Advertisement

مرآة الجنان وعبرة اليقظان 004



الكتاب: مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان
المؤلف: أبو محمد عفيف الدين عبد الله بن أسعد بن علي بن سليمان اليافعي (المتوفى: 768هـ)
وضع حواشيه: خليل المنصور
الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة: الأولى، 1417 هـ - 1997 م
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] وعلى القاضي أبي منصور الطوسي صاحب أبي محمد الجويني. ثم رحل إلى بغداد، ولازم الشيخ أبا إسحاق الشيرازي رحمه الله وقرأ عليه، وأعاد عنده، وقرأ كتاب الشامل في الفقه على أبي نصر بن الصباغ، ودخل نيسابور صحبة الشيخ أبي إسحاق، وتكلم في مسألة بين يدي إمام الحرمين، فأحسن فيها، وعاد إلى بغداد. وذكر الحافظ عبد الغافر الفارسي في تاريخ نيسابور: وتعين في الفقه بعد أستاذه أبي إسحاق، وانتهت إليه رئاسة الطائمة الشافعية، وصنف تصانيف حسنة منها: كتاب حلية العلماء في المذهب، ذكر فيه مذهب الشافعي، ثم ضم إلى كل مسألة اختلاف الأئمة فيها، وجمع من ذلك شيئاً كثيراً وسماه: المستظهري، وصنف أيضاً في الخلاف، وتولى التدريس بالمدرسة النظامية بمدينة بغداد، وكان قد وليها قبله الشيخ أبو إسحاق وأبو نصر بن الصباغ صحب الشامل، وأبو سعد المتولي صاحب تتمة الإبانة وأبو حامد الغزالي والكيا الهراسي وقد سبق ذكر ذلك في ترجمه كل واحد منهم فلما انقرضوا تولاها هو. وحكى بعض المشايخ من علماء المذهب أنه يوماً ذكر المدرسين، فوضع منديله على عينيه، وبكى كثيراً - وهو جالس على السدة التي جرت عادة المدرسين بالجلوس عليها، وكان ينشد:
خلت الديار فسدت غير مسود ... ومن العناء تفردي بالسؤدد
وجعل يردد هذا البيت ويبكي، قيل: هذا إنصاف منه، واعتراف لمن تقدمه بالفضل والرجحان عليه. قلت وقد يقع مثل هذا البكاء ممزوجاً بفرح بما صار إليه، وقد فرق العلماء بين بكاء الحزن والفرح بأن دمعة ذلك حارة، ودمعة هذا باردة، ذكروا ذلك عند بكاء البكر وقت استئذانها في نكاحها. والبيت المذكور من جملة أبيات في الحماسة. وفي السنة المذكورة توفي الحافظ ذو الرحلة الواسعة والتصانيف: محمد بن طاهر المقدسي المعروف بابن القيسراني كان أحد الرحالين في طلب الحديث، سمع بالحجاز والشام ومصر والثغور والجزيرة والعراق والجبال وفارس، وخوزستان وخراسان واستوطن همذان. وكان من المشهورين بالحفظ والمعرفة لعلوم الحديث، وله في ذلك مصنفات ومجموعات تدل على غزارة علمه وجودة معرفته، منها أطراف الكتب الستة: وهي صحيحا البخارى ومسلم، وسنن أبي داود والترمذي والنسائي، وسنن ابن ماجة سادسها عند بضهم والموطأ عند بعض. وأطراف الغرائب: تصنيف الدارقطني، وكتاب الأنساب في
(3/148)

جزء لطيف، وهو الذي ذيله الحافظ أبو موسى الأصبهاني، وغير ذلك من الكتب، وله شعر حسن كتب عنه غير واحد من الحفاظ، ثم رجع إلى بيت المقدس، فأحرم من ثم إلى مكة، وتوفي عند قدومه من الحج آخر حجاته يوم الجمعة لليلتين بقيتا من شهر ربيع الأول من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
والقيسراني بفتح القاف والسين المهملتين بينهما مثناة من تحت ثم راء مفتوحة وبعد الألف نون نسبة إلى قيسارية: بليدة بالشام على ساحل البحر، سمع بالقدس وبغداد ونيسابور وهراة وأصفهان وشيراز والري ودمشق ومصر. قال الحافظ اسماعيل بن محمد بن الفضل: أحفظ من رأيت: محمد بن طاهر. وقال السلفي: سمعت ابن طاهر يقول: كتبت البخاري ومسلماً وسنن أبي داود وابن ماجة سبع مرات. وفيها توفي أبو المظفر محمد بن أبي العباس الأموي المعاوي اللغوي الشاعر الأخباري النسابه، صاحب التصانيف، والفصاحة والبلاغة، وكان رئيساً عالي الهمة ذا سلف، توفي بأصبهان مسموماً، ومن شعره قوله:
ملكنا أقاليم البلاد فأذعنت ... لنا رهبة أو رغبة عظماؤها
فلما انتهت أيامنا علقت بنا ... شدائد أيام قليل رجاؤها
وكان إلينا في السرور ابتسامها ... فصار علينا في الهموم بكاؤها
وصرنا نلاقي النائبات بأوجه ... رقاق الحواشي كاد يقطر ماؤها
إذا ما هممنا أن نبوح بما جنت ... علينا الليالي لم يدعنا جناؤها
وله تصانيف كثيرة منها: المؤتلف والمختلف، وطبقات كل فن، وما اختلف وائتلف في أنساب العرب، وله في اللغة مصنفات لم يبسق إلى مثلها، وكان حسن السيرة جميل الأمر. وفيها توفي ابن اللبانة محمد بن عيسى اللغوي الأندلسي الأديب، ومن جملة الأدباء وفحول الشعراء، له تصانيف عديدة في الآداب، وكان من شعراء دولة المعتمد بن عباد. وفيها توفي المؤتمن بن أحمد أبو نصر الربعي الحافظ، ويعرف بالساجي حافظ،
(3/149)

محقق واسع الرحلة، كثير الكتابة، متين الورع والديانة، وكتب الشامل عن مؤلفه ابن الصباغ.

سنة ثمان وخمس مائة
فيها هلك صاحب القدس من جراحة أصابته يوم مصاف طبرية المذكور فيما مضى. وفيها مات أحمد بك صاحب مراغة، وكان شجاعاً جواداً عسكره خمسة آلاف، فنكثت به الباطنية.
وفيها توفي أحمد بن غلبون أبو عبد الله الخولاني ثم القرطبي ثم الإشبيلي، وكان صالحاً خيراً عالي الإسناد، منفرداً. وألب أرسلان صاحب حلب، وابن صاحبها رضوان السلجوقي، وكان سيىء السيرة فاسقاً، فقتله البابا، فأقام أخاه مقامه، وكان طفلاً له ست سنين، ثم قتل البابا سنة عشرة. وفيها توفي أبو الوحش سبيع بن مسلم الدمشقي المقرىء الضرير، وكان يقرىء من السحر إلى الظهر. وفيها توفي أبو القاسم علي بن ابراهيم بن العباس الحسني - الدمشقي، الخطيب الرئيس، المحدث صاحب الأجزاء العشرين التي أخرجها له الخطيب، وكان ثقة نبيلاً محتشماً مهيباً، سيداً شريفاً، صاحب حديث وسنة. وفيها توفي السلطان مسعود صاحب الهند وغزنة، وتملك بعد موته ولده أرسلان شاه، وهو ابن عمه السلطان ملك شاه.

سنة تسع وخمس مائة
فيها قدم عسكر السلطان محمد الشام، فاستعان بالفرنج، فأعانوه، فأخذ
(3/150)

كفرطاب وهي للفرنج وسار إلى المعرة، وساق صاحب أنطاكية وكبس العسكر، وكسرهم، ورجع من سلم منهم منهزمين، واستنصرت الفرنج على المسلمين. وفيها توفي ابن ملة اسماعيل بن محمد الواعظ الأصبهاني المحدث، صاحب المجالس. وفيها توفي أبو شجاع الديلمي الهمداني الحافظ صاحب كتاب الفردوس، وتاريخ همدان. توفي أبو الفرج غيث بن علي الصوري، خطيب صور ومحدثها. والشريف أبو يعلى محمد بن محمد بن صالح الهاشمي الشاعر المشهور. وأبو البركات السفطي هبة الله بن المبارك البغدادي. ويحيى بن تميم بن المعز السلطان أبو طاهر الحميري صاحب إفريقية، نشر العدل وافتتح عدة قلاع لم يتهيأ لأبيه فتحها، وكان جواداً ممدوحاً عالماً كثير المطالعة للأخبار والسير، عارفاً بها، رحيماً للضعفاء، شفوقاً على الفقراء يطعمهم في الشدائد، ويرفق بهم، ويقرب أهل العلم والفضل من نفسه، وكان عارفاً في صناعة النجوم، حسن الوجه على حاجبه شامة، أشهل العينين. ولما كان يوم الأربعاء وهو عيد الأضحى من السنة المذكورة توفي فجأة، وذلك أن منجمه قال له: السير في موكبك في هذا النهار عليك نحس، لا تركب، فامتنع من الركوب، وخرج أولاده ورجال دولته إلى المصلى، فلما انقضت الصلاة حضر رجال الدولة على ما جرت به العادة للسلام، وقرىء القرآن وأنشد الشعراء، وانصرفوا إلى الإيوان، فأكل الناس، وقام يحيى إلى مجلس الطعام، فلما وصل إلى باب المجلس أشار إلى جارية من حظاياه فاتكأ عليها، فما خطا من باب البيت سوى ثلاث خطوات حتى وقع ميتاً. وخلف ثلاثين ابناً، فتملك بعده ابنه علي ستة أعوام ومات، فملكوا بعده الحسن بن علي وهو مراهق، فامتدت دولته إلى أن أخذت الفرنج طرابلس الغرب بالسيف سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، فخاف وفز من المهدية،. والتجأ إلى عبد المؤمن.
(3/151)

قلت: وهذا العلم وما ندب فيه من الحذر لا يغني عن وقوع ما سبق في علم الله تعالى من القدر. ومن ذلك ما حكي أن بعض الملوك قال له بعض المنجمين: أنت تموت في الساعة الفلانية من اليوم الفلاني من الشهر الفلاني من السنة الفلانية من عقرب تلدغك، فلما كان قبل الساعه المذكورة تجرد من جميع لباسه سوى ما يستر العورة، وركب فرساً بعد أن غسله ونظفه ونفض شعره، ودخل بفرسه في البحر حذراً مما ذكر له من وقوع هذا الأمر، فبينما هو كذلك فأجاءه ما يخشى من المهالك، وذلك أن فرسه عطست فخرجت من أنفها عقرب، فلدغته، ولم يغنه ما رام من الاحتراز والهرب، نسأل الله الكريم كمال الإيمان بنفاذ قدره والتسليم في كل ما جاء به الشارع وروى في خبره.

سنة عشرة وخمس مائة
فيها توفي أبو الكرم خميس بن علي الواسطي الجوزي الحافظ، وكان عالماً حافظاً شاعراً.
وفيها توفي عبد الغفار بن محمد بن حسين النيسابوري مسند خراسان. وفيها توفي الصيرفي صاحب الأصم، قال السمعاني: كان صالحاً عابداً، رحل إليه من البلاد. وفيها توفي العسال أبو الخير المبارك بن الحسين البغدادي المصري الأديب شيخ الإقراء ببغداد. وفيها توفي الخطاب محفوظ بن أحمد الأرحبي شيخ الحنابلة صاحب التصانيف. وفيها توفي أبو طاهر محمد بن الحسين الدمشقي. وفيها توفي أبو الغنائم محمد بن علي بن ميمون الكوفي الحافظ. وفيها توفي الحافظ أبو بكر محمد ابن الحافظ العلامة أبي المظفر منصور بن محمد التميمي المروزي والد الحافظ أبي سعد، كان محمد المذكور إماماً فاضلاً محدثاً فقيهاً شافعياً، وله الإملاء الذى لم يسبق إلى مثله، تكلم على المتون والأسانيد، وأبان مشكلاته، وله عدة تصانيف وشعر غسله قبل موته.

سنة احدى عشرة وخمس مائة
فيها غرقت سنجار وانهدم سورها، وهلك خلق كثير، وجر السيل باب المدينة مسير مرحلة، فطمه السيل، ثم انكشف بعد سنين، وسلم طفل في سرير تعلق بزيتونة، ثم عاش وكبر.
(3/152)

قلت ومن هذا النمط المذكور والعجائب الواقعة في الدهور ما سمعت أنه جاء السيل في جوف الليل، فحمل قرية - وأهلها نائمون - ورمى بهم في البحر، وفيهم صبية عروس طفت على ظاهر الماء كأنها محمولة على سرير، ولم يتغبر كل ما عليها من الطيب والصنعة والحرير بقدرة اللطيف الخبير الذي هو على كل شيء قدير، فوجدت حية قذفها البحر على الساحل، وما مشى من المحذور إليها واصل. وفيها توفي السلطان محمد بن ملك شاه بن ألب أرسلان التركي: غياث الدين أبو شسجاع، وكان فارساً شجاعاً فحلاً، ذا بر ومعروف، وخلف له أربعة أولاد: محمود ومسعود وسليمان وطغرل بك، وقام بعده ابنه محمود وهو أبن أربع عشرة سنة، ففرق الأموال، وقد خلف محمد أحد عشر ألف ألف دينار سوى ما يناسبها من الحواصل. وكان السلطان محمد المذكور لما مات أبوه وقد دخل بغداد، هو وأخوه سنجر، فخلع عليهما الإمام المستظهر بالله، فالتمس محمد المذكور من أمير المؤمنين أن يجلس له ولأخيه فأجيب إلى ذلك، وجلس لهما في قبة التاج، وحضر أرباب المناضب وأبناؤهم، وجلس أمير المؤمنين على سدته، ووقف سيف الدولة ابن مزيد صاحب الحلة عن يمين السدة - وعلى كتفه بردة النبي صلى الله عليه وآله وسلم - وعلى رأسه العمامة وبين يديه القضيب، وخلع على محمد الخلع السبع التي جرت عادة السلاطين بها، وألبس الطوق والتاج والسوارين، وعقد له الخليفة اللواء بيده وقلده سيفين، وأعطاه خمسة أفراس براكبها، وخلع على أخيه سنجر خلعة أمثاله، وخطب لمحمد بالسلطنة في جامع بغداد - كما جرى عادتهم في ذلك الزمان - وذلك في خمس وتسعين وأربع مائة على ما ذكر بعضهم، وذكر غير واحد من المؤرخين أنها سنة اثنتين وتسعين وأربع مائة. وذكر بعضهم أن الإمام أبا حامد الغزالي رحمه الله تعالى قال للسلطان محمد ابن ملك شاه: اعلم يا سلطان العالم، أن بني آدم طائفتان: طائفة عقلاء نظروا إلى مشاهدة حال الدنيا وتمسكوا ابامل العمر الطويل، ولم يتفكروا في النفس الأخير، وطائفة عقلاء جعلوا النفس الأخيرة نصب أعينهم، لينظروا ماذا يكون مصيرهم، وكيف يخرجون من الدنيا ويفارقونها وإيمانهم سالم، وما الذي ينزل عن الدنيا إلى قبورهم، وما الذي يتركونه لأعاديهم من بعدهم، ويبقى عليهم وباله ونكاله. ثم إن السلطان محمداً ابن ملك شاه جرت بينه وبين أخيه بركيا روق حروب يطول
(3/153)

ذكرها، وكان قد خطب لأخيه من قبله في بغداد، فقطعت الخطبة له، وخطب لمحمد واستقل بمملكته. ولما مات أخوه ولم يبقى له منازع، وصفت له الدنيا، وأقام على ذلك مدة، ثم مرض زماناً طويلاً، وتوفي في الخميس الرإبع والعشرين من ذي الحجة من السنة المذكورة بمدينة أصبهان. ولما أيس من نفسه أحضر ولده محموداً، وقبله، وبكى كل واحد منهما، وأمره أن يخرج ويجلس على تخت السلطنة، وينظر في أمور الناس. فقال لوالده: إنه يوم غير مبارك يعني من طريق النجوم - فقال: صدقت، ولكن على أبيك، وأما عليك فمبارك بالسلطنة، فخرج وجلس على التخت بالتاج والسوارين، وتزوج الإمام المقتفي لأمر الله فاطمة بنت السلطان محمد المذكور، فدخلت إلى دار الخلافة بالزفاف، ويقال فيما ذكر لها من المناقب أنه كان لها التدبير الصائب. وفي السنة المذكورة ترحلت العساكر عن حصار الباطنية بالألموت لما بلغهم موت السلطان محمد. وفيها توفي أبو طاهر عبد الرحمن بن أحمد البغدادي راوي سنن الدارقطني، وكان رئيساً وافر الجلالة. وفيها توفي الحافظ أبو زكريا يحيى بن عبد الوهاب ابن الحافظ محمد بن إسحاق ابن محمد بن يحيى بن منده العبدي الأصبهاني صاحب التاريخ، سمع من البيهقي وطبقته، وقال: السمعاني جليل القدر وافر الفضل، واسع الرواية حافظ كثير التصانيف، بعيد من التكلف، سمع من خلائق، وكتب عنه الشيوخ، منهم القطب الذي خضعت لقدمه رقاب الأولياء الأكابر، شيخ الشيوخ أبو محمد محيي الدين عبد القادر صاحب المقام العالي المعروف بالجيلاني، وجماعة من كبار الشيوخ. وذكره الحافظ السمعاني في كتاب الذيل، وغيره من كبار المؤرخين، وذكروا جلالته في الفضل وكونه من بيت علم بدىء بيحيى وختم بيحيى يريدون في معرفة الحديث والعلم والفضل - وكان يحيى المذكور
كثيراً ما ينشد لبعضهم. اً ما ينشد لبعضهم.
عجبت لمبتاع الضلالة بالهدى ... وللمشتري دنياه بالدين أعجب
وأعجب من هذين من باع دينه ... بدنيا سواه فهو من ذين أخيب
وفيها توفي مسند العراق أبو علي بن نبهان الكاتب محمد بن سعيد الكرخي. روى عن
(3/154)

ابن شاذان وغيره، قال ابن ناصر: فيه تشيع صحيح، بقي قبل موته سنة ملقى على ظهره لا يعقل ولا يفهم، وقال غيره: عاش مائة سنة كاملة، وله شعر وأدب.

سنة اثنتي عشرة وخمس مائة
في الثالث والعشرين من ربيع الآخر منها توفي الإمام المستظهر بالله أبو العباس أحمد بن المقتدي بالله العباسي، وله اثنتان وأربعون سنة، وكانت خلافته خمساً وعشرين سنة، وكان قوي الكتابة جيد الأدب والفضيلة، كريم الأخلاق، مسارعاً في أعمال البر. وفيها توفي أبو الفضل بكر نن محمد الأنصاري الجابري الفقيه، شيخ الحنفية بما وراء النهر، وعالم تلك الديار، ومن كان يضرب به المثل في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه المقلب بشمس الأئمة. وفيها توفي أبو طالب الحسين بن محمد الزينبي المقلب بنور الهدى. وفيها توفي أبو القاسم الأنصاري العلامة سليمان بن ناصر النيسابوري الشافعي المتكلم، تلميذ إمام الحرمين، صاحب التصانيف، كان صوفياً زاهداً من أصحاب الأستاذ أبي القاسم القشيري. روى الحديث عن أبي الحسين عبد الغافر الفارسي وجماعة.

سنة ثلاث عشرة وخمس مائة
فيها كانت وقعة هائلة بخراسان بين سنجر وبين ابن أخيه محمود بن محمد، فانكسر محمود، ثم وقع الاتفاق، وتزوج بابنة سنجر. وتم فيها كانت الفتنة بين صاحب مصر والأمير أتابك أمير الجيوش الأفضل، وتمت لهما خطوب، ودس الأفضل على الأمير من يسمه مراراً، فلم يمكن ذلك. وفيها ظهر قبر ابراهيم الخليل - صلوات الله عليه - وإسحاق ويعقوب - عليهم الصلاة والسلام - ورآهم جماعة لم تبل أجسامهم، وعندهم في تلك المغارة قناديل من ذهب وفضة، ذكره ابن حمزة بن القلانسي - بالنون والشين المعجمة - في تاريخه. وفيها توفي شيخ الحنابلة وصاحب التصانيف ومؤلف كتاب الفنون الذي يزيد على أربعمائة مجلد علي بن عقيل البغدادي الظفري، وكان إماماً مبرزاً كبير العلوم خارق الذكاء، مكباً على الاشتغال والتصنيف تفقه على القاضي أبي يعلى وغيره، وأخذ علم الكلام عن أبي
(3/155)

علي بن الوليد، وأبي القاسم بن التيان وغيره، وروى عن أبي محمد الجوهري، قال السلفي: ما رأيت مثله، وما يقدر أحد أن يتكلم معه لغزارة علمه وبلاغة كلامه وقوة حجته. وفيها توفي قاضي القضاة أبو الحسين الدامغاني علي ابن قاضي القضاة أبي عبد الله محمد بن علي الحنفي، ولي القضاء أربعاً وعشرين سنة، وكان ذا حزم ورأي وسؤدد وهيبة وافرة، وديانة ظاهرة. وفيها توفي أبو بكر محمد بن طرخان التركي ثم البغدادي المحدث النحوي، أحد الفضلاء، روى عن أبي جعفر بن المسلمة وطبقته، وتفقه على الشيخ أبي إسحاق، وكان ينسخ بالأجرة، وفيه زهد وورع تام. وفيها توفي أبو سعد المبارك بن علي، من كبار أئمة المذهب. روى عن القاضي أبي يعلى وجماعة، وتفقه على الشريف أبي جعفر بن أبي موسى.

سنة أربع عشرة وخمس مائة
فيها كان المصاف بين السلطان محمود وأخيه مسعود صاحب أذربيجان والموصل، وله يومئذ إحدى عشرة سنة، فلما التقوا انهزم مسعود وأسر وزيره، وفي هذا الوقت كان ظهور ابن تومرت بالمغرب. وفيها قتل في حصن تعز من بلاد اليمن أسعد بن أبي الفتوح بن العلاء بن الوليد الحميري، قتله رجلان من أصحابه، ودفن في الحصن، قيل: فلما قدم من بني أيوب سيف الإسلام إلى اليمن نبش وأخرج إلى مقابر المسلمين. وفيها، وقيل في التي بعدها توفي في الجند الفقيه الإمام عالم العلماء مفيد الطالبين وقدوة الأنام زيد بن عبد الله اليمني - اليفاعي بالفاء قبل الألف وبعد المثناة من تحت - نسبة إلى يفاعة: مكان في اليمن. تفقه على الشيخ الإمام أبي بكر بن جعفر بن عبد الرحيم المخائي - نسبة إلى المخا: بالخاء المعجمة المخففة وفتح الميم قبلها؛ مكان قريب من زبيد على ساحل البحر - توفي أبو بكر المذكور سنة خمس مائة، أخذ عنه جماعة، وكان يحفظ المجموع للمحاملي، والجامع في الخلاف لأبى جعفر - على ما نقل الإمام طاهر ابن الإمام
(3/156)

العلامة يحيى صاحب البيان عن والده المذكور - وتفقه زيد أيضاً بصهره الإمام إسحاق بن يوسف الصروفي، ثم ارتحل إلى مكة في المرة الأولى، فأدرك فيها تلميذي الشيخ الإمام أبي إسحاق الشيرازي مصنف المهذب، وهما الحسين بن علي الشاشي الطبري مصنف العدة وأبو نصر البندنيجي مصنف المعتمد في الخلاف، فقرأ عليهما، وطريقه في المهذب وكتاب التبصرة في علم الكلام في أصول الدين إلى أبي نصر البندنيجي. وذكر ابن سمرة أنه لما رجع زيد المذكور من مكة إلى الجند سنة اثنتي عشرة وخمس مائة اجتمع عنده في الجند ما يزيد على مائتي رجل من أجلة الفقهاء من تهامة وأبين وحضرموت والشحر والشام وغير ذلك، وقرأ الإمام يحيى بن أبي الخير عليه النكت في الخلاف: تصنيف الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وسمع عليه أيضاً بقراءة الفقيهين، الإمام عبد الله الهمداني وعبد الله بن يحيى الصعبي، وبقراءة غيرهما من الفقهاء الأجلة عدة كتب في الفقه والخلاف والأصول، وذلك في دولة السلطان أبي الفتوح الحميري، فعظم حال الفقيه وجمل أمره، واجتمع المؤالف - والمخالف على مودته، وكان لا يصلي في الجامع إلا الجمعة في آخر المسجد. قلت لعل تأخره عند حضور الجماعة في الصلوات لما يخشى من الضرر في اجتماع الناس عليه وازدحامهم بحسن اعتقادهم فيه، أو غير ذلك من الآفات، كما ذكر الإمام أبو حامد الغزالي أنه رأى بمكة بعض العارفين يصلي في بيته، لا يحضر المسجد الحرام، فسأله عن ذلك فذكر كلاماً معناه أنه يدخل عليه من الضرر في الخروج أكثر مما يدخل عليه النفع. رجعنا إلى ذكر زيد اليفاعي: روى ابن سمرة عن بعض من أدرك أنه قال: دخلت الجند أستفتيه عن مسألة في الفرائض - وكان صغير الخلق دقيق الجسم - فوجدته يدرس أصحابه في دهليز بيته، فهبته هيبة عظيمة، فغلطت سؤالي، ورددت كلامي، فآنسني بكلامه، وأجابني عن سؤال بأحسن الجواب. قلت وقوله: كان صغير الخلق دقيق الجسم: أراد بذلك الإعلام بحليته والتعريف دون الانتقاص والتعنيف، وقد وجد مثل هذا الخلق في كثير من العلماء والأولياء على ما اقتضت حكمة العليم القدير من التفاوت بين الكبير من الخلق والصغير. وحكى ابن سمرة أنه سئل بعض الفقهاء بحضرة الإمام زيد المذكور عن الفقيه ابراهيم ابن علي ابن الإمام الحسين بن علي الطبري مصنف كتاب العدة؛ كيف كان حاله في العلم؟
(3/157)

فقال: هو مجود، ولولا أنه اشتغل بالعبادة مع الصوفية لكان في الفقه إماماً وفي الخلاف كاملاً. قال الراوي: وكان حاضراً فقلت له: طريقته هذه غير ملومة ولا مكروهة، فقال لي:
كان الشيخ - يعني جده القاضي حسين الطبري المذكور - يكره ذلك ويقول: اشتغال العالم بالعبادة فرار من العلم فأعجب، أو قال: أعجب زيد بهذه الحكمة. وقلت: هذا صحيح، لأن الحرص في العلم يقوم مقام العبادة، ولو كان فيه بعض قساوة انتهى، وهو بعض كلامه، وذكر بعده ما يوافقه من أقوال بعض الفقهاء. قلت ولا شك أن فضل العلم وشرفه معروفان، ولكن الشأن في إخلاصه والعمل به، فإذا حصل ذلك فهو النهاية، ومع هذا فأحوال الناس مختلفة، وقد قسمتهم في كتاب الإرشاد على خمسة أقسام، وليس إطلاق الكلام في الندب إلى إحدى الطريقين صحيحاً، بل لا بد من تفصيل، فمن كان له نية صحيحة في العلم ونجابة في الفهم، ولم يغلب عليه أحوال الرجال المشاهدين لنور الجمال، فلا شك أن هذا يندب له المبادرة وبذل المجهود في الاشتغال بالعلم، مع مزج ذلك بشيء من العبادة ولزوم سيرة السلف من التعفف والتورع والتقلل من الدنيا، وإن كان في ذلك ما ذكر من بعض القساوة، فقد أنصف في ذلك، وأما من لم يكن كما ذكرنا إما لعدم صلاح النية وإما لعدم القابلية، وإما لخوف كثرة الآفات في المخالطات، وإما لإمتلاء القلب بمحبة العبادات واستئناسه بالمناجاة في الخلوات، وإما لورود الأحوال ووجود المشاهدات، أعني مشاهدة نور الجمال واستيلاء هيبة العظمة والحلال، فكل هؤلاء واقفون مع ما ورد على قلوبهم، لكلى قوم مشرب وفي الهوى مذهب، ولقد أحسن قائلهم.
كانت لقلبي أهواء مفرقة ... فاستجمعت إذ رأتك العين أهوائي
تركت للناس دنياهم ودينهم ... شغلاً بحبك يا ديني ودنياي
ولقد وقع بي في ابتداء اشتغالي بالعلم خاطر أن ألقياني في مجاذبتهما: أحدهما يجذبني إلى العلم طلباً لفضله، والآخر إلى العبادة لوجود حلاوة فيها وسلامة من آفات المخالطات والتشتت في البحث والمجادلات، واشتعل في باطني مثل النار في القريحة المحرورة للمجاذبة المذكورة، ثم حصلت والحمد لله إشارة أذهبت عني ذلك الاحتراق، مردتني إلى التسليم إلى ما سبق به القضاء بتقدير الخلاق، وذلك أني في حال تلك الشدة لما قلقت، ولم أستطع نوماً ولا قراراً، ومعي كتاب أطالعه ليلاً ونهاراً، فتحته في ذلك الوقت فرأيت فيه ورقة قابلتني أول ما فتحته ولم أرها قبل ذلك مع طول ما طلبته، وفيها أبيات ما كنت سمعتها، وهي:
(3/158)

كن عن همومك معرضاً ... وكل الأمور إلى القضا
فلربما اتسع المضيق ... وربما ضاق الفضا
ولرب أمرمتعب ... لك في عواقبه رضا
الله يفعل ما يشاء ... فلا تكن متعرضا
فلما قرأتها كأنما صب ماء على تلك النار، فرد ذلك الاحتراق، وذهبت تلك الأكدار، وأنشد لسان مقالي في تلك الوقت ما يوافق حالي، وناديت قلبي:
اسمع وخذ بالإشارة ... فيا حسن ما في ضمها من بشارة
ودربي مع ريح القضا حيث دارت ... وسلم لسلمى ثم سر حيث سارت
عسى من خدور الحي تبدو بدورها ... توسلت حتى أقبلتك ثغورها
ألا يا لقومي أعلموني بحيلة ... إلى وصل خودات كعاب جميلة
أراك الحمى قل لي بأي وسيلة ... إذا ما بدت ناديت في كل حيلة
بقطع لأهلي مع فراقي لبلدتي ... وذلي وسيحي في البلاد وغربتي
وإيناس نفسي بعد زفري وحضرتي ... رحمت على صبري على كل كربة
ثم استمريت في مدة يسيرة بشيء من الأشغال والاشتغال بالعلم، مع مزج ذلك يتخلل البطالات، ثم خطر لي عند وقوفي على كلام الفقهاء الذين نحن بصدده هذه الأبيات:
تقضى زماني والقضاء مصرفي ... وكان إلى العلم الشريف تشوفي
وما كانت الأيام إلا قلائلاً ... به ثم مال القلب نحو التصوف
ومن لم يسل في دهره نحوه يمت ... ولم يهو من صاحي جمالاً ويعرف
فإن كنت ذا جهل بمنهج حبه ... ومشربه سل عنه أهل التعرف
قلت وفضل التصوف وأهله أولي الصفاء والأنوار والمعارف والأسرار، والقرب والمنادمات والحضرة والمشاهدات، لا يسعه مجلدات، وقد ذكرت نبذة من ذلك في كتاب الأسرار والنظير، في فضل ذكر الله تعالى وتلاوة كتابه العزيز، وفضل الأولياء والناسكين، والفقراء والمساكين، وفي كتاب روض الرياحين في حكايات الصالحين، وفي كتاب نشر المحاسن الغالية في فضل المشايخ أولي المقامات العالية، قدس الله تعالى أرواحهم، ونور ضرائحهم ونفعنا ببركاتهم، وجعلنا معهم في محياهم ومماتهم، آمين، ولله در قائلهم في وصف راح الهوى المعمورة من نور الجمال التي سكر بها المحبون أولو الأحوال، حيث أنشد وقال:
هبنا لأهل الدير كم سكروا بها ... وما شربوا منها، ولكنهم هموا
(3/159)

على نفسه فليبك من ضاع عمره ... وليس له منها نصيب ولاسهم
وفيها توفي أبو علي الحسن بن خلف القيراوني المقرىء، صاحب تلخيص العبارات في القراءات. والوزير مؤيد الدين الحسين بن علي الأصبهاني، صاحب ديوان الإنشاء للسلطان محمد بن ملك شاه، كان من أفراد الدهر وحامل لواء النظم والنثر وهو صاحب لامية العجم. والحافظ الكبير أبو علي بن سكرة حسين بن محمد الأندلسي حج سنة إحدى وثمانين وسمع ببغداد من البانياسي وطبقته، وأخذ التعليقة الكبرى عن أبي بكر الإمام الشاشي المستظهري واخذ بدمشق عن الفقيه الإمام نصر المقدسي، ورد إلى بلاده بعلم جم وبرع في الحديث وفنونه، وصنف التصانيف. فأكره على القضاء، فوليه، ثم اختفى حتى عفي، واستشهد في المصاف وهو أبناء الستين. وفيها توفي الإمام أبو نصر عبد الرحمن ابن الإمام أبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري كان إماماً كبيراً، أشبه أباه في علومه ومجالسه، وواظب على حضور درس إمام الحرمين حتى حصل طريقته في المذهب والخلاف. ثم خرج، فوصل الى بغداد، وعقد بها مجلس وعظ، وحصل له قبول عظيم، وحضر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي مجلسه. وأطبق علماء بغداد على أنهم لم يروا مثله. وكان يعظ في المدرسة النظامية ورباط شيخ الشيوخ، وله مع الحنابلة خصام بسبب الاعتقاد إذ هو وأبو وشيخه إمام الحرمين وغيرهم من أكابر العلماء ورؤوس الأشاعرة، وانتهى الأمر إلى فتنة بين الفريقين، قتل فيها جماعة من الطائفتين، وركب أحد أولاد نظام الملك حتى سكنها، وبلغ الخبر نظام الملك وهو بأصبهان وسير إليه استدعاءه، فلما حضر عنده زاد في إكرامه، ثم جهزه إلى نيسابور فلما وصل إليها لازم الوعظ والدرس إلى أن قارب انتهاء أمره، فأصابه ضعف في أعضائه وقال بعضهم: فالج فأقام لذلك مقدار شهر، ثم توفي ضحوة نهار الجمعة الثاني والعشرين من جمادى الآخرة من السنة المذكورة بنيسابور، ودفن بالمشهد المعروف بهم، وكان يحفظ من الشعر والحكايات شيئاً كثيراً. وأبو منصور محمود بن اسماعيل الصيرفي الأشقر، راوي المعجم الكبير للطبراني. قال السلفي: كان صالحاً.
(3/160)

سنة خمس عشرة وخمس مائة
فيها احترقت دار السلطنة ببغداد، فتلف ما قيمته ألف ألف دينار. وفيها توفي أبو علي الحداد: الحسن بن أحمد الأصبهاني المقرىء المجود، مسند الوقت، وكان مع علو إسناده أوسع أهل زمانه رواية، حمل الكثير عن أبي نعيم، وكا ن خيراً صالحاً. وفيها توفي الملك الأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش بدر الجمالي الأرمني، كان الملك الأفضل وزيراً للمستعلي العبيدي، وكان حسن التدبير فحل الرأي، وهو الذي أقام المستعلي بعد موت أبيه المستنصر مقامه، وخلف من الأموال ما لم يسمع بمثلهما، قيل إنه خلف ستمائة ألف دينار عيناً، ومائتين وخمسين إردباً دراهم نقد مصر، وخمساً وسبعين ألف ثوب ديباج أطلس، وثلاثين راحلة أخفافها من ذهب عراقي، وداوة ذهب فيها جوهر قيمته أثنا عشر ألف دينار، ومائة مسمار من ذهب وزن كل مسمار مائة مثقال، في عشرة مجالس، في كل مجلس عشرة مسامير، على كل مسمار منديل مشدود بذهب من الألوان أيما أحب منها لبسه - وخمس مائة صندوق لكسوته خاصة من دف دمياط وبلد أخرى سموها، وخلف من الرقيق والخيل والبغال والمراكب والطيب والتجمل والحلي ما لا يعلم قدره إلا الله، وخلف خارجاً من ذلك من البقر والجواميس والغنم كما يطول عدده، وبلغ ضمان ألبانها في سنة وفاته ثلاثين ألف دينار، ووجد في تركته صندوقان كبيران فيهما إبر ذهب برسم النساء والجواري. وكان شهماً مهيباً بعيد الغور، ولي وزارة السيف والقلم، وإليه قضاء القضاة والتقدم على الدعاة في ولاية المستعلي، ثم الأمر، وكانا معه صورة بلا معنى، وكان قد أذن للناس في إظهار عقائدهم، وأمات شعار دعوة الباطنية، فنقموه لذلك، ووثب عليه ثلاثة من الباطنية فضربوه بالسكاكين فقتلوه، وحملوه بآخر رمق، وقيل إن الأمير دسهم عليه بتدبير أبي عبد الله البطائحي الذي وزر بعده، ولقب بالمأمون. وفيها توفي أبو القاسم علي بن جعفر السعدي الصقلي المولد، المعروف بابن القطاع،
(3/161)

المصري المنزل والوفاة، كان من أئمة الأدب خصوصاً اللغة، وله تصانيف نافعة منها كتاب الأفعال، أحسن فيه كل الإحسان، وهو أجود من الأفعال لابن القوطبة، وإن كان ذاك سبقه إليه، وله كتاب أبنية الأسماء، جمع فيه فأوعب، وعروض حسن جيد، وكتاب الدرة الخطيرة المختارة من شعر الجزيرة، ولمح اللمح، جمع فيه خلقاً من علماء الأندلس، قرأ الأدب على فضلاء صقلية كابن البراء اللغوي وأمثاله، وأجاد النحو غاية الإجادة، ورحل عن صقلية لما أشرف على تملكها الفرنج، ووصل إلى مصر في حدود سنة خمس مائة، وبالغ أهل مصر في إكرامه، ومن شعره:
وشادن لبيانه عقد ... حلت عقودي وأوهنت جلدي
عابوه جهلاً بها فقلت لهم ... أما سمعتم بالنفث في العقد؟
وله شعر كثير، توفي بمصر: وفيها توفي الحافظ أبو الخير بن عوض الهروي. كان عالماً صاحب حديث وإفادة، حريصاً على الطلب.

سنة ست عشرة وخمس مائة
توفي الإمام محيي السنة أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي الشافعي المحدث المقرىء، صاحب التصانيف، وعالم أهل خراسان، كان سيداً زاهداً قانعاً، يأكل الخبز وحده، فليم في ذلك، فصار يأكله بالزيت، وكان أبوه يصنع الفراء، توفي بمروروذ، ودفن عند شيخه القاضي حسين، أخذ الفقه عنه، وصنف في تفسير كلام الله تعالى، وأوضح المشكلات من قوله صلى الله عليه وآله وسلم، وروى الحديث، ودرس، وكان لا يلقي الدرس إلا على طهارة، وصنف كتباً كثيرة منها: كتاب التهذيب في الفقه، وشرح السنة في الحديث، ومعالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم، وكتاب المصابيح، والجمع بين الصحيحين، وغير ذلك، والبغوي نسبة إلى بلدة بخراسان بين مرو وهراة يقال لها بغ، بالباء الموحدة والغين المعجمة.
والحافظ أبو محمد عبد الله بن أحمد السمرقندي، سمع من أبي بكر الخطيب وجماعة، ورحل إلى نيسابور وأصبهان. وأبو القاسم بن الفحام الصقلي: عبد الرحمن بن أبي بكر، مصنف التجويد في القراءات.
(3/162)

وأبو محمد الحرير: صاحب المقامات، القاسم بن علي بن محمد البصري الأديب، حامل لواء البراعة وفارس النظم والنثر، ونسجهما بظرافة الصناعة، كان من رؤساء بلده، روى الحديث عن أبي تمام محمد بن الحسين وغيره، وعاش سبعين سنة، ورزق الحظوة التامة في عمل المقامات، واشتملت على شيء كثير من كلام العرب من لغاتها وأمثالها ورموز أسرار كلامها، حتى قال بعض الفضلاء: من عرفها حق معرفتها استدل بها على فضل هذا الرجل وكثرة إطلاعه وغزارة مادته. وكان سبب وضعه لها ما حكاه ولده أبو القاسم عبد الله قال: كان أبي جالساً في مسجد بني حرام، فدخل شيخ ذو طمرين عليه أهبة السفر، رث الحال فصيح الكلام حسن العبارة، فسألته الجماعة: من أين الشيخ؟ فقال: من سروج، فاستخبروه عن كنيته قال: أبو زيد، فعمل أبي المقامة المعروفة بالحرامية، وهي الثامنة والأربعون، وعزاها إلى أبي زيد المذكور، واشتهرت، فبلغ خبرها الوزير شرف الدين أبا نصر القاشاني - بالقاف والشين المعجمة - وزير الإمام المسترشد باللة، فلما وقف عليها أعجبته، وأشار على والدي أن يضم إليها غيرها، فأتمها خمسين مقامة. وإلى الوزير المذكور أشار الحريري في خطبة المقامات بقوله: فأشار من إشارته حكم، وطاعته غنم إلى أن أنشىء مقامات أتلو فيها تلوالبديع، وإن لم يدرك الظالع شيئاً والضليع. هكذا وجد في عدة تواريخ في نسخة من المقامات عليها خطه، وقد كتب بخطه أيضاً على ظهرها أنه صنفها للوزير جلال الدين عميد الدولة أبي علي الحسن بن أبي المعز علي ابن صدقة وزير المسترشد، قيل: وهذا أصح من الرواية الأولى، لكونه بخط المصنف، والله أعلم. وذكر القاضي أبو الحسن علي بن يوسف الشيباني وزير حلب في كتابه المسمى أنباء الرواة على أبناء النجاة أن أبا زيد المذكور اسمه المطهر بن سلار، وكان بصيرياً نحوياً لغوياً، وصحب الحريري المذكور، واشتغل عليه بالبصرة، وتخرج به، روى عنه القاضي أبو الفتح محمد بن أحمد الميداني الواسطي ملحة الإعراب للحريري، وذكر أنه سمعها منه عن الحريري وقال: قدم علينا واسط سنة ثمان وثلاثين وخمس مائة، فسمعنا منه، وتوتجه منها مصعداً إلى بغداد، فوصلها، وأقام مدة يسيرة وتوفي بها رحمه الله تعالى. وأما تسمية الراوي لها بالحارث بن همام فإنما عنى به نفسه، هكذا ذكر ابن خلكان
(3/163)

وقال: وقفت عليه في بعض شروح المقامات، وهو مأخوذ من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: كلكم حارث وكلكم همام، فالحارث: الكاسب، والهمام: كثير الاهتمام، وما من شخص إلا وهو حارث وهمام، لأن كل أحد كاسب ومهتم بأموره. وقد اعتنى، بشرحها خلق كثير، فمنهم من طول، ومنهم من اختصر، قال ابن خلكان: ورأيت في بعض المجاميع أن الحريري لما عمل المقامات كان قد عملها أربعين مقامة، وحملها من البصرة إلى بغداد، فادعاها فلم يصدقه من أدباء بغداد، وقالوا إنها ليست من تصنيفه، بل هي لرجل مغربي من أهل البلاغة مات بالبصرة، ووقعت أوراقه إليه فادعاها، فاستدعاه الوزير إلى الديوان وسأله عن صناعته فقال: أنا رجل منشىء، فاقترح عليه إنشاء الرسالة في واقعة عينها، فانفرد في ناحية عن الديوان، وأخذ الدواة والورقة، ومكث زماناً كثيراً فلم يفتح الله سبحانه عليه بشيء من ذلك، فقام وهو خجلان، وكان في جملة من أنكر دعواه في عملها أبو القاسم بن أفلح الشاعر، فلما لم يعمل الحريري الرسالة التي اقترحها الوزير أنشد ابن أفلح هذين البيتين، وقيل إنهما لابن محمد الحريمي البغدادي الشاعر المشهور:
شيخ لنا من ربيعة الفرس ... ينتف عثنوته من الهوس
أنطقه الله بالمشان كما ... رماه وسط الديوان بالخرس
وكان الحريري يزعم أنه من ربيعة الفرس، وكان مولعاً ينتف لحيته عند الفكرة، وكان يسكن في مشان البصرة، فلما رجع إلى بلده عمل عشر مقامات أخر، وسيرهن واعتذر من عيه وحصره بالديوان بما لحقه من المهابة، وللحريري تاليف حسان منها: درة الغواص في أوهام الخواص ومنها ملحة الإعراب، منظومة في النحو والآداب، وله أيضاً شرحها، وله ديوان رسائل وشعر كثير غير شعره الذي في المقامات، ومن ذلك قوله:
قال العواذل ما هذا الغرام به ... أما ترى الشعر في خديه قد نبتا
فقلت والله لو أن المفند لي ... تأمل الرشد في عينيه ما ثبتا
ومن أقام بأرض وهي مجدبة ... فكيف يرحل منها والربيع أتى
وله قصائد استعمل فيها التجنيس كثيراً، ويحكى أنه كان دميماً قبيح المنظر، فجاءه شخص غريب يزوره ويأخذ عنه شيئاً من شعره، فلما رآه استزرى شكله، ففهم الحريري ذلك منه، فلما التمس أن يملي عليه قال: اكتب.
(3/164)

ما أنت أول سار غره قمر ... ورائد أعجبته خضرة الدمن
فاختر لنفسك غيري إنني رجل ... مثل المعيدي فاسمع بي ولا تزني
فخجل الرجل منه وانصرف عنه. والمعيدي: بضم الميم وفتح العين المهملة وسكون المثناة من تحت وبعدها دال مهملة مكسورة: رجل منسوب إلى معد بن عدنان، وقد نسبوه بعدما صغروه وخففوا منه الدال، وفيه جاء المثل المشهور: لأن تسمع بالمعيد خير من أن تراه، وهذا المثل يضرب لمن له صيت وذكر ولا منظر له، قال المفضل الضبي: أول من تكلم بهذا المثل المنذر بن ماء السماء قاله لمشقة بن ضمرة التميمي الدارمي، وكان قد سمع بذكره، فلما رآه قبحه، فقال له هذا المثل، وسار عنه، فقال له شقة: أبيت اللعن إن الرجال ليسوا بحرزير مراد منها الأجسام، إنما المرء بأصغريه، قلبه ولسانه، فأعجب المنذر بما رأى من عقله وبيانه، ومن شعر الحريري قوله:
لا تزر من تحب في كل شهر ... غير يوم ولاتزده عليه
فاضتياء الهلال في الشهر يوم ... ثم لا تنظر العيون إليه
قلت: وقد عارضت بيتي الحريري اللذين أطلق فيهما الزيارة في كل شهر مرة تشبيهاً بالهلال، بأبيات فصلت فيها بين المزورين المتفاوتين في الأحوال، وأشرت إلى أن - بعضهم وهو أخصهم بالمودة والأنس - يزار كل يوم كالشمس، وبعضهم ممن يليه في الود والدفعة في كل أسبوع كالجمعة، وبعضهم ممن قل وده أو شق بعمه أو كان مع قرب الدار يؤثر قلة المزار وملاقاة الرجال في الشهر مرة كالهلال، وبعضهم ممن نأت به البلاد وإن كان من أهل الصحبة والوداد - في السنة مرتين تشبيهاً بالعيدين، كما يختلف بالقرب وبعد البلاد ويختلف بالقلة وكثرة الوداد، فصلت بين الحالات المذكورات بهذه الأبيات:
لا تزرنا في الحمى كل عام ... غير مثنى على مرور الدهور
هل ترى العيد زائراً كل عام ... غير ثنتين عائداً بالسرور
أو دنت داره ففي كل يوم ... فيه للشمس بهجة بالظهور
أو ترى بين قرب دار وبعد ... زر كما زاره هلال الشهور
أو ترى قدر بعده دون هذا ... بالجمع تلك ضاحكات الثغور
يجتلي حسنه بغر الليالي ... أو يزهر قد اكتسى ثوب نور
إن تساووا محاسناً سار أولاً ... فاوتن بالكواكب كالبدور
(3/165)

غير أن المزار في كل يوم ... عند حب غرامه في الصدور
واعتدال بحبها زاد حباً ... عند من زرت في خبا أو قصور
والذي يؤثر التقلل مثلي ... زر قليلاً بذاك كثر الأجور
كل شهر وإن دنا منك داراً ... مرة أو بحسب حال المزور
والبرايا على اختلاف طباع ... في اجتماع وعزله وحضور
خذ مقالي مفصلاً ذا وضوح ... ما به مشكل ولا ذو قصور
رحم الله متقنا صنعه في ضيق ... لحد مجاور للقبور
فعسى الله دعوة من شقيق ... فأرى ما نظمت في ذي السطور
وكذلك عارضت قصيدته التي فضل بها الغني على الفقير، ومن جملتها قوله في هذه الأبيات:
فانظر بعينك هل أرض معطلة ... من النبات كأرض حفها الشجر
أبعد عما تيسر الأغنياء به ... فأي فضل له ود ما له ثمر
وارحل ركابك عن أرض ظمئت بها ... إلى الجنان الذي يهمي به المطر
وعارضته بقصيدة، وسميتها المنهج الأسنى في تفضيل الفقر على الغنى هذه الأبيات، منها:
قل للحريري من ذا في الحرير غدا ... وقصر در وحور زانها الحور
وفاكهات وأنها رمد فقة ... شهيدو وكثبان مسك والحصى درر
وجل نور وياقوت أسرتها ... تزهو براكبها والحسن والسرر
وطيب عيش ترى كل النعيم به ... ما تشتهي النفس مما ليس ينحصر
والضد في ضنك أهوال وروعتها ... سنين خمس منير جابذ الخبر
فسوف يدري العلى للفقر أم لغنى ... وأرض من منهما قد حفها الشجر
ومن له عود وصل يانع خضر ... زاه وذاك بذاك الحسن والثمر
إذا هشيماً رأى الغصن البصير له ... تذري الرياح به قد حلت الغير
يحكي سراباً ظن ذو ظمأ ... أو حلم نوم فلم يوجد له أثر
انقد بعين فؤاد جوهراً لهما ... عين البصيرة تدري الحسن لا البصر
فجوهر الفقر تزهو جوهريته ... بالحك، والمال زيف حين يختبر
وإنظر هل الزرع في أرض مجردة ... كزرع أرض وفيها الغيث والشجر
إن الفقير الذي للفقر مصطبر ... هو الغني والغنى بالمال مفتقر
يكفيك لو كان الفؤاد له نوع ... اعتبار إذا مرت به الغير
(3/166)

من ليس يغنيه منا وادياً ذهب ... يهلع ويجمع ولا يشبع ويدخر
مستقبلاً فيه آفات معجلة ... وفي المال لصافي الماء جا كدر
شغلاً عن الله مع حب لمبغضة ... ورب هول غدا والنار تستعر
والفقر كم من سعادات يحوز بها ... بفوز حلب لها بالسبق تبتدر
مع الفراغ لطاعات مقربة ... ممن هو الملك الوهاب مقتدر
ولذة وحلاوات معجلة ... والأنس بالله فيه القوم قد سرروا
والطيب قد فاح، إذ لاح الجمال لهم ... والراح يسقون من كأس بها سكروا
فعربدوا ثم باحوا بالهوى علناً ... لما قوي الحب ما في كتمه صبروا
ساحوا وباحوا وصاحوا صار مدحتهم ... خلع العذار، لحى العذال أو غدروا
يا سعد عبد غني القلب ذي أرب ... راض بمقدور مولى ما به ضجر
من فتية زارعي الخيرات أرضهم ... نقوا من الغيث والأشجار إذ بذروا
إن قيل بأفضل من لا يحتلي محلاً ... ممدوحة أي فضل فيه يفتخر
قل حب محبوب ونصر هدى ... ليافعي رجا هذين مدخر
مع من أحب يكون المرء يومئذ ... والأجر حق لقوم للهدى نصروا
في كل هذا نصوص الشرع ناطقة ... مع الكتاب حديث صح مشتهر
وما لعبد نزول فوق منزلة ... أولاه مولاه بل يرضى ويأتمر
لا بد في الملك من ترتيب مملكة ... لو لم يكن ما نهى الناهون أو أمروا
فيها أمير وجندي له وبها ... وزير ملك ومخدوم ومحتقر
في الخلق دار بنوه وفق حكمتهم ... وقدروا الأمر فيه حسب ما قدروا
فكيف ترتيب خدام لمملكة ... عن حكمة الحق ما قد قدر القدر
هذا رسول نبي داود، ذا ملك ... وذا ولي وذا راج وذا حذر
وذاك قطب وذا غوث وذا وتد ... وذا بديل إذا ما امتدت به حضروا
وذا عليم وهذا عابد شجر ... وذا تقي وهذا مؤمن برر
سلم له وارض بالمقدور إن له ... حكماً به مودع، سر له خبر
فطاعة الحكيم مع تسليم حكمته ... وظيفة العبد راضيها له خطر
فنسأل الله توفيق القيام بها ... والصرف عن كل وصف ضمنه خطر
ها هي بدت في حكمي فقر معارضه ... من في الحرير الغني بالمال يفتخر
مصونة جا حسن مخدرة ... عن غير كفو فعنه الحسن مستتر
عن أربعين لقد فاقت بأربعة ... من سبعة نيف سبعين مختصر
ختامها حمد ربي والصلاة على ... ختام رسل سراج دونه القمر
(3/167)

يعني أن الأبيات المذكورة هنا أربعة وأربعون مختصرة من قصيدة له مشتملة على سبعة وسبعين بيتاً. توفي الحريري رحمه تعالى الله في السنة المذكورة، وقيل في سنة خمسين بالبصرة في سكة بني حرام، فنسب إليهم من هذه السكة التي سكن بها، وكانت ولادته في سنة ست وأربعين وأربعمائة. والمشان بفتح الميم والشين المعجمة، بعد الألف نون: بليدة فوق البصرة، كثيرة النخل، شديدة الوخم، وكان أصل الحريري منها، ويقال إنه كان له ثمانية عشر ألف نخلة، وكان فاضلاً نبيلاً جليل القدر، له تاريخ لطيف سماه: صدور زمان القبور وقبور زمان الصدور، نقل منه العلماء والأصبهاني في كتاب: نصرة الفترة وعصرة الفترة الذي ذكر فيه أخبار الدولة السلجوقية نقلاً كثيراً وفيها توفي الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد الأصبهاني الدقاق، كان محدثاً أثرياً فقيراً متقللاً

سنة سبع عشرة وخمس مائة
في أولها التقى الخليفة المسترشد بالله ودبيس الأسدي، وكان دبيس قد طغى وتمرد، ووعد عسكره بنهب بغداد، وجرد المسترشد يومئذ سيفه، ووقف على تل، فانهزم جمع دبيس، وقتل خلق منهم، وقتل من جيش الخليفة نحو عشرين رجلاً، وعاد مؤيداً منصوراً وذهب دبيس فعات ونهب وقتل في نواحي البصرة. وفيها توفي ابن الخياط الشاعر المشهور: أبو عبد الله أحمد بن محمد التغلبي الدمشقي الكاتب، كتب أولاً لبعض الأمراء، ثم مدح الملوك والكبار، وبلغ في النظم الذروة العليا، أخذ عن أبي فتيان بن الجيوش، وعنه أخذ ابن القيرواني، قال السلفي: كان شاعر الشام في زمانه. وفيها توفي الحافظ الكبير أبو نعيم عبد الله بن أبي علي الحداد، مؤلف أطراف الصحيحين، كان عجباً في الإحسان إلى الراحلة وإفادتهم مع الزهد والعبادة والفضيلة التامة.
(3/168)

وفيها توفي أبو الغنائم بن المهتدي بالله: محمد بن محمد الهاشمي الخطيب. وفيها توفي الحافظ أبو الحسن محمد بن مرزوق البغدادي رحمه الله. وفيها توفي أبو صادق مرشد بن يحيى المسندي البصري.

سنة ثمان عشرة وخمس مائة
فيها كسر ابن بهرام - صاحب حلب - الفرنج، ثم نازل منبج فجاءه سهم فقتله، فحمله ابن عمه - صاحب ماردين - إلى ظاهر حلب، وتسلم حلب، وأقام بها نائباً، ورد إلى ماردين، فراحت حلب. وفيها أخذت الفرنج صور بالأمان، وبقيت في أيديهم إلى سنة تسعين وست مائة. وفيها توفي أبو الفضل أحمد بن محمد الدينوري، البغدادي المولد، الشاعر المعروف بابن الخازن، كان فاضلاً فائق الخط، أوحد وقته، اهتم ولده نصر الله الكاتب المشهور بجمع شعره، فجمع منه، وهو حسن السبك، منه قوله: - وقد أضافة الحكيم أبو القاسم الأهوازي يوماً، وزاد في خدمته وإكرامه، وكان في داره بستان وحمام، فأدخله فيهما:
وافيت منزله فلم أر حاجباً ... إلا تلقاني بسن ضاحك
والبشر في وجه الغلام إمارة ... لمقدمات ضياء وجه المالك
ودخلت جنته وزرت حميمه ... فشكرت رضواناً ورأفة مالك
قال ابن خلكان: ثم إني وجدت هذه الأبيات للحكيم أبي القاسم هبة الله بن الحسين الأهوازي الطبيب الأصفهاني، ذكره العماد في الخريدة. وفيها توفي الحسن بن الصباح صاحب الألموت، وزعيم الإسماعيلي، وكان ذاهيبة، ماكراً زندقياً من شاطين الإنس. وفيها توفي أبو الفتح سلطان بن ابراهيم المقدسي الشافعي الفقيه، قال السلفي: كان من أفقه الفقهاء بمصر، تفقه عليه أكثرهم، وقال غيره: أخذ عن أبي نصر المقدسي، وسمع من أبي بكر الخطيب، وسمع من جماعة. وفيها توفي أبو بكر غالب بن عبد الرحمن بن غالب القرماطي الحافظ، كان حافظاً للحديث وطرقه وعالمه، عارفاً برجاله، ذاكراً لمتونه ومعانيه. ذكر بعضهم أنه كرر صحيح البخاري سبعمائة مرة،، كان أديباً شاعراً لغوياً ديناً.
(3/169)

وفيها توفي أبو الفضل أحمد بن محمد الميداني النيسابوري، كان أديباً فاضلاً عارفاً باللغة، واختص بصحبة الإمام أبي الحسن الواحدي، صاحب التفسير، ثم قرأ على غيره، وأتقن في العربية خصوص اللغة وأمثال العرب، وله فيها التصانيف المفيدة، منها: كتاب الأمثال المنسوب إليه، ولم يعمل مثله في بابه، وكتاب: السامي في الأسامي، وهو جيد في بابه، وكان قد سمع الحديث ورواه، وكان ينشد كثيراً:
تنفس صبح الشيب في ليل عارضي ... فقلت: عساه يكتفي بعذاري
فلما فشا عاتبته فأجابني ... أيا هل ترى صبحاً بغير نهار؟

سنة تسع عشرة وخمس مائة
فيها سار الخليفة لمحاربة دبيس، فانخذل دبيس وذل، وطلب العفو، وكان معه طغرل بك ابن السلطان محمد فمرض، ثم سارا إلى خراسان، واستجارا لسنجر، فأجارهما، ثم قبض على دبيس خدمة للخليفة. وفيها توفي أبو عبد الله بن البطائحي المأمون، وزير الديار المصرية للآم، وكان أبوه جاسوساً للمصريين، فمات. روى محمد هذا يتيماً رآه شاباً ظريفاً، فأعجبه فاستخدمه مع الفراشين، ثم تقدم عنده، ثم آل أمره، إلى أن ولي بعده، وفيها توفي أبو البركات بن البخاري البغدادي المعدل هبة الله بن محمد.

سنة عشرين وخمس مائة
يوم الأضحى منها خطب المسترشد بالله، وصعد المنبر ووقف ابنه ولي العهد - الراشد بالله - دونه بيده سيف مشهور، وكان المكبرون خطباء الجوامع، ونزل فنحر بيده بدن، وكان يوماً مشهوداً ما عهد للإسلام مثله منذ دهر. وفيها توفي الإمام الرباني ذو الأسرار والمعرف والمواهب واللطائف: أبو الفتوح أحمد بن محمد الطوسي الغزالي الواعظ - أخو الإمام حجة الإسلام أبي حامد.
(3/170)

شيخ مشهور فصيح مفوة، صاحب قبول تام لبلاغته وحسن إيراده وعذوبة لسانه، وعظ مرة عند السلطان محمود فأعطاه ألف دينار، وكان مليح الوعظ حسن المنظر صاحب كرامات وإشارات، وكان من الفقهاء، غير أنه مال إلى الوعظ والتصوف فغلب عليه، ودرس بالنظامية نيابة عن أخيه أبي حامد، لما ترك التدريس زهادة فيه، اختصر كتاب أخيه المسمى بإحياء علوم الدين، في مجلد واحد، وسماه: لباب الأحياء، وله كتاب آخر سماه: الذخيرة في علم البصيرة، وطاف البلاد، وخدم الصوفية بنفسه، وخدموه، وصحبهم وصحبوه، وكان مائلاً إلى الانقطاع والعزلة. وذكره ابن النجار في تاريخ بغداد فقال: كان قد قرأ القارىء بحضرته: " ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم " - الزمر 53 -، فقال: شرفهم بياء الإضافة إلى نفسه بقوله يا عبادي، ثم أنشد:؟ وهان علي اللوم في جنب حبها وقول الأعادي إنه لخليع
أصم إذا نوديت باسمي وإنني ... إذا قيل لي: يا عبدها، لسميع
وهذا مثل قول بعضهم: لا تدعني إلا بيا عبدي، فإنه أشرف أسمائي، وتوفي بقزوين - رحمه الله تعالى. قلت هكذا أثنى عليه الحافظ ابن النجار وغيره من العلماء والأولياء، ولا التفات إلى
ما أومى إليه الذهبي من بعض الطعن فيه. ومما يحكى من مكاشفاته أنه سأله إنسان عن أخيه محمد، أين هو؟ فقال: في الدم، ثم طلبه السائل فوجده في المسجد، فتعجب من قول أخيه في الدم، وذكر له ذلك فقال: صدق، كنت أفكر في مسألة من مسائل المستحاضة - رحمة الله تعالى عليهما. وفيها توفي أبو بحر الأسدي. سفيان بن العاصي محدث قرطبة. وصاعد بن سيار أبو العلاء الهروي الدهان، قال السمعاني: كان حافظاً متقناً، كتب الكتب الكثيرة، وجمع الأبواب، وعرف الرجال. وأبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد المالكي، قاضي الجماعة بقرطبة ومفتيها. روى عن أبي علي الغساني وأبي مروان بن مروان وخلق، وكان من أوعية العلم، له تصانيف مشهورة، عاش سبعين سنة. وفيها توفي أبو عبد الله محمد بن بركات السعيدي المصري النحوي اللغوي، روى عن القضاعي وغيره، وسمع البخاري من كريمة بمكة.
(3/171)

وفيها توفي أبو الفتح أحمد بن علي المعروف بابن برهان الفقيه الشافعي، كان متبحراً في الأصول والفروع والمتفق والمختلف، وتفقه على أبي حامد الغزالي وأبي بكر الشاشي وأبي الحسن المعروف بالكيا، وصار ماهراً في فنونه، وصنف كتاب الوجيز في أصول الفقه، وولي التدريس بالمدرسة النظامية ببغداد دون الشهر، وبرهان بفتح الباء الموحدة وسكون الراء. وفيها توفي الإمام أبو بكر بن الوليد القريشي الفهري الأندلسي، الفقيه المالكي الطرطوشي. بضم الطائين المهملتين بينهما راء ساكنة وبعدهما واو ساكنة ثم شين معجمة منسوباً إلى طرطوشة: مدينة في آخر بلاد المسلمين بالأندلس. صحب أبا الوليد الباجي، وأخد عنه مسائل الخلاف، وسمع منه وأجاز له، وقرأ الفرائض والحساب، وقرأ الأدب على أبي محمد بن حزم، ورحل إلى المشرق سنة ست وسبعين وأربعمائة،. وحج ودخل بغداد والبصرة، وتفقه على أبي بكر محمد الشاشي المعروف بالمستظهري الفقيه الشافعي، وعلى أبي العباس أحمد الجرجاني، وسكن الشام ودرس بها، وكان إماماً عالماً عاملاً زاهداً ورعاً ديناً متواضعاً متقشفاً متقللاً من الدنيا، راضياً منها باليسير، على ما ذكره بعض المؤرخين. وكان يقول: إذا عرض لك أمران: أمر دنيا وأمر أخرى، فبادر بأمر الأخرى يحصل لك أمر الدنيا والأخرى، وكان كثيراً ما ينشد:
إن لله عباداً فطنا ... طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
فكروافيها فلماعلموا ... أنها ليست لحي وطنا
جعلوها لجة واتخذوا ... صالح الأعمال فيها سفنا
قلت: هكذا قال بعضهم: فكروا فيها، وقال بعضهم: نظروا فيها، والكل معناه واحد، فإن المراد: ينظروا نظرة القلب، وله من التصانيف: سراج الملوك، وغيره وله طريقة في الخلاف، ونسب إليه أشعار من ذلك:
إذا كنت في حاجة مرسلاً ... وأنت بإنجازها معزم
فأرسل بأكمه خلانه ... به صمم أعطش أبكم
ودع عنك كل رسول سوى ... رسول يقال له الدرهم
وحكي أنه اجتمع بالإمام حجة الإسلام أبي حامد الغزالي في بلاد الشام، وقصد
(3/172)

مناظرته، فقال له أبو حامد: هذا شيء تركناه بصبية بالعراق، يعني: ترك المغالبة بالعلم والمفاخرة فيه لصبية - جميع صبي - كأنه شبه من يطلب هذا بالصبيان لغلبة الهوى عليهم، نسأل الله التوفيق لصالح الأعمال وحسن الخاتمة عند منتهى الآجال.
؟ سنة إحدى وعشرين وخمس مائة
فيها أقبل السلطان محمود بن محمد ابن ملك شاه في جيشه محارباً للمسترشد بالله، فتحول أهل بغداد كلهم إلى الجانب الغربي، ونزل محمود والعسكر بالجانب الشرقي، وتراموا بالنشاب، وترددت الرسل في الصلح، فلم يفعل الخليفة، فنهبت دار الخلافة، فغضب الخليفة، وخرج من المخيم. والوزير ابن صدقة بين يديه - فقدموا السفن في دفعة واحدة، وعبر عسكر الخليفة، وألبسوا الملاحين السلاح، وسبح العيارون وصاح المسترشد: يا لبني هاشم، فتحركت النفوس معه، هذا وعسكر السلطان مشغولون بالنهب، فلما رأوا الجد ولوا الأدبار، وعمل فيهم السيف، وأسر منهم خلق، وقتل جماعة أمراء، ودخل الخليفة إلى داره، وكان معه يومئذ قريب من ثلاثين ألف مقاتل، ثم وقع الصلح. وفيها ورد الخبر بأن سنجر صاحب خراسان قتل من الباطنية اثني عثر ألفاً، ومرض السلطان محمود، وتعلل بعد الصلح، فرحل إلى همدان، وولي بغداد الأمير عماد الدين زنكي، ثم صرف بعد أشهر، وفوض إليه الموصل، وسار إليها لموت متوليها. وفي السنة المذكورة توفي أبو السعادات أحمد بن أحمد بن عبد الواحد الهاشمي العباسي المتوكلي، شريف صالح خير. روى عن الخطيب وغيره، وعاش ثمانين سنة. ختم التراويح ليلة سبع وعشرين، ورجع إلى منزله فسقط من السطح فمات رحمه الله تعالى. وفيها توفي أبو الحسن بن الدينوري علي بن عبد الواحد، روى عن القزويني وأبي محمد الخلال، وهو أقدم شيخ لابن الجوزي، وأبو العز القلانسي محمد بن الحسين بن بندار الواسطي مقرىء العراق وصاحب التصانيف في القراءات. وفيهما توفي عبد الله بن محمد المعروف بابن السيد البطليوسي النحوي، كان عالماً بالآداب واللغات، متبحراً فيهما ومقدماً في معرفتهما وإتقانهما، وكان الناس يجتمعون إليه ويقرؤون عليه، ويقتبسون منه، وكان حسن التعليم جيد التفهيم، ثقة ضابطاً، ألف كتباً نافعة، منها كتاب المثلث فى مجلدين، أتى فيه بالعجائب، ودل على اطلاع عظيم، فإن
(3/173)

مثلث قطرب في كراسة واحدة، قالوا: ومع هذا استعمل فيه الضرورة وما لا يجوز، وغلط في بعض ذلك، وله كتاب: الاقتضاب في شرح أدب الكتا، وشرح سقط الزند لأبي العلاء المعري شرحاً استوفى فيه المقاصد، وهو أجود من شرح أبي العلاء، وله كتاب الخلل في شرح أبيات الجمل والخلل في أغاليط الجمل أيضا وكتاب شرح الموطأ، قيل وشرح ديوان المتنبي وكتباً أخرى، وله نظم حسن، فمن ذلك قوله:
أخو العلم حي خالد بعد موته ... وأوصاله تحت التراب رميم
وذو الجهل ميت وهو ماش على الثرى ... يظن من الأحياء وهو عديم

سنة اثنتين وعشرين وخمس مائة
في أولها تملك حلب عماد الدين زنكي. وفيها سار السلطان محمود إلى خدمة عمه سنجر، فانطلق له دبيس بن صدقة وقال: اعزل زنكي عن الموصل والشام، وأولي دبيساً، واسأل الخليفة أن يصفح عنه، فأخذه ورجع. وفيها توفي الحافظ أبو محمد عبد الله بن أحمد الأشبيلي، كان حافظاً للحديث وعلله، عارفاً برجاله وبالجرح والتعديل، ثقة، كتب الكثير، واختص بأبي علي الغساني، وله تصانيف في الرجال. وابن صدقة الوزير أبو علي الحسن وزير المسترشد، كان ذا حزم وعقل ودهاء ورأي وأدب وفضل.

سنة ثلاث وعشرين وخمس مائة
فيها أصلح زنكي نفسه بأن يحمل للسلطان في السنة مائة ألف دينار وخيلاً وثياباً وافرة. وفي رمضان منها هجم دبيس على نواحي بغداد وعلى الحلة، وبعث الى المسترشد يقول: إن رضيت عني رددت أضعاف ما ذهب به من الأموال، فقصده عسكر محمود، فدخل البرية بعد أن أخذ من العراق نحو خمس مائة ألف دينار.
(3/174)

وفيها أخد زنكي حماة، ثم نازل حمص وأسر صاحبها، وأخذه معه لما لم يقدرعلى أخذها، ورد إلى الموصل. وفيها قتل بدمشق نحو ستة آلاف ممن كان يرمى بعقيدة الإسماعيلي، وكان قد دخل الشام بهرام الأستراباذي، وأضل خلقاً كثيراً، وأقام داعياً بدمشق، فكثر أتباعه، وملك عدة حصون بالشام، ثم راسل الفرنج ليسلم إليهم دمشق - فيما قيل - ويعوضوه بصور، وقرر، الباطنية بدمشق أن يغلقوا أبواب الجامع - والناس في الصلاة - ووعد الفرنج أن يهجموا البلد حينئذ، فقتله بوري بن طغتكين - بالطاء المهملة والغين المعجمة والكاف بين المثناة من فوق ومن تحت ثم النون - وعلق رأسه على القلعة، ووضع السيف في الباطنية الإسماعيلية بدمشق في نصف رمضان يوم الجمعة، وسلم بهرام بانياس للفرنج، وجاءت الفرنج فنازلت دمشق، ثم تناجى عسكر دمشق والعرب والتركمان، فبيتوا للفرنج، فقتلوا وأسروا. وفيها توفي أبو الحسن عبد الله بن محمد ابن الإمام أبي بكر البيهقي. سمع الكتب من جده ومن الصابوني وجماعة. وفيها توفي أبو الفضل جعفر بن عبد الواحد الثقفي الأصفهاني الرئيس. وفيها توفي الفقيه العلامة أحد الأئمة الكبار يوسف بن عبد العزيز، نزيل الإسكندرية، أحكم الأصول والفروع، وروى الصحيحين، وله التعليقة الكبرى في الخلاف.

سنة اربع وعثسرين وخمس مائة
فيها التقى زنكي الفرنج بناحية حلب، وثبت الجمعان، ثم ولت الفرنج، فوضع السيف فيهم، وافتتح زنكي حصن الأثارب، فنازل حصن كادم. وفيها أخذ السلطان محمود قلعة الألموت.
(3/175)

وفيها ظهرت ببغداد عقارب طيارة قتلت جماعة أطفال. وفيها توفي أبو إسحاق ابراهيم بن يحيى الكلبي الغزي المشهور، شاعر محسن، ذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق، وسمع من الشيخ نصر المقدسي سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، رحل إلى بغداد وأقام بالمدرسة النظامية عدة سنين، ومدح ورثى غيرواحد من المدرسين بها وغيرهم، ثم رحل إلى خراسان وامتدح بها جماعة من رؤسائها، وانتشر شعره هناك، وذكر له عدة مقاطع من الشعر، وأثنى عليه. انتهى كلام الحافظ. قال ابن خلكان: وله ديوان شعر اختاره بنفسه، وذكر في خطبته أنه ألف بيت، وذكره العماد الكاتب في الخريدة، وأثنى عليه، وقال: إنه جاب البلاد وتغرب، وتغلغل في أقطار خراسان وكرمان، ومدح وزير كرمان مكرم بن العلاء في قصيدته البائية التي أبدع فيها. منها قوله:
حملنا من الأيام ما لا نطيقه ... كما حمل العظم الكثير العصائبا
ومنها في قصر الليل. وهي معنى لطيف:
وليل رجونا أن يدب عذاره ... فما اختط حتى صار بالفجر شائبا
ومن شعره قوله:
قالوا هجرت السفر، قلت: ضرورة ... وباب الدواعي والبواعث مغلق
خلت الديار فلا كريم يرتجى ... منه النوال ولا مليح بعشق
ومما يستملحه الأدباء ويستظرفونه قوله:
إشارة منك كفينا وأحسنها ... رد السلام غداة البين بالعنم
أم ترانا وقد ضمت يد ليد ... عند العناق وقد لاقى فم لفم
حتى إذا طرح عنها المرط من دهش ... فانحل بالضم سلك العقد في النظم
تبسمت فأضاءالليل فالتقطت ... حباب منتشرفي ضوء منتظم
(3/176)

قيل: والبيت الأخير منها ينظر إلى قول الشريف الرضي من جملة قصيدته:
وبات بارق ذاك الثغر يوضح لي ... مواقع اللثم في داج من الظلم
وولد الغزي المذكور بغزة، وبها قبر هاشم جد النبي صلى الله عليه وسلم - وتوفي بين مرو وبلخ من بلاد خراسان، ودفن ببلخ. وأما كون هاشم قبره بغزة فذكر عبد الملك بن هشام أن أول من سن الرحلتين لقريش: رحلة الشتاء والصيف: هاشم بن عبد مناف جد النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ثم هلك هاشم بغزة من أرض الشام تاجراً، فقال مطرود بن كعب الخزاعي يبكيه:
وهاشم في ضريح وسط بلقعة ... تسقى الرياح عليه بين غزات
قال أهل العلم باللغة: إنما قال غزات: وهي غزة واحدة كأنه سمى كل ناحية منها باسم البلدة، وجمعها على غزات، فصارت من ذلك الوقت تعرف بغزة هاشم لأن قبره بها، لكنه غير طاهر لا يعرف، وإلى ذلك أشار أبو نواس الشاعر المشهور لما توجه إلى مصر ليمدح ابن عبد الحميد صاحب ديوان الخراج، ذكر المنازل في طريقه فقال:
طوالب بالركبان غزة هاشم ... وبالفرما من حاجهن شقور
والفرما بفتح الفاء والراء المدينة العظمى التي كانت كرسي الديار المصرية في زمن ابراهيم الخليل - صلى الله عليه وسلم - ومن بعض قراها: هاجر أم اسماعيل - صلى الله عليه وسلم - من قرية تسمى أم العرب، ومن الاتفاق الغريب أن اسماعيل أبو العرب، وأمه من أم العرب، والشقور بضم الشين المعجمة والقاف: بمعنى الأمور المهمة اللاصقة بالقلب. وفيها توفي الاخشيد اسماعيل بن الفضل الأصبهاني. وابن الغزال أبو محمد عبد الله بن محمد المصري المجاور، شيخ صالح مقرىء. وفيها توفيت أم ابراهيم فاطمة بنت عبد الله بن أحمد الأصبهانية - رحمها الله -. وفيها توفي الفقيه الحافظ الظاهري نزيل بغداد أبو عامر العبدري محمد بن سعدون. قال ابن عساكر: كان فقيهاً على مذهب داود، وكان أحفظ شيخ لقيته، قال القاضي أبو بكر ابن العربي: هو أثبت من لقيته، وقال ابن ناصر: كان فهماً عالماً متعففاً مع فقر، وقال السلفي: كان من أعيان علماء الإسلام، متصرفاً في فنون كثيرة، وقال ابن عساكر: بلغني أنه قال: أهل البدع يحتجون بقوله تعالى " ليس كمثله شيء " - الشورى 11 -، أي في الإلهية لا
(3/177)

في الصورة، لم يحتج بقوله تعالى " لستن كأحد من النساء أن اتقيتن " - الأحزاب 32 -، أي في الحرمة. وفيها توفي محمد بن عبد الله بن تومرت - بضم المثناة من فوق وفتح الميم وسكون الراء والمثناة في آخره المصمودي البربري الهرغي، بفتح الهاء وسكون الراء بعدها غين معجمة، نسبة إلى هرغة: وهي قبيلة كبيرة من المصامدة في جبل السوس في أقصى المغرب، ينتسب إلى الحسن بن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنهما - الملقب بالمهدي، رحل إلى المشرق، ولقي الإمام أبا حامد الغزالي وطائفة، وحصل فنوناً من العلم والأصول والكلام والحديث، وحج وأقام بمكة مدة مديدة، وكان رجلاً ورعاً ساكناً ناسكاً زاهداً متقشفاً، شجاعاً جلداً عاقلاً، عميق الفكر بعيد الغور، فصيحاً، مهيباً لذاته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد صاحب دعوة عبد المؤمن بن علي بالمغرب، نشأ هناك ثم رحل إلى المشرق في شيعته طالباً للعلم، فانتهى إلى العراق، وكان كثيراً ظرافاً بساماً في وجوه الناس، مقبلاً على العبادة، لا يصحبه من متاع الدنيا إلا عصا وركو، وكان متحملاً للأذى من الناس، وناله بمكة شيء من المكروه، فخرج منها إلى مصر، وبالغ في الإنكار، فزادوا في أذاه، وطردته الدولة - وكان إذا خاف من البطش وإيقاع الفعل به خلط في كلامه فينسب إلى الجنون - فخرج من مصر إلى الاسكندرية، وركب البحر متوجهاً إلى بلاده، وكان قد رأى في منامه وهو في بلاد الشرق كأنه شرب ماء البحر جميعه كرتين، فلما ركب في السفينة شرع في تغيير المنكر جميعه على أهل السفينة، وألزمهم إقامة الصلاة وقراءة الأحزاب من القرآن، ولم يزل على ذلك حتى انتهى إلى المهدية - إحدى مدن إفريقية - وكان ملكها يومئذ الأمير يحيى بن تميم بن المعز الصبهاجي، وذلك في سنة خمس وخمس مائة على ما ذكر في تاريخ القيروان. وذكر غيره أنه اجتاز في رجوعه من العراق بإفريقية أيام ولاية الأمير تميم والد يحيى المذكور والله أعلم بالصواب. ولما وصل إلى المهدية نزل في مسجد مغلق وهو على الطريق، وجلس في طاق شارع إلى المحجة ينظر إلى المارة، فلا يرى منكراً من عادة الملاهي أو أواني الخمور، إلا نزل إليها وكسرها، وتسامع الناس به في البلاد، فجأووا إليه، وقرؤوا عليه كتباً من أصول الدين، وبلغ خبره الأمير، فاستدعاه مع جماعة من الفقهاء.
فلما رأى سمته، وسمع كلامه أكرمه، وأجله وسأله الدعاء، فقال له: أصلحك الله
(3/178)

تعالى لرعيتك، ولم يقم بعد ذلك في المهدية إلا أياماً يسيرة، ثم انتقل إلى بجاي، وأقام بها مدة وهو على حاله في الإنكار، فأخرج منها إلى بعض قراها، واسمها ملال، فوجد بها عبد المؤمن بن علي القيسي. وذكروا في بعض تواريخ المغرب عن سيرة ملوكه أن محمد بن تومرت كان قد اطلع من علوم أهل البيت على كتاب يسمى الجف: بفتح الجيم وسكون الفاء وفي آخره راء - وسيأتي إيضاح الجفر المذكور إن شاء الله تعالى في سنة ثمان وخمسين - وانه رأى فيه صفة رجل يظهر بالمغرب الأقصى بمكان يسمى السوس من ذرية الرسول - صلى الله عليه وسلم - يدعو إلى الله عز وجل، يكون مقامه ومدفنه بموضع من المغرب يسمى بترمذ - وسيأتي ضبط حروفه بعد إن شاء الله تعالى - ورأى فيه أيضاً أن استقامة ذلك الأمر واستيلاءه وتمكنه يكون على يد رجل من أصحابه، هجاء اسمه ع ب د م وم ن، وتجاوز وقته المائة الخامسة للهجرة، فأوقع الله في نفسه أنه القائم بأول الأمر، وأن أوانه قد أزف، فما كان يمر بموضع إلا سأل عنه، ولا يرى أحداً إلا أخذ اسمه وتفقد حليته - وكانت حلية عبد المؤمن معه - فبينا هو في الطريق، إذ رأى شاباً قد بلغ أشده على الصفة التي منه، فقال له وقد تجاوزه: ما اسمك يا شاب؟ فقال: عبد المؤمن، فرجع إليه وقال: الله أكبر، أنت بغيتي، فنظر في حليته، فوافقت ما عنده، فقال له: ممن أنت؟ فقال: من كومية - بضم الكاف وسكون الواو وكسر الميم وفتح المثناة من تحت - قبيلة، فقال: أين مقصدك؟ فقال: الشرق، فقال: ما تبغي من الشرق؟ قال: أطلب علماً، قال: فقد وجدت علماً وشرفاً وذكراً، اصحبني تنله، فوافقه على ذلك، فألقى محمد إليه أمره، وأودعه سره. وكان محمد قد صحب رجلاً يسمى عبد الله الونشريشي بالنون بعد الواو ثم الشين المعجمة مكررة قبل الراء والمثناة من تحت وبعدهما - ففاوضه فيما عزم عليه من القيام فوافقه على ذلك أتم الموافقة. وكان الونشريشي ممن تهذب وقرأ فقهاً، وكان جميلاً فصيحاً في لغة العرب وأهل المغوب، فتحدثاً يوماً في كيفية الوصول إلى الأمر المطلوب، فقال محمد لعبد الله: أترى أن تستر ما أنت عليه من العلم والفصاحة عن الناس، وتظهر من العجز واللكن والحصر والتعري عن الفضائل ما تشتهر به عند الناس، ليتخذ الخروج واكتساب العلم دفعة واحدة، ليقوم لك ذلك مقام المعجزة عند حاجتنا إليه، فتصدق فيما تقوله. ففعل عبد الله ذلك.
(3/179)

ثم ان محمداً استدعى أشخاصاً من أهل المغرب أجلاداً في القوى الجسمانية أغماراً، وكان أميل إلى الأغمار من أولي الفطن والاستبصار، فاجتمع له منهم ستة سوى الونشريشي، ثم إنه رحل إلى أقصى المغرب، واجتمع بعبد المؤمن بعد ذلك، وتوجهوا جميعاً إلى مراكش - وسلطانها يومئذ علي بن يوسف بن سفيان وكان ملكاً عظيماً حليماً ورعاً عادلاً متواضعاً، وكان بحضرته رجل يقال له ملك بن وهيب الأندلسي - وكان عالماً صالحاً، وشرع محمد في الإنكار على جاري عادته، حتى أنكر على ابنه الملك - وله في ذلك قصة يطول شرحها فبلغ خبره الملك، وأنه يحدث في تغير الدولة فتحدث ملك بن وهيب في أمره وقال: تخاف من فتح باب يعسر علينا سده، والرأي أن تحضر هذا الشخص وأصحابه ليسمع كلامهم بحضور جماعة من علماء البلد، أجاب الملك، إلى ذلك - وكان محمد وأصحابه مقيمين في مسجد خراب خارج البلد - وطلبوهم، فلما ضمهم المجلس قال الملك لعلماء بلده: سلوا هذا الرجل ما يبغي منا، فانتدب له قاضي المرورية واسمه محمد بن اسود - فقال: ما هذا الذي يذكر عنك من الأقوال في حق الملك العادل الحليم المنقاد إلى الحق، المؤثر طاعة الله - عز وجل - على هواه؟ فقال محمد: أما ما نقل عني فقد قلته، ولي من ورائه أقوال، وأما قولك إنه يؤثر طاعة الله عز وجل على هواه، وينقاد إلى الحق فقد ظهر صحة اعتبار هذا القول عنه، لتعلم، بتعريته عن هذه الصفة أنه مغرور بما يقولون له، وتطرونه به مع علمكم أن الحجة عليه متوجهة - فهل بلغك يا قاضي أن الخمر تباع جهاراً، وأن الخنازير تمشي بين المسلمين، وتؤخذ أموال اليتامى؟ - وعد من ذلك شيئاً كثيراً. فلما سمع الملك كلامه ذزفت عيناه، وأطرق حياء، ففهم الحاضرون من فحوى كلامه أنه طامع في المملكة لنفسه. ولما رأوا سكوت الملك وانخداعه، لم يتكلم أحد منهم، فقال ملك بن وهيب - وكان
كثير الاجتراء على الملك: - أيها الملك؛ إن عندي لنصيحة، إن قبلتها حمدت عاقبتها، وإن تركتها لم تأمن غائلتها، فقال الملك: ما هي؟ قال: إني خائف عليك من هذا الرجل، وأرى أنك تعتقله وأصحابه، وتنفق عليهم كل يوم ديناراً لتكفي شره، وإن لم تفعل ذلك لينفق عليك خزائنك كلها، ثم لا ينفعك ذلك. فوافقه الملك، فقال وزيره: يقبح بك أن تبكي من موعظة هذا الرجل، ثم تسيء إليه في مجلس واحد، وأن يظهر منك الخوف منه - مع عظم ملكك - وهو رجل فقير لا يملك سد جوعه!!، فلما سمع الملك كلامه أخذته عزة النفس، واستهون أمره، وصرفه، وسأله الدعاء. وحكى صاحب كتاب المغرب أنه لما خرج من عند الملك لم يزل وجهه تلقاء وجهه إلى أن فارقه، فقيل له: نراك تأدبت مع الملك؟! فقال: أردت أن لا يفارق وجهي الباطل ما استطعت حتى أغيره. فلما خرج محمد وأصحابه من عند الملك قال لهم: لا مقام لنا مع وجود ملك بن وهيب، فما نأمن أن يغادر الملك في أمرنا، فينا لنا منه مكروه، وإن لنا بمدينة أغمات أخاً في الله، فنقصد المرور به، فلم نعدم منه رأياً وإيماء صالحاً واسم هذا الشخص عبد الحق بن ابراهيم من فقهاء المصامدة - فخرجوا إليه ونزلوا عليه، وأخبره محمد خبرهم، وأطلعه على مقصدهم، وما جرى لهم عند الملك، فقال عبد الحق: هذا الموضع لا يحميكم، وإن أحصن هذه المواضع المجاورة لهذا البلد تينمل بكسر المثناة من فوق وسكون المثناة من تحت وبعدها نون ثم ميم مفتوحة ولام مشددة - في المكان الفلاني، وبيننا وبين ذلك مسافة يوم في هذا الجبل، فانقطعوا فيه برهة ريثما ينسى ذكركم. فلما سمع محمد بهذا الاسم تجدد له ذكر اسم الموضع الذي رآه في كتاب الجفر، فقصده مع أصحابه، فلما أتوه رآهم أهله على تلك الصورة، فعلموا أنهم طلاب العلم، فقاموا إليهم، وأكرموهم، وتلقوهم بالترحاب، وأكرموهم في أكرم منازلهم. وسأل الملك عنهم بعد خروجهم من مجلسه، فقيل له: إنهم سافروا، فسره ذلك وقال: تخلصنا من الإثم بحسبهم. ثم إن أهل الجبل تسامعوا بوصول محمد إليهم - وكان قد سار فيهم ذكره فجاؤوه - من كل فج عميق، وتبركوا بزيارته، وكان كل من أتاه استدناه، وعرض عليه ما في نفسه من الخروج على الملك، فإن أجابه أضافه إلى خواصه، وإن خالقه أعرض عنه، وكان يستميل الأحداث وذوي الغباوة، وكان ذو الحلم والعقل من أهاليهم يهنونهم ويحذرونهم من إتباعه، ويخوفونهم من سطوة الملك، فكان لا يتم له مع ذلك حال. وطالت المدة، وخاف محمد من مفاجأة الأجل قبل بلوغ الأمل، وخشي أن يطرأ علىير الاجتراء على الملك: - أيها الملك؛ إن عندي لنصيحة، إن قبلتها حمدت عاقبتها، وإن تركتها لم تأمن غائلتها، فقال الملك: ما هي؟ قال: إني خائف عليك من هذا الرجل، وأرى أنك تعتقله وأصحابه، وتنفق عليهم كل يوم ديناراً لتكفي شره، وإن لم تفعل ذلك لينفق عليك خزائنك كلها، ثم لا ينفعك ذلك. فوافقه الملك، فقال وزيره: يقبح بك أن تبكي من
(3/180)

موعظة هذا الرجل، ثم تسيء إليه في مجلس واحد، وأن يظهر منك الخوف منه - مع عظم ملكك - وهو رجل فقير لا يملك سد جوعه!!، فلما سمع الملك كلامه أخذته عزة النفس، واستهون أمره، وصرفه، وسأله الدعاء. وحكى صاحب كتاب المغرب أنه لما خرج من عند الملك لم يزل وجهه تلقاء وجهه إلى أن فارقه، فقيل له: نراك تأدبت مع الملك؟! فقال: أردت أن لا يفارق وجهي الباطل ما استطعت حتى أغيره. فلما خرج محمد وأصحابه من عند الملك قال لهم: لا مقام لنا مع وجود ملك بن وهيب، فما نأمن أن يغادر الملك في أمرنا، فينا لنا منه مكروه، وإن لنا بمدينة أغمات أخاً في الله، فنقصد المرور به، فلم نعدم منه رأياً وإيماء صالحاً واسم هذا الشخص عبد الحق بن ابراهيم من فقهاء المصامدة - فخرجوا إليه ونزلوا عليه، وأخبره محمد خبرهم، وأطلعه على مقصدهم، وما جرى لهم عند الملك، فقال عبد الحق: هذا الموضع لا يحميكم، وإن أحصن هذه المواضع المجاورة لهذا البلد تينمل بكسر المثناة من فوق وسكون المثناة من تحت وبعدها نون ثم ميم مفتوحة ولام مشددة - في المكان الفلاني، وبيننا وبين ذلك مسافة يوم في هذا الجبل، فانقطعوا فيه برهة ريثما ينسى ذكركم. فلما سمع محمد بهذا الاسم تجدد له ذكر اسم الموضع الذي رآه في كتاب الجفر، فقصده مع أصحابه، فلما أتوه رآهم أهله على تلك الصورة، فعلموا أنهم طلاب العلم، فقاموا إليهم، وأكرموهم، وتلقوهم بالترحاب، وأكرموهم في أكرم منازلهم. وسأل الملك عنهم بعد خروجهم من مجلسه، فقيل له: إنهم سافروا، فسره ذلك وقال: تخلصنا من الإثم بحسبهم. ثم إن أهل الجبل تسامعوا بوصول محمد إليهم - وكان قد سار فيهم ذكره فجاؤوه - من كل فج عميق، وتبركوا بزيارته، وكان كل من أتاه استدناه، وعرض عليه ما في نفسه من الخروج على الملك، فإن أجابه أضافه إلى خواصه، وإن خالقه أعرض عنه، وكان يستميل الأحداث وذوي الغباوة، وكان ذو الحلم والعقل من أهاليهم يهنونهم ويحذرونهم من
(3/181)

إتباعه، ويخوفونهم من سطوة الملك، فكان لا يتم له مع ذلك حال. وطالت المدة، وخاف محمد من مفاجأة الأجل قبل بلوغ الأمل، وخشي أن يطرأ على
أهل الجبل من جهة الملك ما يحوجهم إلى تسليمه إليهم والتخلي عنه، فشرع في إعمال الحيلة فيما يشاركونه فيه ليبغضوا على الملك بسببه، فرأى بعض أولاد القوم شقراً زرقاً، وألوان آبائهم السمرة والكحل، فسألهم عن سبب ذلك فلم يجيبوه، فألزمهم الإجابة فقالوا: نحن من رعية هذا الملك، وله علينا خرإج في كل سنة، يصعد مماليكه إلينا، وينزلون في بيوتنا، ويخرجوننا عنها، ويستحلون من فيها من النسوان، فيأتي الأولاد على هذه الصفة، وما لنا قدرة على دفع ذلك عنا. قال محمد: والله إن الموت خير من هذه الحياة، وكيف رضيتم بهذا - وأنتم أضرب خلق الله بالسيف، وأطعنهم بالحربة؟! - فقالوا: بالرغم لا بالرضى. فقال: أرأيتم لو أن ناصراً نصركم على أعدائكم، ما كنتم تصنعون؟ قالوا كنا نقدم أنفسنا بين يديه بالموت، قالوا: ومن هو؟ قال: ضيفكم. يعني: نفسه، فقالوا: السمع والطاعة. وكانوا يغالون في تعظيمه، فأخذ عليهم العهود والمواثيق، واطمأن قلبه. ثم قال لهم: استعدوا لحضور هؤلاء بالسلاح، فإذا جاءكم فأجروهم على عوائدهم، وخلوا بينهم وبين النساء، وميلوا عليهم بالخمور، فإذا سكروا فاذنوني بهم. فلما حضر المماليك، وفعل معهم أهل الجبل ما أشار به - وكان ليلاً - أعلموه بذلك، فأمر بقتلهم بأسرهم، فلم يمض من الليل سوى ساعة حتى أتوا على آخرهم، ولم يفلت منهم سوى مملوك واحد كان خارج المنازل لحاجة، وسمع النكبة عليهم والوقع بهم، فهرب من غير الطريق حتى خلص من الجبل، ولحق بمراكش، وأخبر الملك بما جرى، فندم الملك على فوات محمد من يده، وعلم أن الحزم كان مع ملك بن وهيب بما أشار به، فجهز من وقته خيلاً بمقدار ما يسع ذلك الوادي، فإنه ضيق المسلك، وعلم محمد أنه لا بد من عسكر يخرج إليهم، فأمر أهل الجبل بالقعود على أبواب الوادي، وراصده، واستنجد لهم بعض المجاورين، فلما وصلت الخيل إليهم أقبلت عليهم الحجارة من جانب الوادي مثل المطر - وكان ذلك من أول النهار إلى آخره - وحال بينهم الليل، ورجع العسكر إلى الملك فأخبروه بما نزل بهم، فعلم أنه لا طاقة له بأهل الجبل لتحصنهم، فأعرض عنهم، وتحقق محمد ذلك منه، وصفا له مودة أهل الجبل، فعند ذلك استدعى الونشريشي المذكور وقال له: هذا أوان إظهار فضائلك دفعة واحدة لتقوم المعجزة، لتستميل بك قلوب من لا يدخل في الطاعة. ثم اتفقا على أنه يصلي الصبح، ويقول بلسان فصيح بعد استعمال العجمة واللكنة في
(3/182)

تلك المدة: - إني رأيت البارحة في منامي: وقد نزل ملكان من السماء، وشقا فؤادي، وغلاه وحشياه علماً وحكمة وقرآناً، فلما أصبح قال ذلك - وهو فصل يطول شرحه - فاتفق أنه انقاد له كل صعب القياد، وعجبوا من حاله وحفظه القرآن في النوم، فقال له محمد: فعجل لنا بالبشرى في أنفسنا، وعرفنا: أسعداء نحن أم أشقياء؟ فقال له: أما أنت؛ فإنك المهدي القائم بأمر الله، ومن معك سعد، ومن خالفك هلك، ثم قال: أعرض أصحابك علي حتى أميز أهل الجنة من أهل النار، وعمل في ذلك حيلة قتل بها من خالف أمر محمد، وأبقى من أطاعه - وشرح ذلك يطول - وكان غرضه أن لا يبقى في الجبل مخالف لمحمد. فلما قتل من قتل علم محمد أن في الباقين من له أهل وأقارب قتلوا، وأنهم لا تطيب قلوبهم بذلك، فجمعهم وبشرهم بانتقال ملك مراكش إليهم، واغتنامهم أموالهم، فسرهم ذلك، وسلاهم عن أهلهم. وبالجملة فإن تفصيل هذه الواقعة طويل، وخلاصة الأمر أن محمداً لم يزل حتى جهز جيشاً عدد رجآله عشرة آلاف - ما بين فارس وراجل - وفيهم عبد المؤمن والونشريشي وأصحابه كلهم، وأقام هو بالجبل، فنزل القوم لحصار مراكش، وأقاموا عليها شهراً ثم كسروا كسرة شنيعة، وهرب من سلم من القتل، وكان فيمن سلم عبد المؤمن، وقتل الونثسريشي، وبلغ محمداً الخبر - وهو بالجبل - وحضرته الوفاة قبل عود أصحابه إليه، فأوصى من حضر أن يبلغ ألفائبين أن النصر بهم وألفاقبة حميدة، فلا يضجروا، وليعتادوا القتال، وأن الله سيفتح على أيديهم - والحرب سجال - وإنكم ستقومون ويضعفون، وسيفتح لكم وتكثرون ويقفون، وأنتم في مبدأ أمروهم في آخره - ومثل هذه الوصايا وأشباهها، وهي وصية طويلة. ثم إنه توفي رحمة الله تعالى في السنة المذكورة، ودفن في الجبل، وقبره هناك مشهور يزار. وكانت ولادته يوم عاشوراء سنة خمس وثمانين وأربع مائة، وأول دعأنه إلى هذا الأمر سنة أربع عشرة وخمس مائة، وكان رجلاً ربعة
قصيراً أسمر عظيم آلهامة حاد النظر. قال صاحب كتاب المغرب في أخبار أهل المغرب في حقه: آثاره تنبئك عن أخباره، وحتى كأنك بألفا قدم في الثرى وهذة في الثريا، ونفس ترى إراقة ماء الحياة دون ماء المحيا. وكان قوته - من غزل أخت له - رغيفاً في كل يوم بقليل سمن أو زيت، ولم ينتقل عن هذا حين كثرت عليه الدنيا، ورأى أصحابه يوماً - وقد مالت نفوسهم إلى كثرة ما غنموه - فأمر بضم جميعه، فأحرقه وقال: من كان يبتغي الدنيا فما له عندي إلا ما رأى، ومن يبتغي الآخرة فجزاؤه على الله تعالى، وكان على خمول زيه وبسط وجهه مهيباً، منيع الحجاب إلا عند مظلمة، وله رجل مخص بخدمته والإذن عليه، وكان له شعر ومن ذلك: قصيراً أسمر عظيم آلهامة حاد النظر. قال صاحب كتاب المغرب في أخبار أهل المغرب في حقه: آثاره تنبئك عن أخباره، وحتى كأنك بألفا قدم في الثرى وهذة في الثريا، ونفس ترى إراقة ماء الحياة دون ماء المحيا. وكان قوته - من غزل أخت له - رغيفاً في كل يوم بقليل سمن أو زيت، ولم ينتقل عن
(3/183)

هذا حين كثرت عليه الدنيا، ورأى أصحابه يوماً - وقد مالت نفوسهم إلى كثرة ما غنموه - فأمر بضم جميعه، فأحرقه وقال: من كان يبتغي الدنيا فما له عندي إلا ما رأى، ومن يبتغي الآخرة فجزاؤه على الله تعالى، وكان على خمول زيه وبسط وجهه مهيباً، منيع الحجاب إلا عند مظلمة، وله رجل مخص بخدمته والإذن عليه، وكان له شعر ومن ذلك:
أخذت بأعضادهم إذ نأوا ... وخلفك القوم اذ ودعوا
فكم أنت تنهي ولا تنتهي ... وتسمع وعظاً ولا تسمع
فيا حجر الشجر حتى متى ... تسد الحديد ولا تقطع
وكان كثيراً ما ينشد:
تجرد من الدنيا فإنك إنما ... خرجت إلى الدنيا وأنت مجرد
ولم يفتتح شيئاً من البلاد، وإنما قرر القواعد ومهدها ورتبها، وكانت الفتوحات على يد عبد المؤمن كما سيأتي في ترجمته - أن أول ما أخذ تلمسان ثم فاس ثم سلا ثم سبتة ثم مراكش، واستوثق له الأمر، وامتد ملكه إلى المغرب الأقصى والأدنى وبلاد إفريقية وكثير من بلاد الأندلس. ومما ذكر بعض المؤرخين أنه ادعى الإمامة وأنه معصوم، قال: وكان على طريقة مثلى لا تنكر معه العظمة، وقيل: كان حاذقاً في ضرب إلىمل، وقيل: اتفق لعبد المؤمن أنه كان قد رأى أنه جمل في صحفة مع ابن تاشفين، ثم اختطف الصحفة منه، فقال له المعبر هذه إلىؤيا: لا ينبغي أن تكون ذلك، بل هي لرجل يخرج على ابن تاشفين، ثم يغلب على الأمر. وذكر أنه بعدما انكسرت المصادمة انتصرت مرة أخرى، ثم استنجد أمرهم وأخذوا في شن ألفارات في بلاد ابن تاشفين، وكثر ألفاخلون في دعوتهم. وكان ابن تومرت لم يزل على لون واحد من الزهد والتقلل والعبادة وإقامة السنن والشعائر. قال: غير أنه أفسد بالدعاء - كونه المهدي - وبسرعته في الدعاء، وكان ربما كاشف أصحابه، ووعدهم بأمور فيوافق، وكان طويل الصمت حسن الخشوع والسمت رحمه الله تعالى.
(3/184)

وفيها توفي الآمر بأحكام الله أبو علي منصور بن المستعلي بالله العبيدي - صاحب مصر - كان مشتهراً بالظلم والفسق، امتدت دولته ثلاثين سنة. فلما تمكن وكبر قتل وزيره الأفضل، وأقام في الوزارة الشامون البطائحي، ثم صادره وقتله، ولما خرج إلى الجيزة في وقت كمن له قوم بالسلاح، فلما مر على الجسر نزلوا عليه بالسيوف، ولم يكن له عقب، فبايعوا بعده ابن عمه الحافظ عبد الحميد ابن الأمير محمد بن المستنصر. وفيها توفي أبو محمد بن الأكفاني هبة الله بن أحمد بن محمد الأنصاري الدمشقي الحافظ. وفيها توفيت فاطمة الجوزدانية بالجيم وبعد الواو زاي وذال معجمة وبين الألف وياء النسبة نون أم ابراهيم بنت عبد الله الأصبهانية، سمعت من ابن ريذة معجم الطبراني، وعاشت تسعاً وتسعين سنة.

سنة خمس وعشرين وخمس مائة
وفيها توفي الشيخ الكبير الولي الشهير ألفارف بالله، الخبير ذو الكرامات الكريمات والأحوال العظيمات والمقامات العلية والطريقة السنية أبو عبد الله حماد بن مسلم الدباس، كان أمياً، وفتح عليه بالمعارف والأسرار، وصار قدوة للمشايخ الكبار، وكبرت به الأصاغر، وهو الشيخ الذي خضعت له رقاب الشيوخ الأكابر محيي الدين أبي محمد عبد ألفادر الجيلاني - رضي الله تعالى عنهم، ونفعنا بهم آمين - ولكل واحد من الكرامات ما لا يسعه إلا مجلمات، وقد ذكرت شيئاً من ذلك في غير هذا الكتاب يدهش من سمعه من ذوي القلوب والألفاب، وكانت وفاة الشيخ المذكور ذي المناقب المشهورة في شهر رمضان من السنة المذكورة. وفيها توفي عن ثمان وثمانين سنة الولي الكبير الشهير الإمام النجيب النبيه المعروف بالشيخ محمد بن عبدويه: المشهور بالفضل والورع والاحسان المدفون في بلاد اليمن في جزيرة كمران - بفتح الحروف الثلاثة - تفقه على الشيخ الإمام أبي إسحاق الشيرازي في بغداد بكتابه المهذب ومسائل الخلاف وبكتبه في الأصول والجدل، ودخل اليمن بكتاب المهذب، وهو أول من دخل به اليمن - على ما بلغني - وسكن عدن مدة، ثم انتقل إلى زبيد - وملوكها الحبشة يومئذ - فدخلها مفضل بن أبي البركات بعسكر من العرب، وكان للشيخ
(3/185)

المذكور مال يتجر به، فانتهب مع جملة ما نهب من زبيد، قال الامام المعروف بابن سمرة في تاريخه: وأظن ذلك وقع في الوقعة الأولى سنة تسمع وتسعين وأربعمائة. ثم خرج ابن عبدويه المذكور فسكن في جزيرة كمران، قلت وبها توفي، وأنا ممن زار قبره هنالك. قال ابن سمرة: وكانت أهل التوحيد وأهل الجلالات - يأتون للسلام عليه، ويقبلون رأسه - وهو قاعد - وكان كثير الزهد والورع، متحرياً في المطعم، لا يأكل إلا الأرز من بلاد آلهند، وكان عبيده يسافرون إلى الحبشة وآلهند ومكة وعدن للتجارة، فأخلف الله تعالى عليه أموالاً، فكان ينفق على طلبة العلم منها، وكان ظاهر التقوى مؤألفا للمسلمين من كل أفق. وله تصنيف في أصول الفقه سماه الإرشاد، وكان له ولد عالم بعلم الكلام والأصول مع تنوير في الفقه يسمى عبد الله، تفقه بأبيه، ومات قبله في سنة ثلاث وعشرين وخمس مائة، ودفن في الجزيرة المذكورة، ودفن والده لما توفى إلى جنبه، وقبرهما هنالك بجنب المسجد يزاران، يزورهم الصالحون وغيرهم، ويتبرك بترابهما. قال ابن سمرة: وله ذرية فقراء في هذه الجزيرة إلى اليوم، وهم ذوو مروءة ودين، وذكر أنه حج من عدن في البحر مع الشيخ الكبير الولي الشهير: مدافع بن سعيد التميمي، ومروا بالجزيرة المذكورة في سنة أربع وسبعين وخمس مائة، فكنا نقصد القبرين، ونزورهما واردين وصادرين، ونتبرك بالمسجد والقبرين وآثار الفقيهين وآثار التدريس. وفي المسجد ختمة موقوفة، ذكر بعض ذرية الشيخ محمد أنه بخط جده محمد المذكور، هذا بعض كلام ابن سمرة في ذلك. قلت: وقد زرت المسجد والقبرين، فأدركت بعض ذرية الوليين المذكورين، وأضافوني خبزاً وتمراً وملما، وسمكاً يقال له الشيراز، وكان الشيخ في ذلك الزمان لمكان الشيخ أحمد الأسوم، من أهل الصلاح وممن أشار إليه بالسر والصلاح، وكان الشيخ ابن عبدويه المذكور معظماً عند الناس غزير العلم كريم النفس، ارتحل إليه خلائق من فقهاء اليمن من بلمان شتى لعلمه وجوده وإتقانه وفهمه، وأخذوا عنه العلم، وكتب للشيخ أبي إسحاق المهذب وغيره، والتاريخ قرأه بعضهم عليه في سنة تسع عشرة وخمس مائة، كان قد ابتلي بذهاب البصر، فقال عند ذلك مخاطباً لنفسه - رحمة الله عليه -:
وقالوا قد دها عينيك سوء ... فلو عالجته بالقدح زالا
فقلت إلىب مختبري بهذا ... فإن أصبر أنل منه الجلالا
وإن أجزع حرمت الأجر منه ... وكان حصيصتي منه الوبالا
وإني صابر راض شكور ... ولست مغيراً ما قد أنا لا
(3/186)

صنيع مليكنا حسن جميل ... وليس لصنعه شيء مثالاً
وربي غير متصف بحيف ... تعالى ربنا عن ذا تعالى
ولما توفي ولده المتقدم ذكره رثاه بعض فقهاء اليمن بقصيدة، قال في بعضها:
أمن بعد عبد الله نجل محمد ... يصون دموع العين من كان مسلما
وقد غاض بحر العلم مذ غاب شخصه ... ولكن بحر الوجد من بعده طمى
وفي السنة المذكورة توفي أبو العلاء - ابن عبد الملك الإيادي الإشبيلي طبيب الأندلس صاحب التصانيف، حدث عن أبي الغساني وجماعة، وله شعر رائق ورئاسة كبيرة. وفيها توفي الملقب بعين القضاة أبو المعالي عبد الله بن محمد آلهمداني الفقيه العلامة الأديب، وأحد من يضرب به المثل في الذكاء ألفارع النجيب، دخل فى مذهب التصوف، وأخذ في الكلام والإشارات الدقيقة وما لا يفهمه الخلق من أسرار الحقيقة مما نسب فيه إلى الكفيان فقتل به مصلوباً بهمذان. وفيها توفي السلطان مغيث الدين محمود ابن السلطان محمد بن ملكشاه السلجوقي، وكان قد خطب له ببغداد وغيرها، وله معرفة بالنحو والشعر والتاريخ، وكان شديد الميل إلى أهل العلم والخير - وتوفي بهمذان. وفيها توفي مسند العراق هبة الله بن حصين الشيباني البغدادي. وفيها توفي محمد بن عبد الملك بن زهير الإيادي الأندلسي الإشبيلي، من أهل بيت كلهم وزراء وعلماء ورؤساء وحكماء. قال الحافظ أبو الخطاب ابن دحية في كتابه المسمى المطرب من أشعار أهل المغرب، وكان شيخنا أبو بكر - يعني ابن زهير المذكور بمكان من اللغة مكين، ومورد من الطب معين، كان يحفظ شعر ذي إلىمة وهو ثلث لغة العرب، مع الإشراف على جميع أقوال أهل الطب والمنزلة العلما عند أصحاب المغرب، مع سمو النسب وكثرة الأموال والنشب، صحبته زماناً طويلاً، واستفدت منه أدباً جليلاً، ومن شعر ابن زهير المذكور وقد شاخ وغلب عليه الشيب:
إني نظرت إلى المرآة إذ جليت ... فأنكرت مقلماي كل ما رأنا
رأيت فيها شويخاً لست أعرفه ... وكنت أعهده من قبل ذاك فتى
فقلت: أين الذي بالأمس كان هنا ... متى ترحل عن هذا المكان متى؟
(3/187)

فاسضحكت ثم قالت وهي معجبة ... إن الذي أنكرته مقلماك أتى
كانت سليمى تنادي يا أخي وقد ... صارت سليمى تنادي اليوم يا أبتا
قلت وقد عارضت هذه الأبيات لما أنشدها بعض المغاربة بقصيدة تنيف على ثمانين بيتاً سميتها: الرياض في الوعظ والاتعاظ وفي بيان حدود الأسنان والعراض وهي هذه:
وناعم فاقد ألفا يذكرنا ... نجداً واحداً وسلما والصفا ومنى
ومن بها حل والعيش الذي انصرمت ... واللمالي التي فيها بلوغ منى
وسادة كانت الأيام زاهرة ... بالنور واليمن فيهم زينوا اليمنا
ما بين حلى سقي من غيث رحمته ربي ثرى من بها ثاو ومن عدنا
إن قلت في فضل سادات لنا سلفوا ... فقول حسان في الأسلاف قد حسنا
لكنني في مديحي قد عممت به ... شيوخ الإسلام لم أخصص أحبتنا
من كان في شرق أرض أو بمغربها ... والشام واليمن ألفاوي لمحتدنا
ومدح شيب أتت في الشرع مدحته ... معارضاً من له بالذم أفهمنا
يا من رأى منقبات الشيب منقصه ... لم تدر كم قيل في علماه حدثنا
وكم روى من إمام نور ذاك عدا ... وما به من وقار قد رووه لنا
كذلك الحق يستحيي تبارك من ... ذي شيبة كلها تروي أئمتنا
صغرته إذ شويخاً قلت مع خطأ ... التصغير أيضاً خطا واوبه قرنا
كبره واقصد به تعظيم حرمة من ... بالدين دانوا وزانوا بالحلي الزمنا
قل غيرنا وبه للنفس مدحتها ... فالله يعلم منك السر والعلنا
لما نظرت إلى المرآة قد جليت ... شاهدت في تلك شيخاً قد علاه سنا
فقلت من ذا وعهدي قبل ذاك فتى ... بالزهور يرفل في ثوب الشباب هنا
فقال منها لمان ألفال ذاك مضى ... في ليل جهل قبيل الصبح حين دنا
وذا بدا حين فجر العقل ضاء به ... نور الوقار مع الأحلام قد سكنا
وبين ذين بدت أعلام نور بها ... كهولة زانها وشي وحسن ثنا
وهكذا العمر دولات كفاكهة ... زهو وأرطابها قد أورثت شحنا
وبعد أرطابها تمر فضيلته ... مشهورة فيه قوت للفقير غنى
ففي الثلاثين للشبان منزلة ... فيها ثناها انتهى ما بعد ذاك بنا
في تلك عيش نفوس أخضر وبها ... نعيم دنيا عني قد شابه وضنا
تكدير صفو ومن بعد الحياة فنا ... فالحزن يتلو سروراً والبكاء عنا
منازل الشيخ من خمسين قبل بدت ... من أربعين وفيها الانتهاء فنا
(3/188)

وبعد ذاك رحيل نحو دار بقا ... فيها نعيم وسعد وشقا وعنا
حسب اكتساب لماعات ومعصية ... إليهما ألفابق المقدور قاد لنا
فضلاً وعدلاً، ومن شاء الكريم حبا ... عفواً وخير الذي عصيانه ودنا
منازل الكهل بين المنزلين ثوت ... للصاليحن بها عيش القلوب هنا
إلى نهايات غايات الحياة بها ... رياض فضل لأرباب القلوب مفا
وللجنان جنان الوصل مثمرة ... فكم فواكه فيها للنفوس من حنا
على مدى الدهر قد زادت زكاوتها ... لذاذة عند ذي ذوق وطيب جنا
من فاكهات فعال الصألفات جنوا ... وذو البطالات يجني الشوك مشبهنا
يا مشبهي يافعي في بطالته ... وضيعة العمر قولوا يا مصيبتنا
يا حسرتا بالنحاس الدون جوهرة ... النفيس بعنا، وما الدنيا له ثمنا
بل كل فيد من إنماس الحياة سما ... فضلاً على عيش دنيا معقباً فتنا
يا غبن من باع داراً بالفلوس إذا ... ما مفلس الدين جا بالدين مرتهنا
قد ضيع العمر لا علم ولا عمل ... مسوده أبيض والعظم القوي وهنا
هل بعدما ابيض زرع في منارعه ... إلا حصاد وهل في وقت ذاك ونا
حصد القضا بغتة تأتيه أمنية ... خف النوازل فالمغرور من أمنا
فكم صغير زروع حصد ذاك أتى ... فانهض بعزم وحزم عل ذاك دنا
شمر وعمر بحصن القلب حارسه ... ومن العدو الذي أمسى له وطنا
أين الجهاد وإكثار السهاد إذا ... لذ إلىقاد نفى عن طرفه الوسنا
وأين تأديب نفس في رياضتها ... بالجوع والصمت والسمت الذي حسنا
وبئس مثلي بثوب العجز مشتملاً ... نحو التكاسل قد مهر الجياد ثنا
يلقى علائقه أمست عوائقه ... عن كسب خير وفي القلب الونا وطنا
سلم الذنوب وداء من عيوب هوى ... قد صيرا كل من قد ثبط زمنا
يا بارد القلب يا خالي الفؤاد ومن ... ما هزه ذكر من في حاجز سكنا
ولا نسيم صبا نجد الغرام ولا ... نشر الحزام ولا من في النقا عطنا
ولا خيام لسلمى دون ذي سلم ... ولا العقيق ومن من رامتين دنا
ولا صفا عند جيران الصفا وهوى ... من في خيام زهت من دون خيف منا
من يشرب الحب لم ماء العذيب يذقومن زكا بالهوى ما شم طيب منا
ولا بكى عندما ناح الحمام ولا ... يرتاح إن لاح من برق الحجاز سنا
(3/189)

ولا لنعما ونعمان هواه ولا ... يشتاق في المنزل الأصلي إلىضا وطنا
ولا دنا من خيام في حمى وهوى ... نور الجمال الذي كم عاشق فتنا
مثلي بعيد وكل قد ألم به ... النذير لاه ومن سطواته أمنا
نذير هادم لذات الشبيب فتى ... مفيق لجماعات الصحاب دنا
ومسكت ذا فصاحات به شمت الأ ... عدا وسروا وأحباب بكوا حزنا
وقدموا لرحيل حان مركبه ... مطية إلىاحلين النعش والكفنا
وشيعوه إلى أن جاء منزله ... تحت الجنادل في بيت البلاد فنا
في ضيق للحد ترعى الدود آكلة ... خدين يا طألفا بالحسن قد فتنا
ومقلة حل فيها الحسن سائلة ... وطيب الريح أضحى جيفه نتنا
وبعد ذاك نشور وإلىحيل إلى ... دار الجزا فعذاب أو لماء منا
ما لا يبال ولا عين رأته ولا ... لوصفه جاء ذكر طارق أذنا
هذا مقالي تناهى في العراض وفي ... اعتذاري عن اللوم الملم بنا
ما أحسن الحق والإنصاف حيث هما ... حلا ولو في مساكين هما سكنا
فافهم هديت سوى نهج إلىشاد وكن ... محققاً ومحقاً من ملا فطنا
حسن البلاغة مع حسن استعارتها ... ضاعا مع العي أو من يكتم الحسنا
من ليس يمدح سلمى عندما جليت ... يحكي لمن في الثرى البدر البهي دفنا
يا سامعاً لفظ نظمي لا تظن به ... مدحي لنفسي قبيح إن أقول: أنا
لا تحسبن فيه تخصيصاً لمدحتها ... والله ما طرف قلبي نحو ذاك رنا
لكني عارضت في مدح الشيوخ به ... من ذمهم في مديح والسباب عنى
من لفظه ذاك مفهوم ومعذرتي ... في ذكر نفسي جلي عند من فطنا
ما لي طريق ومرآة بها نظري ... شخصي سوى ما أرى غيري بها كمنا
إلا الذي قلت في روم العراض به ... مثل الذي قال: لاسوء يظن بنا
والله ما أرتضي فيها مطالعتي ... كيلا أرى شين وجه للذنوب جنا
هاك المقال الذي جاء العراض لمن ... قال له ينهى ألفافيات بنا
نظرت يوماً إلى المرآة إذ جليت ... فانكرت مقلماي عندما رأتا
رأيت فيها شويخاً لست أعرفه ... وكنت أعرف فيها قبل ذاك فتى
فقلت اين الذي بالأمس كان هنامتى ترحل عن هذا المحل متى؟
فاستضحكت ثم قالت وهي ما نطقت ... قد كان ذاك وهذا بعد ذاك أتى
هذا بذاك وكل لا دوام له ... أما ترى العود يذوي بعدما نبتا؟
(3/190)

بالواو يروي شويخاً عن مقالته ... صواب ذاك شييخاً حين شاب عتا
بالله أنصف من المداح ذين هدى ... منا ومن مادح الدنيا بما نعتا
ها قد ثنت عن ثمانين العنان وما ... في مهرها من كلال نحو ذاك أتى
على الثمانين قد نافت ثمانية ... تزهو رياض عراض في أوان شتا
ختامها حمد ربي والصلاة على ... ختام رسل به ألفاران كلمتا
والآل والصحب سامي المجد ما نغمت ... حمامتا أيكة خضرا وغردتا
؟؟؟؟؟؟

سنة ست وعشرين وخمس مائة
فيها كانت الوقعة بناحية الدينور بين السلطان سنجر وبين ابني أخيه: سلجوق ومسعود. قال ابن الجوزي: كان مع سنجر مائة وستون ألفا، ومع مسعود ثلاثون ألفا، وبلغت القتلى أربعين ألفا فقتلوا قتلة جاهلية على الملك لا على الدين، وقتل أتابك السلجوقي، وجاء مسعود لما رأى الغلبة إلى بين يدي سنجر، فعفا عنه، وأعاده إلى مكانه، وقرر سلطنة بغداد لطغرل بك - بالماء المهملة والغين المعجمة وإلىاء الموحدة قبل ألفاف - ورد هو إلى خراسان. وفيها التقى المسترشد بالله بزنكي - بالزاي والنون قبل ألفاف - ودبيس، وشهر المسترشد يومئذ السيف، وحمل بنفسه - وكان في الفتن فانهزم دبيس وقتل من عسكرهما خلق. وفيها توفي الملك الأكمل أحمد بن الأفضل أمير الجيوش شاهنشاه ابن أمير الجيوش بدر الجمالي المصري، سجن بعد قتل أبيه مدة إلى أن قتل الأمير، وأقيم الحافظ، وأخرج الأكمل؟ وولي وزارة السيف والقلم، وكان شهماً عالي آلهمة كأبيه وجده، فحجر على الحافظ، ومنعه من الظهور، وأخذ أكثر ما في القصر، وأهمل ناموس الخلافة العبيدية لأنه سنياً كأبيه، لكنه أظهر التمسك بالإمام المنتظر، وأبطل من الأذان: حي على خير العمل، وغير قواعد القوم، فأبغضه الدعاة والقواد، وعملوا عليه، فيكب للعب الكرة في المحرم فوثبوا عليه، وطعنه مملوك الحافظ بحربة، وأخرجوا الحافظ، ونزل إلى دار الأكمل واستولى على خزائنه.
(3/191)

وفيها توفي أبو المعز محمد بن عبد الله السلمي العكبري، وهو آخر من روى عن القاضي أبي الحسن ألفاوردي. وروى عنه الجوهري والقاضي أبو طيب الطبري وغيرهم. وفيها توفي بوري - بضم الموحدة وكسر إلىاء بين الواو والماء - الملقب بتاج الملوك، صاحب دمشق ابن صاحبها طغتكين مملوك تاج الدولة السلجوقي فنفي عليه ألفاطنية، فخرج وتعلل أشهراً ومات، وولي بعده ابنه شمس الملوك اسماعيل، وكان شجاعاً مجاهداً جواداً كريماً. وفيها توفي الإمام العلامة أبو محمد عبد الله بن أبي جعفر ألفالكي، انتهت إليه رئاسة ألفالكية. روى عن ابن البر وغيره من الكبار، وسمع بمكة صحيح مسلم من أبي عبد الله الطبري. وفيها توفي القاضي أبو الحسن ابن الفياء البغدادي الحنبلي، وكان متفنناً مناظراً عارفاً بالمذهب ودقائقه، أكثر الحط على الأشعرية، قتل ليلة عاشوراء، وأخذ مآله، ثم قتل قاتله.

سنة سبع وعشرين وخمس مائة
فيها قدمت التركمان، فأغاروا على أعمال طرابل، فالتقاهم فينج طرابلس، فهزمهم التركمان. وفيها سار المسترشد بالله في اثني عثر ألفا إلى الموصل، فحاصرها ثمانين يوماً وزنكي بها، ثم ترحل خوفاً على بغداد من دبيس والسلطان مسعود. وفيها توفي مسند العراق أبو غالب بن البناء البغدادي الحنبلي. وفيها توفي أبو العباس أحمد بن سلامة الكرخي. برع في المذهب وغوامضه على الشيخين أبي إسحاق وابن الصباغ، حتى صار يضرب به المثل في الخلاف والمناظرة، ثم علم أولاد الخليفة.
(3/192)

وفيها توفي العلامة أبو الفتح الميهن، وأبو سعيد صاحب التعليقة، تفقه بمرو وغزنة، وشاع فضله، وبعد صيته، وولي نظامية بغداد مرتين، وخرج له عدة تلامذة. وكان يتوقد ذكاء، تفقه على أبي المظفر بن السمعاني وموفق آلهروي، وكان يرجع إلى خوف ودين. وفيها توفي ابن الزاغوني أبو الحسن بن عبيد الله البغدادي شيخ الحنابلة. روى الحديث وقرأ القراءات، وبرع في المذاهب والأصول والوعظ، وصنف التصانيف واشتهر. وفيها توفي رئيس نيسابور وصدرها وقاضيها وعالمها أبو سعيد محمد بن أحمد الصاعدي، وأبو حازم بن الفياء الفقيه الحنبلي محمد ابن القاضي أبي يعلى، برع في المذهب والأصول والخلاف، وبرع أهل زمانه بالزهد والديانة، صنف كتاب التبصرة في الخلاف ورؤوس المسائل وشرح مختصر الجرمي، وغير ذلك.

سنة ثمان وعشرين وخمس مائة
وفيها قدم رسول السلطان سنجر، فأكرم، وأرسل إليه المسترشد بالله خلعة عظيمة، قومت بمائة وعشرين ألف دينار. ثم عرض المسترشد جيشه، فبلغ خمسة عشر ألفا في عدد وزينة لم ير مثلها، وجدد المسترشد قواعد الخلافة، ونشر رسمها، وهابته الملوك. وفيها توفي الشيخ الكبير أبو الوقت أحمد بن علي الشيرازي صاحب إلىباط والأصحاب والمريدين ببغداد، وكان يحضر السماع. وفيها توفي شيخ الشافعية أبو علي ألفارقي الحسن بن ابراهيم، تفقه على محمد بن بيان ألفازروني، ثم ارتحل إلى الشيخ أبي إسحاق، وحفظ عليه المهذب، وتفقه على ابن الصباغ، وحفظ عليه الشامل، وكان ورعاً زاهداً صاحب حق مجوداً لحفظ الكتابين المذكورين، وقد سمع من أبي جعفر بن سلمة وجماعة، وولي قضاء واسط مدة وعليه تفقه القاضي أبو سعيد بن أبي عصرون. وفيها وقيل في التي تليها توفي ابن أبي الصلت أمية بن عبد العزيز ألفاني الأندلسي، كان ماهراً في علوم الأوائل من الطبيعي والرياضي والآلهي، كثير التصانيف بديع النظم،
(3/193)

رأساً في معرفة علم آلهيئة والنجوم والموسيقى انتقل في البلاد ومات غريباً. ومن تصانيفه كتابه الذي سماه الحديقة، على أسلوب يتيمة الدهر للثعالبي، ورسالة العمل بالاصطرلاب، وكتاب الوجيز في آلهندسة، وكتاب الأدوية المفيدة، وكتاب في المنطق سماه تقويم الدهر، وكتاب سماه الانتصار في إلىد على ابن رضوان في ردة على حنين بن إسحاق في مسائلة. لما صنف الوجيز للأفضل الملقب بشاهنشاه عرضه على شيخه أبي عبد الله الحلبي فلما وقف عليه قال: هذا الكتاب لا ينفع المبتدىء، ويستغنى عنه للمنتهي، وكان فاضلاً في علوم الأدب عارفاً بفن الحكمة، يقال له الأديب الحكيم، وانتقل إلى ثغر الاسكندرية، ومن جملة ما ينسب إليه من النظم:
إذا كان أصلي من تراب فكلها ... بلادي وكل العالمين أقاربي
ولا بد لي أن أسأل العيس حاجة ... تشق على شم الذرة، والغوارب
ومما نسب إليه أيضاً العماد ألفاتب في الخريدة.
وقائلة ما بال مثلك خاملاً ... أأنت ضعيف إلىأي أم أنت عاجز؟
فقلت لها ذنبي إلى القوم أنني ... لما لم يجوزوه من المجد حائز
وما فاتني شيء سوى الحظ وحده ... وأما المعالي فهي عندي غرائز
وله أيضاً:
سكنتك يا دار الفناء مصدقاً ... بأني إلى دار البقاء أصير
وأعظم ما في الأمر أني صائر ... إلى عادل في الأمر ليس يجور
فياليت شعري كيف ألفاه عندها ... وزادي قليل والذنوب كثير؟
فإن أك مجزياً بذنبي فإنني ... بسوء عقاب المذنبين جدير
وإن يك عفو منك ربي ورحمة ... فثم نعيم دائم وسرور
كانت وفاته بالمهدية من بلاد المغرب، ونزل من صاحبها علي بن يحيى بن تميم بن المعز منزلة جليلة بعد أن كان قد نفاه الأفضل من مصر. انتهى مختصراً.

سنة تسع وعشرين وخمس مائة
وفيها حشر السلطان محمود، وجميع الجيوش، ونفذ خمسة آلاف فكبسوا مقدمة المسترشد، وأخذوا خيلهم وأمتعتهم، فيد إلى بغدا بأسوأ حال، ثم سار الخليفة إليه
(3/194)

في سبعة آلاف، وكان مسعود بهمذان في بضع عشرة ألفا، فالتقوا في رمضان، فانكسر عسكر الخليفة، وأحيط به وبخواصه، وأخذت خزائنه، وكان معه على البغال أربعة آلاف ألف دينار، ولم يقتل سوى خمسة أنفس، وحصل المسترشد في أسر مسعود، وأقام أهل بغداد يوم العيد عليه سنة ألفاتم، وهاشوا على شحنة مسعود، فاقتتل الأجناد والعوام، وقتل جمع كثير، وأشرفت بغداد على اللهب. ثم أمر الشحنة فنودي أن سلمانكم آت بين يدي الخليفة، وعلى كتفه ألفاشية، فسكنوا.
وأما مسعود فسار، ومعه الخليفة معتقلاً إلى مراغة - وبها داود بن محمود - فأرسل سنجر يهدد مسعوداً ويخوفه، ويأمره أن يتلافى الأمر بأن يعيد المسترشد إلى دسته، ويمشي في ركابه، فسارع إلى ذلك، واتفق أن مسعوداً ركب في جيشه، فهجم على سرادق المسترشد سبعة عشر من ألفاطنية، فقتلوه بظاهر مراغة، وجلس السلطان للعزاء، فوقع البكاء والنوح، وجاء الخبر إلى ولده إلىاشد، فبايعوه ببغداد طول الليل، وأقام عليه البغداديون مأتماً ما سمع بمثله قط. وكانت خلافة المسترشد بالله الفضل بن المستظهر بالله أحمد بن المقتدي بالله عبد الله ابن محمد ألفائم آلهاشمي العباسي سبع عشرة سنة ونصفاً. واستخلف بعده ابنه، وسنه إذ ذاك سبع وعشرون سنة، وقيل إن ألفاطنية جهزهم عليه مسعود، قيل: ولم يل الخلافة بعد المعتضد بالله أشهم منه، كان بطلاً شجاعاً مقداماً شديد آلهيبة، ذا رأي ويقظة وهمة عالية. وقد روى عن أبي القاسم بن بيان إلىزاز - بالزاي المكررة قبل الألف وبعدها. وفيها توفي شمس الملوك اسماعيل بن تاج الملوك بوري بن طغتكين - ولي دمشق بعد أبيه، وأخذ من الفرنج عدة حصون، وكان وافي الحرمة موصوفاً بالشجاعة، لكنه كان ظألفا مصادراً جباراً مفسداً، فيتبت أمه زمند خاتون من وثب عليه، فقتله في قلعة دمشق وكانت دولته ثلاث سنين وتولى بعده في الملك أخوه محمود. وفيها قتل حسن ابن الحافظ لدين الله العبيدي المصري الذي ولي وزارة أبيه ثلاثة أعوام، فظلم وغشم، وفتك حتى إنه قتل في ليلة أربعين أميراً، فخافه أبوه، وجهز لحربه جماعة، فالتقاهم، واختبطت مصر، ثم دس عليه أبوه من سقاه السم، فهلك.
(3/195)

وفيها توفي دبيس بن صدقة ملك العرب أبو الأعز، ولد الأمير سيف الدولة الأسدي، كان فارساً شجاعاً مقداماً ممدحاً، خرج على المسترشد بالله، ودخل خراسان والشام والجزيرة، واستولى على كثير من العراق، قتله السلطان مسعود، وأظهر أنه قتله آخذاً بثأر المسترشد، وهو من بيت كبير، وإياه أراد الحريري في المقامة ألفاسعة والثلاثين بقوله: والأسدي دبيس، لأنه كان معاصره، فيام التقرب إليه بذكره في مقاماته، على ما ذكره ابن خلكان. وله نظم حسن منه قوله:
ألا قل لبدران الذي حن نازعاً ... إلى أرضه والحر ليس يخيب
تمتع بأيام السرور فإنما ... عذار الأماني بآلهموم تشيب
ولله في تلك الحوادث حكمة ... وللأرض من كأس الكرام نصيب
وفيها توفي الحافظ الأديب الشيخ عبد ألفافي بن اسماعيل بن عبد ألفافي ألفارسي، صاحب تاريخ نيسابور، ومصنف مجمع الغرائب والمفهم في شرح مختصر صحيح مسلم. كان إماماً في الحديث واللغة والأدب والبلاغة. حدث عن جده لأمه الشيخ الإمام أبي القاسم القشيري وطبقته، أجازه أبو محمد الجوهري وآخرون. وفيها توفي قاضي الجماعة محمد بن أحمد التجيبي القرطبي ألفالكي. روى عن أبي علي الغساني وطائفة، وكان من جلة العلماء وكبارهم، مع الدين والخشوع. قتل مظلوماً بجامع قرطبة في صلاة الجمعة - رحمه الله تعالى -.

سنة ثلاثين وخمس مائة
فيها جاء أمير من جهة السلطان المسعود يطلب من إلىاشد بالله سبعمائة ألف دينار، فاستشار الأعيان، فأشاروا عليه بألفاجيل، فيد على مسعود بقوة نفس، وأخذ يتهيأ، فانزعج أهل بغداد، وعلقوا السلاح، ثم إن إلىاشد قبض على إقبال ألفادم، وأخذت حواصله، فتألم العسكر لذلك، وشغبوا، ووقع اللهب، ثم جاء زنكي، وسأل في إقبال سؤالاً تحته إلزام، فأطلق له. ثم خرج بالعساكر، فجاء عسكر مسعود، فنازلوا بغداد، وقاتلهم الناس، وخامر جماعة أمراء إلى إلىاشد، ثم بعد أيام وصل مسعود يطلب من إلىاشد الصلح، فقرئت مكاتبته على الأمراء، فأبوا إلا القتال، فأقبل مسعود في خمسة آلاف راكب، ودام الحصار، واضطرب عسكر الخليفة، وجرت أمور يطول ذكرها، ثم كاتب مسعود زنكي، وواعده ومناه، فكتب إلى الأمراء إنكم إن قتلتم زنكي أعطيتكم بلاده، فعلم زنكي بذاك، فيحل هو
(3/196)

وإلىاشد عن بغداد، فدخلها مسعود فأظهر العدل، واجتمع إليه الاعيان والعلماء، وحطوا على إلىاشد، وطعنوا فيه. وقيل خوفهم وأرهبهم إن لم يخلعوا إلىاشد، فكتبوا محضراً ذكروا فيه ما يقتضي خلعه، وأحضروا محمد بن المستظهر، فبايعوه، ولقبوه المقتفي لأمر الله. ثم أخذ مسعود جميع ما في دار الخلافة حتى لم يدع فيها سوى أربعة أفياس. وفي السنة المذكورة توفي الحافظ أبو نصر ابراهيم بن الفضل الأصفهاني. وفيها توفي شيخ دمشق ومحدثها النحوي الزاهد علي بن أحمد الغساني. روى عن أبي بكر الخطيب وكثيرين. قال السلفي: لم يكن في وقته مثله في دمشق كان إماماً زاهداً عائذاً ثقة، قال الحافظ ابن عساكر: كان متحرزاً متيقظاً منقطعاً في بيته. وفيها توفي أبو سهل محمد بن ابراهيم الأصبهاني المنكي راوي مسند إلىوياني عن أبي الفضل إلىازي.
وفيها توفي الشيخ الكبير أستاذ الصوفية بخراسان ألفارف القدوة الشهير أبو عبد الله محمد بن حمويه الجويني. روى عن موسى بن عمران الانصاري وجماعة، وصنف في التصوف، وكان بعيد الصيت ومسند أصفهان في زمانه. وفيها توفي أبو بكر محمد بن علي الصألفاني.
وراويه أبو عبد الله محمد بن الفضل الصاعدي النيسابوري فقيه الحرم ألفارسي. روى عن الكبار، وتفيد بكتب كبار، وصار مسند خراسان، وكان شافعياً مفتياً مناظراً محدثاً واعظاً، صحب إمام الحرمين أبا المعالي الجويني، وعلق عنه الأصول، ونشأ بين الصوفية، وعاش تسعين سنة، وهو المقول فيه: للفياوي ألف راوي. وكان يحمل الطعام إلى المسافرين الواردين عليه، ويخدمهم بنفسه - مع كبر سنه وقدره - وخرج حاجاً إلى مكة، وعقد له مجلس الوعظ ببغداد وسائر البلاد التي توجه إليها، وأظهر العلم بالحرمين، وعاد إلى نيسابور، وقعد للتدريس. وسمع صحيح البخاري من سعيد بن أبي سعد، وصحيح مسلم من عبد ألفافي ألفارسي، وسمع من شيخ أبي إسحاق الشيرازي والحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، والأستاذ أبي القاسم عبد الكريم القشيري وإمام الحرمين، وتفيد برواية عدة كتب للمافظ البيهقي، مثل دلائل النبوة، والأسماء والصفات والبعث والنشور، والدعوات الكبيرة والصغيرة. والفياوي بضم الماء وفتح إلىاء، وهذه النسبة إلى فياوة بليدة مما يلي خوارزم، بناها عبد الله بن طاهر في خلافة الشامون، وهو يومئذ أمير خراسان، وللفياوي فضائل جمة
(3/197)

ذكرت شيئاً منها في كتابي ألفاش المعلم، وممن رواها الإمام الحافظ إلىاوية ألفاهر المعروف بأبي القاسم ابن عساكر.

سنة إحدى وثلاثين وخمس مائة
فيها دفع زنكي إلىاشد المخلوع عن الموصل، وتسلل الناس عنه، وبقي حائراً، فنفذ مسعود الذي فارس لماخذوه، ففاتهم وجاء إلى مراغة، فبكى عند قبر أبيه، وحثا على رأسه التراب، فيق له أهل مراغة، وقام معه داود السلطان ولد محمود، فالتقى داود ومسعود، فقتل خلق من جيش مسعود، وصادر مسعود إلىعية ببغداد، وعسف. وفيها أخذ زنكي بعلبك. وفيها توفي اسماعيل بن أبي القاسم النيسابوري، كان صوفياً صألفا من أصحاب الأستاذ أبي القاسم القشيري. وفيها أو فيما قبلها توفي مسند هراة في زمانه تميم بن أبي سعيد الجرجاني.
وفيها توفي الحافظ أبو جعفر آلهمداني محمد بن الحسن، سمع بخراسان والعراق والحجاز. وفيها أبو عبد الله يحيى بن الحسن بن أحمد بن أحمد بن البناء البغدادي، وكان ذا علم وصلاح.

سنة اثنتين وثلاثين وخمس مائة
فيها قويت شوكت إلىاشد بالله وكثرت جموعه، فلم يلبث أن قتل. وفيها توفي الحافظ أبو نصر ألفازي محمد بن عمر الأصبهاني، قال ابن السمعاني: ما رأيت في شيوخي كثر رحلة منه، كان ثقة حافظاً. وفيها توفي أبو القاسم أحمد بن محمد بن القرطبي المالكي، أحد الأئمة - رحمه الله -. وفيها توفي اسماعيل بن أحمد الفقيه الشافعي النيسابوري. تفقه على إمام الحرمين، وبرع في الفقه، وروى عن جماعة.
(3/198)

وفيها توفي أبو المظفر عبد المنعم ابن الأستاذ أبي القاسم القشيري، آخر إخوته وفاة، حدث عن البيهقي والكبار. وفيها توفي أبو الحسن الخدامي علي بن عبد الله الأندلسي، أحد الأئمة صنف في التفسير والأصول، وأجاز له الحافظ ابن عبد البر وأم الخير فاطمة بنت علي بن المظفر البغدادية المقرئة. وقيل في السنة التي قبلها وقيل بعدها توفي شيخ الكرخ وعالمها ومفتيها أبو الحسن محمد بن عبد الملك الفقيه الشافعي. قال ابن السمعاني: إمام ورع فقيه مفت، محدث أديب، أفنى عمره في طلب العلم ونشره. وفيها توفي إلىاشد بالله أبو جعفر بن المسترشد بالله بن المستظهر بالله، خطب بولاية العهد أكثر أيام والده، وبويع بعده. وكان شاباً أبيض مليحاً، تام الشكل شديد البطش، شجاع النفس حسن السيرة، جواداً شاعراً فصيحاً، لم تطل دولته، خلعوه لأمور ملفقة، وسار إلى أصبهان ومعه السلطان داود بن محمود، ومرض هناك، فوثب عليه جماعة من ألفاطنية وقتلوه. وفيها توفي الإمام العلامة أبو الحسن يونس بن محمد بن مغيث القرطبي. كان رأساً في الفقه والحديث والأنساب والتواريخ واللغة وعلو الإسناد. وفيها توفيت أم الخير فاطمة بنت علي البغدادي المقرئة المعروفة ببنت الزعبل - بالزاي والموحدة بينهما عين مهملة - روت صحيح مسلم وغريب الخطابي عن الحافظ أبي الحسين ألفارسي، وعاشت سبعاً وتسعين سنة.

سنة ثلاث وثلاثين وخمس مائة
قال أبو الفيج بن الجوزي: فيها كانت زلزلة عظيمة بحيرة، أتت على مائة ألف وثلاثين أهلكتهم، قيل: صار مكان الدماء أسود، وقال ابن الأثير: الذين هلكوا مائتا ألف وثلاثون ألفا.
وفيها توفي الشيخ أبو العباس أحمد بن عبد الملك بن أبي حمنة. روى عن جماعة،
(3/199)

وتفيد بالإجازة عن أبي عمرو ألفاني. وفيها توفي جمال الإسلام أبو الحسن علي بن مسلم السلمي الشافعي، مدرس الغزالية ومفتي الشام في عصره، صنف في الفقه والتفسير، وتصدر للاشتغال وإلىواية. وفيها توفي صاحب دمشق محمود بن بوري، ولي بعد قتل أخيه شمس الملوك.

سنة أربع وثلاثين وخمس مائة
فيها حاصر زنكي دمشق. وفيها توفي القاضي أبو المفضل القرشي الدمشقي، من أصحاب الفقية الإمام أبي نصر المقدسي. وفيها توفي البديع الأصطرلابي هبة الله بن الحسين ألفاعر المشهور، أحد الأدباء الفضلاء. كان وحيد زمانه في علم الآلات الفلكية متقناً لهذه الصناعة، وأثنى عليه غير واحد من المؤرخين، وذكروا له عدة مقاطيع، فمن ذلك قوله:
أهدى لمجلسه الكريم وإنما ... أهدى له ما حزت من نعمأنه
كالبحر يمطره السحاب وما له ... فضل عليه لأنه من مأنه
وكان كثير الخلاعة يستعمل المجون في شعره، وكان قد جمعه ودونه، واختار ديوان ابن حجاج، ورتبه على مائة وواحد وأربعين باباً، وجعل كل باب في فن من فنون شعره، وكان قد جمعه ونفاه وسقاه: درة ألفاج من شعر ابن حجاج. وكان ظريفاً في جميع حركاته، والأصطرلابي نسبة إلى الأصطرلاب بفتح آلهمنة وسكون الصاد المهملة وبعضهم يكتبه بالسين وضم الماء المهملات وقبل الألف راء وبعدها موحدة وهو الآله المعروفة. قال كوشيار بن كنان بن باسهري الجبلي صاحب كتاب الزيج في إلىسالة التي وضعها في العلم الأصطرلابي: هو كلمة يونانية معناها ميزان الشمس، وقيل إن لاب اسم الشمس بلمان يونان، فكأنه قال: أصطر الشمس إشارة إلى الخطوط التي فيها، وقيل إن أول من وضعه بطلميوس صاحب المجسطي، وكان سبب وضعه له أنه كان معه كرة فلكية - وهو راكب - فسقطت منه، فداستها دابته، فخسفتها، فبقيت على هيئة الاصطرلاب. وكان أرباب علم الرياضيات يعتقدون أن هذه الصورة لا ترتسم في جسم كروي على هيئة الأفلاك، فلما
(3/200)

رأه بطلميوس على تلك الصورة علم أنه يرتسم في السطح ويكون نصف دائرة، ويحصل منه ما يحصل من الكرة، فوضع الاصطرلاب، ولم يسبق إليه، وما اهتدى أحد من المتقدمين إلى أن هذا القدر يتأتى في الخط، ولم يزل الأمر مستمراً على استعمال الكرة والاصطرلاب إلى أن استنبط الشيخ شرف الدين الطوسي المذكور في ترجمة الشيخ كمال الدين بن يونس - رحمهما الله تعالى -، وهو شيخه في هذا العلم - أن يضع المقصود من الكرة والاصطرلاب في خط، فوضعه وسماه العصا، وعمل له رسالة بديعة، وكان قد أخطأ في بعض هذا الوضع، فأصلحه الشيخ كمال الدين، وهذبه. والطوسي أول من أظهر هذا في الوجود، فصارت آلهيئة توجد في الكرة، لأنها تشتمل على الطول والعرض والعمق، ويوجد في السطح الذي هو مركب من الطول والعرض بغير عمق، ويوجد في الخط الذي هو عبارة عن الطول فقط، ولم يبق سوى النقطة، ولا يتصور أن يعمل فيها شيء، لأنها ليست جسماً ولا سطحاً ولا خطاً، بل هي في طرف الخط. كما أن الخط طرف السطح، والسطح طرف الجسم، والنقطة لا تتجزأ، فلا يتصور أن يرتسم فيها شيء، وهذا وإن كان خروجاً عما نحن بصدده فإنه لا يخلو عن فائدة، والعلم به خير من الجهل به.

سنة خمس وثلاثين وخمس مائة
فيها ألح زنكي على دمشق للحصار، وخرب وعاث بحوران، ثم التقاه عسكر دمشق، فقتل جماعة، ثم ترحل إلى الشرق. وفيها توفي الحافظ الكبير أبو القاسم اسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي الطليحي الأصبهاني، إمام أئمة وقته وأستاذ علماء عصره. قال ابن السمعاني: هو أستاذي في الحديث، وعنه أخذت هذا القدر، وهو إمام في التفسير والحديث واللغة والأدب، عارف بالمتون والأسانيد. أملى بجامع أصبهان قربياً من ثلاثة آلاف مجلس. وقال أبو عامر العبدري: ما رأيت مثله ذاكرته، فيأيته حافظاً للحديث، عارفاً بكل علم متفنناً، وقال غيره: صنف التفسير في ثلاثين مجلما كباراً. وفيها توفي رزين بن معاوية العبدري الأندلسي، مصنف تجريد الصحاح. ومحمد بن عبد ألفاقي الأنصاري الحنبلي، سمع من علي بن عيسى ألفاقلاني، وأبي الطيب الطبري وطائفة. وتفقه على القاضي أبي يعلى، وبرع في الحساب وآلهندسة، وشارك
(3/201)

في العلوم. قال ابن السمعاني: ما رأيت أجمع للفنون منه، نظر في كل علم.
وفيها توفي الشيخ الكبير العالم ألفارف، ذو الأسرار والمعارف أبو يعقوب يوسف بن أيوب بن يوسف آلهمذاني شيخ الصوفية بمرو وبقية مشايخ الطريق ألفالكين الشاملين، تفقه على الشيخ أبي إسحاق، فأحكم مذهب الشافعي، وبرع في المناظرة، ثم ترك ذلك وأقبل على شأنه. روى عن الخطيب والكبار، وسمع بأصبهان وبخارى وسمرقند، ووعظ وخوف، وانتفع به الخلق، وكان صاحب أحوال وكرامات، وتوفي في ربيع الأول عن أربع وتسعين سنة.
وفيها توفي أبو نصر محمد بن عبيد الله بن خاقان القيسي صاحب كتاب قلائد العقيان، له عدة تصانيف منها الكتاب المذكور، جمع فيه الشعراء المغرب وطائفة كثيرة، وتكلم على ترجمة كل واحد منهم بأحسن عبارة وألطف إشارة. هكذا حكي عنه. وله أيضاً كتاب مطمح الأنفس ومسرح ألفانس في ملح أهل الأندلس، وهو ثلاث نسخ: كبرى ووسطى وصغرى، وهو كثير ألفائدة، لكنه قليل الوجود في هذه البلاد، وكلامه في هذه الكتب يدل على فضله وغزارة مادته، وكان كثير الأسفار سريع التنقلات. قال الحافظ أبو الخطاب بن دحية في كتابه الموسوم بالمطرب من أشعار أهل المغرب: لقيت جماعة من أصحابه حدثوني عنه تصانيفه وعجائبه، وكان مخلوع العذار في دنياه، ولكن كلامه في تآليفه كالسحر الحلال والماء الزلال، قيل: ذبح في مسكنه في مراكش، أشار بقتله أمير المؤمنين أبو الحسن علي بن يوسف بن تاشفين.
وفيها توفي أبو يعقوب يوسف بن أيوب بن يوسف آلهمداني، الفقيه ألفاضل العالم الشامل إلىباني، قدم بغداد ولازم الشيخ أبا إسحاق الشيرازي، واشتغل عليه حتى برع في أصول الفقه والمذهب والخلاف. وسمع الحديث من جماعة ببغداد وأصبهان وسمرقند، ثم زهد في الدنيا، ولزم العبادة والرياضة والمجاهدة حتى صار من العلماء الذين يهتدي بهم الخلق إلى الله عز وجل، وعقد له مجلس الوعظ في المدرسة النظامية في بغداد، وصادف قبولاً عظيماً من الناس. قال الشيخ الصالح أبو الفضل صافي بن عبد الله الصوفي: حضرت مجلس شيخنا يوسف آلهمداني في النظامية - وكان قد اجتمع عليه العالم - فقام فقيه يعرف بابن السقا، وسآله، فقال الشيخ ألفارف ذو المعارف والنور يوسف بن أيوب المذكور: جلس، فإني أجد من كلامك رائحة الكفي، ولعلك تموت على غير دين الإسلام. قال أبو الفضل: فاتفق بعد
(3/202)

هذا القول بمدة أن قدم رسول نصراني من ملك إلىوم إلى الخليفة، فمضى إليه ابن السقا، وسآله أن يستصحبه، وقال له: يقع لي أن أترك دين الإسلام، وأدخل في دينكم؛ فقبله النصراني، وخرج معه إلى القسطنطينية، والتحق بملك إلىوم، وتنصر، ومات على النصرانية. وقال الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود المعروف بابن النجار البغدادي في تاريخ بغداد في ترجمة يوسف آلهمداني المذكور: سمعت أبا الكرم عبد السلام بن أحمد المقرىء يقول: كان ابن السقا قارئاً للقرآن الكريم، مجوداً في تلاوته. حدثني من رآه في القسطنطينية ملقى على دكة مريضاً، وبيده حلق مروحة يدفع بها الذباب عن وجهه، قال: فسألته: هل القرآن باق على حفظك؟ قال: ما أذكر منه إلا آية واحدة " ربما يود الذين كفيوا لو كانوا مسلمين "، - الحجر 2 -، وألفاقي نسيته. نعوذ بالله من سوء القضاء. قلت وقد ذكرت في بعض كتبي عما نقل في مناقب الشيخ القطب إلىباني أستاذ الأكابر أبي محمد محيي الدين عبد ألفادر الجيلاني قدس الله تعالى سره قضية ابن السقا المذكور وكفيه، أنه كان سبب إساءته على رجل من الأولياء يقال له الغوث، وأنه خرج رسولاً للخليفة إلى ملك إلىوم، فافتتن بابنة الملك، فطلب زواجها، فامتنعوا من ذلك إلا بكفيه، فكفي. وقال بعضهم: كان أبو يعقوب المذكور صاحب الأحوال والمواهب الجزيلة والكرامات والمقامات الجليلة، وإليه انتهت تربية المريدين الصادقين، وكان قد برع في الفقه، ففاق أقرانه، خصوصاً في علم النظر. وكان الشيخ أبو إسحاق يقدمه على جماعة كثيرة من أصحابه - مع صغر سنه - لزهده وحسن سريرته واشتغآله بما يعنيه، ثم ترك كل ما كان فيه من المناظرة، واشتغل بما هو الأهم من عبادة الله تعالى ودعوة الخلق وإرشاد الأصحاب إلى الطريق المستقيم، ونزل مرو وسكنها، وخرج إلى هراة وأقام بها مدة، ثم سئل إلىجوع إلى مرو في آخر عمره فأجاب، ورجع إليه، وخرج إلى هراة ثانياً، ثم عزم على إلىجوع إلى مرر، وخرج فأدركته منيته في الطريق، فدفن ثم نقل بعد ذلك إلى مرو، ونقل ذلك ابن النجار في تاريخه عن السمعاني.

سنة ست وثلاثين وخمس مائة
فيها كانت ملحمة عظيمة بين السلطان سنجر وبين الترك الكفية فيما وراء اللهر، أصيب فيها المسلمون، وأقبل سنجر في نفي يسير، بحيث وصل بلخ في ستة أنفس، وأسرت
(3/203)

زوجته وبنته، وقتل من جيشه مائة ألف أو أكثر، قيل: كان في القتلى أربعة آلاف امرأة، وكانت الترك في ثلاث مائة ألف فارس. وفيها توفي الشيخ الكبير ألفارف بالله الشهير ذو المواهب واللمائف والعلوم إلىبانية والمعارف أبو العباس ابن العريف أحمد بن محمد الصنهاجي الأندلسي الصوفي. كان له معرفة بالعلوم وعناية بالقراءات وجمع إلىوايات والطرق، متناهياً في الفضل والدين. وكان المريدون والعباد والزهاد يقصدونه، ولما كثر أتباعه خاف منه السلطان، وتوهم أن يخرج عليه، فطلبه، فأحضر إلى مراكش، فتوفي في الطريق قبل أن يصل، وقيل بعد أن وصل، وكان من أهل المنية. وفيها توفي الإمام أحد العلماء الأعلام، الفقيه المحدث الأصولي، الأديب محمد بن علي التميمي ألفازري. شرح صحيح مسلم شرحاً جيداً سماه كتاب المعلم بفوائد كتاب مسلم، وعليه بنى القاضي عياض بن موسى اليحصبي ألفالكي كتاباً اسماه الإكمال في شرح مسلم. وله في الأدب كتب متعددة. وكان فاضلاً متقناً، توفي في ثامن عشر ربيع الأول من السنة المذكورة، وقيل يوم الاثنين ثاني الشهر المذكور بالمهدية وعمره ثلاث وثمانون سنة. وألفازري نسبة إلى مازر وهي بفتح الزاي، وقد تكسر أيضاً، وهي بليدة بجزيرة صقلية. وفي السنة المذكورة توفي الحافظ أبو القاسم اسماعيل بن أحمد السمرقندي. وفيها توفي الإمام المفتي الشافعي عبد الجبار بن محمد، إمام جامع نيسابور، تفقه على إمام الحرمين، وسمع البيهقي والقشيري والجماعة. وفيها توفي الشيخ ألفارف ذو المواهب واللمائف أبو الحكم عبد السلام بن عبد إلىحمن المعروف بابن برجان الأندلسي اللخمي الإشبيلي شيخ الصوفية ومؤلف شرح أسماء الله الحسنى، توفي غريباً بمراكش. قال الأبار: كان من أهل المعرفة بالقراءات والحديث، والتحقيق، بعلم الكلام، والتصوف مع الزهد والاجتهاد في العبادة، وقبره بإزاء قبر ابن العريف. وفيها توفي شيخ الحنابلة بالشام بعد والده ابن الشيخ أبي الفيح عبد الواحد الشيرازي الدمشقي الفقيه الواعظ.
(3/204)

وفيها توفي هبة الله بن أحمد البغدادي، المقرىء المحقق إمام جامع دمشق. ختم عليه خلق كثير، وله اعتناء بالحديث.

سنة سبع وثلاثين وخمس مائة
فيها توفي أبو الفتح بن البيضاوي القاضي عبد الله بن محمد بن محمد بن محمد أخو القاضي القضاة أبي القاسم الزينبي لأمه. وفيها توفي صاحب المغرب علي بن يوسف بن تاشفين، كان يرجع إلى عدل ودين وتعبد وحسن طوية، وشدة إيثار لأهل العلم وتعظيم لهم، قيل: وهو الذي أمر بإحراق كتب الإمام حجة الإسلام أبي حامد الغزالي، والذي وثب عليه ابن تومرت الملقب بالمهدي الذي صحبه عبد المؤمن. توفي في رجب من السنة المذكورة. وفيها توفي الحافظ عمر بن محمد النسفي السمرقندي الحنفي. يقال له مائة مصنف. وفيها توفي قاضي دمشق وابن قاضيها أبو المعالي القرشي الشافعي. سمع من جماعة، وتفقه على الإمام أبي نصر المقدسي.

سنة ثمان وثلاثين وخمس مائة
فيها حاصر سنجر مدينة خوارزم، وكاد أن يأخذها، فذل خوارزم شاه، وبذل الساعة. وفيها توفي الحافظ مفيد بغداد أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي. كان واسع إلىواية، متقناً دائم البشر، سريع الدمعة، جمع وخرج وحصل، ولم يتزوج قط. وفيها توفي الوزير أبو القاسم علي بن طراد الزينبي العباسي، وزير المسترشد والمقتفي. اشتغل بالعبادة والخير لما تغير عليه المقتفي إلى أن مات، وكان يضرب به المثل بحسنه في صباه. وفيها توفي أبو الفتوح محمد بن الفضل الأسفيائيني، الواعظ المتكلم. له تصانيف في الأصول والتصوف. قال الحافظ ابن عساكر: أجرى من رأيت لماناً وجناناً، وأسرعهم جواباً، وأسلمهم خطاباً. لازمت حضور مجلسه، فما رأيت مثله واعظاً ولا مذكراً. وفيها توفي العلامة النحوي اللغوي المفسر المعتزلي أبو القاسم محمود بن عمر
(3/205)

الزمخشري الخوارزمي، صاحب الكشاف والمفصل. عاش إحدى وسبعين سنة متفنناً في التفسير والحديث والنحو واللغة وعلم البيان إمام عصره في فنونه. وله التصانيف البديعة الكثيرة الممدوحة الشهيرة، عدد بعضهم منها نحو ثلاثين مصنفاً في التفسير والحديث وإلىواة وعلم الفيائض والنحو والفقه واللغة والأمثال والأصول والعروض والشعر. ومن ذلك كتاب شافي العي من كلام الشافعي وغير ذلك، وكان شروعه في تأليف المفضل في غرة شهر رمضان سنة ثلاث عشرة وخمس مائة، وفيغ منه في غرة المحرم، أظنه قال: سنة خمس عشرة وخمس مائة. وكان قد جاور بمكة زماناً، فصار يقال له: جار الله لذلك، حتى صار هذا اللقب علماً عليه. وكانت إحدى رجليه ساقطة، فكان يمشي في خشب. وسبب سقوطها أنه أصابه في بعض أسفاره برد شديد وثلج كثير، وكان معه محضر فيه شهادة خلق كثير ممن اطلعوا على حقيقة ذلك خوفاً من أن يظن قطعها لريبة.
وذكر بعض المؤرخين أنه أمسك عصفوراً، وربطه بخيط في رجله، ففلت من يده، فأدركه وقد دخل في جرق، فجذبه فانقطعت رجله في الخيط، فتألمت والدته لذلك، ودعت عليه بقطع رجله كما قطع رجله. فلما وصل إلى سن الطلب، رحل إلى بخارى لطلب العلم، فسقط عن ألفابة، فانكسرت رجله، وبلغت إلى حالة اقتضت قطعها - والله أعلم أي ذلك كان -. ولما صنف كتاب الكشاف استتفتح الخطبة بالحمد لله الذي خلق القرآن، فقيل له: متى تركته على هذه آلهيئة هجره الناس، فغيره بالذي أنزل القرآن. وقيل: هذا إصلاح الناس لا إصلاح المصنف، ومن شعره يرثي شيخه أبا مضر:
وقائلة ما هذه الدرر التي ... تساقط من عينيك سمطين سمطين
فقلت لها الدر الذي كان قد حشى ... أبو مضر أذني تساقط من عيني
وهذا مثل قول القاضي أبي بكر الأرجان، ولا يدري أيهما أخذ من الآخر، لأنهما كانا متعاصرين وهو.
ولم يبكني إلا حديث فياقهم ... لما أسرته إلى أدمعي
(3/206)

هو ذلك الدر الذي أودعته ... في مسمعي أجريته من مدمعي
ومما أنشده لغيره في كتابه الكشاف عند تفسير قوله تعالى في سورة البقرة " إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها " - البقرة 26 -، فإنه قال: أنشدت لبعضهم:
يا من يرى مد البعوض جناحها ... في ظلمة الليل البهيم الأليل
ويرى عروق نياطها في نحوها ... والمخ في تلك العظام النحل
اغفي لعبد تاب من فيطاته ... ما كان منه في الزمان الأول
قال ابن خلكان: وكان بعض الفضلاء قد أنشدني هذه الأبيات بمدينة حلب، وقال: إن الزمخشري المذكور أوصى أن يكتب على لوح قبره:
آلهي؛ لقد أصبحت ضيفك في الثرى ... وللضعيف حق عند كل كريم
فهب لي ذنوبي في قراي فإنها ... عظام، ولا يقرى بغير عظيم

سنة تسع وثلاثين وخمس مائة
فيها أخذ زنكي إلىها من الفرنج. وتوفي تاشفين صاحب المغرب ولد علي بن يوسف بن تاشفين المصمودي البربري الملثم. كانت دولته في ضعف وسفال مع وجود عبد المؤمن، فتحصن، فصعد إليه أصحاب عبد المؤمن، فلما أيقن بآلهلكة ركض فرسه، فتردى إلى البحر، فتحطم وتلف، ولم يبق لعبد المؤمن منازع، فتوجه وأخذ تلمسان. وفيها توفي أبو منصور إلىزاز سعيد بن محمد البغدادي شيخ الشافعية، ومدرس النظامية، تفقه على الغزالي وأسعد الميهني والكيا وألفاشي والمتولي، وروى عن رزق الله التميمي. وفيها توفيت مسندة أصفهان أم البهاء، فاطمة بنت محمد البغدادية الواعظة، روت عن أبي الفضل إلىازي وجماعة. وفيها توفي أبو منصور محمد بن عبد الملك البغدادي المقرىء، مصنف المفتاح والموضع في القراءات العشرة.
(3/207)

وفيها توفي وقيل في التي بعدها توفي أبو منصور موهوب بن أبي طاهر الجواليقي البغدادي الأديب اللغوي. كان إماماً في فنون الأدب، وهو متدين ثقة غزير الفضل، وافي العقل، مليح الخط، كثير الضبط صنف التصانيف المفيدة، وانتشرت عنه مثل شرح أدب ألفاتب وثمة درة الغواص في أوهام الخواص للحريري صاحب المقامات، وسماه: التكملة فيما يلحن فيه الشامة، إلى غير ذلك، وله نوادر كثيرة. وكان إماماً للمقتفي بالله. وما زاده في أول دخوله عليه على قوله: السلام على أمير المؤمنين: ورحمة الله تعالى. فقال له اين التلميذ النصراني - وكان قائماً بين يدي المقتفي، وله ادلال الخدمة والصحبة: ما هكذا يسلم على أمير المؤمنين يا شيخ، فلم يلتفت إليه، وقال للمقتفي: يا أمير المؤمنين، سلامي هو ما جاءت به السنة النبوية، ثم قال: يا أمير المؤمنين؛ لو حلف حالف أن نصرانياً أو يهودياً لم يصل إلى قلبه نوع من أنواع العلم على الوجه، لما لزمته الكفارة، لأن الله تعالى يختم على قلوبهم، ولن يفك ختم الله تعالى إلا الإيمان. فقال: صدقت وأحسنت فيما فعلت. فكأنما ألجم ابن التلميذ بحجر مع فضله وغزارة أدبه. سمع ابن الجواليقي من شيوخ زمانه، وأخذ عنه الناس علماً جما، وينسب إليه قليل من الشعر، من ذلك هذان البيتان، وقال بعض المطلعين: وجدتهما من جملة أبيات لابن الخشاب، وهما:
ورد الورى سلمال جوادك فارتووا ... ووقفت خلف الورد وقفة حائم
حيران أطلب غفلة من وارد ... والورد لا يزداد غير تزاحم
قلت: لقد أبدع قائلهما في معناهما، وأجاد وبالغ في مدحه بما تضمنه هذا الإنشاد. وحكى اسماعيل بن الجواليقي المذكور قال: كنت في حلقة والدي يوم الجمعة بعد الصلاة بجامع القصر - والناس يقرؤون عليه - فوقف عليه شاب وقال: يا سيدي؛ قد سمعت ببيتين من الشعر، ولم أفهم معناهما، وأريد أن تسمعهما مني، وتعرفني معناهما. فقال: قل، فأنشد.
وصل الحبيب جنان الخلد أسكنها ... وهجرة الناس تصليني بها النارا
فالشمس بالقوس أمست وهي نازلة ... إن لم يزرني وبالجوزاء إن زارا
فلما سمعهما والدي قال: يا بني؛ هذا شيء من معرفة علم النجوم، وتسييرها لأمر صنعه أهل الأدب، قال: فانصرف ألفاب من غير حصول فائدة، فاستحي والدي من أن
(3/208)

يسأل عن شيء ليس عنده منه علم، وقام وآلى على نفسه أن لا يجلس في حلقته حتى ينظر في علم النجوم، ويعرف تسيير الشمس والقمر. فنظر في ذلك، وحصلت معرفته، ثم جلس. ومعنى البيت المسؤول عنه أن الشمس إذا كانت في آخر القوس كان الليل في غاية الطول، لأنه يكون آخر فصل الخريف، وإذا كانت في آخر الجوزاء كان الليل في غاية القصر، لأنه آخر فصل الربيع، فكأنه يقول: إذا لم يزرني فالليل عندي في غاية الطول، وإن زارني كأن الليل عندي في غاية القصر. انتهى. قلت: وفي نهاية الطول والقصر المذكورين في البرجين المذكورين. والاعتدال في برجي الحمل والميزان. وشدة البرد في برج الدلو، وشدة الحر في برج الأسد، أشرت بهذه الأبيات الأربعة حيث أقول:
إذا طال بالجوزاء نهار مفاخراً ... رماه بقوس طول ليل فيقصر
وإن حمل الإنصاف يوماً بعدله ... أتاه بميزان بها العدل يظهر
وإن شد حبل البرد دلواً ليستقوا ... أتى أسد في حرب حر وعسكر
فيكسر هذا ذاك حيناً، وحربهم ... سجال، ويغزو ذاك هذا فيكسر

سنة أربعين وخمس مائة
فيها توفي الحافظ أبو سعد أحمد بن محمد البغدادي الأصبهاني. كان ثقة خيراً، يحفظ صحيح مسلم.

سنة احدى واربعين وخمس مائة
فيها حاصر عماد الدين زكي الملقب بالملك المنصور - صاحب الموصل - قلعة جعبر، فوثب عليه ثلاثة من غلمانه فقتلو، وتملك الموصل بعده ابنه غازي، وتملك حلب وغيرها من نواحيها ابنه الآخر نور الدين محمود. وكان زنكي من الأمراء المتقدمين، وفوض إليه السلطان محمود بن ملكشاه السلجوقي ولاية بغداد في سنة إحدى وعشرين وخمس مائة، ثم أمره السلطان محمود بالتجهيز إلى الموصل والاستعداد لقتال الفرنج بالشام، فوصل إلى الموصل، وملكها، ودفع الفرنج عن
(3/209)

حلب وقد ضايقوها بالحصار - ثم عاد إلى الموصل، فأقام بها، وهو من كبراء الدولة السلجوقية، فقتله ألفاطنية بجامع الموصل - يوم الجمعة تاسع ذي القعدة سنة عشرين وخمس مائة - جلسوا له في الجامع بزي الصوفية، فلما انفتل من صلاته قاموا إليه واثخنوه جراحاً لأنه كان قد تصدى لقتلهم، وقتل منهم عصبة كبيرة، فلما قتل رسم المسترشد أمير المؤمنين بتولية الموصل لولده زنكي، فتوجه زنكي إلى الموصل، فتسلمها وما والاها من البلاد، ثم توجه إلى قلعة جعبر فحاصرها، حتى أشرف على أخذها، فأصبح مقتولاً كما تقدم. وفيها أخذت الفرنج طرابلس الغرب بالسيف ثم عمروها. وفيها توفي شيخ الشيوخ أبو البركات اسماعيل ابن الشيخ أبي سعد - أحمد بن محمود النيسابوري البغدادي، وكان جليل القدر. وفيها توفي زنكي الأتابك صاحب الموصل وحلب، وكان فارساً شجاعاً ميمون النقيبة شديد ألفاس، قوي إلىأس عظيم آلهيبة، ملك الموصل وحلب وحماه وحمص وبعلبك وإلىها والمعرة. قتله بعض غلمانه كما تقدم وهو نائم وهربوا إلى قلعة جعبر. وفيها توفي أبو الحسن سعد الخير بن محمد الأنصاري الأندلسي المحدث. كان فقيهاً عألفا متقناً، رحل إلى المشرق، وتفقه على الإمام أبي حامد الغزالي وشيخ المقرئين بالعراق. وفيها توفي المقرىء النحوي أبو محمد عبد الله بن علي البغدادي.

سنة اثنتين وأربعين وخمس مائة
وفيها كان الغلاء المفيط - وفيما قبلها بإفريقية - حتى أكلوا لحوم الآدميين. وفيها توفي أبو الحسن بن الآبنوسي أحمد بن عبد الله البغدادي الشافعي الوكيل. سمع وتفقه وبرع، وقرأ الكلام والاعتزال، ثم لطف الله تعالى به وتحول سنياً.
(3/210)

وفيها توفي أبو جعفر أحمد بن عبد إلىحمن الأندلسي البطروجي أحد الأئمة. روى عن أبي علي الغساني وغيره. كان إماماً حافظاً بصيراً بالحديث ومعرفة رجآله وعلله، ومعرفة مذهب مالك ودقائقه. وله مصنفات مشهورة. وفيها توفي أبو القاسم علي ابن الإمام العلامة أبي نصر عبد السيد بن الصباغ. وفيها توفي أبو الفتح نصر الله بن محمد المصيصي ثم الدمشقي، الفقيه الشافعي الأصولي الأشعري. سمع من أبي بكر الخطيب، وتفقه على الإمام أبي نصر المقدسي، ودرس بالغزالية، وأفتى واشتغل، وصار شيخ دمشق في وقته. وفيها توفي الشريف أبو السعادات المعروف بابن الشجري: هبة الله بن علي العلوي الحسيني البغدادي النحوي اللغوي، صاحب التصانيف، كان متضلما من علم الآداب وأشعار العرب وأيامها وأحوآلها، كامل الفضائل. له عدة تصانيف، منها: كتاب الأماني، أو قال: الأمالي وهو أكبر تآليفه وأكثرها فائدة، أملاه في أربعة وثمانين مجلما، مشتملاً على خمسة فنون من علم الأدب. ولما فيغ من إملأنه حضر عنده أبو محمد المعروف بابن الخشاب، والتمس سماعه عليه، فلم يجبه إلى ذلك، فعاداه، ورد عليه في مواضع من الكتاب، ونسبه فيه إلى الخطأ. فوقف أبو السعادات المذكور على إلىد، فيد عليه في رده، وبين وجوه غلطه، وجمعه كتاباً سماه: الانتصار، وهو على صغر حجمه مفيد جداً، وسمعه عليه الناس. وجمع أيضاً كتاباً سماه: الحماسة، تضاهي به الحماسة لأبي تمام ألفائي، وهو كتاب مليح غريب، أحسن فيه. وله في النحو عدة تصانيف، وكان حسن الكلام حلو الألفاظ، فصيحاً جيد البيان والتفهيم، وقرأ الحديث على جماعة من الشيوخ المتأخرين. وذكره الحافظ أبو سعد بن السمعاني في كتاب الذيل، وقال: اجتمعت معه في دار الوزير أبي القاسم بن طراد الزينبي وقت قراءتي عليه الحديث، وعلقت عنه شيئاً من الشعر في المدرسة، ثم مضيت إليه وقرأت عليه جزءاً من أمالي أبي العباس الثعلب. وحكى أبو البركات عبد إلىحمن بن الأنباري في كتابه مناقب الأدباء: إن العلامة أبا القاسم محمود الزمخشري، لما قدم بغداد قاصداً للحج، مضى إلى زيارته شيخنا - أبو السعادات بن الشجري، ومضينا معه إليه فلما اجتمع به أنشده قول المتنبي:
واستأثر الأخبار قبل لمانه ... فلما التقينا صغر الخبر الخبر
(3/211)

ثم أنشد بعد دلك:
كانت مساءلة إلىكبان تخبرني ... عن جعفر بن فلاح أحسن الخبر
حتى التقينا فلا والله ما سمعتأذني بأحسن مما قد رأى بصري
فقال العلامة الزمخشري: روي عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه لما قدم إليه زيد الخيل قال له: " يا زيد، ما وصف لي أحد في ألفاهلية ولا في الإسلام إلا رأيته دون ما وصف لي غيرك ". قال ابن الأنباري: فخرجنا من عنده، ونحن نعجب كيف يستشهد الشريف بالشعر، والزمخشري بالحديث، وهو رجل أعجمي، هذا معنى كلام ابن الأنباري، وكان أبو السعادات المذكور نقيب ألفالبين بالكرخ نيابة عن ولده، وله شعر حسن، من ذلك قوله:
هذه السديرة والغدير ألفافح ... فاحفظ فؤادك إنني لك ناصح
يا سدرة الوادي الذي إن ضله ... ألفاري هداه نشرها المتفاوح
هل عايد قبل الممات لمغرم ... عيش تقضى في ظلالك صالح
شط المنار به ونوئي منزلاً ... بصميم قلبك فهو دان نازح
غصن تعطفه النسيم وفوقه ... قمريحف به ظلام طايح
ولقد مررنا بالعقيق فشاقنا ... فيه مراتع للمها ومسارح
ظللنا به نبكي، فكم من مضمر ... وجداً أذاع هواه دمع سافح
قلت ضله ألفاري رأيته الصواب، وفي الأصل المنقول منه: الوادي، ثم وجدته في نسخه أخرى كما ذكرت من الصواب. وهذه أبيات من قصيدة له في مدح الوزير المظفر بن علي الملقب بنظام الدين.

سنة ثلاث واربعين وخمس مائة
في ربيع الأول منها نازل الفرنج دمشق في عشرة آلاف فارس وستين ألف راجل، فخرج المسلمون من دمشق، وكانوا مائة وثلاثين ألف راجل وعسكر البلد، فاستشهد نحو مائتين، ثم برزوا في اليوم الثاني، فاستشهد جماعة، وقتل من الفرنج عدد كثير. فلما كان في اليوم الشامس وصل غازي وأخوه نور الدين في عشرين ألفا إلى حماه. وكان أهل دمشق في الاستغاثة والتضرع إلى الله تعالى، وأخرجوا المصحف العثماني إلى صحن الجامع، وضج النساء والأطفال مكشفين إلىؤوس، وصدقوا الافتقار إلى الله عز وجل
(3/212)

فأغاثهم، وركب قسيس الفرنج، وفي عنقه صليب وفي يديه صليب، وقال: أنا قد وعدني المسيح أن آخذ دمشق، فاجتمعوا حوله، وحمل على البلد، فحمل عليه المسلمون فقتلوه - لعنة الله تعالى - وقتلوا حماره، وأحرقوا الصلمان، ووصلت النجدة، فانهزمت الفرنج، وأصيب منهم خلق. وفيها توفي أبو الحسن علي بن أبي الوفاء المعروف بابن مسهر الموصلي. كان شاعراً بارعاً رئيساً مقدماً، يمدح الخلفاء والملوك والأمراء. وله ديوان شعر في مجلدين، ومن شعره في صفة الخيل.
سود حوافيها بيض حجافلها ... صبح تولد بين الصبح والغسق
من طول ما وطئت ظهر الدجى حنتاوطول ما كرعت من منهل الفلق
ومنها في صفة الفهد:
والشمس مذ لقبوها بالغزالة ... أعطته إلىشا حسداً من لونها اليقق
ويعطيه حباً كي يسالمها ... على المنايا نعاج إلىمل بالحدق
هذا ولم يبرزا مع سلم ... جانبه يوماً لناظره إلا على فيق
وهذه الأبيات مع جودتها مأخوذة من أبيات الأمير المعروف بابن السراج الصوري. ولابن مسهر أيضاً في بعض الرؤساء:
ولما اشتكيت اشتكى كل ما ... على الأرض واعتل شرق وغرب
لأنك قلب لجسم الزمان ... وما صح جسم إذا اعتل قلب
ومن غريب الاتفاق ما حكى أبو الفتح بن أبي الغنائم أنه رأى في منامه منشداً ينشد:
وأعجب من صبر القلوص التي سرت ... بهودجك المنموم أنى استقلت
وأطبق أحناء الضلوع على جوى ... جميع وصبر مستحيل مشتت
قال أبو الفتح: فلما انتبهت مكثت مدة أسائل عن قائل هذين البيتين، فلم أجد عنه مخبراً، ثم اتفق بعد سنين نزول ابن مسهر المذكور في ضيافتي، فتجارينا في بعض اللمالي ذكر المنامات، فذكرت له المنام الذي رأيته والبيتين فقال: أقسم بالله أنهما من شعري، من جملة قصيدة منها:
إذا ما لمان الدمع نم على الهوى ... فليس بشر ما الضلوع أحنت
(3/213)

فوالله ما أدري عشية ودعت ... أناحت حمامات النوى أم تغنت؟
وأعجب من صبر القلوص التي سرتبهودجك المنموم أنى استقلت
أعاتب فيك اليعملات على النوى ... وأسأل عنك الريح من حيث هبت
وألصق أحناء الضلوع على جوى ... جميع وصبر مستحيل مشتت
قال: فلما أنشدنا هذه الأبيات إلىقاق عجبنا من هذا الاتفاق. وفيها توفي أبو إسحاق الغنوي ابراهيم بن محمد بن نبهان إلىقي الصوفي الفقيه الشافعي. تفقه على الإمام حجة الإسلام الغزالي وغيره، وسمع رزق الله التميمي، وكان ذا سمت وعبادة، وهو راوي خطيب ابن نباتة. وفيها توفي محدث بغداد ومفيدها المبارك بن كامل الخفاف، وكان فقيراً متعففاً. وفيها وقيل في التي تليها: توفي الفقيه الإمام الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي المعافيي الأندلسي الأشبيلي، رحل إلى المشرق، ودخل الشام، ولقي بها الإمام محمد بن الوليد الطرطوشي، وتفقه عنده، ودخل بغداد، وسمع بها من جماعة، ثم دخل الحجاز فحج، ثم عاد إلى بغداد، وصحب الإمام أبا حامد الغزالي والإمام أبا بكر ألفاشي وغيرهما من العلماء والأدباء، ثم صدر عنهم ولقي بمصر والاسكندرية جماعة من المحدثين، فكتب عنهم، واستفاد منهم. ثم عاد إلى الأندلس، ثم قدم إلى اشبيلية بعلم كثير، ولم يدخل أحد قبله إلى المشرق من علماء المغرب في إلىحلة للعلم، وكان من أهل اليقين في العلوم والاستخبار والجمع لها، عارفاً متكلماً في أنواعها باقدامها حريصاً على نشرها، ثاقب الذهن في تمييز الصواب منها، مع آداب وأخلاق وحسن معاشرة، وكرم نفس. واستقضي ببلده، فنفع الله تعالى به أهلها لإبرام أمره ونفوذ أحكامه، وكان له في الظالمين صولة مرهوبة، ثم صرف عن القضاء، وأقبل على نشر العلم. وله مصنفات منها كتاب عارضة الأحوذي في شرح الترمذي كذا هو في الأصل المنقول منه قال: وألفارضة: القدرة على الكلام، يقال فلان شديد ألفارضة إذا كان ذا قدرة على الكلام، والأحوذي: الخفيف في الشيء لحذقه، وقال الأصمعي: المستمر في الأمور القاهرة لها. وفيها توفي أبو الدر ياقوت إلىومي عتيق بن الخباري. حدث بدمشق ومصر وبغداد. وفيها توفي أبو الحجاج الفندلاوي يوسف بن دوناس المغربي ألفالكي. كان فقيهاً
(3/214)

عألفا صألفا حلو المجالسة، شديد التعصب للأشعرية، صاحب حط على الحنابلة. قتل في سبيل الله في حصار الفرنج بدمشق، مقبلاً غير مدبر بالذيروز، وقبره يزار بمقبرة باب الصغير. وفيها قتل شاهنشاه ابن نجم الدين أيوب، في الوقعة التي اجتمع فيها الفرنج سبع مائة ألف ما بين فارس وراجل - على ما قيل - وتقدموا، إلى باب دمشق، وعزموا على أخذ بلاد المسلمين قاطبة، فنصر الله عليهم المسلمين - ولله الحمد -.

سنة أربع وأربعين وخمس مائة
فيها توفي القاضي أحمد بن محمد الأرجاني - بفتح آلهمنة وكسر إلىاء مع خلاف في تشديدها وتخفيفها وبعدها جيم - له شعر رائق، وكان قاضي تستر. وهو وإن كان في العجم ففي العرب محتدة. وكان فقيهاً شاعراً. وفي ذلك قوله:
أنا أشعر الفقهاء غير مدافع ... في العصر أو أنا أفقه الشعراء
شعري إذا ما قلت دونه الورى ... بالطبع لا بتكلف الالماء
كالصوت في قلل الجبال إذا عل ... للسمع هاج تجاوب الأصداء
قلت: ليس في الأصل المنقول منه قلل، بل لفظ آخر معناه غير مفهوم. ومن شعره:
لوكنت أجهل ما علمت لسرني ... جهلي كما قد ساءني ما أعلم
كالصعو يرتع في الرياض وإنما ... حبس آلهزار لأنه يترنم
والصعوة بالصاد المهملة، وآلهزار بالزاي المعجمة: طائران. ومنه:
شاور سواك إذا نابتك نائبة ... يوماً وإن كنت من أهل المشورات
فالعين تنظر منها ما دنا ونأى ... ولا ترى نفسها إلا بمرآة
ومنه:
أنحو كم ويرد وجهي القهقرى ... عنكم، فسيري مثل سير الكوكب
فالقصد نحو المشرق الأقصى لكم ... والسير رؤي العين نحو المغرب
(3/215)

ومنه:
أحب المرء ظاهره جميللصاحبه وباطنه سليم
مودته تدوم لكل هول ... وهل كل مودته تدوم؟
وهذا البيت الأخير يقرأ معكوساً، أعني: من آخره إلى أوله، ولا يتغير شيء من لفظه، ولا من معناه، وله ديوان شعر فيه كل معنى لطيف. وفيها توفي أبو المحاسن أسعد بن علي بن الموفق آلهروي الحنفي العبد الصالح، راوي الصحيح وألفارمي. وفيها توفي الحافظ لدين الله أبو الميمون عبد المجيد بن محمد العبيدي الرافضي صاحب مصر. وفيها توفي القاضي الإمام العلامة أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن موسى ابن عياض اليحصبي، أحد الحفاظ الأعلام. سمع من أبي علي بن سكرة، وأبي محمد بن غياث وطبقتهما، وأجاز له أبو علي الغساني، وولي قضاء سبتة مدة ثم قضاء غرناطة، وصنف التصانيف الجليلة المفيده، منها: الإكمال في شرح صحيح مسلم، كمل به: المعلم في شرح مسلم للإمام ألفازري. ومنها: الشفا في تعريف حقوق المصطفى. ومشارق الأنوار في تفسير غريب الحديث. وكان إمام وقته في الحديث وعلومه والنحو واللغة، وكلام العرب وأيامهم وأنسابهم، وهو من أهل اليقين في العلوم والذكاء. وله شعر حسن: ومنه قوله:
الله أعلم أني منذ لم أركم ... كطائر خانه ريش الجناحين
فلو قدرت ركبت البحر نحوكم ... فإن بعدكم عني جني حيني
والحين بفتح الماء: آلهلاك، وبالكسر: الوقت. وفيها توفي الحافظ المقدسي أبو الحسن علي بن أبي المكارم الاسكندارني ألفالكي، كان فقيهاً فاضلاً، من أكابر الحفاظ المشاهير في الحديث وعلومه، صحب الحافظ أبا طاهر السلفي. وفيها توفي الحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري، ولازمه وانتفع به ابن خلكان. وأنشدني أبو الحسن المقدسي المذكور لنفسه:
أيا نفس بألفاثور عنخير مرسلوأصحابه وألفابعين تمسكي
عساك إذا بالغت في نشر دينه ... بما طاب من نشر له أن تمسكي
وخافي غداً يوم الحساب جهنماً ... إذا لفحت نيرانها أن تمسك
(3/216)

قلت: وبيان الجناس في هذه القوافي الثلاث واختلاف معانيها أن الأولى من التمسك، والثانية من التطيب بالمسك، والثالثة من: مسه يمسه. قال: وأنشدني أيضاً لنفسه رحمة الله تعالى عليه:
ولمياء تحيي من تحيي بريقها ... كأن مناج إلىاح بالمسك فيها
وما ذقت فاهاً غير أني رويته ... عن الثقة المسواك، وهو موافيها
هذا المعنى مستعمل، ومنه قول الآخر:
وأخبرني أترابها أن ريقهاعلى ما حكى عود الأراك لذيذ
وقول الآخر:
يا أطيب الناس ريقاً غير مختبر ... إلا شهادة أطراف المساويك
وفيها توفي يوسف الدين غازي بن عماد الدين زنكي بن آقسنقر صاحب الموصل ملك غازي المذكور الموصل بعد أن كان مقطعاً شهرزو، من جهة السلطان محمود السلجوقي، وكذلك ما كان لأبيه من ديار ربيع، وترتيب أحوآله، وأخذ أخوه نور الدين محمود حلب وما والاها من بلاد الشام، ولم تكن دمشق يومئذ لهم، وكان غازي المذكور منطوياً على خير وصلاح، يحب العلم وأهله، وبنى بالموصل المدرسة المعروفة بالعتيقة، ولم تطل مدته في المملكة.
سنة خمس وأربعين وخمس مائة
فيها أخذت العربان ركب العراق، وأخذ للماتون - أخت السلطان مسعود - ما قيمته مائة ألف دينار، وتمنق الناس. ومات خلق جوعاً وعطشاً. وفيها نازل نور الدين دمشق وضايقها، ثم خرج إليه صاحبها مجير الدين، ووزيره ابن الصوفي، فخلع عليهما، ورد إلى حلب - ونفوس الناس قد أحبته لما رأوا من دينه -.
(3/217)

وفيها توفي المبارك بن أحمد الكندي البغدادي الخباز، سمع أبا نصر الزينبي، وعاصم ابن الحسن، وطائفة. وفيها توفي إلىئيس أبو علي الحسين بن علي النيسابوري، روى عن الفضل بن المحب وجماعة.

سنة ست وأربعين وخمس مائة
فيها توفي الحافظ أبو نصر عبد إلىحمن بن عبد الجبار، وكان صألفا فاضلاً متواضعا، سمع جماعة من شيوخ زمانه. وفيها توفي أبو الأسعد عبد إلىحمن بن عبد الواحد ابن الشيخ أبي القاسم القشيري خطيب نيسابور ومسندها. سمع من جده حضوراً، ومن جدته فاطمة بنت الدقاق، ويعقوب ابن أحمد الصيرفي وطائفة. وروى الكتب الكبار كالبخاري ومسند أبي عوانة. وفيها توفني الحافظ أبو الوليد الدباغ يوسف بن عبد العزيز اللخمي، ثم القرشي.

سنة سبع وأربعين وخمس مائة
وفيها توفي المقرىء الأستاذ أبو عبد الله محمد بن الحسن المعروف بألفاني. أخذ القراءات عن أبي داود وغيره، وسمع الحديث، وتصدر للإقراء وتعليم العربية، وكان مشاركاً في علوم جمة، صاحب تحقيقات وإتقان، ولي خطابة بلده. وفيها توفي القاضي أبو الفضل محمد بن عمر بن يوسف الفقيه الشافعي. ولد ببغداد، وسمع جماعة منهم ابن الشامون وابن المهتدي وابن الخياط. وكان ثقة صألفا، تفقه على الشيخ أبي إسحاق، وانتهى إليه علو الإسناد بالعراق، وولي قضاء دير ألفاقول. وفيها توفي محمد بن منصور النيسابوري. شيخ صالح، سمع القشيري ويعقوب الصيرفي والكبار - رحمه الله -. وفيها توفي السلطان مسعود بن محمود بن ملكشاه السلجوقي. استقل بالملك، وامتدت أيامه، وكان منهمكاً في اللهو واللعب، عاش خمساً وأربعين سنة، وكان قد آذى المقتفي، فقبض عليه شهراً، فمات. وقيل: حدث به القيء، وغلبه الغثيان، واستمر به ذلك إلى أن توفي. وكان قد اقتتل هو وأخوه محمود على الملك، فالتقيا، فانتصر عليه محمود، ثم تقلبت الأحوال بمسعود المذكور إلى أن تسلطن، وكان سلماناً عادلاً لين ألفانب، كبير
(3/218)

النفس، ففيق مملكته على أصحابه، ولم يكن له من السلطنة غير الاسم، وكان حسن الأخلاق كثير المناح والانبساط مع الناس، فمن ذلك أن أتابك زنكي - صاحب الموصل - أرسل إليه القاضي كمال الدين محمد بن عبد الله بن أبي القاسم الشهرزوري في رسالته، فوصل إليه، وأقام معه في العسكر، فوقف يوماً على خيمة الوزير حتى قارب أذان المغرب، فعاد إلى خيمته، فأذن المغرب - وهو في الطريق - فيأى إنساناً فقيهاً في خيمة، فنزل إليه فصلى معه، ثم سآله كمال الدين: من أين أنت؟ فقال: أنا قاضي مدينة كذا، فقال له كمال الدين: القضاة ثلاثة، قاضيان في النار، وهما أنا وأنت، وقاض في الجنة - وهو من لا يعرف أبواب هؤلاء الظلمة ولا يراهم - فلما كان من الغد أرسل السلطان، وأحضر كمال الدين إليه، فلما دخل كمال الدين عليه ورآه ضحك وقال: القضاة ثلاثة. فقال كمال الدين: نعم يا مولانا؛ فقال: والله صدقت؛ ما أسعد من لا يرانا ولا نراه.

سنة ثمان واربعين وخمس مائة
فيها خرجت الغز على أهل خراسان، وهم تركمان ما وراء اللهر، فالتقاهم سنجر، فاستباحوا عسكره قتلاً واسراً، ثم هجموا نيسابور، فقتلوا فيها قتلاً ذريعاً، ثم أخذوا بلخ، وأسر السلطان سنجر، فبقي في أيديهم -، وكانوا نحو مائة ألف - فلما ملكت الخطا ما وراء اللهر طردوا عنها هؤلاء الغز فنزلوا بنواحي بلخ، ثم ساروا وعملوا بخراسان ما لا يعمله الكفار من القتل والأسر والخراب والمصادرة والعذاب، ثم تجمع عسكر خراسان، فواقعوا الغز وقعات، كان الظفي في أكثرها للغز. وفي السنة المذكورة أخذت الفرنج عسقلان بعد عدة حصارات، وكان المصريون يمدونها بالرجال والذخائر، فاختلف عسكرها، وقتل منهم جماعة، فاغتنم الفرنج غفلتهم، فيكبوا الأسوار ودخلوها. وفيها توفي الزاهد ألفابد أبو العباس أحمد بن أبي غالب البغدادي الوراق. زاره السلطان مسعود في مسجده، فتشاغل عنه بالصلاة، وما زاده على أن قال: يا مسعود؛ اعدل وادع لي الله، أكبر وأحرم بالصلاة، فبكى السلطان، وأبطل المكوس والضرائب وتاب. وفيها توفي أبو الحسين إلىفاء أحمد بن منير الأطرابلسي ألفاعر المشهور. وكان رافضياً هجاء فائق النظم، وله ديوان.
(3/219)

وفيها توفي أبو عبد الله محمد بن نصر المخزومي ألفالدي، المعروف بابن القيسراني ألفاعر المشهور ومن الشعراء المجيدين والأدباء المتفننين - وكان بينه وبين ابن منير المذكور معارضة كجرير والفيزدق في زمانهما، وبينهما مهاجاة ومكاتبات وأجوبة، وكانا مقيمين بحلب، ومتنافسين في صناعتهما كما جرت عادة التظراء، ومن شعر ابن المنير المذكور:
وإذا الكريم رأى الخمول نزيلهفي منزل فالحزم أن يترحلا
فالبدر لما أن تضاءل جد في ... طلب الكمال فحازه متنقل
سفهاً لحلمك إن رضيت بمشربرنق ورزق الله قد ملأ الملا
ساهمت عيسك مر عيشك قاعداً ... افلا فليت بهن ناصية الفل
فارق ترق كالسيف سل فبان في ... متنيه ما أخفى القراب وأخمل
لا تحسبن ذهاب نفسك ميتة ... ما الموت إلا أن تعيش مذلل
لا ترض من دنياك ما أرضاك مندنس وكن طيفاًجلى ثم انجل
وصل آلهجير بهجر قوم كلما ... أمطرتهم شهداً جنوا لك حنظلا
لله علمي بالزمان وأهله ... ذنب الفضيلة عندهم أن تكمل
طبعوا على لؤم الطباع فخيرهم ... إن قلت قال وإن سكت تأولا
أنا من إذا ما الدهر هم بخفضه ... سامته همته السماك الأعزلا
والطرابلسي نسبة إلى طرابلس، وهي مدينة بساحل الشام قريبه من بعلبك، وقد تزاد آلهمنة في أولها، فيقال: أطرابلس، وقوله:
سفهاً بحلمك إن رضيت بمشرب ... رنق، ورزق الله قد ملأ المل
إلىنق: بإلىاء والنون وألفاف: قال في الصحاح: وإلىنق بالتحريك: مصدر قولك: رنق الماء بالكسر إذا تكدر، وعيش رنق: أي كدر، والله أعلم - ومن شعر ابن القيسراني:
والله لو أنصف العشاق أنفسهم ... فدوك فيها بما عزوا وما صانوا
ما أنت حين تغشى في مجالسهم ... إلا نسيم الصبا والقوم أغصان
وله هذا البيت من قصيدة وكان كثير الإعجاب به:
وأهوى الذي أهوى له البدر ساجداً ... ألست تري في وجهه أثر الترب
ومن معانيه البديعة قوله من جملة قصيدة رائقة:
هذا الذي سلب العشاق نومهم ... أما ترى عينه ملأى من الوسن؟
(3/220)

ألفالدي نسبة إلى خالد بن الوليد المخزومي. قال ابن خلكان هذا بزعم أهل بيته، وأكثر المؤرخين وعلماء الأنساب يقولون إن خألفا - رضي الله تعالى عنه - لم يتصل نسبه، بل انقطع منذ زمان - والله أعلم -. وفيها توفي أبو الفتح عبد الملك بن عبد الله الكروخي آلهرو، المشهور بالخير والصلاح، رحمه الله. وفيها توفي الزاهد الواعظ أبو الحسن علي بن الحسن، درس بالصادرية وقام عليه الحنابلة لأنه تكلم فيهم، وكان معظماً مفخماً في الدولة معرضاً عن الدنيا. وفيها توفي الملك العادل علي بن السلار الكردي ثم المصري وزير الظافي العبيدي صاحب مصر. وكان سنياً شافعياً، شجاعاً مقداماً، شهماً مائلاً إلى أرباب الفضل والصلاح، عمر بالقاهرة مساجد، وكان مع هذه الأوصاف ذا سيرة جائرة وسطوة قاهرة. يحكى أنه دخل يوماً على الموفق أبي الكرم بن المعصوم، فشكا إليه حآله من غرامة لزمته بسبب الولاية، فلما أطال عليه الكلام قال له: والله إن كلامك لا يدخل في أذني، فحقد عليه لذلك، فلما ترقى إلى درجة الوزارة طلبه، فخاف منه واستتر مدة، فنادى عليه في البلد وأهدر دم من يخفيه، فأخرجه الذي خبأه، فخرج في زي امرأة بإزار، وخف فعرف وأخمد، وحمل إلى الملقب بالعادل، فأمر بإحضار لوح خشب ومسمار طويل، وأمر به فألقي على جنبه، وطرح اللوح تحت أذنه، ثم ضرب المسمار في أذنه الآخرى وصار كلما صرخ يقول له: دخل كلامي في أذنك أم لا؟ ولم يزل كذلك حتى نفذ المسمار من الأذن التي على اللوح، ثم عطف المسمار على اللوح، ويقال إنه شنقه بعد ذلك، ثم آل الأمر إلى أن جهز عسكراً إلى جهة الشام، وجعل عليه عباس بن أبي الفتوح مقدماً، فكره المقدم المذكور فياق الديار المصرية وما هو عليه فيها من إلىاحة، وما يقاسيه في لماء العدو فيزق على العادل من قتله على فياشه في واقعة يطول ذكرها نسأل الله ألفافية من شر الدنيا وغوائلها. وفيها توفي أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستاني المتكلم على مذهب الأشعري، كان إماماً مبرزاً فقيهاً متكلماً، تفقه على أبي نصر القشيري وأحمد الخوافي وغيرهما، وبرع في الفقه، وقرأ الكلام على أبي القاسم الأنصاري، وتفيد فيه.
(3/221)

وصنف كتباً، منها نهاية الإقدام في علم الكلام: وكتاب الملل والنحل وتلخيص الأقسام لمذاهب الأنام في الكلام وكان كثير المحفوظ، حسن المحاورة، يعظ الناس. دخل بغداد وأقام بها ثلاث سنين، فظهر له قبول كثير عند العوام، وسمع الحديث من علي ابن المديني وغيره، وكتب عنه الحافظ أبو سعد عبد الكريم بن محمد السمعاني وذكره في كتاب الذيل. وشهرستان: بفتح السين المعجمة وإلىاء وسكون آلهاء بينهما والسين المهملة بعد إلىاء وقبل الألف المثناة من فوق وبعدها نون: وهو اسم لثلاث مدن: الأولى في خراسان بين نيسابور وخوارزم، وهي المشهورة، ومنها أبو الفتح المذكور، والثانية قصبة بناحية نيسابور من أرض فارس. والثالثة مدينة جي بأصبهان، بينها وبين مدينة أصبهان نحو ميل، وبها قبر الإمام إلىاشد بن المسترشد. وكان الشهرستاني المذكور يروي بالإسناد المتصل إلى النظام البلخي العالم المشهور ابراهيم بن بشار أنه كان يقول: لو كان للفياق صورة لارتاع لها القلوب، ولهدأ الجبال، ولجمر الغضا أقل توهجاً من حمله، ولو عذب الله أهل النار بالفياق لاستراحوا إلى ما قبله من العذاب. وكان يروي للدريدي أيضاً باتصال الإسناد إليه ومن قوله:
ودعته حين لا تودعه ... روحي ولكنها تسير معه
ثم افترقنا وفي القلوب لناضيق مكان وفي الدموع سعه
ويروي أيضاً مسنداً إليه:
يا راحلين بمهجة ... في الحب متلفة شقيه
الحب فيه بلية ... وبليتي فوق البلية
كل ذلك رواه ابن السمعاني في الذيل. وفيها توفي الإمام العلامة محيي الدين محمد بن يحيى النيسابوري شيخ الشافعية وصاحب الغزالي. انتهت إليه رئاسة المذهب بخراسان، وقصده الفقهاء من البلاد، صنف التصانيف ودرس بنظامية بلده، واستفاد منه خلق كثير، وبرع علماً وزهداً، وصنف كتاب: المحيط في شرح الوسيط والإنصاف في مسائل الخلاف، وغير ذلك من الكتب. ذكره الحافظ عبد ألفافي ألفارسي في تاريخ نيسابور، وأثنى عليه وقال: كان له حظ في التذكير واستمداد في سائر العلوم، وكان يدرس بنظامية نيسابور، ثم درس بمدينه هراة في المدرسة النظامية، ومن جملة مسموعاته ما سمعت من الشيخ أحمد بن علي المعروف بابن عبدوس بقراءة الإمام أبي نصر عبد إلىحمن ابن الأستاذ أبي القاسم عبد الكريم القشيري في سنة ست وتسعين وأربع مائة: وحضر بعض فضلاء عصره، وسمع فوائده وحسن ألفاظه
(3/222)

فأنشده:
رواة الدين والإسلام تحيى ... بمحيي الدين مولانا ابن يحيى
كأن الله رب العرش يلقي ... عليه حين يلقي الدرس وحيا
توفي شهيداً - رحمه الله تعالى في شهر رمضان، قتلته الغز لما استولوا - على نيسابور، ولما مات رثاه جماعة من العلماء، ومن جملتهم أبو الحسن علي بن أبي القاسم البيقهي، قال فيه:
يا سافكاً دم عالم متبحر ... قد طار في أقصى الممالك صيته
بالله قل لي يا ظلوم ولا تخف ... من كان محيي الدين كيف تميته؟
وفيها توفي الحافظ خطيب مرو أبو طاهر محمد بن محمد المروزي. تفقه على أبي المظفر السمعاني وغيره، وسمع من طائفة. وكذا معرفة وفهم مع الثقة والفضل والتعفف. وفيها توفي شيخ الصوفية ببلدة الخطيب أبو الفتح محمد بن عبد إلىحمن الكشميهني المروزي، آخر من روى كتاب البخاري عن محمد بن أبي عمران. وفيها توفي هبة الله بن الحسين بن أبي شريك ألفاسب، وكان حشوياً مذموماً.: فيها توفي صاحب الأحوال والكرامات أبو الحسن المقدسي.
؟؟؟

سنة تسع وأربعين وخمس مائة
فيها تمكن المقتفي بموت السلطان مسعود، وعرض عسكره، وكانوا ستة آلاف فارس، فأنفق فيهم ثلاثمائة ألف دينار، وجهزهم مع الوزير ابن هبيرة. وحرض بعض كبار الدولة السلطان محمد على قصد العراق، واستأذن في التقدم، فأذن في ذلك، فجمع التركمان وجاؤوا، فسار لحربهم المقتفي، ونازلهم أياماً، ثم عمل المصاف في رجب، فانهزمت ميسرة المقتفي، فحمل بنفسه ورفع الصرخة، وسل السيف وصاح: آل مضر، كذب الشيطان. فوقعت آلهزيمة على التركمان، وأخذ لهم في ما قيل أربعمائة ألف رأس غنم، وأسرت أولادهم، ثم مالوا على واسط، فسار ابن هبيرة بالعساكر، فهزمهم ورجع منصوراً، فتلماه المقتفي.
(3/223)

وفيها نزل ألفارجي علي بن مهدي - الملقب: عبد النبي - إلىتهامة اليمن بمن تبعه من العساكر، وهو يستبيح دماء الناس، وكانت عقيدته التكفير بالذنب. روى بالإسناد في سيرة الشيخ الكبير ألفارف بالله المعروف بالصياد: أحمد بن أبي الخير اليمني: قال صاحبه الشيخ الجليل ذو العطاء الجزيل شيخ شيوخ الطريقة وإمامهم عي علوم الحقيقة عبد الله بن علي الأسدي اليمني قال: كنت أنا والصياد متتآخيين بمدينة زبيد في زمن الحبشة، وكنا معتكفين في المسجد الجامع، فلما كان آخر دولة الحبشة سمعنا بظهور علي بن مهدي وإقبال الناس عليه - سمعنا به في قرية من قرى وادي زبيد - فقال لي الصياد: يا أخي سر بنا نشاهد هذا إلىجل، إن كان كما زعموا صألفا تباركاً بزيارته. قال: فتقدمت أنا وهو في يوم الأحد الثالث عشر من شعبان سنة تسع وأربعين وخمس مائة إلى أن وصلنا إلى المكان الذي هو فيه، فوجدنا معه خلما كثيراً - وهو يطعمهم التمر، ويقدمهم على الأكل أفواجاً أفواجاً، وقد نصبوا له خشباً من النخل، وبنوا له على رأسه بيتاً لا يطلعه إلا بدرجة فلما وصلنا قعدنا في طرف الناس إلى أن أكلوا جميعهم. وصاح صائحهم: من كان لم يأكل فلمات وإلا فلا يلومن إلا نفسه، فلم يجبه أحد، وطلعوا إلى السهوة التي هو قاعد عليها بغدأنه، وقد أبصرنا ولم نشعر بإبصاره لنا، فقال لبعض أصحابه: قدم إلى هذين إلىجلين - وأومى إلينا - فأتى رسوله فقال: أجيبوا الإمام - صلوات الله عليه - وهكذا ذكر: الصلاة عليه. قال فكر هنا، فلم يزل بنا حتى سرنا معه، فلما وصلنا إليه سلمنا عليه، فيحب بنا وبش بنا بشاشة عظيمة، وقدم الطعام إلينا، فقلنا: ما لنا به حاجة، نحن صيام، ولم نأكل شيئاً. فقال لنا: أريد من تفضلكما أن تصحباني إلى مسجد ألفازة، فأجبناه إلى ذلك، وخرج معنا في ذلك الوقت وقد تغدى فأخذنا طريق االساحل إلى أن وصلنا مسجد ألفازة، فدخلنا المسجد جميعاً بعد صلاة الضحى، فيكعنا ما شاء الله تعالى، وقعدنا ولم يقعد ابن مهدي المذكور، بل يطالع من ألفاب ساعة ومن ألفاقة ساعة، ولم يزل كذلك ساعة، ثم رمى نفسه في المحراب وقال: أنا جاركما من هذا الشخص الذي وصل إلينا - قلت: يعني أنا مستجير بكما منه - قال: فتقدمنا إلى ألفاب فإذا بزيلعي يمشي على البحر - وهو طويل وبيده عصا يتوكأ عليها - فلما وصل إلينا سلم علينا ودخل المسجد، فلما رأى ابن مهدي زعق عليه زعقة منكرة وقال: يا شيطان يا فتان، تدخل هذا المسجد اليوم؟! أقتلك وأريح
(3/224)

الناس منك. وحمل عليه يريد أن يضربه بالعصا، فأخذنا ندفعه عنه، ونسآله بالله أن يتركه لنا، فقد استجار بنا، فتركه، وركع ركعتين في المسجد، وودعنا، وخرج يمشي على الماء في طريقه التي أتى فيها. ورجع ابن مهدي إلى حالته الأولى يطالع من ألفاب تارة ومن ألفاقة تارة أخرى، فلما كان بعد ساعة أخرى، أقبل ورمى نفسه في المحراب وقال: أنا جاركما من هذا الذي وصل إلينا، فقمنا وطالعنا، وإذا برجل بدوي طويل أقبل من الخبت، وهو يمشي وبيده عصا، فلما وصل إلى المسجد سلم علينا، فلما رأى ابن مهدي في المحراب صاح عليه صيحة منكرة مثل الصيحة الأولى وقال: يا شيطان يا فتان، ما تعمل في هذا الموضع المبارك؟!! اليوم أريح الناس منك. وحمل عليه بعصا ليضربه، فلم نزل ندفعه عنه، ونسآله بالله أن يتركه، فلم يتركه إلا بشدة عظيمة. ثم ركع ركعتين في المسجد، وودعنا، ورجع في طريقه الذي جاء منها، فقال لنا ابن مهدي: أريد أن تصحباني إلى الموضع الذي وجدتماني فيه، فقال له الصياد: ما بقينا نصحبك، ولا نمشي معك. فلم يزل بنا حتى أنعمنا له أن نصحبه إلى قرية الأهواب - بالماء الموحدة - فلما خرجنا معه إليها تركناه
ورجعنا إلى زبيد في ذلك اليوم، فأقمنا بها مدة يسيرة، فلما كانت سنة أربع وخمسين وخمس مائة كثرت العساكر معه، وظهر منه ما ظهر من التكفير بالذنب واستباحة دماء المسلمين. انتهى. وفي سنة تسع وأربعين وخمس مائة المذكورة جاءت الأخبار أن السلطان محمود شاه قاصد بغداد، فاستعرض المقتفي جيشه، فزادوا على اثني عشر ألف فارس، فضعف عزم محمد شاه، فخامر عليه جماعة أمراء، ولجؤوا إلى الخليفة. وجاءت الأخبار بما لحق السلطان سنجر من الذل له اسم السلطنة، ولا يلتفت إليه وأنه يبكي على نفسه. وفيها في صفر أخذ نور الدين دمشق من مجير الدين أحمد بن بوري بن طغتكين على أن يعوضه بحمص، ولم ثم ذلك له، فغضب وسار إلى بغداد، وبنى بها داراً فاخرة، وبقي بها مدة، وبعث المقتفي عهداً بالسلطنة لنور الدين، وأمره بالمسير إلى مصر، فاشتغل عن ذلك بحرب الفرنج. وفيها توفي الظافي بالله أبو منصور اسماعيل ابن الحافظ لدين الله العبيدي. كان منهمكاً في الملاهي والقصف، وكان يأنس إلى نصر بن عباس ولد وزيره، فدس عليه من قتله، وأخفى قتله، ثم ذهب إلى أبيه عباس فأعلمه بذلك، وكان أبوه قد أمره بقتله، لأن نصراً كان في غاية الجمال وكان الناس يتهمونه به فقال له أبوه: قد أتلفت عرضك بصحبة الظافي وتحدث الناس فيكما، فاقتله حتى تسلم من هذه التهمة، فقتله. فلما كان الصبح من تلك الليلة حضر عباس إلى باب القصر، وطلب الحضور عند الظافي في شغل منهم، فطلبه الخدم في المواضع التي عادته أن يبيت فيها، فلم يوجد، فقيل لعباس: ما نعلم أين هو، فنزل عن مركوبه، ودخل القصر بمن معه ممن يثق بهم، وقال للخدم: أخرجوا إلي أخوي مولانا، فأخرجوا له جبرائيل ويوسف ابني الحافظ، فسآلهما عنه فقالا: سل ولدك عنه فإنه أعلم به منا، فأمر بضرب رقابهما وقال: هذان قتلاه، هذه خلاصة هذه القضية. والجامع الظافيي الذي بالقاهرة داخل باب زويلة منسوب إليه، وهو الذي عمره ووقف عليه شيئاً كثيراً - على ما يقال والله أعلم -. وفيها توفي أبو البركات عبد الله بن محمد بن الفضل الفياوي النيسابوري، كان رأساً في معرفة الشروط، حدث بمسند أبي عوانة، ومات من الجوع بنيسابور في فتنة الغز. وفيها توفي أبو العشائر محمد بن خليل القيسي الدمشقي، صاحب الإمام نصر المقدسي. وفيها توفي الحافظ أبو المعز - المبارك ابن أحمد الأنصاري. وفيها توفي مؤيد الدولة - وزير صاحب دمشق. ورجعنا إلى زبيد في ذلك اليوم، فأقمنا بها مدة يسيرة، فلما كانت سنة أربع وخمسين وخمس مائة كثرت العساكر معه، وظهر منه ما ظهر من التكفير بالذنب واستباحة دماء المسلمين. انتهى. وفي سنة تسع وأربعين وخمس مائة المذكورة جاءت الأخبار أن السلطان محمود شاه قاصد بغداد، فاستعرض المقتفي جيشه، فزادوا على اثني عشر ألف فارس، فضعف عزم محمد شاه، فخامر عليه جماعة أمراء، ولجؤوا إلى الخليفة. وجاءت الأخبار بما لحق السلطان سنجر من الذل له اسم السلطنة، ولا يلتفت إليه وأنه يبكي على نفسه. وفيها في صفر أخذ نور الدين دمشق من مجير الدين أحمد بن بوري بن طغتكين على أن يعوضه بحمص، ولم ثم ذلك له، فغضب وسار إلى بغداد، وبنى بها داراً فاخرة، وبقي بها مدة، وبعث المقتفي عهداً بالسلطنة لنور الدين، وأمره بالمسير إلى مصر، فاشتغل عن ذلك بحرب الفرنج. وفيها توفي الظافي بالله أبو منصور اسماعيل ابن الحافظ لدين الله العبيدي. كان منهمكاً في الملاهي والقصف، وكان يأنس إلى نصر بن عباس ولد وزيره، فدس عليه من قتله،
(3/225)

وأخفى قتله، ثم ذهب إلى أبيه عباس فأعلمه بذلك، وكان أبوه قد أمره بقتله، لأن نصراً كان في غاية الجمال وكان الناس يتهمونه به فقال له أبوه: قد أتلفت عرضك بصحبة الظافي وتحدث الناس فيكما، فاقتله حتى تسلم من هذه التهمة، فقتله. فلما كان الصبح من تلك الليلة حضر عباس إلى باب القصر، وطلب الحضور عند الظافي في شغل منهم، فطلبه الخدم في المواضع التي عادته أن يبيت فيها، فلم يوجد، فقيل لعباس: ما نعلم أين هو، فنزل عن مركوبه، ودخل القصر بمن معه ممن يثق بهم، وقال للخدم: أخرجوا إلي أخوي مولانا، فأخرجوا له جبرائيل ويوسف ابني الحافظ، فسآلهما عنه فقالا: سل ولدك عنه فإنه أعلم به منا، فأمر بضرب رقابهما وقال: هذان قتلاه، هذه خلاصة هذه القضية. والجامع الظافيي الذي بالقاهرة داخل باب زويلة منسوب إليه، وهو الذي عمره ووقف عليه شيئاً كثيراً - على ما يقال والله أعلم -. وفيها توفي أبو البركات عبد الله بن محمد بن الفضل الفياوي النيسابوري، كان رأساً في معرفة الشروط، حدث بمسند أبي عوانة، ومات من الجوع بنيسابور في فتنة الغز. وفيها توفي أبو العشائر محمد بن خليل القيسي الدمشقي، صاحب الإمام نصر المقدسي. وفيها توفي الحافظ أبو المعز - المبارك ابن أحمد الأنصاري. وفيها توفي مؤيد الدولة - وزير صاحب دمشق.

سنة خمسين وخمس مائة
فيها عسكر طلائع بالصعيد، وأقبل لماخذ القاهرة، فانهزم منه عباس وابنه الذي كان قتل الظافي، ودخل طلائع القاهرة بأعلام مشهورة بثياب سود، مظهراً للحزن، وفي الأعلام شعور نساء القصر، كن يبعثن إليه بها في طي الكتب حزناً على الظافي. وفيها توفي الإمام العلامة أبو العباس أحمد بن معد التجيبي الأندلسي الأقليشي سمع أبا الوليد بن الدباغ وطائفة، وبمكة من الكروخي، وكان زاهداً عارفاً متفنناً صاحب تصانيف مفيدة،: له شعر في الزهد. وفيها توفي، الحافظ محدث العراق أبو الفضل، محمد بن ناصر البغدادي، اعتني
(3/226)

بالحديث بعد أن برع في اللغة. قال ابن النجار: كان ثقة ثبتاً، حسن الطريقة متديناً، فقير متعففاً نظيفاً نزهاً، وقف كتباًِ وخلف ثياباً خليقة وثلاثة دنانير، لم يعقب. وفيها توفي أبو الكرم الشهرزوري المبارك بن الحسن البغدادي شيخ المقرئين ومصنف المصباح في العشرة، كان صألفا خيراً، قرأ عليه خلق كثير، وأجاز له أبو الغنائم بن الشامون وطائفة، وسمع من اسماعيل بن مسعدة وغيره، وقرأ القراءات على عبد السيد بن عتاب وطائفة، وانتهى إليه علو الإسناد. وفيها توفي قاضي القضاة بالديار المصرية أبو المعالي محلي بن جميع القرشي المخزومي الشافعي. ولي بتفويض العادل بن السلار، وله كتاب الذخائر في المذهب، من المصنفات المعتبرة. وفيها توفي الحافظ السلامي البغدادي محمد بن ناصر. كان حافظ بغداد في زمانه، أديباً وافي الحظ من الأدب، كثير البحث عن الفوائد وإثباتها، روى عنه الأئمة فأكثر وأخذ عنه علماء عصره، منهم الحافظ أبو الفيج بن الجوزي وأكثر روايته عنه. وفيها توفي الفقيه ألفاضل الورع الزاهد عمر بن عبد الله بن سليمان بن السري اليمني من جبال اليمن. توفي بمكة حاجاً. روى القاضي أبو الطيب طاهر ابن الإمام يحيى بن أبي الخير اليمني أنه كان قد أصابه بثرات في وجهه، فيام معالجتها على يد الحكيم، وارتحل إليه وكان في ذي جبلة - فيأى ليلة قدومه إليه عيسى ابن مريم - صلوات الله على نبينا وعليه - فقال: يا روح الله؛ امسح على وجهي وادع ل؛ ففعل، فلما قام من آخر ليلته وأمر الماء على وجهه وجد فيه خفة، وأحس عافية، فاستبشر بصدق رؤياه. فلما أسفي نظر في المرآة، فإذا وجهه قد صح وأنار، فحمد الله تعالى، ورجع إلى منزله قد عاماه العليم الحكيم. قلت: انظر - رحمك الله - كيف رام الشفاء من علاج الحكمة الكسبية، فشفاه الله تعالى بحكم الحكمة الوهبية الآلهية، ولم يجعل ذلك على يد من هو أفضل منه من الأنبياء، رده باللطف ومناسبة الحكمة من حكيم إلى حكيم ليكون شفاؤه بفضل تقدير العزيز العليم.

سنة إحدى وخمسين وخمس مائة
فيها توفي مسند أصبهان أبو القاسم اسماعيل بن علي بن الحسين النيسابوري، ثم الأصبهاني الصوفي، نيف على مائة سنة.
(3/227)

وفيها توفي أبو الحسن علي بن أحمد اليزدي الشافعي المقرىء الزاهد، برع في القراءات والمذهب، وصنف في القراءات والفقه والزهد، وكان رأساً في الزهد والورع. وفيها توفي الشيخ أبو البيان بن محفوظ القرشي الشافعي اللغوي الدمشقي الصوفي المعروف بابن الحوراني، كان أستاذاً ملازماً للحفظ - والمطالعة، كثير العبادة بالمراقبة، كبير ألفان بعيد الصيت، صاحب أحوال ومقامات، لازماً للسنة والأثر. وله تآليف وأذكار مسجوعة وأشعار مطبوعة، وأصحاب ومريدون، وفقراء بهديه يقتدون. كان هو والشيخ رسلان شيخي دمشق في عصرهما. وفيها توفي الخطيب أبو الفضل يحيى بن سلامة. كان علامة الزمان في علمه ومقرىء العصر في نظمه ونثره ومن نظمه الممدوح قوله
أشكو إلى الله من نارين: واحدة ... في وجنتيه وأخرى منه في كبدي
ومن سقامين: سلم قد أحل دمي ... من الجفون، وسلم حل في جسدي
ومن نمومين: دمعي حين أذكره ... يذيع سري، وواش منه بإلىصد
ومن ضعيفين: صبري حين أذكره ... ووده، ويراه الناس طوع يدي
وكان قد اشتغل بالأدب وبرع فيه، ثم اشتغل بالفقه على مذهب الإمام الشافعي، وأجاد فيه، وتولى الخطابة في فارقين، وتصدر للفتوى بها، واشتغل عليه الناس، وانتفعوا به، ولم يزل على رئاسته وجلالته وامادته إلى أن توفي - رحمه الله تعالى.

سنة اثنتين وخمسين وخمس مائة
فيها نازل بغداد محمد شاه ابن السلطان محمود، فاختلف عسكر المقتفي عليه، وقاتلت الشامة، ونهب ألفانب الغربي، واشتد الخطب، واقتتلوا في السفن أشد قتال، وفيق المقتفي الأموال والسلاح، ونهض أتم نهوض حتى إنه كان من جملة ما عمل له بعض الزخاجين ثمانية عشر ألف قارورة للنفط، ودام الحصار نحواً من شهرين، وقتل خلق كثير من الفييقين، وجاءت الأخبار بأخذ همذان - وهي لمحمد شاه - فقلق لذلك وقلت عليهم الميرة، وجرت أمور طويلة، ثم ترحلوا خائبين. وفيها خرجت الإسماعيلية على حجاج خراسان فقتلوا وسبوا، واستباحوا إلىكب
(3/228)

وضج الضعفاء والجرحى. شيخ اسماعيلي ينادي: يا مسلمون؛ ذهبت الملاحدة، فأبشروا، ومن هو عطشان سقيته، فبقي إذا كلمة أحد أجهز عليه، فهلكوا كلهم إلى رحمة الله.
وفيها اشتد القحط بخراسان، وتخربت بأيدي الغز، ومات سلمانها سنجر، وغلب كل أمير على بلد، واقتتلوا، وتغيرت إلىعية الذين نجوا من القتل. وفيها هزم نور الدين الفرنج على صفد وكانت وقعة عظيمة: وجاءت الزلزلة العظمى بالشام، فهلك بحلب تحت إلىدم نحو خمس مائة، وخربت أكثر حماه ولم ينج من بعض البلاد إلا خادم وامرأة، ثم عمرها نور الدين. وفيها أخذ نور الدين من الفرنج غزة ونابل. وفيها توفي الملقب بشمس الملوك ابراهيم بن رضوان السلجوقي، تملك حلب مدة مديدة، ثم أخذها منه زنكي وعوضه نصيبين. وفيها توفي سنجر الملقب بالسلطان الأعظم ابن السلطان ملك شاه ابن ألب أرسلان ابن أحمد السلجوقي صاحب خراسان، قيل: وأحد ملوك العصر وأعرفهم نسباً وأقدمهم ملما وأكثرهم جيشاً، خطب له بالعراقين وأرمينية وأذربيجان والشام والموصل وديار بكر وربيعة والجزيرة والحرمين وخراسان وغير ذلك. وكان وقوراً مهيباً ذا حياء وكرم وشفقة على إلىعية، وكان مع كرمه المفيط أكثر الناس مالاً، اجتمع في خزائنه من الجواهر ألف وثلاثون رطلاً، قيل: هذا ما لم يملكه خليفة ولا ملك، فيما يعلم. وفيها توفي أبو مروان عبد الملك بن ميسرة اليحصبي ثم القرطبي، أحد الأعلام ممن جمع الله له الحديث والفقه مع الأدب ألفارع والدين والورع والتواضع. وفيها توفي مسند بخارى عثمان بن علي البيكندي - بالموحدة ثم المثناة من تحت ثم النون بين ألفاف وألفال المهملة على ما ضبط بعضهم - كان إماماً عألفا ورعاً عابداً متعففاً.
(3/229)

وفيها توفي رئيس أصفهان وعالمها محمد بن عبد اللطيف الخجندي - بالماء المعجمة وألفال المهملة وبينهما جيم ونون. قال ابن السمعاني: كان صدر العراق في زمانه على الإطلاق إماماً مناظراً واعظاً جواداً مهيباً، كان السلطان محمود يصدر عن رأيه، وكان بالوزراء أشبه منه بالعلماء، درس ببغداد بالنظامية، وكان يعظ وحوله السيوف. مات فجأة في قرية بين همدان والكرخ. وفيها توفي القاضي الأجل أبو بكر بن محمد بن عبد الله الشافعي في شهر رمضان، وحضر موته الإمام العالم العلامة صاحب البيان يحيى بن أبي الخير اليمني العمراني، وقال حين نعي عليه: ماتت المروءة. قلت: ومثل هذا المقال يقال في كل وصف جميل مات من اتصف به إذا كان غألفا عليه، مشتهراً فيه، متميزاً على غيره به، كما بلغني أنه لما توفي الشيخ الصالح أبو محمد المعروف بالسكري المغربي - رحمة الله عليه - قال الشيخ الكبير السيد الشهير ألفارف بالله الخبير نجم الدين الأصبهاني - قدس الله روحه - مات الفقر من الحجاز. وهذا الشيخ أبو محمد المذكور هو ناظم القصيدة التي مفتتحها:
دار الحبيب أحق أن تهواها ... وتحن من طرب إلى ذكراها
أخذ القاضي أبو بكر المذكور الفقه عن الإمام العلامة زيد بن عبد الله اليفاعي. قلت: وقد تقدم نسبة الشافعي واليفاعي - وعلى الجملة - فالفيق بينهما أن الشافعي نسبة إلى جد واليفاعي إلى مكان. وكان هذا القاضي المذكور أديباً شاعراً مترسلاً فصيحاً، وله ديوان شعر مشهور في زمانه ومكانه، روى عن أبيه وخآله كتاب إلىسالة للمافعي، ومختصر المنني بروايتهما عن الشيخ الإمام عبد الملك بن محمد الشافعي، وولي قضاء اليمن من جبآلها إلى عدن، وكان له ولد يقال له محمد بن ابن أبي بكر، نبت نباتاً حسناً، وأخذ الفقه عن أخوآله بني عبد العليم، وكان له معرفة في علم الكلام واللغة والعربية وحسن الشعر، مات بالجند سنة ست وأربعين وخمس مائة، وقبره هنالك. ولما توفي أبوه بعده قبر هنالك أيضاً، ولأبيه فيه مدح ومرثية بأشعار كثيرة، ومن قصيدة له في ذلك:
جوار الله خير من جواري ... له دار لكل خير دار
وكان القاضي أبو بكر المذكور ذا جاه كبير وحظ عظيم عند الملوك، استوهب خراج الفقهاء، وخلصهم من المظالم، ولما قدم القاضي الإمام العلامة ذو الفضل العديد - الملقب
(3/230)

بالرشيد - من ديار مصر إلى اليمن أكرمه القاضي أبو بكر المذكور، وبجله، وكان الرشيد المذكور فاضلاً بارعاً ذا فنون كثيرة، وفضيلة شهيرة. وحكي انه أستأذن هو والجليس أبو المعالي المصري - ذات يوم على الوزير فلان - سماه - فلم يأذن لهما، واعتذر عن المواجهة، ووجدا عنده غلظة من الحجاب، ثم عاوداه مرة أخرى، واستأذنا عليه، فقيل لهما إنه نائم، فخرجا من عنده فقال القاضي الرشيد:
توقع لأيام اللئام زوآلهافعما قليل سوف تنكر حآلها
فلو كنت تدعو الله في كل حالة ... لتبقي عليهم ما أمنت انتقآلها
وقال صاحبه أبو المعالي:
لئن أنكرتم عنا ازدحاماً ... ليجتنبكم هذا الزحام
وإن نمتم عن ألفاجات عمداً ... فعين الدهر لا تنام
فلم يكن بعد أيام حتى نكب الوزير نكبة عظيمة. وفي السنة المذكورة توفي أبو الحسن محمد بن المبارك العكبري الفقيه الشافعي. أتقن المذهب على أبي بكر ألفاشي المستظهري، درس وأفتى وصنف وأقرأ له مصنف في شرح التنبيه للشيخ أبي إسحاق ومصنف في الأصول.
وفيها توفي ابن خميس أبو عبد الله الحسين بن نصرالموصلي الجهني الشافعي، الملقب تاج الإسلام. قال ابن خلكان: أخذ الفقه عن أبي حامد الغزالي ببغداد، وعن غيره وولي القضاء برحبة مالك بن طوق، ثم رجع إلى الموصل، وصنف كتباً منها: مناقب الأبرار على أسلوب رسالة القشيري ومناسك الحج وأخبار المقامات. قلت: وقول ابن خلكان: على أسلوب رسالة القشيري، ليس إطلاقه هذا بمرضي ولا صحيح، فإن رسالة القشيري جمعت أصناما من العقائد والآداب وذكر المقامات والأحوال وأسمأنها واصطلاحات المشايخ الصوفية، من ذلك: ذكر اللوامع والطوالع، والبوادة واللوائح، والمحبة والشوق، والأنس وآلهيبة، والسكر والغيبة، والفناء والبقاء، إلى غير ذلك مما يطول ذكره ومما لم يذكره في مناقب الأبرار المذكور، وإنما ذكر فيه مما يناسب ما في إلىسالة قوله: ومنهم ومنهم فحسب.
(3/231)

وخميس جده الأعلى، والجهني نسبة إلى جهينة القبيلة المعروفة من قضاعة، سكن في قرية من الموصل مجاور القرية التي فيها العين المعروفة بعين القيارة التي ينفع الاستحمام بها من ألفالج والرياح ألفاردة، وهي مشهورة في بر الموصل.

سنة ثلاث وخمسين وخمس مائة
قال ابن الأثير: فيها نزل ألف وسبعمائة من الإسماعيلية على رزق كبير للتركمان، فأخذوه، فأسرع عسكر التركمان، فأحاطوا بهم، ووضعوا فيهم السيف، فلم ينج منهم إلا تسعة أنفس - والحمد لله -. وفيها توفي الفقيه ألفاضل الورع الزاهد عمر بن اسماعيل بن يوسف. أخذ عن الإمام زيد بن الحسن المهذب وأصول الفقه، وكان رفيق الإمام يحيى بن أبي الخير في رحلتهما إلى احاطة، ورويا عنه: غريب الحديث في اللغة لأبي عبيد، ومختصر العين للمافي، وغير ذلك، وكان فاضلاً إماماً في العربية. أخذ الإمام يحيى عنه ألفافي والجمل للزجاجي، وأخذ عنه محمد بن موسى العمراني: الناسخ والمنسوخ في القرآن لأبي جعفر الصفار. وفيها توفي مسند الدنيا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السجزي ثم آلهروي الصوفي في الزاهد. كان مكثراً من الحديث عالي الإسناد، طالت مدته، فألحق الأصاغر والأكابر، سمع صحيح البخاري ومسند ألفارمي وعبد بن حميد بن جمال الإسلام ألفاؤدي في سنة خمس وستين وأربع مائة، وسمع من أبي عاصم الفضيلي ومحمد بن أبي مسعود ألفارسي وطائفة، وصحب شيخ الإسلام الأنصاري، وخدمه، وعمر ودخل بغداد، فازدحم الخلق عليه. وكان خيراً متواضعاً متودداً حسن السمت، متين الديانة محباً للرواية. وكانت ولادته بهراة في ذي القعدة سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، ووفاته ببغداد في ذي القعدة سنة ثلاث وخمسين وخمس مائة في رباط فيروز، وصلي عليه بالجامع صلاة الشامة، وكان الإمام في تلك الصلاة شيخ الشيوخ الأكابر أبو محمد محيي الدين عبد ألفادر الجيلي - قدس الله روحه - وكان الجمع متوافياً، ودفن في الشونيزي في الدكة المدفون فيها الشيخ رويم، وهو اخر من روى في الدنيا
(3/232)

عن ألفاؤدي. وفيها توفي الحافظ أبو مسعود عبد الجليل بن محمد الأصبهاني، أوحد وقته، وفي علمه، مع حسن طريقه وتواضعه. كان جيد المعرفة حسن الحفظ، ذا عفة وقناعة وإكرام للغرباء. وفيها توفي علي ابن عساكر المقدسي ثم الدمشقي الحساب، صحب الفقيه نصر المقدسي. وفيها توفي العلامة أبو حفص عمر بن أحمد النيسابوري الصفار، كان من كبار الشافعية ويذكر مع محمد بن يحيى، ويزيد عليه بالأصول، قال ابن السمعاني: هو إمام بارع مبرز، جامع لأنواع من العلوم الشرعية، سديد السيرة. مات يوم عيد الأضحى. وفيها توفي محمد بن عبد الله ألفاتب المعروف بابن التعاويذي البغدادي، ألفاعر المشهور، وله ديوان شعر. وكان باسمه - رأيته في أيام الناصر لدين الله، فالتمس أن ينقل باسم أولاده. ولما عمي سأل أن يجدد له راتب مدة حياته، فكان يواصل بشيء من الخشكار إلىومي، فكتب أبياتاً إلى صاحب المخزن الملقب بفخر الدين، ومن جملتها:
حاشاك ترضى أن تكون خزانتي ... كخزانة البواب والنقاط
سوداء مثل الليل شعر قفيزها ... ما بين طسوج إلى قيراط
قد كدرت حسني المضي وغيرت ... طبعي السليم وأرقبت أخلاطي
أخنت عليها ألفادثات وأفيطت ... فيها إلىداة أيما إفياط
فتول تدبيري فقد أنهيت ما ... أشكوه من مرضي إلى بقراط
وكان وزير الديوان ابن البلدي قد عزل أرباب الولايات، وصادرهم وعاقبهم، فعمل أبياتاً في ذلك منها:
يا قاصداً بغداد جز عن بلدة ... للجور فيها زجرة وعتاب
إن كنت طالب حاجة فارجع فقد ... سدت على إلىاجي لها الأبواب
ليست وما بعد الزمان كعهدها ... أيام يعمر ربعها الطلاب
ويجلها الرؤساء من ساداتها ... والجلة الأدباء والكتاب
والدهر في أولى حداثته وللأ ... يام فيها نضرة وشباب
والفضل في سوق الكرام يباع ل ... غالي من الأثمان والآداب
(3/233)

بادرت وأهلوها معاً فبيوتهم ... ببقاء مولانا الوزير خراب
قال ابن خانكا: وأما قصيدته المشتملة على التشبيب والمدح فإنها في نهاية الحسن، قلت: وقد اختصرت في ترجمته الكبيرة المشتملة على المحاسن النضيرة على هذه الألفاظ اليسيرة، التعاويذي نسبة إلى كتابة التعاويذ - بالذال المعجمة وهي الحروز. ذكر موته بعض المؤرخين في السنة المذكورة، وذكر بعهم في سنة أربع وثمانين - والله أعلم -. وفيها توفي الإمام الأوحد العالم الأمجد عبد الله بن يحيى بن أبي آلهثم الصنعي، وهو ابن ثمان وسبعين سنة، وقيل إحدى وثمانين. وكانت مدرسته في سهفنة. وروى ابن سمرة بسنده أنت الإمام يحيى بن أبي الخير كان يقول: عبد الله بن يحيى شيخ الشيوخ، وكانا متحابين يتزاوران، وحضر الإمام يحيى جنازته وهو وأصحابه من ذي الشرف - قال: وكان فاضلاً زاهداً ورعاً. روي أن ناساً من بني مليك ضربوه بالسيوف فلم تقطع سيوفهم، فسألوه عن ذلك فقال: كنت أقرأ سورة ياسين. قال: والذي أرويه أنه كان يقرأ آيات، وهي قوله تعالى: " ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم "، - البقرة 255 -، " فالله خير حافظاً وهو أرحم إلىاحمين " - يوسف 64 - و " حفظاً من كل شيطان مارد " - الصامات 7 - " وحفظاً ذلك تقدير العزيزالعليم " - فصلت 12 - " أن كل نفس لما عليها حافظ " - ألفارق 4 - " إن بطش ربك لشديد إنه هو يبدىء ويعيد وهو الغفور الودود " - البروج 12، 13، 14 -. إلى آخر السورة، قال: وهذه إلىواية وهي المشهورة. قال: وذكر أن الفقيه المذكور قال: خرجت يوماً مع جماعة، فيأينا ذئباً يلاعب شاة عجفاء، ولا يضرها بشيء، فلما دنونا منها نفي الذئب، فوجدنا في رقبة ألفاة كتاباً مربوطاً، فحللناه، فقرأنا فيه هذه الآيات. وله مصنفات مليحة منها: كتاب التعريف في الفقه، واحترازات المهذب، وكان يقوم بكفايته وما يحتاج إليه رجل من مشايخ بني يحيى، وهم بطن من يافع قلت: ويافع يقولون: هم أهل يحيى وأهل موسى وأهل عيسى، ثلاثة بطون بينهم بعض قرابة، وفيهم عز وشرف نفوس، فأهل موسى أخوالي - وألفالب عليهم الكرم والمشيخة وشرف النفوس - وأهل يحيى أخوال بني عمي - وألفالب عليهم العز والنجدة، ولا تزال الحرب بينهم وبين أعدأنهم ومن أهل يحيى المذكورين الولي الكبير الفقيه الشهير أبو بكر التغزي الذي كان السلطان الملك المؤيد في طوعه. وذكر ابن سمرة أنه تفقه بهذا الفقيه عبد الله بن يحيى المذكور خلق كثير.
(3/234)

؟؟؟؟

سنة أربع وخمسين وخمس مائة
فيها سارعبد المؤمن في مائة ألف، فنازل المهدية بحراً وبراً، فأخذها من الفرنج بالأمان، فخرجوا منها في البحر في وقت الشتاء، فغرق أكثرهم - ولله الحمد -. وفيها دخلت الغز بنيسابور، ووقعت فتنة وحروب وحمية وعصبية بين الشافعية والعلوية ومعهم الحنفية في نيسابور وتعبت إلىعية، وأحرقت أسواق ومدارس، ووقع القتل بالشافعية، ثم انتصروا وبالغوا في أخذ الثأر، وحرقوا مدرسة الحنفية. وفيها توفي أبو جعفر العباسي أحمد بن محمد بن عبد العزيز نقيب آلهاشميين، حدث ببغداد وأصبهان، وكان صألفا متواضعاً فاضلاً مسنداً.
وفيها توفي أبو زيد جعفر بن زيد الشامي الحموي، مصنف رسالة البرهان كان صألفا عابداً صاحب سنة وحديث. وفيها توفي الحسن بن جعفر المتوكل العباسي. وكان أديباً شاعراً صألفا. وفيها توفي محمد شاه ابن السلطان محمود بن محمد ابن ملك شاه السلجوقي، وكان كريماً عاقلاً.

سنة خمس وخمسين وخمس مائة
فيها توفي العميد ابن القلانسي حمنة بن أسد التميمي الدمشقي. وفيها توفي سلمان غزنة حسن شاه، تملك بعد أبيه بهرام شاه. وفيها توفي قاضي العراق أبو جعفر الثقفي عبد الواحد بن أحمد، ولاه المستنجد قضاء القضاة، وولي بعده ابنه جعفر. وفيها توفي ألفائز بنصر الله أبو القاسم عيسى بن الظافي العبيد، أقيم في الخلافة بعد قتل أبيه - وله خمس سنين، وقد تقدم أن نصر بن عباس قتله بأمر عباس، ولما كان صبيحة الليلة التي قتل فيها الظافي حضر عباس إلى المصر على جاري عادته في الخدمة،
(3/235)

وطلب الاجتماع به موهماً عدم اطلاعه على قتله، وطلبوه في جميع مظانه في القصر، فلم يقفوا له على خبر، فتحققوا عدمه. فأخرج عباس أخوي الظافي وقال: أنتما قتلتما إمامنا، وما نعرفه إلا منكما، فأصرا على الإنكار صادقين، فقتلهما في الوقت لنفي التهمة عن نفسه، ثم استدعى بولده ألفائز - وعمره خمس سنين كما تقدم، وقيل: سنتان - فحمله على كتفه ووقف في صحن ألفار، فأمر أن تدخل الأمراء، فدخلوا فقال لهم: هذا ولد مولانا، وقد قتل عماه أباه، وقد قتلهما كما ترون، والواجب إخلاص الساعة لهذا الطفل، فقالوا بأجمعهم: سمعنا وأطعنا. فصاحوا صيحة واحدة، فاضطرب منها الطفل، فبال على كتف عباس، وسماه: ألفائز، وسيره إلى أمه، واختل من تلك الصيحة، فصار يصرع في كل وقت، ويختلج، وخرج عباس إلى داره، ودبر الأمور، وانفيد بالتصرف - وكان وزيراً للظافي - وأما أهل القصر فإنهم اطلعوا على باطن الأمر، وأخذوا في الحيلة في قتل عباس وابنه، وكاتبوا طلائع ابن رزيك - بضم إلىاء وتشديد الزاي المكسورة وسكون المثناة من تحت بعدها كاف - الملقب بالملك الصالح، وكان إذ ذاك والي سبتة بني حصيب في الصعيد، وسألوه الانتصار لهم، وقطعوا شعورهم، وسيروها في طي الكتاب، وسودوا الكتاب، فلما وقف الصالح عليه اطلع من حوله من كبار الأجناد، وتحدث معهم في ذلك فأجابوه إلى الخروج معه، واستمال جمعاً من العرب، وساروا قاصدين القاهرة - وقد لبسوا السواد - فلما قاربوها خرج إليهم جميع من فيها من الأمراء والأجناد والسودان، وتركوا عباساً وحده، وخرج عباس في ساعته من القاهرة - ومعه ولده قاتل الظافي، وشيء من مآله وجماعة يسيرة من أتباعه - وقصدوا طريق الشام. وأما صالح فإنه دخل القاهرة بغير قتال، وما قدم شيئاً على النزول بدار عباس المعروفة بدار الشامون بن البطائحي، وقد ضاع مدرسة للحنفية، وتعرف بالسيوفية، واستحضر ألفادم الصغير الذي كان مع الظافي ومن معه من المقتولين، وحملوا وقطعت لهم الشعور، وانتشر البكاء والنياحة في البلد، ومشى الصالح والخلق قدام الجنازة إلى موضع الدفن، وتكفل الصالح بالصغير، ودبر أحوآله. وأما عباس ومن معه فإن أخت الظافي كاتبت فينج عسقلان بسببه، وشرطت لهم مالاً جزيلاً إذا أمسكوه، فخرجوا عليه وصادفوه، فتواقعوا واقتتلوا، وقتلوا عباساً وأخذوا مآله وولده، وانهزم بعض أصحابه إلى الشام، وسيرت الفرنج نصر بن عباس ألفاتل المذكور إلى القاهرة محتاطاً به في قفص حديد، فلما وصل تسلم رسولهم ما شرطوا لهم من ألفال، وأخذوا نصراً المذكور، ومثلوا به، ثم صلبوه على باب زويلة، ثم أحرقوه. هذه خلاصة
(3/236)

الواقعة وفيها طول - وأقيم بعد ألفائز المذكور العاضد وفي السنة المذكورة توفي المقتفي لأمر الله محمد بن المستظهر بالله بن المقتدي بالله العباسي. كان عألفا فاضلاً لبيباً، حليماً شجاعاً، مهيباً خليقاً للإمارة كامل السؤدد، لا يجري في دولته أمر وإن صغر إلا بتوقيعه، ووزر له علي بن طراد الزينبي، ثم أبو نصر بن حهيرة، ثم علي بن صدقة، ثم ابن هبيرة وحاجبه أبو المعالي بن الصاحب وجماعة بعده. وكان مليح الشبية عظيم آلهيبة، وكانت دولته خمساً وعشرين سنة، وقد جدد باباً للكعبة، واتخذ لنفسه تابوتاً من العقيق دفن فيه، وعقدت البيعة بعده لولده المستنجد بالله. وفيها توفي أبو الفتوح ألفائي محمد بن محمد آلهمداني صاحب الأربعين.

سنة ست وخمسين وخمس مائة
فيها توفي أبو حكيم اللهرواني الزاهد الفيضي، أحد من يضرب به المثل في الحلم والتواضع، أنشأ مدرسة بباب الأزج، واجتهد جماعة على امضأنه فلم يقدروا. وفيها توفي سلمان الغور الحسين بن الحسين. وفيها توفي سليمان شاه ابن السلطان محمد السلجوقي قيل: كان أهوج أخرق فاسقاً بل زيديقاً يشرب الخمر في نهار رمضان، قبض عليه الأمراء ثم خنق. وطلائع الملقب بالملك الصالح ابن رزيك، قد تقدم دخوله القاهرة لما استنجد به عند قتل الملك الظافي، فتولى الوزارة في أيام ألفائز، واستقل بالأمور وتدبير أحوال الدولة. وكان فاضلاً محباً لأهل الفضائل، سمحاً في العطاء سهلاً في اللماء جيد الشعر، ومن شعره:
كم ذا يرينا الدهر من أحداثه ... عبراً وفينا الصد والإعراض
ينسى الممات وليس يجري ذكره ... فينا فتذكرنا به الأمراض
ومنه:
ومهذهف ثمل القوام سرت إلى ... أعطافه النشوات من عينيه
(3/237)

ماضي اللماظ كأنما سلت يدي ... سيفي غداة إلىوع من جفنيه
والناس طوع يدي وأمري نافذ ... فيهم وقلبي الآن طوع يديه
فأعجب لسلمان يعم بعدله ... ويجور سلمان الغرام عليه
مع أبيات أخرى، ومنه:
مشيبك قد نضى صبغ الشباب ... وحل ألفاز في وكر الغراب
تنام ومقلة الحدثان تقضي ... وما ناب النوائب عنك نابي
وكيف بقاء عمرك وهو كنز ... وقد أنفقت منه بلا حساب
وكان المهذب عبد الله بن أسعد الموصلي قد قصده من الموصل مدحه بقصيدته ألفافية التي أولها.
أما كفاك تلاقي في تلاقيك ... ولست تنقم إلا فيط حبيكا
وفيم تغضب إن قال الوشاة: سلاوأنت تعلم أني لست أسلوكا
لا نلت وصلك إن كان الذي زعموا ... ولا شفا ظمئي جود ابن رزيكا
وهي من نخب القصائد. ولما مات ألفائز وتولى العاضد مكانه استمر الصالح على وزارته، وزادت حرمته، وتزوج العاضد ابنته، فاغتر بطول السلامة. وقد كان العاضد تحت قبضته، فيزق عليه من يقتله من أجناد الدولة، فكمنوا للصالح مرة بعد أخرى حتى قتلوه، وخرجت الخلع بمنصبه لولده العادل، وهذا الصالح المذكورهو الذي بنى الجامع على باب زويلة بظاهر القاهرة، وكان لما خرج أشرت على الوفاة قد أوصى ولده أن يتعرض لماور وزير مصر بسوء، وكان قد تمكن في بلاد الصعيد، ثم إنه قدم إلى القاهرة، وهرب العادل وأهله منها، وحمل من الذخائر ما لا يحصى، وندب شاور جماعة، فلحقوه وأخذوه أسيراً، وأحضروه إلى باب شاور، فوقف عنده زمناً طويلاً، ثم حبسه مدة، ثم قتله وتولى مكانه من الوزارة ومدة. ثم خرج عليه أبو الأشبال ضرغام بن عامر الملقب بفارس المسلمين اللخمي المنذري، وغلبه وأخرجه من القاهرة. وذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخه ابن شاور وصل إلى الملك العادل نور الدين مستنجداً، فأكرمه واحترمه، وبعث معه جيشاً، ثم إن شاور بعث إلى ملك الفرنج، واستنجده، وضمن له أموالاً، فيجع عسكر نور الدين إلى الشام، وحدث ملك الفرنج نفسه بملك مصر، فلما بلغ نور الدين ذلك جهز عسكراً، وجاءت أمور يطول ذكرها، ثم إن شاور المذكور قتل، وكان قتله عند مشهد السيدة نفيسة - رضي الله عنها - بين القاهرة ومصر، وكان طلائع المذكور أديباً شاعراً، فاضلاً جواداً، ممدحاً رافضياً، يجمع الفقراء ويناظرهم على الإمامة وعلى القدر، وله مصنف في ذلك.
(3/238)

وفيها توفي أبو الفتح عبد الوهاب بن محمد ألفالكي المقرىء. وفيها توفي سلمان ما وراء اللهر خاقان محمود بن محمد التركي، ابن بنت السلطان ملك شاه السلجوقي.

سنة سبع وخمسين وخمس مائة
فيها حج إلىكب العراقي، وحيل بينهم وبين البيت إلا شرذمة يسيرة، ورجع الناس بلا طواف. وفيها توفي أبو مروان عبد الملك بن زهير الإشبيلي طبيب عبد المؤمن وصاحب
التصانيف. وفيها توفي الشيخ الكبير الولي الشهير ذو الفتح الظاهر وألفال ألفاهر، والمعارف والأسرار، والكرامات والأنوار، والمقامات العلية والمواهب السنية، والأنفاس الصادقة والآيات ألفارقة: عدي بن مسافر الشامي ثم آلهكاري الزاهد. صحب الشيخ عقيلاً المنبجي والشيخ حماد الدباس، وإليه ينتسب ألفائفة العدوية. سار ذكره في البلاد، وتبعه خلق كثير، وعظم فيه الاعتقاد، وانقطع إلى جبل آلهكارية من أعمال الموصل، وبنى هناك زاوية، مال إليه أهل تلك النواحي ميلاً عظيماً، وقبره عندهم من المنارات المعدودة والمشاهد المقصودة - رضي الله تعالى عنه، ونفعنا به وبجميع الصالحين. وله كرامات كريمة وآيات عظيمة، منها أن بعض أصحابه كان مختلما بنفسه في بعض الصحارى، فقال له: يا سيدي، أشتهي الانقطاع في هذا المكان، فلو كان عندي ماء أشرب منه، وما أقتات به، فقام الشيخ إلى صخرتين كانتا هنالك، فوكز إحداهما فانفجرت منها عين ماء حلو عذب، ووكز الآخرى فنبتت فيها في الوقت شجرة رمان، وقال لها: أيتها الشجرة؛ أنبتي بإذن الله تعالى يوماً رماناً حلواً، ويوماً رماناً حامضاً، فقال صاحبه: وهو إسرائيل بن عبد المقتدر فأقمت هنالك سنين آكل من تلك الشجرة رماناً يوماً حلواً ويوماً حامضاً أحسن رمان وأطيبه في الدنيا. وفيها توفي الشيخ الإمام المحدث شيخ المحدثين سراج الدين أبو الحسن علي بن أبي بكر بن حمير اليمني آلهمداني. روى عن جماعة كثيرين، وروى عنه الإمام يحيى بن أبي
(3/239)

الخير صحيح البخاري وسنن أبي داود، واجتمع عليه جماعة، وسمعوا عليه الكتابين المذكورين. وكان في الحديث متقناً للرواية عألفا بصحيحه ومعلوله. قال الإمام يحيى بن أبي الخير: ما رأيت أحفظ من هذا الشيخ - يعني: علي بن أبي بكر المذكور - في حفظ الحديث ولا أعرف منه، قيل له: ولا في العراق؟ قال: ما سمعت، قال ابن سمرة: وعنه أخذ شيخ قاضي عدن أحمد بن عبد الله القريظي، وله تصنيف مليح يعرف بكتاب الزلازل والأشراط، قال: وإليه ينتهي سند أكثر أصحابنا، وسمع عليه خلق كثير في الجند وعدن وغيرهما من بلاد اليمن. وفيها توفي أبو سعيد المؤيد بن محمد الأندلسي ألفاعر المشهور، من أعيان شعراء عصره، وله نظم عجيب مشتمل على المعاني المبتكرة، من ذلك قوله في وصف طنبور:
وطنبور مليح الشكل يحكي ... بنغمته الفصيحة عندليبا
روى لما روى نغماً فصاحاً ... حواها في تقنلها قضيبا
كذا من عاشر العلماء طفلاً ... يكون إذا نشا شيخاً أديبا
ولبعضهم في هذا المعنى:
وعود له نوعان من لذة المنى ... فبورك جان مجتنيه وغارس
تغنت عليه وهو رطب حمامة ... وغنت عليه قينة وهو يابس

سنة ثمان وخمسين وخمس مائة
فيها توفي الشيخ الزاهد أحمد بن محمد بن قدامة، وكان خطيب جماعيل بفتح الجيم وتشديد الميم وبكسر العين المهملة بعد الالف واللام بعد مثناة من تحت ففي من الفرنج مهاجراً إلى الله عز وجل، ثم صعد إلى الجبل، وكانوا يعرفون بالصالحية - لنزولهم بمسجد بني صالح، ومن ثم قيل جبل الصالحية - وكان قانتاً لله زاهداً صألفا، صاحب جد وصدق وحرص على الخير - رحمه الله تعالى -. وفيها توفي ابن القطان هبة الله بن الفضل ألفاعر المشهور البغدادي، سمع الحديث من جماعة، وسمع عليه، وكان غاية في الخلاعة والمجون، كثير المناح والمداعبات، وله ديوان شعر، وذكره السمعاني في الذيل وقال: شاعر مجود مليح الشعر، رقيق الطبع، إلا أن آلهجاء غالب عليه، وهو ممن يتقي لمانه، كتبت عنه حديثين، وعلقت عنه مقطمات من
(3/240)

شعره، وذكر العماد في خريدة القصر: وكان مجمعاً على ظرفه ولطفه. وحكي أنه دخل يوماً على الوزير الزينبي وعنده الحيص - وقد عمل بيتين لا يمكن أن يعمل لهما ثالث، لأنه قد استوفى المعنى فيهما، فقال الوزير: وما هما؟ فأنشد:
زار الخيال بخيلاًمثل مرسلهفما شفاني منه الضم والقبل
ما زارني قط إلا كي يوافقني ... على إلىقاد فينفيه ويرتحل
فالتفت الوزير إلى الحيص وقال له: ما تقول في دعواه؟ فقال: إن أعادهما سمع لهما الوزير ثالثاً، فقال له الوزير: أعدهما، فوقف الحيص لحظة ثم أنشد:
وما درى أن نومي حيلة نصبت ... لطيفه حين أعيى اليقظة الحيل
(3/241)

المغرب الأقصى والأدنى وبلاد إفريقية وكثير من بلاد الأندلس - وتسمى أمير المؤمنين - وقصدته الشعراء، وامتدحته بالمدائح الحسان، وكان أبيض مليحاً، أسود الشعر وضياً، معتدل الشامة جهوري الصوت، فصيحاً عذب المنطق، لا يراه أحد إلا أحبه بديهة، وكان ملما عادلاً عظيم آلهيبة عالي آلهمة، كثير المحاسن متين الديانة، يقرأ كل يوم سبعاً، ويجتنب لبس الحرير، ويصوم الاثنين والخميس، ويهتم بالجهاد والنظر في الأمور، كأنما خلق للملك. وذكر عماد الأصبهاني في كتاب الخريدة أنه لما أنشده بعض الفقهاء:
ما هز عطفيه بين البيض والأسل ... مثل الخليفة عبد المؤمن بن علي
أشار إليه أن يقتصر على هذا البيت، وأمر له بألف دينار، ولما تمهدت له القواعد وانتهت أيامه خرج من مراكش إلى مدينة سلا، فأصابه بها مرض شديد، وتوفي بها رحمه الله تعالى - وعهد إلى ولده أبي عبد الله محمد، فاضطرب أمره، وأجمعوا على خلعه، وبويع أخوه يوسف. والكومي: بضم ألفاف وسكون الواو، وبعدها ميم: نسبة إلى كومية، وهي قبيلة صغيرة نازلة بساحل البحر من أعمال تلمسان. وذكر في بعض تواريخ المغرب أن ابن تومرت كان قد ظفي بكتاب يقال له: الجفي، وفيه ما يكون على يده، وقضية عبد المؤمن وجيشه واسمه وغير ذلك مما تقدم ذكره. وقال ابن قتيبة في أوائل كتاب اختلاف الحديث بعد كلام من علم باطنه بما وقع طويل: وأعجب من هذا التفسير - تفسير إلىوافض للقرآن الكريم وما يدعونه إليهم عن الجفي الذي ذكره سعد ابن هارون العجلي وكان رأس اليزيدية - فقال شعراً:
ألم تر أن الرافضين تفيقوا ... فكلهم في جعفر قال منكرا
وطائفة قالوا إمام ومنهم ... طوائف سمته النبي المطهرا
ومن عجب لم أقصه جلد جفيهم ... برئت إلى إلىحمن ممن تجفيا
مع أبيات أخرى. قم قال ابن قتيبة: وهو جلد جفيا دعوا أنه كتب لهم فيه الإمام كل ما يحتاجون إلى عمله كل ما يكون إلى يوم القيامة، قيل: ويعنون بالإمام: الإمام جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه وإلى هذا الجفي المذكور أشار أبو العلاء المعري بقوله:
لقد عجبوا لأهل البيت لما ... أتاهم علمهم في مسك جفي
ومرآة المنجم وهي صغرى ... أرته كل عامرة وقفي
وقوله في: مسك جفي: هو بفتح الميم وسكون السين المهملة: الجلد، والجقر: بفتح الجيم وسكون الماء وبعدها راء: من أولاد المعز، ما بلغ أربعة أشهر والاثني جفية. وكانت
(3/242)

عادتهم في ذلك الزمان أنهم يكتبون في الجلود والعظام والخزف، وما شاكل ذلك. وفيها توفي سديد الدولة ابن الأنباري صاحب ديوان الإنشاء محمد بن عبد الكريم الشيباني ألفاتب البليغ، أقام في الإنشاء خمسين سنة، وناب في الوزارة ونفذ رسولاً، وكان ذا رأي وحزم وعقل. وفيها توفي الفقيه العلامة الإمام مفيد ألفالبين وقدوة الأنام الذي سارت بفضائله إلىكبان، واشتهر علمه في البلمان، النجيب ألفارع صاحب البيان أبو زكريا يحيى بن أبي الخير اليمني، من بني عمران المنتسبين إلى معد بن عدنان. ولد في سنة تسع وثمانين وأربع مائة، وتفقه بجماعة، منهم: خآله أبو الفتوح، ومنهم الإمامان زيد بن عبد الله اليفاعي، وزيد بن الحسين ألفايشي، وموسى بن علي الصعبي، وعبد الله بن أحمد، وعمر بن اسماعيل بن علقمة، وسالم بن عبد الله، وغير هؤلاء المذكورين، ومنهم شيخه في الحديث، ومنهم شيخه في الفقه، ومنهم شيخه في النحو ومنهم شيخه في اللغة ومنهم شيخه في الأصول. وحفظ على - ما ذكر ابن سمرة -: كتاب المهذب واللمع للشيخ أبي إسحاق، والملخص والإرشاد لابن عبدويه، وكافي الفيائض للصرد، والذي ذكره من مسموعاته من الحديث صحيح البخاري وسنن أبي داود وجامع الترمذي، وقرأ في أصول الدين الحروف الستة، وتزوج في سنة سبع عشر بأم القاضي طاهر المذكور، وكان قد تسرى قبلها بحبسه. وتفقه ولده القاضي أبو الطيب طاهر المذكور، وخلفه في حلقته ومجلسه، وأجاب عن المشكلات في حياته، وجالس العلماء وروى عنهم، وأخذ عن غير واحد، وجاور في مكة سنين، فيوى عن كبار المحدثين في الحرم الشريف: كالأنصاري، وعن شيخ المقرئين أبي عبد الله محمد بن ابراهيم الحضرمي، ثم عاد إلى وطنه في سنة ست وستين، وولي قضاء ذي جبلة وأعمآلها من زمان بني مهدي إلى بعض أيام شمس الدولة من بني أيوب، وصنف مصنفات مليحة منها: مقاصد اللمع، ومنها كتاب في مناقب الإمامين الشافعي وأحمد بن حنبل، وجمع بين علم القراءات والحديث والفقه، وبرع في علم الكلام، وناظر بعض المخالذين بين يدي سلمان الوقت، فقطعه مراراً. رجعنا إلى ذكر والده الإمام يحيى بن أبي الخير، وفي سنة ثمان عشرة ابتدأ بمطالعة الكتب من شروح مختصر المنني والشامل لابن الصباغ وكتاب العدة والإبانة، وشرح التلخيص وغير ذلك من الفقهيات، فوجد فيها من المسائل ما ليس مذكوراً في المهذب
(3/243)

، فاستشار شيخه زيد بن عبد الله اليفاعي في ذلك، فأشار عليه بجمع ما ليس في كتاب المهذب، وشرع في تعليق كتاب الزوائد في السنة المذكورة، وولد ابنه طاهر سنة ثمان عشرة، وكمل كتاب الزوائد في سنة عشرين، وحج وزار في سنة إحدى وعشرين. وذكر ابن سمرة كلاماً فيما يتعلق بما جرى له في تلك الحجة من المناظرة والكلام في العقيدة مع بعض العلماء، رأيت تأخير ذكر ذلك إلى آخر ما يتعلق به الكلام، لئلا يفصل بين ما يتعلق بما نحن بصدده من تصنيفه، وبين غيره - مما يطول فيه الكلام ويباين في مذاهب الأنام ثم رجع فاستخرج كتابه المؤلف في الدور من كتاب ابن اللمان وغيره، ثم نظر في كتابه الزوائد، فإذا هو قد رتبه على ترتيب شروح مختصر المنني، وأغفل الدور وأقوال فقهاء الأمة من أرباب المذاهب المدونة المشهورة وغيرهم، فطالع وراجع، ثم ابتدأ بتصنيف كتابه البيان سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، وفيغ منه سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، فيتبه على ترتيب محفوظه - وهو المهذب - فجمع البيان في ست سنين، وجمع الزوائد في قريب من أربع سنين. قال ابن سمرة: وذكر في البيان عن الشريف العثماني مسائل تدل على غزارة علمه وفضله وجواز الأخذ باجتهاده ونقله. قلت وهذا الذي ذكره من نقله عن العثماني صحيح، وما ذكره من جواز الأخذ باجتهاد العثماني غير صحيح، فإن للعثماني في المذهب وجوهاً ضعيفة، جماهير أصحابنا على خلافها. ومن ذلك ما نقل عنه أن المكي وغيره ممن ينشىء إحرام الحج من مكة إذا طاف عند خروجه إلى عرفة، وسعى بعده يجزيه عن السعي المفيوض عليه في الحج، وهذ غير مسلم ولا موافق عليه، فإنه لا بد أن يقع السعي بعد طواف الاماضة أو طواف القدوم، ولا يصح بعد طواف لا يتعلق بمناسك الحج هذا هو المذهب الصحيح. وأما من أطلق من
المصنفين في المذهب قوله أنه يصح بعد طواف صحيح. وقول بعضهم أنه يصح بعد طواف ما فلا بد من تقييد ذلك بقولنا: متعلق بمنسك من مناسك الحج، وتكون القيود في ذلك أربعة: الأول بعد طواف، والثاني صحيح، والثالث من مناسك الحج، وإلىابع لم يتخلل بينه وبين السعي وقوف. ومع ذلك فإن كتاب البيان وإن كان كتاباً جليلاً منتفعاً به في الآفاق فإن فيه وجوهاً ضعيفة - ليس هذا الكتاب موضع تتبع ذكرها - ويكفي منها ما ذكروا أن الشاموم إذا قال: " إياك نعبد وإياك نستعين " ألفاتحة عند قراءة إمامه ذلك تبطل صلاته. ورجعنا إلى ذكر ما يتعلق بتصنيفه، قال ابنه القاضي طاهر: إنه ما علق الزوائد حتى
(3/244)

طالع في المهذب أربعين مرة بعد حفظه له. قلت: يعني أنه تكرر تتبع الكتاب لينظر: هل ما وجد من الزوائد في غيره فيه أم ل؟ لئلا يقع ما يسميه - زوائد ما هو موجود فيه - وذكر كلاماً مما يدل على قوة حفظه لكتاب المهذب وفهمه فيه، وتصرفه في معانيه وامادة الطلبة وتفهيمهم على حسب ما يليق بكل منهم من بسط الكلام والاقتصار على ما يحصل به الإفهام. قلت ولا شك أن إلىجل كان كذلك ماهراً في كثير من العلوم - سيما علم الفقه - خصوصاً كتاب المهذب، وعليه العمدة كان في جمعه كتاب البيان، ثم أضاف إليه ما ذكر من الزوائد كما فعل الشيخ في عبد الغفار في كتابه: ألفاوي كما نبه في خطبته بقوله: سميته ألفاوي لما حوى الفوائد الزوائد وما في اللماب، يعني أنه أودعه ما تضمنه كتابه المسمى باللماب، مع زوائد أخرى أضافها إليه. وبلغني أنه كثيراً ما كان يعتمد في جمع البيان على كتاب الشامل لابن الصباغ في بعض ما نقل. وروى ابن سمرة أنه لما فيغ من كتاب البيان سآله الفقيه محمد بن مفلح الحضرمي - وكان من جلة أصحابه أن يستخرج المسائل المشكلة، فاستخرج ذلك ووضعه في كتاب مستقل. وذكر أنه في أثناء تصنيف البيان اعتنر من التدريس لاشتغآله بجمعه. قلت: واللذة يجدها مع الاشتغال - خلقها الله تعالى في قلوب المشتغلين بالعلوم أو بالأعمال - ليكون عوناً على تحصيل المقاصد، بحيث إن الإنسان يقدم ذلك الشغل الذي هو فيه على غيره من حظوظ النفس، حكمة من الله تعالى ولطفاً، حتى أخبرني بعض شيوخنا أنه كان يتغذى بالاشتغال بالعلم، قلت: ولقد كنت في بعض الأوقات يبيت عشاي مطروحاً أول الليل إلى آخر وقت السحر، لما أجد من الميل إلى غيره. رجعنا إلى ما كنا. وذكر أنه أقام بسير بفتح السين المهملة وسكون المثناة من تحت وفي آخره راء وفي أوله موحدة مكسورة: مكان، حتى ظهرت حروب فيه وفتن، فانتقل إلى ذي السفا، ثم إلى ذي أشر، وأقام فيه سبع سنين يدرس ويقرأ، ثم ظهر ابن مهدي واستولى على زبيد وأعمآلها، ثم قويت شوكة ولده مهدي، وأغار على الجند وبواديها، وقتل من قتل في تلك النواحي سنة سبع وخمسين وخمس مائة، ثم في سنة ثمان أخذ جبال
(3/245)

اليمن وقتل فيها قتلاً ذريعاً، وحرق مسجدها في يوم الاثنين الثامن من شهر شوال، ثم رجع إلى زبيد ومات فيها، ثم ولي أخوه عبد النبي المعروف بالسيد والإمام، على ألسنة العوام، وأصحابه يقولون: عليه السلام وأسر أبا النور بن أبي الفتح، فمات في أسره بزبيد. وفي سنة اثنتين وستين أخذ المجمعة واستولى على مخلاف التعك، وزالت على يديه دولة آل زريع من المخلاف، دامت دولة بني مهدي خمس عشرة سنة وثلاثة أشهر وثمانية أيام، إلى أن قدم السلطان شمس الدين من الديار المصرية، ثم بعده سيف الإسلا، كلاهما من بني أيوب، وسيأتي ذكرهما مع غيرهما في تراجمهم إن شاء الله تعالى. وعبد النب، المذكور هو الذي جرى له مع الشيخين الكبيرين الوليين الشهيرين اليمنيين القديمين أبي العباس الصياد والشيخ علي الأسدي ما جرى في مسجد ألفازة من ساحل زبيد - على ما مضى ذكره. ولما كثر الفساد وخربت البلاد، وقتلت العباد في دولة بني مهدي انتقل الإمام أبو زكريا يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي المذكور إلى ذي السفال تغيباً عن الشرور، وتوفي في السنة التي تليها - رحمه الله تعالى - مبطوناً شهيداً، وما ترك فييضة في مرضه، فأقام ليلتين ينازع ويسأل عن أوقات الصلاة وذكر إلىاوي أنه كان ورده في كل ليلة سبع القران، يقرأه في صلاته، وربما قال في مائة ركعة. وكان من جملة تصانيفه: كتاب الانتصار في إلىد على القدرية الأشرار، وكتابه المشهور بغرائب الوسيط، ومختصر من إحياء علوم
الدين للإمام حجة الإسلام واشتهر من تصانيفه المذكورات كتاب البيان، وانتفع به وشاع فضله في البلمان، وعد من الكتب الستة المشهورة المفيدة المبسوطة في الفقه المشكورة - بل الله تعالى برحمته تراه، وشكر سعيه، وجعل الجنة مأواه - وفيه يقول ألفاعر: م حجة الإسلام واشتهر من تصانيفه المذكورات كتاب البيان، وانتفع به وشاع فضله في البلمان، وعد من الكتب الستة المشهورة المفيدة المبسوطة في الفقه المشكورة - بل الله تعالى برحمته تراه، وشكر سعيه، وجعل الجنة مأواه - وفيه يقول ألفاعر:
لله شيخ من بني عمران ... قد شاد قصر العلم بالأركان
يحيى لقد أحيى الشريعة هادياً ... بزوائد وغرائب وبيان
هو درة اليمن الذي ما مثله ... من أول في عصرنا أو ثاني
(3/246)

قلت: وأما ما ذكرت من تأخير الكرم على العقيدة، فذكر ابن سمرة أنه لقي الفقيه الإمام الواعظ الشريف محمد بن أحمد العثماني، وأنه ناظره في العقيدة - والشريف أشعري - فنظر الإمام يحيى مذهب الحنابلة، وذكر أنه استدل بالآية، وأنه ظهر بالحجة إلى أن نزف الشريف العرق من وجهه، كأنه يعني: خجلاً. وأما اجتماعه بالشريف المذكور، فظاهره الصحة، خلاف ما ذكر بعض الناس أنه اجتمع في تلك الحجة بأبي حامد الغزالي، وأنه بحث معه في المسائل الفقهية - وعليه فيو كما هو زي حجاج اليمن - وأن وأبا حامد أعجبه بحثه، فذلك غير صحيح، فإن الإمام أبا حامد توفي قبل ذلك في سنة خمس وخمسمائة. وأما ما ذكر من كون عقيدته حنبلية فصحيح بالنسبة إلى الحنابلة المتأخرين - حاشى الإمام أحمد - والمتقدمين منهم، وقد أوضحت ذلك، وأشبعت الكلام فيه في كتابي: المرهم، وإليه أشرت بقولي:
وفي حشويات كسوفان أظلما ... هما جهة والحرف حاش ابن حنبل
أعني أن ذلك مذهب الحشوية بعد أن أسفيت البدور لأئمة كل مذهب، وذكرت أن بدور المذاهب الثلاثة أنارت، وأنه حصل في بدور مذهب الحشوية كسوفان مظلمان، وهما ما ذكرت من القول بالجهة والحرف والصوت في كلام الله تعالى. وأما ما ذكرت - من كون الإمام أحمد والمتقدمين من أصحابه - براء مما ادعاه المتأخرون منهم، فممن نص على ذلك بعض الحنابلة: وهو الإمام أبو الفيج بن الجوزي، حتى ذكر أنهم صاروا شبه على المذهب باعتقادهم الذي يتوهم غيرهم أنه مذهب أحمد. وليس العجب من حنابلة الفيوع وإنما العجب من شافعية الفيوع كصاحب البيان المذكور ومن تابعه من أهل الجبال، والكلام معهم في شيئين: أحدهما الاحتجاج، والثاني الأئمة المحتجون. أما الاحتجاج فاستمداده من إلىاهين العقلية القواطع ونصوص الكتاب والسنة المنيرات السواطع، وذلك لعمري يحتاج في ذكره إلى مصنف مستقل مشتمل على مجلمات لايسع هذا المكان شيء منها. وأما الأئمة المحتجون فقد ذكرت منهم مائة إمام في كتابي: الموسوم بألفاش المعلم شاوش وكتاب المرهم المعلم بشرف المفاخر العلية في مناقب الأئمة الأشعرية، وما اجتلوا به من الفضائل والمحاسن الحميدة والطريقة السديدة والأوصاف الجميلة، ومن متأخريهم جمال الإسلام الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وتصنيفه في ذلك معروف - أعني تصنيفه في أصول الدين، وكذا فتياه التي رواها الإمام الحافظ أبو القاسم ابن عساكر، وأنه قال فيها:
(3/247)

الأشعرية رؤوس أهل السنة، وقد أوضحت ذلك في كتابي: المرهم. وكان الشيخ أبو إسحاق وحده فيه كفاية لصاحب البيان المذكور، فإنه هو وغيره معترفون له بالفضائل العديدة والمحاسن الحميدة والطريقة السديدة، والأوصاف الجميلة الملاح ألفاهدة له بالصلاح والفلاح. ومنهم شيخ الإسلام معدن الفضائل والمحاسن ومعتمد الفتاوى الشيخ محيي الدين النواوي، فقد ملأت محاسنه الآفاق، وحصل من الموالف والمخالف عليه الاتفاق، فكان فيه وحده كفاية لمن عاصره منهم، وأتى بعده، ومذهبه معروف في شرح مسلم وغيره من كتبه فيما يتعلق بالعقيدة. ومنهم حجة الإسلام أبو حامد الغزالي، ومحاسنه وفضائله وعلومه ودلائله أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تذكر، وقد وقف المذكور يحيى على كتابه: الأحياء، وهو في العلوم بحر تلاطمت أمواجه، ومرتقى سنام عسر معراجه. فكل واحد من الثلاثة المذكورين فيه كفاية للمقتدين، فكيف باجتماعهم مع ما حووه من الفضل والدين!! بل اجتماع ألوف منهم الإمامين من الأئمة الأعلام المبرزين من المشايخ العارفين أولي الأنوار والأسرار واليقين، والعلماء الفضلاء الشاملين من المذاهب الثلاثة المعروفة!! وفي عقيدة الشيخ الإمام عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام وحدها كفاية لمن رآها واعتقدها من العلماء، وكذا عقيدة الشيخ الكبير الولي الشهير أبي عبد الله القرشي، وقد ذكرت ألفاظها في كتابي المرهم، وكذلك عقيدة الإمام شهاب الدين السهروردي الموسومة بأعلام آلهدى، وغيرهم ممن يطول عددهم ويسمو مجدهم. قلت: وأما قول الخصوم من المذكورين وغيرهم: مذهبنا مذهب السلف، فهذا جهل منهم بمذهب السلف، فإن السلف ما خالفوا مذهب الخلف، إلا بعدم ذكرهم للماويل، مع اعتقادهم تنزيه الله تعالى عن سمات الخلق من التجسم والمكان والحركة والانتقال وسائر، سمات الحدوث والتغير والزوال، وقليل منهم وافق جمهور الخلف في ألفاويل، وقليل من الخلف وافق جمهور السلف في عدم ذكرهم ألفاويل. كل هذا حكاه الإمام محيي الدين النواوي عنهم في شرح صحيح مسلم، والعجب منهم، يقولون مذهبنا مذهب السلف، وهذا إمام المحدثين من السلف والخلف الذي مذهبه باهج ما أظلم ولا اندرس، شيخ الإمام
(3/248)

الشافعي: مالك بن أنس، تأول قول رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - " ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا ". الحديث بتأويلين: أحدهما ينزل ملائكته تعالى ورحمته، والثاني أنه محمول على الاستعارة لأجابة ألفاعي واللطف، كما يقال: نزل الملك عن سريره إذا عدل في سيرته ولطف برعيته.
أترى هؤلاء الخصوم يتوهمون أنهم أعلم وأدرى بالتحقيق، وأدين وأقرب إلى التوفيق مما ذكرنا من الأولياء العارفين، والعلماء الشاملين أولي النور والفهم والتدقيق!! كلا بل جمدوا على الظواهر، ما فهموا استحالتها بالبرهان ألفاطع، فهم كما قال الشيخ الإمام - شيخ الاسلام شهاب الدين السهروردي: - أيها الشامد المحيط به الجهات؛ فهمك ما ينتج لك إلا الجهات، يستحيل عندك أن لا يكون الشيء إلا في مكان -، وقد كان المكان لا في مكان يعني السماوات والأرض، إذ خلقنا بعد أن لم تكونا، فما ظنك بخالقهما تبارك وتعالى؟!! ولقد بلغني أن الإمام القاضي - طاهر ابن الإمام يحيى بن أبي الخير المذكور - لما شرح الله تعالى صدره للنور أنكر على والده مذهبه، وعنفه - وهو في مكة - بالمكاتبة، ولقد تعجبت من فقهاء جبال اليمن في عقائدهم بحضرة الشيخ الفقيه الصالح عبد الله ابن الشيخ الولي الشهير ذي المقام ألفالي، ألفاكن في ذي السفال، وسألته: من أين جاءهم هذا الاعتقاد؟ فقال لي: غرهم صاحب البيان. - هكذا يقول - والله تعالى على ما أقول وكيل. وأفهمني أن اعتقاده اعتقاد الإمام الغزالي، ولم يزل فقهاء الجبال كلهم قديماً، وبعضهم حديثاً - يقدحون في الإمام حجة الاسلام، وعقيدته السنية المخالفة لعقيدة الحشوية، وما ينكر فضل الغزالي ويسيء الظن به إلا كل مخذول محروم تعيس مشؤوم. فقد قال الشيخ الكبير ذو المناقب الكثيرة والفضائل الشهيرة: ألفارف بالله ذو النور القدسي أبو العباس - المعروف بالمرسي - لما ذكر الغزالي، إنا لنشهد له بالصديقية العظمى. وقال شيخه - شيخ الشيوخ في أوانه وقطبهم في زمانه - الشيخ أبو الحسن ألفاذلي قدس الله روحه: من كانت له إلى الله تعالى حاجة فليتوسل إليه بالإمام أبي حامد الغزالي. كل هذا رواه الشيخ الإمام تاج الدين عطاء الله في كتابه: لمائف المنن. وكذلك الفقيه الإمام ألفارف بالله تعالى رفع المقام الذي كثرت كراماته وعظمت، وقال للشمس يوماً: قفي، فوقفت، إلى أن وصل إلى موضعه الذي يريد من مكان بعيد: أبو الفدا اسماعيل بن محمد الحضرمي لما جاءته، فتوى من فقهاء الجبال يقولون فيها - لمبالغتهم في الطعن فيه -: هل يجوز قراءة كتب الغزالي؟ أجاب بجواب أوله: إنا لله وإنا إليه راجعون، وآخره: ومحمد بن محمد بن محمد الغزالي سيد المصنفين. وفقهاء جبال اليمن مخالفون لفقهاء تهامتها، كما ذكر ابن سمرة أنه وقع في زمان
(3/249)

صاحب البيان تكفير من بعض فقهاء الجبال لفقهاء زبيد، هذا كله لانطوأنهم على الجمود، وعدولهم عن طريق الحق المحمود. رجعنا إلى ذكر الغزالي، وكذلك الشيخ الكبير الولي الشهير أبي العباس المعروف بالصياد اليمني في كتاب سيرته إلىضية الشهيرة المروية ما هو معروف من كونه رأى في حال ورد عليه أبواب السماء، وقد فتحت، ونزل منهما عصبة معهم خلع خضر ومركوب، فجاؤوا إلى مقبرة، فانشق قبر منها، وخرج منه إنسان، فألبسوه تلك الخلع، وأركبوه على ذلك المركوب، وعرجوا به من سماء إلى سماء، ولم يزالوا كذلك إلى أن حرقوا السماوات السبع وسبعين حجاباً بعدها، قا: فسألت بعضهم: من هذا؟ قال: الغزالي. قال: ولا أدري أين بلغ انتهاؤه هذا في حال كشف ومشاهدة وحال من الأحوال الواردة. وأما المنامات المباركة إلىضية ألفالة على صحة عقيدة الأشعرية، من رؤية إلىسول عليه السلام وغيره، فها أنا أعقد لها وحدها فصلاً. فصل في ذكر بعض المنامات المباركة إلىضية ألفالة على صحة عقيدة الأشعرية من رؤية إلىسول عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام، وشيء من رؤية الأولياء والملائكة الكرام. من ذلك ما روى الإمام الحافظ ابن عساكر بسنده إلى الإمام الشيخ أبي الحسن الأشعري أنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في العشر الأواخر من شهر رمضان، فقال لي: يا علي، أنصر المذاهب المروية عني، فإنها الحق. - وكان ذلك سبب انتصابه للرد على المبتدعين -.
قلت ومن ذلك ما روينا بالإسناد الصحيح المتصل ألفالي المسلسل إلى سيد الخلق إلىسول الكريم المبخل صلى الله عليه وآله وسلم أنه باهى بالإمام الغزالي موسى وعيسى ابن مريم - صلوات الله تعالى على الجميع - وقال: أفي أفتيكما حبر كهذا؟ قالا: لا. وأخبرني به الشيخ الفقيه الإمام الولي الكبير إلىفيع المقام شهاب الدين المعروف بابن الميلق عن شيخه السيد الكبير الفقيه ألفارف بالله الشهير تاج الدين بن عطاء الله ألفاذلي، عن شيخه أستاذ الأكابر معدن الأنوار ملقح السرائر أبي العباس المرسي ألفاذلي، عن شيخه القطب أبي الحسن ألفاذلي المذكور شيخ الشيوخ ألفاذلية المشهور، أنه قال: رأيت النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - في المنام باهى بالغزالي وذكر ما تقدم.
(3/250)

ومن ذلك ما تقدم في ترجمة الإمام أبي حامد الغزالي في سنة خمس وخمسمائة من رواية الإمام الحافظ ألفاهر شيخ المحدثين أبي القاسم ابن عساكر في كتابه المشتمل على مناقب أبي الحسن الأشعري قال: سمعت الإمام الفقيه ابا القاسم سعد بن علي بن أبي القاسم ابن أبي هريرة الاسفيائيني الصوفي الأشعري بدمشق قال: سمعت الشيخ الأوحد زين القراء جمال الحرم أبا الفتح عامر بن النحام بن أبي عامر ألفاوي بمكة أنه رأى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وذكر قصة طويلة مشتملة على مرتبة جليلة للإمام أبي حامد المذكور، ذكرتها أيضاً في كتاب نشر المحاسن ألفالية، وفي كتاب: ألفاش المعلم، ومختصرها أنه رأى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بين اليقظة والمنام، فإذا بالأئمة أصحاب المذاهب جاؤوا يعرضون مذاهبهم عليه، فذكر أن أول من جاءه الشافعي، فبش به وأكرمه، ثم جلس بين يديه، ثم كذلك ذكر في الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه - وعرضا عليه مذهبهما، ثم كذلك كل ذي مذهب. قال: ثم جاء بعض المبتدعين ممن يبغض الصحابة بكتاب معه في كراريس ليعرضه، فطرد من بعيد، ولم يترك أن يصل إلى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وزجر، ورمي بالكراريس من يده، وأهين. قال إلىاوي: فلما رأيت أن القوم قد فيغوا - تقدمت وكان في يدي كتاب - فناديت وقلت: يا رسول الله؛ هذا معتقدي ومعتقد أهل السنة، لو أذنت لي حتى أقرأه عليك؛ فقال - صلى الله عليه وآله وسلم -: وإيش ذلك؟ قلت: يا رسول الله! هو قواعد العقائد الذي صنفه الغزالي.
فقعدت وابتدأت: بسم الله إلىحمن الرحيم، كتاب قواعد العقائد، وفيه أربعة فصول: الفصل الاول في كلمتي الشهادة. وذكر أنه قرأ العقيدة إلى أن انتهى إلى قول الإمام أبي حامد: معنى الكلمة الثانية وهي شهادة للرسول وأنه بعث إلىسول النبي الأمي القرشي إلى كافة العرب والعجم والجن والإنس. فلما بلغت إلى هذا رأيت البشاشة والتبسم في وجهه صلى الله عليه وآله وسلم حتى انتهيت إلى نعته وصفته التفت إلي وقال: أين الغزالي؟ فإذا بالغزالي فقال: ها أنا ذا يا رسول الله؛ فتقدم وسلم على رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فيد عليه الجواب، وناوله يده العزيزة، والغزالي يقبل يده ويضع خديه عليها تبركاً به وبيده العزيزة المباركة، ثم قعد فقال: فما رأيت - رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - أكثر استبشاراً بقراءة أحد مثلما كان بقراءتي عليه قواعد العقائد. ثم انتبهت من النوم - وعلى عيني أثر الدموع مما رأيت انتهى مختصراً. ومن ذلك ما رأيته بالإسناد المتقدم عن الشيخ أبي الحسن ألفاذلي، وذكرته في غير كتاب من كتبي، ومختصره أن الامام أبا الحسن بن حرزم المعروف في لمان الشامة بابن حرازم المغربي كان ينكر على الغزالي، ويطعن فيه، فيأى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - في المنام، وإذا بالغزالي قد اشكى به إليه، فأمر صلى الله عليه وآله وسلم بجلده. قال
(3/251)

الشيخ أبو الحسن ألفاذلي: ولقد مات يوم مات، وأثر السياط على جلده. قلت: وأخبرني بعض ذرية الشيخ ابن حرزم المذكور - وهو محرم جاث على ركبتيه باك بعينيه في الحرم الشريف - بزيادة على ما ذكرت مما هو مسطور في سيرد جده أنه كان جده المذكور مطاعاً في بلاد المغرب. وقال غيره: كان رئيس الفقهاء، فنظر في الإحيا، فقال: هو خلاف السنة. ثم التمس السلطان أن يأمر منادياً ينادي في البلاد بإحضار نسخ الإحياء، قال: فلما حضرت اجتمع هو والفقهاء، ونظروا فيها، وكان ذلك في يوم الخميس، فاجتمع رأيهم على أن يحرقوها يوم الجمعة بعد الصلاة. فلما كانت ليلة الجمعة رأى النبيً - صلى الله عليه وآله وسلم - في بعض الجوامع، ومعه أبو بكر وعمر والنور هنالك ساطع وهم جلوس فإذا بالإمام الغزالي قائم، فلما رآني قال: يا رسول الله؛ هذا خصمي. ثم جثا على ركبتيه، وزحف عليهما من مكانه إلى أن وصل إلى الموضع الذي فيه النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وناوله نسخة من كتاب الإحياء، وقال: يا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - هذا يزعم أني أقول عنك خلاف سنتك، فانظر فيه، فإن كان كما يزعم استغفرت الله تعالى وتبت، وإن كان شيئاً تستحسنه حصل لي من بركتك فخذ لي حقي من خصمي. قال: فنظر فيه رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - من أوله إلى آخره، ثم قال: إن هذا حسن، ثم ناوله الصديق رضي الله تعالى عنه فنظر فيه ثم قال: نعم، والذي بعثك بالحق إنه لحسن، ثم ناوله عمر - رضي الله تعالى عنه - فنظر فيه، ثم قال كذلك. قال إلىاوي أبو الحسن المذكور: فعند ذلك أمر بتجريدي، فضربت خمسة أسواط، ثم شفع في الصديق وقال: يا رسول الله، إنما فعل هذا اجتهاداً في سنتك وتعظيماً لها. قال: فعند ذلك عفا عني أبو حامد، وبقيت متوجعاً لذلك خمساً وعشرين ليلة، ثم رأيت النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - جاء، ومسح علي وتوبني فشفيت، ونظرت في الإحياء، ففهمته غير الفهم الأول. انتهى. قلت ومعلوم أن كتاب الإحياء مشتمل على عقيدة الأشعرية وعلى مذهب الصوفية، وقد استحسن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ذلك، وصاحباه، فلزم أن تكون العقيدة حسنة حميدة، وطريقة الصوفية رضية سديدة.
ومن ذلك ما أخبرني بعض الأخبار من أهل اليمن أنه شوهد الشيخ الإمام المحدث في
(3/252)

زبيد أحمد بن أبي الخير جألفا بحضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم يعرفه إلىائي، فقال: يا رسول الله، من هذا؟ فقال عليه الصلاة والسلام: هذا الذي لم ينزل على سنتي: أحمد بن أبي الخير. قلت: وعقيدته عقيدة الأشعرية، والدليل على ذلك أنه سالني بعض الفقهاء من أهل عدن، هو الفقيه عمر بن يحيى المعروف بابن الجراف بالجيم وإلىاء المشددة عن عقيدة أشير عليه بها ليعتمد عليها، فقلت له: عليك بعقيدة الإمام عز الدين بن عبد السلام - وإنما أشرت بها لأنها لإمام فحل في مبارزة الخصوم، مشهور بالمحاسن وتحقيق العلوم - فقال لي: قد أشارعلي بها الإمام أحمد بن أبي الخير، فأعجبني ذلك، وسررت به لكونه من أئمة المحدثين، وبعضهم يعتقد الظواهر.
قلت ومن ذلك منامات أخر مما يتعلق بي - مشتملة على كلام طويل أحكيها بلفظها أو معناها - والله على ما أقول وكيل. الله يجعل ذلك نصحاً لا تبجحاً، وإرشاداً لا تمدحاً، ويرزقنا السلامة من الزيغ والفتن ألفاطنة والظاهرة والعفو وألفافية في الدين والدنيا والآخرة. ومن ذلك ما أخبرني بعض مشايخ الصوفية اليمانيين المباركين الصالحين بمكة في بعض حجاته نفع الله تعالى ببركاته قال: لما دخلت تعز اجتمعت بجماعة من أهلها أو قال من فقهأنها فجرى ذكرك بقول لي فقالوا: ذاك أشعري يعني أنهم أخرجوا ذلك مخرج القدح في المذهب المذكور فقال: فبت وفي نفسي شيء من ذلك، فرأيت النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - في المنام فقلت: يا رسول الله ما تقول في فلان؟ فأجابه صلى الله عليه وآله وسلم بجواب يسر، أستقبح أن أذكره لكونه يتعلق بالمدح لي والوعد بما لست من أهله، وإن كان فضل الله تعالى أوسع من ذلك، أسأله من كرمه تعالى حصول نيله. ومن ذلك أنه جاءني في كتاب من اليمن من بعض الصالحين في عدن - قبل تاريخ هذا الكتاب بنحو سنتين - مشتمل على معارف وحكم ومواعظ وعبر، فيه كفاية لمن اتغظ واعتبر، وهو مختوم بكلام مضمونه أنه رأى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - في جامع أو قال: في مسجد، وهو معه، وفي ذلك المسجد حلمات كثيرة، فأخذ - صلى الله عليه وآله وسلم - بيده ومشى به إلى حلقة، ذكر في كتابه أني أنا المتحدث فيها، ثم قال له - صلى الله عليه وآله وسلم -: عليك بحلقة الفقيه فلان، وأشار إلي. قلت: ووجه الاستدلال بهذا على صحة العقيدة أن من أمر ألفارع بمجالسته فقد أرشد إلى الاقتداء به، ومن جملة ما يقتدى به من الخصائل الحميدة: صحة العقيدة.
(3/253)

ومن ذلك أنه كما سماني صلى الله عليه وآله وسلم في هذا المنام فقيهاً، فقد سماني في منام بعض الأولياء العارفين المنورين المكاشفين شيخاً واماماً. ومعلوم أن كل واحد من اللفظين متضمن لجواز الاتباع والاقتداء والإرشاد والاهتداء، ومن جملة الاقتداء الاتباع في الأقوال والأفعال والعقائد، وسائر الأحوال. وهذا المنام المذكور فيه كلام يطول، وسر ما فيه من المحصول ذكرته في باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم من كتابي: الموسوم بالإرشاد، ومختصره أنه رآني على سرير في قصر في بستان، وعندي الشيخ الكبير ألفارف بالله سهل بن عبد الله، وأني أتيت بأربع خلع خضر، لبست واحدة، وخلعت ثلاثاً على ثلاثة من أصحابي، وأن إلىسول - صلى الله عليه وآله وسلم - جاء إلى ذلك البستان وسأل عني وقال: أين الشيخ فلان؟ ما جئنا إلا لزيارته، وأنه مسح بيده الكريمة على رأسي، ودعا لي، وأوصاني فقال له أصحابي: أوصنا، فقال: أوصيكم بما أوصيت به إمامكم ولم أكن إماماً لهم في الصلاة فعم بالإمامة، وفيهم الفقيه والصوفي. ثم أتى - صلى الله عليه وآله وسلم - بطبق، فيه فواكه، فأخذ منه حبة رمان، وأطعم كل من هو حاضر في ذلك البستان، ومن جملة إطعامه الفواكه لي ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه ناولني بكفيه الكريمتين مرتين من بعض الثمار، وما رأى بعض الصالحين أنه رآني آكل رطباً بين يديه صلى الله عليه وآله وسلم ثم ذكر وصف ذلك إلىطب والظرف الذي هو فيه، وحسنهما. ومن ذلك ما رأى بعض الصالحين من العالمين: وهو الفقيه الإمام المشهور بالصلاح عند الفقهاء والعوام أحمد الجبرتي - المدفون في عدن في شهر رمضان - في المنام، ومعناه إن لم يكن لفظه بعينه أنه رأى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - مهتماً بأمر، فسأله عن اهتمامه، فقال عليه السلام: أريد أن أرى أربعة رجال في أربعة بلمان، وذكر من البلمان مكة والمدينة، وذكر للمدينة الشيخ عبد الوهاب الجبرتي وذلك في حياته رحمه الله تعالى أيام إقامته بالمدينة، وذكر لمكة ما هو مفهوم مما نحن بصدده وأستغفر الله العظيم من ذكره - ومعلوم أنه لا يولي إلا من يجوز الاقتداء به. ومن ذلك ما رأيت في المنام في بعض الأوقات المباركات في أوان التجرد والأنس في الخلوات وقد كان جماعة من أهل الخير والمشتغلين بالله تعالى لازموني في الإقامة معهم في بعض البلاد وقالوا: هو أصلح لك من الانفراد فمال ألفاطر إلى الانعزال، فذهبت عنهم سائحاً، فرأيت في المنام بعد أن قرأت سورة ألفائدة كأنه قد قرب طعام، وخصصت بشيء منه وحدي، وإلى جنبي جماعة جمعوا على طعام، فذهب أحدهم يمدح العزلة ويذم الاختلاط
فقلت له: قد ذكروا أن الخلطة أفضل لمن يسلم فيها. قال: ومن ذا الذي يسلم اليوم في الخلطة؟! ثم سمعت كأن أناساً يتجادلون في مسألة الجهة، وواحد منهم يقول: إن لم يكن جهة فليس للوجود صانع - تعالى الله عن قوله هذا - فلما كان بعد ساعة سمعت إنساناً يصرخ، وهو يعاقب ويضرب، فسألت بعض من حضر هنالك عن ذلك فقال: هو ألفائل القول المذكور في الجهة. ثم أبصرت جنداً كأنهم عسكر سلمان قد أقبلوا على خيل وحدها، ومعها هجا، وهم يلزمون الناس ويمنعونهم في اعتقادهم، ولهم هيبة عظيمة في القلوب، فخشيت أن يمسكوني، فمروا بجنبي مسرعين وقالوا: اثبت على اعتقادك، فأنت على الحق. فذهب عني ما كنت أجده من الخوف، ثم نظرت كأن بقربي بئرين وخضرة كالمزارع أو البساتين، وإذا إنسان يقول وهو يشير إلى إحدى البئرين: هذي بئر فلان، حسبت أنها أوسع وأنها أغزر ماء من الآخرى، وأشار إلي أنه أخطاء في اعتقاده. ثم انتبهت من منامي، وأفكرت فيه، ففهمت جميع إشاراته من فضيلة العزلة والتخصيص بألفائدة بعد قراءة سورة ألفائدة ومعاقبة المعتقد للجهة، وعسكر السلطان الممتحنين في العقائد والأديان، والإشارة بالثبات على الصحيح من العقيدات إلا البئرين، ونسبة أحدهما إلى الشخص المذكور، ثم بعد ساعة ذكرت أنه مخالف في اعتقاده للجمهور، وهو ابن تيمية ومذهبه في ذلك مشهور. ومن ذلك ما أخبرني السيد الكبير الشيخ الولي الشهير الشريف جلال الدين شيخ بلاد ملمان - أمتع الله بحياته، وأعاد علينا من بركاته - أنه أمر في المنام أن يقرأ على عقيدتي ويعتقدها، وغير ذلك مما يكثر ذكره مما يتعلق بالنبي عليه أفضل الصلاة والسلام، وبالأولياء والملائكة الكرام مما رأه لي الأولياء أهل الكرامات والهناء، وما رأيته أنا، والحمد لله الجميل الثناء على ما منح من النعم، وأزال من العناء، وجزى الله نبينا وسيدنا محمداً - صلى الله عليه وآله وسلم - أفضل الجزاء، وجمع بيننا وبينه وبين سائر الأحباب والمحبين في دار الكرامة والنعيم بمحض فضل الله الكريم. آمين اللهم آمين وصلاته وسلامه ورحمته وبركاته على عباده الذين اصطفى وخص من بينهم محمد المصطفى. وقد لوحت إلى شيء مما ذكرت ببعض الإشارات في ضمن هذه الأبيات، من بعض القصيدات وهي القصيدة الموسومة بنزهة الألفاب وطرفة الآداب، واستعارات المعاني الغراب، الممزوجة بحلاوة الشهد والحلاب في بيان حكم الإعراب. حيث أقول منها: فقلت له: قد ذكروا أن الخلطة أفضل لمن يسلم فيها. قال: ومن ذا الذي يسلم اليوم في الخلطة؟! ثم سمعت كأن أناساً يتجادلون في مسألة الجهة، وواحد منهم يقول: إن
(3/254)

لم يكن جهة فليس للوجود صانع - تعالى الله عن قوله هذا - فلما كان بعد ساعة سمعت إنساناً يصرخ، وهو يعاقب ويضرب، فسألت بعض من حضر هنالك عن ذلك فقال: هو ألفائل القول المذكور في الجهة. ثم أبصرت جنداً كأنهم عسكر سلمان قد أقبلوا على خيل وحدها، ومعها هجا، وهم يلزمون الناس ويمنعونهم في اعتقادهم، ولهم هيبة عظيمة في القلوب، فخشيت أن يمسكوني، فمروا بجنبي مسرعين وقالوا: اثبت على اعتقادك، فأنت على الحق. فذهب عني ما كنت أجده من الخوف، ثم نظرت كأن بقربي بئرين وخضرة كالمزارع أو البساتين، وإذا إنسان يقول وهو يشير إلى إحدى البئرين: هذي بئر فلان، حسبت أنها أوسع وأنها أغزر ماء من الآخرى، وأشار إلي أنه أخطاء في اعتقاده. ثم انتبهت من منامي، وأفكرت فيه، ففهمت جميع إشاراته من فضيلة العزلة والتخصيص بألفائدة بعد قراءة سورة ألفائدة ومعاقبة المعتقد للجهة، وعسكر السلطان الممتحنين في العقائد والأديان، والإشارة بالثبات على الصحيح من العقيدات إلا البئرين، ونسبة أحدهما إلى الشخص المذكور، ثم بعد ساعة ذكرت أنه مخالف في اعتقاده للجمهور، وهو ابن تيمية ومذهبه في ذلك مشهور. ومن ذلك ما أخبرني السيد الكبير الشيخ الولي الشهير الشريف جلال الدين شيخ بلاد ملمان - أمتع الله بحياته، وأعاد علينا من بركاته - أنه أمر في المنام أن يقرأ على عقيدتي ويعتقدها، وغير ذلك مما يكثر ذكره مما يتعلق بالنبي عليه أفضل الصلاة والسلام، وبالأولياء والملائكة الكرام مما رأه لي الأولياء أهل الكرامات والهناء، وما رأيته أنا، والحمد لله الجميل الثناء على ما منح من النعم، وأزال من العناء، وجزى الله نبينا وسيدنا محمداً - صلى الله عليه وآله وسلم - أفضل الجزاء، وجمع بيننا وبينه وبين سائر الأحباب والمحبين في دار الكرامة والنعيم بمحض فضل الله الكريم. آمين اللهم آمين وصلاته وسلامه ورحمته وبركاته على عباده الذين اصطفى وخص من بينهم محمد المصطفى. وقد لوحت إلى شيء مما ذكرت ببعض الإشارات في ضمن هذه الأبيات، من بعض القصيدات وهي القصيدة الموسومة بنزهة الألفاب وطرفة الآداب، واستعارات المعاني الغراب، الممزوجة بحلاوة الشهد والحلاب في بيان حكم الإعراب. حيث أقول منها:
ففي العلم مصباح وفي الجهل ظلمة ... تكون خلاف الاهتدا وضلائل
ولكن نور العلم بالله فائق ... على كل نور للعلوم وفاضل
ويتلوه علم الفقه، إذ عم نفعه ... به الخلق، والخلاق كل يعامل
(3/255)

فذاك هو المقصود لكنه إلى ... وسائل محتاج بها يتكامل
وللعلم فضل ليس يجهل قدره ... سوى جاهل ما فوق ذلك جاهل
فكم خبر قد صح عن سيد الورى ... بتفضيله القرآن في ذاك نازل
وهذا زمان فيه عزت سلامة ... وشيخ لإرشاد المريدين كامل
وشيخ تفيد ألفالبين علومه ... مع الفضل بالعلم المشرف عامل
وقد عز جدا ذلكم في كليهما ... وإن قلت معدوماً فما القول باطل
وممن له بالشيخ سمى نبينا ال ... إمام أبو إسحاق في شيراز نازل
بهذا روى السمعاني البحر في كتابه ... الذيل في تاريخ بغداد ناقل
وكان أبو إسحاق في ذا افتخاره ... دعاني النبي شيخاً لذلك قائل
وقد جوزوا أشباه هذا للاقتدا ... ومن ذاك قرآن بيوسف نازل
وإني لذو محل عن الخير إنما ... أرجى بمحض الفضل يخصب ما حل
عسى الله ربي أن يحقق لي الذي ... أشار به غر شيوخ أفاضل
بإبراز حكمات وما فيه غبطة ... لأهل زماني فاكهات فواضل
وما في المنام المصطفى لي مسمياً ... إماماً وشيخاً ما دعا لي قائل
كذاك فقيهاً قد دعاني مبادراً ... إلى حلقتي والعلم فيه محافل
رأى كل ذالي سيد بعد سيد ... من الأولياء والحمد الله كامل
فإن شئت صدق واقبل النصح أو تشافكذب ونصحي لا قبولاً تقابل
وهاك ثماراً في قصيد تنوعت ... فكل ما تشا مما له الطبع قابل
وما لم يناسب دع لمن فيه راغب ... فما لم له تكل فغيرك يأكل
فإن طباع الخلق شثى فجامد ... ولين طبع للمحبة مائل
بذكر استعارات المعاني شجونه ... وذكر الهوى كل به الذوق حاصل
فكم من رقيق الغزل لم يلق ناسجاً ... وعذب زلال لم يرد ذاك ناهل
يقر بأسماع جلاف تمجه ... وتمرر إن ذاقت قلوب علائل
وهل فاق للمال السقيم حلاوة ... ويحفظ للماء اللطيف المناخل
فإن قيل في ذي الحشو قل ذاك سكر ... ولوز، وفي هذين لذة مأكل
إذا ما سماط مد من عربية ... به الادم صرفاً والطباع موالل
وإن، كان معها زيرباج وغيره ... فمن كل لون يستطيب التناول
قلت: وفي قولي من عريبة إلى آخره إشارة إلى ما أدخلت في العربية من علوم واستعارات، وحب ووعظ واعتقاد، ومدح إلىسول عليه افضل الصلاة والسلام، ومدح الأولياء الكرام والحضرة والمدام، واستعرت عربية السماط المذكور، وهي ما يعتاده العرب
(3/256)

من المرقة الصرف في طبخ اللحم لصرف عربية النحو غير مخلوط به غيره، أعني نوعته بهذه الأنواع لئلا تمله بعض الطباع، علما مني بأن إخواننا المتصوفين يملون من الوقوف على مجرد ظاهر العلم، ولهذا قلت:
وها هي بألوان من الحلي تختلي ... بكل من الألوان في الحلو مائل
فإن صادفت بعض المعاني مولما ... أخا شجن في عندها ثماثل
خصوصاً إذا ما كان من مشرب الهوى ... له ذوق طبع أو مواجيد حاصل
وإبراز حكمات وما فيه غبطة ... لأهل زماني فاكهات فواضل
إشارة إلى ما ذكره ثلاثة من الأولياء الجلة العارفين بالله، فقولي بإبراز حكمات إشارة إلى ما قاله لي شيخنا وسيدنا وقدوتنا ألفارف بالله علي بن عبد الله الطواشي - قدس الله روحه - حيث قال: يا ما يبرز الله تعالى من هذا الصدر من الحكم وقولي: وما فيه غبطة: إشارة إلى ما قاله الشيخ الكبير الولي الشهير خالد بن شبيب الغزاوي، حيث قال وقد جرى ذكري في مجلسه: - يغبطه أهل زمانه فيما رواه بعض الصالحين عنه. وقولي: فاكهات فواضل: إشارة إلى قول الشيخ الكبير ألفارف بالله الخبير الشيخ عبد الهادي المغربي فيما روى عنه تلميذه عبد إلىزاق، وقد سئل عني: هو فاكهة زمانه. فهذا ما أشرت إليه من التنبيه لإزالة الإغماض في بعض هذه الألفاظ، فهذه الثلاث المذكورات مما أشار به الغر الأكابر الأفاضل المذكورون. ومما أشار إليه بعضهم أيضاً أنه قال: رأيتك قد أركبت فرساً، وحملت بين يديك غاشية، وحولك خلق، أو قال: بعدك، وأجلسك النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - على كرسي. وقال آخر منهم: رأيتك مزيناً بالذهب في يديك، والملائكة ترفعك في الهواء عند الكعبة، والحجر الأسود يضحك إليك، ورأيت في يدك عكازاً نصفه أخضر ونصفه أبيض، فسألتك عنه فقلت: هو من عند ربي عز وجل. وقال آخر منهم: سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من أصحب؟ فقال عليه السلام: فلاناً، وأشار إليك. وقال آخر منهم: سألت النبي عليه السلام في الصلاة أن يكفلك، فقال عليه الصلاة والسلام: قد فعلنا قبل أن تسأل. قلت: وأرجو من الله تعالى تحقيق ذلك وتحقيق ما قاله لي بعضم تجاه الكعبة لما أشار إلى شيء بشرني به، فقلت له: إن شاء الله تعالى، فقال لي: قد شاء، وما وعدني به صلى الله عليه وآله وسلم في منامي بعد أن شكوت إليه شيئاً فقال: أنا ظهرك أو سندك - مع ما تقدم من دعأنه صلى الله عليه وآله وسلم لي الدعاء المعين المذكور، وكذلك دعا لي صلى الله عليه وآله وسلم. - في أيام تعلمي - القرآن بدعاء ما فهمته بعد أن قبلت يده صلى
(3/257)

الله عليه وآله وسلم، وأظنه صلى الله عليه وآله وسلم فعل ذلك بي. والحمد لله على جميع ذلك، وأسأله الزيادة والإعادة من المهالك، وأن يجزي سيدنا محمداً وآله عنا أفضل الجزاء، وأن يوزعنا شكر نعمته، ويعيدنا من المكر والشقاء.

سنة تسع وخمسين وخمس مائة
فيها كسر نور الدين الفرنج، وأحاط بهم المسلمون فاستجر القتل والأسر بهم، فأسر صاحب أنطاكية وصاحب طرابلس ومقدم نصارى إلىو، وتسلم نور الدين بعض القلاع. وفيها سار ملك القسطنطينية بجيوشه، وقصد بلاد الإسلام، فلما قاربوا مملكة أرسلان جعل التركمان يبيتونهم، ويغزون عليهم في الليل، حتى قتلوا منهم نحو عشرة آلاف، فردوا بذل وخيبة، وطمع فيهم المسلمون، وأخذوا لهم عدة حصون. وفيها سار جيش نور الدين مع مقدم عسكر أسد الدين، فدخلوا مصر، وقتل الملك المنصور الضرغام الذي كان قد قهر شاور السعدي، ثم تمكن شاور، وخاف من عسكر الشام، واستنجد بالفرنج، فأنجدوه من القدس وما يليه، ثم صالحوا أسد الدين، ورجع إلى الشام. وفيها توفي صاحب سجستان أبو الفضل نصر بن خلف، عمر مائة سنة، ملك منها ثمانين سنة، وكان عادلاً حسن السيرة، وما بلغنا أن أحداً من الملوك بلغ ملكه مثل هذا القدر. وفيها توفي وزير صاحب الموصل محمد بن علي المعروف بالجواد الأصبهاني. كان دمث الأخلاق مسن المحاضرة مقبول المفاكهة، استوزره صاحب الموصل، وفوض الأمور وتدبير الدولة إليه، وظهر حينئذ جود الوزير، وانبسطت يده، ولم يزل يعطي ويبذل الأموال
(3/258)

ويبالغ في الإنفاق حتى عرف بالجواد، وصار ذلك كالعلم عليه، وأثر آثاراً جميلة، واجرى الماء إلى عرفات أيام الموسم من مكان بعيد، وعمل الدرج من أسفل الجبل إلى أعلاه، وبنى سور مدينة إلىسول صلى الله عليه وآله وسلم، وما كان قد خرب من مسجده، وكان يحمل في كل سنة إلى مكة والمدينة من الأموال والكسوات للفقراء والمنقطعين ما يقوم بهم مدة سنة. وكان له ديوان مرتب باسم أرباب إلىسوم والقصاد لا غير، وتنوع في فعل الخير حتى أنه جاء في زمنه غلاء مفرط، فواسى الناس حتى لم يبق له شيء، وكان إقطاعه عشر مغل البلاد على جاري عادة وزراء الدولة السلجوقية. وأخبر بعض وكلأنه أنه دخل يوماً فناوله بقيارة وقال له: بع هذا واصرف ثمنه إلى المحاويج، فقال له الوكيل: إنه لم يبق شيء عندك سوى هذا البقيار والذي على رأسك، وإذا بعت هذا ربما تحتاج إلى تغيير البقيار، فلا تجد ما تلبسه، فقال له: إن هذا الوقت صعب كما ترى، وربما لا أجد وقتاً أصنع فيه الخير كهذا الوقت، فخرج الوكيل، وباع البقيار وتصدق بثمنه. وله من النوادر أشياء كثيرة، وأقام على هذه ألفالة إلى أن توفي السلطان غازي وتولى أخوه قطب الدين، فاستكثر إقطاعه، وثقل عليه أمره، وقبض عليه، وحبسه إلى أن توفي مسجوناً في العشر الأخير من شهر رمضان - وقيل من شعبان في السنة المذكورة - وصلي عليه، وكان يوماً مشهوراً من ضجيج الضعفاء والأرامل والأيتام حول جنازته، ودفن بالموصل إلى بعض سنة ستين، ثم نقل إلى مكة - حرسها الله تعالى - وطيف به حول الكعبة بعد أن صعدوا به ليلة الوقفة إلى جبل عرفات، وكانو يطوفون به كل يوم مراراً مدة مقامهم بمكة، وكان يوم دخوله مكة يوماً مشهوراً من اجتماع الخلق والبكاء عليه وكان معه شخص مرتب يذكر مآثره، ويعقد محاسنه إذا وصلوا به إلى المزارات والمواضع المعظمة، فلما انتهوا به إلى الكعبة وقف وأنشد:
يا كعبة الإسلام هذا الذي ... جاءك يسعى كعبة الجود
قصدت في الشام وهذا الذي ... لم يخل يوماً غير مقصود
ثم حمل إلى مدينة إلىسول - صلى الله عليه وآله وسلم - ودفن بها بالبقيع بعد أن
(3/259)

أدخل المدينة وطيف به حول حجرة إلىسول - صلى الله عليه وآله وسلم -. وكان ولده الملقب جلال الدولة من الأدباء الفضلاء البلماء الكرماء، وله ديوان رسائل أجاد فيه، وجمعه أبو السعادات بن الأثير وسماه: كتاب الجواهر واللآلىء من إملاء المولى الوزير الجلالي.

سنة ستين وخمس مائة
فيها وقعت فتنةهائلة بأصبهان تعصباً للمذاهب، وبقي الشر والقتل والقتال ثمانية أيام حتى قتل خلق كثير، وأحرقت أماكن كثيرة. وفيها توفي أبو المعمر حذيفة بن سعد الأزجي. وفيها توفي فقيه أهل الجزيرة أبو القاسم عمر بن محمد الشافعي الجزري، إمام جزيرة ابن عمر ومفتيها. تفقه على الإمام الغزالي وغيره، وسمع عليه وعلى أخيه، وصحب ألفاشي صاحب كتاب المستظهري، واشتغل أولاً على الشيخ أبي الغنائم السلمي ألفارقي وعلى الكبار، وصار أحفظ أهل زمانه للمذهب، وله مصنف كبيرعلى أشكالات المهذب وغريب ألفاظه وأسماء رجاله، وكان من العلم والدين في محل رفيع، وانتفع به خلق كثير. وفيها توفي القاضي أبو يعلى الصغير محمد بن محمد ابن القاضي الكبير، أبو يعلى ابن الفراء البغدادي الحنبلي. وكان موصوفاً بالذكاء والفصاحة، ولي قضاء واسط، ثم عزل منها. وفيها توفي أبو طالب العلوي محمد بن محمد بن محمد الشريف الحسني البصري نقيب ألفالبين. روى عن أبي علي التستري وجعفر العبادي وجماعة، واستقدمه ابن هبيرة لسماع السنن، فروى الكتاب بالإجازة سوى الجزء الأول، فإنه بالسماع من التستري. وفيها توفي أبو الحسن ابن التلميذ أمين الدولة هبة الله بن صاعد النصراني البغدادي شيخ قومه وقسيسيهم.
(3/260)

وفيها توفي شيخ الطب جالينوس عصره صاحب التصانيف ووزير المقتفي أبو المظفر الملقب عون الدين يحيى بن محمد بن هبيرة. دخل بغداد شاباً، فطلب العلم وتفقه، وسمع الحديث وقرأ القراءات، وشارك في الفنون، وصار من فضلاء زمانه. ثم دخل في الكتاب، وولي مصارف الخزانة، ثم ترقى وولي ديوان ألفاص، ثم استوزره المقتفي، فبقي وزيراً إلى أن مات، وكان شامة بين الوزراء لعدله ودينه وتواضعه ومعروفه وفضائله. روى عن جماعة، ولما ولاه المقتفي امتنع من لبس خلعة الحرير، وحلف أنه لا يلبسها. وكان مجلسه معموراً بالعلماء والفقهاء والبحث وسماع الحديث. وشرح: الجمع بين الصحيحين، وألف كتاب العبادات في مذهب الإمام أحمد. ومات شهيداً مسموماً، وسمع منه خلق كثير منهم الحافظ أبو الفرج بن الجوزي واختصر كتاب إصلاح المنطق، وله أرجوزة في المقصور والممدود، وأرجوزة في علم الخط، وغير ذلك. ومدحه الشعراء منهم: أبو الفتح محمد بن عبد الله سبط ابن التعاويذي، قال:
سقاها الحياء أربع وطلول ... حكت دنفي من بعدهم ونحولي
ضمنت لها أجفان عين قريحة ... من الدمع مدرار الشوؤن همول
لئن حال رسم ألفارعما عهدته ... فعهد الهوى في القلب غير محيل
خليلي قد هاج الغرام وشاقني ... سنا بارق بالأجر عين كليل
ووكل طرفي بالسهاد بنظرتي ... قضاء مليء بالديون ملول
إذا قلت قد أنحلت جسمي صبابة ... يقول: وهل حب بغير نحول
وإن قلت دمعي بالأسى فيك شاهدي ... يقول شهود الدمع غير عدول
فلا تعذلاني إن بكيت صبابة ... على ناقض عهد الوفاء ملول
فابرح ما تمنى به الصب في الهوى ... ملال حبيب أو ملام عذول
ودون الكئيب الفرد بيض عقائل ... لعين بألفاب لنا وعقول
غداة التقت ألفاظها وقلوبنا ... فلم يجل إلا عن دم وقتيل
ألا حبذا والي الأراك وقد وشت ... برياك ريحا شمأل وقبول
وفي أبرديه كلما اعتلت الصباشفاء فؤاد بالغرامعليل
دعوت سلواً فيك غير مساعد ... وحاولت صبراً عنك غير جميل
تعرفت أسباب الهوى وحملته ... على كاهل للنائبات حمول
فلم أحظ من حب الغواني بطائل ... سوى رعي ليل بالغرام طويل
إلى كم تمنيني اللمالي بما جد ... رزين وقار الحلم غير عجول
أهز اختيالاً في هواه معاطفي ... وأسحب تيهاً في ثراه ذيولي
لقد طال عهدي بالنوال وإنني ... لصب إلى تقبيل كف مثيل
(3/261)

وإن يدي يحيى الوزير لمافل ... بها لي، وعون الدين خير كفيل
وأهدي إلى الوزير عون الدين دواة بلور مرصعة بمرجان، وفي مجلسه جماعة فيهم حيص بيص، فقال الوزير: يحسن أن يقال في هذه الدواة شيء من الشعر، فقال بعض ألفاضرين:
ألين لماود الحديد كرامةً ... يقدره في السرد كيف يريد
ولان ذلك البلور وهو حجارة ... ومعطفه صعب المرام شديد
فقال حيص بيص له: إنما وصفت صانع الدواة، ولم تصفهما؟! فقال الوزير: من غيره؟ فقال حيص بيص:
صيغت دواتك من يوميك فاشتبها ... على الأنام ببلور ومرجان
فيوم سلمك مبيض يفيض ندى ... ويوم حربك قان بالدم ألفاني
وقد تقدمت حكاية عنه في السبب الذي نال به الوزارة في ترجمة السيد الجليل الولي الحفيل ذي الوصف الجميل والمجد الأثيل معروف - عرفنا الله تعالى بركته - في سنة مائتين.

سنة إحدى وستين وخمس مائة
فيها كثر ببغداد إلىوافض والسب، وعظم الخطب. وفيها توفي مسند أصبهان الإمام أبو عبد الله الحسن بن العباس الأصبهاني إلىستمي الفقيه الشافعي، سمع أبا عمرو بن منده وطائفة، وتفرد ورحل إليه، وكان زاهداً ورعاً خاشعاً فقيهاً مفتياً محققاً، تفقه بجماعة. وفيها توفي الحافظ أبو محمد عبد الله بن محمد المغربي الصنهاجي. روى عن أبي الحسن الجذامي والقاضي عياض، وكان عألفا بالحديث وطرقه وبالنحو واللغة والنسب، كثير الفضائل وقبره بظاهر بعلبك. وفيها توفي قطب الأولياء الكرام، شيخ المسلمين والإسلام، ركن الشريعة، وعلم الطريقة، وموضح أسرار الحقيقة، حامل راية علما للمعارف والمفاخر، شيخ الشيوخ وقدوة الأولياء العارفين الأكابر، أستاذ أرباب الوجود أبو محمد محيي الدين عبد ألفادر بن أبي صالح الجيلي، قدس الله روحه ونور ضريحه، لما تحلى - رضي الله عنه - بحلل العلوم الشرعية ونال لمائفها، وتجمل بتيجان الفنون الدينية، وحاز شرائفها، وهجر في مهاجرته إلى الحق كل الخلائق، وتزود في سفره إلى ربه عز وجل أحسن الآداب وأشرف الحقائق، وعقدت له ألوية الولاية فوق العلى ذوائبها، ورفعت له منازل جلي له، في سماء القرب
(3/262)

كواكبها، ونظر قلبه إلى رقوم الفتح في ذيول الكشف عن الأسرار، وشخص سره إلى شموس المعارف من مطالع الأنوار. وأشهدت بصيرته عرائس الحقائق في مقاصير الغيوب، وأسكنت سريرته حضرة القدس في خلوة وصل المحب بالمحبوب، ورفعت أسراره إلى مشاهد المجد والكمال، ودام إحضاره في معالم العز والجلال، هنالك نكشف له علم السر المصون، واتضح له حقيقة الحق المكنون، واطلع على معاني خفايا مكامن المكنونات، وشاهد مجاري القدر في تصاريف المشيئات، واخترع الحكم من معادنها، وأظهر التحف من مكامنها، فآتاه الله الأمر النقي من تدنيس التلبيس بالجلوس للوعظ والتصدر للتدريس. وكان أول جلوسه للوعظ في الحلبة النورانية في شوال سنة إحدى وعشرين وخمس مائة، فجلس مجلما لله درة من مجلس، تجلله الهيبة والبهاء، وتحف به الملائكة والأولياء، فقام بنص الكتاب والسنة خطيباً على الأشهاد، ودعا الخلق إلى الله تعالى فأسرعوا إلى الانقياد، فيا له من داع أجابته أرواح المشتاقين، ومن مناد لبته قلوب العارفين، ومن حاد هيم ركائب النفوس في فلوات الشوق إلى رؤية الجمال، ومن هاد ساق نجائب القلوب إلى حمى الوصال، ومن ساق روى عطاش العقول من شراب القدس، وشوقها إلى منادمة الحبيب على بساط الأنس، وكشف براقع اللبس عن وجوه المعارف، ورفع أغطية الغين عن عين شرائف اللمائف، وهز أعطاف القلوب بوصف جمال القدم، وأرقص أشباح الأرواح بسماع نعت كمال الكرم - وناغي أطيار الأسرار في صوامع قدسها بألفان لذيذ أنسها، فطارت من أركان أطورها في حبها إلى أنوار أنوار هامع جنسها، وجلى عرائس المواعظ فدهثى لبهجة حسنها العشاق، وزف مخدرات المواهب فصبا لمعنى جمالها كل مشتاق، ونطق بنفائس الحكم من رياض أنس أينعت مروجها، وأبرز جواهر التوحيد من بحار علوم تلاطمت أمواجها، يرى من معانيها درراً وياقوتاً، ويجد من درها دواء ومن ياقوتها قوتاً، ودبج روض الحقائق بحدائق ذات بهجة فيا لها للمالكين إلى الله محجة وحجة، وبث لآلىء الفتح على بساط الإفهام، فتسابق لالتقاطها أولو الألفاب والأقلام، فتنضدت منها فوائد هدى في أعناق ذوي الهمم العلية، يصل المتحلي بها بإذن الله تعالى إلى مقامات السنية، فجال في النفوس مجال الإنفاس في الصدور، وعبق بالقلوب عبق إلىوض الممطور، وأبرأ النفوس من أسقامها، وشفى الخواطر من أوهامها، فما سمعه إلا من أوضح بالتوبة دجونه، أو من اكتحل بالبكاء جفونه، فكم رد إلى الله عاصياً، وكم ثبت الله به واهياً، وكم أصحى من خمر الهوى سكارى، وكم فك من قيود الناس أسارى، وكم اصطفى الله به أوتاداً وأبدالاً، وكم وهب الله به مقاماً وحالاً، وما زالت نجائب المواهب ترحل إليه. رحمة الله تبارك وتعالى عليه:
عبد له فوق المعالي رتبة ... وله المماجد والفخار الأفخر
(3/263)

وله الحقائق والطرائق في الهدى ... وله المعارف كالكواكب تزهر
وله الفضائل والمكارم والندى ... وله المناقب في المحافل تنشر
وله التقدم والتعالي في العلى ... وله المراتب في النهاية تكبر
غوث الورى غيث الندى نور الهدى ... بدر الدجى شمس الضحى بل أنور
قطع العلوم مع العقول فأصبحت ... أطوارها من دونه تتحير
ما في علاه مقالة لمخالف ... فمسائل الإجماع فيه تسطر
قلت هذا ما ترجمه فيه بعضهم، وهو كذلك، بل فوق ذلك. وأما ترجمة الذهبي في قوله: والشيخ عبد ألفادر بن أبي صالح الزاهد: فمدحه بصفة الزهد، التي هي من أوائل منازل ألفالكين المبتدئين من المريدين، وقول: انتهى إليه التقدم في الوعظ والكلام على الخواطر؛ فغض من منصبه ألفالي، وقدح لا مدح فيما له من المفاخر والمعالي.
فمن مدح ألفادات أهل نهاية ... وسامي مقامات بأوصاف مبتدي
فقد ذمهم فيما به ظن مدحهم ... وكم معتد فيها بزعمه مهتدي
وهو ألفائل - رضي الله تعالى عنه - منطقاً بالهدى والمعارف والحكم. لا بالهوى والخرافات والخطوط التي تذمم:
ما في الصبابة منهل مستعذب ... إلا ولي فيه الألذ الأطيب
أو في الوصال مكانة مخصوصة ... إلا ومنزلتي أعز وأقرب
وهبت لي الأيام رونق صفوها ... فحلت مناهلها وطاب المشرب
وغدوت مخطوباً بالكل كريمة ... لا يهتدي فيها اللبيب ويخطب
أنا من رجال لا يخاف جليسهم ... ريب الزمان ولا يرى ما يرهب
قوم لهم في كل مجد رتبة ... علوية وبكل جيش موكب
أنا بلبل الأفراح أملىء دوحها ... طرباً، وفي العلماء باز أشهب
أضحت جيوش الحب تحت مشيئتي ... طوعاً ومهما رمته لا يعزب
أصبحت لا أملاً ولا أمنية ... أرجو، ولا موعودة أترقب
ما زلت أرتع في ميادين إلىضى ... حتى وهبت مكانة لا توهب
أضحى الزمان كحلة مرقومةتزهو ونحن لهالطراز المذهب
أفلت شموس الأولين، وشمسنا ... أبداً على فلك العلى لا تغرب

ذكروالشيخ عبد ألفادر بن أبي صالح الزاهد
نسبه ومولده وصنعته رضي الله تعالى عنه
أما نسبه رضي الله عنه فهو الشيخ محيي الدين أبو محمد عبد ألفادر بن أبي صالح
(3/264)

موسى بن ابي عبد الله بن يحيى الزاهد بن محمد بن داود بن موسى بن عبد الله بن موسى الجون بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى ابن أمير المؤمنين أبي محمد الحسن ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضوان الله تعالى عليهم - سبط أبي عبد الله الصومعي الزاهد، وبه كان يعرف حين كان بجيلان. وأما مولده رضي الله عنه: فسئل - رضي الله تعالى عنه - عن مولده فقال: لا أعلمه حقيقة، لكني قدمت بغداد في السنة التي مات فيها التميمي، وعمري إذ ذاك ثماني عشرة سنة. قال إلىاوي: والتميمي هذا هو أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب، توفي سنة ثمانين وأربع مائة، فيكون مولده رضي الله تعالى عنه سنة سبعين وأربعمائة، وذكر أبو الفضل أحمد ابن صالح الجيلي أن مولد الشيخ محيي الدين المذكور سنة إحدى وسبعين وأربعمائة، وأنه دخل بغداد سنة ثمان وثمانين وأربع مائة وله ثماني عشرة سنة. قلت: وذكر بعضهم أنه منسوب إلى جيل بكسر الجيم وسكون المثناة من تحت وهي بلاد متفرقة وراء طبرستان، وبها ولد، ويقال لها أيضاً جيلان وكيلان، وكيل أيضاً قرية على شاطىء دجلة على مسيرة يوم من بغداد من جهة طريق واسط، ويقال: فيها أيضاً جيل - بالجيم - ومن ثم يقال: كيل العجم، وكيل العراق والجيل أيضاً قرية تحت المدائن، وفي النسبة يقال: جيلاني وكيلاني وجيلي وكيلي. وأمه رضي الله تعالى عنه أم الخير أمة الجبار: فاطمة بنت أبي عبد الله الصومعي، وكان لها حظ وافر من الخير والصلاح. والصومعي من جملة - مشايخ جيلان ورؤساء زهادهم، وله الأحوال والكرامات الجلية، وأخوه الشيخ أبو أحمد عبد الله - سنه دون سنه - نشأ نشوءاً صألفا في العلم والخبرة، ومات بجيلان شاباً، وعمته المرأة الصالحة أم محمد عائثة بنت عبد الله ذات الكرامات الظاهرة. روي أن بلاد جيلان أجدبت مرة، واستسقى أهلها، فلم يسقوا، فأتى المشايخ إلى دار الشيخة عائشة المذكورة، وسألوها الاستسقاء لهم، فقامت إلى رحبة بيتها، وكنست الأرض وقالت: يا رب، أنا كنست، فرش أنت! قال: فلم يلبثوا أن مطرت السماء كأفواه القرب، فرجعوا إلى بيوتهم يخوضون في الماء. وأما صفة الشيخ رضي الله عنه فروي أنه كان نحيف البدن ربع الشامة، عريض الصدر عريض اللحية وطويلها، أسمر مقرون ألفاجبين، أدعج العينين، ذا صوت جهوري وسمت
(3/265)

بهي، وقدر علي علم وفي - رضي الله عنه.

شيء من علمه وتسمية بعض شيوخه
قال بعض الأئمة المتكلمين في مناقبه: لما علم أن طلب العلم على كل مسلم فريضة، أنه شفاء للأنفس المريضة، إذ هو أوضح مناهج التقوى سبيلاً. وأبلغها حجة وأظهرها دليلاً، وأرفع معارج اليقين وأعلى مدارج المتقين، وأعظم مناصب الدين وأفخر مراتب المهتدين، وهو المرقاة إلى مقامات القرب والمعرفة، والوسيلة إلى المتولي بالحضرة المشرفة، شمر عن ساق الجد والاجتهاد في تحصيله، وسارع في طلب فروعه وأصوله، وقصد الأشياخ الأئمة أعلام الهدى علماء الأمة فاشتغل بالقرآن العظيم حتى أتقنه، وعمر بداريته سره وعلنه، وتفقه بالشيوخ، منهم: أبو الوفاء علي بن عقيل، وأبو الخطاب محفوظ ابن أحمد الكلوذاني، وأبو الحسين محمد ابن القاضي أبي يعلى، وأبو سعد المبارك بن علي المخزومي رضي الله تعالى عنهم - وأخذ عنهم مذهباً وخلافاً وفروعاً وأصولاً. وسمع الحديث من جماعة، منهم أبو غالب محمد بن الحسن ألفاقلاني، وأبو سعد محمد بن عبد الكريم، وأبو الغنائم محمد بن علي بن ميمون، وأبو بكر أحمد بن المظفر التمار، وأبو محمد جعفر بن أحمد ألفاري، وأبو القاسم علي بن أحمد الكرخي، وأبو عثمان اسماعيل ابن محمد الأصبهاني، وأبو طالب عبد ألفادر بن محمد، وابن عمه أبو طاهر عبد إلىحمن بن أحمد، وأبو البركات هبة الله بن المبارك، وأبو العز محمد بن المختار الهاشمي، وأبو نصر محمد، وأبو غالب أحمد، وأبو عبد الله يحيى أبناء الإمام أبي الحسن علي بن البنا، وأبو الحسين المبارك بن عبد الجبار، وأبو منصور عبد إلىحمن بن أبي غالب، وأبو البركات طلحة بن أحمد ألفاقولي وغيرهم - رحمة الله عليهم. وقرأ الأدب على أبي زكريا يحيى بن علي التبريزي، وصحب الشيخ ألفارف بالله قدوة المحققين وإمام ألفالكين وحجة العارفين أبا الخير حماد بن مسلم الدباس، وأخذ عنه علم الطريقة وتأدب به، وأخذ الخرقة الشريفة من يد القاضي أبي سعد المخرمي، ولقي الجماعة من أعيان شيوخ الزمان وأكابر المشايخ أولي العرفان. أكرم بهم مجداً وسودداً، وشرفاً وفخراً مؤبداً. فهم حماة ملة الإسلام وذوادها، وأنصار الشريعة وأعضادها، وأعلام الدين وأركانه، وسيوف الحق وسنانه. فقام - رضي الله تعالى عنه في أخذ العلوم الشرعية عنهم دائباً، وفي تلقي الفنون الدينية منهم واصباً. حتى فاق أهل زمانه. وتميز من بين أقرانه. ثم إن الله تعالى أظهره للخلق وأوقع له القبول العظيم الشام، عند ألفاص منهم والشام، والهيبة والجلالة الوافرة، والمناقب الشريفة ألفاخرة عند العلماء، وأظهر الله الحكم من قلبه على لمانه، وظهرت علامات قربه، من الله تعالى وإمارات - ولايته، وشواهد تخصيصه مع
(3/266)

قدم راسخ في المجاهدة والعبادة، وتجرد خالص من دواعي الهوى وشوائب إلىكون إلى ألفادة، ومقاطعة دائمة بجميع الخلائق، وصبر جميل في طلب مولاة بقطع العلائق، وتجرع الغصص على مر الشدائد والبلوى، ورفض كلي لجميع الأشغال اشتغالاً بالمولى. ثم لما أراد الله به نفع الخلائق بعدما تضلع من العلوم الظاهرة وأسرار الحقائق، أضيف إلى مدرسة أستاذه أبي سعد المخرمي مما حولها من المنازل والأمكنة ما يزيد على مثلها، وبذل الأغنياء في عمارتها أعمالهم، وعمل الفقراء فيها بأنفسهم، فتكملت المدرسة المنسوبة إليه الآن، وكان الفراغ منها في سنة ثمان وعشرين وخمس مائة، وتصدر فيها للتدريس والوعظ والفتوى، وجلس بها للوعظ وقصد بالزيارات والنذور، واجتمع عنده بها من العلماء والفقهاء والصلحاء جماعة كثيرون، انتفعوا بكلامه وصحبته ومجالسته وخدمته، وقصد إليه طلبة العلم من الآفاق، فحملوا عنه وسمعوا منه، وانتهت إليه تربية المريدين بالعراق، وولي خزانة الأسرار وأوتي مقاليد الحقائق، وسلمت إليه أزمة المعارف، وصرف في الوجود المغارب منه والمشارق، فأصبح قطب الوقت مرجوعاً إليه حكماً وعلماً، وقام بالنظر والفتيا نقضاً وبرماً، وبرهن على العلم فرعاً وأصلاً، وبين الحكم عقلاً ونقلاً، وانتصر للحق قولاً وفعلاً. وصنف كتباً مفيدة وأملأ فوائد فريدة، فتحدث بذكره إلىفاق، وسارت بفضله إلىكبان وانتشرت أخباره في الآفاق، وأعملت المطي إليه ومدت إليه الأعناق، وتنزهت في حدائق محاسنه الأعين، ونطقت ببدائع أوصافه الألسن، ولقب بإمام الفريقين وموضح الطريقين، وكريم الجدين ومعلم الطرفين، مشتملاً برداء المفاخر والفضائل، صادقاً فيه قول ألفائل:
بمقدمه انهل السحاب وأعشب ال ... عراق وزال الغي واتضح إلىشد
فعيدانه رند، وصحراؤه حمى ... وحصاؤه در وأمواجه شهد
يميس به صدر العراق صبابة ... وفي قلب نجد من محاسنه وجد
وفي الشرق برق من مقابس نوره ... وفي الغرب من ذكرى جلالته رعد
فأضحى الزمان مشرقة به مناكبه، والدين مشرفة به مناصبه، والعلم عالية به مراتبه، والشرع منصورة به كتائبه، فانتمى إليه جمع عظيم من العلماء، وتلمذ له خلق كثير من الفقهاء، حذفت ذكرهم اختصاراً لكثرة عددهم ومشقة ذكرهم. وكذلك لبس الخرقة منه خلائق لا يحصون - من الفقراء والمشايخ الكبراء والعلماء
(3/267)

الخبراء، وقد ذكرت في كتاب: خلاصة المفاخر في أخبار مناقب الشيخ عبد ألفادر وفي كتاب: نشر المحاسن ألفالية في فضل المشايخ أولي المقامات ألفالية، وغيرهما أن جمهور شيوخ اليمن يرجعون في لبس الخرقة إليه، بعضهم لبسها من يده لما قدمت أعلام فضائله عليهم، والأكثرون من رسول أرسله إليهم. وفيه وفي ألفاس الخرقة وانتساب معظم شيوخ اليمن في لبسها إليه. قلت في بعض القصيدات العشرة الأولة من هذه الأبيات:
وفي منهج الأشياخ ألفاس خرقة ... لهم سنة أصل روى ذاك عن أصل
ولبس اليمانيين يرجع غألفا ... إلى سيد سامي فخار على الكل
إمام الورى قطب الملا قائلاً على ... رقاب جميع الأولما قدمي أعلى
فطأطأ له، كل بشرق ومغرب ... رقاباً سوى فرد فعوقب بالعزل
مليك له التصريف في الكون نافذ ... بشرق وغرب الأرض والوعر والسهل
سراج الدجى شمس على فلك العلى ... بجيلان مبدؤها طلوعاً بلا أفل
طراز جمال مذهب فوق حلة ... غد الكون فيها الدهر يختال ذا رفل
يتيمة در زان عقد ولأنه ... يهيج على جيد الوجود به مجلي
لجدواك يا بحر الندى عبد قادرإلىيافعي ذو افتقار وذو محل
قفا هاهنا في رأس نهر عيونهم ... ملاها ومن بحر النبوة مستملي
وسبحانك اللهم رباً مقدساً ... وواسع فضل للورى فضله مولي
وأما كراماته رضي الله عنه، فخارجة عن الحصر، وقد ذكرت شيئاً منها في كتاب نشر المحاسن، وقد أخبرني من أدركت من أعلام الأئمة الأكابر أن كراماته تواترت، أو قريب من التواتر. ومعلوم بالاتفاق أنه لم يظهر ظهور كراماته لغيره من شيوخ الآفاق. وها أنا أقتصر في هذا الكتاب على واحدة منها، وهي ما روى الشيخ الإمام الفقيه العالم المقرىء أبو الحسن علي بن يوسف بن جرير بن معضاد الشافعي اللخمي في مناقب الشيخ عبد ألفادر بسنده من خمس طرق، وعن جماعة من الشيوخ الجلة أعلام الهدى العارفين المقنتين للاقتداء قالوا: جاءت امرأة بولدها إلى الشيخ عبد ألفادر، فقالت له: يا سيدي، إني رأيت قلب ابني هذا شديد التعلق بك، وقد خرجت عن حقي فيه لله عز وجل، ولك. فقبله الشيخ، وأمره بالمجاهدة وسلوك الطريق، فدخلت أمه عليه يوماً فوجدته نحيلاً مصفراًمن آثار الجوع والسهر، ووجدته يأكل قرصاً من الشعير، فدخلت إلى الشيخ فوجدت بين يديه إناء فيه عظام دجاجة مسلوقة قد أكلها، فقالت: يا سيدي؛ تأكل لحم دجاج ويأكل ابني خبز الشعير!! فوضع يده على تلك العظام وقال: قومي بإذن الله تعالى الذي يحيي العظام وهي
(3/268)

رميم، فقامت دجاجة سوية وصاحت. فقال الشيخ: إذا صار ابنك هكذا فلماكل ما شاء. وأما كلامه رضي الله عنه فكثير جداً في انواع شتى، لا تسعه إلا مجلمات ودفاتر، وقد ذكرت شيئاً منه في كتاب: نشر المحاسن وخلاصة المفاخر. وها أنا أذكر منه ألفاظاً مختصرة في الشريعة المطهرة. قال رضي الله تعالى عنه: الإيمان طائر غيبي ينزل من أفق يختص برحمته من يشاء، فيسقط على شجرة قلب العبد، يترنم بلذيذ لحون يبشرهم ربهم، يطير من قفص صدر صاحبه إلى مقعد صدق الشريعة المحمدية - ثمرة شجرة الوجود -. الملة الإسلامية شمس أضاءت بنورها ظلمة الكون إتباع شرعه يعطي سعادة ألفارين. في قلب صاحب الشرع الأعظم ودائع بدائع الحكم. في أسرار صاحب الناموس الأكبر خزائن جواهر الغيب، اجعل قبول أمره طريقك إلى الله تعالى، صير كعبة عقلك مهبط أملاك كلمات أحكامه. من ماء غمام أقواله تشرب عطاش الأرواح. في عيون حياة ألفاظه يغتسل خطر العقول. نادى منادي الطلب للأرواح الشامنة في القوالب، آثار ساكن عزمها إلى العلى، طارت بأجنحة الغرام في فضاء المحبة، وقعت بعد التعب على أغصان الشوق، تناغت في شجرة بلابلها بمطربات ألفان الحنين إلى جمال وأشهدهم، وأزعجها هبوب نسيم الغرام إلى إعادة لذاذة ألست خرجت بعض تلك الطيور من أقفاص الصدور، ويتلمح أثراً من مطارها القديم، تنشق نسمة من مهب التكليم، تتذكر عيشها في ظل أثل الوص، تشكو جواها بعد بعاد الأحباب، فسمعت داعي الله تعالى بلمان إنسان عين الوجود، انتقش دعاؤه - صلى الله عليه وآله وسلم - في صفحات ألواح الأرواح، صارت دعوته ريحاً تهز أغصان أشجار القلوب، أضطربت فرسان العقول في ميادين الصور غراماً بما سمعت، اهتزت الألفاب بأيدي الوجد طرباً بذلك الوجد، صار عشقها له سراً من اسرار القدم، وأصبح ولههاً به، لطيفة من لمائف القدر، إذا أشرقت على النفوس الخربة أنوار الغيب حفظت الأسرار وارتفعت الحجب الظاهرة عن عيون بصائرها، لاحظت جمال صاحب الكون مشاهدته بصفاء مرايا الأسرار، كعبة كل عارف، موضع نظرات الحق منه أقرب الطرق إلى إلله تعالى، لزوم قانون العبودية والاستمساك بعروة الشريعة الإسلامية والاستقامة على جادة التقوى. أنسك بالله على قدر وحشتك عن غيره، ثقتك به على قدر معرفتك له، الكدر في الأعمال نوع من الحرمان. الانغماس في طلب الدنيا يثني العقل عن طلب الله عز وجل، الرياء في المطالب كسوف في شموس طلب ألفالب، والنفاق في المقاصد خدش في وجوه قصد ألفاصد، عدم المطلوب
(3/269)

عذاب القلوب، فرقة الأحباب عذاب العقول، علائق زهرة الدنيا حجاب يمنع من الوصول إلى ملكوت العلى، إقبالك على الله تعالى بوجه عبادتك سبب إقبالك عليه بوجه إلىحمة، لو بلغ طفل عقلك الأسد في حجر ألفاديب ما التفت إلى الدنيا، لكن هو بعد في مهد، شغلتنا أموالنا وأهلونا، الأرواح القاهرة قناديل هياكل الأجساد، العقول الصافية ملوك قصور الصور. يا غلام افتح عين قلبك لتلقى عرائس أسرار الأزل، وانتشق بمشم روحك هبوب نسيم لمائف القدر، إن الله تعالى وضع تماثيل الوجود على ساحل بحر الدنيا لامتحان عيون أهل البصيرة، وسلم من الالتفات إلى زخرفها أطفال أرواح
أقيمت في مقصورة الثبات، وربيت في حجور العصمة، وأرخيت عليها أكناف آيات الأمر، وكوشفت بلمائف محبات القدر، وجليت عليها عرائس الغيب. وقال رضي الله تعالى عنه: حليت عروس آدم في خلع، إن الله اصطفى، وسجدت الملائكة لسطوع نور " ونفخت فيه من روحي "، - الحجر 29 - وسمع موسى فوق روضة الطور بلبلاً يترنم بلذيذ لحن: إني أنا الله. وانس ساقياً يفرغ شراب القدم في كؤوس، أنا اخترتك، أشتاق إلى رؤية ألفاقي، هزت أعطافه نشوات سكره، وكتب بيده شدة توقه في طرس عشقه حروفاً، أرني، فانقلب القلم في يده، فقال: لن تراني. قيل له عند انقضاء دولته: يا موسى؛ سلم بقلم إلىسالة لصاحب: " ويكلم الناس في المهد " - آل عمران 46 - واعطه الدواة ليكتب في كتب توحيدي: إني عبد الله. وتنقش في صحف رسالته سطور: " ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد " - الصف 6 - يمت في مقصورة الثبات، وربيت في حجور العصمة، وأرخيت عليها أكناف آيات الأمر، وكوشفت بلمائف محبات القدر، وجليت عليها عرائس الغيب. وقال رضي الله تعالى عنه: حليت عروس آدم في خلع، إن الله اصطفى، وسجدت الملائكة لسطوع نور " ونفخت فيه من روحي "، - الحجر 29 - وسمع موسى فوق روضة الطور بلبلاً يترنم بلذيذ لحن: إني أنا الله. وانس ساقياً يفرغ شراب القدم في كؤوس، أنا اخترتك، أشتاق إلى رؤية ألفاقي، هزت أعطافه نشوات سكره، وكتب بيده شدة توقه في طرس عشقه حروفاً، أرني، فانقلب القلم في يده، فقال: لن تراني. قيل له عند انقضاء دولته: يا موسى؛ سلم بقلم إلىسالة لصاحب: " ويكلم الناس في المهد " - آل عمران 46 - واعطه الدواة ليكتب في كتب توحيدي: إني عبد الله. وتنقش في صحف رسالته سطور: " ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد " - الصف 6
وقال رضي الله تعالى عنه: طارت نحل الأرواح قبل وجود الأشباح من كورات كن في فضاء مروض التوحيد، ليرعى من زهر أشجار الأنس، ويأكل من ثمار أغصان المعرفة، ويتخذ بيوتاً في مواطن القدس فوق قمم جبال العز، ويسلك سبيل الدنو إلى ربها في حضرة العلو في مقام قربها، ويجني ثمرات الحضور بأيدي الهمم ألفالية، فاصطادها صياد القدر بشباك التكليف، وحصرها بيد الأمر في أقفاص الأشباح، فألهتها من الهياكل بهجة حسن الصفة، وألفت مساكن البشرية، فنسيت موطناً من القدس الأشرف، فأوحى ربك إلى نحل الأرواح أن اسلكي سبل ربك ذللاً في مسالك الأشباح، وكلي من كل ثمرات الشريعة، وارعي من أزهار أنوار الحقيقة. فلما طار طائرها ليرعى حب الحب من حدائق المجاهدة وقع في شرك المحبة، ورأى ماء البلاء في غدير الولاء، فقال: كيف الخلاص؟ روض أنيق
(3/270)

لكن ثمره مر، ومنهل عذب لكن فيه كم من غريق؟ فناداها حادي مطايا صدق الطلب بلمان النصح: يا أرباب الوله في حب معشوق الأرواح! ويا أصحاب الحرق في غاية أماني العارفين! ما بينكم وبين مطلوبكم سوى ارتفاع استار الصور، ولا يحجبكم عنه إلا حجب الهياكل، فطيروا إليه بأجنحة الغرام، واطلبوا عنده الحياة الأبدية، وموتوا عن شهوات إرادتكم ليحييكم به عنده في مقعد صدق. وقال رضي الله تعالى عنه: سرير الأسرار لا ينصب إلا في سرادق حق اليقين، وحق اليقين نقطة دائرة التوحيد، والتوحيد قاعدة بناء الوجود، الهوية الأحدية مغناطيس حديد قلوب العارفين، وإلىوضة الأبدية مراتع أسرار المكاشفين، كاشف الأرواح ليلة ألست بأسرار قدمه، الاطف العقول في مقام، وإذ أخذ بالألفاف تقرير عهده، باسط الخواطر في حضرة السرمدية بمباسطة، وأشهدهم بقرب إلى الأسرار في جناب الأزل بمخاطبة ألست، سقاهم كأس حبه بأيدي سقاة قربه، خرجوا إلى الدنيا وفي رؤوسهم نشوات ذلك الخمار، وفي عيون عقولهم بقايا رسوم ذلك الجمال، وفي أحداق قلوبهم يرفاه ذلك الجناب. واحرقتاه عليكم!! كيف تموتون وما عرفتم - ربكم؟!! الشجاعة صبر ساعة يا عجمي الفطنة، سافروا إلى بلاد العرب يا موتي الطبيعة، سافروا إلى بلاد هند الهداية. سقى بعض العارفين من هذا الشراب قطرة، وأفرغ ساقي القدر له منه بقية، فقامت روحه ترقص طرباً بين ندمأنه، قرأ لمان حال موسى وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همساً. قال المخبر عن صدق طلبه: " وخر موسى صعقاً " - الأعراف 143 - قيل: يا موسى؛ معدة طبعك ضعيفة عن تناول شراب، تجلي أنيق عينك ضيق عن مقابلة أنوار سبحات " ارني أنظر إليك " - الأعراف 143 - عين الحدث لا تنفتح في شعاع شمس القدم، ورد النظر ما يطلع في شجر كانون هذا الكون، أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا خلعة النظر في الدنيا مدخرة في خزائن الغيب لصاحب " قاب قوسين " - النجم 9 - هذا الشرف لا يناله من الخلائق سوى سيد ولد آدم ويتيمة عقد البشر: " ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده "، - الأنعام 152 -. قال إلىواة عنه: وأول كلام تكلم به على الناس على الكرسي - رضي الله تعالى عنه، قوله: أغواص الفكر يغوص في بحر القلب على درر المعارف، فيستخرجها إلى ساحل الصدر، فينادي عليها سمسار ترجمان اللمان، فتشتري بنفائس أثمان حسن الساعة " في بيوت أذن الله أن ترفع "، - النور 36 -. قلت: فهذا ما أثرت الاقتصار على ذكره للاختصار من كلامه الجليل المقدار المشتمل على الحكم والمعارف والأسرار. وقد أشرت في بعض هذه الأبيات المختصرة إلى محاسن
(3/271)

كلامه المشتهرة، المنسوجة في الأسلوب الغريب الذي لم ينسج غيره على منواله العجيب:
أيا مادحاً نسجاً وشاه ابن جوزي ... حلاه بأسلوب بعنيك فاخر
كأنك لم تنظر نسيج معارف ... وأسرار زاهي حكمة وسرائر
بأطرف أسلوب وأطرف حلةوأشرف نسج باهجالحسن زاهر
لدى حضرة ألفاه أشرف صانع ... وأعرف أستاذ دعي عبد قادر
به شرف الأكوان قطب زمانه ... رداء مجده فيه طراز المفاخر
له قدم تسمو تعالى فخارها ... لها خضعت طوعاً رقاب الأكابر
وما نسج فتح من نفيس مواهب ... كنسج طباع من قريحة خاطر
وأين الثريا في علاها من الثرى ... وبل الندى في الفضل من وبل ماطر
كذا أين من باز العلى عاكف يرى ... على جيفة أو لاقط المتناثر
فما طائر تلقيه للماز صائداً ... وللماز تلقى صائداً كل طائر
وأين بعيد ألفار من ساكن الحمى ... نديم هوى في حضرة القدس حاضر
تسقى من إلىاح التي لم ريحها ... يرح ذاك، فضلاً عن شراب تداير
شريف معلى بل مولى على الورى ... وتصريفه قد عمهم غير قاصر
له في الوجود ألفاه والحكم نافذ ... خفير الورى في عصره غير خافر
لقد خفر الأكوان شرقاً ومغرباً ... وما في ضياء أخفرن أو دياجر
له الجن والأملاك والأنس كلهم ... يخافون لا شخص يرى غير حاذر
به اسأل، فإن ألفيت قولي مصدقاً ... وإلا أكذبن للمافعي في المحاضر
على روحه رضوان ربي مقدساً ... مدى الدهر زاكي النشر من غير آخر
وختمي لها حمدي لربي مصلما ... على المصطفى من قبل خلق العناصر
محمد الشامي على ذروة العلى ... غياث الورى عند الدواهي الذواعر
قلت: وأما اعتقاده فقد أخبرني - والله - من لا أشك في صدقه من أصحاب شيخ عصره وفريد دهره الشيخ نجم الدين الأصبهاني - قدس الله تعالى روحه - أنه قال: رجع آخراً عما كان يعتقده أولاً لما بلغه أن الفقيه الإمام ألفارع المشكور تقي الدين بن دقيق العيد المشهور تعجب من شذوذ الشيخ عبد ألفادر المذكور في اعتقاده عن موافقة الجمهور من المشايخ العارفين والعلماء المحققين في مسألة الجهة المعروفة. قلت: ومثل الشيخ نجم الدين المذكور إذا أخبر فعلى الخبير سقط المخبر، إذ هو من أهل الاطلاع ظاهراً وباطناً. أما ألفاطن فلأنه من أهل النور والكشف، وأما الظاهر فلقرب ألفار إذ كان العراق لهما موطناً، فهو الجامع - بين المعرفتين جميعاً مرتقياً في الولاية مقاماً
(3/272)

عزيزاً رفيعاً. ومما يؤيد ذلك ويدل على عدم اعتقاده الجهة والمكان في حال النهاية والعرفان كلامه المشهور عنه في مناقبه الثابتة برواية الرجال ألفائعة في البلمان، ومن ذلك قوله المشتمل على يواقيت الحكم وابتهاج النور، وهو هذا النسيج العجيب والأسلوب الغريب والدر المنثور. قال رضي الله تعالى عنه: نودي في معاقل الأفاق وفجاج الأكوان ومعالم المصنوعات أن سلمان الصفات القديمة وملك النعوت العظيمة يريد أن يمر على مسالك المعالم ويبدو في مشاهد الشواهد، فحدقوا عقولكم وصفوا سرائركم، وقيدوا أفكاركم وغضوا أبصاركم، واحصروا بلاغتكم وكفوا مناطقكم والسنتكم. فبرز من جناب العزة سنا بارق مجلل بالهيبة، مظلل بالعظمة، متوج بالجلال، مكلل بالكمال، أخذ بنواصي الأنوار قاهراً لمعاني الأسرار، فتجلى في حلل لطفه وتلطفه، ودنا بتقربه وتعرفه، له مطالع ومشارق، ولوائح وبوارق، وشواهد ومناطق، ومعارف وحقائق، وعوارف ومناشق، تجلو مطالعة " إلىحمن على العرش استوى " - طه 5 - ويسفر مشارقه " وسع كرسيه السماوات والأرض " - البقرة 255 - ويوضح لوامحه، " يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء "، - ألفائدة 64 - ويكشف بوارقه " وهو معكم أينما كنتم "، - الحديد 4 - ويبدي شواهده " والسماوات مطويات بيمينه "، - الزمر 67 - ويفصح مناطقه " والله من ورأنهم محيط "، - البروج 20 - وينادي معارفه " وهو السميع البصير "، - الشورى 11 - ويطق حقائقه " ليس كمثله شيء "، - الشورى 11 - ويشهد عوارفه " لا تدركه الأبصار "، - الانعام 103 - وتتأرج مناشقة " قل الله ثم ذرهم " وظهرت معه بدائع القدم في أحسن صورة من بهجة الكمال ألفارز من حريم العز، عليها من ملابس الجمال غرائب العجائب، فطاف بها طائف من ربك في طرائق المكنونات ومصنوعات المصنوعات ومكنونات ألفائنات، فوقع الكل في مهاوي الهيبة، وتاهوا في مهامه الدهشة، وإذا الندا من حضرة القدس " ألست بربكم " فقالوا بلمان الذل والخضوع في مقام التوحيد والإقرار بوحدانية إلهيته: بلى، وأشهدهم على أنفسهم لقيام الحجة، يوم تشهد عليهم ألسنتهم، فيتبع الخلائق ذلك ألفارق، وسلكوا نحوه طرائق، فاقتفى قوم ولم يستضيئوا هى من علم ولا إثارة، بل حكموا العقول ومقاييسها. فاتبعوا الأهوية وأباليسها. فمنهم طائفة ضلوا في تيه التمويه ووقعوا في التجسيم والتشبيه، الذين أهلكهم الشقاء حين ابتلى أخيارهم، وأولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم. ومنهم فرقة - حاروا في أضاليل التعطيل. ومنهم عصابة هلكوا ابأباطيل الحلول، وأغرقوا فأدخلوا ناراً، فلم يجدوا لهم من دون الله أنصاراً. ومبادىء التوحيد والتنزيه تنادي في صفحات الوجود أن سلمان الصفات القديمة
(3/273)

وملك النعوت العظيمة إلى الآن في مقر العز والجلال ومظل القدرة والكمال. ما انتقل إلى مكان، لم يتغير عما عليه كان. يحتجب بجلال عزته في معالي كبريأنه وعظمته، فوجم العرش من خوف البطش، إذ جعل محلاً للافتراء ومجالاً للامتراء، وصاح بلمان إلىهبة من البعد: يا أرباب الغيبة عن إلىشد، إني منذ خلقت في دهشة الوله ووحشة التحير لمع لي من جناب الأزل بارق " إلىحمن على العرش استوى "، - طه 5 - فلما صوبت نظري إلى نفسي وقع حده على جرم السماء فانطبع فيه: " ثم استوى إلى السماء "، - البقرة 29 - فهبت فيها نظري، وشخص إليها بصري وطمحت إشراقات أنواره إلى عالم الثرى، فانتقش في طي مكنوناته مكتوب " واسجد واقترب "، - العلق 19 - فأتى رهين غريتي وقرين زفرتي، لا أسمع غير الأخبار ولا أشهد غير الآثار، وأتبع قوم سبيل إلىشاد في إشراق أنواره. ونصبو الشرع أمامهم، وأخذوا الحق إمامهم، واقتدوا بعساكر التوفيق
جنداً جنداً، وسبقت إليهم ركائب ألفاييد وفداً وفداً، وشموس الهداية تسري معهم، وعيون العناية ترعى مرتعهم وتجمعهم، فأوصلهم الصدق في اتباع الحق إلى مسالك التوحيد ومعارف التمجيد، وعلت بهم إلىتب إلى مقام القرب، وسقوط الكيف والتشبيه والحدود، ووجوب التنزيه والإجلال لواجب الوجود. قلت: فهذا بعض كلامه في ذلك محتوياً على التوحيد والتنزيه ومصرحاً بنفي التجسيم والتشبيه، مفصحاً بكون الحق تعالى لم ينتقل إلى مكان، ولم يتغيرعما عليه كان، جامعاً بين فصاحة العبارة وملاحة الاستعارة وكذلك قوله في المشاهدة: لا بد في الشهود من سقوط مشهودين ونفى تعلق الحط بالحيز والوقت والأين، ومحو ثبوت الفيق والجمع والقرب والبين. وقد ذكرت في كتاب نشر المحاسن. شيئاً من كلامه في الاعتقاد والأسرار وعلم ألفاطن. ومن كلامه أيضاً المروي عنه في مناقبه لما قيل له أن فلاناً - وسموا له بعض مريديه - يقول إنه يرى الله عز وجل بعيني رأسه، فاستدعى به وسأله عن ذلك فقال: نعم، فانتهره ونهاه عن هذا القول، وأخذ عليه أن لا يعود إليه فقيل له: أمحق هذا - أم مبطل؟ قال: هو محق ملبس عليه، وذلك أنه شهد ببصيرته نور الجمال، ثم خرق من بصيرته إلى بصره منفذاً فرأى بصره ببصيرته يتصلى شعاعها بنور شهوده، فظن أن بصره رأى ما شهدته بصيرته، وإنما رأى بصره ببصيرته فحسب، وهو لا يدري. قال الله تعالى: " مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان "، - الرحمن20 - وان الله يبعث بمشيئته على أيدي ألفافه أنوار جلاله وجماله إلى قلوب عباده، فتأخذ منها ما يأخذ المصور من الصور، ولا ضرر، ومن وراء ذلك رداء كبريأنه الذي لا سبيل إلى انخراقه. قال إلىاوي: وكان جمع من المشايخ والعلماء حاضرين هذه الواقعة، فأطربهم سماع هذا الكلام، ودهشوا من حسن إفصاحه عن حال إلىجل، وقام بعضهم ومزق ثيابه، وخرج إلى الصحراء عرياناً يعني هائماً. جنداً جنداً، وسبقت إليهم ركائب ألفاييد وفداً وفداً، وشموس الهداية تسري معهم، وعيون العناية ترعى مرتعهم وتجمعهم، فأوصلهم الصدق في اتباع الحق إلى مسالك التوحيد ومعارف التمجيد، وعلت بهم إلىتب إلى مقام القرب، وسقوط الكيف والتشبيه والحدود، ووجوب التنزيه والإجلال لواجب الوجود. قلت: فهذا بعض كلامه في ذلك محتوياً على التوحيد والتنزيه ومصرحاً بنفي التجسيم والتشبيه، مفصحاً بكون الحق تعالى لم ينتقل إلى مكان، ولم يتغيرعما عليه كان، جامعاً بين فصاحة العبارة وملاحة الاستعارة وكذلك قوله في المشاهدة: لا بد في الشهود من سقوط مشهودين ونفى تعلق الحط بالحيز والوقت والأين، ومحو ثبوت الفيق والجمع والقرب والبين. وقد ذكرت في كتاب نشر المحاسن. شيئاً من كلامه في الاعتقاد والأسرار وعلم ألفاطن. ومن كلامه أيضاً المروي عنه في مناقبه لما قيل له أن فلاناً - وسموا له بعض مريديه - يقول إنه يرى الله عز وجل بعيني رأسه، فاستدعى به وسأله عن ذلك فقال: نعم، فانتهره ونهاه عن هذا القول، وأخذ عليه أن لا يعود إليه فقيل له: أمحق هذا - أم مبطل؟ قال: هو محق ملبس عليه، وذلك أنه شهد ببصيرته نور الجمال، ثم خرق من بصيرته إلى بصره منفذاً فرأى بصره ببصيرته يتصلى شعاعها بنور شهوده، فظن أن بصره رأى ما شهدته بصيرته، وإنما رأى بصره ببصيرته فحسب، وهو لا يدري. قال الله تعالى: " مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان "، - الرحمن20 - وان الله يبعث بمشيئته على أيدي ألفافه أنوار جلاله وجماله إلى قلوب عباده، فتأخذ منها ما يأخذ المصور من الصور، ولا ضرر، ومن وراء ذلك رداء كبريأنه الذي لا سبيل إلى انخراقه.
(3/274)

قال إلىاوي: وكان جمع من المشايخ والعلماء حاضرين هذه الواقعة، فأطربهم سماع هذا الكلام، ودهشوا من حسن إفصاحه عن حال إلىجل، وقام بعضهم ومزق ثيابه، وخرج إلى الصحراء عرياناً يعني هائماً.
قلت: وقوله: ومن وراء ذلك رداء الكبرياء الذي لا سبيل إلى انخراقه - نحو مما أشار إليه الشيخ الكبير ألفارف بالله السيد الجليل شيخ الشيوخ أبو الغيث ابن جميل - قدس الله روحه - بقوله: كل خيال نقاب لوجه الأمر العزيزي، والأمر العزيزي نقاب لجلال جمال سبحات وجه الله الكريم فرضاً، لئلا يبرز من ذلك الجلال ذرة، فلا يبقى أحد من الثقلين، ولا من سواهما لا يعرف لله طاعة ولا عصياناً. قلت: قوله: لا يعرف لله طاعة ولا عصياناً: يظهر فيه لي احتمالان، الاحتمال الأول: الإشارة إلى الفناء الكلي، واصطلام الحس والمحسوس، وفقدان وجدان جميع الوجود لاستيلاء سلمان جلال الجمال في حالة الشهود، فلا يشعر حينئذ بطاعة ولا معصية ولا مطيع ولا عاصي. والاحتمال الثاني: أن يشهد القدر سابقاً المقدور بسوط - القضاء المبرم، وقائداً له إلى العلم ألفابق بزمام الحكم المحكم، وصار مزعجاً بالخروج إلى حيز الوجود من حيز العدم، واقعاً - لا محالة - بقدرة الملك ألفادر وإيجاد خالق كل شيء العزيز ألفاهر المهروب منه إليه المستعاذ به منه، جل وعلا وتبارك وتعالى. قلت: فهذا ما اقتصرت عليه من ترجمة قطب الأولياء الأكابر المتوج بتاج الشرف والمفاخر، شيخ الوجود ومطلع السعود، محيي الدين عبد ألفادر، الذي لا تسع ترجمة محاسنه إلا مجلمات، على هذه النبذة اليسيرة في نحو تصنيف كراسة صغيرة، وقد اقتصر الذهبي منهاعلى نحو سبعة أسطرحقيرة. وفي السنة المذكورة توفي الإمام الحافظ تاج الإسلام أبو سعد عبد الكريم بن محمد ابن منصور المروزي، محدث المشرق، صاحب التصانيف الكثيرة وإلىحلة الواسعة. سمع بنيساور وهراة وبغداد وأصبهان ودمشق، وله معجم شيوخه في عشر مجلمات. كان ثقة مكثراً واسع العلم كثير الفضائل، ظريفاً لطيفاً نبيلاً متجملاً شريفاً. وفي السنة المذكورة توفي القاضي الرشيد أبو الحسين أحمد ابن القاضي الرشيد أبي الحسن علي الغساني الأسواني. كان من أهل الفضل والنباهة وإلىئاسة، صنف كتاب جنان الجنان ورياض الأذهان وذكر فيه جماعة من مشاهير الفضلاء، وله ديوان شعر، ولأخيه القاضي المهذب ديوان شعر أيضاً، وكانا مجيدين في نظمهما ونثرهما، ومن نظم القاضي المهذب قوله في قصيدة:
(3/275)

وترى المجرة والنجوم كأنما ... تسقي الرياض بجدول ملآن
لو لم يكن نهراً لما عامت به ... أبداً نجوم الحوت والسرطان
وذكر العماد ألفاتب في كتاب السيل على الذيل الذي ذيل به على الخريدة أنه كان أشعر من أخيه الرشيد، والرشيد أعلم منه في سائر العلوم. قلت: ويشبه أن يكون نسبة هذين الأخوين الشريفين: إلىضي والمرتضى، فإن إلىضي كان أشعر، والمرتضى كان أعلم. وولي الرشيد المذكور النظر في ثغر الاسكندرية بغير اختياره، وقتله الوزير شاور ظلماً وكان أوحد عصره في علم الهندسة والرياضيات والعلوم الشرعيات، والآداب والشعريات. وقال العماد: أنشدني محمد بن موسى اليمني ببغداد قال: أنشدني القاضي الرشيد باليمن لنفسه في رجل:
لئن خاب ظني في رجائك بعدما ... ظننت فإني قد ظفرت بمنصفر
فإنك قد كلفتني محل منة ... ملكت بها شكري لدى كل موقف
لأنك قد حذرتني كل صاحب ... وأعلمتني أن ليس في الأرض من يفي
وله أيضاً مما نقله عنه العماد المذكور.
إذا ما نبت بالحر دار يودها ... ولم يرتحل عنها فليس بذي حزم
وهبه بها صباً ألم يدر أنه ... سيزعجه منها الحمام على رغم
وله أيضاً مما أنشده عنه أمير أبو الفوارس مرهف بن أسامة:
جلت علي إلىزايا بل جلت هممي ... وهل يضر جلاء الصارم الذكر
غيري بغيره عن حسن شيمته ... صرف الزمان وما يأتي من الغير
لو كانت النار للماقوت محرقة ... لمان يشتبه ألفاقوت بالحجر
لا تغررن بأطماري وقيمتها ... فإنما هي أصداف على درر
ولا تظن خفاء النجم من صغر ... فالذنب في ذاك محمول على البصر
وهذا البيت الأخير مأخوذ من قول أبي العلاء المعري، حيث قال فى قصيدة له طويلة:
والنجم تستصغر الأبصار رؤيته ... والذنب للطرف لا للنجم فى الصغر
وكان الرشيد قد سافر إلى اليمن رسولاً، ومدح جماعة من ملوكها. وممن مدحه منهم علي بن حاتم الهمداني، قال فيه:
لئن أجدبت أرض الصعيد وأقحطوا ... فلست أبالي القحط في أرض قحطان
(3/276)

ومذ كفلت لي مأرب بمأربي ... فلست على آسوان يوماً بأسوان
وإن جهلت حقي زعانف خندف ... فقد عرفت فضلي غطارف همدان
فحسده ألفاعي وهو في مذهب الإسماعيلية الذي يدعو الخلق إلى متابعة الإمام المعصوم على زعمهم في عدن على ذلك، فكتب بالأبيات إلى صاحب مصر، فكانت سبب الغضب عليه، فأمسكه وأنفذه إليهم مقيداً مجرداً، وأخذ جميع موجوده، فأقام باليمن مدة، ثم رجع إلى مصر، فقتله شاور كما تقدم، وقوله:
وإن جهلت حقي زعانف خندف ... فقد عرقت فضلي غطارف همدان
يحتاج إلى تفسير لمن ليس باللغة خبيراً، أما الزعانف فهي بالزاي ثم العين المهملة وبين الألف والماء نون - وهي اطراف الأديم وأكارعه، وأما خندف وهي بكسر الماء المعجمة وقبل ألفال المهملة نون ساكنة وهي قبيلة تنسب إلى أمها امرأة ألفاس بن مضر، واسمها ليلى. والخندفة مشية كالهرولة، ويقال: خندف إلىجل، إذا مشى قألفا قدميه كأنه يغترف بهما، وأما غطارف فهو بالغين المعجمة والماء المهملة وإلىاء بعد الألف جمع غطريف، وهو السيد، وفرخ ألفازي، وقحطان قبيلة مسماة باسم جدها وهو أبو اليمن وهمدان بألفال المهملة وسكون الميم قبلها قبيلة من اليمن. وأما بالذال المعجمة وفتح الميم فبلد بالعجم. والغساني بفتح الغين المعجمة والسين المهملة المشددة نسبة إلى غسان، وهي قبيلة كبيرة من الازد، شربوا من ماء غسان، وهو باليمن فنسبوا إليه، ومنهم بنو جفنة رهط الملوك. ويقال غان اسم قبيلة، والأسواني نسبة إلى أسوان بضم الهمزة وسكون السين المهملة، وهي بلدة بصعيد مص.

سنة اثنتين وستين وخمس مائة
فيها سار أسد الدين السير الثاني إلى مصر ببعض جيش نور الدين، فنازل الجيزة شهرين، واستنجد وزيرمصرالفرنج، فدخلوا إلى النيل من دمياط، والتقوا، فانتصر أسد الدين، وقتل ألوف من الفرنج. قال ابن الأثير: هذه من أعجب ما أرخ أن ألفي فارس تهزم عساكر مصر والفرنج. ثم
(3/277)

استولى أسد الدين على بلاد الصعيد وتقوى بخراجها، وأقامت الفرنج بالقاهرة حتى استر أسوا، ثم قصدوا الاسكندرية وقد أخذها صلاح الدين، فحاصروه أربعة أشهر، ثم كرأسد الدين منجداً له، فترحلت الملاعين بعد أن قد استقر لهم بالقاهرة شحنة، وقطيعة مائة ألف دينار في الشام. وصالح شاور أسد الدين على خمسين ألف دينار، وأخذها ونزل الشام.
وفيها قدم قطب الدين صاحب الموصل على أخيه نور الدين، فغزوا الفرنج، فأخذوا حصناً بعد حصن. وفيها احتراق البلادين حرقاً عظيماً، حتى صار تاريخاً، وأقامت النار أياماً. وفيها توفي خطيب دمشق أبو البركات الخضر بن شبل الفقيه الشافعي، درس بالغزالية وبالمجاهدية، وبنى له نور الدين المدرسة المعروفة بالعمادية. وفيها توفي ابن حمدون صاحب التذكرة أبو المعالي محمد بن أبي سعد ألفاتب الملقب كافي الكفاءة البغدادي. كان فاضلاً ذا معرفة تامة بالأدب والكتابة، من بيت مشهور بإلىئاسة والفضل، صنف كتاب التذكرة، وهو من أحسن المجاميع، يشتمل على التاريخ والأدب والنوادر والأشعار، لم يجمع أحد من المتأخرين مثله، ذكره العماد ألفاتب في كتاب الخريدة، وأنشد لنفسه لغزاً في مروحة الجيش:
ومرسلة معقودة دون قصدها ... منفذة تجري لجيش طليقها
يمر خفيف الريح وهي مقيمة ... وتسري وقد سدت عليها طريقها
لها من سليمان النبي وراثة ... وقد عزمت نحو النبيط عروقها
إذا صدق النوء الشمالي أمحلت ... وتمطر والجوزاء ذاك حريقها
وتحسبها إحدى الصنائع أنها ... لذلك كانت كل روح صديقها
قلت: وفي المروحة أيضاً أنشدنا بعض شيوخنا، وهو الشيخ الصالح أبو بكر ابن ألفائغ لنفسه:
وفي عدن حر كأن لهيبه ... من النار في أرجأنها اليوم لافح
أدافع عني بالمراوح جيشه ... فيا ضعف من يحمي قفاه المراوح
(3/278)

وفيها توفي الإمام تاج الإسلام أبو سعد عبد الكريم بن أبي بكر محمد بن أبي المظفر منصور بن محمد التميمي السمعاني المروزي الفقيه الشافعي، ذكره الشيخ عز الدين أبو الحسن علي بن الأثير الجزري في مختصره فقال. أبوسعد واسطة عقد البيت السمعاني، وعينهم ألفاصرة ويدهم الناصرة، وإليه انتهت رئاستهم، وبه كملت سيادتهم. رحل في طلب العلم والحديث إلى شرق الأرض وغربها وشمالها وجنوبها، إلى ما وراء النهر وسائر بلاد خراسان مرات، وإلى قومس والري وأصبهان وهمدان وبلاد الجبال والعراق والحجاز والموصل والجزيرة والشام وغيرها من البلاد التي يطول ذكرها ويتعذر حصرها، ولقي العلماء وجالسهم، وأخذ عنهم، واقتدى بأفعالهم الجميلة وأثارهم الحميدة، وروى عنهم. وكانت عدة شيوخه تزيد على أربعة آلاف شيخ، وكان حافظاً ثقة مكثراً واسع العلم كثير الفضائل ظريفاً لطيفاً مبجلاً نظيفاً نبيلاً شريفاً، وصنف التصانيف الحسنة العزيزة ألفائدة، من ذلك تذييل تاريخ بغداد الذي صنفه ألفاضل أبو بكر الخطيب وهو نحو خمسة عشر مجلما. وتاريخ مرو يزيد على عشرين مجلما، والأنساب نحو ثماني مجلمات وهو الذي اختصره الشيخ عز الدين المذكور، واستدرك عليه مختصره في ثلاث مجلمات. وكانت ولادة أبي سعد يوم الاثنين ألفادي والعشرين في شعبان سنة ست وخمس مائة، وكان أبوه إماماً فاضلاً مناظراً فقيهاً محدثاً شافعياً، وله عدة تصانيف وشعر غسله قبل موته وإملاء لم يسبق إلى مثله، وتوفي أبوه المذكور وقت فراغ الناس من صلاة الجمعة ثاني عشر صفر سنة عشر وخمس مائة. وفيها توفي الحافظ المفسر الواعظ الأديب المتقن أبو شجاع عمر بن محمد البسطامي.
؟؟؟

سنة ثلاث وستين وخمس مائة
وفيها أعطى نور الدين لنائبه أسد الدين حمص وأعمالها، فبقيت في يده مائة سنة. وفيها توفي أبو محمد عبد الله بن علي الأصبهاني المقرىء، كان عألفا زاهداً معمراً.
(3/279)

وفيها توفي أبو الحسين هبة الله بن الحسن بن هبة الله ابن عساكر الفقيه الشافعي، قرأ القراءات وسمع الحديث وتفقه ودرس بالغزالية، وأفتى واعتنى بفنون العلم، وكان ورعاً خيراً كبير القدر، عرضت عليه خطابة البلد فامتنع. وفيها توفي الشيخ الكبير الولي الشهير ألفارف بالله الخبير ذو المقامات الطية والأحوال السنية والأنفاس الصادقة والكرامات ألفارقة والتصانيف المفيدة الوثيقة في الشريعة والحقيقة أبو النجيب عبد ألفاهر بن عبد الله السهروردي القرشي البكري، نسبة إلى أبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - بينه وبينه اثنا عشر أباً، كان من أعيان المحققين وأعلام العلماء الشاملين وصفوة العارفين، وهو أحد من درس بالنظامية وتصدر للفتوى، وجمع ووضع التصانيف، وكان يلقب مفتي العراقين وقدوة الفريقين انعقد عليه إجماع المشايخ والعلماء بالاحترام، وأوقع الله له في الصدور القبول الشام، وكان يشرح أحوال القوم، ويتطيلس ويلبس لماس العلماء، ويركب البغلة ويرفع بين يديه - ألفاشية على ما نقله بعض العلماء في تصنيفه. ومن كراماته ما روى بعض أصحابه، وهو الشيخ أبو محمد عبد الله بن مسعود المعروف بإلىومي قال: مررت مرة مع شيخنا أبي النجيب بسوق السلطان ببغداد، فنظر إلى شاة مسلوخة معلقة عند جزار، فوقف عنده وقال له: إن هذه ألفاة تقول لي أنها ميتة، فغشي على الجزار، فتاب على يدي الشيخ المذكور، وأقر بصحة قوله. وله كرامات أخرى، وكلام نفيس ومحاسن جليلة لا نطول بذكر ذلك. وفيها قتل ظلماً القاضي المهذب أبو محمد الحسن ابن القاضي الرشيد الغساني الأسواني، وكان أوحد عصره في العلوم الشرعيات والهندسية والرياضيات والآداب والشعريات. ومن شعره ما تقدم من قوله في سنة إحدى وستين:
غيري يغيره عن حسن شيمته ... صرف الزمان وما يأتي من الغير
إلى آخر الأبيات

سنة أربع وستين وخمس مائة
فيها سار أسد الدين مسيره الثالث إلى مصر، وكانت الفرنج قد ملكت تنيس
(3/280)

وحاصروا القاهرة، وأخذوا كل ما كان خارج السور، فكاتب شاور نور الدين واستنجد به، وسود كتابه وجعل في طيه ذوائب نساء القصر. وكان نور الدين بحلب، فساق إليه أسد الدين من حمص، فجمع العساكر ثم توجه في عسكر يقال كان سبعين ألفا ما بين فارس وراجل، فتقهقرت الفرنج، ودخل القاهرة وجلس في دست الملك، وخلع عليه العاضد خلع السلطنة، وعهد إليه بوزارته، وقبض على شاور، فأرسل إليه العاضد بطلب رأس شاور، فقطعه، وأرسل به إليه.
وشاور المذكور كان قد ولاه الملك الصالح بلاد الصعيد، ثم لما مات الملك الصالح دخل القاهرة بالعساكر، وقتل الملك ولد الملك الصالح، وجلس مكانه. ثم بعد شهرين مات أسد الدين، فقلد العاضد منصبه ابن أخيه صلاح الدين يوسف ابن نجم الدين، ولقبه بالملك الناصر، ثم ثار عليه السودان، فحاربهم وظفر بهم وقتل منهم قتلاً عظيماً. وفيها توفي صاحب دمشق مجير الدين الملقب بالملك المظفر. وفيها توفي شاور مقتولاً كما ذكرنا، وقد تقدم ذكر قهره لوزير العاضد الملقب بالعادل، وقتله له وجلوسه في الوزارة مكانه. وفيها توفي شيخ المقرئين بالأندلس أبو الحسن علي بن محمد المعروف بابن هذيل. وكان فيه مجموع فضائل من القراءة والزهد والورع والتواضع والتقلل من الدنيا والإعراض عنها وكثرة الصيام والقيام والصدقة والتجويد والإتقان في القراءات. وفيها توفي القاضي زكي الدين أبو الحسن علي ابن القاضي أبي المعالي محمد بن يحيى القرشي قاضي دمشق، استعفي عن القضاء فأعفي، وسار فحج.
وفيها توفي أبو المعالي محمد بن أبي الحسن علي بن محمد القرشي الأموي العثماني، كان ذا فضائل عديدة من الفقه والأدب وغيرهما، وله النظم المليح والخطب وإلىسائل، وتولى القضاء بدمشق، وكانت له عند السلطان صلاح الدين المنزلة السنية
(3/281)

والمكانة المكينة، ولما فتح السلطان صلاح الدين مدينة حلب أنشده القاضي محيي الدين أبو المعالي المذكور قصيدة أجاد فيها كل الإجادة، وكان من جملتها هذا البيت:
وفتحك القلعة الشهباء في صفر ... مبشر بفتوح القدس في رجب
وكان كما قال، فإن القدس فتحت لثلاث بقين من رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، فقيل له: من أين لك هذا؟ فقال: أخذته من تفسير ابن برجان في تفسير قوله تعالى " ألم غلبت إلىوم في أدنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين " - إلىوم ا - 3 - والمنقول عن ابن برجان أنه ذكر له حساباً طويلاً وطريقاً في استخراج ذلك حتى حرره من قوله تعالى " بضع سنين ". ولما ملك صلاح الدين المذكور حلب فوض الحكم والقضاء بها للماضي أبي المعالي المذكور. ولما فتح القدس تطاول إلى الخطابة بها يوم الجمعة كل واحد من العلماء الذين كانوا في خدمته حاضرين، وجهز كل واحد منهم خطبة بليغة طمعاً في أن يكون هو الذي يعتن لذلك، فخرج المرسوم للماضي أبي المعالي المذكور أن يخطب، وحضر السلطان وأعيان دولته، وذلك في أول جمعة صليت بالقدس بعد الفتح، فلما رقي على المنبر استفتح بسورة ألفاتحة ثم قال: فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين، ثم قرأ سورة الأنعام " الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور " إلى آخر الآيات الثلاث، ثم قرأ من سورة سبحان " وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولما ولم يكن له شريك في الملك " - الاسراء 111 - الآية، ثم قرأ من أول الكهف " الحمد لله " إلى اخر الثلاث الآيات، ثم قرأ من النمل " وقل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى " - النمل 59 - ثم قرأ من سورة سبأ " الحمد لله " الخ الآية، ثم قرأ من سورة فاطر " الحمد لله فاطر السموات والأرض "، - فاطر 1 - وكان قصده أن يذكر جميع تحميدات القرآن الكريم، ثم شرع في الخطبة فقال:؟ الحمد لله معز الإسلام بنصره، ومذل الشرك بقهره، ومصرف الأمور جماعة أدباً كثيراً واتفقوا على فضله ومعرفته. بأمره، ومديم النعم بشكره، ومستدرج الكفار بمكره، الذي قدر الأيام دولاً بعدله، وجعل ألفاقبة للمتقين بفضله، وأفاء على عباده من ظله، وأظهر
(3/282)

دينه على الدين كله، ألفاهر فوق عباده فلا يمانع، والظاهرعلى خليقته فلا ينازع، والآمر بما شاء فلا يراجع، وألفاكم بما يريد فلا يدافع، أحمده على إظفاره وإظهاره، وإعزازه لأولمانه ونصره لأنصاره، وتطهيره بيته المقدس من أدناس الشرك وأوضار، حمد من استشعر الحمد باطن سره وظاهراً جهاره، وأشهد أن لا آله الا الله وحده لا شريك له الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤاً أحد، شهادة من طهر بالتوحيد قلبه، وأرضى به ربه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، رافع الشك ودافع الشرك وداحض الإفك، الذي أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وعرج به منه إلى السموات العلى، إلى سدرة المنتهى، عندها جنة ألفاوى، ما زاغ البصر وما طغى، صلى الله عليه وعلى خيلفته أبي بكر الصديق ألفابق إلى الإيمان، وعلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أول من رفع عن هذا البيت شعار الصلمان، وعلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان ذي النورين جامع القرآن وعلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مزلزل الشرك ومكسر الأوثان، وعلى آله وأصحابه وألفابعين لهم بإحسان. أيها الناس! أبشروا برضوان الله الذي هو الداية القصوى والدرجة العلما لما يسره الله على أيديكم من استرداد هذه ألفالة من الأمة ألفالة، وردها إلى مقرها من الإسلام بعد ابتذالها في أيدى المشركين قريباً من مائة عام، وتطهير هذا البيت الذي أذن الله أن يرفع ويذكر فيها اسمه، وإماطة الشرك عن طرقه بعد أن امتد عليها رواقه واستقر فيها رسمه، ورفع قواعده بالتوحيد، فإنه بنى عليه وشيد بنيانه بالتمجيد، وإنه أسس على التقوى من خلفه ومن بين يديه، فهو موطن أبيكم ابراهيم ومعراج نبيكم عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام، وقبلتكمم التي كنتم تصلون إليها في ابتداء الإسلام، وهو مقر الأنبياء ومقدس الأولياء، ومدفن إلىسل ومهبط الوحي، ومنزل به ينزل الأمر والنهي، وهو في أرض المحشر وصعيد المنشر، وهو في الأرض المقدسة التي ذكرها الله تعالى في كتابه المبين، وهو المسجد الذي صلى فيه رسول الله بالملائكة المقربين، وهو البلد الذي بعث الله إليه عبده ورسوله وكلمته التي ألفاها إلى مريم وروحه عيسى الذي كرمه برسالته، وشرفه بنبوته، ولم يزحزحه عن رتبة عبوديته، فقال تعالى: " لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون "، - النساء 172 - كذب العادلون بالله وضلوا ضلالاً بعيداً، ما اتخذ الله من ولد وما
كان معه إله، إذا لذهب كل إله بما خلق، وأملا الآية " لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم "، أألفائدة 17، 72 - إلى آخر الآيات من ألفائدة..... وهو أول القبلتين وثاني المسجد وثالث الحرمين، لا تشد إلىحال بعد المسجدين إلا إليه، ولا تعقد الخناصر بعد الموطنين إلا عليه. وهذا نحو من ثلث خطبته، رمت الاقتصار إيثاراً للاختصار. وفيها توفي الحافظ أبو أحمد معمر بن عبد الواحد القرشي العبشمي الأصبهاني، معه إله، إذا لذهب كل إله بما خلق، وأملا الآية " لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم "، أألفائدة 17، 72 - إلى آخر الآيات من ألفائدة..... وهو أول القبلتين وثاني المسجد وثالث الحرمين، لا تشد إلىحال بعد المسجدين إلا إليه، ولا
(3/283)

تعقد الخناصر بعد الموطنين إلا عليه. وهذا نحو من ثلث خطبته، رمت الاقتصار إيثاراً للاختصار. وفيها توفي الحافظ أبو أحمد معمر بن عبد الواحد القرشي العبشمي الأصبهاني، سمع من جماعة كثيرين، واعتنى بالحديث وجمعه، ووعظ وأملا وكان ذا قبول ووجاهة، توفني في طريق الحجاز، رحمه الله تعالى.
؟؟

سنة خمس وستين وخمس مائة
فيها وقعت الزلزلة العظمى بالشام، وأطنب جماعة في تعظيمها حتى قال بعضهم هلك بحلب تحت الهدم ثمانون ألفا. وفيها حاصرت الملاعين الفرنج دمياط خمسين يوماً، ثم ارتحلوا من أجل أن نور الدين وصلاح الدين أجلما عليهم وعلى بلادهم براً وبحراً. وعن صلاح الدين أنه قال: ما رأيت أكرم من العاضد، أخرج إلي في هذه المرة ألف ألف دينار سوى الثياب وغيرها. يعني بالعاضد أحد الخلفاء العبيديين. وفيها حاصر نور الدين سنجار، ثم أخذها بالأمان، وتوجه إلى الموصل وبنى بها جامعاً، ورتب أمورها، ثم رجع فنازل الكر، ونصب عليها منجنيقي، ثم رحل عنها لحرب نجدة الفرنج، فانهزموا. وفيها توفي أبو الفضل أحمد بن صالح بن شافع الجيلي ثم البغدادي، أحد العلماء والمعدلين والفضلاء والمحدثين.
(3/284)

وفيها توفي صاحب الموصل وابن صاحبها السلطان قطب الدين مودود بن زنكي. وفيها توفي أبو المكارم عبد الواحد بن هلال الأزدي المعدل، سمع من غير واحد، وأجاز له الفقيه نصر، وكان رئيساً جليلاً كثير العبادة والبر. وفيها توفي أبو بكر بن النقور، بالنون وألفاف وفي آخره راء، عبد الله بن محمد البغدادي ثقة محدث من اولاد الشيوخ.

سنة ست وستين وخمس مائة
فيها توفي أبو زرعة طاهر ابن الحافظ محمد بن طاهر المقدسي ثم الهمذاني. وفيها توفي الحافظ المعدل أبو مسعود عبد إلىحمن بن أبي الوفاء علي بن أحمد الأصبها ني. وفيها توفي أبو عبد الله محمد بن يوسف الزينبي شاطبة، سمع من جماعة قال بعضهم: كان عارفاً بالأثر مشاركاً في التفسير، حافظاً للفروع، بصيراً باللغة والكلام فصيحاً مفوهاً، مع الوقار والصمت والصيام والخشوع، ولي قضاء شاطبة، وحدث وصنف. وفيها توفي المستنجد بالله أبو المظفر يوسف ابن المقتفي لأمر الله محمد ابن المستظهر بالله أحمد بن المقتدي العباسي. وفيها توفي ابن الجلال القاضي الأديب موفق الدين يوسف بن محمد، صاحب ديوان الإنشاء. ولي بعده القاضي المعروف بألفاضل. وفيها توفي المعافري عبد الجبار بن محمد المغربي، كان إماماً في اللغة وفنون الأدب، اشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا به، واشتغل ببغداد ودخل الديار المصرية.

سنة سبع وستين وخمس مائة
في أولها تجاسر صلاح الدين وقطع خطبة العاضد العبيدي، وخطب للمستضيء أمير
(3/285)

المؤمنين العباسي، فأعقب ذلك موت العاضد العبيدي يوم عاشوراء، فجلس صلاح الدين للعزاء، وبالغ في الحزن والبكاء، وتسلم القصر وما حوى، واهتبط على أهل القصر في مكان أفرد لهم، وقرر لهم ما يكفيهم، ووصل إلى بغداد أبو نصر سعد بن عصرون رسولاً بذلك، فزينت بغداد فرحاً وكانت خطبة بني العباس قد قطعت من مصر مائتي سنة وتسع سنين وحلت مكانها خطبة بني عبيد. فأرسله بالخلع لنور الدين وصلاح الدين، وكانت خلعة نور الدين فرجية وجبة وقباء وطوق ذهب وزنه ألف دينار، ومعها حصان بسرجه، وحصان يجنب بين يديه، وسيفان ولواء، فقفد السيفين إشارة إلى الجمع له بين الشام ومصر. وفيها سار نور الدين لحصار الكرك، وطلب صلاح الدين فاعتذي، فلم يقبل عذره، وهم بالدخول إلى مصر وعزل صلاح الدين عنها، فبلغ ذلك صلاح الدين فجمع خواصه وواله وخاله شهاب الدين ألفارمي في جماعة أمراء، واستشارهم فقال ابن أخيه عمر: إذا جاءنا ققاتلناه. وتابعه غيره على ذلك من ألفاضرين، فشتمهم والد صلاح الدين نجم الدين أيوب، وأحد وزيرهم، وقال لابنه: أنا أبوك وهذا خالك، في هؤلاء من يريد لك الخير مثلنا؟ فقال: لا، قال: والله لو رأيت أنا وهذا نور الدين لم يمكنا إلا أن ننزل نقبل الأرض، ولو أمرنا بضرب عنقك لفعلنا، فما ظنك بغيرنا، وهذه البلاد لنور الدين؟! ! فإن أراد عزلك فأي حاجة له في المجيء، بل يطلبك بكتاب. ثم تفرقوا وكتب غير واحد من الأمراء بهذا المجلس المذكور إلى نور الدين، فلما خلا نجم الدين بابنه قال: أنت جاهل، تجمع هذا الجمع وتطلعهم على سرك؟! فلو قصدك نور الدين لم تر منهم معك أحداً، فاكتب إليه واخضع له، ففعل. وفيها توفي يحيى بن سعدون بن تمام الأزدي القرطبي الملقب صائن الدين، أحد الأئمة المتأخرين في القراءات وعلوم القرآن الكريم والحديث والنحو واللغة وغير ذلك، ودخل الاسكندرية وسمع من جماعة كثيرة وكذلك بمصر، ودخل بغداد وقرأ القران، وسمع
(3/286)

الحديث على جماعة من أكابر زمانه، وكان ديناً ورعاً، عليه وقار وسكينة، وكان ثقة ثبتاً نبيلاً قليل الكلام كثير الخير مفيداً، وأقام بدمشق مدة، واستوطن الموصل، ودخل أصبهان، ثم عاد إلى الموصل، وأخذ عنه شيوخ ذلك العصر. قال ابن خلكان: وكان شيخنا قاضي حلب بهاء الدين أبو المحاسن يوسف بن رافع يفتخر بقراءته عليه ورويته، وكان كل يوم يسمط له دجاجة، ويتولى طبخها بيده. وكان كثيراً ما ينشد مسنداً إلى أبي الخير ألفاتب الواسطي:
جرى قلم القضاء بما يكون ... فسيان التحرك والسكون
جنون منك أن تسعى لرزق ... ويرزق في غشاوته الجنين
وفيها توفي العلامة أبو محمد الخشاب عبد الله بن أحمد البغدادي النحوي المحدث، طلب وسمع وأكثر وقرأ الكثير وكتب بخطه المليح المتقن، وأخذ العربية عن أبي السعادات ابن الشجري وابن الجواليقي، وأتقن النحو واللغة والتصريف والنسب والفرائض والحساب والهندسة وغير ذلك، وصنف التصانيف. وكان إليه المنتهى في حسن القراءة وسرعتها وفصاحتها مع الفهم والعذوبة، وانتهت إليه الإمامة في النحو، وكان متضلما من العلوم، وخطه في نهاية الحسن، وكان ظريفاً مزاحاً، وله شعر قليل من ذلك قوله في كتاب اللغز:
وذي أوجه لكنه غير بائح ... بصر، وذو الوجهين للسر مظهر
تناجيك بالأسرار أسرار وجهه ... فتسمعها بالعين ما دمت تنظر
وهذا المعنى مأخوذ من قول المتنبي في ابن العميد:
خلقت صفاتك في العيون كلامه ... كالخط يملاء مسمعي من أبصرا
وشرح كتاب الجمل لعبد ألفاهر الجرجاني وسماه: المرتجل في شرح الجمل، وترك أبواباً في وسط الكتاب ما تكلم عليها، وشرح اللمع لابن جني ولم يكمله. وكانت فيه بزازة وقلة اكتراث بألفاكل والملابس، وسخ الثياب يسقى في جرة مكسورة، وما تأهل قط ولا تسرى. وذكر العماد انه كان بينه وبينه صحبة ومكاتبات، قال: ولما مات رأيته في المنام فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: خيراً، فقلت: فهل يرحم الله الأدباء؟ فقال: نعم، فقلت: وإن كانوا مقصرين؟ فقال: يجري عتاب كثير ثم يكون بعده النعيم. انتهى. قلت فافهم معنى هذا الكلام أيها الواقف عليه، إنما ذكر هذا للمقصرين في الخيرات لا للماصين أولي السيئات كأمثالنا. نسأل الله الكريم أن يسامحنا ويعفو عنا.
(3/287)

وفيها توفي العاضد لدين الله عبد الله ابن الحافظ لدين الله العبيدي المصري، أحد خلفاء ألفاطنية. وفي أيامه قدم حسين بن نزار بن المستنصري في جموع من المغرب، فلما قرب منه غدر به أصحابه، وقبضوا عليه وحملوه إلى العاضد، فذبحه صبراً. وكان موت العاضد بإسهال مفرط، وقيل: مات غماً لما سمع بقطع خطبته. وفيها توفي أبو الحسن بن النعمة على بن عبد الله الأنصاري الأندلسي، أحد الأعلام، تصدر لإقراء القرآن والحديث الفقه والنحو واللغة، وكان عألفا حافظاً للفقه والتفاسير ومعاني الآثار، مقدماً في علم اللمان -، فصيحاً مفوهاً ورعاً فاضلاً معظماً، دمث الأخلاق. انتهت إليه رئاسة الإقراء والفتوى، وصنف كتاباً كبيراً في شرح سنن النسائي بلغ فيه الداية. وفيها توفي أبو المظفر محمد بن أسعد بن الحكي، كان له القبول الشام في الوعظ بدمشق، سمع ودرس وصنف تفسير القرآن، وشرح مقامات الحريري. وفيها توفي أبو حامد النووي الطوسي الفقيه الشافعي محمد بن محمد، تلميذ محمد ابن يحيى. كان إليه المنتهى في معرفة علم الكلام والنظر والبلاغة والجدل، بارعاً في معرفة مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري، وصنف في الخلاف تعليقة جيدة، وله جدل مليح سماه: المقترح في المصطلح، أكثر الفقهاء الاشتغال به، وشرحه الفقيه أبو الفتح مظفز بن عبد الله المصري شرحاً مستوفي، وكان حلو العبارة ذا فصاحة وبراعة، دخل بغداد فصادف قبولاً وافراً من الشام وألفاص، وكان يحضر عنده كل يوم خلق كثير، وله حلقة المناظرة بجامع القصر، ويحضر عنده المدرسون والأعيان، ويجلس للوعظ في النظامتة - ومدرسها يومئذ ألفاشي أحمد بن عبد الله - وكان هو يدرس في المدرسة النهائية قريباً من النظامية، يذكر فيها كل يوم عدة دروس. وذكر بعض المؤرخين أنه وعظ، وبعد صيته، وشغب على الحنابلة فأصبح ميتاً ويقال إن الحنابلة أهدوا له مع امرأة صحن حلواء مسمومة.
(3/288)

وفيها توفي الإمام أبو بكر الأزدي يحيى بن سعدون القرطبي النحوي، نزيل الموصل وشيخها، سمع بقرطبة ومصر وبغداد، وأخذ عن الزمخشري وبرع في العربية والقراءات، وتصدر فيها مدة. وكان ذا عبادة وورع، وتبحر في العلوم. وفيها توفي أبو الفتوح نصرالله بن قلانس ألفاعر اللخمي الإسكندري. كان شاعراً مجيداً وفاضلاً نبيلاً، صحب الشيخ الحافظ أبا طاهر السلفي، وانتفع بصحبته، وأثنى عليه الحافظ المذكور، ودخل بلاد اليمن، وامتدح بعض الوزارء في مدينة عدن، فأحسن إليه وأجزل صلتة، تم ركب البحر فغرق جميع ما كان معه، فعاد إليه عرياناً، وأنشده قصيدة مطلعها:
صدرنا وقد نادى السماح بنا ردوا ... فعدنا إلى مغناك والعود أمد
وأنشده أيضاً قصيدة مفتتحها:
سافر إذا حاولت قدراً ... سار الهلال فعاد بدرا
والماء يكسب ماجرى ... طيبا ًويخبث ما استقرا
وتنقل الدرر النفيسة ... بدلت بالبحر نحرا
ومعنى البيت الثاني مأخوذ من قول بديع الزمان: الماء إذا طال مكثه ظهر خبثه. والبيت الثالث مأخوذ من قول صرد ألفاعر وهو:
نقل ركابك في الفلا ... ودع الغواني في الخدور
لولا التنقل ما ارتقى ... درر البحور إلى النحور

سنة ثمان وستين وخمس مائة
فيها دخل قراقوش - بألفاق مكررة والشين المعجمة - ابن أخي السلطان صلاح الدين بلاد المغرب، فنازل طرابلس مدة وافتتحها - وكان للفرنج -. وفيها سار شمس الدولة أخو صلاح الدين إلى اليمن، فافتتحها وقبض على المتغلب عليها الزنديق المسمى بعبد النبي.
(3/289)

وفيها حاصر صلاح الدين الكرك، ولم يفتتحها في هذه المرة. وفيها سار نور الدين فافتتح بهنسة وغيرها، ثم دخل الموصل، ودان له صاحب إلىوم. وفيها توفي الأمير نجم الدين أيوب بن شاذي - بالشين والذال المعجمتين - ويلقب بالملك الأفضل، والد الملوك: صلاح الدين وسيف الدين وشمس الدولة وسيف الإسلام وشاهنشاه وتاج الملوك بوري وست الشام وربيعة خاتون، وأخو الملك أسد الدين. شب به فرسه، فحمل إلى داره ومات بعد أيام، وكان يلقب بالأجل الأفضل. وأول ما ولي نجم الدين المذكور ولاية قلعة تكريت بعد ولاية أبيه لها بتولية وإليها نائب السلطان غياث الدين مسعود السلجوقي، ثم إن النائب المذكورغضب على نجم الدين بسبب أخيه أسد الدين، وذلك أنه مرت عليه امرأة باكية، فسألها كن سبب بكأنها، فذكرت له أنه تعرض لها إنسان، فتناول أسد الدين حربة بيد ذلك الإنسان، وضربه بها فقتله، فأمسكه أخوه نجم الدين واعتقله، وكتب إلى النائب يعرفه بذلك، فوصل جوابه وهو يقول لأبيكما: علي حق، وبيني وبينه مودة مؤكدة، فما يمكنني أن أكافئكما بسيئة تصدر مني ولكني أشتهي منكما أن تخرجا من بلدي. فلما وصلهما الجواب ما أمكنهما المقام بتكريت، فخرجا منها، ووصلا إلى الموصل، فأحسن إليهما الأتابك عماد الدين زنكي، وزاد في إكرامهما والإنعام عليهما، وأقطعهما إقطاعاً جسناً، ثم لما ملك الأتابك قلعة بعلبك استخلف بها نجم الدين أيوب، وفيها بنى خانقاهاً للصوفية يقال لها النجمية - وهي منسوبة إليه - عمرها في مدة إقامته بها، وكان رجلاً مباركاً كثير الصلاح مائلاً إلى أهل الخير، حسن النية جميل الطوية، ديناً عاقلاً كريماً، وفي سيرته وما جرى له كلام طويل ذكروا في آخره أنه لما تولى ولده صلاح الدين وزارة الديار المصرية في أيام العاضد صاحب مصر من العبيديين استدعى أباه نجم الدين المذكور من الشام. - وكان في دمشق في خدمة السلطان نور الدين محمود بن زنكي - فجهزه نور الدين وأرسله إليه، فدخل القاهرة لست بقين من رجب سنة خمس وستين وخمسمائة، وخرج العاضد إلى لقائه إكراماً لولده صلاح الدين، وفعل معه من الأدب ما هو اللائق بمثله، وعرض صلاح الدين على والده المذكور أمر الوزارة كله، وجعله له فأبى
(3/290)

وقال: يا ولدي؛ ما اختارك الله لهذا الأمر إلا وأنت أهل له، ولا ينبغي أن تغير موضع السعادة. ولم يزل عنده حتى استقل صلاح الدين بمملكة البلاد - كما سيأتي في ترجمته - ثم خرج صلاح الدين إلى الكرك ليحاصرها، وأبوه بالقاهرة، فركب يوماً ليسير على عادة الجند فخرج من باب النصر - أحد أبواب القاهرة - فشبت به فرسه، فألقاه، وبقي متألفا أياماً، ثم توفي - رحمه الله تعالى -. وفيها توفي ملك النحاة أبو نزار الحسن بن صافي البغدادي. كان نحوياً بارعاً، أصولياً متكلماً، رئيساً ماجداً، قدم دمشق واشتغل بها، وصنف في الفقه والنحو والكلام، وعاش ثمانين سنة. وسمع الحديث، وقرأ مذهب الإمام الشافعي وأصول الدين على أبي عبد الله القيرواني، والخلاف على أسعد الميهن، وأصول الفقه على أبي الفتح بن برهان صاحب الوجيز والوسيط في أصول الفقه، وقرأ النحو على الفصيحي، والفصيحي قرأ على عبد القاهر الجرجاني صاحب الجمل الصغير، وسافر إلى خراسان وكرمان وغزنة، ورحل إلى الشام، واستوطن دمشق وتوفي بها. وله مصنفات كثيرة في الفقه والأصلين والنحو، وله ديوان شعر، ومدح النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بقصيدة، ومن شعره:
سلوت بحمد الله عنها فأصبحت ... دواعي الهوى من نحوها لا أجيبها
على أنني لا شامتإن أصابهابلاء، راض لواش بعيبها
ولقب نفسه ملك النحاة وكان يسخط على من يخاطبه بغير ذلك وأخذ عنه جماعة ادباء كثيراً واتفقوا على فضله ومعرفته.

سنة تسع وستين وخمس مائة
فيها توفي الملك العادل نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي، كان ملكاً عادلاً زاهداً عابداً ورعاً متمسكاً بالشريعة مائلاً إلى الخير مجاهداً في سبيل الله كثير الصدقات، بنى المدارس في بلاد الإسلام الكبار مثل دمشق وحلب وبعلبك ومنبج والرحب، وبنى بمدينة الموصل الجامع النوري، وبحماة الجامع الذي على نهر العاصي، وجامع
(3/291)

الره، وجامع منبج، ومارستان دمشق، ودار الحديث بها، وله من المناقب وألفاثر والمفاخر ما يستغرق الوصف، وكان في الأولياء معدوداً من الأربعين، وصلاح الدين من الثلاث مائة، ذكر ذلك بعض الشيوخ العارفين. لما قتل أبوه سار في خدمته صلاح الدين محمد بن أيوب وعساكر الشام إلى مدينة حلب وحماة وحمص ومنبج وحران فملكها، وملك أخوه سيف الدين الموصل وما والاها، ثم إن نور الدين نزل على دمشق محاصراً لها - وصاحبها يومئذ مجير الدين أتابك الملك رواق بن تتش بالمثناة من فوق مكررة ثم الشين المعجمة السلجوقي - وكان نزول نور الدين عليها ثالث صفر سنة تسع واربعين وخمس مائة، وملكها يوم الأحد تاسع الشهر المذكور، ثم استولى على بقية بلاد الشام من حمص وحماة وبعلبك - وهو الذي بنى سورها - ومنبج وما بين ذلك، وافتتح من بلاد الروم عدة حصون منها مرعش وبهنسا وتلك الأطراف، وافتتح أيضاً من بلاد الفرنج أيضاً حارم وعزاز وبانياس وغير ذلك مما يزيد عدته على خمسين حصناً، ثم سير الأمير أسد الدين عم صلاح الدين إلى مصر ثلاث مرات، وملكها السلطان صلاح الدين في المرة الثالثة نيابة عنه، وجعل اسمه في الخطبة والسكة.
(3/292)

وكان بينه وبين أبي الحسن سنان بن سليمان بن محمد الملقب راشد الدين صاحب قلاع الإسماعيلية ومقدم الفرقة الباطنية - وإليه تنسب الطائفة السنية مكاتبات ومحاورات بسبب المحاورة - فكتب إليه نور الدين في بعض الأزمنة كتاباً يهدده فيه ويتواعده بسب اقتضاء ذلك، فشق على سنان، فكتب جوابه أبياتاً ورسالة:
يا ذا الذي بقراع السيف هددنا ... لا قام مصرع جنبي حين تصرعه
قام الحمام إلى البازي يهدد ... فاستيقظت لأسود البر أصيعه
أضحى يسدفم الأفعى بإصبعهيكفيه ما قد تلاقي منه إصبعه
وقفنا على تفصيله وحمله وعلمنا ما هددنا به من قوله وعمله، فيا لله العجب من ذبابة تطن في أذن فيل وبعوضة تعد في التماثيل، ولقد قالها من قبلك قوم آخرون فدمرنا عليهم ما كان لهم من ناصرين، أو للحق تدحضون وللباطل تنصرون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. وأما ما صدر من قولك في قطع رأسي وقلعك لقلاعي من الجبال الرواسي فتلك أماني كاذبة وخيالالت غير صائبة، فإن الجواهر لا تزول بالأعراض كما أن الأرواح لا تضمحل بالأمراض، كم من قوي وضعيف، ودنيء وشريف، فإن عدنا إلى الظواهر والمحسوسات، وعدلنا عن البواطن والمعقولات فلنا أسوة رسول - الله صلى الله عليه وآله وسلم - في قوله: " ما أوذي نبي ما أوذيت "، وقد علمتم ما جرى على عترته وأهل بيته وشيعته، والحال ما حال والأمر ما زال، ولله الحمد في الآخرة والأولى إذ نحن مظلومون لا ظالمون، ومغصوبون لا غاصبون، وإذا " جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً "، وقد علمتم ظاهر حالنا وكيفية رحالنا، وما يتمنوه من الفوت ويتقربون به إلى حياض الموت قل " فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولا يتمنونه أبداً بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين "، - الجمعة 6و7 - وفي أمثال العاقة السائرة: أو للبط تهددون بالشط؟ فهيىء للبلايا جلباباً، وتدرع للرزايا أثواباً، فلأظهرن عليك منك ولأتعبنهم فيك عنك، فتكون كالباحث عن حتفه بظلفه، والجادع مارن أنفه بكفه، وما ذلك على الله بعزيز. وفي رواية: فإذا وقفت على كتابنا هذا فكن لأمرنا بالمرصاد ومن حالك على اقتصاد، واقرأ أول النحل وآخر ص. والصحيح أنه كتب هذا اللفظ إلى السلطان صلاح الدين بن أبي أيوب، وبالجملة فإن محاسن نور الدين كثيرة، وسيرته في حسنها شهيرة. وكانت وفاته - رحمه الله تعالى - بعلة
(3/293)

الخوانيق، وأشار عليه الأطباء بالقصد فامتنع، وكان مهيباً فما روجع ودفن في بيت بقلعة دمشق كان يلازم الجلوس فيه والمبيت أيضاً، ثم نقل إلى تربته بالمدرسة التي أنشأها عند باب سوق الخواصين. وروي عن جماعة أن الدعاء عند قبره مستجاب، وكانت ولادته سنة إحدى عشرة وخمس مائة، فجميع عمره نيف وخمسون سنة، وكان قد عهد بالملك إلى ولده الملك الصالح اسماعيل، فقام من بعده، وخرج السلطان صلاح الدين من مصر، وملك دمشق وغيرها في بلاد الشام، وتركه في مدينة حلب، ولم يزل بها حتى توفي سنة سبع وسبعين وخمسمائة. وكان لموته وقع عظيم في قلوب الناس، وتأسفوا عليه لأنه كان محسناً محمود السيرة - رحمه الله تعالى -. وفيها وعظ الشهاب الطوسي ببغداد فقال: ابن ملجم لم يكفر بقتل علي - رضي الله تعالى عنه - فرجموه بالآجر، وهاجت الشيعة، فلولا العلماء لقتل، وحرقوا منبره، وهيؤوا له للمعياد الآتي قوارير النفط - ليحرقوه، ولامه نقيب النقباء، فأساء الأدب، فنفوه، فذهب إلى مصر وارتفع بها شأنه وعظم. وفيها توفي الحافظ أبوعلي العطار الحسن بن أحمد الهمداني المقرىء الأستاذ، شيخ همدان وقارئها وحافظها. رحل وحمل القراءات والحديث، قرأ بواسطة علي القلانسي، وببغداد على جماعة، وسمع من ابن بيان وطبقته، وبخراسان من الفراوي وطبقته، وبرع على حافظ زمانه في حفظ ما يتعلق بالحديث من الأنساب والتواريخ والأسماء والكنى والقصص والسير، وله تصانيف في القراءات والحديث والرقائق في مجلدات كبيرة، منها كتاب زاد المسافر خمسون مجلداً. وكان إماماً في العربية، وحفظ في اللغة كتاب الجمهرة، وأخرج جميع ما ورثه، وكان أبوه تاجراً، وسافر مراراً ماشياً يحمل كتبه على ظهره، ويبيت في المساجد، ويأكل خبز الدخن إلى أن نشر الله تعالى ذكره في الآفاق. قال ابن النجار: هو إمام في علوم القرآن والحديث والأدب والزهد والتمسك بالأثر. وفيها توفي سعيد بن المبارك البغدادي النحوي المعروف بابن الدهان، صاحب التصانيف الكثيرة، ألف شرحاً للإيضاح في ثلاثة وأربعين مجلداً، وكان سيبويه زمانه. وفيها توفي المسمى بعبد النبي ابن المهدي، الذي تغلب على اليمن، وتلقب
(3/294)

بالمهدي. وكان أبوه أيضاً قد استولى على اليمن، فظلم وغشم وذبح الأطفال، وكان باطنياً من دعاة المصريين بني عبيد، وهلك سنة ست وستين، وقام بعده ولده المذكور فاستباح الحرائر وتمرد على الله فقتله شمس الدولة كما مضى. وفيها توفي الفقيه عمارة بن علي بن زيدان الحكمي المذحجي اليمني الشافعي الفرضي نزيل مصر وشاعر العصر. كان شديد التعصب للسنة أديباً
ماهراً، ولم يزل يماشي الحال في دولة المصريين إلى أن ملك صلاح الدين فمدحه، ثم إنه شرع في أمور وأخذ مع رفاق من الرؤساء في التعصب للعبيديين وإعادة دولتهم، فنقل أمرهم - وكانوا ثمانية - إلى صلاح الدين، فسبقهم في رمضان. ذكر في بعض تآليفه أنه من قحطان، وأن وطنه من تهامه اليمن: مدينة يقال لها برطان، من وادي سباع، وبعدها من مكة في مهب الجنوب أحد عشر يوماً. واشتغل بالفقه في زبيد مدة أربع سنين، وحج سنة تسع وأربعين وخمس مائة، وسيره قاسم بن هاشم صاحب مكة - شرفها الله تعالى - إلى الديار المصرية - وصاحبها يومئذ الفائزين الظافر - ومدحه ووزيره بقصيدة يقول فيها: هراً، ولم يزل يماشي الحال في دولة المصريين إلى أن ملك صلاح الدين فمدحه، ثم إنه شرع في أمور وأخذ مع رفاق من الرؤساء في التعصب للعبيديين وإعادة دولتهم، فنقل أمرهم - وكانوا ثمانية - إلى صلاح الدين، فسبقهم في رمضان. ذكر في بعض تآليفه أنه من قحطان، وأن وطنه من تهامه اليمن: مدينة يقال لها برطان، من وادي سباع، وبعدها من مكة في مهب الجنوب أحد عشر يوماً. واشتغل بالفقه في زبيد مدة أربع سنين، وحج سنة تسع وأربعين وخمس مائة، وسيره قاسم بن هاشم صاحب مكة - شرفها الله تعالى - إلى الديار المصرية - وصاحبها يومئذ الفائزين الظافر - ومدحه ووزيره بقصيدة يقول فيها:
الحمد للعيش بعد العزم والهمم ... حمداً يقوم بما أوليت من نعم
لا أجحد الحق عندي للركاب به ... تمنيت اللجم فيها ريتة الخطم
قرير، بعد مرار العيش من نظري ... حتى رأيت إمام العصر من أمم
وأجري من الكعبة البطحاء والحرم ... السامي إلى كعبة المعروف والكرم
إلى أن قال:
أقسمت بالفائز المعصوم معتقداً ... فوز النجاة، وأجري البر في القسم
لقد حمى الدين والدنيا وأهلهم ... وزيره الصالح الفراج للغمم
خليفة ووزير مد عدلهما ... ظلاً على مفرق الإسلام والأمم
زيادة النيل نقص عند فيضهما ... فما عسى تتعاطى منية الديم
فاستحسنا قصيدته، وأجز لاصلته، ثم رجع متوجهاً إلى مكة، ثم منها إلى زبيد في سنة إحدى وخمسين، ثم حج من عامه، فأعاده صاحب مكة المذكور في رسالة إلى مصر
(3/295)

مرة ثانية، فاستوطنها ولم يفارقها بعد. وكانت بينه وبين الكامل بن شاور صحبة مؤكدة قبل وزارته، فلما وزر استحال عليه فكتب إليه:
إذا لم يسالمك الزمان فحارب ... وباعد إذا لم تنتفع بالأقارب
ولا تحتقر كبداً ضعيفاً فربما ... تموت الأفاعي من سموم العقارب
فقد هد قدماً عرش بليقس هدهد ... وخرب فأر قبل ذا سد مأرب
إذا كان رأس ألفال عمرك فاحترز ... عليه من الإنفاق في غير واجب
مع أبيات اخرى بالغة في الحسن، وقوله: من أمم هو بفتح الهمزة والميم الأولى، يقال: أخذت ذلك من أمم أي من قرب. قال زهير: وحيره ما هم لو أنهم أمم أي: لو أنهم بالقرب مني. والأمم أيضاً الشيء اليسير، يقال: ما سألت إلا أمماً. وأما الأمم بضم الهمزة في قوله: ظل على مفرق الإسلام والأمم فهو جمع أمة.

سنة سبعين وخمس مائة
فيها قدم صلاح الدين وأخذ دمشق بلا ضربة ولا طعنة، وسار الصالح اسماعيل في حاشيته إلى حلب، ثم سار صلاح الدين فحاصر حمص بالمجانيق، ثم سار فأخذ حماة، ثم حاصر حلب، ثم رد وتسلم حمص، ثم عطف إلى بعلبك فتسلمها، ثم كر والتقى صاحب الموصل مسعود بن مودود فإنهزم عسكر الموصل أسوأ هزيمة، ثم وقع الصلح. واستناب بدمشق أخاه سيف الإسلام، وكان بمصر أخوه العادل. وفيها توفي أحمد بن المبارك خادم الشيخ عبد القادر الذي كان يبسط المرقعة له على الكرسي. وفيها توفي القاضي علي بن عمر بن عبد العزيز بن قرة اليمني. كان حافظاً في التفسير واعظاً على المنابر، مقبول الكلمة في أهل بلده عارفاً بتأويل الرؤيا. قيل: إن رجلاً رأى في المنام الفقيه نعيماً العشاري الذي كان يحفظ عشرة علوم، فسأله عن رؤيا فقال: إن تأويل الرؤيا يا صرف عني إلى القاضي علي بن عمر. توفي في الطرية - بتشديد الياء المثناة من تحت وفتح الطاء المهملة وكسر الراء - قرية في ناحية مسجد الرباط من بلاد اليمن بساحل عدن.

سنة احدى وسبعين وخمس مائة
فيها شنق السلطان المبتدع ابن مهدي - الملقب نفسه عبد
(3/296)

النبي - هو وأخوه أحمد في زبيد برسم السلطان شمس الدولة أول من ملك اليمن من بني أيوب. وابن مهدي المذكور من الآفات الكائنات والبليات والفتن العظيمات في بلاد اليمن. وفيها نقض صاحب الموصل الصلح، وسار إلى السلطان سيف الدين غازي، فالتقاه صلاح الدين بنواحي حلب، فانهزم غازي وجمعه - وكانوا ستة آلاف وخمس مائة - لم يقتل سوى رجل واحد، ثم سار صلاح الدين فأخذ منبج ثم نازل قلعة عزاز، ووثب عليه الإسماعيلية فجرحوه في خد، فأخذوا وقتلوا، وافتتح القلعة، ثم نازل حلب شهراً، ثم وقع الصلح: وترحل عنهم، وأطلق قلعة عزاز لولد السلطان نور الدين علي. وفيها توفي الفقيه الإمام المحدث البارع الحافظ المتقن الضابط ذو العلم الواسع شيخ الإسلام. ومحدث الشام ناصر السنة قامع البدعة، زين الحافظ بحر العلوم الزاخر، رئيس المحدثين المقر له بالتقدم، العارف ألفاهر ثقة الدين أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله ابن عساكر، الذي اشتهر في زمانه بعلو شأنه، ولم ير مثله في أقرانه، الجامع بين المعقول والمنقول، والمميز بين الصحيح والمعلوم، كان محدث زمانه ومن أعيان الفقهاء الشافعية، غلب عليه الحديث واشتهر به، وبالغ في طلبه إلى أن جمع منه ما لم يتفق لغيره، رحل وطوف، وجاب البلاد ولقي المشايخ، وكان رفيق الحافظ أبي سعد عبد الكريم بن السمعاني في الرحلة، وكان أبو القاسم المذكور حافظاً ديناً جمع بين معرفة المتون والاسانيد، سمع ببغداد في سنة عشر وخمسمائة من أصحاب البرمكي والتنوخي والجوهري، ثم رجع إلى دمشق، ثم رحل إلى خراسان، ودخل نيسابور وهراة وأصبهان والجبال، وصنف التصانيف المفيدة، وخرج التخاريج، وكان حسن الكلام على الأحاديث محظوظاً على الجمع والتأليف، صنف التاريخ الكبير لدمشق في ثمانين مجلداً، أتى فيه بالعجائب، وهوعلى نسق تاريخ بغداد.
(3/297)

قال الإمام ابن خلكان: قال لي شيخنا الحافظ العلامة زكي الدين أبو محمد عبد العظيم المنذري - رحمه الله تعالى - وقد جرى ذكر تاريخ ابن عساكر المذكور، وأخرج لي منه مجلداً، وطال الحديث في أمره واستعظامه: ما أظن هذا الرجل إلا عزم على وضع هذا التاريخ من يوم عقل على نفسه، وشرع في الجمع من ذلك الوقت، وإلا فالعمر يقصرعن أن يجمع الإنسان فيه مثل هذا الكتاب بعد الاشتغال والتنبيه. قال: ولقد قال الحق، ومن وقف عليه عرف حقيقة هذا القول، ومتى يتسع الإنسان الوقت حتى يضع مثله، وهذا الذي ظهر هو الذي اختاره، وما صح له إلا بعد مسودات ما يكاد ينضبط حصرها، وله تآليف حسنة غيره، وأخرى ممتعة، قال: وله شعر لا بأس به، فمن ذلك قوله على ما قيل:
ألا إن الحديث أجل علم ... وأشرفه الأحاديث العوالي
وأنفع كل علم منه عندي ... وأحسنه الفوائد في الأمالي
وإنك لن ترى للعلم شيئاً ... محققه كأفواه الرجال
فكن يا صاح ذا حرص عليه ... وخذه من الرجال بلا ملال
ولا تأخذه من صحف فترمى ... من التصحيف بالداء العضال
ومن المنسوب إليه أيضاً:
أيا نفس ويحك جاء المشيب ... فماذا التصابي وماذا العزل
تولى شبابي كأن لم يكن ... وجاء مشيبي كأن لم يزل
كأني بنفسي على غرة ... وخطب المنون بها قد نزل
فياليت شعري ممن أكوان ... وما قدر الله لي في الأزل
وقد التزم في هذه الأبيات ما لا يلزم، وهو اطراد الزاي قبل اللام، والبيت الثاني هو بيت علي بن جبلة حيث يقول:
شباب كأن لم يكن ... وشيب كأن لم يزل
وليس بينهما إلا تغييريسير كما تراه. وقال بعض أهل العلم بالحديث والتواريخ: ساد أهل زمانه في الحديث ورجاله، وبلغ فيه الذروة العليا، ومن تصفح تاريخه علم منزلة الرجل في الحفظ. قلت: بل من تأمل تصانيفه من حيث الجملة علم مكانه في الحفظ والضبط للعلم والاطلاع وجودة الفهم والبلاغة والتحقيق والاتساع في العلوم، وفضائل تحتها من المناقب والمحاسن كل طائل. ومن تآليفه الشهيرة المشتملة على الفضائل الكثيرة كتاب: تبيين كذب المفتري فيما ذسب إلى الشيخ الإمام أبي الحسن الأشعري. جمع فيه بين حسن العبارة والبلاغة والإيضاح والتحقيق
(3/298)

واستعياب الأدلة النقلية وطرقها، مع إسناد كل طريق. وذكر فيه طبقات أعيان أصحابه من زمان الشيخ أبي الحسن إلى زمانه، وأوضح ماله من المناقب والمكارم والفضائل والعزائم ورد إلى من رماه وافترى عليه بالعظائم. قلت: وكتابه المذكور الذي وفق لإنشائه ووضعه، قد اختصرته أنا في نحو من ربعه وسميته: الشاش المعلم شاؤش كتاب المرهم. المعلم بشرف المفاخر العلية في مناقب الأئمة الأشعرية، ذكر هو فيه قريباً من ثمانين إماماً من أعيان الأئمة الأشعرية، ووفيته فيما اختصرته مائة من الأئمة الجلة النقية، واختصاري له بحذف الأسانيد اختصاراً على ما هو المقصود والمراد من ذكر أعيان الأئمة المشهورين بالموافقة في الاعتقاد، والرد على المبتدعين أولي الزيغ والإلحاد. وكان ابن عساكر المذكور - رضي الله عنه - حسن السيرة والسريرة. قال الحافظ الرئيس أبو المواهب: لو أر مثله، ولا من اجتمع فيه من لزوم طريقة واحدة منذ أربعين سنة من لزوم الصلوات في الصف الأول إلا من عذر والاعتكاف في شهر رمضان وعشر ذي الحجة، وعدم التطلع وتحصيل الأملاك وبناء الدور، قد أسقط ذلك عن نفسه، وأعرض عن طلب المناصب من الإمامة والخطابة إياها بعد ما عرضت عليه، وقلة الالتفات - أو قال -: عدم الالتفات إلى الأمراء، وأخذ نفسه بالأمر بالمعروف والنهي عن المكنر، لا تأخذه في الله لومة لائم، ذكره الإمام الحافظ ابن النجار في تاريخه فقال: إمام المحدثين في وقته، ومن انتهت إليه الرئاسة في الحفظ والإتقان والمعرفة التامة والثقة، وبه ختم هذا الشأن. وقال ابنه الحافظ أبو محمد القاسم: كان أبي - رحمه الله تعالى - مواظباً على صلاة الجماعة وتلاوة القرآن، يختم في كل جمعة، وفي شهر رمضان في كل يوم، ويحيي ليلة النصف للعيدين، وكان كثير النوافل والإذكار، ويحاسب نفسه على كل لحظة يذهب في غير طاعة. سمع من جماعة من المحدثين كثيرين نحواً من ألف وثلاث مائة شيخ وثمانين امرأة، وحدث بأصبهان وخراسان وبغداد وغيرها من البلاد، وسمع منه جماعة من كبار الحفاظ وخلق كثير وجم غفير. وقال الحافظ عبد القاهر الرهاوي: رأيت الحافظ السلفي والحافظ أبا العلاء الهمداني والحافظ أبا موسى المدني، فما رأيت فيهم مثل ابن عساكر رحمه الله تعالى. وفيها توفي السيد الفقيه الورع الزاهد أبو بكر بن سالم بن عبد الله من جبال اليمن،
(3/299)

استأذن عليه السلطان شمس الدولة، فتبرك بالسلام عليه واستسعد بالنظر إليه، وسأله الدعاء وأن يمسح له على بدنه. وفيها توفي جعدة العطاردي الإمام مجد الدين الفقيه الشافعي الأصولي الواعظ أبو منصور محمد بن أسعد - الطوسي - تلميذ الإمام البغوي، وراوي كتابيه: شرح السنة ومعالم التنزيل. دخل بلداناً كثيرة، وتفقه وبعد صيته في الوعظ، هكذا ذكر بعضهم. وقال ابن خلكان: كان فقيهاً فاضلاً واعظاً فصيحاً أصولياً، اشتغل على الإمام السمعاني، ثم على الإمام البغوي، وذكر تنقله إلى مرو، ثم إلى مرو روذ، ثم إلى بخارى، وعوده إلى مرو، وعقد مجلس الوعظ له بها، ثم انتقل إلى العراق، ثم إلى الموصل واجتمع الناس عليه بسبب الوعظ، وسمعوا منه الحديث، وأنشد يوماً على الكرسي من جملة أبياته:
تحية صوب المزن يقرأها الرعد ... على منزل كانت تحل به هند
تأت فأعرناها القلوب صبابة ... وعارية العشاق ليس لهارد
وكانت مجالسه في الوعظ من أحسن المجالس.

سنة اثنتين وسبعين وخمس مائة
فيها أمر السلطان صلاح الدين ببناء السور الكبيرالمحيط بمصر والقاهرة من البر، وطوله تسع وعشرون ألف ذراع وثلاث مائة ذراع بالقاسمي فلم يزل العمل فيه إلى أن مات صلاح الدين. وأنفق عليه أموالاً لا تحصى، وأمر أيضاً بإنشاء قلعة الجبل، ثم توجه إلى الاسكندرية، وسمع الحديث من السلفي. وفيها وقعة مقدم السودان المسمىبالكنز، جمع جيشاً بالصعيد، وسار إلى القاهرة في مائة ألف، فخرج له لحربه نائب مصر سيف الدولة، فالتقوا، فانكسر الكنز، وقتل في
(3/300)

المصاف من السودان، قيل: ثمانون ألفاً. وفيها توفي أبو محمد عبد الله بن عبد الله بن عبد الرحمن الأموي العثماني الديباجي محدث الإسكندرية، وكان صالحاً متعففاً يقرىء النحو واللغة والحديث. وفيها توفي أبو الفضل قاضي القضاة ابن السهروردي، ومن جلالته أن السلطان صلاح الدين لما أخذ دمشق وتمنعت عليه القلعة أياماً مشى إلى دار القاضي أبي الفضل المذكور، فانزعج، وخرج ليلقاه فدخل وجلس وقال: طب نفساً، فالأمر أمرك والبلد بلدك.

سنة ثلاث وسبعين وخمس مائة
فيها وقعة الرملة سار صلاح الدين من مصر، فسبى وغنم بلاد عسقلان، وسار إلى الرمل، فالتقى الفرنج، فحملوا على المسلمين وهزموهم، وثبت السلطان صلاح الدين وابن أخيه تقي الدين، ودخل الليل واحتوت الفرنج على العسكر بما فيه، وتمزق العسكر، وعطشوا في الرمال وأستشهدوا جماعة، وتحير صلاح الدين ونجا، وقتل ولد لتقي الدين عمره عشرون سنة، وأشر الأمير الفقيه عيسى الهكاري، وكانت نوبة صعبة، ونزلت الفرنج على حماة، وحاصرتها أربعة أشهر لاشتغال السلطان بلم سعث الجيش. وفيها توفي السلطان أرسلان السلجوقي، والوزير أبو الفرج محمد بن عبد الله بن هبة الله، وكان جواداً سرياً معظماً مهيباً، خرج للحج في تجمل عظيم، فوثب عليه واحد من الباطنية فقتله فى أوائل ذي القعدة.
(3/301)

وفيها توفي أبو محمد ابن المأمون الأديب هارون بن العباس العباسي المأموني البغدادي، صاحب التاريخ، وشرح أيضاً مقامات الحريري.

سنة اربع وسبعين وخمس مائة
فيها أخذ ابن قرابا الرافضي، ووجد في بيته يسب الصحابة، فقطعت يده ولسانه، ورجمته العامة، فهرب وسبح في الماء، فرموه بالآجر فغرق، فأخرجوه وأحرقوه. ثم ألحق ذلك بالتتبع على الرافضة، وأحرقت كتبهم، وانقمعوا حتى صاروا إلى ذلة اليهود، وتهيأ عليهم من ذلك ما لم يتهيأ ببغداد نحو مائتين وخمسين سنة. وفيها خرج نائب دمشق فرخ شاه ابن أخي السلطان، فالتقى الفرنج، فهزمهم وقتل مقدما لهم كان يضرب به المثل في الشجاعة. وفيها أطلق السلطان حماة عند موت صاحبها - خاله شهاب الدين - لابن أخيه الملك المظفر تقي الدين عمر ابن شاهنشاه، وأطلق له أيضاً المعرة ومنبج وفاء منه، فبعث إليها نوابه. وفيها توفي حيص بيص أبو الفوارس سعد بن محمد التميمي الشاعر، وله ديوان معروف، وكان وافر الأدب متضلعاً من اللغة، بصيراً بالفقه والمناظرة. وقال الشيخ نصر الله بن محلي: - قال ابن خلكان: وكان من ثقات أهل السنة، رأيت في المنام علي ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنه - فقلت له: يا أمير المؤمنين؛ يفتحون مكة ويقولون: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ثم تم على ولدك الحسين ما تم، فقال لي: أما سمعت أبيات ابن الصيفي في هذا؟!! فقلت لا، فقال: اسمعها منه. ثم استيقظت فبادرت إلى دار ابن الصيفي، فخرج إلي، فذكرت له الرؤيا، فشهق وأجهش بالبكاء، وحلف بالله إن كانت خرجت من فمي أو خطي إلى أحد، وإن كنت نظمتها إلا في ليلتي هذه، ثم أنشدني:
ملكنا فكان العفو منا سجية ... فلما ملكتم سال بالدم أبطح
وحللتم قتل الأسارى وطال ما ... عدونا على الأسراء نعفوا ونصفح
وحسبكم هذا التفاوت بيننا ... وكل إناء بالذي فيه يرشح
(3/302)

وإنما قيل له حيص بيص لأنه رأى الناس يوماً في حركة مزعجة وأمر شديد فقال: ما للناس في حيص بيص؟! فبقي عليه هذا اللقب. ومعنى هاتين الكلمتين: الشدة والاختلاط. وفيها توفيت مسندة العراق شهدة بنت أبي نصر أحمد بن الفرج، الكاتبة العابدة الصالحة الدينورية الأصل، البغدادية المولد والوفاة. كانت من أهل كتبة الخط الجيد، وسمع عليها خلق كثير، وكان لها السماع العالي، ألحقت فيه الأصاغر بالأكابر، سمعت من أبي الخطاب نصر بن أحمد بن النضر وأبي عبد الله الحسين بن أحمد بن طلحة الثعالبي، وطراد بن محمد وآخرين واشتهر ذكرها وبعد صيتها، وكانت ذات بر وخير. والدينورية نسبة إلى دينور، قيل بكسر الدال المهملة. قال الحافظ أبو سعد السمعاني بفتحها. وقال ابن خلكان: الأصح الكسر: وهي بلدة من بلاد الجيل نسب إليها جماعة من العلماء. وفيها توفي القدوة المشار إليه بالصلاح والورع والعبادة وإجابة الدعوة أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري الأندلسي، قرأ العربية ولزم أبا بكر بن العربي مدة، وكان من أولياء الله تعالى الذين تذكر بالله رؤيتهم، وآثار مشهورة مشكورة، وكراماته موصوفة معروفة مع الحظ الوافر من الفقه والقراءات. وفها توفي السديد محمد بن هبة الله بن عبد الله السلماسي الفقيه الشافعي، كان إماماً في عسره، تولى الإعادة بالمدرسة النظامية ببغداد، وكان مسدداً في الفتيا، واتقن عدة فنون، وهو الذي شهر طريقة الشريف بالعراق، وقيل إنه كان يذكر بطريقة الشريف والوسيط والمستصفى للغزالي من غير مراجعة كتاب. قصده الناس من البلاد، واشتغلوا عليه، وانتفعوا به، وخرجوا علماء مدرسين مصنفين، من جملتهم الشيخان الإمامان عماد الدين محمد وكمال الدين موسى ولدا يونس، والشيخ شرف الدين أبو المظفر محمد بن علوان بن مهاجر وغيرهم من الأفاضل والسلماسي بفتح السين المهملة واللام والميم وبعد الالف سين ثانية نسبة الى سلماس: وهي مدينة من " بلاد آذربيجان، تخرج به جماعة مشاهير.

سنة خمس وسبعين وخمس مائة
فيها نزل صلاح الدين على بانياس، وأغارت سراياه على الفرنج، ثم أخبر بجمع الفرنج وتهيئهم للمجيء، فبادر في الحال وكبسهم، فإذا هم في ألف قنطارية وعشرة آلاف راجل، فحملوا على المسلمين فثبتوا لهم، ثم حمل المسلمون عليهم فهزموهم، ووضعوا فيهم السيف وأسروا مائتين وستين - أسيراً، منهم مقدم لهم، فاستفك نفسه بألف أسير،
(3/303)

وبجملة من الما، وانهزم ملكهم جريحاً. وفيها جاء أرسلان صاحب الروم في عشرين ألفاً، فنهض إليه تقي الدين صاحب حماة وسيف الدين المسطور في ألف فارس، فكبسوا على الروميين، فركبوا خيولهم عري، ونجوا، وحوى تقي الدين الخيام بما فيها، ثم من على الأسرى بأموالهم وسرجهم. وفيها توفي المستضيء بأمر الله بن المستنجد بن المقتفي بن المستظهر بن المقتدي العباسي، وبويع بعد أبيه، وكان ذا دين وحلم وأناة ورأفة ومعروف زائد. قال ابن الجوزي: أظهر من العدل والكرم ما لم نره في أعمارنا، وفرق مالاً عظيماً للهاشميين وفي المدارس، وكان ليس للمال عنده وقع، أو قال: قدر. انتهى كلامه. قيل: وكان يطلب ابن الجوزي، ويأمره بعقد مجلس الوعظ، ويجلس بحيث يسمع ولا يرى. وفي أيامه اختفى الرفض ببغداد ووهي، وأما بمصر والشام فتلاشى، وزالت دعوة العبيديين، وخطب له بديار مصر واليمن وبعض المغرب، وبويع بعده ابنه أحمد الناصر لدين الله. واليسع بن عيسى بن حزم الغافقي المقرىء، أخذ القراءات عن جماعة منهم أبوه، وأقرأ بالاسكندرية والقاهرة، وقربه صلاح الدين واحترمه، وكان فقيهاً مفتياً محدثاً، مقرئاً نساباً اخبارياً بديع الخط، وقيل: هو أول من خطب بالدعوة العباسية بمصر. وفيها توفي الحافظ أبو المحاسن عمر بن علي القرشي الزبيري الدمشقي القاضي نزيل بغداد، صحب أبا النجيب السهروردي، وسمع من أبي الدر ياقوت الرومي وطائفة. وتوفي الحافظ المقرىء محمد بن خير الإشبيلي، فاق الأقران في ضبط القراءات
وبرع في الحديث واشتهر بالإتقان وسعة المعرفة بالعربية. وفيها توفي الحافظ ابن أبي غالب الضرير، برع في الحديث حتى صار يرجع إلى قوله، وانتهى إليه معرفة رجال الحديث وحفظه. وفيها توفي أبو الفضل منوجهر بن محمد الكاتب، كان أديباً فاضلاً مليح الإنشاء حسن الطريقة، روى عن جماعة المقامات عن الحريري.
(3/304)

وفيها توفي الأستاذ المقرىء المحقق يوسف بن عبد الله الأندلسي المعروف بابن عباد، أخذ القراءات عن جماعة، وسمع عن خلق كثير، واعتنى بصناعة الحديث، وكتب العالي والنازل، وبرع في معرفة الرجال، وصنف التصانيف الكثيرة.

سنة ست وسبعين وخمس مائة
فيها نزل صلاح الدين على حمص من بلاد الأرمن، فافتتحه وهدمه، ثم رج، فوافاه التقليد وخلع السلطنة من الناصر لدين الله، فركب، وكان يوماً مشهوراً. وفيها قدم السلطان سيف الإسلام بن أيوب إلى بلاد اليمن مولى عليها بعد أخيه شمس الدولة. وفيها توفي القاضي الفقيه العالم الورع الزاهد محمد بن سعيد القريضي - اليمني اللحجي - بسكون الحاء المهملة وكسر الجيم - وكان موصوفاً بالفضائل والمحاسن، وله مصنفات حسنة منها: المستصفى في ذكر سنن المصطفى ومختصر الإحياء قيل إنه رأى صلى الله عليه وآله وسلم - فدعا له بالتثبيت. وفيها توفي القاضي ابن القاضي طاهر ابن الإمام يحيى بن أبي الخير العمراني، تقلد ولاية القضاء في أيام شمس الدولة، ومات في شهفة - يوم الجمعة منتصف ذي الحجة. وفيها توفي أبو طاهر السلفي الحافظ العلامة الكبير مسند الدنيا. وفيها توفي معمر الحفاظ أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد الأصفاني. سمع من الثقفي وأحمد بن عبد الغفار ومكي - الإسلام وخلق كثير، وخرج عنهم في معجم، وحدث بأصبهان قال: وكنت ابن سبع عشرة سنة أو أكثر أو أقل، ورحل تلك السنة فأدرك بها أبا الخطاب وابن البطر ببغداد، وعمل معجماً لشيوخ بغداد، ثم حج وسمع بالحرمين والكوفة والبصرة وهمدان والزنجان والري والدينور وقزوين وأذربيجان والشام ومصر،
(3/305)

فأكثر وأطال، وتفقه فأتقن مذهب الشافعي، وبرع في الآدب وجود القرآن بروايات، وكان اشتغاله بالفقه على أبي الحسن الكيا، وفي اللغة على الخطيب يحيى بن علي التبريزي اللغوي، وقصده الناس من الأماكن البعيدة، وسمعوا عليه وانتفعوا به، ولم يكن في آخر عمره في عصره مثله، وبنى له العادل أبو الحسن علي بن السلار - وزير الظافر العبيدي صاحب مصر مدرسة في الإسكندرية، وفوضها إليه ومما وجه بخطه من قصيدة لمحمد بن عبد الجبار الأندلسي.
لولا اشتغال بالأمير ومدحه ... لأطلت في ذاك الغزال تغزلي
لكن أوصاف الجلال غلبنني ... فتركت أوصاف الجمال بمعزل
واستوطن الإسكندرية بضعاً وستين سنة مكباً على الاشتغال والمطالعة والنسخ وتحصيل الكتب، وجاوز المائة بلا ريب، وإنما النزاع في مقدار الزيادة، ومات يوم الجمعة بكرة الخامس ربيع الآخر رحمه الله تعالى. وفيها توفي شمس الدولة الملك المعظم توران شاه بن أيوب بن شاذي، وكان أسن من أخيه صلاح الدين، وكان يحترمه ويتأدب معه. أرسله فغزا النوبة، فسبى وغنم، ثم بعثه فافتتح اليمن - وكانت بيد الخوارج الباطنية - وأقام بها ثلاث سنين، بعثه إليها لما بلغه أن باليمن، إنساناً يسمى عبد النبي بن مهدي يزعم أنه ينتشر ملكه حتى يملك الأرض كلها، وكان قد ملك كثيراً من بلاد اليمن واستولى على حصونها، وخطب لنفسه، فجهز صلاح الدين جيشاً إليها مع أخيه المذكور من الديار المصرية في رجب سنة تسع وستين وخمسمائة، فمضى إليها، ففتح الله على يديه، وقتل الخارجي المذكور الذي كان فيها، وملك معظمها، وأعطى وأغنى خلقاً كثيراً، وكان كريماً أريحياً، ثم اشتاق إلى أطيب الشام ونضارتها، وكان القاضي الفاضل يكتب إليه الرسائل الفائقة، ويودعها شرح الأشواق. وكانت له من أخيه إقطاعات، وتوابه باليمن يجبون له الأموال. ومات وعليه من الديون مائتا ألف دينار، فقضاها عنه أخوه صلاح الدين. ولما تزايد به الشوق قدم إلى الشام وأقام بدمشق نائباً لأخيه، ثم تحول إلى مصر فتوفي بالإسكندرية، فنقل إلى الشام، فدفنته أخته ست الشام بمدرستها التي أنشأتها بظاهر دمشق، فهناك قبره وقبر ولدها حسام الدين، وكان قد تزوجها ناصر الدين، وتوفيت في ذي القعدة سنة ست عشرة وستمائة. وحكى الشيخ الأديب الفاضل مهذب الدين أبو طالب - نزيل مصر قال: رأيت في النوم شمس الدولة وهو ميت، فمدحته بأبيات وهو في القبر، فلف كفنه ورماه إلي
(3/306)

وأنشدني:
لا تستقلن معروفاً سمحت به ... ميتاً فأمسيت منه عارياً بدني
ولا تظنن جودي شأنه بخل ... من بعد بذلي ملك الشام واليمن
إني خرجت من الدنيا وليس معي ... من كل ما ملكت كفي سوى كفني
وتوران بضم المثناة من فوق وبعد الواو راء - ومعنى توران شاه: ملك الشرق. وفيها توفي أبو المفاخر المأموني راوي صحيح مسلم بمصر: سعيد بن الحسن العباسي، روى الحديث هو وابنه وحفيده ونافلته. قلت: هكذا قال الذهبي مغايراً بين الحفيد والنافلة، والمعروف اتحادهما، وهما ولدا ولد، نعم قد قيل أيضاً أن الحفدة يطلقون على الأعوان والخدم. وفيها توفي أبو الحسن بن عطار النحوي علي بن عبد الرحمن السلمي، كان علامة اللغة وحجة في العربية.
وفيها توفي أبو العز محمد بن محمد المعروف بابن الخراساني البغدادي الأديب صاحب العروض والنوادر وديوان شعر في مجلدات. كان صاحب طرف وذكاء مفرط وتفنن في الأدب، روى عن جماعة. وفيها توفي صاحب الموصل غازي بن زنكي، كان منطوياً على خير وصلاح، يحب العلم وأهله، وبنى بالموصل المدرسة المعروفة بالعتيقة، وقدم مع سيف الإسلام إلى اليمن. وفي هذه السنة أو بعدها توفي الفقيه الفاضل القاضي أثير الدين قاضي قضاة المسلمين باليمن، وسمع عليه الشهاب وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، وسمعه وهو ابن ثلاث سنين، سمعه عليه جماعة. قال ابن سمرة: كنت فيهم. ثم غضب عليه السلطان سيف الإسلام، وحمله رسالة إلى بغداد في صورة طرد وإبعاد، ثم رجع إلى مكة وكتب إلى سيف الإسلام سلطان اليمن:
وما أنا إلا المسك ضاع عندكم ... يضيع وعند الأكرمين يضوع
وفيها توفي - وقيل في سنة تسع - أبو الفضل الشيخ الإمام - رضي الله عنه - الموصلي الشافعي يونس بن محمد بن منعة رضي الدين والد الشيخين: عماد الدين أبي حامد محمد، وكمال الدين أبي الفتح موسى. تفقه الشيخ يونس على الحسين بن نصير السكبي الجهني
(3/307)

الملقب تاج الإسلام في الموصل حين قدمها، وكان أصله من أهل إربل، ثم انحدر إلى بغداد، وتفقه بها على الشيخ أبي منصور سعيد بن محمد مدرس النظامية، ثم أصعد إلى الموصل، فصادف بها قبولاً تاماً عند المتولي بها الأمير أبي الحسن - والد الملك المعطم - وجعل إليه تدريس مسجده، وفوض نظره إليه، وكان يدرس ويناظر ويفتي، فقصده الطلاب للاشتغال عليه والمباحثة مع ولديه المذكورين، ولم يزل على قدم الفتوى والتدريس والمناظرة إلى أن توفي بالموصل في السنة المذكورة. وكانوا بيت علم، خرج من بينهم جماعة من الفضلاء، وانتفع بهم أهل تلك البلاد وغيرها، وكانوا مقصودين من بلاد العراق والعجم وغيرها.
وفيها توفي سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي ين أقسنقر صاحب الموصل، تقلد المملكة بعد وفاة أبيه مودود، ولما توفي والده بلغ الخبر نور الدين، فسار من ليلته طالباً بلاد الموصل، فوصل إلى الرقة في المحرم سنة ست وستين وخمس مائة وملكها، وسار منها إلى نصيبين، فملكها في الشهر المذكور، وأخذ سنجار في ربيع الآخر، ثم قصد الموصل، وقصد أن لا يقاتلها، فعبر بعسكره من محاصة - وهي بليدة بقرب الموصل - وسار حتى خيم قبالة الموصل، وراسل ابن أخيه سيف الدين المذكور، وعرفه صحة قصده، فصالحه، ودخل الموصل وأقر صاحبها فيها، وزوجه ابنته، وأعطى أخاه عماد الدين سنجار، وخرج من الموصل وعاد إلى الشام، ودخل حلب في شعبان من السنة المذكورة، فلما مات نور الدين وملك صلاح الدين دمشق، نزل على حلب فحاصرها، وسير سيف الدين جيشاً مقدمه أخوه عز الدين مسعود، والتقوا عند قرون حماة، فانكسر عز الدين بن مسعود، فتجهز سيف الدين بنفسه، فخرج إلى لقائه وتصافا على تل السلطان بين حلب وحماة - سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، فانكسرت ميسرة صلاح الدين بمظفر الدين بن زين الدين فإنه كان في ميمنة سيف الدين - ثم حمل صلاح الدين بنفسه، فانهزم جيش سيف الدين وعاد إلى حلب، ثم رحل إلى الموصل، ولما توفي سيف الدين تولى بعده أخوه عز الدين مسعود.
(3/308)

وفيها توفي الشيخ الكبير الولي الشهير ذو الجاه الواسع المعروف بمدافع.

سنة سبع وسبعين وخمس مائة
فيها توفي الملك الصالح أبو الفتح اسماعيل ابن السلطان نور الدين محمود بن زنكي ختنه أبوه، فزينت دمشق، وعمل وقتاً باهراً، ثم مات أبوه بعد ختانه بأيام، فأوصى له بالسلطنة، فلم يتم له ذلك، وبقيت له حلب، وكان شاباً ديناً عاقلاً محبباً إلى أهل حلب إلى الغابة، بحيث إنهم قاتلوا صلاح الدين قتال الموت لما جاء ليتملكها، وما تركوا شيئاً من مجهودهم، ولما توفي أقاموا عليه المآتم، وبالغرا في النوح والبكاء عليه، وفرشوا الرماد في الطرق وكان عمره تسع عشرة سنة، وأوصى بحلب ابن عمه عز الدين مسعود بن مودود، فجاء وتملكها. وفيها توفي كمال الدين بن الأنباري العبد الصالح أبو البركات عبد الرحمن بن محمد. كان من الأئمة المشار إليهم في علم النحو، وتفقه في مذهب الإمام الشافعي بالمدرسة النظامية، وتصدرلإقراء النحوواللغة، وأخذ اللغة عن أبي منصور بن الجواليقي، والنحو عن أبي السعادات هبة الله بن السجزي الآتي ذكر فضله - إن شاء الله تعالى - وأخذ عنه، وانتفع بصحبته في علم الأدب، واشتغل عليه خلق كثير وصاروا علماء، وصنف في النحو كتاب أسرار العربية، وهو كتاب سهل المأخذ كثير الفائدة وله كتاب الميزان في النحو أيضاً، وكتاب في طبقات الأدباء جمع فيه بين المتقدمين والمتأخرين مع صغر حجمه، وكتبه كلها نافعة، وكان نفسه مباركاً ما قرأ عليه أحد إلا وتميز، ثم انقطع في آخر عمره في بيته مشتغلاً بالعلم العبادة، وترك الدنيا ومجالسة أهلها، ولم يزل على سيرة حميدة زاهداً عابداً. وكانت ولادته في سنة ثلاث عشرة وخمس مائة ببغداد، ودفن في تربة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي. والأنبار: بلدة قديمة على الفرات بينها ويين بغداد عشرة فراسخ. وفيها توفي شيخ الشيوخ أبو الفتح عمر بن علي ابن الشيخ محمد بن حمويه الجويني الصوفي، روى عن جده الفراوي، وجماعة، ونصبه نور الدين شيخ الشيوخ بالشام، وكان وافر الحرمة.

سنة ثمان وسبعين وخمس مائة
فيها سار صلاح الدين فافتتح حران وسروج وسنجار ونصيبين والرقة والبصرة،
(3/309)

ونازل الموصل، ولم يظفر بها لحصانتها، ثم جاء رسول الخليفة يأمره بالترحل عنها، فرحل عنها، ورجع، فأخذ عز الدين مسعود، وعوضه بسنجار. وفيها لبس لباس الفتوة الناصر لدين الله من شيخ الفتوة عبد الجبار، وابتهج بذلك، وبقي يلبس الملوك. وفيها بعث صلاح الدين أخاه سيف الإسلام طغتكين بذلك - بالطاء المهملة والغين المعجمة والمثناة من فوق قبل الكاف ومن تحت بعدها ثم النون - على مملكة اليمن، فدخلها وتسلمها من نواب أخيه. وفيها توفي أبو الكرم هبة الله بن علي الأنصاري الخزرجي المصري المعروف بالبوصيري، كان أديباً كاتباً، له سماعات عالية وروايات تفرد بها، والحق الأصاغر بالأكابر في علو الإسناد، ولم يكن في آخر عصره في درجته مثله. سمع بقراءته جماعة من الكبار، ورحل إليه الطلاب من الأمصار. قال الذهبي. وفيها توفي أحمد بن الرفاعي الزاهد القدوة أبو العباس بن علي بن يحيى كان أبوه قد نزل بالبطائح، بالعراق بقرية أم عبيدة، فتزوج بأخت الشيخ منصور الزاهد، فولدت له الشيخ أحمد في سنة خمس مائة، وتفقه قليلاً على مذهب الشافعي، وكان إليه المنتهى في التواضع والقناعة ولين الكلمة، والذل والانكسار والارزاء على نفسه، وسلامة الباطن. ولكن أصحابه فيهم الجيد والرديء، وقد كثر الزغل فيهم، وتحدرت لهم أحوال شيطانية من دخول النيران والركوب على السباع واللعب بالحيات، وهذا ما عرفه الشيخ والأصلحاء أصحابه - فنعوذ بالله من الشيطان. قلت: هذه ترجمة الذهبي عليه في كتابه الموسوم بالعبر، ولم يزد على هذا، وهذا من العجائب في اقتصاره على هذا في ذكر شيخ الشيوخ الذي ملأت شهرته بالمشارق والمغارب، تاج العارفين، وإمام المعرفين، ذي الأنوار الزاهرة، والكرامات القاهرة، والمقامات العلية والأحوال السنية، والبركات العامة، والفضائل الشهيرة بين الخاصة والعامة: أحمد بن أبي الحسن الرفاعي. وقد ذكرت شيئاً من كراماته ومحاسنه في كتابي الموسوم بروض الرياحين، وفي كتاب الموسوم بالأطراف، وهو كما ترجم عليه بعض العلماء الفضلاء المعتقدين في المشايخ والفقراء حيث قال فيه: هو من أجل العارفين وعظماء المحققين وصدور المقربين، صاحب المقامات العلية والأحوال السنية، والأفعال الخارقة. والأنفاس الصادقة، والفتح المؤنق والكشف المشرق، والقلب الأنور والسر الأظهر والقدر الأكبر، والمعارف الباهرة والحقائق الظاهرة، واللطائف الشريفة والهمم
(3/310)

المنيفة، والقدم الراسخ في التصريف الناقد، والباع الطويل في أحكام الولاية، خرق الله على يديه العوائد، وقلب له الأعيان، وأظهر العجائب، فله مجلس القرب في الحضرة الشريفة، ورفيع المقام والقبول العظيم عند الخاص والعام، عطرت بذكره الآفاق والأقطار، ولاح منه نور الفلاح، واستطار صيته في الوجود استطارة النار بالرياح. قلت: ومن كراماته ما روى ابن أخته الشيخ الجليل أبو الحسن علي قال: كنت يوماً جالساً عند باب خلوة خالي الشيخ أحمد رضي الله تعالى عنه، وليس فيها غيره، وسمعت عنده حساً، فنظرت فإذا عنده رجل ما رأيته قبل، فتحدثا طويلاً، ثم خرج الرجل من كوة في حائط الخلوة ومر في الهوى كالبرق الخاطف، فدخلت على خالي وقلت له: من الرجل؟ فقال له: أو رأيته؟. قلت: نعم، قال: هو الرجل الذي يحفظ الله - عز وجل - به قطر البحر المحيط، وهو أحد الأربعة الخواص، إلا أنه هجر منذ ثلاث وهو لا يعلم. فقلت له: يا سيدي؛ ما سبب هجره؟ قال: إنه مقيم بجزيرة في البحر المحيط، ومنذ ثلاث ليال أمطرت جزيرته حتى سالت أوديتها، فخطر في نفسه: لو كان هذا المطر في العمران، ثم استغفر الله تعالى، فهجر بسبب اعتراضه. فقلت له: أعلمته؟ قال: لا، إني استحييت منه، فقلت له: لو أذنت لي لأعلمته، فقال: أو تفعل ذلك؟ قلت: نعم، فقال: رنق، فرنقت، ثم سمعت صوتاً: يا علي، ارفع رأسك، فرفعت رأسي من رنقي، فإذا أنا بجزيرة في البحر المحيط فتحيرت في أمري، وقمت أمشي فيها فإذا بذلك الرجل، فسلمت عليه وأخبرته، فقال: ناشدتك الله ألا فعلت ما أقول لك، قلت: نعم، قال: ضع خرقتي في عنقي، واسحبني على وجهي، وناد علي، هذا جزاء من تعرض على الله سبحانه. قال: فوضعت الخرقة في عنقه وهممت بسحبه، وإذا هاتف يقول: يا علي، دعه فقد ضجت عليه ملائكة السماء باكية عليه وسائلة فيه، وقد رضي
عنه. قال: فأغمي علي ساعة، ثم سري عني وإذا أنا بين يدي خالي في خلوته. والله ما أدري كيف ذهبت ولا كيف جئت. قلت وقد اقتصرت على ما يسمع من كراماته في هذه القضية الفردة من بين ما لا يحصى، ولا يستطيع من رام ذلك عده. قال الإمام ابن خلكان: كان شافعي المذهب، أصله من العرب وسكن في البطائح في قرية يقال لها: أم عبيدة، وانضم إليه خلق عظيم، وأحسنوا الاعتقاد فيه وتبعوه. والطائفة المعروفة بالبطائحية والرفاعية من الفقراء منسوبة إليه. قال: ولأتباعه أحوال عجيبة في الحيات والنزول في التنانير وهي تضطرم بالنار فيطفئونها، ويقال إنهم في بلادهم يركبون الأسود، ومثل هذا وأشباهه، ولهم مواسم يجتمع عندهم من الفقراء عالم لا يعد ولا يحصى، ويقومون بكفاية الكل منهم، وأمورهم مشهورة مستفيضة، فلا حاجة إلى الإطالة. وذكر أصحابه وأتباعه ذكراً جميلاً يدل على حسن اعتقاده في الفقراء من حيث الجملة، وحمل أحوالهم على السداد خلافاً لما قدمته عن الذهبي من الطعن فيهم وسوء الاعتقاد. قال ابن خلكان: وكان للشيخ أحمد - على ما كان عليه من الاشتغال بالعبادة - شعر، فمنه على ما قيل: هـ. قال: فأغمي علي ساعة، ثم سري عني وإذا أنا بين يدي خالي في خلوته. والله ما أدري كيف ذهبت ولا كيف جئت. قلت وقد اقتصرت على ما يسمع من كراماته في هذه القضية الفردة من بين ما لا يحصى، ولا يستطيع من رام ذلك عده. قال الإمام ابن خلكان: كان شافعي المذهب، أصله من العرب وسكن في البطائح في قرية يقال لها: أم عبيدة، وانضم إليه خلق عظيم، وأحسنوا الاعتقاد فيه وتبعوه. والطائفة المعروفة بالبطائحية والرفاعية من الفقراء منسوبة إليه. قال: ولأتباعه أحوال عجيبة في الحيات والنزول في التنانير وهي تضطرم بالنار فيطفئونها، ويقال إنهم في بلادهم يركبون الأسود، ومثل هذا وأشباهه، ولهم مواسم يجتمع عندهم من الفقراء عالم لا يعد ولا يحصى، ويقومون بكفاية الكل منهم، وأمورهم مشهورة مستفيضة، فلا حاجة إلى الإطالة. وذكر أصحابه وأتباعه ذكراً جميلاً يدل على حسن اعتقاده في الفقراء من
(3/311)

حيث الجملة، وحمل أحوالهم على السداد خلافاً لما قدمته عن الذهبي من الطعن فيهم وسوء الاعتقاد. قال ابن خلكان: وكان للشيخ أحمد - على ما كان عليه من الاشتغال بالعبادة - شعر، فمنه على ما قيل:
إذا جن ليلي هام قلبي بذكركم ... أنوح كما ناح الحمام المطوق
وفوقي سحاب يمطر الهم والأسى ... وتحتي بحار للهوى تتدفق
سلوا أم عمر وكيف بات أسيرها ... تفك الأسارى دونه وهو موثق
فلا هو مقتول ففي القتل راحة ... ولا هو ممنون عليه فيطاق
قال: ولم يزل على تلك الحال إلى أن توفي يوم الخميس الثاني والعشرين من جمادى الأولى من السنة المذكورة بأم عبيدة، وهو في عشر السبعين. والرفاعي بكسر الراء نسبة إلى رجل من العرب يقال له رفاعة، قال: هكذا نقلته من خط بعض أهل بيته، بفتح العين المهملة وكسر الباء الموحدة وسكون المثناة من تحت وقبل الهاء دال مهملة - وهي عدة قرى مجتمعة في وسط الماء بين واسط وبصرة، ولها في العراق شهرة. انتهى. قلت: وذكر غيره أن الأبيات المذكورة سمعها الشيخ سيدي أحمد المذكور من القوال، وكانت سبب موته. وفي مناقبه وما اتصف به من المحاسن والآداب والكرامات العظام مصنف لبعض الأئمة الأعلام، وهو السيد الجليل المعروف بابن عبد المحسن الواسطي. وفي السنة المذكورة توفي الحافظ محدث الأندلس ومؤرخها ومسندها أبو القاسم بن بشكوال خلف بن عبد الملك الخزرجي الأنصاري القرطبي. كان من علماء الأندلس، وله التصانيف المفيدة، منها كتاب الصلة الذي جعله ذيلاً على تاريخ علماء الأندلس تصنيف القاضي أبي الوليد عبد الله بن محمد المعروف بابن الفرضي، وقد جمع فيه خلقاً كثيراً، وله كتاب صغير في أحوال الأندلس - وما أقصر فيه - وكتاب الغوامض والمبهمات، وذكر فيه من جاء ذكره مبهماً في الحديث، فعينه ونسج فيه على منوال الخطيب البغدادي الذي وضعه على هذا الأسلوب، وجزء لطيف ذكر فيه من روى الموطأ عن أنى بن مالك - كذا في الأصل الذي وقفت عليه. من تاريخ ابن خلكان، عن أنى بن مالك - ولم يقل: مالك بن أنس، فإن أراد رواة الموطأ عن أنس بن مالك الصحابي فهو صحيح. وقال: ورتب أسماءهم على حروف المعجم فبلغت عدتهم ثلاثاً وسبعين رجلاً. ومجلد لطيف سماه:
(3/312)

كتاب المستعين بالله تعالى عند الحاجات والمهمات والمتضرعين إلى الله سبحانه وتعالى بالرغبات والدعوات وما يسر الله الكريم لهم من الإجابات والكرامات، وله غير ذلك من المصنفات. وفيها توفي خطيب الموصل أبو الفضل عبد الله بن أحمد الطوسي ثم البغدادي. قال ابن النجار: قرأ الفقه والأصول على الكبار وأبي بكر الشاشي، والأدب على أبي زكريا التبريزي، وولي خطابة الموصل زماناً، وتفرد في الدنيا وقصده الرحالون. وفيها توفي الفقيه العلامة أبو المعالي مسعود بن محمد النيسابوري، تفقه على محمد ابن يحيى صاحب الغزالي، وتأدب على أبيه، وسمع من جماعة، وبرع في الوعظ وحصل له القبول ببغداد، ثم قدم دمشق ودرس بالمجاهدية والغزالية، ثم خرج إلى حلب ودرس بالمدرستين اللتين بناهما نور الدين وأسد الدين، ثم ذهب إلى همدان ودرس بها، ثم عاد إلى دمشق ودرس بالغزالية وانتهت إليه رئاسة المذهب بدمشق، وكان حسن الأخلاق قليل التصنع. مات في سلخ رمضان ودفن يوم العيد، وكان عالماً صالحاً ورعاً، صنف كتاب الهادي في الفقه - وهو مختصر نافع -، لم يأت فيه إلا بالقول الذي عليه الفتوى.

سنة تسع وسبعين وخمس مائة
فيها توفي بوري - بضم الموحدة وكسر الراء - ابن أيوب بن شاذي، الملقب بتاج الملك، أخو السلطان صلاح الدين، وهو أصغر أولاد أبيه. قال ابن خلكان: كانت فيه فضيلة، وله ديوان شعر فيه الغث والسمين، ولكنه بالنسبة إلى مثله جيد. ومما نقل عنه من الشعر:
ياحياتي حين ترضى ... ومماتي حين تسخط
آه من ورد على خديه بالمسك منقط ... بين جفنيك سلطان على ضعفي مسلط
قد تصبرت وإن ... برح بي الشوق وأفرط
فلعل الدهر يوماً ... بالتلاقي منك يغلط
ومنه أيضاً:
أيا حامل الرمح الشبيه بقده ... ويا شاهراً سيفاً حكى لحظة غضبا
ضع الرمح واغمد ما سللت فربما ... قتلت، وما حاولت طعناً ولا ضربا
(3/313)

ومنه أيضاً:
أقبل من أعشقه راكباً ... من جوانب الغور على أشهب
فقلت: سبحانك يا ذا العلي ... أشرقت الشمس من الغرب
قلت: وجميع أشعاره هذه ليس فيها شيء من الغث الذي ذكر عنه، بل كلها من السمين الحسن المنبىء عن فضيلة اللسن. وكان موته من جراحه أصابته في مدينة حلب يوم حاصرها أخوه صلاح الدين، وكانت طعنة في ركبتي. قال: العماد الأصبهاني في البرق الشامي: بينما صلاح الدين جالس في سماط قد أعده في المخيم ضيافة بعد الصلح، وعماد الدين صاحب حلب إلى جانبه، ونحن في أغبط عيش وأتم سرور، إذ جاء الحاجب إلى صلاح الدين وأسر إليه بموت أخيه، فلم يتغير عن حالته، وأمر بتجهيزه ودفنه سراً وأعطى الضيافة حقها إلى آخرها. ويقال أنه كان يقول: ما أخذنا حلب رخيصة بقتل تاج الملك. وفيهل توفي قاضي زبيد الإمام الفاضل البارع المجود علي بن حسين السيري - بفتح السين المهملة وسكون المثناة من تحت وكسر الراء قرية مصيرة - بضم الميم وفتح الصاد المهملة وسكون المثناة من تحت وفتح الراء - بمخلاف الساعد قافلاً من مكة. وكان مع فضله ورعاً نظيفاً، تفقه على شيوخ زبيد، وأجمع على تفضيله الموالف والمخالف، ويقال إنه أجاب عن ألف مسألة وردت عليه من التعنت التي يمنحه به أهل زبيد على يد القاضي ابن النجاب. قال ابن سمرة في تاريخه؛ ولقد سمعت من بعض المشايخ السادة بشواحط، يعني؛ في جبال اليمن مكاناً يذكر من بعض فضائله وكرمه ما يتعجب منه السامع ويقصر عن بلوغه الطامع، مع ديانته وأمانته. وفيها وقيل بل في سنة ست كما تقدم توفي الإمام رضي الدين يونس الموصلي الشافعي. وفيها توفيت الشيخة الفاضلة تقية بنت غيث - بالغين المعجمة ثم المثناة من تحت ثم المثلثة - ابن علي السلمي الصوري. صبحت الحافظ أبا طاهر محمد بن أحمد السلفي الأصبهاني - وكانت فاضلة ولها شعر جيد - ذكرها في بعض تعاليقه وأثنى عليه، وكتب بخطه: عثرت في منزل سكناي فانجرح أخمصي، فشقت وليدة في الدار خرقة من خمارها وعصبته، فأنشدت تقية المذكورة في الحال لنفسها:
(3/314)

لو وجدت السبيل جدت بخدي ... عوضاً من خمار تلك الوليدة
كيف لي أن أقبل اليوم رجلاً ... سلكت دهرها الطريق الحميدة
قال ابن خلكان: وحكى الحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري أنها نظمت قصيدة تمدح بها الملك المظفر عمر ابن أخي السلطان صلاح الدين - وكانت القصيدة خمرية - وصفت بها آلة المجلس وما يتعلق بالخمر، فلما وقف عليها قال: الشيخة تعرف هذه الأحوال من زمن صباها. فبلغها ذلك، فنظمت قصيدة أخرى حربية وصفت فيها الحرب وما يتعلق بها أحسن وصف، ثم سيرت بها إليه تقول: علمي بتلك كعلمي بهذه. وكان قصدها براءة ساحتها مما نسبها إليه في صباها. وفيها توفي أبو عبد الله محمد المعروف بالأبله البغدادي الشاعر المشهور، أحد المتأخرين المجيدين، جمع في شعره بين الصناعة والرقة، وله ديوان شعر كثير الوجود بأيدي الناس، ذكره العماد الأصبهاني فقال: هو شاب ظريف يتزي بزي الجند، رقيق أسلوب الشعر حلو الصناعة رائق البراعة، عذب اللفظ أرق من النسيم السحري وأحسن من الوشي التستري، وكل ما ينظمه ولو أنه يسير والمغنون يغنون برانقات أبياته فهم يتهافتون على نظمه المطرب تهافت الطير الحوم على عذب المشرب. ومن رقيق شعره:
دعني أكايد لوعتي وأعاني ... أين الطليق من الأسير العاني
آليت لا أدع الملام بعزتي ... من بعد ما أخذ الغرام عناني
أولى تروض العاذلات وقد أرى ... روضات حسن في خدود حسان
ولدي يلتمس السلو ولم يزل ... حي الصبابة ميت السلوان
يا برق إن تجفو العقيقوطالماأغنته عنكسحائب الأجفان
في قصيدة له طويلة وله من أخرى
لئن وقرت يوماً بسمعي ملامة ... لهند فلا عقب الملامة في هند
ولا وجدت عيني سبيلاً إلى البكا ... ولا بت في أصل الصبابة والوجد
وبحت بما ألقى ورحت مقابلاً ... سماحة مجد الدين بالكفر والجحد
(3/315)

سنة ثمانين وخمس مائة
فيها نازل صلاح الدين الكرك، ونصب عليها المجانيق، فجاءتها نجدات الفرنج، فرأى أن حصارها يطول، فسار وهجم نابلو، فنهب وسبى. وفيها أخذ كحلان - بضم الكاف وسكون الحاء المهملة - وأخرج منه أهله، وعقد في ولايته للشريف مهدي بن أسعد بن عبد الصمد الجوالي. وفيها توفي السلطان أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن القيسي صاحب المغرب، كان
أبوه قد جعل الأمر بعده لولده محمد، وكان طياشاً شريباً للخمر، فخلعه الموحدون واتفقوا على أبي يعقوب، وكان حلو الكلام ومليح المفاكهة، بصيراً باللغة وأيام الناس، قوي المشاركة في الحديث والقرآن وغير ذلك. وقيل إنه كان يحفظ أحد الصحيحين، وكان سخياً جواداً، هماماً فقيهاً حافظاً، لأن أباه هذبه، وقرن به أكمل رجال الحرب والمعارف، فنشأ في ظهور الخيل بين أبطال الفرسان، وفي قراءة العلم بين أفاضل العلماء، أولى التحقيق والإتقان، وكان ميله إلى الحكمة والفلسفة أكثر من ميله إلى الأدب وبقية العلوم، وكان جماعاً مناعاً ضابطاً بخراج مملكته، عارفاً بسياسة رعيته، وكان ربما يحضر حتى لا يكاد يغيب، ويغيب حتى لا يكاد يحضر، وله في غيبته نواب وخلفاء وحكام، وقد فوض الأمر إليهم لما علم من صلاحهم لذلك. والدنانير اليوسفية منسوبة إليه. فلما تمهدت له الأمور واستقرت قواعد ملكه دخل إلى جزيرة الأندلس، فكشف مصالح دولته، وتفقد أحوالها، وفي صحبته مائة ألف فارس من المغرب، أو قال: من العرب والموحدين، ثم أخذ في استرجاع بلاد المسلمين من أيدي الفرنج، - وكانوا قد استولوا عليها - فاتسعت مملكة الأندلس. وفي سنة خمس وسبعين قصد بلاد إفريقية، وفتح مدينة قفص، ثم دخل جزيرة الأندلس في سنة ثمانين وخمسمائة ومعه جمع كثيف، وقصد غربي بلادها، فحاصر العدو هنالك شهراً، واصابه مرض فمات منه في شهر ربيع الأول من السنة المذكورة، وكان قد استخلف ولده يعقوب، وقيل: إنه لم يستخلف، بل اتفق رأي قواد الموحدين وأولاد عبد
(3/316)

المؤمن على تملكه، فملكوا. وذكر بعض المؤرخين أنه افتتح الأندلس وغيرها، وتهيأ له من ذلك ما لا يتهيأ لأبيه، وهادن ملك صقلية على جزية تحملها، وكان يملي أحاديث الجهاد بنفسه على الموحدين، فتجهز لغزو النصارى، واستنفر في سنة تسع وسبعين ودخل الأندلس، ثم تكلموا في الرحيل، فتسابق الجيش حتى بقي أبو يعقوب في قلة من الناس، فانتهزت الفرنج الفرصة، وخرجوا فحملوا على الناس فهزمزهم، وأحاطت الفرنج بالمخيم فقتل على بابه طائفة من أعيان الجند وخلصوا إلى أبي يعقوب، وطعن في بطنه، ومات بعد أيام يسيرة في رجب، وبايعوا ولده يعقوب.

سنة احدى وثمانين وخمس مائة
فيها نازل صلاح الدين الموصل، وكانت قد سارت إلى خدمته ابنة الملك نور الدين محمود زوجة عز الدين - صاحب البلد - وخضعت له، فردها خائبة وحصر الموصل، فبذل أهلها نفوسهم وقاتلوا أشد قتال، فندم وترحل عنهم لحصانتها، ثم نزل على ميافارقين، فأخذها بالأمان، ثم رد إلى الموصل وحاصرها أيضاً، ثم وقع الصلح على أن يخطبوا له وأن يكون صاحبها طوعه، وأن يكون لصلاح الدين شهرزور وحصونها، ثم رحل فمرض واشتد مرضه بحران حتى أرجفوا بموته، وسقط شعر لحيته ورأسه. وفيها هاجت الفتنة العظيمة بين التركمان وبين الأكراد في الجزيرة، وقتل من الفريقين خلق لا يحصون. وفيها توفي صدر الإسلام أبو الطاهر اسماعيل بن بكر المعروف بابن عوف الزهري الإسكندراني المالكي. تفقه على أبي بكر الطرطوسي، وسمع منه ومن أبي عبد الله الرازي. برع في المذهب وتخرج به الأصحاب، وقصده السلطان صلاح الدين وسمع منه الموطأ. وعاش ستاً وتسعين سنة. وفيها توفي البهلول محمد شمس الدين صاحب أذربيجان وعراق العجم، ويقال: كان له خمسة آلاف مملوك. وفيها توفي الشيخ الكبير الولي الشهير صاحب الكرامات الخارقة والأنفاس الصادقة والأحوال الفاخرة والأنوار القاهرة، والمقامات العالية والمناقب السامية، والمواهب الجزيلة والأوصاف الجميلة، والطور العالي، في الحقائق والمعراج الرفيع في المعارج، والترقي في
(3/317)

درجات السابقين والسبق إلى منازل المقربين: حيوة بن قيس الحراني - رضي الله تعالى عنه - كان من أجلاء المشايخ العارفين وأعيان الصفوة المحققين، أحد أركان هذا الشأن وعلم العلماء الأعيان، صاحب التصريف النافذ في الوجود، والقدم الراسخ وعظيم الفضل النابع من عين الوجود، وهو أحد الأربعة الذين قال فيهم الشيخ أبو الحسن القرشي: إن أربعة من المشايخ يتصرفون في قبورهم كتصرف الأحياء: الشيخ معروف الكرخي، والشيخ عبد القادر الجيلي، والشيخ عقيل المنبجي، والشيخ حيوة بن قيس الحراني - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - انتهت إليه رئاسة هذا الأمر علماً وحالاً وزهداً واجلالاً، تزكى في تربيته كثير من المريدين بالرياضات، وتخرج بصحبته غير واحد من أهل المقامات، وتلمذ له جماعة كثيرة من أصحاب الأحوال والكرامات، وأشار إليه المشايخ والعلماء وغيرهم بالتبجيل، وانتهى إليه عالم عظيم ونال العطاء الجزيل. ومن كلامه رضي الله عنه: قيمة القشور بلبابها وقيمة الرجال بألبابها، وعز العبيد بأربابها وفخر المحبة بأحبابها. ثم قال: آثار المحبة إذا بدت أماتت قوماً وأحيت أسراراً، ونفت أشراراً وأنارت أسراراً. ثم أنشد:
وإذا الرياحمع العشي تناوحتأسهرن حاسده وهجن غيورا
وأمتن ذا بوجود وجد دائم ... وأقمن ذا، وكشفن عنه ستورا
ومنه المحبة تعلق القلب بين الهيبة والأنس، وهي سمة الطائفة وعنوان الطريقة، ووسيلة إلى رؤية المحبوب وهيمان إلى لقاء المطلوب. وكان رضي الله تعالى عنه يتمثل بهذه الأبيات:
مواجيد حق، أوجد الحق كلها ... وإن عجزت عنها فهوم الأكابر
وما الحب إلا خطرة ثم نظرة ... ينشي لهيباً بين تلك السرائر
إذا سكن السر السريرة ضوعفت ... ثلاثة أحوال لأهل البصائر
فحال بعيد السر عن كنه وجده ... ويحضره للشوق في حال حائر
حاول به رمت ذرى السر وانثنت ... إلى منظراً فناه عن كل ناظر
قلت هكذا في الاصل ثلاثة أحوال، والمفسر منها حالان دون الثلاث. وله رضي الله تعالى عنه من الكرامات وعجائب الآيات ما يذهل العقول وذكر اليسير منه يطول. من ذلك ما حكى الشيخ الصالح غانم بن يعلى التكريتي قال: سافرت مرة من اليمن في البحر المالح، فلما توسطنا بحر الهند وغلب علينا الريح أخذتنا الأمواج من كل جانب، وانكسرت بنا السفينة، فنجوت على لوح منها، فألقاني إلى جزيرة، فطفت فيها،
(3/318)

فلم أر فيها أحداً، وإذا هي كثيرة الخيرات. رأيت فيها مسجداً فدخلته فإذا فيه أربعة نفر، فسلمت عليهم فردوا علي السلام، وسألوني عن قصتي فأخبرتهم، وجلست عندهم بقية يومي ذلك، فرأيت من توجههم وحسن إقبالهم على الله تعالى أمراً عظيماً. فلما كان وقت العشاء دخل الشيخ حيوة الحراني فقاموا يبادرون إلى السلام عليه، فتقدم وصلى بهم العشاء، ثم استرسلوا في الصلاة إلى طلوع الفجر، فسمعت الشيخ حيوة يناجي ويقول: إلهي؛ لا أجد لي في سواك مطمعاً، ولا إلى غيرك منتجعاً، قد أنخت ببابك ناظراً إلى حجابك، متى تكشف لي عن تفريج الكربة، والترقي إلى مجلس القرية، وقد أوثقت نفسي عن السرور بك فوسمتها بذكرك، ولي فيها كوامن أفراح ترتاح إليها صبابات أشواقي، ولي معك أحوال سيكشفها اللقاء يا حبيب التائبين، ويا سرور العارفين، ويا قرة عين العابدين، ويا أنس المنفردين، ويا حرز اللاجين ويا ظهر المنقطعين، ويا من حنت إليه قلوب الصديقين، ويا من أنست به أفئدة المحبين، وعليه عكفت همة الخاشعين. ثم بكى بكاء شديداً، ورأيت الأنوار قد حفت بهم وأضاء ذلك المكان كإضاءة القمر ليلة البدر، ثم خرج الشيخ حيوة من المسجد وهو يقول:
سير المحب إلى المحبوب إعجال ... والقلب فيه من الأحوال بلبال
أطوي المهامة من قفر على قدم ... إليك يدفعني سهل وأجبال
فقال ولي أولئك النفر: اتبع الشيخ، فتبعته، وكانت الأرض برها وبحرها وسهلها وجبلها يطوي تحت أقدامنا طياً. كنت أسمعه كلما خطا خطوة يقول: يا رب حيوة كن لحيوة، وإذا نحن بحران في أسرع وقت، فوافينا الناس يصلون بها صلاة الصبح. سكن حران واستوطنها إلى أن توفي بها رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الفاضل محمد بن زكريا المدرس في الشويرا: بضم الشين المعجمة وفتح الواو وسكون المثناة من تحت وفتح الراء من بلاد اليمن. توفي وله ولد خلفه يفضل عليه في العلم، خلفه في التدريس اسمه ابراهيم، تفقه بأبيه المذكور، وكان يختم في رمضان في كل يوم وليلة. وفيها توفي المهذب بن الدهان عبد الله بن أسعد بن علي الموصلي الفقيه الشافعي الأديب الشاعر النحوي ذو الفنون. توفي بحمص وكان مدرسايها. وفيها توفي الحافظ عبد الحق بن عبد الرحمن الأزدي الإشبيلي المعروف بابن الخراط، أحد الاعلام، مؤلف الأحكام الكبرى، والصغرى، والجمع بين الصحيحين،
(3/319)

وكتاب الغريبين في اللغة، وكتاب الجمع بين الكتب الستة. نزل ببجاية، وولي خطابتها، وتوفي بها بعدما لحقه محنة من الدولة، وكان مع جلالته في العلم قانعاً متعففاً موصوفاً بالصلاح والورع ولزوم السنة. وفيها توفي الإمام الحافظ العلامة المشهور أبو زيد عبد الرحمن ابن الخطيب عبد الله ابن الخطيب أحمد الخثعمي السهيلي الأندلسي المالقي صاحب كتاب الروض الأنف في شرح سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكتاب التعريف والإعلام فيما أبهم في القرآن من الأسماء الأعلام، وكتاب نتائج الفكر ومسألة رؤية الله تعالى في المنام ورؤية النبي عليه الصلاة والسلام، ومسألة السر في أعور الدجال، ومسائل كثيرة مفيدة وقال ابن دحية: أنشدني وقال: إنه ما سأل الله تعالى بها حاجة إلا أعطاه إياها:
يا من يرى ما في الضمير ويسمع ... أنت المعد لكل ما يتوقع
يا من يرجى للشدائد كلها ... يا من إليه المشتكى والمفزع
يا من خزائن رزقهفي قول كنامنن فإن الخير عندك أجمع
ما لي سوى فقري إليك وسيلة ... فبالافتقار إليك فقري أدفع
ما لي سوى قرعي لبابك حيلة ... فلئن رددت فأي باب أقرع؟
من ذا الذي أدعو وأهتف باسمه ... إن كان فضلك عن فقيرك يمنع؟
حاشا لمجودك أن تقنط عاصياً ... الفضل أجزل والمواهب أوسع
قلت: قوله: فإن الخير عندك أجمع: يحتاج إلى تأويل في إعرابه، والإلزم أن يكون من الإقواء المعيب في الشعر، فإن أجمع تأكيد للخير وهو منصوب فيكون منصوباً وله أشعار كثيرة نافية، أخذ القراءة عن جماعة، وروى عن ابن العربي والكبار، وبرع في العربية والنحو واللغة وفي الأخبار والآثار. وكان ببلده يتصف بالعفاف، ويتبلغ بالكفاف، حتى نما خبره إلى صاحب مراكش، فطلبه إليها وأحسن إليه، وأقبل بوجه الإقبال عليه، وأقام بها نحو ثلاثة أعوام، وتوفي بها. والسهيلي نسبة إلى قرية بالقرب من مالقة سميت باسم الكوكب لأنه لا يرى في جميع بلاد الأندلس إلا من جبل مطل عليها. ومالقة: بفتح الميم واللام والقاف مدينة كبيرة بالأندلس. وغلط السمعاني في قوله أنها بكسر اللام.
(3/320)

وفيها توفي الحافظ أبو موسى محمد بن عمر المعروف بالمديني صاحب التصانيف.

سنة اثنتين وثمانين وخمس مائة
قال العماد الكاتب: أجمع المنجمون في هذا العلم في جميع البلاد على خراب العالم في شعبان عند اجتماع الكواكب السبعة في الميزان بطوفان الريح، وخوفوا بذلك ملوك الأعاجم والروم، فشرعوا في حفر مغارات ونقلوا إليها الماء والأزواد وتهيؤوا، فلما كانمت الليلة التي عينها المنجمون بمثل ريح عاد ونحن جلوس عند السلطان والشموع توقد ولم يتحرك ولم تر ليلة مثلها في ركودها. وقال محمد بن القادسي: فرش الرماد في أسواق بغداد، وعلقت المسوح يوم عاشوراء، وناح أهل الكرخ، وتعدى الأمر إلى سب الصحابة، وكانوا يصيحون به ما بقي كتمان. وقالى غيره: وقعت فتنة ببغداد بين الرافضة والسنية قتل فيها خلق كثير، وكان ذلك منسوباً إلى الصاحب الملقب بمجد الدين. وفيها توفي الإمام العلامة أبو محمد عبد الله المقدسي ثم المصري النحوي صاحب التصانيف، روى عن طائفة، وانتهى إليه علم العربية في زمانه، وقصد من البلاد لتحقيقه وتبحره، وكان يتحدث ملحوناً ويتبرم ممن يخاطبه بإعراب. ويحكى عنه حكايات في سذاجة الطبع، يأخذ في كمه العنب مع الحطب والبيض، فيقطر على رجله ماء العنب فيرفع رأسه ويقول: هذا من العجب، يمطر مع الضحو.

سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة
فيها افتتح صلاح الدين بالشام فتحاً مبيناً ونصر نصراً مبيناً، وهزم الفرنج وأسر ملوكهم، وكانوا أربعين ألفاً. ونازل القدس وأخذه، وأخذ عكا وافتتح عدة حصون، وعز الإسلام وعلاه، ودخل على المسلمين سرور لا يعلمه إلا الله تعالى، وفيها قتل ابن
(3/321)

الصاحب ببغداد، فذلت الرافضة. وفيها توفي القاضي عيسى بن علي، ولاه سيف الإسلام قضاء الجند. وفيها توفي الفقيه الفاضل الورع المصنف حسن بن أبي بكر الشيباني الساكن في الجوهة من بلاد اليمن، تفقه على الشيخ الإمام أبي عبد الله محمد بن عبدويه المتقدم ذكره، وبعبد الله الهروي والطويري، لزم مجلسه تسع سنين، ورحل إلى عدن رحلتين بينهما أربعون سنة، وله مصتفات حسنة. وعرض عليه قضاء زبيد في ولاية شمس الدولة، وفي ولاية أخيه سيف الإسلام فامتنع واعتذر، فقيل له: أرشدنا إلى من تراه، فأشار بالقاضي عبد الله بن محمد بن أبي عقامة. قال ابن سمرة بعدما ذكر بني عقامة: وبهم نشر الله تعالى مذهب الشافعي في تهامة. وذكر منهم جماعة منهم: القاضي أبو الفتوح بن أبي عقامة - بفتح العين المهملة - الثعلبي كان عالماً مجوداً، له مصنفات حسنة منها: كتاب التحقيق، وكتاب الخبايا، أخذ عن الفقيه أبي الغنائم، وهو عن الشيخ أبي حامد الاسفرائيني ومنهم القاضي محمد بن علي بن أبي عقامة الخطيب، قيل إنه ولي قضاء زبيد زمن الحبشة، وكان معظماً عندهم ذا جاه كبير وعلم غزير. ومنهم الحسن بن محمد بن أبي عقامة الخطيب، قيل إنه كان ينظم الخطبة على المنبر، وإليه تنسب الخطب العقامية. ومنهم القاضي محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبي عقامة وأخوه أبو بكر ابن عبد الله، وقال: وآخرهم في هذا الزمان القاضي عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبي عقامة الثعلبي قاضي زبيد من جهة الأمير، تفقه فقهاء زبيد وأخذ عنهم، وله معرفة بالحديث والتفسير. وفضائل آل أبي عقامة مشهورة. قلت: وفقهاء اليمن ينشدون أبياتاً وينسبونها إلى القاضي ابن أبي عقامة يمدح فيه بمعرفة عشرين علماً، ولا أدري أي المذكورين هو. وفيها قويت نفس السلطان ابن أرسلان، وأرسل إلى بغداد بأن يعمر له دار السلطان وأن يخطبوا له ويرفع له الشأن، فأمر الناصر بهدم الدار والآخراب، وأخرج رسوله مهاناً بلا جواب. وفيها توفي شيخ الفتوة وحامل لوائها عبد الجبار بن يوسف البغدادي حاجاً بمكة. وكان قد علا شأنه بكون الخليفة الناصر يفتي، ومحدث بغداد وصالحها عبد المغيث بن زهير وابن الدامغاني قاضي القضاة أبو الحسن علي بن أحمد الحنفي. وكان ساكناً وقوراً محتشماً.
(3/322)

وفيها توفي المقدم الأمير الكبير محمد بن عبد الملك، كان من أعيان أمراء الدولتين بطلاً شجاعاً محتشماً عاقلاً، شهد في الشام المذكور الفتوحات، وحج، فلما نزل بعرفات رفع علم السلطان صلاح الدين، وضرب الكوسات فأنكر عليه أمير ركب العراق، فلم يلتفت وركب في طلبه وركب إليه الآخر، فالتقوا وقتل جماعة من الفريقين، وأصاب ابن المقدم سهم في عينه، فخرج سريعاً، ثم مات من الغد بمنى. وتوفي شيخ الحنابلة الملقب بناصر الإسلام نصر بن قينان - وكان موصوفاً بالورع والزهد والتعبد. وفيها توفي مجد الدين الصاحب هبة الله بن علي، ولي أستاذ دار للمستضيء، ولما ولي الناصر رفع منزلته وبسط يده وكان رافضياً سباياً لما تمكن أحيى شعار الإمامية، واشتهر بأشياء قبيحة، فقتل وأخذت حواصله، من جملتها ألف ألف دينار.

سنة اربع وثمانين وخمس مائة
دخلت، وصلاح الدين يصول وبخيوله يجول، حتى لاقت الفرنج منه ما ذكره يطول، وافتتح أخوه الملك العادل الكرك بالأمان، سلموها له لفريط القحط في رمضان. وفيها توفي أسامة بن مرشد الأمير الكبير مؤيد الدولة أبو المظفر الكناني - الشيرازي، أحد الأبطال المشهورين والشعراء المبرزين، له عدة تصانيف في الأدب والأخبار والنثر ونظم الأشعار، له ديوان شعر في جزأين ومن شعره:
لا تستعر جلداً على هجرانهم ... فقواك تضعف عن صدود دائم
واعلم بأنك إن رجعت إليهم ... طوعاً وإلا عدت عودة راغم
(3/323)

وله في ابن طليب المصري، وقد احترقت داره:
انظر إلى الأيام كيف تسوقنا ... قهراً إلى الإقرار بالأقدار
ما أوقد ابن طليب قط بداره ... ناراً وكان خرابها بالنار
قال ابن خلكان: ومما يناسب هذه الواقعة أن الوجيه بن صورة المصري - دلال الكتب - كانت له دار موصوفة بالحسن فاحترقت، فقال علي بن مفرح المعروف بالمنجم:
أقول وقد عاينت دار ابن صورة ... وللنار فيها مارج يتضرم
كذا كل مال أصله من نهاوش ... فمما قليل في نهار يعدم
قلت: ومع هذا البيتين بيت ثالث أفرط فيه ما ينبغي أن يذكر، والبيت الثاني مأخوذ من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " من أصاب مالاً من نهاوش أهبه الله في نهابر ". والنهاوش الحرام، والنهابر المهالك. وقال لغزاً، وقد قلع ضرسه:
وصاحب لا أمل الدهرصحبتهيشفي لنفسيويسعى سعي مجتهد
لم ألقه مذ تصاحبنا فحين بدا ... لناظري افترقنا فرقة الأبد
قلت: وقد فسرت هذا اللغز حيث قلت:
ضرس امرىء غاب عن عينيه في فمه ... عليه في طحن مايغذوه معتمد
نعم الرحى صور الباري بحكمته ... تراه عند انقلاع غير مرتدد
وفيها توفي الإمام عبد الرحمن بن محمد بن حبيش الأنصاري. كان من أئمة الحديث والقراءات والنحو واللغة، ولي خطابة مرسية وقضاءها، واشتهر ذكره وبعد صيته، وصنف كتاب المغازي في مجلدات. وفيها توفي شيخ الحنفية في زمانه بما وراء النهر عمر ابن الإمام شمس الأئمة بكر بن علي رحمه الله تعالى. وفيها توفي التاج المسعودي محمد بن عبد الرحمن الخراساني الصوفي الرحال
(3/324)

الأديب. كتب وسعى وجمع فأوعى، وصنف شرحاً طويلاً للمقامات، استوعب فيه ما لم يستوعبه غيره في خمس مجلدات كبار، ولم يبلغ أحد من شرح المقامات إلى هذا القدر ولا إلى نصفه، وكان مقيماً بدمشق، والناس يأخذون عنه بعد أن كان يعلم الملك الأفضل عند السلطان صلاح الدين، حصل له بطريقة كتباً نفيسة غريبة، وبها استعان على شرح المقامات. وحكى أبو البركات الهاشمي قال: لما دخل السلطان صلاح الدين حلب نزل المسعودي المذكور إلى جامع حلب، وقعد في خزانة كتب الوقف، واختار منها جملة أخذها لم يمنعه منها مانع، ولقد رأيته وهو يحشوها في عدل وقال ابن النجار: كان من الفضلاء في كل فن في الفقه والحديث والأدب، وكان من أظرف المشايخ وأجملهم، توفي عن اثنتين وثمانين سنة. وفيها توفي أبو الفتح التعاويذي، الشاعر الذي سار نظمه في الآفاق، وتقدم على شعراء العراق. هكذا ذكر بعضهم في السنة المذكورة، وقد قدمنا عن بعضهم ذكر موته في سنة ثلاث وخمسين، وذكرت شيئاً من فضائله هناك. وفيها توفي الإمام الحافظ محمد بن موسى الخازمي الهمداني الملقب زين الدين، أحد الحفاظ المتقنين وعباد الله الصالحين، سمع من أبي الوقت حضوراً، وسمع من أبي زرعة، ومعمر بن الفاخر بالخاء المعجمة ورحل إلى العراق وأصبهان والجزيرة وبلاد فارس وهمدان والشام والنواحي، وصنف التصانيف، وكان إماماً ذكياً ثاقب الذهن، فقيهاً بارعاً ومحدثاً ماهراً، بصيراً بالرجال والعلل، متبحراً في علم السنن ذا زهد وتعبد، وتأله وانقباض عن الناس، وغلب عليه الحديث، وبرع فيه واشتهر به، وصنف فيه وفي غيره كتباً مفيدة منها: الناسخ والمنسوخ في الحديث، وكتاب الفصل في مشتبه السنة، وكتاب عجالة المبتدىء في النسب، وكتاب ما اتفق لفظه وافترق مسماه في الأماكن والبلدان المشتبهة في الخط، وكتاب سلسلة الذهب فيما روى الإمام أحمد بن حنبل عن الإمام الشافعي، وشروط الأئمة، وغير ذلك من الكتب النافعة. واستوطن بغداد ساكناً في الجانب الشرقي، ولم يزل مواظباً للاشتغال ملازم الخير إلى أن توفي رحمة الله تعالى عليه، فدفن في الشونيزية إلى جانب سمنون بن حمزة، مقابل قبر الجنيد رحمة الله تعالى على الجميع، بعد أن صلى عليه خلق كثير برحبة جامع القصر، وحمل إلى الجانب الغربي فصلي عليه مرة بعد أخرى، وفرق كتبه على أصحاب الحديث. وكانت ولادته في سنة ثمان أو تسع وأربعين وخمس مائة،
(3/325)

ونسبته إلى جده حازم. وفيها توفي الفقيه الفاضل قاضي عدن ذو الفضل أحمد بن عبد الله بن محمد اليمني القريظي، كان حافظاً مجوداً في الحديث بارعاً عارفاً باللغة والعربية، أقام في مجلس الحكم بها أربعين سنة.

سنة خمس وثمانين وخمس مائة
في أول شعبان منها التقى صلاح الدين الفرنج، وفي وسطه التقاهم أيضاً، فانهزم المسلمون واستشهد جماعة، ثم ثبت السلطان والأبطال كروا عليهم ووضعوا فيه السيف، وجافت الأرض من كثرة القتلى، ونازلت الفرنج عكا، فساق صلاح الدين وضايقهم، وبقي محاصراً، والتقاهم المسلمون مرات، وطال الأمر وعظم الخطب، وبقي الحصار والحالة هذه عشرين شهراً أو أكثر، وجاء الفرنج في البر والبحر، وملأوا السهل والوعر حتى قيل إن عدة من جاء منهم بلغت ست مائة ألف. وفيها توفي فقيه الشام قاضي القضاة أبو سعد عبد الله بن محمد المعروف بابن عصرون التميمي ئم الموصلي وأحد الأعلام. تفقه بالموصل وسمع بها، ثم رحل إلى بغداد فقرأ القراءات ودرس النحو والأصلين ودخل واسط وتفقه بها، ورجع إلى الموصل بعلوم جمة، ودرس بها وأفتى، ثم سكن سنجار، ثم قدم حلب ودرس بها وأقبل عليه نور الدين، فقدم معه عند مفتتح دمشق، ودرس بالغزالية، ثم رد وولي قضاء سنجار وحران مدة، ثم قدم دمشق وولي القضاء لصلاح الدين، وله مصنفات كثيرة. وفيها توقي المبارك بن المبارك شيخ الشافعية في وقته ببغداد وصاحب الخط المنسوب ومؤدب أولاد الناصر لدين الله، درس بالنظامية، وتفقه به جماعة وحدث، وكان صاحب علم وعمل ونسك وورع، وكان قد جود للكتابة حتى بالغ بعضهم وقال: هو أكتب من ابن البواب. ثم اشتغل بالفقه فبلغ فيه الداية. وفيها توفي صاحب الطريقة في الخلاف أبو طالب محمد بن علي التميمي الأصبهاني. تفقه على الشهيد محمد بن يحيى تلميذ حخه الإسلام أبي حامد الغزالي، وبرع في الخلاف، وصنف فيه التعليقة التي شهدت بفضله وتحقيقه وتدبيره على أكثر نظرائه، وجمع فيها بين الفقه والتحقيق. وكان عمدة المدرسين في إلقاء الدروس، واشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا به، وصاروا علماء مشاهير، وكان له في الوعظ اليد الطولى، وكان متفنناً في العلوم خطيباً،
(3/326)

قاضياً مدرساً. وفيها توفي محمد بن يوسف البحراني الشاعر المشهور، وكان إماماً مقدماً في علم العربية متفنناً في أنواع الشعر، من أعلم الناس بالعروض والقوافي، وأحذقهم بنقد الشعر وأعرفهم بجيده من ردئيه، واشتغل بشيء من علوم الأوائل، وحل كتاب إقليدس، وبدأ بنظم الشعر وهو صبي صغير بالبحرين جرياً على عادة العرب قبل أن ينظر في الأدب. وكان قد رحل إلى شهرزور، وأقام بها مدة، ثم رحل إلى دمشق وخدم السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى بقصيدة طويلة، وله ديوان شعر جيد ورسائل حسنة، ومن شعره قصيدة مدح بها أبا المظفر صاحب إربل، من جملتها هذه الأبيات.
رب دار بالفضا طال بلاها ... عكف الركب عليها فبكاها
درست إلا بقايا أسطر ... سمح الدهر بها ثم محاها
كان لي فيها زمان وانقضى ... فسقى الله زماني وسقاها
والبحراني نسبة إلى البحرين: وهي بليدة بالقرب من هجر. قال الأزهري: وإنما سمي البحرين لان في ناحية قراها بحيرة على باب الأحساء، وقرى هجر بينها وبين البحر الأخضر عشرة فراسخ، وقدرت البحيرة ثلاثة أميال في مثلها، وعن أبي محمد اليزيدي قال: سألني المهدي وسأل الكسائي عن النسبة إلى البحرين وإلى الحصنين، ثم قالوا: حصني وبحراني، فقال الكسائي: كرهوا أن يقولوا: حصناني لاجتماع النونين، قال: وقلت أنا: كرهوا أن يقولوا بحري، فيشبه النسبة إلى البحر.

سنة ست وثمانين وخمس مائة
فيها توفي الحافظ الكبير أبو المواهب الحسن بن هبة الله المحفوظ ابن صصري الدمشقي، سمع من الحافظ ابن عساكر وغيره، وتخرج به، وسمع بالعراق وهمدان وأصبهان والجزيرة والنواحي من شيوخ فيها، وبرع في هذا الشأن، وجمع وصنف مع الثقة والجلالة والكرم والرئاسة. وفيها توفي الحافظ النحوي محمد بن عبد الله الفهري الاشبيلي، برع في الفقه والعربية، وانتهت إليه الرئاسة في الحفظ والفتيا.
(3/327)

وفيها توفي قاضي القضاة أبو حامد محمد ابن قاضي القضاة أبي الفضل محمد بن عبد الله الشهرزوري الشافعي، له مع فضائله أشعار جيدة، منها قوله في وصف جرادة:
لها فخذا بكر وساقا نعامة ... وقادمتا نسر وجؤجؤه ضيغم
خبتهاأفاعي الرمل بطناً وأنعمتعليها جياد الخيل بالرأس والفم
ويحكى عنه رئاسة جسيمة ومكارم عظيمة.

سنة سبع وثمانين وخمس مائة
فيها اشتدت مضايقة الفرنج لعكا وقلة الأقوات على المسلمين بها، فسلموها بالأمان. وفيها توفي أبو المعالي عبد المنعم بن عبد الله بن محمد بن الفضل الفراوي النيساوري مسند خراسان، سمع من جده وجماعة. وفيها توفي صاحب حماة الملك المظفر عمر ابن شاهنشاه بن أيوب أحد الأبطال ابن أخي السلطان صلاح الدين. كان شجاعاً مقداماً منصوراً في الحروب، مؤيداً في الوقائع، له مشاهد مشهورة مع الفرنج، وآثار حميدة في المضافات دلت عليه التواريخ، وله في أبواب البر معروف متسع، منها مدارس شافعية ومالكية وأوقاف كثيرة، وكثرة إحسان إلى العلماء والفقراء وأرباب الخير، وناب عن عمه صلاح الدين بالديار المصرية في بعض غيباته عنها، ثم استدعاه صلاح الدين إليه في الشام ورتب في الديار المصرية ولده العزيز الملك عثمان ومعه الملك العادل، فشق ذلك على الملك المظفر المذكور، وعزم على دخول بلاد المغرب، وقبح عليه أصحابه ذلك فامتثل قول عمه، وحضر إلى خدمته وخرج صلاح الدين فالتقاه، وفرح به وأعطاه حماة، فتوجه إليها ورتب فيها بعده ولده الملك المنصور أبو المعالي الملقب ناصر الدين. وفيها توفي الفقيه نجم الدين محمد بن الموفق الصوفي الزاهد الفقيه الشافعي. تفقه على الإمام محمد بن يحيى تلميذ حجة الاسلام، وكان يستحضر كتابه المحيط في شرح
(3/328)

الوسيط، وألف كتاباً سماه تحقيق المحيط، في ستة عشر مجلداً. روى ودرس وأفتى، وكان صلاح الدين يعتقد فيه ويبالغ في احترامه، وعمر له مدرسة الشافعية، وكان يبالغ في ذم العبيديين، ولما هاب صلاح الدين من الإقدام على قطع خطبة العاضد وقف قدام المنبر، وأمر أن يخطب الخطيب لبني العباس، ففعل ولم يقع، إلا الخير. قال الذهبي: ثم عمد إلى قبر ابن الكيزاني - من غلاة السنة وأهل الأثر - فنبشه وقال: لا يكون صديق وزنديق في موضع واحد. يعني: هو والشافعي، فثارت حنابلة مصر عليه، ووقعت الفتنة وصار بينهم حروب. قلت: وقوله من غلاة السنة وأهل الأثر: أي ممن يتغالى في تقرير الظواهر وعدم تأويلها، وإنما قال الذهبي: وغلاة أهل السنة، لأنه كثيراً ما يشير إلى أن الظاهرية هم أهل السنة، مفهماً بذلك أن اعتقاده موافق لأهل الظاهر - والله أعلم بالسرائر - ولما توفي المذكور في السنة المذكورة دفن في قبة تحت رجلي الإمام الشافعي - رضي الله عنه - وبينهما شباك. وكان أصحابه يصفون فضله ودينه، وأنه كان سليم الباطن قليل المعرفة بأحوال الدنيا. وفيها توفي الحكيم شهاب الدين يحيى بن حبش بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة وبالشين المعجمة - السهروردي المقتول بحلب. كان بارعاً في الحكمة وعلوم الفلسفة والأصول الفقهية وعلم الكلام - وشيخه وشيخ فخر الدين الرازي واحد، وهو مجد الدين الجيلي، وكان الحكيم المذكور مفرط الذكاء فصيح العبارة، مناظراً محجاجاً متزهداً، وكان علمه أكثر من عقله، ويقال إنه كان يعرف السيمياء. حكي أنه خرج من دمشق مع جماعة، فلما وصلوا إلى القابون لقوا قطيع غنم مع تركماني، فقال أصحابه: زيد رأساً من هذا الغنم، فأخذوا رأساً بعشرة دراهم كانت معه، فقال صاحب الغنم: خذوا رأساً أصغر منه، فقال: امشوا وأنا أقف معه وأرضيه، فتقدموا، وبقي يتحدث معه ويطيب قلبه، فلما بعدوا قليلاً تبعهم وتركه، وبقي التركماني يمشي خلفه ويصيح به، فلم يلتفت إليه حتى لحقه وجذب يده اليسرى وقال: أين تروح وتخلفني؟ وإذا بيده قد انخلعت من عند كتفه وصارت في يد التركماني، ودمها يجري، فبهت التركماني وتحير، ورمى اليد وخاف وهرب، وأخذ هو تلك بيده اليمنى، ولحق أصحابه وهو يلتفت إليه حتى غاب عنه. ولما وصل إلى أصحابه رأوا في يده اليمنى منديلاً لا غيره. قال ابن خلكان: ويحكى عنه مثل هذا أشياء كثيرة - انتهى والله أعلم بصحتها. قلت: ومثل هذا ما سمعته ممن يحكى عمن صاحب ابن سينا إلى جبل حراء أنه أخذ
(3/329)

من بدوي شاة في الطريق، فذبحها هو وأصحابه، وشووها وأكلوها، فجاء البدوي إلى رأس الجبل يطالبه بالثمن، فجلس معه في مكانه بعيداً عن رفقائه، وتمدد بين يدي البدوي، فنظر إليه ذلك البدوي فإذا هو مذبوح، ففزع البدوي وهرب. قلت: وهذه الأفعال وأشباهها يئست من أفعال، وبئس من يفعلها، وبئس المعلم - الموصل إليها.
رجعنا إلى ذكر الحكيم السهروردي، له تصانيف عديدة كالتنقيحات في أصول الفقه، والتلويحات، وكتاب الهياكل، والرسالة الغريبة وغير ذلك. ومن كلامه: حرام على الأجساد المظلمة أن تلحق في ملكوت السماوات، فوحد الله تعالى وأنت بتعظيمه ملآن، واذكره وأنت من ملابس الأكوان عريان، ولو ما كان في الوجود شمس لأظلمت الأكوان، وأبى النظام أن يكون غير ما كان، فخفت حتى قلت لست بظاهر، وظهرت من سعيي على الأكوان، اللهم خلص لطيفي من هذا العالم الكثيف. وتنسب إليه أشعار، فمن ذلك:
جعلت هياكلها تجرعلى الحمى ... وصبت لمغناها القديم تشوقا
وتلفتت نحو الديار فشاقها ... ربع عفت أطلاله فتمزقا
وقفت تسائله فرد جوابها ... رجع الصدى أن لا سبيل إلى اللقا
فكأنها برق تآلف بالحمى ... ثم انطوى وكأنه ما أبرقا
ومن شعره المشهور:
أبداً تحن إليكم الأرواح ... ووصالكم ريحانة والراح
وقلوب أهل ودادكم تشتاقكم ... وإلى لقاء جمالكم ترتاح
وارحمتا للعاشقين تحملوا ... ثقل المحبة والهوى فضاح
بالسر إن باحوا تباح دماؤهم ... وكذا دماء البائحين تباح
فإذا هم كتموا فحدث عنهم ... عند الوشاة المدمع السحاح
وبدت شواهد للسقام عليهم ... فيها لمشكل أمرهم إيضاح
خفض الجناح لكم وليس عليكم ... للصب في خفض الجناح جناح
فإلى لقاكم نفسه مرتاحة ... وإلى رضاكم طرفه طماح
عودوا بنور الوصل من غسق الدجى ... فالهجر ليل والوصال صباح
صافاهم فصفوا له قلوبهم ... في نورها المشكاة والمصباح
ركبوا على سفن الهوى ودموعهم ... بحر وشدة شوقهم ملاح
والله ما طلبوا الوقوف ببابه ... حتى دعوا وأتاهم المفتاح
لا يطربون بغير ذكر حبيبهم ... أبداً وكل زمانهم أفراح
حضروا وقد غابت شواهد ذاتهم ... فتهتكوا لما رأوه وصاحوا
(3/330)

أفناهم عنهم وقد كشفت لهم ... حجب البقا فتلاشت الأرواح
مع أبيات أخرى في أثنائها وفي آخرها أوليتها حذف هجر الإعراض - عند لمعان برق سحاب بعض الأعراض. وكان شافعي المذهب ويلقب بالمؤيد بالملكوت. قال ابن خلكان: وكان يتهم بانحلال العقيدة والتعطيل واعتقاد مذهب الحكماء المتقدمين، واشتهرعنه ذلك، فلما وصل إلى حلب أفتى علماؤها بإباحة قتله، بما ظهر لهم من سوء مذهبه في اعتقاده قال: وقال الشيخ سيف الدين الآمدي: اجتمعت بالسهروردي في حلب، فقال لي: لا بد لي أن أملك الأرض، فقلت له: من أين لك هذا؟ قال: رأيت في المنام كأني شربت ماء البحر، فقلت: لعل هذا يكون اشتهار العلم وما يناسبها، فرأيته لا يرجع عما وقع في نفسه، ورأيته كثير العلم قليل العقل. وكان في دولة الملك الظاهر ابن السلطان صلاح الدين، فحبسه، ثم خنقه بإشارة والده صلاح الدين - وعمره ثمان وقيل: ست وثلاثون - وقيل: قتله وصلبه أياماً. وقيل: خير بين أنواع القتل فاختار أن يموت جوعاً لاعتياده الرياضات، فمنع من الطعام حتى تلف. ونقل ابن الجوزي في تاريخه عن ابن شداد قال: أقمت بحلب للاشتغال بالعلم الشريف، ورأيت أهلها مختلفين في أمر، فمنهم من ينسبه إلى الزندقه والإلحاد - وهم أكثر الناس - ومنهم من يعتقد فيه الصلاح وأنه من أهل الكرامات ويقولون: ظهر لهم بعد قتله ما يشهد له بذلك. وانتهى، والله أعلم ببواطن العباد وإليه المرجع والمعاد.

سنة ثمان وثمانين وخمس مائة
فيها سار شهاب الدين الغوري صاحب غزنة بجيوشه، فالتقى ملك الهند، فانتصر المسلمون واستحر القتل بالهنود، وأسر ملكهم، وغنم المسلمون ما لا ينحصر، من ذلك أربعة عشر فيلاً.
وفيها التقى المسلمون بالشام الفرنج غير مرة، والنصرة كلها للمسلمين إلا واحدة، مقدمها الملك العادل، فدهمهم العدو وهزمهم. وفيها توفي أبو الفضل اسماعيل بن علي الشافعي الفرضي، من أعيان المحدثين.
(3/331)

تفقه على جمال الإسلام ابن المسلم وغيره، وسمع من هبة الله بن الأكفاني وطبقته، ورحل إلى بغداد فسمع بها جماعة من الكبار، وكتب الحديث الكثير، وكان بصيراً بعقد الوثائق والسجلات. وفيها توفي المشطوب الأمير - مقدم الجيوش سيف الدين علي بن أحمد بن أبي الهيجاء الهكاري نائب عكا، لما أخذت الفرنج عكا أسروه، ثم اشتري بمبلغ عظيم، ثم أقطعه صلاح الدين القد، فتوفي بها. وفيها توفي أبو المرهف نصر بن منصور الشاعر المشهور، كان ضريراً، قدم بغداد وحفظ القرآن المجيد، وتفقه على مذهب الإمام أحمد، وسمع الحديث من القاضي ابن الباقلاني وأبي البركات عبد الوهاب بن المبارك وأبي الفضل ابن الناصر وغيرهم، وقرأ الأدب على ابي منصور الجواليقي، وله ديوان شهر، ومن شعره قوله من قصيدة له:
وأخوف ما أخاف على فؤادي ... إذا ما أنجد البرق اللموع
لقدحملت من طول الثناء ... عن الأحباب ما لا أستطيع
وكان زاهداً ورعاً حسن المقاصد في الشعر.

سنة تسع وثمانين وخمس مائة
وفيها توفي صاحب مكة داود بن عيسى بن فليتة بن قاسم بن محمد بن أبي هاشم العلوي الحسيني. ومحمود سلطان شاه أخوه الملك علاء الدين خوارزم شاه ابنا أرسلان الخوارزمي. وسنان بن سليمان أبو الحسن البصري الإسماعيلي الباطني صاحب الدعوة وصاحب حصون الإسماعيلية. كان أديباً متفنناً متكلماً عالماً عارفاً بالفلسفة أخبارياً شاعراً. وصاحب الموصل السلطان عز الدين مسعود بن مودود أتابك بن زنكي. قال ابن الأثير: بقي عشرة أيام لا يتكلم إلا بالشهادتين وبالتلاوة، ورزق خاتمة خير، وكان كثير الخير والإحسان يزور الصالحين ويقربهم ويشفعهم، وفيه حلم وحياء ودين. ودفن في مدرسته في الموصل، وتملك بعده ولده نور الدين.
(3/332)

وفيها توفي السلطان صلاح الدين الملك الناصر أبو المظفر يوسف بن أيوب بن شاذي - بالشين والذال المعجمتين وبينهما ألف في آخره ياء النسبة ومعناه بالعربية فرحان - صاحب الديارالمصرية والبلاد الشامية والعراق واليمنية. وتراجم أبيه أيوب وقرابته من الإخوة والأعمام مذكورة في مواضعها، وصلاح الدين المذكور كان واسطة العقد وشهرته وشائعته شهيرة مغنية عن مدحته والتعريف بصفته وسيرته. وقد ذكر بعض المؤرخين الاتفاق على أن أباه وأهله من الاكراد، وذكر بعضهم نسبه أباً، فإما إلى عدنان ثم رفعه إلى آدم صلى الله عليه وسلم وذكر ابن الأثير أن مجاهد الدين متولي شحنة العراق من جهة السلطان غياث الدين السلجوقي مسعود رأى في نجم الدين أيوب شاذي عقلاً ورأياً حسناً وحسن سيرة، فجعله وألياً بتكريت حافظاً للقلعة، فلما انهزم أتابك الشهيد صاحب - الموصل عماد الدين زنكي بالعراق في أيام الإمام المسترشد وكان قد جاء على قصد حصار بغداد - وصل بعد انهزامه إلى تكريت، فخدمه نجم الدين أيوب، وأقام له السفن فعبر دجلة هناك، وتبعه أصحابه فأحسن نجم الدين إليهم وسيرهم، ثم إن أسد الدين أخا نجم الدين قتل إنساناً بتكريت لكلام جرى بينهما، فأرسل مجاهد الدين إليهما، وأخرجهما من تكريت، فقصدا عماد الدين زنكي صاحب الموصل، فأحسن إليهما، وعرف لهما خدمتهما، واقطعهما إقطاعاً حسناً وصار من جملة جنده. فلما فتح عماد الدين زنكي بعلبك جعل نجم الدين والياً عليها وحافظاً، فلما قتل عماد الدين زنكي وتولى بعده ولده سيف الدين غازي بن زنكي أرسل إليه نجم الدين أيوب، وطلب منه عسكراً ليستعين به على قتال صاحب دمشق مجير الدين - وكان قد حاصر أيوب فلم ينجده بالعسكر، فلما رأى نجم الدين تلك الحال وخاف أن يؤخذ قهراً، أرسل في تسليم القلعة، وطلب أقطاعاً ذكره، فأجيب إلى ذلك، وحلف له صاحب دمشق، فسلم القلعة ووفى له بما حلف عليه من الإقطاع، وصار عنده من أكبر الأمراء. واتصل أخوه أسد الدين بالخدمة النورية المتعلقة بنور الدين محمود صاحب حلب - وكان يخدمه - فقربه نور الدين وأقطعه، وكان يرى منه في الحروب آثاراً يعجز عنها غيره لشجاعته وجرأته، فصارت له حمص والرحبة وغيرهما، وجعله مقدم عساكره. وكان صلاح الدين مولده سنة اثنتين وثلاثين وخمس مائة بقلعة تكريت لما كان عمه
وأبوه بها، ثم إن عماد الدين قصد حصار دمشق فلم تحصل له، فرجع إلى بعلبك فحاصرها شهراً وملكها سنة أربع وثلاثين وخمس مائة، ورتب فيها نجم الدين أيوب، ولم يزل صلاح الدين تحت كنف أبيه حتى ترعرع. وحاصر نور الدين بن عماد الدين زنكي دمشق،
(3/333)

فأخذها، فلازم نجم الدين أيوب خدمته وكذلك ولده صلاح الدين، وكانت مخائل السعادة عليه لائحة، والنجابة تقدمه من حالة إلى حالة بتأييد الله تعالى، ونور الدين يرى له ويؤثره، وتعلم منه صلاح الدين طرائق الخير وفعل المعروف والاجتهاد في أمور الجهاد، حتى تجهز للمسير مع عمه أسد الدين إلى الديار المصرية لما جاء شاور مستغيثاً إلى الشام بالملك العادل نور الدين محمود بن زنكي في شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وخمس مائة، فوجه نور الدين معه الأمير أسد الدين بن شاذي في جماعة من عسكره، وكان صلاح الدين من جملتهم في خدمة عمه وهو كاره للسفر معهم، وجعل أسد الدين ابن أخيه صلاح الدين مقدم عسكره، شاور حتى دخلوا مصر فاستولوا عليها. وكان الملك المنصور أبو الأشبال الضرغام بن عامر بن سوار الملقب بفارس المسلمين اللخمي المنذري قد استولى على الديار المصرية، فقتل عند مشهد السيدة نفيسة بين القاهرة ومصر، واجتز رأسه وطيف به ثلاثة أيام، ثم دفن عند بركة الفيل، وبنيت عليه قبة. ولما وصل أسد الدين وشاور إلى الديار المصرية واستولوا عليها وقتلوا الضرغام وحصل لشاور مقصده وعاد إلى منصبه واستمرت أموره غدر بأسد الدين، واستنجد بالفرنج عليه، فحصروه في بلبيس، فخلى لهم البلاد طامعاً في العود إليها وملكها، وعاد إلى الشام في سنة تسع وخمسين وخمس مائة، فأقام بها مفكراً في تدبير عوده إلى مصر محدثاً نفسه بالملك لها، مقرراً ذلك معه نور الدين إلى سنة اثنين وستين وخمس مائة. وبلغ شاور حديثه وطمعه في البلاد فخاف عليها فكتب إلى الفرنج وقرر معهم أنهم يجيؤون إلى البلاد، ويمكنهم تمكيناً كلياً ليعينوه على استئصال أعدائه، فبلغ ذلك نور الدين وأسد الدين، فخافا على الديار المصرية أن يملكوها ويتطرقوا إلى ملك غيرها من البلاد، فتجهز أسد الدين وأنفذ نور الدين معه العساكر - وصلاح الدين في خدمة عمه أسد الدين - فوصلوا إليها وصولاً مقارباً لوصول الفرنج إليها، واتفق شاور والمصريون جميعهم والفرنج على أسد الدين، وجرت حروب كثيرة ووقعات شديدة، وانفصل الفرنج عن البلاد، وانفصل أسد الدين أيضاً راجعاً إلى الشام. وسبب رجوع الفرنج أن نور الدين جرر العساكر إلى بلادهم في تلك السنة، فخافوا
على بلادهم وعادوا إليها، وكان سبب عود أسد الدين ضعف عسكره عن مقاومة الفرنج - والمصريين، وما عاينوه من الشدائد وما عاينوه من الأهوال، وما عاد حتى صالح الفرنج على أن ينصرفوا كلهم عن مصر. ثم إن أسد الدين عاد إلى مصر مرة ثانية وقيل ثالثة بسبب أن الفرنج جمعوا فارسهم وراجلهم وخرجوا يريدون الديار المصرية، فسار بنفسه وماله
(3/334)

وإخواته وأهله ورجاله. وكان شاور لما أحس بخروج الفرنج إلى مصر أرسل إلى أسد الدين يستصرخه، فخرج مسرعاً، ولما علم الفرنج بوصوله إلى مصر واتفاقه مع أهلها رحلوا راجعين على أعقبهم ناكصين. وقام اسد الدين بها، يتردد إليه شاور في الأحيان، وكان قد وعدهم بمال في مقابلة ما خسروا من النفقة، فلم يعطيهم شيئاً، وعلقت مخالب أسد الدين في البلاد، وعلم أنه متى وجد الفرنج فرصة أخذوا البلاد، وتحقق أنه لا سبيل إلى الاستيلاء على البلاد مع بقاء شاور، فأجمع رأيه على القبض عليه إذا خرج إليه. وكان الأمراء الواصلون مع أسد الدين يترددون إلى خدمة شاور وهو يجتمع بأسد الدين في بعض الأحيان، وكان يركب على عادة وزرانهم بالطبل والبوق والعلم، فلم يتجاسر على قبضه أحد من الجماعة إلا أسد الدين بنفسه، وذلك أنه لما سار إليهم تلقاه راكباً، وسار إلى جانبه وأخذ يتلاعب به، وأمر العسكر أن يقصدوا أصحابه، ففزوا ونهبهم العسكر، وأنزل شاور في خيمة مفردة وأمر بجز رأسه. وأرسل المصريون إلى أسد الدين خلع الوزارة، فلبسها وسار ودخل القصر، وترتب وزيراً وذلك في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين وخمس مائة، ودام آمراً وناهياً - وصلاح الدين مباشر الأمور ومقررها لمكان كفايته ودرايته وحسن رأيه وسياسته - إلى الثاني والعشرين من جمادى الآخرة من السنة المذكورة، فمات أسد الدين في القاهرة، ودفن بها، ثم نقل إلى مدينة الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - بعد مدة بوصية منه. وذكر بعضهم أن أسد الدين دخل القاهرة في سنة أربع وستين وخمس مائة وخرج إليه العاضد آخر ملوك العبيديين، وتلقاه وحضر يوم الجمعة ثالث يوم دخوله، وجلس جانب العاضد، فخلع عليه، وأظهر له شاور وداً، وطلب منه أسد الدين مالاً ينفقه في العسكر، فدافعه وأرسل إليه أن الجند تغيرت قلوبهم عليه بسبب عدم النفقة، فإذا خرجت فكن منهم على حذر، فلم يكترث شاور بكلامه، وعزم أن يعمل دعوة يستدعي إليها أسد الدين والعساكر الشامية، ويقبض عليهم، فأحس أسد الدين بذلك، فاتفق صلاح الدين وعز الدين وبعض كبراء الدولة على قتل شاور وأعلموا أسد الدين فنهاهم عنه، وخرج شاور قاصداً أسد الدين - وخيامهم كانت على شاطىء النيل - فلم يجده في خيمته، وكان قد ركب إلى زيارة قبر الشافعي رضي الله عنه بالقرافة - فقال شاور: يمضي إليه، فساروا، فاكتنفه صلاح الدين مع آخر، فأنزلاه عن فرسه، فهرب أصحابه وأخذ أسيراً، وكتف، ولم يمكنهم قتله بغير إذن نور الدين، فأرسل العاضد يأمرهم بقتله فقتلوه. وكان ذا شهامة ونجابة وفروسية، قد تمكن فى بلاد الصعيد، ثم توجه إلى القاهرة وأخذ الوزارة، ثم توجه إلى
(3/335)

الشام مستنجداً بالملك العادل نور الدين لما خرج عليه ضرغام بن عامر اللخمي المنذري وأخرجه عن القاهرة وولي الوزارة مكانه، فأنجده بالأمير أسد الدين. وأصل شاور من بني سعد من نسل والد حليمة التي أرضعت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وفي كيفية قتله اختلاف كثيرة، والقصد من ذكر هذه الأشياء التوصل إلى ذكر ولاية السلطان صلاح الدين وسيرته. فلما مات أسد الدين استقرت الأمور بعده لصلاح الدين، وتمهدت القواعد ومشى الحال على أحسن الأوضاع، وبذل الأموال وملك قلوب الرجال، وهانت عنده الدنيا فملكها، وشكر نعمة الله تعالى عليه فتاب عن الخمر وأعرض عن أسباب اللهو، وتقمص بقميص الجد والاجتهاد، وما زال على قدم الخير وفعل ما يقربه وإلى الله تعالى إلى أن مات - رحمه الله تعالى - وما زال يشن الغارات على الفرنج إلى الكرك والشوبك وغيرهما من البلاد، وغشي الناس من سحائب الأفضال والإنعام ما لم يؤرخ عن غير تلك الأيام، هذا كله وهو وزير متابع للقوم، لكنه يقول بمذهب أهل السنة، ويجالس أهل العلم والفقه والتصوف، والناس يهرعون إليه من كل صوب، ويفدون عليه من كل جانب، وهو لا يخيب قاصداً، ولا يعدم وافداً إلى سنة خمس وستين وخمس مائة، فلما عرف نور الدين انتشار أمر صلاح الدين بمصر
أخذ حمص من نواب أسد الدين. ولما علم الفرنج ما جرى بين المسلمين وعساكرهم، وما تم للسلطان من استقامة الأمر بالديار المصرية، علموا أنه سيملك بلادهم، ويخرب ديارهم، ويقلع آثارهم اجتمعوا هم والروم جميعاً، وقصدوا الديار المصرية، وتوجهوا إلى دمياط، ومعهم آلة الحصار وما يحتاجون إليه من العدد. فلما بلغ صلاح الدين ذلك استعد بتجهيز الرجال وجمع الآلة، وبالغ في العطايا والهبات، وكان متحكماً لا يرد أمره في شيء. فلم يزل الحصار والقتال بين المسلمين وبينهم حتى رحلوا عنها خائبين، وقتل من رجالهم خلق كثير، واستقرت قواعد صلاح الدين مع والده اليها في جمادى الآخرة، وقد تقدم ذكر اجتماع صلاح الدين مع والده نجم الدين أيوب، ليتم له السرور، وتكون قصته مشاكلة لقصة يوسف عليه السلام، فوصل والده إليها في جمادى الآخرة، وقد تقدم ذكر اجتماع صلاح الدين مع والده وإكرامه له لما وصل إليه وأرسل صلاح الدين يطلب من نور الدين أن يرسل إليه إخواته، فلم يجبه إلى ذلك وقال: أخاف أن يخالف عليك أحد منهم فيفسد حمص من نواب أسد الدين. ولما علم الفرنج ما جرى بين المسلمين وعساكرهم، وما تم للسلطان من استقامة الأمر بالديار المصرية، علموا أنه سيملك بلادهم، ويخرب ديارهم، ويقلع آثارهم اجتمعوا هم والروم جميعاً، وقصدوا الديار المصرية، وتوجهوا إلى دمياط، ومعهم آلة الحصار وما يحتاجون إليه من العدد. فلما بلغ صلاح الدين ذلك استعد بتجهيز الرجال وجمع الآلة، وبالغ في العطايا والهبات، وكان متحكماً لا يرد أمره في شيء. فلم يزل الحصار والقتال بين المسلمين وبينهم حتى رحلوا عنها خائبين، وقتل من رجالهم خلق كثير، واستقرت قواعد صلاح الدين مع والده اليها في جمادى الآخرة، وقد تقدم ذكر اجتماع صلاح الدين مع والده نجم الدين أيوب، ليتم له السرور، وتكون قصته مشاكلة لقصة يوسف عليه السلام، فوصل والده إليها في جمادى الآخرة، وقد تقدم ذكر اجتماع صلاح الدين مع والده وإكرامه له لما وصل إليه وأرسل صلاح الدين يطلب من نور الدين أن يرسل إليه إخواته، فلم يجبه إلى ذلك وقال: أخاف أن يخالف عليك أحد منهم فيفسد البلاد.
(3/336)

فصل
انتهاء اللولة العبيدية واقامة الدولة العباسية
اعلم أنه لما كان شهر المحرم مفتتح سنة سبع وستين وخمس مائة قطعت خطبة العاضد صاحب مصر، وخطب فيها للإمام المستضيء بأمر الله أمير المؤمنين. وكان سبب ذلك أن صلاح الدين لما ثبت قدمه في مصر، وزال المخالفون له، وضعف أمر العاضد، ولم يبق من العساكر المصرية أحد كتب إليه الملك العادل نور الدين محمود، يأمره بقطع الخطبة العاضدية وإقامة الخطبة العباسية، فاعتذر صلاح الدين للخوف من وثوب أهل مصر وامتناعهم من الإجابة إلى ذلك لميلهم إلى دولة المصريين، فلم يصغ نورالدين إلى قوله، وأرسل إليه يلزمه بذلك إلزاماً لا فسحة له، واتفق أن العاضد مرض، وكان صلاح الدين قد عزم على قطع الخطبة له، فاستشار أمراءه كيف يكون الابتداء بالخطبة العباسية، فمنهم من ساعد على ذلك، ومنهم من خاف. وكان قد وصل إلى مصر إنسان أعجمي يعرف بالأمير العالم، فلما رأى ما هم فيه من الإحجام قال: أنا أبتدىء بها. فلما كان أول جمعة من المحرم صعد المنبر قبل الخطيب، ودعا للمستضيء بأمر الله، فلم ينكر أحد ذلك. فلما كان الجمعة الثانية أمر صلاح الدين الخطباء بمصر والقاهرة بقطع خطبة العاضد وإقامة الخطبة للمستضيء بأمر الله، ففعلوا ذلك ولم ينتطح فيها عنزان، وكتب بذلك إلى سائر الديار المصرية وكان العاضد قد اشتد مرضه، فلم يعلمه أهله وأصحابه بذلك وقال: إن سلم فهو يعلم، وإن توفي فلا ينبغي أن ينغص عليه هذه الأيام التي بقيت من أجله. فتوفي يوم عاشوراء ولم يعلم بذلك. قلت: وقد نقلت عن بعضهم في كتاب المرهم أن العاضد مات غماً بما فعله صلاح الدين، ولم يقدرعلى منعه من ذلك. ولما توفي جلس صلاح الدين للعزاء واستولى على قصره وجميع ما فيه. ونقل أهل العاضد إلى مكان منفرد، ووكل بهم من يحفظهم، وجعل أولادهم وعمومتهم وأبناءهم في إيوان من القصر، وجعل عندهم من يحفظهم، وأخرج من كان فيه من العبيد والإماء، وأعتق البعض ووهب البعض وباع البعض، وأخلى القصر من سكانه وأهله. فسبحان من لا يتغير ملكه ولا يزول، ولا يؤثر فيه مرور الأيام والدهور. وكان ابتداء الدولة العبيدية بإفريقية والمغرب في ذي الحجة سنة تسع وتسعين ومائتين.

ذكر أئمة العبيديين وعدد سني دولتهم
أما عددهم فجملتهم أربعة عشر: أول من ظهر منهم على إفريقية عبيد الله الملقب بالمهدي، ثم بعده القائم بأمر الله، ثم المنصور، ثم المعز، ثم العزيز ثم الحاكم وهو الذي
(3/337)

ملك مصر والشام والحجاز والمغرب، ثم الظاهر، ثم المستنصر، ثم المستعلي، ثم الآمر، ثم الحافظ، ثم الظافر، ثم الفائز، ثم العاضد وهو آخرهم. ومدة دولتهم مائتا سنة وست وستون سنة. وكان مقامهم بمصر مائتي سنة وثمان سنين. قلت: وإذ قد ذكرت عدد أئمة العبيديين ومدة دولتهم فلأذكرن عدد خلفاء بني العباس ومدة دولتهم، ثم كذلك أفعل في بني أمية ودولتهم، وأذكر الخلفاء الراشدين المستحقين ومدة خلافتهم، ليسهل معرفة الجميع في موضع واحد لمن أراد الاطلاع على ذلك.

ذكر خلفاء بني العباس وعدد سني دولتهم
هم سبعة وثلاثون: السفاح عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، ثم أخوه عبد الله أبو جعفر المنصور، ثم المهدي محمد بن أبي جعفر المنصور، ثم الهادي موسى بن المهدي، ثم الرشيد هارون بن المهدي، ثم الأمين محمد بن هارون الرشيد، ثم أخوه المأمون عبد الله بن هارون، ثم المعتصم محمد بن هارون، ثم الواثق هارون بن المعتصم، ثم المتوكل جعفر بن المعتصم، ثم المستنصر محمد بن المتوكل، ثم المستعين أحمد بن المعتصم، ثم المعز محمد بن المتوكل، ثم المهتدي محمد بن الواثق، ثم المعتمد أحمد بن المتوكل، ثم المعتضد أحمد بن الموفق طلحة بن المتوكل، ثم المكتفي علي بن المعتضد، ثم المقتدر جعفر بن المعتضد بن الموفق بن المتوكل، ثم القاهر بن أحمد بن المعتضد، ثم الراضي أحمد - وقيل محمد بن المقتدر - ثم المقتفي، ثم المتقي ابراهيم بن المقتدر، ثم المستكفي عبد الله بن محمد بن المكتفي، ثم المطيع الفضل ابن المقتدر، ثم الطائع عبد الكريم بن المطيع، ثم القادر أحمد بن إسحاق بن المقتدر، ثم القائم عبد الله بن القادر، ثم المقتدي عبد الله بن محمد بن القائم، ثم المستظهر أحمد بن المقتدي، ثم المسترشد الفضل بن المستظهر، ثم الراشد جعفر - وقيل منصور بن المسترشد - ثم المقتفي محمد بن المستظهر، ثم المستنجد يوسف بن المقتفي، ثم المستضيء الحسن بن المستنجد، ثم الناصر محمد بن المستضيء، ثم الظاهر محمد بن الناصر، ثم المستنصر بن الظاهر، ثم المستعصم عبد الله بن المستنصر. وأما مدة خلافتهم في خمس مائة وأربع وعشرون سنة.

ذكر ملوك بني أمية وعدد سني دولتهم
هم ثلاثة عشر: معاوية بن أبي سفيان، ثم يزيد بن معاوية، ثم معاوية بن يزيد، ثم مروان بن الحكم، ثم عبد الملك بن مروان، ثم الوليد بن عبد الملك، ثم سليمان بن عبد الملك، ثم عمر بن عبد العزيز، ثم يزيد بن عبد الملك، ثم هشام بن عبد الملك، ثم الوليد
(3/338)

ابن يزيد، ثم يزيد بن الوليد، ثم مروان بن محمد الجعدي، وهو آخر ملوك بني أمية. وأما مدة دولتهم فهي إحدى وتسعون سنة.

ذكر عدد الخلفاء الراشدين ومدة خلافتهم
هم المشار إلى خلافتهم بقوله عليه السلام: الخلافة بعدي ثلاثون سنة. وهم: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم الحسن بن علي وبه تمام الثلاثين من السنين المذكورة. رجعنا إلى ما كنا بصدده من ذكر بعض ما جرى في دولة السلطان صلاح الدين: فلما استولى على القصر الذي كان فيه العاضد وأمواله وذخائره اختار منه ما أراد، ووهب وباع ما شاء، وكان فيه من الجواهر والذخائر النفيسة ما لم يكن عند ملك من الملوك، مما جمع على طول السنين. ومن ذلك قضيب الزفرد طوله نحو قصبة ونصف، والخيل الياقوت - لعله بالخاء المعجمة ثم المثناة من تحت وفي الأصل ضبطه بالجيم والباء الموحدة والله اعلم - غير ذلك من الكتب المنتخبة بالخطوط الجيدة نحو مائة ألف مجلد. ولما خطب للمستضيء بأمر الله أرسل إليه نور الدين يعرفه ذلك، فحل عنده أعظم محل، وسير اليه الخلع الكاملة إكراماً له، وسيرت الأعلام السود لتنصب على المنابر، وكانت هذه أول هيئة عباسية دخلت مصر بعد استيلاء العبيديين عليها. ثم إنه وقع بين نور الدين وبين صلاح الدين وحشة يطول ذكر سنيها، فعزم نور الدين على الدخول إلى مصر وإخراج صلاح الدين عنها، فظهر لصلاح الدين ذلك، فجمع أهله كما تقدم - وفيهم أبوه وخاله وسائر الأمراء، وأعلمهم بما بلغه، واستشارهم فلم يجبه أحد بشيء، فقام تقي الدين ابن أخي صلاح الدين وقال: إذا جاء قاتلناه ومنعناه من البلاد. ووافقه بعض أهله، فشتمهم والد صلاح الدين، وأنكر ذلك واستعظمه، وشتم تقي الدين وقال له: اقعد. وقال لولده صلاح الدين: أنا أبوك، وهذا شهاب الدين خالك، أتظن في هؤلاء كلهم من يحبك ويريد لك الخير مثلنا؟! والله لو رأيته - أنا وخالك - لم يمكنا إلا أن نقبل الأرض بين يديه، ولو أمرنا بضرب عنقك لفعلنا، فإذا كنا نحن هكذا فما ظنك بغيرنا؟!!، وكل من تراه من الأمراء لو رأى نور الدين وحده لم يتجاسروا على الثبات على سروجهم، وهذه البلاد له، ونحن مماليكه، وقد أقامك فيها، فإن أراد عزلك سمعنا وأطعنا، والرأي أن تكتب إليه كتاباً وتقول: بلغني أنك تريد الحركة لأجل البلاد، وأي حاجة إلى هذا ترسل المولى فلاناً - وسماه يضع في رقبتي منديلاً ويأخذني، أو قال: ويجرني إليك، فما ها هنا ما يمتنع
(3/339)

عليك. وقال للجماعة كلهم: قوموا عنا، نحن مماليك نور اللين وعبيده، يفعل بنا ما يريد. فتفرقوا على هذا، وكتب أكثرهم إلى نور الدين بالخبر. فلما خلا أيوب بابنه صلاح الدين قال له: أنت جاهل قليل المعرفة، تجمع هذا الجمع الكثير وتطلعهم على ما في نفسك؟! وإذا سمع نور الدين أنك عازم على منعه البلاد جعلك أهم الأمور إليه، وأولاها بالقصد، ولو قصدك لم ير معك أحداً من هذا العسكر. وكانوا أسلموك إليه. وأما الآن بعد هذا المجلس فيكتبون إليه ويعرفونه قولي فاكتب أنت إليه وارسل إليه في المعنى، وقل: أي حاجة لك في قصدي أرسل إلي بأحد يأخذني بحبل يضعه في عنقي، فهو إذا سمع هذا عدل عن قصدك واشتغل بغيرنا، والأقدار تفعل عملها. والله لو أراد نور الدين قصبة من قصبة سكر مصر لقاتلته أنا عليها حتى أمنعه أو أقتل. ففعل صلاح الدين ما أشار به، فترك نور الدين قصده، واشتغل بغيره، وكان الأمر كما ظنه نجم الدين أيوب. وكان هذا من أحسن الآراء وأجودها. ثم توفي نور الدين في سنة تسع وستين وخمس مائة كما تقدم في ترجمته، وبلغ صلاح الدين أن إنساناً يقال له الكنز، جمع بأسوان خلقاً عظيماً من السودان، وزعم أنه يعيد الدولة المصرية، وانضاف إليه المصريون، فجهز صلاح الدين إليه جيشاً كثيفاً وجعل مقدمه أخاه الملك العادل، فساروا والتقوهم وكسروهم، وذلك في سنة سبعين وخمس مائة. واستقر لصلاح الدين قواعد الملك، وكان نور الدين قد خلف ولده الملك الصالح، اسماعيل في دمشق، وكان شمس الدين بن الداية بقلعة حلب قد حدثته نفسه بأمور، فسار الملك الصالح من دمشق إلى حلب فوصل إلى ظاهرها ومعه سابق الدين، فخرج بدر الدين حسن بن الداية فقبض على سابق الدين، ولما دخل الملك الصالح القلعة قبض على شمس الدين بن الداية وأخيه حسن، وأودع الثلاثة السجن. وفي ذلك اليوم قتل أبو الفضل ابن الخشاب لفتنة جرت بحلب، وقيل بل قتل قبل أولاد الداية. ثم إن صلاح الدين بعد وفاة نور الدين علم أن الملك الصالح ولد نور الدين صبي لا يستقل بالأمر ولا ينهض باعباء الملك، فتجهز من مصر في جيش
كثيف، وترك بها من يحفظها، وقصد دمشق مظهراً أنه يتولى مصالح الملك الصالح، فدخلها بالتسليم في سنة سبعين وخمس مائة، وتسلم قلعتها، واجتمع الناس إليه وفرحوا به، وأنفق أموالاً عظيمة وأظهر السرور بالدمشقيين، وسار إلى حلب، فنازل حمص وأخذ مدينتها ولم يشتغل بقلعتها، وتوجه إلى حلب ونازلها. ثم إن سيف الدين غازي - صاحب الموصل - لما أحس بما جرى علم أن الرجل قد استفحل أمره وعظم شأنه، وخاف إن غفل عنه استحوذ على البلاد وتعدى الأمر إليه، فأنفذ عسكراً وافراً وجيشاً عظيماً، وقدم عليه أخاه عز الدين مسعود، وساروا يريدون لقاء صلاح الدين. فلما بلغه ذلك رحل عن حلب عائداً إلى حماة، ورجع إلى حمص فأخذ قلعتها، ووصل عز الدين إلى حلب وأخذ معه عسكر ابن عمه الملك الصالح، وخرجوا في جمع عظيم. ولما عرف صلاح الدين بمسيرهم سار حتى وافاهم على قرون حماة وراسلهم، واجتهد أن يصالحوه فما صالحوه، ورأوا أن صرف المصاف معه ربما نالوا به غرضهم، والقضاء يجر إلى أمور، هم بها لا يشعرون. فتلاقوا، فقضى الله تعالى أنهم انكسروا، فهزموا بين يديه، وأسر جماعة منهم، ثم سار ونزل على حلب، فصالحوه على أخذ المعرة وكفرطاب وماردين. ولما جرت هذه الواقعة كان سيف الدين غازي محاصراً أخاه عماد الدين - صاحب سنجار - لأنه كان قد انتمى إلى صلاح الدين، ثم جمع العساكر وسار، وخرج ابن عمه الملك الصالح إلى لقائه، فوصل إلى حلب وصعد قلعتها. وأرسل صلاح الدين إلى مصر يطلب عسكرها، فوصل إليه وسار به حتى نزل على قرون حماة، ثم تصافوا وجرى بينهم قتال عظيم، فانكسرت ميسرة صلاح الدين، فحمل صلاح الدين بسيفه فانكسر القوم، وأسر منهم جمعاً من كبار الأمراء، فمر عليهم وأطلقهم، وعاد سيف الدين إلى حلب، فأخذ منها خزائنه، وسار حتى عاد إلى بلاده. ومنع صلاح الدين أصحابه من تتبع القوم، ونزل على خيامهم وقسم الخزائن، وأعطى خيمة سيف الدين لابن أخيه عز الدين، وسار إلى منبج فتسلمها، ثم إلى قلعة عزاز فحاصرها، ووثب جماعة من الإسماعيلية على صلاح الدين فنجاه الله تعالى منهم وظفر بهم، ثم سار فنزل على حلب وأقام عليها مدة، ثم رحل عنها. وكانوا قد أخرجوا له ابنة صغيرة لنور الدين فسألته عزاز، فوهبها لها. ثم عاد صلاح الدين إلى مصر ليتفقد أحوالها، ثم تأهب للغزاة، وخرج يطلب الساحلثيف، وترك بها من يحفظها، وقصد دمشق مظهراً أنه يتولى مصالح الملك الصالح، فدخلها بالتسليم في سنة سبعين وخمس مائة، وتسلم قلعتها، واجتمع الناس إليه وفرحوا به، وأنفق أموالاً عظيمة
(3/340)

وأظهر السرور بالدمشقيين، وسار إلى حلب، فنازل حمص وأخذ مدينتها ولم يشتغل بقلعتها، وتوجه إلى حلب ونازلها. ثم إن سيف الدين غازي - صاحب الموصل - لما أحس بما جرى علم أن الرجل قد استفحل أمره وعظم شأنه، وخاف إن غفل عنه استحوذ على البلاد وتعدى الأمر إليه، فأنفذ عسكراً وافراً وجيشاً عظيماً، وقدم عليه أخاه عز الدين مسعود، وساروا يريدون لقاء صلاح الدين. فلما بلغه ذلك رحل عن حلب عائداً إلى حماة، ورجع إلى حمص فأخذ قلعتها، ووصل عز الدين إلى حلب وأخذ معه عسكر ابن عمه الملك الصالح، وخرجوا في جمع عظيم. ولما عرف صلاح الدين بمسيرهم سار حتى وافاهم على قرون حماة وراسلهم، واجتهد أن يصالحوه فما صالحوه، ورأوا أن صرف المصاف معه ربما نالوا به غرضهم، والقضاء يجر إلى أمور، هم بها لا يشعرون. فتلاقوا، فقضى الله تعالى أنهم انكسروا، فهزموا بين يديه، وأسر جماعة منهم، ثم سار ونزل على حلب، فصالحوه على أخذ المعرة وكفرطاب وماردين. ولما جرت هذه الواقعة كان سيف الدين غازي محاصراً أخاه عماد الدين - صاحب سنجار - لأنه كان قد انتمى إلى صلاح الدين، ثم جمع العساكر وسار، وخرج ابن عمه الملك الصالح إلى لقائه، فوصل إلى حلب وصعد قلعتها. وأرسل صلاح الدين إلى مصر يطلب عسكرها، فوصل إليه وسار به حتى نزل على قرون حماة، ثم تصافوا وجرى بينهم قتال عظيم، فانكسرت ميسرة صلاح الدين، فحمل صلاح الدين بسيفه فانكسر القوم، وأسر منهم جمعاً من كبار الأمراء، فمر عليهم وأطلقهم، وعاد سيف الدين إلى حلب، فأخذ منها خزائنه، وسار حتى عاد إلى بلاده. ومنع صلاح الدين أصحابه من تتبع القوم، ونزل على خيامهم وقسم الخزائن، وأعطى خيمة سيف الدين لابن أخيه عز الدين، وسار إلى منبج فتسلمها، ثم إلى قلعة عزاز فحاصرها، ووثب جماعة من الإسماعيلية على صلاح الدين فنجاه الله تعالى منهم وظفر بهم، ثم سار فنزل على حلب وأقام عليها مدة، ثم رحل عنها. وكانوا قد أخرجوا له ابنة صغيرة لنور الدين فسألته عزاز، فوهبها لها. ثم عاد صلاح الدين إلى مصر ليتفقد أحوالها، ثم تأهب للغزاة، وخرج يطلب الساحل
حتى وافى الفرنج على الرملة في أوائل سنة ثلاث وسبعين، وكانت الكسرة على المسلمين. فلما انهزموا لم يكن لهم حصن قريب يأوون إليه، فطلبوا جهة الديار المصرية وضلوا في
(3/341)

الطريق، وأسروا منهم جماعة، منهم الفقيه عيسى الهكاري، وكان ذلك وهناً عظيماً جبرها الله تعالى بوقعة بعدها. ثم التمس الروم منه الصلح فصالحهم، وتوفي الملك الصالح بن نور الدين في السنة المذكورة - أعني سنة ثلاث وسبعين - وكان قد استحلف أمراء حلب وأجنادها لابن عمه عز الدين مسعود صاحب الموصل. فلما بلغ عز الدين المذكور موت الملك الصالح ووصيته له بحلب بادر إلى التوجه إليها خوفاً أن يسبقه صلاح الدين، فوصل إليها وصعد القلعة، واستولى على ما بها من الحواصل، وتزوج أم الملك الصالح، ثم قايض عز الدين أخاه عماد الدين صاحب سنجار، وخرج عز الدين عن حلب ودخلها عماد الدين، وجاء صلاح الدين وحاصره، ثم صالح عماد الدين صلاح الدين على أن ينزل له عن حلب ويعوضه عنها بسنجار والخابور ونصيبين وسروج، وحلف صلاح الدين على ذلك، وتسلم قلعة حلب، وجعل فيها ولده الملك الظاهر وكان صبياً. ثم سار صلاح الدين إلى أخيه الملك العادل - وهو بمصر يستدعيه ليجتمعوا على الكرك، فسار إليه بجمع كثير وجيش عظيم، واجتمعوا في شعبان سنة تسع وسبعين وخمس مائة. فلما بلغ الفرنج الخبر حشروا خلقاً كثيراً وجاؤوا إلى الكرك ليكونوا قبالة عسكر المسلمين، فخاف صلاح الدين على الديار المصرية، فسير إليها ابن أخيه تقي الدين، ورحل عن الكرك واستصحب أخاه الملك العادل معه، ودخل دمشق. وكان الملك الظاهر أحب أولاد أبيه إليه لما فيه من الخلال الحميدة. ولم يأخذ منه حلب إلا لمصلحة رآها في ذلك الوقت. ثم إن صلاح الدين رأى عود الملك العادل إلى مصر وعود الملك الظاهر إلى حلب أصلح - وكانت بيد أخيه - فأعطاها ابنه الملك الظاهر، ونزل صلاح الدين على الموصل وحاصرها ثلاث مرات، فلم يقدر على أخذها، وترددت الرسل بينه وبين صاحبها، ثم مرض صلاح الدين فسار إلى حران، فلحقته الرسل بالإجابة إلى ما طلب، وتم الصلح على أن يسلم إليه صاحب الموصل شهرزور وأعمالها وما وراء الفرات من الأعمال، وأن يخطب له على المنابر، وينقش اسمه على السكة. فلما حلفا أرسل صلاح الدين نوابه فتسلموا البلاد التي وقع الصلح عليها، وطال مرضه حتى أيسوا منه، فحلف الناس لأولاده - وكان عنده منهم الملك العزيز - وجاء أخوه العادل من حلب - وهو ملكها يومئذ - وجعله وصياً على الجميع، وأوصى لكل واحد منهم بشيء من البلاد، وكان عنده أيضاً ابن عمه ناصر الدين،
(3/342)

فأقطعه حمص والرحبة، وسلم السلطان صلاح الدين ولده الملك العزيز إلى الملك العادل، وجعله أتابكه. ثم كانت وقعة حطين المباركة على المسلمين في رابع شهر ربيع الآخر - سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة في يوم الجمعة، وكان كثيراً ما يقصد لقاء العدو في يوم الجمعة عند الصلاة تبركاً بدعاء المسلمين والخطباء على المنابر، وسار حتى نزل على بحيرة الطبرية - على سفح الجبل - ينتظر قصد الفرنج له، فلم يتحركوا ولا خرجوا عن منازلهم، فلما رآهم لا يتحركون ترك جريده على طبرية، وترك الأطلاب على حالها قبالة العدو، ونازل طبرية وهجمها، فأخذها في ساعة واحدة، وانتهت الناس بابها، وأخذوا في النهب والقتل والسبي والحرق، وبقيت القلعة محمية بمن فيها. ولما بلغ العذو ما جرى على طبرية قلقوا لذلك، ورحلوا نحوها، وبلغ السلطان ذلك فترك على طبرية من يحاصرها، ولحق بالعسكر فالتقى العدو على سفح طبرية، وحال الليل بين العسكرين، فناما على مصافهما ليلة الجمعة إلى بكرة يومها، واستمرت نار الحرب، واشتد الأمر وضاق الخناق بالعدو، وهم سائرون كأنهم يساقون إلى الموت، وهم ينظرون قد أيقنوا بالويل والثبور، وأنهم في غدهم من زوار القبور، ولم تزل الحرب تضطرم والفارس مع قرنه يضطرم، ولم يبق إلا الظفر ووقوع الوبال على من كفر، حتى حال بينهم الليل بظلامه، وبات كل واحد من الفريقين بمقامه إلى صبيحة يوم السبت، وتحقق المسلمون أن من ورائهم الأردن، ومن بين أيديهم بلاد العدو، وأنهم لا ينجيهم إلا الاجتهاد في الجهاد، فحملوا بأجمعهم عليه وصاحوا صيحة رجل واحد، فألقى الله الرعب في قلوب الكافرين، وكان حقاً علينا نصر المؤمنين. وأحاط المسلمون بالكافرين من كل جانب، وأطلقوا فيهم السهام، وحكموا فيهم السيوف القواضب، وأشعلوا حولهم النيران، وصدقوا فيهم الضرب والطعان، وضاق بهم الأمر حتى كادوا يستسلمون خوفاً من القتل، فأسر
(3/343)

مقدمهم وقتل الباقون. وقال بعض الرواة: حكى لي من
أثق به أنه رأى بحوران شخصاً واحداً معه نيف وثلاثون أسيراً قد ربطهم بطنب خيمة لما وقع عليهم من الخذلان، ثم رحل السلطان إلى عكا فأخذها، واستنقذ من كان بها من أسرى المسلمين، فكانوا أكثر من أربعة آلاف، واستولى على ما فيها من الأموال والذخائر والبضائع، لأنها كانت مظنة التجارة، وتفرقت العساكر في بلاد الساحل فأخذوا الحصون والقلاع والأماكن المنيعة، فأخذوا نابلس وحيفا وقيسارية وصفورية والناصر. ولما استقرت قواعد عكا وقسمت أموالها صار يشن الغارة ويأخذ بلداً بعد بلد، فأخذ صيدا وعسقلان - والرملة والداروم والأماكن المحيطة بالقدس، ثم شمرعن ساق الجد والاجتهاد في قصد القدس المبارك، واجتمعت إليه العساكر التي كانت متفرقة في الساحل، فسار نحوه معتمداً على الله مفوضاً أمره إليه، ومنتهزاً الفرصة في فتح باب الخير الذي حث الله على انتهازه على لسان نبيه - صلى الله عليه وآله وسلم - لقوله: " من فتح له باب خير فلينتهزه، فإنه لا يعلم متى يغلق دونه ". وكان نزوله بالجانب الغربي، وكان مشحوناً بالمقاتلة من الخيالة والرجالة، وحزر أهل الخبرة من كان فيه من المقاتلة، فكانوا يزيدون على ستين ألفاً خارجاً عن النساء والصبيان، ثم انتقل لمصلحة رآها إلى الجانب الشمالي في يوم الجمعة العشرين من رجب، ونصب المجانيق، وضايق البلد بالزحف والقتال، حتى أخذ النقب في السور مما يلي وادي جهنم. ولما رأى أعداء الله ما نزل بهم من الأمر الذي لا مدفع له عنهم، وظهرت لهم أمارات الفتح وظهور المسلمين عليهم، وكانوا قد اشتد روعهم لما جرى على أبطالهم وحماتهم من القتل والأسر، وعلى حصونهم من التخريب والهدم، وتحققوا أنهم صائرون إلى ما صار أولئك إليه، فاستكانوا وأخلدوا إلى طلب الأمان، وحصل الاتفاق عليه بالمراسله من الطائفتين، وكان تسلم المسلمين القدس المبارك في يوم الجمعة الميمون السابع والعشرين من رجب المعظم - وليلته كانت ليلة المعراج على المشهور من الأقوال -، وكان فتحه عظيماً
(3/344)

شهده الأولياء والعلماء وخلق، وقصده أهل الخير من البلدان القريبة والبعيدة، وارتفعت الأصوات بالضجيج والدعاء والتهليل والتكبير، وصليت فيه الجمعة يوم فتحه، وتكسر الصليب التي كانت على قبة الصخرة، وكان شكلاً عظيماً، ونصر الله المسلمين على يدي صلاح الدين نصراً عزيزاً. وكان الفرنج قد استولوا عليه سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة، ولم يزل بأيديهم حتى استنقذه منهم السلطان صلاح الدين في التاريخ المذكور. وكانت قاعدة الصلح أنهم قطعوا على أنفسهم عن كل رجل عشرين ديناراً، وعن كل امرأة خمسة دنانير صورية، وعن كل صغير ذكراً وأنثى ديناراً واحدا. فمن أحضر قطيعته نجى بنفسه وإلا أخذ أسيراً، وأخرج - عن كل من كان بالقدس من أسارى المسلمين، وكانوا خلقاً، وأقام به يجمع الأموال ويفرقها على الأمراء والرجال، ويحبوها الفقهاء والعلماء والزاهدين والوافدين عليه، وقد تقدم بإيصال من قام بقطيعته إلى مأمنه، وهي مدينة عظيمة، ولم يرحل عنه ومعه من المال الذي جيء له شيء، وكان يقارب مائتي ألف ألف دينار وعشرين ألفاً. ولما فتح القدس حسن عنده قصد صور، وعلم أنه إن أخر أمرها ربما عسر عليها. فسار نحوها حتى أتى عكا، فنزل عليها. ونظر في أمورها، ثم رحل عنها متوجهاً الى صور، فنزل قريباً منها، وأرسل بإحضار آلات القتال، فلما تكاملت عنده نزل عليها، وقاتلها وضايقها في البر والبحر، ثم أسروا من المسلمين المقدم الرئيس وخمس قطع من المسلمين، وقتلوا خلقاً كثيراً من رجال المسلمين، فعظم ذلك على السلطان وضاق صدره - وكان الشتاء قد هجم وتراكمت الأمطار - وامتنع الناس من القتال لكثرة الامطار فجمع الأمراء واستشارهم فيما يفعل، فأشاروا عليه بالرحيل ليستريح الرجال، ويتجمعوا للقتال. فرحلوا عنها وجمعوا من آلات الحصار ما أمكن وأحرقوا الباقي الذي عجزوا عن حمله. ثم خرج السلطان صلاح الدين وسار إلى بلاد العدو، ومعه عماد الدين صاحب سنجار، ومظفر الدين بن زين الدين، وعسكر الموصل قاصدين خدمته والغزاة معه، فسار نحو حصن الأكرا، ودخل بلاد العدو حتى وصل إلى طرطو، فوقف قبالتها ينظر إليها، والعساكر محدقة بها من البحر إلى البحر، وهي مدينة لها برجان كالقلعتين، فركبوا
(3/345)

وقاربوا البلد، وزحفوا واشتد القتال وباعثوها، وصعد المسلمون سورها، وأخذوها بالسيف، وغنموا
جميع من بها وما فيها، وأحرقوا البلد. ثم سار يريد جبل، فما استتم نزول العسكر حتى أخذوها، وقوتل في القلعة قتالاً شديداً، ثم سلمت بالأمان. ثم لم يزل يأخذ بلداً بعد بلد، وقلعة بعد قلعة، ويقتل ويأسر ويغنم حتى بلغ إلى برزية - وهي من الحصون المنيعة في غاية القوة يضرب بها المثل في بلاد الفرنج، تحيط بها أودية من جميع جوانبها، وعلوها خمس مائة ونيف وسبعون ذراعاً، فأخذها عنوة، ثم كذلك بلداً بعد بلد حتى قرب من أنطاكية، فراسله أهلها في طلب الصلح فصالحهم لشدة ضجر العسكر، وكان الصلح معهم إلى سبعة أشهر على أن يطلقوا كل أسير عندهم، فإن جاءهم من ينصرهم وإلا سلموا البلد. ثم رحل السلطان، فسأله ولده الملك الظاهر - صاحب حلب - أن يجتاز به، فأجابه إلى ذلك، فوصل حلب وأقام بالقلعة ثلاثة أيام - وولده يقوم بالضيافة حق القيام - ثم سار من حلب فاعترضه تقي الدين - ابن أخيه - وأصعده إلى قلعة حماة، وصنع له طعاماً، وأحضر له سماعاً من جنى سماع الصوفية، وبات ليلة واحدة، وأعطاه جبلة وبلدة أخرى، ثم سار على طريق بعلبك، ودخل دمشق وأقام بها أياماً، ثم سار يريد صف، فنزل عليها، ولم يزل القتال حتى تسلمها بالأمان، ثم سلمت له الكرك، ثم سار إلى كوك، وضايقوها وقاتلوها مقاتلة شديدة - والأمطار متواترة، والوحول متضاعفة، والرياح عاصفة، والعدو متسلط لعلو مكانه فلما تيقنوا أنهم مأخوذون طلبوا الأمان، فأجابهم إليه وتسلمها منهم. ثم نزل إلى الغو، وأقام بالمخيم مدة الأيام، وأعطى الجماعة دستوراً، وسار مع أخيه العادل يريد زيارة القدس ووداع أخيه في توجهه إلى مصر، فدخل القدس، وصلى بها عيد الأضحى، وتوجه إلى عسقلان لينظر في أمورها، وأخذها من أخيه العادل وعوضه عنها الكرك، ثم مر على بلاد الساحل يتفقد أحوالها، ثم دخل عكا فأقام بها معظم المحرم يصلح أحوالها، وأمر بعمارة سورها، ثم سار إلى دمشق فأقام بها شهر ربيع الأول ثم خرج إلى شقيف - وهي في موضع حصين - فخيم في مرج عيون بالقرب منه، وأقام أياماً يباشر قتاله - والعساكر تتواصل إليه - فلما تحقق صاحب شقيف أنه لا طاقة له به نزل إليه بنفسه، فلم يعشر به إلا وهو قائم على باب خيمته، فأذن له في دخوله إليه، واكرمه واحترمه، وكان من أكابر الفرنج وعقلائهم، وكان يعرف بالعربية وعنده الاطلاع على شيء من التواريخ والأحاديث، وكان حسن التأني لما حضر بين يدي السلطان، وأكل معه الطعام وخلابه، ذكر أنه مملوكه وتحت طاعته، وأنه يسلم إليه المكان من غير تعب، واشترط أن يعطى موضعاً يسكنه بدمشق، وإقطاعاً فيها يقوم به وبأهله، وشروط غير ذلك، فأجابه إلى مرامه. وفي أثناء شهر ربيع الأول وصله الخبر بتسليم الشوبك، وكان قد أقام عليه جمعاً يحاصرونه مدة سنة كاملة إلى أن نفد زاد من كان فيه، وسلموه بالأمان. ثم ظهر للسلطان بعد ذلك أن جميع ما قاله صاحب شقيف كان خديعة، فراسلهم عليه ثم بلغه أن الفرنج قصدوا عكا ونزلوا عليها، فسير صاحب شقيف إلى دمشق بعد الإهانة الشديدة، وأتى عكا ودخلها بغتة لتقوي قلوب من بها، ثم استدعى العسكر من كل ناحية، ثم تكاثر الفرنج، واستفحل أمرهم وأحاطوا بعكا، ومنعوا من يدخل إليها ويخرج، فضاق صدر السلطان لذلك، ثم اجتهدوا في فتح طريق إليها لتستمر المسايلة بالمسيرة والنجدة، وسار الأمراء فاتفقوا على مضايقة العدو لينفتح الطريق، ففعلوا ذلك وانفتح الطريق، وسلكه المسلمون ودخل السلطان عكا، فأشرف على أمورها، ثم جرى بين الفريقين مناوشات في عدة أيام، ثم جرت وقعات لا حاجة للتطويل بذكرها، وقيل للسلطان: إن الوخم قد عظم بمرج عكا، فإن الموت قد نشأ بين الطائفتين، فأنشده: يع من بها وما فيها، وأحرقوا البلد. ثم سار يريد جبل، فما استتم نزول العسكر حتى أخذوها، وقوتل في القلعة قتالاً شديداً، ثم سلمت بالأمان. ثم لم يزل يأخذ بلداً بعد بلد، وقلعة بعد قلعة، ويقتل ويأسر ويغنم حتى بلغ إلى برزية - وهي من الحصون المنيعة في غاية القوة يضرب بها المثل في بلاد الفرنج، تحيط بها أودية من جميع جوانبها، وعلوها خمس مائة ونيف وسبعون ذراعاً، فأخذها عنوة، ثم كذلك بلداً بعد بلد حتى قرب من أنطاكية، فراسله أهلها في طلب الصلح فصالحهم لشدة ضجر العسكر، وكان الصلح معهم إلى سبعة أشهر على أن يطلقوا كل أسير عندهم، فإن جاءهم من ينصرهم وإلا سلموا البلد. ثم رحل السلطان، فسأله ولده الملك الظاهر - صاحب حلب - أن يجتاز به، فأجابه إلى ذلك، فوصل حلب وأقام بالقلعة ثلاثة أيام - وولده يقوم بالضيافة حق القيام - ثم سار من حلب فاعترضه تقي الدين - ابن أخيه - وأصعده إلى قلعة حماة، وصنع له طعاماً، وأحضر له سماعاً من جنى سماع الصوفية، وبات ليلة واحدة، وأعطاه جبلة وبلدة أخرى، ثم سار على طريق بعلبك، ودخل دمشق وأقام بها أياماً، ثم سار يريد صف، فنزل عليها، ولم يزل القتال حتى تسلمها بالأمان، ثم سلمت له الكرك، ثم سار إلى كوك، وضايقوها وقاتلوها مقاتلة شديدة - والأمطار متواترة، والوحول متضاعفة، والرياح عاصفة، والعدو متسلط لعلو مكانه فلما تيقنوا أنهم مأخوذون طلبوا الأمان، فأجابهم إليه وتسلمها منهم. ثم نزل إلى الغو، وأقام بالمخيم مدة الأيام، وأعطى الجماعة دستوراً، وسار مع أخيه العادل يريد زيارة القدس ووداع أخيه في توجهه إلى مصر، فدخل القدس، وصلى بها عيد الأضحى، وتوجه إلى عسقلان لينظر في أمورها، وأخذها من أخيه العادل وعوضه عنها الكرك، ثم مر على بلاد الساحل يتفقد أحوالها، ثم دخل عكا فأقام بها معظم المحرم يصلح أحوالها، وأمر بعمارة سورها، ثم سار إلى دمشق فأقام بها شهر ربيع الأول ثم خرج إلى
(3/346)

شقيف - وهي في موضع حصين - فخيم في مرج عيون بالقرب منه، وأقام أياماً يباشر قتاله - والعساكر تتواصل إليه - فلما تحقق صاحب شقيف أنه لا طاقة له به نزل إليه بنفسه، فلم يعشر به إلا وهو قائم على باب خيمته، فأذن له في دخوله إليه، واكرمه واحترمه، وكان من أكابر الفرنج وعقلائهم، وكان يعرف بالعربية وعنده الاطلاع على شيء من التواريخ والأحاديث، وكان حسن التأني لما حضر بين يدي السلطان، وأكل معه الطعام وخلابه، ذكر أنه مملوكه وتحت طاعته، وأنه يسلم إليه المكان من غير تعب، واشترط أن يعطى موضعاً يسكنه بدمشق، وإقطاعاً فيها يقوم به وبأهله، وشروط غير ذلك، فأجابه إلى مرامه. وفي أثناء شهر ربيع الأول وصله الخبر بتسليم الشوبك، وكان قد أقام عليه جمعاً يحاصرونه مدة سنة كاملة إلى أن نفد زاد من كان فيه، وسلموه بالأمان. ثم ظهر للسلطان بعد ذلك أن جميع ما قاله صاحب شقيف كان خديعة، فراسلهم عليه ثم بلغه أن الفرنج قصدوا عكا ونزلوا عليها، فسير صاحب شقيف إلى دمشق بعد الإهانة الشديدة، وأتى عكا ودخلها بغتة لتقوي قلوب من بها، ثم استدعى العسكر من كل ناحية، ثم تكاثر الفرنج، واستفحل أمرهم وأحاطوا بعكا، ومنعوا من يدخل إليها ويخرج، فضاق صدر السلطان لذلك، ثم اجتهدوا في فتح طريق إليها لتستمر المسايلة بالمسيرة والنجدة، وسار الأمراء فاتفقوا على مضايقة العدو لينفتح الطريق، ففعلوا ذلك وانفتح الطريق، وسلكه المسلمون ودخل السلطان عكا، فأشرف على أمورها، ثم جرى بين الفريقين مناوشات في عدة أيام، ثم جرت وقعات لا حاجة للتطويل بذكرها، وقيل للسلطان: إن الوخم قد عظم بمرج عكا، فإن الموت قد نشأ بين الطائفتين، فأنشده:
اقتلاني ومالكاً ... وإقتلا مالكاً معي
يريد بذلك أنه قد رضي أن أتلف إذا أتلف الله أعداءه. قيل: وهذا البيت له سبب، وذلك أن مالك بن الحارث المعروف بالأشتر النخعي تماسك هو وعبد الله بن الزبير يوم الجمل، وكل واحد منهما من الأبطال المشهورين، وكان ابن الزبير مع خالته عائشة - رضي الله تعالى عنها - والأشتر مع علي - رضي الله عنه - وكان كل واحد منهما إذا قوي على صاحبه جعله تحته، وفعلا ذلك مراراً وابن الزبير ينشد البيت المذكور، وقيل إن الأشتر دخل على عائشة - رضي الله تعالى عنها - بعد وقعة الجمل فقالت: يا أشتر، أنت الذي أردت قتل ابن أختي يوم الوقعة. فأنشدها:
(3/347)

أعايش؛ لولا أنني كنت طاوياً ... ثلاثاً لألقيت ابن أختك هالكا
غداة ينادي والرماح تنوشه ... بآخر صوت اقتلوني ومالكا
فنجاه مني أكله وشبابه ... وخلوة جوف لم يكن متماسكا
وقيل إن عائشة رضي الله تعالى عنها أعطت البشارة على سلامة ابن الزبير من الأشتر
عشرة آلاف درهم، وان ابن الزبير قال: لاقيت الأشتر النخعي، وما ضربته ضربة إلا ضربني ستاً أو سبعاً. والله أعلم. رجعنا إلى ما كنا فيه. ثم إن الفرنج جاءتهم الأمداد من البحر، واستظهروا على المسلمين بعكا، فضاق المسلمون من ذلك، وعزموا على صلح الفرنج بأن يسلموا البلد وجميع ما فيه من الآلات والعدة والأسلحة والمراكب ومائتي ألف دينار وخمس مائة أسير مجاهيل ومائة أسير معينين من جهتهم، ويخرجوا بأنفسهم وما معهم سالمين من الأموال والأقمشة مختصة بهم، وذراريهم ونسأئهم، وكتبوا بذلك كتباً فلما علم السلطان أنكره إنكاراً عظيماً، وعظم عليه هذا الأمر وعزم على أن يكتب إليهم في الإنكار عليهم المصالحة على هذا الوجه، وبقي متردداً في هذا، فلم يشعر إلا وقد ارتفعت أعلام العدو وصلبانه وناره وشعاره على سور البلد، وصاح الفرنج صيحة واحدة، وعظمت المصيبة على المسلمين واشتد حربهم، ووقع فيهم الصياح والعويل والبكاء والنحيب. وذكر بعضهم أن الفرنج خرجوا من عكا قاصدين عسقلان ليأخذوها، وساروا على الساحل - والسلطان وعساكره قبالتهم، وكان بينهم قتال عظيم، ونال المسلمين منه وهن شديد - فاستشار السلطان أرباب مشورته في خراب عسقلان خوفاً من أن يصل العدو إليها ويستولي عليها وهي عامرة، ويأخذ بها القدس، وينقطع بها طريق مصر، فاتفق رأيهم على ذلك، فشرع في خرابها، فلحق الناس من خرابها حزن عظيم، واشتد على أهل البلد ذلك، وعظم فراق أوطانهم، وشرعوا في بيع ما لا يقدورن على حمله، فباعوا ما يساوي عشرة دراهم بدرهم، وباعوا اثني عشر طير دجاج بدرهم واحد، واختبط البلد وخرج الناس بأهلهم وأولادهم إلى المخيم، وتشتتوا، فذهب بعضهم إلى مصر وبعضهم إلى الشام وجرت عليهم أمور عظيمة. ثم وصل خبر من جانب الملك العادل أن الفرنج قد تحدثوا معه في الصلح، وطلبوا جميع البلاد الساحلية، فرأى السلطان أن ذلك مصلحة لما علم ما في النفوس من الضجر، وكثرة ما هم عليهم من الديون. وكتب إليه بالإذن بذلك وتفويض الأمر إلى رأيه، وحث الناس على العجلة في الخراب المذكور خوفاً من هجوم الفرنج، وأمر بإحراق البلد، فأضرمت النيران في بيوته، وكان سورها عظيماً، ولم يزل الحريق يعمل في البلد من عشرين
(3/348)

في شعبان إلى سلخه، وأمر ولده الملك الأفضل أن يباشر ذلك بنفسه وخواصه. قال بعض الرواة: ولقد رأيته يحمل الخشب بنفسه للإحراق، ثم خرج إلى اللد وأمر بإخرابها وإخراب القلعة التي بالرمل، ففعل ذلك، والتمس بعض أكابر ملوك الفرنج أن يجتمع بالسلطان صلاح الدين بعدما اجتمع بأخيه الملك العادل، فاستشار صلاح الدين أصحابه من أكابر دولته في ذلك، فوقع الاتفاق على أن ذلك يكون بعد الصلح، ثم قال السلطان صلاح الدين: متى صالحنا هم لم نأمن غائلتهم، ولو حدث لي حادث الموت كانت تجتمع هذه العساكر وتقوى على الفرنج، والمصلحة أن لا نزول عن الجهاد حتى نخرجهم من الساحل، أو يأتينا الموت. ثم ترددت الرسل بينهم في الصلح، وجرت وقعات كثيرة، ثم وقع الصلح بينهم، ثم أعطى العساكر الواردة عليه المنحدرة من البلاد البعيدة الدستور، فساروا عنه، وعزم على الحج لما فرغ باله من هذه الجهة، وتردد المسلمون إلى بلاد الفرنج، وجاؤوهم الى بلاد المسلمين، وحملت البضائع والمتاجر إلى البلدان، وحضر منهم خلق كثير لزيارة القدس، وتوجه السلطان إلى القدس، وأخوه الملك العادل إلى الكرك وابنه الملك الظاهر إلى حلب، وابنه الملك الأفضل إلى دمشق، وأقام هو في القدس يقطع الناس ويعطيهم دستوراً، ويتأهب إلى المسير إلى الديار المصرية وانقطع عزمه عن الحج، ثم قوي عزمه على أن يدخل الساحل جريدة ويتفقد القلاع ويدخل دمشق ويقيم بها أياماً، ويعود إلى القدس ومنه الى الديار المصرية. وقال ابن خلكان: قال شيخنا ابن شداد: وأمرني بالمقام في القدس إلى حين عوده لعمارة مارستان أنشأه به وتكميل المدرسة التي انشأها، فلما فرغ من افتقاده أحوال القلاع دخل دمشق وفيها أولاده: الملك الأفضل والملك الظاهر والملك الظافر مظفر الدين وأولاده الصغار، وجلس للناس يوم الخميس السابع والعشرين من شوال سنة ثمان وثمانين وخمس مائة، وحضروا عنده وبلوا شوقهم منه، وأنشد الشعراء فلم يتخلف منه أحد من الخاص والعام، وأقام بنشر جناح عدله وبهطل سحاب إنعامه وفضله، ويكشف عن مظالم الرعاياء. عمل الملك
الأفضل دعوة للملك الظاهر أظهر فيها من الهمم المالية ما يليق بهمته، وسأل السلطان الحضور فحضر عند الغلبة، وكان يوماً مشهوداً. وسار الملك العادل فوصل إلى دمشق، فخرج السلطان إلى لقائه، وأقام يتصيده وأخوه وأولاده، ويتفرجون في أراضي دمشق ومواطن الظباء - وكان ذلك كالوداع لأولاده ومراتع نزهه - ونسي عزمه إلى مصر، وركب يوم الجمعة الخامس عشر صفر ليلقى الحاج، وكان ذلك آخر ركوبه. ولما كانت ليلة السبت وجد كسلاً عظيماً، غشيته الحمى في أثناء الليل، ولم يظهر ذلك للناس وأثرها ظاهر عليه، ثم أخذ المرض يتزايد إلى أن توفي بعد صلاة الصبح للسابع والعشرين من شهر صفر من السنة المذكورة في أول ترجمته. وكان يوم موته يوماً لم يصب الإسلام والمسلمون بمثله بعد الخلفاء الراشدين، وغشي القلعة والملك والدنيا وحشة عظيمة، ودفن بمقابر الشهداء بالباب الصغير. ولما أخرج تابوته ارتفعت الأصوات عند مشاهدته، وعظم الضجيج، وأخذ الناس في البكاء والعويل، وصلوا عليه إرسالاً، ثم أعيد إلى الدار التي في البستان، ودفن في الصفة الغربية منها على ما ذكره بعض المؤرخين وذكر بعضهم أنه بقي مدفوناً بقلعة دمشق إلى أن بنيت له قبة شمالية الكلاسة التي هي شمالي جامع دمشق، فنقل إليها في يوم عاشوراء - كان يوم الخميس من سنة اثنتين وتسعين وخمس مائة - ورتب عنده القراء ومن يخدم المكان وأنشد في آخر سيرته بيت أبي تمام. ل دعوة للملك الظاهر أظهر فيها من الهمم المالية ما يليق بهمته، وسأل السلطان الحضور فحضر عند الغلبة، وكان يوماً مشهوداً. وسار الملك العادل فوصل إلى دمشق، فخرج السلطان إلى لقائه، وأقام يتصيده وأخوه وأولاده، ويتفرجون في أراضي دمشق ومواطن الظباء - وكان ذلك كالوداع لأولاده ومراتع نزهه - ونسي عزمه إلى مصر،
(3/349)

وركب يوم الجمعة الخامس عشر صفر ليلقى الحاج، وكان ذلك آخر ركوبه. ولما كانت ليلة السبت وجد كسلاً عظيماً، غشيته الحمى في أثناء الليل، ولم يظهر ذلك للناس وأثرها ظاهر عليه، ثم أخذ المرض يتزايد إلى أن توفي بعد صلاة الصبح للسابع والعشرين من شهر صفر من السنة المذكورة في أول ترجمته. وكان يوم موته يوماً لم يصب الإسلام والمسلمون بمثله بعد الخلفاء الراشدين، وغشي القلعة والملك والدنيا وحشة عظيمة، ودفن بمقابر الشهداء بالباب الصغير. ولما أخرج تابوته ارتفعت الأصوات عند مشاهدته، وعظم الضجيج، وأخذ الناس في البكاء والعويل، وصلوا عليه إرسالاً، ثم أعيد إلى الدار التي في البستان، ودفن في الصفة الغربية منها على ما ذكره بعض المؤرخين وذكر بعضهم أنه بقي مدفوناً بقلعة دمشق إلى أن بنيت له قبة شمالية الكلاسة التي هي شمالي جامع دمشق، فنقل إليها في يوم عاشوراء - كان يوم الخميس من سنة اثنتين وتسعين وخمس مائة - ورتب عنده القراء ومن يخدم المكان وأنشد في آخر سيرته بيت أبي تمام.
ثم انقضت تلك السنون وأهلها ... فكأنها وكأنهم أحلام
تغمده الله تعالى برحمته، كان من محاسن الدنيا وغرائبها. ومن مصالح الأمور الدينية، ودفع نوائبها، وذكر بعضهم أنه لم يخلف في خزائنه ذهباً ولا فضة سوى سبعة وأربعين درهماً مصرية وخرصاً واحداً من الذهب صورياً، ولم يخلف ملكاً ولا داراً ولا عقاراً ولا مزرعة ولا بستاناً. وفي ساعة موته كتب القاضي الفاضل إلى والد الملك الظاهر صاحب حلب بطاقة مضمونها رسالة بديعة مشتملة على معان رفيعة مع الإيجاز الفائق والنطق الرائق، في حالة يذهل فيها الإنسان عن نفسه، والخطب الذي صير الضرغام في رمسه، وهي: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، إن زلزلة الساعة شيء عظيم، كتبت إلى مولانا السلطان الملك الظاهر أحسن الله عزاه وجبر مصابه وجعل فيه الخلف - في الساعة المذكورة، وقد زلزل المسلمون زلزالاً شديداً، وقد حفرت الدموع المحاجر، وبلغت القلوب الخناجر، وقد ودعت أباك ومخدومي وداعاً لا تلاقي بعده، وقد قبلت وجهه عني وعنك، وأسلمته إلى الله تعالى مغلوب الحيلة ضعيف القوة راضياً عن الله تعالى، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وبالباب من الجنود المجندة والأسلحة المغمدة ما لا يدفع البلاء ولا يملك رد القضاء. ويدمع العين ويخشع القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا عليك يا يوسف لمحزونون. وأما الوصايا فما يحتاج إليها، والآراء فقد شغلني المصاب عنها، وأما لائح الأمر فإنه إن وقع
(3/350)

اتفاق فما عدمتم إلا شخصه الكريم، وإن كان غيره فالمصائب المستقبلة أهونها موته وهو الهول العظيم - والسلام. وقد تقدم ذكر أولاده وهم: الأفضل والظاهر والعزيز - وهو الملقب بالظافر فيما تقدم - ويعرف بالمشمر لأن أباه لما قسم البلاد بين أولاده الكبار قال: وأنا مشمر، فغلب عليه هذا اللقب، وتوفي في سنة سبع وعشرين وستمائة بحران عند ابن عمه الملك الأسرف بن الملك العادل، ولم يكن الأشرف يومئذ ملكاً. ثم إن ولده الملك العزيز لما أخذ دمشق من أخيه الملك الأفضل بنى إلى جانب القبة المذكورة المدرسة العزيزية، ووقف عليها وقفاً جيداً، ولما ملك السلطان صلاح الدين الديار المصرية عمر بالقرافة الصغرى المدرسة المجاورة لضريح الإمام الشافعي - رضي الله تعالى عنه -. وبنى مدرسة بالقاهرة في جوار المشهد المنسوب إلى الإمام الحسين بن علي - رضي الله تعالى عنهما - وجعل على ذلك وقفاً جيداً، وجعل دار سعيد السعداء خادم المصريين خانقاً، ووقف عليها وقفاً طائلاً، وجعل دار عباس بن السلار مدرسة للحنفية وعليها وقف جيد أيضاً والمدرسة التي بمصر المعروفة بزين النجار وقفاً على الشافعية وقفاً جيداً أيضاً، وله بمصر أيضاً مدرسة للمالكية، وبنى بالقاهرة داخل القصر مارستان، وله وقف جيد، وله بالقدس مدرسة وقفها كثير خانقة بها. قلت: وصلاح الدين كاسمه لما فتح من بلاد الكفار وعمرها بالإسلام، وما له من محاسن الأحكام، وفعل من المعروف في الأوقاف العظيمة ما تضمن النفع العام - فالله تعالى يقدس روحه وينور ضريحه - مع أن كثر هذه الوقوفات من المدارس وغيرها غير منسوبة إليه في الظاهر، ولا يعرف أنه أنشأها إلا من له اطلاع على علم التواريخ. قالوا: وكان مع هذه المملكة المتسعة والسلطنة العضيم والمرتبة المرتفعة كثير التواضع واللطف، قريباً من الناس رحيم القلب، كثير الاحتمال والمداراة، وكان يحب العلماء وأهل الخير ويحسن إليهم، ويميل إلى الفضائل ويستحسن الأشعار الجيدة ويرددها في مجالسه، حتى قيل إنه كان كثيراً ما ينشد قول أبي منصور محمد بن الحسين الحميري، وقيل إنه قول أبي محمد أحمد بن خيران الشامري:
وزارني طيف من أهوى على حذر ... من الوشاة، وداعي الصبح قد هتفا
فكدت أوقظ من حولي به فرحاً ... وكاد يهتك سر الحب بي شغفا
ثم انتبهت، وآمالي تخيل لي ... نيل المنى، فاستحالت غبطتي أسفا
قيل: وكان يعجبه ايضاً إنشاد أبي الحسن المعروف بابن المنخم.
(3/351)

وما خضب الناس البياض لقبحه ... فأقبح منه حين يظهر ناضله
ولكنه مات الشباب فسودت ... على الرسم من حزن عليه منازله
فكان يمسك بكريمته وبنظر إليها ويقول: إي والله، مات الشباب. وأرسل إليه بعض الشعراء بقصيدتين من بغداد، قال في آخر إحداهما:
يا سلم، إن ضاعت عهودي عندكم ... فأنا الذي استودعت غير أمين
أوعدت مغبوناً فما أنا في الهوى ... لكم بأول عاشق مغبون
ومن البلية أن تكون مطالبي ... جدوى نخيل أو وفاء خؤون
ليت الظنين على المحب بوصله ... أخذ السماحة من صلاح الدين
ومما قيل فيه لبعض شعراء المشرق.
الله أكبر جاء القوس باريها ... ورام أسهم دين الله راميها
فكم لمصر على الأمصار من شرف ... بيوسفين وهل أرض تدانيها؟
فبابن يعقوب هزت جيدها طرباً ... وبابن أيوب هزت عطفهاتيها
قل للملوك تخلي عن ممالكها ... فقد أتى آخذ الدنيا ومعطيها
فلما أنشده إياها أعطاه ألف دينار. ومدحه المهذب أبوحفص عمر بن محمد المعروف بابن الشحنة الموصلي الشاعر المشهور بقصيدته التي أولها.
سلام مشوق قد يراه التشوق ... على خيره الحي الذي يتفرق
وعدد أبياتها مائة وثلاثة عشر بيتاً، وفيها البيتان السائران اللذان ثمثل بهما مدعي الأشجان مع بعد المكان، أحدهما.
وإني امرؤ أحببتكم لمكارم ... سمعت بها والأذن كالعين تعشق
وهذا البيت أخذه من قول بشار:
يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا
والبيت الثاني من قصيدة ابن الشحنة:
وقالت لي الأيام إن كنت واثقاً ... بأبناء أيوب فأنت الموفق
وقد مدحه خلق كثير من الشعراء تغمده الله تعالى برحمته وأسكنه بحبوحة جنته.
(3/352)

سنة تسعين وخمس مائة
فيها سار بعض ملوك الهند وقصد بلاد الإسلام، فطلبه شهاب الدين صاحب غزنة، فالتقى الجمعان على نهر ماخون. قال ابن الاثير: وكان مع الهندي سبع مائة فيل، ومن العسكر ألف ألف نفس على ما قيل، فصير الفريقان وكان النصر لشهاب الدين الغوري. وكثر القتل في الهنود حتى جافت منهم الأرض، وأخذ شهاب الدين سبعين فيلاً، وقتل ملكهم، وكان قد شد أسنانه بالذهب، فما عرف إلا بذلك، وكان أكبر ملوك الهند. ودخل بلاده شهاب الدين وأخذ من خزائنه ألف حمل وأربع مائة حمل، وعاد إلى غزنة، ومن جملة الفيلة فيل أبيض. وفيها توفي الفقيه العلامة الشافعي القزويني الواعظ أبو الخير أحمد بن اسماعيل الطالقاني. قدم بغداد ودرس بالنظامية، وكان إماماً في المذهب والخلاف والأصول والوعظ. وروى كتباً وكباراً، ونفق كلامه بحسن سمته وحلاوة منطقه وكثرة محفوظاته، وكان صاحب قدم راسخ في العبادة، كبير الشأن عديم النظير. رجع إلى قزوين سنة ثمانين، ولزم العبادة إلى أن مات في محرم السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الإمام المقرىء أحد الأعلام أبو محمد القاسم بن فيرة بن خلف الرعيني الشاطبي الضرير، صاحب القصيدة المشهورة المباركة الموسومة بحرز الأماني ووجه التهاني في القراءات، حقق القراءات على غير واحد من أثمة القراء، وسمع الحديث من طائفة من المحدثين، وكان إماماً وعلامة محققاً، كثير الفنون واسع الحفظ، نظم القصيدتين اللتين سارت بهما الركبان وخضعت لبراعة نظمهما فحول الشعراء وأئمة القراء والبلغاء، وكان ثقة زاهداً ورعاً كبير القدر، نزل القاهرة وتصدر للإقراء بالمدرسة الفاضلية، وشاع أمره وبعد صيته، وانتهت إليه الرئاسة في الإقراء. وكان عالماً بكتاب الله تعالى قراءة وتفسيراً وبحديث رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وكان إذا قرىء عليه صحيح البخاري ومسلم والموطأ يصحح النسخ من حفظ، ويملي النكت على المواضع المحتاج إليها، وكان أوحد في علم النحو واللغة، عارفاً بعلم الرؤيا، حسن المقاصد، مخلصاً فيما يقول ويفعل، ولا يجلس
(3/353)

للإقراء إلا على طهارة في هيئة حسنة، وتخشع واستكانة، وكان يعتل العلة الشديدة فلا يشتكي ولا يتأوه، وإذا سئل عن حاله قال: العافية. لا يزيد على ذلك. وقال بعض اصحابه: كان الشيخ كثيراً ما ينشد هذا اللغز في نعش الموتى، وهو في ديوان الخطيب يحيى بن سلامة الخصلفي - بالخاء المعجمة والصاد المهملة والفاء بين اللام وياءالنسبة.
أتعرف شيئاً في السماء نظيره ... إذا صار سار الناس حيث يسير
فتلقاه مركوباً وتلقاه راكباً ... وكل أمير يعتر به أسير
يحض على التقوى ويكره قربه ... وتنفر منه النفس وهو نذير
ولم يسترد عن غربة في زيارة ... ولكن على رغم المزور يزور
وكانت ولادته في آخر سنة ثمان وثلاثين وخمس مائة وخطب ببلده وهو فتى، ودخل مصر سنة اثنتين وسبعين وخمس مائة، وكان يقال إنه يحفظ عند دخوله إليها وقر بعير من العلوم، وكان نزيل القاضي الفاضل، رأيته بمدرسة بالقاهرة مصدراً لإقراء القرآن الكريم والنحو واللغة إلى أن توفي، فدفن في تربة قاضي المذكور بالقرافة الصغرى. وفيرة بكسر الفاء وسكون المثناة من تحت وتشديد الراء والرعيني بضم الراء وفتح العين المهملة وسكون المثناة من تحت وبعدها نون ثم ياء النسبة: نسبة إلى ذي رعين: وهذا جد قبائل اليمن، نسب إليه خلق كثير، ومن جملتهم يافع جد قبيلتنا الكبير الشهيرة. الشاطبي - نسبة الى شاطبة مدينة كبيرة بشرق الأندلس، خرج منها جماعة من العلماء، وقيل أبو القاسم هو اسم الشاطبي، وكنيته اسمه، والصحيح ما تقدم. وفي السنة المذكورة توفي أبو شجاع محمد بن علي المعروف بابن الدهان البغدادي الفرضي الحاجب الأديب. له أوضاع بالجداول في الفرائض وغيرها، وصنف غريب الحديث في ستة عشر مجلداً الطافاً، رمز فيها حروفاً يستدل بها على اماكن الكلمات المطلوبة منه. وكان قلمه أبلغ من لسانه، وجمع تاريخاً وغير ذلك وله يد طولى في معرفة النجوم وحل الأزياج، وله شعر جيد منه ما كتبه إلى بعض الرؤساء، وقد عوفي من مرضه:
تذر الناس يوم برئك صوماً ... غير أني نذرت وحدي فطرا
عالماً أن يوم برئك عيد ... لا أرى صومه ولو كان نذرا
وفيها توفي الحافظ أبو عبد الله محمد بن ابراهيم الانصاري المالقي، صاحب الإمام
(3/354)

ابن العربي كان إماماً معروفاً يسرد المتون والأسانيد عارفاً بالرجال واللغة ورعاً جليل القدر، طلبه من السلطان ليسمع بمراكش، فمات بها. وفيها توفي الشيخ الكبير قدوة العارفين وأستاذ المحققين، صاحب الكرامات الخارقة والانفاس الصادقة، والمقامات العلية والأحوال السنية، والهمم السامية والبركات النامية، والمعارف الجليلة والمواهب الجزيلة، والقدم الراسخ والمنهج المحمود، والباع الطويل في التصرف النافذ في الوجود، والمظهر العظيم والمحل الكريم أبو مدين شعيب بن الحسن، وقيل ابن الحسين المغربي - قدس الله روحه - أحد أركان هذا الشأن وأجمل الأكابر الأعيان، أظهر الله على يديه عجائب الآيات، ونطقه بفنون الحكم وكشف له الأسرار المغيبات، ورزقه القبول العظيم التام، والهيبة الوافرة في قلوب الأنام، ونشر ذكره في الآفاق وانعقد الإجماع على فضله، واجتمع عنده جمع كثير من الفقهاء والصلحاء، وتخرج به جماعة من أكابر المشايخ الأصفياء، مثل الشيخ أبي محمد عبد الرحيم القنادي، والشيخ أبي عبد الله القرشي، والشيخ أبي محمد عبد الله الفارسي، والشيخ أبي محمد صاحب الدكالي، والشيخ أبي غانم سالم، والشيخ أبي علي واضح، والشيخ أبي الصبر أيوب المكناسي، والشيخ أبي محمد عبد الواحد، والشيخ أبي الربيع المظفري، والشيخ أبي زيدين هبة الله وغيرهم من العلماء. وتلمذ له خلق كثير من أهل الطريق، وقال بارادته جم غفير من أصحاب الأحوال، وانتهى إليه عالم عظيم من الصلحاء وتأدب بين يديه المشايخ والعلماء، وله كلام نفيس على لسان أهل الحقائق، وكرامات عظام باهرات وخوارق. فمن كلامه: أغنى الأغنياء من أبدى له الحق حقيقة من حقه، وأفقر الفقراء من ستر الحق حقه عنه ومنه إذا ظهر الحق لم يبق معه غيره، وليس للقلب سوى وجهة واحدة، فإلى أي جهة توجه حجب عن غيرها، واذا سكن الخوف القلب أورثه المراقبة، ومن تحقق بالعبودية نظر أفعاله بعين الرياء وأحواله بعين الدعوى وأقواله بعين الافتراء، وما وصل إلى صريح الحرية من عليه من نفسه بقية. ومن كراماته ما روي أنه كان يوماً ماراً على الساحل فاعترضه طائفة من الفرنج، وحملوه معهم أسيراً إلى سفينة عظيمة لهم، فلما صار فيها إذا جماعة من المسلمين أسارى، فأخذوهم وفيها جعلوهم، فلما استقر الشيخ المذكور فيها مدوا قلوعها وعزموا على المسير، فلم تذهب بهم السفينة، ولا تحركت من مكانها - على قوة الريح وشدة هبوبها وهيجانها - فلما أيقنوا أنهم على المسير لا يقدرون، وخافوا أن يدركهم المسلمون قال بعضهم لبعض: هذا بسبب هذا المسلم ولعله من أصحاب السرائر - يشيرون إلى الشيخ المذكور - فعند ذلك أمروه بالنزول فقال: لا أفعل حتى تطلقوا كل من في سفينتكم من المسلمين، فلما علموا أن
(3/355)

لابد لهم من ذلك الذي قال فعلوا وسارت بهم السفينة في الحال، ومن شعره:
يا من علا فرأى ما في الغيوب وما ... تحت الثرى، وظلام الليل منسدل
أنت الغياث لمن ضاقت مذاهبه ... أنت الدليل لمن حارت به الحيل
إنا قصدناك والآمال واثقة ... والكل يدعوك ملهوف ومبتهل
فإن عفوت فذو فضل وذو كرم ... وإن سطوت فأنت الحاكم العدل
ومما أنشد بعض العلماء والصلحاء في مدحه من أهل المغرب.
تبدت لنا اعلام علم الهدى صدقا ... فسار بشمسى الدين مغربنا شرقا
وأشرق منها كل ما كان آفلاً ... وأصبح نور السعد قد ملأ الأفقا
صحب الشيخ الكبير العارف بالله الشهير أبا العز المغربي، وكمل على يديه، وكان سلطان المغرب في زمانه قد أمر بإشخاصه إليه، فلما وصل إلى تلمسان قال: ما لنا وللسلطان! الليلة نزور الإخوان، ثم نزل واستقبل القبلة وتشهد وقال: ها قد جئت، ها قد جئت، وعجلت إليك رب لترضى. فمات ودفن في جبانة العباد، وقد ناهز الثمانين. وقبره بها ظاهر للزائرين، رضي الله عنه وعن سائر الصالحين. وفي السنة المذكورة توفي الشيخ الكبير العارف بالله الخبير إمام العارفين: جاكير: صاحب الفتح السني والكشف الجلي، والكرامات الباهرة والأحوال الفاخرة والمقامات العلية والأنفاس الزكية، والتصريف النافذ في العوالم، ومحاسن الأوصاف، وجميل الشيم والمكارم، والمعارف. كان تاج العارفين - رضي الله تعالى عنه - يثني عليه وينوه بذكره وبعث إليه طاقيته مع الشيخ علي ابن الهيتي، ولم يكلفه الحضور وقال: سألت الله تعالى أن يكون جاكير من مريدي، فوهبه لي. وكان رضي الله تعالى عنه يقول: ما أخذت العهد على أحد حتى رأيت اسمه مرقوماً في اللوح المحفوظ من جملة مريدي. وقال أيضاً أوتيت سيفاً ماضي الحد، أحد طرفيه بالمشرق والآخر بالمغرب، لو أشير به إلى الجبال الشوامخ لهوت. وروى الشيخ أبو الحسن علي ابن الشيخ الصالح ابن الشيخ العارف أبي الصبر يعقوب قال: أخبرنا أبي قال: سمعت والدي يقول: كانت نفقة شيخنا الشيخ جاكير بالجيم والمثناة من تحت بين الكاف والراء - رضي الله تعالى عنه من الغيب، وكان نافذ التصرف خارق الفعل متواتر الكشف، يندر له كثير. وكنت عنده يوماً فمرت به بقرات مع راعيها فأشار إلى إحداهن وقال: هذه حامل
(3/356)

بعجل أحمر أغر، صفته كذا، يولد وقت كذا من يوم كذا، وهو نذر لي، ويذبحه الفقراء يوم كذا، ويأكله فلان وفلان، ثم أشار إلى الأخرى وقال: هذه حامل بأنثى، ومن صفتها كذا تولد وقت كذا، وهي نذر لي، ويذبحها فلان رجل من الفقراء يوم كذا، ويأكلها فلان وفلان، ولكلب أحمر فيها رزق. قال: فوالله لقد جرت الحال على ما وصف، ولم يخل منها بشيء، ودخل كلب أحمر إلى الزاوية، واختطف قطعة من لحم الأنثى وذهب بها. ومن كلامه - رضي الله تعالى عنه - إذا قدحت نار التعظيم مع نور الهيبة في زناد السر تولد منها شعاع المشاهدة، فمن شاهد الحق عز وجل في سره سقط الكون من قلبه. وأصله من الأكراد، سكن صحراء من صحارى العراق بالقرب من قنطرة الرصاص على يوم من سامرا، ولم يزل مستوطناً بها إلى أن مات بها، وقبره بها ظاهر يزار يؤمه من البعد الزوار، قد عمر الناس عنده قرية، رغبة في مجاورته والتماساً منهم لبركته.

سنة احدى وتسعين وخمس مائة
فيها كانت وقعة الزلاقة بين يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن وبين ملك الفرنج، فدخل يعقوب وغدا من زقاق سبتة في مائة ألف غير المطوعة، وأقبل الكافر عدو الله في مائتي ألف وأربعين ألفاً فانتصر بحمد الله الإسلام، وانهزم الكلب في عدد يسير، وقتل من الفرنج على ما أرخ أبو شامة وغيره مائة ألف وستة وأربعون ألفاً، وأسر ثلاثون ألفاً، وغنم المسلمون غنيمة لم يسمع بمثلها، حتى بيع السيف بنصف درهم، والحصان بخمسة دراهم، والحمار بدرهم، وذلك في تاسع شعبان من السنة المذكورة. وفيها سار الملك العزيز ولد صلاح الدين من مصر، فنزل بحوران لياخذ دمشق من أخيه الأفضل، فاتخذ الأفضل عمه العادل، فرجع العزيز، وتبعاه، فدخل القاضي الفاضل في الصلح بينهم، وأقام العادل بمصر. وفيها توفي الحافظ القدوة الإمام أحد العلماء الأعلام أبو محمد عبد الله الأندلسي الزاهد: عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عبيد الله المرسي، سمع فأكثر على أبي الحسن بن مغيث وابن العربي والكبار، وتفنن في العلوم، وبرع في الحديث، وطال عمره، وشاع ذكره، وكان قد سكن سبتة فاستدعاه السلطان إلى مراكش ليسمع.
(3/357)

سنة اثنتين وتسعين وخمس مائة
فيها قدم العزيز دمشق مرة ثالثة ومعه عمه العادل، فحاصرا دمشق، ثم حاصر جند الأفضل عليه، ففتحوا لهما ودخلا في رجب، وزال ملك الأفضل، ورجع العزيز، وبقي العادل بدمشق وخطب بها للعزيز قليلاً. وفيها توفي الشيخ السديد شيخ الطب بالديار المصرية الملقب شرف الدين عبد الله بن علي. أخذ الصناعة عن الموفق بن زربي - بالزاي ثم الراء ثم الموحدة وياء النسبة - وخدم العاضد صاحب مصر، ونال الحرمة والجاه العريض، وعمر دهراً، وأخذ عنه النفيس بن الزبير. وحكي أنه حصل له في يوم ثلاثون ألف دينار، وحكى عنه تلميذه أبن الزبير أنه لما ظهر ولدي الحافظ لدين الله حصل له نحو خمسين ألف دينار. وفيها توفي الحبر الإمام أبو القاسم محمود بن المبارك الواسطي ثم البغدادي الفقيه الشافعي، أحد الأذكياء المناظرين المشار إليه في زمانه، والمقدم على أقرانه، درس بالنظامية، وقم دمشق، بنيت له مدرسة جاروخ - بالجيم في أوله والخاء المعجمة في آخره - ثم توتجه إلى شيراز وبنى له ملكها مدرسة، ثم أحضره ابن القضاب وقدمه. وفيها توفي أبو الغنائم محمد بن علي معروف بابن المعلم الشاعر المشهور، كان شاعراً رقيق الشعر لطيف الطبع، يكاد شعره يذوب من رقته، وهو أحد من اشتهر شعره وانتشر ذكره، ونبل بالشعر قدره، وحسن به حاله وأمره، وطال في نظمه عمره، وساعده على قبوله دهره، وأكثر القول في الغزل والمدح وفنون المقاصد، وكان سهل الألفاظ صحيح المعاني، يغلب على شعره وصف الشوق والحب وذكر الصباية والغرام، فعلق بالقلوب، ولطف مكانه عند أكثر الناس ومالوا إليه وتحفظوا وتداولوه بينهم، واستشهد به الوغاظ واستحلاه السامعون. قال ابن خلكان: سمعت من جماعة من مشايخ البطائح يقولون: ما سبب لطافة شعر ابن المعلم؟! ألا أنه كان إذا نظم قصيدة حفظها الفقراء المنتسبون إلى الشسخ أحمد بن الرفاعي، وغنوا بها في سماعاتهم، فطابوا عليها، فعادت عليه بركة أنفاسهم. قال: ورأيتهم يعتقدون ذلك اعتقاداً لا شك فيه عندهم، قال: وبالجملة، فشعره شبيه النوح، ولا يسمعه من عنده أدنى هوى إلا وهاج غرامه. قال: وكان بينه وبين ابن التعاويذي الشاعر المتقدم
(3/358)

ذكره تنافس، وهجاه ابن التعاويذي بابيات أجاد فيها. ومن شعر ابن المعلم:
ردوا علي شوارد الأظعان ... ما الدار إن لم تغن من أوطاني
ولكم بذاك الجزع من متمتع ... هزت معاطفه بغصن البان
أبدى قلونه بأول موعد ... ومن الوفاء لنا بوعد ثان
فمتى اللقاء ودونه من قومه ... أبناء معركة وأسد طعان
تعلو الرماح وما أظن أكفهم ... خلقت لغير ذوابل المران
وتقلد وابيض السيوف فما ترى ... في الحي غير مهند وسنان
ولئن صددت، فمن مراقبة العدا ... ما الصد عن ملك ولا سلوان
يا ساكني نعمان أين زماننا ... بطويلع يا ساكني نعمان
وحكي عن ابن المعلم المذكور أنه قال: كنت ببغداد فاجتزت يوماً بالموضع الذي يجلس فيه الشيخ أبو الفرج بن الجوزي الواعظ، فرأيت الخلق مزدحمين، فسألت بعضهم عن سبب ازدحامهم فقال: هذا ابن الجوزي الواعظ جالس. - ولم أكن علمت بجلوسه - فزاحمت وتقدمت حتى شاهدته، وسمعت كلامه وهو يعظ حتى قال مستشهدا على بعض إشاراته؛ ولقد أحسن ابن المعلم حيث يقول:
يزداد في مسمعي تكرار ذكركم ... طيباً وبحسن في عيني تكرره
فعجبت من اتفاق حضوري واستشهاده بهذا البيت من شعري، ولم يعلم بحضوري لا هو ولا غيره من الحاضرين.

سنة ئلاث وتسعين وخمس مائة
فيها افتتح العادل يافا، وفيها أخذت الفرنج من المسلمين بيروت، وهرب أميرها الى صيدا. وفيها توفي سيف الإسلام الملك العزيز طغتكين بن أيوب بن شاذي صاحب اليمن. كان أخوه الملك الناصر صلاح الدين لما ملك الديار المصرية قد سير أخاه شمس الدولة إلى بلاد اليمن، فدخلها واستولى على كثير من بلادها ثم رجع عنها على ما هو مذكور في ترجمته في سنة ست وسبعين وخمسمائة، ثم سير السلطان صلاح الدين إليها بعد ذلك أخاه سيف الإسلام، وذلك في سنة سبع وسبعين وخمس مائة وكان رجلاً شجاعاً كريماً مشكور
(3/359)

السيرة وحسن السياسة، مقصوداً من البلاد الشاسعة لاحسانه وبره. وكانت وفاة سيف الإسلام بالمنصورة مدينة اختطها باليمن، وتولى بعده ولده الملك المعز فتح الدين اسماعيل الذي سفك الدماء وظلم وعسف وادعى أنه أموي. وللمعز المذكور صنف أبو الغنائم مسلم بن محمود الشيرازي كتابه الذي سماه: عجائب الأسفار وغرائب الأخبار وأودع فيه من أشعاره وأخبار الناس كثيراً. وذكر بعضهم أنه مات بالحمراء من بلاد اليمن، وذكر أبو الغنائم في كتابه جمهرة الإسلام ذات النثر والنظم وأنه مات بثغر ودفن بها في المدرسة، ثم قال: وقتل ولده فتح الدين أبو الفداء اسماعيل في رجب سنة ثمان وتسعين بمكان شامي زبيد، وتولى مكانه أخوه الملك الناصر أيوب. وكان أبو الغنائم المذكور أديباً شاعراً، وكان أبوه أبو الثناء محمود نحوياً متصدراً الإقراء النحو بجامع دمشق، ذكره الحافظ ابن عساكر، وقال ابن عنين: أنشدني محمود المذكور لنفسه:
يقولون كافات الشتاء كثيرة ... وما هي إلا واحد غير مفترى
إذا صح الكيس فالكل حاصل ... لديك وكل الصيد يوجد في القري
وفيها توفي الوزير عبد الله بن يونس البغدادي، تفقه واشتغل بالأصول والكلام وقرأ القراءات وسمع من أبي الوقت، وصنف كتاباً في الكلام والمقالات، ثم توكل لأم الخليفة، فترقى وعظم قدره، وولى وزارة الناصر لدين الله.

سنة اربع وتسعين وخمس مائة
فيها استولى علاء الدين خوارزم شاه على بخار، وكانت للمعين صاحب الخطا، وجرى له معه حروب وخطوب، ثم انتصر علاء الدين وقتل خلقاً من الخطا. وفيها توفي السيد الكبير أبو علي الحسن بن مسل، المشار إليه في العراق في زمانه. ويقال إنه كان من الأبدال، زاره الخليفة الناصر غير مرة، وتفقه وسمع من أبي البدر الكرخي، وكان كثير البكاء دائم المراقبة متبتلاً في العبادة مشهوراً برفض الدنيا، بلغ التسعين رحمة الله تعالى
(3/360)

عليه. وفيها توفي صاحب سنجار الملك عماد الدين زنكي بن مودود، تملك حلب بعد ابن عمه الصالح اسماعيل، فسار صلاح الدين ونازله، ثم أخذ منه حلب وعوضه بسنجار، وكان عادلاً متواضعاً، وتملك بعده ابنه قطب الدين محمد. وفيها توفي قوام الدين يحيى بن سعيد الواسطي المعروف بابن الزياد صاحب ديوان الإنشاء ببغداد انتهت إليه رئاسة الترسل، مع معرفته بالفقه والأصول والكلام والنحو والشعر، أخذ عن ابن الجواليقي، وحدث عن القاضي الأرجاني وغيره، وولي نظر واسط، ثم ولي حجابة الحجاب.

سنة خمس وتسعين وخمس مائة
وفيها بعث الخليفة خلع السلطنة لخوارزم شاه. وفيها أخرج ابن الجوزي من سجن واسط وتلقاه الناس، وبقي في المطمورة خمس سنين. كذا ذكر الذهبي، ولم يبين لأي سبب سجن. وكنت قد سمعت فيما مضى أنه حبس بسبب الشيخ عبد القادر، بأنه كان ينكر عليه، وكان بينه وبين ابنه عداوة بسبب الإنكار المذكور. وأخبرني من وقف على كتاب له ينكر على قطب الأولياء. وتاج المفاخر الذي خضعت لقدمه رقاب الأكابر الشيخ محيي الدين عبد القادر - قدس الله تعالى روحه ونور ضريحه - وإنكار ابن الجوزي عليه وعلى غيره من الشيوخ أهل المعارف والنور من جملة الخذلان وتلبيس الشيطان والغرور. والعجب منه في انكاره عليهم وبمحاسنهم يطرز كلامه فقد ملأت - والحمد لله - محاسنهم الوجود، فلا مبالاة بذم كل مغرور وحسود. قال الذهبي: وفيها فتنة الفخر الرازي صاحب التصانيف. وذلك أنه قدم هراة، ونال إكراماً عظيماً من الدولة، فاشتد ذلك على الكرامية، فاجتمع يوماً هو والقاضي مجد الدين ابن القدوة، فناظرا، ثم استطال فخر الدين على ابن القدوة وشتمه، ونال منه ما خرج فيه إلى الإهانة له. فلما كان من الغد جلس ابن عم مجد الدين فوعظ الناس وقال: ربنا آمنا بما أنزلت، واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين، أيها الناس؛ ما نقول إلا ما صح عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وأما قول أرسطو أو كفريات ابن سينا وفلسفة الفارابي فلا نعلمها، فلأي شيء يشتم بالأمس شيخ من شيوخ الإسلام يذب عن دين الله؟ وبكى فأبكى الناس، وضجت الكرامية وثاروا من كل ناحية، وحميت الفتنة، فأرسل السلطان الجند وسكتهم، وأمر الرازي بالخروج. قلت: هكذا ذكر من المؤرخين من له غرض في الطعن
(3/361)

على أئمة الأشعرية. ثم أتبع ذلك بقوله. وفيها كانت بدمشق فتنة الحافظ عبد الغني. وكان أماراً بالمعروف داعية إلى السنة فقامت عليه الأشعرية وأفتوا بقتله، فأخرج من دمشق مطروداً. انتهى كلامه بحروفه في القصتين معاً. ومذهب الكرامية والظاهرية معروف، والكلام عليهما إلى كتب الأصول الدينية مصروف، فهنالك يوضح الحق البراهين القواطع، ويظهر الصواب عند كشف النقاب للمبصر والسامع. وفيها مات العزيز صاحب مصر أبو الفتح عثمان ابن السلطان صلاح الدين. وكان شاباً ذا كرم وحياء وعفة. قالوا: وبلغ من كرمه أنه لم يبق له خزانة، وبلغ من عفته أنه كان له غلام بألف دينار، فحل لباسه، ثم أدركه التوفيق فتركه، وأسرع إلى سرية له فقضى حاجته منها. وأقيم والده علي، فاختلف الأمراء، وكان بعضهم للأفضل، فسار إلى مصر، ثم سار بالجيوش ليأخذ دمشق من عمه، فوقع الحصار، ثم دخل الأفضل من باب السلامة، وفرحت به العامة وحوصرت القلعة مد. وفيها صلب بدمشق إنسان زعم أنه عيسى ابن مريم، وأضل طائفة، فأفتى العلماء بقتله. وفيها توفي الإمام العلامة أبو الوليد محمد بن أحمد القرطبي المعروف بابن رشد. تفقه وبرع وسمع الحديث، وأتقن الطب، ثم أقبل على الكلام والعلوم الفلسفية حتى صار يضرب به المثل فيها، وصنف التصانيف، وكان ذا ذكاء مفرط وملازمة للاشتغال ليلاً ونهاراً. وتآليفه في الفقه والطب والمنطق والرياضي والإلهي. وكانت وفاته بمراكش. وفيها توفي شيخ الطب وجالينوس العصر محمد بن عبد الملك بن زهر الإيادي الإشبيلي أخذ الصناعة عن أبي العلاء زهير بن عبد الملك، وبرع ونال تقدماً وحظوة عند السلاطين، وحمل الناس عنه تصانيفه. وكان جواداً ممدحاً محتشماً كثير العلم قيل: إنه حفظ صحيح البخاري كله، وحفظ شعر ذي الرمة، وبرع في اللغة. توفي بمراكش. وفيها توفي العلامة يحيى بن علي البغدادي الشافعي المعروف بابن فضلان. كان
(3/362)

من أئمة علم الخلاف والجدل مشاراً إليه. وفيها توفي المنصور أبو يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن صاحب المغرب الملقب بأمير المؤمنين. قد تقدم ذكر جده عبد المؤمن، ولما مات أبوه اجتمع رأي المشايخ الموحدين وبني عبد المؤمن على تقديمه، فبايعوه وعقد له الولاية ودعوة أمير المؤمنين كأبيه وجده، ولقبوه بالمنصور، فقام بالأمر أحسن قيام، وهو الذي أظهر أئمة ملكهم ورفع راية الجهاد، ونصب ميزان العدل، وبسط أحكام الناس على حقيقة الشرع، ونظر في أمر الدين والورع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأقام الحدود حتى في أهله وعشيرته والأقربين، كما أقامها في سائر الناس أجمعين، فاستقامت الأحوال في أحواله وعظمت الفتوحات.
ولما مات أبوه كان معه في الصحبة، فباشر تدبيرالمملكة من هناك، فأول ما رتب قواعد بلاد الأندلس، فأصلح شأنها وقرر المقاتلين في مراكزها، ومهد مصالحها في مدة شهرين، وأمر بقراءة البسملة في أول الفاتحة في الصلوات، وأرسل بذلك على سائر بلاد الإسلام التي في مملكته فأجاب قوم وامتنع آخرون. ثم عاد إلى مراكش التي هي كرسي ملكهم، فخرج عليه علي بن إسحاق الملثم في شعبان سنة ثمانين وخمس مائة، وملك بجاية وما حولها، فجهز إليه يعقوب عشرين ألف فارس وأسطوله في البحر. ثم خرج بنفسه في أول سنة ثلاث وثمانين، فاستعاد ما أخذ من البلاد، ثم عاد إلى مراكش. وخرجت طائفة من الفرنج في جيش كثيف إلى بلاد المسلمين، فنهبوا وسبوا، فانتهى مات أبوه كان معه في الصحبة، فباشر تدبيرالمملكة من هناك، فأول ما رتب قواعد بلاد الأندلس، فأصلح شأنها وقرر المقاتلين في مراكزها، ومهد مصالحها في مدة شهرين، وأمر بقراءة البسملة في أول الفاتحة في الصلوات، وأرسل بذلك على سائر بلاد الإسلام التي في مملكته فأجاب قوم وامتنع آخرون. ثم عاد إلى مراكش التي هي كرسي ملكهم، فخرج عليه علي بن إسحاق الملثم في شعبان سنة ثمانين وخمس مائة، وملك بجاية وما حولها، فجهز إليه يعقوب عشرين ألف فارس وأسطوله في البحر. ثم خرج بنفسه في أول سنة ثلاث وثمانين، فاستعاد ما أخذ من البلاد، ثم عاد إلى مراكش. وخرجت طائفة من الفرنج في جيش كثيف إلى بلاد المسلمين، فنهبوا وسبوا، فانتهى الخبر إلى الأمير يعقوب، فتجهز لقتالهم في جحفل عرمرم من قبائل الموحدين والعرب، واحتفل فيها وجاء إلى الأندلس، فعلم الفرنج فجمعوا جمعاً كثيراً من أقاصي بلادهم. وكان قد كتب إليه ملك الفرنج يتهدد المسلمين، ومن جملة كتابه باسمك اللهم فاطر السماوات والأرض، وصلى الله على السيد المسيح روح الله وكلمته، الرسول الفصيح، ثم عقب ذلك بالتوبيخ للأمير يعقوب والتهديد في كلام يطول. فلما وصل كتابه إلى الأمير يعقوب مزقه وكتب على ظهر قطعة منه: ارجع إليهم، " فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون " - النمل 37 - إن الجواب ما ترى، لا ما تسمع. ثم كتب هذا البيت:
ولا كتب إلا المشرقية عنده ... ولا ارسل إلا الخميس العرمرم
بيت المتنبي المشهور. ثم أمر باستدعاء الجيوش من الأمصار، وضرب السرادقات
(3/363)

بظاهر البلد من يومه، وجمع العساكر وسار إلى البحر المعروف بزقاق سبتة، فعبر فيه إلى الأندلس، وسار إلى أن دخل بلاد الفرنج - وقد اعتدوا وأحشدوا وتأهبوا - فكسرت كسرة شنيعة بعد أن أمر فرسان الموحدين وأمراء العرب أن يحملوا، ففعلوا وانهزم الفرنج، وأعمل فيهم السيف، فاستأصلهم قتلاً، وما نجا منهم إلا ملكهم في نفر يسير. وغنم المسلمون أموالهم، حتى قيل إنه حصل لبيت المال من دروعهم ستون ألف درع. أما الدواب على اختلاف أنواعها فلم ينحصر لها عدد، ولم يسمع في بلاد الأندلس بكسرة مثلها. ومن عادة الموحدين أنهم لا يأسرون مشركاً محارباً إن ظفروا به ولو كان ملكاً عظيماً، بل يضربون رقاب الجميع - قلوا أو كثروا. ثم أتبعهم بجيش، فألفوهم قد أخلوا قلعة رباح لما داخلهم من الرعب، فملكها يعقوب وجعل فيها والياً وجيشاً. ولكثرة الغنائم لم يمكنه الدخول إلى بلاد الفرنج، فعاد إلى اشبيلية. وله مع الفرنج حروب عديدة أذلهم فيها، ونال منهم قتلاً ونهباً وتخريباً لديارهم، إلى أن التمسوا منه الصلح فصالحهم. وانتقل الى مدينة سلاوينا، وهي بالقرب منها مدينة عظيمة سماها رباط الفتح على هيئة الإسكندرية في اتساع الشوارع وحسن التقسيم وإتقان البناء وتحسينه وتحصينه، وبناها على البحر المحيط، ثم رجع إلى مراكش. وبعد هذا اختلفت الرواية في أمره، فمن قائلين إنه تجرد وساح في الأرض، وانتهى إلى بلاد الشرق وهو مستخف لا يعرف - ومات خاملاً، ومن قائلين إنه لما رجع إلى مراكش توفي - رحمه الله تعالى. قلت وسأذكر فيما بعد ما يؤيد قول من قال إنه تجرد عن الملك وساح في البلاد. وكان ملكاً جواداً عادلاً متمسكاً بالشرع المطهر، يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر - كما ينبغي - من غير محاباة، ويصلي بالناس الصلوات الخمس، ويلبس الصوف ويقف للمرأة والضعيف، فيأخذ لهم حقهم من كل ظالم عنيف، وأوصى أن يدفن في قارعة الطريق ليترحم عليه من أوصلته طريقه إليه من كل من مر به - أقبل لحاجة أو أدبر. وكان قد أمر علماء زمانه أن لا يقلدوا أحداً من الأئمة المجتهدين المتقدمين، بل تكون أحكامهم بما يؤدي إليه اجتهادهم من استنباطهم القضايا من الكتاب والحديث والإجماع والقياس. قال ابن خلكان: ولقد أدركنا جماعة من مشايخ المغرب وصلوا إلينا - وهم على تلك الطريق - مثل أبي الخطاب بن دحية، وأخيه أبي عمر ومحيي الدين بن العربي نزيل دمشق
(3/364)

وغيرهم. وكان يعقوب المذكور يعاقب على ترك الصلاة، ويامر بالنداء في الاسواق بالمبادرة إليها، فمن غفل عنها واشتمل بمعيشة عزر تعزيراً بليغاً. وكان قد عظم ملكه واتسعت دائرة سلطانه حتى لم يبق بجميع أقطار بلاد المغرب من البحر المحيط إلى برقة إلا من هو في طاعته وداخل ولايته، إلى غير ذلك من جزيرة الأندلس. وكان محسناً محباً للعلماء مقرباً للأدباء مصغياً إلى المدح مثيباً عليه، وله ألف أبو العباس الموحدي كتابه الموسوم بصفوة الأدب وديوان العرب في مختار الشعر. قال ابن خلكان: وهو مجموع مليح أحسن في اختياره كل الإحسان. وإلى الأمير يعقوب نسبت الدنانير اليعقوبية المغربية. وكان قد أرسل إليه السلطان صلاح الدين رسولاً يستنجده على الفرنج الواصلين من بلاد المغرب إلى الديار المصرية وساحل الشام، ولم يخاطبه بأمير المؤمنين، بل بأمير المسلمين، فعز عليه ذلك، ولم يجبه إلى ما طلب منه. فلما توفي الأمير يعقوب بايع الناس ولده أبا عبد الله محمد بن يعقوب - ويلقب - بالناصر وارتجع الفدية من الملثم المتقدم ذكره، وكان قد استولى عليها، ثم تحول محمد بن يعقوب، ثم توفي بعد ذلك في سنة ست عشرة وستمائة. والمغاربة يقولون إنه أوصى عبيده بحراسة بستانه وحفظه، فتنكر وجعل يمشي في بستانه ليلاً، فعندما رأوه ابتدروه بالرماح، فجعل يقول: أنا الخليفة أنا الخليفة، فما تحققوه حتى هلك. والله أعلم بذلك. ولم يزل بنو عبد المؤمن يتوارثون الملك إلى أن انتهى إلى أبي العلاء إدريس بن يوسف بن عبد المؤمن، فوقعت بينه وبين بني مريم حرب قتل فيها، فانقرضت دولة بني عبد المؤمن، واستولى بنو مريم على ملكهم، ولم يزل الملك في عنقهم إلى الآن. قلت: هكذا قال ابن خلكان، وهكذا هو أيضاً إلى الآن، لكنه قد تضعضع واضطرب لعدم طاعة العرب. قلت: وقد تقدم أن بعض المغاربة يذكرون أن
الأمير يعقوب خلى الملك وساح في الأرض. ووعدت هناك بذكر ما يؤيد هذا القول، وها أنا أذكره الآن: سمعت ممن لا أشك في صلاحه من الفقراء الصادقين المتجردين المباركين من بلاد المغرب أن جمعاً من شيوخ المغاربة ذكروا رسالة الأستاذ أبي القاسم القشيري - رحمه الله تعالى - وما جمع فيها من مشايخ المشارقة وذكر مناقبهم، فراموا أن يعارضوا رسالته برسالة مشتملة على شيوخ يذكرونهم فيها - من شيوخ المغاربة - ثم ذكروا أن في شيوخ الرسالة القشيرية من تجرد عن الملك، ولم يجدوا في شيوخ المغرب من هو كذلك، فقالوا: ما تتم لنا معارضة الرسالة يعقوب خلى الملك وساح في الأرض. ووعدت هناك بذكر ما يؤيد هذا القول، وها أنا أذكره الآن: سمعت ممن لا أشك في صلاحه من الفقراء الصادقين المتجردين المباركين من بلاد المغرب أن جمعاً من شيوخ المغاربة ذكروا رسالة الأستاذ أبي القاسم القشيري - رحمه الله تعالى - وما جمع فيها من مشايخ المشارقة وذكر مناقبهم، فراموا أن يعارضوا رسالته برسالة مشتملة على شيوخ يذكرونهم فيها - من شيوخ المغاربة - ثم ذكروا أن في شيوخ الرسالة القشيرية من تجرد عن الملك، ولم يجدوا في شيوخ المغرب من هو كذلك، فقالوا: ما تتم لنا معارضة الرسالة
(3/365)

المذكورة إلا بملك منها يزهد ويسلك طريق ابن أدهم المشكور. فاهتموا لحصول ملك يزهد في الدنيا من ملوك المغرب ليعارضوا به ابن أدهم على المنصب، فجاء الشيخ الكبير الولي الشهير أبو ابراهيم بن أدهم إلى أمير المؤمنين - يعقوب المذكور فيما تقدم - واجتمع به، فسر يعقوب بذلك، وأخرج له من خزائنه جواهر نفيسة إكراماً له في مجيئه إليه، فالتفت أبو ابراهيم إلى شجرة هنالك وإذا هي حاملة جواهر تدهش العقول، فدهش أمير المؤمنين يعقوب، وهاله ما رأى من تصريف عباد الله في ملك الله، وما أكرمهم به ووالاهم، ورفع قدرهم وأعلاهم، حتى صارت ملوك الدنيا بين أيديهم كالخدم، وملكهم حقير كالعدم. فعند ذلك احتقر يعقوب ما هو فيه من ملك الدنيا، فزهد فيه، وصار من كبار الأولياء.

سنة ست وتسعين وخمس مائة
فيها تسلطن علاء الدين خوارزم شاه محمد بعد موت أبيه. وفيها كانت محاصرة دمشق. وبها العادل، وعليها الأفضل والظاهر ابنا صلاح الدين وعساكرهما نازلة، قد خندقوا عليهم من أرض اللوان إلى بلد آخر، فأمن من كبسة عسكر العادل، ثم ترحلوا عنها، ورجع الظاهر إلى حلب، وسار الأفضل إلى مصر، فساق وراءه العادل وأدركه عند العراب، ثم تقدم عليه وسبقه إلى مصر، فرجع الأفضل خائباً إلى صرخد - بالخاء المعجمة - وغلب العادل على مصر وقال: هذا صبي. وقطع خطبته، ثم أحضر ولده الكامل وسلطنه على الديار المصرية، فلم ينطق أحد من الأمراء. وسهل له ذلك اشتغال أهل مصر بالقحط، فإن فيها كسو النيل من ثلاثة عشر ذراعاً إلى ثلاثة أصابع، واشتد الغلاء وعدمت الأقوات، وشرع الوباء وعظم الخطب إلى أن آل بهم الأمر إلى أكل الآدميين الموتى. وفيها توفي العلامة أبو اسحاق العراقي ابراهيم بن منصورالمصري الخطيب، شيخ الشافعية بمصر. شرح كتاب المهذب في عشرة أجزاء شرحاً جيداً. قلت: وهذا المذكور أول شراح المهذب، وهم خمسة فيما علمت، والثاني الإمام العلامة أبو عمر وعثمان بن
(3/366)

عيسى الماراني الملقب ضياء الدين شرح الكتاب المذكور في قريب من عشرين مجلداً لكنه لم يكمله، بل بلغ فيه إلى كتاب الشهادات وسماة الاستقصاء لمذاهب العلماء والفقهاء. وسيأتي ذكر ذلك في ترجمته في السنة التي توفي فيها سنة اثنين وستمائة بالقاهرة. والثالث والرابع السيدان الكبيران الوليان الشهيران الإمامان الجليلان أبو الذبيح اسماعيل ابن محمد الحضرمي اليمني، وأبو زكريا محيي الدين النووي، وهما متعاصران توفيا في سنةواحدة سنة ست وسبعين وستمائة. ولا أدري أيهما سبق بالشرح، فلهذا جمعتهما، وسيأتي ذكرهما في السنة المذكورة، وثني من فضائلهما بالتعديد. والخامس الإمام العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي، وكل هؤلاء المذكورين ما أكملوا شرحه سوى العراقي والحضرمي وشرح السبكي، إنما بناه على ما انتهى إليه النووي، وهو باب الربا، ولم يكمله أيضاً ولقب أبو إسحاق المذكور بالعراقي لاشتغاله ببغداد. وفيها توفي علاء الدين خوارزم شاه سلطان الوقت. ملك من السند والهند وما وراء النهر إلى خراسان إلى بغداد. وكان جيشه مائة الف فارس وهو الذي أزال دولة سلجوق. وكان شجاعاً فارساً عالي الهمة، تغير على الخليفة، وعزم على قصد العراق، فجاءه الموت فجأة في رمضان، وحمل إلى خوارزم، وقيل كان عنده أدب ومعرفة بمذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - وقام مدة بعد ولده قطب الدين محمد. وفيها توفي مجد الدين طاهر بن نصر الله بن جميل الكيلاني الشافعي الفرضي مدرس مدرسة صلاح الدين في القدس، وهو أحد من قام على الحكيم الشهروردي وأفتى بقتله. وفيها توفي أبو علي المعروف بالقاضي الفاضل عبد الرحيم ابن القاضي الملقب بالأشرف أبي المجد علي ابن القاضي الملقب بالسعيد أبي محمد الحسن بن الحسن اللخمي العسقلاني المولد، المصري الدار، وزر للسلطان صلاح الدين، وتمكن منه غاية التمكن: وبرز في صناعة الإنشاء، وفاق المتقدمين، وله فيه الغرائب مع الإكثار. قال ابن خلكان: أخبرني أحد الفضلاء الثقات المطلعين على حقيقة أمره أن مسودات رسائله في المجلدات والتعليقات في الأوراق إذا جمعت ما تقصر عن مائة مجلد، وهو مجيد في أكثرها. قال العماد الأصبهاني في كتاب الخريدة في حقه: رب العلم والبيان واللسن واللسان، القريحة والوقادة والبصيرة النقادة والبديهة المعجزة والبديعة المطرزة،
(3/367)

تخترع الأفكار وتفترع الأبكار، وتطلع الأنوار وتبدع الازهار، وهو ضابط الملك بآرائه ورابط السلك بآلآئه، أن شاء أنشأ في يوم واحد بل في ساعة ما لو دون لكان لأهل الصناعة خير بضاعة. أين قس في فصاحته؟! وأين قيس في مقام حصافته؟! وأين حاتم وعمرو في سماحته وحماسته؟! وأطال القول فيما سمت به مدائحه. فالله تعالى يسامحنا ويسامحه. وذكر له رسالة لطيفة كتبها إلى صلاح الدين من جملتها: أدام الله السلطان الملك وثبته، وتقبل عمله بقبول صالح وأنبته، وأرغم أنف عدوه بسيفه وكتبه، خدمة المملوك هذه واردة على يد خطيب عيذاب لما نابه المنزل عنها وقل عليه الموفق فيها. وسمع بهذه الفتوحات التي طبق الأرض ذكرها، ووجب على أهلها شكرها. هاجر من هجر عيذاب وملحا سارياً في ليلة أمل كلها نهار، فلا يسأل عن صحبها، وقد
رغب في خطابة الكرك وهو خطيب - وتوسل بالمملوك في هذا الملتمس - وهو قريب - وبرع من مصر إلى الشام ومن عيذاب إلى الكرك وهذا عجيب - والفقر سائق عنيف، والمذكور خامل لطيف، والسلام. ومن رسالة له في قلعة شاهقة يقال إنها قلعة كوكب قال: وهذه العلقة عقاب في عقاب، ونجم في سحاب، وهامة لها الغمامة عمامة ذائلة إذا حصنها - الأصيل كان الهلال لها قلامة. وله في النظم أشياء حسنة منها ما أنشده عند وصوله إلى الفرات في خدمة السلطان صلاح الدين يتشوق إلى نيل مصر: في خطابة الكرك وهو خطيب - وتوسل بالمملوك في هذا الملتمس - وهو قريب - وبرع من مصر إلى الشام ومن عيذاب إلى الكرك وهذا عجيب - والفقر سائق عنيف، والمذكور خامل لطيف، والسلام. ومن رسالة له في قلعة شاهقة يقال إنها قلعة كوكب قال: وهذه العلقة عقاب في عقاب، ونجم في سحاب، وهامة لها الغمامة عمامة ذائلة إذا حصنها - الأصيل كان الهلال لها قلامة. وله في النظم أشياء حسنة منها ما أنشده عند وصوله إلى الفرات في خدمة السلطان صلاح الدين يتشوق إلى نيل مصر:
بالله قل للنيل عني أنني ... لم أشف من الفرات غليل
وسل الفؤاد فإنه لي شاهد ... إن كان جفني بالدموع بخيلا
يا قلب كم خلقت ثم بثينة ... وأعيذ صبرك أن يكون جميلا
قلت: وهذا البيت رمز فيه رمزاً أشار فيه إلى ما كان بين بثينة وجميل من الحب وهيمان جميل بها، وإعاذته بالله من أن يكون متصفاً بما اتصف به جميل من الهيمان وفرط الحب الذي لا يقوى عليه إنسان، واستعار ذلك لما في قلبه من المحبة للنيل. ومنها قوله:
إذا السعادة لاحظتك عيونها ... ثم المخاوف كلهن أمان
واصطد بها العنقاء فهي حبالة ... وافتل بها الجوزاء وهي عنان
قلت والظاهر أن قوله: وافتل - بالفاء والمثناة من فوق - من فتل العنان.
(3/368)

وأثنى عليه أيضاً الفقيه عمارة اليمني في كتاب النكت العصرية في أخبار الوزراء - المصرية. وقيل: إن كتبه بلغت مائة ألف مجلد، وكان له آثار جميلة وأفعال حميدة وديانة متينة وأوراد كثيرة. وكان دخله في السنة من مغله دون خمسين ألف دينار، وكان عمره بضعاً وستين سنة. وفيها توفي الشهاب الطوسي أبو الفتح محمد بن محمود نزيل مصر شيخ الشافعية. درس وأفتى ووعظ وصنف وتخرج به الأصحاب، وكان رئيساً معظماً ينبه على الملوك لصنعه، يركب بالغاشية والسيوف المسلولة - وبين يديه ينادي هذا الملك العلماء - وكان صاحب صولة في القيام على الحنابلة ونصرة الأشاعرة. وفيها توفي أبو الفتوح عبد المنعم بن أبي عبد الوهاب بن سعد الملقب شمس الدين الحراني الأصل البغدادي المولد، الحنبلي المذهب. كان تاجراً، وله في الحديث السماعات العالية، وانتهت الرحلة إليه من أقطار الأرض، وألحق الصغار بالكبار، لا يشاركه في شيوخه ومسموعاته أحد، توفي في بغداد ودفن بمقبرة الإمام أحمد - رضي الله تعالى عنه - وكان صحيح الذهن والحواس إلى أن مات، وتسرى بمائة وثمان وأربعين جارية.

سنة سبع وتسعين وخمس مائة
فيها كان الجوع والموت بالديار المصري، وجرت أمور تتجاوز الوصف ودام ذلك إلى نصف الشام الثاني، حتى قيل - أو قال قائل: مات ثلاثة أرباع أهل البلد المذكور لما أبعد والذي دخل تحت قلم الحشرية في مدة اثنتين وعشرين شهراً مائتا ألف وإحدى عشر ألفاً بالقاهرة، وهذا قليل في جنب من هلك بمصر والحواضر وفي البيوت والطرق ولم يدفن - وكله يسير في جنب من هلك بالإقليم. وقيل إن مصر كان فيها تسع مائة منسج، فلم يبق إلا خمسة عشر منسجاً. فقس على هذا - وبلغ الفروخ مائة درهم، ثم عدم الدجاج بالكلية لولا ما جلب من الشام. وأما أكل لحم الآدميين فشاع واستفاض، وقيل: تواتر. وفي شعبان منها كانت الزلزلة العظمى التي عمت أكثر الدنيا. قال أبو شامة: مات
(3/369)

بمصر خلق تحت الهدم قال: ثم هدمت نابلس، وذكر خسفاً عظيماً، وأحصى من هلك في هذه السنة فكان ألف ألف ومائة ألف. وفيها كانت مراسلات الأمراء من مصر للأفضل والظاهر، وكرهوا العادل، وتطيروا بكعبة أسرع الأفضل إلى حلب، فخرج معه أخوه واتفقا على أن تكون دمشق للأفضل، ثم يسيران إلى مصر، فإذا ملكاها استقر بها الأفضل وتبقى الشام كلها للظاهر. فنازلوا دمشق وبها المعظم، وقدم أبوه إلى نابلس، فاستمال الأمراء وأوقع بين الأخوين - وكان من دهاة الملوك - فترحلوا. وكان بخراسان فتن وحروب عظيمة على الملك. وفيها توفي الإمام العلامة الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن علي المعروف بابن الجوزي البغدادي التميمي البكري نسبة إلى أبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - كان علامة عصره وإمام وقته في أنواع العلوم من التفسير والحديث والفقه والوعظ والسير والتواريخ والطب وغير ذلك. ووعظ من صغره وعظاً فاق فيه الأقران، وحصل له القبول التام والاحترام. حكي أن مجلسه حزر بمائة ألف، وحضر مجلسه الخليفة المستضيء مرات من وراء الستر. وصنف في فنون عديدة منها زاد المسير في علم التفسير أربعة أجزاء اتى فيها بأشياء غريبة - وله في الحديث تصانيف كثيرة، وله: المنتظم في التاريخ، وهو كتاب كبير، وله: الموضوعات، في أربعة أجزاء ذكر فيها كل حديث موضوع. وله تنقيح فهوم الأثرة على وضع كتاب المعارف لابن قتيبة - وبالجملة فكتبه أكثر من أن تعد، وكتب بخطه شيئاً كثيراً، والناس يغالون في ذلك. قال ابن خلكان حتى نقلوا أن الكراريس التي كتبها جمعت وحبست مدة عمره، وقسمت الكراريس على المدة فكان ما خص كل يوم تسع كراريس. قال: وهذا شيء عظيم لا يقبله العقل. قلت: وهو كما قال: ويقال إنه جمعت براية أقلامه التي كتب بها حديث رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فحصل منها شيء كثير. وأوصى أن يسخن الماء الذي يغسل به - بعد موته - بها، فكفت وفضل منها. وله أشعار لطيفة،....منها قوله معرضاً بأهل بغداد:
عذيري من فتية بالعراق ... قلوبهم بالجفا قلب
يرون العجيب كلام الغريب ... وقول القريب فلا يعجب
ميادينهم أن تبدت بخير ... إلى غير جيرانهم تقلب
(3/370)

عذرهم عند توبيخهم ... مغنية الحي ماتطرب
وله أشعار كثيرة. وكانت له في مجالس الوعظ أجوبة نادرة، من ذلك ما يحكي أنه وقع النزاع ببغداد بين السنية والشيعية في المفاضلة بين أبي بكر وعلي - رضي الله تعالى عنهما - فرضي الكل بما يجيب عنه الشيخ أبو الفرج، وأقاما شخصاً سأله عن ذلك وهو على الكرسي في مجلس وعظه فقال: أفضلهما من كانت ابنته تحته ونزل في الحال حتى لا يراجع في ذلك، فقالت السنية: هو أبو بكر - رضي الله تعالى عنه - لأن ابنته عائشة تحت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وقالت الشعية: هو علي، لان فاطمة ابنة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - تحته، وقال: وقال ابن خلكان: وهذا من لطائف الأجوبة، ولو حصل بعد الفكر التام وإمعان النظر كان في غاية الحسن فضلاًعن البديهة. انتهى. قلت: ومن نوادره ما سمعت من بعض أهل العلم: يحكى أن الخليفة غضب على إنسان من حاشيته، فأراد أن يعاقبه، فهرب فلزم أخاه، وصادره وأخذ له مالاً، فشكى ذلك المصادر إلى ابن الجوزي، وذكر له القضية فقال له: إذا انقضى مجلس وعظي فقم قدامي حتى تذكرني - وكان الخليفة يسمع وعظه من خلف الستر - كما تقدم فلما كان أول مجالسته الوعظ بعد ذلك - وانقضى المجلس - قام ذلك الإنسان المصادر، فلما رآه الشيخ أبو الفرج أنشد معرضاً يكون البريء، لا يؤاخذ بذنب الجزىء، محرضاً للخليفة على العدل والإحسان، وأن يعاد المال المأخوذ على ذلك الإنسان.
قفي ثم اخبرينا يا سعاد ... بذنب الطرف لم سلب الفؤاد؟
وأي قضتة حكمت إذا ماجنى زيدبه عمرو يقاد؟!
يعاد حديثكم فيزيد حسناً ... وقد يستحسن الشيء المعاد
فقال الخليفة من وراء الستر: يعاد، يعني: المال، فأعيد على ذلك الشخص ماله وانجبر حاله. قلت: وكلام ابن الجوزي، وإن افتخر، فهو بالنسبة إلى كلام القطب عبد القادر محقر، ولو سلم من طعنه وإنكاره على المشايخ علماء الباطن لبقي مكتسباً يحلل الحاسن. وقد قدمت ذكر ذلك الإنكار وأنشدت في الفرق بين الكلام أبياتاً من الأشعار، ذكرت ذلك في تاريخ سنة خمس وتسعين وخمس مائة التي أخرج فيها من السجن، وفي سنة إحدى وستين التي فيها ترجمة الشيخ عبد القادر رضي الله تعالى عنه. وكانت ولادة ابن الجوزي سنة ثمان، وقيل عشر وخمس مائة تقريباً، وتوفي ليلة الجمعة ثاني عشر شهر رمضان ببغداد بباب حرب. والجوزي بفتح الجيم وسكون الواو وفي آخره زاي وياء النسبة - إلى موضع يقال له فرضة
(3/371)

الجوز. قال ابن النجار: وكان أبوه يعمل الصفر، وكان ولده محيي الدين يوسف محتسب بغداد. وتولى تدريس المستنصرية لطائفة الحنابلة، وكان يتردد في الرسائل إلى الملوك، ثم صار أستاذ دار الخلافة. وكان سبطه شمس الدولة - أبو المظفر يوسف الواعظ المشهور - له صيت وسمعة في مجالس وعظه، وقبول عند الملوك وغيرهم. وصنف تاريخاً كبيراً. قال ابن خلكان: رأيته بخطه في أربعين مجلداً أسماه: مرآة الزمان في تاريخ الأعيان. وفي السنة المذكورة توفي أبو شجاع بن المقرون البغدادي، أحد أئمة الإقراء. كان صالحاً عابداً ورعاً مجاب الدعوة، من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وكان يتقوت من كسب يده. وفيها توفي العماد الكاتب الوزير الفاضل، أبو عبد الله محمد بن محمد الأصبهاني الفقيه الشافعي تفقه بالمدرسة النظامية وأتقن الخلاف وفنون والأدب، وسمع من الحديث، ولما حصل تعلق بالوزير يحيى بن هبيرة فولاه النظر بالبصرة ثم بواسط، ثم انتقل إلى دمشق، - وسلطانها يومئذ الملك العادل نور الدين محمود بن أتابك زنكي - فتعرف به، وعرفه السلطان صلاح الدين ووالده، ونوه بذكره القاضي كمال الدين السهروردي عند السلطان نور الدين وعدد عليه فضائله، وأهله لكتابة الإنشاء. قال العماد: فبقيت متحيراً في الدخول فيما ليس من شأني ولا وظيفتي. وقال غيره: لم يكن قد مارس هذه الصناعة، فجبن عنها في الابتداء، فلما باشرها هانت عليه وأجاد فيها، وأتى فيها بالغرائب. وكان ينشىء الرسائل باللغة العربية والعجمية أيضاً. وحصل بينه وبين صلاح الدين مودة أكيدة امتزاج تام، وعلت منزلته عند نور الدين، وصار صاحب سره وسيره رسولاً في أيام الخليفة المستنجد، فلما عاد فوض إليه التدريس في المدرسة المعروفة، ثم رتبه في إشراف الديوان، ثم لما تسلم صلاح الدين قلعة حمص حضر بين يديه وأنشده قصيدة، ثم لازمه وترقى عنده حتى صار في جملة الصدور المعدودين والأماثل الممجدين، يضاهي الوزراء ويجري في مضمارهم. وكان القاضي الفاضل في أكثر الأوقات ينقطع عن خدمة السلطان صلاح الدين بالقيام بالمصالح، والعماد ملازم للباب، وهو صاحب السر المكتوم. وصنف التصانيف النافعة، من ذلك: خريدة القصر وجريدة أهل العصر، جملة ذيلاً على زينة الدهر تأليف أبي المعالي سعد بن علي الوراق الخطيري، والخطيري جعله ذيلاً على دمية القصر وعصرة أهل العصر للباخرزي، والباخرزي جعل كتابه ذيلاً على يتيمة الثعالبي، والثعالبي
(3/372)

جعل كتابه ذيلاً على كتابه البارع لهارون المنجم. وذكر العماد المذكور الشعراء الذين كانوا بعد المائة الخامسة إلى سنة اثنتين وسبعين وبعدها، وجمع شعراء العراق والعجم والشام والجزيرة ومصر والعرب ولم يترك إلا النادر. كتابه المذكور عشر مجلدات، وصنف كتاب: البرق الشامي في سبع مجلدات، وهو مجموع تاريخ، ووسمه بالبرق لسرعة انقضاء تلك الأيام. وصنف كتاب الفتح القسي في الفتح القدسي في مجلدين يتضمن كيفية فتح البيت المقدس. وكتاب السيل على الذيل جملة ذيلاً على الذيل لابن السمعاني الذي ذيل به تاريخ بغداد للحافظ أبي بكر الخطيب. وكتاب نصرة الفترة وعصرة الفترة في اخبار الدولة السلجوقية. وله ديوان رسائل، وديوان شعر في أربع مجلدات. وكانت بينه وبين القاضي الفاضل مكاتبات ومحاورات لطائف. فمن ذلك ما يحكى عنه أنه لقيه يوماً وهو راكب على فرس فقال له: سر، فلا كبابك الفرس، فقال له الفاضل: دام علاء العماد. فأتى كل واحد منهما بألفاظ تقرأ على ترتيبها المذكور، وتقرأ مقلوباً، أعني من آخر حروفها مرتبة إلى
أولها، واللفظ والمعنى لا يتغيران. اجتمعا يوماً في موكب السلطان - وقد انتشر من الغبار لكثرة الفرسان ما سد الفضاء - فتعجبا من ذلك، وأنشد العماد في الحال: ها، واللفظ والمعنى لا يتغيران. اجتمعا يوماً في موكب السلطان - وقد انتشر من الغبار لكثرة الفرسان ما سد الفضاء - فتعجبا من ذلك، وأنشد العماد في الحال:
مما اثارته السنابك ... والجو منه مظلم
لكن أثارته السنابك ... يا دهر لي عبد الرحيم
فلست اخشى مس نابك.........................
فاتفق له الجناس في الأبيات الثلاثة مكتسياً حلة الحسن. قلت: وأما رسالته إلى القاضي الفاضل لما رجع من الحج - التي استحسنها ابن خلكان - فليست بحسنة من جهة لدين ولا من جهة البيان، فإنه بالغ فيها مبالغة محرجة لشعائر الله تعالى المنظمة إلى حد الامتهان، حيث قال: راكباً فرس البيان في ميدان بلاغة الإنسان الراكض، جواد اللسن الحاصل من نتائج جبلة الجنان وجرأة اللسان. طوبى للحجر والحجون من ذي الحجر والحجى منيل الجدى - ومنير الدجى، ولندى الكعبة من كعبة الندى، وللهدايا المشعرات من مشعر الهدى، وللقائم الكريم من مقام الكريم، ومن حاطم فقار الفقر للحطيم، ومتى هرم لمنى الحرم، وحاتم الكرم لمائح زمزم، ومتى ركب البحر البحر وسلك البر البر، ولقد عاد قيس إلى عكاظه، وعاد قيس لحفاظه، ويا عجباً للكعبة!! يقصدها كعبة الفضل والأفضال، والقبلة يستقبلها قبلة القبول والإقبال. قلت: وليس كما قال غيره في مدح بعض الأولياء، فإنهم من احباب الله تعالى الأصفياء.
(3/373)

سنة ثمان وتسعين وخمس مائة
فيها تغلب قتادة بن ادريس الحسيني على مكة، وزالت دولة بني فليتة. وفيها توفي صاحب اليمن وابن صاحبها الملك المعز اسماعيل بن الملك سيف الاسلام طغتكين - بن نجم الدين أيوب بن شاذي كان مجرماً مصراً على شرب الخمر والظلم، ادعى أنه أموي وخرج يروم الخلافة، فوثب عليه أخوان من أمرائه فقتلاه، وولي بعده أخ له صبي، يدعى بالملك الناصر أيوب. وفيها توفي مسند الشام أبو طاهر بركات بن ابراهيم المعروف بالخشوع، سمع من ابن الأكفاني وجماعة. وفيها توفي الحافظ أبو الثناء حماد بن هبة الله. وفيها توفي اللؤلؤ الحاجب العادل، من كبار الدولة، له مواقف حميدة بالسواحل. وكان مقدم المجاهدين المؤيدين الذين ساروا لحرب الفرنج الذين قصدوا الحرم النبوي في البحر وظفروا قيل إنه سار لؤلؤ موقناً بالنصرة، وأخذ معه قيوداً بعدد الفرنج، وكانوا ينيفون على ثلاثمائة - كلهم أبطال من الكرك والشوبك - مع طائفة من العرب المرتدة، فلما بقي بينه وبين المدينة يوم أدركهم لؤلؤ، وبذل الأموال للعرب فخامروا معه، وذلت الفرنج، واعتصموا بحبل، فترحل لؤلؤ وصعد إليهم بالناس - في تسعة أنفس، فهابوه وسلموا أنفسهم، فصفدهم وقيدهم كلهم، وقدم بهم مصر، وكان يوم دخولهم يوماً مشهوراً. وكان لؤلؤ شيخاً أرمينياً من غلمان القصر، فخدم مع صلاح الدين مقدماً، وكان أينما توجه فتح ونصر، ثم كبر وترك الخدمة. وكان يتصدق كل يوم بطعام عدة قدور وباثني عشر ألف رغيف، ويضيف ذلك في شهر رمضان. وفيها توفي ابن الزكي قاضي الشام محيي الدين أبو المعالي محمد ابن قاضي القضاة زكي الدين علي ابن قاضي القضاة منتجب الدين محمد بن يحيى - القرشي الشافعي. كان فقيهاً إماماً طويل الباع في الإنشاء والبلاغة، فصيحاً كامل السؤدد.
(3/374)

سنة تسع وتسعين وخمس مائة
وفيها تمكن العادل من الممالك، وأبعد الملك المنصور علي بن العزيز - صلاح الدين، وأسكنه بمدينة الرها. وفيها رمي بالنجوم، ذكر ذلك جماعة من المؤرخين قال بعضهم في سلخ المحرم ماجت النجوم وتطايرت كتطاير الجراد، ودام ذلك إلى الفجر، وانزعج الخلق وضجوا بالدعاء. قالوا: ولم يعهد ذلك إلا عند ظهور نبينا صلى الله عليه وآله وسلم. وفيها توفي غياث الدين سلطان غزنة أبو الفتح محمد. كان ملكاً جليلاً عادلاً محباً إلى رعيته كثير المعروف والصدفات، وتفرد بالملك بعده أخوه السلطان شهاب الدين. وفيها توفي القاضي محمد بن أحمد الأموي المرسي المالكي، أحد أئمة المذهب، عرض المدونة على والده، وأجاز له الكبار، وأفتى ستين سنة، وولي قضاء مرسية وشاطبة وصنف التصانيف. وفيها توفي الإمام العلامة أبو الموفق مسعود بن شجاع المعروف بالبرهان الحنفي، درس في النورية والخانوتية، قاضي العسكر، كان صدراً معظماً مفتياً رأساً في المذهب، وكان لا يغسل له فرجية، بل يهبها ويلبس جديدة. وفيها توفي الإمام أبو الحسن علي بن ابراهيم الأنصاري الدمشقي الحنبلي الواعظ، كان من رؤوس العلماء. وفيها توفي الحسن بن سعيد الملقب علم الدين الشاتاني - بالشين المعجمة وبين الألفين مثناة من فوق وقبل ياء النسبة نون - كان فقيهاً وغلب عليه الشعر وأجاد فيه واشتهر به، وكان الوزير أبو المظفر بن هبيرة كثير الإقبال عليه والإكرام له، وذكره العماد الكاتب في الخريدة وأثنى عليه، وقال يمدح صلاح الدين بقصيدة أولها:
أرى النصر معقوداً برايتك الصفرا ... فسروا ملك الدنيا فأنت بها أحرى
يمينك فيا اليمن واليسر في اليسرى ... فبشرى لمن يرجو الندى بهما بشرا
وفيها توفي الشيخ الكبير الولي الشهير إمام العارفين ودليل السالكين، صاحب الأحوال الفاخرة الكرامات الباهرة، والمقام العلي. والكشف الجلي، والعطاء السني والمشرب الهني، والمحاضرات القدسية والمسامرات الأنسية، والحقائق الربانية والأسرار
(3/375)

الإلهية أبو عبد الله محمد بن أحمد بن ابراهيم القرشي الهاشمي، - قدس الله تعالى روحه - كان له التصريف النافذ في الوجود، والفضل الفائض من فيض الجود، والباع الطويل في أحكام الولاية، والجانب الرحيب في أحوال النهاية، والقدم الراسخ في التمكين المكين، والسبق إلى ذري درجات، المقربين، أحد أركان هذا الشأن، وعلم أعلامه وقدوة ساداته الأعيان، أجمع على جلالته أكابر الأولياء والعلماء، واتفق على فضيلته سكان الحضرة والحمى، وتبرك الجلة بآثاره، والتمسوا الهدى بإضاءة أنواره. وله كلام وكرامات، مودع بعضها في بعض المصنفات، مما اعتنى بجمعه وتأليفه الشيخ الإمام الحفيل السيد الجليل تلميذه أبو العباس أحمد بن علي القسطلاني. وقد ذكرت نبذة من ذلك في كتاب روض الرياحين، وكتاب أطراف السامعين. ومن كلامه رضي الله تعالى عنه: الزم الأدب وحدك من العبودية، ولا تتعرض لشيء، فإن أرادك له أوصلك إليه، ومنه: العالم من نطق عن سرك واطلع على عواقب أمرك، ومن كراماته رضي الله عنه ما ذكر قال: كنت بمنى فعطشت ولم أجد ماء، ولم يكن معي ما أشتري به، فمضيت أطلب بيراً من الآبار، فوجدت عليه أعاجم يستقون الماء، فقلت لأحدهم: ضع لي في هذه الركوة ماء، فضربني وأخذ الركوة من يدي ورمى بها بعيداً، فمضيت إليها لأخذها وأنا منكسر النفس - فوجدتها في بركة ماء حلو، فاستقيت وشربت، وجئت بها إلى أصحابي فشربوا، وأعلمتهم بالقصة، فمضوا إلى المكان ليستقوا منه فلم يجدوا ماء ولا أثر الماء، فعلمت أنها آية.

سنة ست مائة
فيها وقعت فتنة بين صاحب الموصل نور الدين، وبين ابن عمه قطب الدين صاحب سنجار، فاستنجد القطب بجاره الملك الأشرف موسى - وهو بحران - فسار معه وعمل مصافاً مع صاحب الموصل، فكسره الأشرف وأسر جماعة من أمرائه، ثم اصطلحا في آخر العام، وتزوج الأشرف بأخت صاحب الموصل.
(3/376)

وفيها أخذت الفرنج فوة واستباحوها، وهي بليدة حسنة، دخلوا إليها من فم رشيد في النيل. وفيها توفي العلامة أبو الفضل محمد بن محمد بن محمد العراقي القزويني، ركن الدين المعروف بالطاوسي الحنفي. كان إماماً فاضلاً مناظراً محجاجاً فيما يعلم الخلاف، ماهراً فيه، اشتغل على الشيخ رضي الدين النيسابوري صاحب الطريقة في الخلاف، وبرز فيه، وصنف ثلاث تعاليق في الخلاف مختصرة، وثانية متوسطة أو كما قيل، وثالثة مبسوطة. وأجمع عليه الطلبة بمدينة همدان، وقصدوه من البلاد البعيدة والقريبة للاستفادة عليه، وعلقوا تعاليقه، وبنى له الحاجب جمال الدين بهمدان مدرسة تعرف بالحاجبية، وطريقته الوسطى خير من طريقته الأخيرتين لأن نفعها كثير وفوائدها جمة. قال ابن خلكان: واكثر اشتغال الناس في هذا الزمان بها، واشتهر صيته في البلاد، وحملت طرائقه إليها. والطاوسي: قيل نسبة إلى طاوس بن كيسان التابعي. وفيها توفي الإمام العالم العلامة أبو الفتوح العجلي منتجب الدين أسعد بن أبي الفضائل محمود بن خلف الأصبهاني الواعظ، شيخ الشافعية. كان من الفقهاء الفضلاء الموصوفين بالعلم والزهد، مشهوراً بالعبادة والنسك والقناعة، لا يأكل إلا من كسب يده. وكان يورق ويبيع ما يتقوت به، وكان واعظاً، ثم ترك الوعظ وألف كتاب آفات الوعاظ، سمع ببلده الحديث على جماعة، منهم: الحافظ اسماعيل بن محمد بن الفضل وأبو الوفا غانم بن أحمد الجلودي وأبو الفضل عبد الرحيم بن أحمد البغدادي وأبو المظفر قاسم بن الفضل الصيدلاني وغيره. وقدم بغداد وسمع بها من أبي الفتح محمد بن عبد الباقي، وله إجازة حث بها عن أبي القاسم زاهر بن طاهر وأبي الفتح اسماعيل بن أبي الفضل - الاخشيدي وأبي المبارك عبد العزيز الأزدي وغيرهم، وعاد إلى بلده وتبحر وتمهر واشتهر وصنف عدة تصانيف، فمن ذلك كتاب شرح مشكلات الوسيط والوجيز للغزالي، تكلم في المواضع المشكلة من الكتابين، ونقل من الكتب المبسوطة عليها، وله كتاب تتمة التتمة للمتولي، وعليه كان الاعتماد في الفتوى بأصهان. والعجلي بكسر العين المهملة وسكون الجيم نسبة إلى عجل بن لجيم - بضم اللام وفتح الجيم - وكان عجل المذكور يعد من الحمقى، من أجل أنه كان له فرس جواد، فقيل له أن لكل فرس جواد اسماً، فما اسم فرسك؟ فقال: لم اسمه بعد، فقيل له: سمه؛ ففقأ إحدى عينيه وقال: قد سميته الأعور. وفيه قال بعض شعراء العرب:
(3/377)

رمتني بنو عجل بداء أبيهم ... وهل أحد في الناس أحمق من عجل
أليس أبوهم عار عين جواده ... فسارت به الأمثال في الناس بالجهل
يقال عار عينه - بالمهملة إذا فقأها. وبنو العجل قبيلة كبيرة من العرب شهيرة. وفي السنة المذكورة توفي الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي، سمع في دمشق والاسكندرية وبغداد وأصبهان، وصنف التصانيف، ولم يزل يسمع ويكتب، وإليه انتهى حفظ الحديث متناً وإسناداً ومعرفة، مع الورع والعباد والتمسك بالأثر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسيرته مذكورة في جزأين تأليف الحافظ الملقب بالضياء. وفيها وقيل في سنة ثلاث وست مائة توفي الشيخ الحافظ عبد الرزاق ابن الشيخ القطب عبد القادر بن أبي صالح الجيلي، أسمعه أبوه عن أبي الفضل الأرموي وطبقته، ثم سمعه بنفسه. وفيها توفيت فاطمة بنت سعد الخير بن محمد أم عبد الكريم بن أبي الحسن الأنصاري رضي الله عنهم.
(3/378)

/سنةاحدى وست مائة فيها تغلبت الفرنج على مملكة القسطنطينية وأخرجوا الروم عنها بعد حصار طويل وحروب كثيرة.
وفيها توفي المحدث أحمد بن سليمان الحربي المقرىء المفيد، والرجل الصالح عبد الرحيم بن محمد بن محمد نزيل همدان، وأبو الفضل محمد بن الحسين المقري الدمشقي المعروف بابن الخصيب.

سنة اثنتين وست مائة
فيها سلم خوارزم شاه محمد بن ترمذ إلى ملك الخطا، فكان ذلك هو الخطأ بعينه وتشوش الناس لذلك قيل: وما فعله إلا مكيدة ليتمكن من ممالك خراسان.
وفيها توفي مدرس الأرمينية المعروف بالتقي الأعمى سرق ماله فاتهم به قائده، فاحترق قلبه، فأهلك نفسه، وجد مشنوقا بالمنارة الغربية، نسأل الله العافية.
وفيها توفي الإمام العلامة أبو عمر. وعثمان بن عيسى الهدباني بالدال المهملة والباء الموحدة، وقبل ياء النسبة نون الماراني بالراء بين الألفين والنون بعد الثانية الملقب ضياء الدين، كان من أعلم الفقهاء في وقته بمذهب الإمام الشافعي قرأ وتمهر في فروع المذهب وأصوله، وشرح المهذب شرحا لم يسبق إلى مثله في قريب من عشرين مجلدا، لكنه لم يكمله بلغ فيه إلى كتاب الشهادات، وسماه الاستقصاء لمذاهب الفقهاء. وشرح اللمع في أصول الفقه للشيخ أبي اسحاق الشيرازي أيضا شرحا مستوفي في مجلدين، وغير ذلك، ووقف عليه الأمير جمال الدين الهكاري في مدرسة أنشأها في القاهرة، وفوض تدريسها إليه، ولم يزل بها إلى أن توفي، وفوض إليه السلطان صلاح الدين القضاء بالديار المصرية، وهو في نسبته راجع إلى ابن عبدوس الماراني نسبة إلى بني ماران، توفي بعد أن نيف على الثمانين، ودفن بالقرافه الصغرى
(4/3)

وفيها توفي السلطان أبو المظفر محمد شهاب الدين الغوري صاحب غزنة قتلته الإسماعيلية بعد قفوله من غزو الهند، وكان ملكًا جليلاً مجاهدًا، واسع المملكة حسن السيرة، وهو الذي حضر عنده الإمام فخر الدين الرازي، فوعظه وقال: يا سلطان العالم لا سطانك يبقى، ولا تلبيس الرازي يبقى، فانتحب السلطان باكياً.
وفيها توفي أبو العز عبد الباقي بن عثمان الهمداني الصوفي، وكان ذا علم وصلاح.
وفيها توفي أبو يعلى حمزة بن علي بن حمزة البغدادي، كان خيراً زاهداً بصيراً بالقراءات، حاذقا فيها.

سنة ثلاث وست مائة
فيها وقعت حروب خراسان، قوي فيها ملك خوارزم شاه، واتسع وافتتح بلخ غيرها، ونازلت الفرنج حمص، فصار إليهم المبارز وحاربهم.
وفيها توفي الحافظ الثقة عبد الرزاق ابن الشيخ عبد القادر الجيلي أسمعه أبوه من أبي الفضل الأرموي وطبقته، ثم سمع هو بنفسه، قيل: لم ير مثله في وقته في يقظة وتجربة.
وفيها توفي داود بن محمد بن محمود الأصبهاني وفيها توفي الحافظ أبو الحسن علي ابن فاضل الصوري المصري، كتب الكثير، واكثر عن السلفي سمع بمصر من الشريف الخطيب، وقرأ القراءات على الغافقي.
وفيها توفي محمد بن معمر القرشي الأصبهاني، سمع من خلق كثير، وكان عارفًا بمذهب الشافعي، وبالعربية والحديث، قوي المشاركة، محتشمًا ظريفًا وافر الجاه.
وفيها توفي أبو الحزم الإمام العلامة ضياء الدين محمد الموصلي المقري النحوي الضرير، صاحب ابن الخشاب، برع في القراءات والعربية واللغة وغير ذلك، وذكره أبو البركات ابن المستوفي في تاريخ إربل فقال: هو جامع فنون الأدب، وحجة كلام العرب، والمجمع على دينه وعقله، والمتفق على علمه وفضله رحل إلى بغداد، ولقى بها مشائخ
(4/4)

النحو واللغة والحديث، وكان واسع الرواية، وكان أبدا يتعصب لأبي العلاء المعري ويطرب إذا قرىء عليه شعره للجامع بينهما من العمى والأدب..
قال ابن خلكان: وحكى بعض من أخذ عنه أنه لما كان ببلده كان جيرانه ومعارفه يسمونه مكيك تصغير مكي، فلما ارتحل واشتغل وحصل اشتاقت نفسه إلى وطنه، فعاد إليه، فتسامع به من بقي ممن كان يعرفه، فزاروه وفرحوا به لكونه فاضلأ من أهل بلدهم، وبات تلك الليلة، فلما كان سحر خرج إلى الحمام فسمع امرأة في غرفتها تقول لأخرى: ما تدرين من جاء؟ فقالت: لا، فقالت: مكيك ابن فلانة، فقال: والله لا أقعدن في بلد. أدعى فيها مكيك، فسافر من غير تربث، وعاد إلى الموصل، ثم سافر إلى الشام لزيارة بيت المقدس.

سنة أربع وست مائة
فيها تملك الملك الأوحد أيوب بن العادل مدينة خلاط.
وفيها توفي أبو العباس الرعيني أحمد بن محمد الإشبيلي المقري، وكان من الأدب والزهد بمكان.
وفيها توفي ابن الساعاتي علي بن محمد الشاعر الملفق صاحب ديوان الشعر.
وفيها توفي أبو ذر مصعب بن محمد الجياني النحوي اللغوي صاحب التصانيف، وحامل لواء العربية في الأندلس، ولي خطابة إشبيلية مدة، ثم قضاء جيان، ثم تحول إلى فاس، بعد صيته، وسارت الركبان بتصانيفه.

سنة خمس وست مائة
فيها توفي الملك سنجر شاه ابن غازي قتلة ابنه غازي وحلفوا له ثم وثب عليه من الغد خواص أبيه وقتلوه، وملكوا أخاه الملك المعظم، وكان سنجر سيىء السيرة ظلومًا وفيها توفي المحدث العالم محمد بن المبارك البغدادي. وفيها توفي أبو الجود غياث بن فارس اللخمي مقري الديار المصرية.
(4/5)

سنة ست وست مائة
فيها نزلت الكرج بالراء الجيم على خلاط، فلما كادوا أن يأخذوها، زحف ملكهم في جيشه، فوصل إلى باب البلد. وفيها توفي الأوحد بن العادل، فبرز إليه عسكر المسلمين، فظفر به فرسه فأحاط المسلمون، وأسروه، وهرب جيشه.
وفيها سار خوارزم شاه صاحب خراسان في جيوشه، وقطع النهر، فالتقى الخطا وكانت ملحمة عظيمة انكسر فيها، وقتل منهم خلق كثير، واستولى خوارزم شاه على ما وراء النهر، وكان كشلوخان بالشين والخاء المعجمتين وعسكره، وقد أخرجتهم الخطا من أرضهم، ونزلوا بلاد الترك، وجرت لهم حروب مع الخطا، فلما عرفوا أن خوارزم شاه كسرهم قصدوهم، فكاتب ملك الخطا في الحال خوارزم شاه يقول: إما ما كان منك من بلادنا، وقتل رجالنا، فمغفور فقد أتانا عدو لا قبل لنا به، وقد انتصروا علينا وأخذونا لم يبق لهم دافع عنك والمصلحة أن تسير إلينا وتجيرنا، فكاتب خوارزم شاه كشلوخان، إنا معك، وكاتب ملك الخطأ كذلك، وسار بجيوشه إلى أن نزل بقرب مكان المصاف، فتوهم كلا الفريقين أنه معهم، وأنه مكين لهم، فالتقوا، فانهزمت الخطا فمال حينئذ مع كشلوخان، ورأى رأيًا نحسًا، وهو إن أمر أهل بلاد الترك بالجلاء إلى بخارى وسمرقند، ثم خربهما جميعًا وشتت الناس.
وفيها توفي أسعد بن المنجا بن أبي البركات القاضي أبو المعالي التنوخي المغربي، ثم الدمشقي روي عن القاضي الأرموي وتفقه على الشيخ عبد القادر وغيره.
وفيها توفيت أم هاني عفيفة بنت أحمد بن عبد الله الأصبهانية، وهي آخر من روى عن عبد الواحد صاحب أبي نعيم، ولها إجازة من أبي علي الحداد وجماعة، وسمعت المعجمين الصغير والكبير للطبراني من فاطمة الجوزدانية.
وفيها توفي الإمام الكبير العلامة التحرير الأصولي المتكلم المناظر المفسر صاحب التصانيف المشهورة في الآفاق الحظية سوق الإفادة بالاتفاق فخر الدين الرازي أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين القرشي التيمي البكري الملقب بالإمام عند علماء الأصول المقرر
(4/6)

لشبه مذاهب الفرق المخالفين والمبطل لها بإقامة البراهين الطبرستاني الأصل الرازي المولد المعروف الشافعي المذهب فريد عصره، ونسيج وحد الذي قال فيه بعض العلماء.
خصه الله برأي هو للغيب طليعة ... فيرى الحق بعين دونها حد الطبيعة
ومدحه الإمام سراج الدين يوسف بن أبي بكر بن محمد السكاكي الخوارزمي بقوله:
أعلمهن علمًا يقينًا إن رب العالمينا ... لو قضى في عالميهم خدمة للأعلمينا
أخدم الرازي فخر أخدمة العبد بن سينا
فاق أهل زمانه الأصلين والمعقولات، وعلم الأوائل، صنف التصانيف المفيدة في
فنون عديدة. منها تفسير القران الكريم جمع فيه من الغرائب والعجائب ما يطرب كل طالب، وهو كبير جدًا لكنه لم يكمله وشرح سورة الفاتحة في مجلد، ومنها في علم الكلام المطالب العالية ونهاية العقول وكتاب الأربعين والمحصل وكتاب البيان والبرهان في الرد على أهل الزيغ والطغيان وكتاب المباحث المشرقية، وكتاب المباحث المعادية في مطالب المعادية وكتاب تهذيب الدلائل وعيون المسائل وكتاب إرشاد النظار إلى لطائف الأسرار وكتاب أجوبة المسائل النجارية وكتاب تحصيل الحق وكتاب الزيدة والمعالم وغير ذلك، وفي أصول الفقه والمحصول والمعالم في الحكمة الملخص وشرح الملخص لابن سينا وشرح الإشارات لابن سينا وشرح عيون الحكمة وغير ذلك، وفي الطلسمات السر المكتوم وشرح أسماء الله الحسنى ويقال: إن له شرح المفصل في النحو للزمخشري وشرح الوجيز في الفقه للغزالي. وشرح سقط الزند للمعري. وله مختصر في الإعجاز ومؤاخذات جيدة على النحاة وله طريقة في الخلاف، وله في الطب شرح الكليات للقانون، وصنف في علم الفراسة، وله مصنف في مناقب الشافعي، وكل كتبه مفيدة، وانتشرت تصانيفه في البلاد ورزق فيها سعادة عظيمة بين العباد، فإن الناس اشتغلوا بها، وهو أول من اخترع هذا الترتيب في كتبه، وأتي فيها بما لم يسبق إليه، وله في الوعظ اليد البيضاء ويعظ باللسانين العربي والعجمي، وكان يلحقه الوجد حال الوعظ، ويكثر البكاء، وكان يحضر مجلسه بمدينة هراة أرباب المذاهب والمقالات، ويسألونه وهو يجيب كل سائل بأحسن الأجوبة، المجادلات على اختلاف أصنافهم ومذاهبم ويجيء إلى مجلسه الأكابر والأمراء والملوك، وكان صاحب وقار وحشمة ومماليك وثروة، وبزة حسنة، وهيئة جميلة، إذا ركب مشى معه نحو ثلاث مائة مشتغل على اختلاف مطالبهم في التفسير والفقه والكلام والأصول والطب
(4/7)

وغير ذلك، ورجع بسببه خلق كثير من الطائفة الكرامية وغيرهم إلى مذهب أهل السنة كان يلقب بهراة شيخ الإسلام، وكان مبدأ اشتغاله على والده إلى أن مات، ثم قصد الكمال السمناني بالسين المهملة والنون مكررة قبل الألف وبعدها، واشتغل عليه مدة، ثم عاد إلى الري، واشتغل على المجد الجيلي صاحب محمد بن يحيى الفقيه أحد تلامذة الإمام حجة الإسلام أبي حامد الغزالي، ولما طلب المجد إلى مراغة ليدرس بها صحبه وقرأ عليه مدة طويلة علم الكلام والحكمة، ويقال: إنه كان يحفظ الشامل لإمام الحرمين في أصول الدين والمستصفى في أصول الفقه للغزالي وكذا المعتمد لأبي الحسين البصري، ثم قصد خوارزم وقد تمهر في العلوم فجرى بينه وبين أهلها كلام فيما يرجع إلى المذهب والاعتقاد، فأخرج من البلد، فقصد ما وراء النهر، فجرى له أيضا هنالك كذلك، فعاد إلى الري، وكان بها طبيب حاذق له ثروة ونعمة، وكان للطبيب ابنتان، ولفخر الدين ابنان، فمرض الطبيب، وأيقن بالموت، فزوج ابنتيه لولدي فخر الدين، ومات الطبيب، فاستولى فخر الدين على جميع أمواله، كذا قاله ابن خلكان قلت: وعلى تقدير صحة ذلك يحمل على استيلاء شرعي من نحو وصاية أو وكالة قال: ولازم الأسفار، وعامل شهاب الدين الغوري صاحب غزنة بالغين المعجمة والزاي والنون في جملة من المال، ثم مضى إليه لاستيفائه منه، فبالغ في إكرامه والإنعام عليه، وحصل له من جهته مال طائل، وعاد إلى خراسان، واتصل بالسلطان محمد المعروف بخوارزم شاه، فحظي عنده، ونال أسمى المراتب، ولم يبلغ أحمد منزلته عنده، ولما قدم إلى هراة نال من الدولة إكرامًا عظيمًا، فاشتد ذلك على الكرامية، فاجتمع يومًا مع القاضي مجد الدين ابن القدوة، فتناظر ثم استطال فخر الدين علي ابن القدوة، ونال منه وأهانه فعظم ذلك على الكرامية، وثاروا من كل ناحية، فقامت بينهم فتنة فأمر السلطان الجند بتسكينها وذلك في سنة خمس وتسعين وخمس مائة ولم يزل بينه وبين الكرامية السيف الأحمر، فينال منهم وينالون منه سبًا وتكفيرًا حتى قيل إنهم سموه فمات من ذلك، وكان موته بهراة يوم الاثنين يوم عيد الفطر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
ومناقبه أكثر من أن تحصر به وتعد وفضائله لا تحصى ولا تحد.
وكان له مع ما جمع من العلوم شيء من الكلام المنظوم، ومن ذلك قوله:
نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال
(4/8)

فأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذىً ووبال
ولم تستفد من بحثناطول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقال وكم من جبال قد علت شرفاته رجال فزالوا والجبال جبال
وكم قد رأينا من رجال ودولة ... فبادوا جميعًا مسرعين وزالوا
وكان العلماء يقصدونه من البلاد، وتشد إليه الرحال من الأقطار.
وحكى شرف الدين بن عنين أنه حضر عرسه يومًا، وهو يلقي الدروس في مدرسته ودرسه حفل بالأفاضل واليوم شات وقد سقط ثلج كثير، فسقطت بالقرب منه حمامة، وقد طردها بعض الجوارح، فلما دفعت ما رجعت خوفًا من الحاضرين في المجلس، ولم تقدر الحمامة على الطيران من خوفها وشدة البرد، فلما قام فخر الدين من الدرس وقف عليها ورق لها وأخذها.
قلت: هكذا حكى والدي حكوا في علم المعاني والبيان أنها وقعت في حجر الإمام فخر الدين فأنشده بن عنين في الحال.
يا ابن الكرام المطمعين إذا استواى ... في كل مسغبة وثلج خاشف
الغامضين إذ االنفوس تطايرت ... بين الصوارم والوشيح الزاعف
من نبأ الورقاء أن ... محلكم حرم وأنك ملجأ للخائف
مع أبيات أخرى منها قوله:
جاءت سليمان الزمان لشكوها ... والموت تلمع من جناحي خاطف
وهذا البيت مع البيت الثالث هما اللذان المذكوران في علم المعاني والبيان من المبدعات إذا افتتحا بقوله جاءت سليمان الزمان حمامة إلى آخره، ثم أتبع بقوله: من نبأ الورقاء أن محلكم إلى آخره كانا من الموجز المبدع قوله: خاشف هو بالخاء والشين المعجمتين يقال: خشف الثلج إذا تحرك، ومنه قول الشاعر يصف البرده:
إذا كبد النجم السماء يشو ... على حين هر الكلب والثلج خاشف
(4/9)

وقال أبو عبد الله الحسين الواسطي: سمعت فخر الدين بهراة ينشد على المنبر عقب كلام عاتب فيه أهل البلد:
المرء مادام حيًا يستهان به ... ويعظم الرزء فيه حين يفتقد
وذكر فخر الدين في كتابه الموسوم بتحصيل الحق، أنه اشتغل في علم الأصول على والده ضياء الدين عمر، ووالده على أبي القاسم سليمان بن ناصر الأنصاري، وهو على إمام الحرمين أبي المعالي، وهو على الأستاذ أبي الإسحاق الإسفرائيني وهو على الشيخ أبي الحسن الباهلي وهو على شيخ السنة أبي الحسن علي بن أبي إسماعيل الأشعري الناصر لمذهب أهل السنة والجماعة، وأما اشتغاله في فروع المذهب، فإنه اشتغل على والده المذكور، ووالده على أبي محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي، وهو على القاضي حسين المروزي، وهو على القفال المروزي، وهو على أبي زيد المروزى، وهو على أبي إسحاق المروزي، وهو على أبي العباس بن شريح، وهو على أبي القاسم الأنماطي، وهو على أبي إبراهيم المزني، وهو على الإمام الشافعي المطلبي رضي الله تعالى عنه.
وكانت ولادة فخر الدين في الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة أربع وأربعين، قيل: ثلاث وأربعين وخمس مائة بالري وتوفي يوم الاثنين يوم عيد الفطر من السنة المذكورة، كما تقدم رحمه الله تعالى، وفيها توفي العلامة مجد الدين أبو السعادات المبارك بن أبي الكرم محمد بن محمد بن محمد المعروف بابن الأثير الشيباني الجزري، ثم الموصلي الكاتب.
قال أبو البركات بن المستوفي في حقه: أشهر العلماء ذكر أو أكثر النبلاء قدرا وأوحد الأفاضل المشار إليهم، وفرد الأماثل المعتمد في الأمور عليهم أخذ النحو عن شيخه أبي محمد إسماعيل بن المبارك، وسمع الحديث متأخرًا، ولم يتقدم له رواية، وله المصنفات البديعة والرسائل الوسيعة.
منها جامع الأصول في أحاديث الرسول جمع فيه بين الصحاح الستة، وهو على وضع كتاب رزين إلا أن فيه زيادات كثيرة، ومنها كتاب النهاية في غريب الحديث في خمس مجلدات
وكتاب الإنصاف في الجمع بين الكشف والكشاف في تفسير القرآن أخذه من
(4/10)

تفسير الثعلبي والزمخشري، وله كتاب المصطفى والمختار في الأدعية والأذكار، وكتاب لطيف في صنعة الكتابة، وكتاب البديع في شرح الفصول في النحو لابن الدهان، وديوان رسائل والكتاب الشافي في شرح مسند الإمام الشافعي وغير ذلك من التصانيف. وله ديوان الإنشاء لصاحب الموصل مسعود بن مودود ارسلان شاه وحظي عنده، وتوفرت حرمته لديه، وكتب له مدة، ثم عرض له مرض الفالج، فكف يده من الكتابة ورجليه من الحركة، وأقام في داره يغشاها الأكابر والعلماء وأنشأ رباطًا، ووقف أملاكه على رباطه المذكورة، وعلى داره التي سكنها.
قال ابن خلكان: وبلغني أنه صنف كتبه كلها في مدة تعطله، فإنه تفرغ لها وكان عنده جماعة يعينونه عليها في الأخبار والكتابة، وله شعر يسير، ومن ذلك ما أنشده للأتابك صاحب الموصل، وقد زلت بغلته.
إن زلت البغلة من تحته ... فإن في زلتها عذرا
حملها من علمه شاهقاً ... ومن ندى راحته بحرا
وحكى أخوه أبو الحسن أنه جاءه رجل مغربي، فالتزم أن يداويه ويبرئه ما هو فيه، وأنه لا يأخذ أجرة إلا بعد برئه. قال: فملنا إلى قوله، وأخذ في معالجته بدهن، حتى لانت رجله، وأشرف على كمال البرء، فقال لي: أعط هذا المغربي شيئا يرضيه واصرفه، فقلت له: لم ذا وقد ظهر نجح معالجته. فقال: الأمر كما يكون ولكني في راحة مما كنت فيه من صحبة هؤلاء القوم والالتزام بإحضارهم، وقد سكنت روحي إلى الانقطاع والدعة، وقد كنت بالأمس وأنا معافى أذل نفسي بالسعي إليهم. وأنا الآن قاعد في منزلي، فإذا طرأت لهم أمور ضرورية جاؤوني بأنفسهم لأخذ رأيي، وبين هذا وذاك كثير، ولم يكن سبب هذا إلا هذا المرض، فما أرى زواله ولا معالجته، ولم يبق من العمر إلا القليل، فدعني أعيش باقيه حرًا سليمًا من الذل، فقد أخذت منه بأوفر حظ. قال: فقبلت منه قوله وصرفت الرجل بإحسان.
وفيها توفي أبو المكارم أسعد بن الخطير مهذب بن ميناء الكاتب الشاعر، كان ناظر الدواوين. بالديار المصرية، وفيه فضائل عديدة ونظم سيرة السلطان صلاح الدين، وله ديوان شعر ومن جملته قوله.
(4/11)

يعاتبني وينهى عن أمور ... سبيل الله أن ينهوك عنها
أتقدر أن تكون كمثل عيني ... وحقك ما علي أضر منها

سنة سبع وست مائة
فيها توفي صاحب الموصل أرسلان شاه ابن السلطان مسعود، وكان شهمًا شجاعًا سائسًا مهيبًا، قال أبو السعادات ابن الأثير وزيره: ما قات له في فعل خير الإبادر فيه، وقال أبو المظفر ابن جوزي: كان جبارًا سافكًا للدماء. وقال ابن خلكان: كان شهمًا عارفًا بالأمور تحول شافعيًا، ولم يكن في بيته شافعي سواه، وبنى مدرسة للشافعية بالموصل قل أن يوجد مدرسة في حسنها. توفي في شبارة بالشط ظاهر الموصل والشبارة بالشين المعجمة مفتوحة والموحدة مشددة، وبين الألف والهاء راء، وهي عندهم الحراقة عند أهل مصر، وكتم موته حتى دخل به إلى دار السلطنة بالموصل. ودفن في تربته التي بمدرسته المذكورة، وخلف ولدين هما الملك القاهر مسعود، والملك المنصور زنكي، وسيأتي ذكر كل واحد منهما في ترجمته إنشاء الله تعالى، وتسلطن بعده ابنه مسعود.
وفيها توفي مؤيد الدولة أسامة بن مرشد الكلبي من اكابر أهل قلعة سعير وشجعانهم علمائهم، له تصانيف عديدة في فنون الأدب، وله ديوان شعر في جزأين منه قوله.
لا تستعر جلداً على هجرانهم ... فقواك تضعف عن صدود دائم
وإعلم بأنك إن رجعت إليهم ... طوعًا وإلا عدت عودة راغم
ومنه قوله في دار ابن طليب احترقت:
أنظر إلى الأيام كيف تسوقنا ... قهرا إلى الإقرار بالأقدار
ماأوقد ابن طليب قط بداره ... نارًا وكان خرابها بالنار
ومما يناسب هذه الواقعة ما حكي، أن إنسانًا معروفًا بابن صورة المصري كانت له بمصر دار موصوفة بالحسن فاحترقت، فقال أبو الحسن بن مفرج المعروف بابن المنجم
أقول وقد عاينت دار ابن قعورة ... وللنار فيها مارج يضرم
(4/12)

كذا كل مال أصله من مهاوش ... فعما قليل في نهابر يعدم
وما هو إلا كافر طال عمره ... فجاءته لما استبطأته جهنم
والبيت الثاني مأخوذ من قوله عليه السلام: " من أصاب مالا من مهاوش أذهبه الله في نهابر والمهاوش: الحرام، والنهابر: المهالك.
فيها توفي مسند العراق الحافظ أبو أحمد عبد الوهاب بن سكينة البغدادي الصوفي، سمع الحديث، وقرأ القراءات، وقرأ الفقه والخلاف والنحو.
وقال ابن النجار: هو شيخ العراق في الحديث والزهد والسمت وموافقة السنة، كانت أوقاته محفوظة لا يمضي له ساعة إلا في تلاوة، أو ذكر، أو تهجد أو اسماع، وكان يديم الصيام غالبآ ويستعمل السنة في أموره، قال: وما رأيت أكمل منه ولا أكثر عبادة ولا أحسن سمتًا.
وفيها توفي الشيخ أبو عمر المقدسي الزاهد محمد بن أحمد المعروف بابن قدامة سمع من جماعة، وكتب الكثير بخطه، وحفظ القرآن والحديث والفقه، وكان إمامًا فاضلأ مقريًا زاهدأ عابدًا قانتاً لله خائفًا من الله منيبًا إلى الله، كثير النفع لخلق الله، ذا أوراد وتهجد واجتهاد وأوقات مقسمة على الطاعات من الصلاة والصيام والذكر، وتعليم العلم، والفتوة والمروة والخدمة والتواضع، وكان عديم النظير في زمانه حطب بجامع الجبل إلى أن توفي في رحمه الله تعالى.

سنة ثمان وست مائة
فيها قدم بغداد رسول جلال الدجين حسن صاحب الألموت بدخول قومه في الإسلام، وأنهم قد تبرؤوا من الباطنية، وبنوا المساجد والجوامع، وصاموا رمضان، فسر الخليفة بذلك.
وفيها وثب قتادة الشريف الحسني أمير مكة على الركب العراقي بمنىً فنهبهم، وقتل جماعة قيل: راح للباس في ذلك ما قيمته ألف ألف دينار.
(4/13)

وفيها توفي أبو العباس العاقولي أحمد بن الحسن أبي البقاء المقرىء، قرأ القراءات، وسمع الحديث والروايات المتعددات.
وفيها توفي العلامة ابن نوح الغافقي محمد بن أيوب الأندلسي، قرأ القراءات، وسمع الحديث، وتفقه وبرع في مذهب ملك، ولم يبق له في وقته نظير في شرق الأندلس تفننًا واستيخارًا، كان رأسًا في القراءات والفقه والعربية، وعقد المشروطة قال: الإبار: تلوت عليه وهو أغزر من لقيت علمًا وأبعدهم صيتًا.
وفيها توفي الإمام العلامة محمد بن يونس الملقب عماد الدين الفقيه الشافعي، كان إمام وقته في الأصول والخلاف والجدل، وكان له صيت عظيم في زمانه، وقصده الفقهاء من البلاد الشاسعة للاشتغال، وتخرج عليه خلق كثير صاروا كلهم أئمة مدرسين يشار إليهم، وكان مبدأ اشتغاله على أبيه، ثم توجه إلى بغداد وتفقه بالمدرسة النظامية على السديد محمد السلماسي، وكان معيدًا بها، والمدرس يومئذ الشريف يوسف بن بندار الدمشقي، وسمع بها الحديث من أبي عبد الرحمن بن محمد الكشميهني، ومن أبي حامد محمد بن أبي الربيع الغرناطي، وعاد إلى الموصل، ودرس بها في عدة مدارس، وصنف كتبًا في المذهب منها كتاب المحيط في الجمع بين المهذب والوسيط وشرح الوجيز للغزالي، وصنف جدلاً وعقيدة، وتعليقه في الخلاف، لكنه لم يتمها، وكانت إليه الخطابة في الجامع المجاهدي مع التدريس في المدرسة النورية والغربية والزنكية والنفسية والعلانية، وتقدم في دولة نور الدين ارسلان شاه صاحب الموصل تقدمًا كثيرًا، وتوجه رسولاً إلى بغداد من غير مرة، وإلى الملك العادل، وناظر في ديوان الخلافة، واستقل في مسألة شراء الكافر للعبد المسلم، وتولى القضاء بالموصل، ثم انفصل عنه بأبي الفضائل القاسم بن يحيى الشهرزوري الملقب ضياء الدين، وانتهت إليه رياسة أصحاب الشافعي بالموصل.
وكان شديد الورع والتقشف لا يلبس الثوب الجديد حتى يغسله، ولا يمس القلم للكتابة إلا ويغسل يده، وكان دمث الأخلاق يعني سهلها، لطيف الخلوة ملاطفا بحكايات وأشعار، وكان كثير المباطنة لنور الدين صاحب الموصل، يرجع إليه في الفتاوى، ويشاوره في الأمور، وله صنف العقيدة المذكورة، ولم يزد معه، أو قال: يبحث معه حتى
(4/14)

انتقل عن مذهب أبي حنيفة إلى مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنهما، ولمم يوجد في بيت أتابك مع كثرتهم شافعي سواه.
ولما توفي نور الدين توجه إلى بغداد في الرسالة بسبب تقرير ولده الملك القاهر مسعود، فعاد وقد قضى الشغل ومعه الخلعة والتقليد، وتوفرت حرمته عند القاهر أكثر مما كانت عند أبيه، وكان مكمل الآداب، غير أنه لم يرزق سعادة في تصانيفه فإنها ليست على قدر فضائله.
وكان الملك المعظم صاحب إربل يقول: رأيت الشيخ عماد الدين في المنام بعد موته، فقلت له: أما مت؟! فقال: بلى، ولكني محترم رحمه الله تعالى.
وفيها توفي القاضي السعيد أبو القاسم هبة الله بن القاضي الرشيد أبي الفضل جعفر بن المعتمد السعدي، الشاعر المشهور، المصرفي صاحب ديوان الشعر البديع، ونظم رائق الحسن الرفيع أحد الفضلاء الرؤساء النبلاء، أخذ الحديث عن أبي طاهر أحمد بن محمد السلفي الأصبهاني، وكان كثير التخصيص والنعم، وافر السعادة من الدنيا، حميد الشيم اختصر كتاب الحيوان للجاحظ وسمي المختصر روح الحيوان، وله ديوان جميعه موشحات سماء دار الطراز وجمع شيئًا من الرسائل الدائرة بينه وبين القاضي الفاضل، ومن محاسن شعره قوله في غزل قصيدة مدح بها القاضي الفاضل:
ولو أبصر النظام جوهر ثغرها ... لما شك فيه أنه الجوهر الفرد
ومن قال: إن الخيرزانة قدها ... فقولوا له: إياك أن يسمع القد
وكان بمصر شاعر يقال له: أبو المكارم هبة الله بن وزير، فبلغ القاضي الملقب بالسعيد المذكور أنه هجاه، فأحضره إليه وأد به وشتمه، فكتب إليه أبو الحسن المعروف بابن المنجم الشاعر المشهور:
قل للسعيد أدام الله نعمته ... صديق ابن وزير كيف تظلمه
صفعته إذا غدا يهجوك منتقمًا ... وكيف من بعد هذا ظلت تشتمه
هجو يهجو، وهذا الصفع فيه ربًا ... والشرع ما يقتضيه، بل يحرمه
فإن تقل ما بهجو عنده ألم ... فالصفع والله أيضًا ليس يؤلمه
(4/15)

سنة تسع وست مائة
فيها كانت الملحمه العظمى بالأندلس بن الناصر محمد بن يعقوب، وبين الفرنج، فنصر الله الإسلام، والحمد لله استشهد بها عدد كثير وتعرف بوقعة العقاب.
وفي السنة المذكورة توفي الحافظ أحمد بن هارون البغوي الشاطبي سمع أباه العلامة ابن هذيل، ولما حج سمع من السلفي، وكان عجبًا في سرد المتون، ومعرفة الرجال الأدب، وكان زاهدًا سلفيًا متفننًا عدم في وقعة العقاب.
وفيها توفي الملك الأوحد أيوب بن الملك العادل بن أبي بكر بن أيوب وكان ظلوماً سفاكًا لدماء الأمراء.
وفيها توفي أبو نزار ربيعة بن الحسن الحضرمي اليمني الصنعاني الشافعي المحدث، تفقه بظفار، ورحل إلى العراق وأصفهان، وسمع من طائفة منهم أبو المطهر الصيدلاني، وكان مجموع الفضائل، كثير التعبد والعزلة.

سنة عشر وست مائة
فيها توفي تاج الأمناء أبو الفضل أحمد بن محمد بن الحسن بن هبة الله الدمشقي المعدل ابن عساكر والد العز النسابة.
وفيها توفي أبو الفضل التركستاني أحمد بن مسعود شيخ الحنفية في العراق، وعالمهم ومدرس مسند الإمام أبي حنيفة.
وفيها توفي السلطان شمس الدين، صاحب همدان، وأصفهان، والري وصاحب المغرب الملقب بأمير المؤمنين، محمد بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن القيسي، وكان حسن القامة، أشقر، أشهل، طويل الصمت، كبير الأطراف بعيد الغور، ذا شجاعة وحلم، وفي سنة تسع وتسعين سار ونزل على مدينة فارس فأخذها، ثم سار وحاصر المهدية أربعة أشهر، ثم تسلمها، وقيل: إنه أنفق في هن! السفرة مائة وعشرين حمل ذهب.
وفيها توفي أبو موسى عيسى بن عبد العزيز الجزولي، كان إمامًا في علم النحو كثير الإطلاع على دقائقه وغريبه وشاذه، وصنف فيه المقدمة التي سماها القانون أتى فيها
(4/16)

بالعجائب، وهي مع الإيجاز مشتملة على كثير من النحو قيل، ولم يسبق إلى مثلها واعتنى بها جماعة من الفضلاء شرحوها، ومنهم من وضع لها أمثلة، ومع هذا فلا يفهم حقيقتها، وأكثر النحاة يعترفون بقصور إفهامهم عن إدراك مراده منها، فإنها كلها رموز وإشارات، وقد قال بعض أئمة العربية: أنا ما أعرف هذه المقدمة، وما يلزم من كونه ما أعرفها إن لا أعرف النحو، ويقال: إنه كان يدري شيئًا من المنطق، وعلى جملة، وفي مقدمته المذكورة كلام غامض، وعقود لطيفة، وأشار إلى أصول صناعة النحو وغريبه.
وذكر بعضهم أنه كان إذا سئل عنها، هذه من صنعتك؟. قال: لا لأنه كان متورعًا
وكان قد جرى بين الطلبة بحث حصلت منه فوائد، فعلقها الجزولي فيها، وفوائد أخرى من كلام شيخه، فسلم يسعه لذلك أن يقول هي من صنعتي، وإن كانت منسوبة إليه، لأنه الذي انفرد بترتيبها. وكان قد دخل إلى الديار المصرية، وأقام بهامدة حجج، ثم رجع إلى بلاد المغرب، وأقام بمدينة بجاية مدة والناس يشتغلون عليه وانتفع به خلق كثير والجزولي بضم الجيم والزاي وسكون الواو نسبة إلى جزولة، وهي بطن من البربر.
وفي السنة المذكورة توفيت عين الشمس بنت أحمد بن أبي الفرج الثقفية الأصفهانية.
وفيها توفي أبو الفتح ناصر بن أبي المكارم المطرزي الفقيه النحوي الأديب الحنفي الخوارزمي، كانت له معرفة تامة بالنحو واللغة والشعر وأنواع الأدب، قرأ على جماعة، وسمع الحديث من طائفة، وكان رأسا في الاعتزال، داعيًا إليه منتحلاً مذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه في الفروع، فصيحًا فاضلاً في الفقه، له عدة تصانيف نافعة منها شرح المقامات للحريري، وهو على وجازته مفيد محصل للمقصود، وله كتاب المغرب تكلم فيه على الألفاظ التي يستعملها الفقهاء من الغريب، وهي للحنفية بمنزلة كتاب الأزهري للشافعية. وما قصر فيه، فإنه أتى جامعا للمقاصد، وله غير ذلك، وانتفع الناس به وبكتبه ودخل بغداد حاجًا، وجرى له هناك مباحث مع جماعة من الفقهاء وأخذ أهل الأدب عنه، وكان شهير الذكر بعيد الصيت، وله شعر من ذلك قوله:
وإني لاستحيي من المجد أن أرى ... حليف عوان أو أليف غواني
وقوله:
تعامى زماني عن حقوقي وإنه ... قبيح على الزرقاء تبدي تعاميا
فإن تنكروا فضلي فإن دعاءه ... كفى لذوي الأسماع منكم مناديا
(4/17)

ويقال: إنه كان بخوارزم خليفة الزمخشري: والمطرزي نسبة إلى من يطرز الثيابة ويرقمها إما هو أو أحد من آبائه.
وفيها وقيل: وفي سنة تسع توفي أبو الحسن علي بن محمد الحضرمي المعروف بابن خروف النحوي الأندلسي الإشبيلي، كان فاضلاً في علم العربية، وله فيها مصنفات شهدت بفضله وسعة علمه، شرح كتاب سيبويه شرحًا جيدًا وشرح الجمل لأبي القاسم الزجاجي، هذا غير ابن خروف الشاعر والحضرمي نسبة إلى حضرموت.

سنة احدى عشرة وست مائة
فيها توفي الحافظ المتقن مسند العراق عبد العزيز بن محمود المعروف بابن الأخضر البغدادي وفيها توفي الإمام الحافظ المفتي علي بن مفضل اللخمي المقدسي الإسكندراني الفقيه المالكي كان فقيهًا فاضلاً في مذهب الإمام مالك، ومن أكابر الحفاظ المشاهير في الحديث وعلومه، صحب الحافظ أبا طاهر السلفي الأصبهاني.
وفيها توفي الشيخ العلامة زكي الدين أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله المنذري، ولازم صحبته، وبه انتفع، وعليه تخزج، وعليه أنشد أبو الحسن المقدسي المذكور لنفسه:
تجاوزت ستين من مولدي ... فأسعد أيامنا المشترك
يسائلني زائري حالتي ... وما حال من حل في المعترك
وأنشد أيضاً لنفسه
أيا نفس بالمأثور من خير مرسل ... وبأصحابه والتابعين تمسكي
عساك إذا بالغت في نشر دينه ... بما طاب نشر له أن تمسكي
خافي غدًا يوم الحساب جهنمًا ... إذا لفحت نيرانها أن تمسكي
وأنشد أيضا ًلنفسه
(4/18)

لما تحيي من تحيي بريقها ... كأن مزاج الراح بالمسك في فيها
وما ذقت فيها غير أني رويته ... عن الثقة المسواك، وهو موافيها
هذا المعنى قد سار في كثير من أشعار المتقدمين والمتأخرين، فمن ذلك قول بشار من جملة أبيات:
يا أطيب الناس ريقًا غير مختبر ... إلا شهادة أطراف المساويك
وقول آخر:
وأخبرني أترابها أن ريقها ... على ما حكى عودًا لأراك لذيذ
وكان مدرسًا ونائبًا في الحكم.
وفيها توفي الشيخ أبو الحسن بن أبي بكر الهروي، طاف البلاد وأكثر الزيارات حتى كاد يطبق الأرض بالدورات برًا وبحرًا وسهلاً ووعرًا، وكان له فضيلة ومعرفة بعلم السيمياء وبه تقدم عند الملك الطاهر عند السلطان صلاح الدين صاحب حلب، وكان كثير الرعاية له، وبنى مدرسة بظاهر حلب.
قال ابن خلكان: رأيت فيها بيتين مكتوبين بخط حسن كتابة رجل فاضل نزل هناك قاصدًا للديار المصرية. وهما.
رحم الله من دعا لأناس ... نزلوا ههنا يريدون مصر
نزلوا والخدود بيض، فلما ... أزف البين عدن بالدمع حمرا
وللهروي المذكور مصنفات منها كتاب الإشارات في معرفة الزيارات وكتاب الخطب الهروية وغير ذلك.

سنة اثنتي عشر وست ومائة
فيها سار الملك المسعود ابن السلطان الملك الكامل من الديار المصرية عندما بلغه موت صاحب البحرين سيف الإسلام، فاستولى على إقليم اليمن بغير حرب.
وفيها استولى خوارزم شاه على غزنة، وهرب ملكها إلى نهاوند، ثم جمع وحشد، والتقى صاحب غزنة.
(4/19)

وفها انهزم الذي غلب على همدان والري وأصبهان، ثم قتل.
وفيها توفي الحافظ عبد الله بن سلمان الأندلسي، وكان موصوفًا بالاتقان حافظًا لأسماء الرجال، صنف كتابًا في تسمية شيوخ البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي، ولم يكمله، وكان إمامًا في العربية والترسل والشعر، ولي قضاء إشبيلية وقرطبة، وأدب أولاد المنصور صاحب المغرب.
وفيها توفي الحافظ عبد القادر الرهاوي، كان مملوكًا لبعض أهل الموصل فأعتقه وحبب إليه فن الحديث، فسمع الكثير، وصنف وجمع، وله الأربعون المتباينة الإسناد والبلاد، وهو شيء ما سبقه إليه أحد ولا يرجوه بعده محدث لخراب البلاد، سمع، وهمدان، وهراة، ومرو، ونيسابور وسجستان، وبغداد ودمشق، ومصر.
وقال ابن خلكان: كان حافظًا ثبتًا، كثير التصاينف، ختم به الحديث وقال أبو أسامة: كان صالحًا مهيبًا زاهدًا خشن، العيش، ورعاء ناسكًا.
وفيها توفي الوجيه المعروف بابن الدهان المبارك بن المبارك النحوي الضرير الواسطي قرأ القراءات، واشتغل بالعلم، وسمع الحديث من أبي زرعة طاهر بن محمد بن طاهر المقدسي، وتفقه على مذهب أبي حنيفة بعد أن كان حنبليًا، ثم انتقل إلى مذهب الشافعي لما شعر المجلس تدريس النحو بالنظامية، وشرط الواقف أن لا يفوض إلا إلى الشافعي المذهب، وفي ذلك يقول أبو البركات المؤيدين يزيد التكريتي:
من مبلغ عني الوجيه رسالة ... وإن كان لا تجدي إليه الرسائل
تمذهب للنعمان بعد ابن حنبل ... وذلك لما أعوزتك المآكل
وما اخترت رأي الشافعي تدينا ... ولكنما يهوي الذي منه حاصل
وعما قليل أنت لا شك صائر ... إلى ملك فأفطن لما أنت قائل
وللوجيه المذكور تصنيف في النحو، وله شعر ومنه قوله:
(4/20)

ولست أستفتح اقتضاك بالوعد ... وإن كنت سيد الكرماء
فإله السماء قد ضمن الرزق ... عليه ويقتضي بالدعاء
وفيها توفي الشيخ الكبير الولي الشهير العارف بالله الخبير أبو الحسن علي بن حميد الصعيدي المعروف بابن الصباغ صاحب أحوال سنية ومقامات علية وأنفاس صادقة، وكرامات خارقة، وفضائل جليلة، ومواهب جزيلة صحب الشيخ الكبير عبد الرحيم القناوي، وتخرج به، وكان والده صباغًا، وكان يريد أن يكون ولده صباغًا مثله، ولا يرى بما هو عليه من الاشتغال بسلوك طريق الصوفية، حتى كان بعض الأيام، فاشتد غضبه عليه وخاصمه كما اقتضى الوقت، وهو مشتغل عن الصباغ والثياب على حالها لم يصبغها، وعنده أزيار متعددة فيها أصباغ مختلفة الألوان يصبغ كل ثوب في زير منها على حسب ما يطلب صاحبه من ألوان الصبغ، فأخذوا أبو الحسن مجموع الثياب، وطرحها في زيرواحد فصاح والده، وإنغاظ عليه غيظًا شديدًا، وقال: أتلفت ثياب الناس، فأدخل أبو الحسن يده في الزير، وأخرجها جميعها، وكل واحد منها مصبوغ باللون الذي أراد صاحبه، فعند ذلك اندهش عقل والده وهاله ما رأى من تلك الكرامة التي ظهرت عليه، وسلم له حاله، واعتقد ما هو مائل إليه من السلوك لطريق الصوفية، وخلاه من تلك الصنعة بالكلية، ولما انتهى حاله وصار من أجلاء المرادين التمس منه الصحبة خلايق من المريدين، وكان لا يصحب إلا من يراه مكتوباً في اللوح المحفوظ من أصحابه، فجاءه إنسان يطلب منه الصحبة وخدمة الفقراء في بعض الوظائف، فأطرق الشيخ ساعة ثم رفع رأسه، وقال: ما بقي عندنا وظيفة، فقال: يا سيدي لا بد أن تفكر لي في خدمة، فقال: ما عندنا خدمة إلا إن كنت تذهب وتأتي كل يوم بحزمة من الحلفاء، قال: نعم يا سيدي فصار كل يوم يأخذ المحش ويأتي بحزمة منها، فلما كان بعد مدة أوجعته يده فرمى بالمحش وترك الفقراء وذهب، فبينا هو في بعض الطريق رأى في منامه كأن القيامة قامت والناس يجوزون على الصراط فمنهم الناجي، ومنهم الواقع في النار نسأل الله السلامة، فلم يقدر يجوز، وبقي في خطر عظيم يكاد يقع فيها، فطلب شيئًا يستمسك، فلم يجد وبقي متحيرًا مشرفًا على الهلاك، وإذا حزمة من حزم الحلفاء تحته في النار مارة عليها، فرمى بنفسه فوقها، حتى أخرجته منها ناجيًا بلطف الله تعالى، فاستيقظ مرعوبًا من هول ما رأى، فرجع إلى الشيخ، فلما وقع بصر الشيخ
(4/21)

عليه، قال له: ما قلنا لك ما عندنا خدمة تصلح لك سوى قطع الحلفاء، فاستغفر الله، وعاد، ما كان عليه، وكان ابن الصباغ المذكور جليلاً، وناهيك لجلالته أن الشيخ الكبير الجليل القدر الشهير أبا عبد الله القرشي لما مات شيخه أصابته وحشة، فذهب إليه، وتأنس به رضي تعالى عنه مع الجميع منهم ونقضا بهم.

سنة ثلاث عشرة وست مائة
فيها قيل: وقع بالبصرة برد أصفر كالتارنجة الكبيرة، وأكبره ما يستحيي الإنسان أن يذكره وفيها: توفي العلامة تاج الدين أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي المعروف البغدادي المولد والمنشأ والدمشقي الدار: والوفاة النحوي اللغوي المقري أكمل القراءات العشرة وله عشرة أعوام.
قال بعضهم: وهذا ما لا أعلمه تهيأ لأحد سواه أتقن القراءات والعربية على جماعة، وقال الشعر الجيد، ونال الجاه الوافر، فإن الملك المعظم كان قديم الاشتغال عليه، وكان ينزل من القلعة إليه، وكان أوحد عصره في فنون الأدب وعلو السماع، لقي جلة المشائخ، وأخذ عنهم، منهم الشريف أبو السعادات بن الشجري وأبو محمد بن الخشاب، وأبو منصور بن الجواليقي استوطن بدمشق بعد أسفار سافرها، وقصده الناس، وأخذوا عنه، وله كتاب نسخه على حروف المعجم قال ابن خلكان: أخبرني أحد أصحابه أنه قال: كنت قاعدًا على باب ابن الخشاب النحوي ببغداد، وقد خرج من عنده الزمخشري الإمام المشهور، وهو يمشي في خشب لأن احدى رجليه كانت سقطت من الثلج، والناس يقولون: هذا الزمخشري ونقل من خطه قال: كان الزمخشري أعلم فضلاء العجم بالعربية في زمانه، وبه ختم الله فضلاؤهم وكان محققاً بالاعتزال ورأيته عند شيخنا ابن الجواليقي مرتين قارئًا بعض كتب، اللغة من فواتحها، مستجيزا لها لأنه لم يكن له على ما عنده من العلم لقاء ولاراوية ولأبي اليمن شعر من جملته قوله، حين طعن في السن:
أرى المرء يهوى أن تطول حياته ... وفي طولها إرهاق ذل وإزهاق
تمنيت في عصر الشبيبة أنني ... أعمر والأعمال لا شك أرزاق
فلما أتاني ما تمنيت ساءني ... من العمر ما قد كنت أهوى وأشتاق
(4/22)

تخيل لي فكري إذا كنت خاليًا ... ركوبي على الأعناق والسير أعناق
ويذكرني مر النسيم وروحه ... ضمائر يعلوها من الترب أطباق
وها أنا في إحدى وتسعين حجة ... لها في إرعاد مخوف وإبراق
يقولون ترياق لمثلك نافع ... وما لي إلا رحمة الله ترايق
ولما توفي نزل الناس بموته درجة في القراءات، وفي الحديث لأنه أخر من سمع ممن هو أعلى أهل عصره سندًا.
وفيها توفي الملك الظاهر صاحب حلب أبو الفتح غازي بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، كان ملكًا عظيمًا مهييًا حازمًا متيقظًا، كثير الاطلاع على أخبار الملوك، وأحوال رعيته، عالي الهمة، حسن التدبير والسياسة، باسط العدل، ملقبًا بغياث الدين، محباً للعلماء مجيزًا للشعراء، ويحكي من سرعة ادراكه أشياء حسنة، منها أنه جلس يومًا فعرض العسكر، وكلما حضر واحد من الأجناد سأله الديوان عن اسمه، حتى حضر واحد، فسألوه، فقبل الأرض، فلم يفطن أحد منهم لما أراد فأعادوا سؤاله، فقال الملك الطاهر: اسمه غازي، وكان كذلك وإنما لم يذكر اسمه أدباً لكونه موافقًا الاسم السلطان المذكور. وفيها توفي الفقيه الإمام معين الدين محمد بن إبراهيم السهيلي الشافعي مؤلف الكافية في الفقه في مجلد، كان إمامًا فاضلاً متفننًا مبرزًا، وله كتاب ايضاح الوجيز في مجلدين أحسن فيه، وله طريقة مشهورة في الخلاف والقواعد المشهورة المنسوبة إليه، واشتغل عليه الناس، وانتفعوا به وبكتبه من بعده خصوصًا القواعد، فإن الناس أكبوا على الاشتغال بها، توفي بكرة يوم الجمعة الحادي والعشرين من شهر رجب من السنة المذكورة.
وفيها توفي العز محمد بن الحافظ عبد الغني المقدسي، سمع وكتب الكثير وارتحل، وكان حافظًا فقيهًا ذا فنون ومروءة تامة، وديانة متينة، موصوفًا بحسن القراءات وجودة الفهم.

سنة أربع عشرة وست مائة
فيها سار خوارزم شاه في أربع مائة ألف راكب إلى أن وصل همدان قاصدًا بغداد ليتملكها، ويحكم على الناصر لدين الله، فاستعد الناصر، وفرق الأموال والسلاح وراسله، فلم يلتفت إليه، قال الرسول: أدخلت إليه في خيمة عظيمة لم أر مثل دهيلزها،
(4/23)

والأطناب حرير، وفي الخدمة ملوك العجم، وما وراء النهر، وهو شاب عليه شعرات قاعد على تخت، وعليه قباء يساوي خمسة دراهم، وعلى رأسه قلنسوة جلد يساوي درهمًا، فسلمت فما رد ولا أمرني بالجلوس، فخطبت وذكرت فضل بني العباس، وأطنبت في فضل الخليفة والترجمان يخبره، فقال: قل له هذا الذي تصفه ما هو في بغداد، بل أنا أجيء وأقيم خليفة هكذا، ثم ردنا بلا جواب واتفق أن نزل بهمدان ثلج عظيم أهلك خيلهم، وركب هو يوماً فعثر به فرسه، فتعطب، وقلت الأقوات على جيوشه ولطف الله فردوا.
وفيها تخربت الفرنج على الملك العادل، ونزلوا على عين جالوت، وقطعوا الشريعة، وسبوا اليزك بالمثناة من تحت والزاي يعني الجرس وعانوا في البلاد، وتهيأ أهل دمشق للحصار، واستحث العادل ملوك النواحي على النجدة، فرجعت الفرنج بالغنائم والسبي إلى نحو عكا، هكذا أذكره الذهبي عكا بالألف وكانوا خمسة عشر ألفًا.
وفيها توفي العماد المقدسي إبراهيم بن عبد الواحد أخو الحافظ عبد الغني قيل: وكان صواماً قوامًا، صاحب أحوال وكرامات، سمحًا متفضلاً ورعًا متواضعًا.
وفيها توفي قاضي القضاة عبد الصمد بن محمد الأنصاري الخزرجي الدمشقي الشافعي، سمع من الكبار، ودرس وأفتى وبرع في المذهب وانتهى إليه علو الإسناد، وكان صالحًا عبادًا من قضاة العدل.

سنة خمس عشرة وست مائة
فيها الملك الأشرف موسى كسر ملك الروم كيكاوس، ثم أخذ عسكره وعسكر حلب، خل بلاد الفرنج ليشغلهم عن دمياط، فأقبل صاحب الروم لأعمال حلب، وأخذ بعض نواحيها، فقصده الملك الأشرف، وقدم بين يديه العرب، فكسروا والروم، وهزموهم. وفيها التقى الملك المعظم الروم، فكسرهم، وقتل خلقًا وأسر مائة فارس، ولكنه تمقت إلى الناس بإدارة المكوس والجبايات بدمشق، واعتذر لما عنفوه بقلة المال، وخرب بايناس، وبعض البلاد مما يلي تلك الجهة، وكانت قفلاً للشام، وزعم أنه فعل ذلك خوفاً من استيلاء الفرنج، وكذلك خرب قلعة منيعة كان قد أنشأها على الطور، وعجز عن حفظها لإحتياجها إلى المال والرجال.
(4/24)

وفيها توفي صاحب مصر والشام السلطان الملك العادل سيف الدين محمد ابن الأمير نجم الدين أيوب، كان أخوه صلاح الدين يستشيره ويعتمد على رأيه لعقله ودهائه، ثم تقلبت به الأحوال بقدرة القدير ذي الجلال، واستولى على المالك وتسلطن ابنه الملك الكامل على الديار المصرية وابنه المعظم على الشام، وابنه الأشرف على الجزيرة، وابنه على خلاط، وابن ابنه المسعود على اليمن، وكان ملكًا جليلاً طويل العمر، عميق الفكر، بعيد الغور، جماعًا للمال، ذا حلم وسؤدد وله نصيب من صوم وصلاة، وكان يضرب به المثل في كثرة أكله، ولم يكن محببًا إلى الرعية لمجيئه بعد الدولتين النورية والصلاحية.
قال الملك العادل: لما عزمنا على المسير إلى مصر احتجت إلى حرمدان يعني الذي يسميه الناس اليوم حمدان، فطلبته من والدي، فأعطاني وقال: يا أبا بكر إذا ملكتم مصر، فاعطني ملؤه ذهبًا، فلما جاء إلى مصر، قال: يا أبا بكر أين الحرمدان فرحت وملأته من الدراهم السود، وجعلت على أعلاه شيئا من الذهب وأحضرته إليه، فلما آره اعتقده ذهباً، فقلبه وظهرت الفضة السوداء، فقال: يا أبا بكر تعلمت من دغل المصريين. ولما ملك صلاح الدين الديار المصرية كان ينوب عنه في حال غيبته في الشام، واستدعي منه الأموال للانفاق في الجند وغيرهم، فتقدم السلطان إلى العماد الأصفهاني إلى أن يكتب إلى أخيه الملك العادل يستحثه على انفاذها. حتى قال: يسير الحمل من مالنا أو من ماله ولما وصل إليه الكتاب شق عليه، فشكا إلى القاضي الفاضل، وكتب الفاضل جوابه ومن جملته وإمامًا ذكره المولى من قوله يسير الحمل من مالنا أو من ماله، فتلك لفظة لم يكن المقصود بها النجمة، وإنما المقصود بها من الكاتب السجعة، وكم من لفظة فضة، وكلمة فيها غلظة، حيرت الأقلام، وسدت خلل الكلام وخلف تسعة عشر ابنًا تسلطن منهم خمسة. الكامل، والمعظم، والأشرف، والصالح وشهاب الدين غازي.
وفيها توفي صاحب الموصل السلطان الملك القاهر عز الدين أبو الفتح مسعود بن السلطان نور الدين ارسلان شاه ابن المسعود الأتابكي وصاحب الروم السلطان الملك الغالب عز الدين بن كيكاوس.
وفيها توفي محدث بغداد الحافظ أبو العباس أحمد بن أحمد البندنيجي.
وفيها توفي الفقه أبو حامد محمد بن محمد العميدي الحنفي السمرقندي،
(4/25)

كان إماماً في فن الخلاف، وهو أول من آفرده بالتضيف، ومن تقدمه، كان يمزجه بخلاف المتقدمين، ومن تصانيفه أيضًا كتاب النفائس اختصره شمس الدين أحمد بن الجليل الفقيه الشافعي الجوني قاضي دمشق وسماه عرائس النفائس، وكان كريم الأخلاق، كثير التواضع، طيب المعاشرة.
وفيها توفي الفقيه العلامة عماد الدين أبو القاسم الدامغاني قاضي القضاة عبد الله بن حسين، ولي القضاء بالعراق نحو ثمان سنين، ثم عزل، وأبو الفتوح محمد بن محمد بن محمد القرشي التيمي البكري الصوفي.
وفيها توفيت أم المؤيد زينب بنت عبد الرحمن بن الحسن الجرجاني الأصل، النيسابوري الدار، الصوفي المذهب المعروف بالشعري بفتح الشين المعجمة، وسكون العين المهملة، وكسر الراء، كانت عالمة أدركت جماعة من العلماء، وأخذت عنهم رواية واجازة منهم الإمام أبو المظفر بن عبد المنعم بن عبد الكريم القشيري والحافظ أبو الحسين عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي وأبو البركات ابن الإمام محمد بن الفضل الفزاري والعلامة أبو القاسم الزمخشري صاحب الكشاف وغيرهم.

سنة ست عشرة وست مائة
في أولها خرب الملك المعظم سور بيت المقدس خوفًا وعجزأ من الفرنج أن يملكه، فشتت أهله وتضرروا، وكان هو مع أخيه الكامل في كشف الفرنج عن دمياط، وتمت لهم للمسلمين حروب وقتال كثير، وجدت الفرنج في محاصرة دمياط، وعملوا عليهم خندقًا كبيرًا، وثبت أهل البلد ثباتًا لم يسمع بمثله، وكثر فيهم القتل والجراح، وعدمت الأقوات، ثم سلموها بالأمان وتسارعت الفرنج من كل فج عميق، وشرعوا في تحصينها، وأصبحت دار هجرتهم وترجوا أخذ ديار مصر، وأشرف الإسلام على الإنكسار والدمار، وأقبل أعداء الله من المشرق والمغرب، وأقبل المصريون على الجلاء فيهم الكامل إلى أن سار أخوه الأشرف كما سيأتي في سنة ثمان عشر وست مائة.
وفيها توفي أبو البقاء عبد الله بن الحسين العكبري الضريري النحوي صاحب التصانيف، أخذ النحو عن أبي محمد بن الخشاب وغيره من مشائخ عصره ببغداد، وسمع الحديث من أبي الفتح محمد بن عبد الباقي المعروف بابن البطي، ومن أبي زرعة طاهر بن محمد المقدسي وغيرهما، ولم يكن في آخر عمره في عصره مثله في فنونه على ما قيل:
(4/26)

وكان الغالب عليه علم النحو وتصانيفه مفيده منها شرح كتاب الإيضاح لأبي علي الفارسي وديوان المتنبي واعراب القرآن الكريم في جزأين وكتاب اعراب الحديث وكتاب شرح اللمع لابن جني وكتاب اللباب في علل النحو وكتاب اعراب شعر الحماسة وشرح المفصل للزمخشري شرحًا مفصلاً وشرح الخطيب النباتية والمقامات الحريرية، وصنف في النحو والحساب، واشتغل عليه خلق كثير، وانتفعوا به واشتهر اسمه في البلاد في حياته وبعد صيته، وحكى في شرح المقامات عند ذكر العنقاء أن أهل الرس كان بأرضهم جبل يقال له: دمح صاعد في السماء قد رميل، وكانت به طيور كثيرة، وكانت العنقاء طائرة عظيمة الخلق طويلة العنق لها وجه إنسان وفيها من كل حيوان شبه من أحسن الطير، وكانت تأتي في السنة مرة هذا الجبل، فتلتقط طيره، فجاعت في بعض السنين وأعوزها الطير، فانقضت على صبي، فذهبت به، فسميت عنقاء مغرب والمغرب الني يجيء بالغرائب لإبعادها بما تذهب به، ثم ذهبت بجارية أخرى، فشكى أهل الرسل إلى نبيهم حنظلة بن صفوان، فدعا عليها فأصابتها صاعقة، فاحترقت، والله أعلم انتهى.
قال بعض أهل العلم: هذا حنظلة بن صفوان نبي أهل الرس كان في زمن الفترة بين عيسى ونبينا صلوات الله وسلامه عليهما.
وذكر بعض المؤرخين، وهو الفرغاني نزيل مصر أن العزيز نزار بن المعز صاحب مصر اجتمع عنده من غرائب الحيوان ما لم يوجد عند غيره، فمن ذلك العنقاء، وهي طائر جاءه من صعيد مصر في طول البلسون، وأعظم جسما منه له غبب ولحية، وعلى رأسه وقاية، وفيه عدة ألوان، ومشابهة من طيور كثيرة.
وذكر الزمخشري في كتاب ربيع الأبرار في باب الطير، عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن الله تعالى خلق في زمن موسى طائرة اسمها العنقاء، لها أربعة أجنحة من كل جانب، ووجه كوجه الإنسان وأعطاها من كل شيء قسطًا، وخلق لها ذكر أمثلها، وأوحي إليه إني خلقت طائرين عجيبين وجعلت رزقهما في الوحوش التي حول بيت المقدس وأنستك بهما وجعلتهما زيادة فيما فضلت به بني إسرائيل، فتناسلا، وكثر نسلهما، فلما توفي موسى عليه السلام انتقلت، فوقعت بنجدوا الحجاز، فلم تزل تأكل الوحوش، وتخطف الصبيان إلى أن شكوها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فدعا الله تعالى، فقطع نسلهما وانقرضت، والله أعلم.
قلت: وأما ما يقال في المثل في عدم وجود بعض الأشياء كالعنقاء يسمع بها ولا يرى
(4/27)

على هذا يكون المراد بعدم رؤيتها بعد الانقراض المذكور.
وقال بعضهم: شيئان يسمع بهما ولا يريان العنقاء والغول، هكذا قيل قلت: ولكن قد حكي في رواية الغول حكايات كثيرة وإنها تتلون وإلى ذلك أشار كعب بن زهير في قوله:
ولا تدوم على حال تكون بها ... كما تلون في أثوابها الغول
وهي من سعالى الشياطين تعوذ بالله منهم، وقد قيل: إنها تجيء بعض الناس في صورة امرأة حسناء، ثم تسحره حتى يصير في صورة حمار، فتركب عليه وتركضه إلى حيث شاء، ثم تتركه أو ترده، ثم تروح وتخليه، وعلى لسان حال من وقع له هذا قلت أبياتًا في وصف الدنيا مشبهًا لها بالغول على طريق الخناس منها قولي.
كغول ذي غول ذي خداع ... وجابي الأرض ركضًا، ثم جابي
سعى لي مع سعالى ثم دلى ... يد الماجري بي في جرابي
ولي أهوى بما أهوى، فلما ... ترقي في حرابي في حرابي
رمى نحري لنحري ثم جهدي ... أنادي بالحرابي وأحرابي
ومعنى قولي في البيت الأول وجابي الأرض من الوحي الذي هو الدق أي ركض بي، وقولي في آخره: ثم جابي من المجيء أي ردني، وفي البيت الثاني سعالى من سعى يسعى مع سعالى جمع سعلان لما جرى بي من الجري، وفي جرابي الجراب المعروف، ولي أهوى أي أخرج من الجراب شيئًا أهوى به إلي بما أهوى أي بما أحب، والمعني أنه طمنني حتى أسكت خداعًا منه، فلما ترقي في حرابي حرًا هو الجبل المبارك المعروف الذي ترقي فيه، وفي حراب الثاني جمع حربة رمي نحري أي بتلك الحراب لنحري أي لقتلي كما ينحر الناقة، معنى أنادي بالحرابي أي بالجهد والطاقة مني التي لا أقدر على غيرها، وأحرابي من الحرب أي جهدي أقول واحرباه.
وفيها توفي الإمام العلامة أبو محمد عبد الله المعروف بابن شاس الجذامي المصري شيخ المالكية. صاحب كتاب الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة وضعه على ترتيب وجيز الإمام حجة الإسلام أبي حامد الغزالي رحمه الله تعالى.
قال ابن خلكان: والطائفة المالكية بمصر عاكفة عليه لحسنه، وكثرة فوائده، وكان مدرساً بمصر بالمدرسة المجاورة للجامع، وتوجه لمجاهدة العدو لما أخذ دمياط، فتوفي هناك رحمه الله، كان من أكبار أئمة العالمين، حج في أواخر عمره، ورجع وامتنع من الفتيا
(4/28)

إلى أن مات مجاهدًا في سبيل الله.
وفيها توفي الحافظ علي بن القاسم ابن الحافظ الكبير أبي القاسم بن عساكر وصاحب سنجار الملك المنصور قطب الدين محمد بن عماد الدين زنكي، وست الشام الخاتون بنت أيوب أخت الملك العادل، توفيت في دمشق، ودفنت في مدرستها الشامية.
وفيها توفي أبو الفرج عبد الله بن أسعد بن علي المعروف بابن الدهان الموصلي الفقيه الشافعي المنعوت بالمهذب، كان فيها أديبًا فاضلاً شاعرًا، لطيف الشعر، مليح السبك، حسن المقاصد، غلب عليه الشعر واشتهر به، وله ديوان صغير وكله جيد، وهو من أهل الموصل. لما ضاقت به الحال عزم على قصد الوزير بمصر الملقب الملك الصالح، وعن استصحاب زوجته، فكتب إلى نقيب العلويين بالموصل أبي طاهر زيد بن محط الحسيني هذه الأبيات.
وذات شجو أسأل البين غيرتها ... باتت تؤمل بالتقييد امساكي
لجت فلما رأتني لا أصيخ لها ... بكت فأقرح قلبي خفتها الباكي
قالت وقد رأت الأجمال محدجة ... والبين قد جمع المشكو والشاكي
مالي إذا غبت في ذا المحل قلت لها: ... الله وابن عبيد الله مولاك
لا تجزعي بانحباس الغيث عنك فقد ... سألت نواء الثريا جوف معناك
فكفل بالشريف بن عبيد الله المذكور لزوجته بجميع ما تحتاج إليه مدة غيبته عنها فتوجه إلى مصر، ومدح الصالح بقصيدته الكافية أولها.
أما كفاك تلافي في تلافيكا ... ولست تنقم إلا فرط حبيكا
ومنها:
أأمدح الترك أبغي الفضل عندهم ... والشعر مازل عند لترك متروكا
لانلت وصلك إن كان الذي زعموا ... ولا شفا ظمأى جود ابن رزيكا
(4/29)

ابن رزيك بضم الراء وكسر الزاي المشددة، وهو الممدوح، وقال العماد الكاتب أنشدني:
تردي الكتائب كتبه فإذا انبرى ... لم يمر أنفذا أسطرا أم عسكرا
وفي معنى تشبيه القلم بالعسكر قول بعضهم:
قوم إذا أخذوا الأقلام عن غضب ... ثم استمدوا بها ما المنيات
نالوا بها في أعاديهم وإن بعدوا ... ما لم ينالوا بحد المشرفيات

سنة سبع عشرة وست مائة
في رجب منها حصلت وقعة البرنس بين الكامل والفرنج، وكان فتحًا نصر الله فيه المسلمين، وقتل من الملاعين عشرة آلاف، وانهزموا إلى دمياط.
وفيها حج بالعراقيين مملوك الخليفة الناصر اشتراه بخمسة آلاف دينار، وكان معه
تقليد بمكة لحسن بن قتادة، وكان أبوه قد مات في وسط العام، فجاءه بعرفات، فقال: أنا أكبر أولاد قتادة، فولى، فتوهم حسن أنه معزول، فأغلق أبواب مكة، فركب المملوك ليسكن الفتنة، وقال: ما قصدي قتال، فثار به العبيد والأشرار وحملوه، فانهزم أصحابه، فتقدم عبد فعرفت فرسه، فذبحوه، وعلقوا رأسه، وأرادوا نهب العراقيين، فقام في ذلك أمير الشاميين المعتمد والي دمشق ورد معه ركب العراق.
وفيها أخذت التتار بالتاء المثناة من فوق مكررة قبل الألف، وبعدها راء كثيرًا من البلدان منها بخارى، وسمرقند، ثم عبر نهر جيحون، واستولى على خراسان قتلاً وسبيًا وتخريباً إلى حدود العراق بعد أن هزموا جيوش خوارزم، ومزقوهم، ثم عطفوا على قزوين فاستباحوها، وكذلك استباحوا أذربيجان، وحاصروا تبريز، وبها أن البهلوان، فبذل لهم أموالاً وتحفًا، فرحلوا عنه، وحاربوا الكرخ، وهزموهم، ثم ساروا إلى مراغة وأخذوها بالسيف ثم كروا نحو إربل، فاجتمع لحربهم عسكر العراق والموصل مع صاحب إربل، فهابوهم، وعرجوا على همدان، فحاربهم أهلها أشد محاربة في العام المقبل، وأخذوها بالسيف وأحرقوها، ثم نزلوا على بيلقان وأخذوها بالسيف وقتلوا ثم حاربوا الكرخ أيضًا،
(4/30)

وقتلوا منهم ثلاثين ألفًا، ثم سلكوا طرقأ وعرة في الجبال إلى أن وصلوا بلاد اللان وفيها طوائف من الترك، وقليل من المسليمن، فالتقوا وكانت الدائرة على اللان، فقتلوا وسبوا ومروا إلى أن وصلوا مدينة سوادق ولم يزالوا يطوون الأرض ويضربون إلى أن كلت أسلحتهم وتكلكلت أيديهم مما قتلوا من النساء والأطفال، فضلاً عن الرجال، وكان خوارزم شاه بطلاً مقدامًا، وعسكره أوباشًا ليس لهم أقطاع، ولا ديوان بل يعيشون من النهب والغارات، وهم ما بين تركي كافر، أو مسلم جاهل لا يعرفون تعبية العسكر في المصاف، ولا أدمنوا إلا على المهاجمة وما لهم زرديات ولا عدة جيدة للحرب ثم أنه كان يقتل بعض القبيلة، ويستخدم باقيها، ولم يكن فيه شيء من المداراة لا لجنده ولا لعدوه، ويحرش بالتتار، وهم يغضبون على من يرضيهم، فكيف من يبغضهم ويوذيهم؟! فخرجوا عليه وهم بنواب وأولو كلمة مجتمعة وقلب واحد ورئيس مطاع، فلم يمكن خوارزم شاه أن يقف بين أيديهم ولكل أجل كتاب.
وفي السنة المذكورة توفي قاضي القضاة زكي الدين محمد بن يحيى القرشي الدمشقي، كان ذهيبة، وسطوة، وحشمة، وكان الملك المعظم يكرهه فاتفق أنه طالب جابي العزيزية بالحساب، فأساء الأدب عليه فأمر بضربه بين يديه، فوجد المعظم سبيلاً إلى أذيته، وبعث إليه بخلعة أمير قباء وكلوته، وألزمه يلبسها في مجلس حكمه، ففعل، ثم قام، فدخل ولزم بيته ومات كمدًا يقال: إنه رمي قطعًا من كبده، ومات كهلاً، فندم المعظم.
وفيها توفي الشيخ المقدم أسد الشام عبد الله بن عثمان اليويثيني، كان شيخًا مهيبًا طوالاً حاد الحال، تام الشجاعة أمارًا بالمعروف نهاء على المنكر، كثير الجهاد، دائم الذكر، عظيم الشأن، منقطع القرين، صاحب مجاهدات، وكان الأمجد صاحب بعلبك يزوره، وكان يهينه ويقول: يا مجيد أنت تظلم. وتفعل وتفعل، وهو يعتذر إليه وقيل: كان قوسه ثمان عشرة رطلاً، وكان لا يبالي بالرجال، قلوا أم كثروا، وكان ينشد هذه الأبيات ويبكي.
شفيعي إليكم طول شوقي إليكم ... وكل كريم للشفيع قبول
وعذري إليكم أنني في هواكم ... أسير وما سور الغرام ذليل
(4/31)

فإن تقبلوا عذري فأهلاً ومرحبًا ... وإن لم تجيبوا فالمحب حمول
سأصبر لا عنكم ولكن عليكم ... عسى لي إلى ذاك الجناب وصول
توفي في شهر ذي الحجة، وهو صائم، وقد نيف على الثمانين.
قلت: ما أطنب الذهبي في كتابه العبر في مدح أحد من الشيوخ أرباب الأحوال العارفين بالله الرجال سوى في مدح الشيخ المذكور.
وفيها توفي شيخ الشيوخ أبو الحسن محمد ابن شيخ الشيوخ عمر بن علي الجويني، برع في مذهب الشافعي، ودرس وأفتى وسمع من يحيى الثقفي وأجاز له أبو الوقت وجماعة، وكان كبير القدر، ثم ولي بمصر تدريس الشافعي ومشهد الحسين، وبعثه الكامل رسولاً يستنجد بالخليفة وجيشه على الفرنج، فأدركه الموت بالموصل.
وفيها توفي مسند خراسان المؤيد بن محمد رضي الدين أبو الحسن الطوسي المقري انتهى إليه علو الإسناد بنيسابور، ورحل إليه من الأقطار، وخوارزم شاه محمد ابن السلطان الكبير علاء الدين، كان ملكًا جليلاً أصيلاً، عالي الهمة، واسع الممالك، كثير الحروب، ذا ظلم وجبروت وعز ودهاء.

سنة ثمان عشرة وست مائة
فيها سار الملك الأشرف ينجد أخاه الكامل، وسار معه عسكر الشام، وخرجت الفرنج من دمياط بالفارس والراجل أيام زيادة النيل، فنزلوا على ترعة، فتوثق المسلمون عليها النيل، فلم يبق لهم وصول إلى دمياط وجاء الأسطول، فأخذوا مراكب الفرنج، وكانوا مائة كند بالنون والدال المهملة المركب، وثمان مائة فارس فيهم صاحب عكا، وخلق من الرجالة، فلما رأوا الغلبة بعثوا يطلبون الصلح، ويسلمون دمياط إلى الكامل، فأجابهم، ثم جاء أخواه بالعساكر في رجب، وعمل سماطًا عظيمًا، وأحضر ملوك الفرنج، فأنعم عليهم، ووقف في خدمته الملك المعظم والأشرف، وكان يومًا مشهوراً، وقام راجح الحلي، فأنشده قصيدة منها:
ونادى لسان الكون في الأرض رافعًا ... عقيرته في الخافقين ومنشدا
أعباد عيسى إن عيسى وحزبه ... وموسى جميعأ ينصران محمدا
(4/32)

اشارة إلى الإخوة الثلاثة قلت: وما ألطف هذه الإشارة، وأظرف هذه العبارة: وحسن سهولة هذا النظم وعذوبته، وأشار بعيسى إلى الملك المعظم، وبموسى إلى الملك الأشرف، وبمحمد إلى الملك الكامل وحسن مطابقة الحال أن عيسى وموسى المذكورين كانا في خدمة محمد، ومتابعة طاعته، وتبجيله، واحترامه كذلك موسى وعيسى صلوات الله على نبينا وعليهما لم يزالا في تبجيل محمد صلى الله عليه وآله وسلم واحترامه، فلو كانا حيين ما وسعهما إلا متابعته كما ورد في الحديث وجاءت في هذه المطابقة أعظم تبكيت للفرنج الحاضرين بل لليهود والنصارى أجمعين، فلما أحسن هذا الاتفاق العجيب والمعنى الغريب.
وفيها توفى الشيخ الكبير السيد الشهير ذو المعارف والأسرار واللطائف والأنوار والمقامات العليات، والأحوال السنيات، والأنفاس الصادقات والكرامات الخارقات والقدر الجليل، والعطاء الجزيل، المحقق، المحدث قدوة المحدثين، وإمام السالكين ناصر السنه نجم الدين البكري، رحل إلى الأقطار وتنقل في الأمصار، ورأى المشائخ الجلة الكرام، وحج بيت الله الحرام راكبًا وماشيًا، وفضله لا يزال يسمو في الأيام فاشيًا. سمع الحديث والأخبار والتفاسير والاثار عمن لا يحصى كثرة، ولبس خرقة الأصل من يد الشيخ العارف أبي الحسن إسماعيل القصري، عن محمد بن مانكيل، عن داؤد بن محمد المعروف بخادم الفقراء، عن العباس بن إبن إدريس، عن أبي القاسم بن رمضان، عن أبي يعقوب الطبري، عن عبد الله بن عثمان، عن أبي يعقوب النهرجورفي، عن أبي يعقوب السوسي، عن عبد الواحد بن زيد، عن كميل بن زياد، عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولبس خرقة البترك من الشيخ أبي ياسر عمار بن ياسر التدليسي، عن الشيخ أبي النجيب عبد القاهر بن عبد الله السهروردي، عن أبيه، عن عمه عمر بن محمد، عن أبيه محمد بن عمويه، عن أحمد بن سبا، عن ممشاد الدينوري، عن أبي القاسم الجنيد، عن خاله السري السقطي، عن معروف الكرخي، عن داؤد الطائي، عن الحبيب العجمي، عن الحسن البصري، عن علي رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، واختلف في تسمية الشيخ نجم الدين الكبري فقال بعضهم: هو الكبرى مقصور وقال آخرون هو ممدود مفتوح الموحدة أي هو نجم الكبرى جمع تكسير الكبير قالوا والصحيح هو الأول ووجه صحته على ما ذكروا أنه كان أيام صباه شديد الذكاء فطنًا لم يلق مؤدبه إلى أقرانه في المكتب شيئًا من المشكلات إلا سبقهم بثاقب ذهنه، فلقبوه الطامة الكبرى، ثم غلب عليه ذلك اللقب، فحذفوا الطامة ولقبوه بالكبرى وهو وجه صحيح
(4/33)

نقله جماعة من أصحابه ممن يوثق بهم، واستشهد رضي الله تعالى عنه بظاهر خوارزم في الوقعة العامة، والفتنة التتارية في السنة المذكورة، قال الراوي الشيخ الجليل كمال الدين العارف بالله السالك الحفيل المعروف بالسفناقي بالسين المهملة والفاء والنون، وقبل ياء النسبة قاف من أصحاب الشيخ نجم الدين المذكور قال: لما وصل التتار إلى خوارزم سنة سبع عشرة وست مائة، وحصروها جمع الشيخ أصحابه وهم أكثر من ستين، وقد هرب السلطان محمد وهم يظنون أنه بها، ودخلوا البلد، وكان في أصحاب الشيخ المذكور الشيخ سعد الدين الحموي، والشيخ علي لالا، وابن أخيه علي بن محمد مع جماعة من العارفين، فطلبهم الشيخ، وقال لهم: قوموا وارتحلوا وارجعوا إلى بلادكم، فإنه خرجت نار من المشرق وتحرق إلى قريب المغرب، وهي فتنة عظيمة ما وقع في هذه الأمة مثلها فقال بعضهم: لو دعوت الله أن يرفع هذه الفتنة عن بلاد المسلمين، فقال: هذا قضاء من الله تعالى حكم لا يرده ولا ينفع فيه الدعاء، فقالوا: يا مولانا معنا دواب تركب معنا وتخرج الساعة، فقال أني: أقتل هاهنا ولم يأذن الله لي أن أخرج منها فاستعدوا لخروجكم إلى خراسان، فخرجوا، ولما دخل الكفار إلى البلد نادى الشيخ في أصحابه الذين لم يأمرهم بالخروج للصلاة جامعة، ثم قال: قوموا على اسم الله تقاتل في سبيل الله، ودخل البيت، ولبس خرقة شيخه، وشد وسطه وكانت فرجية وجعل الحجارة في جانبيها، وأخذ العنزة، وخرج، ولما واجههم أخذ يرميهم بالحجارة حتى فرغ جميع ما معه، ورموه بالنبل، فجرحوه، وأخذ يدور ويرقص، فجاءه سهم في صدره، فنزعه ورمى به نحو السماء، وفاز الدم من صدره، فأخذ ينشد شعرًا بالعجمي من جملة معناه إن أردت فاقتلني بالوصال، أو بالفراق فأنا فارغ عنهما محبتك تكفيني، وما أنا حل إن قلت أغثني، ثم توفي ودفن في رباطة رحمة الله تعالى، ومما رثاه المؤيد بن يوسف الصلاحي، فقال في أثناء مرثيته:
زال جهد في مرضاة خالقه ... وما أعد له الرحمن ما كسبا
من ذا رأى بحر علم في بحار دم ... يجري إذا ما طفت أنواره سببا
يهوى النجوم الدراري من يكون لها ... يومًا نسيبًا تداتيه إذا انتسبا
يا يوم وقعة خوارزم التي اتصفت ... فجعتنا وفقدنا الدين والحسبا
أبح يا أله الخلق نيل رضى ... لا يدرك الكنه منه حاسب حسبا
وفيها توفي أبو نصر موسى بن شيخ محمود قطب الوجود مغدن الفضائل والمفاخر محيي الدين عبد القادر، روى عن أبيه وسعيد بن البناء، وابن ناصر، وأبي الوقت، وسكن دمشق رحمه الله تعالى.
وفيها توفي أبو الدر ياقوت بن عبد الله الموصلي الكاتب أخذ النحو عن الدهان، وقرأ
(4/34)

عليه جملة من تصانيفه، وديوان المتنبي والمقامات الحريرية، وكان علامة، وكتب الكثير، وكان كاتباً مشهورًا منتشرًا خطه في البلاد في نهابة من الحسن، ولم يكن في أواخر زمانه من يقاربه في حسن الخط، ولا يودي طريقة ابن البواب في النسخ مثله مع فضل غزير ونباهة تامة، وكان مغرمًا بنقل الصحاح للجوهري، وكتب منها نسخًا كثيرة كل نسخة في مجلد واحد يباع بمائة دينار، وكتب عليه خلق كثير، وكانت له سمعة سائرة، وقصده الناس من الأقطار، وسير إليه من بغداد النجيب أبو عبد الله الواسطي قصيدة مدحه بها أولها:
ابن غزلان عالج والمصلى ... من ظبا سكن نهر المعلى
قلت هذا البيت وإن كان في النظم مليحًا فأراه في الأدب قبيحا لإستحقار غزلان المصلى:

سنة تسع عشرة وست مائة
وفيها توفي الأمير أبو المحاسن العباس بن أحمد ابن الأمير سيف الدين أبي الحسن علي ابن أحمد بن أبي الهيجاء المعروف بابن المشطوب لشطب كان بوجهه، وهو ملقب نعمة، كان أميرًا وافر الحشمة والحرمة بين الملوك، معدودًا بينهم كواحد منهم، وكان عالي الهمة، عزيز الوجود، واسع الكرم، شجاعًا أبي النفس، تهابه الملوك، وله وقائع مشهورة في الخروج عليهم، وهو من أمراء الدولة الصالحية، وجرت لهم أمور وتنقلات آخرها أن الملك الأشرف ابن الملك العادل قبض عليه في السنة المذكورة فاعتقله في قلعة حران وضيق عليه تضييقًا شديدًا من الحديد الثقيل في رجليه والخشب في يديه، ولم يزل في تلك الحال إلى أن توفي في شهر ربيع الآخر منها، ولما سجنه كتب إليه بعض الأدباء:
يا أحمد ما زلت عمادًا للدين ... يا أشجع من ملك سيفًا بيمين
لاتيئس إن حصلت في سجنهم ... يوسف قد أقام في السجن سنين
وهذا مأخوذ من قول البحتري من جملة أبيات:
أما في رسول الله يوسف أسوة ... لمثلك محبوسًا على الظلم والإفك
أقام جميل الصبر في السجن برهة ... فآل به الصبر الجميل إلى الملك
قال ابن خلكان: ورأيت في بعض رسائل القاضي الفاضل أن الأمير سيف الدين
(4/35)

المعروف بابن المشطوب كتب إلى الملك الناصر صلاح الدين يخبره بولادة امرأة عمه عماد الدين، وإن عنده امرأة أخرى ذكر أنها حامل، فكتب القاضي الفاضل جوابه وصل كتاب الأمير دالاً على الخبر بالولدين، الحامل على التوفيق، والسايل كتب الله سلامته في الطريق فسررنا بالغرة الطالعة من لثامها، وتوقعنا المسرة بالثمرة الباقية في أكمامها قالت: رأيت بخط القاضي الفاضل ورد الخبر بوفاة الأمير سيف الدين المشطوب، أمير الأكراد وكبيرهم سبحان الحي الذي لا يموت ويهدم به بنيان قوم والدهر قاض ما عليه لوم.
قال ابن خلكان: هذا الكلام حل فيه بيت الحماسة:
فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما
قال: وهذا البيت من جملة مرثية، رثي بها قيس بن عاصم التميمي الذي قدم من البادية على النبي صلى الله عليه واله وسلم في وفد تميم في سنة تسع من الهجرة، وأسلم، وقال صلى الله عليه واله وسلم في حقه: هذا سيد أهل الوبر لما وكان عاقلاً مشهوراً بالحلم والسؤدد، وهو أول من وأد البنات في الجاهلية للغيرة والأنفة من النكاح، وتبعه الناس في ذلك إلى أن أبطله الإسلام، وقد قدمت ذكر ذلك، ومن جملة المرثية المذكورة:
عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما
تحية من غادرته غرض الردى ... إذا زار عن سخط بلادك سلما
فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما
قلت: وقوله: عليك سلام الله إن صح سماعه أو اسماعه ممن يقتدي به، فهو شاهد، بجواز قول كثير من الناس في مكاتباتهم سلام الله ورحمته وبركاته على فلان ابن فلان، إلا ففي جواز ذلك نظر، والله أعلم أعني كونه قال: سلام الله عليك، فجعل السلام عليه من الله تعالى، ولم يقل: مني وليس لجواز هذا شاهد يعتمد عليه.
وقد اختلف العلماء في: هل يقال لغير الأنبياء عليه السلام؟ فجوزه بعضهم، ومنع، الأكثرون فما علمت، وقالوا: حكمه حكم الصلاة والذي أراه أنه يفرق بينه وبين الصلاة بين الترضي والصلاة مخصوصة على المذهب الصحيح بالأنبياء والملائكة، والترضي خصوص بالصحابة والأولياء والعلماء أعني في الأدب، والترحم لمن دونهم، والعفو
(4/36)

للمذنبين، والسلام مرتبة بين مرتبة الصلاة والترضي، فيحسن أن يكون منزلته بين منزلتين لكونه مرتبة بين مرتبتين، أعني يقال لمن اختلف في نبوتهم كالخضر، ولقمان، وفي القرنين دون من دونهم.
وفيها توفي الشيخ الجليل العارف ذو الأسرار والمعارف السيد الكبير البعيد الصيت الشهير علي بن إدريس اليعقوبي صاحب الشيخ عبد القادر الجيلي رضي الله عنهما.
وفيها توفي أبو العباس نصر بن خضر بن نصر الإربلي الشيخ الفقيه الشافعي، كان فاضلاً ورعًا زاهدًا صالحًا عابدًا متقللاً من الدنيا ومباركًا ذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق وأثنى عليه، وكان قد قدم دمشق، وأقام بها مدة، وكان عارفًا بالمذهب والفرائض والخلاف، اشتغل ببغداد على الكيا وابن الشاشي، ولقي جماعة من مشائخها، ثم رجع إلى اربل، وبنى له صاحب اربل، مدرسة القلعة، فدرس بها زمانًا، وهو أول من درس باربل. وله عدة تصانيف حسان كثيرة في التفسير والفقه وغير ذلك، وله كتاب ذكر فيه ستًا وعشرين خطبة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكلها مسندة، واشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا.
ومن جملة من تخرج عليه الشيخ الفقيه الإمام أبو عمرو عثمان بن عيسى الهذباني الماراني شارح المهذب، المتقدم ذكره في سنة اثنتين وست مائة، وكانت وفاته ليلة الجمعة، ولما توفي تولى موضعه ابن أخيه نصر بن عقيل، وكان فاضلاً قد تخرج على عمه المذكور، فسخط عليه الملك المعظم صاحب إربل، وأخرجه منها فانتقل إلى الموصل، فكتب إليه أبو الدر الرومي من بغداد، وكان صاحبه.
أيا ابن عقيل لا تخف سطوة العدى ... وإن أظهرت ما أضمرت من عنادها
وأفضتك يومًا عن بلادك فتنة ... رأت فيك فضلاً لم يكن في بلادها
كذا عادة الغربان تكره أن ترى ... بياض البراد الشهب دون سوادها
أشار بذلك إلى الجماعة الذين سعوا به حتى غيروا خاطر الملك عليه.
وفيها توفي الشيخ الشهير بالأحوال الباهرة والكرامات الظاهرة يونس بن يوسف الشيباني، قال الذهبي في ترجمته، وهذا شيخ الطائفة اليونسية أولى الشطح، وقلة العقل، وكثرة الجهل أبعد الله شرهم. قال: وكان رحمه الله تعالى صاحب حال وكشف يحكى عنه
(4/37)

كرامات قلت: قد ذكرت في غير موضع من هذا الكتاب غيظ الذهبي عن الصوفيه وتعريضه بالقدح فيهم وما على البدر إن قالوا به كلف، وهذا مع اعترافه بأن الشيخ المذكور كان من ذوي الكشف والأحوال والكرامات المخصوص بها أولى القرب والنوال نفعنا الله تعالى بعباده الصالحين، وأعاد علينا من بركاتهم أجمعين.

سنة عشرين وست مائة
وفيها توفي شيخ الشافعية بالشام في عصره أبو منصور عبد الرحمن بن محمد المعروف بفخر الدين ابن عساكر ابن أخي الإمام الحافظ أبي القاسم علي ابن عساكر. صاحب تاريخ دمشق لما، وخرج من بينهم جماعة من العلماء والرؤساء كان إمام وقته في علمه ودينه تفقه ودرس بالقدس زمانًا وبدمشق، واشتغل عليه خلق كثير، وتخرجوا عليه، وصاروا أئمة فضلاء: وكان مسددًا في الفتاوى، وكان لا يمل الناظر من رويته بحسن سمته واقتصاده في لباسه ولطفه، ونور وجهه، وكثرة ذكره الله عز وجل. عرض المعظم عليه القضاء فامتنع، وله مصنفات في الفقه لم تنشر. توفي في رجب، وله سبعون سنة قال ابن خلكان: وزرت قبره مرارًا بمقابر الصوفية ظاهر دمشق.
وفيها توفي صاحب المغرب السلطان المستنصر بالله أبو يعقوب يوسف بن محمد بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن القيسي. ولي الأمر عشر سنين بعد أبيه، ومات شابأ ولم يعقب.
وفيها توفي الشيخ موفق الدين المقدسي أحد الأئمة الأعلام عبد الله بن أحمد بن محمد ابن قدامة الحنبلي صاحب التصانيف حفظ القرآن، وتفقه، ثم ارتحل إلى بغداد فأدرك الشيخ عبد القادر رضي الله عنه، وسمع منه ومن جماعة، وانتهت إليه معرفة المذهب وأصوله كان تقيًا ورعًا زاهدًا مستغرق الأوقات في العلم والعمل، وقال بعض الأئمة: رأيت الإمام أحمد في النوم، فقال: ما قصر صاحبكم الموفق في شرح الخرقي قال الرائي: المنام المذكور، وسمعت الشيخ أبا عمر وابن الصلاح المفتي يقول: ما رأيت مثل الشيخ الموفق.

سنة احدى وعشرين وست مائة
فيهااستولى السلطان جلال الدين الخوارزمي على بلاد أذربيجان وراسله الملك
(4/38)

المعظم، واتفق معه أنه يعينه على أخيه الملك الأشرف لفساد حدث بهما، وفيها استولى لؤلؤ على الموصل، وخنق محمودين القاهر، وزعم أنه مات.
وفيها عادت التتار إلى أن وصلوا إلى الري، وكان ممن سلم من أهلها وتراجعوا إليها وما شعروا إلا بالتتار، وقد أحاطوا بهم، فقتلوا وسبوا، ثم ساروا إلى ساوة، ففعلوا بأهلها كذلك، ثم كذلك قاشان، ثم عطفوا إلى همدان فأبادوا من بقي بها، ثم ساروا إلى تبريز، فوقع بينهم وبين الخوارزمية مصاف.
وفيها توفي القاضي الأسعد أبو البركات عبد القوي ابن القاضي عبد العزيز التميمي السعدي المصري المالكي وعبد الواحد بن يوسف بن عبد المؤمن سلطان المغرب ولي الأمر في العام الماضي، فلم يدار أمراء الموحدين، فخلعوا وحنقوا، وكانت لايته تسعة أشهر، وفي أيامه استولى على مملكة الأندلس ابن أخيه عبد الله بن يعقوب الملقب بالعادل، والتقى الفرنج، فهزموا جيشه، فقصدوا مراكش بأسوء حال، فقبضوا عليه وتملك الأندلس أخوه ادريس مدة، وخرج عليه محمد بن يوسف بن هود الجذامي، ودعا إلى بني العباس، فمال الناس إليه، فهرب إدريس بعسكره إلى مراكش، فالتقاه صاحبها يومئذ يحيى بن يعقوب بن يوسف، فهزم يحيى.
وفيها توفي الشيخ العارف صاحب الأسرار والمعارف والأحوال والأنوار أبو الحسن علي المعروف بالفريثي بالفاء والراء والمثناة من تحت، ثم المثلثة. قال الذهبي: كان صاحب حال، وكشف، وعبادة، وصدق، وأصحاب بسفح قاسيون قلت: وهو الذي حكي عنه في مناقب الشيخ عبد القادر أنه قال: رأيت أربعة من المشائخ يتصرفون في قبوركم كتصرف الأحياء، الشيخ عبد القادر، والشيخ معروفًا الكرخي، والشيخ عقيلاً المنبجي، والشيخ حياة بن قيس الحراني رضي الله تعالى عن الجميع ونفعنا بهم.
وفيها توفي شيخ المالكية أبو الحسن محمد بن محمد بن سعيد الأنصاري الإشبيلي، كان من كبار المتعصبين للمذهب، فأوذي من جهة بني عبد المؤمن لما أبطلوا القياس، وألزموا الناس الأخذ بالأثر والظاهر، وقد صنف كتاب المعلى والرد على المحلى لابن حزم.

سنة اثنتين وعشرين وست مائة
فيها جاء جلال الدين بن خوارزم شاه، فوضع السيف في دقوقاوأحرقها، وعزم
(4/39)

على هجم بغداد، فانزعج الخليفة الناصر، وحصن بغداد، وأقام المجانيق، وأنفق ألف ألف دينار، فأعلم ابن خوارزم شاه أن الكرج قد خرجوا على بلاده، فساق إليهم والتقاهم، وظفر بهم، وقتل منهم سبعين ألفًا، ثم أخذ تفليس بالسيف، وقتل بها ثلاثين ألفًا، وكان قد أخذ تبريز بالأمان، وتزوج بابنة السلطان ابن سلجوق.
وفيها توفي أيضًا أبو الدر ياقوت بن عبد الله الرومي الملقب مهذب الدين الشاعر المشهور، اشتغل بالعلم، وأكثر من الأدب، وأجاد النظم، ولما تميز ومهر سمى نفسه الرحمن، قرأ القرآن وشيئًا من الأدب، وكتب خطًا حسنًا، وقال الشعر وأكثر النظم منه في المحبة والرقاق.
ومنه قوله:
خليلي لا والله ما جن عاشق ... وأظلم إلا حره وحر عاشق
إذا غاض دمعك والأحباب قد ماتوا ... فكل ما تدعي زور وبهتان
وكيف تأنس أو تنسى خيالهم ... وقد خلى منهم ربع وأوطان
لا أوحش الله من قوم نأوا فنأى ... عن النواظر أقمار وأغصان
ومنه قوله:
إلا من مبلغ وجدي بها وغرامي ... ومهد إلى دار السلام سلامي
وله ديوان شعر كبير. وذكر في بعض التواريخ أنه وجد ميتًا بمنزله ببغداد.
وفي السنة المذكورة توفي الخليفة الناصر لدين الله أبو العباس أحمد بن المستضيء
بأمر الله، كان فيه شهامة واقدام وعقل ودهاء، وتولى الخلافة في سنة خمس وسبعين وخمس مائة، وهو ابن ثلاث وعشرين سنة، وهو أطول بني العباس خلافة. كما أن الناصر لدين الله الأموي صاحب الأندلس أطول بني أمية دولة، وكما أن المستنصر بالله العبيدي أطول بني عبيد دولة، وكما أن السلطان سنجر ابن ملك شاه أطول بني سلجوق دولة، وكان الخليفة الناصر لدين الله مستقلاً بالأمور بالعراق متمكنًا من الخلافة يتولى الأمور بنفسه، حتى كان
(4/40)

يشق الدروب والأسواق أكثر الليل والناس يتهيأون لقاءه، وما زال في عز وجلالة واستظهار وسعادة عاجلة، نسأل الله الكريم السعادة الآجلة.
وفي السنة المذكورة توفي الإمام الكبير الفاضل الشهير أبو الفضل أحمد ابن الإمام العلامة كمال الدين أبي الفتح موسى ابن الفقيه المفتي رضي الدين يونس الموصلي الشافعي.
قال ابن خلكان: كان كثير المحفوظات، عزيز المادة، حسن السمت، جميل المنظر شرح كتاب التنبيه في الفقه، واختصر إحياء علوم الدين للإمام الغزالي مختصرين: كبيراً وصغيرًا. قال: وكان يلقي في جميع دروسه من كتاب الإحياء دروسًا حفظًا، ونسج على منوال والده في اليقين في العلوم، تخرج عنه جماعة كثيرة. قال: وتولى التدريس بمدرسة الملك المعظم صاحب إربل بعد والده، وكان وصوله إلى هنالك من الموصل في أوائل شوال سنة عشر وست مائة، وكانت وفاة الوالد ليلة الاثنتين الثاني والعشرين من شعبان السنة المذكورة، قال: وقد كنت أحضر درسه وأنا صغير، وما سمعت أحداً يلقي الدرس مثله، ولم يزل على ذلك إلى أن حج، ثم عاد وأقام قليلاً، ثم انتقل إلى الموصل في سنة سبع عشرة وست مائة، وفوضت إليه المدرسة القاهرية، فأقام بها ملازم الاشتغال والإفادة، وقد كان من محاسن الوجود، وما أذكره إلا وتصغر الدنيا في عيني، وكان مبدأ شروعه في شرح التببيه بإربل،. وإستعار منا نسخة التنبيه عليها حواش مفيدة بخط بعض الأفاضل، ورأيته بعد ذلك، وقد نقل الحواشي كلها في شرحه.
وكان اشتغاله على أبيه بالموصل، ولم يتغرب لأجل الاشتغال بالعلم، وكان الفقهاء يتعجب منه كيف اشتغل في وطنه، وبين أهله، وفي عزه واشتغاله بالدنيا، وخرج منه ما خرج، قال: وهو من بيت العلم، وأطنب المدح في أبيه وعمه وجده، قال: ولو شرعت في وصف محاسنه لأطلت، وفي هذا القدر كفاية، وقال غيره: عاش أبوه بعده سبع عشرة سنة قلت: أما إطنابه في محاسنه، فالمحاسن لها وجوه متعددة، فأثنى عليه بما شاهده منه فيه، وأما مدحه لكتابة شرح التنبيه، فغير جدير بمدحه المذكور، فهو خال من التفضيل والتفريع والفوائد الموجودة في غيره كشرح الفقيه الإمام ابن الرفعة الذي هو جدير بالمدح الكامل لما تضمنه من الفوائد العقائل، وأما مدحه لإلقاء الدرس، وأنه ما سمع مثله ذ الإلقاء المذكور، فهو محتمل، ويكون ذلك. بحسن سياقه وتصوفه في المباحث وظرافته ومزجه بالاستعارات المستحسنة، والنوادر المستطرفة، وغير ذلك مما يطرب السامع والمدح
(4/41)

بذلك من مثل ابن خلكان ثناء عظيم لصاحبه رافع.
وفيها توفي الملك الأفضل نور الدين علي ابن سلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، سمع من جماعة، وله شعر وترسل، وجودة كتابة. تسلطن بدمشق، وتملك أخوه الملك العزيز الديار المصرية، ولقي الملك الطاهر أخوهما بحلب، ثم جرت للملك الأفضل مع أخيه الغريز وقائع يطول شرحها، وآخر الأمر أن العزيز والعادل عمه حاصرا دمشق، وأخذاها من الأفضل، وأعطياه صرخد، ثم بعد قليل مات العزيز، وتولى ولده المنصور، ثم إن الملك العادل أخذ الديار المصرية، ودفع للملك الأفضل عدة بلاد: الشرق، ولم يحصل له منها إلا سميساط، فأقام بها إلى أن مات.
وكان الأفضل فيه فضيلة ونباهة، وكان يحب العلماء، ويعظم حرمتهم. ومن الشعر المنسوب إليه ما كتب إلى الإمام الناصر يشكو عمه العادل، وأخاه العزيز لما أخذوا منه دمشق هذه الأبيات:
مولاي إن أبا بكر وصاحبه ... عثمان قد غضبا بالسيف حق علي
وهو الذي كان قد ولاه والده ... عليهما، فاستقام الأمر حين ولي
فخالفاه وحلا عقد بيعته ... والأمر بينهما والنص فيه جلي
فانظر إلى خط هذا الاسم كيف لقي ... من الأواخر ما لاقى من الأول
فأجابه الإمام الناصر بجواب أوله:
وافى كتابك بابن يوسف معلناً ... بالود يخبر أن أصلك طاهر
غصبوا علياً حقه إذ لم يكن ... بعد النبي له بيثرب ناصر
فابشر فإن غدا عليه حسابهم ... واصبر فناصرك الإمام الناصر
ثم حارب أخاه العزيز صاحب مصر على الملك، ثم زال سلطانه، وتملك سميساط، وأقام بها مدة، وكان فيه عدل وحلم وكرم.
وفيها توفي الفخر الفارسي السيد الجليل مطلع الأنوار، ومنبع الأسرار، ومعدن المحاسن والفخار أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الفيروز أبادي الشافعي الصوفي صاحب العلوم الربانية الغامضة المستغربة في التصوف، والوصل والمحبة.
وأما ما ذكره الذهبي أن في تصانيفه أشياء منكرة، فكلام من ليس له بعلوم القوم
(4/42)

مخبرة، ولا قوة اعتقاد قويم تحمله على حسن الظن والتسليم، ولعمري من خلاص هذين المذكورين، فهو بمعزل عن نهجهم، واعتقاد فضلهم المشكورين واقع لا محللة في ذمهم، وسوء الظن بهم المذمومين، توفي الفخر رحمه الله تعالى في ثامن ذي الحجة وقد نيف السبعين، وقبره في قرافة مصر مزور شهير، وهو ممن روى عن الإمام السلفي الكبير.

سنة ثلاث وعشرين وست مائة
فيها سار الملك الأشرف إلى أخيه المعظم وأطاعه وسأله أن يكاتب جلال الدين خوارزم شاه ليحمل جنده عليه ليترحل عن خلاط، فكتب إليه، فترحل عنها، وكان المعظم يلبس خلعة جلال الدين ويركب فرسه، وإذا خاطب الأشرف حلف وحياة رأس السلطان جلال الدين، فيتألم بذلك.
وفيها حارب جلال الدين المذكور التركمان، ومزقهم، ثم التقى الكرج فهزمهم وأخذ التفليس بالسيف، وكانت إذ ذاك دار ملكهم بها في أيديهم أكثر من مائة سنة.
وفيها توفي أبو العز مظفر بن إبراهيم العيلاني بالعين المهملة الشاعر المشهور المصري، كان أدبيًا عروضيًا، شاعرًا مجيدًا، صنف في العروض تصنيفًا مختصرًا جيدًا دل على حذقه، وله ديوان شعر رائق، وكان ضريرًا، وفي ذلك قال:
قالوا: عشقت وأنت أعمى ... ظبيًا كحيل الطرف ألمًا
وحلاه ما عاينتها ... فيقول قد شغفتك وهمًا
فأجبت إني موسوي ... العشق أنسًا وفهمًا
أهوى بجارحة السماع ... ولا أرى ذاك المسمى
ولما عاد الوزير صفي الدين بن شكر من الشام إلى مصر خرج أصحابه للقائه الخشبي المنزلة الرفيعة المعروفة، فكتب مظفر المذكور يعتذر إليه عن تأخره عن التقائه بهذه الأبيات:
قالوا إلى الخشبي سرنا على عجل ... نلقى الوزير جميعًا من ذوي الرتب
ولم تسر أيها الأعمى، فقلت لهم: ... لم أخش من تعب ألقى ولا نصب
(4/43)

وإنما النار في قلبي لوحشته ... فخفت أجمع بين النار والخشب
وهذا المعنى مطروف لكنه أبرزه في جملة إستعمال تروق قال ابن خلكان: وأخبرني بعض أصحابه أنج شخصًا قال له: رأيت في بعض تواليف أبي العلاء المعري ماصورته: أصلحك الله وأبقاك، لقد كان من الواجب أن: تأتينا اليوم إلى منزلنا الخالي لكي تحدث عهدًا بك يا زين الأخلاء فما مثلك من غير عهد أو عقل، وسأله: من أي بحر هو؟ وهل هو بيت واحد أم أكثر؟ فإن كان أكثر، فهل أبياته على روي واحد أم هي مختلفة الروي؟ قال: فأفكر فيه، ثم أجابه بجواب حسن.
قال ابن خلكان: فلما قال لي المخبر ذلك قلت له: اصبر حتى أنظر فيه، ولا تقل ماقاله، ثم قال فكرت. فيه فوجدته، يخرج من بحر الرجز، وهو المجزومة وتشتمل هذه الكلمات على أربعة أبيات على روي اللام، وهي على صورة يسوغ استعمالها عند العروضيين، ومن لا يكون له بهذا الفن معرفة، فإنه ينكرها لأجل قطع الموصول منها، ولا بد من بيانها ليظهر صورة ذلك، وهي هذه:
أكرمك الله وأتقاك ... لقد كان من آل
واجب أن تأتينا ... فاليوم إلى منازلنا
خالي لكي حدث عهدًا ... بك يا زين الأخل
لاء فما مثلك من ... غير عهدًا أو عقل
فقال: وهذا إنما يذكره أهل هذا للشأن للمعاياة، لا لأنه من الأشعار المستعملة، فلما استخرجته عرضته على ذلك الشخص، فقال: هكذا قال مظفر الأعمى.
قال: وكتب مظفر المذكور لتقي الدين، ومدحه جماعة منهم،. فخلع على الجميع ولم يخلع عليه، فكتب إليه:
العبد مملوك مولانا وخادمه ... مظفر الشاعر الأعمى خليفتنا
يقبل الأرض إجلالاً لمالكه ... رقًا، وينهي إليه بعد كل هنا
أن القميص جميع الناس قد بصروا ... به وما منهم يعقوب غير أنا
(4/44)

وله يوم زينة الشواني ...
يا أيها الملك المسرور آمله ... هذي شوانيك ترمى يوم سراء
كأنما هي عقبان بها ظمأ ... طارت من البر وانقضت على الما
وله في يوم لعبها ...
مولاي هذي الشواني في ملاعبها ... مثل الشواهين في سهل وفي جبل
يسعى محاذيفها ماء وينقضه ... بعض العقاب جناحيها من البلل
قلت يعني بالمخاذيف مقاذيف التي يقذف بها الماء لتمشي المركب، وقد أبدع في حسن هذا التشبيه في الجميع وأطنب، وله يصف فانوس الجامع العتيق بمصر.
أرى علمًا للناس في الصوم ينصب ... على جامع ابن العاص أعلاه كوكب
وما هو في الظلماء إلا كأنه ... على رمي زنجي سنان مذهب
وفيها توفي الطاهر بالله محمد بن الناصر لدين الله ابن المستضيء بأمر الله، وكانت خلافته تسعة أشهر ونصفًا، وكان دينًا خيرًا عادلاً حتى بالغ ابن الأثير فيه، وقال أظهر من العدل والاحسان ما أعاد به سنة العمرين، وقال أبو أسامة قيل لنا: ألا ينفسخ، فقال قد يبس الزرع فقيل: تبارك الله في عمرك، فقال: من فتح بعد العصر ايش يكسب، ثم أنه أحسن إلى الناس وفرق الأموال وأبطل المكوس، وأزال المظالم، وقال غيره: ولي بعده ابنه المستنصر بالله. وفيها توفي الإمام الكبير العلامة البارع الشهير الجامع بين العلوم والأعمال الصالحات، والزهد، والعبادات، والتصانيف المفيدات النفيسات أبو القاسم عبد الكريم محمد بن عبد الكريم القزويني الشافعي صاحب الشرح الكبير المشتمل على معرفة المذهب ودقائقه الغامضات الجامع الفائق التصانيف السابقات واللاحقات.
ومن كراماته أنه أضاءت له شجرة في بيته لما انطفىء السراج الذي كان يستضيء به عند كتبه بعض مصنفاته.
(4/45)

سنة أربع وعشرين وست مائة
فيها جاء الخبر إلى السلطان جلال الدين، وهو بتوريز أن التتار قد قصدوا أصفهان وبها أهله، فسار إليها وتأهب للملتقى، فلما التقى الجمعان وحد له أخوه غياث الدين وولي، فكسرت ميمنته ميسرة التتار، ثم حملت ميسرته على ميمنة التتار، فطحنتها أيضاً وتباشر الناس بالنصر، ثم كرت التتار مع كمينها، وحملوا حملة واحدة كالسيل، وقد أقبل الليل، فزلت الأقدام، وقتلت الأمراء، واشتد القتال، وتزعزع بنيان جيش جلال الدين، وثبت هو في طائفة يسيرة، وأحيط به، فانهزم وطعن طعنه لولا الأجل لتلف وتمزق جيشه إلى أن ميمنته سارت على ميسرة التتار حتى، ولوا فتبعت أقفيتهم، وما رجعت إلا بعد يومين، فلم يسمع بمثل ذلك في الملاحم من انهزام كلا الفريقين، وذلك في رمضان.
وقيل ذلك بأيام مات طاغية التتار وسلطانهم الأعظم الذي خرب البلاد وأفنى البرايا، وأباد، وهو الذي جيش الجيوش، وخرج بهم من بادية الصين، ودانت له المغل، وعقدوا له عليهم، وأطاعوه، ولا طاعة الأبرار للملك الجبار، واسمه قيل الملك تمرجين بالمثناة من فوق والراء والجيم والمثناة من تحت والنون، ومات على الكفر، وكان من دهاة العالم، وأفراد الدهر، وعقلاء الترك وهو أحد ابني العم بركة وهولاكو.
وفيها توفي قاضي القضاة ابن السكري عماد الدين عبد الرحمن بن علي المصري الشافعي، تفقه على شهاب الطوسي، وبرع في المذهب، ودرس وأفتى ولي قضاء القاهرة وخطابتها.
وفيها توفي الملك المعظم سلطان الشام شرف الدين عيسى ابن الملك العادل الفقيه الأديب، ولد بالقاهرة، وحفظ القرآن، وبرع في الفقه وشرح الجامع الكبير في عدة مجلدات باعانة غيره، ولازم الاشتغال زمانًا، وسمع المسند كله من مسند أحمد بن حنبل مراراً، ثم تلاحق مماليكه بعد، وكان حنفي المذهب، قال ابن خلكان: كان متعصبًا لمذهبه وله فيه مشاركة حسنة، ولم يكن في بني أيوب حنفي سواه، وتبعه أولاده، وكان قد حج، ومدحه جماعة من الشعراء المجيدين، فأحسنوا في مدحه، وكانت له رغبة في فن الأدب، وقيل: إنه قد شرط لكل من يحفظ المفصل للزمخشري مائة دينار، وخلعة، فحفظه لهذا السبب جماعة. قال: ورأيت بعضهم بدمشق، والناس يقولون إن سبب حفظهم له كان هذا قال: ولم أسمع بمثل هذه المنقبة لغيره، وكانت مملكته متسعة يعني في بلاد الشام توفي يوم
(4/46)

الجمعة سلخ ذي القعدة بدمشق، ودفن في قلعتها، ثم نقل إلى جبل الصالحية، ودفن في مدرسة هناك تعرف بالمعظمة فيها قبور جماعة من اخوانه وأهل بيته، وكان من النجباء الأذكياء، ذكرت عنه أمور تدل على حسن ادراكه واصابة المقصد منها أنه كان ابن عنين قد مرض، فكتب إليه:
انظر إلي بعين مولى لم يزل ... مولى الندى وتلاف قبل تلاف
فأنا الذي أحتاج ما تحتاجه ... فاغنم ثوابي وثناء الوافي
فجاء إليه بنفسه يعوده، ومعه صرة فيها ثلاث مائة دينار، فقال: هذ الصلة وأنا العائد وأشياء كثيرة يطول شرحها.

سنة خمس وعشرين وست مائة
فيها توفي العلامة الحسن بن إسحاق المعروف بابن الجواليقي المحدث الرحال أحمد بن تميم بن هشام الأندلسي.
وفيها توفي أبو المعالي أحمد بن الخضر الصوفي المعروف بابن طاووس رحمه الله.

سنة ست وعشرين وست مائة
فيها أخذ الكامل بيت المقدس، وسلمه إلى ملك الفرنج أعوذ بالله من سخط الله، ومن انتهاك شعائر الله، وموالاة أعداء الله، فكم بين من طهره من نجاسات الشرك، وبين من ساق إليه نجاسات الشرك، ومن أعز دين الله ونصره، وبين من أذله وحقره، ثم اتبع فعله ذلك بحصار دمشق وايذاء الرعية، وجرت بين عسكره وعسكر الناصر وقعات حربية، وقتل جماعة في غير سبيل الله، ووقع النهب في الغوطة والحواضر، وأحرقت الجبانات والخوانق ودام الحصار أشهرًا، لم وقع الصلح في شعبان، ورضي الناصر بالكرك ونابلس فقط، ثم دخل الكامل، وبعث جيشه يحاصرون حماة، ثم تسلم دمشق بعد شهر إلى
(4/47)

أخيه الأشرف، فأعطاه الأشرف حران والرقة والرهاء وغير ذلك، فتوجه إلى الشرق ليتسلم ذلك، ثم حاصر الأشرف بعلبك، فأخذها من الأمجد.
وفيها توفي مسند الشام أبو القاسم شمس الدين الحسين بن هبة الله بن محفوظ الثعلبي الدمشقي.
وفيها توفيت أمة الله بنت أحمد بن عبد الله الآبنوسي، روت الكثير عن أبيها، وتفردت عنه، وتوفيت في الحرم، وتلقبت شرف النساء كانت صالحة خيرة.
وفيها توفي ياقوت الرومي الحموي، ثم البغدادي التاجر شهاب الدين الأديب الإخباري صاحب التصانيف الأدبية في التاريخ والأنساب والبلدان وغير ذلك، أسر من بلاده صغيرًا فابتاعه ببغداد رجل تاجر، ولما كبر ياقوت المذكور، قرأ شيئًا من النحو واللغة، وشغله مولاه بالأسفار في متاجرة، ثم جرت بينه وبين مولاه قضية أوجبت عتقه، فأبعده عنه فاشتغل بالنسخ، وحصلت له بالمطالعة فوائد. وصنف كتابًا سماه إرشاد الألباء إلى معرفة الأدباء في أربع مجلدات، وكتابًا في أخبار الشعراء المتأخرين والقدماء، وكتبًا أخرى عديدة، وكانت له همة عالية في تحصيل المعارف.
وذكر القاضي الأكرم أبو الحسن علي بن يوسف الشيباني وزير صاحب حلب ياقوت المذكور، كتب إليه رسالة من الموصل عند وصوله إليها يصف فيها حاله وما جرى له، فأحجم عن عرضها على مولاه الشريف إعظاما وتهيبًا، وفرارًا من قصورها عن طوله وتجنبًا، إلى أن وقف عليها جماعة من منتحلي صناعة النظم والنثر فوجدهم مسارعين، إلى كتبها، متهافتين على نقلها وما يشك أن محاسن مالك الرق حلتها، وفي أعلى درج الإحسان أحلتها، فشجعه ذلك على عرضها على مولاه، وللآراء علوها في تصفحها، والصفح عن زللها، فليس كل من لمس درهمًا صيرفيًا. ولا كل من اقتنى دراً جوهريًا.
قلت: وهذه الألفاظ اليسيرة من أولها رأيت كتابتها ليتعجب من بلاغتها من وقف عليها: بسم الله الرحمن الرحيم، أدام الله على العلم وأهليه، والإسلام وبنيه، ما سوغهم وحباهم، ومنحهم وأعطاهم، من سبوغ ظل المولى الوزير، أعز الله أنصاره، وضاعف مجده واقتداره، ونصر ألويته وأعلامه، وأجرى باجراء الأرزاق في الآفاق أقلامه، وأطال بقاءه، ورفع إلى أعلى عليين علاه، في نعمة لا يبلى جديدها، ولا يحصى عدها ولا عديدها، ولا ينتهي إلى غاية مديدها، ولا يقل حديدها ولا جديدها، ولا يقل وادها ولا وديدها، وأدام
(4/48)

الله ولته، للدنيا والدين إلى يوم يبعثه ويهزم كرثه يعني كربه، ويرفع مناره، ويحسن بحسن أثره آثاره، ويفتق نوره وأزهاره، وينير نواره، ويضاعف أنواره، وأسبغ ظله للعلوم وأهلها، والآداب ومنتحليها، والفضائل وحامليها، ويشيد بمشيد فضله بنيانها، ويرصع بناصع مجده تيجانها ويروض ببالغ علائه زمانها، ويعظم لعلو همته الشريفة من البرية شأنها، ويمكن في أعلى درج الاستحقاق امكانها ومكانها، ورفع بنفاذ الأمر قدره للدول الإسلامية والقواعد الدينية: ليسوس قواعدها، ويعز مساعدها، ويهين معاندها، ويعضد بحسن الانابة معاضدها، وينهج بجميل المقاصد مقاصدها، حتى يعود بحسن تدبيره غر في جبهة الزمان، وسنة يقتدي بها من طبع على العدل والإحسان. يكون لها أجرها مادار الملوان، وكر الجديدان، ما أشرقت من الشرق شمس، وارتاحت إلى مناجاة الحضر الزاهرة نفس.
وبعد، فإن المملوك ينهي إلى المقر العالي المولوي، والمحل الأكرم العلي أدام الله سعادته مشرقة النور مبلغة السؤل، واضحة الغرر بادية الحجول، ما هو مكيف بالأريجية المولوية عن تبيانها، مستغن بما منحتها من صفاء الآراء عن افضاء قلمه لايضاحه وبيانه قد أحسنه ما وصفه به عليه الصلاة والسلام للمؤمنين، وإن من أمتي لمكلمين، وهو شر ما يعتقده من الولاء، ويفتخر به من البعيد للحضرة الشريفة الغراء. قد كفته تلك الألمعية عن اظهار المشتبه بالملق مما تجنه الطوية، لأن دلائل غلو المملوك في دين ولاية الآفاق، واضحة، وطبعه بسكة اخلاص الوداد باسمه الكريم على صفحات الدهر لائحة وإيمانه بشرائع الفضل الذي طبق الآفاق، حتى أصبح بها نبي المكارم مبين وتلاوة لأحاديث المجد بالمشاهدة متين، ودعاء أهل الآفاق إلى المغالاة في الإيمان بإمامة فضله
(4/49)

الذي تلقاه باليمن معروف، وتصديقه بملة سؤدده الذي تفرد بالوحي لنظم شارده وقسم متبدده بعرق الجبين مألوف، حتى لقد أصبح للفضل كعبة لم يفترض حجتها على من استطاع إليها السبيل، ويقتصر بقصدها على ذي القدرة دون المعتر وابن السبيل، فإن لكل منهم حظًا يستمده، ونصيبًا يستفيد به ويستعده فللعظماء الشرف الضخم من معينه، وللعلماء اقتناء الفضل من فطينه، وللفقراء توقيع الأمان من نوائب الدهر وغض جفونه، وفرضوا من مناسكه للنهجة الشريعة السلام والتبجيل، وللكف البسيطة الإستلام والتقبيل.
ثم قال بعد كلام مشتمل على ألفاظ فضيلة ومعان جميلة: وقد كان المملوك فارق ذلك الجناب الشريف، وانفصل عن مقر العز اللباب، والفضل المنيف، أراد استعتاب الدهر الكالح، واستدبار صلف الزمن الغشوم والجامح، اعتذار أبان في الحركة بركة، والاغتراب داعية الاكتساب، والمقام على الاقتراب ذلك واستقام وحبس البيت، في المحافل سكيت:
فودعت من أهلي وفي القلب ما به ... وسرت عن الأوطان في طلب اليسر
سأكسب مالا أو أموت ببلدة ... يقل بها فيض الدموع على قبري
فامتطأ غارب الأمل إلى الغربة، وركب ركب التطواف مع كل صحبه، قاطع الأغوار والأنجاد، حتى بلغ السد، أو كاد، فلم يرفق به زمان حزون ولا مكان حرون، فلكأنه في جفن الدهر قذى، وفي حلقه شجى، تدافعه آمال الأمنية حتى أسلمته إلى ربقة المنية.
لا يستقر بأرض أو يسير إلى أخرى ... لشخص قريب عزمه نأى
يومًا يخروى ويومًا بالعقيق ... ويومًا بالعذيب ويومًا بالخليصاء
وتارة يتنحى نخلاً، وأدية ... شعب الحزون حيناً قصر تيماء
(4/50)

والمملوك مع ذلك يدافع الأيام ويزخيها، ويعلل المعيشة ويرجيها متلفعاً بالقناعة والعفاف، مشتملاً بالنزاهة والكفاف، غير راضي بذلك الشمل، ولكن مادة أقول لايطل قد ألزم نفسه أن يستعمل طرفًا طماحًا، وأن يركب طرفًا جماحًا، وأن يلحف بيض طمع جناحًا، وأن يستقدح زهدًا وارياً وشاحًا.
وأدبني الزمان فلا أبالي ... هجرت فلا أزار ولا أزور
ولست بسائل ما عشت يومًا ... أسار الجندام ركب الأمير
ولقد ندب المملوك أيام الشباب بهذه الأبيات، وما أقل عنا الباكي عد في الرفات.
تنكر لي مذ شبت دهري وأصبحت ... معارفه عندي من النكرات
إذا ذكرتها النفس حنت صبابة ... وجاد شؤون العين بالعبرات
إلى أن أتى دهر يحسن ما مضى ... ويوسعني تذكاره حسرات
قلت: وهذا البيت الأخير يشفي من منهل القائل الذي بهذا المعنى يشير.
رب دهر بكيت منه ... فلما صرت في غيره بكيت عليه
وهذا ما اقتصرت عليه من رسالته الطويلة الجليلة الفائقة الجميلة المؤذنة له بتمام البلاغة والفضيلة، وهو نحو من ربعها، وهو لعمري فيما يستحقه من النعوت. من نفيس الجواهر كاسمه ياقوت، توفي رحمه الله تعالى في شهر رمضان بظاهر مدينة حلب، وكان قد وقف كتبه، ولما تميز سمى نفسه يعقوب.
وفيها توفي الملك المسعود ابن الملك الكامل بمكة المشرفة، وكان قد سيره جده الملك العادل إلى اليمن، فملكها وبلاد الحجاز مضافة إليها، ولما حضرته الوفاة وصى أنه إذا مات لا يجهز بشيء من ماله، يسلم إلى الشيخ الصديق يجهزه عنده بما يرى، وكان من كبار الصالحين من أكراد بلد إربل مجاورًا بمكة، ولما مات الملك المسعود تولى تجهيزه وكفنه في إزار، كان قد أحرم فيه بالحج والعمرة سنين عديدة، وجهزه تجهيز الفقراء
(4/51)