ذكر في صلاته على مذهب الشافعي فقهاً، والمجرية على مذهب أبي حنيفة في القصة المتقدم ذكرها في سنة عشرة وأربعمائة. قالوا: وكان وحيد زمانه فقهاً وحفظاً وورعاً وزهداً، واشتغل عليه خلق كثير، منهم الأئمة الكبار؛ القاضي حسين، والشيخ أبو محمد الجويني، وابنه إمام الحرمين، والشيخ أبو علي السبخي وغيرهم، وكل واحد من هؤلاء صار إماماً يشار إليه، ولهم التصانيف النافعة، وأخذ عنهم أئمة كبار أيضاً. والقفال المذكور ممن شرح فروع الإمام الفقيه أبي بكر بن الحداد المصري، فأجاد في شرحها رحمة الله تعالى عليهم أجمعين. وفي السنة المذكورة توفي الحافظا أبو حازم عمر بن أحمد الهذلي المسعودي النيسابوري، توفي يوم عيد الفطر. قال الخطيب: كان ثقة صادقاً حافظاً عارفاً، وقال غيره: يقال إنه كتب عن عشرة أنفس عشرة آلاف جزء.
(3/24)

سنة ثمان عشرة وأربع مائة
فيها توفي الإمام الكبير الأستاذ الشهير أبو إسحاق الأسفرائيني، ابراهيم بن محمد بن ابراهيم بن مهران، الأصولي المتكلم الفقيه الشافعي، أحد الأعلام، صنف التصانيف. قال الحاكم: أخذ عنه الكلام والأصول عامة شيوخ يسابور، وأقر له بالعلم أهل العراق وخراسان، وله التصانيف الجليلة منها: كتابه الذي سماه: جامع الحلي في أصول الدين والرد على الملحدين في خمس مجلدات، وغير ذلك من المصنفات. وأخذ عنه القاضي أبو الطيب الطبري أصول الفقه بأسفرايين، وبنيت له المدرسة المعروفة بنيسابور. وذكر عبد الغفار الفارسي في سياق تاريخ نيسابور: إنه أحد من بلغ حد الاجتهاد من العلماء المتبحرة في العلوم واجتماعه شرائط الإمامة، وكان طراز ناحية الشرق. وكان يقول: أشتهي أن أموت بنيسابور حتى يصفي علي جميع أهل نيسابور، فتوفي بها يوم عاشوراء، ثم نقلوه إلى أسفرايين، ودفن في مشهده. وممن كان يخلف إلى مجلسه الأستاذ أبو القاسم القشيري. وأكثر الحافظ أبو بكر البيهقي الرواية عنه في تصانيفه، وغيره من المصنفين، وسمع بخراسان أبا بكر الإسماعيلي، وبالعراق أبا محمد دعلج بن أحمد السجزي وأقرانهما. وفيها توفي الوزير المعزي الحسين بن علي، استظهر القرآن العزيز وعدة من الكتب في النحو واللغة، ونحو خمسة ألف بيت من مختار الشعر القديم، ونظم الشعر، وتصرف في النثر، وبلغ من الخط إلى ما يقصر عنه نظراؤه، ومن حساب المولد والجبر والمقابلة إلى ما يستقل بدونه الكاتب، وكل ذلك قبل استكماله أربع عشرة سنة، واختصر إصلاح المنطق، واستوفى على جميع فوائده، حتى لم يفته شيء، وغير من أبوابه ما أوجب التدبير تغييره للحاجة إليه، وجمع كل نوع إلى ما يليق به، ثم نظم بعد اختصاره ما كتب في عدة أوراق في ليلة واحدة، وجميع ذلك قبل استكماله سبع عشرة سنة. ومن شعره:
أقول لها والعيش تخدع للسرى ... أعدي لفقدي ما استطعت من الصبر
سأنفق ريعان الشبيبة واثقاً ... على طلب العلياء أو طلب الأجر
أليس من الخسران أن ليالياً ... تمر بلا نفع وتحسب من عمر
(3/25)

قلت هذا البيت الأخير ما أدري: أهو له أم استعاره للتضمين، فإن كان له فقد استعاره بعضهم للتضمين حيث قال:
إذا رقد السما وأسهرت ناظري ... وأنشدت بيتاً وهو من أفخر الشعر
أليس من الخسران أن ليالياً ... تمر بلا نفع وتحسب من عمري؟!
وللوزير المذكور أيضاً:
أرى الناس في الدنيا كراع تنكرت ... مراعيه حتى ليس في تلك مربع
فماء بلا مرعى ومرعى بلا ماء ... وحيث ترى ماء ومرعى فمنبع
وفيها توفي الحافظ أبو القاسم، هبة الله بن الحسن الطبري الفقيه الشافعي. تفقه على الشيخ أبي حامد، وسمع من المخلص وطبقته. قال الفقيه: كان يفهم ويحفظ. صنف كتاباً في السنة وكتاب رجال الصحيحين وكتاباً في السنن ثم خرج في آخر أيامه الى الدينور، ومات بها.
وفيها توفي أبو الحسين بن جعفر بن عبد الوهاب المعروف بابن الميداني، محدث دمشق رحمه الله تعالى. وفيها توفي الشيخ الكبير أبو منصور الأصبهاني، شيخ الصوفية في زمانه، روى عن الطبراني، توفي في رمضان رحمه الله تعالى.

سنة تسع عشرة وأربع مائة
فيها كان السلطان جلال الدولة ببغداد، فتحالفت عليه الأمراء، وكرهوه لتوفره على اللعب، وطالبوه، فأخرج لهم من المصاغ وغيره ما قيمته أكثر من مائة ألف دينار، فلم يرضهم، ونهبوا دار الوزير، وسقطت الهيبة، ودب النهب في الرعية، وحصروا الملك، فقال: مكنوني من الانحدار، فأجابوه، ثم وقعت صيحة، فوثب وبيده طبر وهو الحديد الماضي الذي يحمل بين يدي الملوك وصاح فيهم، فلانوا له، وقبلوا الارض وقالوا: اثبت، فأنت السلطان. ونادوا بشعاره، فأخرج لهم متاعاً كثيراً، فبيع ولم يف بمقصودهم، ولم
(3/26)

يحج ركب بغداد في تلك السنة. وفيها توفي الحافظ أبو عبد الله بن الفخار القرطبي، شيخ المالكية وعالم الأندلس.
وكان زاهداً عابداً ورعاً متألهاً عارفاً بمذاهب العلماء، واسع الدائرة حافظاً للمدونة عن ظهر قلب، والنوادر لابن أبي زيد، مجلب الدعوة. قال القاضي عياض: كان أحفظ الناس وأحضرهم علماً، وأسرعهم جواباً، وأوقفهم على اختلاف العلماء وترجيح المذاهب، حافظاً للأثر، مائلاً إلى الحجة والنظر رحمه الله تعالى. وفيها توفي عبد المحسن بن محمد المعروف بابن غلبون، الصوري الشاعر المشهور، أحد البارعين الفضلاء المجيدين الأدباء. ومن نظمه:
عندي حدائق سكر غرس جودكم ... قد مسها عطش فليسق من غرسا
تداركوها، وفي أغصانها ورق ... فلن يعود اخضرار العود إن يبسا

سنة عشرين واربع مائة
فيها وقع برد عظيم إلى الغاية في الواحدة أربعة أرطال بالبغدادي، حتى قيل إن بردة وجدت تزيد على قنطار، وقد نزلت في الأرض نحواً من ذراع، وذلك بأرض النعمانية من العراق، وهبت ريح لم يسمع بمثلها، قلعت الأصول الغائبة من الزيتون والنخيل. وفيها جمع القادر بالله كتاباً، فيه وعظ ووفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقصة ما جرى لعبد العزيز صاحب الحيدة بفتح الحاء والدال المهملتين وسكون المثناة من تحت بينهما وفي آخره هاء مع بشر المريسي، والرد على من يقول بخلق القرآن، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسب الرافضة، وغير ذلك. وجمع له الأعيان والعلماء ببغداد، فقرأ على الخلق، ثم أرسل الخليفة إلى جامع براثا بالموحدة وقبل الالذين راء وبينهما مثلثة وهو مأوى الرافضة من أقام الخطبة على السنة، فخطب، وقصر عما كانوا يفعلونه في ذكر علي رضي الله تعالى عنه، فرموه بالآجر من كل ناحية، فنزل وحماه
(3/27)

جماعة، حتى أسرع بالصلاة، فتألم القادر بالله وغاضبه ذلك، وطلب الشريف المرتضى شيخ الرافضة وكاتب السلطان وزيره ابن ماكولا يستحيش على الشيعة. ومن جملة كتابه: وإذا بلغ الأمير إلى الجرأة على الدين وسياسة المملكة من الرعاع والأوباش، فلا صبر دون المبالغة بما توجبه الحمية. وقد بلغه ما جرى في الجمعة الماضية في مسجد براثا الذي يجمع الكفرة والزنادقة ومن قد تبرأ الله تعالى منه، فصار أشبه شيء بمسجد الضرار، وذلك أن خطيباً كان فيه يقول مقالاً يخرج به، إلى الزندقة، فإنه يقول بعد الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم: وعلى أخيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، مكلم الجمجمة، ومحيي الأموات، البشري الإلهي، مكلم أصحاب الكهف. فأنفذ الخطيب ابن تمام، فأقام الخطبة، فجاء الآجر كالمطر، وكسر أنفه، وخلع كتفه، ودمي وجهه لولا أن أربعة من الأتراك حموه، وإلا كان هلك والضرورة ماسة إلى الانتقام ونزل ثلاثون بالمشاعل إلى دار ذلك الخطيب، فنهبوا الدار، وعز الحريم، وخاف أولو الأمر من فتنة تكبر. ولم يخطب أحد ببراثا، وكثرت العملات والكبسات، وفتحت الحوانيت جهاراً، وعم البلاء إلى آخر السنة حتى صلب جماعة. وفيها توفي أبو الحسن أحمد بن علي بن الحسن البغدادي. قال الخطيب: كان ثقة من أهل القرآن والأدب والفقه على مذهب مالك. وفيها توفي عبد الجبار بن أحمد الطرسوسي، شيخ الإقراء في الديار المصرية، وأستاذ مصنف العنوان وألف كتاب المجتبى في القراءات. وفيها توفي عبد الرحمن بن أبي نصر التميمي الدمشقي، المعروف بالشيخ العفيف، قال أبو الوليد: وكان خيراً من ألف مثله إسناداً وإتقاناً وزهداً مع تقدمه. فيها توفي الأمير عز الملك محمد بن عبد الله بن أحمد الحراني الأديب العلامة، صاحب التآليف. وكان رافضياً، له كتاب القضايا الصابية في التنجيم، في ثلاثة آلاف
(3/28)

ورقة، وكتاب الأديان في العبادات في ثلاثة آلاف وخمس مائة ورقة، وكتاب التلويح والتصريح في الشعر ثلاث مجلدات، وكتاب تاريخ مصر وكتاب أنواع الجماع في أربع مجلدات، وغير ذلك من السخافات. وفيها توفي الأمير عز الملك محمد بن أبي القاسم الكاتب الحراني الأصل، المصري المولد، صاحب التاريخ المشهور وغيره من المصنفات، رزق حظوة في التصانيف، وكان مع ما فيه من الفضائل على زي الأجناد، واتصل بخدمة الحاكم العبيدي صاحب مصر ونال منه سعادة من الدنيا. وبلغ تاريخه ثلاثة عشر ألف ورقة. وله عدة تصانيف أخرى، وله شعر حسن، من ذلك أبيات رثى بها أم ولده، وهي:
ألا في سبيل الله قلب تقطعاً ... وقادحة لم تبق للعين مدمعا
الصبر وقد حل الثرى من أوده ... ولله هم ما أشد وأوجعا
فياليتني للموت قدمت قبلها ... وإلا فليت الموت أذهبنا معا

سنة احدى وعشرين واربع مائة
فيها أو في ما بعدها توفي الإمام أبو الفتح يحيى بن عيسى بن ملابس، وهو ممن انتشر
عنه فقه الإمام الشافعي في بلاد اليمن، تفقه بجماعة منهم الإمام الحسين بن جعفر المراغي، ومنهم الإمام محمد بن يحيى بن سراقة. ثم ارتحل إلى مكة، فجاور فيها، وشرح مختصر المزني، شرحه المشهور له في اليمن، ذكر في أوله أنه شرحه بمكة في أربع سنين، مقابل الكعبة. وروى القاضي الإمام طاهر ابن الإمام العلامة يحيى بن أبي الخير العمراني، مصنف كتاب البيان بسنده عن الإمام يحيى بن عيسى المذكور أنه لما استأذنه ولده في المجاورة بمكة نهاه أن يتزوج من النساء من هي بالغ بسنها، قال: فإني تزوجت بها ستين امرأة في أربع سنين، ولا آمن عليك أن تتزوج من كنت تزوجت بها. وفيها أقبلت الروم في ثلاثمائة ألف على قصد الشام، فأشرف على معسكرهم سرية من العرب نحو مائة فارس وألف راجل، فظن ملكهم أنها كبسة، فاختفى، ولبس خفاً أسود، وهرب، فوقعت الخبطة فيهم، واستحكمت الهزيمة، فطمع أولئك العرب منهم، ووضعوا السيف حتى قتلوا مقتلة عظيمة، وغنموا خزائن الملك، واستغنوا بها.
(3/29)

وكاد أن يستولي الخراب إلى بغداد، لضعف الهيبة وتتابع السنين، فاجتمع الهاشميون في جامع المنصور، ورفعوا المصاحف، واستنفروا الناس، فاجتمع إليهم الفقهاء وخلق من الإمامية والرافضة، وضجوا بأن يعفوا من الترك، فعمد الترك نعود بالله من الضلال فرفعوا صليباً على رمح، وترامى الفريقان بالنشاب والآجر، وقتل طائفة، ثم تهاجروا، وكثرت العملات والكبسات، وأخذت المخازن الكبار والدور، وتجدد دخول الأكراد اللصوص إلى بغداد، فأخذوا خيول الأتراك من الاصطبلات. وفيها توفي السلطان محمود ابن الأمير ناصر الدولة أبو منصور. كان أبوه أمير الغزاة الذين يغزون من بلاد ما وراء النهر على أطراف الهند، وأخذ عدة قلاع، وافتتح ناحية بست. وأما محمود فافتتح غزنة ثم بلاد ما وراء النهر، ثم استولى على سائر خراسان، ودان له الخلق على اختلاف أجناسهم، وفرض على نفسه غزو الهند كل عام، فافتتح منه بلاداً واسعة، وقد مضى ذكر شيء من فتح البلاد البعيدة، وصفاته الجميلة الحميدة، وعلو همته الشريفة، ورجوعه عن مذهب أبي حنيفة إلى مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنهما، في القضية المتقدمة في السنة العاشرة بعد الأربعمائة.
وفيها توفي الإمام أحمد بن محمد المعروف بابن دراج الأندلسي الشاعر. قال الثعالبي: كان يصقع الأندلس كالمتنبي يصقع الشام. ومن أشعاره ما عارض بها قصيدة أبي نواس التي مدح بها الخصيب صاحب ديوان خراج مصر ومنها قوله:
تقول التي من بيتها خف محمل ... عزيزعلينا أن نراك تسير
أما دون مصر للغني مطلب ... بلى إن أسباب الغنى لكثير
فقلت لها واستعجلتها بوادر ... جرت فجرى من حرهن عبير
درين أكثر حاسديك برحلة ... إلى بلدة فيها الخصيب أمير
فما حازه جود ولا حل دونه ... ولكن يصير الجود حيث يصير
فتى يشتري حسن الثناء بماله ... ويعلم أن الدائرات تدور
فمن كان أمسى جاهلاً بمقالتي ... فإن أمير المؤمنين خبير
ثم قال في أواخرها بعد ذكر المنازل:
زها بالخصيب السيف والرمح في الوغى ... وفي السلم يزهو منبر وسرير
جواد إذا الأيدي قبضن عن الندى ... ومن دون عورات النساء غيور
فإني جدير إن بلغتك للغنى ... وأنت لما أملت منك جدير
فإن تولني منك الجميل فأهله ... وإلا فإني عاذر وشكور
(3/30)

وكل هذه الأبيات من قصيدة أبي نواس، وأما قصيدة ابن دراج المعارض بها فمنها هذه الأبيات:
دعيني أرد ماء المفاوز راجياً ... إلى حيث ماء للكرام نمير
فإن خطيرات المهالك ضمنت ... براكبها أن الجزاء خطير
ولما تراءت للوداع وقد هفا ... بصبري منها أنه وزفير
تناشدني عهد المودة والهوى ... وفي المهد منهوم النداء صغير
عيي بمرجوع الخطاب ولحظه ... بموقع أهواء النفوس خبير
تنوع بممنوع القلوب ومهدت ... له أذرع محفوفة ونحور
فكل مفداة الترائب عنده ... وكل محياة المحاش ظير
عصيت شفيع النفس فيه وقادني ... روائح تلاب السرى وبكور
فطار جناح البين بي وهفت بها ... حوائج من دعو العراق تطير
ولو شاهدتني والهواجر تلتظي ... علي ورقراق السراب يمور
أسلط حراً لها جرات إذا سطا ... على حر وجهي والأصيل هجير
واستنشق النكباء وهي لواقح ... وأستوطن الرمضاء وهي تفور
وللموت في عين الجبان تلون ... وللذعر في سمع الجري صفير
لبان لها أني من الضيم جازع ... وأني على مض الخطوب صبور
أمير على غول السبايف ماله ... إذا ريع إلا المشرقي وزير
ولو بصرت بي والسرى حل عزمتي ... وجرسي لجنان الفلاة سمير
وأعتسف الموماة في غسق الدجى ... وللأسد في غيل الغياض زئير
وقد حومت زهر النجوم كأنها ... كواعب في خضر الحدائق حور
ودارت نجوم القطب حتى كأنها ... كؤوس مهاً والى بهن مدير
وقد خيلت طرف المجرة أنها ... على مفرق الليل البهيم فقير
وثاقب عزمي والظلام مروع ... وقد غض في أجفان النجوم فتور
لقد أيقنت المنى طوع همتي ... وأني بعطف العامري جدير
وفيها أو قبلها أو بعدهما، توفي الإمام أبو عبد الله محمد بن مسعود بن أحمد
(3/31)

المسعودي الفقيه الشافعي الفاضل المبرز الورع، من أهل مرو. تفقه على أبي بكر القفال المروزي، وشرح مختصر المزني، وأحسن فيه، وروى قليلاً من الحديث عن أستاذه القفال. وحكى عنه الغزالي في كتاب الوسيط في الايمان مسألة لطيفة فقال: فرع لو حلف لا يأكل بيضاً، ثم انتهى إلى رجل، فقال: والله لآكلن ما في كمك، فإذا هو بيض، فقد سئل القفال عن هذه المسألة وهو على الكرسي فلم يحضر جواب. فقال المسعودي: يتخذ منه الناطف، ويأكله، فيكون قد أكل ما في كمه، ولم يأكل البيض، فاستحسن ذلك منه. وهذه الحيلة من لطائف الحيل الوافية من الوقوع في الخلل. توفي المسعودي المذكور بعد نيف وعشرين وأربع مائة بمرو - رحمه الله تعالى - ونسبته إلى جده مسعود.

سنة واثنتين وعشرين واربع مائة
فيها عزم الصوفي الملقب بالمنصور على الغزو، فكتب له السلطان منشوراً، وقصد الجامع لقراءة المنشور وبين يديه الرجال بالسلاح يترضون على الشيخين، وصاحوا: هذا يوم معاوي. قلت: يعنون فيه إظهار شعار معاوية بن ابي سفيان في الذكر لإبي بكر وعمر دون علي رضي الله تعالى عنهم فحصبهم أهل الكرخ، فسارت الفتنة، واضطربت، ونهبت العامة دار الشريف المرتضى، ودافع عنه جيرانه الأتراك، واحترقت له سرية، وبات الناس في ليلة صعبة، وتأهبوا للحرب، واجتمعت العامة وخلق من الترك، وقصدوا الكرخ، فرموا النار في الأسواق، وأشرف أهل الكرخ على التلف، فركب الوزير والجند، فوقعت آجره على صدر الوزير، وسقطت عمامته، وقتل جماعة من الشيعة، وزاد النهب فيهم، واحرق في هذه السائرة عدة اسواق، ولم يجر من السلطان إنكار لضعفه وعجزه، وتبسطت العامة، وآثاروا الفتن: فالنهار فتن ومحن، والليل عملات ونهب. وقامت الجند على السلطان جلال الدولة لإطراحه مصالحهم، وراموا قطع الخطبة، فارضاهم بالمال، فساروا بعد أيام عليه. وثم مات القادر بالله، واستخلف ابنه القائم بأمر الله، فبايبعه الشريف المرتضى، ثم الأمير حسن بن عيسى بن المقتدر، وقامت الأتراك على القائم بالرسم الذي للبيعة، فقال: إن القادر لم يخلف مالاً، وصدق لأنه كان من أفقر الخلفاء، ثم صالحهم على ثلاثة ألاف دينار، وعرض القائم خاناً وبستاناً للبيع، وصغر دست - الخلافة إلى هذا الحد، وصارت الأموال والأعمال مقسومة بين الأتراك والأعراب، مع ضعف ارتفاع الخراج، والوزارة خالية من أهلية، وما يناسبها من صلاحيته، والوقت هرج ومرج، والناس بلا رأس.
(3/32)

وفيها توفي القادر بالله بن المقتدر بن المعتضد العباسي، وكانت خلافته إحدى اربعين سنة. قال الخطيب: كان من أهل الديانة والتهجد وكثرة الصدقات على صفة اشتهرت عنه. وصنف كتاب في الأصول، في فضل الصحابة، وتكفير المعتزلة، والقائلين بخلق القرآن، وكان يقرأ كل جمعة بحضرة الناس. وفيها توفي القاضي عبد الوهاب الفقيه المالكي، أحد الأعلام. انتهت إليه رئاسة المذهب. قال الخطيب: لم ألق في المالكية أفقه منه. وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: سمعت كلامه في النظر، وكان فقيهاً متأدباً شاعراً، له كتب كثيرة في كل فن. ومن ذلك كتاب التلقين في الفقه، وكتاب المعرفة، وشرح الرسالة، وغير ذلك. ومن أشعاره:
سلام على بغداد في كل موطن ... وحق لها مني سلام مضاعف
فوالله ما فارقتها عن قلى لها ... وإني لشطي جانبيها لعارف
ولكنها ضاقت علي بأسرها ... ولم تكن الأرزاق فيها تساعف
وكانت كخل كنت أهوى دنوه ... وأخلاقه تنأى به وتخالفه
ومن أشعاره الظريفة المشتملة على المعاني اللطيفة قوله:
ونائمة قبلتها فتنبهت ... فقالت: تعالوا فاطلبوا اللص بالحد
فقلت لها إني فديتك غاصب ... وما حكموا في غاصب بسوى الرد
خذيها وكفي عن أثيم ظلامة ... وإن أنت لم ترضي فألفاً على العد
فقالت: قصاص يشهد العقل أنه ... على كبد الجاني الدين أشهد
ما غير ذلك مما حذفته رغبة في الاختصار وكراهة لبعض الغزل الفاحش في الأشعار. توفي ليلة الاثنين الرابعة عشر من صفر، ودفن في القرافة. وفيها توفي الإمام الواعظ يحيى بن عمار الشيباني السجستاني نزيل هراة.

سنة ثلاث وعشرين واربع مائة
فيها سارت الغلمان بالسلطان جلال الدولة، وصمموا على عزله، وطرده، فهرب
(3/33)

بالليل مع جماعة من غلمانه إلى عكبراء، ونهبت داره من الغد. في السنة المذكورة سار الملك المسعود بن محمود بن ناصر الدين، فدخل أصفهان بالسيف، ونهب وقتل علماء لا يحصون، ففعل ما لا يفعله الكفرة. وفيها توفي الحافظ أبو الحسن علي بن أحمد النعيمي البصري. قال الخطيب: كان حافظاً عارفاً متكلماً شاعراً. وفيها توفي ابن البواب الكاتب علي بن هلال. قيل ليس له في الكتابة مثل ولا مقارب، وإن كان أبو علي أول من نقل هذه الطريقة من الخط الكوفي، وأبرزها في هذه الصورة، وله بذلك فضيلة السبق، وخطه أيضاً في نهاية الحسن، لكن ابن البواب هذب طريقته، ونقاها، وكساها حلاوة وبهجة، والكل معترفون له بالتفرد، وعلى منواله ينسجون، وليس فيهم من يلحق شأنه، ولما توفي رثي بهذين البيتين:
استشعر الكتاب فقدك سالفاً ... وقضت بصحة ذلك الأيام
فلذاك سودت الروي كأنه ... أسف عليك وشقت الأقلام
وروى ابن الكلبي الهيثم بن العدي أن ناقل هذه الكتابة من الحيرة إلى الحجاز هو حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وكان قد قدم الحيرة، فعاد إلى مكة بهذه كتابة، وقال لأبي سفيان بن حرب: ممن أخذ أبوك هذه الكتابة؟ فقال: من أسلم بن نذر، وقال: سألت أسلم ممن أخذ الكتابة فقال: من واضعها، من عامر بن مرة. قالوا: فحدوث هذه الكتابة قبل الإسلام بقليل. وكان لحمير كتابة تسمى المسند، وحروفها منفصلة غير متصلة، وكانوا يمنعون العامة من تعليمها، فلا يتعاطاها أحد إلا بإذنهم، فجاءت ملة الإسلام، وليس بجميع اليمن من يقرأ ويكتب، وجميع كتابات الأمم من سكان الشرق والغرب اثنتا عشرة كتابة، وهي العربية والحميرية واليونانية والفارسية والسريانية والعبرانية الرومية والقبطية والبربرية والأندلسية والهندية والصينية.

سنة اربع وعشرين واربع مائة
فيها اشتد الخطب ببغداد بسبب الحرامية وأخذهم أموال الناس عياناً، يأخذون للتاجر ما قيمته عشرة آلاف دينار، وقتلوا صاحب الشرطة، وباقي الناس لا يجسرون يقولون: فعل بنا فلان كذا، خوفاً منه. وزادت العملات والكبسات ووقع القتال، وأحرقت أماكن وأسواق
(3/34)

ومساجد، وقوي الشر، وتارت الجند، وقبضت على السلطان جلال الدولة، ليرسلوه إلى واسط والبصرة، فأنزلوه في مركب وابتلت ثيابه، وأهين، ثم أرجموه، فأخرجوه، وأركبوه فرساً ضعيفة، وشتموه، فانتصر له أبو الوفاء القائد في طائفة، وأخذوه من أيدي أولئك، وردوه إلى داره، ثم سار في الليل إلى الكرخ، فدعا له أهلها، ونزل في دار الشريف المرتضى، فأصبح العسكر، وهموا به، فاختلفوا، فقال بعضهم: ما بقي إلا هذا وابن أخيه من بني بويه بضم الموحدة وفتح الواو وسكون المثناة من تحت وقد سلم الأمر ومضى إلى بلاد فارس، ثم كتبوا له ورقة بالطاعة والاعتذار، فركب معهم إلى دار السلطنة. وفي السنة المذكورة توفي الحافظ العبد الصالح محمد بن ابراهيم الأردستاني بالراء والدال والسين المهملات والمثناة من فوق الالف والنون بعدها.

سنة خمس وعشرين واربع مائة
فيها توفي الحافظ الكبير محمد بن محمد بن أحمد بن غالب الخوارزمي البرقاني، قال الخطيب: لم نر في شيوخه أثبت منه، كان ورعاً عارفاً بالفقه، كثير التصانيف، ذا حظ من علم العربية. صنف مسنداً، ضمنه ما يشتمل عليه الصحيحان. وقال غيره: كان نسيج وحده.
وفيها توفي أبو علي بن شاذان البغدادي. قال الخطيب: كان صدوقاً، صحيح السماع، يفهم الكلام على مذهب الأشعري. وفيها توفي الفقيه العالم الزاهد عمر بن ابراهيم الهروي. وفيها توفي الحافظ عبد الله بن عبد الوهاب بن عبد الله المزني الدمشقي.

سنة ست وعشرين واربع مائة
وفيها تملك العيارون بغداد. وغزا مسعود بن أحمد بلاد الهند، فوصل كتابه بأنه قتل من القوم خمسين ألفاً وسبى سبعين ألفاً. وفيها توفي ابن شهيد الأديب أبو عامر، أحمد بن عبد الملك بن مروان الأشجعي القرطبي الشاعر، حامل لواء الشعر بالأندلس. قال ابن حزم: لم يخلف له تظيراً في الشعر والبلاغة، وكان سمحاً جواداً.
(3/35)

وفيها توفي أبو محمد بن الشقاق بالشين المعجمة والقاف المكررة كبير المالكية، رأس القراء. وفيها توفي الفقيه الأديب المحدث، أبو عمرو الزرجاهي بفتح الزاي وسكون الراء قبل الجيم على ما ضبط في بعض النسخ محمد بن عبد الله البسطامي، ابن شهيد بضم الشين المعجمة. أحمد بن عبد الملك بن مروان القرطبي قال في كتاب الذخيرة: وكان متفنناً بارعاً، بينه وبين ابن حزم الظاهري مكاتبات ومداعبات، وله التصانيف الغربية البديعة، ومن محاسن شعره من قصيدة له:
وتدري سباع الطير أن كماته ... إذا لقيت صيد الكماة سباع
تطير جياعاً فوقه وتردها ... ظباة إلى الأوكار وهي شباع

سنة سبع وعشرين واربع مائة
فيها دخل العيارون، وهم مائة الأكراد والأعراب، فأحرقوا دار صاحب الشرطة، فتحوا خاناً، فأخذوا ما فيه، وخرجوا بالكارات، والناس لا ينطقون. وفيها شغب الجند على الملك جلال الدولة، وقالوا اخرج عنا، فقال أمهلوني ثلاثة أيام، وجرت أمور طويلة، ثم تركوه لضعفهم.
وفيها توفي أبو إسحاق الثعلبي أحمد بن محمد بن ابراهيم النيسابوري، المفسر المشهور. وكان حافظاً واعظاً رأساً في التفسير والعربية، متين الديانة، فاق بتفسيره الكبير سائر أهل التفاسير. قلت: هكذا قيل، ولعل ذلك من بعض الوجوه، وإلا فهناك تفاسير أخرى، قد تميز كل واحد منها بفضيلة وفن معروف عند أهله، وله كتاب العرائس في قصص الأنبياء وغير ذلك، ذكره السمعاني وقال: يقال له الثعلبي، والثعالبي وهو لقب له، وليس نسب. ونقل بعض العلماء أن الاستاذ أبا القاسم القشيري رحمه الله تعالى قال: رأيت رب العزة في المنام، وهو يخاطبني وأخاطبه، وكان في أثناء ذلك أن قال الرب تعالى اسمه: أقبل الرجل الصالح، فالتفت فإذا أحمد الثعلبي مقبل. ذكره عبد الغافر الفارسي في سياق تاريخ نيسابور، وأثنى عليه وقال: هو صحيح النقل، موثوق به. وكان كثير الشيوخ. رحمه ته تعالى. وفيها توفي الإمام الجياني المحدث أبو علي الحسين بن محمد الغساني الأندلسي.
(3/36)

كان إماماً في الحديث، وله كتاب مفيد، ساه تقييد المهمل ضبط فيه كل لفظ يقع فيه اللبس من رجال الصحيحين في جزئين، وما قصر فيه. وكان من جهابذة المحدثين، وكبار العلماء المفيدين، حسن الخط جيد الضبط، له معرفة بالغريب والشعر والأنساب. ونسبته إلى جيان بفتح الجيم وتشديد المثناة من تحت مدينه كبيرة بالأندلس، وبأعمال الري قرية يقال له جيان أيضاً. والغساني نسبة إلى غسان وقد تقدم الكلام عليه.

سنة ثمان وعشرين واربع مائة
فيها توفي أبو الحسين أحمد بن محمد الفقيه الحنفي القدوري، انتهت إليه رئاسة الحنفية بالعراق. وكان حسن العبارة في النظر، وسمع الحديث، وروى عنه الخطيب أبو بكر، وصنف في مذهبه المختصر وغيره، وكان يناظر الشيخ أبا حامد الاسفرائيني الفقيه الشافعي، وقد تقدم في ترجمة أبي حامد ما بالغ القدوري في مدحته. والقدوري نسبة إلى عمل القدور، جمع قدر. وفيها توفي الحافظ أحمد بن منجويه بالنون والجيم والمثناة من تحت بعد الواو رحل وسمع، وصنف التصانيف. وفيها توفي مهيار الشاعر المشهور الفارسي. كان مجوسياً فأسلم، ويقال إن إسلامه كان على يد الشريف الرضي، وعليه تخرج في نظمه، وله ديوان كبير يدخل في أربع مجلدات. ومن شعره:
يراها بعين الشوق قلبي على النوى ... فيخطىء ولكن من لعيني برؤياها
فالله ما أصفى وأكدر حبها ... وأبعدها مني الغداة وأدناها
وهما من قصيدة شهيرة. وقال أبو الحسن صاحب دمية القصر: ومن شعره أيضاً:
ملحاً على البخل الشحيح بماله ... أفلا يكون بماء وجهك أنجلا
أكرم يديك عن السؤال فإنما ... قدر الحياة أقل من أن تسألا
ولقد أضم إلي فضل قناعتي ... وأتيت مشتملاً بها متزملا
وإذا امرؤ أفنى الليالي حسرة ... وأمانياً أفنيتهن توكلا
وفيها توفي الرئيس أبو علي المعروف بابن سينا الحكيم المشهور، الحسين بن عبد الله ابن الحسن بن علي بن سينا. قال ابن خلكان: تنقل الرئيس ابن سينا في البلاد، واشتغل بالعلوم، وحصل الفنون، ولما بلغ عشر سنين كان قد أتقن علم القرآن الكريم والأدب،
(3/37)

وحفظ أشياء من أصول الدين وحساب الهندسة والجبر والمقابلة، وتوجه نحوهم الحكيم أبو عبد الله الناتلي بالنون والمثناة من فوق بين الألف واللام فأنزله أبو علي عنده، وابتدأ يقرأ عليه، فأحكم علم المنطق وإقليدس والمجسطي، حتى فاق الناتلي بدرايتها. وأوضح له رموزاً، وفهمه إشكالات كان شيخه المذكور لا يدريها، ومع ذلك كان يختلف في الفقه إلى اسماعيل الزاهد، يقرأ ويبحث، ويناظر، ثم اشتغل بتحصيل علوم أخرى كالطبيعي والإلهي وغير ذلك، ونظر في النصوص والشروح، ففهم كل ذلك، ثم رغب في علم الطب، وتأمل الكتب المصنفة فيه، وعالج هادياً لا متكسباً، وعلمه حتى فاق فيه الأوائل والأواخر في أقل مدة، وأصبح فيه عديم القرين فقيد المثيل. واختلف إليه فضلاء هذا الفن وكبراؤه، يقرؤون عليه أنواعه والمعالجات المكتسبة من التجربة وسنه إذ ذاك ست عشرة سنة - وفي مدة اشتغاله لم ينم ليلة واحدة بكمالها، ولا اشتغل بالنهار بنوى المطالبة، وكان إذا أشكل عليه مسألة توضأ، وقصد المسجد الجامع، وصلى، ودعا الله تعالى أن يسهلها عليه، ويفتح مغلقها - على ما ذكر بعض المورخين. وذكر عند الأمير نوح بن نصر - صاحب خراسان - في مرض موته، فأحضره، وعالجه حتى برىء، واتصل به، وقرب منه، ودخل إلى دار كتبه، وكانت عديمة المثل، فيها من كل فن من الكتب المشهورة بأيدي الناس وغيرها، مما لا يوجد في سواها، ولا سمع باسمه، فضلاً عن معرفته، فظفر أبو علي منها بكتب الأوائل وغيرها، وحصل نخب فوائدها، واطلع على أكثر علومها، واتفق بعد ذلك احتراق تلك الخزانة، فتفزد أبو علي بما حصله من علومها، ويقال: إنه هو الذي توصل إلى إحراقها ليتفرد بمعرفة ما حصله منها، وينسبه إلى نفسه، ولم يستكمل ثمان عشرة سنة من عمره إلا وقد فرغ من تحصيل العلوم بأسرها وقيل التي عاناها بأسرها ثم صار هو وأبوه يتصرفان في الأحوال، ويتقلدان للسلطان الأعمال، وجرت له تنقلات في البلدان وما فيها من دولة السلطان، وإنه تولى الوزارة لشمس الدولة في همدان، ثم تشوش العسكر، وعمدوا إلى داره، فنهبوها، وقبضوا عليه، وسألوا شمس الدولة في قتله، فامتنع، ثم اطلق فتوارى، ثم مرض شمس الدولة بالقولنج، فأحضره لمداواته، واعتذر إليه، وأعاده وزيراً. وكان ابن سينا قوي المزاج يغلب عليه قوة الجماع، حتى أضعفته ملازمته، وعرض له قولنج، فعالجه مراراً، يصح أسبوعاً ويمرض أسبوعاً، ومرض أمراضاً كثيرة، وطرح بعض غلمانه في بعض أدويته شيئاً كثيراً زائداً على ما رسمه الطبيب، فعجزت المعالجات عن شفائها، وأشرفت قواه على السقوط، فأهمل المداواة، واعترف بالعجز عن تدبير نفسه، ثم اغتسل، وتاب، وتصدق بما معه على الفقراء ورد المظالم على من عرفه، وأعتق مماليكه، وجعل يختم في كل ثلاثة أيام ختمة، ثم توفي في التاريخ المذكور في شهر رمضان بهمدان.
(3/38)

قلت: وهذا مختصر تنقلات جرت له في الأحوال والبلدان، منها خوارزم وجرجان ودهستان وقزوين، والري وبخارى وهمدان وأصفهان، وبست وطوس، واجتمع بولاتها لخوارزم شاه، وشمس المعالي قابوس، وشمس الدولة، وعلاء الدولة، وكان نادرة عصره في علمه وذكائه وتصانيفه، صنف كتاب الشفاء في الحكمة والنجاة والإشارات والقانون وغير ذلك، مما يقارب مائة تصنيف، ما بين مختصر ومطول ورسالة في فنون شتى، وله رسائل بديعة، منها رسالة الطير وغيرها، وهو أحد فلاسفة المسلمين، وله شعر، من ذلك قوله:
هبطت إليك من المحل الأرفع ... ورقاء ذات تعزز وتمنع
محجوبة عن كل مقلة عارف ... وهي التي سفرت ولم تتبرقع
وصلت على كره إليك وربما ... كرهت فراقك وهي ذات تفجع
أنفت وما ألفت فلما واصلت ... ألفت مجاورة الخراب البلقع
وأظنها نسيت عهوداً بالحمى ... ومنازلاً بفراقها لم تقنع
حتى إذا اتصلت بهاء هبوطها ... من ميم مركزها بذات الأجرع
علقت بها ثاء الثقيل فأصبحت ... بين المعالم والطلال الخضع
تبكي وقد نسيت عهوداً بالحمى ... ومدامع تهمي ولما تقلع
حتى إذا قرب المسير الى الحمى ... ودنا الرحيل إلى الفضاء الأوسع
وغدت تفرد فوق ذروة شاهق ... والعلم يرفع كل من لم يرفع
وقعود عالمه بكل خفية ... في العالمين فخرقها لم يرقع
فهبوطها إن كان ضربة لازم ... ليكون سامعه بما لم تسمع
فلأي شيء أهبطت من شاهق ... شام إلى قعر الحضيض الأوضع
إن كان أهبطه الإله بحكمة ... طويت على الفطن اللبيب الأورع
إذ عاقها الشرك الكثيف وصدها ... قفص عن الأوج الفسيح الأرفع
وكأنها برق تألف بالحمى ... ثم انطوى وكأنه لم يلمع
قال وفضائله مشهورة كثيرة. وكان الشيخ كمال الدين بن يونس - يقول: إن مخدومه سخط عليه، واعتقله، ومات في السجن، وكان ينشد:
رأيت ابن سينا يعادي الرجال ... وفي السجن مات أخس الممات
فلم يشف ما نابه بالشفاء ... ولم ينج من موته بالنجاة
(3/39)

انتهى قلت: والشفاء والنجاة إشارة إلى كتابيه المتقدم ذكرهما، ولقد طالعت كتاب الشفاء فلم أراه إلا جديراً بقلب الفاء قافاً، مشتمل على كثيرة فلسفة، لا ينشرح لها صدر متدين. وذكر شيخ الإسلام أستاذ الأنام في عصره: شهاب الدين السهروردي رحمه الله أنه غسل كتابه الموسوم بالشفاء بإشارة قدسية نبوية، يعني بإشارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قلت: وقد ذكروا أنه تاب، واشتغل بالتنسك، فإن صح ذلك فقد أدركه الله تعالى لسابق عنايته وواسع رحمته، حتى أحدث فيه لاحق توبته - والله أعلم بحقيقة ذلك وصحته. وفيها توفي وجيه الدولة أبو المطاع بن حمدان ابن ناصر الدولة الحسين بن عبد الله بن حمدان الثعلبي، كان شاعراً ظريفاً حسن السبك، جميل المقاصد. ومن شعره قوله:
إني لأحسد لا في أسطر الصحف ... إذا رأيت اعتناق اللام للألف
وما أظنهما طال اعتناقهما ... إلا لما لقيا من شدة الشغف
وأورد له الثعالبي في اليتيمة
قالت: لطيف خيال زارها ومضى ... بالله صفة لا تنقص ولا تزد
فقال حلبت لو مات من ظمأ ... وقلت قف عن ورد الماء لم يرد
قالت صدقت الوفا في الحب عادته ... يا برد ذاك الذي على كبدي
وذكر بعضهم أن هذه الأبيات للشريف أبي القاسم أحمد بن طباطبا العلوي، ولوجيه الدولة المذكور أشعار كثيرة حسنة شهيرة، وكان قد وصل إلى مصر في أيام الظاهر بن الحكم العبيدي صاحبها، فقلده ولاية الإسكندرية وأعمالها، فأقام بها سنة، ثم رجع إلى دمشق.

سنة تسع وعشرين واربع مائة
فيها توفي الحافظ محدث هراة أبو يعقوب القراب بالقاف في أوله والموحدة في آخره على ما ضبطه بعضهم اسحاق بن ابراهيم السرخسي الهروي. روى عن خلق كثير، زاد عدة شيوخه على ألف ومائتين، وصنف تصانيف كثيرة، وكان صالحاً زاهداً مقلاً من الدنيا، رجمه الله. وفيها توفي العلامة في اللغة والشعر والعربية المصنف في الزهد وغيره، يونس بن عبد الله بن محمد بن مغيث، قاضي الجماعة بقرطبة. وفيها توفي الأستاذ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي الفقيه الشافعى الأصولى
(3/40)

الأديب. كان ماهراً في فنون عديدة خصوصاً علم الحساب فإنه كان متقناً له، وله فيه تآليف نافعة، وكان عارفاً بالفرائض والنحو، وله أشعار. وكان ذا مال وثروة وإنفاق على أهل العلم والحديث، ولم يكتسب بعلمه مالاً، وصنف في العلوم، وأربى على أقرانه في الفنون، ودرس في سبعة عشر فناً، وكان قد تفقه على الأستاذ أبي إسحاق الاسفرائيني، وجلس بعده للإملاء في مكانه سنين، واختلف الأئمة إليه، فقرؤوا العلوم عليه، مثل الأستاذ زين الإسلام القشيري، والإمام ناصر المروزي، وغيرهما.

سنة ثلاثين واربع مائة
فيها توفي الإمام الحافظ الشيخ العارف أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني الصوفي، صاحب كتاب حلية الأولياء، كان من أعلام المحدثين وأكابر الحفاظ المفيدين، أخذ عن الأفاضل، وأخذوا عنه، وانتفعوا به. وكتابه الحلية من أحسن الكتب. قلت: أما طعن ابن الجوزي فيها وتنقصه لها فهو عن باب قولي.
لئن ذمها جاراتها وضرائر ... وعين جمالاً في حلاها وفي الحلي
فما سلمت حسناء من ذم حاسد ... وصاحب حق من عداوة مبطل
مع أبيات أخرى في مدح الإمام أبي حامد الغزالي وتصانيفه وكلامه الغالي، وله كتاب تاريخ أصفهان تفرد في الدنيا بعلو الإسناد مع الحفظ. روى عن المشايخ بالعراق والحجاز والخراسان، وصنف التصانيف المشهورة في الأقطار. وفيها توفي أبو منصور الثعالبي عبد الملك بن محمد النيسابوري الأديب اللبيب الشاعر، صاحب التصانيف الأدبية السائرة في الدنيا، وراعي بلاغات العلم، وجامع أشتات النظم. سار ذكره سير المثل، وضربت إليه آباط الإبل، وطلعت دواوينه في المشارق والمغارب طلوع النجم في الغياهب. ومن نظمه:
لك في المفاخر معجزات جمة ... أبداً لغيرك في الورى لم تجمع
بحران يجري في بلاغة شأنه ... شعر الوليد وحسن لفظ الأصمع
كالنور أو كالسحر أو كالبدر أو ... كالوشي في برد عليه موسع
وإذا تفتق نور شعرك ناظراً ... فالحسن بين مرصع ومصرع
نقشت في فص الزمان بدائعاً ... تزرى بآثار الربيع الممرع
(3/41)

مع أبيات أخرى كتبها إلى الأمير أبي الفضل الميكالي. وله من التآليف كتاب يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر وهو أكبر كتبه وأحسنها، وفيه يقول أبو الفرح الإسكندري:
أبيات أشعار اليتيمة ... أبكار أفكار قديمة
ماتوا وعاشت بعدهم ... فذاك سميت اليتيمة
قيل والثعالبي: نسبة إلى خياطة جلود الثعالب وعملها. وله كتاب فقه اللغة وسحر البلاغة وسر البراعة ومؤنس التوحيد وشعر كثير هو له مجيد، جمع فيه أشعار الناس ورسائلهم وأخبارهم وأحوالهم. وفيها توفي أبو القاسم عبد الملك بن بشران البغدادي الواعظ. قال الخطيب: كان ثقة ثبتاً صالحاً، وكان الجمع في جنازته يتجاوز الحد ويفوت الانحصار.
؟ سنة احدى وثلاثين وأربعمائة فيها توفي القاضي المقرىء المحدث أبو العلاء الواسطي، محمد بن علي بن أحمد. وفي نيف وثلاثين توفي الفقيه الإمام أحد العلماء الأعيان، أول من جمع بين طريق العراق وخراسان الحسن بن علي السنجي صاحب شرح فروع ابن الحداد.
؟ سنة اثنتين وثلاثين واربع مائة استولت فيها السلجوقية بالسين المهملة والجيم والقاف على جميع خراسان. وفر السلطان مسعود إلى غزنة. والحرب في بغداد بين الرافضة والسنية. وفيها توفي الحافظ أبو العباس جعفر بن محمد بن المستغفر بن الفتح النسفي، صاحب التصانيف الكثيرة.

سنة ثلاث وثلاثين واربع مائة
فيها توفي السلطان المسعود ابن السلطان محمود. والرئيس أحمد بن محمد أبو الحسين الأصفهاني وراوي المعجم الكبير عن الطبراني. والقاضي أبو نصر أحمد بن الحسين الدينوري، سمع سنن النسائي من ابن السني وحدث به.
(3/42)

سنة أربع وثلاثين وأربعمائة
فيها كانت الزلزلة العظمى بتبريز، فهدمت أسوارها، وأحصى من هلك تحت الهدم فكانوا أكثر من أربعين ألفاً نسأل الله العفو والعافية. وفيها توفي الحافظ أبو ذر الهروي الأنصاري الفقيه المالكي، نزيل مكة روى الصحيح عن ثلاثة من أصحاب القريري، وجمع لنفسه معجماً، وعاش ثمانياً وسبعين سنة وكان ثقة متقناً ديناً عابداً حافظاً بصيراً باللغة والأصول، أخذ علم الكلام عن الباقلاني وصنف مخرجاً على الصحيجن، وكان شيخ الحرم في عصره، ثم تزوج بالسروا، وبقي يحج كل عام ويرجع.

سنة خمس وثلاثين واربع مائة
فيها توفي جلال الدولة. وأبو الحزم جهور محمد بن جهور أمير قرطبة ورئيسها وصاحبها.

سنة ست وثلاثين واربع مائة
توفي فيها الشريف المرتضى أبو القاسم علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن ابراهيم بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين ابن الحسين بن علي بن أبي طالب رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. كان نقيب الطالبين، وكان إماماً في علم الكلام والأدب والشعر، وهو أخو الشريف الرضي المقدم ذكره في سنة ست وأربعمائة. بين موتيهما ثلاثون سنة. وللمرتضى تصانيف على مذهب الشيعة، ومقالة في أصول الدين، وله ديوان شعر كثيرة وقد اختلف الناس في كتاب نهج البلاغة المجموع من كلام علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، هل هو جمعه أو جمع أخيه الرضي؟ وقد قيل إنه ليس من كلام علي وإنما أحدهما هو الذي وضعه ونسبه إليه، والله تعالى أعلم. وله
(3/43)

الكتاب الذي سماه الدرر والغرر وهي مجالس املأها يشتمل على فنون من معاني الأدب، تكلم فيها على النحو واللغة وغير ذلك، وهو كتاب يدل على فضل كبير وتوسع في الاطلاع على العلوم. وذكره ابن بسام الأندلسي في أواخر كتاب الذخيرة فقال: هذا الشريف إمام أئمة العراق بين الاختلاف والافتراق، إليه فرغ علماؤها وأخذ عنه عظماؤها، صاحب مدارسها، وجامع شاردها وآنسها، ممن سارت أخباره، وعرفت بها أشعاره، وحمدت في ذات الله مآثره وآثاره، وتواليفه في أصول الدين، وتصانيفه في أحكام المسلمين، مما يشهد أنه فرغ تلك الأصول، وأهل ذاك البيت الجليل وأورد له عدة مقاطع، فمن ذلك قوله:
ولما تفرقنا كما شاءت النوى ... بين ود خالص وتودد
كأني وقد سار الخليط عشية ... أخو جنة مما أقوم وأقعد
قيل ومعنى البيت الأول من هذين البيتين مأخوذ من قول المتنبي:
إذا اشتبكت دموع في خدود ... تبين من بكى ممن تباكى
ومما نسب إلى المرتضي أيضاً رضي الله تعالى عنه:
مولاي يا بدر كل داجية ... خذ بيدي قد وقعت في اللجج
حسنك ما تنقضي عجائبه ... كالبحر جد عنه بلا حرج
بحق من خط عارضيك ومن ... سلط سلطانها على المهج
مد يديك الكريمتين معاً ... ثم إدع لي من هواك بالفرج
وحكى الخطيب أبو زكريا يحيى بن علي التبريزي اللغوي أن أبا الحسن علي بن أحمد الفالي الأديب كانت له نسخة من كتاب الجمهرة لابن دريد في غاية الجودة، ودعته الحاجة إلى بيعها، فباعها، واشتراها الشريف المرتضى بستين ديناراً، وتصفحها، فوجد فيها أبياتاً بخط بائعها أبي الحسن الفالي:
أنست بها عشرين حولاً وبعتها ... لقد طال وجدي بعدها وحنيني
وما كان ظني أنني سأبيعها ... ولو خلدتني في السجون ديوني
ولكن لضعف وافتقار وصبية ... صغار عليهم تستهل شؤوني
وقد تخرج الحاجات يا أم مالك ... كرائم من رب بهن ضنين
وهذا الفالي منسوب إلى فالة بالفاء وهي بلدة بخوزستان وملح الشريف المرتضى وفضائله كثيرة. وكانت ولادته في سنة خمس وخمسين وثلاثمائة.
(3/44)

وفي السنة المذكورة توفي أبو الحسن البصري المتكلم محمد بن علي شيخ المعتزلة، والذي قبله أعني الشريف المرتضى شيخ الشيعة من كبار أئمتهم. وأبو الحسين من كبار أئمة المعتزلة، جيد الكلام، حسن العبارة، غزير المادة، وله التصانيف الفائقة في أصول الفقه، منها المعتمد وهو كتاب كبير نفيس، ومنه ومن المستصفى الإمام أبي حامد الغزالي استمد فخر الدين الرازي في تصنيف كتابه المحصول ولأبي الحسين تصفح الأدلة، وعزير الأدلة، وله شرح الأصول الخمسة وله كتاب في الإمامة وغير ذلك. وفيها توفي أبو عبد الله الصيمري الفقيه أحد أئمة الحنفية.

سنة سبع وثلاثين واربع مائة
فيها توفي شيخ الأندلس وعالمها ومقرئها وخطيبها أبو محمد مكي بن أبي طالب القيسي، كان من أهل التبحر في العلوم كثير التصانيف، وكان مشهوراً بالصلاح وإجابة الدعوة رحمه الله تعالى ومما روي في إجابة دعوته أنه كان إنسان يتسلط عليه، ويحصي عليه سقطاته وكان الشيخ كثيراً ما يتلعثم، ويتوف، فحضر ذلك الرجل في بعض الجمع، وجعل يحد النظر إلى الشيخ، ويغمزه، فلما خرج مضى، ونزل في الموضع الذي كان يقرأ فيه، ثم قال لنا: أمنوا على دعائي، ثم رفع يديه وقال: اللهم اكفنيه؛ قال: فأمنا فأقعد ذلك، وما دخل الجامع بعد ذلك اليوم. وله تصانيف كثيرة نافعة، فمنها الهداية إلى بلوغ النهاية في معاني القرآن الكريم، وتفسيره وأنواع علومه، وهو سبعون جزءاً، ومنتخب الحجة لأبي علي الفارسي ثلاثون جزءاً، وكتاب التبصرة في القراءات في خمسة اجزاء وهو من أشهر تواليفه - وكتاب الكشف عن وجوه القراءات وعللها عشرون جزءاً، وكتاب الوقف في كلا وبلى في القرآن جزءان، وكتاب تنزيه الملائكة عن الذنوب، وفضلهم على بني آدم جزء، وكتاب اختلاف العلماء في الروح والنفس جزء، وكتاب شرح التمام والوقف أربعة أجزاء وغير ذلك، ومجموع تصانيفه نحو من أربعين مصنفاً، بعضها مشتمل على أجزاء كثيرة. وفيها توفي الإمام الأوحد القاسم بن محمد بن عبد الله القرشي الجمحي، من أهل شمعة من بلاد اليمن. لما تفرقت قريش عن الحجاز سكن قوم منهم بسهفنة، وكان هو وأهله منهم، ومات فيها، وهو الذي انتشر عنه مذهب الشافعي في نواحي الجند وصنعاء
(3/45)

والمعافر والسحول وعدن ولحج وأبين، ومنه استفاد فقهاء هذه البلاد المذكورة، كانت مدرسته في سهفنة وكان تفقه وتعلم في ابتداء أمره في زبيد على بكر بن المصرف بمختصر المزني وبعض شروحه، وكان له رحلة إلى مكة سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، ولقي فيها أبا بكر أحمد بن ابراهيم المروزي، فأخذ عنه كتاب السنن عن أبي داؤد سليمان بن الأشعث، وسمع عنه موطأ الإمام مالك. وكان قد جمع مع الفقه والحديث والكلام وأصول الفقه علم القراءات ومعاني القرآن، وكان فقيهاً اجتمع عليه القريب والبعيد من البلاد وأخذ عنه العلم خلق كثير.

سنة ثمان وثلاثين واربع مائة
فيها توفي الشيخ الإمام الجليل القدر، مفتي الأنام، قدوة المسلمين وركن الاسلام، ذو المحاسن والمناقب العظام، والفضائل المشهورة عند العلماء والعوام، الفقيه الأصولي الأديب النحوي المفسر الشيخ أبو محمد الجويني عبد الله بن يوسف شيخ الشافعية، ووالد إمام الحرمين. قال أهل التواريخ: كان إماماً في التفسير والفقه والأصول والعربية والأدب، قرأ الأدب على أبيه أبي يعقوب يوسف بجوي، ثم قدم نيسابور، واشتغل بالفقه على أبي الطيب سهل بن محمد الصعلوكي، ثم انتقل إلى أبي بكر القفال المروزي، واشتغل عليه بمرر، ولازمه واستفاد منه، وانتفع عنه، وأتقن عليه المذهب والخلاف، وقرأ عليه طريقته، وأحكمها. فلما لخرج عليه عاد إلى نيسابور، وتصدى للتدريس والفتوى، وتخرج عليه خلق كثير، منهم ولده إمام الحرمين، وكان مهيباً لا يجري بين يديه إلا الجدل والبحث والتحريض على التحصيل. له في الفقه تصانيف كثيرة الفضائل، مثل التبصرة والتذكرة ومختصر المختصر والفرق والجمع والسلسلة وموقف الإمام والمأموم، وغير ذلك من التواليف، وله التفسير الكبير المشتمل على عشرة أنواع في كل آية. وقال الإمام عبد الواحد بن عبد الكريم القشيري: كان أئمتنا في عصره، والمحققون من أصحابنا يعتقدون فيه من الكمال والفضل والخصال الحميدة ما أنه لو جاز أن يبعث الله تعالى نبياً في عصره لما كان إلا هو، من حسن طريقته وورعه وزهده وديانته وكمال فضله رضي الله تعالى عنه سمع الحديث الكثير، وتوفي في ذي القعدة من السنة المذكورة، وقيل قي سنة أربع وثلاثين وأربعمائة بنيسابور والله أعلم. وقال الشيخ أبو صالح المؤذن: مرض الشيخ أبو محمد الجوينى سبعة عشر يوماً،
(3/46)

وأوصاني أن أتولى غسله وتجهيزه، فلما توفي غسلته، وكفنته في الكفن. ورأيت يده اليمنى زهراء منيرة من غير سوء وهي تتلألأ تلألؤ القمر، فتحيرت وقلت لنفسي هذه بركات فتاويه. قلت: وفضاثله كثيرة شهيرة، وقد ذكرت شيئاً منها في الشاش المعلم

سنة تسع وثلاتين وأربع مائة
فيها توفي الحافظ أبو محمد الحسن بن محمد الحسن بن الجلال البغدادي. قال الخطيب: كان ثقة له معرفة، أخرج المسند على الصحيحين، وجمع أبواباً وتراجم كثيرة.

سنة اربعين واربع مائة
فيها أقام العرب بالمغرب الدعوة للقائم بأمر الله العباسي وخلع طاعة المستنصر العبيدي، فبعث المستنصر جيشاً من العرب يحاربون فذلك أول دخول العربان إلى إفريقية وهم بنو رباح وبنو زغبة، وجرت لهم أمور يطول شرحها. وفيها توفي أبو القاسم عبد الله بن عمر بن شاهين رحمه الله تعالى.

سنة احدى واربعين واربع مائة
توقني أبو علي أحمد بن عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم بن أبي نصر التميمي الدمشقي، أحد الأكابر. وفيها توفي الحافظ أبو عبد الله محمد بن علي الصوري، أحد أركان الحديث. قال الخطيب: وكان يسرد الصوم، وقال أبو الحسين: ما رأيت أحفظ من الصوري.

سنة اثنتين واربعين واربع مائة
فيها عين ابن النسوي بالنون والسين المهملة لشرطة بغداد، فاتفق السنية والشيعية على أنه متى ولي نزحوا عن البلد، فوقع الصلح بين الفريقين بهذا السبب، وصار أهل الكرخ يترحمون على الصحابة، وصلوا في مساجد السنية، وخرجوا كلهم إلى زيارة المشاهد، وتحابوا، وتزاوروا، هذا شيء لم يعهد منذ دهراً، وقيل في دهر. وفيها توفي شيخ العراق، الزاهد القدوة أبو الحسن علي بن عمر بن القزريني. قال الخطيب: كان أحد الزهاد ومن عباد الله الصالحين، يقرىء ويحدث، ولا يخرج إلا لصلاة، غلقت جميع بغداد يوم دفنه، ولم نر جمعاً أعظم من ذلك الجمع.
(3/47)

وفيها توفي أبو القاسم الثمانيني الموصلي الضريري النحوي، أحد أئمة العربية بالعراق. أخذ عن ابن جني، وتصدر للإفادة، وصنف شرحاً للمع كتاب النحو، وشرحاً للتصريف. والواعظ أبو طاهر بن العلاف محمود بن علي البغدادي.

سنة ثلاث واربعين واربع مائة
فيها زال الأنس بين السنية والشيعية، وعادوا إلى أشد ما كانوا عليه من الشر والفتن، وأحكم الرافضة سور الكرخ، وكتبوا على الأبراج: محمد وعلي خير البشر، فمن رضي فقد شكر، ومن أبى فقد كفر، واضطرمت نار الفتنة، وأخذت ثياب الناس في الطرق، وغلقت الأسواق، واجتمع للسنية جمع لم ير مثله، وهجموا دار الخلافة، فوعدوا بالخير. وثار أهل الكرخ، فالتقى الجمعان، فقتل جماعة، ونبشت عدة قبور للشيعة، وأحرقوا. وتم على الرافضة خزي عظيم، فعمدوا إلى خان الحنفية، فأحرقوه، وقتلوا مدرسهم أبا سعيد السرخسي رحمه الله تعالى. وفيها توفي أبو القاسم علي بن أحمد الفارسي: مسند الديار المصرية، أكثر عن أبي أحمد بن الناصح والذهلي.

سنة أربع وأربعين وأربع مائة
فيها هاجت الفتنة ببغداد، واستعرت نيرانها، وأحرقت عدة حوانيت، وكتب أهل الكرخ على أبواب مساجدهم: محمد وعلي خير البشر. وأذنوا بحي على خير العمل، فاجتمع غوغاء أهل السنة، وحملوا حملة حربية على الرافضة، فهرب النظارة، وازدحموا في درب ضيق، فهلك ست وثلاثون امرأة وستة رجال وصبيان، وطرحت النيران في الكرخ، وأخذوا في تحصين الأبواب والقفال، والتقوا في سادس من ذي الحجة، فجمع الطقطقي بالقاف بين الطائين المهملتين طائفة من الأعوان، وكبس جهة من الكرخ، وقتل رجلين، ونصب رأسيهما على مسجد العلائين. وفيها عمل محضر كثير ببغداد، وتضمن القدح في نسب بني عبيد الخارجين بالمغرب ومصر، وأن أصلهم من اليهود، وأنهم كاذبون في انتسابهم إلى جعفر الصادق رضي الله
(3/48)

تعالى عنه. فكتب فيه خلق من الأشراف والسنة وأولي الخيرة. وفيها توفي أبو غانم أحمد بن الحسين المروزي الكراعي مسند خراسان في وقته. وفيها توفي أبو عمرو الداني عثمان بن سعيد القرطبي الحافظ المقرىء أحد الأعلام، صاحب التصانيف الكثيرة المتفننة، توفي بدانية المنسوب إليها، قيل وكان مجاب الدعوة رحمه الله تعالى.

سنة خمس وأربعين وأربع مائة
فيها توفي مقرىء الديار المصرية، الملقب بتاج الأئمة أبو العباس أحمد بن على بن هشيم المصري. وفيها توفي أبو إسحاق البرمكي بن ابراهيم بن عمر البغدادي الحنبلي. قال الخطيب: كان صدوقاً ديناً فقيهاً، له حلقة للفتوى وفيها توفي الحافظ أبو سعيد السمعاني اسماعيل بن علي الرازي. قال الكتاني: كان من الحفاظ الكبار زاهداً عابداً، ويقاق إنه سمع من ثلاثة آلاف شيخ، وكان رأساً في القراءات والحديث والفقه، بصيراً بمذهبي الحنفية والشافعية، لكنه من رؤوس المعتزلة. قلت: وما سمعت أن أحداً له من الشيوخ مثل هذا المذكور إلا الحافظ أبا سعيد السمعاني، فإن شيوخه يزيدون على أربعة آلاف شيخ. وممن سمعت أن شيوخه يزيدون على الذين: عبد الله بن المبارك. وممن سمعت أن شيوخه يزيدون على ألف: الحافظ أبو القاسم ابن عساكر، ذكروا أن شيوخه ألف وثلاث مائة. وممن سمعت أن شيوخه ألف: الطبراني، وممن سمعت أن شيوخه دون الألف: الشيخ صلاح الدين العلائي مدرس الصالحية في القدس رحمه الله أخبرني بذلك، أو قال نحو الألف، قال: وليس فيهم أجل من الشيخ رضي الله تعالى عنه يعني شيخنا رضي الدين فقيه المحدثين الصالحين ابراهيم بن محمد الطبري، إمام مقام ابراهيم الخليل على نبينا وعليه الصلاة والسلام. وفيها توفي أبو طاهر محمد بن أحمد بن محمد الكاتب مسند أصبهان.

سنة ست واربعين واربع مائة
فيها توفي الحافظ أبو يعلى الخليل بن عبد الله بن أحمد القزويني، أحد أئمة الحديث. وفيها توفي أبو علي الأهوازي الحسن بن علي بن ابراهيم: المقرىء المحدث صاحب
(3/49)

التصانيف. وأبو محمد بن اللبان الاصبهاني. قال الخطيب: وكان أحد أوعية العلم.

سنة سبع واربعين واربع مائة
فيها توفي أبو عبد الله القادسي الحسين بن أحمد البغدادي. وفيها توفي قاضي القضاة ابن ماكولا: الحسين بن علي العجلي الشافعي. قال لخطيب: لم نر قاضياً أعظم نزاهة منه. وفيها توفي حكم بن محمد الجذامي، وأبو القاسم التنوخي، وابن سلوان. وفيها توفي أبو الفتح السليم بن أيوب بن سليم الرازي: الفقيه الإمام الشافعي المفسر لأديب: صاحب التصانيف. كان رأساً في العلم والأدب والعمل، يشار إليه في الفضل والعبادة. ومن تصانيفه كتاب الإشارة في الفروع وكتاب غرائب الحديث وكتاب التقريب، وليس هو التقريب الذي نقل عنه إمام الحرمين في النهاية، وحجة الإسلام في البسيط والوسيط، فإن ذلك للقاسم بن القفال الشاشي. أخذ سليم الفقه عن الشيخ أبي حامد لاسفرائيني، وأخذ عنه أبو الفتح الشيخ نصير بن ابراهيم المقدسي. وقال سليم: دخلت بغداد في بدايتي في طلب علم اللغة، فكنت آتي شيخا هناك، فذهبت في بعض الأيام إليه، قيل لي: هو في الحمام، ومضيت نحوه، فمررت في طريقي على الشيخ ابي حامد الاسفرائيني - وهو يملي - فدخلت المسجد، وجلست مع الطلبة، فوجدته يشرح في كتاب أصيام في مسألة إذا أولج ثم أحس بالفجر فنزع، فاستحسنت ذلك، فعلقت الدرس على ظهر جزء كان معي، فلما عدت إلى منزلي جعلت أعيد الدرس مخلى بي، وقلت: أتم هذا الكتاب يعني - كتاب الصيام فعلقته، ولزمت الشيخ أبا حامد حين علقت منه جميع التعليق - يعني كتابه - وكان لا يخلو له وقت من اشتغال، حتى أنه كان إذا برأ القلم قرأ القرآن، أو سبح، أو قال: وسبح. وكذلك إذا كان ماراً في الطريق، كما تقدم في ترجمته، وغير ذلك من الأوقات التي لا يمكن الاشتغال فيها بعلم. قلت: وهذا مما يدلك على اهتمام هذا الإمام على استغراق أوقاته بالنفع بالعلم لوجه الله تعالى، والعمل به في طاعاته، وهذا عزيز جداً من أهل العلم. وأحوال الناس في ذلك مختلفة، فبعضهم كان يرخي بينه وبين أصحابه ستراً، وبعضهم يذكر بالقلب سراً، وبعضهم يأتي بالذكر جهراً. وإرخاء الستر قد روي عن بعض المشايخ وعن بعض أهل العلم أيضاً: وهو أبو الحسن الباهلي شيخ القاضي أبي بكر الباقلاني في علم الأصول: وقد يكون في إرخاء الستر
(3/50)

غرض آخر من ترك النظر إلى بعض الناس، إما لخوف فتنة، أو تشويش خاطر ببعض من هو في مجلسه حاضر. ولا يخلو الموقف صاحب القلب المليح من غرض صحيح. وسكن سليم الشام بمدينة صور متصدياً لنشر العلم وإفادة الناس. وكان يقول: وضعت مني صوره رفعتها. وكان موته رحمه الله غرقاً عند رجوعه من الحج عند ساحل جدة، وقال بعضهم: في بحر القلزم بضم القاف والزاي وسكون اللام بينهما، ثم تبئين في أي مكان منه، وقال: عند ساحل جدة، وقال بعضهم: في بحر القلزم المذكور غرق فيه فرعون. قلت ويحتمل أنه غرق في الجانب الذي يلي مصر منه، وسليم في الجانب الذي يلي جدة منه، وشتان ما بين الغرقين: غرق الشقاوة والإبعاد، وغرق الشهادة والإسعاد. وكان سليم المذكور قد نيف على الثمانين، ودفن في جزيرة بقرب الجار الآتي تفسيره قريباً، عند المخاضة في طريق عيذا. والرازي: نسبة إلى الري على غير قياس ألحقوا الزاي في النسبة، كما ألحقوها في المروزي عند النسبة إلى مرو: وهي مدينة عظيمة من بلاد الديلم بين قومس والجبال. والجار بفتح الجيم وبعد الألف راء: وهي بلدة إليها القمح الجاري. وذكر أبو القاسم الزمخشري في كتاب الأمكنة والجبال والمياه أن الجار قرية على ساحل البحر، بها مرسى مطايا القلزم ومطايا عيذاب، يعني بالمطايا المذكورة: السفن. وقال ابن حوقل بفتح الحاء المهملة والقاف وسكون الواو بينهما وفي آخره لام الجار: الفرضة المدلية على ثلاث مراحل منها، على البحر وحده فرضة منه. قلت: يعني فرضة مكة، ويعنونه بالفرضة في مثل هذا الموضع فرضة البحر التي هي محط السفن. وفي السنة المذكورة توفي عبد الوهاب بن الحسين بن برهان بفتح الموحدة أبو الفرح البغدادي الغزالي.

سنة ثمان واربعين واربع مائة
فيها خطب بالكوفة والموصل وواسط للمستنصر المصرفي العبيدي، ففرحت الرافضة بذلك، واستفحل أمر الأمير البساسيري بفتح الموحدة وبالسين المهملة المكررة قبل الألف وبعدها وسكون المثناة مكررة قبل الراء وبعدها ثم جاءته الخلع والتقليد من مصر. وفيها توفي عبد الله بن الوليد الأنصاري الأندلسي الفقيه المالكي. وفيها توفي الشيخ
(3/51)

عبد الغافر أبو الحسين محمد بن عبد الله الفارسي. وفيها توفي أبو الحسن الفالي علي بن محمد بن علي المؤذب، وأبو الحسن الباقلاني علي بن ابراهيم بن عيسى البغدادي، وابن مسرور أبو حفص. قال عبد الغافر: هو حفص المارودي الزاهد الفقيه، كان كثير العبادة والمجاهدة، وكانوا يتبركون بدعائه رحمة الله عليه عاش سبعين سنة.

سنة تسع واربعين واربع مائة
فيها توفي أبو العلاء أحمد بن عبد الله التنوخي المعري اللغوي الشاعر المشهور، صاحب التصانيف الكثيرة المشهورة، والرسائل البليغة المنشورة، والزهد والذكاء المفرط. كان متضلعاً من فنون الأدب، قرأ النحو واللغة على أبيه ب المعرة، وعلى محمد بن عبد الله ابن سعد النحوي بحلب، وله من النظم: لزوم ما لا يلزم وهو كبير يقع في خمسة أجزاء وما يقارنها، وله سقط الزند أيضاً، وشرحه بنفسه وسماه: ضوء السقط، وله الكتاب المعروف بالهمزة والردف يقارب المائة جزء في الأدب أيضاً. وحكي من وقف على المجلد الأول بعد المائة من كتاب الهمزة والردف قال: لا أعلم ما كان يعوده بعد هذا وكان علامة عصره في فنون، وأخذ عنه أبو القاسم التنوخي والخطيب أبو زكريا التبريزي وغيرهما. ومن لطيف نظمه قوله:
لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط في الخمر
بالخاء المعجمة والصاد المهملة مفتوحتين وبالراء البرد. ومن نظمه المشير به إلى فضله:
وإني وإن كنت الأخير زمانه ... لآت بما لم يستطعه الأوائل
وكانت وفاته ليلة الجمعة ثالث وقيل ثاني عشر ربيع الأول من السنة المذكورة، وكانت أيضاً ولادته يوم الجمعة عند مغيب الشمس لثلاث بقين من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستين وثلاثمائة بالمعرة، وعمي من الجدري أول سنة سبع وستين، وغشي يمنى عينيه بياض، وذهبت اليسرى جملة. وشرح ديوان المتنبي، وسماه كتاب لامع الغزنوي في شرح ديوان المتنبي ولما فرغ من تصنيفه وقرىء عليه أخذ الجماعة في وصفه، فقال أبو العلاء: كأنما نظر إلى المتنبي بلحظ الغيب، حيث يقول:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم
واختصر ديوان أبي تمام وشرحه، وكذلك ديوان البحتري، وتولى الانتصار بهم، وتنقد عليهم في مواضع، ودخل بغداد مرتين قلت: وقد ذكر في كتاب منهل المفهوم في
(3/52)

شرح ألسنة المعلوم في قسم الإيماء: حكي أنه حضر مجلس الشريف المرتضى، وكان الشريف نقص من شعر المتنبي، والمعري يمدحه حتى قال: لو لم يكن في شعره إلا قصيدة التي يقول فيها: لك يا منازل في القلوب منازل لكفى فأمر الشريف بإخراجه من المجلس مسجوناً، ثم قال: أتدرون ما عنى هذا الأعمى في القصيدة المذكورة؟ إنما أومأ فيها إلى قول المتنبي:
واذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني كامل
انتهى قلت: ومما يدلك على فرط ذكاء أبي العلاء المعري، وفرط ذكاء الشريف، وفهمه ذلك في الحال. ثم رجع إلى المعرة، وشرع في التصنيف، وسار إليه الطلبة من الآفاق، وكاتبه العلماء والوزراء وأهل الأقدار، أو قيل إنه مكث مدة خمس وأربعين سنة لا يأكل اللحم، يرى رأي الحكماء المتقدمين، إذ لا يأكلونه، لكيلا يذبحوا الحيوان، إذ لا يرون بإيلام الحيوانات مطلقاً. قلت: وهو خلاف ما جاءت به الأنبياء والشرائع، ودل على جعله الإجماع ونصوص الآيات القواطع. ونظم الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة. ومن نظمه:
لا تطلبن بغير خط رتبة ... قلم البليغ بغير خط مغزل
سكن السما كان السماء كلاهما ... هذا له رمح وهذا أعزل
ويروى بغير حد. قلت: وقد نظمت ثلاثة أبيات، أوضحت فيها ما أشار إليه بمثال أولى من مثاله، فإنه أشرك بين السماكين في نيل المرتبة، مع كون أحدهما ذا آلة يكتسب بها المراتب وهي الرمح وأنا خصصت بالمرتبة الخالي منهما عن الآلة حيث قلت:
لو كان بالآلات خط يحصل ... والسعد يأتي ولعطايا تجزل
ما كان في عالي المنازل رامح ... أو لم يجزها دون ذلك أعزل
لكنه من دونه قد حازها ... في شرحه البدر المتمم ينزل
وكلا النظمين في قوافيهما التزام ما لا يلزم ولما توفي رثاه تليمذه أبو الحسن بن همام بقوله:
إن كنت لم ترق الدماء زهادة ... فلقد أرقت اليوم من جفني الدما
سيرت ذكرك في البلاد كأنه ... مسك فسامعه يعطر أو فما
قلت يعني أن طيب ثنائه يعطر سامعه أو المتكلم به المثني عليه، واقتصر على الفم لضيق المقام في مساعدة الوزن على عموم المتكلم دون تخصيص فيه، ويحتمل أنه أراد
(3/53)

بالتعطير تعميم السامع والمتكلم يزكون. أوهنا بمعين الواو فحسب، ومثل ذلك قد يجيء، ومنه قوله تعالى " وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون " - الصافات 147 - على رأي بعض المفسرين، فإنه وإن لم يكن محمد عليه، فان القائل يقول بذلك، ما احتج إلا بما يصح الاحتجاج به، وهو وقوع أو موقع الواو، وإذا تتبع ذلك وجد في الكلام الفصيح منه ما يكثر عدة، فيما نبهت عليه فائدة، وهي أنه لا يلزم من رد قوله: من احتج على علم بطلان حجته، بل يرد قوله لقيام دليل آخر على خلاف قوله، وإن كان احتجاجه صحيحاً في نفسه، وأشار في البيت الأول إلى ما كان يعتقده، ويدين به من عدم الذبح للحيوانات. وفي السنة المذكورة توفي أبو سعيد البجلي أحمد بن محمد بن عبد العزيز الرازي الحافظ. وفيها توفي أبو عبد الله الخبازي المقرىء النيسابوري. وكان كبير الشأن وافر الحرمة مجاب الدعوة. وفيها توفي أبو عثمان الصابوني شيخ الإسلام الواعظ المفسر، أحد الأعلام، شيخ خراسان. وفيها توفي أبو الفتح الكرخي الخيمي رأس الشيعة صاحب التصانيف. كان نحوياً لغوياً منجماً طبيباً متكلماً، من كبار أصحاب الشريف المرتضى.

سنة خمسين واربع مائة
فيها توفي الفقيه الكبير الإمام الشهير أبو الطيب طاهر بن عبد الله بن طاهر الطبري الشافعي. كان ديناً ورعاً عارفاً بالأصول والفروع، محققاً في علمه، سليم الصدر، حسن الخلق، صحيح المذهب، يقول الشعر. ومن شعره ما أرسل به بالغزالي لأبي العلاء المعري حين أتى بغداد:
وما ذات در لا يحل لحالب ... تناولها واللحم منها محلل
لمن شاء في الحالين حياً وميتاً ... ومن رام شرب الدر فهو مضلل
إذا طعنت في السن فاللحم طيب ... وآكله عند الجميع معقل
وخوف بها للأكل فيها كزازة ... فما لحضيض الرأي فيه مأكل
وما يجتبي معناه إلا مبزر ... عليم بأسرار القلوب محصل
فأجابه المعري مملياً على الرسول ارتجالاً:
جوابان عن هذا السؤال كلاهما ... صواب وبعض القائلين مضلل
فمن ظنه كرماً فليس بكاذب ... ومن ظنه نخلاً فليس يجهل
لحومهما الأعناب والرطب الذي ... هو الحبل والدر الرحيق المسلسل
(3/54)

ولكن ثمار النخل وهي غضيضة ... تراها وغض الكرم يجبى ويؤكل
يكلفني القاضي الجليل مسائلاً ... هي النجم قدراً بل أعز وأطول
فأجابه أبو الطيب:
أثار ضميري ناظماً من نظيره ... من الناس طراً شائع الفضل يكمل
ومن قبله كتب العلوم بأسرها ... وخاطره في جدة النار مشعل
تساوى له سر المعاني وجهرها ... ومعضلها باد لديه مفصل
فلما أثار الخبأ قاد منيعه ... أسيراً لأنواع البيان مكمل
وقربه من كل فهم بكشفه ... وإيضاحه حتى رآه المغفل
وأعجب منه نظمه الدر مسرعاً ... ومرتجلا من غير ما يتمهل
فيفخر من يجر ويسمو مكانه ... جلالاً له حيث الكواكب ينزل
فهنأه الله الكريم بفضله ... محاسنه جم وعمر مطول
فأجابه المعري مرتجلاً مملياً على الرسول:
ألأليها القاضي الذي بلهاته ... سيوف على أهل الخلاف تسلسل
فؤادك معمور من العلم أهله ... وجدك في كل المسائل مقبل
فإن كنت بين الناس غير ممول ... فأنت من الفهم المصون ممول
إذا أنت خاطبت الخصوم مجادلاً ... فأنت وهم حاكي الحمام وأجدل
كأنك من في الشافعي مخاطب ... ومن قلبه تملى فما تتمهل
وكيف بذي علم ابن ادريس دارساً ... وأنت بإيضاح الهدى متكفل
تفضلت حتى ضاق ذرعي بشكر ما ... فعلت وكفي عن جوابك أجهل
لأنك في كنه الثريا مصاحب ... وأعلى ومن يبغي مكانك أسفل
مع أبيات أخرى حذفتها اختصاراً آخرها:
تجهلت الدنيا بإنك فوقها ... ومثلك حقاً من به يتحمل
عاش القاضي أبو الطيب رحمه الله مائة وستين سنة. قلت وربما سمعت من بعض شيوخنا: وعشرين سنة، ولم يهن عظمه حتى حكى أنه أتى على نهر أو مكان يحتاج إلى طفرة كبيرة، فطفره، ثم قال: أعضاء حفظها الله تعالى في صغرها فقراها في كبرها، أو كما قال رضي الله تعالى عنه: وكذلك لم يحتل عقله ولا تغير
(3/55)

فهمه، يفتي ويستدرك على الفقهاء الخطأ ويقضي ببغداد، ويحضر المراكب في دار الخلاف، إلى أن مات. تفقه على أبي علي الزجاجي صاحب ابن القاضي في طبرستان وعلى أبي سعيد الإسماعيلي وأبي القاسم، تناكح بجرجان، ثم ارتحل إلى نيسابور، وأدرك أبا الحس، الماسرجسي، فصحبه أربع سنين، وتفقه عليه، ثم ارتحل إلى بغداد، وحضر مجلس الشيخ أبي حامد الأسفرائيني، وعليه اشتغل أبو إسحاق الشيرازي، وقال في حقه: لم أر فيمن رأيت أكمل اجتهاداً وأشد تحقيقاً وأجود نظراً منه، وشرح مختصر المزني وفروع ابن حداد المصري، وصنف في الأصول والمذهب والخلاف والجدل كتباً كثيرة. وقال الشيخ أبو إسحاق: لازمت مجلسه بضع عشر سنة، ودرست أصحابه في مسجده سنتين بإذنه، واستوطن ببغداد، وولي القضاء بربع الكرخي بعد موت عبد الله الصيمري، ولم ينزل على القضاء إلى حين وفاته رحمه الله تعالى. وفيها توفي الإمام النحرير الكبير، أقضى القضاة أبو الحسين علي بن محمد البصري الماوردي الشافعي، مصنف الحاوي الكبير النفيس الشهير والإقناع وأدب الدنيا والدين والأحكام السلطانية وقانون الوزارة وسياسة الملك وتفسير القرآن الكريم والقلب والعيون، وصنف في أصول الفقه والأدب وغير ذلك، وكان إماماً في الفقه والأصول والتفسير، بصيراً بالعربية، ولي قضاء بلاد كثيرة، ثم سكن بغداد، وعاش ستاً وثمانين سنة، تفقه على أبي القاسم الصيمري بالبصرة، وعلى الشيخ أبي حامد الأسفرائيني ببغداد، وحدث عن جماعة، وكان حافظاً للمذهب. درس العلوم. وروى عنه الخطيب صاحب تاريخ بغداد: وانتفع الناس به، وقيل إنه لم يظهر شيئاً من تصانيفه في حياته، وإنما جمع جميعاً في موضع، فلما دنت وفاته قال لشخص يتولاه: الكتب التي في المكان الفلاني كلها تصنيفي، وإنما لم أظهرها لأني لم أجد نية خالصة لله تعالى، فإذا عاينت الموت، ووقعت في النزع، فاجعل يدك في يدي، فإن قبضت عليها، وعصرتها، فاعلم أنه لم يقبل من سنن منها، فالقها في دجلة، وإن بسطت يدي ولم أقبض على يدك، فاعلم أنها قد قبلت، وقد ظفرت بما كنت أرجوه. ففعل الموصي ذلك، فبسط يده، ولم يقبضها على يده، فعلم أنها علامة القبول، فأظهر كتبه بعده. وذكر الخطيب في أول تاريخ بغداد عن الماوردي قال: كتب إلي أخي من البصرة وأنا ببغداد: طيب الهوى ببغداد يشوقني قدماً إليها، وإن علقت مقادير، فكيف صبري عنها الآن، إن جمعت طيب هوائين ممدود ومقصور. وقيل إنه لما خرج من بغداد راجعاً إلى
(3/56)

البصرة كان ينشد أبيات ابن الأحنف:
أقمنا كارهين لها فلما ... ألفناها خرجنا مكرهينا
وما حب البلاد بنا ولكن ... أمر العيش فرقة من هوينا
خرجت أقر ما كانت بعيني ... وخلفت القرار بها رهينا
والماوردي نسبة إلى الماورد، وعمره ست وثمانون سنة، رحمة الله عليه.

سنة احدى وخمسين واربع مائة
فيها توفي أبو المظفر عبد الله بن شبيب الضبي، مقرىء أصبهان وخطيبها وواعظها وشيخها وزاهدها.
سنة احدى وخمسين واربع مائة
فيها توفي شيخ لإقراء بمصر: محمد بن أحمد المقرىء بقزوين، أخذ عن طاهر ابن غلبون، وسمع
من أبي الطيب والد طاهر، وعبد الله الكلابي، وطائفة.

سنة ثلاث وخمسين واربع مائة
فيها توفي أبو العباس ابن نفيس شيخ القراء أحمد بن سعيد المصري. وفيها توفي نصر الدولة صاحب ديار بكر، أحمد بن مروان الكردي، ملك بعد أن قتل أخوه منصور بن مروان، وكان رجلاً مسعوداً على الهمة، حسن السياسة، كبير الحزم. وحكى بعض المؤرخين أن نصر الدولة المذكور لم يصادر في دولته أحداً سوى شخص واحد، وأنه لم تفته صلاة الصبح عن وقتها، مع انهماكه في اللذات، وإنه كان له ثلاثمائة وستون جارية، يخلو في كل ليلة من ليالي السنة بواحدة منهن، ثم لا يعود القربة إليها إلا في تلك الليلة من العام الثاني، وأنه قسم أوقاته، فمنها ما ينظر فيه مصالح دولته، ومنها ما يجتمع فيه بأهله والداب، ويصل إلى الدابة ويقضي أوطاره.

سنة أربع وخمسين واربع مائة
فيها بلغت دجلة إحدى أو عشرين ذراعاً وغرقت بغداد. وفيها انتصر المسلمون على الروم، وغنموا وسبوا حتى بيعت السرية الخبازة بمائة
(3/57)

درهم. وفيها توفي أبو نصر زهير بن الحسن الرضي، الفقيه الشافعي، مفتي خراسان، والإمام المقرىء الزاهد، أحد العلماء العاملين. قال أبو سعيد السمعاني: كان مقرئاً كثير التصانيف، حسن العيش، قانعاً منفرداً عن الناس، يسافر وحده، ويدخل البراري. سمع بمكة وبالري ونيسابور وبجرجان وبأصبهان وببغداد وبالبصرة وبالكوفة وبدمشق وبمصر وكان من أفراد الدهر. وفيها توفي القاضي أبو عبد الله محمد بن سلامة الفقيه الشافعي، قاضي الديار المصرية، القضاعي مصنف كتاب الشباب وكتاب مناقب الإمام الشافعي وكتاب الأنباء عن الأنبياء وتواريخ الخلفاء، قال ابن ماكولا: كان متفنناً في عدة علوم، لم أر بمصر من يجري مجراه. وذكر السمعاني في كتاب الذيل أنه حج الخطيب والقضاعي سنة خمس وأربعين وأربعمائة، فسمع الخطيب منه. وفيها توفي شرف الدولة ابن باديس بالموحدة قبل الألف ابن منصور الحميري الصنهاجي، صاحب إفريقية وما والاها من بلاد المغرب. وكان الحاكم صاحب مصر قد لقبه شرف الدولة، وسير له تشريفاً وسجلاً، وكان ملكاً جليلاً عالي الهمة، محباً لأهل العلم، كثير العطاء، وكان واسطة عقد بيته، ومدحه الشعراء وانتجعه الأدباء، وكانت حضرته محط ذوي الآمال. وكان مذهب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه بإفريقية أظهر المذاهب، فحمل أهل المغرب على التمسك بمذهب مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه وحسم مادة الخلاف في المذهب، واستمر الحال في ذلك إلى الآن، وقطع خطبة المستنصر بالله العبيدي، وخلع طاعته، وخطب الإمام للقائم بأمر الله خليفة بغداد، واستمر على ذلك. وأخبار المعز بن باديس كثيرة، وسيرته شهيرة، وله شعر قليل. وكان يوماً جالساً في مجلسه، وعنده جماعة من الأدباء، وبين يديه أترجة ذات أصابع، فأمرهم فيها شعراً، فقال ابن رشيق شعراً:
أترجة سبطة الأطباق ناعمة ... تلقى العيون بحسن غير منحوس
كأبما بسطت كفاً لخالقها ... تدعو لطول بقاء لابن باديس

سنة خمس وخمسين واربع مائة
فيها توفي أبو طالب محمد بن ميكائيل بن سلجوق بفتح السين المهملة وسكون اللام وبالقاف أول ملوك السلجوقية، كانوا يسكنون قبل استيلائهم على الممالك فيما وراء النهر، قريباً من بخارى، كانوا عدداً غير محصور، لا يدخلون تحت طاعة سلطان، فإذا قصدهم
(3/58)

جمع لا يقوون عليه دخلوا المفاوز، وتحضنوا بالرمال، وجرت لهم مع ولاة خراسان أمور يطول ذكرها وشرحها، وحاصل الأمر أنهم استظهروا على الولاة، وظفروا بهم، وملكوا البلاد، وكان ابتداء أمرهم في سنة تسع وعشرين وأربعمائة، وكان السلطان أبو طالب محمد المذكور كبيرهم، وإليه الأمر والنهي في السلطنة، وأخذ أخوه داود مدينة بل، واتسع لهم الملك، واقتسموا البلاد، وانحاز السلطان مسعود إلى غزنة ونواحيها، وكانوا يخطبون له في أول الأمر، فعظم شأنهم إلى أن راسلهم القائم بأمر الله وكان الرسول بينهم وبينه الماضي أبا الحسن علي بن حبيب الماوردي مصنف الحاوي الكبير في الفقه، وكان السلطان محمد المذكور حليماً محافظاً على الصلوات الخمس في أوقاتها جماعة، وكان يصوم الاثنين والخميس، ويكثر الصدقات، ويبني المساجد، ويقول استحي من الله تعالى أن أبني داراً لا أبني إلى جانبها مسجداً. ثم إنه تمهدت له البلاد، وملك العراق وبغداد، وسير إلى الإمام القائم يخطب إليه بنته، فشق على القائم، واستعفى منه، وترددت الرسل بينهما، فلم يجد من ذلك بداً، فزوجه بها، وعقد العقد بمدينة تبريز، ثم توجه إلى بغداد فلما دخلها طلب الزفاف، وحمل مائة ألف دينار برسم حمل القماش ونقله، فزفت إليه بدار المملكة، وجلست على سرير ملبس من ذهب، ودخل السلطان إليها، فقبل الأرض بين يديها، ولم يكشف البرقع عن وجهها في ذلك الوقت، وقدم لها تحفاً يقصر الوصف عن ضبطها، وقبل الأرض، وقدم وانصرف، فظهر عليه السرور. وبالجملة، فأخبار الدولة السلجوقية كثيرة ومقصودنا الاختصار وسنذكر جماعة من ملوكهم في السنين التي توفوا فيها إن شاء الله تعالى. وتوفي السلطان المذكور يوم الجمعة، ثامن عشر رمضان من السنة المذكورة. وذكر عنه السمعاني أنه قال: رأيت وأنا بخراسان في المنام، كأني رفعت إلى السماء وأنا في ضباب لا أبصر شيئاً، غير أني أشم رائحة طيبة، فنوديت: أنت قريب من الباري جلت قدرته فسل حاجتك تقض؛ فقلت في نفسي: أسألك طول العمر، فقيل: لك سبعون سنة، فقلت: يارب؛ لا يكفيني، فقيل: لك سبعون سنة. ولما حضرته الوفاة قال: إنما مثلي مثل شاة شدت قوائمها بحبل الصوف، فنظن أنها تذبح، فتضطرب، حتى إذا أطلقت تفرح، ثم تشد للذبح، فتظن أنها تشد بحبل الصوف للذبح فتسكن، فتذبح، وهذا المرض الذي أنا فيه هو شد القوائم للذبح. - فمات منه - رحمه الله تعالى وعمره سبعون سنة. وفيها توفي أبو طاهر أحمد بن محمود الثقفي الأصبهاني المؤدب. وكان صالحاً ثقة سنياً كثير الحديث.
(3/59)

سنة ست وخمسين واربع مائة
فيها قبض السلطان ألب أرسلان على الوزير عميد الملك الكندري، ثم قتله في آخر العام المذكور، وحمل رأسه إلى نيسابور، وكان قد جب مذاكيره لأمر، وتفرد بوزارته نظام الملك الطوسي، فأبطل ما كان عمله العميد وسلطانه من سب الأشعرية على المنابر، وانتصر للشافعية، وأكرم زين الإسلام أبا القاسم القشيري وإمام الحرمين أبا المعالي الجويني. وكان العميد المذكور من رجال الدهر جوداً وشجاعة وسخاء وكفاية وشهامة، مدحه الشعراء منهم: أبو الحسين الباخرزي ويقال متغزلاً في قصيدة:
اكدي بجاري ود كل قرين ... أم هذه شيم الظباء العين
قصوا علي حديث من قيد الهوى ... إن التأسي روح كل حزين
ولئن كتمتم مشفقين لقد درى ... بمصارع العذراء والمجنون
إلى أن قال بعد غزل طويل:
فإذا عميد الملك حلى ربعه ... طرفاً تعال الطائر الميمون
ملك إذا ما العزم حث جياده ... مزجت بأزهر شامخ العرنين
وفيها توفي الحافظ عبد العزيز بن محمد النخشبي، وكان من كبار الحفاظ. وفيها توفي أبو القاسم عبد الواحد بن علي بن برهان بفتح الموحدة العكبري النحوي، صاحب التصانيف. قال الخطيب: كان متضلعاً بعلوم كثيرة، منها النحو واللغة والنسب وأيام العرب والمتقدمين. وله أنس شديد بعلم الحديث. وكان فقيهاً حنفياً، أخذ علم الكلام عن أبي الحسين البصري، وتقدم فيه. وفيها توفي أبو علي الحسن بن رشيق، أحد الفضلاء، صاحب التصانيف المليحة والرسائل الفائقة والنظم الجليل. سكن القيروان ولم يزل إلى أن هجم العرب، وقتلوا أهلها، وأخربوها، فانتقل إلى جزيرة صقلية، وأقام بمارز إلى أن توفي بها، وهي قرية في الجزيرة المذكورة، وينسب الإمام المارزى إليها. ومن شعر ابن رشيق المذكور.
أحب أخي وإن أعرضت عنه ... وقل على مسامعه كلامي
ولي في وجهه تقطيب راض ... كما قطبت في وجه المدام
ورب تقطب من غير بغض ... وبغض كان من تحت ابتسامي
(3/60)

يا رب لا أقوى على دفع الأذى ... وبك أستغيث من الضعيف الموذي
ما لي بعثت إلي ألف بعوضة ... وبعثت واحدة إلى نمرود
وله:
وقائلة ماذا الشجون وذا الضنا ... فقلت لها قول المشوق المتيم
هواك أتاني وهو ضيف أعزه ... فأطعمته لحمي وأسقيته دمي
وفيها توفي الإمام العلامة أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري الأموي مولاهم، الفارسي الأصل، الاندلسي القرطبي، صاحب المصنفات. مات مشرداً عن بلده من قبل الدولة، وكان إليه المنتهى في الذكاء وحدة الذهن، وسعة العلم بالكتاب والسنة، والمذاهب والملل والنحل، والعربية والأدب، والمنطق والشعر، مع الصدق والديانة والحشمة، والسؤدد والرئاسة والثروة وكثرة الكتب، هكذا وصفه الذهبي بهذه الأوصاف. وقال ابن خلكان: كان حافظاً عالماً بعلوم الحديث وفقهه، مستنبطاً للأحكام من الكتاب والسنة بعد أن كان شافعي المذهب انتقل إلى مذهب أهل الظاهر، وكان متفنناً في علوم جمة عاملاً بعلمه زاهداً في الدنيا بعد الرئاسة التي كانت له، ولاية من قبله في الوزارة وتدبير الممالك، متواضعاً ذا فضائل جمة، وتواليف كثيرة، وسمع سماعاً جماً وألف في فقه الحديث كتاباً سماه الإيصال إلى فهم كتاب الخصال الجامعة لجمل شرائع الإسلام في الواجب والحلال والحرام والسنة والإجماع، أورد فيه أقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين، وكتب أخرى كثيرة منها كتاب اظهار تبديل اليهود والنصارى في التوراة والإنجيل وبيان تناقص ما بأيديهم من ذلك، ممن ما لا يحتمله التأويل. وهذا معنى لم يسبق إليه وكتاب التقريب بحد المنطق والمدخل أتى فيه بالأمثال العامة والأمثلة الفقهية، سلك في بيانه وإزالة سوء الظن عنه وتكذيب المحرفين به طريقة لم يسلكها أحد قبله. وكان شيخه في المنطق محمد بن الحسن المذحجي بسكون الذال المعجمة وكسر الحاء المهملة والجيم المعروف بابن الكتاني، وكان أديباً شاعراً طبيباً، له في الطب رسائل وكتب في الأدب. وقال الحافظ أبو عبد الله محمد بن فتوح الحميدي: ما رأينا مثله فهماً، اجتمع له مع الذكاء وسرعة الحفظ وكرم النفس واليدين، وما رأيت من يقول الشعر في البديهة وأسرع منه. ثم قال: أنشدني لنفسه:
لئن أصبحت مرتحلاً بجسمي ... فروحي عندكم أبداً مقيم
(3/61)

ولكن للعيان لطيف معنى ... بنظرتنا إلى وجه الكليم
وروى الحافظ الحميدي له أيضاً:
أقمنا ساعة ثم ارتحلنا ... وما يغني المشوق وقوف ساعه
كأن الشمل لم يك ذا اجتماع ... إذا ما شتت البين اجتماعه
ومن شعره أيضاً:
وذي عدل فيمن سيأتي حسنه ... يطبل ملامي في الهوى ويقول
أفي حسن وجه لاح لم تر غيره ... ولم تدر كيف الجسم أنت قتيل
فقلت له أسرفت في اللوم ظالماً ... وعندي رد لو أردت طويل
ألم تر أني ظاهري وأنني ... على ما بدا حتى يقوم دليل
قلت في قوله هذا مناقشة، وهي أن لا يكون الوجه الظاهر مستحيلاً في العقد كما في صفات الله في الاستواء والنزول إلى سماء الدنيا، وأن لا يكون مخالفاً للقياس الجلي، كما هو معلوم في التشنيع على داود الظاهري في تنجس الماء بالبول فيه، ولا يتنجس بالتغوط فيه. قالوا وكان كثير الوقوع في العلماء المتقذمين، لا يكاد أحد يسلم من لسانه، فنفرت عنه القلوب، واستهدف من فقهاء وقته، فتمالؤوا على بغضه، وردوا قوله، واجتمعوا على تضليله، وشنعوا عليه، وحذروا سلاطينهم من فتنته، ونهوا عوامهم عن الدنو إليه والأخذ عنه، فاقتصته الملوك، وشردوه عن بلادهم حتى انتهى إلى بادية فمات بها. وقال أبو العبالس بن العريف: كان لسان ابن حزم وسيف الحجاج بن يوسف شقيقين، يعني بذلك كثرة وقوعه في الأئمة، كما قد عرف من صنيع الحجاج بهم وسفكه لدمائهم. وكان والد ابن حزم المذكور وزير الدولة العامرية أي وزير أبي تمام المنصور في بلاد المغرب، وكان من أهل العلم والأدب والخير، وقال ولد ابن حزم: أنشدني والدي في بعض وصاياه لي رحمه الله تعالى.
إذا شئت أن تحبني غنياً فلا تكن ... على حالة إلا رضيت بدونها

سنة سبع وخمسين واربع مائة
فيها توفي العيار سعيد بن أبي سعيد وأبو عثمان أحمد بن محمد النيسابوري.

سنة ثمان وخمسين واربع مائة
فيها ولدت بنت لها رأسان ورقبتان ووجهان على بدن واحد ببغداد.
(3/62)

وفيها توفي الإمام الكبير الحافظ النحرير أحمد بن الحسين البيهقي الفقيه الشافعي، واحد زمانه وفرد أقرانه في الفنون، من كبار أصحاب الحاكم أبي عبد الله بن البيع في الحديث الزائد عليه في أنواع العلوم، له مناقب شهيرة وتصانيف كثيرة بلغت ألف جزء، نفع الله تعالى بها المسلمين شرقاً وغرباً وعجماً وعرباً، لفضله وجلالته وإتقانه وديانته تغمده الله برحمته غلب عليه الحديث، واشتهر به، ورحل في طلبه إلى العراق والجبال والحجاز، وسمع بخراسان من علماء عصره، وكذلك بقية البلاد التي انتهى إليها، وأخذ الفقه عن أبي الفتح ناصر بن محمد العمري المروزي، وهو أول من جمع نصوص الشافعي في عشر مجلدات. ومن مشهور مصنفاته السنن الكبير والسنن الصغير ودلائل النبوة والسنن والآثار والخلافيات وهو من الكتب الباهرة وشعب الايمان ومناقب الإمام الشافعي ومناقب الإمام احمد والأسماء والصفات والبعث والنشور وكتاب الاعتقاد وكتاب الدعوات وكتاب الزهد وكتاب المدخل وكتاب الآداب وكتاب الترغيب وكتاب الأسرار. قال الشيخ الإمام عبد الغافر الفارسي: كان على سيرة العلماء قانعاً باليسير من الدنيا، محموداً في زهده وورعه. وذكر غيره أنه سرد الصوم ثلاثين سنة، وذكر بعضهم أن مشايخه نحو المائة، قال وليسوا بالنسبة إلى علومه بكثير ولكن بورك للرجل في ذلك، لكنه سمع مصنفات عديدة، ومع هذا فاته أشياء منها: مسند الإمام. هكذا قال في الأصل، وكأنه يعني الإمام أحمد. ومنها سنن النسائي وابن ماجة وجامع الترمذي، كل هذه ليست عنده إلا ما قل منها، وقال إمام الحرمين في حقه: ما من شافعي المذهب إلا وللشافعي عليه منة إلا أحمد البيهقي، فإن له على الشافعي منة، فإنه كان أكثر الناس نصراً لمذهب الشافعي. وطلب إلى نيسابور لنشر العلم، فأجاب، وانتقل إليها، وكان على سيرة السلف، وأخذ عنه الحديث جماعة من الأعيان كالفراوي وعبد المنعم القشيري وزاهر وغيرهم. وكان مولده في شعبان سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، ونسبته إلى بيهق بفتح الموحدة وسكون المثناة من تحت وبعد الهاء المفتوحة قاف وهي قرى مجتمعة بنواحي نيسابور على عشرين فرسخاً منها. وفيها توفي الفقيه الإمام القاضي أبو عاصم محمد بن محمد بن أحمد العبادي الهروي الشافعي، وكان إماماً متقناً، انتقل في البلاد، ولقي خلقاً من المشايخ وأخذ عنهم، وصنف كتباً نافعة، منها المبسوط والهادي إلى مذهب العلماء والرد على السمعاني وأدب القضاء وطبقات الفقهاء، وسمع الحديث ورواه. فيها توفي القاضي أبو يعلى شيخ الحنابلة البغدادي فقيه عصره في مذهبه.
(3/63)

وفيها توفي ابن سيدة أبو الحسن علي بن اسماعيل الحافظ، كان إماماً في اللغة والعربية، وكان حافظاً لهما، وله كتاب المحكم والمخصص، كلاهما في اللغة، وكتاب الأنيق ستة مجلدات في شرح الحماسة، وغير ذلك. ووجد على ظهره مجلد من المحكم بخط بعض الفضلاء: إن ابن سيدة دخل المتوضي وهو صحيح، فأخرج منه وقد سقط لسانه، وانقطع كلامه، ثم مات بعد يومين نسأل الله تعالى العفو والعافية.

سنة تسع وخمسين واربع مائة
في ذي القعدة منها فرغت عمارة المدرسة النظامية التي أنشأها الوزير نظام الملك، وقرر لتدريسها الشيخ أبا إسحاق الشيرازي، فاجتمع الناس، ولم يحضر، إذ لقيه في الطريق صبي وقال: كيف تدرس في مكان مغصوب؟ فرجع، واختفى. فلما أيسوا من حضوره وقد اجتمع فيها وجوه الناس وقالوا: إما ينبغي أن ينصرف هذا الجمع من غير تدريس. فأرسل إلى أبي نصر الصباغ مصنف الشامل فدرس. فلما وصل الخبر إلى الوزير أقام القيامة على العميد أبي سعيد، فلم يزل يرفق بالشيخ أبي إسحاق حتى درس، وعمد إلى قبر الإمام الأعظم أبي حنيفة الكوفي رضي الله تعالى عنه فبنى عليه قبة عظيمة، وأنفق عليها أموالاً جسيمه. وفي السنة المذكورة توفي أبو نصر أحمد بن عبد الباقر الموصلي، وأبو مسلم الأصبهاني الأديب المفسر المقرىء.

سنة ستين واربع مائة
فيها أوقبلها كان غلاء عظيم بمصر. وفيها كانت الزلزلة التي هلك فيها بالرملة وحدها على ما ذكر ابن الأثير خمسة وعشرون ألفاً، وقال: انشقت الصخرة ببيت المقدس، وعادت بإذن الله تعالى، وأبعد الله سبحانه البحر عن ساحله مسيرة يوم. وفيها توفي عبد الدائم بن الهلال الجوزاني ثم الدمشقي، والواسطي أبو الجوائز الحسن بن علي الكاتب. كان من الفضلاء أديباً شاعراً حسن الشعر، ومن شعره:
دع الناس طراً واصرف الود عنهم ... إذا كنت في أخلاقهم لا تسامح
ولا تبغ من دهر بظاهر ريقة ... صفاء بنيه في الطباع جوامح
(3/64)

شيئان معدومان في الأرض: درهم ... حلال وخل في الحقيقة ناصح
وله:
وبراني الهوى بري المدى وأذا بني ... صدودك حتى صرت أنحل من أمس
ولست أرى حتى أراك وإنما ... يبين هباء الذر في ألق الشمس

سنة احدى وستين واربع مائة
فيها توفي الفوراني بالنون قبل ياء النسبة عبد الرحمن بن محمد بن فوران المروزي، شيخ الشافعية وتلميذ القفال صاحب التصانيف الكثيرة في الأصول والمذهب والخلاف والجدل والملل والخل. انتهت إليه رئاسة الطائفة الشافعية، وطبق الأرض بالتلامذة، وله في المذهب الوجوه الجيدة، وصنف فيه كتاب الإبانة وهو كتاب مفيد، وحكى بعض فضلاء المذهب أن إمام الحرمين كان يحضر حلقته وهو شاب ولا يصغي إلى قوله، فبقي في نفسه منه شيء، فمتى قال في النهاية، وقال بعض المصنفين كذا وغلط في كذا، فمراده الفوراني، هكذا قيل والله أعلم وهو بضم الفاء وسكون الواو وبالراء قبل الألف وبعدها نون ثم ياء النسبة وعنه أخذ أبو الحسن المتولي صاحب اليتيمة. وفيها توفي عبد الرحمن بن أحمد البخاري الحافظ. وأبو الحسين محمد بن مكي الأزدي المصري، وأبو الحسين نصر بن عبد العزيز الفارسي الشيرازي.

سنة اثنتين وستين وأربع مائة
فيها: أقبلت جيوش الروم، فنزلوا على منبج فاستباحوها، وأسرعوا الكرة لفرط القحط حتى بيع فيهم رطل الخبز بدينار. وفيها أقيمت الخطبة العباسية في الحجاز، وقطعت خطبة المصريين لاشتغالهم بما هم فيه من القحط والوباء الذي لم يسمع في الدهور بمتله، وكاد الخراب يستولي على وادي مصر، حتى نقل صاحب مرآة الزمان أن امرأة خرجت وبيدها مد جوهر فقالت: من يأخذه بمدبر؟ فلم يلتفت إليها أحد، فألقته في الطريق، وقالت: هذا ما نفعني وقت الحاجة فلا أريده، فلم يلتفت إليه أحد. هكذا ذكروا لله تعالى أعلم بصحته ولما جاءت الشارة بإقامة الدعوة للعباسيين بمكة أرسل السلطان ألب أرسلان إلى صاحبها محمد بن أبي هاشم ثلاثين
(3/65)

ألف دينار وخلعاً. وفيها توفي الإمام الكبير الفقيه الشهير القاضي حسين بن محمد المروزي، شيخ الشافعية في زمانه، صاحب التعليقة في الفقه، والوجوه الغريبة، أخذ عنه الفقه عن الإمام أبي بكر القفال المروزي، وصنف في الأصول والفروع والخلاف، ولم يزل يحكم بين الناس، ويدرس، ويفتي، أخذ عنه الفقه جماعة من الأعيان، منهم أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي صاحب كتاب التهذيب، وشرح السنة وغيرهما، قلت: كلما أطلق العلماء الشافعية في الفروع من لفظ القاضي فالمراد به القاضي حسين المذكور. واما في الأصول إذا أطلق ذلك أهل السنة فالمراد به القاضي أبو بكر الباقلاني، وإذا قالوا: القاضيان، فالمراد بهما: هو والقاضي عبد الجبار المعتزلي، وإذا أطلقوا الشيخ، فالمراد به أبو الحسن القشيري وعند الفقهاء المراد به الشيخ أبو محمد الجويني وإذا أطلقوا الإمام، فالمراد به عند الفقهاء وبعض الأصوليين إمام الحرمين. وأكثر الأصوليين يريدون به فخر الدين الرازي.
وفيها توفي الإمام اللغوي أبو غالب بن بشران الواسطي الحنفي، ويعرف بابن الخالة. وفيها توفي السيد الجليل الفقه الإمام أبو عبد الله محمد بن عتاب بفتح العين المهملة وتشديد المثناة من فوق وبعد الألف موحدة الحراني مولاهم المالكي، مفتي قرطبة، وعالمها ومحدثها وأورعها.

سنة ثلاث وستين واربع مائة
فيها أقام صاحب حلب محمود بن صالح الكلابي الخطبة العباسية، ولبس الخطيب السواد وأخذت رعاع الرافضة حضر الجامع وقالوا: هذه حصر الإمام علي، فليأت أبو بكر بحصره، وجاءت محموداً الخلع مع طراد الذهب، ثم بعد قليل جاء السلطان ألب أرسلان وحاصر محموداً، فخرجت أمه بتقاديم وتحف فترحل عنهم.
(3/66)

وفيها كانت الملحمة الكبرى، وخرج أرمانوس في مائتي ألف من الفرنج والروم والكرج بالجيم فوصلوا إلى منازكرد فبلغ السلطان كثرتهم، وما عنده سوى خمسة عسر ألف فارس، فصبحهم على الملتقى وقال: إن استشهدت فإنني ملك شاه ولى عهدي. فلما التقى الجمعان أرسل بطلب المهادنة، فقال طاغية الروم: لا هدنة إلا بالري، فاحتد ألب أرسلان وجرى المصاف يوم الجمعة والخطباء على المنابر ونزل السلطان وعفر وجهه قي التراب، وبكى وتضرع، ثم ركب، وحمل فصار المسلمون في وسط القوم، وصدقوا فنزل النصر، وقتلوا الروم كيف شاؤوا، وانهزمت الروم، وامتلأت الأرض بالقتلى، وأسر أرمانوس، فأحضر إلى السلطان، فضربه ثلاث مقارع بيده، وقال: ألم أرسل إليك في الهدنة فأبيت؟ فقال: دعني من التوبيخ، وافعل ما تريد. قال: ما كنت تفعل بي لو أسرتني؟ قال: فما كنت تظن أن أفعل بك؟ قال: إما أن تقتلني وإما أن تشهرني في بلادك، وأبعدها العفو، قال: ما عزمت على غير هذه، ثم فدى نفسه بألف ألف وخمس مائه ألف دينار، وبكل أسير في مملكته، فخلع عليه، وأطلق له عدة من البطارقة، وهادنه خمسين سنة، وشيعه فرسخاً، وأعطاه عشرة آلاف دينار برسم الطريق، فقال: أين جهة الخليفة؟ فعرفوه، فكشف رأسه، وأومى إلى الجهة بالخدمة. وأما المنهزمون ففقدوهم، ولما وصل هذا الخبر إلى أطراف بلده ترهب، وتزهد، وجمع ما أمكنه وكان مائتين وتسعين ألف دينار، فأرسله، وحلف أنه لا يقدر غيره، ثم إنه استولى على بلاد الأرمن. وفي السنة المذكورة سار بعض أمراء الملك ألب أرسلان، فدخل الشام وافتتح الرملة، وأخذها من المصريين، وحاصر بيت المقدس فأخذه منهم، ثم حاصر دمشق، وأغارت عسكره، وأخربوا أعمال دمشق. وفيها توفي أبو حامد الأزهري أحمد بن الحسن النيسابوري، والحافظ أحد الأئمة صاحب التآليف المنتشرة في الإسلام أبو بكر الخطيب أحمد بن علي بن ثابت البغدادي. روى عن أبي عمر بن مهدي وابن الصلت الأهوازي وطبقتهما، ورحل إلى البصرة ونيسابور وأصبهان ودمشق والكوفة والري، وصنف قريباً من مائة مصنف، وفضله أشهر من أن يوصف، وأخذ الفقه عن أبي الحسين المحاملي والقاضي أبي الطيب الطبري. وكان فقيهاً نقلت عليه الحديث والتاريخ، توفي يوم الاثنين سابع ذي الحجة. وقال السمعاني: في
(3/67)

شوال. وكان الشيخ ابو إسحاق الشيرازي من جملة من حمل نعشه، وكان يراجعه في تصانيفه قلت يعني فيما يتعلق بالحديث، وذكر محب الدين النجار بسنده أن أبا بكر بن زهر الصوفي كان قد أعد لنفسه قبراً إلى جانب قبر بشر الحافي، وكان يمضي إليه في كل أسبوع مرة، وينام فيه ويقرأ فيه القرآن كله، فلما مات الفقيه الخطيب وكان قد أوصى أن يدفن إلى جانب قبر بشر جاء أصحاب الخطيب إلى ابن زهر، وسألوه أن يدفن الخطيب في القبر الذي أعده لنفسه، وأن يؤثره به، فامتنع من ذلك امتناعاً شديداً وقال: أعددته لنفسي منذ سنتين فيؤخذ مني؟ فلما رأوا ذلك جاؤوا إلى الشيخ أبي سعيد الصوفي، وذكروا له ذلك، فاستحضره وقال له: أنا لا أقول اعطهم القبر، ولكن أقول لو أن بشراً الحافي في الأحياء، وأنت إلى جانبه، فجاء أبو بكر الخطيب ويقعد دونك، أكان يحسن منك أن تقعد أعلى منه؟ قال: لا، بل كنت أقوم وأجلسه في مكاني. قال: فكذا ينبغي أن يكون الآن. قال: فطاب قلبه، وأذن لهم في دفنه في القبر المذكور في باب حرب. وكان الخطيب قد تصدق بجميع ماله وهو مائتا دينار، وفرقها على أرباب الحديث والفقهاء والفقراء في مرضه، وأوصى أن يتصدق عنه بجميع ما عليه من الثياب، ووقف جميع كتبه على المسلمين، ولم يكن له عقب. ورأيت له منامات صالحة بعد موته، وكان قد انتهى إليه علم الحديث وحفظه. قال ابن موكولا: لم يكن للبغداديين بعد الدارقطني مثل الخطيب. وفيها توفي أبو علي حسان بن سعيد رئيس مرو الروذ الذي عم خراسان بره وأفضاله، وكان يكسي في كل عام ألف نفس، وأنشأ الجامع المنيع. وفيها توفي أبو عمرو المنبجي الهروي المحدث كان ثقة صالحاً. وفيها توفيت أم الكرام كريمة أحمد
المروزية المجاورة بمكة. روت الصحيح، وكانت ذات ضبط وفهم ونباهة، وما تزوجت قط، وقيل إنها بلغت المائة، وسمع منها خلق، وفيها توفي أبو الغنائم الزجاجي البغدادي. وفيها توفي الحافظ أبو عمر بن عبد البر القرطبي، أحد الأعلام، وصاحب التصانيف وعمره خمس وتسعون سنة وخمسة أيام قيل: وليس لأهل المغرب أحفظ منه مع الثقة والدين والنزاهة والتبحر في الفقه والعربية والأخبار. وله من التصانيف كتاب التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد وكتاب الاستدراك لمذاهب علماء الأمصار فيما تضمنه الموطأ من المعاني والرأي والآثار. وكتاب الاستيعاب في اسماء الصحابة النجاب وكتاب جامع بيان العلم وفصله وما ينبغي في روايته وحمله وكتاب الدرر في اختصار المغازي والسير وكتاب العقل والعقلاء وما جاء في أوصافهم، وكتاب بهجة المحاسن في أنس المجالس وكتاب صغير في قبائل العرب وأنسابهم، وغير ذلك. وكان له بسطة كبيرة في علم النسب، مع ما تقدم من الفقه والأخبار والعربية. روزية المجاورة بمكة. روت الصحيح، وكانت ذات ضبط وفهم ونباهة، وما تزوجت قط، وقيل إنها بلغت المائة، وسمع منها خلق، وفيها توفي أبو الغنائم الزجاجي البغدادي. وفيها توفي الحافظ أبو عمر بن عبد البر القرطبي، أحد الأعلام، وصاحب التصانيف وعمره خمس وتسعون سنة وخمسة أيام قيل: وليس لأهل المغرب أحفظ منه مع الثقة والدين والنزاهة والتبحر في الفقه والعربية والأخبار. وله من التصانيف كتاب التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد وكتاب الاستدراك لمذاهب علماء الأمصار فيما تضمنه الموطأ من المعاني والرأي والآثار. وكتاب الاستيعاب في اسماء الصحابة النجاب
(3/68)

وكتاب جامع بيان العلم وفصله وما ينبغي في روايته وحمله وكتاب الدرر في اختصار المغازي والسير وكتاب العقل والعقلاء وما جاء في أوصافهم، وكتاب بهجة المحاسن في أنس المجالس وكتاب صغير في قبائل العرب وأنسابهم، وغير ذلك. وكان له بسطة كبيرة في علم النسب، مع ما تقدم من الفقه والأخبار والعربية.

سنة اربع وستين واربع مائة
فيها توفي أبو الحسن جابر بن نصر البغدادي العطار والمعتضد بالله عباد ابن القاضي محمد بن اسماعيل اللخمي صاحب إشبيلية، ولي بعد أبيه، وكان شهماً مقداماً صارماً، قتل جماعة وصاد آخرين، ودانت له الملوك. وفيها توفي ابن حيدة بكر بن محمد النيسابوري.

سنة خمس وستين واربع مائة
فيها قتل ألب أرسلا، وتسلطن ابنه ملكشاه، وفيها افترق الجيش، واقتلوا فقتل نحو الأربعين ألفاً، ثم التقوا مرة ثانية، وكثر القتل في العبيد، وانتصر الأتراك، وضعف المستنصر، وأنفق خزائنه في رضائهم، وغلب العبيد على السعيد، ثم جرت لهم وقعات، وعاد الغلاء المفرط والوباء، ونهب الجند دور العامة. قال ابن الأثير: اشتد البلاء والوباء حتى إن أهل البيت كانوا يمولون في ليلة، وحتى حكي أن امرأة أكلت رغيفاً بألف دينار، باعت عروضاً لها قيمة ألف دينار، واشترت بها حملة قمح، وحمله الحمال على ظهره، فنهبت الحملة، فنهبت المرأة مع الناس، فحصل لها رغيف واحد. وفيها توفي السلطان الكبير عضد الدولة أبو شجاع: ألب أرسلان ابن الملك داود بن ميكائيل بن سلجوق بفتح السين المهملة وضم الجيم بين الواو واللام، أول من قيل له السلطان على منابر بغداد. وكان فى آخر دولته من أعدل الناس، وأحسنهم سيرة، وأرغبهم في الجهاد وفي نصر الإسلام، ثم عبر نهر جيحون ومعه نحو مائتي ألف فارس، وقيل إنه لم يعبر الفرات في قديم الزمان ولا في حديثه في الإسلام ملك تركي قبل ألب أرسلان، فإنه أول من عبرها من ملوك الترك، فأتى بمتولي قلعة يقال له يوسف الخو ارزمي، فأمر أن يشد
(3/69)

بأربعة أوتاد، فقال: يا مخنث، مثلي يقتل هكذا؟ فغضب السلطان، فأخذ القوس والنشاب فقال: خلوه، فرماه، فأخطأه وكان قل أن يخطىء فشد يوسف عليه، فنزل السلطان، فأخذ القوس والنشاب فقال: خلوه عن السرير، فعثر، فبرك عليه يوسف، وضربه بسكين معه في خاصرته، فشد مملوك على يوسف فقتله، ثم مات السلطان من ذلك، وكان أهل سمرقند قد خافوه، وابتهلوا إلى الله تعالى وفروا إليه ليكفيهم أمر ألب أرسلان، فكفاهم. وفيها توفي أبو الغنائم عبد الصمد بن علي الماسع، سمع جده أبا الفضل ابن المأمون الدارقطني وجماعة. قال أبو سعيد السمعاني: كان ثقة نبيلاً مهيباً تعلوه سكينة ووقار، رحمه الله. وفيها توفي الأستاذ الكبير العارف بالله الشهير السيد الجليل الإمام، جامع الفضائل والمحاسن زين الإسلام أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري النيسابوري الصوفي شيخ خراسان، وأستاذ الجماعة، ومصنف الرسالة. قال أبو سعيد السمعاني: لم ير أبو القاسم مثل نفسه في كماله وبراعته، كان علامة في الفقه والتفسير والحديث والأصول والشعر والأدب والكتابة وعلم التصوف، جمع بين الشريعة والحقيقة، أصله من ناحية اسنوا، من العرب الذين قدموا خراسان. توفي أبوه وهو صغير، فتعلم الأدب، وحضر مجلس الأستاذ ابي علي الدقاق وكان إمام وقته فلما سمع كلامه أعجبه، ووقع في قلبه، فسلك طريق الإرادة، فقبله الدقاق، وأقبل عليه، وتفرس فيه النجابة، فجذبه بهمته، وأشار عليه بالاشتغال بالعلم، فخرج إلى درس محمد بن أبي بكر الطوسي، وشرع في الفقه حتى فرغ من تعليقه، ثم اختلف إلى الأستاذ أبي بكر بن فورك، فقرأ عليه حتى أتقن علم الأصول، ثم تردد إلى الأستاذ أبي إسحاق الاسفرائيني، وقعد ليسمع درسه أياماً، فقال الأستاذ: هذا العلم لا يحصل بالسماع، ولا بد من الضبط بالكتابة، فأعاد عليه جميع ما سمع منه في تلك الأيام، فعجب منه، وعرف محله، فأكرمه وقال له: ما تحتاج إلى درس، بل يكفيك أن تطالع مصنفاتي. فقعد، وجمع بين طريقته وطريقة ابن فورك، ثم نظر في كتب القاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني، وهو مع ذلك يحضر مجلس الأستاذ ابي علي الدقاق، وزوجه ابنته مع كثرة أقاربها، وبعد وفاة أبي علي سلك مسلك المجاهدة والتجريد، وأخذ في التصنيف، فصنف التفسير الكبير، وسقاه التيسير في علم التفسير وهو من أجود التفاسير، وصنف الرسالة في رجال الطريقة، وخرج إلى الحج في رفقة فيها الإمام أبو محمد الجويني وإمام الحرمين والإمام الحافظ أحمد بن الحسين البيهقي، وجماعة من المشاهير وسمع منهم الحديث في بغداد والحجاز، وكان له في الفروسية واستعمال السلاح الباع الطويل،
(3/70)

والبراعة البالغة. وأما مجلس الوعظ والتذكير فهو إمامها المنفرد بها، عقد لنفسه مجلس الإملاء في الحديث. وذكره صاحب: كتاب دمية القصر، وبالغ في الثناء عليه حتى قال في مبالغته: لو قرع الصخر بسوط تخويفه لذاب، ولو ربط إبليس في مجلسه لناب. وذكره الخطيب في تاريخه وقال: كان حسن الموعظة، مليح الإشارة، يعرف الأصول على مذهب الأشعري، والفروع على مذهب الشافعي. وذكره الشيخ
الإمام عبد الغافر في تاريخه فقال: عبد الكريم بن هوازن أبو القاسم القشيري الإمام مطلقاً، الفقيه المتكلم الأصولي، المفسر الأديب النحوي، الكاتب الشاعر، لسان عصره وسيد وقته، ونصر الله بين خلقه، شيخ المشايخ وأستاذ الجماعة، ومقذم الطائفة ومقصود سالكي الطريقة، وبندار الحقيقة وعين السعادة، وقطب السيادة وحقيقة الملاحة، لم ير مثل نفسه في كماله وبراعته، وجمع بين علم الشريعة والحقيقة. وذكر الخطيب سماعه من جماعة كثيرين من الأكابر: كأبي نعيم والحاكم والخفاف والسلمي وابن فورك وأشباههم. قلت: وقد ذكرت عن الإمام الحافظ ابن عساكر في كتابي الشاش المعلم محاسن كثيرة وقضايا شهيرة، وحذفتها هناك. وقال أبو عبد الله محمد بن الفضل الفراوي: أنشدنا عبد الكريم بن هوازن لنفسه: لإمام عبد الغافر في تاريخه فقال: عبد الكريم بن هوازن أبو القاسم القشيري الإمام مطلقاً، الفقيه المتكلم الأصولي، المفسر الأديب النحوي، الكاتب الشاعر، لسان عصره وسيد وقته، ونصر الله بين خلقه، شيخ المشايخ وأستاذ الجماعة، ومقذم الطائفة ومقصود سالكي الطريقة، وبندار الحقيقة وعين السعادة، وقطب السيادة وحقيقة الملاحة، لم ير مثل نفسه في كماله وبراعته، وجمع بين علم الشريعة والحقيقة. وذكر الخطيب سماعه من جماعة كثيرين من الأكابر: كأبي نعيم والحاكم والخفاف والسلمي وابن فورك وأشباههم. قلت: وقد ذكرت عن الإمام الحافظ ابن عساكر في كتابي الشاش المعلم محاسن كثيرة وقضايا شهيرة، وحذفتها هناك. وقال أبو عبد الله محمد بن الفضل الفراوي: أنشدنا عبد الكريم بن هوازن لنفسه:
سقى الله وقتاً كنت أخلو بوجهكم ... وثغر الهوى في روضة الأنس ضاحك
قمنا زماناً والعيون قريرة ... وأصبحت يوماً والعيون سوافك
ومما أنشده في رسالته المشهورة.
ومن كان في طول الهوى ذاق سلوة ... فإني من ليلى لها غير ذائق
وأكثر شيء نبته من وصالها ... أماني لم تصدق كلمحة بارق
وكان ولده أبو نصر عبد الرحيم إماماً كبيراً، أشبه أباه في علومه ومجالسه، ثم واظب دروس إمام الحرمين أبي المعالي، حتى حصل طريقته في المذهب والخلاف، ثم خرج إلى الحج، فوصل إلى بغداد، وعقد بها مجلس وعظ، وحصل له قبول عظيم، وحضر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي مجلسه، وأطبق علماء بغداد على أنه لم ير مثله. قلت: وسيأتي ذكر شيء من محاسنه وسيرته في ترجمته إن شاء الله تعالى.
(3/71)

وفي السنة المذكورة توفي الخطيب أبو الحسين محمد بن عل، المنتسب إلى المهتدي بالله. كان سيد بني العباس في زمانه وشيخهم، نبيلاً صالحاً متقبلاً، يقال له راهب بني العباس لدينه وعبادته وسرده الصوم. عاش خمساً وتسعين سنة. وفيها توفي أبو القاسم الهذلي يوسف بن علي المتكلم المقرىء النحوي، صاحب كتاب الكامل في القراءات. كان كثير الترحال، حتى وصل إلى بلاد الترك في طلب القراءات المشهورة والشاذة.

سنة ست وستين واربع مائة
فيها كان الغرق الكثير ببغداد، فهلك خلق تحت الردم، وأقيمت الجمعة في الطيار على ظهر الما، وكان الموج كالجبإل، وغرق بالكلية بعض المحال، وبقيت كأن لم يكن، وقيل: بلغ ارتفاع الماء ثلاثين ذراعاً. وفيها توفي ركن الدولة الحسن بن بويه الديلمي، صاحب أصفهان والري وهمدان وجميع العراق، وهو والد عضد الدولة ومؤيد الدولة وفخر الدولة، وأخو معز الدولة. وكان ملكاً جليل القدر عالي الهمة. وكان أبو الفضل بن العميدي وزيره، والصاحب بن عباد وزير ولده مؤيد الدولة قالوا: وكان مسعوداً ورزق السعادة في أولاده الثلاثة، وقسم عليهم الممالك، فقاموا بها أحسن قيام، وكان أوسط إخوته قبله عماد الدولة، وبعده معن الدولة. وفيها توفي أبو سهل الحفصي محمد بن أحمد المروزي، راوي الصحيح عن الكشميهني. كان رجلاً أميناً مباركاً، سمع منه نظام الملك فأكرمه، وأجزل صلته. وفيها توفي الحافظ أبو محمد الكتاني عبد العزيز بن أحمد التميمي الدمشقي الصوفي. والحافظ أبو بكر بن العطار محمد بن ابراهيم الأصفهاني والفقيه أبو المكارم محمد بن سلطان الغنوي الدمشقي الفرضي. ويعقوب بن أحمد الصيرفي النيسابوري.

سنة سبع وستين واربع مائة
فيها أخذ المستنصر الديار المصرية والإسكندرية ودمياط وبلاد الصعيد. وكان قد استضع، وأخذ منه جميع ذلك في سنة خمس، فعاد إليه جميع ما أخذ منه، ثم أخذ يعمر البلاد وأطلق الفلاحين من الكلف، ثم بعث الهدايا إلى صاحب مكة، فأعاد خطبة المستنصر
(3/72)

بعد أن كان قد خطب للقائم بأمر الله أعواماً. وفيها عمل السلطان ملك شاه الرصد، وأنفق عليه أموالاً عظيمة.
وفيها توفي محدث الأندلس أبو عمرو بن الحذاء أحمد بن محمد القرطبي. والقائم بأمر الله أبو جعفر عبد الله بن القادر بالله. ومدة خلافته أربع وأربعون سنة وأشهر، وكان ورعاً ديناً كثير الصدقة، وله علم وفضل، من خير الخلائق، لا سيما بعد عوده إلى الخلافة، وبويع حفيده المقتدي بأمر الله عبد الله بن محمد القائم. وفيها توفي جمال الإسلام أبو الحسن الدراوردي عبد الرحمن بن محمد بن مظفر البوشنجي، شيخ خراسان علماً وفضلاً وجلالة وسنداً. تفقه على القفال المروزي وأبي الطيب الصعلوكي وأبي حامد الاسفرائيني، وروى الكثير عن أبي محمد بن حمويه. وفيها توفي أبو الحسن الباخرزي بالموحدة والخاء المعجمة بعد الألف وبعده راء ثم زاي الرئيس الأديب علي بن الحسن، مؤلف كتاب دمية القصر. وكان رأساً في الكتابة والإنشاء والشعر، وأوحد عصره في فصله وذهنه، سابقاً إلى حيازة قصبات السبق في نظمه ونثره، وكان في شبابه مشتغلاً بالفقه على مذهب الإمام الشافعي، ملازماً درس أبي محمد الجوني، ثم شرع في فن الكتابة، وارتفعت به الأحوال، وانخفضت، ورأى من الدهر العجائب، وغلب أدبه على فقهه، وعمل الشعر والحديث، وصنف كتاب دمية القصر وعصرة أهل العصر وهو ذيل يتيمة الدهر التي للثعالبي، جمع فيها خلقاً كثيراً، وله ديوان شعر في مجلد كبير. ومن نظمه:
يا فالق الصبح من لا غرته ... وجاعل الليل في أصداغه سكنا
بصورة الوثن استعبدتني وبها ... قيدتني وقديماً هيجت لي شجنا
لا عز إن أحرقت نار الهوى كبدي ... فالنار حق على من يعبد الوثنا
والأمير عز الدولة محمود بن نصر بن صالح الكلابي صاحب حلب، ملكها عشرة أعوام، وكان شيخاً فارساً جواداً ممدوحاً، يداري المصريين والعباسيين، أوسط داره بينهما، ولي بعده ابنه نصر، فقتله بعض الأتراك بعد سنة.
(3/73)

سنة ثمان وستين واربع مائة
فيها حوصرت دمشق، واشتد بها الغلاء، وعدمت الأقوات، ثم تسلم البلد بالأمان، وأقيمت الخطبة العباسية، وأبطل شعار الشيعة من الأذان وغيره. وفيها توفي مقرىء واسط الحسن بن قاسم الواسطي، كان أحد من اجتهد في القراءات، ورحل فيها إلى البلاد، وصنف فيها. وفيها توفي أبو الفتح عبد الجبار بن عبد الله الرازي الواعظ الجوهري. والإمام المفسر أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري، أستاذ عصره في النحو والتفسير، تلميذ أبي إسحاق الثعلبي، وأحد من برع في العلم، وصنف التفاسير الشهيرة المجمع على حسنها، والمشتغل بتدريسها، والمرزوق السعادة فيها، وهي البسيط والوسيط والوجيز، ومنه أخذ أبو حامد الغزالي أسماء كتبه الثلاثة، وله كتب أخرى، بعضها فيما يتعلق بأسماء الله الحسنى وكتاب أسباب النزول وشرح كتاب المتنبي شرحاً مستوفي. قيل: وليس في شروحه - مع كثرتها - مثله، وذكر فيه أشياء غريبة، منها أنه تكلم في شرح هذا البيت:
وإذا المكارم والصوارم والقنا ... وبنات أعوج كل شيء يجمع
ثم قال: أعوج: فحل كريم كان لبني هلال بن عامر، وإنه قيل لصاحبه: ما رأيت من
شدة عدوه؟ قال: ضللت في بادية وأنا راكبه فرأيت قطاً يقصد الماء، فتبعته وأنا أغض من لجامه - حتى توافينا الماء دفعة واحدة. وهذا غريب فإن القطا شديد الطيران، وإذا قصد الماء اشتد طيرانه أكثر من غير قصده الماء، وهو كان يمض من لجامه أن يكفه عن شدة العدو. وقيل وإنما لقب أعوج لأنه كان صغيراً، فجاءتهم غارة، فهربوا منها، وطرحوه في خرج، وحملوه لعدم قدرته على المشي معهم لصغره، فاعوج ظهره من ذلك، فقيل له أعوج. والواحدي نسبة قيل إلى الواحد بن مهرة على ما حكاه العسكري. وفيها توفي محدث همدان وزاهداها: يوسف بن محمد الخطيب. وفيها توفي العبد الصالح أبو القاسم يوسف بن محمد الهمداني الصوفي الذي خرج له الخطيب خمسة أجزاء.
(3/74)

وفيها توفي البياضي الشاعر المشهور مسعود بن عبد العزيز الهاشمي، وهو من الشعراء المجيدين في المتأخرين، وديوان شعره صغير وهو في غاية الرقة. ومن شعره:
إن غاض دمعك والركاب تساق مع ما بقلبك فهو منك نفاق
وإنما قيل له البياضي لأن أحد أجداده كان في مجلس بعض الخلفاء مع جماعة من العباسيين لابسين السواد وهو لابس البياض - فقال الخليفة: من ذلك البياضي؟ فثبت هذا اللقب عليه.
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

سنة تسع وستين واربع مائة
فيها كانت فتنة لما وعظ الإمام الكبيرالعلامة الشهير أبو نصر ابن الأستاذ الإمام زين الإسلام أبي القاسم القشيري ببغداد في النظامية، وكان قد حصل له إقبال عظيم، وحضر مجلسه أكابر العلماء كالإمام أبي إسحاق الشيرازي وغيره من الجلة كما تقدم ذكره ونصر في وعظه مذهب الأشعرية، وحط على مذهب الحنبلية، فهاجت الفتنة، وثارت العصبية وقتل جماعة. وفي السنة المذكورة توفي أبو الحسن أحمد بن عبد الواحد السلمي. وفيها توفي المحدث المتقن مسند الأندلس حاتم بن محمد التيمي القرطبي. وفيها توفي مؤرخ الأندلس ومسندها حبان - بن خلف بن حسين القرطبي. وفيها توفي الإمام النحوي أبو الحسن طاهر بن أحمد بن بابشاذ النحوي، صاحب المصنفات المفيدة منها المقدمة المشهورة، وشرحها وشرح الجمل للإمام الكبير الزجاجي، وشرح كتاب الأصول لابن السراج، ومسودات في النحو، توفي قبل إتمامها. قيل: لو بيضت قاربت خمسة عشر مجلداً، وانتفع الناس بعلمه وتصانيفه. كان بمصر إمام عصره في النحو، وكانت وظيفته أن ديوان الإنشاء لا يخرج حتى يعرض عليه ويتأمله، فإن كان فيه خطأ من جهة النحو واللغة أصلحه كاتبه، وإلا استرضاه، فيسير إلى الجهة التي كتب إليها، وكان له على ذلك راتبة من الخزانة، يتناوله في كل شهر، وأقام على ذلك زمانأ. ويحكى أنه كان يوماً يأكل طعاماً في سطح جامع مصر، وعنده ناس، فحضرهم قط، فرموا له لقمة، فأخذها في فيه، وغاب عنهم، ثم عاد إليهم، فرموا له شيئاً آخر، ففعل ذلك مراراً كثيرة، فعجبوا منه وتبعوه، فوجدوه يرقى إلى حائط في سطح الجامع، ثم ينزل إلى موضع خال فيه قط أعمى، وكلما يأخذه من الطعام يحمله إلى ذلك القط، فيأكله، فتعجبوا من ذلك، وكان سبباً لاستغنائه عن الخدمة، لما تفكر من كونه حيواناً أعمى لا يهتدي إلى
(3/75)

يقوم بحاله، سخر الله له هذا القط يقوم بكفايته، ويسوق إليه الرزق المقسوم، فكيف يضيع من هو مثلي؟ ونزل عن راتبه، ولزم البيت متوكلاً على الله تعالى، فما، زال ملطوفاً به محمول الكلفة إلى أن مات، وقيل: إنه خرج ليلة من غرفة في سطح الجامع،. فزلت رجله في بعض الطاقات المجهولة للضوء، فسقط وأصبح ميتاً، وأصله على ما ذكر بعضهم من الديلم، وبابشاذ: كلمة عجمية يتضمن معناها الفرح والسرور.

سنة سبعين وإربع مائة
فيها كانت فتنة كبيرة ببغداد بسبب الاعتقاد، ووقع النهب في البلد، وأشتد الخطب، وركب العسكر، وقتلوا جماعة، حتى فتر الأمر. قلت: هكذا أطلق بعض المؤرخين، ولم تبن هذه الفتنة بين أهل السنة والرافضة أو بين الأشعرية والحنبلية. وفي السنة المذكورة توفي الحافظ أبو صالح أحمد بن عبد الملك النيسابوري، محدث خراسان في زمانه، روى عن أبي نعيم وعن أبي الحسين البغدادي وللحاكم، وخلق، ورحل إلى أصفهان وبغداد ودمشق، وله ألف حديث عن ألف شيخ. وفيها توفي أبو الحسين بن النقور بفتح النون وتشديد القاف محمد بن محمد البغدادي المحدث البزاز. وكان يأخذ على اشغال الطلبة لأنهم كانوا يفوتون عليه الكسب لعياله، أفتاه بجواز ذلك الشيخ إبو إسحاق. وتوفي وله إحدى وتسعون سنة. وفيها توفي الحافظ أبو القاسم عبيد الله بن الجلاد. وفيها توفي الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن منده الأصبهاني، صاحب التصانيف، كان ذا سعت ووقار، وله أصحاب وأتباع. قال الذهبي: وفيه تسنن مفرط أوقع بعض العلماء في الكلام في معتقده، وتوهموا فيه التجسيم. قال: وهو بريء منه فيما علمت، ولكن لو قصر من شأنه لكان أولى به. قلت وكلام الذهبي هذا يحتاج إلى إيضاح، فقوله: فيه تسنن مفرط أي: مبالغ في الأخذ بظواهر السنة والاستدلال بها، وجحد حملها على التأويل.
(3/76)

وقوله: أوقع بعض العلماء يعني: بعض العلماء المتكلمين المؤولين، وقوله توهموا فيه التجسيم: لأن الجري على اعتقاد الظواهر ومنع التأويل فيها يدل على ذلك، والكلام فيه يطول، وقد أوضحت ذلك في الأصول. وقوله: لو قصر من شأنه لكان أولى به: أي لو ترك المبالغة في التظاهر بذلك، والاستشهاد به، لكان أولى. وأما قوله: وهو بريء منه، فشهادة على أمر باطن، والله أعلم بحقيقته نهاية ما، ثم إنه ما يصرح بالتجسيم بلسانه، لكن يقول بالجهة، وأسلم ما في ذلك أنه يلزم منه القول بالتجسيم. وفي لزوم المذهب خلاف مشهور عند العلماء، هل هو مذهب أم لا؟ هذا إذا اقتصر على اعتقاد الجهة، فأما إذا اعتقد الحركة والنزول والجارحة فصريح في التجسيم. لا دوران حوله - نسأل الله الكريم الاستقامة على الدين القويم، بجاه نبيه عليه أفضل الصلوات والتسليم. وللمحدثين في اقتداء الإمامين الكبيرين الشهيرين الورعين الفقهين المحدثين جامعي المحاسن والمفاخر: الشيخ السيد الفاضل محيي الدين النواوي والحافظ أبو القاسم ابن عساكر - كفاية، والله ولي الهداية.

سنة احدى وسبعين واربع مائة
فيها دخل الشام تاج الدولة أخو السلطان ملك شاه من جهة أخيه، وأخذ حلب ودمشق، وكان عسكره التركمان. وكان أقسيس الخوارزمي قد جاءت المصريون لحرب، فاستنجد بتتش بالمثناة من فوق مكررة ثم الشين المعجمة عندما أخذ حلب، فسار إليه، وفر المصريون، فخرج أقسيس إلى خدمة تتش، فأظهر الغضب لكونه ما تلقاه إلى بعيد، وقتله في الحال، وأحسن سيرته في الشاميين. وفيها توفي أبو علي بن البناء الفقيه الزاهد الحسن بن أحمد البغدادي الحنبلي صاحب التآليف والتاريخ. وفيها توفي الحافظ الكبير أبو علي الحسن بن علي التجيبي - رحل وطوف، وجمع وصنف. وفيها توفي الحافظ القدوة الزاهد نزيل الحرم الشريف، وجار بيت الله المنيف أبو القاسم سعد بن علي الزنجاني. سئل محمد بن طاهر المقدسي عن أفضل من رأى فقال: سعد الزنجاني، وشيخ الإسلام الأنصاري. فقيل: أيهما كان أفضل؟ فقال: الأنصاري كان
(3/77)

متقناً، وأما الزنجاني فكان أعرف بالحديث منه. وقال غيره: كان الزنجاني إماماً كبيراً. وفيها توفي عبد العزيز بن علي أبو القاسم الأنماطي. روى عن المخلص، ومات في رجب. وفيها توفي الشيخ الإمام النحوي العلامة، صاحب التصانيف المفيدة: عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني الشافعي الأشعري. ومن تصانيفه المغني في شرح الإيضاح ثلاثون مجلداً. قلت وكلامه في علم المعاني والبيان يدل على جلالته وتحقيقه وديانته وتوفيقه. وقيل إنه مات في سنة أربع وسبعين. وفيها توفي شيخ عصره المتفق على جلالة قدره، الفقيه أبو عاصم الفضيل بن يحيى الهروي. وفيها توفي شيخ زمانه في همدان علماً وفضلاً وجلالة وزهداً، ويقيناً في العلوم وحظاً: أبو الفضل محمد بن عثمان بن زيرك القومساني. وفيها توفي أبو الفتيان محمد بن السلطان المعروف بابن حتوس بالحاء المهملة المفتوحة والياء المشددة المثناة من تحت والواو الساكنة وبعدها سين مهملة، وفي شعر المغاربة: ابن حبوس بالموحدة المخففة. كان أبو الفتيان المذكور شاعراً مشهوراً من الشعراء الشاميين المحسنين، وفحولهم المجيدين، له ديوان شعر كبير، لقي جماعة من الملوك والآكاب، ومدحهم، وأخذ جوائزهم. ومن نظمه في مدح أبي المظفر نصر بن محمود بن شبل الدولة قوله في قصيدة.
ثمانية لم تفترق مذ جمعتها ... فلا افترقت ما ذب عن ناظر شفر
يقينك والتقوى، وجودك والغنى ... ولفظك والمعنى، وحزمك والنصر
ومما وجد في ديوان ابن حيوس هذه الأربعة الأبيات، وبعضهم ينسبها إلى أبي بكر
(3/78)

الصائغ والله اعلم بحقيقة ذلك:
أسكان نعمان الأراك تيقنوا ... بأنكم في ربع قلبي ودوموا
على حفظ الوداد فطالما ... بلينا بأقوام إذا استؤمنوا اخافوا
سلوا الليل عني مذ تناءت دياركم ... هل اكتحلت بالغمض لي فيه أجفان
وهل جردت أسياف برق سمائكم ... فكان لها إلا جفوني أجفان
وذكروا أنه وصل أحمد بن محمد المعروف بابن الخياط الشاعر إلى حلب وبها يومئذ أبو الفتيان المذكور - فكتب إليه ابن الخياط.
لم يبق عندي ما يباع بدرهم ... وكفاك مني منظري عن مخبري
إلا بقية ماء وجه منتهى ... عن أن تباع وأين أين المشتري؟
قيل: ولو قال: وأنت نعم المشتري لكان أحسن.

سنة اثنتين وسبعين واربع مائة
فيها توفي الفقيه الزاهد القدوة أبو محمد هياج بن عبيد. قال هبة الله الشيرازي: ما رأت عيناي مثله في الزهد والورع. وقال ابن طاهر: بلغ من زهده أنه يواصل ثلاثاً، لكن يفطر على ماء زمزم، فإذا كان اليوم الثالث واتاه بشيء أكله. وكان قد نيف على الثمانين، وكان يعتمر في كل يوم ثلاث عمر على رجيله، ويدرس عدة دروس لأصحابه، وكان يزور النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كل سنة من مكة، فيمشي حافياً ذاهباً وراجعاً. روى عن أبي ذر الهروي، وطائفة. وفيها توفي أبو منصور العكبري محمد بن محمد بن أحمد الأخباري النديم عن تسعين سنة. صدوق، روى عن عبد الله الجعفي وهلال الحفار وطائفة. توفي في رمضان. وفيها توفي أبو علي الحسن بن عبد الرحمن الشافعي المالكي. وعبد العزيز بن محمد الفارسي الهروي.

سنة ثلاث وسبعين واربع مائة
فيها توفي أبو القاسم الفضل بن عبد الله الواعظ النيسابوري. وفيها توفي السلطان الغنوي الدمشقي شاعر أهل الشام. له ديوان كبير.
(3/79)

وفيها توفي أبو الحسن علي بن محمد بن علي الصليحي بضم الصاد المهملة وفتح اللام وسكون المثناة من تحت والحاء المهملة مكسورة القائم باليمن، كان أبوه قاضياً باليمن، سني المذهب، وكان أهله وجماعته يطيعونه، وكان الداعي عامر بن عبد الله الرواحي بالراء والحاء المهملة يلاطفه ويركب، أو قال: يركب إليه لرئاسته وسؤدده وصلاحة علمه، فلم يزل عامر المذكور حتى استمال قلب ولده المذكور وهو يومئذ دون البلوغ، لاحت فيه مخائل النجابة. وقيل كانت عنده حلية علي الصليحي في كتاب الصور، وهو من الذخائر القديمة، فأوفقه منه على تثقل حاله وشرف ماله، وأطلعه على ذلك سراً من أبيه وأهله. ثم مات عامر عن قرب، وأوصى له بكتبه وعلومه، ورسخ في الذهن من كلامه ما رسخ، فعكف على الدرس وكان ذكياً فلم يبلغ الحلم حتى تضلع من علومه التي بلغ بها - وبالحد الصعيد غاية البعيد. قلت هذا على اعتقاد من هو طريد عن باب التوفيق والاعتقاد السديد، فلم يزل مشتغلاً بتلك العفوم الضلالية الأوهامية، حتى صار فقيهاً في مذهب الباطنية الإسماعيلة، منتصراً في علم التأويل المخالف بمفهوم التنزيل، ثم إنه صار يحج بالناس دليلاً على طريق السراة والطائف خمس عشرة سنة، وكان الناس يقولون له: بلغنا أنك ستملك اليمن بأسره، ويكون لك شأن؟ فيكره ذلك، وينكره على قائله، مع كونه أمراً قد شاع، وكثر في أفواه الناس - الخاصة والعامة. ولما كان سنة تسع وعشرين رأربع مائة ارتقى رأس جبل، هو أعلى ذروة من جبال اليمن، وكان معه ستون رجلاً، قد خالفهم بمكة في سنة ثمان وعشرين وأربعمائة على الموت والقيام بالدعوة، وما منهم إلا من هو من قوم وعشيرة في منعة وعدد كبير، ولم يكن برأس الجبل المذكور بناء بل كان قلة عالية منيعة، فلما ملكها لم ينتصف نهار ذلك اليوم إلا وقد أحاط بها عشرون ألف ضارب بسيف، وحصروه وشتموه، وسفهوا رأيه، وقالوا له: إن نزلت وإلا قتلناك أنت ومن معك بالجوع، فقال لهم: لا أفعل هذا إلا خوفاً علينا وعليكم أن يملكه غيرنا فإن تركتموني أحرسها وإلا نزلت إليكم، فانصرفوا عنه، ولم يمض عليه أشهر حتى بنى في رأس ذلك الجبل، وحصنه، وأتقنه، واستفحل أمر الصليحي شيئاً فشيئاً. وكان يدعو للمستنصر العبيدي صاحب مصر في الخفية، ويخاف من نجاح صاحب تهامة، ويلاطفه، ويستكبر لأمره، وفي الباطن يعمل الحيلة في قتله، ولم يزل حتى قتله بالسم مع جارية جميلة أهداها إليه، وكان ذلك في سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة
(3/80)

بالكدراء، وفي سنة تلاث وخمسين كتب الصليحي إلى المستنصر يستأذنه في إظهار الدعوة، فأذن له، فطوى البلاد طياً، وفتح الحصون والبلاد، ولم تخرج سنة خمس وخمسين إلا وقد ملك اليمن كله: سهله ووعره، وبره وبحره. وقيل: وهذا أمر لم يعهد مثله في الجاهلية والإسلام، حتى قال يوماً وهو يخطب الناس في جامع الجند: وفي مثل هذا اليوم يخطب على منبر عدن ولم يكن ملكها بعد، فقال بعص من حضر: سبوح قدوس، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. قلت قوله سبوح قدوس: إن كان تعظيماً له وتنزيها فقد كفر قائله، إذ أشركه مع الله بما يختص به تعالى، وإن كان تهكماً به وأنه ادعى من القدرة صفة من صفات الله تعالى التي لا يتصف بها غيره، فمثل هذا لا ينبغي أن يقال، والظاهر - والله أعلم - أن هذا مقال بعض الزنادقة، أخرجه مخرج التعظيم له. قال: فلم يدر مثل ذلك اليوم حتى خطب الصليحي على منبر عدن، فقام ذلك الإنسان، وتعالى في المقام، وأخذ البيعة، ودخل في المذهب. وفي سنة خمس وخمسين استقر حاله في صنعاء، وأخذ معه ملوك اليمن الذين أزال ملكهم، وأسكنهم معه، وولى في الحصون غيرهم، واختط بمدينة صنعاء عدة حصون، وحلف أن لا يولي تهامه، إلأ لمن وزن له مائة ألف دينار، فوزنت له ذلك زوجته أسماء عن أخيها أسعد بن شهاب، فولاه وقال لها: يا مولاتنا؛ أنى لك هذا؟ قالت: هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب، فتبسم وعلم أنه من خزانته، فقبضه وقال: هذه بضاعتنا ردت إلينا، ونمير أهلنا، ونحفظ أخانا. ولما كان في سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة، عزم الصليحي على الحج، فأخذ الملوك الذين كان يخاف منهم أن يثوروا عليه، واستصحب زوجته أسماء بنت شهاب، واستخلف مكانه ولده منها المكرم أحمد، وتوجه في ألفي فارس، فيهم من آل الصليحي مائة وتسعون - شخصاً، حتى إذا كان بالمنج، نزل في ظاهرها بالعسكر بضيعة يقال لها أم الدهيم وبيرام معبد، ونزلت عساكره والملوك الذين معه من حوله، فلم يشعر الناس حتى قتل الصليحي، فانزعر الناس، وكشفوا عن الخبر، فإذا الذي قتله سعيد الأحول ابن الذي قتلت الجارية أباه نجاحاً بالسم، أرسل إليه أخوه يعلمه أن الصليحي متوجه إلى مكة، فتحضر حتى تقطع عليه الطريق، فحضر، ثم خرج هو وأخوه، ومعهما سبعون رجلاً بلا مركوب ولا
(3/81)

سلاح، بل مع كل واحد جريدة في رأسها مسمار حديد، وتركوا جادة الطريق، وسلكوا الساحل، وكان بينهم وبين المخيم مسيرة ثلاثة ايام، وكان الصليحي قد سمع بخروجهم، فسير خمسة آلاف حربة من الحبشة الذين كانوا في ركابه لقتالهم، واختلفوا في الطريق، فوصل سعيد الأحوال المذكور ومن معه إلى طريق المخيم، وقد أخذ منهم التعب والجفاء وقلة المادة، فظن الناس أنهم من جملة عبيد العسكر، ولم يشعر بهم إلا عبد الله أخو الصليحي فقال: يا مولانا؛ اركب، فهذا والله الأحول سعيد بن نجاح. وركب عبد الله فقال الصليحي لأخيه: إني لا أموت إلا بالدهيم وبيرام معبد التي نزل بها رسول الله صلى الله عليه اله وسلم لما هاجر إلى المدينة، فقال له رجل من أصحابه: قاتل عن نفسك، فهذه والله الدهيم، وهذه بيرام معبد. فلما سمع الصليحي ذلك لحقه اليأس من الحياة وقال: فلم يبرح من مكانه حتى قطع رأسه بسيفه، وقتل أخوه معه، وسائر الصليحيين. ثم إن سعيداً أرسل إلى الخمسة آلاف التي أرسلها الصليحي أن الصليحي قد قتل، وأخذت ثأر أبي، فقدموا عليه، وأطاعوه، واستعان بهم على قتال عسكر الصليحيين، فاستظهر عليهم قتلاً وأسراً ونهباً، ثم حمل رأس الصليحي على عود المظلمة، وقرأ القارىء: " قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء "، - آل عمران 26 - ورجع إلى زبيد، وقد حاز الغنائم. قلت هكذا نقل بعض المؤرخين، وقد ذكرته عن بعضهم في كتاب المرهم أن داعي الاسماعيلية دخل اليمن ودعا إلى مذهبهم، ونزل في الجبل المذكور، ولم يزل يدعو سراً حتى كثرت أتباعهم، وظهرت دعوتهم، وملكوا جبال اليمن وتهامتها. ولكن ذلك مخالف بما قدمناه عن بعض في هذا التاريخ، من وجوه. منها: أنهم ذكروا أن داعيهم الذي أظهر مذهبهم في اليمن وملكهم اسمه: علي بن فضل، من ولد خنفر بفتح الخاء المعجمة وسكون النون وفتح الفاء في آخره راء بن سبأ. والذي تقدم في هذا التاريخ اسمه علي بن محمد الصليحي. ومنها أن دعوتهم ظهرت في سنة سبعين ومائتين، والمذكور فيما تقدم من هذا التاريخ أن دعوتهم ظهرت في سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة.
ومنها أنهم ذكروا أن علي بن الفضل المذكور كان داعياً للاسماعيلية، والصليحي المذكور في هذا التاريخ كان داعياً للرافضة الإمامية، ولكن يمكن الجمع بينهما على هذا الوجه، وهو أنهم في ظاهر الدعوة يقرون إلى مذهب الإمامية، وفي الباطن متدينون لمذهب الباطنية. ولهذا قال الإمام حجة الإسلام في وصف الباطنية: ظاهر مذهبهم الرفض، وباطنه الكفرالمحض.
(3/82)

ومنها أن الداعي علي بن الفضل الذي ملك اليمن كان داعياً لإمام لهم، كان مستتراً في بلاد الشام، والصليحي المذكور كان داعياً للمستنصر العبيدي صاحب مصر. ومنها أن على بن فضل لما استولى على اليمن تظاهر بالزندقة، وخلع الإسلام، وأمر جواريه أن يضربن بالدفوف على المنبر، وتغنين بشعر قاله، أوله:
خذي الدف يا هذه واضربي ... وغني هزاريك ثم أطربي
تولى نبي بني هاشم ... وهذا نبي بني يعرب
وقد حط عنا فروض الصلاة ... وحط الصيام ولم يتعب
قلت: وقوله نبي بني يعرب بالنبي نفسه، وأنه جاء بشريعة مسقطة للفروض التي أوجبتها شريعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، يزعم المارق - لعنه الله - أن ما نسب إليه كان صحيحاً، ويحتمل أنهما قضيتان في زمانين والله أعلم.

سنة اربع رسبعين واريع مائة
فيها فتح تاج الدولة أخو السلطان ملكشاه طرسو. وفيها توفي أبو الوليد الباجي سليمان بن خلف المالكي الأندلسي، كان من علماء الأندلس وحفاظها، سكن شرق الأندلس، ررحل إلى الشرق، فأقام بمكة مع أبي ذر الهروي ثلاثة أعوام، وكان يمضي معه إلى السراة مع أهل أبي ذز، وحج أربعة أعوام، ثم رحل إلى بغداد، فأقام بها ثلاثة أعوام يدرس الفقه ويقرأ الحديث، ولقي فيها جماعة من العلماء، منهم: الإمام أبو الطيب الطبري، تفقه عليه، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وأقام بالموصل مع أبي جعفر الشيباني يدرس عليه الفقه، كذا ذكر ابن خلكان.
وقال الذهبي: أخذ عنه علم الكلام، وسمع الكثير، وبرع في الحديث والفقه والأصول والنظر، ورد إلى وطنه بعد ثلاثة عشر سنة، وكان ممن روى عنه الحافظ أبو بكر الخطيب ويونس بن عبد الله بن مغيث ومكي بن أبي طالب وابن غيلان، وغيرهم. وقال أبو علي بن سكرة: ما رأيت أحداً على سمته وهيبته وتوفير مجلسه، وصنف كتباً كثيرة منها كتاب المنتقى وكتاب إحكام الفصول في أحكام الأصول وكتاب التعديل والتجريح فيمن روى عنه البخاري في الصحيح وغير ذلك، وكان أحد الأئمة الأعلام
(3/83)

المقتدي بهم الأنام، ووقع بينه وبين أبي محمد بن حزم المعروف بالظاهري مجالس ومناظرات، ولي القضاء بالأندلس، وقد قيل إنه ولي قضاء حلب أيضاً. وأخذ عنه أبو عمر بن عبد البر صاحب الاستيعاب، وكان يقول: سمعت أبا ذرعبد بن أحمد الهروي يقول: لو صحت الإجازة لبطلت الرحلة. وروى عنه الخطيب البغدادي قال: أنشدني أبو الوليد الباجي لنفسه:
اذا كنت أعلم عماً يقيناً ... بأن جميع حياتي كساعة
فلم لا أكون ضنيناً بها ... وأجعلها في صلاح وطاعة
والباجي نسبة إلى باجة وهي مدينة بإفريقية، وهناك باجة أخرى وهي قرية من قرى أصبهان. وفيها توفي أبو بكر محمد بن المزكي النيسابوري المذكور المحدث. كتب عنه خمسمائة نفس، وأكثر عن أبيه وأبي عبد الرحمن السلمي والحاكم. وروى عنه الخطيب مع تقدمه. توفي في رجب.

سنة خمس وسبعين واربع مائة
فيها قدم الشريف أبو القاسم البكري الواعظ من عند نظام الملك إلى بغداد، فوعظ بالنظامية، ونبذا الحنابلة بالتجسيم، فسبوه وتعرضوا له، وكبس دور بني الفراء، وأخذ كتاب القاضي أبي يعلى في إبطال التأويل، وكان يقرأ بين يديه وهو على المنبر، فيشفع به ويشيع شأنه. وفيها توفى محدث أصبهان ومسندها عبد الوهاب ابن الحافظ أبي عبد الله العبدي الأصفهاني. وفيها أوفى حدودها توفي أبو الفضل المطهر بن عبد الواحد الأصفهاني.

سنة. ست وسبعين واربع مائه
فيها عزم أهل حران وقاضيهم على تسليم حران إلى أمير التركمان لكونه سنياً،
(3/84)

وغضبوا على صاحب الموصل لكونه رافضياً، ولكونه يساعد المصريين على محاصرة دمشق فأسرع إلى حران، ورماها بالمنجنيق، وأخذها وذبح القاضي وولديه. وفيها توفي الشيخ الإمام المتفق على جلالته وبراعته في الفقه والأصول وزهادته وورعه وعبادته وصلاحه وجميل صفاته السيد الجليل أبو إسحاق، المشهور فضله في الآفاق جمال الدين ابراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي الفيروزأبادي، وعمره ثلاث وثمانون سنة دخل شيراز، وقرأ بها الفقه على أبي عبد الله البيضاوي، وعلى عبد الوهاب بن رامين، ثم دخل البصرة، وقرأ فيها على بعض علمائها، ودخل بغداد سنة خمس عشرة وأربعمائة، تفقه على جماعة من الأعيان، وصحب القاضي أبا الطيب الطبري، ولازمه كثيراً، وانتفع به، وظهرفضله، وتميز على أصحابه، وناب عنه في مجلسه، ورتبه مفيداً في حلقته، وصنف التصانيف المباركة المفيدة المشهورة السعيدة، منها التنبيه والمهذب في الفقه واللمع وشرحه في أصول الفقه والنكت في الخلاف والمعونة في الجدل، وله شعر حسن، ومنه قوله:
سألت الناس عن خل وفي ... فقالوا ما إلى هذا سبيل
تمسك إن ظفرت ودحر ... فإن الحر في الدنيا قليل
وقوله أيضاً فيما نقله بعضهم:
أحب الكأس من غير المدام ... وأهوى للحسان بلا حرام
وما حبي لفاحشة ولكن ... رأيت الحب أخلاق الكرام
وقوله أيضاً فيما عزي إليه: حكيم يرى أن النجوم حقيقة، ويذهب في أحكامها كل مذهب يخبر عن أفلاكها وبروجها، وما عنده علم بما في المغيب. وسيأتي ذكر شيء مما قيل فيه وفي كتبه. وذكر الحافظ ابن عساكر أنه كان أنظر أهل زمانه وأفصحهم وأورعهم وأكثرهم تواضعاً وبشرى. انتهت إليه رئاسة المذهب، ورحل إليه الفقهاء من الأقطار، وتخرج به أئمة كبار، ولم يحج، ولا وجب عليه حج، لأنه فقيراً متعففاً قانعاً باليسير. سمع الحديث من أبي علي ابن شاذان وأبي بكر البرقاني وغيرهما، وتفقه على جماعة في شيراز والبصرة وبغداد. قلت وقد ذكر الشيخ أبو إسحاق المذكور في طبقات الفقهاء قريب عشرة من شيوخه، منهم من انتسب إليه، وأشهرهم في الانتساب إليه والاشتغال عليه والملازمة له والأخذ عنه: الإمام القاضي أيو الطيب الطبري. قال الحافظ ابن عساكر: وكان يظن ممن لا يفهم أنه مخالف للأشعري - لقوله في كتابه في أصول الفقه: وقالت الأشعرية الأمر، لا
(3/85)

صيغة له قال: وليس ذلك لأنه يعتقد اعتقاده، وإنما قال ذلك لأنه خالفه في هذه المسألة التي هي مما تفرد بها أبو الحسن.
قال: وقد ذكرنا فتواه فيمن خالف الأشعرية واعتقد بتبديعهم، وذلك أوفى دليل على أنه منهم. انتهى كلام الحافظ ابن عساكر. قلت: والفتوى المذكورة عن الشيخ أبي إسحاق في هذه الألفاظ التي نقلها الإمام ابن عساكر الجواب، وبالله التوفيق. إن الأشعرية هم أعيان أهل السنة ونصار الشريعة، انتصبوا للرد على المبتدعين القدرية والروافض وغيرهم، فمن طعن فيهم فقد طعن على أهل السنة، وإذا رفع أمر من يفعل ذلك الى الناظر في أمر المسلمين وجب عليه تأديبه بما يرتدع كل أحد. وكتب ابراهيم بن علي الفيروزأبادي، وبعده جوابي مثله، وكتب محمد بن أحمد الشاشي، وذكر الحافظ ابن عساكر أيضاً أجوبة أخرى لقاضي القضاة الدامغاني وأصحاب الحديث، ولا نطول بذكر ذلك. وقال الحافظ محب الدين بن النخار: فاق أهل زمانه في العلم والزهد، وانتشر فضله في القرب والبعد، أو قال: في البلاد. وأكثر علماء الأمصار من تلامذته. وروى عنه الإمام الحافظ السمعاني بسنده في تذييله على تاريخ بغداد أنه قال: كنت نائما فرأيت رسول الله صلى عليه وآله وسلم ومعه أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما فقلت: يا رسول الله، بلغني عنك أحاديث كثيرة، وأريد أن أسمع منك حديثاً بغير واسطة وروي بعضهم، أتشرف به في الدنيا، وأجعله ذخراً في الآخرة، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: يا شيخ، من أراد السلامة فليطلبها في سلامة غيره منه، وكان يفرح ويقول: سماني سول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيخاً. قال الإمام السمعاني: وسمعت جماعة يقولون: لما قدم أبو إسحاق رسولاً إلى نيسابور يعني رسول الخليفة أمير المؤمنين المقتدي بأمر الله تلقاه الناس، وحمل الإمام أبو المعالي الخويني غاشية، ومشى بين يديه يعني بذلك إمام الحرمين. قلت: وسيأتي في ترجمة إمام الحرمين أن الشيخ أبا إسحاق عظمه أيضا فقال: تمتعوا بهذا الإمام، فإنه نزهة هذا الزمان. مشيراً إلى امام الحرمين. رواه السمعاني. وذكر بعض أهل الطبقات كلاماً معناه أنه حكي أن الشيخ أبا إسحاق تناظر هو وإمام الحرمين، فغلبه أبو إسحاق بقوة معرفته بطريق الجدل. قلت وقد سمعت من بعض المشتغلين بالعلم نحواً من هذا، وأن إمام الحرمين قال
(3/86)

له: والله اعلم ما غلبتني بفقهك، ولكن بصلاحك. هكذا حكي والله أعلم. وذكروا أنه لما شافهه أمير المؤمنين بالرسالة قال: وما يدريني أنك أمير المؤمنين
ولم أرك قبل هذا قط؟! فتبسم الخليفة من ذلك، وأعجبه، فأحضر من عرفه به. وذكروا أيضاً أنه كان في طريق، فمر كلب، فزجره بعض أصحابه، فقال له أبو إسحاق: أما علمت أن الطريق مشتركة بيننا وبينه؟ وله في الورع حكايات شهيرة. ومن تواضعه أنه كان - مع جلالته وعلو منزلته - يحضر مجلس بعض تلامذة إمام الحرمين، أعني مجلس وعظه، وهو الشيخ الإمام البارع جامع المحاسن والفضائل بلا منازع أبو نصر عبد الرحيم ابن الإمام أبي القاسم القشيري كما سيأتي. وذكر الحافظ ابن النجار أنه لما ورد بلاد العجم، كان يخرج إليه أهلها بنسائهم، فيمسحون أردانهم يعني به أو قال: أردانهم به، ويأخذون تراب نعله، فيستشفون به. وذكر علماء التاريخ أنه لما فرغ نظام الملك من بناء المدرسة النظامية التي في بغداد سنة تسع وخمسين وأربع مائة قرر لتدريسها الشيخ أبا إسحاق. واجتمع الناس من سائر أعيان البلد وجوه الناس على اختلاف طبقاتهم، فلم يحضر الشيخ أبو إسحاق، وسبب ذلك أنه لقيه صبي قيل حمال من السوق فقال له: كيف تدرس في مكان مغصوب. فرجع واختفى، فلما أيسوا من حضوره قالوا: ما ينبغي أن ينصرف هذا الجمع إلا بعد تدريس، فدرس الإمام أبو نصر بن الصباغ - مصنف الشامل وقيل: لم يكن حاضراً، بل نفذ إليه عند ذلك، فحضر ودرس. فلما وصل الخبر إلى نظام الملك أقام القيامة على العميد أبي سعيد، فلم يزل يرفق بالشيخ أبي إسحاق حتى عرس بها. وذكر بعضهم أن الشيخ أبا إسحاق ظهر في مسجده بعد اختفائه، ولحق أصحابه من ذلك ما بان عليهم، وفتروا عن حضور درسه، وراسلوه أنه أن لم يدرس بها مضوا إلى ابن الصباغ، وتركوه، فأجاب إلى التدريس بها، وعزل ابن الصباغ، وكان مدة تدريسه بها عشرين يوماً. قلت لماذا كان الحامل للشيخ أبي إسحاق على التدريس بها قول طلبته المذكور، وفتورهم عن حضور درسه، فذلك يحمل على حرصه على نشر علمه، ونفع المسلمين به، ويكون ذلك من النصيحة للدين والاهتمام بالقيام لإظهار ما شرع من الأحكام، وتعليمها للراغبين فيها من الأنام، وكراهية أن يكون علمه مهجوراً، وتعطيل النفع بما سعى في تحصيله دهوراً.
(3/87)

قلت ومما يناسب ذلك ما جرى لبعض علماء اليمن، وهو الفقيه الإمام الكبير البارع الولي الشهير، قدوة الزمن، ومفتي اليمن: علي بن قاسم، وذلك أن سلطان اليمن لما ثبت عنده أنه أفضل أهل زمانه في نواحي مكانه، ندبه إلى التدريس في مدرسته، فامتنع، فراجعه في ذلك، فلم يوافق، فقالوا له: إما تدرس في مدرستي، وإما تخرج من بلادي، فقال: أنا أخرج، فخرج إلى بعض الأمكنة التي لا يجتمع فيها من الطلبة مثل ما يجتمع في المدن، فأخذ يدرس فيها، فلم يحضر عنده إلا نفر يسير، خلاف ما كانه يحضره عنده من الجمع الكثير، فأنكر في ذلك، وقال: أرجع أدرس في المكان الذي كنت فيه - والبلاد بلاد الرحمن، ما هي بلاد السلطان فرجع، فأعلم السلطان - برجوعه، فقال: لعله قبل التدريس، فاستحضره، وأمره بالذهاب إلى المدرسة، فامتنع من ذلك، فقال: اذهبوا به إلى الحبس، فذهبوا به، فلما بلغ ببعض الطريق، أمر برده، فلما رجع إليه قال له: المصلحة أن تدرس، فأبى ورأى المصلحة بخلاف ذلك، فقال: اذهبوا به إلى الحبس، فذهبوا به إلى أن بلغ ما شاء الله من الطريق، ثم استدعى برده فلما رجع تكلم عليه، وحذره من المخالفة، وبالغ في ذلك، فقال: لا سبيل إلى ذلك، فقال: اسجنوه، فسجنوه بعنف، وربما أخذوه بأطوار، فقال: يا قميص، اخنقه. أو كما قال من الكلام مشيراً بذلك إلى قميص السلطان، فخنق السلطان قميصه، ونزل عليه من البلاء ما لا يطيقه، فصاح: أطلقوه، أطلقوه. فما أطلقوه، فأطلقه السلطان لما أصابه من البلاء والامتحان. ومما وقع للفقيه المذكور مع السلطان أنه حضر شهر رمضان في وفد السلطان، فقال: انظروا أفضل الناس يصلي بنا في هذا الشهر. فقالوا: ما هنا أفضل من الفقيه علي بن قاسم، فاستدعى به السلطان، والتمس منه أن يؤمهم، فلما كان أول ليلة من رمضان، تقذم على أنه يصلي بهم، فطار شرار من الشماع التي في حضرة السلطان، فوقعت في ثياب الفقيه المذكور، فنفض ثيابه، وهج خارجاً من ذلك المكان وهو يقول: " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار "، - هود 113 -. وكان من حدة ذكائه وقوة براعته في الفقه أنه التزم ان جميع ما يسأل عنه لا يجيب عنه إلا من كتاب التنبيه. رجعنا إلى ذكر صاحب التنبيه:
أخبرني بعض الفقهاء الصلحاء، أفضل أهل الصنعاء، ممن يرد عليه أحوال الفقراء، قال: كنا جماعة نتدارس التنبيه، كما يتدارس القرآن، فبينا نحن في بعض الأيام نتدارسه، إذ كشف لي عن الشيخ أبي إسحاق حاضراً معنا في المجلس، وإذا به يقول ما معناه: حسبت في كتابي ما حسبته من خير الآمال، وما حسبت قط أنه بلغ إلى هذا الحال، أو نحو ذلك من المقال. يعني: أنه يتدارس كما يتدارس القرآن. وقال القاضي محمد بن محمد الماهاني: إمامان ما اتقق لهما الحج: الشيخ أبو إسحاق، والقاضي ابو عبد الله الدامغاني. اما أبو إسحاق، فكان فقيراً، ولكن لو اراده لحمل على الأعناق. وأما الدامغاني، فلو أراد الحج على السندس والاستبرق لأمكنه. وقال الفقيه أبو الحسن محمد بن عبد الملك الهمداني: حكى أبي قال: حضرت مع قاضي القضاة أبي الحسن الماوردي - سنة أربعين وأربعمائة - في عزاء إنسان سماه، فتكلم الشيخ أبو إسحاق، فلما خرجنا، قال الماوردي: ما رأيت كأبي إسحاق، لو رأه الشافعي لتجمل به، أو قال: لأعجب به. وقال الإمام أبو بكر الشاشي مصنف المستظهري: وشيخنا أبو إسحاق حجة على أئمة العصر. وقال الموفق الحنفي: الشيخ أبو إسحاق أمير المؤمنين فيما بين الفقهاء. وقال الإمام السمعاني: كان أبو إسحاق يوسوس في الطهارة. سمعت عبد الوهاب الأنماطي يقول: كان الشيخ أبو إسحاق يتوضأ في الشط، فغسلرني بعض الفقهاء الصلحاء، أفضل أهل الصنعاء، ممن يرد عليه أحوال الفقراء، قال: كنا جماعة نتدارس التنبيه، كما يتدارس القرآن، فبينا نحن في بعض الأيام نتدارسه، إذ كشف لي عن الشيخ أبي إسحاق حاضراً معنا في المجلس، وإذا به يقول ما معناه: حسبت في كتابي ما حسبته من خير الآمال، وما حسبت قط أنه بلغ إلى هذا الحال، أو نحو ذلك من المقال. يعني: أنه يتدارس كما يتدارس القرآن. وقال القاضي محمد بن محمد الماهاني: إمامان ما اتقق لهما الحج: الشيخ أبو
(3/88)

إسحاق، والقاضي ابو عبد الله الدامغاني. اما أبو إسحاق، فكان فقيراً، ولكن لو اراده لحمل على الأعناق. وأما الدامغاني، فلو أراد الحج على السندس والاستبرق لأمكنه. وقال الفقيه أبو الحسن محمد بن عبد الملك الهمداني: حكى أبي قال: حضرت مع قاضي القضاة أبي الحسن الماوردي - سنة أربعين وأربعمائة - في عزاء إنسان سماه، فتكلم الشيخ أبو إسحاق، فلما خرجنا، قال الماوردي: ما رأيت كأبي إسحاق، لو رأه الشافعي لتجمل به، أو قال: لأعجب به. وقال الإمام أبو بكر الشاشي مصنف المستظهري: وشيخنا أبو إسحاق حجة على أئمة العصر. وقال الموفق الحنفي: الشيخ أبو إسحاق أمير المؤمنين فيما بين الفقهاء. وقال الإمام السمعاني: كان أبو إسحاق يوسوس في الطهارة. سمعت عبد الوهاب الأنماطي يقول: كان الشيخ أبو إسحاق يتوضأ في الشط، فغسل وجهه مراراً، فقال له رجل: يا شيخ، أما تستحي تغسل وجهك كذا وكذا مرة؟! فقال أبو إسحاق: لو حصلت لي الثلاثة ما زدت عليها. يعني: لو حصل لي العلم أو الظن المولد بعموم الثلاث للوجه ما زدت عليها. انتهى. قلت: جميع هذا المذكور في الشيخ أبي إسحاق مما ذكره علماء الطبقات والتواريخ، ومما رويناه عن أهل العلم والخبر. ومن ذلك أيضاً ما ذكر بعضهم أنه رأى الشيخ الإمام أبا إسحاق المذكور بعد وفاته وعليه ثياب بيض، وعلى رأسه تاج - فقيل له: وما هذا البياض؟ فقال: شرف الطاعة. قال: والتاج؟ قال: عز العلم. وفيه قال عاصم بن الحسن:
تراه من الذكاء نحيف جسم ... عليه من توقده دليل
إذا كان الفتى ضخم المعالي ... فليس يضره الجسسم النحيل
قال السلار العقيلي:
كفاني إذا عز الحوادث صارم ... ينيلني المأمول في الإثر والأثر
يقد ويفري في اللقاء كأنه ... لسان أبي إسحاق في مجلس النظر
ومما قيل فيه: وكان قد استقر إجماع أهل بغداد بعد موت الخليفة على أن يعقد الخلافة لمن اختاره الشيخ أبو إسحاق، فاختار المقتدي بأمر الله فيما حكاه الإمام طاهر ابن الإمام العلامة يحيى بن أبي الخير العمراني فيما يغلب على ظنه.
(3/89)

ولقد رضيت عن الزمان وإن رمى ... قومي يخطب ضعضع الأركانا
لما رآني طلبة الخبر الذي ... أحيى الإله بعلمه الأديانا
أزكى الورى ديناً واكرم شيمة ... وأمد في طلق العلوم عنانا
وأقل في الدنيا القصيرة رغبة ... ولطالما قد أنصف الرهبانا
لله ابراهيم أي محقق ... صلب إذا رب البصيرة لانا
فتخيله من زهده ومخافة ... لله قد نظر المعاد عيانا
ومما قيل فيه وفي كتاب التنبيه ما رواه الحافظ ابن عساكر:
سقياً لمن صنف التنبيه مختصراً ... ألفاظه العز واستقصى معانيه
إن الإمام أبا إسحاق صنفه ... للة والدين لا للكبر والتنبيه
رأى علوماً عن الأفهام شاردة ... فجازها ابن علي كلها فيه
لا زلت للشرء ابراهيم منتصراً ... تذب عنه أعاديه وتحميه
قلت: وفيه وفي كتاب المهذب، وما اشتمل عليه من الفقه والمسائل النفيسات، نظمت قصيدة من جملتها هذه الأبيات، بعدما طعن فيه بعض المتعصبين، وزعم أنه ليس فيه شيء من المسائل الفقهيات، وحلف على ذلك بعض إيمان الغليظات، فأرسل إلي من بعض البلاد البعيدة في السؤال عن ذلك، وعن اليمين المذكورة، فأجبت بجواب مشتمل علي التعنيف والإنكار الشديد على الطاعن في محاسنه المشهورة، وختمت الجواب بهذه الأبيات التي هي إلى فضائله مشيرات:
إذا الغز عن غر المسائل سائل ... وقال: افتني أين استقرت فجاوب
وقل غرها عن در فقه تبسمت ... ملاح الحلي حلت كتاب المذهب
عذارى المعاني قد زهت في خدورها ... على غير كفو لازمات التحجب
ذراري أبي إسحاق أكرم بسيد ... إمام نجيب للبعيد مقرب
بمدح علاه لا أقوم وإنما ... أذب مقال الطاعن عن المتعصب
قبولاً واقبالاً حظته سعادة ... وأضحى لطلاب كياقوت مطلب
تصانيفه كم من إمام وطالب ... بها انتفعا في شرق أرض ومغرب
وما ذاك إلاعن عطاء عناية ... وتخصيص فضل لاينال بمكسب
ولما مات الشيخ أبو إسحاق رثاه أبو القاسم بن نافيا بالنون وبعد الالف فاء ثم المثناة من تحت هكذا هو في الاصل المنقول منه حيث قال:
أجرى المدامع بالدم المهراق ... خصب أقام قيامه الآباق
(3/90)

ما لليالي لا تؤلف شملها ... بعد ابن نجدتها أبي إسحاق
إن قيل مات فلم يمت من ذكره ... حي على مر الليالي باق
ثم درس بعده في النظامية الإمام أبو سعيد المتولي مدة، ثم صرف بالإمام ابن الصباغ، ثم صرف ابن الصباغ أيضاً بأبي سعيد المذكور على ما نقل بعضهم - وذكر بعضهم أنه لما توفي الشيخ أبو إسحاق، جلس أصحابه للعزاء بالمدرسة النظامية، فلما انقضى العزاء رتب مؤيد الملك ابن نظام الملك علي سعيد المتولي، ولما بلغ الخبر نظام الملك كتب بإنكار ذلك، وقال: كان من الواجب أن تغلق المدرسة سنة لأجله. وأمر أن يدرس الشيخ أبو نصر بن الصباغ. قلت وممن درس في النظامية من الأئمة الكبار أبو حامد الغزالي، وأبو بكر الشاشي صاحب المستظهري، وأبو النجيب السهروردي، وجماعة كبار مترتبون على تعاقب الأعصار، وقد يتعجب من عدم ذكر التدريس بها إمام الحرمين، وليس بعجب، فإن إمام الحرمين كانت إقامته بنيسابور، وكان مدرساً هنالك بالمدرسة النظامية. قلت وهذا ما اقتصرت عليه من ذكر مناقب الشيخ أبي إسحاق، وله فضائل جليلة، ومحاسن جميلة، وسيرة حميدة طويلة. ثم أدبه وزهادته، وورعه وعبادته، وفضائله وبراعته، وتواضعه وقناعته، وصلاحه وكرامته وغير ذلك من مشهور المناقب ومشكور المواهب التي لا يحصرها عد حاسب. ومن ورعه ما حكوا أنه كان إذا حضر وقت الصلاة خرج من المدرسة النظامية، وصلى
في بعض المساجد. وكان يقول رحمة الله عليه: بلغني أنه أكثر آلاتها غصب واصلة على مر الدهور بالنفحات الالهية. وفي السنة المذكورة توفي طاهر بن الحسين القواس الحنبلي، وكان إماماً في الفقه والورع رحمه الله. وفيها توفي الحافظ عبد الله بن العطار الهروي. وفيها توفي الواعظ البكري الأشعري أبو بكر المغربي. وفد على نظام الملك بخراسان، فكتب له سجلاً أن يجلس بجوامع بغداد، فقدم، وجلس، ووعظ، ونال من الحنابلة سباً وتكفيراً، ونالوا منه. وفيها توفي مقرىء الأندلس في زمانه أبو عبد الله محمد بن شريح الرعيني الأشبيلي، مصنف كتاب الكافي وكتاب التذكير سمع من أبي ذر الهروي وجماعة.
(3/91)

سنة سبع وسبعين واربع مائة
فيها سار صاحب قونية سليمان السلجوقي إلى الشام بجيوشه، فأخذ أنطاكية، وكانت بيد النصارى منذ مائة وعشرين سنة، وكان ملكها قد سار عنها إلى بلاد الروم، ورتب بها نائباً، فأساء إلى أهلها وإلى الجند في إقامته بها. فلما دخل بلاد الروم، واتفق ولده والنائب المذكور على تسليمها إلى صاحب قونية، وكاتبوه، فأسرع في البحر، ثم طلع، وسار إليها في جبال وعرة، فأتاها بغتة، فنصب السلالم ودخلها، وقتل جماعة، وعفا عن الرعية، وأخذ منها أموالاً لا تحصى، ثم بعث إلى السلطان ملك شاه، يبشره بالفتح. وكان صاحب الموصل يأخذ الوظيفة من أنطاكية، فطلب العادة من سليمان، فقال له ذلك المال جزية، وأنا بحمد الله مؤمن.
وفيها توفي ذو الوزارتين محمد بن عمار الأندلسي الشاعر المشهور. كانت ملوك الأندلس تخافه لبذاءة لسانه وبراعة جنانه. وكان جليساً وشهيراً ووزيراً ومشيراً لصاحب الأندلس في زمانه، ثم خلع عليه خاتم الملك، ووجهه أميراً، فتبعته المواكب والمضارب والنجائب والكتائب والجنود، وضربت خلفه الطبول، ونشرت على رأسه الرايات، فملك مدينة تدمير بضم المثناة من فوق وكسر الميم وسكون الدال المهملة بينهما وقبل الراء مثناة من تحت ساكنة وأصبح راقي منبر وسرير، مع ما كان فيه من عدم السياسة وسوء التدبير، ثم بادر إلى عقوق من قربه، فانقلبت الدائرة عليه خوفاً، وخاف فيما طلبه، وحصل في القبصة قبيصاً، وأصبح لا يجد له محيصاً، إلى أن قتل في قصره، وأضحى مدفوناً في قبره، وله أشعار جميلة، ومن جملة قصيدة له طويلة في المعتضد بن عباد:
ملوك العز في عرصاتهم ... ومثوى المعالي بين تلك المعالم
هو البيت يا عز الضنى لبنائه ... بأس وما عز القنا لدعائم
وفيها توفي العالم النبيل اسماعيل بن معبد بن اسماعيل ابن الإمام أبي بكر الإشبيلي الجرجاني. كان وافر الحشمة، له يد في النظم والنثر. وفيها قيل في التي قبلها توفيت أم الفضل بنت عبد الصمد الهروية. لها جزء مشهور بها، يرويه عن عبد الرحمن بن أبي شريح. عاشت تسعين سنة. وفيها توفي أبو سعيد عبد الله ابن الإمام عبد الكريم بن هوازن القشيري، أكبر الإخوة،
(3/92)

وعاشت أمه فاطمة بنت الشيخ أبي علي الدقاق بعد أربعة أعوام، وعمره أربع وستون سنة. وفيها توفي الفقيه الإمام مفيد الطلاب، ومفتي الأنام: عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد البغدادي أبو نصر المعروف بابن الصباغ. كان فقيه العراقين، وكان يضاهي الشيخ أبا إسحاق الشيرازي. وبعضهم يرجحه عليه في معرفة المذهب. قلت: يعنون في معرفة الفروع، وأما معرفة الأصول أو المباحث العقلية فأبو إسحاق مرجح عليه وعلى عامة الفقهاء، إلا ما شاء الله تعالى. وكان يرحل إليه من البلدان، وكان تقياً صالحاً حجة. ومن مصنفاته كتاب الشامل في الفقه، وهو من أجود كتب الشافعية وأصحها نقلاً وأثبتها أدلة. وله كتاب تذكرة العالم والطريق السالم والعدة في أصول الفقه وولي التدريس في النظامية، على ما تقدم إيضاحه في ترجمة الشيخ أبي إسحاق، وقيل إنه كف بصره في آخر عمره. وفي السنة المذكورة توفي الشيخ الجليل الكبير الشأن الفضل بن محمد المرشد شيخ خراسان، أبو علي المعروف بالفارمدي. قال الشيخ عبد الغافر: هو شيخ الشيوخ في عصره، المنفرد بطريقته في التذكير التي لم يسبق إليها في حسن عبارته وتهذيبه، وحسن آدابه، ومليح استعارته، ودقة إلطافه، دخل نيسابور، وصحب الأستاذ أبا القاسم القشيري، وأخذ في الاجتهاد البالغ إلى أن نال، وحصل له عند نظام الملك قبول خارج عن الحد روى عن جماعة، وعاش سبعين سنة.
وفيها توفي الحافظ أبو سعيد مسعود بن ناصر السجزي، رحل، وصنف، وحدث عن جماعة، وقال الدقاق: لم أر أجود إتقاناً ولا أحسن ضبطاً منه.
؟ سنة ثمان وسبعين واربع مائة
فيها صارت الفتنة بين الرافضة والسنية، اقتتلوا، وأحرقت أماكن. وفيها توفي الحافظ المتقن أبو العباس أحمد بن عمر الأندلسي. روى عن أبي الحسن بن جهضم وطائفة، ومن جلالته أنه روى عنه إماما الأندلس: ابن عبد البز وابن حزم. وله كتاب دلائل النبوة. وفيها ليلة الجمعة ثامن عشر شوالها توفي الإمام الكبير الفقيه البارع المجيد ذو الوصف الحميد، والمنهج السديد أبو سعد على القول الأصح وقيل: أبو سعيد المتولي: عبد الرحمن ابن محمد المعروف بالمتولي النيسابوري، شيخ الشافعية، وتلميذ القاضي حسين. كان جامعاً بين العلم والدين، وحسن السيرة وتحقيق المناظرة، له يد قوية في الأصول والفقه، والخلاف
(3/93)

والتدريس. وصنف كتاب التتمة، تمم به كتاب الإبانة تصنيف شيخه أبي القاسم الفوراني بالنون قبل ياء النسبة والفاء المضمومة قبل الواو والراء بعدها ودرس بالنظامية بعد الشيخ أبي إسحاق عشرين يوماً، ثم صرف بابن الصباغ، ثم صرف ابن الصباغ به، واستمر بها أبو سعد إلى أن توفي، وتخرج به جماعة من الأئمة، وسمع الحديث، وصنف في الفقه، وعجلته المنية قبل إتمامه التتمة، وأتمه من بعده جماعة، ولم يأتوا بالمقصد، ولا سلكوا طريقه، فإنه جمع في كتابه الغرائب من المسائل، والوجوه الغريبة التى لا تكاد توجد في كتاب غيره. وله في الفرائض مختصر صغير مفيد جداً، وله في الخلاف طريقة جامعة لأنواع المسائل، وله في أصول الدين تصنيف صغير، وكل تصانيفه نافعة. قال بعض المؤرخين: ولم أعلم لأي معنى دعي المتولي. وفيها توفي أبو معشر عبد الكريم بن عبد الصمد الطبري المصري، نزيل مكة، وصاحب كتاب التلخيص. وفيها توفي شيخ المعتزلة محمد بن أحمد الكرخي، وقاضي القضاة أبو عبد الله الدامغاني محمد بن علي الحنفي. تفقه بخراسان ثم ببغداد على القدوري، وسمع من الصوري وجماعة، وكان نظير القاضي أبي يوسف في الجاه والحشمة والسؤدد، بقي في القضاء دهراً دفن في القبة إلى جنب الإمام الأعظم أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه. وفيها توفي الإمام الحفيل السيد الجليل، المجمع على إمامته، المتفق على غزارة مادته وتفننه في العلوم من الأصول والفروع والأدب وغير ذلك، الإمام الناقد المحقق البارع النجيب المدقق، أستاذ الفقهاء المتكلمين، وفحل النجباء والمناظرين، المقر له بالنجابة والبراعة، وتحقيق التصانيف وملاحتها، وحسن العبارة وفصاحتها، والتقدم في الفقه، ذو الأصلين: النجيب ابن النجيب، إمام الحرمين، حامل راية المفاخر وعلم العلماء الأكابر: أبو المعالي عبد الملك ابن ركن الإسلام أبي محمد، فخر الإسلام والأئمة، ومفتي الإمام المجمع على إمامته شرقاً وغرباً، المقر بفضله السراة والحراة، عجماً وعرباً، رباه حجر الإمامة، وحرك ساعد السعادة مهده، وأرضعه ثدي العلم والورع، إلى أن ترعرع فيه ونفع، أخذ العربية وما يتعلق بها أوفر حظ ونصيب، وزاد فيها على كل أدب، ورزق من التوسع في العبارة بعلوها ما لم يعهد من غيره، حتى أنسى ذكر سبحان، وفاق فيها الأقران، وحمل القرآن، وأعجز الفصحاء اللد، وجاوز الوصف والحد، وكان يذكر دروساً، يقع كل واحد منها في أطباق وأوراق، يتلعثم في كلمة، ولا يحتاج فيها إلى استدراك غيره، يمر فيها كالبرق الخاطف بصوت مطابق كالرعد القاصف، لا يلحقه المبرزون، ولا يدرك شأوه المتشدقون المتفيهقون،
(3/94)

وما يوجد في كثير من العبارات البالغة كنه الفصاحة، غيض من فيض ما كان على لسانه، وغرفه من أمواج ما كان يعهد من بيانه. تففه في صباه على والده ركن الاسلام، وكان يزهى بطبعه وتحصيله، وجودة قريحته، وكياسة غريزته، لما يرى فيه من المخائل، ثم خلفه من بعد وفاته، وأتى على جميع مصنفاته، فقلبها ظهر البطن، وتصرف فيها، وخرج المسائل بعضها على بعض، ودرس سنين، ولم يرض في شبابه وتقليد والده وأصحابه، حتى أخذ في التحقيق، وجد، واجتهد في المذهب والخلاف ومجالس النظر، حتى ظهرت نجابته، ولاح على أيامه همه أبيه وفراسته، وسلك طريق المباحثة، وجمع الطرف بالمطالعة والمناظرة، حتى أربى على المتقدمين، وأنسى مصنفات الأولين، وسعى في دين الله سعياً يبقى أثره إلى يوم الدين. ومن ابتداء أمره أنه لما توفي أبوه، كان سنه دون العشرين أو قريباً منها، فأقعد مكانه للتدريس، وكان يقيم الرسم في درسه، ويقوم منه، ويخرج إلى مدرسة الإمام البيهقي، حتى حصل الأصول
وأصول الفقه على الأستاذ الإمام أبي القاسم الإسكاف، وكان يواظب على مجلسه. قال الراوي: وسمعته يقول في أثناء كلامه: كتبت عليه في الأصول أجزاء معدودة، وطالعت في نفسي مائة مجلدة، وكان يصل الليل بالنهار في التحصيل، حتى فرغ منه، وكان يبكر قبل الاشتغال بالتدريس إلى مسجد الأستاذ أبي عبد الله الخبازي، يقرأ عليه القرآن، ويقتبس من كل نوع من العلوم ما يمكن، مع مواظبته على التدريس، ويجتهد في ذلك، ويواظب على المناظرة، إلى أن ظهر التعضب بين الفريقين: الأشعرية والمبتدعة، واضطربت الأحوال والأمور، واضطر إلى السفر والخروج عن البلاد والوطن، فخرج مع المشايخ إلى العسكر، ثم خرج إلى بغداد، يطوف ويلتقي الأكابر من العلماء ويدارسهم، ويناظرهم، حتى تهذب في النظر، وشاع ذكره، واشتهر. ثم خرج إلى الحجاز وجاور بمكة أربع سنين، يدرس ويفتي، ويجمع طرق المذهب، صول الفقه على الأستاذ الإمام أبي القاسم الإسكاف، وكان يواظب على مجلسه. قال الراوي: وسمعته يقول في أثناء كلامه: كتبت عليه في الأصول أجزاء معدودة، وطالعت في نفسي مائة مجلدة، وكان يصل الليل بالنهار في التحصيل، حتى فرغ منه، وكان يبكر قبل الاشتغال بالتدريس إلى مسجد الأستاذ أبي عبد الله الخبازي، يقرأ عليه القرآن، ويقتبس من كل نوع من العلوم ما يمكن، مع مواظبته على التدريس، ويجتهد في ذلك، ويواظب على المناظرة، إلى أن ظهر التعضب بين الفريقين: الأشعرية والمبتدعة، واضطربت الأحوال والأمور، واضطر إلى السفر والخروج عن البلاد والوطن، فخرج مع المشايخ إلى العسكر، ثم خرج إلى بغداد، يطوف ويلتقي الأكابر من العلماء ويدارسهم، ويناظرهم، حتى تهذب في النظر، وشاع ذكره، واشتهر. ثم خرج إلى الحجاز وجاور بمكة أربع سنين، يدرس ويفتي، ويجمع طرق المذهب
ويقلل على تحصيل، وبهذا قيل له إمام الحرمين، قلت: هكذا قيل إنه لقب بهذا اللقب بهذا السبب، وكأنه صار متعيناً في الحرمين، متقدماً على علمائهما، مفتياً فيهما، ويحتمل أنه على وجه التفخيم له كما هو العادة في أقوالهم ملك البحرين وقاضي الخافقين. ونسبة إمامته في الحرمين لشرفهما، توصلا إلى الإشارة إلى شرفه وفضله، وبراعته ونبله، وتحقيقه وفهمه وعند الله في ذلك حقيقة علمه. ثم رجع بعد مضي نوبة التعصب، فعاد إلى نيسابور، وقد ظهرت نوبة السلطان ألب أرسلان، وتزين وجه الملك بإشارة نظام الملك، واستقرت أمور الفريقين، وانقطع
(3/95)

التعصب، فعاد إلى التدريس، وكان بالغاً في العلم نهاية، مستجمعاً أسبابه، فبنيت المدرسة الميمون النظامية، وأقعد للتدريس فيها، واستقامت أمور الطلبة، وبقي ذلك قريباً من ثلاثين سنة من غير مزاحم ولا مدافع، فسلم له المحراب والمنبر، والخطابة والتدريس، ومجلس التذكير يوم الجمعة والمناظرة، وهجرت له المجالس، فانغمز غيره من الفقهاء بعلمه وتسلطه. قلت: يعني اقتداره على العلوم والتصرف فيها وكسدت الأسواق في جنبه، ونفق سوق المحققين من خواصه وتلامذته، وظهرت تصانيفه، وحضر درسه الأكابر والجمع العظيم من الطلبة، وكان يقعد بين يديه كل يوم نحو ثلاثمائة رجل من الأئمة والطلبة، وتخرج به جماعة من الأئمة الفحول وأولاد الصدور، حتى بلغوا محل التدريس في زمانه، وانتظم بإقباله على العلم، ومواظبته على التدريس والمناظرة، والمباحثة أسباب ومحافل، ومجامع وإمعان في طلب العلم، وسوق نافقة لأهله، لم تعهد قبله. واتصل به ما يليق بنصبه من القبول عند السلطان والوزير والأركان، ووفور الحشمة عندهم، بحيث لا يذكر من غيره، وكان المخاطب والمشار إليه، والمقبول من قبله، والمهجور من هجره، المصدر في المجالس، من ينتهي إلى خدمته، والمنظور إليه، من يعترف في الأصول والفروع من طريقته، واتفق منه تصانيف، مثل النظامي والغياتي حصل بسببها موقع القبول، بما يليق بها من الشكر والرضاء، والخلع الفائقة والمراكب الثمينه، والهدايا والموسومات، كذلك إلى أن قلد زعامة الأصحاب، ورئاسة الطائفة، وفوض اليه أمور الأوقاف، وصارت حشمة وزراء العلماء والأئمة والقضاة، وقوله في الفتوى مرجع العظماء والأكابر والولاة، واتققت له نهضة في أول ما كان من أيامه إلى اصبهان، بسبب مخالفة بعض الأصحاب، فلقي بها من المجلس النظامي ما كان اللائق بمنصبه من الاستيشار والإعزاز والإكرام بأنواع المبار، وأجيب بما كان فوق مطلوبه، وعاد مكرماً إلى نيسابور، وصار أكثر عنايته مصروفاً إلى تصنيف الكتاب الكبير في المذاهب، المسمى بنهاية المطلب في دراية المذهب، حتى حرره، وأملاه، وأتى فيه من البحث والتقرير، والسبك والتنقير، والتدقيق والتحقيق، بما شفى العليل، وأوضح السبيل، ونبه على قدره ومحله في علم الشريعة، ودرس ذلك للخواص والتلامذة، وفرغ منه ومن إتمامه، فعقد مجلساً لتتمة الكتاب، حضره الأئمة والكبار، وختم الكتاب على رسم الإملاء والاستملاء، وتبجح الجماعة بذلك، ودعوا له، وأثنوا عليه، وكانوا من المعتدين بإتمام ذلك، شاكرين عليه، فما صنف في الإسلام قبله مثله، ولا اتفق لأحد ما اتفق له، ومن قاس طريقته وطريقة المتقدمين في الأصول والفروع، وأنصف، أقر بعلو منصبه ووفور تعبه ونصبه في الدين، وكثرة شهرته في استنباط الغوامض، وتحقيق المسائل، وترتيب الدلائل.
(3/96)

ومن تصانيفه المشهورة المفيدة النافعة الحميدة الشامل في أصول الدين، والإرشاد والعقيدة النظامية وغياث الأمم في الإمانة ومغيث الخلق في اختيار الحق والبرهان في أصول الفقه وتلخيص التقريب وكتاب تلخيص نهاية المطلب، ولم يتمه وغنية المسترشدين في الخلاف، وغير ذلك من الكتب. وقال الراوي: ولقد قرأت فصلاً ذكر علي بن حسن بن أبي الطيب في كتاب دمية
القصر مشتملاً على حاله. قلت: وقد وقفت على ما ذكره فيه، وبالغ في مدحه، وشكره بمحاسن يطول ذكرها، ويعظم شكرها، منها قوله: فالفقه فقه الشافعي، والأدب أدب الأصمعي، وحسن بصيرة بالمواعظ الحسن البصري، وكيفما كان فهو إمام كل إمام، المستعلي بهمته على كل همام، والفائز بالظفر على إرغام كل ضرغام. وقال الشيخ أبو الحسن بن أبي عبد الله الأديب في كتابه: كم له من فضل مشتمل على العبارة الفصيحة العالية، والنكت البديعة والنادرة، في المحافل منه سمعناه، وكم من مسائل في النظر شهدناه، ورأينا منه في إقحام الخصوم وعهدناه، وكم من مجلس في التذكير للعوام مسلسل المسائل، مشحون بالنكت المستنبطة من مسائل الفقه، مشتملة على حقائق الأصول، مبكية في التحذير، مفرحة في التبشير، مختومة بالدعوات وفنون المناجاة، حضرناه وكم من مجمع للتدريس جاء، وللكبار من الأئمة وإلقاء المسائل عليهم والمباحث في غورها رأيناه، وحصلنا بعض ما أمكننا منه وعقلناه، ولم نقدر ما كنا فيه من نصرة أيامه وزهرة شهوره وأعوامه حق قدره، ولم نشكر الله عليه حق شكره حتى فقدناه وسلبناه. قال: وسمعته يقول في أثناء كلامه: أنا لا أنام، ولا آكل عادة، وإنما أنام إذ غلبني النوم ليلاً كان أو نهاراً، آكل إذا اشتهيت أي وقت كان. وكانت لذته ولهوه ونزهته في مذاكرة العلم وطلب الفائدة من أي نوع كان. وقال: لقد سمعت الشيخ أبا الحسن المجاشعي النحوي القادم علينا سنة تسع وستين وأربع مائة يقول: وقد قبله الإمام فخر الإسلام وقابله بالإكرام، وأخذ قي قراءة النحو عليه وتلمذ له بعد أن كان إمام الأئمة في وقته، وكان يحمله كل يوم إلى داره، ويقرأ عليه كتاب أكسير الذهب في صنعة الأدب من تصنيفه. وكان يحكي ويقول: ما رأيت عاشقاً للعلم أي نوع كان كمثل هذا الإمام، فإنه يطلب العلم للعلم، هذا بعض كلامه. قال بعض الأئمة: وكان كذلك.
(3/97)

ومما له من الجلالة والمفاخر ما أتى عليه الجلة الأكابر المشهورون بجلالة القدر والتقدم من علماء العصر، كجمال العلماء المجمع على فضله وجلالته، وعلو منزلته وإمامته، الشيخ أبي إسحاق الشيرازي. قال الإمام أبو سعد السمعاني: قرأت بخط أبي جعفر محمد بن علي الهمداني: سمعت الشيخ أبا إسحاق الفيروزأبادي يقول: تمتعوا بهذا لإمام، فإنه نزهة هذا الزمان، يعني أبا المعالي الجويني. وقال ابن خلكان في تاريخه: قاد أبو حامد: سمعت الشيخ أبا إسحاق الشيرازي يقول لإمام الحرمين: يا مفيد أهل المشرق والمغرب؛ نلت اليوم إمام الأئمة. قلت: وكذلك الإمام أبو المعالي المذكور، عظم الإمام أبا إسحاق المذكور، كما تقدم من حمله الغاشية بين يديه. ومن حميد سيرة أبي المعالي أنه كان ما يستصغر أحداً حتى يسمع كلامه مبتدئاً كان، أو منتهياً صغيراً كان، أو كبيراً ولا يستنكف من أن يعزي الفائدة المستفادة إلى قائلها، ويقول: إن هذه الفائدة مما استفدته من فلان، ولا يحتال أحداً أيضاً في التزييف إذا لم يرض كلامه ولو كان أباه أو احداً من الأئمة المشهورين.
قلت: ومن ذلك قوله في بعض المسائل بعد ذكره مقال والده فيها: وهذه زلة من الشيخ يعني والده. وكان من التواضع لكل أحد بمحل، ويتحمل منه الاستهزاء لمبالغة فيه، ومن رقة القلب بحيث يبكي إن سمع بيتاً، أو تفكر في نفسه ساعة، وإذا شرع في حكاية لأحوال، وخاض في علوم الصوفية في فصول مجالسه للغدوات، حتى أبكى الحاضرين ببكائه، وتقطر الدماء من الجفون لزعقاته وإشاراته واحتراقه في نفسه، وتحققه بما يجري من دقائق الأسرار. هذه الجملة نبذ مما عهدناه منه إلى انتهاء أجله. ولما توفي رحمه الله صاح الصائح من كل جانب، وجزع الخلق عليه جزعاً لم يعهد مثله، ولم تفتح الأبواب في البلد، ووضعت المناديل عن الرؤوس عاماً، بحيث ما اجترأ احد على ستر رأسه من الرؤوس والأكابر، وصلي عليه بعد جهد وشدة زحمة، ودفن في داره، ثم نقل بعد سنين إلى مقبرة الحسين، وكسر منبره في الجامع، وقعد الناس للعزاء أياماً. وكان طلبته قريباً من أربعمائة، يتفزقون في البلد نائحين عليه، وكان عمره تسعاً وخمسين سنة. وسمع الحديث من جماعة كثيرة، وله إجازة من الحافظ أبي نعيم الأصبهاني، صاحب حلية الأولياء، وقد سمع سنن الدارقطني من أبي سعيد بن عليك، وكان يعتمد تلك الأحاديث في مسائل الخلاف، ويذكر الجرح والتعديل منها في الرواية، وظني أن آثار جده واجتهاده في دين الله تعالى يدوم إلى قيام الساعة وإن انقطع نسله من جهة الذكور ظاهراً
(3/98)

فنشر علمه يقوم مقام كل نسب، ويغني عن كل سبب مكتسب. قلت: ومن المشهور المذكور في بعض التواريخ وغيرها أن والده الشيخ أبا محمد كان في أول أمره ينسخ بالأجرة، فاجتمع له من كسب يده شيء اشترى به جارية موصوفة بالخير والصلاح، ولم يزل يطعمها من كسب يده أيضاً إلى أن حبلت بإمام الحرمين وهو مستمر على تربيتها بمكتسب الحلال فلما وضعته، أوصاها أن لا تمكن أحداً من إرضاعه، فاتفق أنه دخل عليها يوماً وهي متألمة، والصغير يبكي، وقد أخذته امرأة من جيرانهم، وشاغلته بثديها فرضع منها قليلاً فلما رآه شق عليه، وأخذه إليه، ونكس رأسه، ومسح على بطنه، وأدخل إصبعه في فيه، ولم يزل يفعل ذلك حتى قاء جميع ما شربه، وهو يقول: يسهل علي أن يموت، ولا يفسد طبعه بشرب لبن غير أمه. ويحكى عن إمام الحرمين أنه كان يلحقه في بعض الأحيان فترة في مجلس المناظرة، فيقول: هذا من بقايا تلك الرضاعة، ومولده في ثاني عشر المحرم، سنة تسع عشرة وأربع مائة، ولما مرض حمل إلى قرية من أعمال نيسابور، موصوفة باعتدال الهواء وخفة الماء، فمات بها، ونقل إلى نيسابور، ودفن في داره، ثم نقل بعد سنين إلى مقبرة الحسين كما تقدم ودفن بجنب أبيه، وصلي عليه ولده أبو القاسم، وأكثر الشعراء المراثي، ومما رثي به:
قلوب العالمين على المعالي ... وأيام الورى شبه الليالي
أيثمر غصن أهل الفضل يوماً ... وقد مات الإمام أبو المعالي؟

سنة تسع وسبعين واربع مائة
فيها نزل تتش حلب، ثم أخذها. وساق السلطان ملك شاه من أصبهان فقدم حلب، وخافه أخوه تتش، فهرب. وفيها وقعة الزلاقة، وذلك أن ملك الإفرنج جمع الجيوش، فاجتمع المعتمد يوسف بن تاشقين أمير المسلمين والمطوعة، فأتوا الزلاقة من عمل بطليو، فالتقى الجمعان، فوقعت الهزيمة على أعداء الله تعالى، وكانت ملحمة عظيمة في أول جمعة من رمضان، وجرح المعتمد عدة جراحات شديدة، وطابت الأندلس، فعمل الأمير ابن تاشقين
(3/99)

على تملكها.
ولما افتتح ملك شاه حلب والجزيرة، قدم بغداد وهو أول قدومه إليها ثم خرج يصيد، وعمل منارة القرون من كثرة وحش صاده، ثم رد إلى أصبهان. وفيها أعيدت الخطبة العباسية بالحرمين، وقطعت خطبة العبيديين. وفيها توفي شيخ الشيوخ ببغداد: أبو سعد أحمد بن محمد النيسابوري، وكان منظما عند نظام الملث وأهل الدولة، وله رباط مشهور ومريدون. وفيها توفي طاهر بن محمد بن محمد أبو عبد الرحمن المستملي، والد زاهر. روى عن أبي بكر الحيري وطائفة. وكان فقيهاً صالحاً ومحدثاً عارفاً، له بصر تام بالشروط. وفيها توفي أبو الحسن علي بن فضال المجاشعي القيرواني، صاحب المصنفات في العربية والتفسير، وكان من أوعيه العلم. وفيها توفي أبو الفضل محمد بن عبد الله النيسابوري الرجل الصالح. روى عن أبي نعيم الاسفرائيني، وأبي الحسن العلوي، وطبقتهما. وفيها توفي مسند العراق أبو نصر محمد بن علي الهاشمي العباسي رحمه الله.

سنة ثمانين واربع مائة
فيها عرس المقتدي بالله على ابنة السلطان، وكان وقتاً مشهوداً، أنفق فيه الخليفة أموالاً كثيرة، وخلع على سائر الأمراء، ومد سماطاً هائلاً. وفيها توفي مقرىء الأندلس عبد الله بن شميل الأنصاري المرسي رحمه الله. وفيها توفيت فاطمة بنت الشيخ أبي علي الدقاق، الزاهدة العابدة، زوجة الأستاذ أبي القاسم القشيري. كانت كبيرة القدر عالية الاسناد. روت عن أبي نعيم الاسفرائيني والحاكم والعلوي وطائفة. وفيها توفيت فاطمة بنت الحسن بن علي الأقرع، أم الفضل البغدادية، الكاتبة التي جودوا على خطها، وكانت تنقل طريقة ابن البواب. حكت أنها كتبت ورقة للوزير الكندي فأعطاها ألف دينار. روت عن أبي عمر الفارسي.
(3/100)

وفيها توفي السيد المرتضى ذو الشرفين: أبو المعالي محمد بن محمد بن زيد العلوي الحسيني الحافظ، قتله الخاقان بما وراء النهر مظلوماً. روى عن أبي علي بن شاذان وخلق، وتخرج بالخطيب، ولازمه، وصنف التصانيف، وحدث بسمرقند وأصبهان وبغداد وكان مقبولاً معظماً وافر الحشمة، يفرق في العام نحو عشرة آلاف درهم زكاة ماله.

سنة احدى وثمانين واربع مائة
فيها توفي أبو بكر الغورجي أحمد بن عبد الصمد الهروي، راوي جامع الترمذي عن الجرجاني. وفيها توفي شيخ الإسلام، أحد الأعلام، القدوة الحافظ: عبد الله بن محمد الهروي الصوفي شيخ: خراسان في زمانه غير منازع، له عدة تصانيف. وفيها توفي ابن ماجة الأبهري - محمد بن أحمد الأصبهاني، عاش خمساً وتسعين سنة.

سنة اثنتين وثمانين وأربع مائة
فيها سار السلطان ملك شاه بجيوشه من أصبهان، وعبر النهر، وملك بخارى وسمرقند مع قتال وحصار، وسار نحو كاشغر، فدخل ملكها في الطاعة، فرجع الى خراسان، ونكث أهل سمرقند، فكر راجعاً إلى سمرقند، وجرت أمور طويلة. وفيها توفي أحمد بن محمد بن صاعد، أبو نضر الحنفي، رئيس نيسابور وقاضيها، وكان يقال له شيخ الاسلام، وقيل: كان مبالغاً في التعصب في المذهب، فأغرى بعضاً ببعض، حتى لعنت الخطباء اكثر الطوائف. وفيها توفي الحافظ أبو اسحاق ابراهيم بن سعيد النعماني مولاهم المصري، عن تسعين سنة، وكان ثقة حجة، صالحاً ورعاً، كبير القدر. وفيها توفي القاضي أبو منصور بن شكرويه محمد بن أحمد الأصبهاني. وفيها توفي مؤلف بستان العارفين محمد بن أبي جعفر المحدث. كان صوفياً عابداً صاحب حديث. روى عن الحاكم وطائفة.
(3/101)

سنة ثلاث وثمانين وأربع مائة
فيها كانت فتنة هائلة لم يسمع بمثلها بين السنية والرافضة، قتل فيها عدد كثير، وعجز والي البلد، واستظهر أهل السنة بكثرة من معهم من أعوان الخليفة، واستكانت الشيعة، وذلوا، ولزموا التقية، وأجابوا إلى أن كتبوا على مساجد الكرخ: خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه - فاشتد الناس على غوغائهم، وخرجوا عن عقولهم، واشتدوا، فنهبوا شارع ابن أبي عون، ثم جرت أمور مزعجة، وعاد القتال حتى بعث صدقة بن مزبل عسكراً، يتتبع المفسدين إلى أن فتر الشر قليلاً. وفيها توفي أبو الحسين عاصم بن الحسن العاصمي الكرخي، الشاعر المشهور. كان ظريفاً، صاحب ملح ونوادر، مع الصلاح والعفة والصدق. مرض في أواخر عمره، فغسل ديوان شعره. وفيها توفي العلامة الواعظ نزيل أصفهان، ومدرس نظاميتها، وشيخ الشافعية بها، ورئيسها: محمد بن ثابت الشافعي الواعظ. وفيها توفي أبو نصر محمد بن سهل السراج، آخر أصحاب أبي نعيم الاسفرائيني. كان ظريفاً نظيفاً لطيفاً.

سنة اربع وثمانين واربع مائة
فيها استولى يوسف بن تاشفين أمير المسلمين على الأندلس، وقبض على المعتمد بن عباد، وأخذ كل شيء يملكه، وترك أولاده فقراء. وفيها استولت الفرنج على جزر صقلية. وفيها توفي الحافظ المعافري الشاطبي، تلميذ ابن عبد البر ظاهر، وكان من أئمة هذا الشأن، مع الورع والتقوى. وفيها توفي الحافظ الزاهد أبو القاسم عبد الله بن علي الانصاري البصري، استشهد بالبصرة، وكان من العبادة والخشوع بمحل، وفيها توفي أبو نصر محمد بن أحمد شيخ المقرئين بمرو.
(3/102)

وفيها توفي مسند الآفاق، كان إماماً في علوم القرآن، كثير التصانيف، - مبين الديانة. عالي الإسناد، وقاضي القضاة أبو بكر الناصحي محمد بن عبد الله بن الحسين النيسابوري. قال الشيخ عبد الغافر: هو في عصره أفضل أصحاب أبي حنيفة، وأعرفهم بالمذهب، وأوجههم في المناظرة، مع حظ وافر من الأدب والطب، ولم تحمد سيرته في القضاء. وفيها توفي المعتصم محمد بن معن الأندلسي التجيبي صاحب المرية ومحاوية والصمارحية من بلاد الأندلس، وتوفي وجيش ابن تاشفين محاصرون.

سنة خمس وثمانين واربع مائة
فيها أخذت ركب العراق خفاجة بالخاء المعجمة والفاء والجيم بين الالف والهاء، وكان الحريق ببغداد، احترق فيه من الناس عدد كثير وأسواق كبار من الظهر إلى العص. وفي عاشر رمضان فيها، قتل الوزير الكبير الحميد الشهير، نظام الملك، قوام الدين: أبو علي الحسين بن علي بن إسحاق الطوسي، كان من جلة الوزراء. قلت: وهذا أول ما بلغناه من التلقيب بفلان الدين، ثم استمر ذلك إلى يومنا، وإنما كانوا يلقبون بفلان الدولة والملك من يعظم شأنه عندهم، ثم عموا التلقيب بالدين فيما بعد، حتى في السوقية والفجرة، لقبوهم بنور الدين وشمس الدين وزين الدين وكمال الدين وأشباه ذلك - ممن هم ظلام الدين وشين الدين ونقص الدين وأشباه ذلك من أضداد الدين، وإلى ذلك أشرت بقولي في بعض القصائد: يسمى فلان الدين من هو عكس ما يسمى به حاوي الصفات الدنيه، فالنور ظلامة، والكمال نقيصة، ومحيي مميت، ثم عكس التقية سوى السيد الحبر النواوي، وشبهه إمام الهدى محيي الدين. وما أحسن ما قال الشيخ بركة الزمن وزين اليمن ذو المجد الأثيل: أحمد بن موسى بن عجيل، قال رضي الله عنه: تتبعت هذه الألقاب فلم أجد منها صادقاً إلا صارم الدين، يعني: قاطع الدين. رجعنا إلى ذكر الوزير نظام الملك، ذكره أبو سعد السمعاني فقال: كعبة المجد ومنبع الجود، كان مجلسه عامراً بالقراء والفقهاء، أنشأ المدارس بالأمصار، ورغب في العلم،
(3/103)

وأملى، وحدث، وعاش ثمانياً وسبعين سنة، اشتغل في ابتداء أمره بالحديث والفقه، ثم اتصل بخدمة علي بن شاذان المعتمد عليه بمدينة بلخ، وكان يكتب له، ثم خلاه وقصد داود بن مكائيل السلجوقي بالسين المهملة والجيم والقاف والد السلطان ألب أرسلان - فطهر له منه النصح والمحبة، فسلمه إلى ولده المذكور، وقال له: أتخذه والداً، ولا تخالفه فيما يشير به.
ثم لما توفي داود، وملك ولده المذكور، دبر نظام الملك أمره، فأحسن التدبير، وبقي في خدمته عشرين سنة، ثم توفي السلطان المذكور، فازدحم أولاده على الملك، ثم آل أمر المملكة لولده ملك شاه، فصار الأمر كله للنظام، وليس للسلطان إلا التخت والصيد، وأقام على هذا عشرين سنة، ودخل على الإمام المقتدي بالله، فأذن له بالجلوس بين يديه، وقال له: يا حسن، رضي الله عنك برضى المؤمنين عنك. وكان مجلسه عامراً بالفقهاء والصوفية، وكان كثير الإنعام على الصوفية، فسئل عن سبب ذلك فقال: أتاني صوفي وأنا في خدمة بعض الأمراء، فوعظني، وقال: اخدم من تنفعك خدمته، ولا تشتغل بما يأكله الكلاب غداً. فلم أعلم معنى قوله، فشرب ذلك الأمير من الغد - وكانت له كلاب كالسباع، تفترس الغرباء - فغلبه السكر، فخرج وحده، فلم تعرفه الكلاب، فمزقته، فعلمت أن الرجل كوشف بذلك. فأنا أخدم الصوفية لعلي أظفر بمثل ذلك، وكان إذا سمع الأذان أمسك عن جميع ما هو فيه، وكان إذا قدم عليه أبو المعالي إمام الحرمين، وأبو القاسم القشيري صاحب الرسالة بالغ في إكرامهما، وأجلسهما في مسند. وبنى المدارس والربط والمساجد في البلاد، فاقتدى به الناس، وشرع في عمارة مدرسته ببغداد سنة سبع وخمسين وأربع مائة. وفي سنة تسع وخمسين جمع الناس على طبقاتهم ليدرس بها الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، فلم يحضر، ودرس أبو نصر بن الصباغ بها عشرين يوماً، ثم درس بها الشيخ أبو إسحاق قلت: وقد تقدم إيضاح ذلك، وبيان سبب تغيب الشيخ أبي إسحاق عن التدريس في أول الأمر، وتدريسه بها فيما بعد، في ترجمته في سنة ست وسبعين وأربع مائة، واسمع نظام الملك الحديث بعدما سمعه، وكان يقول: إني لأعلم أني لست أهلاً لذلك، ولكني أريد أن أربط نفسي في قطار النقلة لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ويروى له من الشعر قوله:
بعد ثمانين ليس قوه ... ذهبت نشوة الصبوه
كأنني والعصا بكفي ... موسى، ولكن بلا نبوه
(3/104)

وقيل إن هذين البيتين لأبي الحسن محمد بن أبي الصقر الواسطي. كانت ولادة نظام الملك يوم الجمعة الحادي والعشرين من ذي القعدة سنة ثمان وأربع مائة في طوس، وتوجه في صحبة ملك شاه إلى أصبهان، فلما كانت ليلة عاشر رمضان من السنة المذكورة أفطر، وركب في محفته، فلما بلغ إلى قرية قريبة من نهاوند قال: هذا الموضع قتل فيه خلق كثير من الصحابة في زمن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وطوبى لمن كان منهم فاعترضه صبي ديلمي على هيئة الصوفية معه قصعة، فدعا له، وسأل بتناولها، فمد يده ليأخذها، فضربه بسكين في فؤاده، فحمل إلى مضربه، فمات، وقتل القاتل في الحال، وركب السلطان إلى معسكره، فسكنهم، وحمل إلى أصبهان، ودفن بها. وقيل إن السلطان دس عليه من قتله، فإنه سئم من طول حياته، واستكثر ما بيده من الاقطاعات، ولم يعش السلطان بعده إلا خمسة وثلاثين يوماً.
وقيل إنه قتل بسبب تاج الملك أبي الغنائم المرزباني، فإنه كان عدو نظام الملك، وكان كثير المنزلة عند مخدومه ملك شاه، فلما قتل رتبه موضعه في الوزارة، ثم إن غلمان نظام الملك وثبو عليه، فقتلوه، وقطعوه إرباً إرباً بعد قتل نظام الملك بدون أربعة اشهر. وقد كان نظام الملك من حسنات الدهر. ورثاه شبل الدولة أبو الهيجاء: مقاتل بن عطية البكري، فقال:
كان الوزير نظام الملك لؤلؤة ... نفيسة صاغها الرحمن من شرف
عزت فلم تعرف الأيام قيمتها ... فردها غيرة منه إلى الصدف
وفي السنة المذكورة توفي محدث مكة أبو الفضل جعفر بن يحيى الحكاك، كان متقياً حجة صالحاً. روى عن أبي ذر الهروي وطائفة، وعاش سبعين سنة. وفيها توفي الإمام الكبير العالم الشهير أبو بكر الشاشي محمد بن علي بن حامد الفقيه شيخ الشافعية، صاحب الطريقة المشهورة والمصنفات المشكورة، درس مدة بغزنة ثم بهراة ونيسابور، وحدث عن منصور الكاغذي، وتفقه في بلاده على أبي بكر السبخي، وعاش نيفاً وتسعين سنة. وفيها توفي أبو عبد الله محمد بن عيسى التجيبي مقرىء الأندلس، أخذ عن أبي عمر والداني ومكي بن أبي طالب وجماعة. وفيها توفي السلطان ملك شا، أبو الفتح جلال الدولة، ابن السلطان ألب أرسلان
(3/105)

محمد بن داود السلجوقي التركي. تملك ما وراء النهر وبلاد الهياطلة، وبلاد الروم والجزيرة، والشام والعراق، وخراسان وغير ذلك. قال بعض المؤرخين: ملك من مدينة كاشغر الترك إلى بيت المقدس طولاً، ومن قسطنطينية وبلاد الجرت إلى نهر الهند عرضاً، وكان حسن السيرة محسناً إلى الرعية، وكانوا يلقبونه بالملك العادل، وكان ذا عزم بالعمائر وبالصيد، فحفر كثيراً من الأنهار، وصنع بطريق مكة مصانع، وغرم عليها أموالاً كثيرة خارجة عن الحصر، وأبطل المكوس في جميع البلاد، وكان لهجاً بالصيد حتى قيل: إنه ضبط ما اصطاده بيده، فكان عشرة آلاف، فتصذق بعشرة آلاف دينار، وقال: إني خائف من الله - سبحانه - من إزهاق الأرواح من غير مأكلة، وصار بعد ذلك كلما قتل صيداً تصدق بدينار. وخرج من الكوفة لتوديع الحاج، فجاوز العذي، وشيعهم بالقرب من الواقصة، وصاد في طريقه وحشاً كثيراً، فبنى هناك منارة في حوافر الحمر الوحشية وقرون الظباء التي صادها في ذلك الطريق، وذلك في سنة ثمانين وأربع مائة. قالى ابن خلكان: والمنارة باقية إلى الآن، وتعرف بمنارة القرون. انتهى قوله. قلت وكثير من الناس يسمونها أم القرون، وكانت السبل في أيامه ساكنة، والمخاوف آمنة، تسير القوافل من ما وراء النهر إلى الشام، وليس معها خفير، ويسافر الواحد والاثنان من غير خوف. ولما توجه لحرب مر بمشهد علي، فدخل هو ووزيره نظام الملك، ودعوا، ثم سأل نظام الملك: بأي شيء دعوت؟ فقال: بنصرك على أخيك. فقال: أما أنا، فقلت: اللهم انصرنا، وأصلحنا للمسلمين. ودخل عليه واعظ فوعظه، وحكى له أن بعض الأكاسرة اجتاز منفرداً من عسكره على باب بستان، فتقدم إلى الباب، وطلب ما يشربه، فأخرجت له صبية إناء فيه ماء والسكر والثلج، فشربه، واستطابه، فقال: هذا، كيف يعمل؟ فقالت: إن قصب السكر يزكو عندنا حتى نعصره بأيدينا، فيخرج منه هذا الماء، فقال: ارجعي وأحضري شيئاً آخر. وكانت الصبية غير عارفة به، ففعلت، فقال في نفسه: الصواب أن أعوضهم عن هذا المكان، وأصطفيه لنفسي. فما كان بأسرع من خروجها باكية، وقالت: إن نتة سلطاننا قد تغيرت، فقال: ومن أين علمت ذلك؟ قالت: كنت آخذ من هذا ما أريد من غير تعسف، والآن قد اجتهدت من عصر القصب، فلم يسمح ببعض ما كان يأتي. فعلم صدقها، فرجع عن تلك
(3/106)

النية، ثم قال: ارجعي الآن، فإتك تبلغين الغرض. وعقد على نفسه أن لا يفعل ما نواه، فخرجت الصبية ومعها ما شاءت من ماء السكر، وهي مستبشرة، فقال السلطان للواعظ: لم لا تذكر للرعية أن كسرى اجتاز على بستان فقال للناطور: ناولني عنقوداً من الحصرم؟ فقال له: ما يمكنني ذلك، فإن السلطان لم يأخذ حقه، ولا يجوز خيانته، فتعجب الحاضرون من مقابلته بمثلها، ومعارضته بما أوجب الحق له ما أوجب الحق عليه. وحكي أن مغنية أحضرت إليه - وهو بالري فأعجب بها، واستطاب غناها، فهم بها، فقالت: يا سلطان، إني أغار على هذا الوجه الجميل أن يعذب بالنار، وإن الحلال أيسر، وبينه وبين الحرام كلمة، فقال: صدقت، واستدعى القاضي، فزوجها منه، وابتنى بها، وتوفي عنها، وعيون محاسنه أكثر من أن تحصى. وحكى الهمداني أن نظام الملك - الوزير - دفع للملاحين الذين عبروا بالسلطان والعسكر نهر جيحون على العامل بأنطاكية، وكان مبلغ أجرة المعابو أحد عشر ألف دينار، وذلك لسعة المملكة. وتزوج الإمام المقتدي بأمر الله - أمير المؤمنين - ابنة السلطان المذكور، وكان السفير في الخطبة الشيخ أبا إسحاق الشيرازي، المهذب والتنبيه - رحمه الله - وأنفذه الخليفة إلى نيسابور لهذا السبب - فإن السلطان كان هناك - فلما وصل إليه أدى الرسالة، ونجز الشغل. قال
الهمداني: وعاد الشيخ أبو إسحاق إلى بغداد في أقل من أربعة أشهر، وناظر إمام الحرمين بنيسابور، فلما أراد الانصراف من نيسابور، خرج إمام الحرمين للوداع، وأخذ بركابه حتى ركب أبو إسحاق. وظهر له في خراسان منزلة عظيمة. وكانوا يأخذون التراب الذي وطأته بغلته، فيتبركون به، كما تقدم. وكان زفاف ابنة السلطان إلى الخليفة في سنة ثمانين وأربع مائة، وفي صبيحة دخولها عليه أحضر الخليفة المقتدي عسكر السلطان على سماط صنعه لهم، كان فيه أربعون ألف من عسكر. وفي بقية هذه السنة رزق الخليفة ولداً من ابنة السلطان، سماه أبا الفضل جعفر، زينت بغداد لأجله، وكان السلطان قد دخل بغداد دفعتين، فهي من جملة بلاده التي تحتوي عليها مملكته، وليس للخليفة فيها سوى الاسم، وخرج منها في الدفعة الثانية على الفور إلى نحو دجيل لأجل الصيد، فاصطاد وحشاً وأكل من لحمه، فابتدأت به العلة، وافتصد، فلم يكثر من إخراج الدم، فعاد إلى بغداد مريضاً، ولم يصل إليه أحد من خاصته، فلما دخلها توفي ثاني يوم دخوله، وحمل في تابوت إلى خراسان، ولم يفعل له كغيره من السلاطين، فلم يشهد له جنازة، ولا صلى عليه أحد ظاهراً، ولا جر ذنب فرس من أجل موته. ني: وعاد الشيخ أبو إسحاق إلى بغداد في أقل من أربعة أشهر، وناظر إمام الحرمين بنيسابور، فلما أراد الانصراف من نيسابور، خرج إمام الحرمين للوداع، وأخذ بركابه حتى ركب أبو إسحاق. وظهر له في خراسان منزلة عظيمة. وكانوا يأخذون التراب الذي وطأته بغلته، فيتبركون به، كما تقدم. وكان زفاف ابنة السلطان إلى الخليفة في سنة ثمانين وأربع مائة، وفي صبيحة دخولها عليه أحضر الخليفة المقتدي عسكر السلطان على سماط صنعه لهم، كان فيه أربعون ألف من عسكر. وفي بقية هذه السنة رزق الخليفة ولداً من ابنة السلطان، سماه أبا الفضل جعفر، زينت بغداد لأجله، وكان السلطان قد دخل بغداد دفعتين، فهي من جملة بلاده التي تحتوي عليها مملكته، وليس للخليفة فيها سوى الاسم، وخرج منها في الدفعة الثانية على الفور إلى نحو دجيل لأجل الصيد، فاصطاد وحشاً وأكل من لحمه، فابتدأت به العلة، وافتصد، فلم يكثر من إخراج الدم، فعاد إلى بغداد مريضاً، ولم يصل إليه أحد من خاصته، فلما دخلها توفي ثاني يوم دخوله، وحمل في تابوت إلى خراسان، ولم يفعل له كغيره من السلاطين،
(3/107)

فلم يشهد له جنازة، ولا صلى عليه أحد ظاهراً، ولا جر ذنب فرس من أجل موته.

سنة ست وثمانين واربع مائة
فيها لما علم تتش في دمشق بموت أخيه أنفق الأموال، وتوجه ليأخذ السلطنة، فسار معه من حلب قسيم الدولة مولى السلطان ملك شاه، ودخل في طاعته صاحب أنطاكية وصاحب الرها وحران. ثم سار، وأخذ الرحبة في أول سنة ست، ثم نازل نصيبين، فأخذها عنوة، وقتل بها خلقاً كثيراً، ونهبها، ثم سار إلى الموصل، فالتقاه ابراهيم العقيلي في ثلاثين ألفاً، وتعرف بوقعة المصن، فانهزموا، وأسر ابراهيم، فقتله صبراً، فأقر أخاه علياً على الموصل لأنه ابن عمه. ولم يحج ركب العراق في السنة المذكورة، وحج ركب الشام، فنهبهم صاحب مكة محمد بن أبي هشا، ونهبتهم العربان، توصل من سلم في حالة عجيبة. وفيها توفي أبو الفضل الأصبهاني الحداد. روى ببغداد وأصبهان، وروى الحلية ببغداد. وفيها توفي الحافظ أبو مسعود سليمان بن ابراهيم الأصبهاني. قال السمعاني: جمع وصنف وخرج على الصحيحين. وروى عن محمد بن ابراهيم الجرجاني وأبي بكر بن مردويه وخلق. ولقي ببغداد أبا بكر المتقي وطبقته. وفيها توفي الشيخ أبو الفرج الشيرازي الحنبلي عبد الواحد بن محمد الفقيه القدوة.
وفيها توفي شيخ الإسلام الهكاري أبو الحسن علي بن أحمد الأموي من ذرية عتبة بن أبي سفيان بن حرب. وكان صالحاً زاهداً ربانياً ذا وقار وهيبة وأتباع ومريدين. رحل في الحديث، وسمع من أبي عبد الله الفراء وأبي القاسم بن بشران وطائفة. وفيها توفي مسند خراسان أبو المظفر موسى بن عمران الأنصاري. وفيها توفي أبو الفتح نصر بن الحسين الشاشي نزيل سمرقند. روى صحيح مسلم عن عبد الغافر، وسمع بمصر من جماعة، ودخل الأندلس، فحدث بها. وفيها توفي الحافظ أبو القاسم هبة الله بن عبد الوارث الشيرازي. سمع بخراسان والعراق وفارس واليمن ومصر والشام، ومات كهلاً، وكان صوفياً صالحاً متقشفاً.
(3/108)

سنة سبع وثمانين واربع مائة
في أولها عزم المقتدي بأمر الله على تقليد السلطان بركيا روق بالموحدة والمثناة من تحت بين الكاف والألف فالتقاه، وخطب له ببغداد، ولقب ركن الدولة، ومات الخليفة من الغد فجأة، وحاصر تتش حلب، فافتتحها، ثم سار فأخذ الجزيرة وأذربيجان، وكثرت جيوشه، واستفحل شأنه. وفيها توفي مسند نيسابور أبو بكر بن خلف الشيرازي أحمد بن علي. روى عن الحاكم وعبد الله بن يوسف وطائفة. قال الشيخ عبد الغافر: هو شيخنا الأديب المحدث المتقن الصحيح السماع، ما رأينا شيخاً أورع منه ولا أشد إتقاناً. نيف على التسعين. وفيها توفي قسيم الدولة لما افتتح ملك شاه حلب استنابه عليها، فأحسن السياسة، وضبط الأمور، وتتنع المفسدين حتى صار دخله كل يوم من البلد ألفاً وخمسمائة دينار، وكانت وفاته بالقتل بعد أسره في المصاف.
وفيها توفي أبو نصر الحسن بن أسد الفارقي، الأديب صاحب النظم والنثر والكتاب المعروف في الألغاز. وفيها توفي المقتدي بالله أبو القاسم عبد الله ابن الأمير ذخيرة الدين محمد بن القائم بأمر الله العباسي. بويع بالخلافة بعد جده في شعبان سنة سبع وستين وأربع مائة، وعمره تسع عشرة سنة وثلاثة اشهر، ومات فجأة في المحرم عن تسع وثلاثين سنة، وقيل: سمته جارية. وكان ديناً خيراً، أمر بنفي الخواطي والمغنيات من بغداد، وكانت الخلافة في أيامه زاهرة، وحرمتها وافرة. وبويع بعده للمستظهر بالله أحمد. وفي السنة المذكورة توفي الحافظ الكبير الأمير أبو نصر علي بن هبة الله العجلي البغدادي المعروف بابن ماكول، النسابة صاحب التصانيف النافعة، لم يكن ببغداد بعد الخطيب أحفظ منه. قال الحميدي: ما راجعت الخطيب في شيء إلا وأجابني عن الكتاب، وقال حتى اكشفه، وما راجعت ابن ماكولا إلا وأجابني حافظاً كأنه يقرأ من كتاب. وقال أبو سعد السمعاني: وكان لبيباً عارفاً ونحوياً مجوداً وشاعراً مبرزاً. سمع الحديث الكثير، وأخذ
(3/109)

عن مشايخ العراق وخراسان والشام وغير ذلك، وكان أحد الفضلاء المشهورين، تتبع الألفاظ المشتبهة في الأسماء الأعلام، وجمع شيئاً كثيراً.
وكان الخطيب البغدادي قد جمع بين كتاب المؤتلف والمختلف الذي للدارقطني، والذي لعبد الغني الموسوم بمشتبه النسبة وزاد عليهما، وجعله كتاباً مستقلاً سماه المؤتلف تكملة المختلف. وجاء ابن ماكولا فزاد على هذا المؤتلف، وضم إليه الأسماء التي وقعت له، وجعله كتابا سماه الإكمال، أجاد فيه وأفاد، حتى صار اعتماد المحدثين عليه، أحسن فيه إحساناً بالغاً، وحلاه حسناً فائقاً، ولم يصنع مثله في بابه، ثم جاء ابن نقطة وذيله، وما أقصر فيه. وفي كتاب الأمير ابن ماكولا دلالة على كثرة اطلاعه وضبطه وإتقانه. ومن الشعر المنسوب إليه قوله:
قرض خيامك عن أرض تهان بها ... وجانب الذل إن الذل يجتنب
وارحل إذا كان في الأوطان منقصة ... فالمندل الرطب في أوطانه الحطب
قال الحميدي خرج إلى خراسان ومعه غلمان له ترك، فقتلوه بجرجان، فأخذوا ماله، وهربوا، وهو من ذرية الأمير أبي دلف العجلي. وفي السنة المذكورة توفي أبو عامر الأزدي القاضي محمود الهروي، الفقيه الشافعي، كان عديم النظير زهداً وصلاحاً وعفة. وفيها توفي المستنصر بالله أبو تميم معد ابن الظاهرعلي بن الحاكم العبيدي صاحب مصر. لما عظم أمره وكبر شأنه خطب له ببغداد أرسلان البساسيري، وقطع خطبة الإمام القائم. وقد جرى في أيامه أشياء لم يجر شيء منها في أيام آبائه، منها قطع الخطبة المذكورة، ومنها ملك ابن الصليحي بلاد اليمن، ودعاؤه له على منابرها، ومنها أن المستنصر المذكور أقام في الأمر ستين سنة، وهذا شيء لم يبلغه أحد من العبيديين، ولا من بني العباس. ومنها أنه ولي وهو ابن سبع سنين، وفي سنة تسع قطع اسمه واسم آبائه من الحرمين. ومنها أنه حدث في أيامه الغلاء العظيم الذي ما عهد مثله منذ زمان يوسف عليه السلام، وأقام سبع سنين، وأكل الناس بعضهم بعضاً، حتى قيل إنه بلغ رغيف واحد بجمسين ديناراً، وكان في هذه المدة يركب وحده، وكل من معه من الخواص مترجلون، ليس لهم دواب يركبونها، وكانوا إذا مشوا تساقطوا في الطرقات من الجوع، وكان المستنصر يركب بغلة عارية، وآخر الأمر توجهت أمه وبناته إلى بغداد من فرط الجوع في سنة اثنتين وستين وأربع مائة.
(3/110)

سنة ثمان وثمانين واربع مائة
فيها قامت الدولة على أحمد خان صاحب سمرقند، وأشهدوا عليه بالزندقة والإقلال، فأفتى الأئمة بقتله، فخنقوه، وملكوا ابن عمه. وفيها التقى تتش وابن أخيه بركيا روق بنواحي الري، فانكسر عسكر تتش، وقاتل هو حتى قتل. وكان رضوان بن تتش قد صار إلى بغداد لينزل بها، فلما قارب هيت جاءه نعي أبيه، ودخل حلب، ثم قدم عليه من الوقعة أخوه دقاق، فراسله متولي قلعة دمشق فسار سراً من أخيه، وتملك دمشق. وفيها قدم الإمام أبو حامد الغزالي دمشق زاهداً في الدنيا، وما كان فيه من رئاستها والإقبال والقبول من الخليفة وكبراء الدولة، وصنف الإحياء وأسمعه بدمشق، وأقام بها سنتين، ثم حج ورجع إلى وطنه. قلت: هكذا ذكر بعض المؤرخين أنه قدم في السنة المذكورة إلى دمشق، وذكر بعضهم أن توجهه فيها كان إلى بيت المقدس لابساً الثياب الخشنة، وناب عنه أخوه في التدريس، وذكر أنه بعد ذلك توجه من القدس إلى دمشق، فأقام بها مدة يذكر الدروس في زاوية الجامع في الجانب الغربي منه، ثم ذكر أنه انتقل منها إلى بيت المقدس، واجتهد في العبادة وزيارة المشاهد والمواضع المعظمة وأشياء أخرى سيأتي ذكرها. قلت وأما قول الذهبي أنه صنف الإحياء وأسمعه بدمشق، فمخالف لما ذكر الإمام أبو حامد المذكور في كتابه المنقذ من الضلال أنه أقام في الشام قريباً من سنتين، مختلياً بنفسه، ولم يذكر إسماعه الإحياء ولا تصنيفه إياه، ولو كان لذكره، كما ذكر علوماًُ أخرى صنف فيها قبل السفر أيضاً. فتصنيف الإحياء مع ما اشتمل عليه من العلوم الواسعة المحاكية للبحر الذي أمواجه متدافعة، لا يمكن وضعه في سنتين ولا ثالثة ولا رابعة، وأما ما ذكره ابن كثير وغيرهم من كونه حج قبل سفره إلى الشام، وأنه أقام في الشام عشر سنين وأنه دخل مصر والاسكندرية، ورام الاجتماع بملك المغرب، فكل ذلك مخالف تصريح ما نص عليه أبو حامد في كتابه المذكور، فإنه ذكر أنه توجه إلى الشام قبل توجهه إلى مكة، ثم توجه إلى الحج بعد السنتين المذكورتين، ثم كر راجعاً إلى وطنه وأولاده، وهذا يدل عل بطلان القول المذكور وفساده، والعجب كل العجب من قوله أنه قصد السلطان المغرب بقضاء أرب، وهو من ملاقاة السلاطين قد هرب، وسيأتي ذكر ذلك في ترجمته.
(3/111)

وفيها توفي الحافظ أبو الفضل أحمد بن الحسن بن خيرون البغدادي. روى عن علي بن شاذان والبرقاني، وكتب كثيراً. قال بعضهم: كتب عن ابن شاذان ألف جزء. وفيها توفي شيخ المعتزلة أبو يوسف القزويني، صاحب التفسير الكبير، الذي هو أزيد من ثلاثمائة مجلد. درس الكلام على القاضي عبد الجبار بالري، وسمع منه ومن أبي عمرو بن مهدي الفارسي، وتنقل في البلاد، ودخل مصر، وكان صاحب كتب كثيرة وذكاء مفرط، وتبخر في المعارف، وكان داعية إلى الاعتزال، وعاش خمساً وتسعين سنة. وفيها توفي المعتمد على الله أبو القاسم محمد بن المعتضد اللخمي، صاحب الأندلس. كان ملكاً جليلاً، عالماً ذكياً، وشاعراً محسناً، وبطلاً شجاعاً، وجواداً ممدوحاً. كان بابه محط الرحال وكعبة الآمال، وشعره في الذروة العليا، ملك من الأندلس من المدائن والحصون والمعاقل مائة وثلاثين مسوراً، وبقي في المملكة نيفاً وعشرين سنة. وهو من ذرية النعمان بن المنذر آخر ملوك الحيرة وقبض عليه أمير المسلمين ابن تاشفين لما قهره، وغلب على ممالكه، وسجنه بأغمات حتى مات بعد أربع سنين من زوال مملكته. وخلف عن ثمانمائة سرية، ومائة وثلاثة وسبعين ولداً. قلت أما كثرة الأولاد فقد نقل أن غيره كان أكثر منه أولاداً، وأما السراري فما سمعت أن أحداً من الخلفاء بلغ من كثرتهن إلى هذا العدد المذكور. وكان راتبه في اليوم ثمانمائة رطل لحم، ومما قيل فيه لما قص عليه قول الشاعر:
لكل شيء من الأشياء ميقات ... وللمنى من منايا هن غايات
وقال آخر بعد لزومه وقتل ولديه:
تبكي السماء بدمع رائح غاد ... على البهاليل من أبناء عباد
ومما قيل فيه لما حبس:
تنشق رياحين السلام فإنها ... أفض بها مسكاً عليك مختما
أنكر في عصر مضي لك مشرقاً ... فيرجع ضوء الصبح عندي مظلما
وأعجب من أفق المجرة إذ رأى ... كسوفك شمساً، كيف أطلع أنجما
ولما دخلت عليه بناته السجن - وكان يوم عيد، وقد صرن يغزلن للناس بالأجرة،
(3/112)

وهن في أطمار - أنشده:
فيما مضى كنت بالأعياد مسروراً ... فساءك العيد في أغمات مأسورا
ترى بناتك بالأطمار جائعةيغزلن للناس لا يملكن قطميرا
يطأن في الطين والأقدام حافية ... كأنها لم تطأ مسكاً وكافورا
قد كان دهرك إن تأمره ممتثلاً ... فردك الدهر منهياً ومأمورا
ومن شعر المعتمد أيضاً:
لولا عيون من الواشين ترمقني ... وما أحاذره من قول حراس
لزرتكم لأكافيكم لجفونكم ... شيئاً على الوجه أو سعياً على الرأس
ومما مدح به قول الشاعر:
بغيتك في محل ينجيك من ردى ... يروعك في ذرع بروقك في برد
جمال واجمال وسبق وصولة ... كشمس الضحى، كالمزن كالبرق والرعد
بمهجته شاد العلى ثم زادها ... بنى مايتا حجاجه أسد
وفيها توفي قاضي القضاة الشامي أبو بكر بن محمد الحموي الشافعي، كان من أزهد القضاة وأروعهم وأتقاهم لله وأعرفهم بالمذهب. سمع ببغداد من طائفة، وولي القضاء بعد أبي عبد الله الدامغاني، وكان من أصحاب القاضي أبي الطيب الطبري، ولم يأخذ على القضاء رزقاً، ولا غير ملبسه. قال أبو علي بن سكرة: كان يقال لو رفع المذهب أمكنه أن يملأه من صدره.
وفيها توفي الإمام الحافظ العلامة أبو عبد الله الحميد: محمد بن أبي نصر الأندلسي، مؤلف الجمع بين الصحيحين. كان أحد أوعية العلم، صحب ابن حزم الظاهري بالأندلس، وابن عبد البر، ورحل، وسمع بالقيروان والحجاز ومصر والشام والعراق، وكتب عن خلق كثير، وكان كثير الاطلاع، ذكياً فطناً، صيتاً ورعاً، أخبارياً متقناً، مغرماً في تحصيل العلم، كثير التصانيف، حجة ثقة، ظاهري المذهب، وله جذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس
(3/113)

وكان يقول: ثلاثة أشياء من علوم الحديث يجب تقديم الاهتمام بها: كتاب العلل: وأحسن كتاب وضع فيه كتاب الدارقطني، وكتاب المؤتلف والمختلف: وأحسن كتاب وضع فيه كتاب الأمير أبي نصر بن ماكول (، وكتاب وفيات الشيوخ: وليس فيه كتاب. قال: وقد كنت أردت أن أجمع فيه كتاباً، فقيل لي: رتبه على حروف المعجم، بعد أن رتبته على السنين، قال أبو بكر بن طرخان: فشغله عنه صحيحان إلى أن مات. وقال ابن طرخان المذكور: أنشدنا أبو عبد الله الحميدي المذكور لنفسه:
لقاء الناس ليس يفيد شيئاً ... سوى الهذيان من قيل وقال
فأقلل من لقاء الناس إلا ... لأخذ العلم أو إصلاح حال
؟؟؟؟؟؟؟؟

سنة تسع وثمانين وأربعمائة؟؟
فيها توفي أبو طاهر أحمد بن الحسن بن أحمد الباقلاني الكرخي ثم البغدادي، وكان صالحاً زاهداً منقبضاً عن الناس، ثقة حسن السيرة. وفيها توفي عبد الملك بن سراج الأموي مولاهم القرطبي، لغوي الأندلس. وفيها توفي أبو أحمد القاسم بن المظفر الهشرزاري، والد قاضي الخافقين، كان حاكماً بمدينة إربل مدة، وبمدينة سنجار أيضاً مدة. وكان من أولاده وحفدته علماء نجباء كرماء، نالوا المراتب العالية، وتقدموا عند الملوك، وتحكموا وقضوا، ونفقت أسواقهم. ومما أنشد:
همتي دونها السها والزبانا ... قد علمت جهدها، فما ابتدانا
ونسب الإمام السمعاني في ذيل تاريخ بغداد هذا القول إلى ولده المعروف بقاضي الخافقين خلاف ما ذكره أبو البركات بن المستوفي في تاريخ إربل من نسبه إلى والده القاسم المذكور.
وذكر السمعاني أن قاضي الخافقين اشتغل بالعلم على الشيخ أبي إسحاق الشيرازي رحمه الله ولي القضاء بعدة بلاد، ورحل إلى العراق وخراسان والجبال، وسمع الحديث الكثير، وسمع منه السمعاني، وإنما قيل له قاضي الخافقين لكثرة البلاد التي وليها
(3/114)

، والشهرزوري نسبة إلى شهرزور: بلدة كبيرة من أعمال إربل، قيل: فيها مات الإسكندر ذو القرنين عند عوده من بلاد المشرق. وحكى الخطيب في تاريخ بغداد أن الإسكندر جعل مدائن كسرى دار إقامته، ولم يزل
بها إلى أن توفي، فحمل تابوته إلى الإسكندرية، لأن أمه كانت مقيمة هناك، فدفن عندها والله أعلم. قلت: يعني أن موضع إقامته كان في الموضع الذي خلقه فيه كسرى. وفي السنة المذكورة توفي الحافظ مفيد بغداد: محمد بن أحمد المعروف بابن الخاضبة. روى عن أبي بكر الخطيب وغيره، ورحل إلى الشام، وسمع من طائفة، وكان محبباً إلى الناس كلهم، لدينه وتواضعه، ومروءته، ومسارعته في قضاء حوائج الناس، مع الصدق والورع، والصيانة التامة وطيب القراءة قال ابن طاهر: ما كان في الدنيا أحد أحسن قراءة منه، وقال غيره: ما رأيت في المحدثين أقوم باللغة من ابن الخاضبة. وفيها توفي الإمام العلامة أبو المظفر السمعاني: منصور بن محمد التميمي المروزي الحنفي ثم الشافعي، شرع على والده منصور في المذهب، وسمع أبا غانم الكراعي وطائفة، وكان إمام عصره بلا مدافعة، أقر له بذلك الموافق والمخالف، وكان حنفي المذهب، متعيناً عند أئمتهم، فلما حج ظهر له بالحجاز ما اقتضى انتقاله إلى مذهب الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه فلما عاد إلى مرو، لقي بسبب انتقاله محناً وتعصباً عظيماً، فعبر على ذلك، فصار إماماً للشافعية بعد ذلك، يدرس ويفتي. وصنف في مذهب الشافعي وغيره من العلوم تصانيف كثيرة، منها منهاج أهل السنة والانتصار والرد على القدرية وغيرها، وصنف في الأصول والقواطع. وفي الخلاف والبرهان يشتمل على قريب من ألف مسألة خلافية. والأوسط والاصطلام رد فيه على أبي زيد الدبوسي، وأجابه من الأسرار التي جمعها، وله تفسير القرآن العزيز كتاب نفيس. وجمع في الحديث ألف حديث عن مائة شيخ، وتكلم عليها فأحسن، وله وعظ مشهور بالجودة. والسمعاني نسبة إلى سمعان بفتح السين المهملة وهو بطن من تميم، وقيل: يجوز بكسر السين أيضاً.

سنة تسعين واربع مائة
فيها قتل الأرسلان ابن السلطان وألب أرسلان السلجوقي. وفيها التقى الأخوان
(3/115)

دقاق ورضوان ابنا تتش بقنسرين، فانكسر دقاق، ونهب عسكره، ثم تصالحا على أن يقدم أخاه في الخطبة بدمشق. وفيها أقام رضوان بحلب دعوة العبيديين، وخطب للمستعلي الباطني، ثم بعد أشهر
أنكر عليه صاحب أنطاكية وغيره، فأعاد الخطبة العباسية. وفيها توفي أبو يعلى أحمد بن محمد البصري الفقيه المعروف بابن الصواف شيخ مالكية العراق، وله تسعون سنة، وكان علامة زاهداً مجداً في العبادة، عارفاً بالحديث. قال بعضهم: كان إماماً في عشرة أنواع من العلوم. توفي في رمضان. وفيها توفي أبو الفتح عبدوس بن عبد الله بن عبدوس، رئيس همدان ومحدثها. سمع من محمد بن أحمد بن حمدويه الطوسي، وروى عنه الإمام أبو زرعة. وفيها توفي الفقيه الإمام، العالي المقام، الصالح المشهور، مفتي الأنام، الفقيه الزاهد، الورع العابد، ذو المناقب العديدة، والسيرة الحميدة أبو الفتح شيخ الشافعية بالشام نصر بن ابراهيم المقدسي النابلسي، صاحب التصانيف، قال علماء التاريخ: كان إماماً علامة، مفتياً محدثاً، حافظاً زاهداً، متبتلاً ورعاً، كثير القدر عديم النظير. قال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر: درس العلم ببيت المقدس، ثم انتقل إلى صور، فأقام بها عشر سنين ينشر العلم، مع كثرة المخالفين له من الرافضة، ثم انتقل منها إلى دمشق، فأقام بها سبع سنين يحدث، ويدرس، ويفتي على طريقة واحدة من الزهد في الدنيا والتنزه عن الدنايا، والجري على منهاج السلف من التقشف وتجنب السلاطين، ورفض الطمع، والاجتزاء باليسير، مما يصل إليه من غلة أرض كانت له، يأتيه منها ما يقتاته، فيخبز له كل ليلة قرصة بجانب الكانون، ولا يقبل من أحد شيئاً. قال وسمعت من يحكي أن تاج الدولة ابن ألب أرسلان زاره يوماً، فلم يقم له، وسأله عن أجل الأموال التي يتصرف بها السلطان، فقال: أجلها أموال الجزية، وخرج من عنده فأرسل إليه بمبلغ من المال، وقال: هذا من مال الجزية، ففرقه على الأصحاب، فلم يقبله، وقال: لا حاجة بنا إليه. فلما ذهب الرسول لامه بعض الفقهاء، وقال: قد علمت حاجتنا إليه، فلو كنت قبلته، وفرقته فينا، فقال له: لا تجزع من فوته، فسوف يأتيك من الدنيا ما
(3/116)

يكفيك. فكان كما تفرس فيه. قال وسمعت بعض من صحبه يقول: لو كان الفقيه أبو الفتح في السلف لم يقصر درجته عن واحد منهم، لكنهم فاقوه بالسبق. وكانت أوقاته كلها مستغرقة في عمل الخير، إما في نشر علم، وإما في إصلاح عمل. قال: وحكى بعض أهل العلم أنه قال: صحبت إمام الحرمين أبا المعالي الجويني بخراسان، ثم قدمت العراق، وصحبت الشيخ أبا إسحاق الشيرازي، فكانت طريقته عندي أفضل من طريقة أبي المعالي، ثم قدمت الشام فرأيت الفقيه أبا الفتح، فكانت طريقته أحسن من طريقيتهما جميعاً. توفي بدمشق في السنة المذكورة يوم عاشوراء، وكان عمره نيف علي ثمانين سنة رحمة الله عليه.

سنة إحدى وتسعين وأربع مائة
في جمادى الأولى: فيها ملكت الفرنج أنطاكية بالسيف، ونجا صاحبها في ثلاثين فارساً، ثم ندم حتى غشي عليه من الغم، فأركبوه، فلم يتماسك، فتركوه وتنحوا فعرفه أرمني حطاب، فقطع رأسه، وحمله إلى ملك الفرنج، وعظم المصاب على المسلمين برواح أنطاكية، وأخذت الفرنج المعرة بالسيف، ثم تجامع عساكر الجزيرة والشام فعملوا مع الفرنج مصافاً، فتجادلوا، وهزمتهم الفرنج. وفيها توفي أبو العباس أحمد بن عبد الغفار الأصبهاني رحمه الله. وفيها توفي أبو الفوارس طراد بن محمد بن علي النقيب الهاشمي العباسي، نقيب النقباء ومسند العراق. روى عن جماعة، وأملى مجالس كثيرة، وازدحموا عليه، ورحلوا إليه. وكان أعلى الناس منزلة عند الخليفة. وفيها توفي أبو الحسن الكرخي مكي بن منصور، الرئيس السلار نائب الكرخ معتمدها، وكان محمود السيرة وافر الحشمة.

سنة اثنتين وتسعين واربع مائة
فيها انتشرت دعوة الباطنية بأصبهان وأعمالها، وقويت شوكتهم، وأخذت الفرنج
(3/117)

الملاعين فيها بيت المقدس بكرة الجمعة لسبع بقين من شعبان بعد حصار شهر ونصف. قال ابن الأثير: قتلت الفرنج في المسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفاً. وفيها ابتداء دولة محمد بن السلطان ملك شاه، طلع شهماً شجاعاً مهيباً، فتسارعت إليه العساكر، فسار إلى الري فتملكها. وفيها توفي أبو الحسن أحمد بن عبد القادر بن محمد البغدادي اليوسفي. كان جليل القدر، روى عن ابن شاذان وطبقته. وفيها توفي أبو القاسم الخليلي أحمد بن محمد الدهقان رحمه الله. وفيها توفي أبو تراب المراغي عبد الباقي بن يوسف. قال السمعاني: كان عديم النظير في فنه، بهي المنظر، سليم النفس، عاملاً بعلمه نفاعاً للخلق، فقيه النفس، قوي الحفظ، تفقه ببغداد على أبي الطيب الطبري، وسمع أبا علي بن شاذان. وفيها توفي الخلعي القاضي أبو الحسين المصري الفقيه الشافعي. سمع من طائفة، وانتهى إليه علم الاسناد بمصر. قال ابن سكرة: فقيه له تصانيف، ولي القضاء، وحكم يوماً، واستعفى، وانزوى في القرافة. وفيها توفي الحافظ أبو القاسم مكي بن عبد السلام المقدسي، أحد من استشهد بالقدس، رحل، وجمع، واجتهد في هذا الشأن.

سنة ثلاث وتسعين واربع مائة
فيها التقى المسلمون مع الفرنج بقرب ملطية وانكسر الفرنج، وأسر ملكه، ولم يفلت منهم سوى ثلاثة آلاف، هربوا في الليل، وكانوا ثلاثمائة ألف. وفيها توفي الشيخ الحافظ المحدث عبد الملك بن محمد اليمني اليافعي. رحل وسمع من جماعة كبار في مكة وعدن وجبال اليمن. وروى كتاب الرسالة للشافعي، ومختصر المزني، والدقائق لابن المبارك، وكان شيخاً فاضلاً ورعاً زاهداً، يقال إنه سأله بعض أهل بغداد الانتقال إليه ليقرأ عليه، وبذل له في ذلك مالاً، فامتنع، وكتب إليه بقصيدة مفتتحها.
(3/118)

منزلي منزل رحيب أنيق ... فيه لي من فواكه الصيف سويق
قلت يحتمل أنه أراد الفواكه المعنوية، إشارة إلى أنواع العلوم ونشرها في بلده على وجه الاستعارة، كما قلت في استعارة الفاكهات للأحوال والمقامات.
ويثمر خوخ الخوف في روضة الرضا ... وإجاص إخلاص وتين التوكل
وأرطاب حب قد جنتها يد الهوى ... وأعناب السواق بها القلب ممتل
ورمان إجلال وتفاح هيبة ... وموز الحيامبدي رجاء السفرجل
جنان جنان عارف لمعارف ... جنى من جناها كل دان مذلل
فيا طرف قلب عش برؤياك طرفة ... ويا نفس أحلى نفيس له كلي
واليافعي نسبة إلى يافع بن زيد بن مالك بن زيد بن مالك بن رعين، بطن من حمير. قال الإمام أبو سعد السمعاني في كتاب الأنساب: ومنهم راشد بن جندل اليافعي، روى عن حبيب بن أوس، روى عنه يزيد بن أبي حبيب. وفيها توفي الإمام النحوي اللغوي صاحب التصانيف سليمان بن عبد الله بن الفتى النهرواني. صنف كتاب القانون في اللغة عشر مجلدات، وكتاباً في التفسير، وتخرج به أهل أصبهان، ودرس ولده الحسن في النظامية. وفيها توفي أبو الفضل عبد القاهر بن عبد السلام العباسي النقيب المقرىء المالكي.

سنة أربع وتسعين وأربعمائة
فيها كثرت الباطنية بالعراق والجبل وزعيمهم الحسن بن صباح تملكوا القلاع وقطعوا السبيل، وأهم الناس شأنهم لاشتغال أولاد ملك شاه بنفوسهم ومقاتلة بعضهم بعضاً. وفيها أخذت الفرنج بلداناً بالشام، منها سروج وقيسارية بالسيف وأرسوف بالأمان. وفيها توفي أبو الفضل أحمد بن علي بن الفضل بن طاهر بن الفرات الدمشقي. وفيها توفي الفقيه الإمام شيخ الشافعية بخراسان أبو الفرج البزاز بالزاي المكررة قبل الألف وبعدها عبد الرحمن السرخسي ثم المروزي، تلميذ القاضي حسين. وكان يضرب به المثل في حفظ المذهب والورع.
(3/119)

وعبد الواحد ابن الأستاذ أبي القاسم القشيري، وكان صالحاً عالماً كثير الفضل. روى عن جماعة، وسماعه من الطرازي حضوراً. وفيها توفي القاضي أبو المعالي شيخ الوعاظ بالعراق، مؤلف كتاب مصارع العشاق عزيز بن عبد الملك شيذلة الجيلي. كان فقيهاً شافعياً، فاضلاً واعظاً ماهراً، فصيح اللسان حلو العبارة، كثير المحفوظات صنف في الفقه وأصول الدين والوعظ والمحبة، وجمع كثيراً من أشعار العرب، وتولى القضاء ببغداد، وسمع الحديث الكثير من جماعة كثيرة، كان أشعري المذهب وناصراً له. قال ابن خلكان: ومن كلامه يعني في المحبة: إنما قيل لموسى عليه السلام: لن تراني، لأنه لما قيل له: انظر إلى الجبل، نظر إليه فقيل: يا طالب؛ انظر إلينا لما تنظر إلى ما سوانا. ثم أنشد.
يا مدع بمقالة صدق المودة والإخا ... لوكنت تصدق في المحبة مانظرت إلى سوى
انتهى قلت وكلامه هذا الذي حكاه ابن خلكان لا يليق بالكليم الوجيه ابن عمران. إنما يليق بغيره ممن في محبته نقصان، كما في حكاية الجارية المشهورة التي قالت لمدعي محبتها: ورائي من هو أحسن مني، فلما التفت قالت:
لوكنت صادقاً في هوانا ... لما التفت إلى سوانا
وأما الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فلا يحسن هذا في حقهم، بل لايجوز، فإن منصب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أرفع من أن يناله شين ولا ملام، وأنما يحسن في غيرهم إذا ادعى الحب والغرام. وعجبت من ابن خلكان كيف يحكي مثل هذا في حق موسى عليه السلام، ولا ينكره على قائله. وقال أبو المعالي المذكور: أنشدني والدي عند خروجه من بغداد للحج.
مددت إلى التوديع كفاً ضعيفة ... وأخرى على الرمضاء فوق فؤادي
فلا كان هذا العهد آخر عهدنا ... ولا كان ذا التوديع آخر زادي
توفي رحمه الله يوم الجمعة، ودفن محاذياً للشيخ أبي إسحاق الشيرازي وعزيز: بفتح العين المهملة وزايان بينهما مثناة من تحت ساكنة. وشيذلة بفتح الشين والذال المعجمتين، وبينهما مثناة من تحت ساكنة. قال ابن خلكان: ولا أعرف معنى هذا اللقب مع كثرة كشفي عنه.
(3/120)

سنة خمس وتسعين واربع مائة
فيها توفي المستعلي بالله أبو القاسم أحمد بن المستنصر بالله العبيدي، صاحب مصر، وفي أيامه انقطعت، دولته من الشام، واستولى عليه أتراك وفرنج، فأخذوا البيت المقدس وقتل فيه من المسلمين خلق كثير، وقتل في المسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفاً وأخذوا من عند الصخرة من أواني الذهب والفضة ما لا يضبطه الوصف، ولم يكن للمستعلي مع الأفضل حل ولا ربط، بل كان الأفضل أمير الجيوش هو الكل. وفي أيامه هرب أخوه نزار الذي تنسب إليه الدعوة النزارية بقلعة الألموت، فدخل الإسكندرية، وبايعه أهلها، وساعده القاضي ابن عمار ومتوليها، فنازلهم الأفضل مرة بعد أخرى، حتى ظفر بهم، ورجع، فذبح متولي الإسكندرية، وبنى على نزار حائطاً، فهلك. وفيها توفي شيخ الأطباء بالعراق سعيد بن هبة الله، صاحب التصانيف في الفلسفة والطب والمنطق. وفيها توفي عبد الواحد بن عبد الرحمن الزبيري الفقيه. قال السمعاني: عمر مائة وثلاثين سنة.

سنة ست وتسعين واربع مائة
فيها سار دقاق صاحب دمشق، فأخذ الرحبة، وتسلم حمص بعد موت صاحبها. وفيها توفي مقرىء العراق أبو طاهر أحمد بن علي، صنف المستنير في القراءات، كان ثقة محموداً، أقرأ خلقاً. وسمع الكثير عن ابن غيلان وطبقته. وفيها توفي مقرىء الأندلس أبو داود سليمان بن نجاح الأندلسي، مولى المؤيد بالله الأموي، وفيها توفي أبو البركات محمد بن المنكدر الكرخي المؤدب. روى عن عبد الملك ابن بشران. وفيها توفي أبو الحجاج يوسف بن سليمان، المعروف بالأعلم النحوي، رحل إلى قرطبة، وأقام بها مدة، وأخذ الأدب عن جماعة، وكان عالماً بالعربية واللغة ومعاني
(3/121)

الأشعار، حافظاً لها، كثير العناية بها، حسن الضبط لها، مشهوراً بمعرفتها وإتقانها، أخذ الناس عنه كثيراً، وكانت الرحلة في وقته إليه، وقد أخذ عنه أبو علي الحسين بن محمد الغساني الجياني. وشرح كتاب الجمل للزجاجي، وشرح أبياته في كتاب مفرد، وكف بصره في آخر عمره، وإنما قيل له: الأعلم لأنه كان مشقوق الشفة العليا، ومن كان هكذا يقال له أعلم، فإن كان مشقوق الشفة السفلى قيل له: أفلح بالفاء والحاء المهملة بينهما لام وكان غيره: العباسي الفارسي المشهور بالشجاعة، يلقب الفلحاء لفلحة كانت به. وإنما ذهبوا به إلى تأنيث الشفة، كأنهم يعنون به صاحب الشفة الفلحاء، وكان سهيل بن عمرو القرشي رضي الله تعالى عنه أعلم، فلما أسر يوم بدر قال عمر رضي الله تعالى عنه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: دعني أنزع ثنيته، فلا يقوم عليك خطيباً أبداً، فقال عليه السلام: دعه، فعسى أن يقوم مقاماً تحمده، وكان من الخطباء الفصحاء، وهو الذي أبرم صلح الحديبية على يديه، ثم أسلم، وحسن إسلامه، ثم قام هو لما قبض النبي صلى الله عليه وآله وسلم خطيباً بمكة، وسكن الناس، ومنعهم من الاختلاف بعد تشتت أمر الإسلام، وارتداد جماعة من العرب، وكان مقامه حينئذ لتثبيت الناس هو المقام المحمود، وإنما قال عمر رضي الله عنه فلا يقوم عليك خطيباً: لأنه إذا كان مشقوق الشفة العليا، ونزعت ثنيته تعذر عليه الكلام إلا بمشقة

سبع وتسعين واربع مائة
فيها نازلت الفرنج حران، فالتقاهم سقمان، ومعه عشرة آلاف، فانهزموا، وتبعهم الفرنج فرسخين، ثم نزل النصر وكر المسلمون، فقتلوهم كيف شاؤوا. وكان فتحاً عظيماً. وفيها توفي أحمد بن علي المعروف بابن زهر الصوفي البغدادي وفيها توفي القدوة الواعظ الزاهد اسماعيل بن علي النيسابوري، وفيها توفي شمس الملك ابن تاج الدولة السلجوقي. وكان مسجوناً ببعلبك، فذهب بجهله إلى صاحب القدس لكي ينصره، فلم يلو عليه، فتوجه إلى الشرق، فهلك. وفيها توفي أبو مكتوم عيسى ابن الحافظ أبي ذر عبد الله بن أحمد الهروي، ثم السروي الحجازي. روى عن أبيه صحيح البخاري. وفيها توفي مفتي الأندلس ومسندها محمد بن الفرج القرطبي المالكي، كان رأساً في العلم والعمل، قوالاً بالحق، رحل إليه الناس من الأقطار لسماع الموطأ والمدونة.
(3/122)

؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

سنة ثمان وتسعين واربع مائة
فيها توفي الحافظ أبو علي أحمد بن محمد البغدادي البوارني، كان بصيراً بالحديث محققاً حجة. وفيها توفي أبو عبد الله الطبري الحسين بن علي، الفقيه الشافعي محدث مكة. روى صحيح مسلم عن عبد الغافر، وكان فقيهاً مفتياً. تفقه على ناصر بن الحسين العمري. قال الذهبي: وجرت له فتن وخطوب مع هياج بن عبيد وأهل السنة بمكة، وكان عارفاً بمذهب الأشعري، انتهى كلامه. قلت: اسمعوا هذا الكلام العجيب، كيف جعل أهل السنة هم المخالفون لمذهب الأشعري؟ وهذا مما يدلك على اعتقاده لمذهب الظاهرية الحشوية، مع دلائل أخرى متفرقة في كتابه. وفيها توفي الحافظ أبو علي الحسين بن محمد الجياني بالجيم والمثناة من تحت وبعد الألف نون الغساني الأندلسي، أحد أركان الحديث بقرطبة. روى عن ابن عبد البر وجماعة من طبقته. وكان كامل الأدوات في الحديث، علامة في اللغة ولشعر والنسب، وحسن التصنيف. وفيها توفي سقمان التركماني، صاحب ماردين وجد ملوكها. كان أميراً جليلاً، صالحاً فارساً موصوفاً، حضر عدة حروب. وفيها توفي محمد بن عبد السلام أبو الفضل الأنصاري البزاز البغدادي. كان جليلاً صالحاً. روى عن البرقاني وابن شاذان.

سنة تسع وتسعين واربع مائة
فيها ظهر بنهاوند رجل ادعى النبوة، وكان ساحراً صاحب مخاريق، فتبعه: خلق كثير، وكثرت عليهم الأموال، وكان لا يدخر شيئاً، فأخذ، وقتل قاتلة الله تعالى. وفيها توفي أخو نظام الملك، عبد الله بن علي بن إسحاق الطوسي. والعبد الصالح الزاهد القانت لله، أحد القراء ببغداد أبو منصور الخياط: محمد بن أحمد البغدادي قال ابن ناصر: كانت له كرامات. وفيها توفي أبو البقاء الحبال المعمر بن محمد الكوفي.
(3/123)

سنة خمس مائة
فيها غزا السلطان محمد ابن ملك شاه الباطنية، وأخذ قلعتهم بأصبهان، وقتل صاحبها أحمد بن عبد الملك. وكان قد تملكها اثنتي عشرة سنة، وهي من بناء ملك شاه، بناها على رأس جبل، وغرم عليها ألف ألف دينار. وفيها توفي عالم أهل طوس: العلأمة أبو المظفز الخوافي بفتح الخاء المعجمة وقبل الألف واو وبعدها فاء نسبة إلى ناحية من نواحي نيسابور، كثيرة القرى الفقيه الشافعي، كان أنظر أهل زمانه، تفقه على إمام الحرمين حتى صار أوحد تلامذته، ولي القضاء بطوس ونواحيها، وكان مشهوراً بين العلماء بحسن المناظرة وإقحام الخصوم، وكان رفيق أبي حامد الغزالي. رزق الغزالي السعادة في تصانيفه، والخوافي في مناظراته. وفيها توفي جعفر بن أحمد البغدادي المقرىء السراج الأديب. روى عن ابن شاذان وجماعة، وكان ثقة بارعاً أخبارياً، علامة كثير الشعر، حسن التصانيف. وفيها توفي أبو الحسين بن الطيوري المبارك بن عبد الجبار. قال ابن السمعاني: كان مكثراً صالحاً، أميناً صدوقاً، صحيح الأصول رصيناً وقوراً، كثير الكتابة. وفيها توفي أبو الكرم، المبارك بن فاخر الدباس، الأديب من كبار أئمة اللغة والنحو ببغداد، وله مصنفات. روى عن القاضي أبي الطيب الطبري، وأخذ العربية عن عبد الواحد ابن برهان بفتح الموحدة النحوي. وفيها توفي حافظ عصره وعلامة زمانه: أبو محمد جعفر بن أحمد المعروف بابن السراج القارىء البغدادي، صاحب التصانيف العجيبة، منها: كتاب مصارع العشاق وغيره، حدث عن أبي علي بن شاذان، وأبي الفتح بن شاهين، والخلال وغيرهم. وأخذ عنه خلق كثير، وله شعر حسن، منه قوله:
وعدت بأن تزوري كل شهر ... فزوري قد تقضى الشهر، زوري
وشقى بيننا نهر المعلى ... إلى البلد المسمى شهرزور
وأشهر هجرك المحتوم صدق ... ولكن شهر وصلك شهر زور
(3/124)

قلت وقد أبدى في الثلاثة الأبيات صنعة حسنة من الجناس، فالقافية الأولى مركبة من الشهر والأمر لها بالزيارة، والثانية اسم البلد المعروف، والثالثة إضافة شهر إلى زور: أي الشهر الموعود فيه بوصلك، شهر كذب، ولكن القافية الوسطى مشتملة على الإقواء الذي هو من جملة عيوب القافية، لأن إعرابه على وفق العربية النصب، لكونه مفعولاً ثانياً، على وزن قولك: مشيت إلى الرجل المسمى زيداً، والقافية التي قبلها، والتي بعدها مخفوضتان بالأمر للمؤنثة، والأخيرة بإضافة شهر إليها، لكني قد وجهت للقافية الوسطى في دفع الإقواء المعاب وجهاً من وجوه الإعراب، وهو أن يقال: المراد بالمسمى: السمو، أي: الرفع، كما قال قبله المعلى، ويكون قوله بعده شهر زور مخفوضاً، بدلاً من البلد المخفوض بإلى، ولو قال: إلى البلد المروي، أو المشرق لسلم من الإقواء. ومن جلالة جعفر المذكور أن أبا طاهر السلفي كان يفتخر رويته، مع كونه لقي أعيان ذلك الزمان، وأخذ عنهم. وفيها وقيل في ثلاث وتسعين توفي يوسف بن تاشفين، أمير المسلمين، سلطان المغرب أبو يعقوب البربري الملثم. كان أكبر ملوك الدنيا في عصره ودولته بضعاً وثلاثين سنة، وكان رجلاً شجاعاً عادلاً عديم الرفاهية، تشيب العيش على قاعدة البربر، اختط مراكش، وأنشأها في برج صغير، وصيرها دار الإمارة، وكثرت جيوشه، وبعد صيته، وتملك الأندلس، ودانت له الأمم. وفي آخر أيامه بعث رسولاً إلى العراق يطلب عهداً من المستظهر بالله، فبعث له بالخلع والتقليد واللواء، فأقيمت الخطبة العباسية بممالكه، وكان يميل إلى أهل العلم والدين، ويكرمهم، ويصدر عن رأيهم، وكان يحب العفو والصفح عن الذنوب العظام. ومن ذلك أن ثلاثة نفر اجتمعوا، فتمنى أحدهم ألف دينار يتجر بها، وتمنى آخر عملاً يعمل فيه لأمير المسلمين، وتمنى الآخر زوجة ابن تاشفين المذكور وكانت من أحسن النساء ولها حكم في بلاده فبلغه الخبر، فأحضرهم، وأعطى متمني المال ألف دينار، واستعمل للذي تمنى الاستعمال، وقال للذي تمنى زوجته: يا جاهل؛ ما حملك على هذا الذي لا تصل إليه؟ ثم أرسله إليها، فأنزلته في خيمة ثلاثة أيام، تحمل إليه كل يوم طعاماً واحداً، ثم أحضرته، وقالت له: ما أكلت في هذه الأيام؟ قال: طعاماً واحداً، قالت: كذلك كل النساء شيء واحد، وأمرت له بمال وكسوة، وأطلقته. قلت: وقد سمعت ما يناسب هذا عن بعض ملوك الهند، حكي أنه خرج ملك من
(3/125)

ملوك الهند في بعض الليالي متنكراً ليسمع ما يقول الناس في بلاده، فرأى ثلاثة جلوساً، فدنا منهم، فإذا بهم يتمنى كل واحد منهم شيئاً. فقال أحدهم: أتمنى أن أكون ملكاً، وقال آخر: أتمنى زوجة الملك أتزوجها، وقال الثالث: أتمنى فرساً وسيفاً ولباساً للحرب، لأجاهد في سبيل الله، فلما أصبح الملك، استدعي بهم، فلما حضروا أعطى الذي تمنى الجهاد فرساً جواداً، وسيفاً ماضياً ولباساً حصيناً، وقال: هذا ما تمنيت. وأجلس الذي تمنى الملك في مكان، وفوق رأسه سيف مسلول معلق بشيء واه، فبقي خائفاً يلتفت إلى السي. فقال له: أراك تلتفت؟ فقال: أخاف من هذا السيف، فقال: ما تطلب بالملك؟ فإن الملك لا يزال خائفاً مثلك الآن، وأمر بطعام وإدام من جنس واحد، ملون بألوان مختلفة، فأحضر ذلك، وأمر الذي تمنى زوجته أن يأكل من تلك الألوان، ففعل، فقال له: كيف رأيت ألوانه؟ قال: مختلفة، قال: فكيف طعمه؟ قال: واحد، قال: فكذلك النساء، انتهى معنى الحكاية. قلت: ومثل هذا المقال إنما هو مدافعة وتساهل في التمثيل، وليس المثل كالمثل، فإن اللذات بالنساء تتفاوت بحسب تفاوت جمالهن، وتفاوت منصبهن وشرفهن، وذلك معروف لا يمكن جحده. ولهذا يقول الرسول - عليه السلام: " ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله ". فمدحه بذلك، وبين فضله بمخالفة هواه مع شدة ميل الطبع، وقوة الشهوة المتصفة بهذه الصفة. رجعنا إلى ذكر ابن تاشفين، وقال بعضهم: كان يوسف بن تاشفين مقدم جيش أبي بكر بن عمر الصنهاجي، وكان أبو بكر المذكور قد حاصر سجلماسة، وقاتل أهلها أشد القتال، حتى أخذها، ثم رتب عليها يوسف بن تاشفين، وكان من أمره ما كان، وأول ذلك أن البرير خرج عليهم من جنوب المغرب الملثمون يتقدمهم أبو بكر بن عمر الصنهاجي، وكان رجلاً ساذجاً خير الطباع مؤثراً لبلاده على بلاد المغرب، غير ميال إلى الرفاهية، وكانت ولاة المغرب
ضعفاء، فلم يقدروا يقاومون الملثمين، فأخذوا البلاد من أيديهم من باب تلمسان إلى ساحل البحر المحيط. فلما حصلت البلاد لأبي بكر المذكور، سمع أن عجوزاً في بلاده ذهبت لها ناقة في غارة، فبكت، وقالت: ضيعنا أبو بكر بن عمر بدخوله إلى بلاد المغرب، فحمله ذلك على أن استخلف على بلاد المغرب يوسف بن تاشفين المذكور من أصحابه، ورجع إلى بلاده، وكان يوسف رجلاً شجاعاً، مقداماً عادلاً، فاختط بالمغرب مدينة مراكش - كما تقدم - وكان موضعها مكمناً للصوص، ثم تملك الأندلس بعد وقائع يطول ذكرها، وصار ملكاً للعرب الملثمين. وكان قد ظهر لأبطال الملثمين ضربات بالسيوف تقد الفارس، وطعنات بالرماح تنظم الكلاء، وكان لهم بذلك ناموس ورعب في قلوب المبتدئين لقتالهم، وسموا ملثمين: لأنهم كانوا يلثمون، ولا يكشفون وجوههم. وسبب ذلك على ما قيل إن حمير كانت تلثم لشدة الحر والبرد، يفعله الخواص منهم، فكثر ذلك حتى صار يفعله عامتهم. وقيل سببه أن قوماً من أعدائهم كانوا يقصدون غفلتهم إذا غابوا، فيطرقون الحي، ويأخذون المال والحريم، فأشار عليهم بعض مشائخهم أن يبعثوا النساء في زي الرجال إلى ناحية، ويقعدوا لهم في البيوت ملثمين في زي النساء، فإذا أتاهم العدو، وظنوا أنهم النساء، خرجوا عليهم، ففعلوا ذلك، وثاروا عليهم بالسيوف، وقتلوهم، فلزموا اللثام تبركاً بما حصل لهم من الظفر. وقال الشيخ الحافظ عز الدين بن الأثير في تاريخه الكبير: وقيل إن سبب اللثام أن طائفة منهم خرجوا. مغيرين على عدوهم، فخلفهم العدو إلى بيوتهم، ولم يكن بها إلا الشيوخ والصبيان. فلما تحقق الشيوخ مجيء العدو لهم، أمروا النساء أن يلبسن ثياب الرجال، ويلثمن حتى لا يعرفن، ويلبسن السلاح. ففعل ذلك، وتقدم الشيوخ والصبيان أمامهن، واستدار النساء بالبيوت، فلما أشرف العدو ورأى جمعاً عظيماً، وظنوا رجالاً، وقالوا: هؤلاء عند حريمهم يقاتلون عنهن قتال الموت، فالرأي أن نسوق النعم ونمضي، فإن اتبعونا قاتلناهم خارجاً عن حريمهم، فبيناهم في جميع النعم من المراعي، إذ أقبل رجال الحي، فبقي العدو بينهم وبين النساء، فقتلوا من العدو كثيراً، وكان من قبل النساء لهم أكثر. فمن ذلك الوقت جعلوا اللثام سنة، ولازموا ذلك، فلا يعرف الشيخ من الشاب. ومما قيل في اللثام: ضعفاء، فلم يقدروا يقاومون الملثمين، فأخذوا البلاد من أيديهم من باب تلمسان إلى ساحل البحر المحيط. فلما حصلت البلاد لأبي بكر المذكور، سمع أن عجوزاً في بلاده ذهبت لها ناقة في غارة، فبكت، وقالت: ضيعنا أبو بكر بن عمر بدخوله إلى بلاد المغرب، فحمله ذلك على أن استخلف على بلاد المغرب يوسف بن تاشفين المذكور من أصحابه، ورجع إلى بلاده، وكان يوسف رجلاً شجاعاً، مقداماً عادلاً، فاختط بالمغرب مدينة مراكش - كما تقدم - وكان
(3/126)

موضعها مكمناً للصوص، ثم تملك الأندلس بعد وقائع يطول ذكرها، وصار ملكاً للعرب الملثمين. وكان قد ظهر لأبطال الملثمين ضربات بالسيوف تقد الفارس، وطعنات بالرماح تنظم الكلاء، وكان لهم بذلك ناموس ورعب في قلوب المبتدئين لقتالهم، وسموا ملثمين: لأنهم كانوا يلثمون، ولا يكشفون وجوههم. وسبب ذلك على ما قيل إن حمير كانت تلثم لشدة الحر والبرد، يفعله الخواص منهم، فكثر ذلك حتى صار يفعله عامتهم. وقيل سببه أن قوماً من أعدائهم كانوا يقصدون غفلتهم إذا غابوا، فيطرقون الحي، ويأخذون المال والحريم، فأشار عليهم بعض مشائخهم أن يبعثوا النساء في زي الرجال إلى ناحية، ويقعدوا لهم في البيوت ملثمين في زي النساء، فإذا أتاهم العدو، وظنوا أنهم النساء، خرجوا عليهم، ففعلوا ذلك، وثاروا عليهم بالسيوف، وقتلوهم، فلزموا اللثام تبركاً بما حصل لهم من الظفر. وقال الشيخ الحافظ عز الدين بن الأثير في تاريخه الكبير: وقيل إن سبب اللثام أن طائفة منهم خرجوا. مغيرين على عدوهم، فخلفهم العدو إلى بيوتهم، ولم يكن بها إلا الشيوخ والصبيان. فلما تحقق الشيوخ مجيء العدو لهم، أمروا النساء أن يلبسن ثياب الرجال، ويلثمن حتى لا يعرفن، ويلبسن السلاح. ففعل ذلك، وتقدم الشيوخ والصبيان أمامهن، واستدار النساء بالبيوت، فلما أشرف العدو ورأى جمعاً عظيماً، وظنوا رجالاً، وقالوا: هؤلاء عند حريمهم يقاتلون عنهن قتال الموت، فالرأي أن نسوق النعم ونمضي، فإن اتبعونا قاتلناهم خارجاً عن حريمهم، فبيناهم في جميع النعم من المراعي، إذ أقبل رجال الحي، فبقي العدو بينهم وبين النساء، فقتلوا من العدو كثيراً، وكان من قبل النساء لهم أكثر. فمن ذلك الوقت جعلوا اللثام سنة، ولازموا ذلك، فلا يعرف الشيخ من الشاب. ومما قيل في اللثام:
قوم لهم درك العلى في حمير ... وإن أنتم صنهاجة فهم هم
لما حووا إحراز كل فضيلة ... غلب الحياء عليهم فتلثموا
ولما حضرت الوفاة يوسف بن تاشفين عهد بالأمر من بعده إلى ابنه علي الذي خرج عليه ابن تومرت بفتح المثناة من فوق وسكون الواو وفتح الميم والراء وسكون المثناة في آخره. وفيها أو بعدها توفي الإمام العلامة الفقيه الفرضي إسحاق بن يوسف بن ابراهيم بن يعقوب بن عبد الصمد الصروفي، مصئص كتاب الكافي في الفرائض. تفقه بجعفر بن عبد الرحمن، وإسحاق العشاري. وكان علامة في المواريث والحساب، وكتابه دال على علمه،
(3/127)

ويقال إن أصله من المعافر، وسكن الصروف، وصنف الكافي فاستغنى به أهل زمانه عن الكتب القديمة في المواريث. قلت وكتابه المذكور مبارك واضح بكثرة الأمثلة، انتفع به خلق كثير - وخصوصاً من أهل اليمن - ويقال إنه لما أظهر في بعض البلاد الشاسعة ابتاع بوزنه فضة، وأرى أن مثله في الانتفاع والبركة والإيضاح بكثرة الأمثلة كتاب الجمل في النحو للزجاجي. وسمعت من بعض شيوخنا يحكي عن بعض العلماء في بعض الآفاق أنه قال: ما بلغت فضيلة في أحد من أهل اليمن إلا في اثنين: صاحب الكافي في الفرائض، وصاحب كتاب البيان في الفقه. قلت: لا شك أن هذين الكتابين اشتهرا في قديم الزمان، وشاعا في البلدان، فلهذا قيل ذلك المقال. ولبعض المتأخرين من أهل اليمن أيضاً تصانيف، منها: شرح المهذب للإمام الكبير الولي الشهير اسماعيل بن محمد الحضرمي، ومنها شرح التنبيه لابن أخته الفقيه العلامة القاضي جمال الدين ومنها شرح الوسيط للفقيه الإمام المالكي أبي شكيل في بضعة عشر مجلداً، وغالب فضائل أهل اليمن إنما هي بالصلاح والأوصاف الملاح، ويكفي دليلاً على فضلهم ودينهم قوله - عليه الصلاة والسلام - " الأيمان يمان والحكمة يمانية ". رجعنا إلى ذكر الإمام الصروفي في ذكر ابن سمرة أنه كان له ابنتان، تزوج إحديهما - وهي تسمى ملكة - الفقيه الإمام زيد بن عبد الله اليفاعي، فأولدها بنتاً اسمها هندة، هي أم محمد بن سالم الإمام بجامع ذي شرف، ولذلك صارت كتب الفقيه زيد بن عبد الله اليفاعي بأيديهم، لأنه لم يرثه غير أمهم هذه. وتزوج الأخرى إمام مسجد الجند: حسان بن محمد، فاستولدها ولداً، وصار إليه من كتب الفقيه إسحاق شيء. قال الإمام ابن سمرة: وأخبرني الفقيه الفاضل عبد الله بن محمد بن سالم بمنزله بذي باشرق، عن شيوخه، عن الشيخ إسحاق الصروفي، أنه كان يقرأ عليه رجل من الجن ساحت الخلق، فلما كان ذات يوم أتاهم رجل محنش وهو الذي يلزم الحنشات والحيات بيده فلا تضره - فقال الجني للشيخ إسحاق: أتمثل لهذا ثعباناً، وانظر ما يكون منه، فكره الشيخ ذلك منه، فلم يقبل منه، فتصور الجني ثعباناً، فعزم الراقي عليه حتى حصل في
(3/128)

جونته، فطلب الشيخ منه أن يطلقه، فتعسر عليه ساعة، فأطلقه من جونته، فغاب ومكث خمسة عشر يوماً، فعاد إلى الشيخ وفيه آثار من نار، فسأله عن ذلك فقال: إنه لما عزم علي أردت أن أخرج، فكانت نار تلفحني من كل جهة، ولا أرى موضعاً خالياً من النار، فدخلتها كارهاً فهذه الآثار من تلك النار.

سنة احدى وخمس مائة
فيها كانت وقعة كبيرة بالعراق بين سيف الدولة صدقة بن منصور أمير العرب وبين السلطان محمد، فقتل صدقة في المصاف. وفيها كان الحصار على صور وطرابلس والشام في ضرمع الفرنج. وفيها توفي أبو علي تميم بن معز ابن السلطان أبي يحيى الحميري الصنهاجي، ملك إفريقية وما والاها بعد أبيه، وكان حسن السيرة، محمود الآثار، محباً للعلماء، معظماً للفضلاء مقصداً للشعراء، كامل الشجاعة وافر الهيبة، عاش تسعاً وتسعين سنة، وكانت دولته ستاً وخمسين سنة، وخلف من البنين أكثر من مائة، ومن البنات ستين - على ما ذكر ابن شداد في تاريخ القيروان - وتملك بعده ابنه يحيى، وفيه يقول أبو علي، الحسن بن رشيق القيرواني:
أصح وأقوى ما سمعناه في الندا ... من الخبر المأثور منذ قديم
أحاديث ترويها السيول عن الحيا ... عن البحر عن كف الأمير تميم
ولتميم المذكور أشعار حسنة منها قوله:
سل المطر العام لذي عم أرضكم ... أجاء بمقدار الذيى فاض من دمعي؟
إذا كنت مطبوعاً على الصد والجفا ... فمن أين لي صبر، فأجعله طبعي؟
وكان يجيز الجوائز السنية، ويعطي العطايا الجزيلة الهنيئة، وفي أيام ولايته أخذ المهدي محمد بن تومرت إفريقية عند عوده من بلاد الشرق، وأظهر بها الإنكار على من رآه خارجاً عن سنن الشريعة، ومن هناك توجه إلى مراكش، وكان منه ما كان، على ما سيأتي قريباً، وكان قد فوض إلى تميم المذكور أبوه في حياته ولاية المهدية، ولم يزل بها إلى أن توفي والده، فاستبد بالملك، ولم يزل كذلك إلى أن توفي. وفيها توفي صدقة بن منصور مقتولاً كما تقدم، وذلك يوم الجمعة، سلخ جمادى
(3/129)

الآخرة. وقتل معه ثلاثة آلاف فارس، وكان شيعياً، له محاسن ومكارم وحلم وجود، ملك العرب بعد أبيه اثنتين وعشرين سنة، وكان ذا بأس وسطوة وهيبة، نافر السلطان محمد ابن ملك شاه السلجوقي، واقتضت الحال الحرب بينهما، إلى أن قتل في المعركة في التاريخ المذكور، وحمل رأسه إلى بغداد، وكانت إمارة أبيه سبعاً وستين سنة. وفي السنة المذكورة توفي الرجل الصالح أبو محمد عبد الرحمن بن أحمد الصوفي الدوني، راوي السنن عن أبي نصر الكسار، وكان زاهداً عابداً سفياني المذهب. وفيها توفي أبو الفرج القزويني محمد ابن العلامة أبي حاتم محمود بن أحمد بن الحسن الأنصاري، وكان فقيهاً صالحاً وفيها توفي أبو سعد الأسدي محمد بن عبد الملك البغدادي المؤدب.

سنة اثنتين وخمس مائة
فيها حاصر جاولي بالجيم، الموصل - وبها زنكي - فأنجده صاحب الروم أرسلان، ففر جاولي، ودخل أرسلان الموصل، وحلفوا له، ثم التقى جاولي وأرسلان في ذي القعدة، فحمل أرسلان بنفسه، وضرب يد حامل العلم فأبانها، ثم ضرب جاولي بالسيف، فقطع السيف بعض لبوسه، وحمل أصحاب جاولي على الروميين فهزموهم، وبقي أرسلان في الوسط، فهز فرسه، ودخل نهر الخابور، فدخل به الفرس في ماء عميق، فغرق وطفا بعد أيام، فدفن، وساق جاولي، فأخذ الموصل، فظلم وغشم. وفيها تزوج المستظهر بالله بأخت السلطان محمد. وفيها ظهرت الإسماعيلية بالشام، ثم خذلت، وأخذتهم السيوف، فلم ينج منهم أحد. وفيها قتلت الباطنية الاسماعيلية بهمذان قاضي القضاة عبيد الله بن علي الخطيبي. وفيها قتلت بأصبهان يوم عيد الفطر أبا العلاء صاعد بن محمد البخاري. وفيها قتلت النيسابوري الحنفي المفتي، أحد الأئمة.
(3/130)

وفيها قتلت بجامع آمد يوم الجمعة في شهر الله المحرم فخر الإسلام القاضي أبا المحاسن عبد الواحد بن اسماعيل بن أحمد الروياني الفقيه الإمام، الشافعي مذهباً أحد الرؤوس الأكابر في أيامه، شيخ الشافعية فروعاً وأصولاً وخلافاً، صاحب التصانيف السنية، سمع الشيخ أبا الحسن عبد الغافر بن محمد الفارسي، وأبا عبيد الله محمد بن بيان الكازروني، وتفقه على مذهب الإمام الشافعي، وروى عنه زاهر بن طاهر الشحامي وغيره. وكان له الجاه العظيم والحرمة الوافرة، وكان الوزير نظام الملك كثير التعظيم له بكمال فضله، رحل إلى بخارى، ودخل غزنة، ونيسابور، ولقي الفضلاء، وحضر مجلس ناصر المروزي، وعلق عنه الحديث، وبنى بآمل طبرستان مدرسة، ثم انتقل إلى الري، ودرس بها، وقدم أصبهان، وأملأ بجامعها، وصنف الكتب المفيدة منها: بحر المذهب، هو من أطول كتب الشافعية، وكتاب الكافي، وكتاب حيلة المؤمن، وصنف في الأصول والخلاف. ونقل عنه أنه يقول: لو احترقت كتب الشافعي لأمليتها من خاطري، ذكره الحافظ أبو محمد عبد الله بن يوسف القاضي في طبقات أئمة الشافعي، وأثنى عليه. وذكره الحافظ يحيى بن منده، فأثنى عليه، وروى الحديث عن خلق كثير في بلاد متفزقة. وقال الحافظ أبو طاهر السلفي: بلغنا أن أبا المحاسن الرؤياني أملى بمدينة آمل، وقتل بعد فراغه من الإملاء بسبب التعصب في الدين. وذكر الحافظ أبو سعد السمعاني أنه قتل في الجامع يوم الجمعة - الحادي عشر من المحرم - من السنة المذكورة، قتله الملاحمة، وقال بعضهم: عاش سبعاً وثمانين سنة. وعظم الخطب بهؤلاء الملحدين، وخافهم كل أمير وعالم بهجومهم على الناس. وفي السنة المذكورة توفي أبو القاسم الربعي علي بن الحسين الفقيه الشافعي المعتزلي ببغداد، قلت: يعنون أنه شافعي الفروع، معتزلي الأصول، كما قيل إن جار الله الزمخشري حنفي الفررع معتزلي الأصول، وأشباه ذلك كثر، يكون أحدهم فروعي مذهب آخر. وفيها توفي أبو زكريا التبريزي الخطيب صاحب اللغة يحيى بن علي بن محمد الشيباني، صاحب التصانيف، أخذ اللغة عن أبي العلاء المعري، وسمع من سليمان بن أيوب بصور، وكان شيخ بغداد في الادب. وسمع الحديث بمدينة صور من الفقيه أبي الفتح سليم بن أيوب الرازي وجماعة، وروى عنه الخطيب الحافظ أبو بكر وغيره من أعيان الأئمة، وتخرج عنه خلق كثير، وتلمذوا له، وصنف في الأدب كتباً مفيدة، منها شرح
(3/131)

الحماسة وشرح ديوان المتنبي وشرح المعلقات السبع، وله تهذيب غريب الحديث وتهذيب إصلاح المنطق ومقدمات حسنة في النحو، وكتاب الكافي في علم العروض والقوافي، وشرح سقط الزند للمعري، وله الملخص في إعراب القرآن في أربع مجلدات، ودرس الأدب في حنش نظامية بغداد، ودخل مصر، فقرأ عليه ابن بابشاذ شيئاً من اللغة. وفيها توفي محمد بن عبد الكريم بن حشيش البغدادي رحمه الله تعالى.

سنة ثلاث وخمس مائة
في ذي الحجة منها أخذت الفرنج طرابلس بعد حصار سبع سنين، وكان المدد يأتيها من مصر في البحر. وفيها أخذوا بانياس. وفيها أخذ صاحب أنطاكية طرطوس وحصن الأكراد. وفيها توفي أبو بكر أحمد بن المظفر بن سوسن رحمه الله. وفيها توفي الحافظ أبو الفتيان عمر بن عبد الكريم الرواسي، طوف خراسان والعراق والشام ومصر، وكتب عن الصابوني وطبقته.
وفيها توفي أبو سعد المطرز بن محمد الأصبهاني في نيف وتسعين سنة، سمع الحسين ابن ابراهيم وأبا علي غلام محسن وغيرهما، وهو أكبر شيخ للحافظ أبي موسى المديني، سمع منه حضوراً.

سنة أربع وخمس مائة
فيها أخذت الفرنج بيروت بالسيف، ثم أخذوا صيدا بالأمان، وأخذ صاحب أنطاكية بعض الحصون، وعظم المصاب، وتوجه خلق كثير من المطوعة يستصرخون الدولة ببغداد على الجهاد، واستغاثوا، وكسروا منبر جامع السلطان، وكثر الضجيج، فشرع السلطان في أهبة الغزو.
(3/132)

وفيها توفي أبو الحسين الخشاب يحيى بن علي بن الفرج المصري، شيخ الإقراء با لروايات. وفيها توفي اسماعيل بن أبي الحسين عبد الغافر بن محمد الفارسي، ثم النيسابوري. وأبو يعلى حمزة بن محمد بن علي البغدادي أخو طراد الزينبي. وفيها توفي أبو الحسن علي بن محمد بن علي الطبري الفقيه الشافعي، المعروف بألكيا، بكسر الكاف وفتح المثناة من تحت والتخفيف وبعدها ألف، وهي في اللغة العجمية الكبير القدر المقدم بين الناس، كان من أهل طبرستان، فخرج إلى نيسابور، وتفقه على إمام الحرمين أبي المعالي الجويني مدة إلى أن برع، وكان حسن الوجه جهوري الصوت فصيح العبارة حلو الكلام، وخرج من نيسابور إلى بيهق، ودرس بها مدة، ثم خرج إلى العراق، وتولى التدريس بالنظامية ببغداد إلى أن توفي. ذكره الحافظ عبد الغافر بن اسماعيل الفارسي وقال: كان من درس معيداً إمام الحرمين في الدروس، وكان ثاني أبي حامد الغزالي، بل أرجح منه في الصوت والمنظر، ثم اتصل بخدمة الملك بركيا روق - بالموحدة قبل الراء والمثناة من تحت بين الكاف والراء مكررة قبل الكاف والواو ابن ملك شاه السلجوقي، وحظي عنده بالمال والجاه، وارتفع شأنه، وتولى القضاء بتلك الدولة، وكان يستعمل الأحاديث في ميادين الكفاح إذا طارت رؤوس المقاييس في مهاب الرياح. قال الحافظ أبو طاهر السلفي: استفتيت شيخنا أبا الحسن المعروف بالكيا، وقد جرى بيني وبين الفقهاء كلام في المدرسة النظامية - ما يقول الإمام - وفقه الله تعالى - في رجل أوصى بثلث ماله للعلماء والفقهاء، هل يدخل كتبة الحديث تحت هذه الوصية أم لا؟ فكتب الشيخ تحت السؤال: نعم، كيف لا؟ وقد قال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم " من حفظ على أمتي أربعين حديثاً من أمر دينها بعثه الله تعالى يوم القيامة فقيهاً عالماً " انتهى. قلت الظاهر - والله أعلم إنه محمول على ما إذا عرف معنى الحديث وأحكامه، وإلا فلا يدخل في الوصية، وقد وقفت بعد قولي هذا على ما يؤيده - والحمد لله تعالى - وهو ما نص عليه الإمام الرافعي، وقرره الإمام النووي في الروضة، قال: فيما إذا أوصي للعلماء لا يدخل فيهم الذين يسمعون الحديث، ولا علم لهم بطرقه، ولا بأسماء الرواة، ولا بالمتون، فإن السماع المجرد ليس بعلم. توفي رحمه الله تعالى يوم الخميس مستهل السنة المذكورة، ودفن في تربة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وحضر دفنه الشريف أبو طالب الزينبي وقاضي القضاة أبو الحسن
(3/133)

الدامغاني، وكانا مقدمي الطائفة الحنفية، وكان بينه وبينهما مناقشة، فوقف أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال أبو الحسن الدامغاني متمثلا:
وما تغني النوادب والبواكي ... وقد أصبحت مثل حديث أمس
وأنشد الزينبي متمثلاً:
عقم النساء فما يلدن شبيهه ... إن النساء بمثله عقم
وكان في خدمته بالمدرسة النظامية ابراهيم بن عثمان الغزي الشاعر المشهور، فرثاه بأبيات منها قوله:
هي الحوادث لا تبقي ولا تذر ... ما للبرية عن محتومها وزر
لو كان ينجي علو من بوائقها ... لم تكسف الشمس، بل لم يخسف القمر
قل للجبان الذي أمسى على حنر ... من الحمام متى رد الردى الحدر؟
بكى على شمسه الإسلام إذ أفلت ... بأدمع قل في تشبيهها المطر
حبر عهدناه طلق الوجه مبتسماً ... والبشر أحسن ما يلقى به البشر
لئن طوته المنايا تحت أخمصها ... فعلمه الجم في الآفاق منتشر
أخا ابن إدريس كنت تورده ... تحار في نظمه الأذهان والفكر
وكان قد سئل في حياته عن يزيد بن معاوية، فقدح فيه، وشطح، وكتب فصلاً طويلاً، ثم قلب الورقة، وكتب: لو مددت بياض لمددت العنان في مجازي هذا الرجل، وقال: هذا الإنسان، وكتب: فلان ابن فلان. قال ابن خلكان: وقد أفتى الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى في مثل هذه المسألة بخلاف ذلك، فإنه سئل عمن صرح بلعن يزيد، هل يحكم بفسقه، أم هل يكون ذلك مرخصاً فيه؟ وهل كان مريداً قتل الحسين رضي الله تعالى عنه أم كان قصده الدفع؟ وهل يسوغ الترحم عليه، أم السكوت أفضل أنعم بإزالة الاشتباه مثاباً؟ فأجاب: لا بجوز لعن مسلم أصلاً، ومن لعن مسلماً فهو الملعون، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: " المسلم ليس بلعان " لما وكيف يجوز لعن مسلم، ولا يجوز لعن البهائم؟ - وقد ورد النهي عن ذلك - وحرمة المسلم أعظم من حرمة الكعبة، بنص النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويزيد صح إسلامه، وما صح قتله للحسين، ولا أمره به، وما لم يصح منه ذلك لا يجوز أن يظن ذلك به، فإن إساءة الظن بالمسلم حرام، وقد قال الله
(3/134)

تعالى: " اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم " - الحجرات 12 - وقال النبي صل الله عليه وآله وسلم: " إن الله حرم من المسلم دمه وماله وعرضه وأن يظن به ظن ". ومن زعم أن يزيد أمر بقتل الحسين رضي الله تعالى ورضي به - فينبغي أن يعلم به غاية حماقة، فإن من قتل من الأكابر والوزراء والسلاطين في عصره، لو أراد أحد أن يعلم حقيقة من الذي أمر بقتله، ومن الذي رضي به، ومن الذي - وإن كرهه لم يقدر على ذلك كان قد قتل بجواره وزمانه، وهو يشاهده، فكيف يعلم ذلك فيما أنقضى عليه قريب من أربعمائة سنة في مكان بعيد؟ فهذا لا يعرف حقيقته أصلا، وإذا لم تعرف وجب إحسان الظن بكل مسلم يمكن إحسان الظن به، ومع هذا فالقتل ليس بكفر، بل هو معصية، وربما مات القاتل بعد التوبة، ولو جاز لعن أحد، فسكت عن ذلك، لم يكن الساكت عاصياً، بل لو لم يلعن إبليس طول عمره لا يقال له في القيامة؛ لم لم تلعن إبليس؟ وأما الترحم عليه فإنه جائز، بل مستحب، إذ هو داخل في قوله: اللهم أغفر للمؤمنين والمؤمنات. والله أعلم. - كتبه الغزالي -. قلت: ينبغي أن يوضح الأمر في ذلك ويفصل، وهو أنه لا يخلو: إما أن يعلم أنه أمر بقتله، فلا يخلو، إما أن يكون معتقداً جله، أولا، فإن استحله فقد كفر، وإن أمر به ولى يستحله فقد فسق، فليس القتل مقتضياً للكفر، إلا إذا كان قتلاً لنبي، وإن لم يعلم أنه أمر بقتله فلا يجوز أن يفسق بمجرد ظن ذلك والله أعلم.

سنة خمس وخمس مائة
فيها جاءت عساكر العراق والجزيرة لغزو الفرنج، فنازلوا الرها، فلم يقدروا، ثم ساروا وقطعوا الفرات، ونازلوا بعض بلاد الفرنج خمسة وأربعين يوماً، فلم يصنعوا شيئاً، واتفق موت مقدمهم واختلافهم، فردوا، وطمعت الفرنج في المسلمين، وتجمعوا، فحاصروا صور مدة طويلة. وفيها كانت ملحمة كبيرة بالأندلس بين ابن تاشفين وبعض ملوك الفرنج، وانتصر المسلمون، وأسروا وقتلوا، وغنموا مالاً يعبر عنه، وذلت الفرنج. وفيها توفي أبو محمد الآبنوسي عبد الله بن علي البغدادي المحدث، سمع من أبي القاسم التنوخي والجوهري.
(3/135)

وفيها توفي أبو الحسن بن العلاف علي بن محمد البغدادي الحاجب، مسند العراق. وفيها توفي الإمام حجة الإسلام زين الدين أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي الغزالي، أحد الأئمة الأعلام، اشتغل في مبدأ أمره بطوس، على أحمد الزادكاني، ثم قدم نيسابور، واختلف إلى دروس إمام الحرمين أبي المعالي الجويني، وجد في الاشتغال حتى تخزج في مدة قريبة، وصار من الأعيان المشاهير المشار إليهم في زمن أساتذتهم، وصنف في ذلك الوقت، وكان أستاذه يتبجح به، ولم يزل ملازماً إلى أن توفي في التاريخ المذكور في ترجمته، فخرج من نيسابور إلى العسكر، ولقي الوزير نظام الملك، فأكرمه، وعظمه، وبالغ في الإقبال عليه، وكان بحضرة الوزير جماعة من الأفاضل، فجرى بينهم الجدال والمناظرة في عدة مجالس، وظهر عليهم، واشتهر اسمه، وسارت بذكره الركبان، ثم فوض إليه الوزير تدريس مدرسته - النظامية - بمدينة بغداد، فجاءها، وباشر إلقاء الدروس بها، وذلك في جمادى الأولى سنة أربع وثمانين وأربعمائة. فعجب به أهل العراق، وارتفعت عندهم منزلته، ثم ترك جميع ما كان عليه، وسلك طريق الزهد والانقطاع، وقصد الحج. وذكر في الشذور أنه خرج من بغداد في سنة ثمان وثمانين وأربع مائة متوجهاً إلى بيت المقدس، متزهداً لابساً خشن الثياب، وناب عنه أخوه في التدريس، ثم ذكره في سنة خمس وخمس مائة. فلما رجع توجه إلى الشام، فأقام بمدينة دمشق مدة يذكر الدروس في زاوية الجامع - في الجانب الغربي منه - وانتقل منها إلى بيت المقدس، واجتهد في العبادة وزيارة المشاهدة والمواضع المنظمة، ثم قصد مصر، وأقام بالاسكندرية مدة، ويقال إنه قصد منها الركوب في البحر إلى بلاد المغرب على عزم الاجتماع بالأمير يوسف بن تاشفين صاحب مراكش - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى فبينا هو كذلك بلغه نعي يوسف المذكور، فصرف عنانه من تلك الناحية، ثم عاد إلى وطنه بطوس. قلت هذه الزيادة في ذكر دخوله مصر والإسكندرية، وقصده الركوب إلى ملك بلاد المغرب غير صحيحة، فلم يذكر أبو حامد في كتابه: المنقذ من الضلال - سوى إقامته ببيت المقدس ودمشق، ثم حج ورجع إلى بلاده والعجب كل العجب، كيف يذكر أنه قصد الملك المذكور لأرب - وهو من الملوك والمملكة هرب - فقد كان له في بغداد الجاه الوسيع، والمقام الرفيع، فاحتال في الخروج عن ذلك، وتعلل بأنه إلى الحج سالك لأداء ما عليه من فروض المناسك، ثم عدل إلى الشام، وأقام بها ما أقام وكذا علماء التاريخ الحفاظ الأكابر ومنهم الإمام الجليل أبو القاسم ابن عساكر - لم يذكر هذه الزيادة التي تنافي رفع همته عن المقاصد الدنية، لإعراضه عن الدنيا والخلق بالكلية، ولما عاد إلى الوطن اشتغل
(3/136)

بنفسه، وآثر الخلوة، وصنف الكتب المفيدة في الفنون العديدة. ومن مشهورات مصنفاته: الوسيط والبسيط والوجيز والخلاصة في الفقه، ومنها إحياء العلوم: وهو من أنفس الكتب وأجملها. وله في أصول الفقه: المستصفى والمنخول والمنتحل في علم الجدل، وتهافت الفلاسفة، ومحك النظر ومعيار العلم، والمقاصد، والمظنون به على غير أهله، ومشكاة الأنوار والمنقذ من الضلال، وحقيقة القولين، وكتاب ياقوت التأويل في تفسير التنزيل أربعين مجلداً، وكتاب أسرار علم الدين، وكتاب منهاج العابدين، والدرة الفاخرة في كشف علوم الآخرة، وكتاب الأنيس في الوحدة، وكتاب القربة إلى الله عز وجل، وكتاب اختلاف الأبرار والنجاة من الأشرار، وكتاب بداية الهداية، وكتاب جواهر القرآن، والأربعين في أصول الدين، وكتاب المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، وكتاب ميزان العمل، وكتاب القسطاس المستقيم، وكتاب التفرقة بين الإسلام والزندقة، وكتاب الذريعة إلى مكارم الشريعة، وكتاب المنادى والغايات، وكتاب كيمياء
السعادة، وكتاب تدليس إبليس لعنه الله. وكتاب نصيحة الملوك، وكتاب الاقتصاد في الاعتقاد، وكتاب شفاء العليل في مسائل التعليل، وكتاب أساس القياس، وكتاب المقاصد، وكتاب إلجام العوام عن علم الكلام، وكتاب الانتصار، وكتاب الرسالة الدينية، وكتاب الرسالة القدسية، وكتاب أبيات النظر، وكتاب المآخذ، وكتاب القول الجميل في الرد على غير الإنجيل، وكتاب المستظهري، وكتاب الأمالي وكتاب في علم اعداد الوقف وحدوده، وكتاب مفصل الخلاف، وجزء في الرد على المنكرين في بعض الفاظ إحياء علوم الدين. وقال يمدحه تلميذه: الشيخ الإمام أبو العباس الأقلشي المحدث الصوفي، صاحب كتاب النجم والكواكب وغيره: لسعادة، وكتاب تدليس إبليس لعنه الله. وكتاب نصيحة الملوك، وكتاب الاقتصاد في الاعتقاد، وكتاب شفاء العليل في مسائل التعليل، وكتاب أساس القياس، وكتاب المقاصد، وكتاب إلجام العوام عن علم الكلام، وكتاب الانتصار، وكتاب الرسالة الدينية، وكتاب الرسالة القدسية، وكتاب أبيات النظر، وكتاب المآخذ، وكتاب القول الجميل في الرد على غير الإنجيل، وكتاب المستظهري، وكتاب الأمالي وكتاب في علم اعداد الوقف وحدوده، وكتاب مفصل الخلاف، وجزء في الرد على المنكرين في بعض الفاظ إحياء علوم الدين. وقال يمدحه تلميذه: الشيخ الإمام أبو العباس الأقلشي المحدث الصوفي، صاحب كتاب النجم والكواكب وغيره:
أبا حامد أنت المخصص بالحمد ... وأنت الذي علمتنا سنن الرشد
وضعت لنا الإحياء يحيي نفوسنا ... وينقذنا من طاعة المارد المردي
فربع عبادات وعاداتها التي ... تعاقبها كالدر نظم في العقد
وثالثها في المهلكات وإنه ... لمنج من الهلك المبرح بل بعدي
ورابعها في المنجيات وإنه ... ليسرح بالأرواح في جنة الخلد
ومنها ابتهاج للجوارح ظاهر ... ومنها صلاح للقلوب من البعد
وكتبه كثيرة، وكلها نافعة، ثم ألزم بالعود إلى نيسابور والتدريس بها بالمدرسة النظامية، فأجاب إلى ذلك بعد تكرار المعاودات، ثم ترك ذلك وعاد إلى بيته في وطنه، واتخذ خانقاها للصوفية، ومدرسة للمشتغلين بالعلم في جواره، ووزع أوقاته على وظائف الخير من ختم القرآن ومجالسه أهل القلوب، والقعود للتدريس، إلى أن انتقل إلى ربه هذا
(3/137)

ما ذكره بعض علماء التاريخ. قلت: وكان رضي الله تعالى عنه رفيع المقام، شهد له بالصديقية إلأولياء الكرام، وهو الحبر الذي باهى به المصطفى سيد الأنام موسى وعيسى - عليه وعليهما أفضل الصلاة والسلام - في المنام الذي رويناها بإسنادنا العالي عن الشيخ الإمام القطب أبي الحسن الشاذلي والذي أنتشر فضله في الآفاق. وتميز بكثرة التصانيف وحسنها على العلمماء، وبرع في الذكاء وحسن العبارة وسهولتها، وأبدع، خى صار إفحام الفرق عنده أسهل من شرب الماء. قال الشيخ الإمام الحافظ ذو المناقب والمفاخر السيد الجليل أبو الحسن عبد الغافر الفارسي: محمد بن محمد بن محمد أبو حامد الغزالي حجة الإسلام والمسلمين، إمام أئمة الدين، لم تر العيون مثله لساناً وبياتاً ونطقاً وخاطراً وذكاء وطبعاً، ابتدأ في صباه بطرف في الفقه في طوس، على الفقيه الإمام أحمد الزادكاني، ثم قدم نيسابور مختلفاً إلى درس إمام الحرمين في طائفة من الشبان من طوس، وجد واجتهد حتى تخرج عن مدة قريبة، وصار أنظر أهل زمانه، وأوحد أقرانه في أيام إمام الحرمين، فكانت الطلبة يستفيدون منه، ويدرس لهم، ويرشدهم، ويجتهد في نفسه، وبلغ الأمر به إلى أن أخذ في التصنيف. وكان الإمام - مع علو درجته وسمو عبارته وسرعة جريه في المنطق والكلام لا يصفي نظره إلى الغزالي سراً، لإنافته عليه في سرعة العبارة، وقوة الطبع، ولا يطيب له تصديه للتصنيف - وإن كان متخرجاً به منتسباً إليه، كما لا يخفى من طبع البشر - ولكنه يظهر التبحح به والاعتداد بمكانه ظاهر أخلاق ما يضمره.
ويقال على ما ذكره بعض المؤرخين أنه لما صنف كتابه المنخول، عرضه على إمام الحرمين فقال: دفنتني وأنا حي، فهلا صبرت إلى أن أموت؟ لأن كتابك غطى على كتابي.
هكذا نقل عن إمام الحرمين - والله أعلم مع كونه بالمحل للذي شهد له بفضله الجملة من أفراد الأئمة، من ذلك ما تقدم عن الإمام السمعاني أن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي قال: تمتعوا بهذا الإمام، فإنه نزهة هذا الزمان، يعني أبا المعاني الجويني - رحمة الله عليهم أجمعين -، وما تقدم من وصفه بإمام الأئمة على الإطلاق، وغير ذلك مما اشتهر من وصفه بالفضائل، وبراعته في العلوم في الآفاق، ثم بقي كذلك إلى أن انقضى أيام الإمام، فخرج من نيسابور، وسار إلى العسكر، واحتل من مجلس نظام الملك محل القبول، وأقبل عليه الصاحب لعلو درجته وظهور اسمه وحسن مناظرته وجري عبارته، وكانت تلك الحضرة محط رحال العلماء ومقصد الأئمة والفصحاء، فوقعت للغزالي اتفاقات حسنة من الاحتكاك
(3/138)

بالأئمة وملاقاة الخصوم ومناظرة الفحول ومناقدة الكبار، وظهر اسمه في الآفاق، وارتفق بذلك أكمل الارتفاق، حتى أدت الحال به إلى أن رسم للمصير إلى بغداد للتدريس بالمدرسه الميمونة النظامية بها، فصار إليها، وأعجب الكل تدريسه ومناظرته، وما لقي مثل نفسه، وصار بعد إمامة خراسان إمام العراق، ثم نظر في علم الأصول - وكان قد أحكمه - فصنف فيه، وجدد المذهب في الفقه، فصنف فيه تصانيف، وسبك الخلاف، فحرر فيه أيضاً تصانيف، وعلت حشمته ودرجته في بغداد حتى كادت تغلب حشمة الأكابر وأمراء دار الخلافة، فانقلب الأمر من وجه آخر، وظهر عليه بعد ممارسة العلوم الدقيقة، وممارسة الكتب المصنفة فيها، وسلك طريق التزهد والتألة، وترك الحشمة، وطرح ما نال من الدرجة، ولازم الاشتغال بأسباب التقوى وزاد الآخرة، فخرج عما كان فيه، وقصد بيت الله تعالى، وحج ودخل الشام، وأقام في تلك الديار قريباً من عشر سنين، يطوف ويزور المشهد المعظمة. قلت: هكذا ذكر بعض المؤرخين، وقد قدمت في فساد ذلك من البيان ما يدل فيه على البطلان، والمعروف الذي نص عليه أبو حامد في بعض كتبه أنه أقام في الشام سنتين، نعم، ذكروا أنه أقام بعد رجوعه في العزلة والخلوات، وترك الاشتغال والمخالطات قريباً من عثسرسنين. قال الشيخ عبد الغفار: وأخذ في التصانيف المشهورة التي لم يسبق إليها، مثل إحياء علوم الدين، والكتب المختصرة مثل الأربعين وغيرها من الرسائل التي من تأملها علم محل الرجل من فنون العلم، وأخذ في مجاهدة النفس وتغيير الأخلاق وتحسين الشمائل، فانقلب شيطان الرعونة وكلب الرئاسة والجاه، والتخلق بالأخلاق الذميمة إلى سكون النفس وكرم الأخلاق، والفراغ عن الرسوم والتزينات والتزيي بزي الصالحين، وقصر الأمل ووقف الأوقات، أو قال: الأوقاف على هداية الخلق ودعائهم إلى ما يعنيهم في أمر الآخرة وتبغيض الدنيا، والاشتغال بها على السالكين، والاستعداد للرحيل للدار الآخرة الباقية، والانقياد لكل من يتوسم فيه، أو يشم منه رائحة المعرفة، أو يلحظ بشيء من أنوار المشاهدة، حتى مرن على ذلك ولان، ثم عاد الى وطنه ملازماً بيته، مشتغلاً بالتفكر، ملازماً للوقت مقصوداً تقياً، وذخراً للقلوب ولكل من يقصده، ويدخل عليه إلى أن أتى على ذلك مدة، وظهرت التصانيف، وفشت الكتب، ولم تبد في أيامه مناقضة لما كان عليه، ولا اعتراض لأحد على ما آثره، حتى انتهت نوبة الوزارة إلى الأجل فخر الملك جمال الشهداء تغمده الله
(3/139)

بغفرانه -، وتزينت خراسان بحشمته ودولته، وقد سمع وتحقق بمكانة الغزالي ودرجته، وكمال فضله وجلالته، وصفاء عقيدته ومعاشرته وقفاء سيرته، فتبرك به وحضره، وسمع كلامه، فاستدعى منه أن لا يبقي أنفاسه وفوائده عقيمة لا استفادة منها، ولا اقتباس من أنوارها، وألح عليه كل الإلحاح، وشدد في الاقتراح إلى أن أجاب إلى الخروج، وخرج إلى نيسابور، وكان الليث غائباً عن عرينه، والأمر خافياً في مستور قضاء الله ومكنونه، فأشير إليه بالتدريس في المدرسة الميمونة النظامية وغيرها، فلم يجد بداً من الإذعان للولاة، ونوى بإظهار ما اشتغل به هداية السراة وإفادة القاصدين، لا الرجوع إلى ما انخلع عنه، وتحرز عن رقه من طلب الجاه ومماراة الأقران، ومكاثرة المعاندين وكم فرع عصا الخلاف فيه، والوقوع فيه والطعن فيما يذره ويأتيه، والسماية به والتشنيع عليه، فما تأثر به، ولا اشتغل بجواب الطاعنين، ولا أظهر استيحاشاً لغمرة المخالفين، قال: ولقد زرته مراراً، وما كنت أحدث في نفسي مما عهدته في سالف الزمان عليه
من الدعارة، أو قال: من الزعارة وإيحاش الناس والنظر إليهم بعين الازدراء، والاستحقار لهم كبراً وخيلاء، واغتراراً بما رزق من البسطة في النطق والخاطر والعبارة، وطلب الجاه والعلو في المنزلة، وكنت أظن أنه متلفح بجلباب التكلف والتيمن بما صار إليه، فتحققت بعد التروي والتنقير أن الأمر على خلاف المظنون، وأن الرجل أفاق بعد الجنون. من الدعارة، أو قال: من الزعارة وإيحاش الناس والنظر إليهم بعين الازدراء، والاستحقار لهم كبراً وخيلاء، واغتراراً بما رزق من البسطة في النطق والخاطر والعبارة، وطلب الجاه والعلو في المنزلة، وكنت أظن أنه متلفح بجلباب التكلف والتيمن بما صار إليه، فتحققت بعد التروي والتنقير أن الأمر على خلاف المظنون، وأن الرجل أفاق بعد الجنون.
وحكي لنا في ليل كيفية أحواله من ابتداء ما ظهر له سلوك طريق التأله وغلبت الحال عليه بعد تبحره في العلوم واستطالته على الكل بكلامه، والإستعداد بالذي خصه الله تعالى به في تحصيل العلوم، وتمكنه من البحث والنظر حتى تنزه عن الاشتغال بالعلوم العربية عن المقالة، وتفكر في العاقبة وما يجدي وينفع في الآخرة، فابتدأ بصحبة الفارمذ، وأخذ مفتاح الطريقة، وامتثل ما كان يشير به عليه من القيام بوظائف العبادات والإمعان في النوافل، واستدامة الإذكار والجد والاجتهاد، طلباً للنجاة، إلى أن جاز تلك العقابات، وتكلف تلك المشاق وما يحصل على، ما كان يطلبه من مقصوده، ثم حكى أنه راجع العلوم وخاض في الفنون، وعاود الجد والاجتهاد في كتب العلم الدقيقة، واقتفى بأربابها حتى انفتح له أبوابها، وبقي مدة في الوقائع، وتكافؤ الأدلة وأطراف المسائل، ثم حكى أنه فتح عليه من باب الخوف باب بحيث شغله عن كل شيء وحمله على الإعراض عما سواه تعالى، حتى سهل ذلك، وهكذا إلى أن ارتاض كل الرياضة، وظهرت له الحقائق، وصار ما كنا نظن به ناموساً وكلف طبعاً وتحققاً، وأن ذلك أثر السعادة المقدرة له، من الله تعالى، ثم
(3/140)

سألناه عن كيفتة الرغبة في الخروج عن بيته، والرجوع إلى ما دعي إليه من أمر نيسابور، فقال معتذراً عنه: ما كنت أجوز في ديني أن أقف عن الدعوة ومنفعة الطالبين بالإفادة، وقد حق علي أن أبوح بالحق، وأنطق به، وأدعو إليه، وكان صادقاً في ذلك، ثم ترك ذلك قبل أن يترك، وعاد إلى بيته، واتخذ في جواره مدرسة لطلبة العلم وخانقاهاً للصوفية، وكان قد وزع أوقاته على وظائف الحاضرين من ختم القرآن ومجالسة أهل القلوب والقعود للتدريس، بحيث لا تخلو لحظة من لحظاته ولحظات من معه عن فائدة، إلى أن أصابه عين الزمان ومن الأيام به على أهل عصره، فنقله الله تعالى إلى كريم جواره من بعد مقاسات أنواع من التقصد والمناوأة من الخصوم، والسعي به إلى الملوك، وكفاية الله تعالى وحفظه وصيانته عن أن تنوشه أيدي النكبات، أو ينتهك ستر دينه بشيء من الزلات. وكانت خاتمة أمره إقباله على حديث المصطفى - صلى الله عليه وآله وسلم - ومجالسة أهله ومطالعة الصحيحين: البخاري والمسلم اللذين هما حجة الإسلام، ولو عاش لسبق الكل في ذلك الفن في يسير من الأيام يستفزعه في تحصيله، ولا شك أنه سمع الأحاديث في الأيام الماضية، واشتغل في آخر عمره بسماعها، ولم تتفق له الرواية، وما خلف من الكتب المصنفة في الأصول والفروع وسائر الأنواع يخلد ذكره، ويقرر عند المطالعين المنصفين المستفيدين منها أنه لم يخلق مثله بعده، ومضي إلى رحمة الله تعالى يوم الاثنين الرابع عشر من جمادى الآخرة سنة خمس وخمسمائة، خصه الله تعالى بأنواع الكرامة في آخرته، كما خصه بفنون العلم بدنياه بمنة ورحمته. وقلت إلى شيء من ذكر ارتفاع مناقبه وبحر علوم كتبه - أشرت - والانتفاع في بعض القصيدات بقولي في هذه الأبيات:
وأحيا علوم الدين طالعه ينتفع ... ببحر علوم المستنير المحصل
أبي حامد الغزال غزل مدقق ... من الغزل لم يغزل كذاك بمغزل
دعي حجة الإسلام لا شك أنه ... لذلك كفؤ كامل للتأهل
له في منامي قلت: إنك حجة ... لإسلامنا لي قال: ما شئت لي قل
وقلت في أخرى:
بناكم وجير من بناء قواعد ... وجمع معان واختصار مطول
وكم من بسيط في جلاء نفائس ... وإيضاح إيجاز وحل لمشكل
وكم ذي اقتصار مودع رب قاطع ... لإفحام خصم مثل ماض به اعتل
بكف همام ذب عن منهج الهدى ... بحرب نصال لا يرى غير أول
كمثل الفتى الحبر المباهي بفضله ... فعنى بغزال العلى وتغزل
(3/141)

به المصطفى باهي لعيسى ابن مريم ... جيليل العطايا والكليم المفضل
أعندكما حبر كهذا فقيل: لا ... وناهيك في هذا الفخار المؤثل
رآه الولي الشاذلي في منامه ... وترويه عنه من طريق مسلسل
تصانيفه فاقت بنفع وكثرة ... وحلة حسن كم بها لعزيز قل
وكم حجة الإسلام حاز فضيلة ... وكم حلة حسناتها فضله جلي
بها جاهل مع حاسد طاعن فذا ... تعامى وعنها ذاك أعمى قد ابتلي
وما ضر سلمى ذم عالي جمالها ... ومنظرها الباهي ومنطقها الحلي
لئن ذمها جاراتها ونضائر ... وعين جمالاً في حلاها وفي الحلي
فما سلمت حسناء عن ذم حاسد ... وصاحب حق من عداوة مبطل
ولم يعقب إلا البنات، وكان يعرض عليه الأموال فما يقبلها، ويعرض عنها، ويكتفي بالقدر الذي يصون له دينه، ولا يحتاج معه إلى التعرض لسؤال. قال الإمام الحافظ أبو القاسم ابن عساكر - رحمة الله عليه -: سمعت الإمام الفقيه أبا القاسم سعد بن علي بن أبي هريرة الاسفرائيني الصوفي الشافعي بدمشق قال: سمعت الشيخ الإمام الأوحد زين القراء جمال الحرم أبا الفتح عامر بن بحام بن أبي عامر الساوي بمكة - رحمه الله تعالى - يقول: دخلت المسجد الحرام يوم الأحد فيما بين صلاة الظهر والعصر الرابع عشر عن شوال سنة خمس وأربعين وخمسمائة - وذكر شيئاً ظهر عليه من الوجد وأحوال الفقراء - قال: فكنت لا أقدر أن أقف، ولا أجلس لشدة ما بي، فكنت أطلب موضعاً أستريح فيه ساعة على جنبي، فرأيت باب بيت الجماعة للرباط الراسي عند باب المروة مفتوحاً، قلت: يعني في جهة الباب المسمى في الحديث الحزور، قال: فقصدته، ودخلت فيه، وقعت على جنبي الأيمن بحذاء الكعبة المشرفة مفترشاً يدي تحت خدي، لكيلا يأخذني النوم، فينقض طهارتي، فإذا برجل من أهل البدعة معروف بها، جاء ونشر مصلاه على باب ذلك البيت، وأخرج لوحاً من جيبه أظنه كان من الحجر، وعليه كتابة، فقبله ووضعهه بين يديه، وصلى صلاة طويلة مرسلاً يديه فيها على عادتهم، وكان يسجد على ذلك اللوح في كل مرة، فإذا فرغ من صلاته سجد عليه وأطال فيه، وكان يمعك خده من الجانبين عليه، ويتضرع في الدعاء ثم رفع رأسه وقبله ووضعه على عينيه، ثم قبله ثانياًوأدخله في جيبه كما كان.
(3/142)

فلما رأيت ذلك كرهته، واستوحشت منه، وقلت في نفسي؛ ليت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - كان حياً فيما بيننا، ليخبرهم بسوء صنيعهم، وما هم عليه من البدعة ومع هذا التفكر كنت أطرد النوم عن نفسي كيلا يأخذني فيفسد طهارتي، فبينا أنا كذلك إذ طرأ علي النعاس وغلبني، فكنت بين اليقظة والمنام، فرأيت عرصة واسعة فيها ناس كثيرون واقفون، وفي يد كل واحد منهم كتاب مجلد، قد تحلقوا كلهم على شخص، فسألت الناس عن حالهم، وعمن في الحلقة فقالوا: هذا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وهؤلا أصحاب المذهب، يريدون أن يقرؤوا مذاهبهم واعتقادهم من كتبهم على رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يصححوها عليه، قال: فبينا أنا كذلك أنظر إلى القوم، إذ جاء واحد من أهل الحلقة - وبيده كتاب - قيل إن هذا هو الشافعي - رضي الله تعالى عنه - فدخل وسط الحلقة، وسلم على رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فرأيت رسول الله - صلى الله على وآله وسلم - في جماله وكماله لابساً الثياب البيض النظيفة، من العمامة والقميص وسائر الثياب على زي أهل الصوف، فرد عليه الجواب، ورحب به، وقعد الشافعي بين يديه، وقرأ من الكتاب مذهبه واعتقاده، وجاء بعد ذلك شخص آخر قيل هو الإمام الأعظم أبو حنيفة الكوفي - رضي الله تعالى عنه - وبيده كتاب، فسلم وقعد يمين الشافعي، وقرأ من الكتاب مذهبه واعتقاده، ثم أتى بعده كل صاحب مذهب إلى أن لم يبق إلا القليل، وكل من يقرأ يقعد بجنب الآخر. فلما فرغوا، إذا واحد من المبتدعة الملقبة بالرافضة - لعنهم الله - قد جاء وبيده كراريس غير مجلدة، وفيها ذكر عقائدهم الباطلة، وهم أن يدخل الحلقة، ويقرأها على رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فخرج واحد ممن كان مع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وزجره، وأخذ الكراريس من يده، ورمى بها إلى خارج الحلقة وطرده، وأهانه. قال: فلما رأيت أن القوم قد فرغوا، وما بقي أحد يقرأ عليه شيئاً تقدمت قليلاً - وكان
في يدي كتاب مجلد - فناديت وقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا الكتاب معتقدي ومعتقد أهل السنة، لو أذنت لي حتى أقرأه عليك؟ فقال - عليه السلام -: وإيش ذلك؟ قلت: يا رسول الله، هو قواعد العقائد الذي صنفه الغزالي، فأذن لي في القراءة، فقعدت وابتدأت: بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب قواعد العقائد، وفيه أربعة فصول: الفصل الأول: عقيدة أهل السنة في كلمتي الشهادة التي هي أحد مباني الإسلام. وذكر أنه قرأ العقيدة المذكورة إلى أن انتهى إلى قول الإمام أبي حامد: معنى الكلمة الثانية: وهي شهادة الرسول، وأنه - تعالى - بعث النبي الأمي القرشي محمد - صلى الله عليه
(3/143)

وآله وسلم - إلى كافة العرب والعجم والجن والأنس، قالى: فلما بلغت إلى هذا رأيت البشاشة والتبسم في وجه رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - حتى إذا انتهيت إلى نعته وصفته التفت إلي وقال: أين - الغزالي؟ فإذا بالغزالي كأنه كان واقفاً على الحلقة بين يديه، فقال: ها أنا ذا، يا رسول الله، وتقدم، وسلم على رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فرد عليه الجواب، وناوله يده العزيزة والغزالي يقبل يده المباركة، ويضع خديه عليها تبركاً وبيده العزيزة المباركة، ثم قعد وقال: فما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أكثر استبشاراً بقراءة أحد، مثلما كان بقراءتي عليه قواعد العقائد. ثم انتبهت من النوم وعلى عيني أثر الدمع مما رأيت من تلك الأحوال والكرامات -، فإنها كانت نعمة جسيمة من الله تعالى - سيما في آخر الزمان مع كثرة الأهواء - فنسأل الله تعالى أن يثبتنا على عقيدة أهل الحق، ويحيينا عليها، ويميتنا عليها، ويحشرنا معهم، ومع الأنبياء والمرسلين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً، فإنه بالفضل جدير، وعلى ما يشاء قدير والغزالي - بفتح الغين المعجمة وتشديد الزاي وبعد الألف لام. قال ابن خلكان: هذه النسبة إلى الغزال على عادة أهل خوارزم وجرجان، فإنهم ينسبون إلى القصار القصاري، إلى العطار والعطاري، وقيل إن الزاي مخففة نسبة إلى غزالة، وهي قرية من قرى طوس، قال: وهو خلاف المشهور، ولكن هكذا قال السمعاني في كتاب الأنساب والله أعلم بالصواب. قلت وفضائل الإمام حجة الإسلام أبي حامد الغزالي - رضي الله تعالى عنه - أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تشهر. وقد روينا عن الشيخ الفقيه الإمام العارف بالله، رفيع المقام الذي اشتهرت كرامته العظيمة، وترادفت، وقال للشمس يوماً؛ قفي، فوقفت حتى بلغ المنزل الذي يريد من مكان بعيد. عن أبي الذبيح اسماعيل ابن الشيخ الفقيه الإمام ذي المناقب والكرامات والمعارف: محمد بن اسماعيل الحضرمي - قدس الله أرواح الجميع - أنه سأله بعض الطاعنين في الإمام أبي حامد المذكور - رضي الله تعالى عنه - في فتيا أرسل بها إليه: هل يجوز قراءة كتب الغزالي؟ فقال رضي الله عنه في الجواب: إنا لله، وإنا إليه راجعون، محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وآله وسلم - سيد الأنبياء، ومحمد بن إدريس سيد الأئمة، ومحمد بن محمد بن محمد الغزالي سيد المصنفين، هذا جوابه رحمة الله عليه. وقد ذكرت في كتاب الإرشاد أنه سماه سيد المصنفين، لأنه تميز عن المصنفين بكثرة
(3/144)

المصنفات البديعات، وغاص في بحر العلوم، واستخرج عنها الجواهر النفيسات، وسحر العقول يحسن العبارة وملاحة الأمثلة وبداعة الترتيب والتقسيمات والبراعة في الصناعة العجيبة، مع جزالة الألفاظ وبلاغة المعاني الغريبات، والجمع بين علوم الشريعة والحقيقة، والفروع والأصول، والمعقول والمنقول، والتدقيق والتحقيق، والعلم والعمل، وبيان معالم العبادات والعادات، والمهلكات والمنجيات، وأبراز محاسن أسرار المعارف المحجبات العاليات، والانتفاع بكلامه علماً وعملاً لا سيما أرباب الديانات - والدعاء إلى الله سبحانه برفض الدنيا والخلق ومحاربة الشيطان والنفس، بالمجاهدة والرياضيات، وإفحام الفرق أيسر عنلى من شرب الماء: بالبراهين القاطعة، وتوبيخ علماء السوء الراكنين إلى الظلمة والمائلين إلى الدنيا الدنية، أولي الهمم الدنيات، وغير ذلك مما لا يحصى مما جمع في تصانيفه من المحاسن الجميلات والفضائل الجليلات، مما لم يجمعه مصنف - فيما علمنا - ولا يجمعه فيما نظن، ما دامت الأرض والسماوات، فهو سيد المصنفين عند المنصفين، وحجة الإسلام عند أهل الاستسلام لقبول الحق من
المحققين في جميع الأقطار والجهات، وليس يعني أن تصانيفه أصح، فصحيحا البخاري ومسلم أصح الكتب المصنفات. وقد صنف الشيخ الفقيه الإمام المحدث شيخ الإسلام، عمدة المسندين ومفتي المسلمين، جامع الفضائل قطب الدين: محمد ابن الشيخ الإمام العارف أبي العباس القسطلاني - رضي الله تعالى عنهما - كتاباً أنكر فيه على بعض الناس، وأثنى على الإمام أبي حامد الغزالي ثناء حسناً، وذم إنساناً ذمة، قال في أثناء كلامه: ومن نظر في كتب الغزالي وكثرة مصنفاته وتحقيق مقالاته، عرف مقداره، واستحسن آثاره، واستصغر ما عظم من سواه، وعظم قدره فيما أمده الله به من قوله، ولا مبالاة بحاسد قد تعاطى ذمة أو معانداً، بعده الله عن إدراك معاني بهمة، فهو كما قيل: في جميع الأقطار والجهات، وليس يعني أن تصانيفه أصح، فصحيحا البخاري ومسلم أصح الكتب المصنفات. وقد صنف الشيخ الفقيه الإمام المحدث شيخ الإسلام، عمدة المسندين ومفتي المسلمين، جامع الفضائل قطب الدين: محمد ابن الشيخ الإمام العارف أبي العباس القسطلاني - رضي الله تعالى عنهما - كتاباً أنكر فيه على بعض الناس، وأثنى على الإمام أبي حامد الغزالي ثناء حسناً، وذم إنساناً ذمة، قال في أثناء كلامه: ومن نظر في كتب الغزالي وكثرة مصنفاته وتحقيق مقالاته، عرف مقداره، واستحسن آثاره، واستصغر ما عظم من سواه، وعظم قدره فيما أمده الله به من قوله، ولا مبالاة بحاسد قد تعاطى ذمة أو معانداً، بعده الله عن إدراك معاني بهمة، فهو كما قيل:
قل لمن عن فضائله تعامنى ... تعام، لن تعدم الحسناء ذاما
هذا بعض كلامه بحروفه، وقال بعض العلماء المالكية والمشايخ العارفين الصوفية، الناس من فضلة علوم الغزالي، معناه: أنهم يستمدون من علومه ومدده، ويستعينون بها على ما هم بصدده، زاده الله تعالى فضلاً ومجداً على رغم الحساد والعدى. قلت وقد اقتصرت على هذا القدر اليسير من محاسنه وفضله الشهير، محتوياً بذكر شيء مما له من الفضل الباهر والجاه والنصيب الوافرة، وشرف المجد والمفاخر، مما روينا بالأسانيد العالية عن السادة الأكابر، أعني: أمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بتعزير
(3/145)

من أنكر عليه ونعم الأمر - حتى إن المنكر ما مات إلا وأثر السوط على جسمه ظاهر بنصر الله عز وجل - ونعم الناصر. وفي السنة المذكورة توفي أبو الهيجاء مقاتل بن عطية بن مقاتل البكري الحجازي الملقب بشبل الدولة، كان من أولاد أمراء العرب، فوقعت بينه وبين إخوته وحشة أوجبت رحلته عنهم، ففارقهم، ووصل إلى بغداد، ثم خرج إلى خراسان، واختص بالوزير نظام الملك، وصاهره، ولما قتل نظام الملك رثاه ببيتين تقدم ذكرهما في ترجمته، ثم عاد إلى بغداد، وأقام بها مدة، وعزم على قصد كرمان، مسترفداً وزيرها مكرم بن العلاء وكان من الأجواد فكتب إلى المستظهر بالله قصته، يلتمس منه الإنعام عليه بكتاب إلى الوزير المذكور، يتضمن الإحسان إليه، فوقع المستظهر على رأس قصته: يا أبا الهيجاء، أبعدت النجع، أسرع الله بك الرجعة، وفي ابن العلاء مقنع، فطريقته في الخير مهي، وما يسر به إليك، فيحلي ثمره سكره، ويستعذب مياه بره، والسلام. فأكتفى أو الهيجاء بهذه الأسطر، واستغنى عن الكتاب، وتوجه إلى كرمان، فلما وصلها قصد حضرة الوزير، واستأذن في الدخول فأذن له، فدخل عليه، وعرض عليه رأيه القصة، فلما رآها قام وخرج عن دسته إجلالاً وتعظيماً لكاتبها، وأوصل لأبي الهيجاء ألف دينار في ساعته، ثم عاد إلى دسته، فعرفه أبو الهيجاء أن معه قصيدة يمدحه بها، فاستنشده إياها فأنشده:
دعي العيس تذرع عرض الفلا ... إلى ابن العلاء وإلا فلا
فلما سمع الوزير هذا البيت أطلق له ألف دينار آخر، ولما كمل إنشاد القصيدة أطلق له ألف دينار آخر، وخلع عليه وقاد إليه جواداً يركبه، وقال له: دعاء أمير المؤمنين مسموع ومرفوع، وقد دعا لك بسرعة الرجوع، وجهز بجميع ما يحتاج إليه، ورجع إلى بغداد، وكان من جملة الأدباء الظرفاء، وله النظم الفائق الرائق، وبينه بين العلامة أبي القاسم الزمخشري مكاتبات وأشعار، يمدح كل منهما الآخر.
(3/146)

؟؟؟؟؟

سنة ست وخمس مائة
فيها وقيل في التي تليها: توفي أبو غالب أحمد بن محمد الهمداني العدل، وأبو القاسم اسماعيل بن الحسين القريض، والفضل بن محمد القشيري النيسابوري الصوفي، وأبو سعد المعمر بن علي البغدادي، الحنبلي الواعظ المفتي، كان يبكي الحاضرين ويضحكهم، وله قبول زائد وسرعة جواب، وحدة خاطر وسعة دائرة، روى عن ابن غيلان وأبي محمد الجلال.
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

سنة سبع وخمس مائة
في المحرم منها التقى عسكر دمشق والجزيرة، وعسكر الفرنج بأرض طبرية وكانت وقعة مشهورة قتلهم المسلمون فيها قتلاً ذريعاً، وأسروهم، وممن أسر ملكهم ابن صاحب القدس، لكن لم يعرف، فبذل شيئاً للذي أسره، فأطلقه، ثم أنجدهم عسكر أنطاكية وطرابلس، ورد المنهزمون، فثبت لهم المسلمون، وانحاز أعداء الله إلى جبل، ورابط الناس بإزائهم يرمونهم، وأقاموا كذلك سبعة وعشرين يوماً، ثم سار المسلمون فنهبوا بلاد الفرنج وضياعهم ما بين القدس إلى عكا، وردت عساكر الموصل، وتخلف مقدمهم مودود بدمشق، وأمر العساكر بالقدوم في الربيع، فوثب على مودود باطني يوم جمعة، فقتله، وقتل الباطني. وفيها توفي أبو بكر الحلواني أحمد بن علي بن بدران، وكان ثقة متعبداً زاهداً، روى عن القاضي أبي الطيب الطبري وطائفة. وفيها توفي رضوان صاحب حلب ابن تاج الدولة السلجوقي، ومنه أخذت الفرنج أنطاكية، وملكوا بعده ابنه ألب أرسلان الأخرس. وفيها توفي أبو غالب شجاع بن فارس الذهلي السهروردي ثم البغدادي الحافظ، نسخ ما لا ينحصر من التفسير والحديث والفقه لنفسه وللناس، حتى إنه كتب شعر ابن الحجاج سبع مرات. وفيها توفي الشاشي المعروف بالمستظهري: فخر الإسلام أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسين شيخ الشافعية، كان فقيه وقته، تفقه أولاً على أبي عبد الله محمد بن بيان الكازروني
(3/147)