Advertisement

مروج الذهب 001



الكتاب : مروج الذهب
المؤلف : أبو الحسن على بن الحسين بن على المسعودي
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ] بسْم الله الرّحْمن الرّحيم
الحمد للهّ أهل الحمد، ومُسْتَوجب الثناء والمجد، وصلىِ اللّه على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله الطاهرين، وسَلَمَ تسليماً إلى يوم الدين.
باب ذكر جوامع أغراض هذا الكتاب
أما بعد، فإنا صَنّفنَا كتابنا في أخبار الزمان، وقَذَمْنَا القول فيه في هيئة الأرض، ومدُنها، وعجائبها، وبحارها، وأغْوَارها، وجبالها، وأنهارها، وبد ائع معادنها، وأصناف مَنَاهلها، وأخبار غِيَاضِها، وجزائر البحار، والبُحَيْرَات الصغار، وأخبار الأبنية المُعَظّمة، والمساكن المشرَّفة، وذكر شأن المبدأ، وأصل النّسْل، وتَبَاين الأوطان، وما كان نهراً فصار بحراً، وما كان بحراً فصار بَرًّا، وما كان بَرًّا فصار بحراً، على مرور الأيام، ومُرُور الدهور، وعلة ذلك، وسببه الفلكي والطبيعي، وانقسام الأقاليم بخواص الكواكب، ومعاطف الأوتاد، ومقادير النواحي والافاق، وتباين الناس في التاريخ القديم، واختلافهم في بَدْئِه وأوليته، من الهند.
وأصناف الملحدين، وما ورد في ذلك عن الشرعيين، وما نطقت به الكتب وورد على الدِّيَانِيينَ. ثم أتبعنا ذلك بأخبار الملوك الغابرة، والأمم الدَّاثِرَة، وَالْقُرُون الخالية، والظوائف البائحة على مَرّ سيرهم، في تغير أوقاتهم وتضيف أعصارهم، من الملوك والفراعنة العادية والأكاسرة واليونانية، وما ظهر من حكمهم ومقائل فلاسفتهم وأخبار ملوكهم، وأخبار العناصر، إلى ما في تَضَاعِيف ذلك من أخبار الأنبياء والرسل والأتقياء، إلى أن أفضَى اللهّ بكرامته وشَرّف برسالته محمداً نبيه صلى الله عليه وسلم، فذكَرْنَا مولده، ومنشأه، وبعثه، وهجرته، ومَغَازِيَه، وسَرَاياه، إلى أوَانِ وفاته، واتصال الخلافة، وَاتِّسَاق المملكة بزمن زمن، وَمَقَاتِل مَنْ ظهر من الطالبيينَ، إلى الوقت الذي شرعنا فيه في تصنيف كتابنا هذا من خلافة المتقي للّه أمير المؤمنين، وهي سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة.
للمؤلف كتابان اختصرهما في هذا الكتاب
ثم أتبعناه بكتابنا الأوسط في الأخبار على التاريخ وما اندرج في السنين الماضية، من لدن البَدء إلى الوقت الذي عنده انتهى كتابنا الأعظم وما تلاه من الكتاب الأوسط. ورأينا إيجاز ما بسطناه واختصار ما وسطناه، في كتاب لطيف نُودِعُه لُمَع ما في ذَيْنِكَ الكتابين مما ضَمَّنَّاهُما، وغير ذلك من أنواع العلوم، وأخبار الأمم الماضية، والأعصار الخالية، مما لم يتقدم ذكره فيهما.
على أنا نعتنر من تقصيرٍ إنْ كان، وَنَتَنَصّل من إغفالٍ إنْ عَرَض لم! قد شَابَ خَوَاطِرَنَا، وَغَمَرَ قلوبنا، من تَقَاذُف الأسفار، وقَطْع الْقِفار، تارة على مَتْن البحر، وتارة على ظهر البر، مُسْتَعْمِلِينَ بدائع الأمم بالمشاهدة، عارفين خواصّ الأقاليم بالمُعَايَنَة، كقَطْعنا بِلَادَ السِّند والزنج والصنف والصين والزابج، وَتَقَحُّمنا الشَّرْقَ والغرب، فتارةً بأقصىِ خُرَاسان، وتارة بوسائط إرمينية وأذربيجان والران والبيلقان، وطوراَ بالعراق، وطوراً بالشام؟ فسَيرِي في الآفاق، سُرَى الشمس في الإشراق؟ كما قال بعضهم:
تَيَمَّمَ أَقْطَارَ الْبِلَادِة فتَارَةًلَدَى شَرْقِهَا الأقْصى وَطَوْراً إلَى الْغَرْبِ
سُرَى الشَّمْس، لَا يَنْفكُّ تَقْذِفهُ النَّوَى ... إلَى افقٍ نَاءٍ يُقَصِّرُ بِالرَّكب
قال المصنف: ثم مفاوضتنا أصناف الملوكِ على تغاير أخلاقهم
(1/1)

وتباين هممهم، وتباعد ديارهم، وأخْذُنَا بمسلك مسلك من مواقفهم، على أن العلم قد بادت آثاره، وطمس مناره، وكَثرَ فيه العناء، وقلّ الْفهماء ة فلا تُعَاين إلا مُمَوّهاً جاهلاً، ومتعاطياً ناقصاً، قد قنع بالظنون، وعَمِيَ عن اليقين، لم نَرَ الاشتغال بهذا الضَّرْب من العلوم والتفرغ لهذا الفن من الآداب، حتى صنفنا كتبنا من ضروب المقالات، وأنواع الديانات، ككتاب الإِبانة عن أصول الديانة وكتاب المقالات في أصول الديانات وكتاب سر الحياة وكتاب نظم الأدلة، في أصول الملة وما اشتمل عليه من أصول الفتْوَى وقوانين الأحكام: كتيقن القياس، والاجتهاد في الأحكام، وقع الرأي والاستحسان، ومعرفة الناسخ من المنسوخ، وكيفية الإجماع و ماهيته، ومعرفة الخاص والعام، والأوامر والنوا هي، والحَظْر والِإباحة، وما أتت به الأخبار من الاستفاضة والآحاد، وأفعال النبي صلى الله عليه وسلم، وما ألحق بذلك من أصول الفتْوَى، ومناظرة أنباء الخصوم فيما نازعونا فيه، موافقتهم في شيء منه، وكتاب الاستبصار في الإمامة ووصف قاويل الناس في ذلك من أصحاب النص والاختيار، وحِجاج كل فريق منهم، وكتاب الصفوة في الإمامة وما احتواه ذلك، مع سائر نتبنا في ضروب علم الظواهر والبواطن والجلي والخفي والدائر الوافر، وإيقاظنا على ما يرتقبه المرتقبون، ويتوقَّعه المحدثون، وما ذكروه من نور يلمع في الأرض وينبسط في الجدب والخصب، وما في عقب المَلاَحمَ الكائنة، الظاهر أنباؤها المتجلِّي أوائلُها، إلى سائر كتبنا في السياسة، كالسياسة المدنية وأجزاء المدينة، ومثلها الطبيعية، انقسام أجزاء الملة، والِإبانة عن المواد، وكيفية تركيب العوالم، الأجسام السماوية، وما هو محسوس وغير محسوس، من الكثيف اللطيف، وما قال أهل النِّحْلة في ذلك.
الباعث له على التأليف
وكان ما دعاني إلى تأليف كتابي هذا في التاريخ، وأخبار العالم، ما مضى في أكناف الزمان من أخبار الأنبياء والملوك وسيرها والأمم مساكنها مَحَبَّةَ احتذاء الشاكلة التي قَصَدَها العلماء، وَقَفاها الحكماء، أن يبقى للعالم ذكراً محموداً، وعلماً منظوماً عتيداً؛ فإنا وجدنا مُصَنَفي كتب في ذلك مُجيداً وَمُقَصِّراً، وَمُسْهِباً ومختصرا ووجدنا الأخبار زائدة مع زيادة الأيام، حادثةً مع حدوث الأزمان، وربما غاب البارع منها على فطِنِ الذكي، ولكل واحد قِسْطٌ يخصه بمقدار عنايته، ولكل إقليم عجائب يقتصر على علمها أهْله، وليس من لَزِمَ جهةَ وطنه وقنع بما نُمِيَ إليه من الأخبار عن إقليمه كمن قسّم عمره على قَطْع الأقطار، ووَزّعَ أيامه بين تَقَاذُف الأسفار، واستخراج كل دقيق من مَعْدِنه، وإثارة كل نفيس من مَكْمَنه.
(1/2)

وقد ألَّف النَّاسُ كُتباً في التاريخ والأخبار مِمِّنْ شلَف وَخلَف، فأصاب البعض وأخطأ البعض، وكل قد اجتهد بغاية إمكانه، وأظهر مكنون جوهر فطْنَته: كَوَهْب بن مُنَبه، وأبي مِخْنَف لوط بن يحمى العامري، ومحمد بن إسحاق، والواقدي، وابن الكلبي، وأبي عُبَيْدَة مَعْمر بن المثنى، وأبي العباس الهمداني، والْهَيْثَم بن عدي الطائي، والشّرْقيّ بن القُطَامي، وحَمَاد الراوية، والأصمعي، وسَهْل بن هارُون، وعبد اللّه بن المقفع، واليزيدي، ومحمد بن عبد اللّه الْعُتْبِي، والأموي، وأبي زيد سعيد بن أوس الأنصاري، والنّضْر بن شُمَيل، وعبد الله بن عائشة، وأبي عُبَيدٍ القاسم بن مسَلأَم، وعلي بن محمد المدائني، ودمَاذ بن رفيع بن سلمة، ومحمد بن سلام الْجُمَحِي، وأبي عثمان عَمْرو بن بحر الجاحظ، وأبي زيد عمر بن شَبَّة النميري، والزّرَقيئَ الأنصاري، وأبي السائب المخزومي، وعلي بن محمد بن سليمان النوفلي، والزُبَير بن بَكَّار، الِإنجيلي، والرياشِي، وابن عابد، وعمارة بن وسيمة المصري، وأبي حسان الزيادي، ومحمد بن موسى الْخُوارَزْمي، وأبي جعفر محمد بن أبي لسري، ومحمد بن الهيثم بن شبابة الخراساني صاحب كتاب الدولة، إسحاق بن إبراهيم الْمَوْصِلي صاحب كتاب الأغاني وغيره من الكتب، والخليل بن الهيثم الهرتَمي صاحب كتاب الحيل والمكايد في الحروب غيره، ومحمد بن يزيد المبرِّدِ الأزدي، ومحمد بن سليمان المنقري الجوهري، ومحمد، بن زكريا الْغَلابيِّ المصري المصنف للكتاب المترجم كتاب الأجواد وغيره، وابن أبي الدنيا مؤدب المكتفي باللهّ، وأحمد بن محمد الخزاعي المعروف بالخاقاني الأنطاكي، وعبد اللهّ بن محمد بن حفوظ البَلَوِيّ الأنصاري صاحب أبي يزيد عمارة بن زيد المديني، أحمد بن محمد بن خالد البرقي الكاتب صاحب التبيان، وأحمد بن أبي طاهر صأحب الكتاب المعروف بأخبار بغداد وغيره، وابن الوَشَّاء، علي بن مجاهد صاحب الكتاب المعروف بأخبار الأمويين وغيره، ومحمد بن صالح بن النطاح صاحب كتاب الدولة العباسية وغيره، ويوسف بن إبراهيم صاحب أخبار إبراهيم بن المهدي وغيرها، ومحمد بن الحارث الثعلبي صاحب الكتاب المعروف بأخلاق الملوك المؤلف للفتح بن خَاقَان وغيره، وأبي سعيد السكري صاحب كتاب أبيات العرب، وعبيد اللّه بن عبد الله بن خرداذبة؛ فإنه كان إماماً في التأليف متبرعاً في مَلَاحة التصنيف، أتبَعَه من يُعْتَمد، وأخذ منه، ووطىء على عقبه، وقَفا أثره، وإذا أردت أن تعلم صحة ذلك فانظر إلى كتابه الكبير في التاريخ فإنه اجمع هذه الكتب جداً، وأبرعها نظماً، وأكثرها علماً، وأحْوَى لأخبار الأمم وملوكهم وسيرها من الأعاجم وغيرها، ومن كتبه النفيسة كتابه في المسالك والممالك وغير ذلك مما إذا طلبته وجدته، وإذا تفقدته حمدته، وكتاب التاريخ من المولد إلى الوفاة، ومن كان بعد النبي صلى الله عليه وسلم من الخلفاء والملوك إلى خلافة المعتضد باللّه، وما كان من الأجداث والكوائن في أيامهم وأخبارهم، تأليف محمد بن علي الحسيني العلوي الدِّيَنَورِيِّ، وكتاب التارِيخ لأحمد بن يحمى الْبَلاَذُري، وكتابه أيضاً في البلدان وفتوحها صُلْحاَ وَعَنْوَةً من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وما فتح في أيامه وعلى يد الخلفاء بعده، وما كان من الأخبار في ذلك، ووصف البلدان في الشرق والغرب والشمال والجنوب، ولا نعلم في فتوح البلدان أحسن منه، وكتاب داود بن الجراح في التاريخ الجامع لكثير من أخبار الفرس وغيرها من الأمم، وهو جد الوزير علي بن عيسى بن داود بن الجراح، وكتاب التاريخ الجامع لفنون من الأخبار والكوائن في الأعصار قبل الِإسلام وبعده، تأليف أبي عبد اللّه محمد بن الحسين ابن سوار المعروف بابن أخت عيسى بن المنجم على ما أنبأت به التوراة وغير ذلك من أخبار الأنبياء والملوك وكُتَّاب التاريخ، وأخبار الأمويين ومناقبهم، وذكر فضائلهم، وما أتَوْا به عن غيرهم، وما أحدثوه من السير في أيامهم، تأليف أبي عبد الرحمن خالد بن هشام الأموي، وكتاب القاضي أبي بشر الدولابِيِّ في التاريخ، والكتاب الشريف تأليف أبي بكر محمد بن خلف بن وكيع القاضي في التاريخ وغيره من الأخبار، وكتاب السير والأخبار لمحمد بن خالد الهاشمي، وكتاب التاريخ والسير " لأبي إسحاق بن سليمان الهاشمي، وكتاب سير الخلفاء لأبي بكر
(1/3)

محمد بن زكريا الرازي صاحب كتاب المنصوري في الطب وغيره، فأما عبد اللهّ بن مسلم بن قتيبة الدينوري فممن كثرت كتبه واتسع تصنيفه، ككتابه المترجم بكتاب المعارف وغيره من مصنفاته.د بن زكريا الرازي صاحب كتاب المنصوري في الطب وغيره، فأما عبد اللهّ بن مسلم بن قتيبة الدينوري فممن كثرت كتبه واتسع تصنيفه، ككتابه المترجم بكتاب المعارف وغيره من مصنفاته.
ثناؤه على ابن جرير الطبري
وأما تاريخ أبي جعفر محمد بن جرير الطبري الزاهي على المؤلفات، والزائد على الكتب المصنفات، فقد جمع أنواع الأخبار، وحَوَى فنون الآثار، واشتمل على صنوف العلم، وهو كتاب تكثر فائدته، وتنفع عائدته، وكيف لا يكون كذلك.! ومؤلفه فقيه عصره، وناسِكُ دهره، إليه انتهت علوم فقهاء الأمصار، وحَمَلَة السنن والآثار، وكذلك تاريخ أبي عبد اللّه إبراهيم بن محمد بن عَرَفةَ الواسطي النحوي الملقب بنفطَوَيْهِ فمحشؤٌ من مَلاَحة كتب الخاصة، مملوء من فوائد السادة، وكان، أَحسن أهل عصره تأليفاً، وأملحهم تصنيفاً، وكذلك سلك محمد بن يحمى الصُّوليُّ في كتابه المترجم بكتاب الأوراق في أخبار الخلفاء من بني العباس وبني أمية، وشعرائهم، وَوزرائهم، فإنه ذكر غرائب لم تقع لغيره، وأشياء تفرد بها لأنه شاهدها بنفسه، وكان محظوظاً من العلم، ممحوداً من المعرفة مرزوقاً من التصنيف وحسن التأليف، وكذلك كتاب الوزراء وأخبارهم لأبي الحسن علي بن الحسن المعروف بابن الماشطة، فإنه بلغ في تصنيفه إلى آخر أيام الراضىِ باللهّ.
ثناؤه على قدامة بن جعفر
وكذلك أبو الفرج قُدَأمة بن جعفر الكاتب؛ فإنه كان حسن التأليف، بارع التصنيف، موجزاً للألفاظ، مُقرباً للمعاني، وإذا أردت علم ذلك فانظر في كتابه في الأخبار المعروف بكتاب زهر الربيع، وأشرف على كتابه المترجم بكتاب الخراج؛ فإنك تشاهد بهما حقيقة ما قد ذكرنا، وصِدْقَ ما وصفنا، وما صنفه أبو القاسم جعفر بن محمد بن حمدان الموصلي الفقيه في كتابه في الأخبار الذي يعارض فيه كتاب الروضة للمبرد ولقبه بالباهر، وكتاب إبراهيم بن ماهويه الفارسي الذي عارض فيه المبرد في كتابه الملقب بالكامل، وكتاب إبراهيم بن موسى الواسطي الكاتب في أخبار الوزراء الذي عارض فيه كتاب محمد بن داود بن الْجَراح في الوزراء، وكتاب علي بن الفتح الكاتب المعروف بالمطوق في أخبار عدة من وزراء المقتدر باللّه، وكتاب زهرة العيون وجلاء القلوب تأليف المصري، وكتاب التاريخ تأليف عبد الرحمن بن عبد الرازق المعروف بالْجَوْزَجَاني السعدي، وكتاب التاريخ وأخبار الموصل تأليف أبي ذكره الموصلي، وكتاب التاريخ تأليف أحمد بن يعقوب المصري في أخبار العباسيين وغيرهم، وكتاب التاريخ في أخبار الخلفاء من بني العباس وغيرهم لعبد اللهّ بن الحسين بن سعد الكاتب، وكتاب محمد بن مزيد بن أبي الأزهر في التاريخ وغيره، وكتابه المترجم بكتاب الهرج والأحداث.
نقد المؤلف لثابت بن قرة
(1/4)

ورأيت سِنَانَ بن ثابت بن قرة الْحَراني حين انتحل ما ليس من صناعته، واستنهج ما ليس من طريقته قد ألَّف كتاباً جعله رسالة إلى بعض إخوانه من الكتاب، واستفتحه بجوامع من الكلام في أخلاق النفس وأقسامها من الناطقة والغضبية والشهوانية، وذكر لُمَعاً من السياسات المدنية مما ذكره أفلاطون في كتابه في السياسة المدنية، وهو عشر مقالات، ولمعاً مما يجب على الملوك والوزراء، ثم خرج إلى أخبارٍ يزعم أنها صحت عنده ولم يشاهدها، ووصل ذلك بأخبار المعتضد باللّه، وذكر صحبته إياه، وأيامه السالفة معه ثم ترقى إلى خليفة خليفة في التصنيف، مضادة لرسم الإخبار والتواريخ وخروجاً عن جملة أهل التأليف، وهو وإن أحسن فيه، ولم يخرجه عن معانيه، فإنما عيبه أنه خرج عن مركز صناعته، وتكلف ما ليس من مهنته، ولو أقبل على علمه الذي انفرد به من علم إقليدس والمقطعات والمَجَسْطَى والمحورات، ولو استفتح آراء سقراط وأفلاطون وأرسطاطاليس، فأخبر عن الأشياء الفلكية، والآثار العلوية، والمزاجات الطبيعية، والنسب والتأليفات، والنتائج والمقدمات، والصنائع المركبات، ومعرفة الطبيعيات: من الِإلهيات، والجواهر والهيآت، ومقادير الأشكال، وغير ذلك من أنواع الفلسفة لكان قد سلم مما تكلَّفه، وأتى بما هو أليق بصنعته، ولكن العارف بقدره مُعْوِز، والعالم بمواضع الخلة مفقود، وقد قال عبد اللّه بن المقفع: مَنْ وضع كتاباً فقد استهدف، فإن أجاد فقد استشرف، وإن أساء فقد استقذف .قال أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعوعي: ولم نذكر من كتبِ التواريخ والأخبار والسير والآثار إلا ما اشتهر مصنفوها، وعرف مؤلفوها ولم نتعرض لذكر كتب تواريخ أصحاب الأحاديث في معرفة أسماء الرجال وأعصارهم وطبقاتهم ؛ إذ كان ذلك كله أكثر من أن نأتي على ذكره في هذا الكتاب، إذ كنا قد أتينا على جميع تسمية أهل الأعصار من حمله الآثار، ونقلة السير والأخبار، وطبقات أهل العلم من عصر الصحابة، ثم مَنْ تلاهم من التابعين، وأهل كل عصر على اختلاف أنواعهم، وتنازعهم في آرائهم: من فقهاء الأمصار وغيرهم من أهل الآراء والنحل والمذاهب والجدل، إلى سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، في كتابنا المترجم بكتاب أخبار الزمان، وفي الكتاب الأوسط.
المؤلف يذكر أنه أودع كتابه أجزل الفوائد
وقد وسمت كتابي هذا بكتاب مروج الذهب، ومعادن الجوهر؟ لنفاسة ما حَواه، وعظم خطر ما استولى عليه: من طوالع بوارع ما تضمنته كتبنا السالفة في معناه، وغرر مؤلفاتنا في مغزاه، وجعلته تحفة للأشراف من الملوك وأهل الدرايات لما قد ضمنته من جمل ما تدعو الحاجة إليه، وتُنَازع النفوس إلى علمه من دراية ما سلف وغَبرَ في الزمان، وجعلته مُنَبِّهاً على أغراض ما سلف من كتبنا، ومشتملاً على جوامِعِ يحسن بالأديب العاقل معرفتها، ولا يُعذر في التغافل عنها، ولم نترك نوعاَ من العلوم، ولا فناً من الأخبار، ولا طريقة من الآثار، إلا أوردناه في هذا الكتاب مفصلاً، أو ذكرناه مجملاً، أو أشرنا إليه بضرب من الِإشارات، أو لوّحنا إليه بفحوى من العبارات.
المؤلف ينهي عن التصرف في الكتاب ويخوف من ذلك
فمن حَرَّف شيئاً من معناه، أو أزال ركناً من مبناه، أو طمس واضحة من معالمه، أو لبَّسَ شاهدة من تراجمه، أو غيره، أو بَدَّله، أو بشأنه، أو اختصره، أو نسبه إلى غيرنا، أو أضافه إلى سوانا، فوافاه من غضب اللهّ وسرعة نقمه وفوادح بلاياه ما يَعْجَزُ عنه صبره، ويَحَار له فكره، وجعله اللّه مُثْلَةً للعالمين، وعبرة للمعتبرين، واية للمُتَوسِّمين، وسلبه اللهّ ما أعطاه، وحال بينه وبين ما أنعم به عليه: من قوةٍ ونعمةٍ مُبدعُ السماوات والأرض، من أي الملك كان والآراء، إنه على كل شيء قدير. وقد جعلت هذا التخويف في أول كتابي هذا وآخره، ليكون رادع المن ميله هوى، أو غلبه شقاء، فليراقب اللهّ ربه، وليحافر مُنْقلبهُ، فالمدة يسيرة، والمسافة قصيرة، وإلى اللهّ المصير. وهذا حين نبدأ بجمل ما استودعناه هذا الكتاب من الأبواب، وماحوى كل باب منها من أنواع الأخبار، وباللهّ التوفيق.
البَابُ الثاني
ذكر ما اشتمل عليه الكتاب من الأبواب
مباحث الكتاب
(1/5)

قد قدمْنَا فيما سلف من هذا الكتاب ذكرنا لأغراضه، فلنذكر الآن جُمَلاً من كمية أبوابه على حسب مراتبها فيه، واستحِقاقها منه، لكي يقرب تناولها على مريدها.
فأول ذلك ذكر المبدأ، وشأن الخليقة، وذَرْء البَرِيَّةِ من آدم إلى إبراهيم عليهما الصلاة والسلام. ذكر قصة إبراهيم عليه السلام، ومن تَلاَ عصره من الأنبياء والملوك من بني إسرائيل.
ذكر ملك أرخبعم بن سليمان بن داود، ومن تَلا عصره من ملوك بني إسرائيل، وجمل من أخبار الأنبياء والملوك من بني إسرائيل.
ذكر أهل الفترَةِ ممن كان بين المسيح ومحمد صلى الله عليه وسلم ذكر جمل من أخبار الهند وأربابها، ومدد ممالكها، وسيرها وآرائها في عبادتها.
ذكر الأرض والبحار، ومبادئ الأنهار والجبال، والأقاليم السبعة وما والاها من الكواكب وغير ذلك.
ذكر جمل من الأخبار عن انتقال البحار، وجمل من أخبار الأنهار الكبار .ذكر الأخبار عن البحر الحبشي، وما قيل في مقداره وتشعبه وخُلْجَانه.
ذكر تنازع الناس في المَدِّ وَالْجَزر، وجوامع ما قيل في ذلك.
ذكر البحر الرومي، ووصف ما قيل في طوله وعرضه وابتدائه وانتهائه.
ذكر بحر نيطس، وبحر مايطس، وخليج القسطنطينية.
ذكر بحر الباب والأبواب والْخَزَرِ وخُرْجَان، وجملة من الأخبار عن ترتيب جميع البحار.
ذكر ملوك الصين والترك، وتفرق ولد عامور، وأخبار الصين وملوكهم، وجوامع من سيرهم وسياساتهم وغير ذلك.
ذكر جمل من الأخبار عن البحار، وما فيها وما حولها من العجائب والأمم، ومراتب الملوك، وغير ذلك.
ذكر جبل القبج، وأخبار الأمم من اللان والسرير والخزر، وأنواع من الترك والبَلْغر، وأخبار الباب والأبواب، ومن حولهم من الملوك والأمم.
ذكر ملوك السريانيين.
ذكر ملوك الموصل ويينَوَى، وهم الصوريون.
ذكر ملوك بابل من النَّبَطِ وغيرهم، وهم الكلدانيون.
ذكر ملوك الفرس الأولى وسيرها، وجوامح من أخبارها.
ذكر ملوك الطوائف الأشعانيين، وهم بين الفرس الأولى والثانية.
ذكر أنساب فارس، وما قاله الناس في ذلك.
ذكر ملوك الساسانية، وهم الفرس الثانية، وسيرهم، وجوامع من أ أخبارهم.
ذكر ملوك اليونانيين وأخبارهم، وما قال الناسُ في بَدء أنسابهم.
ذكر جوامع من أخبار حرب الإسكندر بأرض الهند.
ذكر ملوك اليونانيين بعد الِإسكندر.
ذكر الروم وما للناس في بَدْء أنسابهم، وأحد ملوكهم، وتاريخ سِنيهِمْ، وجوامع من سيرهم.
ذكر ملوك الروم المتنصرة، وهم ملوك القسطنطينية، ولمع مما كان في أعصارهم.
ذكر ملوك الروم بعد ظهور الِإسلام، إلى أرمينوس، وهو الملك في سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة.
ذكر مصر، ونيلها، وأخبارها، وبنائها، وعجائبها، وأخبار ملوكها.
ذكر أخبار الِإسكندرية، وبنائها، وملوكها وعجائبها، وما لحق بهذا الباب.
ذكر السودان، وأنسابهم واختلاف أجناسهم وأنواعهم، وتباينهم في ديارهم، وأخبار ملوكهم.
ذكر الصَّقَالبة، ومساكنهم، وأخبار ملوكهم، وتفرق أجناسهم.
ذكر الِإفرنجة والجلالقة وملوكهما، وجوامع من أخبارهما وسيرهما وحروبهما مع أهل الأندلس.
ذكر النو كبرد وملوكها، والأخبار عن مساكنها ذكر عاد وملوكها، ولُمَع من أخبارها، وما قيل في طول أ عما رهم.
ذكر ثمود وملوكها، وصالح نبيها عليه السلام، ولمع من أخبارها.
ذكر مكة وأخبارها، وبناء البيت، ومن تداوله من جُرهُم وغيرهم، وما لحق بهذا الباب.
ذكر جوامع من الأخبار في وصف الأرض والبلدان، وحنين النفوس إلى الأوطان.
ذكر تنازع الناس في المعنى الذي من أجله سمي اليمن يمناً، والشام شاماً، العراق، والحجاز.
ذكر اليمن وأنسابها، وما قاله الناس في ذلك.
ذكر اليمن وملوكها من التَّبَابِعة وغيرها، وسيرها، ومقادير سنيها.
ذكر ملوك الحِيرَةِ من اليمن وغيرهم، وأخبارهم.
ذكر ملوك الشام من اليمن من غسان وغيرهِمْ، وما كان من أخبارهم.
ذكر البوادي من العرب، وغيرهم من الأمم، وعِلَةُ سُكناها البدو، وأكراد الجبال، وأنسابهم، وجُمَل من أخبارهم، وغير ذلك مما اتصل بهذا الباب.
ذكر ديانات العرب، وآرائها في الجاهلية، وتفرقها في البلاد، وأخبار أصحاب الذيل، وأمر الأحابيش، وغيرهم، وعبد المطلب، وغير ذلك مما يلحق بهذا الباب.
(1/6)

ذكر ما ذهب إليه العربُ في النفوس والهَام والصَّفر، وأخبارها في ذلك.
ذكر أقاويل العرب في التّغَؤُل والغيلان، وما قاله غيرهم من الناس في ذلك، وغير ذلك مما لحق بهذا الباب واتصل بهذه المعاني.
ذكر أقاويل الناس في الهَوَاتِف والجانَ، من العرب وغيرهم ممن أثبت ذلك ونفاه.
ذكر ما ذهب إليه العرب من القِيَافة والعِيَافة والزَّجْر والسانح والبارح، وغير ذلك.
ذكر الكَهَانة وصفتها، وما قاله الناس في ذلك من أخبارها، وحَدِّ الناطقة وغيرها من النفوس، وما قيل فيما يراه النائم، وما اتصل بهذا الباب.
ذكر جمل من أخبار الكهان، وسيل الْعَرِم بأرض سبأ ومأرب، وتفرق الأزْدِ في البلدان وسكناهم في البلاد.
ذكرسِنِي العرب والعجم، وشهورها، وما اتفق منها وما اختلف.
ذكر شهور القبط والسريانيين، والخلاف في أسمائها، وجمل من التاريخ، وغير ذلك مما اتصل بهذا المعنى.
ذكر شهور السريانيين، ووَصف موافقتها لشهور الروم، وعدد أيام السنة، ومعرفة الأنواء.
ذكر شهور الفرس، وما اتصل بذلك.
ذكر أيام الفرس، وما اتصل بذلك.
ذكر سِنِي العربِ وشهورها وتسمية أيامها ولَيَاليها.
ذكر قول العرب في ليالي الشهور القمرية، وغير ذلك مما اتصل بهذا المعنى.
ذكر القول في تأثير النيرين في هذا العالم، وجمل مما قيل في ذلك مما اتَصل بهذا الباب.
ذكر أرباع العالم والطبائع والأهْوِيَةِ، وما خص به كل جزء منه، منه الشرقي والغربي واليمني والجنوبي، وغير ذلك من سلطان الكواكب.
ذكر البيوت المعظمة، والهياكل المشرفة، وبيوت النِّيرانِ والأصنام، وعبادات الهند، وذكر الكواكب، وغير ذلك من عجائب العالم.
ذكر البيوت المعظمة عند اليونانيين، وَوصفها.
ذكر البيوت المعظمة عند الصَّقَالبة، وَوصفها.
ذكر البيوت المعظمة عند أوائل الروم، ووَصفها.
ذكر بيوت معظمة وهياكل مشرفة للصابئة من الحَرانيين، وغيرها،وما فيها من العجائب والأخبار وغيرها.
ذكر الأخبار عن بيوت النَيرانِ، وكيفية بنائها، وأخبار المجوس فيها،وما لحق ببنائها.
ذكر جامع تاريخ العالم من بدئه إلى مولد النبي صلى الله عليه وسلم، وما اتصل بهذا الباب من العلوم.
ذكر مولد النبي صلى الله عليه وسلم، ونسبه، وغيرذلك مما لحق بهذا الباب.
ذكر مبعثه عليه الصلاة والسلام، وما كان في ذلك إلى هجرته صلى الله عليه وسلم .
ذكر هجرته، وجوامع مما كان في أيامه إلى وفاته صلى الله عليه وسلم ذكر الأخبار عن أمورٍ وأحو الً كانت من مولده إلى حين وفاته صلى الله عليه وسلم ذكر ما بدىء به عليه الصلاة والسلام من الكلام، مما لم يحفظ قبله عن أحد من الأنام .
ذكر خلافة أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه، ونسبه، ولمع من أخباره وسيره.
ذكر خلافة عمر بن الخطاب رضي اللهّ عنه، ونسبه، ولمع من أخباره وسيره.
ذكر خلافة عثمان بن عفان رضي اللّه عنه، ونسبه، ولمع من أخباره وسيره.
ذكر خلافة علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، ونسبه، ولمع من أخباره وسيره. ونسب إخوته وأخواته.
ذكر الأخبار عن يوم الجمل وبدئه، وما كان فيه من الحروب، وغيرذلك.
ذكر جوامع مما كان بين أهل العراق وأهل الشام بِصِفينَ.
ذكر الحكمين، وبدء التحكيم.
ذكر حروبه رضي اللّه عنه مع أهل النَهرَوان، وهم الشّرَاة، ومالحق بهذا الباب.
ذكرمقتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
ذكر لمع من كلامه، وزهده، وما لحق بهذا المعنى من أخباره.
ذكرخلافة الحسن بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، ولمع من أخباره وسيره.
ذكر أيام معاوية بن أبي سفيان، ولمع من أخباره وسيره، وَنَوَادر من بعض أخباره.
ذكر جمل من أخلاق معاوية وسياسته، وطرف من عيون أخباره.
ذكر الصحابة ومَدْحهم، وعلي بن أبي طالب والعباس رضي الله كنهم، وَفضْلهم.
ذكر أيام يزيد بن معاوية بن أبي سفيان.
ذكر مقتل الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وَمَنْ قتل من أهل بيته وشيعته. ذكر أسماء ولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
ذكر لمع من أخبار يزيد بن معاوية وسيره، ونوادر من بعض أفعاله، وما كان منه في الحَرَّة وغيرها.
ذكر أيام معاوية بن يزيد، ومروان بن الحكم، والمختار بن أبي عُبَيْدٍ، وعبد اللّه بن الزبير، ولمع من أخبارهم وسيرهم، وبعض ما كان في أيامهم.
(1/7)

ذكر أيام عبد الملك بن مروان 4 ولمع من أخباره وسيره، والحجاج بن يوسف، وأفعاله، ونوادر من أخباره.
ذكر لمع من أخبار الحجاج بن يوسف وخُطَبه، وما كان منه في بعض أفعاله.
ذكر أيام الوليد بن عبد الملك، ولمع من أخباره وسيره وما كان من الحجاج في أيامه.
ذكر أيام سليمان بن عبد الملك، ولمع من أخباره وسيره.
ذكر خلافة عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحَكَم رضي اللّه عنه.ولمع من أخباره وسيره زُهْدِ
فشسبَّ هابيلُ وشَبّ قاينُ ... ولم يكن بينهماتبايُنُ
وذكر أهل الكتاب أن آدم زَوَّج أخت هابيل لقاين، وأخصَ قاين لهابيل، وفرق في النكاح بين البطنين، وهن! كانت سُنّةَ آدم عليه السلام احتياطاً لأقصى ما يمكنه في في المحارم لموضع الاضطرار وعجز النسل عن التباين والاغتراب. وقد زعمت المجوس أن آدم لم يخالف في النكاح بين البطون ولم يتَحَرَّ المخالفة، ولهم في هذا المعنى سريدَّعون فيه الفضل في صلاح الحال بتزويج الأخ من أخته والأم من إبنها، وقد أتينا به في الفن الرابعَ عشر من كتابنا الموسوم بأخبار الزمان، ومَنْ أباده الحدثان، من الأمم الماضية، والأجيال الخالية، والمماليك الداثرة وإن هابيل وقاين قَرّبا قرباناً فَتَحَرى هابيل أجود غنمه وأجود طعامه فقربه، وتحرى قاين شر ماله وقربه، فكان من أمرهما ما قد حكاه الله تعالى في كتابه العزيز من قتل قاين هابيل، ويقال: إنه اغتاله في برية قاع، ويُقال: إن ذلك كان ببلاد دمشق من أرض الشام، وكان قتله شَدْخاً بحجر، فيقال: إن الوحوش هنالك استوحشت من الِإنسان، وذلك أنه بدأ فبلغ الغرض بالشر والقتل، فلما قتله تحير في تَوْرِيته، وحمله يطوف به الأرض، فبعث اللّه غراباً إلى غراب فقتله ودفنه، فأسف قاين ثم قال ما حكاه القرآن عنه: " " يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي " فدفنه عند ذلك، فلما علم اثم بذلك حزن وجزع وارتاع وهلع.
قال المسعودي: وقد استفاض في الناس شعر يَعْزُونه إلى آدم، أنه قال حين حزن على ولده وأسف على فقده، وهو:
تَغَيَّرَتِ البلادُوَمَنْ عليها ... فجْهُ الأرْض مُغْبَرٌّ قبيح
تغيركل ذِي لون وطعْم ... وقل بشاشَة الوجهُ الصبيحُ
وبُدِّل أهْلُها خَمْطا وأثْل ... اً بجناتٍ مِنَ الفرعوس فِيح
وجاوَرَنَاعموليس يَنْسَى ... لَعِينٌ لايموت فنستريح
وقَتَلَ قاينٌ هابيلَ ظلما ... فا أسفاعلى الوجه المليح
فمالي لا أجودبسَكْب دمع ... وهابيل تضمنه الضريح
أرى طول الحياة عليَّ غما ... وما أنا من حياتي مستريح
ووجدت في عحة من كتب التواريخ والسير والأنساب أن آدم لما نطق بهذا الشعر أجابه إبليس من حيث يسمع صوته ولا يرى شخصه، وهو يقول:
تَنحَّ عَنِ البلَادِ وسَاكنيهَا ... فَقَد ْفي الأرْض ضَاق بِك الفَسِيحُ
وكنتَ وزَوْجكَ الْحَواءُ فيهَا ... أآدم مِنْ أذىَ الدُّنيَا مريحُ
فما زالَتْ مكايدتي ومكرِي ... إلي أنْ فَاتَكَ الثمنُ الربيح
فَلَوْلارَحْمَةُ الرَّحْمنِ أضْحَت ... بِكَفَك مِنْ جِنَانِ الْخُلدِرِيحُ
ووجدت أن آدم عليه السلام سمع صوتَاَ ولا يرى شخصاً وهو يقول بيتاً آخر مفرداً عون ما ذكرنا من هذا الشعر، وهو هذا البيت:
أبا هابِيلَ قَدْ قتلاَ جميعاً ... وصارَالْحَيُّ بالميْت الذبيح
حواء تحمل بشيث
(1/8)

فلما سمع آدم ذلك ازداد حزناً وجَزَعاً على الماضي والباقي، وعلم أن القاتل مقتول؟ فأوحى اللّه إليه إني مخرج منك نوري الذي به السلوك في القَنَوَات الطاهرة والأرومات الشريفة، وأباهي به الأنوار، وأجعله خاتم الأنبياء، وأجعل آله خيار الأئمة الخلفاء، وأختم الزمان بمدتهم، وأغص الأرض بدعوتهم، وأنشرها بشيعتهم، فشمِّز وتطهَر، وقَدِّس، وسبحْ، واغْشَ زَوجتكَ على طهارة منها، فإن وديعتى تنتقل منكما إلى الولد الكائن منكما، فاقع آدم حَوَّاءَ، فحملت لوقتها، وأشرق جبينها، وتلألأ النور في مَخَايلها، ولمع من محاجرها، حتىِ إذا انتهى حملها وضعت نَسَمَةً كأسر ما يكون من الذّكْرَان، وأتمهم وقاراَ، وأحسنهم صورة، وأكملهم هيئة، وأعْدَلهم خَلْقاً، مجلّلًا بالنور والهيبة، موشحاً بالجلالة والأبهة، فانتقل النور من حواء إليه حتى لمع في أساريرجبهته وبَسَق في غرَّة طلعته، فسما ه آدم شيثاً، وقيل شيث هبة اللهّ، حتى إذا ترعرع وأيفعَ وكمل واستبصر أوْعزَ إليه آدم وَصِيتَّه، وعرَّفه محل ما استودعه، وأعلمه أنه حجة اللّه بعده. وخليفته في الأرض، والمؤدِي حق اللّه إلى أوْصِيَائه، وأنه ثاني انتقالى النِّرِّ الطاهرة، والجُرْثومة الزاهرة.
وصية آدم لشيث ثم وفاته
ثم إن آدم حين أدى الوصية إلى شيث احْتَقَبَهَا، واحتفظ بمكنونها، وأتت وفاة آدم عليه السلام، وقرب انتقاله، فتوفي يوم الجمعة لست خَلَوْن من نيسان، في الساعة التي كان فيها خَلْقُه، وكان عمره عليه السلام تسعمائة سنة وثلاثين سنة، وكان قد وصى ابنه شيثاً عليه السلام على ولده، ويقال: إن آدم مات عن أربعين ألفاً من ولده وولد ولده.وتنازع الناس في قبره فمنهم من زعم أن قبره بِمنىً في مسجد الخيْفِ، ومنهم من رأى أنه في كهف في جبل أبي قُبَيْس، وقيل غيرذ لك، واللّه أعلم بحقيقة الحال.
حكم شيث بن آدم
وإن شيثاً حكم في الناس، واستشرع صحف أبيه وما أنزل عليه في خاصته من الأسفار والأشراع، وإن شيثاً واقع امرأته فحملت بأنوش فانتقل النور إليها، حتى إذا وضعته لاحَ النور عليه، فلما بلغ الوَصَاةَ أوعز إليه شيث في شأن الوديعة وعرفه شأنها وأنها شرفهم وكرمهم وأوعز إليه أن ينبِّه وللده على حقيقة هذا الشرف وكبر محله، وأن ينبهوا أولادهم عليه، ويجعل ذلك فيهم وصية منتقلة ما دام النسل.فكانت الوصية جارية تنتقل من قَرْن إلي قَرْن، إلى أن أدَى الله النور إلى عبد المطلب وولده عبد اللّه أبي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وهذا موضع تنازع بين الناس من أهل الملة، ممن قال بالنص وغيرهم من أصحاب الاختيار، س القائلون بالنص هم الِإباضية أهل الِإمأمة من شيعة علي بن أبي طالب رضتي اللهّ عنه والطاهرين من ولده الذين زعموا أن اللّه لم يُخْل عصراً ش الأعصار من قائم بحق اللّه: إما أنبياء وإما أوصياء منصوص على أسمائهم وأعيانهم من اللّه ورسوله، وأصحابُ الاختيار هم فقهاء الأمصار المعتزلة وفرق من الخوارج والمرجئة وكثير من أصحاب الحديث والعوام فرق من الزَّيدِية فزعم هؤلاء أن اللّه ورسوله فَؤَض إلى الأمة أن تختار جلًا منها فتنصبه لها إماماً، وأن بعض الأعصار قد يخلو من حجة اللّه، هو الِإمام المعصوم عند الشيعة، وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب لُمعاً من يضاح ما وصفنا من أقاويل المتنازعين وتباين المختلفين.
انوش بن شيث ولود
(1/9)

وإن أنوش قد لبث في الأرض يعمرها، وقد قيل والله أعلم إن شيثَاَ أصل النسل من آدم عون سائر ولده، وقيل غير ذلك، وكانت وفاة شيث قد مضت له تسعمائة سنة واثنتا عشرة سنة وفي زمن أنوش قُتِلَ قاينُ ابنُ آدم قاتلُ أخيه هابيل، ولمقتله خبر عجيب قد أوردناه في أخبار الزمان في الكتاب الأوسط، وكانت وفاة أنوش لثلاث خلون من تشرين الأول، كانت مدته تسعمائة سنة وستيم.، سنة، وكان قد ولد له قينان،ولاح النور في جبينه، وأخذ عليه العهدَ، فعمر البلاد حتى مات، فكانت مدت تسعمائة سنة وعشرين سنة، وقد قيل: إن موته كان في تموز بعدما ولد لى مهلائيل، فكانت مدة مهلائيل ثمانمائة سنة، وقد ولد له لود، والنور متوارث، والعهد مأخوذ، والحق قائم، ويقال: إن كثيراً من الملاهي أحدثت في أيامه، أحدثها ولد قاين قاتل أخيه، ولولد قاين مع ولد لو حروب وقصص قد أتينا على ذكرها في كتابنا أخبار الزمان ووقع التحارب بين ولد شيث وبين غيرهم من ولد قاين، فنوع من الهند ممن يقر بآدم، ينتسوبن إلى هذا الشعب من ولد قاين وأكثر هذا النوع بأرض قمار مز أرض الهند، وإلى بلدهم أضيف العود القماري ة فكانت حياة لود سبعمائأ سنة واثنتين وثلاثين سنة، وكانت وفاته في آذار.
أخنوخ
وقام بعحه ولم! أخْنُوخُ، وهو إدريس النبي صلى اللّه عليه وسلم، والصابئة تزعم أنه هو هرمس، ومعنى هرمس عطارد، وهو الذي أخبر اللّه عزوجل في كتابه أنه رفعه مكاناً علياً وكانت حياته في الأرض ثلاثمائأ سنة، وقيل أكثر من ذلك، وهو أول من درَزَ الدروز، وخاط بالِإبرة، وأنزل عليه ثلاثون صحيفة، وكان قد نزل قبل ذلك على آدم إحدى وعشرون صحيفة، وأنزل على شيث تسع وعشرون صحيفة فيها تهليل وتسبيح.
متوشلح
وقام بعده مَتًّوشلح بن أخنوخ، فعمر البلاد والنورُ في جبينه، وولد لا أولاد، وقد تكلم الناس في كثير من ولده، وإق البلغر والروس والصقالبة من ولده، وكانت حياته تسعمائة سنة وستين سنة، ومات في أيلول.
لمك
وقام بعده لمك، وكان في أيامه كوائن واختلاط في النسل، وتوفي،وكانت حياته سبعمائة سنة وتسعين سنة.
نوح
وقام بعدهنوح بن لمك عليه السلام، وقد كثبر الفساد في الأرض ة فاشْتذَتْ دَيَاجِي الظلم، فقام في الأرض داعياً إلى اللّه، فأ بَوْا إلا طغياناً وكفرأ، فدعا اللّه عليهم، فأوحى اللّه إليه أن اصنع الفلك، فلما فرغ من السفينة أتاه جبرائيل عليه السلام بتابوت آدم فيه رمّته وكان ركوبهم في السفينة يوم الجمعة لتسع عشرة ليلة خلت من آذار، فأقام نوح ومن معه في السفينة على ظهر الماء وقد غرق جميعُ الأرض خَمْسَةَ أشهرٍ، ثم أمر اللّه تعالى الأرض أن تبتلع الماء والسماء أن تُقْلِع، واستوت السفينة على الْجُوديِّ، والجودي: جبل ببلاد باسورى، وجزيرة ابن عمر ببلاد الموصل، وبينه وبين دجلة ثمانية فراسخ، وموضع جُنوح السفينة على رأس هذا الجبل إلى هذه الغاية.
وذكر أن بعض الأرض لم يُسْرِع إلىِ بَلْع الماء، ومنها ما أسرع إلىبَلْعِه عندما أمرت، فما أطاع كان ماؤه عذباَ إذا احتفر، وما تأخر عن القبول أعقبها اللّه بماء مِلْحٍ إذا احتفر، وسباخٍ ومَلاحات، ورمال، وما تخلف من الماء الذي امتنعت الأرض من بَلْعه انححر إلى قعور مواضع من الأرض، فمن ذلك البحار، وهي بقية الماء الذي عصت أرضُه أهلك به أمم، وسنذكر بعد هذا الموضع من كتابنا هذا أخبار البحار ووصفها.
أولاد نوح
ونزل نوح من السفيتة ومعه أولاده الثلاثة، وهم: سام، وحام، ويافث، وكًنّاته الثلاث أزواج أولاثه، وأربعون رجلَاَ، وأربعون امرأة، وصاروا إلى سفح الجبل فابتَنَوْا هنالك مدينة وسموها ثمانين، وهو اسمهاإلى وقتنا هذا، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، ودَثر عقب هؤلاء الثمانين نفساً، وجعل اللّه نسل الخليقة من نوح من الثلاثة من ولم!، وقد أخبر اللّه عز وجل بذلك بقوله: " " وجعلنا ذريته هم الباقين " واللّه أعلم بهذا التأوبل.
والمتخلف عنه من ولمه الذي قال له: " يا بني اركب معنا هويام.
وقسم نوحٌ الأرض بين أولاثه أقساماً، وخص كل واحد بموضع،ودعا على ولده حام لأمر كان منه مع أبيه قد اشتهر، فقال ة ملعون حام، عبد عنيد يكون لإِخوته، ثم قال: مبارك سام، ويكثر اللّه يافث، ويحل يافث في مسكن سام.
(1/10)

ووجدت في التوراة أن نوحاً عاش بعد الطوفان ثلاثمائة سنة وخمسين سنة، فجميع عمرنوح تسعمائة وخمسون سنة وقد قيل غيرذلك.
مساكن حام بن نوح
فانطلق حام وأتبعه ولده، فنزلوا مساكنهم في البر والبحر على حسب ما نذكره بعد هذا الموضع من هذا الكتاب، وسنذكر تفرق النسل في الأرض ومساكنهم فيها من ولد يافث وسام وحام.
مساكن سام
فأما سام فسكن وسط الأرض من بلاد الحرم إلى حضرموت إلى عمان إلى عالج، فمن ولده إرم بن سام، وإرفخشذ بن سام بن نوح.
إرم بن سام
ومن ولد إرم بن سام عاذ بن عوص بن إرم بن سام وكانوا ينزلون الأحقاف من الرمل، فأرسِلَ إليهم هوذ..
ثمود من ولد سام
وثمود بن عابر بن إرم بن سام، وكانوا ينزلون الحِجْرَ بين الشام والحجاز، فأرسل الله إليهم أخاهم صالحاً، وكان من أمرهم مع صالح ما قد اتضح أمره، واشتهر خبره، وسنذكر بغد هذا الوضع من هذا الكتاب لمعاً من أخباره وأخبار غيره من الأنبياء عليهم السلام.
طسم وجديسر وعمليق
وطَسْمٌ وجَديس ابنا لاوذ إرم، وكانوا ينزلون اليمأمة والبحرين، وأخوهما عمليق بن لاوذ بن إرم، نزل بعضهم الحرم، وبعضهم الشام، ومنهم العماليق، تفرقوا في البلاد، وأخوهم أميم بن لاوذ نزل أرض فارس، وسنذكر في باب تنازع الناس في أنساب الفرس من هذا الكتاب من ألحق كيومرت بأميم، وقيل: إن أميماً نزل أرض وَبَارِ وهي التي غلبت عليها الجن على ما زعم الأخباريون من العرب.
ونزل بنو عبيل بن عوص أخي عاد بن عوص مدينة الرسول عليه السلام.
ماش بن إرم وأولالده
وولد سام بن نوح ماش بن إرم بن سام، ونزل بابل على شاطىء الفرات فلد نمروذ بن ماش، وهو الذي بنى الضَرْحَ ببابل، وجَسَّرَ جِسْراً ببابل على شاطىء الفرات، وملك خمسمائة سنة، وهو ملك النَّبطِ، وفي زمانه فرق اللّه الألسن : فجعل في ولد سام تسعةَ عشرَ لساناً، وفي ولد حام سبعة عشر لساناً، وفي ولد يافث ستة وثلاثين لساناً، وتشعبت بعد ذلك اللغات وتفرقت الألسن، وسنذكر هذا في موضعه الذي يوجد في كتابنا هذا، وتفرق الناس في البلاد، وما قالوا في ذلك من الأشعار عند تفرقهم في البلاد بأرض بابل، ويقال: إن فالغ هو الذي قسم الأرض بين الأمم، ولذلك سمي فالغ، وهو فالح: أي قاسم.
فالغ بن سالخ وأولاده
وولد إرفخشذ بن سام بن نوح شالخ، فلد شالخ فالغ بن شالخ الذي قسم الأرض وهو جد إبراهيم عليه السلام، وعابر بن شالخ، وابنه قحطان بن عابر، وابنه يَعْرُب بن قحطان، وهو أول من حياه ولده تحية الملك آنْعِمْ صَباحاً وأبَيْتَ اللعْنَ وقيل: إن غيره حُيٍّ بهذه التحية من ملوك الجيرة، وتَحْطان أبو اليمن كلها على حسب ما نذكربن شاء اللّه تعالى في باب تنازع الناس في أنساب اليمن من هذا الكتاب، وهو أول من تكلم بالعربية لِإعرابه من المعاني وإبانته عنها، ويقطن بن عابر بن شالخ هو أبو جرهم وجرهم بنو عم يعرب، وكانت جُرْهُمُ ممن سكن اليمن وتكلموا بالعربية، ثم نزلوا بمكة فكانوا بها، على حسب ما نوردهُ من أخبارهم، وقَطُورَا بنو عم لهم، ثم أسكنها الله إسماعيل عليه السلام، ونكح في جرهم؛ فهم أخوال ولده.
وذكر أهل الكتاب أن لمك بن سام بن نوح حي، لأن اللّه عزوجل أوحى إلى سام: إن الذي وكلته بجسد اعم أبقيته إلى آخر الأبد، وذلك أن سام بن نوح دَفَنَ تابوت آدَمَ في وسط الأرض، وكَّل لمكاً بقبره، وكانت وفاة سام يوم الجمعة؛ وذلك في أيلول، وكان عمره إلى أن قبضه الله عزوجل ستماَئة سنة.
إرفخشذ بن سام
وكان القيم بعد سام في الأرض ولحه إرفخشذ، وكان عمره إلى أن قبضه اللّه عزوجلّ أربعمائة سنة وخمساً وستين سنة، وكانت وفاته في نيسان.
شالخ بن إرفخشذ
ولما قبض اللّه إرفخشذ قام بعده ولده شالخ بن إرفخشذ، وكان عمره إلى أن قبضه اللهّ عز وجل أربعمائة سنة وثلاثين سنة.
عابر بن شالخ
ولما قبض اللّه شالخ قام بعده ولده عابر؛ فعمر البلاد، وكانت في أيامه كوائن وتنازع في مواضع من الأرض، وكان عمره إلى أن قبضه اللّه عز وجل إليه ثلاثمائة سنة وأربعين سنة.
فالغ بن عابر
(1/11)

ولما قبض اللّه عابر قام بعده وللى فالغ علىنهج منْ سَلَفَ من آبائه، وكان عمره إلى أن قبضه اللّه عزوجل مائتي سنة وثلاثين سنة، وقد قدمنا ذكره في هذا الكتاب فيما سلف، وما كان بأرض بابل عند تَبَلْبُلى الألسن.
رعو بن فالغ
ولما قبض اللّه فالغ قام بعده ولده رعوبن فالغ، وقيل: إن في زمنه 0كان مولد خمروذ الجبار، وكان عمره إلى أن قبضه اللّه مائتي سنة، وكانت وفاته في نيسان.
ساروغ بن رعو
ولما قبض اللّه رعو قام بعدهساروغ بن رعو، وقيل: إنه في أيامه ظهرت عبادة الأصنام والصُّوَر، لضروب من العلل أحدثت في الأرض وشبه ذلك، وكان عمره إلى أن قبضه اللّه إليه مائتي سنة وثلاثين سنة.
ناحور بن ساروغ
ولما قبض اللّه ساروغ قام بعده ناحور بن ساروغ مقتدياً بمن سلف من آبائه، وحدث في أيامه رجْفٌ وزلازل لم تعهد فيما سلف من الأيام قبله، وأحدثت في أيامه ضروب من المهن والالات، وكانت في أيامه حروب وتحزيب الأحزاب من الهند وغيرها، وكان عمره إلى أن قبضه اللّه إليه مائة سنة وستاً وأربعين سنة.
تارح بن ناحور
ولما قبض اللّه ناحور قام بعده ولده تارح، وهو آزر أبو إبراهيم الخليل، وفي عصره كان نمروذ بن كنعان، وفي أيام نمروذ حدثت في الأرض عبادة النيران والأنوار، وجعل لها مراتب في العبادات، وكان في الأرض هرج عظيم من حروب وإحداث كور وممالك بالشرق والغرب،وغير ذلك، وظهر القول بأحكام نجوم وصورت الأفلاك، وعملت لها اللآلات، وقُرِّبَ فهم ذلك إلى قلوب الناس، فنظر أصحاب النجوم إلى طالع السنة التي ولد فيها إبراهيم عليه السلام وماذا يوجب، فأخبروا النمروذ أن مولوداً يولد يُسَفّه أحلامهم، ويزيل عبادتهم، فأمر النمروذ بقتل الوِلدان، وأخفي إبراهيم عليه السلام في مغارة، ومات آزر، وهو تارح، وكان عمره إلى أن قبضه اللّه عزوجل مائتين وستين سنة، واللّه الموفق للصواب.
ذكر قصة إبراهيم ومن تلأ عصره من الأنبياء
والملوك من بني إسرائيل وغيرهم
ولما نشأ إبراهيم عليه السلام، وخرج من المغارة التي كان بها، وتأمل آفاق الأرض والعالم، وما فيه دلائل الحدوث والتأثير، نظر إلى الزهرة وإشراقها فقال: هذا ربي، فلما رأى القمر أنور منها قال: هذا ربي، فلما رأى الشمس أبْهَرَ مما رأى قال: هذا ربي هذا أكبر، وقد تنازع الناس في قول إبراهيم هذا ربي، فمنهم مَنْ رأى أن ذلك كان منه على طريق الاستدلال والاستخبار، ومنهم مَنْ رأى أن ذلك منه كان قبل البلوغ وحال التكليف، ومنهمِ مَنْ رأى غير ذلك، فأتاه جبرائيل فعلمه دينه، واصطفاه الله نبيّاً وخليلاَ، وكان قد أوبي رُشْدَه من قبل، ومن أوتي رشده فقد عصم من الخطأ والزلل وعبادة غير الواحد الصمد، فعاب إبراهيم عليه السلام على قومه ما رأى من عبادتهم واتخاذهم المجَوّفَاتِ آلهة لهم، فلما كثر عليهم ذم إبراهيم لالهتهم، واستفاض ذلك فيهم اتخذ النمروذ النار وألقاه فيها، فجعلها اللّه بَرْداً وَلمسَلاَماً، وخمدت النار في سائر بقاع الأرض في ذلك اليوم.
مولد إسماعيل بن إبراهيم
وولد لإِبراهيم إسماعيلُ عليهما السلام، وذلك بعد أن مضى من عمره ست وثمانمون سنة أو سبع وثمانون سنة وقيل: تسعون سنة من هَاجَر جارية كانت لِسَارَةَ، وكانت سَارَةُ أول من آمن بإبراهيم عليه السلام، وهي ابنة بتوايل بن ناحور، وهي ابنة عم إبراهيم، وقد قيل غير هذا مما سنورور بعد هذا الموضع، وأمَنَ به لوط بن هاران بن تارح بن ناحور، وهو ابن أخي إبراهيم عليه السلام.
أصحاب المؤتفكة
وأرسل الله لوطاً إلى المدائن الخسمن، وهي: سدوم، وعمورا، وأدموتا، وصاعورا، وصابورا، وإن قوم لوط هم أصحاب المؤتفكة، وهذا الاسم مشتق من الِإفك، وهو الكذب على رأي من ذهب إلى الاشتقاق، وقد ذكرهم اللّه في كتابه بقوله: " وَالْمُؤْتَفكَةَ أهْوَى " وهذه بلاد بين تُخُوم الشام والحجاز مما يلي الأردن وبلاد فلسطين، إلا أن ذلك في حيز الشام، وهي مُبَقاة إلى وقتنا هذا، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة خراباً لا أحد بها، والحجارة المُسَومَة موجودة فيها يراها الناس السُّفَّار سَوداء برَّاقَةً، فأقام فيهم لوط بضعاً وعشرين سنة يدعوهم إلى اللّه فلم يؤمنوا، فأخذهم العذاب على حسب ما أخبر اللّه من شأنهم.
(1/12)

ولما ولد إسماعيل لِإبراهيم من هاجر غَارَتْ سارة فحمل إبراهيم إسماعيل وهَاجَرَ إلى مكة فأسكنها بها، وذلك قوله عز وجل يخبر عن إبراهيم: " " رب إني أسكنت من فريتي بوادٍ غير في زرع عند بيتك المحرم " فأجاب اللّه دعوته، وآنس وحشتهم، بجُرْهُمٍَ والعماليق، وجعل أفئِدةً من الناس تَهْوِي إليهم.
وأهلك الله قوم لوط في عهد إبراهيم لما كان من فعلهم واتضح من خبرهم ثم أمر اللّه إبراهيم عليه السلام بذبح ولده، فبادر إلى طاعة ربه،وَتلَّهُ للجبين؟ فَفداه اللّه بِذبحٍ عظيم، ورفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل.
مولد إسحاق
ثم ولد لإِبراهيم من سارة " إسحاقُ عليه السلام، وذلك بعد مضي عشرين ومائة سنة من عمره.
الذبيح من ولد إبراهيم
وقد تنازع الناس في الذبيح، فمنهم من ذهب إلى أنه إسحاق، ومنهم من رأى أنه إسماعيل، فإن كان الأمر وقع بالذبح بالحجاز فالذبيح إسماعيل، لأن إسحاق لم يدخل الحجاز، هان كان الأمر بالذبح وقع بالشام فالذبيح إسحاق، لأن إسماعيل لم يدخل الشام بعد أن حمل منه. وتوفيت سارة وتزوج إبراهيم بعد ذلك بقنطوراء، فلد منها ستة ذكور، وهم: مرق، ونفس، ومدن، ومد ين، وسنان، وسرح، وتوفي إبراهيم بالشام، وكان عمره إلى أن قبضه اللّه عزوجل مائة سنة وخمساً وتسعين سنة، وأنزل اللهّ عليه عشراً من الصحف.
أولاد إسحاق بن إبراهيم الخليل
وتزوج إسحاق بعد إبراهيم برفقا ابنة بتوايل ؛ فلدت له العيص ويعقوب في بطن واحد، وكان البادىء منهما إلى الفَصل عيص، ثم يعقوب، وكان لِإسحاق في وقت مولدهما ستون سنة، وذهب بَصَرَ إسحاق، فدعا ليعقوب بالرياسة على إخوته والنبوة في ولده، ودعا لعيص يالملك في ولده، وكان عمر إسحاق إلى أن قبضه اللّه مائة وخمساً وثمانين سنة، ودفن مع أبيه الخليل، ومواضع قبورهم مشهورة، وذلك على ثمانية عشر ميلاً من بيت المقدس في مسجد هناك يعرف بمسجد إبراهيم ومراعيه.
يعقوب بن إسحاق وأخوه العيص
وقد كان إسحاق أمر ولده يعقوب بالمسير إلى أرض الشام وبَشَّره بالنبوة ونبوة أولاده الاثني عشر، وهم: لاوى، ويهوذا، ويساخر، وزبولون، ويوسف، وبنيامين، ودان، ونفتالى، وكان، وإشا ر، وشمعون، وروبيل، هؤلاء الأسباط الاثنا عشر، والنبوة والملك في عقب أربعة منهم: لاوى، ويهوذا، ويوسف، وبنيامين، وكثرجزع يعقوب من أخيه العيص و، فأمنه اللّه من ذلك، وكان ليعقوب خمسة آلاف وخمسمائة من الغنم؛ فأعطى يعقوث لأخيه العيص العشرمن غنمه استكفاء للشر وخوقاً من سَطْوَته، من بعد أن آمنه اللّه عزوجل من خوفه، وأن لا سبيل له عليلا، فعاقبه الله في وللى لمخالفته لوعده، فأوحى اللّه تعالى إليه: ألم تطمئن إلى قولي. فلأجعلن ولد العيص يملكون ولدك خمسمائة وخمسين عاماً، وكانت المدة منذ أخْرَبَتِ الروم بيت المقدس، واستعبدت بني إسراثيل إلى أن فتح عمر بن الخطاب رضي اللهّ عنه بيت المقدس.
وكان أحب ولد يعقوب إليه يوسف؛ فحسده إخوته على ذلك، وكان من أمره مع إخوته ما قَصَّ الله عزوجل في كتابه، وأخبر به على لسان نبيه، واشتهر ذلك في أمته.
وفاة يعقوب ويوسف
وقبض اللّه عز وجل يعقوب ببلاد مصر، وهو ابن مائة وأربعين سنة، فحمله يوسف فدفنه ببلاد فلسطين، عند تربة إبراهيم وإسحاق، وقبض اللّه يوسف بمصر وله مائة وعشرون سنة، وجعل في تابوت من الرخام، وسد بالرصاص، وطلى الأطلية الدافعة للهواء والماء، وطرح في نيل مصر نحو مدينة مَنْفَ، وهناك مسجده وقيل: إت يوسف أوْصى أن يحمل فيدفن عند قبر أبيه يعَقوب في مسجد إبراهيم عليه السلام
أيوب النبي
(1/13)

وكان في عصره أيوب النبي صلى اللّه عليه وسلم، وهوأيوب بن موص بن زراح بن رعوايل بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام،وذلك في بلاد الشام من أرض حُورَانَ والبثنية من بلاد الأردن من بين دمشق والجابية، وكان كثير المال والولد، فابتلاه اللّه في نفسه وماله وولده، فصَبَر، ورد اللّه عليه ذلك، وأقاله عَثرَته، واقتص ما اقتص من أخباره في كتابه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، ومسجده والعينُ التي اغتسِل مئها في وقتنا هذا، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلائمائة، مشهوران ببلاد نوَى والجولان فيما بين لمحمشق وطبرية من بلاد الأردن، وهذا المسجد والعين على ثلاثة أميال من مدينة نَوَى، أو نحو ذلك، والْحَجَرُ الذي كان يأوي إليه في حال بَلائِه هو وزوجته واسمها رحمةفي ذلك المسجد إلى هذا الوقت.وذكر أهل التوراة والكتب الأولى أن موسى بن ميشاء بن يوسف بن يعقوب نبي قبل موسى بن عمران، وأنه هو الذي طلب الخضربن ملكان ابن فالغ بن عابوربن شالخ بن إرفخشد بن سام بن نوح، وذكر بعض أهل الكتاب أن الخضر هو خضرون بن عميائيل بن النفر بن العيص بن إسحاق ابن إبراهيم، وأنه أرسل إلى قومه فاستجابوا له.
موسى بن عمران
فكان موسى بن عمران بن قاهث بن لاوى بن يعقوب بمصر في زمن فرعون الجبار، وهو الوليد بن مصعب بن معاوية بن أبي نمير بن أبي الهلواس بن ليث بن هران بن عمرو بن عملاق، وهو الرابع من فراعنة مصر، وقد كان طال عمره وعظم جسمه، وكان بنو إسرائيل قد استرقُوا بعد مضي يوسف، واشتد عليهم البلاء، وأخبر أهل الكَهَانة والنجومٍ والسحر فرعون أن مولودأ سيولد ويزيل ملكه ويحدث ببلاد مصر أموراً عظيمة، فجزع لذلك فرعون، وأمر بذبح الأطفال، وكان من أمر موسى ما أوحى اللّه عزوجل إلى أمِّهِ في أمره: أن اقذفيه في اليم، فقذفته، إلى آخر ما اقتص من خبره، وأوضحه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم. وكان في ذلك الزمان شُعَيْب عليه السلام، وهو شعيب بن نويت بن رعوايل بن مر بن عنقاء بن مدين بن إبراهيم، وكان لسانه عربيّاً، وكان مبعوثاً إلى أهل مَدْيَنَ، ولما خرج موسى عليه السلام هارباً من فرعون مر بشعيب النبي عليه السلام، وكان من أمره معه وتزويجه ابنته ما قد ذكره اللّه عزوجل.
هارون أخو موسى وبعثهما إلى فرعون
(1/14)

وكلم اللّه موسى تكليماً، وشدَ عَضُده بأخيه هارون، وبعثهما إلى فرعون، فخالفهما، فأغرق اللّه عز وجل فرعون، وأمره اللّه عز وجل بالخروج ببني إسرائيل إلى التَّيه، وكان عددهم ستمائة ألف بالغ دون من ليس ببالغ، وكانت الألواح التي أنزلها اللّه على موسى بن عمران على جبل طور سيناء من زمرد أخضر فيها كتابة بالذهب، فلما نزل من الجبل رأى قوماً من بني إسرائيل قد اعتكفا على عبادة عجل لهم، فارتعد، فسقطت الألواح من يده، فتكسرت، فجمعها وأودعها تابوت السكينة مع غيرها وجعله في الهيكل، وكان هارون كاهناً؛ وهو قيم الهيكل وأتم الله عزوجل نزول التوراة على موسى بن عمران وهو في التّيه، وقبض الله هارون في التّيه فدفن في جبل ومَوَاتٍ من نحو جبل الشراة مما يلي الطور، وقبره مشهور في مغارة عادية يسمع منها في بعض الليالي عوقيٌ عظيم يجزع منه كل فيى روح، وقيل: إنه غير مدفن، بل هو موضوع في تلك المغارة، ولهذا الموضع خبر عجيب قد ذكرناه في كتابنا أخبار الزمان عن الأمم الماضية والممالك الداثرة ومن وصل إلى هذا الموضع علم ما وصفنا، وكان ذلك قبل وفاة نوسى بسبعة أشهر، وقبض اللّه هارون وهو ابن مائة وثلاث وعشرين سنة، وقيل: إنه قبض وهو ابق مائة وعشرين، وقيل: إن موسى قبض بعد وفاة هارون بثلاث سنين، وإنه خرج إلى الشام وكان له بها حروب من سرايا كانوا يسرونها من البر إلى العماليق والقربانيين والمدنيين وغييرهمٍ ممن كانوا بالشام وغيرهم من الطوائف على حسب مافي التوراة، وأنزل اللّه عز وجل على موسى عشر صحف، فاستتم مائة صحيفة، ثم أنزل اللّه عليه التوراة بالعبرانية وفيها الأمر والنهي والتحريم والتحلْيل والسنن والأحكام، وذنك في خمسة أسفار، والسًفر يريدون به الصحيفة، وكان موسى قد ضرب التابوت الذي فيه السكينة من الذهب من ستماتة ألف مثقال وسبعمائة وخمسين مثقالاً، فصار الكاهن بعد هارون يوشعُ بن نون بن سبط يوسف، وقبض اللهّ موسى وهو ابن عشرين ومائة سنة، ولم يحدث لموسى ولا لهارون شيء من الشيب، ولا حالا عن صفة الشباب. ولما قبضَ اللّه عز وجل موسى بن عمران سار يوشع بن نون ببني إسرائيل إلى بلاد الشام، وقد كان غلب عليها الجبابرة من ملوك العماليق وغيرهم من ملوك الشام، فأسرى إليهم يوشع بن نون سرايا، وكانت له معهم وقائع، فافتتح بلاد أريحاء وزغر من أرض الغور، وهي أرض البحيرة المنتنة التي لا تقبل الغرقى، ولا يتكون فيها ف روح من سمك ولا عْيزه، وقد ذكرها صاحب المنطق وغيره من الفلاسفْة ومَنْ تقدم وتأخر من عصره، وإليها ينتهي ماء بحيرة طبرية، وهو الأردن، وبدء ماء بحيرة طبرية من بحيرة كفرلى والقرعون من أرض دمشق، فإذا انتهى مَصَب نهر الأردن إلى البحيرة المنتنة خَرَقَهَا وانتهى إلى وسطها متميزاً عن مائها فيغوص في وسطها، وهو نهر عظيم، فلا يدري أين غاص من غير أن يزيد في البحيرة ولا ينقص منها، ولهذه البحيرة أعني المنتنة أخبار عجيبة وأقاصيص طويلة، وقد أتينا على ذلك في كتابنا أخبار الزمان عن الأمم الماضية والملوك الداثرة وذكرنا أخبار الأحجار التي تخرج منها على صورة البطيخ على شكلين، ويعرف الواحد منها بالحجر اليهودي، وذكرته الفلاسفة، واستعمله أهل الطب لمن به وجع الحَصَاة في المَثَانة، وهو نوعان: ذكر، وأنثى، فالذكر للرجال، والأنثى للنساء، ومن هذه البحيرة يخرج الغبار المعروف بالحمرة، وليس في الدنيا واللّه أعلم بحيرة لا يتكون فيها ف روح من سمك وغيره إلا هذه البحيرة، وبحيرة ركِبْتُها ببلاد أفربيجان بين مدينة إرمينية والمراغة، وهي المعروفة هنا بكبودان، وقد ذكر الناس ممن تقدم عذر عدم تكون الحيوان في البحيرة المنتنة، ولم يتعرضوا لبحيرة كبودان، وينبغي على قياس قولهم أفي تكون علّتهما واحدة.
وسار ملك الشام وهو السميدع بن هوبر بن مالك إلى يوشع بن نون؛ فكانت بينهم حروب إلى أن قتله يوشع، واحتوى على جميع ملكه، وألحق به غيره من الجبابرة والعماليق، وشَنَّ الغارات بأرض الشامِ، وكانت مدة يوشع بن نون في بني إسرائيل بعد وفاة موسى بن عمران تسعاَ وعشرين سنة، وهو يوشع بن نون بن إفرائيم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وقيل: إن يوشع بن نون كان بدء محاربته لملك العماليق وهو السميدع ببلاد أيْلَةَ نحو مدين، ففي ذلك يقول عوف بن سعد الجرهمي:
(1/15)

ألم ترأنَ الْعَمْلَقي ابن هوبرٍ ... بأيْلَةَ أمسى لَحْمُهُ قد تمزَّعا
تداعت عليه من يهود حَجافل ... ثمانين ألفاً حاسرين ودرًعا
فأمست عداداً للعماليق بعده ... على الأرض مشياً مصعدين وفُزَّعا
كأنْ لم يكونوا بين أجبال مكة ... ولم يَرَراء قبل ذاك السَّمَيْدعا
بلعم بن باعوراء
وكان بقرية من قرى البلقاء من بلاد الشام رجل يقال له بلعم بن باعوراء بن سنور بن وسيم بن ناب بن لوط بن هاران، وكان مستجاب الدعوة، فحمله قومه على الدعاء على يوشع بن نون، فلم يتأتَّ له ذلك، وعجز عنه، فأشار على بعض ملوك العماليق أن يبرزوا الحسان من النساء نحو عسكر يوشعع بن نون ففعلوا، فتسرعوا إلى النساء فقع فيهم الطاعون، فهلك منهم سبعون ألفاً، وقيل أكثر من ذلك وبلعم هو الذي أخبر الله عنه أنه آتاه الآيات فانسلخ منها وقيل: إن يوشمع بن نون قبض وهو ابن مائة وعشرين سنة.
كالب بن يوقنا
وقام في بني إسرائيل بعد يوشع بن نون كالبُ بن يوقنا بن بارض بن يهوذا، ويوشع وكالب الرجلان اللذان أنعم الله عليهما. قال المسعودي: ووجدت في نسخة أن القائم في بني إسرائيل بعد وفاة يوشع بن نون كوشان الكفري، وأنه أقام فيهم ثمانين سنة، وهلك، وملك عميائيل بن قابيل من سبط يهوذا أربعين سنة، وقيل: كوش جبار كان في آب من أرض البلقاء، وإن بني إسرائيل كفرت بعد ذلك فملًكَ الله عليهم كنعان عشرين سنة، وهلك، فكان على بني إسرائيل عملال الأحباري أربعين سنة، ثم قام شمويل إلى أن وليهم طالوت، وخرج عليهم جالوت الجبار ملك البربر من أرض فلسطين. قال المسعودي: فأما على الرواية الأولى التي قمنا ذكرها أن القيم بعد يوشع في بني إسرائيل كالب بن يوقنا وأن القائم بعده في بني إسرائيل والمدبر لهم فنحاص بن العازر بن هارون بن عمران ثلائين سنة، وكان عَمَدَ إلى مصاحف موسى بن عمران عليه السلام فجعلها في خابية نحاس ورصَصَ رأسَهَا، وأتى بها صخرة بيت المقدس، وذلك قبل بنائه فانفرجت، فإذا مغارة فيها صخرة ثانية، فضع الخابية فيها، وانضصت الصخرة على ذلك ككَوْنها أولاَ. ولما هلك فنحاص بن العازر دبر أمرهم كوشان الأثيم ملك الجزيرة فتعبد بني إسرائيل، وأخذهم البلاء ثمان سنين، ثم دبرهم عنيائيل بن يوقنا أخو كالب من سبط يهوذا أربعين سنة، ثم دبرهم أعلون ملك مواب بجهد شديد ثمان عشرة سنة، ثم دبرهم أهوذ من ولد إفرايم خمساً وخمسين سنة، ولخمس وثلاثين سنة خلت من أيامه ثم للعالم أربعة آلاف سنة وقيل غير ذلك من التاريخ، ثم دبرهم شاعان بن أهوذ خمساً وعشرين سنة، ثم دبرهم يابين الكنعاني ملك الشام عشرين سنة ثم دبرهم امرأة يقال لها دبورا، وقيل: إنها ابنته، وضمت إليها رجَلاَ من سبط نفتالي يقال له باراق أربعين سنة، ثم تداولتهم رؤوس من بني مدين وهم عريب وربيب وبرسونا ودراع وصلنا تسع سنين وثلاثة أشهر، ثم دبرهم كدعون من آل منشا أربعين سنة، وقتل ملوك مدين،.ثم ابنه أبيمالخ ثلاث سنين وثلاثة أشهر، ثم دبرهم تولع من آل إفراين ثلاثاً وعشرين سنة، ثم يامين من آل منشا اثنتين وعشرين سنة، ثم ملوك عمان ثماني عشرة سنة وثلاثة أشهر ثم نحشون من بيت لحم سبع سنين، ثم شنشون عشرين سنة، ثم أملج عشر سنين، ثم عجران ثماني سنين، ثم قهرهم ملوك فلسطين أربعين سنة، ثم عيلان الكاهن بعد ذلك أربعين سنة، وفي زمانه ظفر البابليُّون ببني إسرائيل وغنموا التابوت، وكان بنو إسرائيل يستفتحون به، فحملوه إلى بابل، وأخرجوهم من ديارهم وأبناءهم، وكان ما كان من أمرف حزقيل، وهم الذين أخرجوا من ديارهم وهم ألوفٌ حَنَرَ الموت، فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم، وكان قد أصابهم الطاعون، فبقي منهم ثلثةز أسباط، فلحقت فرقة بالرمل، وفرقة بشواهق الجبال، وفرقة بجزيرة من جزائر البحر، وكان لهم خبر طويل حتى رجعوا إلى ديارهم، فقالوا لحزقيل: هل رأيت قوماً أصابهم ما أصابنا؟ قال: لا، ولا سمعت بقوم فروا من اللّه فراركم، فسلط اللّه عليهم الطاعون سبعة أيام، فماتوا عن آخرهم، ودبر بني إسرائيل بعد عيلان الكاهن شمويلُ بن بروحان ابن ناحورا، ونبىء فمكث فيهم عشرين سنة.
طالوت وجالوت
(1/16)

ووضع اللّه عز وجل عنهم القتال، وصلح أمرهم، فخلطوا بعد ذلك، فقالوا لشمويل: ابعث لنا ملكاً يقاتل معنا في سبيل اللّه، فأمر بتمليك طالوت، وهو ساود بن بشر بن إينال بن طرون بن بحرون بن أفيح بن سميداح بن فالح بن بنيامين بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، فملكه اللّه عليهم، ولم يجمعهم قبل ذلك مثل طالوت، وكان بين خروج موسى عليه السلام ببني إسرائيل من مصر إلى أن ملك على بني إسرائيلِ طالوت خمسمائة سنة واثنتان وسبعون سنة وثلاثة أشهر، وكان طالوت دَبَّاغاَ يعمل الأدمَ فأخبرهم نبيهم شمويل أن اللهّ قد بدث لكم طالوت ملكاً، فقالوا فيه ما أخبر اللّه عزوجل في كتابه: " وأنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه، ولم يؤت سَعَةً من المال؟ قال: إن اللّه اصطفاه عليكم، وزاعه بسطة في العلم والجسم " وأخبرهم نبيهم أن " وآية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة، من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة " وكان مدة ما مكث التابوت ببابل عشر سنين، فسمعوا عند الفجر حفيف الملائكة تحمل التابوت، واشتد سلطان جالوت، وكثرت عساكره وقُوَّاورُ، وبلغه انقياد بني إسرائيل إلى طالوت، فسار جالوت من فلسطين بأجناس من البربروهو جالوت بن بايول بن ريال بن حطان بن فارس فنزل بساحة بني إسرائيل، فأمر شمويل طالوت بالمسير ببني إلبمرائيل إلى حرب جالوت، فابتلاهم اللّه عز وجل بنهر بين الأردن وفنسطين، وسلط اللّه عليهم العطش، وقد قص اللهّ ذئك في كتابه، ومروا كيف يشربون من النهر، فلغه أهل الريبة ولوغ الكلاب، فقتلهم طالوت عن آخرهم، ثم فضَل من خيارهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً فيهم إخوة داود عليه السلام ولحق داود بإخوته، فتوافؤ الجيشان جميعاً، وكافت الحروب بينهما سِجَالاً، وندب طالؤت الناس، وجعل لمن يخرج إلى جالوت ثلث ملكه ويتزوج ابنته، فبرز داود فقتله بحجر كان في مِخلاَتِهِ، رماه بمقلاع فخر جالوت ميتاً، وقد أخبر اللّه عزوجل بذلك في كتاِبه بقوله: " وقتل داود جالوت " وقد ذكر أن الحجر الذي كان في مخلاة داود كان ثلاثة أحجار، فاجتمعت وصارت حجراً واحداً، ولها أخبار قدمت ذكرها فيما سلف من كتبنا، وهي التي قتل بها جالوت، وإن القوم الذين ولغوا في الماء وخالفا ما أمروا به كان القاتل لهم طالوت. وقد أتينا على خبر الدرع التي كان أخبرهم نبيهم أنه لا يقتل جالوت إلا من صلحت عليه تلك الدرع إذا لبسها، وأنها صلحت على داود، وما كان من هذه الحروب، وخبر النهر الذي نَشَّ على رأسه، وخبر تملك طالوت، وأخبار البربر وبدء شأنهم في كتابنا في أخبار الزمان، وسنورد بعد هذا جُمَلاً من أخبار البربروتفرقهم في البلاد في الموضع اللائق بها من هذا الكتاب.
داود
ورفع اللّه ذكر داود، وأخْمَل ذكر طالوت، وأبى طالوت أن يفي لداود بما تقدم من شرطه، فلما رأى ميل الناس إليه زَوَّجه ابنته، وسَلم إليه !ثلث الجباية، وثلث الحكم، وثلث الناس. ثم حس!ه بعد ذلك وأراد اغتياله، فمنعه الله عزوجل من ذلك، فأبى داود أن ينافسه في ملكه، ونما أمر داود، فبات طالوت على سرير ملكه فمات من ليلته كمداً، وانقاذث بنوإسرائيل إلى داود عليه السلام، وكانت مدة ملك طالوت عشرين سنة، وذكر أن الموضع الذي قتل فيه جالوت كان ببيسان من أرض الغور من بلاد الأردن، وَألَانَه اللهّ عز وجل لداود الحديد فعمل منه الحروع، وسَخرَ له الجبال والطير يُسَبِّحْنَ معه، وحارب داود أهل مواب من أرض البلقاء
(1/17)

وأنزل اللّه عز وجل عليه الزَّبُورَ بالعبرانية خمسين ومائة سورة، وجعله ثلاثة أثلاث: فثلث ما يلقون من بُخْت نضرَ. وما يكون من أمره في المستقبل، وثلث ما يلقون من أهل أثور، وثلث موعظة وترغيب وتمجيد وترهيب، وليس فيه أمر ولا نهي ولا تحليل ولا تحريم، واستقامت الأمور لداود، ولحقت الخوارج من الكفار بأطراف الأرض لهيبة داود، وبنى داود بيتاً للعبادة بأورشليم، وهو بيت المقدس، وهو البيت الباقي لوقتنا هذا، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، ويدعى بمحراب داود عليه السلام، وليس في بيت المقدس بناء هو أعلى منه في هذا الوقت، وقد يرى في أعلاه البحيرة المنتنة ونهر الأردن المقدم ذكره، وكان من أمر داود مع الخصمين ما قص اللّه عزوجل في كتابه من خبره، وقوله لأحدهما قبل استماعه من الاخر: " لَقَدْ ظَلَمَك " الآية، وقذ تنازع الناس في خطيئة داود: فمنهم من رأى ما وصفنا ونفى عن الأنبياء المعاصي وتعمد الفسق وأنهم معصومون فكانت الخطيئة ما ذكرنا، وذلك قوله عز وجل: " يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض، فاحكم بين الناس بالحق " ومنهم من رأى أن ذلك كان من قصة أروياء بن حيان ومقتله على ما ذكرنا في كتاب المبتدأ وغيره، وتاب اللّه عزوجل على داود بعد أربعين يوماً كان فيها صائماً باكياً، وتزوج داود عليه السلام مائة امرأة.
نشأة سليمان بن داود
ونشأ سليمان بن داود عليه السلام، وبرع، ودَاخَلَ أباه في قَضَائه،فآتاه اللهّ فَصْلَ الخطاب والحكم، على ما أخبر اللهّ عزوجل عنهما بقوله: " وكلاآتينا حكماوعلما " ولما حضرت داود الوفاة أوصى إلى ولده سليمان، وقبض، فكان ملكه أربعين سنة على فلسطين والأردن، وكان عسكره ستين ألفاً أصحاب سيوف جُرْداً مُرْداً أصحاب بأس ونجدة.
لقمان الحكيم
وكان ببلاد مَدْين وأيْلَة في عصر داود عليه السلام لُقْمَان الحكيم،وهو لقمان بن عنقاء بن مربد بنم صاوون، وكان نوبيا مولى للقَيْن بن جسر، ولد على عشر سنين من ملك داود عليه السلام، وكان عبداَ صالحاً فَمَنَّ اللّه عزوجل عليه بالحكمة، ولم يزل باقياً في الأرض مُظهراً للحكمة والزهد في هذا العالم إلى أبام يونس بن مَتَّى حين أرسل إلى أرض نِينَوَى من بلاد الموصل.
ملك سليمان
ولما قبض اللّه داود عليه السلام قام بعده ولده سليمان بالنبوة والحكم، وغمر عدلُه رعيته، واستقامت له الأمور، وانقادت له الجيوش، وابتدأ سليمان ببنيان بيت المقدس، وهو المسجد الأقصى الذي بارك اللّه عزوجل حَوْلَه، فلما استتم بناءه بنى لنفسه بيتاً، وهو الموضع الذي يسمىفي وقتنا هذا كنيسة القيأمة، وهي الكنيسة العظمى ببيت المقدس عند النصارى، ولهم كنائس غيرها معظمة ببيت المقدس، منها كنيسة صَهْيُون، وقد ذكرها داود عليه السلام، والكنيسة المعروفة بالجسمانية ويزعمون أن فيها قبر داود عليه السلام، وأعطى اللّه عزوجل لسليمان عليه السلام من الملك ما لم يُعْطِهِ لأحد من خَلْقِه، وسَخَّر له الجن والِإنس والطيروالريح على. حسب ما ذكر اللّه عزوجل في كتابه، وكان ملك سليمان بن داود على بني إسرائيل أربعين سنة، وَقُبِضَ وهو ابن اثنتين وخمسين سنة، والله ولي التوفيق.
ذكر ملك أرخبم بن سليمان بن داود عليهما السلأم
ومن تلاه من ملوك بني إسرائيل، وجمل من أخبار الأنبياء
ملوك بني إسرائيل بعد وفاة سليمان
(1/18)

وملك على بني إسرائيل بعد وفاة سليمان بن داود عليهما السلام أرخبعم بن سليمان، واجتمعت عليه الأسباط، ثم افترقوا عنه، إلا سبط يهوذا وسبط بنيامين، وكان ملكه إلى أن هلك سبع عشرة سنة، وملك على العشرة الأسباط بوريعم، وكانت له كوائن وحروب، واتخذ له عِجْلاً من الذهب والجوهر، واعتكف على عبادته؟ فأهلكه اللّه عز وجل، فكان ملكه عشرين سنة، وملك بعدهأبيابن أرخبعم بن سليمان ثلاث سنين، ثم ملك بعده أحاب أربعين سنة وملك بعده يورام، فأظهر عباثة الأصنام والتماثيل والصور، وكان ملكه سنة، ثم ملكت بعده امرأة يقال لها عيلان؛ فضعت السيف في ولد داود عليه السلام، فلم يَنْجُ منهم إلا غلام، فأنكرت بنو إسرائيل ذلك من فعلها، فقتلوها، وكان ملكها سبع سنين، وقيل غير ذلك، وملكوا عليهم الغلام الذي بقي من نسل داود، فملك وله سبع سنين، فأقام ملكاً أربعين سنة، وقيل دون ذلك، وملك بعده مليصا، وكان ملكه اثنتين وخمسين سنة، وكان في عصره شعيب النبي، ولشعيب معه أخبار، وكانت له حروب قد أتينا على ذكرها في كتاب أخبار الزمان وملك بعده نوقا بن عدل عشرسنين، وقيل: ست عشرة سنة، وملَكَ بعده أجام، فأظهر عبادة الأصنام، وطغى وأظهر البَغْيَ، فصار إليه بعض ملوك بابل، وكان يقال له فلعيعس، وكان من عظماء ملوك بابل، وكان للإِسرائيليِّ معه حروب إلى أن أسره البابلي، وخَرّب مدن الأسباط ومساكنهم، وكان في أيامه تنازع بين اليهود في الديانة، فشذ منهم الأسامرة، وأنكروا نبوة داود عليه السلام ومن تلاه من الأنبياء، وأبوا أن يكون بعد موسى نبي، وجعلوا رؤساءهم من ولد هارون بن عمران، والأسامرة في وقتنا هذا وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة ببلاد فلسطين والأردن، وفي قرى متفرقة مثل القرية المعروفة بعارا، وهي بين الرملة وطبرية، وغيرها من القرى إلى مدينة نابلس، وأكثرهم في هذه المدينة أعني نابلس ولهم جبل يقال له طوريك، وللأسامرة عليه صلوات في أوقاتها، ولهم بوقات من فضة يُنْفَخ فيها عند أوقات الصلاة، وهم الذين يقولون لا مِسَاسَ ويزعمون أن نابلس هي بيت المقدس، وهي مدينة يعقوب النبي عليه السلام، وهناك مَرْعَاه وهما صنفان متباينان كتباينهم لسائر اليهود، وأحد الصنفين يقال له الكوسان، والآخر الدروسان، أحد الصنفين يقول العالم ومعانٍ غير ذلك أعرضنا عن ذكرها مخافَةَ التطويل، وأن كتابنا هذا كتاب خبرلاكتاب آراء ونِحَلً.
وكان ملك أجام إلى أن أسره الملك البابليُّ سبع عشرة سنة، ولماأسر الملك أجام ملك ولد له يقال له حزقيل بن أجام، فأظهر عباثة الرحمن، وأمر بتكسير التماثيل والأصنام، وفي ملكه سار سنجارب ملك بابل إلى بيت المقدس، وكانت له حروب كثيرة مع بني إسرائيل، وقتل من أصحابه خلق كثيرون، وسبى من الأسباط عدداً كثيراً، وكان ملك حزقيل إلى أن هلك سبعاً وعشرين سنة.ثم ملك بعد حزقيل ولد له يقال له ميشا؛ فغمرشَرُّه سائرمملكته،وهو الذي قتل شعيباً النبي، فبعث اللّه قسطنطين ملك الروم فسار إليه في الجيوش فهزم جيشه وأسره فأقام في أرض الروم عشرين سنة، وأقلع عما كان عليه، وعاد إلى ملكه، فكان ملكه إلى أن هلك خمساً وعشرين سنة، وقيل: ثلاثين سنة.ثم ملك بعده ولد له يقال له أمور بن ميشا، فأظهر الطغيان، وكفر بالرحمن، وعبد التماثيل والأصنام، ولما اشتد بغيه سار إليه فرعون الأعرج من بلاد مصر في الجيوش، فأمعن في القتل، وأسره ومضئ به إلى مصر، فمات هناك، وكان ملكه خمس سنين، وقيل غيرذلك.
وملك بعده أخ له يقال له نوفين، وهو أبو دانيال عليه السلام، وفي عصر هذا الملك سار البخت نَصّر، وهو مَرْزُبان العراق والعرب من قبل ملك فارس، وكان يومئذ ببَلْخَ، وكانت قَصَبة الملك، فأمعن البخت نَضَرُ في القتل لبني إسرائيل والأسر، وحملهم إلى أرض العراق، وأخذ التوراة وما كان في هيكل بيت المقدس من كتب الملوك وطَرَحه في بئر، وعمد إلى تابوت السكينة فأودعه بعض المواضع من الأرض فيقال: إنه كان عِمّدةُ منْ سبى من بني إسرائيل ثمانية عشرألفاً.وفي هذا العصر كان أرميا النبي عليه السلام، وسار بخت نَصَّرُ إلى
(1/19)

مصر ة فقتل فرعون الأعرج، وكان يومئذ ملك مصر، وسار نحو المغرب فقتل بها ملوكاً، وافتتح مدائن .وكان ملك فارس تزوج جارية من سبايا بني إسرائيل، فأولدهاولداً، فرذَ بني إسرائيل إلى ديارهم، وكان ذلك بعد سنين.
ولما رجعت بنو إسرائيل إلى بلادهم ملكت عليها زريايل بن سلسان،فابتنى مدينة بيت المقدس، وعَمَّرَ ما كان خرب، وأخرجت بنو إسرائيل التوراة من البئر، واستقامت لهم الأمور، فأقام هذا الملك على عمارة أرضهم ستاً وأربعين سنة، وشرع لهم الصلوات وغيرها من الشرائع مما كان تلف منهم في حال السبي، والأسامرة تزعم أن التوراة التي في يد اليهود ليست التوراة التي أوردها موسى بن عمران عليه السلام، وأن تلك حرفت وبدلت وغيرت، وأن الْمُحْدِثَ لهذه التي بأيديهم هذا الملك المذكور؛ لأنه جمعها ممن كان يحفظها من بني إسرائيل، وأن التوراة الصحيحة هي التي في أيدي الأسامرة دون غيرهم، وكان ملك هذا الملك ستاً وأربعين سنة، ووجدت في نسخة أخرى أن المتزوج في بني إسرائيل هو بخت نصرنفسه، وهوالذي رَدهم، ومنَ عليهم وفيه نظر.
إسماعيل بن إبراهيم وأولاود
ودبَّرَ إسماعيل بن إبراهيم أمْرَ البيت بعد إبراهيم عليه السلام، ونَبأةالله عز وجل، وأرسله إلى العماليق وقبائل اليمن، فنهاهم عن عبادة الأوثان، قآمن طائفة منهم وكفر أكثرهم، وولد لإِسماعيل اثنا عشر ذكراً. وهم: فائث، وقيدار، وأربل، وميم، ومسمع، ودوما، ودوام، وميشا، وحداد، وحيم، وقطورا، وماس، وكانت وصية إبراهيم إلى ابنه إسماعيل عليه السلام، ووصًى إسماعيل إلى أخيه إسحاق عليهما السلام، وقد قيل: إلى ولده قيذار بن إسماعيل، وكان عمر إسماعيل إلى أن قَبَضَه الله مائة سنة وسبعاً وثلاثين سنة، ودفن بالمسجد الحرام في الموضع الذي كان فيه الحَجَرً الأسود.
أنبياء بين سليمان والمسيح
ودبر أمر البيت بعحه فائث بن إسماعيل عليه ال!سلام، على منهج إسماعيل وملًته، وقيل أيضأ: إنه كان وصيَّ أبيه إسماعيل عليه السلام.
وكان بين سليمان بن داود وبين المسيح عليهما السلام أنبياء وعباد وصالحون منهم: أرمينيا، ودانيال، وعُزَيْر، وقد تنازع الناس في نبوته، وأيوب، وأشعياء، وحزقيل، وا لياس، وا ليسع، ويونس، وفالكفل، والخضر، وروى عن ابن إسحاق أنه أرمينيا، وقيل: بل كان عبداًصالحآَ، وزكريا وهو زكريا بن أدق وهو من ولد داود من سبط يهوذا، وكان تزوج أشباع بنت عمران أخت مريم بنت عمران أم المسيحٍ عليهما السلام، وهو عمران بن ماتان بن يعاميم، من ولد داود أيضا، واسم أمّ أشباع ومريم حنة، وولدت لزكريا يحيى، وكان يحيى ابن خالة المسيح عليهم السلام، وكان زكريا نجاراً، فأشاعت اليهود أنه ركب من مريم الفاحشة فقتلوه، وكان لما أحس بهم جاء إلى شجرة فدخل في جوفها فدلَّهم عليه إبليس لعنه اللّه عزوجل، فنشروا الشجرة وهو فيها، فقطعوه وقطعوها، ولما ولدت أشباعُ ابنةُ عمران أختُ مريمَ أمِّ المسيح يحيى بن زكريا عليهما السلام هربت به من بعض الملوك إلى مصر، فلما صار رجلاً بعثه اللّه عزوجل إلى بني إسرائيل، فقام فيهم بأمر الله عزوجل ونهيه فقتلوه، وكثرت الأحداث في بني إسرائيل، فبعث اللّه عليهم ملكاً من ناحية المشرق يقال له حردوس، فقتل منهم على دم يحيى بن زكريا ألوفاً من الناس وهو يفر إلى أن هدأ الدم بعد خَطْب طويل.
مولد عيسى بن مريم عليه السلام
(1/20)

ولما بلغت مريم ابنة عمران سبع عشرة سنة بعث الله عزوجل إليها جبرائيل، فنفخ فيها الروح، فحملت بالسيد المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام، وولدت بقرية يقال لها بيت لحم على أميال من بيت المقدس، ولدته في يوم الأربعاء لأربع وعشرين ليلة خلت من كانون الأولى، وكان من أمره ما ذكره الله عزوجل في كتابه، واتضح على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وقد زعمت النصارى أن أشيوع الناصري أقام على دين مَنْ سلف من قومه يقرأ التوراة والكتب السالفة في مدينة طبرية من بلاد الأردن في كنيسة يقال لها المِدْرَاسُ ثلاثين سنة، وقيل: تسعاً وعشرين سنة، وأنه في بعض الأيام كان يقرأ في سفرأشْعِيَاء إذ نظر في السفر إلى كتاب من نور فيه أنت نبي، وخالصتي، اصطفيتك لنفسي فأطبق السَفر ودفعه إلى. خادم الكنيسة، وخرج وهو يقول: الآن تمت المشيئة للّه في ابن البشر،. وقد قيل: إن المسيح عليه السلام كان بقربه يقال لها ناصرة من بلاد اللجون من أعمال الأرعن، وبذلك سميت النصرانية، ورأيت في هذه القرية كنيسة تعظمها النصارى وفيها توابيت من حجارة فيها عظام الموتى يسيل منهلا زيت ثخين كالرُّبِّ تتبرك به النصارى، وأن المسيح مر ببحيرة طبرية وعليها أناس من الصيادين وهم بنو زبدا، واثنا عشر من القصارين، فدعاهم إلى الله وقال: اتبعوني تصيدوا البشر، فاتبعه ثلاثة من الصيادين، وهم بنو زبدا واثنا عشر من القصارين، وقد ذكر أن ميروحنا وشمعون وبولس ولوقاهم الحواريون الأربعة الذين تلقوا الِإنجيل، فألفا خبر عيسى عليه السلام، وما كان من أمره، وخبرمولده، وكيف عَمدَهُ يحيى بن زكريا، وهو يحمى المعمداني، في بحيرة طبرية، وقيل: في بحر الأردن الذي يخرج من بحيرة طبرية ويجري إلى البحيرة المنتنة، وما فعل من الأعاجيب وأتى من المعجزات، وما قالت اليهود إلى أن رفعه اللّه عزوجل إليه، وهو ابن ثلالث وثلاثين سنة.وفي الِإنجيل خطب طويل في أمر المسيح ومريم عليها السلام ويوسف النجار، أعرضنا عن ذلك، لأن اللّه عزوجل لم يخبر بشيء من ذلك في كتابه، ولا أخبر به محمد نبيه صلى الله عليه وسلم .
ذكر أهل الفترة ممن كان بين المسيح ومحمد
صلى اللّه عليهما وسلم
وقد كان بين المسيح ومحمد صلى اللّه عليهما وسلم في الفترة جماعَةمن أهل التوحيد، ممن يُقِر بالبعث، وقد اختلف الناس فيهم: فمن الناس من رأى أنهم أنبياء، ومنهم من رأى غير ذلك.
حنظلة بن صفان
فممن ذكر أنه نبي حَنْظَلة بن صفان، وكان من ولد إسماعيل بن إبراهيم، صلّى اللهّ عليهما وسلم، وأرسل إلى أصحاب الرَّسِّ، وكانوا من يد إسماعيل بن إبراهيم وهم قبيلتان يقال لِإحداهما أدمان، وللأخرى يامن، وقيل: رعويل وذلك باليمن، فقام فيهم حنظلة بأمر اللهّ عزوجل فقتلوه، فأوحى اللّه إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل من سبط يهوذا أن يأمر بخت نَصَرَ بأن يسير إليهم، فسار إليهم، فأتى عليهمِ، فذلك قوله عز وجل: " فلما أحسوا بأسنا " إلى قوله: " حصيداَ خامدين " وقيل:إ ن القوم كانوا من حِمْير، وقد ذكر ذلك بعض شُعرائهم في مرثية له، فقال:
بكَتْ عيني لأهل الرَّس ... رَعْويل وقدمان
وَأسلَمَ من أبي زَرْع ... نكال الْحَيِّ قَحْطان
ذو القرنين
وقد حكي عن وهب بن منبه أن ذا القرنين وهو الِإسكندر كان بعد المسيح عليه السلام في الفَتْرة، وأنه كان حلم حلماً رأى فيه أنه دَنَا من الشمس حتى أخذ بقرنيها في شرقيها وغربيها، فقص رؤياه على قومه، سموه بني القرنين، وللناس في في القرنين تنازع كبيز وقد أتينا على ذلك في كتاب أخبار الزمان وفي الكتاب الأوسط، وسنذكر لمعاً من خبره عند ذكرنا لملوك اليونانيين الروم.
أهل الكهف
وكذلك تنازع الناس في أصحاب الكهف في أي الأعصار كانوا؛ فمنهم من زعم أنهم كانوا في زمن الفترة، ومنهم من رأى غيرذلك، وسنأتي بلمع من خبرِهم في ذكرنا ملوكَ الروم في هذا الكتاب، وإن كنا قد أتينا على ذلك في الكتاب الأوسط، فيما سلف قبله من كتاب أخبار ا لزمان.
جرجيس
(1/21)

وممن كان في الفترة بعد المسيح عليه السلام: جرجيس، وقد أدرك بعض الحواريين فأرسله إلى بعض ملوك الموصل، فدعاه إلى اللّه عز وجل، فقتله، فأحياه اللّه وبعثه إليه ثانية، فقتله، فأحياه اللّه، فأمر بنشره ثالثة وإحراقه وإذرائه في دجلة، فأهلك اللّه عز وجل ذلك الملكَ وجميعَ أهل مملكته ممن اتبعه، على حسب ما وردت به الأخبار عن أهل الكتاب ممن آمن، وذلك موجود في كتاب المبتدأ والسير لوهب بن مُنَبِّه وغيره.
حبيب النجار
وممن كان في الفترة: حبيب النجار، وكان يسكن أنطاكية من أرض الشام وكان بها ملك متجبر يعبد التماثيل والصُّوَر، فسار إليه إثنان من تلامذة المسيح، فدعوَاه إلى اللّه عز وجل، فحبسهما وضربهما، فعززهما اللّه بثالث، وقد تنوزع فيه؛فذهب كثير من الناس إلى أنه بطرس، وهذا اسمه بالرومية، واسمه بالعربية سمعان، وبالسريانية شمعون وهو شمعون الصفاء، وذكر كثير من الناس وإليه ذهب سائر فرق النصرانية أن الثالث المعزَّزَ به هو بولس، وأن الاثنين المتقَدمين اللذين أودعا الحبس توماوبطرس، فكان لهم مع ذلك الملك خطب عظيم طويل فيما أظهروا من الإعجاز والأعاجيب والبراهين: من إبراء الأكمة والأبرص، وإحياء الميت، وحيلة بولس عليه بمداخلته إياه وتلطفه له، واستنفاذ صاحبيه من الحبس، فجاء حبيب النجار فصدقهم، لما رأى من آيات الله عزوجل، وقد أخبر اللّه عزوجل بذلك في كتابه بقوله: " إذا أرسلنا إليهم اثنين فكنبوهما " إلى قوله: " وجاء من أقصى المدينة رجل يَسْعَى " وقتل بولس وبطرس بمدينة رومية، وصُلِبا منكسين، وكان لهما فيها خبرطويل مع الملك، ومع سيما الساحر، ثم جعلا بعد ذلك في خزانة من البلور، وذلك بعد ظهور دين النصرانية، وحرمهما في كنيسة هتاك قد ذكرناها في الكتاب الأوسط عند ذكرنا العجائب رومية، وأخبار تلاميذ المسيح عليه السلام، وتفرقهم في البلاد، وسنورد في هذا الكتاب لمعاً من أخبارهم، إِن شاء الله تعالى.
أصحاب الأخدود
فأما أصحاب الأخدود فإنهم كانوا في الفترة في مدينة نجران باليمن،في مُلْكِ ينُوَاس، وهو القاتل لذي شَنَاتر، وكان على دين اليهودية، فبلغ ذانُوَاس أن قوماً بنجْرَان على دين المسيح عليه السلام؟ فسار إليهم بنفسه، واحتفر لهم أخاديد في الأرض، وملأها جَمْراً، وأضْرَمها ناراً، ثم عرضهم على اليهودية؛ فمن تبعه تركه، ومن أبى قَذَفه في النار، فأتَى بامرأة معها طفلها ابن سبعة أشهر، فأبت أن تتخلى عن دينها، فأدنيتْ من النار، فجزعت، فأنطق الله عزوجل الطفل فقال: يا أمهْ امْض على دينك فلا نار بعد هذه، فألقاها في النار، وكانوا مؤمنين موحَدين، لا على رأي النصرانية في هذا الوقت، فمضى رجل منهم يقال له ف ثعلبان إلى قيصرملك الروم يستنجده، فكتب له إلى النجاشي لأنه كان أقرب إليهم داراً ا فكان من أمر الحبشة وعبورهم إلى أرض اليمن ؤتغلبهم عليها إلى أن كان من أمر سَيْفٍ في يزن واستنجاده الملوك إلى أن أنجده أنو شروان ما قد أتينا على ذكره في كتابنا أخبار الزمان، وفي الكتاب الأوسط، وسنذكر لُمعاً من ذلك فيما يرد من هذا الكتاب عند ذكرنا لأخبار الأفاء وملوك اليمن، وقد ذكر اللّه عزوجل في كتابه قصةَ أصحاب الأخدود بقوله عزوجل: " قتل أصحاب الأخدود إلى قوله: " وما نَقَمُوا مئهم إلا أن يؤمنوا باللّه العزج الحميد "
خالد بن سنان العبسي
(1/22)

وممن كان في الفترة: خالد بن سنان العبسي، وهو خالد بر سنان بن غيث بن عبس،، وقد ذكره النبي صلى الله عليه وسلم فقال:ذلك نبي أضَاعه قومه " وذلك أن ناراً ظهرت في العرب، فافتنوا بها، وكانت تنتقل، وكادت العرب تتمجَّسُ وتغلب عليها المجوسية، فأخذ خالد بن سنان هراوة وشد عليها وهو يقول: بدا بَدَا، كُلُّ هدى، مؤدٍّ إلى اللّه الأعلى، لأدخلتها وهي تتلظى، ولأخْرُجَنّ منها وثيابي تتنذَى، فأطفأها، فلما حضرت خالد بن سنان الوفاة قال لإِخوته: إذا أنا دفنت فإنه ستجيء عانة من حميريَقْدمُها عَيْرأبتر، فيضرب قبري بحافره ة فإذا رأيتم ذلك فانبشوا عني فإني سأخرج إليكم فأخبركم بجميع ما هو كائن، فلما مات ودفنوه رأوا ما قال فأرادُوا أن يخرجوه، فكره ذلك بعضهم وقالوا: نخاف أن تنسبنا العرب إلى نبْشنا عن ميت لنا، وأتت ابنته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعته يقرأ: " قل هوالله أحد، اللّه الصمد " فقالت: كان أبي يقول هذا، وسنورد فيما يرد من هذا الكتاب لمعاً من أخباره مما تدعو الحاجة إلى ذكره، إن شاء الله تعالى.
رئاب الشني أحد بني عبد القيس
قال المسعودي: وممن كان في الفترة: رئاب الشَّنِّئُ، وكان من عبد القيس، ثم من شَن، وكان على دين المسيح عيسى بن مريم عليه سلام قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، فسمعوا مناديَاَ ينادِي من السماء قبل مبعث نبي: خير أهل الأرض ثلاثة: رئاب الشني، وبحيرةَ. الراهب، رجل آخر لم يأت بعد، يعني النبي عليه السلام وكان لا يموت أحد من ولد رئاب فيدفن إلا رأوا واسطاً على قبره.
أسعد أبوكرب الحميري
ومنهم أسعد أبو كرب الحميري، وكان مؤمناً، وأمن بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث بسبعمائة سنة، وقال:
شهحْتُ على أحمدٍ أنه ... رَسُولٌ من اللَّه بارِي النَسَمْ
فَلَوْمُدَّ عُمْرِي إلى عمره ... لكنْتً وزيراً له وابن عم
وألْزِمُ طاعَتَهُ كلً منْ ... على الأرض من غرُب أوعجم
و أول من كسا الكعبة الأنطاع والبُرُودَ، فلذلك يقول بعض حِمْيَر:
وكَسَوْنَا البيْتَ ائَنِي عظم اللَّهُ مُلاَءً مُقضَباً وَبُرُودا
قس بن ساعدة الِإيادي
ومنهم: قس بن ساعدة الإيادي من إياد بن أد بن معد، وكان حكيم العرب، وكان مقراً بالبعث، وهو الذي يقول: من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هوآت آت، وقد ضرب العرب بحكمته وعقله الأمثال، قال الأعشى:
وأحْكَمُ مِنْ قُسٍّ، وأجْرَا من الذِي ... بِذِي الغيل مِنْ خَفَّانَ أصْبَحَ خَادِرَا
وقدم على النبي صلى الله عليه وسلم وَفد من إياد، فسألهم عنه، فقالوا: هلك، فقال: رحمه اللّه ة كأننىِ أنظر إليه بسوق عُكَاظ على جمل له أحمر، وهو يقول: أيها الناس، اجتمعوا واسمعوا وَعُوا، مَنْ عاش مات، ومَزن مات فات، وكل ما هوآت ات، أما بعد فإن في السماء لخبراً، وإن في الأرض لعبراً، نجوم تمور، وبحار تغور، وسَقْف مرفع، ومهاد موضوع، أقسم قس باللّه قسماً لا حانثاً فيه ولا آثماً، إن اللّه لدينا هو أرضى من دين أنتم عليه، مالي أراهم يذهبون ولا يرجعون، أرَضُوا بالمقام فأقاموا أم تركوا فناموا. سبيل مؤتلف، وعمل مختلف. وقال أبياتاً لا أحفظها، فقام أبو بكررضي اللهّ عنه فقالى: أنا أحفظها يا رسول الله، فقال :هاتها، فقال:
في الذَّاهِبِينَ الأوَّلي ... ن مِنَ الْقُرُونِ لَنَا بَصَائِرْ
لما رَأيْتُ مَوَارِداً ... لْلمَوْتِ لَيْسَ لَها مَصَادرْ
ورَأيْتُ قَوْمي نَحْوَها ... تمْضِي الأوَائِلُ وَالأوَاخِرْ
لَا يَرْجِعُ الماضي، ولَا ... يَبْقَى مِنَ الْبَاقِينَ غَابِرْ
أيْقَنْتُ أني لَا محا ... لةحَيْثُ صَار الْقَوْمُ صائِرْ
فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : رحم اللّه قسا، إني لأرجو أن يبعثه الله أمة وحْده.قال المسعودي: ولقس أشعار كثيرة وحِكَمٌ، وأخبار تُبصِّر في الطب الزجر والفأل وأنواع الحكم، وقد ذكرنا ذلك في كتاب أخبار الزمان وفي الكتاب الأوسط.
زيد بن عمرو بن نفيل
(1/23)

وممن كان في الفترة: زيد بن عمرو بن نُفَيْل، أبو سعيد بن زيد أحد العَشَرَة، وهو ابن عم عمر بن الخطاب لَحّاً، وكان زيد يرغب عن عبادة الأصنام، وعابها فأولع به عَمُّه الخطابُ سفَهاء مكة، وسلطهم عليه، فآفهُ، فسكن كهفاً بحراء، وكان يدخل مكة سراً، وسار إلى الشام يبحث عن الدين، فسمته النصارى، ومات بالشام، وله خبر طويل مع الملك الترجمان، ومع بعض ملوك غسان بدمشق، وقد أتينا عليه فيما سلف من كتبنا.
أمية بن أبي الصلت الثقفي
ومنهم: أمية بن أبي الصَّلْتِ الثقفي، وكان شاعراً عاقلاً، وكان يتَّجِر إلى الشام، فتلقاه أهل الكنائسي من اليهود والنصارى، وقرأ الكتب، وكان قدعلم أن نبيّاً يبعث من العرب، وكان يقول أشعاراً على آراء أهل الديانة صف فيها السماوات والأرض والشمس والقمر والملائكة، وذكر الأنبياء البعث والنشور والجنة والنار، ويعظم اللّه عز وجل ويوحده، من ذلك قوله:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، لَاشَرِيكَ لَه ... منْ لَمْ يَقُلْها فَنَفْسَهُ ظَلَما
ووصف أهل الجنة في بعض كلماته فقال:
فَلا لَغْوٌ ولاَتأثيمَ فيها ... ومافَاهُوابِه لَهُمُ مُقيمُ
ولما بلغه ظهور النبي صلى الله عليه وسلم اغتاظ لذلك وتأسف، وجاء المدينة ليسلم فرده الحسد، فرجع إلى الطائف، فبينما هو ذات يوم في فتية يشرب إذ وقع غراب فنعَبَ ثلاثة أصواب وطار، فقال أمية: أتدرون ما قال؟ قالوا: لا، قال: فإنه يقول لكم: إن أمية لا يشرب الكأس الثالثة حتى يموت، فقال القوم: لتكَذِّبَنَّ قوله: ثم قال: أحْسُوا كأسكم، فَحَسَوْها، فلما انتهت النوبة إليه أغمي عليه، فسكت طويلًا ثم أفاق وهو يقول:
لًئيْكُما لًبّيْكُمَا ... ها أنا ذَالَديْكُما
أنا من حفت به النعمة، والحمد والشكر.
إنْ تَغْفِرِاللهُئم تَغْفِرْجَمّا ... وأيُّ عبْدٍ لَك لَا ألَمَّا
أو قال: أنا من حفت به النعمة والحمد ولم يجهد في الشكر، ثم أنشأ يقول:
إنَ يَوْمَ الْحسَاب يَوْم عظيمٌ ... شَابَ فيه الصًغير يَوْماً طَوِيلَا
لَيْتَنِي كُنْتُ قَبْلَ ما قد بَدَالِي ... فِي رُؤوس الْجِبال أرْعَى الْوُعُولاَ
كُلّ عَيْشٍ وَإنْ تَطَاوَلَ حينا ... فَقُصَارَى أيامه أنْ يزُولاَ
ثم شَهق شهقة ة فكانت فيهانفسه.
(1/24)

قال المسعودي: وقد ذكر جماعة من أهل المعرفة بأيام الناس، وأخبار مَنْ سلف كابن دأب، والهيثم بن عدي، وأبي مِخْنَف لوط بن يحيى، ومحمد بن السائب الكلبي أن السبب في كتابة قريش، واستفتاحها في أوائل كتبها باسمك اللهم هو أن أمية بن أبي الصَّلْت الثقفي خرج إلى الشامٍ في نفر من ثقيف وقريش في عِيرٍ لهم، فلما قفلوا راجعين نزلوا منزلا، واجتمعوا لعشَائهم ؛ إذ أقبلت حية صغيرة حتى دَنَت منهم، فَحَصَبَهَا بعضهم بشيء في وجهها، فرجعت، فَشَدُواسفرتهم ثم قاموا فَشَدوا على إبلهم وارتحلوا من منزلهم، فلما برزوا عن المنزل أشرفت عليهم عجوزمن كثيب رمل متوكئة على عَصاً لها، فقالت: ما منعكم أن تطعموا رحيمة، الجارية اليتيمة، التي جاءتكم عشية؟ قالوا: ومن أنْتِ؟ قالت: أم العوام، أوتمْتُ منذ أعوام، أما ورب العباد، لتفترقُنَّ في البلاد، ثم ضربت بعصاها الأرض، فأثارت بها الرمل، وقالت: أطيلي إيابهمِ، وأنْفِرِي ركابهم، فثبت الِإبل فكأن على ذرْوَة كل بعير منها شيطاناَ، ما نملك منها شيئاً، حتى افترقت في البوادي، فجمعناها من آخر النهار إلى غد، ولم نكد، فلما أنخناها لنرحلها طلعت علينا العجوز فعادت بالعصا كفعلها أولاً، وعادت إلى مقالتها الأولى: ما منعكم أن تطعموا رحيمة، الجارية اليتيمة؟ أطيلي إيابهم وأنْفِرِي ركابهم، فخرجت الِإبل ما نملك منها شيئَاَ، فجمعناها من آخر النهار إلى غد، ولم نكد، فلما أنخناها لنرحلها طلعت علينا العجوز، ففعلت مثل فعلتها الأولى والثانية، فتفرقت الإبل وأمسينا في ليلة مُقْمِرَة، وقد يئسنا من ظهورنا، فقلنا لأمية بن أبي الصَّلْتِ: أين ما كنت تخبرنا به عن نفسك؟ فتوجَّهَ إلى ذلك الكثيب الذي كانت تأتي منه العجوز، حتى هَبَطَ من ناحية أخرى، ثم صعد كثيباً آخر حتى هبط منه، ثم رفعت له كنيسة فيها قناديل، وإذا رجل جالس أبيض الرأس واللحية، قال أمية: فلما وقفت عليه رفع رأسه إلي وقال: إنك لمتبوع، قلت: أجل، قال: فمن أين يأتيك صاحبك. قلت: من أذني اليسرى، قال: فبأي الثياب يأمرك. قلت: بالسواد، قال: هذا خَطْب الجن، كدت ولم تفعل، ولكن صاحب هذا الأمريكلمه في أذنه اليمنى، وأحَب الثياب إليه البياضُ، فما جاء بك. وما حاجتك.
فحدثته حديث العجوز، قال: صَدَقَتْ، وليست بصادقة، هي امرأة يهودية هلك زوجها منذ أعوام، وإنها لا تزال تصنع بكم ذلك حتى تهلككم إن استطاعَتْ، قال أمية: فما الحيلة؟ قال: اجمعوا ظُهُورَكم فإذا جاءتكم ففعلت ماكانت تفعل فقولوالها: سبعاً من فق، وسبعأمن أسفل، باسمك اللهم، فإنها لا تضركم، فرجع أمية إلى أصحابه، فأخبرهم بما قيل له، فجاءتهم، ففعلت كما كانت تفعل، فقالوا: سبعاً من فق، وسبعأ من أسفل، باسمك اللهم، فلم تضرهم، فلما رأت الإبل لم تتحرك قالت: عرفت صاحبكم، لَيَبْيَضن أعلاه، ويسودن أسفله، وسِرْنَا، فَلما أدركنا الصبح نظرنا إلى أمية قد بَرِصَ في عذارية ورقبته وصدره، واسودّ أسفله، فلما قدموا مكةذكروا هذا الحديث.وكان أمية أول من كتب باسمك اللهم إلى أن جاء الله عزوجل بالإسلام فرفع ذلك وكتب: " بسم الله الرحمن الرحيم " ، وله أخبار غير هذه قد أتينا عليها وعلى ذكرها في أخبار الزمان وغيره مما سلف من كتبنا.
ورقة بن نوفل
ومنهم: ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العُزى بن قصي، وهو ابن عم خديجة بنت خُويلد زوج النبي صلى الله عليه وسلم لَحًاً، وكان قد قرأ الكتب وطلب العلم، ورغب عنِ عبادة الأصنام، وبشر خديجة بالنبي صلى الله عليه وسلم وأنه نبي هذه الأمة، وأنه سيؤذى ويكذبُ، ولقي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يابن أخي، اثْبُتْ على ما أنت عليه.، فالذي نفس ورقة بيده إنك لنبي هذه الأمة، ولتؤذَيَن ولتكذبن ولتخرجن ولتقاتلن، ولئن أدركت يومك لأنصرن الله نصراً يعلمه، وقد اختلف فيه: فمنهم من زعم أنه مات نصرانياً، ولم يدرك ظهورَ النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يتيسر له أمره، ومنهم من رأى أنه مات مسلماً وأنه مدخ النيي صلى الله عليه وسلم فقال:
يَعْفوَيَصْفَحُ لَا يَجْزِي بِسَيِّئةٍ ... وَيَكْظِمُ الْغَيْظَ عِنْدَالشتْم وَالْغَضَبِ
عداس مولى عتبة بن ربيعة
(1/25)

ومنهم: عَدَّاس مولى عُتْبَةَ بن ربيعة، وكان من أهل نِينَوَى، ولقي النبي صلى الله عليه وسلم بالطائف حين خرج يدعوهم إلى الله عزوجل، وكان له مع النبي صلى الله عليه وسلم خَطْب في الحديقة، وقتل يوم بدر على الئصرانية، وكان ممن يبشربالنبي صلى الله عليه وسلم.
أبو قيس صرمة بن أبي أنس
ومنهم: أبو قيس صِرْمَة بن أبي أنس من الأنصار من بني النجار،وكان ترهَّبَ، ولبس المسوح، وهجر الأوثان، ودخل بيتأ، واتخذهُ مسجداً لا تدخله طامث ولا جُنُب، وقال: أعبد رَب إبراهيم، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم أسلم وحسن إسلامه، وفيه نزلت آية السحور: " وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر " وهو القائل في رسول الله صلى الله عليه وسلم :
ثَوَى في قُرَيْش بِضْعَ عَشْرَةَ حَجَّةً ... بِمَكَةَ لَا يَلْقَى صَدِيقأ مُؤَاتِيا
أبو عامر الأوسي
ومنهم: أبو عامر الأوسي واسمه عبد عمرو بن صَيْفِي بن النعمان،من بني عمروبن عوف، من الأوس وهوأبوحنظلة غَسِيل الملائكة، وكان سيدا قد ترهَّبَ في الجاهلية، ولبِس المسوح، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كان له معه خطب طويل، فخرج في خمسين غلاماً، فمات علىالنصرانية بالشام.
؟؟؟؟؟؟؟عبد اللّه بن جحش الأسدي
ومنهم: عبد اللهّ بن جَحْش الأسدي من بني أسد بن خُزَيمة، وكانت عندهُ أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب، قبل أن يتزوجها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وكان قد قرأ الكتب فمال إلى النصرانية، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم هاجر إلى أرض الحبشة فيمن هاجر من المسلمين ومعه زوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب، ثم إنه ارتَدَّ عن الإِسلام هنالك وتنصر، ومات بأرض الحبشة، وكان يقول للمسلمين: إنا فَقَحْناَ وصأصاتم، يريد أبصرنا وأنتم تلتمسون البصر، وهذا مَثَل ضربه لهم، وذلك أنه يقال للكلب إذا فتح عينيه بعدما يولد، وهو جَرْو: قد فَقحَ، وإذا كان يريد أن يفتحهما ولم يفتحهما بعدُ قيل: صأصأ، ولما مات عبد اللّه بن جَحْش تزوج رسور اللّه صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان، زَوّجَها إياه النجاشي، وأمهرها عنه أربعمائة دينار.
؟؟بحيرا الراهب
ومنهم: بَحِيرَا الراهب، وكان مؤمناً على دين المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، واسم بَحِيرَا في النصارى سرجس، وكان من عبد القيس، ولما خرج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مع عمه أبي طالب إلى الشام في تجارة وهو ابن اثنَتيْ عشرَةَ سنة ومعهما أبو بكر وبلال، مروا ببَحِيرا وهو في صَوْمعته، فعرف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بصفته ودلائله وما كان يجمه في كتابه ونظر إلى الغمام تظله حيث ما جلس، فأنزلهم بَحِيرَا، وأكرمهم، واصطنع لهم طعاماً، ونزل من صومعته حتى نظر إلى خاتم النبوة بين كتفي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، ووضع يده على موضعه، وآمن بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأعلم أبا بكر وبلالاً بقصته، وما يكون من أمره، وسأل أبا طالب أن يرجع به من وجهه ذلك، وحَذَّرهم عليه من أهل الكتاب، وأخبر عمه أبا طالب بذلك، فرجع به، فلما رجع من سفره ذلك، كان بدْء قصته مع خديجة وما أظهر اللّه لها من دلائل نبوته، وما أخبرت به مما كان منه في طريقه.؟؟؟؟؟؟ قال المسعودي: فهذه جمل مبدأ الخليقة إلى حيث انتهينا من هذا الموضع ولم نشُبْهُ بشيء غيرما جاءت به الشرائع، ونطقت به الكتب، وأوضحت عنه الرسل عليهم الصلاة والسلام.ولنذكر الان بدء ممالك الهند، ولمعاً من آرائها، ونُتْبع ذلك بذكر سائر الممالك، إذ كنا قدمنا جملاً من ذكر ملوك الِإسرإئيليين على حسب ما وجدنا في كتب الشرعيين، واللّه أعلم.
ذكر جمل من أخبار الهند
وآرائها وبَدء ممالكها وملوكها
(1/26)

ذكَرَ جماعة من أهل العلم والنظر والبحث الذين وصلوا الغاية بتأمل شأن هذا العالم وبدئه أن الهند كانت في قديم الزمان الفرقة التي فيها الصلاح والحكمة؛ فإنه لما تجيلت الأجيال، وتحزبت الأحزاب، حاولت الهند أن تضم المملكة، وتستولي على الحَوْزة، وتكون الرياسة فيهم، فقال كبراؤهم: نحن كنا أهل البدء، وفينا التناهي، ولنا الغاية والصدر ولا انتهاء، ومنا سرى الأب إلى الأرض، فلا ندع أحداً شاققنا ولا عاندنا وأراد بنا الِإغماض إلا أتينا عليه وأبَدْنَاه أو يرجع إلى طاعتنا.
البرهمن
فأزْمَعَتْ على ذلك، ونصبت لها ملكاً، وهؤ البرهمن الأكبر، والملك الأعظم، الإمام فيها المقدم، وظهرت في أيامه الحكمة، وتقدمت العلماء، واستخرجوا الحديد من المعدن، وضُرِبَتْ في أيامه السيوف والخناجر، وكثير من أنواع المقاتل، وشيد الهياكل، ورصعها بالجواهر المشرقة المنيرة، وصوؤرَ فيها الأفلاك والبروج الاثنى عشر والكواكب، وبين بالصورة كيفية العالم، وأرى بالصورة أيضاً أفعال الكواكب في هذا العالم وأحداثها للأشخاص الحيوانية: من الناطقة وغيرها، وبين حال المدبر الأعظم الذي هو الشمس، وأثبت في كتابه براهين جميع ذلك، وقَرَّبَ إلى عقول العوام فَهْمَ ذلك، وغرس في نفس الخواص دراية ما هو أعلى من ذلك، وأشار إلى المبدأ الأول المعطى سائر الموجودات وجودَهَا الفائض عليها بجوده، وانقاد له الهند، وأخصبت بلادها، وأراهم وجه مصالح الدنيا، وجمع الحكماء فأحدثوا في أيامه كتاب السند هند وتفسيره دهر الدهور، ومنه فرغت الكتب ككتاب الأرجيهد والمجسطى، وفرع من الأرجيهد الأركند، ومن المجسطى كتاب بطليموس، ثم عمل منهما بعد ذلك الزيجات، وأحدثوا التسعة الأحرف المحيطة بالحساب الهندي، وكان أول من تكلم في أوج الشمس، وذكر أنه يقيم في كل برج ثلاثة آلاف سنة، ويقطع الفلك في ستة وثلاثين ألف سنة، والأوج الآن على رأي البرهمن في وقتنا هذاوهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة في برجِ الثور وأنه إذا انتقل إلى البروج الجنوبية انتقلت العمارة، فصار العامر خراباَ، والخارب عامراً، والشمال جنوباً، والجنوب شمألاً، ورتَّبَ في بيت الذهب حساب الدورالأول والتاريخ الأقدم الذي عليه عملت الهند في تواريخ البدءة، وظهورها في أرض الهند دون سائر الممالك، ولهم في البدء خَطْب طويل أعرضناعن ذكره إذ كان كتابنا كتاب خبر، لا كتاب بحث ونظر، وقد أتينا على جمل من ذلك في الكتاب الأوسط، ومن الهند من يذكر أن ابتداء العالم في كل سبعين ألف سنة هازروان، وأن العالم إذا قطع هذه المدة عاد الكون؛ فظهر النسل،ومرحت البهائم، وتغلغل الماء، ودبَّ الحيوان، وبَقَلَ الغشْبُ، وخرق النسيم الهواء، فأما أكثر أهل الهند فإنهم قالوا بكرور منصوبات على دوائر تبتدىء القوى متلاشية شبيهة الشخص، موجوعة القوة، منتصبة الذات، وحدوا لذلك أجلًا ضربوه، ووقتاً نصبوه، وجعلوا الدائرة العظمى والحادثة الكبرى، وسموا ذلك بعمر العالم، وجعلوا المسافة بين البدء والإِنتهاء مدة ست وثلاثين ألف سنة مكررة في اثني عشر ألف عام، وهذا عندهم الهازوران الضابط لقوى الأشياء والمدبر لها، وأن الحوائر تقبض وتبسط جميع المعاني التي تستودعها، وأن الأعمار تطول في أول الكر لانفساخ الدوائر، وتمكن القوى من المجال، وتَقْصُر الأعمار في آخر الكر لضيق الدوائر، وكثرة ما يعرض فيها من الأكدار الباترة للأعمار، وذلك أن قوى الأجسام وَصَفها في أول الكر تظهر وتسرح، وأن الصف سابق الكدر، والشافي يبادر الثفل، والأعمار تطول بحسب صفاء المزاج، وتكامل القوى المدبرة لعناصره أخلاط الكائنات الفاسدات المستحيلات البائدات، وأن آخر الكر الأعظم وغاية البَدء الأكبر تظهر الصورة متشوهة، والنفس ضعيفة، والأمزجة مختلطة، وتناقض القوى، وتبيد المواسك، وترد المواد في الحوائر منعكسة مزدحمة، فلا يحظى فو الأعصار بتمام الأعمار، وللهند فيما ذكرناه علل وبراهين في المبادى الأول، وفيما بسطناه من تفريعهم في الدوائر والهازروانات، ورموز وأسرار في النفس في اتصالها بما علا من العوالم وكيفية بَدْئها من أعلى إلى أسفل، وغير ذلك مما رتب لهم البرهمن في بدء الزمان، وكان ملك البرهمن إلى أن هلك ثلاثمائة سنة وستين سنة
البرا همة
(1/27)

وولده يعرفن بالبراهمة إلى وقتنا، والهند تعظمهم، وهم أعلى أجناسهم وأشرفهم، ولا يغتفن بشيء من الحيوان، وفي رقاب الرجل والنساء منهم خيوط ُصفْر يتقلدون بها كحمائل السيوف، فرقاً بينهم وبين غيرهم من أنواع الهند.
وقد كان اجتمع منهم في قديم الزمان في ملك البرهمن سبعة من حكمائهم المنظور إليهم في بيت الذهب فقال بعضهم لبعض: اجلسوا حتى نتناظر ة فننظر ما قصة العالم. وما سره؟ ومن أين أقبلنا. وإلى أين نمر؟ وهل خروجُنا من عدم إلى وجود حكمةٌ أو ضد ذلك. وهل خالقنا المخترع لنا والمنشىء لأجسامنا يجتلب بخلقنا منفعة، أم هل يدفع بفَنَائنا عن هذه الدار عن نفسه مضرة، أم هل يدخل عليه من الحاجة والنقص ما يدخل علينا. أم هل هو غني من كل وجه فما وجه إفنائه إيانا وإعدامنا بعد موجودنا وآلامنا وملاذنا؟ فقال الحكيم المنظور إليه منهم: أترى أحداً من الناس أدرك الأشياء الحاضرة والغائبة على حقيقة الِإدراك؛ فظفر بالبغية واستراح إلى الثقة؟ قال الحكيم الثاني: لو تناهت حكمة البارىء عزوجل في أحد العقول كان ذلك نقصاً من حكمته، وكَان الغرض غير مدرك، وكَان التقصير مانعاً من الإِدراك، قال الحكيم الثالث: الواجب علينا أن نبتدىء بمعرفة أنفسنا التي هي أقرب الأشياء منا ونحن أولى بها وهي أولى بنا، من قبل أن نتفرغ إلى علم ما بعد منا قال الحكيم الرابع: لقد ساء وقوع من وقع موقعاً احتاج فيه إلى معرفة نفسه، قال الحكيم الخامس: من ههنا وجب الاتصالُ بالعلماء الممدودين بالحكمة، قال انحكيم السادس: الواجب علر المرء المحب لسعادة نفسه أن لا يغفل عن ذلك، لاسيما إذا كان المقام في هذه الدنيا ممتنعاً، والخروج منها واجباً، قال الحكيم السابع: أنا لا أدري ما تقولون، غير أني أخْرِجْتُ إلىهذه الدنيا مضطراً، وعشت فيها حائرأ، وَأخْرج منها مكرهاً.
فاختلف الهند ممن سلف وخلف في آراء هؤلاء السبعة، وكل قد اقتدى بهم، ويمم مذهبهم، ثم تفرعوا بعد ذلك في مذاهبهم، وتنازعوا في آرائهم، والذي وقع عليه الحصرمن طوائفهم سبعون فرقة.
قال المسعودي: وقد رأيت أبا القاسم البَلْخيَّ ذكر في كتاب عيون المسائل والجوابات وكذلك الحسن بن موسى النوبَختِي في كتابه المترجم بكتاب الآراء والديانات مذاهِبَ الهند وآراءهم، والعلة التي من أجلها أحرقوا أنفسهم في النيران، وقطعوا أجسامهم بأنواع العذاب، فما تعرضا لشيءمماذكرنا، ولايَمما نحوما وصفنا.
حقيقة البرهمن
وقد تنوزع في البرهمن: فمنهم من زعم أنه أدم عليه السلام، وأنه رسول الله عزوجل إلى الهند، ومنهم من يقول: إنه كان ملكاً على حسب ما ذكرنا، وهذا أشهر.
الباهبود بن البرهمن
ولما هلك البرهمن جزعت عليه الهند جزعأ شديدأً، وفزعت إلى نَصْب ملك عليها من أكبرولده؛ فكان ولي عهده الموصى له من ولده ابنه الماهبود، فسار فيهم سيرة أبيه، وأحسن النظر إليهم،زاد في بناء الهياكل، وقَدم الحكماء، وزاد في مراتبهم، وحَثهم على تعليم الناس الحكمة، وبَعَثَهم على طلبها، فكان ملكه إلى أن هلك مائة سنة.
صنع النرد وحكمته
وفي أيامه عمل النرْدُ، وأحدث اللعب بها، وجعل ذلك مثالاً للمكاسب، وأنها لا تُنَال بالكَيسْ ولا بالخيل فى هذه الدنيا، وأن الرزق لا يتأتى فيها بالحذق، وقد ذكر أن أردشير ين بابك أول من صنع النرد، ولعب بها، وأرى تقلب الدنيا بأهلها، واختلاف أمورها، وجعل بيوتها اثني عشر بيتأ بعدد الشهور، وجعل كلابها ثلائين كلباً بعدد أيام الشهر، وجعل الفصين مثلاً للقَدرِ، وتقلُّبه بأهل الدنيا، وأن الإِنسان يلعب بها فيبلغ بإسعاد القحر إياه في مراده باللعب بها ما يريد، وأن الحازم الفطن لا يتأتى له ما تأتي لغيره، إلا إذا أسعده القدر، وأن الأرزاق والحظوظ في هذه الدنيا لا تُنَال إلا بالجدود.
زامان بعد الباهبود
ثم ملك زامان بعد الباهبود، فكان ملكه نحواً من خمسين ومائة سنة، ولزامان سيز وأخبار وحروب مع ملوك فارس وملوك الصين قد أتينا على الغُرَرِمنها فيما سلف من كتبنا.
ملك فر
ثم ملك فر، وهو الذي واقَعَهُ الإسكندر، فقتله الإسكندر مبارزة،وكان ملك فر إلى أن هلك أربعين ومائة سنة.
ملك دبشليم
(1/28)

ثم ملك بعده دَبْشَلِيمُ، وهو الواضع لكتاب كليلة ودمنة النى ينسب لابن المقفع، وقد صنف سهل بن هارون الكاتب لأمير المؤمنين المأمون كتاباَ ترجمه ثعلة وعفرة يعارض به كتاب كيلة ودمنة في أبوابه وأمْثَالِهِ، ويزيد عليه في حسن نظمه، وكان ملكه مائة وعشرين سنة، وقيل غيرذلك.
ملك بلهيت وصنع الشطرنج
ثم ملك بعمه بلهيت، وصنعت في أيامه الشطرنج؟ فقضى بلعبهاعلى النرد، وبَيَّنَ الظفر الذي يناله الحازم، والبلية التي تلحق الجاهل، وحسب حسابها، ورتَّبَ لذلك كتاباً للهند يعرف بطرق جنكا يتداولونه بينهم، ولعب بالشطرنج مع حكمائه،وجعلها مصورةً تماثيل مشكلة على صور الناطقين وغيرهم من الحيوان مما ليس بناطق، وجعلهم درجات ومراتب، ومثَّلَ الشاة بالمدبِّرِ الرئيس، وكذلك ما يليه من القطع، وأقام ذلك مثالاً للأجساد العلوية التي هي الأجسام السماوية من السبعة والاثني عشر، وأفرد كل قطعة منها بكوكب، وجعلها ضابطة للمملكة، وإذا كان عدو من أعدائه، فقعت منه حيلة في الحروب نظروا من أين يؤتَوْنَ، في عاجل وآجل، وللهند في لعب الشطرنج سريسرونه في تضاعيف حسابها، ويتغلغلون بذلك إلى ما عَلاَ من الأفلاك، وما إليه منتهى العلة الأولى، وأعداد أضعاف الشطرنج ثمانية عشر ألف ألف ألف ألف ألف ألف وأربهمائة ألف وستة وأربعون ألف ألف ألف ألف ألف وسبعمائة وأربعون ألف ألف ألف ألف، وثلاثة وسبعون ألف ألف ألف، وسبعمائة ألف ألف، وسبعة آلاف ألف وخمسمائة ألف وأحد وخمسون ألف وستمائة وخمسة عشر، ومراتب هذه الألوف الستة الأولى، ثم الخمسة التي هي ألف ألف خمس مرات، ثم الأربع، ثم الثلاث، ثم الاثنين، ثم الواحدة ة لها عندهم معانٍ، يذكرونها في الدهور والأعصار، وما تقتضيه سائر المؤثرات العلوية في هذا العالم؟ لارتباط نفس الناطقين بها، ولليونانيين والروم وغيرهم من الأمم في الشطرنج كلام ونوع من اللعب بهذه. وقد ذكر ذلك الشطرنجيون في كتبهم، ممن تقدم منهم إلى الصولي والعدلي، وإليهما كان انتهاء اللعب بالشطرنج في هذا العصر.وكان مًلْكُ بلهيت ملك الهند إلى أن هلك ثمانين سنة، وفي بعض النسخ أنه ملك ثلاثين ومائة سنة.
ملك كورش
ثم ملك بعده كورش، فاحمث للهند آراء في الديانات، على حسب مارأى من صلاخ الوقت، وما يحتمله من التكليف أهل العصرِ، وخرج عن مذاهب من سَلَفَ، وكان في مملكته وعصره سندباد، دونَ له كتاب الوزراء السبعة والمعلم والغلام وامرأة الملك، وهو الكتاب المترجم بالسندباد وعمل في خزانة هذا الملك الكتاب الأعظم في معرفة العلل والألدواء والعلاجات، وشكلت الحشائش، وصورت، وكان مدة ملك الهند هذا إلى أن مات عشرين ومائة سنة.
اختلاف أهل الهند وتعدد ملوكهم
ولما هلك هذا الملك اختلفت الهند في آرائها، فتحزبَتِ الأحزاب، وتجيلت الأجيال، وانفرد كل رئيس بناحية، فملك على أرض السند ملك، وملك على أرض القنوج ملك، وتملك على الأرض قشميرملك وتملك على مدينة المانكير وهي الحوزة الكبرىملك يسمى بالبلهري وهذا أول ملك سمي من ملوكهم بالبلهري. فصارت سِمَةً لمن طرأ بعد من الملوك لهذه الحَوْزَة إلى وقتنا هذا، وهوسنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة.
صفة أرض الهند
وأرض الهند أرض واسعة في البر والبحر والجبال، وملكهم متصل بملك الزابج، وهي دار مملكة المهراج ملك الجزائر، وهذه الممَلكة قدر بين مملكة الهند والصين، وتضاف إلى الهند، والهند متصلة مما يلي الجبال بأرض خراسان والسند إلى أرض التبت، وبين هذه الممالك تباين وحروب، ولغاتهم مختلفة، وآراؤهم غير متفقة والأكثر منهم يقول بالتناسخ، وَتَنَقُّل الأرواح على حسب ما قدمناه آنفاً، والهند في عقولهم وسياساتهم وحكمتهم وألوانهم وصفاتهم وصحة أمزجتهم وصفاء أذهانهم ودقة نظرهم بخلاف سائر السودان من الرنْج والدمادم وسائر الأجناس.
وقد ذكرجالينوسُ في الأسْوَدِ عشرخصال اجتمعت فيه، ولم توجد في غيره: تفلفل الشعر، وخفة الحاجبين، وانتشار المنخرين، وغلظ الشفتين، وتحديد الأسنان، ونتن الجلد، وسواد الحق، وتشقق اليدين والرجلين، وطول الذكر، وكثرة الطرب، قال جالينوس: وإنما غلب على الأسود الطرف لفَسَادِ دماغه، فضعف لذلك عقله.
(1/29)

وقد ذكر غيرجالينوس في طرب السودان، وغلبة الفرح عليهم، وماخص به الزنج من ذلك دون سائر السودان في أكثار من الطرب أموراً قد ذكرناها فيما سلف من كتبنا.ولقد كان طاوس اليماني صاحبُ عبد الله بن عباس لا يأكل من ذبيحة الزنجي، ويقول: إنه عبد مُشَوه الخلقة.
وبلغنا أن أبا العباس الراضي بالله ابن المقتدر بالله كان لا يتناول شيئامن أسود، ويقول: إنه عبد مشوه خلقه؟ فلست أدري أقلدَ طاوساً في مذهبه أم لضرب من الآراء والنحل.وقد صنف عمرو بن بحر الجاحظ كتاباً في فخر السودان ومناظرتهم مع البيضان .
من عادات الهنود
والهند لا تملكُ الملك عليها حتى يبلغ من عمره أربعين سنة، ولا تكاد ملوكهم تظهر لعوامهم إلا في كل برهة من الزمان معلومة، ويكون ظهورها للنظر في أمور الرعية؟ لأن في نظر العوام عندها إلى ملوكها خَرْقأ لهيبتها، واستخفافاً بحقها، والرياسات عند هؤلاء لا تجوز إلا بالتخير، ووضع الأشياء مواضعها من مراتب السياسة.قال المسعودي: ورأيت في بلاد سرنديب وهي جزيرة من جزائر البحر أن الملك من ملوكهم إذا مات صُيِّر على عجلة قريبة من الأرض صغيرة البكرة مُعدةٍ لهذا المعنى، وشَعْرُه ينجر على الأرض، وامرأة بيدها مكنسة تحثو التراب على رأسه: وتنادي: أيها الناس، هذا ملككم بالأمس قد ملككم وجاز فيكم حكمه، وقد صار أمره إلى ما تَرَون من ترك الدنيا، وقَبَضَ روحه مَلَكُ الموت، والحي القديم الذي لا يموت، فلا تَغْتَروا بالحياة بعده، وتقول كلاماً هذا معناه من الترهيب والتزهيد في هذا العالم، ويطاف به كذلك في جميع شوارع المدينة، ثم يفصل أربع قطع، وقد هيىء له الصندل والكافر وسائر أنواع الطيب، فيحرق بالنار، ويُنَرُّ رماده في الرياح، وكذا فِعْلُ أكثر أهل الهند بملوكهم وخواصهم لغرض يذكرونه، ونهج يتيممونه في المستقل من الزمان، والملك مقصور على أهل بيتٍ لا ينتقل عنهم إلى غيرهم، وكذلك بيت الوزراء والقضاة وسائر أهل المراتب لا تغير ولا تبدل.والهند تمنع من شرب الشرإب، ويعنَفن شاربه، لا على طريق التديُّنِ، ولكن تنزهاً عن أن يوردوا على عقولهم ما يغشيها، ويزيلها عما ضعت له فيهم، وإذا صح عندهم عن ملك من ملوكهم شربه استحق الخَلعَ عن ملكه؟ إذ كان لا يتأتى له التدبير والسياسة مع الاختلاط، وربما يسمعون السماع والملاهي، ولهم ضروب من الآلات مطربة تفعل في الناس أفعالاً مرتبة من ضحك وبكاء وربما يسقون الجواري فيطرَبْنَ بحضرتهم، فتطرب الرجال لطرب الجواري.وللهند سياسات كثيرة قد أتينا على ذكر كثير منها ومن أخبارهم وسيرهم في كتابنا أخبار الزمان وفي الكتاب الأوسط، وإنما نذكر في هذا الكتاب لمعاً.
وأعظم ملوك الهند في وقتنا هذا البلهري صاحب مدينة المانكير، وأكثرملوك الهند تتوخهُ في صلواتها نحوه، وتصلي لرسله إذا وردوا عليهم، وتلي مملكة البلهري ممالك كثيرة للهند. ومنهم ملوك في الجبال لا بحر لهم مثل الراي صاحب القشمير وملك الطافن وغير ذلك من ملوكهم أعني ملوك الهند ومنهم من بملكه بر وبحر فأما البلهري فإن بين ديار ملكه وبين البحر مسيرة ثمانين فرسخَاَ سندية، والفرسخ ثمانية أميال، وله جيوش وفِيَلَة لا تمرك كثرتها، وأكثر جيوشه رَجَّالة؟ لأن دار ملكه بين الجبال، ويساويه من ملوك الهند ممن لا بحر له بؤورة صاحب مدينة القنوج، وهذا الاسم سمةٌ لكل ملك يلي هذه المملكة، وله جيوش مرتبة على الشمال والجنوب والصبَا والدَّبُور ؟ لأنه في كل وجه من هذه الوجوه يلقى ملكاً محاربأ له.
وسنذكر جملاً من أخبار ملوك السند والهند وغيرهم من ملوك الأرض فيما يرد من هذا الكتاب، عند ذكرنا البحار وما فيها وما حولها من العجائب والأمم ومراتب الملوك وغير ذلك، وإن كنا قد أسلفنا ذلك فيما تقدم من كتبنا، والله أعلم.
ذكر الأرض والبحار ومبادىء الأنهار والجبال
والأقاليم السبعة وما والاها من الكواكب وترتيب الأفلاك، وغير ذلك
وصف الأرض
(1/30)

قَسمت الحكماء الأرض جهة المشرق والمغرب والشمال والجنوب،وقَسمُوا ذلك إلى قسمين: مسكون، وغير مسكون، وعامر، وغير عامر، وذكروا أن الأرض مستديرة، ومركزها في وسط الفلك، والهواء محيط بها من كل الجهات، وأنها عند فلك البروج بمنزلة النقطة قلة، وأخفا عمرانها من حدود الجزائر الخالدات في بحر أوقيانوس الغربي، وهي ستة أجزاء عامرة إلى أقصى عمران الصين، فجدوا ذلك اثني عشر ساعة فعلموا أن الشمس إذا غابت في أقصى الصين كان طلوعها على الجزائر العامرة المذكورة التي في بحر أوقيانوس الغربي، واذا غابت في هذه الجزائر كان طلوعها في أقصى الصين، وذلك نصف دائرة الأرض، وهو طول العمران الذي ذكروا أنهم وقفا عليه ومقداره من الأميال ثلاثة عشر ألف ميل وخمسمائة ميل من الأميال التي عملوا عليها في مساحة دور الأرض، ثم نظروا إلى العروض؟ فجدوا العمران من موضع خط الاستواء إلى ناحية الشمال ينتهي إلى جزيرة تولى التي في بريطانيا حيث يكون النهار الأطول عشرين ساعة، وذكروا أن موضع خط الاستواء من الأرض يقطع فيما بين المشرق والمغرب في جزيرة بين الهند والحبش من ناحية الجنوب، فيعرض ما بين الشمال والجنوب في النصف مما بين الجزائر العامرة وأقصى عمران الصين وهو قبة الأرض المعروفة بما ذكرنا، ويكون العرض من خط الاستواء إلى جزيرة تولى قريبأ من ستين جزأ، وذلك سدس دائرة الأرض،وإذا ضرب هذا السدس الذي هو مقدار العرض في النصف الذي هو مقدار الطول كان مقدار ما يظهر من العمران من ناحية الشمال مقدار نصف سدس دائرة الأرض.
الأقاليم السبعة
وأما الأقاليم السبعة فأولها أرض بابل منه خراسان وفارس:الأهواز والموصل وأرض الجبال ة وله من البروج الحَمَلُ والقَوْس، ومن الأنجم السبعة المُشْتَرِي والاقليم الثاني الهند والسند والسودان، ولهَ من البروج الْجَديُ، ومن الأنجم السبعة زُحلُ، والِإقليم الثالث مكة والمدينة واليمن والطائف والحجاز وما بينها، وله من البروج العقرب، ومن الأنجم السبعة الزُهْرَة، وهي سعد الفلك، والِإقليم الرابع مصر وإفريقية والبربر والأندلس وما بينها، له من البروج الجوزاء، ومن الأنجم السبعة عُطَارد، والِإقليم الخامس الشام والروم والجزيرة، له من البروج الدَّلْو، ومن الأنجم السبعة القمر، والِإقليم السادس الترك والخزر والديلم والصقالبة، له من البروج السَّرَطَان، ومن الأنجم السبعة المَرِّيخُ، والِإقليم السابع الديبل والصين، له من البروج الميزان، ومن الأنجم السبعة الشمس.ذكر حسين المنجم صاحب كتاب الزِّيج في النجوم، عن خالد بن عبد الملك المروزي وغيره وقد كانوا رَصَدوا الشمس لأمير المؤمنين المأمون في بَرِّئة سنجار من بلاد ديار ربيعة أن مقدار درجة واحدة من وجه الأرض ستة وخمسون ميلاً؟ فضربوا مقدار درجة واحدة في ثلاثمائة وستين فجدوا دَوْرَ كرة الأرض المحيطة بالبر والبحَر عشرين ألف ميل ومائة وستين ميلَاَ، ثم ضربوا دور الأرض في سبعة فاجتمع مائة ألف ميل وأحد وأربعون ألف ميل ومائة وعشرون ميلاً؟ فقسموا ذلك على اثنين وعشرين ميلاً وخرج للقسم الذي هو مقدار قُطْر الأرض ستة آلاف وأربعمائة وأربعة عشرميلاً ونصفاً ونصف عشر ميل بالتقريب، ونصف قطر ثلاثة آلاف ميل ومائتا ميل وسبعة أميال وست عشرة دقيقة وثلثا ثانية، يكون ربع ميل ربع عشر ميل، والميل أربعة آلاف ذراع بالأسود، وهي الذراع التي وضعها أمير المؤمنين المأمون لذَرْع الثياب ومساحة البناء، وقسمة المنازل، والذراع مائة وعشرون إصبعاً.
جغرافية بطليموس
(1/31)

قال المسعودي: وقد ذكر بطليموس في الكتاب المعروف بجغرافياصِفَةَ الأرض ومُدُنَهَا وجبالها وما فيها من البحار والجزائر والأنهار والعيون ووَصَفَ المدن المسكونة والمواضع العامرة، وأن عددها أربعة آلاف مدينة وخمسمائة وثلائون مدينة في عصره، وسماها مدينة مدينة في إقليم إقليم، وذكر في هذا الكتاب ألوان جبال الدنيا منِ الحمرة والصفرة والخضرة وغير ذلك من الألوان، وأن عددها مائتا جبل ونيف، وذكر مقدارها وما فيها من المعادن والجواهر.وذكر هذا الفيلسوفأن عدد البحار المحيطة بالأرض خمسة أبحر،وذكر ما فيها من الجزائر، والعامر منها وغير العامر، وما اشتهر من الجزائر دون ما لم يشتهر، وذكر أن في البحر الحبشي جزائر متصلة نحواً من ألف جزيرة يقال لها الدبيحات عامرة كلها من الجزيرة إلى الجزيرة الميلان والثلاثة وأكثر من ذلك، دون ما في هذا البحر من الجزائر.وذكر بطليموس في جغرافيا أن ابتداء بحر مصر من الروم إلى بحر الأصنام النحاس، وأن جميع العيون الكبار التي تنبع من الأرض مائتا عين وثلاثون عيناً، دون ما عداها من الصغار، وأن عدد الأنهار الكبار الجارية في الأقاليم السبعة على دوام الأوقات مائتان وتسعون نهراً، وأن الأقاليم على حسب ما قدمناه فى عدة الأقاليم، وكل إقليم سعته تسعمائة فرسخ في مثلها، وفي البحارما هو معمور بالحيوان، ومنها ما ليس بمعمور، وهو أوقيانوس البحر المحيط، وسنأتي فيما يرد من هذا الكتاب على ذكر جمل في تفصيل البحار ووصفها، وهذه البحار كلها بصورة في كتاب جغرافياً بأنواع من الأصباغ مختلفة المقادير في الصورة، فمنها ما هو على صورة الطيلسان، ومنها ما هو على صورة الشابورة، ومنها مصراني الشكل ومنها محور ومنها مثلث، إلاّ أن أسماءها في هذا الكتاب باليونانية متعذر فهمها، وأن قطر الأرض ألفان ومائة فرسخ يكون ذلك على الصحيح ستة آلاف وستمائة فرسخ تقدير كل فرسخ ستة عشر ألف ذراع، والذي يحيط بأسفل دائرة النجوم وهو فلك القمرمائة ألف فرسخ وخمسة وعشرون ألفَاَ وستمائة وستون فرسخأ، وأن قطر الفلك من حد رأس الحمل إلى حد رأس الميزان أربعون ألف فرسخ بتقدير هنه الفراسخ، وعدد. هذه الأفلاك تسعة فأولها وهو أصغرها وأقربها إلى الأرض للقمر، والثاني لعُطَارِد، والثالث للزُّهْرة، والرا بع للشمس، والخامس للمريخ، والسادس للمشتري، والسابع لزُحَل، والثامن للكواكب الثابتة، والتاسع للبروج، وهيئة هذه الأفلاك هيئة الأكَر بعضها في جوف بعض ففلك البروج يسمى الفلك الكلي، وبه يكون الليل والنهار لأنه يدير الشمس والقمر وسائر الكواكب من المشرق إلى المغرب في كل يوم وليلةدوْرَة واحدة، على قطبين ثابتين: أحدهما مما يلي الشمال وهو قطب بنات نَعْش، والأخر مما يلي الجنوب وهو قطب سُهَيْل، وليس البروج غير الفلكَ، وإنما هي مواضع لقبت بهذه الأسماء لتعرف مواضع الكواكب من الفلك الكلي؟ فيجب أن تكون البروج تضيق من ناحية القُطْبين وتتسع في وسط الكرة، والخط القاطع للكرة نصفين الآخذ من المشرق إلى المغرب يسمى دائرة مُعَدل النهار، لأن الشمس إذا صارت عليها استوى الليل والنهار في جميعِ البلدان، فما كان من الفلك آخذاً من الجنوب إلى الشمال يسمى العَرْض، وما كان أخذاً من الشرق إلى الغرب يسمى الطول، والأفلاك مستديرة محيطة بالعالم، وهي تدور على مركز الأرض، والأرض في وسطها مثل النقطة في وسط الدائرة، وهي تسعة أفلاك ة فأقربها من الأرض فلك القمر، وفقه فلك عُطَارد، وفق ذلك فلك الزُّهْرة، ثم فلك الشمس، والشمس متوسطة الأفلاك السبعة، وفقها فلك المريخ وفقه فلك المُشْتَرِي، وفق ذلك فلك زُحَل، وفي كل فلك من هنه الأفلاك السبعة كوكب واحد فقط، وفق فلك زُحَل الفلك الثامن الذي فيه البروج الاثنا عشر، وسائر الكواكب في الفلك الثامن، والفلك التاسع وهو أرفع وأعظم جسماً، وهو الفلك الأعظم يحيط بالأفلاك التي دونه مما سمينا، وبالطبائع الأربع، وبجميع الخليقة، وليس فيه كوكب، ودوْرُه من المشرق إلى المغرب في كل يوم دورة واحدة تأمة، ويدير بدورانه ما تحته من الأفلاك المتقدم وَصْفُها، وأما الأفلاك السبعة التي قدمنا ذكرها فإنها تدور من المغرب إلى المشرق، وللأوائل فيما ذكرنا حجج يطول الخطب بها، والكواكب المرئية التي نشاهدها وساثر الكواكب في الفلك الثامن، وهو يدور
(1/32)

على قطبين غير قطبي الفلك الأعظم المتقدم ذكره، وزعموِا أن الدليل على أن حركة هذه البروج غير حركة الأفلاك هو أن البروج الاثنيْ عشَرَ يتلو بعضها بعضاً في مسيرها، ولا تنتقل عن أماكنها، ولا تتغير حركتها في طلوعها وغروبها، وأن الكواكب السبعة لكل واحد منها حركة خلاف حركة صاحبه، ولها تفاوت في حركاتهاث فربما أسرع الكوكب في حركته ومسيره، وربما أخذ في الجنوب، وربما أخذ في الشمال، وحَدُّ الفلك عندهم أنه نهاية لما تصير إليه الطبائع علواً وسفلاً، وَحده من جهة الطبائع أنه شكل مستدير، وهو أوسع الأشكال، وهو يحيط بالأشكال كلها، وأن مقادير حركة هذه الكواكب في أفلاكها مختلفة فمقام القمر في كل برج يومان ونصف، ويقطع الفلك في شهر، ومقام الشمس في كل برج شهر، ومقام عُطَارد في كل برج خمسة عشريوماً، ومقام الزُّهْرة في كل برج خمسة وعشرون يوماً، ومقام المريخ في كل برج خمسة وأربعون يوماً، ومقام المشتري في كل برج سنة، ومقام زُحَل في كل برج ثلاثون شهراً.وقد زعم بطليموس صاحب كتاب المجسطي أن استدارة الأرض كلها جبالها وبحارها أربعة وعشرون ألف ميل وأن قطرهاوهو عرضها وعمقها سبعة لآف وستمائة وستة وثلاثون ميلاً، وأنهم إنما استدركوا ذلك بأنهم أخنوا ارتفاع القطب انشمالي في مدينتين وهما على خط واحد من خط الاستواء، مثل مدينة تَدمُر التي في البرية بين العراق والشام، ومثلِ مدينة الرقة فجدوا ارتفاع القطب في مدينة الرقة خمسة وثلاثين جزءاَ وثلثَاَ ووجدوا ارتفاع القطب في مدينة تَدْمُر أربعة وثلاثين جزءاً، بينهما زيادة جزءوثلث جزء، ومَسَحُواما بين الرقة فجدوه سبعة وستين ميلاً؛ فالظاهر من الفلك سبعة وستون ميلاً من لأرض، والفلك ثلثمائة وستون جزءأ لعل ذكروها يبعد علينا إيرادها في هذا الموضع، وهذه قسمة صحيحة عندهم لأنهم وجدوا الفلك قد اقتسمته البروج الاثنا عشر، وأن الشمس تقطع كل برج في شهر، وتقطع البروج كلها في ثلثمائة وستين يومأ، وأن الفلك مستدير يدور بمحورين أو قطبين، وأنهما بمنزلة محوري النجار والخراط الذيِ يخرط الأكَرَ والقِصَاع وغيرها من الآلات الخشب، وأن من كل مسكنة وسط الأرض وعند خط الاستواء استوت ساعاتُ ليله ونهاره سائر الدهور، ورأى هذين المحورين أعني القطب الشمَالي والقطب الجنور جميعاً، فأما أهل البلدان التي مالت إلى ناحية السمال فإنهم يرون القطب الشمالي وبنات نَعْشٍ، ولا يرون القطب الجنوبي ولا الكواكب التي هي قريبة منه، وكذلك لا يرى الكوكب المعروف بسُهَيْلٍ بناحيةخراسان، ويرى في العراق في السنة أياماً، ولا تقع عين جمل من الجمال عليه إلا هلك، على حسب ما ذكرناه وما ذكر الناسُ من العلة في ذلك في موت هذا النوع من الحيوان خاصة، وأما البلدان الجنوبية فإنه يُرَى في السنة كلها.ى قطبين غير قطبي الفلك الأعظم المتقدم ذكره، وزعموِا أن الدليل على أن حركة هذه البروج غير حركة الأفلاك هو أن البروج الاثنيْ عشَرَ يتلو بعضها بعضاً في مسيرها، ولا تنتقل عن أماكنها، ولا تتغير حركتها في طلوعها وغروبها، وأن الكواكب السبعة لكل واحد منها حركة خلاف حركة صاحبه، ولها تفاوت في حركاتهاث فربما أسرع الكوكب في حركته ومسيره، وربما أخذ في الجنوب، وربما أخذ في الشمال، وحَدُّ الفلك عندهم أنه نهاية لما تصير إليه الطبائع علواً وسفلاً، وَحده من جهة الطبائع أنه شكل مستدير، وهو أوسع الأشكال، وهو يحيط بالأشكال كلها، وأن مقادير حركة هذه الكواكب في أفلاكها مختلفة فمقام القمر في كل برج يومان ونصف، ويقطع الفلك في شهر، ومقام الشمس في كل برج شهر، ومقام عُطَارد في كل برج خمسة عشريوماً، ومقام الزُّهْرة في كل برج خمسة وعشرون يوماً، ومقام المريخ في كل برج خمسة وأربعون يوماً، ومقام المشتري في كل برج سنة، ومقام زُحَل في كل برج ثلاثون شهراً.وقد زعم بطليموس صاحب كتاب المجسطي أن استدارة الأرض كلها جبالها وبحارها أربعة وعشرون ألف ميل وأن قطرهاوهو عرضها وعمقها سبعة لآف وستمائة وستة وثلاثون ميلاً، وأنهم إنما استدركوا ذلك بأنهم أخنوا ارتفاع القطب انشمالي في مدينتين وهما على خط واحد من خط الاستواء، مثل مدينة تَدمُر التي في البرية بين العراق والشام، ومثلِ مدينة الرقة فجدوا ارتفاع القطب في مدينة الرقة خمسة وثلاثين جزءاَ وثلثَاَ ووجدوا ارتفاع القطب في مدينة تَدْمُر أربعة وثلاثين جزءاً، بينهما زيادة جزءوثلث جزء، ومَسَحُواما بين الرقة فجدوه سبعة وستين ميلاً؛ فالظاهر من الفلك سبعة وستون ميلاً من لأرض، والفلك ثلثمائة وستون جزءأ لعل ذكروها يبعد علينا إيرادها في هذا الموضع، وهذه قسمة صحيحة عندهم لأنهم وجدوا الفلك قد اقتسمته البروج الاثنا عشر، وأن الشمس تقطع كل برج في شهر، وتقطع البروج كلها في ثلثمائة وستين يومأ، وأن الفلك مستدير يدور بمحورين أو قطبين، وأنهما بمنزلة محوري النجار والخراط الذيِ يخرط الأكَرَ والقِصَاع وغيرها من الآلات الخشب، وأن من كل مسكنة وسط الأرض وعند خط الاستواء استوت ساعاتُ ليله ونهاره سائر الدهور، ورأى هذين المحورين أعني القطب الشمَالي والقطب الجنور جميعاً، فأما أهل البلدان التي مالت إلى ناحية السمال فإنهم يرون القطب الشمالي وبنات نَعْشٍ، ولا يرون القطب الجنوبي ولا الكواكب التي هي قريبة منه، وكذلك لا يرى الكوكب المعروف بسُهَيْلٍ بناحيةخراسان، ويرى في العراق في السنة أياماً، ولا تقع عين جمل من الجمال عليه إلا هلك، على حسب ما ذكرناه وما ذكر الناسُ من العلة في ذلك في موت هذا النوع من الحيوان خاصة، وأما البلدان الجنوبية فإنه يُرَى في السنة كلها.
(1/33)

وقد تنازع طوائف الفلكيين وأصحاب النجوم في هذين المحورين اللذين يعتمد عليهما الفلك في دوره: أساكنان هما أم متحركان؟ فذهب الأكثر منهم إلى أنهما غيرمتحركين وقد أتينا على ما يلزم كل فريق منهم في بيان هذين المحورين: أمن جنس الأفلاك هما أم من غير ذلك فيما سلف من كتبنا.
شكل البحار
وقد تنوزع في شكل البحار، فذهب الأكثر من الفلاسفة المتقدمين من الهند وحكماء اليونانيين إلا من خالفهم وذهب إلى قول الشرعيين أن البحر مستدير على مواضع الأرض، واستدلوا على صحة ذلك بدلائل كثيرة، منها أنك إذا لججت فيه غابت عنك الأرض والجبال شيئاً بعد شيء حتى تغيب ذلك كله، ولا ترى شيئأ من شَوَامخ الجبال، وإذا أقبلت أيضاً نحو الساحل ظهرت تلك الجبال شيئاً بعد شيء، وإذا قربت من الساحل ظهرت الأشجار والأرض.وهذا جبل دُنْبَاوَنْدَ بين بلاد الري وطبرستان يرى من مائة فرسخ لعلوه وذهابه في الجو، ويرتفع في أعاليه الدخان، والثلوج مترادفة عليه غير خالية من أعاليه، ويخرج من أسفله نهركثير الماء أصفركبريتي ذهبي اللون، مسافة الصعود إليه في نحو ثلاثة أيام بلياليها، وإن مَنْ عَلَاه وصار في قُلَّته وجد مساحة رأس نحوألف فراع في مثل ذلك، وهي ترى في رأي العين من أسفل نحو القبة المنخرطة، وإن في هذه المساحة في أعاليه رملًا أحمرتغوص فيه الأقدام، وإن هذه القبة لا يلحقها شيء من الوحش ولا من الطير،لشدة الرياح وسموها في الهواء، وشدة البرد، وإن في أعاليه نحواً من ثلاثين ثقباً يخرج منها الدخان الكبريتي العظيم، ويخرج مع ذلك من هذه المخارق مع الدخان دوي عظيم كأشد ما يكون من الرَّعْدِ، وذلك صوت تلهبِ النيران، وربما يحمل من غرَّر بنفسه وصعد إلى أعاليه من أفاه هذه الثقوب كبريتاً أصفر كأنه الذهب يقع في أنواع الصنعة والكيمياء وغير ذلك من الوجوه، وإن مَنْ عَلَاه يرى ما حوله من الجبال الشامخة كأنها رَوَاب وتلَال لعلوه عليها، وبين هذا الجبل وبحر طبرستان في المسافة نحو من عشرين فرسخاً، والمراكب إذا لَجَّت في هذا البحر غاب عنها جبل دُنْبَاوَنْدَ فلم يرهُ أحد، فإذا صاروا في هذا البحر على نحو من مائة فرسخ، ودَنَوْا من جبال طبرستان رأوا اليسير من أعالي هذا الجبل، فكلما قربوا من هذا الساحل ظهر لهم، وهذا دليل على ما ذهبوا إليه من كرية ماء البحر، وأنه مستدير الشكل.وكذلك مَن يكون في بحر الروم الذي هو بحر الشام ومصريرى الجبل الأقرع، وهو جبل عالٍ لا يحرك علوه، مُطِل على بلاد أنطاكية واللاذقية وطرابلس وجزيرة قبرص وغيرها في بلاد الروم، فيغيب عن أبصار مَنْ في المراكب لانخفاضهم في المسير في البحر عن المواضع التي يُرى منها.
وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب جبل دُنبَاوَنْدَ وما قال الفرس في ذلك، وأن الضحاك ذا الأفاه مُوثَق في أعاليه بالحديد، وهذه القبة التي في أعالي هذا الجبل أطُمٌ عظيمة من آطام الأرض وعجائبها.
مساحة الأرض والكواكب
(1/34)

وقد تكلم الناس في بعد الأرض فذكر الأكثر أن من مركز الأرض إلى ما ينتهي إليه الهواء والنار مائة ألف وثمانية عشر ألف ميل، وأما القمر فإن الأرض أعظم منه بتسع وثلاثين مرة، والأرض أعظم من عُطَارد بثلاث وعشرين ألف مرة، والأرض أعظم من الزهرة بأربع وعشرين ألف مرة، والشمس أعظيم من الأرض بمائة وسبعين مرة وربع وثمن، وأعظم من القمر بألف وستمائة وأربع وأربعين مرة، والأرض كلها نصف عشر ثمن جزء من الشمس، وقُطْر الشمس اثنان وأربعون ألف ميل، والمريخ مثل الأرض زيادة ثلاثة وستين مرة، وقطره ثمانية آلاف وسبعمائة ميل ونصف ميل، والمشتري مثل الأرض إحدى وثمانين مرة ونصف وربع، وقطره ثلاثة وثلاثون ألف ميل وستة عشر ميلاً، وزُحَلُ أعظم من الأرض تسعاً وتسعين مرة ونصفاً، وقطره اثنان وثلاثون ألف ميل وسبعمائة وستة وثلاثون ميلاً، وأما أجرام الكواكب الثابتة التي في المشرق الأول وهي خمسة عشر كوكباً فكل كوكب منها أعظم من الأرض بأربع وتسعين مرة ونصف مرة، وأما بعدها من الأرض فإن أقرب بعد القمر منها مائة ألف وثمانية وعشرون ألف ميل، وأبعد بعده من الأرض مائة ألف وأربعة وعشرون ألف ميل، وأبعد بعد عًطَارد من الأرض سبعمائة ألف ألف وسبعمائة وثلاثة وثلاثون ألف ميل، وأبعد بعد الزهرة من الأرض أربعة آلاف وتسعة عشر ألف ميل وستمائة ميل، وأبعد بعد الشمس من الأرض أربعة آلاف ألف ألف وثمانمائة ألف وعشرون ألفأ ونصف ميل، وأبعد بعد المريخ من الأرض ثلاثة وثلاثون ألف ألف ميل وستمائة ألف ميل وشيء، وأبعد بعد المشتري من الأرض أربعة وخمسون ألف ألف ومائة ألف وستة وستون ألف ميل إلا شيئَاَ، وأبعد بعد زُحَل من الأرض سبعة وسبعون ألف ألف ميل إلا شيئاً، وأبعد الكواكب الثابتة من مركز الأرض نحوذلك. وفيما ذكرنا من القسمة والأجزاء والمقاييس استدرك القوم علم الساعات والكسوفات وبها استخرجوا الآلات والِإسطرلابات، وعليها صنفا كتبهم كلها، وهذا باب إن شرعنا في إيراد البعض منه كثر، واتسع الكلام فيه، وإنما ذكرنا لمعاً من هذه الفنون لندل بها على ما لم نورده. وقد رتبت الصابئة من الحرانيين وهم عوام اليونانيين وحَشْوِية الفلاسفة المتقدمين الكهنة في هياكلها مراتب على ترتيب هذه الأفلاك السبعة، فأعلى كهانهم يسمى رأس كمرى، ثم وردت بعدهم النصارى فرتبت الكهنة في كَهَانتها، على ما تقدمت فيه الصابئة في مذهبها.وسمت النصارى هذه المراتب العظات: فأولها السلط، والثاني اعنسط، والثالث يودنا، والرا بع شماس، والخامس قسيس، والسادس يودوط، والسابع حور الغينطس، وهو الذي يخلف الأسقف، والثامن أسقف، والتاسع مُطْرَان، وتفسير مطران رئيس المدينة، والذي فق هؤلاء كلهم في المرتبه لبَطْرك، وتفسيره أبو الآباء، فمن تقدم ذكرهم من أصحاب المراتب وغيرهم من الأداني وعوامهم، هذا عند خواص النصارى،فأما العوام منهم فيذكرونَ في هذه المراتب غير ما ذكرنا، وهو أن مَلَكاً ظهر لهم، وأظهر أموراً يذكرونها لا حاجة بنا إلى وصفها، وهذا ترتيب الملكية،. وهم عُمُدُ النصراينة وقُطْبها؟ لأن ص المشارقة وهم العباد والملقبون بالنًسْطُورية واليعاقبة عن هؤلاء تفرعوا، ومنهم تبددوا، وإنما أخذت النصارى جملاً من هذه المراتب على ما ذكرنا من الصابئة، وأما القسيس والشماس وغير ذلك فعن المَانِية، إلا التصدوس والسماع، وإن كان ماني حَدَث بعد مضي السيد عيسى بن مريم عليه السلام، وكذلك ابن دَيْصَان ومرقيون، وإلى ماني أضيفت المانية، وإلى مرقيون أضيفت المرقيونية، وإلى ابن ديصان أضيفت الديصانية، ثم تفرعت بعد ذلك المزْدَقية وغيرها ممن سلك طريقة صاحب الأثنين.وقد أتينا في كتابنا أخبار الزمان وفي الكتاب الأوسط على جُمَل من نوادرهذه المذاهب، وما أورده من الخرافات المزخرفة، والشُبَه الموضوعة، وما ذكرناه من مذاهبهم في كتابنا في المقالات في أصول الديانات وما ذكرناه في كسر هذه الآراء وهدم هذه المذاهب في كتابنا المترجم بكتاب الإِبانة في أصول الديانة وإنما نذكر في هذه الأبواب ما يتشعب الكلام إليه، ويتغلغل الوصف نحوه، فنورد منه لمعاً على طريق الخبر والحكاية للمذهب، لا على طريق النظر والجدل. لئلا يخلو كتابنا هذا مما تدعو الحاجة إلى ذكره، واللّه أعلم.
ذكرالأخبارعن انتقال البحار
(1/35)

وجمل من أخبار الأنهار الكبار
ذكر صاحب المنطق أن البحار تنتقل على مرور السنين وطويل الدهر، حتى تصير في مواضع مختلفة، وأن جملة البحار متحركة، إلا أن تلك الحركة إذا أضيفت إلى جملة مياهها وسَعَة سطوحها وبُعْدِ قُعُورها صارت كأنها ساكنة، وليست مواضع الأرض الرطبة أبداً رطبة، ولا مواضع الأرض اليابسة أبداً يابسة، لكنها تتغير وتستحيل، لصبّ الأنهار إليها، وانقطاعها عنها، ولهذه العلة يستحيل موضِع البحر وموضع البر، فليس موضع البر أبداً براً، ولا موضعِ البحر أبداَ بحراً، بل قد يكون براً حيث كان مرة بحراً، ويكون بحراَ حيث كان مرة براً، وعلة ذلك الأنهار وبدؤها؛ فإن لمواضع الأنهار شباباً وهَرَماً، وحياة وموتاً، ونَشْئاً ونُشُوراً، كما يكون ذلك في الحيوان والنبات، غير أن الشباب والكبر في الحيوان والنبات لا يكون جزأ بعد جزء، لكنها تشب وتكبر أجزاؤها كلها معاً، وكذلك تهرم وتموت في وقت واحد، فأما الأرض فإنها تهرم وتكبرجزأ بعد جزء، وذلك بدوران الشمس.وقد اختلف الناس في الأنهار والأعين من أين بدؤها.فذهبت طائفة إلى أن مجراها كلها أعني البحار واحد، وهوالبحر الأعظم، وأن ذلك بحر عذب ليس هو بحر أقيانوس.زعمت طائفة أن البحار في الأرضين كالعروق في البدن.
وقال آخرون: حق الماء أن يكون على سطح، فلما اختلفت الأرض فكان منها العالي والهابط أنحاز الماء إلى أعماق الأرض، فإذا انحصرت المياه في أعماق الأرض وقُعُورها طلبت التنفُّسَ حينئذ، لغلظ الأرض وضغطتها إياها من أسفل، فتنبثق من ذلك العيون والأنهار، ربما تتولد في باطن الأرضين من الهواء الكائن هناك، وأن الماء ليى بأسطقس، وإنما هو متولد من عُفنات الأرض وبخارها، وقالوا في فلك كلاماً كثيراً أعرضنا ذكره طلباً للإيجاز وميلاً للاختصار، وقد بسطنا ذلك في غير هذا الكتاب من كتبنا.أما مبادىء الأنهار الكبار، ومطارحها، ومقادير جريانها على وجه الأرض كالنيل والفرات والدجلة ونهر بلخ، وهو جيحون، ومهران السند وجنجس، وهو نهر عظيم بأرض الهند، ونهر سابط وهو نهر عظيم، ونهر طنابس الذي يصب إلى بحر نيطس، وغيرها مما كبر من الأنهار فقد تكلم الناس في مقدار جريانها على وجه الأرض.
النيل
فرأيت في جغرافيا النيل مصوراً ظاهراً من تحت جبل القمر، ومنبعه ومبدأ ظهوره من اثنتي عشرة عيناً، فتصب تلك المياه إلى بحرين هناك كالبطائح، ثم يجتمع الماء جارياً فيمر برمال هناك وجبال، ويخترق أرض السودان مما يلي بلاد الزنج؟ فيتشعب منه خليج ينصب إلى بحر الزنج، و!و بحر جزيرة قنبلو، وهىِ جزيرة عامرة فيها قوم من المسلمين، إلا أن لغتهم زنجية: غلبوا على هذه الجزيرة، وسَبَوْا مَنْ كان فيها من الزنج، . كغلبة المسلمين على جزيرة إقريطش في البحر الرومي، وذلك في مبدأ الدولة العباسية وتَقَضِّي الأموية، ومنها إلىِ عمان في البحر نحو مز خمسمائة فرسخ على ما يقول البحريُّونَ حَزْراَ منهم لذلك، لا علر طريق التحصيل والمساحة، وذكر جماعة من نَوَاخذة هذا البحر مو السيرافيين والعمانيين وهم أرباب المراكب أنهم يشاهدون في هذا البحر في الوقت الذي تكثر فيه زيادة النيل بمصر، أو قبل الأوان بمدة يسيرةماء يخترق هذا البحر ويشقه من شدة جريانه، يخرج من جبال الزنج، عرضه كثر من ميل عذباً حلوا، يتكدر في إبان الزيادة بمصر وصعيدها، فيها الشوهمان، وهو التمساح الكائن في نيل مصر، ويسمى أيضاً الورل.
بعض أوهام الجاحظ
(1/36)

وقد زعم عمرو بن بحز الجاحظ أن نهر مهران الذي هو نهر السند من نيل مصر، ويستدل على أنه من النيل بوجود التماسيح فيه، فلست أدري كيف وقّع له هذا الدليل، وذكر ذلك في كتابه المترجم بكتاب الأمصاروعجائب البلدان، وهو كتاب في نهاية الغَثَاثة لأن الرجل لم يسلك البحار، ولا كثر الأسفار، ولا تَقَرى المسالك والأمصار وإنما كان حاطب ليل، ينقل من كتب الوراقين أولم يعلم أن نهر مهران السنديخرج من أعَين مشهورة من أعالي بلاد السند من أرض القنوج من مملكة بؤورة وأرض قشمير والقفندار والطافر حتى ينتهي إلى بلاد المولتان، وكل هناك يسمى مهران الذهب، وتفسير المولتان فرج الذهب، وصاحب مملكةَ بلد المولتان رجل من قريش من ولد سَأمة بن لؤي بن غالب، والقوافل من إلى خراسان متصلة، وكذلك صاحب مملكة المنصورة رجل من قريش من ولد هَبَّار بن الأسود، والملك في هؤلاء وملك صاحب المولتان متوارثان قديماً من صدرالِإسلام، ثم ينتهي نهر مهران إلى بلاد المنصورة وبصب نحو بلاد الديبل في بحر الهند، والتماسيح كثيرة في أجواف هذا البحر،. وفي خليج ميدايون من مملكة ياغر من أرض الهند وخلجان الزابج من بحر مملكة المهراج وكذلك في خلجان الأغياب، وهي أغياب تلي جزيرة سرنديب، والأغلب على التماسيح كونها في الماء العذب، وما ذكرنا من خلجانات الهند فالأغْلَبُ من أمواهها أن تكون عذبة لصب مياه الأمطار إليها.
عودة إلى ذكر النيل
فلنرجع الآن إلى الأخبار عن نيل مصر، فنقرل: إِن الذي ذكرته الحكماء أنه يجري على وجه الأرض تسعمائة فرسخ، وقيل: ألف فرسخ، في عامر وغير عامر، حتى يأتي أسوان من صعيد مصر، وإلى هذا الموضع تصعد المراكب من فُسْطَاط مصر، وعلى أميال من أسوان جبال وأحجار يجري النيل في وسطها، ولا سبيل إلى جريان السفن فيه هناك، وهذه الجبال والمواضع فارقة بين مواضع سفن الحبشة في النيل وبين سفن المسلمين، ويعرف هذا الموضع من النيل بالجنادل والصخور، ثم يأتي النيل الفسْطَاط وقد قطع الصعيد ومر بجبل الطيلمون وحجر اللاهون من بلاد الفيوم، وهو الموضع المعروف بالجزيرة التي أتخذها يوسف النبي صلى الله عليه وسلم وطناًفيقطعه، وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب أخبار مصر والفيوم وضياعها وكيفية فعل يِوسف عليه الصلاة والسلام في مائها، ثم يمضي جاريأ فينقسم خلجاناتٍ لى بلاد تَنِّيسَ ودمياط ورشيد والِإسكندرية، كل يصب في البحر الرومي،وقدأحدث فيه بحيرات فى هذا المواضم، وقد كان النيل انقطع،عن بلادالإِسكندرية قبل هنه الزيادة التي زادها في هذه السنة وهي سنة اثنتين وثلاثين وثلثماثة ونمي إلي وأنا بمدينة أنطاكية والثغر الشامي أن النيل زاد في هذه السنة ثمانية عشر ذراعاً فلست أدري أفي هذه الزيادة دخل خليجا الِإسكنرية أم لا، وقد كان الإِسكندر بن فيلبس المقْدُوني بنى الإِسكندرية على هذا الخليج من النيل، وكان يتفجر إليه معظم ماء النيل، ويسقي بلاد الإسكندرية وبلاد مَرْيُوط، وكان بلاد مريوط هذا في نهاية العمارة، والجنَان متصلة بأرض بَرْقَةَ من بلاد المغرب، وكانت السفن تجري في النيل فتتصل بأسواق الإِسكندرية، وقد بلط أرض نيلها في المدينة بالرخام والمرمر، فانقطع الماء عنها لعوارض سدت خُلْجَانها ومنعت الماء من دخوله، وقيل: لِعِلَل غيرذلك منعت من تنفسه وردت الماء إلى كنانه، لا يحملها كتابنا هذا لاستعمالنا فيه الاختصار، فصار شربهم من الابار، وصار النيل على نحو يوم منهم، وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب في باب ذكرنا لأخبار الإِسكندرية جملاً من أخبارها وأخبار بنائها، وما ذكرت من الماء الجاري إلى بحر الزنج فإنما هوخليج آخذ من أعالي مصب الزنج، وفارق بين بلاد الزنج وبين أقاصي بلاد أجناس الأحابيش، ولولا ذلك الخليج ومفاوز من رمال ودهاس لم يكن للحبشة في ديارهم من أنواع الزنج لكثرتها وبطشها.
جيحون نهر بلخ
(1/37)

وأما نهر بَلْخَ الذي يسمى جَيْحُون فإنه يخرج من عيون تجري حتىتأتي بلاد خُوَارَزْمَ، وقد اجتاز قبل ذلك ببلاد الترمذ وإسفرائين وغيرها من بلاد خراسان فإذا ورد إلى بلاد خوارزم تفرق في مواضع هناك، ويمضي باقيه فيصب في البحيرة التي عليها القرية المعروفة بالجرْ جَانية أسفل خوارزم، وليس في ذلك الصقع أكبر من هذه البحيرة، ويُقال: إنه ليس في العمران بحيرة أكبرمنهالأن طولها مسيرة شهر في نحوذلك من العرض، تجري فيها السفن، وإليها يصب نهر فرْغَانة والشاش ويمر ببلاد الفاراب في مدينة جديس، وتجري فيه السفن إلى هذه البحيرة، وعليها لمدينة للترك يقال لها المدينة الجديدة، وفيها المسلمون، والأغلب من الأتراك في هذا الموضع الغُزية، وهم بَوَادٍ وحَضَر، وهذا الجنس من الأتراك هم أصناف ثلاثة: الأسافلِ، والأعالي، والأواسط، وهم أشد الترك بأساً وأقصرهم، وأصغرهم أعْيُناَ، وفي الترك مَنْ هو أصغر من هؤلاء على ما ذكر صاحبُ المنطق في كتاب الحيوان في المقالة الرابعة عشرة والثامنة عشرة حين ذكر الطير المعروف بالغَرَانيق، وسنذكر لمعاً من أخبار أجناس الترك فيما يرد من هذا الكتاب مجتمعاً ومفترقَاَ، وبمدينة بلخ رباط يقال له الأخشان على نحو من عشرين يوماً منها، وهوآخر أعمالها، وبإزائهم أنواع من الكفار يُقال لهم أوخان وتبت، وعلى اليمين من هؤلاء جنس آخر يقال لهم إيغان، ويخرج من هنالك نهر عظيم يعرف بنهر إيغان، وزعم قوم من أهل الخبرة أنه مبتدأ نهر جيحون، وهو نهر بَلْخَ، ومقدار جريانه على وجه الأرض نحو من خمسين ومائة فرسخ، من مبدأ نهر الترك، وهو إيغان، وقيل: أربعمائة فرسخ، وقد غلط قوم من مصنفي الكتب في هذا المعنى، وزعموا أن جيحون يصب إلى نهر مُهْرَان السند، يم يذكروا نهر رست الأسود، ولا نهر رست الأبيض الذي تكون عليه مملكة كيماك بيغور، وهم جنس من الترك وراء نهر بلخ، وهوجيحون، جملى هذين النهرين الغورية من الترك، ولهذين النهرين أخبار لم نحطْ مقدار مسافتهما على وجه الأرض فنذكر ذلك.
نهر جنجس بالهند
وكذلك جنجس نهر الهند، فمبدؤه في جبل من أقاصي أرض الهند مما يلي الصين من نحو بلاد الطغرغر من الترك، ومقدار جريانه إلى أن يصب في البحر الحبشي مما يلي ساحل الهند أربعمائة فرسخ.
نهر الفرات
وأما الفرات فمبدؤه من بلاد قَالِيقلا، ومقدار جريانه من بلاد الروم إلى أن يأتي بلاد ملطية مائة فرسخ، وأخبرني بعض إخواننا من المسلمين ممن كان أسيراً في أرض بلاد النصرانية أن الفرات إذا توسط أرض الروم تحلبت إليه مياه كثيرة منها نهريخرج مما يلي بحيرة الماذرمون، وليس في أرضي الروم بحيرة أكبر منها، وهي نحومن شهر، وقيل: أكثرمن ذلك طولَاَ وعرضاً، تجري فيها السفن، وينتهي الفرات إلى جسر مَنْبج، وقد اجتاز تحت قلعة سُمَيْساط، وهي قلعة الطين، ثم ينتهي إلى بالس ويمر بِصِفينَ موضع حرب أهل العراق وأهل الشام، ثم ينتهي إلى الرقة وإلى الرحبة وهَيْتَ الأنبار، ويأخذ منه هناك أنهار مثل نهر عيسى وغيره، مما ينتهي إلى مدينة السلام، فيصب في دجلة، وينتهي الفرات إلى بلاد سورى وقصر ابن هُبَيرة والكوفة والجامعين وأحمد أباد والفرس والطفف، ثم تنتهي غايته إلى البَطيحَة التي بين البصرة وواسط، فيكون مقدار جريانه على وجه الأرض نحواً من خمسمائة فرسخ، وقد قيل أكثر من ذلك، وقد كان الفراتُ الأكثر من مائة ينتهي إلى بلاد الحِيرةِ ونهرها بين إلى هذا الوقت وهويعرف بالعتيق، وعليه كانت وقعة المسلمين مع رُسْتم، وهي وقعة القادسية، فيصب في البحر الحبشي، وكان البحر حينئذ في الموضع المعروف بالنَّجَف في هذا الوقت، وكانت تقدم هناك سفن الصين والهند ترد إلى ملوك الحيرة، وقد ذكر ما قلنا عبد المسيح بن عمروبن بقيلة الغساني حين خاطب خالد بن الوليد في أيام أبي بكر بن أبي قحافة رضىِ اللّه عنه حين قال له: ما تذكر؟ قال: أذكر سفن الصين وراء هذه
(1/38)

الحصون، فلما انقطع الماء عن مصبه فى ذلك الموضع انتقل البحر براً؟ فصار بين الحيرة وبين البحر في هذا الوْقت مسيرة أيام كثيرة، ومَنْ رأى النَجفَ وأشرف عليه تبين له ما وصفنا، وكتنقل الدجلة العوراء فصار بينها وبين الدجلة في هذا الوقت مسافة بعيدة، وصارت تدعى ببطن جوخى، وذلك من جهة مدينة فارس من أعمال واسط إلى دنوقاء إلى نحو بلاد السوس، وكذلك ما حدث في الجانب الشرقي ببغداد من الموضع المعروف برقة الشماسية وما نقل الماء بتياره من الجانب الغربي من الضياع التي كانت بين قُطْرُبل ومدينة السلام، كالقرية المعروفة بالقب والموضع المعروف بالبشرى والموضع المعروف بالعين، وغير ذلك من ضياع قُطْرُبل، وقد كان لأهلها مطالبات مع أهل الجانب الشرقي ممن ملك رقة الشماسيةِ في أيام المقتدر، بحضرة الوزير أبي الحسن علي بن عيسى، وما أجاب به أهل العلم في ذلك، وما ذكرناه مشهور بمدينة السلام، فإذا كان الماء في نحومن ثلاثين سنة قد ذهب بنحو من سبع ميل، فإنه يسير ميلاً في قدر مائتي سنة، فإذا تباعد النهر أربعة آلاف ذراع من موضعه الأول خربت بذلك السبب مواضع وعمرت، وإذا وجد الماء سبيلاً منخفضَاَ وانصباباَ وسع بالحركة وشدة الْجَرْيَة لنفسه، فاقتلع المواضع من الأرض من أبعد غايتها، وكلما وجد موضعاً متسعاً من الوهاد ملأه في طريقه من شدة جَرْيته حتى يعمل بحيرات وبطائح ومستنقعات، وتخرب بذلك بلاد، وتعمر بذلك بلاد، ولا يغيب فهم ما وصفنا على مَنْ له أدنى فكر.ولنبدأ بذكر دجلة ومبدأ جريانها ومصبها، فنقول: دجلة تخرج من بلاد آمدَ من ديار بكر، وهي أعين ببلاد خلاط منأرمينية، ويصب إليها نهر اسريط وساتيد ما يخرج من بلاد أرزن ومَيَّفارقين وغيرهما من الأفهار كنهر دوشا والخابور الخارج من بلاد أرمينية، ومصبه في دجلة بين مدينة باسورين وقبر سابور، من بلاد بقردى وبازبدى وباهمداء من بلاد الموصل،وهذه الديار ديار بني حمداد، وفي بقردي وبازبدي يقول الشاعر:
بقردي وبازبدي مصيف ومربع ... وعَذْبٌ يحاكي السلسبيل بَرُود
وبغداد، ما بغداد أما ترابها ... فجمر، وأمَا حَرُّها فشديد
وليس هذا الخابور خابرو النهر الذي يخرج من مدينة رأس العين من أعينها ويصب في الفرات مدينة قَرْقِيسياء، ثم تمر دجلة بمدينة بلاد الموصل، ويصبُّ إليها نهر الزاب، وهو من بلاد أرمينية وهو الزاب الأكبر بعد الموصل، وفق الحديث مدينة الموصل، ثم يصب فيها زاب آخر فق مدينة السن يأتي من بلاد أرمينية وأذربيجان، ثم ينتهي إلى مدينة تَكْرِيت وسُرّ مَنْ رأى ومدينة السلام، فيصب إليها الخندق والصراة ونهر عيسى، وهي الأنهار التي ذكرنا أنها تأخذ من الفرات وتصب في دجلة، ثم تخرج دجلة من مدينة السلام فيصب فيها أنهار كثيرة، مثل النهر المعروف بدالي ونهر بين ونهر الروان مما يلي بلاد جَرْجَرَايا والسيب وتلي النعمانية، فإذا خرجت دجلة من مدينة واسط تفرقت في أنهار هناك أخر إلى بَطيحة البصرة، مثل بردود اليهودي ومسامي والمصب الذي ينتهي إلى القطر، وفيه تجري أكثر سفن البصرة وبغداد وواسط، فمقدار مسافة جريان دجلة على وجه الأرض نحو من ثلثمائة فرسخ، وقيل: أربعمائة.وقد أعرضنا عن ذكر كثير من الأنهار إلا ما كبر واشتهر؛ إذ كنا قد أتينا على ذكر ذلك الِإشباع في الكتاب المترجم بأخبار الزمان، وكذلك في الكتاب الأوسط، ونذكر في هذا الكتاب لمعاً مما سميناه من الأنهار، ومما. لم نُسَمَه.
وللبصرة أنها ركبار: مثل نهر شيرين، ونهر الرس، ونهر ابن عمر، وكذلك ببلاد الأهواز فيما بينها وبين بلاد البصرة، أعرضنا عن ذكر ذلك، إذ كنا قد تَقَصَّيْنَا الأخبار عنها وأخبار منتهى بحر فارس ألى بلاد البصرةوالأبلة وخبر الموضع المعروف بالجرارة وهي دجلة من البحر إلى البر تقرب من نحو بلاد الأبلة، ومن أجلها ملح الأكثر من أنهار البصرة ولهذه الجرارة اتخذت الخشبات في فم البحر مما يلي الأبلة وعَبَادَان، عليها اناس يوقدون النار بالليل على خشبات ثلاث كالكرسي في جوف الليل خوفاً على المراكب الواردة من عمان وسيراف وغيرها أن تقع في تلك الجرارة وغيرها، فتعطب، فلا يكون لها خلاص، وقد ذكرنا ذلك فيما سلف من كتبنا، وهذه الديار عجيبة في مصبات مياهها واتصال البحر بها، واللّه أعلم.
(1/39)

ذكر جمل من الأخبار عن البحر الحبشي
وما قيل في فلك من مقداره وسعة خلْجانه
قَدرُوا بحر الهند، وهو الحبشي،. وأنه يمتذُ طوله من المغرب إلى المشرق من أقصى الحبش إلى أقص الهند والصين، ثمانية آلاف ميل، وعرضه ألفان وسبعمائة ميل، وعرضه في موضع آخر ألف وتسعمائة ميل، وقد يتقارب في قلة العرض في موضع دون موضع، ويكثركذلك، وقد قيل في طوله وعرضه غير ماوصفنا من الكثرة، وأعرضنا عن ذكره لعدم قيام الدلالة على صحته عند أهل هذه الصناعة، وليس في المعمور أعظم من هذا البحر، وله خليج متصل بأرض الحبشةيمتد إلى ناحية بربري من بلاد الزنج والحبشة، ويسمى الخليج البربري، طوله خمسمائة ميل، وعرض طرفيه مائة ميل، وليست هذه بربرى التي ينسب إليها البرابرة الذي ببلاد المغرب من أرض إفريقية لأن هذا موضع اخر يدعى بهذا الاسم، وأهل. المراكب من العمانيين يقطعون هذا الخليج إلى جزيرة قنبلو من بحر الزنج، وفي هنه المدينة مسلمون بين الكفار من الزنج، والعمانيون الذين ذكرنا من أرباب المراكب يزعمون أن هذا الخليج المعروف بالبربري وهم يعرفنه ببحر بربري، وبلاد جفني أكثر مسافة مما ذكرنا، وموجه عظيم كالجبال الشواهق فإنه موج أعمى، يريدون بذلك أنه يرتفع كارتفاع الجبال، وينخفض كأخفض ما يكون من الأوْدِية، لا ينكسر موجه، ولا يظهر من ذلك زبَدٌ، كتكسر أمواج سائر البحار، ويزعمون أنه موج مجنون، وهؤلاء القوم الذين يركبون هذا البحر من أهل عمان عَرَبٌ من الأزد، فإذا توسطوا هذا البحر ودخلوا بين ما ذكرناه من الأمواج ترفعهم وتخفضهم فيرتجزون ويقولون:
بربري وجفني ... وَمَوْخكَ الْمَجْنُون
جفني وبربري ... وَمَوْجُهَاكماترى
وينتهي هؤلاء في بحر الزنج إلى جزيرة قنبلو على ما ذكرنا، وإلىبلاد سفالة والواق واق من أقاصي أرض الزنج، والأسافل من بحرهم، ويقطع هذا البحر السيرافيون، وقد ركبت أنا هذا البحر من مدينة سنجار، من بلاد عمان وسنجار قصبة بلاد عمان مع جماعة من نَوَاخذة السيرافيين، وهم أرباب المراكب، مثل محمد بن الريدوم السيرافي، وجوهربن أحمد، وهو المعروف بابن سيرة، وفي هذا البحر تَلِفَ ومن كان معه في مركبه، وآخر مرة ركبت فيه في سنة أربع وثلثمائة من جزيرة قنبلو إلى مدينة عمان، وذلك في مركب أحمد وعبد الصمد أخوي عبد الرحيم بن. جعفر السيرافي، بميكان وهي محلة من سيراف وفيه غرقا في مركبهم وجميع مَنْ كان معهما، وكان ركوبي فيه أخيراً والأميرُ على عمان أحمدُ بن هلال بن أخت القيتال، وقد ركبت عدة من البحار كبحر الصين والروم والخزر والقلزم واليمن، وأصابني فيها من الأهوال ما لا أحصيه كثرةً، فلم أشاهد أهول من بحر الزنج الذي قدمنا ذكره، وفيه السمك المعروف بافال طول السمكة نحو من أربعمائة ذراع إلى خمسمائة ذراع العمرية، وهي ذراع ذلك البحر، والأغلب من هذا السمك طوله مائة ذراع، وربما يهز البحر فيظهر شيئاً من جناحه، فيكون كالقلع العظيم، وهو الشَرَاع، وربمايظهررأسه، وينفخ الصُّعَدَاء بالماء فيذهب الماء في الجوأكثرمن ممر السهم، والمراكب تفزع منه في الليل والنهار، وتضرب له بالدبادب والخشب لينفر من ذلك، ويحشر بأجنحته وذنبه السمك إلى فمه، وقد فَغَرَفاهُ، وذلك السمك يهوي إلى جَوْفه جرياً.، فإذا بغت هذه السمكة بعث الله عليها سمكة نحو الذراع تدعى اللَشك فتلصق بأصل أذنها فلا يكون لها منها خلاص، فتطلب قعرالبحر، وتضرب بنفسها حتى تموت، فتطففق الماء، فتكون كالجبل العظيم، وربما تلتصق هذه السمكة المعروفة باللشك بالمركب فلا يدنو الأفال مع عظمتها من المركب، ويهرب إذا رأى السمكة الصغيرة، إذ كانت آفة له وقاتلته.
آفة التمساح
(1/40)

وكذلك التمساح يموت من دويبة تكون في ساحل النيلِ وجزائره، وذلك أن التمساح لا دبر له وما يأكله يتكون في بطنه دوداَ، وإذا آذاه ذلك الدود خرج إلى البر فاستلقى على قَفَاه فاغراً فاه، فيُقيِّصُ اللّه إليه طير الماء كالطيطوى والحصافي وغير ذلك من أنواع الطيور وقد اعتادوا ذلك منه، فيأكل ماظهرفي جوفه من ذلك الدود، وتكون تلك الدويبة قد كمنت في الرمل تراعيه، فتدب إلى حلقه، وتصير في جوفه، فيخبط بنفسه في الأرض فيطلب قعر النيل حتى تأتي الدويبة على خُشْوَة جوفه ثم تخرق جوفه وتخرج، وربما يقتل نفسه قبل أن تخرج فتخرج بعد موته، وهذه الدويبة تكون نحواً من ذراع على صورة ابن عُرْس، ولها قوائم شتى ومَخَالب.وفي بحر الزنج أنواع من السمك بصور شتى، ولولا أن النفس تنكر ما لم تعرفه وتدفع ما لم تألفه، لأخبرنا عن عجائب هذه البحار، وما فيهامن الحيتان والدواب، وغير ذلك من عجائب المياه والجماد.
عود إلى البحر الحبشي
فلنرجع الآن إلى ذكر تشعب مياه هذا البحر وخُلْجَانه، ودخوله في البحر ودخول البز فيه، فنقول: إن خليجاً آخر يمتذ من هذا البحر الحبشيِّ فينتهي إلى مدينة القُلْزُم من أعمال مصر، وبينها وبين فُسْطَاط مصر ثلاثة أيام، وعليه مدينة أيْلَةَ والحجاز وجُدَة واليمن، وطوله ألف وأربعمائة ميل، وعرض طرفيه مائتا ميل، وهو أقرب المواضع من عرضه، وعرضه في الوسط سبعمائة ميل، وهو أكثر العرض فيه، ويلاقي ما ذكرناه من الحجاز وبلاد أيْلَةَ من غربيه من الساحل الآخر من هذا الخليج بلاد العلاقي وبلاد العيذاب من أرض مصر وأرض البجة، ثم أرض الحبشة والأحابش والسودان إلى أن يتصل ذلك بأقاصي أرض الزنج وأسافلها، فيتصل إلى بلاد سفالة من أرض الزنج، ويتشعب من هذا البحر خليج آخر، وهو بحر فارس، وينتهي إلى بلاد الأبلة والخشبات وعبادان من أرض البصرة، وعرضه في الأصل خمسمائة ميل، وطول هذا الخليج ألف وأربعمائة ميل، وربما يصير عرض طرفيه مائة وخمسين ميلاً، وهذا الخليج مثلث الشكل ينتهي أحد زواياه إلى بلاد الأبلة، وعليه مما يلي المشرق ساحل فارس من بلاد دورق الفرس وماهر بان ومدينة حسان، وإليها تضاف الثياب الحسانية ومدينة نجيرهم ببلاد سيراف، ثم بلاد ابن عمارة، ثم ساحل كرمان، وهي بلاد هرموز، وهرموز مقابلة لمدينة سنجار من بلاد عمان، ثم يلي ساحل كرمان ويتصل به على ساحل هذا البحر بلاد مكران، وهي أرض الخوارج الشُرَاة، وهذه كلها أرض نخل، ثم ساحل السند، وفيه مصب نهر مهران، وهناك مدينة الديبل، ثم يكون ماراً متصلاً بساحل الهند إلى بلاد بروض، وإليها يضاف القَنَا البروضي، براً متصلاً إلى أرض الصين ساحلًا واحداً، ويقابل ما ذكرنا من مبدأ ساحل فارس ومكران والسند بلاد
(1/41)

البحرين وجزائر قطر وشط بني جذيمة وبلاد عمان وأرض مهرة إلى رأس الجمجمة إلى أرض الشِّحْر والأحقاف، وفيه جزائر كثيرة مثل جزيرة خارك، وهي بلاذ جنابة ةلأن خارك مضافة إلى جنابة، وبينها وبين البر فراسخ وفيها مَغَاصُ اللؤلؤ المعروف بالخاركي، وجزيرة أوال فيها بنو مَعْن وبنو مسمار وخلائق كثيرة من العرب بينها وبين مدن ساحل البحرين نحو يوم، بل أقل من ذلك، وفي ذلك الساحل مدينة الزارة والعقل والقطيف من ساحل هجر، ثم بعد جزيرة أوال جزائر كثيرة، منها جزيرة لافت، وتدعى جزيرة بني كاوان، وقد كان افتتحها عمرو بن العاص، وفيها فسجده إلى هذه الغاية، وفيها خلق من الناس وقرىً وعمارة متصلة، وتقرب هذه الجزيرة إلى جزيرة هنجام، ومنها يستسقي أرباب المراكب الماء، ثم الجبال المعروفة بكسير وعوير وثالث ليس فيه خير، ثم الدردور المعروف بدردور مسندم، ويكنيه البحريون بأبي جهرة، وهذه مواضع من البحر، وجبال سود ذاهبة في الهواء لا نبات عليها ولا حيوان، يحيط بها مياه من البحر عظيم قعرها وأمواج متلاطمة تجزع منها النفس إذا أشرفت عليها، وهذه المواضع من بلاد عمان وسيراف لا بد للمراكب من الجواز عليها والدخول في وسطها، فتخطىء وتصيب، وهذا البحر هو خليج فارس ويعرف بالبحر الفارسي، عليه ما وصفنا من البحرين وفارس والبصرة وكرمان وعمان إلى رأس الجمجمة، وبين هذا الخليج وخليج القلزم أيلة والحجاز واليمن، ويكون بين الخليجين من المسافة ألف وخمسمائة ميل، وهي داخلة من البر في البحر، والبحريطيف بها من أكثر جهاتها على ما وصفنا.فهذا بحر الصين والهند وفارس وعمان والبصرة والبحرين واليمن والحبشة والحجاز والقُلْزم والزنج والسند ومَنْ في جزائره ومَنْ قد أحاط به من الامم الكثيرة التي لا يعلم وصفهم ولا عددهم إلا مَنْ خلقهم سبحانه وتعالى، ولكل قطعة منه اسم يُفْرِدها من غيرها، والماء واحد متصل غير منفصل.
وفي هذا البحر مغاصات الدر واللؤلؤ، وفيه العقيق والبادبيج، وهونوع من البجادي، وأنواع الياقوت والماس والسنباذج، وفيه معادن ذهب وفضة نحو بلاد كلة وسريرة، وحوله معادن حديد مما يلي بلاد كرمان، ونحاس بأرض عمان، وفيه أنواع الطيب والأفاويه والعنبر وأنواع الأدوية والعقاقير والساج والخشب المعروف بالد ارزنجي والقنَا والخيزران، وسنذكر بعد هذا الوضع تفصيل مواضع فيه أدركناها، وكل ما ذكرنا من الجواهر والطيب والنيات ففيه وحَوْلَه، وسائر ما ذكرنا من هذا البحر يدعى بالبحر الحبشي، ورياح ما وصفنا من قطعه التي تدعى كل واحدة منها بحراً كقولنا: بحر فارس، وبحر اليمن، وبحر القلزم، وبحر الحبش، وبحر الزنج، وبحر السند، وبحر الهند، وبحر كلة، وبحر الزانج، وبحر الصين - فمختلفة، فمنها ماريحه من قعر البحر يظهر فتغليه ويعظم موجه كالقدر تفر مما يلحقها من مواد حرارة النار، ومنها ما ريحه والآفة فيه من قعره والنسيم، ومنها ما يكون مهبُّة من النسيم عون ما يظهرمن قعره، وما وصفناه مما يظهر من قعره من الرياح فذلك تنفسات من الأرض تظهر إلى قعره ثم تظهرفي سطحه، واللّه عزّوجلّ أعلم بكيفية ذلك، ولكل من يركب هذه البحار من الناس رياح يعرفنها في أوقات تكون منها مَهَابها، قد علم ذلك بالعادات وطول التجارب، يتوارثون علم ذلك قولاً وعملاً، ولهم فيها دلائل وعلامات يعملون بها إبَاّنَ هَيَجَانه وأحوال ركوده وثورانه، هذا فيما سمينا من البحر الحبشي والروم، والمسافرون في البحر الرومي سبيلُهم كذلك، وكذلك من يركب بحر الخزر إلى بلاد جرجان وطبرستان والديلم، وسنأتي بعد هذا الموضع على جُمَل وفصول من علم معرنة هنه البحار، وعجائب أوصافها وأخبارها، إن شاء اللّه تعالى.
ذكر تنازع الناس في المد والجزر
وجوامع مما قيل في ذلك
المد: مضيُّ الماء في فَيْحته وسَيْحته وسنن جريته، والجزر: رجوع الماء على ضد سنن مُصِيَّه وانكشاف ما مضى عليه في هَيْجه، وذلك كبحر الحبش الذي هو الصيني والهندي وبحر البصرة وفارس المقدم ذكره قبل هذا الباب وذلك أن البحار على ثلاثة أنواع: منها ما يتأتى فيه الجزر والمد ويظهرظهوراً بيناً، ومنها ما لا يتبين فيه الجزر والمد ويكون خفيفاً مستتراً، ومنها مالا يجزر ولا يمد.
(1/42)

فالبحار التي لا يكون فيها الجزر والمد امتنع منها الجزر والمد لعلل ثلاث، وهي على ثلاثة أصناف: فأولها ما يقف الماء فيه زماناً فيغلظ وتَقْوَى مُلوحته، وتتكيف فيه الأرياح، لأنه ربما صار الماء إلى بعض المواضع ببعض الأسباب فيصير كالبحيرة وينقص في الصيف ويزيد في الشتاء، ويتبين فيه زيادة ما ينصبُّ فيه من الأنهار والعيون، والصنف الثاني البحار التي تبعد عن مدار القمر ومسافاته بعداً كثيراً، فيمتنع منه المد والجزر، والصنف الثالث المياه التي يكون الغالب على أرضها التخلخل، لأنه إذا كانت أرضها مخلخلة نفذ الماء منها إلى غيرها من البحار وتخلخل؛ وأنشبت الرياح الكائنة في أرضها أولاً فأولاً، وغلبت الرياح عليها، وأكثر ما يكون هذا في ساحل البحار والجزائر.
وقد تنازع الناس في علة المد والجزر؛ فمنهم من ذهب إلى أن ذلك من القمر لأنه مجانس للماء، وهو يسخنه، فينبسط، وشبهوا ذلك بالنار إذا أسخنت ما في القدر وأغْلَتْه، وإن الماء يكون فيها على قمر النصف أو الثلثين، فإذا غلا الماء انبسط في القدر وارتفع وتدافع حتى يفر فتتضاعف كميته في الحس، وينقص في الوزن ة لأن من شرط الحرارة أن تبسط الأجسام، ومن شرط البرودة أن تضمها، وذلك أن قعور البحار تحمي فتتولّد في أرضها عفبة وتستحيل وتحمى كما يعرض ذلك في البلاليع والابار، فإذا حمي ذلك الماء انبسط، وإذا أنبسط زاد، وإذا زاد ارتفع، فدفع كل جزء منه صاحبه، فَطَفَا على سطحه وبان عن قعره، فاحتاج إلى أكثر من وهدته، وإن القمر إذا أمتلأ حمي الجو حمياً شديداً فظهرت زيادة الماء، فسمي ذلك المد الشهري، وإن هذا البحر تحت معدل النهارأخذاً من جهة المشرق إلى المغرب ودور الكواكب المتحيرة عليه مع ما يساميه من الكواكب الثابتة إذا كانت المتحيرة في القدر مثل الميل على تجاوزه، وإذا زالت عنه كانت منه قريبة فاعلة فيه من أوله إلى آخره في كل يوم وليلة، وهي مع ذلك في الموضع المقابل الحمي، فقليل مايعرض فيه من الزيادة ويكون في النهر الذي يعرض فيه المد بينا من أطرافه وما يصب إليه من سائر المياه.
وقالت طائفة اخرى: لو كان الجزر والمد بمنزلة النار إذا أسخنت الماء الذي في القِدْر وبسطته فيطلب أوسع منها فيفيض حتى إذا خلا قعره من الماء طلب الماء بعد خروجه منه عمق الأرض بطبعه فيرجع اضطراراً بمنزلة رجوع ما يغلي من الماء في المرج والقمقم إذا فاض وتتابعت أجزاء النار عليه بالحمي، لكان في الشمس أشد سخونة.، ولوكانت الشمس علة مَدةلكان يمدمع بدء طلوع الشمس، ويجزرمع غيبتها فزعم هؤلاء أن علة الجزر والمد في الأبحرتتولد من الأبخرة التي تتولد من بطن الأرض؛ فإنها لا تزال تتولد حتى تكثف وتكثر فتدفع حينئذ ماء هذا البحر لكثافتها فلا تزال كذلك حتى تنقص موادها من أسفل، فإذا انقطعت موادها تراجع الماء حينئذ إلى قعر البحر، وكان الجزر من أجل ذلك، والمد ليلاً ونهاراً، وشتاء وصيفاً، وفي غيبة القمروفي طلوعه، وكذلك في غيبة الشمس وطلوعها، قالوا: وهذا يُدرَك بالحس، لأنه ليس يستكمل الجزرآخره حتى يبدأ أول المد، ولا ينقضي آخر المد حتى يبتدىء أول الجزر لأنه لا يتغير توالد تلك البخارات، حتى إذا خرجت تولدَ غيرها مكانها، وذلك أن البحر إذا غارت مياهه ورجعت إلى قعره تولدت تلك الأبخرة لمكان ما يتصل منها من الأرض بمائة، وكلما عاد تولدت، وكلما فاض نقصت.وذهب آخرون من أهل الديانات أن كل ما لم يعرف له من الطبيعة مجرى ولا يوجد له فيها قياس فهو فعل الإِله، يدل على توحيد اللّه عزّ وجل وحكمته؛ فليس للمد والجزرعلة في الطبيعة البتة، ولا قياس .
(1/43)

وقال آخرون: ما هَيَجَان ماء البحر إلا كهيجان بعض الطبائع ة فإنك ترى صاحب الدم وصاحب الصفراء وغيرهما تهتاج طبيعته ثم تسكن، وكذلك مواد تمدها حالاً بعد حال، فإذا قويت هاجت،، ثم تسكن قليلَاَ قليلًاحتى تعود. وذهبت طائفة أخرى إلى إبطال سائر ما وصفنا من القول، وزعموا أن الهواء المطل على البحريستحيل دائماً، فإذا استحال عظم ماء البحر وفاض عند ذلك، وإذا فاض البحر فهو المد، فعند ذلك يستحيل ماؤه ويتنفس فيستحيل هواء فيعود إلى ما كان عليه، وهو الجزر، وهو دائم لا يَفْتر، متصل مترادف متعاقب؟ لأن الماء يستحيل هواء، والهواء يستحيل ماء، قالوا: وقد يجوز أن يكون ذلك عند امتلاء القمر أكثر؛لأن القمر إذا امئلأ استحال الهواء أكثر مما كان يستحيل، وإنما القمر علة لكثرة المد، لا للمد نفسه، لأنه قد يكون والقمر في محاقه، والمد والجزر في بحرفارس يكونان على مطالع الفجر في الأغلب من الأوقات.وقد ذهب كثير من نواخذة هذا البحر وهم أرباب المراكب، من السيرافيين والعمانيين ممن يقطعون هذا البحر ويختلفن إلى عمائره من الأمم التي في جزائره وحوله إلى أن المد والجزر لا يكون في معظم هذ البحر إلا مرتين في السنة: مرة يمد في شهور الصيف شرقاً بالشمال ستة أشهر، فإذا كان ذلك طغا الماء في مشارق الأرض وبالصين بالصين وما وراء ذلك الصقع وانحسر بالصين من مغارب البحر، ومرة يمد في شهور الشتاء غرباً بالجنوب ستة أشهر، فإذا كان الصيف طغا الماء في مغارب البحر وانحسر بالصين، وقد يتحرك البحر بتحرك الرياح، وإن الشمس إذ كانت في الجهة الشمالية تحرك الهواء إلى الجهة الجنوبية لعلل ذكروها فيسيل ماء البحر بحركة الهواء إلى الجهة الجنوبية، فكذلك تكون البحار في جهة الجنوب في الصيف لهبوب الشمال طامية عالية، وتقلُّ المياه في جهة البحار الشمالية، وكذلك إذا كانت الشمس في الجنوب وسال الهواء من الجنوب إلى جهة الشمال سال معه ماء البحر من الجهة الجنوبية إلى الجهة الشمالية، فقلَّتِ المياه في الجهة الجنوبية منه، وينتقل ماء البحر في هذين الميلين أعني في جهتي الشمال والجنوب فيسمى جزا ومداً، وذلك أن مَدّ الجنوب جَزْرُ الشمال ومد الشمال جزر الجنوب، فإن وافق القمر بعض الكواكب السيارة في أحد الميلين تزايد الفعلان وقوي الحمي واشتد لذلك سيلان الهواء فاشتد لذلك انقلاب ماء البحر إلى الجهة المخالفة للجهة التي ليس فيها الشمس.قال المسعودي: فهذا رأي يعقوب بن إسحاق الكندي وأحمد بن الطيب السرخْسِي فيما حكاه عنه: أن البحر يتحرك بالرياح، وَرأيت مثل ذلك ببلاد كنباية من أرض الهند، وهي المدينة التي تضاف إليها النعال الكنبائية الصرارة وفيها تعمل وَفيما يليها مثل مدينة سندارة وسريارة،وكان دخولي إليها في سنة ثلاث وثلثمائة، والملك يومئذ بانيا، وكان برهمانيا من قبل البلهري صاحب المانكير، وكان لبنيا هذا عناية بالمناظرة مع مَنْ يرد إلى بلاد من المسلمين وغيرهم من أهل الملل، وهذه المدينة على خور من أخوار البحر، وهو الخليج، أعرض من النيل أو دجلة أو الفرات، عليه المدن والضياع والعمائر والجنَانُ والنخل والنارجيل والطواويس والببغاء وغير ذلك من أنواع طيور الهند، بين تلك الجنان والمياه، وبين مدينة كنباية بين البحر الذي يأخذ منه هذا الخليج يومان، أو أقل من ذلك فيجزر الماء عن هذا الخليج حتى يبمو الرمل في قعر الخليج ويبقى في وسطه قليل من الماء فرأيت الكلب على هذا الرمل الذي ينصبُّ عنه الماء وقعر خليج قد صار كالصحراء، وقد أقبل المد من نهاية الخور كالخيل في الحَلْبَة، فربما أحس الكلب بذلك فأقبل يُحضِرُ ما استطاع خَوْفاً من الماء، طلب البر الذيى لا يصل إليه الماء، فيلحقه الماء بسرعته فيغرقه، وكذلك المد يَردُ بين البصرة والأهواز في الموضع المعروف بالباسيان وبلاد القندر، ويسمى هناك الذئب له ضجيج ودَوِي وغليان عظيم يَفْزَع منه أصحاب السفن وهذا الموضع يعرفه من يسلك هنالك إلى بلاد مورق من أرض فارس، والله أعلم.
ذكر بحر الروم
ووصف ما قيل في طوله وعرضه وابتدائه وانتهائه
(1/44)

أما بحر الروم وطرسوس وأذنة والمصيصة وأنطاكية واللاذقية وطرابلس صيدا وصور وغير ذلك من ساحل الشام ومصر وا لِإسكندرية وساحل مغرب، فذكَرَ جماعة من أصحاب الزيجات في كتبهم.، منهم محمد بن جابر النسائي وغيره، أن طوله خمسة آلاف ميل، وعرضه مختلف: فمنه ثمانمائة ميل، ومنه سبعمائة ميل، ومنه ستمائة ميل، وأقل من ذلك، على حسب مضايقة البر والبحر للبر، ومبدأ هذا البحر من خليج يخرج جاريأ من بحر أقيانوس، وأضيق موضع من هذا الخليج بين ساحل طنجة وسبتة من بلاد الغرب وبين ساحل الأندلس، وهذا الموضع المعروف بسيطاء، وعرضه فيما بين الساحلين نحو من عشرة أميال، وهذا الموضع هوا لْمَعْبَرُ لمن أراد العبور من الغرب إلى الأندلس ومن الأندلس إلى الغرب ويعرف بالزقاق، وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب في أخبار مصر القنطرة التي كانت بين هذين الساحلين، وما ركبها من ماء هذا البحر، والطريق المتصل بين جزيرة قبرص وأرض العريش وسلوك القوافل إياه وعلى الحد بين البحرين أعني بحر الروم وبحر أوقيانوس المنارةُ النحاسُ، والحجارة التي بناها هِرَقْلُ الجبار، على أعلاها الكتابة والتماثيل مشيرة بأيديها أن لا طريق ورائي لجميع الداخلين إلى ذلك البحر بحر الروم؛ إذ كان بحر لا تجري فيه جارية ولا عمارة فيه، ولا حيوان ناطق يسكنه، ولا يحاط بمقداره، ولا تُحدرَى غايته، ولا يعلم منتهاه، وهو بحر الظلمات والأخضر والمحيط وقد قيل إن المنارة على غير هذا الزُقَاق، بل في جزير من جزائر بحر أوقيانوس المحيط وسواحله.وقد ذهب قوم إلى أن هذا البحر أصل ماء سائر البحار، وله أخبار عجيبة قد أتينا على ذكرها في كتابنا أخبار الزمان في أخبار من غَررَ وخاطر بنفسه في ركوبه، ومن نجا منهم، ومن تَلِفَ، وما شاهدوا منه، وما رَأوْا، وأن منهم رجلاً من أهل الأندلس يُقال له خشخاش، وكان من فتيان قرطبة وأحْدَاثها فجمع جماعة من أحد اثها، وركب بهم مرِاكب استعدها في هذا البحر المحيط، فغاب فيه محة ثم انثنى بغنائم واسعة، وخبَرُه مشهور عند أهل الأندلس وبين هذه المنارة المنصوبة، وبين موضع الأحجار مسافة طويلة في طول مصب هذا الخليج وجريانه، وذلك أن ماء يجري من بحر أوقيانوس إلى البحر الرومي يحس بجريانه ويعلم بحركته، ويتشعب من بحر الروم والشام ومصر، خليج من نحو خمسمائة ميل يتصل بمدينة رومية تسمى بالرومية أدرس وعلى هذا الخليج من جانب المغرب قرية يُقال لها سَبْتَة، وهي وطنجة من ساحل واحد، ويقابل سَبْتَة هذه من ناحية الأندلس الجبل المعروف بجبل طارق مَوْلَى موسى بن نُصَيْر، وَيَعْبُرُ الناس من سَبْتَة إلى ساحل الأندلس من غموة إلى الظهر، وفي هذا الخليج مَوْج عظيم، والماء من هناك يخرج من بحر أوقيانوس، ويصبُّ إلى البحر الرومي، وفي هذا الخليج مواضع تعلو أمواجها، ويعلو الماء من غيرريح، وهذا الخليج يسميه أهل المغرب وأهل الأندلس الزُقَاق ؛إذ كان على هيئة ذلك، وفي بحر الروم جزائر كثيرة منها جزيرة قبرص بين ساحل الشام والروم، وجزيرة رودس في مقابلة الِإسكندرية، وجزيرة إقريطش، وجزيرة صقلية، وسنذكر صقلية بعد هذا الموضع عند ذكرنا لجبل البركان الذي تظهر منه النار، وفيها أجسام وجثث وعظام.وقد ذكر يعقوب أن إسحاق الكندي، وتلميذه أحمد بن الطيب السرخسي في طول هذا البحر وعرضه غير ما ذكرنا.
وسنذكر بعد هذا الموضع فيما يرد من هذا الكتاب هذه البحار علىنظم من التأليف، وترتيب من التصنيف، إن شاء اللّه تعالى.
ذكر بحر نيطش وبحر مانطش
وخليج القسطنطينية
(1/45)

فأما نيطش فإنه يمتدّ من بلاد لاذقة إلى القسطنطينية وطوله ألف ومائةميل، وعرضه في الأصل ثلثمائة ميل، وفيه يصب النهر العظيم المعروف بأطنابس، وقد قدمنا ذكره، ومبدأ هذا البحر من الشمال، وعليه كثير من ولد يافث بن نوح، وخروجه من بحيرة عظيمة في الشمال من أعْيُنٍ وجبال، ويكون مقدار جريانه على وجه الأرض نحو ثلثمائة فرسخ عمائر متصلة لولد يافث، ويسير بحر مانطش فيما زعم قوم من أهل العناية بهذا الشأن حتى يصب في بحر نيطش، وهذا البحرعظيم فيه أنواع من الأحجار والحشائش والعقاقير، وقد ذكره جماعة ممن تقدم من الفلاسفة، ومن الناس من يسمى بحرمانطش بحيرة، ويجعل طوله ثلثمائة ميل،وعرضه مائة ميل، ومنه ينفجرخليج القسطنطينية الذي يصب إلى بحر الروم، وطوله ثلثمائة ميل، وعرضه نحو من خمسين ميلاً، وعليه القسطنطينية والعمائر من أوله إلى آخره، والقسطنطينية من الجانب الغربي من هذا الخليج، متصلة ببر رومية والأندلس وغيرهما فيجب واللّه أعلم على قول المنجمين من أصحاب الزيجات وغيرهم ممن تقدم، أن بحر البلغر والروس، وبجنى وبجناك وبغرد، وهم ثلاثة أنواع الترك هو بحر نيطش، وسيأتي ذكر هؤلاء الأمم فيما يرد من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى على حسب استحقاقهم في ذكرهم، واتصال عمائرهم، ومن يركب هذا البحر منهم ومن لا يركبه، واللّه أعلم.
ذكر بحر الباب والأبواب والخزر وجرجان
وجمل من الأخبارعلي ترتيب البحار
بحر الأعاجم
فأما بحر الأعاجبم الذي عليه دورُهَا ومساكنها فهو معمور بالناس من جميع جهاته، وهو المعروف ببحر الباب والأبواب والخزر والجيل والديلم وجرجان وطبرستان، وعليه أنواع من الترك، وينتهي في إحدى جهاته نحو بلاد خُوَارَزْم، وطوله ثمانمائة ميل، وعرضه ستمائة ميلِ، وهو مدور الشكل إلى الطول، وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب جملاَ من ذكرالأمم المحيطة بهذه البحار المعمورة، وهذا البحر الذي هو بحر الأعاجم كثير التّنَانين، وكذلك بحر الروم فالتنان فيهما كثيرة، وكثيراً ما تكون مما يلي بلاد طرابلس واللاذقية والجبل الأقرع من أعمال أنطاكية، وتحت هذا الجبل معظم ماء البحر وأكثره، ويسمى عجز البحر، وغايته إلى ساحل أنطاكية ورشيد والِإسكندرية وحصن المثقب وذلك في سفح جبل اللكام وساحل المصيصة، وفيه مصب نهر جيحان، وساحل أذنة، وفيه مصب سيحان، وساحل طرسوس، وفيه مصب نهر بردان،وهو نهر طرسوس،ثم البلد الخالي من العمارات الخراب بين الروم والمسلمين مما يلي مدينة قلمية إلى قبرص وقريطس وقراسيا، ثم بلاد سلوقية وَنهرها العظيم الذي يصب في هذا البحر، ثم حصون الروم إلى خليج القسطنطينية. وقد أعرضنا عن ذكر أنهار كثيرة بأرض الروم ومما يصب إلى هذاالبحر كنهر البارد ونهر العسل وغيرهما من الأنهار.
وَالعمارةُ على هذا البحر من المضيق الذي قدمنا ذكره، وهو الخليج الذي عليه طنجة، متصلةٌ بساحل المغرب وبلاد إفريقية والسوس وطرابلس المغرب والقيروان وساحل بَرْقَة والرفادة وبلاد الِإسكندرية ورشيد وتنيس ودمياط وساحل الشام وساحل الثغور الشامية ثم ساحل الروم ماراً متصلاً إلى بلاد رومية إلى أن يتصل بساحل الأندلس، إلى أن ينتهي إلى ساحل الخليج الضيق المقابل لطَنْجَة طى ما ذكرنا لا تنقطع من هذا البركله ألعمائر التي وصفناها من الِإسلام والروم إلا الأنهار الجارية إلى البحر وخليج القسطنطينية، وعرضه نحو من ميل، وخلجانات اخر داخلة في البرلا منفذ لها؛ فجميع ما ذكرنا على شاطىء هذا البحر الرومي متصلو الديار غير منفصلين بما يقطعهم أو يمنعهم إلا ما ذكرنا من الأنهار وخليج القسطنطينية، ومثال هذا البحر الرومي، ومثال ما ذكرنا من العمائر عليه إلى أن ينتهي إلى مبدأ الخليج الضيق الآخذ من أوقيانوس الذي عليه المنارة النحاس، ويلي الأعلى من طَنْجَة، وساحل الأندلس: مثل الكرنيب، في قبضة الخليج، والكرنيب على ضفة البحر، إلا أنه ليس بمدور الشكل، لما ذكرنا من طوله.وليس تعرف التنانين في البحرالحبشي، ولا في شيء من خلجانه من حيث وصفنا في نهاياته، وأكثرها يظهر مما يلي بحر أوقيانوس.
التنين وآراء الناس فيه
(1/46)

وقد اختلف الناس في التنين: فمنهم من رأى أنه ريح سوداء تكون في قعر البحر فتظهر إلى النسيم، وهو الجو، فتحلق السحب كالزوبعة، فإذا صارت من الأرض واستدارت وأثارت معها الغبارِ ثم استطالت في الهواء ذاهبةً الصُّعَداء تَوَهَّم الناسُ أنها حيات سود قد ظهرت من البحر لسواد السحاب، وذهاب الضوء وترادف الرياح.ومنهم من رأى أنها دوَاب تتكون في قعر البحر، فتعظم وتؤذي دواب البحر، فيبعث اللّه عليها السحاب والملائكة فيخرجونها من بينها، وأنها على صورة الحية السوداء لها بريق وبصيص، لا تمر بمدينة إلا أتت على ما لا يقدر عليه من بناء عظيم أوشجرأوجبل، وربما تتنفس فتحرق الشجرة الكبيرة فيلقيه السحاب في بلد يأجوج ومأجوج، ويمطر السحاب عليهم، فيقتل التنين، فمنه يتغذى يأجوج ومأجوج، وهذا القول يُعْزَى إلى ابن عباس.وقد ذكر قوم في التنين غير ما ذكرنا، وكذلك حكى قوم من أهل السير وأصحاب القصص أمورأ في ما ذكرنا أعرضنا عن ذكرها، منها خبر عمران بن جابر الذي صعد في النيل، فألمحرك غايته، وعبر البحر على ظهردابة تعلق بشعرها وهي دابة ينجر منها على الأرض شبر من قوائمها تُغَادي قرن الشمس من مبدأ طلوعها إلى حال غروبها فاغرة فاها نحوها لتبتلع عند نفسها - الشمسَ فعَبَرَعلى وصفنا من تعلقه بشعرها البحر، ودار بدورانها طلباً لعين الشمس، حتى صار إلى ذلك الجانب، فرأى النيل منحدراً من قصور الذهب من، الجنة، وأعطاه المَلَكُ العنقود العنب، وأنه أتى الرجل الذي رآه في ذهابه، ووصف له كيف يفعل في وصُوله إلى مبدأ النيل، فجم! ميتاً، وخبر إبليس معه والعنقود العنب، وغير ذلك من خرافات حَشْوية عن أصحاب الحديث، ومنها ما روي أن قبة من الذهب وأنواع الجوهر فىِ وسط البحر الأخضر على أربعة أركان من الياقوت الأحمر ينحدر من كل ركن من هذه الأركان ماء عظيم من رشحه فقسم إلى جهات أربع في ذلك البحر الأخضر غير مخالط له، ولا متماسّ به، ثم ينتهي إلى جهات من البر من سواحل ذلك البحر، أحدها النيل، والثاني سيحان، والثالث جيحان، والرابع الفرات، ومنها أن الملك الموكك بالبحار يضع عقبه في أقصى بحر الصين فيفر منه البحر، فيكون منه المد، ثم يرفع عقبه من البحرفيرجع الماء إلى مركزه، ويطلب قعره، فيكون الجزر، ومثلوا ذلك بإناء فيه ماء في مقدار النصف منه، فيضع الإِنسان يده أورجله فيملأ الماء الِإناء، فإذا رفعها رجع الماء إل حده، وانتهى إلى غايته، ومنهم من رأىأن الملك يضع إبهامه من كفه اليمنى في البحر فيكون منه المد، ثم يرفعها فيكون الجزر وما ذكرنا فغير ممتنع كونُه، ولا واجب، وهو داخل فىِ حيز الممكن والجائزلأن طريقه في النقل طريق الأفراد والآحاد، ولم يرد مَورِد التواتر والاستفاضة كالأخبار الموجبة للعم، والعلل القاطعة للعذر في النقل، فإن قارنها دلائل توجب صحتها وجب التسليم لها، والانقياد إلى ما أوجب اللة عزّ وجلّ علينا من أخبار الشريعة والعمل بها؛ لقوله عزّ وجلّ " وما آتاكم الرسول فخنوه، وما نهاكم عنه فانتهوا " ، وإن لم يصح ما ذكرنا فقد وصفنا آنفاً ما قال الناس في ذلك، وإنما ذكرنا هذا ليعلم من قرأ هذا الكتاب أنا قد اجتهدنا فيما أوردناه في هذا الكتاب وغيره من كتبنا، ولم يَعْرُبْ عنا فهم ما قاله الناس في سائر ما ذكرنا، وباللّه التوفيق.
جملة البحار
(1/47)

فهذه جمل البحار، وعند أكثر الناس أنها أربعة في المعمور من الأرض، ومنهم من يعدها خمسة، ومنهم من يجعلها ستة، ومنهم من يرى أنها سبعة منفصلة غيرمتصلة، وعلى أنها ستة فأولها البحر الحبشي، ثم الرومي، ثم نيطش، ثم ما نطش، ثم الخزري، ثم أوقيانوس الذي لا يعلم أكثر نهاياته، وهو الأخضر المظلم المحيط، وبحر نيطش متصل ببحر ما نطش، ومنه خليج القسطنطينية الذي يصب إلى بحر الروم ويتصل به، على حسب ما ذكرنا، والرومي بدؤه من بحر أوقيانوس الأخضر؛ فيجب على هذا القياس أن يكون ما وصفنا بحراً واحداً لاتصال مياهها، وليست هذه المياه ولا شيء منها واللّه أعلم متصله بشيء من بحر الحبش، فبحر نيطش وبحر مانطش يجب أن يكونا أيضاً بحراً واحداً، وإن تضايق البحر في بعض المواضع يبنهما، أو صار بين الماءين كالخليج، وليست تسمية ما اتسع منه وكثرماؤه بمانطش، وما ضاق منه وقل ماؤه بنيطش، يمنع من أن تجمعهما في اسم مانطش أو نيطش، فإذا عبرنا بعد هذا الموضع في مبسوط هذا الكتاب فقلنا ما نطش أو نيطش، فإنما نريد به هذا المعنى فيما اتسع من البحر وضاق.قال المسعودي: وقد غلط قوم زعموا أن البحر الخزري يتصل ببحر ما يطس، ولم أر فيمن دخل بلاد الخزر من التجار ومن ركب منهم في بحر مايطس ونيطس إلى بلاد الروس والبلغر أحداً يزعم أن بحر الخزر يتصل ببحر من هذه البحار أو بشيء من مائها أومن خلجانها إلا من نهر الخزر، وسنذكر ذلك عند ذكرنا لجبل القبق ومدينة الباب والأبواب ومملكة الخزر وكيف دخل الروس في المراكب إلى بحر الخزر، وذلك بعد الثلثمائة، ورأيت أكثر من تعرض لوصف البحار ممن تقدم وتأخر يذكرون في كتبهم أن خليج القسطنطينية الآخذ من نيطش يتصل ببحر الخزر، ولست أدري كيف ذلك، ومن أين قالوه. أمن طريق الحدس أم من طريق الاستدلال والقياس. أو توهموا أن الروس ومن جاورهم على هذا البحر هو الخزر وقد ركبت فيه من أبسكون، وهو ساحل جرجان، إلى بلاد طبرستان، وغيرها، ولم أترك ممن شاهدت من التجار ممن له أدب وفهم ومن لا فهم عنده من أرباب المراكب إلا سألته عن ذلك، وكلٌّ يخبرني أن لا طريق له إليها إلا من بحر الخزر حيث دخلت إليه مراكب الروس، ونفَر من أهل أذر بيجان والباب والأبواب وبردعة والديلم والجبل وجرجان وطبرستان إليها لأنهم لم يعهدوا عدواً يطرأ عليهم، ولا عرف ذلك فيما سلف، وما ذكرنا فمشهور فيما سمينا من الأمصار والأمم والبلدان، سالك مسلك الاستفاضة فيهم.ورأيت في بعض الكتب المضافة إلى الكندي وتلميذه وهو أحمدابن الطيب السرخسي، صاحب المعتضد باللّه أن في طرف العمارة من الشمال بحيرة عظيمة بعضها تحت قطب الشمال، وأن بقربها مدينة ليس بعدها عمارة، يقال لها تولية، ولقد رأيت لبني المنجم في بعض رسائلهم ذكر هذه البحيرة، وقد ذكر أحمد بن الطيب في رسالته في البحار والمياه والجبال عن الكندي أن بحر الروم طوله ستة آلاف ميل من بلاد صور وطرابلس وأنطاكية واللاذقية والمثقب وساحل المصيصة وطرسوس وقلمية إلىمنار هرقل، وأنا أعْرَضَ موضع فيه أربعمائة ميل، هذا قول الكندي وابن الطيب.وقد أتينا عيى قول الفريقين جميعاً وما بينهما من الخلاف في ذلك من أصحاب الزيجات وما وجدناه في كتبهم وسمعناه من أتباعهم، ولم نذكر ما ذكروه من البراهين المؤيدة لما وصفا ة لاشتراطنا في هذا الكتاب على أنفسنا الاختصار والِإيجاز.
مبادىء تكوين البحار
وأما ما تنازع فيه المتقدمون من أوائل اليونانيين والحكماء المتقدمين في مبادىء كون البحار وعللها فقد أتينا على مبسوطه في كتابنا أخبار الزمان في الفن الثاني من جملة الثلاثين فناً، وقد ذكرنا قول كل فريق منهم وَعَزَوْنَا كل قول من ذلك إلى قائله، ولم نُخْل هذا الكتاب من إيراد لمع من قولهم.وذهب طائفة منهم إلى أن البحر بقية من الرطوبة الأولى التي جفَّفَ أكثرها جوهر النار، وما بقي منها إستحال لاحتراقه.ومنهم من قال: إن الرطوبة الأولى المجتمعة لما احترقت بدوران الشمس وانعصر الضَف منها إستحال الباقي إلى ملوحة ومرارة.
ومنهم من رأى أن البحار عَرَقٌ تعرقه الأرض لما ينالها من احتراق الشمس لاتصال دورها.
(1/48)

ومنهم من رأى أن البحر هو ما بقي مما صفَّتْهُ الأرض من الرطوبة المائية لغلظ جسمها، كما يعرض في الماء العذب إذا مزج بالرماد، فإنه إذا صفا من الرماد وجد مالحاً بعد أن كان عَذْباً.
وذهب آخرون أن الماء عذبه ومالحه كانا ممتزجين، فالشمس ترفع لطيفه وَعَذْبه لخفته.
وبعضهم قال: ترفعه الشمس لتغتذي به، وقال بعضهم: بل يعود بالاستحالة ماء إذا صار بارتفاعه إلى الموضع الذي يحصره البرد فيه، ويكيفه.ومنهم من ذكر أن الماء الذي هو أسطُقُس: ما كان منه عن الهواء وما يعرض منه من البرد يكون حلواً، وما كان منه في الأرض لما يناله من الاحتراق والحرارة يكون مراً.ومن أهل البحث من قال: إن جمع الماء الذي يفيض إلى البحرمن جميع ظهور الأرض وبطونها إذا صار إلى تلك الحفرة العظيمة فهو مُضَاض من مُضَاض، والأرض تقذف إليه ما فيها من الملوحة، والني في الماء من أجزاء النار التي تخرج إليه من بطون الأرض ومن أجزاء النيران المختلطة يرفعان لطائف الماء بارتفاعهما وتبخرهما 4 فإذا رفعا اللطائف صار منها ما يشبه المطر، وكان ذلك دأبهما وعادتهما، ثم يعود ذلك الماء مالحاًلأن الأرض إذا كانت تعطيه الملوحة، والنيران تخرج منها العفبة واللطافة، كان واجباً أن يعود إلى الملوحة وكذلك يكون ماء البحر على كيل واحد ووزن واحد ة لأن الحرير يرفع اللطيف فيصير طلّاً وماء، ثم تعود تلك الأندية سيولاً، وتطلب الحدور والقَرَار، وتجري في أعماق الأرض حتى يصير إلى ذلك الهور، فليس يضِيع من ذلك الماء شيء، ولا يبطل منه شيء، والأعيان قائمة كمنجنون غرَفَ من نهر وصب إلى حفرة تفيض إلى ذلك النهر، وقد شبه ذلك قوم بأعضاء الحيوان إذا اغتذت وعملت الحرارة في غذائه فاجتذبت منه ماء عذُبَ إلى الأعضاء المغتذية به،وخلفت ما ثقل منه، وهو المالح والمر، فمن ذلك البول والعرق، وهذا فضول الأغذية فيها، ولما كانت عن رطوبات عذبة أحالتها الحرارة إلىِ المرارة والملوحة، وإن الحرارة لو زادت أكثر من مقدارها لصار الفضل مراَ زائداً على ما يوجد من العرق والبول ث لوجودنا كل محترق مراً.هذا قول جماعة ممن تقدم، وأما ما يوجد بالعيان وإيقاع المحنة عند المباشرة فإن كل الرطوبات فات الطعوم إذا صعدت بالقرع والأنابيق بقيت روائحها وطعومها فيما يرتفع منها كالخل والنبيذ والورود والزعفران والقرنفل، إلا المالحة فإنها تختلف طعومها وروائحها، ولا سيما إن صعدت مرتين وأسخنت مرة بعد أخرى.وقد ذكر صاحب المنطق في هذا المعنى كلاماً كثيراً ا: من ذلك أن الماء المالح أثْقَلُ من الماء العذب، وجعل الدلالة على ذلك أن الماء المالح كَدر غليظ والماء العذب صَافٍ رقيق، وأنه إذا أخذ شيء من الشمع فعمل منه إناء ثم سد رأسه وصيرني ماء مالح وجد ذلك الماء الذي وصل إلى داخل الِإناء عذباً في الطعم خفيفاً في الوزن، ووجد الماء المحيط به على خلاف ذلك، وكل ماء يجري فهونهر، وحيث يَنبَع فهوعين، وحيث يكون معظم الماء فهوبحر.
(1/49)

قال المسعودي: وقد تكلم الناس في المياه وأسبابها، وأكثروا، وقد ذكرنا في كتابناأخبار الزمان في الفن الثاني من جملة الثلاثين فناً ما أوردوه من البراهين في مساحة البحار ومقاديرها، والمنفعة في ملوحة مائها، واتصال بعضها ببعض وانفصالها، وعدم بيان الزيادة فيهاوالنقصان، ولأية علة كان الجزر والمد في البحر الحبشي أظهر من لمحون سائر البحار، ووجدت نَوَاخذة بحر الصين والهند والسند والزنج واليمن والقلزم والحبشة من السيرافيين والعمانيين يخبرون عن البحر الحبشي في أغلب الأمور على خلاف ما ذكرته الفلاسفة وغيرهم ممن حكينا عنهم المقادير والمساحة، وإن ذلك لا غاية له، وفي مواضع منه شاهدت أربابالمراكب في البحر الرومي من الحربية والعمالة وهم النواتي وأصحاب الرحل والرؤساء ومن يلي تدبير المراكب والحرب فيهم، مثل لاوي المكنى بأبي الحرب غلام زراقة صاحب طرابلس الشام من ساحل دمشق، وذلك بعد الثلثمائة يُعَظِّمون طول البحر الرومي وعرضه، وكثرة خلجانه وتشعبه، وعلى هذا وجدت عبد اللهّ بن وزير صاحب مدينة جبلة من ساحل حمص من أرض الشام، ولم يبق في هذا الوقت وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة أبْصَرُ منه في البحر الرومي، ولا أسنُّ منه، وليس فيمن يركبه من أصحاب المراكب من الحربية والعمالة إلا وهو منقاد إلى قوله، ويُقِر له بالبصر والحِنْق، مع ما هو عليه من الديانة والجهاد القديم فيها، وقد ذكرنا عجائب هذه البحار وما سمعناه ممن ذكرنا من أخبارها وآفاتها، وما شاهدوا فيها فيما سلف من كتبنا، وسنورد بعد هذا الموضمع جملاً من أخبارها.
علامات لمعرفة وجود المياه
وقد ذهب قوم في علامات المياه ومستقرها من الأرض مذهباً، وسيم هوأن يرى في المواضع التي يكون فيها الماء منابتُ القَصَب والحَلفاء واللين من الحشيش؟ فذلك دلالة على قرب الماء لمن أراد الحفر، وأن ما عدا ذلك فعلى البعد.ووجدت في كتاب الفلاحة أن مَنْ أراد أن يعلم قرب الماء وبُعْده فليحفر في الأرض قدر ثلاثة أفرع أو أربعة، ثم يأخذ قِحدراً من نحاس أو إجانَةَ خزف، فيدهنها بالشحم من داخلها مستويَاَ، ولتكن القدر واسعة الفم، فإذا غابت الشمس فخذ صوفة بيضاء منفشة مغسولة، وخذ حجراً قدر بيضة، فلفَّ ذلك الصوف عليه مثل الكرة، ثم أطْل جانب الكرة بموم مذَاب وألصقها في أسفل ذلك القِدْر الذي قد دهنته بدهن أو شحم ثم ألقها في أسفل الحفيرة فإن الصوف يصير معلقاً والموم يمسكه، ويصير إلى مكان الحجر معلقاً، ثم احْثُ على الإِناء التراب قدر ذراعين أو ذراع، ودَعْه ليلتك كلها، فإذا كان الغد قبل طلوع الشمس فاكنس التراب عنه، وارفع الإِناء، فإن رأيت الماء ملزقاً بالإِناء من داخل قطراً كثيراً بعضه قريب من بعض والصوفة ممتلئة فإن في ذلك المكان ماء، وهو قريب، وإن كان القطر متفرقاً لا بالمجتمع ولا بالمتقارب والصوفة ماؤها وسط فإن الماء ليس بالبعيد ولا بالقريب، وإن كان القطر ملتزقاً متباعداً بعضه عن بعض والماء في الصوفة قليل، فإنّ الماءبعيد، وإن لم تَرَعلى الإِناء قطراً قليلًا ولا كثيراً ولا على الصوفة ماء فإنه ليس في ذلك الموضع ماء، فلا تَتَعَنّ في حَفْره.ووجدت في بعض النسخ من كتاب الفلاحة في هذا المعنى أن مَن أراد علم ذلك فلينظر إلى قرى النمل، فإن وجد النمل غلاظاً سي اً ثقيلة المشي فلينظر فعلى قدرثقل مشيهن الماءُ قريب منهن، وإن وجد النمل سريعِ المشي لا يكاد يلحَق فالماء على أربعين ذراعاً، والماء الأول يكون عذباَ طيباً والثاني يكون ثقيَلَا مالحاً.فهذه جملة علامات لمن يريد إستخراج الماء، وقد أتينا على مبسوط ما ذكرنا في كتابنا أخبار الزمان لأ وإنما نذكر في هذا الكتاب ما تدعو الحاجة إلى ذكره بالإِشارة إليه دون بَسْطه وإيضاحه.وإذ قد ذكرنا جملًا من أخبار البحار وغيرها، فلنقل في أخبار ملوك الصين وغيرها وأهلها، وغيرذلك مما لحق به، إن شاء اللّه تعالى.
دكر ملوك الصين والترك وتفرق ولد عابور
وأخبار الصين وغير ذلك مما لحق بهذا الباب
القول في أنساب الصين
(1/50)

قد تنازع الناس في أنساب أهل الصين وبدئهم: فذكر كثير منهم أن ولد عابوربن سوبيل بن ياقث بن نوح لما قَسّمٍ فالغ بن عابربن إرفخشذ بن سام بن نوح الأرضَ بين ولد نوح ساروا يسرة في الشرق، فسار قوم منهم من ولد أرعو على سَمْت الشمال، وانتشروا في الأرض فصاروا عدة ممالك: منهم الدَيْلَم، والجيل، والطيلسان، والتتر، وفرغان فأهل جبل القبق من أنواع اللكز ثم اللان والخزر والأنجاد والسرير وكشك، وسائر تلك الأمم. المنتشرة في ذلك الصقع، إلى بلاد طوابريدة إلى بحر مانطش ونيطش وبحر الخزر إلى البرغو ومن اتصل بهم من الأمم، وعَبَر ولد عابور نهر بلخ، ويمّم بلاد الصين الأكثر منهم، وتفرقوا عدة ممالك في تلك البلاد وانتشروا في تلك الديار، فمنهم الجيل، وهم سكان جيلان، والأشر وسنة والصغد، وهم بين بخارى وسمرقند، ثم الفراغنة والشاش واستيجاب رأهل بلاد الفاراب؛ فبنوا المدن والضياع، وانفرد منهم أناس غير هؤلاء فسكنوا البوادي: فمنهم الترك والخزلج والطغرغر، ومنهم أصحاب مدينة كوشان، وهي مملكة بين خراسان وبلاد الصين، وليس في أجناس الترك وأنواعهم في وقتنا هذا وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة أشد منهم بأساً، ولا أكثر منهم شوكة، ولا أضبط ملكاً، وملكهم أيرخان، ومذهبهم مذهب المانية، وليس في الترك من يعتقد هذا المذهب غيرهم، ومن الترك الكيماكية والبرسخانية والبدية والجعرية، وأشدهم بأسأ الغزية، وأحسنهم صورة، وأطولهم قأمة، وأصبحهم وجوهاً: الخزلجية، وهم أهل بلاد فرغانة والشاش وما يلي ذلك الصقع، وفيهم كان المُلْكُ، ومنهم خاف الخواقين، وكان يجمع ملكه سائر ممالك الترك، وتنقاد إ.ليه ملوكها، ومن هؤلاء الخواقين كان فراسياب التركي الغالب على بلاد فارس، ومنهم سانة، ولخاقان الترك في وقتنا هذا تنقاد ملوك الترك كلهم منذ خربت المدينة المعروفة بعمات، وهي في مفاوز سمرقند، وقد ذكرنا انتقال الملك عن هذه المدينة، والسبب في ذلك في كتابنا المترجم بالكتاب الأوسط، ولحق فريق من ولد عابور بتخوم الهند، فأثرت فيهم تلك البقاع فصارت ألوانهم بخلاف ألوان الترك، ولحقوا بألوان الهند، ولهم حَضرَ وَبَوادٍ، وسكن فريق منهم ببلاد التبت، وملكوا عليهم ملكاً وكان ينقادإلى ملك خاقان، فلما زال ملك خاقان على ما قدمنا، وسَمى أهل التبت ملكهم بخاقان تشبيهأ بمن تقدم من ملوك الترك وخاقان الخواقين.وسار الجمهور من ولد عابور على ساحل البحر حتى انتهواإلى أقاصيه من بلاد الصين، فتفرقوا في تلك البقاع والبلاد، وقطنوا الديار وكًوروا الكُوَرَ، ومصَّروا الأمصار ومًذنوا المدن، واتخفا لمملكتهم مد عظيمة، وسمَّوّها انموا، وبينها وبين ساحل البحر الحبشي وهو بحر الصين مسافة ثلاثة أشهر مدن وعمائر متصلة.
ملك نسطرطاس
وكان أول ملك تملك عليهم في هذه الديار وهي انموا نسطرطاس بن باعوربن مدتج بن عابور بن يافث بن نوح، فكان ملكه ثلثمائة سنة ونيفاً، وفرق أهله في تلك الديار، وشَقًق الأنهار، وقت السباع، وغرس الأشجار وأطعم الثمار، وهلك.
ملك عوون
فملك ولد له يُقال له عوون فجعل جسد أبيه في تمثال من الذهب لأحمر جزعاً عليه، وتعظيماً له، وأجلسه على سرير من الذهب الأحمر مرَصَّع بالجواهر وجعل مجلسه دونه، وأقبل يسجد لأبيه وهو في جوف تلك الصورة، هو وأهل مملكته، في طرفي النهار إجلالاً له، وعاش بعد أبيه،مائتي سنة وخمسين سنة، وهلك.
ملك عيثدون
فملك ولد له يقال له عيثدون فجعل جسد أبيه مخزوناً في تمثال من الذهب الأحمر، وجعله دون مرتبة جده على سرير من الذهب وَرصَّعَهُ بأنواع الجواهر وكان يسجد له، ويبدأ بجده الأول ثم بأبيه، وأهل مملكته يسجدون له وأحْسَنَ السياسة للرعية، وسوَّاهم في جميع أمورهم، وشملهم، بالعدل، فكثر النسل وأخصبت الأرض فكان ملكه إلى أن هلك نحواً من مائتي سنة.
ملك غيثنان
ثم ملك بعدهولده غيثنان فجعل أباه في تمثال من الذهب الأحمر جرى فيه على ما سلف من أفعالهم من السجود والتعظيم، وطال ملكه واتصلت بلاده ببلاد الترك من بني عمه، فعاش أربعمائة سنة، واتخذ في أيامه كثيراً من المهن مما لطف في الدور من الصنائع.
ملك حراتان
(1/51)

وملك بعمه ولده حراتان فأحدث الفلك وحمل فيها الرجال، وحمل لطائف بلاد الصين، وصيرها نحو السند والهند إلى إقليم بابل وإلى سائر الممالك مما قرب منها وَبُعدَ في البحر، وأهدى الهدايا العجيبة والرغائب النفيسة إلى الملوك وأمرهم أن يجلبوا إليه ما في كل بلد من الطرائف والتحف من المآكل والمشارب والملابس وسائر الفُرُش، وأن يعرفا سياسة كل ملك وكل أمة وشريعتها ونَهْجها الذي هي عليه، وأن يرغِّبوا الناس فيما في بلدانهم من الجواهر والطيب واللآلات ة فتفرقت المراكب في البلاد، ووردوا الممالك لما أمروا به، فلم يردوا على أهل مملكة إلا وأعجبوا بهم، واستطرفا ما أوردوه من أرضهم، فبنت الملوك المطيفة بالبحار المراكِبَ، وجهزت نحوهم السفن، وحملوا إليهم ما ليس عندهم، وكاتبوا ملكهم، وكافأوه على ما كان من هداياه إليهم، فعمرت بلاد الصين، واستقامت له الأمور، فكان عمره نحواً من مائتي سنة فهلك، فجزع عليه أهل مملكته وأقاموا النياحة عليه شهراً.
ملك توتال
ثم فزعوا إلى الأكبر من أولاده فصيروه عليهم ملكاً، فجعل جسد أبيه في تمثال من الذهب، وسلك طريقَ مَنْ كان قبله في فعلهم مقتدياً بمن مضى من آبائه، وكان اسم هذا الملك توتال فاستقامت له الامور وأحدث من السنن المحمودة ما لم يحدثه أحد ممن سلف من ملوكهم وزعم أن الملك لا يثبت إلا بالعدل فإن العدل ميزان الرب، وإن من العدل الزيادة في الإِحسان مع الزيادة في العمل وحصن، وشرف، وتوج ورتب الناس في رتبهم ووقفهمِ على طرائقهم، وخرج يرتاد موضعاً ليبني فيه هيكلاً، فافى موضعاً عامراَ بالنبات حسن الاعتمام بالزهر تخترقه المياه فحط الهيكل، وجلبت له أنواع الأحجار المختلفة الألوان فشيد الهيكل وجعل على علوه قبة، وجعل لها مخارج للهواء متساوية، ونصب فيها بيوتاً لمن أراد التفرد بالعبادة فلما فرغ منها نصب في أعلاها تلك التماثيل التي فيها أجسام من سلف من آبائه، وأمر بتعظيمها، وجمع الخواص من أهل مملكته وأخبرهم أن من رأيه ضم الناس إلى ديانة يرجعون إليها لجمع
(1/52)

الشمل وتساوي النظام، فإنه متى عدم الملك الشريعة لم يؤمن عليه الخلل، ودخول الفساد والزلل، فرتب لهم سياسة شرعية، وفرائض عقلية، وجعلها لهم رِبَاطاً، ورتب لهم قِصَاصاً في الأنفس والأعضاء، ومستحلات مناكح يستباح بها النسوان، وتصح بها الأنساب، وجعلها مراتب فمنها لوازم موجبة يَحْرَجُون من تركها، ومنها نوافل يتنفلون بها، وأوجب عليهم صلواتِ لخالقهم تقرباً لمعبودهم: منها إيماء لا ركوع فيها ولا سجود في أوقات من الليل والنهار معلومة،ومنها بركوع وسجود في أوقات منِ السنة والشهور محدودة، ورسم لهم أعياداً، وجعل على الزنَاة منهم حداَ، وعلى من أراد من نسائهم البغاء جزية مفروضة، وأن لا يسجن النكاح إلا في وقت من الأوقات، وإن أقلعن عما كن عليه تكف الجزية عنهن، وما يكون من أولادهن ذكوراً يكون للملك عبيداً وجُنْداً، وما يكون محن أولادهن إناثاً، ملأمهاتهنّ، ويلحقن بصنعتهن، وأمرهمِ بقرابين للهياكل ودخن، وأبخرة للكواكب، وجعل لكل كوكب منها وقتاَ بتقرب إليه فيه بدخن معلوم من أنواع الطيب والعقاقير، وأحكم لهم جميع الأمور، فاستقامت أيامه، وكثر النسل، فكانت حياته نحواً من مائة وخمسين سنة، وهلك، فجزعوا عليه جزعاً شديداً، فجعلوه في تمثال من الذهب الأحمر ورَصَّعوه بأنواع الجواهر، وبنوا له هيكلاً عظيماً، وجعلوا سقفه سبعة ألوان من الجوهر على أنواع الكواكب السبعة من النيرين والخمسة بألوانها وأشكالها، وجعلوا يوم وفاته صلوات وعيداً يجتمعون فيه كلند ذلك الهيكل، وصوروا صورته على أبواب المدينة وعلى الدنانير الفلوس وعلى الثياب، وأكثر أموالهم الفلوسُ الصفر والنحاس، فاستقرت هذه المدينة بدار ملك الصين، وهي مدينة انموا، وبينها وبين البحر نحومن ثلاثة أشهر وأكثر من ذلك على حسب ما قدمنا آنفاً، ولهم مدينة عظيمة نحو ما يلي من أرضهم مغرب الشمس، يُقال لها مد، وتلي بلاد التبتَ، والحرب بين بلاد التبت وأهل المد سِجَالٌ.فلم تزل الملوك ممن طرأ بعد هذا الملك أمورهم منتظمة وأحوالهم مستقيمة، والخصب والعدل لهم شامل، والجور في بلادهم معدوم، يقتدون بما نصبه لهم من الشرع مَنْ قدمنا ذكرهم، وحروبهم على عدوهم قائمة، وثغورهم مشحونة، والرزق على الجنود دارُّ، والتجار يختلفن إليهم في البر والبحر من كل بلد بأنواع الجهاز، ودينهم دين مَنْ سلف، وهي ملة تدعى السمنية، عباداتهم نحو من عبادات قريش قبل مجيء الإِسلام: يعبدون الصور، ويتوجهون نحوها بالصلوات، واللّبيب منهم يقصد بصلاته الخالق، ويقيم التماثيل من الأصنام والصور مقام قِبْلَة، والجاهل منهم ومَنْ لا علم له يشرك الأصنام بإلهية الخالق، ويعتقدهما جميعاً، وأن عبادتهم الأصنام تقربهم إلى اللّه زُلْفَى، وأن منزلتهم في العبادة تنقص عن عبادة البارىء لجلالته وعظمته وسلطانه، وأن عبادتهم لهذه الأصنام طاعة له ووسيلة إليه، وهذا الدين كان بدء ظهوره في خواصهم من الهند لمجاورتهم إياهم، وهو رأي الهند في العالم والجاهل على حسب ما ذكرنا في أهل الصين، ولهم آراء ونحل حدثت عن مذاهب الثنوية وأهل الدهر، فتغيرت أحوالهم، وبحثوا، وتناظروا، إلا أنهم ينقادون في جميع أحكامهم إلى ما نصب لهم من الشرائع المقدمة، ومن حيث إن مُلْكهم متصل بملك الطغرغر على حسب ما تقدم صاروا على آرائهم من اعتقادهم مذاهب المانية والقول بالنور والظلمة، وقد كانوا جاهلية سبيلُهم في الاعتقاد سبيلُ الترك، إلى أن وقع لهم شيطان من شياطين المانية، فزخرف لهم كلاماً يريهم فيه تضاد ما في هذا العالم وتباينه: من موت وحياة، وصحة وسقم، وضياء وظلام، وغنى وفقر، واجتماع وافتراق، وإتصال وانفصال، وشروق وغروب، ووجود وعدم، وليل ونهار، وغير ذلك من سائر المتضادات، وذكر لهم أنواع الآلام المعترضة لأجناس الحيوان من الناطقين وغيرهم مما ليس بناطق من البهائم، وما يعرض للأطفال والبُلْه والمجانينِ، وأن البارىء جل وعزّ غني عن إيلامهم، وأراهم أن هناك ضداً شديداَ دَخَلَ على الخير الفاضل في فعله، وهو اللّه عزّوجلّ، فاجتذب بما وصفنا وغيره من الشّبَهِ عقولَهم، فدنوا بما وصفنا، فإن كان ملك الصين ينتمي لمذهب ذبح الحيوان كانت الحرب بينه وبين صاحب الترك أيرخان سِجَالاً، وإذا كان ملك الصين متنافي المذهب كان الأمر بينهم في الملك مُشَاعاً، وملوك الصين فو
(1/53)

آراء ونحل، إِلا أنهم مع اختلاف أديانهم غير خارجين عن قضية العقل والحق، في نَصْب القُضَاة والحكام، وانقياد الخواص والعوام إلى ذلك. ونحل، إِلا أنهم مع اختلاف أديانهم غير خارجين عن قضية العقل والحق، في نَصْب القُضَاة والحكام، وانقياد الخواص والعوام إلى ذلك.
بعض عادات الصين
وأهل الصين شُعُوب وقبائل، كقبائل العرب وأفخاذها وتشعبها في أنسابها، ولهم مراعاة لذلك، وحفظ له، وينسب الرجل منهم إلى خمسين أبَاَ إلى أن يتصل بعابور وأكثر من ذلك وأقل، ولا يتزوج أهل كل فخذ من فخذهبم مثال ذلك أن يكون الرجل من مُضَرَ فيتزوج في ربيعة، أو من ربيعة فيتزوج من مضر، أو من كَهْلاَن فيتزوج في حِمْيَر، أو من حمير فيتزوج من كهلان، ويزعمون أن في ذلك صحة النسل وقوام البنية، وأنه أصح للبقاء، وأتم للعمر، وأسبابَاَ يذكرونها نحو ما ذكرنا.فلم تزل أمور الصين مستقيمة في العدل على حسب ما جرى به الأمر
(1/54)

فيما سلف من ملوكهم إلى سنة أربع وستين ومائتين؛ فإنه حدث في الملك أمر زال به النظام، وانقضت به الأحكام والشرائع ومنِع من الجهاد إلى وقتنا هذا، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، وهوأن نابغاَ نبغ فيهم من غير بيت الملك كان في بعض مدائن الصين يُقال له يانشو، وكان شريراً يطلب الفتنة، ويجتمع إليه أهل الدعارة والشر، فلحق الملِكَ وأربابَ التدبير غفلةٌ عنه، لخمول ذكره، وأنه ممن لا يُالى به، فاشتد أمره، ونما ذكره، وكثر عتوُّه، وقويت شوكته، وقطع أهل الشر المسافات نحوه، وعظم جيشه، فسار من موضعه، وَشَنَّ الغارات على العمائر حتى نزل مدينة خانقوا، وهي مدينة عظيمة على نهر عظيم أكبر من دجلة يصب إلى بحر الصين، وبين هذه المدينة وبين البحر مسيرة ستة أيام أو سبعة، تدخل هذا النهر سفن التجار الواردة من بلاد البصرة وسيراف وعمان ومدن الهند وجزائر الزابج والصنف وغيرها من الممالك بالأمتعة والجهاز، وتقرب إلى مدينة خانقوا، وفيها خلائق من الناس مسلمون ونصارى ويهود ومجوس، وغير ذلك من أهل الصين فقصد هذا العدو إلى هذه المدينة فحاصرها، وأتته جيوش الملك فهزمها، واستباح ما فيها، فكثرت جنوده، وافتتح مدينة خانقوا عَنْوَة، وقتل من أهلها خلقاً لا يُحْصَوْنَ كثرةً، وأحصى من المسلمين والنصارى واليهود والمجوس ممن قتك وغرق خوف السيف فكان مائتي ألف، وإنما أحصى ما ذكرناه من هذا العدد لأن ملوك الصين تحصي مَنْ في مملكتها من رعيتها، وكذا مَنْ جاورها من الأمم ليصير ذمة لها في دواوين لها، بكُتَّابِ قد وكِّلوا بإحصاء ذلك لما يراعون من حياطة مَنْ شمِلد ملكهم، وقَطَع هذَا العدو ما كان حول مدينة خانقوا من غابات شجر التوت إذ كان يحتفظ به لما يكون من ورقه، وما يطعم منه لدود القز الذي ينتج منه الحرير، فكان ذهاب الشجر داعياً إلى انقطاع الحرير الصيني وجهازه إلى ديار الإِسلام.وسار يانشو بجيوشه إلى بلد بلد فافتتحه، وانضاف إليه أمم من الناس ممن يطلب الشر والنهب وغيرهم ممن يخاف على نفسه، وقصد مدينة أنموا، وهي دار الملك، فخرج إليه الملك في نحو مائة ألف ممن بقي معه من خواصه والتقى هو ويانشو وكانت الحرب بينهم سجالاً نحواً من شهر، وصبر الفريقان جميعاً، ثم كانت على الملك فلَّى منهزماً، وأمعن الخارجي في طلبه، فانحاز الملك إلى مدينة في أطراف أرضه، واستولى الخارجي على الحَوْزَة، واحتوى على ديار الملك، وملك خزائن الملوك السالفة، وما أعحوه للنوائب، وشن الغارات في سائر العمارات، وافتتح المدن، وعلم أن لا قوام له بالملك؛ إذ كان ليس من أهله، فأمعن في خراب البلاد واستباحة الأموال، وسَفْك الدماء، وكاتب ملكُ الصين من المدينة التي انحاز إليها المًتَاخمة لبلاد التبت، وهي مدينة مد المتقدم ذكرها، مَلِكَ الترك ابن خاقان فاستنجده، وأعلمه ما نزل به، وأعلمه ما يلزم الملوك من الواجبات إذا استنجدها إخوانها من الملوك، وأن ذلك من فرائض الملك وواجباته، فأنجده ابن خاقان بولد له بنحو من أربعمائة ألف فارس ورجل، وقد استفحل أمر يانشو، فالتقى الفريقان جميعاً، فكانت الحرب بينهم سجالاً نحواً من سنة، وتفانى من الفريقين خلق كثير، ففقد يانشو، فقيل: إنه قتل، وقيل: إنه أحرق، وأسر ولده والخواص من أصحابه، وسار ملك الصين إلى دار المملكة وعاد إلى ملكه والعأمة تسمية يعبور، وتفسير ذلك ابن السماء تعظيماً له، وهو الاسم الأخص لملوك الصين، والذي يخاطبون به جميعاً جحان، ولا يخاطبون بيعبور، وتغلَّبَ كل صاحب ناحية من عمله على ناحيته، كتغلب ملوك الطوائف حين قَتَلَ الإِسكندر بن فيلبوس المقدوني دارا بن دارا ملك فارس، وكنحو ما نحن بسبيله في هذا الوقت وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - فرضي ملك الصين منهم بالطاعة له، ومكاتبته بالملك، ولم يتأتّ له المسير إلى سائر أعماله، ولا محاربة من تغلب على بلاده، وقنع بما وصفنا، وامتنع مَنْ ذكرنا من حمل الأموال إليه فتاركهم مسالماً لهم، وعدا كل فريق منهم على ما يليه على حسب قوته وتمكنه فعدم انتظام الملك واستقامته على حسب ما سلف من ملوكهم.وقد كان لمن سلف من ملوكهم سير وسياسات للملك، وانقياد للعدل، على حسب ما توجبه قضية العقل.وحكي أن رجلاً من التجار من أهل مدينة سمر قند من بلاد خراسان خرج من بلاده، ومعه متاع كثير، حتى انتهى
(1/55)

إلى العراق، فحمل من جهازه، وانحدر إلى البصرة، وركب البحر حتى أتى إلى بلاد عمان، وركب إلى بلاد كلة، وهي النصف من طريق الصين أو نحو ذلك، وإليها تنتهي مراكب أهل الإِسلام من السيرافيين والعمانيين في هذا الوقت فيجتمعون مع من يرد من أرض الصين في مراكبهم، وقد كانوا في بدء الزمان بخلاف ذلك، وذلك أن مراكب الصين كانت تأتي بلاد عمان وسيراف وساحل فارس وساحل البحرين والأبلة والبصرة وكذلك كانت المراكب تختلف من المواضع التي ذكرنا إلى ما هناك، ولما عدمٍ العدل وفسدت النيات وكان من أمر الصين ما وصفنا التقى الفريقان جميعا في هذا النصف، ثم ركب هذا التاجر من مدينة كلة في مراكب الصينيين إلى مدينة خانقوا، وَهي مرسى المراكب على حسب ما ذكرنا آنفاً، وبلغ ملك الصين خبر المراكب وما فيها من الجهاز والأمتعة فسرح خصيا من خواص خحمه ممن يثق به في أسبابه، وذلك أن أهل الصين يستعملون الخصيان من الخدم في الخراج وغيره من العمالات والمهمات وفيهم من يخصي ولحه طلباً للرياسة واعتقاد النعمة؛ فسار الخصي حتى أتى مدينة خانقوا، وأحضر التجار ومعهم التاجر الخراساني، فعرضوا عليه ما احتاج إليه من المتاع وما يصلح له، فسأل الخراساني أن يحضر متاعه فأحضره، وجرت بينهم محادثة، ودار الأمر في التثمين للمتاع، فأمر الخصي بسجن الخراساني وإكراهه، وذلك أنه زاده ثقة منه بعدل الملك، فمضىالخراساني من قَوْره حتى أتى إلى مدينة أنموا، وهي دار الملك، فقف موقف المتظلم، وذلك أن المتظلم إذا أتى من البلد الشاسع أو غيره تقمص نوعاً من الحرير الأحمر، ووقف موضعاً قد رسم للظّلأمة، وقدرتب بعض ملوك النواحي للقبض على من يرد من المتظلمين، ويقف ذلك الموقف، فيحمل مسيرة شهر من أرضهم على البريد، ففعل ذلك بالتاجر الخراساني، ووقف بين يدي صاحب تلك الناحية المرتب لما ذكرناه، فأقبل عليه، وقال: أيها الرجل لقد تعرضت لأمر عظيم، وخاطرت بنفسك، أنظر إن كنت صادقاً فيما تخبر به، وإلا فإنا نقيلك ونردُّك من حيث جئت، وكان هذا خطابه لمن يتظلم، فإن رآه قد جزع وضرع في القول ضربه مائة خشبة ورده من حيث جاء، وإن هو صبرعلى ما هو عليه حمل إلى حضرة الملك، وأوقف بين يديه، وسمع كلامه، فصمم الخراساني في المطالبة والظُّلأمة فرآه محقاً غير ضَرِع ولا متلجلج، فحمل إلى الملك، فقف بين يديه وقَصَّ حديثه على الملك، فلما أن أس الترجمان إليه ما قاله وفهم ظلامته أمر به إلى بعض المواضع، وأحسن إليه، وأحضر الوزير وصاحب الميمنة وصاحب القلب وصاحب الميسرة، وهم أناس قد رتبوا لذلك عند الملمات وحين الحروب قد عرف كل واحد منهم مرتبته والمراد منه، فأمرهم أن يكتب كل واحد منهم إلى صاحبه بالناحية، ولكل واحد منهم خليفة في كل ناحية، فكتبوا إلى أصحابهم بخانقوا أن يكتبوا إليهم بما كان من خبر التاجر والخادم، وكتب الملك خليفته بالناحية بمثل ذلك، وقد كان خبر الخادم والتاجر اشتهر واستفاض، فردت الكتب على بغال البريد بتصحيح ما قاله التاجر، وذاك أن ملوك الصين لها في سائر الطرق من أعمالها بغال للبريد مُسْرَجة محفة الألات للأخبار والخرائط، فبعث الملك فاستحضر الخادم، فلما وقف بين يديهى العراق، فحمل من جهازه، وانحدر إلى البصرة، وركب البحر حتى أتى إلى بلاد عمان، وركب إلى بلاد كلة، وهي النصف من طريق الصين أو نحو ذلك، وإليها تنتهي مراكب أهل الإِسلام من السيرافيين والعمانيين في هذا الوقت فيجتمعون مع من يرد من أرض الصين في مراكبهم، وقد كانوا في بدء الزمان بخلاف ذلك، وذلك أن مراكب الصين كانت تأتي بلاد عمان وسيراف وساحل فارس وساحل البحرين والأبلة والبصرة وكذلك كانت المراكب تختلف من المواضع التي ذكرنا إلى ما هناك، ولما عدمٍ العدل وفسدت النيات وكان من أمر الصين ما وصفنا التقى الفريقان جميعا في هذا النصف، ثم ركب هذا التاجر من مدينة كلة في مراكب الصينيين إلى مدينة خانقوا، وَهي مرسى المراكب على حسب ما ذكرنا آنفاً، وبلغ ملك الصين خبر المراكب وما فيها من الجهاز والأمتعة فسرح خصيا من خواص خحمه ممن يثق به في أسبابه، وذلك أن أهل الصين يستعملون الخصيان من الخدم في الخراج وغيره من العمالات والمهمات وفيهم من يخصي ولحه طلباً للرياسة واعتقاد النعمة؛ فسار الخصي حتى أتى مدينة خانقوا، وأحضر التجار ومعهم التاجر الخراساني، فعرضوا عليه ما احتاج إليه من المتاع وما يصلح له، فسأل الخراساني أن يحضر متاعه فأحضره، وجرت بينهم محادثة، ودار الأمر في التثمين للمتاع، فأمر الخصي بسجن الخراساني وإكراهه، وذلك أنه زاده ثقة منه بعدل الملك، فمضىالخراساني من قَوْره حتى أتى إلى مدينة أنموا، وهي دار الملك، فقف موقف المتظلم، وذلك أن المتظلم إذا أتى من البلد الشاسع أو غيره تقمص نوعاً من الحرير الأحمر، ووقف موضعاً قد رسم للظّلأمة، وقدرتب بعض ملوك النواحي للقبض على من يرد من المتظلمين، ويقف ذلك الموقف، فيحمل مسيرة شهر من أرضهم على البريد، ففعل ذلك بالتاجر الخراساني، ووقف بين يدي صاحب تلك الناحية المرتب لما ذكرناه، فأقبل عليه، وقال: أيها الرجل لقد تعرضت لأمر عظيم، وخاطرت بنفسك، أنظر إن كنت صادقاً فيما تخبر به، وإلا فإنا نقيلك ونردُّك من حيث جئت، وكان هذا خطابه لمن يتظلم، فإن رآه قد جزع وضرع في القول ضربه مائة خشبة ورده من حيث جاء، وإن هو صبرعلى ما هو عليه حمل إلى حضرة الملك، وأوقف بين يديه، وسمع كلامه، فصمم الخراساني في المطالبة والظُّلأمة فرآه محقاً غير ضَرِع ولا متلجلج، فحمل إلى الملك، فقف بين يديه وقَصَّ حديثه على الملك، فلما أن أس الترجمان إليه ما قاله وفهم ظلامته أمر به إلى بعض المواضع، وأحسن إليه، وأحضر الوزير وصاحب الميمنة وصاحب القلب وصاحب الميسرة، وهم أناس قد رتبوا لذلك عند الملمات وحين الحروب قد عرف كل واحد منهم مرتبته والمراد منه، فأمرهم أن يكتب كل واحد منهم إلى صاحبه بالناحية، ولكل واحد منهم خليفة في كل ناحية، فكتبوا إلى أصحابهم بخانقوا أن يكتبوا إليهم بما كان من خبر التاجر والخادم، وكتب الملك خليفته بالناحية بمثل ذلك، وقد كان خبر الخادم والتاجر اشتهر واستفاض، فردت الكتب على بغال البريد بتصحيح ما قاله التاجر، وذاك أن ملوك الصين لها في سائر الطرق من أعمالها بغال للبريد مُسْرَجة محفة الألات للأخبار والخرائط، فبعث الملك فاستحضر الخادم، فلما وقف بين يديه
(1/56)

سَلَبه ما كان أنعم به عليه، ثم قال له: عمدت إلى رجل تاجر قد خرج من بلد شاسع، وقطع مسالك، واجتاز بملوك في بر وبحر، فلم يتعرض له، يؤمل الوصول إلى مملكتي ثقة منه بعدلي، ففعلت به ما فعلت، وكان ينصرف عن ملكي، ويقبح الأحدوثة عن سيرتي، أما لولا قديم حرمتك بنا لقتلتك، لكن أعاقبك بعقوبة إن عقلت فإنها أكبر من القتل، وهو أن أوليك مقابر الموتى من الملوك السالفة، أن عجزت عن تدبير الأحياء والقيام بما إليه ندبت، وأحسن الملك إلى التاجر، وحمله إلى خانقوا، وقال له: إن سمحت نفسك أن تبيع منا ما اختير لنا من متاعك بالثمن الجزيل، وإلا فأنت المحكَّم في مالك، أقم إذا شئت، وبع كيف شئت، وانصر راشداً حيث شئت، وصَرَف الخادم إلى مقابر الملوك.قال المسعودي: ومن طرائف أخبار ملوك الصين أن رجلاً من قريش من ولد هَبَّاربن الأسود لما كان من أمر صاحب الزنج بالبصرة ما كان واشتهر، خرج هذا الرجل من مدينة سيراف، وكان من أرباب البصيرة وأرباب النعم بها، وفي الأحوال الحسنة، ثم ركب منها في بعض مراكب بلاد الهند، ولم يزل يتحول من مركب إلى مركب، ومن بلد إلى بلد، يخترق ممالك الهند، إلى أن انتهى إلى بلاد الصين فصار إلى مدينة خانقوا، ثم دعته همته إلى أن صار إلى دار ملك الصين، وكان الملك يومئذ بمدينة حمدان، وهي من كبار مدنهم، ومن عظيم أمصارهم، فأقام بباب الملك مدة طويلة يرفع الرقاع ويذكرأنه من أهل بيت نبوة العرب، فأمر الملك بعد هذه المدة الطويلة بإنزاله في بعض المساكن وإزاحة العلة من أموره وجميع ما يحتاج إليه، وكتب إلى الملك المقيم بخانقوا يأمره بالبحث عنه، ومسألة التجار عما يدعيه الرجل من قرابة نبي العرب صلى الله عليه وسلم، فكتب صاحب خانقوا بصحة نسبه، فأذن له في الوصول إليه، ووصله بمال واسع، وأعاده إلى العراق، وكان شيخاً فهماً، أخبر أنه لما وصل إليه، وسأله عن العرب، وكيف أزالوا ملك العجم، فمّال له: باللهّ عز وجل، وما كانت العجم عليه من عبادة النيران والسجود للشمس والقمر من دون الله عز وجل، فقال له: لقد غلبت العرب على أجَلِّ الممالك، وأنفسها، وأوسعها رَيعاً، وأكثرها أموالاً، وأعقلها رجالاً، وأهداها صوتاً، ثم قال له: فما منزلة سائر الملوك عندكم. فقال: ما لي بهمِ علم، فقال للترجمان قل له: إنا نعدُّ الملوك خمسة، فأوسعهم ملكاَ الذي يملك العراق، لأنه في وسط الدنيا، والملوك مُحْدِقَة به، ونجد اسمه ملك الملوك، وبعده ملكنا هذا، ونجده عندنا ملك الناس، لأنه لا أحد من الملوك أسوس منا، ولا أضبط لملكه من ضبطنا لملكنا، ولا رعية من الرعايا أطوع لملكها من رعيتنا، فنحن ملوك الناس، ومن بعده ملك السباع، وهو ملك الترك الذي يلينا، وهم سباعُ الِإنْس، ومن بعده ملك الذيلَةِ، وهو ملك الهند، ونجده عندنا ملك الحكمة أيضاً، لأن أصلها منهم، ومن بعده ملك الروم، وهو عندنا ملك الرجال، لأنه ليس في الأرض أتم خلقاً من رجاله، ولا أحسن وجوهاً منهم، فهؤلاء أعيان الملوك، والباقون دونهم، ثم قال للترجمان: قل له: أتعرف صاحبك إن رأيته. يعني رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، قال القرشي: وكيف لي برؤيته وهو عند اللّه عزّ وجلّ؟ فقال: لم أرد هذا، وإنما أردت صورته، فقلت: أجل، فأمر بسَفَطٍ فأخرج فضع بين يديه، فتناول منه درجاً، وقال للترجمان: أره صاحبه، فرأيت في الدرج صور الأنبياء، فحركتُ شفتيَّ بالصلاة عليهم، ولم يكن عندهم أني أعرفهم، فقال للترجمان: سَلْه عن تحريكه لشفتيه، فسألني، فقلت: أصلي على الأنبياء: ومن أين عرفتهم؟ فقلت: بما صُوِّرَ من أمورهم، هذا نوح عليه السلام في السفينة ينجو بمن معه لما أمر اللّه عزّوجلّ الماء فعمَّ الماء الأرض كلها بمن فيها وسلمه وَمَنْ معه، فقال: أما نوح فصدقت في تسميته، وأما غرق الأرض كلها فلا نعرفه، وإنما أخذ الطوفان قطعة من الأرض ولم يصل إلى أرضنا، وإن كان خبركم صحيحاً فعن هذه القطعة، ونحن معاشر أهل الصين والهند والسند وغيرنا من الطوائف والأمم لا نعرف ما ذكرتم، ولا نَقَلَ إلينا أسلافنا ما وصفتم، وما ذكرت من ركوب الماء الأرض كلها فعن الكوائن العظام التي تُفزع النفس إلى حفظة وتتداوله الأمم ناقلة له، قال القرشي: فَهِبْتُ الرد عليه وإقأمة الحجة؛ لعلمي بدَفْعِهِ ذلك، ثم قلت: وهذا موسى صلى الله عليه وسلم وبنو
(1/57)

إسرائيل، فقال: نعم على قلة البلد الذي كان به وفساد قومه عليه، ثم قلت: هذا عيسى ابن مريم عليه السلام على حماره الحواريُّونَ معه، فقال: لقد كان قليل المدة، إنما كان أمَده يزيد على ثلاثين شهراً شيئاً يسيراً، وعلا من سائر الأنبياء وأخبارهم ما اقتصرت على ذكر بعضه، ويزعم هذا القرشي وهو المعروف بابن هبار أنه رأى فق كل صورة كتابة طويلة قد دوِّن فيها ذكر أسمائهم، ومواضع بلدانهم، ومقادير اعمارهم، وأسباب نبواتهم وسيرهم، وقال: ثم رأيت صورة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على جمل وأصحابه مُحْدِقون به في أرجلهم نعال عربية من جلود الِإبل، وفي أوساطهم الحبال، قد علقوا فيها المساويك، فبكيت، فقال للترجمان: سله عن بكائه، فقلت: هذا نبينا وسيدنا وابن عمنا محمد بن عبد اللّه صلى الله عليه وسلم، فقال: صدقت، لقد ملك قَومه أجَلّ الممالك، إلا أنه لم يعاين من الملك شيئاً، إنما عاينه من بعده ومن تولى الأمر على أمته من خلفائه، ورأيت صور أنبياء كثيرة منهم من قد أشار بيده جامعاً بين سبَّابته وإبهامه كالحلقة، كأن يصف أن الخليقة في مقداو الحلقة، ومنهم من قد أشار بسبابته نحو السماء كالمُرْهِبِ للخليقة بما فق، وغير ذلك، ثم سألني عن الخلفاء وزيّهم وكثير من الشرالى فأجبته على قدر ما أعلم منها، ثم قال: كم عمر الدنيا عندكم؟ فقلت: فقد تنوزع في ذلك، فبعض يقول: ستة آلاف سنة، وبعض يقول. دونها، وبعض يقول: أكثر منها، فقال:ذلك عن نبيكم. فقلت: نعم، فضحك ضحكاً كثيراً ووزيره أيضاً، وهو واقف !ذَ على إنكار ذلك، وقال: ما حسبت نبيكم قال هذا، فزللت فقلت: بلى هو قال ذلك، فرأيت الِإنكار في وجهه، ثم قال للترجمان: قل له ميز كلامك فإن الملوك لا تكلم إلا عن تحصيل، أما زعمت أنكم تختلفن في ذلك، فإنكم اختلفتم في قول نبيكم، وما قالت الأنبياء لا يجب أن يختلف فيه، بل هو مسلم لها، فاحذر هذا وشبهه أن حكيه، وذكر أشياء كثيرة ذهبت عنيِ لطول المدة، ثم قال لي: لم عدلت عن ملكك وهو أقرب إليك داراَ ونسباً. قلت: بما حدث على البصرة، ووقوعي إلى سيراف، ونزعت بي همتي إلى ملكك أيها الملك، لما بلغني من استقأمة ملكك، وحسن سيرتك، وكثرة جنوثك وشمول سياستك لسائر رعيتك فأحببت الوقوع إلى هذه المملكة ومشاهدتها، وأنا راجع عنها إلى بلادي، وملك ابن عمي، ومخبر بما شاهدت من جلالة هذا الملك، وسعة هذه البلاد وعموم هذا العدل، وحسن شَيَمِك أيها الملك المحمود، وسأقول بكل قول حسن وأثني بكل جميل، فسَرَّهُ ذلك، وأمرلي بجائزة سنية، وخلع شريفة، وأمر بحملي على البريد إلى مدينة خانقوا، وكتب إلى ملكها بإكرامي وتقديمي على من في ناحيته من سائر خواص الناس، وإقأمة النُزُل إلى وقت خروجي عنه، فكنت عنلى في أخصب عيش وأنهمه، إلى أن خرجت من بلاد الصين.ائيل، فقال: نعم على قلة البلد الذي كان به وفساد قومه عليه، ثم قلت: هذا عيسى ابن مريم عليه السلام على حماره الحواريُّونَ معه، فقال: لقد كان قليل المدة، إنما كان أمَده يزيد على ثلاثين شهراً شيئاً يسيراً، وعلا من سائر الأنبياء وأخبارهم ما اقتصرت على ذكر بعضه، ويزعم هذا القرشي وهو المعروف بابن هبار أنه رأى فق كل صورة كتابة طويلة قد دوِّن فيها ذكر أسمائهم، ومواضع بلدانهم، ومقادير اعمارهم، وأسباب نبواتهم وسيرهم، وقال: ثم رأيت صورة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على جمل وأصحابه مُحْدِقون به في أرجلهم نعال عربية من جلود الِإبل، وفي أوساطهم الحبال، قد علقوا فيها المساويك، فبكيت، فقال للترجمان: سله عن بكائه، فقلت: هذا نبينا وسيدنا وابن عمنا محمد بن عبد اللّه صلى الله عليه وسلم، فقال: صدقت، لقد ملك قَومه أجَلّ الممالك، إلا أنه لم يعاين من الملك شيئاً، إنما عاينه من بعده ومن تولى الأمر على أمته من خلفائه، ورأيت صور أنبياء كثيرة منهم من قد أشار بيده جامعاً بين سبَّابته وإبهامه كالحلقة، كأن يصف أن الخليقة في مقداو الحلقة، ومنهم من قد أشار بسبابته نحو السماء كالمُرْهِبِ للخليقة بما فق، وغير ذلك، ثم سألني عن الخلفاء وزيّهم وكثير من الشرالى فأجبته على قدر ما أعلم منها، ثم قال: كم عمر الدنيا عندكم؟ فقلت: فقد تنوزع في ذلك، فبعض يقول: ستة آلاف سنة، وبعض يقول. دونها، وبعض يقول: أكثر منها، فقال:ذلك عن نبيكم. فقلت: نعم، فضحك ضحكاً كثيراً ووزيره أيضاً، وهو واقف !ذَ على إنكار ذلك، وقال: ما حسبت نبيكم قال هذا، فزللت فقلت: بلى هو قال ذلك، فرأيت الِإنكار في وجهه، ثم قال للترجمان: قل له ميز كلامك فإن الملوك لا تكلم إلا عن تحصيل، أما زعمت أنكم تختلفن في ذلك، فإنكم اختلفتم في قول نبيكم، وما قالت الأنبياء لا يجب أن يختلف فيه، بل هو مسلم لها، فاحذر هذا وشبهه أن حكيه، وذكر أشياء كثيرة ذهبت عنيِ لطول المدة، ثم قال لي: لم عدلت عن ملكك وهو أقرب إليك داراَ ونسباً. قلت: بما حدث على البصرة، ووقوعي إلى سيراف، ونزعت بي همتي إلى ملكك أيها الملك، لما بلغني من استقأمة ملكك، وحسن سيرتك، وكثرة جنوثك وشمول سياستك لسائر رعيتك فأحببت الوقوع إلى هذه المملكة ومشاهدتها، وأنا راجع عنها إلى بلادي، وملك ابن عمي، ومخبر بما شاهدت من جلالة هذا الملك، وسعة هذه البلاد وعموم هذا العدل، وحسن شَيَمِك أيها الملك المحمود، وسأقول بكل قول حسن وأثني بكل جميل، فسَرَّهُ ذلك، وأمرلي بجائزة سنية، وخلع شريفة، وأمر بحملي على البريد إلى مدينة خانقوا، وكتب إلى ملكها بإكرامي وتقديمي على من في ناحيته من سائر خواص الناس، وإقأمة النُزُل إلى وقت خروجي عنه، فكنت عنلى في أخصب عيش وأنهمه، إلى أن خرجت من بلاد الصين.
(1/58)

وصف مدينة حمدان
قال المسعودي: وأخبرني أبو زيد الحسن بن يزيد السيرافي بالبصرةوكان قد قطنها وانتقل عن سيراف، وذلك في سنة ثلاث وثلثمائة، وأبو زيد هذا هو ابن عمر بن زيد بن محمد بن مزد بن ساسياد السيرافي، وكان الحسن بن يزيد من أهل التحصيل والتمييزأنه سأل ابن هبار هذا القرشي عن مدينة حمدان التي بها الملك وصفتها، فذكر سعتها، وكثرة أهلها، وأنها مقسومة على قسمين يفصل بينهما شارع عظيم طويل عريض، فالملك ووزيره وقاضي القضاة وجنوده وخصيانه، وجميع أسبابه في الشق الأيمن منه مما يلي المشرق لا يخالطهم أحد من العأمة، وليس فيه شيء من الأسواق، بل أنهار في سككهم مطردة، وأشجار عليها منتظمة، ومنازل فسيحة، وفي الشق الأيسر مما يلي المغرب الرعية والتجار والميرة والأسواق فإذا وضح النهار رأيت فيها قَهَارمة الملك وغلمانه وغلمان وزرائه ووكلائهم ما بين راكب وراجل قد دخلوا إلى الشق الذي فيه العأمة والتجار، فأخفا بضائعهم وحوائجهم، ثم انصرفا فلا يعود واحد منهم إلى هذا الشق إلا في اليوم الثاني، وأن هذه البلدان فيها كل نزهة وغَيْضَة حسنة، وأنها مُطَّردة إلا النخل فإنه معدوم عندهم.
مهارة أهل الصين
وأما أهل الصين فمن أحْنَقِ خلق اللهّ كفَاَ بنقش وصنعة وكل عمل لا يتقدمهم فيه أحد من سائر الأمم، والرجل منهم يصنع بيده ما يقدرأن غيره يعجز عنه؛ فيقصد به باب الملك يلتمس الجزاء على لطيف ما ابتدع، فيأمر الملك بنصبه على بابه من وقته ذلك إلى سنة، فإن لم يخرج أحد فيه غيبَاَ أجاز صانعه وأدخله في جملة صناعه، وإن أخرج أحد فيه عيباً طرحه ولم يجزْه، وأن رجلَاَ منهم صورسنبلة سقط عليها عصفرفي ثوب حرير، لا يشك الناظر إليها أنها سنبلة سقط عليها عصفر، فبقي الثوب مدة، وأنه اجتاز به رجل أحْدَبُ، فعاب العمل، فأدخل إلى الملك وأحضر صاحب العمل، فسأل الأحدب عن العيب، فقال: المتعارف عند الناس جميعاً أنه لا يقع عصفر على سنبلة إلا أمالها، وصَوَر هذا المصورالسنبلة فنصبها قائمة لامَيْلَ فيها، وأثبت العصفر فقها منتصباً، فأخطأ، فصدق الأحدب، ولم يثب صاحبها بشيء، وقَصْدُهم بهذاوشبهه الرياضة لمن يعمل هذه الأشياء؟ ليضطرهم ذلك إلى شدة الاحتراز والحذر وإعمال الفكرفيما يصنعه كل واحد منهم بيده.ولأهل الصين أخبار عظيمة عجيبة، ولبلادهم أخبار ظريفة سنورد فيمايرد من هذا الكتاب جملاً منها وإن كنا قد أتينا على سائر الأخبار من ذلك في كتابنا أخبار الزمان في الأمم الماضية والممالك الدائرة وذكرنا في الكتاب الأوسط جملاً لم نتعرض لذكرها في كتاب أخبار الزمان وربما ذكرنا في هذا الكتاب ما لم يتقدم ذكره في ذينك الكتابين، واللهّ أعلم.
ذكر جمل من الأخبار عن البحار
وما فيها وما حولها من العجائب والأمم، ومراتب الملوك وأخبار الأندلس ومعادن الطيب وأصوله وعدد أنواعه وغير ذلك
قد ذكرنا فيما سلف من هذا الكتاب جملآَ من ترتيب البحار المتصلة والمنفصلة، فلنذكر الان في هذا الباب جملاً من أخبار ما اتصل بنا من البحر الحبشي والممالك والملوك، وجملاً من ترتيبها، وغير ذلك من أنواع العجائب.
اضطراب بحر فارس وبحر الهند وهدوئهما
(1/59)

فنقول: إن بحر الصين والهند وفارس واليمن متصلة مياهُهَاغير منفصلة، على ما ذكرنا، الا أن هيجانها وركودها مختلف لاختلاف مهاب رياحها وآثار ثورانها وغير ذلك، فبحر فارس تكثر أمواجه، ويصعب ركوبه، عند لين بحر الهند واستقامه ركوبه وقلة أمواجه، ويلين بحر فارس، وتقلُّ أمواجه، ويسهل ركوبه، عند ارتجاج بحر الهند، واضطراب أمواجه وظلمته، وصعوبة مركبه، فأول ما تبتدىء صعوبة بحر فارس عند دخول الشمس السنبلة وقرب الاستواء الخريفي، ولا يزال في كل يوم تكثر أمواجه إلى أن تصير الشمس إلى برج الحوت، فأشدًّ ما يكون ذلك في آخر الخريف عند كون الشمس في القوس، ثم يلين إلى أن تعود الشمس إلى السنبلة، وآخر ما يكون ذلك في آخر ما يكون ذلك في آخر الربيع عند كون الشمس في الجوزاء، وبحر الهند لا يزال كذلك إلى أن تصير الشمس إلى السنبلة فيركَبُ حينئذ، وأهدأ ما يكون عند كون الشمس في القوس، وبحر فارس يركَبُ في سائر السنة من عُمَان إلى سيراف، وهو ستون ومائة فرسخ، ومن سيراف إلى البصرة وهو أربعون ومائة فرسخ، ولا يتجاوز في ركوبه غير ما ذكرنا من هذين الموضعين ونحوهما، وقد حكى أبو معشر المنجم في كتابه المترجم بالمدخل الكبير إلى علوم النجوم ما ذكرنا من اضطراب هذه البحار وهدوئها عند كون الشمس فيما ذكرنا من البروج، وليس يكاد يقطع من عُمَان نحو الهند في انتهائه إلا مركب معزز، وحمولته يسيرة، وتسمى هذه المراكب بعمان إذا قَطَعَتْ أرض الهند في هذا الوقت التيرماهية، وذلك أن بلاد الهند وبحر الهند يكون فيه اليسارة وهو الشتاء ودوام الأمطار في كانون، وكانون وشباط عندنا صيف، وعندهم الشتاء، كما يكون عندنا الحر في حزيران وتموز وآب، فشتاؤنا صيفهم، وصيفهم شتاؤنا، وكذلك سائر مدن السند والهند وما اتصل بذلك إلى أقاصي هذا البحر، ومن شَتَّى في صيفنا بأرض الهند قيل: فلان يسَّرَ بأرض الهند، أي شتى هناك، وذلك لقرب الشمس وبعدها.
الغوص على اللؤلؤ
والغَوْص على اللؤلؤ في بحر فارس، وإنما يكون في أول نيسان إلى آخر أيلول، وما عدا ذلك من شهور السنة فلا غَوْص فَيها، وقد أتينا فيما سلف من كتبنا على سائر مواضع الغَوْص في هذا البحر؛ إذ كان ما عداه من البحار لا لؤلؤ فيه، وهو خاص بالبحر الحبشي من بلاد خارك وقطر وعمان يسرنديب وغير ذلك من هذا البحر، وقد ذكرنا كيفية تكون اللؤلؤ، وتنازع لناس في تكونه، ومن ذهب منهم إلى أن ذلك من المطر، ومن ذهب مهم إلى أن ذلك من غير المطر، وصفة صدف اللؤلؤ العتيق منه والحديث لفي يسمى بالمحار، والمعروف بالبلبل، واللحم الذي في الصدف الشحم، وهو حيوان يفزع على ما فيه من اللؤلؤوالدر خوفاً من الغَاصَةِ، كخوف المرأة على ولدها، وقد أتينا على ذكر كيفية الغوص، إن الغَاصَةَ لا يكادون يتناولون شيئاً من اللحمان إلا السمك والتمر، وغيرهما من الأقوات، وما يلحقهم، وذكر شق أصول آذانهم لخروج النفس من هناك بدلاً عن المنخرين، لأن المنخرين يجعل عليهما شيء من الدبل هو ظهور السلاحف البحرية التي تتخذ منها الأمشاط أو من القرن يضمهما كالمشقاص لامن الخشب، وما يجعل في آذانهم من القطن فيه شيء من الدهن، فيعصرمن ذلك الدهن اليسيرفي الماء في قعره، فيضيء لهم ذلك في البحر ضياء بينا، وما يطلون به أقدامهم وَأسوَاقهم من السواد حوفاً من بَلع دواب البحر إياهم ولنفرها من السواد، وصياح الغاصة في قعر البحركالكلاب، وخرق الصوت الماء فيسمع بعضهم صياح بعض، للغَوَاص واللؤلؤ وحيوانه أخبار عجيبة وقد أتينا على جميع أوصاف ذلك وصفات اللؤلؤ وعلاماته وأثمانه ومقادير أوزانه فيما سلف من كتبنا.فأول هذا البحر مما يلي البصرة والأبلة والبحرين من خشبات البصرة، ثم بحر لا روى وعليه بلاد صيمور وسوبارة وتابة وسندان وكنباية
(1/60)

وغيرها من السند والهند، ثم بحرهركند، ثم بحركلاه، وهوبحركلة والجزائر، ثم بحر كردنج، ثم بحر الصنف، وإليه يضاف العود الصنفي وإلى بلاده، ثم بحر الصين وهو بحر صنجي ليس بعده بحر، فأول بحار فارس على ما ذكرنا خشبات البصرة والموضع المعروف بالكفلاء وهي علامات منصوبة من خشب في البحر مغروسة علامات للمراكب إلى عمان مسافة ثلاثمائة فرسخ، وعلى ذلك ساحل فارس وبلاد البحرين، ومن عمان وقصبتها تسمى سنجار، والفرس يسمونها مزون إلى المسقط، وهي قرية منها يستقي أرباب المراكب الماء من آبار هناك عذبة خمسون فرسخاً، ومن المسقط إلى رأس الجمجمة خمسون فرسخاً، وهذا آخر بحر فارس، وطوله أربعمائة فرسخ، هذا تحديد النواتية وأرباب المراكب، ورأس الجمجمة جبل متصل ببلاد اليمن من أرض الشَحْر والأحقاف، والرمل منه تحت البحر، لا يدري أين تنتهي غايته في الماء أعني الجبل المعروف برأس الجمجمة، وإذا كان ما وصفنا من الجبل في البر ومنه تحت البحر سمي في البحر الرومي سفالة، من تلك السفالة في الموضع المعروف بساحل سلوقيا من أرض الروم، واتصالها تحت البحر بنحو من جزيرة قبرص، وعليها عطَبُ أكثر مراكب الروم وهلاكها، وإنما نعبر بلغة أهل كل بحروما يستعملونه في خطابهم فيما يتعارفنه بينهم، فمن هناك تنطلق المراكب إلى البحر الثاني وهو المعروف بلا روي ولا يُدْرى عمقه ولا يحصر طوله وعرضه عند البحريين، وربما يقطع في الشهرين والثلاثة وفي الشهر، على قدر مهاب الريح والسلأمة، وليس في هذه البحار أعني مااحتوى عليه البحر الحبشي أكبر من هذا البحر بحر لاروى، ولا أشد، وفي عرضه بحر الزنج وبلادهم، وعنبر هذا البحر قليل، وذلك أن العنبرأكثره يقع إلى بلاد الزنج وساحل الشَحْر من أرض العرب، وأهل الشحر أناس من قضاعة وغيرهم من العرب، وهم مَهْرة، ولغتهم بخلاف لغة العرب، وذلك أنهم يجعلون الشين بدلاً من الكاف، مثال ذلك أن يقولوا: هل لَش فيما قُلْت لَش، وقلت لي: أن تجعلي الذي معي في الذي مَعَش، يريد هل لك فيما قلت لك، وقلت لي أن تجعلي الذي معي في الذي معك، وغير ذلك من خطابهم ونوادر كلامهم، وهم فو فقر وفاقة، ولهم نُجُب يركبونها بالليل تعرف بالنجب المَهْرِيَّة تشبه في السرعة بالنجب البجاوية، بل عند جماعة أنها أسرع منها، يسيرون عليها على ساحل بحرهم، فإذا أحسَّتْ هذه النجب بالعنبر قد قذفه البحر بركت عليه، قد رِيضَتْ لذلك واعتادته، فيتناوله الراكب، وأجود العنبر ما وقع في هذه الناحية وإلى جزائر الزنج، وساحله، وهو المدور الأزرق النادر كبيض النعام أو دون ذلك، ومنه ما يبلعه الحوت المعروف بالأوال المقدم ذكره، وذلك أن البحر إذا أشتد قذف من قعره العنبر كقطع الجبال وأصغر، على ما وصفنا، فإذا ابتلع هذا الحوت العنبر قتله فيطف فق الماء، ولذلك اناس يرصدونه في القوارب من الزنج وغيرهم، فيطرحون فيه الكلاليب والحبال، فيشقون عن بطنه ويستخرجون العنبر منه، فما يخرج من بطنه يكون سَهِكاً، ويعرفه العطارون بالعراق وفارس بالند، وما بقي على ظهر الحوت منه كان نقياً جيداً، على حسب لبثه في بطن الحوت، وبين البحر الثالث وهو هركند والبحر الثاني وهو لاروى على ما ذكرنا جزائر كثيرة، وهي فرز بين هذين البحرين، ويُقال: إنها نحو من ألفي جزيرة، وفي قول المحق ألف وتسعمائة جزيرة كلها عامر بالناس، وملكة هذه الجزائر كلها امرأة، وبذلك جرت عادتهم من قديم الزمان لا يملكهم رجل، والعنبر يوجد في هذه الجزائر أيضاً، يقذفه البحر، ويوجد في بحرها، كأكبر ما يكون من قطع الصخر، وأخبرني غير واحد من نَوَاخذة السيرافيين والعمانيين بعمان وسيراف وغيرها من التجار ممن كان يختلف إلى هذه الجزائر أن العنبرينبت في قعر هذا البحر، ويتكون كتكون أنواع الفطر: من الأبيض، والأسي، والكمأة والمغاريد، وبنات أوْبَرَ ونحوها، فإذا هاج البحر وأشتد قذف من قعره الصخور والأحجار وقطع العنبر، وأهل هذه الجزائر متفقون، وكلمتهم واحدة، ولا يحصرهم العد لكثرتهم، ولا تحصى جيوش هذه الملكة عليهم، وبين الجزيرة والجزيرة نحو الميل والفرسخ والفرسخين والثلاثه، ونخلهم شجر النارجيل، لا يفقد من النخلة إلا التمر، وقد زعم أناس ممن عنى بتوالدات الحيوان وتطعيم الأشجار أن النارجيل هو نخل المقل، وإنما أثرت فيه تربة الهند حين غرس فيها فصار
(1/61)

نارجيلاً، وإنما هو نخل المقل، وقد ذكرنا في كتابنا المترجم بالقضايا والتجارب ما تؤثَره كل بقعة من بقاع الأرض وهوائها في حيوانها من الناطقين وغيرهم، وما يؤثر البقاع في النامي من النبات، وفيما ليس بنام، كتأثير أرض الترك في وجوههم وصغر أعينهم، حتى أثر ذلك في جِمَالهم، فقصرت قوائمها، وغلظت رقابها، وأبيض وَبَرها؛ وأرض يأجوج ومأجوج في صورهم، وغير ذلك، مما إذا تبينه فو المعرفة في سكان الأرض من المشرق والمغرب وجدوه على ما ذكرناه،وليس يوجد في جزائرارجيلاً، وإنما هو نخل المقل، وقد ذكرنا في كتابنا المترجم بالقضايا والتجارب ما تؤثَره كل بقعة من بقاع الأرض وهوائها في حيوانها من الناطقين وغيرهم، وما يؤثر البقاع في النامي من النبات، وفيما ليس بنام، كتأثير أرض الترك في وجوههم وصغر أعينهم، حتى أثر ذلك في جِمَالهم، فقصرت قوائمها، وغلظت رقابها، وأبيض وَبَرها؛ وأرض يأجوج ومأجوج في صورهم، وغير ذلك، مما إذا تبينه فو المعرفة في سكان الأرض من المشرق والمغرب وجدوه على ما ذكرناه،وليس يوجد في جزائر البحر ألطف صنعة من أهل هذه الجزائر في سائر المهن والصنائع، في الثياب والآلات وغير ذلك، وبيوت أموال هذه الملكة الودع، وذلك أن هذا الودع فيه نوع من الحيوان، وإذا قل مالها أمرت أهل هذه الجزائر أنيقطعوا من سعف نخل النارجيل بخوصه، ويطرحونه على وجه الماء، فيتراكب عليه ذلك الحيوان، فيجمع ويطرح على رمل الساحل، فتحرق الشمس ما فيه من الحيوان، ويبقى الودع خالياً مما كان فيه، فتملأ من ذلك بيوت الأموال، وهذه الجزائر تعرف جميعها بالدبيحات ومنها يحمل أكثر الزانج، وهو النارجيل، وآخر هذه الجزائر جزيرة سرنديب، ويلي جزيرة سرنديب جزائر أخر نحو من ألف فرسخ تعرف بالرامين معمورة وفيها ملوك وفيها معادن من ذهب كقيرة، ويليها بلاد قنصور وإليها يضاف الكافر القنصوري، والسنة التي تكون كثيرة الصواعق والبروق والرَّجْف والقذف والزلازل يكثر فيها الكافر، وإذا قل ذلك كان نقصاناً في وجوده، وأكثر ما ذكرنا من الجزائر غذاؤهم النارجيل، ويحمل من هذه الجزائر خشب البَقَم والخيزران والذهب، وفيلتها كثيرة، ومنها ما يأكل لحوم الناس، وتتصل هذه الجزائر بجزائر النجمالوس، وهي أمم عجيبة الصور عراة يخرجون في القوارب عند اجتياز المراكب بهم، معهم العنبر والنارجيل، فيتعاوضون بالحرير وشيء من الثياب، ولا يبيعون ذلك بالدراهم ولا بالدنانير، وتليهم جزائر يُقال لها أندامان، فيها اناس سود عجيبو الصورة والمنظر مفلفلو الشعور قَدَمُ الواحد منهم أكبر من الذراع، لأمراكب لهم، فإذا وقع الغريق إليهم مما قد انكسر في البحر أكلوه، وكذلك فعلهم بالمراكب إذا وقعت إليهم، وذكر لي جماعة من النواخذة أنهم ربما رأوا في هذا البحر سحاباً أبيض قطعاً صغاراً يخرج منه لسان أبيض طويل حتى يتصل بماء البحر، فإذا اتصل به غَلَا البحر لذلك، وارتفعت منه زوابع عظيمة، لا تمر زوبعة منها بشيء إلا أتلفته، ويُمْطَرون عقيب ذلك مطراً سهِكاً فيه أنواع من قذى البحر.
بحر كلة
وأما البحر الرابع فهو كلاهبار، على حسب ما ذكرنا، وتفسير ذلك بحر كلة، وهو بحر قليل الماء، وإذا قل ماء البحر كان أكثر آفات وأشد خبثَاَ، وهو كثير الجزائر والصراوي، واحدها صرو، وذلك أن أهل المراكب يسمون ما بين الخليجين إذا كان طريقهم فيه الصرو، وبهذا البحر أنواع من الجزائر والجبال عجيبة، وإنما غرضنا التلويح بلمع من الأخبار عنها، لا البسط،.
بحر كردبح
وكذلك البحر الخامس المعروف بكردبح، فإنه كثير الجبال والجزائر، وفيه الكافر، وهو قليل الماء كثير المطر، لا يكاد يخلو منه، وفيه أجناس من الأمم منهم جنس يُقال له الفنجب: شعورهم مفلفلة وصورهم ومناظرهم عجيبة، يتعرضون في قوارب لهم لطاف للمراكب إذا اجتازت بهم، ويرمون بنوع من السهام عجيبة قد سُقِيت السم، وبين هذه الأمة وبين بلاد كلة جبال معادن الرصاص الأبيض وجبال من الفضة، وفيها أيضاً معادن من الذهب، ورَصَاص لا يكاد يتميز منه.
بحرالصنف
(1/62)

ثم يليه بحر الصنف على ما رتبناه آنفاً، وفيه مملكة المهراج ملك الجزائر، وملكه لا يضبط كثرة، ولا تحصى جنوده، ولا يستطيع أحد من الناس في أسرع ما يكون من المراكب أن يمر بجزائره في سنين، وقد حاز هذا الملك أنواع الطيب والأفاوية، وليس لأحد من الملوك ماله، ومما يحمل من بلاده ويجهز من أرضه الكافر والعود والقرنفل والصَنْدَل والجوز والبسباسة والقاقلة والكبابه وغير ذلك مما لم نذكره، وجزائره تتصل ببحر لا تدرك غايته، ولا يعرف منتهاه مما يلي بحر الصين، وفي أطراف جزائره جبال فيها أمم كثيرة بيض، آذانهم مخرمة ووجوههم كقطع التراس مُطْرَقة، يجزُّون شعورهم كما يجز الشعر من الزق مدرجاً، تظهر من جبالهم النار بالليل والنهار، فنهارها حمراء وبالليل تسود، وتلحق بعنان السماء لعلوها وذهابها في الجو، تقذف بأشد ما يكون من صوت الرعد والصواعق، وربما يظهر منها صوت عجيب مفزع ينذر بموت ملكهم، وربما يكون أخفض من ذلك فينذر بموت بعض رؤسائهم، قد عرف ما ينذر من ذلك يطول العادات والتجارب على طول السنين، وأن ذلك غير مختلف، وهذه أحد آطام الأرض الكبار 4 وتليها الجزيرة التي يسمع منها على دوام الأوقات أصوات الطبول والسرنايات والعيدان وسائر أنواع الملاهي المطربة المستلذة، ويسمع إيقاع الرقص والتصفيق، ومن يسمع ذلك يميز بين كل نوع من أصوات الملاهي وغيره، والبحريون ممن اجتاز بتلك الديار يزعمون أن الدجال بتلك الجزيرة.وفي مملكة المهراج جزيرة سريرة، ومسافتها في البحر نحومن أربعمائة فرسخ، عمائر متصلة، وبه جزيرة الزانج والرامني وغير ذلك مما لا يؤتى على ذكره من جزائره وملكه، وهو صاحب البحر السادس، وهو بحرالصنف.
بحر الصين
ثم البحر السابع وهو بحر الصين على ما رتبناه آنفاً، ويعرف ببحر صنجى وهو بحر خبيث كثير الموج والخب، وتفسير الخب الشدة العظيمة في البحر، وإنما نخبر عن عبارة أهل كل بحر وما يستعملونه في خطابهم، وفيه جبال كثيرة لا بد للمراكب من النفذ بينها، وذلك أن البحر إذا عظم خبه وكثر موجه ظهرت أشخاص سود طول الواحد منهم نحو الخمسة أشبار أو الأربعة كأنهم أولاد الأحابيش الصغار، شكلاً واحداً، وقداً واحداً، فيصعدون على المراكب، ويكثر منهم الصعود من غير ضرر ة فإذا شاهد الناس ذلك تيقنوا الشدة فإن ظهورهم علأمة للخب، فيستعدون لذلك: فمعافى، ومبتلى، فإذا كان كذلك. ربما شاهد المعاقى منهم في أعلى الدقل ويسميه أرباب المراكب في بحر الصين وغيره من البحر الحبشي الدولي، ويسميه الرجال في البحر الرومي الصاري شيئاً على صورة الطائر يتوقد نوراً لا يستطيع الناظرمنهم على ملء بصره منه، ولا إداركه كيف هو، فإذا أستقل على أعلى الدقل يرون البحر يهدأ، والأمواج تصغر، والخب يسكن، ثم إن ذلك النور يفقد؛ فلا يدرى كيف أقبل، ولا كيف ذهب، فذلك علأمة الخلاص، ودليل النجاة، وما ذكرنا فلا تناكر فيه عند أهل المراكب والتجار من أهل البصرة وسيراف وعمان وغيرهم ممن قطع هذا البحر، وما ذكرناه عنهم فممكن غير ممتنع ولا واجب؛ إذا كان جائزاً في مقدور الباري جَلّ وعز خلاص عباده من الهلاك واستنقاذهم من البلاد.وفي هذا البحر نوع من السراطين يخرج من البحر كالذراع والشبر وأصغر من ذلك وأكبر، فإذا بان عن الماء بسرعة حركة وصار على البر صار حجارة وزالت عنه الحيوانية، وتدخل تلك الحجارة في أكحال العين وأدويتها، وأمره مستفيض أيضاً.
ولبحر الصين أيضَاَ وهو السابع المعروف بصنجى أخبار عجيبة،وقد أتينا على جمل من أخباره وأخبار ما اتصل به من البحار فيما سمينا من كتبنا وأسلفنا من تصنيفنا في هذا المعنى، ونحن ذاكروان فيما يرد من هذا الكتاب من أخبار الملوك جوامع وجملاً من ذلك.وليس بعد بلاد الصين مما يلي البحر ممالك تعرف ولا توصف، إلابلاد السيلى وجزائرها، ولم يصل إليها من الغرباء أحد من العراق ولا غيره، فخرج منها ة لصحة هوائها، ورقة مائها، وجودة ترتبها، وكثرة خيرها وصفاء جواهرها إلا النادر من الناس، وأهلها مهادنون لأهل الصين وملوكها، والهدايا بينهم لا تكاد تنقطع، وقد قيل: إنهم تشعبوا من ولد عامو، وسكنوا هناك، على حسب ما ذكرنا من سكنى أهل الصين في بلادهم، وللصين أنهار كبار مثل الدجلة والفرات، تجري من بلاد الترك والتبت والصغد، وهي بين بخارى وسمر قند.
(1/63)

جبال النوشادر
وهناك جبال النوشادر، فإذا كان في الصيف رؤيت في الليل نيران قد ارتفعت من تلك الجبال من نحو مائة فرسخ بالنهار يظهر منها الدخان لغلبة شعاع الشمس وضوء النهار، ومن هناك يحمل النوشادر، فإذا كان في أول الشتاء فمن أراد من بلاد خراسان أن يسلك إلى بلاد الصين صار إلى ما هنالك وهنالك واد بين تلك الجبال طوله أربعون ميلاً أو خمسون فيأتي إلى أناس هنالك على فم الوادي فيرغبهم في الأجرة النفيسة فيحملون ما معه على أكتافهم، وبأيديهم العصي يضربون جنبيه خوفاً أن يبلح أو يقف فيموت من كَرْب الواعي وَهَوْله، حتى يخرجوا إلى ذلك الرأس من الوادي، وهنالك غابات ومستنقعات للماء، فيطرحون أنفسهم في ذلك الماء، لما قد نالهم من شدة الكرب وحر النوشادر، ولا يسلك ذلك الطريق شيء من البهائم، لأن النوشادريلتهب ناراً في الصيف، فلا يسلك ذلك الوادي داع ولا مجيب، فإذا كان الشتاء وكثرت الثلوج والأنداء وقع في ذلك الموضع فأطفأ حر النوشادر ولهيبه، فسلك الناس حينئذ ذلك الوادي، والبهائم لا صبر لها على ما ذكرناه من حره، وكذلك مَنْ ورد من بلاد الصين فُعِل به من الضرب ما فعل بالمار، والمسافة من بلاد خراسان على الموضع الذي ذكرناه إلى بلاد الصين نحو من أربعين يوماً بين عامروغير عامر ودماس ورمل، وفي غير هذه الطريق مما يسلكه البهائم نحو من أربعة أشهر، إلا أن ذلك في خفارات أنواع من الترك.
وصف بلاد التبت
وقد رأيت بمدينة بلخ شيخاً جميلاً ذا رأي وفهم وقد دخل الصين مراراً كثيرة ولم يركب البحر قط، ورأيت عدة من الناس ممن سلك من بلاد الصغد على جبال النوشادر إلى ارض التبت والصين ببلاد خراسان وبلاد الهند متصل ببلاد خراسان والسند مما يلي بلاد المنصورة والمولتان، والقوافل متصلة من السند إلى خراسان، وكذلك إلى الهند، إلى أن تتصل هذه الديار ببلاد زابلستان، وهي بلاد واسعة تعرف بمملكة فيروز بن كبك، وفيها قلاع عجيبة ممتنعة، ولغات مختلفة، وامم كثيرة، وقد تنازع الناس في أنسابهم: فمنهم من ألحقهم بولد يافث بن نوح، ومنهم من ألحقهم بالفرس الأولى في نسب طويل، وبلاد التبت مملكة متميزة من بلاد الصين، والغالب عليهم حِمْيَر، وفيهم بعض التبابعة على حسب ما ذكرنا من أخبار ملوك اليمنِ فيما يرد من هذا الكتاب، وذلك موجود في أخبار التبابعة، ولهم حَضرٌ وَبَحْو، وبواديهم ترك لا تدرك كثرة، ولا يقاومهم أحد من بوادي الأتراك، وهم معظمون في سائر أجناس الترك ة لأن الملك كان منهم في قديم الزمان، وعند سائر أجناس الترك أن الملك سيعود إليهم ويرجع فيهم ولبلاد التبت خواص عجيبة في هوائها وسهلها ومائها وجبلها، ولا يزال الِإنسان أبداً ضاحكاً بها فرحاً مسروراً، لا تعرض له الأحزان ولا الغموم ولا الأفكار، ولا تحصى عجائب ثمارها وزهرها . ومروجها وهوائها وأنهارها، وهي بلاد تقوى فيها طبيعة الدم على الحيوان الناطق وغيره، ولا يكاد يُرَى في هذا البلد شيخ حزين ولا عجوز، بل الطرب في الشيوخ والكهول والشباب والأحداث عام، وفي أهلها رقة طبع وبشاشة وأريحية تبعث على كثرة استعمال الملاهي والمعاقرة وأنواع إيقاع الرقص، حتى إن الميت إذا مات لا يكاد يداخل أهله عليه كثير من الحزن مما يلحق غيرهم من سائر الناس عند فقد محبوب أو فت مطلوب، ولهم تحنن كثيرمن بعضهم على بعض، والتتيم فيهم عام، وكذلك يظهر في سائر بلادهم، وهذه البلاد تسمى بمن ثبت فيها ورتب من رجالى حمير فقيل تبت لثبوتهم فيها، وقيل: لمعاني غير ذلك، والأشهر ما وصفنا، وقد افتخر دعبل بن علي الخزاعي بذلك في قصيدته التي يناقض فيها الكميت ويفخر بقحطان على نزار، فقال:
وهم كَتَبُوا الكتاب بباب مَرْوٍ ... وباب الصين كانوا الكاتبينا
وهم سموا السهام بسمرقند ... وهم غرسواهناك التبتينا
(1/64)

وسنذكر في باب أخبار ملوك اليمن طرفاً من أخبار ملوكهم، ومن طاف منهم البلاد، وبلاد التبتَ متاخمة لبلاد الصين وأرضها من إحدى جهاته، ولأرض الهند وخراسان ولمفاوز الترك، ولهم مدن وعمائر كثيرة فات مَنَعَة وقوة، وقد كانوا في قديم الزمان يسمون ملوكهم تُبعاً اتِّباعاً لاسم تبع ملك اليمن، ثم إن الدهر ضرب ضرباته، فتغيرت لغاتهم عن الحميرية، وجالت إلى لغة تلك البلاد ممن جاورهم من الأمم فسموا ملوكهم بخاقان.
ظباء المسك
وفي بلادهم الأرض التي بها ظباء المسك التبتي الذي يفضل على الصينين بجهتين: إحداهما أن ظباء التبت ترعى سنبل الطيب وأنواع الأفاويه وظباء الصين ترعى الحشيش دون ما ذكرنا من أنواع حشائش الطيب التي ترعاه التبتية، والجهة الأخرى أن أهل التبت لا يتعرضون لإِخراج المسك من نَوَافجه ويتركونه على ما هو به وأهل الصين يخرجونه من النوافج ويلحقونه الغش بالدم وغيره من أنواع الغش، وأن الصيني أيضاً يقطع به ما وصفنا من مسافة البحار وكثرة الأنداء واختلاف الأهوية، وإنْ عُدِم من أهل الصين الغش في مسكهم وأودع براني الزجاج وأحكم عِفاصها ووكاؤها، وأورد إلى بلاد الاسلام من عمان وفارس والعراق وغيرها من الأمصار، كان كالتبتي، وأجود المسك وأطيبه ما خرج من الظباء بعد بلوغه النهاية في النضج، وذلك أنه لا فرق بين غزلاننا هذه وبين غزلان المسك في الصورة والشكل واللون والقرن، وإنما تتبين تلك بأنياب لها كأنياب الفيلَة، لكل ظبي نابان خارجان من الفكين قائمان منتصبان أبيضان نحو الشبر وأقل وأكثر، فتنصب لها في بلاد التبت والصين الحبائل والأشراك وَالشِّبَاك فيصطادونها، وربما رموها بالسهام فيصرعونها فيقطعون عنها نوافجها والدم في سررها حار لم ينضج وطَري لم يدرك، فيكون لريحته سهوكة، فيبقى زماناً حتى تزول منه تلك الرائحة السهكة الكريهة، ويستحيل بمواد من الهواء فيصير مسكاً، وسبيل ذلك سبيل الثمار إذا أبينت عن الأشجار وقطعت قبل استحكام نضجها في شجرها واستحكمام موادها فيه، وخير المسك ما نضج في وعائه، وأدرك في سرته، واستحكم في حيوانه، وتمام مواده، وذلك أن الطبيعة تدفع مواد الدم إلى السرة، فإذا استحكم كون الدم فيها ونضج آذاه ذلك وَحًكهُ فيفزع حينئذ إلى أحد الصخور والأحجار الحارة من حر الشمس فيحتك بها مستلذاً بذلك فينفجر حينئذ ويسيل على تلك الأحجار كانفجار الْخرَّاج والدمَل إذا نضج ما فيه عند ترادف المواد عليه فيجد لخروجه لدة، فإذا فرغ ما في نافجته اندمل حينئذ، ثم اندفعت إليه مواد من الدم، ويجتمع ثانية ككونها بَدءاً، فتخرج رجال التبت يقصمون مراعيها بين تلك الأحجار والجبال، فيجحون المم قد جف على تلك الصخور والأحجار، وقد أحكمته المواد، وأنضجته الطبيعة في حيوانه،. وَجَفَّفَته الشمس، وأثر فيه الهواء، فيأخنونه، فذلك أفضل المسك، فيودعونه نوافج معهم قد أخفها من غزلان قد أصطادوها مستعحة معهم؟ فذلك الذي تستعمله ملوكهم ويتهادونه بينهم، ويحمله التجار في النادر من بلادهم، والتبت ف مدن كثيرة، فيضاف مسك كل ناحية إليها.قال المسعودي: وقد أقرت ملوك الصين والترك والهند والزنج وسائر
(1/65)

ملوك العالم لملك بابل بالتعظيم، وأنه أول ملوك العالم، وأن منزلته فيهم كمنزلته فيهم كمنزلة القمر في الكواكب؛ لأن إقليمه أشرف الأقاليم، ولأنه أكثر الملوك مالاً، وأحسنهم طبعاً، وأكثرهم سياسة، وأثبتهم قحمأ، وهذا وصف ملوك هذا الِإقليم فيما مضى، لا في هذا الوقت، وهو سنة اثنتيز وثلاثين وثلثمائة، وكانوا يلقبون هذا الملك شاهنشاه، وتفسيره ملك الملوك، ومنزلته في العالم منزلة القلب من جسد الِإنسان والواسطة من القلادة، ثم يتلوه ملك الهند، وهوملك الحكمة، وملك الفيلَة؟ لأن عند الملوك الأكاسرة أن الحكمة من الهند بدؤها، ثم يتلوه في المرتبة ملك الصين، وهو ملك الرعاية والسياسة وإتقان الصنعة، وليس في ملوك العالم أكئررعاية وتفقداً من ملك الصين لرعيته من جنده وعوامه، وهو ف بأس شذيد، وقوة وَمَنَعَة، له من الجنود المستعمة، والكراع والسلاح،ويرزق جنمه كفعل ملوك بابل، ثم يتلو ملك الصين ملك من ملوك الترك صاحب مدينة كوشان، وهو ملك الطغزغز من الترك، ويدعى ملك السباع وملك الخيل؛ إذ ليس في ملوك العالم أشد بأساً من رجاله، ولا أشد استئساداً منه على سفك الدماء، ولا أكثر خيلاً منه، ومملكته فرز بين بلاد الصين ومفاصز خراسان، ويدعى بالاسم الأعم أيرخان، وللترك ملوكٌ كثيرة، وأجناص، مختلفة، ولا تنقاد إلى ملكه، إلا أنه ليس منهم من يُدَانِي ملكه، ثم يتلوه ملك الروم، ويدعى ملك الرجال، وليس في ملوك العالم أصبح وجوهاً من رجاله، ثم إن ملوك العالم تتفاوت مراتبها ولا تتساوى، وقد قال ف عناية بأخبار العالم وملركهم في شعر له يصف جملاً من مراتب العالم وممالكهم وأسمائهم:
الد ار داران: أيوان، وغمد ان، ... وا لملك مُلْكَان: ساسان، وقحطان
والأرض فارس والإقليم بابل، ... والإسلام مكة، والدنيا خراسان
والجانبان العليان اللذا حسنا ... منها بخارى وبلخ الشاهدا ران
والبيلقان وطبرستان فارزها ... والري شروانها، والجيل جيلان
قد رتب الناس فيها في مراتبهم ... فمرزبان، وبطريق، وطرخان
للفرس كسرى وللروم القياصر وال ... حبش النجاشيئُ، والأتراك خاقان
(1/66)

وصاحب صقلية وإفريقية من بلاد المغرب قبل ظهور الإِسلام كان يدعى جرجير وصاحب الأندلس كان يدعى لذريق، وهذا كان اسم سائر ملوك الأندلس، وقد قيل: إنهم كانوا من الأشبان، وهم أمة من ولد يافث بن نوح، دثرت هنالك، والأشهر عند من سكن الأندلس من المسلمين أن لذريق كان من ملوك الأندلس الجلالقة، وهم نوع من الإفرنجة، وآخر لذريق الذي كان بالأندلس قتله طارق مولى موسى بن نصير حين افتتح بلاد الأندلس ودخل إلى مدينة طليطلة وكانت قصبة الأندلس، ودار مملكتهم، ويشقها نهر عظيم يدعى تاجة يخرج من بلاد الجلالقة والوشكند، وهي أمة عظيمة لهم ملوك، وهم حَرْب لأهل الأندلس كالجلالقة والإِفرنجة، وبصب هذا النهر في البحر الرومي، وهو موصوف بأنه من أنهار العالم، وعليه على بعد من طليطلة مدينة طلبيرة، ثم قنطرة عظيمة تدعى قنطرة السيف بنتها الملوك السالفة، وهي من البنيان المذكور الموصوف وإنها أعجب عقوداً من قنطرة سنجة من الثغر الخزري مما يلي سميساط من بلاد سرجة، ومدينة طليطلة ذات منعة عليها أسوار منيعة، وأهلها بعد أن فتحت وصارت لبني أمية قد كانوا عصَوْا على الأمويين، فأقامت مدة سنين ممتنعة، لاسبيل للأمويين إليها، فلما كان بعد الخمس عشرة وثلثمائة فتحها عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان ابن الحكم الأموي وعبد الرحمن هذا هو صاحب الأندلس في هذا الوقت، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، وقد كان غَيرَ كثيراً من بنيان هذه المدينة حين افتتحها، وصارت دار مملكة الأندلس قرطبة إلى هذا الوقت، ومن قرطبة إلى مدينة طليطلة نحو من سبع مراحل، ومن قرطبة إلى البحر مسيرة نحو من ثلاثة أيام، ولهم على يوم ساحل البحر مدينة يُقال لها إشبيلية، وبلاد الأندلس يكون مسيرة عمائرها ومدنها نحواً من شهرين، ولهم من المدن الموصوفة نحو من أربعين مدينة، وتدعى بنوأمية بها ببني الخلائف، ولا يخاطبون بالخلفاء؛لأن الخلافة لا يستحقها عندهم إلا من كان مالكأ للحرمين، غير أنه يخاطب بأمير المؤمنين.
بنو أمية بالأندلس
(1/67)

وقد كان عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان سارإلى الأندلس في سنة تسع وثلاثين ومائة فملكها ثلاثاً وثلاثين سنة وأربعةأشهر، ثم هلك، فملكها ابنه هشام بن عبد الرحمن سبع سنين، ثم ملكها ابنه الحكم بن هشام نحواً من عشرين سنة، وولَده وُلاتُهَا إلى اليوم على ما ذكرنا أن صاحبها عبد الرحن بن محمد، ووليُّ عهد عبد الرحمن في هذا الوقت فتاه الحكم أحسن الناس سيرة، وأجملهم عدلًا، وقد كان عبد الرحمن صاحب الأندلس في هذا الوقت المقدم ذكره غزا سنة سبع وعشرين وثلثمائة في أزيد من مائة ألف فارس من الناس، فنزل على دار مملكة الجلالقة، وهي مدينة يُقال لها سمورة، عليها سبعة أسوار من عجيب البنيان قد أحكمتها الملوك السالفة، بين الأسوار فصلان وخنادق ومياه واسعة، فافتتح منهما سورين، ثم إن أهلهما ثاروا على المسلمين فقتلوا منهم ممن أدرك الإِحصاء وممن عُرِفَ أربعين ألفاً، وقيل: خمسين ألفاً، وكانت للجلالقة والوشكند على المسلمين، وآخر ما كان بأيدي المسلمين من مدن الأندلس وثغورها مما يلي الإِفرانجة مدينة أربونة، خرجت من أيدي المسلمين سنة ثلاثين وثلاثمائة مع غيرها مما كان في إيديهم من المدن والحصون، وبقي ثغر المسلمين في هذا الوقت وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة من شرقي الأندلس طَرْطوشة، وعلى ساحل بحر الروم مما يلي طرطوشة آخذاً في الشمال أفراغة على نهر عظيم، ثم لاردة، ثم بلغني عن هذه الثغور أنها تلاقي الِإفرانجة، وهي أضيق مواضع الأندلس، وقد كان قبل الثلثمائة ورد إلى الأندلس مراكب في البحر فيها ألوف من الناس أغْارت على سواحلهم، زعم أهل الأندلس أنهم ناس من المجوس تطرأ إليهم في هذا البحر في كل مائتين من السنين، وأن وصولهم إلى بلادهم من خليج يعترض من بحر أوقيانوس، وليس بالخليج الذي عليه المنارة النحاس، وأرىوالله أعلم أن هذا الخليج متصل ببحر مايطس ونيطس وأن هذه أمة هم الروس الذين قدمنا ذكرهم فيما سلف من هذا الكتاب إذ كان لا يقطع هذه البحار المتصلة ببحر أوقيانوس غيرهم، وقد أصيب في البحر الرومي فيما بين جزيرة أقريطش ألواح المراكب الساج المثقبة المخيطة بليف النارجيل من مراكب قد عطبت تقاذفت بها الأمواج في مياه البحار، وهذا لا يكون إلا في البحر الحبشي لأن مراكب البحر لرومي والعرب كلها فات مسامير، ومراكب البحر الحبشي لا يثبت فيها الحديد لأن ماء البحريذيب الحديد فترق المسامير في البحر وتضعف، فاتخذ أهلها الخياطة بالليف بدلاً منها، وطُلِيَتْ بالشحوم والنورة، فهذا يدل واللّه أعلم على إتصال البحار، وأن البحر مما يلي الصين وبلادالسيلى يحور على بلاد الترك، ويُفْضِي إلى بحار المغرب من بعض خلجان أوقيانوس المحيط.وقد كان وجد بساحل بلاد الشام عنبر قذف به البحر، وهذا من المستئكر فيَ البحر الرومي الذي لم يعهد فيه من قديم الزمان مثل ذلك، يمكن أن يكون سبيل وقوع العنبر إلى هذا البحر سبيل ما ذكرناه من ألواح مراكب البحر الصيني، والله أعلم بكيفية ذلك وعلمه.ولبحر المغرب وما قرب منه من عمائر السودان وأقاصي أرض المغرب أخبار عجيبة.
بلاد الحبشة والسودان
(1/68)

وقد ذكر فو العناية بأخبار العالم أن أرض الحبشة وسائر السودان كلها مسيرة سبع سنين، وأن أرض مصرجزء واحد من ستين جزءاً من ض السودان، وأن أرض السودان جزء وأحد من الأرض كلها، وأن الأرض كلها مسيرة خمسمائة سنة: ثلث عمران مسكون مأهول، وثلثٌ براري غير مسكون، وثلثٌ بحار، وتتصل أقاصي السودان العراة بآخر بلاد ولدإدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام من أرض المغرب، وهي بلاد تلمسان وتاهرت وبلاد فاس ثم السوس الأدنى، وبينه وبين بلاد القيروان نحو ألفي ميل وثلثمائة ميل، وبين السوس الأدنى والسوس الأقصى من المسافة نحو من عشرين يوماًعمائر متصلة إلى أن تتصل بوادي الرمل والقصر الأسود، ثم يتصل ذلك بمفاوز الرمل التي فيها المدينة المعروفة بمدين النحاس وقباب الرصاص التي سار إليها موسى بن نصير في أيام عبد الملك بن مروان ورأى فيها ما رأى من العجائب، وقد ذكر ذلك في كتاب يتداوله الناس، وقد قيل: إن ذلك في مفاوز تتصل ببلاد الأندلس، وهي الأرض الكبيرة، وقد كان ميمون بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم الفارسي وهو إِباضِيُّ المذهب، وهو الذي أنشأ في ذلك البلد مذهب الخوارج، وقد قيل: إنهم من بقايا الأشبان عمَّرَ تلك الديار، وكانت له حروب مع الطالبيين، وقد ذكرنا فيما يرد من هذا الكتاب تنازع الناس في الأشبان، ومن قال: إنهم من الفرس ناقلة من بلاد أصبهان.
بلاد المغرب
وفي هذا الصقع من بلاد المغرب خلق من الصُّفْرِية الخوارج،لهم مدن ممدودة مثل مدينة ثرغية، وفيها معدن كبيرمن الفضة، وهو مما يلي الجنوب ويتصل ببلاد الحبشة، والحرب بينهم سِجَالٌ، وقد ذكرنا في كتابنا أخبار الزمان خبر المغرب ومدنها، ومن سكنها من الخوارج الِإباضية والضُفْرِية، ومن سكن المغرب من المعتزلة، وما بينهم وبين الخوارج من الحروب، وذكرنا خبر ابن الأغلب التميي وتوليه المنصور له على المغرب، ومقامه ببلاد إفريقية وغيرها من أرض المغرب وما كان من أمره في أيام الرشيد، وتداول ولده ببلاد إفريقية وغيرها إلى أن انتهى الأمر إلى أبي نصر زيادة اللّه بن عبد اللّه بن إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب بن إبراهيم بن محمد بن الأغلب بن إبراهيم بن سالم بن سوادة، فأخرجه عنها أبو عبد اللّه المحتسب الصوفي الداعية لصاحب المهدية حين ظهر في كتأمة وغيرها من أجيال البربر، وذلك في سنة سبع وتسعين ومائتين في أيام المقتدر، ومسيره إلى الرافقة، وكان هذا المخسب من مدينة رامهرمز من كور الأهواز.
ملوك العالم:
ونعود إلى ذكر مراتب الملوك وَنَسَق ما بقي من الممالك على البحر الحبشي الذي شرعنا في وصفه وَمَنْ عليه، فنقول:
(1/69)

ملك الزنج وفليمي، ملك اللان كركنداج، ملك الحيرة من بني نصر النعمانية والمناذرة، ملك جبال طبرستان كان يدعىقارن والجبل معروف به وبولده في هذا الوقت، ملك الهند البلهرا، ملك القنوج من ملوك السند بؤورة وهذا اسم كل سك يلي القنوج، وهنا مدينة يُقال لها بؤورة باسم ملوكهم، وقد صارت اليوم في حيز الإِسلام، وهي من أعمال المولتان، ومن هذه المدينة يخرج أحد الأنهار التي إذا اجتمعت كانت نهرمهران السند الذي زعم الجاحظ أنه من النيل، وزعم غيره أنه من جيحون خراسان، وبؤورة هذا الذي هو ملك القنوج هو ضد البلهرا ملك الهند، وملك القندهار من ملوك السند وجبالها، يدعى ححج، وهو اسم الأعم، ومن بلاده يخرج النهر المعروف برائد وهو أحد الأنهار الخمسة التي منها مهران السند والقندهار يعرف ببلاد الرهبوط، ونهر من الخمسة يخرج من بلاد السند وجبالها يعرف ببهاطل ويجتاز بلاد الرهبوط وهي بلاد القندهار، والنهر الرابع يخرج من بلاد كابل وجبالها وهي تخوم السند مما يلي بسط وغزنين وزرعون والرخج وبلاد الدوار مما يلي بلاد سجستان، ونهر من الخمسة يخرج من بلاد قشمير، وملك قشميريعرف بالراني، هذا الاسم الأعم لسائر ملوكهم، وقشمير هذه من ممالك السند وجبالها هملكة عظيمة حصينة يحتوي ملكها على مدن وضياع على نحومن ستين ألفاً إلى سبعين ألفاً، لا سبيل لأحد من الناسَِ على بلده إلا من وجه واحد، ويُغلَق على جميع ما ذكره من ملكه باب واحَدََ،ِ لِأن ذلك في جبال شوامخ منيعة لا سبيل للرجال أن يتسلَقوا عليهَا، ولا للوحش أن يلحق بعلوها، ولا يلحقها إلا الطير، وما لا جبل فيه فأودية وَعْرَة وأشجار وغياض وأنهار ذات مَنَعَة من شدة الأنصباب والجريان، وما ذكرنا من منعة ذلك البلد فمشهور في أرض خراسان وغيرها من البلاد، وذلك أحد عجائب الدنيا.
القنوج
فأما ملك بؤورة وهو ملك القنوج فإن مسافة مملكته تكون نحواً من عشرين ومائة فرسخ في مثلها فراسخ سندية الفرسخ ثمانية أميال بهذا الميل، وهو الملك الذي قدمنا ذكره فيما سلف أن له من الجيوش أربعة على مهابِّ الرياح الأربع، كل جيش منها سبعمائة ألف، وقيل: تسعمائة ألف وقيل: تسعة آلاف ألف فيحارب بجيش الشمال صاحب المولتان ومن معه في تلك الثغور من المسلمين، ويحارب بجيش الجنوب البلهرا ملك المانكير، وبالجيوش الباقية من يلقاه في كل وجه من الملوك، ويقال: إن ملكه يحيط في مقدار ما ذكرناه من المسافة من المدن والقرى والضياع مما يدركه الإِحصاء والعَددُ بألف ألف وثمانمائة ألف قرية بين أنهار وشجر وجبال ومروج، وهو قليل الفيلة من بين الملوك، ورسمه لحربه ألفاً فيلٍ حربية تقاتل، وذلك أن الفيل إذا كان فارهاً ممارساً شجاعاً وكان راكبه فارساً وفي خرطومه القرطل وهو نوع من السيوف وخرطومه مغشَّى بالزرَدِ والحديد، وعليه تجافيف قد أحاطت سائر جسده من القرن والحديد، وكان حوله خمسمائة راجل يمنعونه ويحرزونه من ورائه، حارب ستة آلاف فارس، وقام بها، وأدناها إذا كان معه خمسمائة راجل، كر على خمسة آلاف فارس، ودخل وخرج وصال عليها كالرجال علىالفَرَس، وهذا رسم فيلتها في سائر حروبها.
المولتان
فأما صاحب المولتان فقد قلنا: إن الملك في ولد سَأمة بن لؤي بن غالب، وهوف جيوش ومَنَعَة، وهو ثغر من ثغور المسلمين الكبار، وحول ثغر المولتان من ضياعه وقراه عشرون ومائة ألف قرية مما يقع عليه الِإحصاء والعد، وفيه على ما ذكرنا الصنم المعروف بالمولتان، يقصده السند والهند من أقاصي بلادهم بالنفر والأموال والجواهر والعود وأنواع الطيب، ويحج إليه الألوف من الناس، وأكثر أموال صاحب المولتان مما يحمل إلى هذا الصنم من العود القمَارِيِّ الخالص الذي يبلغ ثمن الأوقية منه مائة دينار، وإذا ختم بالخاتم أثر فيه كما يؤثر في الشمع، وغير ذلك من العجائب التي تحمل إليه، وإذا نزلت الملوك من الكفار على المولتان وعجز المسلمون عن حربهم هددوهم بكسرهذا الصنم وتعويره، فترحل الجيوش عنهم عند ذلك، وكان دخولي إلى بلاد المولتان بعد الثلاثمائة، والملك بها أبو اللهاب المنبه بن أسد القرشي.
المنصورة
(1/70)

وكذلك كان دخولي إلى بلاد المنصورة في هذا الوقت، والملك عليها أبو المنذر عمر بن عبد الله، ورأيت بها وزيره رباحا وابنيه محمداً وعلياً، ورأيت بها رجلاً سيداً من العرب وملكاً من ملوكهم وهو المعروف بحمزة، وبها خلق من ولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ثم من ولد عمربن علي وولد محمد بن علي، وبين ملوك المنصورة وآل أبي الشوارب القاضي قرابة وصلة ونسب، وذلك أن ملوك المنصورة الذين فيهم الملك في وقتنا هذا من ولدهًبّار بن لأسود، ويعرفن ببني عمر بن عبد العزيز القرشي، وليس هوعمر بن عبد العزيز بن مروان الأموي.
فإذا اجتاز جميع ما ذكرنا من الأنهار ببلاد مرج بيت الذهب وهو المولتان اجتمعت بعد المولتان بثلاثة أيام فيما بين المولتان والمنصورة في الموضع المعروف بدوسات، فإذا انتهى جميع ذلك إلى مدينة الروذ من غربيها، وهي من أعمال المنصورة، سُمِّي.هنالك مهران، ثم ينقسم قسمين، ويصب كل من القسمين من هذا الماء العظيم المعروف بمهران السند في مدينة شاكرة من أعمال المنصورة في البحر الهندي، وذلك على مقدار يومين من مدينة الديبل.
والمسافة من المولتان إلى المنصورة خمسة وسبعون فرسخاً سنديةعلى ما ذكرنا، والفرسخ ثمانية أميال، وجميع ما للمنصورة من الضياع والقرى مما يضاف إليها ثلثمائة ألف قرية ذات زروع وأشجار وعمائر متصلة، وفيهاحروب كثيرة من جنس يقال لهم الميد، وهم نوع من السند وغيرهم من الأجناس، وهم ثغر السند، وكذلك المولتان من ثغور السند ومما أضيف إليها من العمائر والمدن.وسميت المنصورة باسم منصور بن جمهور عامل بني أمية، ولملك المنصورة فيلة حربية، وهي ثمانون فيلاً رسمُ كل فيل أن يكون حوله على ما ذكرنا خمسمائة راجل وأنه يحارب ألوفاً من الخيك على ما ذكرنا، ورأيت له فيلين عظيمين كانا موصوفين عند ملوك السند والهند لما كانا عليه من البأس والنجدة والإِقدام على فلّ الجيوش، وكان اسم أحدهما منفرقلس والآخرحيدرة ولمنفرقلس هذا أخبار عجيبة، وأفعال حسنة، وهي مشهورة في تلك البلاد وغيرها: منها أنه مات بعضُ سُوَّاسه، فمكث أياماً لا يطعم ولا يشرب، يُبْدي الحنين، ويظهر الأنين، كالرجل الحزين، ودموعه تجري من عينيه لا تنقطع، ومنها أنه خرج ذات يوم من حائرهِ، وهي دار الفيلة، وحيدرة وراءه، وباقي الثمانين تبع لهما، فانتهى منفرقلس في سيره إلى شارع قليل العرض من شوارع المنصورة، ففاجأ في مسيره امرأة على حين غفلة منها، فلما بصرت به دهشت واستلقت على قفاها من الجزع، وانكشفت عنها أطمارها في وسط الطريق، فلما رأى ذلك منفرقلس وقف بعرض الشارع مستقبلاً بجنبه الأيمن ما وراءه من الفيلة مانعاً لهم من النفذ من أجل المرأة، وأقبل يشير إليها بخرطومه بالقيام،ويجمع عليها أثوابها، وششر منها ما بدا، إلى أن انتقلت المرأة وتزحزحت عن الطريق بعد أن عاد إليها روحها، فاستقام افيل في طريقه، واتبعه الفيلة.وللفيلة أخبار عجيبة الحربية منها والعَمالة لأن منها ما لا يحارب فيجر العَجَلَ وتحمل عليه الأثقال وششعمل في دِيَاس الأرز وغيره من الأقوات كدَوْس البقرفي الْبَيْدَر، وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب أخبار الزنج والفيلة، وكونها في بلادها، وليس في سائر الممالك أكثر منها في بلاد الزنج، وهي وحشية هنالك كلها.
(1/71)

فهذه جمل من أخبار ملوك السند والهند، ولغة السند خلاف لغة الهند، والسند مما يلي الإِسلام، ثم الهند، ولغة أهل المانكير وهي دار مملكة البلهرا كيرية مضافة إلى الصقع، وهي كيرة، ولغة ساحله مثل صيمور وسويارة وتانة وغير ذلك من مدن الساحل لا رية، وبلدهم مضافة إلى البحر الذي هم عليه، وهو لا روى، وقد تقدم ذكره فيما سلف من هذا الكتاب، ولهذا السالح أنهار عظيمة تجري من الجنوب، بالضد من أنهار العالم، وليس في أنهار العالم ما يجري من الجنوب إلى الشمال إلا نيل مصر ومهران السند ويسير من الأنهار، وما عدا ذلك من أنهار العالم يجري من الشمال إلى الجنوب، وقد ذكرنا وجه العلة في ذلك وما قاله الناس في هذا المعنى في كتابنا أخبار الزمان وقد ذكرنا ما انخفض من الأرض وما ارتفع.وليس في ملوك السند والهند من يعز المسلمين في ملكه إلا البلهرا، فالإِسلام في ملكه عزير مَصُون، ولهم مساجد مبنية، وجوامع معمورة بالصلوات للمسلمين، ويملك الملك منهم الأربعين سنة والخمسين سنة فصاعداً، وأهل مملكته يزعمون أنه إنما طالت أعمار ملوكهم لسنة العدل وإكرام المسلمين، وهو ملك يرزق الجنود من بيت ماله كفعل المسلمين بجنودهم، وله دراهم طاهرية وزن الدرهم منها وزن درهم ونصف،سكَتُه بدء تاريخ ملكهم، وفيلته الحربية لا تحصى كثرة، وتدعى بلاده أيضاً بلاد الكمكر، ويحاربهم ملك الخزر من إحدى جهات مملكته، وهو ملك كثير الخيول والإِبل والجنود ة ويزعم أنه ليس في ملوك العالم أجل منه إلا صاحب إقليم بابل، وهو الإِقليم الرابع، وذلك أن هذا الملك ف نخوة وصولة على سائر الملوك، وهو مع ذلك مبغض للمسلمين، وهو كثير الفيلة، وملكه على لسان من الأرض، وفي أرضه معادن الذهب والفضة، ومبايعتهم بهما.ثم يلي هذا الملك ملك الطافن مُوَادع لمن حوله من الملوك، وهو مكرم للمسلمين، وليست جيوشه كجيوش مَنْ ذكرنا من ملوك، وليس في نساء الهند أحسن من نسائهم، ولاَ أكثر منهن جمالاً وبياضاً، وهن موصوفات الخلوات، مذكورات في كتب الباه، وأهل البحر يتنافسون في شرائهن يعرفن بالطافنيات.
رهمى
ثم يلي هذا الملك مملكة رهمى، وهذه سمة لملوكهم، وهو الأعم من أسمائهمِ، ويقاتله الجُزر، وملكه متاخم لملكهم، ورهمى يحارب البلهرا أيضاَ من إحدى جهات مملكته، وهو أكثر جيوشاً وفيلة وخيولاً من البلهرا ومن ملك الجزر ومن ملك الطافن، وإذا خرج في حروبه فرسمه أن يكون في خمسين ألف فيل، ولا يكون حربه إلا في الشتاء لقلة صبر الفيلة على العطش وقلة لبثها، والمكثر من الناس يغلو في القول في كثرة جنوده، فيزعمون أن عدد القصارين والغسالين في عسكره من عشرة آلاف إلى خمسة عشر ألفاً، وحربُ مَنْ ذكرنا من الملوك كراديس، كلُّ كردوس عشرون ألفاً، أربعة أوجه كل وجه من الكردوس خمسة الاف، ومملكة رهمى تعاملهم بالودع، وهو مال البلد، وفي بلده العود والذهب والفضةوالثياب التي ليست لغيره رقة ودقة، ومن بلده يحمل الشعر المعروف بالضمر الذي تتخذ منه الْمَذَاب بنُصُبِ العاج والفضة يقوم بها الخدم على رؤوس الملوك في مجالسها.
وصف الكركدن
(1/72)

وفي بلده الحيوان المعروف بالنشان المعلم، وهو الذي تسميه العوام الكركدن، وله في مقدم جبهته قرن واحد، وهو دون الفيل في الخلقة وأكبر من الجاموس، إلى السواد ما هو، وهو يجترُّ كما تجتر البقر وغيرها مما يجتر من الحيوان، والفيلة تهرب منه، وليس في أنواع الحيوان واللّه أعلم أشد منه، وذلك أن أكثر عظامه أصم، ولا مفصل في قوائمه ولا يبرك في نيام، وإنما يكون بين الشجر والآجام يستند إليها عند نومه، والهند تأكل لحمه، وكذلك مَنْ في بلادهم من المسلمين؟ لأنه نوع من البقر، والجواميس بأرض السند والهند كثيرة، وهذا النوع من الحيوان وهو النشان يكون في أكثر غابات الهند، إلا أنه في مملكة رهمى أكثر، وقرونه أصفى وأحسن، وذلك أن قرنه أبيض، وفي وسطه صورة سوداء في ذلك البياض أما صورة إنسان أو صورة طاووس بتخطيطه وشكله أو صورة سمكة أو صورته في نفسه أو صورة نوع من الحيوان مما يوجد في تلك الديار، فينشر هذا القرن وتتخذ منه المناطق والسيور على صورة الحلية من الذهب والفضة فتلبسها ملوك الصين، وخواصها تتنافس في لبسها وتبالغ في أثمانها فتبلغ المنطقة ألفي دينار إلى أربعة آلاف، فيها معاليق الذهب، وذلك في نهاية الحسن والإتقان، وربما تقمع بأنواع من الجواهر على قضبان الذهب، ووجوه تلك الصور مُكَتَبة بسواد في بياض، وربما يوجد في قرونه بياض في سواد، وليس في كل بلد يوجد في قرون النشان ما ذكرنا من الصور.وقد زعم عمرو بن بحر الجاحظ أن الكركدن يحمل في بطن أمه سبع سنين، وأنه يخرج رأسه من بطن أمه فيرعى ثم يدخل رأسه في بطنها، وهذا القول أورده في كتاب الحيوان على طويق الحكاية والتعجب، فبعثني هذا الوصف على مسألة مَن سلك تلك الديار من أ.هل سيراف وعمان ومن رأيت بأرض الهند من التجار، فكل يتعجب من قوله إذا أخبرته بما عندي من هذا وسألته عنه، ويخبرونني أن حمله وفصاله كالبقر والجواميس، ولست أدري كيف وقعت هذه الحكياة للجاحظ: أمن كتاب نقلها أو مخبر أخبره بها..
الكامن
ولرهمى في ملكه بروبحر، ويلي ملكه ملك لا بحرله يقال له ملك الكامن، وأهل مملكته بيض مخرمما الآذان، لهم فيلة وإبل وخيول، وحسن وجمال للرجال والنساء، ثم بعد هؤلاء ملك الِإفرنج، وله بر وبحر، وهو على لسان من البر في البحر، يقع إلى بلده عنبر كثير، وفي بلده فلفل يسير، وهو ف فيلة كثيرة، وهو ذو بأس بين الملوك وزهو وفخر، وزَهْوُة أكثر من قوته، وفخره أكثر من بأسه، ثم يلي هذا الملك ملك الموجه أهله بيض فو حسن وجمال غيرخرومي الآذان، لهم خيل كثيرة، وعدد منيعة، والمسك في بلادهم كثير على ما قدمنا من غزلانهم ووصف ظبائهم فيما سلف من هذا الكتاب، وهذه الأمة تشبه بأهل الصين في لباسهم، وجبالهم منيعة شواهق بيض، لا يُعْلَم بأرض السند والهند ولا فيما ذكرنا من هذه الممالك جبال أطول منها ولا أمنع،، ومسكهم موصوف مضاف إلى بلدهم يتعارفه البحريون، ممن عني بحمل ذلك وتجهيزه، رهو المسك المعروف بالموجهي.
الماند
ثم يلى الموجه مملكة الماند، ولهم مدن كثيرة وعمائر واسعة وجنودعظيمة، وملوكهم تستعمل الخدم والخصيان في عمالات بلدانهم من المعادن وجبايات الأموال والولايات وغيرها كفعل ملوك الصين على حسب ما وصفنا من أخبارهم، والماند مجاورون لمملكة الصين، والرسل تختلف بينهم بالهدايا، وبينهم جبال منيعة وعقبات صعبة، وللماند البأس العظيم والبطش الشديد والقوة، وإذا دخل رسل ملك الماند مملكة الصين وكِّلَ ملك الصين بهم، ولم يتركهم ينتشرون في بلادهم خوفاً أن يقفا على طرقهم وعورات بلادهم، لكبرة الماند في نفسهم.
بعض عوائد الهند والصين
(1/73)

ولمن ذكرنا من الهند والصين في بلادهم ولغيرهم من الأمم أخلاق وشيم في الماكل والمشارب والمناكح والملابس والعلافي والأدوية والكي بالنار وغيره، وقد ذكر عن جماعة من ملوكهم أنهم لا يرون حبس الريح في أجوافهم لأنه داءٌ يؤذي، ولا يحتشمون في إظهارها في سائر أحوالهم، وكذلك فعل حكمائهم، ورأيهم أن حبسها داء يؤذي، وأن إرسالها شفاء ينجي، وأن في ذلك العلافي الأكبر، وأن فيه راحة لصاحب القولنج والمحصور، وأن فيه داء للسقيم المطحول، ولا يحتشمون من الضرطة، ولا يحصرون الفسوة، ولا يرون ذلك عيباً، وللهند التقدم في صناعة الطب، ولهم فيه اللطافة والحذق، وذكر هذا المخبر عن الهند أن السعَال عندهم أقبح من الضراط، وأن الْجُشَاء في وزن الفُسَاء، وأن صوت الضرطة دباغها والمذهب عنها ريحها، واستشهد هذا المخبر على صحة ما حكاه عن الهند باستفاضة القول في ذلك في كثير من الناس عنهم، حتى ذكر ذلك عنهم في السير والأخبار والنوادر والأشعار؛ فمن ذلك ما ذكر أبان بن عبد الحميد في الأرجوزة المعروفة بذات الحلل.
وأن الريح واححة فيِ الجوف، وإنما تختلف أسمائها باختلاف مخارجها، فما يذهب صُعُداَ يسمى جُشَاء، وما يذهب سفلاً يسمى فساء، ولا فرق بين الريحين إلا باختلاف المخرجين، كما يُقال الصفعة واللطمة، إلا أن اللطمة في الوجه والصفعة مؤخر الرأس والقفا، والجنس واحد، وإنما اختلفت اسماؤها لاختلاف الموضعين وتباين المكانين، وأن الحيوان الناطق إنما كثرت علله، وترادفت أد وَاؤه، واتصلت أمراضه كالقولنج وأوجاع المعدة وغيرها من العوارض بحبس الداء في جوفه وترك إظهاره في حال هيجانه وتفرغ الطبيعه لدفعه وإخراجه، وأن سائر الحيوان غير الناطق إنما بَعُد عما ذكرنا من الآفات والمعترضات من العاهات لسرعة خروج ما يعرض ويثور من الأدواء في أجوافها وعدم احتباسها في وعائها، وأن الفلاسفة والمتقدمين من الحكماء اليونانيين كديموقرطيس وفيثاغورس وسقراط وديوجانس وغيرهم من حكماء الأمم لم يكونوا يرون حبس شيء من ذلك لعلمهم بما يتولد من آفاته، ويؤول إليه من متعقباته، وأن ذلك يجده في نفسه كل في حس، وأن ذلك يعلم بالطبيعة، ويدرك بضرورة العقل، وإنما استقبح ذلك اناس من أ صحاب الشرائع والكتب لما ورد ت به الشرائع ومنعت منه الملل، ولم يجر ذلك في عاداتهم.قال االمسعودي: وقد أتينا على أخبارهم وما أحكمنا من ذكر شِيَمِهم وعجائب سيرهم ومتصرفاتهم في كتابنا أخبار الزمان وفي الكتاب الأوسط، وكذلك أتينا على ذكر أخبار المهراج ملك الجزائر والطيب والأفاوية مع سائرملوك الهند ومع القنجب وغيره من ملوك الجبال مما قابل هذه الجزائر كالزابج وغيرها من بلاد الصين، وأخبار ملوك الصين وملك سرنديب مع ملك مندورفين، وهي بلاد مقابلة لجزيرة سرنديب كمقابلة بلاد قمار لجزائر المهراج من الزانج وغيرها، وكل ملك تملك بلاد مندورفين يسمى المقايدي، وسنأتي بجمل من أخبار ملوك الشرق والغرب واليمن والحيرة فيما يرد من هذا الكتاب ومن أخبار ملوك اليمن والفرس والروم واليونانيين والمغرب وأنواع الأحابيش والسودان وملوك الصين ولد يافث، وغير ذلك من أخبار العالم وعجائب الأمم.
ذكر جبل القبخ وأخبار الأمم
من الان والسرير والخزر وأنواع الترك والبرغز وغيرهم وأخبار الباب والأبواب ومَنْ حولهم من الملوك والأمم.
جبل القبخ
(1/74)

أما جبل القبخ فهوجبل عظيم، وصقعه صقع جليل، قد أشتمل على كثير من الممالك والأمم، وفي هذا الجبل اثنتان وسبعون أمة، كل أمة لها ملك ولسان بخلاف لغة غيرها، وهذا الجبل ذو شعاب وأودية، ومدينة الباب والأبواب على شعب من شعابه، بَنَاها كسرى أنو شروان وجعلها بينه وبين بحر الخزر، وجعل هذا السور من جوف البحرعلى مقدار ميل منه ماداً إلىِ البحر، ثم على جبل القبح ماداً في أعاليه ومشخفضاته وشعابه نحواَ من أربعين فرسخاً، إلى أن ينتهي ذلك إلى قلعة يُقال لها طبرستان، وجعل على كل ثلاثة أميال من هذا السور أو أقل أو أكثر على حسب الطريق الذي جعل الباب من أجله باباً من حديد، وأسكن فيه على كل باب من داخله أمة تراعي ذلك الباب وما يليه من السور، كل ذلك ليدفع أذى الأمم المتصلة بذلك الجبل. من الخزر وَاللان وأنوِاع الترك والسرير وغيرهم من أنواع الكفار، وجبل القبخ يكون في المسافة علواَ وطولاً وعرضاً نحواً من شهرين، بل وأكثر، وحوله أمم لا يحصيهبم إلا الخالق عز وجل، أحد شعابه على بحر الخزر مما يلي الباب والأبواب على ما ذكرنا، ومن شعابه مما يلي بحر مايطس المقدم ذكره فيما سلف من هذا الكلام الذي ينتهي إليه خليج القسطنطينية، وعلى بحر طرابزندة، وهي مدينة على شاطىء هذا البحر لها أسواق في السنة يأتي إليها كثير من الأمم للتجارة من المسلمين والروم والأرمن وغيرهم من بلاد كشك ولما بني أنوشروَان هذه المدينة المعروفة بالباب والأبواب والسور في البر والبحر والجبل أسكن هناك أمماً من الناس وملوكاً، وجعل لهم مراتب رَتبهُمْ عليها ووسم كل أمة منهم بسمة معلومة، وَحدَّ له حداً معلوماً على حسب فعل أردشير بن بابك حين رتب ملوك خراسان، فممن رتب منهم أنوشروَان من الملوك في بعض هذه البقاع والمواضع مما يلي الِإسلام من بلاد بردعة ملك يقال له شروان، ومملكته مضافة إلى اسمه فيقال له شروان شاه، وكل ملك يلي هذا الصقع يقال له شروان، وتكون مملكته في هذا الوقت وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة نحواً من شهر لأنه كان تغلَبَ على مواضع لم يكن رسمها له أنوشروان فانضافت إلى ملكه، والملك في هذا الوقت المؤرخ واللّه أعلم مسلم يُقال له محمد بن يزيد، وهو من ولد بهرام جور، لاخلاف في نسبه، وكذلك ملك السرير من ولد بهرام جور، وكذلك صاحب خراسان في هذا الوقت المؤرخ من ولد إسماعيل بن أحمد، وإسماعيل من ولد بهرام جور، لاخلاف فيما ذكرنا من شهرة أنساب من ذكرنا، وقد تملك محمد بن يزيد هذا وهو شروان على مدينة الباب والأبواب، وذلك بعد موت صهر له يُقال له عبد الملك بن هشام، وكان رجلًا من الأنصار، وكان فيه إمرة الباب والأبواب، وقد كانوا قطنوا تلك الديار منذ دخلها مَسْلَمة بن عبد الملك وغيره من أمراء الإسلام في صدر الزمان.
إيران
وتلى مملكة شروان مملكة اخرى من جبل القبخ يقال لها الِإيران، وملكها يدعى الِإيران شاه، وقد غلب على هذه المملكة في هذا الوقت شروان أيضاً، وعلى مملكة اخرى يُقال لها مملكة الموقانية، والمعول في مملكته على مملكة اللكز، وهي أمة لا تحصى كثرة ساكنة في أعالي هذا الجبل، ومنهم كفار لا ينقاعون إلى ملك شروان يُقال لهم الدودانية جاهلية لا يرجعون إلى ملك، ولهم أخبار طريفة في المناكح والمعاملات، وهذا الجبل فأودية وشعاب وفجاج، وفيه أمم لا يعرف بعضهم بعضاً لخشونة هذا الجبل وامتناعه وذهابه في الجو وكثرة غياضه وأشجاره وتسلسل المياه من أعلاه وعظم صخوره وأحجاره، وغلب هذه الرجل المعروف بشروان على ممالك كثيرة من هذا الجبل كان رَسَمها كسرى أنوشروان لغيره ممن رتب هناك، فأضافها محمد بن يزيد إلى ملكه: منها خراسان شاه وزادان شاه، وسنذكر بعد هذا الموضع تغلبه على مملكه شروان، وقد كان قبل ذلك على الِإيران هو وأبوه من قبل، ثم على سائر الممالك.
طبرستان
وتلي مملكة شروان في جبل القبخ مملكة طبرستان، وملكها في هذا الوقت مسلم، وهو ابن أخت عبد الملك الذي كان أمير الباب والأبواب، وهي أول الامم المُتَّصلة بالباب والأبواب.
جيدان
(1/75)

ويبادي أهل الباب والأبواب مملكة يُقال لها جيدان، وهذه الأمةداخلة في جملة ملوك الخزر، وقد كانت دار مملكتها مدينة على ثمانية أيام من مدينة الباب يقال لها سمندر، وهي اليوم يسكنها خلق من الخزر، وذلك أنها افتتحت في بدء الزمان، افتتحها سليمان بن ربيعة الباهلي رضي الله تعالى عنه، فانتقل الملك عنها إلى مدينة آمل، وبينها وبين الأولى سبعة أيام، وآمل التي يسكنها ملك الخزر في هذا الوقت ثلاث قطع يقسمها نهرعظيم يرد من أعالي بلاد الترك ويتشعب مته شعبة نحوبلاد البرغز وتصب في بحر مايطس، وهذه المدينة جانبان، وفي وسط هذا النهر جزيرة فيها دار الملك، وقصر الملك في وسط هذه الجزيرة، وبها جسر إلى أحد الجانبين من سفن، وفي هذه المدينة خلق من المسلمين والنصارى واليهود والجاهلية؛ فأما اليهود فالملك وحاشيته والخزر من جنسه، وكان تهوَّدَ ملك الخزر في خلافة هرون الرشيد، وقد انضاف إليه خلق من اليهود وَرَدُوا عليه من سائر أمصار المسلمين ومن بلاد الروم، وذلك أن ملك الروم في وقتنا هذا، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، وهم أرمنوس نَقَلَ من كان في ملكه من اليهود إلى دين النصرانية وأكرههم، وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب كيفية أخبار ملوك الروم، وأعدادهم، وأخبار هذا الملك ومن قد شَاركه في ملكه في هذا الوقت المؤرخ، فتهارَبَ خلق من اليهود من أرض الروم إلى أرضه على ما وصفنا، وكاذ لليهود مع ملك الخزرخبر ليس هذا موضع ذكره.
عادة حرق الموتى وسائر حوائجهم
وقد ذكرناه فيما سلف من كتبنا. وأما مَنْ في بلاده من الجاهليه فأجناس: منهم الصقالبة، والروس، وهم في أحد جانبي هذه المدينة، ويحرقون موتاهم ودواب ميتهم وآلاته والحلى، وإذا مات الرجل أحرقت معه امرأته وهي في الحياة. وإن ماتت المرأة لم يحرق الرجل، وإذا مات منهم أعزب زوج بعد وفاته والنساء يرغبن في تحريق أنفسهن لدخولهن عند أنفسهن الجنة، وهذا فعل من أفعال الهند على حسب ما ذكرنا آنفاً، إلا أن الهند ليس من شأنها أن تحرق المرأة مع زوجها إلا أنْ ترى ذلك المرأة والغالب في هذا البلد المسلمون؛ لأنهم جند الملك، وهم يعرفن في هذا البلد باللارسية، وهم ناقلة من نحو خُوَارزْمَ، وكان في قديم الزمان بعد ظهور الِإسلام وقع في بلادهم جدب، ووباء، فانتقلوا إلى ملك الخزر، وهم فو بأس وشدة، وعليهم يعول ملك الخزر في حروبه، وأقاموا في بللى على شروط بينهم، أحدها إظهار الدين والمساجد والأذان، وثانيها أن تكون وزارة الملك فيهم، والوزير في وقتنا هذا منهم هو أحمد بن كويه، وثالثها أنه متى كان لملك الخزر حرب مع المسلمين وقفا في عسكره منفردين عن غيرهم لا يحاربون أهل ملتهم، ويحاربون جهل ملتهم، ويحاربون معه سائر الناس من الكفار، ويركب منهم مع الملك في هذا الوقت شخوص منهم سبعة آلاف ناشب بالجواشن والدروع والخوذ ومنهم رامحة أيضاً على حسب ما في المسلمين من آلات السلاح، ولهم قضاة مسلمون، ورَسْمُ دار مملكة الخزر أن يكون فيها قضاة سبعة: اثنان منهم للمسلمين، واثنان للخزر يحكمان بحكم التوراة، وائنان لمن بها من النصرانية يحكمان بحكم النصرانية، وواحد منهم للصقالبة والروس وسائرالجاهلية يحكم بأحكام الجاهلية وهي قضايا عقلية؛ فإذا ورد عليهم ما لا علم لهم به من النوازل العظام اجتمعوا إلى قضاة المسلمين فتحاكموا إليهم انقادوا إلى ما توجبه شريعة الِإسلام، وليس في ملوك الشرق في هذا لصقع من له جند مرتزقة غير ملك الخزر، وكل مسلم من تلك الديار مرف بأسماء هؤلاء القوم اللارسية، والروس والصقالبة الذين ذكرنا أنهم جاهلية هم جند الملك وعبيده، وفي بلاده خلق من المسلمين تجاروصناع غير اللارسية فروا إلى بلاده لعدله وأمنه، ولهم مسجد جامع، والمنارة تشرف على قصر الملك، ولهم مساجد أخرى فيها المكاتب لتعليم الصبيان القرآن، فإذا اتفق المسلمون ومن بها من النصارى لم يكن للمك بهم طاقة.
مراسم خاقان
(1/76)

قال المسعودي: وليس إخبارنا عن ملك الخزر نريد به خاقان، وذلك أن للخزر ملكاً يُقال له خاقان، ورسمه أن يكون في يدي ملك آخر هو وغيره، فخاقان في جوف قصر لا يعرف الركوب ولا الظهور للخاصة ولا للعأمة، ولا الخروج من مسكنه، معه حرمه، ولا يأمر ولا ينهى، ولا يدبر من أمر المملكة شيئاً، ولا تستقيم مملكة الخزر لملكهم إلا بخاقان يكون عنده في دار مملكته، ومعه في حيزه، فإذا أجد بت أرض الخزر أو نابت بلدهم نائبة، أو توجهت عليهم حرب لغيرهم من الأمم، أو فاجأهم أمر من الأمور، نفرت الخاصة والعأمة إلى ملك الخزر، فقالوا له: قد تطيرنا بهذا الخاقان وأيامه، وقد تشاء منابه، فاقتله أو سلمه إلينا نقتله، فربما سلَّمه إليهم فقتلوه، وربما تولَّى هو قتله، وربما رَقَّ له فدافع عنه لأنقتله بلا جرم استحقه ولا ذنب أتاه هذا رسم الخزر في هذا الوقت فلست أدري: أفي قديم الزمان كان ذلك أم حدث، وإنما منصب خاقان هذا من أهل بيتٍ بأعياِنهم أرى أن الملك كان فيهم قديماً، والله أعلم.
نهر برطاس
وللخزر زوارق يركب فيها الركاب التجار في نهر فق المدينة يصب إلى نهرها من أعاليها، يُقالى له برطاس، عليه أمم من الترك حاضرة داخلة في جملة ممالك الخزر، وعمائرهم متصلة بين مملكة الخزر والبرغز، يرد هذا النهر من نحو بلاد البرغز، والسفن تختلف فيه من البرغز والخزر.
أمة برطاس
وبرطاس أمة من الترك على ما ذكرنا على هذا النهر المعروف بهم،ومن بلادهم تحمل جلود الثعالب السود، والحمر التي تعرف بالبرطاسية، يبلغ الجلد منها مائة دينار، وأكثر من ذلك، وذلك من السود، والحمر أخفض ثمناً منها، وتلبس السود منها ملوك العرب والعجم، وتتنافس في لبسه، وهو أغلى عندهم من السمور والفنك وما شاكل ذلك، وتتخذ الملوك منه القلانس والخفاف والحواويج ويتعذر في الملوك من ليس له خفان ودواج مبطن من هذه الثعالب البرطاسية السود.وفي أعالي نهر الخزرمصب متصل بخليج من بحر نيطس، وهو بحر الروس لا يسلكه غيرهم، وهم على ساحل من سواحله، وهي أمة عظيمة جاهلية لاتنقاد إلى ملك ولا إلى شريعة، وفيهم تجار يختلفن إلى ملك البرغز وللروس في أرضهم معدن الفضة كثير نحو معدن الفضة الذي بجبل بنجهير من أرض خراسان.
البرغز
(1/77)

ومدينة البرغز على ساحل بحر مايطس، وأرى أنهم في الإِقليم السابع، وهم نوع من الترك، والقوافل متصلة بهم من بلاد خوارزم من أرض خراسان، ومن خوارزم إليهم، إلا أن ذلك بين بوادي غيرهم من الترك، والقوافل مخفرة منهم. وملك البرغز في وقتنا هذا وهوسنة اثنتين وثلانين وثلثمائة مسلم، أسلم في أيام المقتدر بالله، وذلك بعد العشر والثلثمائة، وذلك لرؤيا رآهأ، وقد كان له ولد حًجّ، وورد مدينة السلام، وحمل معه لمقتدر لواء وبُنُودأ ومالاً ولهم جامعِ، وهذا الملك غزا بلاد القسطنطينية في نحو خمسين ألف فارس فصاعداَ ويشن الغارات حولها إلى بلاد رومية والأندلس وأرض برجان والجلالقة والِإفرانجة، ومنهم إلى. القسطنطينية نحو من شهرين متصلين عمائر ومفاوز، وقد كان المسلمون حين غزوا من بلاد طرسوس من الثغر الشامي مع أمير الثغور ثمل الخادم المعروف بالزلفى ومن كان معه من مراكب الشاميين والبصريين سنة اثنتي عشرة وثلثمائة قطعوا فم خليج القسطنطينية وفم خليج آخرمن البحر الرومي لا منفذ له، وانتهوا إلى بلاد فندبة، وأتاهم في البحر جماعة من البرغز ينجدونهم، وأخبروهم أن ملكهم بالقرب، وهذا يدل على ما وصفنا أن البرغز تتصل سراياها إلى ساحل بحر الروم، وكان نفر منهم ركبوا في مراكب الطرسوسيين، فأتوا بهم إلى بلاد طرسوس، والبرغز أمة عظيمة منيعة شديدة البأس، ينقاد إليها من جاورها من الأمم، والفارس ممن قد أسلم مع ذلك الملك يقاتل المائة من الفرسان والمائتين من الكفار، ولا يمتنع أهل القسطنطينية منه في هذا الوقت إلا بسورها، وكذلك كل من كان في هذا الصقع لا يعتصم منهم إلا بالحصون والجدران، والليل في بلاد البرغز في نهاية من القصر في بعض السنة، ومنهم من زعم أن أحدهم لا يستطيع أن يفرغ من طبخ قدره حتى يأتي الصباح، وقد ذكرنا فيما سلف من كتبنا علة ذلك من الوجه الفَلكي، وعلة الموضع الذي يكون الليل فيه ستة أشهر متصلة لا نهار فيه، والنهار ستة أشهر متصلة لا ليل فيه، وذلك نحو الجدي، وقد ذكر أصحاب النجوم في الزيجات علة ذلك من الوجه الفلكي.
الروس وأجناسهم
(1/78)

والروس: أمم كثيرة وأنواع شتى، ومنهم من يُقال لهم اللوذعانة،وهم الأكثرون، يختلفن بالتجارة إلى بلاد الأندلس ورومية وقسطنطينية والخزر وقد كان بعد الثلاثمائة ورد عليهم نحو من خمسمائة مركب، في كل مركب مائة نفس، فدخلوا خليج نيطس المتصل ببحر الخزر، وهنالك رجال ملك الخزر مرتبين بالعدد القوية يصدّون من يرد من ذلك البحر،ومن يرد من ذلك الوجه من البر الذي شعبه من بحر الخزر تتصل ببحر نيطس، وذلك أن بَوَادي الترك الغز ترد إلى ذلك البروتُشَتَي هنالك، فربما يجمد هذا الماء المتصل من نهر الخزر إلى خليج نيطس، فتعبر الغز عليه بخيولها، وهوماء عظيم، فلاينخسف من تحتهم لشدة استحجاره، فتغير على بلاد الخزر، وربما يخرج إليهم ملك الخزر إذا عجز مَنْ هنالك من رجاله المرتبين عن دفعهم وَمَنَعَهم العبور على ذلك الْجَمَدِ، وأما في الصيف فلا سبيل للترك إلى العبور، فلما وردت مراكب الروس إلى رجال الخزر المرتبين على فم الخليج راسلوا ملك الخزر في أ ان يجتازوا البلاد وينحدروا في نهره فيدخلوا نهر الخزر ويتصلوا ببحر الخزر الذي هو بحر جرنجان وطبرستان وغيرهما من بلاد الأعاجم على ما ذكرنا، ويجعلوا لملك الخزر النصف مما يغنمون ممن هناك من الأمم على ذلك البحر، فأباحهم ذلك، فدخلوا الخليج واتصلوا بمصب النهر فيه، وساروا مُصْعِدين في تلك الشعبة من الماء، حتى وصلوا إلى نهر الخزر، وانحدروا فيه إلى مدينة آمل واجتازوا بها وانتهوا إلى فم النهر ومصبه إلى البحر الخزري، ومن مصب النهر إلى مدينة آمل وهو نهر عظيم وماء كثير فانتشرت مراكب الروس في هذا البحر، وطرحت سراياها إلى الجيل والديلم وبلاد طبرستان وآبسكون، وهي بلاد على ساحل جرجان وبلاد النفاطة، ونحو بلاد أذر بيجان، وذلك أن من بلاد أردبيل من بلاد أذر بيجان إلى هذا البحر نحو من نلاثة أيام، فسفكت الروس الدماء، واستباحت النسوان والولدان، وغنمت الأموال، وشنت الغارات، وأخربت، وأخرقت، فضج مَنْ حول هذا البحر من اللأمم، لأنهم لم يكونوا يعهدون في قديم الزمان عدواً يطرقهم فيه، إنما تختلف فيه مراكب التجار والصيد، وكانت لهم حروب كثيرة مع الجيل والديلم مع قائد لابن أبي الساج، فانتهوا إلى ساحل النفاطة من مملكة شروان المعروفة بباكة، وكانت الروس تأوي عند رجوعها من غاراتها الى جزائر تقرب من النفاطة على أميال منها، وكان ملك شروان يومئذعلي بن الهيثم، فاستعد الناس، وركبوا في القوارب، ومراكب التجار، وساروا نحو تلك الجزائر، فمالت عليهم الروس، فقتل من المسلمين وغرق ألوف، وأقام الروس شهوراً كثيرة في هذا البحر على ما وصفنا لا سبيل لأحد ممن جاور هذا البحر من الأمم أليهم، والناس مهتابون لهم، حذرون منهم. لأنه بحر غامر لمن حوله من الأمم، فلما غنموا وسئموا ما هم فيه ساروا إلى فم نهر الخزر ومصبه، فراسلوا ملك الخزر وحملوا إليه الأموال والغنائم على ما اشترط عليهم، وملك الخزر لا مراكب له، وليس لرجاله بها عادة، ولولا ذلك لكان على المسلمين منهم آفة عظيمة، وعلم بشأنهم اللارسية ومن في البلاد الخزر من المسلمين، فقالوا لملك الخزر: خَلِّنَا وهؤلاء القوم فقد أغاروا على بلاد إخواننا المسلمين، وسفكوا الدماء، وسبوا النساء والذراري، فلم يمكن الملك منعهم، وبعث إلى الروس فأعلمهم بما قد عزم عليه المسلمون من حربهم، وعسكروا، وخرجوا يطلبونهم منحدرين مع الماء، فلما وقعت العين على العين خرجت الروس عن مراكبها وصافا المسلمين، وكان مع المسلمين خلق من النصارى من المقيمين بمدينة آمل وكان المسَلمون في نحو خمسة عشر ألفاً بالخيل والعدد، فأقام الحرب بينهم ثلاثة أيام، ونصر اللّه المسلمين عليهم، وأخذهم السيف: فمن قتيل، وغريق، ونجا منهم نحو خمسة آلاف، فركبوا في المراكب إلى ذلك ذلك الجانب مما يلي بلاد برطاس، وتركوا مراكبهم وتعلقوا بالبر فمنهم من قتله أهل برطاس، ومنهم من وقع إلى بلاد البرغز إلى المسلمين فقتلوهم، وكان من وقع عليه الِإحصاء ممن قتله المسلمون على شاطىء نهر الخزر نحواً من ثلاثين ألفاً، ولم يكن للروس من تلك السنة عودة إلى ما ذكرنا.
(1/79)

قال المسعودي: وإنما ذكرنا هذه القصة دفعاً لقول من زعم أن بحر الخزر متصل، ببحر مايطس وخليح القسطنطينية من جهة بحر مايطس ونيطس ولوكان لهذا البحر اتصال بخليج القسطنطينية من جهة بحر مايطس أو نيطس لكانت الروس قد خرجت فيه، إذ كان ذلك بحرها على ما ذكرنا، ولا خلاف بين من ذكرنا ممن تجاوز هذا البحر من الأمم في أن بحر الأعاجم لا خليج له متصل، بغيره من البحار ة لأنه بحر صغيريحاط بعلمه، وما ذكرنا من مراكب الروس فمستفيض في تلك البلاد عند سائر الأمم، والسنة معروفة، وكَانت بعد الثلاثمائة. وقد غاب عني تاريخها، ولعل من ذكر أن بحر الخزر متصل بخليج القسطنطينية يريد أن بحر الخزر هو بحر مايطس ونيطس الذي هو بحر البرغز والروس، واللهّ أعلم بكيفية ذلك. وساحل طبرستان على هذا البحر، وهنالك مدينة يُقال لها الهم،وهي فرضة قريبة من الساحل، وبينها وبين مدينة آمل ساعة من النهار، وعلى ساحل جرجان، مما يلي هذا البحر، مدينة يُقال لها آبسكون، على نحو من ثلاثة أيام من جرجان، وعلى هذا البحر الجيل والديلم، وتختلف المراكب بالتجارات فيه إلى مدينة آمل، فيدخل في نهر الخزر إليها وتختلف، المراكب فيه بالتجارات من المواضع التي سمينا من ساحله إلى باكة، وهي معدن النفط الأبيض وغيره، وليس في الدنياوالله أعلم نفط أبيض إلا في هذا الموضع، وهي على ساحل مملكة شروان، وفي هذه النفاطة أطمَة، وهي عين من عيون النار لا تهدأ على سائر الأوقات تَتَضرَّمُ الصعداء.
حديث عن آطام النيران
ويقابل فذا الساحل في البحر جزائر: منها جزيرة على نحو ثلاثة أيام من الساحل فيها أطمة عظيمة تزفر في أوقات من فصول السنة فتظهر منها نار عظيمة تذهب في الهواء كأشمخ ما يكون من الجبال العالية فتضيء الأكثر . من هذا البحر، ويرى ذلك من نحو مائة فرسخ من البر، وهذه الأطمة تشبه أطمة جبل البركان من بلاد صقلية من أرض الِإفرنجة ومن بلاد إفريقيةمن أرض المغرب، وليس في آطام الأرض أشد صوتاً ولا أسود دخاناً ولا كثر تلهباً من الأطمة التي في أعمال المهراج، وبعدها أطمة وادي برهوت، وهي نحوبلاد سبأ وحضرموت من بلاد الشِّحْر، وذلك بين بلاد اليمن وبلاد عُمَان، وصوتها يسمع كالرعد من أميال كثيرة تقذف من قعرها بجمركالجبال وقطع من الصخورسود حتى يرتفع ذلك في الهواء وَيُدرَكُ حساً من أميال كثيرة ثم ينعكس سفلًافيهوي إلى قعرها وحولها، والجمر الذي يظهر منها حجارة قد أحمرت مما قد أحالها من مواد حرارة النار، وقد أتينا على علة تكون عيون النيران في الأرض، وما سبب موادها، في كتابناأخبار الزمان.
حديث عن البزاة
وفي هذا البحر جزائر أخرى مقابلة لساحل جرجان، يصاد منها نوع من البُزَاة البيض، وهذا النوع من البُزَاة أسرِع الضواري إجابة، وأقلها معاشرة، إلا أن في هذا النوع من البُزْاة شيئاَ من الضعف، لأن الصائد يصطادها من هذه الجزائر فيغذيهَا بالسمك، فإذا اختلف عليها الغذاء عرض لها الضعف، وقد قال الجمهور من أهل المعرفة بالضواري وأنواع الجوارح من الفرس والترك والروم والهند والعرب: إن البازي إذا كان إلى البياض في اللون؛ فإنه أسرع البُزَاة وأحسنها وأنبلها أجساماً، وأجرؤها قلوبَاَ، وأسهلهارياضة وإنه أقوى جميع البزَاة على السمو في الجو، وأذهبها الصعداء وأبعدها غاية في الهواء؛ لأن فيها من حرف الحرارة وجراءة القلب ما ليس في غيرها من جميع أنواع البُزَاة، وإن اختلاف ألوانها لاختلاف مواضعها، وإن من أجل ذلك خلصت البيض لكثرة الثلج في أرمينية وأرض الخزر وجرجان وما والاها من بلاد الترك.
وقد حكي عن حكيم من خواقين الترك وهم الملوك المنقادة إلىملكهم جميع ملوك الترك أنه قال: إن بُزَاة أرضنا إذا أسقطت أنفس فراخها من الوعاء إلى الفضاء سمت في آخر الجو إلى الهواء البارد الكثيف فأنزلت عواب تسكن هناك فتغذيها بها، فلا تلبث أن تقوى وتنهض لِإسراع الغذاء فيها، وأنهم ربما وجدوا في أوكارها من تلك الدواب أشلاء.وقد قاك جالينوس : إن الهواء حار رطب، والبرد يعرض فيه لقوة الرياح المرتفعة ولا يخلوالجومن نشاء فيه وساكن.
وعن بليناس أنه قال: واجب إذا كان لهذين الاسطقصين يعني الأرض والماء خلق وساكن أن يكون للاسطقصين الأعليين يعني الهواء والنار خلق وساكن.
القول بأن الهواء مسكون
(1/80)

وَوَجَدت في بعض أخبار هارون الرشيد أن الرشيد خرج ذات يوم إلى الصيد ببلاد الموصل، وعلى يده بازأبيض ث فاضطرب على يده فأرسله ة فلمِ يزل يحلق حتى غاب في الهواء ثم طلع بعد الِإياس منه وقد علق شيئاَ فهوى به يشبه الحية أو السمكة وله ريش كأجنحة السمك فأمر الرشيد فضع في طست ؛فلما عاد من قَنَصِهِ أحضر العلماء فسألهم: هل تعلمون للهواء ساكناً؟ فقال مقاتل: يا أمير المؤمنين، روينا عن جدك عبد اللّه بن عباس أن الهواء معمور، بأمم مختلفة الخلق، فيها سكان أقربها منا دوَاب تبيض في الهواء تفرخ فيه، يرفعها الهواء الغليظ وَيربيها حتى تنشأ في هيئة الحيَّاتِ أو السمك، لها أجنحة ليست بذات ريش تأخذها بُزَاة بيض تكون بأرمينية، فأخرج الطست إليهم، فأراهم الدابة، وأجاز مقاتلًا يومئذ.
و قدأخبرني غير، واحد من أهال التحصيل بمصروغيرهامن البلاد أنهم شاهدوا في الجو حَيَّاتٍ تسعَى كأسرع ما يكون من البرق بيض، وأنها تقع على الحيوان في الأرض فتقتله، وربما يسمع لطيرانها في الليل وحركتها في الهواء صوت كنشرثوب جديد، وربما يقول من لا علم له وغيره من البشر: هذا صوت ساحرة لّطير، ذات أجنحة من قصب.وللناس كلام كثير فيما ذكرنا، واستدلالهم على هذا إنما هو بما يحدث في أسطقص الماء من الحيوان، وأنه يجب على هذه القصة أن يحدث ذلك بين العنصرين الخفيفين وهما الهواء والنار نشو وحيوان كحدوثه بين الثقيلين وهما الأرض والماء.
وصف البزاة
قال المسعوعي: وقد وصفت الحكماء والملوك البُزَاةَ، وأغربت في الوصف، وأطنبت في المدح، فقال خاقان ملك الترك: البازي شجاع مريد وقال كسرى أنو شروان: البازي رفيق يحسن الِإشارة ولا يؤخر الفرص إذا أمكنت، وقال قيصر: البازي ملك كريم إن احتاج أخذ وإن استغنى ترك، وقالت الفلاسفة: حسبك من البازي سرعة في الطلب وقوة على الرزق وفي السمو إذا طالت قوادمه وبَعُدَ ما بين منكبيه فذلك أبعد لغايته وأخف لسرعته، ألا ترى إلى الصقور لا تزداد في غاياتها إلا بعداً وسرعة وقوة على التكرار، وذلك لطول قوادمها مع كثافة أجسامها، وإنما قصرت غاية البازي لقصر جناحيه ورقة جسمه، فإذا طالت به الغاية أخره ذلك حتى تشتد نفسه، ولا تُؤْتَى الجوارح إلا من قصر القوادم، ألا ترى أن الدراج والسما ن والحجل واشباهها حين قصرت قوادمها، كيف قصرت غاياتها. وقال أرستجانس: البازي طير عاري الحجاب، وما يفته في كسوره يزيده في أخمصه ورجليه، وهو أضعف الطير جسماً، وأقواهاقلباً وأشجعها وذلك لفضله على سائر الطير بالجزء الذي فيه من الحرارة التي ليست في شيء منها، وَوَجدنا صدورها منسوجة بالعصب لا لحم عليها وقال جالينوس مؤيدأ لما ذهب إليه أرستجانس: إن البازي لا يتخذ وكراً إلا في شجرة لَفَاء مشتبكة بالشوك مختلفة الحجوم بين شجرعسىِ طلبأ للكن ودفعاً لألم الحر والبرد، فإذا أراد أن يفرخ بنى لنفسه بيتاَ وسقفه تسقيفاً لا يصل إليه منه مطرولا ثلج إشفاقاً على نفسه وفراخه من البرد والضر.
أول من لعب بالصقور
وذكر أدهم بن محرز أن أول من لعب بالصقور الحارث بن معاوية بن ثور الكندي، وهو أبوكندة، وأنه وقف يوماً لقانص وقد نصب حِبَالة للعصافير فانقضَّ أكْدرُ على عصفر منها قد علق، فعلقه الأكدر وهو الصقرومن اسمائه أيضاً الأجدل، فجعل يأكل العصفر وقد علق، فعجب الملك فأتى به وهو يأكل العصفر، فرمى به في كِسر البيت، فرآه قد دجن ولم يبرح مكانه ولم ينفر، وإذا رمى إليه طعاماً أكله، وإذا رأى لحماً نهض إلى يد صاحبه ثم دعى فأجاب فطعم على اليد، وكانوا يتباهون بحمله، إذ رأى يوماً حمأمة فطار إليها من يد حامله فعلقها، فأمر الملك بإتخاذها والتصيد بها، فبينما الملك يسير يوماً إذ نفجت أرنب فطار الصقر إليها فأخذها، فطلب بها الطير والأرانب فقتلها، واتخذها العرب بعده، ثم استفاضت في أيدي الناس.
أول من أتخذ الشواهين
(1/81)

فأما الشواهين فإن أرستجانس الحكيم ذكر في كتاب كان وجه به إلى المهدي حمل إليه من أرض الروم أهداه إليه الملك أن ملكاَ من ملوك الروم يُقالى له فسيان نظريوماً إلى شاهين يَهْوِي منحدراً على طير الماء فيضربه ثم يسمو مرتفعاً في الهواء، حتى فعل ذلك مراراً، فقال: هذا طير ضَارٍ تَدُلُّنا قوة انحداره على الطير في الماء أنه ضارٍ، وتدلنا سرعة ارتفاعه في جو السماء على أنة طير أبيٌّ ألوف، فلما رأى إلى حسن تكراره أعجبه، فكان أول من أتخذ الشواهين.وقد ذكر سعيد بن عبيس عن هاشم بن خديج قال: خرج قسطنطين ملك عمورية متصيداً بالبزاة، حتى انتهى إلى خليج نيطس الجاري إلى بحر الروم فعبر إلى مَرْج بين الخليج والبحر فسيح مديد، فنظر إلى شاهين يتكفأ على طير المات، فأعجبه ما رأى من سرعته وضراوته، ولم يدر الحيلة في صيده، فأمر أن يصطاد له فَضَرّاه، وكان قسطنطين أول من لعب بالشواهين، ونظر إلى ذلك المرج البساط مفروشاً بألوان الزهر، فقال: هذا موضع حصين بين نهر وبحر، وله سعة وامتداد يصلح أن يكون فيه مدينة، فبنى فيه مدينة القسطنطينية، وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب عند ذكرنا لملوك الروم قسطنطين بن هلاين هذا، وما كان من خبره، وهو المظهر لدين النصرانية، وهذا الوجه أحد ما ذكر من السبب الداعي لبناء القسطنطينية. وقد ذكر ابن غفير عن أبي زيد الفهري أنه كان من رتبة ملوك الأندلس اللَّذَارقة أنه إذا ركب الملك منهم صارت الشواهين في الهواء مظلة لعسكره، مخيمة على موكبه، تنحدر عليه مرة وترتفع أخرى، معلمة لذلك، فلا تزال على ما وصفنا في حال مسيره حتى ينزل فتقع حوله، إلى أن ركب يوماً ملك منهمِ يُقال له أزرق وصارت الشواهين معه على ما وصفنا، فاستثارت طائراً فانقض عليه شاهين فأخذه، فأعجب بذلك الملك، وَضَرَّاها على الصيد؛ فكان أول من تصيد بها بالمغرب وبلاد الأندلس.قال المسعودي: وكذلك ذكر جماعة من أهل العلم بهذا الشأن أنه كان أول من لعب بالعقبان من أهل المغرب، فلما نظرت الروم إلى شدة أسْرِهَا وإفراط سلاحها قال حكماؤهم: هذه التي لا يقوم خيرها بشرها.
وذكر أن قيصر أهدى إلى كسرى عُقاباً وكتب إليه يُعْلِمه أنها تعمل أكثر من عمل الصقر الذي أعجبه صيده، فأمر بها كسرى فأرسلت على ظبى عرض له فدقته، فأعجبه ما رأى منها، فانصرف مسروراً، فجوعها ليصيد بها، فثبت على صبي له فقتلته، فقال كسرى: وَتَرَنَا قيصرفي أولادنا بغير جيش، ثم إن كسرى أهْدى إلى قيصر نمراً، وكتب إليه أنه يقتل الظباء وأمثالها من الوحش، وكتب ما صنعت العُقَاب، فأعجب قيصر حسن النمر، وطابق صفته بوصف من الفهد، وغفل عنه، فافترس بعضى فتيانه، فقال: صادنا كسرى، فإن كنا قد صدناه فلا بأس.هذا، وقد تغلغل بنا الكلام عند ذكرنا لبحر جرجان وجزائره إلى الكلام في أنواع الجوارح، وسنذكر لُمَعاً من أخبار البزاة وأعداد أجناس الجوارح وأشكالها عند ذكرنا لملوك اليونانيين، فلنرجع الان إلى ذكر الباب والأبواب ومن يلي السور من الأمم وجبل القبخ، وقد قلنا إن شر الملوك ممن جاورها من الأمم مملكة جيدان، وملكهم رجل مسلم يزعم أنه من العرب من قحطان ويعرف بسلفان في هذا الوقت، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، وليس في مملكته مسلم غيره وولده وأهله، وأرى أن هذه السمة يسمى بها كل ملك لهذا الصقع، وبين مملكة جيدان وبين الباب والأبواب أناس من المسلمين عرب لا يحسنون شيئاً من اللغات غير العربية في آجام هناك وغِيَاض وأودية وأنهار كبار من قرى قد سكنوها، وقطنوا ذلك الصقع منذ الوقت الذي افتتحت فيه تلك الديار ممن طرأ من بوأدي العرب إليها، فهم مجاورون لمملكة جيدان، إلا أنهم ممتنعون بتلك الأشجار والأنهار، وهم على نحو ثلاثة أميال من مدينة الباب والأبواب، وأهل الباب يحذرونهم.ويلي مملكة جيدان مما يلي جبل القبخ والسرير ملك يقال له برزبان مسلم، ويعرف بلده بالكرج، وهم أصحاب الأعمدة، وكل ملك يلي هذه المملكة يدعى برزبان.
مملكة غميق
ثم يلي مملكة برزبان مملكة يُقال لها غميق، وأهلها أناس نصارى لا ينقادون إلى ملك، ولهم رؤساء، وهم مهادنون لمملكة اللان.
مملكة زريكران
(1/82)

ثم يليهم مما يلي السرير والجبل مملكة يُقال لها زريكران، وتفسيرذلك عمال الزرد، لأن أكثرهم يعمل الزرد واليَلَبَ واللجم والسيوف وغير ذلك من أنواع الحديد، وهم فو ديانات مختلفة: مسلمون، ويهود، ونصارى، وبلدهم بلد خشن، قد امتنعوا بخشونته على ما جاورهم من الأمم.
مملكة فيلان شاه
ثم يلي هؤلاء مملكة السرير، وملكها يدعي فيلان شاه، يدين بدين النصرانية، وقد ذكرنا فيما سلف من هذا الكتاب أنه من ولد بهرام جور، وسمي صاحب السرير لأن يزدجرد وهو الآخر من ملوك ساسان حين ولى منهزماً قدم سريره الذهب وخزائنه وأمواله مع رجل من ولد بَهْرَام جور ليسير بها إلى هذه المملكة فيحرزها هناك إلى وقت موافاته، ومضى يزدجرد إلى خراسان فقتل هناك، وذلك في خلافة عمر رضي الله عنه على ما ذكرنا في هذا الكتاب وغيره من كتبنا، فقطن ذلك الرجل في هذه المملكة، واستولى عليها، وصار الملك في عقبه فسمي صاحب السرير، ودار مملكته تعرف بحمرج، وله أثنا عشرألف قرية يستعبد منهم من شاء، وبلده بلد خشن منيع لخشونته، وهو شعب من. جبل القبخ، وهويغيرعلى الخزر مستظهرأعليهم لأنهم في سهل وهوفي جبل.
مملكة اللان
ثم تلي هذه المملكة مملكة اللان وملكها يُقال له كركنداج، وهذا الاسم الأعم لسائر ملوكهم، وكذلك فيلان شاه، فهو الاسم الأعم لسائر ملوك السرير، ودار مملكة ملك اللان يقال لها معص، وتفسير ذلك الديانة، وله قصور ومنتزهات في غير هذه المدينة ينتقل في السكنى إليها، وبينه وبين صاحب السرير مصاهرة في هذا الوقت، وقد تزوج كل واحد منهما بأخت الآخر، وقد كانت ملوك اللات بعد ظهور الإسلام في الدولة العباسية اعتقدوا دين النصرانية. وكانوا قبل ذلك جاهلية، فلما كان بعد العشرين والثلثمائة رجعوا عما كانوا عليه من النصرانية، وطردوا مَنْ كان قبلهم من الأساقفة والقسيسين، وقد كالط أنفذهم إليهم ملك الروم.
وبين مملكة اللان وجبل القبخ قلعة وقنطرة على واد عظيم يقال لهذه القلعة قلعة باب اللان، بنى هذه القلعة ملك في قديم الزمان من الفرس الأوائل يقال له اسبنديار بن يستاسف بن بهراسب ورتب في هذه القلعة رجالاً يمنعون اللان عن الوصول إلى جبل القبخ، ولا طريق لهم إلا على هذه القنطرة من تحت هذه القلعة، والقلعة على صخرة صماء لا سبيل إلى فتحها والوصول إليها إلا بإذن مَنْ فيها؛ ولهذه القلعة المبنية على أعلى هذه الصخرة عين من الماء عذبة تظهر في وسطها من أعلى هذه الصخرة، وهذه القلعة إحور قلاع العالم الموصوفة بالمَنَعَة، وقد ذكرتها الفرس في اشعارها، وما كان لاسبنديار بن يستاسف في بنائها، ولِإسبنديار في الشرف حروب كثيرة مع أصناف من الأمم، وهو السائر إلى بلاد الترك، فخرب مدينة الصقر، وكانت من المنعة بالموضع العظيم الذي لا يُرَام، وبها تضرب الفرس الأمثال، وما كان من أفعال إسبنديار وما وصفنا فمذكور في الكتاب المعروف بكتاب البنكش، نقله ابن المقفع إلى لسان العرب، وقد كان مَسْلمة بن عبد الملك بن مروان حين وصل إلى هذا الصقع ووطىء أهله أسكن في هذه القلعة أناساً من العرب إلى هذه الغاية يحرصون هذا الموضع، وربما يحمل إليهم الرزق وأقوات من البر من ثغر تفليس، وبين تفليس وهذه القلعة مسيرة خمسة أيام، ولوكان رجل واحد في هذه القلعة لمنع سائر الملوك الكفار أن يجتازوا بهذا الموضع؛ لتعلقها بالجو وإشرافها على الطريق والقنطرة والوادي، وصاحب اللان يركب في ثلائين ألف فارس، وهو ذو مَنَعَة وبأس شديد وف سياسة بين الملوك، ومملكته عمائرها متصلة، غير منفصلة، إذا تصايحت الديوك تجاوبت في سائر مملكته لاشتباك العمائر واتصالها.
أمة كشك
(1/83)

ثم يلي مملة اللان أمة يُقَال لها كشك، وهم بين جبل القبخ وبحر الروم، وهي أمة مطيعة منقادة إلى دين المجوسية، وليس فيمن ذكرنا من الأمم في هذا الصقع أنقى أبشاراً، ولا أصفى ألوانأ ولا أحس رجالاً ولا أصبح نساء، ولا أقوم قدودأ، ولا أدق أخصاراً، ولا أظهر أكفالاً وأردافاً، ولا أحسن شكلأ من هذه الأمة، ونساؤهم موصوفات بلذة الخلوات، ولباسهم البياض والديباج الرومي والسقلاطوني وغير ذلك من أنواع الديباج المذهب، وبأرضهم أنواع من الثياب يصنع من القنب، فيها نوع يقال له الطلى أرق من الدبيقي على الكَدِّ، يبلغ الثوب عشرة:دنانير، ويحمل إلى ما يليهم من الإِسلام، وقد تحمل هذه الثياب ممن جاورهم من الأمم، إلا أن الموصوف منها ما يحمل من قبل هؤلاء.واللان مستظهرة على هذه الأمة، لا تنتصف هذه الأمة من اللان،إلا أنها تمتنع من اللان بقلاع لها على ساحل البحر، وقد تُنوزع في البحر الذي هم عليه: فمن الناس من يرى أنه بحر الروم، ومنهم من يرى أنه بحر نيطس، إلا أنهم يقربون في البحر من بلاد طرابزندة، والتجارة تتصل بهم منها في المراكب، وتتجهز من قبلهم أيضاً، والعلة في ضعفهم عن اللان تركهم أن يملِّكوا عليهم ملكاً يجمع كلمتهم، ولو اجتمعت كلمتهم لم يُطِقْهم اللان ولا غيرها من الأمم، وتفسير هذا الاسم وهو فارسي إلى العربية التَيه والصَلَفُ، وذلك أن الفرس إذا كان الِإنسان تائها صلفاً قالوا: كشك.وتلي هذه الأمة التي على هذا البحرأمة أخرى يُقال لبلادهم: السبع بلدان، وهي أمة كبيرة ممتنعة بعيحة الدار لا أعلم ملتها، ولا نمي إلي خبُرهَا في دينها.
ارم ذات العماد: وتليها أمة عظيمة بينها وبين بلاد كشك نهر عظيم كالفرات يصب إلى حر الروم، وقيل: إلى بحر نيطس، ويقال لدار مملكة هذه ا؟ مة إرم ت ات العماد، وهم فو خلق عجيب، وآراؤها جافلية، ولهذا البلد على مذا البحر خبرظريف، وذاك أن سمكة عظيمة تأتيهم في كل سنة فيتناولن شها، ئم تعود ثانية فتتوجه نحوهم من الشق الاخر فيتناولن منها، وقد عاد للحم على الموضع الذي أخذ منه أولًا، وخبرهن! ا؟ مة مستفيض في !لك الديار من الكفار.
ويلي هذه ا " مة أمة بين جبال أربعة كل جبل منها ممتنع ذاهب في الهواء وبين هذه الجبال الأربعة من المسافة نحو من مائة ميل صحراء، في وسط تلك الصحراء دارة مقورة كأنها قد خطت ببيكار، وشكل دائرتها خسفة مجوفة في حَجَر صَلْد منخسف كما تححر الدائرة، استدارة تلك الخسفة نحوخمسين ميلاً قطع قائم يهوي سفلًا كحائط مبني من سفل إلى علو يكون قعره على نحو ميلين، لا سبيل إلى الوصولى إلى مستوى تلك الدارة، ويرى فيها بالليل نيران كثيرة في مواضع مختلفة، وبالنهار يرى قرى وعمائر وأنهارحتجري بين تلك القرى وناس وبهائم، إلا أنهم يرون لطاف الأجسام لبعد قعر الموضع، ولا يحرى من أي الامم هم، ولا سبيل لهم إلى الصعود إلى جهة من الجهات، ولا سبيل لمن فق إلى النزولى إليهم بوجه من الوجوه.
و!ف نوع من القرلة: ووراء تلك الجبال الأربعة على ساحل البحر خسفة اخرى قريبة القعم
(1/84)

فيها آجام وغياض فيها نوع من القرود منتصبة القامات مستديرة الوجو والأغلب عليها صور الناس وأشكالهم، إلا أنهم فو شعر، وربما وقع في الناثر القرد منها إذا احتيل في اصطياعه؟ فيكون في نهاية الفهم والحراية، إلا أنه لا لسان له فيعبر بالنطق ة ويفهم كل ما يخاطب به بالِإشارة، ورب! حمل الواحد منها إلى ملوك الأمم من هناك فتعلِّمه القيام على رؤوس! بالمذابِّ على موائدها لما في القود من الخاصة بمعرفة السموم من المأكل والمشرب ويلقي الملك له من طعامه: فإن أكله أكل الملك منه، وإذ اجتنبه علم أنه مسموم فحفر منه، وكذلك فعل الأكثر من ملوك السنلأ والهند في القرثة، وقد ذكرنا في هذا الكتاب خبر وفد الصين حين وفحو على المهحيِّ، وما ذكروا له مما في القرد من منافع ملوكهم به عند الطعام وذكرنا خبر القرود باليمن، واللوح الحديد الذي كتبه سليمان بن ثاود عهد للقرود باليمن، وما كان من أمرهم مع عامل معاوية بن أبي سفيان، وما كتب به في أمرهم، ووصف القرد العظيم الذي كان في رقبته اللوح الحديد، وليس في قرود العالم أفطن من هذا النوع، ولا أخبث، وذلك أن القرعة تكون في بقاع الأرض الحارة: فمنها بأرض النوبة وأعلى بلاد الأحابيش مما يلي أعالي مصب النيل وهي القرود المعروفة بالنوبية، وهي صغيرة القد صغيرة الوجوه ذات سواد غير حالك كأنه ن!ي وهو الذي يكون مع القَرادين، ويصعد على رمح فيصير على أعلاه، ومنها ما يكون في ناحية الشمال في اجام وغياض نحو أرض الصقالبة وغيرها ممن هناك من الامم، كنحو ما وصفنا من هذا النوع من القرود، وقرب شكله من صورة الِإنسان ومنها بخلجانات بلاد الزابج في الصين وفي مملكة المهراج ملك الجزائر، وقد قممنا فيما سلف من هذا الكتاب أن ملكه يوازي ملك الصين، وهو بين مملكة البلهرا وملك الصين، وهذه القرود مشهورة في هذا الصقع معروفة بالكثرة في هذه الخلجانات، وهي ذات صور تأمة، وقد كان حمل إلى المقتمر منها، وجاءت في سلاسل عظام، وكان في القرود فو لحى وسبال كبار وشيوخ وشبان مع أنواع من الهدايا من عجائب البحر، حمل ذلك أحمد بن هلال أمير عمان يومئذ، وهنه القرود أمرها مشتهر عند البحريين من أهل سيراف وعمان ممن يختلف إلى بلاد كلة والزانج، وكيف تأتي بالحيلة لصيد التماسيح من جوف الماء، على أن الجاحظ قد ذكر أن التماسيح لا تكون إلا بنيل مصر ونهر مهوان السند وقد ذكرنا فيما سلف من هذا الكتاب ما قيل في ذلك، وأخبرنا عن مواضع التماسيح فأما اليمن فلا تناكر بين مَنْ دخله في أن القرود منه في مواضع كثيرة لا يحصرها عحد لكثرتها: فمنها في واعي نخلة، وهي بين بلاد الجَنَدِ وبلاد زبيد التي أميرها في هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلالين وثلثمائة - إبراهيم بن زياد صاحب الحرملي، وبين هذا الواثي وبين زبيد يوم، وبينه وبين الجَنَدِ يوم أو أكثر من ذلك، وهذا الواس كثير العمائر، ومصاد المياه إليه كثيم ة
(1/85)

وشجر الموز فيه كثير، والقرود فيه كثيرة، وهو بين جبلين، والقرود قطعان كل قطيع منها يسوقه هرز، والهرز: الذكر العظيم كالفحل العظيم المقمَّم فيها، وقد تلد القرعة في بطن واححة عمة من القرود نحو العشرة والأثني عشر، كما تلد الخنزيرة خنانيص كثيرة، وتحمل القردة البعض من أولادها كحمل المرأة ولدها، ويحمل الذكر باقيهن، ولهن أندية ومجالس يجتمع فيها خلق منهن فيسمع لهن حديث ومخاطبات وهمهمة، والِإناث كالنساء متحيزات عن الذكور، فإذا سمع السامع محادثتهن وهو لا يرى أشخاصهن بين تلك الجبال وأشجار الموز، وذلك بالليل، لم يشك أنهم اناس لكثرتهم بالليل والنهار، وليس في جميع البقاع التي تكون فيها القرود أحسن ولا أخبث ولا أسرع قبولًا للتعليم من قرعة اليمن، وأهل اليمن يسمون القرد الرباح، ولهم جُمَم للذكور والإِناث قد سرحت ومنها سود كأسْوَدِ ما يكون من الشعر، وإذا جلسوا يجلسون مراتب عون مرلبة الرئيس، ويتشبهون في سائر أعمالهم بالناس، ومن القرثة باليمن ببلاد مأرب بين بلاد صنعاء وقلعة كهلان ما يكون في برَارٍ وجبال هناك كأنها السحب في تلك البراري والجبال لكثرتها، وكهلان هنه قلعة من مخاليف اليمن فيها أسعد بن يعفر ملك اليمن في هذا الوقت مُحْتَجب عن الناس إلا عن خواصه، وهوبقيَّة من ملوك حمير، وحوله من الجنود من الخيل والرجال نحو خمسين ألفاً مرتزقة يقبضون الرزق في كل شهر، ويدعي وقت القبض البركة، فيجتمعون هناك ويتحفرون وينحمرون من تلك المخاليف، والمخاليف: القلاع، وقد كانت لهذا الرجل حروب باليمن مع القرامطة وصاحب المذيحرة، وهو علي بن الفضل، وذلك بعد السبعين والمائتين، وقد كان لعلي باليمن شأن عظيم حتى قتل، وتوطأت اليمن لهذا الرجل، وباليمن للقرود مواضع كثيرة، وكذلك في بقاع من الأرض أعرضنا عن ذ!رها، إذ كنا قد أتينا على علة تكونها في بعض البقاع لمحون بعض من الأرض وأخبار النسناس في كتابنا " أخبار الزمان ثا وكذلك الأخبار عن العرابيد، وهو نوع كالحيات تكون ببلاد حجر اليمأمة فيما زجمموا، واحدها عربد، وقد كان المتوكل في بل! خلافته سأل حنين بن إسحاق أن يتأتى له في حمل أشخاص من النسناس والعربد، فلم يَسْلَم منهم إلى سُرَّ مَنْ رأى إلا اثنان من النسناس، ولم تتأتّ له الحيلة في حمل العربد من اليمأمة، وذلك أن العربد هذا إذا خرج عن اليمأمة وصار إلى موضع منها معروف المسافة عدم من الوعاء الذي حمل فيه، وأهل اليمأمة ينتفعون به لمنع الحيات والعقارب وسائر الهوام، كمنفعة أهل سجستان بالقنافذ، ولذلك كان في عهد أهل سجستان القديم ألا يقتل قنفذ ببلدهم، لأنه بلد كثير الرمالى بناه ذو القرنين في مَطَافه، وحوله جبال كثيرة من الرمل قد سكرت بالخشب والقصب، والبلد كثير الأفاعي والحيات جداً، فلولا كثرة القنافذ لتلف من هناك من الناس، وكذلك أهل مصر في صعيدها وغيره، لهم عويبة يقال لها العرانس أكبر من الجرذ وأصغر من ابن عرس حمراء بيضاء البطن، لولا هذه الحويبة لغلب على أهل مصر الثعابين، وهي نوع من الحيات عظيمة، فينطوي الثعبان على هذه الدويبة ويلتفُّ بها فترخي عليه الريح فينقطع الثعبان من ريحها، هذه خاصية هذه الدابة، وفي الشرق أنواع من الخواص في بره وبحره وحيوانه ونباته وجماده، وكذلك في الغرب واليمن وهو الجنوب، والجدي وهو الشمال، وقد ذكرنا طبع كل واحد من هذه الأرباع؛ ففي ذكرها في هذا الباب خروج عن الغرض الذي يممنا نحوه.فلنرجع الآن إلى ما كنا فيه آنفاً من ذكر الأمم المخيطة بالباب والأبواب والسور وجبل القبخ وبلاد الخزر واللان، فنقول:إنه يلي الخزر واللان فيما بينهم وبين المغرب أمم أربع: ترك ترجعإلى أب واحد في بدء أنسابهم، حَضَر وبدو، ذو مَنَعَة وبأس شديد، لكل أمة منها ملك، مسافة مملكته أيام، متصلة ممالكهم بعضها ببحر نيطس، وتتصل عماراتها بمدينة رومية، وما يلي بلاد الأندلس، مستظهرة على سائر ما هنالك من الأمم، وبينهم وبين ملك الخزر مهادنة، وكذلك مع صاحب اللان، وديارهم تتصل ببلاد الخزر، فالجيل الأول منهم يُقال له يجنى، ثم تليها أمة ثانية يُقال لها بجغرد، ثم تليها أمة يُقال لها بجناك، وهي أشد هذه الأمم الأربعة بأساً، ثم تليها أمة ثانية يُقال لها نوكرده وملوكهم بَدْو، وكان لهم حروب مع الروم بعد العشرين والثلاثمائة، أو يها
(1/86)

وقد كان للروم في تخوم أرضهم يما يلي من ذكرنا من هذه الأجناس الأربعة مدينة عظيمة يونانية يقال لها ولندر، يها خلق من الناس ومَنَعَة بين الجبال والبحر، كل من فيها مانع لمن ذكرنا من الأمم، ولم يكن لهؤلاء الترك سبيل إلى أرض الروم لمنع الجبال والبحر إياهم، ومن في هذه المدينة، وكان بين هؤلاء الأجناس حروب لخلاف وقع بينهم على رأس رجل مسلم تاجر من أرض أردبيل: كان نازلاً على أرض بعضهم، استضافه ناس من الجبل الاخر، فاختلفت الكلمة، وأغار من في ولندر من الروم علىِ ديارهم وهم عنها خُلُوف، فسَبَوْا كثيراً من الذرية، وساقوا كثيراَ من الأموال، ونمى ذلك إليهم وهم مشاغيل في حربهم، اجتمعت كلمتهم، وتواهبوا ما كان بينهم من، الدماء، عمد القوم جميعاً نحو مدينة ولندر، فساروا إليها في نحو من ستين ألف فارس، وذلك علىغير احتفال ولا تجمُّع، ولو كان ذلك لكانوا في نحو من مائة ألف فارس، فلما نمى خبرهم إلى أرمنوس ملك الروم في هذا الوقت وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة سَير إليهم اثني عشر ألف فارس من المتنصرة على الخيول بالرماح في زي العرب، وأضاف إليهم خمسين ألفاً من الروم،فوصلوا إلى مدينة ولندر في ثمانية أيام، وعسكروا وراءها، ونازلوا القوم، وقد كانت الترك قتلت من أهل ولندر خلقاً كثيراً من الناس، وامتنع أهلها بسورهم إلى أن أتاهم هذا المدد، ولما صح عند الملوك الأربعة من سار إليهم من المنتصرة والروم بعثوا إلى بلادهم جمعوا من كان قبلهم من تجار المسلمين ممن يطرأ إلى بلادهم من نحو بلاد الخزر والباب واللان وغيرهم، وفي هؤلاء الأجناس الأربعة من قد أسلم، وهم غير مخالطين لهم إلا عند حروب الكفار، لما تصاف القوم وبرزت المنتصرة أمام الروم خرج إليهم من كان قِبَلَ الترك من التجار المسلمين فدعوهم إلى ملة الإِسلام، وأنهم إن دخلوا في أمان الترك أخرجوهم من بلادهم إلى أرض الِإسلام، فأبوا ذلك، وتواقفَ الفريقان في ذلك الوقت، كانت للمنتصرة والرومِ على الترك لأنهم كانوا في الكثرة أضعاف الترك، وباتوا على مّصَافهم، وتشاور ملوك الترك الأربعة قال لهم ملك بجناك: قلدوني التدبير في غداة غد، أنعموا له بذلك، لما أصبح جعل في جناح الميمنة كراديس كثيرة كل كردوس منها ألف؛وكذلك فٍي جناح الميسرة، فلما تصاف القوم خرجت الكراديس من ناحية الميمنة فرشقت في قلب الروم فصارت إلى الميسرة، وخرجت كراديس الميسرة فرشقت في قلب الروم فصارت إلى موضع مَنْ خرج من جناح الميمنة، واتصل الرمْيُ، واتصلت الكراديس كالرحى، والقلب والميمنة والميسرة للترك ثابتة، والكراديس تعمل عليها في اللفيق، وذلك أن من خرج من كراديس الترك من جناح ميمنتهم كان يبتدىء فيرمي في جناح ميسرة الروم ويمربميمنتهم فيرمي وينتهي إلى القلب، وما يخرج من كراديسهم من جناح الميسرة فيرمي في جناح ميمنة الروم، وينتهي إلى الميسرة فيرمي، وينتهي إلى القلب فيرمي، يكون ملتقى الكراديس في القلب دائراً على ما وصنا، لما نظرت المتنصرة والروم إلى ما لحقهم من تَشَوُّش صوهم وتواتر الرمي عليهم حملوا على القوم مشوشين في مصادفهم فصادوا صفوف الترك ثابتة أخرجت لهم الكراديس، فرشقتهم الترك كلها رشقاً واحداً، كان ذلك الرشق سبب هزيمة الروم، وعقبهم الترك بعد الرشق بالحملة على صفوفهم وهم غير متشوشين عما كانوا عليه من التعبئة، وركضت الكراديس من اليمين والشمال، وأخذ القوم السيف، وأسود الفأق، وكثر صياح الخيل، فقتل من الروم والمتنصرة نحو من ستين ألف حتى كان يصعد إلى سور المدينة على جثثهم، فافتتحت المدينة، وأقام السيف يعمل يها أياماً، وسبى أهلها، وخرج عنها الترك بعد ثلاثة أيام يؤمون القسطنطينية، ثم توسطوا العمائر والمروج والضياع قتلاً وأسرا وسبيا، حتى نزلوا على سور القسطنطينية، فأقاموا عليها نحواً من أربعين يوماً يبيعون المرأة والصبي منهم بالخرقة والثوب من الديباج والحريرَ، وبذلوا السيف في الرجال فلم يبقوا على أحد منهم، وربما قتلوا النساء والولدان، وشَنًّوا الغارات في تلك الديار، فأتصلت غاراتهم بأرض الصقالبة ورومية، ثم اتصلت غاراتهم في هذا الوقت إلى نحوِ بِلاد الأندلس والِإفرنجة والجلالقة، فغارات من ذكرنا من الترك متصلة إلى أرض القسطنطينية وما ذكرنا من الممالك إلى هذه الغاية. كان للروم في تخوم أرضهم يما يلي من ذكرنا من هذه الأجناس الأربعة مدينة عظيمة يونانية يقال لها ولندر، يها خلق من الناس ومَنَعَة بين الجبال والبحر، كل من فيها مانع لمن ذكرنا من الأمم، ولم يكن لهؤلاء الترك سبيل إلى أرض الروم لمنع الجبال والبحر إياهم، ومن في هذه المدينة، وكان بين هؤلاء الأجناس حروب لخلاف وقع بينهم على رأس رجل مسلم تاجر من أرض أردبيل: كان نازلاً على أرض بعضهم، استضافه ناس من الجبل الاخر، فاختلفت الكلمة، وأغار من في ولندر من الروم علىِ ديارهم وهم عنها خُلُوف، فسَبَوْا كثيراً من الذرية، وساقوا كثيراَ من الأموال، ونمى ذلك إليهم وهم مشاغيل في حربهم، اجتمعت كلمتهم، وتواهبوا ما كان بينهم من، الدماء، عمد القوم جميعاً نحو مدينة ولندر، فساروا إليها في نحو من ستين ألف فارس، وذلك علىغير احتفال ولا تجمُّع، ولو كان ذلك لكانوا في نحو من مائة ألف فارس، فلما نمى خبرهم إلى أرمنوس ملك الروم في هذا الوقت وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة سَير إليهم اثني عشر ألف فارس من المتنصرة على الخيول بالرماح في زي العرب، وأضاف إليهم خمسين ألفاً من الروم،فوصلوا إلى مدينة ولندر في ثمانية أيام، وعسكروا وراءها، ونازلوا القوم، وقد كانت الترك قتلت من أهل ولندر خلقاً كثيراً من الناس، وامتنع أهلها بسورهم إلى أن أتاهم هذا المدد، ولما صح عند الملوك الأربعة من سار إليهم من المنتصرة والروم بعثوا إلى بلادهم جمعوا من كان قبلهم من تجار المسلمين ممن يطرأ إلى بلادهم من نحو بلاد الخزر والباب واللان وغيرهم، وفي هؤلاء الأجناس الأربعة من قد أسلم، وهم غير مخالطين لهم إلا عند حروب الكفار، لما تصاف القوم وبرزت المنتصرة أمام الروم خرج إليهم من كان قِبَلَ الترك من التجار المسلمين فدعوهم إلى ملة الإِسلام، وأنهم إن دخلوا في أمان الترك أخرجوهم من بلادهم إلى أرض الِإسلام، فأبوا ذلك، وتواقفَ الفريقان في ذلك الوقت، كانت للمنتصرة والرومِ على الترك لأنهم كانوا في الكثرة أضعاف الترك، وباتوا على مّصَافهم، وتشاور ملوك الترك الأربعة قال لهم ملك بجناك: قلدوني التدبير في غداة غد، أنعموا له بذلك، لما أصبح جعل في جناح الميمنة كراديس كثيرة كل كردوس منها ألف؛وكذلك فٍي جناح الميسرة، فلما تصاف القوم خرجت الكراديس من ناحية الميمنة فرشقت في قلب الروم فصارت إلى الميسرة، وخرجت كراديس الميسرة فرشقت في قلب الروم فصارت إلى موضع مَنْ خرج من جناح الميمنة، واتصل الرمْيُ، واتصلت الكراديس كالرحى، والقلب والميمنة والميسرة للترك ثابتة، والكراديس تعمل عليها في اللفيق، وذلك أن من خرج من كراديس الترك من جناح ميمنتهم كان يبتدىء فيرمي في جناح ميسرة الروم ويمربميمنتهم فيرمي وينتهي إلى القلب، وما يخرج من كراديسهم من جناح الميسرة فيرمي في جناح ميمنة الروم، وينتهي إلى الميسرة فيرمي، وينتهي إلى القلب فيرمي، يكون ملتقى الكراديس في القلب دائراً على ما وصنا، لما نظرت المتنصرة والروم إلى ما لحقهم من تَشَوُّش صوهم وتواتر الرمي عليهم حملوا على القوم مشوشين في مصادفهم فصادوا صفوف الترك ثابتة أخرجت لهم الكراديس، فرشقتهم الترك كلها رشقاً واحداً، كان ذلك الرشق سبب هزيمة الروم، وعقبهم الترك بعد الرشق بالحملة على صفوفهم وهم غير متشوشين عما كانوا عليه من التعبئة، وركضت الكراديس من اليمين والشمال، وأخذ القوم السيف، وأسود الفأق، وكثر صياح الخيل، فقتل من الروم والمتنصرة نحو من ستين ألف حتى كان يصعد إلى سور المدينة على جثثهم، فافتتحت المدينة، وأقام السيف يعمل يها أياماً، وسبى أهلها، وخرج عنها الترك بعد ثلاثة أيام يؤمون القسطنطينية، ثم توسطوا العمائر والمروج والضياع قتلاً وأسرا وسبيا، حتى نزلوا على سور القسطنطينية، فأقاموا عليها نحواً من أربعين يوماً يبيعون المرأة والصبي منهم بالخرقة والثوب من الديباج والحريرَ، وبذلوا السيف في الرجال فلم يبقوا على أحد منهم، وربما قتلوا النساء والولدان، وشَنًّوا الغارات في تلك الديار، فأتصلت غاراتهم بأرض الصقالبة ورومية، ثم اتصلت غاراتهم في هذا الوقت إلى نحوِ بِلاد الأندلس والِإفرنجة والجلالقة، فغارات من ذكرنا من الترك متصلة إلى أرض القسطنطينية وما ذكرنا من الممالك إلى هذه الغاية.
(1/87)

الأبخاز
فلنرجِع الآن إلى ذكر جبل القبخ والسور والباب والأبواب؛إذ كنا قدذكرنا جملاَ من أخبار الأمم القاطنة في هذا الصقع، فمن ذلك أن أمة تلي بلاد اللان يقال لها الأبخاز منقادة إلى دين النصرانية، ولها ملك في هذا الوقت وملك اللان مستظهر عليهم، وهم متصلون بجبل القبخ، ثم يلي ملك الأبخاز ملك الجورية، وهي أمة عظيمة منقادة إلى دين النصرانية تدعى خزران، ولها ملك في هذا الوقت يقال له الطبيعي، وفي مملكة هذا الطبيعي موضع يعرف بمسجد ذي القرنين، وكانت الأبخاز والخزرية تؤدي الجزية إلى صاحب ثغر تفليس منذ تحت تليس وسكنها المسلمون في أيام المتوكل فإنه كان بها رجل يُقال له إسحاق بن إسماعيل، وكان مستظهراً بمن معه من المسلمين على من حوله من الأمم، وهم منقاعون إلى طاعته وأداء الجزية إليه، وعلا أمر مَن هناك من الأمم حتى بعث المتوكل بعثاً نزل على ثغر تفليس، وأقام عليها محارباً حتى افتتحها بالسيف، وقتل إسحاق بن إسماعيل؛ لأن إسحاق بن إسماعيل كان متغلباً على الناحية، وكانت له أخبار يطول ذكرها، وهي مشهورة في أهل ذلك الصقع وغيرهمِ ممن عني بأخبار العالم، وأراه رجلًا من قريش من بني أُمية أو مولى لاحقاَ، فانخرقت هيبة المسلمين من ثغر تفليس من ذلك الوقت إلى هذه الغاية، فامتنع من جاورهم من الممالك من الإِذعان لهم بالطاعة، واقتطعوا الأكثر من ضياع تفليس، وانقطع الوصول من بلاد الِإسلام إلى ثغر تفليس بين هؤلاء الأمم من الكفار؛ إذ كانت محيطة بذلك الثغر، وأهلها ذوو قوة وبأس شديد، وإن كان ما ذكرنا من الممالك محيطاً بهم.
مملكة الصنارية
ثم يلي مملكة خزران مملكة يُقال لها الصمصخي، نصارى وفيهم جاهلية لاملك لهم، ثم تلي مملكة هؤلاء الصمصخية بين ثغرتفليس وقلعة باب اللان المقدَّم ذكرها مملكة يقال لها الصنارية، وملكهم يقال له كرسكوس، هذا الاسم الأعم لسائر ملوكهم، وينقادون إلى دين النصرانية، وهؤلاء النصرانية يزعمون أنهم من العرب من نزار بن معد، من مضر، وأنهم فخذ من عقيل، سكنوا هنالك من قديم الزمان، وهم هناك مستظهرون على كثير من الأمم، ورأيت ببلاد مأرب من أرض اليمن أناساًمن عقيل محالفه لمذحج، لا فرق بينهم وبين أخلافهم لاستقامه كلمتهم، فيهم خيل كثيرة وَمَنَعَة، وليس في اليمن كلها قوم من نزاربن معد غيرهذا الفخذ من عقيل، إلا ما ذكر من ولد أنمار بن نزار بن معد، ودخولهم في اليمن حسب ما ورد به الخبر، وهو ما كان من خبر جريربن عبد اللّه البجَلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، وما كان من خبر بجيلة، والصنارية يزعمون أنهم افترقوا في قديم الزمان هم ومن سَمَّينا من عقيل ببلاد مأرب في خبر طويل.
مملكة شكين
ثم يلي مملكة الصنارية مملكة شكين وهم نصارى، وفيهم خلق من المسلمين من التجاروغيرهم من ذوي المهن، ويُقالى لملكهم في هذا الوقت المؤرخ به كتابنا آزر بن نبيه بن مهاجر.
مملكة قيلة، مملكة الموقان
ثم تليهم مملكة قيلة وماحوت المدينة منها مسلمون، وماحولها من العمائر والضياع نصارى، ويقال لملكهم في هذا الوقت المؤرخ به كتابنا هذا عنبسة الأعور، وهو مأوى اللصوص والصعاليك والدعَّار. ثم تلي هذه المملكة مملكة الموقان، وهي التي قدمنا ذكرها، وأنها متغلب عليها، وأنها مضافة إلى مملكة شروان شاه، وليس هذا البلد المعروف بالموقانية هو الملك الذي على ساحل بحر الخزر، وقد كان محمد بن يزيد المعروف بشروان شاه في هذا الوقت ملك الِإيران شاه هو ومن سلف من آبائه، وكان ملك شروان شاه عليّ بن الهيثم، فلما هلك علي تغلب محمد على شروان شاه على حسب ما ذكرنا آنفاً، بعد أن قتل عمومة له واحتوى على ما ذكرنا من الممالك، وله قلعة لا يذكر في قلاع العالم أحسن منها في جبل القبخ.
(1/88)

وللباب أخبار كثيرة من أخبار الأبنية العجيبة التي بناها كسرى بن قباذا بن فيرور وهو أبو كسرى أنو شروان في الموضع المعروف بالمسقط من المدينة بالحجارة والحيطان التي بناها ببلاد شروان المعروف بسور الطين وسور الحجارة المعروف بالبرمكي وما يتصل ببلاد برذعة أعرضنا عن ذكرها إذ كنا قد أتينا على ذلك فيما سلف من كتبنا.وأما نهر الكر فيبتدىء من بلاد خزران من مملكة جرجين، ويمر ببلاد أبخازحتى يأتي ثغر تفليس، ويشق في وسطه، ويجري في بلاد السياوردية حتى ينتهي على ثمانية أميال من بردعة، ويجري إلى برداج من أعمال برذعة ثم يصب فيه مما يلي الصنارة نهر الرس، ويظهر من أقاصي بلاد الروم من نحو مدينة طرابزنده حتى يجيء إلى الكر، وقد صار فيه نهر الرس، يصب في بحر الخزر، ويجري الرس بين بلاد البدين وهي بلاد بابك الخَرّمي من أرض أذر بيجان وجبل أبي موسى من بلاد الران، ويمر ببلاد ورثان، وينتهي إلى حيث وصفنا، وقد أتينا على وصف هذه الأنهار أيضاً، والنهر المعروف بأسبيذروج وتفسير ذلك النهر الأبيض على التقديم والتأخير بين اللغتين وهي الفارسية والعربية، وممره وجريانه في أرض الديلم نحو قلعة سلار، وهو ابن أسوار الديلمي بعض ملوك الديلم وقد ظهر في هذا الوقت المؤرخ به كتابنا تغلب بلاد أربيجان ثم يمر هذا النهر من الديلم إلى الجيل، ويصب فيه نهر آخر في بلاد الديلم، يُقال له: شاهان روذ، فينتهي مصب الجميع إلى بحر الجيل، وهو بحر الديلم والخزر وغيرهم ممن ذكرنا من الأمم المحيطة بهذا البحر، وعلى هذه الأنهار أكثر هؤلاء الديم والجيل الذين قد ظهروا وتغلبوا على كثير من الأرض.فإذ قد قدمنا من أخبار بلاد جبل القبخ وما فيه وما حوله من الأمم وأخبار الباب والأبواب وبحر الخزر.
ملوك العالم
فلندكر الآن ملوك السريان، وهم أول من يعدّ في كتب الزيجات والنجوم والتواريخ القديمة من ملوك العالم، ثم ملوك الموصل ونينوى، ثم ملوك بابل وهم الذين عمروا الأرض، وشقوا الأنهار، وغرسوا الأشجار، وطعموا الثمار، ومهدوا الوعر، وسهلوا الطريق، ثم نتبع ذلك بالفرس الأولى، وهم المعروفون بالخذاهان إلى ملك أفريدون، ثم الإِسكان إلى دارا وهو داريوس بن دارا وهم السكنون ثم ملوك الطوائ، ثم الفرس الثانية، ثم اليونانين، ثم الروم ونذكر من يتلوهم من ملوك العرب والأمم والسودان ومصر والِإسكندرية و غير ذلك من بقاع الأرض إن شاء اللّه تعالى.
ذكر ملوك السريانيين
ولمع من أخبارهم
ذكَرَ أهلى العناية بأخبار ملوك العالم أن أول الملوك ملوك السريانيين بعد الطوفان، وقد تنوزع فيهم و في النَّبَط: فمن الناس من رأى أن السريانيين هم النبط، ومنهم من رأى أنهم إخوة لودماش بن نبيط، ومنهم من رأى غيرذلك و كان أول من ملك منهم رجل يُقال له إشوسان وكان أول من وضع التاج على رأسه في تاريخ السريانيين والنَّبَط، وانقادت له ملوك الأرض، وكان ملكه ست عشرة سنة باغياً في الأرض، مفسداً للبلاد، سفاكاً للدماء.ثم ملك ولد له يقال له بربر وكان ملكه إلى أن هلك عشرين سنة. ثم ملك سماسير بن آوت، سبع سنين.ثم ملك بعده هريمون عشر سنين، خط الخطط، وكوَّرَ أْلكُوَر، وجدَّ في أمره، وإتقان ملكه، وعمارة أرضه، فلما استقامت له الأحوال وانتظم له الملك بلغ بعض ملوك الهند ما عليه ملوك السريانيين من القوة وشدة العمارة، وأنهم يحاولون الممالك، وقد كان هذا الملك من ملوك الهند غالباً على ما حوله من ممالك الهند، وانقادت إلى سلطانه، ودخلت في أحكامه، وقيل:إن مكله كان مما يلي بلاد السند والهند، فسار نحو بلاد بسط وغزنين ولعس وبلاد الداور على النهر المعروف بنهر الهرمند، وهو نهر سجستان ينتهي جريانه على أربع فراسخ منها، وهذا النهر عليه أهل سجستان وضياعهم ونخلهم وجبالهم ومنتزهاتهم في هذا الوقت، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، وهذا النهريعرف بنهر بسط، وتجري يه السفن من هناك إلى سجستان فيها الأقوات وغير ذلك ومن بسط إلى سجستان نحو من مائة فرسخ، وبلاد سجستان هي بلاد الرياح والرمال، وهو البلد الموصوف بأن الريح به تدير الأرْحِيَة وتسقي الماء من الآبار وتسقي الجِنَانَ، وليس في الدنيا بلد واللّه آعلم أكثر منه اتسعمالاً للرياح.
نهر الهرمند
(1/89)

وقد تنوزع في مبدأ هذا النهر المعروف بنهر الهرمنده فمن الناس من رأى أنه من عيون بجبال السند والهند، ومنهم ! زآى أن مبدأه صت مبدأ نهر الكنك، وهو نهر الهند، ويمر بكثير من جبال السند، وهو نهر حاد الانصباب والجريان، عليه يعذب أكتر الهند أنفسها بالحديد وتغوقها زهداً في هذا العالم ورغبة في النقلة عنه، وذلك أنهم يقصدون موضعاً في أعالى هذا النهر المعروف بالكنك، وهو جبال عالية، وأشجار عادية، ورجال جلوس، وحدائد وسيوف منصوبة على ذلك الشجر، وقطع من الخشب فتأتيهم الهند من الممالك النائية والبلدان القاصية فيسمعون كلام أولئك الرجال المرتبين على هذا النهر وما يقولون من تزهيدهم في هذا العالم والترغيب فيما سواه، فيطرحون أنفسهم من أعالي تلك الجبال العالية على تلك ألأشجار العادية والسيوف والحدائد المصوبة، فيتقطعون قطعاً، ويصيرون إلى هذا النهر أجزاء، وما ذكرنا فموصوف عنهم وما يفعلون على هذا النهر كدْلك.
وصف نوع من الشجر
وهناك شجر من إحدى عجائب العالم ونوادره والغرائب من نباته،يظهر من الأرض أغصان مشتبكة من أحسن ما يكون من الشجر والورق، فتستقيم في الجو كأبعد ما يكون من طوال النخل، ثم ينحني جميع ذلك منعكسأ فيعود في اللأرض مندساً، ويهوي في قعرها سفلاً على المقدار الذي أرتفع به في الهواء صُعُداً، حتى يغيب عن الأبصار، ثم تظهر أغصان يادئة على حسب ما وصفنا في الأول فتدْهب صُعُداً، ثم تنقطر منعكسة، ولافرق بين المقدار الذي يذهب منها في الهواء ويتسع في افلضاء وبين ما يغيب سه تحت الأرض ويتوارى تحت الثرى، فلولا أن الهند قد وكلت بقطعة من يراعيه من أمره لأمريذكرونه، وخطر قي المسقبل يصفونه لطبق على تلك البلاد ولغشي تلك الأرض، ولهذا النوع من الشجر أخبار يطول ذكرها، يعرفها من طرأ إلى تلك البلاد ورآها، أُو ئمي إليه خبرها.
أنواع من تعذيب الهند أنفسهم
والهند تعذب أنفسها على ما وصفنا بأنواع العذأب من دون الأمم وقد تيقنت أنْ ما ينْالها من النعيم في المستقبل مؤجلَاَ لا يكون بغيرما أسلفته من تعذيب أنفسها في هذه الدار معجلاً، ومنهم من يصير إلى باب الملك يستأذن في إحراقه نقسه، فيدور في الأسواق وقد أجِّجَت له النار العظيمة وعليها من قد وكل بإيقادها، ثم يسير في الأسواق وقدامه الطبول والصنوج، و على بدنه أنواع من خرق الحرير قد مزقها على نفسه
(1/90)

وحوله أهله وقرابته، وعلى رأسه إكليل من الريحان، وقد قشر جلده عن رأسه، وعليها الجمر وعليها الكبريت والسندروس، فيسير وهامته تخترق رروائح دماغه تفوح وهو يمضغ ورقي التنبول وحب الفوفل، والتنبول في بلادهم ورق ينبت كأصغر ما يكون من ورق الأترج يمضغ هذا الورق بالنورة المبلولة مع الفوفل، وهو الذي غلب على أهل مكة وغيرهم من بقية أهل الحجاز واليمن في هذا الوقت مضغه بدلَاَ من الطين، ويكون عند الصنادلة للورم وغير ذلك، وهذا إذا مضغ على ما ذكرنا بالورق والنورة شَدَّ اللِّثَةَ، وبعث على الباه، وحمر الأسنان حتى تكون كأحمر ما يكون من حب الرمان، وأحدث في النفس طرباً وأريحية، وقوي البدن، وأثار من النكهة روائح طيبة خمرة، والهند خواصها وعوامها تستقبح مَنْ أسنانه بيض، وتجتنب من لا يمضغ ما وصفنا، فإذا طاف هذا المعذب لنفسه بالنار في الأسواق وانتهى إلى تلك النار وهو غير مكترث ولا متغير في مشيته ولا متهيب في خطوته، ففيهم من إذا أشرف على النار وقد صارت جمراً كالتل العظيم يتناول بيده خنجراً ويدعى الجريء عندهم فيضعه في لبته، وقد حضرت ببلاد صيمور من بلاد الهند من أرض اللازمن مملكة البلهرا، وذلك في سنة أربع وثلثمائة، والملك يومئذ على صيمور المعروف بحاج، وبها يومئذ من المسلمين نحو من عشرة الاف قاطنين بياسرة وسيرافيين وعمانيين وبصريين وبغداديين وغيرهم من سائر الأمصار ممن قد تأهل وقطن في تلك البلاد، وفيهم خلق من وجوه التجارمثل موسى بن إسحاق الصندالوني وعلى الهزمة يومئذ أبو سعيد معروف بن زكريا، وتفسير الهزمة يراد به رآسة المسلمين يتولاها رجل منهم عظيم من رؤسائهم تكون أحكامهم مصروفة إليه، ومعنى قولنا البياسرة يراد به من ولدوا من المسلمين بأرض الهند، يُدْعَوْن بهذا الاسم، واحدهم بيسر، وجمعهم بياسرة، فرأيتُ بعض فتيانهم وقد طاف على ما وصفنا في أسواقهم، فلما دنا من النار أخذ الخنجر فوضعه على فؤاده فشقَه، ثم أدخل يمه الشمال فقبض على كبده فجذب منها قطعة وهو يتكلم فقطعها بالخنجر، فدفعها إلى بعض إخوانه تهاوناً بالموت ولذة بالنقلة، ثم هوى بنفسه في النار، وإذا مات الملك من ملوكهم أو قتل نفسه حَرَّقَ خلق من الناس أنفسهم لموته، يدعون هؤلاء البلانجرية، واحدهم بلانجري، وتفسيرذلك المصادق لمن يموت فيموت بموته، ويحيا بحياته.وللهند أخبار عجيبة تجزع من سماعها النفس: من أنواع الآلام والمقاتل التي تألم عند ذكرها الأبدان، وتقشعر منها الأبشار، وقد أتينا على كثير من عجائب أخبارهم فيِ كتابنا أخبار الزمان.فلنرجع الآن إلى خبر ملك الهند ومسيره إلى بلاد سجستان، وقصده مملكة السريانيين، ونعدل عما احتذينا من أخبار الهند، فنقول:كان هذا الملك من ملوك الهند يُقال له زنبيل، وكل ملك يلي هذا البلد من أرض الهند يسمى بهذا الاسم زنبيل إلى هذا الوقت، وهوسنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، وكان بين الهند وملوك السريانيين حروب عظام نحو من سنة، فقتل ملك السريانيين، واحتوى ملك الهند على الصقع، وملك جميع ما فيه، فسار إليه بعض ملوك العرب، فأتى عليه وملك العراق، ورد ملك السريانيين، فملكوا عليهم رجلًا منهم يُقال له:تستر وكان ولد المقتول، فكان ملكه إلى أن هلك ثمان سنين.
أهريمون هوريا ما روب
ثم ملك بعده أهريمون وكان ملكه اثنتي عشرة سنة.
ثم ملك بعد ابن يُقال له هوريا فزاد في العمارة، وأحسن في الرعاية، وغرس الأشجار، وكان ملكه إلى أن هلك اثنتين وعشرين سنة.ثم ملك بعده ماروب واستولى على الملكَ وكان ملكه مدة خمس عشرة سنة، وقيل: ثلاثة وعشرين سنة.
أزور وخلنجاس وأول من شرب الخمر
(1/91)

ثم ملك بعد أزور و خلنجاس وُيقال: إنهما كانا أخوين؛ فأحسنا السيرة، وتعاضدا على الملك، ويُقال: إن أحد هذين الملكين كان جالساً ذات يوم إذ نظر في أعلى قصره إلى طائر قد أفرخ هناك، وإذا هو يضرب بجناحيه ويصيح، فتأمل الملك ذلك فنظر إلى حية تنساب إلى الوكر صاعدة لأكل فراخ الطائر، فدَعَا الملك بقوس فرمى به الحية فصرعها، وسلمت فراخ الطائر، فجاء الطائر بعد هنيهة يصفق بجناحيه وفي منقاره حبة وفي مخاليبه حبتان، وجاء إلى الملك وألقى ما كان في منقاره ومخاليبه، والملك يرمقه، فوقع الحب بين يدي الملك فتأمله، وقال: لأمر ما ألقى هذا الطائر ما ألقى، لا شك أنه أراد مكافأتنا على فعلنا به، فأخذ لحب وجعل يتأمله فلم يعرف مِثله في إقليمه، فقال جليس مِنْ جُلسائه حكيم وقد نظر إلى حيرة الملك في الحب: أيها الملك، ينبغي أن يودع لنبات أرحام الأرض فإنها تخرج كُنْهَ ما فيه، فنقف على الغاية مِنْه، إداء مَا في مخزونه ومَكنونه، فدعا بالأكَرَةِ وأمَرَهُم بزرع الحب ومُراعاته، وما يكون منه، فزرع، فنبت وأقبل يلتف بالشجر ثم حصرم وأعنب، وهم يَرْمُقُونه، والملك يراعيه، إلى أن انتهى في البلوغ وهم لا يُقْدمون على ذوقه خوفاً أن يكون متلفاً، فأمر الملك بعصر مائه، وأن يودع في أواني، وإفراد حُبٍّ منه وتركه على حالته، فلما صار في الآنية عصيراً هَدَرَ وقذف بالزبد وفاحت له روائح عبقة، فقال الملك: عليَ بشيخِ كبير فانٍ فأتي به، فلدد له من ذلك في إناء فرآه لوناً عجيباً، ومنظراَ كاملًا، ولوناً ياقوتيَاَ أحمر، وشعاعاً نيراً، ثم سقوا الشيخ فما شرب ثلاثاً حتى مال، وأرخى من مآزره الفضول وصفق بيديه وحرك رأسه، ووقع برجليه على الأرض، فطرب، ورفع عقيرته يتغنَّى، فقال الملك: هذا شراب يذهب بالعقل، وأخاف أن يكون قاتَلَا، ألا ترى إلى الشيخ كيفما عاد في حال الصبا وسلطان الدم وقوة الشباب. ثم أمر الملك به فزيد، فسكر الشيخ، فنام، فقال الملك: هلك، ثم إن الشيخ أفاق وطلب الزيادة من الشراب، وقال: لقد شربته فكشف عني الغموم، وأزال عن ساحتي الأحزان والهموم، وما أراد الطائر إلا مكافأتكم بهذا الشراب الشريف، فقال الملك؟ هذا أشرف شراب أهل الأرض، وذلك أنه رأى شيخاً قد حسن لونه، وقوي حيله، وانبسط في نفسه، وطرب في حال طبيعة الحزن وسلطان البلغم، وجاد هضمه، وجاءه النوم، وصفا لونه، واعترته أريحية، فأمر الملك أن يكثر من غَرْس الكَرْم، فكثر الغرس للكرم، وأمر أن يمنع العامة من ذلك، وقال:هذا شراب الملوك، وأنا السبب فيه، فلا يشرب غيري، فاستعمله الملك بقية أيامه، ثم نما في أيدي الناس واستعملوه، وقد قيل: إن نوحاً أول من زرعها، وقد ذكرنا الخبر حين سرقها إبليس منه حين خرج من السفينة واستولى على الجودي في كتاب المبدأ وغيره من الكتب.
ذكر ملوك الموصل ونينوى وهم الأثوريون
ولمع من أخبارهم وسيرهم
مدينة نينوى
نينوى: هي مقابلة الموصل، وبينهما دجلة، وهي بين قردى وما زندى من كور الموصل، ونينوى في وَقْتنا هذا وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة مدينة خراب فيها قرى ومزارع لأهلها، وإلى أهلها أرسل اللّه يونس بن مَتَّى، وآثار الصور فيها بينة واضحة وأصنام من حجارة مكتوبة على وجوهها، وظاهر المدينة تل عليه مسجد، وهناك عين تعرف بعين يونس النبي عليه الصلاة والسلام، ويأوي إلى هذا المسجد النُّسّاك والعباد والزهاد.
بسوس وسميرم والأرسيس
وكان أول ملك بَنَى هذه المدينة، وسًوّر سورها: ملك عظيم قد دانت له الملوك ودانت له البلاد، ويُقال له بسوس بن بالوس، فكانت مدة ملكه اثنتين وخمسين سنة.
وكان بالموصل ملك آخر محارب لهذا الملك، وكانت بينهما حروب ووقائع، ويقال: إن ملك الموصل كان في ذلك العصر سابق بن مالك رجل من اليمن.ثم ملك أهل نينوى عليهم بعده امرأة، يقال لها سميرم فأقامت عليهم أربعين سنة تحارب ملوك الموصل، وملكها من شاطىء دجلة إلى بلاد أرمينية ومن بلاد أذربيجان إلى حد الجزيرة والجوديَ، وجبل التيتل إلى بلاد الزوزان، وغيرها من أرمينية، وكان أهل نينوى ممن سمينا نبيطاً وسريانيين، والجنس واحد، واللغة واحدة، وإنما بان النبط عنهم بأحرف
(1/92)

يسيرة في لغتهم، والمقالة واحدة.ثم مَلَكَ بعد هذه المرأة الأرسيس ويُقال: إنه كان ابنها، وكان ملكه نحوإً من أربعين سنة، ورجعت إليه الأرمن، وقد كانت الحروب بينهم سجالاً في ملكه، ثم غلبوا على أهل نينوى فكانت الحروب بين أهل أرمينية وبين ملوك الموصل. ويقال: إن هذا الملك آخر مُلوك نينوى، وقيل: إنه مَلَكَ بعده عشرون وكان يؤدي الضريبة إلى مَلِك أرمينية، ولهؤلاء الملوك أخبار وسير وحروب قد أتينا على جميعها في كتابنا أخبار الزمان وفي الكتاب الأوسط.
ذكر ملوك بابل وهم ملوك النبط وغيرهم
المعروفين بالكلدنيين
ذكَرَ جماعة من أهل التبصر والبحث، ومن ذوي العناية بأخبار ملوك العالم أن ملوك باب هم أول ملَوك العالم الذين مَهَّدُوا الأرض بالعمارة، وأن الفرس الأولى إنما أخذت الملك من هؤلاء، كما أخذت الروم الملك من اليونانيين.
نمروذ الجبار
وكان أولهم نمروذ الجبار، وكان ملكه نحواً من ستين سنة، وهو الذي احتفر أنهاراً بالعراق، آخذة من الفرَات فيقال: إن من ذلك نهر كوثى يطريق من طرق الكوفة، وهو بين قصر ابن هبيرة وبغداد، لاخفاء لخبره وشهرته، وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب كثيراً من أنهار العراق، عند ذكرنا لملوك الفرس الأولى والثانية، وغيرهم من ملوك الطوائف، وإنما الغرض في هذا الكتاب التلويح بتاريخ ملوك العالم، والتنبيه على ما سلف من كتبنا.
بقية ملوك بابل
وملك بعده بولوس نحواً من سبعين سنة، وكان عظيم البطش متجبراً في الأرض وكانت في أيامه حروب، ثم ملك بعده فيومنوس، نحواً من مائة سنة، باغياً في الأرض على أهلها، ثم ملك بعده سوسوس نحواً من تسعين سنة، ثم ملك بعده كورش نحواَ من خمسين سنة، ثم ملك بعده أذفر نحواً من عشرين سنة، ثم ملك بعد سملا نحواً من أربعين سنة، وقيل أكثرمن ذلك، ثم لك بعده بوسميس نحو من سبعين سنة، ثم ملك بعده، أنيوس نحواً من ثلاثين سنة، ثم ملك بعده " أفلاوس، خمس عشرة سنة، ثم ملك بعده الحلوس نحواً من أربعين سنة، ثم ملك بعده أومرنوس نحو ثلاثين سنة، ثم ملك بعده كلوس نحو ثلاثين سنة، ثم ملك بعده سيبفروس نحو أربعين سنة؟ وقد قيل دون ذلك وهلك، ثم ملك بعده مارنوس " نحو ثلاثين سنة ثم ملك بعده وسطاليم أربعين سنة، ثم ملك بعده أمنوطوس نحو ستين سنة، ثم ملك بعده تباوليوس نحواً من خمسين سنة، ثم ملك بعده العداس نحو ثلاثين سنة، ثم ملك بعده أطيروس نحو ستين سنة، ثم ملك بعده ساوساس نحو عشرين سنة، ثم ملك بعده فاربنوس نحو خمسين سنة، وقيل: خمساً وأربعين سنة، ثم ملك بعه سوسا أدرينوس نحو أربعين سنة، فغراهم ملك من ملوك فارس، من عقب دارا، ثم ملك بعده مسروس، نحو خمسين سنة، ثم ملك بعده طاطايوس نحو ثلاثين سنة، ثم ملك بعده طاطاوس نحو أربعين سنة، ثم ملك بعده أفروس نحو أربعين، ثم ملك بعده " لاوسيس " نحو خمسين سنة، وقيل: خمساً وأربعين سنة، ثمِ ملك بعده أفريقوس نحو ثلاثين سنة ثم ملك بعده منطوروس نحواَ من عشرين سنة، ثم ملك بعده قولا قسما نحواً من ستين سنة، ثم ملك بعده هنقلس، خمساً وثلاثين سنة، وقيل: خمسين سنهٌ، وكانت له حروب مع ملك من ملوك الصابئة، وكذلك ذكر في كتاب التاريخ القديم، ثم ملك بعده مرجد نحو ثلاثين سنة، ثم ملك بعده مردوج أربعين سنة، وقيل: أقل من ذلك، ثم ملك بعده سنجاريب ثلاثين سنة، وهو الذي أتى بيت المقدس، ثم ملك بعده نشوه منوشا ثلاثين سنة، وقيل: أقل من ذلك، ثم ملك بعده بختنصر الجبار خمساً وأربعين سنة، ثم ملك بعده فرمودوج نحو سنة، ثم ملك بعده " بنطسفر نحو ستين سنة، وقيل: أقل من ذلك، ثم ملك بعده منسوس نحو ثمان سنين، وقيل: عشراً، ثم ملك بعده معوسا سنة، وقيل: أقل من ذلك، ثم ملك بعده داونوس إحدى وثلاثين سنة، وقيل أكثر من ذلك، ثم ملك بعده كسرجوس عشرين سنة، ثم ملك بعده مرطياسة تسعة أشهر وقتل، ثم ملك بعده " فنحست إحدى وأربعين سنة، ثم ملك بعده أحرست ثلاث سنين، وقيل: سنتين وشهرين، ثم ملك بعده شعرياس سنة، وقيل: تسعة أشهر، ثم ملك بعده " داريوس عشرين سنة، وقيل:تسع عشرة سنة، ثم ملك بعده أطحست تسعاً وعشرين سنة ثم ملك بعده داروا اليسع خمس عشرة سنة، وقيل: عشر سنين.
أعمال ملوك بابل
(1/93)

قال المسعودي: فهؤلاء الملوك الذين أتينا على ذكرهم، وأسمائهم،ومدة مملكتهم، وقد رسمت أسماؤهم هكذا في كتب التواريخ السالفة، وهم الذين شيدوا البنيان، ومدنوا المدن، وكوروا الكور، وحفروا الأنهار، وغرسوا الأشجار، واستنبطوا المياه، وأثاروا الأرضين، واستخرجوا المعادن من الحديد والرصاص والنحاس وغير ذلك، وطبعوا السيوف، واتخذوا عدة الحرب، وغير ذلك من الحيل والمكايد، ونصبوا قوانين الحرب بالقلب والميمنة والميسرة والأجنحة، وجعلوا ذلك مثالاً لأعضاء جسد الِإنسان، ورتبوا لكل جزء نوعاً من الأمة لا يوازيها غيرها فجعلوا أعلام القلب على صورة الفيل والتنين وما عظم من أجناس الحيوان، وجعلوا أعلام الميمنة والميسرة على صورة السباع على حسَب عظمها واختلافها في أنواعها، وجعلوا في الأجنحة صور ما لطف من السباع كالنمر والذئب، وجعلوا صور أعلام الكمناء، على صور الحيات والعقارب، وما خفي فعله من هوام الأرض، وجعلوا ألوان كل نوع منها من السواد وغيره من الألوان الستة، وهي: السواد والبياض، والصفرة والحمرة والخضرة، ولون السماء.
بحث في الألوان
وقد ذكر قوم أن الألوان ثمانية على حسب الموضع المستحق لها،ومنعوا أن تكون الحمرة تشوب شيئاً من ذلك إلا ما لطف من أجزائها داخلاً في جملة الأكثر من أشباه الحيوان من تلك الأعلام، وعموا أن قضية القياس توجب أن تكون سائر أعلام الحرب حمراء؛ إذ كانت أليق وأشكل بلون الدم، وأكثر ملاءمة، إذ كان لونهما واحداً، لكن منع من ذلك استعمالها في خال الزينة والطرب وأوقات السرور، واستعمال النساء والصبيان لها، وفرح النفوس بها، وأوجب ترك ذلك، وإن حس البصر مشاكل للون الحمرة، إذا كان من شأنه أنه إذا أدركها انبسط نوره في إدراكها، وإذا وقع البصر على اللون الأسود نوره ولم ينبسط في إدراكه انبساطه في الحمرة، وأن النسبة الواقعة بين بصر الناظر وبين لون الحمرة الاشتراك، والمباينة الضدية بين نور البصر ولون السواد.وتكلم هؤلاء القوم في مراتب الألوان من الحمرة والسواد والبياض وغيرها، ومراتب الأنوار، وما وجه ذلك من أسرار الطبيعة، والحد المشترك بين نورية حِسِّ البصر وبين لون الحمرة والبياض، والضد المباين بين السواد وبين نور البصر، دون سائر الألوان من الحمرة والخضرة والصفرة والبياض، وتغلغل القوم في هذه المعاني إلى ما علا من الأجسام السماوية من النيرين والخمسة، واختلافها في ألوانها، وإلى غير ذلك من الأشخاص العلوية.وقد أتينا على ما قالوه من ذلك فيما سلف من كتبنا، وأتينا على سير هؤلاء الملوك وأخبارهم واختلافهم في كتابنا أخبار الزمان، وفي الكتاب الأوسط.وقد ذهبت طائفة من الناس إلى أن هؤلاء الملوك كانوا من النبط وغيرهم من الأمم، وأنه كان يرأس بعضهم غيره من ملوك الفرس ممن كان مقيماً ببَلْخَ، والأشْهَرُ ما قدمناه، وسنورد فيما يرد من هذا الكتاب لمعاً من أخبار النبط وأنسابهم.
ذكر ملوك الفرس الأولى
وجمل مَن سيرهم وأخبارهم
أصل الفرس
الفرس تخبر مع اختلاف آرائها وبعد أوطانها وتباينها في ديارها وما ألزمته أنفسها من حفظ أنسابها، ينقل ذلك باقٍ عن ماضٍ، وصغير عن كبير أن أول ملوكهم كيومرث ثم تنازعوا فيه فمنهم منِ زعم أنه ابن آدم، والأكبر من ولده، ومنهم من زعم وهم الأقلون عدداَ - أنه أصل النسل وينبوع النَرْء، وقد ذهبت طائفة منهم إلى أن كيومرث هو أميم بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح، لأن أميماً أول من حَلَّ بفارس من ولد نوح، وكان كيومرث ينزل بفارس، والفرس لا تعرف طوفان نوحِ، والقوم الذين كانوا بين آدم ونوح عليهما السلام كان لسانهم سريانياَ،. ولم يكن عليهم ملك، بل بهانوا في مسكن واحد، والله أعلم بذلك.
كيومرث أول الملوك
(1/94)

وكان كيومرث أكبر أهْل عصره، والمقدم فيهم وكان أول ملك نصب في الأرض فيما يزعمون، وكان السبب الذي دعا أهل ذلك العصر إلى أقأمة ملك ونصب رئيس أنهم رأؤا أكثر الناس قد جُبِلوا على التباغض والتحاسد والظلم والعدوان، ورأوا أن الشرير منهم لا يصلحه إلا الرهبة، ثم تأملوا أحوال الخليقة، وتصرف شأن الجسم، وصورة الِإنسان الحساس الدراك، فرأوا الجسم في بنيته وكونه قد رتب بخواص تؤدي إلى معنى هو غيرها يوردها ويصدرها ويميزها بما تورده إليه من أخلاقها في مداركها، وهو معنى في القلب فرأوا صلاخ الجسم بتدبيره، وأنه متى فسد تدبيره فسد سائره، ولم تظهر أفعاله المتقنة المحكمة، فلما رأوا هذا العالم الصغير الذي هو جسد الِإنسان المرئي لا تستقيم أموره ولا تنتظم أحواله إلا باستقامة الرئيس الذي قدمنا ذكره علموا أن الناس لا يستقيمون إلا بملك ينصفهم، ويوجه العدل عليهم، وينفذ الأحكام على ما يوجبه العقل بينهم، فساروا إلى كيومرث بن لاوذ، وعَرَّفوه حاجتهم إلى ملك وقيم، وقالوا: أنت أفضلنا، وأشرفنا، وأكبرنا، وبقية أبينا، وليس في العصر من يوازيك، فرُذَ أمرنا إليك، وكن القائم فينا؛ فإنا تحت سمعك وطاغتك، والقائلون بما تراه، فأجابهم ما دعوه إليه، واستوثق منهم بأكيد العهود والمواثيق على السمع والطاعة وترك الخلاف عليه، فلما وضع التاج على رأسه، وكان أول من ركب التاج على رأسه من أهل الأرض، قام خطيباً وقال: إن النعم لا تدوم إلا بالشكر وإنا نحمد اللّه على أياديه ونشكره على نعمه، ونرغب إليه في مزيده، ونسأله المعونة على ما دفعنا إليه، وجسن الهداية إلى العدل الذي به يجتمع الشمل ويصفو العيش، فثقوا بالعدل منا، وأنصفونا من أنفسكم نوردكم إلى أفضل ما في هممكم والسلام فلم يزل كيومرث قائماَ بالأمر، حسن السيرة في الناس، والحال آمنة، والأمة ساكنة طول مدته إلى أن مات.ولهم في وضع التاج على الرأس أسرار يذكرونها أعرضنا عن ذكرها إذ كنا قد أتينا على ذلك في كتابنا أخبار الزمان وفي الكتاب الأوسط.وذكروا أن كيومرث أول من أمر بالسكوت عند الطعام. لتأخذ الطبيعة بقسطها فيصلح البدن بما يرد إليه من الغذاء، وتسكن النفس عند ذلك، فتُدَبركل عضومن الأعضاء تدبيراً يؤدي إلى ما فيه صلاحه من أخذ صفو الطعام، فيكون الذي يرد إلى الكبد وغيره من الأعضاء القابلة للغذاء ما يناسبها، وما فيه صلاحها ة فإن الِإنسان متى شغل عن طعامه بضرب من الضروب انصرف قسط من التدبير وجزء من التقدير إلى حيث انصباب الهمة ووقوع الاشتراك، فأضر ذلك بالأنفس الحيوانية والقوى الإٍ نسانية، وإذا كان ذلك أدى إلى مفارقة النفس الناطقة لهذا الجسد المرئي، وفي ذلك ترك للحكمة، وخروج عن الصواب.ولهم في هذا الباب سر لطيف من أسرار السبب الذي بين النفس والجسم ليس هذا موضعه، وقد أتينا على ذكره في الكتاب المترجم بسر الحياة وفي كتاب الزلف عند ذكرنا النفس الناطقة والنفس العلامة والنفس الحسية والمخيلة والنزاعية، وما قال الناس في ذلك ممن تقدم وتأخر من الفلاسفة وغيرهم.وقد تنوزع في مقدار عمر كيومرث هذا فمن الناس من رأى أن عمره ألف سنة، دون ذلك، وللمجوس في كيومرث هذا خطب طويل في أنه مبدأ النسل، وأنه نبت من نبات الأرض، وهو الريباس، هو وزوجته، وهما شابة ومنشابة وغير ذلك مما يفحش إيراده، وما كان من خبره مع إبليس، وقتله إياه، وكان ينزل إصْطَخْرَ فارس، وكانت مدة ملكه أربعين سنة، وقيل: أقل من. ذلك.
أوشهنج طهمورث أول الصابئة
(1/95)

ثم ملك بعده أوشهنج بن فروال بن سيامك بن يزنيق بن كيومرث الملك، وكان أوشهنج ينزل الهند، وكان ملكه أربعين سنة، وقيل: أكثر من ذلك، وقد تنوزع فيه،فمنهم من رأى أنه أخ لكيومرث بن آدم، ومنهم من رأى أنه ولد الملك الماضي.ثم ملك بعده طهمورث بن نوبجهان بن أرفخشذ بن أوشهنج، وكان ينزل سابور، وظهر في سنة من ملكه رجل يُقال له بوداسف أحدث مذاهب الصابئة، وقال: إن معالي الشرف الكامل، والصلاخ الشامل، ومعدن الحياة، في هذا السقف المرفوع، وإن الكواكب هي المدبرات والواردات والصادرات، وهي التي بمرورها في أفلاكها وقظعها مسافاتها واتصالها بنقطة وانفصالها عن نقطة يتم ما يكون في العالم من الآثار: من امتداد الأعمار وقصرها، وترك البسائط، وانبساط المركبات، وتتميم الصور، وظهور المياه وغَيْضها، وفي النجوم السيارة وفي أفلاكها التدبير الأكبر، وغير ذلك مما يخرج وصفه عن حد الاختصار والإِيجاز، واحتذى به جماعة من ذوي الصعف في الآراء؟؛فيقال: إن هذا الرجل أول من أظهر آراء الصابئة من الحرانيين والكيماريين، وهذا النوع من الصابئة مباينون للحرانيين في نِحْلَتهم، وديارهم بين بلاد واسط والبصرة من أرض العراق نحو البطائح والآجام، فكان ملك طهمورث إلى أن هلك ثلاثين سنة، وقيل غير ذلك.
جمشيد
ثم ملك بعده أخوه جمشيد، وكان ينزل بفارس، وقيل: إنه كان في زمنه طوفان، وذهب كثير من الناس إلى أن النيروز في أيامه أحدث وفي ملكه رسم، على حسب ما نورده فيما يرد من هذا الكتاب، كذلك ذكر أبو عبيدة مَعْمَر بن المثنى عن عمر المعروف بكسرى، وكان هذا الرجل ممن أشتهر بعلم فارس وأخبار ملوكها حتى لقب بعمر كسرى، وكان ملك جمشيد إلى أن هلك ستمائة سنة، وقيل: تسعمائة سنة وستة أشهر، وأحدث في الأرض أنواعاً من الصناعات والأبنية والمهن وادعى الِإلهية.
بيوراسب
ثم ملك بعده بيوراسب بن أروادسب بن رستوان بن نياداس بن طاع ابن قروال بن ساهر فرس بن كيومرث، وهو كذلك، وقد عربت أسماؤه جميعاً فسماه قوم من العرب اِلضحاك، وسماه قوم بهراسب وليس هو كذلك، وإنما اسمه على ما وصفنا بيوراسب، وقتل جمشيد الملك، وقد تنوزع فيه: أمن الفرس كان أم من العرب؟ فزعمت الفرس أنه منها، وأنه كان ساحراً، وأنه ملك الأقاليم السبعة، وأن ملكه كان ألف سنة، وبغى في الأرض وتمرد، وللفرس فيه خطب طويل، وأنه مقيد مغلل في جبل دباوند بين الري وطبرستان، وقد ذكرته شعراء العرب ممن تقدم وتأخر، وقد افتخر أبو نواس به، وزعم أنه من اليمن؟ لأن أبا نواس مولى لسعد العشيرة من اليمن، فقال: وكان مِنِّا الضَحّاكُ تَعْبُده الجامل والوحش في مساربها
ملك فريدون المهرجان
ثم ملك بعده إفريحون بن أثقابان بن جمشيد ملك الأقاليم السبعة،فأخذ بيوارسب، فقيده في جبل دباوند على حسب ما ذكرنا، وقد ذكر كثير من الفرس ومن عني بأخبارهم مثل عمر كسرى وغيره أن أفريدون جعل هذا اليوم الذي قيد فيه الضحاك عيداً له، وسماه المهرجان، على حسب ما نورده بعد هذا الموضع من هذا الكتاب، وما قيل في ذلك، وكانت دار مملكة أفريدون بابل وهذا الِإقليم يسمى باسم قرية من قراه يُقال لها بابل، على! شاطىء نهر من أنهار الفرات بأرض العراق، على ساعة من المدينة المعروفة بجسر بابل، ونهر النرس، وإليه تضاف الثياب النرسية، وفي هذه القرية بجب يعرف بجب دانيال النبي عليه السلام، تقصده النصارى واليهود في أوقات من السنة في أعيادهم، وإذا أشرف الِإنسان على هذه القرية تبين فيها آثاراً عظيمة من ردم وهدم وبنيان قد صارت كالروابي، وذهب كثير من الناس إلى أن بها هاروت وماروت، وهما الملكان المذكوران في القرآن على حسب ما قص اللّه تعالى من تسمية هذه القرية ببابل. وكان مُلك أفريدون خمسمائة سنة، وقيل: أقل من ذلك، وقيل: أكثر، وقسم الأرض بين ولده الثلاثة، وقد قال في ذلك بعض الشعراء ممن سلف: من أبناء الفرس بعد الِإسلام يذكر ولد أفريدون الثلاثة:
وَقَسَمناملكنافي دهرنا قسمة ... اللَّحْم على ظهروَضَمْ
وجعلنا الشام والروم إلى ... مغرب الشمس إلى الغطريف سلم
وأطوج جعل الترك له ... فبلادالترك يحويها ابن عم
(1/96)

ولِإيران جعلنا عنوة ... فارس الملك وفزنابالنعم
وللناس فيما ذكرنا خطب طويل، وأن بلاد بابل أضيفت إلى ولد أفريدون وهو إيراج، وقَتَله أخوه في حياة أفريدون، وهلك، ولم يخلص له الملك فيعدَّ في ملوك.وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب كيفية إضافة هذا الِإقليم إلى إيراج وإسقاطهم الجيم، وجعلهم النون بدلاً منها، فقالوا: إيران شهر، والشهر: الملك.
ملك منوجهرملك سهم
ثم ملك بعد أفريدون منوجهر بن إيران بن أفريدون، على حسب ماذكرنا من التنازع في نسبه وإلحاقه بإيران بن أفريدون، وكان ملكه عشرين سنة، وكان ينزل ببابل، وقد قيل: إنه في زمانه كان موسى بن عمران، ويوشع بن نون عليهما السلام، وكان لمنوجهر حروب مع عميه اللذين قتلا أباه، وهما أطوج وسلم، وقد أتينا على ذكر حروبهم فيما سلف من كتبنا.
ثم ملك بعد منوجهر سهم بن أبان بن أثقبان بن يود بن منوجهر، فنزل بابل، وملك ستين سنةَ، وقيل: أكثر من ذلك، وكانت له حروب كثيرة وسير وسياسات كثيرة قد أتينا على ذكرها في كتابنا أخبار الزمان.
ملك فراسياب
ثم ملك بعده فراسياب بن أطوج بن ياسر بن رامي بن آرس بن بورك ابن ساساسب بن زسست بن نوح بن دوم بن سرور بن أطوج بن أفريدون الملك، وكان مولد فراسياب ببلد الترك؛ فلذلك غلط من غلط من أصحاب الكتب والتصنيفات في التاريخ وغيره فزعم أنه تركي، وكان تملكه على ما غلب عليه من البلاد اثنتي عشرة سنة، وعمره عند كثيرمن الناس أربعمائة سنة.ولاثنتي عشرة سنة خلت من ملكه ظهر عليه زوبن بهاست بن كمجهورابن عداسة بن رايريج بن ماسربن يود بن منوجهر الملك، فهزمه وقتل أصحابه بعد حروب كثيرة، وعَمَّر ما خَرَّبه براسياب.وقد تنوزع في المقدار الذي ملك فيه: فقيل ثلاث سنين، وقيل أكثر من ذلك، وكان مسكنه ببابل، وللفرس كلام طويل في قتل فراسيان، وكيفية قتله وحروبه، وما كان بين الفرس والترك من الحروب والغارات، وما كان قتل سياوخس وخبررستم بن دستان، هذا كله مشروح في الكتاب المترجم بكتاب السكيكين ترجمة ابن المقفع من الفارسية الأولى إلى العربية، وخبر اسفنديار بن كشتاشب بن بهراسب وقتل رستم بن دستان له، وما كان من قتل بهمن بن إسفنديار لرستم، وغير ذلك من عجائب الفرس الأولى وأخبارها، وهذا الكتاب تعظمة الفرس؟ لما قد تضمن من خبر أسلافهم وسير ملوكهم، وقد أتينا بحمد اللّه على كثير من أخبارهم فيما سلف من كتبنا.وقد قيل: إن أول من نزل من الملوك ببَلْخَ وانتقل عن العراق كيكاووس وقد كان سار نحو اليمن بعد أن كان له بالعراق تَمَرد على اللّه، وبنيان بناه لحرب السماء وكان ملك اليمن الذي سار إليه كيكاووس في ذلك الوقت شمر بن فريقس فخرج إليه شمر فأسره وحبسه في أضيق محبس، فهَوِيَتْهُ ابنه لشمريقال لها سعدى كانت تحسن إليه في خِفيَة من أبيها، وإلى من كان معه من أصحابه،، ومكث في محبسه أربع سنين، حتى أسرى رستم بن دستان من بلاد سجستان سرية فيها أربعة الاف، فقتل ملك اليمن شمر بن فريقس واستنقذ كيكاووس، ورَده إلى ملكه، وسعدى معه، فاعَتلتْ عليه، وأغرته بولده سياوخش، حتى كان من أمره مع فراسياب التركي ما قد شهر من استئمانه إليه وتزوجه بابنته حتى حملت منه بكيخسرو، وما كان من قتل فراسياب لسياوخش بن كيكاووس، وقتل رستم بن دستان لسعدى، وأخذه بطائلة سياوخش، فقتل من، قتله وجوه الترك، وعند الفرس على ما في كتاب السكيكين أن كيخسرو كان قبله على الملك جده لأبيه، وهوكيكاووس ولم يعلم ممن هو ولم يكن لكيخسرو عقب؛فجعل الملك في بهراسف، وهؤلاء القوم كانوا يسكنون بلخ، وكانت دار مملكتهم، وكان يدعي نهر بلخ وهو جيحون بلغتهم كالف، وكذلك يسميه كثير من أعاجم خراسان في هذا الوقت بهذا الاسم.فلم يزالوا كذلك إلى أن صار الملك إلىحاي ابنة بهمن بن إسفنديار ابن يستاسف بن بهراسف، فانتقلت إلى العراق، وسكنت نحو المد ائن .
لهراسب
ثم كان بعد كيخسرو بن سياوخش بن كيكاووس الملك إلى لهراسب بن قنوج بن كيمس بن كيناسس بن كيناسة بن كيقباذ الملك، فعمر البلاد، وأحسن السيرة لرعَيته، وشملهم عدله.
(1/97)

ولسنين خلت من ملكه نال بني إسرائيل منه مِحَنٌ، وَشَتَتهم في البلاد، وكانت له معهم أقاصيص يطول ذكرها.وذكر في بعض الروايات من أخبار الفرس أنه بنى بلخ الحسناء لما فيها من المياه والشجر والمروج.وكان ملكه مائة وعشرين سنة، وقد ذكر خبر مقتله مع الترك وما كان منهم في حصاره وَمَنْ أخذ بثأره بعد قتله في كتب قدماء الفرس.
بخنتصر
وقد ذكر كثير ممن عُني بأخبار الفرس أن بختنصر مَرْزُبان العراق والمغرب كان من قِبَل هذا الملك، وهو الذي وطىء الشام، وفتح بيت المقدس، وسبى بني إسرائيل، وكان من أمره بالشام والمغرب ما قد اشتهر، والعامة تسميه البخت ناصر، وأكثر الِإخباريين والقُصَّاص يغالون في أخباره، ويبالغون في وصفه، والمنجمون في زيجاتهم وأهل التواريخ في كتبهم يجعلونه ملكاً برأسه، وإنما كان مَرْزُباباً على ما وصفنا للملوك ممن ذكرنا، وتفسير مرزبان يراد به صاحب رُبْع مات المملكة وقائد عسكر ووزير وصاحب ناحية من النواحي، وواليها، وقد كان حمل سبايا بني إسرائيل إلى الشرق، وتزوج منهن امرأة يقال لها دينارد، فكانت سبب رَدَ بني إسرائيل إلى بيت المقدس.وقيل: إن دينارد أولدهاَ لهراسب بن كشتاسب، وقيل غير ذلك من الوجوه، وإن حماية من نسل بني إسرائيل من أمها.وقيل: إن بهراسف قد كان أنْفذَ سنجاريب وكان خليفته على العراق إلى حرب بني إسرائيل فلم يصنع شيئاً، فعقب بعده بالبخت نصر، وقيل في البحث نصر غير ما ذكرنا مما سنورده بعد هذا الموضع في ذكر ملك بهمن بن إسفنديار بن يستاسف بن بهراسف.وقد أرخ بطليموس صاحب كتاب المجسطي تاريخ كتابه من عهد بخت نصر مَرْزُبان المغرب، وأرَّخَ ثاون صاحب كتاب القانون في النجوم من مملكة الإِسكندر بن فيلبس المقدوني.
زرادشت المجوسي
(1/98)

ثم ملك بعده ابنه يستأسف، وكان منزله بلخ، ولثلاثين سنة خلت من ملكه أتاه زرادشت بن أسبيمان، وقيل: إنه زرادشت بن بورشف بن فذراسف بن أريكدسف بن هجدسف بن ححيش بن باتير بن أرحدس بن هردار بن أسبيمان بن واندست بن هايزم بن أرج بن دورشرين بن منوشهر الملك، وكان من أهل أذربيجان، والأشهر من نسبه أنه زرادشت بن أسبيمان، وهو نبي المجوس الذي أتاهم بالكتاب المعروف بالزمزمة عند عوام الناس، واسمه عند المجوس بستاه وأتى زرادشت عندهم بالمعجزات الباهرات للعقول، وأخبر عن الكائنات من المغيبات قبل حدوثها من الكليات والجزئيات، والكليات: هي الأشياء العامة، والجزئيات: هي الأشياء الخاصة، مثل زيد يموت يوم كذا، ويمرض فلان في وقت كذا، ويولد لفلان في وقت كذا، وأشباه ذلك، ومعجم هذا الكتاب يدور على ستين حرفاً من أحرف المعجم، وليس في سائر اللغات أكثر حروفاً من هذا، ولهم خطب طويل قد أتينا على ذكره في كتابينا أخبار الزمان والكتاب الأوسط، وأتى زرادشت بكتابهم هذا بلغة يعجزون عن إيراد مثلها، ولا يدركون كنه مرادها، وسنذكر بعد هذا الموضع من هذا الكتاب ما أتى به زرادشت، وما جعل له من التفسير وتفسير التفسير، وكتب هذا الكتاب في أثني عشر ألف مجلد بالذهب، فيه وعد ووعيد، وأمر ونهي، وغير ذلك من الشرائع والعبادات فلم تزل الملوك تعمل بما في هذا الكتاب إلى عهد الِإسكندر وما كان من قتله لدارا بن دارا، فأحرق الِإسكندر بعض هذا الكتاب.ثم صار الملك بعد الطوائف إلى أردشير بن بابك، فجمع الفرس على قراءة سورة منه يقال لها إسناد؛ فالفرس والمجوس إلى هذا الوقت لا يقرؤن غيرها، والكتاب الأول يسمى بثناه.ثم عمل زرادشت تفسيراً عند عجزهم عن فهمه، وسمَوا التفسير زنداً، ثم عملِ للتفسير تفسيراً، وسماه بازند، ثم عمل علماؤهم بعد وفاة زرادشت تفسيراَ لتفسير التفسير وشرحاً لسائر ما ذكرنا، وسموا هذا التفسير بارده فالمجوس إلى هذا الوقت يعجزون عن حفظ كتابهم المنزل، فصار علماؤهم وَمَوَابذتهم يأخذون كثيراً منهم بحفظ أسباع من هذا الكتاب وأرباع وأثلاث، فيبتدء كل واحد بما حفظ من جزئه فيتلوه،ويبتدء الثاني منهم فيتلو جزأ آخر، والثالث كذلك، إلى أن يأتي الجميع على قراءة سائر الكتاب لعجز الواحد منهم عن حفظه على الكمال، وقد كانوا يقولون: إن رجلاً منهم بسجستان بعد الثلاثمائة مستظهر بحفظ هذا الكتاب على الكمال.وكان ملك يستاسف إلى أن تمجس ثم هلك عشرين ومائة سنة، وكانت مدة نبوة زرادشت فيهم خمساً وثلاثين سنة، وهلك وهو ابن سبع وسبعين سنة..
خاناس خليفة زرادشت
ولما هلك زرادشت ولي مكانه خاناس العالم، وكان من أهل أذربيجان وهذا أول موبذ قام فيهم بعد زرادشت، نصبه لهم يستاسف الملك.
ملك بهمن بن اسفنديار
ثم ملك بعده بهمن بن إسفنديار بن يستاسف بن بهراسف، وكان له حروب كثيرة مع رستم صاحب سجستان إلى أن قتل رستم ووالده دستان، وقيل: إن أم بهمن كانت من بني إسرائيل من ولد طالوت الملك، وإنه هو الذي بعث بالبختنصر مرزبان العراق إلى بني إسرائيل، فكان من أمرهم ما وصفنا، وكان ملك بهمن إلى أن هلك مائة واثنتي عشرة سنة، وقيل: إنه في ملكه رَدّ بقايا بني أشرائيل إلى بيت المقدس، فكان مُقَامهم ببابل إلى أن رجعوا إلى بيت المقدس سبعين سنة، وذلك في أيام كورش الفارسي المملك على العراق من قبل بهمن، وبهمن يومئذ ببلخ، وقد قيل: إن أم كورش كانت من بني إسرائيل، وكان دانيال الأصغر خاله، وكانت مدة ملك كورش ثلاثَاَ وعشرين سنة، وفي وجه آخر من الروايات أن كورشاً كان ملكاً برأسه لا من قبل لهمن، وذلك بعد إنقضاء ملك بهمن، وأن كورشاً من ملوك الفرس الأولى، وليس هذا عاماً في كتب التواريخ القديمة، ودانيال الأكبر كان بين نوح وإبراهيم الخليل عليهما السلام، وهو الذي استخرج العلم وما يحدث في الأزمان إلى أن تنقضي الأرض ومَنْ عليها وعلوم ملوك العالم وما يحدث في السنين والشهور والأيام من الحوادث، ودلائل ذلك في الأفلاك وإليه ينسب كتاب الجفر، ولما رجعت بنو إسرائيل إلى بيت المقدس استخرجوا التوراة وغيرها من المواضع التي خُبِّئت فيها من الأرض على ما قدمنا.
حماية ودارا
(1/99)

ثم ملكت حماية، بنت بهمن بن إسفنديار بن يستاسف بن بهراسف وكانت تعرف بأمها شهرزاد، ولهذه الملكة سير وحروب مع الروم وغيرهم من ملوك الأرض، وكانت حسنة السياسة لأهل مملكتها، وكان ملكها بعد أبيها بهمن ثلاثين سنة، وقيل غيرذلك.ثم ملك بعدها أخ لها يُقال له دارا بن بهمن بن إسفنديار، وكان ملكه اثنتي عشرة سنة وكان ينزل بباب.
دارا بن دارا
ثم ملك دارا بن دارا بن بهمن بن إسفنديار بن يستاسف بن بهراسف والفرس تسمى دارا هذا باللغة الأولى من لغاتهم داريوس، وهو الذي قتله الإِسكندر بن فليبس المقدوني، وكان ملكه إلى أن قتل ثلاثين سنة.وقد ذكر أن منوشهر حين انهزم من حرب فراسياب التركي سار إلى جبل طبرستان فتحضَنَ به، ثم ثاب بعد ذلك ومعه خيل، فحارب فراسياب التركي، وقد وطىء العراق، وغلب على الأقاليم، فهرب إلى أرض الترك، وأن الملك صار بعد منوشهر إلى أخوين، وقيل: بل كانا شَرِيكين في الملك متظافرين متعاونين على عمارة الأرض وما خَرَّبه فراسياب: أحدهما بهماسف بن كنجهر بن ورزق بن هوسف بن واحدسك بن دوس بن منوشهر، والآخر كرشاسف بن يمار بن طماهسف بن آشك بن فرسين بن أرج بن منوشهر، وكان كرشاسف محارباً لفراسياب، ومنازلاً له، والآخر وهو زاب بالعراق: يعمر ما خربه فراسياب من الأرض، واحتفر النهرين المعروفين بالزابين الصغير والكبير، على ما قدمنا من ذكرهما في هذا الكتاب، الخارجَيْنِ من بلاد أرمينية الصابَّيْنِ في دجلة: الأكبر بين الموصلِ والحديثة، والاخر ببلاد السن وسماهما باسمه، وحفر بسواد العراق نهراَ آخره وسماه بالزاب، وجعل على هذا النهر بالعراق ثلاث طساسيج من الضياع والعمائر وأسماها الزوابي، وما ذكرنا فهو باق إلى هذه الغاية، وأن مملكتهما كانت ثلاث سنين، وأن كيخسرو لما قتل جده ببلاد السرو والران من بلاد أذربيجان وهو فراسياب بن بشنك بن نبت بن نشمربن ترك، وترك هذا جد سائر الترك عند طائفة من الناس مِنْ ولد يسب بن طوح بن أفريدن، وقد قدمنا وجهاً من الرواية في نسبة فيما سلف من هذا الكتاب، وسار كيخسرو في البلاد، ووطىء الممالك، وانتهى إلى بلاد الصين، فبنى هناك مدينة عظيمة، وسماها كنكدر، وقد نزلها خلق من ملوك الصين كنزولهم أنموا وغيرها من مدنهم، وقد قيل: إن كنكدر هي أنموا بعينها، وقد قيل: إن كيقاوس بنى مدينة قشمير المقدم ذكرها بأرض السند، وإن سياوخس بنى في حياة أبيه كيقوس مدينة القندهار من أرض السند المقدم ذكرها فيما سلف من هذا الكتاب.
قال المسعودي: ولمن ذكرنا من هؤلاء الملوك أخبار وسير قد أتيناعلى شرحها فيما سلف من كتبنا، وإنما نذكر في هذا الكتاب جوامع، مُنَبِّهين بها على ما سلف من مبسوطها، وما نذكره من الوجوه فلا ختلاف الروايات وتباين الناس في المصنفات من كتبهم فيما ذكرناه من أخبارهم ليعلم من قرأ كتابنا هذا أنا قد بذلنا المجهود من أنفسنا، وذكرنا سائر ما قالوه فيما وصفناه، وبالله التوفيق، ومنه الِإعانة.
ذكر ملوك الطوائف
وهم بين الفرس الأولى والثانية
أصل ملوك الطوائف
قال المسعودي: وقد تنازع الناس في ملوك الطوائف: أمن الفرس كانوا أم من النبيط أم من العرب؟ فحكى جماعة من الأخباريين ممن عني بأخبار الماضين أنه لما قَتَلَ الِإسكندر بن فليبس دارا بن دارا تغَلَّبَ كل رئيس ناحية على ناحيته، وكاتبهم الِإسكندر، فمنهم فرْس ونبيط وعرب، وكان مراد الِإسكندر من ذلك تشتيت كلمتهم وتحزيبهم، وغلبة كل رئيس منهم على الصقع الذي هو به، فينعدم نظام الملك، والِإنقياد إلى ملك واحد يجمع كلمتهم ليرجع إليه الأمر، إلّاَ أن أكثرهم كانوا ينقادون إلى الأشغانيين، وهم ملوك الجبال منَ بلاد الدينور ونهاوند وهمدان وماسبدان وأذربيجان، وكان كل ملك منهم يلي هذا الصقع يسمى بالاسم الأعم أشغان، فقيل لسائر ملوك الطوائف الأشغانيون إضافة إلى ملك هذا الصقع لانقيادهم إليه.وقدحكى محمدبن هشام الكلبي عن أبيه وغيره من علماء العرب أنهم قالوا: أول ملوك الدنيا الأسكيان، وهم من سمينا من ملوك من سلف من الفرس الأولى إلى دارا بن دارا؟ ثم الأردوان، وهم ملوك النَبِيط
(1/100)

وكانوا من ملوك الطوائف، وكانوا بأرض العراق مما يلي قصر ابن هبيرة وَسَقي الفرات والجامعين وسورا وأحمد آباد والنرس إلى حِنْبَا وتل فحار والفوف وسائر ذلك الصقع، وكانت ملوك العرب من مضر بن نزار بن معد وربيعة بن نزار وأنمار بن نزار، والنصرية من بني نصر من اليمن وغيرهم من قَحْطَان لهم ملوك، وقد نصبت كل طائفة لها ملكاً لعدم ملك يجمع كلمتهم، وذلك أن الإِسكندر أشار عليه مُعَلِّمه وهو وزيره أرسطاطاليس، في بعض رسائله إليه بذاك، وكاتب الإِسكندر ملك كل ناحية، ومَلَّكه على ناحيته، وتؤَجَه وَحَبَاه، فاستبد كل واحد منهم بناحية، فصار ملكه من بعده في عقبه، ممانعاً عما في يده، وطالباً للازدياد من غيره.
وكان ملك الطوائف عند كثير من الناس ممن عُني بأخبار الماضين، ومعرفة سنيهم، خمسمائة سنة وسبع عشرة سنة، وذلك من ملك الإِسكندر إلى أن ظهر أردشيربن بابك بن ساسان فغلب على ملوك الطوائف، وقتل أردوان الملك بالعراق، ووضع تاج أردوان على رأسه وكان قد قتله في مبارزة على شاطىء دجلة فهذا أول يوم يعدُ منه ملك أردوشير لاستيلائه على سائر ملوك الطوائف، وتمهدت له البلاد، واستقامت دعائمها بملكه، فمن ملوك الطوائف مَنْ قتلَهُ أردشير بن بابك، ومنهم مَنْ انقاد إلى ملكه وأجاب دعوته.وملوك الطوائف بين الفرس الأولى ممن سمينا، وبين الفرس الثانية،وهم الساسانية.
عدة ملوك الطوائف
وقد ذكرأبوعبيدة معمربن المثنى التيمي عن عمركسرى في كتاب له في أخبار الفرس يصف فيه طبقات ملوكهم ممن سلف وخلف،وأخبارهم، وخطبهم وتشعب أنسابهم، ووصف ما بَنَوْه من المدن، وكوروه من الكور، واحتفروه من الأنهار، وأهل البيوتات منهم، وما وسم به كل فريق منهم، من، الشهارجة وغيرهم: أن أول ملك من ملوك الطوائف أشك بن أشك بن أردوان بن أشغان بن آس الجبار بن سياوش بن كيقاوس الملك عشرين سنة، ثم ملك بعد أشك سابور بن أشك الملك ستين سنة.
ظهور المسيح
وفي إحدر وأربعين من مملكته كان ظهور السيد المسيح عليه السلام ببلاد فلسطين بإيليا، ثم ملك جودرز بن أشك بن أردوان بن أشغان عشر سنين، ثم ملك نيزر بن سابور الملك بن أشك الملك إحدى وعشرين سنة، وقيل: إنه في أيامه سار توس بن أسفانيوس ملك رومية إلى إيليا، وذلك بعد ارتفاع المسيح بأربعيِن سنة فقَتَلَ وأسر وسبى وخرب ثم ملك بعد نيزر بن سابور ابنه جودرز بن نيزر تسع عشرة سنة، ثم ملك بعد جودرز نرس بن نيزر أربعين سنة ثم ملك بعده أخوه هرمز بن نيزر عشرين سنة، ثم ملك أردوان بن هرمزبن نيزرخمس عشرة سنة، ثم ملك بعد أردوان ابنه كسرى بن أردوان أربعين سنة، ثم ملك بعد كسرى ابنه بلاس بن كسرى أربعاً وعشَرين سنة، ثم ملك بعد بلاس ابنه أردوان بن بلاس ثلاث عشرة سنة.
قال المسعودي: فهذا وجه آخر غير ما قدمنا ذكره، وقد قيل في تاريخ سني ملوك الطوائف غير ما وصفنا، وإن مدتهم كانت أقل مما وصفنا، والأول أشهر وأضح في مقدار ما ملكوا من السنين، مع تباين التواريخ واختلافها وتضاد ما فيها، غير أن الذي حكيناه ما أخذناه من علماء الفرس، وهم يراعون من تواريخ من سَلَف ما لا يراعيه غيرهم لأن الفرس تدين بما وصفنا قولاً وعملاً، وغيرهم من الناس يقول ذلك قولاً ولا ينقاد إليه عملاً لتباين أهل الشرائع، وقد أتينا فيما سلف من كتبنا على الغرر من أخبار الطوائف وسيرهم وبالله التوفيق.
ذكر أنساب فارس وما قاله الناس في ذلك
اختلاف العلماء في أنسابهم
تنازع الناس في الفرس وأنسابهم: فمنهم من رأى أن فارس ابن ياسوربن سام بن نوح، وكذلك النبط من ولد نبيط بن ياسوربن سام بن نوح، وهذا قول هشام بن محمد فيما حكاه عن أبيه وغيره من علماء العرب ة ففارس ونبيط أخوان وهما ابنا ياسور، ومنهم من زَعَمَ أنه من ولد يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل صلوات الله عليهم، ومنهم من ذكر أنه من ولد إرم بن إرفخشذ بن سام بن نوح، وأنه ولد له بضعة عشر رجلَاَ كلهم كان فارساً شجاعاً فسموا الفرس بالفروسية، وفي ذلك يقول حطان بن المعلى الفارسي:
وَبِنَا سُمِّيَ الْفوَارِسُ فرْسَا ... ناً، وَمَنّا مَنَاجِبُ الْفرْسَانِ
وَكُهُولٌ طَوَاهُمُ الركْفق وَالكَر ... كَمِثْل الكُرَاتِ يَوْمَ الطِّعَانٍ
(1/101)

وقد زعم قومَ أن الفرس من ولد لوط من ابنتيه، زُهَى وَرَعْوى، ولأصحاب التوراة في هذا خبر طويل، وذكر آخرون أنهم من ولد بَوَان بن إيران بن الأسود بن سام بن نوح، وَبوان هذا هو الذي ينسب إليه شِعْبُ بَوان من بلاد فارس، وهو أحد المواضع المشهورة في العالم بالحسن، وكثرة الأشجار، وتدفقِ المياه، وكثرة أنواع الأشجار، وقد ذكره بعض الشعراء فقال:
فشعب بوَّان فوَادي الراهب ... فثَمَّ نُلْقي أرْحُلَ النجائب
ومنهم من رأى أن الفرس من ولد إيران بن أفريدون، وقد قدمنا في صدر هذا الكتاب أخبار ولد أفريدون حين قسم الأرض بينهم، وما قاله الشاعر في ذلك من قوله:
ولإِيران جعلنا عنوة ... فارس الملك وفزنابالنعم
فأضيف الفرس إلى ذلك، وإيران تسمية الفرسُ أيرج إذا عرفوا اسمه، ولا تناكر بين الفرس جميعاً في أنها من ولد أيرج جميعاً، وأيرج هو إيران بن أفريدون هذاهو المستفيض بينهم، والأغلب عليهم: أنهم من آلي أيرج، ومن الناس من ذهب إلى أن سائر أجناس الفرس وأهل كور الأهواز من ولد عيلام، ولا خلاف بين الفرس في أن الجميع منهم من ولد كيومرث وهذا هو الأشهر، وكيومرث هو قبل أيرج بن أفريدون، وأيرج بن أفريدون هو الذي ترجع إليه فارس من ولد كيومرث ومن الناس من ذهب إلى أن الفرس الثانية وهم الساسانية دون من سلف من الفرس الأولى هم من ولد منوشهربن أيرج بن أفريدون، ومنهم من ذهب إلى أن منوشهر هو ابن مشجر بن ويرك، وويرك هو إسحاق بن إبراهيم الخليل، وسار مشجر إلى أرض فارس، وكان بها امرأة متملكة يُقال لها كورك ابنة أيرج، فتزوجها، فولدت له منوشهر الملك، وكثر ولده، فملكوا الأرض، وغلبوا عليها، وهابتهم الملوك لما هم عليه من الشجاعة والفروسية، ودثرت الفرس الأولى كدثور الأمم الماضية والعرب العاربة.
قال المسعودي: وأكثر حكماء العرب من نزار بن معد يقول هذا، ويعمل عليه في بَدء النسب، وينقاد إليه كثيرمن الفرس، ولا ينكرونه، وقد ذكرته شعراء العرب من نزار بن معد، وافتخرت على اليمن من قحطان بالفرس، وأنها من ولد إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهما السلام، فقال في ذلك إسحاق بن سويد العدويّ عدي قريش:
إذا افتخرت قَحْطان يوماً بسؤددٍ ... أتى فخرنا أعلى عليها وأسْودا
ملكناهم بَلْداً بإسحاق عمنا ... وصاروا لنا غرماً على الدهرأعْبُدَا
فإن كان منهم تُبَّع وابن تبع ... فأملاكهم كانوا لأملاكنا يدا
ويجمعنا والغُرَّأبناء سارة ... أبٌ لا يبالي بعده من تفردا
هم مَلّكوا شرقاً وغرباً ملوكهم ... وهم منحوهم بعد ذلك سؤددا
وفي ذلك أيضاً يقول جريربن الخطَفي التميمي يفخر على قحطان بأن الفرس والروم من أولاد إسحاق، والأنبياء من ولد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، من كلمة طويلة يقول فيها:
وأبناء إسحاق الليوث إذا ارتَدوْا ... حمائل موت لابسين السنوَّرَا
إذا افتخروا عحوا الصبهبذ منهمُ ... وكسرى وعَدوا الهرمُزَانَ وقيصرا
وكان كتاب اللّه فيهم ونوره ... وكانوا بِإصْطَخْرَ الملوك وَتُسْتَرَا
ومنهمْ سليمان النبيُّ الذي دعا ... فأعْطِيَ بنيانا وملكاً مقدراً
أبونا أبوإسحاق، يجمع بيننا ... أبٌ كان مهديّاً نبياً مطهرا
بني قِبْلَة اللّه التي يُهْتَدى بها ... فأورثنا عزاً وملكاً معمرا
وموسى وعيسى والني خرساجداً ... وأنْبَتَ زرعا دمع عينيه أخضرا
ويعقوب منهم، زاده اللّه حكمة ... وكان ابن يعقوب نبياًمطهرا
ويجمعنا والغرَّأبناء فارس ... أب لا يبالي بعده من تأخرا
أبونا خليل اللّه، والله ربنا ... رضينا بما أعطى الِإلهُ وقدرا
وفي ذلك يقول بشار بن برد:
نمتني الكرام بنوفارس ... قُرَيْشٌ وقومي قريْش العجم
وقال أحد شعراء الفرس يذكر أنه من ولد إسحاق، وأن إسحاق هو المسمى ويرك، على حسب ما قدمنا قبل، من كلمة له:
(1/102)

أبونا ويرك، وبه أسَامِي ... إذا فخر المُفاخِر بالولاده
أبونا ويرك عَبدٌ رَسُول ... له شرف الرسالة والزَّهَاده
فمن مثلي إذا افتخرت قرون ... وبيتي مثلُ واسطة القِلادهْ ؟
ومن الفرس من يزعم أن ويرك هو ابن أيرك بن بورك بن سبع نسوة تولدن من غير ذكر إلى أن يلحقن في نسبهن بأيرج بن أفريدون، وهذا مما يدفعه العقل، ويأباه الحس، ويخرج عن العادة، وتَنْبُو عنه المشاهدة، إلا ما خص اللّه تعالى به السيد المسيح عيسِى بن مريم عليه السلام ليرى آياته ودلائله الخارجة عن العادة، وعمِا ذكرنا من المشاهدات. وللفرس ههنا منازعات في نسب منوشهر، واضطراب في كيفية إلحاقه بأفريمون وفي وطء أفريدون لبنت أيرج، ووطئه بنت البنت إلى السبع منهن وقد كان بين ملك منوشهر على ما ذكرنا وبين ملك أفريدون مدةخَلَتْ من الدهر، وعدة من الملوك؛ لتخرب كان بإقليم بابل، وعدم ذي همة تنقاد إليه المملكة ويستقيم له الملك، وتجتمع عليه الكلمة، فانتقل الملك من ولد أفريدون إلى ولد إسحاق.فإن كان كل ما ذكرنا هو المعول عليه من قول هذه الطائفة فيجب علىِ ما يوجبه الحساب أن من كيومرث إلى انتقال الملك إلى ولد إسحاق ألفاَ وتسعمائة واثنتين وعشرين سنة، كذلك وجدت في كتب تواريخ هذه الطائفة بأرض فارس وبلاد كرمان.
قال المسعودي: وقد افتخر بعض أبناء الفرْس بعد التسعين والمائتين بجده إسحاق بن إبراهيم الخليل، على ولد إسماعيل، بأن الذبيح كان إسحاق دون إسماعيل، فقال من كلمة له:
قلْ لبني هاجرأبَنْتُ لكم ... ما هذه الكبرياء والعظمة ؟
ألم تكن في القديم أمكم ... لأمنا سارة الجمال أمَهْ
والمُلْكُ فينا والأنبياء لنا ... إن تُنْكِرِوا ذاك توجَدُوا ظَلمه
ْ إسحاق كان الذبيح، قد أجمع الناس عليه إلا ادعاء لمه حتى إذا ما محمد أظهر الدين وجلى بنوره الظلمه قلتم:
قريش الأحساب مفخرة ... أصل لنا، إن كنتم بنيه فمَه
أمابنويعرب فليسواكمن ... أسكنه الله آمتاًحرمه
ولا كأبناء فارس، وهُمْ ... في الأرض مثل الأسودفي الأجَمَهْ
وهي قصيدة طويلة، ذكر فيها كلاماً كثيراً لم يسعنا ذكره، وقد أجابه عبد اللّه بن المعتز. وكان قائل هذه القصيدة في عصره، وعُمِّر إلى أن مضت الثلثمائة، يناقضه في أبيات منها؛ فمن ذلك قوله:
أسمع صوتاً ولا أرى أحداً ... من ذا الشقي الذي أباح دمَهْ
حاشا لإِسحاق أن يكون لكم ... أباً، وإن كنتم بنيه فمَهْ
قولاًلكلب يرى لبطشته ... قدفغرالليث للفراس فمه
والفرس لا تنقاد إلى القوك بأن المُلْكَ كان فيها لأحد غير ولد أفريدون في عصر من الأعصار فيما سلف وخلف إلى أن زال عنهم الملكُ، إلا أن يكون دخل عليهم داخل على طريق الغصب بغير حق.
الفرس يحجون البيت
وقد كانت أسلاف الفرس تقصد البيت الحرام، وتطوف به، تعظيماًله، ولجدَها إبراهيم عليه السلام، وتمسكاً بهديه، وحفظاً لأنسابها، وكان آخر من حج منهم ساسان بن بابك وهو جد أردشير بن بابك، وهو أول ملوك ساسان وأبوهم الذي يرجعون إليه كرجوع المروانية إلى مروان بن الحكم، وخلفاء العباسيين إلى العباس بن عبد المطلب، ولم يل الفرس الثانية أحد إلا من ولد أردشير بن بابك هذا، فكان ساسان إذا أتى البيت طاف به وزمزم على بئر إسماعيل، فقيل: إنما سميت زمزم لزمزمته عليها، هو وغيره من فارس، وهذا يدل على ترادف كثرة هذا الفعل منهم على هذه البئر، وفي ذلك يقول الشاعر في قديم الزمان:
زَمْزَمَتِ الفرْس على زَمْزَم ... وذاك من سالِفها الأقدم
وقد أفتخر بعض شعراء الفرس يعد ظهور الإِسلام بذلك، فقال من كلمة:
ومازلنانحجُ البيت قِدماً ... ونُلْقَي بالأباطح آمنينا
وساسان بن بابك سارحتى ... أتى البيت العتيق يطوف دينا
فطاف به، وزمزم عند بئر ... لإِسماعيل تُرْوِي الشاربينا
(1/103)

وكانت الفرس تهدي إلى الكعبة أموالاً في صدر الزمان، وجواهر،وقد كان ساسان بن بابك هذا أهدى غزالَيْنِ من ذهب وجوهراً وسيوفاً وذهباً كثيراً فقذفه في زمزم وقد ذهب قوم من مصنفي الكتب في التواريخ وغيرها من السير أن ذلك كان لجرهم حين كانت بمكة، وجرهم لم تكن ذات مال فيضاف ذلك إليها، ويحتمل أن يكون لغيرها، واللّه أعلم.وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب ما كان من فعل عبد المطلب بهذه الأسياف وغيرها مما أودع في زمزم.
وللناس في هذه الأنساب تنازع في بَدْئها وتشعبها، وقد ذكرنا من ذلك جملاً، وأوردنا منه جوامع يكتفي ذوالمعرفة بالِإشراف عليها عن كثير من مبسوطها.
ذكر ملوك الساسانية
وهم الفرس الثانية وأخبارهم
أردشير بن بابك
كان أول من نس!ب إليه ملوكهم على حسب ما قدمنا في الباب الذي قبل هذا أردشير بن بابك شاه بن ساسان بن بابك بن ساسن بن بهاوند بن دارا بن ساسان بن بهمن بن إسفنديار بن يستاسف بن بهراسف على حسب ما قدمنا من نسب بهراسف، وقيل: إنه أردشير بن بابك بن ساسان لأصغربن بابك بن ساسان بن بابك بن مهرمس بن ساسان بن بهمن بن إسفنديار بن يستاسف بن بهراسف ولا خلاف بينهم في أن أردشير من ولد منوشهر، وكان مما حفظ من قوله يوم مَلَكَ وقتل أردوان وفرغ من ملوك طوائف ووضع التاج على رأسه أن قال: الحمد لله الذي خضَنا بنعمه، شملنا بفوائده وقسمه، ومهد لنا البلاد، وقاد إلى طاعتنا العباد نحمده حمد من عرف فضل ما آتاه، ونشكره شكر الداري بما منحه واصطفاه، ألا وإناساعون في إقامة منازل العدل، وإدرار الفضل، وتشييد المآثر،وعمارة البلاد، والرأفة بالعباد، وَرَم أقطار المملكة، ورَدِّ ما انخرم في سائر الأيام منها، فليسكن طائركم، أيها الناس، فإني أعُمُّ بالعدل القويّ والضعيف، والدنيء والشريف، وأجعل العدل سنة محمودة، وشريعة مقصودة، وستردون في سيرتنا إلى ما تحمدوننا عليه، وتصدق أفعالنا أقوالنا، إن شاء اللّه تعالى، والسلام.
(1/104)

قال المسعودي: وأردشير بن بابك المتقدم في ترتيب طبقات القدماء، وبه اقتدى المتأخرون من الملوك والخلفاء، وكان يرى أن ذلك من السياسة، ومما يدعم عمود الرياسة؛ فكانت طبقات خاصته ثلاثاً: الأولى الأساورة وأبناء الملوك، وكان مجلس هذه الطبقة عن يمين الملك، على نحو من عشرة أذرُعٍ، وهم بطانة الملك وندماؤه ومحدثوه من أهل الشرف والعلم، وكانت الطبقة الثانية على مقدار عشرة أذرع من الأولى، وهم وجوه الْمَرَازبة وملوك الكورا والمقيمون بباب أردشير، والمرازبة وهم الِإصبهبذية ممن كانت مملكة الكور في أيامه، والطبقة الثالثة كانت رتبتها على قدر عشرة أذرع من حد مرتبة الطبقة الثانية، وأهل هذه الطبقة المضحكون وأهل البطالة والهزل، غير أنه لم يكن في هذه الطبقة الثالثة خسيس الأصل، ولا وضيع القدر، ولا ناقص الجوارح، ولا فاحش الطول أو القصر، ولا مَؤُف، ولا مرمي بأبنة، ولا ابن في صناعة دنيئة كابن حائك أو حَجَّام، ولوكان يعلم الغيب أوحوى كل العلوم مثلاًوكان أردشير يقول: ما شيء أضر على نفس ملكٍ أو رئيس أوذي معرفة صحيحة من معاشرة سخيف أو مخالطة وضيع؟ لأنه كما أن النفس تصلح على مخالطة الشريف الأريب الحسيب، كذلك تفسد بمعاشرة الخسيس، حتى يقدح ذلك فيها، ويزيلها عن فضيلتها، ويثنيها عن محمود شريف أخلاقها، وكما أن الريح إذا مرت بالطيب حملت طيباً تحيا به النفوس وتتقوى به جوارحها، كذلك إذا مرت بالنتن فحملته ألمت به النفس، وأضر بأخلاقها إضراراً تاماً، والفساد أسرع إليها من الصلاح. إذ كان الهدم أسرع من البناء، وقديجد ذو المعرفة في نفسه عند معاشرة السفلة الوضعاء شهراً فسادَ عقِلِه دهراً.وكان أردشير يقول: يجب على الملك أن يكون فائض العدل، فإن في العدل جماع الخير، وهو الحصن الحصين من زوال الملك وتخرِمه، إن أول مخايل الِإدبار في الملك ذهاب العدل منه، وأنه متى خفقَت رايات الجور في ديار قوم كافحتها عقاب العدل فردتها على العقب، ييس أحد ممن يصحب الملوك ويخالطهم أولى باستجماع محاسن الأخلاق و فضائل الآداب وظرائف الملح وغرائب النتف من النديم، حتى إنه ليحْتاج أن يكون له مع شرف الملوك تواضع العبيد، ومع عفاف النُّسّاك مجون الفتاك، ومع وقار الشيوخ مزاح الأحداث، وكل واحدة من هذه الخلال هو مضطر إليها في حال لا يحسن أن يجلب غيرها وإلى أن يجتمع له من قوة الخاطر ما يفهم به ضمير الرئيس الذي ينادمه، على حسب ما يبلوه من خلائقه، وبعلم من معاني لحظه وإشاراته ما يعينه على شهوته،لا يكون نديمأ حتى يكون له جمال ومروءة؛ فأما جماله فنظافة ثوبه، طيب رائحته، وفصاحة لسانه، وأما مروءته فكثرة حيائهِ في أنبساطه إلى الجميل، ووقاره في مجلسه، مع طلاقة وجهه في غيرسخف، ولا يستكمل المروءة حتى يسلوعن اللذة.
مراتب رجال الدولة
(1/105)

ورتب أردشير المراتب فجعلها سبعة أفواج: فأولها الوزراء، ثم الموبذان وهو القائم بأمور الدين، وهو قاضي القضاة، وهو رئيس الموابذة، ومعناها القُوَّام بأمور الدين في سائر المملكة، والقضاة المنصوبون للأحكام، وجعل الِإصبهبذيين أربعة: الأول بخراسان، والثاني بالمغرب، والثالث ببلاد الجنوب، والرابع ببلاد الشمال ؛ فهؤلاء الأربعة هم أصحاب تدبير الملك، كل واحد منهم قد أفرد بتدبير جزء من أجزاء المملكة، فكل واحد منهم صاحب ربع منها، ولكل واحد من هؤلاء مَرْزُبَان، وهم خلفاء هؤلاء الأربعة، ورتب أردشير الطبقات الأربعة من أصحاب التدبير ومَنْ إليهم أزِمّةُ الملك وحضور المشورة في إيراد الأمور وإصدارها، ثم رتب طبقات المغنين وسائر المطربين وذوي الصنعة بالموسيقى.فلم يزل على ذلك مَنْ طرأ بعده من ملوك آل ساسان إلى بهرام جور فإنه قرر مراتب الأشراف وأبناء الملوك وَسَدَنة بيوت النيران والنساك والزهاد وطبقات العلماء بالديانة وأنواع المهن الفلسفية على حالها، وغَيًرطبقات المغنين، فرفع مَنْ كان بالطبقة الوسطى إلى الطبقة العليا، والطبقة الدنيئة إلى الوسطى، وَغير المراتب على حسب إعجابه بالمطرب له منهم، وإفسد مارتبه أردشيربن بابك في طبقات الملهين، فسلك مَنْ ورَدَ بعده من ملوكهم هذا المسلك، حتى ورد كسرى أنو شروان فردّ مراتب المغنين إلى ما كانت عليه في عهد أردشيربن بابك.وقد كانت ملوك الأعاجم كلها من عهد أردشير تحتجب عن الندماء،وكان يكون بين الملك وبين أول الطبقات عشرون ذراعاً، لأن الستارة التي على الملك تكون منه على عشرة أذرع، ومن الطبقة الأولى على عشرة أذرع، وكان الموكل بالستارة رجلًا من أبناء الأساورة يُقال له خرام باشن،فإذا غاب هذا الرجل وكل بها آخر من أبناء الأساورة وذوي التحصيل، وسمي بهذا الاسم، وهذا الاسم عام لمن رتَب في هذه الرتبة ووقف هذا الموقف، وتفسير ذلك كن فرحاً مسروراً، وكان خرم باش هذا إذا جلس الملك لنُدمائه ومُعاقريه أمر رجلَاَ أن يرتفع على أرفع مكان في دار الملك، فيرفع عقيرته ويُغَرد بصوت رفيع يسمعه كل من حضر فيقول: يا لسان احفظ رأسك، فإنك تجالس في هذا اليوم الملك، ثم ينزل، وكان ذلك فعلهم في يوم جلوس الملك للهوه وطربه، فيأخذ الندماء مراتبهم خافتةً أصواتُها، غيرمشيرة بشيء من جَوَارحها، حتى يطلع الموكل بالستارة، فيقول: غَنِّ أنت يا فلان كذا وكذا، واضرب أنت يا فلان كذا وكذا، من طريقة كذا وكذا، من طرائق الموسيقى، وقد كانت الأوائل من بني امية لا تظهر للندماء، وكذلك الأوائل من بني العباس.
زهد أردشير
(1/106)

وكَوَرَ أردشير بن بابك كُوَراً، وَمَدَّنَ مُدُنَاَ، وله عهد في أيدي الناس.ولما خلا من ملكه أربع عشرة سنة، وقيل: خمس عشرة سنة، واستقامت له الأرض، ومهدها، وصال على الملوك فانقادت إلى طاعته، زهد في الدنيا، وتبين له عَوَارها، وما هي عليه من الغرور والعناء، وقلة المكث، وسرعة الغِيلة منها إلى مَنْ أمنها، ووثق بها، واطمأنَّ إليها، وبان له أنها غرّارة وضَرارة خاتلة زائلة بائدة، وما اعْذَوذبَ منها جانب لامرىء وَحَلاَ إلا تمررَ منها عليه جانب وَأوْبى ورأى أن مَنْ بنى قبله المدائن وحًصّن الحصون وساق الجموع وكان أعظم جيشاً وأشد جنوداً وأتم عديدأ قد صار رميماً هشيماً، وتحت التراب مقيماً فآثر التفرد عن المملكة، والتَّرْك لها، واللحاق ببيوت النيران، والانفراد بعبادة الرحمن، والأنس بالوحدة، فنصب ابنه سابور لمملكته، وَتَوًجَه بتاجه، وذلك أنه رآه أرجح ولده حلماً، وأكملهم علماً، وأشدهم بأساً، وأجزلهم مراساً، فعاش بعد ذلك في حال تزهده، وخلوه بربه، وكونه في بيوت النيران سنة، وقيل شهراً، وقيل: أكثر مما ذكرنا.وأقام أردشير اثنتي عشرة سنة يحارب ملوك الطوائف. فمنهم من يكاتبه فينقاد إلى ملكه رهبة من صَوْلته، ومنهم من يمتنع عليه فيسير إلى داره ويأتي عليه، وكان آخر من قتل منهم ملكاً للنبط بناحية سواد العراق اسمه بابا بن بردينا صاحب قصر ابن هبيرة، ثم أردوان الملك، وفي هذ اليوم سمي شاهنشاه، وهوملك الملوك.وأمُّ ساسان الأكبر من سبايا بني إسرائيل، وهي بنت سانال، ولأردشيرابن بابك أخبار في بدء ملكهَ مع زاهد من زهادهم وأبناء ملوكهم يُقال له بيشر وكان أفلاطوني المذهب على رأي سقراط وأفلاطون، أعرضنا عن ذكرها إذ كنا قد أتينا على جميع ذلك في كتابنا أخبار الزمان وفي الكتاب الأوسط، مع ذكر سيره وفتوحه، وما كان من أمره، ولأردشير بز بابك كتاب يعرف بكتاب الكرنامج فيه ذكر أخباره وحروبه ومسيره في الأرض وسيره.
من وصايا أردشير وكتبه
وكان مما حفظ من وصية أردشير لابنه سابور عند نصبه إياه للملك أن قال له: يا بني، إن الدين والملك أخوان، ولا غنى لواحد منهما عن صاحبه ة فالدين أس الملك، والملك حارسُه، وما لم يكن له أسر فمهدوم، وما لم يكن له حارس فضائع.وكان مما حفظ من مكاتباته أعني أردشير إلى خواصَ من أنواع رعيته وعماله: من أردشير بن بهمن ملك الملوك، إلى الكتاب الذين بهم تدبير المملكة، والفقهاء الذين هم عماد الدين، والأساورة الذين هم حُمْاة الحرب، وإلى الحرَّاث الذين هم عَمَرَة البلاد، سلام عليكم، نحن بحمد اللّه صالحون، وقد رفعنا إتاوتنا عن رعيتنا بفضل رأفتنا ورحمتنا، ونحن كاتبون إليكم بوصية فاحفظوها لا تستشعروا الحقد فيكم فيدهمكم العدو، ولا تحبُّوا الاحتكار فيشملكم القحط، وكونوا لأبناء السبيل مأوى ترووا غداً في المعاد، وتزوجوا في الأقارب فإنه أمَسُّ للرحم وأقرب للنسب، ولا تركنوا للدنيا فإنها لا تدوم لأحد، ولا تهتموا لها فلن يكون إلا ما شاء اللّه، ولا ترفضوها مع ذلك فإن الآخرة لا تنال إلا بها.وكتب أردشير إلى بعض عماله: بلغني أتك تؤثر اللين على الغلظة، والمودة على الهيبة، والجبن على الجراءة، فليشتد أوَّلُك، وليلن آخرك، ولا تخلين قلباً من هيبة، ولا تعطلنه من مودة، ولا يبعد عليك ما أقول لك فإنهما يتجاوران.
سابور بن أرلحشير وماني الثنوي
ثم ملك بعد أردشير ابنه سابور، وكان ملكه ثلاثاً وثلاثين سنة، وكانت له حروب مع كثير من ملوك العالم، وبنى كُوَراً، وَمًصّر مدناً نسبت إليه، كما نسب من الكور والمدن إلى آبائه، والعرب تلقبه سابور الجند، وفي أيامه ظهر ماني، وقال بالاثنين، فرجع سابور عن المجوسية إلى مذهب ماني والقول بالنور والبراءة من الظلمة، ثم عاد بعد ذلك إلى دين المجوسية، ولحق ماني بأرض الهند؟ لأسباب أوجبت ذلك قد أتينا على ذكرها فيما سلف من كتبنا.
بين قيصر وسابور
وكتب ملكُ الروم إلى سابوربن أردشير: أما بعد، فقد بلغني من سياستك لجندك، وضبطك ما تحت يدك، وسلامة أهل مملكتك بتدبيرك ما أحببت أن أسلك فيه طريقتك، وأركب مناهجك.
(1/107)

فكتب إليه سابور: نِلْتُ ذلك بثمان خصال: لم أهزل في أمر ولانهي قط، ولم أخلف وعداً ولا وعيداً قط، وحاربت للغني لا للهوى، واجتلبت قلوب الناس ثقة بلا كره، وخوفاً بلا مقت، وعاقبت للذنب لا للغضب، وعممت بالقوت، وحَسَمْتُ الفضول.
من سابور إلى بعض عماله
ويُقال: إن سابور كتب إلى بعض عماله: إذا استكتبت رجلًا فأسْنِ رزقه، وَشُدَّ بصالح الأعوان عضده، وأطلق بالتدبيريده ففي إسناء رزقه حسم طمعه، وفي تقويته بالأعوان ثقل وطأته على أهل العدوان، وفي إطلاقه بالتدبير ما أخافه عواقب الأمور، ثم قِفهُ من أمره على ماله قدمته ليمثله إماماً ويحفظه كلاماً، فإن وقع أمرَه بما رسمت فأوْلِهِ غرضك، وأوجب زيادته عليك، وإن حَادَ عن أمرك علقته حجتك، وأطلقتَ بالعقوبة عليه يَدكَ، والسلام.وعهد سابور إلى ولده هرمزوَمَنْ تلاه من الملوك بعده، فقال: اجعلوا علو أخلاقكم كعلو أخطاركم، وارتفاع كرمكم كارتفاع هممكم، وفضل سعيكم كفضل جَدِّكم.وقيل: إن ملك سابور كان إحدى وثلاثين سنة ونصفاً وثمانية عشريوماً.
هرمز وبهرام
ثم ملك بعد سابور ابنه هرمز بن سابور الملقب بالبطل، وكان ملكه سنة، وقيل: اثنين وعشرين شهراً، وبني مدينة رامهرمز من كُوَر الأهواز.وكتب إلى بعض عماله: لا يصلح لسد الثغور وقَوْد الجيوش وإبرام الامور وتدبير الأقاليم إلا رجل تكاملت فيه خمس خصال: حزم يتيقن به عند موارد الأمور حقائق مصادرها، وعلم يحجبه عن التهوُر في المشكلات إلا عند تجلي فرصتها، وشجاعة لا تنقصها الملمات بتواتر جوائحها، وصدق في الوعد والوعيد يوثَق بوفائه بهما، وجود يهون عليه بتدبير الأموال في حقها.ثم ملك بعده بهرام بن هرمز ثلاث سنين، وكانت له حروب مع ملوك الشرق.
الزنادقة
وقد ذكرنا أن بهرام أتاه ماني بن يزيد تلميذ قاردون فعرض عليه مذاهب الثنوَية فأجابه احتيالاً منه عليه إلى أن أحضر دعاته المتفرقين في البلاد من أصحابه الذين يَدْعُون الناس إلى مذاهب الثنوية فقتله، وقتل الرؤساء من أصحابه، وفي أيام ماني هذا ظهر اسم الزندقة الذي إليه أضيف الزنادقة، وذلك أن الفرس حين أتاهم زَرَادشت بن أسبيمان على حسب ما قدمنا من نسبهفيما سلف من هذا الكتاب بكتابهم المعروف بالبستاه باللغة الأولى من الفارسية، وعمل له التفسير، وهو الزند، وعملِ لهذا التفسير شرحاً سماه البازند، على حسب ما قدمنا، وكان الزند بياناَ لتأويل المتقدم المنزل، وكان مَنْ أورد في شريعتهم شيئاً بخلاف المنزل الذي هو البستاه، وعَدَل إلى التأويل الذي هو الزند، قالوا: هذا زندي، فأضافوه إلى التأويل، وأنه منحرف عن الظواهر من المنزل إلى تأويلٍ هو بخلاف التنزيل، فلما أن جاءت العرب أخذت هذا المعنى من الفرس، وقالوا: زنديق، وعًربوه، والثنوية هم الزنادقة، ولحق بهؤلاء سائر من اعتقد القدم، وأبى حدوث العالم.
بهرام بن بهرام
(1/108)

ثم ملك بعده بهرام، بن بهرام، وكان ملكه سبع عشرة سنة، وقيل غير ذلك، وأقبل في أول ملكه على القَصْف واللذات والصيد والنزهة، لا يفكر في ملكه، ولا ينظرفي أمور رعيته، وأقْطَع الضياع لخواصه ومَنْ لاذبه منْ خَدمه وحاشيته، فخربت الضياع، وخلت من عُمَّارها، وسكنوا الضياع المتعززة، فقلت العمارة إلا ما أقطع من الضياع، وسقطت عنهم المطالبة بالخراج بممايلة الوزراء خَوَاص الملك، وكان تدبير الملك مفوضَاَ إلى وزرائه فخربت البلاد، وقلت العمارة وقل ما في بيوت الأموال، فضعف القويُ من الجنود، وهلك الضعيف منهم، فلما كان في بعض الأيام ركب الملك إلى بعض منتزهاته وصيده، فجنه الليل وهو يسير نحو المدائن، وكانت ليلة قَمْراء، فدعا بالموبذان لأمر خطر بباله فلحق به وسايره، وأقبل على محادثته، مستخبراً له عن سير أسلافه، فتوسطوا في مسيرهم خربات كانت من أمهات الضياع قد خربت في مملكته، ولا أنيس بها إلا البوم، وإذا بوم يصيح وآخر يجاوبه من بعض تلك الخربات، فقال الملك للموبذان : أترى أحداً من الناس أعطى فهْمَ منطق هذا الطير المصوت في هذا الليل الهادىء فقال له الموبذان: أنا أيها الملك ممن قد خصه اللّه بفهم ذلك، فاستفهمه الملك عما قال، فأعلمه أن قوله صحيح، فقال له: فما يقول هذا الطائر؟ وما الذي يقول اللآخر؟ قال الموبذان هذا بوم ذكر يخاطب بومة، ويقول لها: أمتعيني من نفسك حتى يخرج منا أولاد يسبحون اللهّ، ويبقى لنا في هذا العالم عَقِب يكثرون ذكرنا والترحم علينا فأجابته البومة: إن الذي دعوتني إليه هو الحظ الأكبر، والنصيب الأوفر، في العاجل والآجل، إلا أني أشترط عليك خصالا إن أنت أعطيتنيها أجبتك إلى ما دعوتني إليه، فقال لها الذكر: وما تلك الخصال. قالت: أولها إن أنا أبحتك نفسي وصرت إلى ما إليه دعوتني تضمن لي أن تعطيني من خربات أمهات الضياع عشرين قرية مما قد خرب في أيام هذا الملك السعيد، فقال له الملك: فما الذي قال لها الذكر. قال الموبذان: كان من قوله لها: إن دامت أيامُ هذا الملك السعيد جده أعطيتك مما يخرب من الضياع ألف قرية، فما تصنعين بها. قالت: في اجتماعنا ظهور النسل، وكثرة الولد، فنُقْطِع كل واحد من أولادنا قرية من هذه الخربات، قال لها الذكر: هذا أسهل أمر سألتنيه، وأيسرأمرطلبته مني، وقدمت لك الوعد وأنا مليء بذلك، فهاتي ما بعد ذلك فلما سمع الملك هذا الكلام من الموبذان عمل في نفسه، واستيقظ من نومه، وفكر فيما خوطب به، فنزل من ساعته، وترَجَّلَ للناس، وخلا بالموبذان فقال له:. إيها القيم بالدين، والناصح للملك، والمنبه على ما أغْفلَه من أمور ملكه، وأضاعه من أمر بلاده ورعيته، ما هذا الكلام الذي خاطبتني به. فقد حركت مني ما كان ساكناً، وبعثني على علم ما كنت عنه غائباً، قال الموبذان: صادفت من الملك السعيد جدًّه وقتَ سعدٍ للعباد والبلاد، فجعلت الكلام مثلًا وموقظاً على لسان الطائر عند طلب الملك مني جواب ما سأل، ثم قال له الملك:أيها الناصح، اكْشِف لي عن هذا الغرض الذي إليه رميت، والمعنى الذي له قصدت، ما منه و إلى ماذا يؤول؟ قال الموبذان: أيها الملك السعيد جده إن الملك لا يتم عزه إلا بالشريعة والقيام للّه تعالى بطاعته، والتصرف تحت أمره ونهيه، ولا قوام للشريعة إلا بالملك، ولا عز للملك إلا بالرجال، ولا قوام للرجال إلا بالمال، ولا سبيل إلى المال إلا بالعمارة، ولا سبيل للعمارة إلا بالعدل، والعدل الميزان المنصوب بين الخليقة، نصبه الرب وجعل له قيما، وهو الملِك، قال الملك: أما ما وصفت فحق، فأبِنْ لي عما تقصد، وأوضح لي في البيان، قال الموبذان: نعم أيها الملك، عمدت إلى الضياع فانتزعتها من أربابها وعُمَّارها، وهم أرباب الخراج وَمَنْ تؤخذ منهم الأموال، فأقطِعتها الحاشية والخدم وأهل البطالة وغيرهم، فعمدوا إلى ما تعجل من غرتها، واستعجلوا المنفعة، وتركوا العمارة والنظر في العواقب وما يصلح الضياع، وسومحوا في الخراج لقربهم من الملك، ووقع الْحَيْف على من بقي من أرباب الخراج وعمار الضياع، فانجلوا عن ضياعهم، ورحلوا عن ديارهمَ، وآووا إلى ما تعزز من الضياع بأربابه فسكنوه، فقلت العمارة، وخربت الضياع، وقلت الأموال، فهلكت الجند والرعية، وطمع في ملك فارس مَنْ أطاف بها من الملوك والأمم لعلمهم بانقطاع المواد التي بها
(1/109)

تستقيم دعائم الملك، فلما سمع الملك هذا الكلام من الموبذان أقام في موضعه ذلك ثلاثاً، وأحضر الوزراء والكتاب وأرباب الدواوين، وأحضرت الجرائد فانتزعت الضياع من أيدي الخاصة والحاشية، ورُدَت إلى أربابها، وَجرَوْا على رسومهم السالفة، وأخذوا في العمارة، وقوي من ضعف منهم، فعمرت الأرض، وأخصبت البلاد، وكثرت الأموال عند جباية الخراج. وقويت الجنود، وقطعت مواد الأعداء، وشحنت الثغور، وأقبل الملك يباشر الأمر بنفسه في كل وقت من الزمان، وينظر فى أمر خواصه وعوامه، فحسنت أيامه، وانتظم ملكه، حتى كانت تدعى أيامه أعياداً؛ لما عم الناس من الخصب والإفضال وشملهم من العدل.قيم دعائم الملك، فلما سمع الملك هذا الكلام من الموبذان أقام في موضعه ذلك ثلاثاً، وأحضر الوزراء والكتاب وأرباب الدواوين، وأحضرت الجرائد فانتزعت الضياع من أيدي الخاصة والحاشية، ورُدَت إلى أربابها، وَجرَوْا على رسومهم السالفة، وأخذوا في العمارة، وقوي من ضعف منهم، فعمرت الأرض، وأخصبت البلاد، وكثرت الأموال عند جباية الخراج. وقويت الجنود، وقطعت مواد الأعداء، وشحنت الثغور، وأقبل الملك يباشر الأمر بنفسه في كل وقت من الزمان، وينظر فى أمر خواصه وعوامه، فحسنت أيامه، وانتظم ملكه، حتى كانت تدعى أيامه أعياداً؛ لما عم الناس من الخصب والإفضال وشملهم من العدل.
جماعة من ملوك الفرس
ثم ملك بعده بهرام بن الملك بهرام بن بهرام فكان ملكه إلى أن هلك أربع سنين، وأربعة أشهر ثم ملك بعده نرسي بن بهرام الملك ابن بهرام البطل، وكان ملكه سبع سنين وقيل ونصفاً ثم ملك بعده هرمزبن نرسي بن بهرام، على ما ذكرنا من النسب، وكان ملكه سبع سنين وخمسة أشهر. وذكر أبو عبيدة معمر بن المثنَى عن عمر كسرى أن كل من ذكرنا من ملوك آل ساسان إلى هذا الملك وهو هرمز بن نرسي كانوا ينزلون جند يسابور من بلاد خوزستان، وقد كان يعقوب بن الليث الصفار أراد سكنى جند يسابور متشبهاً بمن مضى من ملوك ساسان، إلى أن مات بها. وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب أخبار المعتمد حين سكناه إياها ووفاته فيها.
سابور ذو الاكتاف
ثم ملك بعد هرمزبن نرسي ابنه سابوربن هرمز، وهو سابورذو الأكتاف، وكان ملكه إلى أن هلك اثنتين وسبعين سنة. وخلفه والده حَمْلاً، فغلبت العرب على سواد العراق، وقام الوزراء بأمر التدبير، وكانت جمهرة العرب ممن غلب على العراق ولد إياد بن نزار، وكان يُقال لها طبق لإطباقها على البلاد، وملكها يومئذ الحارث بن الأغر الإِيادي، فلما بلغ سابور من السن ست عشرة سنة أعدَ أساورتهُ بالخروج إليهم والِإيقاع بهم، وكانت إياد تصيف بالجزيرة وتشتو بالعراق، وكان في حبس سابور رجل منهم يُقال له لقيط، فكتب إلى إياد شعراً ينذرهم به، ويعلمهم خبرمن يقصدهم، وهو:
سلام في الصحيفة من لقيط ... على من في الجزيرة من إياد
بأن الليث يأتيكم دلاق ... فلا يحسبكم شوك القَتَاد
أتاكم منهمُ سبعون ألفاً ... يَجُرون الكتائب كالجراد
على خيل ستأتيكم فهذا ... أوانُ هلاككم كهلاك عاد
فلم يعبؤا بكتابه، وسراياه تكر نحو العراق وتُغِير على السواد، فلما تجهز القوم نحوهم أعاد إليهم كتاباً يخبرهم فيه أن القوم قد عسكروا، وتحشَدوا لهم، وأنهم سائرون إليهم، وكتب لهم شعراً أوله.
يا دار عَمْرَةَ من تذكارها الجرعا ... هَيًجْتِ لي الهم والأحزان والوجعا
أبلغ إياداً وحلل في سراتهم ... أني أرى الرأي إن لم أعْصَ قدنصعا
ألا تخافون قوماً لا أبا لكم ... مَشَوْا إليكم كأمثال الدَّبى سُرُعا
لو أن جمعهمُ راموا بهدتهَم ... شُمَ الشماريخ من ثَمْلاَن لا نصدعا
فقلِّدوا أمركم لله دركم ... رَحْبَ الذراع بأمرالحرب مضطلعا
فأوقع بهم، فعمهم القتل، فما أفلَتَ منهم إلا نفر لحقوا بأرض الروم، وخلع بعد ذلك أكتاف العرب، فسمي بعد ذلك سابوو ذا الأكتاف.وقد كان معاوية بن أبي سفيان راسَلَ مَنْ بالعراق من تميم ليثبوا بعلي ابن أبي طالب رضي الله عنه! فبلغ ذلك علياً رضوان الله عليه، فقال قي بعض مقاماته في كلام له طويل:
(1/110)

إن حَيّاً يرى الصلاح فساداً ... أو يرى الغي في الأموررشادا
لقريب من الهلاك كما ... أهلك سابورُ بالسواد أيادا
(1/111)

وقد كان سابور في مسيره في البلاد أتى على بلاد البحرين، وفيها يومئذ بنوتميم، فأمعن في قتلهم، وفرت بنوتميم، وشيخها يومئذ عمروبن تميم بن مر، وله يومئذ ثلثمائة سنة، وكان يعلق في عمود البيت في قفة قد اتخذت له، فأرادوا حمله، فأبى عليهم إلا أن يتركوه في ديارهم، وقال: أنا هالك اليوم أو غداً، وماذا بقي لي من فسحة العمر؟ ولعل اللّه ينجيكم بي من صَوْلة هذا الملك المسلط على العرب، فخلوا عنه، وتركوه على ما كان عليه، فصَبَّحت خيل سابور الديار، فنظروا إلى أهلها وقد ارتحلوا، ونظروا إلى قفة معلقة في شجرة، وسمع عمرو صهيل الخيل ووقعها، وهمهمة الرجال، فأقبل يصيح بصوت ضعيف، فأخذوه، وجاءوا به إلى سابور، فلما وضُع بين يديه نظر إلى دلائل الهرَم ومرور الأيام عليه ظاهرة، فقال له سابور: مَنْ أنت أيها الشيخ الفاني. قال: أنا عمروبن تميم بن مر، وقد بلغت من العمر ما ترى، وقد هرب الناس منك لإِسرافك في القتل وشدة عقوبتك إياهم، وآثرتُ الفناء على يديك ليبقى مَنْ مضى من قومي، ولعل اللّه ملك السماوات والأرض يُجري على يديك فرجهم، ويصرفك عما أنت بسبيله من قتلهم، وأنا سائلك عن أمر إن أذنْتَ لي فيه، فقال له سابور: قل يُسْمع منك، فقال له عمرو: ما الذي يحملك على قتل رعيتك ورجال العرب؟ فقال سابور: أقتلهم لما أرتكبوا من أخذ بلادي وأهل مملكتي، فقال عمرو: فعلوا ذلك ولست عليهم بقيم، فلما بلغت وقفوا عما كانوا عليه من الفساد هيبة لك، قال سابور: أقتلهم لأنا ملوكَ الفرس نجد في مخزون علمنا وما سلف من أخبار أوائلنا أن العرب ستُدال علينا، وتكون لهم الغلبة على ملكنا، فقال عمرو: هذا أمر تتحققه أم تظنه، قال: بل اتحققه ولا بد أن يكون ذلك، قال له عمرو: فإن كنت تعلم ذلك فلم تسيء إلى العرب؟ واللّه لأن تُبْقِي على العرب جميعاً وتحسنَ إليهم فيكافئون عند إدالة الدولة لهم قومَكَ بإحسانك، وإن أنت طالت بك المدة كافأوك عند مصير الملك إليهم، فيبقون عليك وعلى قومك، وإن كان الأمر حقاً كما تقول فهو أحزم في الرأي، وأنفع في العاقبة، وإن كان باطلًا فلم تتعجل الِإثم وتسفك دماء رعيتك؟ فقال سابور: الأمر صحيح، وهو كائن لكم، والرأي ما قلتَ، ولقد صدقتَ في القول، ونصحت في الخطاب، فنادى منادي سابور بأمان الناس، ورفع السيف، والكف عن قتلهم، ويقال: إن عمراً بقي في هذا العالم بعد هذا الوقت ثمانين سنة، وقيل: أقل من ذلك، واللّه أعلم.وسار سابور نحو بلاد الشام، فافتتح المدن، وقتل خلائق من الروم، ثم طالبته نفسُه بالدخول إلى أرض الروم متنكراً ليعرف أخبارهم وسيرهم، فتنكر، وسار إلى القسطنطينية، فصادف وليمة لقيصر قد اجتمع فيها الخاص والعام منهم، فدخل في جملتهم، وجلس جملى بعض موائدهم، وقد كان قيصر أمر مصوراً أتى عسكر سابور فصوَّره له، فلما جاء قيصر بالصورة أمر بها فصورت على آنية الشراب من الذهب والفضة، وأتى من كان على المائدة التي عليها سابور بكأس، فنظر بعض الخدم إلى الصورة التي على الكأس وسابور مقابل له على المائحة، فعجب من اتفاق الصورتين، وتقارب الشكلين، فقام إلى المللك، فأخبرة، فأمر به، فمثل بين يديه غ فسأله عن خبره، فقال: أنا من أساورة سابور استحققت العقوبة لأمر كان منِّي، فدعاني ذلك إلى الدخول إلى أرضكم، فلم يقبل ذلك منه، وَقُئدم إلى السيف فأقَرَّ، فجعله في جلد بقرة، وسارقيصر في جنودهِ حتى توسط العراق، وافتتح المدائن، وَشَنَّ الغارات، وَعَضَدَ النخل، وانتهى إلى مدينة جندي يسابور، وقد تحصن بها وجوه فارس، فنزل عليها وحضر عيد لهم في تلك الليلة التي أشرفوا على فتح المدينة في صبيحتها، فأغفل الموكلون أمر سابور، وأخذ الشرابُ منهم، وكان بالقرب من سابور جماعة من أساري الفرس، فخاطبهم أن يحل بعضهم بعضاً، وشجَّعَهم، وأمرهم أن يصبوا عليه زِقَاقَاَ من الزيت كانت هناك ففعلوا، فلَانَ عليه الجلد وتخلص، وأتى المدينة وهم يتحارسون على سورها فخاطبهم، فعرفوه ورفعوه بالحبال إليهم، ففتح أبواب خزائن السلاح، وخرج بهم ففرقهم حول مواضع من الجيش، والروم غارونَ مطمئنون، فكبس الجيش عند ضرب النواقيس، فأتوه بقيصر أسيراً، فاستحياه وأبقى عليه، وضمِ إليه من أفلَتَ من القتل من رجاله، فغرس قيصر بالعراق الزيتون بدلاَ مما عضده من النخل فيها.، ولم يكن يُعهد
(1/112)

بالعراق الزيتون قبل ذلك، وبنى شاذروان مدينة تستر لنهرها، والشاذروان هو المسناة العظيمة، والكرمن الحجر والحديد والرصاص، وعمر ما أخْرَب، في أخبار يطول ذكرها، وانصرف قيصر نحو الروم.وقد ذكر في بعض الأخبار أن سابور رَبَقَ قيصر، وقطع أعصاب عقبيه أو رقمها، وأن الروم لا تربق دوابها، ولا تلبس الخفاف المعقبة،وفي ذلك يقول الحارث بن جندة المعروف بالهرمزان: الزيتون قبل ذلك، وبنى شاذروان مدينة تستر لنهرها، والشاذروان هو المسناة العظيمة، والكرمن الحجر والحديد والرصاص، وعمر ما أخْرَب، في أخبار يطول ذكرها، وانصرف قيصر نحو الروم.وقد ذكر في بعض الأخبار أن سابور رَبَقَ قيصر، وقطع أعصاب عقبيه أو رقمها، وأن الروم لا تربق دوابها، ولا تلبس الخفاف المعقبة،وفي ذلك يقول الحارث بن جندة المعروف بالهرمزان:
همُ ملكوا جميع الناس طرا ... وهم رَبَقوا هرقْلاً بالسواد
وهم قتلوا أبا قابوس غصباً ... وهم أخفوا البسيطة من إياد
وفي فعل سابور وتغريره بنفسه في دخوله إلى أرض عدوه متجسسا يقول بعض المتقدمين من شعراء أبناء فارس:
وكان سابورصَفواً في أرومته ... أخْتيرَعنها فأضحى غيرمختار
إِذكان بالروم جاسوسأ يجول به ... حَزْم المنية من في كيد مكار
فاستأسروه وكانت كبوة عجباً ... وزلة سبقت من غيرعَثَّار
فأصبح الملِكُ الرومي معترضا ... أرض العراق على هول وأخطار
فراطَنَ الفرس بالأبواب فافترقوا ... كما تجاوب أسد الغاب في الغار
فجذ بالسيف أمرالروم فامتحقوا ... للّه لحرك من طَلاَّب أوتار
إِذيغرسون من الزيتون ماعَضَدوا ... من النخيل وما حفوا بمنشار
إِيوان كسرى
وغزا سابور بعد ذلك بلاد الجزيرة وامد وغيرها من بلاد الروم، ونقل خلقأ من أهلها، وأسكنهم بلاد السوس وتستر وغيرها من مدن كور الأهواز، فتناسلوأ وقَطَنوا تلك الديار، فمن ذلك الوقت صار الديباج التستري وغيره من أنواع الحرير يعمل بتستر، والخز بالسوس، والستور والفرش ببلاد نصيبين، ومكث إلى هذه الغاية، وقد كان مَنْ قبله من ملوك الساسانية وكثير ممن سلف من فارس الأولى يسكن بطيسون، وذلك بغربي المدائن من أرض العراق، فسكن سابور في الجانب الشرقي من المدائن، وبنى هناك الإيوان المعروف بإيوان كسرى إلى هذه الغاية، وقد كان أبرويزبن هرمز أتم مواضع من بناء هذا الإِيوان، وقد كان الرشيد نازلَاَ على دجلة بالقرب من الإيوان، فسمع بعض الخدم من وراء السرادق يقول لآخر: هذا الذي بنى هذا البناء ابن كذا وكذا أراد أن يصعد عليه إلى السماء، فأمر الرشيد بعض الأستاذين من الخدم أن ضربه مائة عَصاً، وقال لمن حضره: إن الملك نسبة، والملوك به إخوة، وإن الغيرة بعثتني على أدبة لصيانة الملك، وما يلحق الملوك للملوك.وذكر عن الرشيد بعد القبض على البرامكة أنه بعث إلى يحيى بن خالد بن برمك، وهو في اعتقاله، يشاوره في هَدْم الِإيوان، فبعث إليه: لا تفعل، فقال الرشيد لمن حضره: في نفسه لمجوسية، والحنو عليها، والمنع من إزالة آثارها، فشرع في هدمه، ثم نظر فإذا يلزمه في هدمه أموال عظيمة لا تضبط كثرة، فأمسك عن ذلك، وكتب إلى يحيى يعلمه ذلك، فأجابه بأن ينفق في هدمه ما بلغ من الأموال، ويحرص على فعله، فعجب الرشيد من تنافي كلامه في أوله وآخره، فبعث إليه يسأله عن ذلك، فقال: نعم، أما ما أشرتُ به في الأول فإني أردت بقاء الذكرلأمة الِإسلام وبُعْدَ الصيت، وأن يكون من يردُ في الأعصار ويطرأ من الأمم في الأزمان يرى مثل هذا البنيان العظيم فيقول: إن أمة هذا بنيانها فأزالت رسومها واحتوت على ملكها،لأمة عظيمة شديحة منيعة، وأما جوابي الثاني فأخبرت أنه قد شرع في هَدمه ثم عجز عنه، فأردت نفي العجز عن أمة الِإسلام؟ لئلا يقول من وصفت ممن يرد في الأعصار:إن هذه الأمة عجزت عن هدم ما بنَتْه فارس، فلما بلغ الرشيد ذلك من كلامه قال: قاتله الله تعالى! فما سمعته قال شيئاً قط إلا صَدق فيه، وأعرض عن هدمه، وسابور هو الذي بنى مدينة نيسابور ببلاد خراسان وغيرها بفارس والعراق.
أردشير
(1/113)

ثم ملك بعد سابور بن هرمز أخوه أردشيربن هرمز، وكان ملكه إلى أن خلع أربعين سنة، ثم ملك بعده سابور بن سابور، خمس سنين وقيل: وأربعة أشهر، وكانت له حروب كثيرة مع إياد بن نزار وغيرها من العرب وفيه يقول شاعر إياد:
على رغم سابور بن سابورأصبحت ... قبابُ إيادٍ حولها الخيل والنعَمْ
ويقال: إن هذا الشعر قاله نفر قد لحقوا بأرض الروم حين أوقع بهم سابورذو الأكْتَاف على ما ذكرنا ثم تراجعوا إلى ديارهم، وانضافوا إلى ربيعة من ولد بكربن وائل، وإن ربيعة كانتَ قد غلبت على السواد، وشَنَّتْ الغارات في ملك سابور بن سابور، فقال شاعر إياد في ذلك ما وصفنا، وهم داخلون في جملة ربيعة، وقيل غير ذلك، والله أعلم بالصحيح منه.
بهرام ويزدجرد
ثم ملك بعده بهرام بن سابور، وكان ملكه عشرسنين، وقيل: إحدى عشرة سنة.ثم ملك بعده يزدجرد بن سابور، المعروف بالأثيم، وكان ملكه إلى أن هلك إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر وثمانية عشر يوماً، وقيل: اثنتين وعشرين سنة غير شهرين.
بهرام جور
ثم ملك بعده بهرام بن يزدجرد وهو بهرام جور، فكان ملكه ثلاثاً وعشرين سنة وقيل: تسع عشرة سنة وَمَلَكَ وهو ابن عشرين سنة، وغاص هو وفرسه في حومة حمأة في بعض أيام صيده، فجزعت عليه فارس، لما كان عَمَّهَا من عدله، وشملها من إحسانه ورأفته برعيته، واستقأمة الأمور في أيامه، وقد كان خرج في أيامه خاقان ملك الترك إلى الصغد، وشن الغارات في بلاده، وقيل: إنه أتى إلى بلاد الري، وإن بهرام كتب أجناده وتنكب الطريق في اليسير من جريدة أصحابه حتى أنى على خاقان في جنوده، وسار نحو العراق برأسه، فهابته ملوك الأرض، وهادنه قيصر، وحمل إليه الأموال، وقد كان بهرام قبل ذلك دخل إلى أرض الهند متنكراً، ولأخبارهم متعرَفاَ، واتصل بشبرمة ملك من ملوك الهند، فأبلى بين يديه في حرب من حروبه، وأمكنه من عدوه، فزوًجه ابنته على أنه بعض أساورة فارس، وكان نشؤه مع العرب بالحيرة، وكان يقرل الشعر بالعربية ويتكلم بسائر اللغات، وكان خاتمه مكتوب: بالأفعال تعظم الأخبار. وله أخبار في أخذه الملك بعد أبيه وتناوله التاج والراية. وقد وضعا بين سَبعَين وأخبار غير ذلك. وسير يطول ذكرها. ولأية علة سمي بهرام جور.وما أحدث من الرمي بالنشِاب في أيامه. رمن النظم في داخل القوس وخارجها. وقد أتينا على جميع ذلك في كتابنا أخبار الزمان والكتاب الأوسط. وما قالت الفرس والترك في بنية القوس، وأنها مركبة على الطبائع الأربع كطبائع الِإنسان، وما ذهبوا إليه من أنواع الرمي وكيفيته، ومما حفظ من شعربهرام جورق قولُه يوم ظفره بخاقان وقتله له:
أقول له لما فضضت جموعه ... كأنك لم تسمع بصولات بَهرَام
فإنِّيَ حامي مُلْكِ فارس كلها ... وماخيرمُلْكٍ لايكون له حام؟
وقوله أيضاً؟
لقد علم الأنام بكلِّ أرض ... بأنَهُمُ قَد اضحوا لي عبيدا
ملكت ملوكهم، وقهرت منهم ... عزيزهم المسوَّدَ والمسودا
فتلك أسودهم تُقعِي حذاري ... وترهب من مخافتيَ الورودَا
وكنت إذا تشاوس ملك أرض ... عبأت له الكتائب والجنودا
فيعطيني المَقَادةَ أو أوافي ... به يشكو السلاسل والقيودا
وله أشعار كثيرة بالعربية والفارسية أعرضنا عن ذكرها في هذا الموضع طلبَاَ للِإيجاز.
يزدجرد
(1/114)

ثم ملك بعده يزدجردبن بهرام، وكان ملكه تسع عشرة سنة. وقيل:ثمان عشرة سنة وأربعة أشهر وثمانية عشر يوماً وقد كان بنى حائطاً باللِبنِ والطين بناحية الباب والأبواب على حسب ما قممنا فيما سلف من هذا الكتاب في ذكرنا للباب والأبواب وجبل القبخ، وأحضر يزدجرد بن بهرام رجلاً من حكماء عصره كان في أقاصي مملكته آخذاً من أخلاقهم ومقتبس الرأي منه يسوس به رعيته، فقال له يزدجرد وقد مثل بين يديه: أيها الحكيم الفاضل، ما صَلَاح الملك؟ فقال: الرفق بالرعية، وأخذ الحق منهم من غير مشقة، والتودد إليهم بالعدل، وأمن السبل، وإنصاف المظلوم من الظالم، قال:َ فما صلاح أمر الملك. فقال: وزراؤه وأعوانه فإنهم إن صلحوا صلح، وإن فسحوا فسد، وقال له يزدجرد: إن الناس قد أكثروا في أسباب الفتن، فصف لي ما الذي يَشُبها وينشئها، وما الذي يسكنها ويدفنها، قال: يَشُبها ضغائن وينشئها جرأة عامة ولدها استخفاف بخاصة، وأكدها انبساط الألسن بضمائر القلوب، وإشفاق موسر، وأمل مُعْسِر، وغفلة ملتذ، ويقظه محروم، والذي يسكنها أخذ العُدَة لما يُخَاف قبل حلوله، وإيثار الجد حين يلتذ الهزل، والعمل بالحزم في الغضب والرضا.ثم ملك بعده هرمز بن يزدجرد، فنازعه أخوه فيروز، فقتله ووليَ الملك، وهو فيروز بن يزدجرد بن بهرام، وكان ملك فيروز إلىِ أن هلك على يدي ملك الهياطلة أخشنواز بمرو الروذ من بلاد حراسان سبعاَ وعشرين سنة، والهياطلة هم الصغد، وهم بين بخارى وسمرقند.ثم ملك بلاس بن فيروز الملك، وكان ملكه أربع سنين.
ثم ملك قباذ بن فيروز، وفي أيامه ظهر مزدك الزنديق، وإليه تضاف المزدكيه، وله أخبار مع قباذ، وما أحدثه في العامة من النواميس والحيل إلى أن قتله أنوشروان في ملكه، وكان ملك قباذ إلى أن هلك ثلاثاً وأربعين سنة.
أنو شروان
ثم ملك. بعده ولده أنوشروان بن قباذ بن فيروز ثمانياً وأربعين سنة، وقيل: سبعاً وأربعين سنة وثمانية أشهر، وقد كان قياذ خلع من ملكه وأجلس بدله أخ له يقال له جاماسب نحواً من سنتين، لأمر كان من مَزْدك وأصحابه، فظاهر أنوشروان بزرجمهر بن سرحو حتى أعيد قباذ إلى ملكه في خبر طويل، ولما ملك أنوشروان قتل مزدك وأتبعه بثمانين ألفاً من أصحابه، وذلك بين حادر والنهروان من أرض العراق، فسمي من ذلك اليوم أنوشروان، وتفسير ذلك جديد الملوك، وجمع أهل مملكته على دين المجوسية، ومنعهم النظر والخلاف والحجاج في الملل، وسار نحو الباب والأبواب وجبل القبخ لما كان من غارات من هنالك من الملوك على بلاده، فبنى السور في البحر على أزقاق البقر المنفوخة بالصخر والحديد والرصاص، فكلما ارتفع البناء نزلت تلك الأزقاق إلى أن استقرت في قَرَار البحر، وقد ارتفع السور على الماء، وغاصت الرجال حينئذ بالخناجر والسكاكين إلى تلك الأزقاق فشقتها، وتمكن السور على وجه الماء في قرار البحر، وهو باقٍ إلى وقتنا هذا، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، ويسمى هذا الموضع من السور في البحر الصد مانعاً للمراكب في البحر إن وردت من بعض الأعداء، ثم مد السور في البر ما بين جبل القبخ والبحر، وجعل فيه الأبواب مما يلي الكفار، ثم مد السورعلى جبل القبخ على ما
(1/115)

قدمنا فيما سلف من الكتاب عند ذكرنا لأخبار جبل القبخ والباب، وكان لأنوشروان خبر مع ملوك الخزر إلى أن تأتى له هذا البناء، وقيل: إنه بنر ذلك بالرهبة وإذعان من هناك من الأمم له.وانصرف أنوشروان إلى العراق، ووفدت عليه رسل الملوك وهداياها والوفود من الممالك، وكان فيمن وفد إليه رسول لملك الروم قيصر بهدايا وألطاف، فنظر الرسول إلى إيوانه وحسن بنيانه واعوجاج في ميدانه. فقال: كان يحتاج هذا الصحن أن يكون مربعاً، فقيل له: إن عجوز لها منزل من جانب الأعوجاج منه، وإن الملك أرادها على بيعه. وأرغبها، فأبَتْ، فلم يكرها الملك، وبقي الاعوجاج من ذلك على ما ترى، فقال الرومي: هذا الاعوجاج الان أحسن من الاستواء.وسار أنوشروان في بلاده، ودار مملكته، فأحكم البنيان، وشيد القلاع والحصون، ورتب الرجال وغدر بقيصر، فسار نحو الجزيرة، فافتتح ما هنالك من المدن، وانتهى إلى الفرات فعبر إلى الشام فافتتح بها المدن، وكان مما افتتح بلاد حلب وَقِنَّسْرِين وحمص وفامية، وهي بين أنطاكية وحمص، وسار إلى أنطاكية وحاصرها، وفيها ابن أخِتِ لقيصر فافتتحها، وافتتح مدينة عظيمة كثيرة العمران عجيبة البنيان كانت في ساحل أنطاكية رسومها بينة إلى هذه الغاية، وأثرها قائم، تدعى سَلُوقية، وأقبل يفتتح المدائن بالشام وأرض الروم، ويغنم الغنائم والجواهر والأموال وَبَذَل السيف، وبث عساكره وسراياه، فهادنه قيصر، وحمل إليه الخراج والجزية، فقبل ذلك منه، ونقل من الشام المرمر والرخام وأنواع الفسيفساء والأحجار، والفسيفساء: هي شيء يطبخ من الزجاج والأحجار ذو بهجة وألوان يدخل فيما فرش من الأرض والبنيان كالفصوص، ومنه على هيئة الجامات شاف، وحمل ذلك إلى العراق، فبنى مدينة نحو المدائن وسماها برومية، وجعل ببيانها وما داخَلَ سورها بما ذكرنا من أنواع الأحجار، يحكي بذلك أنطاكية وغيرها من المدن في الشام، وهذه المدينة سورها من طين قائم إلى هذا الوقت خراب، وباقٍ يعرف بما ذكرنا، وَزوَجه خاقان ملك الترك بابنته وابنة أخيه، وهادنته ملوك السند والهند والشمال والجنوب وسائر الممالك، وحملت إليه الهدايا، ووفدت إليه الوفود خوفاً من صولته وكثرة جنوده وعظم مملكته، ولما ظهرمن فعله بالممالك، وقتله الملوك، وانقياده إلى العدل، وكتب إليه ملك الصين: من فغفور ملك الصين صاحب قصر الدر والجوهر، الذي يجري في قصره نهران يسقيان العود والكافور الذي توجد رائحته على فرسخين، والذي تخدمه بنات ألف ملك، والذي في مربطه ألف فيل أبيض إلى أخبه كسرى أنو شروان، وأهدى إليه فرساً من در منضداً، عينا الفارس والفرس من ياقوت أحمر، وقائم سيفه من زمرد منضد بالجوهر، وثوب حرير صيني عسجدي فيه صورة الملك جالساً في أيوانه، وعليه حليته وتاجه، وعلى رأسه الخدم، وبأيديهم المذابُّ، والصورة منسوجة بالذهب، وأرض الثوب لازورد، في سفط من ذهب، تحمله جارية تغيب في شعرها، تتلألأ جمالَاَ، وغير ما ذكرنا من عجائب ما يحمل من أرض الصين وتهديه الملوك إلى أكْفائها، وكتب إليه ملك الهند: من ملك الهند، وعظيم أراكنه المشرق وصاحب قصر الذهب وأبواب الياقوت والدر. إلى أخيه ملك فارس وصاحب التاج والراية كسرى أنو شروان، وأهدى إليه ألف مَنً من عود هندي يذوب في النار كالشمع، ويختم عليه كما يختمِ على الشمع فتبين فيه الكتابة، وجاما من الياقوت الأحمر فتحه شبر مملوءاَ دراً، وعشرة أمنان كافور كالفستق وأكبر من ذلك، وجارية طولها سبعة أذرع تضرب أشفار عينيها خدها، وكأن بين أجفانها لمعان الرق من بياض مقلتيها مع صفاء لونها ودقة تخطيطها وإتقان تشكيلها مقرونة الحاجبين لها ضفائر تجرها وفرشاً من جلود الحيات ألين من الحرير وأحسن من الوَشْي، وكان كتابه في لحاء الشجر المعروف بالكاذي، مكتوب بالذهب الأحمر، وهذا الشجر يكون بأرض الهند والصين، وهو نوع من النبات عجيب ذو لون حسن وريح طيب، لحاؤهُ أرق من الورق الصيني، تتكاتب فيه ملوك الصين والهند.وورد عليه وهو في عسكره محارباً لبعض أعدائه كتاب ملك التبت:من خاقان ملك تبت ومشارق الأرض المتاخمة للصين والهند إلى أخيه المحمود في السيرة والقدر، ملك المملكة المتوسطة للأقاليم السبعة. وأهدى إليه أنواعاً من العجائب التي تحمل من أرض تبت منها مائة جوشن تبتية، ومائة قطعة تجافيف، ومائة ترس تبتية
(1/116)

مذهبة، وأربعة آلاف منٍّ من المسك الخزائني في نوافج غزلانه.وقد كان أنو شروان سار إلى ماوراء نهر بَلْخَ، وانتهى إلى ختلان، وقتل أخشنواز ملك الهياطلة بجده فيروز، وملك مملكته فأضافها إلى مُلْكه.مذهبة، وأربعة آلاف منٍّ من المسك الخزائني في نوافج غزلانه.وقد كان أنو شروان سار إلى ماوراء نهر بَلْخَ، وانتهى إلى ختلان، وقتل أخشنواز ملك الهياطلة بجده فيروز، وملك مملكته فأضافها إلى مُلْكه.
وقد كان نقل إليه من الهند كتاب كليلة وثمنة والشطرنج، والخضاب الأسود المعروف بالهندي، وهو الخضاب الذي يلمع سواده فيما يظهرمن أصول الشعر سنة كاملة بصبغة سوداء، ولا ينصل منه شيء. ويحكي أن هشام بن عبد الملك بن مروان كان يخضب بهذا الخضاب.
وكان لأنو شروان مائدة من الذهب عظيمة عليها أنواع من الجواهر مكتوب عليها من جوانبها: ليهنه طعامه مَنْ أكله من حِلِّه، وعاد على ذوي الحاجة من فضله، ما أكلته وأنت تشتهيه فقد أكلته، وما أكلته وأنت لا تشتهيه فقد أكلك، وكان له خواتم أربعة: خاتم للخراج فصه من العقيق ونقشه العدل، وخاتم للضياع فصه فيروزج نقْشه العمارة، وخاتم للمعونة فصه ياقوت كحلي نقشه التأني، وخاتم للبريد فصه ياقوت أحمر يتقد كالنار نقشه الرجاء، وَوَضع أنو شروان على العراق وضائع الخراج فألزم كل جريب من السواد من مزارع الحنطة والشعير درهماً، والأرز نصفاً وثلثاً، ولكل أربع نخلات فارسية ثرهماً، وكل ست نخلات دقل درهماً، وكل ست أصول زيتون درهماً، والكرم ثمانية دراهم، والرطب سبعة دراهم، فهذه سبعة أنواع من الغلات، وترك ما عداها إذ كانت لقضم الناس والبهائم، وكان أنو شروان يدعى كسرى الخير، وقد ذكرته الشعراء في أشعارها، ففي ذلك يقول عدي بن زيد العبادي من كلمة:
أين كسرى خير الملوك أنوشرو ... ان؟ أم أين قبله سابور؟
لم يَهَبْه ريب المنون، فولّى الملك عنه، فبابه مهجور
حين ولِّوْا كأنهم ورق جف فألْوَتْ به الصبا والدبور
(1/117)

وجلس أنوشروان يوماً للحكماء ليأخذ من آدابهم فقال لهم وقد أخذوا مراتبهم في مجلسه: دُلُّوني على حكمة فيها منفعة لخاصة نفسي وعأمة رعيتي، فتكلم كل واحد منهم بما حَضَره من الرأي، وأنو شروان مطرق يتفكر في أقاويلهم، فانتهى القول إلى بزرجمهر بن البختكان، فقال أيها الملك أنا جامع لك ذلك في اثنتي عشرة كلمة، فقال: هات، فقال: أولهن تقوى الله في الشهوة والرغبة والرهبة والغضب والهوى، فاجعل ما عرض من ذلك كله للّه لا للناس، والثانية الصدق في القول والعمل والوفاء بالعِدَاتِ والشروط والعهود والمواثيق، والثالثة مَشُورة العلماء فيما يحدث من الأمور، والرابعة إكرام العلماء والأشراف وأهل الثغور والقواد والكُتَّاب والخول بقدر منازلهم، والخامسة التعهد للقُضَاة والفحص عن العمال محاسبة عادلة، ومجازاة المحسن منهم بإحسانه والمسيء على إساءته، ؤالسادسة تعهد أهل السجون بالعَرْض لهم في الأيام لتستوثق من المسيء وتطلق البريء، والسابعة تعهُّد سبيل الناس وأسواقهم وأسعارهم وتجارتهم، والثامنة حسن تأديب الرعية على الجرائم وإقأمة الحدود، والتاسعة إعداد السلاح وجميع آلات الحرب، والعاشرة إكرام الولد والأهل والأقارب وتفقد ما يصلحهم، والحادية عشرة إذكاء العيون في الثغور ليعلم ما يتخوف فيؤخذ له أهبته قبل هجومه، والثانية عشرة تفقد الوزراء والخول والاستبدال بذي الغش والعجز عنهم، فأمر أنوشروان أن يكتب هذا الكلام بالذهب، وقال: هذا كلام فيه جوامع أنواع السياسات الملوكية.وكان مما حفظ من كلام أنوشروان وحكمته أنه سثل: ما أعظم الكنوز قدراً، وأنفعها عند الاحتياج إليها؟ فقال:معروف أودعته الأحرار، وعلم تورِثه الأعقاب.وقيل لأنو شروان: مَنْ أطول الناس عمراً؟ فقال: من كثر علمه فتأدب به من بعده أومعروفه فيشرف به عقبه.وأنو شروان الذي يقول: الِإنعام لِقَاحٌ، والشكر ولادة، والمنعم هو الجاعل. للشاكر إلى شكره سبيلاً.وهو الذي يقول: لا تعدنَّ الحرصاء في الأمناء، ولا الكذابين في الأحرا ر.وقال أنوشروان يوماً لبزرجمهر: مَنْ يصلح من ولدي للملك فأظهر ترشيحه والإيماء إليه، فقال:لا أعرف ولدك، ولكني أصف لك من يصلح للملك: أسماهم للمعالي، وأطلبهم للأدب، وأنجزعهم من العامة، وأرأفهم بالرعية، وأوصلهم للرحم، وأبعدهم من الظلم فمن كانت هذه صفته فهوحقيق بالملك.قال االمسعودي: وقد ذكرنا في كتاب الزلف، الخصالَ التي يستحق بها المُلْكَ مَنْ وجدت فيه، وما ذكرنا عن حكماء الفرس وأسلافها في ذلك وغيرها من حكماء اليونانيين كأفلاطون، وما ذكره في كتاب السياسة المدنية وغيره ممن تأخرعن عصره.وذكر عن بزرجمهر أنه قال: رأيت من أنو شروان خصلتين متباينتين لم أر مثلهما منه؟ جلس يوماً للناس فدخل رجل من خاصة أهله فنَحّاه وزيره، فأمر به أن يقام ويحجب عنه سنة لتعديه المرتبة التي رسمت له، وازدياده فيها عن مرتبة غيره في المجلس، ثم رأيته يوماً ونحن عنده في سر من تدبير شيء من المملكة، وَخَدمُه خلف فراشه وسريرملكه يتحدثون، فارتفعت أصواتهم حتى شغلونا عن بعض ما كنا فيه، فقلت له وأخبرته بتفاوت ما بين الحالتين، فقال لي: لا تعجب فنحن ملوك على رعيتنا، وخدمنا ملوك على أرواحنا ينالون منا في خَلوتنا مالا حيلة لنا معه في الحرز منهم وكان أنو شروان يقول: الملك بالجند، والجند بالمال، والمال بالخراج، والخراج بالعمارة، والعمارة بالعدل، والعدل بإصلاح العمال، وإصلاح العمال باستقامة الوزراء، ورأس الكل تفقُّد الملك أمورَ نفسه واقتداره على تأديبها حتى يملكها ولا تملكه.وكان يقول: صلاح أمر الرعية أنْصَرُ من كثرة الجنود، وعدل الملك أنفع من خصب الزمان.وكان يقول: أيام السرور كلمح البصر، وأيام الحزن تكاد تكون شهوراً.قال االمسعودي: ولأنو شروان سير وأخبار حسان، قد أتينا على ذكرها فيما سلف من كتبنا، وما كان منه في مسيره في سائر أسفاره، وما بني من المدن والحصون، ورتب من المَقاتلة في الثغور.
ملك هرمز
(1/118)

ثم ملك بعده هرمز بن أنوشروان بن قباذ، وأمه فاقم بنت خاقان ملك الترك، وقيل: بل ملك ملوك الخزر مما يلي الباب والأبواب، فكان ملكه اثنتي عشرة سنة، وكان متحاملًا على خواص الناس، مائلاً إلى عوامهم مقوياً لهم. مؤثراً للروبصية، وتوابع العوام، مغرياً لهم بخواص الناس، وقيل: إنه قتل في مدة ملكه من خواص فارس ثلاثة عشر ألف رجل مذكور.
ولاثنتي عشرة سنة من ملكه تَخَرم عليه الملك، وتداعت أركانه،وزحفت إليه الأعداء، وكثرت عليه الخوارج، وقد كان أزال أحكام الموابذان. فخربت بذلك السنة المحمودة والشريعة المعهودة، وغير الأحكام، وأزال الرسوم، وكان ممن سار إليه سابة بن شب عظيم من ملوك الترك في أربعمائة ألف، فنزل نحو بلاد هَرَاة وبدغيس وبوشنج من أرض خراسان، وسار إليه من أطارف أرضه طراخنة من الخزر في جيش عظيم، فشنوا الغارات فيما بين ذلك الصقع بخيل أوقعت، وملوك تهادنت، وتواهبت ما كان بينها من الحماء مما يلي جبل القبخ، وسار بَطْريق لقيصر في ثمانين ألفاَ مما يلي الجزيرة، وسار مما يلي اليمن جيش عظيم للعرب من قحطان ومعد، وعليهم العباس المعروف بالأحول وعمرو الأفوه، فاضطرب على هرمز أمره وأحضر الموابذة وذوي الرأي منهم من بعد إخماله لهم وشاوَرَهم، فكان من نتيجة رأيهم موادعة الوجوه الثلاثة وإرضاؤهم والإِقبال على شابة بن شاب، فانتدب لحربه بهرام جوبين مرزبان الري، وكان بهرام هذا من ولد جوبين بن ميلاد من نسل أنوش المعروف بالرام فسار في اثني عشر ألفاً، وشابة في أربعمائة ألف، فكانت لبهرام معه خطوب ومراسلات من ترغيب وترهيب وحيل في الحرب، إلى أن قتله بهرام، واستباح عسكره، واستولى على خزانته وأمواله، وبعث إلى هرمز برأسه، وقد كان برمودة بن شابة ولده تحصن في بعض القلاع من بهرام، فنزل عليه بهرام، فنزل برمودة على حكم هرمز، وسار إليه، وحمل بهرام حملًا من الغنائم وما كان أخذه من شابة مما كان معه من تركات الملوك، مثل ما كان في خزائن فراسياب من الأموال الجواهر التي كان أخذها من سياوخش، وما كان بأيدي الترك من تركات بهراسف ملك الترك مما أخذه من خزائن يستاسف من مدينة بلخ وغيرها من ذخائر ملوك الترك السالفة، فلما انتهى ما وصفنا من الأموال والجواهر وغير ذلك من الغنائم من قبل بهرام حسده وزير هرمز أريخسيس الخوري، وقد نظر إلى إعجاب هرمز بما حمل إليه بهرام وسروره به، فقال: أعظم هذه زلته، وعرض لهرمز بخيانة بهرام، واستبداده بأكثر الجواهر والأموال والغنائم، وأغراه به، فعصاه بهرام، ثم احتال بهرام بدراهم ضرب عليها اسم كسرى أبرويز، ودَسَّ أناساً من التجار فأنفقوها بباب هرمز، فتعامل بها الناس، وكثرت في أيديهم، وعلم بها هرمز، فلم يشك في أن أبرويز ضربها طلباً للملك، فهمَّ به هرمز وهولا يشك أن ذلك من فعله، ولم يعلم أن الحيلة في ذلك من بهرام، فهرب أبرويز من أبيه لتغيره عليه، ولحق ببلاد أذربيجان وأرمينية والران والبيلقان، وحبس هرمز خالي أبرويز بسطام وبندويه، فأعملا الحيلة في محبسهما وخرجا فانضاف إليهما خلق من الجيش فدخلا على هرمز فسَملَا عينيه وأعمياه،. فلما نمي ذلك إلى أبرويز سار إلى أبيه فدخل عليه وأخبره أنه لا ذنب له في ذلك، وإنما هرب خوفاً على نفسه منه، فتَوَّجه هرمز وسلَّم الملك إليه، ونمي ذلك إلى بهرام جوبين فسار في عساكره يؤم الباب ودار الملك، فخرج إليه أبرويز، فالتقَيَا على شاطىء النهروان، والنهر بينهما، فتواقعا، وكان لهما خطب طويل من تقاذف وتشاتم، ثم كانت بينهما حروب انكشف فيها أبرويز لتخلف أصحاب عنه وميلهم إلى بهرام، فقام تحته فرسه المعروف بشبدار وهو المصور في الجبل، وهو ببلاد قرماسين من أعمال الدينور من ماء الكوفة هو وأبرويز وغير ذلك من الصور، وهذا الموضع من إحور عجائب العالم، وغرائب ما فيه من الصور العجيبة المنقورة في الصخر، والفرْسُ تذكر في أشعارها وغيرها من العرب هذا الفرَسَ المعروف بشبدار، وقد كان أبرويز على شبدار في بعض الأيام فانقطع عِنَانُه، فدعا بصاحب سروجه ولجمه، فأراد ضرب عنقه لما لم يتعهد العِنَانَ، فقال: أيها الملك، ما بقي سير
(1/119)

يحيد به ملك الِإنس وملك الخيل، فأطلقه، وأجازه، ولما بلح هذا الفرس تحت أبرويز وقصر طلب إلى النعمان في المعركة أن يمن عليه بفرسه المعروف باليحموم، فأبى عليه، ونجا عليه بنفسه، ونظر حسان بن حنظلة بن حية الطائي إلى أبرويز وقد خانته الرجال وأشرف على الهلاك، فأعطاه فرسه المعروف بالصبيب، وقال له: أيها الملك، انج على فرسي فإن حياتك للناس خير من حياتي، وأعطاه أبرويز فرسه شبدار فنجا عليه في جملة الناس، ومضى أبرويز إلى أبيه؟ ففي ذلك يقول حسان بن حنظلة الطائي:
وأعطيت كسرى ما أراد، ولم أكن ... لأتركه في الخيل يعثرراجلا
بذلْتُ له ظهر الصبيب وقد بدت ... مُسَوَّمة من خيل ترك ووائل
فكافأه أبرويز بعد ذلك، وعرف له ما صنع، ولما سار أبرويز من الهزيمة إلى أبيه هرمز أشار عليه أن يلحق بقيصر ويستنجده فإن الملوك إذا استُنْجِدت في مثل هذه الحالة أنجدت، في خطب طويل جرى بينه وبين أبيه، فمضى أبرويز وتبعه غيره من الخواص،وخالاه بسطام وبندويه، وعَبَرَ دجلة، وقطع الجسر خوفاً من خيل بهرام، ونظرفي مسيره ذلك اليوم إلى خالَيْهِ، وقد تأخرا عنه، فاستراب بهما وبمن أنضاف إليهما ممن كان معهم، فسألهما عن السبب، فقالا: لسنا بآمنين أن يدخل بهرام إلى أبيك هرمز فيضع تاج المملكة على رأسه، وإن كان أعمى، ويصير هو الهرمزان، وتفسير ذلك أمير الأمراء، والروم تسمي صاحب هذه الموتبة الدمستق، فيكتب بهرام عن أبيك هرمز إلى قيصر: إن ابني أبرويز وجماعة انضافوا إليه وثبوا بي وسملوا عيني، فاحمله إلي، فيحملنا قيصر إليه، فيأتي علينا بهرام، ولا بد لنا من الرجوع إلى أبيك وقتله، فناشدهماالله أن لا يفعلا ذلك، وأظهر فيما ذكر عنه، البراءة من فعلهما، فرجعا من فورهما، وَمَنْ تسرَّع معهما إلى المدائن وقد صاروا على أميال منها فدخلا على هرمز فخنقناه، ولحقا بأبرويز، ولحقتهم خيل بهرام، وكانت بينهم حملة في بعض الديارات إلى أن تخلصوا من تلك الخيل، وسار أبرويز ففي هرمز يقول ورقة بن نوفل :
لم يغن هرمز شيء من خزائنه ... والخلد قد حاولت عادٌ فما خَلَدوا
ولا سليمان إذ تجري الرياح له ... والجن والإِنس تجري بينها البُرد
(1/120)

وأسرع بهرام جوبين إلى المدائن من النهروان، حين بلغه قتل هرمز فاحتوى على الملك، ولحق أبرويز بالرها فنزلها، وكاتب ملك الروم، و موريقس مع خاله بسطام وجماعة ممن كانوا معه، يسأله النصرة علىعدوه، ويضمن له الوفاء بما ينفقه من أمواله، والِإحسان إلى جنده، وأنه يؤدي إليه ديات مَنْ يقتل من رجاله، وغير ذلك من الشروط، وأهدى إليه هدايا كثيرة: منها مائة غلام من أبناء أراكنة الترك في نهاية الحسه والجمال واستقامة الصور، في آذانهم أقراط الذهب فيها الدر واللؤلؤ ومائدة من العنبر فتْحَها ثلاثة أذرع على ثلاث قوائم من الذهب مفصلة بأنواع الجواهر أحد الأرجل ساعد وكف أسد والآخر ساق وَعِلٍ بظلفة والثالث كف عقاب بمخلبه، وفي وسطها جام جزع يماني فاخر فتْحته شبر مملوء حجارة ياقوت أحمر، وسفط من ذهب فيه مائة درة وزنُ كل درة مثقال أرفع ما يكون، فحمل إليه موريقس ملك الروم ألف دينار، ومائة ألف فارس، بعث بهم مع هديته، وألف ثوب من الديباج الخزائني المنسوج بالذهب الأحمر وغيره من الألوان، وعشرين ومائة جارية من بنات ملوك برجان والجلالقة والصقالبة والوسكنس وغيرهم من الأجناس المجاورة لملك الروم على رؤوسهن أكاليل الجوهر،وزَوَّجه بابنته مارية وحملها إليه مع أخيه تندوس، واشترط ملك الروم على أبرويز شروطاً كثيرة: منها النزول عن الشام ومصر مما كان غلب عليه أنوشروان، وترك التعرض ذلك، فأجابه إلى ذلك، وقد كانت ملوك الفرس تتزوج إلى سائر مَنْ جاورها من ملوك الأمم ولا تزوجها لأنهم أحرار وأنجاد، وللفرس في هذا خطب طويل كفعل قريش وتركها السنن وتحمسها؟ فكانوا يقفون بمزدلفة، هو يوم الحج الأكبر، ويقولون: نحن الْحُمْسُ، وقد قالى النبي صلى الله عليه وسلم للأنصارأنا رجل أحْمَسِيٌّ ولما اجتمع لأبرويز ما وصفنا سار إلى بلاد أذر بيجان، فاجتمع إليه هناك من كان من العساكر بها، وانضاف إليه كثيرمن الجنود والأمم، وبلغ بهرام جوبين ما قد عزم عليه فسار إليه فيمن كان معه من عساكره، فالتقى الجيشان جميعاً، فتوجهت على بهرام، فانكشف في نفر من أصحابه، وانتهى إلى أطراف خراسان، وكاتب خاقان ملك الترك فأمنه وسار إلى ملكه هو ومن خَف معه من أصحابه وأخته كردية، وكانت في الشجاعة والفروسية نحوه، وعليها كان يعول في كثير من حروبه، ومضى كسرى أبرويز إلى دار مملكته، وأمر لجنود موريقس بالأموال والمراكب والكساوي، وكافأهم على ما كان منهم في معونته، جمل إليه ألفي دينار؛ وَقَرَنَ ذلك بهدايا كثيرة وأموال عظيمة من آلات الذهب والفضة، ووفى له بكل ما وعده، وخرج من كل ما أوجبه على نفسه، واحتال أبرويز في قتل بهرام في أرض الترك، فقتل هناك غِيلَةً، في ذكز أن رأسه حمل بعد أن احتيل عليه وأخرجه من الناووس الذي كان خاقان ملك الترك دفنه فيه، وحمله إليه رجل تاجرفارسي فنصب على باب أبرويز في رحبة قصره، وخرجت كردية فيمن كان معها من أصحاب بهرام من أرض الترك، وقد كان لها أخبار في الطريق مع ابن خاقان، وكاتبها أبرويز في قتل خاله بسطام، وكان مرزبان الديلم وخراسان فقتله، وقتل خاله الآخر بأبيه هرمز، ثم صارت كردية إليه فتزوجها.وللفرس كتاب مفرد في أخبار يهرام جوبين، وما كان من مكايده ببلاد الترك حين سار إليها، واستنقافه لابنه ملك الترك من حيوان اسمه السمع نحو العنز الكبير كان قد احتملها من بين جواريها وعلابها وقد خرجت لبعض متنزهاتها، وما كان من بَدء حاله إلى مقتله ونسبه.
بين أبرويز وبزرجمهر
(1/121)

وكان وزير أبرويز، والغالب عليه، والمدبر لأمره حكيمٌ من حكماء الفرس وهو بزرجمهر بن البختكان، فلما خلا من ملكه ثلاث عشرة سنة اتهمه بالميل إلى بعضر الزنادقة من الثَّنَوِية، فأمر بحبسه، وكتب إليه: كان من ثمرة علمك ونتيجة مِا أداك إليه عقلك، أن صرت أهلًا للقتل. وموضعاً للعقوبة، فكتب إليه بزرجمهر: أما إذ كان معي الجد فقد كنت أنتفع بثمرة عقلي، فاللآن إذ لا جَدَّ معي فقد أنتفع بثمرة الصبر، وإذ قد فقدت كثير الخير فقد استرحت من كثير من الشر، وأغرى أبرويز ببزرجمهر، فدعا به، وأمر بكسر أنفه وفمه، فقال بزرجمهر: فمي لأهل لما هو شر من هذا، فقال أبرويز: ولم يا عدو اللّه المخالف. فقال لأني كنت أصِفكَ لخواص الناس وعوامهم بما ليس فيك، وأقربك مل قلوبهم، وأرفع من محاسن أمورك ما لم تكن عليه، اسمع مني يا شر الملوك نفساً، وأخبثهم فعلًا، وأسوأهم عشرة، أتقتلني بالشك وترفع به اليقين الذي قد علمته مني من التمسك بالشريعة؟ من ذا الذيى يرجوعدلك يثق بقولك ويطمئن إليك. فغضب أبرويز، وأمر به فضرب عنقه، ولبزرجمهر في أيدي الناس قضايا وحكم ومواعظ وكلام كثير في الزهد غيره، وندم أبرويز على قتله، وتأسف، ودعا بخير اريس الوزير الثاني، كانت مرتبته دون مرتبة بزرجمهر، فلما رأى بزرجمهر قتيلاً أسف عليه، علم أنه لا ينجو، فأغلظ لأبرويز في الكلام، فأمر به فقتل وأغرق في دجلة، فلما عدم هذين الرجلين وما كان عليه من الكفاية وتدبير الملك استوحش من شريعة العدل وواضحة الحق فعدل إلى الجور والعَسْف بخواص رعيته وعوامها، وحملها على ما لم تكن تعهد، وأوردهم إلى ما لم يكونوا يعرفونه من الظلم، فوثب بطريق من بطارقة الروم يقال له فوقاس فيمن اتبعه على موريقس ملك الروم حَمِي أبرويز ومنجده فقتلوه، ومَلَّكوا فوقاس، ونمى ذلك إلى أبرويز فغضب لحميه، وسير إلى الروم الجيوش كانت له في ذلك أخبار يطول ذكرها، وسير شهريار مرزبان المغرب إلى حرب الروم، فنزل أنطاكية، فكانت له مع الروم وأبرويز أخبار ومكاتبات حيل إلى أن خرج ملك الروم إلى حرب شهريار، وقدم خزائنه في البحر،ألف مركب، فألقتها الريح إلى ساحل أنطاكية، فغنمها شهريار، حملها إلى أبرويز، فسميت خزائن الريح، ثم فسدت الحال بين أبرويز وشهريار، ومايل شهريار ملك الروم، فسيره شهريار نحو العراق إلى أن انتهى إلى النهروان، فاحتال أبرويز في كتب كتبها مع بعض أساقفة النصرانية ممن كان في ذمته حتى رده إلى القسطنطينية وأفسد الحال بينه بين شهريار، وغير ذلك مما قد أتينا على ذكره في الكتاب الأوسط.
يوم ذي قار
وفي ملك أبرويز كانت حروب ذي قار، وهو اليوم الذي قال فيهالنبي صلى الله عليه وسلم هذا أوَل يوم انتصفت فيه العرب من العجم، ونُصِرَتْ عليهم، وكانت وقعة ذي قار لتمام أربعين سنة من مولد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهو بمكة بعد أن بعث، وقيل: بعد أن هاجر، وفي رواية أخرى أنها كانت بعد وقعة بحر بأشهر، ورسول اللّه صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وكانت هذه الوقعة بين بكر بن وائل والهرمزان صاحب كسرى أبرويز، وقد أتينا على هذه الأخبار على الشرح والِإيضاح في الكتاب الأوسط، فأغنى ذلك عن إيراده في هذا الموضع.
إرهاصات النبوة ببلاد فارس
(1/122)

وفي أيام أبرويز كانت حوادث تنذر بالنبوة وتبشر بالرسالة، وأنفذ أبرويز عبد المسيح بن بقيلة الغساني إلى سطيح الكاهن، فأخبره برؤيا الموبذان وارتجاج الِإيوان، وغير ذلك من أخبار فيض، وادي السماوة وما كان من بحيرة ساوة.وكان لأبرويز تسعة خواتم تمور في أمر الملك: منها خاتم فضة فصُّه ياقوت أحمر نقشه صورة الملك وحوله مكتوب صفة الملك وحلقته ماس تُخْتم به الرسائل والسجلات، والخاتم الثاني فصه عقيق نقشه خراسان حرة وحلقته ذهب تختم به !التذكرات، والخاتم الثالث فصُّه جزع نقشه فارس يركض وحلقته ذهب منقوش فيه الْوَحَا يختم به أجوبة البريد، والخاتم الرابع فصه ياقوت مورد نَقْشُه بالمال ينال الفرح وحلقته ذهب يختم به البراوات والكتب في التجاوز عن العصاة والمذنبين، والخاتم الخامس فصه ياقوت بهرمان، وهو أحسن ما يكون من الحمرة وأصفاها وأشرفها، نقشه حره وخرم أي بهجة وسعادة حافتاه لؤلؤ وماس، يختم به خزائن الجوهر وبيت مال الخاصة وخزانة الكسوة وخزانة الحلي، والخاتم السادس نقشه عقاب يختم به كتب الملوك إلى الآفاق وفصه حديد حبشي، والخاتم السابع نقشه ذباب يختم به الأدوية والأطعمة والطيب فصه بادزهر، والخاتم الثامن فصه جُمَان نقشه رأس خنزير يختم به أعناق من يؤمر بقتله وما ينفذ من الكتب في الدماء، والخاتم التاسع حديد يلبسه عند دخول الحمام وفصه ابزن
عدد أبرويز
وكان على مربطه خمسون ألف دابة وسروج ذهب مكلّلة بالدر والجوهر على عدد ما لركابه من الخيل، وكان على مربطه ألف فيل، منها أشهب أشد بياضَاَ من الثلج، ومنها ما ارتفاعه اثتا عشر ذراعاً، وفي النادر ما يوجد من الفيلة الحربية ما ارتفاعه هذا القدر، وأكثر ما يوجد من ارتفاع الفيلة من التسعة الأذرع إلى العشرة، وملوك الهند تبالغ في أثمان ما عظم من الفيلة، وارتفع من الأرض، وقد يكون من الوحشية في أرض الزنج من الفيلة ما هوأعظم سمكاً مما وصفنا بأفرع كثيرة على حسب ما تحمل من قرونها المسماة بالأنياب ما وزن الناب منها خمسون ومائة مَنٍّ إلى المائتين، والمن رطلان بالبغدادي، وعلى قدر عظم الناب عظم جسد الفيل.
تدريب الفيلة
وقد كان أبرويز خرج في بعض الأعياد وقد وصفت له الجيوش والعدد والسلاخ وفيما وصف له ألف فيل، وقد أحدقت به خمسون ألف فارس دون الرجالة، فلما نظرته الفيلة سجدت له فما رفعت رؤوسها وَبَسْطها لخراطيمها حتى جذبت بالمحاجن، وراطنها الفيالون بالهندية، فلما بصر بذلك أبرويز تأسف على ما خص به أهل الهند من فضيلة الفيلة، وقال: ليت أن الفيل لم يكن هندياً وكان فارسياً، انظروا إليها وإلى سائر الدواب وفضلوها بقدر ما ترون من معرفتها وأدبها، وقد افتخرت الهند بالفيلة وعظم أجسامها، وحسن طاعتها، وقبولها الرياضات، وفهمها المزادات، وتمييزها بين الملك وغيره، وأن غيرها من الدواب لا يفهم شيئاً من ذلك ولا يفصل بين شيئين، وسنورد فيما يرد من هذا الكتاب جملاَ من الفصول في أخبار الفيلة وما قالته الهند وغيرهم في ذلك وتفضيلها على سائر الدواب.
شيرويه بن أبرويز
فكانت مدة ملك أبرويز إلى أن خلع وسملت عيناه وقتل ثمانيَاَ وثلاثين سنة ثم ملك بعده ولده قباذ المعروف بشيرويه القابض على أبيه، والجاني عليه، والقاتل له، والفرس تسميه المشؤوم، وفي أيامه كان الطاعون بالعراق وغيرها من الأقاليم، فهلك مائتا ألف من الناس، فالمكثر يقول: هلك نصف الناس، والمقل يقول: الثلث، وكان ملك شيرويه إلى أن هلك سنة وستة أشهر، وقيل: أقل من ذلك.ولكسرى أبرويز ولابنه شيرويه أخبار عجيبة ومراسلات قد أتينا على ذكرها فيما سلف من كتبنا.
أردشير
ثم ملك بعد شيرويه ولده أردشير ولي عهد الملك، وهو ابن سبع سنين، فسار إليه من أنطاكية من بلاد الشام شهريار مرزبان المغرب المقدم ذكره مع أبرويز وملك الروم فقتله، فكان ملكه خمسة أشهر.
شهريار
ثم ملك شهريار نحوا من عشرين يوماً، وقيل: شهرين، وقيل غير ذلك، واغتالته ابنة لكسرى أبرويز يقال لها أرزمي دخت فقتلته.
كسرى
ثم ملك كسرى بن قباذ بن أبرويز، وقيل: إنه ابن لأبرويز، وكان بناحية الترك، فسار يريد دار الملك، فقتل فى الطرلِق بعد ملكه ثلاثة أشهر.
بوران
(1/123)

ثم ملكت بعده بوران بنت كسرى أبرويز، فكان ملكها سنة ونصفا. ثم ملك رجل من أهل بيت الملك من ولد سابوربن يزدجرد الأثيم. يقال له فيروز خشنشده فكان ملكه شهرين.ثم ملكت ابنة لكسرى أبرويز ئقال! لها أرزمي دخت فكان ملكها سنة وأربعة أشهر.ثم ملك فرحاد خسرو بن كسرى أبروبز، وهو طفل، فكانت مدة ملكه شهراً، وقيل أشهراً.
يزدجرد
ثم ملك يزدجرد بن شهريار بن كسرى أبرويز بن هرمز بن أنوشروان بن قباذ بن فيروز بن بهرام بن يزدجر بن سابور بن هرمز بن سابور بن أردشير بن بابك بنساسان. وهو أخر ملوك الساسانية فكان ملكه إلى أن قتل بمرو من بلاد خراسان عشرين سنة وذلك لسبع سنين ونصف خلت من خلافة عثمان بن عفان رضي اللّه عنه. وهي سنة إحدى وثلاثين من الهجرة، وقيل غيرذلك مقدار ملكه وخبر مقتله.
إحصاء بعدة ملوك الفرس
قال المسعودي: وذهب الأكثر من الناس ممن عني بأخبار الفرس وأيامهم إلى أن جميع من ملك من آل ساسان من أردشير بن بابك إلى يزدجرد بن شهريار من الرجال والنساء ثلاثون ملكاً: امرأتان، وثمانية وعشرون رجلاً. ووجدت في بعض التواريخ أن عمد ملوك الساسانية اثنان وثلاثون ملكاً، وعمد الملوك الأولى وهم الفرس الأوَل من كيرمرث إلى دارا بن دارا تسعة عشر ملكاً، منهم امرأة وهي حماية بنت بهمن، وفراسياب التركي، وسبعة عشر رجلًا، وعدد ملوك الطوائف النين قدمنا ذكرهم من مقتل دارا إلى أن ظهر أردشير بن بابك أحد عشر ملكاً. وهم ملوك الشيز والران. ومن أجلهم سمي سائر ملوك الطوائف الأشغان. فجميع الملوك من كيومرث بن آدم وهو أول ملوك بني أدم عندهمِ، على ما ذكرت الفرس إلى يزدجرد بن شهريار بن كسرى ستون ملكاَ: منهم ثلاث نسوة. ومدة ما ملكوا من السنين أربعة آلاف سنة وأربعمائة سنة وخمسون سنة. وقيل: إن عدة الملوك من كيومرث إلى يزدجرد ثمانون ملكاً.
رأيت جماعة من الأخباريين وأصحاب السير وأرباب الكتب المصنفة في التواريخ وغيرها يذهبون إلى أن سني الفرس إلى الهجرة ثلاث آلاف سنة وستمائة وتسعون سنة: منها كيومرث إلى انتقال الملك إلى منوشهر ألف وتسعمائة واثنتان وعشرون سنة. ومن منوشهر إلى زرادشست خمسمائة وثلاث وثمانون سنة. ومن زرِادشت إلى الِإسكندر مائتان وثمان وخمسون سنة، وملك الإسكندر خمس سنينِ. ومن الِإسكندر إلى ملك أردشير خمسمائة سنة وسبع عشرة سنة. ومن أردشير إلى الهجرة أربعمائة سنة وأربع سنين.وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب جملًا من تاريخ العالم والأنبياء والملوك في باب نفرده لذلك في الموضع المستحق له من هذا الكتاب، دون ذكر الهجرة وخلافة أبي بكر و مَنْ تلا عصره من الخلفاء ومن ملوك بني أمية وبني العباس ث لأنا قد أفردنا لما ذكرنا باباً آخريرد من هذا الكتاب بعد إنقضاء أخبار الأمويين والعباسيين ترجمناه بذكر التاريخ الثاني.
أجناس الفرس:
(1/124)

وكانت الفرس من بدء الدهر أربعة أجناس إلى أن جاء اللّه تعالى بالِإسلام فالصنف الأول يُقال له الخداهان وهم الأرباب، كما يُقال: رب المتاع، ورب الدار وذلك من كيومرث إلى أفريدون، ثم الكيان من أفريدون إلى دارا بن دارا. ثم. الأشغان، وهم ملوك الطوائف بعد الِإسكندر على ما ذكرنا في باب ذكر ملوك الطوائف، ثم الساسانية وهم الفرس الثانية، وقد ذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه في أخبار الفرس الذي رواه عن عمر كسرى أن الفرس طبقات أربع ممن سلف وخلف: فالطبقة الأولى من كيومرث إلى كرساسب، والطبقة الثانية من كيان بن كيقباذ إلى الِإسكندر وآخرهم دارا، والطبقة الثالثة وهم الأشغانية ملوك الطوائف، والطبقة الرابعة سماهم ملوك الاجتماع، وهم الساسانية أولهم أردشير بن بابك، ثم سابور بن أردشير، هرمز بن سابور، بهرام بن سابور، بهرام بن بهرام، نرسي بن سابور، هرمز بن نرسي، سابور بن هرمز، أرشير بن هرمز، سابور بن أردشير، سابور بن سابور، بهرام بن سابور، يزدجرد بن بهرام، بهرام بن يزدجرد، فيروز بن يزدجرد، بلاس بن يزدجرد، فباذ بن فيروز، أنو شروان، هرمز أبرويز شيرويه أردشير شهريار بوران كسرى بن قباذ فيروز خشنشده أرزمي دخت فرحاد خسرو يزدجرد.وإنما ذكرنا هؤلاء بعد أن قدمنا ذكرهم فيما سلف من هذا الباب للخلاف الواقع وتباين الروايات والتواريخ في أعدادهم وأسمائهم، فأوردنا ما قاله المتنازعون من الأخباريين. وقد أتينا على أخبارهم وسيرهم ووصاياهم وعهودهم ومكاتباتهم وتوقيعاتهم وكلامهم عند عقد التيجان على رؤوسهم ورسائلهم وسائر ما كان من الحوادث في أعصارهم، وما كوروه من الكور، وأحدثوه من المدن، وغير ذلك من أحوالهم، فيما سلف من كتبنا.وإنما نذكر في هذا الكتاب جوامع من تاريخم وأعداد ملوكهم ولمعاً من أخبارهم، وكذلك ذكرنا في كتابنا في أخبار الزمان خطب الطبقات الأربع، وما حفر كل ملك منهم من الأنهار وانفرد ببنائه من المدن. وآراء الملوك وأحكامها، وكثيراً من قضاياها في خواصها وعوامها، وأنساب أصحاب خيل الملك، ومن كان على خيل كل ملك منهم في الحروب، وأنساب حكمائهم وزهَّادهم ممن اشتهر بذلك في أعصارهم، وأنساب المرازبة، وذكر أولاد الطبقات الأربع ممن تقدم ذكرهم، وتشعب أنسابهم، وتفرق أعقابهم، ووصفنا الأبيات الثلاثة التي شرفها كسرى على سائر مَنْ بسواد العراق وهم مشهورون في أهل السواد إلى وقتنا هذا، وأشراف السواد بعد الأبيات الثلاثة من الشهارجة الذين شرفهم أيرج وجعلهم أشراف السواد ثم الطبقة الثانية بعد الشهارجة وهم الدهاقين وهم ولد وهكرت بن فردال بن سيامك بن نرسي بن كيومرث الملك. وكان لولد وهكرت عشر بنين، فأبناء هؤلاء العشرة هم الدهاقين، وكان وهكرت أول من تَدَهقن. والدهاقين تتفرع على مراتب خمس ومن ذكرنا كانت ملابسهم تختلف على قدر مراتبهم. وقتل يزدجرد الاخر من ملوكهم على حسب ما ذكرنا. وله خمس وثلاثون سنة. وخلف من الولد: بهرام، وفيروز، ومن النساء أدرك. وشاهين، ومرداوند. وأكثر عقبه بمرو، والأكثر من أبناء الملوك وأعقاب الطبقات الأربع بسواد العراق إلى الآن يتدارسون أنسابهم ويحفظون أحسابهم كحفظ العرب من قحطان ونزار، ولا خلاف فيما ذكرنا عند الدراية بماوصفنا.قال المسعوعي: فإذ قد ذكرنا جوامع من أخبار الفرس وطبقاتهم فلنذكر الان ملوك اليونانيين ولمعاً من أخبارهم وتنازع الناس في بدء أنسابهم، على الاختصار والإيجاز، واللّه ولي التوفيق، برحمته ورضوانه.
ذكر ملوك اليونانيين ولمع من أخبارهم
وما قاله الناس في بدء أنساب
اختلاف الناس في أصلهم
(1/125)

قال المسعودى: تنازع الناس في فرق اليونانيين؛ فذهب طائفة من الناس إلى أنهم ينتمون إلى الروم، ويضافون إلى ولد إسحاق، وقالت طائفة اخرى: إن يونان هو ابن يافث بن ينوح، وذهب قوم إلى أنهم من ولد آراش بن ناوان بن يافث بن نوح، وذهب قوم إلى أنهم قبيل متقدم في الزمان الأول، وإنما وهم من وهم أن اليونانين ينسبون إلى حيث تنسب الروم، و ينتمون إلى جدهم إبراهيم لأن الديار كانت مشتركة والمقاطن والمواطن كانت متساوية، وكان القوم قد شاركوا القوم في السجية والمذهب؛ فلذلك غلط من غلط في النسب، وجعل الأب واحداً، وهذا طريق الصواب عند المفتشين، وسبيل البحث عند الباحثين، والروم قَفتْ في لغاتها ووضع كتبها اليونانيين فلم يصلوا إلى كنه فصاحتهم وطلاقة ألسنتهم والروم أنقص في اللسان من اليونانيين، وأضعف في ترتيب الكلام الذي عليه نهج تعبيرهم وسَنَنُ خطابهم.
قال المسعودي: وقد ذكر ذوو العناية بأخبار المتقدمين أن يونان أخو قحطان، وأنه من ولد عابر بن شالخ، وأن أمره في الأنفصال عن دار أخيه كان سبب الشك في الشركة في النسب، وأنه خرج عن أرض اليمن في جماعة من ولده وأهله وَمَنْ انضاف إلى جملته حتى وافى أقاصي بلاد المغرب، فأقام هنالك، وَأنْسَلَ في تلك الديار، واستعجم لسانه، وَوَازى من كان هنالك في اللغة الأعجمية من الإِفرنجة رالروم، فزالت نسبته، وانقطع سببه، وصار منسياً في ديار اليمن غير معروف عند النسابيِن منهم وكان يونان جباراً عظيماً، وسيماً جسيماً، وكان حَسَنَ العقل والخلق جَزْل الرأي، كثير الهمة، عظيم القدر.وقد كان يعقوب بن إسحاق الكندي يذهب في نسب يونان إلى ما ذكرنا من أنه أخٌ لقحطان، ويحتج لذلك بأخبار يذكرها في بدء الأنساب، ويوردها من حديث الآحاد والأفراد، لا من حديث الاستفاضة والكثرة.
وقد رَدَ عليه أبو العباس عبد اللّه بن محمد الناشىء في قصيدة له طويلة، وذكر خَلْطه نسب يونان بقحطان، على حسب ما ذكرنا آنفاً في صدر هذا الباب، فقال:
أبائوسُف، إني نظرت فلم أجد ... عَلَى الفحْص رَاياً صَحَّ منك ولاعقدا
وصرت حكيماً عند قوم إذا امرؤ ... بَلاَهُمْ جميعاً لم يجد عندهم عندا
أتَقْرِنُ إلحاداً بدين محمد؟ ... لقد جئت شيئاً يا أخَا كنده إدا
ولَخلط يونانأبقحطان ضَلةً ... لعمري لقد بَاعَدْتَ بينهماجدا
مساكن يونان
ولما نشأ ولديونان وكثرخرج يسيرفي الأرض يطلب موضعاً يسكنه، فانتهى إلى موضع من الغرب، فنزل بمدينة أثينا، وهي المعروفة بمدينة الحكماء في ديار المغرب في صدر الزمان، وأقام بها هو ومن معه من ولده، فكثر نسله بها وبنى بها البنيان العظيم، إلى أن أدركته الوفاة، فجعل وصيته إلى الأكبر من ولده، واسمه حربيوس، فقال له: يا بني، إني قد وافيت الأجل، وقربصَ من الْحَتْم الواجب، وإني راحل عنك ومفارقك، ومفارق إخواتك وأهل بيتك، وقد كانت أحوالكم حسنة النظام بي، وكنت لكم كَهْفاً في الشدائد، وعوناً على المحن، وَمِجَنّاً من الزمان فعليك بالجود فإنه قطب الملك، ومفتاح السياسة، وباب السيادة، وكن حريصأ على اقتناء الرجال بالِإنعام عليهم تكن سيداً رشيداً، وإياك وَالْحَيَدَ عن الطريق المثلى التي عليها بني العقل، فإن من ترك رأي اللب وثمرة العقل تورّط في المهالك، ووقع في مقابض المتالف.
حربيوس
ثم مات يونان، واستولى ولده حربيوس على مكان أبيه، وضم إليه أهله ووللى وعمل بما أمره ونما خبرهم، وكثر نسلهم، فغلبوا على ديار المغرب من بلاد الِإفرنجة والنوكبرد، وأجناس الأمم من الصقالبة وغيرهم.
فيلبس
(1/126)

وكان أول ملوكهم ممن سماه بطليموس في كتابه: فيلبس، وتفسيره محب الفرس، وقيل: إن اسمه يابس، وقيل: فيلقوس، وكانت مدة ملكه سبع سنين.وقد قيل: إن اليونانيين لما أن سار البخت نصر من ديار المشرق نحو الشام ومصر والمغرب وبذل السيف كانوا يؤدون الطاعة ويحملون الخراجِ إلى فارس، وكان خراجهم بيضاً من ذهب عدداً معلوماً ووزناً مفهوماَ وضريبة محصورة، فلما أن كان من أمر الِإسكندر بن فيلبس وهو الملك الماضي النيى هو أول ملوك اليونانيين على ما ذكره بطليموس ما كان من ظهوره وهمته بعث إليه داريوس ملك فارس، وهو دارا بن دارا، يطالبه بما جرى من الرسم، فبعث إليه الِإسكندر: إني قد ذبحت تلك الدجاجة التي كانت تبيض بيض الذهب، وأكلتها، فكان من حروبهم ما دعا الِإسكندر إلى الخروج إلى أرض الشام والعراق، فاصطلم من كان بها من الملوك، وقتل دارا بن دارا ملك الفرس، وقد أتينا على خبر مقتله ومقتل غيره من ملوك الهند، ومن لحق بهم من ملوك الشرق في الكتاب الأوسط. ونسب قوم الِإسكندر أنه الِإسكندربن فيلبس بن مصريم بن هرمس بن هردوس بن ميطون بن رومي بن نويط بن نوفيل بن رومي بن ليطى بن يونان بن يافث بن نوح، ونسبه قوم أنه من ولد العيص بن إسحاق بن إبراهيم، ومنهم من رأى أنه الإِسكندر بن يونه بن سرحون بن رومي بن قرمط بن نوفيل بن رومي بن الأصفر بن اليغزبن العيص بن إسحاق بن إ برا هيم.
الِإسكندر وذوالقرنين: وقد تنازع الناس فيه: فمنهم من رأى أنه ذو القرنين، ومنهم من رأى أنه غيره، وتنازعوا أيضاً في ذي القرنين: فمنهم من رأى أنه سمي بذي القرنين لبلوغه أطراف الأرض وأن الملك الموكل بجبل قاف سماه بهذا الاسم، ومنهم من رأى أنه من الملائكة. وهذا قول يُعْزَى إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والقول الأول لابن عباس في تسمية الملك إياه. ومنهم من رأى أنه كان بذؤابتين من الذهب. وهذا قول يُعْزَى إلى علي بن أي طالب رضي الله عنه. وقد قيل غير ذلك وإنما نذكر تنازع الشرعيين من أهل الكتب. وقد ذكره تئع في شعره وافتخر به، وأنه من قحطان. ؤقيل: إن بعض التبابعة غزا مدينة رومية وأسكنها خلقاً من اليمن، وإن ذا القرنين الذي هو الإِسكندر من أولئك العرب المتخلفين بها. والله أعلم.وسار الإسكندر بعد أن ملك بلاد فارس؟ فاحتوى على ملوكها، وتزوج بابنة ملكها دارا بعد أن قتله، ثم سار إلى أرض السند والهند، ووطىء ملوكها، وحملت إليه الهدايا والخراج، وحاربه ملكها فور، وكان أعظم ملوك الهند، وكان له معه حروب، وقتله الإِسكندر مبارزة.
ثم سار الإِسكندر نحو بلاد الصين والتبت فدانت له الملوك، وحملت إليه الهدايا والضرائب، وسار في مفاوز الترك يُرِيد خراسان من بعد أن ذَلَل ملوكها ورتب الرجال والقواد فيما افتتح من الممالك، ورتب ببلاد التبت خلقأ من رجاله وكذلك ببلاد الصين، وكًور بخراسان كوراً، وبنى مدناً في سائر أسفاره، وكان معلمه أرسطاطاليس حكيم اليونانيين، وهو صاحب كتاب المنطق وما بعد الطبيعة وتلميذ أفلاطون، وأفلاطون تلميذ سقراط، وصرف هؤلاء هِمَمَهُمْ إلى تقييد علوم الأشياء الطبيعية والنفسية، وغير ذلك من علوم الفلسفة واتصالها بالِإلهيات، وأبانوا عن الأشياء، وأقاموا البرهان على صحتها وأوضحوها لمن استعجم عليه تناولها.
وسار الإِسكندر راجعاً من سفره يؤمُ المغرب، فلما صار إلى مدينة شهرزور اشتدت علته، وقيل: ببلاد نصيبين من ديار ربيعة، وقيل: بالعراق، فعهد إلى صاحب جيشه وخليفته على عسكره بطليموس.
الحكماء على جدث الإسكندر
فلما مات الإسكندرطافت به الحكماء ممن كان معه من حكماء اليونانيين والفرس والهند وغيرهم من علماء الأمم، وكان يجمعهم، ويستريح إلى كلامهم ولا يصدر الأمور إلا عن رأيهم، وجُعِلَ بعد أن مات في تابوت من الذهب ورصع بالجوهر بعد أن طلي جسمه بالأطلية الماسكة لأجزائه، فقال عظيم الحكماء والمقدم فيهم: ليتكلم كل واحد منكم بكلام يكون للخاصة مُعزياً وللعأمة واعظاً، وقام فوضع يمه على التابوت، فقال:
(1/127)

أصبح آسر الأسراء أسيراً، ثم قام حكيم ثان فقال: هدا الإِسكندر الذي كان يخبؤ الذهب فصار الذهب يخبؤه، وقال الحكيم الثالث: ما أزهد الناس في هذا الجسد، وأرغبهم في هذا التابوت وقال الحكيم الرابع:من أعجب العجب أن القوي قد غُلِب، والضعفاء لاهون مغترُّون، وقال الخامس: ياذاالذي جعل أجله ضماناً، وجعل أمله عياناً، هلا باعدت من أجلك، لتبلغ بعض أملك، هلا حققت من أملك بالامتناع عن فوت أجلك وقال السادس: أيها الساعي المنتصب جمعت ما خذلك عن الاحتياج، فغودرت عليك أوزاره وفارقتك أيامه، فمغناه لغيرك، ووباله عليك وقال السابع: قد كنت لنا واعظاً فما وعظتنا موعظة أبلغ من وفاتك، فمن كان له عقل فليعقل، ومن كان معتبراً فليعتبر، وقال الثامن: رُبّ هائب لك كان يغتابك من ورائك، وهو اليوم بحضرتك لا يخافك، وقالى التاسع: رب حريص على سكوتك إذ لا تسكت، وهو اليوم حريص على كلامك اذ لا تتكلم، وقال العِاشر: كم أماتتْ هذه النفس لئلا تموت، وقد ماتت، وقال الحادي عشر، وكان صاحب خزانة كتب الحكمة: قد كنت تأمرني أن لاأبعد عنك، فاليوم لا أقدر على الدنو منك، وقال الثاني عشر: هذا اليوم عظيم العبر، أقبل من شره ما كان مدبراً، وأدبر من خير ما كان مقبلًا؟ فمن كان باكياً على مَنْ زال ملكه فليبك، وقال الثالث عشر: يا عظيم السلطان اضْمَحًلّ سلطانك كما اضمحل ظل السحاب، وعَفتْ آثار مملكتك كما عفت آثار الرباب، وقال الرابع عشر: يا مر ضاقت عليه الأرض طولاً وعرضاً، ليت شعري كيف حالك فيما احتوى عليك منها؟ وقال الخامس عشر: أعجب لمن كانت هذه سبيله كيف شرهت نفسه بجمع الحطام البائد والهشيم الهامد، وقمال السادس عشر أيهما الجمع الحافل والملتقى الفاضل، لا ترغبوا فيما لا يدوم سروره وتنقطع لذته فقد بان لكم الصلاح والرشاد من الغي والفساد، وقال السابع عشر: أنظروا إلى حلم النائم كيف انقضى.وظل الغمام كيف انجازها وقال الثامن عشر: وكان من حكماء الهند: يا من كان غضبه الموت على غضبت على الموت، وقال التاسع عشر: قد رأيتم أيها الجمع هذا الملك الماضي فليتعظ به الان هذا الملك الباقي، وقال العشرون: هذا الذي دار كثيراً والآن يقر طويلاً، وقال الحادي والعشرون: إن الذي كانت الآذان تنْصِت له قد سكت، فليتكلم الآن كل ساكت، وقال الثاني والعشرون: سيلحق بك مَنْ سَرَّه موتُك كما لحقت بمن سرك موته، وقال الثالث والعشرون: مالك لا تُقِلُّ عضواً من أعضائك، وقد كنت تستقل ملك الأرض. بل ما لك لا ترغب بنفسك عن ضيق المكان الذي أنت به، وقد كنت ترغب بها عن رحب البلاد؟ وقال الرابع والعشرون، وكان من نسّاك الهند وحكمائها: إن دنيا يكون هكذا آخرها فالزهد أولى أن يكون في أولها، وقال الخامس والعشرون، وكان صاحب مائدته: قد فرِشت النمارق، ونضدت الوسائد وهيئت الموائد، ولا أرى عميد المجلس، وقال السادس والعشرون، وكان صاحب بيت ماله: قد كنت تأمرني بالجمع، و الِإدخار فإلى من أدفع ذخائرك وقال السابع والعشرون وكان خازناً من خزانه: هذه مفاتيح خِزائنك، فمن يقبضها قبل أن أوخذ بما لم آخذ منها؟ وقال الثامن والعشرون: هذه الدنيا الطويلة العريضة قد طُوِيتَ منها في سبعة أشبار ولو كنت بذلك موقناً لم تحمل على نفسك في الطلب، القول لتاسع والعشرن قول زوجته روشنك بنت دارا بن دارا ملك فارس: ما كنت حسب أن غالب دارا الملك يغلب، وإن كان هذا الكلام الذي سمعت منكم معاشر الحكماء فيه شماتة فقد خلف الكأس الذي تشرب به الجماعة، القول الثلاثون ما يحكى عن امه أنها قالت حين جاءها نعيه: لئن فقد من ابني أمره، فما فقدت من قبلي ذكره.
مأتم الِإسكندر ودفنه
(1/128)

وقبض الإِسكندر وهو ابن ست وثلاثين سنة، وكان ملكه تسع سنين قبل قتله لدارا بن دارا، وست سنين بعد قتله لدارا بن دارا وتملكه على سائر ملوك الأرض، وملك وهو ابن إحدى وعشرين سنة، وذلك بمقدونية، وهي مصر، وعهد إلى ولي عهده بطليموس بن أريت أن يحمل تابوته إلى والدته بالِإسكندرية، وأوصاه آن يكتب إليها إذا أتاها نعيه أن تتخذ وليمة وتنادي في مملكتها أن لا يتخلف عنها أحد، وأن لا يجيب دعوتها من قد فقَدَ محبوباً أوْ مات له خليل وليكون ذلك مأتم الِإسكندر بالسرور، خلاف مأتم الناس بالحزن، فلما ورد نعيه إليها، ووضع التابوت بين يديها، نادت في أهل مملكتها على ما به أمرها، فلم يجب أحد دعوتها، ولا بادر إلى ندائها، فقالت لحشمها : ما بال الناس لم يجيبوا دعوتي. فقالوا لها: أنت منعتيهم من ذلك، قالت: وكيف. قيلِ لها: أمرت أن لا يجيبك من فقد محبوباً، أو عدَم خليلاً، أوفارق حبيباَ، وليس فيهم أحد إلا وقد أصابه بعض ذلك، فلما سمعت ذلك استيقظت وعلمت ما به سئلت، وقالت: لقد عَزَّانِي ولده أحسن العزاء، وقالت: يا إسكندر ما أشبه أواخرك بأوائلك، وأمرت به فجعل في تابوت من المرمر، وطلي بالأطلية الماسكة لأجزائه، وأخرجته عن الذهب؟ لعلمها أنُ منَ يطرأ بعدها من الملوك والأمم لا يتركونه في ذلك الذهب، وجعل التابوت المرمر على أحجار نُصبَتْ، وصخور نصبت، من الرخام والمرمر قد رصفت، وهذا الموضع من الرخام والمرمر باقً ببلاد الإِسكندرية من أرض مصر يعرف بقبر الِإسكندر إلى هذا الوقت وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب جوامع من أخبار الِإسكندرية وعجائبها، ومصر وأخبارها ونيلها، في الموضع المستحق له من ذلك في كتابنا، إن شاء اللّه تعالى.
ذكر جوامع من حروب الاسكندر بأرض الهند
(1/129)

قال االمسعودي: لما قَتَل الإِسكندر فور صاحب مدينة المانكير من ملوك الهند، وانقاد إليه جميع ملوك الهند، على حسب ما ذكرناه من حمل الأموال والخراج إليه فبلغه أن في أقاصي أرض الهند ملكاً من ملوكهم ذا حكمة، وسياسة وديانة، وإنصاف للرعية، وأنه قد أتى عليه من عمره مئون من السنين وأنه ليس بأرض الهند من فلاسفتهم وحكمائهم مثله، يُقال له كند، وكان قاهراً لنفسه، مميتاً لصفاته من الشهوية والغضبية وغيرها، حاملاً لها على خلق كريم، وأدب زائن: فكتب إليه كتاباً يقول فيه: أما بعد، فإذا أتاك كتابي هِذا فإن كنت قائماً فلا تقعد، وإن كنت ماشياً فلا تلتفت، وإلا مزقْتُ ملكك، ولحقتك بمن مضى من ملوك الهند، فلما ورد عليه الكتاب أجاب الِإسكندر أحسن جواب، وخاطبه بملك الملوك، وأعلمه أنه قد اجتمع له قبله، أشياء لا يجتمع عند غيره مثلها إلا من صارت إليه عنه فمن ذلك ابنة له لم تطلع الشمس على أحسن صورة منها، وفيلسوف يخبرك بمرادك قبل أن تسأله لحِدة مزاجه، وحسن قريحته، واعتدال بنيته، واتساعه في علمه، وطبيب لا تخشى معه داء، ولا شيئاً من العوارض، إلا ما يطرأ من الفناء والدثور الواقع بهذه البنية، وحل العقدة التي عقدها المبدع لها المخترع لهذا الجسمِ الحسي، وإن كانت بنية الإسنان وهيكله قد نصبت في هذا العالم غرضاَ للأفات والحتوف والبلايا، وقَدَح عندي إذا أنا ملأته شرب منه عسكرك بجمعه ولا ينقص منه شيء، ولا يزيده الوارد عليه إلا دهاقاً، وأنا مُنْفذٌ جميع ذلك إلى الملك، وصائر إليه، فلما قرأ الإِسكندر هذا الكتاب ووقف على ما فيه قال: تكون هذه الأشياء الأربعة عندي، ونجاة هذا الحكيم من صولتي أحب من أن لا تكون عندي ويهلك، فأنفذ إليه الِإسكندر جماعة من حكماء اليونانيين والروم. في عدة من الرجال، وتقدم إليهم: إن كان صادقاً فيما كتب به فاحملوا ذلك إلي، ودعوا الرجل في موضعه، وإن تبينتم أن الأمر بخلاف ذلك وأنه أخبر عن الشيء على خلاف ما هو به فقد خرج عن حد الحكمة فأشخصوه إلي، فمضى القوم حتى انتهوا إلى الملك فتلقاهم بأحسن لقاء، وأنزلهم أحسن منزل، فلما كان في اليوم الثالث جلس لهم مجلساً خاصاً للحكماء منهم دون من كان معهم من المقاتلة، فقال بعض الحكماء لبعض: إن صدقنا في الأولى صدقنا فيما بعدها مما ذكر، فلما أخذت الحكماء مراتبها، واستقرت بها مجالسها، أقبل عليهم مباحثاً لهم في أصول الفلسفة والكلام في الطبيعيات وما فوقها من الإِلهيات، وعلى شماله جماعة من حكمائه وفلاسفته، فطال الخطب في المبدأ الأول، وتشاحّ القوم، ونظروا في موضوعات العلماء وترتيبات الحكماء على غير مراء وتناهى بهم الكلامُ إلى غاية كان إليها صدورهم من العلويات، ثم أخرج الجارية فلما ظهرت لأبصارهم رَمَقُوها بأعينهم فلم يقع طرف واحد منهم على عضو من أعضائها مما ظهر فأمكنه أن يتعدى ببصره إلى غيره، وشغله تأمل ذلك وحسنه وحسن شكلها وإتقان صورتها، فخاف القوم على عقولهم لما ورد عليهم عند النظر إليها، ثم إن كل واحد منهم رجع إلى نفسه وفهمه وقهر سلطان هواه دواعي طبعه، ثم أراهم بعد ذلك ما تقدم الوعد به، وسيرهم وسير الفيلسوف والطبيب والجارية والقدح معهم، وشيعهم مسافة من أرضه، فلما وردوا على الإِسكندر أمر بإنزال الطبيب والفيلسوف، ونظر إلى الجارية، فحار عند مشاهدتها، وبهرت عقله، وأمر قَيمَة جواريه بالقيام عليها، ثم صرف همته إلى الفيلسوف وإلى علم ما عنده، وإلى علم الطبيب ومحله من صنعة الطب وحفظ الصحة، وقص الحكماء عليه ما جرى لهم من المباحثة مع الملك الهندي، ومن أحضره من فلاسفته وحكمائه، فأعجبه ذلك، وتأمل أغراض القوم ومقاصدهم والغاية التي إليها كان أصدرهم، وأقبل ينظر إلى مطاردة الهند في عللها ومعلولاتها وما يصفه اليونانيون من عللها وصحة قياسها على ما قدمنا من أوضاعها، ثم أراد محنة الفيلسوف على حسب ما أخبر عنه، وأجال فكره، فسنح له سانح من الفكر بإيقاع معنى يختبره به، فدعا بقدح فملأه سمناً وأدهقه، ولم يجعل للزيادة عليه سبيلاً، ودفعه إلى رسول له، وقال له: امض به إلى الفيلسوف، ولا تخبره بشيء، فلما ورد الرسول بالقدح ودفعه إلى الفيلسوف قال بصحة فهمه وتبينه للأمور المتقنة المحكمة في نفسه: لأمرٍ ما بعث هذا الملك الحكيم بهذا السمن إلي، وأجال فكره، وسَبَر المراد
(1/130)

به، ثم دعا بنحو ألف إبرة فغرز أطرافها في السمن، وأنفذها إلى الِإسكندر، فأمر الِإسكندر بسبكها كرة مدورة ململمة متساوية الأجزاء، وأمر بردها إلى الفيلسوف، فلما نظر إليها الفيلسوف وتأمل فعل الإسكندر فيها أمر ببسطها، وبأن يتخذ منها مرآة بحضرته،. وصقَلَها، فصارت جسماً صقيلاً تردُّ صورة مَنْ قابلها من الأشخاص لشدة صفائها، وزوال الدرن عنها، وأمر بردها إلى الِإسكندر، فلما نظر إليها، وتأمل حسن صورته فيها، دعا بطست فجعل المرآة فيه، وأمر بإراقة الماء فيه عليها حتى رسبت فيه، وأمر بحمل ذلك إلى الفيلسوف، فلما نظر الفيلسوف إلى ذلك أمر بالمرآة فجعل منها مشربة كالطر جهارة، وجعلها في الطست فوق الماء، فطفت فوقه، وأمر بردها إلى الِإسكندر، فلما نظر الِإسكندر إلى ذلك أمر بتراب ناعم فملئت منه، وردها إلى الفيلسوف، فلما نظر الفيلسوف إلى ذلك تغيرلونه وحال، وجزع وتغيرت صفاته، وأسبل دموعه على صحن خده، وكثر شهيقه، وطال أنينه، وظهر حنينه، وأقام بقية يومه غير منتفع بنفسه، ثم أفاق من ذلك الحال، وزجر نفسه، وأقبل عليها كالمعاتب لها وقال: ويحك يا نفس ما الذي قذف بك في هذه السُّدْفة وأصارك إلى هذه الغمة، ووصلك بهذه الظلمة؟ أنسيت وأنت في النورتسرحين وفي العلوم تمرحين، وتنظرين في الضياء الصادق، وتنفسحين في العالم المشرق. أنزلت إلى عالم الظلم والمعاندة، والغشم والمفاسدة، تخطفك الخواطف، وتنتهرك العواصف، قد حرمت علم الغيوب، والكون في العالم المحبوب، ورميت بشدائد الخطوب، ورفضت كل مطلوب، أين مصادرك الطبية وراحتك القوية؟ حللت في الأجساد، فقوي عليك الكون والفساد، حللت يا نفس بين السباع القاتلة والأفاعي المهلكة، والمياه الحاملة والنيران المحرقة، والريح العاصفة، وصيرتك الأعمار في قرارات الأجسام، لا تشاهدين إلا غافلَاَ، ولا تَرَيْنَ إلا جاهلاً، قد زهد في الخيرات ورغب عن الحسنات، ثم رفع طرفه نحو السماء فرأى النجوم تزهر، فقال بأعلى صوته: يالك من نجوم سائرة، وأجسام زاهرة، من عالم شريف طلعت، ولشيء ما وضعت، إنك من عالم نفيس قد كانت النفس في أعاليه ساكنة، وفي أكنافه قاطنة، فقد أصبحت عنه ظاعنة، ثم أقبل على الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: خذه ورده إلى الملك، يعني التراب، ولم يحدث فيه حادثة، فلما ورد الرسول صلى الله عليه وسلم على الِإسكندر أخبره بجميع ما شهده، فتعجب الِإسكندر من ذلك، وعلم مرامي الفيلسوف ومقاصده وغاية مراده فيما وقع بالنفوس من النقلة مما علا من العوالم إلى هذا العالم.ولما كان في صبيحة تلك الليلة جلس له الِإسكندر جلوساً خاصاً،ودعا به، ولم يكن رآه قبل، ذلك، فلما أقبل ونظر إلى، صورته وتأمل، قامته، ثم دعا بنحو ألف إبرة فغرز أطرافها في السمن، وأنفذها إلى الِإسكندر، فأمر الِإسكندر بسبكها كرة مدورة ململمة متساوية الأجزاء، وأمر بردها إلى الفيلسوف، فلما نظر إليها الفيلسوف وتأمل فعل الإسكندر فيها أمر ببسطها، وبأن يتخذ منها مرآة بحضرته،. وصقَلَها، فصارت جسماً صقيلاً تردُّ صورة مَنْ قابلها من الأشخاص لشدة صفائها، وزوال الدرن عنها، وأمر بردها إلى الِإسكندر، فلما نظر إليها، وتأمل حسن صورته فيها، دعا بطست فجعل المرآة فيه، وأمر بإراقة الماء فيه عليها حتى رسبت فيه، وأمر بحمل ذلك إلى الفيلسوف، فلما نظر الفيلسوف إلى ذلك أمر بالمرآة فجعل منها مشربة كالطر جهارة، وجعلها في الطست فوق الماء، فطفت فوقه، وأمر بردها إلى الِإسكندر، فلما نظر الِإسكندر إلى ذلك أمر بتراب ناعم فملئت منه، وردها إلى الفيلسوف، فلما نظر الفيلسوف إلى ذلك تغيرلونه وحال، وجزع وتغيرت صفاته، وأسبل دموعه على صحن خده، وكثر شهيقه، وطال أنينه، وظهر حنينه، وأقام بقية يومه غير منتفع بنفسه، ثم أفاق من ذلك الحال، وزجر نفسه، وأقبل عليها كالمعاتب لها وقال: ويحك يا نفس ما الذي قذف بك في هذه السُّدْفة وأصارك إلى هذه الغمة، ووصلك بهذه الظلمة؟ أنسيت وأنت في النورتسرحين وفي العلوم تمرحين، وتنظرين في الضياء الصادق، وتنفسحين في العالم المشرق. أنزلت إلى عالم الظلم والمعاندة، والغشم والمفاسدة، تخطفك الخواطف، وتنتهرك العواصف، قد حرمت علم الغيوب، والكون في العالم المحبوب، ورميت بشدائد الخطوب، ورفضت كل مطلوب، أين مصادرك الطبية وراحتك القوية؟ حللت في الأجساد، فقوي عليك الكون والفساد، حللت يا نفس بين السباع القاتلة والأفاعي المهلكة، والمياه الحاملة والنيران المحرقة، والريح العاصفة، وصيرتك الأعمار في قرارات الأجسام، لا تشاهدين إلا غافلَاَ، ولا تَرَيْنَ إلا جاهلاً، قد زهد في الخيرات ورغب عن الحسنات، ثم رفع طرفه نحو السماء فرأى النجوم تزهر، فقال بأعلى صوته: يالك من نجوم سائرة، وأجسام زاهرة، من عالم شريف طلعت، ولشيء ما وضعت، إنك من عالم نفيس قد كانت النفس في أعاليه ساكنة، وفي أكنافه قاطنة، فقد أصبحت عنه ظاعنة، ثم أقبل على الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: خذه ورده إلى الملك، يعني التراب، ولم يحدث فيه حادثة، فلما ورد الرسول صلى الله عليه وسلم على الِإسكندر أخبره بجميع ما شهده، فتعجب الِإسكندر من ذلك، وعلم مرامي الفيلسوف ومقاصده وغاية مراده فيما وقع بالنفوس من النقلة مما علا من العوالم إلى هذا العالم.ولما كان في صبيحة تلك الليلة جلس له الِإسكندر جلوساً خاصاً،ودعا به، ولم يكن رآه قبل، ذلك، فلما أقبل ونظر إلى، صورته وتأمل، قامته
(1/131)

وخلقته، نظر إلى رجل طويل الجسم، رَحْب الجبين، معتدل البنية، فقال في نفسه: هذه بنية تضاد الحكمة، فإذا اجتمع حسن الصورة وحسن الفهم كان أوحَدَ زمانه، ولست أشك أن هذا الشخص قد اجتمع له الأمران جميعاً، فإن كان هذا الشخص قد علم كل ما راسلته به، وأجابني عليه من غير مخاطبة ولا موافقة ولا مباحثة، فليس في وقته أحد يدانيه في حكمته، ولا يلحقه في علمه، وتأمل الفيلسوف الإِسكندر فأدار أصبعه السبابة على وجهه، ووضعها على أرنبة أنفه، وأسرع نحو الإِسكندر وهو جالس على غير سرير ملكه، فحياه بتحية الملوك، فأشار إليه الِإسكندر بالجلوس، فجلس حيث أمره، فقال له الإسكندر: ما بالك حين نظرت إلي. ورميت بطرفك نحوي أدرت أصبعك حول وجهك ووضعتها على أرنبة أنفك. قال: تأملتك أيها الملك بنورية عقلي وصفاء مزاجي، فتبينت فكرتك في، وتأملك لصورتي، وأنها قلما تجتمع مع الحكمة، فإذا كان ذلك كان صاحبها أوحد أهل زمانه، فأعرت أصبعي مصداقاً لما سنح لك، وأريتك مثالاً شاهداً، كما أنه ليس في الوجه إلا أنف واحد فكذلك ليس في دار مملكة الهند غيري، ولا يلحق أحد من الناس بي في حكمتي، فقال له الِاسكندر: ما أحسن ما تأتىَّ لك ما ذكرت، وانتظم لك بحسن الخاطر ما وصفت، فدع عنك هذا، وأخبرني ما بالك حين أنفذت إليك قدحاً مملوءاً سمناً غرزت فيه إبراً ورددته إليَّ؟ قال الفيلسوف: علمت أيها الملك أنك تقول: إن قلبي قد أمتلأ وعلمي قد أنتهى كامتلاء هذا الِإناء من السمن، فليس لأحد من الحكماء فيه مستزاد، فأخبرت الملك أن علمي سيزيد في علمك، ويدخل فيه دخول هذه الِإبر في هذا الِإناء، قال: فأخبرني ما بالك حين عملت من الإِبر كرة وأنفذتها إليك صيرتها مرآة ورددتها إلي صقيلة، قال: قد علمت أيها الملك أنك تريد أن قلبك قد قسا من سفك الدماء والشغل بسياسة هذا العالم كقسوة هذه الكرة، فلا يقبل العلم، ولا يرغب في فهم الغايات في العلوم والحكمة، فأخبرتك مجيباً متمثلاَ بسبك الكرة والحيلة في أمرها بجعلي منها مرآة صقيلة مؤدية إلى الأجسام عند المقابلة لحسن الصفاء، قال له الإِسكندر: صدقت، قد أجبتني عن مرادي، فأخبرني أيها الفيلسوف حين جعلت المرآة في الطست ورسبت في الماء: لِمَ جعلتها قدحاً فوق الماء طافية ثم رددتها اٍليّ، قال الفيلسوف: علمت أنك تريد بذلك أن الأيام قد انقضت وقصرت، والأجل قد قرب، ولا يدرك العلم الكثير في المهل القليل، فأجبت الملك متمثلاً أني ساعمل الحيلة في إيراد العلم الكثير في المهل القليل إلى قلبه وتقريبه من فهمه، كاحتيالي للمرآة من بعد كونها راسبة في الماء حتى جعلتها طافية عليه، قال له الاسكندر: صدقت فأخبرني ما بالك حين ملأت الإِناء تراباً رددته إليّ ولم تحدث فيه حادثة كفعلك فيما سلف، قال: علمت أنك تقول: ثم الموت وأنه لا بد منه، ثم لحوق هذه البنية بهذا العنصر البارد اليابس الثقيل الذي هو الأرض، ودثورها وتفرق أجزائها ومفارقة النفس الناطقة الصافية الشريفة اللطيفة لهذا الجسد المرئي، قال له ا
(1/132)

الإسكندر: صدقت، ولأحسنن إلى الهند من أجلك، وأمر له بجوائز كثيرة، وأقطعه قطائع واسعة، فقال له الفيلسوف: لو أحببتُ المار لما أردت العلم، ولست أدخل على علمي ما يضاده وينافيه، واعلم أيها الملك أن القنية توجب الخدمة، ولسنا نجد عاقلًا مَنْ خدم غير ذاته، واستعمل غير ما يصلح نفسه، والذي يصلح النفس الفلسفة، وهي صقالها وغذاؤها، وتناول اللذات الحيوانية وغيرها من الموجودات ضد لها، والحكمة سبيل إلى العلو، وسُلم إليه، ومن عدم ذلك عدم القربة من بارئه، واعلم أيها الملك أن بالعدل ركب جميع العالم بجزئياته، ولايقوم بالجور، والعدل ميزان البارىء جلّ وعز، فكذلك حكمته مبرأة عن كل ميل وزلل، وأشبه الأشياء من أفعال الناس بأفعال بارئهم الِإحسان إلى الناس، وقد ملكت أيها الملك بسيفك، وصولة ملكك، وتأتّيك في أمورك، وانتظام سياستك أجسام رعيتك فتَحَرَّ أن تملك قلوبهم بإحسانك إليهم، وإنصافك لهم، وعدلك فيهم، فهي خزانة سلطانك، فإنك إن قدرت أن تقول قدرت أن تفعل، فاحترز من أن تقول تأمن من أن تفعل، فالملك السعيد من تمت له رياسة أيامه، والملك الشقي من انقطعت عنه، فمن تحرى في سيرته العدل استنار قلبه بعذوبة الطهارة.قال المسعودي رحمه اللّه: وخلّى الِإسكَندر عن الفيلسوفِ لإبائه المقام معه فلحق بأرضه، وللِاسكندر مع هذا الفيلسوف مناظرات كثيرة في أنوع من العلوم، ومكاتبات، ومراسلات، جرت بين الِإسكندر وبين كند ملك الهند، قد أتينا على مبسوطها والغرر من معانيها والزُّهْر من عيونها في كتابنا أخبار الزمان.وأما القَدَحُ فامتحنه حين أدهقه بالماء، وأورد عليه الناس، فلم ينقص شربهم منه شيئاً، وكان معمولاً بضرب من خواص الهند والروحانية والطبائع التأمة والتوهم، وغير ذلك من العلم مما يَدَّعيه الهند، وقد قيل: إنه كان لآدم أبي البشر عليه السلام بأرض سرنديب من بلاد الهند مبارك له فيه، فوُرِثَ عنه، وتداولته الملوك، إلى أن انتهى إلى كند هذا الملك العظيم سلطانه، وما كان عليه من الحكمة، وقيل غير ذلك من الوجوه، مما قد أتينا على ذكره فيما سلف من كتبنا.وللطبيب معه أخبار ظريفة، ومناظرات عجيبة، في أوائل المعرفة وصنعة الطب وترقيه معه إلى مبسوط الصنعة من الطبيعيات وغيرها، أعرضنا عن ذكرها خوفاً من الِإطالة وميلاً إلى الاختصار في هذا الكتاب لتعلق الكلام بالتوهم الذي تدعيه الهند في صنعة الطب وغيرها.وقد كان للِاسكندر في أسفاره وتوسطه الممالك وقطعه الأقاليم ومشاهدته الأمم، وملاقاته الحكماء مع تنائي ديارهم، وبعد أوطانهم، واختلاف لغاتهم، وعجائب صورهم، وتباينهم في شيمهم وأخلاقهم أخبار كثيرة من حروب ومكايد وحيل وفنون من السير، وما أحدث من الأبنية، وقد أتينا على شرح ذلك فيما سلف من كتبنا مما سمينا، وغير ذلك مما عن وصفه أمسكنا، وإنما ذكرنا اليسير من أخباره، لئلا يَعْرَى كتابنا هدا من شيء منها مع ذكرنا لمسيره ووفاته، وباللّه التوفيق.
ذكر ملوك اليونانيين بعد الاسكندر
بطليموس
ثم ملك بعد الِاسكندر الملك خليفتُه بطليموس وكان حكيماً عالماً سائساً مدبراً، وكان ملكه أربعين سنة، وقيل: بل كان ملكه عشرين سنة، وقد كان لهذا الملك وهو التالي لملك الِاسكندر حروب مع بني إسرائيل وغيرهم من ملوك الشام.
اللعب بالبزاة والشواهين
(1/133)

وذكر جماعة من أهل الدرايات بأخبار ملوك العالم أنه أول من اقتنى البُزَاة ولعب بها وَضَراها، وأنه ركب في بعض الأيام في طربه إلى بعض متنزهاته فنظر إلى بازٍ يطير، فرآه إذا علا صفق، وإذا سفل خفق، وإذا أراد أن يستوي فرق، فأتبعه بصره حتى اقتحم شجرة ملتفة كثيرة الشوك، فتأمله فأعجبه صفاء عينيه وصفرتها وكمال خلقه، فقال: هذا طائر حسن، وله سلاح وينبغي أن تتزين به الملوك في مجالسها، فأمر أن يجمع منها عدة لتكون في مجلسه زينته، فعرض لبازٍ منها أيْمٌ، وهو الحية الذكر، فوثب عليه البازي فقتله، فقال الملك: هذا ملك يغضب مما تغضب منه الملوك، ثم عرض له بعد أيام ثعلب كان داجناً، فوثب عليه البازي فما أفلت إلا جريحاً، فقال الملك: هذا ملك جبار لا يحتمل الضيم، ثم مر به طائر فوثب عليه فأكله، فقال الملك: هذا ملك يمنع حماه ولا يضيع أكله، فلعب بها ثم لعب بعده ملوك الأمم من اليونانيين والروم والعرب والعجم وغيرهم، وثني مَنْ بعده من ملوك الروم بلعب الشواهين والاصطياد بها، وقد قيل: إن اللَّذَارقة وهم ملوك الأندلس من الأشبان أول من لعب بالشواهين وصاد بها، وكذلك اليونانيون أول من صاد بالعقبان ولعب بها، وقد ذكر أن ملوك الروم أول من صاد بالعقبان.قال المسعودي: وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب عند ذكرنا لجبل القبخ والباب والأبواب جملاً من أخبارها وأخبار من لعب بها، وقد كان من سلف من حكماء اليونانيين يقولون: إن الجوارح أجناس، خلقها اللّه تعالى وأنشأها على منازلها ودرجاتها، وهي: أربعة أجناس، وثلاثة عشر شكلَاَ، فأما الأجناس الأربعة فهي: البازي، والشاهين، والصقر، والعقاب، وقد ذكرنا هذه الأجناس والأشكال على طريق الخبر في الكتاب الأوسط على مراتبها من سائر أنواع الحيوان الجوارح، ودلائلها، وما قاله الناس في ذلك.
هيفلوس
ثم ملك بعد بطليموس هيفلوس وكان رجلًا جباراً، وفي أيامه عملت الطَّلسْمَات وظهرت عبادة التماثيل والأصنام لشُبَه دخلت عليهم، وأنها وسائط بينهم وبين خالقهم تقربهم إليه وتُدْنيهم منه، وكان ملكه ثمانياً وثلاثين سنة، وقيل: أربعين سنة. وقد قيل: إن الذيىتملك بعد خليفة الِإسكندر بطليموس الثاني،محب الأخ، وغزا بني إسرائيل ببلاد فلسطين وإيليا من أرض الشام، فسباهم، وقتل منهم، وطلب العلوم، ثم رد بني إسرائيل إلى فلسطين، وحمل معهم الجواهر والأموال، وآلات الذهب والفضة لهيكل بيت المقدس، وكان ملك الشام يومئذ أبطنجنس، وهو الذي بني مدينة أنطاكية، وكانت دار ملكه، وجعل بناء سورها أحد عجائب العالم في البناء على السهل والجبل، ومسافة السور أثنا عشر ميلاً، عدة الأبراج فيه مائة وستة وثلاثون برجاً، وجعل عدد شُرُفاته أربعة وعشرين ألف شرفة، وجعل كل برج من الأبراج ينزله بطريق برجاله وخيله، وجعل كل برج منها طبقات إلى أعلاه، فمربط الخيل في أسفله، وأرضه، والرجال في طبقاته والبطريق في أعلاه، وجعل كلى برج منها كالحصن عليه أبواب حديد، وآثار الأبواب ومواضع الحديد بَيِّن إلى هذا الوقت وهو سنة اثنتين وثلائين وثلثمائة وأظهر فيها مياهاً من أعين وغيرها، لا سبيل إلى قطعها من خارجها، وجعل إليها مياهاً منصبة في قنيٍّ مخرقة إلى شوارعها ودورها، ورأيت فيها من هذه المياه ما يستحجر في مجاريها المعمولة من الخزف لترادف التقن فيها فيتراكم طبقات ويمنع الماء من الجريان بانسداده، فلا يعمل الحديد في كسره، وقد ذكرنا ذلك في كتابنا المترجم بالقضايا والتجارب ما شاهدناه حساً، ونمي إلينا خبراً، مما يولده ماء أنطاكية في أجساد الحيوان الناطق وأجوافهم، وما يحدث في معدهم، من الرياح السوداوية الباردة والقولنجية الغليظة، وقد أراد الرشيد سكناها فقيل له بعض ما ذكرنا من أوصافها، وترادف الصدأ على السلاخ من السيوف وغيرها بهأ، وعدم بقاء ريح أنواع الطيب بها، واستحالته على اختلاف أنواعه فامتنع من سكناها.
جماعة من ملوك اليونانيين
ثم ملك على اليونانيين بعد هيفلوس بطليموس الصانع، ستاً وعشرين سنة.
ثم ملك بعده عليهم بطليموس المعروف بمحب الأب، تسع عشرة سنة وكانت له حروب مع ملوك الشام، وصاحب أنطاكية الِاسكندروس وهو الذي بني مدينة فامية بين حمص وأنطاكية.
(1/134)

ثم ملك بعده على اليونانيين بطليموس صاحب علل علم الفلك والنجوم، وكتاب المجسطي وغيره، أربعأ وعشرين سنة.
ثم ملك بعده بطليموس محب الأم، خمساً وثلاثين سنة ثم ملك بعده بطليموس الصانع الثاني سبعاً وعشرين سنة.
ثم ملك بعده بطليموس المخلص، سبع عشرة سنة.
ثم ملك بعده بطليموس الاسكندراني، اثنتي عشرة سنة.
ثم ملك بعده بطليموس الجديد، ثمان سنين.
ثم ملك بعده بطليموس الجَوّال، ثمانياً وستين سنة، وكانت له حروب كثيرة.
ثم ملك بعده بطليموس الحديث، ثلاثين سنة.
كليوباترا
(1/135)

ثم ملكت بعد ابنته قلبطرة وكان ملكها اثنتين وعشرين سنة وكانت حكيمة متفلسفة، مقربة للعلماءمعظمة للحكماءولها كتب مصنفة في الطب والرُّقْيَة وغير ذلك من الحكمة، مترجمة باسمها، منسوب إليها، معروفة عند صنعة أهل الطب وهذه الملكة آخر ملوك اليونانيين إلى أن انقضى ملكهم وَدَثَرَت أيامهم، وامَّحَت آثارهم، وزالت علومهم إلا ما بقي في أيدي حكمائهم، وقد كان لهذه الملكة خبر ظريف في موتها وقتلها لنفسها، وقد كان لها زوج يُقال له أنطونيوس مشارك لها في ملك مقدونية، وهي بلاد مصر من الِاسكندرية وغيرها، فسار إليهم الثاني من ملوك الروم، من بلاد رومية، وهو أغسمطس، وهو أول من سمي قيصر وإليه تنسب القياصرة بعده، وسنذكر خبره في باب ملوك الروم بعد هذ الموضع، وكانت له حروب بالشام ومصر مع قلبطرة الملكة ومع زوجها أنطونيوس، إلى أن قتله، ولم يكن لقلبطرة في دفع أغسطس ملك الروم عن ملك مصر حيلة، وأراد أغسطس إعمال الحيلة فيها لعلمه بحكمتها. وليتعلم منها إذ كانت بقية الحكماء اليونانيين، ثم بعدها يقتلها، فراسلها. وعلمت مراده فيها وما قد وتَرَها به من قتل زوجها وجنودها، فطلبت الحية التي تكون بين الحجاز ومصر والشام وهي نوع من الحيات: تراعي الِإنسان، حتى إذا تمكنت من النظر إلى عضو من أعضائه قفزت أذرعاً كثيرة كالرمح فلم تخطىء ذلك العضو بعينه، حتى تتفل عليه سماً فتأتي عليه، ولا يعلم بها، لخموده من فوره، ويتوهم الناس أنه قدمات فجأة حتف أنفه، ورأيت نوعاً من هذه الحيات بين بلاد خوزستان من كور الأهواز لمن أراد بلاد فارس من البصرة، وهوالموضع المعروف بخان مردوية بين مدينة دورق وبلاد الباسيِان والفندم في الماء، وهي حيات شبرية، وتدعى هنالك الفترية، ذات رأسين تكون في الرمل وفي جوف تراب الأرض، فإذأ أحست بالِإنسان أو غيره من الحيوان وثبت من موضعها أذرعاً كثيرة فضربت بإحدى رأسيها إلى أي موضع من ذلك الحيوان، فتلحقه من ساعته ضد الحياة وعدمها لحينه، فبعثت قلبطرة هذه الملكة فاحتمل لها حية من هذه المقدم ذكرها التي توجد بأطراف الحجاز، فلما أن كان اليوم الذي علمت أن أغسطس يدخل قصر ملكها أمرت بعض جواريها ومن أحبّتْ فنَاءها قلَبلها، وأن لا يلحقها العذابُ بعدها، فسمتها في إنائها فخمدت من فورها، ثم جلست قلبطرة الملكة على سرير ملكها، ووضعت تاجها على رأسها، وعليها ثيابها وزينة ملكها، وجعلت أنواع الرياجن والزهر والفاكهة والطيب وما يجتمع بمصر من عجائب الرياحين وغيرها مما ذكرنا، مبسوطة في مجلسها وقدَّام سريرها، وعهدت بما أحتاجت إليه من أمورها، وفرقت حشمها من حولها، فاشتغلوا بأنفسهم عن ملكتهم، لما قد غشيهم من عدوهم ودخوله عليهم في دارملكهم، وأدنت يدها من الِإناء الزجاج الذي كانت فيه الحية، فقربت يدها من فيه فتفلت عليها الحية، فجفت مكانها، وانسابت الحية وخرجت من الِإناء لم تجد جُحْراً ولا مذهباً تذهب فيه لِإتقان تلك المجالس بالرخام والمرمرو الأصباغ، فدخلت في تلك الرياحين، ودخل أغسطس حتى انتهى إلى لمجلس، فنظر إليها جالسة والتاج على رأسها، فلم يشك في أنها تنطق، فدنا منها فتبين له أنها ميتة، وأعجب بتلك الرياحين، فمد يده إلى كل نوع منها يلمسه ويتبينه ويعجب خواص من معه به، ولم يدرسبب موتها وهو يتأسف على ما فاته منها فبينما هو كذلك من تناول تلك الرياحين وشمها إذ قفزت عليه تلك الحية فرمته بسمها، فيبس شقه الأيمن من ساعته، وذهب بصره الأيمن وسمعه، فتعجب من فعلها وقتلها لنفسها وإيثارها للموت على الحياة مع الذل، ثم ما كادته به من إلقاء الحية بين الرياحين، فقال في ذلك شعراً بالرومية يذكر حاله وما نزل به وقصتها، وأقام بعد ما نزل به ما ذكرنا يوماً وهلك، ولولا أن الحية كانت قد أفرغت سمها على الجارية ثم على قلبطرة الملكة لكان أغسطس قد هلك من ساعته، ولم تمهله هذه المدة، وهذا الشعر معروف عند الروم إلى هذه الغاية يذكرونه في نوحهم ويَرْثُوَن به ملوكهم وموتاهم، وربما ذكروه في أغانيهم، وهو متعالم معروف عندهم، وقد ذكرنا فيما سلف من كتبنا سير هؤلاء الملوك وأخبارهم وحروبهم وطوافهم البلاد، وأخبار حكمائهم، وما أحدثوه من الآرَاء والنحل، ومقائل فلاسفتهم، وغير ذلك من أسرارهم وعجيب أخبارهم.
عدد ملوك اليونانيين ومدة حكمَهم
(1/136)

والذي يعول عليه من عدد ملوكهم، واتفق على ذلك أهل المعرفة بأخبارهم، أن جميع عدد ملوك اليونانيين أربعة عشر ملكاً آخرهم الملكة قلبطرة، وأن جميع عدد سني ملوكهم ومدة أيامهم وامتداد سلطانهم ثلثمائة سنة وسنة واحدة، وكان كل ملك يملك على اليونانيين من بعد الِاسكندر ابن فيلبس يسمى بطليموس، وهذا الاسم الأعم الشامل لملكهم، كتسمية ملوك الفرس كسرى، وتسمية ملوك الروم قيصر، وتسمية ملوك اليمن تبع، وتسمية ملوك الحبشة النجاشي، وتسمية ملوك الزنج فليمي، وقد ذكرت جملاً من مراتب ملوك العالم وسماتهم واسمهم الأعم الشامل لهم فيما سلف من كتابنا هذا، وسنورد بعد هذا الموضع في الموضع المستحق له من هذا الكتاب جملًا عند ذكرنا الملوك والممالك إن شاء الله تعالى.
ذكر؟ملوك الروم، وما قاله الناس في أنسابهم
وعدد ملوكهم، وتاريخ سنيهم؟؟
الاختلاف في نسب الروم
تنازع الناس في الروم، ولأية علة سموا بهذا الاسم، فمنهم من قال: سموا روما لِإضافتهم إلى مدينة رومية واسمها روماس بالرومية، وعرب هذا الاسم فسمي من كان بها روما، وكذلك الروم في لغتهم لا يسمون أنفسهم ولا يدعوهم أهل الثغور إلا رومينس، ومنهم من رأى أن هذا الاسم اسم للأب، وهو روم بن سماحلين بن هربان بن عقلا بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليه السلام، ومنهم من رأى أنهم سموا باسم جدهم، وهو رومي بن ليطن بن يونان بن يافث بن بريه بن سرحون بن رومية بن مربط بن نوفل بن روين بن الأصفر بن النفربن العيص بن إسحاق بن إبراهيم عليمه السلام وقد قيل من الوجوه غير ما ذكرنا، وقد ذكرنا فيما سلف من هذا الكتاب في باب اليونانيين نسب الِاسكندر واتصاله بهذا النسب، على ما ذكره الناس في ذلك، والله أعلم. وقد ولد للعيص ثلاثون رجلاً، فالروم الآخرة بنو الأصفر بن النفر بن العيص بن إسحاق، وقد ذكر جماعة ممن سلف من شعراء، العرب قبل ظهور الِإسلام ذلك لاشتهار ما وصفنا فيهم: منهم عدي بن زيد العِبَادي حيث يقول:
وبنو الأصفر الكرام ملوك الروم لم يبق منهم مذكور
وقد كان العيص بن إسحاق، وهو عيصو، تزوج من بنات الكنعانيين، فأكثر أولاده منهم، وقد قيل: إن العماليق وهم العرب البادية الذين كانوا بالشام من ولد النفار بن عيصو، وكذاك رعوئيل، بنا عيصو وهذا ما لا ينقاد إليه علماء العرب إلا في الروم دون ما ذكرنا من العماليق وغيرهم، وهذه الأنساب كلها تتعلق بما في التوراة وغيرها من كتب العبرا نيين.
؟؟أول ملوك الروم
قال المسعودي: وغلبت الروم على ملك اليونانيين لأخبار يطول ذكرها ويتعذر في هذا الكتاب شرحها، وكان أول من ملك من ملوك الروم فيها ساطوخاس، وهو جاليوس الأصغر بن روم بن سماحليق، فكان ملكه اثنتين وعشرين سنة، وقد قيل: إن أول من ملك من ملوك الروم قيصر، واسمه غالوس بن كوليوس، ثمان عشرة سنة، وفي نسخة أخرى أن أول من ملك من ملوك الروم بعد اليونانيين توليس، سبع سنين ونصفاً، وكانت مدينة رومية بنيت قبل الروم بأربعمائة سنة.
؟؟أغسطس
ثم ملك بعده أغسطس قَيصر، ستاً وخمسين سنة، وهذا الملك هوأول من سمي من ملوك الروم قيصر، وهو الثاني من ملوكهم، وتفسير قيصر بُقِر أي شق عنه، وذلك أن أمه ماتت وهي حامل به فشق بطنها فكان هذا الملك يفتخر في وقته بأن النساء لم تلده، وكذلك من حدث بعده من ملوك الروم ممن كان من ولده يفتخرون بهذا الفعل وما كان من أمهم، فصارت سِمَة لمن طرأ بعده من ملوك الروم، والله أعلم.
مولد المسيح
(1/137)

وغزا هذا الملك الشام ومصر والِاسكندرية، وأزال من بقي من ملوك الاسكندرية ومقدونية وهي مصر، وقد قدمنا أن كل ملك كان يلي مقدونية والاسكندرية يسمى بطليموس، واحتوى هذا الملك أعني أغسطس على خزائن ملوك الِاسكندرية ومقدونية، ونقلها إلى رومية، وكانت له حروب كثيرة في الأرض، وقد أتينا على ذكرها فيما سلف من كتبنا، وكان يعبد الأوثان، وبنى بأرض الروم مدناً وكوَّر كوراً نسبت تلك المدن إليه: منها قيسارية، وكذلك بالشام بساحل فلسطين مدينة قيسارية، وكان مولد المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام بها، وهو يسوع الناصري على حسب ما قدمناه، لاثنتين وأربعين سنة خلت من ملك قيصر أغسطس هذا، فكان من ملك الاسكندر إلى مولد المسيح ثلثمائة سنة وتسع وششون سنة، ورأيت في مدينة أنطاكية في بعض تواريخ الروم الملكية في كنيسة القسبان أنه كان من ملك الاسكندر إلى مولد المسيح ثلاثمائة سنة وتسع سنين، وكان مولد يسوع الناصري لِإحدى وعشرين سنة خلت من ملك هيرثوس ملك بني إسرائيل في ذلك العصر بإيليا من بلاد فلسطين، وهي أورشليم بالعبرانية، فمن هبوط آدم إلى مولد المسيح في تواريخ أصحاب الشرائع من أهل الكتب خمسة آلاف سنة وخمسمائة سنة وخمسون سنة.وأقام أغسطس وهو قيصر ملكاً بعد مولد المسيح أربع عشرة سنة ونصفاً وكان مدة ملكه على الروم برومية وفي سائر أسفاره ستاً وخمسين سنة، على حسب ما قدمنا من موته ولسع الحية إياه بمقدونية، وجفاف نصفه، وذهاب سمعه.وبصره عند ذكرنا لفعل قلبطرة بنفسها في الباب الذي قبل هذا الباب.
طيياريوس وقلودييس
ثم ملك الروم بعده طيباريوس وكان مدة ملكه اثنتين وعشرين سنة، ولثلاث سنين بقيت من ملكه رفع المسيح عليه السلام، ولما هلك هذا الملك برومية اختلفت الروم وتحزبت، فأقاموا على اختلاف الكلمة والتنازع في الملك مائتي سنة وثمانياً وتسعين سنة، لا نظام لهم، ولا ملك يجمعهم.ولما انقضى، ما ذكرنا من المدة ملكوا عليهم طباريس غانس بمدينة رومية، فكان ملكه أربع سنين، والقوم لا يعرفون غير عبادة التماثيل والصور.
مقتل أتباع المسيح
ثم ملك بعد قلوديس أربع عشر، سنة، وذلك برومية، وهو أول ملك من ملوك الروم شرع في قتل النصارى واتباع المسيح. وقيل: إن في أيامه قتل برومية بطرس، واسمه باليونانية شمعون، والعرب تسميه سمعان، هو وبولص، وصلبا منكسين، وما كان من خبرهما مع سيما الساحر برومية، وهما ممن أتى إلى أنطاكية وأخبر اللّه عزّ وجلّ عنهما في سورة يس، ثم كان لهما بعد ذلك نبأ عظيم، وذلك بعد ظهور دين النصرانية برومية، فجعلا في أجْرِبَة من البلور، فهما على ذلك بمدينة رومية في بعض الكنائس إلى هذه الغاية، على حسب ما قدمنا آنفاً فيما سلف من هذا الكتاب، وأكثر من عني بأخبار العالم وسير ملوكهم وتاريخهم، يذهب إلى أنهما قتلا برومية في ملك الخامس من ملوك الروم، وتفرق تلاميذ يسوع الناصري في الأرض، فسار ماري إلى ما دَنَا من العراق فمات بمدينة دير قُنَى والصافية على شاطىء دجلة بين بغداد وواسط، وهذا البلد بلد علي بن عيسى بن داود بن الجراح ومحمد بن داود بن الجراح وغيرهما من الكتاب فقبره هناك في كنيسة إلى وقتنا هذا، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، يعظمه أهل دين النصرانية، ومضى توما، وكان من الاثني عشر، إلى بلاد الهند داعياً إلى شريعة المسيح، فمات هناك، وسار آخر إلى آخر مدينة بخراسان، فمات هنالك وموضع قبره مشهور يعظمه النصارى، ومنهم من رأى أنه مات ببلاد دقوقا وخانيجار وكرخ حدان في تخوم العراق، وموضعه مشهور، ومات مارقس بالِاسكندرية من أرض مصر، وقبره هناك، وهو أحد التلاميذ الأربعة الذين ألفوا الإِنجيل، وقد كان لمارقس مع أهل مصر
(1/138)

خبرظريف في مقتله، وقد أتينا على السبب في ذلك في كتابنا الأوسط الذي، كتابُنَا هذا تالٍ له، وأتينا على قصته مع أهل مصر ووصيته لهم حين أراد المسير إلى المغرب: إنه مَنْ جاءكم على صورتي فاقتلوه، فإنه سيرد عليكم بعدي أُناس يتشبهون بي، فبادروا إلى قتلهم، ولا تقبلوا منهم ما يقولون، ومضى، وغاب عنهم برهة من الزمان، ولم يلحق بحيث أراد، فرجع إليهم، فلما هموا بقتله قال لهم: ويحكم أنا مارقس، قالوا: لا، وقد أخبرنا أبونا مارقس، وعهد إلينا بقتل من يتشبه به، قال: فإني أنا مارقس، قالوا: لا سبيل إلى تركك، ولا بد من قتلك، فقتلوه، وكان قبل ذلك سئل في بدء الأمر عن البراهين المؤيدة لقوله، وطلبوا منه المعجزات، وقال له بعضهم: إن كنت صادقَاَ فيما أتيتنا به فاعرج إلى هذه السماء، ونحن نراك، فنزع عنه زربانقته وأتزر بمئزر صوف على أن يصعد إلى السماء، فتعلق به جماعة من تلامذته، وقالوا له: إن مضيت فمن لنا بعمك إذ كنت الأب. وكان أمره بعد ذلك على ما وصفنا.
تلاميذ المسيح
وتلاميذ المسيح اثنان وسبعون تلميذاً واثنا عشر من غير الاثنين والسبعين، فأما الذين نقلوا الِإنجيل فهم: لوقا، ومارقس، ويوحًنّا، ومتى، ومنهم من الاثنين والسبعين لوقا وَمَتَّى، وقد يعد مَتَى أيضاً في الأثني عشر، ولا ادري ما معناهم في ذلك، والاثنان اللذان من الأثني عشر يوحنا بن زبدى، ومارقس صاجب الاسكندرية، والثالث الذي ورد أنطاكية، وقد تقدمه بطرس وتوما، وهو بولس، وهو الثالث المذكور في القرآن بقوله تعالى " فعزرنا بثالث " قال: وليس في سائر رهبان النصرانية من يأكل اللحم غير رهبان مصر؛ لأن مارقس أباح لهم ذلك.
ملك تيزون ملك طيطش وأسباسيانوس
ثم ملك الروم تيزون واستقام ملكه، ورغب في عبادة التماثيل والأصنام، ويقال: إنه قتل في ملكه بطرس وبولس برومية على حسب ما قدمنا ونمى دين النصرانية إلى الروم، فكثرت فيهم الدعاة إليه، فقتل هذا الملك منهم خلائق كثيرة، وكان ملكه أربع عشرة سنة وأشهراً.
ثم ملك بعده طيطش وأسباسيانوس مشتركين في الملك ثلاث عشرة سنة، وذلك بمدينة رومية، ولسنة خلت من ملك هذين الملكين سارا إلى الشام، وكانت لهما مع بني إسرائيل حروب عظيمة، وقتل فيها من بني إسرائيل ثلثمائة ألف، وخربا بيت المقدس وأحرقا الهيكل بالنار، وحرثاه بالبقر، وأزالا رسمه، ومَحَوا أثره، وكانت عبادتهما للأصنام. ووجدت في بعض كتب التواريخ أن اللّه عاقب الروم من ذلك اليوم الذي خربت فيه بيت المقدس أن يسبى كل يوم منهم سبي، يفعل ذلك من أطاف ببلادهم من الأمم، فلا يأتي يوم من أيام العالم إلا والسبي واقع بهم قَل ذلك أوأكثر.
جماعة من ملوك الروم
ثم ملك الروم بعدهما دوبطياس خمس عشرة سنة، عابداً للتماثيل معظمأ لها، ولتسع سنين من ملكه نفى يوحنا التلميذ أحد الأربعة من أصحاب الإِنجيل إلى بعض جزائر البحر، " ثم رده بعد ذلك.
ثم ملك بعده بيرنوس سنة.
ثم ملك بعده طريانوس سبع عشرة سنة يعبد الأصنام، ولتسع سنين خلت من ملكه مات يوحنا التلميذ.
ثم ملك بعده أدريانس إحدى عشرة سنة، يعبد التماثيل، وخرب سائر ما بنى بنو إسرائيل بالشام.
ثم ملك بعده أبطوليس برومية ثلاثاً وعشرين سنة، وبنى بيت المقدس وسماه إيليا، وهو أول من سماه بهذا الاسم إيليا.
ثم ملك بعده غرلس سبع عشرة سنة يعبد الأصنام.
ثم ملك بعده فرموثش يعبد الأوثان، ثلاث عشرة سنة.
ثم ملك بعده سويرس ثمان عشرة سنة.
ثم ملك بعده ولد له يُقال له أبطونيس يعبد التماثيل، سبع سنين.
ثم ملك بعده أبطونيس الثاني، أربع سنين، يعبد التماثيل، وفي آخر ملك هذا الملك مات جالينوس الطبيب.
ثم ملك بعده الإسكندر مامياس وتفسير مامياس العاجز، وكان يعبد التماثيل، وكان ملكه ثلاث عشرة سنة.
ثم ملك بعده مقسمس يعبد التماثيل، وكان ملكه ثلاث سنين.
ثم ملك بعده غردانس يعبد التماثيل، ست سنين.
دقيوس وأصحاب الكهف
(1/139)

ثم ملك بعده دقيوس يعبد الأوثان، ستين سنة، وأمعن في قتل النصرانية، وطلبهم، ومن هذا الملك هرب أصحاب الكهف، وقد أختلف الناس في أصحاب الكهف والرقيم : فمنهم من رأى أن أصحاب الكهف هم أصحاب الرقيم، وزعموا أن الرقيم هو ما رقم من أسماء أهل الكهف في لوح من حجر على باب تلك المغارة، ومنهم من رأى أن أصحاب الرقيم غير أصحاب الكهف، وقد ذكرنا كلا الموضعين بأرض الروم، وقد حكى أحمد بن الطيب بن مروان السرخسي تلميذ يعقوب بن إسحاق الكندي عن محمد بن موسى المنجم - حين أنفذه الواثق باللهّ من سُرّ مَنْ رأى إلى بلاد الروم حتى أشرف على أصحاب الرقيم، وهو الموضع المعروف من بلاد الروم بحارمي، وقد ذكرنا في الكتاب الأوسط قصة أصحاب الكهف، وموضعهم، وكيفية أحوالهم، إلى هذه الغاية، وخبر أصحاب الرقيم، وما حكاه محمد بن موسى المنجم من خبرهم، وقد لحقه من الموكل بهم حين أراد قتله بالسم، وقتل من كان معه من المسلمين، وأخبرنا عن خبر السد الذي بناه ذو القرنين مانعاً ليأجوج ومأجوج .؟ قال المسعودي : ووجدت في كتاب صور الأرض، وما عليها من الأبنية المعظمة والهياكل المشيدة، قد صور مقدار عرض السد فيما بين الجبلين دون الطول والذهاب في الصعد تسع درج ونصف من درج الفلك، فمقدار ذلك من الجبل إلى الجبل خمسون ومائة فرسخ، وهذا عند جماعة من أهل النظر والبحث مستحيل كونه، وقد أنكر ذلك محمد بن كثير الفرْغَاني المنجم، وتكلم عليه، وبرهن على فساده، وأفرد أحمد بن الطيب الذي قتله المعتضد بالله لما ذكرنا من الكهف والرقيم رسائل، وقد أتينا على جميع ما قيل في ذلك في كتابنا المترجم بالكتاب الأوسط.
ثم ملك جالنوس ثلاث سنين.
ثم ملك بعده يدنوس نحوا ًمن عشرين سنة، وقيل: خمس عشرة سنة.
ثم ملك بعده فورس نحواً من عشرين سنة.
ثم ملك بعده ولد له يقال له فارس نحواً من سنتين.
ثم ملك بعده قليطانس عشر سنين.
ثم ملك بعده قسطنطين.
عدد ملوك الروم، ومدة ملكهم
قال المسعودي: والذي وجدت في الأكثر من كتب التواريخ مما اتفقوا عليه أن عدة ملوك الروم الذين ملكوا بمدينة رومية، وهم الذين قدمنا ذكرهم في هذا الباب، تسعة وأربعون ملكاً، وجميع عدد سني ملكهم من أول ملك ملكهم على حسب ما ذكرنا من الخلاف في صدر هذا الكتاب إلى قسطنطين هذا، وهو ابن هلاني، أربعمائة وسبع وثلاثون سنة وسبعة أشهر وسبعة أيام، ونسخ كتب التواريخ في هذا المعنى مختلفة، وغير متفقة في أسماء ملوكهم، ومدة ملكهم، وأكثرها بالرومية، فحكينا من ذلك ما تأتى لنا وصفه، ولهؤلاء الملوك أخبار وسير، هي موجودة في كتب النصارى الملكية، وقد أتينا على مبسوطها، والغرض منها في كتابنا أخبار الزمان وما شَيدوا من البنيان، وما كان لهم في هذا العالم من الأسفار، وباللّه التوفيق.
ذكر ملوك الروم المتنصرة وهم ملوك القسطنطينية
ولمع من أخبارهم
قسطنطين وبناء القسطنطينية
(1/140)

ملك قسطنطين بعد أن هلك قليطانس برومية، وهو يعبد الأوثان، وكان أول ملك انتقل من ملوك الروم عن رومية إلى بوزنطيا، وهي مدينة القسطنطينية فبناها، وسماها باسمه إلى وقتنا هذا، وكان له لي بناتها خبر ظريف مع بعض ملوك برجان، لخوف داخله من بعض ملوك ساسان، وكان خروجه من رومية، ودخوله في دين النصرانية، لسنة خلت من ملكه، ولتسع سنين خلت من ملكه خرجت أمه هلاني إلى أرض الشام، فبنت الكنائس، وسارت إلى بيت المقدس، وطلبت الخشبة التي صلب عليها المسيح عندهم، فلما صارت إليها حًفتها بالذهب والفضة، واتخذت لوجودها عيداً، وهو عيد الصليب، وهو لأربع عشرة تخلو من أيلول، وفيه تفتح الترع والخلجانات ببلاد مصر، على حسب ما نورده عند ذكرنا لأخبار مصر من هذا الكتاب، وهي التي بنت كنيسة حمص على أربعة أركان، وذلك من عجائب بنيان العالم، واستخرجت الكنوز والدفائن بمصر والشام، وصرفت ذلك إلى بناء الكنائس، وتشييد دين النصرانية، وكل كنيسة بالشام ومصر وبلاد الروم، فإنها بنتها هذه الملكة هلاني أم قسطنطين، وجعل اسمها مع الصليب في كل كنيسة لها، وليس للروم في أحرفهم هاء، وأحرف هلاني خمسة أحرف، فالأول إمالة، وهو بحساب الجمل خمسة، والثاني - وهو الِلام - ثلاثون، والثالث إمالة أيضاً، وهي خمسة أيضا، والرابع النون وهي خمسون، والخامس ياء، وهو في حساب الجمل عشرة، فذلك مائة اختصاراً على ما ذكرنا، وهذه صورة الحرف الذي هو مائة بالرومية.
السنودسات الاجتماعات الستة
ولتسع عشرة سنة خلت من ملك قسطنطين ابن هلاني اجتمع ثلثمائة وثمانية عشر أسقفاً بمدينة نيقية بأرض الروم، فأقاموا دين النصرانية، وهذا الاجتماع أول الاجتماعات الستة التي يذكرها الروم في صلواتهم ويسمونها القوانين، ومعنى هذه الاجتماعات الستة بالرومية السنودسات، واحدها سنورس؟ فالأول بنيقية على ما ذكرنا من العدد، وكان الاجتماع فيه على أريوس، وهذا اتفاق من سائر أهل دين النصرانية من الملكية والمشارقة، وهم العباد الذين تسميهم الملكية وعامة الناس النسطورية، واتفاق من اليعاقبة على هذا السنودس أيضاً، والسنودس الثاني بالقسطنطينية على مقدونس، وعدة المجتمعين فيه من الأساقفة مائة وخمسون رجلاً، والسنودس الثالث بأفسوس وعددهم مائتا رجل، والسنودس الرابع بخلقدونية، وعددهم ستمائة وستون رجلاً، والسنودس الخامس بقسطنطينية، وعددهم مائة وستة وأربعون رجلاً، والسنودس السادس كان في مملكة المدائن، وعددهم مائتان وتسعة وثمانون رجلاً، وسنذكر بعد هذا الموضع في ترتيب ملوك الروم هذه السنودسات، وغلبة دين النصرانية، وزوال عبادة التماثيل والصور.
سبب تنصر قسطنطين
وكان السبب في دخول قسطنطين بن هلاني في دين النصرانية والرغبة فيه أن قسطنطين خرج في بعض حروب برجان، أو غيرهم من الأمم، وكانت الحرب بينهم سجالاً نحواً من سنة، ثم كانت عليه في بعض الأيام، فقتل من أصحابه خلق كثير، فخاف البَوَار، فرأى في النوم كأن رماحاً نزلت من السماء، فيها عذاب، وأعلاماً على رؤوسها صلبان من الذهب والفضة والحديد والنحاس، وأنواع الجواهر والخشب وقيل له: خذ هذه الرماح، وقاتل بها عدوك تنصر، فجعل يحارب بها في النوم، فرأى عدوه منهزماً، وقد نصر عليه، وولاه الدبر، فاستيقظ من رقدته، ودعا بالرماح فركب عليها ما ذكرنا، ورفعها في عسكره، وزحف إلى عدوه، فولوا وأخذهم السيف، فرجع إلى مدينة نيقية، وسأل من أهل الخبرة عن تلك الصلبان، وهل يعرفون ذلك في شيء من الآراء والنحل ؟ فقيل له: إن بيت المقدس من أرض الشام مَجْمع لهذا المذهب، وأخبر بما فعل مَنْ قبله من الملوك من قتل النصرانية، فبعث إلى الشام، وإلى بيت المقدس، فحشد له ثلثمائة وثمانية عشر أسقفاً، فأتوه وهو بنيقية، فقص عليهم أمره، فشرعوا له دين النصرانية، فهذا هو السنودس الأول، وهو الاجتماع على ما ذكرنا، وقد قيل: إن أم قسطنطين هلاني كانت قد تنصرت وأخفت ذلك عنه قبل هذه الرؤيا.
(1/141)

وكان ملك قسطنطين إلى أن هلك إحدى وثلاثين سنة، وفىِ وجه آخر من التاريخ أنه ملك خمساً وعشرين سنة، وقد أتينا على أخباره وحروبه وخروجه مرتاداً لموضع القسطنطينية، ووروده إلى هذا الخليج الآخذ من بحر مايطس ونيطس في كتابنا أخبار الزمان وفي الكتاب الأوسط، وإن خليج القسطنطينية يأخذ من هذا - البحر، ويجري فيه الماء جريَاَ، ويصب إلى بحر الشام، ومسافة هذا الخليج ثلثمائة وخمسون ميلاً، وقيل: أقل من ذلك، وعرضه في الموضع الذي يأخذ من بحر مايطس نحو من عشرة أميال، وهناك عمائر، ومدينة للروم تدعى سباه، تمنع من يرد في هذا البحر من مراكب الروس، وغيرها، ثم يضيق هذا الخليج عند القسطنطينية، فيصير عرضه - وهو موضع العبور من الجانب الشرقي إلى الموضع الغربي الذي فيه القسطنطينية - نحواً من أربعة أميال، وعليه العمائر، وينتهي في ضيقه إلى الموضع المعروف بالأندلس، وهناك جبال وعين ماء كثير، ماؤها موصوف، تعرف بعين مَسْلمة بن عبد الملك وكان نزولها عليها حين حاصر القسطنطينية، وأتته مراكب المسلمين، وفم هذا الخليج مما يلي بحر الشام، ومنتهى مصبه مضيق، وهناك برج يمنع من فيه من يرد من مراكب المسلمين في الوقت الذي كانت للمسلمين فيه مراكب تغزو الروم، وأما الآن فمراكب الروم تغزو بلاد الِإسلام، ولله الأمر من قبل ومن بعد، وأخبرني أبو عمير عديُّ بن أحمد بن عبد الباقي الأزدي - وهو شيخ الثغور الشامية. قديماً وحديثاً إلى وقتنا هذأ، وهو من أهل التحصيل - أنه لما عبر إلى القسطنطينية في هذا الخليج حين دخل لإقامة الهدنة والفداء كان يتبين جرية هذأ الماء وتردده مما يلي بحر مايطس، وربما يتبين في الماء الذي يلي بحر الشام فيجده فاتراً، وهذا يدل على الَصال ماء هذين البحرين، وأنه قد دخل في بحر الروم إلى هذا الخليج أيضاً، وسمعت غير واحد من أهل التحصيل ممن غزا غزاة سلوقية مع غلام زرافة - وقد كانوا قد دخلوا إلى خليج القسطنطينية، وساروا فيه مسافة بعيدة - أنهم وجدوا الماء فيِ هذا الخليج يقل في أوقات من الليل والنهار ويكثر كالمد والجزر، وعليه العمائر والمدن، فلما أحسوا بنقص الماء بادروا بالخروج منه إلى البحر الرومي، وأن في مدخله من بحر الروم مدينة تقرب من فم الخليج، والخليج يطيف بالقسطنطينية من جهتين مما يلي الشرق ومما يلي الشمال، وفي الجانب الجنوبي البر، وفيه باب الذهب مطلي على صفائح النحاس، وهو عدة أسوار مما يلي الغرب، وفيه قصر وأعلى أسوارها الغريبة نحو من ثلاثين فراعاً، وقد ذكر أنه أقل من ذلك، وأن أقصر موضع فيه عشرة أفرع، وأعلى موضع من سورها ما كان مما يلي الجنوب، فأما ما كان مما يلي الخليج فسور واحد، وفيه قصر وبواشيِر وأبراج كثيرة، ولها أبواب كثيرة مما يلي البر والبحر، وحولها كنائس كثيرة، وقد قيل: إن لها ثلاثين بابا، ومنهم من زعم أن عليها مائة باب صغاراً وكباراً وهو بلد عفن مختلف المهاب مرطب للأبدان لكونه بين ما وصفنا من هذه البحار.
قال المسعودي: ولم تزل الحكمة باقية عالية زمن اليونانيين، وبرهة من مملكة الروم، تعظم العلماء وتشرف الحكماء، وكانت لهم الآراء في الطبيعيات والجسم والعقل والنفس، والتعاليم الأربعة - أعني: الإرتماطيقي، وهو علم الأعداد والجو مطريقَي، وهو علم المساحة والهندسة، والاسترونوميا، وهو علم النجوم، والموسيقى وهو علم تأليف اللحون - ولم تزل العلوم قائمة السوق، مشرقة الأقطار قوية المعالم، شديدة المقاوم، سامية البناء، إلى أن تظاهرت ديانة النصرانية في الروم، فعفوا معالم الحكمة، وأزالوا رسمها، ومحوا سبلها، وطمسوا ما كانت اليونانية أبانته، وغيروا ما كانت القدماء منهم أوضحته.
الموسيقى وشرفها
(1/142)

وكان من شريف ما تركته المعرفة بعلم الموسيقى لأنه غذاء للنفس، ومطرب لها، وملهيها، تبتهج عند سماعه، وتحن إلى تأليف أوضاعه، وقد نطقت الحكماء بشرفه، ونبهت على نفاسه محله، فقال الإسكندر: مَنْ فهم الألحان استغنى عن سائر اللذات، وقد قالت الفلاسفة: أن النغم والأغاني فضيلة شريفة كانت تعذرت عن المنطق ليست في قدرته، فلم يقدر على إخراجها، فأخرجتها النفس ألحاناً، فلما أظهرتها سُرت بها وعشقتها وطربت إليها، ورتبت الحكماء الأوتار الأربعة بازاء الطبائع الأربع، فجعلوا الزير بازاء المرة الصفراء، والمثنى إزاء الدم، والمثلث بازاء البلغم والبم بازاء المرة السوداء، وقد أشبعنا القول في الموسيقى وأصحاب الملاهي والإيقاع وأصناف الرقص والطرب والنغم ونسب النغم وما استعملته كل أمة من الأمم، من أصناف الملاهي، من اليونانيين والروم والسريانيين والنبط والسند والهند والفرس وغيرهم من الأمم، وذكرنا مناسبة النغم للأوتار، وممازجة النفس والألحان وكيفية تولد الطرب وأنواع السرور وذهاب الغم وزوال الحزن، وعللً ذلك الطبيعية والنفسية، وما أحاط بذلك من جميع الوجوه، في كتابنا المترجم بكتاب الزلف وأتينا على ظريف أخبارهم وأنواع لهوهم وملاهيهم في كتاب أخبار الزمان وفي الكتاب الأوسط فأغنى ذلك عن إعادته ههنا؟ إذ هذا الكتاب في غاية الإيجاز، وإن سنح لنا سانح ذكرنا لمعا من هذه الجوامع فيما يرد من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، وإن تعذر ذلك فقد قدمنا التنبيه على ما سلف من كتبنا، على الشرح والإيضاح.
قسطنطين ولليانس
ثم ملك الروم بعد قسطنطين بن هلاني الملك المنتصر قسطنطين بن قسطنطين وهو ابن الملك الماضي، وكان ملكه أربعاً وعشرين سنة، وبنى كنائس كثيرة، وشيد دين النصرانية.
ثم تملك ابن أخي قسطنطن الأول لليانس فرفض دين النصرانية، ورجع إلى عبادة الأوثان، وهو لليانس المعروف بالحنيفي. وأهل دين النصرانية لبغضهم فيه لرجوعه عن النصرانية وتغييره لرسومها يسمون لليانس لبزطاط وغزا العراق في ملك سابور بن أردشير بن بابك، فأتاه سهمٌ غرْب فذبحه، وقد كان سار إلى العراق في جنود لا تحصى، ولم يكن لسابور حيلة في دفعه ولقائه لمفاجأته إلاه، فانصر فسابور عن اللقاء إلى الحيلة في دفعه وكان من أمره ما وصفنا من سهم الغرب. وكان ملكة إِلى أن هلك سنة، وقيل كثر من ذلك، وهو الملك الثالث من بعد ظهور دين النصرانية.
يونياس
ولما هلك لليانس جزع مَنْ كان معه من الملوك، والبطارقة، والجيوش، ففزعوا - إلى بطريق كان معظماً فيهم، يقال له يونياس، وقيل: إنه كان كاتب الماضي، فأبى عليهم أن يتملك إلا أن يرجعوا إلى دين النصرانية، فأجابوه إلى ذلك وضايق سأبور القوم، وأحاط بعسكرهم؟ فكان ليونياس مع سأبور مراسلات ومهادنة واجتماع ومحادثة ومعاشرة، ثم افترقا، وانصرف بجيوش النصرانية مُوَادعاً لسابور، وأخلف عليه ما أتلف من أرضه بأموال حملها إليه، وهدايا من لطائف الروم، وشد هياكل في دين النصرانية، وردها إلى ما كانت عليه، ومنع من الأصنام والتماثيل، وقتل على عبادتها، وكان ملكه سَنة.
ثم ملك بعله أوالس وهو على دين النصرانية، ثم رجع عنها، وهلك في بعض حروبه، وكان ملكه إلى أن هلك أربع عشرة سنة.
يقظة أهل الكهف
وقيل: إِن في أيامه استيقظ أصحاب الكهف من رَقْدَتهم على حسب ما أخبر الله جل ثناؤه عنهم بَعَثُوا أحدهم بورِهِهِمْ إلى المدينة، وهذا الموضع من أرض الروم في الشمال، وللناس ممن عني بعلم الفلك في ازورار الشمس عن كهفهم في حال طلوعها وغروبها لموضعهم من الشمال كلام كثير، وقد أخبر الله تعالى في كتابه عن ذلك فقال " وترى الشمس إذا طلعت تَزَاوَرُ عن كهفهم " - الآية وكانوا من أهل مدينة أفسيس من أرض الروم.
غراطاس وتدوسيس
ثم ملك بعد أوالس غراطياس خمس عشرة سنة، ولسنة من ملكه كان اجتماع النصرانية، وهو أحد الاجتماعات فأتموا القول في روح القدس عندهم وأحرقوا مقدونس بطريق القسطنطينية، وهو السنودس الثاني.
ثم ملك بعده تدوسيس الأكبر، وتفسير هذا الاسم عندهم عطية الله
(1/143)

وقام بدين النصرانية، وعَظم منها، وبنى كنائس، ولم يكن من أهل بيت الملك ولا من الروم، وإنما كان أصله من الأشباب، وهم بعض الأمم السالفة، وقد كانت ممن ملك الشام ومصر والمغرب والأندلس، وقد تنازع الناس فيهم: فذكر الواقدي في كتابه فتوح الأمصار أن بدأهم من أهل أصبهان، وأنهم ناقلة من هنالك، وهذا يوجب أنهم من قبل ملوك فارس الأولى، وذكر عبيد الله بن خرداذبة نحو ذلك وساعدهما على ذلك جماعة من أهل السير والأخبار، والأشهر من أمرهم أنهم من ولد يافث بن نوح، سهم ملوك الأندلس من اللذَارقة واحدهم لذريق، وقد تنوزع في دياناتهم: نمنهم من رأى أنهم كانوا على دين المجوس، ومنهم من رأى أنهم كانوا على مذهب الصابئة وغيرهم من عبدة الأصنام، وقد قلنا: إن الأشهر من أنسابهم أنهم من ولد يافث بن نوح، فكان مدة ملك تدوسيس إلى أن هلك عشر سنين.
جماعة من ملوكهم
ثم ملك بعده أرقاديس أربع عشرة سنة، وكان على دين النصرانية.
ثم ملك بعده ابنه تدوسيس الأصغر، وذلك بمدينة أفسيس، وجمع مائتي أسقف، وهذا الاجتماع الثالث الذي قدمنا ذكره آنفا، ولعن فيه نسطورس البطرك، وقد ذكرنا في كتابنا أخبار الزمان الحيلة التي وقعت على نسطورس بَطْرك القسطنطينية من صاحب الكرسي بالإسكندرية، وما كان من نسطورس، ونفيه ليوحنا المعروف بالراهب، وما كان من يدوقيا زوجة الملك إلى أن نفي نسطورس من القسطنطينية إلى إنطاكية ثم منها إلى صعيد مصر، والمشارقة من النصارى أضيفوا إلى نسطورس لأنهم اتبعوه وقالوا بقوله: وإنما وسمتهم الملكية بهذا الاسم لتعَيِّرهم وتعيبهم بذلك، وقد كانت المشارقة بالحيرة وغيرها من الشرق تَدْعَى بالعِبَاد، وسائر نصارى المشرق يأبون هذه الإضافة إلى نسطورس، ويكرهون أن يقال لهم نسطورية، وقد أيد برصوما مطران نصيبين رأي المشارقة في الثالوث، وهو الكلام في الأقاليم الثلاثة والجوهر الواحد وكيفة اتحاد اللاهوت القديم بالناسوت المًحْدَث، وكان ملك تدوسيس الأصغر إلى أن هلك اثنتين وأربعين سنة.
اليعاقبة
ثم ملك بعده مرقيانوس، ثم ملك الروم بلخاريا زوجة مرقيانوس، وكانت ملكة معه، وفي أيامها كان خبر اليعاقبة من النصارى، ووقع الخلاف بينهم في الثالوث؟ فكان ملكها سبع سنين، وأكثر اليعاقبة بالعراق وبلاد تكريت والموصل والجزيرة ومصر وأقباطها إلا اليسير فإنهم ملكية، والنوبة والأرمن يعاقبة، ومطران اليعاقبة بتكريت بين الموصل وبغداد، وقد كان لهم بالقرب من رأس العين واحد فمات، وصاحبهم اليوم بناحية حلب ببلاد قنسرين والعواصم، وكرسي اليعاقبة رسمه أن يكون بمدينة إنطاكية، وكذلك لهم كرسي بمصر، ولا أعلم لهم غير هذين الكرسيين، وهما مصر وإنطاكية.
ثم ملك بعدهما اليون الأصغر بن اليون، وكان ملكه ست عشر سنة، وفي أيامه أحرم مسعرة اليعقوبي بطرك الإسكندرية، واجتمع له من الأساقفه ستمائة وثلاثون أسقفاً، وفي تاريخ الروم أن عدة المجتمعين ستمائة وستون رجلاً، وذلك بخلقدونية، وهذا الاجتماع هو السنودس الرابع عند الملكية، واليعاقبة لا تعتد بهذا السنودس، ولهم خبر ظريف في قصة سوار في البطرك، وما كان من أمره، وخبر تلميذه يعقوب البراذعي، ودعوته إلي مذهب سواري، واليعاقبة أضيفت إلى منصب يعقوب البراذعي هذا،. وبه عرفت، وكان من أهل إنطاكية يعمل البرادع.
ثم ملك بعده اليون الأصغر ابن اليون، سنة على دين الملكية.
ثم ملك بعده زينو، وهو من بلاد الأرمينيان، وكان يذهب إلى رأى اليعقوبية، وكان ملكه سبع عشرة سنة، وكانت له حروب مع خوارج عليه في دار الملك، فظفر بهم.
ثم ملك بعده نسطاس وكان يذهب إِلى مذهب اليعقوبي، وبنى مدينة عمورية، وأصاب كنوزاً ودفائن عظيمة، وكان ملكه إلى أن هلك تسعاً وعشرين سنة.
ثم ملك بعده يوسطاناس تسع سنين.
(1/144)

ثم ملك بعده يوسطانياس تسعاً وثلاثين سنة، وقيل: أربعين، وبنى كنائس كثيرة، وشيد دين النصرانية، وأظهر مذهب الملكية، وبنى كنيسة الرها، وهي إحدى عجائب العالم، والهياكل المذكورة، وقد كان في هذه الكنيسة منديل يعظمه النصارى، وذلك أن يسوع الناصري - حين أخرج من ماء المعودية - تنشف به؟ فلم يزل هذا المنديل يتداول إلى أن قرر بكنيسة الرها، فلما أشتد أمر الروم على المسلمين وحاصروا الرها في هذه السنة - وهي سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - أعطى هذا المنديل للروم، فجنحوا إلى الهندنة، وكان للروم عند تسلمهم هذا المنديل فرح عظيم.
ثم ملك بعده ابن أخيه نوسطيس ثلاث عشرة سنة، على رأي الملكية.، ثم ملك بعده طباريس أربع سنين، وأظهر في ملكه أنواعاً من اللباس والآلات وآنية الذهب والفضة وغير ذلك من الات الملوك.
ثم ملك بعده موريقس عشرين سنة، ونصر كسرى أبرويز على بهرام جوبين، فقتل غيلة، وبعث أبرويز غضباً له بجيوش إلى الروم، وكانت لهم حروب على حسب ما قدمنا .
ثم ملك بعده فوقاس ثمان سنين إلى أن قتل أيضاً.
ثم ملك بعده هرقل وكان بطريقاً في بعض الجزائر قبل ذلك، فعمر بيت المقدس، وذلك بعد انكشاف الفرس عن الشام، وبنى الكنائس، ولسبع سنين من ملكه كانت هجِرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة شَرفها الله تعالى.
ذكر ملوك الروم بعد ظهور الإسلام
ملك الروم في عهد مولد رسول الله
صلى الله عليه وسلم
قال المسعودي: وَجَدْتُ في كتب التواريخ تنازعاً في مولد النبي صلى الله عليه وسلم، وفي عصر مَنْ كان من ملوك الروم: فمنهم مَنْ ذهب إلى ما قدمنا من مولده وهجرته، ومنهم من رأى أن مولده عليه الصلاة والسلام كان في ملك بوسطينوس الأول، وكان ملكه تسعاً وعشرين سنة.
ثم ملك بوسطينوس الثاني، وكان ملكه عشرين سنة.
ثم ملك هرقل بن بوسطينوس، وهو الذي ضرب الدنانير والدراهم الهرقلية، وكان ملكه خمس عشرة سنة.
ثم ملك بعده ابنه مورق بن هرقل: والذي في كتب الزيجات في النجوم وعليه يعمل أهل الحساب، وفي تواريخ ملوك الروم ممن سلف وخلف، أن ملك الروم كان في وقت ظهور الإسلام وأيام أبى بكر وعمر هرقل وليس هذا الترتيب فيما عداها من كتب التواريخ وأصحاب الأخبار والسير، إلا في اليسير منها، وفي تواريخ أصحاب السير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هاجر وملكُ الروم قيصر بن مورق.
في عهد خلفاء الإسلام
ثم ملك بعده قيصر بن قيصر، وذلك في خلافة بكر الصديق رضي الله عنه.
ثم ملك على الروم هرقل بن قيصر، ذلك في خلافه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو الذي حاربه أمراء الإسلام الذين فتحوا الشام مثل أبي عييدة بن الجراح، وخالد بن الوليد، ويزيد بن أي سفيان وغيرهم من أمراء الإسلام، حين أخرجوه من الشام.
وكان الملك على الروم مورق بن هرقل في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه.
في عهد علي ومعاوية
ثم ملك مورق بن مورق في خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأيام معاوية بن أبي سفيان.
ثم ملك بعده قلفط بن مورق بقية أيام معاوية، وكان بينه وبين معاوية مراسلات ومهادنات، وكان المختلف بينهما فناق الرومي غلام كان لمعاوية، وقد كان معاوية هادَنَ أباه مورق بن مورق حين سار إلى حرب علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكان بَشره بالملك، وأعلمه أن المسلمين تجتمع كلمتهم على قتل صاحبهم يعني عثمان، ثم يؤول الملك إلى معارية، وقد كان معاويهّ يومئذ أميراً على الشام لعثمان في خبر طويل قد أتينا على ذكره في الكتاب الأرسط، وأن ذلك من علم الملاحم يتوارثه ملوك الروم عن أسلافهم، وكان ملك قلفط بن مورق في الأخر من أيام معاوية وأيام يزيد بن معاوية وأيام معاوية بن يزيد وأيام مروان بن الحكم وصدراً من أيام عبد الملك بن مروان.
في عهد الدولة المروانية
ثم ملك لاون بن قلفط في أيام عبد الملك بن مروان، وكان الملك بعده جيرون بن رون في أيام الوليد بن عبد الملك وأيام سليمان بن عبد الملك وخلافة عمر بن عبد العزيز، ثم اضطرب ملك الروم لما كان من أمر مَسْلَمة بن عبد الملك وغَزْو المسلمين إياهم في البر والبحر، فملكوا عليهم رجلًا من غير أهل بيت الملك من أهل مرعش، يقال له جرجيس، وكان ملكه تسع عشرة سنة.
في عهد الدولة العباسية
(1/145)

ولم يزل ملك الروم مضطرباً إلى أن ملكهم قسطنطين بن اليون، وذلك في خلافة أبي العباس السفاح وأبي جعفر المنصور أخيه، ثم ملك بعده اليون بن قسطنطين، وذلك في أيام المهدي والهادي، ثم ملك بعده - قسطنطين بن اليون، وكانت أمه أريش ملكة معه، مشاركة له في الملك، لصغر سنه في أيام هارون الرشيد، فمات قسطنطين بن اليون وسملت عينا أمه بعد ذلك لأخبار يطول ذكرها، ثم ملك على الروم يعفور بن اسدراق، وكانت بينه وبين الرشيد مراسلات، وغزاه الرشيد، فأعطاه القود من نفسه بعد بغي كان منه في بعض مراسلاته، فانصرف الرشيد عنه، ثم غدر ونقض ما كان أعطاه من الانقياد وكُتم عن الرشيد أمره، لعارض علة كان وجدها بالرقة، وفي انقياد يعفور إلى الرشيد وحَمْله الأموال والهدايا والضريبة إليه يقول أبو العتاهية :
إمامَ الهدى أصْبَحْتَ بالدين مَعْناً ... وَأصْبَحْتَ تسقي كل مستمطرٍ رَيا
لك اسمان شُقَا من رشاد ومن هدى ... فأنت الذي تدعي رشيداً ومهديَّا
إذا ما سخطْتَ الشيء كان مُسَخّطاً ... وإن ترض شيئاً كان في الناس مرضيّا
بسطت لنا شرقاً وغرباً يَدَ العلا ... فأوسعت شرقياً وأوسعت غربيّا
وغَشَّيا وجه الأرض بالجود و الندي ... فأصبح وجه الأرض بالجود مغشيا
وأنت، أميرَ المؤمنين، فتى التقى ... نشرت من الِإحسان ما كان مَطْويا
قضى اللّه أن صَفى لهارون ملكه ... وكان قضاء الله في الخلق مَقْضيا
تحببت الدنيا لهارون بالرضا ... وأصبح يعفور لهارون ذميا
فلما عوفي الرشيد من علته دخل عليه بعض الشعراء وقد هابه الناس أن يخبروه بغدْر يعفور، فقال:
نقض الذي أعطاكه يعفور ... فعليه دائرةُ البوار تدُور
أبشر، أمير المؤمنين، فإنه ... فتحٌ أتاك به الِإلهُ كبيرُ
فتْح يزْيد على الفتوح، يَؤُمنَا ... بالنصر فيه لِوَاؤُك المنصور
فلقد تباشَرَتِ الرَعِيَّة أن أتىِ ... بالغدر عنه وافد وَبَشِير
وَرَجَتْ بِيُمْنِكَ أن تُعَجِّل غزوَةَ ... تشفي النفوسَ، نَكَالُهَا مذكور
يعفور، إنك حين تَغْدِرُ أنْ نأى ... عنك الإمام لَجَاهِلٌ مغرور
أظننت حين غدرت أنك مُفلِتٌ ... هَبِلَتْكَ أمك، ما ظننت غُرُور
إن الإمام على اقتسارك قادر ... قَرُبتْ دِيارك أم نأت بك عور
لَيْسَ الِإمام وإن غفلنا غَافلأ ... عما يسوس بحزمه ويدير
ملك تجَرد للجهاد بنفسه ... فعدُؤُهُ أبداً به مقهور
يامن يريد رضا الإله بسعيه ... والله لا يَخْفي عليه ضمير
لانصح ينفع من يَغُشُ إمامه ... والنصح من نصحائِهِ مشكور
نُصْحُ الِإمام على الأنام فريضة ... ولأهله كفارة وظهور
وهي طويلة، فلما أنشده إياها قال الرشيد: أو قد فعَلَ؟ وعلم أن الوزراء قد احتالوا، فتجهز وغزاه، ونزل على هرقلة، وذلك في سنة تسعين ومائة.
الرشيد يحاصر هرقلة
(1/146)

وأخبرني أبو عمير عديّ بن أحمد بن عبد الباقي الأزدي أن الرشيد لما أراد النزول على حصن هرقلة - وكان معه أهل الثغور، وفيهم شيخا الثغور الشامية مخلد بن الحسين، وأبو إسحاق الفزاري صاحب كتاب السير - فخلا الرشيد بمخلد بن الحسين، فقال: أي شيء تقول في نزولنا على هذا الحصن؟ فقال: هذا أول حصن لقيتَ من حصون الروم: هو في نهاية المنعة والقوة فإن نزلت عليه وسهل الله فتحه لم يتعذر عليك فتح حصن بعده، فأمره بالانصراف، ودعا بأبي إسحاق الفزاري فقال له مثل ما قال لمخلد، فقال: يا أمير المؤمنين هذا حصن بنته الروم في نَحْر الدروب، وجعلته لها ثغراً من الثغور، وليس بالاهل، فإن أنت فتحته لم يكن فيه ما يعم المسلمين من الغنائم، وإن تعذر فتحه كان ذلك نقصاً في التدبير، والرأي عندي أن يسير أمير المؤمنين إلى مدينة عظيمة من مدن الروم، فإن فتحت عَمًتْ غنائمها المسلمين، وإن تعذر ذلك قام العذر، فمال الرشيد إلى قول مخلد، فنزل على هرقلة، ونصب حولها الحرب تسعة عشر يوماً، فأصيب خلق كثير من المسلمين، وفنيت الأزواد والعلوفات، وضاق صدر الرشيد من ذلك، فأحضر أبا إسحاق الفزاري، فقال: يا إبراهيم قد تَرَى ما نزل بالمسلمين، فما الرأي الآن عندك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، قد كنت أشفقت من هذا، وقدمت القول فيه ورأيت أن يكون الجد والحرب من المسلمين على غير هذا الحصن، وأما الآن فلا سبيل إلى الرحيل عنه من بعد المباشرة، فيكون ذلك نقصاً في الملك. ووهناً في الدين، وإطماعاً لغيره من الحصون في الامتناع عن المسلمين، والمصابرة لهم، لكن الرأي يا أمير المؤمنين أن تأمر بالنداء في الجيش أن أمير المؤمنين مقيم على هذا الحصن إلى أن يفتحه اللّه عز وجلّ للمسلمين، وتأمر بقطع الخشب وجمع الأحجار وبناء مدينة بازاء هذا الحصن إلى أن يفتحه اللّه عز وجل، ولا يكون هذا الخبر ينمو إلى أحد من الجيش إلا على المقام؟ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الحرب خدعة وهذه حرب حيلة لا حرب سيف، فأمر الرشيد من ساعته بالنداء، فحملت الأحجار وقطع الأخشاب من الشجر، وأخذ الناس في البناء، فلما رأى أهل الحصن ذلك جعلوا يتسللون في الليل، ويُدَلون أنفسهم بالحبال.
وفي خبر أبي عمير بن عبد الباقي زيادات، منها خبر الجارية التي سبَاها الرشيد من هذا الحصن، وهي ابنة بطريقِهِ، وكانت ذات حسن وجمال، فزايد فيها صاحب الرشيد في المغنم، وبالغ فيها حتى اشتراها له، فبلغت من قلبه، وبنى لها نحو الرافقة بأميال على طريق بالس حصناً سماه هرقلة على الفرات، يحاكي به حصن هرقلة ببلاد الروم، في خبر طويل قد أتينا على جميعه في كتابنا الأوسط.
وهذا الحصن باقٍ إلى هذه الغاية هنالك خراب يعرف بهرقلة.
وأخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد، قال: أخبرني أبو العينا، قال: أخبرني شبل الترجمان، قال: كنت معِ الرشيد حين نزل على هرقلة وفتحها، فرأيت بها حجراً منصوباً مكتوباَ عليه باليونانية، فجعلت أترجمه والرشيد ينظر إليَ، وأنا لا أعلم، فكانت ترجمته. بسم الله الرحمن الرحيم، يا ابن آدم غافص الفرصة عند إمكانها، وكِل الأمور إلى وليها، ولا يحملنك إفراط السرور على المأتم، ولا تحمل على نفسك هم يوم لم يأت، فإنه إن يك من أجلك وبقية عمرك يأت الله فيه برزقك، ولا تكن من المغرورين بجمِع المال، فكم قد رأينا جامعاً لبعل حليلته، ومقتراً على نفسه، موفراَ لخزانة غيره وقد كان تاريخ هذا الكتاب في ذلك اليوم زائداً على الذي سنة.
(1/147)

وباب هرقلة مُطِل عَلَى واد وخندق يطيف بها، وذكر جماعة من أهل الخبرة من أهل الثغور أن أهل هرقلة لما اشتد بهم الحصار، وعضتهم الحرب بالحجارة والسهام والنار فتحوا الباب فاستشرف المسلمون لذلك - ، فإذا رجل من أهلها كأجمل الرجال قد خرج في أكمل السلاح، فنادى: يا معشر العرب: قد طالت مواقفتكم إيانا، فليخرج إلي منكم الرجل والعشرة إلى العشرين مبارزة، فلم يخرج إليه من الناس أحد، ينتظرون إذْنَ الرشيد، وكان الرشيد نائماً فعاد الرومي إلى حصنه، فلما استيقظ أخبر بذلك، فتأسف ولام خدمه على تركهم إيقاظَهُ، فقيل له: يا أمير المؤمنين، إن امتناع الناس منه اليوم يطْمعه ويطغيه ويجرئه أن يخرج في غدٍ فيطلب المبارزة ويعود لمثل قوله، فطالت على الرشيد ليلته، وأصبح كالمنتظر له، إذ فتح الباب، فإذا الفارس قد خرج، وعاد إلى كلامه، فقال الرشيد: مَنْ له؟ فابتدره جلة القواد، فعزم على إخراج بعضهم، فضَجّ أهل الثغور والمتطوعة بباب المضرب، فأذن لبعضهم، وفي مجلسه مخلد بن الحسين وإبراهيم الفزاري، فدخلوا، فقالوا: يا أمير المؤمنين، قوادك مشهورون بإلباس والنجدة، وعلو الصيت ومباشرة الحرب ومتى خرج واحد منهم وقتل هذا العلج لم يكبر ذلك، وإن قتله العلج كانت وصمة على العسكر عظيمة، وثلمة لا تنسد، ونحن عامة لا يرتفع لأحد منا صيت فإن رأى أمير المؤمنين أن يختار رجَلَا منا يخرج إليه فعَل، فصوَّبَ الرشيد رأيهم وقال مخلد وإبراهيم: صدقوا يا أمير المؤمنين، فأومؤا إلى رجل منهم يعرف بابن الجزري مشهور في الثغور موصوف بالنجدة، فقال له الرشيد: أتخرج إليه؟ قال: نعم، وأستعين باللّه عليه، فقال: أعطوه فرساً وسيفاً ورمحاً وترساً، فقال: يا أمير المؤمنين أنا بفرسي أوثق، ورمحي في يدى أشد، ولكن قد قبلت السيف والترس. فلبس السلاح، وأشتدناه الرشيد فودعه وأتبعه بالدعاء، وخرج معه عشرون من المتطوعة، فلما انقضَّ في الوادي قال لهم العلج وهو يعدهم واحداً: إنما كان الشرط عشرين، وقد إزددتم رجلَاَ ولكن لا بأس، فناده: ليس يخرج لك منا إلا رجل واحد، فلما فصل منهم ابن الجزري تأمله العلج، وقد أشرف أكثر الروم من الحصن يتأملون صاحبهم، فقال له الرومي: أتصدقني عما أسألك عنه؟ قال: نعم، قال: أنت ابن الجزري باللّه. قال: اللهم نعم، فكُف لك، قال: بل كُف، ثم أخذا في شأنهما، فتطاعَنَا حتى طال الأمر بينهما، وكاد الفرَسَان أن يقوما تحتهما، وليس واحد منهما خدَش صاحبه، ثم رميا برمحيهما هذا نحو أصحابه وهذا نحو حصنه، وانتضَيَا سُيُوفهما وقد اشتد الحر عليهما، وتبلد جواداهما، فجعل ابن الجزري يضرب الرومي الضربة التي يظن أنة قد بالغ فيها فيتقيها الرومي، وكانت درقته حديداً، فيسمع لها صوت منكر، ويضربه الرومي فيغوص سيفه لأن ترس ابن الجزري كان درقة تبتية، وكان العلج يخاف أن يغوص السيف فيعطب، فلما يئس كل واحد منهما من صاحبه انهزم ابن الجزري، فداخلت الرشيد والمسلمين من ذلك كآبة لم يصبهم مثلها، وعطعط المشركون من حصنهم، وإنما كانت حيلة من ابن الجزري، فاتبعه العلج وعلا عليه، فلما تمكن منه ابن الجزري رماه بوهق فاختطفه من سرجه، ثم عطف عليه، فما وصَلَ إلى الأرض جسده حتى فارقه رأسه، وكبر المسلمون، وانكسر المشركون، وبادروا الباب ليغلقوه، واتصل الخبر بالرشيد، فصاح بالقُؤاد أن يجعلوا في حجارة المجانيق النار، فليس عند القوم دفع بعدما، وعاجلهم المسلمون إلى الباب فدخلوها بالسيف، وقيل: إنهم نادوا بالأمان، فأمنوا، وافتتاحها عَنْوَةً أشهر من قول مَنْ قال.: إنها فتحت صلحاً، فقال في ذلك الشاعر الحكمي وهو أبو نواس:
هَوَتْ هِرَقْلَةُ لما رأت عجبا ... جواثما ترتمي بالنفط والنار
كأنَ نيرانَنَا من جنب قلعتهم ... كمشعلات على أرسان قصار
وهذا كلام ضعيف ولكن قد عظم قدره في ذلك الوقت للمعنى، وعظمت لصاحبه الجائزة، وصُبَّت الأموال على ابن الجزري، وقؤدَ، وخُلع عليه، فلم يقبل شيئاً من ذلك، وسأل أن يُعْفى ويترك على ما هو عليه. ففي هذا يقول الشاعر أبو العتاهية:
ألا نادت هِرَقْلَةُ بالخراب ... من الملك المُوَفق للصواب
غدا هارُونُ يرعد بالمنايا ... ويبرق بالمذكَرَةِ العضاب
(1/148)

ورايات يحل النصر فيها ... تمر كأنها مَر السحاب
أميرَ المؤمنين ظفرت فاسلم ... وأبشر بِالغنيمةِ والِإياب
وللرشيد مع يعفور هذا بعد ذلك أخبار كثيرة، وقد أتينا على مبسوطها في كتابنا الأوسط، وما كان من خبره في إرساله ليحيى بن الشخير حين أمره أن يتطارش على يعفور، وما كان من يعفور وإخباره لبطارقته أن الرشيد بعث بهذا متصامماً، وما طالبه ابن الشخير بدينار أو درهم عليه صورة الملك حين عرضت عليه الخزائن، وما كان من انقياد يعفور بعد ذلك إلى طاعة الرشيد، وشرطه عليه أن يحمل إليه أينما كان من ماء عين العشيرة، هي عين البربدون، وهي في نهاية الصفاء والرقة، وغير ذلك مما عنه أمسكنا للاختصار.
ثم ملك بعد يعفور استراق بن يعفور بن استراق في أيام محمد الأمين، فلم يزل ملكاً حتى غلب على الملك قسطنطين بن قلفط، وكان ملك قسطنطين هذا في خلافة المأمون.
ثم ملك بعده توفيل، وذلك في خلافة المعتصم، وهو الذي فتح زبطرة، وغزاه المعتصم بالله ففتح عمورية، وسنورد خبره فيما يرد من هذا الكتاب في أخبار المعتصم، إن شاء الله تعالى.
ثم ملك بعده ميخائيل بن توفيل وذلك في خلافة الواثق والمتوكل والمنتصر والمستعين.
ثم كان بين الروم تنازع في الملك، فملكوا عليهم توفيل بن ميخائل ابن توفيل ثم غلب على الملك بسيل الصقلبي، ولم يكن من أهل ييت الملك، وكان ملكه أيام المعتز والمهتدي، وبعض خلافة المعتمد.
ثم ملك بعده ابنه اليون بن بسيل بقية أيام المعتمد و صدراً من أيام المعتضد.
ثم هلك فملكوا عليهم ابناً له يُقال له الاسكندروس فلم يحمدوا أمره، فخلعوهُ وملكوا عليه أخاه لاوي بن اليون بن بسيل الصقليي وكان ملكه بقيَّة أيام المعتضد والمكتفي و صدراً من أيام المقتدر.
ثم هلك وخلف ولداً صغيراً يُقال له قسطنطين فملك وغلب على مشاركته في الملك أرمنوس بطريقُ البحر وصاحب غَزْوه وحروبه، فزوّج قسطنطين الصبيً بابنته، وذلك في بقية أيام المقتدر وأيام القاهر والراضي والمتقي، إلى هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - في خلافة أبي إسحاق المتقي لله بن المقتدر.
وملوك الروم في هذا الوقت المؤرخ ثلاثة، والأكبر منهم والمدبر لأمور أرمنوس المتغلب، ثم الثاني وهو قسطنطين بن لاوي بن اليون بن بسيل، والملك الثالث ابن لأرمنوس، يخاطَبُ بالملك، واسمه اسطفنوس وجعل أرمنوس ابنَاَ له آخَرَ صاحبَ الكرسيّ بالقسطنطينية، وهو البطرك الأكبر الذي يأخذون عنه دينهم، وقد كان خَصَاه قبل ذلك، وقربه إلى الكنيسة، وأمرُ الروم يدور في وقتنا هذا على من ذكرنا من ملوكهم.
قال المسعودي: وإلى هذا الوقت انتهت أخبار ملوك الروم، على حسب ما ذكرنا، والله أعلم ما يكون من أمرهم في المستقبل من الزمان.
مدة ملك الروم
فعدد سني ملوك الروم المتنصرة من قسطنطين بن هلاني، وهو المظهر لدين النصرانية على ما ذكرنا، إلى هذا الوقت، خمسمائة سنة وسبع سنين، والذي أجمع عليه من عدد ملوكهم - من قسطنطين إلى هذا الوقت المؤرخ - أحد وأربعون ملكاً، ولم يعد بعدُ ابن أرمنوس، ووقع العدد على قسطنطين وأرمنوس اللذين هما ملكا الروم في هذا الوقت المؤرخ، وإن أدخلنا في هذا العمد ابن أرمنوس فعدد ملوك الروم من بدء النصرانية - وهو الملك قسطنطين بن هلاني - اثنان وأربعون ملكاً، في مدة هذه السنين المذكورة.
وقد ذهب جماعة ممن عُني بأخبار العالم إلى أن مِنْ حين هَبَطَ آدم عليه السلام إلى هذا الوقت، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، ستة آلاف سنة ومائتين وتسعاً وخمسين سنة، وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب جملاً من تاريخ سني العالم والأنبياء والملوك في بابٍ نفرعه لذلك، إن شاء الله تعالى.
ذكر مصر وأخبارها ونيلها وعجائبها وأخبار ملوكها
وغير ذلك مما أتصل بهذا الباب
ذكر مصر في القرآن
(1/149)

قال المسعودي: ذكَرَ الله جل ثناؤه مصر في مواضع من كتابه، فقال عز وجل: " وقال الذي اشتراهُ مِنْ مِصْر " وقال " أدْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ الله آمِنِينَ " وقال تعالى: " وَأوْحَيْنَا إلى مُوسى وأخيه أن تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمصر بُيُوتا " وقال: " اهْبطُوا مِصراً فإنَّ لكُمْ مَا سَألْتُمْ " وقال تعالى: " وقال نِسْوةٌ في المدِينَةِ امرأةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فتَاهَا عَنْ نَفسِه " .
وصف مصر
ووصف بعض الحكماء مصر فقال: ثلاثة أشهر لؤلؤة بيضاء، وثلاث أشهر مسكة سوداء، وثلاثة أشهر زمردة خضراء، وثلاثة أشْهُر سبيكة ذهب حمراء فأما اللؤلؤة البيضاء فإن مصر في شهر أبيب - وهو تموز - ومِسري - وهو آب - وتوت - وهو أيلول - يركبها الماء فترى الدنيا بيضاء، وضِيَاعها على رَاوَبِيَ وتلال مثل الكواكب، قد أحاطت المياه بها من كل وجه، فلا سبيل لبعض البلاد إلى بعض إلا في الزوارق، وأما المسكة السوداء فأن في شهر بابه - وهو تشرين الأول - وهاتور - وهو تشرين الثاني، وكيهك - وهو كانون الأول - ينكشف الماء عنها، وينضب عن أرضها فتصير أرضاً سوداء، وفيها تقع الزراعات، وللأرض روائح طيبة تشبه روائح المسك، وأما الزمردة الخضراء، فإن في شهر طوبة - وهو كانون الثاني - وأمشير - وهو شباط - وبرمهات - وهو آذار - تلمع ويكثر عشبها ونباتها؟ فتصير كألزمردة الخضراء وأما السبيكة الحمراء فإن في شهر برمودة - وهو نيسان - وبشنس - وهو أيَّارُ - وبؤونة - وهو حزيران - يبيضُ الزرع، ويتورد العشب، فهو كسبيكة الذهب منظراً ومنفعة.
وسنذكر هذه الشهور بالسريانية والعربية والفارسية، ونسمىِ كل شهر منها بعد هذا الموضع من هذا الكتاب، وإن كنا قد أتينا على جميع ذلك في الكتاب الأوسط.
ووصف آخَرُ مصر فقال: نيلها عجب، وأرضها ذهب، وخيرها جَلَب وملكها لمن سلب، ومالها رغب، وفي أهلها صَخَب، وطاعتهم رَهَب، وسلامهم شغب، وحروبهم حَرب، وهي لمن غلب.
نهر النيل
ونهرها النيل من سادات الأنهار، وأشراف البحار؟ لأنه يخرج من الجنة على حسب ما ورد به خبر الشريعة إن النيل وسيحان، وهو نهر أدبه من الثغر الشامي، ويصب إلى البحر الرومي، ومخرجه على ثلاثة أيام من ملطية، ويجري في بلاد الروم، وليس للمسلمين عليه إلا مدينة أذنة بين طرسوس والمصيصة، وجيحان، ومخرجه من عيون تعرف بعيون جيحان على ثلاثة أيام من مدينة مرعش، ويطرح إلى البحر الرومي، فليس للمسلمين عليه من المدن إلا المصيصة وكفربيا، ومجراه بينهما، والفرات وقد قدمنا الأخبار عنه وعن النيل ومبدئهما ومقدار جريانهما على وجه الأرض ومصبهما، فيما سلف من هذا الكتاب، وأنه يخرج من الجنة، وكذلك الدجلة وغيرها مما اشتهر من الأنهار الكبار.
وقد قالت العرب في النيل: إنه إذا زاد غاضت له الأنهار والأعين والأبار، وإذا غاض زادت؟ فزياداتها من غَيْضه، وغيضهُ من زياداتها.
قال البسري : يغيض إن زاعت له الأنهار في الأرض ذات العرض والمقدار وقالت الهند: زيادته ونقصانه بالسيول، ونحن نعرف ذلك بتوالى الأنواء وكثرة الأمطار، وركود السحاب.
وقالت الروم: لم يزد قط ولم ينقص، وءإنما زيادته ونقصانه من عيون كثرت واتصلت.
وقالت القبط: زيادته ونقصانه من عيون في شاطئه، يراها مَنْ سافر ولحق بأعاليه.
وقيل: لم يزد قط، وإنما زيادته بريح الشمال إذا كثرت واتصلت به، فتحبسه، فيفيض على وجه الأرض.
وقد ذكرنا التنازع في النيل وزيادته ممن سلف وخلف، على الشرح والإيضاح، وغيره من الأنهار الكبار والبحار والبحيرات الصغار، في كتاب أخبار الزمان في الفن الثاني، فأغنى ذلك عن إعادتها في هذا الكتاب.
وصف مصر أيضاً
ومصر من سادات القُرَى، ورؤساء المدن، قال الله تعالى: حاكياً عن فرعون: " أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي، أفلا تُبصرُون " وقال عزّ وجل حاكياً عن يوسف عليه السلام: " اجعلني على خزائن الأرضِ، إني حفيظ عليم " وهي مصر، وليس في أنهار الدنيا نهر يسمى بحراَ ويَمّاً غير نيل مصر لكبره واستبحاره، وقد قدمنا فيما سلف من كتبنا الخبر عن جبل القمر الذي بَدْء النيل منه، وما يظهر من تأثير القمر فيه عند زيادته ونقصانه من النور والظلام في البدر والمحاق .
(1/150)

وقد روي عن زيد بن أسلم في قوله تعالى: " فإن لم يصبها وابل فطل " ، قال: هي مصر، إن لم يصبها وابل زَكَتْ، وإن أصابها مطر ضعفت، وقال بعض الشعراء يصف مصر ونيلها: مصر، ومصْر شأنها عجيب ونيلها تجري به الجنوب وهي مصر، واسمها كمعناها، وعلى اسمها سميت الأمصار، ومنه اشتق هذا الاسم عند علماء البصريين، وقد قال عمرو بن معد يكرب:
ما النَيل أصبح زاخراً بمدوده ... وجرت له ريح الصًبَا فجرى لها
عّودْتَ كندة عادة مجموعة ... فاصبر لجاهلها وَرَوِّسِجَالَهَا
زيادة النيل ونقصانه
قال االمسعودي: ويبتدئ نيل مصر بالتنفس والزيادة بقية بؤونة - وهو حزيران - وأبيب - وهو تموز - ومسرى - وهو آب - فإذا كان الماء زائداً زاد شهر توت كله - وهو أيلول - إلى انقضائه، فإذا انتهت الزيادة إلى ست عشرة فراعاً، ففيه تمام الخراج، وخصب الأرض، ورَيْع للبلد عام، وهو ضار للبهائم لعدم المرعى والكل، وأتم الزيادات كلها العامة النفع للبلد كله سبع عشرة فراعاً، وفي ذلك كفايتها، وَرَفيُ جميع أراضيها، وإذا زاد على السبع عشرة وبلغ ثمان عشرة فراعاً وغلقها استبحر من أرض مصر الربع، وفي ذلك ضرر لبعض الضياع، لما ذكرنا من وجه الاستبحار وغير ذلك، وإن كانت الزيادة ثمان عشرة فراعاً كانت العاقبة في انصرافه حدوث وباء بمصر، وأكثر الزيادات ثمان عشرة فراعاً، وقد كان النيل بلغ في زيادته تسع عشرة فراعاً، وذلك سنة تسع وتسعين في خلافة عمر بز عبد العزيز، ومساحة. الفراعِ إلى أن تبلغ اثني عشر فراعاً ثمان وعشرون أصبعاً، ومن اثني عشر فراعاَ وما فوق يصير الفراع أربعاً وعشرين أصبعاً، وأقل ما يبقى في قاع المقياس من الماء ثلاثة أفرع، وفي مثل تلك السنة يكون الماء قليلاً، والأفرُعُ التي يستسقي عليها بمصر هي فراعان تسميان منكراً ونكيراً، وهي الفراع الثالث عشر، والفراع الرابع عشر، فإذ انصرف الماء عن هاتين الفراعين - أعني ثلاث عشرة وأربع عشرة - وزيادة نصف ذراع من الخمس عشرة، استسقى الناس بمصر، وكان الضرر شاملاً لكل البلدان، إلا أن يأذن اللّه عز وجل في زيادة الماء، وإذا تم خمس عشرة ودخل في ست عشرة ذراعاً كان فيه صلاح لبعض الناس، ولا يستسقي فيه، وكان ذلك نقصاً من خراج السلطان، والترع التي بَغيْضة مصر أربع أمهات؟ أسماؤها: ترعة ذنب التمساح، وترعة بلقينة، وخليج سردوس، وخليج ذات الساحل، وتفتح هذه الترع إذا كان الماء زائداً في عيد الصليب، وهو لأربع عشرة تخلو من توت وهو أيلول، وقد قدمنا خبر تسمية هذا اليوم بعيد الصليب فيما سلف من هذا الكتاب، والنبيذ الشيراري يتخذ بمصر من ماء طوبة، وهو كانون الآخر، بعد الغطاس، وهو لعشرة تمضي من طوبة، وأصفى ما يكون النيل في ذلك الوقت، وأهل مصر يفتخرون بصفاء النيل في هذا الوقت، وفيه تختزن المياه أهل تنيس ودمياط وبونة وسائر قرى البحيره.
ليلة الغطاس
ولليلة الغطاس بمصر شأن عظيم عند أهلها، لا ينام الناس - فيها، وهي ليلة إحدى عشرة تمضي من طوبة وستة من كانون الثاني.
ولقد حضرت سنة ثلاثين وثلثمائة ليلة الغطاس بمصر، والإخشيد محمد بن ظغج في داره المعروفة بالمختارة في الجزيرة الراكبة للنيل والنيل يطيف بها، وقد أمر فأسرج من جانب الجزيرة وجانب الفسطاط ألف مشعل غير ما أسرج أهل مصر من المشاعل والشمع، وقد حضر النيل في تلك الليلة مئو آلاف من الناس من المسلمين والنصارى، منهم في الزوارق، ومنهم في الدور الدانية من النيل، ومنهم على الشطوط، لايتنا كرون الحضور، ويُحْضِرون كل ما يمكنهم إظهاره من المأكل والمشارب والملابس وآلات الذهب والفضة والجواهر والملاهي والعزف والقصف، وهي أحسن ليلة تكون بمصر، وأشملها سروراً، ولا تغلق فيها الدروب، ويغطس أكثرهم في النيل، ويزعمون أن ذلك أمان من المرض ومبرئ للداء.
مقاييس النيل
(1/151)

قال االمسعودي: وأما المقاييس الموضوعة بمصر لمعرفة زيادة النيل ونقصانه فإني سمعت جماعة من أهل الخبرة يخبرون أن يوسف النبي صلى الله عليه وسلم، حين بنى الأهرام، اتخذ مقياساً لمعرفة زيادة النيل ونقصانه، وأن ذلك كان بمنف، ولم يكن الفسطاط يومئذ، وأن دلوكة الملكة العجوز وضعت مقياساً بأقصى الصعيد، ووضعت أيضاً مقياساً آخر ببلاد إخميم، فهذه المقاييس الموضوعة قبل مجيء الإسلام، ثم ورد الإسلام، وافتتحت مصر، وكانوا يعرفون زيادة النيل بما ذكرنا ونقصانه بما وصفنا، إلى أن ولي عبد العزيز بن مروان، فاتخذ مقياساً بحلوان، وهو صغير الذراع، وحلوان فوق الفسطاط، ثم اتخذ اسأمه بن زيد التنوخي مقياساً بالجزيرة التي تدعى جزيرة الصناعة، وهي الجزيرة التي بين الفسطاط والجيزة، والمَعْبَر عليها من الفسطاط على الجسر، ثم منها على جسر آخر إلى الجيزة، وهو الجانب الغربي، لأن الفسطاط من الجانب الشرقي، وهذا المقياس الذي أتخذه اسأمه بن زيد التنوخي هو أكثرها استعمالا، واتخذ ذلك في أيام سليمان بن عبد الملك بن مر وأن، وهو المقياس الذي يعمل عليه في وقتنا هذا - وهو سنة اثنتِن وثلاثين وثلثمائة - بالفسطاط، وقد كان مَنْ سلف يقيسون بالمقياس الذي بمنف، ثم ترك استعماله، وعملى على مقياس الجزيرة المعمول في أيام سليمان بن عبد الملك، وفي هذه الجزيرة مقياس آخر لأحمد بن طولون، والعمل عليه عند كثرة الماء، وترادف الرياح، واختلاف مَهَابها، وكثرة الموج، وِقد كانت أرض مصر كلها تروي من ست عشرة ذراع اً عامرها وغامرها، لما أحكموا من جسورها، وبناء قناطرها، وتنقية خلجانها، وكان بمصر سبع خلجانات: فمنها خليج الإسكندرية، وخليج سخا، وخليج دمياط، وخليج منف، وخليج الفيوم، وخليج سرعوس، وخليج المنهي.
وكانت مصر فيما يذكر أهل الخبرة أكثر البلاد جناناً، وذلك أن جنانها كانت متصلة بحافتي النيل من أوله إلى آخره، من حد أسوان إلى رشيد، وكان الماء إذا بلغ في زيادته تسعة أفرع دخل خليج المنهي وخليج الفيوم وخليج سرعوس وخليج سخا، وكان الذي ولي حفر خليج سردوس لفرعون عدو اللّه هامان، فلما ابتدأ في حَفره أتاه أهل القرى يسألونه أن يُجْري الخليج إلى تحت قراهم، ويعطوه على ذلك ما أراد من المال، وكان يعمل ذلك حتى اجتمعت له أموال عظيمة، فحمل تلك الأموال إلى فرعون، فلما وضعها بين يديه سأله عنها فأخبره بما فعل، فقال فرعون: إنه ينبغي للسيد أن يعطف على عبيدة، ويفيض عليهم معروفه، ولا يرغب فيما في أيديهم، ونحن أحق مَنْ فعل هذا بعبيده، فاردد على أهل كل قرية ما أخذته منهم، ففعل ذلك هامان، ورد على أهل كل قرية ما أخذ منهم، فليس في الخلجان التي بأرض مصر أكثر عطوفاً وعزاقيل من خليج سردوس، وأما خليج الفيوم، وخليج المنهي فإن الذي حفرهما يوسف بن يعقوب صلى الله عليه وسلم، وذلك أن الريان بن الوليد ملك مصر لما رأى رؤياه في البقر والسنابل وعبَرَها يوسف عليه السلام استعمله على ما كان يلي من أرض مصر، وقد أخبر الله بذلك عند إخباره عن نبيه يوسف بقوله " اجعلني على خزائن الأرض، إني حفيظ عليم " .
معاونة المسلمين الكفار
قال المسعودي: وقد تنازع أهل الملة في تصرف المؤمنين مع الفاسقين: فمنهم من رأى أن الملك كان مؤمناً، ولولا ذلك ما وسع يوسف معاونة الكفار والتصرف في أوامرهم ونواهيهم، ومنهم من رأى أن ذلك جائز عَلَى ما توجبه أحوال الوقت والأصلح للحال، وقد ذكرنا قول كل فريق من هؤلاء في كتابنا في المقالات في أصول الديانات.
الفيوم
وأما أخبار الفيوم من صعيد مصر وخلجانها من المرتفع والمطاطي ومطاطي المطاطي، وهذه عبارة أهل مصر يريدون بذلك المنخفض، وكيفية فعل يوسف فيها وعمارته أرضها بعد كونها خرِبة ومصفاة لمياه الصعيد، وهى جزيرة قد أحاط الماء حينئذ لأكثر أقطارها، فقد أتيتا على، ذلك في الكتاب الأوسط فأغنى عن إعادته في هذا الكتاب، وكذلك في تسمية الفيوم فيوماً، وأن ذلك ألف يوم، وما كان من خبر يوسف مع الوزراء وحسدهم إياه.
(1/152)

وقد كانت مصر - على ما زعم أهل الخبرة والعناية بأخبار شأن هذا العالم - يركب أرضَهَا ماء وينبسط على بلاد الصعيد إلى أسفل الأرض، وموضع الفسطاط في وقتنا هذا، وقد كان بدء ذلك من موضع يعرف بالجنادل بين أسوان والحبشة وقد قدمنا ذكر هذا الموضع فيما سلف من هذا الكتاب، إلى أن عرض لذلك موانع من انتقال الماء وجريانه، وما ينقل من التربة بتيَّاره من موضع إلى موضع فيصب من بعض المواضع من بلاد مصر على حسب ما وصفنا عن صاحب المنطق في عمران الأرض وخرابها فيما سلف من هذا الكتاب، فسكن الناس بلاد فصر، ولم يزل الماء ينصب عن أرضها قليلاً قليلاً حتى امتلأت أرض مصر من المدن والعمائر، وطرقوا للماء، وحَفروا له الخلجانات، وعقدوا في وجهه المسنّاة، إلا أن ذلك خفي على ساكنيها، لأن طول الزمان أذهب معرفة أول سكناهم كيف كان ذلك، ولم نتعرض في هذا الكتاب لذكر العلة الموجبة لامتناع المطر بمصر ولا لكثير من أخبار الإسكندرية وكيفية بنائها، والأمم التي تداولتها والملوك التي سكنتها من العرب وغيرهم؟ لأنا قد أتينا على ذلك في الكتاب الأوسط، وسنذكر بعد هذا الموضع جملاً من أخبارها، وجوامع من كيفية بنائها، وما كان من أمر الإسكندر فيها.
بين ابن طولون ورجل من مصر
قال المسعودي: وقد كان أحمد بن طولون بمصر بَلَغَه في سنة نيف وستين ومائتين أن رجلًا بأعالي بلاد مصر من أرض الصعيد له ثلاثون ومائة سنة من الأقباط، ممن يشار إليه بالعلم من لدن حداثته، والنظر والِإشراف على الآراء والنحل من مذاهب المتفلسفين وغيرهم من أهل الملل، وأنه علامة بمصر وأرضها من برها وبحرها وأخبارها وأخبار ملوكها، وأنه ممن سافر في الأرض، وتوشَطَ الممالك، وشاهد الأمم من أنواع البيضان والسودان، وأنه ذو معرفة بهيئات الأفلاك والنجوم وأحكامها، فبعث أحمد بن طولون برجل من قواده في أصحابه، فحمله في النيل إليه مكرماً، وكان قد انفرد عن الناس في بنيان اتخذه، وسكن في أعلاه، وقد رأى الولد الرابع عشر من ولد ولده، فلما مثل بحضرة أحمد بن طولون نظر إلى رجل دلائلُ الهرم فيه بينة، وشواهد ما أتي من الدهر ظاهرة، والحواسُّ سليمة والقضية قائمة، والعقل صحيح، يفهم عن مخاطبة، ويحسن البيان والجواب عن نفسه، فأسكنه بعض مقاصيره، ومَهَّد له، وحمل إليه لذيذ المآكل والمشارب، فأبى أن يتواطأ على شيء، وأن يتغذى إلا بغذاء كان حمله معه من كعك وغيره، وقال: هذه بِنْية قوامُهَا بما ترون من هذا الغذاء، وهذا الملبس، فإن أنتم سُمْتُمُوها النقلة عن هذه العادة وتناول ما أوردتموه عليها من المآكل والمشارب والملابس كان ذلك سبب انحلال هذه البِنْيَة، وتفريق هذه الصورة، فترك على ما كان عليه، وما جرت به عادته، وأحضر له أحمد بن طولون من حضره من أهل الحراية، وصرف همته عليه، وأخلى نفسه له في ليال وأيام كثيرة، يسمع كلامه وإيراداته وجواباته فيما يسأل عنه، فكان مما سئل عنه الخبر عن بحيرة تنيس ودمياط، فقال: كانت أرضاً لمِ يكن بمصر مثلها استواء وطيب تربة وثراوة، وكانت جناناً ونخلاً وكرماَ وشجراً ومزارع، وكانت فيها مجارٍ على ارتفاعٍ من الأرض وقرى على قرارها، ولم ير الناس بلداً كان أحسن من هذه الأرض، ولا أحسن اتصالاً من جنانها وكرومها، ولم يكن بمصر كورة يقال إنها تشبهها إلا الفيوم وكانت أكثر خيراً من الفيوم وأخصب وأكثر فاكهة ورياحين من الأضناف الغريبة، وكان الماء منحدراً إليها لا ينقطع عنها صيفاً ولا شتاءً، يسقون منه جنانهم إذا شاءوا، وكذلك زروعهم وسائره يصب إلى البحر من سائر خُلْجَانه، ومن الموضع المعروف بالأشتوم، وقد كان
(1/153)

بين البحر وبين هذا الارض نحو مسيرة يوم قبرس تسلكه الدواب يَبَساً، ولم يكن فيما بين العريش وجزيرة قبرس إلا مَخَاضة، وجزيرة قبرس اليوم بينها وبين العريش في البحر سير طويل، وكذلك فيما بينها وبين أرض الروم، وقد كان بين الأندلس وبين الموضع الذي يسمى الخضراء - وهو قريب من فاس المغرب وطنجة - قنطرة مبنية بالحجارة والطوب تمر عليها الإِبل والدواب من ساحل المغرب من بلاد الأندلس إلى المغرب، وماء البحر تحت تلك القنطرة متقطع خلجانات صغاراً تجري تحت قناطرها وما عقد من الطاقات تحتها على صخور صُمّ، وقد عقد من كل حجر إلى حجر طاق، وهو مبدأ بحر الروم الأخذ من أوقيانوس، وهو البحر المحيط الأكبر، فلم يزل البحر يزيد ماؤه ويعلو أرضاً فأرضاً في طول ممر السنين، يرى زيادته أهل كل زمان، ويتبينه أهل كل عصر، ويقفون عليه، حتى علا الماء الطريق الذي كان بين العريش وبين قبرس وعلا القنطرة التي كانت بين الأندلس وبَرِّطنجة، وما وصفتُ فبينٌ ظاهر عند أهل الأندلس وأهل فاس من بلاد المغرب من خبر هذه القنطرة، وربما بدا الموضع لأهل المراكب تحت الماء، فيقولون: هذه القنطرة، وكان طولها نحو اثني عشر ميلاً، في عرض واسع، وسمو بين، فلما مضت لديقلطيانوس من ملكه مائتان وإحدى وخمسون سنة هجم الماء من البحر على بعض المواضع التي تسمى اليوم بحيرة تنيس فأغرقه، وصار يزيد في كل عام حتى أغرقها بأجمعها، فما كان من القرى التي في قرارها غرق، وأما التي كانت على ارتفاع من الأرض فبقيت منها بونة وسمنور وغيم ذلك مما هي باقية إلى هذا الوقت، والماء محيط بها، وكان أهل القرى التي في هذه البحيرة ينقلون موتاهم إلى تنيس فيقبرونهم واحداً فوق آخر، وهي الأكوام الثلاثة التي تسمى اليوم أبو الكوم، وكان استحكام غرق هذه الأرض بأجمعها وقد مضى لديقلطيانوس الملك مائتان و إحدى وخمسون سنة، ذلك قبل أن تفتح مصر بمائة سنة، وقال: وقد كان لملك من ملوك الأمم كانت داره الفر ما مع أركون من أراكنة البلينا وما اتصل بها من الأرض حروب وخنادق وخلجانات فتحت من النيل إلى البحر، يمنع كل واحد من الآخر، وكان ذلك داعياً لتشعب الماء من النيل واستيلائه على هذه الأرض.
وسئل عن ملوك الأحابش على النيل وممالكهم فقال: لقيت من ملوكهم ستين ملكاً في ممالك مختلفة، كل ملك منهم ينازع من يليه من الملوك، وبلادهم حارة يابسة مسودة ليبسها وحرارتها ولاستحكام النارية فيها تغيرت الفضة ذهباً لطبخ الشمس إياها لحرارتها ويبسها وناريتها فتحولت ذهباً، وقد يطبخ الذهب التي يؤتى به من المعدن خالصاً صفائح بالملح والزاج والطوب فيخرج منه فضة خالصة بيضاء، وليس يدفع هذا الأمر إلا منْ المعرفة له بماوصفنا، ولا قارب شيئاً مما ذكرنا.
قيل له: فما منتهى النيل في أعاليه؟ قال: البحيرة التي لا يدرك طولها وعرضها، وهى نحو الأرض التي الليل والنهار فيها متساويان طول الدهر، وهي تحت الموضع الذي يسميه المنجمون الفلك المستقيم، وما ذكرت فمعروف غير منكر.
الأهرام
وسئل عن بناء الأهرام، فقال: إنها قبور الملوك، وكان الملك منهم إذا مات وضع في حوض حجارة وشمى بمصر والشام الجرن وأطبق عليه، ثم يبنى من الهرم على قدر ما يريدون من ارتفاع الأساس، ثم يحمل الحوض فيوضع وسط الهرم، ثم يقنطر عليه البنيان والأقباء، ثم
(1/154)

يرفعون البناء على هذا المقدار الذي ترونه ويجعل باب الهرم تحت الهرم، ثم يحفر له طريق في الأرض بعقد أزج، فيكون طول الأزج تحت الأرض مائة ذراع وكثر، ولكل هرم من هذه الأهرام باب يدْخَل منه على ما وصفت، فقيل له: فكيف بنيت هذه الأهرام المملسة؟ وعلى أي شيء كانوا يصعدون ويبنون؟ وعلى أي شيء كانوا يحملون هذه الحجارة العظيمة التي لا يقدر أهل زماننا هذا على أن يحركوا الحجر الواحد إلا بجهد إن قدروا؟ فقال: كان القوم يبنون الهرم مدرجا ذا مراقي كالدرج، فإذا فرغوا منُه نحتوه من فوق إلى أسفل، فهذه كانت حيلتهم، وكانوا مع هذا لهم صبْر وقوة وطاعة لملوكهم ديانة. فقيل له: ما بال هذه الكتابة التي على الأهرام والبرابي لا تقرأ؟ فقال: دَثَرَ الحكماء وأهل العصر الذين كان هذا قلمهم، وتداول أرض مصر الأمم، فغلب على أهلها القلم الرومي، وأشكال الأحرف للروم، والقبط تقرؤه على حسب تعارفها إياه، وخلطها الأحرف الروم بأحرفها، على حسب ما ولّمُوا من الكتابة بين الرومي والقبطي الأول؟ فذهبت عنهم كتابة آبائهم.
فقيل له: فمن أول من سكن مصر؟ قال: أول من نزل هذه الأرض مصر بن بيصر بن حام بن نوح، ومر في أنساب ولد نوح الثلاثة وأولادهم، وتفرقهم في الأرض.
فقيل له: أتعرف بمصر مقاطع رخام؟ قال: نعم في الجانب الشرقي من الصعيد جبل رخام عظيم كانت الأوائل تقطع منه العمد وغيرها، وكانوا يَجْلُون ما عملوا بالرمل بعد النقر، فأما العمد والقواعد والرؤوس التي قسميها أهل مصر الأسوانية، ومنها حجارة الطواحين، فتلك نَقَرَها الأولون بعد حدوث النصرانية بمئين من السنين، ومنها العمد التي بالإسكندرية، والعمود الذي بها الضخم الكبير لا يعلم بالعالم عمود مثله، وقد رأيت في جبل أسوان أخاً لهذا العمود قد هندس ونقر ولم يفصل من الجبل، ولم ايُحك ما ظهر منه، وإنما كانوا ينتظرون أن يفصل من الجبل ثم يحمل إلى حيث يريد القوم.
وسئل عن مدينة العقاب، فقال: هي غربي أهرام بوصير الجيزة وهي على خمسة أيام بلياليها للراكب المجد، وقد وعرت طريقها وعميت المسالك إليها، والسمت الذي يؤدي نحوها، وذكرها فيها من عجائب البنيان والجواهر والأموال والعلة التي لها سميت مدينة العقاب، ووصف مدينة أخرى غربي أخميم من أرض الصعيد ذات بنيان عجيب اتخذتها الملوك السالفة، وذكر من شأن هذه المدينة الأخرى عجائب من الأخبار، وزعم أن بينها وبين إخميم من أرض الصعيد مسيرة ستة أيام.
وسئل عن النوبة وأرضها، فقال: هم أصحاب إبِل وبُخْت، وبقر وغنم، وملكهم يستعد الخيل العتاق، والأغلب من ركوب عوامهم البراذين، ورميهم بالنبل عن قسيئ عربية، وعنهم - أخذ الرمي أهل الحجاز واليمن وغيرهم من الغرب، وهم الذين يسميهم العرب رماة الحدق، ولهم النخل والكرم والذرة والموز والحنطة، وأرضهم كأنها جزء من أرض اليمن، وللنوبة أترج كأكبر ما يكون بأرض الِإسلام، وملوكهم تزعم أنهم من حمير، وملكهم يستولى على مقرا ونوبة وعلوة، وراء علوة أمة عظيمة من السودان تدعى بكنة وهم عُرَاة كالزنج، وأرضهم تنبت الذهب، وفي مملكة هذه الأمة يفترق النيل فيتشعّب منه خليج عظيم، ثم يخضر الخليج بعد انفصاله من النيل، وينحدر الأكثر إلى بلاد النوبة، وهو النيل لا يتغير، فلذا كان في بعض الأزمنة انفصل الأكثر من الماء في ذلك الخليج، وابيض الأكثر، واخضر الأقل، فيشق ذلك الخليج في أوديا وخلجان وأعماق مأنوسة حتى يخرج إلى جلاسق والجنوب، وذلك على ساحل الزنج، ومصبه في بحرهم.
(1/155)

ثم سئل عن الفيوم والمنهى وحجر اللاهون، فذكر كلاماً طويلًا فن أمر الفيوم، وأن جارية فن بنات الروم وابنها نزلوا الفيوم، وكانوا البدء في عمارتها وعمارة أرضها، وإنما كان الماء يأتي الفيوم من المنهي أيام جَرْي النيل، ولم يكن حجر اللاهون بني، وإنما كان مصب الماء من المنهي من الموضع المعروف بدمونة، ثم بني اللاهون على ما هو اليوم عليه ويقال: إن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، بناه أيام العزيز، ودبرَ من أمر الفيوم ما هو اليوم قائم بين من الخلج المرتفعة والمطاطية، وهو خليج فوق خليج فوق خليج، وبنى القنطرة المعروف بسفونة، وأقام العمود الذي في وسط الفيوم وهر غائص في الأرض لا يدْركة منتهاه منها، وهو أحد عجائب الدنيا مربع الشكل قد جهد أناس من الأمم ممن ورد بعد يوسف أن ينتهَوا إلى آخره في الأرض حَفراً فلم يتأت لهم ذلك، ولا قدروا عليه وغلبهم الماء فعجزهم، ورأس هذا العمود مساو لأرض المنهي، قال: وأما حجر اللاهون فإن من سطح الحجر الذي في بين القبتين إلى ناحية اللاهون، واللاهون هي القرية بعينها، ففي ما بيم السطح إلى القرية ستون درجة وربما مل الماء في المنهي، وظهر بعضُ الدرج، وفي حائط الحجر فوارات بعضها اليوم يخرج منه الماء، وبعض لا يرى، وفيما بين سطح الحجر الذي بين القبتين وبين القرية شاذروان وهو من أسفل الدرج، وإنما يدخل الماء الفيوم بوزن الحجر، وجعله الاستقالة - وهي القناطر - ليخرج الماء منها، ولا يعلو الماء الحجر أب سده، فبالتقدير بُني حجر اللاهون، وبقدر ما يكفي الفيوم من الماء يدخل إليها، وبناء حجر الهون من أعجب الأمور، ومن أحكم البنيان، ومن البناء الذي يبقى على وجه الأرض لا يتحرك ولا يزول، بالهندسة عملَ بالفلسفة أتقن، وفي السعود نصب، وقد ذكر كثير من أهل بلدنا أن يوسف عليه السلام عمل ذلك بالوحي، والله أعلم.
ولم تزل ملوك الأرض - إذا غلبت على بلادنا، واحتوت على أرضنا، صارت إلى هذا الموضع فتأملته؟ لما قد نمي إليها من أخباره، وسار في خليقة من عجائب بنيانه وإتقانه.
وكان هذا الرجل من أقباط مصر، ممن يظهر دين النصرانية ورأي بعقوبية، فأمر السلطان أحمد بن طولون في بعض الأيام، وقد أحضر جلسه بعض أهل النظر، أن يسأله عن الدليل على صحة دين النصرانية، مآله عن ذلك، فقال: دليلي على صحتها وجودي إياها متناقضة متنافية، تدفعها العقول، وتنفرد منها النفوس، لتباينها وتضادها، لا نظر يقويها، أ جدَلَ يصححها ولا برهان يعضدها من العقل والحس عند التأمل لها لفحْص عنها، ورأيت مع ذلك أمماً كثيرة، وملوكاً عظيمة ذوي معرفة وحسن رأي، قد انقادوا إليها وتدينوا بها، فعلمت أنهم لم يقبلوها، ولم يتدينوا بها - مع ما ذكرت من تناقضها في العقل - إلا لدلائل شاهدوها، وآبات علموها، ومعجزات عرفوها، أوجبت انقيادهم إليها والتدين أيها،،قال له السائل: وما التضاد الذي فيها؟ قال: وهل يدرك أو يعلم غايته؟ لما قولهم بأن الواحد ثلاثة، والثلاثة واحد، ووصفهم الأقانيم والجوهر و والثالوث، وهل الأقانيم في أنفسها قادرة عالمة أم لا؟ وفي اتحاد ربهم القديم بالإنسان المحدَثِ، وما جرى في ولادته وقتله وصلبه، وهل في التشنيع أكبر وأفحش من إله صُلب، وبُصق في وجهه، ووضع على رأسه الإكليل من الشوك، وضرب رأسه بالقضيب، وسمرت يداه، ونخس بالأسنة والخشب جَنْباه، وطَلَب الماء فسُقي الخل في بطيخ الحنظل ؟ فأمسكوا عن مناظرته، وانقطعوا عن مجادلته؟ لما قد أعطاهم من تناقض مذهبه وفساده ووهْيه .
ببن يهودي ونصراني
(1/156)

فقال طبيب لابن طولون يهودي وقد حضر المجلس: أيأذن لي الأمير في مخاطبته؟ قال: شأنك: فأقبل عَلَى القبطي مسائلًا له، فقال له القبطي: وما أنت أيها الرجل؟ وما نحلتك؟ فقال له: يهودي، فقال له: مجوسي إذا!؟ قال له: كيف ذلك وهو يهودي؟ قال: لأنهم يرون نكاح البنات في بعض الحالات، إذ كان في دينهم أن الأخ يتزوج بنت أخيه، وعليهم أن يتزوجوا نساء أخوتهم إذا ماتوا، فإذا وافق اليهودي أن تكون امرأة أخيه ابنته لم يجد بداً من أن يتزوجها، وهذا من أسرارهم، وما يكتمونه ولا يُظْهرونه، فهل في الَمجوسية أشنع من هذا؟ فأنكر اليهودي ذلك، وجحد أن يكون في دينه أو يعرفه أحد من اليهود، فاستخبر ابن طولون عن صحة ذلك، فوجد ذلك الطبيب اليهودي قد تزوج امرأة أخيه، وكانت بنته، ثم أقبل القبطي على ابن طولون، فقال: أيها الأمير، هؤلاء يزعمون - وأشار إلى اليهودي - أن الله خلق آدم على صورته، وعن نبي من أنبيائهم سماه قال في كتابه: إنه رآه في قديم الزمان أبيض الرأس واللحية، وإن الله تعالى قال: إني أنا النار المحرقة، والحمى الأخذة، وأنا الذي آخذ الأبناء بذنوب الأباء، ثم في توراتهم أن بنات لوط سَقَيْنَه الخمر حتى سكر وزنى بهن، وحملن منه، وولحن، وأن موسى رَدَ على الله الرسالة مرتين حتى أشتد غضب الله عليه. وأن هارون صنع العجل الذي عبده بنو إسرائيل. وأن موسى أظهر معجزات لفرعون وفعلت السحَرَة مثلها. ثَم قالوا في ذبائح الحيوان والتقرب إلى الله بدمائها ولحومها وتحكمهم على العقل ومنعهم من النظر بغير برهان، وهو قولهم: إن شريعتهم لا تنسَخ، ولا يقبل قولي أحد من الأنبياء بعد موسى إذا انحرف عما جاء به موسى ولا فرق في قضئة العقل بين موسى وغيره من الأنبياء إذا أتى ببرهان، وبان بحجة، ثم الأكبر من كفرهم قولهم في يوم عيد الكفور، وهو يوم الاستغفار ذلك لعشر تخلو من تشرين الأول: إِن الرب الصغير - ويسمونه ميططرون - يقول في هذا اليوم قائماً، وينتف شعور رأسه، ويقول: ويلي إذا خربت بيتي، وأيتمت بنتي، قامتي منكسة لا أرفعها، حتى آتي بنتي، وذكر عن اليهود أقاصيص وتخاليط كثيرة، ومناقضات واسعة.
ولهذا القبطي مجالس كثيرة عند أحمد بن طولون مع جماعة من الفلاسفة والديصانية والثنوية والصابئة والمجوس، وعدة من متكلمي الإسلام، وقد أتينا على ما احتمل منها إيراده في كتابنا في أخبار الزمان وذكرنا جميع ذلك في كتابنا المقالات، في أصول الديانات وكان هذا القبطي - على ما نمي إلينا من خبره، وصح عندنا من قوله - يذهب إلى فساد النظر، والقول بتكافؤ المذاهب، وأقام عند ابن طولون نحو سنة، فأجازه، وأعطاه، فأى قبول شيء من ذلك، فرده إلى بلده مكرماً، وأقام بعد ذلك مدة من الزمان، ثم هلك - وله مصنفات تدل من كلامه على ما ذكرنا عنه، والله أعلم بكيفية ذلك.
واليهود تأبى ما ذكره القبطي في نكاح بنت الأخ، وكثر هم يقر بالتزوبج ببنت الأخ.
يعض عجائب مصر ونيلها
(1/157)

قال المسعودي: وفي نيل مصر وأرضها عجائب كثيرة من أنواع الحيوان مما في البر والبحر، من ذلك السمك المعروف بالرغَاد، وهو نحو الذراع، إذا وقعت في شبكة الصيَّاد رُعدت يداه وعضداه، فيعلم بوقوعها، فيبادر إلى أخذها وإخراجها عن شبكته، ولو أمسكها بخشب أو قصب فعلت ذلك، وقد ذكرها جالينوس، وأنها إن جعلت على رأس مَنْ به صداع شديد أو شقيقة وهي في الحياة هدأ من ساعته. والْفرَسُ الذي يكون في نيل مصر إذا خرج من الماء وانتهى وطؤه إلى بعض المواضع من الأرض علم أهل مصر أن النيل يزيد إلى ذلك الموضع بعينه غير زائد عليه ولا مقصر عنه، لا يختلف ذلك عندهم بطول العادات والتجارب، وفي ظهوره من الماء ضرر بأرباب الأرض والفلاحة لرعيه الزرع، وذلك أنه يظهر من الماء في الليل فينتهي إلى موضع من الزرع، ثم يولي عائداً إلى الماء، فيرعى في حال رجوعه من الموضع الذي انتهى إليه سيره، ولا يراعي من ذلك شيئاً في ممره، كأنه يحدد مقدار ما يرعاه فمنها ما إذا رعت ورعت إلى النيل فشربت ثم تقفف ما في أجوافها في مواضع شتى، فينبت ذلك مرة ثانية، فإذا كثر ذلك من فعله واتصل ضرره بأرباب الضياع طرح له الترمس في الموضع الذي يعرف خروجه مكاكيك كثيرة مبدَدأ مبسوطأ، فيأكله، ثم يعود إلى الماء فيربو في جوفه، ويزداد في انتفاخه فيشق جوفه، فيموت ويطفو على الماء، ويقفف به إلى الساحل والموضع الذي يكون فيه لا يكاد يرى فيه تمساح، وهو على صورة الفرس إلا أن حوافره وذنبه بخلاف ذلك، والجبهة أوسع.
من نزل مصر من أبناء نوح
قال المسعودي: وقد ذكر جماعة من الشرعيين أن يبصر بن حام بن نوح لما أنفصل عن أرض بابل بولده وكثير من أهل بيته غَرًبَ نحو مصر، وكان له أولاد أربعة: مصر بن بيصر، وفارق بن بيصر، وماح وياح، فنزل بموضع يُقال له منف، وبذلك يسمى إلى وقتنا هذا، وكان عدمهم ثلاثين فسميت ثلاثين بهم، كما سميت مدينة ثمانين من أرض الجزيرة وبلاد الموصل من بلاد بني حمدان، وإنما نسبت إلى عدد ساكنيها ممن كان مع نوح في السفينة، وكان بيصر بن حام قد كبر سنه، فأوصى إلى الأكبر من ولده، وهو مصر، واجتمع الناس إليه وانضافوا إلى جملتهم، وأخصبت البلاد، فتملك عليهم مصر بن بيصر، وملك من حد رفح من أرض فلسطين من بلاد الشام، وقيل: من العريش، وقيل: من الموضع المعروف بالشجرة، وهو آخر أرض مصر، والفرق بينها وبين الشام، وهو الموضع المشهور بين العريش ورفح - إلى بلاد أسوان من أرض الصعيد طولاً، ومن أيلة - وهي تخوم الحجاز - إلى برقة عرضاً، وكان لمصر أولاد أربعة، وهم قبط، وأشمون، وإتريب، وصا، فقسم مصر الأرض بين أولده الأربعة أرباعاً، وعهد إلى الأكبر من ولده - وهو قبط - وأقباط مصر يضافون إلى النسب إلى أبيهم قبط بن مصر، وأضيفت المواضع إلى ساكنيها، وعرفت بأسمائهم، فمنها أشمون وقبط، وصا، فى تريب، وهذه أسماء هذه المواضع إلى هذه الغاية، واختلطت الأنساب، وكثر ولد قبط، وهم الأقباط، فغلبوا على سائر الأرض، ودخل غيرهم في أنسابهم؟ لما ذكرنا من الكثرة، فقيل لكل قبط مصر وكل فريق منهم يعرف نسبة واتصاله بمصر بن بيصر بن حام بن نوح إلى هذه الغاية.
جملة من ملوك مصر
(1/158)

ولما هلك قبط بن مصر ملك بعده أشمون بن مصر، ثم ملك بعده صا بن مصر، وملك بعده إتريب بن مصر، ثم ملك بعده ماليق بن دارس ثم ملك بعده حرايا بن ماليق ثم ملك بعده كلكي بن حرايا وأقام في الملك نحواً من مائة سنة، ثم ملك بعده أخ يُقال له ماليا بن حرايا ثم ملك بعده لوطسى بن ماليا نحواً من سبعين سنة، ثم ملكت بعده ابنة له يُقال لها حورياينت لوطس نحواً من ثلاثين سنة، ثم ملكت بعدها امرأة أخرى يُقال لها ماموم وكثر ولد بيصر بن حام بأرض مصر، فتشعبوا، وملكوا النساء، فطمعت فيهم ملوك الأرض، فسار إليهم من الشام ملك من ملوك العماليق، يقال له الوليد بن دومع، فكانت له حروب بها، وغلب على الملك، فانقادوا إليه، واستقام له الأمر إلى أن هلك، ثم ملك بعده الريان بن الوليد العملاقي، وهو فرعون يوسف، وقد ذكر الله تعالى خبره مع يوسف وما كان من أمرهما في كتابه العزيز، وقد أتينا على شرح ذلك في كتابنا الأوسط، ثم ملك بعده دارم بن الريان العملاقي، ثم ملك بعده كامس بن معدان العملاقي، ثم ملك بعده الوليد بن مصعب وهو فرعون موسى، وقد تنوزع فيه: فمن الناس من رأى أنه من العماليق ومنهم من رأى أنه من لخم من بلاد الشام، ومنهم من رأى أنه من الأقباط من ولد مصر بن بيصر، وكان يعرف بظلما، وقد أتينا على ذلك في الكتاب الأوسط، وهلك فرعون غَرَقاً حين خرج في طلب بني إسرائيل حين أخرجهم موسى بن عمران وجعل الله لهم طريقاً في البحر يَبَساً، ولما غرق فرعون ومن كان معه من الجنود وخشي من بقي بأرض مصر من الفراري والنساء والعبيد أن يغزوهم ملوك الشام والمغرب فملكوا عليهم امرأة ذات رأي وحزم؟ يقال لها دلوكة فبنت على بلاد مصر حائطاً يحيط بجميع البلادة وجعلت عليه المحارس والأحراس والرجال متصلة أصواتهم بقرب بعضهم من بعض، وأثر هذا الحائط باقٍ إلى هذا الوقت، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، يعرف بحائط العجوز، وقيل؟ إنما بنته خوفاً على ولدها وكان كثير القنص، فخافت عليه من سباع البر والبحر واغتيال مَنْ جاور أرضهم من الملوك والبوادى، فحوًطت الحائط من التماسيح وغيرها، وقد قيل في، لك من الوجوه غير ما ذكرنا، فملكتهم ثلاثين سنة وقيل: أقل من ذلك - اتخذت بمصر البرابي والصور، وأحكمت آلات السحر، وجعلت في لبرابى صور مَنْ يرد من كل ناحية، ودوابهم إبلا كانت أو خيلاً، وصورت ما يرد في البحر من المراكب من بحر المغرب والشام، وجمعت في هذه لبرابي العظيمة المشيدة البنيان أسرار الطبيعة وخواص الأحجار والنبات الحيوان، من الجاذية والدافعة، وجعلت ذلك في أوقات حركات فلكية واتصالها بالمؤثرات العلوية وكانوا إذا ورد إليهم جيش من نحو الحجاز أو اليمن عورت تلك الصور التي في البرابي من الإِبل وغيرها، فيتعور ما في الجيش، وينقطع عنهم ناسه وحيوانه، وإذا كان الجيش من نحو الشام فعل في تلك الصور التي من تلك الجهة التي أقبل منها جيش الشام ما فعل بما صفنا قبلها فيحدث في ذلك الجيش من الآفات في ناسه وحيوانه ما صنع في تلك الصور التي من تلك الجهة وكذلك ما ورد من جيوش الغرب، وما رد في البحر من رومية والشام وغير ذلك من الممالك، فهابتهم الملوك الأمم، ومنعوا ناحيتهم من عدوهم، واتصل ملكهم بتدبير هذه العجوز إتقانها لزم أقطار المملكة وإحكامها السياسة.
وقد تكلم الناس ممن سلف وخلف في هذه الخواص، وأسرار طبيعة التي كانت ببلاد مصر، وهذا الخبر من فعل العجوز عند المصريين مستفيض لا يشكون فيه، والبرابي بمصر من صعيدها وغيره باقية إلى هذا وقت، وفيها أنواع الصور مما إذا صورت في بعض الأشياء أحدثت أفعالاً على حسب ما رسمت له ووضعت من أجله، على حسب قولهم في الطباع تام، والله أعلم بكيفية ذلك.
كتابة على البرابى.
(1/159)

قال المسعودي: وأخبرني غير واحد من بلاد أخميم من صعيد مصر، عن أبي الفيض في النون بن إبراهيم المصري الِإخميمي الزاهد، وكان حكيمأ، وكانت له طريقة يأتيها ونحلة يعضدها، وكان ممن يقرأ عن أخبار هذه البرابي ودارها وامتحن كثيراً مما صور فيها ورسم عليها من الكتابة والصور، قال: رأيت في بعض البرابي كتاباً تدبرته، فإذا هو احفروا العبيد المعتقين، والأحداث المغترين والجند المتعبدين، والنبط المستعربين قال: ورأيت في بعضها كتابأ تدبَّرْته فإذا فيه يقدر المقدور والقضاء يضحك وزعم أنه رأى في آخره كتابة وتبينها بذلك القلم الأول فوجدها:
تُدَئر ُبالنجوم ولمستَ تَدْري ... ورَب النجم يفعلُ ما يريد
وكانت هذه الأمة التي أتخذتَ هذه البرابي لهِجَة بالنظر في أحكام النجوم مواظبة على معرفة أسرار الطبيعة، وكان عندها مما دلت عليه أحكام النجوم أن طوفانأ سيكون في الأرض، ولم تقطع بأن ذلك الطوفان ما هو: أنار تأتي على الأرض فتحرق ما عليها، أو ماء فيغرقها، أو سيف يبيد أهلها؟ فخافت دثور العلوم وفناءها بفناء أهلها، فاتخذت هذه البرابي، واحدها بربا، ورسمت فيها علومها من الصور والتماثيل والكتابة، وجعلت بنيانها نوعين: طينأ، وحجر أو فرزت ما يبنى بالطين مما يبنى بالحجر، وقالت: إن كان هذا الطوفان ناراً استحجر ما يبنى من الطين وانحرق، وبقيت هذه العلوم، وإن كان الطوفان الوارد ماء أذهب ما يبنى بالطين، ويبقى ما يبنى بالحجارة، وإن كان الطوفان سيفاً بقي كِلَا النوعين ما هو بالطين وما هو بالحجر، وهذا على ما قيل - والله أعلم - كان قبل الطوفان، وقيل: إن ذلك كان بعد الطوفان لرأن الطوفان الذي كانوا يرقبونه ولم يتيقنوا أنار هو أم ماء أم سيف، كان سيفاً أتى على جميع أهل مصر من أمة غشيتها وملك نزل عليها فأباد أهلها ومنهم من رأى أن ذلك الطوفان كان وباءً عم أهلها ومصداق ذلك ما يوجد ببلاد تنيس من التلال المنضدة من الناس من صغير وكبير، وذكر وأنثى، كالجبال العظام، وهي المعروفة ببلاد تنيس من أرض مصر بأبي الكوم وما يوجد ببلاد مصر وصعيدها من الناس المنكسين بعضهم على بعض في كهوف وغير ان ونواوشى، ومواضع كثيرة من الأرض لا يدرى من أي الأمم هم، فلا النصارى تخبر عنهم أنهم من أسلافهم، ولا اليهود تقول عنهم إنهم من أوائلهم، ولا المسلمون يدرون مَنْ هم ولا تاريخ ينبئ عن حالهم، عليهم أثوابهم، وكثيراً ما يوجد في تلك الروابي والجبال من حليهم، والبرابي ببلاد مصر بنيان قائم عجيب: كالبربا المتخفة بأنصناء من صعيد مصر، وهو أحد الموصوفين منها، والبربا التي ببلاد أخميم، والبربا التي ببلاد سمنود، وغير ذلك.
الأهرامات أيضاً
والأهرام وطولها عظيم، وبنيانها عجيب، عليها أنواع من الكتابات بأقلام الأمم السالفة، والممالك الداثرة، لا يحرى ما تلك الكتابة ولا ما المراد بها، وقد قال مَنْ عنى بتقدير ذرعها: إن مقدار ارتفاع ذهابها في الجو نحو من أربعمائة ذراع، أو كثر، وكلما علا به الصعداء دق ذلك، والعرض نحو ما وصفنا، عليها من الرسوم ما ذكرنا، وإن ذلك علوم وخواص وسحر وأسرار للطبيعة، وإن من تلك الكتابة مكتوب: أنا بنيناها فمن يدعى موازنتنا في الملك وبلوغنا في القدرة وانتهاءنا من السلطان فليهدمها، وليزل رسمها؟ فإن الهدم أيسر من البناء، والتفريق أيسر من التأليف، وقد ذكر أن بعض ملوك الِإسلام شرع في هدم بعضها فإذا خراج مصر وغيرها من الأرض لا يفي بقلعها، وهي من الحجر والرخام، والغرض في كتابنا هذا الإخبار عن جُمَل الأشياء وجوامعها، لا عن تفصيلها وبسطها، وقد أتينا على سائر ما شاهدناه حساً في مطافاتنا الأرضَ والممالكَ، وما نمي إلينا خبراً من الخواص وأسرار الطبيعة من الحيوان والنبات والجماد في عجائب البلدان والآثار والبقاع، في كتابنا المترجم بكتاب القضايا والتجارب.
(1/160)

ولا تمانع بين ذوي الفهم أن في مواضع من الأرض مدناً وقرى لا يدخلها عقرب ولا حية، مثل مدينة حمص ومَعَرة وبُصْرَى وإنطاكية، وقد كان ببلاد إنطاكية، إذا أخرج إنسان يده خارج السور وقع عليها البق، فإذا جذبها إلى داخل لم يبق على يده من ذلك شيء، إلى أن كسر عمود من الرخام في بعض المواضع بها، فأصيب في أعلاه حُقُّ من نحاس في داخله بق مصور من نحاس نحو كف، فما مضت أيام - أو على الفور من ذلك - حتى صار البق في وقتنا هذا يعم الأكثر من دهرهم، وهذا حجر المغناطيس يجذب الحديد، ولقد رأيت بمصر حية مصورة من حديد أو نحاس توضع على شيء ويُدْنى منها حجر المغناطيس فتحدث فيها حركة تباعد منه، وحجر المغناطيس إذا أصابته رائحة الثوم بطل فعله في الحديد واذا غسل بشيء من الخل أو ناله شيء من عسل النحل عاد إلى فعله الأول من جذب الحديد، وللمغناطيس في الحديد خواص عجيبة غير ما ذكرنا كالحجر الماص للدم، والله عز وجل قد استأثر بعلم الأشياء، وأظهر للعباد ما شاء ما لهم فيه الصلاح على قدر الوقت وحاجتهم فيه إليه وأشياء استأثر بعلمها لم يظهرها لخلقه؟ فلا تقف العقول عَلَى كنهها، وكما يجمع بين أشياء فيحدث لاجتماعها معنى هو غيرها، كما يحدث من ماء العفص والزاج عند الاجتماع من شدة السواد، وكحدوث جوهر الزجاج عند جمعنا بين الرمل والمغنيسيا والقلى عند الطبخ والسبك لذلك، وكذلك لو جمع بين ماء القلي وماء المرتك وهو المرداسنج خرج الحارث من مزاجيهما كالزبد بياضاً، وإذا مزج ماء القلي بماء الزاج خرج من مزاجيهما لون أحمر كالعصفر، وكجمعنا في النتاج بين الفرس الأنثى والحمار فتحدث بغلاً، ولو نتج دابة على أتان لخرج منها بغل أفطس ذو خبث ودها يسمى الكودن.
وقد ذكرنا النتاج الذي كان بصعيد مصر مما يلي. الحبشة، وما كان ينتج من الثيران على الأتن، والحمير على البقر، وما كان يحدث من ذلك من الدواب العجيبة التي ليست بحمير ولا بقر كالبغل التي ليس بدابة ولا حمار.
وقد ذكرنا ضروب التوليدات في أنواع الحيوان والنبات من تطعيمهم الغررس والأشجار وما تولد من الطعوم في المذاق في كتابنا المترجم بكتاب القضايا والتجارب في أنواع الفلاحات وغيرها، وذكرنا باب خواص الأشياء ومعرفتها والطلسمات وعجائبها، وهو باب كبير في ذكر بعضه نيابة عن بعض، والجزء منه يوهمك الكل، واليسير منه يدلُّكَ على معرفة الكثير.
ويمكن - والله اعلم أن تكون هذه الخواص والطلسمات والأشياء المحدثة في العالم للحركات مما وصفنا والدافعة والمانعة والمنفردة والجاذبة والفاعلة في الحيوان وغير ذلك مثل الطرد والجذب - كانت دلالة لبعض الأنبياء في الأمم الخالية، جعلها الله كذلك لذلك النبي دلالة ومعجزة تدل على صدقه وتنبيئه من غيره ليؤدي عن الله أمره ونهيه وما فيه من الصلاح لخلقه في ذلك الوقت، ثم رفع الله ذلك النبي، وبقيت علومه، وما أبانه الله عز وجل مما ذكرنا، في أيدي الناس، وأصل ذلك أنهى كما وصفنا، إذ كان ما ذكرنا ممكناً غير واجب ولا ممتنع في القدرة.
قال المسعودي: فلنرجع إلى ما كنا فيه من أخبار ملوك مصر.
بقية ملوك مصر
وكان الملك بعد انقضاء ملك دلوكة العجوز عركوس بن بلوطس ثم ملك بعده بورس بن عركوس ثم ملك بعده فغامس بن بورس نحواً من خمسين سنة، ثم ملك بعده دنيا بن بورس نحواً من عشرين سنة، ثم ملك بعده نماريس بن مرينا عشرين سنة، ثم ملك بعده بلوطس بن ميناكيل أربعين سنة، ثم ملك بعده مالوس بن بلوطس عشرين سنة، ثم ملك بعده بلوطس بن ميناكيل بن بلوطس، ثم ملك بعده بلونا بن ميناكيل وكانت له حروب ومسير في الأرض، وهو فرعون الأعرج الذي غزا بني إسرائيل وخَرب بيت المقدس، ثم ملك بعده مرينوس وكانت له حروب كثيرة بالمغرب، ثم ملك بعده نقاس بن مرينوس ثمانين سنة، ثم ملك بعده فوميس بن نقاس عشر سنين، ثم هلك بعده كابيل وكانت له حروب مع ملوك المغرب، وغزاه البخت ناصر مَرْزُبَان المغرب من قبل ملوك فارس، فخرب أرضه وقتل رجاله، وسار البخت ناصر نحو المغرب، وقد أتينا على أخباره في كتاب راحة الأرواح لأن هذا الكتاب رسمناه بأخبار مسير الملوك للأرض، وأخبار مقاتلهم، عون ما ذكرناه في كتابنا أخبار الزمان.
(1/161)

ولما زال أمر البخت ناصر ومن معه من جنود فارس، ملكت الروم مصر، وغلبت عليها، فتنصر أهلها، فلم يزالوا على ذلك إلى أن ملك كسرى أنوشروان، فغلبت جيوشه على الشام، وسارت نحو مصر، فملكوها، وغلبوا على أهلها، نحواً من عشرين سنة وكانت بين الروم وفارس حروب كثيرة فكان أهل مصر يؤدون خراجين: خراجاً إلى فارس، وخراجاً إلى الروم، عن بلادهم.
ثم انجلت فارس عن مصر والشام لأمر حدث في دار مملكتهم، فغلب الروم على مصر والشام وأشهروا النصرانية، فشمل ذلك مَنْ بالشام ومصر، إلى أن أتى الله بالِإسلام، وكان من أمر المقوقس صاحب القبط مع النبي صلى الله عليه وسلم من الهدايا ما كان إلى أن افتتحها عمرو بن العاص، ومن كان معه في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فبنى عمرو بن العاص الفسطاط وهي قصبة مصر في هذا الوقت، وكان ملك مصر - وهو المقوقس صاحب القبط - ينزل الإسكندرية في بعض فصول السنة، وفي بعضها ينزل مدينة مَنْف، وفي بعضها قصر الشمع، وهو اليوم يعرف بهذا الاسم في وسط مدينة الفسطاط.
ولعمرو بن العاص في فتح مصر أخبار، وما كان بينه وبين المقوقس وفتحه لقصر الشمع، وغير ذلك من أخبار مصر والإسكندرية، وما كان من حروب المسلمين في ذلك، ودخول عمرو بن العاص إلى مصر والإسكندرية في الجاهلية، وما كان من خبره مع الراهب والكُرَة الذهب التي كانوا يظهرونها للناس في أعيادهم، ووقوعها في حِجْر عمرو بن العاص، وذلك قبل ظهور النبي صلى الله عليه وسلم، قد أتينا على جميع ذلك في كتابنا أخبار الزمان والكتاب الأوسط.
عدة ملوك مصر
قال المسعودي: والذي اتفقت عليه التواريخ - مع تباين ما فيها - أن عدة ملوك مصر من الفراعنة وغيرها اثنان وثلاثون فرعونا، ومن ملوك بابل ممن تملك على مصر خمسة، ومن ملوك بابل - وهم العماليق الذين طرأوا إليها من بلاد الشام - أربعة، ومن الروم سبعة، ومن اليونانيين عشرة، وذلك قبل ظهور السيد المسيح عليه السلام، وملكها أناس من الفرس من قبل الأكاسرة، وكان مدة من هلك مصر من الفراعنة والفرْس والروم والعماليق واليونانيينَ ألف سنة وثلثمائة سنة.
قال المسعودي :وسألت جماعة من أقباط مصر بالصعيد وغيره من بلاد مصر من أهل الخبرة عن تفسير فرعون فلم يخبروني عن معنى ذلك، ولا تحصّل لي في لغتهم، فيمكن - والله أعلم - أن هذا الاسم كان سِمَةَ ملوك تلك الأعصار وأن تلك اللغة تغيرت كتغير الفهلوية، وهي الفارسية الأولى إلى الفارسية الثانية، وكاليونانية إلى الرومية، وتغير الحميرية، وغْير ذلك من اللغات.
دفائن أرض مصر
ولمصر أخبار عجيبة من الدفائن والبنيان وما يوجد في الدفائن من ذخائر الملوك التي استودعوها الأرض وغيرهم من الأمم ممن سكن تلك الأرض، وتدعى بالمطالب إلى هذه الغاية، وقد أتينا على جميع ذلك فيما سلف من كتبنا.
فمن عجيب أخبارها ما ذكره يحيى بن بكير، قال: كان عبد العزيز بن مروان عاملًا على مصر لأخيه عبد الملك بن مروان فأتاه رجل متنصح، فسأله عن نصحه، فقال: بالقبة الفلانية كنز عظيم، قال عبد العزيز: وما مِصْدَاق ذلك؟ قال: هو أن يظهر لنا بلاط من المرمر والرخام عند يسير من الحفر، ثم ينتهي بنا الحفر إلى قلع باب من الصُّفر، تحته
(1/162)

عمود من الذهب علىِ أعلاه ديك من الذهب عيناه ياقوتتان تساويان ملك الدنيا، وجناحاه مُضرجان بالياقوت والزمرد، بَزَاثنُه على صفائح من الذهب على أعلى ذلك العمود، فأمر له عبد العزيز بنفقه ألوف من الدنانير لأجرة من يحفر من الرجال في ذلك ويعمل فيه، وكان هنالك تل عظيم، فاحتفروا حفرة عظيمة في الأرض، والدلائل المقدم ذكرها من الرخام والمرمر تظهر، فازداد عبد العزيز حرصاً على ذلك، وأوسعَ في النفقة، وكثر من الرجال، ثم انتهوا في حفرهم إلى ظهور رأس الديك، فبرق عند ظهوره لمعان عظيم كالبرق الخاطف لما في عينيه من الياقوت وشدة نوره ولمعان ضيائه، ثم بانت قوائمه، وظهر حول العمود عمود من البنيان بأنواع من الأحجار والرخام، وقناطر مقنطرة، وطاقات على أبواب معقودة، ولاحت منها تماثيل وصور أشخاص من أنواع الصور والذهب وأجْرِبَة من الأحجار قد أطبقت عليها أغطيتها وشبكت، وقيد ذلك بأعمدة الذهب؟ فركب عبد العزيز بن مروان حتى أشرف على الموضع، فنظر إلى ما ظهر من ذلك، فأسرع بعضهم فوضع قدمه على درجة منسبكة من نحاس تنتهي إلى ما هنالك، فلما استقرت قدمه على المرقاة الرابعة ظهر سيفان عظيمان عاديان عن يمين المرجة وشمالها، فالتفتا على الرجل.، فلم يدْرَكْ حتى جزآه قطعاً وهوى جسمه سفلًا، فلما استقر جسمه على بعض المرج اختز العمود وصفر الديك تصفيراً عجيباً سمعه مَنْ كان بالبعد من هنالك، وحرك جناحيه فظهرت من تحته أصوات عجيبة، وقد عملت باللَّوَالب والحركات، إذا ما وقع على بعض تلك المرج شيء أو ماسها تهافت من هنالك من الرجال إلى أسفل تلك الحفيرة، وكان ممن يحفر ويعمل وينقل التراب ويبصر ويتحرك ويأمر وينهى نحو ألف رجل، فهلكوا جميعأ، فجزع عبد العزيز، وقال: هذا ردم عجيب الأمر ممنوع النَيْل، نعوذ بالله منه! وأمر جماعة من الناس فطرحوا ما أخرج من التراب على مَنْ هلك من الناس، فكان الموضع قبراً لهم.
قال المسعودي: وقد كان جماعة من أهل الدفائن والمطالب، ومن قد أغرى بحفر الحفائر وطلب الكنوز وذحائر الملوك والأمم السالفة المستودعة بطن الأرض ببلاد مصر، وقع إليهم كتابٌ ببعض الأقلام السالفة فيه وصف موضع ببلاد مصر على أفرع يسيرة من بعض الأهرام المقدم ذكرها،. بأن فيه مطلبأ عجيباً، فأخبروا الإِخشيد محمد بن ظغج بذلك، فأذن لهم في حَفره، وأباحهم استعمال الحيلة في إخراجه، فحفروا حَفرأ عظيماً إلى أن انتهوا إلى أزج وأقباء وحجارة مجوفة في صخر منقور فيه تماثيل قائمة على أرجلها من أنواع الخشب قد طليت بالأطْلِيةَ المانعة من سرعة البلى وتفرق الأجزاء، والصور مختلفة: منها صور شيوخ وشبان ونساء وأطفال أعينهم من أنواع الجواهر كالياقوت والزمرد والفيروزج والزبرجد، ومنها ما وجوهها ذهب وفضة، فكسروا بعض تلك التماثيل، فوجدوا في أجوافها رممأ بالية، وأجساماً فانية، وإلى جانب كل تمثال منها نوع من الآنية كالبراني وغيرها من الآلات من المرمر والرخام، وفيه نوع من الطلاء الذي قد طلي منه ذلك الميت الموضوع في تمثال الخشب، وما بقي من الطلاء متروك في ذلك الإِناء، والطلاء دواء مسحوق وأخلاط معمولة لا رائحة لها، فجعل منه على النار، ففاح منه روائح طيبة مختلفة لا تعرف في نوع من الأنواع التي للطيب، وقد جعل كل تمثال من الخشب على، صورة مَنْ فيه من الناس على اختلاف أسنانهم، ومقادير أعمارهم، وتباين صورهم، وبازاء كل تمثال من هذه التماثيل تمثال من الحجر المرمر، أو من الرخام الأخضر، عَلَى هيئة الصنم عَلَى حسب عبادتهم للتماثيل والصور، وعليها أنواع من الكتابات لم يقف على استخراجها أحد من أهل الملل، وزعم قوم من ذوي الدراية منهم أن لذلك القلم، من حين فقد من الأرض - أعني أرض مصر - أربعة آلاف سنة، وفيما ذكرناه دلالة على أن هؤلاء ليسوا بيهود ولا بنصارى، ولم يؤدهم الْحَفرُ إلا إلى ما ذكرنا من هذه التماثيل، وكان ذلك في سنة ثمان وعشرين وثلثمائة.
وقد كان لمن سلف وخلف من وُلاة مصر إلى أحمد بن طولون وغيره إلى هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - أخبار عجيبة، فيما استخرج في أيامهم من الدفائن والأموال والجواهر، وما أصيب في القبور من المطالب والخزائن، وقد أتينا على ذكرها فيما سلف من تأليفنا، وتقدم من تصنيفنا، و بالله التوفيق.
(1/163)

ذكر أخبار الإسكندرية وبنائها وملوكها وعجائبها
وما ألحق بهذا الباب
اختيار الموضع
ذكر جماعة من أهل العلم أن الإسكندر المقدوني لما استقام ملكه في بلاده سار يختار أرضاً صحيحة الهواء والتربة والماء، حتى انتهى إلى موضع الإسكندرية فأصاب في موضعها آثار بنيان عظيم وعمدأ كثيرة من الرخام، وفي وسطها عمود عظيم عليه مكتوب بالقلم المُسْنَدِ - وهو القلم الأول من أقلام حمير وملوك عاد - أنا شداد بن عاد بن شداد بن عاد، شددت بساعدى البلاد، وقطعت عظيم العماد، من الجبال والأطواد، وأنا بنيت إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد، وأردت أن أبني ههنا كإرم، وأنقل إليها كل في إقدام وكرم، من جميع العشائر والأمم، وذلك إذ لا خوف ولا هرم، ولا اهتمام ولا سقم، فأصابني ما أعجلني، وعما أردت قطعني مع وقوع ما أطال همي وشَجَنِي، وقل نومي وسكني، فارتحلت بالأمس عن داري لا لقهر ملك جبار، ولا لخوف جيش جَرار، ولا عن رهبة ولا عن صَغَار، ولكن لتمام المقدار، وانقطاع الأثار، وسلطان العزيز الجبار، فمن رأى أثري، وعرف خبري، وطول عمري، ونَفاذ بصري، وشدة حفري، فلا يغتر بالدنيا بعدي، فإنها غرارة تأخذ منك ما تعطي، وتسترجع ما تُوِلي. وكلام كثير يُرِي فناء الدنيا ويمنع من الاغترار بها والسكون إليها.
ونزل الإسكندر متفكراً يتدبر هذا الكلام ويعتبره، ثم بعث فحشر الصناع من البلاد،. وخط الأساس، وجعل طولها وعرضها أميالاً، وحشد إليها العمد والرخام، وأتته المراكب فيها أنواع الرخام. وأنواع المرمر والأحجار، من جزيرة صقلية، وبلاد إفريقية، وإقريطش، وأقاصي بحر الروم مما يلي مصبه من بحر أوقيانوس، وحمل إليه أيضاً من جزيرة روعس وهي جزيرة مقابلة للإسكندرية على ليلة منها في البحر، وهي أول بلاد الِإفرنجة، وهذه الجزيرة في وقتنا هذا، وهو صنة اثنتين وثلانين وثلثمائة، دار صناعة لم لروم، وبها تنشأ المراكب الحربية، وفيها خلق كثير من الروم، ومراكبهم تطرق بلاد الإسكندرية وغيرها من بلاد مصر فتُغِيرُ وتأسر وتسبي. وأمَرَ الإسكندر الفعَلة والصناع أن يدوروا بما رسم لهم من أساس سور المدينة، وجعل على كل قطعة من الأرض خشبة قائمة، وجعل من الخشبة إلى الخشبة حبالاً منوطة بعضها ببعض، وأوصل جميع ذلك بعمود من الرخام، وكان أمام مضربه، وعلق على العمود جرساً عظيماً مصوتاً، وأمر الناس والقُؤام على البَنَائين والفعَلة والصناع أنهم إذا سمعوا صوت ذلك الجرس وتحركت الحبال وقد علق على كل قطعة منها جرساً صغيراً حرصوا على أن يضعوا أساس المدينة دفعة واحدة من سائر أقطارها، وأحب الإسكندر أن يجعلِ ذلك في وقت يختاره في طالع سعيد، فخفق الإسكندر برأسه وأخذته سِنةٌ في حال ارتقابه الوقتَ المحمودَ المأخوذَ فيه الطالعُ، فجاء غراب فجلس على حبل الجرس الكبير الذي فوق العمود فحركه، وخرج صوت الجرس وتحركت الحبال، وخفقت ما عليها من الأجراس الصغار، وكان ذلك معمولاً بحركات فلسفية، وحيل حكمية، فلما رأى الصناع تحرك تلك الحبال وسمعوا تلك الأصوات وضعوا الأساس دفعة واحدة، وارتفع الضجيج بالتحميد والتقديس، فاستيقظ الإسكندر من رَقْدته وسأل عن الخبر، فأخبر بذلك، فعجب وقال: أردت امرأَ وأراد الله غيره، ويأبى الله إلا ما يريد، أردت طول بقائها، وأراد الله سرعة فنائها وخرابها وتداول الملوك إياها.
وإن الإسكندرية لما أحكم بنيانها وأثبت أساسها وجن الليل عليهم خرجت دواب من البحر فأتت على جميع ذلك البنيان، فقال الإسكندر حين أصبح: هذا بدء الخراب في عمارتها، وتحقق مراد الباري في زوالها، وتطير من فعل الدواب، فلم يزل البناءُ يُثنَى في كل يوم ويحكم، :يوكل به من يمنع الدواب إذا خرجت من البحر، فيصبحون وقد أخرب البنيان، فقلق الإسكندر لذلك، وراعه ما رأى، فأقبل يفكر ما الذي يصنع، وأي حيلة تنفع في دفع الأذية عن المدينة، فسنحت له الحيلة في ليلته عند خلوته بنفسه وإيراده الأمور وإصدارها، فلما أصبح دعا بالصناع فاتخذوا له تابوتاً من الخشب طوله عشرة أذرع في عرض خمس،، وجعلت
(1/164)

فيه جامات من الزجاج قد أحاط بها خشب التابوت باستدارتها، وقد أمسك ذلك بالقار والزفت وغيره من الأطلية الدافعة للماء، حذراً من دخول الماء إلى التابوت، وقد جعل فيها مواضع للحبال، ودخل الإسكندر في التابوت هو ورجلان معه من كتابه ممن له علم باتقان التصوير ومبالغة فيه وأمر أن تسد عليهم الأبواب، وأن تطلى بما ذكرنا من الأطلية، وأمر فأتي بمركبين عظيمين، فأخرجا إلى لجة البحر، وعلق على التابوت من أسفل مثقلات الرصاص والحديد والحجارة لتهوي بالتابوت سفلاً إذ كان من شأنه لما فيه من الهواء أن يطفو فوق الماء ولا يرسب في أسفله، وجعل التابوت بين المركبين، فألصقهما بخشب بينهما لئلا يفترقا، وشد حبال التابوت إلى المركبين وطَؤلَ حباله، فغاص التابوت حتى انتهى إلى قرار البحر، فنظروا إلى دواب البحر وحيوانه من ذلك الزجاج الشفاف في صفاء ماء البحر؟ فإذا هم بشياطين على مثال الناس ورؤوسُهم على مثال رؤوس السباع، وفي أيدي بعضهم الفؤوس، وفي أيدي بعض المناشير والمقاطع، يحاكون بذلك صناع المدينة والفعَلة وما في أيديهم من آلات البناء، فأثبت الإسكندر ومن معه تلك الصور وأحكموها بالتصوير في القراطيس، على اختلاف أنواعها وتشوه خلقتهم وقدودهم وأشكالهم، ثم حرك الحبال، فلما أحس بذلك مَنْ في المركبين جذبوا الحبال وأخرجوا التابوت، فلما خرج الإسكندر من التابوت وسار إلى مدينة الإسكندرية أمر صناع الحديد والنحاس والحجارة فصنعوا تماثيل تلك الدواب على ما كان صؤره الإسكندر وصاحباء، فلما فرغوا منها وضعت الصور على العُمُد بشاطئ البحر، ثم أمرهم فبنوا، فلما جن الليل ظهرت تلك الدوالب والآفات من البحر، فنظرت إلى صورها على العمد مقابلة إِلى البحر، فرجعت إلى البحر ولم تعد بعد ذلك.
ثم لما بنيت الإسكندرية وشيدت أمر الإسكندر أن يكتب على أبوابها هذه الإسكندرية، أردت أن أبنيها على الفلاح والنجاح واليمن والسعادة والسرور والثبات في الدهور، فلما يرد الباري عز وجل ملك السموات والأرض ومفني الأمم أن نبنيها كذلك، فبنيتها وأحكمت بنيانها، وشيدت سورها، وآتاني اللّه من كل شيء علماً وحكماً، وسهل لي وجوه الأسباب، فلم يتعذر علي شيء في العالم مما أردته، ولا امتنع عني شرء مما طلبته، لطفأ من الله عز وجل، وصنعاً بي، وصلاحاً لي ولعبادي من أهل عصري، والحمد للّه رب العالمين، لا إله إلا اللهّ رب كل شيء.
ورسم الإسكندر بعد هذه الكتابة كل ما يحدث ببلده من الأحداث بعده في مستقبل الزمان: من الآفات، والعمران، والخراب، وما يؤول إليه إلى وقت دُثور العالم.
وكان بناء الإسكندرية طبقات، وتحتها قناطر مقنطرة، عليها دور المدينة، يسير تحتها الفارس وبيده رمح لا يضيق به حتى يدور جميع تلك الأزاج والقناطر التي تحت المدينة، وقد عمل لتلك العقود والازاج مخاريق، وتنفسات للضياء، ومنافذ للهواء.
وقد كانت الإسكندرية تضيء بالليل بغير مصباح، لشدة بياض الرخام و المرمر، وأسواقها وشوارعها وأزقتها مقنطرة بها لئلا يصيب أهلها شيءٌ من لمطر، وقد كان عليها سبعة أسوار من أنواع الحجارة المختلفة ألوانها، بينها خنادق، وبين كل خندق وسور فصلان، وربما علق على المدينة شقاق الحرير الأخضر؟ لاختطاف بياض الرخام أبصار الناس لشدة بياضه.
فلما أحكم بناؤها، وسكنها أهلها، كانت آفات البحر وسكانه - على، زعم الإِخباريون من المصريين والاسكندريين - تختطف بالليل أهل هذه لمدينة، فيصبحون وقد فقد منهم العدد الكثير.
المال
(1/165)

ولما علم الإسكندر بذلك اتخذ الطلسمات على أعمدة هناك تدعى المسال، وهي باقية إلى هذه الغاية، وكل واحد من هذه الأعمدة على هيئة السَّرْوَة وطول كل واحد منها ثمانون ذراعاً، على عمد من نحاس وجعل تحتها صورأ وأشكالاً وكتابة، وذلك عند انخفاض درجة من درجات الفلك وقربها من هذا العالم، وعند أصحاب الطلسمات من المنجمين والفلكيين أنه إذا ارتفع من الفلك درجة وانخفض أخرى في مدة يذكرونها من السنين نحو ستمائة سنة نأتي في هذا العالم فعل الطلسمات النافعة المانعة والدافعة، وقد ذكر هذا جماعة من أصحاب الزيجات والنجوم وغيرهم من مصنفي الكتب في هذا المعنى، ولهم في ذلك سر من أسرار الفلك ليسى كتابنا هذا موضعاً له، ولغيرهم ممن ذهب إلى أن ذلك للطف قوى الطبائع التام وغير ذلك مما قاله الناس، وما ذكرنا من عرج الفلك فموجود في كتب من تأخر من - علماء المنجمين والفلكيين، كأب معشر البلخي، والخوارزمي، ومحمد بن كثير الفرغاني، وما شاء الله، وحبش، واليزيدي، ومحمد بن جابر البُتاني في زيجه الكبير، وثابت بن قرة، وغير هؤلاء ممن تكلم في علوم هيأت الفلك والنجوم.
منارة الإسكندرية
قاله المسعودي: فأما منارة الإسكندرية فذهب الأكثر من المصريين والِاسكندرانيين - ممن عني بأخبار بلدهم - إلى أن الإسكندر بن فيلبس المقدوني هو الذي بناها على حسب ما قدمنا في بناء المدينة، ومنهم من رأى أن دلوكة الملكة هي التي بنتها، وجعلتها مرقباً لمن يرد من العدو إلى بلدهم، ومنهم من رأى أن العاشر من فراعنة مصر هو الذي بناها، وقد قدمنا ذكر هذا الملك فيما سلف من هذا الكتاب، ومنهم من رأى أن الذي بنى مدينة رومية هو الذي بنى مدينة الإسكندرية ومنارتها والأهرام بمصر، و - إنما أضيفت الإسكندرية إلى الإسكندر لشهرته بالاستيلاء على الأكثر من ممالك العالم فشهرت به، وذكروا في ذلك أخباراً كثيرة، يدلون بها على ما قالوا، والإسكندر لم يطرقه في هذا البحر عدو، ولا هاب ملكاً يرد إليه في بلده ويغزوه في داره، فيكون هو الذي جعلها مرقباً، وإن الذي بناها جعلها على كرسي من الزجاج على هيئة السرطان في جوف البحر وعلى طرف اللسان الذي هو داخل في البحر من البر، وجعل على أعلاها تماثيل من النحاس وغيره، وفيها تمثال قد أشار بسبابته من يده اليمنى نحو الشمس أينما كانت من الفلك، وإذا علت في الفلك فإصبعه مشيرة نحوها فإذا انخفضت يده سفلاً، يدور معها حيث دارت، ومنها تمثال يشير بيده إلى البحر إذا صار العدو منه على نحو من ليلة، فإذا دنا وجاز أن يرى بالبصر لقرب المسافة سمع لذلك التمثال صوت هائل يسمع من ميلين أو ثلاثة، فيعلم أهل المدينة أن العدو قد دنا منهم، فيرمقونه بأبصارهم، ومنها تمثال كلما مضى من الليل والنهار ساعة سمعوا له صوتاً بخلاف ما صوت في الساعة التي قبلها، وصوته مُطْرِب.
حيلة لهدم المنارة
(1/166)

وقد كان ملك الروم في مدة الوليد بن عبد الملك بن مروان أنفذ خادماً من خواص خدمه ذا رأي ودهاء سراً، ؤجاء مستأمناً إلى بعض الثغور، فورد بآلة حسنة، ومعه جماعة، فجاء إلى الوليد فأخبره أنه من خواص الملك، وأنه أراد قتله لَموْجدَةٍ وحال بلغته عنه لم يكن لها أصل، وأنه استوحش منه، ورغب في الِإسلام، فأسلم على يدي الوليد، وتقرب من قلبه، وتنصح إليه في دفائن استخرجها له من بلاد دمشق وغيرها من الشام بكتب كانت معه فيها صفات تلك الدفائن، فلما رأى الوليد تلك الأموال والجواهر شَرِهَتْ نفسه، واستحكم طمعه، فقال له الخادم: يا أمير المؤمنين، إن ههنا أموالاً وجواهر ودفائن للملوك، فسأله الوليد عن الخبر، فقال: تحت منارة الإسكندرية أموال الأرض، وذلك أن الإسكندر احتوى على الأموال والجواهر التي كانت لشداد بن عاد وملوك العرب بمصر والشام، فبنى لها الأزاج تحت الأرض، وقَنْطَر لها الأقَبَاء والقناطر والسراديب، وأودعها تلك الذخائر من العين والوَرِق والجواهر وبنى فوق ذلك هذه المنارَةَ، وكان طولها في الهواء ألف ذراع، والمرآة على علوها والدبادبة جلوس حولها، فإذا نظروا إلى العدو في البحر في ضؤ تلك المرآة صوتوا بمن قرب منهم، ونصبوا ونشروا أعلاماً فيراها من بَعُدَ منهم فيحذر الناس وينفر البلد، فلا يكون للعدو عليهم سبيل، فبعث الوليد مع الخادم بجيش واناس من ثقاته وخواصه فهدَمَ نصف المنارة من أعلاها، وأزيلت المرآة؟ فضج الناس من أهل الإسكندرية وغيرها، وعلموا أنها مكيدة وحيلة في أمرها، ولما علم الخادم استفاضة ذلك، وأنه سينمى إلى الوليد، وأنه قد بلغ ما يحتاج إليه هرب في الليل في مركب كان قد أعده، وواطأ قومأ على ذلك من أمره، فتمت حيلته، وبقيت المنارة على ما ذكرنا إلى هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - وكان حوالي منارة الإسكندرية في البحر مغَاصٌ يخرج منه قطع من الجواهر تتخذ منه فصوص للخواتم يشبه أنواعا من الجواهر: منه السكركهن والأدرك وأشباد جشم، ويقال: إن ذلك من الألات التي كان اتخذها الإسكندر للشراب، فلما مات كسرتها أمه صرَمَتْ بها في تلك المواضِع من البحر، ومنهم من رأى أن الإسكندر اتخذ ذلك النوع من الجوهر وغرقه حول المنارة لكيلا يخلو من الناس حولها، لأن من شأن الجوهر أن يكون مطلوباً أبداً في كل عصر في معدنه براً أو بحراً، فيكون الموضع على عوام الأوقات بالناس معموراً، والأكثر مما يستخرج من الجوهر حول منارة الإسكندرية الأشباد جشم، وقد رأيت كثيراً من أصحاب التلويحات وممن عُنِيَ بأعمال الجواهر المنسوبة بالمغرب يعمل هذه الجواهر المعروفة بالأشباد جشم، ويتخذ منه الفصوص وغيرها، وكذلك الفصوص المعروفة بالباقلمون وهي ترى ألواناً مختلفة من حمرة وخضرة وصفرة تتلون في المنظر ألواناً مختلفة على حسب ما قدمنا، والتلون من ذلك على حسب الجرهر في صفائه واختلاف نظر البصر في إدراكه، وتلون هذا النوع من الجوهر - أعني الباقلمون - نحو تلون ريش صدر الطواوشى ؟ فإنها تلون ألواناً مختلفة بأذنابها وأجنحتها - أعني الذكور دون الإناث - وقد رأيت منها بأرض الهند ألواناً تظهر لحس البصر عند تأملها، لا تدرك ولا تحصى، ولا تشبه بلوق من الألوان؟ لما يتراثف من تموج الألوان في ريشها، ويتأتى ذلك منها لعظمٍ خلقها وكبر أجسامها وسعة ريشها؟ لأن للطواوس بأرض الهند شأناً عجيبا، والذي يحمل منها إلى أرض الإسلام ويخرج عن أرض الهند فيبيض ويفرخ تكون صغيرة الأجسام، كَدِرَة الألوان، لا تخطف أنوار الأبصار بإدراكها، وأنما تشبه بالهندية بالشبه اليسير، هذا في الذكور منها دون الإناث.
وكذلك شجر النارنج والأترج المدور، حمل من أرض الهند إلى أرض غيرها بعد الثلثماثة، فزرع بعمان ثم نقل إلى البصرة والعراق والشام، حتى كثر في دور الناس بطرسوس وغيرها من الثغور الشامية وإنطاكية وسواحل الشام وفلسطين ومصر، وما كان يعهد ولا يعرف، فعدمت منه الروائح الخمرية الطيبة، واللون الحسن الذي يوجد فيه بأرض الهند؟ لعدم ذلك الهواء والتربة والماء وخاصية البلد.
سر بناء المنارة
(1/167)

ويقال: إن المنارة إنما جعلت المرآة في أعلاها؟ لأن ملوك الروم بعد الإسكندر كانت تحارب ملوك مصر والإسكندرية، فجعل من كان بالإسكندرية من الملوك تلك المرآة تُرِي من يرد في البحر من عدوهم، إلا أن من يدخلها يتيه فيها إلا أن يكون عارفاً بالدخول والخروج فيها لكثرة بيوتها وطبقاتها ومَمَارقها، وقد ذكر أن المغاربة حين وافوا في خلافة المقتدر في جيش صاحب المغرب دخل جماعة منهم على خيولهم إلى المنارة فتاهوا فيها، وفيها طرق تؤوَل إلى مَهَاوٍ تهوي إلى سرطان الزجاج، وفيها مخارق إلى البحر فتَهَؤرواً بدوابهم، وفقد منهم عدد كثير، وعلم بهم بعد ذلك، وقيل: إن تهورهم كان في كرسي بها قدامها، وفيها مسجد في هذا الوقت يرابط فيه في الصيف متطوعة المصريين وغيرهم.
ولبلاد مصر والإسكندرية والمغرب وبلاد الأندلس ورومية وما في الشرق واليمن والمغرب أخبار كثيرة في عجائب البلدان والأبنية والآثار وخواص البقاع وما يؤثر في ساكنيها وقطانها أعرضنا عن ذكرها؟ إذ كنا قد أتينا على الأخبار عنها فيما سلف من كتبنا من عجائب العْالم وحيوانه وبره وبحره، فأغنى ذلك عن إعادة ذكره.
ولم نتعرض فيما سلف من هذا الكتاب لذكر بيوت النيران والهياكل المعظمة والبيوت المشرفة وغير ذلك مما يليق بمعناها، بل نذكرها في الموضع المستحق لها من هذا الكتاب، إن شاء الله تعالى.
/بسم الله الرحمن الرحيم
ذكر السودان وأنسابهم واختلاف أجناسهم وأنواعهم
وتباينهم في ديارهم وأخبار ملوكهم
ولد كوش بن كنعان ومساكنهم
قال المسعودي: ولما تفرق ولد نوح في الأرض سار ولد كوش بن كنعان نحو المغرب حتى قطعوا نيل مصر، ثم افترقوا فسارت منهم طائفة مُيَمِّنة بين المشرق والمغرب وهم النوبة والبجة والزنج، وسار فريق منهم نحو المغرب وهم أنواع كثيرة نحو الزغاوة والكانم ومركه وكوكو وغانة وغير ذلك من أنواع السودان والدمادم، ثم افترق الذين مضوا بين المشرق والمغرب، فصارت الزنج من المغير والمشكر وبربرا وغيرهم من أنواع الزنج، وقدمنا فيما سلف عند ذكرنا للبحر الحبشي، الخليج البربر في وما عليه من أنواع السودان واتصالهم في ديارهم إلى بلاد الدهلك والزيلع وناصع، وهؤلاء القوم أصحاب جلود النمور الحمر وهي لباسهم، ومن أرضهم تحمل إلى بلاد الإسلام، وهي أكبر ما يكون من جلود النمورة وأحسنها للسروج، وبحر الزنج والأحابش هو عن يمين بحر الهند، وإن كانت مياههما متصلة، ومن أرضهم يحمل الذبل من ظهور السلاحف، وهو الذي تتخذ منه الأمشاط كالقرون، وأكثر ما تكون الدابة المعروفة بالزرافة في أرضهم، وإن كانت عامة الوجود في أرض النوبة دون سائر بلاد الأحابش.
الزرافة
(1/168)

وقد تتوزع في نتاج هذا النوع من الدواب المعروفة بالزرافة، فمنهم من رأى أن بدء نتاجها من الإبل، ومنهم من رأى أن ذلك كان بجمع بين الإبل والنمورة وأن الزرافة ظهرت من ذلك، ومنهم من زعم أنه نوع من الحيوان قائم بذاته كقيام الخيل والحمير والبقر، وأن ليس سبيلها كسبيل البغال المولدة من النتاج بين الخيل والحمير، وتدعي الزرافة بالفارسية اشتركاو، وقد كانت تهدى إلى ملوكهم من أرض النوبة كما تحمل إلى ملوك العرب ومن مضى من خلفاء بني العباس وولاة مصر، وهي دابة طويلة اليدين والرقبة، قصيرة الرجلين، لا ركبتين لرجليها وإنما الركبتان ليديها، وقد ذكر الجاحظ في كتاب الحيوان عند ذكر الزرافة كلاماً كثيراً في نتاجها، وأن في أعالي بلاد النوبة يجتمع سباع ووحوش ودواب كثيرة في حَمَارَة القيظ إلى شرائع المياه، فتتسافد هنالك، فيلقح منها ما يلقح ويمتنع منها ما يمتنع، فيجيء من ذلك خلق كثير مختلفون في الصور والأشكال ؛ منها الزرافة ذات الأظلاف، وهي دابة منحنية إلى خلفها، منصوبة الظهر إلى مؤخرها وذلك لقصر رجليها، وللناس في الزرافة كلام كثير على حسب ما قدمنا في بدء نتاجها، وأن النمور ببلاد النوبة عظيمة الخلق، وأن الإبل صغيرة الخلق قصيرة القوائم، وأن ذلك كاتساع أرحام القلاص العربية، لفوالج كرمان وغيرها من إبل خراسان، فيظهر بينهما ويتولد عنهما الجمال البخت والجمازات ، ولا ينتج بين بختى وبختية، وإنما يصح هذا النوم من الإبل بين فوالج الإبل، وهي ذات السنامين، وبين قلاص الإبل، وهي النوق العربية، وكنتاج البخت بين البجاوية والمهرية، وللزرافة أخبار كثيرة قد ذكر ذلك صاحب المنطق في كتابه الكبير في الحيوان ومنافع أعضائها وغير ذلك من سائر أعضاء الحيوان، وقد أتينا على جميع ما يحتاج إليه من ذلك في كتابنا المترجم ب القضايا والتجارب.
والزرافة عجيبة الفعل في إلفها، وتووُّرها إلى أهلها، وهي كالفيلة: منها وحشية، ومنها مستأنسة أهلية، مع من قدمنا ذكره من الزنوج والأجناس من الأحابش الذين صاروا عن يمين النيل، ولحقوا بأسفل البحر الحبشي، وقطعت الزنج دون سائر الأحابش الخليج المنفصل من أعلى النيل الذي يصبُّ إلى بحر الزنج، فسكنت الزنج في ذلك الصقع، واتصلت مساكنهم إلى بلاد سفالة، وهي أقاصي بلاد الزنج، وإليها تقصد مراكب العمانيين والسيرافيين، وهي غاية مقاصدهم في أسافل بحر الزنج كما أن أقاصي بحر الصين متصل ببلاد السيلي، وقد تقدم ذكرها فيما سلف من هذا الكتاب، وكذلك أقاصي بحر الزنج هو بلاد سفالة، وأقاصيه بلاد الواق واق، وهي أرض كثيرة الذهب، كثيرة العجائب، خصبة حارة.
وقليمي ملك الزنج
واتخذها الزنج دار مملكة، وملكوا عليهم ملكا سموه وقليمي، وهي سمة لسائر ملوكهم في سائر الأعصار على ما قدمنا آنفا، ويركب وقليمي - وهو يملك ملوك سائر الزنوج - في ثلثمائة ألف فارس، ودوابهم البقر، وليس في أرضهم خيل ولا بغال ولا إبل، ولا يعرفونها، وكذلك لا يعرفون الثلج والبرد، ولا غيرهم من الأحابش، ومنهم أجناس محددة الأسنان يأكل بعضهم بعضاً.
ومساكن الزنج من حد الخليج المتشعب من أعلى النيل إلى بلاد سفالة والواق واق، ومقدار مسافة مساكنهم واتصال مقاطنهم في الطول والعرض نحو سبعمائة فرسخ أودية وجبال ورمال.
صيد الفيلة
(1/169)