Advertisement

مروج الذهب 002



الكتاب : مروج الذهب
المؤلف : أبو الحسن على بن الحسين بن على المسعودي
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ] والفيلة في بلاد الزنجِ في نهاية الكثرة، وحشية كلها غير مستأنسة، والزنج لا تستعمل منها شيئاَ في حروب ولا غيرها، بل تقتلها، وذلك أنهم يطرحون لها نوعاً من ورق الشجر ولحائه وأغصانه يكون بأرضهم في الماء، ويختفي رجال الزنج، فترد الفيلة لشربها، فإذا وردت وشربت من ذلك الماء حرقها وأسكرها، فتقع، ولا مفاصل لقوائمها ولا ركب على حسب ما قدمنا، فيخرجون إليها بأعظم ما يكون من الحراب فيقتلونها لأخذ أنيابها؛ فمن أراضيهم تجهز أنياب الفيلة، في كل ناب منها خمسون ومائة مَنًّ، بل أكثر من ذلك والاثنان منها ثلثمائة مَنًّ، وأكثر من ذلك فيجهز الأكثر منها من بلاد عمان إلى أرض الصين والهند، وذلك أنها تحمل من بلاد الزنج إلى عمان، ومن عمان إلى حيث ذكرنا؛ ولولا ذلك لكان العاج بأرض الإسلام كثيراً، وأهل الصين يتخذ ملوكها وقوادها وأراكنتها الأعمدة من العاج، ولا يدخل قوِّادها ولا أحد من خواصها على ملوكها بشيء من الحديد، بل بتلك الأعمدة المختلفة من العاج، ورغبتهم فيما استقام من أنياب الفيلة ولم يتقوس، لاتخاذ الأعمدة منها على ما ذكرنا، ويستعمل العاج في دخن بيوت أصن أمه ا وأبخرة هياكلها، كاستعمال النصارى في الكنائس الدخنة المعروفة بدخنة مريم وغيرها من الأبخرة، وأهل الصين لا يتخذون الفيلة في أرضهم، ويتطيرون من اقتنائها عندهم والحرب عليها؛ لخبر كان لهم في قديم الزمان في بعض حروبهم.
لعب الشطرنج ومقامرة الهندبه
والهند كثيرة الاستعمال لما يجهز إليهم من العاج في نُصُب الخناجر، وهي الحراري، أحدها حَرَي، وفي قوائم سيوفها، وهي القراطل، وأحدها قرطل، وهي سيوف معوجة، والأغلب في استعمال الهند العاج اتخاذها منه الشطرنج والنرد، والشطرنج ذو صور وأشكال على صور الحيوان من الناطقين وغيرهم، كل قطعة من الشطرنجِ كالشبر في عرض ذلك بل أكثر، فإذا لعبوا بها فإنما يقوم الواحد منهم قائماَ فينقلها في بيوتها، والأغلب عليهم القمار في لعبهم بالشطرنج والنرد على الثياب والجواهر، وربما أنفد الواحد منهم ما معه فيلعب في قَطْع عضو من أعضاء جسمه، وهو أن يجعلوا بحضرتهم قدرا ًمن النحاس صغيرة على نار فحم فيها دهن لحم أحمر فيغلي ذلك الدهن المدمل للجراح والماسك لسيلان الحم، فإذا لعب في إصبع، من أصابعه وقُمِرَ قطعها بذلك الخنجر، وهو مثل النار، ثم غمس يده في ذلك الدهن، فكواها، ثم عاد إلى لعبه، فإذا توجه عليه اللعب أبان إصبعا ثانية، وربما توجه عليه اللعب في قطع الأصابع والكف ثم الذراع والزند وسائر الأطراف، وكل ذلك يستعمل فيه الكي بذلك الدهن وهو دهن عجيب يعمل من أخلاط وعقاقير بأرض الهند عجيب المعنى، لما ذكرنا، وما ذكرناه عنهم فمستفيض من فعلهم.
الفيل ببلاد الهند
والهند تتخذ الفيلة في بلادها وتتناتج في أرضها، ليس فيها وحشية، وإنما هي حربية ومستعملة كاستعمال البقر والإبل، وأكثرها يأوي إلى المروج والضياع والغياض كالجواميس في أرض الإسلام، والفيلة تهرب من المكان الذي يكون فيه الكركدن على حسب ما قدمنا، فلا ترعى في موضع تشم فيه رائحة الكركدن، ويعمر الفيل بأرض الزنج نحواً من أربعمائة سنة، كذلك يذكر الزنج؛ لأنها تعرف في ديارها ومفاوزها، والفيل العظيم مما لا يتأتى لهم قتله، ومنها الأسود والأبيض والأبلق والأغبر، وفي أرض الهند منها ما يعمر المائة سنة والمائتين، ويضع حمله في كل سبع سنين.
حيوان الزبرق
(1/170)

ولها بأرض الهند آفة عظيمة نوع من الحيوان يعرف بالزبرق، وهي دابة أصغر من الفهد أحمر ذو زَغَب وعينين براقتين عجيبة سريع الوثبة، يبلغ في وثبته الثلاثين والأربعين والخمسين ذراعاً، وأكثر من ذلك، فإذا أشرف على الفيل رشش عليه بوله بذنبه فيحرقها. وربما لحق الإنسان فأتى عليه، وفي الهند من إذا أشرفت عليه هذه الدابة تعلق بأكبر ما يكون من شجر الساج، وهي أكبر من النخل وأكبر من شجر الجوز، تكِنّ الشجرة منها الخلق الكثير من الناس وغيرهم من الحيوان على حسب ما يحمل إلى البصرة والعراق ومصر من خشب الساج في طوله، فإذا تعلق الإنسان بأعلى تلك الشجرة وعجز هذا الحيوان عن إدراكه لصق بالأرض ووثب إلى أعلى الشجرة، فإن لم يلحق الإِنسان في وثبته رشش من بوله إلى أعلى الشجرة، وإلا وضع رأسه في الأرض وصاح صياحاً عجيباً، فيخرج من فيه قطع دم ويموت من ساعته، وأي موضع من الشجرة سقط عليه بوله أحرقه، وإن أصاب الإنسان شيء من بوله أتلفه، وكذلك سائر الحيوان.
وملوك الهند تتخذ في خزائنها مرارة هذه الدابة، ومذاغيره، ومواضع من أعضائه، وهو السم القاتل من ساعته، ومنه ما يسقى به السلاح فيتلف من فوره، ومذاغير هذه الدابة كمذاغير كلب الماء الذي يخرج منه الجند بادستر، وهذا الكلب أمره مشهور عند الصيادلة وغيرهم، وهو اسم فارسي معرب، وإنما هوكند وتفسير ذلك الخصية، فعرب فقيل جند بادستر.
والدابة المتقدم ذكرها المعروفة بالزبرق لا تأوي إلى موضع يكون فيه النوشان - وهو الكركدن - وتهرب منه كما يهرب منه الفيل أيضاً، والفيل يهرب من السنانير - وهي القطاط - ولا يقف لها البتة إذا أبصرها، وقد ذكر عن ملوك الفرس أنها كانت توقي الفيلة المقاتلة بالرجالة حولها ومراعاة حيل الأعداء عند الحرب بتخلية السنانير عليها، وكذلك أفعال ملوك السند والهند إلى هذه الغاية، وقد ذكر أن الخنازير ربما تهرب منها الفيلة.
وقد كان رجلِ بالمولتان من أرض السند يدعى هارون بن موسى مولى الأزد، وكان شاعراَ شجاعاً ذا رياسة في قومه ومنعة بأرض السند مما يلي أرض المولتان، وكان في حصن له، فالتقى مع بعض ملوك الهند وقد قدمت الهند أم أمه ا الفيلة، فبرز هارون بن موسى أمام الصف وقصد لعظيم من الفيلة وقد خبأ تحت ثوبه سنورا، فلما دنا في حملته من الفيل خلى القط عليه، فولَى الفيل منهزماً لما بصر بذلك الهر، وكان ذلك هزيمة الجيش، وقتل الملك، وغلبة المسلمين عليهم، ولهارون بن موسى قصيدة يصف فيها ما ذكرناه وهي:
أليس عجيباً بأن تلقه ... له فطن الأسد في جرم فيل
وأطرف من نسبه زوله ... بحلم يجل عن الخنشبيل
أليس عجيبَاَ بأن تلقه ... غليظ الدراك لطيف الحوِيل
وأرقص مختلف خلقه ... طويل النيوب قصير النصيل
ويخضع لليث ليث العرين ... فإن ناشب الهر من رأس ميل
ويلقى العدو بناب عظيم ... وجوف رحيب وصوت ضئيل
وأشبه شيء إذا قسته ... بخنزير بر وجاموس غيل
ينازعه كك ذي أريع ... فما في الأنام له من عديل
ويعصف بالبَبْر ِبعد النمور ... كما تعصف الريح بالعندبيل
وشخص ترى يده أنفه ... فإن وصلوه فسيف صقيل
وأقبل كالطَّوْد هادي الخميس ... بصوت شديد أمام الرعيل
فمر بسيل كسيل الاتي ... بخطو خفيق وجرم ثقيل
فان سُمْتَه زاد في هوله ... بشاعة أذنين في رأس غول
وقد كنت أعددت هراً له ... قليل التهيب للزندبيك
فلما أحَسَّ به في العجاج ... أتانا الإله بفتح جليل
وطار وراغمَ فيَّاله ... بقلب نخيب وجسم ثقيل
فسبحان خالقه وحده ... إله الأنام ورب الفيول
العندبيل: طائر صغير يكون بأرض السند والهند، تذكره الشعراء في أشعارها تمثلا به لصغره، والزندبيل: هو العظيم من الفيلة والمقدم فيها،وقد قيل: إن الزندبيل هو اسم لما اشتد في الحرب من إناث الفيلة، وقد ذكر بعض الشعراء في هذا المعنى الزندبيل عند ذكره للفيل فقال:
(1/171)

ذاك الذي مشفره طويل ... وهو من الأفيال زندبيل
وقال آخر:
وفيلُهُ كالطود زندبيل
وقد ذكر عمرو بن بحر الجاحظ في كتاب الحيوان هذه القصيدة، وفسر بعض أبياتها، وذكر في معنى الخنشبيل وتفسيره قول الأنصاري في صفة النحل:
تبيض العشاء بأذنابها ... وفى مدر الأرض عنها فضول
ويشبعها المص مص الثرى ... إذا عاجت الشاة والخنشبيل
قال: وهذا غير قوله:
قد علمت جارية عُطْبًول ... أني بنصل الصيف خَنْشَبِيل
والفيلة لا تنتج ولا تتوالد إلا بأرض الزنج والهند، ولا تعظم أنيابها بأرض السند والهند على حسب ما تعظم بأرض الزنج، والزنج تتخذ من جلود الفيلة الدَوق وكذلك الهند، ولا يلحق ذلك في المنعة شيء من الدرق الصيني والتبتي، واللمطي والبجاوي، ولا ما نقع في اللبن وغير ذلك من أنواع الدرق.
وخرطومه أنفه، وبه يوصَلُ الطعام والشراب إلى جَوْفه، وهو شيء بين إلغضروف واللحم والعصب، وبه يقاتل ويضرب، ومنه يصيح، وليس صوت الفيل على مقدار عظم جسمه وكبر خلقه.
عناية المنصور بالفيلة
وقد كان المنصور عُني بجمع الفيلة لتعظيم الملوك السالفة إياها واقتنائها لها، وإعدادها للحروب والزينة في الأعياد وغيرها؛ فإنها أوطأ مراكب الملوك و أمه دُها، وأخبرني بعض الكتاب ممن يرجع إلى أدب وعقل ومعرفة بأيام الناس بمدينة السلام، أنه اشترى بغلة في غاية الفَرَاهة والحسن، فكان يركبها في مهماته وتصرفاته، وكانت إذا رأت الجمال البُخْت أو العراب من العَمَّالة أو غيرها في الطريق نفرت وَشَبَّتْ، وكان يلقي منها جهدأ جهيدأ فيصبر على ذلك المكروه، لما هي علية من الفراهة والحسن، وأنه لا يحمله غيرها لعظم جسمه وكبر بطنه وسمنه قال: فلما كان في بعض الأيام اجتزت باب الطاق - وذلك في أيام المقتدر، وقد أخرج الفيلة للرياضة والتمهيد وليحمل عليها الليث بن علي الصفار وأصحابه، وقد كان مؤنس المظفر الخادم أسره ببلاد فارس حين خرج على السلطان - قال: فأشرفت على قطار من الجمال البُخْتِ منهزمة خائفة من الفيل، تجمز في مشيتها، لاسبيل لمن عليها أن يحبسها لما قد لحقها من الجزع، فلما رأت البغلة ذلك شَئت وَوَلت على عقبها، وَرمت بي الأرض فوقعت كجلد ثور منفوخ، ودخلت الجمال إلى درب لا ينفد، وقد كانت البغلة حين رمت بي ونفرت من الجمال دخلت ذلك الدرب، وجاءت الفيلة على أثر ذلك، فلما نظرت البغلة إلى الفيلة وعظم خلقها لحقت بالجمال ودخلت بينها كأنها لم تزل معها وتزلزلت كتزلزل الجمال، إذ رآني جماعة من الناس، فرفعوني، ودخل الغلام فأخرج البغلة، وما استطاع إخراجها حتى مضت الفيلة، وأخرجت من وسط بعض الجمال، فواللّه ما نفرت بعد ذلك من جمل، وقد ألفت الجمال حتى كأنها بعضها؛ لاستصغارها صورة الجمل عن ما شاهدت من عظم صورة الفيل.
عود إلى وصف الفيل: وكل حيوان في لسان فأصل لسانه إلى داخل، وطرفه إلى خارج، إلا الفيل؛ فإن طرف لسانه إلى داخل وأصله إلى خارجِ، والهند تزعم أنه لولا أن لسانه مقلوب ثم لقن الكلام لتكلم، والهند تُشرِّفُ الفيل وتفضله على سائر الحيوان، لما اجتمع فيه من الخصال المحمودة: من علو سمكه، وعظم صورته، وبديع منظره، واتصال صَهْوَته، وطول خرطومه، وسَعَة أذنه، وكبر غرموله، مع خفة وطئه، وطول عمره، وثقل جسمه، وقلة اكتراثه بما وضع على ظهره، وأنه - مع كبر هذا الجسم وعظم هذه الصورة - يمر بالإنسان فلا يحس بوطئه، ولا يشعر به حتى يغشاه لحسن خطوته واستقامة مشيه.
(1/172)

وقد وصف عمرو بن بحر الجاحظ الفيل في كتاب الحيوان فأغرق في وصفه، وأكثر في مدحه، وعدد معاني كثيرة في صفة الفيل وهيئته، وما هو عليه من عجيب التركيب وغريب التأليف، والمعاني الصحيحة، والإحساسات اللطيفة، وفي قبولها التأديب وصحة تمييزها وسرعتها إلى التلقين والتقويم، وما في أبدانها من الأعضاء الكريمة، والأجزاء الشريفة، وكم مقدار منافعها، ومبلغ مضارها، وبتلك الفضيلة من الإحساس فاقت تلك الأجناس، وما فيها من الآيات والبرهانات والعلامات النيرات التي جلاها اللّه لعيون خلقه، وفرق بينها وبين عقول عبادة، وقيدها عليهم، وحفظها لهم، لتكثر لهم، وتزيد بهم إلى وضوح الحجة، وتسخرهم لتمام النعمة، وما ذكر اللّه في الكتاب الناطق والخبر الصاعق، وفي الآثار المعروفة، والأمثال المضروبة، والتجارب الصحيحة، وما قالت الشعراء فيه، ونطقت به الفصحاء، وميزته العلماء، وعجبت منه الحكماء، وحالها عند الملوك، وموضع نفعها عند الحروب، وتباينها في العلوم، وجلالتها في الصدور، وفي طول أعمارها، وقوة أبدانها، وفي اعتز أمه ا وتصميمها وأحقادها وشدة اكتراثها، وطلبها بطوائلها، وارتفاعها عن ملك السُّقاط واقتناء السفلة والأراذل وعن ارتخاصها في الثمن، وارتباطها على الخسف، وابتذالها، وإذلالها، وعن امتناع طبائعها، وتمنع غرائزها أن تصلح أبدانها وتنبت أنيابها وتعظم جوارحها وتتسافد وتتلاقح إلا في معادنها وبلادها ومغارس أعراقها، مع التماس الملوك ذلك منها، وطمع القوم عليها بالتقرب بذلك منها، حتى أعجزت الحيل، وخرجت عن حد الطمع، وعن الأخبار عن حملها ووضعها ومواضع أعضائها، والذي خالفت فيه الأشكال الأربعة التي تحيط بالجميع مما يستناخ، أو يقوم أو يمشي أو يطر، وجميع ما ينتقل عن أولية خلقه، وما يبقى على الطبع الأول من صورته وعما يتنازعه من شبه الحيوان، وما يخالف فيه جميعِ الحيوان، وعن القول في شدة قلبه وأسره وفي حدته على ما هو أعظم بدناَ وأشد قلباً وأحَذُ ظفرأَ وذرب لساناً وهربه مما هو أصغر جسماً، وأكلُّ حداً، وأضعف أسراً، أخمل ذكراً، وعن الأخبار عن خصاله المذمومة، وأموره المحمودة، وعن القول في لونه وجلده وشعره ولحمه وشحمه وعظمه وبوله ونَجْوِه، وعن لسانه وفمه، مع غير ذلك من المواعيد الكثيرة التي تضمنت إيرادها، فلما أنتهي إلى موضع نظمها وإيراد وصفها وما أسلفه من القول في هذه المعاني التي قدًمها أورد جوامع متفرقة، ولمعاً غير متسقة في الفيلة وغيرها، وأعرض عن إِيراد خواص أعضائها، وأكثر منافعها، وعجيب خصالها، وما ذكر من أسرار الطبيعة فيها - وما قالته فلاسفة الهند في بدْئها، وما أثرته عمن تقدم من حكمائها في بدء أوليتها وعلة تكوينها في أرض الزنج والسند، دون سائر البقاع من الأرض، والسبب المانع لتكونها في غيرها، والتضاد الذي بينها وبين الكركدن مع عظم خلقهاِ، وفرارها من السنور، مع صغر حجم جسمه ولطافة منظره، وعن كثرة الطرب الذي يوجد في الفيل دون غيره من الحيوان، وقبولها الرياضة والدربة والمعرفة عند المحاورة، والدهاء، والخبث، والتمييز.
وقد ذكر صاحب المنطق في كتاب الحيوان جملاً كثيرة من خصال الفيل ومنافع أعضائه، وسلك طريقة لم يسلكها من تقدم من حكماء الهند في الفيل، وما ذهب إليه حكماء الهند من أن العالم بما فيه من الأجسام على جهات ثلاث: متفق، ومختلف، ومضاد، وأن ذلك في الجملة هو جماد ونامٍ، وإخراجهم عن العالم - الأفلاك والنجوم والبروج وغير ذلك من الأجسام السماوية، وأنها ليست بجماد ولا نام، وأنها أحياء ناطقة.
عود إلى وصف الزنج
(1/173)

قال المسعودي: فلنرجع الآن إلى ما كنا فيه آنفا في صدر هذا الباب، من ذكر الزنج وبلادهم وغيرهم من الزنج أو الأحأبش، فالزنج مع كثرة اصطيدها لما ذكرنا من الفيلة وجمعها لعاجها - غير منتفعة بشيء من ذلك في آلاتها، وإنما تتحلى الزنج بالحديد بدلاً عن الذهب والفضة، وما ذكرنا من دوابهم أنها بقر، وأنهم عليها يتقاتلون بدلاً من الإبل والخيل، وهي بقر تجري كالخيل بسروج ولُجُم، ورأيت بالري نوعا، من هذا البقر يبرك كما يبرك الجمل، ويثور بجمله كما تثور الإبل إذا استقلَّت بأحمالها، وهذا النوع من البقر يحمل عليه الميتة من الحيوان كالخيل والإبل والحمير والبغال، وملاكها نوع من المجوس مزْدَقية، ولهم خارج الري قرية لا يسكن معهم فيها غيرهم، فإذا مات بالري أو قَزْوِين شيء مما ذكرنا من البهائم ورد الواحد منهم مع ثوره فأناخه، وحمل عليه تلك الجيفة وسار بها إلى قريته، فأكلُهم منها، وبنيانهم من عظ أمه ا، ويحففون من لحمها ما يدخرونه لشتائهم، فأكثر أكلهم وأكل بقرهم من تلك اللًّحْمَان رطبَاَ ويابساً، وهذا النوع من البقر الغالب عليه حمرة الحدق، وسائر البقر تنفر وتهرب من هذا البقر، ورأيت بأصبهان وقدم منها ما في أنوفها حلق الحديد والصُّفْر، قد خزمت فيها الحبال، وخطمت بها كما يفعل بالجمال البخت، وكذلك بالري رأيت ثوراً منها قد عدا نحو ثور من غير هذا النوعِ، فلما رآه قد قصده قام فزعاً من هذا الجنس.
وليس في سائر أنواع البقر ما يأوي المياه والجزائر والبحيرات إلا البقر المعروف الحبشية التي تكون ببلاد مصر وأعمالها، وبحيرة تنيس ودمياط وما اتصل بتلك الديار، وأما الجواميس فإنها بالثغر الشامي تجر أكبر ما يكون من العَجَل، في أنوفها حلق الحديد والصُفْر على ما ذكرنا من البقر، وكذلك منها ببلاد إنطاكية، وأكثر ذلك ببلاد السند والهند وطبرستان، وقْرون تلك البقر أكبر من قرون هذه الجواميس التي بأرض الإسلام، وطول القرن منها نحو الزراع والذراعين وكذلك الجواميس كثيرة بأرض العراق مما يلي طفوف الكوفة والبصرة والبطائح وما اتصل بهذه الديار، والناس يذكرون عنقاء مًغْرب ويصورون العنقاء في الحمامات وغيرها، ولم أجد أحدا في هذه الممالك ممن شاهدته أو نمي إلي خبره ذكر أنه رآها، ولست أدري كيف ذلك، ولعله اسم لا مسمى له.
تفسير لقب ملك الزنج
ولنرجع الآن إلى أخبار الزنج وأخبار ملوكها: فأما تفسير اسم ملك الزنج - الذي هو وقليمي - فمعنى ذلك ابن الرب الكبير، لأنه اختار لملكهم والعدل فيهم، فمتى جار الملك عليهم في حكمه وحاد عن الحق قتلوه وحرموا عقبه الملك، ويزعمون أنه إذا فعل ذلك فقد بطل أن يكون ابن الرب الذي هو ملك السموات والأرض، ويسمون الخالق عز وجل ملكنجلو، وتفسيره الرب الكبير، والزنج أولو فصاحة في ألسنتهم، وفيهم خطباء بلغتهم، يقف الرجل الزاهد منهم فيخطب على الخلق الكثير منهم، ويرغبهم في القرب من بارئهم، - ويبعثهم على طاعته، ويرهبهم من عقابه وصولته، ويذكرهم من مضى من ملوكهم وأسلافهم، وليس لهم شريعة يرجعون إليها، بل رسوم لملوكهم، وأنواع من السياسات يسوسون بها رعيتهم، وأكلهم الموز، وهو ببلادهم كثير، وكذلك بأرض الهند، الغالب على أقوات الزنج الذرة، ونبت يقال له الكلاري يقلع من الأرض: كالكمأة، والراسن، ومنه كثير ببلاد عدن وما اتصل بها من أرض اليمن، ويشبه هذا الكلاري القلقاس الذي يكون بالشام ومصر، ومن غذائهم أيضا العسل واللحم، ومن هويَ منهم شيئاَ من نبات آو حيوان أو جماد يجده، وجزائرهم في البحر لا تحصي كثرة، وفيها النار جيل يعم أكله سائر الزنج، ومن بعض تلك الجزائر جزيرة بينها وبين ساحل الزنج نحو من يوم أو يومين، فيها خلائق من المسلمين يتوارثها ملوك من المسلمين، يقال لها قنبلو، على حسب ما ذكرنا من أمرها في هذا الكتاب.
مساكن النوبة
وأما النوبة فافترقت فرقتين: فرقة في شرق النيل وغربية، وأناخت على شطيه، فاتصلت ديارها بديار القبط من أرض مصر والصعيد من بلاد أسوان وغيرها، واتسعت مساكن النوبة على شاطئ النيل مصعدة، ولحاقوا بقريب من أعاليه، وبنوا دار مملكة، وهي مدينة عظيمة تدعئ دنقلة، والفريق الأخر من النوبة يقال لهم علوة، وبنوا مدينة عظيمة وسموها سرية.
(1/174)

قال المسعودي: وانتهيت في تصنيفي إلى هذا الموضوع من كتابنا هذا في شهر ربيع الأخر سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، وكنت بفسطاط مصر فأخبرت أن الملك في مدينة دنقلة للنوبة كابل بن سرور، وهو ملك أبن ملك ابن ملك فصاعدا وملكه يحتوي على ما قرة وعلوة، والبلد المتصل بمملكته بأرض أسوان يعرف بمريس، وإليه تضاف الريح المريسية، وعمل هذا الملك متصل بأعمال مصر من ارض الصعيد ومدينة أسوان.
البجة
وأما البجة فإنها نزلت بين بحر القلزم ونيل مصر، وتشعبوا فرقا، وملكوا عليهم ملكا، وفي أرضهم معادن الذهب، وهو التبر، ومعادن الزمرّد، وتتصل سراياهم ومناسرهم على النُّجُبِ إلى بلاد النوبة، فيغيرون وسبون، وقد كانت النوبة قبل ذلك أشد من البجة، إلى أن قوتي الإسلام وظهر، وسكن جماعة من المسلمين معدن الذهب وبلاد العلاة وعلاقي و عيذاب، وسكن في تلك الديار خلق من العرب من ربيعه بن نزار بن معد بن عدنان، فاشتدت شوكتهم، وتزوجوا في البجة، فقويت البجه بمن صاهرها من ربيعه، وقويت ربيعه بالبجة على ما ناوأها وجاورها من قحطان وغيوهم من مضر بن نزار ممن سكن تلك الديار، وصاحب المعدن شي وقتنا هذا - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثماثة - أبو مروان بشر بن إسحاق، وهو من ربيعه، يركب في ثلاثة آلاف من ربيعه وأحلافها من مضر واليمن وثلاثين ألف حراب على النُّجُب من البجة بالحجف البجاوية، وهم الحداربة، وهم المسلمون ممن بين سائر البجة، وباقي البجة كفار يعبدون صنما لهم.
الحبش
وأما الحبشة فاسم مملكتهم كعبر وهي مدينة عظيمة، وهي دار مملكة النجاشي، وللحبشة مدن كثيرة وعمائر واسعة، يتصل ملك النجاشي بالبحر الحبشي، ولهم ساحل لهم فيه مدن كثيرة، وهو مقابل لبلاد اليمن: فمن مدن الحبشة على الساحل الزيلع والدهلك وناصع، وهذه مدن فيها خلق من المسلمين إلا أنهم في ذمة الحبشة، وبين ساحل الحبشة ومدينة غلافقة - وهي ساحل زبيد من أرض اليمن - ثلاثة أيام عرض البحر بين الساحلين، ومن هذا الموضع عبرت الحبشة البحر حين ملكت اليمن في أيام في نواس وهو صاحب الأخدود المذكور في القرآن، وصاحب زبيد في وقتنا هذا إبراهيم بن زياد صاحب الحرملي ومراكبه تختلف إلى ساحل الحبشة، وتركب فيها التجار بالأمتعة، وبينهم مهادنة، وهذا الموضع من البحر بين هذين الشطين - أعني ساحل اليمن، وساحل الحبشة - أقل المواضع فيه عرضاً، وهنالك جزائر بين هذين الساحلين: منها جزيرة العقل، يقال: إن فيها ماء يعرف بماء العقل، يستسقي منه أرباب المراكب، ويفعل في القرائح والذكاء فعلاً جميلا، وقد ذكر بعض الفلاسفة المتقدمين ما يفعل هذا الماء وماله من الخواص، وذكر علة ذلك، وقد أتينا على الخبر في كتابنا " أخبار أخبار الزمان عند ذكرنا لأخبار المتطببين في تجاربهم وما كان من قضاياهم في علاجاتهم ممن سلف قبل ظهور الإسلام وغيرهم ممن اتصل بالملوك والخلفاء بعد ظهور الشرع، وقد غلب ابن زياد على هذه الجزيرة، وله في هذا الوقت رجال مرتبون فيها من أصحابه.
جزيرة سقرطة وسكانها
وفي هذا البحر مما يلي بلاد عدن جزيرة تعرف بسقطرة، إليها يضاف الصبر السقطري، ولا يوجد إلا فيها، ولا يحمل إلا منها، وقد كان أرسطاطاليس بن نقوماخس كتب إلى الإسكندر بن فيلبس حين سار إلى الهند في أمر هذه الجزيرة يوصيه بها، وأن يبعث إليها جماعة من اليونانيين يسكنهم فيها من أجل الصبر السقطري الذي يقع في الأيارجات وغيرها، فصيَّر الإسكندر إلى هذه الجزيرة خلقاً من اليونانيين أكثرهم من مدينة ارسطاطاليس بن نقوماخس، وهي مدينة اسطاغر، في المراكب بأهليهم في بحر القلزم، فغلبوا على من كان بها من ملوك الهند، وملكوا الجزيرة، وكان للهند بها صنم عظيم، فنقل ذلك الصنم في أخبار يطول ذكرها، وتناسل من بالجزيرة من اليونانيين فيها، ومضى الإسكندر فظهر المسيح فتنصر من كان بها إلى هذا الوقت، وليس في الدنيا - واللّه أعلم - موضع فيه قوم من اليونانيين يحفظون أنسابهم لم يُدَاخلهم في أنسابهم رومي ولا غيرهم غير أهل هذه الجزيرة، وهم في هذا الوقت تأوي إليهم بوارج الهند الذين يقطعون على المسلمين في هذه البوارج - وهي المراكب - على
(1/175)

من أراد الصين والهند وغيرها كما يقطع الروم في الشواني على المسلمين في البحر الرومي من ساحل الشام ومصر، ويحمل من جزيرة سقطرة الصبر السقطري وغيره من العقاقير، ولهذه الجزيرة أخبار عجيبة، ولما فيها من خواص النبات وللعقاقير قد أتينا على كثير من ذكرها فيما سلف من كتبنا.
بقية أجناس السودان
وأما غير هؤلاء من الحبشة الذين قدمنا ذكرهم من أمعن في المغرب - مثل الزغاوة والكوكو والقراقر ومديدة ومريس والمبرس والملانة والقوماطي ودويلة والقرمة - ذلكل واحد من هؤلاء وغيرهم من أنواع الأحابش ملك، ودار مملكة.
وقد أتيناء على ذكر جميع أجناس السودان وأنواعهم ومساكنهم ومواضعها من الفلك، ولأية علة تفلفلت شعورهم واسودت ألوانهم، وغير ذلك من أخبارهم وأخبار ملوكهم وعجائب سيرهم وتشعبهم في أنسابهم، في كتابنا أخبار الزمان في الفن الأول من جملة الثلاثين فناً، ثم في الكتاب الأوسط مما لم نذكره في كتابنا أخبار الزمان من أخبارهم، وذكرنا في هذا الكتاب مالا يسع ترك إيراده فيه ولا تعريته منه.
بين النوبة وفاتح مصر
قال المسعودي: وقد كان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه لما افتتح عمرو بن العاص مصر كتب إليه بمحاربة النوبة، فغزاهم المسلمون، فوجدوهم يرمون الحدق وأبي عمرو بن العاص أن يصالحهم، حتى صرف عن مصر، ووليها عبد اللّه بن سعد، فصالحهم على رؤوس من السبي معلومة، مما يسبي هذا الملك المجاور للمسلمين من غيرهم من ممالك النوبة المقدم ذكرها فيما سلف من صدر هذا الباب المدعو بملك مريس وغيرها من أرض النوبة، فصار ما قبض منه من السبي سَنّةً جارية في كل سنةٍ إلى هذه الغاية يحمل إلى صاحب مصر ويدعى هذا السبي في العربيه بأرض مصر والنوبة بالبقط، وعمد ذلك ثلثمائة رأس وخمس وستون رأسا، وأراه رسم على عدد أيام السنة، هذا لبيت مال المسلمين بشرط الهدنة بينهمِ وبين النوبة، وللأمير بمصر غير ما ذكرنا من عدد السبي أربعوت رأسا، ولخليفته المقيم ببلاد أسوان المجاورة لأرض النوبة، وهو المتولي لقبض هذا البقط، وهو السبي، عشرون رأساً غير الأربعين، وللحاكم المقيم بأسوان الذي يحضر مع أمير أسوان قَبْضُ البقط خمسة رؤوس غير العشرين التي يقبضها الأمير، ولاثني عشر شاهداً عدولاً من أهل أسوإن يحضرون مع الحاكم حين قبض البقط اثتا عشر رأساً من السبي حسب ما جرىَ به الرسم في صدر الإسلام في بلد إيقاع الهدنة بين المسلمين النوبة، والموضع الذي يتسلَّم فيه هذا البقط ويحضره من سميناه وغيرهم من النوبة من ثقات الملك يعرف بالقصر، وهو على ستة أميال من مدينة آسوان بالقرب من في يرة بلاق، وبلاق هذه مدينة في الموضع المعروف بالجنادل من الجبال والأحجار، وهذه المدينة في هذه الجزيرة يحيط بها ماء النيل كإحاطة ماء الفرات بالمدن التي في الجزائر الكائنة بين رَحْبَة مألك بن طَوْق وهَيْت، وهي ناوسة وعانة والحديثة، وفي مدينة بلاق خلق كثير من الناس ومنبر ونخل كثير في كلا الشطين، وهذء المدينة إليها تنتهي سفن النوبة وسُفُن المسلمين من بلاد مصر وأسوان، ومدينة أسوان يسكنها كثير من العرب من قحطان ونزاربن معد من ربيعه ومضر وخلق من قريش، وأكثرهم ناقلة من الحجاز وغيره، والبلد كثير النخل خصيب كثير الخير تُودعُ النواة الأرض فتنبت نخلة، ويؤكل من ثمرها بعد سنتين، وليست تربتهم كتربة البصرة ولا الكوفة ولا غيرهما من أرض النخل، لأن
(1/176)

النخل بالبصرة لا ينبت من النوى بل ينبت من الثال والفسيل، وهو النخل الصغير، وما يخرج من النواة فليس يثمر ولا يفلح، ولمن بأسوان من المسلمين ضياع كثيرة داخلة بأرض النوبة يؤدًون خراجها إلى ملك إلنوبة، وابتيعت هذه الضياع من النوبة في صدر الزمان في دولة بني أمية وبني العباس، وقد كان ملك النوبة استعدى المأمون حين دخل مصر على هؤلاء القوم بوفد أوفدهم إلى الفسطاط، ذكروا عنه أن ناساً من أهل مملكته وعبيده باعوا ضياعاً من ضياعهم ممن جاورهم من أهل أسوان، وأنها ضيهاعه والقوم عبيدة، ولا أملاك لهم، وإنما تملكهم على هذه الضياع تملك العبيد العملين فيها فرد المأمون أمرهم إلى الحاكم بمدينة أسوان ومن بها من أهل العلم والشيوخ، وعلم من ابتاع هذه الضياع من أهل أسوان أنها ستنزع من أيديهم، فاحتالوا على ملك النوبة بأن تقدموا إلى من ابتاع منهم من أهل النوبة أنهم إذا حضروا حضرة الحاكم أن لا يقروا لمليكهم بالعبوية، وأن يقولوا: سبيلنا معاشر المسلمين سبيلكم مع ملككم تجب علينا طاعته وترك مخالفته، فإن كنتم أنتم عبيداً لملككم وأموالكم له فنحن كذلك، فلما جمع الحاكم بينهم وبين صاحب الملك أتوا بهذا الكلام للحاكم أو نحوه مما وقفوا عليه من هذا المعنى، فمضى البيع لعدم إِقرارهم بالرق لملكهم إلى هذا الوقت، وتوارث الناس تلك الضياع بأرض النوبة من بلاد مريس، وصار النوبة أهل مملكة هذا الملك نوعين: نوع ممن وصفنا أحرأر غير عبيد، والنوع الأخر من أهل مملكته عبيد، وهم من سكن النوبة في غير هذه البلأد المجاورة لأسوان، وهي بلاد مريس.
معدن الزمرد وأنواعه
ومعدن الزمرد في عمل الصعيد الأعلى من أعمال مدينة قفط، ومنها يخرج إلى هذا المعدن، والموضع الذي فيه الزمرد يعرف بالخربة مفاوز و جبال، والبجة تحمي هذا المجان المعروف بالخربة، إليها يؤدي الخفارات من يرد إلى حفر الزمرد، والزمرد الذي يقتلع من هذا المكان يتنوع أربعة أنواع: النوع الأول منها يعرف بالمر، وهو أجودها وأغلاها ثمنا، وهو شديد الخضرة كثير الماء، يشبه خضرته بأشد ما يكون من السلق خضرة، وهذا اللون غير كدر ولا ضارب إلى السواد، والنوع الثاني يدعى بالبحري، ومعناهم في هذه التسمية هو أن ملوك البحر من السند والهند والزنج والصين ترغب في هذا النوع من الزمرد، وتباهي في استعماله ولباسه في تيجانها وأكاليلها وخواتيمها وأسورتها، فسمي البحري لما ذكرنا، وهو ثاني المر في الجودة وتشبه خضرته بالأول والماء كفراخ ورق الأس الذي يظهر في أوائل أغصان الآس وأطرافه، والنوع الثالث يعرف بالمغربي، ومعناهم في هذه التسمية وإضافتهم إياه إلى المغرب هو أن ملوك المغرب من الإفرنجة والنوكبرد والأندلس والجلالقة والوشكند والصقالبة والروس، وإن كان أكثر هؤلاء الأمم متصلين بالجدي وهو ما بين المشرق والمغرب على حسب ما ذكرنا من ديار ولد بافث بن نوح يتنافسون في هذا النوع من الزمرد كتنافس من ذكرنا من ملوك الهند والصين في النوع المعروف بالبحري، والنوع الرابع هو المسمى بالأصم، وهو أدنى الأنواع وأقلها ثمناً؛ لقلة مائه وخُضرته، وهذا النوع يتفاوت في اللون من الخضرة في القلة والكثرة، وجملة الوصف لهذه الأنواع الأربعة في الجودة والمبالغة في الثمن هو أكثرها ماء وأصفاها وأكثرها خضرة وأنقاها من السواد والصفرة، وغير ذلك من الألوان، مع تعري هذا الجوهر من النموشة، فإذا سلم مما ذكرنا كان في نوعه غايةً في الجودة ونهاية في الوصف، وفىِ حجارته ما يبلغ الخمسة المثاقيل من الوزن، إلى أن ينتهي إلى حد العدسة في المقدار، فيدخل ذلك في النظم من المخانق وغيرها.
وافات هذا الجوهر كثيرة، منها الريم، والحجارة، والعروق البيض التي تشوب هذا الجوهر وتوجد فيه، ولا تناكر بين ذوي الدراية بهذا الجوهر ومن عني بمعرفته أن الحيات والأفاعي وسائر أنواع الحيات من الثعابين وغيرها إذا أبصرت الزمرد الخالص سالت أحداقها، وأن الملسوع إذا سقي من الزمرد الخالص، وزن دانقين على الفور أمن على نفسه من أن يسري السم في جسده، ولا يوجد شيء من أنواع الحيات يقرب من معدنه وأرضه، وهوحجر لين رخو، يتكلس إذا ورد على الناس.
(1/177)

وقد كانت ملوك اليونانيين ومن تلاهم من ملوك الروم تعظم شأن هذا الجوهر، وتفضله على غيره من سائر الجواهر؛ لما اجتمع فيه من الخواص العجيبة، والمنافع الكثيرة، ولخفته في الوزن دون سائر الجواهر المعدنية. وأكثر ما يوجد من هذه الأنواع الأربعة العروق في الأرض، وهو المتَنافس فيه، إذا سلم من الاعوجاج والثقب، واستقام سلكه، واستطال ما استدار، وأدناه ما ينحل في معدنه من التراب ويلتقط من الطين، وقد يوجد على ظهر الأرض في هذا المعدن في وهاده وجباله وما انخفض وارتفع من أرضه نوعان منه وهما المغربي والأصم المقدم ذكرهما.
وقد يحمل من أرض الهند من بلاد سندان، ونحو كنباية من مملكة البلهر اصاحب المانغير المقدم ذكره فيما سلف من هذا الكتاب نوع من الزمرد يلحق بما وصفناه من النور والخضرة والشعاع، إلا أنه حجر صلب مما وصفنا، وأثقل مما ذكرنا، ولا يفرِّق بين هذا النوم المحمول من أرض الهند وبين الأنواع الأربعة المقدم ذكرها، إلا ذو دراية فطن أو ماهر فيه، وهذا النوع الهندي يعرفه أصحاب الجوهر بالملكيَ، لأنه يحمل من أرض الهند إلى بلاد عدن وغيرها من سواحل اليمن، ويؤتى به مكَة، فاشتهر بهذا الاسم لما وصفنا، وبان بهذا النعت بعض ذكرنا.
وقد أتينا على مبسوط أخبار الجواهر الشفافة وغيرها ووصف معادنها على الشرح والإيضاح في كتبنا أخبار الزمان ووجت جماعة بصعيد مصر،من ذوي الدراية - ممن اتصلت معرفته بهذا المعدن، وعرف هذا النوع من الجوهر الذي هو الزمرد - يخبرون أن هذأ الزمرد يكثر ويقل في فصول من السنة، وفي قوة من مواد الهواء، وهبوب نوع من الرياح الأربع، وتقوى الخضرة فيه والشعاع النوري في أوائل الشهر و الزيادة في نور القمر، وكذلك وجدت في أخبار من عني بمعرفة أكثرّ المعادن من الجوهرية وغيرها،أن الكبريت الأبيض والأصفر وغيرها من أنواع الكبريت يكثر في معدنه في السنة التي يكثر برقها، وتشتد صواعقها، على حسب ما أخبرنا به فيما سلف من هذا الكتاب عن الكفور في بلاد منصورة، من أرض الهند أنه يكثر في السنة التي تكثر فيها الصواعق و الرعود وألبرق، و لأ أن المكَثار كحاطب ليل، والإيجاز لمحة دالة، وحيٌ صرح عن ضمير، والبلاغة إيضاح بإيجاز لأسهبت في هذا الباب.
قوص ولْفط من بلاد مصر
وبين هذا الموضع المعروف بالخربة الذي فيه معدن هذأ النوع من الجوهر، وهو الزمرد، وبين ما اتصل به من العمارة وقرب منه من الديار، مسيرة سبعة أيام وهي قفط وقوص وغيرهما من صعيد مصر، وقوص راكبة للنيل، وبين النيل وقفط نحو من ميلين، ولمدينتي قفط وقوص أخبار عجيبة في أيام عمرانهما وما كان في أيام الأقباط من أخبارهما إلا أن مدينة قفط في هذا الوقت متداعية للخراب، وقوص أعمر، والناس فيها أكثر.
وَبَوَادي البجة المالكة لهذا المعدن تتصل ديارها بالعلاقي، وهي معدن الذهب على حسب ما قدمنا في هذا الباب، وبين العلاقي والنيل خمس عشرة مرحلة، وماء أهل العلاقي ما انْهَلَّ من السماء، ولهم ماء من عين يسيل في وسط العلاقي، وأقرب العمارة إليه مدينة أسوان، ومنها يسمّى العلاقي، والنوبة متصلة بتجارتها وقوافلها بمدينة أسوان، وأهل أسوان مختلطون بالنوبة.
الواحات
(1/178)

قال المسعودي: وأما بلاد الواحات - وهي بين بلاد مصر والإسكندرية وصعيد مصر والمغرب وأرض الأحابش من النوبة وغيرهم - فقد ذكرنا جملأ من أخبارها، وكيفية العمران بها، والخواص في أرضها، فيما سلف من كتبنا، وبها أرض شَبِّية وزاجية وعيون حامضة وغير ذلك من الطعوم: وصاحب الواحات في وقتنا هذا - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - عبد الملك بن مروان، وهو رجل من لَوَاتة، إلا أنه مرواني المذهب، ويركب في ألوف من الناس خيلاً ورجلاً ونجبا، وبينه وبين الأحابش نحو من ستة أيام، وكذلك بينه وبين سائر ما ذكرنا من العمائر هذا المقدار من المسافة، وفي أرضه خواص وعجائب، وهو بلد قائم بنفسه، غير متصل بغيره، ولا مفتقر إليه، ويحمل من أرضه التمر والزبيب والأعناب، وقد رأيت صاحب هذا الرجل المقيم بالواحات بباب الإِخشيد محمد بن طغج، وذلك سنة ثلاثين وثلثمائة، وسألته عن كثير من أخبار بلدهم، واحتجت أن أعلمه من خواص أرضهم، وكذلك كان فعلي مع غيره في سائر الأوقات ممن لم أصل إلى بلادهم، وأخبرني هذا الرجل عما بأرضهم من الشًب وأنواع الزاج، وما يحمل من بلادهم، وما بأرضهم من أنواع العيون الحامضة، وغير ذلك من المياه المختلفة الطعوم.
وقد ذكر صاحب المنطق أن ببعض المواضع عيوناً حامضة يستعمل ماؤها كاستعمال الخل، وذكر المواضع التي تنبع منها العيون المرة، وأن قوة مائها في المرارة لا يخالط شيئاً إلا مرره، وأن العلة في اختلاف هذه الطعوم في المياه أن الأرضين مختلفة مثل مواضع الشب " والمواضع النارية والرمادية، وذكر الأطعمة التي ببلاد صقلية المقدم ذكرها إذا خالطت الماء أفادته طعوماً مختلفة على قدر اختلافها وأعداد طعومها.
أعداد الطعوم وخواصها
وأعداد الطعوم ثمانية: فأولها العذب، والملح، والدسم، والحلو، والحامض، والمر، والقابض، والحِرِّيف، وقد تنازع الناس فيما ذكرنا؛فمنهم من رأى أن أعدادها سبعة، ومنهم من ذهب إلى أنها ستة، وأكثر من قال في أعدادها هو ما ذكرنا آنفاً من أنها ثمانية؛ وقد قال من سلف في قوى المياه أقاويل مختلفة: فمن ذلك أن العذب مُغَذ وإن كان سخنا، فإن استعمل من داخل أو من خارج بقدر الحاجة إليه فإنه ينقَي الجسد، وإن استعمل أكثر مما يحتاج إليه فإنه يرخي الأعضاء ويضعفها، وأن الماء البارد يشدًّ الأعضاء، ويقطع العطش، وأن الزيادة منه تخدر الجسد وتميته، وأن الماء الأجاج ينفع من سدد العبد والطحال، وأن الماء الكبريتي ينفع الجراح والقروح العتيقة والحكة؛ والبورقي نافع للحكة والجرب، وأما القاري فإنه نافع من أوجاع الصلب والعصب، وماء الحديد نافع من الاسترخاء في الأحشاء وما بطن من الأوعية، وماء النحاس نافع من الرطوبة والبلة الكائنة في الجسد والرأس، وماء الجص يشنج المعدة ويقبضها ويكرشها، وماء الزاج يحبس الدم، وماء البحر نافع من البرص، وقد ذكر جماعة أنه ينفع من الأخلاط الفاسدة إذا شرب منه اليسر مع دهن اللوز، وله في البصر أتعاب فظيع، وأن أصح المياه للأجساد الأبيض البراق الذي يخرج من جبال الطين من مشرق الشمس نحو مغربها، القابل بسرعة ما يرد إليه من الحر والبرد، وللناس فيما ذكرنا كلام كثير في أنواع المياه وأوصافها ومنافعها ومضارها، وليس كتابنا هذا موضعاً له، وإنما تغلغل بنا الكلام إلى ذكرها، وتشعب بنا القول إلى وصفها.
وصف بلاد الأحابش وحاصلاتها
وكُلُّ ما ذكرنا من بلاد الأحابش ما كان من غربي اليمن وجدة والحجاز مما يلي بحر القلزم، فبلاد قشفة لا خير في أرضها، ولا شيء يحمل من ساحلها إلا ما وصفنا من الذبل والنمور وغيرهما، وكذلك ما عليه من ساحل الشحر وبلاد الأحقاف من ساحل حضر موت إلى عدن، فبلدٌ لا خصب لأهله فيه، ولا يحمل من أرضهم في وقتنا إلا اللبان ويسمى الكندر، وهذا البحر اتصاله بالقلزم وهو عن يمين بحر الهند وإن كان الماء متصلاً، وليس في البحار، وما ذكرنا من الخلجان مما احتوى عليه البحر الحبشي، أصعب ولا أكثر حيالاً، ولا أسهك رائحة، ولا أقحط، ولا أقل خيراً في بطنه وظهره من بحر القلزم، وسائر البحر الحبشي تقطعه
(1/179)

المراكب في إبان سيرها فيه بالليل والنهار، إلا بحر القلزم، فإن المراكب تسير فيه بالنهار، فإذا جَنً الليل أرست في مواضع معروفة كالمراحل المشهورة، والمنازل المعروفة، لكثرة جباله وظلمته ووحشته، وليس هذا البحر مما اتصل به من بحر الهند والصين وغيره في شيء، وهو بالضد من ذلك، لأن بحر الهند والصين في قعره اللؤلؤ، وفي جباله الجواهر، ومعادن الذهب والفضة والرصاص القلعي، وفي أفواه دوابه العاج، وفي منابته الآبنوس، والخيزران، والقَنَا، والبّقم، والساج، والعود، وأشجار الكافور، والجوز، والقرنفل، والصندل، والأفاويه، والطيب، والعبر، وطيوره البباغي البيض والخضر، واحدها ببغة، ثم الطواويس وأنواعها في صورها واختلافها في الصغر والكبر ومنها ما يكون كالنعامة كبراً، وحشرات أرض الهند الزباد كالسنانير بأرض الإسلام كثيرة متَخَذة كالسنور، وأكثر ما يخرج من ضروعها الطيب المعروف بلبن الزباد، وهو نوع من الطيب عجيب، ثم ما يظهر في وقت من السنة من جباه الفيلة بأرض الهند ورؤوسها من العرق الذي هو كالمسك، والهند تراعي ظهور هذا الطيب في الفصل من الزمان الذي يكون فيه، فتأخذه وتجعله على بعض أدهانها الطيبة، فيكون أغلى طيبها والمستطرف عندها، والذي تستعمله ملوكها وخواصها لضروب من المنافع منها طيب الرائحة والتجمر الذي قد فاق على سائر الطيب عندهم، وما يؤثر في الإنسان عند شمه إياه واستعماله من ظهور الشَّبَق من الرجال والنساء والطلب للباه والاغتلام والطرب و، النشاط والأريحية، وكثير من فُتَّاك الهند وشجعانهم يستعمل هذا الدهن عند اللقاء والحرب، لأن ذلك عندهم مما يشجع القلب، ويقوي النفس، ببعثها على الإقدام، وأكثر ما يظهر هذا النوع من العرق في جباه الفيلة في ذلك الفصل من السنة في حال اغتل أمه ا وهيجانها؛ وإذا كان ذلك منها هرب عنها سو أسها ورُعَاتها، ولا تَفرق بين من تعرف وغيره من الناس، وإذا وجد الفيل ما وصفنا سلك الأودية والجبل والغياض، ونَد عن بلده، وغاب عن وطنه؛ فإذا قدم على النوشان الذي هو الكركدن هرب حينئذ من الفيل، ولا يقيم في الموضع الذي هو فيه لأن الفيل عند ذلك بحال السكران لا يعقل ولا يميز بين الكركدن الذي كان يخافه قبل ذلك وغيره، فإذا خرج عنه ذلك الفصل من السنة واسترجع عاد إلى بلدة على مسيرة شهر وأكثر من ذلك، وهو في بقيةٍ من سكَره، فيبقى نحو ذلك المقدار الذي كان هيجانه فيه عليلاً، ولا يكون ذلك إلا في الفحول من الفيلة ذوى الجراءة منها والإقدام، وما ذكرنا من ظباء المسك وغير ذلك مما عنه أمسكنا من عجائبه وخيراته وفيما ذكرنا تنبيه على غيره.
وللهند خَطْب طويل في ظهور هذا النوع من الطيب في هذه الحالة من الفيلة، والفرق بينه وبين سائر أنواع الدواب وما يظهر من الفيل من الجزع عند ورود المياه من الغدران والأنهار للشرب إذا كان الماء صافيً، فإنه يثيره ويكدره ويمتنع من شربه حين صفائه، وإن ذلك يوجد في أكثر الخيل إذا وردت الماء وكان صافياً ضربته بأيديها فكدَّرته فتشرب حينئذ، وتوافق الخيل الفيلة في المعنى دون سائر الحيوان، وإن ذلك لمشاهدة صورها في الماء لصقالته وصفائه، ولعلها تقصد زول ذلك عند كدر ما تضربه بأيديها؛ لعدم ظهور الصور فيه في حال الكدر، وإن الإبل الأغلب فنها يفعل ذلك، ولمعان غير ذلك مما وصفنا من أن ما عظم من الحيوان إذا رأى صورته منعكسة على صفاء الماء أعْجَبَتْهُ لعظمها وحسنها وما بان به من حسن الهيئة عما دونه - من أنواع الحيوان، وليس شيء يفعل ذلك من الحيوان غير ما ذكرنا من الخيل والإِبل والفيلة، وإن الفيل - مع عظم جسمه ولطافة نفسه وخفة روحه وحسن تمييزه والتفرقة بين وليه وعدوُّه من الناطقين وغيرهم وقبوله الرياضة - يمتنع من الأنثى كما تمتنع النوق إذا لقحت، وليس شيء من الدواب يمتنع من السِّفَاد من الإناث عند حملها إلا الفيلة والإبل، وهذا باب إن نحن تَقَصيْنَاه وذكرنا ما فيه طال به الكتاب، وخرج عن حد الاختصار والإيجاز. وقد أتينا على وصف جميع ذلك في كتاب أخبار الزمان وغيره من كتبنا، فلنذكر الآن أنواعاً من ولد يافث بن نوح ؛ إذ كان قد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب كثيراً من ذكر الأمم مع اختلاف ألوانهم، وتباينهم في ديارهم، واختلافهم في أحوالهم، إن شاء اللهّ تعالى.
(1/180)

ذكر الصقالبة ومساكنها وأخبار ملوكها
وتفرق أجناسها
نسب الصقالبة وأجناسهم
الصقالبة: من ولد مار بن يافث بن نوح، وإليه يرجع سائر أجناس الصقالبة، وبه يلحقون في أنسابهم، هذا قول كثير من أهل الدراية ممن عني بهذا الشأن، ومساكنهم بالجدي إلى أن يتصلوا بالمغرب، وهم أجناس مختلفة وبينهم حروب، ولهم ملوك، ومنهم من ينقاد إلى دين النصرانية إلى رأي اليعقوبية، ومنهم من لا كتاب له ولا ينقاد إلى شريعة، وهم جاهلية لا يعرفون شيئا من الشرائع، وهؤلاء أجناس: فمنهم جنس كان الملك فيهم قديماً في صدر الزمان، وكان ملكهم يدعي ماجك، وهذا الجنس يدعى ولينانا، وكان يتلو هذا الجنس في القديم سائر أجناس الصقالبة، لكون الملك فيهم، وانقياد سائر ملوكهم إليه، ثم يتلو هذا الجنس من أجناس الصقالبة اصطبرانة، وملكهم في هذا الوقت يدعى بصقلائح، وجنس يقال له دلاونة، وملكهم يدعى وانج علاف وجنس يقال لهم نامجين، وملكهم يدعى عزانة، وهذا الجنس أشجع أجناس الصقالبة وأفرس، وجنس يدعى منابن، وملكهم يدعى زنبير، ثم جنس يقال له سرتين وهو جنس عند الصقالبة مهيب لعلل يطول ذكرها وأوصاف يكثر شرحها، ونفرتهم من ملة ينقادون إليها، ثم جنس يقال له صاصين، ثم جنس يقال له جرواتيق، ثم جنس يقال له خشانين، ثم جنس يقال له برانجابين، وما سميناه من أسماء بعض ملوك هذه الأجناس فسمة معروفة لملوكهم، والجنس الذي سميناه المعروف بسرتين يحرقون أنفسهم بالنار إذا مات فيهم الملك والرئيس، ويحرقون دوابه، ولهم أفعال مثل أفعال الهند، وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب طرفاً من ذكرهم عند ذكرنا لجبل القبخ والخزر، وأن في بلاد الخزر مع الخزر خلقاً من الصقالبة والروس، وأنهم يحرقون أنفسهم بالنيران، وهذا الجنس من الصقالبة وغيرهم متصلون بالمشرق، ويعبرون من المغرب.
ملوك الصقالبة
فالأول من ملوك الصقالبة ملك الدير، وله مدن واسعة، وعمائر كثيرة، وتجار المسلمين يقصدون دار ملكه بأنواع التجارات.
ثم يلي هذا الملك من ملوك الصقالبة ملك الأوانج، وله مدن وعمائر واسعة، وجيوش كثيرة، وعدد كثير، ويحارب الروم والإفرنج والنوكبرد، وغير هؤلاء من الأمم، والحرب بينهم سِجَالٌ.
ثم يلي هذا الملك من ملوك الصقالبة ملك الترك، وهذا الجنس أحسن الصقالبة صوراً، وأكثرهم عدداً، وأشدهم بأساً.
أجناس الصقالبة
والصقالبة أجناس كثيرة، وأنواع واسعة، لا يأتي كتابنا هذا على وصف أجناسهم وتفريع أنواعهم، وقد قدمنا الأخبار عن الملك الذي كان ينقاد إليه ملوكهم في قديم الزمان، وهو ماجك ملك ولينان، وهذا الجنس أصل من أصول الصقالبة مُعَظّم في أجناسهم، وله قدم فيهم.
ثم اختلفت الكلمة بين أجناسهم، فزال نظ أمه م، وتحزَّبَت أجناسهم، وملك كل جنس منهم ملكاً على حسب ما ذكرنا من ملوكهم لأمور يطول ذكرها، وقد أتينا على جمل من شرحها وكثير من مبسوطها في كتابنا أخبار الزمان من الأمم الماضية، والأجيال الخالية، والممالك الداثرة.
ذكر الإفرنجة والجلالقة وملوكها
وما يتصل بذلك
نسبهم وصفاتهم
الإِفرنجة والصقالبة والنوكبرد والأشبان ويأجوج ومأجوج والترك والخزر وبرجان واللان والجلالقة وغير ذلك ممن ذكرنا ممن حل الجدي، وهو الشمال، لا خلاف بين أهل البحث والنظر من الشرعيين أن جميع من ذكرنا من هؤلاء الأمم من - ولد يافث بن نوح وهو الأصغر من ولد نوح؛ فالإفرنجة أشد هؤلاء الأجناس بأساً، وأمنعهم هيبة، وأكثرهم عُدَة، وأوسعهم ملكا، وأكثرهم مدناً. وأحسنهم نظاماً وانقياداً لملوكهم، وأكثرهم طاعة؛ إلا أن الجلالقة أشد من الإفرنجة بأسا، وأعظم منهم نكاية، والرجل من الجلالقة يقاوم عدة من الإفرنجة، وكلمة الإفرنجة متفقة على ملك واحد، لا تنازع بينهم في ذلك، ولا تحزب، واسم دار مملكتهم في وقتنا هذا بويرة، وهي مدينة عظيمة، ولهم من المدن نحو من خمسين ومائة مدينة غير العمائر والكور.
مساكنهم
(1/181)

وكان أوائل بلاد الإفرنجة قبل ظهور الإسلام في البحر جزيرة رودس، وهي الجزيرة التي ذكرنا أنها مقابلة للإسكندرية، وأن فيها دار صناعة المراكب في وقتنا هذا للروم، ثم جزيرة إقريطش، وقد كانت للإفرنجة أيضاً ففتحها المسلمون ونزلوها إلى هذه الغاية، وكانت بلاد إفريقية وجزيرة صقلية للإفرنجة أيضاً، وقد أتينا على أخبار هذه الجزائر وخبر الجزيرة المعروفة بالبركان، وهي الأطمة التي يخرج منها أجسام من النار كأجساد الناس بلا رؤوس فتعلو في الهواء بالليل، ثم تسقط في البحر فتطفو لحى الماء وهي الحجارة التي يحك بها الكتابة من الدفاتر، وهي خفاف بيض على هيئة الشهد وأكوار الزنابير الصغار، وهي الأطمة المعروفة بأطمة صقلية، وفيها قبر فرفوريس الحكيم الذي صنف كتاب إيساغوجي، وهو المدخل إلى علم المنطق، وهذا الكتاب بهذا الرجل يعرف،. وكذلك أتينا على ذكر آطام الأرض، كأطمة وادي برهوت من بلاد حضر موت وبلاد الشِّحر، وأطمة بلاد الزابج من بحر الصين، وأطمة بلاد أسك، وهي ما بين بلاد فارس وبلاد الأهواز من أعمال مدينة أرجان من بلاد فارس، وهذه النار ترى بالليل من نحو عشرين فرسخاً، وهي مشهورة بأرض الإسلام، وتفسير أطمة هي عين النار التي تنبع من الأرض.
ولم نتعرض في هذا الكتاب لذكر الحمامات الكبريتية والزاجية، ولا الحمامات التي تظهر من مائها النار بالأطمة التي ببلاد ماسبدان من أرض أريوجان والسيروان يقال لها النومان وهي أطمة تظهر من وسط مائها النار وهي أطمة عجيبة تمنع ورود الماء عن إطفائها، وتدفعه بشدة قوتها وسلطان لهبها، وهي إحدى عجائب العالم؛ إذ كنا قد أتينا على علل جميع ذلك فيما سلف من كتبنا.
وقد أتينا على منافع أنواع المياه بجوامع ذكرناها، ولمع لوحنا بها، فيما سلف من هذا الكتاب عند ذكرنا لأرض الواحات من بلاد مصر، وإن كنا قد أتينا على مبسوط ذلك فيما تقدمَ من كتبنا.
ملوك الإفرنجة
قال المسعودي، ووجدت في كتاب وقع إليَّ بفسطاط مصر سنة ست وثلاثين وثلثمائة أهداه عرماز الأسقف بمدينة جريدة من مدن الإفرنجة في سنة ثمان وعشرين وثلثمائة إلى الحكم بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد اللّه بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم ولي عهد أبيه عبد الرحمن صاحب الأندلس في هذا الوقت في عهده: يا أمير المؤمنين، إن أول ملوك إفرنجة قلودية، وكان مجوسياً فنصَّرتهُ امرأته وكان اسمها غرطلة، ثم ملك بعده ابنه لذريق، ثم ولي بعد لذريق ابنه دقشرت، ثم ولي بعده ابنه لذريق، ثم ولي أبعده قرطان ابن دقشرت، ثم ولي بعده ابنه قارله ثم ولي بعمه ابنه تبين ثم ولي بعده قارلة بن تبين وكانت ولايته ستاً وعشرين سنه، وكان في أيام الحكم صاحب الأندلس، وقد تدافع أولاده ووقع الاختلاف بينهم، حتى تفانت الإفرنجة بسببهم، وصار لفريق بن قارلة صاحب ملكهم، فملك ثمانياً وعشرين سنةً وستة أشهر، وهو الذي أقبل إلى طرطوشة فحاصرها، ثم ولي بعده ابنه قارلة بن لذريق وهو الذي تَهَادَنَ مع محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان، وكان محمد يخاطب بالإمام، وكانت ولايته تسعاً وثلاثين سنة، وستة أشهر، ولي بعده ابنه لذريق ستة أعوام، ثم وثب عليه قائد الإفرنجة المسمى نوسة، وملك إفرنجة، وأقام في ملكه ثمان سنين، وهو الذي صالح المجوس على بلده سبع سنين بستمائة رطل ذهب وستمائة رطل فضة يؤديها صاحب الإفرنجة إليهم، ثم ولي بعده قارلة بن تقويرة أربع سنين، ثم ملك بعده قارلة أخر، ومكث إحدى وثلاثين سنة وثلاثة أشهر، ثم وليِ بعده لذريق ابن قارلة وهو ملك إفرنجة إلى هذا - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - وقد استوفى في مملكته عشر سنين إلى هذا التاريخ على حسب ما نمي إلينا من خبره.
بين عبد الرحمن والجلالقة
(1/182)

قال المسعودي: وأشد ما على الأندلس من الأمم المحاربة لهم الجلالقة، كما أن الإفرنجة حرب لهم، غير أن الجلالقة أشد بأساً، وقد كان لعبد الرحمن بن محمد صاحب الأندلس في هذا الوقت وزير من ولد أمية يقال له أحمد بن إسحاق فقبض عليه عبد الرحمن لأمر كان منه استحق عليه في الشريعة العقوبة، فقتله عبد الرحمن، وكان للوزير أخ يقال له أمية في مدينة من ثغور الأندلس، يقال لها شنْتَرِين، فلما نمي إليه ما فعل بأخيه عصى على عبد الرحمن؛افصار في حيزرذمير ملك الجلالقة، فأعانه على المسلمين، ودله على عوراتهم، ثم خرج أمية في بعض الأيام من المدينة يتصيد في بعض منتزهاتها، فغلب على المدينة بعض غلمانه ومنعوه من الدخول إليها، وكتبوا إلى عبد الرحمن، ومضى أمية بن إسحاق أخو الوزير المقتول إلى رذمير، فاصطفاه، واستوزره، وصيره في جملته، وغزا عبد الرحمن صاحب الأندلس سمورة مملكة الجلالقة المتقدمة صفة بنيانها وأسوارها في باب جمل الأخبار عن البحار وما فيها وما حولها من العجائب والأمم ومراتب الملوك وأخبار الأندلس وغير ذلك، وكان عبد الرحمن في مائة ألف أو يزيدون، فكانت الواقعة بينه وبين رذمير ملك الجلالقة في شوال سنة سبع وعشرين وثلثمائة بعد الكسوف الذي كان في هذا الشهر بثلائة أيام، وكانت للمسلمين عليهم، ثم أنابوا بعد أن حوصروا وأولجو إلى المدينة فقتلوا من المسلمين - بعد عبورهم الخندق - خمسين ألفاً، وقيل: إن الذي منع رذمير من طلب من نجا من المسلمين أمية بن إسحاق، وخوفه الكمين، ورغبه فيما كان في معسكر المسلمين من الأموال والعدد والخزائن، ولولا ذلك لأتى على جميع المسلمين، ثم إن أمية بعد ذلك استأمن إلى عبد الرحمن، وتخلّص من رذمير، فقبله عبد الرحمن أحسن قبول، وقد كان عبد الرحمن صاحب الأندلس بعد هذه الواقعة تجَهَّزَ عساكر مع عدة من قواده إلى الجلالقة، وكانت لهم معهم حروب هلك فيها من الجلالقة ضعف ما قتل من المسلمين في الوقعة الأولى، وكانت للمسلمين عليهم إلى هذه الغاية، ورذمير ملك الجلالقة إلى هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - وكان قبله على الملك أردون وكان قبل أردون أذبوشن، والجلالقة والإفرنجة تدين بدين النصرانيةِ على رأى الملكية.
ذكر النوكبرد وملوكها
نسبهم ومساكنهم
وقد تقدم ذكرنا للنوكبرد، وأنهم من ولد يافث بن نوح، وبلادهم متصلة بالمغرب، ومحلهم الجدي، ولهم جزائر كثيرة فيها أمم من الناس، وهم ذوو بأس شديد ومنعة، ولهم مدن كثيرة يجمعهم ملك واحد، وأسماء ملوكهم في سائر الأعصار أدنكبس والمدينة العظمى من مدنهم ودار مملكتهم هي يست، ويخترقها نهر عظيم، وهي جانبان، وهذا النهر أحد أنهار العالم الموصوفة بالكبر والعجائب يقال له سايبط، قد ذكره جماعة ممن عني بهذا المعنى ممن تقدم، وكان المسلمون ممن جاورهم من بلاد الأندلس والمغرب غلبوهم على مدن كثيرة من مدنهم مثل مدينة باري ومدينة طارنيو ومدينة شبرامة وغيرها من مدنهم الكبار.
ثم إن النوكبرد أنابوا ورجعوا على من كان في تلك المدن من المسلمين فأخرجوهم عنها بعد حرب طويل، وما ذكرنا من المدن في وقتنا هذا - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - في أيدي النوكبرد.
قال المسعودي: ومن ذكرنا من الجلالقة والإفرنجة والصقالبة والنوكبرد وغيرها من الأمم فديارهم متقاربة، والأكثر منهم حَرْبٌ لأهل الأندلس، وصاحب الأندلس في هذا الوقت ذومَنَعة وقوة عظيمة على ما قدمنا من نسبه وأخباره، وقد كان عبد الرحمن بن معاوية بن هشام سار إلى الأندلس في أول دولة بني العباس، وله أخبار كثيرة في كيفية وصوله إلى الأندلس، ودار مملكة الأندلس قرطبة على ما ذكرنا، ولهم مدن كثيرة وعمائر متصلة واسعة، وثغور في أطراف أرضهم، وربما يجتمع عليهم من جاورهم من الأمم من ولد يافث من الجلالقة وبرجان والإِفرنجة وغيرها من الألسن وصَاحب الأندلسى في هذا الوقت يركب في مائة ألف، وهو ذو مَنَعَة بالرجال والمال والكُراع والعدد، واللّه أعلم.
ذكر عاد وملوكها
؟عاد الأولى
(1/183)

ذكَرَ جماعة ذوي العناية بأخبار العالم أن المُلْكَ يُؤثَر من بعد نوح في عاد الأولى التي بأدت قبل سائر ممالك العرب كلها، ومصداق ذلك قوله عز وجل: وأنه أهلك عادأ الأولى فإنه يدل على تقدمهم، وأن هناك عادأ ثانية، وأخبر اللّه عن ملكهم، ونطق بشدة بطشهم، وما بنوه من الأبنية المشيدة التي تدعى على من الدهور العادِئةَ، وقد أخبر اللّه تعالى عن قول نبيه هود - عليه السلام وخطابه إياهم: " أتبنون بكل ريع آية تعبثون، وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون، وإذا بطشتم جبارين " .
عاد أول ملك بعد نوح
وعاد أول من ملك في الأرض في قول هذه الطائفة، بعد أن أهلك الله عز وجل الكفار من قوم نوح، وذلك لقوله تعالى: واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح، وزادكم في الخلق بسطة وذلك أن هؤلاء القوم كانوا في هيأت النخل طولا، وكانوا في اتصال الأعمار وطولها بحسب ذلك من القدر، وكانت نفوسهم قوية، وكبادهم غليظة، ولم يكن في الأرض أمة هي أشد بطشا وكثر آثارا وأقوى عقولا وأكثر أحلاماً من قوم عاد، ولم يكن الهلك يعرض في أجس أمه م، لقوة آثار الطبيعة فيها، وما أوتوه من الزيادة في تمام البنية وكمال الهيئة على حسب ما أخبر الله عز وجل.
نسب عاد وعبادته وأولاده
وكان عاد رجلا جباراً عظيم الخلقة، وهو عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح، وكان عاد يعبد القمر، وذكروا أنه رأى من صلبه أربعة آلاف ولد، وأنه تزوج ألف امرأة، وكانت بلادة متصلة باليمن، وهي بلاد الأحقاف، وبلاد صحاري هي وبلاد عمان إلى حضر موت على حسب ما قدمنا آنفاً فيما سلف من هذا الكتاب وغيره من كتبنا.
وقد ذكَرَ جماعة من الإخباريين - ممن عني بأخبار العرب - أن عادا لما توسط العمر واجتمع له الولد وولد الولد، ورأى البطن العاشر من ولده، وظهور الكثرة مع تشييد الملك واستقامة الأمر، غمر إحسانه الناس، وَقَرَى الضيف، وأحواله منتظمة، والدنيا عليه مقبلة، فعاش ألف سنة ومائتي سنة ثم مات.
وكان الملك بعده في الأكبر من ولده، وهو شديد بن عاد وكان شديد بن عاد ملكه خمسمائة سنة وثمانينَ سنة، وقيل غير ذلك.
ثم ملك بعده أخوه شداد بن عاد وكان ملكه تسعمائة سنة، ويُقال: إنه احتوى على سائر ممالك العالم، وهو الذي بنى مدينة أرم ذات العماد، على حسب ما قدمنا فيما سلف من كتبنا عند إخبارنا عن هذه المدينة وتنازع الناس في كيفتها وماهيتها وفي أي بلاد هي.
وهذه عاد الثانية التي ذكرها اللّه تعالى فقال: " لم تر كيف فعل ربك بعاد أرم ذات العماد " وإلى هذه الأمة انتهى البطش، ولشداد بن عاد مسير في الأرض، وطواف في البلاد وبأس عظيم في ممالك الهند وغيرها من ممالك الشرق والغرب، وحروب كثيرة، أعرضنا عن ذكرها لشرط الاختصار، وَمُعَوّلنا في ذلك على ما بَسَطْناه من أخبارهم في كتاب أخبار الزمان: من الأمم الماضية، والأجيال الخالية، والممالك الداثرة وسنورد فيما يود من هذا الكتاب - عند ذكرنا تفرق الناس ببابل وتشعب الأنساب، وما قالوا في ذلك من الأشعار - جملاً من أخبار عاد ونبيها هود، فأما تنازع الناس ممن سلف وخلف في العلة التي لها عظمت أجسادهم وطالت أعمارهم فقد أتينا على ذكر ذلك في كتابنا المترجم ب الكتاب الرؤوس السبعة من السياسة الملوكية وكذلك في كتابنا المترجم ب - كتاب الزلف.
وذكرنا العلة التي لها من أجلها عدم كون السباع والجمال بأرض الأندلس، وما يتكون في هذه الأرض من الجواهر في نباتها ومعادنها، وما في أرض جليقية، وإلى هذه الأرض أضيفت مملكة الجلالقة المقدم ذكرها فيما سلف من هذا الكتاب، وهم أشد الأمم على أهل الأندلس، وأعظمهم بطشاً ممن جاورهم، ثم يليهم في الناس أمة عظيمة الملك يقال لها الوشكنش، على حسب ما قدمنا من ذكرهم فيما سلف من هذا الكتاب وفي غيره من كتبنا مما تقدم تأليف هذا الكتاب.
ذكر ثمود وملوكها وصالح نبيها
مساكن ثمود
(1/184)

قد ذكرنا فيما سلف من ذكر ثمود ونبيها صالح عليه السلام لمعا، و إن كنا قد بسطنا ذلك في غير هذا الكتاب، وكان ملك ثمود بن عابر بن أرم بن سام بن نوح بين الشام والحجاز إلى ساحل البحر الحبشي، وديارهم بِفَجَ الناقة، وبيوتهم إلى وقتنا هذا أبنية منحوتة في الجبال، ورسمهم باقية وآثارهم بادية، وذلك في طريق الحاج لمن وَرَدَ من الشام بالقرب من وادي القرى، وبيوتهم منحوتة في الصخر بأبواب صغار، ومساكنهم على قدر مساكن أهل عصرنا، وهذا يدل على أن أجس أمه م على قمر أجسامنا، دون ما يخبر به القصاص من بعد أجس أمه م، وليس هؤلاء كعاد؛ إذ كانت آثارهم ومواضع مساكنهم وبنيانهم بأرض الشحر تدل على بعد أجس أمه م.
وكان ملك الملك الأول من ملوكهم مائتي سنة، وهو عابر بن أرم بن ثمود بن عابر بن أرم بن سام بن نوح.
ثم ملك بعده جندع بن عمروبن الذبيل بن أرم بن ثمود بن عابر بن أرم بن سام بن نوح، وكان ملكه إلى أن هلك مائتي سنة وتسعين سنة، وهلك جندع هذا بعد أن كان من أمر صالح النبي صلى الله عليه وسلم ما كان على ما ذكرنا أربعين سنة، فجميع ما ملك هذا الملك - وهو جندع - ثلثمائة وسبع وعشرون سنة، فهؤلاء ملوك ثمود.
صالح رسول الله إلى ثمود
(1/185)

وبعث اللّه صالحاً نبياً وهو غلام حَدَث لثمود على حين فترة كانت بينه وبين هود نحو من مائة سنة، فدعاهم إلى الله، وملكهم يومئذ هو جند ابن عمرو على ما ذكرنا، فلم يجب صالحاً من قومه إلا نفر يسير، وكبر صالح، ولم يزد قومه من الإِيمان إلا بُعْداً، فلما تواتر عليهم أعذاره وإنذاره ووعده ساموه المعجزات، وإظهار العلامات، ليمنعوه من دعائهم، وليعجزوه عن خطابهم، فحضر عيداً لهم، وقد أظهروا أوثانهم، وكان القومُ أصحاب إبل، فساموه الآية من جنس أموالهم، وطالبوه بما هو مجإنس لأملاكهم، وذلك من بعد اتَفاق آرائهم فقال له زعيم من زعمائهم: يا صالح، إن كنت صادقاً في قولك، وأنك مُعَبِّر عن ربك، فأظهر لنا من هذه الصخرة ناقة، ولتكن وَبْرَاء سوداء عُشَرَاء نَتُوجاً حالكة صافيه اللون ذات عرف وناصية وشعر ووبر، فاستغاث بربه، فتحركت الصخر وتململت، وبدا منها حَنِين وأنين، ثم انصدعت من بعد تمخض شديد كتمخض المرأة حين الولادة، وظهر منها ناقة على ما طلبوه من الصفة، ثم تلاها من الصخرة سَقْبٌ لها نحوها في الوصف، فأمْعَنَا في رَعْي الكلأ وطلب الماء والمرعى، فآمن خلق ممن حضره، وزعيمهم الذي سأله وهو جندع بن عمرو، وأقامت الناقة يحلبون من لبنها ما يعم شربه ثموداً كلها، وضايقتهم في الكلأ والماء، وكان في ثمود مرآتان ذَوَاتَا حسن وجمال، فزارهما رجلان من ثمود، وهما قدار بن سالف، ومصدع بن مفرج، والمرأتان عنيزة بنت غنم، وصدوف بنت المجبا، فقالت صدوف: لو كان أنا في هذا اليوم ماء لأسقينا كما خمراً، وهذا يوم الناقة ووردها إلى الماء، لا سبيل لنا إلى الشرب، فقالت عنيزة: بلى واللّه لو أن لنا رجالا لكَفَوْنَا إياها، وهل هي إلا بعير من الإبل؛ فقال قدار: ياصدوف، إن أنا كفيتك أمر الناقة فمالي عندك؟؛ فقالت: نفسي، وهل حائل دونها عنك؟. فأجابت الأخرى صاحبها بنحو ذلك، فقالا: مِيلاَ علينا بالخمر، فشربا حتى توسطا السكر، ثم خرجا فاستغويا، تسعة رهط، وهم التسعة الذين أخبر اللّه تعالى عنهم في كتابه بقوله: " وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون " وقصحوا طريق - الناقة في حال صدورها، فضرب قدار عرقوبها بالسيف، فعرقبها، وأتبع صاحبه الأخر العرقوب الأخر بسهمه، فخرت الناقة لوجهها، ووجا قدار لبتَهَا فنحرها، ولاذ السًقْب بصخرة فلحقه بعضهم فعقره وفرقوا لحم الناقة، وورد صالح فنظر إلى ما فعلوه، فوعَدَهم العذاب، و كان ذلك في يوم الأربعاء، فقالوا له مستهزئين: يا صالح، متى يكون ما وعدتنا به من العذاب عن ربك؛ فقال: تصبح وجوهكم يوم مؤنس - وهو يوم الخميس - مصفرة، ويوم العروبة محمرة، ويوم شيار مسودة، ثم يصبحكم العذاب يوم أول، وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب أسماء الشهور والأيام بلغتهم، فَهَم التسعة بقتل صالحِ، وقالوا: إن كان صادقاً كنا قد عاجلناه قبل إذ يعاجلنا، وإن كان كاذباَ كنا قد ألحقناه بناقته، فأتوه ليلاً، فحالت الملائكة بينهم وبينه، وأمطرتهم الحجارة، ومنعه اللّه منهم، فلما أصبحوا نظروا إلى وجوههم كما وعدهم صفراء كأنها الوَرْس: قد حالت الألوان، وتغيرت الأجسام، وتيقن القوم صدق الوعيد وأن العذاب واقع بهم، وخرج صالح في ليلة الأحد من بين ظهرانَيْهِمْ مع من خَفّ من المؤمنين، فنزل موضع مدينة الرملة من بلاد فلسطين، وأتاهم العذاب يوم الأحد، وفيهم يقول بعض من آمن بصالح عليه السلام:
أراكم يارجال بني عتيد ... كأن وجوهكم طُلِيَتْ بِوَرْس
ويوم عروبة اْحَمرَّتْ وجوه ... مُصَفرَة، وناثوا يال مرس
ويوم شيار فاسود تْ وجوه ... من الحيين قبل طلوع شمس
فلما كان أول في ضحاه ... أتتهم صَيْحَة عَمِّتْ بتعْس
وفيهم يقول حباب بن عمرو، وكان ممن اعتزلهم من المؤمنين وبان عن ديارهم:
كانت ثمود ذوي عزّ ومكرمة ... ما إن يُضام لهم في الناس مِنْ جَارِ
لا يرهبون من الأعداء حولهم ... وَقْعَ السيوف، ولا نزعاً بأوتار
فأهلكوا ناقة كانت لرَبَهم ... قد أنفروها وكانوا غير أبرار
ناعوا قداراً ولحم السِّقْبِ بينهم ... هل للعجول وهل للسقب من ثار
(1/186)

لم يَرْعَيَا صالحاً في عقر ناقته ... وأخفروا العهد هَذباً أي إخفار
فصادفوا عنده من ربه حَرَسا ... فَشدّخوا روسهم شدْخاً بأحجار
وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب - عند ذكرنا لتفرق الناس ببابل - من أخبار ثمود جُمَلاً، وما كان من أمر الناس بأرض بابل وافتراق لغاتهم، وما قاله كل فريق منهم من الشعر، على حسب ما أعطاه اللّه من اللسان، وان كنا قد أتينا على شرح ذلك على الكمال فيما تقدم لنا من كتابنا أخبار الزمان و بالله التوفيق.
ذكر مكة وأخبارها وبناء البيت
ومن تداوله من جرهم وغيرها وهذا لحق بهذا الباب
سكن إسماعيل وأمه بمكة
ولما أسكن إبراهيم ولده إسماعيل مكة مع أمه هَاجَر، واستودعهما خالقَهُ على حسب ما أخبر اللّه عنه أنه أسكنه بواد غير في زرٍع، وكان موضع البيت رَبْوَةٌ حمراء - أمر إبراهيم هاجر أن تتخذ عليها عريشا يكون لها مسكنأ، وكان من ظمأ إسماعيل وخبر هاجر ما كان إلى أن أنبع اللًه لهما زمزم، وأقحط الشحر واليمن، فتفرق العماليقُ وجرهم في البلاد وَمَنْ مناك من بقايا عاد.
نزول العماليق معهما
فيممت العماليق نحو تهامة يطلبون الماء والمرعى والدار الخصيبة، عليهم السميدع بن هوبر بن لاوى بن قيطوربن كركر بن حيدان، فلما أمعنت بنو كركر في المسير - وقد عدمت الماء والمرعى، واشتد بها الجهد - أقبل السميدع بن هوبر يحثهم على السير في شعرٍ له ويشجعهم بما قد نزل بهم، وهو:
سيروا بني الكركر في البلاد ... إني أرى ذا الدَهْرَ في فساد
قد سأر من قَحْطان في الرشاد ... خرْهُمُ لمَّا هَدَّها التعادي
فأشرف رُوَّادهم - وهم المتقدمون منهم لطلب الماء - على الوادي، فنظروا الطير ترتفع وتنخفض، فهبطوا الوادي ونظروا إلى العريش على الرَّبْوَة الحمراء، وفيها هاجر وإسماعيل، وقد زَمَتْ حول الماء بالأحجار ومنعته من الجريان، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: رحمَ اللّه أمنا هاجر، لولا أنها بخلت ومنعت ماء زمزم من أن يجري بما حَؤَطَتْ حوله من الأحجار لجري الماء على وجه الأرض. فسلم الرؤَاد عنيها، واستأذنوها في نزولهم وشربهم من الماء، فأنِسَتْ إليهم، وأذنت لهم في النزول، فتلقوا مَنْ كان وراءهم من أهليهم، وأخبروهم خبر الماء، فنزلوا الوادي مطمئنين، مستبشرين بالماء، وبما أضاء الوادى من نور النبوة وموضع البيت الحرام، فرحين، وَعَيَّل إسماعيل، وتكلم إسماعيلُ بالعربية خلاف لغة أبيه.
وقد ذكرنا في هذا الكتاب وغيره ما قاله الناس في ذلك من قَحْطَان ونزار وتزَوُج إسماعيل بالجداء بنت سعدٍ العملاقي.
زيارة إبراهيم الأولى لابنه
وقد كان إبراهيم استأذن سارة في زيارة إسماعيل، فأذنت له، فوافى مكة وإسماعيل في الصيد والرعي ومعه أمه هاجر، فسلم على الجداء بنت سعد زوجة إسماعيل، فلم تردَّ عليه السلام، فقال: هل من منزل؟ فقالت: لا ها اللّه، قال: فما يفعل رب البيت؛ قالت: هو غائب، فقال لها: إذا ورد فأخبريه أن إبراهيم يقول لك بعد مسألته عنك وعن أمك: استبدل بعتبة بيتك غيرها، وانصرف إبراهيم من فَوْره نحو الشام، وراح إسماعيل وهاجر، فنظر إلى الوادي قد أشرق وأنار، والغنام تتنسم الآثار، فقال لزوجته الجداء: هل كان لك بعدي من خبر؛ قالت: نعم، شيخ وَرَدَ علي، وأخبرتْهُ بالقصة، فقال: ذاك أبي خليل الرحمن، وقد أمرني بتخليك، فالحْقِي بأهلك، فلا خير فيك.
نزول جرهم مكة
وتسامعت جرهم ببني كركر ونزولهم الوادي، وما هم فيه من الخصب وإدرار الضِّرع، وهم في حال القَحْطِ، فبادروا نحو مكة، وعليهم الحارث بن مُضَاض بن عمرو بن سعد بن الرقيب بن ظالم بن هيني بن نبت بن جُرْهم، حتى أتوا الواعي، ونزلوا مكة، واستوطنوها مع إسماعيل ومن تقدمهم من العماليقه من بني كركر، وقد قيل في بني كركر: إنهم من العماليق، وقيل: انهم من جرهم، والأشهر أنهم من العماليق، وتزوج إسماعيل زوجته الثانية، وهي سامة بنت مهلهل بن سعد بن عوف بن هيني بن نبت.
زيارة إبراهيم الثانية
(1/187)

واستأذن إبراهيم سارة في زيارة إسماعيل، فاستحلفته غيرة عليه أنه إذا أتى الموضع لا ينزل من ركابه، وقد تنازع الناس على أي شيء كان ركوبه: فمنهم من قال: إنه كان راكباً على البُرَاق، ومنهم من قال: على أتَانٍ، وقيل غير ذلك من الحيوان، فلما أتى إبراهيم الوادي سلم على زوجة إسماعيل الجرهمية، فسلمت عليه، ورحبتْ به وتَلَقته بأحسن لقاء، وسألها عن إسماعيل وهاجر، فأخبرته بخبرهما، وأنهما في رَعْيهما، وعرضت عليه النزول، فأبى، وقيل: إن هاجر كانت قد ماتت ولها من السن تسعون سنة، وألحت الجرهمية على إبراهيم في النزول، فأبى، فقدمت إليه لبناً وشرائح من لحم الصيد، فدعا فيه بالبركة، وجاءته بحجر كان في البيت، فمال عن ركابه، وجعلته تحت قدمه اليمنى، ثم رَجلَتْ شعره ودهنته، ثم حَوَّلت الحجر إلى شماله، فوضع رجله اليسرى عليه أيضا، ومال برأسه نحوها، فرَجَّلته ودهنته، فأثرت قدماه في الحجر على ما وصفنا من ترتيب اليمين والشمال، فلما رأت الجرهمية ذلك أكْبَرَتْ ما شاهدته، وهذا الحجر هو مقام إبراهيم، فقال لها إبراهيم: ارفعيه، فسيكون له شأن ونبأ بعد حين، ثم قال لها: إذا جاءك إسماعيل فقولي له: إن إبراهيم يقرأ عليك السلامٍ ويقول لك: احتفظ بعتبة بيِتك، فنعم العتبةُ هي، وسار إبراهيم راجعا نحو الشام.
سر تسمية إسماعيل
وقيل: إنما سمي إسماعيل لأن اللّه سمع دعاء هاجر ورحمها حين هَرَبَتْ من سيدتها سارة أم إسحاق، وقيل: إن اللّه سمع دعاء إبراهيم.
وقبض إسماعيل وله مائة وسبع وثلاثون سنة ؛ فدفن في المسجد الحرام حِيَال الموضع الذي كان فيه الحجر الأسود.
أبناء إسماعيل
وولد لإِسماعيل اثنا عشر ولداً ذكراً، وهم نابت، وقيدار، وأدبيل، ومبسم، وٍ مشمع، ودوما، وعوام، ومسا، وحداد، وثيما، ويطور، ونافش وكل هؤلاء قد أنْسَلَ.
بناء الكعبة
وقد كان إبراهيم قدم إلى مكة ولإسماعيل ثلاثون سنة، حين أمره اللّه تعالى ببناء البيت، فبناه، وكان إسماعيل يأتي بالحجر من عدة جبال ذكرت، وطوله ثلاثون ذراعا، والحجر فيه وهو سبعة أفرع، وعرضه اثنان وعشرون ذراعا، وسمكه سبعة أفرع، وجعل له باباً، ولم يسقف، ووضعِ الركن موضعه، وألصق المقام بالبيت، وذلك قوله عز وجل: " وَإِذْ يَرْفعُ إبرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسماعِيل " ُ الآية، وأمر اللّه تعالى إبراهيم أن يؤذِّنَ في الناس بالحج.
ولاة البيت من جرهم وأبناء إسماعيل
(1/188)

ولما قُبض إسماعيل قام بالبيت بعده نابت بن إسماعيل، ثم قام من بعده أناس من جُرْهم، لغلبة جرهم على ولد إسماعيل، وكان ملك جُرْهم يومئذ الحارث بن مُضَاض، وهو أول من ولي البيت، وكان ينزل هناك في الموضع المعروف بقُعَيْقعَان في هذا الوقت، وكان كل من دخل مكة بتجارة عَشَّرَها عليه وذلك في أعلى مكة، وملك العماليق السَّمَيْدَع بن هو بن لاوى بن قبطور بن كركر بن حيد وكان ينزل أجيادا من أسفل مكة، وكان يُعَشَرُ من دخل مكة من ناحيته، وكانت بينهم حروب، فخرج الحارث بن مُضَاض ملك جرهم تتقعقع معه الرماح والدرق، فسمى الموضع بقعيقعان لما ذكرنا، وخرج السميدع ملك العماليق ومعه الجياد من الخيل فعرف الموضع بأجياد إلى هذا الوقت، فكانت على الجرهميين وافتضحوا، فسمى الموضع فاضحاً إلى هذا الوقت، ثم اصطلحوا ونجروا الجُزُرَ وطبخوا فسمي الموضع بطابخ إلى الآن، وصارت ولاية البيت إلى العماليق، ثم كانت لجرهم عليهم، وأقاموا ولاة البيت نحو ثلثمائة سنة، وكان آخر ملوكهم الحارث بن مُضَاض الأصغر بن عمرو بن الحارث بن مُضَاض الأكبر، وزاعوا فيِ بناء البيت، ورفعته على ما كان عليه من بناء إبراهيم عليه السلام، وبغتْ جرهم في الحرام وطَغَتْ، حتى فسق رجل منهم في الحرم بامرأة، وكان الرجل يدعى بإساف والمرأة نائلة، فمسخهما اللّه عز وجل حجرين صُيِّرا بعد ذلك وثنين وعُبِدَا تقربا بهما إلى الله تعالى، وقيل: بل هما حجران نحتا ومُثِّلا بمن ذكرنا وسميا بأسمائهما، فبعث اللّه على جرهم الرُّعَاف والنمل وغير ذلك من الآفات فهلك كثير منهم، وكثر ولد إسماعيل وصاروا ذوي قوة ومَنَعَة فَغَلَبوا على أخوالهم جرهم وأخرجوهم من مكة، فلحقوا بجُهينة، فأتاهم في بعض الليالي السيل فذهب بهم، وكان الموضع يعرف بإضم، وقد ذكر ذلك أمية بن أبي الصَّلت الثققي في شعر له فقال:
وجرهم دمنوا تهامة في الد ... هر فسالت بجمعهم إضَم
وفي ذلك يقول الحارث بن مُضَاض الأصغر الجرهمي:
كأنْ لم يكن بين الحَجُون إلى الصفا ... أنيس، ولم يسمر بمكة سامر
بلى نحن كنا أهلها، فأبادَنَا ... صروف الليالي والجدود العوائر
وكنا لإسماعيل صهراً ووصلة ... ولمَّا تَدُرْ فيها علينا الدوائرِ
وكنا ولاة البيت من بعد نابت ... نطوف بذاك البيت والخير ظاهر
فَبَدَّلَنَا ربي بها دار غربة ... بها الذئب يعوي والعدو المحاصر
وفيما ذكرنا من أخبارهم يقول عمرو بن الحارث بن مضاض الأصغر الجرهمي:
وكنا ولاة البيت والقاطِن َالذي ... إليه يؤدي نذرَهُ كل محرم
سكنَّا بها قبل الظباء وراثة ... لها عن بني هَيْني بن نبتّ بن جُرْهُم
وفي ذلك يقول:
كهفنا جرهم، وأية كهفٍ ... وولاة لبيته والحجاب
فَسَقُوا في الحرام بعدد تقَاهم ... واستعاضوا العقاب بعد الثواب
ثم صارت ولاية البيت في ولد أياد بن نزار بن معد، وكانت حروب كثيرة بين مضر وأياد، وكانت لمضر على إياد، فانجلوا عن مكة إلى العراق.
وسنورد بعد هذا جملاً من أخبار مكة وولد نزار وخُزاعة وغيرهم.
رواية أخرى في الولاة بمكة
قال المسعودي: وقد أتينا على جمل من الأخبار في هذا الباب من أخبار جرهم وغيرها، ووجدت في وجه آخر من الروايات أن أول من ملك من ملوك جرهم بمكة مضاض بن عمرو بن سعد بن الرقيب بن هيني بن نبت بن جرهم بن قحطان مائة سنة، ثم ملك بعمده ابنه عمرو بن مضاض مائة وعشرين سنة، ثم ملك بعد الحارث بن عمرو مائتي سنة، وقيل دون. ذلك، ثم ملك بعده عمرو بن الحارث مائتي سنة وقيل دون ذلك ثم ملك مضاض بن عمرو الأصغر بن الحارث بن عمرو بن مضاض بن عمرو بن سعد بن الرقيب بن هيني بن نبت بن جرهم بن قحطان أربعين سنة. وانقرضت العرب العاربة من عاد وثمود وعبيد وطسم وجديس والعماليق ووبار وجرهم، ولم يبق من العرب إلا من كان من عدنان وقحطان، ودخل من بقي ممن ذكرنا من العرب البائدة في عدد قحطان وعدنان، فانمحت أنسابهم وزالت آثارهم.
العماليق
(1/189)

وقد كانت العماليق بَغَتْ في الأرض، فسلط اللّه عليهم ملوك الأرض فأفنتها، وقد ذكرنا فيما سلف من هذا الكتاب عند ذكرنا للروم وأنسابها مَنْ ألحق ولد عملاق وغيرهم، ممن ذكرنا، بولد عيصو بن إسحاق بن إبراهيم عليهما السلام، وأن علماء العرب تنسبهم إلى غير هذا النسب، وهو الأشهر في الناس؛وقد رثتهم الشعراء: فقال بعض من رثاهم:
مضى آل عملاق فلم يبق منهم ... خطير، ولافو نخوة متشاوس
عَتَوْا فأدال اللّه منهم، وحكمه ... على الناس هذا وعده وهو سائس
طسم وجديس -
وأما طسم وجديس فتفانت في نحو من سبعين سنة في البراري، بما كان بينهم من الشَّحْناء، وطلب الرياسة، فدثروا، ولم يبق لهم باقية، فضربت بهم العرب المثل، وضربت بهم الشعراء المقال فمن ذلك ما قاله بعض الشعراء ممن رثاهم في قوله:
ذويلي من جَوَى هم رسيس ... من الأول لطَسْمٍ أو جديس
بنو عم تفانوا بالمذاكي ... وباليوم الأحَمِّ العيطموس
أصحاب الرس
أما الرسُّ وأصحابه فقد قدمنا ذكرهم فيما سلف من كتبنا، وهم قوم حَنْظَلة بن صفوان العبسي، بعثه اللّه إليهم فكذبوه، وقد ذكرنا من خبره لمعا، وقد قيل في أصحاب الرس أوجُهٌ كثيرة غير ما ذكرنا في هذا الكتاب، وقد ذكرت هذه القبائل في التوراة، وكل يرجع إلى ولد سام بن نوح. من بني أرم بن سام وهو من ولده عوص بن أرم، ومن ولده عابر بن أرم، ومن ولده ماش بن أرم.
البييط
فولد عوص عاد بن عوص، وولد عابر ثمود بن عابر، وولد ماش بن أرم نبيط بن ماش؛فسائر النبط وملوكها ترجع في أنسابها إلى نبيط بن ماش.
مساكن عاد وثمود وجديس وطسم وعيلام ونبيط
فحلَّ عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح وولده الأحقاف من بلاد حضرموت، وحل ثمود بن عابر بن أرم بن سام بن نوح وولده أكناف الحجاز، وحل جديس بن عابر بلاد جوٍّ، وهي بلاد اليمامة ما بين البحرين والحجاز، وهذا البلد في هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - بيد ولد الأخيضر العلوي، وهو من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، وهو مجاور للبحرين، ومن فيها إلى هذا الوقت، وحل طسْم بن لود بن سام بن نوح وولده اليمامة مع بني جديس، وحل عمليق بن لود بن سام بن نوح الحجاز، وقد ذكرنا ولد عيلام فيما سلف من هذا الكتاب أنهم حلوا الأهواز وفارس، وهو عيلام بن سام بن نوح، وحل نبيط بن ماش بن أرم بن سام بن نوح بابل، فغلبوا على العراق، وهم النبط، ومنهم ملوك بابل الذين قدمنا ذكرهم، وأنهم الملوك الذين عمروا الأرض، ومهدوا البلاد، وكانوا أشر ملوك الأرض، فأدال منهم الدهر، وسلبهم الملك والعزَّ، فصاروا على ما هم عليه من الذل في هذا الوقت بالعراق وغيرها.
دعوى الشعوبية
وقد زعم جماعه من المتكلمين - منهم ضرار بن عمرو وثمامة بن الأشرس وعمرو بن بحر الجاحظ - أن النبط خير من العرب،لأن من جعل اللّه تبارك وتعالى النبي صلى الله عليه وسلم منهم لم يَدَعْ أكبر شرف في الدنيا إلا وقد أعطاهم إياه، ومَنْ لم يجعله منهم فلم ياع أكبر شرف في الدنيا إلا وقد أعراهم منه وسلبهم إياه، ولا نعمة على من جعل اللّه تعالى النبي عليه السلام منهم أكبر من النبي صلى الله عليه وسلم، ولا بَلْوَى على من لم يجعل اللّه عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم منهم أكبر من خروج النبي صلى الله عليه وسلم عنهم، إلا أنهم مع هذا كله لهم عند اللّه فضل ما بين النعمة والبلاء.
الرد على الشعوبية
قال المسعودي: ولما لم يبال من قدمنا ذكره تشريف النبط وتفضيلهم
(1/190)

على ولد قحطان وعدنان وفيهم الفضل والشرف من النبوة والملك والعزة قال لهم المحتج عن قحطان ونزار: إذا كان النبط قد صاروا أفضل من العرب لما امتحن اللّه به النبط من سَلْبه النبوة منهم وأنعم على العرب بكون النبي صلى الله عليه وسلم منهم، فللعرب أيضاً التعلق بهذه العلة التي اعتل بها النبط، فتقول: قد صرنا بعدُ أفضل من النبط، لما امتحنَّا به من سلب ما جعل اللّه للنبط من الفضل في شدة امتحانهم بسلب النبي صلى الله عليه وسلم عنهم، والنبط أيضاً قد صاروا دون العرب، إذ للعرب من فضل النبي صلى الله عليه وسلم مما جعله الله لهم بتعريتهم من فضل النبط على شدة امتحانهم بتعرية اللّه إياهم من النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس للنبط، فتصير العرب أيضاً خيراً من النبط، وهذا لا يصح لهم إلا كما يصح عليهم، والكلام متوتجَهٌ عليهم فيما قالوه، ومكافئ لعلتهم فيما أوردوه: من تفضيل النبط على العرب.
وقد ذكرنا تنازع الناس في الأنساب والفضل بها وبالأعمال دون الأنساب ومن قال العمل والنسب ومن قال العمل دون النسب، وما قالته الشعوبية وغيرها في كتابنا المقالات، في أصول الديانات.
وقد ذكر أبو الحسن أحمد بن يحيى في كتابه في الرد على الشعوبية عِلَلاً كثيرة، وذكر أن من اختصه اللّه تعالى من عباده، واصطفاه من خلقه، أذَاك على طريق الثواب أم على طريق التفضيل؛ قال: إًن زعم زاعم أن ذلك ثواب خرج من معقول كلام العرب ومفهوم خطابها؛لأنه لا يقال لمن أعطى الأجير أجرته ووفّى العامل ثوابه: قد اختص فلان فلانا بعطيته، وإنما يقال ذلك إذا تطوع عليه بالعطية بغير عمل ومنعها غيره بغير جرم، وإن زعموا أنه تفضُّلٌ قلنا لهم: فإذا جاز أن يصرف اللّه عز وجل رحمته إلى بعض خلقه بغير عمل استحقوها به، فَلِمَ لا يجوز أن يشرفهم بأنسابهم، وإن لم تكن الأنساب من أعمالهم. فإن قالوا: ليس من العدل أن يشرفهم بغير أعمالهم، قلنا لهم: رأيتكم إن عارضكم مُعَارض؛فزعم أنه ليس من العدل أن يمن عليهم برحمته دون غيرهم بغير عمل كان منهم، وبغير معصية كانت من غيرهم، ماذا يكون الفصل بينكم معاشر الشعوبية وبينه، وقد أخبر اللّه عمن اصطفاه من خلقه فقال: " إن اللّه اصطفى آدم ونوحاً وال إبراهيم وآل عمران على العالمين، ذرية بعضها من بعض، واللّه سميع عليم " .
والواجب على في النسب الشريف، والمجد الرفيع، أن لا يجعل ذلك سلماً إلى التراخي عن الأعمال الموافقة لنسبه، والاتكال على آبائه؛فإن شرف الأنساب يحضر على شرف الأعمال، والشريف بهذا أولى؛إذ كان الشرف يدعو إلى الشرف ولا يثبط عنه كما أن الحسن يدعو إلى الحسن ويحرك عليه وأكثر الممدوحين إنما مدحوا بأعمالهم دون أنسابهم، وهذا كثير في أشعار الناس ومنثور كل أمه م، وقد قال الشاعر في هاشم بن عبد مناف وهو إمام ذوي الأنساب:
عمر والذي هَشَمَ إلثريد لقومه ... ورجال مكة مُسْنِتُونَ عِجَافُ
فمدحه بعمله، ولم يذكر نسبه، وإن كان شريفأ رفيعاً، وإنما ينبغي لذي الأنساب أن يكونوا كما قال أخوهم وشريكهم في النسب عامر بن الطفيل:
وإني وإن كُنْتُ ابْنَ سيد عامر ... وفي السر منها والضرِيح المُهَذَّب
فما سَوَّدَتنِي عامر عن وراثة ... أبى الله أن أسْمُو بأم ولا أب
ولكننني أحمي حماها، وأتقي ... أذاها، وأرمي مَنْ رماها بمقنب
وكما قال الأخر:
لسنا وإن كرمت أوائلنا ... يوماً على الأحْسَاب نتكل
نبني كما كانت أوائلنا ... تبني، ونفعل كالذي فعلوا
ولاية خزاعة أمر البيت
(1/191)

قال المسعودي: ولما خرج عمرو بن عامر وولده من مأرب انخزع بنو ربيعه، فنزلوا تهامة، فسمُوا خزَاعَة لانخزاعهم، ولما ثارت الحرب بين أياد ومضر ابني نزار، وكانت على إياد قلعت الحجر الأسود ودفنته في بعض المواضع، فرأت ذلك امرأة من خُزَاعة، فأخبرت قومها، فاشترطوا على مضر أنهم إن رَفُوا الحجر جعلوا ولاية البيت فيهم، فوفوا لهم بذلك، ووليت خُزَاعة أمر البيت، وكان أول من وليه منهم عمرو بن لُحَيً، واسم لحي حارثة بن عامر، فغير دين إبراهيم وبدَّله، وبعث العرب على عبادة التماثيل؛ لخبر قد ذكرناه في هذا الكتاب وغيره، حين خرج إلى الشام ورأى قوماً يعبدون الأصنام، فأعطوه منها صنمأ فنصبه على الكعبة، وقويت خُزَاعة، وَعَمَّ الناس ظلم عمرو بن لحي، وفي ذلك يقول رجل من جُرْهُم كان على دين الحنيفية:
يا عمرو لا تظلم بمكة ... ؛إنها بَلَدٌ حرام
سائل بعَادٍ أين هُم ... وكذاك تُخَترم الأنام
بني العامليق الذين ... لهم بها كان السوَام
ولما أكثر عمرو بن لحي من نَصْب الأصنام حول الكعبة وغلب على العرب عبادتها، وانمحت الحنيفية منهم إلا لمعاً، قال في ذلك شحنة بن خلف الجرهمي:
يا عمرو، إنك قد أحدثت الهة ... شتى بمكة حول البيت أنصابا
وكان للبيت رَبٌّ واحد أبدا ... فقد جعلت له في الناس أربابا
لتعرفنَّ بأن اللّه في مَهَل ... سيصطفي دونكم للبيت حجابا
وعمر عمرو بن لحي ثلثمائة سنه وخمساً وأربعين سنة.
خصال ولاية البيت ثلاث خصال
وكانت ولاية البيت في خُزَاعة وفي مضر ثلاث خصال: الإجازة بالناس من عَرَفَةَ، والإفاضة بالناس غَدَاةَ النحر إلى منى، فانتهى ذلك منهما إلى أبي سَيَّارة، فدفع أبو سَيَّارة من مزدلفة إلى مِنى أربعين سنة على حمار له، ولم يعتل في ذلك، حتى أدركه الإسلام، فكانت العرب تتمثل به فتقول أصَحُّ من عَيْرِ أبي سيارة.
وفي أبي سيارة يقول قائلهم:
نحن دفعنا عن أبي سَيَّارة ... حتى أفاض مُحْرِماً حماره
مستقبل القبلة يدعو جاره
النسء والنسأة
والنسء للشهور الحُرْمُ،، وكانت النسَأة في بني مالك بن كنانة، وكان أولهم أبو القلمس حذيفة بن عبد، ثم ولده قلع بن حذيفة وورد الإسلام وآخرهم أبو ثمامة، وذلك أن العرب كانت إذا فرغت من الحج وأرادت الصدر اجتمعت إليه، فيقوم فيهم، فيقول: اللهم إني ؤ أحللت أحد الضفَرَيْنِ الصفر الأول، وأنسأت الأخر للعام المقبل، وظهر الإسلام وقد عادت الشهور الحرم إلى بَدْئِهَا على ما كانت عليه في أصلها، وذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض وما ذكر عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث إلي آخره، فأخبر الله عز وجل عنهم بذلك بقوله تعالى: " إنمَا النسِىء زِيَادَ في الكفر - الآية " ، وقد فَخَر بذلك عمير بن قيس بن جِذْل الطعَان فقال:
ألسنا الناسئين على معد ... شهور الحل نجعلها حراما؟
ولاية البيت تؤول إلى قصى بن كلاب
وقد كان قصى بن كلاب بن مرة تزوج ابنة حليل، وحليل هو آخر من ولي البيت من خُزَاعة، وقد كان عمرو بن لحي - حين عُمِّر ما ذكرنا من السنين - مات وله من الولد وولد الولد ألف، ولما حضرت حليلا الوفاة - وهو آخر من ولي البيت من خُزَاعة - وقد كان عمرو على ما ذكرنا جعل ولاية البيت إلى - ابنته زوج قصى بن كلاب، فقيل له: إنها لا تقوم بفتح الباب وَغَلْقِهِ، فجعل ولاية البيت إليها، وَفَتْح الباب وغَلْقه إلى رجل من خُزاعة يعرف بأبي غَبْشَان الخزاعي، فباعه أبو غبشان إلى قصي ببعير وزق خمرة فأرسلت العرب ذلك مثلاً، فقالت أخْسَرُ من صفقة غَبْشَان وفي بيعه لولاية البيت ببعير وزق من الخمر وَنَقْله ولاية البيت من قومة من خُزَاعة إلى قصي بن كلاب، يقول الشاعر:
أبو غَبْشَان أظلم من قصي ... وأظلم من بني فِهْرٍ خُزَاعَه
فلا تلحوا قصيا في شراه ... وَلُومُوا شيخكم إذ كَانَ بَاعَه
وقال في ذلك آخر:
إذا افتخرت خُزَاعة في قديم ... وجدنا فَخْرَهَا شرب الخمور
(1/192)

وباعت كعبة الرحمن جهراَ ... بزقٍّ، بئس مُفْتَخَرُ الفخور
وقد كانت ولاية البيت في خزاعة ثلثمائة سنة، واستقام أمر قصي، وعَشَّرا على مَنْ دخل مكة من غير قريش، وبني الكعبة، ورتب قريشاً على منازلها في النسب بمكة وَبَيَّنَ الأبطحيئَ من قريش، وهم الأباطح، وجعل الظاهري ظاهرياً.
قريش البطاح
وقريش البطاح: هي قبائل عبد مناف، وبني عبد الدار، وبني عبد العُزَي بن قصي، وزُهْرة، ومخزوم، وتَيْم بن مرة، وجُمَح، وسَهْم.، وعليَّ، وهم لَعَقَة الدم، وبنو عتيك بن عامر بن لُؤي.
قريش الظواهر
وقريش الظواهر: بنو محارب، والحارث بن فهر، وبنو الأعرم بن غالب بن فهر، وبنو هصيص بن عامر بن لؤي، وفي ذلك يقول ذكوان مولي عبد الدار للضَحَّاك بن قيس الفهرى:
تطاوَلْتُ للضحاك حتى رَرَرْتُه ... إلى نسب في قومه متقاصر
فلو شاهَدَتْني من قريش عصابة ... قريش البطاح لا قريش الظواهر
ولكنهم غابوا وأصبحْتُ شاهدا ... فقبحت من حامي فمار وناصر
فريقان منهم سكن بطن يثرب ... ومنهم فريق ساكن بالمشاعر
الأحلاف والمطيبون
والأحلاف من قريش: بنو عبد الدار بن قصي، وسهم، وجُمَح، وعلي، ومخزوم.
والمُطَيِّبون: بنو عبد مناف، وبنو أسد بن عبد العُزَى، وزُهْرة، وتيم، وبنو الحارث بن لؤي.
وفي ذلك يقول عمر بن أبي ربيعه المخزومي في امرأة:
ولها في المطيبين جدود ... ثم نالت فوائب الأحلاف
إنها بين عامر بن لؤي ... حين تُدْعى وبين عبد مناف
وأخذت قريش الإيلاف من الملوك، وتفسير ذلك الأمن، وتَقَرشت، والتقرش: الجمع، ومنه قول ابن حِلِّزة اليشكري:
أخوة قَرشُوا الذنُوب علينا ... في حديث مِنْ دهرِنَا و قديم
رحلت قريش - حين أخذ لها الإِيلاف من الملوك - إلى الشام والحبشة واليمن والعراق، وفي ذلك يقول مَطْرود الخزاعي:
يا أيها الرجل المُحَؤَل رَحْله ... هلاَ نزَلْتَ بآل عبد مناف
الآخِذِينَ العَهْدَ من آنافنا ... والراحِلِينَ بِرِحْلَة الإيلاف
ولقريش أخبار كثيرة، وكذلك لجرهم وخزاعة وغيرهما من معد، وقد أتينا على جميعها فيما سلف من كتبنا، وإنما نذكر في هذا الكتاب لمعاً.
تنبيهاً بها على ما سلف، وسنورد عند ذكرنا تفرق الناس من بابل جملاً من أخبار مكة وعبد المطلب والحبشة، وغير ذلك مما لحق بهذا المعنى، إن شاء اللهّ.
ذكر جوامع من الأخبار ووصف الأرض
والبلدان وحنين النفوس للأوطان
عمر بن الخطاب يستوصف بقاع الأرض
ذكر ذوو الدراية أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه - حين فتح اللّه البلاد على المسلمين من العراق والشام ومصر، وغير ذلك من الأرض - كتب إلى حكيم من حكماء العصر: آنا أناس عرب، وقد فتح اللّه علينا البلاد، ونريد أن نتبوأ الأرض، ونسكن البلاد والأمصار، فصف لي المدن وأهويتها ومساكنها، وما تؤثِّرُه التربة والأهوية في سكانها.
تأثير البيئة الطبيعية
فكتب إليه ذلك الحكيم: اعلم يا أمير المؤمنين أن اللّه تعالى قد قسم الأرض أقساماً: شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، فما تناهى في التشريق وَلَججَ في المطلع السانح منه النور فهو مكروه لاحتراقه وناريته وحِدَته وإحراقه لمن دخل فيه، وما تناهي مغرباً أيضاً أضَر سكانه، لموازاته ما أوغل في التشريق، وهكذا ما تناهى في الشمال أضَرّ ببرده وقره وثلوجه وآفاته الأجسام فأورثها الآلام، وما اتصل بالجنوب وأوغل فيه أحرق باريته ما اتصل به من الحيوان؛ ولذلك صار المسكون من الأرض جزءًا يسيراً، ناسَبَ الاعتدال، وأخذ بحظه من حسن القسمة، وسأصف لك - يا أمير المؤمنين - القطع المسكونة من الأرض.
الشام
(1/193)

أما الشام فسُحُبٌ وآكام، وريح وغمام، وغدق ورُكام، ترطب الأجسام، وتولد الأحلام، وتصفي الألوان، لا سيما أرض حِمْص فإن تحسن الجسم، وتصفي اللون، وتبلد اللهم، وتنزح غوره، وتجفي الطبع، وتذهب بماء القريحة، وتنصب العقول، والشام - يا أمير المؤمنين، وإن كانت على ما وصفت لك - فهي مَسْرَح خصب، ووابل سَكْب، كثرت أشجاره، واطَّرَدت أنهاره، وغمرت أعشاره، وبه منازل الأنبياء، والقدس المجتبى، وفيه حَلَّ أشراف خلق اللّه تعالى من الصالحين والمتعبدين، وجباله مساكن المجتهدين والمنفردين.
مصر
وأما أرض مصر فأرض قَوْرَاء غَوْرَاء، ديار الذراعنة، ومنازل الجبابرة، تحمد بفضل نيلها، وذَمّها أكثر من حمدها، هواؤها راكد، وحرها زائد، وشرها وارد، تكدر الألوان، وتخبب الفطن وتكثر الإِحن وهي معدن الذهب والجوهر والزمرد والأموال، ومغارس الغَلاَّت، غير أنها تسمن الأبدان وتسود الأبشار، وتنمو فيها الأعمار، وفي أهلها مكر ورياء، وخبث ودهاء وخديعة، إلا أنها بلد مكسب لا بلد مسكن؛ لترادف فتنها، واتصال شرورها.
اليمن
وأما اليمن فيضعف الأجسام، ويذهب الأحلام، ويذهب بالرطوبة، في أهله همم كبار، ولهم أحساب وأخطار، مَغَايضه حِصْبَة، وأطرافه جَدْبة، وفي هوائه انقلاب، وفي سكانه اغتيال، وبهم قطعة من الحسن، وشعبة من الترفه و فقرة من الفصاحة.
الحجاز
وأما الحجاز فحاجز بين الشام واليمن والتهائم، هواؤه حَرور، وليله بهفور، ينحف الأجسام، ويُجفَف الأدمغة، ويشجع القلوب، ويبسط الهم، ويبعث على الإِحن وهو بلد مَحْل قَحْط جَدب ضَنْك.
المغرب
وأما المغرب فيُقسِّي القلب، ويوحش الطبع، ويُطِيش اللُّبَّ ويذهب بالرحمة، ويكسب الشجاعة، ويقشع الضراعة، وفي أهله غدمْر، ولهم خبث ومكر، ديارهم مختلفة، وهممهم غير مؤتلفة، ولديارهم في آخر الزمان نبأ عظيم، وخطب جسيم، من أمر يظهر، وأحوال تبهر.
العراق
وأما العراق فمنار الشرق، وسُرة الأرض وقلبها، إليه تحادرت المياه، وبه اتصلت النضارة، وعنده وقف الاعتدال، فَصَفت أمزجة أهله، ولطفت أذهانهم، واحتَدَت خواطرهم، واتصلت مسراتهم، فظهر منهم الدهاء، وقويت عقولهم، وثبتت بصائرهم، وقَلْبُ الأرض العراق وهو المجتبى من قديم الزمان وهو مفتاح الشرق، ومسلك النور ومسرح العينين، ومدنه المدائن وما والاها ولأهله أعدل الألوان، وأنقى الروائح، وأفضل الأمزجة، وأطوع القرائح، وفيهم جوامع الفضائل، وفوائد المبرات، وفضائله كثيرة؛لصفاء جوهره، وطيب نسيمه، واعتدال تربته، وإغداق الماء عليه، ورفاهية العيش به.
الجبال
وأما الجبال فتخشن الأجسام وتغلظها، وتبلد الأفهام وتقطعها، وتفسد الأحلام، وتميت الهمم؛لما هي عليه من غلظ التربة، ومتانة الهواء، وتكاثفه، واختلاف مَهَابه، وسوء متصرفاته.
والأخلاق والصور - يا أمير المؤمنين - تناسب البلد وتحاذيه، وتقاربه، وتوافقه وتضاهيه، وكل بلد اعتدل هواؤه، وخف ماؤه، ولطف غذاؤه - كانت صور أهله وخلائقهم تناسب البلد وتحاذيه، وتشاكل ما عليه أركانه، وما أسِّسَ عليه بنيانه وكل بلد يزول عن الاعتدال، انتسب أهله إلى سوء الحال.
خراسان
وأما خراسان فتكبر الهام؛ وتعظم الأجسام؛ وتلطف الأحلام، ولأهلها عقول وهمم طامحة؛ وفيهم غَوْص وتفكير؛ ورأي وتقدير.
فارس
وأما بلد فارس فخصب الفضاء، رقيق الهواء، متراكم الماء، مُعْتَمّ بالأشجار، كثير الثمار، وفي أهله شح، ولهم خب ؛ وغرائزهم سيئة، وهمهم دنيئة، وفيهم مكر وخداع.
خوزستان
وأما بلاد خوزستان فهي كَدِرَة الأهواء، تفسد الأحلام، وتبلد الإفهام، وتخبث الهمم، وتستأصل الكرم، يساق أهله سَوْقَ الأنعم، وهم الهَمَجُ الطَّغَام.
الجزيرة
وأما أرض الجزيرة فتناسب البر بالهواء اللطيف، وفيها خصب وسَرْجٌ، ولأهلها بأس ومراس.
والبر - يا أمير المؤمنين - أفضل قطع الأرض وأسناها، وأشرفها وأعلاها، نحو الأنجاد والتهائم، لحماية الهواء الأقذاء عن سكانه، ودفعه الآفات عن قُطَّانه، وسماحة المثْوَى، وتهذيب الماء، وصحة المُتَنَسم، وارتفاع الأكدار، وذهاب الأضرار.
(1/194)

واعلم - يا أمير المؤمنين - أن اللّه تبارك وتعالى قسم الأرض أقساما فَضَّل بعضها على بعض، فأفْضَلُ أقس أمه ا العراق، فهو سيد الآفاق، وقد سكنه أجيال وأمم ذوو كمال.
الهند والصين
وأما الهند والصين وبلاد الروم فلا حاجة بي إلى وصفها لك، لأنها منازل شاسعة، وبلدان نائية، كافرة طاغية.
وفي الذي ذكرته لك ما أشفى بك إلى ما شَفَرتَ إلى علمه، وكل ما وصفته في هذه البلدان فهو الأعم من أمور أهلها، والأغلب على أحوالهم، فإن وجد فيهم أحد بخلاف ذلك فهو النادر يا أمير المؤمنين، والحكم في ذلك للأغلب.
كعب الأحبار يصف لعمر العراق
قال المسعودي: وذكر جماعة من أهل العلم بالسير والأخبار أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما أراد الشخوص إلى العراق - حين بلغه ما عليه الأعاجم من الجمع ببلادهم - سأل كعب الأحبار عن العراق، فقال: يا أمير المؤمنين، إن اللّه لما خلق الأشياء ألحق كل شيء بشيء، فقال العقل: أنا لا حق بالعراق، فقال العلم: وأنا معك، فقال المال: وأنا لاحق بالشام، فقالت الفتن: وأنا معك، فقال الخصب: وأنا لاحق بمصر، فقال الذل: وأنا معك، فقال الفقر: وأنا لاحق بالحجاز فقالت القناعة: وأنا معك فقال الشقاء: وأنا لاحق بالبوادي، فقالت الصحة: وأنا معك.
وصف إقليم بابل وحنين المؤلف إليه
قال المسعودي: وأوسط الأقاليم الإقليم الذي و لدنا به، وإن كانت الأيام أنأت بيننا وبينه، وساحَقَتْ مسافتنا عنه، وولدت في قلوبنا الحنين إليه، إذ كان وطننا ومسقطنا، وهو إقليم بابل، وقد كان هذا الإِقليم عند ملوك الفرس جليلاً، وقدره عظيماً، وكانت عنايتهم إليه مصروفة، وكانوا يشتون بالعراق، وأكثرهم يصيفون بالجبال، وينتقلون في الفصول إلى الصرود من الأرض والحرور، وقد كان أهل المروءات في الإسلام كأبي دلف القاسم بن عيسى العجلي وغيره يشتون في الحرور، وهو العراق، ويصيفون في الصرود، وهي الجبال، وفي ذلك يقول أبو دلف:
وإني امرؤ كِسْرَويُّ الفعال ... أصِيفُ الجبالَ وَأشْتُو العراقا
وذلك لما خص به هذا الإقليم من كثرة مرافقه، واعتدال أرضه، وغضارة عيشه، ومادة الوافدين إليه، وهما دجلة والفرات، وعموم الأمن فيه، وبعد الخوف عنه، وتوسطه الأقاليم السبعة، وقد كانت الأوائل تشبهه من العالم بالقلب من الجسد؛لأن أرضه من إقليم بابل الذي تشعبت الآراء عن أهله بحكمة الأمور كما يقع ذلك عن القلب، وبذلك اعتدلت ألوان أهله واقتدرت أجس أمه م، فسلموا من شُقْرة الروم والصقالبة، وسواد الحبشة، وغلظ البربر، ومن جَفَا من الأمم، واجتمعت فيهم محاسن جميع الأقطار، وكما اعتدلوا في الجِبِلة وكذلك لطفوا في الفطنة، والتمسك بمحاسن اللأمور، وأشرف هذا الإقليم مدينة السلام، ويعز عليَّ ما أصارتني إليه الأقدار من فراق هذا المصر الذي عن بقعته فصلنا، وفي قاعته تجمعنا، لكنه الزمن الذي شيمته التشتيت، والدهر الذي من شروطه الإبانة ولقد أحسن أبو دلف العجلي حيث يقول:
أيا نكْبَةَ الدهر التي طَوَّحَتْ بنا ... أيادي سَبَا في شرقها والمغارب
قِفِي بالتي نَهْوَى فقد طِرْت بالتي ... إليها تناهت رَاجِعَات المصائب
الحنين إلى الأوطان
وقد ذكر الحكماء - فيما خرجنا إليه من هذا المعنى - أن من علامة وفاء المرء ودوا أم عهده حنينه إلى إخوانه، وشوقه إلى أوطانه، وبكاءه على ما مضى من زمانه، وأن من علامة الرشد أن تكون النفوس إلى مولدها مشتاقة، وإلى مسقط رأسها تَؤاقة، وللإلف والعادة قَطَع الرجل نفسه لصلة وطنه.
وقال ابن الزبير: ليس الناس بشيء من أقس أمه م أقنع منهم بأوطانهم، وقاد بعض حكماء العرب: عمر الله البلدان بحب الأوطان، وقالت الهند: حرمة بلدك عليك كحرمة والديك؛ لأن غذاعك منهما، وغذاءهما منه، وقال آخر: أولى البلدان بصيانتك بلد رضعت ماءه، وطعمت غذاعه، وقال آخر: ميلك إلى موضع مولدك من كرم مَحْتدِك، وقال بقراط: يداوي كل عليل بعقاقير أرضه؛ فإن الطبيعة تتطلع إلى هوائها، وتنزع إلى غذائها، وقال أفلاطون: غذاء الطبيعة من أنفع أدويتها، وقال جالينوس: يتروح العليل بنسيم أرضه كما تنبت الحبة ببلل الأرض.
(1/195)

وللنفوس في علة حنينها إلى الأوطان كلام ليس هذا موضعه، وقد ذكرناه في كتابنا المترجم بسر الحياة وفي كتاب طب النفوس.
فضل علم الأخبار
ولولا تقييد العلماء خواطرهم على الدهر لبطل أول العلم، وضاع آخره؛ إذ كان كل علم من الأخبار يستخرج وكل حكمة منها تستنبط والفقه منها يستثار والفصاحة منها تستفاد، وأصحاب القياس عليها يبنون، وأهل المقالات بها يحتجون ومعرفة الناس منها تؤخذ، وأمثال الحكماء فيها توجد، ومكأرم الأخلاق ومعاليها منها تقتبس، وآداب سياسة الملك والحزم منها تلتمس، وكل غريبة منها تعرف، وكل عجيبة منها تستطرف، وهو علم يستمتع بسماعه العالم والجاهل، ويسعذب موقعه الحمق والعاقل، ويأنس بمكانه وينزع إليه الخاصىِ والعامي، ويميل إلى رواياته العربي والعجمي.
فضل الكتاب
وبعد؛فإنه يوصل به كل كلام، ويتزين به في كل مقام، ويتجمل به في كل مشهد، ويحتاج إليه في كل محفل، ففضيلة علم الأخبار بينة على كل علم، وشرف منزلته صحيح في كل فهم، فلا يصبر على فهمه وتيقن ما فيه، وإيراده وإصداره إلا إنسان قد تجرد له، وفهم معناه، وذاق ثمرته، واستسفر من غرره ونال من سروره، وقد قالت الحكماء: الكتاب نعم الجليس، ونعم الذخر، إن شئت ألهتك نواد رده، وأضحكتك بوادره، وإن شئت أشْجَتْكَ مواعظه، وإن شئت تعجبت من غرائب فوائدة، وهو يجمع لك الأول والأخر والغائب والحاضر والناقص والوافر والشاهد والغائب والبادي والحاضر، والشكل وخلافه، والجنس وضده، وهو ميت ينطق عن الموتى، ويترجم عن الأحياء وهو مؤنس يَنْشَطُ بنشاطك، وينامِ بنومك، ولا ينطق معك إلا بما تهوى، ولا نعلم جارأ أبر، ولا خليطاَ أنْصَفَ، ولا رفيقاً أطوع، ولا معلماً أخضع، ولا صاحباً اظهر كفاية، وأقل خيانة، ولا أجدَى نفعاً، ولا أحمد أخلاقَاَ ولا أقل خِلافأ ولا أعوم سروراً، ولا أسكت غيبة، ولا أحسن موافاة ولا أعجل مكافأة، ولا أخف مؤنه منه إن نظرت إليه أطال إمتاعك، وشحذ طباعك، وأيد فهمك، وأكثر علمك، وتَعْرِف منه في شهر، ما لا تأخذه من أفواه الرجال في دهر،. ويغنيك عن كد الطلب، وعن الخضوع لمن أنت أثبت منه أصلاً، وأسمح فرعاً، وهو المعلم الذي لا يجفوك، وإن قطعت عنه المائدة، لم يقطع عنك الفائدة، وهو الذي يطيعك بِالليل طاعته لك بالنهار، ويطيعك في السفر كطاعته لك في الحضر، وقد قال الله تبارك وتعالى: " اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم،الذي عًلّمَ بالقَلَم، عَلّم الإِنسان ما لم يَعْلَم " فوصف عن نفسه أنه علم بالقلم كإخباره عن نفسه بالكرم، وفي ذلك يقول بعض أهل الأدب:
لًمّا عَلِمْتُ بأني لست أعجزهمِ ... فَوْتاً ولا هرباً قدمتُ أحتجب
فصرت بالبيت مسروراً به جذل ... اَ حاوي البراءة لا شكوى ولا شغب
فردا ًيحدثني حقًّا و ينطق لي ... عن علم ماغاب عني منهُمُ الكتب
المؤنسون هُمُ اللائي عُنِيتُ بهم ... فليس لي في جليس غيرهِم أرَبُ
للّه در جليسي اجليسهم ... فذا عشيرهم للسوء يرتقبُ
وقد كان عبد اللّه بن عبد - العزيز بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب لا يجالس الناس، ونزل مقبرة، وكان لا يُرَى إلا وفي يده كتاب يقرؤه، فسئل عن ذلك، فقال: لم أرَ واعظاً أوعظ من قبر، ولا ممتعاً أمتع من كتاب، ولا شيئَاَ أسلم من الوحدة، فقيل له: قد جاء في الوحدة ما جاء،فقال: ما أفسدها للجاهل وقد قال بعض الشعراء فيمن يجمع الكتب ولا يعلم ما فيها:
زَوَامِلُ للأسفار لا علم عندم ... بجَيدِها إلا كعلم الأباعر
لَعَمْرُكَ ما يمري البعيرُ إذا غدا ... بأحمله أو راح ما في الغَرَائرِ
ذكر تنازع الناس في المعنى
الذي من أجله سمي اليمن يمناً والعراق عراقاً والشام شاماً والحجاز حجازأ
(1/196)

تنازع الناس في اليمن وتسميته؛ فمنهم من زعم أنه إنما سمي يمناً لأنه عن يمين الكعبة وهو التيمن وسمي الشام شامأ لأنه عن شمال الكعبة، وسمي الحجاز حجازاً لأنه بين اليمن والشام، نحو ما أخبر اللّه عز وجل عن البرزخ الذي بين بحر القلزم وبحر الروم بقوله عز وجل: " وَجَعَلَ بين البحرين حاجزاً " وإنما سمي العراق عراقأ لمصب المياه إليه كالدجلة والفرات وغيرهما من الأنهار، وأظنه مأخوذاً من عراقي الدلو وعراقي القربة.
ومنهم من زعم أن اليمن يم إنما سمي يمناً ليمنه، والشام شاماً لشؤمه ة وهذا قول يُعزى إلى قُطْرب النحوي في آخرين من الناس.
ومنهم من رأى أنه إنما سمي اليمن يمناً لأن الناس حين تفرقت لغاتهم ببابل تَيَامَنَ بعضهم يمين الشمس وهو اليمن، وبعضهم تشاءهم فوسم له هذا الاسم، وسنذكر تفرق هذه القبائل من أرض بابل بعد هذا الموضع، وبعض ما قالوه في ذلك من الشعر، عند مسيرهم في الأرض واختيارهم البقاع.
وقيل: إنما سمي الشام شاماً لشامات في أرضه بيض وسرد، وذلك في التراب والبقاع والحجر وأنواع النبات والأشجار، وهذا قول الكلبي.
وقال الشرقي بن القطامي: إنما سمي الشام شاماً بسام بن نوح، لأنة أول من نزله وقَطَن فيه، فلما سكنته العرب تطيّرت من أن تقول سام، فقالت: شام.
وقيل: إن سَامَرا إنما سميت بذلك إضافة إلى سام.
وقيل: إن أول من سكنها من خلفاء بني العباس سماها بهذا الاسم، وإنها سرور لمن رآها.
وقد ذكر في أسماء هذه المعاقل و البقاع والأمصار. وجوه غير ما ذكرت قد أتينا عليها فيما سلف من كتبنا.
ذكر اليمن وأنسابها وما قاله الناس في ذلك
اختلف الناس في أنساب قحطان؛ فحكى هشام بن الكلبي عن أبيه والشرقي بن القطامي أنهما كانا يذهبان إلى أن قَحْطَانَ بن الهميسع بن نبت - وهو نابت - بن إسماعيل بن إبراهيم الخليل، ويحتجان لذلك بوجوه من الأخبار. ومنها ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما رواه هشام عن أبيه عن ابن عباس، ورواه الهيثم عن الكلبي عن أبي صالح أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على فتية من الأنصار يتناضلون، فقال. ارموا يا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميأ، ارموا وأنا مع ابن الأعرع رجل من خزاعة، فرمى القوم نبالهم. وقالوا: يا رسول الله، من كنت معه فقد نَضَلَ !! فقال ارموا وأنا معكم جميعأ.
قال المسعودي: وسائر ولد قحطان من حمير وكهلان يأبى هذا القول وينكره وقد ثبت أن قحطان يقطن، وإنما عُرب فقيل له: قحطان.
وحكي ابن الكلبي، أن اسم يقطن في التوراة الجبار بن عابر بن شالخ بن إرفخشذ بن سام بن نوح، والواضح، من أنساب اليمن، وما تدين به كهلان وحمير ابنا قحطان إلى هذا الوقت قولا وعملا، وينقله الباقي عن الماضي والصغير عن الكبير والذي وجدت عليه التواريخ القديمة للعرب وغيرها من الأمم، وعليه وجدت الأكثر من شيوخ ولد قحطان من حمير وكهلان بأرض اليمن والتهائم والأنجاد وبلاد حَضْرَ مَوْت وَ الأحقاف وبلاد عمان وغيرها من الأمصار أن الصحيح في نسب قحطأن أنه قحطان بن عابر بن شالخ بن سالم - وهو قينان - ابن إرفخشذ بن سام بن نوح، وقد كان لعابر ثلاثة أولاد: فالغ، وقحطان، وملكان، والخضر عليه السلام من ولد ملكان في قول كثير من الناس، وولد لقحطان أحد وثلاثون ذكراً، و أمه م حَيّ بنت روق بن قزارة بن منقذ بن سويد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح، فولد قحطان يعرب بن قحطان، وولد يعرب يشجب، وولد يشجب ولدين، أحدهما عبد - وهو سبأ بن يشجب - وإنما سمي سبأ لسبيه السبايا، فولد سبأ حمير وكهلان ابني سبأ، والثاني لم يعقب، وإنما العقب من ولد هذين - وهما حمير وكهلان؛فهذا المتفق عليه عند أهل الخبرة بهما، والمتيقن لديهم.
وكان الهيثم بن عمي الطائي ينكر أيضاً أن يكون قحطان من ولد إسماعيل، وإنما إسماعيل تكلم بلغة جرهم؛ لأن إسماعيل كان سرياني اللسان على لغة أبيه خليل الرحمن حين أسكنه هو و أمه هاجر بمكة على ما ذكرنا، فصاهَرَ جرهم، ونشأ على لغتها، ونطق بكل أمه ا وقَفَا في مُرَاده خطابها.
(1/197)

ونزار تأبى أن يكون إسماعيل نشأ على لغة جُرْهم، ويقولون: إن الله عز وجل أعطاه هذه اللغة، وذلك أن إبراهيم خلفه هو و أمه هاجر، وإسماعيل ابن ست عشرة سنة، وقيل: ابن أربع عشرة سنة، في واد غير ذي زرع، ولا أنيس، فحفظها الله تعالى، وأتبع لها زمزم، وعَلّم إسماعيل هذه اللغة العربية.
قالوا: ولغة جرهم غير هذه اللغة، ووجدنا لغة ولد قحطان بخلاف لغة ولد نزار بن معد، فهذا يقضي بإبطال قول من قال: إن إسماعيل أعرب بلغة جرهم، ولو وجب أن يكون إسماعيل إنما كان عربي اللسان لأجل جرهم ونَشْئِه فيها لوجب أن تكون لغته موافقة للغة جرهم، أو لغير ممن نزل مكة، وقد وجدنا قحطان سرياني اللسان، وولده يعرب بخلاف لسانه، وليس منزلة يعرب عند اللّه أعلى من منزلة إسماعيل، ولا منزل قحطان أعلى من منزلة إبراهيم خليل الرحمن فيمنع إسماعيل فضيلة اللسان العربي التي أعطيها يعرب بن قحطان.
ولولد نزار وولد قحطان خَطْب طويل ومناظرات كثيرة لا يأتي علي كتابنا هذا، في التنازع والتفاخر بالأنبياء والملوك، وغير ذلك مما قد أتينا على ذكر جمَل من حِجَاجهم وما أدلى به كل فريق منهم ممن سلف وخلف، وكذلك مناظرات السودان والبيضان والعرب والعجم ومناظرات الشعوبية في كتابنا أخبار الزمان.
وزعم الهيثم بن عدي أن جرهم بن عابر بن سبأ بن يقطن هو قحطان وتأول الهيثم قول النبي صلى الله عليه وسلم - حين قال للرماة من الأنصار، ارموا يا بني إسماعيل - أنه عليه السلام نسبهم إلى إسماعيل من جهة ال أمه ات، وما نالهم من الولادات من ولد إسماعيل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يزيل نسباً قد ثبت، ولا يثبت نسب قوم إلى غير آبائهم، وقد نقلوا ذلك قولا وعملا وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أن سائلا سأله مِنْ مُرَاد عن سَبَأ: أرجلا كان أو امرأة أو واديا أو جبلاً. فقال له: كان رجلاً، ولد له عشرة فتشاءم أربعة وتيامن ستة: فالذين تشاءموا لخم وجذام وعاملة وغَسَّان، والذين تيامنوا حمير والأزد ومَذْحَج وكنانة والأشعريون وأنمار الذين هم بجيلة وخَثْعَم.
وقال أبو المنذر: هو أنمار بن إياد بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ.
قال المسعودي: وقد تنوزع في نسب أنمار؛فذهب الأكثر إلى أن أنماراً وإياداً وربيعه ومضر بنو نزار بن معد بن عدنان، وإنما دخلوا في اليمن فأضيفوا إليهم، وما ذكرناه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيمن تيامن وتشاءم فمن أخبار الآحاد، وليس مجيئه مجيء الاستفاضة التي يقطع بها العذر ويثبت بها الحكم.
وللناس في هؤلاء كلام كثير، وقد ذكر هشام عن أبيه الكلبي قال: كان يقال لسائر ولد سبأ السَّبَئِيون، ولم تكن لهم قبائل تجمعهم دون سبأ.
وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب خبر عمرو بن عامر مزيقياء، وخبر طريفة الكاهنة، وخبر عمران الكاهن، وهو أخو عمرو بن عامر، وأخبار العَرِم والسيل، وما كان من كهانتهما في أمر السد وسيل العرم، وتفرق القبائل من مأرِبَ، ومن لحق بعُمَان وشَنُوءة والسًراة والشام وغير ذلك من بقاع الأرض.
ذكر اليمن وملوكها ومقدار سنيها
أول من يُعَد من ملوك اليمن سبأ بن يَشْجُب بن يَعْرُب بن قحطان، واسمه عبد شمس، وقد أخبرنا فما سلف من هذا الكتاب وغيره من كتبنا لأية علة سمي سبأ على ما قيل، والله أعلم، وكان ملكه أربعمائة سنة وأربعاً وثمانين سنة.
حمير
ثم ملك بعده ولده حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب، وكان أشجَعَ الناس في وقته، وأفرسهم، وأكثرهم جمالاً، وكان ملكه خمسين سنة وقيل: أكثر من ذلك، وقيل: أقل وكان يعرف بالمتوج وكان أول من وضع على رأسه تاج الذهب من ملوك اليمن.
كهلان
ثم ملك بعده أخوه كهلان بن سبأ، فطال عمره، وكبر سنه واستقامت له الأمور، وكان ملكه ثلثمائة سنة، وقيل غير ذلك.
ثم عاد الملك بعد أن هلك كهلان إلى ولد حمير؛لأخبار يطول ذكرها، وتنازع في الملك بين ولد حمير. وكهلان.
عمرو بن سبأ
ثم ملك أبو مالك عمرو بن سبأ، واتصل ملكه، وغمر الناس عدله وشملهم إحسانه، وكان ملكه ثلثمائة سنة.
قول آخر
وقيل: إن أول من ملك بعد كهلان الرائش، وهو الحارث بن شداد.
ثم ملك جبار بن غالب بن زيد بن كهلان، فكان ملكه عشرين ومائة سنه.
(1/198)

ثم ملك بعده الحارث بن مالك بن إفريقس بن صيفي بن يشجب بن سبأ، وكان ملكه مائة سنة ونحو أربعين سنة، وقيل: إن هذا الملك هو أبرهة بن الرائش المعروف بذي المنار.
جماعة من ملوك اليمن
ثم ملك بعده الرائش بن شداد بن ملظاظ، وكان ملكه مائة وخمساً وعشرين سنة.
ثم ملك بعده أبرهة بن الرائش، وهو ذو المنار، وكان ملكه مائة وثمانين سنة.
ثم ملك بعده أفريقس بن أبرهة، فكان ملكه مائة وأربعاً وستين ثم ملك بعده أخوه العبد بن أبرهة، وهو ذو الأذْعَارِ، وكان ملكه خمساً وعشرين سنة.
ذو الأذعار
ثم ملك بعده الهداهاد بن شرحبيل بن عمرو بن الرائش، وقد تنوزع في مقدار ملكه؛فمنهم من رأى أنه عاش عشر سنين، ومنهم من ذكر سبعاً، ومنهم من قال: ستا.
تبع الأول
ثم ملك تبع الأول، وكان ملكه أربعمائة سنة، وذكر كثير من الناس أن بلقيس قتلته، وقيل غير ذلك، والأشهر ما قدمنا.
بلقيس وسليمان
ثم ملكت بعده بلقيس بنت الهدهاد، وكان لمولدها خبر ظريف ذكرته الرواة فميا روي أنه تصور لأبيها في بعض قَنَصِه حَيَّتَان سوداء وبيضاء فأمر بقتل السوداء منهما،؛وما ظهر له بعد ذلك من شيخ وشاب من الجن، وأن الشيخ زوجه بابنته، واشترط عليه شروطاً لها، فعلقت منه ببلقيس، ونقض تلك الشروط المأخوذة عليه لها، فغابت عنه، في خبر ظريف، وهو موجود في كتاب أخبار التبابعة.
وإنما نحكي هذه الأخبار على حسب ما وجدناه في كتب الأخباريين وعلى حسب ما توجبه الشريعة والتسليم لها، وليس. قصدنا من ذلك وصف أقاويل أصحاب القدم، لأنهم ينكرون هذا ويمنعونه، وإنما نحكي في هذا الكتاب أقاويل أصحاب الحديث المنقادين للشرع والمسلِّمين للحق، وأخبار الشياطين على حسب ما نطق به الكتاب المنزل على النبي المرسل، وما قارن ذلك من الدلائل الدالة على صدقه صلى الله علية وسلم، وإعجاز الخليقة أن يأتوا بمثل هذا القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
وكان ملك بلقيس عشرين ومائة سنة، وكان من أمرها مع سليمان عليه السلام ما ذكر اللّه عز وجل في كتابه، وما اقتص من خبر الهدهد، وما اقتص من أمرهما، فملك سليمان اليمن ثلاثاً وعشرين سنة.
بقية ملوك اليمن
ثم عاد بعد ذلك الملك إلى حمير؛فملكهم ناشر النعم بن عمرو بن يعفر وكان ملكه خمساً وثلاثين سنة.
ثم ملك بعده شمر بن إفريقس بن أبرهة، فكان ملكه ثلاثَاَ وخمسين ثم ملك بعده تُبَّع الأقْرَنُ بن شمر، فكان ملكه مائة وثلاثأ وستين سنه.
ثم ملك بعده كليكرب بن تبَّع وكان ملكه مائة سنة وعشرين سنة، وَسَيَّرَ قومه نحو الشرق من بلاد خراسان والتبت والصين وسجستان.
ثم ملك بعده حسان بن تبئع، فاستقام له الأمر، ثم وقع بعد ذلك في ملكه تنازع وخلاف، وكان ملكه إلى أن قتل خمساً وعشرين سنة.
ثم ملك بعده عمرو بن تُبَّع، وهو القاتل لأخيه حسان الملك الماضى، وكان ملكه أربعاً وستين سنة، و لقال: انه عدم النوم، لما كان من فعله من قتل أخيه.
ثم ملك بعده تبع بن حسان بن كليكرب، وهو الملك السائر من اليمن إلى الحجاز، وكانت له مع الأوس والخزرج حروب، وأراد هدم الكعبة فمنعه مَنْ كان معه من أخبار اليهود، فكساها القصب اليماني، وسار نحو اليمن وقد تهوَّدَ وغلبت على اليمن اليهودية، ورجعوا عن عبادة الأصنام، وكان مُلْكه نحو مائة سنة.
ثم ملك عمرو بن تبع بعد تفرق وتنازع كان بينهم في الملك، خلع عن الملك وملكوا عليهم مرثد بن عبد كلال، وكان في اليمن تنازع وحروب، وكان ملكه أربعين سنة.
ثم ملك بعده وليعة بن مرثد، وكان تسعاً وثلاثين سنة.
ثم ملك بعده أبرهة بن الصباح بن وليعة بن مرثد، وهو الذي يدعى شيبة الحمد، وكان ملكه ثلاثاً وتسعين سنة، وقيل: أقل من ذلك، وكان علامة وله سير مُدَوَّنة.
ثم ملك بعده عمرو بن ذي قيفان، وكان ملكه سبع عشرة سنة.
ثم ملك بعده ذو شَنَاتر، ولم يكن من أهل بيت الملك، فغري بالأحداث من أبناء الملوك، وطالبهم بما تُطَالب به النسوان، وأظهر الفسق باليمن واللواط، وعدل مع ذلك في الرعية، وأنصف المظلوم، وكان ملكه ثلاثين سنة، وقيل: تسعا وعشرين سنة، وقتله يوسف ذو نواس، وكان من أبناء الملوك، خوفاً على نفسه، وأنَفَة أن يفسق به.
(1/199)

ثم ملك بعده يوسف ذو نواس بن زرعة بن تبع الأصغر بن حسان بن كليكرب، وقد ذكرنا خبره في غير هذا الموضع من كتبنا، وما كان من أمره مع أصحاب الأخدود، وتحريقه إياهم بالنار، وهم الذين خبر الله تعالى عنهم في كتابه فقال: " قتك أصحاب الأخدود، النار ذات الوقود " و إليه عبرت الحبشة من بلاد ناصع والزيلع، وهو ساحك الحبشة على حسب ما ذكرنا، إلى بلاد غلافقة من ساحل زبيد من أرض اليمن، فغرق يوسف نفسه بعد حروب طويلة خوفاً من العار؛ وكان ملكه مائتي سنة وستين سنة، وقيل أقل من ذلك، وذلك أن النجاشي ملك الحبشة لما بلغه فعل ذي نواس بأتباع المسيح عليه السلام، وما يعذبهم به من أنواع العذاب والتحريق بالنار بعث إليه الحبشة وعليهم أرباط بن أصحمة فملك اليمن عشرين سنة.
أبرهة أبو يكسوم
ثم وثب عليه أبرهة الأشرم أبو يكسوم فقتله وملك اليمن، فلما بلغ ذلك من فعله إلى النجاشي غضب عليه، وحلف بالمسيح أن يجزا ناصيته، ويريق دمه، ويطأ تربته - يعني أرض اليمن - فبلغ ذلك أبرهة فجز ناصيته وجعلها حق من العاج، وجعل من دمه في قارورة، وجعل من تراب اليمن في جراب، وأنفذ ذلك إلى النجاشي ملك الحبشة، وضم إلى ذلك هدايا كثيرة وألطافاً، وكتب إليه يعترف بالعبودية، ويحلف له بدين النصرانية أنه في طاعته، وأنه بلغه أن الملك حلف بالمسيح أن يجز ناصيته ويريق دمه ويطأ أرضه، وقد أنفذت إلى الملك ناصيتي فليجزها بيده، وبدمي في قارورة فليهرقه، وبجراب من تربة بلادى فليطأ بقدميه، وليطفئ الملك عني غضبه، فقد أبررت يمينه، وهو على سرير ملكه، فلما وصل ذلك إلى النجاشي استصوب رأيه، واستحسن عقله، وصفح عنه وكان ذلك في ملك قباذ ملك فارس.
وأبرهة أبو يكسوم هو الذي سار بأصحاب الفيل إلى مكة لإخراب الكعبة، وذلك لأربعين سنة خلت من ملك كسرى أنو شروان، فعدل إلى الطائف فبعثت معه ثقيف بأبي رُغَال ليدلَّه على الطريق السهل إلى مكة، فهلك أبو رُغَال في الطريق بموضع يقال له المُغَفَس بين الطائف ومكة، فَرُجم قبره بعد ذلك والعرب تتمثل بذلك وفي ذلك يقول جرير بن الخطفي في الفرزدق.
إذا مات الفرز دق فارْجُمُوهُ ... كما تَرْمُونَ قَبْرَ أبي رُغَال
وقال المسعودي رحمه اللّه، وقيل: إن أبا رُغَال وجَّهَهُ صالح النبي صلى الله علية وسلم على صدقات الأموال، فخالف أمره، وأساء السيرة، فوثب عليه ثقيف - وهو قيس بن منبه - فقتله قتلةً شنيعة لسوء سيرته في أهل الحرم،فقال غيلان بن سلمة وذكر قسوة أبيهم ثقيف على أبي رُغَال نحن قسيِّ وقسا أبونا وفي ذلك يقول أمية بن أبي الصلت الثقفي:
نَفَوْا عن أرضهم عَدْنَانَ طُرًّا ... وكانوا للقبائل قاهرينا
وهم قتلوا الرئيس أبارُغال ... بمكة إذ يسوق بها الوضينا
وفي ذلك يقول عمرو بن دراك العبدي:
تراني إن قطعت حبالَ قيس ... وخالفتُ المُرُورَ على تميم
لأعظمُ فَجْرَةً منَ أبي رُغَال ... وأجْوَر ُفي الحكُومَةِ منْ سَدُوم
وقال مسكين الدأرمي:
وأرْجُمُ قبرَهُ في كل عام ... كَرَجْم الناس قبر أبي رُغَال
وسنورد فيما يرد من هذا الكتاب قصه الحبشة وورودهم الحرم وما كان من أمرهم في ذلك.
قال: وفي طريق العراق إلى مكة - وذلك بين الثعلبية والهبير نحو البطان - موضع يعرف بقبر العباعي، تَرْجمه المارة إلى هذه الغاية كما ترجم قبر أبي رُغَال، وللعباعي خبر ظريف قد أتينا على ذكره في كتاب أخبار الزمان وفي كتاب حدائق الأذهان وفي أخبار أهل البيت رضي اللّه عنهم.
فكان ملك أبرهة على اليمن إلى أن هلك بعد أن رجع من الحرم وقد حسقطت أنامله وتقطعت أوصاله حين بعث اللّه عليه الطير الأبابيل ثلاثاً وأربعين سنة.
وكان قدوم أصحاب الفيل مكة يوم الأحد لسبع عشرة ليلة خلت من المحرم سنة ثمانمائة واثنتين وثلاثين سنة للاسكندر وست عشرة سنة ومائتين من تاريخ العرب الذي أوله حجة الغدر.
وسنذكر بعد هذا في الموضع المستحق له من هذا الكتاب جملاً من تاريخ العالم وتاريخ الأنبياء والملوك، في باب نُفْرده لذلك إن شاء اللّه تعالى.
ثم ملك اليمن بعد أبرهة الأشرم ولده يكسوم، فعمً أذاه سائر اليمن، وكان ملكه إلى أن هلك عشرين سنة.
مسروق بن أبرهة
(1/200)

ثم ملك بعده مسِروقَ بن أبرهة، فاشتدت وطأته على اليمن، وعم أذاه ساير النأس، وزاد على أبيه وأخيه في الذي، وكانت أمه من آل ذى يَزَن، وكان سيف بن ذي يَزَن قد ركب البحار، ومضى إلى قيصر يستنجلى، فأقام ببابه سبع سنين، فأبى أن يُنْجِد، وقال: أنتم يهود، والحبشة نصارى، وليس في الديانة أن ننصر المخلاف على الموافق، فمضى إلى كسرى أنو شروان فاستنجده ومَتَّ إليه بالقرابة، وسأله النصرة، فقال له كسرى: وما هذه القرابة التي أدْلَيتَ بها إلي؟ّ؛ فقال: أيها الملك الجْبِلة وهي الجلدة البيضاء ؛إذ كنت أقرب إليك منهم، فوعده أنو شروان بالنصرة على السودان وشغل بحرب الروم وغيرها من الأمم، ومات سيف بن ذي يزن، فأتى يعلى معد يكرب بن سيف، فصاح على باب الملك، فلما سئل عن حاله، قال: لي قَبَل الملك ميراثٌ، فوقف بين يدي أنو شروان، فسأله عن ميراثه، فقال: أنا ابن الشيخ الذي وعده الملك بالنصرة على الحبشة، فوجَّهَ معه وَهْرِز إصْبِهْبِذَ الديلم في أهل السجون، فقال " إن فتحوا لنا، وإن هلكوا فلنا، وكلا الوجهين فَتْحٌ، فحملوا في السفن في دجلة ومعهم خيولهم، وعددهم وأموالهم، حتى أتوا أبلّة البصرة - وهي فرج البحر، ولم يكن حينئذ بصرة ولا كوفة، وهذه مدن إسلامية - فركبوا في سفن البحر، وساروا حتى أتوا ساحل حضر موت بموضع يقال له مَثْوَبُ، فخرجوا من السفن، وقد كان أصيب بعضهم في البحر، فأمرهم وَهْرِز أن يحرقوا السفن ليعلموا أنه الموت، ولا وجه يؤملون المَفَرَّ إليه فيجهدون أنفسهم، وفي ذلك يقول رجل من حضر موت:
أصبح في مَثْوَب ألْفٌ في الجُنَنْ ... من رهط ساسان ورهط مهرسن
ليخرجوا السودان من أرض اليمن ... دلهمُ قَصد السبيل ذويزَن
في شعر له طويل،، ونما خبرهم إلى ملك اليمن مسروق بن أبرهة، فأتاهم في مائة ألف من الحبشة وغيرهم من حمير - وكهلان ومن سائر من سكن اليمن من الناس وتصافَ القوم، وكان مسروق على فيلَ عظيم، فقال وهرز لمن كان معه من الفرس: اصدقهم الحملة، واستشعروا الصبر، ثم تأمل ملكهم وقد نزل عن الفيل فركب جملاً، ثم نزل عن الجمل فركب فرساً، ثم أنف أن يحارب على فرس فركب حماراً، استصغارأ لأصحاب السفن، فقال وَهْرِزُ " ذهب ملكمه، وتنقل من كبير إلى صغير، وكان بين عيني مسروق ياقوتة حمراء معلقه - في تاجه بمعلاق من الذهب تضيء كالنار، فرمى وَهْرِزُ، ورمى القوم، وقال وهرِز لأصحابه: قد رميت ابن الحمارة، فانظروا إن كان القوم يجتمعون عليه ولا يتفرقون عنه فهو حي، وإن كان أصحابه يجتمعون عليه ويتفرقون عنه فقد هلك، فنظروا إليهم فرأوهم يجتمعون ويتفرقون عنه، فأخبروه بذلك، فقال: احملوا على القوم واصدقوهم فحملوا عليهم وصدقوهم؛ فانكشفت الحبشة وأخذهم السيف، ورفع رأس مسروق ورؤوس خواص الحبشة ورؤسائهم، فقتل منهم نحو ثلاثين ألفاً، وقد كان أنو شروان أتشرط على معد يكرب شروطأ: منها أن الفرس تتزوج باليمن ولا تتزوج اليمن منها وفي ذلك يقول الشاعر:
على أن ينكحوا النسوان منهم ... ولا ينكحوا في الفارسينا
وَخَرَاج يحمله إليه فتَؤجَ وهرز معد يكرب بتاج كان معه وبدنة من الفضة ألبسه إياها، ورتبه في ملكه على اليمن، وكتب إلى أنو شروان بالفتح، وخلف هناك جماعة من أصحابه.
وكان جميع ما ملكتَ الأحابش اليمن اثنتين وسبعين سنة، وكان ملك مسروق بن أبْرَهَة إلى أن قتله وَهْرِزُ ثلاث سنين، وذلك لخمس وأربعين خلت من ملك أنو شروان.
وأتت معدي كرب الوفود من العرب تهنئه بالملك، فأتاه عبد المطلب وجد أمية بن أبي الصَلْت، وقد ذكرنا خبر عبد المطلب ووفادته على ابن ذي يزن في هذا الكتاب فيما بعد، وما قيل من الشعر وفي مسير الفرس إلى اليمن ونصرتهم على الحبشة يقول بعض أولاد فارس:
نَحن خُضنا البحار حتى فككنا ... حميراً من بَلَيّةٍ السودان
بليوث من آل ساسان شُوس ... يمنعون الحريم بالمرَّان
وببيض بواتر تتلاَلاَ ... كسَنَا البرقِ في فرى الأبدان
فقتلنا مسروق إذ تاه لمَّا ... أن تداعَتْ قبائل الحبشان.
وفلقنا ياقوتة بين عين ... ه بنُشًابة الفتى الساساني
(1/201)

وَهْرِزُ الديلميئُ لمَّا رآهُ ... رابط الجأش ثابت الأركان
وحوينَا بلاد قحطان قسراً ... ثم سرنا إلى فرى غُمْدَان
فنعمنا فيه بكل سرور و ... مَنَنَّاعلى بني قحطان
وفي ذلك يقول البحتري يمدح أبناء العجم، ويذكر فضل الفرس على أسلافه لأنه من قطحان:
فكم لكم من يَدٍ يزكو الثناء بها ... ونعمة ذكْرُهَا باقٍ على الزمن
إن تفعلوها فليست بِكْرَ أنعمكم ... ولا يد كأياديكم على اليمن
أيام جَلىَّ أنو شروان جدكم ... غيابة الذل عن سيف بن ذي يزن
إذ لا تزال خيول الفرس دافعة ... بالضرب والطعن عن صَنْعَا وعن عَدَن
أنتم بنو المنعم المجميع وخن بنو ... من فاز منكم بفضل الطّوْل والمنَنِ
وفود العرب تهنئ معد يكرب
قال المسعودي: وأتت معد يكرب الوفود من العرب تهنيه بعَوْدِ الملك إليه وأشراف العرب وزعماؤها، وفيهم عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف وأمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وخويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي وأبو زَمْعَة جَدُّ أمية بن أبي الصَّلْت الثقفي، وقيل: أبو الصلت أبوه، فدخلوا إليه وهو في أعلى قصره بمدينة صنعاء المعروف بغُمْدَان وهو مُضَمَّخ بالعنبر، وسواد المسك يلوح على مَفْرِقه، بين يديه، وعلى يمينه وشماله الملوك وأبناء الملوك وأبناء المَقَاول.
عبد المطلب يهنى الملك
فتكلمت الخطباء، ونطقت الزعماء، وقد تقدمهم عبد المطلب بن هاشم فقال عبد المطلب: إن اللّه جل جلاله قد أحلك - أيها الملك - مَحَلا رفيعاً، صعباً منيعاً، شامخاً، وأنبتك مَنْبتاً طابت أرومته، وعزت جُرْثُومته، وثبت أصله وَبَسَق فرعه، في أَكرم معدن، وأطيب موضع وموطن، فأنت - أبيت اللعن - رأس العرب ورَبيعها الذي تُخْصِب به، وأنت - أيها الملك - ذروة العرب الذي له تنقاد، وعمودها الذي عليه العماد، ومَعْقلها الذي تلتجئ إليه العباد، سَلَفُكَ خير سلف، وأنت لنا منهم خير خلف، فلن يخمل ذكر من أنت سلفه، ولن يهلك من أنت خلفه، أيها الملك، نحن أهل " حرم الله، وسَدَنَة بيته، أشْخَصَنَا إليك الذي أبهجنا من كشف الكرب الذي فَدَحَنَا، ونحن وفد التهنئة، لا وفد المرزئة فقال له الملك: وأيهم أنت أيها المتكلم. قال: أنا عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، فقال الملك معدي كرب بن سيف: ابْنُ أختنا؟؛ قال: نعم، قال: أدْنُوه مني، فادني، " ثم أقبل عليه وعلى الوفد، فقال لهم: مرحبأ وأهلا، ونأقة ورَحَلاً، ومَستناخا سهلاً، وملكأ رِبَحْلاً، يعطي عطاء جزلاً، قد سمع مقالتكم، وعرف قرابتكم، وقبل وسيلتكم، فأتم أهل الليل والنهار، لكم الكرامة ما أقمتم، والحباء إذا ظعنتم.
أبو زمعة يهنئه
ثم قام أبو زَمْعَة جد أمية بن أبي الصلت الثقفي، فأنشأ يقول:
ليطلُب الوتر أمثال ابن ذي يزن ... في لجة البحر أحوالا وأحوال
حتئ أتنى ببني الأحرار يحملهم ... تخالهم في سواد الليل أجبال
لله درهم من عصبة خرجوا ... ما إن رأيت لهم في الناس أمثال
أرسلت أسداً على سود الكلاب فقد ... أمسى شريدهمُ في الأرض فلاّلا
فاشرب هنيئاً عليك التاج مرتفقَاَ ... في رأس غُمْدَان داراً منك محلالاً
ثم اطْلُ بالمسك إذ شالت نعامتهم ... وأسْبِل اليوم في بُرْدَيْكَ إسبال
تلك المكأرم لاقَعْبَانِ من لبن ... شِيبَا بماء فعادا بعد أبوالا
ولمعد يكرب بن سيف بن ذي يزن كلام كثير مع عبد المطلب وكوائن أخبره بها في أمر النبي صلى الله عليه وسلم وبَدْء ظهور، وحَبَا جميع الوفد، وانصرفوا، وقد أتينا على ما كان من أخبارهم في كتابنا أخبار الزمان فأغنى عن إعادته ووصفه.
مقتل معد يكرب
(1/202)

قال المسعودي: وأقام معد يكرب بن سيف بن ذي يزن ملكاً على اليمن، واصطنع عبيداً من الحبشة حرابة يمشون بين يديه بالحراب، فركب في بعض الأيام من باب قصره المعروف بغُمْدَان بمدينهِّ صنعاء، فلما صار إلى رحبتها عطفت عليه الحرابة من الحبشة، فقتلوه بحرابهم، وكان ملكه أربع سنين، وهو آخر ملوك اليمن من قحطان، فعدد ملوكهم سبعة وثلاثون ملكاً وملكوا ثلاثة الاف سنة ومائة وتسعين سنة.
رواية عبيد بن شرية
قال المسعودي: وأما عبيد بن شَرِيَّةَ الجرهمي حين وفد على معاويةْ، وسأله عن أخبار اليمن وملوكها وتواريخ سنيها، فإنه ذكر أن أول ملوك اليمن على حسب ما قدمنا في هذا الباب سبأ بن شجب بن يعرب بن قحطان، ملك مائة سنة وأربعاً وثمانين سنة.
ثم ملك بعده الحارث بن شداد بن ملظاط بن عمرو، مائة وخمساً وعشرين سنة.
ثم ملك بعده أبرهة بن الرائش، وهو أبرهة ذو المنار، مائة وثلاثاً وثلائين سنة.
ثم ملك بعده إفريقس بن أبرهة، مائة وأربعاً وستين سنة. ثم ملك بعده أخوه العبد بن أبرهة، خمساً وأربعين سنة.
ثم ملك بعده الهدهاد بن شرحبيل بن عمرو، وهو ذو الصرح، سنةً.
ثم ملكت بعده بلقيس بنت الهدهاد، سبع سنين.
ثم ملك سلمان بن داود عليهما السلام، ثلاثاً وعشرين سنة، على حسب ما قدمنا من أمر بلقيس.
ثم ملك بعده رحبعم بن سليمان، سنة.
ثم رجع الملك إلى حمير، فملك من بعد رحبعم بن سليمان ناشر النعم بن يعفر بن عمرو في الأذعار، خمساً وثلاثين سنة، وقد قيل في تسميته ذا الأذعار خبر تأباه العقول، وتنكر النفوس كون مثله في العالم، ويجوز كون ذلك في المقدر وأنه إنما سمن الأذعار لأنه وصل إلى قوم في أقاصي مفاوز اليمن وأرض حضرموت مشوهي الخلقة عجيبي الصورة وجوههم في صدورهم، فلما رأى أهل اليمن ذلك أذْدرهم ما شاهدوا من ذلك، وجزعت منه نفوسهم، فسمي ذا الأذعار، وقيل غير ذلك، والله أعلم بكيفيته.
ثم ملك بعده عمرو بن شمر بن إفريقس، ثلاثاً وخمسين سنة.
ثم ملك بعده تبع الأقران بن عمرو، وهو تبع الأكبر، مائة سنة وثلاثاً وخمسين سنة.
ثم ملك بعده تبع بن ملكيكرب بن تبع خمساً وثلاثين سنة.
ثم ملك بعده تبع بن ملكيكرب بن تبع وهو تبع أبو يكرب أسعد بن ملكيكرب أربعا وثمانين سنة.
ثم ملك بعده كلال بن مثوب، أربعاً وسبعين سنة.
ثم ملك بعده تبع بن حسان بن تبع ثلثمائة سنة وستاً وعشرين سنة.
ثم ملك بعده مرثد، سبعاً وثلاثين سنة.
ثم ملك بعده أبرهة بن الصباح، ثلاثاً وسبعين سنة.
ثم ملك بعده ذو شَنَاتر بن زرعة، ويقال يوسف، ويقال: بلى أسمى عريب بن قطن، تسعاً وثمانين سنة.
ثم ملك بعده لخنيعة، ويعرف بذي الشناتر، أربعاً وثمانين سنة.
فذلك ألف وتسعمائة سنة وسبع وعشرون سنة، وإنما ذكرنا ما حكيناه عن عبيد بن شريةَ في ترتيب ملوكهم، وتباين تواريخ سنيهم، لنأتي على جميع ما قيل في ذلك من التنازع، واللّه ولي التوفيق.
ملك فارس باليمن
ولما قتلت الحبشة معد يكرب بن سيف بن ذي يزن - على حسب ما قدمنا - في الرحبة بحرابهم كان بصنعاء خليفة لوهرز في جماعة من العجم، ممن كان ضمهم وهرز إلى معد يكرب فركب وأتى على من كان هنالك من الحبشة، وضبط البلد، وكتب بذلك إلى وهرز وهو بباب أنو شروان الملك، وذلك بالمدائن من أرض العراق، فأعلم وهرز بذلك الملك، فسيره في البر في أربعة آلاف من الأساورة، وأمره بإصلاح اليمن. وأن لا يبقى على أحد من بقايا الحبشة، ولا على جَعْد قَطَط قد شرك السودان في نسبه، فأتى وهرز اليمن، ونزل صنعاء، فلم يترك بها أحد من السودان ولا من أنسابهم، وملك أنو شروان وهرز على اليمن إلى أن هلك بصنعاء ثم ملك بعده النوشجان بن وهرز إلى أن هلك بها ثم ملك بعده رجل من فارس يقال له سبحان، ثم ملك بعده خرزاد ستَّةَ أشهر، ثم ملك بعده ابن سبحان، ثم ملك بعده المرزبان وكان من أهل بيت مملكة فارس، ثم ملك بعده خرخسرو، وكان مولده باليمن، ثم ملك بعده بآذان ساسان.
ملك اليمن في أبناء إبراهيم
(1/203)

قال المسعودي: فهؤلاء جميع من ملك اليمن من قحطان والحبشة والفرس، وقد ملك اليمن رجلِ من ولد إبراهيم الخليل عليه السلام، وهو يعدُ من ملوك اليمن واسمه هنيبة بن أميم بن بدل بن مدين بن إبراهيم لخليل عليه السلام، وكان له شأن عظيم في ملك اليمن؛وطالت أي أمه ، وذكره امرؤ القيس في شعره فقال:
هنيبة الذي زادت قواه ... على زيد أن إذ حان الزول
تمكن قِائما وبنى طريقاً ... إلى زيدان أعيط لا ينال
ويقَال: إ نِه منتبه بن أميم بن بدل بن لسان بن إبراهيم الخليل.
عاصمة اليمن
وقد كانت ملوك اليمن تنزل بمحينة ظَفَارِ، مثل آل ذي سحر وآل ذي الكلاع وآل ذي أصبح وآل ذي يزن، إلا اليسير منهم فإنهم نزلوا غيرها وكان على باب ظَفَارِ مكتوب بالقلم الأول في حجر أسود:
يوم شيدت ظفار قيل: لمن أنت؟ ... فقالت: لحمير الأخيار
ثم سيلت: من بعد ذأك؟ فقالت: ... إن ملكي للأحْبُش الأشرار
ثم سيلت مَنْ بعد ذاك؟ فقالت: ... إن ملكي لفارس الأحرار
ثم سيلت: ما بعد ذاك؟ فقالت: ... إن ملكي إلى قريش التجار
ثم سيلت: ما بعد ذاك؟ فقالت: ... إن ملكي لحمير وصحار
وقليلا ما يلبث القومُ فيها ... منذ شيدت مشيدها للبوار
من أسودٍ يلقيهمُ البحر فيها ... تشعل النار في أعالي الديار
وهذا خبر عن ملوك تداولوها، أخبروا عن ملكهم قبل كونه، فتداولتها هذه الملوك على حسب ما وصفناه، وينتظر في المستقبل من الزمان ما ذكرنا من وقود النيران في أعالي الديار، وعند أهل اليمن ديارهم سيغلب عليها الأحابش في آخر الزمان بعد هَنَات وكوائن وأحداث وبُعِثَ النبي صلى الله عليه وسلم وعلى اليمن عُمّال كسرى، ثم غلب الإسلام فظفر بحمد اللّه.
وقد أتينا على أخبار من ذكرن من الملوك، وسيرهم، ومطافاتهم في البلاد وحروبهم، وأبنيتهم في سائر مطافاتهم، في الكتاب الأوسط،فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الباب.
مساحة اليمن وحدوده
وبلد اليمن طويل عريض: حده مما يلي مكة إلى الموضع المعروف بطلحة الملك سبع مراحل، ومن صنعاء إلى عدن - وهو أخر عمل اليمن تسع مراحل، والمرحلة من خمسة فراسخ إلى ستة، والحد الثاني من وأدى وحا إلى ما بين مَفَاوز حضرموت وعمان عشرون مرحلة، ويلي الوجه الثالث بحر اليمن على ما ذكرنا أنه بحر القلزم والصين والهند، فجميع ذلك عشرون مرحلة في ست عشرة مرحلة.
وأسماء ملوك اليمن كذي يزن وذي نُوَاس وذي منار وغير ذلك مضافه إلى مواضع وإلى أفعال لهم وسير وحروب وغير ذلك، وهي سِماتٌ لهم تميزهم عن غيرهم، وتبين كل واحد منهم عن غيره من ملوكهم.
وإذِ قد ذكرنا جوامع من أخبار اليمن وملوكها فلنذكر الآن ملوك الحيرة من بني نصر وغيرهم، للحوقهم باليمن، ثم نعقب ذلك بملوك الشام وغيرهم من المَلوك، إن شاء اللّه تعالى.
ذكر ملوك الحيرة من بنى نصر وغيرهم
جذيمة ابوضاح ومقتله
ولما هلك جَذِيمة الوَضاح وأتت عليه الزَبَّاء بنت عمرو بن ظرب بن حسان بن أذينة بن السميدع بن هوبر، وقد كان ملك من مشارق الشام إلى الفرات من قبل الروم، وكانت داره بالموضع المعروف بالمضيق، بين بلاد الخانوقة وقرقيسيا، وقد كانت الزباء تملكت بعد أبيها، وأطمعت جَذِيمة في نفسمها إلى أن قتلته، وأقام جذيمة ملكاً في زمن ملوك الطوائف خمساً وتسعين سنة، وفي ملك أردشير بن بابك وسابور الجنود بن أردشير ثلاثاً وعشرين سنة؛ فكان ملكه مائة وثمان عشرة سنة، وكان يكنى بأبي مالك، وفيه يقول بعض شعراء الجاهلية وهو سُويد بن أبي كاهل اليشكري:
أن أذُقْ حَتْفِي فقبلي ذاقَهُ ... طسم عاد وجديس ذوالشنع
وأبو مالكٍ القَيْل ُالذي ... قتلته بنت عمرو بالخدع
مْالك بن فهم
(1/204)

وكان الملك قبل جذيمة أباه، وهو أول من ملك الحيرة، واللّه أعلم، وكان يقال له مالك بن فَهْم بن دوْس بن الأزد بن الغَوْث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وكان سار من اليمن مع ولد جَفْنة بن عمرو بن عامر مزَيْقياء، فسار بنو جَفْنة نحو الشام، وانفصل مالك نحو العراق فملك على مضر بن نزار اثنتي عشرة سنة، ثم ملك بعده ابنه جذيمة على ما ذكرنا.
عمرو بن عدي
ثم ملك بعد جذيمة ابن أختِهِ عمر وبن عدي بن نصر بن ربيعه بن الحارث بن مالك بن غنم بن نمارة بن لخم، وهو أول من نزل من الملوك الحيرة واتخذها منزلاً ودار ملكٍ، وإليه تنسب الملوك النصرانية، وهم ملوك الحيرة؛فكان ملك عمرو عدي ابن أخت جذيمة مائة سنة.
قصة عمرة بن عدي
قال المسعودي: وقد ذكر غير واحد ممن عني بأخبار العرب وأي أمه ا أن جَذِيمة أول من ملك من قُضَاعة، وهو جذيمة بن مالك بن فَهْم التَّنُوخي، وأنه قال ذات يوم لندمائه: لقد ذكر لي عن غلام من لخم، في أخواله من إياد، له ظَرْفٌ وأدب، فلو بعثتَ إليه فولَّيته كأسي والقيام على رأسي لكان الرأي، قالوا: الرأي ما رأى الملك، فليبعث إليه، ففعل، فلما قدم عليه قال: من أنت؟ قال: أنا عدي بن نصر بن ربيعه، فولاه مجلسه، فعشقته قاش ابنة مالك أخت الملك، فقالت: يا عدي، إذا سقيت القوم فامْزُج لهم، وَغدق للملك، فإذا أخَذَتَ الخمر منه فاخطبني منه فإنه يزوجك، فأشْهِدِ القوم إن فعل، ففعل الغلام ذلك وخطبها وزوجها به، فأشهد عليه، وانصرف الغلام إليها فأنبأها، فقالت: عَرِّسْ بأهلك، ففعل، فلما أصبح غدا متضرجاً بالخلُوق، فقال !له جَذِيمة: ما هذه الآثار يا عدي؟. قال: اثار العرس، وقال: وأي عرس؟. قال: عرس رقاش فَنَخَرَ وأكبّ على الأرض، ورفع علي جراميزه، وهرب وأسرع جذيمة في طلبه، فلم يجده، وقال بعضهم: بل قتله، وبعث إليها يقول:
حَدِّثيني رَقَاش ل اتكذبيني ... أبحرِّ زنيت أم بهجين.
أم بعبدٍ فأنت أهل لعبد ... أم بدون فأنت أهل لدون؟
؛ فأجابته رقاش تقول:
إنْتَ زَوّجتني وَما كُنْتُ أدري ... وأتاني النساء للتزيين
ذاك من شُرْبِك المدامة صِرْفاً ... وتماديك في الصبا والمُجُون
فنقلها جَذِيمة إليه، وحَضَنها في قصره، فاشتملت على حمل، وولدت غلاماً فسمته عمراً، ووشحته، حتى إذا ترعرع حَلَّته وعطرته وألبسته كسوة فاخرة، ثم أزارته خاله، وألقيت عليه منه محبة ومودة حتى إذا خرج الملك في سنة مُكْلئة قد أكمأت، فبسط له في رَوضَة، وخرج عمرو في غلمة يجتنون الكمأة، فكانوا إذا أصابوا كمأة طيبة أكلوها، وإذا أصابها عمرو خَبَأها، ثم أقبلوا يتعادون وعمرو يتقدمهم، ويقول:
هذا جَنَايَ وخياره فيه ... إذ كل جانٍ يده! إلى فيه
قصة نديمي جذيمة
فالتزمه جذيمة وحَبَاه، ثم إن الجن استطارته، فضرب له جذيمة في الافاق زمانا، فلم يسمع له بخبر فكف عنه إذ أقبل رجلان يقال لأحدهما: مالك، وللآخر: عقيل، ابنا فالج، وهما يريدان الملك بهدية، فنزلا على ماء، ومعهما قَيْنة يقال لها أم عمرو، فنصبت لهما قدراً، وأصلحت لهما طعاماً، فبينما هما يأكلان إذ أقبل رجل أشعث أغبر الرأس قد طالت أظفاره وساءت حاله، حتى جلس مَزْجَرَ الكلب، ومدَّ يده، فناولته القينة طعاماً، فأكل، فلم يغن عنه شيئَاَ، فمدَ يده، فقالت القينة: إن تعط العبد كُرَاعاً طلب ذراعاً، فأرسلتها مثلاً، ثم ناولت صاحبيها من شرابها، وأوكت زِقَّها، فقال عمرو بن عدى!:
علَت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأْسُ مجراها اليمينا
وما شَرُّ الثلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذي لاتصبحينا
(1/205)

فقال له الرجلان: من أنت؟ فقال: إن تنكراني فلن تنكرا حسبي، أنا عمرو بن عدي؛ فقاما إليه فلثماه، وغسلا رأسه، وقلما أظفاره، وقصَّرا من لمتّه، وألبساه من طرائف ثيابهما، وقالا: ما كنا لنهدي إلى الملك هدية هي أنفس عنده ولا هو عليها أحرص من ابن أخته، قدرده اللّه إليه، فخرجا به، حتى إذا وقفا على باب الملك بشَراه به فسر به وصرفه إلى أمه ، وقال لهما: حُكْمَكما، فقالا: حكمنا منادمتك ما بقيت وبقينا، قال: ذلك لكما، فهما نَدْمَانا جَذيمة المعروفان، وإياهما عني متمم بن نويرة اليربوعي في مرثيته لأخيه مالك حين قتله خالد بن الوليد بن المغيرة يوم البطاح:
وكنا كندماني جذيمة حقبةً ... من الدهر حتى قيل: لن يتصدَّعَا
فلما تفرقنا كأني ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
وقال أبو خراش الهذلي:
ألم تعلمي أن قد تَفرَّقَ قبلنا ... خليلا ًصفاء مالك وعقيل
وإنّ أم عمرو عمدت إليه، فبعثت معه حَفدَة يقومون عليه في الحمام، حتى إذا خرج ألبسته من طرائف ثياب الملوك، وجعلت في عنقه طوقاَ من ذهب لنذر كان عليها، ثم أمرته بزيارة خالة، فالما رأى خاله لحيته والطوق في عنقه قال: شَبّ عمرو عن الطوق، وأقام عمرو مع جذيمة خاله قد حمل عنه عامة أمره.
بين الزباء وجذيمة
وإن الزباء ابنة عمرو بن ظرب بن حسان بن أذينة بن السميدع بن هوبر ملكة الشام والجزيرة من أهل بيت عاملة من العماليق كانوا في سليح، وقال بعضهم: بل كانت رومية، وكانت تتكلم بالعربية، مدائنها على شاطىء الفرات من الجانب الشرقي والغربي، وهي اليوم خراب، وكانت - فيما ذكر - قد سقفت الفرات وجعلت من فوقه أبنية رومية وجعلته أنقابا بين مدائنها، وكانت تغزو بالجنود قبائل فخطبها جذيمة الأبرش، فكتبت إليه: إني فاعلة، ومثلك من يُرْغَبُ فيه، فإذا شئت فاشْخَصْ إلي، وكانت بكرا، فجمع عند ذلك جذيمة أصحابه، فاستشارهم، فأشاروا عليه بالمضيِّ، وخاللهم قصير بن سعد تابع كان له من لَخْم، فأمره أن لا يفعل، ويكتب إليها، فإن كانت صادقة أقبلت إليك، وإلا لم تقع في حِبَالها، فعصاه وأطاعهم وسار حتى إذا كان ببقّة - من دون هَيْتَ إلى الأنبار - جمعهم وشاورهم فأمروه بالشخوص إليها لما علموا من رأيه في ذلك، وقال القصير: تنصرف ودمُكَ في وجهك،، فقال جذيمة ببَقةَ قضي الأمر، فأرسلها مثلا، وقال قصير بن سعد حين رآه قد عزم، لا يطاع لقصير أمر، فأرسلها مثلاً، وظعن جذيمة، حتى إذا عاين مدينتها - وهي بمكان دون الخانوقة - ونظر إلى الكتائب من دونها، فهاله ما رأى، فقال: أي قصير، ما الرأي؟ فقال قصير: إني تركت الرأي ببقة، فقال عند ذلك: أشِرْ علي، فقال: إن لقيتك الكتائب فحيتك بتحية الملك وانصرفوا أمامك فالمرأة صادقة، وإن هم أخذوا بجنبيك ووقفوا دونك فالقوم منعطفون عليك فيما بينهم وبين جنوهم، فاركب العَصا فإنها لا تحرك ولا تسبق، يعني فرساً كانت جنبت معه، فط ستقبله القوم وأحاطوا به، فلم يري العصا، فعدد إليها قصير فركبها وحمل وانطلق، فالتفت جذيمة فإذا هو بالعصا عليها قصير أمام خيلهم حتى توارت به، فقال جذيمة: ما ضل مَنْ تجري به العصا، فأدخل على الزباء فاستقبلته وقد كشفت عن كَبَعْثَاتِهَا أي عفلها وتنظفت باستها، وقالت: يا جذيمة، أيّ متاع عروس ترى؟ قال: أرى مَتَاع امَةٍ غير ذات خَفَرٍ، فقالت: أما واللهّ ما ذاك من عدم مَوَاس، ولا قلة أواس، ولكن شيمة ما أناس، ثم أجلسته على نطَع، ودعت له بطست من عسجد، فقطعت رَوَاهِشه واستنزفته، حتى إذا ضعفت قواه ضرب بيده فقطرت قطرة من دمه على دعامة من زخام، وقد قيل لها: إنه إن وقع من دمه قطرة في غير طَسْت طلب بدمه، فقالت: أي جذيمة؛لا تضيعن من دمك شيئاً، فإني إنما بعثت إليك لأنه بلغني أن لدمك شفاء من الخبل، فقال جذيمة: وما يُحْزنكِ من دم أضاعه أهْلُه إ؛ وفي ذلك يقول البعيث:
من الدأرميين الذين دماؤهم ... شفاء من الداء المجنة والخبل
(1/206)

واستصفت دمه، وجعلته في برنية، وقال بعضهم: دخل عليها جذيمة في قصر لها ليس فيه إلا الجواري، وهي على سريرها، فقالت للإماء: خُذْنَ بيد سيدكن، ثم دعت بنطع فأجلسته عليه فعرف الشر وكشفت عن عورتها فإذا هي قد عقدت شعر استها من وراء؛فقالت: أشَوَارَ عروس ترى؟ فقال: بل شوار أمه بظراء، فقالت: أما والله ما ذاك من عدم مَوَاس، ولا قلة أواس، ولكنها شيمة ما أناس، ثم أمرت بِرَوَاهشة فقطعت، فجعل دمه يشخب في النِّطع كراهة أن يفسد مقعدها، فقال جذيمة: لا يحزنك دَمٌ أراقه أهله.
عمرو بن عدي يأخذ بثأر خاله
ونجا قصير، فأورد الخبر على عمرو بن عبد الجن التنوخي بالحيرة، فأشفق لذلك، فقال له قصير: اطلب بثأر ابن عمك، وإلا سبَّتْك العرب، فلم يحفِل بذلك، فخرج قصير إلى عمرو بن عدي، فقال له: هل لك في أن أصرف الجنود إليك على أن تطلب ثأر خالك؟. فضمن له ذلك، فصرف وجوه الجنود إليه، ومناهم بالمال والحال، فانصرف إليه منهم بَشَرٌ كثير، فالتقى هو والتنوخي، فلما خافوا الفناء تابعه التنوخي، وتم الأمر لعمرو بن عدى، فقال له قصير: انظر ما وعدتني به في الزباء، فقال عمرو: وكيف لنا بها وهي أمنع من عُقَاب الجو؟؛ فقال: أما إذ أبيت فإني جادع أنفي وأذني ومحتال لقتلها جهدي، فأعِني وَخَلاك ذم، فقال له عمرو: أنت أبصر، وعلئَ مَعُونتك، فجدَعَ أنفه، فقيل: لأمر ما جدع قصير أنفه، ثم انطلق حتى دخل على الزباء، فقالت: من أنت؟ فقال: أنا قصير، لا ورب المشارق ما كَان على وجه الأرض بَشَر كان أنصح لجذيمة ولا أغش لك مني، حتى جدع عمرو بن عدي أنفي وأذني، فعرفْتُ أني لا أكون مع أحد هو أثقل عليه مني معك، فقالت: أي قصير، نقبل منزلتك ونصرفك في بضائعنا، فأعطته مالا للتجارة، فأتى بيت مال الحيرة، فاستخفَّ ما فيه بأمر عمرو بن عدي، وانصرف به إليها، فلما رأت ما جاءها به فرحت بذلك، وزادته ما لا إلى ما جاء به، وقال: إنه ليس من ملك إلا وهم يتخنون في مدائنهم أنقابا تكون لهم عدداً، فقالت له: أما إني قد فعلت ذلك، قد نقبت سَرَباً وبنيته من تحت سريري هذا حتى أخرج من تحت الفرات إلى سرير أختي رحيلة ففرح بذلك قصير، ثم ظعن حتى أتى عمراً، فركب عمرو في الذي رجل على ألف بعير في الصناديق، حتى صار إليها، فتقدم قصير وسبق الأبْعِرَةَ، فقال لها: اصعدي حائط مدينتك. وانظري إلى مالك، وتقدمي إلى بوابك فلا يتعرض لشيء من أموالنا، فإني قد جئت بمال صامت. وكانت قد أمنته، فلم تكن تخافه وصعدت وفعلت ما أمرها، فلمال نظرت إلى ثقل مشي الجمال قالت:
ما للجمال مشيها وئيدا ... أجَنْدَلا يحملن أم حديدا
أم صَرَفَانأ بارداً شديدا ... ام الرجالَ جُثَّماَ قعودا
ودخلت الإِبل المدينة، حتى إذا بقي آخرها جملاً عِيلَ صَبْر البواب، فطعن بمنخسة كانت في يدىِ خاصرة رجل فضرط، فقال البواب: بشتابشتا، وهي بالنبطية أي: في الجوالق شر، وثار الرجال من الجوالق ضرباً بأسيافهم، فخرجت الزباء هاربة إلى سَرَبها، فأبصرت قصيراً عند نفقها مُصْلتاً سيفه، فانصرفت راجعة، وتَلَقَاها عمرو بن عدي، فضربها وقال بعضهم: مصت خاتمها، وكان فيه سم ساعة، !وقالت: بيدي لا بيد عمرو، وخربت المدينة، وسبيت الفراري، فقالت الشعراء في أمرها وأمر قصير فأكثرت ؛ فمن ذلك قول المتلمس:
ومن طَلَب الأوْتَار ماحزَ أنفه ... قصير، ورام الموت بالسيف بَيْهَس
نَعَامَةً لما صَرَّع القوم رهطه ... تبين في أثوابه كيف يلبس
ومن ذلك قول عدي بن زيد التميمي يصف ذلك من أمرهم:
ألا يأيها الملك المرجَّىِ ... ألم تسمع بخطب الأولينا
دعا بالبقَة الأمراء يوماَ ... جذيمةُ عام ينجوهم ثُبِبنَا
وطاوع أمرهم، وعصا قصيراًوكان يقول لو وقع اليقينا
لخطبته التي غدرت وخانت ... وهُنً فوات غائلة، لُحِينَا
مع أشعار كثيرة قيلت في ذلك.
وكانت الزباء لا تأتي حصناً إلا ضفرت شعر استها من خلفه، ثم تقاعست فتقلعه، حتى فعلت ذلك بمارد - حصن دُومِة الجندل - وبالأبلق - حصن تيماء - حصنين منيعين، فقالت: تمرد مارد وعز الأبلق فذهب مثلا، وهما الحصنان اللذان تذكرهما العرب في أشعارها كثيراً، قال الأعشى في ذلك:
(1/207)

بالأبلق الفرد من تيماء منزلُه ... حصنٌ حَصِين وجار غير غَدًار
ِوجذيمة الوضاح الذي يقول فيه:
ماست مودعة الحديث فمنجِدٌ منهمْ وغائما
أن تاه إحدى ُذو رعين لنا وأحوى ذو أباعر
والملك كان لذي نَوَا ... س حوله من ذي بحائر
بالسابغات وبالْقَنَا ... والبيض تبرق والمغافر
أزمان عملاق وفيهم منهمُ بادٍ وحاضر
وإنما سمي جذيمة الأبرش الوضاح لأنه كان به بَرَصٌ، فكنى عنه إعظاماً له قال المسعودي: هذا بدء خبر بني عدي، وقد قدمنا أن مدة ملكه كانت مائة سنة.
بقية ملوك الحيرة
وملك بعده ولده امرؤالقيس بن عمروبن عدي ستين سنة.
وملك بعده عمر وبن أمرىء القيس، وهو محرق العرب خمساً وعشرين سنة، وكانت أمه مارية البرية أخت ثعلبة بن عمرو من ملوك غسان.
وملك النعمان بن أمرىء القيس قاتل الفرس خمساً وستين سنة، وكانت أمه الهيجمانة بنت سلول من مراد، ويُقال: من إياد.
وملك المنزر بن النعمان ابن أمرىء القيس خمسأ وعشرين سنة، وكانت أمه الفراسية بنت مالك بن المنزر، من آل نصر.
وملك النعمان بن المنزر فارس حليمة، وهو الذي بنى الخَوَرْنَقَ وكَرْعَسَ الكراديس خمساً وثلاثين سنة، وكانت أمه هند بنت زيد مَنَاةَ من ال غسان.
وملك الأسود بن النعمان؛ عشرين سنة، وكانت أمه هند بنت الهيجمانة، من آلى نصر.
وملك المنزر بن الأسود بن النعمان بن المنزر أربعاً وثلاثين سنة، وكانت أمه ماء السماء بنت عوف بن النمر بن قاسط بن هيت بن أفصى بن دعمى بن جَدِيلة بن أسد بن ربيعه بن نزار، وإنما سميت ماء السماء لحسنها وجمالها.
ثم ملك بعده عمرو بن المنزر، أربعاً وعشرين سنة، وكانت أمه حليمة بنت الحارث من آل معد يكرب.
وملك المنزر بن عمرو بن المنزر، ستين سنة، وكانت أمه أخت عمرو بن قابوس من آل نصر.
ثم ملك قابوس بن المنزر ثلاثين سنة، وكانت أمه هند بنت الحارث، من آل معاوية بن معد يكرب.
وملك النعمان بن المنزر، وهو الذي يقال له: أبيت اللعين! اثنتين وعشرين سنة، وكانت أمه سلمى بنت وائل بن عطية من كلب.
بين النابغة والنعمان
وذكر عدة من الأخباريين أن النابغة استأذن على النعمان يوماً، فقال له الحاجب: إن الملك على شَرَابه، قال النابغة: فهو وقت المَلَقِ، تقبله الأفئدة، وهو جَذِل للرحيق والسماع، فإن تلج تلق المجد عن غرر مواهبه، فأنت قسيم ما أفدت، قال له الحاجب: ما تفي عنايتي بدون شكرك، فكيف أرغب فيما وصفت وعون ما طلبت رهبة التعدي؟. فهل من سبب؟ قال النابغة: ومن عندي؟ قال الحاجب: خالد بن جعفر الكلابي نديمُهُ، فقال النابغة: هل لك إلى أن تؤدي إلى خالد عني ما أقول لك؟؛ قال: وما هو؟ قال: تقول إن من قدرك وفاء الدرك بك وناحيتي من الشكر ما قد علمت، فلما صار خالد إلى بعض ما تبعثه موارد الشراب عليه نهض، فاعترضه الحاجب، فقال: ليهنك أبا البَسّام حادث النعيم، قال: وما ذاك؟ فأخبره الخبر، وكان خالد رفيقاً، يأتي الأشياء بلطف وحسن بصيرة، فدخل مبتسماً، وهو يقول:
إلا لمثلك أو من أنت سابقه ... سَبْق الجواد إذا استولى على الأمد
واللات لكأني أنظر إلى أملاك ذي رُعَيْنِ، وقد مدت لهم قضبان المجد إلى معالم أحسابكم، ومناقب أنسابكَم، في حَلْبة أنت - أبيت اللعن! - غُرَّتها فجئت سابقا متمهلأ، وجاءوا لم يلم لهم سعي، قال النعمان: لأنت في وصفك أبلغ إحساناً من النابغة في نظام قافيته، فقال خالد: ما أبلغ فيك حسنأ إلا وهو دون قدرك استحقاقاً للشرف الباهر، ولو كان النابغة حاضرأ لقال وقلنا، فأمر النعمان بإدخاله، فخرج إليه الحاجب، فقال النابغة: ما وراءك فقال: قد أذنت بفتح الباب، رفع الحجاب، ادخل، فدخل ثم انتصب بين يديه، وحياه بتحية الملك، وقال: أبيت اللعن! أتفاخَرُ وأنت سائس العرب، وغرة الحسب، واللاتِ لأمسُك أيْمنُ من يومه، ولَقَفَاكَ أحسن من وجهه، ولَيَسَارك أسمع من يمينه، ولَوَ عدُك أصلح من رِفدِه، ولعبيدك أكثر من قومه، ولأسْمُك أشهر من قدره، ولنفسك أكبر من جده، وليومك أشرف من دهره، ثم قال:
أخلاق مجدك جلت ما لها خطر ... في الجود والبأس بين العلم والخبر
(1/208)

مُتَؤج بالمعالي فوقَ مَفْرِقِهِ ... وفي الوَغَى ضَيْغئم في صورة القمر
فتهلل وجه النعمان بالسرور، ثم أمر فحشي فُوهُ جوهراً، ثم قال: بمثل هذا فلتمدح الملوٍك.
بين النعمان وزيد بن عدي وكسرى
وقد كان النعمان قَتَلَ عدي بن زيد العباعي، وكان يكتب لكسري أبرويز بالعربية، ويترجم له إذا وفد عليه زعماء العرب؛لموجدة وجدها عليه النعمان، في خبر طويل الشرح، فلما قتل صار زيد بن عدي ابُنه مكان أبيه، فذكر لأبرويز جمال نساء آل المنزر، ووصفَهن له، فكتب إلى النعمان يأمره أن يبعث إليه بأخته، فلما قرأ النعمان كتابه، قال للرسول - وهو زيد بن عدي - : يا زيد، أما لكسرى فيمَهَا السواد كفاية حتى يتخطى إلى العربيات؟ فقال زيد: إنما أراد الملك إكرامك - أبيت اللعن! - بصهرك، ولو علم أن ذلك يشق عليك لما فعله، وسأحسن ذلك عنده، وأعذرك بما يقبله، فقال له النعمان: فافعل، فقد تعرف ما على العرب في تزويج العجم من الغضاضة والشناعة، فلما انصرف إلى كسرى أخبره أنه رغب عنه فأدى إليه قوله في مَهَا السواد على أقبح الوجوه، وَأوْجدَهُ عليه، وقال: المها؟ فقال: البقر، فأخذ عليه وقال: رب عبد قد صار في الطغيان إلى أكثر من هذا، فلما بلغت كلمته إلى النعمان تخوفه، فخرج هارباً حتى صار إلى طيىء، لصهر كان له فيهم، ثم خرج من عنهم حتى أتى بني رَوَاحَة بن ربيعه بن مازن بن الحارث بن قطيعة بن عبس، فقالوا له: أقم معنا فأنا مانعوك مما نمنع منه أنفسنا، فجزَاهم الخير، ورحل عنهم يريد كسرى ليرى فيه رأيه، وذلك قول زهير بن أبي سُلْمى:
ألم ترَ للنعمان كَانَ بِنَجْوَة ... من الدهر لو أن امرأً كَانَ نَاجِيَا
فغير عنه ملك عشرين حجة ... من الدهر يَومٍ واحد كان غَاوِيَا
فلم أرمسلوباً له مثل ملكه ... أقَل صديقا معطياً أو مُوَاسِيَا
خَلاَ أن حياً من رَوَاحَة حافظوا ... وكانوا أنَاساً يَتَقُونَ المَخَازِيا
يسيرون حتى جَيّشوا عند ثَارِهِ ... هِجَانَ المطايا و العتاق المَذَاكِيَا
فَجَازَاهُمُ خيرأ وأثنى عليهِمُ ... وودَّعهم توديع أنْ لاَ تَلاقِيا
وأقبل النعمان حتى أتى المدائن، فَصًص له كسرى ثمانية آلاف جارية عليهن المصبغات صفين، فلما صار النعمان بينهن قلن له: أما فينا للمك غِنًى عن بقر السواد ا؛ فعلم النعمان أنه غير ناج منه، ولقيه زيد بن عدي، فقال له النعمان: أنت فعلت هذا بي، لئن تخلصت لأسقينك بكأس أبيك، فقال له زيد: امض نُعَيْمُ، فقد أخيْتُ لك أخِيَّةً لا يقطعا المهر الأرِنُ، وأمر كسرى بالنعمان، فحبس بساباط المدائن، ثم أمر به فرمي تحت أرْجُل الفِيَلَةِ، وقال بعضهم: بل مات في محبسه بساباط، وقد ذكرت ذلك الشعراء فأكثرت؛ فمن ذلك قول الأعشى وأجاد:
ولا الملك النعمان يَوْمَ لقيته ... بغبطته يعطي الصكاك ويرفق
ويجبى إليه المسلمون، وعنده ... صريعون في أنهارها وَالْخَوَرْنَق
ويقسم أمر الناس يَوْمأ وليلة ... وهم ساكتون والمَنِيَّة تنطق
فذاك، وما أنجى من الموت ربه ... بساباط حتى مات وهو محزرق
وقال هانىء بن مسعود الشيباني:
إن ذا التاج، لا أباً لك، أضحى ... في الورى رأسه تخوت الفيول
إن كسرى عَدَا على الملك النعمان حتى سقاه من البليل
ومما رثى به النعمان:
لم تبكه هند ولا أختها ... خرقاء، واستعجم ناعيه
بين فيول الهند تخبطْنَهُ ... مختبطاً تَدْمى نواحيه
وقد كان النعمان حين أراد المضي إلى كسرى مستسلماً مر على بني شيبان فأودعهم سلاحه وعياله عند هانى بن مسعود بن هانى السيباني، فلما أتى كسرى على النعمان بعث إلى هانى بن مسعود، وطالبه بتركته، فامتنع، وأبى أن يخفر الذمة، فكان ذلك السبب الذي أهاج حرب في قار، وقد أتينا على ذلك في الكتاب الأوسط فأغنى عن إعادته هنا.
بنت ألنعمان عند سعد بن أبي وقاص
(1/209)

وقد كانت حرقة بنت النعمان بن المنزر إذا خرجت إلى بِيعَتِهَا يفرش لها طريقها بالحرير والديباج، مغشى بالخز والوشي، ثم تقبل في جواريها حتى تصل إلى بيعتها، ويرجع إلى منزلها، فلما هلك النعمان نكبها الزمان، فأنزلها من الرفعة إلى الذلة، ولما وفد سعد بن أبي وَقَاصٍ القادسية أميراً عليها لما هزم اللّه الفرس وقتل رُسْتُم، فأتت حرقة بنت النعمان في حفدة من قومها وجواريها وهن في زيها عليهن المسوح والمقطعات السود، مترهبات تطلب صلته، فلما وقفن بين يديه أنكرهن سعد، فقال: أفيكن حرقة؟. قالت: ها أنا ذِهِ، قال: أنت حرقة؟. قالت: نعم، فما تكرارك في استفهامي؟ ثم قالت: إن الدنيا دار زول. ولا تدوم على حال، تنتقل بأهلها انتقالا، وتُعْقِبهم بعد حال حالاً، كنا ملوك هذا المصر يُجْبَى لنا خراجه، ويطيعنا أهله مدى المدة زمان الدولة، فلما أدبر الأمر وانقضى صاح بنا صائح الدهر، فصدع عصانا وشَتَّت شملنا، وكذلك الدهر يا سعد، إنه ليس يأتي قوماً بمسرة إلا ويعقبهم بحسرة، ثم أنشأت تقول:
فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة ليس نعرف
فأف لدنيا لا يدوم نعيمها ... تقلب تاراتٍ بنا وتصرف
فقال سعد: قاتله الله عدي بن زيد، كأنه ينظر إليها حيث يقول:
إن للدهر صولة فَاحْنَرَنْهَا ... لا تبيتنَ قد أمنت الدهور
قد يبيت الفتى مُعَافىً فيرى ... ولقد كان آمناً مسرورإ
قال: فبينا هي واقفة بين يدي سعد إذ دخل عمرو بن مص يكرب، وكان زَؤَاراً لأبيها في الجاهلية، فلما نظر إليها قال: أنت حرقة؟ قالت: نعم، قال: فما دَهَمَكِ فأذهب محمودات شيمك، وأين تتابع نعمتك وسطوات نقمتك؟ فقالت: يا عمرو، إن للدهر لسطوات وعثرات وعبرات، تعثر بالملوك وأبنائهم، فتخفضهم بعد رفعة، وتفردهم بعد منعة، وتذلهم بعد عزة، إن هذا لأمر كنا ننتظره، فلما حل بنا لم ننكره. قال: فأكرمها سعد، وأحسن جائزتها، قلما أرادت فراقه قالت: حتى أحييك بتحيه ملوكنا بعضهم لبعض، لا نَزَعَ اللّه من عبد صالح نعمة إلا جعلك سبباً لردها عليه! ثم خرجت من عنده فلقيها نساء المدينة، فقلن لها: ما فعل بك الأمير؟ قالت: حاط لي ذمتي، وأكرم وجهي، إنما يكرم الكريمَ الكريمُ.
وسنذكر خبر هند بنت النعمان مع المغيرة بن شعبة أيام إمرته على الكوفة، فيما يرد من هذا الكتاب، عند ذكرنا لأخبار معاوية بن أبي سفيان.
قال أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي: فهؤلاء ملوك الحيرة إلى أن ظهر الإِسلام، فأظهره الله، وأذل الكافرين، فجميع من سَمَّيْنا من هؤلاء الملوك من ولد عمرو بن عدي بن أخت جذيمة الأبرش، على حسب ما قدمنا آنفاً في صدر هذا الباب، ثم جاء الإسلام وملكُ الفرس وكسرى أبرويز بن هرمز، فمّلكَ على العرب بالحيرة إياسَ بن قَبيصة الطائي، فكان ملكه تسع سنين، ولثمانية أشهر، مَضَتْ من ملك إياس، كان مبعث رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم، ثم ملك الحيرة جماعة من الفرس، وقد كان قبل عمرو بن عدي ملوك على الحيرة على حسب ما ذكرنا، وكان عدة الملوك بالحيرة ثلاثة وعشرين ملكاً من بني نصر وغيرهم من العرب والفرس؛وكان عدة ملكهم ستمائة سنة واثنتين وعشرين سنة وثمانية أشهر، وقد قيل: إن عُمْرَان الحيرة وبدوه إلى أن خرجت في وقت بناء الكوفة، كان خمسمائة سنة وبضعاً وثلاثين سنة.
خراب الحيرة
قال المسعودي: ولم يزل عُمْرانها يتناقص من الوقت الذي ذكرنا إلى صدر من أيام المعتضد، فإنه استولى عليها الخراب، وقد كان جماعة من خلفاء بني العباس - كالسفاح، والمنصور، والرشيد، وغيرهم - ينزلونها يَصِلُون المقام بها لطيب هوائها، وصفاء جوهرها، وصحة تربتها، وصلابتها، وقرب الخورنق، والنجف منها، وقد كان فيها ديارات كثيرة فيها رهبان، فلحقوا بغيرها من البلاد، لتداعي الخراب إليها، وأقفرت من كل أنيس في هذا الوقت ليس بها إلى الصدَى والبُوم، وعند كثير من أهل الدراية التامة بما يحدث في المستقبل من الزمان: أن سَعدها سيعود بالعمران، وأن هذا النحس عنها سيزول؛ وكذلك الكوفة.
(1/210)

قال المسعودي: ولمن سمّينا من ملوك الحيرة أخبار وسير وحروب قد أتينا على ذكرها وَالغُرَورِ من مبسوطها في كتابنا أخبار الزمان، وفيما بعد من هذا الكتاب فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الباب.
ذكر ملؤك الشام من اليمن من غسان وغيرهم من الملوك
أول ملوك الشام
كان أول من ملك الشام من اليمن فالغ بن يغور.
ثم ملك بعده يوتاب، وهو أيوب بن رزاح، وقد ذكر الله عز وجّل في كتابه ما كان من خبره على لسان نبيه، وما اقتص من أمره، ثم غلبت الروم على ديارها، فتفرقوا في البلاد، وكانت قُضَاعة بن مالك بن حمير أول مي نزل الشام، وانضافوا إلى ملوك الروم، فملكوهم بعد أن دخلوا في النصراينة على من حوى الشام من العرب.
تنوخ ونسبها
وكان أول من ملك من تَنُوخَ النعمان بن عمرو بن مالك، ثم ملك بعده عمرو بن النعمان بن عمرو، ثمِ ملك بعده الحواري بن النعمان، ولم يملك من تَنُوخَ إلا من ذكرنا، وهو تنوخُ بن مالك بن فَهْم بن تَيْم اللات بن الأزد بن وَبْرة بن ثعلبة بن حلوان بن عمران بن إلحاف بن قضاعة بن مالك بن حمير.
وقد تنوزع في قضاعة: أمن معد كان أم من قحطان؟ فقضاعة تأبى أن تكون من معد، وتزعم أنها من قَحْطَان، على ما ذكرنا.
وقد قيل في نسب قضاعة واتصالها بحمير غير ما ذكرنا من النسب.
سليح ونسبها
ثم وردت سليح الشام فغلبت على تَنُوخَ، وتنصرت فملَكتها الروم على العرب الذين بالشام، وهم ولد سليح بن حلوان بن عمران بن إلحاف بن قضاعة، فاستقام ملك سليح بالشام، وتفرقت قبائل العرب لما كان بمارب وقصة عمرو بن عامر مزيقياء؛فسارت غسان إلى الشام وهم من ولد مازن، وذلك أن الأزد بن الغَوْث بن نَبْت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ولد مازن، وإليه ترجع جميع قبائل غسان، وإنما غسان ماء شربوا منه فسموا بذلك وهو ما بين زبيد ورمع، وادي الأشعريين بأرض اليمن وفي ذلك يقول حسان بن ثابت الأنصاري:
إمَا سألتِ فإنَا معشر نُجُب ... الأزد نسبَتُنَا، وَالمَاءُ غسان
وسنذكر بعد هذا الموضع خبر عمرو بن عامر مزيقياء، وخبر سيل العَرِم، وتفرقهم في البلاد، وخبر الماء المعروف بغَسَّان، وقد ذكر أن عمرو بن عامر حين خرج من مأرب لم يزل مقيماً على هذا الماء إلى أن أدركه الموت، وكان عمره ثمانمائة سنة: أربعمائة سوقةً، وأربعمائة ملكاً.
ملوك غسان على الشام
وغلبت غسان على من بالشام من العرب، فملكها الرومُ على العرب، فكان أول من ملك من ملوك غسان بالشام: الحارث بن عمرو بن عامر بن حارثة بن أمرىء القيس بن ثعلبة بن مازن، وهو غسان بن الأزد بن الغوث.
ثم ملك بعده الحارث بن ثعلبة بن جَفْنَة بن عمرو بن عامر بن حارثة و أمه مارية ذات القرْطَين بنت أرقم بن ثعلبة بن جَفْنَة بن عمرو، وذكر أنها مارية بنت ظالم بن وهب بن الحارث بن معاوية بن ثور وهو كندة، وهي التي ذكرتها الشعراء في أشعارها، وتنسب جماعة من ملوك غسان إليها.
وملك بعده النعمان بن الحارث بن جَبَلَة بن الحارث بن ثعلبة بن جَفْنَة بن عمرو.
ثم ملك بعده المنزر أبو شمر بن الحارث بن جَبَلَة بن ثعلبة بن جَفْنَة بن عمرو.
ثم ملك بعده عوف بن أبي شمر.
ثم ملك بعده الحارث بن أبي شمر فكان ملكه حين بعِثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حسان والحارث الغساني
وذكر عدة من الإخباريين أن حسان بن ثابت الأنصاري زار الحارث بن، أبي شمر الغساني بالشام - وكان النعمان بن المنزر اللخمي ملك الحيرة يُسَاميه - فقال له وهو عنده: يابن الْفُرَيْعة، لقد نبئت أنك تفضل النعمان عليَ، فقال: وكيف أفضله عليك!! فواللّه لقفاك أحْسَنُ من وجهه، ولامك أشرف من أبيه، ولأبوك أشرف من جميع قومه، ولَشِمَالُكَ أجود من يمينه، ولحرمانك أنفع من نَدَاه، ولقليلك أكثر من كثيره، ولثمادك أمْرَع من غديره، ولكرسيك أرفع من سريره، ولَجَدَاوِلُكَ أغور من بحره، وليومك أطول من شهره، ولشهدك أمدة من حوله، ولحولُكَ خير من حِقَبِه،ولزندك أورى من زنده، ولجندك أعز من جنده، وإنك من غسان وإنه من لَخم، فكيف أفضله عليك أو أعدله بك فقال: يابن الفُرَيْعة، هذا لا يسمع إلا في شعر، فقال:
ونبئت أن أبا منذر ... يساميك للحارث الأصغر
(1/211)

قفاؤك أحسن من وجهه ... وامك خير من المنزر
وَيُسْرَى يديك على عُسْرِهَا ... كيمنى يديه على المعسر
جبلة بن الأيهم
ثم ملك بعده جَبَلَة بن الأيهم بن جَبَلَة بن الحارث بن ثعلبة بن جَفْنَة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن أمرىء القيس بن ثعلبة بن مازن، وهو غسان بن الأزد بن الغوث، وهو الملك الذي امتدحه حسان بن ثابت الأنصاري، حيث يقول في شعر طويل:
أشْهِرَنْهَا فإنَ ملكك بالشا ... م إلى الروم فخر كل يماني
وفيه يقول أيضاً:
لمن الدار أقفرت بمعان ... بين أعلى اليرموك وَالصَّمَّان
من قريات من ثلاثين عدت ... ناسكاً منه بالقصور الدواني
قد دَنَا الفِصْحُ والولائد ينظمنَّ سراعاً ألكلَة المرجان
ذاك مغنى لآل جَفْنَة في الد ... ر، وحقاً تصرف الأزمان
صَلَواتُ المسيح في ذلك الدب ... ر دعاء القسيس والرهبان
وهذه مواضع وقرى من غوطَة دمشق وأعمالها بين الجولان واليرموك.
منازل غسان
وكانت ديار ملوك غسان باليرموك والجولان وغيرهما، من غُوطَة دمشق وعمالها، ومنهم من نزل الأردن من أرض الشام.
وَجَبَلَة بن الأيهم هوالذي أسلم وارتد عن دينه خاف إلعار وَالقَوَدِ من اللَّطْمَة، وخبره واضحِ مشهور، قد أتينا على ذكره فيما سلف من كتبنا، وسائر أخبار ملوك تنوخ وسليح وغسان وغيرهم ممن ملك الشام، ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم الحارث بن أبي شمر الغساني إلى الإسلام وترغيبه في الإيمان، وقد أتينا على خبره وما كان من أمر أسل أمه وأخباره مع النبي صلى الله عليه وسلم في كِتابنا أخبار الزمان، وفي أبيه يقول النابغة:
هذا غُلام حسن وَجْهُهُ ... مستقبل الخير سريع التَّمَام
للحارث الأكبر والحارث الأصغر، والحارث خير الأنام
ثم لهند ولهند، وقد ... أسرع في الخيرات منه أمام
وخمسة آباؤهم ما هم ... أكرم مَنْ يشرب صَوْبَ الغمام
فجميع من ملك من ملوك غسان بالشام أحد عشر ملك، وقد كان بالشام ملوك ببلاد مأرب من أرض البلقاء من بلاد دمشق، وكعذلك مدائن قوم لوط من أرض الأردن وبلاد فلسطين، وكانت خمس مدن، وكانت دار المملكة منها، والمدينة العظمى مدينة سَدُوم، وكانت سمة كل ملك يملكها بارعاً، وكذلك ذكر في التوراة، وذكرت أسماء هذه المدن، أعرضنا عنه؛إذ كان فيه خروج عن شرط الاختصار.
وقد كان لكندة وغيرها من العرب من قحطان وَمَعَدٍّ ملوك كثيرة لم نتعرض لذكرها؛ إذ كان لا أسماء لهم تعمهم وتشهرهم، كقولنا الخليفة وقيصر وكسرى والنجاشي، ولئلا يطول الكتاب بذكرهم.
وقد أتينا على سائر ملوك العرب من معد وقحطان وغيرهم ممن وسم بالملك في بعض الممالك في سائر الأمم الخالية، والممالك الباقية، من البيضان والسودان، ممن أمكن ذكره وتأتّى لنا الإِخبار عنه، وإنما ذكرنا في هذا الكتاب من الملوك من اشتهر ملكه، وعرفت مملكته ميلاً إلى الاختصار، وطلباً للإِيجاز، وتنبيهاً على ما سلف من أخبارهم. في كتبنا المتقدم ذكرها من تصنيفنا، واللّه الموفق.
ذكر البوادي من العرب وغيرها من الأمم
وعلة سكناها الْبدو وجمل من أخبار العرب وغير ذلك مما اتصل بهذا المعنى
قد تقدم ذكرنا لولد قَحْطَان، وأن مَنْ عداهم من العرب العاربة دَثَرَت من عاد وطسم وجديس وعملاق وجرهم وثمود وعبيل ووبار، وسائر من سمينا، وأن مَنْ بقي ممن ذكرنا دخلوا في العرب الباقية إلى هذا الوقت، وهم قحطان، ومعد، ولا نعلم أن قبيلاً بقي يِشار إليه في الأرض من العرب الأولى غير معد وقحطان، وذكرنا مَنْ طاف البلاد من ملوكهم، مثل التبابعة والذواء، ومن شَيَّد البنيان في الشرق والغرب، ومصَّرَ الأمصار، وبنى المدن الكبار، كإفريقس بن أبرهة، وما بنى بالمغرب من المدن كمدينة إفريقية وصقلية، وما كَوَّر من الكُورَ هنالك، وما اتخذ من العمائر، وكمسير شمر إلى أرض المشرق، وبنيانه سمرقند، ومن خلف هنالك من حمير بها، وببلاد التبت والصين، وقد ذكر ذلك جماعة من شعرائهم ممن سلف وخلف.
بين دعبل والكميت
(1/212)

وقد أفتخر دِعْبِل بن علي الخزاعي في قصيدته التي يردُ فيها على الكُمَيْت، وفخر دِعْبِل بمن سلف من ملوكهم ومسيرهم في الأرض، وأن لهم من الفضل ما ليس لمعد بن عدنان، فقال في شعره:
هُمُو كتبوا الكتاب بباب مَر ... وباب الصين كانوا الكاتبينا
وهم جمعوا الجموع بسمرقند ... وهم غرسوا هناك التبتينا
وقد كان لليمن ملوك لا يدعون بالتبابعة، ممن تقدم وتأخَّر منهم، حتىِ ينقاد إلى مكة أهل الشِّحْر وحضرموت، فحينئذ يستحق أن يسمى تبعاَ، ومن تخلف عن ملكه من ذكرنا سمي ملكاً، ولم يطلق عليه اسم تبع، وقد قال اللّه عز وجل في قصة قريش وتفاخرها بقوتها وعددها: " أهم خير أم قوم تبع " الآية حين دخل الحرمَ فبعث الله عليه الظلة، وإنما سمي تبعاً بمن تبعه، وكذلك حكي عن عبد اللّه بن العباس.
بين تبع وقباد ملك الطوائف
وقد كان تبع أبو كرب سار في الأرض، ووطىء الممالك وذللها، ووطىء أرض العراق في مُلك الطوائف، وعديد الطوائف حينئذ جوذر بن سابور، فلقي أبوكرب ملكاً من الطوائف يقال له قناد، وليس بقباد بن فيروز من الساسانية، فانهزم قباد، وأتى تبع أبو كرب على ملكه، وملك العراق والشام والحجاز وكثيراً من الشرق. وفي ذلك يقول تبع ويذكرما صنع:
وَرَد الملك تبع وبنوه ... ورَثُوهم جدودهم والجدودا
إذجَنَبْنَا جيادنا من ظفار ... ثم سرنا بها مسيراً بعيدا
فاستبحنا بالخيل ملك قباد ... وابن أقلود قائماً مصفودا
فكسونا البيت الذي حرم اللًه مُلاءً مُقَصَّباً وَبُرُودا
وأقمنا به من الشهر عشرا ... وجعلنا لبابه إقليدا
ثم طفنا بالبيت سبعا ًو سبعا ... وسجدنا عند المقام سجودا
وقال أيضاً فيه:
لسْتُ بالتُبع اليمانيئَ إن لم ... تركُض الخيل في سَوَاد العراق
وتؤدِّي ربيعه الخَرْج قَسْرا ... أو تعقني عوائق العواق
وقد كانت لنزار بن معد معه وقائع وحروب كثيرة، واجتمعت عليه معد بن ربيعه ومضر وإياد وأنمار، وتداعت بجدها نزار، وتواهبت ما كان بينها من الدماء والثأر، فكانت لهم عليه؛ ففي ذلك يقول أبوعُوَاد ا لأيادي:
ضَرَبْنَا على تُبَّع جزية ... جياد البرود وخَرْجَ الذهب
وولي أبوكرب هاربا ... وكان جباناً كثيرا لرهب
وأتبعه فَهَوَى للجبين ... وكان العزيز بها مَنْ غلب
وقد ذكرنا في الكتاب الأوسط بدء النسب من إبراهيم عليه الصلاة والسلام وولد إسماعيل وتفرق النسب إلى نزار بن معد وتشعب الناس من نزار بن معد بن عدنان، فلنذكر الآن في هذا الموضع خبر ولد نزار الأربعة مع الأفعى بن الأفعى الجرهمي، ثم نعقب ذلك بما إليه قصدنا في هذا الباب من هذا الكتاب، من علة سكنى البوادي من العرب البدو وغيرهم ممن سكن الجبال والأودية وسائر البراري والقِفَار.
أولاد نزار بن معد وقصتهم مع الأفعى الجرهمي
(1/213)

ذكَرَ عدة من رواة أخبار العرب أن نزار بن معد ولد أربعة أولاد: إيادا، وبه كان يكنى، وأنمارا - وبَجِيلة وخَثعَم من ولده على ما قيل، إذ كان فيما ذكرنا تنازع لأن من الناس من ألحقهم باليمن، ومن الناس من ذكر فيهم ما وصفنا أنهم من ولد أنمار بن نزار - وربيعه، ومُضَر، فلما حضرت نزاراً الوفاة دعا بنيه ودعا بجارية له شَمْطاء، فقال لإِياد: هذه الجارية وما أشبهها من مالي ذلك، ثم أخذ بيد مُضَر فأدخله قبة له حمراء من أدَم، ثم قال: هذه القبة وما أشبهها من مالي ذلك، ثم أخذ بيد ربيعه وَقال له: هذا الفرس الأدْهَمُ والخِبَاء الأسود وما أشبهها من مالي ذلك،. ثم أخذ بيد أنمار وقال له: هذه البَحْرَة والمجلس وما أشبهها من مالي ذلك، فإن أشكلت عليكم هذه القسمة فأتُوا الأفعى بن الأفعى الجرهمي - وكان ملك نَجْران - حتى يقسم بينكم وتراضوا بقسمته، فلم يلبث نزار إلا قليلأ حتى هلك، وأشكلت القسمة على ولده، فركبوا رواحلهم ثم قصدوا نحو الأفعى، حتى إذا كانوا منه على يوم وليلة من أرض نجران، وهم في مَفَازة، إذا هم بأثر بعير فقال إياد، إن هذا البعير الذي تَرَوْنَ أثره أعور، فقال أنمار: وإنه لأبتر، قال ربيعه: وإنه لأزْوَرُ، قال مضر: وإنه لشَرود، فلم يِلبثوا أن رفع إليهم راكب تُوضِعُ به راحلته، فلما غشيهم قال لهم: هل رأيتم من بعير ضال في وجوهكم، قال إياد أكان بعيرك أعور؟ قال: فإنه لأعور، قال أنمار: أكان بعيرك أبتر؟ قال: فإنه لأبتر، قال ربيعه: أكان بعيرك أزور؟ قال: فإنه لأزور، قال مضر: أكان بعيرك شرودا؟، قال: إنه لشرود، ثم قال لهم: فأين بعيري؟ دلوني عليه، قالوا: واللهّ ما أحسسنا لك ببعير ولا رأيناه، قال: - أنتم أصحاب بعيري وما أخطأتَم من نعته شيئاً، قالوا: ما رأينا لك بعيراً، فتبعهم حتى قدموا نجران، فلما أناخوا بباب الأفعى أستأذنوا عليه، فأذن لهم، فدخلوا، وصاح الرجل من وراء الباب: أيها الملك، هؤلاء أخذوا بعيري ثم حلفوا أنهم ما رأوه، فدعا به الأفعى فقال: ما تقول؟ فقال: أيها الملك، هؤلاء ذهبوا ببعيري وهم أصحابه، فقال لهم الأفعى: ما تقولون؟ قالوا: رأينا في سفرنا هذا إليك أثَرَ بعير، فقال إياد: إنه لأعور، قال: وما يمريك أنه أعور؛ قال: رأيته مجتهداً في رَعْي الكلأ من شق قد لحسه والشق الأخر وارافٍ كثير الإلتفاف لم يمسه فقلت: إنه أعور، وقال أنمار: رأيته يرمى ببعره مجتمعاً ولو كان أهلب لَمصَعَ به فعلمت أنه أبتر، وقال ربيعه: رأيت أثر إحدى يديه ثابتاً والأخر فاسداً فعلمت أنه أزْوَر، وقال مضر: رأيته يرعى الشقة من الأرض ثم يتعدّاها فيمر بالكلأ الملتفّ الغض فلا ينهش منه حتى يأتي ما هو أرق منه، فيرعى فيه، فعلمت أنه شَرُود، فقال الأفعى: صدقوا، قد أصابوا أثر بعيِرك وليسوا بأصحابه، التمس بعيرك ثم قال الأفعى للقوم: من أنتم؟ فأخبروه بحالهم، وانتسبوا إليه فرحَّبَ بهم وحياهم ثم قال: ما خطبكم؟ فقصوا عليه قصة أبيهم، قال الأفعى: وكيف تحتاجون إلي وأنتم على ما أرى. قالوا: أمرنا بذلك أبونا، ثم أمر بهم فأنزلوا، وأمر خادماً له على دار
(1/214)

الضيافة أن يحسن إليهم ويكرم مَثْوَأهم وإلطافهم بأفضل ما يقدر عليه أمر وصيفاً له من بعض خدمه ظريفاً أديباً، فقال له: أنظر كل كلمة تخرج من أفواهم فأتِنِي بها، فلما نزلوا بيت الضيافة أتاهم القَهْرَمَانُ بقرص من شهد فأكلوا وقالوا: ما رأينا شهداً أعذب ولا أحسن ولا أشد حلاوة منه، فقال إياد: صدقتم لولا أن نحله ألقاهُ في هامة جبار، فوعاها الغلام، فلما حضر غداؤهم وجيء بالشواء فإذا بشاة مَشْوِية فأكلوها وقالوا: ما رأينا شواء أجود شَئا ولا أرخص لحماً ولا أسمن منه، فقال إنمار: صدقتم لولا أنه غنِي بلبن كلبة. ثم جاءهم بالشراب فلما شربوا قالوا: ما رأينا خمراً أرق ولا أعنب ولا أصفى ولا أطيب رائحة منه، فقال ربيعه: صدقتم لولا أن كرمها نَبَتَ على قبر. ثم قالوا: مارأينا منزلاً أكرم قرى ولا أخصب رَحْلا من هذا الملك. قال مضر: صدقتم لولا أنه لغير أبيه. فذهب الغلام إلى الأفعى فأخبره بما كان منهم، فدخل الأفعى على أمه ، فقال: أقسمت عليك إلا ما أخبرتني من أنا ومن أبي، فقالت: يا بني، وما دعاك إلى هذا؟ أنت ابن الأفعى الملك الأكبر، قال: حقاً لتصدقني، فلما ألحّ عليها قالت: يا بني إن أباك الأفعى الذي تُدْعَى له شيخاً قد أثقل، فخشيت أن يخرج هذا الملك عنا أهل البيت، وقد كان قدم إلينا شاباً من أبناء الملوك، فدعوته إلى نفسي، فعلقْتُ بك منه، ثم بعث إلى القهرمان، فقال: أخبرني عن الشهد الذي بعثت به إلى هؤلاء النفر ما خطبه؟ قال: أنا أخبرنا بدَيْر في طف. فبعثت إليه من يَشُورُه،، فأخبروني أنهم هجموا على عظام نخرة منكرة في ذلك الطف، فإذا النحل قد عسلت في جمجمة من تلك العظام، فأتوا بعسل لم أرمثله فقدمته إلي القوم لجودته، ثم بعث إلى صاحب مائدته فقال: ما هذه الشاة التي شَويتها لهؤلاء القوم؟ قال: أنى بعثت إلى الراعي أن ابعث إلي بأحسن شاة عندك، فبعثَ بها إلي، وما سألته عنها، فبعث إلى الراعي أن أعلمني خبر هذه الشاة، قال: إنها أول ما ولدت من غنمي عام أول، فماتت أمه ا، فبقيت، وكانت كلبة لي قد وضعت فأنست السَّخْلة بِجِرَاء الكلبة، فكانت ترضع من الكلبة مع جِرَائها، فلم أجد في غنمي مثلها، فبعثت بها إِليك، ثم بعث إلى صاحب الشراب، فقال: ما هذا الخمر الذي سقيت لهؤلاء القوم. قال: من حبة كَرْم نبتت غرستها على قبر أبيك، فليس في العرب مثل شرابها، فقال الأفعى: ما هؤلاء القوم؟ إنْ هُم إلا شياطين، ثم أحضرهم فقال: ما خطبكم؟ قُصُّوا علي قصّتكم، فقال إياد: الله أبي جعل لي خادمة شمطاء وما أشبهها من ماله، فقال: إن أباك ترك غنماً بَرْشاء فهي لك ورعاؤها مع الخادم قال أنمار: إن أبي جعل لي بدرة ومجلسه وما أشبهها من ماله، قال: ذلك ما ترك أبوك من الرقَةِ والحرث والأرض، فقال ربيعه: إن أبي جعل لي فرساً أدهم وبيتأ أسود وما أشبهها من ماله، قال: فإن أباك ترك خيلا دُهْماً وسلاحاً فهي لك وما فيها من عبيد، فسمي ربيعه الفرس، فقال مضر: إن أبي جعل لي قبة حمراء من أدم وما أشبهها من ماله، فقال: إن أباك ترك إبلأ حمراء فهي لك وما أشبهها من ماله، فصارت لمضر الإِبل والقبة الحمراء، والذهب، فسمي مضر الحمراء، وكانوا على ذلك مع أخوالهم جرهم بمكة فأصابتهم سنة أهلكت الشاء وعامة الإِبل، وبقيت الخيل، وكان ربيعه يغزو عليها ويَصِلُ أخوته، وذهب ما كان لأنمار من شاء في تلك السنين، ثم عاود الناس الخصب والغيث، فرجعت الإِبل وثابت إليها أنفسها ومشت، فتناسلت وكثرت وقام مضر بأمر أخوته، فبينما هم كذلك وقد قدم الرعاءُ بابلهم فتعشوا ليلاً وعشوا رعاءهم فقام مضر يوصي الرعاء وفي يد أنمار عظم يتعًرقهُ فرمى به في ظلمة الليل وهو لا يبصر فأوتد في عين مضر وفقأه فتأوه مضر وصاح: عيني، عيني، وتشاغل به أخوته، فركب أنمار بعيراً من كرائم إبله، فلحق بديار اليمن، وكان بين أخوته ما ذكرنا من التنازع.
فهؤلاء ولد نزار الأربعة: إليهم يرجع سائر ولد نزار على حسب ما قدَمنا أن مضر الحمراء لما ذكرنا من أمر القبة، وبذلك تفتخر مضرة كل أمه ا من المنثور والمنظوم، وربيعه الفرس وربيعه القشعم من الفروسية والشجاعة والنجدة والعز وشن الغارات لما ذكرنا من أمر الفَرَس، وإياد و ذكرنا ما لحق عقبه، وأنمار وقد بينا الخلاف في تفرع نسله، وما قاله النسابون في عقبه.
(1/215)

ولكل واحد من هؤلاء ومن أعقب أخبار كثيرة يطول ذكرها، ويتسع شرحها: من ذكر ما حلوا به من الديار، وتشعب أنسابهم وتسلسلها، أتى الناس على ذكرها، وقد قدمنا فيما سلف من كتبنا اليسير مبسوطها؛فمنعنا ذلك من إعادته في هذا الكتاب.
فلنذكر الآن الغرض من هذا الباب الذي به ترجم، وإليه نسب، من سكنى مَنْ حل البدْوَ من العرب وغيرها من الأمم المتوحشة كالترك والكرد والبِجَةِ والبربر، ومن تقطن بالبراري وقَطَنَ الجبال، والعلة الموجبة لذلك من فعلهم.
علة سكنى البدو
تباين الناس في السبب الموجب لما وصفنا، فذهب كثير من الناس إلى أن الجيل الأول من سكن الأرض مكثوا حيناً من الزمان لم يبنوا بناء ولا شيدوا مُدُناً، وكان سكناهم في شبه الأكواخ والمظال، ثم إن نفراً منها أخذوا في أبناء المساكن، وَخَلَفَ من بعدهم خلف فابتنوا الأبنية، وثبت فرقة منهم على سجيتها؛ ولى في البيوت والإظلال ينتجعون الأماكن الرفهة الخصبة، وينتقلون عنها إذا أجدبت، فمضت هذه الطائفة على نهج الأقدمين.
وذكرت طائفة أن أول ذلك أن الناس لما نضبَ عنهم الطوفان الذي أهلك الله به الأرض في زمن نوح على نبينا وعليه السلام تفرق من نجا في طلب البقاع الخصبة المتخيرة، وانفرد من انفرد بانتجاع الأرضين وحلول البيداء، واستوطن آخرون بقاعاً تخيروها، كمن ابتنى إقليم بأبل من النبط، ومن حله من ولد حام بن نوح عليه السلام مع نمروذ بن كنعان بن سنجاريب بن نمروذ الأول بن كوش بن حام بن نوح، وذلك حين تملك على إقليم بابل من قبل الضحاك، وهو بيوراسف وكمن حًل بلاد مصر من ولد حام على حسب ما ذكرنا في باب مصر وأخبارها في هذا الكتاب وكمن عمر الشام من الكنعانيين، وكمن حَل بوادي البربر وهم هوارة وزناتة وضريسة ومغيلة وورفجومة ونفزة وكتامة ولواتة ومزانة ونفوسة ولفظه وصدينة ومصمودة وزنارة وغمارة وقالمة ووارقة وأتيته وبابه وبنو سبخون وأركنة وهي من زناتة وبنو كلان وبنو مصدريان وبنو أفباس وزبحن وبنو منهوسا وصنهاجة، ومن سكن من أنواع الأحابيش وغيرهم الغابة المعروفة بغابة العافريم سون ورعوين والعورفة ويكسوم، ومنهم من سكن غير الغابة واتسع في هذه البلاد من المغرب.
وقد ذكرنا أن أرض البربر خاصة كانت أرض فلسطين من بلاد الشام، وأن ملكهم كان جالوت، وهذا الاسم سَمةٌ لسائر ملوكهم، إلى أن قتل داود عليه الصلاة والسلام ملكهم جالوت، فلم يتملك عليهم بعده ملك، وأنهم انتهوا إلى ديار المغرب إلى موضع يعرف بلوبية ومرافية، فانتشروا هنالك، فنزل منهم زنانة ومغيلة وضريسة الجبال من تلك الديار وتبطنوا الأودية، ونزلوا أرض بَرقة، ونزلت هَؤارة بلاد إياس وهي بلاد طرابس المغرب أي الثلاث المدن، وقد كانت هذه الديار للافرنجة والروم قانجلوا عن البربر حين أوطنوا أرضهم إلى جزائر البحر الرومي فسكن الأكثر منهم جزيرة صقلية، وتفرقت البربر ببلاد إفريقية وأقاصي بلاد المغرب نحو من مسافة الذي ميل، وانتهوا إلى موضع يعرف بقبوسة، على أكثر آلفي ميل من بلاد القيروان، وتراجعت الروم والإفرنجة إلى مدنهم وعمائرهم وذلك على موادعة وصلح من البربر، واختارت البربر سكنى الجبال والأودية والرمال والدِّهَاس وأطراف البراري والقفار.
ومن بحر إفريقية وصقلية يخرج المرجان، وهو المتصل ببحر الظلمات المعروف ببحر أقيانس، وغير هؤلاء ممن ذكرنا من الأمم من سكن قطع الأرض وابتنى المدائن شرقأ وغرباً.
ورأت العرب أن جولان الأرض وتخير بقاعها على الأيام أشبه بأولى العز وأليق بذوي الأنفة، وقالوا: لنكون محكمين في الأرض ونسكن نشاء أصلح من غير ذلك، فاختاروا سكنى البدو، من أجل ذلك.
(1/216)

وذكر آخرون أن القدماء من العرب لما ركبهم اللّه من سموّ الأخطار ونبل الهمم والأقدار، وشدة الأنَقَة، والحمية من المعرة، والهرب من العار، بدأت بالتفغير في المنازل، والتقدير للمواطن، فتاملُوا شان المدن والأبنية، فوجدوا فيها معرة ونقصا، وقال ذو المعرفة والتمييز منهم: أن الأرضين تمرض كما تمرض الأجسام، ولحقها الآفات. والواجب تخير المواضع بحسب أحوالها من الصلاح. إذا الهواء ربما قوي فأضر بأجسام م سكانه، وأحال أمزجة قطَانة، وقال ذوى الآراء منهم: إن الأبنية والتحويط حَصْر عن التصرف في الأرض، ومَقْطعة عن الجوَلان، وتقييد للهمم، وحبس لما في الغرائز من المسابقة إلى الشرف، ولا خير في اللبث على هذه الحالة. وزعموا أيضاًً أن الأبنية والأطلال تحصر الغذاء وتمنع اتساع الهواء، وتسد سروحه عن المرور وقذاه عن السلوك، فسكنوا البر الأفَيحَ الذيلا يخافون فيه من حصر ومنازلة ضر، هذا مع ارتفاع الأقذاء، وسماحة الأهواء، واعتزال الوباء، ومع تهذيب الأحلام في هذه المواطن، ونقاء القرائح في التنقل في المساكن، مع صحة الأمزجة، وقوة الفطنة، وصفاء الألوان وصيانة الأجسام. فإن العقول والاراء تتولد من حيث تولد الهواء، وطبع الهواء الفضاء وفي هذا الأمن من العاهات والأسقام والعلل والآلام، فآثرت العرب سكنىِ البوادي والحلول في البيداء، فهم أقوى الناس همماً، وأشدهتم أحلاماَ، وأصحهم أجساماً، وأعزهم جاراً، وأحماهم ذمارا، وأفضلهم جواراً، وأجودهم فطناً؛لما أكسبهم إياه صفاء الجو ونقاء الفضاء،لأن الأبدان تحتوي أجزاؤها على متكاثف الأكدار وعناء الأقذار مما يرتفع أليه، ويتلاطم في عرصاته وأفقه من جميع المستحيلات، والمستنقعات من المياه، ففي أكنافه جميع ما يتصعد إليه، ولذلك تراكبت الأقذاء والأعواء والعاهات في أهل المدن، وتركبت في أجس أمه م، وتضاعفت في أشعارهم وأبصارهم، ففضلت العرب على سائر مَنْ عداها من بوادي الأمم المتفرقة لما ذكرنا من تخيرها الأماكنَ وارتيادها المواطن.
قال المسعودي: ولذلك جانبوا فظاظة الأكراد وسكان الجبال من الأجيال الجافية وغيرهم الذين مساكنهم حُزُونُ الأرض ودهاسُها، وذلك أن هذه الأمم الساكنة هذه الجبال والأودية تناسب أخلاقها مساكنها في انخفاضها وارتفاعها؛ لعدم استقامة الاعتدال في أرضها، فلذلك أخْلاقُ قطَانها على ما هي عليه من الجفاء والغلظ.
؟خطيب العرب عند كسرى يعلل اختيار قومه البداوة
وذكر الهيثم بن عدي والشَرَقي بن القطامي وغيرهما من الأخباريين أنه وفد على كسرى أنو شروان بعض خطباء العرب، فسأله كسرى عن شأن العرب وسكناها البر واختيارها البدو، فقال: أيها الملك، ملكوا الأرض ولم تملكهم، وأمِنُوا عن التحصن بالأسوار، واعتمدوا على المرهفات الباترة، والرماح الشارعة جُنَناً وحصوناً، فمن ملك قطعة من الأرض فكأنها كلها له، يَرِعُون منها خيارها، ويقصدون ألطافها، قال: فأين حظوظهم من الفلك؟ قال: من تحت الفرقدين ورأس البحرة وسعد الجدي مشرقين في البر بحسب ذلك، قال: فما رياحها؟ قال: أكثرها النَّكْباء بالليل والصِّبَا عند انقلاب الشمس، قال: فكم الرياح؟ قال: أربع، فإذا انحرفت واحدة منهن قيل: نَكْبَاء، وما بين سُهَيْل إلى طرف بياض الفجر جَنُوب، وما بإزائهما مما يستقبلهما من المغرب شمال، وما جاء من وراء الكعبة فهي دَبُور، وماجاء من قبل ذلك فهي صَباً، قال؛فما أكثر غذاءهم. قال: اللحم واللبن والنبيذ والتمر، قال: فما خلائقهم؟ قال: العز، وا لشرف، والمكأرم، وقرى ا لضيف، وإذمام الجار، وإجارة الخائف، وأداء الحمالات ، وبذل المهج في المكرمات، وهم سُرَاة. وليوث الغِيل، وعمار البر، وأنس القفر، ألفوا القناعة، وَشَنِفُوا الضراعة،. لهم الأخذ بالثار، والأنَفَة من العار، والحماية للذمار، قال كسرى: لقد وصفت عن هذا الجيل كرماً ونبلاً؛ وما أولانا بإنجاح وفادتك فيهم.
(1/217)

فتخيرت العرب في البر إنزالا منها مَشَاتٍ ومنها مصايف؛ فمنهم المُنْجِد والمُتْهِم فالمنجد منهم هم الذين سكنوا أرض نجد والمتهم هم الذين سكنوا أرض تهامة، ومنهم من سكن أغوار الأرض كغور بيسان وغور غزة من أرض الشام من بلاد فلسطين والأردن ومن سكنه من لخم وجُذَام، ولجميع العرب مياه يجتمعون عليها وملكية يعرجون إليها، كالدهناء والسماوة والتائم وأنجاد الأرض والبقاع والقِيعَان والوهاد، ولست تكاد ترى قبيلاً من العرب توغل من الأماكن المعروفة لهم والمياه المشهورة بهم، كماء ضارج وماء لعقيق والهَبَاءة وما أشبه ذلك من المياه.
الاكراد ونسبهم ومساكنهم
وأما أجناس الأكراد وأنواعهم فقد تنازع الناس في بدئهم؛ فمنهم من رأى أنهم من ربيعه بن نزار بن معد بن عدنان، انفردوا في قديم الزمان، وانضافوا إلى الجبال والأودية، دعتهم إلى ذلك الأنفة، وجاوروا من هنالك من الامم الساكنة المدن والعمائر من الأعاجم والفرس، فحالوا عن لسانهم، وصارت لغتهم أعجمية،ولكلِ نوع من الأكراد لغة لهم بالكردية، ومن الناس من رأى أنهم من مضر بن نزار، وأنهم من ولد كرد بن صعصعة بن هوازن، وأنهم انفردُوا في قديم الزمان لوقائع ودماء كانت بينهم وبين غسان، ومنهم من رأى أنهم من ربيعه ومضر، وقد اعتصموا في الجبال طلباً للمياه والمرادى فحالوا عن اللغة العربية لما جاورهم من الأمم.
ومن الناس من ألحقهم بإماء سليمان بن داود عليهما السلام حين سلب ملكه ووقع على إمائه المنافقات الشيطانُ المعروف بالجسد، وعصم الله منه المؤمنات أن يقع عليهن، فعلق منه المنافقات، فلما رَدَّ اللهّ على سليمان مُلْكه ووضع تلك الإماء الحوامل من الشيطان قال: أكردوهن إلى الجبال والأودية، فربتهم أمه اتهم، وتناكحوا، وتناسلوا، فذلك بدء نسب ا لأكرا د.
ومن الناس من رأى أن الضحاك ذا الأفواه المقدَّم ذكره في هذا الكتاب الذي تنازعت فيه الفرس والعرب من أي الفريقين هو، أنه خرج بكتفيه حَيتَانِ فكانتا لا تُغَذَيان إلا بألدمغة الناس، فأفنى خلقاً كثيراً من فارس، واجتمعت إلى حربه جماعة كثيرة وافاه أفريدون بهم وقد شالوا راية من الجلود تسميها الفرس درفش كاوَان، فأخذ أفريدون الضحاك وقيدهُ في جبل دنباوند على ما ذكرنا، وقد كان وزير الضحاك في كل يوم يذبح كبشاً ورجلاً ويخلط أدمغتهما، ويطعم تينك الحيتين اللتين كانتا في كتفي الضحاك، ويطرد من تخلَّص إلى الجبال، فتوحشوا وتناسلوا في تلك الجبال فهم بدء الأكراد، وَهؤلاء من نسلهم، وتشعبوا أفخادْاً، وما ذكرنا من خبر الضحاك فالفُرْسُ لايتنا كرونه، ولا أصحاب التواريخ القديمة ولا الحديثة.
وللفرس في أخبار الضحاك مع إبليس أخبار عجيبة، وهي موجودة في كتبهم، وتزعم الفرسُ أن طهومرث المقدم ذكره في ملوك لفرس الأولى هو نوح النبي عليه السلام، وتفسير درفيش بالفارسية اللهلوية - وهي الأولى - الراية والمطرد والعلم.
وأما الترك وأجناسها فقد قدمنا كثيرأ من أخبارها، وقد غلط قوم فزعموا أن الترك من ولد طوح بن أفريدون، وهذا غلط بَيِّن؛لأن طوح وَلأَه أفريدون على الترك وسلم على الروم، وكيف توليه عليهم وهم ولده؛ وما قلنا يدل على أن الترك من غير ولد طوم بن أفريدون، بل لطوح في الترك عقب مشهور، والمعظم في أجناس الترك هم التبت، وهم من حمير على حسب ما ذكرنا أن بعض التبابعة ربتهم هناك.
وما قلنا من الأكراد فالأشهر عند الناس؛والأصح من أنسابهم؛ أنهم من ولد ربيعه بن نزار، فأما نوع من الأكراد - وهم الشوهجان ببلاد ما بين الكوفة والبصرة، وهي أرض الدينور وهمذان - فلا تناكما بينهم أنهم من ولد ربيعه بن نزار بن معد، والماجردان - وهم من الكنكور ببلاد أذر والهلبانية والسراة وما حوى بلاد الجبال من الشادنجان والمادنجان والمزدنكان والبارسان والخالية والجابارقية والجاوانية والمستكان ومن حًلّ بلاد الشام من الدبابلة وغيرهم - فالمشهور فيهم أنهم من مضر بن نزار، ومنهم اليعقوبية والجورقان وهم نصارى، وديارهم مما يلي بلاد الموصل وجبل الجودي.
وفي الأكراد مَنْ رأيهم رأي الخوارج والبراءة من عثمان وعلي رضي الله عنهما.
(1/218)

فهذه جمل من أخبار بوادي العالم، وقد أعرضنا عن ذكر الغوز والخرلج وهم أنواع من الترك نحو بلاد غرش وبسطام وبُسْت مما يلي بلاد سجستان وكذلك من ببلاد كرمان من أرض القفص والبلوج والجت.
بعض أيام العرب
قال المسعودي: فأما أيام العرب وَوَقائعها وحروبها فقد ذكرناهأ فيما سلف من كتبنا، وما كان منها في الجاهلية والإِسلام، كيوم الهَبَاءة، وحروب ذبيان وغطفان، وما كان بين عبس وسائر العرب من نزار واليمن. وحرب داحس والغَبْراء، ؤحرب بكربن وائل وتغلب، وهي حرب البَسوس، ويوم الكُلاب، ويوم خزاز، ومقتل شاس بن زهير، ويوم في قار، ويوم شِعْب جَبَلَة، وما كان من بني عامر وغيرهم، وحرب الأوس والخزرج، وما كان بين غَسَّان وعَك.
وسنورد بعد هذا الباب جملأ من أخبار العرب الداثرة وغيرها وتفرقها في البلاد، ونذكر جملاً من آرائها ودياناتها في الجاهلية، وما ذهبت إليه في الغيلان والهَوَاتف والقِيَافة والكَهَانة والتفرس والصدى والهام، وغير ذلك من شيمها، وباللّه التوفيق.
ذكر ديانات العرب وآرائها في الجاهلية
وتفرقها في البلاد وخبر أصحاب الفيل وعبد المطلب وغير ذلك مما لحق بهذا الباب
ديانات العرب في الجاهلية
قال المسعودي: كانت العرب في جاهليتها فرقاً: منهم الموحد المقر بخالقه، المصدق بالبعث والنشور، موقناً بأن اللّه يثيب المطيع، ويعاقب العاصي، وقد تقدم ذكرنا في هذا الكتاب وغيره من كتبنا مَنْ دعا إلى اللّه عزوجلا ونبًه أقو أمه على آياته في الفترة، كقُيسِّ بن ساعدة الإياثي ورِئاب الشَنَيئَ، وَبَحِيرا الراهب، وكانا من عبد القيس.
وكان من العرب من أقر بالخالق، وأثبت حدوث العالم وأقر بالبعث والإِعادة، وأنكر الرسل، وعكف على عبادة الأصنام، وهم الذين حكى اللّه عز وجل قولهم: " ما نَعْبُدُهُمْ إلّاَ لِيُقَربُونَا إلى اللّهِ زُلْفَى " الآية وهذا الصنف هم الذين حجوا إلى الأصنام وقصدوها، ونحروا لها البُدْنَ، ونسكوا لها النسائك، وأحلوا لها وحرموا.
ومنهم من أقر بالخالق، وكَذَب بالرسل والبعث، ومال إلى قول أهل الدهر، وهؤلاء الذين حكى اللّه تعالى إلحادهم، وخَبَّرَ عن كفرهم، بقوله تعالى: وقالوا: " ما هي إلا حَيَاتُنَا الدنْيَا نموتُ وَنحْيَا، وَمَا يًهْلِكُنَا إلا الدَّهْر " فردَّ اللّه عليهم بقوله: " ما لهم بذلك مِنْ عِلْم، إن هُمْ إلاَّ يَظُنُّون " .
ومنهم من مال إلى اليهودية والنصرانية.
ومنهم المارُّ على عَنْجَهِيَّتِهِ، الرَّاكب لِهَجْمَته.
وقد كان صنف من العرب يعبدون الملائكة، ويزعمون أنها بنات اللّه؛فكانوا يعبدونها لتشفع لهم إلى اللهّ، وهم الذين أخبر اللّه عزوجل عنهم بقوله تعالى: " ويجعلونَ للّهِ البَنَاتِ، سبحانه، ولهم ما يشتهون " وقوله تعالى: " أفَرَأْيْتُمُ اللاَّتَ والعُزَّى، وَمَنَاةَ الثالثة الأخرى؛ ألكم الذكر وله الأنثى؛ تلك إذاً قِسْمَة ضِيزَى " .
عبد المطلب بن هاشم
فممن كان مقراً بالتوحيد، مئبتاً للوعيد، تاركاً للتقليد: عبدُ المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وقد كان حفر بئر زمزم، وكانت مَطْوِية، وذلك في ملك كسرى قباذ، فاستخرج منها غزالتي ذهب عليهما الدر والجوهر، وغير ذلك من الحلي، وسبعة أسياف قلعية، وسبعة أدرع سوابغ؛ فضرب من الأسياف باباً للكعبة، وجعل إحدى الغزالتين صفائح ذهب في الباب، وجعل الأخرى في الكعبة، وكان عبد المطلب أول من اقام الرفاعة والسِّقاية للحاج، وكان أول من سقي الماء بمكة عَذْباً، ؛جعل باب الكعبة مذهباً، وفي ذلك يقول عبد المطلب:
أعطى بلا شُحٍّ ولامشاحح ... سقياً على رغم العدو الكاشح
بعد كنوز الحلى والصفائح ... حلياً لبيت الله في المسارح
وكان قد نذر إنْ رزقه اللّه عز وجل عشرة أولاد ذكور أن يقرب أحدهم لله تعالى فكان أمره - حين رزقه اللّه إياهم - أن قرب أحبهم إليه وهو عبد اللّه أبو النبي صلى الله عليه وسلم، فضرب عليه بالقِدَاح حتى افتداه بمائة من الإبل، في خبر طويل.
أصحاب الفيل
(1/219)

وقد كان أبرهة حين سار بالحبشة وأتى أنصاب الحرم، فنزل بالموضع المعروف بحب المحصب، فأتى بعبد المطلب بن هاشم فأخبر أنه سَيِّدُ مكة، فعظمه وهابه لاستدراة نور النبي صلى الله عليه وسلم في جبينه، فقال له: سَلْنِي يا عبد المطلب فأبى أن يسأله إلا إبلا له، فأمر بردها عليه وقال له: ألا تسألني الرجوع؛ فقال: أنا رب هذه الإِبل، وللبيت رب سيمنعه منك وانصرف عبد المطلب إلى مكة وهو يقول:
يا أهل مكة قد وافاكُمُ ملك ... مع الفيول على أنيابها الزَّرَد
هذا النجاشيُّ قد سارت كتائبه ... مع الليوث عليها البيض تتقد
يريد كعبتكم، والله مانعه ... كمنع تبع لما جاءها حرد
وأمر قريشآَ أن تلحق ببطون الأودية ورؤوس الجبال من مَعَرًة الحبشة، وقَلّدَ الإِبل النعال وخلاها في الحرم ووقف بباب الكعبة وهويقول:
يارب لا أرجولهم سواكا ... يارب فامنع منهمُ حماكا
إن عدؤَالبيت مَنْ عاداكا ... فامنعهمُ أن يخربوا قراكا
ولقول:
يا رب إن العبد يمنع رَحْلَهُ فامنعِ رحالك
لايغلبنَّ صليبهم ومَحِالهم أبدا َمِحَالك
فأرسل اللّه عليهم الطير الأبابيل، أشباه اليعاسيب، ترميهم بحجارة من سجيل، وهوطين خلط بحجارة خرجت من البحر، مع كل طير ثلاثة أحجار فأهلكهم اللّه عز وجل.
وقد ذكرنا خبر أبي رُغَال فيما سلف من هذا الكتاب حين دلهم على الطريق، وهلاكه في الطريق، وجعلت الحبشة يومئذ تسأل عن نُفَيْل بن حبيب الخثعمي يدلها على الطريق، ونفيل يسمع كلام الحبشة وسؤالها عنه وقد رِبعَ لما عمهم من البلاء، وانفرد، من جملتهم يؤمل الخلاص، وقد تاهوا، فأنشأ يقول:
ألا ردى جمَالَكِ يارُدَيْنَا ... نعمناكم مع الإِصباح عينا
فإنك لو رأيت ولن تريه ... لوى جنب المحصب مارأينا
وكل القوم يسأل عن. نفيل كأن عليَّ للحبْشَان دَيْنَا وقد ذكرنا ما كان منهم في هلك عديدهم فيما سلف من هذا الكتاب، فلما صًدّهم اللّه عزّ وجلّ عن الكعبة أنشأ عبد المطلب يقول: أيها الداعي لقدأسمعتني ثم ما بي عن نِدَاكم من صَمَمْ إن للبيت لربّاً مانعاً مَنْ يُرِعْ! بأثام يُصْطَلم ر أمه تبع فيمن جَنَدَتْ حِمْيروالحي من آل قدم فانثنى عنه وفي أوداجه جارحٌ أمسك منه بالكَظَمْ قلت والأشرم ترس خيله: إن ذا الأشرم غربالحرم نحن آل اللَّه فيما قدمضى لم يزل ذاك على عهد إلرَهَمْ نحن عَفَرنا ثمودأعَنْوة ثم عاداً قبلها ذات الأرم نعبد الله وفينا سُنَة صِلَةُ القربى وإيفاء. النِّمم لم تزل للَّه فيناحجة يدفع اللَّه بهاعنا النِّقَمْ
القول بتناسخ الأرواح
قال المسعودي: وقد استدل قوم ممن ذهب إلى الغلو في بعض المذاهب والخروج عما أوجبته قضية العقل وضرورات الحواس بهذا الشعر وقول عبد المطلب فيما كان منهم في قديم الزمان، وأيدوا ذلك الشعر بشعر العباس بن عبد المطلب في مدحه النبي صلى الله عليه وسلم وهو ما ذكره قريم بن أوس بن حارثة بن لأم الطائي أنه هاجر إلى رسول اللّه فقدم عليه مُنْصَرَفَة من تَبُوك فأسلم، قال: سمعت العباس بن عبد المطلب يقول: يا رسول اللّه، إني أريد أن أمتدحك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل لا يَفْضُض اللّه فاك يا عدي، فأنشأ يقول:
من قبلها طِبْتَ في الظلال وفي ... مستودع حيث يُخْصَفُ الوَرَق
ثم هبطت البلاد، لابشر ... أنت، ولامضغة، ولاعلق
بل حجة تركب السفين، وقد ... ألجم نْسْرأوأهلَهُ الغرق
تنقل من صالب إلى رحم ... إذا مضى عالم بدا طَبَق
وأنت لما وُلدْت أشرقت ال ... أرض، وضاءت بنورك الأفق
حتى احتوى بيتك المهيمن من ... خندق علياء تحتها النطق
فنحن في ذلك الضياء وفي الن ... ور و سبل الرشاد نخترق
(1/220)

قالوا: وهذا الخبر قد ذكره أصحاب السير والأخبار والمغازي، ونقلوا هذا المديح من قول العباس، وما كان من سرور النبي صلى الله عليه وسلم بذلك واستبشاره به فجعلت هذه الطائفة من الغُلاة ما ذكرنا من الشعرين - شعر عبد المطلب، وشعر - العباس - دلالة لهم على مواطن ادعوها، وتغلغلوا إلى شبه بعيدة استخرجوها، يمنع منها ما تقدم من أوائل العقول، وموجبات الفحص، ذكرَ ذلك جماعة من مصنفي كتبهم، ومن حذاق مبرزيهم، من فرق المحمدية والعلبانية، وغيرهم من فرق الغلاة: منهم إسحإق بن محمد النخعي المعروف بالأحمر في كتابه المعروف بكتاب الصراط، وقد ذكر ذلك الفياض بن علي بن محمد بن الفياض في كتابه المعروف بالقسطاس في نقضة لكتاب الصَراط وذكره المعروف بالنهكني في نقضه هذا الكتاب المترجم بالصراط، وهؤلاء محمدية نقضوا هذا الكتاب، وهو على مذهب العلبانية، وقد أتينا على ذكر هؤلاء المحمدية والعلبانية والمغيرية والقمرية وسائر فرق الغُلاَة وأصحاب التذويض والوسائط، واستقصينا النقض عليهم وعلى سائر من ذهب إلى القول بتناسخ الأرواح في أنواع أشلاء الحيوان ممن ادعى الإسلام وغيرهم ممن سلف من اليونانيين والهند والثنوية والمجوس واليهود والنصارى، وذكرنا قول أحمد بن حائط وابن يافوس جعفر القاضي، إلى مَنْ نجمَ في وقتنا ممن تقدم وتأخر إلى هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - ممن أحدث قولاً تفريعاً على ما سلف من أصولهم وأبور شبهاً أيَّدَ بها ما تقدم من مذاهبهم، مثل الحسين بن منصور المعروف بالحلاج، وأصحاب أبي يعقوب المزايلي، ثم أصحاب السم ومن تأخر عنه وفارقهم في أصولهم، مثل أبي جعفر محمد بن على الشلمغاني المعروف بابن أبي الغرائر وغيرهم ممن أمَّم نهجهم، وذكر الفرق بينهم وبين غيرهم من أصحاب الدور في هذا الوقت ممن يراء وقت الظهور، وأصحاب حجج الليل والنهارث إذ كان هؤلاء قد أثبتوا القول بالتناسخ، وأن الأرواح تنتقل في شيء من الأجسام الحيوانية، وأحالوا على القديم عز وجل أن يجوز عليه شيء مما تقدم، فلنرجع الآن إلى ما كنا ا آنفاً، وما تغلغل بنا الكرم عنه من ذكرعبد المطلب.
الاختلاف في إيمان عبد المطلب
تنازع الناس في عبد المطلب: فمنهم من رأى أنه كان مؤمناً موحداً وأنه لم يشرك باللّه عزّوجلّ، ولا أحد من آباء النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه نقلفيالأصلاب الطاهرة، وأنه أخبر أنه ولد من نكاح لا من سفاح، ومنهم،رأى أن عبد المطلب كان مشركاً، وغيره من آباء النبي صلى الله عليه وسلم ألا من صح إيمانه، وهذا موضع فيه تنازع بين الإمامية والمعتزلة والخوارج والمرجئة وغيرهم من الفرق في النص والاختيار، وليس كتابنا هذا موسوماً للحِجَاج فنذكرحجاج كل فريق منهم.
وقد أتينا على قول كل فريق منهم وما أيد به قوله في كتابنا المقالات في أصول الديانات وفي كتاب الاستبصار ووصف أقاويل الناس في الإم أمه وفي كتاب الصفوة أيضاً.
أبو طالب
وكان عبد المطلب يوصي ولده بصلة الأرحامٍ، وإطعام الطعام، ويرغبهم ويرهبهم فعل من يراعي في المتعف معادا وبعثاً ونشوراً، وجعل السقاية والرفاعة إلى ابنه عبد مناف - وهو أبو طالب - وأوصاه بالنبي صلى الله عليه وسلم.
وقد تنوزع في اسم أبي طالب: فمنهم من رأى أن اسمه عبد مناف، على ما وصفنا، ومنهم من رأس أن كنيته اسمه، وأن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه كتب في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم ليهود خيبر بإملاء النبي صلى الله عليه وسلم وكتب علي بن أبي طالب بإسقاط الألف وقد ذكر عبد المطلب في شعر له وصية أبي طالب بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقال:
أوصيت مَنْ كنيته بطالب ... بابن الذي قد غاب ليس بآئب
اختلاط الألسنة
وقد كان أكثر العرب ممن بقي ودثَرَيقر بالصانع، ويستدل على الخالق.
(1/221)

وقد كان في ملك النمروذ بن كوش بن حام بن نوح هيجانُ الريح التي نسفت صرح النمروذ ببابل من أرض العراق، فبات الناس ولسانهم سرياني، وأصبحوا وقد تفرقت لغاتهم على اثنين وسبعين لساناً، فسمى الموضع من ذلك الوقت بابل، فصار من ذلك في ولد سام بن نوح تسعة عشر لساناً وفي ولد حام بن توح ستة عشر لساناً وفي ولد يافث بن نوح سبعة وثلاثون لسانَاَ على حسب ما ذكرنا في صدر هذا الكتاب، وكان من تكلم بالعربية يعرب وجرهم وعاد وعبيل وجديس وثمود وعملاق وطسم ووبار وعبد ضخم، فسار يعرب بن قحطان بن عابر بن شالخ بن إرفخشذ بن سام بن نوح بمن تبعه من ولده وغيرهم وهويقول:
أنا ابن قحطان الهمام الأفضل ... الأيمن المعرب في المهل
يا قوم سيروا في الرعيل الأول ... أنا الْبدِيئُ باللسان المسهل
الأبين المنطق غير المشكل ... حثوت والامة في تبلبل
يا قوم سيروا في الرعيل الأول ... نحو يمين الشمس في تمهل
فحل باليمين على ما وصفنا آنفَاَ من هذا الكتاب.
مسير عاد الى الأحقاف
وسار بعده عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح بولده ومن تبعه و يقول:
إني أنا عاد الطويل البالدي ... وسام جدي ابن نوح الهادى
فقد رأيتم يعرب الزيادي ... وسَوْقَه الطارف والتلاد
أرم ذات العماد
فحل بالأحقاف وأداني الرمل بين عمان وحضرموت واليمن وتفرق هؤلاء في الأرض، فانتشر منهم ناس كثير: منهم جيرون بن سعدي بن عاد حَل بدمشق فمصَرمصرها، وجمع عدد الرخام والمرمر إليهأ؛ وشيد بنيانها، وسماها أرم ذات العماد، وقد روى عن كعب الأحبار في أرم ذات العماد غير هذا، وهذا الموضع بدمشق في هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - سوق من أسواقها عند باب المسجد الجامع، يعرف بجيرون، وجيرون: هو بنيان عظيم، كان قصر هذا الملك، عليه أبواب من نحاس عجيبة: بعضها على ما كانت عليه، والبعض من مسجد الجامع، وقد ذكرنا فيما من خبر نبي اللّه هود.
نزول ثمود الحجر
وسار بعد عاد بن عوص ثمود بن عابربن أرم بن سام بن نوح بولده ومن تبعه وهو يقول:
أنا الفتى الذيي دعا ثمودا ... يا قوم سيروا ودَعُوا الترديدا
لعلنا أن ندرك الوفودا ... فنلحق البادي لنا العديدا
إنا أبينا اليعرب الحميدا ... وعاد ما عاد الفتى الجليدا
فنزلى هؤلاء الحَجْرَ إلى فرع، وقد تقدم ذكرهم فيما سلف من هذا الكتاب، وخبر نبيهم صالح عليه السلام، وأنهم نحو وادي القرَف، بين الشام والحجاز.
مسير جديس إلى اليمامة
وسار بعد ثمود جديس بن عابربن أرم بن سام بن نوح بولده، ومن تبعه وهو يقول:
أنا جديس والمسير المسلكا ... فَدَتْكَ نفسي يا ثمود المهلكا
دعوتني فقد قصدت نحوكا ... إذ سارت العيس وأبدت شخصكا
كعب الأحبار: هو كعب بن مانع، أبو اسحاق، تابعي. كان في الجاهلية من كبار علماء اليهود في اليمن، وأسلم في زمن أبي بكر، وقدم المدينة في دولة عمر. توفي في حمص عن مئة وأربع سنين سنة.
وقد قلنا فيما سلف: إن هؤلاء الذين نزلوا اليمامة.
مسير عملاق إلى مواضع " مختلفه
وسار بعد جديس عملاق بن لاوذ بن أرم بن سام بن نوح بولده ومن تبعه: وهو يقول:
لمارأيت الناس ذا تبلبل ... وسار منا ذواللّسان الأولى
وحدثتنا في اللحاق الأولى ... فسرت حثاً بالسوام المهمل
فنزل هؤلاء أكناف الحرم والتهائم، ومنهم من سار إلى بلاد مصر والمغرب، وقيل: إن هؤلاء بعض ذراعنة مصر، وقد ذكرنا قول من الحق العماليق وغيرهم ممن ذكرنا بعيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل، وزعم أنهم من ولد العيص على حسب ما ذكرنا فيما تقدم.
(1/222)

وقد كانت للعماليق ملوك كثيرة سلفت في مواضع من الأرض بالشام وغيره، وقد أتينا على أخبارهم وذكر ممالكهم وحروبهم في كتابنا أخبار الزمان، وقد ذكرنا فيما سلف من هذا الكتاب قصة يوشع بن نون مع ملك العماليق ببلاد أيلة، وهو السميدع بن هوبر، وقد كان من بقي من العماليق انضافوا إلى ملوك الروم؛ فملكتهم الروم على مشارق الشام والغرب والجزيرة من ثغور الشام فيما بينهم وبين فارس.
أذينة بن السميدع العملاقي
فممن ملك الروم من العماليق: أذينة بن السميدع، الذي ذكره الأعشى في قوله:
أزال أذينة عن ملكه ... وأخرج عن ملكه ذا يزن
وقد كان ملك بعد العماليق حسان بن أذينة بن طرب بن حساز ويقال: هوالذي يعرف ب أمه زباء.
ثم ملك عمروبن طرب، ويقال: هوالذي كان يعرف ب أمه زباء، وقد كان بينه وبين جذيمة الأبرش الأزْدِي أبي مالك حروب كثيرة، فقتله جذيَمة على ما ذكرنا، وما كان من قتل الزباء لجذيمة وقول الشاعر:
كأن عمرو بن زباا لم يعش ملكا ... ولم يكن حوله الرايات تختفق
لاءم جذيمة من ضرساء مشعلة ... فيها خراشف بالنيران ترتشق
مسير طسم إلى البحرين
ثم سارطسم بن لاوذ بن أرم بن سام بن نوح بعد عملاق بن لاوذ بولده،ومن تبعه وهويقول:
إني أنا طسم وجدي سام ... سام بن نوح وهو الإِمام
لما رأيت الأخ والأعلاما ... قلت لنفسي: االْحَقِي السواما
أخاك عملاقاً وذا الإِقدام ... يافث لا كان وليي حام
فنزل هؤلاء البحرين.
وقد كان جميع من ذكرنا بدواًً، وانتشروا في الأرض، على حسب ما ذكرنا من مساكنهم، وكثرت جديس، فملكت عليهاالأسود بن غفار، وكثرت طسم، فملكت عليها عملوق بن جديس، وقد ذكرعبيد بن شَرِيَّةَ الجرهمي حين وفد على معاوية وأخبره أن طسم بن لاوذ بن أرم بن سام بن نوح، وجديس بن عابر بن سام بن نوح، هم العرب العاربة، وقد كان منزلمهم جميعأ باليمامة، واسمها إذ ذاك جَؤ.
عملوق الظالم ملك طسم
وكان لطسم ملك يقال له عملوق، وكان ظلوماً غشوماً، لاينهاه شيء عن هواه، مع إصراره وإقد أمه على جديس، وتعدِّيه عليهم، وقهره إياهم، فلبثوا في ذلك دهراً، وهم أهل مظالم، قد غمطوا النعمة وانتهكوا الحرمة، وبلادهم أفضل البلاد، وأكثرها خيراً، فيها صنوف الشجر والأعناب، وهي حدائق ملتفة، وقصور مصطفة، فلم يزل على ذلك حتى أتته امرأة من جديس، يُقال لها هُزَيلة بنت مازن، وزوج لها فارقها، يقال له ماشق، فأراد قبض ولده منها، فأبت عليه، فارتفعا إلى إلى ملك عملوق ليحكم بينهما، فقالت المرأة: أيها الملك، هذا الذي حملته تسعاً، ووضعته دفعاً، وأرضعته شفعاً، ولم أنل منه نفعاً، حتى إذا تمت أوصاله، واستوفت خصاله، أراد أن يأخذه قسراً، ويسلبنيه قهراً ويتركني منه صِفْراً، قال زوجها: قد أخذت المهر كاملاً، ولم أنل منه نائلا، إلا ولداً خاملا، فافعل ما كنت فاعلاً. فأمر الملك أن يؤخذ الولد منهما ويجعل في غلمانه، فقالت هُزَيلة في ذلك:
أتينا أخا طسمِ ليحكم بيننا ... فأبرم حكماً في هُزَيْلَة ظالما
لعمري لقد حُكَمْتَ لا متورعا ... ولافَهِماً عند الحكومة عالما
ندمتُ فلم أقدرعلى متزحزح ... وأصبح زوجي حائر الرأي نادما
فبلغ المَلِكَ قول هُزَيلة، فغضب، وأمر أن لا تتزوج امرأة،جديس فتزف إلى زوجها حتى تحمل إليه، فيفترعها قبل زوجها، فلقوآ من ذلك ذلاً طويلا، ولم تزل تلك حالتهم حتى تزوجت عفيرة، وقيل الشموس، بنت غفار الجديسي أخت الأسود بن غفار، فلما كانت لي هَدْيِهَا إلى زوجها انطلق بها إلى عملوق الملك ليطأها على عادته، ومعها القَيْنَات يغنينه ويقلنا فيغنائهن:
إبدِي بعملوق وَقُومِي فاركبي ... وَبَادرِي الصبح بأمر معجب
فَمَا لِبِكْرٍ بَعدكُمْ مِنْ مذهب
فلما دخلت عفيرة على عملوق افترعها وخلى سبيلها، فخرَجَتْ عفيرة على قومها في عمادها شَاقةً جيبها عن قبلها ودبرها، وهي تقول:
لا أحد أفل منها جَدِيس ... أهكذا يفعل بالعروس؟
وقالت أيضاً تحرض قومها جديس على طسم، وأبت أن تمضي إلى زوجها من كلمة:
(1/223)

أيَصْلُح ما يؤتى إلى فتياتكم ... وأنتم رجال فيكم عدد الرمل
أيَصْلُح تمشي في الدما فتياتكم ... صبيحة زُفَّت في النساء إلى البعل
فإن أنتم لاتغضبوا بعد هذه ... فكونوا نساء لا تفروا من الكحل
ودونكمٍ طيبَ العروس؛فإنما ... خلقتم لأثواب العروس وللغسل
فقبحا و شيكأ للذى ليس دافعاً ... ويختال يمشي بيننا مشية الفحل
فلو أننا كنا الرجال وكنتم ... نساء لكنا لا نقر على الذل
فموتوا كرامأ، واصبروا لعدوكم ... بحرب تَلظى في القرام من الجزل
ولاتجزعوا للحرب يا قوم، إنما ... تقوم بأقوام كرام على رِجْل
فيهلك فيها كل نِكْسٍ مواكل ... ويسلم فيها ذو النجابة والفضل
وفي ذلك يقول أخوها:
جَاءَتْ تَمَشَّى طَسْمُ في خميس ... كالريح في هشهشة اليبيس
يا طَسْم مالقيت من جديس ... حَقّا ًلك الويل فهيسي هيسي
التفكر في الانتقام
قال: فلما سمعت جديس بذلك وغيره من قولها اجتمعت غضباً لذلك، فقال لهم الأسود بن غفار - وكان فيهم سيداً مطاعاً - يا جديس، أطيعوني فيما امركم به، وأدعوكم إليه، ففي ذلك عز الدهر، وذهااب الذل، قالوا: وما ذلك؛ قال: قد علمتم أن هؤلاء - يعني طسماً - ليسو بأعز منكم، ولكن مُلْكَ صاحبهم عليكم وعليهم وهو الذي يُذْعِننا إليه بالطاعة، ولولا ذلك ما كان له علينا من فضل، ولو امتنعنا منه لكان لنا النصف، فقالوا: قد قبلنا قولك، ولكن القوم أقراننا، وأكثر عمداً وَعدداً مِنَا، فنخاف إن ظفروا بنا أن لا يقيلونا، فقال: واللّه يا جديس لتطيعنني فيما آمركم به وأدعوكم إليه أو لأتكئن على سيفي فأقتل به نفسي، قالوا: فإنا نطيعك فيما قد عزمت عليه، قال: إني صانع لعملوق وقومه من طسا طعاماً وداعيهم إليه، فإذا جاءوا إليه متفضلين في الحلل والنعال نهضنا إليهم بأسيافنا، فانفردت أنا بالملك، وانفرد كل رجل منكم برجل منهم، قالوا له: فافعل ما بدا لك، واجتمع رأيهم عليه، فقالت عفيرة لأخيها الأسود: لا تفعل هذا؛ فإن الغدر فيه ذلة وعار، ولكن كابدوا القوم في ديارهم تظفروا أو تموتوا كراماً، قال: لا، ولكن نمكر بهم، فيكون ذلك أمْكَنَ لنا من نواصيهم، وأبلغ في الانتقام منهم، فقالت عفيرة في ذلك أسعاراً قد ذكرناها فيما سلف من كتبنا.
ثم إن الأسود صنع طعاماً كثيراً، وأمر قومه فاخترطوا سيوفهم ودفنوها في الرمل حيث أعَدُوا الطعام، ثم قال لهم: إذا أتاكم القوم يرفلون في حليهم فخذوا أسيافكم ثم شدوا عليهم قبل أن يأخذوا مجالسهم وابدوا بالرؤساء؛ فإنكم إذا قتلتموهم لم تبالوا بالسَّفِلة، ولم تكُن بعد ذلك منهم حال تكْرهونها، قالوا: نفعل ما قلت.
ثم دعا الأسود بعملوق الطسمى ومن معه من رؤساء طسم باليمامة فأسرعوا إجابة دعوة الأسود، فلما توافوا إلى المَدْعَاة وَثَبَتْ جديس، فاستثإروا سيوفهم من الرمل، وشدوا على عملوق وأصحابه فقتلوهم حتى أفنوهم عن اخرهم، ومضوا إلى ديارهم فانتهبوها، وقال الأسود بن غفار في ذلك أشعاراً يرثي بها طسماً، ويذكر بغيها وفعل عملوق بأخته، يطول بذكرها الكتاب، وقد تقدمت فيما سلف من كتبنا.
رباح الطسمي يستنجد حمير على جديس
(1/224)

قال: وهرب رجل من طسم، وكان أسمه رباح بن مرة الطسمي، فأتى إلى حسان بن تبع الحميري ملك اليمن يومئذ فاستغاث به، وقد كان عمد إلى جريمة نخل رطبة فجعل عليهاطيناً رطباً، وحملها معه وأخرج معه كلبة، فلما ورد على حسان كسر يَدَ كلبته، ونزع الطين عن الجريدة فخرجت خضراء ودخل إلى حسان واستعاذ به، وأخبره بالذي صنعت جديس بقومه، فقال له الملك: لله أبوك، فمن أين مَبْدَاك؟ قال: جئتك، أبيت اللعن من أرض قريبة وقوم انتهك منهم ما لم ينتهك من أحد، أنا رباح بن مرة الطَّسْمي، دعتنا جديس إلى مَدْعَاة لهم فأجبناهم متفضلين في الحلل وقد أعدوا لنا السلاح عند جِفَانهم، فما ذُقْنَا الطعام حتى صرنا حُطَاماً، بلا طلب دم ولا تِرَةٍ سلفت، فدونك - أبيت اللعن! - قومأ قطعوا أرحامنا - وسفكوا دماءنا، قال الملك حسان: أمعك خرجت هذه الجريدة وهذه الكلبة؟ قال: نعم، فقال الملك: إن كنت صادقاً لقد خرجت من أرض قريبة، ووَعَدده بالنصرة، ثم نادى في حمير بالمسير، وأعلمهم بما فعل بطسم، قالوا: مَنْ فعلَ هذا أبيت اللعن؟ قال: عبيدهم، قالوا: ما لنا في هذا من أرَبٍ، هم إخواننا فلا نعين بعضنا على بعض، وهم عبيدك أيها الملك فدعهم، فقال حسان: ما هذا بحسن، أرأيتم لوكان هذا فيكم كان حسناً لملككم أن يهدر دماءكم؛ وما علينا في الحكم إلا أننا ننصف بعضنا من بعض.
زرقاء اليمامة
فقام فرسانهم فقالوا: أبيت اللعن الأمر أمرك، فمرنا بما أحببت، فأمرهم بالمسير، فساروا وسار بهم رباح بن مرة حتى إذا صاروا من اليمامة على ثلاث قال رباح بن مرة للملك حسان: أبيت اللعن إن لي أختاً متزوجة في جديس ليس في الأرض أبصر منها، إنها تبصر الراكب على مسيرة ثلاث ليال، وأنا أخاف أن تنذر القوم بك، فتأمر كل واحد من أصحابك أن يقتلع شجرة من الأرض فيجعلها أم أمه ثم يسير، فأمرهم حسان بذلك، ففعلوا ثم ساروا، وكان اسم أخت رباح يمامة بنت مرة فأشرفت من منظرها فقالت: يا جديس، لقد سارت أليكم الشجر، قالوا لها: وما ذاك؟ قالت: أرى أشجاراً تسير ووراءها شيء، وإني لأرى رجلاً من وراء شجرة ينهش كتفاً أو يخصف نعلا، فكذبوها، وكان ذلك كما ذكرت فغفلوا عن أخذ أهبة الحرب، ففي ذلك تقول اليمامة لجديس تحفذهم:
إني أرى شجراً من خلفها بشر ... فكَيْفَ تجتمع الأشجار و البشر؟
ثورُوا بأجمعكمْ في وجه أولهم ... فإن ذلك منكُمْ فاعلموا ظَفَر
ُ وأقبل الملك حسان بحمير، حتى إذا كان من جَؤ على مسيرة ليلة عبأ جيشه ثم صًبَحهَا فاستباح أهلها من جديس قتلاً، فأفناهم وسبى نساءهم وصبيانهم، وهرب الأسود بن غفار ملكها حتى نزل بدار طيىء فأجاروه من الملك وغيره، - من غير أن يعرفوه؛فيذكرأن نسله اليوم في طيىء مذكور.
فلما فرغ حسان من جديس دعا باليمامة بنت مرة، وكانت امرأة زرقاء، فأمر فنزعت عيناها فإذا في داخلها عروق سود، فسألها عن ذلك، فقالت: حجر أسود يقال له الإثمد كنت أكتحل به فنشب إلى بصري وكانت هي أول من أكتحل به، فاتخذوه بعد ذلك كحلاً، وأمر املك باليمامة، فصلبت على باب جو، وقال سموا جواً باليمامة؛فسميت بها إلى اليوم.
مسير وبار بن أميم
(1/225)

قال المسعودي: ثم سار - بعد طسم بن لاوذ - وَبَارُ بن أميم بن لاوذ ابن أرم بن سام بن نوح بولده ومن تبعه من قومه، فنزل بأرض وَبَارِ بالأرض المعروفة برمل عالج، فأصابهم نقمة من الله فهلكوا لما كان من بغيهم في الأرض، وقد قدمنا فصلا من ذلك فيما سلف من هذا الكتاب على ما زعم الأخباريون من العرب، وخروجهم بذلك عن حد المعقول والمعتاد من الأمر المفهوم، بذعمهم أن اللّه عز وجل حين أهلك هذه الامة العظيمة، المعروفة بوبار، كما أهلك طسماً وجديساً وداسماً، وكانت ديار داسم بأرض السماوة فأهلكُوا بالريح السوداء الحارة، وداسم كانت ديارهم بالجولان وجازر من أرض نوى من بلاد حُورَان والبثنية، وذلك بين دمشق وطبرية من أرض الشام، وعملاق وعاد وثمود، وأن الجن كانت تسكُن في ديار وبار، وحمتها من كل من أرادها وقَصَد إليها من الإِنس، وأنها كانت أخصب بلاد الله عز وجل وأكثرها شجراً وأطيبها ثمراً وعنباً ونخَلاًَ وموزاً، وإن دنا أحد من الناس إلى تلك البلاد غالطاً أو متعمداً حَثَتِ الجن في وجهه التراب، وسفت عليه سَوَافي الرمل، وأثارت عليه الزوابع، فإن أراد الرجوع عنها خبلوه - وتيهوه، وربما قتلوه، وهذا الموضع عند كثير من ذوي الحجا باطل، فإذا قيل لهم: دلونا على جهته، وقِفونَا على حده، زعموا أنها من أرادها ألقى على قلبه الصَرْفة، حتى كأنهم بنو إسرائيل الذين كانوا مع موسى في التيه فصدهم الله تعالى عن الخروج، ولم يجعل لهم سبيلا إلى أن تم فيهم مراده، وانتهى فيهم حكمه، وقد قال في ذلك شاعرهم يخبر بمثل ما وصفنا من قولهم في هذه الأرض المجهولة.
دعا جحفلا لا يهتدي لمقيله ... من اللؤم حتى يهتدي لوبار
وَدَاع دعا والليل مُرْخٍ سدوله ... رجاء القرى يامسلم بن جبار
وأقوالهم في مثل هذا كثيرة.
والعرب ممن سلف وخلف في الجاهلية والإسلام يخبرون عن هذه الأرض كإخبارهم عن وداي القُرَى وَالصَّمَان وَالدهنَاء والرمل الذي بيبرين وغيرها من الأرضين التي نزلوا فيها، ويخيمون عليها طلبَاَ للماء والكلأ، وزعموا أنه ليس بهذه الأرض اليوم أحد إلا الجن والإبل الوحشية، وهي عندهم من الإبل التي قد ضربت فيها فحول الجن، فالوحشية من نسل إبل الجن، والعبدية والعسجدية والعمانية قد ضربت فيها الوَحْشِية، وفي ذلك يقول أبو هريم:
كأني عَلَى وَحْشِية أونَعَامة ... لها نسب في الطير وَهْو ظَليم
والأشعار في ذلك كثيرة.
وفي بسطنا لجوامع أخبار العرب فيما نقلته عن أسلافها - مما أمكن كونه وخرج عن حد الوجوب والجواز - خروج عن حد الإيجاز والاختصار، وقد أتينا على ذلك فيما سلف من كتبنا.
مسير عبد ضخم للطائف
وسار بعد وبار بن أميم عبدُ ضجم بن أرم بن نوح بولده ومن تبعه فنزلوا الطائف، فهلك هؤلاء ببعض غوائل الدهر، فدثروا وذكرتهم الشعراء، وفيهم يقول الأزْدِي:
وعبد ضخم إذا نسبتهم ... ابيضَّ أهل الحي بالنسب
ابتدعوا منطقا ًيجمعهم ... فبين الخط قحة العرب
بدء الكتابة بالعربية
وذكروا أن هؤلاء أول من كتب بالعربية، ووضع حروف المعجم وهي حروف أب ت ث، وهي التسعة والعشرون حرفاً، وقد قيل غير ذلك، على حسب تنازع الناس في بدء الكتابة.
مسير جرهم إلى مكة
وسار بعد عبد ضجم بن أرم ض هُم بن قحطان بولده ومن تبعه، وطافوا البلاد، حتى أتوا مكة فنزلوها وفي ذلك يقول مُضَاض بن عمرو الجرهمي:
هذا سبيل كسبيل يعرب ... البادى القول المبين المعرب
يا قوم سيروا عن فعال الأجنب ... جرهم جدي وقحطان أبي
مسير أميم إلى فارس
وسار أميم بن لاوذ بن أرم بعد جرهم بن قحطان فحل بأرض فارس؛ فالفرس - على حسب ما قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب، في باب تنازع الناس في أنساب فارس - من ولد كيومرث بن أميم بن لاوذ بن أرم بن سام بن نوح، - وفي ذلك يقول بعض مَنْ تقدم من أهل الحكمة من شعراء فارس في الإسلام:
أبونا أميم الخير من قبل فارس ... وفارس أرباب الملوك؛ بهم فخري
وما عد قوم من حديث وحادث ... من المجد إلا ذِكْرُنَا أفضل الذكر
أول امرىء بنى البيوت أميم بن لاوذ
(1/226)

وقد ذكر جماعة من أهل السير والأخبار أن جميع من ذكرنا من هذه القبائل كانوا أهل خيم وبدوأ مجتمعين في مساكنهم من الأرض، وأن أميماً أول من ابتنى البنيان، ورفع الحيطان، وقطع الأشجار، وسقف السقوف، واتخذ السطوح، وأن ولد حام بن نوح حلوا ببلاد الجنوب، وأن ولد كوش بن كنعان خاصة هم النوبة، على حسب ما قدمنا آنفاً في باب السودان من هذا الكتاب، وأن فخذا من ولد كنعان بن حام ساروا نحو بلاد إفريقية وطنجة من أرض المغرب، فنزلوها، وزعم هذا القائل أن البربر من ولد كنعان بن حام.
أنساب البربر
وقد تنازع الناس في بدء أنساب البربر، فمنهم من رأى أنهم من غسان وغيرهم من اليمن، وأنهم تفرقوا حول تلك الديار حين تفرق الناس من بلاد مأرب عندما كان من سيل العَرِم ومنهم من رأى أنهم من قيس عيلان، ومنهم من رأى غير ذلك، وقد ذكرناه فيما سلف من كتبنا.
ونزل ولد كنعان بن حام - وهم الأغلب من ولد كنعان - بلاد الشام، فهم الكنعانيون، وبهم تعرف تلك الديار، فقيل: بلاد كنعان.
وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب أخبار مصربن حام وبيصر والأ نباط.
مسير نوفير إلى الهند
وسار نوفير بن فوط بن حام بولده ومن تبعه إلى أرض الهند والسند، وبالسند اُّمم لهم أجسام طوال، وهم على بلاد المنصورة من أرض السند؛ فعلى هذا القول أن الهند والسند من ولد نوفير بن فوط بن حام بن نوح، فولد حام في الجنوب من الأرض الأكثر منهم، وولد يافث في الشمال فيما بين الشرق والمغرب على حسب ما ذكرنا من الأمم وتفرقها في الشرق وغيره مما يلي جبل القبخ والباب والأبواب.
عبادة عاد، وبغيهم
وبَغَتْ عاد في الأرض وملكها الخلجان بن الوهم؛فكانوا يعبدون ثلاثة أصنام، وهي: صمود، وصداء، والهباء، فبعث الله إليهم هوداً على حسِب ما قدمنا، فكذبوه، وهو هود بن عبد اللّه بن رياح بن خالد بن الخلود بن عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح، وقد قدمنا أن قوم عاد كانوا عشرة قبائل، وقد تقدم ذكر أسمائهم، فدعا عليهم هود، فمنعوا المطرثلاث سنين، وأجدبت الأرض فلم يدِرّ عليهم ضَرْعٌ.
أصل الشرك ووفود عاد على مكة
وقد كان من ذكرنا من الأمم لا يجحد الصانع جل وعز، ويعلمون أن نوحاً عليه السلام كان نبياً، وفيّ لقومه بما وعدهم من العذاب، إلا أن القوم دخلت عليهم شُبَه بعد ذلك لتركهم البحث واستعمال النظر، ومالت نفوسهم إلى الدَّعَة، وما تدعو إليه الطبائع من المَلاَذِّ والتقليد، وكان في نفوسهم هيبة الصانع، والتقرب إليه بالتماثيل وعبادتها، لظنهم أنها مقربة لهم إليه، وكانوا مع ذلك يعظمون موضع الكعبة، وكان موضع على ما ذكرنا ربوة حمراء، فوفدت عاد إلى مكة يستسقون لهم، وكان بمكة يومئذ العماليق، فأتى الوفد مكة، فأقبلوا علي الشرب واللهو، حتى غَنتهم الجرادتان قَيْنَتَا معاوية بن بكر بشعر فيه حَث لهم على ما وردوا من أجله، وهو:
ألا يا قَيْل وَيْحَكَ قم فَهَيْنِم ... لعلً الله يمطرنا غماما
فيسقي أرض عادٍ، ... إنَ عادا قَدَ امْسَوْا لا يبينون الكلاما
من العطش الشديد فليس نرجو ... به الشيخ الكبير ولا الغلاما
وإن الوحش تأتي أرض عاد ... فلا تخشى لراميهم سهاما
وأنتم ههنا فيما اشتهيتم ... نهارَكُمُ وليلكُمُ التماما
فَقبح وفدكم من وفد قوم ... ولا لُقُّوا التحية والسلاما
ثم إن معاوية بن بكر دعا إحدى الجرادتين فغنت:
ألا يا قَيْلُ من عُوصٍ ... ومن عاد بن سام
وعاد كالشماريخ ... من الطول الكرام
سقى الله بني عاد ... مَعاً صَوْبَ الغمام
فاستيقظ القوم من غفلتهم، وباثروا إلى الاستسقاء لقومهم؛ فكان من أمرهم في مجيء السحاب واختيارهم لما اختاروه منها ما قد اتضح وفيهم يقول مَرْثد بن سعد من كلمة:
عَصَتْ عاد رسولَهُمُ فأمسوا ... عِطَاشا لا تَبُلّهم السماء
ألا قَبَحَ الإِلهُ حُلُومَ عاد ... فإن قلوبهم قَفْرٌ هواء
(1/227)

لهم صنم يقال له صمود ... يقابله صداء والهباء
فبصَرنا النبي سبيل رشد ... فأبصرنا الهدى ونأى العَمَاء
وإني موقن فاستيقنوه ... بأن إله هود هو العلاء
وأن إله هود هو إلهِي ... على الله التوكل والرجاء
وأني لاحق بالأمس هوداً ... وإخوته إذا حق المساء
مهلك عاد
فأرسل الله عز وجل على عاد الريح العقيم، فخرجت الريح عليهم من وادٍ لهم، فلما رأوا ذلك قالوا: " هذا عارضٌ ممطرناط وتباشروا بذلك، فلمّا سمع هود ذلك من قولهم قال: " بل هو ما استعجلتم به، ريح فيها عذاب أليم " الاية فأتتَهم الريح يوم الأربعاء، فلم تأت الأربعاء الثانية ومنهم حَيٌّ، فمن أجل ذلك كره الناس يوم الأربعاء.
وقد بينا فيما يرد من هذا الكتاب كيفية ذلك، وكيف وقوعه من أيام الشهر في باب ذكر الشعور، فلما شاهد هود النبي صلى الله عليه وسلم ما نالَ قومه انفرد هو ومن معه من المؤمنين، وفي ذلك يقول الهيل بن الخليل:
لو أن عاداً سَمِعَتْ من هود ... واتبدت طريقة الرشيد
وقد أتى بالوعد والوعيد ... عاداً وبالتقريب والتبعيد
ما أصبحت عاثرة الجدود ... صَرْعَى على الآناف والخدود
ساقطة الأجساد بالوصيد ... ماذا جنى الوفد من الوفود
أحداثة في ... الأبد الأبيد
وقال مهد بن سعد في شعرله:
دعاهم خيفة للَّه هود ... فما نفع النذير ولا أجابوا
فلما أن أبوا إلا عتواً ... أصابهمُ ببغيهم العذابُ
وقد كان الأخر من ملوكهم الخلجان، وقد تقدم ذكرنا في هذا الباب لملك عاد وثمود وغيرهم، وقيل: إن أول من ملك عادأ من الملوك عاد بن عوص ثلثمائة سنة، ثم ملك ابن عاد بن عوص.
الجحفة
قال: ولما دثرت هذه الأمم من العرب والقبائل خلت منهم الديار فسكنها غيرهم من الناس، فنزل قوم من بني حنيفة اليمامة واستوطنوها وقد كانوا نزلوا بلاد االْجًحْفَة بين مكة والمدينة وقطنوها؛ فقال شاعرهم يدثى من كان في تلك الديار:
إن طَسْماً وجُرْهُماً وجديسا ... والعماليق في السنين الخوالى
عمروا البيت حِقْبَة ثم ولئوْا ... واستمرت بهم صروف الليالي
وأراك الزمان منهم، وأضحى ... غيرهم ساكنأ بتلك الخوالى
ورماهم رَيْبُ الزمان فأمسوا ... درهم بلقع لَمِرالشمال
وقد كان نزل بلاد الجحفة بين مكة والمدينة عبيل بن عوص بن أرم بن سام بن نوح هو وولدة ومن تبعه، فهلكوا بالسيل، فسمي ذلك الموف بالْجُحْفة لإجحافها عليهم.
يثرب
وكان يثرب بن قاتية بن مهليل بن أرم بن عبيل نزل بالمدينة هو وولده ومن تبعه فسميت به يثرب، فهلك هؤلاء أيضاً ببعض غوائل الدهر و افاته، فقال شاعرهم:
عَيْنُ جودي على عبيلٍ، وهل ير ... جع مافات فَيضُها بالسجام
عَمرُوا يثرباً وليس بها سَفْر ولا صارخ ولا ذوسَنَام
غرَسوا لِينَها بمجرى معين ... ثم حفوا الفَسيلَ يالاجام
وقد أخبر اللهّ جلت قدرته عنه، فقال: " كذبت ثمود وعاد بالقارعة، فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية، وأما عاد فأهلكوا بريح صَرصرٍ عاتية " .
قوم شعيب
وقد تنازع أهل الشرائع في قوم شعيب بن نويل بن رعويل بن مربن عنقاء بن مَدْين بن إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم وكان لسانه العربية: فمنهم من رأى أنهم من العرب الداثرة، والأمم البائدة، وبعض من ذكرنا من الأجيال الخالية، ومنهم من رأى أنهم من ولد المحض بن جندل بن لِعصب بن مدين بن إبراهيم، وأن شعيباً أخوهم في النسب، وقد كانوا عدة ملوك تفرقوا في ممالك متصلة ومنفصلة فمنهم المسمى بأبي جاد وهوز وحطي وكلمن وسعفص وقرشت، وهم على ما ذكرنا بنو المحض بن جنمل.
حروف الجمل
(1/228)

وأحرف الجمل على أسماء هؤلاء الملوك، وهي التسعة والعشرون. حرفاً التي يدور عليها حساب الجمل، وقد قيل في هذه الأحرف غيرما ذكرنا من الوجوه، على حسب ما قدمنا في هذا الكتاب، وليس كتابنا، موضعاً لما قاله الناس فيها، وتنازعوا في تأويلها والمراد بها، وكان أبجد ملك مكة وما يليها من الحجاز، وكان هوز و حطي ملكين ببلاد وَجّ، وهي أرض الطائف وما اتصل بذلك من أرض نجد، وكلمن وسعفص وقرش ملوكاً بمَدْيَن، وقيل: ببلاد مصر، وكان كلمن على ملك مدين، ومن الناس مَنْ رأى أنه كان ملكاً على جميع من سمينا مشاعاً متصلأ على ما ذكرنا.
عذاب يوم الظلة
وإن عذاب يوم الظُّلة كان في ملك كلمن منهم، وأنَ شعيباً دعاهم فكذبوه، فوعدهم بعذاب يوم الظلة، ففتح عليهم باب من السماء من نار، وانحاز شعيب بمن آمن معه إلى الموضع المعروف بالأيْكَة، نحو مدين، فلما أحس القوم بالبلاء واشتد عليهم الحر وأيقنوا بالهلاك طلبوا شعيبأ ومن آمن معه وقد أظلتهم سحابة بيضاء طيبة النسيم والهواء لا يجدون فيها ألم العذاب، فأخرجوا شعيباً ومن آمن معه من موضعهم وأزالوهم عنِ أماكنهم وتوهموا أن ذلك ينجيهم مما نزل بهم فجعلها اللّه عليهم ناراَ، فأتت عليهم فرثت حارثة بنت كلمن أباها فقال وكانت بالحجاز:
كلمن هَدَّم ركني ... هُلْكه وَسْطَ المحلّهْ
سيد القوم أتاه الحَتْفُ ناراً تحت ظُلهْ
كونت ناراً، وأضحت ... دار قومي مضمحلّهْ
وفي ذلك يقول المنتصر بن المنذر المديني:
ألا يا شعيب قد نَطَقْتَ مقالة ... أتيت بها عمراً وحَيَّ بني عمرو
وهم ملكوا أرض الحجاز و أوجَهَا ... كمثل شعاع الشمس في صورة البدر
ملوك بني حُطَي وَسَعْفصَ ذي الندى ... وهَوَّز َأرباب البَنية والحجر
وهم قطنوا البيت الحرام ورتّبوا ... خطوراً وساموا في المكأرم والفخر
ولهؤلاء الملوك أخبار عجيبة من حروب وسير، وكيفية تغلبهم على هذه الممالك وتملكهم عليها، وإبادتهم من كان فيها وعليها قبلهم من الأمم، قد أتينا على ذكرها فيما تقدم من كتبنا في هذا المعنى مما كتابُنَا هذا منبه عليها وباعث على درسها.
حضورا وتنازع الناس في أنسابهم
وأما بنو حضورا وكانت أمة عظيمة ذات بطش وشدة، فغلبت على كثير من الأرض والممالك، وقد تنازع الناس فيهم: فمنهم من ألحقهم بمن ذكرنا من العرب البائدة ممن سمينا، ومنهم من رأى أنهم من ولد يافث بن نوح، وقيل في أنسابهم غير ما ذكرنا من الوجوه، وقد كان اللّه عز وجل بعث إليهم شعيب بن مهدم بن حضورا بن عدي نبياً ناهياً عما كانوا عليه، وهذا غير شعيب بن نويل بن رعويل بن مر بن عنقاء بن مدين بن إبراهيم الخليل صاحب مدين المتزوج ابنَتَه موسى بن عمران المقدم ذكره، وبينهما مئون من السنين، وقد كان بين موسى بن عمران وبين المسيح ألف نبي، ولما بُعِثَ إلى حضورا، واشتد كفرهم جدَ نبيهم شعيب بن مهدم في دعائهم وخَوَّفهم وتوعدهم، فقتلوه من بعد ظهور معجزات كانت له ودلائل أظهرها اللّه على يديه تدل على صدقة وتثبت حجته على قومه، فلم يضيع الله دمه، ولم يكذب وعيده، فأوحى اللّه تعالى إلى نبي كان في عصره - وهو برخيا بن أخبيا بن زنائيل بن شالتان - وكان من سبط يهوذا بن إسرائيل بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليه السلام - أن يأتي بختنصر - وكان بالشام - وقيل: غيره من الملوك، فيأمره أن يغزو العرب الذين لا أغْلاق، لبيوتهم، فلما أتى برخيا ذلك الملك قال له الملك: صدقت، لي سب ليال أومَرُ في نومي بما ذكرت، وأنَادي بمجيئك إلي، وأبشر بخطابك ويُقال لي ما أمرتني به، وأن أنتصر للنبي المقتول الفديد المظلوم فسار إليهم في جنوده وغشي دارهم في عساكره، وصاح بهم صائح من السماء وقد استعدوا لحربه من حيث عَمَّ الصوت جميعهم، وهو يقول:
سَيُغْلَبُ قوم غالبوا اللَّه جهرة ... وإن كايدوه كان أقْوَى وأكيدا
كذاك يضل الله من كان قلبه ... مريضاً وَمَنْ وَالَى النفاق وألحدا
فلما سمعوا ذلك علموا أن الأمر قد نزل بهم، فانفضت جنودهم وتفرقت جموعهم، وولَّتْ كتائبهم يتراكضون، وأخذهم السيف، فَحُصِدا أجمعين.
(1/229)

وقد ذكر أن في قصة هلكهم قال اللّه عز وجل من قائل: " فَما أحَسُّوا بأسنا إذا هم منها يركضون " .
منازل حضورا
وقد تنوزع في ديارهم والموضع الذي كانوا فيه: فمن الناس مم رأى أنهم كانوا بأرض السماوة، وأنها كانت عمائر متصلة ذات جنان ومياه متدفقة، وذلك بين العراق والشام إلى حد الحجاز، وهي الآن ديار خراب براري وقفار، ومنهم من رأى أن ديارهم كانت بلاد جند قنسرين إلى تل ماسح إلى خناصرة إلى بلاد سورية، وهذه المدن في هذا الوقت مضاف إلى أعمال حلب من بلاد قنسرين من أرض الشام.
قال المسعودي: وقد أتينا على جمل من أخبار العرب الماضيه والباقية، وقد كان قبل ظهور الإسلام للباقى منهم مذاهب وآراء في النفوس وتغول الغيلان والهواتف والجن، وسنورد جملاً منها منفرعة على حسب ما يقتضيه شرط الاختصار في هذا الكتاب، وعلى حسب ما نمي إلينا من أخبارهم، واتصل بنا من آثارهم، وذكره الناس من آرائهم، عن الفاني والباقي منه، إن شاء الله تعالى.
ذكر ما ذهب إليه العرب في النفوس والهام
والصفر وغير ذلك من مذاهب الجاهلية في النفوس والمرء
الاختلاف في النفس
كانت للعرب مذاهب في الجاهلية في النفوس، وآراء ينازعون في كيفياتها: فمنهم من زعم أن النفس هي الدم لا غير وأن الروح الهواء الذئ في باطن جسم المرء منه نفسه، ولذلك سموا المرأة منه نفَسَاء، لما يخرج منها من الدم، ومن أجل ذلك تنازع فقهاء الأمصار فيما له نَفْسُ سائلة إذا سقط في الماء: هل ينجسه لم لا؛ وقال تأبط شرأ لخاله الشنفرى الأكبر وقد سأله عن قتيل قتله - كيف كانت قصته؛ فقال: ألجمته عضباً فسالت نفسه سكباً، وقالوا: إن الميت لا ينبعث منه الدم ولا يوجد فيه، بدأ في حال الحياة، وطبيعته طبيعة الحياة والنماء مع الحرارة والرطوبة؛لأن كل حي فيه حرارة و رطوبة، فإذا مات بقي اليبس والبرد، ونفيت الحرارة، وقال ابن براق من كلمة:
وكم لاقيت ذا نجب شديد ... تسيل به النفوس على الصدور
إذا الحرب العوان به استهامت ... وحال، فذاك يوم قمطرير
وطائفة منهم تزعمِ أنه - النفس طائر ينبسط في جسم الإِنسان، فإذا مات أو قتل لم ينزل مطيفاَ به متصوراً إليه في صورة طائر يصرخ على قبره مستوحشاً، وفي ذلك يقول بعض الشعراء وذكر أصحاب الفيل:
سلط الطير و المنون عليهم ... فلهم في صدَىَ المقابر هَام
لأن هذا الطائر يسمونه الهام، والواحدةِ هامة، وجاء الإسلام وهم على ذلك حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم " لا هَاَمَ ولا صَفَر " .
ويزعمون أنَّ هذا الطائر يكون صغيراً، ثم يكبر حتى يصير كضرب من البوم وهي أبداً تتوحش وتَصْدَع، وتوجد أبداً في الديار المعطلة والنواويس، وحيث مصارع القتلى وأجداث الموتى.
ويزعمون أن الهامة لا تزال على ذلك عند ولد الميت في محلته بفنائهم،لتعلم ما يكون بعده فتخبره به، حتى قال الصلت بن أمية لبنيه:
هامِي تخِّبرني بما تستشعروا ... فتجنبوا الشنعاء والمكروها
وفي ذلك يقول في الإِسلام توبة في ليلى الأخلية:
ولو أن ليلى الأخيلية سَلّمت ... عليَّ ودوني جندل وصفائح
سلمت تسليم البشاشة، أوزقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح
وهذا من قولهم يدل على أن الصدَى قد ينزل إلى قبورهم ويصعد ومن ذلك ماروي عن حاتم طيىء مما سنورد خبره في هذا الكتاب.
أتيت لصحبك تبغي القرى ... لدى حُفر صدحَتْ ه أمه ا
وسنذكر هذا الشعر في أخبار الحجاج بن يوسف مع ليلى الأخيلية من هذا الكتاب، وقد قيل: إن هذه الأبيات لغير توبة في غير ليلى، وهذا كثير في أشعارهم ومنثور كل أمه م وسَجْعهم وخطبهم، وغير ذلك من محاورا تهم.
تنقل الأرواح
وللعرب وغيرهم من أهل الملل ممن سلف وخَلَفَ كلام كثير في تنقل الأرواح وقد أتينا على مبسوط ذلك في كتابنا المترجم بسر الحياة وكتاب الدعاوى وبالله التوفيق.
ذكر أقاويل العرب في الغيلان والتغول
وما لحق بهذا الباب
رأيهم في الغول
للعرب في الغيلان وتغولها أخبار طريفة.
(1/230)

العرب يزعمون أن الغول يتغول لهم فيِ الخلوات، ويظهر لخواصهم في أنواع من الصور، فيخاطبونها، وربما ضيَّفوها، وقد أكثروا من ذلك في أشعارهم: فمنها قول تأبط شرأ:
وأدهم قد جُبْت جلبابه ... كما آجتابت الكاعب الخيعلا
على إثر نارٍ يَنُور بها ... فبتُّ لها مدبِرا ًمقبلا
فأصبحْتُ والغول لي جارة ... فياجارتي أنت ما أهْوَل
وطالبتها بُضَعهَا فالتوت ... بوجه تغول فاستغولا
فمن كان يسأل عن جَارتي ... فإن لها باللِّوَى منزلا
ويزعمون أن رجليها رجلا عنز، وكانوا إذا اعترضتهم الغول في الفيافي يرتجزون ويقولون:
يارجل عنز آنْهَقِي نيقا ... لن نترك السبسب والطريقا
الغول تتلون وتضلل
وذلك أنها كانت تتراءى لهم في الليالي وأوقات الخلوات، فيتوهمون أنها إنسان فيتبعونها، فتزيلهم عن الطريق التي هم عليها، وتتيههم. وكان ذلك قد اشتهر عندهم وعرفوه، فلم يكونوا يزولون عما كانوا عليه من القَصْد فإذا صيح بها على ما وصفنا شردت عنهم في بطون الأودية ورؤوس الجبال.
وقد ذكر جماعة من الصحابة ذلك: منهم عمر بن الخطاب، رضي الله عنه أنه شاهد ذلك في بعض أسفاره إلى الشام، وأن الغول كانت تتغول له، وأنه ضر بها بسيفه، وذلك قبل ظهور الإسلام، وهذا مشهور عندهم في أخبارهم.
رأي الفلاسفة
وقد حكي عن بعض المتفلسفين أن الغول حيوان شاذ من جنس الحيوان مُشَوّهً لم تحكمه الطبيعة، وأنه لما خرج منفرداً في نفسه وهيئته توحَش من مسكنه، فطلب القفار، وهو يناسب الإِنسان والحيوان البهيمي في الشكل، وقد ذهبت طائفة من الهند إلى أن ذلك إنما يظهر من فعل ما كان غائباً من الكواكب عند طلوعها، مثل الكوكب المعروف بكلب الجبار، وهي: الشَعْرَى االْعَبُور، وأن ذلك يحدث داء في الكلاب، وسهيل في الحمل والذئب في الدب وحامل رأس الغول يحدث عند طلوعه تماثيل وأشخاص تظهر في الصحاري، وغيرها من العامر والخرائب، فتسمية عوام الناس غولاً، وهي ثمانية وأربعون كوكباً، وقد ذكرها بطليموس وغيره ممن تقدم وتأخر، وقد وصف ذلك أبو معشر في كتابه المعروف بالمدخل الكبير إلى علم النجوم وذكر كيفية صورة كل كوكب عند ظهوره في أنواع مختلفة.
وزعمت طائفة من الناس أن الغول اسم لكل شيء يعرض للسُّفَار، ويتمثل في ضروب من الصور، ذكراً كان أو أنثى، إلا أن اكثر هم كل أمه م على أنه أنثى، وقد قال أبو المطراب، عبيد بن أيوب العنبري:
وحالفني الوحوش على الوفاء ... وتحت عهودهن وَبَا البعاد
وغولا قفرة ذكراً وأنثى ... كأن عليهما قطع النجاد
وقال آخر وهو كعب بن زهير الصحابي:
فما تَحُومُ على حال تكون بها ... كما تَلًؤنُ في أثوابها الغولُ
وقد قدمنا ذكر ذلك فيما سلف من كتبنا في هذا المعنى، وأن كل كوكب من هذه يظهر في صورة مخالفة لما تقدمه من الصور يحدث في هذا العالم نوعاً من الأفعال لم ينفرد يفعله غيره من الكواكب.
وكانت العرب قبل الإسلام تزعم أن الغيلان توقد بالليل النيران للعبث والتخيل، واختلال السا بلة، قال أبو المطراب:
فللَّه در الغول، أي رفيقةٍ ... لصاحب قفر حالف وهو معبر
أرنَتْ بلحن بعد لحن وَأوقدت ... حواليً نيرانا تلوح وتزهر
قولهم في السعلاة
وقد فرقوا بين السِّعْلاَة والغول، قال عبيد بن أيوب:
وساخرة مني، ولو أن عينها ... رأت مارأت عيني من الهول جُنَت
أبيت بسعلاة وغول بقفرة ... إذا الليل وارى الجَنّ فيه أرَنَّت
ِ وقد وصفها بعضهم، فقال:
وَحافِرُ العنز في سَاقٍ مدَمْلَجة ... وَجفن عين خِلاف الإنس بِالطول
قولهم في الشياطين ونحوهم
(1/231)

وللناس كلام كثير في - الغيلان، والشياطين، والمردة، والجن، والقطرب، والغدار، وهو نوع من الأنواع المتشيطنة، يعرف بهذا الاسم، يظهر في أكناف اليمن والتهائم، وأعالي صعيد مصر، وأنه ربما يلحق الإنسان فينكحه فيتدود دبره فيموت،وربما يتوارى للإنسان فيذعره، فإذا أصاب الإنسان ذلك منه يقول له أهل تلك النواحي التي سمّينا: أمنكوح هو أم مذعور؟ فإن قالوا منكوح يُئسَ منه، وإن كان مذعوراً أسكن روعه، وشجع مما ناله، وذلك أن الإنسان إذا عَايَنَ ذلك سقط مغشياً عليه، ومنهم من يظهر له ذلك فلا يكترث به لشهامة قلبه، وشجاعة نفسه، وما ذكرنا مشهور في البلاد التي سمينا، ويمكن جميعُ ما قلنا مما حكيناه عما ذكرنا من أهل هذه البقاع أن يكون ضرباً من السوانح الفاسدة والخوأطر الرديئة، أو غير ذلك من الآفات والأدواء المعترضة لجنس الحيوان من الناطقين وغيرهم، والله أعلم بكيفية ذلك.
ولم نذكر في هذا الكتاب ما ذكره أهل الشرائع، وما ذكره أهل التواريخ والمصنفون لكتب البدو، كوهب بن منبه، وابن إسحاق، وغيرهما أن الله تعالى خلق الجان من نار السموم، وخلق منه زوجته، كما خلق حواء من آدم وأن بيضة من تلك البيض تفلقت عن قطربة، وهي: أم القطارب،وأن القطربة على صورة الهرة، وأن الأبالس من بيضة أخرى منهم الحارث أبو مرة، وأن مسكنهم البحور، وأن االْمَردة من بيضة أخري مسكنهم الجزائر، وأن الغيلان من بيضة أخري، مسكنهم الخلوات والفلوات، وأن السعالي من بيضة أخري، سكنوا الحمامات والمزابل، وأن الهوام من بيضة أخري، سكنوا الهواء في صورة الحيات ذوات أجنحة يطيرون هنالك، وأن من بيضة أخرى الدواسق، وأن من بيضة أخرى الحماميص - لأنا قد ذكرنا ذلك فيما سلف من كتبنا، وتقدم من تصنيفنا، وأتينا على ذكر ما تشعب من أنسابهم والمشهور من أسمائهم ومساكنهم من الأرض والبحار، وإن كان ما ذكره أهل الشرع مما وصفنا ممكناً غير ممتنع ولا واجب، وإن كان أهل النظر والبحث والمستعملون لقضية العقل أو الفحص يمتنعون مما ذكرناه، ويأبون ما وصفنا، والمصنف حاصِبُ ليل، فأوردنا ما أقاله الناس من أهل الشرائع وغيرهم؛ إذ كان الواجب على كل في تصنيف أن يورد جميع ما قاله أهل الفرق في معنى ما ذكرناه، وأتينا أيضاً على سائر ما خبرنا من الأشخاص التي هي غير مرئية من الجن والشياطين وما قالوه في سلوك الجن في الناس في كتابنا المترجم بكتاب المقالات، في أصول الديانات بالله التوفيق.
ذكر قول العرب في الهواتف والجان
قال المسعودي: فأما الهواتف فقد كانت كثرت في العرب، واتصلت بديارهم، وكان كثرها أيام مولد النبي صلى الله عليه وسلم، وفي أولية مبعثه، ومن حكم الهواتف أن تهتف بصوت مسموع وجسم غير مرئي.
قولهم في الهواتف والجان
قال المسعودي: وقد تنازع الناس في الهواتف والجان: فذكر فريق منهم أن ما تذكره العرب وتُنْبىء به من ذلك إنما يعرض لها من قبل التوحد في القفار، والتفرد في الأودية، والسلوك في المهامة والمَرَوْرَاة الموحِشة؛ لأن الإنسان إذا صار في مثل هذه الأماكن وتوحًد تفكر، وإذا هو تفكر وجِلَ وَجَبُنَ، وإذا هو جبن داخلته الظنون الكاذبة، والأوهام المؤذية، والسوداوية الفاسدة، فصورت الأصوات، ومثلت له الأشخاص، وأوهمته المحال، بنحو ما يعرض لنوي الوسواس، وقُطْبُ ذلك وأسُه سوء التفغير، وخروجه على غير نظام قوي، أو طريق مستقيم سليم؛ لأن المتفرد في القفار والمتوحد في المَرَوْرَاة مستشعر للمخاوف، متوهم للمتالف، متوقع للحُتُوف ؛ لقوة الظنون الفاسدة على فكره، وانغراسها في نفسه، فيتوهم ما يحكيه من هَتْف الهواتف به واعتراض الجان له.
بين شق وعلقمة بن صفوان
وقد كانت العرب قبل ظهور الإسلام تقول: إن من الجن مَنْ هو على صورة نصف الإنسان، وأنه كان يظهر لها في أسفارها وحين خلواتها وتسمية شِقاً.
وذكروا عن علقمة بن صفوان بن أمية بن محرب الكناني جد مروان بن الحكم ل أمه أنه خرج في بعض الليالي يريد مالاً له بمكة، فانتهى إلى الموضع المعروف إلى هذا الوقت بحائط حرمان؛ فإذا هو بشق قد ظهر له في أوصاف ذكرها فقال شق:
علقم إني مقتول ... وإن لحمي مأكول
أضربهم بالمسلول ... ضَرْبَ غلام مشمول
رَحْب ِالزراع بهلول
فقال علقمة:
(1/232)

شِق، مالي ولك ... اغمد عني مُنْصُلَكْ
تقتل من لا يقتلك؟
فقال شق:
عَلْقَم، غنيت لك ... كيما أبيح معقلك
فاصبر لما قد حم لك
فضرب كل منهما صاحبه، فخرا ميتين، وهذا مشهور عندهم، وأن علقمة بن صفوان قتلته الجن.
الجن تقتل حرب بن أمية
وذكروا عن الجن بيتين من الشعر قالتهما في حرب بن أمية حين قتلته الجن وهما:
وقبر بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر
واستدلوا على أن هذا الشعر من قول الجن بأن أحداً من الناس لا يتأتى له أن ينشد هذين البيتين ثلاث مرات متواليات لا يتتعتع في إنشادهما؛ لأن الإنسان قد ينشد العشرين بيتاً والأكثر والأقل أشد من هذا الشعر وأثقل منه ولا يتتعتع فيه.
ممن قتلته الجن
وممن قتلته الجن مرداس بن أبي عامر السُّلَمي، وهو أبو عباس بن مرداس السُّلَمي، ومنهم الغريض المغني، بعد أن ظهر غناؤه وحمل عنه، وقد كانت الجن نهته أن يغني بأبيات من الشعر، فغناها فقتلته.
قبر حاتم طي يقري الضيف
وحدث يحيى بن عقاب، عن علي بن حرب، عن أبي عبيدة معمر بن المثنى عن منصور بن يزيد الطائي ثم الصامتي قال: رأيت قبر حاتم طي ببقة، وهو أعلى جبل له واد يُقال له الخابل، وإذا قدْرٌ عظيمة من بقايا قدور حجر مكفأة في ناحية من القبر من القدور التي كان يطعم فيها الناس، وعن يمين قبره أربعِ جوار من حجارة، وعلى يساره أربع جوار من حجارة، كلهن صاحبة شعْر منشور محتجرات على قبره كالنائحات عليه، لم ير مثل بياض أجس أمه ن وجمال وجوهن، مَثَّلهن الجن على قبره، ولم يكنَ قبل ذلك، والجواري بالنهار كما وصفنا، فإذا هدأت العيون أرتفعت أصوات الجن بالنياحة عليه، ونحن في منازلنا نسمع ذلك، إلى أن يطلع الفجر فإذا طلع الفجر سكتن وهدأن، وربما مر المار فيراهن فيفتتن بهن فيميل إليهن عجباً بهنَ؛فإذا دنا منهن وجدهن حجارة.
وحدث يحيى بن عقاب الجوهري قال: حدثنا علي قال: أنبأني عبد الرحمن بن يحيى المنذري، عن أبي المنزر هشام الكلبي، قال: حدثنا أبو مسكين بن جعفر بن محرز بن الوليد، عن أبيه، وكان مولى لأبي هريرة قال: سمعت محمد بن أبي هريرة يحدث قال: كان رجل يكنى أبا البختري مر في نفر من قومه بقبر حاتم طييء، فنزلوا قريباً منه، فبات أبوٍ البختري يناديه: يا أبا الجعد، أقرنا، فقال قومه له: مهلاً ما تكلم رمة بالية؟ قال: إن طيئاً تزعم أنه لم ينزل به أحد قط إلا قَرَاه، وناموا، فلما أن كان في آخر الليل قام أبو البختري مذعوراً فزعاً ينادي: وراحلتاه، فقال له أصحابه: ما بدا لك؟ قال: خرج حاتم من قبره بالسيف، وأنا أنظر، حتى عقر ناقتي، قالوا له: كذبت، ثم نظروا إلى ناقته بين نوقهم مُجَدَّلة لا تنبعث، فقالوا له: قَدْ والله قَرَاك، فظلوا يكلون من لحمها شواء وطبيخاً حتى أصبحوا، ثم أردفوه، وانطلقوا سائرين، فإذا راكب بعيرٍ يعود آخر قد لحقهم فقال: آيكم أبو البختري؛ فقال أبو البختري: أنا ذلك، قال: أنا عدي بن حاتم، وإن حاتماً جاءني الليلة في النوم ونحن نزول وراء هذا الجبل، فذكر شَتْمك إياه، وأنه قَرَى أصحابك براحلتك، وأنشدني يقول في شعره:
أبا البختري، لأنت امرؤ ... ظلومُ العشيرة شَت أمه
ا أتَيْتَ بصحبك تبغي القِرَى ... لدى حفرة صدحَتْ ه أمه ا
أتبغى ليَ الذم عند المبيت ... وحَوْلكَ طي وأنع أمه ا؟
فإنا سنشبع أضيافنا ... ونأتي فنعت أمه ا
وقد أمرني أن أحملك على بعير مكان راحلتك، فدونك.
وقد ذكر هذا سالم بن زرارة الغطفاني في مدحه عدي بن حاتم حيث يقول: -
أبوك أبوسَفَانَة الخير لم يزل ... لحن شَبَّ حتى مات في الخير رغبا
به تضرب الأمثال في الشعر ميتا ... وكان لَهُ إذ ذاك حيا مصاحبا
قَرَى قبره الأضياف إذ نزلوا به ... ولم يقر قبر قبله الدَّهْر َراكب
(1/233)

وحدث أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد عن أبي حاز السجستاني، عن أبي عبيدة مَعْمر بن المثنى، قال: سمعت شيخاًه العرب قد أناف على المائة يقول: إنه خرج وافداً على بعض ملوك بئ أمية، قال: فسرت في ليلة صِهَاكية حالكة كأن السماء قد برقعت نجومها بطرائق السحاب، وضللت الطريق، فتولجت واديأ لا أعرفه فأهمتني نفسي بطرحها حتى الصباح فلم آمن عزيف الجن، فقلت: أعوز برب هذا الوادي من شره، وأستجيره في طريقي هذا، وأسترشده، فسمعت قائلاً يقول من بطن الوادي:
تيامن تجاهك تلق الْكَلا ... تسير وتأمن في المسلك
قال: فتوجهت حيث أشار إلي وقد أمنت بعض الأمن فإذا أنا بأقباس نار تلمع أمامي في خللها كالوجوه على قامات كالنخيل السحيقة، فسرر وأصبحت بأوشال - وهو ماء لكلب - بقرب برية دمشق.
وقد ذكر اللّه عز وجل ذلك من فعلهم في كتابه فقال: " وَانَهُ كَان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزاثوهم رَهَقا " .
ذكر ما ذهبت إليه العرب من القيَافة والزجر
والعيافة والسانح والبارح وغير ذلك
الخلاف في القيافة وجوازها
تنازع الناس في العيافة والقيافة وغيرها مما ذكر: فذهبت طائفة إلى تحقيق القيافة والأخذ بها؛لأن الأشباه تنزع، وغير جائز أن يكون الولد غير مشبه لأبيه، أو أحد من أهله من جهة من الجهات، ومنهم من ذهب إلى أن في الولد مواضع تلحقها القيافة دون غيرها من الأعضاء مما لم يحلها الشبه، ولا توافق بينهما بحد مشترك، وأبى آخرون ما وصفنا؛إذ كان الناس قد يتشابهون في حد الإِنسانية وغير ذلك من الحدود، ويفترقون في غيرها من الصور، وليس وجود الأغلب من الأشباه مما يوجب إلحاق الشبه بشبهه، دون أن يخالف من حيث أوجبت قضية العقل الاختلاف بالتباين.
اختصاص العرب بذلك
وهذه المعاني من خواص ما للعرب، وما تفردت به، دون سائر الأمم في الأغلب منها، وإن كانت الكهانة قد وجدت في غيرها، فإن القيافة والزجر والتفاؤل والتطير ليس لغيرها في الأغلب من الأمور، وليس هو موجودأ في سائر العرب، وإنما هو للخاص منها الفطن والمتدرب الطنِنِ، وإن وجد ذلك في بعض الأمم، كوجود ذلك في الإفرنجة، وما جانسها ممن هنالك من الأمم، فيمكن أن يكون ذلك موروثاً عن العرب، ومأخوذاً منها في سالف الدهر، لأن العرب قد تنقلت في البلاد، وتغيرت لغاتها، فنسب ذلك إلى الجنس الذي قطنت بينهم العرب، ويمكن أن تكون الإفرنجة، ومن وجد فيها ذلك من الأمم، وأخذوه بعد ظهور الإسلام عمن جاورهم من أمم العرب، ممن سكن بلاد الأندلس من الأرض الكبيرة، وإن كان ذلك قبل ظهور الإِسلام فهو ما ذكرنا آنفاً، ويمكن أن يكون الله عز وجل خص بذلك أمما غير العرب كما خص العرب به؛إذ كان ذلك داخلاً في الإمكان، خارجَاَ من باب الممتنع والواجب، فيكون الزجر والفأل شاملاً لبعض العرب وغيرها من خواص الأمم كوجود النقد للبربر، والنظر في الكتف، وغير ذلك مما خص به كل جنس من الناس.
منشأ القيافة
(1/234)

وقد ذهبت طائفة ممن سلف، من أهل البحث والتنقير إلى أن القيافة: اسم مشتق من القَفْوِ، وهو معنى استدلاليٌّ، وأصل ذلك: أن الأشكال انفصلت في صورة أنسابها بأشياء تخص الأنواع بالتشكيل وخواصم وجدت لما به ضربت الفواصل إضرابها في وحيدات الأشخاص، وكان التناسل على وساعة وقدر من الغير لما توجبه الطبيعة من اتفاق كل شيء في حوزته، وصرفه إلى وجهه، كما خصت الطبيعة كل نوع من الجنس بفصل أبانته من أغياره، وفرقت بينه وبين أشكاله، فكذلك أيضاً خصت أوحد الأشخاص المنفصلة في الهيئة، بتغير الغير من أغياره. وكذلك لا تكاد فنون الصور تتراءى في المرائي لغير من أغياره،وكذلك لا تكاد وإن ضمها النوع وشملتها المادة فالقائف يقارب بين الهيات، فيحكم للأقرب صورة لأن تشبيه النسل أقرب من تشبيه النوع. وكذلك تشبيه الشخص إلى النوع أقرب منه إلى الجنس،لأن النوع والشخص ضمهما حدان مشتركان وإنما ضم الجنس واحد فهو أصل القيافة عند هذه الطائفة، وهو ضرب من ضروب البحث، وإلحاق النظير في الأغلب بنظيره، ومن حيث تساويهما من حيث ذكرنا في قضية العقل، وهو القياس بعينه، وليس هذا الاستدلال من كلام أحد من فقهاء القائسين ولا غيرهم من المسلمين، وإنما هذا الكلام انتزعناه من كلام طائفة من الفلاسفة المتقدمين؛فيجب أن يكون نظر القائف على قول هذه الطائفة إلى القَدَم؛ لأنها نهاية الشكل وغاية الهيئة، والولد لو خالف صورة أبيه في كنه أفعاله، و باينه في سائر شكله في الأغلب يوافقه في القدَمَ؛ لأن النسل لا بد له من تخصيص قوته بشيء يميزه عن غيره ويُبينه من سواه، ولذلك وجدوا الطول في أزدشَنُوأة، ولذلك صار الجفاء والغلظ في الروم، وأصحاب الأجبال، والأكثر من أهل الشام وأوباش مصر، واللؤم في الخزر وأهل حران من بلاد ديار بكر، والشح بفارس، واللؤم على الطعام بأصفهان، وصار تفرطح الرجلين وفَطَس ! الأنوف في السودان، والطرب في الزنج خاصة.
وهذا الذي وصفنا عند هذه الطائفة من أسرار الطبيعة، وخواص تأثير الأشخاص العلوية، والأجسام السماوية، وقد تقصينا هذا الشأن على كماله في كتابنا في الأسرار الطبيعية وخواص تأثير الأشخاص العلوية والغرائب الفلسفية في كتابنا في الرؤوس السبعية في أنواع السياسات المدنية وملكها الطبيعية وفي كتاب الاسترجاع في الكرم على من زعم أن العالم متغير جوهره إلى الظلمة، وأن النور فيه غريب مختار، وأن ستة أنفس كانوا نورأ بلا أجساد: شيث بن أدم وزرادشت، والمسيح، ويونس، واثنان لا يمكن ذكرهما، وأن النور والظلمة قديمان، وأنهما لا يُرَيَانِ إلا غير ممتزجين وأن الأشياء لا تعمل إلا في جوهرهما ثم امتزجا من تلقاء أنفسهما، من غير داخل عليهما ولا مكره أكرههما، وهذا الخلف من الكلام والفاسد من المقال، وأعجب من هذا القول قول زردشت نبي المجوس: أن القديم تعالى ذكره طالت وَحْدَته فطالت فكرته، فلما أن طالت فكرته، واشتدت وَحْشَته، توالد الهَئُم منه، وهو الشيطان، من تلك الوحشة التي ولدتها تلك الفكرة، ونتجتها الوحدة، وأن الله عز وجل لو كان قادراً على إفناء ألهم منه لما ضرب له أجلا، ولا أخلَ له أمراً يغوي عبادة، ويفسد بلاده. وهذا هو المُحَال بعينه، والتناقض بنفسه، وعجب آخر من الأراء من قول بولص: إن المسيح عليه السلام هو الذي أرسله، وإن المسيح إنسان وإله؛ لأنه إله صار إنساناً، إنسان صار إلهاً، وقد أتينا على جمل من متناقضات أهل الآراء، في أثناء ما تقدم من كتبنا، وإنما تشعب بت الكلام إلى هذا النوع، وتغلغل بنا القول إلى هذا المعنى، لأنه من جنس ما كنا فيه، لكن عند ذكرنا لما أودعناه كتاب الاسترجاع والإبانة عن غرض فيه.
الزجر
فلنرجع الآن إلى ما كنا فيه من هذا الكتاب: وحدث المنقري عن العتبي، قال: وقف عبَيدْ الراعي ذات يوم مع ركب بفَيْفَاء قَفْر، وكانوا يريدون استقصاد رجل من تميم؛ إذ سنحت ظباء سود منكرة، ثم اعترضت الركب مقصرة في حُضْرِها، واقفة على شأنها، فأنكر ذلك عُبَيدْ الراعي، ولم ينتبه له أصحابه، فقال عبيد:
ألم تدرِ ما قال الظباء السوانح؟ ... أطَفْنَ أمام الركب والركب رائح؟
فكر الذي لم يعرف الزًجْر َمنهمُ ... وأيقن قلبي أنهن نوائح
(1/235)

ثم شارفوا مقصدهم، فألْفَوُا الرئيس قد نهشته أفعى، فأتت عليه.
قال أبو عبيدة مَعْمَر بن المثنى: وهذا من غريب الزجر، وذلك أن السانح مَرْجُو عند العرب، والبارح: هو المخوف ، وأظن عُبَيْداً إنما زجر الظباء في حالة رجوعها، ووصف الحال الأول في شعره، كما أن من شرط الواصف أن يبدأ بهوادي الأسباب فيوضح عنها، فهذا وجه زجر عبيد الراعي في شعره.
اختصاص بعض العرب ببعض هذه الأمور
ويُقال: إن الكهانة لليمن، والزجر لبني أسد، والقيافة لبني مُدْلج وأحياء مضر بن نزار بن مَعَدّ، لما كان من فعل بني نزار الأربعة في مسيرهم نحو الأفعى الجرهمي، ووصفهم الجمل الشارد، على ما ذكرنا، أو ذلك منهم قيافة؛فمن هنالك تفرقت القيافة من أحياء مضر على حسب ما تغلغل في العروق ونزع، وأهل المياه أكْهَنُ، وأهل البر الفائح أقْوَفُ، وبأرض الجفار - وهي بلاد الرمل بين بلاد مصر وأرض الشام - أناس من العرب في تلك الجفار يتناول الإِنسان من تمر نخلهم فيغيب عنهم السنين ولم يروه ولا شاهدوه، فإن رأوه بعد مدة علموا أنه الآخذ لتمرهم، ولا يكادون يخطئون وهذا من فعلهم مشهور، ولا يكاد تخفى عليهم أقدام أي الناس هم.
ورأيت بهذه الأرض أناسا قد رتَّبهم وُلاة المنازل يطوفون في هذا الرمل، يُعرفون بالقُصَاص، يقصون آثار الناس وغيرهم، فيخبرون ولاة المنازل أي الناس هم ممن طرق تلك البلاد، وهم لم يروهم، بل رأوا اثر أقد أمه م، وهذا معنى لطيف وحس دقيق.
القيافة
وقد قَفَتْ القَافَةُ بقريش حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إلى الغار، حتى أتت باب الغار على حجر صلد وصخر صم وجبال لا رمل عليها ولا طين ولا تراب تتبين عليه الأقدام، فحجبهم اللّه تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم بما كان من نَسْج العنكبوت، وما سَفَتْ عليه الرياح، وما لحق القائف من الحيرة، وقوله: إلى هنا انتهت الأقدام، ومعه الجماعة من قريش، لا يرون على الصلد ما يرى ولا على الضَفْوَان ما يشاهد، وأبصارهم سليمة، والآفات عنها مرتفعة، والموانع زائلة، ولولا أن هنالك لطيفة لا يتساوى الناس في علمها، ولا يتفقون بالأبصار إحصاء إدراكها، لَمَا استأثر بذلك طائفة دون أخرى، وأهل الجبال والقفار والدِّهَاس أزْجَرُ وأعرف.
القيافة عند أهل الشرع
وقد ذهب قوم من أهل الشريعة، من فقهاء الأمصار وغيرهم ممن سلف، إلى الحكم بالقيافة؛ استدلالاً على شرف القيافة، وعظم خطرها وكبر محلها، وتحقيق فضلها؛لتعجب النبي صلى الله عليه وسلم منها، وتصديقه مُحْرِز المدْلجي.
وقد أنكر جماعة من فقهاء الأمصار، ممن سلف وخلف، الحكم بالقيافة، والدليل على فساد الحكم بها إلحاق النبي صلى الله عليه وسلم الوَلَدَ بأبيه حين شك فيه لعدم التشابه، فقال: يا رسول اللّه، إن امرأتي وضعت غلاماً وإنه لأسود فقال النبي صلى الله عليه وسلم مقرباً إلى فهمه وقصداً منه لفساد علته التي قصدها وشك من أجلها في ولده فهل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: فما ألوانها؟ قال: حُمْر، قال: فهل فيها من أوَرْق؟ قال: نعم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " فمن أين ذلك؟ لعل عرقا نزع " ا وقوله صلى الله عليه وسلم في قصة شريك بن سَحْماء لا إن جاءت به على النعت المكروه، فهو للذي رميت به لما فلما جاءت به على النعت المكروه وَجَدَ التشابه بينه وبين من رميت به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لولا حكم اللّه لكان لي ولك شأن " فألحق الولد مع عدم الشبه هنالك، ولم يلحق بالشبه ههنا، ولم يجعله حكماً، وقضى بوجود الفراش وثبوت النص على فساد الحكم بالتشابه.
وهذا باب قَصَدْنَا فيه هذا الكلام، وإنما ذكرنا هذا الفصل لنذكر الحكم بضده من القيافة، وهذا باب يطول فيه الخطب، ويكثر في معانيه الشرح؛لغموضه ولُطْفه، وقد ذكرنا وجه الكلام في ذلك وما ذهبت إليه كل فرقة من الناس ممن سلف وخلف في كتابنا المترجم بكتاب الرؤوس السبعة في الإحاطة بسياسة العالم وأسراره وهو كتاب مشهور مستوعب.
ذكر الكهانة وما قيل في ذلك
وما اتصل بهذا الباب مما يراه الناس وحدّ النفس الناطقة
أصل ادعاء علم الغيب
(1/236)

تنازع الناس في الكَهَانة: فذهبت طائفة من حكماء اليونانيين والروم إلى التكهن، وكانوا يدعون العلوم من الغيوب، فادعى صنف منهم أن نفوسهم قد صَفَتْ فهي مطلعة على أسرار الطبيعة، وعلى ما تريد أن يكون منها؛لأن صور الأشياء عندهم في النفس الكلية، وصنف منهم ادعى أن الأرواح المنفردة - وهي الجن - تخبرهم بالأشياء قبل كونها، وأن أرواحهم كانت قد صَفَت، حتى صارت لتلك الأرواح من الجن متفقة.
وذهب قوم من النصارى أن السيد المسيح إنما كان يعلم الغائبات من الأمور، ويخبر عن الأشياء قبل كونها؛ لأنه كانت فيه نفس عالمة بالغيب، ولم كانت تلك النفس في غيره من أشخاص الناطقين لكان يعلم الغيب، ولا أمة خلت إلا وقد كان فيها كَهَانة، ولم يكن الأوائل من الفلاسفة إليونانية يدفعون الكهانات، وشُهِرَ فيهم أن فيثاغورس كان يعلم علومأ من الغيب وضروباً من الوحي؛لصفاء نفسه وتجردها من أدران هذا العالم، والصابئة تذهب إلى أن أوريايس الأول وأوريايس الثاني - وهما: هُرمس!، وأغاثيمون - كانوا يعلمون الغيب، ولذلك كانوا أنبياء عند الصابئة، ومنعوا أن تكون الجن أخبرت مَنْ ذكرنا بشيء من ضروب الغيب، لكن صفت نفوسهم حتى اطلعوا على ما استتر عن غيرهم من جنسهم.
وطائفة ذهبت إلى أن التكهن سبب نفساني لطيف يتولد من صفاء مزاج الطباع، وقوة النفس،. ولطافة الحس.
وذكر كثير من الناس أن الكهانة تكون من قبل شيطان يكون مع الكاهن يخبره بما غاب عنه، وأن الشياطين كانت تسترق السمع وتلقيه على ألسنة الكهان فيؤدون إلى الناسَ الأخبار، بحسب ما يرد إليهم، وقد أخبر اللّه عز وجل بذلك في كتابه فقال: " وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حَرَساً شديداً وشبها " و إلى آخر القصة، وقوله تعالى: " يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا " وقوله تعالى: " وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم " الآية والشياطين والجن لا تعلم الغيب، وإنما ذلك لاستراقها السمع مما تسمع من الملائكة بظاهر قوله عز وجل: " فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين " .
وطائفة ذهبت إلى أن وجه سبب الكهانة من الوحي الفلكى، وأن ذلك يكون في المولد عند ثبوت عطارد على شرفه، وأما ما عداه من الكواكب المدبَرَات من النيرين والخمسة إذا كانت في عقد متساوية وأرباع. متكافئة ومناظر متوازية وجب لصاحب المولد التكهن والإِخبار بالكائنات قبل حدوثها؛ لإِشراق هذه الأشراق الكوكبية، ومن هؤلاء من أوجب كون ذلك في القرانات الكبار.
وذهب كثير ممن تقدم وتأخِّر أن علة ذلك علل نفسانية، وأن النفس إذا قويت وزادت قهرت الطبيعة، وأبانت للإنسان كل سر لطيف، وخبرته بكل معنى شريف، وغاصت بلطافتها في انتخاب المعاني اللطيفة البديعة فاقتنصتها وأبرزتها على الكمال، وكشفت هذه الطائفة وجه اعتلالها فيما ذكرنا؛ فإنهم قالوا: رأينا الإنسان ينسب إلى قسمين، وهما النفس والجسد، ووجدنا الجسد مَوَاتا لا حركة له ولا حس إلا بالنفس، وكان الميت لا يعلم شيئاً ولا يؤذَيه؛ فوجب أن يكون العلم للنفس، والنفوس طبقات: منها الصافي وهي النفس الناطقة، ومنها الكدِرُ، وهي النفس الحسية والنفس النزاعية والنفس المتخيلة، ومنها ما قوته في الإنسان أزيد من قوة الجسم، ومنها ما قوة الجسم أزيد منه، فلما كانت النسبة النورية للإنسان إلى النفس كانت تهدي الإنسان إلى استخراج الغيب وعلم الآتي، وكانت فطنته وظنونه أبعث وأعم؛فإذا كانت النفس في غاية البرور ونهاية الخلوص وكانت تامة النور وكاملة الشعاع كان تولجها في دراية الغائب بحسب ما عليه نفوس الكهنة، وبهذا وجد الكهان على هذه السبيل من نقصا في الأجسام وتشويه الخلق، كما اتصل بنا عن شق وسطيح وسملقة وزوبعة وسديف بن هوماس وطريفة الكاهنة وعمران أخى مُزَيقياء وحارثة وجهينة وكاهنُة باهِلَهَ وأشباهه من الكهان.
العرافة وبعض العرافين
وأما العراف - وهو دون الكاهن - فمثل الأبلق الأزْدِي، والأجْلَح الدهري، وعروة بن زيد الأزْدِي،ورباح بن عجلة عراف اليمامة الذي قال فيه عُرْوَةُ:
جعْلتُ لِعَرافِ اليمامة حكمه ... وعَراف نجد إن هما شَفَيَانِي
وكهند صاحب المسننبرن وكان في نهاية التقدم في العرافة.
الكهانة في العرب
(1/237)

والكهانة أصلها نفسيئ؛ لأنها لطيفة باقية ومقارنة لأعجاز باهرة، وهي تكون في العرب على الأكثر وفي غيرهم على وجه الندرة؛ لأنه شيء يتولد على صفاء المزاج الطبيعي، وقوة مادة نور النفس، وإذا أنت اعتبرت أوطانها رأيتها متعلقة بعفة النفس وقمع شرها بكثرة الوحدة وإدمان التفرد وشدة الوحشة من الناس وقلة الأنس بهم، وذلك أن النفس إذا هي تفردت فكرت، وإذا هي فكرت تعدت وإذا تعدت هَطَلَ عليها سُحُبُ العلم النفسي، فنظرت بالعين النورية، ولحظت بالنور الثاقب، ومضت على الشريعة المستوية، فأخبرت عن الأشياء على ما هي به وعليه وربما قويت النفس في الإنسان فأشرفت به على لراية الغائبات قبل ورودها.
وكان كبراء اليونانيين ينعتون هذه الطائفة بالروحانية، ويقولون: إن النفس إذا هي زادت وكانت كبر جزء في الإنسان تهدت إلى استخراج البدائع والأخبار المستترات، واستدلوا على ذلك أن الإنسان إذا قوي فكره من وذادت مواد نفسه وخأطره فكر في الطارىء قبل وروده فعلم صورته فيكون وروثه إلى حال على ما تصوره وهكذا النفس أيضاً إذا تهذبت كانت الرؤيا في النوم صادقة وفي الزمان موجودة.
الرؤيا وأسبابها
وقد تنازع الناس في الرؤيا، والسبب الموقع لها وماهيتها وكيفية وقوعها، فقال فريق: إن النوم هو اشتغال النفس عن الأمور الظاهرة بملاقاة حوادث باطنة فيها، وذلك على وجهين: أحدهما معروف بالعين،قائم بالصفة في خواطر تحدث في النفس معاني تعبرها وتفرق بينها، فتشغل به عن استعمال الظاهر، والباطن فيه يؤعي إليه الحواس الخمس فتبطل الحواس عن الإدراك إلى الحاس أعني الروح لاشتغال الروح عن استعمالها، وإذا وجب بطلانها سمي نوماً عرضياً، لأنه ليس النوم الكلي الذي يعم الأطفال والعجائز والشيوخ الذين خرجوا من موقع السرور أو مخافة الشر. وكذلك نوم الليل على ما وصفنا، والوجه الأخر - وهو النوم الكلي الذي يعم الأطفال والعجائز والطبقات الحيوانية فوات الفكر وغيرها - وهي طبيعة توجبها الخلقة في وقته ضرورة كما يوجب الجوع في وقته ضرورة؛ لأن الجوع عند أهل صناعة الطب علة، وهي الموجبة تحديد الكبد من الفراغ من الأغذية.
ومنهم من رأى أن النفس تحرك صورة الأشياء على ضربين: أحدهما حس والأخر فكر؛ فالصورة المحسوسة لا تحركها إلا في هيئتها؛ فإذا تخلص علمها عندها كان إدراكها مفرداً من طبعها؛ فيكون فكر الإنسان ما لم يتم تابعاً للحس، حتى إذا نام فعدمت النفس الحواس كلها كانت تلك الصورة التي أخذتها من أعيان الأشياء فيها قائمة كأنها محسوسة؛لأن الحس بها في أعيانها كان قبل استيلائها بالفكر ضعيفاً، فلما ارتفع الحس قوي الفكر فصار يُصَوِّر الأشياء كأنها محسوسة يخطر على بال النائم منها كما يخطر على باله إذا كان يَقْظَان الشيء الذي قد كان أنيسه، وليس لذلك نظام، وإنما هو ما اتفق؛ فلذلك يرى الإنسان كأنه يطير وليس بطائر، وإنما يرى صورة الطيران مفردة كما يعلمها إذ غابت؛ ولكن فكرته فيها تقوى حتى كأنها معاينة له، فأما ما يراه النائم من الأشياء التي تدل على ما يريد فإنما ذلك لأن النفس عالمة بالصور، فإذا خلصتفى المنام من شوائب الأجسام أشرفت على ما تريد أن ينالها، وهي عالمة أنها في حال اليقظة لا يمكنها معرفة ذلك فتتخيل خيالات تدل بها على تلك الأشياء التي تريد أن تكون، حتى إذا أنتبهت تذكرت تلك الخيالات وتلك الأشياء؛ فمن كانت نفسه صافية لم تَكَدْ رؤياه تكذب ومن كانت نفسه كدرة كانت تكذب كثيراً، ثم ما بين الكدرة والصافية وسائط على حسب مَرَاتبها من الصفاء والكدَر يكون صدق ما تخيلته وكذبه.
وقال فريق آخر: إذا بطل استعمال النفس للحواس ظاهراً لم يبطل استعمالها في نفسها، ولم يبطل استعمال قواها، فتنتقل في الأماكن، وتشاهد الأشخاص بالقوة الروحانية التي ليست بجسم، لا بالقوة الجسمانية الغليظة، وذلك أن القوة الجسدانية لا تدرك إلا بمشاركة وملامسة الأشياء: إما باتصال كاتصال اللون من الملون وإما بانفصال كانفصال الجسم من الأماكن، والروح تحرك المتصل والمنفصل جميعاً، لا بمشاركة الجسد الذي يوجب الحاجة إلى قرب المدرك.
ومنهم من رأى أن النوم هو اجتماع الدم وجريانه إلى الكبد.
ومنهم من رأى أن ذلك هو سكون النفس وهدوء الروح.
(1/238)

ومنهم من زعم أن ما يجلى الإِنسان في نومه من الخواطر إنما هو من عمل الأغذية والأطعمة والطبائع.
ومنهم من رأى أن بعض الرؤيا من المَلك وبعضها من الشيطان،واعْتَلّ هؤلاء بقوله تعالى: " إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا " .
ومنهم من رأى أنها جزء من إحدى وستين وجزأ من النبوة، وتنازع هؤلاء في كيفية ذلك الجزء وماهيته.
ومنهم من ذهب إلى أن الإنسان الحساس هو غير هذا الجسم المرئي وأنه يخرج عن البدن في حال النوم فيشاهد العالم ويرى الملكوت، على حسب صفائه، واعْتلَّ هؤلاء وغيرهم - ممن ذهب إلى نحو هذا المعنى - بقوله عز وجلّ: " اللّه يتوفى الأنفس حين موتها، والتي لم تمت في من أمه ا " إلى قوله: " إلى أجل مسمى " .
وذهب الجمهور من المتطببين في ذلك إلى آلي الأحلام من الأخلاط، وترى بقدر مزاج كل واحد منها وقوته، وذلك أن الذين تشتغل أجسادهم من المرة الصفراء يَرَوْنَ في من أمه م النيران والنواويس ودخانأ ومصابيح وبيوتاً تحترق ومدائن تلتهب بالنار ونحو ذلك وما أشبهه، والغالب على من كان مزاجه البَلْغَم أن يرى بحوراً وأنهاراً وعيوناً وأحواضاً وغُمْرَاناً ومياهأ كثيرة وأمواجاً، ويرى كأنه يسبح أو يصيد سمكاً ونحو ذلك وما قاربه، والغالب على من كان مزاجه السوداء أن يرى في من أمه أجداثاً وقبوراً وأمواتاً مكفنين بسواد وبكاء ونوحاً ورنينأ وصراخأ وأشياء مفزعة واموراً مفظعة وفيلة وأسوداً، والغالب على من كان مزاجه الدم أن يرى خمراً ونبيذاً ورياحين ولعباً وقَصْفاً وعَزْفاً وأنواع الملاهي والرقص والسكر والفرح والسرور والثياب المُصَبغَات من الحمرة وغيرها وما لحق بهذا الباب مما وصفنا من أنواع السرور.
ولا خلاف بين المتطببين في أن الضحك واللعب - على ما ذكرناه - من أنواع السرور من الدم، وأن كل حزن وخوف وإن اختلفت معانيه فإن ذلك من المرة السوداء، واحتجوا بضروب من الاحتجاجات؛ فهذه جملتها، وقد أوضحنا هذا في كتابنا الرؤيا والكمال وفي كتاب طب النفوس فلا وجه لإطنابنا في هذا الموضع من كتابنا هذا؛ إذ كان هذا الكتاب ؟كتاب خبر لا كتاب بحثٍ ونظر.
وإنما تغلغل بنا الكلام - لما تشعب من مذاهبهم في إخبارنا عنهم، ولم نعرض في هذا الكتاب لما ذهبت إليه الناس في تحديد النفس، وما قاله أفلاطون في تحديد النفس إن النفس جوهر محرك للبدن، وما حده صاحب المنطق أن حد النفس كمال الجسم الطبيعي، وحدها من وجه اخر أنه حَيُّ بالقوة، ولا للفرق بين النفس والروح؛لأن الفرق بينهما أن الروح جسم والنفس لا جسم، وأن الروح يحويه البدن، وأن النفس لا يحويها البدن، وأن الروح إذا فارق البدن بطل والنفس تبطل أفعالها في البدن، ولا تبطل هي في ذاتها، والنفس تحرك البدن وتنيله الحس، وقد ذكر أفلاطون في كتاب السياسة المدنية نهر البستان وما يلحق الإنسان من صفات النفس الداخلة على النفس الناطقة، وذكر أفلاطون في كتابه إلى طيماوس، وفي كتاب فاردون، وكيفية مقتل سُقْراط الحكيم وما تكلم في ذلك في النفس والصورة.
وقد تكلم الناس في طبقات النفوس وصفاتها من أصحاب الأثنين وغيرهم من الفلاسفة، ثم تنازع أهل الإِسلام في ماهية الإنسان الحساس الدرَّاك المأمور المنهى، وما قالته المتصوفة وأصحاب المعارف والدعاوي في طبقات النفوس من النفس المطمئنة، والنفس اللوامة، والنفس الأمارة بالسوء، وغير ذلك مما ذهب إليه اليهود والنصارى والمجوس والصابئة، وغير ذلك مما قد أتينا على إيضاحه في كتاب سر الحياة وغيره من كتبنا.
؟سطيح وشق الكاهنان
وقد كان سَطِيحٌ الكاهن - وهو ربيع بن ربيعه بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن مازن بن غسان - يدرج سائر جسده كما يدرج الثوب، لا عظم فيه إلا جمجمة الرأس، وكانت إذا لمست باليد يلين عظمها، وكان شق بن مصعب بن شكران بن أترك بين قيس بن عنقر بن أنمار بن ربيعه بن نزار معه في عصر واحد، وكان فيهما جمرة الكهانة، وكذلك سملقة وزوبعة كانا في عصر واحد، والله أعلم.
ذكر جمل من أخبار الكهان وسيل العرم
وتفرق الأزد في البلدان
السد وبانيه ومكانه
قال المسعودي: قد ذكرنا جملأ من الكهانة والقيافة والزًجْر والبارح والسانح فلنذكر الآن لمعاً من أخبار الكهان، وتفرق ولد سبأ في البلدان.
(1/239)

ولم يزل ولد قحطان في أطيب عيش إلى أن هلك سبأ، وكان القوم بعد مضي سبأ تداولتهم الأعصار قرناً بعد قرن إلى أن أرسل الله عليهم سيل العرم وذلك أن الرياسة انتهت فيهم إلى عمرو بن عمرو مزيقياءو - وهو عمرو بن عامر بن ماء السماء بن حارثة الغطريف بن ثعلبة بن امرئ القيس، بن مازن بن الأزد بن الغوث بن كهلان بن سبأ - وذلك ببلاد مازن إن أرض اليمن، وهي بلاد سبأ التي ذكر الله في القران أنه أرسل على أهلها سيل العرم، وهو السد، وكان فرسخأ في فرسخ، بناه لقمان الأكبر العادي - وهو لقمان بن عاد بن عاد - وقد ذكرنا خبره وخبر غيره ممن كان عمر منهم عمر النسور، وهذا السد هو الذي كان يرد عنهم السيل فيما سلف من الدهر إذا حان أن يغشى أموالهم، فمزقهم الله كل ممزق، وباعد بين أسفارهم، والناس في قصة هلكهم يختلفون، وفي سياقه أخبارهم يتباينون.
وصف بلاد سبأ
وذكر أصحاب التاريخ القديم أن أرض سبأ كانت من أخصب أرض اليمن، وأثْرَاها وأغْدَقها، وأكثرها جنانا وغيطانا، وأفسحها مُرُوجأ، مع بنيان حسن وشجر مصفوف، ومساكب للماء متكاثفة، وأنهار وأزهار متفرقة، وكانت مسيرة أكثر من شهر للراكب المجدِّ على هذه الحالة، وفي العرض مثل ذلك، وأن الراكب والمار كان يسير في تلك الجنان من أولها إلى أن ينتهي إلى آخرها تواجهه الشمس ولا تعارضه؛لاستتار الأرض بالعمارة الشجرية، واستايلائها عليها، وإحاطتها بها، وكان أهلها في أطيب عيش وأرْفَهِهِ، وأهنأ حال، وأرغد قرى، وفي نهاية الخصب، وطيب الهواء، وصفاء الفضاء، وتدفق الماء، وقوة الشوكة، واجتماع الكلمة، ونهاية المملكة وكانت بلادهم في الأرض مثلاً، وكانوا على طريقة حسنة من أتباع شريف الأخلاق، وطلاب الأفضال على القاصد والسفر بحسب الإمكان وما توجبه القدرة من الحال؛ فمكثوا على ذلك ما شاء الله من الأعصار، لا يعاندهم ملك إلا قَصَموه، ولا يوافيهم جَئار في جيش إلا كسروه، فذلت لهم البلاد. وأذْعَنَ لطاعتهم العباد، فصاروا تاج الأرض، وكانت المياه التي هي أكثر ما يرد إلى أرض سبأ تظهر من مخراق من الحجر الصلْد والحديد من ذلك السد والجبال، طول المخراق فيما وصفنا فرسخ، وكانوراء السد والجبال أنهار عظام، وكان في هذا المخراق الأخذ منا تلك الأنهار ثلاثون نقباً مستديرة في، استدارة الفراء طولأ وعرضاً مدورة على أحسن هندسة وأكمل تقدير، وكانت المياه تخرج من تلك الأنقاب في مجاريها حتى تأتي الجنان فترويها سَقْيا، وتعدم شرب القوم، وقد كانت أرض سبأ قبل ما وصفنا من العمارة والخصب يركبها السيل من تلك المياه، وكان ملك القوم في ذلك الزمان يقرب الحكماء، ويدنيهم، وُيؤْثرهم، ويحسن إليهم، فجمعهم من أقطار الأرض للإلتجاء إلى رأيهم، والأخذ من محصن عقولهم، فشارهم في دفع ذلك السيل وحصره، وذلك أنه كان ينحدر من أعالي الجبل هابطاً على رأسه حتى يهلك الزرع ويسوق من حملته البناء، فأجمع القوم رأيهم على عمل مصارف له إلى براري تقذف به إلى البحر، وأخبروا الملك أن الماء إذا حفرت المصارف الهابطة طلبها، وانحدر فيها، ولم يتراكم حتى يعلو الجبال؛لأن في طباع الماء طلاب الخفض فحفر الملك المصارف حتى انحدر الماء وانصرف وتدافع إلى تلك الجهة واتخذوا السد في الموضع الذي كان فيه بدء جريان الماء من الجبل ألى الجبل، وجعلوا فيه المخراق على ما وصفنا آنفاً، ثم اجتذبوا من تلك المياه نهراً مرسلاً ومقداراً معلوماً ينتهي في جريانه إلىِ المخراق، ثم ينبعث الماء منه إلي تلك الأنقاب، وهي الثلاثون ومخرافاَ الصغار التي قلمنا ذكرها، وكانت البلاد عامرة على ما وصفنا آنفأ.
مبدأ التهدم
ثم إن تلك الأمم بأدت ومرت عليها السنون، وضربها الدهر بضرباته وطَحَنَها بكَلْكله، وعمل الماء في أصول ذلك المخراق، وأضعفه مَمَر السنين عليه وتدافع الماء حوله، وقد قيل في المثل: إذا أثر تواتر الماء طى الحجر الصلد فما ظنك بسيل يتدافع على حديد وحجرمصنوع؟.
(1/240)

فلما سكنت أبناء قحطان ما وصفنا من هذه الدياروتغلبت على من كان فيها السد والبنيان في الضعف عنه على السد والمخراق والبنيان، فقنف به جَرْيه ورمى به في تياره، وذلك إبًان زياعة الماء، واستولى الماء على تلك الديار والجنان والعمائر والبنيان، حتى انقرض سكان تلك الأرض، وزالوا عن تلك المواطن، فهقه جملة من أخبار سيل العرم وبلاد سبأ.
العرم
ولا خلاف بين ذوي الدراية منهم أن العرم هو المسناة التي قد أحكموا عملها لتكون حاجزأ بين ضياعهم وبين السيل، ففجرته فأرة، ليكون ذلك أظهر في الأعجوبة، كما أفار الله تعالى ماء الطوفان من جوف تَنور ليكون أثبت في العبرة وأوْكَدَ في الحجة، ولايتنا كر أحلاف قحطان من أهل تلك الديار إلى هذا الوقت ما كان من العرم؛ لاستفاضته فيهم، وشهرته عندهم.
مفاخرة عند السفاح بين قحطاني وعدناني
وقد فخر بعض أولاد قحطان في مجلس السفاح بمناقب قَحْطَان من حمير وكهلان على ولد نزار، وخالد بن صفوان وغيره من نزار بن معد منصتون هيبة للسفاح؛ لأن أخواله من قحطان، فقال السفاح لخالد بن صفوان: ألا تنطق وقد غمرتكم قحطان بشرفها وعلت عليكم بقديم مناقبها؟ فقال خالد: ماذا أقول لقوم ليس فيهم إلا دابغ جلد، أو ناسج برد، أو سائس قرد، أو راكب عَرْد، أغرقتهم فأرة، وملكتهم امرأة، ودل عليهم هدهد، ثم من مر في ذمهم إلى أن انتهى إلى ما كان من قصتهم وتملك الحبشة وما كان من استنقاذ الفرس إياهم على حسب ما قدمنا آنفاً.
العرم في شعر العرب
فى بد ذكروا في أشعارهم العرم، وما كان لسبأ وأرض مأرب، وأن مأرب سِمَةٌ للملك الذي كان يتملك على هذه البلدة، وأن هذا الاسم وقع على هذا البلد فاشتهر به وصار سِمَةً له، وقال الشاعر:
من سبأ الحاضرين مأرب إذ ... يبنون من دون سيله العَرما
وقد قيل: إن مأرب سِمَةٌ لقصر هذا الملك في صدر الزمن، قال أبو الطلمَحَان في ذلك:
ألم تروا مأربا ما كان أحْصَنَهُ ... وما حواليه من سور وبنيان؟
ظل العبادئ يسقي فوق قلًته ... ولم يهب رَيْبَ دهر جد َخَؤان
حتى تناوله من بعد ما هجعوا ... يرقى إليه على أسباب كتان
وقد ذكر الأعشى في شعره ما وصفناه حيث يقول في كلمته:
ففي ذاك للمؤتسي أسْوَةٌ ... بمأرب عَفىَّ عليها الْعَرِمْ
رخام بناه لهم حمير ... إذا جاء فأغنى ماؤُهُم لم يَرِم
فأغنى الحروث وأغن أمه ... على ساعة ماؤهم قد قسم
فطار الفيولُ وفئالها ... بها في فيافي سَرَابٌ يطم
وكانوا بذلكُم حقبةً ... فمال بهم جارف منهدم
فطاروا سراعاً وما يقدو ... ن منه لشرب صبي فطم
طول العمر وعمر النسور
وقد ذكرنا في كتابنا أخبار الزمان الملك الذي طال عمره وحسنت سيرته؛ وأنه بنى هذا السد الذي هو المسناة، وأن عمره انتهى على عمر النسور، عند ذكرنا لطول الأعمار، وقد أكثرت العرب في صفه طول عمر النسر، وضربت به الأمثال، وبِلبَدٍ، وبصحة بدن الغراب؛ فمن ذلك ما ذكره الخزرجي في شعره عند ذكره لطول عمرمُعَاذ بن مسلم بن رجاء مولى القَعْقَاع بن حكيم من قوله فيه عند ذكره سنة وهرمه، وهو:
إن معاذ بن مسلم رجل ... قد ضَجً من طول عمره الأبَد
قد شاب رأس الزمان واختضب الحصر وأثوابُ عمره جدد
يانسر لقمان كم تعيش؟ وكم ... تلبس ثوب الحياة يالُبد
قد أصبحَتْ دار حمير خَرِبت ... وأنت فيها كأنك الوَتد
نسأل غربانها إذا حجلت ... كيف يكون الصُدَاع والرمد
علة طول الأعمار ونقصها
(1/241)

وقد قدمنا فيما سلف في مواضع من هذا الكتاب ما قالت الأوائل في علة طول الأعمار وقصرها، وعظم الأجسام في بَدء الأمر، وتناقضها على مرور الأعصار وَمُضِيئ الدهور، وأن الله تبارك وتعالى لما بدآ الخلق كانت الطبيعة التي جعلها الله جبلة للأجسام في تمام " الكثرة ونهاية القوة والكمال، والطبيعة إذا كانت تامة القوة كانت الأعمار أطول، والأجسام أقوى؛لأن طرق الموت الطارئ يكون بانحلال قوى الطبيعة، فلما كانت القوة أتم كانت الأعمار أَزيد، وكان العالم أو أولية شأنه تامَّ العمر، ثم لم يزل ينقص أولاً فأولا لنقصان المادة فتنقص الأجسام والأعمار مع نقصان المادة حتى يكون آخر مائية الطبيعة في تناهي النقص في الأجسام والأ عمار.
وقد أبى ما ذكرنا من عظم أجسام الناطقين في صدور الزمان كثير من أهل النظر والبحث ممن تأخر، وزعموا أن تأثيرهم في بنيانهم وما ظهر في الأرض من أعمالهم يدل على صغر أجس أمه م، وأنها كانت كأجسامنا، لما شاهدوه من مساكنهم وأبوابهم وممراتهم فيما أحدثوه من البنيان والهياكل والديار والمساكن في سائر الأرض، كديار ثمود ونَحْتها المساكن في الجبال وحَفْرها في الصخر الصلد بيوتاً صغاراً وأبوابأ د لطافاً، وكذلك أرض عاد ومصر والشام وسائر بقاع الأرض في الشرق والغرب، وهذا باب إن أكثرنا القول فيه طال، وإن أطْنبنا في صفته كثر، فلنرجع الآن إلى ما عنه عَدَلْنَا ومن صفته خرجنا من ذكر سبأ ومأرب، وما كان من الملك في ذلك الوقت وهو عمرو بن عامر.
عود لذكر سبأ
وكان للملك عمرو بن عامر المقدم ذكره في هذا الباب أخ كاهن عقيم، يقال له عمران، وكان لعمرو كاهنة من أهله من حمير يُقال لها طريفة الخير فكان أول شيء وقع بمأرب وعرف من سيل العرم أن عمران الكاهن أخا عمرو رأى في كهانته أن قومه سوف يمزقون كل ممزق ويباعد بين أسفارهم، فذكر ذلك لأخيه عمرو، وهو الملك مزيقياء الذي كانت محنة القوم في أيام ملكه، والله أعلم بكيفية ذلك.
ظريفة الكاهنة
وبينا طريفة الكاهنة ذات يوم نائمة إذ رأت فيما يرى النائم أن سحابة غشيت أرضهم وأرعدت وأبرقت ثم صعقت فما حرقت ما وقعت عليه، ووقعت إلى الأرض، فلم تقعِ على شيء إلا حرقته، ففزعت طريفة لذلك، وذعرت ذعراً شديداَ، وانتبهت وهي تقول: ما رأيت مثل اليوم، قد أذهب عني النوم، رأيت غيماً أبرق، وأرعد طويلا ثم أصعق، فما وقع على شيء إلا أحرق، فما بعد هذا إلا الغرق، فلما رأوا ما داخلها من الرعب خفضوها وسكنوا من جأشها حتى سكنت، ثم إن عمرو بن عامر دخل حديقة من حدائقه ومعه جاريتان له فبلغ ذلك طريفة، فأسرعت نحوه، وأمرت وصيفاً لها يُقال له سنان أن يتبعها، فلما برزت من باب بيتها عارضها ثلاث مَنَاجدَ منتصبات على أرجلهن واضعات أيديهن على أعينهن، وهي دواب تشبه اليرابيع يكنَّ بأرض اليمن، فلما رأتهن طريفة وضعت يدها على عينها وقعدت، وقالت لوصيفها: إذا ذهبت هذه المناجد عنَّا فأعلمني، فلما ذهبت أعلمها، فانطلقت مسرعة، فلما عارضها خليج الحديقة التي فيها عمرو وثَبَتْ من الماء سُلَحْفاة، فوقعت على الطريق على ظهرها وجعلت تريد الإنقلاب فلا تستطيع، فتستعين بذنبها وتحثو التراب على بطنها وجنبها وتقذف بالبول، فلما رأتها طريفة جلست إلى الأرض، فلما عادت السلحفاة إلى الماء مضت طريفة إلى أن دخلت على عمرو الحديقة حين انتصف النهار في ساعة شديد حرها، فإذا الشجر يتكفأ من غير ريح، فنفذت حتى دخلت على عمرو ومعه جاريتان له على الفراش، فلما رآها استحيا منها، وأمر الجاريتين فنزلتا عن الفراش، ثم قال لها: هلمي يا طريفة إلى الفراش، فتكهنت، وقالت: والنور والظلماء، والأرض والسماء، إن الشجر لتالف، وسيعود الماء لما كان في الدهر السالف، قال عمرو: مَنْ خبَّرك بهذا؟ قالت: أخبرني المَنَاجد، بسنتين
(1/242)

شدائد، يقطعِ فيها الولد والوالد، قال: ما تقولين؟ قالت: أقول: قول الندْمَان لهفاَ، قد رأيت سُلَحْفَاً، تجرف التراب جَرْفأ، وتقذف بالبول قذفأ، فدخلتُ الحديقة فإذا الشجر يتكفَّا، قال عمرو: وما ترين ذلك؛ قالت: هي داهية ركيمة، ومصائب عظيمة، لأمور جسيمة، قال: وما هي؟ ويلك؟ قالت: أجل إن لي الويل، ومالك فيها من نيل، فلي ولك الويل، مما يجي به السيْل، فألقى عمرو نفسه على الفراش وقال: ما هذا يا طريفة؟ قالت: هو خطب جليل، وحزن طويل، وخلف قليل، والقليل خير من تركه، قال عمرو: وما علامة ذلك؟ قالت: تذهب إلى السد فإذا رأيت جُرَذاً يكثر بيديه في السد الحفر، ويقلب برجليه من الجبل الصخرة فاعلم أن النقر عقر، وأنه وقع الأمر، قال: وما هذا الأمر الذي يقع؟ قالت: وعد من الله نزل، وباطل بطل، ونكال بنا نزل، فبغيرك يا عمرو فليكن الثكل، فانطلق عمرو إلى السد يحرسه، فإذا الجرذ يقلب برجليه صخرة ما يقلبها خمسون رجلا فرجع إلى طريفة فأخبرها وهو يقول:
أبصرت أمراً عادني منه ألم ... وهاج لي من هَوْله بَرْحُ السّقَم
من جُرَذٍ كفَحْل خنزير الأجَمْ ... أو تَيْس مرم من أفاريق الْغَنَم
يسحب صخراً من جلاميد العَرِمْ ... له مخاليبُ وأنياب قضم
مافاته سحلا من الصخر قصم ... كأنما يرعى حظيرا ًمن سَلَم
فقالت له طريفة: إن من علامة ما ذكرت لك أن تجلس في مجلسك بين الجنتين، ثم تأمر بزجاجة فتوضع بين يديك، فإنها ستمتلئ بين يديك من تراب البَطْحاء من سَهْلة الوادي ورملة، وقد علمت أن الجنان مُظلمة ما يدخلها شمس ولا ريح، فأمر عمرو بزجاجة فوضعت بين يديه، فلم يمكث إلا قليلاً حتى امتلأت من تراب البطحاء، فذهب عمرو إلى طريفة فأخبرها بذلك، وقال: متى ترين هلاك السد. قالت: فيما بينك وبين السبع السنين، قال: ففي أيها يكون؛ قالت: لا يعلم ذلك إلا الله تعالى، ولو علمه أحد لعلمته، ولا يأتي عليك ليلة فيما بينك وبين السبع السنين إلا ظننت هلاكه في غدها أوفي تلك الليلة.
عمرو بن عامر يتحيل للخروج من بلاده
ورأى عمرو في النوم سيل العرم، وقيل له: إن آية ذلك أن ترى الحصباء قد ظهرت في سعفٍ النخل، فذهب إلى كَرَب النخل وسعفه فوجد الحصباء قد ظهرت فيها، فعلم أن ذلك واقع بهم، وأن بلادهم ستخرب، فكتم ذلك وأخفاه، وأجمع أن يبيع كل شيء له بأرض سبأ، ويخرج منها هو وولده، ثم خشي أن يستنكر الناس ذلك، فصنع طعاماً وأمر بإبل فنحرت، وبغنم فذبحت، وصنع طعاماً واسعاً، ثم بعث إلى أهل مأرب أن عمراً صنع يوم مجد وذكرٍ فاحضُرُوا طع أمه ، ثم دعا ابناً له يُقال له مالك، ويُقال: بل كان يتيماً في حجره، فقال: إذا جلستُ أطعم الطعام الناس ففجلس عندي ونازعني الحديث، واردده علي، وافعل بي مثل ما أفعله بك، وجاء أهل مأرب، فلما جلسوا أطعم الناس وجلس عنده الذي أمره بما أمره به، فجعل ينازعه الحديث، ويرذُ عليه، فضرب عمرو وجهه وشَتَمه، فصنع الصبي بعمرو مثل ما صنع به فقام عمرو وصاح: واذلأه يوم فخر عمرو ومجده يضربُ وجْهَه صبي، وحلف ليقتلَنَه، فلم يزالوا بعمرو حتى تركه ففي ذلك قال حاجز الأزْدِيى:
يارب لطمة غَدْرٍ قد سخنت بها ... بكف عمرو التي بالغمر قد غرقت
(1/243)

ثم قال: والله لا أقيم ببلد صنع هذا بي فيه، ولأبيعن عقاري فيه وأموالي، فقال الناس بعضهم لبعض: اغتنموا غضبة عمرو، واشتروا منه أمواله قبل أن يرضى، فابتاع الناس منه جميع ماله بأرض مأرب، وفشا بعض حديثه فيما بلغه من شأن سيل العَرِم، فخرج ناس من الأزد وباعوا أموالهم، فلما أكثروا البيع استنكر ذلك الناس، فأمسكوا بأيديهم عن الشراء، فلما اجتمعت إلى عمرو بن عامر أمواله أخبر الناس بشأن سيل العرم، فقال أخوه عمران الكاهن: قد رأيت أنكم ستمزقون كل مُمَزَّق، ويباعَدُ بين أسفاركم، وإني أصف لكم البلدان فاختاروا أيها شئتم، فمن أعجبه منكم صفة بلد فليصر إليها، من كان منكم ذاهَم بعيد وجمل شديد ومزاد جديد فليلحق بقصر عمان المشيد، فكان الذين نزلوهُ أزد عمان قال: ومن كان منكم ذاهم غير بعيد، وجمل غير شديد ومزاد غير جديد فليلحق بالشعب من كرود، قال: وهي أرض همدان، فلحق به وادعة بن عمرو، فانتسبوا فيهم، وقال الكاهن، ومن كان منكم ذا حاجة ووطر وسياسة ونظر، وصبر على أزمات الدهر، فليلْحَقْ ببطن مَرً، وكان الذين سكنوه خزاعة سميت بذلك لانخزاعها في ذلك الموضع عمن كان معها من الناس، وهم بنو عمرو بن لَحي، فتخزعت هنالك إلى هذه الغاية، وفي ذلك يقول حسان بن ثابت:
ولَمّا هَبَطْنَا بطنَ مَر تَخَزعَتْ ... خزاعة منا في ملوك كراكر
في شعرٍ له طويل ومالك وأسلم ومَلْكان بنو قصى بن حارثة بن عمرو مزيقياء، وقال الكاهن: ومن كان يريد الراسيات في الرحل، المطعمات في المَحْل ، فليلحق بيثرب ذات النخل، وهي المدينة، وكان الذين سكنوها الأوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو مزيقياء، قال الكاهن: ومن كان يريد منكم الخمر والخمير، والديباج والحرير، والأمر والتدبير، فليلحق ببصرى وحفير، وهي أرض الشام فكان الذين سكنوها غسان قال الكاهن: ومن كان منكم يريد الثياب الرقاق والخيول العتاق، والكنوز والأرزاق، فليلحق بالعراق، وكان الذين لحقوا بالعراق منهم مالك بن فهم الأزْدِي وولده، ومَنْ كان بالحيرة من غسان، على حسب ما قدمنا آنفاً فيما سلف من هذا الكتاب.
وقال هشام بن الكلبي: وأما أبي فكان يقول: إنما نزل بالحيرة من غسان مع تبع بعد هذا بزمان.
ثم خرج عمرو بن عامر مزيقياء وولده، من مأرب، وخرج من كان بمأرب من الأزد يريدون أرضا تجمعهم يقيمون بها، ففارقهم وادعة بن عمرو بن عامر مُزَيقياء فسكنوا همدان، وتخلف مالك بن اليمان بن فهم بن عدي بن عمرو بن مازن بن الأزد، وكان بعدهم بمأرب ملكاً إلى أن كان من أمرهم ما كان في الهلاك، ثم ساروا حتى إذا كانوا بنَجْرَان تخلف أبو حارثة بن عمرو بن عامر مُزَيْقياء ودعبل بن كعب بن أبي حارثة فانتسبوا في مذحج، قال أبو المنزر: ويقال: إن أبا حارثة هو جد الحارث بن كعب بن أبي حذيفة الذي بنجران، واللّه أعلم.
ثم سار عمرو بن عامر حتى إذا كان بين السراة ومكة أقام هنالك أناس من بني نصر من الأزد، وأقام معهم عمران بن عامر الكاهن أخو عمرو بن عامر مُزَيقياء، وعدي بن حارثة بن عمرو مزيقياء، وسار عمرو بن عامر وبنو مازن حتى نزلوا بين بلاد الأشعريين وعكٍّ على ماء يُقال له غسان بين واديين، يقال لهما زبيد ورمع، وهما مما يلي صدورهما بين صعيد يُقال له: صعيد الحسك، وبين الجبال التي تدفع به في زبيد ورمع، فأقاموا على غسان، وشربوا منه، فسموا غسان، وغلب على أسمائهم، فلا يعرفون إلا به، قال شاعرهم:
إما سألت فإنا معشرنجب ... الأزْدُ نسبتنا والماء غسان
والذين سموا غسان من بني مازن الأوسُ والخزرج، ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو مُزَيقياء، وجَفْنة بن عمرو مُزَيْقياء، والحارث وعوف وكعب ومالك بنو عمرو مزيقيا، والوم وعدي ابنا حارثة بن ثعلبة بن امرىء القيس بن مازن بن الأزد.
(1/244)

وللقوم أخبار في تفرقهم، ومن دخل منهم في معد بن عدنان وما كان بينهم من الحروب إلى أن ظفرت بهم بنو معد، فأخرجتهم إلى أن لحقوا بالسراة - والسراة جبل الأزد الذي هم به يقال له السراة، ويقال له: الحجاز، وإنما سمي السراة من هذا الجبل ظهره، فيقال لظهره السراة كما يقال لظهر الدابة السراة، فأقاموا به وكانوا في سهله وجبله وما قاربه، وهو جبل على تخوم الشام، وفرز بينه وبين الحجاز مما يلي أعمال دمشق والأردن وبلاد فلسطين ويلاقي جبل موسى.
عبادة أهل مارب وصنعهم مع رسلهم
وقد كان أهل مأرب يعبدون الشمس، فبعث الله إليهم رُسُلاً يدعونهم إلى الله، ويزجرونهم عما هم عليه، ويذكرونهم آلاء اللّه ونعمته عليهم، فجحدوا قولهم،وردوا كل أمه م، وأنكَرُوا أن يكون لله عليهم نعمة، وقالوا لهم: إن كنتم رُسُلأ فادعوا الله أن يسلبنا ما أنعم علينا، ويذهب عنا ما أعطانا، وفي ذلك تقول امرأة منهم كافرة:
إن كان ما نُصْبِحُ في ظلاله ... من ربكم فلينطلق بماله
إليه عنا وإلى عياله،
فأجابتها امرأة مؤمنة، فقالت:
لولا الإلهُ لم يكن عيالنا ... ولم يَسَعْ عيالنا أموالنا
هوالذي يجيبنا سؤالَنَا ... ويكشف الغم إذا ما هالَنَا
فدعت عليهم الرسل فأرسل الله عليهم سيل العرم، فهدم سدهم وغشي الماء أرضهم، فأهلك شجرهم وأباد خَضْراءهم، وأزال أموالهم وانع أمه م، فأتوا رسلهم فقالوا: أدْعُوا اللّه أن يخلف علينا نعمتنا، ويُخْصِب بلادنا، ويرد علينا ما شرد من أنعامنا، ونعطيكم مَوْثقا أن لا نشرك بالله شيئاً، فسألت الرسل ربها، فأجابهم إلى ذلك، وأعْطاهم ما سألوا، فأخصبت بلادهم، واتسعت عمائرهم إلى أرض فلسطين والشام: قُرًى ومنازل وأسواقاً، فأتتهم رسلهم، فقالوا: موعدكم أن تؤمنوا باللّه، فأبوا إلا طغياناً وكفرأ، فمزقهم اللّه كل ممزق، وباعد بين أسفارهم.
قال المسعودي: وإذ قد ذكرنا جملأ من أخبار السد وبلاد مأرب، وعمرو بن عامر، وغير ذلك مما تقدم ذكره في هذا الباب، فلنرجع الآن إلى أخبار الكهان.
أول كهانة سطيح الغساني
وكان أول ما تكهن به سطَيح الغساني أنه كان نائماً في ليلة صُهَاكية مظلمة مع إخوله في لحاف، والحي خُلُوف، إذ زعق من بينهم ورنَّ وتأوه، وقال: والضياء والشفق، والظلام والغسق، ليطرقنكم ما طرق، قالوا: ما طرق يا سطيح؟ قال: ما طرق إلا الأجْلَحُ، حين سرى الليل البهيم الأفلح، وولاهم بسردح، قالوا: وما علامة ذلك يا سطيح؟ قال: أمر يسد النقرة، فوحبسة في الوجرة. وحرة بعد حرة، في ليلة قرة، فانصرفوا عن قوله، واستهانوا بأمره، وتعاصفت مرود من أودية هناك، ففاجأتهم في ليلة بارعة قرة كما ذكر، فساقت الأنعام والمواشي، وكادت أن تذهب بعامتهم.
ولسطيح الكاهن ولشق بن صعب أخبار كثيرة عجيبة: منها رؤيا تبَّع الحميري في أن جَمْرة خرجت من ظلمة، فوقعت بأرض تُهَمَة، أكلت منها كل ذات جمجمة، وما فسَّرَاه له في ذلك، وكذلك خبرسطيح، وعبد المسيح في رؤيا الموبذان، وارتجاج الإيوان، وخبر سملقة وزوبعة، وما كان من أمرهما، وخبر شأن الظليم والشجرة، وما كان بين عك وغسان من الحرب في رقة اللبن وحلاوته وثخنه، ونزول غسان أعلى الوادي، وعك في أسفله، وما كان في ذلك من القيافة بينهم في طلوع الشمس وغروبها على إبلهم، وخبر السموال بن حسان بن عادياء، وما كان من أمره، وأمر خازن الكاهن، وما قاله حين طَرَقَه ليلاً، وانقياده إلى ذمته، وما كان من العير الأقمر، والظليم الأحمر، والفرس الأشقر، والجمل الأزور، والشيخ الأحقر، وغير ذلك مما ذكرناه فيما سلف من كتبنا، في أخبار الزمان والكتاب الأوسط، والله أعلم.
ذكر سني العرب والعجم وشهورها
وما اتفق منها وما اختلف
قال المسعودي:عدة الشهور عند العرب وسائر العجم اثنا عشر شهرأ.
(1/245)

فلنذكر الآن سِنِي وشهور وأيام ما أشتهر أهله من جل الامم، وهم العرب والفرس والروم والسريانيون والقبط؛ إذ كان قول اليونانيين في ذلك هو ما ذهبت إليه الروم، ولم نعرض لوصف قول الهند في السنين والشهور والأيام وما ذهبوا إليه في ذلك من حسابهم، ومن تبعهم على ذلك من أهل الصين وكثير من الممالك والامم؛إذ كان في ذلك خروج عما عليه الجمهور والمعهود بين الناس، ونجعل المبتدأ بذكر سني وشهور القبط؛ لموافقتها السريانيين ثم نعقب بعد ذلك بذكر شهور السريانيين وموافقتها لشهور الروم. ثم نتبع ذلك بذكر سني العرب وشهورها وأي أمه ا، ثم نعقب بعد ذلك بذكر سِنِي الفرس وشهورها وأي أمه ا ولأية علة استحق عندها تسمية كل شهر منها، وكل يوم، وما قالته العرب في تسمية الليالي، وجمل من ذكر أفعال الشمس والقمر وتأثيرهما في هذا العالم في الجماد والنبات والحيوان، وغير ذلك مما يقف عليه المتأمل عند قراءته - إن شاء الله تعالى - على ما يريد، والله تعالى ولي التوفيق.
ذكر شهور القبط والسريانيين
والخلاف في أسمائها وجمل من التاريخ
شهور القبط ومقابلها من شهور السريان
أول شهور القبط: توت، وهو أيلول، وبابه، وهو تشرين الأول، وهاتور، وهو تشرين الثاني، وكيهك، وهو كانون الأول، وطوبه، وهو كانون الثاني، وأمشير، وهو شَبَاط، وبرمهات، وهو آذار، وبرموعه، وهو نيسان، وبشنس، وهو أيًار، وبؤونه، وهو حزيران، وأبيب، وهو تموز، ومسرى، وهو آب.
وللقبط بعد هذا خمسة أيام لواحق، تدعى العدياء، تزيدها على ما سمينا من شهورها، وهي ثلثمائة يوم وستون يوماً؛ فتصير السنة ثلثمائة وخمسة وستين يوماً.
سنة القبط
وأول يوم من السنة عند القبط هو اليوم التاسع والعشرون من شهر آب، وعلى كل شهر منها ثلاثون يوماً، وكانت أيام السنة ثلثمائة وخمسة وستين يوماً كعدة أيام سنة الفرس وكانت شهور القبط فيما مضى توافق أوائلها شهور الفرس فكان أول توت أول أذر ما، ثم كل شهر كذلك على هذا الوصف إلى آخر سنة القبط آخر آذر ماه، وهذا الحساب بعينه موجود في كتب الزيجات في النجوم، وأهل مصر وسائر القبط في هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - يستعملون في حسابهم في الشهور غيرما قدمنا، وذلك أنهم زادوا في أيام السنة ربع يوم على مذهب السريانيين والروم فصارت شهورهم مخالفة لشهور الفرس وموافقة لشهور السريانيين والروم فيعدد أيام السنة، وتاريخ القبط في كتاب المجسطي من أول السنة التي ملك فيها البخت نَضر وكان أولها يوم الأربعاء.
مبدأ التواريخ
وأما تاريخ القبط في كتاب زيج بطليموس، فمن أول سنة ملك فيلقوس وكان أولها يوم الأحد، والتباين الذي بين تاريخ البخت نصر وتاريخ يزد جرد ألف وثلثمائة وتسع وتسعون سنة فارسية وثلاثة أشهر، والذي بين تاريخ فليقوس وتاريخ يزدجرد تسعمائة وخمس وخمسون سنة وثلاثة أشهر، وبين تاريخ الإسكندر وتاريخ يزدجرد تسعمائة واثنتان وأربعون سنة من سني الروم ومائتان وتسعة وخمسون يوماً، وبين تاريخ يزدجرد وتاريخ الهجرة من الأيام ثلاثة آلاف وستمائة وأربعة وعشرون يوماً، فأول هذه التواريخ تاريخ البخت نصر، ثم تاريخ فيلقوس، ثم تاريخ ابنه الإسكندر، ثم تاريخ الهجرة، ثم تاريخ يزدجرد.
أوائل كل تاريخ
وتاريخ العرب من أول السنة التي هاجر فيها النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلي المدينة، وكان أولها يوم الخميس.
وتاريخ الفرس من أول السنة التي ملك فيها يزدجرد بن شهر ياربنكسرى أبرويز، وكان أولها يوم الثلاثاء.
وتاريخ الروم والسريانيين من أول السنة من ملك الإسكندر، وكان أولها يوم الاثنين، واللهُ تعالى أعلم بحقيقة ذلك.
ذكر شهور السريانيين ووصف موافقتها
لشهور العرب وعدة أيام السنة ومعرفة الأنواء
شهورهم وأيام كل شهر
فأول ذلك أن أيام السنة ثلثمائة وخمسة وستون يومأ وربعٍ يوم، وهي مختلفة في العدد: فنيسان ثلاثون يوماً، وأيار أحد وثلاثون يوما، وحزيراز ثلاثون يومأ، ولثمان عشرة ليلة منه رجوع الشمس هابطة من الشمال على ما أوجبه حساب الهند وهو أطول يوم في السنة وليلته أقصر ليلة، وتموز أحد وثلاثون يوماً، وآب أحد وثلاثون يوماً، فإذا انسلخ آب ذهب الحر، قال محمد بن عمد الملك الزيات:
(1/246)

بَرَدَ الماء وطال آل ... ليل والْتَذ الشراب
ومضَى عنك حَزيرا ... ن وتموزُ وآبُ
وأيلول ثلاثون يومأ، ولخمس منه عيد زكريا، ولعشر منه تطع الصرفة فينصرف الحر، ولثلاث عشرة منه عيد الصليب، وهو الرابع عشر منه، وفي هذا اليوم تفتح الترع بمصر على حسب ما ذكرنا فيما سلف من هذا الكتاب، ولتمام عشرين منه، يستوي الليل والنهار، وقال أبو نُوَاس:
مضى أيلول وارتفع الحرُور ... وأخْبَتْ نارها الشعرى الْعَبُور
سر تسمية المهرجان
وتشرين الأول أحد وثلاثون يوماً، وفيه يكون المهرجان، وبين النيروز والمهرجان مائة وتسعة وستون يوماً، وعند الفرس في معنى المهرجان أنه كان لهم ملك في قديم الزمان من ملوك الفرس قد عًم ظلمه خواصَ الناس وعوأمه، وكان يسمى مهر، وكانت الشهور تسِمى بأسماء الملوك، فقيل مهرماه، ومعنى ماه: هو الشهر، وأن ذلك الملك طال عمره واشتدت وطأته؛فمات في النصف من هذا الشهر، وهو مهرماه، فسمي ذلك اليوم الذي مات فيه مهرجان وتفسيره نفس مهر ذهبت؛لأن الفرس تقدم في لغتها ما تؤخره العرب في كل أمه ا، وهذه اللغة اللهلوية، وهي الفارسية الأولى، وأهِل المروآت بالعراق وغيرها من مدن العجم يجعلون هذا اليوم أول يوم من الشتاء؛ فتغير فيه الفرش والآلات وكثيراً من الملابس، ولخمس منه - وهو تشرين الأول - عيد كنيسة القيامة ببيت المقدس، وفي هذا اليوم تجتمع النصارى من سائر الأرض، وتنزل عليهم نأر من السماء فيسرج هناك الشمع، ويجتمع فيه من المسلمين خلق عظيم للنظر إلى العيد، ويقتلع فيه ورق الزيتون، ويكون للنصارى فيه أقاصيص، ولهذه النار حيلة لطيفة وسرّ عظيم، وقد ذكرنا وجه الحيلة في ذلك في كتابنا المترجم بكتاب القضايا والتجارب وتشرين الثاني ثلاثون يوما، وكانون الأول ثلاثون يوما، ولتسع عشرة منه يكون النهار تسِع ساعات ونصفاً وربعاً، وهو منتهى قصره، والليل أربع عشرة ساعة وربعاَ، وهو منتهى طوله، وليلة الخامس والعشرين منه ميلاد المسيح عليه السلام، وكانون الثاني أحد وثلاثون يوماً، وأول يوم منه القلندس، فيكون فيه بالشام لأهله عيد يوقدون في ليلته النيران، ويظهرون الأفراح، لا سيما بمدينة إنطاكية، وما يكون في كنيسة القسيان بها من القداس عندهم، وكذلك بسائر الشام وبيت المقدس ومصر وأرض النصرانية كلها، وما يظهر أهل دين النصرانية بإنطاكية من الفرح والسرور وإيقاد النيران والمآكل والمشارب، ويساعدهم على ذلك عوام الناس وكثير من خواصهم، وذلك أن مدينة إنطاكية بها كرسي البطرك المعظم عندهم في ديانتهم، وأن النصرانية تسمى إنطاكية مدينة الله، ويسمونها أيضاً مدينة الملك، وأم المدن، لأن بدُؤ ظهور النصرانية كان فيها.
بطارقة النصارى
والبطارقة عند النصرانية أربعة: أولهم صاحب مدينة رومية، ثم الثاني وهو. صاحب مدينة قسطنطينية، وهي أقسس، واسمها القديم بوزنطيا، ثم الثالث وهو صاحب الإسكندرية من أرض مصر، ثم الرابع وهو صاحب إنطاكية، ورومية وإنطاكية لبطرس، فبدءا برومية لأنها لبطرس، ثم ختموا بإنطاكية لأنها له، وتعظيماً لبولس، وقد أحدثوا كرسياً ببيت المقدس، ولم يكن هذا متقدماً؛ وإنما هو محدث، وكان لإِيليا وهو بيت المقدس أسقف ولكورة لد من أرض فلسطين.
مشهور كنائسهم
وبإنطاكية أيضاً كنيسة بولس، وتعرف بإنطاكية بدير البراغيث وهي مما يلي باب فارس، وبها أيضاً كنيسة أخرى تدعى أشمونيت، وبها عيد عظيم للنصرانية وكذلك بها كنيسة بربارا، وكنيسة مريم وهي كنيسة مدورة، وبنيانها من إحدى عجائب العالم في التشييد والرفعة، وكان الوليد بن عبد الملك بن مروان اقتلع من هذه الكنيسة عُمدأ عجيبة من المرمر والرخام لمسجد دمشق حملت في البحر إلى ساحل دمشق، وبقي الأكثر من هذه الكنيسة إلى هذا الوقت.
وقد كان لملك من ملوك الروم مع اليهود بإنطاكية خبر عجيب في كنيسة أشمونيت وكانت خارج السور من إنطاكية، وهي في أيدي اليهود، فعوضت اليهود دار الملك بإنطاكية بدلاً من كنيسة أشمونيت، وهذه الدار التي كانت دار الملك تعرف في هذا الوقت بدار اليهود، ولليهود حيلة احتالوها حين خرجت الكنيسة من أيديهم حتى قتلوا من النصرانية خلقاً عظيماً من نشر خشب فيها وغير ذلك.
(1/247)

وقدمنا أخبار بطرس وبولس وما كان من أمرهما بمدينة رومية وغيرها من تلاميذ المسيح وتفرقهم في البلاد، وذكرنا قصة الملك الذي بنى مدينة إنطاكية، وهو المعروف بأنطيخش، وتفسير ذلك محوط الحوائط، وكان اسم إنطاكية بالرومية على اسمه أنطيخش، فلما ورد المسلمون وافتتحوها حذفت الأحرف إلا الألف والنون والطاء.
وفي تاريخ النصارى الملكية وغيرها من أهل دين النصرانية يكون لمولد المسيح إلى وقتنا هذا - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - وتسعمائة سنة وأربعونْ سنة، وتكون سِنُو الإسكندر ألفاً ومائتين وخمسأ وثمانين،. ويكون من الإسكندر إلى المسيح ثلثمائة سنة وتسع وستون.
هذا ما وجدت في تاريخ الملكية في كنيسة القسيان بمدينة إنطاكية، وسنذكر بعد هذا الموضع جملاً من التاريخ في باب نفرده لذلك، إن شاء اللّه تعالى.
عود إلى الشهور وأي أمه ا وأيام العجوز
فلنرجع الآن إلى وصف حساب الشهور: شباط ثمانية وعشرون يوما وربع ثلاث سنين متوالية، والرابعة كبيسة فيكون تسعاً وعشرين يومأ، وتكون السنة ثلثمائة وستة وستين يوماً، ولسبعة منه تسقط الجمرة الأولى، وهي الجبهة ولأربع عشرة منه تسقط الجمرة الثانية، وهي الزبرة، ولإحدى وعشرين منه تسقط الجمرة الثالثة، وهي الصرفة، وينصرف البرد، وثلاثة أيام من آخره أيام العجوز، وآذار أحد وثلاثون يوماً، ولأربعة من أوله تتم أيام العجوز، والعرب تسمى هذه السبعة الأيام: صِنَا، وصِنبْرا، ووَبْرأ، وآمرا، ومؤتمرا، ومعللا، ومطفئ الجمر، قال بعض العرب في أسماء أيام العجوز:
كسع الشتاء بسبعة غُبْرِ ... صِنٍّ وصنَبرٍ وبالوبر
وبآمر وأخيه مؤتمر ... ومعلل، وبمطفئ الجمر
فإذا انقضت أيامِ شَتْوَتنا ... أيام صادرة عن القر
كسع الشتاء مُولياًهربا ... وأتتك واقدة من الحر
ولخمس عشرة من آذار يستوي الليل والنهار، وتحل الشمس الحمل، وهذا اليوم تحويل سنة العالم، قال أبو نُوَاس:
أما ترى الشمس حًلّتِ الحملا ... وطاب وَزْنُ الزمان واعْتَدَل
وغَنتِ الطير بعد عُجْمَتهَا ... واستوفت الخمر حولها كَمَل
أو اكتست الأرض من زخارفها ... وَشْيَ نَبَاتٍ تخالها حُلَل
فاشرب على جِدَةِ الزمان فقد ... أصبح وجه الزمان مقتبلا
وليس بحلول الشمس الحمل تستوفي الخمر سنة، وإنما أراد بحلولها قربها من الحول والقوة.
شهور الروم
قال المسعودي: وأما شهور الروم فهي موافقة لشهور السريانيين في العدد وذلك أن أول شهور الروم يواريوس وهو كانون الثاني، وقد قدمنا أن في أول يوم منه يكون القلندس، ؤشباط فبراريوس، وأزار مارتيوس، ونيسان إبريليس، وأيار مايوس، وحزيران يونيوس، وتموز يوليوس، وآب أغسطوس، وأيلول سبطمبر، وتشرين الأول أقطوبر، وتشرين الثاني نوفمبر، وكانون الأول عشمير.
ذكر شهور الفرس
أسماء الشهور وعدة أيامها
شهور الفرس كلها ثلاثون يوماَ، فأولها فروردينماه، وأول يوم منه النيروز، وبينه وبين المهرجان مائة وأربعة وسبعون يوماً، والثاني أردبيهشت ماه، وخردافماه، وتيرماه، وتميروز عيد المهرجان، ومرد افماه، وشهريرماه، ومهرماه، ويوم السادس عشر منه المهرجان، وأبانماه فيه أبان رزذ عيد أبان كاه، وفي آخره خمسة أيام: الفرودجان، وآذرماه، وأول يوم منه يخرج الكوسج فيه راكباً بغاله بالعراق وأرض فارس، ولا يعرف ما وصفنا إلا بالعراق وأرض العجم، وأهل الشام والجزيرة ومصر واليمن لا يعرفون ذلك، ويطعم مدة من الأيام الجوز والثوم واللحم السمين، وما عدا ذلك من الأطعمة الحارة والأشربة المسخنة الدافعة للبرد، فيظهر طارداً للبرد، فيصب عليه الماء البارد؛ فلا يجد لذلك شيئاً من ألمه، ويصيح بالفارسية كرماً كرمأ، يعني الحر الحر، وهذا وقت عيد الأعاجم: يطربون فيه، ويظهرون السرور، وكذلك في أوقات كثيرة من فصول السنة وع!ران الأفرخش لمس ودينماه، وبهمناه، وإسفندار مزماه، فذلك ثلثمائة وخمسة وستون يوماً، والله أعلم.
ذكر أيام الفرس
أسماء الأيام
(1/248)

وهي هرمز وبهمان وأرديبهشت وشهرير واسفندأرمر وخرداذ ومرداذ وعيبافر وأفر وأبان وخورماه وتيروجوش ودبر ومهر ودمل وأسروش وفروردين وبهرام، وفيه يقول الشاعر:
باكر بنا لدة المُدَام ... في يوم سَبْتٍ ويوم رام
شريطتي فيه أن تراني ... وَقْتَ الضحى فاتر الكلام
وباد وديبادين وأذر وأشتاد وأسمان وداماد ومار وسفند وأنيران.
فأما أي أمه م المعروفة بالفرودجان فهي أهندكاه أسميهاه مشركاه مشروكاه كاساه.
وكانت العرب تسمي هذه الأيام الخمسة: الهرير، والهبير، وقالب الفهر، وحافل الضرع، ومدحرج البعر.
كبس الفرس
وكانت الفرس تكبس في كل مائة وعشرين سنة شهراً، وإنما أخروا ذلك إلى مائة وعشرين سنة، لأن أي أمه م كانت سُعُوداً ونحوسأ - فكرهوا أن يكبسوا في كل أربع سنين يومأ، فتنتقل بذلك أيام السعود إلى أيام النحوس، ولا يكون النيروز أول يوم من الشهر، واللّه تعالى أعلم.
ذكر سني العرب وشهورها
وتسمية أيامها ولياليها
أسماء الشهور
شهور الأهلة: أولها المحرمٍ، وأيامها ثلثمائة وأربعة وخمسون يوماً، تنقص عن السرياني أحد عشر يوما وربع يوم، فتفرق في كل ثلاث وثلاثين سنة سنة؛ فتنسلخ تلك السنة العربية، ولا يكون فيها نيروز، وقد كانت العرب في الجاهلية تكبس في كل ثلاث سنين شهراً وتسميه النسيء وهو التأخير وقد ذم اللّه تبارك وتعالى فعلهم بقوله: " إنما النسيء زياعة في الكفر " ورسمت العرب الشهور فبدأت بالمحرم؛ لأنه أول السنة، وإنما سمته المحرم لتحريمها الحرب والغارات فيه، وصفر بالأسواق التي كانت باليمن تسمى الصفرية، وكانوا يمتارون منها، ومن تخلف عنها هلك جوعاً، وقال نابغة ذبيان:
إني نهيت بني ذبيان عن أفق ... وعن ترفُّهم في كل أصفار
وقيل: إنما سمي الصفر لأن المدن كانت تخلو فيه من أهلها بخروجهم إلى الحرب، وهو مأخوذ من قولهم: صَفِرَتِ الدار منهم، إذا خلت، وربيع، وربيع؛لارتباع الناس والدواب فيهما، فإن قيل: قد توجد الدواب ترتبع في غير هذا الوقت، قيل: قد يمكن أن يكون هذا الاسم لزمهما في ذلك الوقت فاستمر لعريفهما بذلك مع انتقال الزمان وإخلافه، وجماعي؛وجماعي؛ لجمود الماء فيهما في الزمان الذي سميت به هذه الشهور؛ لأنهم لم يعلموا أن الحر والبرد يدران فتنتقل أوقات ذلك، ورجب؛ لخوفهم إياه، يقال: رَجَبْتُ الشيء، إذا خفته، وأنشد:
فلا تَهَيَّبْهَا ولا ترجبها
وشعبان؛ لتشعبهم إلى مياههم وطلب الغارات، ورمضان؛ لشدة حر الرمْضَاء فيه ذلك الوقت، والوجه الأخر أنه اسم من أسماء اللّه تعالى ذكره، ولا يجوز أن يُقال رمضان، وإنما يُقال: شهر رمضان، وشوال؛ لأن الإِبل كانت تَشُول في ذلك الوقت يأذنا بها من شَهْوة الضِّراب، تشاءمت به العرب، ولذلك كرهت التزويج فيه، وذو القعدة،لقعودهم فيه عن الحرب والغارات، وذو الحجة؛ لأن الحج فيه.
الأشهر الحرم شهور الحج
والأشهر الحرم هي: المحرم،ورجب، وذو القعدة، وذو الحجة.
وأشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من في الحجة، والأيام المعلومات العشر، والأيام المعدودات أيام التشريق، والتعجيلُ باتفاقٍ غيرُ جائز إلا في اليوم الثالث من يوم النحر، فدل ذلك على أن أولها ثاني يوم النحر، ولو كان يوم النحر من المعدودات كان يوم التعجيل في ثلاثة أيام، وهذا خلاف القرآن؛ لإخبار اللّه تعالى أن التعجيل في يومين من المعدودات وإذا كانت المعدودات ما وصفنا صح أن المعلومات منها، والذبح في يوم النحر ذبح في المعلومات لكونه منها.
ولا تمانع بين العرب أن يقول القائل أتيتك في الشهر، والإتيان إنما كان في بعضه. وجئتك في اليوم والمجيء في بعض أوقاته، ولا يُصَام يوم النحر، ولا يوم الفطر، ولا أيام منى، لفرضٍ ولا تطوع؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك؛ ولم يخص فرضاً من تطوع بالنهي، فالواجب الامتناع على وصفنا.
وقد ذكر عن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام ثلاثة أيام التشريق وفي جميع ما ذكرنا من المعلومات والمعدودات والصيام في أيام التشريق خلاف بين الناس، وأيام التشريق أولها ثاني النحر، وآخرها اليوم الثالث عشر من في الحجة إلى العصر.
تسمية أيام التشريق
(1/249)

قال المسعودي: وقد اختلفت الناس في علة تسميتها أيام التشريق،وهي أيامُ مِنَى ولياليها، فقالت طائفة: إنما سميت أيام التشريق لأنهم كانوا يَذْبحون الذبائح بمنى ويُشَرِّقون اللحم في الشمس، وقال آخرون: إنما سميت أيام التشريق لأن أهل مكة وغيرهم يتشرقون منصرفين إلى أوطانهم، وفيه قول آخر، وهو أنها إنما سميت أيام التشريق لأنهم كانوا يخرجون بمنى وغيرها كالمزدلفة إلى مصليات لهم في فضاء من الأرض فيسمونها المشارق، واحدها مشراق، يسبحون ويدعون، فسميت بذلك أيام التشريق، وفيه قول آخر، وهو أن طائفة زعمت أنه مأخوذ من ذبح البهائم، وهو التشريق، وقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الضحية بالمشرقة، يعني المشقوقة الأذنين بالطول، فهي أيام التشريق، وللناس في التشريق من أهل الآراء والنحل كلام كثير لا يحتمله كتابنا هذا وإنما ذكرنا ما أوردناه لتغلغل الكلام بنا إليه واتصاله بما قدمناه، وإن كان كلاماً يلحق بالفقه.
الأيام النحسات وأسماء الأيام عند العرب قديماً
والأيام النحسات: كل أربعاء يوافق أربعاً من الشهر، مثل أربع خلون وأربع عشرة خلت، وأربع عشرة بقيت وأربع وعضرين، وأربع بقين.
وأما أسماء الأيام فأولها الأحد، وإنما سمي بذلك لانه أول يوم خلقه الله من الزمان، وبذلك نطقت التوراة، وقد قدمنا في صدر هذا الكتاب ما في الأيام من بدء الخلق، والاثنين، وسمي لأنه ثان، والثلاثاء، وسمي لأنه ثالث، والأربعاء لأنه رابع، والخميس لأنه خامس، والجمعة لأن الخلق اجتمعوا فيه، والسبت لأن الخلق انقطع فيه وخلق في آخره آدم: وهو مأخوذ من قولهم: نعل سِبْتِيَّة، إذا كانت مقطوعة الشعَر، ويُقال: سَبَتَ شعره، إذا قطعه، وكانت العرب تسميها في الجاهلية: الأحد أول، والاثنين أهون، والثلاثاء جبار، والأربعاء دبار، والخميس مؤنس، والجمعة عروبة، والسبت شيار قال شاعرهم:
أؤمل أن أعيش وأن يومي ... بأول أو بأهون أو جبار
أو المردى دبار، فإن أفته ... فمؤنس أو عروبة أو شيار
أسماء الشهور عند العرب
وكانوا يسمون الشهور: المحرم ناتق، وصفر ثقيل، ثم طليق، نأجر، أسلخ أميح، أحلك، كسع، زاهر، برك، حرف، نعس، وهو ذو الحجة.
الأزمنة الأربعة
وقد اختلف العرب في أسماء الأزمنة الأربعة: فزعمت طائفة منها أن أولها الوَسْمي، وهو الخريف، ثم الشتاء، ثم الصيف، ثم القَيْظ، ومنهم من يعدُّ الأول من فصول السنة الربيع، وهو الأشْهَرُ والأعَمُّ، والعرب تقول: خَرَفْنَا في بلد كذا، وشَتَوْنا في بلد كذا، وتربعنا في بلد كذا، - وصِفْنَا في بلد كذا.
شهور الروم مرسومة على فصول السنة دون شهور العرب
وشهور العرب ليست مرتبة على فصول السنة ولا على حساب سنة الشمس بل المحرم وغيره من الشهور العربية قد يقع تارة في الربيع وتارة في غيره من فصول السنة.
وشهور الروم مرسومة على ما يوافق فصول السنة التي تقطع فيها الشمس بروج الفلك عن آخرها، ومقادير أيام كل شهر منها ولياليه في الطول والقصر وظهور ما يظهر فيه من النجوم الثابتة للأبصار واستتار ما يستتر منها على ممر الدهور والسنين وهي اثنا عشر شهراً على حسب ما ذكرنا أن أولها تشرين إلى أيلول؛فكل فصل من السنة أربعة شهور معلومة من هذه الأثني عشر شهراً غير حائلة ولا منتقلة انتقال الشهور العربية، ولكل برج منها شهر، فأيلول وتشرين وتشرين لسلطان السوداء. وكانون وكانون وشباط لسلطان البلغم، وآذار ونيسان وأيار لسلطان الدم، وحزيران وتموز وآب لسلطان الصفراء، فأيلول لبرج السنبلة وتشرين الأول لبرج الميزان، وتشرين الأخر لبرج العقرب، وكانون الأول برجه القوس، وكانون الأخر برجه الجدي، وشباط برجه الدَلْو، وآذار برجه الحوت، ونيسان برجه الحمل، وأيار برجه الثور، وحزيران برجه الجوزاء، وتموز برجه السرطان، وآب برجه الأسد.
وقال المسعودي: وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب جملاً من الكلام في الطبائع وفصول السنة، وما يلائم ذلك من المآكل والمشارب وغير ذلك مما لحق بهذا الباب، إن شاء الله تعالى، واللّه ولي التوفيق.
ذكر قول العرب في ليالي الشهور القمرية وغيرها
كانت العرب تخبر عن القمر في كل ليلة من الشهور على حسب ما
(1/250)

هو به من الضياء وغيره على طريق المسألة والجواب؛ فتقول: قيل للقمر: ما أنت ابن ليلة؟ قال: رضاع سخيلة، حل أهلها برميلة، قيل: فما أنت لليلتين؟ قال: حدثت أمتين، فَوَاتيْ إفك وَمَيْن، قيل: فما أنت لثلاث؟ قال: حديث فتيات، يجتمعن من شتات وقيل: قليل الثبات، قيل فما أنت لأربع؟ قال: غنمة رتع، غير جائع ولا مرضع قيل: فما أنت لخمس؟ قال: حديث وأنس، قيل: فما أنت لست؟ قال: سِرَوَبت، قيل: فما أنت لسبع؟ قال: تصفر في الشفع، وقيل: دلجة الضبع قيل: فما أنت لثمان؟ قال: قمر أصبحان، وقيل: رغيف اقتسمه أخوان، وقيل: فما أنت لتسع؟ قال: تلتقط في الجرع، قيل: فما أنت لعشر؟ قال: محق للفجر، قيل: فما أنت لإحدى عشرة؟ قال: أرى مساءَ وارَى بكرة، قيل: فما أنت لاثنتي عشرة؟ قال: موفق للسير في البدو والحضر، قيل: فما أنت لثلاث عشرة؟ قال: قمر باهر، يُعْشِي عين الناظر، قيل: فما أنت لأربع عشرة؟ قال: مقتبل الشباب، أضيء بين السحاب، قيل: فما أنت لخمس عشرة؟ قال: تم التمام ونفذت الأيام، قيل: فما أنت لست عشرة؟ قال: ناقص الخلق، في الغرب والشرق، قيل: فما أنت لسبع عشرة؟ قال: ركب الفقير الفقر، قيل: فما أنت لثمان عشرة؟ قال: قليل البقاء، سريع الفناء، قيل: فما أنت لتسع عشرة؟ قال: بطيء الطلوع، من الخشوع، قيل: فما أنت لعشرين؟ قال: أطلع سحرة، وأرى بكرة، قيل: فما أنت لإحدى وعشرين؟ قال: لا أطيل السرى، إلا ريثما أرى، قيل: فما أنت لاثنتين وعشرين؟ قال: مسفع خطب، وليث حرب، قيل: فما أنت لثلاث وعشرين؟ قال: كالقبس، أطلع في الغلس، قيل: فما أنت لأربع وعشرين؟ قال: أطلع في قسمه، ولا أجلي ظلمة، قيل: فما أنت لخمس وعشرين؟ قال: أنا في تلك الليالي، لا قمر ولا هلال، قيل: فما أنت لست وعشرين؟ قال: دنا الأجل، وانقطع الأمل، قيل: فما أنت لسبع وعشرين؟ قال: دنا ما دنا، فليس في من سَنَا، قيل: فما أنت لثمان وعشرين؟ قال: أطلع بكراً، ولا أرى ظهراً، قيل: فما أنت لتسع وعشرين؟ قال: أسبق شعاع الشمس، ولا أطيل الجلس، قيل: فما أنت لثلاثين؟ قال: هلال مستقبل سريع الأفل.
تقسيم الليالي ثلاثاً وثلاثاً واسم كل ثلاث
وكانت العرب تسمي الثلاث الأولى من ليالي الشهر و فتقول: ثلاث غرر، والثلاث التي تليها ثلاث سَمَر، والثلاث التي تليها ثلاث زهر، والثلاث التي تليها ثلاث درر، والثلاث التي تليها قمر، وثلاث بيض، وتقول في النصف الثاني من الشهر في الثلاث الأول: ثلاث درع، وفي الثلاث التي تليها ثلاث ظلم، وفي الثلاث التي تليها ثلاث حناديس، وفي الثلاث التي تليها ثلاث دواري، وفي الثلاث التي تليها ثلاث محاق، وقيل في وجه آخر من الروايات: إنه يُقال لليالي الشهر: ثلاث هلل، وثلاث قمر، وست نقل وثلاث بيض، وثلاث درع، وثلاث بهم، وست حناديس، وليلتان داريتان، وليلة محاق.
أسماء الهلال والليالي
قال المسعودي: فأما ما ذهب إليه العرب في تسمية القمر فإنها تسمية في ليلة طلوعه هلالا، وما لم يستدير فهو هلال، ثم تسمه قمراً إذا ما استدار، وإذا ما حجر وأضاء فهو قمير، قال شاعرهم:
وقمير بَدَا ابن خمس وعشري ... ن له قالت الفتاتان قوما
ثم يستوي لثلاث عشرة منه، وهي ليلة السّوَاء، ثم ليلة البحر لأربع عشرة، ويُقال: غلامٌ بحر، إذا امتلأ شبابأ قبل أن يحتلم، ويُقال: عين حدرة بدرة، إذا كانت حديدة كعين الفرس، والليالي البيض ليلة ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة، والليالي الدُّرْع هي التي تسودُ صدورها وتبيض سائرها، والمحاق إذا ما طلعت عليه الشمس، والسواد حين يستتر فيكون خلف الشمس، ويُقال: قد حجر القمر، إذا استدار بخط رقيق من غير أن يغلظ، ويُقال: أفتق القمر إذا أصابته فرجة من السحاب فخرج وأفتق علينا فأبصرنا الطريق، وكل سواد من الليل حِندِس، والليالي الزًّهْر الليالي البيض والزهرة: البياض واللّه الموفق للصواب.
ذكر القول في تأثير النيرين في هذا العالم
وجمل مما قيل في ذلك وغير ذلك مما لحق بهذا الباب
قال المسعودي:
(1/251)

ذهب الحكماء جميعاً من اليونانيين وغيرهم إلى أن أفعال القمر في الجواهر التي قلنا عظيمة، إلا أنها أقصر من أفعال الشمس، وهو الثاني بعدها، وذلك أن الشهور به تكون، وعلى حسب حركته يجري أمرها، وأفعاله لرى أعظم وآبين في حيوان البحر خاصة، وهو ينمى النبات وغيره، ويعظم البحار، ويسمن الحيوان، ويلزم النساء الطمث أزماناً محدودة.
تصور الجنين في الرحم
قال المسعودي رحمه اللهّ: وقد تنازع الناس في كيفية تصور الجنين فيٍ الرحم.
فذهب قوم من أهل القدم إلى أن في المني قوة تصور الجنين إما منة،. وما من دم الطمث.
وذهب قوم إلى أن في الرحم قالباً يتصور فيه الجنين، وقد ذكر جالينوس في كتابه عن بقراط أن مقام المني مقام الفاعل والمفعول في تصور الجنينَ.
وقال صاحب المنطق: إن ذلك بمنزلة الفاعل، وإن الجنين يتصور في دم الطمث من المني، قال: والمني يعطي الدم مثل الحركة، ثم يستحيل ريحاً فيخرج من الرحم، وزعم جالينوس أن الجنين يكون من المني، وقد يجذب إليه الدم الذي هو الطمث، والروح من العروق والشريانات فيكون من المني، ومن ذلك الدم الذي يجذبه، ومن الريح الذي تصير إليه من الشريانات. قال: وكون الجنين بمنزلة كون النبات، والطبيعة تصوره من المني والدم، وتفعل الطبيعة في الجنين ما تفعله في النبات. لأن بزر النبات يحتاج إلى أرض لينال منها ما يتغذى به، فالجنين إلى الرحم، والنبات يرسل عروقه من الأصول ليجذب بها من الأرض غداه،وللجنين في المشيمة شريانات، والعروق نظير لذلك وهي أصول الجنين، وبَزر النبات ينبت منه سوق، ومن السوق أغصان كبار، ثم من هذه الأغصان أغصان أخرى تتفرع أولاً حتى تنتهي إلى الأقاصي، ونظير ذلك يوجد في الجنين؛ فتجد السوق في بدئه ثلاثة من كل واحد كل الأغصان الأصول وهي؛الشريان الأعظم، والعرق الأجوف، والنخاع ثم تجد كل واحد من هذه تتشعب منه شعب كالأغصان المنقسمَة ألم أغصان آخر حتى ينتهي إلى الأطراف، ثم قال بعد ذلك: إن المني و المحرك لنفسه، وإن الجنين يكون من الرجل والمرأة الطمث.
وحكى جالينوس عن أنبدقلس أن أجزاء الولد منقسمة فيمنى الذكر والأنثى وأن شهوة الجماع تسوق هذه الأجزاء إلا الالتئام، وهذا موجود في كتاب أنبدقلس الكبير وفيما ذكره من مذهبه في كيفية تركيب العالم واتصال النفس بعالمها وغير ذلك.
وقد ذهب قوم من، أهل القدم إلى أن ذلك هو أجزاء تخرج من أعضاء الإنسان لطيفة من جنس سائر أعضاء الإنسان، فتنصب في الرحم، فيتغذى منه وينمو، فيكون من ذلك الجنين.
يشبه الولد أباه وأهل بيت أبيه
ومنهم من رأى أن هذه الأجزاء الواردة من سائر أعضاء الذكر تقاربها مواد من الرحم ومن ماء المرأة عند اجتماعهما فيكون الجنين من ذلك، فمن ذلك صار الولد يشبه أباه في الأغلب من سائر الأعضاء ويشاكله وأهل بيت أبيه، ولهذا وقع الشبه بين البنين والآباء في الأغلب من تشهابه الأعضاء، ومن ههنا أدركت القَافُة إلحاق النسب عند الشبه والشك في لنسب، وذلك على قول من رأى إلحاق النسب بالقيافة من الفقهاء، وقد تقدم الكلام في هذا المعنى فيما سلف من هذا الكتاب في باب القيافة.
وللناس في كيفية تصور الجنين في الرحم وما بدؤه وما عنصره وكيفية تقلبه من النطفة إلى العلقة ومن العلقة إلى المضغة إلى استكمال شكله كلام كثير: منهم أصحاب الاثنين وغيرهم ممن تقدم وتأخر، أعرضنا عن ذكر ذلك؛ إذ كان فيه خروج عما إليه قصدنا في هذا الباب.
قال المسعودي رحمه الله: والذي يقضي على سائر ما تقدم وصفه نقطع علم العقول عنده، وهو ما أخبر به الباري عز وجل في كتابه بقوله: " هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء، لا إله إلا هو العزيز حكيم " ولم يخبر عن كيفية وقوع ذلك وما سبب مواده، بل استأثر بعلمه، وأبدى الدلالة بظهور حكمته دالة على توحيده وإتقانه لما أظهر لعباده من حكمته ثم أخبر عن المبدأ الذي خلقهم منه فقال: " يا أيها الناس أنا خلقنكم من ذكر وأنثى " وقال عز وجل: يا أيها الناس إن كنتم ريب من البعث فأنا خلقنكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مغة مخلقة وغير مخلقة؛ لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى، ثم نخرجكم طفلاً، ثم لتبلغوا أشدكم، ومنكم من يتوفى، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر " الآية.
ختلاف في تأثير النيرين
(1/252)

قال المسعودي: وللناس ممن سلف من الأوائل وخلف من الشرعيين،م كثير في كيفية أفعال النيرين وتأثيرهما في هذا العالم، وما قالوه في ذلك، وما خصوا به كل واحد منهما وأفرده، وما ذهبوا إليه من فعل الثاني منهما وهو القمر وما يظهر من تأثيره في الجزر والمد في بحر الصين الهند والحبش واليمن على حسب ما قدمنا في هذا الكتاب، وكذلك فعله المعادن وأدمغة الحيوان والبيض وسائر النبات، وما يظهر من الزيادات فيه عند امتلائه، والنقص عند نقصانه، وما يكون من بحرانات المرضى ؤ اليوم السابع من العلة، - والرابع عشر وإلحادي والعشرين والثامن والعشرين لأن القمر أربعة أشكال هي أثبت صوره، فيه شكل التنضيف، وشكل التمام، وشكل التنصيف عن التمام، وشكل المحاق، ولكل شكل هذه سبعة أيام؛لأنه في سبع ليالي يتنصف، وفي الرابعة عشرة يتم، وب الحادية والعشرين يتنصف، وفي الثامنة والعشرين ينمحق، كذلك البحرانات، وعند هذه الطائفة يصح في السابع والرابع عشر وإلحادي والعشرين والثامن والعشرين ويصح أيضاً في تنصيفات هذه،إذ كانت هذه الأشكال أثبت أشكال الشيء المنقسم، وقد خالف هؤلاء خلق كثير من ذهب إلى غير هذا القول، وأن ذلك من قبل الأخلاط، وغير ذلك كل الطبائع الأربع، وغيرها مما قد أتينا على إيضاحه في كتابنا المترجم بكتاب الزلف وفي كتاب المبادي والتراكيب وغير ذلك في كيفية تأثير الشمس والقمر.
كروية السماء والأرض
وأما الدلائل على أن السماء على مثال الكرة وتدويرها بجميع ما فيما من الكواكب كدورة الكرة، وأن الأرض بجميع أجزائها من البر والبحر علم مثال الكرة، وأن كرة الأرض مثبتة في وسط السماء كالمركز، وقدرها عند قمر السماء قدر النقطة في الدائرة صغراً، ووصف الرابع المسكون من الأرض، وما يعرض فيه من دور الفلك، واختلاف الليل والنهار ووصف خواص هذا الربعٍ المسكون من الأرض ووصف المواضع التي تطاع الشمس فيها شهور ألا تغرب، وتغرب شهوراً لا لطلع، فقد أتينا علم وصف جميع ذلك، وما اتضح عليه وانتصب من البراهين، وما قاله الناس في ذلك في كتابنا المترجم بكتاب أخبار الزمان وما أوضحنا فيه من هيث الأفلاك والكواكب، وأن الأرض مع ما وصفنا تدويرها موضوعة فيجوف الفلك. كالمحة في البيضة، والنسيم جاذب أيضاً لما في أبدان الخلق من الخفه والأرض جاذبة لما في أبدانه من الثقل؛ إذ كانت الأرض بمنزلة حجر المعناطيس الذي يجذب بطبعه الحديد، وأن الأرض مقسومة نصفين وربينهما خط الاستواء، وهو بين المشرق إلى المغرب وهذا عندهم هو طول الأرض؛لأنه أكبر خطفي كرة الأرض كما أن منطقة البرج أكبر يخط في الفلك، وعرض الأرض من القطب الجنوبي إلى القطب الشمالى، الذي تدور حوله بنات نَعْش؛ وأن استدارة الأرض فيخط الاستواء ست وثلاثون درجة، والدرجة خمسة وعشرون فرسخا، والفرسخ اثنا ألف ذراع، والذراع اثنان وأربعون إصبعا، والإصبع ست حبات، وتسعا مصفوفة بعضها إلى بعض، يكون ذلك تسعة آلاف فرسخ.
وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب في باب ذكر الأرض والبحار ومبادئ الأنهار مقدار المِيل والذراع الأسود، وإنما نذكر في كل موضع من هذا الكتاب ما يسنح لنا ونجده في كتب الناس؛ فننقل ذلك عنهم على ما وجدناه في كتبهم، لا أنا نقطع على صحته؛إذ كان ما يذهب إليه في مقدار الميل من الأذرع، والذراع من الأصابع، هو ما بيناه آنفاً في باب ذكر الأرض والبحار.
وبين خط الاستواء وكل واحد من القطبين تسعون درجة، واستدارتها - عرضاً مثل ذلك، وزعم هؤلاء أن العمارة في الأرض بعد خط الاستواء أربع وعشرون درجة، وأن الباقي قد عمه البحر الكبير، وأن الخلق على الرابع الشمالي من الأرض، والربع الجنوبي لشدة الحر فيه، والنصف البإقى من الأرض لا ساكن فيه، وكل ربع من الشمال والجنوب سبعة أقاليم، وقد ذكرناها فيما سلف من هذا الكتاب عند ذكرنا الأرض والأقاليم السبعة، وأن عدد المدن عند صاحب كتاب الجغرافيا أربعة آلاف مدينة ومائتا مدينة، فأما قبله أهل المشرق والمغرب والتيمن والجنوبي، فقد ذكرنا جملاً من ذلك في كتابنا أخبار الزمان.
(1/253)

وقد حرر ذلك في كتابه أبو حنيفة الدِّينَوَرِيّ، وقد سلب ذلك ابَن قتيبة ونقله إلى كتبه نقلاً، وجعله عن نفسه، وقد فعل ذلك في كثير من كتب أبي حنيفة الدينوري. هذا، وكان أبو حنيفة هذا ذا محل من العلم كبير، ولبطليموس في كتاب المجسطي، وغيره ممن تقدم،، ثم لمن طرأ بعد ظهور الإسلام - مثل الكندي، وابن المنجم، وأحمد بن الطيب - ، وما شاء الله، وأبى معشر، والخوارزمي، ومحمد بن كثير الفرغاني، فيما ذكره في كتابه الفصول الثلاثين، وثابت بن قرًة، والتبريزي، ومحمد د بن جابر البتانِي، وغير هؤلاء ممن قد عنى بعلوم الهيئة - علوم كثيرة في هذا المعنى، وإنما ننقل من ذلك إلى هذا الكتاب لمعاً، طلباً للاختصار والإيجاز، وباللّه التوفيق.
ذكر أرباع العالم والطبائع
وما خص به كل جزء منه من الشرق والغرب والتيمن والجنوبي والأهوية، وغير ذلك من سلطان الكواكب وما لحق بهذا الباب واتصل بهذا المعنى
الطبائع الأربع
قال المسعودي: فأما الطبائع الأربعة: الأرض، فالنار حارة يابسة وهي الطبيعة الأولى والطبيعة الثانية: باردة رطبة، وهي الماء، والطبيعة الثالثة: الهواء، وهو حار رطب، والطبيعة الرابعة: وهي باردة يابسة؛فاثنتان منها تذهبان الصًعَدَاء: وهما: النار، والهواء، واثنتان ترسخان سُفْلا، وهما: الأرض، والماء والعالم أربعة أجزاء؛ فالمشرق الربع الأول، وجميع ما فيه حار رطب مثل الهواء والدم، وهذا الربع ريحه الجنوب، وله من الساعات الأولى والثانية والثالثة، وله من قوى البدن قوة الطبيعة الهاضمة، ومن المذاقات إلى حلاوة، وله من الكواكب: القمر، والزهرة، وله من البروج: الحمل، والثور، والجوزاء. وللحكماء في هذا خطب طويل في وصف هذه الأرباع منها جُمَل فيما مضى وما يأتي. والمغرب: وهو الربع الثاني، وجميع ما فيه بارد رطب مثل الماء والبلغم، والشتاء، ورياحه: الدَّبُورُ، وله من الساعات العاشرة والحادية عشرة و الثانية عشرة، وله من المذاقات: المالح، وما شابه ذلك، وله من القوى: القوة الدافعة، وله من الكواكب: المشتري، وعُطَارد، ومن البروج: الجدي، والدلو، والحوت. والجزء الثالث: التيمن، وجميع ما فيه حار يابس مثل المَرّة الصفراء.وريحه، الضبا، وله من الساعات الرابعة والخامسة والسادسة من النهار. وله من قوى البدن القوة النفسانية والحيوانية، وله من المذاقات: المرارة، وله من الكواكب: المريخ، والشمس، ومن البروج: السرطان، والسنبلة، والميزان، والجزء الرابع هو الجنوبي، وجميع ما فيه بارد يابس، مثل الأرض والمرة السوداء، والخريف وريحه الشمال وله من الساعات: السابعة والثامنة والتاسعة، وله من قوى البدن القوة الماسكة، ومن الطعوم والمذاقات: العَفْصُ، وله من الكواكب: زُحَل، وله من البروج: الميزان، والعقرب، والقوس، والأرض بعد ما وصفناه تتهايأ في الهيئة وتختلف في التأثير على مقادير. الخطوط، فإذا بعد الخط كان التأثير بخلاف ما هو إذا قرب؛لموجبات متنافية متغايرة، وأفضل المواضع من المسكون ما تطرح الشمس ضوء شعاعها إليه، وإلى الإِقليم الرابع ينتهي عند هذه الطائفة شعاعها في صفوة وارتفاع كحره؛لأن شعاع للشمس يهبط متساوياً إلى هذا الموضع وهو العراق.
علة عدم سكنى بعض الأرض
قال المسعودي: والمواضع التي لا تسكن عند هذه الطائفة عدمت السكنى لعلتين: إحداهما إفراط الحر وإحراق الشمس وكثرة تواتر شعاعها على تلك الأرضين حتى قد جعلتها كِلْسِية وأغاضت مياهها لكثرة التنشيف، والعلة الأخرى بُعْدُ الشمس عن الإقليم، وارتفاعها عن حوزته، فاكتنف تلك الأرضين البرد، واستولى عليها القر والجمَدُ، فزاد إفراط البرد في الجو حتى أزال حسن الاعتدال ورفع فضيلة النشف، فلم تلبث الحرارة في الأجسامٍ، ولم تظهر الرطوبة في إنماء الحيوان هنالك،فصارت تلك البلد قاعا صفصفا من الحيوان والنبات، وهذه البلدان التي تراها مفرطة الحرارة والبرودة هي تناسب ما ذكرنا من هذه الديار البلاقع.
(1/254)

ولهذه الطائفة كلام كثير في فناء العالم ونقصه وعَوده جديداً، وذكروا أن السلطان في هذا الوقت السنبلة وهو سبعة آلاف سنة، وذلك عمر هذا العالم البشري، وقد ساعَدَ السنبلة المشتري في التدبير، وأن نهاية العالم. في كثرة قطع الكوكب المدبر المسافة التامة بالقوى، فإذا استكمل قَطْع المسافة التي ذكروها في الفلك فهنالك يقع النفاد ويكون الدًّثُور بالعالم، والكواكب إذا كملت ما لها من كَرِّ ودوْر عاد التدبير إلى الأول منها، وعادت أشخاص كل عالم وصوره مع اجتماع المواد التي كانت له في حال حركة تأثير الكوكب الذي كان التدبير إليه وهكذا عند هؤلاء يجري شأن العالم سرمداً.
مدة سلطان الكوكب
وزعموا أن سلطان الْحَمل اثنا عشر ألف سنة وسلطان الثور إحدى عشرة ألف سنة، وسلطان الجوزاء عشرة آلاف سنة، وسلطان السرطان تسعة آلاف سنة، وسلطان الأسد ثمانية آلاف سنة، وسلطان السنبلة سبعة آلاف سنة، وسلطان الميزان ستة آلاف سنة وسلطان العقرب خمسة آلاف سنة وسلطان القوس أربعة آلاف سنة وسلطان الجدي ثلاثة لأف سنة، وسلطان الدلو ألفا سنة وسلطان الحوت ألف سنة، فجميع ذلك ثمانية وسبعون ألف سنة وعند ذلك هو انقضاء العالم ونقض ما فيه ورجوعه إلى كونه.
وتكلم هؤلاء في الجن الذين كانوا في الأرض قبل خلق اللّه آدم واستخلافه في الأرض، وأن المتولي لهم كوكب من الكواكب النارية.
وتكلم كلا الفريقين في أوج الشمس عند انفصالها إلى البروج الجنوبية وما يحدث في العالم في كون الشمال جنوباً والجنوب شمالاً، وتحول العامر غامراً والغامر عامراً، على حسب ما ذكرنا في كتابنا المترجم بكتاب الزلف.
أجناس الأجسام
وقد ذهب غير هؤلاء ممن تقدم من الأوائل إلى أن التي وجد بها سائر الموجودات كالأول والثواني والثوالث على قدر مراتبها في العقل النفس والصورة والهيولى، وأنها المبادئ على حسب ما رتبناه وقدمناه في كتاب الزلف فما عدا ما وصفنا فهي الأجسام، وأناسها ستة: الجسم السماوي والجسم الأرضي والحيوان الناطق، والحيوان غير الناطق، والنبات، والأجسام الحجرية وهي المعدنية، والأستقصات الأربعة وهي النار والهوا والماء والأرض.
وتكلم هؤلاء فيما يخص كل واحد مما ذكرنا مما لا يحتمله كتابنا هذا؛ إذا كان فيه خروج عن الغرض الميَمّم فيه، وقد أتينا على بسط ذلك في كتاب الرؤوس السبعة، في باب السياسة المدنية، وعدد أجزائها وعللها الطبيعية وهل ملك تلك المدينة جزء من أجزائها أو من غيرها؟ وإليه نهاية أجزائها على حسب ما ذكره فرفوريوس في كتابه في وصف منازعة أفلاطون وأرسطاطاليس في ذلك.
فأما علة كون الشتاء بأرض الهند في الحالة التي يكون الصيف بها عندنا، و، لحالة التي يكون فيها عندنا الشتاء يكون الصيف عندهم فقد ذكرنا علة ذلك ووجه البرهان عليه، وأن ذلك للشمس في قربها وبعدها، وكذلك علة تكون السودان في بعض البقاع من الأرض دون بعض وتفلفل شعورهم، وغير ذلك من مشهور أوصافهم، وعلة تكوُّن البيضان في بعض البقاع دون بعض وتفطر ألوان الصقالبة وشقرتهم وصُهًوبة شعورهم، وما لحق الترك من استرخاء مفاصلهم وتعوج أسواقهم ولين عظ أمه م حتى إن أحدهم ليرمى بالنشاب من خلف كرمْيِه من قدّام فيصير وجهه قفاه وقفاه وجهه،ومطاوعة فقارات الظهور لهم على ذلك، وكون الحمرة في وجوههم عند تكامل الحرارة في الوجه على الأغلب من كونها وارتفاعها؛ لغلبة البرد على مصداق ما ذكرنا فيما سلف من كتبنا في هذه المعاني المقم ذكرها. ولم نتعرض لذكر ما لم يصح عندنا في العالم وجوده حساً ولا خبراً قاطعاً للعذر ولا دافعأ للرَّيْبِ ومزيلا للشك كأخبار العامة في كون النسناس، وأن وجوههم على نصف وجوه الناس، وأنهم ذوو أنياب، وقولهم في عنقاء مغرب. وقد زعم كثير من الناس أن الحيوان الناطق ثلاثة أجناس: ناس، ونسناس، ونسانس وهذا محال من القول؛ لأن النسناس إنما وقع هذا الاسم على السفلة من الناس والرُّذَال وقد قال الحسن: ذهب الناس وبقي النسناس، وقال الشاعر:
ذهب الناس فاستقلوا، وصرنا ... خلفاً في أراذل النسناس
أراد به ما وصفنا: أي ذهب الناس وبقي مَنْ لا خير فيه.
الجن وأنواعها
وقد ذهب كثير من الناس إلى أن الجن نوعان: أعلاهم وأشدهم الجن، وأخفضهم وأضعفهم الحن، وأنشد الراجز:
(1/255)

مختلف نَجْرُهُمُ جِن وحِنّ
وهذا التفصيل بين الجنسين من الجن لم يرد به خبر، ولا صح به أثر، وإنما ذلك من توهم الأعراب على حسب ما بيناه آنفاً.
النسناس
وقد غلب على كثير من العوام الأخبار عن معرفة النسناس وصحة وجوده في العالم كالأخبار عن وجوده في الصين وغيرها من الممالك النائية والأمصار القاصية فبعضهم يخبر عن وجودهم في المشرق، وبعضهم في المغرب، فأهل المشرق يذكرون كونها بالمغرب، وأهل المغرب يذكرون أنها بالمشرق، وكذلك كل صقع من البلاد يُشير سكانه إلى أن النسناس فيما بعد عنهم من البلاد ونأى من الديار.
وقد رووا في ذلك خبرأ مخرجه من طريق الآحاد أن ذلك في بلاد حضرموت من أرض الشِّحْر، وهو ما ذكره عبد الله بن سعيد بن كثير بن عفير المصري، عن أبيه عن يعقوب بن الحارث بن نجيم، عن شبيب بن شيبة بن الحارث التميمي، قال: قدمت الشحْر فنزلت على رأسها، فتذاكرنا النسناس، فقال: صيدوا لنا منها، فلما أن رجعت إليه مع بعض أعوانه المَهْرِبين إذ أنا بنسناس منها، فقال لي النسناس: أنا بالله وبك، فقلت لهم: خلوه، فخلوه، فلما حضر الغداء قال: هل اصطدتم منها شيئأ؟ قالوا: نعم؛ولكن خلاّ ضيفك، قال: استعموا فأنا خارجون في قَنَصِه، فلما خرجنا إلى ذلك في الشَحَر خرج منها واحد يدمو وله وجه كوجه الإنسان وشَعَرات في ذقنه، ومثل الثدي في صدره، ومثل رجلي الإنسان رجلاه، وقد ألظ به كلبان، وهو يقول:
الويل لي مما به دهانى ... دهري من الهموم والأحزان
قفا قليلا أيها الكلْبَانِ ... واستمعا قولي وصدَقاني
إنكما حين تحارباني ... ألفيتماني حضرا عِناني
لولا سُبَاتي ما ملكتماني ... حتى تموتا أو تفارقاني
لست بخَوّار ولا جبان ... ولابنكس رَعش الجنان
لكن قضاء الملك الرحمن ... يُذِل ذا القوة والسلطان
قال: فالتقيا به فأخذاه، ويزعمون أنهم ذبحوا منها نسناساً، فقال قائل منها: سبحان الله، ما أشد حمرة دمه! فذبحوه أيضاً، فقال نسناس آخر من شجرة: كان يأكل السماق، قال: فقالوا نسناس آخر خذوه، فأخذوه وذبحوه، فقالوا: لو سكت هذا لم يعلم بمكانه، فقال نسناس من شجرة أخرى: أنا صمت قالوا: نسناس، خذوه فأخذوه فذبحوه فقال نسناس من شجرة أخرى: يا لسان احْفَظْ رأسك، فقالوا: نسناس خذوه، فأخذوه، وزعم من روى هذا الخبر أن المهرة تصطادها في بلادها وتأكلها.
قال المسعودي: ووجدت أهل الشّحر من بلاد حضرموت وساحلها - وهي الأحساء مدينة على الشاطئ من أرض الأحقاف، وهي أرض الرمل وغيرها مما اتصل بهذه الديار من أرض اليمن وغيرها من عمان وأرض المَهْرَة - يستطرفون أخبار النسناس إذا ما حدقوها، ويتعجبون من وصفه، ويتوهمون أنه ببعض بقاع الأرض مما قد نأى عنهم وبعد، كسماع غيرهم من أهل البلاد بذلك عنهم، وهذا يمل على عدم كَوْنه في العالم، وإنما ذلك من هَوَس العامة واختلاطها، كما وقع لهم في خبر عنقاء مُغرِب وهذا يمل على عدم كونه في العالم ورووا فيه حديثاً عَزَوْه إلى ابن عباس، ونحن لم نحِلْ وجود النسناس والعنقاء وغير ذلك مما اتصل به بهذا النوع من الحيوان الغريب النادر في العالم من طريق العقل. فإن ذلك غير ممتنع في القدرة، ولكن أحَلْنَا ذلك لأن الخبر القاطع للعذر لم يرد بصحة وجود ذلك في العالم، وهذا باب داخل في حيز الممكن الجائز خارج عن باب الممتنع والواجب، ويحتمل هذه الأنواع من الحيوان الناعر ذكرها كالنسناس والعنقاء والعَرَابد وما اتصل بهذا المعنى أن تكون أٍ أنواعا من الحيوان أخرجتها الطبيعة من القوة إلى الفعلِ ولم تحكمه ولم يتأتّ فيه الضُنع كتأتيه في غيره من الحيوان، فبقي شاذاَ فريدأ متوحشا ناعراً في العالم طالباً للبقاع النائية من البرمباينَاَ لسائر أنواع الحيوان من الناطقين وغيرهم؛ للضدية التي فيه لغيره مما قد أحكمته الطبيعة، وعدم المشاكلة والمناسبة التي بينه وبين غيره من أجناس الحيوان وأنواعه، على حسب ما قدمنا في باب الغيلان فيما سلف من هذا الكتاب، وفي الإكثار مهن هذا خروج عن الغرض الذي إليه قصدنا في هذا الكتاب.
(1/256)

وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب من الأخبار عمن زعم أن المتوكل أمر حُنَيْنِ بن إسحاق - أو غيره من أهل عصره ممن عني بهذا الشأن من الحكماء - أن يتأتى له ويحتال في حمل النسناس والْعَرْبَد من أرض اليمامة، وأن حُنَيْناً حمل له شيئاً من ذلك، وقد أتينا على شرح هذا الخبر فيمن أرسل إلى اليم أمه في حمل العربد وإلى بلاد الشِّحر في حمل النسناس في كتابنا أخبار الزمان واللّه تعالى أعلم بصحة هذا الخبر، وليس لنا في ذلك إلا النقل، وأن نعزوهْ إلى راوية، وهو المقلَد بعلم ذلك فيما حكاه ورواه؛فننظمه على حسب ما يتأتى لنا نظمه في الموضع المستحق له، والله ولي التوفيق برحمته.
وأما ما ذكروه عن ابن عباس فهو خبر يتصل بخبر خالد بن سنان العبسي، وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب خبر خالد بن سنان العبسي، وأنه ذكر أنه كان في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وذكرنا خبره مع النار وإطفائه لها.
العنقاء
فلنذكر الآن خبر العنقاء على حسب ما رووه، فلا بد من إعادة خبر خالد لذكرنا العنقاء واتصال الخبرين، ومخرج هذه الأخبار كلها عن ابن عفير.
حدث الحسن بن إبراهيم قال: حدثنا محمد بن عبد اللّه المروزي قال: حدثنا أسد بن سعد بن كثير بن عفير، عن أبيه عن جدة كثير، عن جد أبيه عفير عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن اللّه خلق طائراً في الزمان الأول من أحسن الطير، وجعل فيه من كل حسْن قسطاً، وخلق وجهه على مثال وجوه الناس، وكان في أجنحته كل لون حُسَنٍ من الريش، وخلق له أربعة أجنحة من كل جانب منه، وخلق له يدين فيهما مخالب، وله منقار على صفة منقار العُقَاب غليظ الأصل، وجعل له أنثى على مثاله، وسماها بالعنقاء، وأوحىِ الله تعالى إلى موسى بن عمران: إني خلقت طائراً عجيباً خلقته ذكراَ وأنثى، وجعلت رزقه في وحش بيت المقدس، وآنستك بهما؛ليكونا مما فضلت به بني إسرائيل، فلم يزالا يتناسلان حتى كثر نسلهما، وأدخل الله موسى وبني إسرائيل في التيه فمكثوا فيه أربعين سنة حتى مات موسى وهرون في التيه وجميع من كان مع موسى من بني إسرائيل، وكانوا ستمائة ألف، وَخَلَفَهم نسلُهم في التيه، ثم أخرجهم الله تعالى من التيه مع يوشع بن نون تلميذ موسى ووصيه، فانتقل ذلك الطائر فوقع بنجد والحجاز في بلاد قيس عَيْلاَن، ولم يزل هنالك يأكل من الوحوش ويأكل الصبيان وغير ذلك من البهائم إلى أن ظهر نبي من بني عبس بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم يقال له خالد بن سنان، فشكا إليه الناس ما كانت العنقاء تفعل بالصبيان، فدعا الله عليها أن يقطع نسلها فقطع الله نسلها فبقيت صورتها تحكي في البُسُطِ وغير ذلك.
وقد ذهب جماعة من ذوي الروايات إلى أن قول الناس في أمثالهم عنقاء مُغْرب إنما هو للأمر العجيب النادر وقوعه، وقولهم جاء فلان بعنقاء مُغْرِب يريدون أنه جاء بأمر عجيب، قال شاعرهم:
وَصًبّحَهم بالجيش عنقاء مُغْرِب
وَالْعَنَق:السرعة
خالد بن سنان العبسي
قال ابن عباس من: وكان خالد بن سنان نبي بني عبس بَشَّر برسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، فلما حضرته الوفاة قال لقومه: إذا أنا مت فادفنوني في حِقْفِ من هذه الأحقاف، وهي تلول عظام من الرمل، واحرسوا قبري أياماً، فإذا رأيتم حماراً أشهب أبتر يدور حول الحِقْف الذي فيه قبري أياماً فاجتمعوا ثم انبشوا قبري وأخرجوني إلى شفير القبر، وأحضروا لي كاتبَاَ ومعه ما يكتب فيه حتى أملي عليكم ما يكون وما يحدث إلى يوم القيامة، وقال: فَرَصدوا قبره بعد وفاته ثلاثاً ثم ثلاثأ ثم ثلأثاً، فإذا الحمار يرعى حول الحقف قريباً من قبره واجتمعوا عليه لينبشوا كما أمرهم، فحضر ولده وشهروا سيبرفهم، وقالوا: والله لا تركنا أحداً ينبشه، أتريدون أن نُعَير بذلك غداً وتقول لنا العرب: هؤلاء ولد المنبوش؛ فانصرفوا عنه وتركوه، قال ابن عباس: ووردت ابنة له عجوز قد عمرت على النبي صلى الله عليه وسلم، فتلقاها خيرو أكرمها وأسلمت، وقال لها: مرحباً بابنة نبي ضيعه أهله قال شاعر بني عبس:
بني خالد لوأنكم إذ حضرتُمُ ... نبشتم عن الميت المغيَّبِ في القبر
لأبقى عليكم آلَ عبسٍ ذخيرة ... من العلم لا تبلى على سالف الدهر
(1/257)

وقد رويَتْ عن ابن عفير أخبار كثيرة في هذا المعنى وأشباهه من فنون الأخبار من أخبار بني إسرائيل وغيرها.
خلق الخيل
منها خبر خلق الخيل، وهو ما حدث به الحسن بن إبراهيم الشعبي القاضي، قال: حدثنا أبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه المروزي قال: حدثنا أبو الحارث أسد بن سعيد بن كثير بن عفير، عن أبيه، عن جده كثير، عن جد أبيه عفير قال: قال عكرمة: أخبرني مولاي ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله لما أراد أن يخلق الخيل أوحى إلى الريح الجنوبي: إني خالق منك خلقاً فاجتمعي فاجتمعت، فأمر جبريل فأخذ منها قبضة ثم قال الله: هذه قبضتي، قال: ثم خلق الله منها فرساً كُمَيْتَاَ، ثم قال الله: خلقتك فرساً، وجعلتك عربياً، وفضلتك على سائر ما خلقته من البهائم بسعة الرزق، والغنائم تقاد على ظهرك، والخير معقود بناصيتك، ثم أرسله، فصَهَلَ، فقال الله: باركت فيك، بصهيلك أرعب المشركين، وأملأ مسامعهم، وأزلزل أقد أمه م، ثم وسَمه بغرة وتحجيل، فلما خلق اللّه آدم قال: يا أدم، أخبرني أي الدابتين أحب إليك الفرس أو البراق؟ قال: وصورة البراق على صورة البغل، لا ذكر ولا أنثى، فقال آدم: يا رب، اخترتُ أحسنهما وجهاً، فاختار الفرس، فقال الله: يا آدم اخترت عزك وعز ولدك باقياً ما بقوا وخلدوا " قال ابن عباس: فذلك الوَسْمُ فيه وفي ولده إلى يوم القيامة، يعني الغرة والتحجيل.
قال المسعودي رحمه الله: وقد ذكر عيسى بن لهيعة المصري في كتابه المترجم بكتاب الحلائب والجلائب وذكره لكل حَلْبة أجريت فيها الخيل في الجاهلية والإِسلام: أن سليمان بن داود زَؤَدَ أناسا من الأزد فرساً يصيدون عليه، فسمي زاد الراكب، وكذلك ذكر ابن عريد في كتاب الخيل وغيره.
وللناس في الخيل أخبار عظيمة كثيرة قد أتينا على ذكرها في السالف من كتبنا.
ولولا أن المصنف حاطبُ ليلٍ لذكره في تصنيفه من كل نوع لما ذكرنا هذه الأخبار؛ إذ الناس من أهل العلم والدراية في قبول الأخبار على وجوه.
الكلام على الأخبار
وقد ذهبت طائفة إلى أن الأخبار التي تقطع العذر وتوجب العلم والعمل هي أخبار الاستفاضة: ما رواه الكافة عن الكافة، وأن ما عدا ذلك فغير واجب قبوله.
وذهب الجمهور من فقهاء الأمصار إلى قبول خبر الاستفاضة، وهو خبر التواتر، وأنه يوجبْ العلم والعمل، وأوجبوا العمل بخبر الواحد، وزعموا أنه موجب للعمل دون العلم بأوصاف ذكروها.
ومن الناس من ذهب إلى غير هذه الوجوه في قبول الأخبار من الضرورية وغيرها.
وما ذكرناه من حديث النسناس والعنقاء وخلق الخيل فغير داخل في أخبار التواتر الموجبة للعمل واللاحقة بما أوجب العمل دون العلم، ولا بالأخبار المضطرة لسامعها إلى قبولها عند ورودها واعتقاد صحتها عن مُخْبِرها، وهذا النوع من الأخبار قد قدمنا أنها في حَيِّز الجائز الممكن الذي ليس بواجب ولا ممتنع، وهي لاحقة بالإِسرائيليات من الأخبار والأخبار عن عجائب البحار. ولولا ما قدمنا آنفاً من اشتراطنا على أنفسنا الاختصار والإيجاز لذكرنا ما اتصل بهذا المعنى من الأخبار مما رواه أصحاب الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهم حملة السنن ونقلة الآثار، مما لا يتناكرونه، ويعرفونه ولا يدفعونه.
أمثلة من الأخبار
مثل حديث القرد الذي كان في السفينة في عهد بني إسرائيل مع رجل كان يبيع الخمر لأهل السفينة ويَشُوبُ الخمر بالماء، وأنه جمع من ذلك دراهم كثيرة، وأن القرد قبض على الكيس الذي كانت فيه الدراهم وصعد على الدقل، وهو صارى المركب ويُدْعَى بالعراق الدقل، فحل الكيس ولم يزل يرمي درهماً إلى الماء ودرهماً إلى السفينة، حتى قسم ذلك نصفين.
(1/258)

ومثل ما روي الشعبي عن فاطمة بنت قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك قد رواه عن فاطمة بنت قيس عدة من الصحابة، وهو خبر تميم الداريّ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عنه أنه أخبره أنه ركب البحر في جماعة من بني عمه في سفينة، فأضلَّ بهم البحر وألقاهم إلى جزيرة فخرجوا من السفينة إلى الجزيرة فنظروا إلى دابة عظيمة قد نشرت شعرها، فقالوا لها: أيتها الدابة، ما أنت؛ فقالت: أنا الْجسَّاسة التي أخرج آخر الزمان، وذكروا عنها كلاماً غير هذا، وأنها قالت: عليكم بصاحب القصر، فنظروا فإذا هم بقصر من حاله ووصفه كذا، وإذا هم برجل بالحديد والقيود مُسَلْسل إلى عمود من حديد وصفة وجهه كذا، وأنه خاطبهم وساءلهم، وأنه الدجال، وأنه أخبرهم بجمل من الملاحم، وأنه لا يدخل مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك مما ذكر في هذا الحديث وغيره مما ورد من الأخبار في معناه، وهذا باب كبير يتسع وصفه ويعظم شرحه.
عود إلى ذكر أرباع العالم والطبائع
ثم رجع بنا القول إلى ما كنا فيه آنفا من ذكر أرباع العالم والطابع،وما اتصل بهذا المعنى، وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب جوامع من الكلام في الطبائع وغيرها مما ينبه على عظم هذا الباب ومبسوطه؛وقد زعم جماعة ممن تقدم وتأخر من الأطباء ومصنفي الكتب في الطبيعيات وغيرها أن للطعام ثلاثة انهضامات: أما الأول فهي المعدة فإن المعدة تهضم الطعام فتأخذ قوته فيصير مثل ماء الكشك، ثم تدفعه إلى الكبد ثم يدفعه الكبد في العروق إلى جميع الجسد كاندفاع الماء من النهر إلى السواقي والمشارب، فتهضمه أعضاء الجسد التالية، فتصيره إلى شبهها اللحم لحماً والشحم شحماً، وكذلك العروق والعصب وما سوى ذلك وأن إقتارها إذا استوت استوت أقدار القوى وإذا استوت القوى استوى الجسد واعتدل ويصح بإذن اللهّ تعالى.
فصول السنة وأثر كل منها
وأن الزمان أربعة فصول: الصيف، والخريف، والشتاء والربيع فالصيف يقوي المرة الصفراء ويكثر اهتياجها، والخريف يقوي السوداء والشتاء يقوي البلغم، والربيع يقوي الدم.
ثم ينقسم عمر الإِنسان أربعة أقسام: الصبا وفيه يقوى الدم والشباب وفيه تقوى المرة الصفراء، والكهولة وفيها تقوى السوداء والشيخوخة وفيها يقوى البلغم.
وأن البلدان أيضاً تنقسم على أربعة أقسام: المشرق وطبيعته الحرار والرطوبة، وفيه يقوى الدم، والجنوب وطبيعته البرودة واليبس، وفيه تقو؛ المرة السوداء، والغرب وطبيعته البرودة والرطوبة وفيه يقوى البلغم والتيمن وطبيعته الحرارة واليبس، وفيه تقوى المرة الصفراء، وأن بنية الأصول من الجسد ربما كانت مستوية معتدلة الأخلاط، وربما كان أغلب الأخلاط أغلب في البنية فتظهر قوته بأعل أمه حتى يكون مقوياً لذلك الخلط إذا هاج.
وقد قال أبقراط: ينبغي أن يكون كل شيء في هذا العالم مقدر أعلى سبعة أجزاء، فالنجوم سبعة، والأقاليم سبعة والأيام سبعة وأسنان الناس سبعة: أولها طفل، ثم صبي إلى أربع عشرة سنة، ثم غلام إلى أحد وعشرين سنة، ثم شاب ما دام يشب ويقبل الزيادة إلى خمس وثلاثين سنة، ثم كهل إلى الأربعين، ثم شيخ إلى سبع واربعين سنة، ثم هرم إلى آخر العمر.
الهواء وأثره في الإِنسان والحيوان
وجميع تغير أحوال الحيوان من الناطقين وغيرهم فمن الهواء يكون ذلك.
وقد قال الحكيم أبقراط: إن تغير حالات الهواء هو الذي يغير حالات الناس: مرة إلى الغضب، ومرة إلى السكون، وإلى الهم والسرور وغير ذلك، وإذا استوت حالات الهواء استوت حالات الناس وأخلاقهم.
وقال: إن قوى النفس تابعة لمزاجات الأبدان، ومزاجات الأبدان تابعة لتصرف الهواء: إذا برد مرة وسخن أخرى خرج الزرع نضيجاً ومرة غير نضيج، ومرة قليلا ومرة كثيراً، ومرة حاراً ومرة بارداً، فتتغير لذلك صورهم ومزاجاتهم، وإذا اعتدل الهواء واستوى خرج معتدلا، فاعتدل بذلك الصور والمزاجات.
الاستدلال بالأقاليم على تأثير الهواء
(1/259)

فأما علة تشابه صور الترك فإنه لما استوى هواء بلدانهم في البرد استوت صورهم وتشابهت، وكذلك أهل مصر لما استوت أهواؤهم تشابهت صورهم، ولما كان الغالب على هواء الترك البرد وعجزت الحرارة عن تنشيف رطوبات أبدانهم كثرت شحومهم، ولانت أبدانهم، وتشبهوا بالنساء في كثير من أخلاقهم، فضعفت شهوة الجماع فيهم، وقلَّ ولدهم؛لبرد مزاجهم، وللرطوبة الغالبة عليهم، وقد يكون ضعف الشهوة أيضاً لكثرة ركوب الخيل، وكذلك نساؤهم: لما سمنت أبدانهن ورطبت ضعفت أرح أمه ن عن جذب الزرع إليها.
وأما ألوانهم فللبرد كما ذكرنا؛لأن البياض إذا ألحت عليه البرودة صار إلى الحمرة، وبيان ذلك أن أطراف الأصابع والشفة والأنف إذا أصابها برد شديد احمرَّتْ.
وذكر الحكيم أبمراط أن في بعض البلدان من الجنوب بلدة كثيرة الأمطار كثيرة النبات والعُشْبِ، وأن أشجارها ذاهبة في الهواء، ومياهها عذبة ودوابها عظيمة، وهي مخصبة؛لأن تلك البلاد لم يلحقها حر الشمس، ولم يلحقها يبس البرد، فأجسام أهلها عظيمة، وصوره جميلة، وأخلاقهم كريمة؛فهم - في صورهم وقاماتهم واعتدال طبائعهم يشبهون باعتدال زمان الربيع، غير أنهم أصحاب دَعَة لا يحتملون الشدائد والكد.
وقال أبقراط في معنى ما وصفنا وما إليه قصدنا، من بيان الأهوية وتأثيرها في الحيوان والنبات: إن الروح المطبوعة فيها هي التي تجذب الهواء إلينا، وإن الرياح تقلب الحيوان من حال إلى حال، وتصرفه من - إلى برد، ومن يبس إلى رطوبة، ومن سرور إلى حزن، وكما تغير ما في البيوت من بزر أو عسل أو فضة أو شراب أو سمن فتسخنها مرة وتبرده أخرى وترطبها مرة وتيبسها أخرى، وعلة ذلك أن الشمس والكواكب تغير الهواء بحركاتها، وإذا تغير الهواء تغير بتغيره كل شيء، فمن تقدم وعرف أحوال الأزمنة وتغيرها والدلائل التي فيها عرف السبب الأعظم من أسباب العلم وتقدم في حفظ صحة الأبدان.
أثر الجنوب
وقال أيضاً: إن الجنوب إذا هبت أذابت الهواء وبردته، وسخنت البحار والأنهار، وكل شيء فيه رطوبة، وتغير لون كل شئ وحالاته، وهى ترخي الأبدان والعصب، وتورث الكسل، وتحدث ثقلا في السماع وغشاوة في البصر؛لأنها تحلل المرة، وتنزل الرطوبة إلى أصل العصب الذي يكون فيه الحس.
أثر الشمال
وأما الشمال فإنها تصلب الأبدان، وتصح الأدمغة، وتَحسن اللون، وتصفي الحواس، وتقوي الشهوة والحركة، غير أنها تحرك السُّعَال ووجع الصدر.
وقد زعم بعض من تأخر في الإسلام من الحكماء أن الجنوب إذا هَبَّ بأرض العراق تغير الورد، وتناثر الورق وتشقق القنبيط وسخن الماء، واسترخت الأبدان، وتكدر الهواء، قال: وذلك شبه ما قال أبقراط ا: إن الصيف أوْبَأ من الشتاء،لأنه يسخن الأبدان فيرخيها ويضعف قواها، وإن أهل العراق يكون الرجل منهم نائماً في فراشه فيحسُّ بهبوبها، وإنه إذا هبت الشمال بَرَدَ الخاتم في إصبعه واتسع لانضمام البدن بها، وإذا هبت الجنوب سخن الخاتم وضاق، واسترخى البدن، وحدث فيه الكسل، وهذا يجده سائر مَنْ بالعراق ممن له حسن، إذا صرف همته إلى تأمل ذلك، وكذلك يجده من تأمل ما وصفناه في سائر الأمصار في بقاع الأرض والبلدان، وإن كان ذلك بالعراق أظهر لعموم الاعتدال.
الرياح الأربعة
ثم قال الحكيم أبقراط في معنى ما ذكرناه: إن الرياح العامة أربعة: إحداها تهب من جهة المشرق، وهي الْقَبُول، والثانية تهب من المغرب، وهي الدَّبُور، والثالثة من التيمن، وهي الجنوب، والرابعة من التيسر، وهي الشمال.
فأما الريح التي تهب في بلد دون بلد فإنها تسمى الريح البلدية.
قال المسعودي: وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب جوامع من الأخبار عن الأرض والبحر، وكثير من الممالك والبلدان، وذكرنا في هذآ الباب جوامع من الأخبار عن الطبائع والأهوية والبلدان وأرباع الأرض من العامر والغامر، وغير ذلك مما تقدم ذكره وانتظم تصنيفه واتَسَقَ بحمد الله إيراده؛ فرأينا أن نختم هذا الباب بجوامع من مساحات الممالك، وما بينها من البعد والقرب، على حسب ما حكاه الفزاري صاحب كتاب الزيج والقصيدة في هيئة النجوم والفلك:
مساحات الممالك وما بينها من المسافة
(1/260)

زعم الفزاري أن عمل أمير المؤمنين من فَرْغَانة وأقصى خراسان إلى طَجة بالمغرب ثلاثة آلاف وسبعمائة فرسخ، والعرض من باب الأبواب إلى جدة ستمائة فرسخ، ومن الباب إلى بغداد ثلثمائة فرسخ، ومن مكة إلى جدة اثنان وثلاثون ميلاَ.
عمل الصين من المشرق أحد وثلاثون ألف فرسخ في أحد عشر ألف فرسخ.
عمل الهند في المشرق أحد عشر ألف فرسخ في سبعة آلاف فرسخ.
عمل التبت خمسمائة فرسخ في مائتين وثلاثين فرسخاً.
عمل كابلشاه أربعمائة فرسخ في ستين فرسخاً.
عمل التغزغز بالترك ألف فرسخ في خمسمائة فرسخ.
عمل الترك لخاقان سبعمائة فرسخ في خمسمائة فرسخ.
عمل الخزر واللان سبعمائة فرسخ في خمسمائة فرسخ.
عمل برجان ألف وخمسمائة فرسخ في ثلثمائة فرسخ.
عمل الصقالبة ثلاثة آلاف وخمسمائة فرسخ في أربعمائة فرسخ وعشرين فرسخاً.
عمل الروم بقسطنطينية خمسة آلاف فرسخ في أربعمائة وعشرين فرسخاً.
عمل رومية الروم ثلاثة آلاف فرسخ في سبعمائة فرسخ.
عمل الأندلس لعبد الرحمن بن معاوية ثلثمائة فرسخ في ثمانين فرسخاً.
عمل إعريس الفاطمي ألف ومائتا فرسخ في مائة وعشرين فرسخاً.
ٍعمل ساحل سجلماسة لبني المنتصر أربعمائة فرسخ في ثمانين فرسخا.
عمل أنبيه ألفان وخمسمائة فرسخ في ستمائة فرسخ.
عمل غانة بلاد الذهب ألف فرسخ في ثمانين فرسخاً.
عمل ورام مائتا فرسخ في ثمانين فرسخاً.
عمل نخلة مائة فرسخ وعشرون فرسخاً في ستين فرسخاً.
عمل واح ستون فرسخاً في أربعين فرسخاً.
عمل البحة مائتا فرسخ في ثمانين فرسخاً.
عمل النجاشي ألف وخمسمائة فرسخ في أربعمائة فرسخ.
عمل الزنج بالمشرق سبعة آلاف وستمائة فرسخ في خمسمائة فرسخ.
عمل أسطولا لأحمد بن المنتصر أربعمائة فرسخ في مائتين وخمسين فرسخاً.
فذلك الطول اثنان وسبعون ألفَاَ وأربعمائة وثمانون فرسخاً، والعرض خمسة وعشرون ألفاً ومائتان وخمسون فرسخَاَ.
أصول الطب
وأما الكلام في وصف أصول الطب، وهل ذلك مأخوذ من طريق الرياضة والقياس أم من غيره، ووصف تنازع الناس في ذلك؛فلم نتعرض لإيراده في هذا الباب، وإن كان متعلقاً ومتصلاً بالكلام في الطبائع وجمل المعاني المذكورة في هذا ا لباب؛لأنا قد أوردناه فيما يرد من هذا الكتاب في أخبار الواثق على إيضاح جرى بحضرته، وقد حضر مجلسه حنين بن إسحاق وابن ماسوية ويختيشوع وميخائيل وغيرهم من الفلاسفة والمتطببين، فأغنى ذلك عن إيراده في هذا الباب، ولولا أن الكتاب يَرِدُ على أغراض مختلفة من الناس لما هُمْ عليه من اختلاف الطبائع والتباين في المراد لما ذكرنا بعض ما نورد فيه من أنواع العلوم وفنون الأخبار، وقد يلحق الإِنسان الملل لقراءته ما لا تهوى نفسه فينتقل منه إلى غيره، فجمعنا فيه من سائر ما يحتاج الناس من ذوي المعرفة إلى علمه، ولما تغلغل بنا الكلام في نظمه وتشعبه واتصاله بغيره من المعاني مما لم يتقدم ذكره، وقد أتينا على مبسوط سائر ما ذكرناه على الاتساع والإيضاح في كتابنا أخبار الزمان وفي الكتاب الأوسط، والله تعالى أعلم.
ذكر البيوت المعظمة والهياكل المشرفة
وبيوت النيران والأصنام وذكر الكواكب وغير ذلك من عجائب العالم
عبادة الهند واتخاذهم الأصنام
قال المسعودي: كان كثير من أهل الهند والصين وغيرهم من الطوائف يعتقدون أن اللهّ عز وجل جسم، وأن الملائكة أجسام لها أقدار، وأن اللهّ تعالى وملائكته احتجبوا بالسماء، فدعاهم ذلك إلى أن اتخذوا تماثيل وأصناماً على صورة الباري عز وجل، وبعضها على صورة الملائكة: مختلفة القدود والأشكال، ومنها على صورة الإنسان وعلى خلافها من الصور، يعبدونها، وقربوا القرابين، ونفروا لها النذور، لشبهها عندهم بالباري وقربها منه، فأقاموا على ذلك برهة من الزمان وجملة من الأعصار.
عبادتهم الكواكب واتخاذهم أصناماً لها
(1/261)

حتى نبههم بعض حكمائهم على أن الأفلاك والكواكب أقرب الأجسام المرئية إلى اللهّ تعالى، وأنها حية ناطقة، وأن الملائكة تختلف فيما بينها وبين اللهّ، وأن كل ما يحدث في هذا العالم فإنما هو على قدر ما تجري به الكواكب عن أمر اللّه، فعظموها وقربوا لها القرابين لتنفعهم، فمكثوا على ذلك دهراً، فلما رأوا الكواكب تخفى بالنهار وفي بعض أوقات الليل لما يعرض في الجو من السواتر أمرهم بعض من كان فيهم من حكمائهم أن يجعلوا لها أصناماً وتماثيل على صورها وأشكالها، فجعلوا لها أصناماً وتماثيل بعدد الكواكب الكبار المشهورة، وكل صنف منهم يعظم كوكباً منها، ويقرب لها نوعاً من ا لقربان خلاف ما للآخر، على أنهم إذا عظموا ما صوروا من الأصنإم تحركت لهم الأجسام العلوية من السبعة بكل ما يريدون، وبنوا لكل صنم بيتاً وهيكلاً مفرداً، وسموا تلك الهياكل بأسماء تلك الكواكب.
وقد ذهب قوم إلى أن البيت الحرام هو بيت زُحَلَ، وإنما طال عندهم بقاء هذا البيت على مرور الدهور معظماً في سائر الأعصار لأنه بيت زُحَلَ، وأن زحل تولاه، لأن زحل من شأنه البقاء والثبوت، فما كان له فغير زائل ولا داثر، وعن التعظيم غير حائل، وذكروا أمورا أعرضنا عن ذكرها لشناعة وصفها.
بودابسف أول الصابئة
ولما طال عليهم العهد عبدوا الأصنام على أنها تقربهم إلى اللّه، وألفوا عبادة الكواكب، فلم يزالوا على ذلك حتى ظهر بوداسف بأرض الهند، وكان هندياً وقد كان بوداسف خرج من أرض الهند إلى السند، ثم سار إلى بلاد سجستان وبلاد زابلستان، وهي بلاد فيروز بن كبك، ثم دخل السند ثم إلى كرمان، فتنبأ وزعم أنه رسول اللّه، وأنه واسطة بين اللهّ وبين خلقه، وأتى أرض فارس، وذلك في أوائل ملك طهمورث ملك فارس، وقيل: ذلك في مبك جَمَّ، وهو أول من أظهر مذاهب الصابئة على حسب ما قدمنا انفاً فيما سلف من هذا الكتاب، وقد كان بوداسف أمر الناس بالزهد في هذا العالم والاشتغال بما على من العوالم؛إذ كان من هنالك بدء النفوس، وإليها يقع الصدر من هذا العالم.
وجدا بوداسف عند الناس عبادة الأصنام، والسجود لها، لشُبَهٍ ذكرها، وقرَّبَ لعقولهم عبادتها بضروب من الحيل والخداع.
جم أول من دعا إلى عبادة النار
وذكر ذوو الخبرة بشأن هذا العالم وأخبار ملوكهم أن جَمَّ الملك أول من عظم النار، ودعا الناس إلى تعظيمها، وقال: إنها تشبه ضوء الشمس والكواكب؛لأن النور عنده أفضل من الظلمة!، وجعل للنور مراتب.
ثم تنازع هؤلاء بعده، فعظم كل فريق منهم ما يرون تعظيمه من الأسماء تقرباً إلى الله بذلك ثم تنازعوا برهة من الزمان.
عمرو بن لحى أظهر الأصنام بمكة
ونشأ عمر وبن لحى فساد قومه بمكة واستولى على أمر البيت، ثم سار إلى مدينة البلقاء من عمل دمشق من أرض الشام، فرأى قوماً يعبدون الأصنام، فسألهم عنها، فقالوا: هذه أرباب نتخذها: نستنصر بها فننصر، ونستسقي بها فنسقى، وكل ما نسألهم نعطى، فطلب منهم صنماً يدعونه هُبَلَ، فسار به إلى مكة، ونصبه على الكعبة ومعه إساف ونائلة، ودعا الناس إلى تعظيمها وعبادتها، ففعلوا ذلك، إلى أن أظهر اللّه الإسلام وبعث محمداً عليه الصلاة السلام؛ فطهر البلاد، وأنقذ العباد.
البيت الحرام
وقد قال هؤلاء: إن البيت الحرام من البيوت السبعة المعظمة المتخذة على أسماء الكواكب من النيرين والخمسة.
بيت للمجوس بأصبهان
وبيت ثان معظم على رأس جبل بأصبهان يُقال له مارس، وكانت فيه أصنام، إلى أن أخرجها منه يستاسف الملك لما تَمجسَ وجعله بيت ناره، وذلك على ثلاثة فراسخ من أصبهان، وهذا البيت معظم عند المجوس إلى هذه الغاية.
بيت بالهند
والبيت الثالث يدعى مندوسان ببلاد الهند وهذا البيت تعظمه الهند ولى قرابين تقرب، وفيه أحجار المغناطيس الجاذبة والدافعة والمنزرة من أوصاف لا يسعنا الإخبار عنها؛فمن أراد أن يبحث عن ذكرها فليبحث، فإنه بيتَ مشهور ببلاد الهند.
بيت البرامكة ببلخ
(1/262)

والبيت الرابع هو النوبهار الذي بناه من وشهر بمدينة بَلْخَ من خراسان على اسم القمر، وكان من يلي كسِدَانته تعظمه الملوك في ذلك الصقع وتنقاد إلى أمره وترجع إلى حكمه، وتحمل إليه الأموال، وكانت عليه وقوف، وكان الموكل بسدانته يدعي البرمك، وهو سمة عامة لكل من يلي سدانته، ومن أجل ذلك سميت البرامكة؛لأن خالد بن بَرْمَك كان من ول مَنْ كان على هذا البيت، وكان بنيان هذا البيت من أعلى البنيان تشييداً وكان تنصب على أعلاه الرماح عليها شقاق الحرير الأخضر طولُ الشقة مات ذراع فما دونها قد نصب لذلك رماح وخشب تدفعِ قوة الريح بما عليها من الحرير، فيقال واللهّ أعلم: إن الريح خطفت يوماَ بعض تلك الشقاق ورمت به، فأصيب على مسافة خمسين فرسخاً، وقيل: أكثر من تلك المسافة وهذا يدل على زيادته في إلجو وتشييد بنيانه، وكان الحيز المحيط بهذ البنيان أميالاً لم نذكزها، إذ كان أمر ذلك مشهوراً من وصف علوّ السور وعرضه.
قال المسعودي: وقد ذكر بعض أهل الرواية والتنقير أنه قرأ على باب النوبهار ببلخ كتاباً بالفارسية ترجمته: قال بوداسف: أبوابُ الملوكِ تحتاج إلى شلاث خصال: عقل، وصبر، ومال وإذا تحته بالعربية: كذب بوداسف الواجب على الحر إذا كان معه واحدة من هذه الثلاث الخصال أن لا يلزم باب السلطان.
غمدان بصنعاء
والبيت الخامس بيت غمْدَان َالذي بمدينة صنعاء من بلاد اليمن، وكان الضحاك بناه على اسم الزهرة، وخربه عثمان بن عفان رضي اللّه عنه؛فهو في وقتنا هذا وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - خراب قد هدم فصار تلا عظيماً، وقد كان الوزير علي بنِ عيسى بن الجراح - حين نفي إلى اليمن وصار إلى صنعاء - بَنَى فيه سقاية وحَفرَ فيه بئراً.
ورأيت غُمْدَان رثمإً وتلا عظيماً قد انهدم بنيانه، وصار جبل تراب كأنه لم يكن، وقد كان أسعد بن يعفر صاحب قلعة كحلان النازل بها وصاحب مخاليف اليمن في هذا الوقت، وهو المعظم في اليمن، أراد أن يبني غمدان، فأشار عليه يحيى بن الحسين الحسني أن لا يتعرض لشيء من ذلك؛إذ كان بناؤه على يدي غلام يخرج من أرض سبأ وأرض مأرب يؤثر في صقع من هذا العالم تأثيراً عظيماً.
وقد ذكر هذا البيت جد أمية بن أبي الصلت وقيل: هو أبو الصلت أمية، واسمه ربيعه في مدحه لسيف بن ذي يزن، وقيل: إن الممدوح بهذا الشعر معد يكرب بن سيف حيث يقول:
اشْرَب هنيئاً عليك التاجُ مُرْتَفِقاً ... برأس غُمَدَانَ داراً منك مِحْلاَلاَ
وكان أبو أمية جاهلياً، وهو القائل في أصحاب الفيل:
إن آيات رَبِّنا بيناتٌ ... ما يُمَارِي بهنَّ إلاكَفُور
غلب الفيل بالمُغَمِّس ... حتى ظلًّ يحبو كأنه معقور
حوله من شباب كِنْدَةَ فتيا ... ن ملاوِيث في الحروب صُقور
واضعاً خلفه الجرار كما قُطر صخْرٌ من جانب محدُورُ
وقد قيل: إن ملوك اليمن كانوا إذا قعدوا في أعلى هذا البنيان بالليل واشتعلت الشموع رأى الناس ذلك من مسيرة ثلاثة أيام.
بيت بفرغانة بخراسان
والبيت السادس كاوسان، بناه كاوس الملك بناءً عجيباً على اسم المدبر الأعظم من الأجسام السماوية وهو الشمس، بمدينة فرغانة من مدائن خراسان، وخربه المعتصم باللّه، ولهدمه هذا البيتَ خبرٌ طريف قد أتينا على ذكره في كتاب أخبار الزمانَ.
بيت بالصين
(1/263)

والبيت السابع بأعالي بلاد الصين، بناه ولد عامور بن سوبل بن يافث ابن نوح، وأفرده للعلة الأولى؛إذ كان منشأ هذا الملك ومبدأه وباعث الأنوار إليه، وقيل: إنما بناه بعض ملوك الترك في قديم الزمان وجعله سبعة أبيات في كل بيت منها سبع كُوًى يقابل كل كوة صورة منصوبة على صورة كوكب من الخمسة والنيرين من أنواع الجواهر المضافة إلى تأثير تلك الكواكب، من ياقوت أو عقيق أو زمرد على اختلاف ألوان الجواهر، ولهم في هذا الهيكل سِرٌّ يسرونه في بلاد الصين، بما قد زَخرَفَ لهم فيه القول وزينه لهم الشيطان، ولهم في هذا الهيكل علوم في اتصال الأجسام السماوية وأفعالها بعالم الكون الذي تحدثه، وما يحدث فيه من الحركات والأفعال عند تحرك الأجسام السماوية؛ وقد قرب ذلك إلى عقولهم: بأن جعل لهم مثالاً من الشاهد يدل على ما غاب عنهم من فعل الأجسام السماوية في هذا العالم، وهو خشب الديباج الذي ينسج به؛فبضرب من حركات الصانع بذلك الخشب والخيوط إلإبريسم تحدث ضروب من الحركات، فإذا اتصلت أفعاله وتواترت حركاته من النسج للثوب الديباج تحت الصورة فيه؛فبضرب من الحركات يظهر جناح طائر، وبآخر رأسه، وبآخر رجلاه،فلا يزال كذلك حتى تتم الصورة على حسب مراد الصانع لها؛فجعلوا هذا المثال واتصال الإِبريسم بآلة النسج وما يدحثه الصانع في ذلك من الأفعال مثالاً لما ذكرنا من الكواكب العلوية، وهي الأجسام السماوية، فبضرب من الحركات ظهر في العالم الطائر وبضرب آخر بيضة وبضرب آخر فرخ، وكذلك سائر ما يحدث في العالم، ويسكن ويتحرك ويوجد ويعدم، ويتصل وينفصل، ويجتمع ويفترق، ويزيد وينقص، من جماد أو نبات أو حيوان ناطق أو غير ناطق، فإنما يحدث عن حركات الكواكب على حسب ما وصفنا من نسج الديباج وغيره من الصنائع، وأهل صناعة النجوم لا يتناكرون أن يقولوا: أعطته الزهرة كذا، وأعطاه المريخ كذا، كالشُّقْرة وصُهُوبة الشعر وأعطاه زُحَلُ خفة العارضين وجُحُوظَ العينين وأعطاه عُطَارد الصنعة وأعطاه المشتري الحياء والعلم والدين، وأعطته الشمس كذا، وأعطاه القمر كذا، وهذا باب يكثر القول فيه ويتسع وصف مذاهب الناس فيه، وما قالوه في بابه.
ذكر البيوت المعظمة عند اليونانيين
بيت إنطاكية
البيوت المضاف بناؤها إلى مَنْ سلف من اليونانيين ثلاثة بيوت: فبيت منها كان بإنطاكية من أرض الشام، على جبل بها داكأ المدينة، والسور محيط بها، وقد جعل المسلمون في موضعه مَرْقَبا ا ليُنْنِرهم مَنْ قد رُتَبَ فيه من الرجال بالروم إذا وردوا من البر والبحر، وكان يعظمونه، ويقربون فيه القرابين،فخرب عند مجيء الإِسلام، وقد قيل إن قسطنطين الأكبر بن هيلاني الملكة المُظْهِرة لدين النصرانية هو المخرب لهذا البيت، وكانت فيه الأصنام والتماثيل من الذهب والفضة وأنواع الجواهر، وقد قيل: إن هذا البيت هو بيت بمدينة إنطاكية على يَسره الجامع اليوم، وكان هيكلا عظيماً، والصابئة تزعم أن الذي بناه سقلابيوس، وهو في هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - سوق بسوق الجزارين، وقد كان ثابت بن قرة بن كراني الصابئ الحراني - حين وافى المعتضد بالله في سنة تسع وثمانين ومائتين في طلب وصيف الخادم - أتى هذا الهيكل وعًظمه، وأخبر من شأنه ما وصفنا.
الأهرام بمصر وبيت المقدس
والبيت الثاني من بيوت اليونانيين هو بعض تلك الأهرام التي بمصر وهو يرى من الفُسْطاط على أميال منها.
والبيت الثالث هو بيت المقدس، على مازعم القوم، وأهل الشر إنما تخبر أن داود عليه السلام بناه وأتمه سليمان بعد وفاة أبيه، والمجوس تزعم أن الذي بناه الضحاك؛وأنه سيكون له في المستقبل من الزمان خطب طويل، ويقعد فيه ملك عظيم، وذلك عند ظهور شوبين على بقرة من صفتها كذا، ومعه من الناس كذا من العدد، وأقاصيص تدعيها المجوس في هذا المعنى، واختلاط طويل ننزّه كتابنا عن ذكره، واللّه تعالى ولي التوفيق.
ذكر البيوت المعظمة عند أوائل الروم
كانت البيوت المعظمة عند أوائل الروم قبل ظهور دين النصرانية بيت ببلاد المغرب بمدينة قَرْطَاجنة - وهي تونس - من وراء بلاد القيروان، وهي من أرض الإفرنجة، وبني على اسم الزهرة بأنواع من الرخام.
والبيت الثاني بإفرنجة، وهو بيت عظيم عندهم.
(1/264)

والبيت الثالث عندهم بمقدونية، وأمره مشهور في التشييد، وما كان من خبره بمقدونية، وقد أتينا على أخباره وأخبار غيره فيما سلف من كتبنا، واللّه تعالى أعلم.
ذكر البيوت المعظمة عند الصقالبة
كانت في ديار الصقالبة بيوت تعظمها: منها بيت كان لهم في الجبل الذي ذكرت الفلاسفة أنه أحد جبال العالم العالية، وهذا البيت له خبر في كيفية بنائه، وترتيب أنواع أحجاره، واختلاف ألوانه، والمخاريق المصنوعة له، فيه على أعلاه، وما من مطلع الشمس في تلك المخاريق المصنوعة وما أودع فيه من الجواهر والآثار المرسومة فيه الدالة على الكائنات المستقبلة، وما تُنذِر به تلك الجواهر من الأحداث قبل كونها، وظهور أصوات من أعاليه لهم، وما كان يلحقهم عند سمأع ذلك.
وبيت اتخذه بعض ملوكهم على الجبل الأسود، تحيط به مياه عجيبة ذوات ألوان وطعوم مختلفة عامة المنافع، وكان لهم فيه صنم عظيم على صورة رجل قد انحنى على نفسه، وهو شيخ بيده عصا يحرك به عظام الموتى من النواويس، وتحت رجله اليمنى صُوَر أنواع من النمل، وتحت الأخرى غرابيب سود من صور الغُدَاف وغيرها، وصور عجيبة لأنواع، الأحابيش والزنج.
وبيت أخر على تجبل لهم يحيط به خليج من البحر قد بني بأحب المرجان الأحمر، وأحجار الزمرد الأخضر، في وسطه قبة عظيمة، تحتها صنم عظيم أعضاؤه من جواهر أربعة: زمرد أخضر، وياقوت أحمر وعقيق أصفر، وبلور أبيض، ورأسه من الذهب الأحمر، فإزائه صنم آخر على صورة جارية، وكان يقرب له قرابين ودخن، وكان ينسب هذا البيت إلى حكيم كان لهم في قديم الزمان، وقد أتينا على خبره، وما كان من أمره بأرض الصقالبة، وما أحدث فيهم من الدكوك والحيل والمخاريق المصطنعة التي اجتذب بها قُلُوبَهُمْ وملك نفوسهم واسترق بها عقولهم مع شراسة أخلاق الصقالبة واختلاف طبائعهم، فيما سلف من كتبنا، والله تعالى وليّ التوفيق.
ذكر البيوت المعظمة والهياكل المشرفة للصابئة
وغيرها وغير ذلك مما لحق بهذا الباب واتصل بهذا المعنى
هيكل العقل والعلة الأولى
للصابئة من الحَرانيين هياكل على أسماء الجواهر العقلية والكواكب فمن ذلك هيكل العلة الأولى، وهيكل العقل، وما أثري أ أشاروا إلى العقل الأول أما الثاني، وقد ذكر صاحب المنطق في كتابه في المقالة الثالثة من كتاب النفس العقل الأول الفعَّال، والعقل الثاني، وذكر ذلك تامسطيس في كتابه في شرح كتاب النفس الذي عمله صاحب المنطق، وقد ذكر العقل الأول والثاني الإسكندر الأفرودوسي في مقالة أفْرَدها في ذلك قد ترجمها إسحاق بن حُنَين.
جملة من هياكلهم
ومن هياكل الصابئة هيكل السلسلة، وهيكل الصورة، وهيكل النفس، وهذه مُدَوَّرات الشكل، وهيكل زُحَل مسدس، وهيكل المشتري مثلث، وهيكل المريخ مربع مستطيل، وهيكل الشمس مربع، وهيكل عطارد مثلث الشكل، وهيكل الزهرة مثلث في جوف مربع مستطيل،وهيكل القمر مثمن الشكل وللصابئة فيما ذكرنا رموز وأسرار يخفونها.
وقد حكى رجل من ملكية النصارى من حًرّان يعرف بالحارث بن شباط للصابئة الحرانيين أشياء ذكرها من قرابين يقربونها من الحيوان ودخن للكواكب يبخرون بها وغير ذلك مما امتنعنا عن ذكره مخافة التطويل.
(1/265)

والذي بقي من هياكلهم المعظمة في هذا الوقت - وهو سنة اثنتين - ثلاثين وثلثمائة بيت لهم بمدينة حَران في باب الرقة يعرف بمغليتيا، وهو هيكل آزر أبي إبراهيم الخليل عليه السلام عندهم، وللقوم في آزر وابنه إبراهيم كلام كثير ليس كتابنا هذا موضعاً له، ولابن عيشون الْحَرًاني لقاضي - وكان ذا فَهْم ومعرفة، وتوفي بعد الثلثمائة - قصيدة طويلة يذكر فيها مذاهب الحرانيين المعروفين بالصابئة، ذكر فيها هذا البيت وما تحته من السراديب الأربعة المختلفة لأنواع صور الأصنام التي جعلت مثالاً للأجسام السماوية وما ارتفع من ذلك من الأشخاص العلوية، وأسرار هذه الأصنام، وكيفية إيرادهم لأطفالهم إلى هذه السراديب وعرضهم لهم على هذه الأصنام، وما يُحْدِث ذلك في ألوان صبيانهم من الاستحالة إلى الصُّفْرة وغيرها لما يسمون من ظهور أنواع الأصوات وفنون اللغات من تلك الأصنام والأشخاص، بِحِيل قد اتخذت ومنافيخ قد عملت: تقف السدَنة من وراء جُمُرٍ فتتكلم بأنواع من الكلام، فتجري الأصوات في تلك المنافيخ والمخاريق والمنافذ إلى تلك الصور المجوفة والأصنام المشخصة، فيظهر منها نطق على حسب ما قد عمل في قديم الزمان، فيصطادون به العقول، وتسترقُّ بها الرقاب، ويقام بها الملك والممالك ومما ذكر في هذه القصيدة قوله:
إن نفيس العجائب ... بيت لهم في سرادب
تعبد فيه الكواكب ... أصن أمه م خلف غائب
ولهذه الطائفة المعروفة بالحرانيين والصابئة فلاسفة، إلا أنهم من حشوية الفلاسفة، وعوأمه م مباينون لخواص حكمائهم في مذاهبهم، وإنما أضفناهم إلى الفلاسفة إضافة سبب لا إضافة حكمة، لأنهم يونانية، وليس كل اليونانيين فلاسفة، إنما الفلاسفة حكماؤهم.
ورأيت على باب مجمع الصابئة بمدينة حران مكتوباً على مدقة الباب بالسريانية قولا لأفلاطون فسره مالك بن عقبون وغيره منهم وهو من عرف ذاته تالهَ وقد قال أفلاطون الإنسان نبات سماوي، والدليل على هذا أنه شبيه شجرة منكوسة أصلها إلى السماء وفروعها في الأرض ولأفلاطون وغيره ممن سلك طريقه في النفس الناطقة كلام كثير في هل النفس في البدن أو البدن في النفس، كالشمس أهي في الدار أو الدار في الشمس، وهذا قول يتغلغل بنا الكلام فيه إلى الكلام في تنقل الأرواح في أنواع الصور.
القول في تنقل الأرواح
وقد تنازع أهل هذه الآراء ممن قصد هذه المقالة في النقلة علىِ وجهين، فطائفة من الفلاسفة القدماء اليونانين والهند - ممن لم يثبت كلاماَ منزلاً ولا نبياً مرسلاً منهم أفلاطون ومن يمم طريقهم - حكى عنهم أنهم زعموا أن النفس جوهر ليست بجسم، وأنها حية عالمة مميزة لأجل ذاتها وجوهرها، وأنها هي المدبرة للأجسام المركبة من طبائع الأرض المتضادة، وعرضها في ذلك أن تقيمها على العدل وما تتم به السياسة المستقيمة والنظام المتسق وتردَّها من الحركة المضطربة إلى المنتظمة.
وزعموا أنها تلذُّ وتألم وتموت، وموتها عندهم انتقالها من جسد إلى جسد بتدبير، وبطلان ذلك الشخص الذي فسد ووصف بالموت، لأن شخصها يفسد، ولأن جوهرها ينتقل.
وزعموا أنها عالمة بذاتها وجوهرها عالمة بالمعقولات من ذاتها وجوهرها وفيها قبول علم المحسوسات من جهة الحس.
المقولأت
ولأفلاطون وغيره في هذه المعاني كلام يطول ذكره، ويعجز عن وصفه وإظهاره لاعتياصه وغموضه، وكذلك صاحب المنطق وفيثاغورس وغيرهما من الفلاسفة ممن تقدم وتأخر، لأن الطالب لعلم هذه الأشياء والإحاطة بفهمها وبلوغ غايتها لا يحرك ذلك لما نصبوا من الكتب، ورتبوا من التصنيف للعلوم المؤدية إلى معرفة علومهم وأغراضهم التي إليها قصدوا في كتبهم وهي معرفة الألفاظ الخمس، وهي: الجنس. والفصل، والنوع، والخاصة، والعرض، ثم معرفة المقولات، وهي عشرة: الجوهر، والكمية، والكيفية، والإضافة - وهي النسبة - وهذه أربع بسائط، والست الأخر مركبات، وهي: الزمان، والمكان، والجِدة - وهي المِلْكُ - والوضع، والفاعل، والمنفعل، ثم ما بعد ذلك مما يترقى فيا الطالب إلى أن ينتهي إلى علم ما بعد الطبيعة من معرفة الأول والثاني.
عود إلى الكلام عن الصابئة
ثم رجع بنا الإخبار عن مذاهب الصابئة من الحرانيين، وذكر مَنْ أخبر عن مذاهبهم وكشف عن أحوالهم.
(1/266)

فمن ذلك كتاب رأيته لأبي بكر محمد بن زكريا الرازي الفيلسوف صاحب كتاب المنصوري في الطب وغيره، ذكر فيه مذاهب الصابف الحرانيين منهم، دون من خالفهم من الصابئة، وهم الكيماريون، وذكر أشياء يطول ذكرها ويقبح عند كثير من الناس وصفها، أعرضنا عن حكايتها، إذ كان في ذلك خروج عن حد الغرض من كتابنا إلى وصف الآراء والديانات.
وقد خاطبت مالك بن عقبون وغيره منهم بشيء مما ذكرنا وغيره عنه كتبنا، فمنهم من اعترف ببعضه، وأنكر بعضاً من ذكر القرابين وغيرا من الآراء، مثل فعلهم بالثور الأسود، فإنه يضرب وجهه بالملح إذا شدت عيناه ثم يذبح، وبُرَاعى كل عضو من أعضائه وما يظهر منه من الحركات والأختلاج على ما يدل ذلك من أحوال السنة وغير ذلك من أسرارهم
ومحالاتهم وأحوال قرابينهم.
قال المسعودي: وقد ذكر جماعة - ممن له تأمل بشأن أمور هذا العالم والبحث عن أخباره - أن بأقصى بلاد الصين هيكلاً مدوراً له سبعة أبواب، في داخله قبة و مسبعة عظيمة الشأن عالية السمك، في أعالي القبة شبه الجوهرة يزيد على رأس العجل تضيء منه جميع أقطار ذلك الهيكل، وأن جماعة من الملوك حاولوا أخذ تلك الجوهرة فلم يَدْنُ أحد منها على مقدار عشرة أفرع إلا خَرَّ ميتاً وإن حاول أحد منهم أخذ هذه الجوهرة بشيء من الآلات الطوال كالرماح وغيرها وانتهتَ إلى هذا المقدار من الذَّرْع انعكست وعطلت، وإن رميت بشيء كان كذلك، فليس شيء من الحيل يؤدي إلى تناولها بوجه ولا بسبب، وإن تعرض لشيء من هَدْم هذا الهيكل مات مَنْ يروم ذلك وهذا عند جماعة من أهل الخبرة لقوةٍ دافعةٍ منفردةٍ قد عملت من أنواع الأحجار المغناطيسية، وفي هذا الهيكل بئر مسبعة الرأس متى أكَبَّ الإنسان على رأس البئر إكباباً متمكناً تهؤَر في البئر فصار في أسفلها على أم رأسه، وعلى رأس هذه البئر شبه الطوق مكتوب عليه بقلم قديم أراه بقلم المسند هذه بئر تؤدي إلى مخزن الكتب وتاريخ الدنيا وعلوم السماء وما كان فيما مضى من الدهر وما يكون فيما يأتي منه، وتؤدي هذه البئر أيضاً إلى خزائن وغائب هذا العالم، لا يعمل إلى الوصول إليها والاقتباس منها إلا من وازت قدرته قدرتنا، واتصل علمه بعلمنا، وصارت حكمته كحكمتنا، فمن قدر على الوصول إلى هذا المخزن فليعلم أنه قد وازانا، ومن عجز عن الوصول إلى ما وصفنا فليعلم أنا أشد منه بأساً، وأقوى حكمة، وأكثر علماً، وأثقب راية، وأتم عناية، والأرض التي عليها هذا الهيكل والقبة وفيها البئر أرض حجرية صلبة عالية من الأرض كالجبل الشامخ لا تُرَام قلعته ولا يتأتى نقب ما تحته، فإذا أدرك البصر ذلك الهيكل والقبة والبئر وقع للرائي عند رؤيته ذلك جَزَع وحزن واجتذاب للقلب إليه وحنين على إفساده وتأسف على إفساد شيء منه أو هدمه، واللهّ أعلم بذلك.
ذكر الأخبار عن بيوت النيران وغيرها
رأيهم في النار والنور
فأما بيوت النيران ومن رسمها من ملوك الفرس الأولى والثانية فأول ما يحكى ذلك عنه أفريحون الملك، وذلك أنه وجد ناراً يعظمها أهلها، وهم معتكفون على عبادتها، فسألهم عن خبرها ووجه الحكمة منهم في عبادتها، فأخبروه بأشياء اجتذبت نفسه إلى عبادتها، وأنها واسطة بين اللهّ ؤبين خلقه، وأنها من جنس الآلهة النورية، وأشياء ذكروها أعرضنا عن ذكرها لاعتياصها، وذلك أنهم جعلوا للنور مراتب، وفرقوا بين طبع النار والنور، وأن الحيوان يجتذب فيحَرق نفسه كالفَرَاش الطائر بالليل، فما لطف يطرح نفسه في السراج فيحرقها، وغير ذلك مما يقع في صيد الليالي من الغزلان والطير والوحوش، وكظهور الحيتان من الماء إذا قربت من السراج في الزوارق، كما يصطاد ببلاد البصرة السمك في الليل يظهر من الماء طافياً حتى يقع في جوف المركب والسرج قد جعمن حواليه، وأن النور صلاح هذا العالم، وشرف النار على الظلمة ومضادته لها، ومرتبة الماء وزيادته على النار بإطفائه ومضادته لها وأنه أصل لكل حي ومبدأ لكل نام.
أماكن بيوت النيران
(1/267)

فلما أخبر أفريدون بما ذكرنا أمر بحمل جزء منها إلى خراسان، فاتخذ لها بيتاً بطوس واتخذ بيتاً آخر بمدينة بُخَارا يُقال له برد سورة وبنى آخر من بيوت النار بسجستان يقال له كراكر كان اتخذه بهمن بن إسفنديار بن يستأسف، وبيت آخر ببلاد الشيزوالران، وكان فيه أصنام فأخرجها أنو شروان، وقيل: إن أنو شروان صادف هذا البيت وفيه نار معظمة فنقلها إلى الموضع المعروف بالبركة، وبيت آخر للنار يُقال له كوسجة بناه كيخسر والملك، وقد كان بقومس بيت للنار معظم لا يدرى مَنْ بناه يُقال له جريش، ويقال: إن الإسكندر لما غلب عليها تركها ولم يطفئها ويقال: إنه كان في ذلك الموضع فيما مضى مدينة عظيمة عجيبة البناء فيها بيت كبير عجيب الهيئة فيه أصنام فأخربت تلك المدينة بما فيها من البيوت، ثم بنى بعد ذلك بيت وجعلت فيه تلك النار، وبيت آخر يسمى كنجده بناه سياوخس بن كاوس الجبار، وذلك في زمان لبثه بمشرق الصين مما يلي البركند، وبيت نار بمدينة أرجان من أرض فارس اتخذ في أيام بهراسف.
زرادشت والبيوت التي اتخذها
وهذه البيوت العشرة كانت قبل ظهور زرادشت بن أسبيمان نبي إلمجوس، ثم اتخذ زرادشت بن أسبيمان بعد ذلك بيوت النيران، وكان مما اتخذ بيت بمدينة نيسابور من بلاد خراسان، وبيت آخر بمدينة نَسَا والبيضاء من أرض فارس، وقد كان زرادشت أمر يستأسف الملك أن يطلب ناراً كان يعظمها جمّ الملك، فطلبت فوجدت بمدينة خوارزم، فنقلها بعد ذلك يستأسف إلى مدينة دارَابَجَرْدَ من أرض فارس وكورها بهذا البيت، وهذه النار تسمى في وقتنا هذا - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - زرجوى، وتفسير ذلك نار النهر، وذلك أن آزر أحد أسماء النار وجوى أحد أسماء النهر بالفارسية الأولى، والمجوس تعظم هذه النار مالا تعظم غيرها من النيران والبيوت.
وذكرت الفرس أن كيخسرو لما خرج غازيا إلى الترك سار إلى خوارزم، فمر على تلك النار، فلما وجدها عظمها وسجد لها، ويقال: إن أنو شروان هو الذي نقلها إلى الكاريان، فلما ظهر الإسلام تخوفت المجوس أن يطفئها المسلمون فتركوا بعضها بالكاريان، ونقلوا بعضها إلى نسا والبيضاء من كورة فارس؛لتبقى إحداهما إن طفئت الأخرى.
بيت بإصطخر
وللفرس بيت نار بإصطخر فارس تعظمه المجوس، وكان في قديم الزمان فأخرجته حماية بنت بهمن بن إسفنديار وجعلته بيت نار، ثم نقلت عنه النار فتخرب، والناس في وقتنا هذا يذكرون أنه مسجد سليمان بن داود، وبه يعرف وقد دخلته، وهو على نحو فرسخ من مدينة إصطخر، فرأيت بنياناً عجيباً، وهيكلا عظيماً، وأساطين صخر عجيبة، على أعلاها صور من الصخر طريفة من الخيل وغيرها من الحيوان عظيمة القدر والأشكال، محيط بذلك حيز عظيم وسور منيع من الحجر، وفيه صور لأشخاص قد تشكلت وأتقنت صورها، يزعم من جاور هذا الموضع أنها صور الأنبياء، وهو في سفح جبل والريح غير خارجة من ذلك الهيكل في ليل ولا نهار، ولها هبوب وعَوِيٌّ، يذكر مَنْ هنالك من المسلمين أن سليمان بن داود عليهما السلام حبس الريح في ذلك الموضع، وأنه كان يتغذَى ببعلبك من أرض الشام، ويتعشَى في هذا المسجد، وينزل بينهما بمدينة تَدْمُرَ وملعبها المتخذ فيها، ومدينة تَدْمُرَ في البرية بين العراق ودمشق وحمص من أرض الشام يكون منها إلى الشام نحو خمسة أيام أو ستة، وهي بنيان عجيب من الحجر، وكذلك الملعب الذي فيها، وفيها خَلْق من الناس من العرب من قحطان.
بيت بسابور وبيت بجور
وفي مدينة سابور من أرض فارس بيت للنار معظم عندهم، اتخذه دارا بن دارا.
(1/268)

وفي مدينة جور من أرض فارس - وهو البلد الذي يحمل منه ماء الورد الجوري وإليه يضاف - بيت للنار، بناه أردشير بن بابك، وقد رأيته، وهو على ساعة منها على عين هناك عجيبة، وله عيد، وهو أحد متنزهات فارس، وفي وسط مدينة جور بنيان كان تعظمه الفرس يُقال له الطربال أخربه المسلمون، وبين جور ومدينة كوار عشرة فراسخ، وبها يعمل ماء الورد الكوأري وإليها يضاف، وهذا الماء الورد المعمول بجور وكوار أطْيَبُ ماء ورد يعمل في العالم، لصحة التربة وصفاء الهواء، وفي ألوان سكان هذه البلاد حمرة في بياض ليست لغيرهم من أهل الأمصار، ومن كوار إلى مدينة شيراز - وهي قصبة فارس - عشرة فراسخ، ولجور وكوار وشيراز وغيرها من كور فارس أخبار، ولما فيها من البنيان أقاصيص يطول ذكرها قد دونتها الفرس، وكذلك ما كان بأرض فارس من الموضع المعروف بماء النار، وقد بني عليه هيكل.
وكان كورش الملك - حين ولد المسيح عليه السلام - بعث ثلاثة أنفس: دفع إلى أحدهم صرة من لبان، وإلى آخر صرة من مر، وإلى آخر صرة من تبر، وسَيَّرهم يهتدون بنجم وصفَه لهم، فساروا حتى انتهوا إلى السيد المسيح و أمه مريم بأرض الشام، والنصارى تغلو في قصة هؤلاء النفر، وهذا الخبر موجود في الإِنجيل، وإن هذا الملك كورش نظر إلى نجم قد طلع بمولد المسيح عيسى، فكانوا إذا ساروا سار معهم ذلك النجم، وإذا وقفوا وقف بوقوفهم، وقد أتينا في كتابنا أخبار الزمان على شرح هذا الخبر، وما قالت فيه المجوس والنصارى، وخبر الرُّغْفَان التي دفعتها إليهم مريم، وما كان من الرسل وجعلهم الخبز تحت الصخرة وغَوْصها في الأرض، وذلك بفارس، وكيف حفر عليها إلى الماء وأنها وجدت وقد صارت سعلتي نار على وجه الأرض تتقدان، وغير ذلك مما قيل في هذا الخبر.
وقد كان أردشير بنى بيتاً آخر يُقال له بارنوا، وفي اليوم الثاني من غلبته على فارس، ؤبيت نار على خليج القسطنطينية من بلاد الروم، بناه سابور بن أردشير بن بابك - وهو سابور الجنود - حين نزل على هذا الخليج، وحاصر القسطنطينية في عساكره، فلم يزل هذا البيْت هنالك إلى خلافة المهدي، فخرب وله خبر عجيب، وكان مسيوره الجنود اشترط على الروم بناء هذا البيت وعمارته عند حصاره القسطنطينية، وكان مسيرهُ في جيوش فارس وغيرها من الترك وملوك الأمم، فسمى سابور الجنود. لكثرة من تبعه من الجنود.
حصن الحضر
وقد كان سابور لما سار إلى بلاد الجزيرة عَدَلَ عن طريقه فنزل الحصن المعروف بالحضر، وقد كان هذا الحصن للساطرون بن اسيطرون ملك السريانيين في رستاق يُقال له أياجر من بلاد الموصل، وقد ذكرته الشعراء؛لعظم ملكه وكثرة جيوشه وحسن بنائه لهذا الحصن المعروف بالحضر، فممن ذكره منهم أبو عُوَاد جارية بن حجاج الأيادي بقوله:
وأرى الموت قد تدلى من الحض ... ر على رَبِّ أهله الساطرون
ولقد كان آمنا للدواهي ... ذا ثراء وجوهر مكنون
قول في نسب النعمان بن المنذر: وقد قيل: إن النعمان بن المنزر من ولد الساطرون بن أسيطرون وقال: هو النعمان بن المنزربن امرئ القيس بن عمرو بن عدي بن نصر بن الساطرون بن اسيطرون والساطرون واسيطرون هذه ألقاب، وهم ملوك ملكوا على السريانيين.
(1/269)

ثم تملك تلك الديار بعد مَنْ ذكرنا ممن أفناهم الدهر الضيزن بن جبلة، وجبلة أمة وهو الضيزن بن معاوية ملكا على قومه من تَنُوخ بن مالك بن فهم بن تيم اللات بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة وهو الضيزن بن معاوية بن العبيد بن حرام بن سعد بن سليح بن حلوان بن عمران بن إلحاف بن قضاعة، وكان كثير الجنود، مهادِناً للروم، متحيزاً أليهم، يغير رجاله على العراق والسواد، وكان في نفس سابور عليهم ذلك، فلما نزل علىِ حصنه تحصن الضيزن في الحصن، فأقام سابور عليه شهراً لا يجد سبيلا إلى فتحه، ولا يتأتى له حيلة في دخوله، فنظرت النضيرة بنت الضيزن يوماً وقد أشرفت من الحصن إلى سابور فهويته وأعجبها جماله، وكان من أجمل الناس وأمَدِّهم قامة، فأرسلت إليه: إن أنت ضمنت لي أن تتزوجني وتفضلني على نسائك دللتك على فتح هذا الحصن، فضمن لها ذلك، فأرسلت إليه: ائت الثرثار - وهو نهر في أعلاه - فانثر فيه تبناً ثم أتْبَعْه فانظر أين يدخل فأدخِل الرجالَ منه، فإن ذلك المكان يُفْضِي إلى الحصن، ففعل ذلك سابور، فلم يشعرِ أهل الحصن إلا وأصحاب سابور معهم في الحصن، وقد عمدت النضيرة فسَقَت أباها الخمر حتى أسكرته طمعاً في تزويج سابور إياها، وأمر سابور بهدم الحصن بعد أن قتل الضيزن ومن معه وعَرَّس سابور بالنضرة بنت الضيزن فباتت مُسَهّدة، فقال لها سابور: ما لك لا تنامين؟ قالت: إن جنبي يتجافى عن فراشك، قال: ولم فواللّه ما نامت الملوك على ألين منه وأوطأ إن حَشْوُه لزغب النعام؟!!! فلما أصبح سابور نظر فإذا ورقة آسٍ بين عُكَنها، فتناولها فكاد بطنها أن يَدْمَى، فقال لها: ويحك!! بم كان أبواك يغذيانك. فقالت: بالزبد والمحَ والثلج والشهد وصفو الخمر، فقال لها سابور: إني لخدير أن لا أستبقيك بعد إهلاك أبويك وقومك، وكانت حالتك عندهم الحالة التي تَصِفِين، فأمر بها فربطت بغدائرها إلى فرسين جموحين، ثم خلّى سبيلهما، فقطعاها، ففي هذا الملك المقتول ومن كان معه في الحصن يقول حرى بن الدهماء العبسي:
ألم يحزنك والأنباء تمنى ... بما لاقت سَرَاةُ بني العبيد
ومصرع ضيزن وبني أبيه ... وأحلاف الكتائب من تزيد
أتاهم بالفُيُول مجللات ... وبالأبطال سابور الجنود
فهدَّمَ من بروج الحصن صخراً ... كأن بناءه زُبُرُ الحديدا
وفي قتل سابور للنضيرة بنت الضيزن وما كان منها من الغدر بأبيها وقومها وإرشاد سابور إلى دخول الحصن يقول عدي بن زيد العبادي:
والحضر صُبّتْ عليه داهية ... من قصره قد أبذَ ساكنها
أرَبيبة لم تُوَقّ والدها ... لحينها إذ أضاع راقبها
وأسلمت أهلها لليلتها ... تظن أن الرئيس خاطبها
وكان حظ العروس إذ جشر الصبح ... دماء تجري سبائبها
والشعر في هذه القصة كثير.
جملة من بيوت النار
وبأرض العراق بيت للنار بالقرب من مدينة السلام، بنته بوران بنت كسرى أبرويز الملكة في الموضع المعروف بأستنيا.
وبيوت النيران كثيرة مما بنته المجوس بالعراق وأرض فارس وكرمان وسجستان وخراسان وطبرستان والجبال وأذر والران، وفي الهند والسند والصين، أعرضنا عن ذكرها، وإنما ذكرنا ما أشتهر منها.
بيت بعل
والهياكل المعظمة عند اليونانيين وغيرهم كثيرة: مثل بيت بَعْلٍ، وهو الصنم الذي ذكره اللّه عز وجل بقوله: " أتدعون بعلاً وتذرون أحسن الخالقين " ؛ وهو بمدينة بعلبك من أعمال دمشق من كورة سنير، وقد كانت اليونانية اختارت لهذا الهيكل قطعة من الأرض بين جبل لبنان وجبل سنير فأتخذته موضعاً للأصنام، وهما بيتان عظيمان أحدهما أقدم من الأخر، فيهما من النقوش العجيبة المحفورة في الحجر الذي لا يتأتى حفر مثله في الخشب مع علو سمكهما وعظم أحجارهما، وطول أساطينهما، ووسع فتحهما، وعجيب بنيانهما، وقد أتينا على خبر هذه الهياكل وما كان من خبر القتل على رأس ابنة الملك وما نال أهل هذه المدينة من سفك الدماء.
جيرون بدمشق
(1/270)

وهيكل عظيم في مدينة دمشق، وهو المعروف بجيرون، وقد ذكرنا خبره فيما سلف من هذا الكتاب وأن بانيه جيرون بن سعد العادي، ونقل إليه عمد الرخام، وأنه أرم ذات العماد المذكور في القرآن، إلا ما ذكر عن كعب الأحبار حين دخل على معاوية بن أبي سفيان وسأله عن خبرها وذكر عجيب بنيانها من الذهب والفضة والمسك والزعفران وأنه يدخلها رجل من العرب يتيه له جملان فيخرج في طلبهما فيقع إليها، وذكرحِلْية الرجل، ثم التفت في مجلس معاوية فقال: هذا هو الرجل، وكان الأعرابي قد دخلها يطلب ما ند من إبله؛فأجاز معاوية كعباً، وتبيم صدق مقاتله وإيضاح برهانه، فإن كان هذا الخبر عن كعب حقاً في هذه المدينة فهو حسن، وهو خبر يدخله الفساد من جهات من النقل وغيره. وهو من صنعة القُصاص.
وقد تنازع الناس في هذه المدينة، وأين هي؟ ولم يصح عند كثير من الإخباريين ممن وفد على معاوية من أهل الدراية بأخبار الماضين وسير الغابرين من العرب وغيرهم من المتقدمين فيها، إلا خبر عبيد بن شَرِية وإخباره إياه عما سلف من الأيام وما كان فيها من الكوائن والحوادث وتشعب الأنساب، وكتاب عبيد بن شرية متداول في أيدي الناس مشهور.
كتاب ألف ليلة وليلة
وقد ذكر كثير من الناس ممن له معرفة بأخبارهم أن هذه أخبار، موضوعة من خُرَافات مصنوعة، نظمها مَنْ تقرب للملوك بروايتها، وصال على أهل عصره بحفظها والمذاكرة بها، وأن سبيلها الكتب المنقولة إلينا والمترجمة لنا من الفارسية والهندية والرومية، وسبيل تأليفها مما ذكرنا مثل كتاب هزار أفسانة، وتفسير ذلك من الفارسية إلى العربية ألف خُرَافة، والخرافة بالفارسية يُقال لها أفسانة، والناس يسمون هذا الكتاب ألف ليلة وليلة، وهو خبر الملك والوزير وابنه وجاريتها وهما شيرزاد ودينا زاد، ومثل كتاب فرزة وسيماس وما فيه من أخبار ملوك الهند والوزراء، ومثل كتاب السندباد، وغيرها من الكتب في هذا المعنى.
أصل مسجد دمشق
وقد كان مسجد دمشق قبل ظهور النصرانية هيكلاً عظيماً فيه التماثيل والأصنام على رأس منارته تماثيل منصوبة، وقد كان بني على اسم المشتري وطالِع سعد، ثم ظهرت النصرانية فجعلته كنيسة، وظهر الإسلام فجعل مسجداَ وحكم بناءه الوليدُ بن عبد الملك، والصوامع منه لم تغير، وهي مَنَائر الأذان إلى هذا الوقت.
البريص بدمشق
وقد كان بدمشق أيضاً بناء عجيب يُقال له البريص، وهو مبقّى إلى هذا الوقت في وسطها، وكان يجري فيه الخمر في قديم الزمان، وقد ذكرته الشعراء في مدحها لملوك غسان من مأرب وغيرهم.
الديماس بإنطاكية
وهيكل إنطاكية يعرف بالديماس، على يمين مسجدها الجامع، مبني بالأجر العادي والحجر، عظيم البنيان، وفي كل سنة يدخل القمر عند طلوعه من باب من أبوابه ومن أعاليه في بعض الأهلة الصيفية، وقد ذكر أن هذا الديماس من بناء الفرس ملكت إنطاكية، وأنه بيت نار لها.
بعض عجائب الدنيا
قال المسعودي: وقد ذكر أبو معشر المنجم في كتابه المترجم بكتاب الألوف الهياكل والبنيان العظيم الذي يحدث بناؤه في العالم في كل ألف عام، وكذلك ذكره ابن المازيار تلميذ أبي معشر في كتابه المنتخب من كتاب الألوف وقد ذكر غيرهما ممن تقدم عصرهما وممن تأخر عنهما كثيراً من البنيان والعجائب في الأرض، وقد أعرضنا عن ذكرها، وذكر السد
(1/271)

الأعظم - وهو سد يأجوج ومأجوج - وقد تنازع الناس في كيفية بنائه كتنازعهم في أرم ذات العماد على ما ذكرنا آنفاً، وكيفية بناء الأهرام الذي بأرض مصر وما عليها من الكتابة المرسومة، وما بصعيد مصر من الْبَرَابِي المصنوعة، وبغير أرض الصعيد من بلاد مصر، وأخبار مدينة العقاب، وما ذكر الناس فيها، وكونها في وهاد مصر وأنها في جهة الواحات مما يلي المغرب والحبشة، وخبر العمود الذي ينزل منه الماء في فصل من السنه بأرض عاد، وأخبار النمل الذي على قدر الذئاب والكلاب، وقصة أرض الذهب التي حذاء سجلماسة من أرض المغرب، ومن هنالك من وراء النهر العظيم، ومبايعتهم من غير مشاهدتهم ولا مخاطبتهم، وتركهم المتاع، وغدؤ الناس إلى أمتعتهم فيجدون أعمدة الذهب وقد تركت إلى جنب كل متاع من تلك الأمتعة، فإن شاء مالك المتاع أختار الذهب وترك المتاع، وإن شاء أخذ متاعه وترك الذهب، وإن أحب الزيادة ترك الذهب والمتاع، وهذا مشهور بأرض المغرب بسجلماسة، ومنها يحمل التجار الأمتعة إلي ساحل هذا النهر، وهو نهر عظيم واسع الماء، وكذلك بأقاصي خراسان مما يلي بلاد الترك من أقاصي ديارهم أمة تتبايع على مثل هذا الوصف منغير مخاطبة ولا مشاهدة، وهم هنالك على نهر عظيم أيضاً، وخبر البئر المُعًطلة والقصر المَشِيدِ، وذاك ببلاد الشَحْر من بلاد الأحقاف بين اليمن وحضرموت، والبئر وما فيها من الخرق واتصالها بالقرى والفضاء من أعلاها وأسفلها وما قاله الناس في تأويل هذه الآية فيها، وهل المراد بالقصر والبئر هذا القصر والبناء أم غيره؟ وأخبار مخاليف اليمن، وهي القلاع والحصون كقلعة نحل وغيرها، وأخبار مدينة رومية وكيفية بنائها وما حوته من عجيب الهياكل والكنائس، والعمود الذي عليه السودانية من النحاس وما يحمل إليها من الزيتون في أي أمه بالشام وغيره، ويحمل ذلك الطائر المعروف بالسودانية في مخالبه ومنقاره؛ فيطرحونه في تلك، السودانية النحاس، فيكثر زيتون رومية وزيتها من ذلك، على حسب ما ذكرنا في أخبار الطلسمات عن بلينوس وغيره في كتابنا أخبار الزمان ثم أخبار البيوت السبعة التى ببلاد الأندلس وخبر مدينة الصُّفْر وقبة الرصاص التي بمفاوز الأندلس، وما كان من خبر الملوك السالفة فيها وتعذر الوصول إليها، ثمِ ما كان من أمر صاحب عبد الملك بن مروان في نزوله عليها، وما تهافتَ فيه المسلمون عند الطلوع على سورها، وإخبارهم عن أنفسهم أنهم وصلوا إلى نعيم الدنيا والآخرة، وخبر المدينة التي أسوارها من الصُّفْر على ساحل البحر الحبشي في أطراف مفاوز الهند، وما كان من أخبار ملوك الهند وعدم وصولهم إليها، وما يجري من وادي الرمل نحوها، وما ببلاد الهند من الهياكل المتخذة للأصنام التي على صورة البدرة المتقدم ظهورها في قديم الزمان بأرض الهند، وخبر الهيكل المعظم الذي ببلاد الهند المعروف بالدري، وهذا عند الهند يُقْصَد من البلدان الشاسعة وله بلد قد وقف عليه وحوله ألف مقصورة فيها جَوَارٍ لم تنظر لتعظيم هذا الصنم من الهند، وخبر الهيكل الذي فيه الصنم ببلاد المولتان على نهر مهران من أرض السند، وخبر سندان كسرى ببلاد قرماسين من أعمال الدينور من ماه الكوفة، وكثير من أخبار العالم وخواص بقاعه وأبنيته وجباله وبدائع ما فيه من الخلق من الحيوان وغيره مما قد أتينا على ذكره فيما سلف من كتبنا، وكذلك ما خص به كل بلد من أنواع الفواكه دون غيره من البلدان، في الإسلام وغيره من الممالك، وما بان به أهل كل بلد من اللباس والأخلاق دون غيرهم، وما انفردوا به من أنواع الأغذية والمآكل والمشارب والشِّيم، وعجائب كل بلد، وذكرنا أخبار البحار وما قيل في اتصال بعضها ببعض وتغلغل مياهها، وما يحدث في كل بحر منها من الآفات وما فيه من الجواهر دون غيوه - من البحار، كتكون المرجان ببحر المغرب وعدمه من غيره، ووجود اللؤلؤ في البحر الحبشي دون غيره.
محاولات قديمة لوصل بحر الروم بالبحر الأحمر
(1/272)

وقد كان بعض من ملك من الروم حَفَر بين القلزم وبحر الروم طريقاً فلم يتأت له ذلك،لارتفاع القلزم، وانخفاض بحر الروم، وأن اللهّ عز وجلّ قد جعل ذلك حاجزاً على حسب ما أخبر في كتابه، والموضع الذي حفره ببحر القلزم يعرف بذنب التمساح على ميل من مدينة القلزم، عليه قنطرة يجتاز عليها مَنْ يريد الحج من مصر، وأجرى خليجاً من هذا البحر إلى موضع يعرف بالهامة ضيعة لمحمد بن علي المافراني من أرض مصر في هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - فلم يتأتَّ له اتصال ما بين بحر الروم وبحر القلزم.
وحفر خليجاً آخر مما يلي تنيس ودمياط وبحيرتهما، ويعرف هذا الخليج بالربر والخبية، واستمر الماء في هذا الخليج من بحر الروم وبحيرة تنيس إلى موضع يعرف بنعنعان حتى اتصل بنحو بلاد الهامة، فكانت المراكب تدخل من بحر الروم إلى نحو من هذه القرية، ومن بحر القلزه في خليج ذنب التمساح فيتتابع أرباب المراكب، ويقرب حمل ما في كل بحر إلى آخر، ثم أرتدم ذلك على تطاول الدهور، وملأت السَّوَافِي من الرمل وغيره.
وقد رام الرشيد أن يوصل بين هذين البحرين مما يلي من أعالي مصبه من نحو بلاد الحبشة وأقاصي صعيد مصر، فلم تتأتَّ له قسمة ماء النيل، فرام ذلك مما يلي بلاد الْفَرَمَا نحو بلاد تنيس، على أن يكون مصب بحر القلزم إلى البحر الرومي، فقال يحيى بن خالد: يخطف الروم الناس من المسجد الحرام والطواف، وذلك أن مراكبهم تنتهي من بحر الروم إلى بحر الحجاز، فتطرح سراياها مما يلي جدة، فيخطف الناس من المسجد الحرام ومكة والمدينة على ما ذكرنا، فامتنع من ذلك.
وقد حكي عن عمرو بن العاص - حين كان بمصر - أنه رام ذلك؛ فمنعه منه عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، وذلك لما وصفنا من فعل الروم وسراياهم، وذلك في حال ما افتتحها عمرو بن العاص في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وآثار الحفر بين هذين البحرين - فيما ذكرنا من المواضع والخلجان - بينه على حسب ما شرعت فيه الملوك السالفة طلباً لعمارة الأرض، وخصب البلاد، وعيش الناس بالأقوات، وأن يحمل إلى كل بلدٍ ما ليس فيه من الأقوات وغيرها من ضروب المنافع وضروب المرافق، والله تعالى أعلم..
ذكر جامع التاريخ من بدءِ العالم
إلى مولد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم وما لحق بهذا الباب
بعض قول الطبيعيين
(1/273)

قد ذكرنا فيما سلف من كتبنا جملا من تباين الناس في بدء العالم، ممن أثبت حدوثه ونَفَاه، وما جرت الآراء بهم فيه إلى جهات شتى، وقد أخبرنا أنهم طوائف الهند وفرق من اليونانيين، ومن وافقهم على القول بالقدم من الفلكيين والطبيعيين، وما أوردته الفلكية من وقلها: إن الركة الصانعة للأشخاص المحِلًة فيها الأرواح متى قطعت المسافة التي بين العقدة - التي ابتدأت منها، حتى تنتهي إليها راجعة، ثم تنفصل عنها - أعادت كل ما بدأت به أولاً كهيئته وأشخاصه وصُوَره وضروب أشكاله؛ إذ كانت العلة والسبب اللذان بوجودهما توجد الأشياء قد وجِدَا عَوْداً كما وجدا بدءاً، فوجب ظهور الأشياء مي عادت إلى المبدأ الذي كان عنه الصدر، ثم ما تعقب هذا القول من قول الطبيعيين: إن علة كون الأشياء الجسمانية والنفسانية من قبل حركات الطبائع واختلاطها؛لأن الطبيعة عندهم تحركت في بدؤَها واختلطت فظهر الحيوان والنبات وسائر الموجوداتَ في العالم، وجعلت لها أصلا من التناسل، لما عجزت عن تبقية أشخاص وعدلت إلى النسل، وإن الطبائع تنتقل من مركب إلى بسيط، ومن بسيط إلى مركب، حتى إذا أدى المركب كنه ما فيه عادت الأشياء إلى البسيط إلى، وابتدأ الكون ماراً على طريقه؛ لأن الذي أوجبه أولا قد وجد، فحقه أن يوجد منه بوجود المعنى الذي أوجده، فظهر ذلك الظهور، كالنبات في الربيع، وتحرك قوته تحت الثرى، وذلك أن الشمس تبلغ في الربيع إلى رأس الحمل، بادئه في شرفها، آخذة في ممرها، وهي العلة الكبرى في إحياء النبات ويأخذ الثمر في الظهور من الشجر بادئاً كما كان ظاهرأ بالمثال الأول الذي قد باد في الشتاء ويبسه ويردة، لأن علة الكون الحرارة والرطوبة وعلة لفساد البرد واليبس، فإذا انتقلت الأشياء ممن الحرارة والرطوبة إلى البرد واليبوسة فارقت الكون المتمم ودخلت الفساد، فإذ انتهى بها الفساد إلى غايته وأوصلها إلى نهايته عاقبها الكون بوصول الشمس إلى رأس الحمل، فبدأ بها كعادته في إنشائها، وأبرزها من خساسة الفساد إلى نفاسة الكون، ولو كانت الحواس تضبط شأن الأجسام وتحيط بانتقالها من حال إلى حال لشاهدت ممرها في دائرة الزمان، ومبتدئة من رتبة؛راجعة إليها، مشكلة في محيط الدائرة بأشكال توافق بعضها، والشكول مختلفة باختلاف العلل، متفرقة كاختلاف الأسباب، وفي هذا القول من هذه الطائفة ماورح بالقول بالقدم وأبان عنه.
عليل على حدوث العالم
وقضية الفحص توجب أن الأشياء الموجودة غير خالية من إحدى المنزلتين: إما أن يكون بدء وانتهاء، وإما أن يكون بلا بدء ولا انتهاء، فإن كان بلا بدء ولا انتهاء فواجب أن تكون أجزاؤها وأبعادها غير متناهية، وواجب أن يكون الزمان غير عادٍّ لها ولا حاصر لجميعها، وقد وجدنا التناهي والابتداء في أجزائها وأبعادها على الدوام، وأنا في كل يوم جديد نعاين خلقاً جديداً، وصوراً في العالم لم تكن وصوراً بادئة قد كانت متأثلة، وفي هذا ما يدل على حصر الأشياء ووقوعها في غاية انتهاء صورها، وواجب أن للأشياء بدءاً وانتهاء، وبطل وهم المتوهم أن الأشياء بلا نهاية؛وأن ليس لها ابتداء ولا غاية، وذلك باطل ومحال فاسد، ولو وجب أن تكون الأشياء الموجودة بلا بَدْء ولا نهاية لوجب أن لا يزول شيء من مركزه، ولا يتحول عن رتبته، ولبطلت الاستحالة، وسقطت المضادة، وهذا مستحيل، ولو وجب أن تكون الأشياء على غير نهاية، لما كان لقولنا اليوم وأمس وغداً معنى؛لأن هذه الأزمان تعد ما هو بالنهاية، ويوجد في حوزتها إيجاد ما لم يكن وإدخالها في حوزتها ما هو كائن.
وفيما ذكرنا ما أوضح عن تنقل شأن المعاني، ودل على حدوث الأجسام، وهذه الدلالة مأخوذة من الحس، ومستظهرة للعقول والبحث.
المحدث للعالم
وإذ قد وضح أن الأشياء مُحْدَثة أكونها بعد أن لم تكن فلا بد لها من محدث هو بخلافها لا شكل له ولا مثل، لأن العقل لا يفيم لشيء مثلاً حتى يعلم له قدراً ووَزناً، ويعادله بمثله وشكله، وتعالى وجل وعز من لا تُعبِّرُ عن ذاته اللغات، وتعجز العقول أن تحصره بالصوت، وتدركه بالأشرات، أو يكون ذا غايات ولهايات.
(1/274)

قال المسعودي: فلنرجع الآن إلى الكلام في حصر تاريخ العالم ووصف أقاويل الطوائف في ذلك المعنى،لأنا إنما ذكرنا الكلام في حدوث العالم لما ذكرنا قول من قال بقدمه ودل على أزليته، وقد تقدم ذكرنا لقول الهند في ذلك فيما سلف من هذا الكتاب.
عمر الدنيا
وأما اليهود فإنهم زعموا أن عمر الدنيا ستة آلاف سنة وأخذوا في ذلك مأخذاً شرعيّاً، وذهبت النصارى إلى أن عمر العالم ما ذهبت إليه اليهود، وأما الصابئة من الحرانيين والكماريين فقد ذكرنا قولهم في ذلك في جملة قول اليونانيين، وأما المجوس فإنهم ذهبوا في ذلك إلى حد غير معلوم من نفاذ قوة الهرمند وكيده، وهو الشيطان، ومنهم من ذهب في ذلك إلى نحو ما ذهب إليه أصحاب الاثنين في الزاج والخلاص، وأن العالم سيعود بدءاً متخلصاً من الشرور والآفات.
وزعمت المجوس أن من وقت زرادشت بن أسبيمان نبيهم إلى الإسكندر مائتين وثمانين سنة، وملك الإسكندر ست سنين، ومن ملك الإسكندر إلى ملك أردشير خمسمائة سنة وسبع عشرة سنة، ومن ملك أردشير إلى الهجرة خمسمائة سنة وأربع وستون سنة؛ فذلك من هبوط أدم إلى هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ستة آلاف سنة ومائة وست وعشرون سنة: منها من هبوط آدم عليه السلام إلى الطوفان ألفان ومائتان وست وخمسون سنة، ومن الطوفان إلى مولد إبراهيم الخليل عليه السلام ألف وتسع وسبعون سنة، ومن مولد إبراهيم إلى ظهور موسى بعد ثمانين سنة خلت من عمر موسى بن عمران - وهو وقت خروجه ببني إسرائيل، من مصر إلى التيه - خمسمائة وخمس وستون سنة، ومن خروجهم إلى سنة أربع من ملك سليمان بن داود - عليه السلام! - وذلك وقت ابتدائه في بناء بيت المقدس - ستمائة وست وثلاثون سنة، ومن بناء بيت المقدس إلى ملك الإسكندر سبعمائة وسبع عشرة سنة، ومن ملك الإسكندر إلى مولد المسيح ثلثمائة وتسع وستون سنة، ومن مولد المسيح إلى مولد النبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة سنة وإحدى وعشرون سنة، - يين أن رفع الله المسيح، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، إلى وفاة النبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة سنة وست وأربعون سنة وبين مبعث المسيح وهجرة النبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة سنة وأربع وتسعون سنة، وكانت وفاة نبينا صلى الله عليه وسلم في سنة تسعمائة وخمس وثلاثين سنة من سنِي ذي القرنين، ومن داود إلى محمد صلى الله عليه وسلم ألف سنة وسبعمائة سنة وسنتان وستة أشهر وعشرة أيام، ومن إبراهيم إلى محمد صلى الله عليه وسلم ألفا سنة وسبعمائة سنة وعشرون سنة وستة أشهر وعشرة أيام ومن نوح إلى محمد صلى الله عليه وسلم ثلاثة آلاف سنة وسبعمائة سنة وعشرون سنة وعشرة أيام فعلى هذا القول جميع جملة التاريخ من هبوط آدم إلى الأرض إلى مبعث النبي صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف سنة وثمانمائة سنة وإحدى عشرة سنة وستة أشهر وعشرة أيام، فجملة التاريخ من هبوط آدم إلى الأرض إلى هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، من خلافة المتقي باللهّ ونزوله الرقة من ديار مضر - خمسة آلاف سنة ومائة وست وخمسون سنة.
وقد ذكرنا جملاً من التاريخ فيما سلف من هذا الكتاب فلم نُعِدْ منه ما تقدم.
وللمجوس في التواريخ أقاصيص يطول ذكرها، وعود المُلْكِ إليهم وإلى غيرهم من الطوائف السالفة في بدوِّ العالم وفنائه، ومن قال منهم ببقائه، وأن لا بَدْءَ له ولا نهاية، ومن ذهب منهم إلى أن له انتهاء ولا بدء له، وقد أتينا على ذلك فيما سلف من كتبنا فأغنى ذلك عن الإعادة في هذا الكتاب؛ لاشتراطنا فيه على أنفسنا الاختصار والإيجاز والتنبيه على ما سلف لنا من الكتب.
رأي أهل النظر من المسلمين
(1/275)

وقد ذهب جماعة من أهك البحث والنظر من أهل الإسلام إلى أن الدلالة قد قامت على حدوث العالم بعد أن لم يكن، وأن المحدث له الخالق الباري جلّ وعز، أحدثه لا من شيء، ويبعثه لا من شيء في الأخرة ليصح بذلك وعده ووعيده،إذ كان الصادق في وعده ووعيده لا مبدل لكلماته، وأن أول العالم من لدن آدم، وقد غاب عنا حصر السنين وإحصاؤها، وتنازع الناس في بدء التاريخ، والكتابُ لم يخبر بحصر أوقاته ولا بَيَّنَ عن كيفيته ولا أعداد سنيه فيما مضى، وليس علم ذلك مما تهجم عليه الآراء، ولا تحصره أقضياتُ العقول وموجبات الفحص وضرورات الحواس عند مذاكرتها لمحسوساتها، فكيف توجب أن يوقت عمر الدنيا بسبعة آلاف سنة، واللهّ عزّ وجلّ يقول، وقد ذكر الأجيال ومن ضمه الهلاك: " وعاداً وثمود وأصحاب الرس وقروناً بين ذلك كثيراً " والله تعالى ذكره لا يقول الكثير إلا في الشيء الحقيقي الكثير، وأعلمنا في كتابه خلقه أدم، وما كان من أمره وأمر الأنبياء بعده، وأخبر عن شأن بَدْء الخلق، ولم يخبرنا بمقدار ذلك فنقف عليه كوقوفنا عندما أخبرنا به، ولا سيما مع علمنا أن المَدَى بيننا وبينه متفاوت، وأن الأرض كثرت بها المدن والملوك والعجائب، فلا نحصر ما لم يحصره اللهّ عز وجل، ولا نقبل من اليهود ما أوردته؛لنطق القرآن أنهم يحرفون الكلم عن مواضعه ويكتمون الحق وهم يعلمون، ونفيهم النبوات وَجَحْدهم ما أتَوْا به ممن الآيات مما أظهره اللّه عز وجل على يَدَيْ عيسى بن مريم من المعجزات، وعلى يَدَيْ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من البراهين الباهرات والدلائل والعلامات، والله عز وجل يخبرنا بما أهلك من الأمم لما كان من فعلهم وكفرهم بربهم، قال اللهّ عز وجل: " الحاقة وما الحاقة؟ وما أدراك ما الحاقة؛ كذبت ثمود وعاد بالقارعة، فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية، وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية " و إلى قوله: " فهل ترى لهم من باقية " ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: " كذب النسابون " وأمر أن ينسب إلى معد، ونهى أن يتجاوز بالنسب إلى ما فوق ذلك؛لعلمه بما مضى من الأعصار الخالية والأمم الفانية؛ولولا أن النفوس إلى الطارف أحَنٌ، وبالنوار أشْغَفُ، وإلى قصار الأحاديث أمْيَل وبها أكْلَف، لذكرنا من أخبار المتقدمين وسير الملوك الغابرين ما لم نذكره في هذا الكتاب، ولكن ذكرنا فيه ما قرب تناولُه تلويحاً بالقول دون الإيضاح والشرح؛إذ كان مُعَوَّلنا في جميع ذلك على ما سَلَفَ من كتبنا وتقدم من تصنيفنا، وإذا علم اللّه عز وجل موقع النية ووجه القصد أعان على السلامة من كل مَخوفٍ.
وقد ذكرنا في هذا الكتاب من كل فن من العلوم وكل باب من الآداب على حسب الطاقة ومبلغ الاجتهاد والاختصار والإيجاز - لمعاً سيعرفها من تأمل، وينبه بها مَنْ راها.
وإذ قد ذكرنا جوامع ما يحتاج المبتدئ والمنتهي من علوم العالم وأخباره،فلنذكر ألان نسب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، ومولده، ومبعثه، وهجرته، ووفاته، وأيام الخلفاء والملوك: عصراً فعصراً، إلى وقتنا هذا، ولم نعرض في كتابنا هذا لكثير من الأخبار، بل لَوَّحْنا بالقول بها تخوفاً من الإطالة ووقوع الملل؛إذ ليس ينبغي للعاقل أن يحمل البنية على ما ليس في طاقتها، ويسوم النفس ما ليس في جِبِلتها ، وإنما الألفاظ على قدر المعاني فكثيرها لكثيرها، وقليلها لقليلها، وهذا باب كبير، وبعضه ينوب عن بعض، والجزء منه يوهمك الكل، واللّه تعالى ولي التوفيق.
ذكر مولد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم
ونسبه وغير ذلك مما لحق بهذا الباب
وقد ذكرنا فيما سلف من كتبنا بَدْءَ التاريخ في أخبار العالم وأخبار الأنبياء والملوك، وعجائب البر والبحر، وجوامع التاريخ للفرس والروم والقبط، وشهور الروم والقبط، وما كان من مولد النبي صلى الله عليه وسلم إلى مَبْعَثه، ومَنْ آمن به قبل رسالته، وقد قدمنا في هذا الكتاب مَنْ كان بينه وبين المسيح من أهل الفَتْرَة، فلنذكر الآن مولده؛إذ كان الطاهر المطهر الأعز الأزهر، الذي اتسعت أعلام نبوته، وتواترت دلائل رسالته، ونطقت الشهادات له قبل بعثته.
نسبه الشريف
(1/276)

وهو محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مَنَاف بن قُصَي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لُؤي بن غالب بنِ فهربن مالك بن النَّصْر بن كنانة بن خُزَيمة بن مدركة بن إلياس بن مُضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أُدد بن ناخور بن سود بن يعرب بن يشجب بن نابت بن إسماعيل ابن إبراهيم بن فالغ بن عابر بن شالخ بن إرفخشذ بن سام بن نوح بن لمك بن متوشلح بن أخنوخ بن يرد بن مهلاييل بن قينان بن أنوش بن شيث بن أدم عليه السلام.
هذا ما في نسخة ابن هشام في كتاب المَغَازِي والسير عن ابن إسحاق، والنسخ مختلفة الأسماء من نزار.
الخلاف في نسب معد بن عدنان
وفي نسخة أن نزاراً بن مَعد بن عدنان بن أدد بن سام بن يشجب بن يعرب بن الهميسع بن صانوع بن يامد بن فيدربن إسماعيل بن إبراهيم بن تارخ بن ناخوربن أرعواء بن أسروح بن فالغ بن شالخ بن إرفخشذ بن سام بن نوح بن متوشلخ بن أنوخ بن مهلاييل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم.
وفي رواية ابن الأعرابي عن هشام بن محمد الكلبي: هو نزار بن معد بن عدنان بن أدد بن الهميسع بن نبت بن سلامان بن فيدربن إسماعيل بن إبراهيم الخليل بن تارخ بن ناخوربن أرعواء بن فالغ بن عابر بن شالخ بن إرفخشذ ين سام بن نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ بن يرد بن مهلاييل بن قينان بن أنوش بن شيث بن أدم عليه السلام.
وفي التوراة أن آدم عليه السلام عاش تسعمائة سنة وثلاثين سنة،فيجب والله أعلم أن أدم عليه السلام كان عند مولد لمك - وهو أبو نوح النبي عليه السلام - ابن ثمانمائة سنة وأربع وستين سنة، وشيث ابن سبعمائة وأريع وأربعين سنة؛ فيجب على هذا الوصف من الحساب أن مولد نوح عليه السلام كان بعد وفاة آدم بمائة وست وعشرين سنة.
وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم على حسب ما ذكرنا من نَهْيِه - أن يتجاوز عن معد؛ فقد ثبت أن نتوقف في النسب على معد، وقد اختلف أهل النسب على ما ذكرنا، فالواجب الوقف عند أمره عليه السلام ونهيه.
قال المسعودي: وقد وجدت نسب معد بن عدنان في السفْر الذي أثبته باروخ بن ناريا كاتب ارميا النبي صلى الله عليه وسلم أن معداً بن عَدْنان بن أدد بن الهميسع بن سلامان بن عوص بن بروبن متَساويل بن أبي العوام بن ناسل بن حرا بن يلدأرم بن بدلان بن كالح بن فاجم بن ناخوربن ماحي بن عسقي بن عنف بن عبيد بن الرعاء بن حمران بن يسن بن هري بن بحري ابن يلخى بن أرعوا بن عنقإء بن حسان بن عيسى بن أقتاد بن إيهام بن معصر ابن ناجب بن رزاح بن سمآى بن مربن عوص بن عوام بن قدير بن إسماعيل ابن إبراهيم الخليل عليه السلام.
وقد كان لأرمياء مع معد بن عدنان أخبار يطول ذكرها، وما كان من أمرهما بالشام، وقد أتينا على ذكر ذلك فيما سلف من كتبنا، وإنما ذكَرنا هذا النسب من هذا الوجه ليعلم تنازع الناس في ذلك.
وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تجاوز معد؛ لعلمه من تباعد الأنساب وكثرة الآراء في طول هذه المدة والأعصار.
كنية الرسول وأسماؤه ومولده
وكنيته صلى الله عليه وسلم: أبو القاسم، وفي ذلك يقول الشاعر:
للَه ممَنْ بَرَا صفوةٌ ... وصفوة الخلق بنوهاشم
وصفوة الصفوة من هاشم ... محمد النور أبوالقاسم
وهو محمد، أحمد، والماحي الذي يمحو اللهّ به الذنوب، والعاقب، والحاشر الذي يحشر اللّه الناس على عقبه صلى الله عليه وسلم.
حروب الفجار
وكان مولده عليه الصلاة والسلام عَامَ الفيل، وكان بين عام الفيل وعام الفِجَار عشرون سنة، والفِجَار حرب كانت بين قيس عَيْلاَن وبني كنانة، استحلوا فيها القتال في الأشهر الحرم، فسميت الفِجَار، وكنانة: ابن حزيمة بن مدركة، وهو عمرو بن إلياس بن مضر بن نزار، وكان ولد إلياس عمراً وعامراً وعديراً، فعمرو هو مدْركه، وعامر هو طابخه، وعمير هو قمعة، وكانت أمه م ليلى بنت حُلْوَان بن عمران بن إلحاف بن قضاعة وهي خِندحِف؛فغلب على من ذكرنا الألقاب، ونسب ولد إلياس إلى أمه م خندف، وفي ذلك يقول قصَي بن كلاب بن مرة:
إني لدى الحرب وحيّ، وأبي ... عند تناديهم بآل وَهَبِ
معترم الصَّوْلة عالي النسبِ ... امِّيَ خندف وإلياس أبِي
بطون قريش
(1/277)

وقريش خمسة وعشرون بطناً، وهم: بنو هاشم بن عبد مناف بنو المطلب بن عبد مناف، بنو الحارث بن عبد المطلب، بنو أمية بن عبد شمس، بنو نَوْفَل بن عبد مناف، بنو الحارث بن فِهْر، بنو أسد بن عبد العُزَّى، بنو عبد الحرب قصَيّ - وهم حَجَبَة الكعبة - بنو زهرة بن كلاب، بنو تَيم بن مرة، بنو مخزوم، بنو يَقَظَة، بنو مرة، بنو عَدِيّ بن كعب، بنوسَهْم، بنوجُمَح، وإلى هنا تنتهي قريش البطاح على حسب ما قدمناه فيما سلف من هذا الكتاب، بنو مالك بن حنبل، بنو مُعَيْط بن عامر بن لُؤَي بنو نزار بن عامر، بنو سَامَةَ بن لُؤَي، بنو الأعرم، وهو تَيمْ بى غالب، بنو محارب بن فِهْر، بنو الحارث بن عبد الله بن كنانة، بنو عائذة، وهو خزيمة بن لُؤَي، بنو نباتة، وهو سعد بن لُؤَي، ومن بني مالك إلى آخر القبائل في قريش الظواهر على حسب ما قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب عند ذكرنا للمطيبين وغيرهم من قريش.
حلف الفضول
وكان من حرب الفِجار ما ذكرنا للمتفاخرين بالعشائر والتكاثر، وانتهى الفِجَار في شوال، وكان حِلْفُ الفضول بعد منصرفهم من الفِجَار، فقالا بعضهم:
نحن كُنَا المُلُوك من آل نجد ... وحماة الزمان عند الذِّمَار
ومنعنا الْحَجُونَ من كل حي ... ومنعنا الفجار يوم الفِجَار
وفي ذلك قال خِدَاشُ بن زهير العامري:
فلا توعديني بالفِجَار فإنه ... أحَلَّ ببطحاء الْحَجُونِ المخازيا
سبب حلف الفضول
وقد كان الْحِلْفُ في ذي القعدة بسبب رجل من زبيد من اليمن أو كان باع سلعة له من العاص بن وائل السَّهْمي، فَمَطَلَه بالثمن حتى يئس، فعلا جبل قُبْيس، وقريش في مجالسها حول الكعبة، فنادى بشعر يصف فيه ظُلاَمتَه. رافعاً صوته منادياً يقول:
يا للرجال لمظلوم بضاعته ... ببطن مكة ناس الحي والنفير
إن الحرام لمن تصت حرامته ... ولا حرام لثوب الفاجر الغَدر
ِ فمشَتْ قريش بعضها إلى بعض، وكان أول من سعى في ذلك الزبير بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، واجتمعت قبائل قريش في دار النّدْوة وكانت للحَلِّ والحقد، ؤكان ممن اجتمع بها من قريش بنو هاشم بن عبد مناف، وبنو المطلب بن عبد مناف، زهْرَة بن كلاب وَتَيْم بن مرة، وبنو الحارث بن فهرٍ، فاتفقوا على أنهم ينصفون المظلوم من الظالم، فساروا إلى دار عبد الله بن جُدْعان، فتحالفوا هنالك؛ ففي ذلك يقول الزبير بن عبد المطلب:
حلفت لنعقِدَنْ حلفاً عليهم ... وإن كنّا جميعاً أهل دار
نسميه الفضول إذا عقدنا ... يعزبِهِ الغريب للى الجوار
ويعلم مَنْ حَوَالى البيت أنا ... ابَاة الضيم نهجر كل عار
الفجارات
وقد قدمنا في كتابنا الأوسط أخبار الأحلاف والفجارات الأربعة: فجار الرجل، أو فجار بدر بن معشر، وفجار القرد، وفجار المرأة، والفجار الرابع هو فجار البراض، وبين الفجار الرابع الذي كان فيه القتال وبين بنيان الكعبة خمس عشرة سنة، وكان من حضور النبي صلى الله عليه وسلم ومشاهدته الفِجَارَ الرابع إلى أن خرج إلى الشام في تجارة خديجة، ونظر نسطور الراهب إليه وهو في صومعته، والنبي صلى الله عليه وسلم مع مَيْسَرَة، وقد أظلته غمامة، فقال: هذا نبي، وهذا آخر الأنبياء - أربع سنين، وتسعة أشهر، وستة أيام، وإلى أن تزوج خديجة بنت خُويلد شهران، وأربعة وعشرون يوماً، وإلى أن شهد بنيان الكعبة، وحضر منازعة قريش في وضع الحجر الأسود عشر سنين.
قريش تبني الكعبة
وقد كان السيلُ هَدَم الكعبة فسرق منها لما أن هدمت غزال من الذهب وحلي وجواهر، فنقضتها قريش، وكان في حيطانها صُوَر كثيرة بأنواع من الأصباغ عجيبة: منها صورة إبراهيم الخليل في يده الأزلام، ويقابلها صورة إسماعيل ابنه على فرس يُجيز بالناس مُفِيضاً، والفاروق قائم على وفد من الناس يقسم فيهم، وبعد هذه الصور صور كثير من أولادهم إلى قصي بن كلاب وغيرهم، في نحو من ستين صورة مع كل واحد من تلك الصور إله صاحبها، وكيفية عبادته، وما اشتهر من فعله.
وضع الحجر الأسود
(1/278)

ولما بنت قريش الكعبة ورفعت سَمْكها وتأتَّى لها ما أرادت في بنيانها من الخشب الذي ابتاعوه من السفينة التي رمى بها البحرُ إلى ساحلهم التي بعث بها ملك الروم من القلزم من بلاد مصر إلى الحبشة، لُتبنى هنالك له كنيسة، وانهوا إلى موضع الحجر على ما ذكرنا وتنازعوا أيهم يَضَعُه، فاتفقوا أن يرضوا بأول مَنْ يطلع عليهم من باب بني شَيْبة، فكان أول من ظهر لأبصارهم النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك الباب، وكانوا يعرفونه بالأمين؛ لوقاره وهديه وصدق اللهجة، واجتنابه القاذورات والأدناس، فحكموه فيما تنازعوا فيه، وانقادوا إلى قضائه، فبسط ما كان عليه من رداء، وقيل: كساء طاروني، وأخذ عليه الصلاة والسلام الحَجَرَ فوضعه في وسطه، ثم قال لأربعة رجال من قريش - وهم أهل الرياسة فيهم، والزعماء منهم، وهم: عتبة بن ربيعه بن عبد شمس بن عبد مناف، والأسود بن عبد المطلب بن أسد بن عبد العُزَّى بن قصي، وأبو حذيفة بن المغيرة بن عمرو بن مخزوم، وقيس بن عدي السهمي - ليأخُذْ كل واحد منهم بجنب من جنبات هذا الرداء، فشالوه حتى ارتفع عن الأرض، وأدنوه من موضعه، فأخذ عليه الصلاة والسلام الحَجَرَ ووضعه في مكانه وقريش كلها حضور، وكان ذلك أول ما ظهر من فعله وفضائله وأحك أمه .
فقال قائل ممن حضر من قريش متعجباً من فعلهم وانقيادهم إلى أصغرهم سناً: واعجباً لقوم أهل شرف ورياسة وشيوخ وكهول عمدوا إلى أصغرهم سناً؛وأقلهم مالاً، فجعلوه عليهم رئيساً وحاكماً!! أما واللات والعزى ليفوقنهم سَبْقاً، وليقسمن بينهم حظوظاً وجدوداً وليكونَنَّ له بعد هذا اليوم شأن ونبأ عظيم.
وقد تنوزع في هذا القائل: فمن الناس من رأى أنه إبليس ظهر في ذلك اليوم في جمعهم في صورة رجل من قريش كان قد مات، وزعموا أن اللات والعزى أحيتاه لذلك المشهد، ومنهم من رأى أنه بعض رجالهم وحكمائهم ومَنْ كانت له فطنة.
كسوة الكعبة
فلما استتمت قريش بناء الكعبة كَسَتْهَا أردية الزعماء، وهي الوصائل، وأعادوا الصور التي كانت مصورة في الكعبة، وأتقنوا شكل ذلك واحك أمه .
وكان أبو طالب حاضراً فلما سمع هذا الكلام من هذا القائل في النبي صلى الله عليه وسلم ، وما يكون من أمره في المستقبل، أنشأ يقول:
إن لنا أوله وآخره ... في الحكم العدل الذي لا ننكره
وقد جهدنا جهدنا ليغمره ... وقد عهدنا أوله وآخره
فإن يكن حقاً ففينا أكثره
وكان من بناء الكعبة إلى أن بعثه اللّه صلى الله عليه وسلم خمس سنين، ومن مولده إلي يوم مبعثه أربعون سنة ويوم.
تحديد المولد
والذي صح من مولده عليه الصلاة والسلام أنه كان بعد قدوم أصحاب الفيل مكة بخمسين يوماً، وكان قدومهم مكة يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة بقيت من المحرم سنة ثمانمائة واثنتين وثمانين من عهد ذ القرنين، وكان قدوم أبرهة مكة لسبع عشرة خلت من المحرم ولست عشرة ومائتين من تاريخ العرب،الذي وله حجة الغد ولسنة أربعين من ملك كسرى أنو شروان.
وكان مولده عليه الصلاة والسلام لثمان خلون من ربيع الأول من هذه السنة بمكة، في دار ابن يوسف، ثم بعد ذلك بنتها الخيزران أم الهادى الرشيد مسجداً وكان أبوه عبد اللّه غائباً بأرض الشام فانصرف مريضاً، فمات بالمدينة ورسول اللّه صلى الله عليه وسلم حَمْل، وقد تنوزع في ذلك: فمنهم من قال: إنه مات بعد مولد النبي صلى الله عليه وسلم بشهر، ومنهم من قال: إنه مات في السنة الثانية من مولده.
نسب أمه عليه السلام
و أمه آمنة بنت وَهْب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب.
وفي السنة الأولى من مولده دُفع إلى حليمة بنت عبد اللّه بن الحارث لتُرْضِعه، وفي السنة الثانية من كونه في بني سعد كان أبو عبد الله يقول:
الحمد للهّ اللَّه الذي أعطاني ... هذا الغلام الطيب الأردان
قد ساد في المهد على الغلمان ... أعيذه بالبيت ذي الأركان
وفي رواية أن عبد المطلب قال:
لا هُمّ رب الراكب المسافر ... يحمد قلب بخير طائر
تنح عن طريقه الفواجر ... وحيه برصد الطواهر
واحبس كل حلف فاجر ... في عرج الريح والأعاصر
أحداث قبل النبوة
(1/279)

وفي السنة الرابعة من مولده شَق الملكان بطنه، واستخرجا قلبه، فشقاه وأخرجا منه عَلَقَة سوداء ثم غسلا بطنه وقلبه بالثلج، وقال أحدهما لصاحبه: زِنْهُ - بعشرة من أمته، فوزنه فرجَعَ، ثم ما زال يزيد حتى بلغ الألف، فقال والله لو وزنته بأمته لوزنها.
وفي السنة الخامسة رَدَّته إلى أمه مرضعته حليمة؛ وقيل: في مستهل السادسة وبين ذلك وبين عام الفيل خمس سنين وشهران وعشرة أيام.
وفي السنة السابعة من مولده خرجت به أمه إلى أخواله تزورهم، فتوفيت بالأبْوَاءٍ، وقدمت به أم أيْمَنَ إلى مكة بعد خامسة من موت أمه .
وفي السنة الثامنة من مولده توفي جده عبد المطلب، وضمه عمه أبو طالب إليه، وكان في حِجْره، وخرج مع عمه إلى الشام، وله ثلاث عشرة سنة، ثم خرج في تجارة لخديجة بنت خويلد إلى الشام مع غل أمه ا مَيْسَرَة وهو ابن خمس وعشرين سنة.
قال المسعودي: وقد أتينا على مبسوط هذا الباب، في كتابينا أخبار الزمان والأوسط.
ذكر مبعثه صلى اللّه عليه وسلّم
وما جاء في ذلك إلى هجرته
ثم بعث اللّه رسوله وأكرمه بما أختصه به من نبوته، بعد بنيان الكعبة بخمس سنين على ما قدمنا آنفاً، وهو ابن أربعين سنة كاملة، فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة، وأخفى أمره ثلاث سنين، ونكح خديجة بنت خويلد وله خمس وعشرون سنة وأنزل عليه بمكة من القران اثنتان وثمانون سورة، ونزل تمام بعضها بالمدينة، وأول ما نزل عليه من القران " اقرأ باسم ربك الذي خلق " ، وأتاه جبريل صلى الله عليه وسلم في ليلة السبت، ثم في ليلة الأحد، وخَاطَبه بالرسالة في يوم الاثنين، وذلك بحراء، وهو أول موضع نزل فيه القرآن، وخاطبه بأول السورة إلى قوله تعالى: " عَلّم الإنسان ما لم يعلم " ونزل تم أمها بعد ذلك؛ و خوطب بفرض الصلوات ركعتين ركعتين، ثم أمر بإتم أمها بعد ذلك، واقرَّتْ ركعتين في السفر وزِيدَ في صلاة الحَضَرِ.
تحديد المبعث
وكان مبعثه صلى الله عليه وسلم على رأس عشرين سنة من مُلْك كسرى أبرويز، وذلك على رأس مائتي سنة من يوم التحالف بالرَّبَذَة، وذلك لستة الاف ومائة وثلاث عشرة سنة من هبوط آدم عليه السلام، وقد ذكر مثل هذا عن بعض حكماء العرب في صدر الإسلام ممن قرأ الكتب السالفة على حسب ما استخرج منها، وفي ذلك يقول في أرجوزة طويلة:
في رأس عشرة من السنين ... إلى ثلاث حصلت يقين
والمائة المعدوة التمام ... إلى الوف سدست نظام
أرسله اللَّه لنا رسولا ... وكان فينا هادي السبيلا
إسلام علي بن أبي طالب
وقد تنوزع في علي بن أبي طالب كرم اللهّ وجهه وأسل أمه ، فذهب كثير من الناس إلى أنه لم يشرك باللّه شيئاً فيستأنف الإسلام، بل كان تابعاً للنبي صلى الله عليه وسلم في جميع أفعاله مقتدياً به، وبلغ وهو على ذلك، وأن الله عصمه وسدده ووفقه لتبعيته لنبيه عليه السلام؛ لأنهما كانا غير مضطرين ولا مجبورين على فعل الطاعات، بل مختارين قادرين، فاختارا طاعة الرب، وموافقة أمره، واجتناب منهياته، ومنهم من رأى أنه أول من آمن، وأن الرسول دعاه وهو موضع التكليف بظاهر قوله عز وجل: " وأنذر عشيرتك الأقربين " ، وكان بدؤى بعلني إذ كان أقْرَبَ الناس إليه وأتبعهم له، ومنهم من رأى غير ما وصافنا، وهذا موضع قد تنازع الناس فيه من الشيعة، وقد احتج كل فريق لقوله ممن قال بالنص في الإمامة والاختيار، وأرضى كل فريق كيفية إسلامه ومقدار سنيه، وقد أتينا على الكلام في ذلك على الشرح والإِيضاح في كتابنا المترجم بكتاب الصفوة في الإِمامة وفي كتاب الاستبصار وفي كتاب الزاهي وغيره من كتبنا في هذا المعنى.
إسلام أبي بكر ومن أسلم بإسلام أمه
ثم أسلم أبو بكر رضي الله عنه، ودعا قومه إلى الإِسلام، فأسلم على يديه عثمان بن عفان والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وَقَّاص، وطلحة بن عبيد الله، فجاء بهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلموا، فهؤلاء النفر سَبَقُوا الناس بالإِيمان، وقد قال بعض مَنْ تقدم من الشعراء في صدر الإِسلام يذكرهم:
فيا سائلي عن خيار العبا ... د، صَادَفْتَ ذا العلم والخبرهْ
خِيَارُ العباد جميعاً قريْش ... وخير قريش ذوو الهجرهْ
(1/280)

وخير ذوي الهجرة السابقون ... ثمانية وحدهم نضرَهْ
علي وَعُثمان ثم الزبير ... وَطَلْحَة واثنان من زُهرهْ
وشيخان قد جَاوَرَا أحمداً ... وَجَاوَرَ قبراهما قبرهْ
فمن كان بعدهما فاخراً ... فلا تذكروا عِندهم فخرهْ
الخلاف في أول من أسلم
وقد اختلف في أول صن أسلم: فمنهم من رأى أن أبا بكر الصديق كان أول الناس إسلاماً، وأسبقهم إيماناً، ثم بلال بن رباحة، ثم عمرو بن عبسة، ومنهم مَنْ ذهب إلى أن أول من أسلم من النساء خديجة، ومن الرجال عَلِيّ، ومنهم مَنْ رأي أن أول من أسلم زيد بن حارثة حِبّ النبي صلى الله عليه وسلم و ثم خديجة، ثم عليِّ كرم الله وجهة، وقد ذكرنا ما اجتبينا من القول في ذلك فيما قدمنا ذكره من كتبنا في هذا المعنى، والله تعالى ولي التوفيق.
ذكر هجرته وجوامع مما كان في أيامه
صلّى اللّه عليه وسلّم إلى وقت وفاته
أمر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم بالهجرة، وفرض عليه الجهاد، وذلك في سنة إحدى من سني الهجرة، وهي السنة التي نزل فيها الأذن، وكانت سنة أربع عشرة من المبعث.
وكان ابن عباس يقول: بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين سنة، وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة، وهاجر عشراً، وقبض وهو ابنُ ثلاث وستين سنة.
تحديد الهجرة
وكانت سنة إحدى من الهجرة، وهي سنة اثنتين وتلاثين من ملك كسرى أبرويز، وسنة تسع من ملك هرقل ملك النصرانية، وسنة تسعمائة وثلاث وثلاثين من ملك الإسكندر المقدوني.
كيف فعل في الهجرة؟
قال المسعودي: وقد ذكرنا في الكتاب الأوسط كيفية فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في خروجه من مكة ودخوله الغار واستئجار علي له الإبل، وَنوْمه على فراشه؛ فخرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة، ومعه أبو بكر، وعامر بن فُهَيْرَة مولى أبي بكر، وعبد الله بن أرَيْقِط الديلي دليل لهم على الطريق، ولم يكن مسلماً، وكان مُقَام علي بن أبي طالب بعده بمكة ثلاثة أيام إلى أن أدى ما أمر بأدائه، ثم لحق بالرسول صلى الله عليه وسلم.
دخول المدينة
وكان دخوله عليه الصلاة والسلام إلى المدينة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول، فأقام بها عشر سنين كوامل، وكان نزوله عليه الصلاة والسلام في حال موافاته المدينَةَ بقَبَاء على سعد بن خَيْثَمَةَ وابتنى المسجد وكان مع أمه بقَبَاء يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وسار يوم الجمعة ارتفاعَ النهار، وأتته الأنصار حيّاً حياً يسأله كل فريق منهم النزول عليه، ويتعلقون بزمام راحلته وهي تجذبه. فيقول عليه الصلاة والسلام: " خَلُّوا عنها فإنها مأمورة " حتى أدركته الصلاة في بني سالم، فصلّى بهم يوم الجمعة، وكانت تلك أول جمعة صليت في الإِسلام، وهذا موضع تنازع الفقهاء في العدد الذي تتم بهم صلاة الجمعة: فذهب الشافعي في آخرين معه إلى أن الجمعة لا تجب إقامتها حتى يكون عدد المصلين أربعين فصاعداً، وأقَلُّ من ذلك لا يجزي، وخالفه غيره من الفقهاء من أهل الكوفة وغيرهم، وكانت صلاته في بطن الوادي المعروف بوادى رأنونَاءَ إلى هذه الغاية، ثم استوى على ناقته، فسارت لا تُعَرِّج على شيء، ولا يردها راد، حتى أتت إلى موضع مسجده عليه الصلاة والسلام، والموضع يومئذ لغلامين يتيمين من بني النجار، فبركت، ثم سارت فمضت غير بعيد، ثم عادت إلى مبركها فبركت وأطمأنت، والنبي صلى الله عليه وسلم يراعي أحكام الباري فيه، - وتوفيقه له، فنزل عنها، وسار إلى منزل أبي أيوب الأنصاري - وهو خالد بن كليب بن ثعلبة بن عوف بن سحيم بن مالك بن النجار - فأقام في منزله شهراً حتى ابتنى المسجد من بعد ابتياعه الموضعَ، وأحدقت به الأنصار واشتد سرورهم به، وأظهروا التأسف على ما فاتهم من نُصْرته، وفي ذلك يقول صرمة بن أبي أنس أحد بني عدي النجار من قصيدة:
ثَوَى في قريش بضع عشرة حجة ... يُذَكَرل ايلقى صديقا ًمواتيا
ويعرض في أهل المواسم نفسه ... فلم ير من يوفي، ولم ير داعيا
فلما أتانا أظْهَرَ الله دينه ... وأصبح مسروراً بطَيْبَةَ راضيا
(1/281)

وأصبح لا يخشى من الناس واحداً ... بعيداً، ولا يخشى من الناس دانيا
بذلْنَا له الأموال في كل ملكنا ... وأنفسنا عند الوغى والتآسيا
ونعلم أن الله لارب غيره ... وأن رسول الله للحق رائيا
ونعادي الذي عادى من الناس ... كلهم جميعاً، وإن كان الحبيب المصافيا
فافترض صيام شهر رمضان، وحُؤَلت القبلة إلى الكعبة بعد قدومه بثمانية عشر شهراً، وقد قيل: إنه أنزل عليه بالمدينة من القرآن اثنتان وثلاثون سورة.
علته ووفاته
ثم قبضه الله يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول سنة عشر في الساعة التي دخل فيها المدينة، في منزل عائشة رضي الله عنها، وكانت علته أتثنى عشر يوما.
غزواته
وكانت غزواته صلى الله عليه وسلم بفسه ستاً وعشرين غزوة، ومنهم من رأى أنها سبع وعشرون، الأولون جعلوا منصرف النبي صلى الله عليه وسلم من خيبر إلى وادي القرى غزوة واحدة، والذين جعلوها سبعاً وعشرين جعلوا غزوة خيبر مفردة ووادي القرى منصرفة إليها غزوة أخرى غير خيبر؛ فوقع التنازع في أعداد الغزوات من هذا الوجه، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين فتح الله خيبر انصرف منها إلى وادي القرى من غير أن يأتي المدينة.
وكان أول غزواتّه صلى الله عليه وسلم من المدينة بنفسه إِلى ودان، وهي المعروفة بغزوة الأبْوَاءٍ، ثم غزوة بُواط إلى ناحية رضْوى، ثم غزوة العشيرة من بطن ينبع، ثم غزوة بدر الأولى، وكان خروجه طلباً لكرز بن جابر، ثم غزوة بدر الكبرى، وهي بدر الثانية التي قُتل فيها صناديد قريش وأشرافها وأسر من أسر من زعمائهم، ثم غزوة بني سُلَيم حتى بلغ الموضع المعروف بَالكدر ماء لبني سُلَيم، ثم غزوة السويق طلباً لأبي سفيان بن حرب فبلغ فيهما الموضع المعروف بقرقرة الكدر، ثم غزوة غطفان إلى نجد وتعرف هذه الغزوة بغزوة ذي أمر، ثم غزوة بحران وهو موضع بالحجاز من فوق الفرع ثم غزوة أحد، ثم غزوة حمراء الأسد، ثم غزوة بني النَّضِير، ثم غزوهً ذات الرقاع من نجد، ثم غزوة بدر الأخيرة، ثم غزوة دومة الجندل ثم غزوة المُريْسِيع ثم غزوة الخندق، ثم غزوة بني قرَيْظة، ثم غزوة بني لحيان بن هذيل بن مدركة، ثم غزوة في قرد، ثم غزوة بني المصطلق من خُزَاعة، ثم غزوة الحديبية لا يريد قتالا فصَده المشركون، ثم غزوة خيبر، ثم اعتمر عليه السلام عمرة القضاء، ثم فتح مكة، ثم عزوة حُنين، ثم غزوة الطائف، ثم غزوة تَبُوك.
قاتل منها في تسع غزوات: بدر، واحد، والخندق، وقريظة، وخيبر، والفتح، وحنين، والطائف، وتبوك.
قول الواقدي في غزواته
هذا قول أحمد بن إسحاق، فأما ما ذهب إليه الواقدى فإنه وافق ابن إسحاق في قتال النبي صلى الله عليه وسلم في هذه التسع الغزوات، وزاد أن النبي صلى الله عليه وسلم قاتل في غَزَاة وادي - القرى، وذلك أن غل أمه المعروف بمدعم رمي بسهم فقتل، وقاتل في يوم الغابة فقتل من المشركين ستة نفر، وقتل يومئذ محرز بن نضلة ففي قول الواقدي أنه قاتل في إحدى عشرة غزوة، وفي قول ابن إسحاق في تسع، فقتاله في التسع باتفاف منهما، وزاد الواقدي على ما ذكرنا.
وقد قيل: إن أول غزوة غزاها عليه السلام ذات العشيرة.
سراياه وبعوثه
وقد تنازع من سلف من أهل السير والأخبار في عدة سراياه وبعوثه: فقال قوم: إن عدة سراياه وبعوثه بين أن قدمَ المدينة وبين أن قَبَضَه الله خمس وثلاثون بعثاَ وسَرِية، وذكر محمد بن جرير الطبري في كتابه في التاريخ قال: حدثني الحارث قال: حدثنا ابن سعد قال: قال محمد بن عُمَر الواقدى: كانت سرايا النبي صلى الله عليه وسلم ثمانياً وأربعين سَرِية، وقيل: إن سراياه صلى الله عليه وسلم وبعوثه كانت ستة وستين.
مشاهير الأحداث
وقبض صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين سنة على حسب ما تقدم في صدر هذا الباب من قول ابن عباس، ولم يخلف من الولد إلا فاطمه عليها السلام، وتوفيت بعده بأربعين يوماً، وقيل: سبعين يوماً، وقيل غير ذلك. وكان تزوج علي بن أبي طالب لفاطمة عليهما السلام بعد سنة مضت من الهجرة، وقيل أقل من ذلك.
وكانت أول امرأة تزوج بها النبي صلى الله عليه وسلم خديجة بنت خُويلد بن أسد بن
(1/282)

عبد العزى بن قصي، وكانت وفاتها في شوال بعد مبعثه بثلاث سنين.
وأسْرِيَ به وهو ابن إحدى وخمسين سنة وثمانية أشهر وعشرين يوماً.
وكانت وفاة عمه أبي طالب - واسمه عبد مناف بن عبد المطلب - بعد وفاة خديجة بثلاثة أيام، وهو ابن تسع وأربعين سنة وثمانية أشهر، وقد قيل: إن أبا طالب اسم له.
وتزوج بعد وفاة خديجة بسَودة بنت زَمْعة بن قيس بن عبد وُذَ بن نضر ابن مالك بن حِسْل.
وتزوج بعائشة رضي الله عنها قبل الهجرة بسنتين، وقيل: تزوجها بعد وفاة خديجة، ودخل بها بعد الهجرة بسبعة أشهر وتسعة أيام، وقد أتينا على ذكر سائر أزواجه في الكتاب الأوسط؛ فأغنى ذلك عن إعادته.
روى جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: إن الله عزّ وجلّ أدبَ محمداً صلى الله عليه وسلم فأحسن تأديبه، فقال خذ العفو، وآمر العرف، وأعرض عن الجاهلين فلما كان كذلك قال الله تعالى: " وإنك على خلق عظيم " فلما قبل من الله فوض إليه فقال: " وما آتكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا " وكان يضمن على الله الجنة، فأجيز له ذلك.
وكان عدة من تزوج من النساء خمس عشرة، دخل بإحدى عشرة منهن، ولم يدخل بأربع، وقبض عليه السلام عن تسع.
النزاع في عمره عليه الصلاة والسلام
قال المسعودي: وقد تنوزع في مقدار عمره عليه السلام، وقد قدمنا ما روي في ذلك عن ابن عباس، وهو ما ذكره حماد بن سلمة عن أبي حمزة عن ابن عباس، وقد روي عن أبي هريرة مثل قول ابن عباس، وذكر عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم القران وهو ابن ثلاث وأربعين سنة، وأقام بمكة عشراً، وبالمدينه عشراً، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة، وكذلك ذكر عن عائشة قالت توفي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين سنة، وقد روي عن ابن عباس من وجه آخر أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قبض وهو ابن خمس وستين سنة، وكذلك ذكر ابن هشام قال: حدثنا علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، وذكر قَتَادة عن الحسن عن دغفل - يعنى ابن حنظلة - أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي وهو ابن خمس وستين، وقد قيل: إنه قبض وهو ابن ستين وذكر ذلك عن ابن عباس وعائشة وَعرْوَة بن ألزبير، وذكَرَ حماد قال: أخبرنا عمرو بن دينار، عن عُرْوَة بن الزبير، قال: بعث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين سنة، ومات وهو ابن ستين، وذكر شيبان عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة قال: حدثتني عائشة رضي اللّه عنها وابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث وهو ابن أربعين سنة، فلبث بمكة عشر سنين، وبالمدينة عشرة سنين، وقبض وهو ابن ستين، صلى الله عليه وسلم.
وفاته وتكفينه ودفنه عليه السلام
وإنما حكينا هذا الخلاف ليعلم من نظر في كتابنا هذا أنا لم نغفل شيئاً مما قالوه، ولا تركنا شيئاً ذكروهُ إلا ذكرنا منه ما تأتَّى لنا ذكره وأشرنا إليه، ميلا إلى الاختصار وطلباً للإِيجاز، والذي وجدنا عليه آل محمد عليه الصلاة والسلام أنه قُبض ابن ثلاث وستين سنة، ولما غسل عليه الصلاة والسلام كفن في ثلاثة أثواب ثوبين صُحَاريين وثوب حِبَرَة أدرج فيها إدراجأ، ونزل في قبره علي بن أبي طالب والفضل وَقُثَم ابنا العباس وَشُقْرَان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر في مقدار الثياب للكفن غير ما ذكرنا، والله أعلم بكيفية ذلك.
ولنرجع الآن إلى ذكر لمع من أموره وأخبارٍ كانت من مولده إلى وفاته صلى الله عليه وسلم وشَرف وعًظّم.
ذكر أمور وأحوال من مولده إلى وفاته
صلّى اللّه عليه وسلّم
وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب من ذكر مولده عليه السلام ومبعثه ووفاته جوامِعِ يكتفي بها العالم المستبصر، ويتنبَّه بها الطالب المسترشد، وذكرنا جُمَلاَ من الكوائن والأحداث في تضاعيف ذلك، وأفردنا هذا الباب لذكر لَرتيب جمل من السنين من مولده إلى وفاته، وجمل أحْدَاث وكوائن كانت في أي أمه ؛ ليقرب تناول ذلك على مريده، ؤيسهل مأخذه على الطالب له، وإن كنا قد أتينا على لمع من مبسوط هذا الباب فيما تقدمه من الأبواب إن شاء الله تعالى.
(1/283)

ففي أول سنة من مولده دفع إلى حليمة بنت عبد الله بن الحارث بن شجنة بن جابر بن رزام بن ناصر بن سعد بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خَصَفَة بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
وفي السنة الخامسة من مولده رَدًتْه حليمة إلى أمه ، على حسب ما ذكرنا فيما سلف من هذا الكتاب.
وفي السنة السادسة أخرجته أمه إلى أخواله زائرة فتوفيت بالأبْوَاء بين مكة والمدينة، ونمي ذلك إلى أيْمَنَ، فخرجت إليه؛ وقدمت به إلي مكة؛ وكانت مولاة له قد ورثها عن أمه .
خروجه إلى الشام
وفي السنة التاسعة خرج مع عمه أبي طالب إلى الشام، وقيل: إذ خرج مع عمه أبي طالب إلى الشام وله ثلاث عشرة سنة، وقد كان أبا طالب أخا عبد اللّه أبي النبي صلى الله عليه وسلم لأبيه و أمه ؛ فلذلك كَفَلَ بأمر النبي صلى الله عليه وسلم من بين سائر إخوته - وهم: العباس، وحمزة، والزبير، وحجل، والمقوم وضرار، والحارث، وأبو لهب - وهم عشرة بنو عبد المطلب، وكان لعب المطلب ستة عشر ولداً: عشرة ذكور، وهم من سمينا، وست إناث. وهن: عاتكة، وصفية، وأميمة، والبيضاء، وبرة، وأرْوَى، ولم يسلم منهن إلا صفية أم الزبير بن العوام، وقد تنوزع في أروى: فمنهم من قال: إنها أسلمت ومنهم من خالف ذلك.
وفي خروجه عليه السلام مع عمه في هذه السنة نظر إليه بَحِيرَا الراهب، وأوصاهم بمراعاته من اليهود فإنهم أعداؤه لعلمهم بما يكون من نبوته على حسب ما قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب عند ذكرنا لخبر بَحِيرَ الراهب وما كان من إخباره بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك في باب أهل الفترة ممن كان بين المسيح ومحمد عليهما السلام.
شهوده الفجار
وقد قدمنا أنه عليه السلام شهد يوم حرب الفِجَارِ، وذلك في سنة إحدى وعشرين، وأنها حربِ كانت بين قريش وقيس عيلان، فيما سلف من هذا الكتاب وغيره، وأنها إنما سميت بهذا الاسم الذي هو الفِجَار لأنها كانت في الأشهر الحرم، وكانت لقيس على قريش، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما شاهدها صارت لقريش علىِ قيس، وكان على قريش يومئذ عبد اللّه بن جُدْعَان التّيْمِيُّ، وكان نخاساَ في الجاهلية بياعاً للجواري، وكانت هذه إحدى الدلائل المنزرة بنبوته عليه السلام والتيمن بحضوره.
سنوات من حياته
وفي سنة ست وعشرين كان تزويجه بخديجة بنت خُويلد، وهي ومئذ بنت أربعين، وقيل في سنها غيرهذا.
وفي سنة ست وثلاثين بَنَتْ قريش الكعبة، وتراضت به، فوضع الحجر على حسب ما قدمنا.
وفي سن إحدى وأربعين بعثه اللّه نبياً ورسولا إلى كافة الناس، وذلك بوم الاثنين لعشر خلون من ربيع الأول، على حسب تنازع الناس في تاريخ مبعثه عليه السلام.
وفي سنة ست وأربعين كان حصار قريش للنبي صلى الله عليه وسلم وبني هاشم وبني عبد المطلب في الشِّعْبِ.
وفي سنة خمسين كان خروجه عليه السلام ومن تبعه من الشِّعب.
وفي هذه السنة كانت وفاة خديجة زوجه وفيها كان خروجه إلى الطائف على حسب ما ذكرنا.
وفي سنة إحدى وخمسين كان الإِسراء به صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس، على حسب ما نطق به التنزيل.
وفي سنة أربع وخمسين كانت هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وفيها بني صلى الله عليه وسلم مسجده، وفيها دخل بعائشة بنت أبي بكر رضي اللّه عنها وهي ابنة تسع، وتزوج بها قبل الهجرة وهي بنت سبع، وقيل: إنه تزوجها وهي بنت ست سنين، وبني بها في المدينة بعد الهجرة بسبعة أشهر، وقيل عن عائشة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض وهي بنت ثمانَ عشرَةَ سنةً، وكانت وفاتها سنة ثمان وخمسين من الهجرة بالمدينة، وصلى عليها أبو هريرة في أيام معاوية بن إلى سفيان وقد قاربت السبعين وفيها أمر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بالأذان، وأرى عبد الله بن زيد كيفية الأذان في مَنَ أمه ، وفيها كان تزوج علي بن أبي طالب بفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم على حسب ما ذكرنا من التنازع في التاريخ.
(1/284)

وفي سنة اثنتين من الهجرة افترض على المؤمنين صوم شهر رمضان وفي هذه السنة أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتوجهِ إلى الكعبة، وفيها توفيت ابنته رُقية وفي آخر هذه السنة - وهي سنة اثنتين من الهجرة - كان دخول علي بن أبى طالب بفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيها كانت وقعة بدر، وذلك في الجمعة لسبع عشرة ليلةً خلت من شهر رمضان.
وفي سنة ثلاث كان تزويجه بزينب بنت خُزَيمة، وكانت وفاتها بعد شهرين، وفي هذه السنة كان تزويجه بحفصة بنت عمر بن الخطاب، وفيها كان تزويج عثمان بن عفَّان بأم كلثوم ابنة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وفيها كان مولد الحسن بن علي بن أبي طالب على ما في ذلك من التنازع في التاريخ وفيها كانت غزوة أحد، وفي هذه السنة استشهد حمزة بن عبد المطلب. وفي سنةَ أربع كانت غزوته المعروفة بذات الرِّقَاع، وفي هذه الغزاة صلى صلاة الخوف بالناس، على حسب ما ذكر في كيفية ذلك التنازع، وفيها كان تزويجة بأم سلمة بنت أبي أمية، وفيها كانت غزوته إلى اليهود من بني النَّضِير وامتنعوا منه بحصونهم، فقطعوا نخلهم وشجرهم وأضرموا النار عليهم، فلما رأى ذلك صالحهم، وفيها كانت غزوته إلى بني المصْطَلَق، وفيها - وهي سنة أربع - كان مولد الحسين بن علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه، وقد قيل: إن مولد فاطمة رضي اللّه تعالى عنها كان قبل الهجرة بثمان سنين.
وفي سنة خمس كانت غزوة الخندق وما كان فيها من حفر الخندق، وفيها غزا اليهود من بني قُرَيْظَة، وكان من أمرهم ما قد شهر، وفيها كان تزويجه بزينب بنت جَحْش، وفيها كان تَقَوَّلُ أهل الإِفك على عائشة رضي الله عنها.
وفي سنة ست كان استسقاؤه عليه السلام لما لحق الناس من الضر وَالْجَدْبِ، وفيها اعتمر عمرته المعروفة بعمرة الحديبية وواعد المشركين، وفيها أخذ فدَكَ، وفيها تزوج أم حبيبة بنت أبي سفيان، ووجَّه بالرسُل إلى كسرى وقيصر، وكان فيها أداؤه لكتابة جُوَيرية بنت الحارث وتزويجه بها.
وفي سنة سبع غزا خيبر فافتتحها، واصطفى صفية بنت حيَى بن أخْطَب لنفسه، وفيها تزوج ميمونة بنت الحارث الهلالية خالة عبد اللّه بن عباس في سفره حين اعتمر عمرة القضاء، على ما ذكر من التنازع في نكاحه لها، أفي حال حله نكحها أم في حال إحرامه ؟ وما قال الفقهاء في ذلك، وتنازع الناس في نكاح المحرم، وفيها كان قدوم حاطب بن أبي بلْتَعة من مصر من عند المقوقس ملكها ومعه مارية القبطية أم إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم وغير ذلك من هدايا المقوقس إليه، وفيها كان قدوم جعفربن أبي طالب من أرض الحبشة ومعه أولاده وزوجته وغيرهم من المسلمين ممن كان بأرض الحبشة.
وفي سنة ثمان استشهد جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة وعبد الله بن رَوَاحة بأرض مُؤْتة من أرض البَلْقاء من أرض الشام وأعمال دمشق في وقعتهم مع الروم، وفيها كانت وفاة زينب بنت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وقيل: غير ذلك من التاريخ.
فتح مكة
وفي سنة ثمان كان افتتاح النبي صلى الله عليه وسلم مكة، وقد تنازع الناس في فتحها، أصلحاً كان أم عَنْوَةً؛ وفيها كُسِّرَتْ الأصنام، وَهُدِمَت العُزَّى ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: " يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم " قالوا: خيرأ أخٌ كريم، وابن أخ كريم، قال: " أذْهَبُوا فأنتم الطُّلَقَاء " ، وفيها غزا غزة حنين، وكان هَوَازن مالك بن عوف النَّضْرِي ومعه درَيْد بن الصمَة، وفيها كانت غزوة الطائف، وفيها كان إعطاؤه للمؤلفة قلوبهم وفيهم أبو سفيان صخربن حرب وابنه معاوية، وفيها كان مولد إبراهيم ابن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من مارية القبطية.
وفي سنة تسع حج أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه بالناس، وقرأ عليّ بن أبي طالب عليهم سورة براءة، وأمرأن لا يحج مشرك، وأنه لا يطوف بالبيت عُرْيان، وفيها كانت وفاة أم كلثوم بنت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم.
وفي سنة عشر حج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، وقال: " ألا أن الزمان. قد استدار كهيئته يوم خَلَقَ اللّه السموات والأرض " ، وفيها كانت وفاة إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وله سنة وعشرة أشهر وثمانية أيام، وقيل غيم ذلك، وفيها كان بعثه عليه الصلاة والسلام بعليّ إلى اليمن، وأحرم كإحرام النبي صلى الله عليه وسلم.
(1/285)

وفي سنة إحدى عشرة كانت وفاته صلى الله عليه وسلم على حسب ما قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب قبل هذا الباب من ذكر وفاتِهِ ومقدار عمره وما قاله الناس في ذلك، وفيها كانت وفاة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم على حسب ما ذكرنا من تنازع الناس في مقدار عمرها ومدة بقائها بعد أبيها، ومن الذي صلى عليها: العباسُ بن عبد المطلب أم بَعْلُهَا علي؟ ولما قبضت جزع عليها بَعْلُهَا عليّ جزعأ شديداً واشتد بكاؤه وظهر أنينه وحنينه، وقال في ذلك:
لكل اجتماع من خليلين فُرْقَة ... وكل ُّالذي دون الممات قليل
وإن افتقادي فاطماً بعد أحمد ... دليل على أن لا يدوم خليل
أولاده عليه السلام
وكل أولاده صلى الله عليه وسلم من خديجة خلا إبراهيم: ولد له صلى الله عليه وسلم: القاسم، وبه كان يكنى، وكان أكبر بنيه سنّاً، ورقية وام كلثوم، وكانتا تحت عُتبة وعتيبة ابني أبي لَهب عمه فطلقَاهما لخبر يطول ذكره، فتزوجهما عثمان بن عفان واحدة بعد وحدة، وزينب، وكانت تحت أبي العاص بن الربيع، وفرق الإِسلام بينهما، ثم أسلم فردها عليه بالنكاح الأول، وهذا موضع خلاف بين أهل العلم في كيفية رده عليه الصلاة والسلام لزينب على أبي العاص، وولدت من أبي العاص امامة، وتزوجها عليّ بعد موت فاطمة عليهم السلام.
وولد له عليه الصلاة والسلام بعد ما بعث عبدُ اللّه وهو الطيب والطاهر، الثلاثة الأسماء له لأنه ولد في الإِسلام، وفاطمة، وإبراهيم.
وقد أتينا في كتابنا أخبار الزمان والكتاب الأوسط على ما كان في سنةٍ سنه من مولده عليه الصلاة والسلام إلى مبعثه، ومن مبعثه إلى هجرته، ومن هجرته إلى وفاته، ومن وفاته إلى وقتنا هذا - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - وما كان في ذلك من المغازي والفتوح وَالسَّرَايا والبعوث والطرائق والأحداث، وإنما نذكر في هذا الكتاب لمعاً منبهين - بذلك على ما سلف من كتبنا، ومذكرين لما تقدم من تصنيفنا، وباللّه التوفيق.
ذكر ما بدأ به عليه الصلاة والسلام من الكلام
مما لم يحفظ قبله عن أحد من الأنام
قال أبو الحسن علي بن الحسين بن علي بن عبد اللّه المسعودي: بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، ومبشراً للناس أجمعين، وقرنه الله بالايات، والبراهين النيرات، وأتى بالقرآن المعجز؛ فتحدَّى به قوماً وهم الغاية في الفصاحة، والنهاية في البلاغة، واولو العلم باللغة والمعرفة بأنواع الكلام من الرسائل والخطب والسجع والمُقفَّى والمنثور والمنظوم والأشعار في المكأرم وفي الحث والزجر والتحضيض والإِغراء والوعد والوعيد والمدح والتهجين، فَقَرَعَ به أسماعهم، وأعجز به أذهانهم وَقبَّح به أفعالهم، وذم به آراءهم وَسَفَّه به أحل أمه م وأزال به دياناتهم، وأبطل به سنتهم، ثم أخبر عن عجزهمِ معِ تظاهرهم أن لا يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، مع كونه عربئاَ مبيناَ.
وقد تنازع الناس في نظمَ القرآن وإعجازه، وليس الغرض من هذا الكتاب وصف أقاويل المختلفين، والإِخبار عن كلام المتنازعين؛إذ كان كتاب خبر، لا كتاب بحث ونظر.
آتاه اللّه الحكمة
ثبت عنه عليه الصلاة والسلام بالعلم الموروث، ونقل إلينا الباقي عن الماضي من بعد قيام الأدلة على صدقه، وما أورد من المعجزات والدلائل والعلامات التي أظهرها الله على يديه ليؤدي رسالات ربه ألى خلقه - أنه قال: أوتيت جوامع الكلم، وقال: اخْتُصِرَ لي الكلام، مخبراً عما أوتيه من الحكمة والبيان غير القرآن المعجز، وهو ما أوتيه عليه الصلاة والسلام من الحكمة والنطق اليسير، والكلام القصير المفيد للمعاني الكثيرة والوجوه المتفرقة مع ما فيه من الحكمة وتمام المصلحة.
وكان كل أمه صلى الله عليه وسلم أحْسَنَ المقال وأوْجَزَه؛لقلة ألفاظه وكثرة معانيه.
من موجز كل أمه
فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم عند عَرْضِه لنفسه على القبائل بمكة ومعه أبو بكر وعلي ووقوفه على بكر بن وائل، وتقدم أبي بكر إليهم، وما جرى بينه وبين دغفل من الكلام في النسب " البلاء مُوَكَّلٌ بالمنطق " وهذا مما سَبَقَ إليه من الكلام ولم يصف إلى غيره من الأنام.
(1/286)

ثم إخباره عن الحرب وقوله " الحرب خُدْعَة " فعلم بهذا اللفظ اليسير والكلام الوجيز أن آخر مكايد الحرب القتال بالسيف؛إذ كان بدؤها خدعة، كما قال عليه الصلاة والسلام، وهذا يعرفه كل في رأي صحيح وفي رياسة وسياسة.
ثم قال: " العائد في هبته كالعائد في قَيْئِه " زاجراً بهذا القول للواهب أن يسترجع شيئاً وهبه؛إذا كان الذيء لا يرجع فيه مَنْ قاءه.
وللناس في هذا المعنى كلام كثير وخطب طويلة، وإنما الغرض فيما نذكر إيراد كل أمه صلى الله عليه وسلم، ووصف قوله الذي لم يتقدمه به أحد " من الناس.
وقوله: " احْثُوا في وجوه المَدَّاحين التراب " المراد من ذلك إذا كَذَبَ المادح، ولم يُرِدْ عليه السلام إذا شكر الإنسان غيره بما أولاه أو وصفه بما هو فيه أو قال ماله أن يقول أن يُحْثَى في وجهه التراب، ولو كان هذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم إذاً ما مَدح أحد أحداً؛إذ كان هذا النهي عموماً للصادق والكاذب، وأن يحثى في وجه الجميع التراب، وهذا خلاف ما جاء به التنزيل حيث يقول عز وجل مخبراً عن نبيه يوسف وقوله للملك: " أجْعَلْنِي على خزائن الأرض إني حفيظ عليم " فقد مدح نفسه ووصف حاله.
وجميع ما يذكر في هذا الباب مستفيض في السير والأخبار متعارف عند العلماء، متداول بين الحكماء، يتمثل به كثير من الناس، وتستعمل العوام كثيراً منه في ألفاظها.، وتُورده في أمثالها وخطاباتها، والأكثر منهم لا يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من تكلم به، وسَبَق إلى إيرده.
وقال عليه الصلاة والسلام: مَطْل الغني ظلم، ومن اتبعَ على مليء فليتبع، وقوله: الأرواح جنود مجندة؛ فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف، رأس الحكمة معرفة الله. يا خَيْلَ الله اركبي وأبشري بالجنة. الان حَمِي الوطيس. لا ينتطح فيها عَنْزَانِ. لا يُلْدَغ المؤمن من جحر مرتين. لا يجني على المرء إلا يده. ليس الخبر كالمعاينة. الشديد من غلب نفسه بورك لأمتي في بُكُورها. ساقي القوم آخرهم شرباً. المجالس بالأمانات. لو بَغَى جبل على جبل لدُكَّ الباغي منهما، أبدأ بمن تعول مات حَتْفَ أنفه لأ يريد بذلك الفَجْأة وأنه مات من غير علة ولا حالٍ أوجبت ولا سبب من أسباب الموت تقدمت، لا تزال أمتي بخير ما لم تر الأمانة والزكاة مغرماً. قيدوا العلم بالكتابة. خير المال عين ساهرة لعين نائمة. المسلم مِرْآة المسلم. رحم الله من قال خيراً فغنم أو سكت عن شر فسلم. المرء كثير بأخيه. اليد العليا خير من اليد السفلى. ترك الشر صدقة. فضل العلم خير من فضل العبادة. الغِنَى غنى النفس.
الأعمال بالنيات. أي أداء أدوأ من البخل؟ الحياء خير كله. الخيل معقود بنواصيها الخير. السعيد من وُعِظَ بغيره. عِدَةُ المؤمن كأخْذٍ باليد. إن من الشعر لحكمة ومن البيان لسحراً. عفو الملوك بقاء للملك. ارْحَمْ من في الأرض يرحمك من في السماء. المكر والخديعة في النار. المرء مع من أحب، وله ما أكتسب. ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا. المستشار مؤتمن. من قُتِل َدون ماله فهو شهيد. لا يحل لمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث. الدال على الخير كفاعله. الندم توبة. الولد للفراش وللعاهر الحجر. كل معروف صدقة. لا يشكر اللهّ من لا يشكر الناس. لا يؤوِي الضالة إلا ضال، حبك الشيءَ يُعمي ويصم، السَّفَر قطعة من العذاب، وقوله للأنصار: إنكم لتقلونَ عند الطمع وتكثرون عند الفزعِ، وقوله: المسلمون عند شروطهم إلا شرطاً أحَلَّ حراماً أو حَرَّم حلالا. الرجل أحق بصدر مجلسه وصدر دابته. الناس معادن كمعادن الذهب والفضة. الظلم ظلمات يوم القيامة. تمام التحية المصافحة. جُبِلَتِ النفوس على حب من أحسن إليها. أمنك من أعتبك. ما نقص مال من صدقة. التائب من الذنب كمن لا ذَنْبَ له. الشاهد يرى ما لا يرى الغائب،. خذ حقك في عَفَاف.واف أو غير واف. أعطوا الأجير أجرته قبل أن يجف عرقه. أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف يوم القيامة. الجنة تحت ظلال السيوف. ليس بمؤمن من خاف جارُهُ بَوَائِقَه اتقوا النار ولو بشق تمرة. أعْرُوا النساء يلزمن الحجاب. الكلمَة الطيبة صَدَقة. لا خير لك في صحبة مَنْ لا يرى لك مثل ما يرى لنفسه. الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر. ما أمْلَقَ تاجر صَدقَ. الدعاءُ سلاح المؤمن. خير
(1/287)

الأمور أوسطها. إذا أتاكم الزائر فأكرموه. اشفعوا تحمدوا أو تؤجروا. الإيمان الصبر والسماحة آفَضلكم أفضلكم معرفة. ما هلك امرؤ عن مَشُورَة. ما عَالَ امرؤ اقتصد. ما هلك امرؤ عرف قدره. شر العمى عمى القلب. الكذب مجانب للإيمان. ما قَلَّ وكفى خير مما كثر وألهى. من أثنى فقد كفى قلة الحياءِ كفر. المؤمنون هَيْنُون لَيْنُون. شر الندامة يوم القيامة. شر المعذرة عند الموت. أقِيلُوا عَثَرَات الكرام. اطلبوا الخير عند صِبَاح الوجوه. الدنيا حُلْوة خَضِرة، وإن الله مستعملكم فيها ينظر كيف تعملون. انتظار الفرج عبادة. كادت الفاقة أن تكون كفراً. لم يبق من الدنيا إلا بلاءَ وفتنة. في كل عام ترذلون. زُرْ غبّاً تزد حبّاً. الصحة والفراغ نعمتان مَغْبُون فيهما كثير من الناس، أو قال: جميع الناس، وقوله: لا يلقى الله أحد إلا ناعماً. من عمل خيراً قال يا ليتني أزدت، ومن عمل غير ذلك قال يا ليتني قصرت، وهذا مثل قوله: إياكم والتسويف وطولَ الأمَل؛ فإنه كان سبباً لهلاك الامم. وقوله: ليس منا من غَشَنَا، وهذا القول يحتمل معاني كثيرة: منها أن يكون إخباراً أن من غش المسلمين على حسب الحال في الوقت أن بعض أهل الكتاب أو المنافقين أخبر عنه بما كان من فعله، ويحتمل أن يكون على طريق الزجر والنهي عن الغش، وقد قيل غير ذلك، والله أعلم، مثل ما رَوَى عنه أبو مسعود البدري أنه قال: لا يبقى على وجه الأرض بعد مائة أحدٌ إلا مات، فاستفاضت هذه الرواية عن أبي مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم، فجزع الأكثر، فأفضى ذلك إلى علي رضي الله عنه، فقال: صدق أبو مسعود فيما قال، وذهب عنه المراد بذلك، وإنما مراد النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يبقى على وجه الأرض أحد بعد رأس مائة ممن رأى النيي صلى الله عليه وسلم إلا مات وقوله: استعينوا على أموركم بالكتمان، وعلى قضاء حوائجكم بالإسرار.
ذكر بعض من جمع موجز أقوال الرسول
عليه الصلاة والسلام
قال المسعودي: وقد جمع كثير ممن تقدم وممن شاهدناه كثيراً من ألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم فأوردوها في كتبهم، وذكروها في تصنيفهم، وقد أفرد أبو بكر محمدُ بن الحسن بن دريد لذلك كتاباً ترجمهُ بكتاب المجتبى يذكُر فيه جملاً من ألفاظه صلى الله عليه وسلم، وكذلك ذكر أبو إسحاق الزجاجي النحوي صاحب آبي العباس المبرد، وأبو عبد اللّه نِفْطَويه، وجعفربن محمد بن حمدان الموصلي، وغير هؤلاء ممن تقَدمهم وتأخر عنهم، أوردنا من ذلك في هذا الكتاب ما سهل إيراده وتأتى لنا ذكره، على حسب الحاجة إليه واستحقاق الموضع له، وإن كُنا قد أتينا على جميع ما يحتاج إليه في هذه المعاني فيما سلف من كُتبنا وتقدم من تصنيفنا فأغنى ذلك عن إعادتها، واللّه تعالى ولي التوفيق.
ذكر خلافة أبي بكر الصديق
رضي اللّه تعالى عنه
جماع تاريخه
قال المسعودي: ثم بايَعَ الناسُ أبا بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه - ، في سقيفة بني ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري، في يوم الأثنين الذي توفِّيَ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوفي أبو بكر ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جماعي الأخرة سنة ثلاثَ عشرَةَ من الهجرة، وهو ابن ثلاث وستين سنة، مستوفياً لعمر النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا اتفاق في سائر الروايات على ما ذكرنا، وكان مولد أبي بكر بعد الفيل بثلاث سنين، وكانت ولايته سنتين وثلاثة أشهر وعشرة أيام، ودفن إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم على كتف رسول الله صلى الله عليه وسلم، كذلك قالت عائشة، وقد قيل: إن أبا بكر كانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشرين يوماًً - ، وسنذكُر فيما يرد من هذا الكتاب جملاً من أي أمه م ومقادير ولايتهم، وكذلك نفرد بيما يرد في هذا الكتاب - بعد ذكرنا لأيام بني امية وبني العباس - باباً نذكُر فيه جامع التاريخ الثاني من الهجرة إلى هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - في خلافة أبي إسحاق المتقي للّه، أو بعد ذلك من الأوقات إلى حيث ينتهي بنا التصنيف، وما ذكره أصحاب الزيجات في النجوم، وما أرَّخُوه في مقادير السنين والشهور والأيام والخلاف بينهم وبين تاريخ أصحاب السير والأخبار وكتب التاريخ من الأخباريين وغيرهم؛إذ كان التفاوت بين الفريقين بيِّناً، ومُعَوّلنا في ذلك على ما ذكره أصحاب الزيجات.
(1/288)

ذكر نسبه ولمع من أخباره وسيره
كان اسم أبي بكر رضي اللّه عنه عبد اللّه بن عثمان - وهو أبو قُحَافة - بن عامربن عمروبن كعب بن سعد بن تَيْم بن مُرّة بن كعب، وفي مرة يجتمع برسول اللهّ صلى الله عليه وسلم، ولقبه عَتيق؛ لبشارة رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم إياه أنه عتيق اللّه من النار، فسمي يومئذ عتيقاً وهو الصحيح وقيل: إنما سمي عتيقاً لعتق أمه اته، واسْتُخْلف وأبوه في الحياة.
صفاته
وكا أزْهَدَ الناس، وأكثرهم تواضعاً في أخلاقه ولباسه ومطعمه ومشربه كان لبسهفيخلافته الشملة، العباءة وقدمَ إليه زعماء العرب وأشرافهم وملوك اليمن وعليهم الْحُلَل وَالْحِبر وبرود الْوَشْي المثقل بالذهب والتيجان، فلما شاهدوا ما عليه من اللباس والزهد والتواضع والنسك، وما هو عليه من الوقار والهيبة ذهبوا مَنْذهبه ونزعوا ماكان عليهم.
وفود العرب إليه
وكان ممن وفد عليه من ملوك اليمن ذوالكلاع ملك حمير، ومعه ألف عبد دون من كان معه من عشيرته، وعليه التاج وما وصفنا من البرود والحُلَل، فلما شاهد من أبي بكر ما وصفنا ألقى ما كان عليه وَتَزَيَّا بِزِيِّه، حتى إنه رؤي يوماً في سوق من أسواق المدينة على كتفيه جلد شاة، ففزعت عشيرته لذلك وقالوا له: قد فضحتنا بين المهاجرين والأنصار، قال: أفأردتم مني أن أكون ملكاً جباراً في الجاهلية جباراً في الإسلام، لاهاً الله، لا تكون طاعة الرب إلا بالتواضع للّه والزهد في هذه الدنيا، وتواضعت الملوك ومَنْ ورد عليه من الوفود بعد التكبر، وتذللوا بعد التجبر.
بين أبي بكر وأبي سفيان
وبلغ أبا بكررضي اللّه عنه عن أبي سفيان صخربن حرب أمْر، فأحضره وأقبل يصيح عليه، وأبو سفيان يتملَّقه ويتذلل له، وأقبل أبو قُحَافة فسمع صياح أبي بكر، فقال لقائده: عَلَى مَنْ يصيح ابني؟ فقال له: على أبي سفيان، فدنا من أبي بكر وقال له: أعَلَى أبي سفيان ترفعِ صوتك يا عتيق اللّه؟ وقد كان بالأمس سيد قريش في الجاهلية لقد تعدَّيْت طَوْرَكَ وَجُزْتَ مقدارك فتبسم أبو بكر ومن حضره من المهاجرين والأنصار، وقال له: يا أبت، إن اللّه قد رفع بالإِسلام قوماً وأذلَّ به آخرين.
ولم يتقلَّدْ أحد الخلافة وأبوه باقً غير أبي بكر.
وام أبي بكر سلمى - وتكنى: أم الخير - بنت صخر بن عمرو بن عامر ابن كعب بن سعد بن تَيْم بن مرة.
وارتدت العرب بعد استخلافه بعشرة أيام.
أولاده
وكان له من الولد: عبد اللّه، وعبد الرحمن، ومحمد، فأما عبد اللّه فإنه شهد يوم الطائف مع النبي صلى الله عليه وسلم فلحقته جراحة وبقي إلى خلافة أبيه أبي بكر، ومات في خلافته، وخَلَف سبعة دنانير، فاستكثرها أبو بكر، ولا عقب لعبد اللّه؛وأما عبد الرحمن بن أبي بكر فإنه شهد يوم بدر مع المشركينِ، ثم أسلم فحسن أسل أمه ، ولعبد الرحمن أخبار، وله عقب كثير بدر و حَضر في ناحية الحجاز مما يلي الجادة من طريق العراق في الموضع المعروف بالصفينيات والمسح، ومحمد بن أبي بكر، أمه أسماء بنت عميس الخثعمية، ومنها عقب جعفر بن أبي طالب، وخَلَفَ عليها حين استشهد عبد اللّه وعونا ومحمدا بني جعفر، فقتل عون ومحمد ابنا جعفر بالطّف مع الحسين بن علي، ولا عقب لهما، وَعَقِبُ جعفر عن عبد اللّه بن جعفر، وولد لعبد اللّه بن جعفر: علي وإسماعيلِ وإسحاق ومعاوية، وتزوجها بعده أبو بكر الصديق، فخلف منها محمداَ، ثم تزوجها على بن أبي طالب فأولدها أولاداً درَجُوا، ولا عقب له منها وأم أسماء العجوز الحريشية كان لها أربع بنات، وهذه العجوز أكثر الناس أصهاراً، كانت ميمونة الهلالية تحت النبي صلى الله عليه وسلم، وأم الفضل تحت العباس بن عبد المطلب، وسلمى تحت حمزة بن عبد المطلب، وخلف منها بنتاً، وأسماء تحت من ذكرنا من جعفر وأبي بكر وعلي، والعقب من محمد بن أبي بكر قليل، وأم جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي علي بن أبي طالب أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق.
وكان محمد بن أبي بكر يدعي عابد قريش لنسكه وزهده، ورَبَّاه علي بن أبي طالب، وسنذكر خبره فيما يرد من هذا الكتاب ومقتله في أخبار معاوية بن أبي سفيان.
موت أبي قحافة
(1/289)

ومات أبو قُحَافة في خلافة عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه وهو ابن تسع وتسعين سنة، وذلك في سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وهي السنة التي استخلف فيها عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، وقد قيل: إنه مات في سنة أربع عشرة.
يوم السقيفة
ولما بويع أبو بكر في يوم السَّقيفة وجددت البيعة له يوم الثلاثاء على العامة خرج علي فقال: أفسدت علينا أمورنا، ولم تستشر، ولم تَرْعَ لنا حقأ، فقال أبو بكر: بلى، ولكني خشيت الفتنة، وكان المهاجرين والأنصار يوم السَّقيفة خطب طويل، ومجاذبة في الإمامة، وخرج سعد بن عبادة ولم يبايع، فصار إلى الشام، فقتل هناك في سنة خمس عشرة، وليس كتابنا هذا موضعاً لخبر مقتله، ولم يبايعه أحد من بني هاشم حتى ماتت فاطمة رضي اللّه عنها.
عدي بن حاتم الطائي
ولما ارتدت العرب إلا أهل المسجدين، وَمَنْ بينهما وأُناساً من العرب؛قدم عدي بن حاتم بإبل الصدقة إلى أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه، ففي ذلك يقول الحارث بن مالك الطائي:
وَفَيْنَا وفاء لم يَرَالنَّاس مثله ... وَسَرْبَلَنَا مجداً عديُّ بن حاتم
علته
وكان أبو بكر رضي اللّه عنه قد سًمّته اليهود في شيء من الطعام، وأكل معه الحارث بن كَلدَة فعمي، وكان السم لسنة، ومرض أبو بكر قبل وفاته بخمسة عشر يوماً.
كلام له
ولما احْتُضِرَ قال: ما آسَى على شيء إلا على ثلاث فعلتها وعددت أني تركتها، وثلاث تركتها وددت أني فعلتها، وثلاث وددت إني سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها؛فأما الثلاث التي فعلتها، ووددت أني تركتها فوددت أني لم أكن فتشت بيت فاطمة، وذكر في ذلك كلاماً كثيراً، ووددت أني لم أكن حرقت الفُجَاءة وأطلقته نجيحاً أو قتلته صريحاً، وددت أني يوم سقيفة بني ساعدة قَذَفْتُ الأمر في عنق أحد الرجلين فكان أميراً وكنت وزيراً، والثلاث التي تركتها وددت أني فعلتها وددت أني يوم أتيت بالأشعث بن قيس أسيراً ضربت عنقه، فإنه قد خيل لي أنه لا يرى شَرّاً إلا أعانه، وددت أني كنت قد قذفت المشرق بعمر بن الخطاب، فكنت قد بسطت يميني وشمالي في سبيل اللّه، وددت أني يوم جهَزْت جيش الردة ورجعت أقمت مكاني فإن سلم المسلمون سلموا، وإن كان غير ذلك كنت صدر اللقاء أو مَدَداً، وكان أبو بكر قد بلغ مع الجيش إلى مرحلة من المدينة، وهو الموضع المعروف بذى القصة، والثلاث التي وددت أني سألت رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم عنها وددت أني كنت سألته في مَنْ هذا الأمر؛ فلا ينازع الأمر أهله، وددت أني سألته عن ميراث العمة وبنت الأخ فإن بنفسي منهما حاجة، ووددت أني سألته هل للأنصار في هذا الأمر نصيب فنعطيهم إياه.
بناته
وخلف من البنات: أسماء ذات النِّطَاقين، وهي أم عبد اللّه بن الزبير، وعمرت مائة سنة حتى عميت، وعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم.
بيعة علي إياه
وقد تنوزع في بيعة علي بن أبي طالب إياه: فمنهم من قال: بايعه بعد موت فاطمة بعشرة ألام، وذلك بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بنيف وسبعين يوماً، وقيل: بثلاثة أشهر، وقيل: ستة، وقيل غير ذلك.
وصيته لأمراء جيشه
ولما أنفذ أبو بكر الأمراء إلى الشام كان فيما أوصى به يزيد بن أبي سفيان وهو. مُشَيع له، فقال له: إذا قدمت على أهل عملك فعِدْهُم الخير وما بعده، وإذا وعدت فأنجز، ولا تكثرنَّ عليهم الكلام، فإن بعضه ينسي بعضاً، وأصلح نفسك يصلح الناس لك، وإذا قدَمَتْ عليك رسل عدوك فأكرم منزلتهم، فإنه أول خيرك إليهم، وأقلل حَبْسَهم حتى يخرجوا وهم جاهلون بما عندك، وامنع من قبلك من محادثتهم، وكن أنت الذي تلي كل أمه م، ولا تجعل سرك مع علانيتك فيمرج عملك، وإذا استشرت فاصدق الخبر تصدق لك المشورة، ولا تكتم المستشار فتؤتي المستشار فتؤتي من قبل نفسك، وإذا بلغك عن العدو عورة فاكتمها حتى تعاينها، واستر في عسكرك الأخبار وَأذْكِ حَلاسَك، وأكثر مفاجأتهم في ليلك ونهارك، وأصدق اللقاء إذا لقيت، ولا تجبن فيجبن من سواك.
المتنبئون
(1/290)

وقد أعرضنا عن ذكر كثير من الأخبار في هذا الكتاب طلباً للاختصار والإيجاز: منها خبر العَنْسِي الكذاب المعروف بعيهلة، وما كان من خبرا باليمن وصنعاء، وتنبئه ومقتله، وما كان من فيروز، وغيره من الأنباء في أمرهم، وخبر طليحة وتنبئه، وخبر سجاح بنت الحارث بن سويد، وقيل: بنت غطفان وتكنى أم صادر، وهي التي يقول فيها قيس بن عاصم:
أضحت نبيتنا أنثى نطيف بها ... وأصبحت أنبياء الناس ذًكْرَاناَ
وفيها يقول الشاعر:
أضل اللّه سَعْيَ بني تميم ... كما ضلت بخطبتها سجاج
وقد كانت مع ادعائها النبوة مكذبة بنبوة مسيلمة الكذاب، ثم آمنت بنبوته، وكانت قبل ادعائها النبوة متكهنة تزعم أن سبيلها سبيل سطيح وابن سلمة والمأمون الحارثي، وعمرو بن لُحَيٍّ، وغيرهم من الكهان، وصارت إلى مسيلمة فنكحها، وما كان من خبر مسيملمة كَذَّاب اليمامة، وحربه لخالد بن الوليد، وقتل وَحْشِيٍّ له مع رجل من الأنصار، وذلك في سنة إحدى عشرة، وما كان من أمره مع الأنصار في يوم سقيفة بني ساعدة والمهاجرين، وقول المنزر بن الْحُبَاب: أنا جُذَيلها المحكك وَعُذَيْقُهَا المرجَّب، أما واللّه إن شئتم لنعيدَنَّهَا جَذَعَة، وقصة سعد بن عبادة، وما كان من بشر بن سعد، وتخلي الأوس عن معاضدة سعد خوفاً أن يفوز بها الخزرج، وأخبار من قعد عن البيعة ومن بايع، وما قالت بنو هاشم، وما كان من قصة فدك، وما قاله أصحاب النص والاختيار في الإِمامة، وَمَنْ قال بإمامة المفضول وغيره، وما كان من فاطمة وكل أمه ا متمثلة حين عدلت إلى قبر أبيها عليه السلام من قول صفية بنت عبد المطلب:
قد كَانَ بعدك أنباء وهَيْنَمَة ... لو كُنْت شَاهِدَهَا لم تكثر الخطب
إلى آخر الشعر، إلى غير ذلك مما تركنا ذكره من الأخبار في هذا الكتاب؛إذ كنا قد أتينا على جميع ذلك في كتاب أخبار الزمان والكتاب الأوسط، فأغنى ذلك عن ذكره هاهنا، واللّه أعلم.
ذكر خلافة عمر بن الخطاب
رضي اللّه عنه
وبويع عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، فلما أن دخلت سنة ثلاث وعشرين خرج حاجا، فأقام الحجَّ في تلك السنة، ثم أقبل حتى دخل المدينة، فقتله فيروز أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة تمام سنة ثلاث وعشرين؛فكانت ولايته عشر سنين وستة أشهر وأربع ليالٍ، وقتل في صلاة الصبح، وهو ابن ثلاث وستين سنة ودفن مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، عند رجلي النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: إن قبورهم مسطرة: أبو بكر إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم، وعمر إلى جنب أبي بكر، وحج في خلافته تسع حجج، وبعد أن قُتِلَ صلّى بالناس عبدُ الرحمن بن عَوْف، وجعلها شُورَى إلى ستة، وهم: عليّ، وعثمان، وطَلْحَة. والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف، وصلّى عليه صُهَيبٌ الرومي. وكانت الشورى بعده ثلاثة أيام.
ذكر نسبه ولمع من أخباره وسيره
نسبه
هو عمر بن الخطاب بن نُفَيْل بن عبد العزى بن قُرْط بن ربَاح بن عبد اللهّ بن رزَاح بن عدي بن كعب، وفي كعب يجتمع نسبه مع نسب النبي صلى الله عليه وسلم، و أمه حَنتَمة بنت هشام بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمرو بن مخزوم وكانت سوداء، وإنما سمي الفاروق لأنه فرق بين الحق والباطل، وكنيته أبو حفص، وهو أول من سمي بأمير المؤمنين، سماه عدي ُّبن حاتم، وقيل غيره، واللهّ أعلم، وكان أول من سَلّم عليه بها المغيرة بن شعبة، وأول من دعا له بهذا الاسم على المنبر أبو موسى الأشعري وأبو موسى أول من كتب إليه: لعبد الله عمر أمير المؤمنين، من أبي موسى الأشعري فلما قرئ ذلك على عمر قال: إني لعبد لله وإني لعمرو إنِّي لأمير المؤمنين، والحمد الله رب العالمين.
صفاته
وكان متواضعاً، خشن الملبس، شديداً في ذات اللّه، واتبعه عماله في سائر أفعاله وشيمه وأخلاقه، كلّ يتشَبّه به ممن غاب أو حضر، وكان يلبس الجبة الصوف المرقعة بالأديم وغيره، ويشتمل بالعباءة، ويحمل القربة على كتفه مع هيبة قد رُزِقَهَا، وكان أكثر ركابه الإِبل، وَرَحْله مشدودة بالليف، وكذلك عُماله، مع ما فتح اللّه عليهم من البلاد وأوسعهم من الأموال.
عماله
(1/291)

وكان من عماله سعيد بن عامر بن خريم فشكاه أهل حمص إليه وسألوه عَزْله، فقال عمر: اللهم لا تُفِلْ فراستي فيه اليوم وقال لهم: ماذا تشكون منه؟ قالوا: لا يخرج إلينا حتى يرتفع النهار، ولا يجيب أحداً بليل، وله يوم في الشهر لا يخرج إلينا، فقال عمر: عليّ به، فلما جاء جمع بينهم وبينه، فقال: ما تنقمون منه؟ قالوا: لا يخرج إلينا حتى يرتفع النهار، فقال: ما تقول يا سعيد؛ قال: يا أمير المؤمنين، إنه ليس لأهلي خادم، فأعجن عجيني، ثم أجلس حتى يختمر ثم أخبز خبزي، ثم أتوضا وأخرج إليهم، قال: وماذا تنقمون منه؟ قالوا: لا يجيب بليل، قال: قد كنت أكره أن أذكر هذا، إني جعلت الليل كله لربي، وجعلت النهار لهم، قال: وماذا تنقمون منه؟ قالوا: له يوم في الشهر لا يخرج إلينا فيه، قال: نعم، ليس لي خادم فأغسل ثوبي ثم أجففه فأمسي، فقال عمر: الحمد للهّ الذي لم يُفل فراستي فيك، يا أهل حمص، استوصُوا بواليكم خيراً، قال: ثم بعث إليه عمر بألف دينار، وقال: استعن بها، فقالت له امرأته: قد أغنانا الله عن خدمتك، فقال لها: ألا ندفعها إلى من يأتينا بها أحْوَجَ ما كنا إليه. قالت: بلى، فَصَرَّها صرراً ثم دفعها إلى من يثق به، وقال: انطلق بهذه الصرة إلى فلان، وبهذه إلى يتيم بني فلان، وهذه إلى مسكين بني فلان، حتى بقي منها شيء يسير، فدفعه إلى امرأته، وقال: أنفقي هذا، ثم عاد إلى خدمته، فقالت له امرأته: ألا تبعث إلي بذلك المال فنشتري لنا منه خادماً؛ فقال: سيأتيك أحْوَجَ ما تكونين إليه.
سلمان الفارسي
ومن عماله على المدائإن سلمان الفارسي، وكان يلبس الصوف، ويركب الحمار ببرذعته بغير إكاف، ويأكل خبز الشعير، وكان ناسكاً زاهداً، فلما احتضر بالمدائن قال له سعد بن وَقَّاص: أوصني يا أبا عبد اللّه قال: نعم قال: اذكر اللهّ عند همك إذا هممت، وعند لسانك إذا حكمت، وعند يدك إذا قسمت، فجعل سلمان يبكي، فقال له: يا أبا عبد اللّه ما يبكيك؛ قال: سمعت رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم يقول: " إن في الأخرة عقبة لا يقطعها إلا المُخِفُّونَ " وأرى هذه الأداوة حولي، فنظروا فلم يجدوا في البيت إلا إداوة وركوة ومطهرة.
أبو عبيدة
وكان عامله على الشام أبا عبَيْدة بن الجراح، وكان يظهر للناس وعليه الصوف الجافي، فعذل على ذلك، وقيل له: إنك بالشام والي أمير المؤمنين وحولنا الأعداء، فغير من زيك، وأصلح من شارتك، فقال: ما كنت بالذي أترك ما كنت عليه في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
عمر يحرض على الجهاد
(1/292)

وذكر الواقدي في كتابه في فتوح الأمصار أن عمر قام في المسجد، فحمد الله وأثنى عليه، ثم دعاهم إلى الجهاد وحثهم عليه وقال: إنكم قد أصبحتم في غير دار مقام بالحجاز، وقد وَعَدكم النبي صلى الله عليه وسلم فتح بلاد كسرى وقيصر؛ فسيروا إلى أرض فارس، فقام أبو عبيد فقال: يا أمير المؤمنين أنا أول من انتدب من الناس، فلما انتدب أبو عبيد انتدب الناس، وقيل لعمر: أمر على الناس رجلا من المهاجرين أو الأنصار؟ فقال: لا أومر عليهمِ إلا أول من انتدب فأمَّرَ أبا عبيد، وفي حديث آخر أنه قيل له: أتؤمر رجلا من ثقيف على المهاجرين والأنصار؛ فقال: كان أول من انتدب فوليته، وقد أمرته أن لا يقطع أمراً دون مَسْلَمة بن أسلم بن حريش وسليط بن قيس، وأعلمته أنهما من أهل بدر، وخرج فلقي جمعا ًمن العجم عليهم رجل يُقال له جالينوس، فانهزم، وسار أبو عبيد حتى عبر الفرات، وعقد له بعض الدهاقين جسراً، فلما خلف الفرات وراءه أمر بقطع الجسر، فقال له مسلمة بن أسلم: أيها الرجل، إنه ليس لك علم بما نرى، وأنت تخالفنا، وسوف يهلك من معك من المسلمين بسوء سياستك، تأمر بجسر قد عقد أن يقطع فلا يجد المسلمون ملجأ من هذه الصحاري والبراري فلا تريد إلا أن تهلكهم في هذه القطعة فقال: أيها الرجل، تقدم فقاتل فقد حَم ما ترى، وقال سليط: إن العرب لم تلق مثل جمع فارس قط، ولا كان لهم بقتالهم عادة، فاجعل لهم ملجأ ومرجعاً من هزيمة إن كانت، فقال: واللّه لا فعلت جَبُنْتَ يا سليط، فقال سليط: واللّه ما جبنت، وأنا أجرأ منك نفساً وقبيلاً، ولكن واللهّ أشَرْتُ بالرأي، فلما قطع أبو عبيد الجسر والتحم الناس واشتد القتال نظرت العرب إلى الفيلة عليها التجافيف فرأوا شيئأ لم يروا مثله قط، فانهزم الناس جميعاً، ثم مات في الفرات أكثر ممن قتل بالسيف، وخالف أبو عبيد سليطاً، وقد كان عمر أوصاه أن يستشيره ولا يخالفه، وكان رأى سليط أن لا يعبر حتى يعبروا إليه، ولا يقطع الجسر، فخالفه، وقال سليط في بعض قوله: لولا أني أكره خلاف الطاعة لانحزت بالناس، ولكني أسمع وأطيع، وإن كنت قد أخطأت وأشركني عمر معك، فقال له أبو عبيد: تقدم أيها الرجل، فقال: أفعل، فتقدما فقتلا جميعاً، وقد كان أبو عبيد في هذا اليوم ترجَّلَ، وقد قتل من الفرس نحو ستة آلاف، فدنا من الفيل ورمحه في يده فطعنه في عينه، فخبط الفيل أبا عبيد بيده؛ وجال الناس، وتراجعت رجال فارس، فأخذ الناس السيف لما قتل أبو عبيد، وبادر رجل من بكر بن وائل والمثنى بن حارثة فحمي الناس حتى عقدوا الجسر فعبروا ومعهم المثنى حارثة، وقد فقد من الناس أربعة آلاف غرقاً وقتلا، وكان على جيش فارس في هذا اليوم جاذويه، ومعه راية فارس التي كانت لأفريدون، حتى ثار الناس من الوهاد، وهي المعروفة بدرفش كاويان وكانت من جلود النمور طولها اثنا عشر ذراعاً في عرض ثمانية أفرع على خشب طوال موصل، وكانت فارس تتيمن بها وتظهرها في الأمر الشديد، وقد قدمنا الخبر عن هذه الراية في أخبار الفرس الأولى فيما سلف من هذا الكتاب.
(1/293)

ولما قتل أبو عبيد الثقفي بالجسر شق ذلك على عمرو وعلى المسلمين، فخَطَبَ عمر الناس وحثهم على الجهاد، وأمرهم بالتأهب لأرض العراق، وعسكر عمر بصرار وهو يريد الشخوص، وقد استعمل على مقدمته طلحة بن عبيد الله، وعلى ميمنته الزبير بن العوام، وعلى ميسرته عبد الرحمن بن عوف، ودعا الناس، فاستشارهم فأشاروا عليه بالمسير، ثم قال لعلي: ما ترى يا أبا الحسن، أسير أم أبعث؟ قال: سر بنفسك فإنه أهيب للعدو وأرهب له، فخرج من عنده، فدعا العباس في جِلَّة من مشيخة قريش وشاورهم، فقالوا: أقم وابعث غيرك ليكون للمسلمين إن انهزموا فئة، وخرجوا، فدخل إليه عبد الرحمن بن عوف، فاستشاره، فقال عبد الرحمن: فدِيت بأبي وامي، أقم وابعث؛فإنه إن انهزم جيشك فليس ذلك كهزيمتك، وإنك إن تُهْزَم أو تُقْتَل يكفر المسلمون ولا يشهدوا أن لا إلهَ إلا اللّه أبداً، قال: أشر عَلَيَّ من أبعث؟ قال: قلت: سعد بن أبي وقاص، قال عمر: أعلم أن سعداً رجل شجاع، ولكني أخشى أن لا يكون له معرفة بتدبير الحرب، قال عبد الرحمن: هو على ما تصف من الشجاعة، وقد صحب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وشهد بدراً فاعهد إليه وشاورنا فيما أردت أن تحدث إليه؛ فإنه لن يخالف أمرك، ثم خرج فدخل عثمان عليه، فقال له: يا أبا عبد الله أشر علي أسير أم أقيم؟ فقال عثمان: أقم يا أمير المؤمنين وابعث بالجيوش، فإنه لا آمن إن أتى عليك آتٍ أن ترجع العرب عن الإسلام، ولكن ابعث الجيوش وداركها بعضها على بعض، وأبعث رجل له تجربة بالحرب وبَصَر بها، قال عمر: ومن هو؟ قال: علي بن أبي طالب، قال: فالقه وكلمه وذاكره ذلك، فهل تراه مسرعاً إليه أو لا، فخرج عثمان فلقي علياً فذاكره ذلك، فأبى علي ذلك وكرهه، فعاد عثمان إلى عمر فأخبره، فقال له عمر: ومن ترى؟ قال: سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: قال: ليس بصاحب ذلك، قال عثمان: طلحة بن عبيد الله، قال له عمر: أين أنت من رجل شجاع ضروب بالسيف رام بالنبل، ولكني أخشى أن لا يكون له معرفة بتدبير الحرب؟ قال: ومن هو يا أمير المؤمنين؟ قال: سعد بن أبي وقاص، فقال عثمان: هو صاحب ذاك؛ولكنه رجل غائب وما منعني من ذكره إلا أني قلت: رجل غائب في عمل، فقال عمر: أرى أن أوجهه، وأكتب إليه أن يسير من وجهه ذلك، فقال عثمان: ومُرْه فليشاور قوماً من أهل التجربة والبصر بالحرب، ولا يقطع الأمور حتى يشاورهم، ففعل عمر ذلك وكتب إلى سعد بالتوجه نحو العراق.
وقد كان جرير بن عبد الله البجلي قدم على عمر - وقد اجتمعت إليه بجيلة - فَسَرَّحهم نحو العراق، وجعل لهم ربع ما ظهروا عليه من السواد، وساهمهم مع المسلمين، وخرج عمر فشيعهم، ولحق جرير بناحية الأبله ثم صاعد إلى ناحية المدائن، ونمى قدوم جرير إلى مَرْزًبان المدائن وكان في عشرة الاف من فارس من الأساورة، وذلك بعد يوم الجسر ومقتل أبي عبيد وسليط، فقال بجيلة لجرير: أعْبُرِ الدجلة إلى المدائن، فقال جرير: ليس ذلك بالرأي، وقد مضى لكم في ذلك عبرة بمن قتل من إخوانكم يوم الجسر، ولكن أمه لوا القوم؛فإن جمعهم كثير حتى يعبروا إليكم، فإن فعلوا فهؤ الظَّفَر إن شاء اللّه تعالى، فأقامت الفرس أياماً بالمدائن، ثم أخذوا في العبور، فلما عبر منهم النصف أو نحوه حمل عليهم جرير فيمن تسرَّعَ معه من بجيلة، فثبتوا ساعة، فقتل المِرْزُبان وأخذهم السيف، وغرق أكثرهم في دجلة، وأخذ المسلمون ما كان في عسكرهم، وسار جرير فاجتمع مع المثَنَّى بن حارثة الشيباني بالبجلة، فأقبل إليهما مهران في جيوشه، فامتنع المسلمون من العبور إليهم، فعبر مهران وبغى على المسلمين، فالتقوا وصبر الفريقان جميعا حتى قتل مهران قتله جرير بن عبد اللّه البجلي وحسان بن المنزر بن ضرار الضبي، ضربه البجلي، وطعنه الضبي، وفاز جرير بمنطقته وسَلَبه وتنازع جرير وحسان في أيهما القاتل لمهران، وقد كان جرير ضربه بعد أن طعنه حسان، ولحسان في ذلك أبيات:
ألم ترني خالَسْتُ مهران نَفْسَه ... بأسْمَرَ فيه كالخلال طريد
فخر صريعاً والْتَقَاني برِجْلِهِ ... وبادر في رأس الهمام جرير
فقال: قتيلي، والحوادث جمة، ... وكاد جرير للسرور يطير
فقال أبو عمرو: وقتلى قتلته ... ومثلي قليل والرجال كثير
(1/294)

فأرسِلْ يميناً أنَ رمحك نالَهُ ... وأكرم أن تحلف وأنت أمير
وقد تنازع أهل الأخبار والسير في جرير والمثنى: فمن الناس من ذهب إلى أن جريراً كان هو المولَّى على الجيش، ومنهم من رأى أن جريراً على قومه والمثنى على قومه.
ولما قتل مهران أعْظَمت الفرس ذلك، وسار شيرازاد في جمع فارس الأعظم وكنيته بوران؛ وقد كانت جمهرة الأساورة تقدمت وتقدم أمامه رستم، فتنحى المسلمون لما بلغهم مسيره، فلحق جرير بكاظمة فنزلها، وسار المثنى بقومه من بكر بن وائل فنزل بسيراف، وبها ابار كثيرة بين الكوفة وزبالة على ثلاثة أميال من المنزل المعروف بواقصة، وكان المثنى قد أصيب بجراحات كثيرة في بدنه يوم الجسر وغيره فمات بسيراف، رحمه الله تعالى!.
سعد بن أبي وقاص
ولما ورد كتاب عمر على سعد بن أبي وقاص نزل زبالة على حسب ما أمره به عمر، ثم أتى سيراف، وأتاه الناس من الشام وغيرها، ثم سار فنزل العذيب وهو على فم البر وطرف السواد مما يلي القادسية، فالتقى جيش المسلمين وجيش الفرس وعليهم رستم، والمسلمون يومئذ في ثمانية وثمانين ألفَاَ وقيل: إن من اسْهِمَ له ثلاثون ألفاً والمشركون في ستين آلفا، أما جيوشهم الفيلة عليها الرجال، وحرض الناس بعضهم بعضاً، وبرز أهل النجدات، فأشَبُوا القتال وخرج إليهم أقْرَانُهم من صناديد فارس، فاعتوروا الضرب والطعن، وخرج غالب بن عبد اللهّ الأسدي في من خرج ذلك اليوم وهو يقول:
قد علمت واردة المسالح ... ذات البنان وَاللبَان الواضح
أني سمَامُ البطل المشايح ... وفارج الأمر المهم الفادح
فخرج إليه هرمز - وكان من ملوك الباب والأبواب، وكان متوجاً - فأسره غالب آسرا، فأتى به سعداً، وكر راجعاً إلى المطاردة، وحمي الوطيس، وخرج عاصم بن عمرو وهو يقول:
قد علمت بيضاء صفراء اللَّبَبْ ... مثل اللجين يتغَشّاه الذهب
أني أمرؤ لا من يعنيه السبب ... مثلى على مثلك يغريه العتب
فبرز إليه عظيم من أساورتهم، فجالا، ثم إن الفارسي وَلّى، واتبعه عاصم حتى لجأ إلى صفوفهم، وَعمُوه، وغاص عاصم بينهم حتى أيس الناس منه، ثم خرج في مجنبات القلب، وقدامة بغل عليه صناديد موكبية بالة حسنة، فأتى به سعد بن مالك وعلى البغل رجل عليه مُقَطعات ديباج وقلنسوة مُذَهَبة، وإذا هو خباز الملك، وفي الصناديق لطائف الملك من الأخْبِصة والعسل المعقود، فلما نظر إليه سعد قال: انطلقوا به إلى أهل مَوْقِفِهِ، وقولوا: إن الأمير قد نفلكم هذا فكلوه ففعلوا.
أيام القادسية
وكانت وقعة القادسية في المحرم سنة أربع عشرة، ومال من الفيلة سبعة عشر فيلا على كل فيل عشرون رجلا، وعلى الفيلة تجافيف الحديد - القرون مجللة بالديباج والحرير نحو بجيلة، وحول الفيلة الرجال الخيول، فبعث سعد إلى بني أسد لما نظر إلى المراكب والفيول قد مالت لى بجيلة، فأمرهم بمَعُونتهم، ومالت عشرون فيلاً نحو القلب، فخرج طلحة بن خويلد الأسدي مع فرسان بني أسد فقتل منهم خمسمائة رجل سوى من قتل من غيرهم فباشروا قتال الفيلة حتى أوقفوها، واشتد الجَلاد على بني أسد في هذا اليوم من سائر الناس، وهذا اليوم يعرف بيوم غواث.
(1/295)

فلما أصبح الناس في اليوم الثاني أشرف على الناس خيول لمسلمين من الشام، والإمداد سائرة قد غطت بأسنتها الشمس عليها هاشم بن عتبة بن أبي وَقاص في خمسة آلاف فارس من بني ربيعه ومضر إلف من اليمن، ومعهم القَعْقَاع بن عمرو، وذلك بعد فتح دمشق بشهر، وقد كان عمر رضي اللّه عنه كتب إلى أبي عبيدة بن الجراحِ بصرف أصحاب خالد بن الوليد إلى العراق، ولم يذكر في كتابه خالداَ، فشح أبو عبيدة بتخلية خالد عن يده، وبعث برجاله وعليهم هاشم بن عتبة على ما ذكرنا، إذ كان في نفس عمر على خالد أشياء من أيام أبي بكر في قصة مالك بن نويْرَة، وغير ذلك، وكان خالد بن الوليد خال عمر، فتقدم القعقاع في أوائك المدد، فأيقن أهل القادسية بالنصر على فارس، وزال عنهم ما لحقهم بالأمس من القتل والجراح، وبرز القعقاع حين وروده أمام الصف ونادى: هل من مبارز؛ فبرز إليه عظيم منهم، فقال له القعقاع: من أنت؟ قال: أنا بهمن بن جاذويه، وهو المعروف بذي الحاجب، فنادى القعقاع: يالَثَارات أبي عبيد وسليط وأصحابهم يوم الجسر!! وقد كان ذو الحاجب مبارزاَ لهم على ما ذكرنا من قتله إياهم، فجالا، فقتله القعقاع قتل في ذلك اليوم ثلاثين رجلاً في ثلاثين حملة، كل حملة يقتل فيها رجَلا، وكان آخر من قتل - عظيماً من عظمائهم يقال له بزرجمهر، ففيه يقول القعقاع:
حَبَوْتُهُ جيَّاشة بالنفس ... هَدَّارة مثل شعاع الشمس
في يوم أغواث قَتِيلَ الفرس ... أنخس بالقوم أشد نخس
حتى يفيض معشري ونفسي
وبارز في ذلك اليوم الأعور بن قطبة شهريار سجستان فقتل كل واحد منهما صاحبه فقال أخو الأعور في ذلك:
لم أر يوماً كان إحدى وأمر ... من يوم أغواث إذا افتَر الثَّغُر
من غير ضحك كان أسوا وأبر
واعتل سعد فتخلف في حصن العذيب، وجلس في أعلاه يشرف على الناس، وقد تواقف الفريقاَن جميعاً، وأمسى الناس ينتمون، فلما سمع ذلك سعد قال لمن كان عنده في أعلى القصر: إن تم الناسُ على الانتماء فلا توقظوني فإنهم أقوياء على عدوهم، وإن سكتوا فأيقظوني فإن ذلك شر، واشتد القتال في الليل.
أبو محجن الثقفي
وكان أبو محجن الثقفي محبوساً في أسفل القصر، فسمع انتماء الناس إلى آبائهم وعشائرهم، ووَقْعَ الحديد وشدة البأس، فتأسف على ما يفوته من تلك المواقف، فحبا حتى صعد إلى سعد ستشفعه وشتقيله، وسأله أن يخلي عنه ليخرج، فزجره سعد وردَّه، فانحدر راجعاً، فنظر إلى سلمى بنت حفصة زوجة المثنى بن حارثة الشيباني، وقد كان سعد تزوجها بعده، فقال: يا بنت حفصة، هل لك في خير؟ فقالت: وما ذاك؟ قال: تخلين عني وتعيريني البلقاء وللهّ عليَّ إن سَلمني اللهّ أن أرجع إليك حتى أضع رجلي في القيد، فقالت: وما أنا وذلك؟ فرجع يرسف في قيده وهو يقول:
كفى حَزَناً أن ترتدي الخيل بالقَنَا ... وأترك مشدوداً علي وثاقيا
إذا قمت عناني الحديد فأغلقت ... مصاريع من دوني تُصِمُّ المناديا
وقد كنت ذا مال كثير و ثروة ... فقد تركوني واحداً لا أخاليا
فللّه عهد لا أخِيس بعهده ... لئن فرجت أن لا أزور الْحَوَانِيَا
(1/296)

فقالت سلمى: إني استخرت اللّه ورضيت بعهدك، فأطلقته، وقالت: شأنَكَ وما أردت، فاقتاد بلقاء سعد، وأخرجها من باب القصر الذي يلي الخندق، فركبها ثم دبَّ عليها، حتى إذا كان بحيال ميمنة المسلمين كبر، ثم حمل على ميسرة القوم يلعب برمحه وسلاحه بين الصفين، فأوقف ميسرتهم وقتل رجالاً كثيراً من فُتَّاكهم، ونكس آخرين، والفريقان يرمقونه بأبصارهم، وقد تنوزع في البلقاء فمنهم من قال: إنه ركبها عُرْياً، ومنهم من قال: بل ركبها بسَرْجٍ، ثم غاص في المسلمين، فخرج في ميسرتهم، وحمل على ميمنة القوم فأوقفهم، وجعل يلعب برمحه وسلاحه لا يبدو له فارس إلا هتكه، فأوقفهم، وهابته الرجال، ثم رجع فغاص في قلب المسلمين، ثم برز أم أمه م ووقف بإزاء قلب المشركين، ففعل مثل أفعاله في الميمنة والميسرة، وأوقف القلب حتى لم يبرز منهم فارس إلا اختطفه، وحمل عن المسلمين الحرب، فتعجب الناس منه، وقالوا: من هذا الفارس الذي لم نَرَهُ في يومنا؟ فقال بعضهم: هو ممن قدم علينا من إخواننا من الشام من أصحاب هاشم بن عتبة المرْقَال، وقال بعضهم: إن كان الخضر عليه السلام يشهد الحرب فهذا هو الخضر قد مَنَّ الله به علينا وهو علم بصرنا على عدونا، وقال قائل منهم: لولا أن الملائكة لا تباشر الحروب لقلنا إنه ملك، وأبو محجن كالليث الضَرْعام قد هتك الفرسان كالعقاب يجول عليهم، ومن حضر من فرسان المسلمين مثل عمرو بن معد يكرب وطلحة بن خوَيلد والقعقاع بن عمرو وهاشم بن عُتْبة المرقال وسائر فُتَّاك العرب وأبطالها ينظرون إليه، وقد حاروا في أمره، وجعل سعد يفكر ويقول وهو مُشْرف على الناس من فوق القصر؛واللّه لولا محبس أبي محجن لقلت هذا أبو محجن وهذه البَلْقاء، فلما انتصف الليل تحاجز الناس، وتراجعت الفرس على أعقابها وتراجع المسلمون إلى مواضعهم على بقيتهم ومصافهم، وأقبل أبو محجن حتى دخل القصرمن حيث خرج ولا يعلم به، وَرَدَّ البلقاء إلى مربطها وعاد في محبسه ووضع رجله في القيد، ورفع عقيرته وهو يقول:
لقد علمت ثَقِيفٌ غير فخر ... بأنا نحن أكرمهم سيوفا
وأكرمهم درُوعاً سابغاتٍ ... وأصبرهم إذا كرهوا الوقوفا
وليلة قاعس لم يشعروا بي ... ولم أشعر بمخرجي الزحوفا
وأنا رِفدهم في كل يوم ... فإن عتبوا فسل بهمُ عريفا
فإن أحبس فذلكُمُ بلائي ... وإن أترك أذيقهم الحتوفا
فقالت له سلمى: يا أبا محجن، في أي شيء حَبَسَك هذا الرجل؟ تعني سعداً، قال: وأنا امرؤ شاعر يدبُّ الشعر على لساني فأصف القهوة وتداخلني أريحية فألتذ بمدحي إياها، فلذلك حبسني لأني قلت فيها:
ذا مت فادفني إلى جنب كَرْمَة ... روِّي عظامي بعد موتي عروقُهَا
لا تدفنني بالفلاة فإنني ... خاف إذا ما مُتُ أن لا أذقها
وهي أبيات.
وقد كان بين سلمى وسعد كلام كثير وجب غضبه عليها، لذكرها المًثَنَّى عند مختلف القنا، فأقامت مغاضبة له عشية أغواث وليلة الْهَرِير وليلة السواد، حتى إذا أصبحت أتته فترضَّتْه وصالحته، ثم أخبرته خبرها مع أبي محجن، فدعابه، فأطلقه وقال: اذهب فما أنا مؤاخذ بشيء تقوله حتى تفعله، قال: لا جَرَمَ واللّه لا أجبت لساني إلى صفة قبيح أبداً.
يوعماس
وأصبح الناس في اليوم الثالث وهم على مصافهم، وهو يوم عماس، وأصبحت الأعاجم على مواقفها، وأصبح بين الفريقين كالرَّجْلة الحمراء - يعني الحرة - في عرض ما بين الصفين، وقد قتل من المسلمين ألفان وخمسمائة ما بين رَثِيِثِ وميت، وقت من الأعاجم ما لا يحصى، فقال سعد: أيها الناس، من شاء غسل الشهيد الميت والرثيث، ومن شاء فليدفنهم بدمائهم، وأقبل المسلمون على قَتْلاهم فأحرزوهم وجعلوهم وراء ظهورهم، وكان ا لنساء والصبيان يدفنون الشهيد ويحملون الرَّثِيث إلى النساء ويعالجونهم من كُلُومهم، وكان بين موضع الوقعة مما يلي القادسية وبين حصن العذيب نخلة، فإذا حمل الجريح وفيه تمييز وعقل ونظر إلى تلك النخلة - ولم يكن هنالك يومئذ نخلة غيرها، واليوم بها نخل كثير - قال لحامله: قد قربت من السوداء، فأريحوني تحت ظل هذه النخلة، فيراح تحتها ساعة، فسمع رجل من الجرحى يقال له بجير من طيى، وهو يجود بنفسه ويقول:
(1/297)

ألا يا اسلمي يا نخلة بين قاس ... وبين العذيب، لا يجاورك النخل
وسمع آخر من بني تيم اللّه - وقد أريح تحتها وحُشْوَته خارجة من جوفه - وهو يقول:
أيا نخلة الجَرْعَا، ويا نخلة العدا ... سقتك الغوادي والغيوثُ الهواطلُ
وأنخن الأعور بن قطبة، فحمل من المعركة، فسأل حماله أن يريحه تحتها حتى إذا بلغ إليها قال:
أيا نخلة بين العذيب فتلعة ... سقتك الغوادي الدجناتُ من النخل
وأصبح الناس صبيحة يوم القادسية، وهي صبيحة ليلة الهرير وهي: تسمى ليلة القادسية من تلك الأيام، والناس حيارى ولم يغمضو ليلتهم كلها، وحَرّض رؤساء القبائل عشائرهم، واشتد الجلاد إلى أن جاء وقت الزوال، فكان أول منَ زال حين قام قائم الظهيرة الهرمزان والنيرمران، فتأخرا، وثبتا حيث أنتهيا، وانفرج القلب حين قام قاف الظهيرة، وهبت ريح عاصف فقطعت طيارة رستم عن سريره، فهوت في نهر العتيق والريح دَبُور، فمال الغبار عليهم وانتهى القعقاع وأصحابه إلي سرير رستم فعثروا به وقد قام رستم عنه حين طارت الريح بالطيارة إلى بغال قد قدمت عليهم بمال يومئذ فهي واقفة فاستظل في ظل بغل منها وحمله وضرب هلال بن علقمة الحمل الذي رستم في ظله فقطع حباله، ووقع على رستم أحد العِدْالَيْنِ ولا يراه هلالى ولا يشعر به، فأزال من ظهم فقارة وضربه هلال ضربة فنفخت مسكاً، ومضى رستم إلى نحو نهر العتيق فرمى بنفسه فيه، واقتحم هلال عليه فتناوله برجله، ثم خرج به إلى الخندق وضربه بالسيف حتى قتله، ثم جاء به يجره حتى رماه بين أرجل البغال وصعد السرير ونادى: قتلت رستم ورب الكعبة، إليَّ إليَّ، فطاف به الناس لا يحسون السرير ولا يرونه، وتنادوا، وتجبنت قلوب المشركين عندها وانهزموا وأخذهم السيف، فمن غريق وقتيل، وقد كان ثلاثون ألفاً منهم قَرَنُوا أنفسهم بعضهم إلى بعض بالسلاسل والحبال وتحالفوا بالنور وبيوت النيران لا يبرحون حتى يقتحموا أو يقتلوا، فجثوا على الركب، وقرع بين أيديهم قناديل النشاب، فقتل القوم جميعاً.
وقد تنوزع فيمن قتل رستم: فذهب الأكثر إلى أن قاتله هلال بن علقمة من تَيْم الرباب على ما قدمنا، ومنهم من رأى أن قاتله رجل من بني أسد، ولذلك يقول شاعرهم في ذلك اليوم - وهو عمرو بن شاس الأسدي - من أبيات:
جلبنا الخيل من أكنافِ نيقِ ... إلى كسرى فوافقهارعالا
تركن بهم على الأقْسَام شَجْواً ... وبِالحقوَيْنِ أيامَا طوالا
قتلنا رستما ًو بنيه قَسْراً ... تثير الخيلُ فوقهم الهيال
تركنا منهمُ حيث التقينا ... قياماً لا يريدون ارتحالا
وأخذ ضرار بن الخطاب في ذلك اليوم من فارس الرايه العظمى المقدم ذكرها أنها من جلود النمور المعروفة بمرفش كاويان، وكانت مرصَّعة بالياقوت واللؤلؤ وأنواع الجواهر، فعُوِّض منها بثلاثين ألفاً، وكانت قيمتها الفى ألف ومائتي ألف، وقتل في ذلك اليوم حول هذه الراية - غير ما ذكرنا من المقرنين وغيرهم - عشرةُ آلافٍ.
تحديد تاريخ القادسية
(1/298)

وقد تنازع الناس - ممن سلف وخلف في عام القادسية والعذيب فذهب كثير من الناس إلى أن ذلك كان في سنة ست عشرة، وهذا قول الواقدي عن آخرين من الناس، ومنهم من ذهب إلى أن ذلك كانفيسنة خمس عشرة، ومنهم من رأى أنه كان في سنة أربع عشرة، والذي قطع عليه محمد بن إسحاق أنها كانت في سنة خمس عشرة، وقال: في سنة أربع عشرة أمر عمر بن الخطاب بالقيام في شهر رمضان لصلاة التراويح والذين ذهبوا إلى أن وقعة القادسية كانت في سنة أربع عشرة احتجوا بهذ الرواية، وكتب عمر إلى الأمصار بإقامة صلاة التراويح، وذهب كثير من الناس منهم المدائني وغيره أن عمر أنفذ عتبة بن غَزْوَانَ في سنة أربع عشرة إلى البصرة فنزلها وَمَصَّرَها، وذهب كثير من الناس أنها مُصِّر تفير بيع سنة ست عشرة، وأن عتبة بن غَزْوَانَ إنما خرج إليها من المدائن بعد فراغ سعد بن أبي وقاص من حرب جَلُولاَء وتكريت، وأن عتبة قدم البصيره وهي يومئذ تدعى أرض الهند وفيها حجارة بيض فنزل موضع الْخُرَيْبَة ومصر سعد بن أبي وقاص الكوفة في سنة خمس عشرة، ودلهم على موضعها ابن نفيلة الغساني، وقال لسعد: أدلك على أرض ارتفعت ع البر وانحدرت عن الفَلاة، فدلَه على موضع الكوفة اليوم.
أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة
قال المسعودي: وكان عمر لا يترك أحداً من العجم يدخلِ المدينة فكتب إليه المغيرة بن شعبة: إن عندي غلاماً نقاشاً نجاراَ حداداَ فيه منافع لأهل المدينة، فإن رأيت أن تأذن لي في الإِرسال به فعلت، فأذن له، وقد كان المغيرة جعل عليه كل يوم درهمين، وكان يدعى أبا لؤلؤة، وكان مجوسياً من أهل نهاوند، فلبث ما شاء الله، ثم أتى عمر يشكو إليه ثقل خراجه، فقال له عمر: وما تحسن من الأعمال؟ قال: نقاش نجار حداد، فقال له عمر: ما خَرَاجُكَ بكثير في كنه ما تحسن من الأعمال، فمضى عنه وهو يتذمر، قال: ثم مر بعمر يوماً آخر وهو قاعد، فقال له عمر: ألم احَدَّث عنك أنك تقول: لو شئت أن أصنع رَحا تطحن بالريح لفعلت، فقال أبو لؤلؤة: لأصْنَعَنَّ لك رَحَا يتحدث الناس بها، ومضى أبو لؤلؤة، فقال عمر: أما العلج فقد توعَّدَنِي انفاً، فلما أزمَعَ بالذي أوعد به أخذ خِنْجراً فاشتمل عليه ثم قعد لعمر في زاوية من زوايا المسجد في الغَلَس، وكان عمر يخرج في السحر فيوقظ الناس للصلاة، فمر به، فثار إليه فطعنه ثلاث طعنات إحداهن تحت سرته وهي التي قتلته، وطعن اثني عشر رجلاً من أهل المسجد فمات منهم ستة وبقي ستة، ونحر نفسه بخنجره فمات، فدخل عليه ابنه عبد اللّه بن عمر وهو يجود بنفسه، فقال له: يا أمير المؤمنين، استخلف على أمة محمد؛ فإنه لو جاءك راعي إبلك أو غنمك وترك إبله أو غنمه لا راعي لها لَلُمْتَهُ وقلت له: كيف تركت أمانتك ضائعة؟ فكيف يا أمير المؤمنين بآمة محمد؟ فاستخلف عليهم، فقال: إن أستخلف عليهم فقد استخلف عليهم أبو بكر، وإن أتركهم فقد تركهم رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم، فيئس منه عبد اللهّ حين سمع ذلك منه.
وكان إسلام عمر قبل الهجرة بأربع سنين وكان يخضب بالحناء والكتم.
أولاد عمر
وكان له من الولد: عبد اللّه، وحفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وعاصم، وعبيد اللّه، وزيد، من أًم، وعبد الرحمن، وفاطمة، وبنات آخر، وعبد الرحمن الأصغر - وهو المحدود في الشراب، وهو المعروف بأبي شحمة - من ام.
عمر وابن عباس
(1/299)

وذكر عبد اللّه بن عباس أن عمر أرسل إليه فقال: يا ابن عباس، إن عامل حمص هلك، وكان من أهل الخير، وأهل الخير قليل، وقد رجوت أن تكون منهم، وفي نفسي منك شيء لم أره منك، وأعياني ذلك، فما رأيك في العمل؟ قال: لن أعمل حتى تخبرني بالذي في نفسك، قال: وما تريد إلى ذلك؟ قال: أريده، فإن كان شيء أخاف منه على نفسي خشيتُ منه عليها الذي خشيتَ، وإن كنتُ بريئاً من مثله علمت أني لست من أهله، فقبلت عملك هنالك، فإني قلما رأيتك طلبت شيئاً إلا عاجلته، فقال: يا ابن عباس، إني خشيت أن يأتىِ عليِّ الذي هو اتٍ وأنت في عملك فتقول: هلم إلينا، ولا هلم إليكم دون غيركم، إني رأيت رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم استعمل الناس وترككم، قال: واللهّ قد رأيت من ذلك، فلم تراه فعل ذلك؟ قال: واللّه ما أدري أضَنَّ بكم عن العمل فأهل ذلك أنتم، أم خشي أن تبايعوا بمنزلتكم منه فيقع العتاب، ولا بد من عتاب، وقد فرغت لك من ذلك، فما رأيك؟ قال: قلت: أرى أن لا أعمل لك، قال: ولم؟ قلت: إن عملت لك وفي نفسك ما فيها لم أبرح قذًى في عينك، قال: فأشر عليَّ، قلت: إني أرى أن تستعمل صحيحاً منك صحيحاً لك.
عمر يستعمل النعمان بن مقرن غازيَاَ لنهاوند
وذكر علقمة بن عبد اللهّ المزني، عن معقل بن يَسَار، أن عمر بن الخطاب شاور الهرمزان في فارس وإصبهان وأذربيجان، فقال له: أصبهان الرأس، وفارس وأذربيجان الجناحان، فإن قطعتَ أحد الجناحين ناء الرأس بالجناح الأخر، وإن قطْعتَ الرأس وقع الجناحان، فأبدا بالرأس، فدخل المسجد فإذا هو بالنعمان بن فقَرِّن يصلي، فقعد إلى جنبه، فلما قضى صلاته قال: ما أراني إلا مستعملك، قال: أما جابياً فلا، ولكن غازيا، قال: فإنك غازٍ، فوجَّهه وكتب إلى أهل الكوفة أن يمدُوه، وبعث معه الزبير بن العوام، وعمرو بن معد يكرب، وحذيفة، وابن عمرو، والأشعث بن قيس، فأرسل النعمان المغيرة بن شعبة إلى ملكهم، وهو يقال له ذو الجناحين، فقطع إليهم نهرهم، فقيل لذي الجناحين: إن رسول العرب هاهنا، فشاور أصحابه، فقال: ما ترون؟ فقالوا: اقعد له في بهجة الملك أو أقعد له في هيئة الحرب، فقال: بل أقعد له في بهجة الملك، فصعد على سريره ووضع التاج على رأسه وأقعد أبناء الملوك سماطين عليهم الأقراط وأسْوِرَةُ الذهب والديباج، وأذن للمغيرة، فأخذ بضبعيه رجلان ومعه سيفه ورمحه قال: فجعل المغيرة يطعن برمحه في بُسُطِهم يخرقها لينظروا فيغضبهم بذلك حتى قام بين يديه وجعل يكلمه والترجمان يترجم بينهما. فقال: إنكم معشر العرب أصابكم جهد، فإن شئتم مِرْنَاكم ورجعتم، فتكلم المغيرة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنا معشر العرب كنا أذلّةً يطؤنا الناس ولا نطؤهم، ونأكل الكلاب والجيف، ثم إن اللّه تعالى بعث منا نبياً في شرف منا أوسطنا حسباً وأصدقنا حديثاً، وبعث النبي صلى الله عليه وسلم ببعثه، وأخبرنا بأشياء وجدناها كما قال لنا، وإنه وعدنا فيما وعدنا به أنا سنملك ما هاهنا ونغلب عليه، وإني أرى هاهنا هيئة وبزة ما مَنْ خَلْفِي بتاركها حتى يصيبوها أو يموتوا، فقالت لي نفسي: لوجمعت جَزَامِيزَكَ ووثَبْتَ فقعدت مع العلج على سريره حتى يتطير، قال: فوثبت وثبة فإذا أنا معه على سريره، فجعلوا يلكزونني بأرجلهم ويجذبونني بأيديهم. فقلت لهم: إنا لا نفعل برُسُلكم، وإن كنت قد فجرت واستخففت فلا تؤاخنوني، فإن الرسل لا يصنع بها هكذا، فقال الملك:
(1/300)

إن شئتم قطعنا إليكم وإن شئتم قطعتم إلينا، قلت: بل نقطع إليكم، فقطعنا إليهم، قال: فتسللوا كل خمسة وستة حتى لا يفروا. فدنوا إليهم فضايقناهم، فرشقونا حتىَ أشرعوا فينا، فقال المغيرة للنعمان: إنه قد أشرع في الناس وقد جرحوا، فلو حملت، فقال النعمان: إنك لذو مناقب، وقد شهدْتَ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم القتال، وكان إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تزول الشمس وتهب الرياح وينزل النصر، ثم قال: إنى هاز لوائي ثلاث. مرات، فأما أول هزة فليقض الرجل حاجته وليتوضأ، وأما الثانية فلينظر الرجل إلى شِسْمعِه وليلزم سلاحه، فإذا هززت الثالثة فاحملوا ولا يلويَنَّ أحد على أحد، وإن قتل النعمان، وإني داع إلى الله بدعوة، وأقسمت على كل أمرىء منكم لما أمَّنَ عليها، وقال: اللهم ارزق النعمان اليوم شهادة في نصر وفتح عليهم. فأمن القوم فهز لواءه ثلاثاً، ثم أدنى درعه وحمل ثم حمل الناس فكان أول صريع، قال معقل: فأتيت عليه فذكرت عزيمته ألا أقف عليه، وأعلمت غلمانه لأعرف مكانه، وأمْعَنَا القتل فيهم، ووقع ذو الجناحين عن بغلة له شهباء فانشق بطنه، وفتح الله على المسلمين، فأتيت إلى مكان النعمان فصادفته وبه رَمَق، فأتيته بإداوة فغسلت وجهه، فقال: مَنْ هذا؟ قلت: معقل ابن يَسَار، قال ما فعل الله بالناس؟ قلت: فتح الله عليهم، قال: الحمد الله كثيراً اكتبوا بذلك إلى عمر، وفاضت نفسه، واجتمع الناس إلى الأشعث بن قيس، وأرسلوا إلى أم ولده: هل عهد إليك النعمان عهداً له أم عندك كتاب؟قالت: بل سفط فيه كتاب، فأخرجوه فإذا فيه: إذا قتل النعمان ففلان وإن قتل فلان ففلان، وإن قتل فلان ففلان، فامتثلوا، وفتح الله على المسلمين فتحاً عظيمأ.
شهداء نهاوند
قال المسعودي رحمه اللّه: وهذه وقعة نهاوند، وقد كان للأعاجم فيها جمع كثير وقتل هنالك خلق كثير: منهم النعمان بن مقرن، وعمرو بن معد يكرب، وغيرهما، وقبورهم إلىِ هذا الوقت بينة معروفة على نحو فرسخ من نهاوند فيما بينها وبين الدِّينوَرِ وقد أتينا على وصف هذه الواقعة فيما سلف من كتبنا.
عمر يسأل عمرو بن معد يكرب عن قبائل من العرب
(1/301)

وذكر أبو مخنف لوط بن يحيى قال: لما قدم عمرو بن معد يكرب من الكوفة على عمر سأله عن سعد بن أبي وَقَّاص، فقال فيه ما قال من الثناء، ثم سأله عن السلاح، فأخبره بما علم، ثم سأله عن قومه، فقال له: أخبرني عن قومك مَذْحِج ودع طيئاً قال: سلني عن أيهم شئت، قال: أخبرني عن علة بن جلد، قال: هم فرسان أغراضنا، وشُفَاة أمراضنا، وهم أعتقنا، وأنجبنا، وأسرعنا طلباً، وأقلنا هرباً، وهم أهل السلاح والسماِح والرماح، قال عمر: فما أبقيت لسعد العشيرة؟ قال: هم أعظمنا خميساَ، وأسخانا نفوساً، وخير نارنا رئيساً، قال: فما أبقيت لمراد؟ قال: هم أوسعنا داراً، وخيرنا جاراً، وأبعدنا آثاراً، وهم الأتقياء البررة، والساعون الفَخَرة، قال: فأخبرني عن بني زَبِيد، قال: أنا عليهم ضنين، ولو سألت الناس عنهم لقالوا هم الرأس والناس الأذناب، قال: فأخبرني عن طيء، قال: خصوا بالجود، وهم جمرة العرب، قال: فما تقول في عبس؟ قال: حجم عظيم، وزبن أثير، قال: أخبرني عن حِمْيَر، قال: رَعَوُا العفو، وشربوا الصَّفْوَ، قال: فأخبرني عن كِنْدَةَ، قال: ساسوا العباد، وتمكنوا من البلاد. قال: فأخبرني عن هَمْدَان. قال: أبناء الليل، وأهل النيل، يمنعون الجار، ويوفون النِّمَار ويطلبون الثار قال: فأخبرني عن الأزد. قال: هم أقدمنا ميلاداً. وأوسعنا بلاداً، قال: فأخبرني عن الحارث بن كعب، قال: هم الحسكة المسكة، تلقى المنايا أطراف رماحهم. قال: فأخبرني عن لخم. قال: أخرنا مُلْكاً، وأولنا هلكاً، قال: فأخبرني عن جُذَام. قال: أولئك كالعجوز الغبراء، وهم أهل مقال وفعال، قال: فأخبرني عن غسان. قال: أرباب في الجاهلية نجوم في الإِسلام، قال: فأخبرني عن الأوس والخزرج. قال هم الأنصار وهم أعزنا داراً، وأمنعنا ذماراً، وقد كفانا الله مدحهم إذا يقول: " والذين تبوؤا الدار والأيمان " الآية - قال: فأخبرني عن خُزَاعة. قال: أولئك مع كنانة لنا نسبهم، وبهم نصرنا. قال: فأي العرب أبغض من مَذْحِج، وأما من سعد فعدي من فَزَارة، ومرة من ذبيان، وكلاب من عامر، وشيبان من بكر بن وائل. ثم لوجُلْتُ بفرسي على مياه معد ما خفت هيج أحد ما لم يَلْقَنِي حُراها وعَبْداها. قال: ومن حُرَّاها وَمَنْ عبداها؟ قال: أما حراهأ فعامر بن الطفَيل وعُيَيْنة بن الحارث بن شهاب التميمي، وأما عبداها فعنترة العبسي وسُلَيك المقانب.
ويسأله عن الحرب
ثم سأله عن الحرب فقال: سألت عنها خبيراً، هي واللّه يا أمير المؤمنين مرة المذاق، إذا شَمًرت عن ساق، من صبر فيها ظفر، ومن ضعف فيها هلك، ولقد أحسن واصفها فأجاد:
الحرب أولَ ماتكون فتية ... تبدو بزينتها لكل جهول
حتى إذا حميت وشَبَّ ضِرَ أمه ا ... عادت عجوزاً غير ذات حليل
شمطاء جُزَّتْ رأسها وتنكرت ... مكروهة للثم والتقبيل
ثم سأله عن السلاح، فأخبره بما عرف حتى بلغ السيف، قال: هنالك قارعتك أمك عن ثكلها، فعَلاه عمر الدرة، وقال: بل أمك قارعتك عن ثكفها، والله إني لأهم أن أقطع لسانك، فقال عمرو: الحُمَّى أضرعتني لك اليوم، وخرج من عنده وهو يقول:
أتوعدني كأنك ذو رُعَيْن ... بأنعم عيشة أو ذونُوَاس
فكم قد كان قبلك من مليك ... عظيم ظاهرم الجبروت قاس
فأصبح أهله بادوا، وأمسى ... ينقَّلُ من أناس في أناس
فل ايغررك ملكك، كلُّ ملك ... يصير مذلة بعد الشِّمَاسَ
قال: فاعتذر عمر إليه، وقال: ما فعلت ما فعلته إلا لتعلم أن الإِسلام أفضل وأعز من الجاهلية، وفضله على الوفد.
عمرو يحدث عمر عن فراره ذات مرة
(1/302)

وقد كان عمر آنس عمراً بعد ذلك، وأقبل يسأله ويذاكره الحروب وأخبارها في الجاهلية، فقال له عمر: يا عمرو، هل انصرفت عن فارس قط في الجاهلية هيبة له؛ قال: نعم، واللّه ما كنت أستحل الكذب فيِ الجاهلية فكيف أستحله في الإسلام؟ لأحدثنك حديثاً لم أحدث به أحداَ قبلك، خرجت في جريدة خيل لبني زبيد أريد الغارة، فأتينا قوماً سراة؟ فقال عمر: وكيف عرفت أنهم سراة؛ قال: رأيت مزاود وقدوراً مُكْفَأة وقباب حمراً ونَعَمَاً كثيراً وشاء، قال عمرو: فأهويت إلى أعظمها قبة بعدما حوينا السبي، وكان متبدداً من البيوت، وإذا امرأة بادية الجمال على فرش لها، فلما نظرت إلي وإلى الخيل استعبرت، فقلت: ما يبكيك؟ قالت: واللّه ما أبكي على نفسى، ولكني أبكي حسداً لبنات عمي يَسْلَمن وأبتلي أنا من بينهن، فظننت واللّه أنها صادقة، فقلت لها: وأين هُنَ؛ قالت: في هذا الوادي، فقلت لأصحابي: لا تُحْدِثوا شيئاً حتى آتيكم، ثم همزت فرسي حتى علوت كثيباً، فإذا أنا بغلام أصهب الشعر أهذب أقنى أقَبَّ يخصف نعاله وسيفه بين يديه وفرسه عنده، فلما نظر إليَّ رَمى النعل من يده ثم أحْضَرَ غير مكترث، فأخذ سلاحه وأشرف على ثنية، فلما نظر إلى الخيل محيطة ببيته ركب ثم أقبل نحوي وهو يقول:
أقول لما مَنَحَتْني فاها ... وألبستني بكرة رداها
إني سأحوي اليوم مَنْ حواها ... فليت شعري اليوم مَنْ دهاها
فحملت عليه وأنا أقول:
عمرو على طول الردى دَهَاها ... بالخيل يبقيها على وجاها
حتى إذا حَلَّ بها حَوَاهَا
ثم حملمت عليه بالفرس فإذا هو أروغ من هر، فراغ عني، ثم حمل علي فضربني بسيفه ضربة جرحتني، فلما أفقت من ضربته حملت عليه، فراغ واللّه، ثم حمل علي، تها صرعني، ثم استاق ما في أيدينا، ثم استويت على فرسي، فلما رأني أقبل وهو يقول:
أنا عبيد اللّه محمود الشيم ... وخير مَنْ يمْشِي بساق وقدم
عدوه يفديه من كل السَّقَم
فحملت عليه وأنا أقول:
أنا ابن في التقليد في الشهر الأصم ... أنا ابن في الإكليل قَتَّالُ البهم
من يلقني يودي كما أودت أرم ... أتركه لحما على ظهر وَضم
فراغ واللهّ عني، ثم حمل علي فضربني ضربة أخرى، ثم صرخة صرخة، ورأيت الموت واللّه يا أمير المؤمنين ليس دونه شيء، وخِفْته خوفاً لم أخف قط أحداً مثله، وقلت له: من أنت ثكلتك أمك؟؟ فو اللهّ ما أجترأ عليَّ أحد قط إلا عامر بن الطفيل لإِعجابه بنفسه، وعمرو بن كلثوم لسِنِّهِ وتجربته فمن أنت؟ قال: بل مَنْ أنت؟ خبرني وإلّاَ قتلتك، قلت: أنا عمرو بن معد يكرب، قال: وأنا ربيعه بن مُكدَم، قلت: أختر مني إحدى ثلاث خصال: إن شئت اجتلدنا بسيفينا حتى يموت الأعْجَزُ منا، وإن شئت اصطرعنا، وإن شئت السِّلْم، وأنت يا ابن أخي حَدَثٌ وبقومك إليك حاجة، قال: بل هي إليك، فاختر لنفسك، واخترت السلم، ثم قال انزل عن فرسك، قلت: يا ابن أخي قد جرحتني جراحتين ولا نزول لي فواللّه ما كَفَّ عني حتى نزلت عن فرسي، فأخذ بعنانه، ثم أخذ بيدي في يده وانصرفنا إلى الحي وأنا أجرر رجلي، حتى طلعت علينا الخيل فلما رأوني همزوا خيولهم إلي فناديتهم: إليكم وأرادوا ربيعه، فمضى والله كأنه ليث حتى شَقّهم، ثم أقبل علي فقال: يا عمرو، لعل أصحابك يريدون غير الذي تريد، فصمَتَ واللهّ القومُ ما فيهم أحد ينطق، وأعظم ما رأوا منه، فقلت: يا ربيعه بن مُكَدَّم لا يريدون إلا خيراً، وإنما سمت ليعرفه القوم، فقال لهم: ما تريدون؟ فقالوا: وما تريد؟ قد جرحت فارسَ العربِ، وأخذت سيفه وفرسه، ومضى ومضينا معه، حتى نزل، فقامت إليه صاحبته وهي ضاحكة تمسح وجهه، ثم أمر بإبل فنحرت، وضُرِبت علينا قباب، فلما أمسينا جاءت الرعاء ومعهم أفراس لربيعه لم أرى مثلها قط فلما رأى نظري إليها قال: كيف ترى هذه الخيول؟ قلت: لم أرى مثلها قط، قال: أما لو كان عندي بعضها ما لبثت في الدنيا إلا قليلأ، فضحكتُ وما ينطق أحد من أصحابي، فأقمنا عنده يومين ثم انصرفنا.
عمرو بن معد يكرب يغير على بني كنانة
(1/303)

قال: وقد كان عمرو بن معد يكرب بعد ذلك بزمان أغار على كنانة في صناديد قومه، فأخذ غنائمهم، وأخذ امرأة ربيعه بن مُكَدَّم، فبلغ ذلك ربيعه - وكان غير بعيد - فركب في الطلب على فرس عُرْي ومعه رمح بلا سنان حتى لحقه، فلما نظر إليه قال: خَلِّ عن الظعينة وما معك فلم يلتفت إليه، ثم أعاد عليه، فلم يلتفت إليه، فقال: يا عمرو، إما أن تقف لي وإما أن أقف لك فوقف عمرو، وقال: لقد أنصف القَارَةَ من راماها، قف لي يا ابن أخي، فوقف له ربيعه، فحمل عمرو وهو يقول:
أنا أبو ثَوْرٍ ووقاف الزلق ... لست بمأفون ولا فيَّ خُرُقْ
وأسد القوم إذا أحمر الحَدَقْ ... إذا الرجال عَضَّهم نابُ الفرق
وجدتني بِالسيف هَتَّاكَ الحلق
حتى إذا ظنَّ أنه خالطه السنان إذا هو لَبَبٌ لفرسه، ومَرَّ السنان على ظهر الفرس، ثم وقف له عمرو، فحمل عليه ربيعه وهو يقول:
أنا الغلام ابن الكناني لا بذخ ... كم مِنْ هِزَبْرٍ قد رأني فانشدخ
فقرع بالرمح رأسه، ثم قال: خذها إليك يا عمرو، ولولا أني أكره قتل مثلك لقتلتك، فقال عمرو: لا ينصرف إلا أحَدُنَا، فقف لي، فحمل عليه حتى إذا ظن أنه خالطه السنان إذا هو حِزَام لفرسه ومر السنان على ظهر الفرس ثم حمل عليه ربيعه فقرع بالرمح رأسه أيضاً، وقال: خذها إليك يا عمرو ثانية، وإنما العفو مرتان، وصاحت به امرأته: السنان لله درك، فأخرج سناناً من سِنْخ إزاره كأنه شعلة نارٍ، فركبه على رمحه، فلما نظر إليه عمرو، وذكر طعنته بلا سنان قال له عمرو: يا ربيعه خذ الغنيمة، قال: دَعْهَا وانْجُ، فقالت بنو زبيد: أنترك غنيمتنا لهذا الغلام؟ فقال لهم عمرو: يا بني زبيد، واللّه لقد رأيت الموت الأحمر في سنانه، وسمعت صرِيره في تركيبه، فقالت بنو زبيد: لا يتحدث العربُ أن قوماً من بني زبيد فيهم عمرو بن معد يكرب تركوا غنيمتهم لمثل هذا الغلام، قال عمرو: إنه لا طاقة لكم به، وما رأيت مثله قط، فانصرفوا عنه، وأخذ ربيعه امرأته والغنيمة وعاد إلى قومه.
قال المسعودي رحمه الله تعالى: ولعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أخبار كثيرة في أسفاره في الجاهلية إلى الشام والعراق مع كثير من ملوك العرب والعجم، وسير في الإسلام، وأخبار وسياسات حسان، وما كان في أي أمه من الكوائن والأحداث وفتوح مصر والشام والعراق وغيرها من الأمصار، قد أتينا على مبسوطها في كتابنا أخبار الزمان والكتاب الأوسط، وإنما نذكر في هذا الكتاب لمعاً مما لم نذكره فيما سلف من كتبنا، وباللّه التوفيق.
ذكر خلافة عثمان بن عفان
رضي اللّه تعالى عنه
بويع عثمان يوم الجمعة غرة المحرم لليلة بقيت من في الحجة سنة ثلاث وعشرين وقتل لاثنتي عشرة ليلة مضت من في الحجة سنة خمس وثلاثين، وقيل غير ذلك مما سنورده بعد هذا الموضع إلا أنه في في الحجة؛فجميع ما ولي اثنتا عشرة سنة إلا ثمانية أيام، وقتل وهو ابن اثنتين وثمانين سنة، ودفن بالمدينة بموضع يعرف بحش كوكب وكانت خلافته رضي اللّه تعالى عنه اثنتي عشرة سنة إلا ثمانية أيام.
ذكر نسبه ولمع من أخباره وسيره
نسبه وأولاده
هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، ويكنى بأبي عبد اللهّ وأبي عمرو، والأغلب منهما أبو عبد اللهّ، و أمه أرْوَى بنت كريز بن جابر بن حبيب بن عبد شمس، وكان له من الولد: عبد اللهّ الأكبر، وعبد اللهّ الأصغر، أمه ما رقية بنت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأبان، وخالد، وسعيد، والوليد، والمغيرة، وعبد الملك، وأم أبان، وأم سعيد، وأم عمرو، وعائشة، وكان عبد اللهّ الأكبر يلقب بالمطرف لجماله وحسنه. وكان كثير التزوج، كثير الطلاق، وكان أبان أبْرَصَ أحْوَلَ، قد حمل عنه أصحابُ الحديث عدة من السنن، وولي لبني مروان مكة وغيرها. وكان سعيد أحْوَلَ بخيلاً. وقتل في زمن معاوية وكان الوليد صاحب شراب وفتوة ومُجُون. وقتل أبوه وهو مخلَّقُ الوجه سكران عليه مُصَبَّغات واسعة. وبلغ عبد اللّه الأصغر من السن ستاً وسبعين عاماً. فنقره ديك في عينه، فكان ذلك سبب موته، وعبد الملك مات صغيراً ولا عقب له.
صفاته
(1/304)

وكان عثمان في نهاية الجود والكرم والسماحة والبذل في القريب والبعيد. فسلك عمالُه وكثير من أهل عصره طريقته، وتأسَّوْا به في فعله. وبنى فيداره في المدينة وشيدها بالحجر والكِلْس، وجعل أبوابها من الساج والعَرْعَر واقتنى أموالاً وجناناً وعيوناً بالمدينة.
ثروته
وذكر عبد الله بن عتبة أن عثمان يوم قتل كان له عند خازنه من المال خمسون ومائة ألف دينار وألف ألف درهم، وقيمة ضياعه بوادي القُرَى وحُنَيْن وغيرهما مائة ألف دينار، وخلف خَيْلاً كثيراً وإبلاً.
ثروة الزبير بن العوام
وفي أيام عثمان اقتنى جماعة من الصحابة الضِّيَاعَ والحور: منهم الزبير بن العوام، بنى داره بالبصرة، وهي الكوفة في هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - نزلها التجار وأرباب الأموال وأصحاب الجهاز من البحريين وغيرهم، وابتنى أيضاً دوراًً بمصر والكوفة والإسكندرية، وما ذكرنا من دوره وضياعه فمعلوم غير مجهول إلى هذه الغاية.
وبلغ مال الزبير بعد وفاته خمسين ألف دينار، وخلف الزبير ألف فرس، وألف عبد وأمة، وخططاً بحيث ذكرنا من الأمصار.
ثروة طلحة بن عبيد اللّه
وكذلك طلحة بن عبيد اللّه التيمي: ابتنى داره بالكوفة المشهورة به هذا الوقت، المعروفة بالكُنَاسة بدار الطلحيين، وكان غلته من العراق كل يوم ألف دينار، وقيل أكثر من ذلك، وبناحية الشراة أكثر مما ذكرنا، وشيد داره بالمدينة وبناها بالآجرِّ والجِصِّ والساج.
ثروة عبد الرحمن بن عوف
وكذلك عبد الرحمن بن عوف الزهري: ابتنى داره ووسعها، وكان على مربطه مائة فرس، وله ألف بعير، وعشرة آلاف شاة من الغنم، وبلغ بعد وفاته رُبُعُ ثمنِ مالِهِ أربعةً وثمانين ألفاً.
ثروة قوم من الصحابة
وابتنى سعد بن أبي وقاص داره بالعقيق، فرفع سمكها، ووسع فضاءها، وجعل أعلاها شُرُفَاتِ.
وقد ذكر سعيد بن المسيب أن زيد بن ثابت حين مات خلف الذهب والفضة ما كان يكسر بالفؤوس، غير ما خلف من الأموال والضياع بقيمة مائة ألف دينار.
وابتنى المقداد داره بالمدينة في الموضع المعروف بالجرف على أميال من المدينة وجعل أعلاها شرفات، وجعلها مجصَّصة الظاهر والباطن.
ومات يعلى بن منية، وخلف خمسمائة ألف دينار، وديوناً علم الناس، وعقارات، وغير ذلك من التركة ما قيمته ثلاثمائة ألف دينار.
وهذا باب يتسع ذكره ويكثر وصفه، فيمن تملك من الأموال في أيأمه ، ولم يكن مثل ذلك في عصر عمر بن الخطاب، بل كانت جادة واضحة وطريقة بينة.
وحج عمر فأنفق في ذهابه ومجيئه إلى المدينة ستة عشر ديناراً، وقال لولده عبد اللّه: لقد أسرفنا في نفقتنا في سفرنا هذا.
ولقد شكا الناس أميرهم بالكوفة سعد بن أبي وقاص - وذلك في سنة إحدى وعشرين - فبعث عمر محمد بن مسلمة الأنصاري حليف بني عبد الأشهل، فحرق عليه باب قصر الكوفة، وعرضه في مساجد الكوفة يسألهم عنه؛فحمده بعضهم، وشكاه بعض، فعزله وبعث إلى الكوفة عمار بن ياسر على الثغر، وعثمان بن حُنَيْف على الخراج، وعبد اللّه بن مسعود على بيت المال، وأمره أن يعلم الناس القرآن ويفقههم في الدين وفرض لهم في كل يوم شاة، فجعل شطرها وسواقطها لعمار بن ياسر والشطر الأخر بين عبد اللّه بن مسعود وعثمان بن حنيف، فأين عُمر ممم ذكرنا؛ وأين هو عما وصفنا؟.
عمال عثمان
وقدم على عثمان عمه الحكم بن أبي العاص وابنه مروان وغيرهما من بني أمية - والحكم هو طريد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الذي غَرَّبه عن المدينة، ونفاه عن جواره - وكان عماله جماعة منهم الوليد بن عقبة بن أبي مُعَيْط على الكوفة، وهو ممن أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه من أهل النار، وعبد اللهّ بن أبي سَرْح على مصر، ومعاوية بن أبي سفيان على الشام، وعبد اللهّ بن عامر على البصرة، وصَرَفَ عن الكوفة الوليد بن عُقْبة، وولاها سعيد بن العاص.
الوليد بن عقبة
(1/305)

وكان السبب في صرف الوليد بن عقبة وولاية سعيد - على ما روي - أن الوليد بن عقبة كان يشرب مع ندمائه ومغنيه من أول الليل إلى الصباح، فلما آذنه المؤذنون بالصلاة خرج متفضِّلا في غَلائله، فتقدَّمَ إلى المحراب في صلاة الصبح، فصلى بهم أربعاً، وقال: أتريحون أن أزيدكم؟ وقيل: إنه قال في سجوده وقد أطال: أشرب واسقني، فقال له بعض من كان خلفه في الصف الأول: ما تزيد لازادك اللّه من الخير. واللهّ لا اعجب إلا ممن بعثك إلينا والياً وعلينا أميراً، وكان هذا القائل عتاب بن غيلان الثقفي.
وخطب الناس الوليد فحصبه الناس بحصباء المسجد، فدخل قصره يترنح، ويتمثل بأبيات لتأبط شَرّاً:
ولست بعيداً عن مدام وقَيْنة ... ولا بصفا صلد عن الخير معزل
ولكنني أروي من الخمر هامتي ... وأمشي المَلاَ بالساحب المتسلسل
وفي ذلك يقول الحطيئة:
شهد الحطيئة يوم يلقى ربه ... أن الوليد أحَقُّ بالعذر
نادى وقد تَفَتْ صلاتهم ... أ أزيدكم؟ ثَمِلاً وما يدريً
ليزيدهم أخرى، ولو قبلوا ... لقرنت بين الشفع والوتر
حبسوا عنانك في الصلاة، ولو ... خَلَّوْا عنانك لم تزل تجري
وأشاعوا بالكوفة فعله، وظهر فسقه ومداومته على شرب الخمر، فهجم عليه جماعة من المسجد منهم أبو زينب بن عوف الأزدى وجندب زهير الأزدي وغيرهما، فوجدوه سكران مضطجعاً على سريره لا يعقل، فأيقظوه من رقدته، فلم يستيقظ، ثم تقايأ عليهم ما شرب من الخمر، فانتزعوا خاتمه من يده وخرجوا من فوْرِهم إلى المدينة، فأتوا عثمان بن عفان، فشهدوا عنده على الوليد أنه شرب الخمر، فاقال عثمان: وما يريكما أنه شرب خمرا؟ فقالا: هي الخمر التي كنا نشربها في الجاهلية، وأخرجا خاتمه فدفعاه إليه، فزجَرَهما ودفع في صدروهما، وقال: تنحَّيَا عني، فخرجا من عنده وأتيا علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه وأخبراه بالقصة، فأتى عثمان وهو يقول: دفعت الشهود، وأبطلت الحدود، فقال له عثمان: فما ترى؟ قال: أرى أن تبعث إلى صاحبك فتحضره فإن أقاما الشهادة عليه في وجهه ولم يدْرَأ عن نفسا بحجة أقمت عليه الحد، فلما حضر الوليد دعاهما عثمان: فأقاما الشهادة عليه ولم يُدل بحجة فألقى عثمان السوط إلى علي، فقال علي لابنه الحسن: قم يا بني فأقم عليه ما أوجب الله عليه، فقال: يكفينيه بعض من ترى، فلما نظر إلى امتناع الجماعة عن إقامة الحد عليه تَوَقِّياً لغضب عثمان لقرابته منه أخذ علي السوط ودنا منه، فلما أقبل نحوه سبه الوليد، وقال: يا صاحب مكس، فقال عقيل بن أبي طالب وكان ممن حضر: إنك لتتكلم يا ابن أبي مُعَيْط كأنك لا تحري من أنت، وأنت علج من أهل صَفّورية - وهي قرية بين عكاء واللَّجُون، من أعمال الأردن، من بلاد طبرية، وكان ذكر أن أباه كان يهوديَاَ منها - فأقبل الوليد يَروغُ من علي، فاجتذبه علي فضرب به الأرض، وعلاه بالسوط، فقال عثمان: ليس لك أن تفعل به هذا، قال: بل وشراً من هذا إذا فسق ومنع حق الله تعالى أن يؤخذ منه.
سعيد بن العاص
(1/306)

وولي الكوفة بعده سعيد بن العاص، فلما دخل سعيد الكوفة واليَاَ أبى أن يصعد المنبر حتى يُغْسَل، وأمر بغَسْلِهِ، وقال: إن الوليد كان نجسأ رجساً، فلما أتصلت أيام سعيد بالكوفة ظهرت منه أمور منكرة، فاستبد بالأموال، وقال في بعض الأيام أو كتب به عثمان: إنما هذا السواد قطين لقريش، فقال له الأشتر، وهو مالك بن الحارث النخعي: أتجعل ما أفاء اللّه علينا بظلال سيوفنا ومراكز رماحنا بستاناً لك ولقومك؟ ثم خرج إلى عثمان في سبعين راكباً من أهل الكوفة فذكروا سوء سيرة سعيد بن العاص، وسألوا عَزْلَه عنهم، فمكث الأشتر وأصحابه أياماً لا يخرج لهم من عثمان في سعيد شيء، وامتدت أي أمه م بالمدينة، وقدم عَلَى عثمان أمراؤه من الأمصار منهم عبد اللهّ بن سعد بن أبي سَرْح من مصر ومعاوية من الشام وعبد اللّه بن عامر من البصرة وسعيد بن العاص من الكوفة، فأقاموا بالمدينة أياماً لا يردهم إلى أمصارهم، وكراهة أن يرد سعيداً إلى الكوفة، وكره أن يعزله، حتى كتب إليه مَنْ بأمصارهم يَشكون كرة الخراج وتعطيل الثغور، فجمعهم عثمان وقال: ما ترون؟ فقال معاوية: أما أنا فراض بي جندي، وقال عبد اللّه بن عامر بن كريز: ليكفك امرؤ ما قبله أكْفِكَ ما قبلي، وقال عبد الله بن سعد بن أبي سرح: ليس بكثير عزل عامل للعامة وتولية غيره، وقال سعيد بن العاص: إنك إن فعلت هذا كان أهل الكوفة هم الذين يولون ويعزلون، وقد صاروا حلقاً في المسجد ليس لهم غير الأحاديث والخوض، فجهزهم في البعوث حتى يكون هَمُّ أحدهم أن يموت على ظهر دابته، قال: فسمع مقالته عمرو بن العاص فخرج إلى المسجد، فإذا طلحة والزبير جالسان في ناحية منه، فقالا له: تعالى إلينا، فصار إليهما، فقالا: ما وراءك؟ قال: الشر، ما ترك شيئاً من المنكر إلا أتى به وأمره به، وجاء الأشتر فقالا له: إن عاملكم الذي قمتم فيه خطباء قد رد عليكم وأمر بتجهيزكم في البعوث وبكذا وبكذا، فقال الأشتر: واللهّ لقد كنا نشكو سوء سيرته وما قمنا فيه خطباء، فكيف وقد قمنا؟! وايْمُ اللّه على ذلك لولا أني أنفدْتُ النفقة وأنضيت الظهر لسبقته إلى الكوفة حتى أمنعه دخولها، فقالا له: فعندنا حاجتك التي تقوم بك في سفرك قال: فأسلفاني إذاً مائة ألف درهم، قال: فأسلفه كل واحد منهما خمسين ألف درهم، فقسمها بين أصحابه، وخرج إلى الكوفة فسبق سعيداً، وصعد المنبر وسَيفه في عنقه ما وضعه بعد، ثم قال: أما بعد، فإن عاملكم الذي أنكرتم تعدية وسوء سيرته قد رد عليكم، وأمر بتجهيزكم في البعوث، فبايعوني على أن لا يدخلهاَ، فبايعه عشرة آلاف من أهل الكوفة وخرج راكباً متخفياً يريد المدينة أو مكة، فلقي سعيداً بواقصة فأخبره بالخبر، فانصرف إلى المدينة، وكتب الأشتر إلى عثمان: أنا والله ما منعنا عاملك الدخول لنفسد عليك عملك، ولكن لسوء سيرته فينا وشدة عذابه، فابعث إلى عملك مَنْ أحببت، فكتب إليهم: انظروا من كان عاملكم أيام عمر بن الخطاب فولوه، فنظروا فإذا هو أبو موسى الأشعري، فولَوْهُ.
بدء الطعن على عثمان وسببه
وفي سنة خمس وثلاثين كثر الطعن على عثمان رضي الله عنه، وظهر عليه التنكير لأشياء ذكروها من فعله: منها ما كان بينه وبين عبد الله بن مسعود، وانحراف هُذَيْل عن عثمان من أجله.
ومن ذلك ما نال عمار بن ياسر من الفتن والضرب، وانحراف بني مخزوم عن عثمان من أجله.
الوليد بن عقبة يهودى مشعوذ
(1/307)

ومن ذلك فعل الوليد بن عقبة في مسجد الكوفة، وذلك أنه بلغه عن رجل من اليهود من ساكني قرية من قرى الكوفة مما يلي جسر بابل يقال لها زرارة يعمل أنواعاً من الشعبذة والسحر يعرف ببطروني فأحضره فأراه في المسجد ضرباً من التخييل، وهو أن أظهر له في الليل قيلا عظيماً على فرس يركض في صحن المسجد، ثم صار اليهودي ناقة يمشي على حبل، ثم أراه صورة حمار دخل من فيه ثم خرج من دبره، ثم ضرب عنق رجل ففرق بين جسمه و رأسه، ثم أمَرّ السيف عليه فقام الرجل، وكان جماعة من أهل الكوفة حُضُوراً منهم جندب بن كعب الأزدي، فجعل يستعيذ بالله من فعل الشيطان، ومن عمل يبعد من الرحمن، وعلم أن ذلك هو ضرب من التخييل والسحر، فاخترط سيفه وضرب به اليهودي ضربة أدار رأسه ناحية من بدنه، وقال " جَاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا " ، وقد قيل: إن ذلك كان نهاراً، وإن جندبا خرج إلى السوق ودنا من بعض الصياقلة وأخذ سيفاً ودخل فضرب به عنق اليهودي، وقال: إن كنت صادقأ فأحْي نفسك، فأنكر عليه الوليدُ ذلك، وأراد أن يَقِيدهُ به، فمنعته الأزد، فحبسه، وأراد قتله غيلة، ونظر السجان إلى قيامة ليله إلى الصبح، فقال له: انْجُ بنفسك، فقال له جندب: تُقْتل بي، قال: ليس ذلك بكثير في مرضاة الله والدفع عن ولي من أولياء اللّه فلما أصبح الوليد دعا به وقد استعد لقتله فلم يجده، فسأل السجان، فأخبره بهربه، فضرب عنق السجان، وصلبه بالْكناسة.
بين عثمان وأبي ذر
(1/308)

ومن ذلك ما فعل بأبي ذر ، وهو أنه حضر مجلسه ذات يوم فقال عثمان: رأيتم من زكى ماله هل فيه حق لغيره؟ فقال كعب: لا يا أمير المؤمنين، فدفع أبو ذر في صد كعب، وقال له: كذبت يا ابن اليهودي، ثم تلا: " ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب " الآية - فقال عثمان: أترون بأساً أن نأخذ مالاً من بيت مال المسلمين فننفقه فيما ينو بنا من أمورنا ونعطيكموه؟ فقال كعب: لا بأس بذلك، فرفع أبو ذر العصا فدفع بها في صدر كعب وقال: يا ابن اليهودي ما أجراك على القول في ديننا! فقال له عثمان: ما أكثر أذاك لي! غَيبْ وجهك عني فقد آذيتنا، فخرج أبو ذر إلى الشام، فكتب معاوية إلى عثمان: إن أبا ذر تجتمع إليه الجموع، ولا آمن أن يفسدهم عليك، فإن كان لك في القوم حاجة فاحمله إليك، فكتب إليه عثمان بحمله، فحملَه على بعير عليه قَتَب يابس معه خمسة من الصقالبة يطيرون به، حتى أتوا به المدينة وقد تسلّخت بواطن أفخاذه وكاد أن يتلف، فقيل له: إنك تموت من ذلك، فقال: هيهات لن أموت حتى أنفى، وذكر جوامع ما ينزل به بعد، ومن يتولى دفنه، فأحسن إليه عثمان في داره أياماً، ثم دخل إليه فجلس علىِ ركبتيه وتكلم بأشياء، وذكر الخبر في ولد أبي العاص إذا بلغوا ثلاثين رجلاَ اتخذوا عباد اللهّ خَوَلاً، ومًر في الخبر بطوله وتكلم بكلام كثير، وكان في ذلك اليوم قد أتى عثمان بتركة عبد الرحمن بن عوف الزهري من المال، فنثرت البِدر حتى حالت بين عثمان وبين الرجل القائم، فقال عثمان: إني لأرجو لعبد الرحمن خيراً؛ لأنه كان يتصدق، ويَقْرِي الضيف، وترك ما ترون، فقال كعب الأحبار، صدقت يا أمير المؤمنين، فشال أبوذر العصا، فضرب بها رأس كعب، ولم يشغله ما كان فيه الألم وقال: يا ابن اليهودي تقول لرجل مات وترك هذا المال: إن الله أعطاه خير الدنيا وخير الأخرة، وتقطع على اللهّ بذلك، وأنا سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " ما يسرني أن أموت وأدع ما يزن قيراطا " فقال له عثمان: وَارِعنِّي وجهك، فقال: أسير إلى مكة، قال: لا واللّه، قال: فتمنعني من بيت ربي أعبده فيه حتى أموت؟ قال: أي واللّه، قال: فإلى الشام، قال: لا واللهّ قال البصرة؟ قال: لا واللهّ، فاختر غير هذه البلدان، قال: لا واللهّ ما أختار غير ما ذكرت لك، ولو تركتني في دار هجرتي ما أردتُ شيئاً من البلدان، فَسَيِّرْنِي حيث شئت من البلاد، قال: فإني مسيرك إلى الرَبَذَةِ، قال: الله كبر، صدق رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم قد أخبرني بكل ما أنا لاقٍ، قال! عثمان: وما قال لك. قال: أخبرني بأني أمنِع عن مكة والمدينة وأموت بالرَبَذَةِ، ويتولى مواراتي نفر ممن يَردُون من العراق نحو الحجاز، وبعث أبو ذر إلى جمل له فحمل عليه امرأته - وقيل: ابنته - وآمر عثمان أن يتجافاه الناس حتى يسير إلى الربذة، فلما طلع عن المدينة ومروان يسير عنها طلع عليه علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ومعه ابناهُ الحسن والحسين وعقيل أخوه وعبد اللّه بن جعفر وعمار بن ياسر، فاعترض مروان فقال: يا على إن أمير المؤمنين قد نهى الناس أن يصحبوا أبا ذر في مسيره ويشيعوه، فإن كنت لم تدر بذلك فقد أعلمتك، فحمل عليه علي بن أبي طالب بالسوط وضرب بين أذني راحلته، وقال: تَنَحَّ نحاك اللّه إلى النار، ومضى مع أبي ذر فشيعه ثم ودَّعه وانصرف، فلما أراد علي الانصراف بكى أبو ذر، وقال: رحمكم اللّه أهل البيت، إذا رأيتك يا أبا الحسن وولدك ذكرت بكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكا مروان إلى عثمان ما فعل به علي بن أبي طالب، فقال عثمان: يا معشر المسلمين من يعذرني من علي؟: رد َّرسولي عما وجَّهته له، وفعل كذا، واللهّ لنعطينه حقه، فلما رجع علي استقبله الناس، فقالوا له: إن أمير المؤمنين عليك غضبان لتشييعك أبا ذر، فقال علي: غَضَبَ الخيل على اللُّجُم.
(1/309)

فلما كان بالعشي جاء إلى عثمان، فقال له: ما حملك على ما صنعت بمروأن ولم اجترأت عليً ورددت رسولي وأمري؟ قال: أما مروان فإنه استقبلني يردني فرددته عن ردي، وأما أمرك فلم أردَّهُ، قال عثمان: ألم يبلغك أني قد نهيت الناس من أبي نر وعن تشييعه؟ فقال علي: أوكل ما أمرتنا به من شيء نرى طاعة اللهّ والحق في خلافه أتبعنا فيه أمرك؟ باللّه لا نفعل، قال عثمان: أقِدْ مروان، قال: ومم أقيده؟ قال: ضربت بين أذني راحلته وشتمته، فهو شاتمك وضارب بين أذني راحلتك قال علي: أما راحلتي فهي تلك فإن أراد أن يضربها كما ضربت راحلته فليفعل. وأما أنا فواللّه لئن شتمني لاشتمنَّكَ أنت مثلها بما لا أكذب فيه ولا أقول إلا حقاً. قال عثمان: ولم لا يشتمك إذا شتمته، لله ما أنت عندى بأفضل منه؛! فغضب علي بن أبي طالب وقال: ألي تقول هذا القول؟ وبمروان تعدلني؟ فأنا والله أفضل منك، وأبى أفضل من أبيك، وامي أفضل من أمك، وهذه نَبْلِي قد نَثَلْتُهَا، وهلَم فانثل بنبلك، فغضب عثمان واحمر وجهه، فقام ودخل داره، وانصرف علي، فاجتمع إليه أهل بيته،ورجال من المهاجرين والأنصار.
فلما كان من الغد واجتمع الناس إلى عثمان شكا إليهم علياً وقال: إنه يعيبني ويُظَاهر من يعيبني، يريد بذلك أبا ذر وعمار بن ياسر وغيرهما، فدخل الناس بينهما حتى اصطلحا وقال له علي: والله ما أردت بتشييع أبي ذر إلا الله تعالى.
عمار بن ياسر
وقد كان عمار حين بويع عثمان بلغه قول أبي سفيان صخر بن حرب في دار عثمان عقيب الوقت الذي بويع فيه عثمان ودخل داره ومعه بنو أمية فقال أبى سفيان: أفيكم أحد من غيركم؟ وقد كان عدي، قالوا: لا، قال يا بني أمية، تَلَقَفُوِهَا تلقُفَ الكرة، فوا لذي يحلف به أبو سفيان ما زلت أرجوها لكم ولتصيرَنَ إلى صبيانكم وراثة، فانتهره عثمان، وساءه ما قال، ونمي هذا القول إلى المهاجرين والأنصار وغير ذلك الكلام فقام عمار في المسجد فقال: يا معشر قريش، أما إذ صرفتم هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم ههنا مرة وهنا مرة فما أنا بآمِنٍ من أن ينزعه الله منكم فيضعه في غيركم كما نزعتموه من أهله ووضعتموه في غير أهله وقام المقداد فقال: ما رأيت مثل ما أودى به أهل هذا البيت بعد نبيهم، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وما أنت وذاك يا مقداد بن عمرو؟ فقال: إني واللّه لأحبهم لحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم، وإن الحق معهم وفيهم، يا عبد الرحمن أعجب من قريش - وإنما تطوُلُهم على الناس بفضل أهل هذا البيت - قد اجتمعوا على نزع سلطان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده من أيديهم أما ولايم الله يا عبد الرحمن لو أجد على قريش أنصاراً لقاتلتهم كقتالي إياهم مع النبي عليه الصلاة والسلام يوم بدر، وجرى بينهم من الكلام خطب طويل قد أتينا على ذكره في كتابنا أخبار الزمان في أخبار الشوَرَى والدار.
الثورة على عثمان
(1/310)

ولما كان سنة خمس وثلانين سار مالك بن الحارث النخعي من الكوفة في مائتي رجل، وحكيم بن جبلة العبدي في مائة رجل من أهل البصرة، ومن أهل مصر ستمائة رجل عليهم عبد الرحمن بن عديس البَلَويً، وقد ذكر الواقدي وغيره من أصحاب السير أنه ممن بايع تحت الشجرة، إلى آخرين ممن كان بمصر مثل عمرو بن الحمق الخزاعي وسعد بن حُمْرَان التُّجِيبي، ومعهم محمد أبي بكر الصديق، وقد كان تكلم بمصر، وَحرضَ الناس على عثمان لأمر يطول ذكره كان السبب فيه مروان بن الحكم، فنزلوا في الموضع المعروف بذي الخشب فلما علم عثمان بنزولهم بعث إلى علي بن أبي طالب فأحضره، وسأله أن يخرج إليهم ويضمن لهم عنه كل ما يريدون من العدل وحسن السيرة، فسار علي إليهم، فكان بينهم خطب طويل، فأجابوه إلى ما أراد وانصرفوا، فلما صاروا إلى الموضع المعروف بحسمى إذا هم بغلامِ على بعير وهو مُقْبِل من المدينة، فتأمًلُوه فماذا هو ورش غلام عثمان، فقرَرُوه، فأقَرً وأظهر كتابأ إلى ابن أبي سَرْح صاحب مصر وفيه إذا قدم عليك الجيشُ فاقطع يد فلان، واقتل فلاناً، وافعل بفلان كذا، واحْصَى كثر مَنْ في الجيش، وأمر فيهم بما أمر وعلم القوم أن الكتاب بخط مروان، فرجعوا إلى المدينة، واتفق رأيهم ورأي مَنْ قدم من العراق، ونزلوا المسجد وتكلموا، وذكروا ما نزل بهم من عُمّالهم، ورجعوا إلى عثمان فحاصروه في داره، ومنعوه الماء، فأشرف على الناس وقال: ألا أحد يسقينا؟ وقال: بم تستحلُّون قتلي وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يحلُّ دم آمري مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس " ؟ والله ما فعلت ذلك في جاهلية أو إسلام، فبلغ عليّاً طلبه للماء، فبعث إليه بثلاث قِرَبٍ ماء، فما وصل إليه ذلك حتى خرج جماعة من موالي بني هاشم وبني أمية، وارتفع الصوت، وكثر الضجيج، وأحْدَقُوا بداره بالسلاح وطالبوه بمروان، فأبى أن يخلِّيَ عنه، وفي الناس بنو زُهْرة لأجل عبد اللّه بن مسعود لأنه كان من أحلافها، وهذيل لأنه كان منها، وبنو مخزوم وأحلافها لعمار، وغِفَار وأحلافها لأجل أبي ذر، وتَيْم بن مرة مع محمد بن أبي بكر، وغير هؤلاء ممن لا يحمل كتابنا ذكره، فلما بلغ عليَاَ أنهم يريدون قتله بعث بابنيه الحسن والحسين مع مواليه بالسلاح إلى بابه لنصرته، وأمرهم أن يمنعوه منهم، وبعث الزبير ابنه عبد الله، وبعث طلحة ابنه محمداً، وأكثر أبناء الصحابة أرسلهم آباؤهم إقتداء بمن ذكرنا، فصدُوهم عن الدار، فرمى من وصفنا بالسهام، واشتبك القوم، وجُرح الحسن، وشُبئَ قنبر، وجرح محمد بن طلحة، فخشي القوم أن يتعصب بنو هاشم وبنو أمية، فتركوا القوم في القتال على الباب، ومضى نفر منهم إلى دار قوم من الأنصار فتسوَّرُوا عليها، وكان ممن وصل إليه محمد بن أبي بكر ورجلان آخران، وعند عثمان زوجته، وأهُله؛ ومواليه مشاغيل بالقتال، فأخذ محمد بن أبي بكر بلحيته، فقال: يا محمد، واللّه لو رآك أبوك لساءه مكانك فتراخت يده، وخرج عنه إلى الدار، ودخل رجلان فوجداه فقتلاه، وكان المصحف بين يديه يقرأ فيه، فصعدت امرأته فصرخت وقالت: قد قتل أمير المؤمنين، فدخل الحسن والحسين ومن كان معهما من بني أمية، فوجده قد فاضت نفسه رضي الله عنه، فبكوا، فبلغ ذلك علياً وطلحة والزبير وسعداً وغيرهم من المهاجرين والأنصار، فاسترجع القوم، ودخل عليّ الدار، وهو كالواله الحزين، وقال لابنيه: كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب. ولَطَم الحسن وضرب صدر الحسين، وشتم محمد بن طلحة، ولعن عبد اللّه بن الزبير، فقال له طلحة: لا تضرب أبا الحسن، ولا تشتم، ولا تلعن، لو دَفَعَ إليهم مروان ما قتل، وهرب مروان وغيره من بني أمية، وطُلِبُوا ليقتلوا فلم يوجدوا، وقال علىِ لزوجته نائلة بنت الفراقصة: مَنْ قتله وأنتِ كنت معه؟ قالت: دخل إليه رجلان وقصت خبر محمد بن أبي بكر، فلم ينكر ما قالت، وقال: واللهّ لقد دخلت عليه وأنا أريد قتله، فلما خاطبني بما قال خرجْت، ولا أعلم بتخلف الرجلين عني، واللّه ما كان لي في قتله من سبب، ولقد قتل وأنا لا أعلم بقتله.
وكانت مدة ما حوصر عثمان في داره تسعاً وأربعين يوماً، وقيل: أكثر من ذلك.
مقتله، وقتلته
(1/311)

وقتل في ليلة الجمعة لثلاث بقين من في الحجة، وذكر أن أحد الرجلين كنانة بن بشر التجيبي، ضربه بعمود على جبهته، والأخر منهما سعد بن حُمْرَان المرادى، ضربه بالسيف على حبل عاتقه فَحلَّه.
وقد قيل: إن عمرو بن الحمق طعنه بسهام تسع طعنات، وكان فيمن مال عليه عمير بن ضابىء البرجمي التميمي، وخضخض سيفه في يطنه.
مدفنه
ودفن على ما وصفنا في الموضع المعروف بحش كوكب، وهذا الموضع فيه مقابر بني أمية، ويعرف أيضاً بحلة، وصلى عليه جُبَير بن مطعم وحكيم بن حزام وأبو جَهْم بن حذيفة.
ولما حوصر عثمان كان أبو أيوب الأنصاري رضي اللّه عنه يصلّي بالناس، ثم امتنع، فصلى بهم سهل بن حُنَيْف، فلما كان يوم النحر صلّى بهم علي، وقيل: إن عثمان قتل ومعه في الدار من بني أمية ثمانية عشر رجلا منهم مروان بن الحكيم.
ما قيل فيه من الرثاء
وفي مقتله تقول زوجته نائلة بنت الفرافصة:
ألا إنَ خير الناس بعد ثلاثة ... قتيلُ التجيبيِّ الذي جاء من مصر
ومالِيَ لا أبكي وتبكي قرابتي ... وقد غيبوا عني فضول أبي عمرو
وقال حسان بن ثابت فيمن تخلف عنه وخَذَله من الأنصار وغيرهم، وأعان عليه وعلى قتله، واللّه أعلم بما قاله، من أبيات:
خذلَتْهُ الأنصار إذ حضر المو ... تَ وكانت ولاية الأنصار
مَن عَذِيري من الزبير ومن طلحة إذ جاء أمر له مقدار
فتولى محمد بن أبي بكر عياناً، وخلفه عمارأ
في شعر له طويل يذكر فيه غير من ذكرنا، وينسبهم إلى التمالؤعلى قتله، والرضا بما فُعل به، واللّه أعلم، وكان حسان عثمانياً منحرفاً عن غيره، وكان عثمان إليه محسناً، وهو المتوعد للأنصار في قوله في شعره:
يا ليْتَ شعري وليت الطير تخبرني ... ما كان شأن علي وابن عفانا
لَتَسْمَعُنّ وشيكا في ديارهمُ ... اللّه أكبر، يا ثارات عثمانا
وكان عثمان رضي اللهّ عنه كثيراً ما ينشد أبياتاً قالها ويطيل ذكرها لا تعْرف لغيره، منها:
تفنى اللذافة مِمَّنْ نال صفوتها ... من الحرام ويبقى الإثم والعار
يلقى عواقب سوء من مغبتها ... لاخير في لذة من بعدها النار
وكان الوليد بن عقبة بن أبي مُعَيْط أخا عثمان ل أمه ، فسمع في الليلة الثانية من مقتل عثمان يندبه، وهو يقول:
بني هاشم، إنا وما كان بيننا ... كصَدْع الصفا ما يومِضُ الدهْر َشاعِبُه
بني هاشم، كيف الهَوَادة بيننا ... وسيف ابن أرْوَى عندكم وحرائبه
بني هاشم، ردوا سلاح ابن أختكم ... ولاتنهبوه، لاتحلّ مناهبهْ
غدرتم به كيما تكونوا مكانه ... كما غدرت يوماً بكسرى مَرَازبُه
وهي أبيات: فأجابه عن هذا الشعر، وفيما رَمَى به بني هاشم ونسبه إليهم، الفضلُ بن العباس بن عتبة بن أبي لهب فقال:
فلا تسألونا سيفكم؛ إن سيفكم ... أضِيعَ، وألقاه لَوَر الرَّوْع صاحبه
سلوا أهل مصر عن سلاح ابن أختنا ... فهم سلبوه سيفه وحرائبه
وكان وليَّ الأمر بعد محمد ... علي، وفي كل المواطن صاحبه
علي ولي اللّه أظهردينه ... وأنت مع الأشْقَيْنَ فيما تحاربه
وأنت امرؤ من أهل صفواء نازح ... فمالك فينا ممت حميم تعاتبه
وقد أنزل الرحْمت أنك فاسق ... فمالك في الإسلام سهم تطالبه
قال المسعودي رحمه اللهّ: ولعثمان أخبار وسير ومآثر حسان، قد أتينا على ذكرها في كتابنا أخبار الزمان والكتاب الأوسط، وكذلك ما كان في أي أمه من الكوائن والأحداث والفتوح والحروب مثل الروم وغيرهم واللهّ ولي التوفيق، وصلى اللّه علي سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم.
ذكر خلافة أمير المؤمنين علي بن أبى طالب
كرم اللّه وجهه
(1/312)

بويع علي بن أبي طالب في اليوم الذي قتل فيه عثمان بن عفان رضي الله عنه، فكانت خلافته إلى أن استشهد أربع سنين وتسعة أشهر وثمانية أيام وقيلَ: أربع سِنِينَ وتسعة أشهر إلا يوماً، وكانت الفرقة بينه وبين معاوية ابن أبي لسفيان على ما ذكرنا في خلافته، وكان مولده في الكَعبة، وقيل: إن خلافته كانت خمس سنين وثلاثة أشهر وسبع ليال، واستشهد وهو ابن ثلاث وسِتينَ سنة، و!عاش بعد الضربة الجمعة والسبت،؛ وتوفى في ليلة الأحد، وقد قيل في مقدار عمره أقل مما ذكرنا، وقد تنوزع في موضع قبره؛فمنهم من قال: إنه دفن في مسجد الكوفة، ومنهم من قال: به حمل إلى المدينة فدفن عند قبر فاطمة، ومنهم من قال: إنه حمل في تابوت على جَمَلٍ، وإن الجملَ تاه ووقع إلى وادي بطيء، وقد قيل من الوجوه غير ما ذكرنا، وقد أتينا على ذلك في كتابنا أخبار الزمان والكتاب الأوسط.
ذكر نسبه ولمع من أخباره وسيره
نسبه وأخوته وأخواته
هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، ويكنى أبا الحسن، و أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، ولم يكن من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى وقتنا هذا من خلافة المتقي ممن ولي الخلافة مَنِ اسمه علي غيره، وغير المكتفي باللّه علي بن المعتضد، وكان أولَ من وَلَدَهُ هاشميَّان من الخلفاء، وقد قيل: إنه بويع البيعة العامة بعد قتل عثمان بأربعة أيام، وقد ذكرنا البيعة الأولى فيما سلف من هذا الكتاب، وتنازع الناس في اسم أبي طالب أبيه، ووَلَدُ أبي طالب بن عبد المطلب أربعة ذكور وابنتان فطالب وعقيل وجعفر وعلي وفاختة وجُمَانة لأب وأم، أمه م فاطمة بنت أسد بن هاشم، وبين كل واحد من البنين عشر سنين: فطالب الأكبر وبينه وبين عقيل عشر سنين، وبين عقيل وجعفر سنتان، وبين جعفر وعلي عشر سنين، وأخرجِ مشركو قريش طالبَ بن أبي طالب يوم بدر إلى حرب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كرهاَ، ومضى ولم يعرف له خبر، وحُفظَ من قوله في هذا اليوم:
يارب إما خرجوا بطالب ... في مقنب من تلكم المَقَانِب
فاجعلهم المغلوب غير الغالب ... والرجل المسلوب غير الساَلب
وكان زوجَ فاختة بنت أبي طالب أبو وَهْب هبيرةُ بن عمرو بن عائد بن عمرو بن مخزوم، وخلف عليها ابناً وبنتاً، وهاجرت، ومات زوجها بنجران مشركاً، وفيها يقول ببلاد نجران من أبيات كثيرة:
أشاقَتْكَ هند أم شَآكَ سؤالها؟ ... كذاك النوى أسبابها وانتقالها
وأرَقَنِي في رأس حصن ممرَّدٍ ... بنجران يسري بعد نوم خيالُهَا
فإن تك قد تابعت دين محمد ... وقطعت الأرحام منك حبالُها
وهي طويلة، وكانت تكنى أم هانىء، وقد استعمل علي - حين أفضت الخلافة إليه - ابنَهَا جعدة بن هبيرة، وجعدة هو القائل:
أي من بني مخزومٍ ان كنت سائلاً ... ومن هاشم أمي لخير قبيل
فمن ذا الذي يبأى علي بخاله ... وخالي علي ذو الندى وعقيل
وجمانة بنت أبي طالب كان بعلها سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وهي أول هاشمية ولدت لهاشمي، كذلك ذكر الزبير بن بكار في كتابه في أنساب قريش وأخبارها، وهاجرت وماتت بالمدينة في أيام النبي صلى الله عليه وسلم.
مسيره إلى البصرة
وكان مسير علي إلى البصرة في سنة ست وثلاثين، وفيها كانت وقعة الجمل، وذلك في يوم الخميس لعشر خلون من جمادي الأول منها، وقتل فيها من أصحاب الجمل من أهل البصرة وغيرهم ثلاثة عشر ألفاً، وقتل من أصحاب على خمسة آلاف، وقد تنازع الناس في مقدار من قتل من الفريقين: فمن مقلل ومكثر، فالمقلل يقول: قتل منهم سبعة آلاف والمكثر يقول: عشرة آلاف على حسب ميل الناس وأهوائهم إلى كل فريق منهم، وكانت وقعة واحدة في يوم واحد.
وقيل: إنه بين خلافة علي إلى وقعة الجمل خمسة أشهر وأحد وعشرون يوماً، بين وقعة الجمل وأول الهجرة خمس وثلاثون سنة وخمسة أشهر وعشرة أيام، وبين ذلك وبين دخول علي إلى الكوفة شهر، وبين ذلك وبين أول الهجرة خمس وثلاثون سنة وستة أشهر وعشرة أيام، وبين دخول علي والتقائه مع معاوية للقتال بصفِّينَ ستة أشهر وثلاثة عشر يوما، وبين ذلك وأول الهجرة ست وثلاثون سنة وثلاثة عشر يوما.
قتلى صفين وأي أمه ا
(1/313)

وقتل بصفين سبعون ألفاً: من أهل الشام خمسة وأربعون آلفا، ومن أهل العراق خمسة وعشرون ألفاً، وكان المقام بصفين مائة يوم وعشرة أيام، وقتل بها من الصحابة ممن كان مع علي خمسة وعشرون رجلا: منهم عمار بن ياسر أبو اليقظان المعروف بابن سُمَية وهو ابن ثلاث وسبعين سنة.
وكانت عدة الوقائع بين أهل العراق والشام سبعون وقعة.
التقاء الحكمين
وفي سنة ثمان وثلاثين كان التقاء الحكمين - وهما عمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري - بأرض البلقاء من أرض دمشق، وقيل: بحومة الجندل، وهي على نحو عشرة أميال من دمشق، وكان من أمرهما ما قد شهر، وسنورد في هذا الكتاب جوامع ما ذكرنا، وإن كنا قد أتينا على مبسوط ذلك فيما سلف من كتبنا.
وفي هذه السنة حكمت الخوارج وتحكمت، وهم الشُرَاةُ.
وكان ممن شهد صفين مع علي من أصحاب بدر سبعة وثمانون رجلاً: منهم سبعة عشر من المهاجرين، وسبعون من الأنصار، وشهد معه من الأنصار ممن بايع تحت الشجرة وهي بيعة الرضوان من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعمائة، وكان جميع من شهد معه من الصحابة ألفينا وثمانمائة.
حربه مع الخوارج
وفي سنة ثمان وثلاثين كان حربه مع أهل النَّهْرَوَانِ من الخوارج، وقعد عن بيعته جماعة عثمانية لم يروا إلا الخروج عن الأمر: منهم سعد بن أبي وقاص، وعبد اللّه بن عمر، وبايع يزيد بعد ذلك والحجاج لعبد الملك بن مروان، ومنهم قُدَامَةُ بن مظعون، وأهبان بن صيفي، وعبد الله بن سلام، والمغيرة بن شعبة الثقفي، وممن اعتزل من الأنصار كعب بن مالك، وحسان بن ثابت، وكانا شاعرين، وأبو سعيد الخُدْرِي، ومحمد بن مسلمة حليف بني عبد الأشْهَل، ويزيد بن ثابت، ورافع بن خديج، ونعمإن بن بشير و فصالة بن عبيد، وكعب بن عجرة ومَسْلَمة " بن خالد، في آخرين ممن لم نذكرهم من العثمانية من الأنصار وغيرهم من بني أمية وسواهم.
وانتزع علي أملاكاً كان عثمان أقطعها جماعةً من لمسلمين، وقَسَّم ما في بيت المال على الناس، ولم يُفَضِّلْ أحداً على أحد، وبعثت أم حبيبة بنت أبي سفيان إلى أخيها معاوية بقميص عثمان مخضَّباً بدمائه مع النعمان بن بشير الأنصاري، واتصلت بيعة علي بالكوفة وغيرها من الأنصار، وكان أهل الكوفة أسرع إجابة إلى بيعته، وأخذ له البيعة علىِ أهلها أبو موسى الأشعري، حتى تكاثر الناس عليه، وكان عليها عاملاَ لعثمان.
بنو أمية عند علي
وأتاه جماعة ممن تخلف عن بيعته من بني أمية: منهم سعيد بن العاص، ومروان بن الحكم، والوليد بن عُقْبة بن أبي مُعَيْط، فجرى بينه وبينهم خطب طويل، وقال له الوليد: أنا لم نتخلف عنك رغبة عن بيعتك، ولكنا قوم وَتَرَنَا الناسُ، وخفنا على نفوسنا، فعذرنا فيما نقول واضح، أما أنا فقتلتَ أبي صبراً، وَضربتني حداً، وقال سعيد بن العاص كلاماً كثيراً، وقال له الًوليد: أما سعيد فقتلت أباه، وأهنت مَثْو وأمَّا مروان فإنك شتمت أباه، وعبت عثمان في ضَمِّه إياه.
وقد ذكر أبو مخنف لوط بن يحيى أن حسان بن ثابت وكعب بن مالك والنعمان بن بشير - قبل نفوذه بالقميص - أتوا عليا ًفي آخرين من العثمانية فقال كعب بن مالك: يا أمير المؤمنين، ليس مسيئَاَ مَنْ عتب، وخير كفر ما محاهُ عذر، في كلام كثير، ثم بايع وبايع من ذكرنا جميعاً.
عمرو بن العاص
وقد كان عمرو بن العاص انحرف عن عثمان لانحرافه عنه وتوليته مصر غيره، فنزل الشام، فلما اتصل به أمر عثمان وما كان من بيعة علي، كتب إلى معاوية يهزُّه ويشير عليه بالمطالبة بدم عثمان، وكان فيما كتب به إليه: ما كنت صانعاً إذا قشرت من كل شيء تملكه فاصنع ما أنت صانع، فبعث إليه معاوية، فسار إليه، فقال له معاوية: بايعني، قال: لا واللهّ لا أعطيك من ديني حتى أنال من دنياك، قال: سَلْ، قال: مصر طُعْمَة. فأجابه إلى ذلك، وكتب له به كتاباً؛ وقال عمرو بن العاص في ذلك:
مُعَاويَ لا أعطيك ديني ولم أنَل ... به منك دنيا؛ فانْظُرَنْ كيف تصنع
فإن تعطني مصر افأرْبِحْ بصفقة ... أخذتَ بها شيخاً يضر و ينفع
المغيرة بن شعبة ينصح عليَاَ ثم يرجع
(1/314)

وأتى المغيرة بن شعبة علياً، فقال له: إن لك حق الطاعة والنصيحة، وإن الرأي اليوم تحوز به ما في غد، وإن المضاع اليوم تضيع به ما في غد، أقْرِر معاوية على عمله، وأقرر ابن عامر على عملِهِ، وأقرر العمال على أعمالهم، حتى إذا أتتك طاعتهم وطاعة الجنود استبدلت أو تركت، قال: حتى أنظر، فخرج من عنده وعاد إليه من الغد، فقال: إني أشرت عليك بالأمس برأي وتعقبته برأي، وإنما الرأي أن تعاجلهم بالنَّزْع فتعرف السامع من غيره وتستقبل أمرك، ثم خرج من عنده فتلقاه ابن عباس خارجاً وهو داخل، فلما انتهى إلى علي قال: رأيت المغيرة خارجاً من عندك ففيم جاءك؟ قال: جاءني أمس بكيت وكيت؛وجاءني اليوم بذيت وذيت؛فقال: أما أمس فقد نصحك؛وأما اليوم فقد غَشَّك،قال: فما الرأي. قال: كان الرأي أن تخرج حين قتل عثمان، أو قبل ذلك، فتأتي مكة فتدخل دارك فتغلق عليك بابَكَ،فإن كانت العرب مائلة مضطرة في أثرك لا تجد غيرك،فأما اليوم فإن بني أمية سيحسنون الطلب بأن يلزموك شُعُبَة من هذا الأمر، ويشبهون فيك على الناس، وقال المغيرة: نصحته فلم يقبل، فغششته، وذكر أنه قال: واللهّ ما نصحته قبلها، ولا أنصحه بعدها.
قال المسعودي: ووجدت في وجه آخر من الروايات أن ابن عباس قال: قدمت من مكة بعد مقتل عثمان بخمس ليال، فجئت علياً أدخل عليه، فقيل لي: عنده المغيرة بن شعبة، فجلست بالباب ساعة، فخرج المغيرة، فسلم علي، وقال: متى قدمت؟ قلت: الساعة، ودخلت على عليّ وسلمت عليه، فقال: أين لقيت الزبير وطلحة؟ قلت: بالنواصب، قال: ومَنْ معهما؟ قلت: أبو سعيد بن الحارث بن هشام في فتية من قريش، فقال علي: أما إنهم لم يكن لهم بعد أن يخرجوا يقولون نطلب بدم عثمان، واللّه يعلم أنهم قَتَلة عثمان، فقلت: أخبرني عن شأن المغيرة، ولم خَلا بك؛ قال: جاءني بعد مقتل عثمان بيومين، فقال: أخْلِنِي، ففعلت، فقال: إن النصح رخيص وأنت بقية الناس، وأنا لك ناصح، وأنا أشير عليك أن لا ترد عمال عثمان عامَكَ هذا، فاكتب إليهم بإثباتهم على أعمالهم، فإذا بايعوا لك واطمأن أمرك عزلت من أحببت وأقررت من أحببت، فقلت له: واللّه لا أداهن في ديني، ولا أعطي الرياء في أمري، قال: فإن كنت قد أتيت فانزع من شئت واترك معاوية فإن له جراءة وهو في أهل الشام مسموع منه، ولك حجة في إثباته فقد كان عمر ولاه الشام كلها، فقلت له: لا واللهّ لا أستعمل معاوية يومين أبداً، فخرج من عندي على ما أشار به، ثم عاد، فقال: إني أشرت عليك بما أشرت به وأبيت علي، فنظرت في الأمر، وأذا أنت مصيب لا ينبغي أن تأخذ أمرك بخدعة، ولا يكون فيه دلسة، قال ابن عباس: فقلت له: أما أول ما أشار به عليك فقد نصحك، وأما الأخر فقد غَشَّك، وأنا أشير عليك أن تثبت معاوية فإن بايع لك فعليَّ أن أقلعه من منزله، قال: لا، واللّه لا أعطيه إلا السيف، ثم تمثل:
فما مِيتَةٌ إنْ مُتُّهَا غير عاجز ... بعَار، إذا ما غالت النَّفْسَ غولُهَا
فقلت: يا أمير المؤمنين، أنت رجل شجاع، أما سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: " الحرب خُدْعَة " ؛ فقال علي: بلى، قلت: أما واللّه لئن أطعتني لأصدرن بهم بعد ورود، ولأتركهم ينظرون في أدبار الأمور، ولا يدرون ما كان وجهها، من غير نقص لك، ولا إثم عليك، فقال لي: يا ابن عباس، لست من هنياتك ولا هنيات معاوية في شيء تشير به عليَّ برأي، فإذا عصيتك فأطْعِنِي، فقلت أنا: أفعل، فإنَّ أيْسَرَ مالك عندي الطاعة، واللّه ولي التوفيق.
ذكر الأخبار عن يوم الجمل
وبدئه وما كان فيه من الحرب وغير ذلك
تدبير الخروج على علي
(1/315)

ودخل طلحة و الزبير مكة، وقد كانا استأذنا عليّاً في العمرة، فقال لهما، لعلكم تريدان البصرة أو الشام، فأقسما أنهما لا يقصدان غير مكة، وقد كانت عائشة رضي اللهّ عنها بمكة، وقد كان عبد اللهّ بن عامر عامل عثمان على البصرة هرب عنها حين أخذ البيعة لعلي بها على الناس حارثة بن قُدَامة السعدي، ومسير عثمان بن حُنَيْف الأنصاري أليها على خراجها من قبل علي رضي اللّه عنه! وانصرف عن اليمن عامل عثمان وهو يعلى بن منية، فأتى مكة وصادف بها عائشة وطلحة والزبير ومروان بن الحكم في آخرين من بني أمية، فكان ممن حَرضَ على الطلب بدم عثمان، وأعطى عائشة وطلحة والزبير أربعمائة ألف درهم، ودرعا وسلاحاً، وبعث إلى عائشة بالجمل المسمى عسكراً.، وكان شراؤه عليه باليمن مائتي دينار، فأرادا الشام، فصدَهم ابن عامر، وقال: إن به معاوية، ولا ينقاد إليكم ولا يطيعكم، لكن هذه البصرة لي بها صنائع وعدد؛ فجهزهم بألف ألف درهم ومائة من الإِبك وغير ذلك.
المسير إلى البصرة
وسار القوم نحو البصرة في ستمائة راكب، فانتهوا في الليل إلى ماء لبني كلاب يعرف بالحواب، عليه ناس من بني كلاب، فَعَوَتْ كلابهم على الركب، فقالت عائشة: ما اسم هذا الموضع؟ فقال لها السائق أجملها: الحواب، فاسترجعت وذكرت ما قيل لها في ذلك، فقالت: ردُّونِي إلى حرم رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم، لا حاجة لي في المسير، فقال الزبير: باللّه ما هذا الحواب، ولقد غِلط فيما أخبرك به، وكان طلحة في سَاقَةِ الناس، فلحقها فأقسم أن ذلك ليس بالحوأب، وشهد معهما خمسون رجلاً ممن كان معهم، فكان ذلك أول شهادة زور أقيمت في الإسلام، فأتوا البصرة فخرج إليهم عثمان بن حُنَيْف فَمانَعَهُم، وجرى بينهم قتال، ثم إنهم اصطلحوا بعد ذلك على كفِّ الحرب إلى قدوم علي، فلما كان في بعض الليالي بَيِّتُوا عثمان بن حُنَيْف فأسروه وضربوه ونتفوا لحيته، ثمِ إن القوم استرجعوا وخافوا على مخلَّفيهم بالمدينة من أخيه سهل بن حُنيف وغيره من الأنصار، فخلَّوْا عنه، وأرادوا بيت المال فمانعهم الخزانُ والموكلون به وهم السبابجة، فقتل منهمِ سبعون رجلا غير من جرح، وخمسون من السبعين ضربت رقابهم صبراَ من بعد الأسر، وهؤلاء أول من قُتِلَ ظلماً في الإِسلام وصبراً، وقتلوا حكيم بن جَبَلَة العبدي، ؤكان من سادات عبد القيس وزُهِّاد ربيعه ونُسَّاكها، وتشاحَّ طلحة والزبير في الصلاة بالناس، ثم اتفقوا على أن يصلي بالناس عبد اللّه بن ألزبير يوماً، ومحمد بن طلحة يوماً، في خطب طويل كان بين طلحة والزبير إلى أن اتفقا على ما وصفنا.
مسير علي إلى العراق
وسار علي من المدينة بعد أربعة أشهر، وقيل غير ذلك، في سبعمائة راكب منهم أربعمائة من المهاجرين والأنصار منهما سبعون بدرِيّاً وباقيهم من الصحابة، وقد كان استخلف على المدينة سهل بن حنيف الأنصاري، فانتهى إلى الربَذَة بين الكوفة ومكة من طريق الجادة، وفاته طلحة وأصحابه، وقد كان عليٌّ أرادهم، فانصرف حين فاتوه إلى العراق في طلبهم، ولحق بعلي من أهل المدينة جماعة من الأنصار فيهم خزَيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وأتاه من طيى ستمائة راكب، وكَاتَبَ علي من الربذة أبا موسى الأشعري ليستنفر الناس، فَثَبَّطَهم أبو موسى، وقال: إنما هي فتنة، فنمي ذلك إلى علي، فولَّى علي الكوفة قَرَظَة بن كعب الأنصاري، وكتب إلى أبي موسى: اعتزل عملنا يا ابن الحائك مذموماً مدحوراً، فما هذا أول يومنا منك، وإن لك فينا لهنات وهنيات. وسار علي بمن معه حتى نزل بني قار، وبعث بابنه الحسن وعمار بن ياسر إلى الكوفة يستنفران الناس، فسارا عنها ومعهما من أهل الكوفة نحو من سبعة الاف، وقيل: ستة آلاف وخمسمائة وستون رجلاً منهم الأشتر فانتهى علي إلى البصرة وراسَلَ القوم وناشدهم اللّه، فأبَوْا إلا قِتَاله.
قدوم علي البصرة
(1/316)

وذكر عن المنزر بن الجارود فيما حدث به أبو خليفة الفَضْلُ بن الْحُبَاب الجمحي عن ابن عائشة عن مَعْن بن عيسى عن المنزر بن الجارود قال: لما قدم علي رضي اللّه عنه البصرة دخل مما يلي الطفَّ، فأتى الزاوية فخرجتُ أنظر إليه، فورد موكب في نحو ألف فارس يتقدّمهم فارس على - فرس أشْهَبَ عليه قلنسوة وثياب بيض متقلد سيفاً ومعه راية، وإذا تيجان القوم الأغلبُ عليها البياضُ والصفرة مُدَججين في الحديد والسلاح، فقلت: من هذا؟ فقيل: هذا أبو أيوب الأنصاري صاحب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء الأنصار وغيرهم، ثم تلاهم فارس آخر عليه عمامة صفراء وثياب بيض متقلد سيفاً متنكب قوساً معه رأية على فرس أشْقَر َفي نحو ألف فارس، فقلت: من هذا؟ فقيل: هذا خُزَيمة بن ثابت الأنصاري ذو الشهادتين، ثم مر بنا فارسٌ أخر على فرس كُمَيْتٍ معتمٌّ بعمامة صفراء من تحتها قلنسوة بيضاء وعليه قَبَاء أبيض مصقول متقلد سيفَا متنكب قوساً في نحو ألف فارس من الناس ومعه راية، فقلت: من هذا؟ فقيل لي: أبو قَتَاعة بن ربعي، ثم مر بنا فارس أخر على فرس أشْهَبَ عليه ثياب بيض وعمامة سوداء قد سَدَلها من بين يديه ومنِ خلفه شديد الأدمة عليه سكينة ووقار رافع صوته بقراءة القرآن متقلد سيفاَ متنكب قوساً معه راية بيضاء في ألف من الناس مختلفي التيجان حوله مشيخة وكهول وشباب كأنما قد أقفوا للحساب، أثَرُ السجود قد أثر في جباههم، فقلت: من هذا؟ فقيل: عمار بن ياسر في عدة من الصحابة من المهاجرين والأنصار وأبنائهم، ثم مر بنا فارس على فرس أشقر عليه ثياب وقلنسوة بيضاء وعمامة صفراء متنكب قوساً متقلد سيفاً تخط رجلاه في الأرض في ألف من الناس الغلبُ على تيجانهم الصفرةُ والبياضُ معه راية صفراء، قلت: من هذا؟ قيل: هذا قيس بن سعد بن عبادة في عدة من الأنصار وأبنائهم وغيرهم من قحطان، ثم مر بنا فارس على فرس أشْهَلَ ما رأينا أحسن منه، عليه ثياب بيض وعمامة سوداء قد سَدَلَهَا من بين يديه بلواء، قلت: من هذا؟ قيل: هو عبد اللّه بن العباس في وفده وعدة من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، ثم تلاه موكب آخر فيه فارس أشبه بالناس بالأولين، قلت: من هذا؟ قيل: عبيد اللّه بن العباس، ثم تلاه موكب آخر فيه فارس أشبه الناس بالأولين، قلت: من هذا قيل؟: قثَم بن العباس، أو معبد بن العباس ثم أقبلت المواكب والرايات يقدم بعضها بعضاً، واشتبكت الرماح، ثم ورد موكب فيه خلق من الناس عليهم السلاح والحديد مختلفو الريات في أوله راية كبيرة يقدمهم رجل كأنما كُسِرَ وجُبِرَ قال ابن عائشة: وهذه صفة رجل شديد الساعدين نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى فوق، وكذلك تخبر العرب في وصفها إذا أخبرت عن الرجل أنه كسر وجبر كأنما على رؤوسهم الطير، وعن يمينه شاب حسن الوجه، وعن يساره شاب حسن الوجه وبين يديه شاب مثلهما قلت: من هؤلاء قيل: هذا علي بن أبي طالب، وهذان الحسن والحسين عن يمينه وشماله، وهذا محمد بن الحنفية بين يديه معه الراية العُظْمى، وهذا الذي خَلْفه عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب، وهؤلاء ولد عَقيل وغيرهم من فتيان بني هاشم، وهؤلاء المشايخ هم أهل بدر من المهاجرين والأنصار.
فساروا حتى نزلوا الموضع المعروف بالزاوية، فصلى أربع ركعات، وعفر خديه على التراب، وقد خالط ذلك دموعه، ثم رفع يديه يدعو: اللهم ربَّ السموات وما أظلت، والأرضين وما أقلت، ورب العرش العظيم، هذه البصرة أسألك من خيرها، وأعوذ بك من شرها، اللهم أنزلنا فيها خير منزل وأنت خير المنزلين، اللهم إن هؤلاء القوم قد خلعوا طاعتي، وَبَغَوْا علي ونكثوا بيعتي، اللهم احقن دماء المسلمين.
وبعث إليهم من يناشدهم الله في الدماء، وقال: عَلامَ تقاتلونني؟ فأبوا إلا الحرب، فبعث إليهم رجلاً من أصحابه يُقال له مسلم معه مصحف يدعوهم إلى اللّه، فرموه بسهم فقتلوه، فحمل إلى علي وقالت أمه :
ياربِّ إن مسلماً أتاهم ... يتلو كتاب اللّه لا يخشاهم
فَخضَّبُوا من دمه لحاهم ... و أمه قائمة تراهم
مبدأ القتال
(1/317)

وأمر علي رضي اللّه عنه أن يصافُّوهم، ولا يبدءوهم بقتال، ولا يرموهم بسهم ولا يضربوهم بسيف ولا يطعنوهم برمح، حتى جاء عبد اللهّ بن بديل بن ورقاء الخزاعي من الميمنة بأخ له مقتول، وجاء قوم الميسرة برجل قد رمي بسهم فقتل فقال علي: اللهم أشهد، واعذروا إلى القوم.
ثم قام عمار بن ياسر بين الصفين فقال: أيها الناس، ما أنصفتم نبيكم حين كففتم عقائلكم في الخدور وأبرزتم عقليته للسيوف، وعائشة على جَمَل في هَوْدج من دفوف الخشب قد ألبسوه المسوح وجلود البقر، وجعلوا دونه اللبود، وقد غشي على ذلك بالدروع، فدنا عمار من موضعها، فنادى: إلى ماذا تدعين؟ قالت: إلى الطلب بدم عثمان، فقال: قَاتَلَ اللّه في هذا اليوم الباغي والطالب بغير الحق، ثم قال: أيها الناس، إنكم لتعلمون أينا الدم إلى في قتل عثمان. ثم أنشأ يقول وقد رَشَقُوه بالنبل:
فمنك البكاء، ومنك العويل ... ومنك الرياح، ومنك المَطَر
وأنت أمَرْتَ بقتل الإمام ... وقاتُله عندنا مَنْ أمر
وتواتر عليه الرمي واتصل، فحرك فرسه، وزال عن موضعه وأتى علياً فقال: ماذا تنتظر يا أمير المؤمنين - وليس لك عند القوم إلا الحرب؟!.
خطبة لعلي قبل الإلتحام
فقام علي رضي اللهّ عنه في الناس خطيباً رافعاً صوته فقال: أيها الناس إذا هزمتموهم فلا تُجْهزوا على جريح ولا تقتلوا أسيراً، ولا تتبعوا مولِّياً، ولا تطلبوا مدبراً، ولا تكشفوا عورة، ولا تمثلوا بقتيل، ولا تهتكوا ستراً، ولا تقربوا شيئاً من أموالهم إلا ما تجدونه في عسكرهم من سلاح أوكراع أو عبد أو أُمة، وما سوى ذلك فهو ميراث لورثتهم على كتاب اللّه.
بين علي والزبير
وخرج علي بنفسه حاسراً على بغلة رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم لا سلاح عليه فنادى: يا زبير، أخرج إلي، فخرج إليه الزيير شاكاً في سلاحه، فقيل ذلك لعائشة، فقالت: واثُكْلَكِ يا أسماء، فقيل لها: إن علياً حاسر، فطمأنت، واعتنق كل واحد منهما صاحبه، فقال له علي: ويحك يا زبير! ما الذي أخرجك؟ قال: دم عثمان، قال: قَتَلَ اللّه أولانا بدم عثمان، أما تذكر يوم لقيت رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم في بني بَيَاضة وهو راكب حماره، فضحك إلي رسول اللهّ، وضحكت إليه، وأنت معه، فقلت أنت: يا رسول اللّه، ما يدع علي زَهْوه، فقال لك ليس به زهو: أتحبه يا زبير فقلت: إني واللّه لأحبه، فقال لك إنك واللّه ستقاتله وأنت له ظالم فقال الزبير: أستغفر اللهّ، واللّه لو ذكرتها ما خرجت، فقال له: يا زبير ارجع، فقال: وكيف أرجع الآن وقد التقت حلقَتَا البِطَان؟؛ هذا واللهّ العار الذي لا يُغْسَل، فقال: يا زبير ارجع بالعار قبل أن تجمع العار والنار فرجع الزبير وهو يقول:
اخترت عاراً على نأر مؤجَّجَةٍ ... ما إن يقوم لها خلق من الطين
نادى عليٌّ بأمر لست أجهله ... عار لعمرك في الدنيا وفي الدين
فقلت: حسبك من عَذْلٍ أبا حسن ... فَبَغْضُ هذا الذي قد قلت يكفيني
مقتل الزبير ورثاؤه
فقال ابنه عبد اللّه: أين تذهب وتَدَعُنَا؟ فقال: يا بني أذْكَرَنِي أبو الحسن بأمر كنت قد أنسيته. فقال: لا واللّه، ولكنك فررت من سيوف بني عبد المطلب، فإنها طوال حِدَاد، تحملها فتية أنجاد، قال: لا واللّه، ولكني ذكرت ما أنسانيه الدهر، فاخترت العار على النار، أبا لجبن تعيرني.
(1/318)

لا أبا لك؟ ثم أمال سنانه وشَدَ في الميمنة فقال علي: افرجوا له فقد هاجوه، ثم رجع فشدَ في الميسرة، ثم رجع فشَدَّ في القلب، ثم عاد إلي ابنه، فقال: أيفعل هذا جَبان؟ ثم مضى منصرفاً، حتى أتى وادي السباع والأحْنَفُ بن قيس معتزل في قومه من بني تميم، فأتاه آت فقال له: هذا الزبير ماراً، فقال: ما أصنع بالزبير وقد جمع بين فئتين عظيمتين من الناس يقتل بعضهم بعضاً وهو مار إلى منزله سالما؟! فلحقه نفر من بني تميم فسبقهم إليهَ عمرو بن جُرْموز، وقد نزل الزبير إلى الصلاة فقال: أتؤمُنِي أو أومك؟! فأمه الزبير فقتله عمرو في الصلاة، وقتل الزبير رضي اللّه عنه ول خمس وسبعون سنة، وقد قيل: إن الأحنف بن قيس قتله بإرساله مَنْ أرسل من قومه وقد رثته الشعراء وذكرت غدْرَ عمرو بن جُوْموزبه، وممن رثاه زوجته عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نُفَيْل أخت سعيد بن زيد، فقالت:
غَدَر َابن جرموز بفارس بُهْمَةٍ ... يوم اللقاء، وكان غير مسدد
يا عمرو، لو نَبَّهته لوجدته ... لاطائشاً رعش الحنان ولا اليد
هَبِلَتْكَ إن قلت لَمًسْلِماً ... حَلّتْ عليك عقوبة المتعمد
ما إن رأيت ولاسمعت بمثله ... فيمن مضى ممن يروح ويغتدي
وأتى عمرو علياً بسيف الزبير وخاتمه ورأسه، وقيل: إنه لم يأت برأسه، فقال علي: سيف طالما جلا الكربَ عن وجه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، لكنه الْحَينُ ومصارع السوء، وقاتلُ ابن صفية في النار، ففي ذلك يقول عمرو بن جرموز التميمي في أبيات:
أتيت علياً برأس الزبير ... وقد كنت أرجوبه الزلفه
فَبَشّرَ بالنار قبل العِيَانِ ... وبئس بشارة ذي التحف
لَسيان عنديَ قتلُ الزبير ... وضرطة عنز بذي الجحفهْ
بين علي وطلحة
ثم نادى علي رضي الله عنه طلحَةَ حين رجع الزبير: يا أبا محمد، ما الذي أخرجك؟ قال: الطلب بدم عثمان، قال علي: قتل اللهّ أولانا بدم عثمان، أما سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: " اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه " وأنت أولُ من بايعني ثم نكثت، وقد قال اللهّ عز وجل: " ومن نكث فإنما ينكث على نفسه " فقال: أستغفر اللّه، ثم رجع، فقال مروان بن الحكم: رجع الزبير ويرجع طلحة، ما أبالي رَمَيْتُ ههنا أم ههنا، فرماه في أكْحَلِه فقتله، فمر به عليٌّ بعد الوقعة في موضعه في شنطرة قرة، فوقف عليه، فقال: أنا للّه وأنا إليه راجعون، واللّه لقد كنت كارهاً لهذا أنت واللهّ كما قال القائل:
فتًى. كان يُدْنيه الغنى من صديقه ... إذا ما هو استغنى ويُبعده الفقر
شأن الثريا عُلِّقت في يمينه ... وفي خده الشعرى، وفي الأخر البدر
وذكر أن طلحة رضي الله عنه لما ولّي سُمِعَ وهو يقول:
ندامة ما ندمت وضل حلمي ... ولهفي ثم لهف أبي وأًمي
ندمت ندامة الكُسَعِيِّ لما ... طلبت رضا بني جَرْم بزعمي
وهو يمسح عن جبينه الغُبَار ويقول: " ووكان أمر اللّه قدَراً مقدورا " قيل: إنه سمع وهو يقول هذا الشعر وقد جَرَحَه في جبهته عبد الملك رماه مروان في أكحله وقد وقع صريعاً يجود بنفسه.
رجمة طلحة
وهو طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عبيد اللّه بن عمرو بن كعب بن سعد بن تَيْم بن مرة، وهو ابن عم أبي بكر الصديق، ويكنى أبا محمد، و أمه الصعبة، وكانت تحتَ أبي سفيان صخر بن حرب، كذلك ذكر الزبير بن بكار في كتابه في أنساب قريش، وقتل وهو ابن أربع وستين سنة، وقيل غير ذلك، ودفن بالبصرة، وقبره ومسجده فيها مشهور إلى هذه الغاية، وقبر الزبير بوادي السباع.
مقتل محمد بن طلحة
وقتل محمد بن طلحة مع أبيه في ذلك اليوم، ومَرَ به عليٌ فقال هذا رجل قتله بره بأبيه وطاعته له و!أن يدعى بالسَّجَّاد، وقد تنوزع في كنيته، فقال الواقدي: كان يكنى بأبي سليمان، وقال الهيثم بن عدي كان يكنى بأبي القاسم، وفيه يقولُ قاتلهُ:
وأشعث سَجَّاد بايات ربه ... قليل الأذىَ فيما ترى العين مسلم
شككت له بالرمح جيب قميصه ... فخر َّصريعا ًلليدين وللفم
(1/319)

على غير شيء غير أن ليس تابعا ... عليَّا، ومن لايَتْبَع الحق يَنْدم
يذكرني حاميم والرمح شارع ... فهلا تَلا حاميم قبل التقدم
وقد كان أصحاب الجمل حملوا على ميمنة علي وميسرته فكشفوها فأتاه بعض ولد عقيل وعليٌّ يَخْفقِ نعاساً على قَرَبُوس سرجه، فقال له يا عمر، قد بلغت ميمنتك وميسرتك حيث ترى، وأنت تخفق نعاسا؟ً قال: اسكت يا ابن أخي، فإن لعمك يوماً لا يعدوه، واللّه ما يبالي عمك وقع على الموت أو وقع الموت عليه، ثم بعث إلى ولده محمد بن الحنفية، وكان صاحب رايته: أحمل على القوم فأبطأ محمد بحملته وكان بإزائه قوم من الرماة ينتظر نفاد سه أمه م، فأتاه علي فقال: ها حملت، فقال: لا أحد متقدَّماً إلا على سهم أو سنان، وإني منتظر نَفَاد سه أمه م وأحمل، فقال له: احمل بين الأسنة؛ فأن الموت عليك جنة، فحمل محمد، فشك بين الرماح والنشاب فوقف، فأتاه علي فضربه بقائم سيفه وقال: أدركك عِرْق من أمك، وأخذ الراية وحمل، وحمل الناس معه، فما كان القوم إلا كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، وأطافت بنو ضبة بالجمل وأقبلوا يرتجزون ويقولون:
نحن بنو ضبة أصحاب الجمل ... ننازل الموت إذا الموت نزل
ردُوا علينا شيخنا ثم بَجَلْ ... نَنْعَى ابْنَ عفان بأطراف الأسل
والموت أحلى عندنا من العسل
وقطع علي خطام الجمل سبعون يداً، من بني ضبة منهم سعد بن مود القاضي متقلداً مصحفاً، كلما قطعت يد واحد منهم فصُرِع قام آخر أخذ الخطام وقال: أنا الغلام الضبي، ورُمي الهودج بالنشَّاب والنبل حتى صار كأنه قنفذ، وعرقب الجمل وهو لا يقع وقد قطعت أعضاؤه وأخذته أسيوف حتى سقط، ويُقال: إن عبد اللّه بن الزبير قبض على خطام أجمل، فصرخت عائشة - وكانت خالته - : واثُكْلَ أسماء، خلِّ الخطام، ناشدته، فخلّى عنه، ولما سقط الجمل ووقع الهودج جاء محمد بن أبي بكر، فأدخل يده فقالت: من أنت؟ قال: أقرب الناس منك قرابة، أبغضهم إليك، أنا محمد أخوك، يقول لك أمير المؤنين هل أصابك شيء؟ قالت: ما أصابني إلا سهم لم يضرني، فجاء علي حتى وقف عيها، فضرب الهودج بقضيب، وقال: يا حُميراء، رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم أمرك بهذا؟ ألم يأمرك أن تقري في بيتك؟ والله ما أنصفك الذين أخرجوك إذ صانوا عقائلهم وأبرزوك، وأمر أخاها محمداً فأنزلها في دار صفية بنت الحارث بن طلحة العبدي وهي أم طلحة الطلحات ووقع الهودج والناس متفرقون يقتتلون، والتقى الأشتر مالك بن الحارث النخعي وعبد الله بن الزبير فاعتركا وسقطا على الأرض عن فرسيهما وطال اعتراكهما على وجه الأرض، فعلاه الأشتر ولم يجد سبيلاً إلى قتله لشدة اضطرابه من تحته والناس حولهما يجولون، وابن الزبير ينادي:
اقتلوني ومالكاً ... واقتلوا مالكاً معي
فلا يسمعه أحد لشدة الجلاد ووقع الحديد على الحديد ولا يراهما رَاءٍ لظلمة النَقع، وترادف العَجَاج، وجاء ذو الشهادتين خزيمة بن ثابت إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين، لا تنكس اليوم رأس محمد، واردد إليه الرايَةَ، فدعا به، وردَّ عليه الراية، وقال:
اطعنهم طعن أبيك تحمد ... لاخير في الحرب إذا لم توقد
بالمشرفِيِّ والقنا المسرَّدِ
ثم استسقى، فأتى بعسل وماء، فحسا منه حُسْوَة، وقال: هذا الطائفي، وهو غريب بهذا البلد، فقال له عبد اللهّ بن جعفر: أما شَغَلَكَ ما نحن فيه عن علم هذا؟ قال: إنه واللّه يا بني ما مَلأ صدر عمّك شيء قط من أمر الدنيا.
دخول علي البصرة
ثم دخل البصرة، وكانت الوقعة في الموضع المعروف بالْخُريْبة وذلك يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الأخرة سنة ست وثلاثين، على حسب ما قدمنا آنفاً من التاريخ، وخطب الناس بالبصرة خطبته الطويلة التي يقول فيها: يا أهل السبخة يا أهل، المؤتفكة ائتفكت بأهلك من الدهر ثلاثاً، وعلى اللّه تمام الرابعة، يا جُنْد المرأة، يا أتباع البهيمة، رغا فأجبتم، وعقر فانهزمتم، أخلاقكم رقاق، وأعمالكم نفاق، ودينكم زيغ وشقاق، وماؤكم أجاج وزُعَاق، وقد ذم عليّ أهل البصرة بعد هذا الموقف مراراً كثيرة.
بين ابن عباس وعائشة
(1/320)

وبعث بعبد اللّه بن عباس إلى عائشة يأمرها بالخروج إلى المدينة، فدخل عليها بغير إذنها، واجتذب وسادة فجلس عليها، فقالت له: يا ابن عباس أخطأت السنة المأمور بها، دخلت إلينا بغير إذننا، وجلست على رحلنا بغير أمرنا فقال لها: لو كنت في البيت الذي خلفك فيه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ما دخلنا إلا بإذنك، وما جلسنا على رحلك إلا بأمرك، وإن أمير المؤمنين يأمرك بسرعة الأوبة، والتأهب للخروج إلى المدينة، فقالت: أبَيْتُ ما قلت وخالفت ما وصفت، فمضى إلى علي، فخبره بامتناعها، فردَه إليها، وقال: إن أمير المؤمنين يعزم عليك أن ترجعي، فأنعمت وأجابت إلى الخروج، وجهزها علي وآتاها في اليوم الثاني ودخل عليها ومعه الحسن والحسين وباقي أولاده وأولاد إخوته وفتيان أهله من بني هاشم وغيرهم من شيعته من هَمْدَأن؛ فلما بصرت به النسوان صحن في وجهه وقلن: يا قاتل الأحبة، فقال: لو كنت قاتل الأحِبَّةِ لقتلت مَنْ في هذا البيت، وأشار إلى بيت من تلك البيوت قد اختفى فيه مروان بن الحكم وعبد اللّه بن الزبير وعبد الله بن عامر وغيرهم، فضرب مَنْ كان معه بأيديهم إلى قوائم سيوفهم لما علموا مَنْ في البيت مخافة أن يخرجوا منه فيغتالوه، فقالت له عائشة بعد خطب طويل كان بينهما: إني أحب أن أقيم معك فأسير إلى، قتال عدوك عند سيرك، فقال: بل ارجعي، الذي، البيت الذي تركك فيه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فسألته أن يؤمِّنَ ابن أختها عبد الله بن الزبير، فأمنه، وتكلم الحسن والحسين في مروان، فأمنه، وأمن الوليد بن عقبة وولد عثمان وغيرهم من بني أمية، وأمَّنَ الناس جميعاً، وقد كان نادى يوم الوقعة: من ألقى سلاحه فهو آمن، ومن دخل داره فهو آمن.
حزن علي على القتلى
واشتد حزن عليٍّ على من قتل من ربيعه قبل وروده البصرة، وهم الذين قتلهم طلحة والزبير من عبد القيس وغيرهم من ربيعه، وجدَّد حزنه قتل زيد بن صوحان العبدي قتله في ذلك اليوم عمرو بن سبرة، ثم قتل عمار بن ياسر عمرو بن سبرة في ذلك اليوم أيضاً، وكان علي يكثر من قوله:
يالَهْفَ نفسي على ربيعه ... ربيعه السامعة المطيعه
وخرجت امرأة من عبد القيس تطوف في القتلى، فوجدت ابنين لها قد قتلا، وقد كان قُتِلَ زوجها وأخوان لها فيمن قتل قبل مجيء علي البصرة، فأنشأت تقول:
شهدت الحروب فشيبنني ... فلم أر يوما ًكيوم الجمل
أضر على مؤمن فتنةً ... وأقتله لشجاع بطل
فليت الظعينة في بيتها ... وليتك عسكر لم ترتحل
وقد ذكر المدائني أنه رأى بالبصرة رجلاً مصطلم الأذن، فسأله عن قصته، فذكر أنه خرج يوم الجمل ينظر إلى القتلى، فنظر إلى رجل منهم يخفض رأسه ويرفعه وهو يقول:
لقد أوردَتْنَا حومَةَ الموتِ امُنَا ... فلم تنصرف إلا ونحن رِوَاء
أطعنا بني تَيْمٍ لشقوة جدنا ... وما تيم إلا أعبدٌ وإماء
فقلت: سبحان اللّه! أتقول هذا عند الموت؟ قل لا إلهَ إلا اللّه، فقال: يا ابن اللَّخْنَاء، إياي تأمر بالجزع عند الموت؟ فولَّيْتُ عنه متعجباً منه، فصاح بي ادْنُ منى ولقني الشهادة، فصرت إليه، فلما قربت منه استدناني، ثم التقم أذني فذهب بها، فجعلت ألعنه وأدعو عليه، فقال: إذا صرت إلى أمك فقالت مَنْ فعل هذا بك؟ فقل عمير بن الأهلب الضبي مخدوع المرأة التي أرادت أن تكون أمير المؤمنين.
خروج عائشة من البصرة
(1/321)

وخرجت عائشة من البصرة، وقد بعث معها علي أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر وثلاثين رجلا وعشرين امرأة من ذوات الدين من عبد القيس وهَمْدَان وغيرهما، ألبسهن العمائم وقلدهن السيوف، وقال لهن: لا تُعْلِمْنَ عائشة أنكن نسوة وتَلَثَّمْنَ كأنكن رجال، وكُنَّ اللاتي تلين خدمتها وحملها، فلما أتت المدينة قيل لها: كيف رأيت مسيرك؟ قالت: كنت بخير واللّه، لقد أعطى علي بن أبي طالب فأكثر، ولكنه بعث معي رجالا أنكرتهم فعرفها النسوة أمرهن، فسجدت وقالت: ما ازدَدْتَ واللّه يا ابن أبي طالب إلا كرماً، وددت أني لم أخرج وإن أصابتني كيت وكيت من أمور ذكرتها شاقة، وإنما قيل لي: تخرجين فتصلحين بين الناس، فكان ما كان، وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب أن الذي قتل من أصحاب علي في ذلك اليوم خمسة الاف نفس ومن أصحاب الجمل وغيرهم من أهل البصرة وغيرهم ثلاثة عشر ألفاً، وقيل غير ذلك.
ووقف عليٌّ على عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية وهو قتيل يوم الجمل فقال: لهفي عليك يَعْسُوبَ قريش، قتلت الغطاريف من بني عبد مناف، شفَيت نفسي وجدعت أنفي، فقال له الأشتر: ما أشد جَزَعَكَ عليهم يا أمير المؤمنين وقد أرادوا بك ما نزل بهم! فقال: إنه قامت عني وعنهم نسوة لم يقمن عنك وقد كان قَتَلَهُ في ذلك اليوم الأشتر النخعي وأصيب كف ابن عتاب بمنًى وقيل باليمامة ألقتها عُقَاب وفيها خاتم نَقْشُه عبد الرحمن بن عتاب وكان اليوم الذي وجد فيه الكف بعد يوم الجمل بثلاثة أيام.
ودخل علي بيت مال البصرة في جماعة من المهاجرين والأنصار، فنظر إلى ما فيه من العين والورق فجعل يقول: يا صفراء، غُري غيري ويا بيضاء، غري غيري وأدام النظر إلى المال مفكراً، ثم قال: أقسموه بين أصحابي ومن معي خمسمائة خمسمائة، ففعلوا فما نقص درهم واحد، وعدد الرجال اثنا عشر ألفاً.
وقبض ما كان في معسكرهم من سلاح ودابة ومتاع وآلة وغير ذلك فباعه وقسمه بين أصحابه، وأخذ لنفسه كما أخذ لكل واحد ممن معه من أصحابه وأهله وولده خمسمائة درهم، فأتاه رجل من أصحابه فقال: يا أمير المؤمنين إني لم آخذ شيئاً، وخلفني عن الحضور كذا، وأدْلى بعذر، فأعطاه الخمسمائة التي كانت له.
وقيل لأبي لَبيد الجهضمي من الأزد: أتحب عليا؟ قال: وكيف أحب رجلاً قتل من قومي في بعض يوم ألفين وخمسمائة، وقتل من الناس حتى لم يكن أحد يعزي أحداً، واشتغل أهل كل بيت بمن لهم؟
مسيره إلى الكوفة
وولّى علي على البصرة عبد الله بن عباس، وسار إلى الكوفة، فكان دخوله إليها لأثنتي عشرة ليلة مضت من رجب؛ وبعث إلى الأشعث بن قيس يعزله عن أذربيجان وأرمينية، وكان عاملاً لعثمان عليها، وصرف عن همدان جرير بن عبد اللّه البجلي، وكان عاملاً لعثمان، فكان في نفس الأشعث على عليّ ما ذكرنا من العزل، وما خاطبه به حين قدم عليه فيما اقتطع هنالك من الأموال.
علي يبعث إلى معاوية
(1/322)

ووجَّه بجرير بن عبد اللّه إلى معاوية وقد كان الأشتر حَذره من ذلك، وخوفه من جرير، وقد كان جرير قال لعليّ: ابعثني إليه، فإنه لم يزل لي مستنصحاً وواداً، فاتيه وأدعوه إلى أن يسلم لك هذا الأمر، وأدعوا أهل الشام إلى طاعتك، فقال الأشتر: لا تبعثه ولا تصدقه، فواللهّ إني لأظن هواه هواهم ونيته نيتهم، فقال علي: دعه حتى ننظر ما يرجع به إلينا، فبعث به وكتب إلى معاوية معه يعلمه مبايعة المهاجرين والأنصار إياه واجتماههم عليه، ونكث الزبير وطلحة، وما أوقع اللهّ بهما، ويأمره بالدخول في طاعته، ويعلمه أنه من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة، فلما قدم عليه جرير دافعه وساءله أن ينتظره وكتب إلى عمرو بن العاص على ما قدمنا فقدم عليه فأعطاه مصر طُعْمَة على ما قدمنا في صدر هذا الباب، فأشار إليه عمرو بالبعث إلى وجوه الشام وأن يُلْزِم علياً دم عثمان، ويقاتله بهم؛ فقدم جرير على علي فأخبره خبرهم، واجتماع أهل الشام مع معاوية على قتاله، وأنهم يبكون على عثمان ويقولون: إن علياً قتله، واوى قتلته ومنع منهم، وإنهم لا بُدَّ لهم من قتاله حتى يفنوه أو يفنيهم، فقال الأشتر: قد كنت أخبرتك يا أمير المؤمنين بعداوته وغشه، ولو بعثتني لكنت خيراً من هذا الذي أرخى خناقه وأقام حتى لم يدع باباً نرجو روحه إلا فتحه، ولا باباً يخاف منه إلا أغلقه، فقال جرير: لو كنت ثم لقتلوك، والله لقد ذكروا أنك من قتلة عثمان، قال الأشتر: لو أتيتهم والله يا جرير لم يُعْيِنِي جوابهم، ولا ثقل علي خطابهم، ولحملت معاوية على خطة أعجلْتُه فيها عن الفكر، ولو أطاعني أمير المؤمنين فيك لحبسك وأشباهك في محبس فلا تخرجون منه حيت يستقيم هذا الأمر.
فخرج جرير عند ذلك إلي بلاد قرقيسيا والرحبه من شاطئ الفرات، وكتب إلى معاوية يعلمه بما نزل به، وأنه أحَبًّ مجاورته والمقام في داره، فكتب إليه معاوية يأمره بالمسير إليه.
بين المغيرة ومعاوية
وبعث معاوية إلى المغيرة بن شُعْبة الثقفي - عند منْصَرَف علي من الجمل، وقبل مسيره إلى صِفَينَ - بكتاب يقول فيه: لقد ظهر من رأي ابن أبي طالب ما كان تقدم من وعْده لك في طلحة والزبير، فما الذي بقي من رأيه فينا؟ وذلك أن المغيرة بن شعبة لما قتل عثمان وبايع الناسُ علياً دخل عليه المغيرة فقال: يا أمير المؤمنين، إن لك عندي نصيحة، فقال: وما هي؟ قال: إن أردت أن يستقيم لك ما أنت فيه فاستعمل طلحة بن عبيد اللّه على الكوفة، والزبير بن العوام على البصرة، وابعث إلى معاوية بعده عَلَى الشام حتى تلزمه طاعتك، فإذا استقر قرارها رأيت فيه رأيك، قال: أما طلحة والزبير فسأرى رأي فيهما، وأما معاوية فلا واللّه لا يراني اللّه أستعين به ما دام على حاله أبداً، ولكني أدعوه إلى ما عرفته، فإن أجاب وإلا حاكمته إلى الله، فانصرف المغيرة مغضباً وقال:
نصحت علياً في ابن هند مقالَة ... فردت، فلا يسْمَعْ لها الدهر ثانيه
وقلت له: أرسل إليه بعهده ... عَلَى الشام، حتى يستقر معاوية
ويعلم أهْلُ الشام أن قد مَلَكْته ... وأم ابن هند عند ذلك هاويه
فلم يقبل النصح الذي جئته به ... وكانت له تلك النصيحة كافيه
قال المسعودي رحمه اللّه: وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب ما كان من المغيرة مع علي، وما أشار به، وهذا أحد الوجوه المروية في ذلك.
فهذه جوامع ما يُحْتَاج إليه من أخبار يوم الجمل وما كان فيه، دون الإكثار والتطويل وتكرار الأسانيد في ذلك والله ولي التوفيق.
ذكر جوامع مما كان بين أهل العراق
وأهل الشام بصفين
قال المسعودي رحمه الله: قد ذكرنا جملا وجوامع من أخبار علي رضي الله عنه بالبصرة، وما كان يوم الجمل؛ فلنذكر الآن جوامع من سيره إلى صِفينَ، وما كان فيها من الحروب، ثم نعقب ذلك بشأن الحكمين والنَهْرَوَان، ومقتله عليه السلام.
مسيره إلى صفين
وكان سير علي من الكوفة إلى صِفِّينَ لخمس خَلَوْنَ من شوال سنة ست وثلاثين، واستخلف على الكوفة أبا مسعود عُقْبَة بن عامر الأنصاري فاجتاز في مسيره بالمدائن، ثم أتى الأنبار، وسار حتى نزل الرقة، فعُقِدَ له هنالك جسر، فعبر إلى جانب الشام.
عدد جيشه
(1/323)

وقد تنوزع في مقدأرما كان معه من الجيش، فمكثر و مقلل، والمتفق عليه من قول الجميع تسعون ألفاً، وقال رجل من أصحاب علي لما استقروا مما يلي الشام من أبيات كتب بها إلى معاوية حيث يقول:
اثْبُتْ معاوي قد أتاك الْحَافِلُ ... تِسْعُونَ ألفاً كلهم مُقَاتِلُ
عَمَّا قليل يَضْمَحِل البَاطِلُ
جيش معاوية
وسار معاوية من الشام، وقد تنوزع في مقدار من كان معه أيضاً فكثر ومقلل، والمتفق عليه من قول الجميع خمس وثمانون ألفَاَ، فسبق عليّاً إلى صِفينَ، وعسكر في موضع سهل أفْيَحَ اختاره قبل قدوم علي، على شريعةٍ لم يكن على الفرات في ذلك الموضع أسهل منها للوارد إلي الماء، وما عداها أخراق عالية، ومواضع إلى الماء وَعْرة، ووكل أبا الأعور السلمي بالشريعة مع أربعين ألفاً، وكان على مقدمته، وبات عليٌّ وجيشه في البر عطاشاً قد حيل بينهم وبين الورود إلى الماء فقال عمرو بن العاص لمعاوية: إن علياً لا يموت عطشاً هو وتسعون ألفاً من أهل العراق وسيوفهم على عواتقهمِ، ولكن دَعْهُم يشربون ونشرب، فقال معاوية: لا واللّه يموتوا عطشاَ كما مات عثمان، وخرج علي يدور في عسكره بالليل. فسمع قائلاً وهو يقول:
أيمنعنا القوم ماء الفرات ... وفينا عليٌّ وفينا الهدى؟
وفينا الصلاة، وفينا الصيام ... وفينا المناجون تحت الدجى
ثم مر بآخر عند راية ربيعه، وهو يقول:
أيمنعنا القَوْم ماء الفرَات ... وفينا الرِّمَاح وفينا الْحَجَف
وفينا علي لَهُ صولة ... إذا خَوَّفُوه الدرى لم يخف
ونحن غادة لقِينَا الزبير ... وطلحة خُضْنَا غِمَارَالتلف
فما بالنا أمْس أسْدَ العرين ... وما بالنا اليوم شَاءَ النَّجَفْ
وألقى في فسطاط الأشعث بن قيس رقعة فيها:
لئن لم يُجَلِّ الأشعثُ اليومَ كربة ... من الموت فيها للنفوس تَفَلُّت
فنشرب من ماءِ الفراتِ بسيفه ... فَهَبْنَا انَاساً قَبلُ كانوا فموتُوا
فلما قرأها حَمِيَ وأتى عَلِيّاً رضي اللّه عنه، فقال له: أخرج في أربعة آلاف من الخيل حتى تهجم بهم في وسط عسكر معاوية فتشرب وتستقي أصحابك أو تموتوا عن أخركم، وأنا مُسَيّر الأشترَ في خيل ورَجَّالة وراءَكَ، سار الأشعث في أربعة آلاف من الخيل وهو يقول مرتجزاً:
وْرِدَنَّ خيليَ الفراتا ... شُعْثَ النَّوَاصِي أو يُقال ماتا
ثم دعا عليّ الأشتَرَ فَسَرَّحه في أربعة آلاف من الخيل والرجَّالة، صار يؤم الأشعث وصاحب رايته وهو رجل من النَّخَع وهو يرتجز ويقول:
أشتر الخيرات يا خير النَّخَع ... وصاحِبَ النصر إذا عًمّ الفزع
قد جَزِعَ القَوْمُ وَعُمُّوا بالفزع ... إن تَسْقِنَا اليوم فما هو بالبدع
ثم سار عليّ رضي اللّه عنه وراء الأشتر بباقي الجيش، ومضى الأشعث فما رد وَجْهَه أحد حتى هجم علىِ عسكر معاوية، فأزال أبا الأعور عن الشريعة، وَغَرَّقَ منهم بشراً وخيلاَ، وأورد خيله الفرات، وذلك أن الأشعث داخلته الحمية في هذا اليوم، وكان يقدم رمحه ثم يحث أصحابه فقول: ازحموهم مقدار هذا الرمح، فيزيلوهم عن ذلك المكان، فبلغ ذلك من فعل الأشعث عليّاً، فقال: هذا اليوم نصرنا فيه بالحمية، وفي ذلك يقول رجل من أهل العراق:
كَشَفَ الأشعث عنا ... كُرْبَةَ الموت عِيَانَا
بعد ما طارت طلاقا ... طيرةً مست لهَانَا
فلهُ المَنٌّ علينا ... وبه دارت رَحَانَا
وارتحل معاوية عن الموضع، وورد الأشتر، وقد كشف الأشعث القوم عن الماء، وأزالهم عن مواضعهم، وورد علي فنزل في الموضع الذي كان فيه معاوية فقال معاوية لعمرو بن العاص: يا أبا عبد اللّه، ما ظنك بالرجل أتراه يمنعنا الماء لمنعنا إياه؟ وقد كان انحاز بأهل الشام إلى، ناحية في البرَنائية عن الماء، فقال له عمرو: لا، إن الرجل جاء لغير هذا، وإنه لا يرضى حتى تدخل في طاعته أو يقطع حبل عاتقك، فأرسل إليه معاوية يستأذنه في وروده مشرعته واستقاء الناس من طريقه ودخول رسله في عسكره، فأباحه عليٌّ كل مل أسأل وطلب منه.
(1/324)

ولما كان أول يوم من ذي الحجة - بعد نزول عليّ على هذا الموضع بيومين - بعث إلى معاوية يدعوه إلى اتحاد الكلمة والدخول في جماعة المسلمين، وطالت المراسلة بينهما، فاتفقوا على الموادعة إلى آخر المحرم من سنة سبع وثلاثين، وامتنع المسلمون عن الغزو في البحر والبر لشغلهم بالحروب، وقد كان معاوية صالح ملك الروم على مالٍ يحمله إليه لشغله بعلي، ولم يتم بين علي ومعاوية صلح على غير ما اتفقا عليه من الموادعة في المحرم، وعَزَم القوم على الحرب بعد انقضاء المحرم ففي ذلك يقول حابس بن سعد الطائي صاحب راية معاوية:
فما دون المنايا غير ُسبع ... بقين من المحرم أوثمان
مبدأ الحرب
ولما كان في اليوم الأخر من المحرم قبل غروب الشمس بعث عليٌّ إلى أهل الشام: إني قد احتججت عليكم بكتاب اللّه، ودعوتكم إليه، وإني قد نبذت إليكم على سَوَاء، إن اللّه لا يهدى كيد الخائنين، فلم يردوا عليه جواباً إلاَّ السيف بيننا وبينك أو يهلك الأعجز منا.
وأصبح علي يوم الأربعاء - وكان أول يوم من صفر - فعبأ الجيش، وأخرج الأشتر أمام الناس، وأخرج إليه معاوية - وقد تصافَّ أهل الشام وأهل العراق - حبيبَ بن مسلمة الفهري، وكان بينهم قتال شديد سائر يومهم، وأسفرت عن قتلى من الفريقين جميعاً، وانصرفوا.
فلما كان يوم الخميس - وهو اليوم الثاني - أخرج علي هاشم بن عتبة بن أبي وقاص الزهري المِرْقَال، وهو ابن أخي سعد بن أبي وقاص، وإنما سمي المِرْقَالَ لأنه كان يرقل في الحرب، وكان أعور ذهبت عينه يوم اليرموك، وكان من شيعة علي، وقد أتينا على خبره في اليوم الذي ذهبت فيه عينه، وحسن بلائه في ذلك اليوم، في الكتاب الأوسط في فتوح الشام، فأخرج إليه معاوية أبا الأعور السُلَمي وهو سفيان بن عوف وكان من شيعة معاوية والمنحرفين عن علي، فكانت بينهم الحرب سِجَالاً، وانصرفوا في آخر يومهم عن قتلى كثير.
وأخرج علي في اليوم الثالث - وهو يوم الجمعة - أبا اليقظان عمار بن ياسر في عدة من البدريين وغيرهم من المهاجرين والأنصار فيمن تسرع منعهم من الناس، وأخرج إليه معاوية عمرو بن العاص في تَنُوخَ وبَهْرَاء وغيرهما من أهل الشام، فكانت بينهم سجالاً إلى الظهر، ثم حمل عمار بن ياسر فيمن ذكرنا، فأزال عمراً عن موضعه وألحقه بعسكر معاوية، وأسفرت عن قتلى كثيرة من أهل الشام ودونهم من أهل العراق.
وأخرج علي في اليوم الرابع - وهو يوم السبت - ابنه محمد بن الحنفية في هَمْدَان وغيرها ممن خفَّ معه من الناس، فأخرج إليه معاوية عبيد الله بن عمر بن الخطاب في حمير ولْخَم وجُذَام، وقد كان عبيد الله بن عمر لحق بمعاوية خوفاً من علي أن يقيدة بالهرمزان - وذلك أن أبا لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة قاتل عمر، وكان في أرض العجم غلاماً للهرمزان، فلما قُتل عمر شدَ عبيد الله عَلَى الهرمزان فقتله، وقال: لا أترك بالمدينة فارسياً ولا في غيرها إلا قتلته بأبي، وكان الهرمزان عليلاً في الوقت الذي قتل فيه عمر - فلما صارت الخلافة إلى عليّ أراد قتل عبيد الله بن عمر بالهرمزان لقتله إياه ظلماً من غير سبب استحقه فلجأ إلى معاوية، فاقتتلوا في ذلك اليوم، وكانت عَلَى أهل الشام، ونجا ابن عمر في اخر النهار هرباً.
وأخرج عليّ في اليوم الخامس - وهو يوم الأحد - عبد الله بن العباس فأخرج إليه معاوية الوليد بن عقبة بن أبي مُعَيْط، فاقتتلوا، وأكثر الوليد من سب بني عبد المطلب بن هاشم، فقاتله ابن عباس قتالاً شديداً، وناده ابرز إلي يا صفوان، وكان لَقَبَ الوليد، وكانت الغَلَبة لابن عباس، وكان يوما ًصعباً.
وأخرج علي في اليوم السادس - وهو يوم الاثنين - سعيد بن قيس الهمداني، وهو سيد همدان يومئذ، فأخرج إليه معاوية ذا الكَلاَع، وكان بينهما إلى أخر النهار، وأسفرت عن قتلى، وانصرف الفريقان جميعا.
وأخرج عليّ في اليوم السابع - وهو يوم الثلاثاء - الأشتر في النخعَ وغيرهم، فأخرج إليه معاوية حبيب بن مسلمة الفهرى، فكانت الحرب بينهم سجالاً، وصبر كلا الفريقين وتكافئوا وتواقفوا للموت ثم انصر الفريقان وأسفرت عن قتلى منهما، والجراح في أهل الشام أعم.
خروج علي للقتال
وخرج في اليوم الثامن - وهو يوم الأربعاء - علي رضي اللّه تعالى - بنفسه في الصحابة من البدريين وغيرهم من المهاجرين والأنصار وربيعه وهمدان.
(1/325)

قال ابن عباس: رأيت في هذا اليوم عليَاَ وعليه عمامة بيضاء، وكانَ عينيه سراجا سَليطٍ، وهو يقف على طوائف الناس في مراتبهم يحثهم و يحرضهم، حتى انتهى إلي وأنا في كثيف من الناس، فقال: يا معشر المسلمين، عموا الأصوات، وأكْمِلوا الأمة، واستشعروا الخشية، أقلقوا السيوف في أجفان قبل السَّلة، والحظوا الشَّزْر، واطعنوا لهبره، ونافخوا بالظباء، وصلوا السيوف بالخط والنبال بالرماح، طيبوا عن أنفسكم أنفساً، فإنكم بعين الله، ومع ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، عاودوا لكرَّ، واستقبحوا الفرَّ، فإنه عارٌ في الأعقاب، ونارٌ يوم الحساب ودونكم هذا السواد الأعظم، والرواق المُطَنَّب، فاضربوا نَهْجَه، فإن الشيطان راكب صعيده، مفترش ذراعيه، قد قَدَّم للوثبة يداً وأخَّرَ للنكوص رجلأ، فصبراً جميلاً حتى تنجلي عن وجه الحق، وأنتم الأعلون واللّه معم ولن يَتِرَكم أعمالكم.
وتقدم علي للحرب على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم الشَّهْبَاء، وخرج مُعاوية في عدد أهل الشام، فانصرفوا عند المساء وكلٌّ غير ظافر.
وخرج في اليوم التاسع - وهو يوم الخميس - عليّ، وخرج معاوية، فتتلوا إلى ضحوة من النهار، وبرز أمام الناس عبيد اللّه بن عمر بن لخطاب في أربعة آلاف من الخضرية معممين بشقاق الحرير الأخضر مقدمين للموت يطلبون بدم عثمان، وابن عمر يقدمهم وهو يقوك:
أنا عُبَيد اللّه يَنْمِيني عُمَر ... خير قريش مَنْ مضى ومن غَبَرْ
غير نبي اللّه والشيخ الأغر ... قد أبطأت في نصر عثمان مضَر
ْوالربعيون، فلا اسقوا المطر
فناداه علي: ويحك يا ابن عمر، علام تقاتلني؟ واللهّ لو كان أبوك حياً ما قاتلني، قال، أطالب بدم عثمان، قال: أنت تطلب بدم عثمان واللهّ يطلبك بدم الهرمزان، وأمر عليّ الأشْتَرَ النخعي بالخروج إليه فخرج الأشتر إليه وهو يقول:
إني أنا الأشتر معروف السير ... إني أنا الأفعى العراقيًّ الذكر
لستَ من الحي ربيع أو مضر ... لكنني من مَذْحِج البيض الغرر
فانصرف عنه عبيد اللهّ ولم يبارزه، وكثرت القتلى يومئذ.
عمار بن ياسر
وقال عمار بن ياسر: إني لأرى وجوه قوم لا يزالون يقاتلون حتى يرتاب المبطلون، واللّه لو هزمونا حتى يبلغوا بنا سَعَفَات هَجَر لكنا على الحق وكانوا على الباطل.
وتقدم عمار فقاتل ثم رجعٍ إلى موضعه فاستسقى، فأتته امرأة نساء بني شيبان من مصافهم بُعسّ فيه لبن، فدفعته إليه، فقال: الله أكبر اللّه أكبر، اليوم ألقى الأحبة تحت الأسنة، صدق الصادق، وبذلك أخبرني الناطق، وهو اليوم الذي وُعِدْتُ فيه، ثم قال: أيها الناس، ! من رائح إلى اللهّ تحت العوالي؟ والذي نفسي بيده لنقاتلنهم على تأويله كما قاتلناهم على تنزيله، وتقدم وهو يقول:
نحن ضربناكم على تنزيله ... قاليوم نضربْكُم على تأويله
ضرْباً يزيل الهام عن مَقِيلِه ... ويُذْهِلُ الخليلَ عن خليله
أو يرجعَ الحقُّ إلى سبيله
فتوسط القوم، واشتبكت عليه الأسنة، فقتله أبو العادية العاملي وابن جون السكسكي، واختلفا في سَلَبه،فاحتكما إلى عبد اللّه بن عمرو بن العاص، فقال لمهما: أخرجا عني، فإني سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول، أو قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وولعت قريش بعمار " ما لهم ولعمار؟ يدعوهم إلى جنة ويدعونه إلى النار " وكان قتله عند المساء وله ثلاث وتسعون سنة، قبره بصفين وصلى عليه عليّ عليه السلام ولم يغسله، وكان يغير شيبه. قد تنوزع في نسبه فمن الناس من ألحقه ببني مخزوم، ومنهم من رأى أنه من خُلَفَائهم، ومنهم من رأى غير ذلك، وقد أتينا على خبره في كتاب أخر الأخبار وطرائف الآثار عند ذكرنا الاشتراط الخمسين الذين بايعوا عليّاً على الموت، وفي قتله يقول الحجاج ابن عُزَية الأنصاري أبياتاً رَثَاه بها:
يا للَرِّجَال لعين دمْعُهَا جاري ... قَدْ هَاجَ حُزْنِي أبو اليقظان عَمَّار
أهوى إليه أبوحَوَّا فوارسه ... يدعو السكون وللجيشين إعصار
فاختلَّ صدر أبي اليقظان معترضا ... للرمح، قد وجَبَتْ فينا له النار
(1/326)

الله عن جمعهم لاشك كان عَفَا ... أتَتْ بذلك آيات وآثار
من ينزع اللّه غلا من صدورهم ... على الأسرة لم تمسسهم النار
قال النبي له تقتلك شرذمة ... سيطت لحومهمُ بالبغي، فُجَّار
فاليوم يعرف أهل الشام أنهم ... أصحاب تلك وفيها النار والعار
ولما صرع عمار تقدم سعيد بن قيس الهمداني في همدان، وتقدم قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري في الأنصار وربيعه، وعدي بن حاتم في طيى وسعيد بن قيس الهمداني في أول الناس، فخلطوا الجمع بالجمع، واشتدَّ القتال وحطمت همدان أهل الشام حتى قذفتهم إلى معاوية، وقد كان معاوية صَمَدَ فيمن كان معه لسيعيد بن قيس ومن معه من همدان، وأمر عليّ الأشتر أن يتقدم باللواء إلى أهل حمص وغيرهم من أهل قنسرين، فأكثر القتل في أهل حمص وقنسرين بمن معه من القراء، وأبْلى المِرْقَال يومئذ بمن معه فلا يقوم له شيء، وجعل يرقل كما يرقل الفحل في قيده، وعليُّ وراءه يقول له: يا أعور، لا تكن جباناً، تقدم، والمِرْقَال يقول:
قد أكثر القومُ وما أقَلّاَ ... أعور يبغي أهله محل
ا قد عالج الحياة حتى مَلّا ... لا بدَ أنْ يَفُلَّ أوْ يُفَلّا
أشُلُّهُمْ بذي الكعوب شَلا
ثم صمد هاشم بن عتبة المِرْقال لذي الكَلاَع وهو في حمير، فحمل عليه صاحب لواء ذي الكَلاع، وكان رجلا من عُذْرَة وهو يقول:
أثبت فإني لست من فَرعِيْ مضر ... نحن اليمانيون ما فينا ضجر
كيف ترى وقع غلام من عذر ... ينعى ابن عفان ويَلْحى من غدر
يا أعور العين رمى فيها العور ... سيان عندي من سعى ومن أمر
مصرع هاشم المرقال
فاختلفا طعنتين، فطعنه هاشم المرقال فقتله، وقتل بعده تسعة عشر رجلا، وحمل هاشم المرقال وحمل ذو الكلاع ومع المرقال جماعة من أسلم قد ألوا أن لا يرجعوا أو يفتحوا أو يقتلوا، فاجتلد الناس، فقتل هاشم المرقال، وقتل ذو الكلاع جميعاً، فتناول ابن المرقال اللواء حين قبل أبوه في وسط المعركة وكر في الْعَجَاج وهو يقول:
يا هاشم بن عتبة بن مالِك ... أعْزِز ْبشيخ من قريش هالك
خبطه الخيلاتُ بالسنابك ... أبْشِرْ بحور العين في الأرائك
والرّوْح والزيحان عند ذلك
ووقف علي رضي اللّه عنه عند مصرع المِرْقَال ومَنْ صرع حوله من الإسلاميين وغيرهم، فدعا لهم وترحَّمَ عليهم، وقال من أبيات:
جزى اللّه خيراً عصبة أسلمية ... صباح الوجوه صُرِّعُوا حول هاشم
يزيد وعبد اللّه بشر بن معبد ... وسفيان وابنا هاشم ذي المكأرم
وعروة لا ينفَدْ ثناه وذكره ... إذا اخْتُرطت يوماً خفاف الصوأرم
حذيفة بن اليمان، وابناه
واستشهد في ذلك اليوم صفوان وسعد ابنا حذيفة بن اليمان، وقد كان حذيفة عليلاً بالكوفة في سنة ست وثلاثين، فبلغه قتل عثمان وبيعة الناس لعلي فقال: أخرجوني وادعوا الصلاة جامعةً فوضع على المنبر، فحمد اللّه وأثنى عليه وصلّى على النبي وعلى اله، ثم قَال: أيها الناس، إن الناس قد بايعوا عليّاً فعليكم بتقوى اللّه وانصروا عليّاً ووازروه؛ فواللّه إنه لعلى الحق أخرا وأولاً، وإنه لخير من مضى بعد نبيكم ومن بقي إلى يوم القيامة، ثم أطبق يمينه على يساره ثم قال: اللهم أشهد، إني قد بايعت عليّاً، وقال: الحمد للهّ الذي أبقاني إلى هذا اليوم، وقال لا بنيه صفوان وسعد، احملاني وكونا معه، فستكون له حروب كثيرة فيهلك فيها خلق من الناس، فاجتهدا أن تستشهدا معه، فإنه واللّه عَلَى الحق، ومن خالفه عَلَىِ البَاطل، ومَات حذيفة بعد هذا اليوم بسبعة أيام، وقيل: بأربعين يوماَ واستشهد عبد اللّه بن الحارث النخعي أخو الأشتر واستشهد فيه عبد اللّه وعبد الرحمن ابنا بَدِيل بن ورقاء الخزاعي في خلق من خزاعة، وكان عبد اللّه في ميسرة عَليّ وهو يرتجز و يقول:
م يبق إلى الصبر و التوكل ... وأخذك الترس وسيف مصقلْ
ثم التمشيَ في الرعيل الأولْ
فقتل ثم قتل عبد الرحمن أخوه بعده، فيمن ذكرنا من خزاعة.
(1/327)

ولما رأى معاوية القتل في أهل الشام وكلَبَ أهل العراق عليهم استدعى بالنعمان ابن جَبَلة التنوخي - وكان صاحب راية قومه في تنوخ وبَهْرَاء - وقال له لقد هممت أو أولي قومك من هو خير منك مقدماً، وأنصح منك ديناً، فقال له النعمان: آنا لو كنا ندعو قومنا إلى جيش مجموع لكان في كسع الرجال بعضُ الأناة فكيف ونحن ندعوهم إلى سيوف قاطعة، ورُدَيْنية شاجرة، وقوم ذوي بصائر نافذة، واللهّ لقد نصحتك على نفسي، وآثَرْتُ ملكك على ديني، وتركت لهواك الرشد وآنا أعرفه، وجِدْتُ عن الحق وأنا أبصره، وما وُفِّقْتُ لرشد حين أقاتل على ملكك ابن عمّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأول مؤمن به ومهاجر معه، ولو أعطيناه ما أعطيناك لكان أرأف بالرعية، وأجزل في العطية، ولكن قد بذلنا ذلك الأمر ولا بد من أتم أمه كان غياً أو رشداً، وحاشا أن يكون رشداً وسنقاتل عن تين الغوطة وزيتونها إذ حرمنا أثمار الجنة وأنهارها، وخرج إلى قومه، وصمد إلى الحرب.
مقتل عبيد اللّه بن عمر
وكان عبيد الله بن عمر إذا خرج إلى القتال قام إلية نساؤه فشددن عليه سلاحه، ما خلا الشيبانية بنت هانى بن قبيصة، فخرج في هذا اليوم، وأقبل على الشيبانية، وقال لها: إني قد عَبَّأت اليوم لقومك، وأيم اللهّ إني لأرجو أن أربط بكل طُنب من إطناب فُسْطَاطي سيداً منهم، فقالت له: ما أبغض إلا أن تقاتلهم قال: ولم؛ قالت: لأنه لم يتوجه إليهم صنديد في جاهلية ولا إسلام وفي رأسه صعر إلا أبادوه، وأخاف أن يقتلوك، وكأني بك قتيَلاَ وقد أتيتُهم أسألهم أن يهبوا لي جيفتك، فرماها بقوس فشجَّها وقال لها: ستعلمين بمن آتيك من زعماء قومك، ثم توجَّه فحمل عليه حريث بن جابر الجعفي فطعنه فقتله، وقيل: إن الأشتر النخعي هو الذي قتله، وقيل: إن عليّاً ضربه ضَرْبَةً فقطع ما عليه من الحديد حتى خالط سيفه حُشْوة جوفه، وإن عليّاً قال حين هرب فطلبه ليقيد منه بالهرمزان: لئن فاتني في هذا اليوم لا يفوتني في غيره، وكلم نساؤه معاوية في جيفته، فأمر أن تأتين ربيعه فتبذلن في جيفته عشرة آلاف، ففعلن ذلك، فاستأمرت ربيعه علياً، فقال لهم: إنما جيفته جيفة كلب لا يحل بيعها، ولكن قد أجبتهم إلى ذلك؛ فاجعلوا جيفته لبنت هانئ بن قبيصة الشيباني زوجته، فقالوا لنسوة عبيد اللّه: إن شئتن شددناه إلى ذَنَبِ بغل ثم ضربناه حتى يدخل إلى عسكر معاوية، فصرخن وقلن: هذا أشد علينا، وأخبرن معاوية بذلك، فقال لهن: ائتوا الشيبانية فَسَلُوها أن تكلمهم في جيفته، ففعلن، وأتت القوم وقالت: أنا بنت هانئ بن قبيصة وهذا زوجي القاطع الظالم وقد حذرته ما صار إليه فَهَبُوا إلي جيفته، ففعلوا، وألقت إليهم بمطرف خز فأدرجوه فيه ودفعوه إليها فمضت به، وكان قد شد في رجله إلى طنب فسطاط من فساطيطهم.
ولما قتل عمار ومن ذكرنا في هذا اليوم حرض علي عليه السلام الناس وقال لربيعه: أنتم درعي ورمحي، فانتدب له ما بين عشرة آلاف إلى أكثر من ذلك من ربيعه وغيرهم، قد جادوا بأنفسهم الله عز وجل، وعليٌّ أم أمه م على البغلة الشهباء، وهو يقول:
من أي يومَيّ من الموت أفر ... أيومَ لم يقدر أم يوم قُدر
وحمل وحملوا معه حملة رجل واحد، فلم يبق لأهلي الشام صف إلا انتفض، وأهمدوا كل ما أتوا عليه، حتى أتوا إلى قبة معاوية، وعلي لا يمر بفارس إلا قَدَّه وهو يقول:
أضربهم ولا أرى معاويه ... الأخْزَر َالعين العظيم الحاويه
تهوي به في النار أم الهويه
وقيل: إن هذا الشعر لبديل بن ورقاء، قاله في ذلك اليوم.
ثم نادى علي: يا معاوية، علام يقتل الناس بيني وبينك؟ هلم أحاكمك إلى اللّه فآينا قتل صاحبه استقامت له الأُمور، فقال له عمرو: قد أنصفك الرجل، فقال له معاوية: ما أنصفت، وإنك لتعلم أنه لم يبارزه رجك قط إلا قتله أو أسره، فقال له عمرو: وما يحمل بك إلا مبارزته، فقال له معاوية: طمعت فيها بعدي، وحَقَدَها عليه.
وقد قيل في بعض الروايات: إن معاوية أقسم على عمر ولما أشار عليه بهذا أن يبرز إلى علي، فلم يجد عمرو من ذلك بداً، فبرز، فلما التقيا عرفه علي وشال السيف ليضربه به، فكشف عمرو عن عورته، وقال: مُكْرَهٌ أخوك لا بطل فحول عليٌّ وجهه عنه، وقاك: قبحت! ورجع عمرو إلى مصافه.
(1/328)

وقد ذكر هشام بن محمد الكلبي عن الشرقي بن القطامي أن معاوية قال لعمرو بعد انقضاء الحرب: هل غششتني منذ نصحتني؟ قال: لا، قال: بلى واللّه يوم أشَرْتَ علي بارزة علي وأنت تعلم ما هو، قال: دعاك إلى المبارزة فكنت من مبارزته على إحدى الحسنيين: إما أن تقتله فتكون قد قتلت قاتل الأقران وتزداد شرفاً إلى شرفك، وإما أن يقتلك فتكون قد استعجلت مرافقة الشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، فقال معاوية: يا عمرو، الثانية من الأولى.
وكان في هذا اليوم من القتال ما لم يكن قبل، ووجدت في بعض النسخ من أخبار صفين أن هاشماً المِرْقَال لما وقع إلى الأرض وهو يجود بنفسه رفع رأسه فإذا عبيد اللّه بن عمر مطروحاً إلى قربه جريحاً، فحبا حتى دنا منه، فلم يزل يعض على ثدييه حتى ثبتت فيه أسنانه لعدم السلاح والقوة، لأنه أصيب فوقه ميتاً هو ورجل من بكم بن وائل، قد زَحَفَا إلى عبيد اللّه جميعاً فنهشاه، وانصرف القوم إلى مواضعهم، وخرج كل فريق منهم يحملون ما أمكن قتلاهم.
ومر معاوية في خواص من أصحابه في الموضعِ الذي كانت ميمنته فيه، فنظر إلى عبد اللّه بن بديل بن ورقاء الخزاعي فعَفّراَ بدمائه، وقد كان على ميسرة علي، فحمل على ميمنة معاوية فأصيب على ما قدمتا آنفاً، فأراد معاوية أن يمثل به، فقال له عبد اللّه بن عامر وكان صديقاً لابن بديل: والله لا تركتك وإياه، فوهبه له، فغطاه بعمامته وحمله فواراه، فقال له معاوية: قد والله واريت كبشاً من كباش القوم وسيداً من سادات خزاعة غير مدافع، واللّه لو ظفرت بنا خزاعة لأكلونا، ولو أنا من جَنْدَل، دون هذا الكبش، وأنشأ يقول متمثلاً:
أخو الحرب إن عضَّت به الحرب عضها ... وإن شَمَّرت يوماً به الحرب شمّرا
كليث هِزَبْرٍ كان يحمي ذِماره ... رمته المنايا قصدها فتقَطَّرَا
ونظر على إلى غسان في مصافهم لا يزولون، فحرض أصحابه عليهم، وقال: إن هولاء لن يزلوا على موقفهم دون طعن يحرج منه النسيم، وضرب يفلق الهام ويصجُّ العظام، وتسقط منه المعاصم والأكف، حتى تشدخ جباههم بُعُمد الحديد، وتنتثر لممهم على الصدور والأذقان، أين أهل الصبر وطلاب الأجر؟ فثاب إليه عصابة من المسلمين من سائر الناس، فدعا ابنه محمداً، فدفع إليه الراية وقال: امْش بها نحو هذه الراية مشياً رويداً، حتى إذا أشرعت في صدورهم الرماح، فأمسك حتى يأتيك أمري، ففعك، وأتاه عليٌّ ومعه الحسن والحسين وشيوخ بدر وغيرهم من الصحابة، وقد كَرْدس الخيل، فحملوا على غسان ومن يليها، فقتلوا منها بشراً كثيراً، وعادت الحرب في أخر النهار كحالها في أوله، وحملت ميمنة معاوية وفيها عشرة الاف من مذحج وعشرون ألفاً مقنعون في الحديد على ميسرة علي، فاقتطعوا ألف فارس، فانتدب من أصحاب علي عبد العزيز بن الحارث الجعفي، وقال لعليٍّ: مرني بأمرك، فقال: شَدَّ اللهّ ركنك! سِرْ حتى تنتهي إلى إخواننا المحاط بهم، وقل لهم: يقول لكم علي: كبروا ثم احملوا ونحمل حتى نلتقي، فحمل الجعفي، فطعن في عرضهم حتى انتهى إليهم، فأخبرهم بمقالة علي، فكبروا، ثم شدوا حتى التَقَوْا بعلي، وشَدَخُوا سبعمائة من أهل الشام؛ وقتل حوشب ذو ظليم، وهو كبش من كباش اليمن من أهل الشام، وكان على راية ذُهْل بن شيبان وغيرها من ربيعه الحُضَيْنُ بن المنذر بن الحارث بن وعلة الذهلي، وفيه يقول علي في هذا اليوم:
لمن راية سَوداء يخفق ظلها ... إذا قلت قدمْهَا حُضَيْنُ تقدما
ليلة الهرير
فأمره بالتقدم، واختلط الناس، وبطل النبل، واستعملت السيوف، وجَنَهم الليل، وتنادوا بالشعار، وتقصفت الرماح، وتكالم دم القوم، وكان يعتنق الفارسُ الفارسَ ويقعان جميعاً إلى الأرض عن فرسيهما، وكانت ليلة الجمعة - وهي ليلة الهرير - فكان جملة من قَتَلَ عليُّ بكفه في يومه وليلته خمسمائة وثلاثة وعشرين رجلاً أكثرهم في اليوم، وذلك أنه كان إذا قتل رجلاً كبر إذا ضرب، ولم يكن يضرب إلا قتل، ذكر ذلك عنه مَنْ كان يليه في حربه، ولا يفارقه من ولده وغيرهم.
وأصبح القوم على قتالهم، وكسفت الشمس، وارتفع القَتَام، وتقطعت الألوية والرايات ولم يعرفوا مواقيت الصلاة، وغدا الأشتر يرتجز وهو يقول:
نحن قتلنا حَوْشَبا ... لماغَدا قد أعلما
(1/329)

وذا الكَلاَع قبله ... ومعبدا إذ أقْدَمَا
إن تقتلوا منا أبا اليقظان شيخا مُسْلمما
فقد قتلنا منكُم ... سبعين رأسا مجرما
أضْحَوْا بصفين وقد ... لاقوا نكالا مؤلما
خدعة رفع المصاحف
وكان الأشتر في هذا اليوم - وهو يوم الجمعة - على ميمنة علي، وقد أشرف على الفتح، ونادت مشيخة أهل الشام: يا معشر العرب اللّه اللهّ في الحرمات والنساء والبنات، وقال معاوية: هلم مخبآك يا ابن العاص فقد هلكنا، وتذكر ولاية مصر، فقال عمرو: أيها الناس، مَنْ كان معه مصحف فليرفعه على رُمْحه، فكثر في الجيش رفع المصاحف، وارتفعت الضجة ونادوا: كتاب اللهّ بيننا وبينكم، مَنْ لثغور الشام بعد أهل الشام؟ ومَنْ لثغور العراق بعد أهل العراق؟ ومن لجهاد الروم؟ ومن للترك؟ ومن للكفار ورفح في عسكر معاوية نحو من خمسمائة مصحف، وفي ذلك يقول النجاشي بن الحارث: -
فأصبح أهل الشام قد رفعوا الْقَنَا ... عليها كتاب اللّه خير قُرَان
نادوا علياً: يا ابن عمّ محمد ... أما تتقي أن يَهْلِكَ الثقلان؟
ِ ؛ فلما رأى كثير من أهل العراق ذلك قالوا: نجيب إلى كتاب اللّه ونُنِيب إليه، وأحَبَّ القوم الموادعة، وقيل لعلي: قد أعطاك معاوية الحق، ودعاك إلى كتاب اللهّ فاقبل منه، وكان أشدهم في ذلك اليوم الأشعث بن قيس، فقال علي: أيها الناس، إنه لم يزل من أمركم ما أحب حتى قرحتكم الحرب، وقد واللّه أخذت منكم وتركت، وإني كنت بالأمس أميراً فأصبحت اليوم مأموراً، وقد أحببتم البقاء، فقال اللأشتر: إن معاوية لا خَلَفَ له من رجاله، ولك بحمد اللهّ الخلف، ولو كان له مثل رجالك لما كان له مثل صبرك ولا نصرك، فاقرع الحديد بالحديد واستعن باللّه، وتكلَّم رؤساء أصحاب عليّ بنحو من كلام الأشتر، فقال الأشعث بن قيس: أنا ذلك اليوم على ما كنَّا عليه أمس، ولسنا ندرى ما يكون غداً، وقد واللّه فُلَّ الحديد، وكَفَت البصائر، وتكلم معه غيره بكلام كثير، فقال علي: ويحكم إنهم ما رفعوها لأنكم تعلمونها ولا يعلمون بها، وما رفعوها لكم إلا خديعة ودهاء ومَكِيدة، فقالوا له: إنه ما يسعنا أن نُدْعَى إلى كتاب اللّه فانأ بي أن نقبله، فقال: ويحكم إنما قاتلتهم ليدينوا بحكم الكتاب، فقد عَصَوُا اللّه فيما أمرهم به، ونبذوا كتابه، فامْضوا على حقكم وقصدكم، وخذوا في قتال عدوكم،فإن معاوية وابن العاص وابن أبي مُعَيْط وحبيِب بن مسلمة وابن النابغة وعدداً غير هؤلاء ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، وأنا أعْرَفُ بهم منكم؛ صحبتهم أطفالا ًو رجالاً، فهم شر أطفال و رجال، وجرى له مع القوم خطب طويل قد أتينا ببعضه، وتهددوه أن يُصْنَع به ما صنع بعثمان، وقال الأشعث: إن شئت أتَيْتُ معاوية فسألته ما يريد، قال: ذلك إليك فآتِهِ إن شئت، فأتاه الأشعث فسأله، فقال له معاوية: نرجعِ نحن وأنتم إلى كتاب الله، وإلى ما أمر به في كتابه: تبعثون منكم رجلاَ ترضونه وتختارونه، ونبعث برجل، ونأخذ عليهما العهد والميثاق أن يعملا بما في كتاب الله ولا يخرجا عنه، وننقاد جميعأ إلى ما اتفقا عليه من حكم الله، فصَؤَبَ الأشعث قوله، وانصرف إلى علي، فأخبره ذلك، فقال أكثر الناس: رضينا وقبلنا وسمعنا وأطعنا، فاختار أهل الشام عمرو بن العاص، وقال الأشعث ومن ارتد بعد ذلك إلى رأي الخؤارج: رضينا نحن بأبي موسى الأشعري، فقال على: قد عصيتموني في أول هذا الأمر فلا تعصوني الآن، إني لا أرى أن أولي أبا موسى الأشعري، فقال الأشعث ومن معه: لا نرضى إلا بأبي موسى الأشعري، قال: ويحكم! هو ليس بثقة: قد فارقني وخَذَل الناس مني وفعل كذا وكذا، وذكر أشياء فعلها أبو موسى، ثم إنه هرب شهوراً حتى أمنته، لكن هذا عبد الله بن عباس أوَلٌيه ذلك، فقال الأشعث وأصحابه: والله لا يحكم فينا مُضَريان، قال عليّ: فالأشتر، قالوا: وهل هاج هذا الأمر إلا الأشتر، قال: فاصنعوا الآن ما أردتم، وافعلوا ما بدا لكم أن تفعلوه، فبعثوا إلى أبي موسى وكتبوا له القصة، وقيل لأبي موسى: إن الناس قد اصطلحوا، فقال: الحمد الله، قيل: وقد جعلوك حكماً، قال: أنا لله لانا إليه راجعون.
ذكر الحكمين وبدء التحكيم
(1/330)

كان أبو موسى الأشعر يحدث قبل وقعة صِفِّينَ ويقول: إن الفتن لم تزل في بني إسرائيل ترفعهم وتخفضهم حتى بعثوا الحكمين يحكمان بحكم لا يرضى به من اتبعهما وإن هذه الأمة لا تزال بها الفتن ترفعها وتخفضها حتى يبعثوا حكمين يحكمان بما لا يرضى به من اتبعهما، فقال له سويد بن غَفَلة: إياك - إن أدركت ذلك الزمان أن تكون أحَدَ الحكمين، قال: أنا؟ قال: نعم أنت، قال: فكان يخلع قميصه ويقول: لا جعل الله لي إذاً في السماء مَصْعَداً، ولا في الأرض مقعداً، فلقيه سويد بن غَفَلة بعد ذلك فقال: يا أبا موسى، أتذكر مقالتك؟ قال: سَلْ رَبك العافية.
شروط الحكم وموعد الاجتماع
وكان فيما كتب في الصحيفة أن يحيى الحكمان ما أحيا القران ويمتا ما أمات القرآن، ولا يتبعان الهوى، ولا يُدَاهنان في شيء من ذلك فإن فعلا فلا حكم لهما، والمسلمون من حكمهما بَرَاء، وقال عليُّ للحكمين حين أكره على أمرهما ورد الأشتر وكان قد أشرف في ذلك اليوم على الفتح فأخبره مخبر بما قالوا في علي وأنه إن لم يُرِده سُلم إلى معاوية يفعل بهما فعل بابن عفان، فانصرف الأشتر خوفاً على عليّ فقال لهما علي: على أن تحكما بما في كتاب اللّه، وكتابُ اللّه كلُه لي، فإن لم تحكما بما في كتاب فلا حكم لكما، وصَيَّرُوا الأجل إلى شهر رمضان على اجتماع الحكمين في موضع بين الكوفة والشام، وكان الوقت الذي كتبت فيه الصحيفة لأيام بقين من صفر سنة سبع وثلاثين، وقيل: بعد أهذا الشهر منها، ومًرّ الأشعث بالصحيفة يقرؤها على الناس فرحاً مسرورا، حتم انتهى إلى مجلس لبني تميم، فيه جماعة من زعمائهم، منهم عروة بن أدية تميم، وهو أخو بلال الخارجي، فقرأها عليهم، فجرى بين الأشعث وبين أناس منهم خطب طويل، وإن الأشعث كان بدء هذا الأمر والمانع لهم من قتال عدوهم حتى يفيئوا إلا إلى أمر اللهّ، وقال له عروة بن أدَية: أتحكمون في دين اللهّ وأمرِه ونهيه الرجال؟ لا حكم إلا للهّ، فكان أولَ من قالها وحكم بها، وقد تنوزع في ذلك، وشد بسيفه على الأشعث فضم فرسه عن الضربة فوقعت في عجز الفرس ونجا الأشعث، وكادت العصبية أن تقع بين النزارية واليمانية، لولا اختلاف كلمتهم في الديانة والتحكيم.
وفي فعل عروة بن أدَية بالأشعث يقول رجل من بني تميم في أبيات:
عُرْو يا عرو كلُّ فتنة قوم ... سَلَفَتْ إنما تكون فَتِيَّهْ
ثم تَنْمِي ويعظم الخطب فيها ... فاحذرنْ غِبَّ ما أتيت عُرَيَّه
أعلَى الأشعث المعصب بالتا ... ج حملْتَ السلاح يا ابن أدَيه؟
إنها فتنة كفتنة ذي العج ... ل، أيا عروة العَصَا والعصيَّه
فانظر اليوم ما يقول عليّ ... واتَّبِعه، فذاك خيرُ البرية
عدة قتلى صفين
وقد تنوزع في مقدار من قتل من أهل الشام والعراق بصفين: فذكر أحمد بن الدورقي عن يحيى بن معين أن عدة من قتل بها من الفريقين في مائة يوم وعشرة أيام مائة ألف وعشرة آلاف من الناس: من أهل الشام تسعون ألفاً، ومن أهل العراق عشرون ألفاً، ونحن نذهب إلى أن عدد من حضر الحرب من أهل الشام بصفين أكثر مما قيل في هذا الباب، وهو خمسون ومائة ألف مقاتل، سوى الخدم والأتباع، وعلى هذا يجب أن يكون مقدار القوم جميعاً مَنْ قاتل منهم ومن لم يقاتل من الخدم وغيرهم ثلثمائة ألف، بل أكثر من ذلك، لأن أقل من فيهم معه واحد يخدمه، وفيهم من معه الخمسة والعشرة من الخدم والأتباع وأكثر من ذلك، وأهل العراق كانوا في عشرين ومائة ألف مقاتل دون الأتباع والخدم.
وأما الهيثم بن عدي الَطائي وغيره مثل الشرقي بن القطامي وأبي مخنف لوط بن يحيى فذكروا ما قدمنا، وهو أن جملة من قتل من الفريقين جميعاً سبعون ألفاً: من أهل الشام خمسة وأربعون ألفاً، ومن أهل العراق خمسة وعشرون ألفاً، فيهم خمسة وعشرون بَدْرِياً، وأن العدد كان يقع بالتقصّي والإحصاء للقتلى في كل وقعة، وتحصيل هذا يتفاوت، لأن في قتلى الفريقين من يُعْرَف ومن لا يعرف، وفيهم من غرق، وفيهم من قتل في البر؛ فأكلته السباع فلم يدركهم الإحصاء، وغير ذلك مما يعتور ما وصفنا، وسمعت امرأة بصفين من أهل العراق وقد قتل لها ثلاثة أولاد وهي تقول:
(1/331)